######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008463 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 620 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المغني لابن قدامة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: فقه حنبلي #META# 022.BookVOLS :: 10 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008463 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8463 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8463 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: بدون طبعة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1388هـ - 1968م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مقدمة الكتاب] # بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام العالم العامل شيخ الإسلام، ~~قدوة الأنام، مجموع الفضائل، موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد ~~بن قدامة المقدسي، قدس الله روحه، ونور ضريحه: الحمد لله بارئ البريات، ~~وغافر الخطيات، وعالم الخفيات، المطلع على الضمائر والنيات، أحاط بكل شيء ~~علما، ووسع كل شيء رحمة وحلما، وقهر كل مخلوق عزة وحكما {يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} [طه: 110] ، لا تدركه الأبصار، ولا ~~تغيره الأعصار، ولا تتوهمه الأفكار، {وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد: 8] ، ~~أتقن ما صنع وأحكمه، وأحصى كل شيء وعلمه، وخلق الإنسان وعلمه، ورفع قدر ~~العلم وعظمه، وحظره على من استرذله وحرمه، وخص به من خلقه من كرمه، وحض ~~عباده المؤمنين على النفير للتفقه في الدين، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: ~~{فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] ، ندبهم إلى إنذار بريته، كما ندب ~~إلى ذلك أهل رسالته، ومنحهم ميراث أهل نبوته، ورضيهم للقيام بحجته، ~~والنيابة عنه في الإخبار بشريعته، واختصهم من بين عباده بخشيته، فقال ~~تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] ، ثم أمر سائر الناس ~~بسؤالهم، والرجوع إلى أقوالهم، وجعل علامة زيغهم وضلالهم ذهاب علمائهم، ~~واتخاذ الرءوس من جهالهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا ~~يقبض العلم انتزاعا من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق ~~عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» . ~~وصلى الله على خاتم الأنبياء، وسيد الأصفياء، وإمام العلماء، وأكرم من مشى ~~تحت أديم السماء، محمد نبي الرحمة، الداعي إلى سبيل ربه بالحكمة، والكاشف ~~برسالته جلابيب الغمة، وخير نبي بعث إلى خير أمة، أرسله الله بشيرا ونذيرا، ~~{وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} [الأحزاب: 46] ، صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد: فإن الله تعالى برحمته وطوله، وقوته وحوله، ضمن بقاء طائفة من ~~هذه الأمة على الحق ms0001 لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وجعل ~~السبب في بقائهم بقاء علمائهم، واقتداءهم # PageV01P003 # بأئمتهم وفقهائهم، وجعل هذه الأمة مع علمائها، كالأمم الخالية مع ~~أنبيائها، وأظهر في كل طبقة من فقهائها أئمة يقتدى بها، وينتهى إلى رأيها، ~~وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام، مهد بهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم ~~مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، تحيا القلوب ~~بأخبارهم، وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم، ثم اختص منهم نفرا أعلى أقدارهم ~~ومناصبهم وأبقى ذكرهم ومذاهبهم فعلى أقوالهم مدار الأحكام، وبمذاهبهم يفتي ~~فقهاء الإسلام. # وكان إمامنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، - رضي الله عنه -، من ~~أوفاهم فضيلة، وأقربهم إلى الله وسيلة، وأتبعهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأعلمهم به، وأزهدهم في الدنيا وأطوعهم لربه، فلذلك وقع اختيارنا على ~~مذهبه. # وقد أحببت أن أشرح مذهبه واختياره، ليعلم ذلك من اقتفى آثاره، وأبين في ~~كثير من المسائل ما اختلف فيه مما أجمع عليه، وأذكر لكل إمام ما ذهب إليه، ~~تبركا بهم، وتعريفا لمذاهبهم، وأشير إلى دليل بعض أقوالهم على سبيل ~~الاختصار، والاقتصار من ذلك على المختار، وأغزو ما أمكنني غزوه من الأخبار، ~~إلى كتب الأئمة من علماء الآثار، لتحصل الثقة بمدلولها، والتمييز بين ~~صحيحها ومعلولها، فيعتمد على معروفها، ويعرض عن مجهولها. # ثم رتبت ذلك على شرح مختصر أبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي، ~~- رحمه الله - رحمه # PageV01P004 # ، لكونه كتابا مباركا نافعا، ومختصرا موجزا جامعا، ومؤلفه إمام كبير، ~~صالح ذو دين، أخو ورع، جمع العلم والعمل، فنتبرك بكتابه، ونجعل الشرح مرتبا ~~على مسائله وأبوابه، ونبدأ في كل مسألة بشرحها وتبيينها، وما دلت عليه ~~بمنطوقها ومفهومها ومضمونها، ثم نتبع ما يشابهها مما ليس بمذكور في الكتاب، ~~فتحصل المسائل كتراجم الأبواب. # وبالله أعتصم وأستعين فيما أقصده، وأتوكل عليه فيما أعتمده، وإياه أسأل ~~أن يوفقنا ويجعل سعينا مقربا إليه، ومزلفا لديه، برحمته. # فنقول، وبالله التوفيق. (قال أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله بن ~~أحمد ms0002 الخرقي، رحمة الله عليه) : قال القاضي الإمام أبو يعلى، - رحمه الله ~~-: كان الخرقي علامة، بارعا في مذهب أبي عبد الله، وكان ذا دين، وأخا ورع. ~~وقال القاضي أبو الحسين: كانت له المصنفات الكثيرة في المذهب، ولم ينشر ~~منها إلا " المختصر " في الفقه؛ لأنه خرج من مدينة السلام لما ظهر سب ~~الصحابة بها، وأودع كتبه في درب سليمان، فاحترقت الدار والكتب فيها. قرأ ~~العلم على من قرأه على أبي بكر المروذي، وحرب الكرماني، وصالح وعبد الله ~~ابني أحمد. وروى عن أبيه أبي علي الحسين بن عبد الله، وكان أبو علي فقيها ~~صحب أصحاب أحمد، وأكثر صحبته لأبي بكر المروذي. وقرأ على أبي القاسم الخرقي ~~جماعة من شيوخ المذهب؛ منهم أبو عبد الله بن بطة، وأبو الحسن التميمي، وأبو ~~الحسين بن سمعون. وقال أبو عبد الله بن بطة: توفي أبو القاسم الخرقي سنة ~~أربع وثلاثين وثلاثمائة، ودفن بدمشق، وزرت قبره. وسمعت من يذكر أن سبب موته ~~أنه أنكر منكرا بدمشق، فضرب، فكان موته بذلك قال، - رحمه الله -: (اختصرت ~~هذا الكتاب) . يعني قربته، وقللت ألفاظه، وأوجزته، والاختصار: هو تقليل ~~الشيء، وقد يكون اختصار الكتاب بتقليل مسائله، وقد يكون بتقليل ألفاظه مع ~~تأدية المعنى، ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أوتيت جوامع ~~الكلم واختصر لي الكلام اختصارا» ، ومن ذلك مختصرات الطريق، وفي الحديث: ~~«الجهاد مختصر طريق الجنة» ، وقد نهى عن اختصار السجود، ومعناه جمع آي ~~السجدات فيقرؤها في وقت واحد. # وقيل: هو أن يحذف الآية التي فيها السجدة ولا يقرؤها. وفائدة الاختصار ~~التقريب والتسهيل على من أراد تعلمه وحفظه، فإن الكلام يختصر ليحفظ، ويطول ~~ليفهم. وقد ذكر، - رحمه الله - مقصوده بالاختصار، فقال: (ليقرب على متعلمه) ~~، أي يسهل عليه، ويقل تعبه في تعلمه. # وقوله: (على مذهب أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، رضي الله عنه ~~وأرضاه) فهو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن ~~إدريس بن عبد الله بن حيان بن # PageV01P005 # عبد الله بن ms0003 ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن ~~وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن ~~معد بن عدنان، يلتقي نسبه ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزار؛ لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولد مضر بن نزار، وأحمد من ولد ربيعة بن ~~نزار. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: ولدت سنة أربع وستين ومائة. وقال عبد ~~الله: ومات في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة. ~~حملت به أمه بمرو، وولدته ببغداد، ونشأ بها، وسافر في طلب العلم أسفارا ~~كثيرة، ثم رجع إلى بغداد، وتوفي بها، بعد أن ساد أهل عصره، ونصر الله به ~~دينه. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ليس في شرق ولا غرب مثل أحمد بن حنبل، ~~ما رأيت رجلا أعلم بالسنة منه. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس ~~الشافعي، رحمة الله ورضوانه عليه: أحمد بن حنبل إمام في ثمان خصال؛ إمام في ~~الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في الفقر، ~~إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة. وقال عبد الرحمن بن مهدي ~~فيه، وهو صغير: لقد كاد هذا الغلام أن يكون إماما في بطن أمه. وقال أبو ~~عمير بن النحاس الرملي، وذكر أحمد بن حنبل: - رحمه الله -، ما كان أصبره، ~~وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عرضت له الدنيا فأباها، ~~والبدع فنفاها، واختصه الله سبحانه بنصر دينه، والقيام بحفظ سنته، ورضيه ~~لإقامة حجته، ونصر كلامه حين عجز عنه الناس. قيل لبشر بن الحارث، حين ضرب ~~أحمد: يا أبا نصر، لو أنك خرجت فقلت: إني على قول أحمد بن حنبل؟ فقال بشر: ~~أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء؟ إن أحمد بن حنبل قد قام مقام الأنبياء. ~~وقال علي بن شعيب الوسي: كان أحمد بن حنبل عندنا المثل الذي قال النبي - ~~صلى الله ms0004 عليه وسلم -: «إنه كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل، حتى إن ~~المنشار ليوضع على مفرق رأس أحدهم ما يصرفه ذلك عن دينه» ، ولولا أن أبا ~~عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل قام بهذا الشأن لكان عارا وشنارا علينا إلى ~~يوم القيامة، أن قوما سئلوا فلم يخرج منهم أحد. وفضائله، وما قاله الأئمة ~~في مدحه كثير، وليس هذا موضع استقصائه، وقد صنف فيه غير واحد من الأئمة ~~كتبا مفردة، وإنما غرضنا هاهنا الإشارة إلى نكتة من فضله، وذكر نسبه، ~~ومولده، ومبلغ عمره، إذ لا يحسن من متمسك بمذهبه، ومتفقه على طريقته، أن ~~يجهل هذا القدر من إمامه. # ونسأل الله الكريم أن يجمع بيننا وبينه في دار كرامته، والدرجات العلى من ~~جنته، وأن يجعل عملنا صالحا، ويجعله لوجهه خالصا، ويجعل سعينا مقربا إليه، ~~مبلغا إلى رضوانه، إنه جواد كريم. # PageV01P006 ### | [كتاب الطهارة] # [باب ما تكون به الطهارة من الماء] # قال أبو القاسم - رحمه الله ### | -: باب ما تكون به الطهارة من الماء، # التقدير: هذا باب ما تكون به الطهارة من الماء، فحذف المبتدأ للعلم به، ~~وقوله " ما تكون الطهارة به "، أي تحصل وتحدث، وهي هاهنا تامة غير محتاجة ~~إلى خبر. # ومتى كانت تامة كانت بمعنى الحدث والحصول، تقول: كان الأمر، أي حدث ووقع؛ ~~قال الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] أي: إن ~~وجد ذو عسرة. # وقال الشاعر # إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهرمه الشتاء # أي إذا جاء الشتاء. وفي نسخة مقروءة على ابن عقيل: (باب ما تجوز به ~~الطهارة من الماء) ومعناهما متقارب. # والطهارة في اللغة: النزاهة عن الأقذار، وفي الشرع: رفع ما يمنع الصلاة ~~من حدث أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتراب. # فعند إطلاق لفظ الطهارة في لفظ الشارع أو كلام الفقهاء ينصرف إلى الموضوع ~~الشرعي دون اللغوي وكذلك كل ماله موضوع شرعي ولغوي، إنما ينصرف المطلق منه ~~إلى الموضوع الشرعي كالوضوء، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، ونحوه؛ لأن ~~الظاهر من صاحب الشرع التكلم بموضوعاته. ms0005 # والطهور - بضم الطاء -: المصدر، قاله اليزيدي والطهور - بالفتح - من ~~الأسماء المتعدية، وهو الذي يطهر غيره، مثل الغسول الذي يغسل به. # وقال بعض الحنفية: هو من الأسماء اللازمة، بمعنى الطاهر سواء؛ لأن العرب ~~لا تفرق بين الفاعل والمفعول في التعدي واللزوم، فما كان فاعله لازما كان ~~فعوله لازما. # بدليل قاعد وقعود، ونائم ونئوم، وضارب وضروب. وهذا غير صحيح؛ فإن الله ~~تعالى قال {ليطهركم به} [الأنفال: 11] ، وروى جابر - رضي الله عنه - أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي؛ نصرت ~~بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» . متفق عليه، ولو أراد به ~~الطاهر لم يكن فيه مزية؛ لأنه طاهر في حق كل أحد. # وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - «عن التوضؤ بماء البحر، فقال: هو ~~الطهور ماؤه، الحل ميتته» . # ولو لم يكن الطهور متعديا لم يكن ذلك جوابا للقوم، حيث سألوه عن التعدي، ~~إذ ليس كل طاهر مطهرا، وما ذكروه لا يستقيم؛ لأن العرب فرقت بين # PageV01P007 # الفاعل والفعول، فقالت: قاعد لمن وجد منه القعود، وقعود لمن يتكرر منه ~~ذلك، فينبغي أن يفرق بينهما هاهنا، وليس إلا من حيث التعدي واللزوم. # (1) مسألة: قال أبو القاسم، - رحمه الله -: (والطهارة بالماء الطاهر ~~المطلق الذي لا يضاف إلى اسم شيء غيره: مثل ماء الباقلا، وماء الورد، وماء ~~الحمص وماء الزعفران، وما أشبهه، مما لا يزايل اسمه اسم الماء في وقت) . # قوله " " والطهارة " مبتدأ خبره محذوف، تقديره: والطهارة مباحة، أو ~~جائزة، ونحو ذلك، والألف واللام للاستغراق، فكأنه قال: وكل طهارة جائزة بكل ~~ماء طاهر مطلق، والطاهر: ما ليس بنجس. # والمطلق: ما ليس بمضاف إلى شيء غيره. وهو معنى قوله " لا يضاف إلى اسم ~~شيء غيره ". وإنما ذكره صفة له وتبيينا، ثم مثل الإضافة، فقال: " مثل ماء ~~الباقلا، وماء الورد، وماء الحمص، وماء الزعفران، وما أشبهه ". # وقوله: " مما لا يزايل اسمه اسم # PageV01P008 # الماء في وقت "، صفة للشيء الذي يضاف إليه الماء، ومعناه: لا يفارق اسمه ~~اسم الماء. والمزايلة: المفارقة؛ قال الله تعالى: ms0006 {لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما} [الفتح: 25] ، وقال أبو طالب # وقد طاوعوا أمر العدو المزايل # أي المفارق. أي: لا يذكر الماء إلا مضافا إلى المخالط له في الغالب. # ويفيد هذا الوصف الاحتراز من المضاف إلى مكانه ومقره، كماء النهر والبئر؛ ~~فإنه إذا زال عن مكانه زالت النسبة في الغالب، وكذلك ما تغيرت رائحته تغيرا ~~يسيرا، فإنه لا يضاف في الغالب. # وقال القاضي: هذا احتراز من المتغير بالتراب؛ لأنه يصفو عنه، ويزايل اسمه ~~اسمه. وقد دلت هذه المسألة على أحكام منها إباحة الطهارة بكل ماء موصوف ~~بهذه الصفة التي ذكرها، على أي صفة كان من أصل الخلقة، من الحرارة ~~والبرودة، والعذوبة والملوحة، نزل من السماء، أو نبع من الأرض، في بحر أو ~~نهر أو بئر أو غدير، أو غير ذلك. # وقد دل على ذلك قول الله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} ~~[الأنفال: 11] ، وقوله سبحانه: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: ~~48] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الماء طهور لا ينجسه شيء» ، ~~وقوله في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . # وهذا قول عامة أهل العلم، إلا أنه حكي عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن ~~عمرو، أنهما قالا في البحر: التيمم أعجب إلينا منه. هو نار. # وحكاه الماوردي عن سعيد بن المسيب. والأول أولى، لقول الله تعالى: {فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: 43] وماء البحر ماء، لا يجوز العدول إلى ~~التيمم مع وجوده. # وروي عن أبي هريرة قال: «سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ~~رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به ~~عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو ~~الطهور ماؤه الحل ميتته» أخرجه أبو داود، والنسائي والترمذي، وقال: هذا ~~حديث حسن صحيح. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: " من لم يطهره ماء البحر فلا طهره ~~الله " ولأنه ماء باق على أصل خلقته، فجاز الوضوء به كالعذب. # وقولهم: " هو نار " إن أريد ms0007 به أنه نار في الحال فهو خلاف الحس، وإن أريد ~~أنه يصير نارا، لم يمنع ذلك الوضوء به حال كونه ماء. # ومنها أن الطهارة من النجاسة لا تحصل إلا بما يحصل به طهارة الحدث؛ ~~لدخوله في عموم الطهارة، وبهذا قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وزفر وقال ~~أبو حنيفة يجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر مزيل للعين والأثر، كالخل، ~~وماء الورد، ونحوهما. وروي عن أحمد ما يدل على مثل ذلك؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» . # أطلق الغسل، # PageV01P009 # فتقييده بالماء يحتاج إلى دليل؛ ولأنه مائع طاهر مزيل، فجازت إزالة ~~النجاسة به، كالماء، فأما ما لا يزيل كالمرق واللبن فلا خلاف في أن النجاسة ~~لا تزال به. # ولنا ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال لأسماء بنت أبي ~~بكر إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصل ~~فيه.» أخرجه البخاري، وعن أنس - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر بذنوب من ماء فأهريق على بول الأعرابي» . متفق عليه، # وهذا أمر يقتضي الوجوب؛ ولأنها طهارة تراد للصلاة، فلا تحصل بغير الماء، ~~كطهارة الحدث، ومطلق حديثهم مقيد بحديثنا، والماء يختص بتحصيل إحدى ~~الطهارتين، فكذلك الأخرى. ### | [فصل غير النبيذ من المائعات غير الماء] # ومنها اختصاص حصول الطهارة بالماء، لتخصيصه إياه بالذكر، فلا يحصل بمائع ~~سواه، وبهذا قال مالك والشافعي، وأبو عبيد وأبو يوسف وروي عن علي - رضي ~~الله عنه - وليس بثابت عنه - أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ، وبه قال ~~الحسن والأوزاعي وقال عكرمة النبيذ وضوء من لم يجد الماء. وقال إسحاق: ~~النبيذ حلوا أحب إلي من التيمم، وجمعهما أحب إلي. وعن أبي حنيفة كقول عكرمة ~~وقيل عنه: يجوز الوضوء بنبيذ التمر، إذا طبخ واشتد، عند عدم الماء في ~~السفر؛ لما روى «ابن مسعود، أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليلة الجن، فأراد أن يصلي صلاة الفجر، فقال: أمعك وضوء؟ ms0008 فقال: لا، معي ~~إداوة فيها نبيذ. فقال: تمرة طيبة وماء طهور» . # ولنا قول الله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: 43] وهذا نص في ~~الانتقال إلى التراب عند عدم الماء، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» . رواه أبو داود. # ولأنه لا يجوز الوضوء به في الحضر، أو مع وجود الماء، فأشبه الخل والمرق، ~~وحديثهم لا يثبت، وراويه أبو زيد مجهول عند أهل الحديث، لا يعرف له غير هذا ~~الحديث، ولا يعرف بصحبة عبد الله. قاله الترمذي وابن المنذر، وقد روي عن ~~ابن مسعود، أنه سئل: هل كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة ~~الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد. رواه أبو داود. وروى مسلم بإسناده، عن ابن ~~مسعود، قال: لم أكن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن، ووددت ~~أني كنت معه. # (2) فصل: فأما غير النبيذ من المائعات، غير الماء، كالخل، والدهن، ~~والمرق، واللبن، فلا خلاف بين أهل العلم، فيما نعلم، أنه لا يجوز بها وضوء ~~ولا غسل؛ لأن الله تعالى أثبت الطهورية للماء بقوله تعالى: {وينزل عليكم من ~~السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] ، وهذا لا يقع عليه اسم الماء. # PageV01P010 # ومنها، أن المضاف لا تحصل به الطهارة، وهو على ثلاثة أضرب: أحدها؛ ما لا ~~تحصل به الطهارة رواية واحدة، وهو على ثلاثة أنواع: أحدها، ما اعتصر من ~~الطاهرات كماء الورد، وماء القرنفل، وما ينزل من عروق الشجر إذا قطعت رطبة. # الثاني، ما خالطه طاهر فغير اسمه، وغلب على أجزائه، حتى صار صبغا، أو ~~حبرا، أو خلا، أو مرقا، ونحو ذلك. الثالث، ما طبخ فيه طاهر فتغير به، كماء ~~الباقلا المغلي. # فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها، ولا الغسل، لا نعلم فيه خلافا، ~~إلا ما حكي عن ابن أبي ليلى والأصم في المياه المعتصرة، أنها طهور يرتفع ~~بها الحدث، ويزال بها النجس. # ولأصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلا المغلي، وسائر من بلغنا قوله من أهل ~~العلم ms0009 على خلافهم. قال أبو بكر بن المنذر: أجمع كل من نحفظ قوله من أهل ~~العلم أن الوضوء غير جائز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر، ولا تجوز ~~الطهارة إلا بماء مطلق، يقع عليه اسم الماء؛ ولأن الطهارة إنما تجوز ~~بالماء، وهذا لا يقع عليه اسم الماء بإطلاقه # الضرب الثاني ما خالطه طاهر يمكن التحرز منه، فغير إحدى صفاته، طعمه، أو ~~لونه، أو ريحه، كماء الباقلا، وماء الحمص، وماء الزعفران. واختلف أهل العلم ~~في الوضوء به، واختلفت الرواية عن إمامنا، - رحمه الله -، في ذلك؛ فروي ~~عنه: لا تحصل الطهارة به. وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وقال القاضي أبو ~~يعلى وهي أصح، وهي المنصورة عند أصحابنا في الخلاف. ونقل عن أحمد جماعة من ~~أصحابه، منهم أبو الحارث، والميموني، وإسحاق بن منصور، جواز الوضوء به. # وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه؛ لأن الله تعالى قال: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا} [النساء: 43] وهذا عام في كل ماء؛ لأنه نكرة في سياق النفي، ~~والنكرة في سياق النفي تعم، فلا يجوز التيمم مع وجوده، وأيضا قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي ذر: «التراب كافيك ما لم تجد الماء» . # وهذا واجد للماء؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا ~~يسافرون، وغالب أسقيتهم الأدم، والغالب أنها تغير الماء، فلم ينقل عنهم ~~تيمم مع وجود شيء من تلك المياه؛ ولأنه طهور خالطه طاهر لم يسلبه اسم ~~الماء، ولا رقته، ولا جريانه، فأشبه المتغير بالدهن. # ووجه الأولى: أنه ماء تغير بمخالطة ما ليس بطهور يمكن الاحتراز منه، فلم ~~يجز الوضوء به، كماء الباقلا المغلي؛ ولأنه زال عن إطلاقه، فأشبه المغلي. ~~إذا ثبت هذا فإن أصحابنا لم يفرقوا بين المذرور في الماء مما يخلط بالماء ~~كالزعفران والعصفر والأشنان ونحوه، وبين الحبوب من الباقلا والحمص، والثمر ~~كالتمر والزبيب والورق وأشباه ذلك. # PageV01P011 # وقال أصحاب الشافعي: ما كان مذرورا منع إذا غير الماء، وما عداه لا يمنع ~~إلا أن ينحل في الماء، وإن غيره من غير انحلال لم يسلب طهوريته؛ لأنه تغير ms0010 ~~مجاورة، أشبه تغيير الكافور. # ووافقهم أصحابنا في الخشب والعيدان، وخالفوهم في سائر ما ذكرنا؛ لأن تغير ~~الماء به إنما كان لانفصال أجزاء منه إلى الماء وانحلالها فيه، فوجب أن ~~يمنع كما لو طبخ فيه؛ ولأنه ماء تغير بمخالطة طاهر يمكن صونه عنه، أشبه ما ~~لو أغلي فيه. # الضرب الثالث من المضاف ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: # أحدها: ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر وأشباههما؛ فهذا لا ~~ينفك منه ماء وهي إضافة إلى غير مخالط. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. # الثاني: ما لا يمكن التحرز منه، كالطحلب والخز وسائر ما ينبت في الماء، ~~وكذلك ورق الشجر الذي يسقط في الماء، أو تحمله الريح فتلقيه فيه، وما تجذبه ~~السيول من العيدان والتبن ونحوه، فتلقيه في الماء، وما هو في قرار الماء ~~كالكبريت والقار وغيرهما، إذا جرى عليه الماء فتغير به، أو كان في الأرض ~~التي يقف فيها الماء. # فهذا كله يعفى عنه؛ لأنه يشق التحرز منه، فإن أخذ شيء من ذلك وألقي في ~~الماء وغيره كان حكمه حكم ما أمكن التحرز منه، من الزعفران ونحوه؛ لأن ~~الاحتراز منه ممكن. # الثالث: ما يوافق الماء في صفتيه الطهارة، والطهورية، كالتراب إذا غير ~~الماء لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهر مطهر كالماء، فإن ثخن بحيث لا يجري على ~~الأعضاء لم تجز الطهارة به؛ لأنه طين وليس بماء، ولا فرق في التراب بين ~~وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد. # وكذلك الملح الذي أصله الماء كالبحري، والملح الذي ينعقد من الماء الذي ~~يرسل على السبخة فيصير ملحا، فلا يسلب الطهورية؛ لأن أصله الماء، فهو ~~كالجليد والثلج، وإن كان معدنا ليس أصله الماء فهو كالزعفران وغيره. # الرابع: ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة، كالدهن على اختلاف ~~أنواعه، والطاهرات الصلبة كالعود والكافور والعنبر، إذا لم يهلك في الماء، ~~ولم يمع فيه، لا يخرج به عن إطلاقه؛ لأنه تغيير مجاورة، أشبه ما لو تروح ~~الماء بريح شيء على جانبه. ms0011 # ولا نعلم في هذه الأنواع خلافا. وفي معنى المتغير بالدهن ما تغير ~~بالقطران والزفت والشمع؛ لأن في ذلك دهنية يتغير بها الماء تغير مجاورة، ~~فلا يمنع كالدهن. ### | [فصل الماء الآجن] # (3) فصل # والماء الآجن، وهو الذي يتغير بطول مكثه في المكان، من غير مخالطة شيء ~~يغيره، باق على إطلاقه # في قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ قوله من أهل ~~العلم على أن الوضوء بالماء الآجن من غير نجاسة حلت فيه جائز، غير ابن ~~سيرين فإنه كره ذلك. # وقول الجمهور أولى، فإنه يروى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ من ~~بئر كأن ماءه نقاعة الحناء» ولأنه تغير من غير مخالطة. # PageV01P012 ### | [فصل إذا كان على العضو طاهر فتغير به الماء] # (4) فصل وإذا كان على العضو طاهر، كالزعفران والعجين، فتغير به الماء وقت ~~غسله، لم يمنع حصول الطهارة به؛ لأنه تغير في محل التطهير، أشبه ما لو تغير ~~الماء الذي تزال به النجاسة في محلها. ### | [مسألة الوضوء بماء خالطه طاهر لم يغيره] # (5) مسألة قال: (وما سقط فيه مما ذكرنا أو من غيره وكان يسيرا فلم يوجد ~~له طعم ولا لون ولا رائحة كثيرة حتى ينسب الماء إليه توضئ به) قوله: " مما ~~ذكرنا "، يعني الباقلا والحمص والورد والزعفران وغيره، يعني من الطاهرات ~~سواه. # وقوله: " حتى ينسب الماء إليه " أي: يضاف إليه، على ما قدمنا، واعتبر ~~الكثرة في الرائحة، دون غيرها من الصفات؛ لأن لها سراية ونفوذا، فإنها تحصل ~~عن مجاورة تارة، وعن مخالطة أخرى، فاعتبر الكثرة فيها ليعلم أنها عن ~~مخالطة. # قال ابن عقيل غير الخرقي من أصحابنا، ذهب إلى التسوية بين الرائحة واللون ~~والطعم؛ لأنها صفة من صفات الماء، فأشبهت اللون والطعم. # وقال القاضي: يجب التسوية بين الرائحة واللون والطعم، فإن عفي عن اليسير ~~في بعضها عفي عنه في بقيتها، وإن لم يعف عن اليسير في بعضها لم يعف عنه في ~~بقيتها. وقد ذكرنا معنى يقتضي الفرق، إن شاء الله تعالى. # ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في ms0012 جواز الوضوء بماء خالطه طاهر، لم يغيره، ~~إلا ما حكي عن أم هانئ، في ماء بل فيه خبز: لا يتوضأ به. ولعلها أرادت ما ~~تغير به. # وحكى ابن المنذر، عن الزهري في كسر بلت بالماء، غيرت لونه أو لم تغير ~~لونه، لم يتوضأ به. والذي عليه الجمهور أولى؛ لأنه طاهر لم يغير صفة الماء، ~~فلم يمنع كبقية الطاهرات إذا لم تغيره، وقد «اغتسل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وزوجته من جفنة فيها أثر العجين» رواه النسائي، وابن ماجه، والأثرم. ### | [فصل إذا وقع في الماء مائع] # (6) فصل وإذا وقع في الماء مائع، لا يغيره لموافقة صفته، وهذا يبعد، إذ ~~الظاهر أنه لا بد أن ينفرد عنه بصفة، فيعتبر التغير بظهور تلك الصفة. فإن ~~اتفق ذلك اعتبرناه بغيره مما له صفة تظهر على الماء، كالحر إذا جني عليه ~~دون الموضحة قومناه كأنه عبد، وإن شك في كونه يمنع بني على يقين الطهورية؛ ~~لأنها الأصل، فلا يزول عنها بالشك. ### | [فصل كان الواقع في الماء ماء مستعملا] # (7) فصل وإن كان الواقع في الماء ماء مستعملا عفي عن يسيره. قال إسحاق بن ~~منصور: قلت لأحمد الرجل يتوضأ، فينتضح من وضوئه في إنائه؟ قال: لا بأس به. ~~قال إبراهيم النخعي: لا بد من ذلك. ونحوه عن الحسن. # وهذا ظاهر حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؛ لأنهم كانوا ~~يتوضئون من الأقداح # PageV01P013 # والأتوار، ويغتسلون من الجفان، وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يغتسل هو وميمونة من جفنة فيها أثر العجين» «واغتسل هو وعائشة من إناء ~~واحد تختلف أيديهما فيه، كل واحد منهما يقول لصاحبه: أبق لي» . # ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء، وإن كثر الواقع وتفاحش منع على ~~إحدى الروايتين. وقال أصحاب الشافعي: إن كان الأكثر المستعمل منع، وإن كان ~~الأقل لم يمنع. وقال ابن عقيل: إن كان الواقع بحيث لو كان خلا غير الماء ~~منع وإلا فلا. # وما ذكرنا من الخبر، وظاهر حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ~~يمنع ms0013 من اعتباره بالخل؛ لأنه من أسرع المائعات نفوذا، وأبلغها سراية، فيؤثر ~~قليله في الماء، والحديث دل على العفو عن يسيره، فإذا يرجع في ذلك إلى ~~العرف، فما كان كثيرا متفاحشا منع وإلا فلا، وإن شك فالماء باق على ~~الطهورية؛ لأنها الأصل، فلا يزول عنه بالشك. ### | [فصل كان معه ماء لا يكفيه لطهارته فكمله بمائع لم يغيره] # (8) فصل فإن كان معه ماء، لا يكفيه لطهارته، فكمله بمائع لم يغيره، جاز ~~الوضوء به، في إحدى الروايتين؛ لأنه طاهر لم يغير الماء، فلم يمنع كما لو ~~كان الماء قدرا يجزئ في الطهارة. والثانية: لا يجوز؛ لأننا نتيقن حصول غسل ~~بعض أعضائه بالمائع. # والأولى أولى؛ لأنه لما لم تظهر صفة المائع على الماء صار حكم الجميع حكم ~~الماء، وما ذكرناه للرواية الثانية يبطل بما إذا كان الماء قدرا يجزئ في ~~الطهارة فخلطه بمائع، ثم توضأ به، وبقي قدر المائع أو دونه، فإنه يجوز، مع ~~العلم بأن المستعمل بعض الماء وبعض المائع، وكذلك الباقي، لاستحالة انفراد ~~الماء عن المائع. والله أعلم. ### | [فصل الوضوء بالماء المسخن بطاهر] # (9) فصل: ولا يكره الوضوء بالماء المسخن بطاهر، إلا أن يكون حارا يمنع ~~إسباغ الوضوء لحرارته. وممن روي عنه أنه رأى الوضوء بالماء المسخن عمر ~~وابنه، وابن عباس، وأنس - رضي الله عنهم -. # وهو قول أهل الحجاز وأهل العراق جميعهم غير مجاهد، ولا معنى لقوله، فإن ~~زيد بن أسلم روى: أن عمر كان له قمقمة يسخن فيها الماء، وعن ابن عباس - رضي ~~الله عنه - أنه دخل حماما بالجحفة، وذكر ابن عقيل حديثا عن شريك رحال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «أجنبت وأنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فجمعت حطبا، فأحميت الماء، فاغتسلت. فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فلم ينكر علي» ؛ ولأنها صفة، خلق عليها الماء فأشبه ما لو برده. ### | [فصل الطهارة بالماء المشمس] # (10) فصل ولا تكره الطهارة بالماء المشمس. وقال الشافعي: تكره الطهارة ~~بماء قصد إلى تشميسه في الأواني، # PageV01P014 # ولا أكرهه إلا من جهة الطب؛ لما روي عن ms0014 عائشة - رضي الله عنها - قالت: ~~«دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سخنت له الماء في الشمس، ~~فقال: لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص» واختاره أبو الحسن التميمي. ~~ولنا أنه سخن بطاهر، أشبه ما في البرك والأنهار، وما سخن بالنار وما لم ~~يقصد تشميسه، فإن الضرر لا يختلف بالقصد وعدمه، والحديث غير ثابت، يرويه، ~~خالد بن إسماعيل، وهو متروك الحديث، وعمرو بن محمد الأعسم، وهو منكر ~~الحديث. قاله الدارقطني، قال: ولا يصح عن الزهري. # وحكي عن أهل الطب أنهم لا يعرفون لذلك تأثيرا في الضرر. ### | [فصل الماء المسخن بالنجاسة] # (11) فصل: فأما الماء المسخن بالنجاسة، فهو على ثلاثة أقسام: أحدها، أن ~~يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة إلى الماء، فينجسه إذا كان يسيرا. ~~والثاني، أن لا يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة إلى الماء والحائل غير ~~حصين، فالماء على أصل الطهارة، ويكره استعماله. وقال الشافعي: لا يكره؛ ~~«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل حماما بالجحفة» . # ولنا، أنه ماء تردد بين الطهارة والنجاسة مع وجود سببها، فأقل أحواله ~~الكراهة، والحديث لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما يروى عن ~~ابن عباس، ولم يثبت أن الوقود كان نجسا، ولا أن الحائل كان غير حصين، ~~والحديث قضية في عين لا يثبت به نفي الكراهة إلا في مثلها، ولا يثبت به نفي ~~الكراهة على الإطلاق. # القسم الثالث، إذا كان الحائل حصينا، فقال القاضي: يكره، واختار الشريف ~~أبو جعفر، وابن # PageV01P015 # عقيل، أنه لا يكره؛ لأنه غير متردد في نجاسته، بخلاف التي قبلها. وذكر ~~أبو الخطاب في كراهة المسخن بالنجاسة روايتين، على الإطلاق. ### | [فصل الوضوء والغسل بماء زمزم] # (12) فصل: ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم؛ لأنه ماء طهور، فأشبه سائر ~~المياه. وعنه: يكره لقول العباس لا أحلها لمغتسل، لكن لمحرم حل وبل؛ ولأنه ~~يزيل به مانعا من الصلاة، أشبه إزالة النجاسة به. # والأول أولى، وقول العباس لا يؤخذ بصريحه في التحريم، ففي غيره أولى، ~~وشرفه لا يوجب الكراهة لاستعماله، كالماء الذي ms0015 وضع فيه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كفه، أو اغتسل منه. ### | [فصل الذائب من الثلج والبرد طهور] # (13) فصل الذائب من الثلج والبرد طهور؛ لأنه ماء نزل من السماء، وفي دعاء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد» متفق ~~عليه. فإن أخذ الثلج فأمره على أعضائه لم تحصل الطهارة، ولو انبل به العضو ~~لأن الواجب الغسل، وأقل ذلك أن يجري الماء على العضو، إلا أن يكون خفيفا ~~فيذوب ويجري ماؤه على الأعضاء، فيحصل به الغسل، فيجزئه. ### | [مسألة لا يتوضأ بماء قد توضئ به] # (14) مسألة: قال: (ولا يتوضأ بماء قد توضئ به) يعني: الماء المنفصل عن ~~أعضاء المتوضئ، والمغتسل في معناه، وظاهر المذهب أن المستعمل في رفع الحدث ~~طاهر غير مطهر، لا يرفع حدثا، ولا يزيل نجسا، وبه قال الليث والأوزاعي، وهو ~~المشهور عن أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وظاهر مذهب الشافعي. # وعن أحمد رواية أخرى، أنه طاهر مطهر. وبه قال الحسن، وعطاء، والنخعي، ~~والزهري، ومكحول، وأهل الظاهر، والرواية الثانية لمالك، والقول الثاني ~~للشافعي. وروي عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة فيمن نسي مسح رأسه، إذا وجد ~~بللا في لحيته، أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل. # ووجه ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الماء لا يجنب» ، وقال: ~~«الماء ليس عليه جنابة» ، وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل من ~~الجنابة، فرأى لمعة لم يصبها الماء، فعصر شعره عليها» . رواهما الإمام ~~أحمد، في " المسند " وابن ماجه، وغيرهما # ولأنه غسل به محل طاهر، فلم تزل به طهوريته، كما لو غسل به الثوب؛ ولأنه ~~لاقى محلا طاهرا، فلا يخرج عن حكمه بتأدية الفرض به، كالثوب يصلى فيه ~~مرارا. # PageV01P016 # وقال أبو يوسف: هو نجس. وهو رواية عن أبي حنيفة؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من ~~جنابة.» رواه أبو داود # فاقتضى أن الغسل فيه، كالبول فيه؛ ولأنه يسمى طهارة والطهارة لا تكون إلا ~~عن نجاسة، إذ تطهير الطاهر لا ms0016 يعقل. ولنا: على طهارته، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه.» رواه البخاري؛ ~~«ولأنه - صلى الله عليه وسلم - صب على جابر من وضوئه إذ كان مريضا» # ولو كان نجسا لم يجز فعل ذلك؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~ونساءه كانوا يتوضئون في الأقداح والأتوار ويغتسلون في الجفان، ومثل هذا لا ~~يسلم من رشاش يقع في الماء من المستعمل، ولهذا قال إبراهيم النخعي ولا بد ~~من ذلك. فلو كان المستعمل نجسا لنجس الماء الذي يقع فيه. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قدمت إليه امرأة من نسائه ~~قصعة ليتوضأ منها، فقالت امرأة: إني غمست يدي فيها، وأنا جنب. فقال: الماء ~~لا يجنب» ، ورواه الإمام أبو عبد الله في " المسند ": " الماء لا ينجس ". # وعندهم الحدث يرتفع من غير نية؛ ولأنه ماء طاهر لاقى محلا طاهرا، فكان ~~طاهرا، كالذي غسل به الثوب الطاهر، والدليل على أن المحدث طاهر ما روى أبو ~~هريرة - رضي الله عنه -، قال: «لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأنا جنب، فانخنست منه فاغتسلت ثم جئت، فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قلت: ~~يا رسول الله: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك، فذهبت فاغتسلت ثم جئت. فقال: ~~سبحان الله، المسلم لا ينجس» متفق عليه؛ # ولأنه لو غمس يده في الماء لم ينجسه، ولو مس شيئا رطبا لم ينجسه، ولو ~~حمله مصل لم تبطل صلاته. وقولهم: إنه نهى عن الغسل من الجنابة في الماء ~~الدائم، كنهيه عن البول فيه. # قلنا: النهي يدل على أنه يؤثر في الماء، وهو المنع من التوضؤ به، ~~والاقتران يقتضي التسوية في أصل الحكم، لا في تفصيله، وإنما سمي الوضوء ~~والغسل طهارة لكونه ينقي الذنوب والآثام، كما ورد في الأخبار، بدليل ما ~~ذكرناه. # إذا ثبت هذا فالدليل على خروجه عن الطهورية قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» رواه مسلم، منع من الغسل ~~فيه كمنعه من البول فيه، فلولا ms0017 أنه يفيده منعا لم ينه عنه؛ ولأنه أزيل به ~~مانع من الصلاة، فلم يجز استعماله في طهارة أخرى، كالمستعمل في إزالة ~~النجاسة. ### | [فصل الطهارة بالماء المستعمل] # (15) فصل: وجميع الأحداث سواء فيما ذكرنا؛ الحدث الأصغر، والجنابة، ~~والحيض، والنفاس، وكذلك المنفصل من غسل الميت إذا قلنا بطهارته، واختلفت ~~الرواية في المنفصل عن غسل الذمية من الحيض؛ فروي أنه مطهر؛ لأنه لم يزل ~~مانعا من الصلاة، أشبه ماء تبرد به. # وروي أنه غير مطهر؛ لأنها أزالت # PageV01P017 # به المانع من وطء الزوج، أشبه ما لو اغتسلت به مسلمة، فإن اغتسلت به من ~~الجنابة كان مطهرا وجها واحدا؛ لأنه لم يزل مانعا من الصلاة، ولا استعمل في ~~عبادة، أشبه ما لو تبرد به، ويحتمل أن يمنع استعماله؛ لأنه استعمل في الغسل ~~من الجنابة، أشبه ما لو اغتسلت به مسلمة. # (16) فصل: وإن استعمل في طهارة مستحبة غير واجبة، كالتجديد، والغسلة ~~الثانية والثالثة في الوضوء، والغسل للجمعة والعيدين وغيرهما، ففيه ~~روايتان: إحداهما أنه كالمستعمل في رفع الحدث؛ لأنها طهارة مشروعة، أشبه ما ~~لو اغتسل به من جنابة. # والثانية؛ لا يمنع؛ لأنه لم يزل مانعا من الصلاة، أشبه ما لو تبرد به. ~~فإن لم تكن الطهارة مشروعة لم يؤثر استعمال الماء فيها شيئا، وكان كما لو ~~تبرد به، أو غسل به ثوبه، ولا تختلف الرواية أن ما استعمل في التبرد ~~والتنظيف، أنه باق على إطلاقه، ولا نعلم فيه خلافا. ### | [فصل المستعمل في تعبد من غير حدث] # (17) فصل: فأما المستعمل في تعبد من غير حدث، كغسل اليدين من نوم الليل، ~~فإن قلنا ليس ذلك بواجب لم يؤثر استعماله في الماء، وإن قلنا بوجوبه، فقال ~~القاضي: هو طاهر غير مطهر. # وذكر أبو الخطاب فيه روايتين: إحداهما؛ أنه يخرج عن إطلاقه؛ لأنه مستعمل ~~في طهارة تعبد، أشبه المستعمل في رفع الحدث؛ «ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى أن يغمس القائم من نوم الليل يده في الإناء قبل غسلها.» فدل ذلك ~~على أنه يفيد منعا. # والرواية الثانية، أنه باق على إطلاقه؛ ms0018 لأنه لم يرفع حدثا، أشبه المتبرد ~~به، وعلى قياسه المستعمل في غسل الذكر والأنثيين من المذي، إذا قلنا ~~بوجوبه؛ لأنه في معناه. ### | [فصل إذا انغمس الجنب أو المحدث فيما دون القلتين] # (18) فصل: إذا انغمس الجنب أو المحدث فيما دون القلتين ينوي رفع الحدث ~~صار مستعملا، ولم يرتفع حدثه. وقال الشافعي يصير مستعملا ويرتفع حدثه؛ لأنه ~~إنما يصير مستعملا بارتفاع حدثه فيه. # ولنا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يغتسل أحدكم في الماء ~~الدائم وهو جنب» رواه مسلم، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه؛ ولأنه بانفصال ~~أول جزء من الماء عن بدنه صار الماء مستعملا، فلم يرتفع الحدث عن سائر ~~البدن، كما لو اغتسل فيه شخص آخر. فإن كان الماء قلتين فصاعدا ارتفع حدثه، ~~ولم يتأثر به الماء؛ لأنه لا يحمل الخبث. ### | [فصل إذا اجتمع ماء مستعمل إلى قلتين غير مستعمل] # (19) فصل: إذا اجتمع ماء مستعمل إلى قلتين غير مستعمل صار الكل طهورا؛ ~~لأنه لو كان المستعمل نجسا # PageV01P018 # لكان الكل طهورا، فالمستعمل أولى. # وإن انضم إلى ما دون القلتين وكثر المستعمل ولم يبلغ قلتين منع، وإن بلغ ~~قلتين باجتماعه فكذلك، ويحتمل أن يزول المنع؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث.» وإن انضم مستعمل إلى مستعمل ~~ولم يبلغ القلتين فهو باق على المنع، وإن بلغ قلتين ففيه وجهان؛ لما ~~ذكرناه. ### | [مسألة كان الماء قلتين فوقعت فيه نجاسة] # (20) مسألة: قال: (وإذا كان الماء قلتين، وهو خمس قرب، فوقعت فيه نجاسة ~~فلم يوجد لها طعم ولا لون ولا رائحة، فهو طاهر) . والقلة: هي الجرة، سميت ~~قلة لأنها تقل بالأيدي، أي تحمل، ومنه قوله تعالى: {حتى إذا أقلت سحابا ~~ثقالا} [الأعراف: 57] ويقع هذا الاسم على الكبيرة والصغيرة. # والمراد بها هاهنا قلتان من قلال هجر، وهما خمس قرب، كل قربة مائة رطل ~~بالعراقي، فتكون القلتان خمسمائة رطل بالعراقي. هذا ظاهر المذهب عند ~~أصحابنا، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه روي عن ابن جريج أنه قال: رأيت قلال هجر، ~~القلة تسع ms0019 قربتين أو قربتين وشيئا. فالاحتياط أن يجعل قربتين ونصفا. # وروى الأثرم، وإسماعيل بن سعيد، عن أحمد، أن القلتين أربع قرب، وحكاه ابن ~~المنذر عن أحمد في " كتابه "؛ وذلك لما روى الجوزجاني، بإسناده عن يحيى بن ~~عقيل، قال: رأيت قلال هجر، وأظن كل قلة تأخذ قربين. وروي نحو هذا عن ابن ~~جريج. # واتفق القائلون بتحديد الماء بالقرب على تقدير كل قربة بمائة رطل ~~بالعراقي، لا أعلم بينهم في ذلك خلافا، ولعلهم أخذوا ذلك ممن اختبر قرب ~~الحجاز، وعرف أن ذلك مقدارها. # وإنما خصصنا هذا بقلال هجر لوجهين: أحدهما أنه قد روي في حديث مبينا، ~~رواه الخطابي، في " معالم السنن " بإسناده إلى ابن جريج، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مرسلا «إذا كان الماء قلتين بقلال هجر» وذكر الحديث. # والثاني أن قلال هجر أكبر ما يكون من القلال، وأشهرها في عصر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ذكره الخطابي قال: وهي مشهورة الصنعة، معلومة المقدار. لا ~~تختلف كما لا تختلف الصيعان والمكاييل؛ ولأن الحد لا يقع بالمجهول. # وقال أبو عبيد: هي الحباب، وهي مستفيضة معروفة، فينبغي أن يحمل لفظ ~~القلتين عليها؛ لشهرتها وكبرها، فإن كل معدود جعل مقدارا واحدا لم يتناول ~~إلا أكبرها؛ لأنها أقرب إلى العلم، وأقل في العدد، ولذلك جعل نصاب الزكاة ~~بالأوسق، دون الآصع والأمداد. # PageV01P019 # وقد دلت هذه المسألة بصريحها على أن ما بلغ القلتين فلم يتغير بما وقع ~~فيه لا ينجس، وبمفهومها على أن ما تغير بالنجاسة نجس وإن كثر، وأن ما دون ~~القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، وإن لم يتغير. # فأما نجاسة ما تغير بالنجاسة فلا خلاف فيه، قال ابن المنذر: أجمع أهل ~~العلم على أن الماء القليل والكثير، إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت للماء طعما ~~أو لونا أو رائحة، أنه نجس ما دام كذلك. وقد روى أبو أمامة الباهلي، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب ~~على ريحه وطعمه ولونه» . رواه ابن ماجه. # وقال حرب بن إسماعيل: سئل أحمد ms0020 عن الماء إذا تغير طعمه أو ريحه، قال: لا ~~يتوضأ به ولا يشرب، وليس فيه حديث، ولكن الله تعالى حرم الميتة، فإذا صارت ~~الميتة في الماء فتغير طعمه أو ريحه، فذلك طعم الميتة وريحها، فلا يحل له، ~~وذلك أمر ظاهر. # وقال الخلال: إنما قال أحمد: ليس فيه حديث؛ لأن هذا الحديث يرويه سليمان ~~بن عمر، ورشدين بن سعد، وكلاهما ضعيف، وابن ماجه رواه من طريق رشدين. وأما ~~ما دون القلتين إذا لاقته النجاسة فلم يتغير بها، فالمشهور في المذهب أنه ~~ينجس، وروي عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وبه قال الشافعي، وإسحاق، ~~وأبو عبيد. # وروي عن أحمد رواية أخرى، أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليله وكثيره، ~~وروي مثل ذلك عن حذيفة، وأبي هريرة، وابن عباس، قالوا: الماء لا ينجس. وروي ~~ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن أبي ~~ليلى، ومالك والأوزاعي، والثوري، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن ~~المنذر، وهو قول للشافعي؛ لحديث أبي أمامة الذي أوردناه. # وروى أبو سعيد، قال: «قيل يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة؟ - وهي بئر ~~يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن - فقال: إن الماء طهور لا ينجسه ~~شيء.» رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن. قال الخلال: قال ~~أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «سئل عن ~~الحياض التي بين مكة والمدينة، تردها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة ~~بها، فقال: لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور» ولم يفرق بين القليل ~~والكثير؛ ولأنه لم يظهر عليه إحدى صفات النجاسة، فلم ينجس بها كالزائد عن ~~القلتين. ووجه الرواية الأولى، ما روى ابن عمر - رضي الله عنه -، «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سئل عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال ~~إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» . رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، ~~وابن # PageV01P020 # ماجه، وفي لفظ: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء» . # وتحديده بالقلتين يدل على أن ms0021 ما دونهما ينجس، إذ لو استوى حكم القلتين ~~وما دونهما لم يكن التحديد مفيدا. # وصح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا استيقظ أحدكم من منامه ~~فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده» . ~~فلولا أنه يفيده منعا لم ينه عنه. أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغسل ~~الإناء من ولوغ الكلب، وإراقة سؤره، ولم يفرق بين ما تغير وما لم يتغير، مع ~~أن الظاهر عدم التغير، وخبر أبي أمامة ضعيف، وخبر بئر بضاعة والخبر الآخر ~~محمولان على الماء الكثير، بدليل أن ما تغير نجس، أو نخصهما بخبر القلتين، ~~فإنه أخص منهما، والخاص يقدم على العام. # وأما الزائد عن القلتين، إذا لم يتغير، ولم تكن النجاسة بولا أو عذرة، ~~فلا يختلف المذهب في طهارته، وروي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ~~وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأبي عبيدة وأبي ثور، وهو قول من حكينا عنهم أن ~~اليسير لا ينجس إلا بالتغير. # وحكي عن ابن عباس، أنه قال: إذا كان الماء ذنوبين لم يحمل الخبث. وقال ~~عكرمة: ذنوبا أو ذنوبين. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الكثير ينجس ~~بالنجاسة، إلا أن يبلغ حدا يغلب على الظن أن النجاسة لا تصل إليه. واختلفوا ~~في حده؛ فقال بعضهم: ما إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الآخر. # وقال بعضهم: ما بلغ عشرة أذرع في عشرة أذرع، وما دون ذلك ينجس، وإن بلغ ~~ألف قلة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يبولن أحدكم في الماء ~~الدائم ثم يتوضأ منه» . متفق عليه، فنهى عن الوضوء من الماء الراكد بعد ~~البول فيه، ولم يفرق بين قليله وكثيره؛ ولأنه ماء حلت فيه نجاسة لا يؤمن ~~انتشارها إليه، فينجس بها كاليسير. # ولنا خبر القلتين، وبئر بضاعة، اللذان ذكرناهما؛ فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «الماء طهور لا ينجسه شيء» ، مع قولهم له: أنتوضأ من بئر ~~بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ وبئر بضاعة لا يبلغ ms0022 ~~الحد الذي ذكروه. قال أبو داود: قدرت بئر بضاعة بردائي، مددته عليها، ثم ~~ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان: هل غير بناؤها ~~عما كانت عليه؟ قال: لا. # وسألت قيمها عن عمقها، فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة. ~~قلت: فإذا نقص. قال: دون العورة؛ ولأنه ماء يبلغ القلتين، فأشبه ما زاد على ~~عشرة أذرع، وحديثهم عام وحديثنا خاص، فيجب تقديمه. # PageV01P021 # الثاني، أن حديثهم لا بد من تخصيصه، فإن ما زاد على الحد الذي ذكروه لا ~~يمنع من الوضوء به اتفاقا، وإذا وجب تخصيصه كان تخصيصه بقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أولى من تخصيصه بالرأي والتشهي من غير أصل يرجع إليه، ولا ~~دليل يعتمد عليه؛ ولأن ما ذكروه من الحد تقدير طريقه التوقيف لا يصار إليه ~~إلا بنص أو إجماع، وليس معهم نص ولا إجماع؛ ولأن حديثهم خاص في البول، ونحن ~~نقول به على إحدى الروايتين، ونقصر الحكم على ما تناوله النص، وهو البول؛ ~~لأن له من التأكيد والانتشار في الماء ما ليس لغيره، على ما سنذكره إن شاء ~~الله تعالى. # فإن قيل: المراد بقوله: «لم يحمل الخبث» . أي لم يدفع الخبث عن نفسه، أي ~~أنه ينجس بالواقع فيه. قلنا هذا فاسد لوجوه: أحدها، أن في بعض ألفاظه «لم ~~ينجس» رواه أبو داود، وابن ماجه، واحتج به أحمد. # الثاني أنه لو أراد أن ما بلغ القلتين في القلة ينجس لكان ما فوقهما لا ~~ينجس، لتحقق الفرق بينهما، فإنه جعل القلتين فصلا بين ما يتنجس وما لم ~~يتنجس؛ فلو سوينا بينهما لم يبق فصل. # الثالث أن مقتضاه في اللغة أنه يدفع الخبث عن نفسه، من قولهم: فلان لا ~~يحتمل الضيم. أي يدفعه عن نفسه، والله أعلم. # (21) فصل: اختلف أصحابنا: هل القلتان خمسمائة رطل تحديدا أو تقريبا؟ قال: ~~أبو الحسن الآمدي: الصحيح أنها تحديد، وهو ظاهر قول القاضي، وأحد الوجهين ~~لأصحاب الشافعي؛ لأن اعتبار ذلك كان احتياطا، وما اعتبر احتياطا كان واجبا، ~~كغسل جزء من ms0023 الرأس مع الوجه، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم؛ ~~ولأنه قدر يدفع النجاسة عن نفسه، فاعتبر تحقيقه كالعدد في الغسلات. # والصحيح أن ذلك تقريب؛ لأن الذين نقلوا تقدير القلال لم يضبطوهما بحد، ~~إنما قال ابن جريج: القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا. وقال يحيى بن عقيل: ~~أظنها تسع قربتين. # وهذا لا تحديد فيه؛ فإن قولهما يدل على أنهما قربا الأمر، والشيء الزائد ~~عن القربتين مشكوك فيه، مع أنه يقع على المجهول، والظاهر قلته؛ لأن لفظه ~~يدل على تقارب ما بين الأمرين المذكورين، وكلما قل الشيء كان أقرب إلى ~~القربتين، وكلام أحمد يدل على هذا؛ فإنه روي عنه أن القلة قربتان، وروي ~~قربتان ونصف، وروي: وثلث، وهذا يدل على أنه لم يحد في ذلك حدا. # ثم ليس للقربة حد معلوم؛ فإن القرب تختلف اختلافا كثيرا، فلا يكاد قربتان ~~يتفقان في حد واحد، ولهذا لو اشترى منه شيئا مقدرا بالقرب، أو أسلم في شيء ~~محدود بالقرب؛ لم يجز ذلك؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم أن ~~الناس لا يكيلون الماء ولا يزنونه، فلم يكن ليعرفهم الحد بما لا يعرف به، ~~وإنما أراد أن من وجد ماء فيه نجاسة فظنه مقاربا للقلتين توضأ منه، وإن ظنه ~~ناقصا عنهما من غير مقاربة لهما تركه. # PageV01P022 # وفائدة هذا، أن من اعتبر التحديد، فنقص عن الحد شيئا يسيرا، لم يعف عنه، ~~ونجس بورود النجاسة عليه، ومن قال بالتقريب عفي عن النقص اليسير عنده، ~~وتعلق الحكم بما يقارب القلتين، إن شك في بلوغ الماء قدرا يدفع النجاسة أو ~~لا يدفعها ففيه وجهان: أحدهما، يحكم بطهارته؛ لأنه كان طاهرا قبل وقوع ~~النجاسة فيه، وشك هل ينجس به أو لا؟ فلا يزول اليقين بالشك. # والثاني يحكم بنجاسته؛ لأن الأصل قلة الماء، فنبني عليه، ويلزم من ذلك ~~النجاسة. ### | [فصل غير الماء من المائعات إذا وقعت فيه نجاسة] # (22) فصل: فأما غير الماء من المائعات ففيه ثلاث روايات: إحداهن، أنه ~~ينجس بالنجاسة وإن كثر؛ لأن النبي - صلى الله عليه ms0024 وسلم - «سئل عن فأرة ~~وقعت في سمن، قال: إن كان مائعا فلا تقربوه» رواه الإمام أحمد. في " مسنده، ~~إسناده صحيح على شرط " الصحيحين "، ولم يفرق بين كثيره وقليله، ولأنها لا ~~قوة لها على دفع النجاسة، فإنها لا تطهر غيرها، فلا تدفعها عن نفسها ~~كاليسير. # والثانية أنها كالماء، لا ينجس منها ما بلغ القلتين إلا بالتغير. قال ~~حرب: سألت أحمد، قلت: كلب ولغ في سمن أو زيت؟ قال: إذا كان في آنية كبيرة ~~مثل جب أو نحوه، رجوت أن لا يكون به بأس ويؤكل، وإن كان في آنية صغيرة فلا ~~يعجبني وذلك لأنه كثير، فلم ينجس بالنجاسة من غير تغير كالماء. # والثالثة ما أصله الماء، كالخل التمري، يدفع النجاسة؛ لأن الغالب فيه ~~الماء، وما لا فلا والأولى أولى. ### | [فصل الماء المستعمل] # (23) فصل: فأما الماء المستعمل، وما كان طاهرا غير مطهر من الماء، فإنه ~~يدفع النجاسة عن نفسه إذا كثر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا.» ويحتمل أن ينجس؛ لأنه طاهر غير مطهر، فأشبه ~~الخل. ### | [فصل كان الماء كثيرا فوقع في جانب منه نجاسة] # (24) فصل: إذا كان الماء كثيرا، فوقع في جانب منه نجاسة، فتغير بها، نظرت ~~فيما لم يتغير، فإن نقص عن القلتين فالجميع نجس؛ لأن المتغير نجس بالتغير، ~~والباقي تنجس بملاقاته، وإن زاد عن القلتين فهو طاهر. وقال ابن عقيل، وبعض ~~الشافعية: يكون نجسا أيضا، وإن كثر وتباعدت أقطاره؛ لأنه ماء راكد بعضه # PageV01P023 # نجس، فكان جميعه نجسا، كما لو تقاربت أقطاره؛ ولأن المتغير مائع نجس، ~~فينجس ما يلاقيه، ثم تنجس بذلك ما يلاقيه إلى آخره. # فإن اضطرب فزال التغير زال التنجيس؛ لزوال علته. ولنا قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء.» وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الماء طهور لا ينجسه شيء» . # وغير المتغير قد بلغ القلتين ولم يتغير، فيدخل في عموم الأحاديث؛ ولأنه ~~ماء كثير لم يتغير بالنجاسة، فكان طاهرا، كما لو لم يتغير منه شيء؛ ولأن ms0025 ~~العلة في نجاسة الماء الكثير التغير فقط، فيختص التنجيس بمحل العلة، كما لو ~~تغير بعضه بطاهر، فلا يصح القياس على ما إذا كان غير المتغير ناقصا عن ~~القلتين؛ لأنه قليل ينجس بمجرد الملاقاة للنجاسة، بخلاف الكثير. # وأما تباعد الأقطار وتقاربها فلا عبرة بها، إنما العبرة بكون غير المتغير ~~قليلا أو كثيرا، فلا يمتنع الحكم بطهارة الماء الملاصق للنجاسة، بدليل ما ~~لو كان فيه كلب أو ميتة، فإن الملاصق له طاهر، وإن منعت طهارته فالملاصق ~~للملاصق طاهر، وعلى قياس قولهم ينبغي أن يتنجس البحر إذا تغير جانبه والماء ~~الجاري وكل ما تغير بعضه ولا قائل به، وقد قال أحمد في المصانع التي بطريق ~~مكة: لا ينجس تلك شيء. ### | [فصل لا فرق بين يسير النجاسة وكثيرها] # (25) فصل: ولا فرق بين يسير النجاسة وكثيرها، وسواء كان اليسير مما يدركه ~~الطرف أو لا يدركه من جميع النجاسات، إلا أن ما يعفى عن يسيره في الثوب، ~~كالدم ونحوه، حكم الماء المتنجس به حكمه في العفو عن يسيره، وكل نجاسة ينجس ~~بها الماء يصير حكمه حكمها؛ لأن نجاسة الماء ناشئة عن نجاسة الواقع، وفرع ~~عليها، والفرع يثبت له حكم أصله. # وقيل عن الشافعي: إن ما لا يدركه الطرف من النجاسة معفو عنه؛ للمشقة ~~اللاحقة به. ونص في موضع على أن الذباب إذا وقع على خلاء رقيق، أو بول، ثم ~~وقع على الثوب، غسل موضعه، ونجاسة الذباب مما لا يدركها الطرف؛ ولأن دليل ~~التنجيس لا يفرق بين يسير النجاسة وكثيرها، ولا بين ما يدركه الطرف وما لا ~~يدركه، فالتفريق تحكم بغير دليل، وما ذكروه من المشقة غير صحيح؛ لأننا إنما ~~نحكم بنجاسة ما علمنا وصول النجاسة إليه، ومع العلم لا يفترقان في المشقة، ~~ثم إن المشقة حكمة لا يجوز تعليق الحكم بها بمجردها. # وجعل ما لا يدركه الطرف ضابطا لها غير صحيح، فإن ذلك إنما يعرف بتوقيف، ~~أو اعتبار الشرع له في موضع، ولم يوجد واحد منهما. ### | [فصل الغديران إذا اتصل أحدهما بالآخر بساقية بينهما] # (26) فصل: والغديران ms0026 إذا اتصل أحدهما بالآخر بساقية بينهما، فيها ماء ~~قليل أو كثير، فهما ماء واحد، حكمهما حكم الغدير الواحد، إن بلغا جميعا ~~قلتين لم يتنجس واحد منهما إلا بالتغير، وإن لم يبلغاها تنجس كل واحد # PageV01P024 # منهما بوقوع النجاسة في أحدهما؛ لأنه ماء راكد متصل بعضه ببعض، أشبه ~~الغدير الواحد ### | [فصل في الماء الجاري] # (27) فصل في الماء الجاري: نقل عن أحمد، - رحمه الله -، ما يدل على الفرق ~~بين الماء الجاري والراكد؛ فإنه قال في حوض الحمام: قد قيل إنه بمنزلة ~~الماء الجاري. وقال في البئر يكون لها مادة: هو واقف لا يجري، ليس هو ~~بمنزلة ما يجري. # فعلى هذا لا يتنجس الجاري إلا بتغيره؛ لأن الأصل طهارته، ولا نعلم في ~~تنجيسه نصا ولا إجماعا، فبقي على أصل الطهارة؛ ولأنه يدخل في عموم قوله - ~~عليه السلام -: «الماء طهور لا ينجسه شيء» ، وقوله: " الماء طهور لا ينجسه ~~شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه ". فإن قيل: قد ورد الشرع بتنجيس ~~قليله؛ بقوله - عليه السلام -: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» . # قلنا: هذا حجة على طهارته؛ لأن ماء الساقية بمجموعه قد بلغ القلتين، فلا ~~يحمل الخبث، وتخصيص الجرية منه بهذا التقدير تحكم لا دليل عليه، ثم الخبر ~~إنما ورد في الماء الراكد، ولا يصح قياس الجاري عليه، لقوته بجريانه ~~واتصاله بمادته، ثم الخبر إنما يدل بمنطوقه على نفي النجاسة عما بلغ ~~القلتين، وإنما يستدل هاهنا بمفهومه، وقضاء حق المفهوم يحصل بمخالفة ما دون ~~القلتين لما بلغهما، وقد حصلت المخالفة بكون ما دون القلتين يفترق فيه ~~الماء الجاري والراكد في التنجيس، وما بلغهما لا يختلف، وهذا كاف. # وقال القاضي، وأصحابه: كل جرية من الماء الجاري معتبرة بنفسها، فإذا كانت ~~النجاسة جارية مع الماء، فما أمامها طاهر؛ لأنها لم تصل إليه، وما خلفها ~~طاهر؛ لأنه لم يصل إليها، والجرية التي فيها النجاسة إن بلغت قلتين فهي ~~طاهرة، إلا أن تتغير بالنجاسة، وإن كانت دون القلتين فهي نجسة، وإن كانت ~~النجاسة واقفة في جانب النهر، أو ms0027 قراره، أو في وهدة منه، فكل جرية تمر ~~عليها إن كانت دون القلتين فهي نجسة، وإن بلغت قلتين فهي طاهرة، إلا أن ~~تتغير. # والجرية: هي الماء الذي فيه النجاسة، وما قرب منها من خلفها وأمامها، مما ~~العادة انتشارها إليه إن كانت مما ينتشر، مع ما يحاذي ذلك كله مما بين طرفي ~~النهر. # فإن كانت النجاسة ممتدة فلكل جزء منها مثل تلك الجرية المعتبرة للنجاسة ~~القليلة، ولا يجعل جميع ما يحاذيها جرية واحدة، لئلا يفضي إلى تنجيس الماء ~~الكثير بالنجاسة القليلة، ونفي التنجيس عن الكثير مع وجود النجاسة الكثيرة، ~~فإن المحاذي للكثيرة كثير فلا يتنجس، والمحاذي للقليلة قليل فيتنجس، فإننا ~~لو فرضنا كلبا في جانب نهر، وشعرة منه في الجانب الآخر، لكان المحاذي ~~للشعرة لا يبلغ قلتين؛ لقلة ما يحاذيها، والمحاذي للكلب يبلغ قلالا، وقد ~~ذكر القاضي وابن عقيل، أن الجرية المحاذية للنجاسة فيما بين طرفي النهر ~~ويتعين حمله على ما ذكرناه، لما بيناه. # PageV01P025 # فإن قيل: فهذا يفضي إلى التسوية بين النجاسة الكثيرة والقليلة، قلنا: ~~الشرع سوى بينهما في الماء الراكد، وهو أصل، فتجب التسوية بينهما في ~~الجاري، الذي هو فرع. ### | [فصل كان في جانب النهر ماء واقف مائل عن سنن الماء] # (28) فصل: فإن كان في جانب النهر ماء واقف، مائل عن سنن الماء، متصل ~~بالجاري، أو كان في أرض النهر وهدة، فيها ماء واقف وكان ذلك مع الجرية ~~المقابلة له دون القلتين، نجسا جميعا بوجود النجاسة في أحدهما؛ لأنه ماء ~~متصل دون القلتين، فينجس بها جميعه كالراكد. # وإن كان أحدهما قلتين لم ينجس واحد منهما ما داما متلاقيين إلا بالتغير؛ ~~لأن القلتين تدفع النجاسة عن نفسها، وعما لاقته. ثم لا يخلو من كون النجاسة ~~في النهر، أو في الواقف، فإن كانت في النهر وهو قلتان فهو طاهر على كل حال، ~~وكذلك الواقف، وإن كان دون القلتين فهو نجس قبل ملاقاته للواقف، فإذا حاذاه ~~طهر باتصاله به، فإذا فارقه عاد إلى التنجس؛ لقلته مع وجود النجاسة فيه. # وإن كانت النجاسة في ms0028 الواقف لم ينجس بحال؛ لأنه لا يزال هو وما لاقاه ~~قلتين فإن كان الواقف دون القلتين، والجرية كذلك، إلا أنهما بمجموعهما ~~يزيدان عن القلتين، وكانت النجاسة في الواقف، لم ينجس واحد منهما؛ لأنها مع ~~ما تلاقيه أكثر من قلتين، # وإن كانت في النهر، فقياس قول أصحابنا أن ينجس الواقف، والجرية التي فيها ~~النجاسة، وكل ما يمر بعدها بالواقف؛ لأن الجرية التي فيها النجاسة كانت ~~نجسة قبل ملاقاة الواقف، ثم نجس بها الواقف؛ لكونه ماء دون القلتين ورد ~~عليه ماء نجس، ولم تطهر الجرية؛ لأنها بمنزلة ماء نجس صب على ما دون ~~القلتين، فلما صار الواقف نجسا نجس ما يمر عليه، ويحتمل أن يحكم بطهارة ~~الجرية حال ملاقاتها للواقف، ولا يتنجس الواقف بها؛ لأنه ماء كثير لم يتغير ~~فلا ينجس؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا بلغ الماء قلتين لم ~~ينجسه شيء» . # وهذا مذهب الشافعي. وهذا كله ما لم يتغير، فإن تغير فهو نجس، وحكمه حكم ~~أعيان النجاسة، فإذا كان الواقف متغيرا وحده فالجرية التي تمر به إن كانت ~~قلتين فهي طاهرة، وإن كانت دون القلتين فهي نجسة، وإن كانت الجرية متغيرة، ~~والواقف قلتان، فهو طاهر، وإلا فهو نجس، وإن كان بعض الواقف متغيرا وبعضه ~~غير متغير، وكان غير المتغير مع الجرية الملاقية له قلتين لم ينجس؛ لأنه ~~ماء زائد عن القلتين لم يتغير، فكان طاهرا، كما لو كانت الجرية قلتين. # وإن كان المتغير منه الواقف يلي الجاري وغير المتغير لا يليه ولا يتصل به ~~من أعلى الماء ولا أسفله، ولا من ناحية من نواحيه، وكل واحد منهما دون ~~القلتين، فينبغي أن يكون الكل نجسا؛ لأن كل ما يلاقي الماء النجس لا يبلغ ~~القلتين، وإن اتصل به من ناحية فكل ما لم يتغير طاهر إذا بلغ القلتين؛ لأنه ~~كالغديرين اللذين بينهما ساقية، وإن شك في ذلك فالماء طاهر؛ لأن الأصل ~~الطهارة، فلا تزول بالشك، والله أعلم. # PageV01P026 # (29) فصل: إذا اجتمعت الجريات في موضع، فإن كان متغيرا بالنجاسة فهو نجس، ~~وإن كثر، ms0029 وإن كان في بعض الجريات ماء طاهر متوال يبلغ قلتين، إما سابقا ~~وإما لاحقا، فالجميع طاهر. ما لم يتغير؛ لأن القلتين تدفع النجاسة عن ~~نفسها، وعما اجتمعت معه. # وإن كان المجتمع دون القلتين، وفي بعض الجريات شيء نجس، فالكل نجس في ~~ظاهر المذهب. وإن كان قلتين إلا أن الجريات كلها نجسة، أو بعض الجريات طاهر ~~وبعضها نجس، ولا يتوالى من الطاهر قلتان،، فظاهر المذهب أن الجميع نجس، وإن ~~كثر، ويحتمل أن يكون طاهرا، وهو مذهب الشافعي؛ لقوله - عليه السلام -: «إذا ~~بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» ؛ ولأنه ماء كثير لم يتغير بالنجاسة، فكان ~~طاهرا، كما لو كان متغيرا فزال تغيره بمكثه. # ولنا أنه انضم النجس إلى النجس، فصار الجميع نجسا كغير الماء، وإن كان ~~بعض الجريات طاهرا، لكنه قليل، فهو مما لا يدفع النجاسة عن نفسه، فعن غيره ~~أولى. فإن كان الماء كثيرا متغيرا بالنجاسة، فزال تغيره بنفسه، طهر الجميع، ~~وإن زال بماء طاهر دون القلتين، أو باجتماع ماء نجس إليه، فظاهر المذهب أنه ~~نجس؛ لأنه لا يدفع النجاسة عن نفسه، فلا يدفعها عن غيره، ويحتمل أن يطهر؛ ~~لأنه أزال علة التنجيس، فأزال التنجيس، كما لو زال بنزح أو بمكثه. ### | [فصل في تطهير الماء النجس وهو ثلاثة أقسام] # (30) فصل: في تطهير الماء النجس. وهو ثلاثة أقسام: أحدها ما دون القلتين، ~~فتطهيره بالمكاثرة بقلتين طاهرتين، إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه، فيزول ~~بهما تغيره إن كان متغيرا، وإن لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة؛ لأن ~~القلتين لا تحمل الخبث، ولا تنجس إلا بالتغير، ولذلك لو ورد عليها ماء نجس ~~لم ينجسها ما لم تتغير به، فكذلك إذا كانت واردة، ومن ضرورة الحكم ~~بطهارتهما طهارة ما اختلطتا به. # القسم الثاني: أن يكون وفق القلتين، فلا يخلو من أن يكون غير متغير ~~بالنجاسة، فيطهر بالمكاثرة المذكورة لا غير، الثاني أن يكون متغيرا فيطهر ~~بأحد أمرين؛ بالمكاثرة المذكورة إذا أزالت التغير، أو بتركه حتى يزول تغيره ~~بطول مكثه. # القسم الثالث، الزائد عن القلتين، ms0030 فله حالان، أحدهما، أن يكون نجسا بغير ~~التغير، فلا طريق إلى تطهيره بغير المكاثرة، الثاني أن يكون متغيرا ~~بالنجاسة، فتطهيره بأحد أمور ثلاثة؛ المكاثرة، أو زوال تغيره بمكثه، أو أن ~~ينزح منه ما يزول به التغير، ويبقى بعد ذلك قلتان فصاعدا، فإنه إن بقي ما ~~دون القلتين، قبل زوال تغيره، لم يبق التغير علة تنجيسه؛ لأنه تنجس بدونه، ~~فلا يزول التنجيس # PageV01P027 # بزواله، ولذلك طهر الكثير بالنزح وطول المكث، ولم يطهر القليل، فإن ~~الكثير لما كانت علة تنجيسه التغير زال تنجيسه بزوال علته، كالخمرة إذا ~~انقلبت خلا، والقليل علة تنجيسه الملاقاة لا التغير، فلم يؤثر زواله في ~~زوال التنجيس. # (31) فصل: ولا يعتبر في المكاثرة صب الماء دفعة واحدة؛ لأن ذلك غير ممكن، ~~لكن يوصل الماء على ما يمكنه من المتابعة، إما من ساقية، وإما دلوا فدلوا، ~~أو يسيل إليه ماء المطر، أو ينبع قليلا قليلا، حتى يبلغ قلتين فيحصل به ~~التطهير. # (32) فصل: فإن كوثر بما دون القلتين، فزال تغيره، أو طرح فيه تراب أو ~~مائع غير الماء، أو غير ذلك، فزال تغيره به، ففيه وجهان أحدهما لا يطهر ~~بذلك؛ لأنه لا يدفع النجاسة عن نفسه، فعن غيره أولى؛ ولأنه ليس بطهور، فلا ~~يحصل به الطهارة كالماء النجس. # والثاني، يطهر؛ لأن علة نجاسته التغير، وقد زال، فيزول التنجيس، كما لو ~~زال بمكثه، وكالخمرة إذا انقلبت خلا. # (33) فصل: ولا يطهر غير الماء من المائعات بالتطهير، في قول القاضي وابن ~~عقيل قال ابن عقيل: إلا الزئبق؛ فإنه لقوته وتماسكه يجري مجرى الجامد؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «سئل عن السمن إذا وقعت فيه الفأرة، فقال: إن ~~كان مائعا فلا تقربوه» رواه أبو داود، ولو كان إلى تطهيره طريق لم يأمر ~~بإراقته. # واختار أبو الخطاب أن ما يتأتى تطهيره كالزيت، يطهر به؛ لأنه أمكن غسله ~~بالماء فيطهر به، كالجامد، وطريق تطهيره جعله في ماء كثير، ويخاض فيه حتى ~~يصيب الماء جميع أجزائه، ثم يترك حتى يعلو على الماء، فيؤخذ، وإن تركه في ~~جرة وصب ms0031 عليه ماء، فخاضه به، وجعل لها بزالا يخرج منه الماء، جاز، والخبر ~~ورد في السمن، ويحتمل أن لا يمكن تطهيره؛ لأنه يجمد في الماء، ويحتمل أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الأمر بتطهيره لمشقة ذلك، وقلة وقوعه. # (34) فصل: وإذا وقعت النجاسة في غير الماء وكان مائعا نجس، وإن كان جامدا ~~كالسمن الجامد أخذت النجاسة بما حولها فألقيت، والباقي طاهر: لما روت ~~ميمونة - رضي الله عنها - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن # PageV01P028 # فأرة سقطت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم» رواه البخاري. ~~وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ~~الفأرة تموت في السمن، فقال: إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا ~~فلا تقربوه» أخرجه الإمام أحمد، في " مسنده "، وإسناده على شرط " الصحيحين ~~". # وحد الجامد الذي لا تسري النجاسة إلى جميعه، هو المتماسك الذي فيه قوة ~~تمنع انتقال أجزاء النجاسة عن الموضع الذي وقعت عليه النجاسة إلى ما سواه. ~~قال المروذي: قيل لأبي عبد الله في الدوشاب. يعني: يقع فيه نجاسة؟ قال: إذا ~~كان كثيرا أخذوا ما حوله، مثل السمن. وقال ابن عقيل حد الجامد ما إذا فتح ~~وعاؤه لم تسل أجزاؤه. # وظاهر ما رويناه عن أحمد خلاف هذا؛ فإن الدوشاب لا يكاد يبلغ هذا، وسمن ~~الحجاز لا يكاد يبلغه، والمقصود بالجمود أن لا تسري أجزاء النجاسة، وهذا ~~حاصل بما ذكرناه، فيقتصر عليه. ### | [فصل تنجس العجين ونحوه] # (35) فصل: وإن تنجس العجين ونحوه فلا سبيل إلى تطهيره؛ لأنه لا يمكن ~~غسله، وكذلك إن نقع السمسم أو شيء من الحبوب في الماء النجس، حتى انتفخ ~~وابتل، لم يطهر. قيل لأحمد في سمسم نقع في تيغار، فوقعت فيه فأرة، فماتت؟ ~~قال: لا ينتفع بشيء منه. قيل: أفيغسل مرارا حتى يذهب ذلك الماء؟ قال: أليس ~~قد ابتل من ذلك الماء؛ لا ينقى منه وإن غسل. # إذا ثبت هذا فإن أحمد قال في العجين والسمسم: يطعم النواضح، ولا يطعم لما ~~يؤكل لحمه. ms0032 يعني لما يؤكل لحمه قريبا. وقال مجاهد، وعطاء، والثوري، وأبو ~~عبيد: يطعم الدجاج. وقال مالك، والشافعي: يطعم البهائم. # وقال ابن المنذر: لا يطعم شيئا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «سئل ~~عن شحوم الميتة تطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال ~~لا هو حرام» متفق عليه، وهذا في معناه. ولنا: ما روى أحمد، بإسناده، عن ابن ~~عمر - رضي الله عنهما -، «أن قوما اختبزوا من آبار الذين ظلموا # PageV01P029 # أنفسهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أعلفوه النواضح» واحتج به ~~أحمد. # وقال في كسب الحجام: " أطعمه ناضحك أو رقيقك ". وقال أحمد: ليس هذا ~~بميتة. يعني أن نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما تناول الميتة، ~~وليس هذا بداخل في النهي، ولا في معناها؛ ولأن استعمال شحوم الميتة فيما ~~سئل عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - يفضي إلى تعدي نجاستها، واستعمال ما ~~دهنت به من الجلود، فيكون مستعملا للنجاسة، وليس كذلك هاهنا؛ فإن نجاسة هذا ~~لا تتعدى أكله. # قال أحمد: ولا يطعم لشيء يؤكل في الحال، ولا يحلب لبنه، لئلا يتنجس به، ~~ويصير كالجلال. ### | [مسألة إلا أن تكون النجاسة بولا أو عذرة مائعة] # (36) مسألة قال: (إلا أن تكون النجاسة بولا أو عذرة مائعة فإنه ينجس، إلا ~~أن يكون مثل المصانع التي بطريق مكة، وما أشبهها من المياه الكثيرة التي لا ~~يمكن نزحها، فذاك الذي لا ينجسه شيء) يعني بالمصانع: البرك التي صنعت موردا ~~للحاج، يشربون منها، يجتمع فيها ماء كثير ويفضل عنهم، فتلك لا تتنجس بشيء ~~من النجاسات ما لم تتغير، لا نعلم أحدا خالف في هذا. # قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الماء الكثير، مثل الرجل من البحر ~~ونحوه، إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لونا ولا طعما ولا ريحا، أنه بحاله ~~يتطهر منه، فأما ما يمكن نزحه إذا بلغ قلتين فلا يتنجس بشيء من النجاسات، ~~إلا ببول الآدميين، أو عذرتهم المائعة؛ فإن فيه روايتين عن أحمد، أشهرهما: ~~أنه يتنجس بذلك. # روي نحو هذا عن ms0033 علي، والحسن البصري. قال الخلال: وحدثنا عن علي بإسناد ~~صحيح، أنه سئل عن صبي بال في بئر، فأمرهم أن ينزفوها، ومثل ذلك عن الحسن ~~البصري. ووجه ذلك: ما روى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل منه» متفق ~~عليه. وفي لفظ: " ثم يتوضأ منه ". صحيح. وللبخاري: «ثم يغتسل فيه.» # وهذا متناول للقليل والكثير، وهو خاص في البول، وأصح من حديث القلتين ~~فيتعين تقديمه. والرواية الثانية، أنه لا يتنجس ما لم يتغير، كسائر ~~النجاسات، اختارها أبو الخطاب، وابن عقيل، وهذا مذهب الشافعي وأكثر أهل ~~العلم لا يفرقون بين البول وغيره من النجاسات؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس» . # ولأن بول الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب، وهو لا ينجس القلتين، فبول ~~الآدمي أولى، وحديث أبي هريرة لا بد من تخصيصه، بدليل ما لا يمكن نزحه، ~~فيقاس عليه ما بلغ القلتين، أو يخص بخبر القلتين، فإن تخصيصه بخبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم من غير دليل؛ ولأنه لو ~~تساوى الحديثان لوجب العدول إلى القياس على سائر النجاسات. # PageV01P030 # فصل: ولم أجد عن إمامنا، - رحمه الله -، ولا عن أصحابنا، تحديد ما يمكن ~~نزحه، بأكثر من تشبيهه بمصانع مكة. قال أحمد: إنما نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الراكد من آبار المدينة على قلة ما فيها؛ لأن المصانع لم ~~تكن، إنما أحدثت. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المصانع التي ~~بطريق مكة؟ فقال: ليس ينجس تلك عندي بول ولا شيء إذا كثر الماء، حتى يكون ~~مثل تلك المصانع. # وقال إسحاق بن منصور: سئل أحمد عن بئر بال فيها إنسان " قال تنزح حتى ~~تغلبهم. قلت: ما حده؟ قال: لا يقدرون على نزحها. وقيل لأبي عبد الله: ~~الغدير يبال فيه؟ قال: الغدير أسهل. ولم ير به بأسا، وقال في البئر، يكون ~~لها مادة: هو واقف لا يجري ليس ms0034 بمنزلة ما يجري. # يعني أنه يتنجس بالبول فيه إذا أمكن نزحه. # (38) فصل: ولا فرق بين البول القليل والكثير قال مهنا: سألت أحمد عن بئر ~~غزيرة وقعت فيها خرقة أصابها بول؟ قال: تنزح. وقال في قطرة بول وقعت في ~~ماء: لا يتوضأ منه وذلك لأن سائر النجاسات لا فرق بين قليلها وكثيرها. # (39) فصل: إذا كانت بئر الماء ملاصقة لبئر فيها بول أو غيره من النجاسات، ~~وشك في وصولها إلى الماء، فهو على أصله في الطهارة. قال أحمد: يكون بين ~~البئر والبالوعة ما لم يغير طعما ولا ريحا - وقال الحسن: ما لم يتغير لونه ~~أو ريحه - فلا بأس أن يتوضأ منها # وذلك لأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك، وإن أحب علم حقيقة ذلك فليطرح ~~في البئر النجسة نفطا، فإن وجد رائحته في الماء علم وصوله إليه، وإلا فلا، ~~وإن تغير الماء تغيرا يصلح أن يكون من النجاسة، ولم يعلم له سببا آخر، فهو ~~نجس؛ لأن الملاصقة سبب، فيحال الحكم عليه، وما عداه مشكوك فيه ولو وجد ماء ~~متغيرا في غير هذه الصورة، ولم يعلم سبب تغيره فهو طاهر، وإن غلب على ظنه ~~نجاسته؛ لأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك. # وإن وقعت فيه نجاسة # PageV01P031 # فوجده متغيرا تغيرا يصلح أن يكون منها فهو نجس؛ إلا أن يكون التغير لا ~~يصلح أن يكون من النجاسة الواقعة فيه، لكثرته وقلتها، أو لمخالفته لونها أو ~~طعمها، فهو طاهر؛ لأننا لا نعلم للنجاسة سببا، فأشبه ما لو لم يقع فيه شيء. ### | [فصل توضأ من ماء كثير ثم وجده متغيرا بنجاسة] # (40) فصل: وإن توضأ من الماء القليل، وصلى، ثم وجد فيه نجاسة، أو توضأ من ~~ماء كثير، ثم وجده متغيرا بنجاسة، وشك هل كان قبل وضوئه، أو بعده؟ فالأصل ~~صحة طهارته، وإن علم أن ذلك كان قبل وضوئه بأمارة أعاد، وإن علم أن النجاسة ~~قبل وضوئه ولم يعلم أكان دون القلتين، أو كان قلتين فنقص بالاستعمال أعاد؛ ~~لأن الأصل نقص الماء. ### | [فصل إذا نزح ماء البئر النجس فنبع فيه ms0035 بعد ذلك ماء أو صب فيه] # (41) فصل: إذا نزح ماء البئر النجس، فنبع فيه بعد ذلك ماء، أو صب فيه فهو ~~طاهر؛ لأن أرض البئر من جملة الأرض التي تطهر بالمكاثرة بمرور الماء عليها، ~~وإن نجست جوانب البئر، فهل يجب غسلها؟ على روايتين: إحداهما يجب؛ لأنه محل ~~نجس، فأشبه رأس البئر. والثانية لا يجب؛ للمشقة اللاحقة بذلك، فعفي عنه، ~~كمحل الاستنجاء، وأسفل الحذاء. # فصل: قال محمد بن يحيى: سألت أبا عبد الله عن قبور الحجارة التي للروم ~~يجيء المطر فيصير فيها، ويشربون من ذلك، ويتوضئون؟ قال: لو غسلت كيف تغسل ~~والماء يجيء المطر إلا أن يكون قد غسلها مرة أو مرتين. والأولى الحكم ~~بطهارتها؛ لأن هذه قد أصابها الماء مرات لا يحصى عددها، وجرى على حيطانها ~~من ماء المطر ما يطهرها بعضه؛ ولأن هذه يشق غسلها، فأشبهت الأرض التي تطهر ~~بمجيء المطر عليها. # (43) مسألة قال: (وإذا مات في الماء اليسير ما ليس له نفس سائلة مثل ~~الذباب والعقرب والخنفساء وما أشبه ذلك، فلا ينجسه) النفس هاهنا: الدم ~~يعني: ما ليس له دم سائل، والعرب تسمي الدم نفسا، قال الشاعر: # أنبئت أن بني سحيم أدخلوا ... أبياتهم تامور نفس المنذر # يعني: دمه. # ومنه قيل للمرأة: نفساء؛ لسيلان دمها عند الولادة، وتقول العرب: نفست ~~المرأة. إذا حاضت، ونفست من النفاس. وكل ما ليس له دم سائل: كالذي ذكره ~~الخرقي من الحيوان البري، أو # PageV01P032 # حيوان البحر، منه العلق، والديدان، والسرطان، ونحوها، لا يتنجس بالموت، ~~ولا يتنجس الماء إذا مات فيه، في قول عامة الفقهاء؛ قال ابن المنذر: لا ~~أعلم في ذلك خلافا، إلا ما كان من أحد قولي الشافعي، قال فيها قولان: ~~أحدهما: # ينجس قليل الماء. قال بعض أصحابه: وهو القياس # والثاني: لا ينجس وهو الأصلح للناس فأما الحيوان في نفسه فهو عنده نجس، ~~قولا واحدا؛ لأنه حيوان لا يؤكل لا لحرمته، فينجس بالموت، كالبغل والحمار، ~~ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم ~~فليمقله، فإن في أحد جناحيه ms0036 داء، وفي الآخر شفاء.» رواه البخاري، وأبو ~~داود، وفي لفظ: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه؛ فإن ~~في أحد جناحيه سما، وفي الآخر شفاء» . # قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك. قال ~~الشافعي: مقله ليس بقتله. # قلنا: اللفظ عام في كل شراب بارد، أو حار، أو دهن، مما يموت بغمسه فيه، ~~فلو كان ينجس الماء كان أمرا بإفساده، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «قال لسلمان: يا سلمان، أيما طعام أو شراب ماتت فيه دابة ليست لها ~~نفس سائلة، فهو الحلال: أكله، وشربه، ووضوءه» . وهذا صريح. أخرجه الترمذي، ~~والدارقطني، قال الترمذي: يرويه بقية، وهو مدلس، فإذا روى عن الثقات جود # ولأنه لا نفس له سائلة، لم يتولد من النجاسة، فأشبه دود الخل إذا مات ~~فيه، فإنهم سلموا ذلك ونحوه، أنه لا ينجس المائع الذي تولد منه، إلا أن ~~يؤخذ ثم يطرح فيه، أو يشق الاحتراز منه، أشبه ما ذكرناه، وإذا ثبت أنه لا ~~ينجس، لزم أن لا يكون نجسا؛ لأنه لو كان نجسا لنجس كسائر النجاسات. # (44) فصل: فإن غير الماء فحكمه حكم الطاهرات؛ إن كان مما لا يمكن التحرز ~~منه، كالجراد يتساقط في الماء ونحوه، فهو كورق الشجر المتناثر في الماء، ~~يعفى عنه، وإن كان مما يمكن التحرز منه، كالذي يلقى في الماء قصدا، فهو ~~كالورق الذي يلقى في الماء، ولو تغير الماء بحيوان مذكى، من غير أن يصيب ~~نجاسة، فقد نقل إسحاق بن منصور، قال: سئل أحمد عن شاة مذبوحة، وقعت في ماء ~~فتغير ريح الماء؟ قال: لا بأس، إنما ذلك إذا كان من نجاسة. # وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: وأما السمك إذا غير الماء، فأرجو أن لا ~~يكون به بأس. ### | [فصل ضرب حيوانا مأكولا فوقع في ماء ثم وجده ميتا] # (45) فصل: ذكر ابن عقيل فيمن ضرب حيوانا مأكولا، فوقع في ماء، ثم وجده ~~ميتا، ولم يعلم هل مات # PageV01P033 # بالجراحة، أو بالماء، فالماء على أصله ms0037 في الطهارة، والحيوان على أصله في ~~الحظر، إلا أن تكون الجراحة موجبة، فيكون الحيوان أيضا مباحا؛ لأن الظاهر ~~موته بالجراح والماء طاهر، إلا أن يقع فيه دم. # (46) فصل: الحيوان ضربان: ما ليست له نفس سائلة، وهو نوعان: ما يتولد من ~~الطاهرات، فهو طاهر حيا وميتا، وهو الذي ذكرناه. الثاني، ما يتولد من ~~النجاسات، كدود الحش وصراصره، فهو نجس حيا وميتا؛ لأنه متولد من النجاسة ~~فكان نجسا، كولد الكلب والخنزير. # قال أحمد في رواية المروذي: صراصر الكنيف والبالوعة، إذا وقع في الإناء ~~أو الحب، صب وصراصر البئر ليست بقذرة، ولا تأكل العذرة. الضرب الثاني ما له ~~نفس سائلة، وهو ثلاثة أنواع: أحدها ما تباح ميتته، وهو السمك وسائر حيوان ~~البحر الذي لا يعيش إلا في الماء، فهو طاهر حيا وميتا، لولا ذلك لم يبح ~~أكله، وإن غير الماء لم يمنع؛ لأنه لا يمكن التحرز منه. # النوع الثاني ما لا تباح ميتته غير الآدمي؛ كحيوان البر المأكول، وغيره، ~~كحيوان البحر الذي يعيش في البر، كالضفدع، والتمساح، وشبههما، فكل ذلك ينجس ~~بالموت، وينجس الماء القليل إذا مات فيه، والكثير إذا غيره. وبهذا قال ابن ~~المبارك، والشافعي، وأبو يوسف. # وقال مالك، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، في الضفدع: إذا ماتت في الماء لا ~~تفسده؛ لأنها تعيش في الماء أشبهت السمك. ولنا أنها تنجس غير الماء، فتنجس ~~الماء، كحيوان البر؛ ولأنه حيوان له نفس سائلة، لا تباح ميتته فأشبه طير ~~الماء، ويفارق السمك؛ فإنه مباح، ولا ينجس غير الماء. # النوع الثالث، الآدمي الصحيح في المذهب أنه طاهر حيا وميتا؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن لا ينجس» متفق عليه. وعن أحمد: أنه سئل عن ~~بئر وقع فيها إنسان، فمات؟ قال: ينزح حتى يغلبهم. وهو مذهب أبي حنيفة، قال: ~~ينجس ويطهر بالغسل؛ لأنه حيوان له نفس سائلة، فنجس بالموت، كسائر ~~الحيوانات. # وللشافعي قولان. كالروايتين والصحيح ما ذكرنا أولا؛ للخبر؛ ولأنه آدمي، ~~فلم # PageV01P034 # ينجس بالموت، كالشهيد؛ ولأنه لو نجس بالموت لم يطهر بالغسل؛ كسائر ~~الحيوانات التي ms0038 تنجس، ولم يفرق أصحابنا بين المسلم والكافر؛ لاستوائهما في ~~الآدمية، وفي حال الحياة، ويحتمل أن ينجس الكافر بموته؛ لأن الخبر إنما ورد ~~في المسلم، ولا يصح قياس الكافر عليه؛ لأنه لا يصلى عليه، وليس له حرمة ~~كحرمة المسلم. # (47) فصل: وحكم أجزاء الآدمي وأبعاضه حكم جملته، سواء انفصلت في حياته أو ~~بعد موته؛ لأنها أجزاء من جملة. فكان حكمها كسائر الحيوانات الطاهرة ~~والنجسة؛ ولأنها يصلى عليها، فكانت طاهرة كجملته. وذكر القاضي أنها نجسة، ~~رواية واحدة؛ لأنها لا حرمة لها، بدليل أنه لا يصلى عليها. ولا يصح هذا؛ ~~فإن لها حرمة، بدليل أن كسر عظم الميت ككسر عظم الحي، ويصلى عليها إذا وجدت ~~من الميت، ثم تبطل بشهيد المعركة، فإنه لا يصلى عليه، وهو طاهر. # (48) فصل وفي الوزغ وجهان: أحدهما لا ينجس بالموت؛ لأنه لا نفس له سائلة، ~~أشبه العقرب؛ ولأنه إن شك في نجاسته فالماء يبقى على أصله في الطهارة. ~~والثاني أنه ينجس؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يقول. إن ماتت ~~الوزغة أو الفأرة في الجب يصب ما فيه، واذا ماتت في بئر فانزحها حتى تغلبك. # (49) فصل: وإذا مات في الماء حيوان لا يعلم، هل ينجس بالموت أم لا؟ ~~فالماء طاهر؛ لأن الأصل طهارته، والنجاسة مشكوك فيها، فلا نزول عن اليقين ~~بالشك وكذلك الحكم إن شرب منه حيوان يشك في نجاسة سؤره وطهارته؛ لما ذكرنا. ### | [مسألة لا يتوضأ بسؤر كل بهيمة لا يؤكل لحمها إلا السنور] # (50) مسألة قال: (ولا يتوضأ بسؤر كل بهيمة لا يؤكل لحمها، إلا السنور وما ~~دونها في الخلقة) . السؤر فضلة الشرب. والحيوان قسمان: نجس وطاهر. فالنجس ~~نوعان: أحدهما ما هو نجس، رواية واحدة، وهو الكلب، والخنزير، وما تولد ~~منهما، أو من أحدهما، فهذا نجس، عينه، وسؤره، وجميع ما خرج منه، روي ذلك عن ~~عروة، وهو مذهب الشافعي، وأبي عبيد، وهو قول أبي حنيفة في السؤر خاصة. وقال ~~مالك، والأوزاعي، وداود: سؤرهما طاهر، يتوضأ به ويشرب، وإن ولغا في طعام لم ~~يحرم أكله. # وقال ms0039 الزهري: يتوضأ به إذا لم يجد # PageV01P035 # غيره. وقال عبدة بن أبي لبابة، والثوري، وابن الماجشون، وابن مسلمة: ~~يتوضأ ويتيمم. قال مالك: ويغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب تعبدا. # واحتج بعضهم على طهارته بأن الله تعالى قال {فكلوا مما أمسكن عليكم} ~~[المائدة: 4] ولم يأمر بغسل ما أصابه فمه، وروى ابن ماجه بإسناده، عن أبي ~~سعيد الخدري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سئل عن الحياض التي بين ~~مكة والمدينة، تردها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة بها؟ فقال: لها ما ~~حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور» ؛ ولأنه حيوان فكان طاهرا كالمأكول. # ولنا ما روى أبو هريرة، - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» متفق عليه، ولمسلم: ~~«فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات» ، ولو كان سؤره طاهرا لم تجز إراقته، ولا وجب ~~غسله. فإن قيل: إنما وجب غسله تعبدا، كما تغسل أعضاء الوضوء وتغسل اليد من ~~نوم الليل. # قلنا: الأصل وجوب الغسل من النجاسة؛ بدليل سائر الغسل، ثم لو كان تعبدا ~~لما أمر بإراقة الماء، ولما اختص الغسل بموضع الولوغ؛ لعموم اللفظ في ~~الإناء كله. # وأما غسل اليد من النوم فإنما أمر به للاحتفاظ؛ لاحتمال أن تكون يده قد ~~أصابتها نجاسة، فيتنجس الماء، ثم تنجس أعضاؤه به، وغسل أعضاء الوضوء شرع ~~للوضاءة والنظافة ليكون العبد في حال قيامه بين يدي الله سبحانه وتعالى على ~~أحسن حال وأكملها، ثم إن سلمنا ذلك، فإنما عهدنا التعبد في غسل اليدين. # أما الآنية والثياب فإنما يجب غسلها من النجاسات، وقد روي في لفظ: «طهور ~~إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا» أخرجه أبو داود، ولا يكون ~~الطهور إلا في محل الطهارة. وقولهم: إن الله تعالى أمر بأكل ما أمسكه الكلب ~~قبل غسله، # قلنا: الله تعالى أمر بأكله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسله، ~~فيعمل بأمرهما، وإن سلمنا أنه لا يجب غسله فلأنه يشق، فعفي عنه، وحديثهم ~~قضية في عين، يحتمل أن الماء ms0040 المسئول عنه كان كثيرا، ولذلك قال في موضع ~~آخر، حين سئل عن الماء، وما ينوبه من السباع: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل ~~الخبث» ؛ ولأن الماء لا ينجس إلا بالتغير على رواية لنا، وشربها من الماء ~~لا يغيره، فلم ينجسه ذلك # النوع الثاني ما اختلف فيه، وهو سائر سباع البهائم، إلا السنور وما دونها ~~في الخلقة، وكذلك جوارح الطير، والحمار الأهلي والبغل؛ فعن أحمد أن سؤرها ~~نجس، إذا لم يجد غيره تيمم، وتركه. # وروي عن ابن عمر: أنه كره سؤر الحمار. وهو قول الحسن، وابن سيرين، ~~والشعبي، والأوزاعي، وحماد، وإسحاق وعن أحمد - رحمه الله -: أنه قال في ~~البغل والحمار: إذا لم يجد غير سؤرهما تيمم معه. وهو قول أبي حنيفة، ~~والثوري. # PageV01P036 # وهذه الرواية تدل على طهارة سؤرهما؛ لأنه لو كان نجسا لم تجز الطهارة به # وروي عن إسماعيل بن سعيد: لا بأس بسؤر السباع؛ لأن عمر قال في السباع: ~~ترد علينا، ونرد عليها. ورخص في سؤر جميع ذلك الحسن، وعطاء، والزهري، ويحيى ~~الأنصاري، وبكير بن الأشج، وربيعة، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وابن ~~المنذر؛ لحديث أبي سعيد في الحياض، وقد روي عن جابر أيضا، وفي حديث آخر عن ~~جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: ~~نعم وبما أفضلت السباع كلها» رواه الشافعي في " مسنده "، وهذا نص؛ ولأنه ~~حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فكان طاهرا كالشاة. # ووجه الرواية الأولى، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الماء، وما ~~ينوبه من السباع؟ فقال: " إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس ". ولو كانت طاهرة ~~لم يحده بالقلتين، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «في الحمر يوم خيبر: ~~إنها رجس» ولأنه حيوان حرم أكله، لا لحرمته، يمكن التحرز منه غالبا، أشبه ~~الكلب؛ ولأن السباع والجوارح الغالب عليها أكل الميتات والنجاسات، فتنجس ~~أفواهها، ولا يتحقق وجود مطهر لها، فينبغي أن يقضى بنجاستها، كالكلاب، ~~وحديث أبي سعيد قد أجبنا عنه، ويتعين حمله على الماء الكثير، عند من يرى ~~نجاسة ms0041 سؤر الكلب، والحديث الآخر يرويه ابن أبي حبيبة، وهو منكر الحديث. # قاله البخاري. وإبراهيم بن يحيى، وهو كذاب. والصحيح عندي: طهارة البغل ~~والحمار؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يركبها، وتركب في زمنه، وفي ~~عصر الصحابة، فلو كان نجسا لبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك؛ ولأنهما ~~لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما. فأشبها السنور، وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - " إنها رجس ". أراد أنها محرمة، كقوله تعالى في الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام إنها " رجس "، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في ~~قدورهم، فإنه رجس، فإن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره. # القسم الثاني طاهر في نفسه، وسؤره وعرقه، وهو ثلاثة أضرب: الأول، الآدمي، ~~فهو طاهر، وسؤره طاهر، سواء كان مسلما أم كافرا، عند عامة أهل العلم، إلا ~~أنه حكي عن النخعي أنه كره سؤر الحائض، وعن جابر بن زيد، لا يتوضأ منه، وقد ~~ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «المؤمن لا ينجس» . # وعن عائشة «أنها كانت تشرب من الإناء، وهي حائض، فيأخذه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فيضع فاه على موضع فيها فيشرب، وتتعرق العرق فيأخذه # PageV01P037 # فيضع فاه على موضع فيها.» رواه مسلم، «وكانت تغسل رأس رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهي حائض» ، متفق عليه، وقال - صلى الله عليه وسلم - ~~«لعائشة: ناوليني الخمرة من المسجد قالت: إني حائض. قال: إن حيضتك ليست في ~~يدك» . # الضرب الثاني ما أكل لحمه؛ فقال أبو بكر بن المنذر أجمع أهل العلم على أن ~~سؤر ما أكل لحمه يجوز شربه، والوضوء به. فإن كان جلالا يأكل النجاسات. فذكر ~~القاضي روايتين إحداهما: أنه نجس. # والثانية: طاهر فيكون هذا من النوع الثاني من القسم الأول المختلف فيه. # الضرب الثالث السنور وما دونها في الخلقة؛ كالفأرة، وابن عرس، فهذا ونحوه ~~من حشرات الأرض سؤره طاهر، يجوز شربه والوضوء به. ولا يكره. وهذا قول أكثر ~~أهل العلم؛ من الصحابة، والتابعين، من أهل المدينة، والشام، وأهل الكوفة ~~أصحاب الرأي، إلا أبا حنيفة، فإنه ms0042 كره الوضوء بسؤر الهر، فإن فعل أجزأه. # وقد روي عن ابن عمر أنه كرهه، وكذلك يحيى الأنصاري، وابن أبي ليلى. وقال ~~أبو هريرة، يغسل مرة أو مرتين. وبه قال ابن المنذر. وقال الحسن، وابن ~~سيرين: يغسل مرة. # وقال طاوس: يغسل سبعا، كالكلب. وقد روى أبو داود، بإسناده، عن أبي هريرة ~~- رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث، وقال: «إذا ~~ولغت فيه الهرة غسل مرة» . # ولنا ما روي عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت أبي قتادة، أن أبا قتادة ~~دخل عليها، فسكبت له وضوءا، قالت: فجاءت هرة فأصغى لها الإناء حتى شربت، ~~قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم. فقال: ~~إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال: إنها ليست بنجس، إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات» . أخرجه أبو داود والنسائي، والترمذي، وقال: هذا ~~حديث حسن صحيح. وهذا أحسن شيء في الباب. # وقد دل بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهر، وبتعليله على نفي الكراهة عما ~~دونها مما يطوف علينا. وروى ابن ماجه، عن عائشة، قالت: «كنت أتوضأ أنا ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء، قد أصابت منه الهرة قبل ذلك» . # وعن عائشة، أنها قالت: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنها ~~ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم. وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يتوضأ بفضلها.» رواه أبو داود. # PageV01P038 ### | [فصل أكلت الهرة نجاسة ثم شربت من ماء يسير] # (51) فصل: إذا أكلت الهرة نجاسة ثم شربت من ماء يسير بعد أن غابت، فالماء ~~طاهر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى عنها النجاسة، وتوضأ بفضلها، ~~مع علمه بأكلها النجاسات. وإن شربت قبل أن تغيب، فقال القاضي، وابن عقيل: ~~ينجس؛ لأنه وردت عليه نجاسة متيقنة، أشبه ما لو أصابه بول. # وقال أبو الحسن الآمدي: ظاهر مذهب أصحابنا أنه طاهر، وإن لم تغب؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عفى عنها مطلقا، وعلل بعدم إمكان الاحتراز ~~عنها؛ ms0043 ولأننا حكمنا بطهارة سؤرها مع الغيبة في مكان لا يحتمل ورودها على ~~ماء كثير يطهر فاها، ولو احتمل ذلك فهو شك لا يزيل يقين النجاسة، فوجب ~~إحالة الطهارة على العفو عنها، وهو شامل لما قبل الغيبة. ### | [فصل وقعت الفأرة أو الهرة ونحوهما في مائع أو ماء يسير ثم خرجت حية] # (52) فصل: وإن وقعت الفأرة أو الهرة ونحوهما، في مائع، أو ماء يسير، ثم ~~خرجت حية، فهو طاهر. نص عليه أحمد، فإنه سئل عن الفأرة تقع في السمن ~~الذائب، فلم تمت؟ قال: لا بأس بأكله. وفي رواية قال: إذا كان حيا فلا شيء، ~~إنما الكلام في الميت. # وقيل: يحتمل أن ينجس إذا أصاب الماء مخرجها؛ لأن مخرج النجاسة نجس، فينجس ~~به الماء. ولنا أن الأصل الطهارة، وإصابة الماء لموضع النجاسة مشكوك فيه، ~~فإن المخرج ينضم إذا وقع الحيوان في الماء، فلا يزول اليقين بالشك. ### | [فصل حكم جلد الحيوان وشعره وعرقه ودمعه وسؤره في الطهارة والنجاسة] # فصل: كل حيوان حكم جلده وشعره وعرقه ودمعه ولعابه حكم سؤره في الطهارة ~~والنجاسة؛ لأن السؤر إنما يثبت فيه حكم النجاسة في الموضع الذي ينجس ~~لملاقاته لعاب الحيوان وجسمه، فلو كان طاهرا كان سؤره طاهرا، وإذا كان نجسا ~~كان سؤره نجسا. ### | [مسألة إناء حلت فيه نجاسة من ولوغ كلب أو بول] # (54) مسألة قال: (وكل إناء حلت فيه نجاسة؛ من ولوغ كلب، أو بول، أو غيره، ~~فإنه يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب) النجاسة تنقسم قسمين: أحدهما؛ نجاسة ~~الكلب والخنزير والمتولد منهما، فهذا لا يختلف المذهب في أنه يجب غسلها ~~سبعا، إحداهن بالتراب، وهو قول الشافعي. # وعن أحمد: أنه يجب غسلها ثمانيا، إحداهن بالتراب، وروي ذلك عن الحسن؛ ~~لحديث عبد الله بن المغفل، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال: إذا ~~ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب.» رواه ~~مسلم. والرواية الأولى أصح، ويحمل هذا الحديث على أنه عد التراب ثامنة؛ ~~لأنه وإن وجد مع إحدى الغسلات فهو جنس آخر، فيجمع بين # PageV01P039 # الخبرين. # وقال ms0044 أبو حنيفة: لا يجب العدد في شيء من النجاسات، وإنما يغسل حتى يغلب ~~على الظن نقاؤه من النجاسة؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال في الكلب يلغ في الإناء: «يغسل ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا» فلم يعين ~~عددا؛ ولأنها نجاسة، فلم يجب فيها العدد، كما لو كانت على الأرض. ولنا ما ~~روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ولغ الكلب في ~~إناء أحدكم فليغسله سبعا» . متفق عليه، ولمسلم، وأبي داود: «أولاهن ~~بالتراب» . وحديث عبد الله بن المغفل، الذي ذكرناه. وحديثهم يرويه عبد ~~الوهاب بن الضحاك، وهو ضعيف. وقد روى غيره من الثقات: (فليغسله سبعا. # وعلى أنه يحتمل الشك من الراوي، فينبغي أن يتوقف فيه، ويعمل بغيره. وأما ~~الأرض فإنه سومح في غسلها للمشقة، بخلاف غيرها. # (55) فصل: فإن جعل مكان التراب غيره؛ من الأشنان، والصابون، والنخالة، ~~ونحو ذلك، أو غسله غسلة ثامنة، فقال أبو بكر: فيه وجهان: أحدهما لا يجزئه؛ ~~لأنه طهارة أمر فيها بالتراب، فلم يقم غيره مقامه، كالتيمم؛ ولأن الأمر به ~~تعبد غير معقول، فلا يجوز القياس فيه. # والثاني: يجزئه؛ لأن هذه الأشياء أبلغ من التراب في الإزالة، فنصه على ~~التراب تنبيه عليها؛ ولأنه جامد أمر به في إزالة النجاسة، فألحق به ما ~~يماثله كالحجر في الاستجمار. # فأما الغسلة الثامنة فالصحيح أنها لا تقوم مقام التراب؛ لأنه إن كان ~~القصد به تقوية الماء في الإزالة فلا يحصل ذلك بالثامنة؛ لأن الجمع بينهما ~~أبلغ في الإزالة، وإن وجب تعبدا امتنع إبداله، والقياس عليه. وقال بعض ~~أصحابنا: إنما يجوز العدول إلى غير التراب عند عدمه، أو إفساد المحل ~~المغسول به، فأما مع وجوده وعدم الضرر فلا وهذا قول ابن حامد. # القسم الثاني: نجاسة غير الكلب والخنزير، ففيها روايتان: إحداهما يجب ~~العدد فيها قياسا على نجاسة الولوغ، وروي عن ابن عمر،، أنه قال: «أمرنا ~~بغسل الأنجاس سبعا.» فينصرف إلى أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. # والثانية، لا يجب العدد، بل يجزئ فيها المكاثرة ms0045 بالماء من غير عدد، بحيث ~~تزول عين النجاسة، وهذا قول الشافعي لما روي عن ابن عمر، قال: «كانت الصلاة ~~خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، والغسل من البول سبع مرات، فلم يزل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا، والغسل # PageV01P040 # من البول مرة، والغسل من الجنابة مرة» رواه الإمام أحمد، في " مسنده " ~~وأبو داود، في " سننه " وهذا نص، إلا أن في مراجعة أيوب بن جابر، وهو ضعيف، ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة ~~فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصل فيه» . رواه البخاري. # ولم يأمر فيه بعدد، وفي حديث آخر، «أن امرأة ركبت ردف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على ناقته، فلما نزلت إذا على حقيبته شيء من دمها، فأمرها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تجعل في الماء ملحا، ثم تغسل به الدم» . ~~رواه أبو داود، ولم يأمرها بعدد «، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يصب على بول الأعرابي سجل من ماء» . متفق عليه، ولم يأمر بالعدد. # ولأنها نجاسة غير الكلب، فلم يجب فيها العدد، وروي أن العدد لا يعتبر في ~~غير محل الاستنجاء من البدن، ويعتبر في محل الاستنجاء وبقية المحال، قال ~~الخلال: هذه الرواية وهم. ولم يثبتها. فإذا قلنا: بوجوب العدد، ففي قدره ~~روايتان: إحداهما سبع؛ لما قدمنا. # والثانية، ثلاث؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قام أحدكم ~~من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت ~~يده» . متفق عليه. إلا قوله " ثلاثا " انفرد به مسلم، أمر بغسلها ثلاثا؛ ~~ليرتفع وهم النجاسة، ولا يرفع وهم النجاسة إلا ما يرفع حقيقتها. وقد روي أن ~~النجاسة في محل الاستنجاء تطهر بثلاث، وفي غيره تطهر بسبع؛ لأن محل ~~الاستنجاء تتكرر فيه النجاسة، فاقتضى ذلك التخفيف، وقد اجتزئ فيها بثلاثة ~~أحجار، مع أن الماء أبلغ في الإزالة، فأولى أن يجتزئ فيها بثلاث غسلات. # قال القاضي: الظاهر من قول أحمد ما اختار الخرقي، وهو وجوب ms0046 العدد في جميع ~~النجاسات. فإن قلنا لا يجب العدد لم يجب التراب، وكذلك إن قلنا: لا يجب ~~الغسل سبعا؛ لأن الأصل عدم وجوبه، ولم يرد الشرع به إلا في نجاسة الولوغ. ~~وإن قلنا بوجوب السبع، ففي وجوب التراب وجهان: أحدهما يجب؛ قياسا على ~~الولوغ. # والثاني لا يجب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالغسل للدم ~~وغيره، ولم يأمر بالتراب إلا في نجاسة الولوغ، فوجب أن يقتصر عليه؛ ولأن ~~التراب إن أمر به تعبدا وجب قصره على محله، وإن أمر به لمعنى في الولوغ ~~للزوجة فيه لا تنقلع إلا بالتراب، فلا يوجد ذلك في غيره، # PageV01P041 # والمستحب أن يجعل التراب في الغسلة الأولى؛ لموافقته لفظ الخبر، وليأتي ~~الماء عليه بعده فينظفه، ومتى غسل به أجزأه؛ لأنه روي في حديث: " إحداهن ~~بالتراب ". وفي حديث: " أولاهن "، وفي حديث: " في الثامنة "، فيدل على أن ~~محل التراب من الغسلات غير مقصود. ### | [فصل أصاب المحل نجاسات متساوية في الحكم] # (56) فصل: إذا أصاب المحل نجاسات متساوية في الحكم فهي كنجاسة واحدة، وإن ~~كان بعضها أغلظ، كالولوغ مع غيره، فالحكم لأغلظها، ويدخل فيه ما دونه. ولو ~~غسل الإناء دون السبع، ثم ولغ فيه مرة أخرى، فغسله سبعا، أجزأ؛ لأنه إذا ~~أجزأ عما يماثل فعما دونه أولى. ### | [فصل غسل محل النجاسة فأصاب ماء بعض الغسلات محلا آخر] # (57) فصل: وإذا غسل محل النجاسة فأصاب ماء بعض الغسلات محلا آخر، قبل ~~تمام السبع، ففيه وجهان: أحدهما، يجب غسله سبعا، وهو ظاهر كلام الخرقي، ~~واختيار ابن حامد؛ لأنها نجاسة، فلا يراعى فيها حكم المحل الذي انفصلت عنه، ~~كنجاسة الأرض ومحل الاستنجاء. وظاهر قول الخرقي أنه يجب غسلها بالتراب، وإن ~~كان المحل الذي انفصلت عنه قد غسل بالتراب؛ لأنها نجاسة أصابت غير الأرض، ~~فأشبهت الأولى. # والثاني: يجب غسله من الأولى ستا، ومن الثانية خمسا، ومن الثالثة أربعا، ~~كذلك إلى آخره؛ لأنها نجاسة تطهر في محلها بدون السبع، فطهرت في مثله، ~~كالنجاسة على الأرض؛ ولأن المنفصل بعض المتصل، والمتصل يطهر بذلك، فكذلك ~~المنفصل، وتفارق ms0047 المنفصل عن الأرض ومحل الاستنجاء؛ لأن العلة في خفتها ~~المحل، وقد زالت عنه، فزال التخفيف، والعلة في تخفيفها هاهنا قصور حكمها ~~بما مر عليها من الغسل. # وهذا لازم لها حسب ما كان، ثم إن كانت قد انفصلت عن محل غسل بالتراب غسل ~~محلها بغير تراب، وإن كانت الأولى بغير تراب غسلت هذه بالتراب. وهذا اختيار ~~القاضي، وهو أصح إن شاء الله تعالى (58) فصل: ولا فرق بين النجاسة من ولوغ ~~الكلب، أو يده، أو رجله، أو شعره، أو غير ذلك من أجزائه؛ لأن حكم كل جزء من ~~أجزاء الحيوان حكم بقية أجزائه، على ما قررناه، وحكم الخنزير حكم الكلب؛ ~~لأن النص وقع في الكلب، والخنزير شر منه وأغلظ؛ لأن الله تعالى نص على ~~تحريمه، وأجمع المسلمون على ذلك، وحرم اقتناؤه. # PageV01P042 ### | [فصل غسل النجاسة يختلف باختلاف محلها] # (59) فصل: وغسل النجاسة يختلف باختلاف محلها؛ إن كانت جسما لا يتشرب ~~النجاسة كالآنية، فغسله بمرور الماء عليه كل مرة غسلة، سواء كان بفعل آدمي ~~أو غير فعله، مثل أن ينزل عليه ماء المطر، أو يكون في نهر جار، فتمر عليه ~~جريات النهر، فكل جرية تمر عليه غسلة؛ لأن القصد غير معتبر، فأشبه ما لو ~~صبه آدمي بغير قصد، وإن وقع في ماء قليل راكد نجسه ولم يطهر، وإن كان كثيرا ~~احتسب بوضعه فيه ومرور الماء على أجزائه غسلة، فإن خضخضه في الماء وحركه ~~بحيث يمر عليه أجزاء غير التي كانت ملاقية له، احتسب بذلك غسلة ثانية، كما ~~لو مرت عليه جريات من الماء الجاري. # وإن كان المغسول إناء فطرح فيه الماء، لم يحتسب به غسلة حتى يفرغه منه؛ ~~لأنه العادة في غسله، إلا أن يكون يسع قلتين فصاعدا، فملأه، فيحتمل أن ~~إدارة الماء فيه تجري مجرى الغسلات؛ لأن أجزاءه تمر عليها جريات من الماء ~~غير التي كانت ملاقية له، فأشبه ما لو مرت عليها جريات من ماء جار. وقال ~~ابن عقيل: لا يكون غسله إلا بتفريغه منه أيضا. وإن كان المغسول جسما تدخل ~~فيه أجزاء ms0048 النجاسة، لم يحتسب برفعه من الماء غسلة، إلا بعد عصره، وعصر كل ~~شيء بحسبه، فإن كان بساطا ثقيلا أو زليا فعصره بتقليبه ودقه. ### | [فصل ما أزيلت به النجاسة] # (60) فصل: ما أزيلت به النجاسة، إن انفصل متغيرا بالنجاسة، أو قبل طهارة ~~المحل، فهو نجس؛ لأنه تغير بالنجاسة أو ماء قليل لاقى محلا نجسا لم يطهره، ~~فكان نجسا، كما لو وردت عليه. وإن انفصل غير متغير من الغسلة التي طهر بها ~~المحل، فإن كان المحل أرضا فهو طاهر، رواية واحدة؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر أن يصب على بول الأعرابي ذنوب من ماء، ليطهر الأرض التي ~~بال عليها، فلو كان المنفصل نجسا لنجس به ما انتشر إليه من الأرض، فتكثر ~~النجاسة، وإن كان غير الأرض، ففيه وجهان؛ قال أبو الخطاب: أصحهما أنه طاهر. # وهو مذهب الشافعي؛ لأنه انفصل عن محل محكوم بطهارته، فكان طاهرا، كالغسلة ~~الثامنة، وأن المنفصل بعض المتصل والمتصل طاهر، وكذلك المنفصل. والثاني: ~~أنه نجس وهو قول أبي حنيفة. واختاره أبو عبد الله بن حامد؛ لأنه ماء قليل، ~~لاقى محلا نجسا، أشبه ما لو لم يطهرها. قال أبو الخطاب: إنما يحكم بطهارة ~~المنفصل من الأرض إذا كانت قد نشفت أعيان البولة، فإن كانت أعيانها قائمة، ~~فجرى الماء عليها، طهرها. # وفي المنفصل روايتان، كالمنفصل عن غير الأرض. قال: وكونه نجسا أصح في ~~كلامه. والأولى الحكم بطهارته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل ~~بول الأعرابي عقيب بوله، ولم يشترط نشافه. # PageV01P043 ### | [فصل غسل بعض الثوب النجس] # (61) فصل: إذا غسل بعض الثوب النجس، جاز، ويطهر المغسول دون غيره؛ فإن ~~كان يغمس بعضه في ماء يسير راكد يعركه فيه، نجس الماء، ولم يطهر منه شيء؛ ~~لأنه بغمسه في الماء صار نجسا، فلم يطهر منه شيئا، وإن كان يصب على بعضه في ~~جفنة طهر ما طهره، وكان المنفصل نجسا؛ لأنه لا بد من أن يلاقي الماء ~~المنفصل جزء غير المغسول، فينجس به. ### | [فصل أصاب ثوب المرأة دم حيضها] # (62) فصل: إذا أصاب ثوب ms0049 المرأة دم حيضها، استحب أن تحته بظفرها، لتذهب ~~خشونته، ثم تقرصه ليلين للغسل، ثم تغسله بالماء؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «لأسماء في دم الحيض: حتيه، ثم اقرصيه، ثم غسليه بالماء» . ~~متفق عليه. فإن اقتصرت على إزالته بالماء جاز، فإن لم يزل لونه، وكانت ~~إزالته تشق أو يتلف الثوب ويضره، عفي عنه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ولا يضرك أثره» . # وإن استعملت في إزالته شيئا يزيله كالملح وغيره، فحسن؛ لما روى أبو داود، ~~بإسناده عن «امرأة من غفار، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أردفها على ~~حقيبته، فحاضت، قالت: فنزلت، فإذا بها دم مني، فقال: ما لك؟ لعلك نفست؟ . ~~قلت: نعم. قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا، ثم ~~اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم» . # قال الخطابي: فيه من الفقه؛ جواز استعمال الملح، وهو مطعوم، في غسل الثوب ~~وتنقيته من الدم، فعلى هذا يجوز غسل الثياب بالعسل، إذا كان يفسدها ~~الصابون، وبالخل إذا أصابها الحبر، والتدلك بالنخالة، وغسل الأيدي بها، ~~والبطيخ ودقيق الباقلا، وغيرها من الأشياء التي لها قوة الجلاء. والله ~~أعلم. ### | [فصل كان في الإناء خمر أو شبهه من النجاسات التي يتشربها الإناء] # (63) فصل: فإذا كان في الإناء خمر أو شبهه من النجاسات التي يتشربها ~~الإناء ثم متى جعل فيه مائع سواه ظهر فيه طعم النجاسة، أو لونها لم يطهر ~~بالغسل؛ لأن الغسل لا يستأصل أجزاء النجاسة من جسم الإناء، فلم يطهره، ~~كالسمسم إذا ابتل بالنجاسة. قال الشيخ أبو الفرج المقدسي في " المبهج ": ~~آنية الخمر منها المزفت، فتطهر بالغسل؛ لأن الزفت يمنع وصول النجاسة إلى ~~جسم الإناء، ومنها ما ليس بمزفت، فيتشرب أجزاء النجاسة، فلا يطهر بالتطهير، ~~فإنه متى ترك فيه مائع ظهر فيه طعم الخمر ولونه. ### | [مسألة كان معه في السفر إناءان نجس وطاهر واشتبها عليه] # (64) مسألة قال: (وإذا كان معه في السفر إناءان؛ نجس وطاهر، واشتبها ~~عليه، أراقهما، ويتيمم) . إنما خص حالة السفر بهذه المسألة؛ لأنها الحالة ~~التي يجوز التيمم ms0050 فيها، ويعدم فيها الماء غالبا، وأراد: إذا لم يجد ماء غير ~~الإناءين المشتبهين، فإنه متى وجد ماء طهورا غيرهما توضأ به، ولم يجز ~~التحري ولا التيمم، بغير خلاف. ولا تخلو الآنية المشتبهة من حالين: # PageV01P044 # أحدهما أن لا يزيد عدد الطاهر على النجس، فلا خلاف في المذهب أنه لا يجوز ~~التحري فيهما. # والثاني أن يكثر عدد الطاهرات؛ فذهب أبو علي النجاد، من أصحابنا، إلى ~~جواز التحري فيها. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن الظاهر إصابة الطاهر؛ ولأن جهة ~~الإباحة قد ترجحت، فجاز التحري، كما لو اشتبهت عليه أخته في نساء مصر.، ~~وظاهر كلام أحمد: أنه لا يجوز التحري فيها بحال. # وهو قول أكثر أصحابه. وهو قول المزني، وأبي ثور. وقال الشافعي: يتحرى ~~ويتوضأ بالأغلب عنده في الحالين؛ لأنه شرط للصلاة، فجاز التحري من أجله، ~~كما لو اشتبهت القبلة؛ ولأن الطهارة تؤدى باليقين تارة، وبالظن أخرى، ولهذا ~~جاز التوضؤ بالماء القليل المتغير، الذي لا يعلم سبب تغيره. وقال ابن ~~الماجشون: يتوضأ من كل واحد منهما وضوءا، ويصلي به. # وبه قال محمد بن مسلمة، إلا أنه قال: يغسل ما أصابه من الأول؛ لأنه أمكنه ~~أداء فرضه بيقين، فلزمه، كما لو اشتبه طاهر بطهور، وكما لو نسي صلاة من يوم ~~لا يعلم عينها، أو اشتبهت عليه الثياب. ولنا أنه اشتبه المباح بالمحظور، ~~فيما لا تبيحه الضرورة، فلم يجز التحري، كما لو استوى العدد عند أبي حنيفة، ~~وكما لو كان أحدهما بولا عند الشافعي، فإنه قد سلمه، واعتذر أصحابه بأنه لا ~~أصل له في الطهارة. قلنا: وهذا الماء قد زال عنه أصل الطهارة، وصار نجسا، ~~فلم يبق للأصل الزائل أثر، على أن البول قد كان ماء، فله أصل في الطهارة، ~~كهذا الماء النجس. # وقولهم: إذا كثر الطاهر ترجحت الإباحة. يبطل بما إذا اشتبهت أخته في مائة ~~أو ميتة بمذكيات، فإنه لا يجوز التحري، وإن كثر المباح، وأما إذا اشتبهت في ~~نساء مصر، فإنه يشق اجتنابهن جميعا، ولذلك يجوز له النكاح من غير تحر. وأما ~~القبلة فيباح ms0051 تركها للضرورة، كحالة الخوف، ويجوز أيضا في السفر في صلاة ~~النافلة؛ ولأن قبلته ما يتوجه إليه بظنه، ولو بان له يقين الخطأ لم يلزمه ~~الإعادة، بخلاف مسألتنا. # وأما المتغير من غير سبب يعلمه، فيجوز الوضوء به استنادا إلى أصل ~~الطهارة، وإن غلب على ظنه نجاسته، ولا يحتاج إلى تحر. وفي مسألتنا عارض ~~يقين الطهارة يقين النجاسة، فلم يبق له حكم، ولهذا لا يجوز استعماله من غير ~~تحر. ثم يبطل قياسهم بما إذا كان أحدهما بولا والآخر ماء. ويدل على صحة ما ~~قلنا: أنه لو توضأ من أحد الإناءين وصلى، ثم غلب على ظنه في الصلاة الثانية ~~أن الآخر هو الطاهر، فتوضأ به وصلى من غير غسل أثر الأول، فقد علمنا أنه ~~صلى بالنجاسة يقينا، وإن غسل أثر الأول ففيه حرج ونقض لاجتهاده باجتهاده، ~~ونعلم أن إحدى الصلاتين باطلة، لا بعينها فيلزمه إعادتهما، فإن توضأ من ~~الأول فقد توضأ بما يعتقده نجسا. # وما قاله ابن الماجشون فباطل؛ فإنه يفضي إلى تنجيس نفسه يقينا، وبطلان ~~صلاته إجماعا. وما قاله ابن مسلمة ففيه حرج، ويبطل بالقبلة؛ فإنه لا يلزمه ~~أن يصلي إلى أربع جهات. # PageV01P045 # (65) فصل: وهل يجوز له التيمم قبل إراقتهما؟ على روايتين: إحداهما، لا ~~يجوز؛ لأن معه ماء طاهرا بيقين، فلم يجز له التيمم مع وجوده. فإن خلطهما، ~~أو أراقهما، جاز له التيمم؛ لأنه لم يبق معه ماء طاهر. # والثانية يجوز التيمم قبل ذلك. اختاره أبو بكر. وهو الصحيح؛ لأنه غير ~~قادر على استعمال الطاهر، أشبه ما لو كان في بئر لا يمكنه استقاؤه، وإن ~~احتاج إليهما للشرب لم تجب إراقتهما، بغير خلاف؛ فإنه يجوز له التيمم لو ~~كانا طاهرين، فمع الاشتباه أولى. وإذا أراد الشرب تحرى وشرب من الطاهر ~~عنده؛ لأنها ضرورة تبيح الشرب من النجس إذا لم يجد غيره، فمن الذي يظن ~~طهارته أولى. # وإن لم يغلب على ظنه طهارة أحدهما شرب من أحدهما، وصار هذا كما لو اشتبهت ~~ميتة بمذكاة في حال الاضطرار، ولم يجد غيرها، فإنه إذا جاز ms0052 استعمال النجس ~~فاستعمال ما يظن طهارته أولى. وإذا شرب من أحدهما، أو أكل من المشتبهات، ثم ~~وجد ماء طهورا، فهل يلزمه غسل فيه؟ يحتمل وجهين: أحدهما لا يلزمه؛ لأن ~~الأصل طهارة فيه، فلا تزول عن ذلك بالشك. # والثاني يلزمه؛ لأنه محل منع استعماله من أجل النجاسة، فلزمه غسل أثره، ~~كالمتيقن. (66) فصل: وإذا علم عين النجس استحب إراقته ليزيل الشك عن نفسه. ~~وإن احتاج إلى الشرب شرب من الطاهر، ويتيمم إذا لم يجد غير النجس. # وإن خاف العطش في ثاني الحال، فقال القاضي: يتوضأ بالماء الطاهر ويحبس ~~النجس؛ لأنه غير محتاج إلى شربه في الحال، فلم يجز التيمم مع وجوده. ~~والصحيح إن شاء الله، أنه يحبس الطاهر ويتيمم؛ لأن وجود النجس كعدمه عند ~~الحاجة إلى الشرب في الحال، وكذلك في المآل، وخوف العطش في إباحة التيمم ~~كحقيقته. ### | [فصل اشتبه ماء طهور بماء قد بطلت طهوريته] # (67) فصل: وإن اشتبه ماء طهور بماء قد بطلت طهوريته، توضأ من كل واحد ~~منهما وضوءا كاملا، وصلى بالوضوءين صلاة واحدة. لا أعلم فيه خلافا؛ لأنه ~~أمكنه أداء فرضه بيقين، من غير حرج فيه، فيلزمه، كما لو كانا طاهرين ولم ~~يكفه أحدهما، وفارق ما إذا كان نجسا؛ لأنه ينجس أعضاءه يقينا، ولا يأمن أن ~~يكون النجس هو الثاني، فيبقى نجسا، ولا تصح صلاته، فإن احتاج إلى أحد ~~الإناءين للشرب تحرى، فتوضأ بالطهور عنده، وتيمم معه ليحصل له اليقين، ~~والله أعلم. # PageV01P046 ### | [فصل اشتبهت عليه ثياب طاهرة بنجسة] # (68) فصل: وإن اشتبهت عليه ثياب طاهرة بنجسة، لم يجز التحري، وصلى في كل ~~ثوب بعدد النجس، وزاد صلاة. وهذا قول ابن الماجشون. وقال أبو ثور، والمزني: ~~لا يصلي في شيء منها كالأواني، وقال أبو حنيفة، والشافعي: يتحرى فيها، ~~كقولهم في الأواني والقبلة. ولنا أنه أمكنه أداء فرضه بيقين من غير حرج ~~فيلزمه، كما لو اشتبه الطهور بالطاهر، وكما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم ~~عينها. # والفرق بين هذا وبين الأواني النجسة من وجهين: أحدهما أن استعمال النجس ~~يتنجس به، ويمنع ms0053 صحة صلاته في الحال والمآل، وهذا بخلافه. الثاني أن الثوب ~~النجس تباح له الصلاة فيه إذا لم يجد غيره، والماء النجس بخلافه. والفرق ~~بينه وبين القبلة من وجوه: أحدها، أن القبلة يكثر الاشتباه فيها، فيشق ~~اعتبار اليقين، فسقط دفعا للمشقة، وهذا بخلافه. # الثاني أن الاشتباه هاهنا حصل بتفريطه؛ لأنه كان يمكنه تعليم النجس أو ~~غسله، ولا يمكنه ذلك في القبلة. الثالث أن القبلة عليها أدلة من النجوم ~~والشمس والقمر وغيرها، فيصح الاجتهاد في طلبها، ويقوى دليل الإصابة لها، ~~بحيث لا يبقى احتمال الخطأ إلا وهما ضعيفا، بخلاف الثياب. # (69) فصل: فإن لم يعلم عدد النجس، صلى فيما يتيقن به أنه صلى في ثوب ~~طاهر، فإن كثر ذلك وشق، فقال ابن عقيل: يتحرى في أصح الوجهين؛ دفعا للمشقة. ~~والثاني لا يتحرى؛ لأن هذا يندر جدا، فلا يفرد بحكم، ويحسب عليه دليل ~~الغالب. ### | [فصل ورد ماء فأخبره بنجاسته صبي أو كافر أو فاسق] # (70) فصل: وإن ورد ماء فأخبره بنجاسته صبي أو كافر أو فاسق، لم يلزمه ~~قبول خبره؛ لأنه ليس من أهل الشهادة ولا الرواية، فلا يلزمه قبول خبره، ~~كالطفل والمجنون، وإن كان المخبر بالغا عاقلا مسلما غير معلوم فسقه، وعين ~~سبب النجاسة، لزم قبول خبره، سواء كان رجلا أو امرأة، حرا أو عبدا، معلوم ~~العدالة أو مستور الحال؛ لأنه خبر ديني، فأشبه الخبر بدخول وقت الصلاة، وإن ~~لم يعين سببها، فقال القاضي: لا يلزم قبول خبره؛ لاحتمال اعتقاده نجاسة ~~الماء بسبب لا يعتقده المخبر، كالحنفي يرى نجاسة الماء الكثير، والشافعي ~~يرى نجاسة الماء اليسير بما لا نفس له سائلة، والموسوس الذي يعتقد نجاسته ~~بما لا ينجسه. ويحتمل أن يلزم قبول خبره، إذا انتفت هذه الاحتمالات في حقه. # PageV01P047 ### | [فصل أخبره أن كلبا ولغ في هذا الإناء] # (71) فصل: فإن أخبره أن كلبا ولغ في هذا الإناء، لزم قبول خبره، سواء كان ~~بصيرا أو ضريرا؛ لأن للضرير طريقا إلى العلم بذلك بالخبر والحس. وإن أخبره ~~أن كلبا ولغ في هذا الإناء ولم يلغ في هذا. ms0054 وقال آخر: لم يلغ في الأول، ~~وإنما ولغ في الثاني. وجب اجتنابهما، فيقبل قول كل واحد منهما في الإثبات ~~دون النفي؛ لأنه يجوز أن يعلم كل واحد منهما ما خفي على الآخر، إلا أن ~~يعينا وقتا معينا، وكلبا واحدا، يضيق الوقت عن شربه منهما، فيتعارض ~~قولاهما، ويسقطان، ويباح استعمال كل واحد منهما. # فإن قال أحدهما: شرب من هذا الإناء، وقال الآخر: نزل ولم يشرب قدم قول ~~المثبت، إلا أن يكون لم يتحقق شربه، مثل الضرير الذي يخبر عن حسه، فيقدم ~~قول البصير؛ لأنه أعلم. ### | [فصل سقط على إنسان من طريق ماء هل يسأل عن طهارته أم لا] # (72) فصل: إذا سقط على إنسان من طريق ماء، لم يلزمه السؤال عنه؛ لأن ~~الأصل طهارته، قال صالح: سألت أبي عن الرجل يمر بالموضع، فيقطر عليه قطرة ~~أو قطرتان؟ فقال: إن كان مخرجا - يعني خلاء - فاغسله، وإن لم يكن مخرجا فلا ~~يسأل عنه؛ فإن عمر، - رضي الله عنه - مر هو وعمرو بن العاص على حوض، فقال ~~عمرو: يا صاحب الحوض، أترد على حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض، لا ~~تخبرنا، فإنا نرد عليها، وترد علينا. رواه مالك، في " الموطأ ". # فإن سأل، فقال ابن عقيل: لا يلزم المسئول رد الجواب؛ لخبر عمر، ويحتمل أن ~~يلزمه؛ لأنه سئل عن شرط الصلاة، فلزمه الجواب، إذا علم، كما لو سأله عن ~~القبلة. وخبر عمر - رضي الله عنه - يدل على أن سؤر السباع غير نجس. والله ~~أعلم # PageV01P048 ### | [باب الآنية] ### | [مسألة نجاسة جلد الميتة قبل الدبغ] # (73) مسألة، قال أبو القاسم - رحمه الله -: (وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ ~~فهو نجس) لا يختلف المذهب في نجاسة الميتة قبل الدبغ، ولا نعلم أحدا خالف ~~فيه، وأما بعد الدبغ فالمشهور في المذهب أنه نجس أيضا، وهو إحدى الروايتين ~~عن مالك، ويروى ذلك عن عمر وابنه عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - ~~وعمران بن حصين، وعائشة - رضي الله عنهم -. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يطهر ~~منها جلد ما كان طاهرا في ms0055 حال الحياة. # وروي نحو هذا عن عطاء، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، ويحيى ~~الأنصاري، وسعيد بن جبير، والأوزاعي، والليث، والثوري، وابن المبارك، ~~وإسحاق، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وعائشة - رضي الله عنهم ~~-، مع اختلافهم فيما هو طاهر في الحياة، وهو مذهب الشافعي، وهو يرى طهارة ~~الحيوانات كلها، إلا الكلب والخنزير، فيطهر عنده كل جلد إلا جلدهما. وله في ~~جلد الآدمي وجهان. وقال أبو حنيفة: يطهر كل جلد بالدبغ إلا جلد الخنزير. # وحكي عن أبي يوسف: أنه يطهر كل جلد. وهو رواية عن مالك، ومذهب من حكم ~~بطهارة الحيوانات كلها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دبغ ~~الإهاب فقد طهر.» متفق عليه؛ ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «وجد ~~شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - هلا انتفعتم بجلدها؟ قالوا: إنها ميتة. قال: إنما حرم أكلها.» وفي ~~لفظ: «ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به» . متفق عليه؛ ولأنه إنما نجس ~~باتصال الدماء والرطوبات به بالموت، والدبغ يزيل ذلك، فيرتد الجلد إلى ما ~~كان عليه في حال الحياة. # ولنا ما روى عبد الله بن عكيم، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى ~~جهينة إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا ~~من الميتة بإهاب ولا عصب» . رواه أبو داود، في " سننه "، والإمام أحمد، في ~~" مسنده " وقال الإمام أحمد: إسناد جيد، يرويه يحيى بن سعيد عن شعبة، عن ~~الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم. وفي لفظ: «أتانا ~~كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل وفاته بشهر أو شهرين» وهو ناسخ ~~لما قبله؛ لأنه في آخر عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولفظه دال على سبق ~~الترخيص، وأنه متأخر عنه، لقوله " كنت رخصت لكم " وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر ~~من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن قيل: هذا مرسل؛ لأنه من كتاب ~~لا يعرف حامله. قلنا: كتاب النبي - صلى ms0056 الله عليه وسلم - كلفظه ولولا ذلك ~~لم يكتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد، وقد كتب إلى ملوك الأطراف، ~~وإلى غيرهم فلزمتهم الحجة به، وحصل له البلاغ، ولو لم يكن حجة لم تلزمهم ~~الإجابة، ولا حصل به بلاغ، ولكان لهم عذر في ترك الإجابة؛ لجهلهم بحامل ~~الكتاب وعدالته. # وروى أبو بكر الشافعي بإسناده، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: # PageV01P049 # «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» . وإسناده حسن؛ ولأنه جزء من الميتة، فكان ~~محرما، لقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] فلم يطهر بالدبغ ~~كاللحم؛ ولأنه حرم بالموت، فكان نجسا كما قبل الدبغ. # وقولهم: إنه إنما نجس لاتصال الدماء والرطوبات به، غير صحيح؛ لأنه لو كان ~~نجسا لذلك لم ينجس ظاهر الجلد، ولا ما ذكاه المجوسي والوثني، ولا ما قد ~~نصفين، ولا متروك التسمية؛ لعدم علة التنجيس، ولوجب الحكم بنجاسة الصيد ~~الذي لم تنسفح دماؤه ورطوباته. ثم كيف يصح هذا عند الشافعي، وهو يحكم ~~بنجاسة الشعر والصوف والعظم؟ وأبو حنيفة يطهر جلد الكلب وهو نجس في الحياة. ~~(74) فصل: هل يجوز الانتفاع به في اليابسات؟ فيه روايتان: إحداهما: لا ~~يجوز؛ لقوله: - صلى الله عليه وسلم - «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» وقوله: - ~~صلى الله عليه وسلم - «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» والثانية: يجوز ~~الانتفاع به؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخذوا إهابها ~~فانتفعوا به» . # وفي لفظ: «ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به؛» ولأن الصحابة - رضي ~~الله عنهم -، لما فتحوا فارس، انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة؛ ~~ولأنه انتفاع من غير ضرر، أشبه الاصطياد بالكلب، وركوب البغل والحمار. ### | [فصل دبغ جلود السباع] # (75) فصل: فأما جلود السباع فقال القاضي: لا يجوز الانتفاع بها قبل ~~الدبغ، ولا بعده. وبذلك قال الأوزاعي، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، ~~وإسحاق وأبو ثور. وروي عن عمر وعلي - رضي الله عنهما -، كراهية الصلاة في ~~جلود الثعالب، وكرهه سعيد بن جبير، والحكم، ومكحول، وإسحاق وكره الانتفاع ~~بجلود السنانير عطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبيدة السلماني. ورخص ms0057 في جلود السباع ~~جابر، وروي عن ابن سيرين، وعروة أنهم رخصوا في الركوب على جلود النمور، ~~ورخص فيها الزهري وأباح الحسن، والشعبي، وأصحاب الرأي، الصلاة في جلود ~~الثعالب: لأن الثعالب تفدى في الإحرام، فكانت مباحة، ولما ثبت من الدليل ~~على طهارة جلود الميتة بالدباغ. ولنا: ما روى أبو ريحانة، قال: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ركوب النمور.» أخرجه أبو داود، وابن ~~ماجه، وعن معاوية، والمقدام بن معد يكرب، «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن لبس جلود السباع، والركوب عليها.» رواه أبو داود، وروي «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن افتراش جلود السباع.» رواه الترمذي ~~ورواه أبو داود، ولفظه أن النبي «- صلى الله عليه وسلم - نهى عن جلود ~~السباع.» مع ما سبق من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الانتفاع بشيء ~~من الميتة. # PageV01P050 # وأما الثعالب فيبنى حكمها على حلها، وفيها روايتان، كذلك يخرج في جلودها؛ ~~فإن قلنا بتحريمها فحكم جلودها حكم جلود بقية السباع، وكذلك السنانير ~~البرية، فأما الأهلية فمحرمة، وهل تطهر جلودها بالدباغ؟ يخرج على روايتين. ~~(76) فصل: إذا قلنا بطهارة الجلود بالدباغ لم يطهر منها جلد ما لم يكن ~~طاهرا في الحياة، نص أحمد على أنه يطهر. # وقال بعض أصحابنا: لا يطهر إلا ما كان مأكول اللحم. وهو مذهب الأوزاعي، ~~وأبي ثور، وإسحاق؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«دباغ الأديم ذكاته» . فشبه الدبغ بالذكاة؛ والذكاة إنما تعمل في مأكول ~~اللحم؛ ولأنه أحد المطهرين للجلد، فلم يؤثر في غير مأكول كالذبح. # وظاهر كلام أحمد أن كل طاهر في الحياة يطهر بالدبغ؛ لعموم لفظه في ذلك؛ ~~ولأن قوله - عليه الصلاة والسلام -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» يتناول ~~المأكول وغيره وخرج منه ما كان نجسا في الحياة؛ لكون الدبغ إنما يؤثر في ~~دفع نجاسة حادثة بالموت، فيبقى فيما عداه على قضية العموم. # وحديثهم يحتمل أنه أراد بالذكاة التطييب، من قولهم: رائحة ذكية، أي: طيبة ~~وهذا يطيب الجميع، ويدل ms0058 على هذا: أنه أضاف الذكاة إلى الجلد خاصة، والذي ~~يختص به الجلد هو تطييبه وطهارته، أما الذكاة التي هي الذبح، فلا تضاف إلا ~~إلى الحيوان كله، ويحتمل أنه أراد بالذكاة الطهارة، فسمى الطهارة ذكاة، ~~فيكون اللفظ عاما في كل جلد، فيتناول ما اختلفنا فيه. ### | [فصل أكل جلد الميتة بعد الدبغ] # (77) فصل: ولا يحل أكله بعد الدبغ، في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن ابن ~~حامد: أنه يحل. وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لقوله: - صلى الله عليه وسلم - ~~«دباغ الأديم ذكاته» ولأنه معنى يفيد الطهارة في الجلد، فأباح الأكل ~~كالذبح، ولنا قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] ، والجلد منها، ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إنما حرم من الميتة أكلها.» متفق عليه؛ ~~ولأنه جزء من الميتة، فحرم أكله كسائر أجزائها، ولا يلزم من الطهارة إباحة ~~الأكل، بدليل الخبائث مما لا ينجس بالموت، ثم لا يسمع قياسهم في ترك كتاب ~~الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - (78) فصل: ويجوز بيعه، وإجارته، ~~والانتفاع به في كل ما يمكن الانتفاع به فيه، سوى الأكل؛ لأنه صار بمنزلة ~~المذكى في غير الأكل ولا يجوز بيعه قبل دبغه؛ لأنه نجس، متفق على نجاسة ~~عينه، فأشبه الخنزير. # PageV01P051 ### | [فصل ما يدبغ به جلد الميتة] # (79) فصل: ويفتقر ما يدبغ به إلى أن يكون منشفا للرطوبة، منقيا للخبث، ~~كالشب والقرظ، قال ابن عقيل: ويشترط كونه طاهرا، فإن كان نجسا لم يطهر ~~الجلد؛ لأنها طهارة من نجاسة، فلم تحصل بنجس، كالاستجمار والغسل، وهل يطهر ~~الجلد بمجرد الدبغ قبل غسله بالماء؟ فيه وجهان: أحدهما، لا تحصل؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في جلد الشاة الميتة: «يطهرها الماء والقرظ» ~~. رواه أبو داود؛ ولأن ما يدبغ به نجس بملاقاة الجلد، فإذا اندبغ الجلد ~~بقيت الآلة نجسة فتبقى نجاسة الجلد لملاقاتها له، فلا يزول إلا بالغسل. # والثاني: يطهر؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» ~~؛ ولأنه طهر بانقلابه، فلم يفتقر إلى استعمال الماء، كالخمرة إذا انقلبت ~~خلا. # والأول أولى، والخبر والمعنى يدلان على ms0059 طهارة عينه، ولا يمنع ذلك من وجوب ~~غسله من نجاسة تلاقيه، كما لو أصابته نجاسة سوى آلة الدبغ، أو أصابته آلة ~~الدبغ بعد فصله عنها. # (80) فصل ولا يفتقر الدبغ إلى فعل؛ لأنها إزالة نجاسة، فأشبهت غسل الأرض، ~~فلو وقع جلد ميتة في مدبغة، بغير فعل، فاندبغ، طهر، كما لو نزل ماء السماء ~~على أرض نجسة طهرها. ### | [فصل حكم جلد ما لا يؤكل لحمه بعد الذبح] # (81) فصل: وإذا ذبح ما لا يؤكل لحمه كان جلده نجسا. وهذا قول الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة، ومالك: يطهر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دباغ ~~الأديم ذكاته.» أي: كذكاته، فشبه الدبغ بالذكاة، والمشبه به أقوى من ~~المشبه، فإذا طهر الدبغ مع ضعفه فالذكاة أولى؛ ولأن الدبغ يرفع العلة بعد ~~وجودها، والذكاة تمنعها، والمنع أقوى من الرفع. ولنا أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «نهى عن افتراش جلود السباع، وركوب النمور» وهو عام في المذكى ~~وغيره؛ ولأنه ذبح لا يطهر اللحم، فلم يطهر الجلد، كذبح المجوسي. أو ذبح غير ~~مشروع، فأشبه الأصل، والخبر قد أجبنا عنه فيما مضى، ثم نقول: إن الدبغ إنما ~~يؤثر في مأكول اللحم، فكذلك ما شبه به، ولو سلمنا أنه يؤثر في تطهير غيره، ~~فلا يلزم حصول التطهير بالذكاة، لكون الدبغ مزيلا للخبث والرطوبات كلها، ~~مطيبا للجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير، والذكاة لا يحصل ~~بها ذلك، فلا يستغنى بها عن الدبغ. # وقولهم: المشبه أضعف من المشبه به. غير لازم؛ فإن الله تعالى قال في صفة ~~الحور # PageV01P052 # {كأنهن بيض مكنون} [الصافات: 49] ، وهن أحسن من البيض، والمرأة الحسناء ~~تشبه بالظبية وبقرة الوحش، وهي أحسن منهما. وقولهم: إن الدبغ يرفع العلة ~~ممنوع فإننا قد بينا أن الجلد لم ينجس؛ لما ذكرناه، وإن سلمنا فإن الذبح لا ~~يمنع منها ثم يبطل ما ذكروه بذبح المجوسي والوثني والمحرم، وبترك التسمية، ~~وما شق بنصفين. ### | [فصل لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة] # (82) فصل: ظاهر المذهب، أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا ~~الخمرة، ms0060 إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر؛ كالنجاسات إذا احترقت ~~وصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان المترقي من ~~وقود النجاسة، والبخار المتصاعد من الماء النجس إذا اجتمعت منه نداوة على ~~جسم صقيل ثم قطر، فهو نجس. ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة قياسا ~~على الخمرة إذا انقلبت، وجلود الميتة إذا دبغت، والجلالة إذا حبست، والأول ~~ظاهر المذهب. وقد نهى إمامنا - رحمه الله - عن الخبز في تنور شوي فيه ~~خنزير. ### | [مسألة آنية عظام الميتة] # (83) مسألة قال: (وكذلك آنية عظام الميتة) يعني: أنها نجسة، وجملة ذلك، ~~أن عظام الميتة نجسة، سواء كانت ميتة ما يؤكل لحمه، أو ما لا يؤكل لحمه، ~~كالفيلة، ولا يطهر بحال، وهذا مذهب مالك، والشافعي، وإسحاق، وكره عطاء، ~~وطاوس، والحسن، وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهم - عظام الفيلة، ورخص في ~~الانتفاع بها محمد بن سيرين، وغيره، وابن جريج؛ لما روى أبو داود بإسناده ~~عن ثوبان، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اشتر لفاطمة - رضي ~~الله عنها - قلادة من عصب وسوارين من عاج» . # ولنا قول الله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] والعظم من ~~جملتها، فيكون محرما، والفيل لا يؤكل # PageV01P053 # لحمه فهو نجس على كل حال، وأما الحديث، فقال الخطابي: قال الأصمعي: العاج ~~الذبل، ويقال: هو عظم ظهر السلحفاة البحرية. وذهب مالك إلى أن الفيل إن ذكي ~~فعظمه طاهر، وإلا فهو نجس؛ لأن الفيل مأكول عنده، وهو غير صحيح؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع» رواه مسلم والفيل ~~أعظمها نابا # فأما عظام بقية الميتات، فذهب الثوري، وأبو حنيفة، إلى طهارتها؛ لأن ~~الموت لا يحلها فلا تنجس به، كالشعر؛ ولأن علة التنجيس في اللحم والجلد ~~اتصال الدماء والرطوبات به، ولا يوجد ذلك في العظام ولنا قول الله تعالى ~~{قال من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم} [يس: 79] وما يحيا فهو يموت؛ ولأن دليل الحياة الإحساس ~~والألم، ms0061 والألم في العظم أشد من الألم في اللحم والجلد، والضرس يألم، ~~ويلحقه الضرس، ويحس ببرد الماء وحرارته، وما تحله الحياة يحله الموت؛ إذ ~~كان الموت مفارقة الحياة، وما يحله الموت ينجس به كاللحم. # قال الحسن لبعض أصحابه، لما سقط ضرسه: أشعرت أن بعضي مات اليوم، وقولهم: ~~إن سبب التنجيس اتصال الدماء والرطوبات، قد أجبنا عنه فيما مضى. ### | [فصل الآنية من القرن والظفر والحافر] # (84) فصل: والقرن والظفر والحافر كالعظم، إن أخذ من مذكى فهو طاهر؛ وإن ~~أخذ من حي فهو نجس؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما يقطع من ~~البهيمة وهي حية فهو ميتة» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وكذلك ما ~~يتساقط من قرون الوعول في حياتها، ويحتمل أن هذا طاهر؛ لأنه طاهر متصل، مع ~~عدم الحياة فيه، فلم ينجس بفصله من الحيوان، ولا بموت الحيوان كالشعر، ~~والخبر أريد به ما يقطع من البهيمة مما فيه حياة؛ لأنه بفصله يموت، وتفارقه ~~الحياة، بخلاف هذا، فإنه لا يموت بفصله، فهو أشبه بالشعر، وما لا ينجس ~~بالموت لا بأس بعظامه كالسمك؛ لأن موته كتذكية الحيوانات المأكولة. ### | [فصل لبن الميتة وإنفحتها] # (85) فصل: ولبن الميتة وإنفحتها نجس في ظاهر المذهب. وهو قول مالك، ~~والشافعي، وروي أنها طاهرة، # PageV01P054 # وهو قول أبي حنيفة، وداود؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - أكلوا الجبن ~~لما دخلوا المدائن، وهو يعمل بالإنفحة، وهي تؤخذ من صغار المعز، فهو بمنزلة ~~اللبن، وذبائحهم ميتة. # ولنا أنه مائع في وعاء نجس، فكان نجسا، كما لو حلب في وعاء نجس؛ ولأنه لو ~~أصاب الميتة بعد فصله عنها لكان نجسا، فكذلك قبل فصله، وأما المجوس فقد ~~قيل: إنهم ما كانوا يتولون الذبح بأنفسهم، وكان جزاروهم اليهود والنصارى، ~~ولو لم ينقل ذلك عنهم لكان الاحتمال موجودا، فقد كان فيهم اليهود والنصارى، ~~والأصل الحل، فلا يزول بالشك، وقد روي أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- الذين قدموا العراق مع خالد، كسروا جيشا من أهل فارس، بعد أن نصبوا ~~الموائد ووضعوا طعامهم ليأكلوا، فلما فرغ المسلمون منهم ms0062 جلسوا فأكلوا ذلك ~~الطعام، والظاهر أنه كان لحما، فلو حكم بنجاسة ما ذبح ببلدهم لما أكلوا من ~~لحمهم شيئا، وإذا حكموا بحل اللحم فالجبن أولى، وعلى هذا لو دخل أرضا فيها ~~مجوس وأهل كتاب، كان له أكل جبنهم ولحمهم، احتجاجا بفعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وصحابته. ### | [فصل ماتت الدجاجة وفي بطنها بيضة قد صلب قشرها] # (86) فصل: وإن ماتت الدجاجة، وفي بطنها بيضة قد صلب قشرها، فهي طاهرة. ~~وهذا قول أبي حنيفة وبعض الشافعية وابن المنذر. وكرهها علي بن أبي طالب، ~~وابن عمر، وربيعة، ومالك، والليث، وبعض الشافعية؛ لأنها جزء من الدجاجة. # ولنا أنها بيضة صلبة القشر، طرأت النجاسة عليها، فأشبه ما لو وقعت في ماء ~~نجس. وقولهم: إنها جزء منها. غير صحيح، وإنما هي مودعة فيها، غير متصلة ~~بها، فأشبهت الولد إذا خرج حيا من الميتة؛ ولأنها خارجة من حيوان يخلق منها ~~مثل أصلها، أشبهت الولد الحي، وكراهة الصحابة لها محمولة على كراهة ~~التنزيه، استقذارا لها، ولو وضعت البيضة تحت طائر، فصارت فرخا، كان طاهرا ~~بكل حال. فإن لم تكمل البيضة، فقال بعض أصحابنا: ما كان قشره أبيض، فهو ~~طاهر. # وما لم يبيض قشره فهو نجس؛ لأنه ليس عليه حائل حصين. واختار ابن عقيل أنه ~~لا ينجس؛ لأن البيضة عليها غاشية رقيقة كالجلد، وهو القشر قبل أن يقوى، فلا ~~ينجس منها إلا ما كان لاقى النجاسة، كالسمن الجامد إذا ماتت فيه فأرة، إلا ~~أن هذه تطهر إذا غسلها؛ لأن لها من القوة ما يمنع تداخل أجزاء النجاسة ~~فيها، بخلاف السمن. ### | [مسألة الوضوء في آنية الذهب والفضة] # (87) مسألة: قال: (ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة) فإن فعل كره. ~~أراد بالكراهة التحريم، ولا خلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب ~~والفضة حرام، وهو # PageV01P055 # مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا أعلم فيه خلافا؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في ~~صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة.» ونهى عن الشرب ms0063 في آنية الفضة، ~~وقال: «من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة.» وقال - عليه الصلاة ~~والسلام -: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ~~. متفق عليهن. # فنهى والنهي يقتضي التحريم، وذكر في ذلك وعيدا شديدا، يقتضي التحريم ~~ويروى " نار جهنم " برفع الراء ونصبها؛ فمن رفعها نسب الفعل إلى النار، ومن ~~نصبها أضمر الفاعل في الفعل، وجعل النار مفعولا، تقديره: يجرجر الشارب في ~~بطنه نار جهنم. والعلة في تحريم الشرب فيها ما يتضمنه ذلك من الفخر ~~والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، وهو موجود في الطهارة منها واستعمالها كيفما ~~كان، بل إذا حرم في غير العبادة ففيها أولى، فإن توضأ منها، أو اغتسل، فعلى ~~وجهين: أحدهما تصح طهارته. وهو قول الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب ~~الرأي؛ لأن فعل الطهارة وماءها لا يتعلق بشيء من ذلك، أشبه الطهارة في ~~الدار المغصوبة. والثاني: لا يصح # اختاره أبو بكر؛ لأنه استعمل المحرم في العبادة، فلم يصح، كالصلاة في ~~الدار المغصوبة والأول أصح، ويفارق هذا الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأن ~~أفعال الصلاة من القيام والقعود والركوع والسجود، في الدار المغصوبة؛ محرم؛ ~~لكونه تصرفا في ملك غيره بغير إذنه، وشغلا له، وأفعال الوضوء؛ من الغسل، ~~والمسح، ليس بمحرم، إذ ليس هو استعمالا للإناء، ولا تصرفا فيه، وإنما يقع ~~ذلك بعد رفع الماء من الإناء، وفصله عنه، فأشبه ما لو غرف بآنية الفضة في ~~إناء غيره، ثم توضأ به؛ ولأن المكان شرط للصلاة، إذ لا يمكن وجودها في غير ~~مكان، والإناء ليس بشرط، فأشبه ما لو صلى وفي يده خاتم ذهب. ### | [مسألة جعل آنية الذهب والفضة مصبا لماء الوضوء] # مسألة: فإن جعل آنية الذهب والفضة مصبا لماء الوضوء، ينفصل الماء عن ~~أعضائه إليه، صح الوضوء؛ لأن المنفصل الذي يقع في الآنية قد رفع الحدث، فلم ~~يزل ذلك بوقوعه في الإناء، ويحتمل أن تكون كالتي قبلها؛ لأن الفخر والخيلاء ~~وكسر قلوب الفقراء يحصل باستعماله هاهنا؛ كحصوله في التي قبلها، وفعل ~~الطهارة # PageV01P056 # يحصل هاهنا قبل ms0064 وصول الماء إلى الإناء، وفي التي قبلها بعد فصله عنه، فهي ~~مثلها في المعنى، وإن افترقا في الصورة. ### | [فصل اتخاذ آنية الذهب والفضة] # (89) فصل: ويحرم اتخاذ آنية الذهب والفضة. وحكي عن الشافعي أن ذلك لا ~~يحرم؛ لأن الخبر إنما ورد بتحريم الاستعمال، فلا يحرم الاتخاذ، كما لو اتخذ ~~الرجل ثياب الحرير. ولنا، أن ما حرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة ~~الاستعمال، كالطنبور، وأما ثياب الحرير فإنها لا تحرم مطلقا، فإنها تباح ~~للنساء، وتباح التجارة فيها، ويحرم استعمال الآنية مطلقا في الشرب والأكل ~~وغيرهما؛ لأن النص ورد بتحريم الشرب والأكل، وغيرهما في معناهما. ويحرم ذلك ~~على الرجال والنساء؛ لعموم النص فيهما، ووجود معنى التحريم في حقهما، وإنما ~~أبيح التحلي في حق المرأة؛ لحاجتها إلى التزين للزوج، والتجمل عنده، وهذا ~~يختص الحلي، فتختص الإباحة به ### | [فصل المضبب بالذهب أو الفضة] # (90) فصل: فأما المضبب بالذهب أو الفضة، فإن كان كثيرا فهو محرم بكل حال؛ ~~ذهبا كان أو فضة، لحاجة أو لغيرها. وبهذا قال الشافعي. وأباح أبو حنيفة ~~المضبب، وإن كان كثيرا؛ لأنه صار تابعا للمباح، فأشبه المضبب باليسير ولنا ~~أن هذا فيه سرف وخيلاء، فأشبه الخالص، ويبطل ما قاله بما إذا اتخذ أبوابا ~~من فضة أو ذهب، أو رفوفا، فإنه يحرم، وإن كان تابعا، وفارق اليسير، فإنه لا ~~يوجد فيه المعنى المحرم. إذا ثبت هذا، فاختلف أصحابنا؛ فقال أبو بكر يباح ~~اليسير من الذهب والفضة؛ لما ذكرنا، وأكثر أصحابنا على أنه لا يباح اليسير ~~من الذهب، ولا يباح منه إلا ما دعت الضرورة إليه، كأنف الذهب، وما ربط به ~~أسنانه. # وأما الفضة فيباح منها اليسير؛ لما روى أنس، «أن قدح رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - انكسر، فاتخذ مكان # PageV01P057 # الشعب سلسلة من فضة.» رواه البخاري؛ ولأن الحاجة تدعو إليه، وليس فيه سرف ~~ولا خيلاء، فأشبه الضبة من الصفر. قال القاضي: ويباح ذلك مع الحاجة وعدمها؛ ~~لما ذكرنا، إلا أن ما يستعمل من ذلك لا يباح كالحلقة، وما لا يستعمل كالضبة ~~يباح. وقال ms0065 أبو الخطاب لا يباح اليسير إلا لحاجة؛ لأن الخبر إنما ورد في ~~تشعيب القدح في موضع الكسر، وهو لحاجة، ومعنى الحاجة أن تدعو الحاجة إلى ما ~~فعله به، وإن كان غيره يقوم مقامه، وتكره مباشرة موضع الفضة بالاستعمال؛ كي ~~لا يكون مستعملا لها، وسنذكر ذلك في غير هذا الموضع بأبسط من هذا، إن شاء ~~الله تعالى. ### | [فصل الوضوء في الأواني النفيسة غير الذهب والفضة] # (91) فصل: فأما سائر الآنية فمباح اتخاذها واستعمالها، سواء كانت ثمينة، ~~كالياقوت والبلور والعقيق والصفر والمخروط من الزجاج، أو غير ثمينة، كالخشب ~~والخزف والجلود. ولا يكره استعمال شيء منها في قول عامة أهل العلم، إلا أنه ~~روي عن ابن عمر أنه كره الوضوء في الصفر والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك. # واختار ذلك الشيخ أبو الفرج المقدسي؛ لأن الماء يتغير فيها، وروي أن ~~الملائكة تكره ريح النحاس، وقال الشافعي في أحد قوليه: ما كان ثمينا لنفاسة ~~جوهره فهو محرم؛ لأن تحريم الأثمان تنبيه على تحريم ما هو أعلى منه؛ ولأن ~~فيه سرفا وخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فكان محرما كالأثمان. # ولنا ما روي عن عبد الله بن زيد، قال: «أتانا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأخرجنا له ماء في تور من صفر، فتوضأ.» متفق عليه، وروى أبو داود في ~~" سننه "، عن عائشة قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في تور من شبه» ولأن الأصل الحل، فيبقى عليه، ولا يصح قياسه على الأثمان؛ ~~لوجهين: أحدهما أن هذا لا يعرفه إلا خواص الناس، فلا تنكسر قلوب الفقراء ~~باستعماله، بخلاف الأثمان. # والثاني أن هذه الجواهر لقلتها لا يحصل اتخاذ الآنية منها إلا نادرا، فلا ~~تفضي إباحتها إلى اتخاذها واستعمالها، وتعلق التحريم بالأثمان التي هي ~~واقعة في مظنة الكثرة، فلم يتجاوزه، كما تعلق حكم التحريم في اللباس ~~بالحرير، وجاز استعمال القصب من الثياب، وإن زادت قيمته على قيمة الحرير؛ ~~ولأنه لو # PageV01P058 # جعل فص خاتمه جوهرة ثمينة جاز، وخاتم الذهب حرام، ولو جعل فصه ذهبا كان ~~حراما، وإن قلت ms0066 قيمته. ### | [مسألة صوف الميتة وشعرها] # (92) مسألة، قال: (وصوف الميتة وشعرها طاهر) يعني شعر ما كان طاهرا في ~~حياته وصوفه، وروي ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وأصحاب عبد الله، قالوا: إذا ~~غسل، وبه قال مالك، والليث بن سعد، والأوزاعي، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب ~~الرأي. وروي عن أحمد ما يدل على أنه نجس. وهو قول الشافعي؛ لأنه ينمو من ~~الحيوان، فينجس بموته، كأعضائه. # ولنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا بأس بمسك ~~الميتة إذا دبغ، وصوفها وشعرها إذا غسل.» رواه الدارقطني، وقال: لم يأت به ~~إلا يوسف بن السفر، وهو ضعيف؛ ولأنه لا تفتقر طهارة منفصلة إلى ذكاة أصله، ~~فلم ينجس بموته، كأجزاء السمك والجراد؛ ولأنه لا يحله الموت فلم ينجس بموت ~~الحيوان، كبيضه، والدليل على أنه لا حياة فيه، أنه لا يحس ولا يألم، وهما ~~دليلا الحياة، ولو انفصل في الحياة كان طاهرا، ولو كانت فيه حياة لنجس ~~بفصله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أبين من حي فهو ميت.» رواه ~~أبو داود بمعناه، وما ذكروه ينتقض بالبيض، ويفارق الأعضاء، فإن فيها حياة، ~~وتنجس بفصلها في حياة الحيوان، والنمو بمجرده ليس بدليل الحياة، فإن الحشيش ~~ينمو، ولا ينجس. # (93) فصل: والريش كالشعر فيما ذكرنا؛ لأنه في معناه، فأما أصول الريش، ~~والشعر، إذا كان رطبا إذا نتف من الميتة، فهو نجس؛ لأنه رطب في محل نجس، ~~وهل يكون طاهرا بعد غسله؟ على وجهين: أحدهما أنه طاهر، كرءوس الشعر إذا ~~تنجس. والثاني أنه نجس؛ لأنه جزء من اللحم لم يستكمل شعرا ولا ريشا. ### | [فصل شعر الآدمي طاهر متصله ومنفصله] # فصل: (94) وشعر الآدمي طاهر متصله ومنفصله، في حياة الآدمي وبعد موته. ~~وقال الشافعي، في أحد قوليه: إذا انفصل فهو نجس؛ لأنه جزء من الآدمي انفصل ~~في حياته، فكان نجسا كعضوه. ولنا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق ~~شعره بين أصحابه، قال أنس: «لما رمى النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحر ~~نسكه، ناول الحالق شقه الأيمن، فحلقه، ثم دعا ms0067 أبا طلحة الأنصاري فأعطاه ~~إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: احلقه، فحلقه وأعطاه أبا طلحة، فقال: ~~اقسمه بين الناس» . رواه مسلم، وأبو داود. # وروي أن معاوية أوصى أن يجعل نصيبه منه في فيه إذا مات، وكانت في قلنسوة ~~خالد شعرات من شعر النبي # PageV01P059 # - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان نجسا لما ساغ هذا ولما فرقه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقد علم أنهم يأخذونه يتبركون به، ويحملونه معهم تبركا ~~به، وما كان طاهرا من النبي - صلى الله عليه وسلم - كان طاهرا ممن سواه ~~كسائره؛ ولأنه شعر متصله طاهر، فمنفصله طاهر، كشعر الحيوانات كلها، وكذلك ~~نقول في أعضاء الآدمي، ولئن سلمنا نجاستها، فإنها تنجس من سائر الحيوانات ~~بفصلها في حياته، بخلاف الشعر. ### | [فصل ما كان طاهرا فشعره طاهر] # (95) فصل: وكل حيوان فشعره مثل بقية أجزائه ما كان طاهرا فشعره طاهر، وما ~~كان نجسا فشعره كذلك، ولا فرق بين حالة الحياة وحالة الموت، إلا أن ~~الحيوانات التي حكمنا بطهارتها لمشقة الاحتراز منها؛ كالسنور، وما دونها في ~~الخلقة، فيها بعد الموت وجهان: أحدهما أنها نجسة؛ لأنها كانت طاهرة مع وجود ~~علة التنجيس لمعارض، وهو الحاجة إلى العفو # PageV01P060 # عنها للمشقة وقد انتفت الحاجة فتنتفي الطهارة. والثاني هي طاهرة. وهذا ~~أصح؛ لأنها كانت طاهرة في الحياة، والموت لا يقتضي تنجيسها. فتبقى الطهارة، ~~وما ذكرناه للوجه الأول لا يصح؛ لأننا لا نسلم وجود علة التنجيس، ولئن ~~سلمناه غير أن الشرع ألغاه، ولم يثبت اعتباره في موضع، فليس لنا إثبات حكمه ~~بالتحكم. ### | [فصل الخرز بشعر الخنزير] # (96) فصل: واختلفت الرواية عن أحمد في الخرز بشعر الخنزير، فروي عنه ~~كراهته، وحكي ذلك عن ابن سيرين والحكم، وحماد، وإسحاق، والشافعي لأنه ~~استعمال للعين النجسة، ولا يسلم من التنجس بها، فحرم الانتفاع بها، كجلده. ~~والثانية يجوز الخرز به. قال: وبالليف أحب إلينا ورخص فيه الحسن ومالك، ~~والأوزاعي، وأبو حنيفة؛ لأن الحاجة تدعو إليه وإذا خرز به شيئا رطبا، أو ~~كانت الشعرة رطبة نجس، ولم يطهر إلا بالغسل. قال ابن عقيل: وقد ms0068 روي عن أحمد ~~أنه لا بأس به، ولعله قال ذلك لأنه لا يسلم الناس منه، وفي تكليف غسله ~~إتلاف أموال الناس، فالظاهر أن أحمد إنما عنى لا بأس بالخرز، فأما الطهارة ~~فلا بد منها. والله أعلم. ### | [فصل أطعمة أهل الكتاب وآنيتهم وثيابهم] # (97) فصل: والمشركون على ضربين: أهل كتاب وغيرهم. فأهل الكتاب يباح أكل ~~طعامهم وشرابهم، والأكل في آنيتهم، ما لم يتحقق نجاستها. قال ابن عقيل: لا ~~تختلف الرواية في أنه لا يحرم استعمال أوانيهم؛ وذلك لقول الله تعالى: ~~{وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} [المائدة: 5] وروي عن ~~عبد الله بن المغفل، قال: «دلي جراب من شحم يوم خيبر، فالتزمته، وقلت: ~~والله لا أعطي أحدا منه شيئا. فالتفت، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يبتسم.» رواه مسلم، وأخرجه البخاري بمعناه. # وروي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أضافه يهودي بخبز وإهالة سنخة.» ~~رواه الإمام أحمد، في " المسند " وكتاب " الزهد "، وتوضأ عمر من جرة ~~نصرانية. وهل يكره له استعمال أوانيهم؟ على روايتين: إحداهما: لا يكره؛ لما ~~ذكرناه. # والثانية يكره لما روى أبو ثعلبة الخشني، قال: قلت «يا رسول الله، إنا ~~بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا ~~فيها» متفق عليه، # PageV01P061 # وأقل أحوال النهي الكراهة؛ ولأنهم لا يتورعون عن النجاسة، ولا تسلم ~~آنيتهم من أطعمتهم، وأدنى ما يؤثر ذلك الكراهة، وأما ثيابهم فما لم ~~يستعملوه، أو علا منها؛ كالعمامة والطيلسان والثوب الفوقاني، فهو طاهر، لا ~~بأس بلبسه، وما لاقى عوراتهم؛ كالسراويل والثوب السفلاني والإزار، فقال ~~أحمد: أحب إلي أن يعيد، يعني: من صلى فيه. فيحتمل وجهين: أحدهما وجوب ~~الإعادة وهو قول القاضي. وكره أبو حنيفة والشافعي، الإزار والسراويلات؛ ~~لأنهم يتعبدون. بترك النجاسة، ولا يتحرزون منها، فالظاهر نجاسة ما ولي ~~مخرجها. # والثاني لا يجب، وهو قول أبي الخطاب؛ لأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك. ~~الضرب الثاني: غير أهل الكتاب، وهم المجوس، ms0069 وعبدة الأوثان، ونحوهم، فحكم ~~ثيابهم حكم ثياب أهل الذمة، وأما أوانيهم، فقال القاضي: لا يستعمل ما ~~استعملوه من آنيتهم؛ لأن أوانيهم لا تخلو من أطعمتهم، وذبائحهم ميتة، فلا ~~تخلو أوانيهم من وضعها فيها. # وقال أبو الخطاب حكمهم حكم أهل الكتاب، وثيابهم وأوانيهم طاهرة، مباحة ~~الاستعمال، ما لم يتيقن نجاستها، وهو مذهب الشافعي؛ «لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه توضئوا من مزادة مشركة» متفق عليه؛ ولأن الأصل ~~الطهارة، فلا تزول بالشك. وظاهر كلام أحمد، - رحمه الله -، مثل قول القاضي، ~~فإنه قال في المجوس: لا يؤكل من طعامهم إلا الفاكهة؛ لأن الظاهر نجاسة ~~آنيتهم المستعملة في أطعمتهم، فأشبهت السراويلات من ثيابهم. ومن يأكل ~~الخنزير من النصارى، في موضع يمكنهم أكله، أو يأكل الميتة، أو يذبح بالسن ~~والظفر ونحوه، فحكمه حكم غير أهل الكتاب؛ لاتفاقهم في نجاسة أطعمتهم. ومتى ~~شك في الإناء؛ هل استعملوه في أطعمتهم، أو لم يستعملوه، فهو طاهر؛ لأن ~~الأصل طهارته. # ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في إباحة الصلاة في الثوب الذي ينسجه ~~الكفار؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، إنما كان لباسهم من نسج ~~الكفار. فأما ثيابهم، التي يلبسونها، فأباح الصلاة فيها الثوري، وأصحاب ~~الرأي، وقال مالك في ثوب الكفار: يلبسه على كل حال، وإن صلى فيه يعيد، ما ~~دام في الوقت. ولنا أن الأصل الطهارة، ولم تترجح جهة التنجيس فيه، فأشبه ما ~~نسجه الكفار. ### | [فصل الصلاة في ثياب الصبيان] # (98) فصل: وتباح الصلاة في ثياب الصبيان، ما لم تتيقن نجاستها وبذلك قال ~~الثوري، والشافعي وأصحاب # PageV01P062 # الرأي؛ لأن أبا قتادة روى، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلى وهو ~~حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع.» متفق عليه، «وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره.» وتكره الصلاة فيه؛ ~~لما فيه من احتمال غلبة النجاسة له. # وتصح الصلاة في ثوب المرأة الذي تحيض فيه؛ إذا لم تتحقق إصابة النجاسة ~~له؛ لأن الأصل الطهارة، والتوقي لذلك أولى؛ لأنه يحتمل إصابة النجاسة إياه، ms0070 ~~وقد روى أبو داود، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يصلي في شعرنا ولحفنا.» ولعاب الصبيان طاهر، وقد روى ~~أبو هريرة، قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حامل الحسين على ~~عاتقه، ولعابه يسيل عليه.» وحمل أبو بكر الحسن بن علي على عاتقه ولعابه ~~يسيل، وعلي إلى جانبه، وجعل أبو بكر يقول: وا بأبي شبه النبي لا شبيها بعلي ~~وعلي يضحك. ### | [غسل الثوب المصبوغ] # (99) فصل: وإذا صبغ في حب صباغ لم يجب غسل الثوب المصبوغ، سواء كان ~~الصباغ مسلما أو كافرا. نص عليه أحمد لأن الأصل الطهارة، فإن تحققت نجاسته ~~طهر بالغسل، وإن بقي اللون، بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في الدم: ~~«لا يضرك أثره» . ### | [فصول في الفطرة] ### | [فصل في الختان] # (100) فصول في الفطرة: روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ~~ونتف الإبط» . متفق عليه. وروى عبد الله بن الزبير، عن عائشة - رضي الله ~~عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، «عشر من الفطرة: قص ~~الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل ~~البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء» . قال بعض الرواة: ونسيت ~~العاشرة، إلا أن تكون المضمضة. الاستحداد: حلق العانة، استفعال من الحديد، ~~وانتقاص الماء: الاستنجاء به؛ لأن الماء يقطع البول ويرده. # قال أبو داود: وقد روي عن ابن عباس نحو حديث عائشة، قال: خمس كلها في ~~الرأس ذكر منها الفرق ولم يذكر إعفاء اللحية، قال أحمد: الفرق سنة. قيل: يا ~~أبا عبد الله يشهر نفسه، «قال: النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فرق، وأمر ~~بالفرق.» (101) # PageV01P063 # فصل: فأما الختان فواجب على الرجال، ومكرمة في حق النساء، وليس بواجب ~~عليهن. هذا قول كثير من أهل العلم. قال أحمد: الرجل أشد، وذلك أن الرجل إذا ~~لم يختتن، فتلك الجلدة مدلاة على الكمرة، ولا ينقى ما ثم، والمرأة أهون. # قال أبو عبد الله: وكان ابن عباس يشدد ms0071 في أمره، وروي عنه أنه لا حج له ~~ولا صلاة، يعني: إذا لم يختتن، والحسن يرخص فيه يقول: إذا أسلم لا يبالي أن ~~لا يختتن ويقول: أسلم الناس الأسود، والأبيض، لم يفتش أحد منهم، ولم ~~يختتنوا. والدليل على وجوبه: أن ستر العورة واجب، فلولا أن الختان واجب لم ~~يجز هتك حرمة المختون بالنظر إلى عورته من أجله؛ ولأنه من شعار المسلمين، ~~فكان واجبا، كسائر شعارهم، وإن أسلم رجل كبير فخاف على نفسه من الختان سقط ~~عنه؛ لأن الغسل والوضوء وغيرهما يسقط إذا خاف على نفسه منه، فهذا أولى. # وإن أمن على نفسه لزمه فعله، قال حنبل: سألت أبا عبد الله عن الذمي إذا ~~أسلم، ترى له أن يطهر بالختانة؟ قال: لا بد له من ذاك. قلت: وإن كان كبيرا ~~أو كبيرة؟ قال: أحب إلي أن يتطهر؛ لأن الحديث: «اختتن إبراهيم وهو ابن ~~ثمانين سنة» ، قال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] . # ويشرع الختان في حق النساء أيضا، قال أبو عبد الله حديث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إذا التقى الختانان وجب الغسل» فيه بيان أن النساء كن يختتن، ~~وحديث عمر: إن ختانة ختنت، فقال: " أبقي منه شيئا إذا خفضت ". وروى الخلال، ~~بإسناده، عن شداد بن أوس قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الختان ~~سنة للرجال، ومكرمة للنساء» ، وعن جابر بن زيد مثل ذلك موقوفا عليه، وروي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال للخافضة: أشمي ولا تنهكي، فإنه ~~أحظى للزوج، وأسرى للوجه» . والخفض: ختانة المرأة. ### | [فصل حلق العانة] # (102) فصل: والاستحداد: حلق العانة. وهو مستحب؛ لأنه من الفطرة، ويفحش ~~بتركه، فاستحبت إزالته، وبأي شيء أزاله صاحبه فلا بأس؛ لأن المقصود إزالته، ~~قيل لأبي عبد الله: ترى أن يأخذ الرجل سفلته بالمقراض، وإن لم يستقص؟ قال: ~~أرجو أن يجزئ، إن شاء الله. قيل: يا أبا عبد الله، ما تقول في الرجل إذا ~~نتف عانته؟ قال: وهل يقوى على هذا أحد وإن اطلى بنورة فلا بأس، إلا أنه لا ~~يدع أحدا # PageV01P064 # يلي ms0072 عورته، إلا من يحل له الاطلاع عليها؛ من زوجة، أو أمة. قال أبو ~~العباس النسائي: ضربت لأبي عبد الله نورة، ونورته بها، فلما بلغ إلى عانته ~~نورها هو. # وروى الخلال، بإسناده عن نافع، قال: كنت أطلي ابن عمر، فإذا بلغ عانته ~~نورها هو بيده. وقد روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال المروذي: ~~كان أبو عبد الله لا يدخل الحمام، وإذا احتاج إلى النورة تنور في البيت، ~~وأصلحت له غير مرة نورة تنور بها، واشتريت له جلدا ليديه، فكان يدخل يديه ~~فيه، وينور نفسه. والحلق أفضل لموافقته الخبر، وقد قال ابن عمر هو مما ~~أحدثوا من النعيم، يعني: النورة. ### | [فصل نتف الإبط سنة] # (103) فصل: ونتف الإبط سنة؛ لأنه من الفطرة، ويفحش بتركه. وإن أزال الشعر ~~بالحلق أو النورة جاز، ونتفه أفضل لموافقته الخبر، قال حرب: قلت لإسحاق: ~~نتف الإبط أحب إليك أو بنورة؟ قال: نتفه إن قدر. ### | [فصل تقليم الأظفار] # (104) فصل: ويستحب تقليم الأظفار؛ لأنه من الفطرة، ويتفاحش إذا تركها، ~~وربما حك به الوسخ، فيجتمع تحتها من المواضع المنتنة، فتصير رائحة ذلك في ~~رءوس الأصابع. وربما منع وصول الطهارة إلى ما تحته، وقد روينا في خبر: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مالي لا أسهو وأنتم تدخلون علي قلحا ~~ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته» . ومعناه: أن أحدكم يطيل أظفاره ثم يحك بها ~~رفغه ومواضع النتن، فتصير رائحة ذلك تحت أظفاره. وروي في حديث مسلسل قد ~~سمعناه أن عليا، قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقلم أظفاره ~~يوم الخميس، ثم قال: يا علي، قص الظفر ونتف الإبط وحلق العانة يوم الخميس، ~~والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة» . # وروي في حديث «من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمدا» ، وفسره أبو عبد ~~الله بن بطة بأن يبدأ بخنصر اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم البنصر ثم ~~السبابة ثم بإبهام اليسرى ثم الوسطى ثم الخنصر ثم السبابة ثم البنصر. ### | [فصل غسل رءوس الأصابع بعد قص الأظفار] # (105) فصل: ويستحب ms0073 غسل رءوس الأصابع بعد قص الأظفار، وقد قيل: إن الحك ~~بالأظفار قبل غسلها يضر بالجسد. # وفي حديث عائشة " غسل البراجم " في تفسير الفطرة، فيحتمل أنه أراد ذلك، ~~وقال الخطابي: # PageV01P065 # البراجم: العقد التي في ظهور الأصابع، والرواجب: ما بين البراجم. ومعناه ~~قال: تنظيف المواضع التي تتشنج ويجتمع فيها الوسخ. ويستحب دفن ما قلم من ~~أظفاره أو أزال من شعره، لما روى الخلال بإسناده «عن ميل بنت مشرح الأشعرية ~~قالت: رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها، ويقول: رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يفعل ذلك» . وعن ابن جريج، «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: كان يعجبه دفن الدم» . # وقال مهنا: سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ ~~قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يدفنه. وروينا عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «أنه أمر بدفن الشعر والأظفار، وقال: لا يتلاعب به ~~سحرة بني آدم» . ### | [فصل الرجل يتخذ الشعر أفضل من إزالته] # (106) فصل واتخاذ الشعر أفضل من إزالته. قال أبو إسحاق: سئل أبو عبد الله ~~عن الرجل يتخذ الشعر؟ فقال: سنة حسنة، لو أمكننا اتخذناه. وقال: «كان للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - جمة.» وقال: تسعة من أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لهم شعر. وقال: عشرة لهم جمم. وقال: في بعض الحديث «إن شعر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان إلى شحمة أذنيه. وفي بعض الحديث: إلى منكبيه» . # وروى البراء بن عازب، قال: «ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - له شعر يضرب منكبيه.» متفق عليه. # وروى ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رأيت ابن مريم له ~~لمة» . قال الخلال سألت أحمد بن يحيى - يعني ثعلبا - عن اللمة؟ فقال: ما ~~ألمت بالأذن. والجمة: ما طالت. # وقد ذكر البراء بن عازب في حديثه: «أن شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يضرب منكبيه» ، وقد سماه لمة. ويستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر ~~النبي ms0074 - صلى الله عليه وسلم - إذا طال فإلى منكبيه، وإن قصر فإلى شحمة ~~أذنيه. # وإن طوله فلا بأس، نص عليه أحمد وقال: أبو عبيدة كانت له عقيصتان وعثمان ~~كانت له عقيصتان. وقال وائل بن حجر: «أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ولي شعر طويل، فلما رآني قال: ذباب ذباب. فرجعت فجززته، ثم أتيته من ~~الغد، فقال: لم أعنك» ، وهذا حسن. رواه ابن ماجه. # ويستحب ترجيل الشعر وإكرامه، لما روى أبو هريرة يرفعه «من كان له شعر ~~فليكرمه» . رواه أبو داود. ويستحب فرق الشعر؛ «لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فرق شعره، وذكره من الفطرة» في حديث ابن عباس، وفي شروط عمر على أهل ~~الذمة: أن لا يفرقوا شعورهم، لئلا يتشبهوا بالمسلمين. # PageV01P066 ### | [فصل حلق الرأس] # (107) فصل: واختلفت الرواية عن أحمد في حلق الرأس. فعنه أنه مكروه، لما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال في الخوارج: سيماهم التحليق» ~~. فجعله علامة لهم. وقال عمر لصبيغ: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك ~~بالسيف. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا توضع النواصي ~~إلا في حج أو عمرة» . رواه الدارقطني، في الأفراد، وروى أبو موسى عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من حلق» رواه أحمد. # وقال ابن عباس الذي يحلق رأسه في المصر شيطان. قال أحمد كانوا يكرهون ~~ذلك. وروي عنه: لا يكره ذلك لكن تركه أفضل. قال حنبل: كنت أنا وأبي نحلق ~~رءوسنا في حياة أبي عبد الله فيرانا ونحن نحلق فلا ينهانا، وكان هو يأخذ ~~رأسه بالجلمين ولا يحفيه ويأخذه وسطا. # وقد روى ابن عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى غلاما قد حلق ~~بعض رأسه وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك.» رواه مسلم، وفي لفظ قال: «احلقه كله ~~أو دعه كله» . # وروي عن عبد الله بن جعفر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاء نعي ~~جعفر أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم، فقال: لا تبكوا على أخي بعد ~~اليوم، ms0075 ثم قال: ادعوا بني أخي، فجيء بنا، قال: ادعوا لي الحالق فأمر بنا ~~فحلق رءوسنا.» رواه أبو داود، والطيالسي؛ ولأنه لا يكره استئصال الشعر ~~بالمقراض. وهذا في معناه، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من ~~حلق» يعني في المصيبة؛ لأن فيه " أو صلق " أو خرق. قال ابن عبد البر: وقد ~~أجمع العلماء على إباحة الحلق، وكفى بهذا حجة. # وأما استئصال الشعر بالمقراض فغير مكروه رواية واحدة. قال أحمد: إنما ~~كرهوا الحلق بالموسى وأما بالمقراض فليس به بأس؛ لأن أدلة الكراهة تختص ~~بالحلق. ### | [فصل حلق بعض الرأس] # فصل: فأما حلق بعض الرأس فمكروه. ويسمى القزع، لما ذكرنا من حديث ابن ~~عمر، ورواه أبو داود، ولفظه، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~القزع وقال: احلقه كله أو دعه كله» . وفي شروط عمر على أهل الذمة: أن ~~يحلقوا مقادم رءوسهم ليتميزوا بذلك عن المسلمين. فمن فعله من المسلمين كان ~~متشبها بهم. ### | [فصل حلق المرأة رأسها من غير ضرورة] # (109) فصل: ولا تختلف الرواية في كراهة حلق المرأة رأسها من غير ضرورة. ~~قال أبو موسى: «برئ رسول الله # PageV01P067 # - صلى الله عليه وسلم - من الصالقة والحالقة.» متفق عليه، وروى الخلال ~~بإسناده عن قتادة عن عكرمة قال: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تحلق ~~المرأة رأسها.» قال الحسن: هي مثلة. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن ~~المرأة تعجز عن شعرها وعن معالجته، أتأخذه على حديث ميمونة؟ قال: لأي شيء ~~تأخذه؟ قيل له: لا تقدر على الدهن وما يصلحه وتقع فيه الدواب. قال: إذا كان ~~لضرورة، فأرجو أن لا يكون به بأس. ### | [فصل نتف الشيب] # (110) فصل: ويكره نتف الشيب، لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ~~قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نتف الشيب، وقال: إنه نور ~~الإسلام.» وعن طارق بن حبيب، «أن حجاما أخذ من شارب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فرأى شيبة في لحيته فأهوى إليها ليأخذها، فأمسك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يده، ms0076 وقال: من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة» ~~. رواهما الخلال في جامعه. ### | [فصل حلق القفا] # (111) فصل: ويكره حلق القفا لمن لم يحلق رأسه ولم يحتج إليه. قال ~~المروذي: سألت أبا عبد الله عن حلق القفا. فقال: هو من فعل المجوس، ومن ~~تشبه بقوم فهو منهم. وقال لا بأس أن يحلق قفاه وقت الحجامة. وأما حف الوجه، ~~فقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن الحف؟ فقال: ليس به بأس للنساء، وأكرهه ~~للرجال. ### | [فصل خضاب الشيب] # (112) فصل: ويستحب خضاب الشيب بغير السواد، قال أحمد إني لأرى الشيخ ~~المخضوب فأفرح به. وذاكر رجلا، فقال: لم لا تختضب؟ فقال: أستحي. قال: سبحان ~~الله، سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال المروذي: قلت: يحكى عن ~~بشر بن الحارث أنه قال: قال لي ابن داود: خضبت؟ قلت: أنا لا أتفرغ لغسلها ~~فكيف أتفرغ لخضابها، فقال: أنا أنكر أن يكون بشر كشف عمله لابن داود، ثم ~~قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «غيروا الشيب» ، وأبو بكر وعمر ~~خضبا، والمهاجرون، فهؤلاء لم يتفرغوا لغسلها، والنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قد أمر بالخضاب، فمن لم يكن على ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فليس من الدين في شيء، وحديث أبي ذر، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي ~~رمثة، وحديث أم سلمة. # ويستحب الخضاب بالحناء والكتم؛ لما روى الخلال، وابن ماجه، بإسنادهما عن ~~تميم بن عبد الله # PageV01P068 # بن موهب، قال: «دخلت على أم سلمة، فأخرجت إلينا شعرا من شعر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مخضوبا بالحناء والكتم.» وخضب أبو بكر بالحناء ~~والكتم. ولا بأس بالورس والزعفران؛ لأن أبا مالك الأشجعي قال: «كان خضابنا ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الورس والزعفران» . # وعن الحكم بن عمرو الغفاري، قال: دخلت أنا وأخي رافع على أمير المؤمنين ~~عمر وأنا مخضوب بالحناء، وأخي مخضوب بالصفرة، فقال عمر بن الخطاب هذا خضاب ~~الإسلام، وقال لأخي رافع: هذا خضاب الإيمان. ويكره الخضاب بالسواد. قيل ~~لأبي عبد الله: ms0077 تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله. قال: «وجاء أبو بكر ~~بأبيه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيروهما وجنبوه السواد» . # وروى أبو داود، بإسناده عن عبد الله بن عباس مرفوعا «يكون قوم في آخر ~~الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة» . ورخص فيه ~~إسحاق بن راهويه للمرأة تتزين به لزوجها. ### | [فصل يكتحل وترا ويدهن غبا وينظر في المرآة ويتطيب] # (113) فصل: ويستحب أن يكتحل وترا، ويدهن غبا، وينظر في المرآة ويتطيب. ~~قال حنبل: رأيت أبا عبد الله وكانت له صينية فيها مرآة ومكحلة ومشط، فإذا ~~فرغ من حزبه نظر في المرآة واكتحل وامتشط، وقد روى جابر بن عبد الله قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر ~~وينبت الشعر» . قيل لأبي عبد الله كيف يكتحل الرجل؟ قال: وترا. وليس له ~~إسناد. وروى أبو داود بإسناده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» . # والوتر ثلاث في كل عين، وقيل: ثلاث في اليمنى واثنتان في اليسرى، ليكون ~~الوتر حاصلا في العينين معا. وروى الخلال بإسناده عن عبد الله بن المغفل ~~قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الترجل إلا غبا.» قال أحمد ~~معناه يدهن يوما ويوما لا. وكان أحمد يعجبه الطيب؛ لأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «كان يحب الطيب ويتطيب كثيرا.» # PageV01P069 ### | [فصل الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة] # (114) فصل: وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «لعن الواصلة ~~والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة.» فهذه الخصال محرمة؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن فاعلها ولا يجوز لعن فاعل المباح. ~~والواصلة: هي التي تصل شعرها بغيره، أو شعر غيرها. والمستوصلة: الموصول ~~شعرها بأمرها، فهذا لا يجوز للخبر، لما روت عائشة - رضي الله عنها - «، أن ~~امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن ابنتي عرس وقد تمزق ~~شعرها، ms0078 أفأصله؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لعنت الواصلة، ~~والمستوصلة» . # فلا يجوز وصل شعر المرأة بشعر آخر؟ لهذه الأحاديث، ولما روي عن معاوية، ~~أنه «أخرج كبة من شعر، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى ~~عن مثل هذا، وقال: إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذا نساؤهم.» وأما وصله ~~بغير الشعر، فإن كان بقدر ما تشد به رأسها فلا بأس به؛ لأن الحاجة داعية ~~إليه، ولا يمكن التحرز منه. وإن كان أكثر من ذلك ففيه روايتان: إحداهما، ~~أنه مكروه غير محرم، لحديث معاوية في تخصيص التي تصله بالشعر، فيمكن جعل ~~ذلك تفسيرا للفظ العام، وبقيت الكراهة لعموم اللفظ في سائر الأحاديث، وروي ~~عنه أنه قال: لا تصل المرأة برأسها الشعر ولا القرامل ولا الصوف، نهى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عن الوصال، فكل شيء يصل فهو وصال، وروي عن جابر، ~~قال: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تصل المرأة برأسها شيئا» . # وقال المروذي: جاءت امرأة من هؤلاء الذين يمشطون إلى أبي عبد الله فقالت: ~~إني أصل رأس المرأة بقرامل وأمشطها، فترى لي أن أحج مما اكتسبت؟ قال: لا ~~وكره كسبها، وقال لها: يكون من مال أطيب من هذا. والظاهر: أن المحرم إنما ~~هو وصل الشعر بالشعر، لما فيه من التدليس واستعمال الشعر المختلف في ~~نجاسته، وغير ذلك لا يحرم، لعدم هذه المعاني فيها، وحصول المصلحة من تحسين ~~المرأة لزوجها من غير مضرة. والله تعالى أعلم. # (115) فصل: فأما النامصة: فهي التي تنتف الشعر من الوجه، والمتنمصة: ~~المنتوف شعرها بأمرها، فلا يجوز للخبر. وإن حلق الشعر فلا بأس؛ لأن الخبر ~~إنما ورد في النتف. نص على هذا أحمد وأما الواشرة: فهي التي تبرد الأسنان ~~بمبرد ونحوه؛ لتحددها وتفلجها وتحسنها، والمستوشرة: المفعول بها ذلك ~~بإذنها، وفي خبر آخر: «لعن الله الواشمة، والمستوشمة» . والواشمة: التي ~~تغرز جلدها بإبرة، ثم تحشوه كحلا. والمستوشمة: التي يفعل بها ذلك. # PageV01P070 ### | [باب السواك وسنة الوضوء] ### | [مسألة السواك سنة] # مسألة قال أبو القاسم والسواك سنة، يستحب عند ms0079 كل صلاة أكثر أهل العلم ~~يرون السواك سنة غير واجب، ولا نعلم أحدا قال بوجوبه إلا إسحاق وداود؛ لأنه ~~مأمور به، والأمر يقتضي الوجوب. وقد روى أبو داود بإسناده، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا وغير طاهر، فلما شق ذلك ~~عليه أمر بالسواك عند كل صلاة» . # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة» . متفق عليه، يعني لأمرتهم أمر إيجاب؛ لأن المشقة ~~إنما تلحق بالإيجاب لا بالندب، وهذا يدل على أن الأمر في حديثهم أمر ندب ~~واستحباب، ويحتمل أن يكون ذلك واجبا في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على الخصوص، جمعا بين الخبرين، واتفق أهل العلم على أنه سنة مؤكدة، لحث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواظبته عليه، وترغيبه فيه وندبه إليه، ~~وتسميته إياه من الفطرة فيما روينا من الحديث. وقد روي عن أبي بكر الصديق - ~~رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «السواك مطهرة ~~للفم مرضاة للرب» . رواه الإمام أحمد، في مسنده، وعن عائشة، - رضي الله ~~عنها - قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل بيته بدأ بالسواك» ~~رواه مسلم. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إني لأستاك، حتى لقد ~~خشيت أن أحفي مقادم فمي» رواه ابن ماجه. ويتأكد استحبابه في مواضع ثلاثة: ~~عند الصلاة؛ للخبر الأول. وعند القيام من النوم؛ لما روى حذيفة، قال: كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. متفق ~~عليه، يعني: يغسله، يقال: شاصه، يشوصه، وماصه: إذا غسله، # وعن عائشة، - رضي الله عنها - قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ.» رواه أبو داود؛ ~~ولأنه إذا نام ينطبق فوه فتتغير رائحته. وعند تغير رائحة فيه بمأكول أو ~~غيره؛ ولأن السواك مشروع لإزالة رائحته وتطييبه. # (117) فصل: ويستاك على أسنانه ولسانه، قال أبو موسى: ms0080 «أتينا رسول الله ~~فرأيته يستاك على لسانه.» متفق عليه، وقال - عليه السلام - «إني لأستاك حتى ~~لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي.» ويستاك عرضا، لقوله - عليه السلام -: ~~«استاكوا عرضا، وادهنوا غبا، واكتحلوا وترا» ؛ ولأن السواك طولا من أطراف ~~الأسنان إلى عمودها ربما أدمى اللثة وأفسد العمود. # ويستحب التيامن في سواكه؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - # PageV01P071 # قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، ~~وطهوره، وفي شأنه كله.» متفق عليه. ويغسله بالماء؛ ليزيل ما عليه، قالت ~~عائشة، - رضي الله عنها -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيني ~~السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله، ثم أدفعه إليه.» رواه أبو داود. ~~وروي عنها، قالت: «كنا نعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة آنية ~~مخمرة من الليل: إناء لطهوره، وإناء لسواكه، وإناء لشرابه.» أخرجه ابن ~~ماجه. # (118) فصل: ويستحب أن يكون السواك عودا لينا ينقي الفم، ولا يجرحه، ولا ~~يضره، ولا يتفتت فيه، كالأراك والعرجون، ولا يستاك بعود الرمان ولا الآس ~~ولا الأعواد الذكية؛ لأنه روي عن قبيصة بن ذؤيب، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا تخللوا بعود الريحان، ولا الرمان، فإنهما يحركان عرق ~~الجذام» . رواه محمد بن الحسين الأزدي الحافظ بإسناده، وقيل: السواك بعود ~~الريحان يضر بلحم الفم. # وإن استاك بأصبعه أو خرقة، فقد قيل: لا يصيب السنة؛ لأن الشرع لم يرد به، ~~ولا يحصل الإنقاء به حصوله بالعود، والصحيح أنه يصيب بقدر ما يحصل من ~~الإنقاء، ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها. والله أعلم. # وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أخبرنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، ~~أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ابن البختري، حدثنا أحمد بن إسحاق بن ~~صالح، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا محمد بن المثنى، حدثني بعض أهلي، عن أنس ~~بن مالك، «أن رجلا من بني عمرو بن عوف، قال: يا رسول الله، إنك رغبتنا في ~~السواك، فهل دون ذلك من شيء؟ قال: أصبعيك، سواك عند وضوئك، أمرهما ms0081 على ~~أسنانك، إنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسنة له.» ### | [مسألة السواك بعد الزوال للصائم] # (119) مسألة: قال: إلا أن يكون صائما، فيمسك من وقت صلاة الظهر إلى أن ~~تغرب الشمس. قال ابن عقيل لا يختلف المذهب أنه لا يستحب للصائم السواك بعد ~~الزوال، وهل يكره؟ على روايتين: إحداهما يكره، وهو قول الشافعي، وإسحاق ~~وأبي ثور وروي ذلك عن عمر وعطاء ومجاهد لما روي عن عمر - رضي الله عنه - ~~أنه قال: يستاك ما بينه وبين الظهر، ولا يستاك بعد ذلك. ولأن السواك إنما ~~استحب لإزالة رائحة الفم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لخلوف فم ~~الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. وإزالة ~~المستطاب مكروه، كدم الشهداء وشعث الإحرام. # والثانية لا يكره، ورخص فيه غدوة وعشيا النخعي وابن سيرين وعروة ومالك # PageV01P072 # وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وعائشة، - رضي الله عنهم -، ~~لعموم الأحاديث المروية في السواك، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من خير خصال الصائم السواك» . رواه ابن ماجه. وقال عامر بن ربيعة: «رأيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا أحصي يتسوك وهو صائم.» قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن. ### | [مسألة غسل اليدين في أول الوضوء] # (120) مسألة: قال: وغسل اليدين إذا قام من نوم الليل قبل أن يدخلهما ~~الإناء ثلاثا. غسل اليدين في أول الوضوء مسنون في الجملة، سواء قام من ~~النوم أو لم يقم؛ لأنها التي تغمس في الإناء وتنقل الوضوء إلى الأعضاء، ففي ~~غسلهما إحراز لجميع الوضوء، «وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، ~~فإن عثمان - رضي الله عنه - وصف وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~دعا بالماء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات، فغسلهما، ثم أدخل يده في الإناء.» ~~متفق عليه. # وكذلك وصف علي وعبد الله بن زيد، وغيرهما، وليس ذلك بواجب عند غير القيام ~~من النوم، بغير خلاف نعلمه، فأما عند القيام من نوم الليل، فاختلفت الرواية ~~في وجوبه؛ فروي عن ms0082 أحمد وجوبه، وهو الظاهر عنه، واختيار أبي بكر وهو مذهب ~~ابن عمر وأبي هريرة والحسن البصري لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ثلاثا؛ فإن أحدكم ~~لا يدري أين باتت يده» . متفق عليه. وفي لفظ لمسلم: " فلا يغمس يده في وضوء ~~حتى يغسلها ثلاثا ". # وأمره يقتضي الوجوب، ونهيه يقتضي التحريم. وروي أن ذلك مستحب، وليس ~~بواجب. وبه قال عطاء ومالك والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ~~وابن المنذر؛ لأن الله تعالى قال: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} ~~[المائدة: 6] . الآية. # قال زيد بن أسلم في تفسيرها: إذا قمتم من نوم. ولأن القيام من النوم داخل ~~في عموم الآية، وقد أمره بالوضوء من غير غسل الكفين في أوله، والأمر بالشيء ~~يقتضي حصول الإجزاء به؛ ولأنه قائم من نوم، فأشبه القائم من نوم النهار، ~~والحديث محمول على الاستحباب، لتعليله بما يقتضي ذلك، وهو قوله: «فإنه لا ~~يدري أين باتت يده» وطريان الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها، كما لو ~~تيقن الطهارة وشك في الحدث، فيدل ذلك على أنه أراد الندب. (121) فصل: ولا ~~تختلف الرواية في أنه لا يجب غسلهما من نوم النهار، وسوى الحسن بين نوم ~~الليل ونوم النهار في الوجوب؛ لعموم قوله: (إذا قام أحدكم من نومه) . # ولنا أن في الخبر ما يدل على إرادة نوم الليل؛ لقوله: (فإنه لا يدري أين ~~باتت يده) ، والمبيت يكون بالليل خاصة، ولا يصح قياس غيره عليه لوجهين: ~~أحدهما أن الحكم ثبت تعبدا، فلا يصح تعديته. # الثاني أن الليل مظنة النوم والاستغراق فيه وطول مدته، فاحتمال إصابة يده ~~لنجاسة # PageV01P073 # لا يشعر بها أكثر من احتمال ذلك في نوم النهار. قال أحمد في رواية ~~الأثرم: الحديث في المبيت بالليل، فأما النهار فلا بأس به. ### | [فصل غمس يده في الإناء قبل غسلها] # (122) فصل: فإن غمس يده في الإناء قبل غسلها، فعلى قول من لم يوجب غسلها، ~~لا يؤثر غمسها شيئا، ومن أوجبه قال: إن كان الماء كثيرا ms0083 يدفع النجاسة عن ~~نفسه، لم يؤثر أيضا؛ لأنه يدفع الخبث عن نفسه، وإن كان يسيرا، فقال أحمد: ~~أعجب إلي أن يهريق الماء، فيحتمل أن تجب إراقته، وهو قول الحسن لأن النهي ~~عن غمس اليد فيه يدل على تأثيره فيه، وقد روى أبو حفص عمر بن المسلم ~~العكبري في الخبر زيادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن أدخلها قبل ~~الغسل أراق الماء» . # ويحتمل أن لا تزول طهوريته ولا تجب إراقته؛ لأن طهورية الماء كانت ثابتة ~~بيقين، والغمس المحرم لا يقتضي إبطال طهورية الماء؛ لأنه إن كان لوهم ~~النجاسة، فالوهم لا يزول به يقين الطهورية؛ لأنه لم يزل يقين الطهارة، ~~فكذلك لا يزيل الطهورية، فإننا لم نحكم بنجاسة اليد ولا الماء؛ ولأن اليقين ~~لا يزول بالشك فبالوهم أولى، وإن كان تعبدا فنقتصر على مقتضى الأمر والنهي، ~~وهو وجوب الغسل وتحريم الغمس، ولا يعدى إلى غير ذلك، ولا يصح قياسه على رفع ~~الحدث؛ لأن هذا ليس بحدث؛ ولأن من شرط تأثير غمس المحدث أن ينوي رفع الحدث، ~~ولا فرق هاهنا بين أن ينوي أو لا ينوي. وقال أبو الخطاب: إن غمس يده في ~~الماء قبل غسلها، فهل تبطل طهوريته؟ على روايتين. ### | [فصل حد اليد المأمور بغسلها] # (123) فصل: وحد اليد المأمور بغسلها من الكوع؛ لأن اليد المطلقة في الشرع ~~تتناول ذلك، بدليل قوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38] وإنما تقطع يد السارق من مفصل الكوع، وكذلك في التيمم يكون ~~في اليدين إلى الكوع، والدية الواجبة في اليد تجب على من قطعها من مفصل ~~الكوع. وغمس بعضها، ولو أصبع أو ظفر منها، كغمس جميعها في أحد الوجهين؛ لأن ~~ما تعلق المنع بجميعه تعلق ببعضه، كالحدث والنجاسة. والثاني لا يمنع، وهو ~~قول الحسن لأن النهي تناول غمس جميعها، ولا يلزم من كون الشيء مانعا كون ~~بعضه مانعا، كما لا يلزم من كون الشيء سببا كون بعضه سببا، وغمسها بعد ~~غسلها دون الثلاث كغمسها قبل غسلها؛ لأن النهي لا يزول حتى يغسلها ثلاثا. # PageV01P074 ### | [فصل إذا ms0084 نام الرجل وعليه سراويله] # (124) فصل: ولا فرق بين كون يد النائم مطلقة أو مشدودة بشيء، أو في جراب، ~~أو كون النائم عليه سراويله أو لم يكن. قال أبو داود: سئل أحمد إذا نام ~~الرجل وعليه سراويله؟ قال: السراويل وغيره واحد، قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا انتبه أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ~~ثلاثا» . يعني أن الحديث عام، فيجب الأخذ بعمومه. # ولأن الحكم إذا تعلق على المظنة لم يعتبر حقيقة الحكمة، كالعدة الواجبة ~~لاستبراء الرحم، تجب في حق الآيسة والصغيرة، وكذاك الاستبراء، مع أن احتمال ~~النجاسة لا ينحصر في مس الفرج، فإنه قد يكون في البدن بثرة أو دمل، وقد يحك ~~جسده فيخرج منه دم بين أظفاره، أو يخرج من أنفه دم، وقد تكون نجسة قبل نومه ~~فينسى نجاستها لطول نومه، على أن الظاهر عند من أوجب الغسل أنه تعبد؛ لا ~~لعلة التنجيس، ولهذا لم يحكم بنجاسة اليد ولا الماء، فيعم الوجوب كل من ~~تناوله الخبر. ### | [فصل كان القائم من نوم صبيا أو مجنونا أو كافرا] # (125) فصل: فإن كان القائم من نوم الليل صبيا أو مجنونا أو كافرا، ففيه ~~وجهان: أحدهما أنه كالمسلم البالغ العاقل؛ لأنه لا يدري أين باتت يده. ~~والثاني، أنه لا يؤثر غمسه شيئا؛ لأن المنع من الغمس إنما يثبت بالخطاب، ~~ولا خطاب في حق هؤلاء؛ ولأن وجوب الغسل هاهنا تعبد، ولا تعبد في حق هؤلاء؛ ~~ولأن غمسهم لو أثر في الماء لأثر في جميع زمانهم؛ لأن الغسل المزيل من حكم ~~المنع من شرطه النية، وما هم من أهلها، ولا نعلم قائلا بذلك. ### | [فصل النوم الذي يتعلق به الأمر بغسل اليد] # (126) فصل: والنوم الذي يتعلق به الأمر بغسل اليد ما نقض الوضوء. ذكره ~~القاضي؛ لعموم الخبر في النوم. وقال ابن عقيل: هو ما زاد على نصف الليل؛ ~~لأنه لا يكون بائتا إلا بذلك، بدليل أن من دفع من مزدلفة قبل نصف الليل لا ~~يكون بائتا بها، ولهذا يلزمه دم، بخلاف من دفع ms0085 بعد نصف الليل. والأول أصح، ~~وما ذكره يبطل بما إذا جاء مزدلفة بعد نصف الليل، فإنه يكون بائتا بها، ولا ~~دم عليه، وإنما بات بها دون النصف. ### | [فصل غسل اليدين يفتقر إلى النية] # (127) فصل: وغسل اليدين يفتقر إلى النية عند من أوجبه في أحد الوجهين؛ ~~لأنه طهارة تعبدية، فأشبه الوضوء والغسل. والثاني: لا يفتقر إلى النية؛ ~~لأنه معلل بوهم النجاسة، ولا تعتبر في غسلها النية؛ ولأن المأمور به الغسل، ~~وقد أتى به، والأمر بالشيء يقتضي حصول الإجزاء به. ولا يفتقر الغسل إلى ~~تسمية. # PageV01P075 # وقال أبو الخطاب يفتقر إليها قياسا على الوضوء. وهذا بعيد؛ فإن التسمية ~~في الوضوء غير واجبة في الصحيح، ومن أوجبها فإنما أوجبها تعبدا، فيجب قصرها ~~على محلها، فإن التعبد به فرع التعليل، ومن شرطه كون المعنى معقولا، ولا ~~يمكن إلحاقه به لعدم الفرق، فإن الوضوء آكد، وهو في أربعة أعضاء، وسببه غير ~~سبب غسل اليد. ### | [فصل انغمس الجنب في ماء كثير] # (128) فصل: ولو انغمس الجنب في ماء كثير، أو توضأ في ماء كثير، يغمس فيه ~~أعضاءه، ولم ينو غسل اليدين من نوم الليل، صح غسله ووضوءه، ولم يجزه عن غسل ~~اليد من نوم الليل عند من أوجب النية في غسلها؛ لأن بقاء النجاسة على العضو ~~لا يمنع رفع الحدث، فلو غسل أنفه أو يده في الوضوء، وهو نجس، لارتفع حدثه، ~~وبقاء الحدث على الوضوء لا يمنع رفع حدث آخر؛ بدليل ما لو توضأ الجنب ينوي ~~رفع الحدث الأصغر، أو اغتسل ولم ينو الطهارة الصغرى، صحت المنوية دون ~~غيرها، وهذا لا يخرج عن شبهه بأحد الأمرين. ### | [فصل وجد ماء قليلا ليس معه ما يغترف به ويداه نجستان] # (129) فصل: إذا وجد ماء قليلا ليس معه ما يغترف به ويداه نجستان، فقال ~~أحمد: لا بأس أن يأخذ بفيه ويصب على يده. وهكذا لو أمكنه غمس خرقة أو غيرها ~~وصبه على يديه فعل ذلك. فإن لم يمكنه شيء من ذلك تيمم وتركه؛ لئلا ينجس ~~الماء ويتنجس به. فإن كان لم يغسل ms0086 يديه من نوم الليل توضأ منه، عند من يجعل ~~الماء باقيا على إطلاقه. ومن جعله مستعملا، قال: يتوضأ به ويتيمم معه. ولو ~~استيقظ المحبوس من نومه فلم يدر؛ أهو من نوم النهار أو الليل؟ لم يلزمه غسل ~~يديه؛ لأن الأصل عدم الوجوب، فلا نوجبه بالشك. ### | [مسألة التسمية عند الوضوء] # (130) مسألة قال: والتسمية عند الوضوء. ظاهر مذهب أحمد - رضي الله عنه -: ~~أن التسمية مسنونة في طهارة الأحداث كلها. رواه عنه جماعة من أصحابه. وقال ~~الخلال الذي استقرت الروايات عنه أنه لا بأس به. يعني إذا ترك التسمية. ~~وهذا قول الثوري ومالك والشافعي وأبي عبيدة، وابن المنذر وأصحاب الرأي. ~~وعنه أنها واجبة فيها كلها؛ الوضوء، والغسل، والتيمم. # وهو اختيار أبي بكر ومذهب الحسن وإسحاق لما روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» . رواه أبو داود، ~~والترمذي، رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة من أصحابه. قال ~~الإمام أحمد: حديث أبي سعيد أحسن حديث في هذا الباب. وقال الترمذي: حديث ~~سعيد بن زيد أحسن. وهذا نفي في نكرة يقتضي أن لا يصح وضوءه بدون التسمية. ~~ووجه الرواية الأولى: أنها طهارة، فلا تفتقر إلى التسمية، كالطهارة من ~~النجاسة، أو عبادة، فلا تجب فيها التسمية # PageV01P076 # كسائر العبادات؛ ولأن الأصل عدم الوجوب، وإنما ثبت بالشرع والأحاديث، قال ~~أحمد: ليس يثبت في هذا حديث، ولا أعلم فيها حديثا له إسناد جيد. # وقال الحسن بن محمد: ضعف أبو عبد الله الحديث في التسمية، وقال: أقوى شيء ~~فيه حديث كثير بن زيد، عن ربيح - يعني حديث أبي سعيد - ثم ذكر ربيحا، أي من ~~هو؟ ومن أبوه؟ فقال: يعني الذي يروي حديث سعيد بن زيد. يعني أنهم مجهولون، ~~وضعف إسناده. وإن صح ذلك فيحمل على تأكيد الاستحباب ونفي الكمال بدونها، ~~كقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» . (131) فصل: وإن قلنا بوجوبها ~~فتركها عمدا، لم تصح طهارته؛ لأنه ترك واجبا في الطهارة، أشبه ما لو ترك ~~النية. وإن تركها سهوا ms0087 صحت طهارته. نص عليه أحمد في رواية أبي داود فإنه ~~قال. # سألت أحمد بن حنبل: إذا نسي التسمية في الوضوء؟ قال: أرجو أن لا يكون ~~عليه شيء. وهذا قول إسحاق فعلى هذا إذا ذكر في أثناء طهارته أتى بها حيث ~~ذكرها؛ لأنه لما عفي عنها مع السهو في جملة الوضوء ففي بعضه أولى، وإن ~~تركها عمدا حتى غسل عضوا لم يعتد بغسله؛ لأنه لم يذكر اسم الله عليه مع ~~العمد. # وقال الشيخ أبو الفرج: إذا سمى في أثناء الوضوء أجزأه. يعني على كل حال؛ ~~لأنه قد ذكر اسم الله على وضوئه. وقال بعض أصحابنا: لا تسقط بالسهو لعموم ~~الخبر، وقياسا لها على سائر الواجبات. والأول أولى؛ لقوله - عليه السلام -: ~~«عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» ؛ ولأن الوضوء عبادة تتغاير أفعالها، فكان ~~في واجباتها ما يسقط بالسهو كالصلاة، ولا يصح قياسها على سائر واجبات ~~الطهارة؛ لأن تلك تأكد وجوبها، بخلاف التسمية. # إذا ثبت هذا فإن التسمية هي قول بسم الله لا يقوم غيرها مقامها، كالتسمية ~~المشروعة على الذبيحة، وعند أكل الطعام وشرب الشراب، وموضعها بعد النية قبل ~~أفعال الطهارة كلها؛ لأن التسمية قول واجب في الطهارة، فيكون بعد النية، ~~لتشمل النية جميع واجباتها، وقبل أفعال الطهارة، ليكون مسميا على جميعها، ~~كما يسمى على الذبيحة وقت ذبحها. ### | [مسألة المبالغة في الاستنشاق] # (132) مسألة قال: والمبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون صائما معنى ~~المبالغة في الاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف، ولا يجعله ~~سعوطا، وذلك سنة مستحبة في الوضوء، إلا أن يكون صائما فلا يستحب، لا نعلم ~~في ذلك خلافا. والأصل في ذلك ما روى عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه، قال: ~~«قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء. قال أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، ~~وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» رواه أبو داود، والترمذي، وقال: ~~حديث حسن صحيح ولأنه من أعضاء الطهارة، فاستحبت المبالغة فيه كسائر ~~أعضائها. # PageV01P077 ### | [فصل المبالغة مستحبة في سائر أعضاء الوضوء] # (133) فصل: المبالغة مستحبة في سائر أعضاء الوضوء؛ ms0088 لقوله - عليه السلام ~~-: «أسبغ الوضوء.» والمبالغة في المضمضة إدارة الماء في أعماق الفم وأقاصيه ~~وأشداقه، ولا يجعله وجورا لم يمجه، وإن ابتلعه جاز؛ لأن الغسل قد حصل. ~~والمبالغة في سائر الأعضاء بالتخليل، وبتتبع المواضع التي ينبو عنها الماء ~~بالدلك والعرك ومجاوزة موضع الوجوب بالغسل. وقد روى نعيم بن عبد الله، «أنه ~~رأى أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه حتى كاد أن يبلغ المنكبين، ثم غسل ~~رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع ~~منكم أن يطيل غرته فليفعل» . متفق عليه. # وروى أبو حازم عنه قريبا من هذا، وقال: سمعت خليلي يقول: «تبلغ الحلية من ~~المؤمن حيث يبلغ الوضوء» متفق عليه. ### | [مسألة تخليل اللحية] # (134) مسألة قال: وتخليل اللحية وجملة ذلك: أن اللحية إن كانت خفيفة تصف ~~البشرة وجب غسل باطنها. وإن كانت كثيفة لم يجب غسل ما تحتها، ويستحب ~~تخليلها. وممن روي عنه أنه كان يخلل لحيته: ابن عمر، وابن عباس، والحسن، ~~وأنس، وابن أبي ليلى وعطاء بن السائب. # وقال إسحاق: إذا ترك تخليل لحيته عامدا أعاد، لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «كان يخلل لحيته.» رواه عنه عثمان بن عفان. قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن صحيح. وقال البخاري: هذا أصح حديث في الباب. # وروى أبو داود عن أنس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ ~~أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه وقال: هكذا أمرني ربي عز وجل.» وعن ابن ~~عمر، قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ عرك عارضيه بعض ~~العرك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها.» رواه ابن ماجه. # وقال عطاء وأبو ثور: يجب غسل باطن شعور الوجه وإن كان كثيفا كما يجب في ~~الجنابة؛ ولأنه مأمور بغسل الوجه في الوضوء كما أمر بغسله في الجنابة، فما ~~وجب في أحدهما وجب في الآخر مثله. ومذهب أكثر أهل العلم أن ذلك لا يجب، ولا ~~يجب ms0089 التخليل؛ وممن رخص في ترك التخليل ابن عمر، والحسن بن علي، وطاوس، ~~والنخعي، والشعبي، وأبو العالية، ومجاهد، وأبو القاسم، ومحمد # PageV01P078 # بن علي، وسعيد بن عبد العزيز وابن المنذر؛ لأن الله تعالى أمر بالغسل، ~~ولم يذكر التخليل، وأكثر من حكى وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يحكه. # ولو كان واجبا لما أخل به في وضوء، ولو فعله في كل وضوء لنقله كل من حكى ~~وضوءه أو أكثرهم، وتركه لذلك يدل على أن غسل ما تحت الشعر الكثيف ليس ~~بواجب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كثيف اللحية فلا يبلغ الماء ~~ما تحت شعرها بدون التخليل والمبالغة، وفعله للتخليل في بعض أحيانه يدل على ~~استحباب ذلك، والله أعلم. # (135) فصل: قال يعقوب: سألت أحمد عن التخليل؟ فأراني من تحت لحيته، فخلل ~~بالأصابع. وقال حنبل: من تحت ذقنه من أسفل الذقن، يخلل جانبي لحيته جميعا ~~بالماء، ويمسح جانبيها وباطنها. وقال أبو الحارث: قال أحمد إن شاء خللها مع ~~وجهه، وإن شاء إذا مسح رأسه. ويستحب أن يتعهد بقية شعور وجهه ويمسح مآقيه؛ ~~ليزول ما بهما من كحل أو غمص. وقد روى أبو داود بإسناده عن أبي أمامة أنه ~~«ذكر وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: كان يمسح المأقين.» ### | [مسألة أخذ ماء جديد للأذنين ظاهرهما وباطنهما] # (136) مسألة: قال: وأخذ ماء جديد للأذنين ظاهرهما وباطنهما المستحب: أن ~~يأخذ لأذنيه ماء جديدا. قال أحمد: أنا أستحب أن يأخذ لأذنيه ماء جديدا، كان ~~ابن عمر يأخذ لأذنيه ماء جديدا. وبهذا قال مالك والشافعي وقال ابن المنذر ~~هذا الذي قالوه غير موجود في الأخبار، وقد روى أبو أمامة، وأبو هريرة، وعبد ~~الله بن زيد، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الأذنان من الرأس» . ~~رواهن ابن ماجه، وروى ابن عباس، والربيع بنت معوذ، والمقدام بن معدي كرب، ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة.» رواهن أبو ~~داود. # ولنا أن إفرادهما بماء جديد قد روي عن ابن عمر وقد ذهب الزهري ms0090 إلى أنهما ~~من الوجه. وقال الشعبي: ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس. وقال ~~الشافعي وأبو ثور: ليسا من الوجه ولا من الرأس. ففي إفرادهما بماء جديد ~~خروج من بعض الخلاف، فكان أولى. وإن مسحهما بماء الرأس أجزأه؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فعله. # PageV01P079 ### | [فصل ما يستحب في الوضوء] # (137) فصل: قال المروذي: رأيت أبا عبد الله مسح رأسه، ولم أره يمسح على ~~عنقه، فقلت له: ألا تمسح على عنقك؟ قال: إنه لم يرو عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. فقلت: أليس قد روي عن أبي هريرة، قال: هو موضع الغل؟ قال: ~~نعم، ولكن هكذا يمسح النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله. وقال أيضا: ~~هو زيادة. # وذكر القاضي وغيره أن فيه رواية أخرى: أنه مستحب. واحتج بعضهم أن في خبر ~~ابن عباس: «امسحوا أعناقكم مخافة الغل» . والذي وقفت عليه عن أحمد في هذا، ~~أن عبد الله قال: رأيت أبي إذا مسح رأسه وأذنيه في الوضوء مسح قفاه. ووهن ~~الخلال هذه الرواية، وقال: هي وهم. # وقد أنكر أحمد حديث طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده: «رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يمسح رأسه حتى بلغ القذال.» وهو أول القفا. وذكر أن ~~سفيان كان ينكره، وأنكره، يحيى أيضا. وخبر ابن عباس لا نعرفه، ولم يروه ~~أصحاب السنن. ### | [فصل من سنن الوضوء غسل داخل العينين] # (138) فصل: وذكر بعض أصحابنا من سنن الوضوء غسل داخل العينين، وروي عن ~~ابن عمر أنه عمي من كثرة إدخال الماء في عينيه. وقال القاضي: إنما يستحب ~~ذلك في الغسل، نص عليه أحمد في مواضع؛ وذلك لأن غسل الجنابة أبلغ، فإنه يعم ~~جميع البدن، وتغسل فيه بواطن الشعور الكثيفة، وما تحت الجفنين ونحوهما، ~~وداخل العينين من جملة البدن الممكن غسله فإذا لم تجب فلا أقل من أن يكون ~~مستحبا. والصحيح أن هذا ليس بمسنون في وضوء ولا غسل؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يفعله، ولا أمر به، وفيه ضرر، وما ذكر عن ابن ms0091 عمر فهو دليل ~~على كراهته؛ لأنه ذهب ببصره، وفعل ما يخاف منه ذهاب البصر أو نقصه من غير ~~ورود الشرع به إذا لم يكن محرما، فلا أقل من أن يكون مكروها. ### | [مسألة تخليل ما بين الأصابع] # (139) مسألة قال وتخليل ما بين الأصابع تخليل أصابع اليدين والرجلين في ~~الوضوء مسنون، وهو في الرجلين آكد؛ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للقيط بن صبرة: أسبغ الوضوء وخلل الأصابع» . وهو حديث صحيح، وقال المستورد ~~وقال المستورد بن شداد:: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ ~~دلك أصابع رجليه بخنصره.» رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: لا ~~نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. ويستحب أن يخلل أصابع رجليه بخنصره لهذا ~~الحديث، ويبدأ في تخليل اليمنى من خنصرها إلى إبهامها، وفي اليسرى من ~~إبهامها إلى خنصرها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب التيمن في ~~وضوئه. وفي هذا تيمن # PageV01P080 # (140) فصل: ` ويستحب أن يعرك رجله بيده، ويتعهد عقبيه، والمواضع التي ~~يزلق عنها الماء، قال أبو داود: قلت لأحمد: إذا توضأ فأدخل رجله في الماء، ~~فأخرجها؟ قال: ينبغي أن يمر يده على رجله، ويخلل أصابعه. قلت: فإن لم يفعل، ~~يجزئه؟ قال: أرجو أن يجزئه من التخليل أن يحرك رجله في الماء، فإنه ربما ~~زلق الماء عن الجسد في الشتاء. قيل له: من توضأ يحرك خاتمه؟ قال: إن كان ~~ضيقا لا بد أن يحركه، وإن كان واسعا يدخل فيه الماء أجزأه، وقد روى أبو ~~رافع، - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا توضأ ~~حرك خاتمه.» وإذا شك في وصول الماء إلى ما تحته وجب تحريكه؛ ليتيقن وصول ~~الماء إليه؛ لأن الأصل عدم وصوله. وإن التف بعض أصابعه على بعض وكان متصلا، ~~لم يجب فصل إحداهما من الأخرى؛ لأنهما صارتا كأصبع واحدة. # وإن لم يكن ملتصقا وجب إيصال الماء إلى ما بينهما. # (141) مسألة قال: وغسل الميامن قبل المياسر لا خلاف بين أهل العلم - فيما ~~علمنا - في استحباب البداءة باليمنى، وممن ms0092 روي ذلك عنه أهل المدينة، وأهل ~~العراق، وأهل الشام، وأصحاب الرأي، وأجمعوا على أنه لا إعادة على من بدأ ~~بيساره قبل يمينه. وأصل الاستحباب في ذلك ما روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يعجبه ذلك، ويفعله، فروت عائشة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.» متفق عليه. # وعن أبي هريرة، - رضي الله عنه - قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم» . رواهما ابن ماجه. وحكى عثمان وعلي، ~~- رضي الله عنهما -، «وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -: فبدأ باليمنى قبل ~~اليسرى.» رواهما أبو داود. ولا يجب ذلك لأن اليدين بمنزلة العضو الواحد، ~~وكذا الرجلان؛ فإن الله تعالى قال: وأيديكم وأرجلكم. ولم يفصل، والفقهاء ~~يسمون أعضاء الوضوء أربعة، يجعلون اليدين عضوا، والرجلين عضوا، ولا يجب ~~الترتيب في العضو الواحد. # PageV01P081 ### | [باب فرض الطهارة] ### | [مسألة قال فرض الطهارة ماء طاهر وإزالة الحدث] # (142) مسألة قال: وفرض الطهارة ماء طاهر، وإزالة الحدث أراد بالطاهر: ~~الطهور. وقد ذكرنا فيما مضى أن الطهارة لا تصح إلا بالماء الطهور. وعنى ~~بإزالة الحدث الاستنجاء بالماء أو بالأحجار، وينبغي أن يتقيد ذلك بحالة ~~وجود الحدث، كما تقيد اشتراط الطهارة بحالة وجوده. وسمى هذين فرضين لأنهما ~~من شرائط الوضوء، وشرائط الشيء واجبة له، والواجب هو الفرض وفي إحدى ~~الروايتين. وظاهر كلام الخرقي اشتراط الاستنجاء لصحة الوضوء، فلو توضأ قبل ~~الاستنجاء لم يصح كالتيمم. # والرواية الثانية: يصح الوضوء قبل الاستنجاء، ويستجمر بعد ذلك بالأحجار، ~~أو يغسل فرجه بحائل بينه وبين يديه ولا يمس الفرج. وهذه الرواية أصح، وهي ~~مذهب الشافعي لأنها إزالة نجاسة، فلم تشترط لصحة الطهارة، كما لو كانت على ~~غير الفرج. فأما التيمم قبل الاستجمار، فقال القاضي: لا يصح وجها واحدا؛ ~~لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما أبيح للصلاة، ومن عليه نجاسة يمكنه ~~إزالتها لا تباح له الصلاة، فلم تصح نية الاستباحة كالتيمم قبل الوقت. وقال ~~القاضي: فيه وجه آخر، أنه يصح؛ لأن التيمم طهارة فأشبهت ms0093 طهارة الوضوء، ~~والمنع من الإباحة لمانع آخر لا يقدح في صحة التيمم، كما لو تيمم في موضع ~~نهي عن الصلاة فيه، أو تيمم من على ثوبه نجاسة أو على بدنه في غير الفرج. # وقال ابن عقيل لو كانت النجاسة على غير الفرج من بدنه فهو كما لو كانت ~~على الفرج؛ لما ذكرنا من العلة. والأشبه التفريق بينهما، كما لو افترقا في ~~طهارة الماء؛ ولأن نجاسة الفرج سبب وجوب التيمم، فجاز أن يكون بقاؤها مانعا ~~منه، بخلاف سائر النجاسات. ### | [مسألة النية للطهارة] # (143) مسألة: قال: والنية للطهارة يعني نية الطهارة. والنية: القصد، ~~يقال: نواك: الله بخير. أي قصدك به. ونويت السفر. أي: قصدته، وعزمت عليه. ~~والنية من شرائط الطهارة للأحداث كلها، لا يصح وضوء ولا غسل ولا تيمم، إلا ~~بها. روي ذلك عن علي وبه قال ربيعة ومالك والشافعي والليث وإسحاق وأبو ~~عبيدة، وابن المنذر وقال الثوري وأصحاب الرأي: لا تشترط النية في طهارة ~~الماء، وإنما تشترط في التيمم؛ لأن الله تعالى قال: {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] الآية، ذكر الشرائط، ولم يذكر النية، ولو ~~كانت شرطا لذكرها؛ ولأن مقتضى الأمر حصول الإجزاء بفعل المأمور به، فتقضي ~~الآية حصول الإجزاء بما تضمنته؛ ولأنها طهارة بالماء، فلم تفتقر إلى النية ~~كغسل النجاسة. # ولنا: ما روى عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إنما ~~الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ # PageV01P082 # ما نوى» . متفق عليه، فنفى أن يكون له عمل شرعي بدون النية؛ ولأنها طهارة ~~عن حدث، فلم تصح بغير نية، والآية حجة لنا؛ فإن قوله {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] . أي: للصلاة، كما يقال: إذا لقيت الأمير ~~فترجل. أي: له وإذا رأيت الأسد فاحذر. أي: منه، وقولهم: ذكر كل الشرائط. # قلنا: إنما ذكر أركان الوضوء، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - شرطه ~~كآية التيمم. وقولهم: مقتضى الأمر حصول الإجزاء. قلنا: بل مقتضاه وجوب ~~الفعل، وهو واجب. فاشترط لصحته شرط آخر، بدليل التيمم وقولهم: إنها طهارة. ~~قلنا: إلا أنها عبادة، ms0094 والعبادة لا تكون إلا منوية؛ لأنها قربة إلى الله ~~تعالى، وطاعة له، وامتثال لأمره، ولا يحصل ذلك بغير نية. ### | [فصل محل النية] # (144) فصل: ومحل النية القلب؛ إذ هي عبارة عن القصد، ومحل القصد القلب، ~~فمتى اعتقد بقلبه أجزأه، وإن لم يلفظ بلسانه وإن لم تخطر النية بقلبه لم ~~يجزه. ولو سبق لسانه إلى غير ما اعتقده لم يمنع ذلك صحة ما اعتقده بقلبه. ### | [فصل صفة النية] # (145) فصل: وصفتها أن يقصد بطهارته استباحة شيء لا يستباح إلا بها، ~~كالصلاة والطواف ومس المصحف، وينوي رفع الحدث، ومعناه إزالة المانع من كل ~~فعل يفتقر إلى الطهارة. وهذا قول من وافقنا على اشتراط النية، لا نعلم ~~بينهم فيه اختلافا. فإن نوى بالطهارة ما لا تشرع له الطهارة؛ كالتبرد ~~والأكل والبيع والنكاح ونحوه، ولم ينو الطهارة الشرعية، لم يرتفع حدثه؛ ~~لأنه لم ينو الطهارة، ولا ما يتضمن نيتها، فلم يحصل له شيء، كالذي لم يقصد ~~شيئا. # وإن نوى تجديد الطهارة، فتبين أنه كان محدثا، فهل تصح طهارته؟ على ~~روايتين: إحداهما تصح؛ لأنه طهارة شرعية، فينبغي أن يحصل له ما نواه، ~~وللخبر، وقياسا على ما لو نوى رفع الحدث. والثانية لا تصح طهارته؛ لأنه لم ~~ينو رفع الحدث ولا ما تضمنه، أشبه ما لو نوى التبرد. وإن نوى ما تشرع له ~~الطهارة ولا تشترط، كقراءة القرآن والأذان والنوم، فهل يرتفع حدثه؟ على ~~وجهين: أصلهما، إذا نوى تجديد الوضوء وهو محدث، والأولى صحة طهارته؛ لأنه ~~نوى شيئا من ضرورة صحة # PageV01P083 # الطهارة، وهو الفضيلة الحاصلة لمن فعل ذلك وهو على طهارة، فصحت طهارته، ~~كما لو نوى بها ما لا يباح إلا بها؛ ولأنه نوى طهارة شرعية، فصحت للخبر. # فإن قيل: يبطل هذا بما لو نوى بطهارته ما لا تشرع له الطهارة. قلنا: إن ~~نوى طهارة شرعية، مثل إن قصد أن يأكل وهو متطهر طهارة شرعية، أو قصد أن لا ~~يزال على وضوء، فهو كمسألتنا، وتصح طهارته. وإن قصد بذلك نظافة أعضائه من ~~وسخ أو طين أو غيره، لم ms0095 تصح طهارته؛ لأنه لم يقصدها، وإن نوى وضوءا مطلقا ~~أو طهارة، ففيه وجهان: أصحهما صحته؛ لأن الوضوء والطهارة إنما ينصرف ~~إطلاقهما إلى المشروع، فيكون ناويا لوضوء شرعي. # والوجه الثاني: لا تصح طهارته في هذه المواضع كلها؛ لأنه قصد ما يباح ~~بدون الطهارة، أشبه قاصد الأكل، والطهارة تنقسم إلى ما هو مشروع وإلى غيره، ~~فلم تصح مع التردد. وإن نوى بطهارته رفع الحدث وتبريد أعضائه، صحت طهارته؛ ~~لأن التبريد يحصل بدون النية، فلم يؤثر هذا الاشتراك، كما لو قصد بالصلاة ~~الطاعة والخلاص من خصمه. وإن قصد الجنب بالغسل اللبث في المسجد ارتفع حدثه؛ ~~لأنه شرط لذلك. ### | [فصل تقديم النية على الطهارة] # (146) فصل ويجب تقديم النية على الطهارة كلها؛ لأنها شرط لها، فيعتبر ~~وجودها في جميعها، فإن وجد شيء من واجبات الطهارة قبل النية لم يعتد به. ~~ويستحب أن ينوي قبل غسل كفيه، لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها. فإن غسل ~~كفيه قبل النية كان كمن لم يغسلهما. ويجوز تقديم النية على الطهارة بالزمن ~~اليسير، كقولنا في الصلاة، وإن طال الفصل لم يجزه ذلك. ويستحب استصحاب ذكر ~~النية إلى آخر طهارته؛ لتكون أفعاله مقترنة بالنية، فإن استصحب حكمها ~~أجزأه. ومعناه: أن لا ينوي قطعها. # وإن عزبت عن خاطره، وذهل عنها، لم يؤثر ذلك في قطعها؛ لأن ما اشترطت له ~~النية لا يبطل بعزوبها، والذهول عنها، كالصلاة والصيام. وإن قطع نيته في ~~أثنائها مثل أن ينوي أن لا يتم طهارته، أو إن نوى جعل الغسل لغير الطهارة، ~~لم يبطل ما مضى من طهارته؛ لأنه وقع صحيحا، فلم يبطل بقطع النية بعده، كما ~~لو نوى قطع النية بعد الفراغ من الوضوء، وما أتى به من الغسل بعد قطع النية ~~لم يعتد به؛ لأنه وجد بغير شرطه. فإن أعاد غسله بنية قبل طول الفصل، صحت ~~طهارته؛ لوجود أفعال الطهارة كلها منوية متوالية. وإن طال الفصل، انبنى ذلك ~~على وجوب الموالاة في الوضوء، فإن قلنا: هي واجبة. بطلت طهارته؛ لفواتها، ~~وإن قلنا: هي غير واجبة أتمها. # (147) فصل ms0096 وإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها؛ لأنها عبادة ~~شك في شرطها وهو فيها، فلم تصح # PageV01P084 # كالصلاة، إلا أن النية إنما هي القصد، ولا يعتبر مقارنتها، فمهما علم أنه ~~جاء ليتوضأ وأراد فعل الوضوء مقارنا له أو سابقا عليه قريبا منه فقد وجدت ~~النية، وإن شك في وجود ذلك في أثناء الطهارة لم يصح ما فعله منها، وهكذا إن ~~شك في غسل عضو أو مسح رأسه، كان حكمه حكم من لم يأت به؛ لأن الأصل عدمه، ~~إلا أن يكون ذلك وهما كالوسواس، فلا يلتفت إليه. وإن شك في شيء من ذلك بعد ~~فراغه من الطهارة لم يلتفت إلى شكه؛ لأنه شك في العبادة بعد فراغه منها، ~~أشبه الشك في شرط الصلاة، ويحتمل أن تبطل الطهارة؛ لأن حكمها باق، بدليل ~~بطلانها بمبطلاتها، بخلاف الصلاة. # والأول أصح؛ لأنها كانت محكوما؛ بصحتها قبل شكه، فلا يزول ذلك بالشك، كما ~~لو شك في وجود الحدث المبطل. # (148) فصل وإذا وضأه غيره اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ؛ لأن ~~المتوضئ هو المخاطب بالوضوء، والوضوء يحصل له بخلاف الموضئ، فإنه آلة لا ~~يخاطب به، ولا يحصل له فأشبه الإناء أو حامل الماء إليه. # (149) فصل وإذا توضأ وصلى الظهر، ثم أحدث وتوضأ وصلى العصر، ثم علم أنه ~~ترك مسح رأسه، أو واجبا في الطهارة في أحد الوضوءين، لزمه إعادة الوضوء ~~والصلاتين معا؛ لأنه تيقن بطلان أحد الصلاتين لا بعينها. وكذا لو ترك واجبا ~~في وضوء إحدى الصلوات الخمس ولم يعلم عينه، لزمه إعادة الوضوء والصلوات ~~الخمس؛ لأنه يعلم أن عليه صلاة من خمس لا يعلم عينها، فلزمته، كما لو نسي ~~صلاة في يوم لا يعلم عينها، وإن كان الوضوء تجديدا لا عن حدث، وقلنا إن ~~التجديد لا يرفع الحدث، فكذلك؛ لأن وجوده كعدمه، وإن قلنا: يرفع الحدث لم ~~يلزمه إلا الأولى؛ لأن الطهارة الأولى إن كانت صحيحة فصلاته كلها صحيحة؛ ~~لأنها باقية لم تبطل بالتجديد، وإن كانت غير صحيحة فقد ارتفع الحدث ~~بالتجديد. # (150) مسألة: قال: وغسل ms0097 الوجه، وهو من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من ~~اللحيين والذقن وإلى أصول الأذنين، ويتعاهد المفصل، وهو ما بين اللحية ~~والأذن. غسل الوجه واجب بالنص والإجماع، وقوله: من منابت شعر الرأس، أي في ~~غالب الناس، ولا يعتبر كل واحد بنفسه، بل لو كان أجلح ينحسر شعره عن مقدم ~~رأسه، غسل إلى حد منابت الشعر في الغالب، والأفرع الذي ينزل شعره إلى ~~الوجه، يجب عليه غسل الشعر الذي ينزل عن حد الغالب. وذهب الزهري إلى أن ~~الأذنين من الوجه يغسلان معه؛ لقوله - عليه السلام -: «سجد وجهي لله الذي ~~خلقه وصوره وشق سمعه وبصره.» أضاف السمع إليه كما أضاف البصر. # وقال مالك ما بين اللحية والأذن ليس من الوجه ولا يجب غسله؛ لأن الوجه ما ~~تحصل به المواجهة، وهذا لا يواجه به. قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا من ~~فقهاء الأمصار قال بقول مالك هذا. # PageV01P085 # ولنا على الزهري قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأذنان من الرأس» . ~~وفي حديث ابن عباس، والربيع، والمقدام، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مسح أذنيه مع رأسه.» وقد ذكرناهما. ولم يحك أحد أنه غسلهما مع الوجه، وإنما ~~أضافهما إلى الوجه لمجاورتهما له، والشيء يسمى باسم ما جاوره. # ولنا على مالك أن هذا من الوجه في حق من لا لحية له، فكان منه في حق من ~~له لحية كسائر الوجه. وقوله: إن الوجه ما يحصل به المواجهة. قلنا: وهذا ~~يحصل به المواجهة في الغلام. ويستحب تعاهد هذا الموضع بالغسل؛ لأنه مما ~~يغفل الناس عنه، قال المروذي: أراني أبو عبد الله ما بين أذنه وصدغه، وقال: ~~هذا موضع ينبغي أن يتعاهد. وهذا الموضع مفصل اللحي من الوجه، فلذلك سماه ~~الخرقي مفصلا. # (151) فصل ويدخل في الوجه العذار، وهو الشعر الذي على العظم الناتئ الذي ~~هو سمت صماخ الأذن، وما انحط عنه إلى وتد الأذن. # والعارض: وهو ما نزل عن حد العذار، وهو الشعر الذي على اللحيين. قال ~~الأصمعي والمفضل بن سلمة: ما جاوز وتد الأذن عارض. والذقن: ms0098 مجمع اللحيين. ~~فهذه الشعور الثلاثة من الوجه يجب غسلها معه. وكذلك الشعور الأربعة، وهي ~~الحاجبان، وأهداب العينين، والعنفقة، والشارب. # فأما الصدغ، وهو الشعر الذي بعد انتهاء العذار، وهو ما يحاذي رأس الأذن ~~وينزل عن رأسها قليلا، والنزعتان، وهما ما انحسر عنه الشعر من الرأس ~~متصاعدا في جانبي الرأس، فهما من الرأس. وذكر بعض أصحابنا في الصدغ وجها ~~آخر، أنه من الوجه؛ لأنه متصل بالعذار، أشبه العارض، وليس بصحيح؛ فإن ~~الربيع بنت معوذ قالت: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمسح ~~رأسه، ومسح ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه وأذنيه، مرة واحدة.» فمسحه مع ~~الرأس، ولم ينقل أنه غسله مع الوجه؛ ولأنه شعر متصل بشعر الرأس لا يختص ~~الكبير، فكان من الرأس، كسائر نواحيه، وما ذكره من القياس طردي لا معنى ~~تحته، وليس هو أولى من قياسنا. فأما التحذيف، وهو الشعر الداخل في الوجه ما ~~بين انتهاء العذار والنزعة، فهو من الوجه. ذكره ابن حامد. # ويحتمل أنه من الرأس؛ لأنه شعر متصل به، والأول أصح؛ لأن محله لو لم يكن ~~عليه شعر لكان من الوجه، فكذلك إذا كان عليه شعر، كسائر الوجه. # (152) فصل: وهذه الشعور كلها إن كانت كثيفة لا تصف البشرة، أجزأه غسل ~~ظاهرها. وإن كانت تصف البشرة، وجب غسلها معه. وإن كان بعضها كثيفا وبعضها ~~خفيفا، وجب غسل بشرة الخفيف معه وظاهر الكثيف. أومأ إليه أحمد - رحمه الله ~~تعالى -. ومن أصحابنا من ذكر في الشارب، والعنفقة، والحاجبين، وأهداب ~~العينين، ولحية المرأة، وجها آخر في وجوب غسل باطنها، وإن كانت كثيفة؛ ~~لأنها لا تستر # PageV01P086 # ما تحتها عادة، وإن وجد ذلك كان نادرا، فلا يتعلق به حكم. وهذا مذهب ~~الشافعي ولنا أنه شعر ساتر لما تحته، أشبه لحية الرجل، ودعوى الندرة في ~~الحاجبين والشارب والعنفقة، غير مسلم، بل العادة ذلك. # (153) فصل: ومتى غسل هذه الشعور، ثم زالت عنه، أو انقلعت جلدة من يديه، ~~أو قص ظفره أو انقلع، لم يؤثر في طهارته. قال يونس بن عبيد ما زاده ذلك ms0099 إلا ~~طهارة. وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكي عن ابن جرير أن ظهور بشرة الوجه بعد ~~غسل شعره يوجب غسلها، قياسا على ظهور قدم الماسح على الخف، ولا يصح؛ لأن ~~الفرض انتقل إلى الشعر أصلا، بدليل أنه لو غسل البشرة دون الشعر، لم يجزه، ~~بخلاف الخفين فإنهما بدل يجزئ غسل الرجلين دونهما. ### | [فصل غسل ما استرسل من اللحية] # (154) فصل ويجب غسل ما استرسل من اللحية. وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد ~~قوليه: لا يجب غسل ما نزل منها عن حد الوجه طولا وعرضا؛ لأنه شعر خارج عن ~~محل الفرض، فأشبه ما نزل من شعر الرأس عنه. # وروي عن أبي حنيفة أنه لا يجب غسل اللحية الكثيفة؛ لأن الله تعالى إنما ~~أمر بغسل الوجه، وهو اسم للبشرة التي تحصل بها المواجهة، والشعر ليس ببشرة، ~~وما تحته لا تحصل به المواجهة. وقد قال الخلال الذي ثبت عن أبي عبد الله في ~~اللحية أنه لا يغسلها وليست من الوجه ألبتة. # قال: وروى بكر بن محمد، عن أبيه، قال: سألت أبا عبد الله أيما أعجب إليك ~~غسل اللحية أو التخليل؟ فقال: غسلها ليس من السنة، وإن لم يخلل أجزأه. وهذا ~~ظاهر مثل مذهب أبي حنيفة في الرواية التي ذكرت عنه. ويحتمل أنه أراد ما خرج ~~عن حد الوجه منها، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، والمشهور عن أبي ~~حنيفة أن عليه غسل الربع من اللحية، بناء على أصله في مسح الرأس. وظاهر ~~مذهب أحمد الذي عليه أصحابه، وجوب غسل اللحية كلها مما هو نابت في محل ~~الفرض، سواء حاذى محل الفرض أو تجاوزه، وهو ظاهر كلام الشافعي. # وقول أحمد في نفي الغسل، أراد به غسل باطنها، أي غسل باطنها ليس من ~~السنة، وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا قد غطى لحيته في ~~الصلاة، فقال: اكشف وجهك؛ فإن اللحية من الوجه» ؛ ولأنه نابت في محل الفرض ~~يدخل في اسمه ظاهرا، فأشبه اليد الزائدة؛ ولأنه يواجه به، فيدخل في اسم ~~الوجه، ms0100 ويفارق شعر الرأس، فإن النازل عنه لا يدخل في اسمه، والخف لا يجب ~~مسح جميعه، بخلاف ما نحن فيه. ### | [فصل يستحب أن يزيد في ماء الوجه] # (155) فصل: يستحب أن يزيد في ماء الوجه؛ لأن فيه غضونا وشعورا ودواخل ~~وخوارج، ليصل الماء # PageV01P087 # إلى جميعه، وقد روى علي، - رضي الله عنه - «في صفة وضوء رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: ثم أدخل يديه في الإناء جميعا، فأخذ بهما حفنة من ~~ماء فضرب بهما على وجهه، ثم الثانية، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه ~~اليمنى قبضة من ماء فتركها تستن على وجهه.» رواه أبو داود. وقوله: (تستن) ~~أي: تسيل وتنصب. قال أحمد - رحمه الله -: يؤخذ للوجه أكثر مما يؤخذ لعضو من ~~الأعضاء. # وقال محمد بن الحكم: كره أبو عبد الله أن يأخذ الماء، ثم يصبه، ثم يغسل ~~وجهه، وقال: هذا مسح، ولكنه يغسل غسلا. وروى أبو داود. عن أنس، «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه، ~~وقال: هكذا أمرني ربي عز وجل.» ### | [مسألة الفم والأنف من الوجه] # (156) مسألة قال: والفم والأنف من الوجه. يعني أن المضمضة والاستنشاق ~~واجبان في الطهارتين جميعا: الغسل، والوضوء؛ فإن غسل الوجه واجب فيهما. هذا ~~المشهور في المذهب، وبه قال ابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق وحكي عن عطاء ~~وروي عن أحمد رواية أخرى في الاستنشاق وحده أنه واجب. # قال القاضي: الاستنشاق واجب في الطهارتين، رواية واحدة، وبه قال أبو عبيد ~~وأبو ثور وابن المنذر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من توضأ ~~فليستنثر» . وفي رواية قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ~~ليستنثر» . متفق عليه. # ولمسلم: «من توضأ فليستنشق» . وعن ابن عباس، مرفوعا «استنثروا مرتين ~~بالغتين أو ثلاثا» . وهذا أمر يقتضي الوجوب؛ ولأن الأنف لا يزال مفتوحا، ~~وليس له غطاء يستره، بخلاف الفم. وقال غير القاضي، عن أحمد رواية أخرى: إن ~~المضمضة والاستنشاق واجبان في الكبرى، مسنونان في الصغرى. # وهذا مذهب الثوري وأصحاب ms0101 الرأي؛ لأن الكبرى يجب فيها غسل كل ما أمكن من ~~البدن كبواطن الشعور الكثيفة، ولا يمسح فيها عن الحوائل، فوجبا فيها، بخلاف ~~الصغرى. وقال مالك والشافعي لا يجبان في الطهارتين، وإنما هما مسنونان ~~فيهما. # وروي ذلك عن الحسن والحكم وحماد وقتادة وربيعة ويحيى الأنصاري والليث ~~والأوزاعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عشر من الفطرة» ، وذكر ~~منها المضمضة والاستنشاق، والفطرة: السنة، وذكره لهما من الفطرة يدل على ~~مخالفتهما لسائر الوضوء؛ ولأن الفم والأنف عضوان باطنان، فلا يجب غسلهما ~~كباطن اللحية وداخل العينين؛ ولأن الوجه ما تحصل به المواجهة، ولا تحصل ~~المواجهة بهما. # ولنا ما روت عائشة، - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه» . رواه أبو بكر في ~~الشافي بإسناده عن ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عروة، عن عائشة، وأخرجه ~~الدارقطني في سننه؛ ولأن كل من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مستقصيا، ذكر # PageV01P088 # أنه تمضمض واستنشق، ومداومته عليهما تدل على وجوبهما؛ لأن فعله يصلح أن ~~يكون بيانا وتفصيلا للوضوء المأمور به في كتاب الله، وكونهما من الفطرة لا ~~ينفي وجوبهما، لاشتمال الفطرة على الواجب والمندوب، ولذلك ذكر فيها الختان، ~~وهو واجب. # (157) فصل: والمضمضة: إدارة الماء في الفم. والاستنشاق: اجتذاب الماء ~~بالنفس إلى باطن الأنف. والاستنثار: إخراج الماء من أنفه. ولكن يعبر ~~بالاستنثار عن الاستنشاق؛ لكونه من لوازمه. # ولا يجب إدارة الماء في جميع الفم، ولا إيصال الماء إلى جميع باطن الأنف، ~~وإنما ذلك مبالغة مستحبة في حق غير الصائم، وقد ذكرناه في سنن الطهارة. ~~وإذا أدار الماء في فيه فهو مخير بين مجه وبلعه؛ لأن المقصود قد حصل به، ~~فإن جعله في فيه ينوي رفع الحدث الأصغر، ثم ذكر أنه جنب، فنوى رفع الحدثين، ~~ارتفعا جميعا؛ لأن الماء لا يثبت له حكم الاستعمال إلا بعد الانفصال، ولو ~~كان الماء قد لبث في فيه حتى تحلل من ريقه ماء يغيره لم يمنع؛ لأن التغير ~~في ms0102 محل الإزالة لا يمنع، أشبه ما لو تغير الماء على عضوه بعجين عليه. ### | [فصل يتمضمض ويستنشق بيمناه ثم يستنثر بيسراه] # فصل: ويستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمناه، ثم يستنثر بيسراه؛ لما روي عن ~~عثمان، - رضي الله عنه - أنه «توضأ، فدعا بماء فغسل يديه ثلاثا، ثم غرف ~~بيمينه، ثم رفعها إلى فيه، فمضمض واستنشق بكف واحدة، واستنثر بيسراه، وفعل ~~ذلك ثلاثا - ثم ذكر سائر الوضوء - ثم قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~توضأ لنا كما توضأت لكم، فمن كان سائلا عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فهذا وضوءه.» رواه سعيد بن منصور، بإسناده. وعن علي، - رضي الله عنه ~~- «أنه أدخل يده اليمنى في الإناء، فملأ كفه فتمضمض، واستنشق، ونثر بيده ~~اليسرى، ففعل ذلك ثلاثا، ثم قال: هذا وضوء نبي الله - صلى الله عليه وسلم ~~-.» رواه أبو بكر في الشافي، والنسائي. # ويستحب أن يتمضمض ويستنشق من كف واحدة يجمع بينهما، قال الأثرم: سمعت أبا ~~عبد الله يسأل: أيما أعجب إليك؛ المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، أو كل ~~واحدة منها على حدة؟ قال: بغرفة واحدة. وذلك لما ذكرنا من حديث عثمان وعلي، ~~- رضي الله عنهما - وفي حديث عبد الله بن زيد، «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أدخل يديه في التور فتمضمض واستنثر ثلاث مرات، يمضمض ويستنثر ~~من غرفة واحدة.» رواه سعيد. وفي لفظ: «تمضمض واستنثر ثلاثا ثلاثا من غرفة ~~واحدة.» رواه البخاري. وفي لفظ: «فتمضمض واستنشق من كف واحدة، # PageV01P089 # فعل ذلك ثلاثا.» متفق عليه. وفي لفظ، «أنه مضمض واستنشق واستنثر ثلاثا ~~بثلاث غرفات.» متفق عليه. وفي لفظ: «فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف ~~واحدة.» رواه الأثرم، وابن ماجه. # فإن شاء المتوضئ تمضمض واستنشق من ثلاث غرفات، وإن شاء فعل ذلك ثلاثا ~~بغرفة واحدة؛ لما ذكرنا من الأحاديث. وإن أفرد المضمضة بثلاث غرفات، ~~والاستنشاق بثلاث، جاز؛ لأنه قد روي في حديث طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن ~~جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه فصل بين المضمضة والاستنشاق.» ~~رواه أبو ms0103 داود؛ ولأن الكيفية في الغسل غير واجبة. ### | [فصل الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وبين غسل بقية الوجه] # (159) فصل: ولا يجب الترتيب بينهما وبين غسل بقية الوجه؛ لأنهما من ~~أجزائه، ولكن المستحب أن يبدأ بهما قبل الوجه؛ لأن كل من وصف وضوء رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنه بدأ بهما إلا شيئا نادرا. وهل يجب ~~الترتيب والموالاة بينهما وبين سائر الأعضاء غير الوجه؟ على روايتين: ~~إحداهما تجب، وهو ظاهر كلام الخرقي لأنهما من الوجه، فوجب غسلهما قبل غسل ~~اليدين للآية، وقياسا على سائر أجزائه. # والثانية: لا تجب، بل لو تركهما في وضوئه وصلى تمضمض واستنشق وأعاد ~~الصلاة ولم يعد الوضوء؛ لما روى المقدام بن معدي كرب، «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أتي بوضوء، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ~~ذراعيه ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق.» رواه أبو داود؛ ولأن وجوبهما بغير ~~القرآن، وإنما وجب الترتيب بين الأعضاء المذكورة؛ لأن في الآية ما يدل على ~~إرادة الترتيب. ولم يوجد ذلك فيهما. # قيل لأحمد فنسي المضمضة وحدها؟ قال: الاستنشاق عندي آكد، وذلك لصحة ~~الأخبار الواردة فيه بخصوصه. قال أصحابنا: وهل يسميان فرضا مع وجوبهما؟ على ~~روايتين. وهذا ينبني على اختلاف الروايتين في الواجب، هل يسمى فرضا أو لا؟ ~~والصحيح: أنه يسمى فرضا، فيسميان هاهنا فرضا، والله أعلم. ### | [مسألة غسل اليدين إلى المرفقين] # (160) مسألة: قال: وغسل اليدين إلى المرفقين ويدخل المرفقين في الغسل. لا ~~خلاف بين علماء الأمة في وجوب غسل اليدين في الطهارة، وقد نص الله تعالى ~~عليه بقوله سبحانه: {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] . وأكثر العلماء ~~على أنه يجب إدخال المرفقين في الغسل، منهم عطاء ومالك والشافعي وإسحاق ~~وأصحاب الرأي. # وقال بعض أصحاب مالك، وابن داود: لا يجب. وحكي ذلك عن زفر؛ لأن الله ~~تعالى أمر بالغسل إليهما، وجعلهما غايته بحرف إلى، وهو لانتهاء الغاية، فلا ~~يدخل المذكور بعده، كقوله تعالى {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] # ولنا ما روى جابر، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم ms0104 - إذا توضأ أدار ~~الماء إلى مرفقيه.» وهذا # PageV01P090 # بيان للغسل المأمور به في الآية، فإن " إلى " تستعمل بمعنى مع، قال الله ~~تعالى: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} [هود: 52] . أي مع قوتكم، {ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2] ، و {من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52] ~~. فكان فعله مبينا. وقولهم: إن " إلى " للغاية. قلنا: وقد تكون بمعنى مع، ~~قال المبرد: إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه، كقولهم: بعت هذا الثوب ~~من هذا الطرف إلى هذا الطرف. ### | [فصل خلق له إصبع زائدة أو يد زائدة في محل الفرض] # (161) فصل: وإن خلق له إصبع زائدة، أو يد زائدة في محل الفرض، وجب غسلها ~~مع الأصلية؛ لأنها نابتة فيه، أشبهت الثؤلول، وإن كانت نابتة في غير محل ~~الفرض كالعضد أو المنكب، لم يجب غسلها، سواء كانت قصيرة أو طويلة؛ لأنها في ~~غير محل الفرض، فأشبهت شعر الرأس إذا نزل عن الوجه، وهذا قول ابن حامد وابن ~~عقيل وقال القاضي: إن كان بعضها يحاذي محل الفرض غسل ما يحاذيه منها. ~~والأول أصح. واختلف أصحاب الرأي في ذلك، كنحو مما ذكرنا. # وإن لم يعلم الأصلية منهما وجب غسلهما جميعا؛ لأن غسل إحداهما واجب، ولا ~~يخرج عن عهدة الواجب يقينا إلا بغسلهما، فوجب غسلهما، كما لو تنجست إحدى ~~يديه ولم يعلم عينها. ### | [فصل وضوء من تعلقت جلدة من غير محل الفرض حتى تدلت من محل الفرض] # (162) فصل: وإن انقلعت جلدة من غير محل الفرض، حتى تدلت من محل الفرض، ~~وجب غسلها؛ لأن أصلها في محل الفرض، فأشبهت الإصبع الزائدة، وإن تقلعت من ~~محل الفرض حتى صارت متدلية من غير محل الفرض، لم يجب غسلها؛ قصيرة كانت أو ~~طويلة بلا خلاف؛ لأنها في غير محل الفرض وإن تعلقت من أحد المحلين، فالتحم ~~رأسها في الآخر، وبقي وسطها متجافيا، صارت كالنابتة في المحلين، يجب غسل ما ~~حاذى محل الفرض منها من ظاهرها وباطنها، وغسل ما تحتها من محل الفرض. ### | [فصل حكم الوضوء لمن قطعت يده من دون المرفق] # (163) فصل: وإن ms0105 قطعت يده من دون المرفق، غسل ما بقي من محل الفرض. وإن ~~قطعت من المرفق غسل العظم الذي هو طرف العضد؛ لأن غسل العظمين المتلاقيين ~~من الذراع والعضد واجب، فإذا زال أحدهما غسل الآخر. وإن كان من فوق ~~المرفقين سقط الغسل لعدم محله. # فإن كان أقطع اليدين فوجد من يوضئه متبرعا لزمه ذلك؛ لأنه قادر عليه. وإن ~~لم يجد من يوضئه إلا بأجر يقدر عليه، لزمه أيضا كما يلزمه شراء الماء. وقال ~~ابن عقيل يحتمل أن لا يلزمه، كما لو عجز عن القيام في الصلاة لم يلزمه ~~استئجار من يقيمه ويعتمد عليه. وإن عجز عن الأجر، أو لم يقدر على من ~~يستأجره، صلى على حسب حاله، كعادم الماء والتراب. وإن وجد # PageV01P091 # من ييممه، ولم يجد من يوضئه، لزمه التيمم، كعادم الماء إذا وجد التراب. ~~وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا. # (164) فصل: إذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته، فقال ~~ابن عقيل لا تصح طهارته حتى يزيله؛ لأنه محل من اليد استتر بما ليس من خلقة ~~الأصل سترا منع إيصال الماء إليه، مع إمكان إيصاله وعدم الضرر به، فأشبه ما ~~لو كان عليه شمع أو غيره. # ويحتمل أن لا يلزمه ذلك؛ لأن هذا يستر عادة، فلو كان غسله واجبا لبينه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ~~إليه، وقد عاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم كونهم يدخلون عليه قلحا، ~~ورفع أحدهم بين أنملته وظفره. يعني أن وسخ أرفاغهم تحت أظفارهم يصل إليه ~~رائحة نتنها، فعاب عليهم نتن ريحها، لا بطلان طهارتهم، ولو كان مبطلا ~~للطهارة كان ذلك أهم من نتن الريح، فكان أحق بالبيان؛ ولأن هذا يستتر عادة، ~~أشبه ما يستره الشعر من الوجه. ### | [فصل كان يتوضأ من ماء يسير يغترف منه بيده] # (165) فصل: ومن كان يتوضأ من ماء يسير يغترف منه بيده، فغرف منه عند غسل ~~يديه، لم يؤثر ذلك في الماء. وقال بعض أصحاب الشافعي: يصير الماء ms0106 مستعملا ~~بغرفه منه؛ لأنه موضع غسل اليد، وهو ناو للوضوء بغسلها، فأشبه ما لو غمسها ~~في الماء ينوي غسلها فيه. ولنا أن في حديث عبد الله بن زيد «في صفة وضوء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه دعا بماء، فذكر وضوءه - إلى أن قال - ~~وغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها، وغسل يديه إلى المرفقين، مرتين» ~~وفي حديث عثمان: «ثم غرف بيده اليمنى فصب على ذراعه اليمنى، فغسلها إلى ~~المرفقين ثلاثا، ثم غرف بيمينه فغسل يده اليسرى.» رواهما سعيد. وحديث عبد ~~الله بن زيد رواه مسلم، وغيره، # وكل من حكى وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحك أنه تحرز من ~~اغتراف الماء بيده في موضع غسلها، ولو كان هذا يفسد الماء كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أحق بمعرفته، ولوجب عليه بيانه لمسيس الحاجة إليه، إذ كان ~~هذا لا يعرف بدون البيان، ولا يتوقاه إلا متحذلق، وما ذكره لا يصح؛ لأن ~~المغترف لم يقصد بغمس يده إلا الاغتراف دون غسلها، فأشبه من يغوص في البئر ~~لترقية الدلو وعليه جنابة لا يقصد غير ترقيته، ونية الاغتراف عارضت نية ~~الطهارة فصرفتها. والله أعلم. ### | [مسألة وجوب مسح الرأس] # (166) مسألة: قال: ومسح الرأس لا خلاف في وجوب مسح الرأس، وقد نص الله ~~تعالى عليه بقوله {وامسحوا برءوسكم} [المائدة: 6] . # PageV01P092 # واختلف في قدر الواجب؛ فروي عن أحمد وجوب مسح جميعه في حق كل أحد. وهو ~~ظاهر كلام الخرقي ومذهب مالك وروي عن أحمد يجزئ مسح بعضه. قال أبو الحارث ~~قلت لأحمد فإن مسح برأسه وترك بعضه؟ قال: يجزئه. ثم قال: ومن يمكنه أن يأتي ~~على الرأس كله، وقد نقل عن سلمة بن الأكوع، أنه كان يمسح مقدم رأسه، وابن ~~عمر مسح اليافوخ. # وممن قال بمسح البعض الحسن والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، إلا ~~أن الظاهر عن أحمد - رحمه الله -، في حق الرجل، وجوب الاستيعاب، وأن المرأة ~~يجزئها مسح مقدم رأسها. قال الخلال العمل في مذهب أحمد أبي عبد الله أنها ~~إن مسحت مقدم ms0107 رأسها أجزأها. وقال مهنا: قال أحمد: # أرجو أن تكون المرأة في مسح الرأس أسهل. قلت له: ولم؟ قال: كانت عائشة ~~تمسح مقدم رأسها. واحتج من أجاز مسح البعض بأن المغيرة بن شعبة، روى «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح بناصيته وعمامته.» «وإن عثمان مسح مقدم ~~رأسه بيده مرة واحدة ولم يستأنف له ماء جديدا، حين حكى وضوء النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -.» رواه سعيد؛ ولأن من مسح بعض رأسه يقال: مسح برأسه، كما ~~يقال: مسح برأس اليتيم وقبل رأسه. وزعم بعض من ينصر ذلك أن الباء للتبعيض، ~~فكأنه قال: وامسحوا بعض رءوسكم، ولنا قول الله تعالى {وامسحوا برءوسكم} ~~[المائدة: 6] ، والباء للإلصاق، فكأنه قال: وامسحوا رءوسكم. فيتناول ~~الجميع. كما قال في التيمم {فامسحوا بوجوهكم} [النساء: 43] . # وقولهم: " الباء للتبعيض " غير صحيح، ولا يعرف أهل العربية ذلك، قال ابن ~~برهان: من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه. ~~وحديث المغيرة يدل على جواز المسح على العمامة، ونحن نقول به؛ ولأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما توضأ مسح رأسه كله، وهذا يصلح أن يكون مبينا ~~للمسح المأمور به، وما ذكروه من اللفظ مجاز لا يعدل إليه عن الحقيقة إلا ~~بدليل. # (167) فصل: وإذا قلنا بجواز مسح البعض، فمن أي موضع مسح أجزأه؛ لأن ~~الجميع رأس، إلا أنه لا يجزئ مسح الأذنين عن الرأس؛ لأنهما تبع، فلا يجتزئ ~~بهما عن الأصل، والظاهر عن أبي عبد الله أنه لا يجب مسحهما، وإن وجب ~~الاستيعاب؛ لأن الرأس عند إطلاق لفظه إنما يتناول ما عليه الشعر. واختلف ~~أصحابنا في قدر البعض المجزئ، فقال القاضي: قدر الناصية؛ لحديث المغيرة. أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح ناصيته. # وحكى أبو الخطاب، وبعض أصحاب الشافعي، عن أحمد: أنه لا يجزئ إلا مسح ~~أكثره؛ لأن الأكثر ينطلق عليه اسم الشيء الكامل. وقال أبو حنيفة يجزئ مسح ~~ربعه. وقال الشافعي يجزئ مسح ما يقع عليه الاسم، وأقله ثلاث شعرات. # وحكي عنه: لو مسح ثلاث شعرات، وحكي عنه: ms0108 لو مسح شعرة، أجزأه، لوقوع الاسم ~~عليها. ووجه ما قاله القاضي: إن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلح ~~بيانا لما أمر به، فيحمل عليه. # PageV01P093 # (168) فصل: والمستحب في مسح الرأس أن يبل يديه ثم يضع طرف إحدى سبابتيه ~~على طرف الأخرى ويضعهما على مقدم رأسه، ويضع الإبهامين على الصدغين، ثم يمر ~~يديه إلى قفاه، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه. كما روى عبد الله بن ~~زيد «في وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فمسح رأسه بيديه، ~~فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى ~~المكان الذي بدأ منه.» متفق عليه. # وكذلك وصف المقدام بن معدي كرب، رواه أبو داود. فإن كان ذا شعر يخاف أن ~~ينتفش برد يديه لم يردهما. نص عليه أحمد فإنه قيل له: من له شعر إلى ~~منكبيه، كيف يمسح في الوضوء؟ فأقبل أحمد بيديه على رأسه مرة، وقال: هكذا ~~كراهية أن ينتشر شعره. يعني أنه يمسح إلى قفاه ولا يرد يديه. # قال أحمد حديث علي هكذا. وإن شاء مسح، كما روي عن الربيع، «أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - توضأ عندها، فمسح رأسه كله من فرق الشعر كل ناحية ~~لمصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته.» رواه أبو داود. # وسئل أحمد كيف تمسح المرأة؟ فقال: هكذا. ووضع يده على وسط رأسه، ثم جرها ~~إلى مقدمه، ثم رفعها فوضعها حيث منه بدأ، ثم جرها إلى مؤخره. وكيف مسح بعد ~~استيعاب قدر الواجب أجزأه. ### | [فصل تكرار مسح الرأس] # (169) فصل: ولا يسن تكرار مسح الرأس في الصحيح من المذهب. وهو قول أبي ~~حنيفة ومالك وروي ذلك عن ابن عمر وابنه سالم والنخعي ومجاهد وطلحة بن مصرف ~~والحكم قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم. وعن أحمد أنه يسن تكراره. ويحتمله كلام ~~الخرقي؛ لقوله الثلاث أفضل. وهو مذهب الشافعي وروي عن أنس، قال ابن عبد ~~البر: كلهم يقول: ms0109 مسح الرأس مسحة واحدة. # وقال الشافعي: يمسح برأسه ثلاثا؛ لأن أبا داود روى عن شقيق بن سلمة، قال: ~~«رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا. ثم قال: رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل مثل هذا.» وروي مثل ذلك عن غير واحد ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروى عثمان، وعلي، وابن عمر، ~~وأبو هريرة، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو مالك، والربيع، وأبي بن كعب، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «توضأ ثلاثا ثلاثا.» وفي حديث أبي، قال: ~~«هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي» . رواه ابن ماجه. # ولأن الرأس أصل في الطهارة، فسن تكرارها فيه كالوجه. ولنا «أن عبد الله ~~بن زيد وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ومسح برأسه مرة ~~واحدة» . متفق عليه. وروي عن «علي - رضي الله عنه - أنه توضأ ومسح برأسه ~~مرة واحدة وقال: هذا وضوء # PageV01P094 # النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحب أن ينظر إلى طهور رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فلينظر إلى هذا.» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # «وكذلك وصف عبد الله بن أبي أوفى، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، والربيع، ~~كلهم، قالوا: ومسح برأسه مرة واحدة.» وحكايتهم لوضوء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إخبار عن الدوام، ولا يداوم إلا على الأفضل الأكمل، وحديث ابن عباس ~~حكاية وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الليل حال خلوته، ولا يفعل ~~في تلك الحال إلا الأفضل؛ ولأنه مسح في طهارة، فلم يسن تكراره، كالمسح في ~~التيمم، والمسح على الجبيرة، وسائر المسح، ولم يصح من أحاديثهم شيء صريح. # قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة؛ فإنهم ~~ذكروا الوضوء ثلاثا ثلاثا، وقالوا فيها: ومسح برأسه. ولم يذكروا عددا، كما ~~ذكروا في غيره، والحديث الذي ذكر فيه: مسح رأسه ثلاثا. رواه يحيى بن آدم، ~~وخالفه وكيع، فقال: توضأ ثلاثا. فقط. والصحيح عن عثمان أنه «توضأ ثلاثا ~~ثلاثا، ومسح رأسه ولم يذكر ms0110 عددا.» هكذا رواه البخاري ومسلم. قال أبو داود: ~~وهو الصحيح. ومن روي عنه ذلك سوى عثمان، فلم يصح، فإنهم الذين رووا ~~أحاديثنا وهي صحاح، فيلزم من ذلك ضعف ما خالفها # ، والأحاديث التي ذكروا فيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثا ~~ثلاثا. أرادوا بها ما سوى المسح؛ فإن رواتها حين فصلوا قالوا: ومسح برأسه ~~مرة واحدة. # والتفصيل يحكم به على الإجمال، ويكون تفسيرا له، ولا يعارض به، كالخاص مع ~~العام، وقياسهم منقوض بالتيمم. فإن قيل يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد مسح مرة ليبين الجواز، ومسح ثلاثا ثلاثا ليبين الأفضل، كما فعل ~~في الغسل، فنقل الأمران نقلا صحيحا من غير تعارض بين الروايات. # قلنا: قول الراوي: هذا طهور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدل على ~~أنه طهوره على الدوام؛ ولأن الصحابة، - رضي الله عنهم -، إنما ذكروا صفة ~~وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتعريف سائلهم ومن حضرهم كيفية ~~وضوئه في دوامه، فلو شاهدوا وضوءه على صفة أخرى لم يطلقوا هذا الإطلاق الذي ~~يفهم منه أنهم لم يشاهدوا غيره؛ لأن ذلك يكون تدليسا وإيهاما بغير الصواب، ~~فلا يظن ذلك بهم، وتعين حمل حال الراوي لغير الصحيح على الغلط لا غير؛ ولأن ~~الرواة إذا رووا حديثا واحدا عن شخص واحد، فاتفق الحفاظ منهم على صفة، ~~وخالفهم فيها واحد، حكموا عليه بالغلط، وإن كان ثقة حافظا، فكيف إذا لم يكن ~~معروفا بذلك، # (170) فصل: إذا وصل الماء إلى بشرة الرأس، ولم يمسح على الشعر، لم يجزئه؛ ~~لأن الفرض انتقل إليه، فلم يجز مسح غيره، كما لو أوصل الماء إلى باطن ~~اللحية ولم يغسل ظاهرها. وإن نزل شعره عن منابت شعر # PageV01P095 # الرأس، فمسح على النازل من منابته، لم يجزئه؛ لأن الرأس ما ترأس وعلا، ~~ولو رد هذا النازل وعقده على رأسه لم يجزئه المسح عليه؛ لأنه ليس من الرأس، ~~وإنما هو نازل رده إلى أعلاه. ولو نزل عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض فمسح ~~عليه أجزأه؛ لأنه شعر ms0111 على محل الفرض، فأشبه القائم على محله؛ ولأن هذا لا ~~بد منه لكل ذي شعر. ولو خضب رأسه بما يستره أو طينه، لم يجزئه المسح على ~~الخضاب والطين، نص عليه في الخضاب؛ لأنه لم يمسح على محل الفرض، فأشبه ما ~~لو ترك على رأسه خرقة فمسح عليها. والله أعلم. # (171) فصل: ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فضل عن ذراعيه. وهو قول أبي ~~حنيفة والشافعي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. قاله الترمذي. وجوزه الحسن ~~وعروة والأوزاعي لما ذكرنا من حديث عثمان، ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا: إن ~~المستعمل لا يخرج عن طهوريته، سيما الغسلة الثانية والثالثة. ولنا: ما روى ~~عبد الله بن زيد، قال: «مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه بماء ~~غير فضل يديه.» وكذلك حكى علي ومعاوية رواهن أبو داود، قال الترمذي: وقد ~~روي من غير وجه، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ لرأسه ماء جديدا.» # ولأن البلل الباقي في يده مستعمل، فلا يجزئ المسح به، كما لو فصله في ~~إناء ثم استعمله. # (172) فصل: فإن غسل رأسه بدل مسحه، فعلى وجهين: أحدهما: لا يجزئه؛ لأن ~~الله تعالى أمر بالمسح، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مسح وأمر بالمسح؛ ~~ولأنه أحد نوعي الطهارة، فلم يجزئ عن النوع الآخر، كالمسح عن الغسل. ~~والثاني يجزئ؛ لأنه لو كان جنبا فانغمس في ماء ينوي الطهارتين، أجزأه مع ~~عدم المسح، فكذلك إذا كان الحدث الأصغر منفردا؛ ولأن في صفة غسل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه غسل وجهه ويديه، ثم أفرغ على رأسه ولم يذكر مسحا؛ ~~ولأن الغسل أبلغ من المسح، فإذا أتى به ينبغي أن يجزئه، كما لو اغتسل ينوي ~~به الوضوء، وهذا فيما إذا لم يمر يده على رأسه. # فأما إن أمر يده على رأسه مع الغسل أو بعده أجزأه؛ لأنه قد أتى بالمسح. ~~وقد روي عن «معاوية، أنه توضأ للناس كما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~توضأ، فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله، حتى ms0112 وضعها على وسط ~~رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى ~~مقدمه.» رواه أبو داود. ولو حصل على رأسه ماء المطر، أو صب عليه إنسان، ثم ~~مسح عليه يقصد بذلك الطهارة، أو كان قد صمد للمطر، أجزأه. # وإن حصل الماء على رأسه من غير قصد أجزأه أيضا؛ لأن حصول الماء على # PageV01P096 # رأسه بغير قصد لم يؤثر في الماء، فمتى وضع يده على ذلك البلل ومسح به فقد ~~مسح بماء غير مستعمل، فصحت طهارته، كما لو حصل بقصده. فإن لم يمسح بيده، ~~وقلنا إن الغسل يقوم مقام المسح، نظرنا؛ فإن قصد حصول الماء على رأسه أجزأه ~~إذا جرى الماء عليه، وإلا لم يجزئه. وإن قلنا لم يجزئ الغسل عن المسح، لم ~~يجزئه بحال. # (173) فصل: وإن مسح رأسه بخرقة مبلولة، أو خشبة، أجزأه في أحد الوجهين؛ ~~لأن الله تعالى أمر بالمسح، وقد فعله، فأجزأه، كما لو مسح بيده أو بيد ~~غيره؛ ولأن مسحه بيده غير مشترط، بدليل ما لو مسحه بيد غيره. والثاني لا ~~يجزئه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح بيده. وإن وضع على رأسه خرقة ~~مبلولة فابتل بها رأسه، أو وضع خرقة ثم بلها حتى ابتل شعره، لم يجزئه؛ لأن ~~ذلك ليس بمسح ولا غسل. ويحتمل أن يجزئه؛ لأنه بل شعره قاصدا للوضوء، ~~فأجزأه، كما لو غسله. وإن مسح بإصبع أو إصبعين أجزأه إذا مسح بهما ما يجب ~~مسحه كله. ونقل محمد بن الحكم، عن أحمد أنه لا يجزئه. # قال القاضي: هذا محمول على وجوب الاستيعاب، فإنه لا يمكنه استيعاب الرأس ~~بإصبعه، فأما إن استوعبه أجزأه؛ لأنه مسح ببعض يده، أشبه مسحه بكفه. ### | [فصل الأذنان من الرأس] # (174) فصل: والأذنان من الرأس، فقياس المذهب وجوب مسحهما مع مسحه. وقال ~~الخلال كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن ترك مسحهما عامدا أو ناسيا، أنه ~~يجزئه؛ وذلك لأنهما تبع للرأس، لا يفهم من إطلاق اسم الرأس دخولهما فيه، ~~ولا يشبهان بقية أجزاء الرأس، ولذلك ms0113 لم يجزه مسحهما عن مسحه عند من اجتزأ ~~بمسح بعضه، والأولى مسحهما معه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسحهما ~~مع رأسه، فروت «الربيع، أنها رأت النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه، ~~ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة» . # وروى ابن عباس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه وأذنيه ~~ظاهرهما وباطنهما.» وقال الترمذي: حديث ابن عباس وحديث الربيع صحيحان. وروى ~~المقدام بن معدي كرب. «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح برأسه وأذنيه، ~~وأدخل إصبعيه في صماخي أذنيه.» رواه أبو داود. فيستحب أن يدخل سبابتيه في ~~صماخي أذنيه، ويمسح ظاهر أذنيه بإبهاميه. ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف؛ ~~لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر، والأذن أولى. # PageV01P097 ### | [مسألة غسل الرجلين إلى الكعبين] # (175) مسألة: قال: وغسل الرجلين إلى الكعبين، وهما العظمان الناتئان غسل ~~الرجلين واجب في قول أكثر أهل العلم. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غسل القدمين. وروي عن علي أنه ~~مسح على نعليه وقدميه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه، ثم صلى. # وحكي عن ابن عباس أنه قال: ما أجد في كتاب الله إلا غسلتين ومسحتين. وروي ~~عن أنس بن مالك أنه ذكر له قول الحجاج: اغسلوا القدمين ظاهرهما وباطنهما، ~~وخللوا ما بين الأصابع، فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه. ~~فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج. وتلا هذه الآية: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6] . # وحكي عن الشعبي أنه قال: الوضوء مغسولان وممسوحان، فالممسوحان يسقطان في ~~التيمم. # ولم نعلم من فقهاء المسلمين من يقول بالمسح على الرجلين غير من ذكرنا، ~~إلا ما حكي عن ابن جرير أنه قال: هو مخير بين المسح والغسل، واحتج بظاهر ~~الآية، وبما روى ابن عباس، قال: «توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأدخل ~~يده في الإناء، فمضمض واستنشق مرة واحدة، ثم أدخل يده، فصب على وجهه ms0114 مرة ~~واحدة، وصب على يديه مرة واحدة، ومسح برأسه وأذنيه مرة واحدة، ثم أخذ ملء ~~كف من ماء فرش على قدميه وهو منتعل.» رواه سعيد. وقال أيضا: حدثنا هشيم، ~~أخبرنا يعلى بن عطاء، عن أبيه، قال: أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي، أنه رأى ~~«النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى كظامة قوم بالطائف، فتوضأ ومسح على ~~قدميه. قال هشيم: كان هذا في أول الإسلام.» # ولنا أن عبد الله بن زيد، وعثمان، حكيا وضوء رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، قالا: فغسل قدميه. وفي حديث عثمان: «ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا» متفق ~~عليه. وفي لفظ: «ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا، ثم غسل ~~اليسرى مثل ذلك.» # وعن علي أنه «حكى وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ثم غسل ~~رجليه إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا.» وكذلك قالت الربيع بنت معوذ، والبراء بن ~~عازب، وعبد الله بن عمر. رواهن سعيد وغيره. وعن عمر - رضي الله عنه - «، أن ~~رجلا توضأ، فترك موضع ظفر من قدمه، فأبصره النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: ارجع فأحسن وضوءك. فرجع فتوضأ ثم صلى.» رواه مسلم، وفي لفظ: أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «رأى رجلا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم ~~يصبها الماء، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد الوضوء والصلاة.» ~~رواه أبو داود، والأثرم. قال الأثرم: ذكر أبو عبد الله إسناد هذا الحديث. ~~قلت له: إسناد جيد؟ قال: نعم. # وعن عبد الله بن عمرو، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى قوما ~~يتوضئون # PageV01P098 # وأعقابهم تلوح، فقال: ويل للأعقاب من النار.» وعن عائشة، وأبي هريرة، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ويل للأعقاب من النار.» رواهن مسلم. # وقد ذكرنا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتخليل الأصابع، وأنه كان ~~يعرك أصابعه بخنصره بعض العرك، وهذا كله يدل على وجوب الغسل، فإن الممسوح ~~لا يحتاج إلى الاستيعاب والعرك. وأما الآية، فقد روى عكرمة، عن ابن عباس: ~~أنه كان يقرأ {وأرجلكم} [المائدة: ms0115 6] . قال: عاد إلى الغسل. وروي عن علي ~~وابن مسعود والشعبي أنهم كانوا يقرءونها كذلك وروى ذلك كله سعيد، وهي قراءة ~~جماعة من القراء، منهم ابن عامر، فتكون معطوفة على اليدين في الغسل. ومن ~~قرأها بالجر فللمجاورة، كما قال وأنشدوا: # كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل # وأنشد: # وظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل # جر قديرا، مع العطف للمجاورة. # وفي كتاب الله تعالى: {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} [هود: 26] . جر ~~أليما، وهو صفة العذاب المنصوب، لمجاورته المجرور، وتقول العرب: جحر ضب ~~خرب. وإذا كان الأمر فيها محتملا وجب الرجوع إلى بيان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ويدل على صحة هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ~~عمرو بن عبسة: «ثم غسل رجليه كما أمره الله عز وجل» . فثبت بهذا أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إنما أمر بالغسل لا بالمسح، ويحتمل أنه أراد بالمسح ~~الغسل الخفيف. قال أبو علي الفارسي: العرب تسمي خفيف الغسل مسحا، فيقولون: ~~تمسحت للصلاة. أي توضأت. # وقال أبو زيد الأنصاري نحو ذلك، وتحديده بالكعبين دليل على أنه أراد ~~الغسل، فإن المسح ليس بمحدود. فإن قيل: فعطفه على الرأس دليل على أنه أراد ~~حقيقة المسح. قلنا: قد افترقا من وجوه: أحدها، أن الممسوح في الرأس شعر يشق ~~غسله، والرجلان بخلاف ذلك، فهما أشبه بالمغسولات. # والثاني أنهما محدودان بحد ينتهي إليه، فأشبها اليدين. # والثالث: أنهما معرضتان للخبث لكونهما يوطأ بهما على الأرض، بخلاف الرأس. ~~وأما حديث أوس في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على قدميه. فإنما ~~أراد الغسل الخفيف، وكذلك حديث ابن عباس، # PageV01P099 # ولذلك قال: أخذ ملء كف من ماء فرش على قدميه. والمسح يكون بالبلل لا برش ~~الماء. فأما قول الخرقي: وهما العظمان الناتئان. فأراد أن الكعبين. هما ~~اللذان في أسفل الساق من جانبي القدم. وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: هما ~~في مشط القدم، وهو معقد الشراك من الرجل، بدليل أنه قال: {إلى ms0116 الكعبين} ~~[المائدة: 6] . فيدل على أن في الرجلين كعبين لا غير، ولو أراد ما ذكرتموه ~~كانت كعاب الرجلين أربعة، فإن لكل قدم كعبين. # ولنا: أن الكعاب المشهورة في العرف هي التي ذكرناها، قال أبو عبيد: الكعب ~~الذي في أصل القدم منتهى الساق إليه، بمنزلة كعاب القنا، كل عقد منها يسمى ~~كعبا. وقد روى أبو القاسم الجدلي، عن النعمان بن بشير قال: كان أحدنا يلزق ~~كعبه بكعب صاحبه في الصلاة، ومنكبه بمنكب صاحبه. رواه الخلال وقاله ~~البخاري. # وروي «أن قريشا كانت ترمي كعبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~ورائه حتى تدميهما.» ومشط القدم أمامه. وقوله تعالى: إلى الكعبين حجة لنا؛ ~~فإنه أراد أن كل رجل تغسل إلى الكعبين، إذ لو أراد كعاب جميع الأرجل لقال: ~~الكعاب، كما قال: {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] . ### | [فصل إدخال الكعبين في الغسل] # (176) فصل: ويلزمه إدخال الكعبين في الغسل، كقولنا في المرافق فيما مضى. ### | [مسألة الطهارة عضوا بعد عضو في الوضوء] # (177) مسألة: قال: ويأتي بالطهارة عضوا بعد عضو، كما أمر الله تعالى ~~وجملة ذلك: أن الترتيب في الوضوء على ما في الآية واجب عند أحمد لم أر عنه ~~فيه اختلافا، وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وحكى أبو الخطاب رواية ~~أخرى عن أحمد أنه غير واجب. وهذا مذهب مالك والثوري وأصحاب الرأي. # وروي أيضا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وروي عن علي ومكحول والنخعي ~~والزهري والأوزاعي فيمن نسي مسح رأسه، فرأى في لحيته بللا: يمسح رأسه به، ~~ولم يأمروه بإعادة غسل رجليه. واختاره ابن المنذر؛ لأن الله تعالى أمر بغسل ~~الأعضاء، # PageV01P100 # وعطف بعضها على بعض بواو الجمع، وهي لا تقتضي الترتيب، فكيفما غسل كان ~~ممتثلا. # وروي عن علي وابن مسعود: ما أبالي بأي أعضائي بدأت. وقال ابن مسعود: لا ~~بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء. ولنا أن في الآية قرينة تدل على ~~أنه أريد بها الترتيب؛ فإنه أدخل ممسوحا بين مغسولين، والعرب لا تقطع ~~النظير عن نظيره إلا لفائدة، والفائدة هاهنا الترتيب. ms0117 # فإن قيل: فائدته استحباب الترتيب. قلنا: الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب؛ ~~ولهذا لم يذكر فيها شيئا من السنن؛ ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان ~~مأمورا به، والأمر يقتضي الوجوب؛ ولأن كل من حكى وضوء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حكاه مرتبا، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى، وتوضأ مرتبا، ~~وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» . أي بمثله، وما روي عن علي ~~وابن مسعود قال أحمد: إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى؛ لأن مخرجهما من ~~الكتاب واحد. # ثم قال أحمد: حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، أن عليا سئل، فقيل له: ~~أحدنا يستعجل، فيغسل شيئا قبل شيء؟ قال: لا. حتى يكون كما أمر الله تعالى، ~~والرواية الأخرى عن ابن مسعود ولا يعرف لها أصل. # (178) فصل: ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى، لا نعلم فيه خلافا؛ لأن ~~مخرجهما في الكتاب واحد. قال الله تعالى: وأيديكم وأرجلكم. والفقهاء يعدون ~~اليدين عضوا، والرجلين عضوا، ولا يجب الترتيب في العضو الواحد، وقد دل على ~~ذلك قول علي وابن مسعود. ### | [فصل نكس وضوءه فبدأ بشيء من أعضائه قبل وجهه] # (179) فصل: وإذا نكس وضوءه، فبدأ بشيء من أعضائه قبل وجهه، لم يحتسب بما ~~غسله قبل وجهه، فإذا غسل وجهه مع بقاء نيته أو بعدها بزمن يسير احتسب له ~~به، ثم يرتب الأعضاء الثلاثة. وإن غسل وجهه ثم مسح رأسه ثم غسل يديه ~~ورجليه، أعاد مسح رأسه وغسل رجليه. وإن غسل وجهه ويديه ثم غسل رجليه ثم مسح ~~رأسه، صح وضوءه إلا غسل رجليه. وإن نكس وضوءه جميعه، لم يصح له إلا غسل ~~وجهه. # وإن توضأ منكسا أربع مرات، صح وضوءه، يحصل له من كل مرة غسل عضو إذا كان ~~متقاربا. # PageV01P101 # ومذهب الشافعي مثل ما ذكرنا. ولو غسل أعضاءه دفعة واحدة لم يصح له إلا ~~غسل وجهه؛ لأنه لم يرتب. وإن انغمس في ماء جار فلم يمر على أعضائه إلا جرية ~~واحدة فكذلك. وإن مر عليه أربع جريات، وقلنا: الغسل يجزئ عن ms0118 المسح. أجزأه، ~~كما لو توضأ أربع مرات. وإن كان الماء راكدا، فقال بعض أصحابنا: إذا أخرج ~~وجهه ثم يديه ثم مسح رأسه ثم خرج من الماء، أجزأه؛ لأن الحدث إنما يرتفع ~~بانفصال الماء عن العضو، ونص أحمد في رجل أراد الوضوء فانغمس في الماء، ثم ~~خرج من الماء، فعليه مسح رأسه وغسل رجليه. # وهذا يدل على أن الماء إذا كان جاريا فمرت عليه جرية واحدة، أنه يجزئه ~~مسح رأسه وغسل رجليه. وإن اجتمع الحدثان، سقط الترتيب والموالاة. على ما ~~سنذكره، إن شاء الله تعالى. # (180) فصل: ولم يذكر الخرقي الموالاة، وهي واجبة عند أحمد نص عليها في ~~مواضع. وهذا قول الأوزاعي وأحد قولي الشافعي قال القاضي: ونقل حنبل عن أحمد ~~أنها غير واجبة. وهذا قول أبي حنيفة لظاهر الآية؛ ولأن المأمور به غسل ~~الأعضاء، فكيفما غسل جاز؛ ولأنها إحدى الطهارتين، فلم تجب الموالاة فيها ~~كالغسل. # وقال مالك: إن تعمد التفريق بطل، وإلا فلا. ولنا ما ذكرنا من رواية عمر، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر ~~الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد الوضوء ~~والصلاة» . # ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة؛ ولأنها عبادة يفسدها الحدث، ~~فاشترطت لها الموالاة كالصلاة، والآية دلت على وجوب الغسل، والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بين كيفيته، وفسر مجمله بفعله وأمره، فإنه لم يتوضأ إلا ~~متواليا، وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء، وغسل الجنابة بمنزلة غسل عضو ~~واحد، بخلاف الوضوء. (181) فصل: والموالاة الواجبة أن لا يترك غسل عضو حتى ~~يمضي زمن يجف فيه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل؛ لأنه قد يسرع جفاف ~~العضو في بعض الزمان دون بعض؛ ولأنه يعتبر ذلك فيما بين طرفي الطهارة. # وقال ابن عقيل في رواية أخرى، إن حد التفريق المبطل ما يفحش في العادة؛ ~~لأنه لم يحد في الشرع، فيرجع فيه إلى العادة، كالإحراز والتفرق في البيع. # (182) فصل: وإن نشفت أعضاؤه لاشتغاله بواجب في الطهارة أو مسنون، لم يعد ms0119 ~~تفريقا، كما لو طول أركان الصلاة. قال أحمد إذا كان في علاج الوضوء فلا ~~بأس، وإن كان لوسوسة تلحقه فكذلك؛ لأنه # PageV01P102 # في علاج الوضوء، وإن كان ذلك لعبث أو شيء زائد على المسنون وأشباهه، عد ~~تفريقا. ويحتمل أن تكون الوسوسة كذلك؛ لأنه مشتغل بما ليس بمفروض ولا ~~مسنون. ### | [مسألة الوضوء مرة مرة] # (183) مسألة: قال: والوضوء مرة مرة يجزئ، والثلاث أفضل هذا قول أكثر أهل ~~العلم، إلا أن مالكا لم يوقت مرة ولا ثلاثا، قال: إنما قال الله تعالى: ~~{فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] . # وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: الوضوء ثلاثا ثلاثا إلا غسل الرجلين، ~~فإنه ينقيهما. وقد روي عن ابن عباس قال: «توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- مرة مرة» رواه البخاري، وروى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«توضأ مرتين مرتين» رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن غريب. وعن علي أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «توضأ ثلاثا ثلاثا» . قال الترمذي: حديث علي ~~أحسن شيء في هذا الباب وأصح. # وقال سعيد: حدثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن ابن ~~عمر، أن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بماء، فتوضأ مرة مرة، ثم ~~قال: هذا وظيفة الوضوء، وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به، ثم تحدث ~~ساعة، ثم دعا بماء فتوضأ مرتين، مرتين، فقال: هذا وضوء من توضأه ضاعف الله ~~له الأجر مرتين، ثم تحدث ساعة، ثم دعا بماء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، فقال: هذا ~~وضوئي ووضوء النبيين من قبلي» . وروى ابن ماجه بإسناده عن أبي بن كعب عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا، # وروى مسلم في صحيحه، «أن عثمان دعا بوضوء فتوضأ وغسل كفيه ثلاث مرات، ثم ~~تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث ~~مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى ~~الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله - صلى ms0120 ~~الله عليه وسلم - توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، ~~غفر له ما تقدم من ذنبه» . # قال ابن شهاب وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد ~~للصلاة. (184) فصل: وإن غسل بعض أعضائه مرة وبعضها أكثر، جاز لأنه إذا جاز ~~ذلك في الكل جاز في البعض، وفي حديث عبد الله بن زيد، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «توضأ فغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه مرتين، ومسح برأسه مرة.» ~~متفق عليه. # فصل: قال أحمد - رحمه الله -: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى. وقال ~~ابن المبارك لا آمن من ازداد على الثلاث أن يأثم. وقال إبراهيم النخعي ~~تشديد الوضوء من الشيطان، لو كان هذا فضلا لأوثر # PageV01P103 # به أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده، قال: «جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الوضوء، ~~فأراه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم.» ~~رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. # (186) فصل: وإذا فرغ من وضوئه استحب أن يرفع نظره إلى السماء، ثم يقول. ~~ما رواه مسلم في صحيحه، عن عمر بن الخطاب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد ~~أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة ~~الثمانية، يدخل من أيها شاء» . ورواه أبو بكر الخلال بإسناده، وفيه: «من ~~توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء وفيه: اللهم اجعلني من ~~التوابين، واجعلني من المتطهرين.» ### | [فصل المعاونة على الوضوء] # (187) فصل: ولا بأس بالمعاونة على الوضوء؛ لما روى المغيرة بن شعبة، أنه ~~«أفرغ على النبي - صلى الله عليه وسلم - في وضوئه.» رواه مسلم، وروي عن ~~صفوان بن عسال، قال: «صببت على النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر ~~والحضر» وعن ms0121 أم عياش، وكانت أمة لرقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قالت: «كنت أوضئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا قائمة وهو قاعد.» ~~رواهما ابن ماجه. وروي عن أحمد أنه قال: ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد؛ ~~لأن عمر قال ذلك. ### | [فصل تنشيف الأعضاء بالمنديل من بلل الوضوء والغسل] # (188) فصل: ولا بأس بتنشيف أعضائه بالمنديل من بلل الوضوء والغسل، قال ~~الخلال المنقول عن أحمد أنه لا بأس بالتنشيف بعد الوضوء. وممن روي عنه أخذ ~~المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي وأنس، وكثير من أهل العلم. ونهى ~~عنه جابر بن عبد الله وكرهه عبد الرحمن بن مهدي وجماعة من أهل العلم؛ لأن ~~ميمونة روت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل فأتيته بالمنديل، فلم ~~يردها، وجعل ينفض الماء بيده.» متفق عليه. والأول أصح # ؛ لأن الأصل الإباحة، وترك النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على ~~الكراهة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يترك المباح كما يفعله، وقد ~~روى أبو بكر في الشافي بإسناده، عن عروة عن عائشة، قالت: «كان للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خرقة يتنشف بها بعد الوضوء.» وسئل أحمد عن هذا الحديث، ~~فقال: منكر منكر. وروي عن قيس بن سعد، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسية، فالتحف بها.» إلا أن الترمذي قال: لا يصح ~~في هذا الباب شيء. ولا يكره نفض الماء عن بدنه بيديه؛ لحديث ميمونة. # PageV01P104 ### | [مسألة وضوء النافلة يجزئ لصلاة الفريضة] # (189) مسألة: قال: وإذا توضأ لنافلة صلى فريضة لا أعلم في هذه المسألة ~~خلافا؛ وذلك لأن النافلة تفتقر إلى رفع الحدث كالفريضة، وإذا ارتفع الحدث ~~تحقق شرط الصلاة وارتفع المانع، فأبيح له الفرض، وكذلك كل ما يفتقر إلى ~~الطهارة، كمس المصحف والطواف، إذا توضأ له ارتفع حدثه، وصحت طهارته، وأبيح ~~له سائر ما يحتاج إلى الطهارة. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى. # (190) فصل يجوز أن يصلي بالوضوء ما لم يحدث، ولا نعلم في هذا خلافا. قال ~~أحمد بن ms0122 قاسم: سألت أحمد عن رجل صلى أكثر من خمس صلوات بوضوء واحد؟ قال: ما ~~بأس بهذا إذا لم ينتقض وضوءه، ما ظننت أن أحدا أنكر هذا. وقال: «صلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد.» وروى أنس ~~قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ عند كل صلاة قلت: وكيف كنتم ~~تصنعون، قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث.» رواه البخاري وأبو داود. # وفي مسلم، عن بريدة قال: «صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح ~~خمس صلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: إني رأيتك صنعت شيئا لم ~~تكن تصنعه، قال: عمدا صنعته.» # (191) فصل: وتجديد الوضوء مستحب، نص أحمد عليه في رواية موسى بن عيسى، ~~ونقل حنبل عنه أنه كان يفعله؛ وذلك لما روينا من الحديث، وعن غطيف الهذلي، ~~قال: «رأيت ابن عمر يوما توضأ لكل صلاة، فقلت: أصلحك الله، أفريضة أم سنة، ~~الوضوء عند كل صلاة؟ فقال: لا، لو توضأت لصلاة الصبح لصليت به الصلوات كلها ~~ما لم أحدث، ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من توضأ ~~على طهر فله عشر حسنات. وإنما رغبت في الحسنات.» أخرجه أبو داود وابن ماجه. ~~وقد نقل علي بن سعيد، عن أحمد: لا فضل فيه. والأول أصح. # (192) فصل: ولا بأس بالوضوء في المسجد إذا لم يؤذ أحدا بوضوئه، ولم يبل ~~موضع الصلاة. قال ابن المنذر أباح ذلك كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار، ~~منهم: ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس وأبو بكر بن محمد وابن عمر وابن حزم ~~وابن جريج وعوام أهل العلم، قال: وبه نقول، إلا أن يبل مكانا يجتاز الناس ~~فيه، فإني أكرهه، إلا أن يفحص الحصى عن البطحاء، كما فعل لعطاء وطاوس فإذا ~~توضأ رد الحصى عليه، فإني لا أكرهه، وقد روي عن أحمد أنه يكرهه؛ صيانة ~~للمسجد عن البصاق والمخاط وما يخرج من فضلات الوضوء. # PageV01P105 ### | [مسألة لا يقرأ القرآن جنب ولا حائض ولا نفساء] # (193) مسألة: قال: ولا يقرأ ms0123 القرآن جنب ولا حائض ولا نفساء رويت الكراهية ~~لذلك عن عمر وعلي والحسن والنخعي والزهري وقتادة والشافعي وأصحاب الرأي. ~~وقال الأوزاعي لا يقرأ إلا آية الركوب والنزول: {سبحان الذي سخر لنا هذا} ~~[الزخرف: 13] ، {وقل رب أنزلني منزلا مباركا} [المؤمنون: 29] وقال ابن عباس ~~يقرأ ورده. وقال سعيد بن المسيب: يقرأ القرآن، أليس هو في جوفه، وحكي عن ~~مالك للحائض القراءة دون الجنب؛ لأن أيامها تطول، فإن منعناها من القراءة ~~نسيت. # ولنا: ما روي عن علي، - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يكن يحجبه، أو قال: يحجزه، عن قراءة القرآن شيء، ليس الجنابة.» رواه أبو ~~داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن ابن عمر، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن.» رواه ~~أبو داود، والترمذي. وقال: يرويه إسماعيل بن عياش عن نافع، وقد ضعف، ~~البخاري روايته عن أهل الحجاز، وقال: إنما روايته عن أهل الشام. وإذا ثبت ~~هذا في الجنب ففي الحائض أولى؛ لأن حدثها آكد، ولذلك حرم الوطء، ومنع ~~الصيام، وأسقط الصلاة، وساواها في سائر أحكامها. # (194) فصل: ويحرم عليهم قراءة آية. فأما بعض آية؛ فإن كان مما لا يتميز ~~به القرآن عن غيره كالتسمية، والحمد لله، وسائر الذكر، فإن لم يقصد به ~~القرآن، فلا بأس؛ فإنه لا خلاف في أن لهم ذكر الله تعالى، ويحتاجون إلى ~~التسمية عند اغتسالهم، ولا يمكنهم التحرز من هذا. # وإن قصدوا به القراءة أو كان ما قرءوه شيئا يتميز به القرآن عن غيره من ~~الكلام، ففيه روايتان: إحداهما، لا يجوز، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه ~~سئل عن الجنب يقرأ القرآن؟ فقال: لا، ولا حرفا. وهذا مذهب الشافعي لعموم ~~الخبر في النهي؛ ولأنه قرآن، فمنع من قراءته، كالآية. والثانية لا يمنع ~~منه، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه لا يحصل به الإعجاز، ولا يجزئ في الخطبة، ~~ويجوز إذا لم يقصد به القرآن، وكذلك إذا قصد. # PageV01P106 ### | [فصل حكم اللبث في المسجد للجنب والحائض والنفساء] ms0124 # (195) فصل: وليس لهم اللبث في المسجد، لقول الله تعالى: {ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] وروت عائشة، قالت: «جاء النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وبيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: وجهوا هذه البيوت عن ~~المسجد؛ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» رواه أبو داود. ويباح العبور ~~للحاجة، من أخذ شيء، أو تركه، أو كون الطريق فيه، فأما لغير ذلك فلا يجوز ~~بحال. وممن نقلت عنه الرخصة في العبور: ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب ~~وابن جبير والحسن ومالك والشافعي وقال الثوري وإسحاق لا يمر في المسجد إلا ~~أن لا يجد بدا، فيتيمم. # وهو قول أصحاب الرأي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا أحل المسجد ~~لحائض ولا جنب.» ولنا قول الله تعالى: (إلا عابري سبيل) ، والاستثناء من ~~المنهي عنه إباحة. وعن عائشة، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لها: ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: إني حائض، قال إن حيضتك ليست في يدك» ~~. رواه مسلم. وعن جابر قال: كنا نمر في المسجد ونحن جنب. رواه ابن المنذر # وعن زيد بن أسلم، قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشون ~~في المسجد وهم جنب رواه ابن المنذر أيضا. وهذا إشارة إلى جميعهم، فيكون ~~إجماعا. (196) فصل: فأما المستحاضة، ومن به سلس البول، فلهم اللبث في ~~المسجد والعبور إذا أمنوا تلويث المسجد؛ لما روي عن عائشة أن «امرأة من ~~أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتكفت معه وهي مستحاضة، فكانت ترى ~~الحمرة والصفرة، وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي.» رواه البخاري. ولأنه ~~حدث لا يمنع الصلاة فلم يمنع اللبث، كخروج الدم اليسير من أنفه. # فإن خاف تلويث المسجد فليس له العبور؛ فإن المسجد يصان عن هذا، كما يصان ~~عن البول فيه. ولو خشيت الحائض تلويث المسجد بالعبور فيه، لم يكن لها ذلك. # (197) فصل: وإن خاف الجنب على نفسه أو ماله، أو لم يمكنه الخروج من ~~المسجد، أو لم يجد مكانا غيره، أو لم يمكنه الغسل ولا ms0125 الوضوء، تيمم، ثم ~~أقام في المسجد، وروي عن علي وابن عباس وسعيد # PageV01P107 # بن جبير ومجاهد والحسن بن مسلم بن يناق في تأويل قوله تعالى: {ولا جنبا ~~إلا عابري سبيل} [النساء: 43] . يعني مسافرين لا يجدون ماء، فيتيممون. وقال ~~بعض أصحابنا: يلبث بغير تيمم؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث. # وهذا غير صحيح؛ لأنه يخالف قول من سمينا من الصحابة؛ ولأن هذا أمر يشترط ~~له الطهارة فوجب التيمم له عند العجز عنها، كالصلاة وسائر ما يشترط له ~~الطهارة. وقولهم: لا يرفع الحدث. قلنا: إلا أنه يقوم مقام ما يرفع الحدث، ~~في إباحة ما يستباح به. ### | [فصل حكم اللبث في المسجد للجنب إذا توضأ] # (198) فصل: إذا توضأ الجنب فله اللبث في المسجد في قول أصحابنا وإسحاق ~~وقال أكثر أهل العلم: لا يجوز؛ للآية والخبر. واحتج أصحابنا بما روي عن زيد ~~بن أسلم، قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحدثون في ~~المسجد على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ، ثم يدخل، فيتحدث. وهذا ~~إشارة إلى جميعهم، فيكون إجماعا يخص به العموم؛ ولأنه إذا توضأ خف حكم ~~الحدث، فأشبه التيمم عند عدم الماء، ودليل خفته أمر النبي الجنب به إذا ~~أراد النوم، واستحبابه لمن أراد الأكل ومعاودة الوطء. # فأما الحائض إذا توضأت فلا يباح لها اللبث؛ لأن وضوءها لا يصح. ### | [مسألة لا يمس المصحف إلا طاهر] # (199) مسألة: قال: ولا يمس المصحف إلا طاهر يعني طاهرا من الحدثين جميعا. ~~روي هذا عن ابن عمر والحسن وعطاء وطاوس والشعبي والقاسم بن محمد وهو قول ~~مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم مخالفا لهم إلا داود فإنه أباح مسه. ~~واحتج بأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب في كتابه آية إلى قيصر.» ~~وأباح الحكم وحماد مسه بظاهر الكف؛ لأن آلة المس باطن اليد، فينصرف النهي ~~إليه دون غيره. # ولنا قوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] . وفي «كتاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو # PageV01P108 # بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر.» وهو كتاب مشهور، رواه ms0126 أبو عبيد في ~~فضائل القرآن وغيره، ورواه الأثرم، فأما الآية التي كتب بها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فإنما قصد بها المراسلة، والآية في الرسالة أو كتاب فقه ~~أو نحوه لا تمنع مسه، ولا يصير الكتاب بها مصحفا، ولا تثبت له حرمته إذا ~~ثبت هذا فإنه لا يجوز له مسه بشيء من جسده؛ لأنه من جسده، فأشبه يده. # وقولهم: إن المس إنما يختص بباطن اليد؛ ليس بصحيح؛ فإن كل شيء لاقى شيئا ~~فقد مسه. (200) فصل: ويجوز حمله بعلاقته. وهذا قول أبي حنيفة وروي ذلك عن ~~الحسن وعطاء وطاوس والشعبي والقاسم وأبي وائل والحكم وحماد ومنع منه ~~الأوزاعي ومالك والشافعي قال مالك أحسن ما سمعت أنه لا يحمل المصحف بعلاقته ~~ولا في غلافه إلا وهو طاهر؛ وليس ذلك لأنه يدنسه، ولكن تعظيما للقرآن. ~~واحتجوا بأنه مكلف محدث قاصد لحمل المصحف، فلم يجز، كما لو حمله مع مسه. # ولنا: أنه غير ماس له، فلم يمنع منه، كما لو حمله في رحله؛ ولأن النهي ~~إنما يتناول المس، والحمل ليس بمس، فلم يتناوله النهي، وقياسهم فاسد؛ فإن ~~العلة في الأصل مسه، وهو غير موجود في الفرع، والحمل لا أثر له، فلا يصح ~~التعليل به. وعلى هذا لو حمله بعلاقة أو بحائل بينه وبينه مما لا يتبعه في ~~البيع، جاز؛ لما ذكرنا. وعندهم لا يجوز. # ووجه المذهبين ما تقدم. ويجوز تقليبه بعود ومسه به، وكتب المصحف بيده من ~~غير أن يمسه، وفي تصفحه بكمه روايتان. وخرج القاضي في مس غلافه وحمله ~~بعلاقته رواية أخرى أنه لا يجوز؛ بناء على مسه بكمه. والصحيح: جوازه؛ لأن ~~النهي إنما يتناول مسه، والحمل ليس بمس. # (201) فصل: ويجوز مس كتب التفسير والفقه وغيرها، والرسائل، وإن كان فيها ~~آيات من القرآن، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى قيصر كتابا ~~فيه آية؛ ولأنها لا يقع عليها اسم مصحف، ولا تثبت لها حرمته. وفي مس صبيان ~~الكتاتيب ألواحهم التي فيها القرآن وجهان: # PageV01P109 # أحدهما الجواز؛ لأنه موضع حاجة، فلو اشترطنا الطهارة ms0127 أدى إلى تنفيرهم عن ~~حفظه. # والثاني المنع؛ لدخولهم في عموم الآية. وفي الدراهم المكتوب عليها القرآن ~~وجهان: أحدهما المنع، وهو قول أبي حنيفة وكرهه عطاء والقاسم والشعبي؛ لأن ~~القرآن مكتوب عليها، فأشبهت الورق. والثاني الجواز؛ لأنه لا يقع عليها اسم ~~المصحف، فأشبهت كتب الفقه؛ ولأن في الاحتراز منها مشقة، أشبهت ألواح ~~الصبيان. # (202) فصل: وإن احتاج المحدث إلى مس المصحف عند عدم الماء، تيمم، وجاز ~~مسه. ولو غسل المحدث بعض أعضاء الوضوء، لم يجز له مسه به قبل إتمام وضوئه؛ ~~لأنه لا يكون متطهرا إلا بغسل الجميع. # (203) فصل: ولا يجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب؛ لما روى ابن عمر، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض ~~العدو؛ مخافة أن تناله أيديهم.» # PageV01P110 ### | [باب الاستطابة والحدث] # الاستطابة: هي الاستنجاء بالماء أو بالأحجار، يقال استطاب، وأطاب: إذا ~~استنجى؛ سمي استطابة لأنه يطيب جسده بإزالة الخبث عنه، قال الشاعر يهجو ~~رجلا: # يا رخما قاظ على عرقوب ... يعجل كف الخارئ المطيب # والاستنجاء: استفعال من نجوت الشجرة أي: قطعتها، فكأنه قطع الأذى عنه، ~~وقال ابن قتيبة هو مأخوذ من النجوة، وهي ما ارتفع من الأرض؛ لأن من أراد ~~قضاء الحاجة استتر بها. والاستجمار: استفعال من الجمار، وهي الحجارة ~~الصغار؛ لأنه يستعملها في استجماره. # (204) مسألة: قال: وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء ولا نعلم في ~~هذا خلافا. قال أبو عبد الله ليس في الريح استنجاء؛ في كتاب الله، ولا في ~~سنة رسوله، إنما عليه الوضوء، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «من استنجى من ريح فليس منا.» رواه الطبراني في معجمه الصغير، وعن زيد ~~بن أسلم في قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] ~~. إذا قمتم من النوم، ولم يأمر بغيره، فدل على أنه لا يجب؛ ولأن الوجوب من ~~الشرع، ولم يرد بالاستنجاء هنا نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ لأن ~~الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هاهنا. ### | [مسألة الاستنجاء لما ms0128 خرج من السبيلين] # (205) مسألة: قال: والاستنجاء لما خرج من السبيلين هذا فيه إضمار، ~~وتقديره: والاستنجاء واجب، فحذف خبر المبتدإ اختصارا، وأراد ما خرج غير ~~الريح؛ لأنه قد بين حكمها، وسواء كان الخارج معتادا، كالبول والغائط، أو ~~نادرا، كالحصى والدود والشعر، رطبا أو يابسا. ولو احتقن فرجعت أجزاء خرجت ~~من الفرج، أو وطئ رجل امرأته دون الفرج فدب ماؤه إلى فرجها ثم خرج منه، ~~فعليهما الاستنجاء على ظاهر كلام الخرقي، وقد صرح به القاضي وغيره. # ولو أدخل الميل في ذكره، ثم أخرجه، لزمه الاستنجاء؛ لأنه خارج من السبيل، ~~فأشبه الغائط المستحجر، والقياس أن لا يجب من ناشف لا ينجس المحل، للمعنى ~~الذي ذكرنا في الريح، وهو قول الشافعي وهكذا الحكم في الطاهر، وهو المني ~~إذا حكمنا بطهارته. # والقول بوجوب الاستنجاء في الجملة قول أكثر أهل العلم، وحكي عن ابن سيرين ~~فيمن صلى بقوم ولم يستنج: لا أعلم به بأسا. وهذا يحتمل أن يكون فيمن لم ~~يلزمه الاستنجاء، كمن لزمه الوضوء لنوم أو خروج ريح، أو من ترك الاستنجاء ~~ناسيا، فيكون موافقا لقول الجماعة. ويحتمل أنه لم ير وجوب الاستنجاء. وهذا ~~قول أبي حنيفة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: # PageV01P111 # «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» . رواه أبو داود؛ # ولأنها نجاسة يكتفى فيها بالمسح، فلم تجب إزالتها كيسير الدم. ولنا قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه ~~بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه» . رواه أبو داود، وقال: «لا يستنجي أحدكم ~~بدون ثلاثة أحجار» . رواه مسلم، وفي لفظ لمسلم: «لقد نهانا أن نستنجي بدون ~~ثلاثة أحجار.» فأمر، والأمر يقتضي الوجوب. وقال: فإنها تجزئ عنه. والإجزاء ~~إنما يستعمل في الواجب، ونهى عن الاقتصار على أقل من ثلاثة، والنهي يقتضي ~~التحريم، وإذا حرم ترك بعض النجاسة فترك جميعها أولى. # وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يكفي ~~أحدكم دون ثلاثة أحجار.» وأمر بالعدد في أخبار كثيرة، وقوله: (لا حرج) ms0129 يعني ~~في ترك الوتر، لا في ترك الاستجمار؛ لأن المأمور به في الخبر الوتر، فيعود ~~نفي الحرج إليه، وأما الاجتزاء بالمسح فيه فلمشقة الغسل، لكثرة تكرره في ~~محل الاستنجاء. ### | [فصل الاستنجاء بالماء أو الأحجار] # (206) فصل: وهو مخير بين الاستنجاء بالماء أو الأحجار، في قول أكثر أهل ~~العلم. وحكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء. ~~وقال سعيد بن المسيب وهل يفعل ذلك إلا النساء، وقال عطاء غسل الدبر محدث. ~~وكان الحسن لا يستنجي بالماء. # وروي عن حذيفة القولان جميعا. وكان ابن عمر لا يستنجي بالماء ثم فعله، ~~وقال لنافع: جربناه فوجدناه صالحا. وهو مذهب رافع بن خديج وهو الصحيح؛ لما ~~روى أنس، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل الخلاء فأحمل أنا ~~وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء.» متفق عليه. # وعن عائشة، «أنها قالت: مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني أستحييهم، ~~وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله.» قال الترمذي: هذا حديث ~~صحيح. رواه سعيد، وروى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«نزلت هذه الآية في أهل قباء {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} [التوبة: 108] ~~قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية فيهم» . رواه أبو داود، وابن ~~ماجه. ولأنه يطهر المحل، ويزيل النجاسة، فجاز، كما لو كانت النجاسة على محل ~~آخر. # وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لما روينا من الحديث؛ ولأنه ~~يطهر المحل، ويزيل العين والأثر، وهو أبلغ في التنظيف. وإن اقتصر على الحجر ~~أجزأه، بغير خلاف بين أهل العلم؛ لما ذكرنا من الأخبار؛ ولأنه إجماع ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، والأفضل أن يستجمر بالحجر، ثم يتبعه الماء. قال ~~أحمد: إن جمعهما # PageV01P112 # فهو أحب إلي؛ لأن عائشة قالت: «مرن أزواجكن أن يتبعن الحجارة الماء من ~~أثر الغائط والبول؛ فإني أستحييهم، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يفعله.» احتج به أحمد ورواه سعيد؛ ولأن الحجر يزيل عين النجاسة فلا تصيبها ~~يده، ثم يأتي بالماء فيطهر المحل، فيكون أبلغ في ms0130 التنظيف وأحسن. ### | [مسألة الاستنجاء بما دون الثلاثة أحجار] # (207) مسألة: قال: فإن لم يعدوا مخرجهما أجزأه أحجار إذا أنقى بهن، فإن ~~أنقى بدون الثلاثة لم يجزه، حتى يأتي بالعدد، وإن لم ينق بالثلاثة زاد حتى ~~ينقي قوله: يعدوا مخرجهما يعني الخارجين من السبيلين إذا لم يتجاوزا ~~مخرجهما. يقال: عداك الشر أي: تجاوزك. # والمراد، والله أعلم، إذا لم يتجاوز المخرج بما لم تجر العادة به، فإن ~~اليسير لا يمكن التحرز منه، والعادة جارية به، وإذا كان كذلك فإنه يجزئه ~~ثلاثة أحجار منقية. ومعنى الإنقاء إزالة عين النجاسة وبلتها، بحيث يخرج ~~الحجر نقيا وليس عليه أثر إلا شيئا يسيرا. ويشترط الأمران جميعا؛ الإنقاء، ~~وإكمال الثلاثة، أيهما وجد دون صاحبه لم يكف، وهذا مذهب الشافعي وجماعة. # وقال مالك وداود: الواجب الإنقاء دون العدد؛ لقوله - عليه السلام - «من ~~استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج» . ولنا: قول سلمان: «لقد ~~نهانا - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» ~~. وما ذكرنا من الأحاديث، وحديثهم قد أجبنا عنه فيما مضى. # (208) فصل: وإذا زاد على الثلاثة استحب أن لا يقطع إلا على وتر؛ لقوله - ~~عليه السلام -: «من استجمر فليوتر» . متفق عليه، فيستجمر خمسا أو سبعا أو ~~تسعا أو ما زاد على ذلك، فإن اقتصر على شفع منقية، فيما زاد على الثلاثة ~~جاز؛ لقوله - عليه السلام -: «ومن لا فلا حرج» . # (209) فصل: وكيفما حصل الإنقاء في الاستجمار أجزأه. وذكر القاضي أن ~~المستحب أن يمر الحجر الأول من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها، ثم يديره على ~~اليسرى، ثم يرجع به إلى الموضع الذي بدأ منه؛ ثم يمر الثاني من مقدم صفحته ~~اليسرى كذلك؛ ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أو لا يجد أحدكم حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة» . رواه ~~الدارقطني. وقال: إسناده حسن. # وينبغي أن يعم المحل بكل واحد من الأحجار؛ لأنه إذا لم يعم به كان ذلك ~~تلفيقا، فيكون بمنزلة مسحة واحدة، ولا يكون تكرارا. ذكر هذا الشريف ms0131 أبو ~~جعفر، وابن عقيل وقالا: معنى الحديث البداية بهذه المواضع، ويحتمل أن يجزئه ~~لكل جهة مسحة، لظاهر الخبر. والله أعلم. # PageV01P113 # (210) فصل: ويجزئه الاستجمار في النادر، كما يجزئ في المعتاد. ولأصحاب ~~الشافعي وجه، أنه لا يجزئ في النادر. قال ابن عبد البر: ويحتمل أن يكون قول ~~مالك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل الذكر من المذي، والأمر ~~يقتضي الوجوب. قال ابن عبد البر: واستدلوا بأن الآثار كلها على اختلاف ~~ألفاظها وأسانيدها ليس فيها ذكر استنجاء، إنما هو الغسل؛ ولأن النادر لا ~~يتكرر، فلا يبقى اعتبار الماء فيه، فوجب، كغسل غير هذا المحل. # ولنا أن الخبر عام في الجميع؛ وأن الاستجمار في النادر إنما وجب ما صحبه ~~من بلة المعتاد، ثم إن لم يشق فهو في محل المشقة، فتعتبر مظنة المشقة دون ~~حقيقتها، كما جاز الاستجمار على نهر جار، وأما المذي فمعتاد كثير، وربما ~~كان في بعض الناس أكثر من البول، قال علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه -: ~~«كنت رجلا مذاء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ذاك ماء الفحل، ولكل ~~فحل ماء.» وقال سهل بن حنيف: كنت رجلا مذاء فكنت أكثر منه الاغتسال؛ ولهذا ~~أوجب مالك منه الوضوء، وهو لا يوجبه من النادر، فليس هو من مسألتنا، ويجب ~~غسل الذكر منه والأنثيين في إحدى الروايتين تعبدا. والأخرى أنه لا يجب، ~~وأمره - صلى الله عليه وسلم - بغسله للاستحباب، قياسا على سائر ما يخرج. ~~والله أعلم. # (211) فصل: ولا يستجمر بيمينه، لقول سلمان في حديثه: «إنه لينهانا أن ~~يستنجي أحدنا بيمينه.» رواه مسلم، وروى أبو قتادة، رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه، ولا يتمسح من الخلاء ~~بيمينه» متفق عليه. فإن كان يستنجي من غائط أخذ الحجر بشماله فمسح به. وإن ~~كان يستنجي من البول، وكان الحجر كبيرا، أخذ ذكره بشماله فمسح به. وإن كان ~~صغيرا فأمكنه أن يضعه بين عقبيه، أو بين أصابعه، ويمسح ذكره عليه فعل، وإن ~~لم يمكنه، أمسكه بيمينه، ومسح بيساره؛ لموضع ms0132 الحاجة. وقيل: يمسك ذكره ~~بيمينه، ويمسح بشماله؛ ليكون المسح بغير اليمين. # والأول أولى؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمسكن أحدكم ذكره ~~بيمينه» . وإذا أمسك الحجر باليمين، ومسح الذكر عليه، لم يكن ماسحا ~~باليمين، ولا ممسكا للذكر بها، وإن كان أقطع اليسرى، أو بها مرض، استجمر ~~بيمينه؛ للحاجة. ولا يكره الاستعانة بها في الماء؛ لأن الحاجة داعية إليه. ~~وإن استجمر بيمينه مع الغنى عنه، أجزأه في قول أكثر أهل العلم. وحكي عن بعض ~~أهل الظاهر أنه لا يجزئه؛ لأنه منهي عنه، فلم يفد مقصوده، كما لو استنجى ~~بالروث والرمة، فإن النهي يتناول الأمرين، والفرق بينهما أن الروث آلة ~~الاستجمار المباشرة للمحل # PageV01P114 # وشرطه، فلم يجز استعمال المنهي عنه فيها، واليد ليست المباشرة للمحل ولا ~~شرطا فيه، إنما يتناول بها الحجر الملاقي للمحل، فصار النهي عنها نهي ~~تأديب، لا يمنع الإجزاء. ### | [فصل يبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل] # (212) فصل: ويبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل؛ لئلا تتلوث يده إذا شرع في ~~الدبر؛ لأن قبله بارز تصيبه اليد إذا مدها إلى الدبر، والمرأة مخيرة في ~~البداية بأيهما شاءت، لعدم ذلك فيها. ويستحب أن يمكث بعد البول قليلا، ويضع ~~يده على أصل الذكر من تحت الأنثيين، ثم يسلته إلى رأسه فينتر ذكره ثلاثا ~~برفق. قال أحمد إذا توضأت فضع يدك في سفلتك، ثم اسلت ما ثم حتى ينزل، ولا ~~تجعل ذلك من همك، ولا تلتفت إلى ظنك. # وقد روى يزداد اليماني، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات» . رواه الإمام أحمد. وإذا استنجى بالماء ~~ثم فرغ، استحب له دلك يده بالأرض؛ لما روي عن «ميمونة، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فعل ذلك.» رواه البخاري. وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قضى حاجته، ثم استنجى من تور، ثم دلك يده بالأرض.» أخرجه ابن ماجه. وإن ~~استنجى عقيب انقطاع البول، جاز لأن الظاهر انقطاعه، وقد قيل: إن الماء يقطع ~~البول، ولذلك سمي الاستنجاء انتقاص الماء. ويستحب أن ms0133 ينضح على فرجه ~~وسراويله؛ ليزيل الوسواس عنه. # قال حنبل: سألت أحمد قلت: أتوضأ وأستبرئ، وأجد في نفسي أني قد أحدثت بعد، ~~قال: إذا توضأت فاستبرئ، وخذ كفا من ماء فرشه على فرجك، ولا تلتفت إليه، ~~فإنه يذهب إن شاء الله. وقد روى أبو هريرة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: جاءني جبريل، فقال: يا محمد، إذا توضأت فانتضح» . وهو حديث غريب. ### | [مسألة الاستنجاء بالخشب والخرق وكل ما أنقي به] # (213) مسألة: قال: والخشب والخرق وكل ما أنقي به فهو كالأحجار هذا الصحيح ~~من المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم. وفيه رواية أخرى، لا يجزئ إلا الأحجار. ~~اختارها أبو بكر وهو مذهب داود لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~بالأحجار، وأمره يقتضي الوجوب؛ ولأنه موضع رخصة ورد الشرع فيها بآلة ~~مخصوصة، فوجب الاقتصار عليها، كالتراب في التيمم. ولنا ما روى أبو داود، عن ~~خزيمة، قال: «سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاستطابة، فقال: بثلاثة ~~أحجار ليس فيها رجيع.» فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن منها ~~الرجيع؛ لأنه لا يحتاج إلى ذكره، ولم يكن لتخصيص الرجيع بالذكر معنى. # وفي حديث سلمان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P115 # «إنه لينهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستجمر برجيع أو عظم.» ~~رواه مسلم، وتخصيص هذين بالنهي عنهما يدل على أنه أراد الحجارة، وما قام ~~مقامها. وروى طاوس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أتى ~~أحدكم البراز فلينزه قبلة الله، ولا يستقبلها ولا يستدبرها، وليستطب بثلاثة ~~أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب» . رواه الدارقطني، وقال: ~~وقد روي عن ابن عباس مرفوعا، والصحيح أنه مرسل ورواه سعيد في سننه موقوفا ~~على طاوس. # ولأنه متى ورد النص بشيء لمعنى معقول، وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى، ~~والمعنى هاهنا إزالة عين النجاسة، وهذا يحصل بغير الأحجار، كحصوله بها، ~~وبهذا يخرج التيمم؛ فإنه غير معقول، ولا بد أن يكون ما يستجمر به منقيا؛ ~~لأن الإنقاء مشترط ms0134 في الاستجمار، فأما الزلج كالزجاج والفحم الرخو وشبههما ~~مما لا ينقي، فلا يجزئ؛ لأنه لا يحصل منه المقصود. # ويشترط كونه طاهرا، فإن كان نجسا لم يجزه، وبهذا قال الشافعي وقال أبو ~~حنيفة يجزئه؛ لأنه يجفف كالطاهر. ولنا «أن ابن مسعود جاء إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بحجرين وروثة يستجمر بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، ~~وقال: هذه ركس» . رواه البخاري، وفي لفظ رواه الترمذي، قال: إنها ركس. # يعني نجسا، وهذا تعليل من النبي - صلى الله عليه وسلم -. يجب المصير ~~إليه؛ ولأنه إزالة نجاسة، فلا يحصل بالنجاسة كالغسل، فإن استنجى بنجس احتمل ~~أن لا يجزئه الاستجمار بعده؛ لأن المحل تنجس بنجاسة من غير المخرج، فلم ~~يجزئ فيها غير الماء، كما لو تنجس ابتداء، ويحتمل أن يجزئه؛ لأن هذه ~~النجاسة تابعة لنجاسة المحل، فزالت بزوالها. # (214) مسألة: قال: إلا الروث والعظام والطعام، وجملته أنه لا يجوز ~~الاستجمار بالروث ولا العظام، ولا يجزئ في قول أكثر أهل العلم، وبهذا قال ~~الثوري، والشافعي، وإسحاق. وأباح أبو حنيفة الاستنجاء بهما؛ لأنهما يجففان ~~النجاسة، وينقيان المحل، فهما كالحجر. وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منهما. ~~وقد ذكرنا نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنهما، وروى مسلم، عن ابن ~~مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تستنجوا بالروث ولا ~~بالعظام؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن» . وروى الدارقطني، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى أن نستنجي بروث أو عظم وقال: إنهما لا يطهران» . ~~وقال: إسناد صحيح. # وروى أبو داود، عنه - عليه السلام - «، أنه قال لرويفع بن ثابت، أبي ~~بكرة: أخبر الناس أنه من استنجى برجيع أو عظم فهو بريء من دين محمد.» وهذا ~~عام في الطاهر منها. # والنهي يقتضي الفساد وعدم الإجزاء فأما الطعام فتحريمه من طريق التنبيه؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل النهي عن الروث والرمة، في حديث ابن ~~مسعود، بكونهما زاد إخواننا من الجن، فزادنا مع عظم حرمته أولى. # PageV01P116 # فإن قيل: فقد نهى عن الاستنجاء باليمين، كنهيه هاهنا، فلم يمنع ذلك ~~الإجزاء ثم، ms0135 كذا هاهنا. قلنا: قد بين في الحديث أنهما لا يطهران، ثم الفرق ~~بينهما أن النهي هنا لمعنى في شرط الفعل، فمنع صحته، كالنهي عن الوضوء ~~بالماء النجس، وثم لمعنى في آلة الشرط، فلم يمنع كالوضوء من إناء محرم. ### | [فصل الاستنجاء بما له حرمة] # (215) فصل: ولا يجوز الاستنجاء بما له حرمة كشيء كتب فيه فقه أو حديث ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فيه من هتك الشريعة والاستخفاف ~~بحرمتها، فهو في الحرمة أعظم من الروث والرمة. ولا يجوز بمتصل بحيوان كيده ~~وعقبه وذنب بهيمة وصوفها المتصل بها. وقال بعض أصحابنا يجمع المستجمر به ست ~~خصال أن يكون طاهرا جامدا منقيا غير مطعوم ولا حرمة له ولا متصل بحيوان. ### | [مسألة الحجر الكبير الذي له ثلاث شعب يقوم مقام ثلاثة أحجار في الاستجمار] # (216) مسألة: قال: والحجر الكبير الذي له ثلاث شعب يقوم مقام ثلاثة أحجار ~~وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وعن أحمد رواية أخرى لا يجزئ أقل من ~~ثلاثة أحجار. وهو قول أبي بكر بن المنذر؛ لقوله عليه السلام: «لا يستنجي ~~أحدكم بدون ثلاثة أحجار. ولا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار» ولأنه إذا استجمر ~~بحجر تنجس؛ فلا يجوز الاستجمار به ثانيا كالصغير. # ولنا: أنه إن استجمر ثلاثا منقية بما وجدت فيه شروط الاستجمار، أجزأه، ~~كما لو فصله ثلاثة صغارا واستجمر بها، إذ لا فرق بين الأصل والفرع إلا فصله ~~ولا أثر لذلك في التطهير، والحديث يقتضي ثلاث مسحات بحجر دون عين الأحجار ~~كما يقال ضربته ثلاثة أسواط أي ثلاث ضربات بسوط وذلك لأن معناه معقول ~~ومراده معلوم، ولذلك لم نقتصر على لفظه في غير الأحجار، بل أجزنا الخشب ~~والخرق والمدر والمعنى من ثلاثة حاصل من ثلاث شعب أو مسحه ذكره في صخرة ~~عظيمة، بثلاثة مواضع منها أو في حائط أو أرض فلا معنى للجمود على اللفظ مع ~~وجود ما يساويه من كل وجه. # وقولهم: تنجس قلنا: إنما تنجس ما أصاب النجاسة، والاستجمار. حاصل بغيره، ~~فأشبه ما لو تنجس جانبه بغير الاستجمار؛ ms0136 ولأنه لو استجمر به ثلاثة لحصل لكل ~~واحد منهم مسحة وقام مقام ثلاثة أحجار فكذلك إذا استجمر به الواحد، ولو ~~استجمر ثلاثة بثلاثة أحجار لكل حجر منها ثلاث شعب، فاستجمر كل واحد منهم من ~~كل حجر بشعبة، أجزأهم ويحتمل على قول أبي بكر أن لا يجزئهم. ### | [فصل استجمر بحجر ثم غسله أو كسر ما تنجس منه واستجمر به ثانيا] # (217) فصل: ولو استجمر بحجر، ثم غسله أو كسر ما تنجس منه واستجمر به ~~ثانيا ثم فعل ذلك واستجمر به ثالثا أجزأه؛ لأنه حجر يجزئ غيره الاستجمار به ~~فأجزأه كغيره، ويحتمل على قول أبي بكر أن لا يجزئه؛ محافظة على صورة اللفظ ~~وهو بعيد. # PageV01P117 ### | [مسألة الاستنجاء في ما عدا المخرج لا يجزئ فيه إلا الماء] # (218) مسألة: قال: وما عدا المخرج فلا يجزئ فيه إلا الماء. وبها قال ~~الشافعي وإسحاق وابن المنذر يعني إذا تجاوز المحل بما لم تجر به العادة مثل ~~أن ينتشر إلى الصفحتين وامتد في الحشفة لم يجزه إلا الماء؛ لأن الاستجمار ~~في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله لتكرر النجاسة فيه فما لا تتكرر ~~النجاسة فيه لا يجزئ فيه إلا الغسل كساقه وفخذه، ولذلك قال علي - رضي الله ~~عنه -: إنكم كنتم تبعرون بعرا، وأنتم اليوم تثلطون ثلطا فأتبعوا الماء ~~الأحجار وقوله - عليه السلام -: «يكفي أحدكم ثلاثة أحجار» أراد ما لم ~~يتجاوز محل العادة لما ذكرنا. # (219) فصل: والمرأة البكر كالرجل؛ لأن عذرتها تمنع انتشار البول. # فأما الثيب فإن خرج البول بحدة فلم ينتشر فكذلك. وإن تعدى إلى مخرج الحيض ~~فقال أصحابنا: يجب غسله لأن مخرج الحيض والولد غير مخرج البول ويحتمل أن لا ~~يجب؛ لأن هذا عادة في حقها فكفى فيه الاستجمار كالمعتاد في غيرها؛ ولأن ~~الغسل لو لزمها مع اعتياده لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه ~~لكونه مما يحتاج إلى معرفته، وإن شك في انتشار الخارج إلى ما يوجب الغسل، ~~لم يجب لأن الأصل عدمه والمستحب الغسل احتياطا. # (220) فصل: والأقلف إن كان مرتتقا لا تخرج بشرته من ms0137 قلفته فهو كالمختتن، ~~وإن كان يمكنه كشفها كشفها فإذا بال واستجمر أعادها فإن تنجست بالبول لزمه ~~غسلها كما لو انتشر إلى الحشفة. # (221) فصل: وإن انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر، لم يجزه الاستجمار فيه؛ ~~لأنه غير السبيل المعتاد وحكي عن بعض أصحابنا أنه يجزئه؛ لأنه صار معتادا. ~~ولنا، أن هذا نادر بالنسبة إلى سائر الناس فلم تثبت فيه أحكام الفرج، فإنه ~~لا ينقض الوضوء مسه، ولا يجب بالإيلاج فيه حد ولا مهر ولا غسل، ولا غير ذلك ~~من الأحكام، فأشبه سائر البدن. # (222) فصل: ظاهر كلام أحمد أن محل الاستجمار بعد الإنقاء طاهر، فإن أحمد ~~بن الحسين، قال سألت أبا عبد الله عن الرجل يبول فيستبرئ ويستجمر يعرق في ~~سراويله؟ قال إذا استجمر ثلاثا فلا بأس. وسأله رجل، فقال إذا استنجيت من ~~الغائط يصيب ذلك الماء موضعا مني آخر؟ فقال أحمد: قد جاء في الاستنجاء ~~ثلاثة أحجار، فاستنج أنت بثلاثة أحجار ثم لا تبالي ما أصابك من ذلك الماء. # قال: وسألت أحمد # PageV01P118 # عن رش الماء على الخف إذا لم يستجمر الرجل؟ قال أحب إلي أن يغسله ثلاثا. ~~وهذا قول ابن حامد وظاهر قول المتأخرين من أصحابنا أنه نجس، وهو قول ~~الشافعي وأبي حنيفة فلو قعد المستجمر في ماء قليل نجسه ولو عرق كان عرقه ~~نجسا؛ لأنه مسح للنجاسة، فلم يطهر به محلها كسائر المسح. # ووجه الأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تستنجوا بروث ولا عظم، ~~فإنهما لا يطهران» فمفهومه أن غيرهما يطهر؛ ولأن الصحابة - رضي الله عنهم ~~-، كان الغالب عليهم الاستجمار، حتى إن جماعة منهم أنكروا الاستنجاء ~~بالماء، وسماه بعضهم بدعة وبلادهم حارة، والظاهر أنهم لا يسلمون من العرق، ~~فلم ينقل عنهم توقي ذلك، ولا الاحتراز منه ولا ذكر ذلك أصلا وقد نقل عن ابن ~~عمر، أنه بال بالمزدلفة فأدخل يده فنضح فرجه من تحت ثيابه وعن إبراهيم ~~النخعي نحو ذلك، ولولا أنهما اعتقدا طهارته ما فعلا ذلك. # (223) فصل: إذا استنجى بالماء لم يحتج إلى تراب قال أحمد يجزئه الماء ms0138 ~~وحده. # ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه استعمل التراب مع الماء في ~~الاستنجاء ولا أمر به، فأما عدد الغسلات فقد اختلف عن أحمد فيها؛ فقال، في ~~رواية ابنه صالح أقل ما يجزئه من الماء سبع مرات. وقال في رواية محمد بن ~~الحكم: ولكن المقعدة يجزئ أن تمسح بثلاثة أحجار أو يغسلها ثلاث مرات، ولا ~~يجزئ عندي إذا كان في الجسد أن يغسله ثلاث مرات، وذلك لما روت عائشة «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغسل مقعدته ثلاثا» رواه ابن ماجه وقال ~~أبو داود سئل أحمد عن حد الاستنجاء بالماء؟ فقال ينقي. # وظاهر هذا أنه لا عدد فيه إنما الواجب الإنقاء، وهذا أصح لأنه لم يصح عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك عدد، ولا أمر به، ولا بد من الإنقاء ~~على الروايات كلها، وهو أن تذهب لزوجة النجاسة وآثارها. ### | [فصول في أدب التخلي] # لا يجوز استقبال القبلة في الفضاء لقضاء الحاجة، في قول أكثر أهل العلم؛ ~~لما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أتى ~~أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، ولكن شرقوا أو غربوا قال ~~أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ~~ونستغفر الله عز وجل» متفق عليه. ولمسلم، عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا ~~يستدبرها» # وقال عروة بن ربيعة وداود: # PageV01P119 # يجوز استقبالها واستدبارها لما روى جابر قال: «نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وهذا دليل على النسخ، فيجب تقديمه. ولنا ~~أحاديث النهي، وهي صحيحة. # وحديث جابر يحتمل أنه رآه في البنيان، أو مستترا بشيء ولا يثبت النسخ ~~بالاحتمال ويتعين حمله على ما ذكرنا، ليكون موافقا للأحاديث التي نذكرها، ~~فأما في البنيان، أو إذا كان بينه وبين القبلة شيء يستره ففيه روايتان ms0139 ~~إحداهما لا يجوز أيضا. وهو قول الثوري وأبي حنيفة لعموم الأحاديث في النهي. # والثانية يجوز استقبالها واستدبارها في البنيان، روي ذلك عن العباس وابن ~~عمر - رضي الله عنهما - وبه قال مالك: والشافعي وابن المنذر وهو الصحيح؛ ~~لحديث جابر وقد حملناه على أنه كان في البنيان، وروت عائشة «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ذكر له أن قوما يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قد فعلوها استقبلوا بمقعدتي القبلة» ~~رواه أصحاب السنن وأكثر أصحاب المسانيد، منهم أبو داود الطيالسي، رواه عن ~~خالد بن الصلت، عن عراك بن مالك، عن عائشة. قال أبو عبد الله: أحسن ما روي ~~في الرخصة حديث عائشة، وإن كان مرسلا فإن مخرجه حسن. قال أحمد: عراك لم ~~يسمع من عائشة. فلذلك سماه مرسلا. # وهذا كله في البنيان، وهو خاص يقدم على العام. وعن مروان بن الأصفر قال: ~~رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها. فقلت: يا أبا ~~عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا ~~كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. رواه أبو داود. # وهذا تفسير لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العام وفيه جمع بين ~~الأحاديث، فيتعين المصير إليه. وعن أحمد: أنه يجوز استدبار الكعبة في ~~البنيان والفضاء جميعا؛ لما روى ابن عمر قال: «رقيت يوما على بيت حفصة، ~~فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - على حاجته، مستقبل الشام مستدبر ~~الكعبة» . متفق عليه. # (225) فصل: ويكره أن يستقبل الشمس والقمر بفرجه؛ لما فيهما من نور الله ~~تعالى. فإن استتر عنهما بشيء فلا بأس؛ لأنه لو استتر عن القبلة جاز فهاهنا ~~أولى. # ويكره أن يستقبل الريح؛ لئلا ترد عليه رشاش البول، فينجسه. # (226) فصل: ويستحب أن يستتر عن الناس، فإن وجد حائطا أو كثيبا أو شجرة أو ~~بعيرا استتر به # PageV01P120 # وإن لم يجد شيئا أبعد حتى لا يراه أحد؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم ms0140 - أنه قال: «من أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من ~~الرمل فليستدبره» وروي عنه - عليه السلام - «أنه خرج ومعه درقة، ثم استتر ~~بها، ثم بال» . # وعن جابر قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد البراز انطلق ~~حتى لا يراه أحد.» والبراز: الموضع البارز، سمي قضاء الحاجة به؛ لأنها تقضى ~~فيه. وعن المغيرة بن شعبة، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب ~~أبعد» ، روى أحاديث هذا الفصل كلها أبو داود وابن ماجه. وقال عبد الله بن ~~جعفر: «كان أحب ما استتر به النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه لحاجته هدف ~~أو حائش نخل» رواه ابن ماجه. # (227) فصل: ويستحب أن يرتاد لبوله موضعا رخوا؛ لئلا يترشش عليه، «قال أبو ~~موسى كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، فأراد أن يتبول، فأتى ~~دمثا في أصل حائط، فبال ثم قال إذا أراد أحدكم أن يتبول فليرتد لبوله» رواه ~~الإمام أحمد ويستحب أن يبول قاعدا؛ لئلا يترشش عليه، قال ابن مسعود من ~~الجفاء أن تبول وأنت قائم. وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال ~~قائما، «قالت عائشة: من حدثكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا.» قال الترمذي: هذا أصح شيء ~~في الباب # وقد رويت الرخصة فيه عن عمر وعلي، وابن عمر وزيد بن ثابت وسهل بن سعد ~~وأنس وأبي هريرة وعروة. وروى حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أتى ~~سباطة قوم، فبال قائما.» رواه البخاري، وغيره. ولعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فعل ذلك لتبيين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة، ويحتمل أنه كان في ~~موضع لا يتمكن من الجلوس فيه. # وقيل: فعل ذلك لعلة كانت بمأبضه. والمأبض ما تحت الركبة من كل حيوان. # (228) فصل: ويستحب أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض؛ لما روى أبو داود ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «كان # PageV01P121 # إذا أراد الحاجة لا يرفع ms0141 ثوبه حتى يدنو من الأرض» ؛ ولأن ذلك أستر له ~~فيكون أولى. # (229) فصل: ولا يجوز أن يبول في طريق الناس، ولا مورد ماء، ولا ظل ينتفع ~~به الناس؛ لما روى معاذ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«اتقوا الملاعن الثلاثة - البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» رواه ~~أبو داود، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اتقوا اللعانين. ~~قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال الذي يتخلى في طريق الناس أو في ~~ظلهم " أخرجه مسلم # والمورد طريق. ولا يبول تحت شجرة مثمرة، في حال كون الثمرة عليها لئلا ~~تسقط عليه الثمرة فتتنجس به. فأما في غير حال الثمرة فلا بأس، فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان أحب ما استتر به إليه لحاجته هدف أو حائش نخل. ~~ولا يبول في الماء الدائم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن البول ~~في الماء الراكد» . متفق عليه # ؛ ولأن الماء إن كان قليلا تنجس به وإن كان كثيرا، فربما تغير بتكرار ~~البول فيه، فأما الجاري فلا يجوز التغوط فيه؛ لأنه يؤذي من يمر به، وإن بال ~~فيه وهو كثير لا يؤثر فيه البول، فلا بأس؛ لأن تخصيص النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الراكد بالنهي عن البول فيه دليل على أن الجاري بخلافه، ولا يبول ~~على ما نهي عن الاستجمار به؛ لأن هذا أبلغ من الاستجمار به فالنهي ثم تنبيه ~~على تحريم البول عليه. # ويكره على أن يبول في شق أو ثقب؛ لما روى عبد الله بن سرجس «، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبال في الجحر» رواه أبو داود؛ لأن عبد الله ~~بن المغفل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يبولن أحدكم في ~~مستحمه» ولأنه لا يأمن أن يكون فيه حيوان يلسعه أو يكون مسكنا للجن فيتأذى ~~بهم، فقد حكي أن سعد بن عبادة بال في جحر بالشام ثم استلقى ميتا فسمعت الجن ~~تقول: # نحن قتلنا سيد الخزرج ... سعد بن عبادة # ورميناه بسهمين ... فلم نخطئ فؤاده ms0142 # ولا يبول في مستحمه فإن عامة الوسواس منه. # رواه أبو داود، وابن ماجه وقال: سمعت علي بن محمد الطنافسي يقول: إنما ~~هذا في الحفيرة؛ فأما اليوم فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير فإذا بال ~~وأرسل عليه الماء فلا بأس به. وقد قيل: إن البصاق على البول يورث # PageV01P122 # الوسواس، وإن البول على النار يورث السقم، وتوقي ذلك كله أولى. # ويكره أن يتوضأ على موضع بوله، أو يستنجي عليه لئلا يتنجس به. # (230) فصل: ويعتمد في حال جلوسه على رجله اليسرى، لما روى سراقة بن مالك ~~قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتوكأ على اليسرى وأن ~~ننصب اليمنى» رواه الطبراني في المعجم؛ ولأنه أسهل لخروج الخارج، ولا يطيل ~~المقام أكثر من قدر الحاجة؛ لأن ذلك يضره، وقد قيل: إنه يورث الباسور وقيل: ~~إنه يدمي الكبد، وربما آذى من ينتظره. ويستحب أن يغطي رأسه؛ لأن ذلك يروى ~~عن، أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -؛ ولأنه حال كشف العورة فيستحيي فيها. ~~ويلبس حذاءه؛ لئلا تتنجس رجلاه. ولا يذكر الله تعالى على حاجته إلا بقلبه ~~وكره ذلك ابن عباس وعطاء وعكرمة، وقال ابن سيرين والنخعي لا بأس به؛ لأن ~~الله تعالى ذكره محمود على كل حال. ولنا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يرد السلام في هذه الحال، فذكر الله أولى. فإذا عطس حمد الله بقلبه ولم ~~يتكلم. وقال ابن عقيل: فيه رواية أخرى، إنه يحمد الله بلسانه. والأول أولى؛ ~~لما ذكرناه، فإنه إذا لم يرد السلام الواجب، فما ليس بواجب أولى. ولا يسلم ~~ولا يرد على مسلم؛ لما # روى ابن عمر «أن رجلا مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول، ~~فسلم فلم يرد - عليه السلام -» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وعن جابر، ~~«أن رجلا مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول، فسلم عليه، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي؛ ~~فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك» . رواه ابن ماجه. ms0143 # ولا يتكلم؛ لما روى أبو سعيد قال، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما يتحدثان، فإن ~~الله يمقت على ذلك» رواه أبو داود. # (231) فصل: إذا أراد دخول الخلاء ومعه شيء فيه ذكر الله تعالى استحب ~~وضعه. وقال أنس بن مالك: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل ~~الخلاء وضع خاتمه.» رواه ابن ماجه وأبو داود وقال: هذا حديث منكر وقيل: ~~إنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضعه؛ لأن فيه " محمد رسول الله " ~~ثلاثة أسطر، فإن احتفظ بما معه مما فيه ذكر الله تعالى، واحترز عليه من ~~السقوط، أو أدار فص الخاتم إلى باطن كفه فلا بأس. # قال أحمد. الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفه، ويدخل الخلاء. ~~وقال عكرمة: اقلبه هكذا في باطن كفك فاقبض عليه وبه قال إسحاق، ورخص فيه ~~ابن المسيب، # PageV01P123 # والحسن وابن سيرين وقال أحمد في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم: أرجو أن ~~لا يكون به بأس. # (232) فصل: ويقدم رجله اليسرى في الدخول، واليمنى في الخروج ويقول عند ~~دخوله بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان ~~الرجيم. قال أحمد يقول إذا دخل الخلاء: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وما ~~دخلت قط المتوضأ ولم أقلها إلا أصابني ما أكره، وعن أنس «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبث ~~والخبائث» متفق عليه، وعن علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله» وعن ~~علي قال: قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يعجز أحدكم إذا ~~دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث ~~الشيطان الرجيم» . رواهما ابن ماجه. # قال أبو عبيد الخبث بسكون الباء الشر والخبائث الشياطين. وقيل الخبث، بضم ~~الباء والخبائث: ذكران الشياطين وإناثهم فإذا خرج من الخلاء ms0144 قال غفرانك ~~الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. وروى أنس «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذا خرج من الخلاء قال غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني ~~الأذى وعافاني» أخرجه ابن ماجه. وقالت عائشة «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء قال غفرانك» قال الترمذي هذا حديث حسن. # (233) فصل: ولا بأس أن يبول في الإناء قالت أميمة بنت رقيقة: «كان للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قدح من عيدان يبول فيه، ويضعه تحت السرير» . رواه ~~أبو داود والنسائي، وابن ماجه. # PageV01P124 ### | [باب ما ينقض الطهارة] ### | [مسألة الذي ينقض الطهارة ما خرج من قبل أو دبر] # (234) مسألة: قال أبو القاسم: والذي ينقض الطهارة ما خرج من قبل أو دبر. ~~وجملة ذلك أن الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد كالبول والغائط والمني ~~والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعا قال ابن المنذر: أجمع أهل ~~العلم على أن خروج الغائط من الدبر وخروج البول من ذكر الرجل وقبل المرأة ~~وخروج المذي، وخروج الريح من الدبر أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب ~~الوضوء، ودم الاستحاضة ينقض الطهارة في قول عامة أهل العلم إلا في قول ~~ربيعة. # الضرب الثاني: نادر كالدم والدود والحصا والشعر فينقض الوضوء أيضا، وبهذا ~~قال الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي. وكان عطاء والحسن وأبو مجلز ~~والحكم وحماد والأوزاعي وابن المبارك، يرون الوضوء من الدود يخرج من الدبر، ~~ولم يوجب مالك الوضوء من هذا الضرب لأنه نادر، أشبه الخارج من غير السبيل. ~~ولنا أنه خارج من السبيل أشبه المذي؛ ولأنه لا يخلو من بلة تتعلق به، ~~فينتقض الوضوء بها، وقد «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المستحاضة ~~بالوضوء لكل صلاة ودمها نادر غير معتاد.» ### | [فصل المرأة يخرج من فرجها الريح هل ينقض الوضوء] # (235) فصل: وقد نقل صالح، عن أبيه " في المرأة يخرج من فرجها الريح: ما ~~خرج من السبيلين ففيه الوضوء. وقال القاضي: خروج الريح من الذكر وقبل ~~المرأة ينقض الوضوء. وقال ابن عقيل: يحتمل أن يكون ms0145 الأشبه بمذهبنا في الريح ~~يخرج من الذكر أن لا ينقض؛ لأن المثانة ليس لها منفذ إلى الجوف، ولا جعلها ~~أصحابنا جوفا، ولم يبطلوا الصوم بالحقنة فيه، ولا نعلم لهذا وجودا، ولا ~~نعلم وجوده في حق أحد. وقد قيل: إنه يعلم وجوده بأن يحس الإنسان في ذكره ~~دبيبا. # وهذا لا يصح فإن هذا لا يحصل به اليقين والطهارة لا تنتقض بالشك. فإن قدر ~~وجود ذلك يقينا نقض الطهارة؛ لأنه خارج من أحد السبيلين، فنقض قياسا على ~~سائر الخوارج. ### | [فصل قطر في إحليله دهنا ثم عاد فخرج] # (236) فصل: وإن قطر في إحليله دهنا، ثم عاد فخرج نقض الوضوء؛ لأنه خارج ~~من السبيل، ولا يخلو من بلة نجسة تصحبه فينتقض بها الوضوء، كما لو خرجت ~~منفردة. ولو احتشى قطنا في ذكره ثم خرج وعليه بلل، نقض الوضوء؛ لأنه لو خرج ~~منفردا لنقض، فكذلك إذا خرج مع غيره. فإن خرج ناشفا، ففيه وجهان # PageV01P125 # أحدهما، ينقض؛ لأنه خارج من السبيل، فأشبه سائر الخوارج. والثاني لا ~~ينقض؛ لأنه ليس بين المثانة والجوف منفذ، فلا يكون خارجا من الجوف. ولو ~~احتقن في دبره، فرجعت أجزاء خرجت من الفرج، نقضت الوضوء. # وهكذا لو وطئ امرأته دون الفرج فدب ماؤه، فدخل الفرج، ثم خرج نقض الوضوء، ~~وعليهما الاستنجاء؛ لأنه خارج من السبيل لا يخلو من بلة تصحبه من الفرج. ~~فإن لم يعلما خروج شيء منه، احتمل وجهين: أحدهما، النقض فيهما؛ لأن الغالب ~~أنه لا ينفك عن الخروج، فنقض كالنوم. والثاني لا ينقض؛ لأن الطهارة متيقنة، ~~فلا تزول عنها بالشك لكن إن كان المحتقن قد أدخل رأس الزراقة ثم أخرجه، نقض ~~الوضوء، وكذلك لو أدخل فيه ميلا أو غيره، ثم أخرج نقض الوضوء؛ لأنه خارج من ~~السبيل، فنقض، كسائر الخارج. ### | [فصل رجل به علة ربما ظهرت مقعدته هل ينتقض وضوئه] # (237) فصل: قال أبو الحارث سألت أحمد عن رجل به علة ربما ظهرت مقعدته؟ ~~قال: إن علم أنه يظهر معها ندى توضأ، وإن لم يعلم فلا شيء عليه. ويحتمل أن ~~أحمد ms0146 إنما أراد ندى ينفصل عنها؛ لأنه خارج من الفرج متصل فنقض كالخارج على ~~الحصى، فأما الرطوبة اللازمة لها فلا تنقض؛ لأنها لا تنفك عن رطوبة، فلو ~~نقضت لنقض خروجها على كل حال؛ ولأنه شيء لم ينفصل عنها، فلم ينقض كسائر ~~أجزائها، وقد قالوا فيمن أخرج لسانه وعليه بلل، ثم أدخله وابتلع ذلك البلل: ~~أنه لا يفطر لأنه لم يثبت له حكم الانفصال والله أعلم. ### | [فصل المذي ينقض الوضوء] # (238) فصل: قد ذكرنا أن المذي ينقض الوضوء، وهو ما يخرج زلجا متسبسبا عند ~~الشهوة، فيكون على رأس الذكر. واختلفت الرواية في حكمه فروي أنه يوجب ~~الوضوء وغسل الذكر والأنثيين؛ لما روي «أن عليا - رضي الله عنه - قال: كنت ~~رجلا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمكان ~~ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال يغسل ذكره وأنثييه، ويتوضأ» ~~رواه أبو داود وفي لفظ: " يغسل ذكره ويتوضأ " متفق عليه. وفي لفظ توضأ ~~وانضح فرجك " # والأمر يقتضي الوجوب؛ ولأنه خارج بسبب الشهوة، فأوجب غسلا زائدا على موجب ~~البول كالمني، فعلى هذا يجزئه غسلة واحدة؛ لأن المأمور به غسل مطلق فيوجب ~~ما يقع عليه اسم الغسل، وقد ثبت # PageV01P126 # في قوله في اللفظ الآخر: " وانضح فرجك وسواء غسله قبل الوضوء أو بعده؛ ~~لأنه غسل غير مرتبط بالوضوء، فلم يترتب عليه، كغسل النجاسة والرواية ~~الثانية، لا يجب أكثر من الاستنجاء والوضوء. # روي ذلك عن ابن عباس، وهو قول أكثر أهل العلم، وظاهر كلام الخرقي؛ لما ~~روى سهل بن حنيف، قال «كنت ألقى من المذي شدة وعناء، فكنت أكثر منه ~~الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنما يجزئك ~~من ذلك الوضوء» أخرجه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح. ولأنه خارج ~~لا يوجب الاغتسال، فأشبه الودي، والأمر بالنضح وغسل الذكر والأنثيين محمول ~~على الاستحباب؛ لأنه يحتمله. # وقوله " إنما يجزئك من ذلك الوضوء ". صريح في حصول الإجزاء بالوضوء، فيجب ~~تقديمه. فأما الودي، فهو ماء أبيض ثخين، يخرج بعد البول كدرا، فليس فيه ms0147 وفي ~~بقية الخوارج إلا الوضوء. روي الأثرم بإسناده، عن ابن عباس، قال: المني ~~والودي والمذي أما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما إسباغ ~~الطهور. ### | [مسألة خروج البول والغائط من غير مخرجهما] # (239) مسألة: قال وخروج البول والغائط من غير مخرجهما لا تختلف الرواية ~~أن الغائط والبول ينتقض الوضوء بخروجهما من السبيلين ومن غيرهما، ويستوي ~~قليلهما وكثيرهما، سواء كان السبيلان منسدين أو مفتوحين من فوق المعدة أو ~~من تحتها وقال أصحاب الشافعي: إن انسد المخرج، وانفتح آخر دون المعدة، لزم ~~الوضوء بالخارج منه قولا واحدا. وإن انفتح فوق المعدة، ففيه قولان: أحدهما، ~~ينقض الوضوء، والثاني لا ينقضه. وإن كان المعتاد باقيا، فالمشهور أنه لا ~~ينتقض الوضوء بالخارج من غيره، وبناه على أصله في أن الخارج من غير ~~السبيلين لا ينقض. # ولنا عموم قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} [المائدة: 6] وقول ~~صفوان بن عسال «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كنا مسافرين، ~~أو سفرا، أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط ~~وبول ونوم» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وحقيقة الغائط: المكان ~~المطمئن، سمي الخارج به لمجاورته إياه. فإن المتبرز يتحراه لحاجته، كما سمي ~~عذرة، وهي في الحقيقة فناء الدار؛ لأنه كان يطرح بالأفنية، فسمي بها ~~للمجاورة. وهذا من الأسماء العرفية التي صار المجاز فيها أشهر من الحقيقة، ~~وعند الإطلاق يفهم منه المجاز ويحمل # PageV01P127 # عليه الكلام لشهرته؛ ولأن الخارج غائط وبول، فنقض، كما لو خرج من السبيل. ### | [مسألة زوال العقل هل ينقض الوضوء] # (240) مسألة: (قال: وزوال العقل إلا أن يكون بنوم يسير جالسا أو قائما) ~~زوال العقل على ضربين: نوم، وغيره فأما غير النوم، وهو الجنون والإغماء ~~والسكر وما أشبهه من الأدوية المزيلة للعقل، فينقض الوضوء يسيره وكثيره ~~إجماعا، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على وجوب الوضوء على المغمى عليه؛ ~~ولأن هؤلاء حسهم أبعد من حس النائم، بدليل أنهم لا ينتبهون بالانتباه، ففي ~~إيجاب الوضوء على النائم تنبيه على وجوبه بما هو ms0148 آكد منه. # الضرب الثاني: النوم، وهو ناقض للوضوء في الجملة، في قول عامة أهل العلم، ~~إلا ما حكي عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز وحميد الأعرج، أنه لا ينقض. وعن ~~سعيد بن المسيب، أنه كان ينام مرارا مضطجعا ينتظر الصلاة، ثم يصلي ولا يعيد ~~الوضوء. ولعلهم ذهبوا إلى أن النوم ليس بحدث في نفسه، والحدث مشكوك فيه، ~~فلا يزول عن اليقين بالشك. ولنا: قول صفوان بن عسال: " لكن من غائط وبول ~~ونوم " وقد ذكرنا أنه صحيح وروى علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ» رواه أبو داود، وابن ~~ماجه؛ ولأن النوم مظنة الحدث، فأقم مقامه، كالتقاء الختانين في وجوب الغسل ~~أقيم مقام الإنزال. # (241) فصل: والنوم ينقسم ثلاثة أقسام نوم المضطجع، فينقض الوضوء يسيره ~~وكثيره، في قول كل من يقول بنقضه بالنوم. الثاني نوم القاعد، إن كان كثيرا ~~نقض، رواية واحدة وإن كان يسيرا لم ينقض. وهذا قول حماد والحكم ومالك ~~والثوري، وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: لا ينقض وإن كثر إذا كان القاعد ~~متكئا مفضيا بمحل الحدث إلى الأرض، لما روى أنس، قال: «كان أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. ينامون ثم يقومون فيصلون، ولا يتوضئون» قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وفي لفظ قال: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون وهذا ~~إشارة إلى جميعهم وبه يتخصص عموم الحديثين الأولين. # ولأنه متحفظ عن خروج الحدث، فلم ينقض وضوءه، كما لو كان نومه يسيرا. ~~ولنا: عموم الحديثين الأولين، وإنما خصصناهما في اليسير لحديث أنس، وليس ~~فيه بيان كثرة ولا قلة فإن النائم يخفق رأسه من يسير النوم، فهو يقين في ~~اليسير، فيعمل به وما زاد عليه فهو # PageV01P128 # محتمل لا يترك له العموم المتيقن؛ ولأن نقض الوضوء بالنوم يعلل بإفضائه ~~إلى الحدث ومع الكثرة والغلبة يفضي إليه، ولا يحس بخروجه منه، بخلاف ~~اليسير، ولا يصح قياس الكثير على اليسير، لاختلافهما في ms0149 الإفضاء إلى الحدث. # الثالث ما عدا هاتين الحالتين وهو نوم القائم والراكع والساجد، فروي عن ~~أحمد في جميع ذلك روايتان: إحداهما ينقض. وهو قول الشافعي؛ لأنه لم يرد في ~~تخصيصه من عموم أحاديث النقض نص، ولا هو في معنى المنصوص، لكون القاعد ~~متحفظا، لاعتماده بمحل الحدث إلى الأرض، والراكع والساجد ينفرج محل الحدث ~~منهما. والثانية لا ينقض إلا إذا كثر. وذهب أبو حنيفة إلى أن النوم في حال ~~من أحوال الصلاة لا ينقض وإن كثر؛ لما روى ابن عباس «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يسجد وينام وينفخ، ثم يقوم فيصلي، فقلت له: صليت ولم ~~تتوضأ وقد نمت، فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعا؛ فإنه إذا اضطجع ~~استرخت مفاصله» رواه أبو داود؛ ولأنه حال من أحوال الصلاة. # فأشبهت حال الجلوس، والظاهر عن أحمد التسوية بين القيام والجلوس؛ لأنهما ~~يشتبهان في الانخفاض واجتماع المخرج، وربما كان القائم أبعد من الحدث لعدم ~~التمكن من الاستثقال في النوم، فإنه لو استثقل لسقط. والظاهر عنه في الساجد ~~التسوية بينه وبين المضطجع؛ لأنه ينفرج محل الحدث، ويعتمد بأعضائه على ~~الأرض، ويتهيأ لخروج الخارج فأشبه المضطجع. والحديث الذي ذكروه منكر. قاله ~~أبو داود. # وقال ابن المنذر: لا يثبت، وهو مرسل يرويه قتادة عن أبي العالية. قال ~~شعبة: لم يسمع منه إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها. # (242) فصل: واختلفت الرواية عن أحمد في القاعد المستند والمحتبي. فعنه: ~~لا ينقض يسيره. قال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: الوضوء من النوم؟ قال إذا ~~طال. قيل: فالمحتبي؟ قال: يتوضأ. قيل: فالمتكئ؟ قال. الاتكاء شديد، ~~والمتساند كأنه أشد. يعني من الاحتباء. ورأى منها كلها الوضوء، إلا أن ~~يغفو. يعني قليلا. وعنه: ينقض. يعني بكل حال؛ لأنه معتمد على شيء، فهو ~~كالمضطجع. # والأولى أنه متى كان معتمدا بمحل الحدث على الأرض أن لا ينقض منه إلا ~~الكثير؛ لأن دليل انتفاء النقض في القاعد لا تفريق فيه فيسوي بين أحواله. # (243) فصل: واختلف أصحابنا في تحديد الكثير من النوم الذي ms0150 ينقض الوضوء، ~~فقال القاضي: ليس للقليل حد # PageV01P129 # يرجع إليه، وهو على ما جرت به العادة. وقيل: حد الكثير ما يتغير به ~~النائم عن هيئته، مثل أن يسقط على الأرض، ومنها أن يرى حلما. والصحيح: أنه ~~لا حد له لأن التحديد إنما يعلم بتوقيف، ولا توقيف في هذا، فمتى وجدنا ما ~~يدل على الكثرة، مثل سقوط المتمكن وغيره، انتقض وضوءه. # وإن شك في كثرته لم ينتقض وضوءه؛ لأن الطهارة متيقنة، فلا تزول بالشك. # (244) فصل: ومن لم يغلب على عقله فلا وضوء عليه؛ لأن النوم الغلبة على ~~العقل، قال بعض أهل اللغة في قوله تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: ~~255] السنة: ابتداء النعاس في الرأس، فإذا وصل إلى القلب صار نوما قال ~~الشاعر: # وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم # ولأن الناقض زوال العقل، ومتى كان العقل ثابتا وحسه غير زائل مثل من يسمع ~~ما يقال عنده ويفهمه، فلم يوجد سبب النقض في حقه. وإن شك هل نام أم لا، أو ~~خطر بباله شيء لا يدري أرؤيا أو حديث نفس، فلا وضوء عليه. ### | [مسألة الارتداد عن الإسلام ينقض الوضوء] # (245) مسألة: قال: والارتداد عن الإسلام. وجملة ذلك أن الردة تنقض ~~الوضوء، وتبطل التيمم. وهذا قول الأوزاعي وأبي ثور. وهي الإتيان بما يخرج ~~به عن الإسلام؛ إما نطقا، أو اعتقادا، أو شكا ينقل عن الإسلام، فمتى عاود ~~إسلامه ورجع إلى دين الحق، فليس له الصلاة حتى يتوضأ، وإن كان متوضئا قبل ~~ردته، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يبطل الوضوء بذلك، وللشافعي في ~~بطلان التيمم به قولان لقول الله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو ~~كافر فأولئك حبطت أعمالهم} [البقرة: 217] فشرط الموت؛ ولأنها طهارة فلا ~~تبطل بالردة، كالغسل من الجنابة. # ولنا: قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] والطهارة عمل، ~~وهي باقية حكما تبطل بمبطلاتها فيجب أن تحبط بالشرك؛ ولأنها عبادة يفسدها ~~الحدث فأفسدها الشرك، كالصلاة والتيمم؛ ولأن الردة حدث، بدليل قول ابن عباس ~~الحدث حدثان؛ حدث اللسان، وحدث ms0151 الفرج، وأشدهما حدث اللسان. # وإذا أحدث لم تقبل صلاته بغير وضوء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» . متفق عليه وما ذكروه تمسك ~~بدليل الخطاب، والمنطوق مقدم عليه؛ ولأنه شرط الموت لجميع المذكور في ~~الآية، وهو حبوط العمل والخلود في النار، وأما غسل الجنابة فلا يتصور فيه ~~الإبطال، وإنما يجب الغسل بسبب جديد يوجبه، وهنا يجب الغسل أيضا عند من ~~أوجب على من أسلم الغسل. # PageV01P130 ### | [فصل لا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكلام] # (246) فصل: ولا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكلام من الكذب، والغيبة، ~~والرفث والقذف وغيرها. نص عليه أحمد، وقال ابن المنذر: أجمع من نحفظ قوله ~~من علماء الأمصار على أن القذف، وقول الزور، والكذب، والغيبة لا توجب ~~طهارة، ولا تنقض وضوءا، وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا ~~بالوضوء من الكلام الخبيث، وذلك استحباب عندنا ممن أمر به، ولا نعلم حجة ~~توجب وضوءا في شيء من الكلام، وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من حلف باللاتي والعزى فليقل: لا إله إلا الله» . ولم يأمر في ذلك ~~بوضوء. ### | [فصل ليس في القهقهة وضوء] # فصل: وليس في القهقهة وضوء. روي ذلك عن عروة وعطاء والزهري ومالك ~~والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وقال أصحاب الرأي: يجب الوضوء من القهقهة ~~داخل الصلاة دون خارجها. وروي ذلك عن الحسن والنخعي والثوري؛ لما روى أبو ~~العالية «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي، فجاء ضرير فتردى ~~في بئر فضحك طوائف فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين ضحكوا أن ~~يعيدوا الوضوء والصلاة» . # وروي من غير طريق أبي العالية بأسانيد ضعاف، وحاصله يرجع إلى أبي ~~العالية، كذلك قال عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، والدارقطني. ولنا: ~~أنه معنى لا يبطل الوضوء خارج الصلاة فلم يبطله داخلها كالكلام، وأنه ليس ~~بحدث ولا يفضي إليه. فأشبه سائر ما لا يبطل؛ ولأن الوجوب من الشارع، ولم ~~ينص عن الشارع في هذا ms0152 إيجاب الوضوء، ولا في شيء يقاس هذا عليه، وما رووه ~~مرسل لا يثبت. # وقد قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبي العالية فإنهما لا ~~يباليان عمن أخذا. والمخالف في هذه المسألة يرد الأخبار الصحيحة لمخالفتها ~~الأصول، فكيف يخالفها هاهنا بهذا الخبر الضعيف عند أهل المعرفة. ### | [مسألة مس الفرج] # (248) مسألة: قال: ومس الفرج. الفرج اسم لمخرج الحدث، ويتناول الذكر ~~والدبر وقبل المرأة، وفي نقض الوضوء بجميع ذلك خلاف في المذهب وغيره؛ ~~فنذكره إن شاء الله مفصلا: ونبدأ بالكلام في مس الذكر، فإنه آكدها. فعن ~~أحمد فيه روايتان: إحداهما، ينقض الوضوء. # وهو مذهب ابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وأبان بن عثمان، # PageV01P131 # وعروة وسليمان بن يسار والزهري والأوزاعي والشافعي، وهو المشهور عن مالك، ~~وقد روي أيضا عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وابن سيرين وأبي العالية. # والرواية الثانية، لا وضوء فيه. روي ذلك عن علي وعمار وابن مسعود وحذيفة ~~وعمران بن حصين وأبي الدرداء، وبه قال ربيعة والثوري وابن المنذر، وأصحاب ~~الرأي لما روى قيس بن طلق، عن أبيه، قال: «قدمنا على نبي الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فجاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ~~ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال وهل هو إلا بضعة منك أو مضغة منك» رواه أبو داود ~~والنسائي، والترمذي، وابن ماجه؛ ولأنه عضو منه، فكان كسائره، ووجه الرواية ~~الأولى ما روت بسرة بنت صفوان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مس ~~ذكره فليتوضأ» وعن جابر مثل ذلك وعن أم حبيبة، وأبي أيوب قالا: سمعنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» وفي الباب عن أبي ~~هريرة رواهن ابن ماجه. وقال أحمد حديث بسرة وحديث أم حبيبة صحيحان. وقال ~~الترمذي حديث بسرة حسن صحيح. وقال البخاري: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة ~~وقال أبو زرعة حديث أم حبيبة أيضا صحيح وقد روي عن بضعة عشر من الصحابة - ~~رضوان الله عليهم -. فأما خبر قيس فقال أبو زرعة، ms0153 وأبو حاتم: قيس ممن لا ~~تقوم بروايته حجة ثم إن حديثنا متأخر؛ لأن أبا هريرة قد رواه، وهو متأخر ~~الإسلام، صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع سنين، وكان قدوم طلق على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يؤسسون المسجد أول زمن الهجرة، فيكون ~~حديثنا ناسخا له. # وقياس الذكر على سائر البدن لا يستقيم؛ لأنه تتعلق به أحكام ينفرد بها؛ ~~من وجوب الغسل بإيلاجه والحد والمهر، وغير ذلك. # (249) فصل: فعلى رواية النقض لا فرق بين العامد وغيره وبه قال الأوزاعي ~~والشافعي وإسحاق، وأبو أيوب وأبو خيثمة لعموم الخبر، وعن أحمد: لا ينتقض ~~الوضوء إلا بمسه قاصدا مسه. # قال أحمد بن الحسين: قيل لأحمد الوضوء من مس الذكر: فقال: هكذا - وقبض ~~على يده - يعني إذا قبض عليه، وهذا قول مكحول وطاوس وسعيد بن جبير، وحميد ~~الطويل قالوا: إن مسه يريد وضوءا وإلا فلا شيء عليه؛ لأنه لمس، فلا ينقض ~~الوضوء من غير قصد كلمس النساء. # (250) فصل: ولا فرق بين بطن الكف وظهره. وهذا قول عطاء والأوزاعي وقال ~~مالك والليث # PageV01P132 # والشافعي وإسحاق: لا ينقض مسه إلا بباطن كفه؛ لأن ظاهر الكف ليس بآلة ~~للمس، فأشبه ما لو مسه بفخذه. # واحتج أحمد بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ~~فرجه ليس بينهما سترة فليتوضأ» وفي لفظ: «إذا أفضى أحدكم إلى ذكره فقد وجب ~~عليه الوضوء» رواه الشافعي في مسنده وظاهر كفه من يده، والإفضاء: اللمس من ~~غير حائل؛ ولأنه جزء من يده تتعلق به الأحكام المعلقة على مطلق اليد، فأشبه ~~باطن الكف. # (251) فصل: ولا ينقض مسه بذراعه. وعن أحمد أنه ينقض؛ لأنه من يده، وهو ~~قول عطاء والأوزاعي. والصحيح الأول؛ لأن الحكم المعلق على مطلق اليد في ~~الشرع لا يتجاوز الكوع، بدليل قطع السارق، وغسل اليد من نوم الليل، والمسح ~~في التيمم، وإنما وجب غسله في الوضوء؛ لأنه قيده بالمرافق؛ ولأنه ليس بآلة ~~للمس، أشبه العضد، وكونه من يده يبطل بالعضد فإنه لا خلاف بين العلماء فيه. # (252) فصل: ms0154 ولا فرق بين ذكره وذكر غيره، وقال داود: لا ينقض مس ذكر غيره؛ ~~لأنه لا نص فيه والأخبار إنما وردت في ذكر نفسه، فيقتصر عليه. # ولنا أن مس ذكر غيره معصية، وأدعى إلى الشهوة، وخروج الخارج، وحاجة ~~الإنسان تدعو إلى مس ذكر نفسه، فإذا انتقض بمس ذكر نفسه فبمس ذكر غيره ~~أولى، وهذا تنبيه يقدم على الدليل، وفي بعض ألفاظ خبر بسرة: " من مس الذكر ~~فليتوضأ ". # (253) فصل: ولا فرق بين ذكر الصغير والكبير. وبه قال عطاء والشافعي وأبو ~~ثور وعن الزهري والأوزاعي: لا وضوء على من مس ذكر الصغير؛ لأنه يجوز مسه ~~والنظر إليه وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قبل زبيبة ~~الحسن، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مس زبيبة الحسن ولم يتوضأ» . # ولنا عموم قوله: " من مس الذكر فليتوضأ " ولأنه ذكر آدمي متصل به، أشبه ~~الكبير، والخبر ليس بثابت. ثم إن نقض اللمس لا يلزم منه كون القبلة ناقضة. ~~ثم ليس فيه أنه صلى ولم يتوضأ، فيحتمل أنه لم يتوضأ في مجلسه، وجواز اللمس ~~والنظر يبطل بذكر نفسه. # (254) فصل: وفرج الميت كفرج الحي لبقاء الاسم والحرمة، لاتصاله بجملة ~~الآدمي، وهو قول الشافعي. وقال إسحاق: لا وضوء عليه. وفي الذكر المقطوع ~~وجهان: أحدهما، ينقض؛ لبقاء اسم الذكر. والآخر لا ينقض؛ لذهاب الحرمة، وعدم ~~الشهوة بمسه، فأشبه # PageV01P133 # ثيل الجمل. ولو مس القلفة التي تقطع في الختان قبل قطعها، انتقض وضوءه؛ ~~لأنها من جلدة الذكر. وإن مسها بعد القطع فلا وضوء عليه؛ لزوال الاسم ~~والحرمة. # (255) فصل: فأما مس حلقة الدبر، فعنه روايتان أيضا: إحداهما لا ينقض ~~الوضوء. وهو مذهب مالك. قال الخلال: العمل والأشيع في قوله وحجته، أنه لا ~~يتوضأ من مس الدبر؛ لأن المشهور من الحديث: " من مس ذكره فليتوضأ " وهذا ~~ليس في معناه؛ لأنه لا يقصد مسه، ولا يفضي إلى خروج خارج. والثانية ينقض. ~~نقلها أبو داود. وهو مذهب عطاء والزهري والشافعي؛ لعموم قوله: " من مس فرجه ~~فليتوضأ " ولأنه أحد الفرجين، أشبه الذكر. # (256) فصل: وفي ms0155 مس المرأة فرجها أيضا روايتان: إحداهما ينقض؛ لعموم قوله: ~~" من مس فرجه فليتوضأ " وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» ولأنها آدمي مس ~~فرجه، فانتقض وضوءه كالرجل. والأخرى لا ينتقض. # قال المروذي: قيل لأبي عبد الله، فالجارية إذا مست فرجها أعليها وضوء؟ ~~قال: لم أسمع في هذا بشيء. قلت لأبي عبد الله: حديث عبد الله بن عمرو عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ " فتبسم، ~~وقال: هذا حديث الزبيدي، وليس إسناده بذاك؛ ولأن الحديث المشهور في مس ~~الذكر، وليس مس المرأة فرجها في معناه؛ لكونه لا يدعو إلى خروج خارج، فلم ~~ينقض. # (257) فصل: فأما لمس فرج الخنثى المشكل فلا يخلو من أن يكون اللمس منه أو ~~من غيره؛ فإن كان اللمس منه فلمس أحد فرجيه، لم ينتقض وضوءه؛ لأنه يحتمل أن ~~يكون الملموس خلقة زائدة. وإن لمسهما جميعا، وقلنا: لا ينقض وضوء المرأة مس ~~فرجها. لم ينتقض وضوءه؛ لجواز أن يكون امرأة مست فرجها، أو خلقة زائدة، وإن ~~قلنا: ينقض. انتقض وضوءه؛ لأنه لا بد أن يكون أحدهما فرجا، وإن كان اللامس ~~رجلا، فمس الذكر لغير شهوة، لم ينتقض وضوءه. # وإن مسه لشهوة، انتقض وضوءه في ظاهر # PageV01P134 # المذهب؛ فإنه إن كان ذكرا فقد مسه وإن كان أنثى فقد مسها لشهوة. وإن مس ~~قبل المرأة لم ينتقض وضوءه؛ لجواز أن يكون خلقة زائدة من رجل. وإن مسهما ~~جميعا لشهوة، انتقض وضوءه؛ لما ذكرنا في الذكر. # وإن كان لغير شهوة، انتقض وضوءه في الظاهر؛ لأنه لا يخلو من أن يكون مس ~~ذكر رجل أو فرج امرأة. وإن كان اللامس امرأة، فلمست أحدهما لغير شهوة، لم ~~ينتقض وضوءها. وإن لمست الذكر لشهوة، لم ينتقض وضوءها؛ لجواز أن يكون خلقة ~~زائدة من امرأة. فإن مست فرج المرأة لشهوة، انبنى على مس المرأة الرجل ~~لشهوة، فإن قلنا ينقض. انتقض وضوءها هاهنا لذلك. وإلا لم ينتقض. وإن مستهما ~~جميعا لغير ms0156 شهوة، وقلنا: إن مس فرج المرأة ينقض الوضوء. انتقض وضوءها ~~هاهنا، وإلا فلا. وإن كان اللامس خنثى مشكلا لم ينتقض وضوءه، إلا أن يجمع ~~بين الفرجين في اللمس. # ولو مس أحد الخنثيين ذكر الآخر، ومس الآخر فرجه، وكان اللمس منهما لشهوة، ~~أو لغيرها فلا وضوء على واحد منهما لأن كل واحد منهما على انفراده يقين ~~الطهارة باق في حقه، والحدث مشكوك فيه. فلا نزول عن اليقين بالشك؛ لأنه ~~يحتمل أن يكونا جميعا امرأتين، فلا ينتقض وضوء لامس الذكر، ويحتمل أن يكونا ~~رجلين، فلا ينتقض وضوء لامس الفرج. وإن مس كل واحد منهما ذكر الآخر، احتمل ~~أن يكونا امرأتين، وقد مس كل واحد منهما خلقة زائدة من الآخر. وإن مس كل ~~واحد منهما قبل الآخر، احتمل أن يكونا رجلين. ### | [فصل لا ينتقض الوضوء بمس ما عدا الفرجين من سائر البدن] # (258) فصل: ولا ينتقض الوضوء بمس ما عدا الفرجين من سائر البدن، كالرفغ ~~والأنثيين والإبط، في قول عامة أهل العلم؛ إلا أنه روي عن عروة قال: من مس ~~أنثييه فليتوضأ. وقال الزهري: أحب إلي أن يتوضأ. وقال عكرمة: من مس ما بين ~~الفرجين فليتوضأ. وقول الجمهور أولى؛ لأنه لا نص في هذا ولا هو في معنى ~~المنصوص عليه فلا يثبت الحكم فيه، ولا ينتقض وضوء الملموس أيضا؛ لأن الوجوب ~~من الشرع، وإنما وردت السنة في اللامس. # ولا ينتقض الوضوء بمس فرج بهيمة، وقال الليث بن سعد: عليه الوضوء، وقال ~~عطاء: من مس قنب (1) حمار، عليه الوضوء، ومن مس ثيل جمل لا وضوء عليه. وما ~~قلناه قول جمهور العلماء وهو أولى؛ لأن هذا ليس بمنصوص على النقض به، ولا ~~هو في معنى المنصوص عليه فلا وجه للقول به. ### | [مسألة القيء الفاحش والدم والدود الفاحش يخرج من الجروح هل ينقض الوضوء] # (259) مسألة: قال: القيء الفاحش، والدم الفاحش والدود الفاحش يخرج من ~~الجروح. # PageV01P135 # وجملته أن الخارج من البدن من غير السبيل ينقسم قسمين: طاهرا ونجسا؛ ~~فالطاهر لا ينقض الوضوء على حال ما، والنجس ينقض الوضوء ms0157 في الجملة، رواية ~~واحدة. روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وعلقمة وعطاء وقتادة ~~والثوري وإسحاق، وأصحاب الرأي. وكان مالك وربيعة والشافعي وأبو ثور وابن ~~المنذر، لا يوجبون منه وضوءا، وقال مكحول: لا وضوء إلا فيما خرج من قبل أو ~~دبر؛ لأنه خارج من غير المخرج، مع بقاء المخرج، فلم يتعلق به نقض الطهارة، ~~كالبصاق ولأنه لا نص فيه، ولا يمكن قياسه على محل النص، وهو الخارج من ~~السبيلين، لكون الحكم فيه غير معلل ولأنه لا يفترق الحال بين قليله وكثيره، ~~وطاهره ونجسه؛ وها هنا بخلافه، فامتنع القياس. # ولنا: ما روى أبو الدرداء: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاء فتوضأ، ~~فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال ثوبان: صدق، أنا صببت له ~~وضوءه.» رواه الأثرم والترمذي، وقال: هذا أصح شيء في هذا الباب قيل لأحمد: ~~حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال: نعم. وروى الخلال بإسناده، عن ابن جريج، عن ~~أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا قلس أحدكم فليتوضأ ~~" قال ابن جريج: وحدثني ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مثل ذلك وأيضا فإنه قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفا ~~في عصرهم، فيكون إجماعا؛ ولأنه خارج يلحقه حكم التطهير، فنقض الوضوء ~~كالخارج من السبيل. وقياسهم منقوض بما إذا انفتح مخرج دون المعدة. # (260) فصل: وإنما ينتقض الوضوء بالكثير من ذلك دون اليسير، وقال بعض ~~أصحابنا: فيه رواية أخرى، أن اليسير ينقض. ولا نعرف هذه الرواية، ولم ~~يذكرها الخلال في " جامعه " إلا في القلس، واطرحها وقال القاضي: لا ينقض، ~~رواية واحدة. وهو المشهور عن الصحابة، - رضي الله عنهم -. قال ابن عباس في ~~الدم: إذا كان فاحشا فعليه الإعادة. وابن أبي أوفى بزق دما ثم قام فصلى. ~~وابن عمر عصر بثرة فخرج دم، وصلى، ولم يتوضأ. قال أبو عبد الله: عدة من ~~الصحابة تكلموا فيه وأبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه، وابن عمر عصر بثرة ~~وابن أبي ms0158 أوفى عصر دملا وابن عباس قال: إذا كان فاحشا. وجابر أدخل أصابعه ~~في أنفه، وابن المسيب أدخل أصابعه العشرة في أنفه، وأخرجها متلطخة بالدم. ~~يعني: وهو في الصلاة. وقال أبو حنيفة: إذا سال الدم ففيه الوضوء، وإن وقف ~~على رأس الجرح، لم يجب؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «من قاء أو رعف في ~~صلاته فليتوضأ.» ولنا ما روينا عن الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفا. وقد روى ~~الدارقطني، بإسناده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P136 # أنه قال: «ليس الوضوء من القطرة والقطرتين» وحديثهم لا تعرف صحته، ولم ~~يذكره أصحاب السنن، وقد تركوا العمل به، فإنهم قالوا: إذا كان دون ملء ~~الفم، لم يجب الوضوء منه. # (261) فصل: وظاهر مذهب أحمد أن الكثير الذي ينقض الوضوء لا حد له أكثر من ~~أنه يكون فاحشا وقيل: يا أبا عبد الله، ما قدر الفاحش؟ قال: ما فحش في قلبك ~~وقيل له: مثل أي شيء يكون الفاحش؟ قال: قال ابن عباس: ما فحش في قلبك وقد ~~نقل عنه أنه سئل: كم الكثير؟ فقال: شبر في شبر وفي موضع قال: قدر الكف ~~فاحش. وفي موضع قال: الذي يوجب الوضوء من ذلك إذا كان مقدار ما يرفعه ~~الإنسان بأصابعه الخمس من القيح والصديد والقيء، فلا بأس به. # فقيل له: إن كان مقدار عشرة أصابع؟ فرآه كثيرا. قال الخلال: والذي استقر ~~عليه قوله في الفاحش، أنه على قدر ما يستفحشه كل إنسان في نفسه. قال ابن ~~عقيل: إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس، لا المتبذلين، ولا ~~الموسوسين، كما رجعنا في يسير اللقطة الذي لا يجب تعريفه إلى ما لا تتبعه ~~نفوس أوساط الناس. ونص أحمد في هذا كما حكيناه، وذهب إلى قول ابن عباس - ~~رضي الله عنه - (262) فصل: والقيح والصديد كالدم فيما ذكرنا، وأسهل وأخف ~~منه حكما عند أبي عبد الله لوقوع الاختلاف فيه، فإنه روي عن ابن عمر والحسن ~~أنهم لم يروا القيح والصديد كالدم. وقال أبو مجلز في الصديد: لا شيء، إنما ~~ذكر الله الدم المسفوح، ms0159 وقال الأوزاعي في قرحة سال منها كغسالة اللحم: لا ~~وضوء فيه. # وقال إسحاق: كل ما سوى الدم لا يوجب وضوءا. وقال مجاهد وعطاء وعروة ~~والشعبي والزهري وقتادة والحكم والليث: القيح بمنزلة الدم. فلذلك خف حكمه ~~عنده، واختياره مع ذلك إلحاقه بالدم وإثبات مثل حكمه فيه، ولكن الذي يفحش ~~منه يكون أكثر من الذي يفحش من الدم. # (263) فصل: والقلس كالدم، ينقض الوضوء منه ما فحش. قال الخلال الذي أجمع ~~عليه أصحاب أبي عبد الله عنه، أنه إذا كان فاحشا أعاد الوضوء منه، وقد حكي ~~عنه فيه الوضوء إذا ملأ الفم. # وقيل عنه إذا كان أقل من نصف الفم لا يتوضأ. والأول المذهب. وكذلك الحكم ~~في الدود الخارج من الجسد، إذا كان كثيرا نقض الوضوء، وإن كان يسيرا، لم ~~ينقض، والكثير ما فحش في النفس. # PageV01P137 ### | [فصل الجشاء لا وضوء فيه] # (264) فصل: فأما الجشاء فلا وضوء فيه. لا نعلم فيه خلافا قال مهنا: سألت ~~أبا عبد الله عن الرجل يخرج من فيه الريح مثل الجشاء الكثير؟ قال. لا وضوء ~~عليه. وكذلك النخاعة لا وضوء فيها، سواء كانت من الرأس أو الصدر؛ لأنها ~~طاهرة، أشبهت البصاق. ### | [مسألة أكل لحم الإبل ينقض الوضوء] # (265) مسألة: قال: وأكل لحم الجزور وجملة ذلك أن أكل لحم الإبل ينقض ~~الوضوء على كل حال نيئا ومطبوخا، عالما كان أو جاهلا. وبهذا قال جابر بن ~~سمرة ومحمد بن إسحاق وإسحاق وأبو خيثمة ويحيى بن يحيى وابن المنذر، وهو أحد ~~قولي الشافعي. قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث. # وقال الثوري ومالك والشافعي، وأصحاب الرأي: لا ينقض الوضوء بحال؛ لأنه ~~روي عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الوضوء مما ~~يخرج لا مما يدخل» وروي عن جابر، قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار» رواه أبو داود. ولأنه مأكول ~~أشبه سائر المأكولات. وقد روي عن أبي عبد الله أنه قال: في الذي يأكل من ~~لحوم الإبل: إن كان ms0160 لا يعلم ليس عليه وضوء، وإن كان الرجل قد علم وسمع، ~~فهذا عليه واجب؛ لأنه قد علم، فليس هو كمن لا يعلم ولا يدري. قال الخلال: ~~وعلى هذا استقر قول أبي عبد الله في هذا الباب. # ولنا: ما روى البراء بن عازب قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن لحوم الإبل، فقال: توضئوا منها وسئل عن لحوم الغنم، فقال: لا يتوضأ ~~منها» رواه مسلم وأبو داود، وروى جابر بن سمرة، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مثله أخرجه مسلم، وروى الإمام أحمد بإسناده، عن أسيد بن حضير، وقال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا ~~من لحوم الغنم.» # وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ~~ذلك، قال أحمد، وإسحاق وابن راهويه: فيه حديثان صحيحان عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ حديث البراء وحديث جابر بن سمرة. وحديثهم عن ابن عباس لا أصل ~~له، وإنما هو من قول ابن عباس، موقوف عليه، ولو صح لوجب تقديم حديثنا عليه؛ ~~لكونه أصح منه وأخص والخاص يقدم على العام، وحديث جابر لا يعارض حديثنا ~~أيضا؛ لصحته وخصوصه. فإن قيل: فحديث جابر متأخر، فيكون ناسخا. # قلنا: لا يصح النسخ به لوجوه أربعة؛ أحدها، أن الأمر بالوضوء من لحوم ~~الإبل متأخر عن نسخ الوضوء مما مست النار، أو مقارن له؛ # PageV01P138 # بدليل أنه قرن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم ~~الغنم، وهي مما مست النار فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي، وإما أن يكون ~~بشيء قبله؛ فإن كان به، فالأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ الوضوء ~~مما غيرت النار فكيف يجوز أن يكون منسوخا به؟ ومن شروط النسخ تأخر الناسخ، ~~وإن كان النسخ قبله، لم يجز أن ينسخ بما قبله. # الثاني، أن أكل لحوم الإبل إنما نقض؛ لكونه من لحوم الإبل، لا لكونه مما ~~مست النار، ولهذا ينقض وإن كان نيئا، فنسخ إحدى الجهتين لا ms0161 يثبت به نسخ ~~الجهة الأخرى، كما لو حرمت المرأة للرضاع، ولكونها ربيبة، فنسخ التحريم ~~بالرضاع لم يكن نسخا لتحريم الربيبة. # الثالث، أن خبرهم عام وخبرنا خاص، والعام لا ينسخ به الخاص؛ لأن من شروط ~~النسخ تعذر الجمع، والجمع بين الخاص والعام ممكن بتنزيل العام على ما عدا ~~محل التخصيص. # الرابع: أن خبرنا صحيح مستفيض، ثبتت له قوة الصحة والاستفاضة والخصوص، ~~وخبرهم ضعيف؛ لعدم هذه الوجوه الثلاثة فيه، فلا يجوز أن يكون ناسخا له. فإن ~~قيل: الأمر بالوضوء في خبركم يحتمل الاستحباب، فنحمله عليه. ويحتمل أنه ~~أراد بالوضوء قبل الطعام وبعده غسل اليدين؛ لأن الوضوء إذا أضيف إلى ~~الطعام، اقتضى غسل اليد، كما كان - عليه السلام - يأمر بالوضوء قبل الطعام ~~وبعده، وخص ذلك بلحم الإبل؛ لأن فيه من الحرارة والزهومة ما ليس في غيره. # قلنا أما الأول فمخالف للظاهر من ثلاثة أوجه: أحدها، أن مقتضى الأمر ~~الوجوب. الثاني، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن حكم هذا اللحم، ~~فأجاب بالأمر بالوضوء منه فلا يجوز حمله على غير الوجوب؛ لأنه يكون تلبيسا ~~على السائل، لا جوابا. الثالث، أنه - عليه السلام - قرنه بالنهي عن الوضوء ~~من لحوم الغنم، والمراد بالنهي هاهنا نفي الإيجاب لا التحريم، فيتعين حمل ~~الأمر على الإيجاب، ليحصل الفرق. # وأما الثاني فلا يصح لوجوه أربعة: # أحدها: أنه يلزم منه حمل الأمر على الاستحباب، فإن غسل اليد بمفرده غير ~~واجب، وقد بينا فساده. # الثاني: أن الوضوء إذا جاء على لسان الشارع، وجب حمله على الموضوع الشرعي ~~دون اللغوي؛ لأن الظاهر منه، أنه إنما يتكلم بموضوعاته. # PageV01P139 # الثالث: أنه خرج جوابا لسؤال السائل عن حكم الوضوء من لحومها، والصلاة في ~~مباركها فلا يفهم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة. # الرابع: أنه لو أراد غسل اليد لما فرق بينه وبين لحم الغنم؛ فإن غسل اليد ~~منهما مستحب ولهذا قال: " من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء، فلا يلومن ~~إلا نفسه ". وما ذكره من زيادة الزهومة فأمر يسير، لا يقتضي التفريق. والله ~~أعلم. ms0162 # ثم لا بد من دليل نصرف به اللفظ عن ظاهره ويجب أن يكون الدليل له من ~~القوة بقدر قوة الظواهر المتروكة، وأقوى منها، وليس لهم دليل، وقياسهم ~~فاسد؛ فإنه طردي لا معنى فيه، وانتفاء الحكم في سائر المأكولات لانتفاء ~~المقتضي، لا لكونه مأكولا، فلا أثر لكونه مأكولا، ووجوده كعدمه. # ومن العجب أن مخالفينا في هذه المسألة، أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة ~~تخالف الأصول؛ فأبو حنيفة أوجبه بالقهقهة في الصلاة دون خارجها، بحديث من ~~مراسيل أبي العالية ومالك والشافعي أوجباه بمس الذكر، بحديث مختلف فيه، ~~معارض بمثله دون مس بقية الأعضاء، وتركوا هذا الحديث الصحيح الذي لا معارض ~~له، مع بعده عن التأويل، وقوة الدلالة فيه، لمخالفته لقياس طردي. ### | [فصل شرب لبن الإبل] # (266) فصل: وفي شرب لبن الإبل روايتان: إحداهما ينقض الوضوء؛ لما روى ~~أسيد بن حضير، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «توضئوا من لحوم الإبل ~~وألبانها» رواه الإمام أحمد في المسند وفي لفظ: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سئل عن ألبان الإبل، فقال: توضئوا من ألبانها " وسئل عن ألبان ~~الغنم، فقال: " لا تتوضئوا من ألبانها ". رواه ابن ماجه، وروي نحوه عن عبد ~~الله بن عمرو. والثانية، لا وضوء فيه؛ لأن الحديث الصحيح إنما ورد في ~~اللحم. # وقولهم: فيه حديثان صحيحان. يدل على أنه لا صحيح فيه سواهما، والحكم ~~هاهنا غير معقول، فيجب الاقتصار على مورد النص فيه. وفيما سوى اللحم من ~~أجزاء البعير، من كبده، وطحاله وسنامه، ودهنه، ومرقه، وكرشه، ومصرانه، ~~وجهان: أحدهما، لا ينقض؛ لأن النص لم يتناوله، # PageV01P140 # والثاني ينقض؛ لأنه من جملة الجزور. وإطلاق اللحم في الحيوان يراد به ~~جملته؛ لأنه أكثر ما فيه، ولذلك لما حرم الله تعالى لحم الخنزير، كان ~~تحريما لجملته، كذا هاهنا. ### | [فصل ما عدا لحم الجزور من الأطعمة لا وضوء فيه] # (267) فصل: وما عدا لحم الجزور من الأطعمة لا وضوء فيه، سواء مسته النار ~~أو لم تمسه. هذا قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن، الخلفاء الراشدين وأبي بن ~~كعب وابن ms0163 مسعود وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبي الدرداء وأبي أمامة، وعامة ~~الفقهاء، ولا نعلم اليوم فيه خلافا. # وذهب جماعة من السلف إلى إيجاب الوضوء مما غيرت النار، منهم ابن عمر وزيد ~~بن ثابت وأبو طلحة وأبو موسى وأبو هريرة وأنس وعمر بن عبد العزيز وأبو مجلز ~~وأبو قلابة والحسن والزهري؛ لما روى أبو هريرة، وزيد، وعائشة، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «توضئوا مما مست النار» وفي لفظ «إنما الوضوء ~~مما مست النار» رواهن مسلم. # ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «ولا تتوضئوا من لحوم الغنم» ~~وقول جابر «كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك ~~الوضوء مما مست النار» رواه أبو داود، والنسائي. ### | [مسألة الوضوء من غسل الميت] # (268) مسألة: قال: وغسل الميت. اختلف أصحابنا في وجوب الوضوء من غسل ~~الميت؛ فقال أكثرهم بوجوبه، سواء كان المغسول صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو ~~أنثى، مسلما أو كافرا. وهو قول إسحاق والنخعي، وروي ذلك عن ابن عمر وابن ~~عباس وأبي هريرة، فروي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يأمران غاسل الميت ~~بالوضوء. وعن أبي هريرة، قال: أقل ما فيه الوضوء. ولا نعلم لهم مخالفا في ~~الصحابة. ولأن الغالب فيه أنه لا يسلم أن تقع يده على فرج الميت، فكان مظنة ~~ذلك قائما مقام حقيقته، كما أقيم النوم مقام الحدث. # وقال أبو الحسن التميمي: لا وضوء فيه. وهذا قول أكثر الفقهاء وهو الصحيح ~~إن شاء الله؛ لأن الوجوب من الشرع. ولم يرد في هذا نص، ولا هو في معنى ~~المنصوص عليه، فبقي على الأصل. ولأنه غسل آدمي. فأشبه غسل الحي. وما روي عن ~~أحمد في هذا يحمل على الاستحباب دون الإيجاب؛ فإن كلامه يقتضي نفي الوجوب، ~~فإنه ترك العمل بالحديث المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «من غسل ~~ميتا فليغتسل» وعلل ذلك بأن الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة. # فإذا لم يوجب الغسل بقول أبي هريرة، مع احتمال أن يكون من قول رسول الله ~~- صلى ms0164 الله عليه وسلم - فلأن لا يوجب الوضوء بقوله، مع عدم ذلك الاحتمال، ~~أولى وأحرى. ### | [مسألة ملاقاة جسم الرجل للمرأة لشهوة] # (269) مسألة: قال: وملاقاة جسم الرجل للمرأة لشهوة المشهور من مذهب أحمد ~~- رحمه الله -، أن لمس النساء لشهوة ينقض الوضوء، ولا ينقضه لغير شهوة. # PageV01P141 # وهذا قول علقمة وأبي عبيدة والنخعي والحكم وحماد ومالك والثوري وإسحاق ~~والشعبي، فإنهم قالوا: يجب الوضوء على من قبل لشهوة، ولا يجب على من قبل ~~لرحمة. # وممن أوجب الوضوء في القبلة ابن مسعود وابن عمر والزهري وزيد بن أسلم ~~ومكحول ويحيى الأنصاري وربيعة والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز والشافعي قال ~~أحمد: المدنيون والكوفيون ما زالوا يرون أن القبلة من اللمس تنقض الوضوء، ~~حتى كان بآخرة وصار فيهم أبو حنيفة، فقالوا: لا تنقض الوضوء. ويأخذون بحديث ~~عروة، ونرى أنه غلط. وعن أحمد. رواية ثانية، لا ينقض اللمس بحال. # وروي ذلك عن علي وابن عباس وعطاء وطاوس والحسن ومسروق، وبه قال أبو ~~حنيفة: إلا أن يطأها دون الفرج فينتشر فيها لما روى حبيب، عن عروة، عن ~~عائشة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل امرأة من نسائه، وخرج إلى ~~الصلاة، ولم يتوضأ» . رواه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما. وهو حديث مشهور ~~رواه إبراهيم التيمي عن عائشة أيضا، ولأن الوجوب من الشرع، ولم يرد بهذا ~~شرع، ولا هو في معنى ما ورد الشرع به، وقوله: {أو لامستم النساء} [المائدة: ~~6] أراد به الجماع، بدليل أن المس أريد به الجماع فكذلك اللمس؛ ولأنه ذكره ~~بلفظ المفاعلة، والمفاعلة لا تكون من أقل من اثنين، وعن أحمد، رواية ثالثة ~~أن اللمس ينقض بكل حال. # وهو مذهب الشافعي، لعموم قوله تعالى: {أو لامستم النساء} [المائدة: 6] ~~وحقيقة اللمس ملاقاة البشرتين، قال الله تعالى مخبرا عن الجن أنهم قالوا: ~~{وأنا لمسنا السماء} [الجن: 8] وقال الشاعر: # لمست بكفي كفه أطلب الغنى # وقرأها ابن مسعود: {أو لامستم النساء} [المائدة: 6] وأما حديث القبلة فكل ~~طرقه معلولة، قال يحيى بن سعيد: احك عني أن هذا الحديث شبه لا شيء. وقال ~~أحمد: ms0165 نرى أنه غلط الحديثين جميعا - يعني حديث إبراهيم التيمي وحديث عروة ~~فإن إبراهيم التيمي لا يصح سماعه من عائشة، وعروة المذكور هاهنا عروة ~~المزني، ولم يدرك عائشة، كذلك قاله سفيان الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن ~~عروة المزني ليس هو عروة بن الزبير. # وقال إسحاق: لا تظنوا أن حبيبا لقي عروة. وقال: وقد يمكن أن يقبل الرجل ~~امرأته لغير شهوة برا بها، وإكراما لها، ورحمة، ألا ترى إلى ما جاء عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قدم من سفر فقبل فاطمة. فالقبلة تكون ~~لشهوة ولغير شهوة. ويحتمل أنه قبلها من وراء حائل، واللمس لغير شهوة لا ~~ينقض، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمس زوجته في الصلاة وتمسه. ~~ولو كان ناقضا للوضوء لم يفعله. # «قالت عائشة. إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي وإني ~~لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، فإذا أراد أن يسجد # PageV01P142 # غمزني فقبضت رجلي.» متفق عليه. وفي حديث آخر فإذا أراد أن يوتر مسني ~~برجله # وروى الحسن قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا في مسجده في ~~الصلاة فقبض على قدم عائشة غير متلذذ» رواه إسحاق بإسناده، والنسائي. وعن ~~عائشة «قالت فقدت النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فجعلت أطلبه، ~~فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان، وهو ساجد، وهو يقول: أعوذ برضاك من ~~سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» رواهما النسائي ورواه مسلم «وصلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حاملا أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، إذا سجد وضعها، ~~وإذا قام حملها» متفق عليه والظاهر أنه لا يسلم من مسها؛ ولأنه لمس لغير ~~شهوة فلم ينقض، كلمس ذوات المحارم. # يحققه أن اللمس ليس بحدث في نفسه وإنما نقض لأنه يفضي إلى خروج المذي أو ~~المني، فاعتبرت الحالة التي تفضي إلى الحدث فيها، وهي حالة الشهوة. # (270) فصل: ولا فرق بين الأجنبية وذات المحرم، والكبيرة والصغيرة. # وقال الشافعي: لا ينقض لمس ذوات المحارم، ولا الصغيرة، في أحد القولين؛ ~~لأن لمسهما لا يفضي إلى خروج خارج، ms0166 أشبه لمس الرجل الرجل. ولنا، عموم النص، ~~واللمس الناقض تعتبر فيه الشهوة، ومتى وجدت الشهوة فلا فرق بين الجميع. ~~فأما لمس الميتة، ففيه وجهان: أحدهما، ينقض لعموم الآية. والثاني، لا ينقض. # اختاره الشريف أبو جعفر وابن عقيل؛ لأنها ليست محلا للشهوة، فهي كالرجل. # (271) فصل: ولا يختص اللمس الناقض باليد، بل أي شيء منه لاقى شيئا من ~~بشرتها مع الشهوة، انتقض وضوءه به، سواء كان عضوا أصليا، أو زائدا. وحكي عن ~~الأوزاعي: لا ينقض اللمس إلا بأحد أعضاء الوضوء. ولنا، عموم النص، والتخصيص ~~بغير دليل تحكم لا يصار إليه. ولا ينقض مس شعر المرأة، ولا ظفرها، ولا ~~سنها، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. ولا ينقض لمسها بشعره ولا سنه ولا ظفره؛ لأن ~~ذلك مما لا يقع الطلاق على المرأة بتطليقه ولا الظهار. # ولا ينجس الشعر بموت الحيوان، ولا بقطعه منه في حياته. # (272) فصل: وإن لمسها من وراء حائل، لم ينتقض وضوءه، في قول أكثر أهل ~~العلم. وقال مالك والليث ينقض إن كان ثوبا رقيقا. وكذلك قال ربيعة: إذا ~~غمزها من وراء ثوب رقيق لشهوة؛ لأن الشهوة موجودة. وقال المروذي: لا نعلم ~~أحدا قال ذلك غير مالك والليث. # PageV01P143 # لنا، أنه لم يلمس جسم المرأة؛ فأشبه ما لو لمس ثيابها، والشهوة بمجردها ~~لا تكفي، كما لو مس رجلا بشهوة، أو وجدت الشهوة من غير لمس. # (273) فصل: وإن لمست امرأة رجلا، ووجدت الشهوة منهما، فظاهر كلام الخرقي ~~نقض وضوئهما، بملاقاة بشرتهما. # وقد سئل أحمد عن المرأة إذا مست زوجها؟ قال: ما سمعت فيه شيئا، ولكن هي ~~شقيقة الرجل. يعجبني أن تتوضأ؛ لأن المرأة أحد المشتركين في اللمس، فهي ~~كالرجل. وينتقض وضوء الملموس إذا وجدت منه الشهوة؛ لأن ما ينتقض بالتقاء ~~البشرتين، لا فرق فيه بين اللامس والملموس، كالتقاء الختانين. وفيه رواية ~~أخرى: لا ينتقض وضوء المرأة، ولا وضوء الملموس وللشافعي قولان كالروايتين. ~~ووجه عدم النقض أن النص إنما ورد بالنقض بملامسة النساء، فيتناول اللامس من ~~الرجال، فيختص به النقض، كلمس الفرج؛ ولأن المرأة والملموس لا ms0167 نص فيه، ولا ~~هو في معنى المنصوص؛ لأن اللمس من الرجل مع الشهوة مظنة لخروج المذي ~~الناقض، فأقيم مقامه، ولا يوجد ذلك في حق المرأة، والشهوة من اللامس أشد ~~منها في الملموس، وأدعى إلى الخروج، فلا يصح القياس عليهما، وإذا امتنع ~~النص والقياس لم يثبت الدليل. # (274) فصل: ولا ينتقض الوضوء بلمس عضو مقطوع من المرأة؛ لزوال الاسم، ~~وخروجه عن أن يكون محلا للشهوة ولا بمس رجل ولا صبي، ولا بمس المرأة ~~المرأة؛ لأنه ليس بداخل في الآية؛ ولا هو في معنى ما في الآية؛ لأن المرأة ~~محل لشهوة الرجل شرعا وطبعا، وهذا بخلافه. # ولا بمس البهيمة؛ لذلك. ولا بمس خنثى مشكل؛ لأنه لا يعلم كونه رجلا ولا ~~امرأة. ولا بمس الخنثى لرجل أو امرأة؛ لذلك، والأصل الطهارة، فلا تزول ~~بالشك ولا أعلم في هذا كله خلافا، والله أعلم. ### | [مسألة تيقن الطهارة وشك في الحدث] # (275) مسألة: قال: ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في ~~الطهارة، فهو على ما تيقن منهما يعني: إذا علم أنه توضأ، وشك هل أحدث، أو ~~لا، بنى على أنه متطهر. وإن كان محدثا فشك؛ هل توضأ، أو لا، فهو محدث. يبني ~~في الحالتين على ما علمه قبل الشك، ويلغي الشك. # وبهذا قال الثوري # PageV01P144 # وأهل العراق والأوزاعي والشافعي وسائر أهل العلم، فيما علمنا إلا الحسن ~~ومالكا، فإن الحسن قال: إن شك في الحدث في الصلاة، مضى فيها، وإن كان قبل ~~الدخول فيها، توضأ. وقال مالك: إن شك في الحدث إن كان يلحقه كثيرا، فهو على ~~وضوئه. وإن كان لا يلحقه كثيرا، توضأ؛ لأنه لا يدخل في الصلاة مع الشك. ~~ولنا ما روى عبد الله بن زيد قال: «شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الرجل يخيل إليه وهو في الصلاة أنه يجد الشيء، قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا ~~أو يجد ريحا» . متفق عليه. ولمسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه، ms0168 أخرج منه أم لم ~~يخرج فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» # ؛ ولأنه إذا شك تعارض عنده الأمران، فيجب سقوطهما، كالبينتين إذا ~~تعارضتا، ويرجع إلى التيقن، ولا فرق بين أن يغلب على ظنه أحدهما، أو يتساوى ~~الأمران عنده؛ لأن غلبة الظن إذا لم تكن مضبوطة بضابط شرعي، لا يلتفت ~~إليها، كما لا يلتفت الحاكم إلى قول أحد المتداعيين إذا غلب على ظنه صدقه ~~بغير دليل ### | [فصل تيقن الطهارة والحدث معا ولم يعلم الآخر منهما] # (276) فصل: إذا تيقن الطهارة والحدث معا، ولم يعلم الآخر منهما، مثل من ~~تيقن أنه كان في وقت الظهر متطهرا مرة ومحدثا أخرى، ولا يعلم أيهما كان بعد ~~صاحبه، فإنه يرجع إلى حاله قبل الزوال؛ فإن كان محدثا فهو الآن متطهر؛ لأنه ~~متيقن أنه قد انتقل عن هذا الحدث إلى الطهارة، ولم يتيقن زوالها، والحدث ~~المتيقن بعد الزوال يحتمل أن يكون قبل الطهارة، ويحتمل أن يكون بعدها، ~~فوجوده بعدها مشكوك فيه، فلا يزول عن طهارة متيقنة بشك، كما لو شهدت بينة ~~لرجل أنه وفى زيدا حقه وهو مائة، فأقام المشهود عليه بينة بإقرار خصمه له ~~بمائة، لم يثبت له بها حق؛ لاحتمال أن يكون إقراره قبل الاستيفاء منه. وإن ~~كان قبل الزوال متطهرا فهو الآن محدث؛ لما ذكرنا في الطرف الآخر. ### | [فصل تيقن أنه في وقت الظهر نقض طهارته وتوضأ عن حدث وشك في السابق منهما] # (277) فصل: وإن تيقن أنه في وقت الظهر نقض طهارته وتوضأ عن حدث، وشك في ~~السابق منهما، نظر؛ فإن كان قبل الزوال متطهرا، فهو على طهارة؛ لأنه تيقن ~~أنه نقض تلك الطهارة، ثم توضأ إذ لا يمكن أن يتوضأ عن حدث مع بقاء تلك ~~الطهارة، ونقض هذه الطهارة الثانية مشكوك فيه، فلا يزول عن اليقين بالشك، ~~وإن كان قبل الزوال محدثا، فهو الآن محدث؛ لأنه تيقن أنه انتقل عنه إلى ~~الطهارة ثم نقضها، والطهارة بعد نقضها مشكوك فيها. والله أعلم. # فهذا جميع نواقض الطهارة ولا تنتقض بغير ذلك في ms0169 قول عامة العلماء، إلا ~~أنه قد حكي عن مجاهد والحكم وحماد: في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف ~~الإبط، الوضوء. وقول جمهور العلماء بخلافهم، ولا نعلم لهم فيما يقولون حجة، ~~والله سبحانه أعلم. # PageV01P145 ### | [باب ما يوجب الغسل] ### | [مسألة الموجب للغسل خروج المني] # قال أبو محمد بن بري النحوي: غسل الجنابة، بفتح الغين. وقال ابن السكيت: ~~الغسل: الماء الذي يغتسل به. والغسل: ما غسل به الرأس. . # (278) مسألة: قال أبو القاسم، - رحمه الله - (: والموجب للغسل خروج ~~المني) الألف واللام هنا للاستغراق، ومعناه أن جميع موجبات الغسل هذه الستة ~~المسماة: أولها؛ خروج المني، وهو الماء الغليظ الدافق الذي يخرج عند اشتداد ~~الشهوة، ومني المرأة رقيق أصفر. # وروى مسلم في صحيحه، بإسناده، أن «أم سليم حدثت، أنها سألت نبي الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل. فقالت أم سليم: ~~واستحييت من ذلك. وهل يكون هذا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نعم، فمن أين يكون الشبه، ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن ~~أيهما علا، أو سبق، يكون منه الشبه وفي لفظ أنها قالت. هل على المرأة من ~~غسل إذا هي احتلمت؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - نعم، إذا رأت الماء» ~~متفق عليه، فخروج المني الدافق بشهوة، يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة ~~أو في نوم. وهو قول عامة الفقهاء. قاله الترمذي. ولا نعلم فيه خلافا. ### | [فصل خرج شبيه المني لمرض أو برد لا عن شهوة] # (279) فصل: فإن خرج شبيه المني؛ لمرض أو برد لا عن شهوة، فلا غسل فيه. ~~وهذا قول أبي حنيفة ومالك. وقال الشافعي: ويجب به الغسل. ويحتمله كلام ~~الخرقي لقوله - عليه السلام -: إذا رأت الماء ". وقوله: «الماء من الماء» ؛ ~~ولأنه مني خارج فأوجب الغسل، كما لو خرج حال الإغماء. ولنا أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وصف المني الموجب للغسل بكونه أبيض غليظا، وقال لعلي «إذا ~~فضخت الماء ms0170 فاغتسل.» رواه أبو داود، والأثرم «إذا رأيت فضخ الماء فاغتسل» . # والفضخ: خروجه على وجه الشدة. وقال إبراهيم الحربي: خروجه بالعجلة. ~~وقوله: " إذا " رأت الماء ". يعني الاحتلام، وإنما يخرج في الاحتلام ~~بالشهوة، والحديث الآخر منسوخ، على أن هذا يجوز أن يمنع كونه منيا؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف المني بصفة غير موجودة في هذا. # PageV01P146 ### | [فصل أحس بانتقال المني عند الشهوة فأمسك ذكره فلم يخرج] # (280) فصل: فإن أحس بانتقال المني عند الشهوة فأمسك ذكره، فلم يخرج فلا ~~غسل عليه في ظاهر قول الخرقي، وإحدى الروايتين عن أحمد وقول أكثر الفقهاء. ~~والمشهور عن أحمد وجوب الغسل، وأنكر أن يكون الماء يرجع، وأحب أن يغتسل. # ولم يذكر القاضي في وجوب الغسل خلافا، قال: لأن الجنابة تباعد الماء عن ~~محله، وقد وجد، فتكون الجنابة موجودة، فيجب الغسل بها؛ ولأن الغسل تراعى ~~فيه الشهوة، وقد حصلت بانتقاله، فأشبه ما لو ظهر ولنا أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - علق الاغتسال على الرؤية وفضخه، بقوله: " إذا رأت الماء " و " ~~إذا فضخت الماء فاغتسل " فلا يثبت الحكم بدونه، وما ذكره من الاشتقاق لا ~~يصح؛ لأنه يجوز أن يسمى جنبا لمجانبته الماء، ولا يحصل إلا بخروجه منه أو ~~لمجانبته الصلاة أو المسجد أو غيرهما؛ مما منع منه، ولو سمي بذلك مع ~~الخروج، لم يلزمه وجود التسمية من غير خروج، فإن الاشتقاق لا يلزم منه ~~الاطراد، ومراعاة الشهوة للحكم لا يلزم منه استقلالها به، فإن أحد وصفي ~~العلة وشرط الحكم مراعى له، ولا يستقل بالحكم، ثم يبطل بلمس النساء، وبما ~~إذا وجدت الشهوة هاهنا من غير انتقال؛ فإن الشهوة لا تستقل بالحكم في ~~الموضعين مع مراعاتها فيه، وكلام أحمد هاهنا إنما يدل على أن الماء إذا ~~انتقل، لزم منه الخروج. # وإنما يتأخر، ولذلك يتأخر الغسل إلى حين خروجه، فعلى هذا إذا خرج المني ~~بعد ذلك لزمه الغسل، سواء اغتسل قبل خروجه أو لم يغتسل؛ لأنه مني خرج بسبب ~~الشهوة، فأوجب الغسل، كما لو خرج حال انتقاله. وقد قال ms0171 أحمد - رحمه الله -، ~~في الرجل يجامع ولم ينزل، فيغتسل، ثم يخرج منه المني: عليه الغسل. وسئل عن ~~رجل رأى في المنام أنه يجامع فاستيقظ، فلم يجد شيئا، فلما مشى خرج منه، ~~المني، قال: يغتسل. وقال القاضي في الذي أحس بانتقال المني، فأمسك ذكره، ~~فاغتسل، ثم خرج منه المني من غير مقارنة شهوة بعد البول: فلا غسل عليه. ~~رواية واحدة. # وإن كان قبل البول فعلى روايتين؛ لأنه بعد البول غير المني المنتقل خرج ~~بغير شهوة، فأشبه الخارج لمرض، وإن كان قبله فهو ذلك المني الذي انتقل. ~~ووجه ما قلنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالغسل عند رؤية الماء ~~وفضخه، وقد وجد، ونص أحمد على وجوب الغسل على المجامع الذي يرى الماء بعد ~~غسله، وهذا مثله، وقد دللنا على أن من أحس بانتقال المني ولم يخرج لا غسل ~~عليه، ويلزم من ذلك وجوب الغسل عليه بظهوره، لئلا يفضي إلى نفي الوجوب عنه ~~بالكلية، مع انتقال المني لشهوة وخروجه. ### | [فصل احتلم أو جامع فأمنى ثم اغتسل ثم خرج منه مني] # (281) فصل: فأما إن احتلم، أو جامع، فأمنى، ثم اغتسل، ثم خرج منه مني، ~~فالمشهور عن أحمد أنه لا غسل # PageV01P147 # عليه، قال الخلال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله، أنه ليس عليه إلا ~~الوضوء، بال أو لم يبل، فعلى هذا استقر قوله. وروي ذلك عن علي وابن عباس ~~وعطاء والزهري ومالك والليث والثوري وإسحاق، وقال سعيد بن جبير: لا غسل ~~عليه إلا من شهوة وفيه رواية ثانية: إن خرج بعد البول، فلا غسل فيه، وإن ~~خرج قبله اغتسل. # وهذا قول الأوزاعي وأبي حنيفة، ونقل ذلك عن الحسن؛ لأنه بقية ماء خرج ~~بالدفق والشهوة، فأوجب الغسل كالأول وبعد البول خرج بغير دفق وشهوة، ولا ~~نعلم أنه بقية الأول؛ لأنه لو كان بقيته لما تخلف بعد البول. # وقال القاضي: فيه رواية ثالثة، عليه الغسل بكل حال. وهو مذهب الشافعي؛ ~~لأن الاعتبار بخروجه كسائر الأحداث. وقال في موضع آخر: لا غسل عليه. رواية ~~واحدة؛ لأنه ms0172 جنابة واحدة، فلم يجب به غسلان، كما لو خرج دفعة واحدة. # والصحيح أنه يجب الغسل؛ لأن الخروج يصلح موجبا للغسل، وما ذكره يبطل بما ~~إذا جامع فلم ينزل، فاغتسل، ثم أنزل، فإن أحمد قد نص على وجوب الغسل عليه ~~بالإنزال مع وجوبه بالتقاء الختانين. ### | [فصل رأى أنه قد احتلم ولم يجد منيا فلا غسل عليه] # (282) فصل: إذا رأى أنه قد احتلم، ولم يجد منيا، فلا غسل عليه. قال ابن ~~المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، لكن إن مشى فخرج منه ~~المني، أو خرج بعد استيقاظه، فعليه الغسل. نص عليه أحمد؛ لأن الظاهر أنه ~~كان انتقل، وتخلف خروجه إلى ما بعد الاستيقاظ. وإن انتبه فرأى منيا، ولم ~~يذكر احتلاما، فعليه الغسل لا نعلم فيه اختلافا أيضا. # وروي نحو ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال ابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير ~~والشعبي والنخعي والحسن ومجاهد وقتادة ومالك والشافعي وإسحاق؛ لأن الظاهر ~~أن خروجه كان لاحتلام نسيه. وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه صلى الفجر ~~بالمسلمين، ثم خرج إلى الجرف فرأى في ثوبه احتلاما، فقال: ما أراني إلا قد ~~احتلمت، فاغتسل، وغسل ثوبه، وصلى. # وروي نحوه عن عثمان، وروت عائشة، قالت: «سئل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما؟ قال: يغتسل وعن الرجل يرى أنه ~~قد احتلم، ولا يجد بللا فقال لا غسل عليه» رواه أبو داود، وابن ماجه. وروت ~~أم سلمة، «أن أم سليم قالت. يا رسول الله، هل على المرأة من غسل إذا هي ~~احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء» متفق عليه، وهذا يدل على أنه لا غسل ~~عليها إلا أن ترى الماء ### | [فصل انتبه من النوم فوجد بللا لا يعلم هل هو مني أو غيره] # (283) فصل: إذا انتبه من النوم فوجد بللا لا يعلم هل هو مني أو غيره؟ ~~فقال أحمد: إذا وجد بلة اغتسل، إلا أن يكون به إبردة، أو لاعب أهله؛ فإنه ~~ربما خرج منه المذي، ms0173 فأرجو أن لا يكون به بأس. # PageV01P148 # وكذلك إن كان انتشر من أول الليل بتذكر أو رؤية، لا غسل عليه. وهو قول ~~الحسن؛ لأنه مشكوك فيه، يحتمل أنه مذي، وقد وجد سببه، فلا يوجب الغسل مع ~~الشك. وإن لم يكن وجد ذلك، فعليه الغسل؛ لخبر عائشة؛ لأن الظاهر أنه ~~احتلام. وقد توقف أحمد في هذه المسألة في مواضع. وقال مجاهد وقتادة: لا غسل ~~عليه حتى يوقن الدافق. قال قتادة: يشمه. وهذا هو القياس؛ ولأن اليقين بقاء ~~الطهارة، فلا يزول بالشك. والأولى الاغتسال؛ لموافقة الخبر، وإزالة الشك. ### | [فصل رأى في ثوبه منيا وكان مما لا ينام فيه غيره] # (284) فصل: فإن رأى في ثوبه منيا، وكان مما لا ينام فيه غيره، فعليه ~~الغسل؛ لأن عمر وعثمان اغتسلا حين رأياه في ثوبهما؛ ولأنه لا يحتمل أن يكون ~~إلا منه، ويعيد الصلاة من أحدث نومة نامها فيه إلا أن يرى أمارة تدل على ~~أنه قبلها فيعيد من أدنى نومة يحتمل أنه منها. وإن كان الرائي له غلاما ~~يمكن وجود المني منه، كابن اثنتي عشرة سنة، فهو كالرجل؛ لأنه وجد دليله، ~~وهو محتمل للوجود. # وإن كان أقل من ذلك، فلا غسل عليه؛ لأنه لا يحتمل، فيتعين، حمله على أنه ~~من غيره. فأما إن وجد الرجل منيا في ثوب ينام فيه هو وغيره ممن يحتلم، فلا ~~غسل على واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما بالنظر إليه مفردا يحتمل أن لا يكون ~~منه، فوجوب الغسل عليه مشكوك فيه، وليس لأحدهما أن يأثم بصاحبه؛ لأن أحدهما ~~جنب يقينا، فلا تصح صلاتهما، كما لو سمع كل واحد منهما صوت ريح، يظن أنها ~~من صاحبه، أو لا يدري من أيهما هي. ### | [فصل وطئ امرأته دون الفرج فدب ماؤه إلى فرجها ثم خرج] # (285) فصل: إذا وطئ امرأته دون الفرج، فدب ماؤه إلى فرجها ثم خرج، أو ~~وطئها في الفرج، فاغتسلت، ثم خرج ماء الرجل من فرجها، فلا غسل عليها. وبهذا ~~قال قتادة والأوزاعي وإسحاق. وقال الحسن: تغتسل؛ لأنه مني خرج فأشبه ماءها. ms0174 ~~والأول أولى؛ لأنه ليس منيها، فأشبه غير المني. ### | [مسألة التقاء الختانين] # (286) مسألة: قال: (والتقاء الختانين) يعني: تغييب الحشفة في الفرج، فإن ~~هذا هو الموجب للغسل، سواء كانا مختتنين أو لا، وسواء أصاب موضع الختان منه ~~موضع ختانها أو لم يصبه. ولو مس الختان الختان من غير إيلاج فلا غسل ~~بالاتفاق واتفق الفقهاء على وجوب الغسل في هذه المسألة، إلا ما حكي عن داود ~~أنه قال: لا يجب؛ لقوله - عليه السلام - «الماء من الماء» وكان جماعة من ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، يقولون: لا غسل على # PageV01P149 # من جامع فأكسل. يعني: لم ينزل. # ورووا في ذلك أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وكانت رخصة رخص ~~فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أمر بالغسل، قال سهل ابن سعد: ~~حدثني أبي بن كعب «أن الماء من الماء كان رخصة أرخص فيها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم نهى عنها» . متفق عليه. ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، ~~وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # وروي عن أبي موسى الأشعري قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، ~~فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الماء الدافق أو من الماء، وقال ~~المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، فقال أبو موسى فأنا أشفيكم من ذلك، ~~فقمت فاستأذنت على عائشة، فقلت: يا أماه، أو يا أم المؤمنين، إني أريد أن ~~أسألك عن شيء، وأنا أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عن شيء كنت سائلا ~~عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك. قلت: فما يوجب الغسل، قالت: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان ~~الختان، فقد وجب الغسل» متفق عليه. # وفي حديث عن عمر - رضي الله عنه -، أنه قال: من خالف في ذلك جعلته نكالا. ~~وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قعد بين شعبها ~~الأربع، وجهدها فقد وجب عليه الغسل» متفق عليه. زاد مسلم وإن لم ينزل " # قال الأزهري أراد بين شعبتي رجليها ms0175 وشعبتي شفريها. وحديثهم منسوخ بدليل ~~حديث سهل بن سعد، والحمد لله. ### | [فصل وجوب الغسل على كل واطئ وموطوء إذا كان من أهل الغسل] # (287) فصل: ويجب الغسل على كل واطئ وموطوء، إذا كان من أهل الغسل، سواء ~~كان الفرج قبلا أو دبرا، من كل آدمي أو بهيمة، حيا أو ميتا، طائعا أو ~~مكرها، نائما أو يقظان. وقال أبو حنيفة: لا يجب الغسل بوطء الميتة ~~والبهيمة؛ لأنه ليس بمقصود؛ ولأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص. ~~ولنا أنه إيلاج في فرج، فوجب به الغسل، كوطء الآدمية في حياتها، ووطء ~~الآدمية الميتة داخل في عموم الأحاديث المروية، وما ذكروه ينتقض بوطء ~~العجوز والشوهاء. ### | [فصل أولج بعض الحشفة أو وطئ دون الفرج] # (288) فصل: وإن أولج بعض الحشفة، أو وطئ دون الفرج، أو في السرة، ولم ~~ينزل، فلا غسل عليه؛ لأنه لم يوجد التقاء الختانين ولا ما في معناه. وإن ~~انقطعت الحشفة، فأولج الباقي من ذكره، وكان # PageV01P150 # بقدر الحشفة، وجب الغسل، وتعلقت، به أحكام الوطء؛ من المهر وغيره. وإن ~~كان أقل من ذلك، لم يجب شيء ### | [فصل أولج في قبل خنثى مشكل] # (289) فصل: فإن أولج في قبل خنثى مشكل، أو أولج الخنثى ذكره في فرج، أو ~~وطئ أحدهما الآخر في قبله، فلا غسل على واحد منهما؛ لأنه يحتمل أن تكون ~~خلقة زائدة. فإن أنزل الواطئ أو أنزل الموطوء من قبله، فعلى من أنزل الغسل. ~~ويثبت لمن أنزل من ذكره حكم الرجال، ولمن أنزل من قبله حكم النساء؛ لأن ~~الله تعالى أجرى العادة بذلك في حق الرجال والنساء. # وذكر القاضي في موضع، أنه لا يحكم له بالذكورية بالإنزال من ذكره، ولا ~~بالأنوثية بالحيض من فرجه، ولا بالبلوغ بهذا. ولنا أنه أمر خص الله تعالى ~~به أحد الصنفين، فكان دليلا عليه، كالبول من ذكره أو من قبله؛ ولأنه أنزل ~~الماء الدافق لشهوة فوجب عليه الغسل؛ لقوله - عليه السلام -: " الماء من ~~الماء ". وبالقياس على من تثبت له الذكورية أو الأنوثية. ### | [فصل كان الواطئ أو الموطوء صغيرا فهل ms0176 عليهما غسل] # (290) فصل: فإن كان الواطئ أو الموطوء صغيرا، فقال أحمد يجب عليهما ~~الغسل. وقال: إذا أتى على الصبية تسع سنين، ومثلها يوطأ، وجب عليها الغسل. ~~وسئل عن الغلام يجامع مثله ولم يبلغ، فجامع المرأة، يكون عليهما جميعا ~~الغسل؟ قال: نعم. قيل له: أنزل أو لم ينزل؟ قال: نعم. وقال: ترى عائشة حين ~~كان يطؤها النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن تغتسل، ويروى عنها: " إذا ~~التقى الختانان وجب الغسل ". # وحمل القاضي كلام أحمد على الاستحباب. وهو قول أصحاب الرأي وأبي ثور؛ لأن ~~الصغيرة لا يتعلق بها المأثم، ولا هي من أهل التكليف. ولا تجب عليها الصلاة ~~التي تجب الطهارة لها، فأشبهت الحائض. ولا يصح حمل كلام أحمد على ~~الاستحباب؛ لتصريحه بالوجوب، وذمه قول أصحاب الرأي وقوله: # PageV01P151 # هو قول سوء. واحتج بفعل عائشة وروايتها للحديث العام في الصغير والكبير؛ ~~ولأنها أجابت بفعلها وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولها: فعلته أنا ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاغتسلنا. # فكيف تكون خارجة منه، وليس معنى وجوب الغسل في الصغير التأثيم بتركه، بل ~~معناه أنه شرط لصحة الصلاة، والطواف، وإباحة قراءة القرآن، واللبث في ~~المسجد، وإنما يأثم البالغ بتأخيره في موضع يتأخر الواجب بتركه، ولذلك لو ~~أخره في غير وقت الصلاة، لم يأثم، والصبي لا صلاة عليه، فلم يأثم بالتأخير، ~~وبقي في حقه شرطا، كما في حق الكبير، وإذا بلغ كان حكم الحدث في حقه باقيا، ~~كالحدث الأصغر، ينقض الطهارة في حق الكبير والصغير. والله أعلم. ### | [مسألة الغسل للكافر إذا أسلم] # (291) مسألة: قال: (وإذا أسلم الكافر) وجملته أن الكافر إذا أسلم وجب ~~عليه الغسل، سواء كان أصليا، أو مرتدا، اغتسل قبل إسلامه أو لم يغتسل، وجد ~~منه في زمن كفره ما يوجب الغسل أو لم يوجد. وهذا مذهب مالك وأبي ثور وابن ~~المنذر، وقال أبو بكر: يستحب الغسل، وليس بواجب، إلا أن يكون قد وجدت منه ~~جنابة زمن كفره، فعليه الغسل إذا أسلم سواء كان قد اغتسل في زمن كفره أو لم ms0177 ~~يغتسل. وهذا مذهب الشافعي. # ولم يوجب عليه أبو حنيفة الغسل بحال؛ لأن العدد الكثير والجم الغفير ~~أسلموا، فلو أمر كل من أسلم بالغسل، لنقل نقلا متواترا أو ظاهرا؛ ولأن ~~«النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذا إلى اليمن قال: ادعهم إلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فإن هم أطاعوك لذلك ~~فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» . ولو كان الغسل ~~واجبا لأمرهم به؛ لأنه أول واجبات الإسلام. # ولنا: ما روى «قيس بن عاصم، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أريد ~~الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر» رواه أبو داود، والنسائي وأمره يقتضي ~~الوجوب، وما ذكروه من قلة النقل، فلا يصح ممن أوجب الغسل على من أسلم بعد ~~الجنابة في شركه، فإن الظاهر أن البالغ لا يسلم منها، ثم إن الخبر إذا صح ~~كان حجة من غير اعتبار شرط آخر، على أنه قد روي، أن سعد بن معاذ، وأسيد بن ~~حضير، حين أرادا الإسلام، سألا مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة: كيف تصنعون ~~إذا دخلتم في هذا الأمر؟ قالا: نغتسل، ونشهد شهادة الحق. # وهذا يدل على أنه كان مستفيضا؛ ولأن الكافر لا يسلم غالبا من جنابة ~~تلحقه، ونجاسة تصيبه، وهو لا يغتسل، ولا يرتفع حدثه إذا اغتسل، فأقيمت مظنة ~~ذلك مقام حقيقته، كما أقيم النوم مقام الحدث، والتقاء الختانين مقام ~~الإنزال. # PageV01P152 ### | [فصل أجنب الكافر ثم أسلم] # (292) فصل: فإن أجنب الكافر ثم أسلم، لم يلزمه غسل الجنابة، سواء اغتسل ~~في كفره أو لم يغتسل. وهذا قول من أوجب غسل الإسلام، وقول أبي حنيفة. وقال ~~الشافعي عليه الغسل في الحالين. وهذا اختيار أبي بكر؛ لأن عدم التكليف لا ~~يمنع وجوب الغسل، كالصبا والجنون، واغتساله في كفره لا يرفع حدثه؛ لأنه أحد ~~الحدثين، فلم يرتفع في حال كفره كالحدث الأصغر. # وحكي عن أبي حنيفة. وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي أنه يرفع حدثه؛ لأنه أصح ~~نية من الصبي. وليس بصحيح؛ لأن الطهارة عبادة محضة، فلم تصح ms0178 من كافر، ~~كالصلاة. ولنا - على أنه لا يجب - أنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه أمر أحدا بغسل الجنابة مع كثرة من أسلم من الرجال والنساء ~~البالغين المتزوجين؛ ولأن المظنة أقيمت مقام حقيقة الحدث، فسقط حكم الحدث ~~كالسفر مع المشقة. ### | [فصل استحباب الاغتسال بماء وسدر] # (293) فصل: ويستحب أن يغتسل المسلم بماء وسدر، كما في حديث قيس. ويستحب ~~إزالة شعره؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلا أسلم، فقال: احلق. ~~وقال لآخر معه: ألق عنك شعر الكفر واختتن» رواه أبو داود. وأقل أحوال الأمر ~~الاستحباب. ### | [مسألة الطهر من الحيض والنفاس] # (294) مسألة: قال: (والطهر من الحيض والنفاس) قال ابن عقيل: هذا تجوز؛ ~~فإن الموجب للغسل في التحقيق هو الحيض والنفاس؛ لأنه هو الحدث، وانقطاعه ~~شرط وجوب الغسل وصحته، فسماه موجبا لذلك، وهذا كقولهم: انقطاع دم الاستحاضة # PageV01P153 # مبطل للصلاة. والمبطل إنما هو الحدث الخارج، لكن عفي عنه للضرورة، فإذا ~~انقطع الدم زالت الضرورة، فظهر حكم الحدث حينئذ وأضيف الحكم إلى الانقطاع؛ ~~لظهوره عنده. # ولا خلاف في وجوب الغسل بالحيض والنفاس، وقد أمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالغسل من الحيض في أحاديث، كثيرة «، فقال لفاطمة بنت أبي حبيش دعي ~~الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي» متفق عليه وأمر ~~به في حديث أم سلمة، وحديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، رواهما أبو داود، ~~وغيره، وأمر به في حديث أم حبيبة، وسهلة بنت سهيل، وحمنة بنت جحش، وغيرهن، ~~وقد قيل في قول الله تعالى {فإذا تطهرن فأتوهن} [البقرة: 222] يعني: إذا ~~اغتسلن. منع الزوج وطأها قبل الغسل، فدل على وجوبه عليها. # والنفاس كالحيض سواء؛ فإن دم النفاس هو دم الحيض، وإنما كان في مدة الحمل ~~ينصرف إلى غذاء الولد، فحين خرج الولد خرج الدم لعدم مصرفه، وسمي نفاسا ### | [فصل الولادة إذا عريت عن دم] # (295) فصل: فأما الولادة إذا عريت عن دم، فلا يجب فيها الغسل، في ظاهر ~~كلام الخرقي. وقال غيره: فيها وجهان؛ أحدهما يجب الغسل ms0179 بها؛ لأنها مظنة ~~للنفاس الموجب، فقامت مقامه في الإيجاب، كالتقاء الختانين؛ ولأنها يستبرأ ~~بها الرحم أشبهت الحيض. ولأصحاب الشافعي وجهان كالوجهين. والأول الصحيح؛ ~~فإن الوجوب بالشرع، ولم يرد بالغسل هاهنا، ولا هو في معنى المنصوص، فإنه ~~ليس بدم ولا مني؛ وإنما ورد الشرع بالإيجاب بهذين الشيئين. # وقولهم: إنه مظنة. قلنا: المظان إنما يعلم جعلها مظنة بنص أو إجماع، ولا ~~نص في هذا ولا إجماع، والقياس الآخر مجرد طرد لا معنى تحته، ثم قد اختلفا ~~في أكثر الأحكام، فليس تشبيهه به في هذا الحكم أولى من مخالفته في سائر ~~الأحكام. ### | [فصل إذا كان على الحائض جنابة] # (296) فصل: إذا كان على الحائض جنابة، فليس عليها أن تغتسل حتى ينقطع ~~حيضها. نص عليه أحمد، وهو قول إسحاق؛ وذلك لأن الغسل لا يفيد شيئا من ~~الأحكام، فإن اغتسلت للجنابة في زمن حيضها، صح غسلها، وزال حكم الجنابة. نص ~~عليه أحمد، وقال: تزول الجنابة، والحيض لا يزول حتى ينقطع الدم. قال: ولا ~~أعلم أحدا قال: لا تغتسل. إلا عطاء، فإنه قال: الحيض أكبر. قال: ثم نزل عن ~~ذلك، وقال: تغتسل. وهذا لأن أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر، كما لو ~~اغتسل المحدث الحدث الأصغر. ### | [فصل الغسل من غسل الميت] # (297) فصل: ولا يجب الغسل من غسل الميت. وبه قال ابن عباس وابن عمر ~~وعائشة والحسن والنخعي # PageV01P154 # والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وعن علي وأبي ~~هريرة، أنهما قالا: من غسل ميتا فليغتسل. وبه قال سعيد بن المسيب وابن ~~سيرين والزهري. واختاره أبو إسحاق الجوزجاني لما روي عن أبي هريرة، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمل ميتا ~~فليتوضأ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن # وذكر أصحابنا رواية أخرى عن أحمد، في وجوب الغسل على من غسل الميت الكافر ~~خاصة؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عليا أن يغتسل لما غسل أباه.» ~~ولنا قول صفوان بن عسال الرازي، قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن لا ms0180 ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة» ؛ ولأنه غسل ~~آدمي فلم يوجب الغسل كغسل الحي، وحديثهم موقوف على أبي هريرة، قاله الإمام ~~أحمد. # وقال ابن المنذر ليس في هذا حديث يثبت، ولذلك لا يعمل به في وجوب الوضوء ~~على من حمله. وقد ذكر لعائشة قول أبي هريرة " ومن حمله فليتوضأ " قالت: وهل ~~هي إلا أعواد حملها، ذكره الأثرم بإسناده، ولا نعلم أحدا قال به في الوضوء ~~من حمله. وأما حديث علي - رضي الله عنه - فقال أبو إسحاق الجوزجاني ليس فيه ~~أنه غسل أبا طالب، إنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اذهب فواره، ~~ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني. قال: فأتيته فأخبرته، فأمرني فاغتسلت.» وقد ~~قيل: يجب الغسل من غسل الكافر الحي. ولا نعلم لقائل هذا القول حجة توجبه، ~~وأهل العلم على خلافه. ### | [فصل لا يجب الغسل على المجنون والمغمى عليه] # (298) فصل: ولا يجب الغسل على المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا من غير ~~احتلام، ولا أعلم في هذا خلافا. قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - اغتسل من الإغماء. وأجمعوا على أنه لا يجب؛ ولأن زوال ~~العقل في نفسه ليس بموجب للغسل، ووجود الإنزال مشكوك فيه، فلا نزول عن ~~اليقين بالشك، فإن تيقن منهما الإنزال فعليهما الغسل؛ لأنه يكون من احتلام، ~~فيدخل في جملة الموجبات المذكورة، ويستحب الغسل من جميع ما نفينا وجوب ~~الغسل منه؛ لوجود ما يدل عليه من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - له، ~~والخروج من الخلاف. ### | [مسألة الحائض والجنب والمشرك إذا غمسوا أيديهم في الماء] # (299) مسألة: قال: (والحائض والجنب والمشرك إذا غمسوا أيديهم في الماء، ~~فهو طاهر) أما طهارة الماء فلا إشكال فيه، إلا أن يكون على أيديهم نجاسة، ~~فإن أجسامهم طاهرة، وهذه الأحداث لا تقتضي تنجيسها. قال ابن المنذر: أجمع ~~عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، ثبت # PageV01P155 # ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم -، وغيرهم من الفقهاء. # وقالت عائشة عرق الحائض طاهر. وكل ذلك قول مالك ms0181 والشافعي، وأصحاب الرأي، ~~ولا يحفظ عن غيرهم خلافهم. وقد روى «أبو هريرة، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فاغتسلت، ~~ثم جئت؛ فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله كنت جنبا فكرهت أن ~~أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس» متفق ~~عليه وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم إليه بعض نسائه قصعة ~~ليتوضأ منها. فقالت امرأة: إني غمست يدي فيها وأنا جنب. فقال: الماء لا ~~يجنب وقال لعائشة: ناوليني الخمرة من المسجد. فقالت: إني حائض، قال إن ~~حيضتك ليست في يدك وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرب من سؤر ~~عائشة وهي حائض، ويضع فاه على موضع فيها. وتتعرق العرق، وهي حائض، فيأخذه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ويضع فاه على موضع فيها. وكانت تغسل رأس رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض، وتوضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من مزادة مشركة» . متفق عليه. # وتوضأ عمر من جرة نصرانية «. وأجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يهوديا ~~دعاه إلى خبز وإهالة سنخة» ؛ ولأن الكفر معنى في قلبه، فلا يؤثر في نجاسة ~~ظاهره كسائر ما في القلب، والأصل الطهارة. ويتخرج التفريق بين الكتابي الذي ~~لا يأكل الميتة والخنزير، وبين غيره ممن يأكل الميتة والخنزير، ومن لا تحل ~~ذبيحتهم، كما فرقنا بينهم في آنيتهم وثيابهم. ### | [فصل الحائض والكافر إذا غمسا أيديهما في الماء] # (300) فصل: وأما طهورية الماء، فإن الحائض والكافر لا يؤثر غمسهما يديهما ~~في الماء شيئا؛ لأن حدثهما لا يرتفع. وأما الجنب فإن لم ينو بغمس يده في ~~الماء رفع الحدث منها فهو باق على طهوريته؛ بدليل حديث المرأة التي قالت: ~~غمست يدي في الماء وأنا جنب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الماء ~~لا يجنب ". ولأن الحدث لا يرتفع من غير نية، فأشبه غمس الحائض وإن نوى رفع ~~حدثها، فحكم الماء حكم ما لو اغتسل الجنب فيه للجنابة. # وقال ms0182 بعض أصحابنا: إذا نوى رفع الحدث، ثم غمس يده في الماء ليغترف بها، ~~صار الماء مستعملا. والصحيح - إن شاء الله - أنه إذا نوى الاغتراف لم يصر ~~مستعملا؛ لأن قصد الاغتراف منع قصد غسلها، على ما بيناه في المتوضئ إذا ~~اغترف من الإناء بعد غسل وجهه. # PageV01P156 # وإن انقطع حيض المرأة ولم تغتسل، فهي كالجنب، فيما ذكرنا من التفصيل. وقد ~~اختلف عن أحمد في هذا فقال في موضع، في الجنب والحائض يغمس يده في الإناء: ~~إذا كانا نظيفين، فلا بأس به. # وقال في موضع آخر: كنت لا أرى به بأسا، ثم حدثت عن شعبة، عن محارب بن ~~دثار، عن ابن عمر، وكأني تهيبته. وسئل عن جنب وضع له ماء فأدخل يده ينظر ~~حره من برده؟ قال: إن كان إصبعا فأرجو أن لا يكون به بأس، وإن كانت اليد ~~أجمع فكأنه كرهه. وسئل عن الرجل يدخل الحمام، وليس معه أحد، ولا ما يصب به ~~على يده، أترى له أن يأخذ بفمه؟ قال: لا، يده وفمه واحد. وقياس المذهب ما ~~ذكرناه، وكلام أحمد محمول على الكراهة المجردة؛ لما فيه من الخلاف. وقال ~~أبو يوسف: إن أدخل الجنب يده في الماء لم يفسد، وإن أدخل رجله فسد؛ لأن ~~الجنب نجس، وعفي عن يده لموضع الحاجة. # وكره النخعي الوضوء بسؤر الحائض. وقال جابر بن زيد. لا يتوضأ به للصلاة. ~~وأكثر أهل العلم لا يرون بسؤرها بأسا؛ منهم الحسن ومجاهد والزهري ومالك ~~والأوزاعي والثوري والشافعي وأبو عبيد. وقد دللنا على طهارة الجنب والحائض، ~~والتفريق بين اليد والرجل لا يصح؛ لأنهما استويا فيما إذا أصابتهما نجاسة، ~~فاستويا في الجنابة، ويحتمل أن نقول به؛ لأن اليد يراد بها الاغتراف وقصده ~~هو المانع من جعل الماء مستعملا، وهذا لا يوجد في الرجل؛ لأنها لا يغترف ~~بها، فكان غمسها بعد إرادة الغسل استعمالا للماء. والله أعلم ### | [مسألة لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة] # (301) مسألة: قال: (ولا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت بالماء) ~~اختلفت الرواية عن أحمد، - رحمه الله -، في ms0183 وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة ~~إذا خلت به، والمشهور عنه: أنه لا يجوز ذلك. وهو قول عبد الله بن سرجس ~~والحسن وغنيم بن قيس وهو قول ابن عمر في الحائض والجنب. قال أحمد: قد كرهه ~~غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما إذا كان جميعا فلا ~~بأس. # والثانية، يجوز الوضوء به للرجال والنساء. اختارها ابن عقيل وهو قول أكثر ~~أهل العلم؛ لما روى مسلم في صحيحه قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يغتسل بفضل وضوء ميمونة وقالت ميمونة: اغتسلت من جفنة، ففضلت فيها فضلة، ~~فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يغتسل، فقلت: إني قد اغتسلت منه، فقال: ~~الماء ليس على جنابة» ولأنه ماء طهور، جاز للمرأة الوضوء به، فجاز للرجل ~~كفضل الرجل. # PageV01P157 # ووجه الرواية الأولى ما روى الحكم بن عمرو «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» . قال الترمذي: هذا حديث حسن ~~ورواه، أبو داود، وابن ماجه: قال الخطابي: قال محمد بن إسماعيل: خبر الأقرع ~~لا يصح. والصحيح في هذا خبر عبد الله بن سرجس، وهو موقوف، ومن رفعه فقد ~~أخطأ. قلنا: قد رواه أحمد، واحتج به، وهذا يقدم على التضعيف؛ لاحتمال أن ~~يكون قد روي من وجه صحيح خفي على من ضعفه # ، وأيضا فإنه قول جماعة من الصحابة، قال أحمد: أكثر أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقولون: إذا خلت بالماء فلا يتوضأ منه. فأما حديث ~~ميمونة فقد قال أحمد: أنفيه؛ لحال سماك، ليس أحد يرويه غيره. وقال: هذا فيه ~~اختلاف شديد، بعضهم يرفعه، وبعضهم لا يرفعه. # ولأنه يحتمل أنها لم تخل به، فيجعل عليه، جمعا بين الخبرين. # (302) فصل: واختلف أصحابنا في تفسير الخلوة به، فقال الشريف أبو جعفر ~~قولا يدل على أن الخلوة هي أن لا يحضرها من لا تحصل الخلوة في النكاح ~~بحضوره، سواء كان رجلا، أو امرأة، أو صبيا عاقلا؛ لأنها إحدى الخلوتين، ~~فنافاها حضور أحد هؤلاء كالأخرى. وقال القاضي: هي أن لا يشاهدها رجل ms0184 مسلم، ~~فإن شاهدها صبي أو امرأة أو رجل كافر، لم تخرج بحضورهم عن الخلوة. وذهب بعض ~~الأصحاب إلى أن الخلوة استعمالها للماء من غير مشاركة الرجل في استعماله؛ ~~لأن أحمد قال: إذا خلت به فلا يعجبني أن يغتسل هو به. # وإذا شرعا فيه جميعا فلا بأس به؛ لقول عبد الله بن سرجس: اغتسلا جميعا؛ ~~هو هكذا، وأنت هكذا - قال عبد الواحد في إشارته: كان الإناء بينهما - وإذا ~~خلت به فلا تقربنه رواه الأثرم. وقد «كانت عائشة تغتسل هي ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من إناء واحد، يغترفان منه جميعا» . متفق عليه، فيخص بهذا ~~عموم النهي وبقينا فيما عداه على العموم. # (303) فصل: فإن خلت به في بعض أعضائها، أو في تجديد طهارة، أو استنجاء، ~~أو غسل نجاسة، ففيه وجهان: أحدهما المنع؛ لأنه طهارة شرعية. والثاني لا ~~يمنع؛ لأن الطهارة المطلقة تنصرف إلى طهارة الحدث الكاملة. # وإن خلت به ذمية في اغتسالها، ففيه وجهان: أحدهما. هو كخلوة المسلمة؛ ~~لأنها أدنى حالا من المسلمة وأبعد من الطهارة، وقد تعلق بغسلها حكم، شرعي، ~~وهو حل وطئها إذا اغتسلت من الحيض وأمرها به إذا كان من جنابة؛ والثاني لا ~~يؤثر؛ لأن طهارتها لا تصح، فهي كتبردها. وإن خلت المرأة بالماء في تبردها، ~~أو تنظيفها، أو غسل ثوبها من الوسخ، لم يؤثر؛ لأنه ليس بطهارة. # PageV01P158 # (304) فصل: وإنما تؤثر خلوتها في الماء القليل، وما بلغ القلتين لا تؤثر ~~خلوتها فيه؛ لأن حقيقة النجاسة والحدث لا تؤثر فيه، فوهم ذلك أولى. # (305) فصل: ومنع الرجل من استعمال فضلة طهور المرأة تعبدي غير معقول ~~المعنى، نص عليه أحمد ولذلك يباح لامرأة سواها التطهر به في طهارة الحدث، ~~وغسل النجاسة، وغيرهما؛ لأن النهي اختص الرجل ولم يعقل معناه، فيجب قصره ~~على محل النهي، وهل يجوز للرجل غسل النجاسة به؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجوز. ~~وهو قول القاضي؛ لأنه مانع لا يرفع حدثه، فلم يزل النجس، كسائر المائعات. ~~والثاني يجوز. وهو الصحيح؛ لأنه ماء يطهر المرأة من الحدث والنجاسة، ~~ويزيلها من ms0185 المحال كلها إذا فعلته، فيزيلها إذا فعله الرجل كسائر المياه؛ ~~ولأنه ماء يزيل النجاسة بمباشرة المرأة، فيزيلها إذا فعله الرجل، كسائر ~~المياه، والحديث لا نعقل علته، فيقتصر على ما ورد به لفظه، ونحو هذا يحكى ~~عن ابن أبي موسى والله أعلم. # PageV01P159 ### | [باب الغسل من الجنابة] ### | [مسألة كيفية غسل الجنابة] # (306) مسألة: قال أبو القاسم (وإذا أجنب غسل ما به من أذى، وتوضأ وضوءه ~~للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاثا، يروي أصول الشعر، ثم يفيض الماء على سائر ~~جسده) . قال الفراء: يقال جنب الرجل وأجنب وتجنب واجتنب، من الجنابة. ولغسل ~~الجنابة صفتان: صفة إجزاء، وصفة كمال، فالذي ذكره الخرقي هاهنا صفة الكمال. ~~قال بعض أصحابنا: الكامل يأتي فيه بعشرة أشياء النية، والتسمية، وغسل يديه ~~ثلاثا، وغسل ما به من أذى، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثا يروي بها أصول ~~الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيده، ~~وينتقل من موضع غسله فيغسل قدميه. # ويستحب أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل إفاضته عليه. قال أحمد: ~~الغسل من الجنابة على حديث عائشة، وهو ما روي عنها، قالت: «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثا، وتوضأ وضوءه ~~للصلاة، ثم يخلل شعره بيده، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ~~ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده» . متفق عليه. # وقالت ميمونة: «وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوء الجنابة، ~~فأفرغ على يديه، فغسلهما مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ بيمينه على شماله، فغسل ~~مذاكيره، ثم ضرب بيده الأرض أو الحائط، مرتين أو ثلاثا، ثم تمضمض، واستنشق، ~~وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض الماء على رأسه، ثم غسل جسده ثم تنحى عن مقامه ~~ذلك فغسل رجليه، فأتيته بالمنديل، فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيديه» . ~~متفق عليه. وفي هذين الحديثين كثير من الخصال المسماة، وأما البداية بشقه ~~الأيمن فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب التيمن في طهوره، وفي ~~حديث عن عائشة «كان رسول ms0186 الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة ~~دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفيه، ثم بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم ~~أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه» متفق عليه. # وأما غسل الرجلين بعد الغسل، فقد اختلف عن أحمد في موضعه؛ فقال في رواية: ~~أحب إلي أن يغسلهما بعد الوضوء؛ لحديث ميمونة. وقال في رواية: العمل على ~~حديث عائشة. وفيه أنه توضأ للصلاة قبل اغتساله. وقال في موضع: غسل رجليه في ~~موضعه وبعده وقبله سواء. ولعله ذهب إلى أن اختلاف الأحاديث فيه يدل على أن ~~موضع الغسل ليس بمقصود، وإنما المقصود أصل الغسل، والله تعالى أعلم. ### | [مسألة غسل مرة وعم بالماء رأسه وجسده ولم يتوضأ] # (307) مسألة: قال: (وإن غسل مرة، وعم بالماء رأسه وجسده، ولم يتوضأ، ~~أجزأه، بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركا ~~للاختيار) هذا المذكور صفة الإجزاء، والأول هو المختار؛ ولذلك قال: " وكان ~~تاركا للاختيار ". يعني إذا # PageV01P160 # اقتصر على هذا أجزأه مع تركه للأفضل والأولى. # وقوله: " وينوي به الغسل والوضوء ". يعني أنه يجزئه الغسل عنهما إذا ~~نواهما. نص عليه أحمد، وعنه رواية أخرى: لا يجزئه الغسل عن الوضوء، حتى ~~يأتي به قبل الغسل أو بعده. وهو أحد قولي الشافعي؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فعل ذلك؛ ولأن الجنابة والحدث وجدا منه، فوجبت لهما الطهارتان، ~~كما لو كانا مفردين. ولنا قول الله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] . ~~جعل الغسل غاية للمنع من الصلاة، فإذا اغتسل يجب أن لا يمنع منها؛ ولأنهما ~~عبادتان من جنس واحد، فتدخل الصغرى في الكبرى، كالعمرة في الحج. # قال ابن عبد البر: المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ وعم جميع جسده، فقد ~~أدى ما عليه؛ لأن الله تعالى إنما افترض على الجنب الغسل من الجنابة، دون ~~الوضوء، بقوله {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] . وهو إجماع لا خلاف ~~فيه بين العلماء، إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء قبل ms0187 الغسل، تأسيا ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنه أعون على الغسل، وأهذب فيه. وروى ~~بإسناده، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتوضأ ~~بعد الغسل من الجنابة. فإن لم ينو الوضوء لم يجزه إلا عن الغسل. فإن نواهما ~~ثم أحدث في أثناء غسله، أتم غسله، ويتوضأ» . # وبهذا قال عطاء وعمرو بن دينار والثوري. ويشبه مذهب الشافعي. وقال الحسن: ~~يستأنف الغسل. ولا يصح؛ لأن الحدث لا ينافي الغسل، فلا يؤثر وجوده فيه، ~~كغير الحدث. ### | [فصل إمرار يده على جسده في الغسل والوضوء] # (308) فصل: ولا يجب عليه إمرار يده على جسده في الغسل والوضوء، إذا تيقن ~~أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده. وهذا قول الحسن والنخعي والشعبي ~~وحماد والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق، وأصحاب الرأي وقال مالك: إمرار ~~يده إلى حيث تنال يده واجب. ونحوه قال أبو العالية. # وقال عطاء، في الجنب يفيض عليه الماء، قال: لا، بل يغتسل غسلان؛ لأن الله ~~تعالى قال {حتى تغتسلوا} [النساء: 43] ولا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه؛ ~~ولأن الغسل طهارة عن حدث، فوجب إمرار اليد فيها، كالتيمم. ولنا ما روت «أم ~~سلمة، قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل ~~الجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين ~~عليك الماء فتطهرين» . رواه مسلم. # ولأنه غسل واجب، فلم يجب فيه إمرار اليد، كغسل النجاسة، وما ذكروه في # PageV01P161 # الغسل غير مسلم؛ فإنه يقال: غسل الإناء وإن لم يمر يده، ويسمى السيل ~~الكبير غاسولا، والتيمم أمرنا فيه بالمسح؛ لأنه طهارة بالتراب، ويتعذر في ~~الغالب إمرار التراب إلا باليد. فإن قيل: فهذا الحديث لم تذكر فيه النية، ~~وهي واجبة، ولا المضمضة والاستنشاق، وهما واجبان عندكم. قلنا: أما النية ~~فإنها سألته عن الجنابة، ولا يكون الغسل للجنابة إلا بالنية، وأما المضمضة ~~والاستنشاق فقد دخلا في عمومه؛ لقوله: " ثم تفيضين عليك الماء ". والفم ~~والأنف من جملتها. ### | [فصل حكم الترتيب والموالاة في أعضاء الوضوء] # فصل: ولا ms0188 يجب الترتيب ولا الموالاة في أعضاء الوضوء إذا قلنا: الغسل يجزئ ~~عنهما؛ لأنهما عبادتان دخلت إحداهما في الأخرى، فسقط حكم الصغرى، كالعمرة ~~مع الحج. نص على هذا أحمد، قال حنبل: سألته عن جنب اغتسل وعليه خاتم ضيق؟ ~~قال: يغسل موضع الخاتم. قلت: فإن جف غسله؟ قال: يغسله، ليس هو بمنزلة ~~الوضوء، الوضوء محدود، وهذا على الجملة، قال الله تعالى {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا} [المائدة: 6] قلت: فإن صلى ثم ذكر؟ قال: يغسل موضعه، ثم يعيد ~~الصلاة. # وأكثر أهل العلم لا يرون تفريق الغسل مبطلا له، إلا أن ربيعة قال: من ~~تعمد ذلك فأرى عليه أن يعيد الغسل. وبه قال الليث واختلف فيه عن مالك، وفيه ~~وجه لأصحاب الشافعي. وما عليه الجمهور أولى؛ لأنه غسل لا يجب فيه الترتيب، ~~فلا تجب الموالاة، كغسل النجاسة، فلو اغتسل إلا أعضاء وضوئه، لم يجب ~~الترتيب فيها؛ لأن حكم الجنابة باق. وقال ابن عقيل والآمدي، فيمن غسل جميع ~~بدنه إلا رجليه، ثم أحدث: يجب الترتيب في الأعضاء الثلاثة؛ لانفرادها ~~بالحدث الأصغر، ولا يجب الترتيب في الرجلين؛ لاجتماع الحدثين فيهما. ### | [فصل واجبات الغسل شيئان] # (310) فصل: فعلى هذا تكون واجبات الغسل شيئين لا غير؛ النية، وغسل جميع ~~البدن، فأما التسمية فحكمها حكم التسمية في الوضوء على ما مضى، بل حكمها في ~~الجنابة أخف؛ لأن حديث التسمية إنما تناول بصريحه الوضوء لا غير. ### | [فصل إذا اجتمع شيئان يوجبان الغسل كالحيض والجنابة] # (311) فصل: إذا اجتمع شيئان يوجبان الغسل، كالحيض والجنابة، أو التقاء ~~الختانين والإنزال، ونواهما بطهارته، أجزأه عنهما. قاله أكثر أهل العلم؛ ~~منهم عطاء وأبو الزناد وربيعة ومالك والشافعي وإسحاق، وأصحاب الرأي. ويروى ~~عن الحسن والنخعي، في الحائض الجنب، يغتسل غسلين. # ولنا أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يغتسل من الجماع إلا غسلا ~~واحدا» ، وهو يتضمن شيئين، إذ هو لازم # PageV01P162 # للإنزال في غالب الأحوال؛ ولأنهما سببان يوجبان الغسل، فأجزأ الغسل ~~الواحد عنهما، كالحدث والنجاسة. وهكذا الحكم إن اجتمعت أحداث توجب الطهارة ~~الصغرى كالنوم، وخروج النجاسة، واللمس، فنواها بطهارته ms0189 أو نوى رفع الحدث، ~~أو استباحة الصلاة أجزأه عن الجميع. # وإن نوى أحدها، أو نوت المرأة الحيض دون الجنابة، فهل تجزئه عن الآخر؟ ~~على وجهين: أحدهما تجزئه عن الآخر؛ لأنه غسل صحيح نوى به الفرض، فأجزأه، ~~كما لو نوى استباحة الصلاة. والثاني يجزئه عما نواه دون ما لم ينوه؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - " إنما لكل امرئ ما نوى ". وكذلك لو اغتسل ~~للجمعة، هل تجزئه عن الجنابة؟ على وجهين، مضى توجيههما فيما مضى. ### | [فصل بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء] # (312) فصل: إذا بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء فروي عن أحمد أنه سئل ~~عن حديث العلاء بن زياد «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل، فرأى لمعة ~~لم يصبها الماء، فدلكها بشعره» . قال: نعم، آخذ به. ورواه ابن ماجه، عن ابن ~~عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وروي عن علي، قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني ~~اغتسلت من الجنابة، وصليت، ثم أضحيت فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك» . ~~رواه ابن ماجه أيضا. قال مهنا: وذكر لي أحمد، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه رأى على رجل موضعا لم يصبه الماء، فأمره أن يعصر شعره عليه» . ~~وروي عن أحمد أنه قال: يأخذ ماء جديدا، فيه حديث لا يثبت بعصر شعره. وذكر ~~له حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عصر لمته على لمعة كانت ~~في جسده. قال: ذاك ولم يصححه. # والصحيح أن ذلك يجزئه إذا كان من بلل الغسلة الثانية أو الثالثة، وجرى ~~ماؤه على تلك اللمعة؛ لأن غسلها بذلك البلل كغسلها بماء جديد، مع ما فيه من ~~الأحاديث. والله أعلم. ### | [مسألة يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع] # (313) مسألة: قال (ويتوضأ بالمد، وهو رطل وثلث، ويغتسل بالصاع، وهو أربعة ~~أمداد) . ليس في حصول الإجزاء بالمد في الوضوء والصاع في الغسل خلاف نعلمه، ~~وقد روى سفينة، قال: «كان ms0190 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغسله الصاع من ~~الماء من الجنابة؛ ويوضئه المد» رواه مسلم. # وروي أن قوما سألوا جابرا عن الغسل، فقال: يكفيك صاع. فقال رجل: ما ~~يكفيني. فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى شعرا منك، وخير منك. يعني النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - متفق عليه. وفيه أخبار كثيرة صحاح، والصاع: خمسة ~~أرطال وثلث بالعراقي، والمد: ربع ذلك، وهو رطل وثلث. # وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة: ~~الصاع ثمانية أرطال؛ لأن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يتوضأ بالمد - وهو رطلان - ويغتسل بالصاع» . ولنا ما روي «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عجرة: أطعم ستة مساكين فرقا من طعام» # PageV01P163 # متفق عليه. # قال أبو عبيد: ولا اختلاف بين الناس أعلمه في أن الفرق ثلاثة آصع، والفرق ~~ستة عشر رطلا، فثبت أن الصاع خمسة أرطال وثلث. وروي أن أبا يوسف دخل ~~المدينة، فسألهم عن الصاع؟ فقالوا: خمسة أرطال وثلث. فطالبهم بالحجة ~~فقالوا: غدا. فجاء من الغد سبعون شيخا، كل واحد منهم آخذ صاعا تحت ردائه، ~~فقال: صاعي ورثته عن أبي، وورثه أبي عن جدي، حتى انتهوا به إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. فرجع أبو يوسف عن قوله. وهذا إسناد متواتر يفيد القطع، ~~وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المكيال مكيال أهل المدينة» ~~. ولم يثبت لنا تغييره، وحديث أنس هذا انفرد به موسى بن نصر، وهو ضعيف ~~الحديث. قاله. الدارقطني # (314) فصل: والرطل العراقي مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع ~~درهم، وهو تسعون مثقالا. # والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم. هكذا كان قديما، ثم إنهم زادوا فيه ~~مثقالا، فجعلوه إحدى وتسعين مثقالا وكمل به مائة وثلاثون درهما، وقصدوا ~~بهذه الزيادة إزالة كسر الدرهم. والعمل على الأول؛ لأنه الذي كان موجودا ~~وقت تقدير العلماء المد به، فيكون المد حينئذ مائة درهم وإحدى وسبعين درهما ~~وثلاثة أسباع درهم، وذلك بالرطل الدمشقي، الذي وزنه ستمائة درهم، ms0191 ثلاثة ~~أواقي وثلاثة أسباع أوقية. # والصاع أربعة أمداد فيكن رطلا وأوقية وخمسة أسباع أوقية، وإن شئت قلت: هو ~~رطل وسبع رطل ### | [مسألة إسباغ الوضوء والغسل بدون المد والصاع] # (315) مسألة قال: (فإن أسبغ بدونهما أجزأه) معنى الإسباغ أن يعم جميع ~~الأعضاء بالماء بحيث يجري عليها؛ لأن هذا هو الغسل، وقد أمرنا بالغسل: قال ~~أحمد: إنما هو الغسل ليس المسح، فإذا أمكنه أن يغسل غسلا وإن كان مدا أو ~~أقل من مد، أجزأه. وهذا مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم، وقد قيل: لا يجزئ ~~دون الصاع في الغسل والمد في الوضوء. وحكي هذا عن أبي حنيفة؛ لأنه روي عن ~~جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يجزئ من الوضوء مد، ومن ~~الجنابة صاع» . والتقدير بهذا يدل على أنه لا يحصل الإجزاء بدونه. # ولنا، أن الله تعالى أمر بالغسل وقد أتى به، فيجب أن يجزئه، وقد روي عن ~~عائشة «أنها كانت تغتسل هي والنبي - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد، ~~يسع ثلاثة أمداد، أو قريبا من ذلك» رواه مسلم. وعن عبد الله بن زيد، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بثلثي مد. # وحديثهم إنما دل بمفهومه. وهم لا يقولون به، ثم إنه إنما يدل بشرط أن لا ~~يكون للتخصيص فائدة سوى تخصيص الحكم به، وهاهنا إنما خصه لأنه خرج مخرج ~~الغالب؛ لأنه لا يكفي في الغالب أقل من ذلك، ثم ما ذكرناه منطوق، وهو مقدم ~~على المفهوم اتفاقا. # وقد روى الأثرم، عن القعنبي، # PageV01P164 # عن سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن عطاء، أنه سمع سعيد بن المسيب، ~~ورجلا من أهل العراق يسأله عما يكفي الإنسان من غسل الجنابة؟ فقال سعيد: إن ~~لي تورا يسع مدين من ماء ونحو ذلك، فأغتسل به، ويكفيني، ويفضل منه فضل. ~~فقال الرجل: فوالله إني لأستنثر وأتمضمض بمدين من ماء ونحو ذلك. فقال سعيد ~~بن المسيب: فبم تأمرني إن كان الشيطان يلعب بك؟ فقال له الرجل: فإن لم ~~يكفني، فإني رجل كما ترى عظيم. فقال له ms0192 سعيد بن المسيب: ثلاثة أمداد. فقال: ~~ثلاثة أمداد قليل. فقال له سعيد فصاع. وقال سعيد: إن لي ركوة أو قدحا ما ~~يسع إلا نصف المد ماء أو نحوه، ثم أبول ثم أتوضأ وأفضل منه فضلا. قال عبد ~~الرحمن: فذكرت هذا الحديث الذي سمعت من سعيد بن المسيب لسليمان بن يسار، ~~فقال سليمان: وأنا يكفيني مثل ذلك. قال عبد الرحمن: فذكرت ذلك لأبي عبيدة ~~بن عمار بن ياسر، فقال أبو عبيدة: وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله. # - صلى الله عليه وسلم - وقال إبراهيم النخعي: إني لأتوضأ من كوز الحب ~~مرتين. ### | [فصل زاد على المد في الوضوء والصاع في الغسل] # (316) فصل: وإن زاد على المد في الوضوء، والصاع في الغسل، جاز؛ فإن عائشة ~~قالت: «كنت أغتسل أنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد، من قدح ~~يقال له الفرق» رواه البخاري. والفرق ثلاثة آصع، وعن أنس، قال: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد» رواه البخاري ~~أيضا. ويكره الإسراف في الماء، والزيادة الكثيرة فيه؛ لما روينا من الآثار. # وروى عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بسعد، ~~وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السرف؟ . فقال أفي الوضوء إسراف؟ فقال: نعم، وإن ~~كنت على نهر جار» رواه ابن ماجه. وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن للوضوء شيطانا، يقال له ولهان، فاتقوا وسواس الماء» ~~. وكان يقال: من قلة فقه الرجل ولوعه بالماء. ### | [مسألة قال تنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض] # (317) مسألة: قال: (وتنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض، وليس عليها نقضه ~~من الجنابة إذا أروت أصوله) نص على هذا أحمد قال مهنا: سألت أحمد عن المرأة ~~تنقض شعرها إذا اغتسلت من الجنابة؟ فقال: لا. فقلت له: في هذا شيء قال: ~~نعم، حديث أم سلمة قلت: فتنقض شعرها من الحيض؟ قال: نعم، قلت له: وكيف ~~تنقضه من الحيضة، ولا تنقضه من الجنابة؟ فقال حديث أسماء عن النبي # PageV01P165 # - صلى ms0193 الله عليه وسلم - أنه قال " لا تنقضه. # " ولا يختلف المذهب في أنه لا يجب نقضه من الجنابة، ولا أعلم فيه خلافا ~~بين العلماء، إلا ما روي عن عبد الله بن عمر، وروى أحمد في " المسند "، ~~حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قال. «بلغ ~~عائشة أن عبد الله بن عمر يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، فقالت: ~~يا عجبا لابن عمر، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، أفلا يأمرهن أن ~~يحلقن، رءوسهن، لقد كنت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - نغتسل فلا ~~أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات» . # واتفق الأئمة الأربعة على أن نقضه غير واجب؛ وذلك لحديث «أم سلمة، أنها ~~قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه ~~للجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك ~~الماء فتطهرين» . رواه مسلم، إلا أن يكون في رأسها حشو أو سدر يمنع وصول ~~الماء إلى ما تحته، فيجب إزالته، وإن كان خفيفا لا يمنع، لم يجب، والرجل ~~والمرأة في هذا سواء، وإنما اختصت المرأة بالذكر؛ لأن العادة اختصاصها ~~بكثرة الشعر وتوفيره وتطويله. # وأما نقضه للغسل من الحيض فاختلف أصحابنا في وجوبه، فمنهم من أوجبه، وهو ~~قول الحسن وطاوس؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لها إذ كانت حائضا: «خذي ماءك وسدرك، وامتشطي» . ولا يكون ~~المشط إلا في شعر غير مضفور، وللبخاري: «انقضي رأسك وامتشطي» . ولابن ماجه: ~~«انقضي شعرك واغتسلي» # ؛ ولأن الأصل وجوب نقض الشعر ليتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله، فعفي ~~عنه في غسل الجنابة؛ لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، والحيض بخلافه، فبقي على ~~مقتضى الأصل في الوجوب. وقال بعض أصحابنا: هذا مستحب غير واجب. وهو قول ~~أكثر الفقهاء، وهو الصحيح، إن شاء الله؛ لأن في بعض ألفاظ حديث «أم سلمة، ~~أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه ms0194 ~~للحيضة وللجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم ~~تفيضين عليك الماء، فتطهرين» . رواه مسلم. # وهذه زيادة يجب قبولها، وهذا صريح في نفي الوجوب وروت «، أسماء، أنها ~~سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها ~~وسدرها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكا شديدا، حتى تبلغ ~~شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء» . رواه مسلم. ولو كان النقض واجبا لذكره؛ ~~لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ ولأنه موضع من البدن، فاستوى فيه ~~الحيض والجنابة، كسائر البدن، وحديث عائشة، الذي رواه البخاري، ليس فيه أمر ~~بالغسل، ولو أمرت بالغسل لم يكن فيه حجة؛ لأن ذلك ليس هو غسل الحيض، إنما ~~أمرت بالغسل في حال الحيض للإحرام بالحج؛ فإنها قالت: أدركني يوم عرفة، ~~وأنا حائض، فشكوت ذلك # PageV01P166 # إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " دعي عمرتك، وانقضي رأسك، ~~وامتشطي ". وإن ثبت الأمر بالغسل حمل على الاستحباب، بما ذكرنا من الحديث، ~~وفيه ما يدل على الاستحباب؛ لأنه أمرها بالمشط، وليس بواجب، فما هو من ~~ضرورته أولى. ### | [فصل غسل بشرة الرأس واجب] # (318) فصل: وغسل بشرة الرأس واجب، سواء كان الشعر كثيفا أو خفيفا، وكذلك ~~كل ما تحت الشعر، كجلد اللحية، وغيرها؛ لما روت «أسماء، أنها سألت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن غسل الجنابة، فقال: تأخذ ماء، فتطهر، فتحسن ~~الطهور، أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم ~~تفيض عليها الماء» . وعن علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل به من ~~النار كذا وكذا» . قال علي: فمن ثم عاديت شعري. قال: وكان يجز شعره. رواه ~~أبو داود؛ ولأن ما تحت الشعر بشرة أمكن إيصال الماء إليها من غير ضرر، ~~فلزمه كسائر بشرته. ### | [فصل غسل ما استرسل من الشعر وبل ما على الجسد منه] # (319) فصل: فأما غسل ما استرسل من الشعر، وبل ما ms0195 على الجسد منه، ففيه ~~وجهان: أحدهما يجب، وهو ظاهر قول الأصحاب، ومذهب الشافعي؛ لما روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر، وأنقوا ~~البشرة» . رواه أبو داود، وغيره؛ ولأنه شعر نابت في محل الغسل، فوجب غسله، ~~كشعر الحاجبين وأهداب العينين. # والثاني لا يجب، ويحتمله كلام الخرقي، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ". مع ~~إخبارها إياه بشد ضفر رأسها، ومثل هذا لا يبل الشعر المشدود ضفره في ~~العادة؛ ولأنه لو وجب بله لوجب نقضه ليعلم أن الغسل قد أتى عليه؛ ولأن ~~الشعر ليس من أجزاء الحيوان، بدليل أنه لا ينجس بموته، ولا حياة فيه، ولا ~~ينقض الوضوء مسه من المرأة، ولا تطلق بطلاقه، فلم يجب غسله للجنابة ~~كثيابها. وأما حديث: " بلوا الشعر ". فيرويه الحارث بن وجيه وحده، وهو ضعيف ~~الحديث عن مالك بن دينار. وأما الحاجبان فيجب غسلهما؛ لأن من ضرورة غسل ~~بشرتهما غسلهما. # وكذا كل شعر من ضرورة غسل بشرته غسله، فيجب غسله؛ ضرورة أن الواجب لا يتم ~~إلا به. وإن قلنا بوجوب غسله، فترك غسل بعضه، لم يتم غسله. # PageV01P167 # فإن قطع المتروك، ثم غسله؛ لأنه لم يبق في بدنه شيء غير مغسول، ولو غسله، ~~ثم انقطع، لم يجب غسل موضع القطع. ولم يقدح ذلك في غسله. ### | [فصل غسل الحيض كغسل الجنابة] # (320) فصل: وغسل الحيض كغسل الجنابة، إلا في نقض الشعر، وأنه يستحب أن ~~تغتسل بماء وسدر، وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها مجرى الدم، والموضع الذي يصل ~~إليه الماء من فرجها؛ ليقطع عنها زفورة الدم ورائحته، فإن لم تجد مسكا ~~فغيره من الطيب، فإن لم تجد فالماء شاف كاف. قالت عائشة - رضي الله عنها - ~~الله عنها «. إن أسماء سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غسل المحيض، ~~قال: تأخذ إحداكن سدرتها وماءها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تأخذ فرصة ممسكة، ~~فتتطهر بها. فقالت أسماء: وكيف أتطهر بها؟ فقال: سبحان الله، تطهري بها. ms0196 ~~فقالت عائشة كأنها تخفي ذلك: تتبعي أثر الدم» رواه مسلم. الفرصة: هي القطعة ~~من كل شيء. ### | [فصل الجنب إذا أراد أن ينام أو يطأ ثانيا أو يأكل يغسل فرجه ويتوضأ] # (321) فصل: ويستحب للجنب إذا أراد أن ينام، أو يطأ ثانيا، أو يأكل، أن ~~يغسل فرجه ويتوضأ، وروي ذلك عن علي وعبد الله بن عمر، وكان عبد الله بن عمر ~~يتوضأ إلا غسل قدميه. وقال ابن المسيب: إذا أراد أن يأكل يغسل كفيه ~~ويتمضمض. وحكي نحوه عن إمامنا وإسحاق، وأصحاب الرأي وقال مجاهد: يغسل كفيه؛ ~~لما روي عن عائشة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يأكل، ~~وهو جنب، غسل يديه» . رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقال مالك يغسل ~~يديه. إن كان أصابهما أذى. # وقال ابن المسيب وأصحاب الرأي: ينام ولا يمس ماء؛ لما روى الأسود، عن ~~عائشة، قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينام، وهو جنب، ولا يمس ~~ماء» . رواه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما. وروى أحمد، في " المسند ": ~~حدثنا أبو بكر بن عياش، حدثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، ~~قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجنب، ثم ينام، ولا يمس ماء ~~حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل.» وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطوف ~~على نسائه بغسل واحد» . رواه البخاري؛ ولأنه حدث يوجب الغسل، فلا يستحب ~~الوضوء مع بقائه، كالحيض. # ولنا ما روي أن عمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيرقد أحدنا، وهو ~~جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ» متفق عليه. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن # PageV01P168 # يعود، فليتوضأ» . رواه مسلم. وعن عائشة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان إذا أراد أن يأكل، أو ينام، توضأ. يعني وهو جنب.» رواه أبو داود. ~~فأما حديث عائشة: «ينام، وهو جنب، ولا يمس ماء» . فرواه أبو إسحاق، عن ~~الأسود، عن عائشة، ورواه غير واحد عن الأسود، عن عائشة، ms0197 «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يتوضأ قبل أن ينام» . رواه شعبة، والثوري، ويرون أنه ~~غلط من أبي إسحاق. قال أحمد: أبو إسحاق روى عن الأسود حديثا خالف فيه ~~الناس، فلم يقل أحد عن الأسود مثل ما قد قال، فلو أحاله على غير الأسود، ~~والحديث الآخر ليس فيه أنه لم يتوضأ حين أراد أن يعود # ، على أن هذه الأحاديث محمولة على الجواز، وأحاديثنا تدل على الاستحباب، ~~فالحائض حدثها قائم، فلا وضوء مع ما ينافيه، فلا معنى للوضوء. ### | [فصول في الحمام] # بناء الحمام، وبيعه، وشراؤه، وكراؤه، مكروه عند أبي عبد الله. قال في ~~الذي يبني حماما للنساء: ليس بعدل. قال أبو داود: سألت أحمد عن كري الحمام؟ ~~قال: أخشى. كأنه كرهه. وقيل له، فإن اشترط على المكتري أن لا يدخله أحد ~~بغير إزار. فقال: ويضبط هذا؟ وكأنه لم يعجبه. وإنما كرهه؛ لما فيه من فعل ~~المنكرات، من كشف العورات، ومشاهدتها، ودخول النساء إياه ### | [فصل كان الداخل للحمام رجلا] # (323) فصل: فأما دخوله؛ فإن كان الداخل رجلا يسلم من النظر إلى العورات، ~~ونظر الناس إلى عورته، فلا بأس بدخوله؛ فإنه يروى، أن ابن عباس دخل حماما ~~بالجحفة. ويروى ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ويروى عن خالد بن الوليد، أنه دخل الحمام. وكان الحسن وابن سيرين يدخلان ~~الحمام، رواه الخلال. وإن خشي أن لا يسلم من ذلك، كره له ذلك؛ لأنه لا يأمن ~~وقوعه في المحظور، فإن كشف العورة ومشاهدتها حرام، بدليل ما روى بهز بن ~~حكيم، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول الله، «عوراتنا ما نأتي منها وما ~~نذر؟ قال: احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قال يا رسول الله، ~~فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس» وقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة ~~إلى عورة المرأة» «. وقال - عليه السلام -: لا تمشوا عراة» . رواهما مسلم. # قال أحمد: إن علمت أن كل من ms0198 في الحمام عليه إزار فادخله، وإلا فلا تدخل. ~~وقال سعيد بن جبير: دخول الحمام بغير إزار حرام ### | [فصل النساء ليس لهن دخول الحمامات] # (324) فصل: فأما النساء فليس لهن دخوله، مع ما ذكرنا من الستر، إلا لعذر؛ ~~من حيض، أو نفاس، أو مرض، # PageV01P169 # أو حاجة إلى الغسل، ولا يمكنها أن تغتسل في بيتها؛ لتعذر ذلك عليها، أو ~~خوفها من مرض، أو ضرر، فيباح لها ذلك، إذا غضت بصرها، وسترت عورتها. وأما ~~مع عدم العذر، فلا لما روي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«ستفتح عليكم أرض العجم، وستجدون فيها حمامات، فامنعوا نساءكم، إلا حائضا ~~أو نفساء» . وروي «أن عائشة دخل عليها نساء من أهل حمص، فقالت: لعلكن من ~~النساء اللائي يدخلن الحمامات، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: إن المرأة إذا خلعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت سترها بينها وبين ~~الله عز وجل» . ### | [فصل اغتسل عريانا بين الناس] # (325) فصل: ومن اغتسل عريانا بين الناس، لم يجز له ذلك؛ لأن كشفها للناس ~~محرم، لما ذكرنا، وإن كان خاليا جاز؛ لأن موسى - عليه السلام -، اغتسل ~~عريانا. رواه البخاري، وأيوب - عليه السلام -، اغتسل عريانا. وإن ستره ~~إنسان بثوب فلا بأس، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستتر بثوب، ~~ويغتسل، ويستحب التستر، وإن كان خاليا؛ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس.» ### | [فصل الغسل بماء الحمام] # (326) فصل: ويجزئه الغسل بماء الحمام. قال الخلال: ثبت عن أصحاب أبي عبد ~~الله، أن ماء الحمام يجزئ أن يغتسل به، ولا يغتسل منه؛ وذلك أن الأصل ~~الطهارة، فلا تزول بالشك. وقال أحمد: لا بأس بالوضوء من ماء الحمام. وروي ~~عنه أنه قال: لا بأس أن يأخذ من الأنبوبة. وهذا على سبيل الاحتياط، ولو لم ~~يفعله جاز؛ لأن الأصل الطهارة، وقد قال أحمد: ماء الحمام عندي طاهر، وهو ~~بمنزلة الماء الجاري. وقد روى عنه الأثرم، أنه قال: من الناس من يشدد فيه، ~~ومنهم من يقول: هو بمنزلة الماء ms0199 الجاري؛ لأنه ينزف، يخرج الأول فالأول. ~~قلت: يكون كالجاري، وهو يستقر في مكان قبل أن يخرج؟ ، فقال: قد قلت لك فيه ~~اختلاف. وأراه قد ظهر منه أنه يستحب أن يحتاط بماء آخر، ولم يبين له ذلك. # وهذا يدل على أن الماء الجاري لا ينجسه إلا التغير؛ لأنه لو كان يتنجس لم ~~يكن لكونه جاريا أثر ويدل أيضا على استحبابه الاحتياط مع الحكم بطهارة ~~الماء؛ لأن ماء الحمام طاهر لما ذكرنا من قبل، وإنما جعله بمنزلة الماء ~~الجاري إذا كان الماء يفيض من الحوض ويخرج، فإن الذي يأتي أخيرا يدفع ما في ~~الحوض، ويثبت في مكانه، بدليل أنه لو كان ما في الحوض كدرا، وتتابعت عليه ~~دفع من الماء صافيا، لزالت كدورته، والله أعلم. ### | [فصل ذكر الله في الحمام] # (327) فصل: ولا بأس بذكر الله في الحمام؛ فإن ذكر الله حسن في كل مكان، ~~ما لم يرد المنع منه، وقد روي أن أبا هريرة دخل الحمام فقال: لا إله إلا ~~الله. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يذكر الله على كل ~~أحيانه. فأما قراءة القرآن، فقال أحمد: لم يبن لهذا. وكره قراءة القرآن فيه ~~أبو وائل، # PageV01P170 # والشعبي والحسن، ومكحول، وقبيصة بن ذؤيب. ولم يكرهه النخعي، ومالك؛ لما ~~ذكرنا في ذكر الله فيه ووجه الأول، أنه محل للتكشف، ويفعل فيه ما لا يستحسن ~~عمله في غيره، فاستحب صيانة القرآن عنه والأولى جواز القراءة فيه؛ لأننا لا ~~نعلم فيه حجة تمنع من قراءته. فأما التسليم فيه، فقال أحمد: لا أعلم أنني ~~سمعت فيه شيئا. والأولى جوازه؛ لدخوله في عموم قوله - عليه السلام -: ~~«أفشوا السلام بينكم.» ### | [فصل لا يدخل الماء إلا مستترا] # (328) فصل: قال أحمد: لا يعجبني أن يدخل الماء إلا مستترا؛ إن للماء ~~سكانا. وذلك لما روي عن الحسن والحسين، أنهما دخلا الماء، وعليهما بردان، ~~فقيل لهما في ذلك، فقالا: إن للماء سكانا. ولأن الماء لا يستر، فتبدو عورة ~~من دخله عريانا # PageV01P171 ### | [باب التيمم] # التيمم في اللغة القصد. قال الله تعالى ms0200 {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} ~~[البقرة: 267] . وقال امرؤ القيس: # تيممت للعين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي # وقال الله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] . أي: اقصدوه. ثم ~~نقل في عرف الفقهاء إلى مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد. وهو جائز ~~بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] . وأما السنة، فحديث ~~عمار وغيره، وأما الإجماع، فأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة. ### | [مسألة يتيمم في قصير السفر وطويله] # (329) مسألة: قال: أبو القاسم (ويتيمم في قصير السفر وطويله) . طويل ~~السفر: ما يبيح القصر والفطر، وقصيره: ما دون ذلك، مما يقع عليه اسم سفر، ~~مثل أن يكون بين قريتين متقاربتين أو متباعدتين. قال القاضي: لو خرج إلى ~~ضيعة له، ففارق البنيان والمنازل، ولو بخمسين خطوة جاز له التيمم، والصلاة ~~على الراحلة، وأكل الميتة للضرورة، # فيباح له التيمم فيهما جميعا. وهذا قول مالك والشافعي. وقد قيل: لا يباح ~~إلا في السفر الطويل. وقول الله عز وجل: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} ~~[المائدة: 6] إلى قوله: {فتيمموا} [المائدة: 6] يدل بمطلقه على إباحة ~~التيمم في كل سفر؛ ولأن السفر القصير يكثر، فيكثر عدم الماء فيه، فيحتاج ~~إلى التيمم فيه فينبغي أن يسقط به الفرض، كالطويل. ### | [فصل لا فرق بين سفر الطاعة والمعصية في التيمم] # (330) فصل: ولا فرق بين سفر الطاعة والمعصية؛ لأن التيمم عزيمة، فلا يجوز ~~تركه بخلاف بقية الرخص؛ ولأنه حكم لا يختص بالسفر، فأبيح في سفر المعصية، ~~كمسح يوم وليلة. ### | [فصل عدم الماء في الحضر] # (331) فصل: فإن عدم الماء في الحضر، بأن انقطع الماء عنهم، أو حبس في ~~مصر، فعليه التيمم والصلاة. وهذا قول مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، ~~وقال أبو حنيفة، في رواية عنه: لا يصلي؛ لأن الله تعالى # PageV01P172 # شرط السفر لجواز التيمم، فلا يجوز لغيره، وقد روي عن أحمد: أنه سئل عن ~~رجل حبس في دار، وأغلق عليه الباب بمنزل المضيف، أيتيمم؟ قال: لا. ولنا ما ~~روى أبو ذر، أن ms0201 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الصعيد الطيب ~~طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين. فإذا وجد الماء فليمسه بشرته. فإن ~~ذلك خير» . # قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. فيدخل تحت عمومه محل النزاع؛ ولأنه عادم ~~للماء، فأشبه المسافر. والآية يحتمل أن يكون ذكر السفر فيها خرج مخرج ~~الغالب؛ لأن الغالب أن الماء إنما يعدم، فيه كما ذكر، في السفر، وعدم وجود ~~الكاتب في الرهن، وليسا شرطين فيه، ولو كان حجة فالمنطوق مقدم عليه، على أن ~~أبا حنيفة لا يرى دليل الخطاب حجة، والآية إنما يحتج بدليل خطابها. فعلى ~~هذا إذا تيمم في الحضر، وصلى، ثم قدر على الماء، فهل يعيد؟ على روايتين؛ ~~إحداهما يعيد. وهو مذهب الشافعي؛ لأن هذا عذر نادر، فلا يسقط به القضاء، ~~كالحيض في الصوم. # والثانية لا يعيد. وهو مذهب مالك؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج من عهدته؛ ~~ولأنه صلى بالتيمم المشروع على الوجه المشروع، فأشبه المريض والمسافر، مع ~~أن عموم الخبر يدل عليه. وقال أبو الخطاب: إن حبس في المصر صلى. ولم يذكر ~~إعادة. وذكر الروايتين في غيره. ويحتمل أنه إن كان عدم الماء لعذر نادر، أو ~~يزول قريبا، كرجل أغلق عليه الباب، مثل الضيف ونحوه، أو ما أشبه هذا من ~~الأعذار التي لا تتطاول؛ فعليه الإعادة؛ لأن هذا بمنزلة المتشاغل بطلب ~~الماء وتحصيله. وإن كان عذرا ممتدا، ويوجد كثيرا، كالمحبوس، أو من انقطع ~~الماء في قريته، واحتاج إلى استقاء الماء من مسافة بعيدة، فله التيمم، ولا ~~إعادة عليه؛ لأن هذا عادم للماء بعذر متطاول معتاد، فهو كالمسافر؛ ولأن عدم ~~هذا الماء أكثر من عدم المسافر له، فالنص على التيمم للمسافر تنبيه على ~~التيمم هاهنا. والله أعلم. ### | [فصل خرج من المصر لحاجة فحضرت الصلاة ولا ماء معه] # (332) فصل: ومن خرج من المصر إلى أرض من أعماله لحاجة، كالحراث، والحصاد، ~~والحطاب، والصياد، وأشباههم ممن لا يمكنه حمل الماء معه لوضوئه، فحضرت ~~الصلاة ولا ماء معه، ولا يمكنه الرجوع ليتوضأ إلا بتفويت حاجته، ms0202 فله أن ~~يصلي بالتيمم، ولا إعادة عليه؛ لأنه مسافر، فأشبه الخارج إلى قرية أخرى. ~~ويحتمل أن يلزمه الإعادة؛ لكونه في أرض من أعمال المصر، فأشبه المقيم فيه. ~~فإن كانت الأرض # PageV01P173 # التي يخرج إليها من عمل قرية أخرى، فلا إعادة عليه، وجها واحدا؛ لأنه ~~مسافر. ### | [مسألة دخل وقت الصلاة وطلب الماء فأعوزه] # (333) مسألة: قال: (إذا دخل وقت الصلاة وطلب الماء فأعوزه) هذه ثلاثة ~~شروط لصحة التيمم: أحدها دخول وقت الصلاة. فإن كانت الصلاة مكتوبة مؤداة لم ~~يجز التيمم قبل دخول وقتها. وإن كانت نافلة لم يجز التيمم لها في وقت نهي ~~عن فعلها فيه؛ لأنه ليس بوقت لها. وإن كانت فائتة جاز التيمم له في كل وقت؛ ~~لأن فعلها جائز في كل وقت. وبهذا قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يصح ~~التيمم قبل وقت الصلاة؛ لأنها طهارة تبيح الصلاة، فأبيح تقديمها على وقت ~~الصلاة، كسائر الطهارات. وروي عن أحمد، أنه قال: القياس أن التيمم بمنزلة ~~الطهارة حتى يجد الماء، أو يحدث. فعلى هذا يجوز قبل الوقت. # والمذهب الأول؛ لأنه طهارة ضرورة، فلم يجز قبل الوقت كطهارة المستحاضة، ~~أو نقول: يتيمم للفرض في وقت هو مستغن عنه، فأشبه ما لو تيمم عند وجود ~~الماء. وقياسهم ينتقض بطهارة المستحاضة، ويفارق التيمم سائر الطهارات؛ ~~لكونها ليست لضرورة. الشرط الثاني طلب الماء، وهذا الشرط وإعواز الماء إنما ~~يشترط لمن يتيمم لعذر عدم الماء. والمشهور عن أحمد اشتراط طلب الماء لصحة ~~التيمم. وهو مذهب الشافعي. وروي عن أحمد: لا يشترط الطلب. وهو مذهب أبي ~~حنيفة؛ «لقوله - عليه السلام -: التراب كافيك ما لم تجد الماء» . ولأنه غير ~~عالم بوجود الماء قريبا منه، فأشبه ما لو طلب فلم يجد. # ولنا قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] ، ولا يثبت أنه ~~غير واجد إلا بعد الطلب؛ لجواز أن يكون بقربه ماء لا يعلمه ولذلك لما أمر ~~في الظهار بتحرير رقبة، قال: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) لم يبح له ~~الصيام حتى يطلب الرقبة، ولم يعد قبل ذلك غير ms0203 واجد؛ ولأنه سبب للصلاة مختص ~~بها، فلزمه الاجتهاد في طلبه عند الإعواز، كالقبلة. # (334) فصل: وصفة الطلب أن يطلب في رحله، ثم إن رأى خضرة أو شيئا يدل على ~~الماء قصده فاستبرأه، وإن كان بقربه ربوة أو شيء قائم أتاه وطلب عنده، وإن ~~لم يكن نظر أمامه ووراءه، وعن يمينه ويساره، وإن كانت له رفقة يدل عليهم ~~طلب منهم، وإن وجد من له خبرة بالمكان سأله عن مياهه، فإن لم يجد فهو عادم. ~~وإن دل على ماء لزمه قصده إن كان قريبا، ما لم يخف على نفسه أو ماله، أو ~~يخشى فوات رفقته، ولم يفت الوقت. # وهذا مذهب الشافعي (335) فصل: فإن طلب الماء قبل الوقت، فعليه إعادة ~~الطلب بعده. قاله ابن عقيل؛ لأنه طلب قبل المخاطبة بالتيمم، # PageV01P174 # فلم يسقط فرضه، كالشفيع إذا طلب الشفعة قبل البيع. وإن طلب بعد الوقت، ~~ولم يتيمم عقيبه، جاز التيمم بعد ذلك من غير تجديد طلب. # الشرط الثالث: إعواز الماء بعد الطلب. ولا خلاف في اشتراطه؛ لأن الله ~~تعالى قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] «. وقال - عليه السلام -: ~~التراب كافيك ما لم تجد الماء» . فاشترط أن لا يجد الماء؛ ولأن التيمم ~~طهارة ضرورة، لا يرفع الحدث، فلا يجوز إلا عند الضرورة، ومع وجود الماء لا ~~ضرورة. ### | [فصل وجد الجنب ماء يكفي بعض أعضائه] # (336) فصل: وإذا وجد الجنب ما يكفي بعض أعضائه، لزمه استعماله، ويتيمم ~~للباقي. نص عليه أحمد فيمن وجد ما يكفيه لوضوئه، وهو جنب، قال: يتوضأ ~~ويتيمم. وبه قال عبدة بن أبي لبابة ومعمر، ونحوه قال عطاء، وهو أحد قولي ~~الشافعي. وقال الحسن، والزهري، وحماد، ومالك، وأصحاب الرأي وابن المنذر، ~~والشافعي في القول الثاني: يتيمم، ويتركه؛ لأن هذا الماء لا يطهره، فلم ~~يلزمه استعماله، كالمستعمل. # ولنا قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] ، وخبر أبي ذر، ~~شرط في التيمم عدم الماء، وهذا واجد وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «، ~~إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.» رواه البخاري؛ ولأنه وجد من الماء ~~ما يمكنه استعماله ms0204 في بعض جسده، فلزمه ذلك، كما لو كان أكثر بدنه صحيحا ~~وباقيه جريحا؛ ولأنه قدر على بعض الشرط؛ فلزمه؛ كالسترة، وإزالة النجاسة، ~~وإذا كان أكثر بدنه صحيحا، ولا يسلم الحكم في المستعمل، وإن سلمنا فلأنه لا ~~يطهر شيئا منه بخلاف هذا. إذا ثبت هذا، فإنه يستعمل الماء قبل التيمم؛ ~~ليتحقق الإعواز المشترط. ### | [فصل وجد المحدث الحدث الأصغر بعض ما يكفيه من الماء] # (337) فصل: وإن وجد المحدث الحدث الأصغر بعض ما يكفيه، فهل يلزمه ~~استعماله؟ على وجهين: أحدهما يلزمه استعماله؛ لما ذكرنا في الجنب؛ ولأنه ~~قدر على بعض الطهارة بالماء، فلزمه كالجنب، وكما لو كان بعض بدنه صحيحا، ~~وبعضه جريحا. والثاني لا يلزمه؛ لأن الموالاة شرط فيها، فإذا غسل بعض ~~الأعضاء دون بعض، لم يفد، بخلاف الجنابة، ولذلك إذا وجد الماء أجزأه غسل ما ~~لم يغسله فقط، وفي الحدث يلزمه استئناف الطهارة، وفارق ما إذا كان بعض ~~أعضائه صحيحا وبعضه جريحا؛ لأن العجز ببعض البدن يخالف العجز ببعض الواجب، ~~بدليل أن من بعضه حر إذا ملك رقبة لزمه إعتاقها في كفارته، ولو ملك الحر ~~بعض رقبة لم يلزمه إعتاقه. وللشافعي قولان كالوجهين. ### | [فصل حال بينه وبين الماء سبع أو عدو أو حريق أو لص] # (338) فصل: ومن حال بينه وبين الماء سبع، أو عدو، أو حريق، أو لص، فهو ~~كالعادم. ولو كان الماء بمجمع # PageV01P175 # الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم، فهي عادمته. وقد توقف أحمد عن هذه ~~المسألة، وقال ابن أبي موسى: تتيمم، ولا إعادة عليها في أصح الوجهين. ~~والصحيح أنها تتيمم، ولا إعادة عليها، وجها واحدا، بل لا يحل لها المضي إلى ~~الماء؛ لما فيه من التعرض للزنا، وهتك نفسها وعرضها، وتنكيس رءوس أهلها، ~~وربما أفضى إلى قتلها، وقد أبيح لها التيمم حفظا للقليل من مالها، المباح ~~لها بذله، وحفظا لنفسها من مرض أو تباطؤ برء، فهاهنا أولى. ومن كان في موضع ~~عند رحله، فخاف إن ذهب إلى الماء ذهب شيء من رحله، أو شردت دابته، أو سرقت، ~~أو خاف على ms0205 أهله لصا، أو سبعا، خوفا شديدا، فهو كالعادم. # ومن كان خوفه جبنا، لا عن سبب يخاف من مثله، لم تجزه الصلاة بالتيمم. نص ~~عليه أحمد، في رجل يخاف بالليل، وليس شيء يخاف منه، قال: لا بد من أن ~~يتوضأ. ويحتمل أن تباح له بالتيمم، ويعيد إذا كان ممن يشتد خوفه؛ لأنه ~~بمنزلة الخائف لسبب. ومن كان خوفه لسبب ظنه، فتبين عدم السبب، مثل من رأى ~~سوادا بالليل ظنه عدوا، فتبين له أنه ليس بعدو، أو رأى كلبا فظنه أسدا أو ~~نمرا، فتيمم وصلى، ثم بان خلافه، فهل يلزمه الإعادة؟ على وجهين: أحدهما؛ لا ~~يلزمه الإعادة؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج عن عهدته. والثاني يلزمه ~~الإعادة؛ لأنه تيمم من غير سبب يبيح التيمم، فأشبه من نسي الماء في رحله، ~~وتيمم. ### | [فصل كان مريضا لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء] # (339) فصل: ومن كان مريضا لا يقدر على الحركة، ولا يجد من يناوله الماء، ~~فهو كالعادم. قاله ابن أبي موسى. وهو قول الحسن؛ لأنه لا سبيل له إلى الماء ~~فأشبه من وجد بئرا ليس له ما يستقي به منها. وإن كان له من يناوله الماء ~~قبل خروج الوقت، فهو كالواجد؛ لأنه بمنزلة من يجد ما يستقي به في الوقت. ~~وإن خاف خروج الوقت قبل مجيئه، فقال ابن أبي موسى: له التيمم، ولا إعادة ~~عليه. وهو قول الحسن؛ لأنه عادم في الوقت، فأشبه العادم مطلقا، ويحتمل أن ~~ينتظر مجيء من يناوله؛ لأنه حاضر ينتظر حصول الماء قريبا، فأشبه المشتغل ~~باستقاء الماء وتحصيله. ### | [فصل وجد بئرا وقدر على التوصل إلى مائها] # (340) فصل: إذا وجد بئرا، وقدر على التوصل إلى مائها بالنزول من غير ضرر، ~~أو الاغتراف بدلو أو ثوب يبله ثم يعصره. لزمه ذلك، وإن خاف فوت الوقت؛ لأن ~~الاشتغال به كالاشتغال بالوضوء. وحكم من في السفينة في الماء كحكم واجد ~~البئر، وإن لم يمكنه الوصول إلى مائها إلا بمشقة، أو تغرير بالنفس، فهو ~~كالعادم. وهذا قول الثوري، والشافعي، ومن تبعهم. ms0206 ومن كان الماء قريبا منه، ~~يمكنه تحصيله، إلا أنه يخاف فوت الوقت، لزمه السعي إليه والاشتغال بتحصيله، ~~وإن فات الوقت؛ لأنه واجد للماء، فلا يباح له التيمم؛ لقوله تعالى: {فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] # PageV01P176 ### | [فصل بذل له ماء لطهارته] # (341) فصل: وإن بذل له ماء لطهارته، لزمه قبوله؛ لأنه قدر على استعماله، ~~ولا منة في ذلك في العادة. وإن لم يجده إلا بثمن لا يقدر عليه، فبذل له ~~الثمن، لم يلزمه قبوله؛ لأن المنة تلحق به. وإن وجده يباع بثمن مثله في ~~موضعه، أو زيادة يسيرة، يقدر على ذلك، مع استغنائه عنه، لقوته ومؤنة سفره، ~~لزمه شراؤه. وإن كانت الزيادة كثيرة تجحف بماله، لم يلزمه شراؤه؛ لأن عليه ~~ضررا. وإن كانت كثيرة، لا تجحف بماله، فقد توقف أحمد فيمن بذل له ماء ~~بدينار، ومعه مائة. فيحتمل إذن وجهين: أحدهما يلزمه شراؤه؛ لأنه واجد ~~للماء، قادر عليه، فيلزمه استعماله بدلالة قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا} [المائدة: 6] . # والثاني لا يلزمه شراؤه؛ لأن عليه ضررا في الزيادة الكثيرة، فلم يلزمه ~~بذلها، كما لو خاف لصا يأخذ من ماله ذلك المقدار. وقال الشافعي: لا يلزمه ~~شراؤه بزيادة يسيرة ولا كثيرة لذلك. ولنا قول الله تعالى: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا} [المائدة: 6] . وهذا واجد، فإن القدرة على ثمن العين كالقدرة على ~~العين، في المنع من الانتقال إلى البدل، بدليل ما لو بيعت بثمن مثلها، ~~وكالرقبة في كفارة الظهار؛ ولأن ضرر المال دون ضرر النفس، وقد قالوا في ~~المريض: يلزمه الغسل ما لم يخف التلف. فتحمل الضرر اليسير في المال أحرى. ~~فإن لم يكن معه ثمنه، فبذل له بثمن في الذمة يقدر على أدائه في بلده، فقال ~~القاضي: يلزمه شراؤه؛ لأنه قادر على أخذه بما لا مضرة فيه. وقال أبو الحسن ~~الآمدي: لا يلزمه شراؤه؛ لأن عليه ضررا في بقاء الدين في ذمته، وربما يتلف ~~ماله قبل أدائه. # وإن لم يكن في بلده ما يؤدي ثمنه، لم يلزمه شراؤه؛ لأن عليه ضررا. وإن لم ~~يبذله له، وكان ms0207 فاضلا عن حاجته، لم يجز له مكاثرته عليه؛ لأن الضرورة لا ~~تدعو إليه؛ لأن هذا له بدل، وهو التيمم، بخلاف الطعام في المجاعة. ### | [فصل كان معه ماء فأراقه قبل الوقت وعدم الماء في الوقت] # (342) فصل: إذا كان معه ماء، فأراقه قبل الوقت، أو مر بماء قبل الوقت، ~~فتجاوزه، وعدم الماء في الوقت، صلى بالتيمم من غير إعادة. وبه يقول ~~الشافعي، وقال الأوزاعي، إن ظن أنه يدرك الماء في الوقت، كقولنا، وإلا صلى ~~بالتيمم، وعليه الإعادة؛ لأنه مفرط. # PageV01P177 # ولنا، أنه لم يجب عليه استعماله. فأشبه ما لو ظن أنه يدرك الماء في ~~الوقت. وإن أراق الماء في الوقت، أو مر به في الوقت فلم يستعمله، ثم عدم ~~الماء، يتيمم ويصلي. وفي الإعادة وجهان: أحدهما لا يعيد؛ لأنه صلى بتيمم ~~صحيح، تحققت شرائطه، فهو كما لو أراقه قبل الوقت. والثاني يعيد؛ لأنه وجبت ~~عليه الصلاة بوضوء، وهو قد فوت القدرة على نفسه، فبقي في عهدة الواجب، وإن ~~وهبه بعد دخول الوقت لم تصح الهبة، والماء باق على ملكه، فلو تيمم مع بقاء ~~الماء، لم يصح تيممه. وإن تصرف فيه الموهوب له، فهو كما لو أراقه. ### | [فصل نسي الماء في رحله أو موضع يمكنه استعماله وصلى بالتيمم] # (343) فصل: إذا نسي الماء في رحله، أو موضع يمكنه استعماله، وصلى ~~بالتيمم. فقد توقف أحمد، - رحمه الله - في هذه المسألة، وقطع في موضع أنه ~~لا يجزئه. وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة، وأبو ثور: يجزئه. وعن مالك ~~كالمذهبين؛ لأنه مع النسيان غير قادر على استعمال الماء، فهو كالعادم. ولنا ~~أنها طهارة تجب مع الذكر، فلم تسقط بالنسيان، كما لو صلى ناسيا لحدثه، ثم ~~ذكر، أو صلى الماسح، ثم بان له انقضاء مدة المسح قبل صلاته، ويفارق ما ~~قاسوا عليه؛ فإنه غير مفرط، وها هنا هو مفرط بترك الطلب. ### | [فصل ضل عن رحله الذي فيه الماء أو كان يعرف بئرا فضاعت عنه ثم وجدها] # (344) فصل: وإن ضل عن رحله الذي فيه الماء، أو كان يعرف بئرا فضاعت ms0208 عنه، ~~ثم وجدها، فقال ابن عقيل: يحتمل أن يكون كالناسي. والصحيح أنه لا إعادة ~~عليه. وهو قول الشافعي؛ لأنه ليس بواجد للماء، فيدخل في عموم قوله تعالى: ~~{فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] ؛ ولأنه غير مفرط، بخلاف الناسي، وإن ~~كان الماء مع عبده، فنسيه العبد حتى صلى سيده، احتمل أن يكون كالناسي، ~~واحتمل أن لا يعيد؛ لأن التفريط من غيره. ### | [فصل تيمم وصلى ثم بان أنه كان بقربه بئرا أو ماء] # (345) فصل: إذا صلى، ثم بان أنه كان بقربه بئر أو ماء، نظرت، فإن كانت ~~خفية بغير علامة، وطلب فلم يجدها فلا إعادة عليه؛ لأنه غير مفرط. وإن كانت ~~أعلامه ظاهرة، فقد فرط، فعليه الإعادة. ### | [مسألة تأخير التيمم] # (346) مسألة: قال: (والاختيار تأخير التيمم) ظاهر كلام الخرقي أن تأخير ~~التيمم أولى بكل حال، وهو المنصوص عن أحمد، وروي ذلك # PageV01P178 # عن علي، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، والزهري، والثوري، وأصحاب الرأي. ~~وقال أبو الخطاب: يستحب التأخير إن رجا وجود الماء، وإن يئس من وجوده استحب ~~تقديمه. وهو قول مالك. وقال الشافعي في أحد قوليه: التقديم أفضل، إلا أن ~~يكون واثقا بوجود الماء في الوقت؛ لأنه لا يستحب ترك فضيلة أول الوقت، وهي ~~متحققة، لأمر مظنون. ولنا قول علي - رضي الله عنه - في الجنب: يتلوم ما ~~بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء، وإلا تيمم. ولأنه يستحب التأخير ~~للصلاة إلى بعد العشاء وقضاء الحاجة كي لا يذهب خشوعها وحضور القلب فيها، ~~ويستحب تأخيرها لإدراك الجماعة، فتأخيرها لإدراك الطهارة المشترطة أولى ### | [مسألة تيمم في أول الوقت وصلى] # (347) مسألة: قال: (فإن تيمم في أول الوقت وصلى، أجزأه، وإن أصاب الماء ~~في الوقت) وجملة ذلك أن العادم للماء في السفر إذا صلى بالتيمم، ثم وجد ~~الماء، إن وجده بعد خروج الوقت، فلا إعادة عليه إجماعا قال أبو بكر بن ~~المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج وقت ~~الصلاة، أن لا إعادة عليه. وإن وجده في الوقت، لم يلزمه أيضا إعادة، سواء ms0209 ~~يئس من وجود الماء في الوقت، أو غلب على ظنه وجوده فيه. وبهذا قال أبو سلمة ~~والشعبي، والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وأصحاب ~~الرأي. # وقال عطاء، وطاوس، والقاسم بن محمد، ومكحول، وابن سيرين، والزهري، ~~وربيعة: يعيد الصلاة. ولنا ما روى أبو داود، عن أبي سعيد، «أن رجلين خرجا ~~في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا، فصليا، ثم وجدا الماء ~~في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة، وأجزأتك ~~صلاتك. وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين» . واحتج أحمد بأن ابن عمر تيمم، ~~وهو يرى بيوت المدينة، فصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد؛ ~~ولأنه أدى فرضه كما أمر، فلم يلزمه الإعادة، كما لو وجده بعد الوقت؛ ولأن ~~عدم الماء عذر معتاد، فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة كالمرض؛ ولأنه ~~أسقط فرض الصلاة، فلم يعد إلى ذمته، كما لو وجده بعد الوقت. ### | [مسألة التيمم ضربة واحدة] # (348) مسألة: قال: (والتيمم ضربة واحدة) المسنون عند أحمد التيمم بضربة ~~واحدة. فإن تيمم بضربتين جاز. وقال القاضي: الإجزاء يحصل بضربة، والكمال ~~ضربتان. والمنصوص ما ذكرناه، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: التيمم ضربة ~~واحدة؟ فقال: نعم ضربة للوجه والكفين، ومن قال ضربتين، فإنما هو شيء زاده. ~~قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وغيرهم؛ منهم علي، وعمار، وابن عباس، وعطاء، والشعبي، ومكحول، ~~والأوزاعي، ومالك، وإسحاق. # وقال الشافعي: لا يجزئ التيمم إلا # PageV01P179 # بضربتين للوجه واليدين إلى المرفقين. وروي ذلك عن ابن عمر، وابنه سالم، ~~والحسن، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لما روى ابن الصمة «، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - تيمم، فمسح وجهه وذراعيه» . وروى ابن عمر، وجابر، وأبو أمامة، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين ~~إلى المرفقين» ؛ ولأنه بدل يؤتى به في محل مبدله، وكان حده ms0210 عنهما واحدا ~~كالوجه. ولنا ما «روى عمار، قال: بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول ~~بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، ~~وظاهر كفيه ووجهه» . متفق عليه؛ # ولأنه حكم علق على مطلق اليدين فلم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ومس ~~الفرج، وقد احتج ابن عباس بهذا فقال: إن الله تعالى قال في التيمم: ~~{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} [المائدة: 6] وقال: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} [المائدة: 38] . وكانت السنة في القطع من الكفين، إنما هو الوجه ~~والكفان. يعني التيمم. وأما أحاديثهم فضعيفة. قال الخلال: الأحاديث في ذلك ~~ضعيفة جدا، ولم يرو منها أصحاب السنن إلا حديث ابن عمر. وقال أحمد: ليس ~~بصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو عن ابن عمر، وهو عندهم حديث ~~منكر. وقال الخطابي: يرويه محمد بن ثابت، وهو ضعيف وقال ابن عبد البر: لم ~~يروه غير محمد بن ثابت، وبه يعرف، ومن أجله يضعف عندهم، وهو حديث منكر. ~~وحديث ابن الصمة صحيح، لكن إنما جاء في المتفق عليه: # فمسح وجهه ويديه. فيكون حجة لنا؛ لأن ما علق على مطلق اليدين لا يتناول ~~الذراعين. ثم أحاديثهم لا تعارض حديثنا؛ فإنها تدل على جواز التيمم ~~بضربتين، ولا ينفي ذلك جواز التيمم بضربة، كما أن وضوء النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثلاثا ثلاثا لا ينفي الإجزاء بمرة واحدة. فإن قيل: فقد روي في ~~حديث عمار: إلى المرفقين. # ويحتمل أنه أراد بالكفين اليدين إلى المرفقين. قلنا: أما حديثه إلى ~~المرفقين، فلا يعول عليه، إنما رواه سلمة، وشك فيه، فقال له منصور: ما تقول ~~فيه، فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك؟ فشك، وقال: لا أدري، أذكر الذراعين، ~~أم لا؟ قال ذلك النسائي. فلا يثبت مع الشك، وقد أنكر عليه، وخالف به سائر ~~الرواة الثقات، فكيف يلتفت إلى مثل هذا؟ وهو ms0211 لو انفرد لم يعول عليه، ولم ~~يحتج به. # وأما التأويل فباطل؛ لوجوه: # PageV01P180 # أحدها، أن عمارا الراوي له الحاكي لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أفتى بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في التيمم للوجه والكفين عملا ~~بالحديث. وقد شاهد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والفعل لا احتمال فيه. # والثاني أنه قال ضربة واحدة، وهم يقولون ضربتان. والثالث أننا لا نعرف في ~~اللغة التعبير بالكفين عن الذراعين. # والرابع أن الجمع بين الخبرين بما ذكرناه من أن كل واحد من الفعلين جائز ~~أقرب من تأويلهم وأسهل، وقياسهم ينتقض بالتيمم عن الغسل الواجب، فإنه ينقص ~~عن المبدل، وكذلك في الوضوء، فإنه في أربعة أعضاء، والتيمم في عضوين، وكذا ~~نقول في الوجه، فإنه لا يجب مسح ما تحت الشعور الخفيفة، ولا المضمضة ~~والاستنشاق. ### | [فصل التيمم بضربة واحدة وبضربتين] # (349) فصل: ولا يختلف المذهب أنه يجزئ التيمم بضربة واحدة وبضربتين، وإن ~~تيمم بأكثر من ضربتين جاز أيضا؛ لأن المقصود إيصال التراب إلى محل الفرض، ~~فكيفما حصل جاز، كالوضوء ### | [فصل وصل التراب إلى وجهه ويديه بغير ضرب] # (350) فصل: فإن وصل التراب إلى وجهه ويديه بغير ضرب، نحو أن ينسف الريح ~~عليه غبارا يعمه، فإن كان قصد ذلك، وأحضر النية، احتمل أن يجزئه، كما لو ~~صمد للمطر حتى جرى على أعضائه. والصحيح أنه لا يجزئه؛ لأنه لم يمسح به، وقد ~~أمر الله تعالى بالمسح به. فإن مسح وجهه بما على وجهه، احتمل أن يجزئه؛ ~~لأنه مسح بالتراب، واحتمل أن لا يجزئه؛ لأن الله تعالى أمر بقصد الصعيد ~~والمسح به، ولم يأخذ الصعيد. وإن لم يكن قصد الريح، ولا صمد لها، فأخذ غير ~~ما على وجهه، فمسح به وجهه، جاز. وإن أمر ما على وجهه، منه على وجهه، لم ~~يجزه؛ لأنه لم يأخذ التراب لوجهه ### | [فصل علا على يد المتيمم تراب كثير] # (351) فصل: إذا علا على يديه تراب كثير، لم يكره نفخه؛ فإن في حديث عمار ~~«، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب بكفيه # PageV01P181 # الأرض، ونفخ فيهما» . قال ms0212 أحمد: لا يضره فعل أو لم يفعل. وإن كان خفيفا، ~~فقال أصحابنا: يكره نفخه، رواية واحدة. فإن ذهب ما عليها بالنفخ، لم يجزه ~~حتى يعيد الضرب؛ لأنه مأمور بالمسح بشيء من الصعيد. ### | [مسألة المتيمم يضرب بيديه على الصعيد الطيب] # (352) مسألة: قال: (ويضرب بيديه على الصعيد الطيب، وهو التراب) وجملة ذلك ~~أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر ذي غبار يعلق باليد؛ لأن الله تعالى ~~قال: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] . قال ~~ابن عباس: الصعيد تراب الحرث. وقيل في قوله تعالى: (فتصبح صعيدا زلقا) ~~ترابا أملس. والطيب: الطاهر، وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وأبو يوسف، وداود. ~~وقال مالك، وأبو حنيفة: يجوز بكل حال ما كان من جنس الأرض؛ كالنورة ~~والزرنيخ والحجارة. وقال الأوزاعي: الرمل من الصعيد. # وقال حماد بن أبي سليمان: لا بأس أن يتيمم بالرخام؛ لما روى البخاري، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» . وعن ~~أبي هريرة «، أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول ~~الله، إنا نكون بالرمل فتصيبنا الجنابة، والحيض، والنفاس، ولا نجد الماء ~~أربعة أشهر أو خمسة أشهر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عليكم ~~بالأرض» . # ولأنه من جنس الأرض، فجاز التيمم به كالتراب. ولنا الآية؛ فإن الله ~~سبحانه أمر بالتيمم بالصعيد، وهو التراب، فقال: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه} [المائدة: 6] ، ولا يحصل المسح بشيء منه، إلا أن يكون ذا غبار يعلق ~~باليد، وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: أعطيت ما لم يعط نبي من أنبياء الله، جعل لي التراب طهورا» . وذكر ~~الحديث، رواه الشافعي في " مسنده "، ولو كان غير التراب طهورا لذكره فيما ~~من الله تعالى به عليه، وقد روى حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» . فخص ترابها بكونه طهورا؛ ولأن ~~الطهارة اختصت بأعم المائعات وجودا، وهو الماء، فتختص بأعم الجامدات وجودا، ~~وهو التراب، وخبر أبي ذر نخصه بحديثنا، ms0213 وخبر أبي هريرة يرويه المثنى بن ~~الصباح، وهو ضعيف ### | [فصل التيمم بالسبخة والرمل] # (353) فصل: وعن أحمد، - رحمه الله -، رواية أخرى، في السبخة والرمل، أنه ~~يجوز التيمم به. قال أبو الحارث: قال أحمد: أرض الحرث أحب إلي، وإن تيمم من ~~أرض السبخة أجزأه. قال القاضي: الموضع الذي أجاز التيمم بها إذا كان لها ~~غبار، والموضع الذي منع إذا لم يكن لها غبار. قال: ويمكن أن يقال في الرمل ~~مثل # PageV01P182 # ذلك. وعنه أنه يجوز ذلك مع الاضطرار خاصة. قال: وفي رواية سندي: أرض ~~الحرث أجود من السبخ، ومن موضع النورة والحصا، إلا أن يضطر إلى ذلك، فإن ~~اضطر أجزأه. قال الخلال: إنما سهل أحمد فيها إذا اضطر إليها، إذا كانت غبرة ~~كالتراب، فأما إذا كانت قلحة كالملح، فلا يتيمم بها أصلا. وقال ابن أبي ~~موسى: يتيمم عند عدم التراب بكل طاهر تصاعد على وجه الأرض، مثل الرمل ~~والسبخة والنورة والكحل، وما في معنى ذلك، ويصلي، وهل يعيد؟ على روايتين. ### | [فصل التيمم بالخزف أو الطين المحرق بعد دقه] # (354) فصل: فإن دق الخزف أو الطين المحرق، لم يجز التيمم به؛ لأن الطبخ ~~أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب. وكذا إن نحت المرمر والكذان حتى صار ~~غبارا، لم يجز التيمم به؛ لأنه غير تراب. وإن دق الطين الصلب كالأرمني، جاز ~~التيمم به؛ لأنه تراب. ### | [فصل ضرب بيده على لبد أو ثوب فعلق بيديه غبار فتيمم به] # (355) فصل: فإن ضرب بيده على لبد أو ثوب أو جوالق أو برذعة أو في شعير، ~~فعلق بيديه غبار، فتيمم به، جاز. نص أحمد على ذلك كله. وكلام أحمد يدل على ~~اعتبار التراب حيث كان، فعلى هذا لو ضرب بيده على صخرة، أو حائط، أو حيوان، ~~أو أي شيء كان، فصار على يديه غبار، جاز له التيمم به. وإن لم يكن فيه ~~غبار، فلا يجوز وقد روى ابن عمر «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب ~~يديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح ذراعيه» . رواه ms0214 ~~أبو داود. وروى الأثرم، عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لا يتيمم بالثلج، ~~فمن لم يجد، فضفة سرجه، أو معرفة دابته. # وأجاز مالك، وأبو حنيفة، التيمم بصخرة لا غبار عليها، وتراب ندي لا يعلق ~~باليد منه غبار. وأجاز مالك التيمم بالثلج، والجبس، وكل ما تصاعد على وجه ~~الأرض. ولا يجوز عنده التيمم بغبار اللبد والثوب؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما ضرب بيده نفخهما. ولنا قول الله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه} [المائدة: 6] . " ومن " للتبعيض، فيحتاج أن يمسح بجزء منه، ~~والنفخ لا يزيل الغبار الملاصق، وذلك يكفي. ### | [فصل خالط التراب ما لا يجوز التيمم به] # (356) فصل: إذا خالط التراب ما لا يجوز التيمم به، كالنورة والزرنيخ ~~والجص، فقال القاضي: حكمه حكم الماء إذا خالطته الطاهرات، إن كانت الغلبة ~~للتراب جاز، وإن كانت الغلبة للمخالط، لم يجز. وقال ابن عقيل: يمنع، وإن ~~كان قليلا. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه ربما حصل في العضو، فمنع وصول التراب ~~إليه. وهذا فيما يعلق باليد، فأما ما لا يعلق باليد، فلا يمنع؛ فإن أحمد قد ~~نص على أنه يجوز التيمم من الشعير؛ وذلك لأنه لا يحصل على اليد منه ما يحول ~~بين الغبار وبينها. # PageV01P183 ### | [فصل التيمم بالطين] # (357) فصل: إذا كان في طين لا يجد ترابا، فحكي عن ابن عباس أنه قال: يأخذ ~~الطين، فيطلي به جسده. فإذا جف تيمم به. وإن خاف فوات الوقت قبل جفافه، فهو ~~كالعادم. ويحتمل أنه إن كان يجف قريبا انتظر جفافه، وإن فات الوقت؛ لأنه ~~كطالب الماء القريب، والمشتغل بتحصيله من بئر ونحوه. وإن لطخ وجهه بطين، لم ~~يجزه؛ لأنه لم يقع عليه اسم الصعيد؛ ولأنه لا غبار فيه، أشبه التراب الندي. ### | [فصل صلاة فاقد الطهورين] # (358) فصل: وإن عدم بكل حال صلى على حسب حاله. وهذا قول الشافعي، وقال ~~أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: لا يصلي حتى يقدر، ثم يقضي؛ لأنها عبادة لا ~~تسقط القضاء، فلم تكن واجبة، كصيام الحائض. وقال مالك: لا يصلي ولا يقضي؛ ~~لأنه عجز عن الطهارة، ms0215 فلم تجب عليه الصلاة، كالحائض. وقال ابن عبد البر: ~~هذه رواية منكرة عن مالك. وذكر عن أصحابه قولين: أحدهما كقول أبي حنيفة، ~~والثاني يصلي على حسب حاله، ويعيد. ولنا ما روى مسلم في " صحيحه " «، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أناسا لطلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت ~~الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكروا ذلك ~~له، فنزلت آية التيمم. ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولا ~~أمرهم، بإعادة» . # فدل على أنها غير واجبة؛ ولأن الطهارة شرط، فلم تؤخر الصلاة عند عدمها، ~~كالسترة واستقبال القبلة. وإذا ثبت هذا، فإذا صلى على حسب حاله، ثم وجد ~~الماء أو التراب، لم يلزمه إعادة الصلاة في إحدى الروايتين، والأخرى عليه ~~الإعادة. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه فقد شرط الصلاة، أشبه ما لو صلى بالنجاسة. # والصحيح الأول؛ لما ذكرنا من الخبر؛ ولأنه أتى بما أمر، فخرج عن عهدته؛ ~~لأنه شرط من شرائط الصلاة فيسقط عند العجز عنه، كسائر شروطها وأركانها؛ ~~ولأنه أدى فرضه على حسبه، فلم يلزمه الإعادة، كالعاجز عن السترة إذا صلى ~~عريانا، والعاجز عن الاستقبال إذا صلى إلى غيرها، والعاجز عن القيام إذا ~~صلى جالسا، وقياس أبي حنيفة على الحائض في تأخير الصيام لا يصح؛ لأن الصوم ~~يدخله التأخير، بخلاف الصلاة، بدليل أن المسافر يؤخر الصوم دون الصلاة؛ ~~ولأن عدم الماء لو قام مقام الحيض لأسقط الصلاة بالكلية؛ ولأن قياس الصلاة ~~على الصلاة أولى من قياسها على الصيام، وأما قياس مالك فلا يصح «؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ~~. # وقياس الطهارة على سائر شرائط الصلاة أولى من قياسها على الحائض، فإن ~~الحيض أمر معتاد يتكرر عادة، والعجز هاهنا عذر نادر غير # PageV01P184 # معتاد، فلا يصح قياسه على الحيض؛ ولأن هذا عذر نادر فلم يسقط الفرض، ~~كنسيان الصلاة وفقد سائر الشروط. والله تعالى أعلم ### | [مسألة التيمم لا يصح إلا بنية] # (359) مسألة: قال: (وينوي به المكتوبة) لا نعلم خلافا في أن التيمم لا ms0216 ~~يصح إلا بنية، غير ما حكي عن الأوزاعي، والحسن بن صالح أنه يصح بغير نية. ~~وسائر أهل العلم على إيجاب النية فيه. وممن قال ذلك: ربيعة، ومالك، والليث، ~~والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي؛ وذلك لما ذكرنا ~~في الوضوء، وينوي استباحة الصلاة. فإن نوى رفع الحدث لم يصح؛ لأنه لا يرفع ~~الحدث. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن طهارة التيمم لا ترفع الحدث ~~إذا وجد الماء، بل متى وجده أعاد الطهارة، جنبا كان أو محدثا. وهذا مذهب ~~مالك، والشافعي، وغيرهما، وحكي عن أبي حنيفة أنه يرفع الحدث؛ لأنه طهارة عن ~~حدث يبيح الصلاة، فيرفع الحدث، كطهارة الماء. # ولنا أنه لو وجد الماء لزمه استعماله لرفع الحدث الذي كان قبل التيمم، إن ~~كان جنبا، أو محدثا، أو امرأة حائضا، ولو رفع الحدث لاستوى الجميع؛ ~~لاستوائهم في الوجدان؛ ولأنها طهارة ضرورة، فلم ترفع الحدث كطهارة ~~المستحاضة، وبهذا فارق الماء. إذا ثبت هذا، فإنه إن نوى بتيممه فريضة، فله ~~أن يصلي ما شاء من الفرض والنفل، سواء نوى فريضة معينة أو مطلقة. فإن نوى ~~نفلا أو صلاة مطلقة، لم يجز أن يصلي به إلا نافلة. وبهذا قال الشافعي، وقال ~~أبو حنيفة: له أن يصلي ما شاء؛ لأنها طهارة يصح بها النفل، فصح بها الفرض، ~~كطهارة الماء. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال ~~بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» . وهذا لم ينوي الفرض، فلا يكون له، وفارق ~~طهارة الماء؛ لأنها ترفع الحدث المانع من فعل الصلاة، فيباح له جميع ما ~~يمنعه الحدث. # ولا يلزم استباحة النفل بنية الفرض؛ لأن الفرض أعلى ما في الباب، فنيته ~~تضمنت نية ما دونه، وإذا استباحه استباح ما دونه تبعا. ### | [فصل إذا نوى الفرض استباح كل ما يباح بالتيمم من النفل قبل الفرض وبعده] # (360) فصل: إذا نوى الفرض استباح كل ما يباح بالتيمم من النفل، قبل الفرض ~~وبعده، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد. وبهذا قال الشافعي، ~~وأصحاب الرأي: وقال ms0217 مالك: لا يتطوع قبل الفريضة بصلاة غير راتبة. وحكي نحوه ~~عن أحمد؛ لأن النفل تبع للفرض، فلا يتقدم المتبوع. ولنا أنه تطوع، فأبيح له ~~فعله إذا نوى الفرض، كالسنن الراتبة وكما بعد الفرض. # PageV01P185 # وقوله: إنه تبع قلنا: إنما هو تبع في الاستباحة، لا في الفعل، كالسنن ~~الراتبة، وقراءة القرآن، وغيرهما. # وإن نوى نافلة أبيحت له، وأبيح له قراءة القرآن، ومس المصحف، والطواف؛ ~~لأن النافلة آكد من ذلك كله؛ لأن الطهارتين مشترطتان لها بالإجماع، وفي ~~اشتراطهما لما سواها خلاف، فيدخل الأدنى في الأعلى، كدخول النافلة في ~~الفريضة؛ ولأن النفل يشتمل على قراءة القرآن، فنية النفل تشمله وإن نوى ~~شيئا من ذلك لم يبح له التنفل بالصلاة؛ لأنه أدنى، فلا يستبيح الأعلى ~~بنيته، كالفرض مع النفل. وإن تيمم للطواف أبيح له قراءة القرآن، واللبث في ~~المسجد؛ لأنه أعلى منهما، فإنه صلاة، ويشترط له الطهارتان، وله نفل وفرض، ~~ويدخل في ضمنه اللبث في المسجد؛ لأنه لا يكون إلا في المسجد. وإن نوى ~~أحدهما لم يستبح الطواف؛ لأنه أعلى منهما. # وإن نوى فرض الطواف، استباح نفله. وإن نوى نفله، لم يستبح فرضه كالصلاة. ~~وإن نوى بتيممه قراءة القرآن لكونه جنبا، أو اللبث في المسجد، أو مس ~~المصحف، لم يستبح غير ما نواه؛ لقوله - عليه السلام -: " وإنما لكل امرئ ما ~~نوى " ولأنه لم ينو ذلك، ولا ما هو أعلى منه، فلم يستبحه، كما لا يستبيح ~~الفرض إذا لم ينوه. ### | [فصل تيمم الصبي لإحدى الصلوات الخمس ثم بلغ] # (361) فصل: وإن تيمم الصبي لإحدى الصلوات الخمس، ثم بلغ، لم يستبح بتيممه ~~فرضا؛ لأن ما نواه كان نفلا، ويباح أن يتنفل به، كما لو نوى به البالغ ~~النفل. فأما إن توضأ قبل البلوغ، ثم بلغ، فله أن يصلي به فرضا ونفلا؛ لأن ~~الوضوء للنفل يبيح فعل الفرض. ### | [مسألة يمسح المتيمم وجهه وكفيه] # (362) مسألة: قال: (فيمسح بهما وجهه وكفيه) لا خلاف في وجوب مسح الوجه ~~والكفين؛ لقول الله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] ~~ويجب مسح جميعه، واستيعاب ما ms0218 يأتي عليه الماء منها، لا يسقط منها إلا ~~المضمضة والاستنشاق، وما تحت الشعور الخفيفة، وبهذا قال الشافعي. وقال ~~سليمان بن داود: يجزئه إن لم يصب إلا بعض وجهه وبعض كفيه. ولنا قوله تعالى: ~~{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] والباء زائدة، فصار كأنه قال: ~~فامسحوا وجوهكم وأيديكم منه. # فيجب تعميمهما، كما يجب تعميمهما بالغسل؛ لقوله: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~إلى المرافق} [المائدة: 6] . فيضرب ضربة واحدة، فيمسح وجهه بباطن أصابع ~~يديه، وظاهر كفيه إلى الكوعين بباطن راحتيه، ويستحب أن يمسح إحدى الراحتين ~~بالأخرى، ويخلل بين الأصابع، وليس بفرض؛ لأن فرض الراحتين قد سقط بإمرار كل ~~واحدة على ظهر الكف. # قال ابن عقيل: رأيت التيمم بضربة واحدة قد أسقط ترتيبا مستحقا في الوضوء، ~~وهو أنه يعتد بمسح باطن يديه قبل # PageV01P186 # مسح وجهه، وكيفما مسح بعد استيعاب محل الفرض أجزأه، سواء كان بضربة، أو ~~ضربتين أو ثلاث، أو أكثر. ### | [فصل تيمم بضربتين للوجه واليدين إلى المرفقين] # (363) فصل: وإن تيمم بضربتين للوجه واليدين إلى المرفقين، فإنه يمسح ~~بالأولى وجهه، ويمسح بالثانية يديه، فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور ~~أصابع يده اليمنى، ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع قبض أطراف أصابعه ~~على حرف الذراع، ويمرها إلى مرفقه، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع، ويمرها ~~عليه، ويرفع إبهامه، فإذا بلغ الكوع أمر الإبهام على ظهر إبهام يده اليمنى، ~~ويمسح بيده اليمنى يده اليسرى كذلك، ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل ~~بين أصابعهما، ولو مسح إلى المرفقين بضربة واحدة، أو ثلاث، أو أكثر جاز؛ ~~لأنه مسح محل التيمم بالغبار، فجاز كما لو مسحه بضربتين. ### | [فصل بقي من محل الفرض شيء لم يصله التراب] # فصل: فإن بقي من محل الفرض شيء لم يصله التراب، أمر يده عليهما، ما لم ~~يفصل راحته، فإن فصل راحته، وكان قد بقي عليها غبار، جاز أن يمسح بها. وإن ~~لم يبق عليها غبار، احتاج إلى ضربة أخرى. وإن كان المتروك من الوجه مسحه، ~~وأعاد مسح يديه، ليحصل الترتيب. وإن تطاول الفصل بينهما، وقلنا ms0219 بوجوب ~~الموالاة، استأنف التيمم، لتحصل الموالاة. ويرجع في طول الفصل وقصره إلى ~~القدر الذي ذكرناه في الطهارة؛ لأن التيمم فرع عليها. والحكم في التسمية ~~كالحكم في التسمية في الوضوء، ما مضى من الخلاف فيه؛ لأنه بدل منه. ### | [فصل مسح اليدين إلى الموضع الذي يقطع منه السارق] # (365) فصل: ويجب مسح اليدين إلى الموضع الذي يقطع منه السارق، أومأ أحمد ~~إلى هذا لما سئل عن التيمم، فأومأ إلى كفه ولم يجاوزه، وقال: قال الله ~~تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] . من أين تقطع يد ~~السارق؟ أليس من هاهنا؟ وأشار إلى الرسغ. وقد روينا عن ابن عباس نحو هذا، ~~فعلى هذا، إن كان أقطع من فوق الرسغ سقط مسح اليدين، وإن كان من دونه مسح ~~ما بقي، وإن كان من المفصل، فقال ابن عقيل: يمسح موضع القطع. قال: ونص عليه ~~أحمد؛ لأن الرسغين في التيمم كالمرفقين في الوضوء، فكما أنه إذا قطع من ~~المرفقين في الوضوء، غسل ما بقي، كذا هاهنا يمسح العظم الباقي. # وقال القاضي: يسقط الفرض؛ لأن محله الكف الذي يؤخذ في السرقة، وقد ذهب، ~~لكن يستحب إمرار التراب عليه. ومسح العظم الباقي مع بقاء الكف إنما كان ~~ضرورة استيعاب الواجب؛ لأن الواجب لا يتم إلا به، فإذا زال الأصل المأمور ~~به، سقط ما وجب لضرورته، كمن # PageV01P187 # سقط عنه غسل الوجه، لا يجب عليه غسل جزء من الرأس، ومن سقط عنه الصيام، ~~لا يجب عليه إمساك جزء من الليل. ### | [فصل أوصل التراب إلى محل الفرض بخرقة أو خشبة] # (366) فصل: فإن أوصل التراب إلى محل الفرض بخرقة أو خشبة، فقال القاضي: ~~يجزئه؛ لأن الله تعالى أمر بالمسح، ولم يعين آلته، فلا يتعين. وقال ابن ~~عقيل: فيه وجهان، بناء على مسح الرأس بخرقة رطبة. وإن مسح محل الفرض بيد ~~واحدة، أو ببعض يده، أجزأه، إذ كانت يده أقرب إليه من غيرها. وإن يممه غيره ~~جاز، كما لو وضأه غيره، وتعتبر النية في المتيمم دون الميمم؛ لأنه الذي ~~يتعلق الإجزاء والمنع به. ### | [مسألة كان ms0220 ما ضرب بيديه غير طاهر] # (367) مسألة: قال: (وإن كان ما ضرب بيديه غير طاهر لم يجزه) لا نعلم في ~~هذا خلافا. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، إلا أن الأوزاعي، ~~قال: إن تيمم بتراب المقبرة وصلى، مضت صلاته. ولنا قول الله تعالى: ~~{فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] . والنجس ليس بطيب؛ ولأن التيمم طهارة، ~~فلم يجز بغير طاهر، كالوضوء، فأما المقبرة فإن كانت لم تنبش، فترابها طاهر، ~~وإن كان نبشها والدفن فيها تكرر، لا يجوز التيمم بترابها؛ لاختلاطه بصديد ~~الموتى ولحومهم. وإن شك في تكرر الدفن فيها، أو في نجاسة التراب الذي تيمم ~~به، جاز التيمم به؛ لأن الأصل الطهارة، فلا يزول بالشك، كما لو شك في طهارة ~~الماء. ### | [فصل تيمم جماعة من موضع واحد] # (368) فصل: ويجوز أن يتيمم جماعة من موضع واحد بغير خلاف، كما يجوز أن ~~يتوضأ جماعة من حوض واحد. فأما ما تناثر من الوجه واليدين بعد مسحهما به، ~~ففيه وجهان: أحدهما، يجوز التيمم به؛ لأنه لم يرفع الحدث. وهذا قول أبي ~~حنيفة. والثاني لا يجوز؛ لأنه مستعمل في طهارة أباحت الصلاة، أشبه الماء ~~المستعمل في الطهارة وللشافعي وجهان كهذين. ### | [مسألة كان به قرح أو مرض مخوف وأجنب فخشي على نفسه إن أصابه الماء] # (369) مسألة: قال: (وإذا كان به قرح أو مرض مخوف، وأجنب، فخشي على نفسه ~~إن أصابه الماء، غسل الصحيح من جسده، وتيمم لما لم يصبه الماء) هذه المسألة ~~دالة على أحكام منها: إباحة التيمم للجنب، وهو قول جمهور العلماء منهم: ~~علي، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وأبو موسى، وعمار، وبه قال الثوري، ومالك، ~~والشافعي، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر، # PageV01P188 # وأصحاب الرأي. # وكان ابن مسعود لا يرى التيمم للجنب، ونحوه عن عمر، - رضي الله عنهما -، ~~وروى البخاري عن شقيق بن سلمة، أن أبا موسى ناظر ابن مسعود في ذلك، واحتج ~~عليه بحديث عمار، وبالآية التي في المائدة، قال: فما درى عبد الله ما يقول، ~~فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم ms0221 الماء أن يدعه ~~ويتيمم. وقال الترمذي: ويروى عن ابن مسعود أنه رجع عن قوله. # ومما يدل على إباحة التيمم للجنب: ما روى عمران بن حصين «، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم، فقال: يا فلان، ~~ما منعك أن تصلي مع القوم؟ . فقال: أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: عليك ~~بالصعيد، فإنه يكفيك» . متفق عليه. وحديث أبي ذر، وعمرو بن العاص، وحديث ~~جابر في الذي أصابته الشجة؛ لأنه حدث فيجوز له التيمم، كالحدث الأصغر، # ومنها أن الجريح والمريض إذا خاف على نفسه من استعمال الماء، جاز له ~~التيمم، هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، ~~والنخعي، وقتادة، ومالك، والشافعي. ولم يرخص له عطاء في التيمم إلا عند عدم ~~الماء؛ لظاهر الآية، ونحوه عن الحسن في المجدور الجنب، قال: لا بد من الغسل ~~ولنا قول الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] . وحديث عمرو بن ~~العاص حين تيمم من خوف البرد، وحديث ابن عباس، وجابر في الذي أصابته الشجة؛ ~~ولأنه يباح له التيمم إذا خاف العطش، أو خاف من سبع، فكذلك هاهنا، فإن ~~الخوف لا يختلف، وإنما اختلفت جهاته. ### | [فصل الخوف المبيح للتيمم] # (370) فصل: واختلف في الخوف المبيح للتيمم، فروي عن أحمد: لا يبيحه إلا ~~خوف التلف. وهذا أحد قولي الشافعي. وظاهر المذهب: أنه يباح له التيمم إذا ~~خاف زيادة المرض، أو تباطؤ البرء، أو خاف شيئا # PageV01P189 # فاحشا، أو ألما غير محتمل. وهذا مذهب أبي حنيفة، والقول الثاني للشافعي. ~~وهو الصحيح؛ لعموم قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر) # ولأنه يجوز له التيمم إذا خاف ذهاب شيء من ماله، أو ضررا في نفسه؛ من لص، ~~أو سبع، أو لم يجد الماء إلا بزيادة على ثمن مثله كثيرة؛ فلأن يجوز هاهنا ~~أولى؛ ولأن ترك القيام في الصلاة، وتأخير الصيام، لا ينحصر في خوف التلف، ~~وكذلك ترك الاستقبال، فكذا هاهنا فأما المريض أو الجريح الذي لا يخاف الضرر ~~باستعمال الماء، مثل من به الصداع ms0222 والحمى الحارة، أو أمكنه استعمال الماء ~~الحار، ولا ضرر عليه فيه، لزمه ذلك؛ لأن إباحة التيمم لنفي الضرر، ولا ضرر ~~عليه هاهنا. # وحكي عن مالك، وداود إباحة التيمم للمريض مطلقا؛ لظاهر الآية. ولنا أنه ~~واجد للماء، لا يستضر باستعماله، فلم يجز له التيمم، كالصحيح، والآية اشترط ~~فيها عدم الماء، فلم يتناول محل النزاع، على أنه لا بد فيها من إضمار ~~الضرورة، والضرورة إنما تكون عند الضرر، ومنها أن الجريح والمريض إذا أمكنه ~~غسل بعض جسده دون بعض، لزمه غسل ما أمكنه، وتيمم للباقي. وبهذا قال ~~الشافعي. # وقال أبو حنيفة، ومالك: إن كان أكثر بدنه صحيحا غسله، ولا تيمم عليه، وإن ~~كان أكثره جريحا، تيمم ولا غسل عليه؛ لأن الجمع بين البدل والمبدل لا يجب، ~~كالصيام والإطعام. # ولنا ما روى جابر قال: «خرجنا في سفر، فأصاب رجلا منا شجة في وجهه، ثم ~~احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة، ~~وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أخبر بذلك، فقال: قتلوه، قتلهم الله ألا سألوا، إذ لم يعلموا، فإنما ~~شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح ~~عليها، ثم يغسل سائر جسده.» رواه أبو داود، وعن ابن عباس مثله. # ولأن كل جزء من الجسد يجب تطهيره بشيء إذا استوى الجسم كله في المرض أو ~~الصحة. فيجب ذلك فيه وإن خالفه غيره، كما لو كان من جملة الأكثر، فإن حكمه ~~لا يسقط بمعنى في غيره، وما ذكروه منتقض بالمسح على الخفين مع غسل بقية ~~أعضاء الوضوء، ويفارق ما قاسوا عليه، فإنه جمع بين البدل والمبدل في محل ~~واحد، بخلاف هذا، فإن التيمم بدل عما لا يصيبه الماء، دون ما أصابه # PageV01P190 ### | [فصل ما لا يمكن غسله من الصحيح إلا بانتشار الماء إلى الجريح] # (371) فصل: ما لا يمكن غسله من الصحيح إلا بانتشار الماء إلى الجريح، ~~حكمه حكم الجريح، فإن لم يمكنه ضبطه، وقدر أن ms0223 يستنيب من يضبطه، لزمه ذلك، ~~فإن عجز عن ذلك تيمم وصلى وأجزأه؛ لأنه عجز عن غسله، فأجزأه التيمم عنه ~~كالجريح. ### | [فصل كان الجريح جنبا] # (372) فصل: إذا كان الجريح جنبا فهو مخير، إن شاء قدم التيمم على الغسل، ~~وإن شاء أخره، بخلاف ما إذا كان التيمم لعدم ما يكفيه لجميع أعضائه، فإنه ~~يلزمه استعمال الماء أولا؛ لأن التيمم للعدم، ولا يتحقق إلا بعد فراغ ~~الماء، وها هنا التيمم للعجز عن استعماله في الجريح، وهو متحقق على كل حال؛ ~~ولأن الجريح يعلم أن التيمم بدل عن غسل الجرح، والعادم لما يكفي جميع ~~أعضائه لا يعلم القدر الذي يتيمم له إلا بعد استعمال الماء وفراغه، فلزمه ~~تقديم استعماله. وإن كان الجريح يتطهر للحدث الأصغر، فذكر القاضي أنه يلزمه ~~الترتيب فيجعل التيمم في مكان الغسل الذي يتيمم بدلا عنه، فإن كان الجرح في ~~وجهه بحيث لا يمكنه غسل شيء منه، لزمه التيمم أولا، ثم يتيمم للوضوء. وإن ~~كان في بعض وجهه خير بين غسل صحيح وجهه ثم تيمم، وبين أن يتيمم ثم يغسل ~~صحيح وجهه ويتمم وضوءه. # وإن كان الجرح في عضو آخر، لزمه غسل ما قبله، ثم كان فيه على ما ذكرنا في ~~الوجه. وإن كان في وجهه ويديه ورجليه، احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل ~~غسله، ليحصل الترتيب. ولو غسل صحيح وجهه، ثم تيمم له وليديه تيمما واحدا، ~~لم يجزه؛ لأنه يؤدي إلى سقوط الفرض عن جزء من الوجه واليدين في حالة واحدة. # فإن قيل: يبطل هذا بالتيمم عن جملة الطهارة، حيث يسقط الفرض عن جميع ~~الأعضاء جملة واحدة. # PageV01P191 # قلنا: إذا كان عن جملة الطهارة، فالحكم له دونها، وإن كان عن بعضها، ناب ~~عن ذلك البعض، فاعتبر فيه ما يعتبر فيما ينوب عنه من الترتيب. ويحتمل أن لا ~~يجب هذا الترتيب؛ لأن التيمم طهارة مفردة، فلا يجب الترتيب بينها وبين ~~الطهارة الأخرى، كما لو كان الجريح جنبا؛ ولأنه تيمم عن الحدث الأصغر، فلم ~~يجب أن يتيمم عن كل عضو في ms0224 موضع غسله، كما لو تيمم عن جملة الوضوء؛ ولأن في ~~هذا حرجا وضررا، فيندفع بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ~~[الحج: 78] . وحكى الماوردي، عن مذهب الشافعي مثل هذا. وحكى ابن الصباغ عنه ~~مثل القول الأول. ### | [فصل تيمم الجريح لجرح في بعض أعضائه ثم خرج الوقت] # (373) وإن تيمم الجريح لجرح في بعض أعضائه، ثم خرج الوقت، بطل تيممه، ولم ~~تبطل طهارته بالماء إن كانت غسلا لجنابة أو نحوها؛ لأن الترتيب والموالاة ~~غير واجبين فيها. وإن كانت وضوءا، وكان الجرح في وجهه، خرج بطلان الوضوء ~~على الوجهين اللذين في الفصل الذي قبل هذا؛ فمن أوجب الترتيب أبطل الوضوء ~~هاهنا؛ لأن طهارة العضو الذي ناب التيمم عنه بطلت، فلو لم يبطل فيما بعده ~~لتقدمت طهارة ما بعده عليه، فيفوت الترتيب. [ومن] لم يوجب الترتيب لم يبطل ~~الوضوء، وجوز له أن يتيمم لا غير. وإن كان الجرح في إحدى رجليه، أو فيهما، ~~فعلى قول من لا يوجب الترتيب بين الوضوء والتيمم، لا تجب الموالاة بينهما ~~أيضا، وعليه التيمم وحده. ومن أوجب الترتيب، فقياس قوله: أن يكون في ~~الموالاة وجهان، بناء على الموالاة في الوضوء، وفيها روايتان؛ إحداهما، ~~تجب، فتجب هاهنا، ويبطل الوضوء لفواتها. # والثانية لا تجب، فيكفيه التيمم وحده. ويحتمل أن لا تجب الموالاة بين ~~الوضوء والتيمم، وجها واحدا؛ لأنهما طهارتان، فلم تجب المولاة بينهما، ~~كسائر الطهارات؛ ولأن في إيجابها حرجا، فينتفي بقوله سبحانه: {وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] . ### | [فصل خاف من شدة البرد وأمكنه أن يسخن الماء] # (374) فصل: وإن خاف من شدة البرد، وأمكنه أن يسخن الماء، أو يستعمله على ~~وجه يأمن الضرر، مثل أن يغسل عضوا عضوا، وكلما غسل شيئا ستره، لزمه ذلك. ~~وإن لم يقدر، تيمم وصلى في قول أكثر أهل العلم. وقال عطاء، والحسن: يغتسل، ~~وإن مات، لم يجعل الله له عذرا. ومقتضى قول ابن مسعود: أنه لا يتيمم؛ فإنه ~~قال: لو رخصنا لهم في هذا لأوشك أحدهم إذا برد عليه الماء أن يتيمم ms0225 ويدعه. # ولنا، قول الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] ، وقوله تعالى: ~~{ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] . وروى أبو داود، وأبو بكر ~~الخلال، بإسنادهما «، عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت # PageV01P192 # في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ~~ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ~~عمرو، أصليت بأصحابك، وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: ~~إني سمعت الله عز وجل يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} ~~[النساء: 29] . فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يقل شيئا» . ~~وسكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على الجواز؛ لأنه لا يقر على ~~الخطأ؛ ولأنه خائف على نفسه، فأبيح له التيمم كالجريح والمريض، وكما لو خاف ~~على نفسه عطشا أو لصا أو سبعا في طلب الماء. # وإذا تيمم وصلى، فهل يلزمه الإعادة؟ على روايتين: إحداهما، لا يلزمه. وهو ~~قول الثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وابن المنذر؛ لحديث عمرو، فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يأمره بالإعادة، ولو وجبت لأمره بها؛ ولأنه خائف على ~~نفسه، أشبه المريض؛ ولأنه أتى بما أمر به، فأشبه سائر من يصلي بالتيمم. ~~والثانية يلزمه الإعادة. # وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنه عذر نادر غير متصل، فلم يمنع الإعادة ~~كنسيان الطهارة. والأول أصح. # ويفارق نسيان الطهارة؛ لأنه لم يأت بما أمر به، وإنما ظن أنه أتى به، ~~بخلاف مسألتنا. وقال أبو الخطاب: لا إعادة عليه إن كان مسافرا، وإن كان ~~حاضرا فعلى روايتين؛ وذلك لأن الحضر مظنة القدرة على تسخين الماء، ودخول ~~الحمامات، بخلاف السفر، وقال الشافعي: يعيد إن كان حاضرا، وإن كان مسافرا ~~فعلى قولين. ### | [مسألة قال إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها وصلى به فوائت] # (375) مسألة: قال: (وإذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها، وصلى به فوائت ~~إن كانت عليه، والتطوع إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى) المذهب أن التيمم يبطل ~~بخروج الوقت ودخوله، ولعل الخرقي إنما علق بطلانه، بدخول وقت صلاة ms0226 أخرى ~~تجوزا منه، إذا كان خروج وقت الصلاة ملازما لدخول وقت الأخرى، إلا في موضع ~~واحد، وهو وقت الفجر، فإنه يخرج منفكا عن دخول وقت الظهر، ويبطل التيمم بكل ~~واحد منهما فلا يجوز أن يصلي به صلاتين في وقتين، روي ذلك عن علي، وابن ~~عمر، وابن عباس، - رضي الله عنهم -، والشعبي، والنخعي، وقتادة، ويحيى ~~الأنصاري، وربيعة، ومالك، والشافعي، والليث، وإسحاق. وروى الميموني، عن ~~أحمد في المتيمم، قال: إنه ليعجبني أن يتيمم لكل صلاة، ولكن القياس أنه ~~بمنزلة الطهارة حتى يجد الماء، أو يحدث؛ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في الجنب. # يعني قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا ذر، «الصعيد الطيب طهور ~~المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك» . وهو ~~مذهب سعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، والثوري، وأصحاب الرأي. وروي عن ابن ~~عباس، وأبي جعفر؛ لأنها طهارة تبيح الصلاة، فلم تتقدر بالوقت كطهارة الماء. # PageV01P193 # ولنا، ما روى الحارث، عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: التيمم لكل صلاة. ~~وابن عمر قال: تيمم لكل صلاة؛ ولأنها طهارة ضرورة، فتقيدت بالوقت؛ كطهارة ~~المستحاضة، وطهارة الماء ليست للضرورة، بخلاف مسألتنا. والحديث أراد به أنه ~~يشبه الوضوء في إباحة الصلاة، ويلزمه التساوي في جميع الأحكام. # إذا ثبت هذا، فإنه إذا نوى بتيممه مكتوبة، فله أن يصلي به ما شاء من ~~الصلوات، فيصلي الحاضرة، ويجمع بين الصلاتين، ويقضي فوائت، ويتطوع قبل ~~الصلاة وبعدها. هذا قول أبي ثور. وقال مالك، والشافعي: لا يصلي به فرضين. # وقد روي عن أحمد، أنه قال: لا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم ~~للأخرى. وهذا يحتمل أن يكون مثل قولهما؛ لما روي عن ابن عباس، أنه قال: من ~~السنة أن لا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للأخرى. وهذا مقتضى سنة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنها طهارة ضرورة فلا يجمع بها بين ~~فريضتين، كما لو كانا في وقتين. ولنا أنها طهارة صحيحة، أباحت فرضا، فأباحت ~~فرضين، كطهارة الماء؛ ولأنه بعد الفرض ms0227 الأول تيمم صحيح مبيح للتطوع، نوى به ~~المكتوبة، فكان له أن يصلي به فرضا، كحالة ابتدائه؛ ولأن الطهارة في ~~الأصول، إنما تتقيد بالوقت دون الفعل، كطهارة الماسح على الخف، وهذه في ~~النوافل، وطهارة المستحاضة؛ ولأن كل تيمم أباح صلاة أباح ما هو من نوعها، ~~بدليل صلوات النوافل. # وأما حديث ابن عباس، فيرويه الحسن بن عمارة، وهو ضعيف، ثم يحتمل أنه أراد ~~أن لا يصلي به صلاتين في وقتين؛ بدليل أنه يجوز أن يصلي به صلوات من ~~التطوع، ويجمع بين صلاتين فرض ونفل، وإنما امتنع الجمع بين فرضي وقتين، ~~لبطلان التيمم، بخروج وقت الأولى منها. إذا ثبت هذا، فإن الخرقي إنما ذكر ~~قضاء الفوائت والتطوع، ولم يذكر الجمع بين صلاتين، وكذا ذكر الإمام أحمد، ~~فيحتمل أن لا يجوز الجمع بين الصلاتين. وهو مذهب أبي ثور. # والصحيح جواز الجمع؛ لما ذكرنا من الأدلة؛ ولأن ما أباح فرضين فائتين ما ~~أباح فرضين في الجمع، كسائر الطهارات. وقال الماوردي: ليس للمتيمم أن يجمع ~~بين صلاتين بحال؛ لأن الصلاة الثانية تفتقر إلى تيمم، والتيمم يفتقر إلى ~~طلب، والطلب يقطع الجمع، ومن شرطه الموالاة - يعني على مذهب الشافعي - وهذا ~~ينبغي أن يتقيد بالجمع في وقت الأولى، فأما الجمع في وقت الثانية، فلا ~~تشترط له الموالاة في الصحيح. فإن قيل: فكيف يمكن قضاء الفوائت، والترتيب ~~شرط، فيجب تقديم الفائتة على الحاضرة فكيف تتأخر الفائتة عنها؟ قلنا: يمكن ~~ذلك لوجوه: أحدها أن يقدم الفائتة على الحاضرة. # PageV01P194 # الثاني أن ينسى الفائتة، ثم يذكرها بعد الحاضرة. الثالث أن يخشى فوات وقت ~~الحاضرة، فيصليها، ثم يصلي في بقية الوقت فوائت. # الرابع أنه إذا كثرت الفوائت بحيث لا يمكن قضاؤها قبل خروج وقت الحاضرة، ~~فله أن يصلي الحاضرة في الجماعة في أول الوقت، ويقدمها على الفوائت، في ~~إحدى الروايتين؛ فإنه لا بد من تقديمها على بعض الفوائت، فلا فائدة في ~~تأخيرها؛ ولأنه لو لزم تأخيرها إلى آخر وقتها، للزم ترك الجماعة الحاضرة ~~بالكلية ### | [مسألة إذا خاف العطش حبس الماء وتيمم] # (376) مسألة: قال: ms0228 (وإذا خاف العطش حبس الماء وتيمم، ولا إعادة عليه) قال ~~ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا كان معه ~~ماء، وخشي العطش، أنه يبقي ماءه للشرب، ويتيمم؛ منهم علي، وابن عباس، ~~والحسن، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وقتادة، والضحاك، والثوري، ومالك، والشافعي، ~~وإسحاق، وأصحاب الرأي؛ ولأنه خائف على نفسه من استعمال الماء، فأبيح له ~~التيمم، كالمريض. ### | [فصل المتيمم إذا خاف على رفيقه أو رقيقه أو بهائمه] # (377) فصل: وإن خاف على رفيقه، أو رقيقه، أو بهائمه، فهو كما لو خاف على ~~نفسه؛ لأن حرمة رفيقه كحرمة نفسه، والخائف على بهائمه خائف من ضياع ماله، ~~فأشبه ما لو وجد ماء بينه وبينه لص أو سبع يخافه على بهيمته أو شيء من ~~ماله. وإن وجد عطشان يخاف تلفه، لزمه سقيه، ويتيمم. قيل لأحمد: الرجل معه ~~إداوة من ماء للوضوء، فيرى قوما عطاشا، أحب إليك أن يسقيهم أو يتوضأ؟ قال: ~~يسقيهم. ثم ذكر عدة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتيممون، ~~ويحبسون الماء لشفاههم. وقال أبو بكر، والقاضي: لا يلزمه بذله؛ لأنه محتاج ~~إليه. # ولنا أن حرمة الآدمي تقدم على الصلاة، بدليل ما لو رأى حريقا، أو غريقا، ~~في الصلاة عند ضيق وقتها، لزمه ترك الصلاة، والخروج لإنقاذه، فلأن يقدمها ~~على الطهارة بالماء أولى، وقد روي في الخبر، أن بغيا أصابها العطش، فنزلت ~~بئرا فشربت منه، فلما صعدت رأت كلبا يلحس الثرى من العطش، فقالت: لقد أصاب ~~هذا من العطش مثل ما أصابني. فنزلت فسقته بموقها، فغفر الله لها. فإذا كان ~~هذا الأجر من سقي الكلب، فغيره أولى. ### | [فصل وجد الخائف من العطش ماء طاهرا وماء نجسا] # (378) فصل: وإذا وجد الخائف من العطش ماء طاهرا، وماء نجسا، يكفيه أحدهما ~~لشربه فإنه يحبس الماء الطاهر # PageV01P195 # لشربه، ويريق النجس إن استغنى عن شربه. وقال القاضي: يتوضأ بالطاهر، ~~ويحبس النجس لشربه؛ لأنه وجد ماء طاهرا مستغنى عن شربه. فأشبه ما لو كان ~~ماء كثيرا طاهرا، ولنا أنه لا يقدر على ms0229 ما يجوز الوضوء به، ولا على ما يجوز ~~له شربه سوى هذا الطاهر، فجاز له حبسه إذا خاف العطش، كما لو لم يكن معه ~~سواه. وإن وجدهما وهو عطشان، شرب الطاهر، وأراق النجس إذا استغنى عنه، سواء ~~كان في الوقت، أو قبله. وقال بعض الشافعية: إن كان في الوقت شرب النجس؛ لأن ~~الطاهر مستحق الطهارة، فهو كالمعدوم. وليس بصحيح؛ لأن شرب النجس حرام، ~~وإنما يصير الطاهر مستحقا للطهارة إذا استغنى عن شربه، وهذا غير مستغن عن ~~شربه، ووجود النجس كعدمه؛ لتحريم شربه. ### | [فصل كان الماء موجودا إلا أنه إذا اشتغل بتحصيله واستعماله فات الوقت] # (379) فصل: وإذا كان الماء موجودا إلا أنه إذا اشتغل بتحصيله واستعماله ~~فات الوقت، لم يبح له التيمم، سواء كان حاضرا أو مسافرا، في قول أكثر أهل ~~العلم منهم: الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وعن الأوزاعي، ~~والثوري: له التيمم. رواه عنهما الوليد بن مسلم. قال الوليد: فذكرت ذلك ~~لمالك، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، فقالوا: يغتسل، وإن طلعت الشمس؛ ~~وذلك لقول الله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] وحديث أبي ذر، ~~وهذا واجد للماء؛ ولأنه قادر على الماء، فلم يجز له التيمم، كما لو لم يخف ~~فوت الوقت؛ ولأن الطهارة شرط، فلم يبح تركها خيفة فوت وقتها، كسائر ~~شرائطها. # وإن خاف فوت العيد، لم يجز له التيمم. وقال الأوزاعي، وأصحاب الرأي: له ~~التيمم؛ لأنه يخاف فوتها بالكلية، فأشبه العادم، ولنا الآية والخبر، وما ~~ذكرنا من المعنى، وإن خاف فوت الجنازة فكذلك في إحدى الروايتين؛ لما ذكرنا ~~والأخرى، يباح له التيمم، ويصلي عليها. وبه قال النخعي، والزهري، والحسن، ~~ويحيى الأنصاري، وسعد بن إبراهيم، والليث، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، ~~وأصحاب الرأي؛ لأنه لا يمكن استدراكها بالوضوء، فأشبه العادم. # وقال الشعبي: يصلي عليها من غير وضوء ولا تيمم؛ لأنها لا ركوع فيها ولا ~~سجود، وإنما هي دعاء، فأشبهت الدعاء في غير الصلاة ولنا قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور. وقوله: لا ms0230 يقبل الله صلاة ~~من أحدث حتى يتوضأ» . وقول الله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} [المائدة: 6] الآية ثم أباح ترك الغسل مشروطا بعدم الماء، بقوله ~~تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] ، فما لم يوجد الشرط يبقى على ~~قضية العموم ### | [مسألة نسي الجنابة وتيمم للحدث] # (380) مسألة: قال: (وإذا نسي الجنابة وتيمم للحدث لم يجزه) # PageV01P196 # وبهذا قال مالك، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة، والشافعي: يجزئه؛ لأن ~~طهارتهما واحدة، فسقطت إحداهما بفعل الأخرى كالبول والغائط. ولنا، قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما ~~نوى» ، وهذا لم ينو الجنابة، فلم يجزه عنها؛ ولأنهما سببان مختلفان، فلم ~~تجز نية أحدهما عن الآخر، كالحج والعمرة؛ ولأنهما طهارتان، فلم تتأد ~~إحداهما بنية الأخرى، كطهارة الماء عند الشافعي، وفارق ما قاسوا عليه؛ فإن ~~حكمهما واحد، وهو الحدث الأصغر، ولهذا تجزئ نية أحدهما عن نية الآخر في ~~طهارة الماء. ### | [فصل التيمم للجنابة لا يجزئ عن الحدث الأصغر] # (381) فصل: وإن تيمم للجنابة، لم يجزه عن الحدث الأصغر؛ لما ذكرنا ~~والخلاف فيها كالتي قبلها، فعلى هذا يحتاج إلى تعيين ما تيمم له من الحدث ~~الأصغر والجنابة والحيض والنجاسة؛ فإن نوى الجميع بتيمم واحد أجزأه؛ لأن ~~فعله واحد، فأشبه طهارة الماء، وإن نوى بعضها أجزأه عن المنوي دون ما سواه، ~~وإن كان التيمم عن جرح في عضو من أعضائه، نوى التيمم عن غسل ذلك العضو. ### | [فصل التيمم للجنابة دون الحدث] # (382) فصل: وإذا تيمم للجنابة دون الحدث، أبيح له ما يباح للمحدث من ~~قراءة القرآن، واللبث في المسجد، ولم تبح له الصلاة، والطواف، ومس المصحف. ~~وإن أحدث لم يؤثر ذلك في تيممه؛ لأنه نائب عن الغسل، فلم يؤثر الحدث فيه، ~~كالغسل. وإن تيمم للجنابة والحدث، ثم أحدث، بطل تيممه للحدث، وبقي تيمم ~~الجنابة بحاله، ولو تيممت المرأة بعد طهرها من حيضها لحدث الحيض، ثم أجنبت، ~~لم يحرم وطؤها؛ لأن حكم تيمم الحيض باق، ولا يبطل بالوطء؛ لأن الوطء إنما ~~يوجب حدث الجنابة. قال ابن عقيل: وإن ms0231 قلنا كل صلاة تحتاج إلى تيمم، احتاج ~~كل وطء إلى تيمم يخصه، والأول أصح. ### | [مسألة وجد المتيمم الماء وهو في الصلاة] # (383) مسألة: قال: (وإذا وجد المتيمم الماء، وهو في الصلاة، خرج فتوضأ، ~~أو اغتسل إن كان جنبا، واستقبل الصلاة) المشهور في المذهب أن المتيمم إذا ~~قدر على استعمال الماء بطل تيممه، سواء كان في الصلاة أو خارجا منها؛ فإن ~~كان في الصلاة بطلت، لبطلان طهارته، ويلزمه استعمال الماء، فيتوضأ إن كان ~~محدثا، ويغتسل إن كان جنبا. وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة. وقال مالك، ~~والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: إن كان في الصلاة، مضى فيها. وقد روي ذلك ~~عن أحمد، إلا أنه روي عنه ما يدل على رجوعه عنه. # قال المروذي: قال أحمد: كنت أقول يمضي. ثم تدبرت، فإذا أكثر الأحاديث على ~~أنه يخرج. وهذا يدل على رجوعه عن هذه الرواية. واحتجوا بأنه وجد المبدل بعد ~~التلبس بمقصود البدل، فلم يلزمه # PageV01P197 # الخروج، كما لو وجد الرقبة بعد التلبس بالصيام؛ ولأنه غير قادر على ~~استعمال الماء؛ لأن قدرته تتوقف على إبطال الصلاة، وهو منهي عن إبطالها، ~~بقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] ولنا قوله - عليه السلام -: ~~«الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء ~~فأمسه جلدك» . أخرجه أبو داود والنسائي. # دل بمفهومه: على أنه لا يكون طهورا عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب ~~إمساسه جلده عند وجوده؛ ولأنه قدر على استعمال الماء، فبطل تيممه، كالخارج ~~من الصلاة؛ ولأن التيمم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة كطهارة المستحاضة ~~إذا انقطع دمها. يحققه أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما أبيح للمتيمم أن ~~يصلي مع كونه محدثا؛ لضرورة العجز عن الماء، فإذا وجد الماء زالت الضرورة، ~~فظهر حكم الحدث كالأصل، ولا يصح قياسهم؛ فإن الصوم هو البدل نفسه، فنظيره ~~إذا قدر على الماء بعد تيممه، ولا خلاف في بطلانه. ثم الفرق بينهما أن مدة ~~الصيام تطول، فيشق الخروج منه؛ لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين، بخلاف ~~مسألتنا. # وقولهم: إنه غير ms0232 قادر غير صحيح فإن الماء قريب، وآلته صحيحة، والموانع ~~منتفية، وقولهم: إنه منهي عن إبطال الصلاة. قلنا: لا يحتاج إلى إبطال ~~الصلاة، بل هي تبطل بزوال الطهارة، كما في نظائرها. فإذا ثبت هذا، فمتى خرج ~~فتوضأ لزمه استئناف الصلاة. وقيل: فيه وجه آخر، أنه يبنى على ما مضى منها، ~~كالذي سبقه الحدث. والصحيح أنه لا يبني؛ لأن الطهارة شرط، وقد فاتت ببطلان ~~التيمم، فلا يجوز بقاء الصلاة مع فوات شرطها، ولا يجوز بقاء ما مضى صحيحا ~~مع خروجه منها قبل إتمامها. وكذا نقول فيمن سبقه الحدث وإن سلمنا، فالفرق ~~بينهما أن ما مضى من الصلاة انبنى على طهارة ضعيفة هاهنا، فلم يكن له ~~البناء عليه، كطهارة المستحاضة، بخلاف من سبقه الحدث. ### | [فصل المصلي بغير وضوء ولا تيمم إذا وجد ماء في الصلاة أو ترابا] # (384) فصل: والمصلي على حسب حاله بغير وضوء، ولا تيمم، إذا وجد ماء في ~~الصلاة، أو ترابا خرج منها بكل حال؛ لأنها صلاة بغير طهارة. ويحتمل أن يخرج ~~فيها مثل ما في التيمم إذا وجد الماء؛ إذا قلنا إنه لا تلزمه الإعادة؛ ولأن ~~الطهارة شرط سقط اعتباره، فأشبهت السترة إذا عجز عنها، فصلى عريانا، ثم وجد ~~السترة في أثناء الصلاة قريبا منه، وكل صلاة يلزمه إعادتها، فإنه يلزمه ~~الخروج منها إذا زال العذر، ويلزمه استقبالها. وإن قلنا لا يلزمه إعادتها، ~~فإنها تشبه صلاة المتيمم إذا وجد الماء، على ما مضى من القول فيها ### | [فصل يمم الميت ثم قدر على الماء في أثناء الصلاة] # (385) فصل: ولو يمم الميت، ثم قدر على الماء في أثناء الصلاة عليه، لزمه ~~الخروج؛ لأن غسل الميت ممكن، غير # PageV01P198 # متوقف على إبطال المصلي صلاته، بخلاف مسألتنا، ويحتمل أن تكون كمسألتنا؛ ~~لأن الماء وجد بعد الدخول في الصلاة. # (386) فصل: وإذا قلنا لا يلزم المصلي الخروج لرؤية الماء، فهل يجوز له ~~الخروج؟ فيه وجهان: أحدهما، له ذلك؛ لأنه شرع في مقصود البدل، فخير بين ~~الرجوع إلى المبدل، وبين إتمام ما شرع فيه، كمن شرع في صوم ms0233 الكفارة، ثم ~~أمكنه الرقبة. والثاني لا يجوز له الخروج؛ لأن ما لا يوجب الخروج من الصلاة ~~لا يبيح الخروج منها، كسائر الأشياء. ولأصحاب الشافعي وجهان، كهذين. ### | [فصل رأى ماء في الصلاة ثم انقلب قبل استعماله] # (387) فصل: إذا رأى ماء في الصلاة، ثم انقلب قبل استعماله، فإن قلنا ~~يلزمه الخروج من الصلاة. فقد بطلت صلاته وتيممه برؤية الماء، والقدرة عليه، ~~ويلزمه استئناف التيمم والصلاة، وإن قلنا لا تبطل صلاته. واندفق وهو فيها، ~~فقال ابن عقيل: ليس له أن يصلي بذلك التيمم صلاة أخرى. وهذا مذهب الشافعي؛ ~~لأن رؤية الماء حرمت عليه افتتاح صلاة أخرى. ولو تلبس بنافلة، ثم رأى ماء؛ ~~فإن كان نوى عددا، أتى به. # وإن لم يكن نوى عددا، لم يكن له أن يزيد على ركعتين؛ لأنه أقل الصلاة، ~~على ظاهر المذهب. قال الشيخ، - رحمه الله -: ويقوى عندي أننا إذا قلنا لا ~~تبطل الصلاة برؤية الماء. فله افتتاح صلاة أخرى؛ لأن رؤية الماء لم تبطل ~~التيمم، ولو بطل لبطلت الصلاة، وما وجد بعدها لا يبطله، فأشبه ما لو رآه ~~وبينه وبينه سبع ثم اندفق قبل زوال المانع، وله أن يصلي ما يشاء، كما لو لم ~~ير الماء. ### | [فصل تيمم ثم رأى ركبا يظن أن معه ماء] # (388) فصل: إذا تيمم، ثم رأى ركبا يظن أن معه ماء، وقلنا بوجوب الطلب، أو ~~رأى خضرة، أو شيئا يدل على الماء في موضع يلزمه الطلب فيه، بطل تيممه، ~~وكذلك إن رأى سرابا ظنه ماء، بطل تيممه. وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه لما وجب ~~الطلب بطل التيمم. وسواء تبين له خلاف ظنه أو لم يتبين. فأما إن رأى الركب ~~أو الخضرة في الصلاة، لم تبطل صلاته ولا تيممه؛ لأنه دخل فيها بطهارة ~~متيقنة، فلا تزول بالشك، ويحتمل أن لا يبطل تيممه أيضا، إذا كان خارجا من ~~الصلاة؛ لأن الطهارة المتيقنة لا تبطل بالشك، كطهارة الماء، ووجوب الطلب ~~ليس بمبطل للتيمم؛ لأن كونه مبطلا إنما يثبت بدليل شرعي، وليس في هذا نص، ~~ولا معنى نص، فينتفي ms0234 الدليل. # PageV01P199 # (389) فصل: وإن خرج وقت الصلاة، وهو فيها، بطل تيممه، وبطلت صلاته؛ لأن ~~طهارته انتهت بانتهاء وقتها، فبطلت صلاته، كما لو انقضت مدة المسح، وهو في ~~الصلاة. ### | [فصل يبطل التيمم عن الحدث بكل ما يبطل الوضوء] # (390) فصل: ويبطل التيمم عن الحدث بكل ما يبطل الوضوء، ويزيد برؤية الماء ~~المقدور على استعماله، وخروج الوقت، وزاد بعض أصحابنا ظن وجود الماء، على ~~ما ذكرنا، وزاد بعضهم ما لو نزع عمامة أو خفا يجوز له المسح عليه؛ فإنه ~~يبطل تيممه. وذكر أن أحمد نص عليه؛ لأنه مبطل للوضوء، فأبطل التيمم، كسائر ~~مبطلاته. والصحيح أن هذا ليس بمبطل للتيمم، وهذا قول سائر الفقهاء؛ لأن ~~التيمم طهارة لم يمسح فيها عليه، فلا يبطل بنزعه، كطهارة الماء، وكما لو ~~كان الملبوس مما لا يجوز المسح عليه، ولا يصح قولهم: إنه مبطل للوضوء؛ لأن ~~مبطل الوضوء نزع ما هو ممسوح عليه فيه، ولم يوجد هاهنا؛ ولأن إباحة المسح ~~لا يصير بها ماسحا، ولا بمنزلة الماسح، كما لو لبس عمامة يجوز المسح عليها، ~~ومسح على رأسه من تحتها، فإنه لا تبطل طهارته بنزعها. # فأما التيمم للجنابة، فلا يبطله إلا رؤية الماء، وخروج الوقت، وموجبات ~~الغسل، وكذلك التيمم لحدث الحيض والنفاس، لا يزول حكمه إلا بحدثهما، أو ~~بأحد الأمرين. ### | [فصل التيمم لكل ما يتطهر له من نافلة أو مس مصحف] # (391) فصل: يجوز التيمم لكل ما يتطهر له من نافلة، أو مس مصحف، أو قراءة ~~قرآن، أو سجود تلاوة، أو شكر، أو لبث في مسجد. قال أحمد، يتيمم ويقرأ جزأه. ~~يعني الجنب. وبذلك قال عطاء، ومكحول، والزهري، وربيعة، ويحيى الأنصاري، ~~ومالك، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي. وقال أبو مخرمة: لا يتيمم إلا ~~لمكتوبة. وكره الأوزاعي أن يمس المتيمم المصحف، ولنا قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» ، ~~وقوله - عليه السلام -: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ؛ ولأنه يستباح ~~بطهارة الماء، فيستباح بالتيمم، كالمكتوبة. ### | [فصل كانت على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها] # (392) فصل: وإن ms0235 كانت على بدنه نجاسة، وعجز عن غسلها؛ لعدم الماء، أو خوف ~~الضرر باستعماله تيمم لها وصلى. قال أحمد: هو بمنزلة الجنب، يتيمم. وروي ~~معنى ذلك عن الحسن. وروي عن الأوزاعي، والثوري، # PageV01P200 # وأبي ثور: يمسحها بالتراب، ويصلي؛ لأن طهارة النجاسة إنما تكون في محل ~~النجاسة دون غيره. وقال القاضي: يحتمل أن يكون معنى قول أحمد: إنه بمنزلة ~~الجنب الذي يتيمم، أي أنه يصلي على حسب حاله كما يصلي الجنب الذي يتيمم، ~~وهذا قول الأكثرين من الفقهاء؛ لأن الشرع إنما ورد بالتيمم للحدث، وغسل ~~النجاسة ليس في معناه؛ لأنه إنما يؤتى به في محل النجاسة، لا في غيره؛ ولأن ~~مقصود الغسل إزالة النجاسة، ولا يحصل ذلك بالتيمم. # ولنا قوله - عليه السلام -: «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء ~~عشر سنين» ، وقوله: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ؛ ولأنها طهارة في البدن ~~تراد للصلاة، فجاز لها التيمم عند عدم الماء، أو خوف الضرر باستعماله ~~كالحدث ويفارق الغسل التيمم فإنه في طهارة الحدث يؤتى به في غير محله، فيما ~~إذا تيمم لجرح في رجله، أو موضع من بدنه غير وجهه ويديه، بخلاف الغسل، ~~وقولهم: لم يرد به الشرع. قلنا: هو داخل في عموم الأخبار، وفي معنى طهارة ~~الحدث؛ لما ذكرنا. فإذا ثبت هذا، فإنه إذا تيمم للنجاسة وصلى، فهل يلزمه ~~الإعادة؟ على روايتين. وقال أبو الخطاب: إن كان على جرحه نجاسة يستضر ~~بإزالتها، تيمم وصلى ولا إعادة عليه. وإن تيمم للنجاسة عند عدم الماء وصلى، ~~لزمته الإعادة عندي. # وقال أصحابنا: لا تلزمه الإعادة «؛ لقوله - عليه السلام -: التراب كافيك ~~ما لم تجد الماء» ؛ ولأنها طهارة ناب عنها التيمم، فلم تجب الإعادة فيها، ~~كطهارة الحدث، وكما لو تيمم لنجاسة على جرحه يضره إزالتها؛ ولأنه لو صلى من ~~غير تيمم لم يلزمه الإعادة، فمع التيمم أولى؛ فأما إن كانت النجاسة على ~~ثوبه، أو غير بدنه، فإنه لا يتيمم لها؛ لأن التيمم طهارة في البدن، فلا ~~ينوب عن غير البدن كالغسل؛ ولأن غير البدن لا ينوب فيه الجامد ms0236 عند العجز، ~~بخلاف البدن. ### | [فصل اجتمع عليه نجاسة وحدث ومعه ما لا يكفي إلا أحدهما] # (393) فصل: فإن اجتمع عليه نجاسة وحدث، ومعه ما لا يكفي إلا أحدهما، غسل ~~النجاسة وتيمم للحدث. نص على هذا أحمد. وقال الخلال: اتفق أبو عبد الله، ~~وسفيان على هذا. ولا نعلم فيه خلافا؛ وذلك لأن التيمم للحدث ثابت بالنص ~~والإجماع، ومختلف فيه للنجاسة. وإن كانت النجاسة على ثوبه، قدم غسلها، ~~وتيمم للحدث. وروي عن أحمد: أنه يتوضأ، ويدع الثوب؛ لأنه واجد للماء، ~~والوضوء أشد من غسل الثوب. وحكاه أبو حنيفة، عن حماد في الدم. والأول أولى؛ ~~لما ذكرناه؛ لأنه إذا قدم غسل نجاسة البدن مع أن للتيمم فيها مدخلا، فتقديم ~~طهارة الثوب أولى، # PageV01P201 # وإن اجتمع نجاسة على الثوب، ونجاسة على البدن، وليس معه إلا ما يكفي ~~أحدهما، غسل الثوب، وتيمم لنجاسة البدن؛ لأن للتيمم فيها مدخلا. ### | [فصل اجتمع جنب وميت ومن عليها غسل حيض ومعهم ماء لا يكفي إلا أحدهم] # (394) فصل: وإذا اجتمع جنب وميت ومن عليها غسل حيض، ومعهم ماء لا يكفي ~~إلا أحدهم؛ فإن كان ملكا لأحدهم، فهو أحق به، فإنه يحتاج إليه لنفسه، ولا ~~يجوز له بذله لغيره، سواء كان مالكه الميت أو أحد الحيين. وإن كان الماء ~~لغيرهم، وأراد أن يجود به على أحدهم، فعن أحمد، - رحمه الله - روايتان: ~~إحداهما، الميت أحق به؛ لأن غسله خاتمة طهارته، فيستحب أن تكون طهارة ~~كاملة، والحي يرجع إلى الماء فيغتسل؛ ولأن القصد بغسل الميت تنظيفه، ولا ~~يحصل بالتيمم، والحي يقصد بغسله إباحة الصلاة، ويحصل ذلك بالتراب. # والثانية الحي أولى؛ لأنه متعبد بالغسل مع وجود الماء، والميت قد سقط ~~الفرض عنه بالموت. اختار هذا الخلال. وهل يقدم الجنب أو الحائض؟ فيه وجهان: ~~أحدهما الحائض؛ لأنها تقضي حق الله تعالى، وحق زوجها في إباحة وطئها. # والثاني: الجنب إذا كان رجلا؛ لأن الرجل أحق بالكمال من المرأة؛ ولأنه ~~يصلح إماما لها، وهي لا تصلح لإمامته. وإن كان على أحدهم نجاسة فهو أولى ~~به. وإن وجدوا الماء في ms0237 مكان فهو للأحياء؛ لأن الميت لا يجد شيئا. وإن كان ~~للميت، ففضلت منه فضلة، فهو لورثته، فإن لم يكن له وارث حاضر، فللحي أخذه ~~بقيمته؛ لأن في تركه إتلافه. # وقال بعض أصحابنا: ليس له أخذه؛ لأن مالكه لم يأذن له فيه إلا أن يحتاج ~~إليه للعطش، فيأخذه بشرط الضمان. # وإن اجتمع جنب ومحدث، فالجنب أحق إن كان الماء يكفيه؛ لأنه يستفيد به ما ~~لا يستفيده المحدث. وإن كان وفق حاجة المحدث فهو أولى به؛ لأنه يستفيد به ~~طهارة كاملة. وإن كان لا يكفي واحدا منهما، فالجنب أولى به؛ لأنه يستفيد به ~~تطهير بعض أعضائه. وإن كان يكفي كل واحد منهما، ويفضل منه فضلة لا تكفي ~~الآخر، فالمحدث أولى؛ لأن فضلته يمكن للجنب استعمالها، ويحتمل أن الجنب ~~أولى؛ لأنه يستفيد بغسله ما لا يستفيد المحدث. وإذا تغلب من غيره أولى منه ~~على الماء، فاستعمله، كان مسيئا وأجزأه؛ لأن الآخر لم يملكه، وإنما رجح ~~لشدة حاجته. # PageV01P202 ### | [فصل هل يكره لعادم الماء جماع زوجته] # (395) فصل: وهل يكره للعادم جماع زوجته إذا لم يخف العنت؟ فيه روايتان ~~إحداهما، يكره؛ لأنه يفوت على نفسه طهارة ممكنا بقاؤها. والثانية لا يكره، ~~وهو قول جابر بن زيد، والحسن، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب ~~الرأي، وابن المنذر. وحكي عن الأوزاعي أنه إن كان بينه وبين أهله أربع ~~ليال، فليصب أهله، وإن كان ثلاث فما دونها، فلا يصبها. # والأولى جواز إصابتها من غير كراهة؛ لأن «أبا ذر قال للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إني أعزب عن الماء ومعي أهلي، فتصيبني الجنابة فأصلي بغير ~~طهور؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: الصعيد الطيب طهور» . رواه أبو ~~داود والنسائي. وأصاب ابن عباس من جارية له رومية، وهو عادم للماء، وصلى ~~بأصحابه وفيهم عمار، فلم ينكروه. قال إسحاق بن راهويه: هو سنة مسنونة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في أبي ذر وعمار وغيرهما. فإذا فعلا ووجدا من ~~الماء ما يغسلان به فرجيهما غسلاهما، ثم تيمما، وإن لم يجدا، تيمما للجنابة ~~والحدث ms0238 الأصغر والنجاسة، وصليا. ### | [مسألة إذا شد الكسير الجبائر وكان طاهرا ولم يعد بها موضع الكسر] # (396) مسألة: قال: (وإذا شد الكسير الجبائر، وكان طاهرا ولم يعد بها موضع ~~الكسر، مسح عليها كلما أحدث، إلى أن يحلها) الجبائر: ما يعد لوضعه على ~~الكسر؛ لينجبر. وقوله: " ولم يعد بها موضع الكسر ". أراد لم يتجاوز الكسر ~~إلا بما لا بد من وضع الجبيرة عليه، فإن الجبيرة إنما توضع على طرفي ~~الصحيح؛ ليرجع الكسر. # قال الخلال: كأن أبا عبد الله استحب أن يتوقى أن يبسط الشد على الجرح بما ~~يجاوزه، ثم سهل في مسألة الميموني والمروذي؛ لأن هذا مما لا ينضبط، وهو ~~شديد جدا، ولا بأس بالمسح على العصائب، كيف شدها. والصحيح ما ذكرناه إن شاء ~~الله؛ لأنه إذا شدها على مكان يستغني عن شدها عليه، كان تاركا لغسل ما ~~يمكنه غسله، من غير ضرر، فلم يجز، كما لو شدها على ما لا كسر فيه، فإذا ~~شدها على طهارة، وخاف الضرر بنزعها، فله أن يمسح عليها، إلى أن يحلها. وممن ~~رأى المسح على العصائب ابن عمر، وعبيد بن عمير، وعطاء. وأجاز المسح على ~~الجبائر الحسن، والنخعي، ومالك، وإسحاق، والمزني، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وقال الشافعي، في أحد قوليه: يعيد كل صلاة صلاها؛ لأن الله تعالى أمر ~~بالغسل، ولم يأت به. ولنا ما روى علي - رضي الله عنه - قال: «انكسرت إحدى ~~زندي، فأمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أمسح على الجبائر» . رواه ~~ابن ماجه. وحديث جابر في الذي أصابته الشجة ولأنه قول # PageV01P203 # ابن عمر، ولم يعرف له في الصحابة مخالفا؛ ولأنه مسح على حائل أبيح له ~~المسح عليه، فلم تجب معه الإعادة، كالمسح على الخف ### | [فصل يفارق مسح الجبيرة مسح الخف من خمسة أوجه] # (397) فصل: ويفارق مسح الجبيرة مسح الخف من خمسة أوجه: أحدها، أنه لا ~~يجوز المسح عليها إلا عند الضرر بنزعها، والخف بخلاف ذلك. # والثاني، أنه يجب استيعابها بالمسح؛ لأنه لا ضرر في تعميمها به، بخلاف ~~الخف؛ فإنه يشق تعميم جميعه، ويتلفه المسح. ms0239 وإن كان بعضها في محل الفرض، ~~وبعضها في غيره، مسح ما حاذى محل الفرض. نص عليه أحمد. # الثالث أنه يمسح على الجبيرة من غير توقيت بيوم وليلة ولا ثلاثة أيام؛ ~~لأن مسحها # للضرورة # ، فيقدر بقدرها، والضرورة تدعو في مسحها إلى حلها، فيقدر بذلك دون غيره. # الرابع، أنه يمسح عليها في الطهارة الكبرى، بخلاف غيرها؛ لأن الضرر يلحق ~~بنزعها فيها، بخلاف الخف. # الخامس، أنه لا يشترط تقدم الطهارة على شدها في إحدى الروايتين. اختاره ~~الخلال وقال: قد روى حرب، وإسحاق، والمروذي، في ذلك سهولة عن أحمد. واحتج ~~بابن عمر، وكأنه ترك قوله الأول، وهو أشبه؛ لأن هذا مما لا ينضبط، ويغلظ ~~على الناس جدا، فلا بأس به. ويقوي هذا حديث جابر في الذي أصابته، الشجة، ~~فإنه قال: «إنما كان يجزئه أن يعصب على جرحه خرقة، ويمسح عليها.» ولم يذكر ~~الطهارة، وكذلك أمر عليا أن يمسح على الجبائر، ولم يشترط طهارة؛ ولأن المسح ~~عليها جاز دفعا لمشقة نزعها، ونزعها، يشق إذا لبسها على غير طهارة، كمشقته ~~إذا لبسها على طهارة. # والرواية الثانية: لا يمسح عليها إلا أن يشدها على طهارة. وهو ظاهر كلام ~~الخرقي؛ لأنه حائل يمسح عليه، فكان من شرط المسح عليه تقدم الطهارة، كسائر ~~الممسوحات. فعلى هذا إذا لبسها على غير طهارة، ثم خاف من نزعها، تيمم لها. ~~وكذا إذا تجاوز بالشد عليها موضع الحاجة، وخاف من نزعها، تيمم لها؛ لأنه ~~موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه، فيتيمم له كالجرح نفسه. ### | [فصل لا يحتاج مع مسح الخفين إلى تيمم] # (398) فصل: ولا يحتاج مع مسحها إلى تيمم، ويحتمل أن يتيمم مع مسحها فيما ~~إذا تجاوز بها موضع الحاجة؛ لأن # PageV01P204 # ما على موضع الحاجة يقتضي المسح، والزائد يقتضي التيمم، وكذلك فيما إذا ~~شدها على غير طهارة؛ لأنها مختلف في إباحة المسح عليها. فإذا قلنا لا يمسح ~~عليها. كان فرضها التيمم. وعلى القول الآخر يكون فرضها المسح، فإذا جمع ~~بينهما خرج من الخلاف، ومذهب الشافعي في الجمع بينهما قولان في الجملة ~~لحديث جابر ms0240 في الذي أصابته الشجة. ولنا أنه محل واحد، فلا يجمع فيه بين ~~بدلين، كالخف؛ ولأنه ممسوح في طهارة، فلم يجب له التيمم، كالخف، وصاحب ~~الشجة، الظاهر أنه لبسها على غير طهارة. ### | [فصل لا فرق في التيمم بين كون الشد على كسر أو جرح] # (399) فصل: ولا فرق بين كون الشد على كسر أو جرح، قال أحمد: إذا توضأ، ~~وخاف على جرحه الماء، مسح على الخرقة. وحديث جابر في صاحب الشجة إنما هو في ~~المسح على عصابة جرح؛ لأن الشجة اسم لجرح الرأس خاصة؛ ولأنه حائل موضع يخاف ~~الضرر بغسله، فأشبه الشد على الكسر. وكذلك إن وضع على جرحه دواء، وخاف من ~~نزعه، مسح عليه. نص عليه أحمد. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الجرح ~~يكون بالرجل، يضع، عليه الدواء، فيخاف إن نزع الدواء إذا أراد الوضوء أن ~~يؤذيه؟ قال: ما أدري ما يؤذيه، ولكن إذا خاف على نفسه، أو خوف من ذلك، مسح ~~عليه. # وروى الأثرم، بإسناده عن ابن عمر، أنه خرجت بإبهامه قرحة، فألقمها مرارة، ~~فكان يتوضأ عليها. ولو انقطع ظفر إنسان، أو كان بأصبعه جرح خاف إن أصابه ~~الماء أن يزرق الجرح، جاز المسح عليه. نص عليه أحمد. وقال القاضي، في ~~اللصوق على الجرح: إن لم يكن في نزعه ضرر نزعه، وغسل الصحيح، ويتيمم للجرح، ~~ويمسح على موضع الجرح، فإن كان في نزعه ضرر فحكمه حكم الجبيرة، يمسح عليه. ### | [فصل كان في رجل المتيمم شق فجعل فيه قيرا] # (400) فصل: فإن كان في رجله شق، فجعل فيه قيرا، فقال أحمد ينزعه ولا يمسح ~~عليه. وقال: هذا أهون، هذا لا يخاف منه. فقيل له: متى يسع صاحب الجرح أن ~~يمسح على الجرح؟ فقال: إذا خشي أن يزداد وجعا أو شدة. وتعليل أحمد في القير ~~بسهولته يقتضي أنه متى كان على شيء يخاف منه، جاز المسح عليه، كما قلنا في ~~الإصبع المجروحة إذا جعل عليها مرارة أو عصبها، مسحها. وقال مالك في الظفر ~~يسقط: يكسوه مصطكا، ويمسح عليه. وهو قول أصحاب ms0241 الرأي. # PageV01P205 ### | [فصل إذا لم يكن على جرح المتيمم عصاب] # (401) فصل: وإذا لم يكن على الجرح عصاب فقد ذكرنا فيما تقدم، أنه يغسل ~~الصحيح، ويتيمم للجرح. وقد روى حنبل، عن أحمد، في المجروح والمجدور يخاف ~~عليه، يمسح موضع الجرح، ويغسل ما حوله. يعني يمسح إذا لم يكن عليه عصاب. ### | [باب المسح على الخفين] # المسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم. حكى ابن المنذر عن ابن ~~المبارك قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز. وعن الحسن قال: ~~حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين.» وروى البخاري، عن سعد بن مالك، ~~والمغيرة، وعمرو بن أمية. «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على ~~الخفين.» # وروى أبو داود، عن «جرير بن عبد الله، أنه توضأ، ومسح على الخفين، فقيل ~~له: أتفعل هذا؟ قال: ما يمنعني أن أمسح، وقد رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يمسح، فقيل له: قبل نزول المائدة أو بعده؟ فقال: ما أسلمت إلا ~~بعد نزول المائدة. وفي رواية، أنه قال: إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه.» قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا؛ لأن ~~إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. متفق عليه. ورواه حذيفة، والمغيرة، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - متفق عليهما. قال أحمد: ليس في قلبي من المسح ~~شيء، فيه أربعون حديثا عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رفعوا ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وما وقفوا ### | [فصل المسح على الخفين أفضل من الغسل] # (402) فصل: وروي عن أحمد أنه قال: المسح أفضل. يعني من الغسل؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إنما طلبوا الفضل. وهذا مذهب الشافعي، ~~والحكم، وإسحاق؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن ~~الله يحب أن يؤخذ برخصه» . «وما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ~~أمرين، إلا اختار أيسرهما» ؛ ولأن فيه مخالفة أهل ms0242 البدع، وقد روي عن سفيان ~~الثوري أنه قال لشعيب بن حرب: لا ينفعك ما كتبت، حتى ترى المسح على الخفين ~~أفضل من الغسل. وروى حنبل، عن أحمد، أنه قال: كله جائز، المسح والغسل، ما ~~في قلبي من المسح شيء، ولا من الغسل. # وهذا قول ابن المنذر. وروي عن ابن عمر، أنه أمرهم أن يمسحوا على خفافهم، ~~وخلع خفيه، وتوضأ، وقال: حبب إلي الوضوء. وقال ابن عمر: إني لمولع بغسل ~~قدمي، فلا تقتدوا بي. وقيل: الغسل أفضل؛ لأنه المفروض في كتاب الله تعالى، ~~والمسح رخصة. وقد ذكرنا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~الله يحب أن تقبل رخصه» . # PageV01P206 ### | [مسألة لبس خفيه وهو كامل الطهارة ثم أحدث] # (403) مسألة: قال أبو القاسم، - رحمه الله -: (ومن لبس خفيه، وهو كامل ~~الطهارة، ثم أحدث، مسح عليهما) . لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لجواز ~~المسح خلافا. ووجهه: ما روى المغيرة، قال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح ~~عليهما.» متفق عليه. فأما إن غسل إحدى رجليه، فأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى ~~وأدخلها الخف، لم يجز المسح أيضا. وهو قول الشافعي وإسحاق، ونحوه عن مالك. # وحكى بعض أصحابنا رواية أخرى عن أحمد، أنه يجوز المسح. رواها أبو طالب ~~عنه، وهو قول يحيى بن آدم وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنه أحدث بعد كمال ~~الطهارة واللبس، فجاز المسح، كما لو نزع الخف الأول ثم عاد فلبسه، وقيل ~~أيضا، فيمن غسل رجليه، ولبس خفيه، ثم غسل بقية أعضائه: يجوز له المسح. وذلك ~~مبني على أن الترتيب غير واجب في الوضوء، وقد سبق. ولنا قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين» . وفي لفظ لأبي داود: ~~«دع الخفين، فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان» . # فجعل العلة وجود الطهارة فيهما جميعا وقت إدخالهما، ولم توجد طهارتهما ~~وقت لبس الأول؛ ولأن ما اعتبرت له الطهارة اعتبر له كمالها؛ كالصلاة ومس ~~المصحف؛ ولأن الأول خف ملبوس قبل رفع ms0243 الحدث، فلم يجز المسح عليه، كما لو ~~لبسه قبل غسل قدميه، ودليل بقاء الحدث أنه لا يجوز له مس المصحف بالعضو ~~المغسول، فأما إذا نزع الخف الأول، ثم لبسه، فقد لبسه بعد كمال الطهارة. # وقول الخرقي: " ثم أحدث " يعني الحدث الأصغر؛ فإن جواز المسح مختص به، ~~ولا يجزئ المسح في جنابة، ولا غسل واجب، ولا مستحب، لا نعلم في هذا خلافا. ~~وقد روى صفوان بن عسال المرادي، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يأمرنا إذا كنا مسافرين، أو سفرا، أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ~~ولياليهن، إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم.» رواه الترمذي. وقال: حديث ~~صحيح # ولأن وجوب الغسل يندر، فلا يشق إيجاب غسل القدم، بخلاف الطهارة الصغرى، ~~ولذلك وجب غسل ما تحت الشعور الكثيفة، وهكذا الحكم في العمامة، وسائر ~~الحوائل، إلا الجبيرة وما في معناها. ### | [فصل تطهر ثم لبس الخف فأحدث قبل بلوغ الرجل قدم الخف] # (404) فصل: فإن تطهر، ثم لبس الخف فأحدث قبل بلوغ الرجل قدم الخف، لم يجز ~~له المسح؛ لأن الرجل حصلت في مقرها وهو محدث، فصار كما لو بدأ اللبس وهو ~~محدث ### | [فصل تيمم ثم لبس الخف] # (405) فصل: فإن تيمم، ثم لبس الخف، لم يكن له المسح؛ لأنه لبسه على طهارة ~~غير كاملة؛ ولأنها طهارة ضرورة، # PageV01P207 # بطلت من أصلها، فصار كاللابس له على غير طهارة؛ ولأن التيمم لا يرفع ~~الحدث، فقد لبسه وهو محدث. وإن تطهرت المستحاضة، ومن به سلس البول، ~~وشبههما، ولبسوا خفافا، فلهم المسح عليها. نص عليه أحمد؛ لأن طهارتهم كاملة ~~في حقهم. # قال ابن عقيل: لأنها مضطرة إلى الترخص، وأحق من يترخص المضطر. فإن انقطع ~~الدم، وزالت الضرورة، بطلت الطهارة من أصلها، ولم يكن لها المسح، كالمتيمم ~~إذا وجد الماء. ### | [فصل لبس خفين ثم أحدث ثم لبس فوقهما خفين أو جرموقين] # (406) فصل: إذا لبس خفين، ثم أحدث، ثم لبس فوقهما خفين أو جرموقين، لم ~~يجز المسح عليهما، بغير خلاف؛ لأنه لبسهما على حدث. وإن مسح على الأولين، ms0244 ~~ثم لبس الجرموقين، لم يجز المسح عليهما أيضا. ولأصحاب الشافعي وجه في ~~تجويزه؛ لأن المسح قائم مقام غسل القدم. ولنا أن المسح على الخف لم يزل ~~الحدث عن الرجل، فكأنه لبسه على حدث؛ ولأن الخف الممسوح عليه بدل والبدل لا ~~يكون له بدل؛ ولأنه لبسه على طهارة غير كاملة، فأشبه المتيمم. # وإن لبس الفوقاني قبل أن يحدث، جاز المسح عليه بكل حال، سواء كان الذي ~~تحته صحيحا أو مخرقا. وهو قول الحسن بن صالح، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب ~~الرأي، ومنع منه مالك في إحدى روايتيه، والشافعي في أحد قوليه؛ لأن الحاجة ~~لا تدعو إلى لبسه في الغالب، فلا يتعلق به رخصة عامة، كالجبيرة. ولنا أنه ~~خف ساتر يمكن متابعة المشي فيه، أشبه المفرد، وكما لو كان الذي تحته مخرقا، ~~وقوله: " الحاجة لا تدعو إليه ". ممنوع فإن البلاد الباردة لا يكفي فيها خف ~~واحد غالبا، ولو سلمنا ذلك، ولكن الحاجة معتبرة بدليلها، وهو الإقدام على ~~اللبس، لا بنفسها، فهو كالخف الواحد. # إذا ثبت هذا فمتى نزع الفوقاني قبل مسحه لم يؤثر ذلك، وكان لبسه كعدمه، ~~وإن نزعه بعد مسحه، بطلت الطهارة، ووجب نزع الخفين وغسل الرجلين؛ لزوال محل ~~المسح. ونزع أحد الخفين كنزعهما؛ لأن الرخصة تعلقت بهما، فصار كانكشاف ~~القدم، ولو أدخل يده من تحت الفوقاني، ومسح الذي تحته جاز؛ لأن كل واحد ~~منهما محل للمسح، فجاز المسح على ما شاء منهما، كما يجوز غسل قدمه في الخف، ~~مع أن له المسح عليه. ولو لبس أحد الجرموقين في إحدى الرجلين دون الأخرى، ~~جاز المسح عليه، وعلى الخف الذي في الرجل الأخرى؛ لأن الحكم تعلق به وبالخف ~~في الرجل الأخرى، فهو كما لو لم يكن تحته شيء ### | [فصل لبس خفا مخرقا فوق صحيح] # (407) فصل: فإن لبس خفا مخرقا فوق صحيح فعن أحمد جواز المسح. قال، في ~~رواية حرب: الخف المخرق إذا كان في رجليه جورب مسح، وإن كان الخف منخرقا، ~~وأما إن كان تحته لفائف أو خرق، فلا يجوز المسح. نص عليه أحمد ms0245 في مواضع. # PageV01P208 # ووجهه أن القدم مستور بما يجوز المسح عليه، فجاز المسح كما لو كان ~~السفلاني مكشوفا، بخلاف ما إذا كان تحته لفافة، وقال القاضي وأصحابه: لا ~~يجوز المسح إلا على التحتاني؛ لأن الفوقاني لا يجوز المسح عليه مفردا، فلم ~~يجز المسح عليه مع غيره، كالذي تحته لفافة، وإن لبس مخرقا على مخرق، فاستتر ~~القدم بهما، احتمل أن يكون كالتي قبلها؛ لأن القدم مستور بالخفين، فأشبه ~~المستور بالصحيحين، أو صحيح ومخرق، واحتمل أن لا يجوز؛ لأن القدم لم يستتر ~~بخف صحيح، بخلاف التي قبلها ### | [فصل لبس الخف بعد طهارة] # (408) فصل: وإن لبس الخف بعد طهارة مسح فيها على العمامة، أو العمامة بعد ~~طهارة مسح فيها على الخف، فقال بعض أصحابنا: ظاهر كلام أحمد: أنه لا يجوز ~~المسح؛ لأنه لبس على طهارة ممسوح فيها على بدل، فلم يستبح المسح باللبس ~~فيها، كما لو لبس خفا على طهارة مسح فيها على خف. وقال القاضي: يحتمل جواز ~~المسح؛ لأنها طهارة كاملة، وكل واحد منهما ليس ببدل عن الآخر، بخلاف الخف ~~الملبوس على خف ممسوح عليه. ### | [فصل لبس الجبيرة على طهارة] # (409) فصل: وإن لبس الجبيرة على طهارة مسح فيها على خف أو عمامة، وقلنا ~~ليس من شرطها الطهارة، جاز المسح بكل حال، وإن اشترطنا لها الطهارة، احتمل ~~أن يكون كالعمامة الملبوسة على طهارة مسح فيها على الخف، واحتمل جواز المسح ~~بكل حال؛ لأن مسحها عزيمة، وإن لبس الخف على طهارة مسح فيها على الجبيرة، ~~جاز المسح عليه؛ لأنها عزيمة؛ ولأنها كانت ناقصة فهو لنقص لم يزل، فلم يمنع ~~جواز المسح، كنقص طهارة المستحاضة قبل زوال عذرها. وإن لبس الجبيرة على ~~طهارة مسح فيها على الجبيرة، جاز المسح، لما ذكرناه ### | [مسألة مدة المسح على الخفين] # (410) مسألة: قال: (يوما وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر) . ~~قال أحمد: التوقيت ما أثبته في المسح على الخفين. قيل له: تذهب إليه؟ قال: ~~نعم، وهو من وجوه. وبهذا قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو زيد، ~~وشريح، وعطاء، والثوري، ms0246 وإسحاق، وأصحاب الرأي، وهو ظاهر مذهب الشافعي. وقال ~~الليث: يمسح ما بدا له. وكذلك قال مالك في المسافر. وله في المقيم روايتان؛ ~~إحداهما يمسح، من غير توقيت. # والثانية لا يمسح؛ لما روى أبي بن عمارة، «قال: قلت: يا رسول الله، أتمسح ~~على الخفين؟ قال: نعم قلت: يوما؟ قال: ويومين قلت: وثلاثة؟ قال: وما شئت» . # PageV01P209 # رواه أبو داود؛ ولأنه مسح في طهارة فلم يتوقت، كمسح الرأس والجبيرة. ~~ولنا: ما روى علي، - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل ~~ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم» . رواه مسلم، وحديث صفوان ~~بن عسال، وقد ذكرناه، وعن عوف بن مالك الأشجعي، «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك، ثلاثة أيام ولياليهن ~~للمسافر، ويوما وليلة للمقيم» . رواه الإمام أحمد، وقال: هو أجود حديث في ~~المسح على الخفين؛ لأنه في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو آخر فعله، وحديثهم ليس بالقوي. # قال أبو داود. وفي إسناده مجاهيل منهم: عبد الرحمن بن رزين، وأيوب بن ~~قطن، ومحمد بن زيد. ويحتمل أنه يمسح ما شاء، إذا نزعهما عند انتهاء مدته ثم ~~لبسهما. ويحتمل أنه قال: " وما شئت " من اليوم واليومين والثلاثة. ويحتمل ~~أنه منسوخ بأحاديثنا؛ لأنها متأخرة، لكون حديث عوف في غزوة تبوك، وليس ~~بينها وبين وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شيء يسير، وقياسهم ~~ينتقض بالتيمم ### | [فصل انقضاء مدة المسح على الخفين] # (411) فصل: إذا انقضت المدة بطل الوضوء، وليس له المسح إلا أن ينزعهما ثم ~~يلبسهما على طهارة كاملة. وفيه رواية أخرى، أنه يجزئه غسل قدميه، كما لو ~~خلعهما، وسنذكر ذلك والخلاف فيه، إن شاء الله تعالى. وقال الحسن: لا يبطل ~~الوضوء، ويصلي حتى يحدث؛ ثم لا يمسح بعد حتى ينزعهما. وقال داود: ينزع خفيه ~~ولا يصلي فيهما، فإذا نزعهما صلى حتى يحدث؛ لأن الطهارة لا تبطل إلا بحدث، ~~ونزع الخف ليس بحدث، وكذلك انقضاء المدة. ولنا أن غسل ms0247 الرجلين شرط للصلاة، ~~وإنما قام المسح مقامه في المدة، فإذا انقضت لم يجز أن يقوم مقامه إلا ~~بدليل؛ ولأنها طهارة لا يجوز ابتداؤها، فيمنع من استدامتها، كالمتيمم عند ~~رؤية الماء. ### | [مسألة خلع خفيه بعد المسح عليهما] # (412) مسألة: قال: (فإن خلع قبل ذلك أعاد الوضوء) يعني قبل انقضاء المدة ~~إذا خلع خفيه بعد المسح عليهما، بطل وضوءه. وبه قال النخعي، والزهري، ~~ومكحول، والأوزاعي، وإسحاق، وهو أحد قولي الشافعي. وعن أحمد، رواية أخرى، ~~أنه يجزئه غسل قدميه. وهو مذهب أبي حنيفة، والقول الثاني للشافعي؛ لأن مسح ~~الخفين ناب عن غسل الرجلين خاصة، فطهورهما يبطل ما ناب عنه، كالتيمم إذا ~~بطل برؤية الماء وجب ما ناب عنه. وهذا الاختلاف مبني على وجوب الموالاة في ~~الوضوء، فمن أجاز التفريق جوز غسل القدمين؛ لأن سائر أعضائه مغسولة، ولم ~~يبق إلا غسل قدميه، فإذا غسلهما كمل وضوءه. # ومن منع التفريق أبطل وضوءه؛ لفوات الموالاة، فعلى هذا، لو خلع الخفين ~~قبل جفاف الماء عن يديه، أجزأه غسل قدميه، وصار # PageV01P210 # كأنه خلعهما قبل مسحه عليهما. وقال الحسن، وقتادة، وسليمان بن حرب: لا ~~يتوضأ ولا يغسل قدميه؛ لأنه أزال الممسوح عليه بعد كمال الطهارة، فأشبه ما ~~لو حلق رأسه بعد المسح عليه، أو قلم أظفاره بعد غسلها؛ ولأن النزع ليس ~~بحدث، والطهارة لا تبطل إلا بالحدث. ولنا أن الوضوء بطل في بعض الأعضاء، ~~فبطل في جميعها، كما لو أحدث، وما ذكروه يبطل بنزع أحد الخفين، فإنه يبطل ~~الطهارة في القدمين جميعا، وإنما ناب مسحه عن إحداهما. وأما التيمم عن بعض ~~الأعضاء إذا بطل، فقد سبق القول فيه في موضعه. # وحكي عن مالك أنه إذا خلع خفيه، غسل قدميه مكانه، وصحت طهارته. وإن أخره، ~~استأنف الطهارة؛ لأن الطهارة كانت صحيحة في جميع الأعضاء إلى حين نزع ~~الخفين، أو انقضاء المدة، وإنما بطلت في القدمين خاصة، فإذا غسلهما عقيب ~~النزع، لم تفت الموالاة؛ لقرب غسلهما من الطهارة الصحيحة في بقية الأعضاء، ~~بخلاف ما إذا تراخى غسلهما. # ولا يصح؛ لأن المسح قد ms0248 بطل حكمه، وصار إلى أن نضيف الغسل إلى الغسل، فلم ~~يبق للمسح حكم؛ ولأن الاعتبار في الموالاة إنما هو لقرب الغسل من الغسل، لا ~~من حكمه، فإنه متى زال حكم الغسل بطلت الطهارة، ولم ينفع قرب الغسل شيئا؛ ~~لكون الحكم لا يعود بعد زواله إلا بسبب جديد. ### | [فصل نزع العمامة بعد مسحها] # (413) فصل: وإن نزع العمامة بعد مسحها، بطلت طهارته أيضا. وعلى الرواية ~~الأخرى، يلزمه مسح رأسه، وغسل قدميه؛ ليحصل الترتيب. ولو نزع الجبيرة بعد ~~مسحها، فهو كنزع العمامة، إلا أنه إن كان مسح عليها في غسل يعم البدن، لم ~~يحتج إلى إعادة غسل ولا وضوء؛ لأن الترتيب والموالاة ساقطان فيه ### | [فصل نزع أحد الخفين كنزعهما] # (414) فصل: ونزع أحد الخفين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم منهم: مالك، ~~والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ويلزمه نزع ~~الآخر، وقال الزهري: يغسل القدم الذي نزع الخف منه، ويمسح الآخر؛ لأنهما ~~عضوان، فأشبها الرأس والقدم، ولنا أنهما في الحكم كعضو واحد، ولهذا لا يجب ~~ترتيب أحدهما على الآخر، فيبطل مسح أحدهما بظهور الآخر، كالرجل الواحدة، ~~وبهذا فارق الرأس والقدم. ### | [فصل انكشاف بعض القدم من خرق كنزع الخف] # (415) فصل: وانكشاف بعض القدم من خرق كنزع الخف. فإن انكشفت ظهارته، ~~وبقيت بطانته، لم تضر؛ لأن القدم مستورة بما يتبع الخف في البيع، فأشبه ما ~~لو لم ينكشط # PageV01P211 ### | [فصل أخرج رجله إلى ساق الخف] # (416) فصل: وإن أخرج رجله إلى ساق الخف، فهو كخلعه. وبهذا قال إسحاق، ~~وأصحاب الرأي. وقال الشافعي لا يبين لي أن عليه الوضوء؛ لأن الرجل لم تظهر. ~~وحكى أبو الخطاب في " رءوس المسائل "، عن أحمد رواية أخرى كذلك ولنا، أن ~~استقرار الرجل في الخف شرط جواز المسح، بدليل ما لو أدخل الخف، فأحدث قبل ~~استقرارها فيه، لم يكن له المسح، فإذا تغير الاستقرار زال شرط جواز المسح، ~~فيبطل المسح لزوال شرطه، كزوال استتاره وإن كان إخراج القدم إلى ما دون ~~ذلك، لم يبطل المسح؛ لأنها لم تزل عن مستقرها. ### | [فصل لبس الخفين ms0249 وهو يدافع الأخبثين أو أحدهما] # (417) فصل: كره أحمد لبس الخفين وهو يدافع الأخبثين أو أحدهما؛ لأن ~~الصلاة مكروهة بهذه الطهارة، واللبس يراد ليمسح عليه للصلاة. وكان إبراهيم ~~النخعي إذا أراد أن يبول لبس خفيه ولا يرى الأمر في ذلك واسعا؛ لأن الطهارة ~~كاملة، فأشبه ما لو لبسه إذا خاف غلبة النعاس، وإنما كرهت الصلاة؛ لأن ~~اشتغال قلبه بمدافعة الأخبثين يذهب بخشوع الصلاة، ويمنع الإتيان بها على ~~الكمال، وربما حمله ذلك على العجلة فيها، ولا يضر ذلك في اللبس. ### | [مسألة أحدث وهو مقيم فلم يمسح على خفيه حتى سافر] # (418) مسألة: قال: (ولو أحدث وهو مقيم، فلم يمسح حتى سافر، أتم على مسح ~~مسافر منذ كان الحدث) لا نعلم بين أهل العلم خلافا، في أن من لم يمسح حتى ~~سافر، أنه يتم مسح المسافر؛ وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح ~~المسافر ثلاثة أيام ولياليهن» وهو حال ابتدائه بالمسح كان مسافرا. وقوله: " ~~منذ كان الحدث " يعني ابتداء المدة من حين أحدث بعد لبس الخف. هذا ظاهر ~~مذهب أحمد وهو مذهب الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد رواية ~~أخرى، أن ابتداءها من حين مسح بعد أن أحدث ويروى ذلك عن عمر - رضي الله عنه ~~- فروى الخلال عنه، أنه قال امسح إلى مثل ساعتك التي مسحت، وفي لفظ، قال: ~~يمسح المسافر إلى الساعة التي توضأ فيها. # واحتج أحمد بظاهر الحديث، قوله: يمسح المسافر على خفيه ثلاثة أيام ~~ولياليهن ". ولأن ما قبل المسح مدة لم تبح الصلاة بمسح الخف فيها. فلم تحسب ~~من المدة، كما قبل الحدث وقال الشعبي، وأبو ثور، وإسحاق: يمسح المقيم خمس ~~صلوات، لا يزيد عليها. ولنا: ما نقله القاسم بن زكريا المطرز، في حديث ~~صفوان: «من الحدث إلى الحدث» ؛ ولأن ما بعد الحدث زمان يستباح فيه المسح، ~~فكان من وقته، كبعد المسح، والخبر أراد أنه يستبيح المسح دون فعله. والله ~~أعلم. # PageV01P212 # وأما تقديره بعدد الصلوات فلا يصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما قدره بالوقت دون الفعل، فعلى ms0250 هذا يمكن المقيم أن يصلي بالمسح ست ~~صلوات، وهو أن يؤخر الصلاة، ثم يمسح، ويصليها، وفي اليوم الثاني يعجلها، ~~فيصليها في أول وقتها قبل انقضاء مدة المسح. إن كان له عذر يبيح الجمع من ~~سفر، أو غيره، أمكنه أن يصلي سبع صلوات ### | [مسألة أحدث مقيما ثم مسح على خفيه مقيما ثم سافر] # (419) مسألة: قال (ولو أحدث مقيما، ثم مسح مقيما، ثم سافر، أتم على مسح ~~مقيم، ثم خلع) اختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة؛ فروي عنه: مثل ما ~~ذكر الخرقي وهو قول الثوري، والشافعي، وإسحاق، وروي عنه: أنه يمسح مسح ~~المسافر، سواء مسح في الحضر لصلاة أو أكثر منها بعد أن لا تنقضي مدة المسح، ~~وهو حاضر. وهو مذهب أبي حنيفة لقوله - عليه السلام -: «يمسح المسافر ثلاثة ~~أيام ولياليهن.» وهذا مسافر؛ ولأنه سافر قبل كمال مدة المسح، فأشبه من سافر ~~قبل المسح بعد الحدث. وهذا اختيار الخلال، وصاحبه أبي بكر. وقال الخلال: ~~رجع أحمد عن قوله الأول إلى هذا # ووجه قول الخرقي أنها عبادة تختلف بالحضر والسفر، وجد أحد طرفيها في ~~الحضر، فغلب فيها حكم الحضر، كالصلاة، والخبر يقتضي أن يمسح المسافر ثلاثا ~~في سفره، وهذا يتناول من ابتدأ المسح في سفره، وفي مسألتنا يحتسب بالمدة ~~التي مضت في الحضر. ### | [فصل شك هل ابتدأ المسح في السفر أو الحضر] # (420) فصل: فإن شك، هل ابتدأ المسح في السفر، أو الحضر، بنى على مسح ~~حاضر؛ لأنه لا يجوز المسح مع الشك في إباحته. فإن ذكر بعد أنه كان قد ابتدأ ~~المسح في السفر، جاز البناء على مسح مسافر. وإن كان قد صلى بعد اليوم ~~والليلة مع الشك، ثم تيقن، فعليه إعادة ما صلى مع الشك؛ لأنه صلى بطهارة لم ~~يكن له أن يصلي بها، فهو كما لو صلى يعتقد أنه محدث، ثم ذكر أنه كان على ~~وضوء، كانت طهارته صحيحة، وعليه إعادة الصلاة. وإن كان مسح مع الشك صح؛ لأن ~~الطهارة تصح مع الشك في سببها، ألا ترى أنه لو شك ms0251 في الحدث، فتوضأ ينوي رفع ~~الحدث، ثم تيقن أنه كان محدثا أجزأه. # وعكسه: ما لو شك في دخول الوقت، فصلى، ثم تيقن أنه كان قد دخل، لم يجزه. ~~وكذلك إن شك الماسح في وقت الحدث، بنى على الأحوط عنده. وهذا التفريع على ~~الرواية الأولى، فأما على الثانية، فإنه يمسح مسح المسافر على كل حال ### | [مسألة مسح مسافر أقل من يوم وليلة ثم أقام أو قدم] # (421) مسألة: قال: (وإذا مسح مسافر أقل من يوم وليلة، ثم أقام أو قدم أتم ~~على مسح مقيم وخلع، وإذا مسح مسافر يوما وليلة فصاعدا، ثم أقام أو قدم خلع) ~~وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا أعلم فيه مخالفا؛ لأنه صار مقيما، لم ~~يجز له أن يمسح مسح المسافر، كمحل الوفاق؛ ولأن المسح عبادة يختلف حكمها ~~بالحضر والسفر، فإذا ابتدأها في السفر ثم حضر # PageV01P213 # في أثنائها، غلب حكم الحضر، كالصلاة. فعلى هذا لو مسح أكثر من يوم وليلة، ~~ثم دخل في الصلاة، فنوى الإقامة في أثنائها، بطلت صلاته؛ لأنه قد بطل ~~المسح، فبطلت طهارته، فبطلت صلاته لبطلانها، ولو تلبس بالصلاة في سفينة، ~~فدخلت البلد في أثنائها، بطلت صلاته لذلك. ### | [مسألة لا يمسح إلا على خفين أو ما يقوم مقامهما] # (422) مسألة: قال: (ولا يمسح إلا على خفين، أو ما يقوم مقامهما؛ من مقطوع ~~أو ما أشبهه، مما يجاوز الكعبين) . معناه والله أعلم، يقوم مقام الخفين في ~~ستر محل الفرض، وإمكان المشي فيه، وثبوته بنفسه. والمقطوع هو الخف القصير ~~الساق؛ وإنما يجوز المسح عليه إذا كان ساترا لمحل الفرض، لا يرى منه ~~الكعبان؛ لكونه ضيقا أو مشدودا، وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور. ولو كان ~~مقطوعا من دون الكعبين، لم يجز المسح عليه. # وهذا الصحيح عن مالك. وحكي عنه، وعن الأوزاعي، جواز المسح؛ لأنه خف يمكن ~~متابعة المشي فيه، فأشبه الساتر، ولنا أنه لا يستر محل الفرض، فأشبه ~~اللالكة والنعلين. ### | [فصل لو كان للخف قدم وله شرج محاذ لمحل الفرض] # (423) فصل: ولو كان للخف قدم وله شرج محاذ لمحل ms0252 الفرض، جاز المسح عليه، ~~إذا كان الشرج مشدودا يستر القدم، ولم يكن فيه خلل يبين منه محل الفرض. ~~وقال أبو الحسن الآمدي: لا يجوز، ولنا أنه خف ساتر يمكن متابعة المشي فيه، ~~فأشبه غير ذي الشرج. ### | [فصل كان الخف محرما كالقصب والحرير] # (424) فصل: فإن كان الخف محرما؛ كالقصب والحرير، لم يستبح المسح عليه في ~~الصحيح من المذهب، وإن مسح عليه، وصلى، أعاد الطهارة والصلاة؛ لأنه عاص ~~بلبسه، فلم تستبح به الرخصة، كما لا يستبيح المسافر رخص السفر لسفر ~~المعصية. ولو سافر لمعصية لم يستبح المسح أكثر من يوم وليلة؛ لأن يوما ~~وليلة غير مختصة بالسفر، ولا هي من رخصه، فأشبه غير الرخص، بخلاف ما زاد ~~على يوم وليلة؛ فإنه من رخص السفر، فلم يستبحه بسفر المعصية، كالقصر ~~والجمع. ### | [فصل المسح على كل خف ساتر] # (425) فصل: ويجوز المسح على كل خف ساتر، يمكن متابعة المشي فيه، سواء كان ~~من جلود أو لبود وما أشبههما. فإن كان خشبا أو حديدا أو نحوهما، فقال بعض ~~أصحابنا: لا يجوز المسح عليها؛ لأن # PageV01P214 # الرخصة وردت في الخفاف المتعارفة للحاجة، ولا تدعو الحاجة إلى المسح على ~~هذه في الغالب. وقال القاضي: قياس المذهب جواز المسح عليها؛ لأنه خف ساتر ~~يمكن المشي فيه، أشبه الجلود. ### | [المسح على الجورب الصفيق الذي لا يسقط إذا مشى فيه] # (426) مسألة: قال: (وكذلك الجورب الصفيق الذي لا يسقط إذا مشى فيه) إنما ~~يجوز المسح على الجورب بالشرطين اللذين ذكرناهما في الخف، أحدهما أن يكون ~~صفيقا، لا يبدو منه شيء من القدم. الثاني أن يمكن متابعة المشي فيه. هذا ~~ظاهر كلام الخرقي. قال أحمد في المسح على الجوربين بغير نعل: إذا كان يمشي ~~عليهما، ويثبتان في رجليه، فلا بأس. # وفي موضع قال: يمسح عليهما إذا ثبتا في العقب. وفي موضع قال: إن كان يمشي ~~فيه فلا ينثني، فلا بأس بالمسح عليه، فإنه إذا انثنى ظهر موضع الوضوء. ولا ~~يعتبر أن يكونا مجلدين، قال أحمد: يذكر المسح على الجوربين عن سبعة، أو ~~ثمانية، من ms0253 أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقال ابن المنذر: ويروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ علي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، ~~والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وبه قال عطاء، والحسن وسعيد ~~بن المسيب، والنخعي، وسعيد بن جبير، والأعمش، والثوري، والحسن بن صالح، ~~وابن المبارك، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد. وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، ~~ومجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن بن مسلم، والشافعي: لا يجوز المسح عليهما، ~~إلا أن ينعلا؛ لأنهما لا يمكن متابعة المشي فيهما، فلم يجز المسح عليهما، ~~كالرقيقين ولنا: ما روى المغيرة بن شعبة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مسح على الجوربين والنعلين» . # قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهذا يدل على أن النعلين لم يكونا ~~عليهما؛ لأنهما لو كانا كذلك لم يذكر النعلين، فإنه لا يقال: مسحت على الخف ~~ونعله؛ ولأن الصحابة - رضي الله عنهم -، مسحوا على الجوارب، ولم يظهر لهم ~~مخالف في عصرهم، فكان إجماعا؛ ولأنه ساتر لمحل الفرض، يثبت في القدم، فجاز ~~المسح عليه، كالنعل. وقولهم: لا يمكن متابعة المشي فيه. قلنا: لا يجوز ~~المسح عليه إلا أن يكون مما يثبت بنفسه، ويمكن متابعة المشي فيه. فأما ~~الرقيق فليس بساتر. ### | [فصل المسح على جورب الخرق] # (427) فصل: وقد سئل أحمد عن جورب الخرق، يمسح عليه؟ فكره الخرق. ولعل ~~أحمد كرهها؛ لأن الغالب # PageV01P215 # عليها الخفة، وأنها لا تثبت بأنفسها. فإن كانت مثل جورب الصوف في الصفاقة ~~والثبوت، فلا فرق. وقد قال أحمد، في موضع: لا يجزئه المسح على الجورب حتى ~~يكون جوربا صفيقا، يقوم قائما في رجله لا ينكسر مثل الخفين، إنما مسح القوم ~~على الجوربين أنه كان عندهم بمنزلة الخف، يقوم مقام الخف في رجل الرجل، ~~يذهب فيه الرجل ويجيء ### | [مسألة إن كان يثبت بالنعل مسح فإذا خلع النعل انتقضت الطهارة] # (428) مسألة: قال: (وإن كان يثبت بالنعل مسح، فإذا خلع النعل انتقضت ~~الطهارة) . يعني أن الجورب إذا لم يثبت بنفسه، وثبت بلبس النعل، ms0254 أبيح المسح ~~عليه، وتنتقض الطهارة بخلع النعل؛ لأن ثبوت الجورب أحد شرطي جواز المسح، ~~وإنما حصل بلبس النعل، فإذا خلعها زال الشرط، فبطلت الطهارة. كما لو ظهر ~~القدم. والأصل في هذا حديث المغيرة. وقوله: " مسح على الجوربين والنعلين ". ~~قال القاضي: ويمسح على الجورب والنعل، كما جاء الحديث. والظاهر أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إنما مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم، فأما ~~أسفله وعقبه فلا يسن مسحه من الخف، فكذلك من النعل ### | [مسألة كان في الخف خرق يبدو منه بعض القدم] # (429) مسألة: قال: (وإذا كان في الخف خرق يبدو منه بعض القدم، لم يجز ~~المسح عليه) وجملته أنه إنما يجوز المسح على الخف ونحوه، إذا كان ساترا ~~لمحل الفرض، فإن ظهر من محل الفرض شيء، لم يجز المسح، وإن كان يسيرا من ~~موضع الخرز أو من غيره، إذا كان يرى منه القدم. وإن كان فيه شق ينضم ولا ~~يبدو منه القدم، لم يمنع جواز المسح. نص عليه. وهو مذهب معمر، وأحد قولي ~~الشافعي. وقال الثوري، ويزيد بن هارون، وإسحاق، وابن المنذر: يجوز المسح ~~على كل خف. وقال الأوزاعي: يمسح على الخف المخرق، وعلى ما ظهر من رجله. # وقال أبو حنيفة: إن تخرق قدر ثلاث أصابع، لم يجز، وإن كان أقل، جاز، ~~ونحوه قال الحسن، وقال مالك: إن كثر وتفاحش، لم يجز، وإلا جاز. وتعلقوا ~~بعموم الحديث، وبأنه خف يمكن متابعة المشي فيه، فأشبه الصحيح؛ ولأن الغالب ~~على خفاف العرب كونها مخرقة. وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمسحها ~~من غير تفصيل، فينصرف إلى الخفاف الملبوسة عندهم غالبا، ولنا أنه غير ساتر ~~للقدم، فلم يجز المسح عليه، كما لو كثر وتفاحش، أو قياسا على غير الخف؛ ~~ولأن حكم ما ظهر الغسل، وما استتر المسح، فإذا اجتمعا، غلب حكم الغسل، كما ~~لو انكشفت إحدى قدميه ### | [فصل المسح على اللفائف والخرق] # (430) فصل: ولا يجوز المسح على اللفائف والخرق. نص عليه أحمد. وقيل له: ~~إن أهل الجبل يلفون على # PageV01P216 # أرجلهم لفائف ms0255 إلى نصف الساق؟ قال: لا يجزئه المسح على ذلك، إلا أن يكون ~~جوربا. وذلك أن اللفافة لا تثبت بنفسها، إنما تثبت بشدها، ولا نعلم في هذا ~~خلافا. ### | [مسألة يمسح على ظاهر القدم] # (431) مسألة: قال: (ويمسح على ظاهر القدم) . السنة مسح أعلى الخف دون ~~أسفله وعقبه، فيضع يده على موضع الأصابع، ثم يجرها إلى ساقه خطا بأصابعه. ~~وإن مسح من ساقه إلى أصابعه جاز، والأول المسنون ولا يسن مسح أسفله، ولا ~~عقبه. بذلك قال عروة، وعطاء، والحسن، والنخعي، والثوري، الأوزاعي، وإسحاق، ~~وأصحاب الرأي، وابن المنذر وروي عن سعد أنه كان يرى مسح ظاهره وباطنه. وروي ~~أيضا عن ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومكحول، وابن المبارك، ~~ومالك، والشافعي، لما روى المغيرة بن شعبة، قال: «وضأت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فمسح أعلى الخف وأسفله» . رواه ابن ماجه؛ ولأنه يحاذي محل ~~الفرض، فأشبه ظاهره. # ولنا قول علي - رضي الله عنه -: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف ~~أولى بالمسح من ظاهره، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ~~ظاهر خفيه» . رواه أبو داود. وعن المغيرة قال: «رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يمسح على الخفين على ظاهرهما» . رواه أبو داود، والترمذي، ~~وقال: حديث حسن صحيح. وعن عمر، قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان.» رواه الخلال ~~بإسناده. ولأن باطنه ليس بمحل لفرض المسح، فلم يكن محلا لمسنونه، كساقه؛ ~~ولأن مسحه غير واجب، ولا يكاد يسلم من مباشرة أذى فيه، تتنجس يده به، فكان ~~تركه أولى، وحديثهم معلول، قاله الترمذي قال: وسألت أبا زرعة، ومحمدا - عنه ~~فقالا: ليس بصحيح. وقال أحمد: هذا من وجه ضعيف، رواه رجاء بن حيوة، عن وراد ~~كاتب المغيرة، ولم يلقه. وأسفل الخف ليس بمحل لفرض المسح، بخلاف أعلاه. ### | [فصل المجزئ في المسح على الخفين] # (432) فصل: والمجزئ في المسح أن يمسح أكثر مقدم ظاهره خطوطا بالأصابع، ~~وقال الشافعي: يجزئه أقل ما يقع عليه اسم المسح؛ ms0256 لأنه أطلق لفظ المسح، ولم ~~ينقل فيه تقدير، فوجب الرجوع إلى ما يتناوله الاسم. وقال أبو حنيفة: يجزئه ~~قدر ثلاث أصابع؛ لقول الحسن: سنة المسح خطط بالأصابع. فينصرف إلى سنة النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وأقل لفظ الجمع ثلاث، ولنا أن لفظ المسح ورد مطلقا، ~~وفسره النبي بفعله، فيجب الرجوع إلى تفسيره، وقد روى الخلال، بإسناده، عن ~~المغيرة بن شعبة، فذكر وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ثم «توضأ، ~~ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه ~~الأيسر، ثم مسح # PageV01P217 # أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين» . # قال ابن عقيل: سنة المسح هكذا، أن يمسح خفيه بيديه اليمنى لليمنى واليسرى ~~لليسرى، وقال أحمد: كيفما فعله فهو جائز، باليد الواحدة أو باليدين، وقول ~~الحسن، مع ما ذكرنا، لا يتنافيان. ### | [فصل المسح على الخفين بخرقة أو خشبة] # (433) فصل: فإن مسح بخرقة أو خشبة، احتمل الإجزاء؛ لأنه مسح على خفيه، ~~واحتمل المنع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح بيده. وإن مسح بإصبع ~~أو إصبعين، أجزأه إذا كرر المسح بها، حتى يصير مثل المسح بأصابعه. وقيل ~~لأحمد: يمسح بالراحتين أو بالأصابع؟ قال: بالأصابع. قيل له: أيجزئه ~~بإصبعين؟ قال: لم أسمع. ### | [فصل غسل الخف] # (434) فصل: وإن غسل الخف، فتوقف أحمد، وأجازه ابن حامد؛ لأنه أبلغ من ~~المسح. وقال القاضي: لا يجزئه؛ لأنه أمر بالمسح، ولم يفعله، فلم يجزه، كما ~~لو طرح التراب على وجهه ويديه في التيمم، لكن إن أمر يديه على الخفين في ~~حال الغسل، أو بعده أجزأه؛ لأنه قد مسح. ### | [مسألة مسح أسفل الخف دون أعلاه] # (435) مسألة: قال: (وإن مسح أسفله دون أعلاه، لم يجزه) لا نعلم أحدا قال: ~~يجزئه مسح أسفل الخف، إلا أشهب من أصحاب مالك، وبعض أصحاب الشافعي؛ لأنه ~~مسح بعض ما يحاذي محل الفرض، فأجزأه، كما لو مسح ظاهره. والمنصوص عن ~~الشافعي، أنه لا يجزئه؛ لأنه ليس محلا لفرض المسح، فلم يجزئ مسحه كالساق، ~~وقد ذكرنا أن ms0257 النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما مسح ظاهر الخف ولا خلاف في ~~أنه يجزئ مسح ظاهره، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا يقول بالمسح على الخفين ~~يقول: لا يجزئ المسح على أعلى الخف ### | [فصل المسح على عقب الخف] # (436) فصل: والحكم في المسح على عقب الخف كالحكم في مسح أسفله؛ لأنه ليس ~~بمحل لفرض المسح، فهو كأسفله ### | [مسألة الرجل والمرأة في المسح على الخفاف سواء] # (437) مسألة: قال: والرجل والمرأة في ذلك سواء يعني في المسح على الخفاف، ~~وسائر أحكامه وشروطه؛ لعموم الخبر؛ ولأنه مسح أقيم مقام الغسل، فاستوى فيه ~~الرجال والنساء، كالتيمم، ولا فرق بين المستحاضة ومن به سلس البول وغيرهما. ~~وقال بعض الشافعية: ليس لهما أن يمسحا على الخف أكثر من وقت صلاة؛ لأن ~~الطهارة التي لبسا الخف عليها لا يستباح بها أكثر من ذلك، ولنا عموم قوله - ~~عليه السلام -: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن» . ~~ولأن # PageV01P218 # المسح لا يبطل بمبطلات الطهارة فلا يبطل بخروج الوقت. لكن إن زال عذرهما ~~كملا في بابهما، فلم يكن لهما المسح بتلك الطهارة كالتيمم إذا أكمل بالقدرة ~~على الماء، لا يمسح بالخف الملبوس على التيمم ### | [فصل المسح على العمامة] # (438) فصل: ويجوز المسح على العمامة، قال ابن المنذر: وممن مسح على ~~العمامة أبو بكر الصديق، وبه قال عمر، وأنس، وأبو أمامة، وروي عن سعد بن ~~مالك، وأبي الدرداء - رضي الله عنهم - وبه قال عمر بن عبد العزيز، والحسن، ~~وقتادة، ومكحول، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال عروة، والنخعي، ~~والشعبي، والقاسم، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يمسح عليها؛ لقول ~~الله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} [المائدة: 6] ؛ ولأنه لا تلحقه المشقة في ~~نزعها، فلم يجز المسح عليها، كالكمين. # ولنا ما روي عن المغيرة بن شعبة، قال: «توضأ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ومسح على الخفين والعمامة.» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي " ~~مسلم " «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين والخمار» . قال ~~أحمد: هو من خمسة وجوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم ms0258 -. روى الخلال، ~~بإسناده، عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: من لم يطهره المسح على العمامة ~~فلا طهره الله؛ ولأنه حائل في محل ورد الشرع بمسحه، فجاز المسح عليه، ~~كالخفين؛ ولأن الرأس عضو يسقط فرضه في التيمم، فجاز المسح على حائله، ~~كالقدمين، والآية لا تنفي ما ذكرناه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مبين لكلام الله، مفسر له، وقد مسح النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~العمامة، وأمر بالمسح عليها، وهذا يدل على أن المراد بالآية المسح على ~~الرأس، أو حائله. # ومما يبين ذلك، أن المسح في الغالب لا يصيب الرأس. وإنما يمسح على الشعر، ~~وهو حائل بين اليد وبينه، فكذلك العمامة، فإنه يقال لمن لمس عمامته أو ~~قبلها: قبل رأسه ولمسه. وكذلك أمر بمسح الرجلين، واتفقنا على جواز مسح ~~حائلهما. ### | [فصل شروط جواز المسح على العمامة] # (439) فصل: ومن شروط جواز المسح على العمامة، أن تكون ساترة لجميع الرأس، ~~إلا ما جرت العادة بكشفه، كمقدم الرأس والأذنين، وشبههما من جوانب الرأس، ~~فإنه يعفى عنه، بخلاف الخرق اليسير في الخف، فإنه لا يعفى عنه؛ لأن هذا ~~الكشف جرت العادة به لمشقة التحرز عنه، وإن كان تحت العمامة قلنسوة يظهر ~~بعضها، فالظاهر جواز المسح عليهما؛ لأنهما صارا كالعمامة الواحدة. # PageV01P219 # ومن شروط جواز المسح عليها، أن تكون على صفة عمائم المسلمين، بأن يكون ~~تحت الحنك منها شيء؛ لأن هذه عمائم العرب، وهي أكثر سترا من غيرها، ويشق ~~نزعها، فيجوز المسح عليها، سواء كانت لها ذؤابة أو لم يكن. قاله القاضي. # وسواء كانت صغيرة أو كبيرة وإن لم يكن تحت الحنك منها شيء، ولا لها ~~ذؤابة، لم يجز المسح عليها؛ لأنها على صفة عمائم أهل الذمة ولا يشق نزعها. ~~وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه أمر بالتلحي، ونهى عن ~~الاقتعاط» . رواه أبو عبيد، قال: والاقتعاط أن لا يكون تحت الحنك منها شيء. ~~وروي أن عمر - رضي الله عنه - رأى رجلا ليس تحت حنكه من عمامته شيء، فحنكه ~~بكور منها، وقال: ما ms0259 هذه الفاسقية؟ فامتنع المسح عليها للنهي عنها، وسهولة ~~نزعها. # وإن كانت ذات ذؤابة، ولم تكن محنكة، ففي المسح عليها وجهان: أحدهما، ~~جوازه؛ لأنه لا تشبه عمائم أهل الذمة، إذ ليس من عادتهم الذؤابة. والثاني، ~~لا يجوز؛ لأنها داخلة في عموم النهي، ولا يشق نزعها. # (440) فصل: وإذا كان بعض الرأس مكشوفا، مما جرت العادة بكشفه، استحب أن ~~يمسح عليه مع العمامة. نص عليه أحمد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح ~~على عمامته وناصيته، في حديث المغيرة بن شعبة، وهو حديث صحيح. قاله ~~الترمذي. وهل الجمع بينهما واجب؟ وقد توقف أحمد عنه، فيخرج فيها وجهان: ~~أحدهما، وجوبه؛ للخبر؛ ولأن العمامة نابت عما استتر، فبقي الباقي على مقتضى ~~الأصل، كالجبيرة. # والثاني، لا يجب؛ لأن العمامة نابت عن الرأس، فتعلق الحكم بها، وانتقل ~~الفرض إليها، فلم يبق لما ظهر حكم؛ ولأن وجوبهما معا يفضي إلى الجمع بين ~~بدل ومبدل في عضو واحد، فلم يجز من غير ضرورة كالخف. وعلى هذا تخرج ~~الجبيرة. ولا خلاف في أن الأذنين لا يجب مسحهما؛ لأنه لم ينقل ذلك، وليسا ~~من الرأس، إلا على وجه التبع. ### | [فصل نزع العمامة بعد المسح عليها] # (441) فصل: وإن نزع العمامة بعد المسح عليها، بطلت طهارته، نص عليه أحمد. ~~وكذلك إن انكشف رأسه، إلا # PageV01P220 # أن يكون يسيرا، مثل إن حك رأسه، أو رفعها لأجل الوضوء، فلا بأس. قال ~~أحمد: إذا زالت العمامة عن هامته، لا بأس، ما لم ينقضها، أو يفحش ذلك؛ وذلك ~~لأن هذا مما جرت العادة به، فيشق التحرز عنه. وإن انتقضت العمامة بعد ~~مسحها، بطلت طهارته؛ لأن ذلك بمنزلة نزعها. وإن انتقض بعضها، ففيه روايتان، ~~ذكرهما ابن عقيل: إحداهما، لا تبطل طهارته؛ لأنه زال بعض الممسوح عليه، مع ~~بقاء العضو مستورا، فلم تبطل الطهارة، ككشط الخف، مع بقاء البطانة، ~~والثانية: تبطل. قال القاضي: لو انتقض منها كور واحد، بطلت؛ لأنه زال ~~الممسوح عليه، فأشبه نزع الخف ### | [فصل استيعاب العمامة بالمسح] # فصل: واختلف في وجوب استيعاب العمامة بالمسح؛ فروي عن أحمد ms0260 أنه قال: يمسح ~~على العمامة، كما يمسح على رأسه. فيحتمل أنه أراد التشبيه في صفة المسح دون ~~الاستيعاب، وأنه يجزئ مسح بعضها؛ لأنه ممسوح على وجه الرخصة، فأجزأ مسح ~~بعضه، كالخف. # ويحتمل أنه أراد التشبيه في الاستيعاب، فيخرج فيها من الخلاف ما في وجوب ~~استيعاب الرأس، وفيه روايتان؛ أظهرهما وجوب استيعابه بالمسح. فكذلك في ~~العمامة؛ لأن مسح العمامة بدل من الجنس، فيقدر بقدر المبدل، كقراءة غير ~~الفاتحة من القرآن، بدلا من الفاتحة، يجب أن يكون بقدرها، ولو كان البدل ~~تسبيحا، لم يتقدر بقدرها، ومسح الخف بدل من غير الجنس؛ لأنه بدل عن الغسل، ~~فلم يتقدر به، كالتسبيح بدلا عن القرآن. وقال القاضي: يجزئ مسح بعضها، ~~كإجزاء المسح في الخف على بعضه، ويختص ذلك بأكوارها، وهي دوائرها دون ~~وسطها. فإن مسح وسطها وحده فإن مسح وسطها ففيه وجهان؛ أحدهما يجزئه، كما ~~يجزئ مسح بعض دوائرها. والثاني، لا يجزئه، كما لو مسح أسفل الخف. ### | [فصل التوقيت في مسح العمامة كالتوقيت في مسح الخف] # (443) فصل: والتوقيت في مسح العمامة كالتوقيت في مسح الخف؛ لما روى أبو ~~أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يمسح على الخفين والعمامة ~~ثلاثا في السفر، ويوما وليلة للمقيم» . رواه الخلال بإسناده، إلا أنه من ~~رواية شهر بن حوشب؛ ولأنه ممسوح على وجه الرخصة، فيوقت بذلك، كالخف. ### | [فصل المسح على العمامة المحرمة] # (444) فصل: والعمامة المحرمة، كعمامة الحرير والمغصوبة لا يجوز المسح ~~عليها، لما ذكرنا في الخف المغصوب # PageV01P221 # وإن لبست المرأة عمامة، لم يجز المسح عليها؛ لما ذكرنا من التشبه ~~بالرجال، فكانت محرمة في حقها، وإن كان لها عذر، فهذا يندر، فلم يرتبط ~~الحكم به ### | [فصل المسح على القلنسوة،] # (445) فصل: ولا يجوز المسح على القلنسوة، الطاقية، نص عليه أحمد، قال ~~هارون الحمال: سئل أبو عبد الله عن المسح على الكلتة؟ فلم يره؛ وذلك لأنها ~~لا تستر جميع الرأس في العادة، ولا يدوم عليه، وأما القلانس المبطنات، ~~كدنيات القضاة، والنوميات، فقال إسحاق بن إبراهيم، قال أحمد: لا يمسح على ~~القلنسوة ms0261 وقال ابن المنذر: ولا نعلم أحدا قال بالمسح على القلنسوة، إلا أن ~~أنسا مسح على قلنسوته؛ وذلك لأنها لا مشقة في نزعها، فلم يجز المسح عليها ~~كالكلتة؛ ولأنها أدنى من العمامة غير المحنكة التي ليست لها ذؤابة. # وقال أبو بكر الخلال: إن مسح إنسان على القلنسوة لم أر به بأسا؛ لأن أحمد ~~قال، في رواية الميموني أنا أتوقاه. وإن ذهب إليه ذاهب لم يعنفه. قال ~~الخلال: وكيف يعنفه؟ وقد روي عن رجلين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بأسانيد صحاح، ورجال ثقات. فروى الأثرم، بإسناده عن عمر، أنه قال: ~~إن شاء حسر عن رأسه، وإن شاء مسح على قلنسوته وعمامته. وروى بإسناده، عن ~~أبي موسى، أنه خرج من الخلاء، فمسح على القلنسوة؛ ولأنه ملبوس معتاد يستر ~~الرأس، فأشبه العمامة المحنكة، وفارق العمامة التي ليست محنكة ولا ذؤابة ~~لها؛ لأنها منهي عنها. ### | [فصل في مسح الرأس على مقنعة المرأة] # (446) فصل: وفي مسح الرأس على مقنعتها روايتان: إحداهما، يجوز؛ لأن أم ~~سلمة كانت تمسح على خمارها ذكره ابن المنذر. وقد روي «عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه أمر بالمسح على الخفين والخمار» ؛ ولأنه ملبوس للرأس ~~معتاد، يشق نزعه، فأشبه العمامة. # والثانية، لا يجوز المسح عليه؛ فإن أحمد سئل: كيف تمسح المرأة على رأسها؟ ~~قال: من تحت الخمار، ولا تمسح على الخمار، قال: وقد ذكروا أن أم سلمة كانت ~~تمسح على خمارها. وممن قال لا تمسح على خمارها. نافع، والنخعي، وحماد بن ~~أبي سليمان، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز؛ لأنه ملبوس لرأس المرأة، فلم ~~يجز المسح عليه، كالوقاية، ولا يجزئ المسح على الوقاية، رواية واحدة. لا ~~نعلم فيه خلافا؛ لأنها لا يشق نزعها، فهي كالطاقية للرجل. والله أعلم # PageV01P222 ### | [باب الحيض] # الحيض: دم يرخيه الرحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة؛ ~~لحكمة تربية الولد، فإذا حملت انصرف ذلك الدم بإذن الله إلى تغذيته؛ ولذلك ~~لا تحيض الحامل، فإذا وضعت الولد قلبه الله تعالى بحكمته لبنا يتغذى به ~~الطفل؛ ولذلك ms0262 قلما تحيض المرضع، فإذا خلت المرأة من حمل ورضاع. بقي ذلك ~~الدم لا مصرف له، فيستقر في مكان، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو ~~سبعة، وقد يزيد على ذلك، ويقل، ويطول شهر المرأة ويقصر، على حسب ما ركبه ~~الله تعالى في الطباع؛ وسمي حيضا من قولهم: حاض السيل. قال عمارة بن عقيل: # أجالت حصاهن الذواري وحيضت ... عليهن حيضات السيول الطواحم # وقد علق الشرع على الحيض أحكاما؛ فمنها أنه يحرم وطء الحائض في الفرج، ~~لقول الله تعالى {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ~~ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] ~~. # ومنها أنه يمنع فعل الصلاة والصوم؛ بدليل «قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: أليست إحداكن إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي» . رواه البخاري. # وقالت حمنة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني أستحاض حيضة شديدة منكرة، ~~قد منعتني الصوم والصلاة. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت ~~أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة» ، ومنها أنه يسقط وجوب الصلاة ~~دون الصيام؛ لما روي «أن معاذة قالت: سألت عائشة، فقلت: ما بال الحائض تقضي ~~الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ فقلت: لست # PageV01P223 # بحرورية، ولكني أسأل. فقالت: كنا نحيض على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» . متفق عليه. إنما قالت ~~لها عائشة ذلك؛ لأن الخوارج يرون على الحائض قضاء الصلاة. # ومنها أنه يمنع قراءة القرآن؛ لقوله - عليه السلام -: «لا تقرأ الحائض ~~ولا الجنب شيئا من القرآن» . ومنها أنه يمنع اللبث في المسجد، والطواف ~~بالبيت؛ لأنه في معنى الجنابة. ومنها أنه يحرم الطلاق؛ لقول الله تعالى: ~~{إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ، ولما «طلق ابن عمر امرأته ~~وهي حائض أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - برجعتها وإمساكها حتى تطهر» . # ومنها أنه يمنع صحة الطهارة؛ لأن حدثها مقيم. ومنها أنه يوجب الغسل عند ~~انقطاعه لقوله - عليه السلام - «أمكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ms0263 ثم اغتسلي ~~وصلي.» متفق عليه. وهو علم على البلوغ؛ لقوله - عليه السلام -: «لا يقبل ~~الله صلاة حائض إلا بخمار» . # ولا تنقضي العدة في حق المطلقة وأشباهها إلا به، لقوله تعالى: {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . وأكثر هذه الأحكام مجمع عليها ~~بين علماء الأمة. # وإذا ثبت هذا، فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض، ليعلم ما يتعلق به من ~~الأحكام. قال أحمد، - رحمه الله -: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث ~~فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة. وفي رواية: حديث أم سلمة. مكان حديث أم حبيبة. ~~وسنذكر هذه الأحاديث وغيرها في مواضعها، إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما] # (447) مسألة: قال (وأقل الحيض: يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما) هذا ~~الصحيح من مذهب أبي عبد الله، وقال الخلال: مذهب أبي عبد الله لا اختلاف ~~فيه، أن أقل الحيض يوم، وأكثره خمسة عشر يوما. وقيل عنه: أكثره سبعة عشر ~~يوما وللشافعي قولان، كالروايتين في أقله وأكثره. وقال إسحاق بن راهويه: ~~قال عطاء: الحيض يوم واحد وقال سعيد بن جبير: أكثره ثلاثة عشر يوما. # وقال الثوري، وأبو حنيفة، وصاحباه: أقله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة؛ لما ~~روى واثلة بن الأسقع، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أقل الحيض ~~ثلاثة أيام وأكثره عشرة.» وقال أنس: قرء المرأة: ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ~~ثمان، تسع، عشرة. ولا يقول أنس # PageV01P224 # ذلك إلا توقيفا، وقال مالك بن أنس: ليس لأقله حد، يجوز أن يكون ساعة؛ ~~لأنه لو كان لأقله حد، لكانت المرأة لا تدع الصلاة حتى يمضي ذلك الحد. ولنا ~~أنه ورد في الشرع مطلقا من غير تحديد، ولا حد له في اللغة، ولا في الشريعة، ~~فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة، كما في القبض، والإحراز، والتفرق، ~~وأشباهها، وقد وجد حيض معتاد يوما، قال عطاء: رأيت من النساء من تحيض يوما، ~~وتحيض خمسة عشر. وقال أحمد: حدثني يحيى بن آدم، قال: سمعت شريكا يقول: ~~عندنا امرأة تحيض كل شهر خمسة عشر يوما حيضا مستقيما. # وقال ms0264 ابن المنذر: قال الأوزاعي: عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشيا. يرون ~~أنه حيض تدع له الصلاة. وقال الشافعي رأيت امرأة أثبت لي عنها أنها لم تزل ~~تحيض يوما لا تزيد عليه، وأثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة ~~أيام. وذكر إسحاق بن راهويه عن بكر بن عبد الله المزني، أنه قال: تحيض ~~امرأتي يومين. قال إسحاق: وقالت امرأة من أهلنا معروفة: لم أفطر منذ عشرين ~~سنة في شهر رمضان إلا يومين. وقولهن يجب الرجوع إليه، لقوله تعالى {ولا يحل ~~لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228] فلولا أن قولهن مقبول ~~ما حرم عليهن الكتمان، وجرى ذلك مجرى قوله: {ولا تكتموا الشهادة} [البقرة: ~~283] . # ولم يوجد حيض أقل من ذلك عادة مستمرة في عصر من الأعصار، فلا يكون حيضا ~~بحال. وحديث واثلة يرويه محمد بن أحمد الشامي، وهو ضعيف، عن حماد بن ~~المنهال، وهو مجهول. وحديث أنس يرويه الجلد بن أيوب، وهو ضعيف. قال ابن ~~عيينة: هو حديث لا أصل له. وقال أحمد في حديث أنس: ليس هو شيئا هذا من قبل ~~الجلد بن أيوب، قيل: إن محمد بن إسحاق رواه، وقال: ما أراه سمعه إلا من ~~الحسن بن دينار. وضعفه جدا. قال: وقال يزيد بن زريع: ذاك أبو حنيفة لم يحتج ~~إلا بالجلد بن أيوب، وحديث الجلد قد روي عن علي - رضي الله عنه - ما ~~يعارضه. فإنه قال: ما زاد على خمسة عشر استحاضة # ، وأقل الحيض يوم وليلة ### | [فصل أقل الطهر بين الحيضتين] # (448) فصل: وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما؛ لأن كلام أحمد لا ~~يختلف أن العدة تصح أن تنقضي في شهر واحد إذا قامت به البينة. وقال إسحاق: ~~توقيت هؤلاء بالخمسة عشر باطل. وقال أبو بكر: أقل الطهر مبني على أكثر ~~الحيض، فإن قلنا أكثره خمسة عشر يوما، فأقل الطهر خمسة عشر، وإن قلنا أكثره ~~سبعة عشر، فأقل الطهر ثلاثة عشر. وهذا كأنه بناه على أن شهر المرأة لا يزيد ~~على ثلاثين يوما، ms0265 يجتمع لها فيه حيض وطهر، وأما إذا زاد شهرها على ذلك تصور ~~أن يكون حيضها سبعة عشر، وطهرها خمسة عشر وأكثر. # وقال مالك، والثوري، والشافعي، وأبو حنيفة: أقل الطهر خمسة عشر. وذكر أبو ~~ثور أن ذلك لا يختلفون فيه، # PageV01P225 # ولنا ما روي عن علي - رضي الله عنه -، أن امرأة جاءته، وقد طلقها زوجها، ~~فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، طهرت عند كل قرء وصلت، فقال علي لشريح: ~~قل فيها. فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته، ~~فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة. فقال علي: " قالون. وهذا بالرومية. ومعناه: ~~جيد. وهذا لا يقوله إلا توقيفا؛ ولأنه قول صحابي، انتشر، ولم نعلم خلافه، ~~رواه الإمام أحمد بإسناده، ولا يجيء إلا على قولنا أقله ثلاثة عشر، وأقل ~~الحيض يوم وليلة. # وهذا في الطهر بين الحيضتين، وأما الطهر في أثناء الحيضة فلا توقيت فيه؛ ~~فإن ابن عباس قال: أما ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ~~ساعة فلتغتسل. وروي أن الطهر إذا كان أقل من يوم، لا يلتفت إليه. لقول ~~عائشة: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء؛ ولأن الدم يجري مرة وينقطع أخرى. ~~فلا يثبت الطهر بمجرد انقطاعه، كما لو انقطع أقل من ساعة. ### | [مسألة من أطبق بها الدم فكانت ممن تميز] # (449) مسألة: قال: (فمن أطبق بها الدم فكانت ممن تميز، فتعلم إقباله بأنه ~~أسود ثخين منتن، وإدباره رقيق أحمر، تركت الصلاة في إقباله، فإذا أدبر، ~~اغتسلت، وتوضأت لكل صلاة وصلت) قوله: " طبق بها الدم ". يعني امتد وتجاوز ~~أكثر الحيض، فهذه مستحاضة، قد اختلط حيضها باستحاضتها، فتحتاج إلى معرفة ~~الحيض من الاستحاضة لترتب على كل واحد منهما حكمه، ولا تخلو من أربعة ~~أحوال: مميزة لا عادة لها، ومعتادة لا تمييز لها، ومن لها عادة وتمييز، ومن ~~لا عادة لها ولا تمييز. # أما المميزة: فهي التي ذكرها الخرقي في هذه المسألة، وهي التي لدمها ~~إقبال وإدبار، بعضه أسود ثخين منتن، وبعضه أحمر مشرق، أو أصفر، أو لا ms0266 رائحة ~~له، ويكون الدم الأسود أو الثخين لا يزيد على أكثر الحيض، ولا ينقص عن ~~أقله، فحكم هذه أن حيضها زمان الدم الأسود أو الثخين أو المنتن، فإن انقطع ~~فهي مستحاضة، تغتسل للحيض، وتتوضأ بعد ذلك لكل صلاة، وتصلي، وذكر أحمد ~~المستحاضة فقال: لها سنن، وذكر المعتادة، ثم قال: وسنة أخرى، إذا جاءت ~~فزعمت أنها تستحاض فلا تطهر، قيل لها: أنت الآن ليس لك أيام معلومة ~~فتجلسينها، ولكن انظري إلى إقبال الدم وإدباره، فإذا أقبلت الحيضة - ~~وإقبالها أن ترى دما أسود يعرف - فإذا تغير دمها وكان إلى الصفرة والرقة، ~~فذلك دم استحاضة، فاغتسلي، وصلي. # وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بالتمييز، إنما ~~الاعتبار بالعادة خاصة؛ لما روت أم سلمة، «أن امرأة كانت تهراق الدماء # PageV01P226 # على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لتنظر عدة الأيام ~~والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ~~ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل» . رواه أبو ~~داود، والنسائي، وابن ماجه. وهو أحد الأحاديث الثلاثة التي قال الإمام ~~أحمد: إن الحيض يدور عليها. # ولنا ما روت عائشة، قالت: «جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إني أستحاض، فلا أطهر، أفأدع ~~الصلاة؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، ~~فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وصلي» . ~~متفق عليه. وللنسائي وأبي داود: «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، ~~فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي فإنما هو عرق» . وقال ابن عباس: ~~أما ما رأت الدم البحراني فإنها تدع الصلاة. وقال: إنها والله لن ترى الدم ~~الذي هو الدم بعد أيام محيضها إلا كغسالة ماء اللحم. وحديث أم سلمة إنما ~~يدل على اعتبار العادة، ولا نزاع فيه. وحديث فاطمة هو أحد الثلاثة التي ~~يدور عليها الحيض. ### | [فصل المميزة إذا عرفت التمييز] # (450) فصل: ظاهر كلام الخرقي أن ms0267 المميزة إذا عرفت التمييز جلسته من غير ~~اعتبار تكرار. وهو ظاهر كلام أحمد فيما رويناه عنه. وكذلك قال ابن عقيل؛ ~~لأن معنى التمييز أن يتميز أحد الدمين عن الآخر في الصفة، وهذا يوجد بأول ~~مرة. وبهذا قال الشافعي. # وقال القاضي وأبو الحسن الآمدي: إنما تجلس المميزة من التمييز ما تكرر ~~مرتين أو ثلاثا، بناء على الروايتين، فيما تثبت به العادة. ولنا، قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا أدبرت ~~فاغسلي عنك الدم، وصلي» . أمرها بترك الصلاة إذا أقبلت الحيضة من غير ~~اعتبار أمر آخر، ثم مده إلى حين إدباره؛ ولأن التمييز أمارة بمجرده، فلم ~~يحتج إلى ضم غيره إليه، كالعادة، وعند القاضي: إنما تجلس من التمييز ما ~~وافق العادة؛ لأنه يعتبر التكرار، ومتى تكرر صار عادة. ### | [فصل فإن لم يكن الدم الأسود مختلفا] # (451) فصل: فإن لم يكن الأسود مختلفا، مثل أن ترى في كل شهر ثلاثة أسود، ~~ثم يصير أحمر، ويعبر أكثر الحيض، فالأسود وحده حيض. ولو لم يعبر أكثر الحيض ~~كان جميع الدم حيضا؛ لأنه دم أمكن أن يكون حيضا، فكان حيضا، كما لو كان كله ~~أحمر. # وإن كان مختلفا، مثل أن يرى في الشهر الأول خمسة # PageV01P227 # أسود، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث ثلاثة، أو في الأول خمسة، وفي الثاني ~~ستة، وفي الثالث سبعة، أو في الأول خمسة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث ~~ستة، أو غير ذلك من الاختلاف؛ فعلى قولنا الأسود حيض في كل حال، وعلى قول ~~القاضي الأسود حيض فيما وافق العادة فقط، وهو ثلاث في الأولى، وخمس في ~~الثانية، وأربع في الثالثة، وما زاد عليه إن تكرر فهو حيض، وإن لم يتكرر ~~فليس بحيض. # وعلى قوله: لا تجلس منه في الشهر الأول والثاني إلا اليقين الذي تجلسه من ~~لا تمييز لها، فإن كانت مبتدأة لم تجلس إلا يوما وليلة. وهل تجلس الذي ~~يتكرر في الشهر الثالث أو الرابع؟ ينبني على الروايتين فيما تثبت به ~~العادة، ويكون حكمها حكم المبتدأة التي ترى ms0268 دما لا يعبر أكثر الحيض، الأحمر ~~هاهنا كالطهر هناك، والأسود كالدم هناك. فإن كانت ناسية، وكان الأسود في ~~أثناء الشهر، وقلنا إنها تجلس من أول الشهر، جلست هاهنا من أول الشهر ما ~~تجلسه الناسية وإن كان أحمر، ولا تنتقل إلى الأسود حتى يتكرر، فإذا تكرر ~~انتقلت إليه، وعلمنا أنه حيض، فتقضي ما صامته من الفرض فيه. ### | [فصل إذا رأت أسود بين أحمرين أو أحمر بين أسودين وانقطع لدون أكثر الحيض] # (452) فصل: فإذا رأت أسود بين أحمرين أو أحمر بين أسودين، وانقطع لدون ~~أكثر الحيض، فالجميع حيض إذا تكرر؛ لأن الأحمر أشبه بالحيض من الطهر. وإن ~~عبر أكثر الحيض، وكاد الأسود بمفرده يصلح أن يكون حيضا، فهو حيض، والأحمر ~~كله استحاضة؛ لأن الأحمر الأول أشبه بالأحمر الثاني الذي حكمنا بأنه ~~استحاضة، وتلفق الأسود إلى الأسود، فيكون حيضا. ولا فرق بين كون الأسود ~~قليلا أو كثيرا إذا كان بانضمامه إلى بقية الأسود يبلغ أقل الحيض، ولا يزيد ~~على أكثره، ولا يكون بين طرفيهما زمن يزيد على أكثر الحيض وكذلك لا فرق بين ~~كون الأحمر قليلا أو كثيرا إذا كان زمنه يصلح أن يكون طهرا. # فأما إن كان زمنه لا يصلح أن يكون طهرا، مثل الشيء اليسير أو ما دون ~~اليوم، على إحدى الروايتين، فإنه يلحق بالدمين الذي هو بينهما؛ لأنه لو كان ~~الدم منقطعا، لم يحكم بكونه طهرا، فإذا كان الدم جاريا كان أولى، فلو رأت ~~يوما دما أسود، ثم رأت الثاني دما أحمر، ثم رأت الثالث أسود، ثم صار أحمر ~~وعبر، لفقت الأسود إلى الأسود، فصار حيضها يومين وباقي الدم استحاضة، وإن ~~رأت نصف يوم أسود، ثم صار أحمر، ثم رأت الثاني كذلك، ثم رأت الثالث كله ~~أسود، ثم صار أحمر وعبر، فإن قلنا إن الطهر يكون أقل من يوم، لفقت الأسود ~~إلى الأسود فكان حيضها يومين. # وإن قلنا لا يكون أقل من يوم، فحيضها الأيام الثلاثة الأول، والباقي ~~استحاضة. وإن رأت نصف يوم أسود، ثم صار أحمر وعبر إلى العاشر، ms0269 ثم رأته كله ~~أسود، ثم صار أحمر، وعبر، فالأسود حيض كله، ونصف اليوم الأول. ولو رأت بين ~~الأسود وبين الأحمر نقاء # PageV01P228 # يوما أو أكثر، لم يتغير الحكم الذي ذكرناه؛ لأن الأحمر محكوم بأنه ~~استحاضة، مع اتصاله بالأسود، فمع انفصاله عنه أولى. ### | [فصل إذا رأت الدم في شهر خمسة أسود ثم صار أحمر واتصل] # (453) فصل: إذا رأت في شهر خمسة أسود، ثم صار أحمر، واتصل، وفي الثاني ~~كذلك، ثم صار الثالث كله أحمر، ثم رأت في الرابع مثل الأول، ثم رأت في ~~الخامس خمسة أحمر، ثم صار أسود واتصل، فحيضها الأسود من الأول والثاني ~~والرابع. # وأما الثالث والخامس فلا تمييز لها فيهما؛ لأن حكم الأسود في الخامس سقط ~~لعبوره. فإن قلنا العادة تثبت بمرتين جلست ذلك من الأشهر الثلاثة، وهي ~~الثالث والرابع والخامس وإن قلنا لا تثبت إلا بثلاثة، جلست ذلك من الخامس؛ ~~لأنها قد رأت ذلك في ثلاثة أشهر، وقيل: لا تثبت لها عادة، وتجلس ما تجلسه ~~من الخامس من الدم الأسود؛ لأنه أشبه بدم الحيض. ### | [فصل إذا رأت الدم في كل شهر خمسة عشر يوما دما أسود وخمسة عشر أحمر] # (454) فصل: إذا رأت في كل شهر خمسة عشر يوما دما أسود، وخمسة عشر أحمر، ~~فالأسود كله حيض؛ لأنه يصلح أن يكون حيضا، وقد رأت فيه أمارة الحيض، فيثبت ~~كونه حيضا. ### | [مسألة لم يكن دمها منفصلا وكانت لها أيام من الشهر تعرفها] # (455) مسألة: قال (فإن لم يكن دمها منفصلا، وكانت لها أيام من الشهر ~~تعرفها، أمسكت عن الصلاة فيها، واغتسلت إذا جاوزتها) هذا القسم الثاني: وهي ~~من لها عادة ولا تمييز لها؛ لكون دمها غير منفصل، أي على صفة لا تختلف ولا ~~يتميز بعضه من بعض، على ما ذكرناه في المميزة وكذلك إن كان منفصلا إلا أن ~~الدم الذي يصلح للحيض دون أقل الحيض أو فوق أكثره، فهذه لا تمييز لها. فإذا ~~كانت لها عادة قبل أن تستحاض، جلست أيام عادتها، واغتسلت عند انقضائها، ثم ~~تتوضأ بعد ذلك لوقت كل ms0270 صلاة، وتصلي. # وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا اعتبار بالعادة، إنما ~~الاعتبار بالتمييز، فإن لم تكن مميزة استطهرت بعد زمان عادتها بثلاثة أيام، ~~إن لم تجاوز خمسة عشر يوما، وهي بعد ذلك مستحاضة. # واحتج بحديث فاطمة الذي ذكرناه، ولنا حديث أم سلمة، وقد روي في حديث ~~فاطمة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: دعي الصلاة قدر الأيام ~~التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي.» متفق عليه وفي لفظ قال: «فإذا أقبلت ~~الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم، وصلي» متفق عليه # وروت أم # PageV01P229 # حبيبة أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدم؟ فقال لها «امكثي ~~قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلي» رواه مسلم وروى عدي بن ثابت عن ~~أبيه، عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في «المستحاضة: تدع ~~الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتصوم وتصلي، وتتوضأ عند كل صلاة» أخرجه ~~أبو داود والترمذي ولا حجة له في الحديث على ترك العادة في حق من لا تمييز ~~لها. ### | [فصل العادة في الحيض لا تثبت بمرة] # (456) فصل: ولا يختلف المذهب أن العادة لا تثبت بمرة وظاهر مذهب الشافعي ~~أنها تثبت بمرة. وقال بعضهم: تثبت بمرتين؛ لأن المرأة التي استفتت لها أم ~~سلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ردها إلى الشهر الذي يلي شهر ~~الاستحاضة؛ ولأن ذلك أقرب إليها، فوجب ردها إليه، ولنا أن العادة مأخوذة من ~~المعاودة، ولا تحصل المعاودة بمرة واحدة، والحديث حجة لنا؛ لأنه قال «لتنظر ~~عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها» ~~. # " وكان " يخبر بها عن دوام الفعل وتكراره، ولا يحصل ذلك بمرة ولا يقال ~~لمن فعل شيئا مرة: كان يفعل. وفي الحديث الآخر: «تدع الصلاة أيام أقرائها» ~~. والأقراء جمع، وأقله ثلاثة، وسائر الأحاديث الدالة على العادة تدل على ~~هذا، ولا نفهم من اسم العادة فعل مرة بحال. واختلفت الرواية: هل تثبت ~~بمرتين أو ثلاث؟ فعنه أنها تثبت بمرتين؛ لأنها ms0271 مأخوذة من المعاودة، وقد ~~عاودتها في المرة الثانية. وعنه لا تثبت إلا بثلاث؛ لظاهر الأحاديث؛ ولأن ~~العادة لا تطلق إلا على ما كثر، وأقله ثلاثة؛ ولأن أكثر ما يعتبر له ~~التكرار اعتبر ثلاثا، كأيام الخيار في المصراة. ### | [فصل تثبت العادة في الحيض بالتمييز] # (457) فصل: وتثبت العادة بالتمييز، فإذا رأت دما أسود خمسة أيام في ثلاثة ~~أشهر أو شهرين على الرواية الأخرى، ثم صار، أحمر، واتصل، ثم صار في سائر ~~الأشهر دما مبهما، كانت عادتها زمن الدم الأسود. ### | [فصل العادة في الحيض على ضربين متفقة ومختلفة] # (458) فصل: والعادة على ضربين: متفقة، ومختلفة، فالمتفقة أن تكون أياما ~~متساوية، كأربعة في كل شهر، فإذا استحيضت جلست الأربعة فقط، وأما المختلفة ~~فإن كانت على ترتيب، مثل إن كانت ترى في شهر ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي ~~الثالث خمسة، ثم تعود إلى ثلاثة، ثم إلى أربعة على ما كانت، فهذه إذا ~~استحيضت في شهر فعرفت نوبته عملت عليه، ثم على الذي بعده، ثم على الذي بعده ~~على العادة. # PageV01P230 # وإن نسيت نوبته حيضناها اليقين وهو ثلاثة أيام، ثم تغتسل، وتصلي بقية ~~الشهر. وإن أيقنت أنه غير الأول، وشكت؛ هل هو الثاني أو الثالث؟ جلست ~~أربعة؛ لأنها اليقين، ثم تجلس من الشهرين الآخرين ثلاثة ثلاثة، ثم تجلس في ~~الرابع أربعة ثم تعود إلى الثلاثة كذلك أبدا، ويجزئها غسل واحد عند انقضاء ~~المدة التي جلستها، كالناسية إذا جلست أقل الحيض؛ لأن ما زاد على اليقين ~~مشكوك فيه فلا نوجب عليها الغسل بالشك، ويحتمل وجوب الغسل عليها أيضا عند ~~مضي أكثر عادتها؛ لأن يقين الحيض ثابت، وحصول الطهارة بالغسل مشكوك فيه فلا ~~تزول عن اليقين بالشك؛ ولأن هذه متيقنة وجوب الغسل عليها في أحد الأيام ~~الثلاثة في اليوم الخامس، وقد اشتبه عليها، وصحة صلاتها تقف على الغسل، ~~فيجب عليها لتخرج على العهدة بيقين، كمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها. # وهذا الوجه أصح لما ذكرنا، وتفارق الناسية، فإنها لا تعلم لها حيضا زائدا ~~على ما جلسته، وهذه تتيقن ms0272 لها حيضا زائدا على ما جلسته تقف صحة صلاتها على ~~غسلها منه، فوجب ذلك، فعلى هذا يلزمها غسل ثان، عقيب اليوم الخامس في كل ~~شهر، وإن جلست في رمضان ثلاثة أيام، قضت خمسة أيام؛ لأن الصوم كان في ~~ذمتها، ولا نعلم أن اليومين اللذين صامتهما أسقطا الفرض من ذمتها، فيبقى ~~على الأصل، ويحتمل أن يلزمها في كل شهر ثلاثة أغسال: غسل عقب اليوم الثالث، ~~وغسل عقب الرابع، وغسل عقب الخامس؛ لأن عليها عقيب الرابع غسلا في أحد ~~الأشهر، وكل شهر يحتمل أن يكون هو الشهر الذي يجب الغسل فيه بعد الرابع، ~~فيلزمها ذلك كما قلنا في الخامس. # وإن كان الاختلاف على غير ترتيب، مثل أن تحيض من شهر ثلاثة، ومن الثاني ~~خمسة، ومن الثالث أربعة، وأشباه ذلك، فإن كان هذا يمكن ضبطه ويعتادها على ~~وجه لا يختلف، فالحكم فيه كالذي قبله. وإن كان غير مضبوط، جلست الأقل من كل ~~شهر، وهي الثلاثة إن لم يكن لها أقل منها، واغتسلت عقيبه. # وذكر ابن عقيل في هذا الفصل، أن قياس المذهب أن فيه رواية ثانية، وهي ~~إجلاسها أكثر عادتها في كل شهر، كالناسية للعدد، تجلس أكثر الحيض. وهذا لا ~~يصح، إذ فيه أمرها بترك الصلاة، وإسقاطها عنها مع يقين وجوبها عليها، فإننا ~~متى أمرناها بترك الصلاة خمسة أيام في كل شهر، ونحن نعلم وجوبها عليها، في ~~يومين منها في شهر، وفي يوم في شهر آخر فقد أمرناها بترك الصلاة الواجبة ~~يقينا، فلا يحل ذلك، ولا تسقط الصلاة الواجبة بالاشتباه، كمن نسي صلاة من ~~يوم لا يعلم عينها، وفارق الناسية، فإننا لا نعلم عليها صلاة واجبة يقينا، ~~والأصل بقاء الحيض، وسقوط الصلاة، فتبقى عليه. # PageV01P231 ### | [فصل لا تكون المرأة معتادة حتى تعرف شهرها] # (459) فصل: ولا تكون المرأة معتادة حتى تعرف شهرها، ووقت حيضها وطهرها. ~~وشهر المرأة عبارة عن المدة التي لها فيها حيض وطهر، وأقل ذلك أربعة عشر ~~يوما، تحيض يوما، وتطهر ثلاثة عشر. وإن قلنا: أقل الطهر خمسة عشر يوما، ~~فأقصر ما يكون ms0273 الشهر ستة عشر يوما، وأكثره لا حد له؛ لكون أكثر الطهر لا حد ~~له، والغالب أنه الشهر المعروف بين الناس، فإذا عرفت أن شهرها ثلاثون يوما، ~~وأن حيضها منه خمسة أيام، وطهرها خمسة وعشرون، وعرفت أوله، فهي معتادة، وإن ~~عرفت أيام حيضها، وأيام طهرها، فقد عرفت شهرها، وإن عرفت أيام حيضها ولم ~~تعرف أيام طهرها، أو أيام طهرها ولم تعرف أيام حيضها، فليست معتادة لكنها ~~متى جهلت شهرها، رددناها إلى الغالب، فحيضناها من كل شهر حيضة، كما رددناها ~~في عدد أيام الحيض إلى ست أو إلى سبع، لكونه الغالب. ### | [فصل القسم الثالث من أقسام المستحاضة من لها عادة وتمييز] # (460) فصل: القسم الثالث من أقسام المستحاضة: من لها عادة وتمييز وهي من ~~كانت لها عادة فاستحيضت، ودمها متميز بعضه أسود وبعضه أحمر، فإن كان الأسود ~~في زمن العادة فقد اتفقت العادة والتمييز في الدلالة، فيعمل بهما. وإن كان ~~أكثر من العادة أو أقل ويصلح أن يكون حيضا، ففيه روايتان: إحداهما، يقدم ~~التمييز، فيعمل به، وتدع العادة، وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لقوله " فكانت ممن ~~تميز تركت الصلاة في إقباله ". ولم يفرق بين معتادة وغيرها. واشترط في ردها ~~إلى العادة أن لا يكون دمها متصلا، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن صفة الدم ~~أمارة قائمة به، والعادة زمان منقض؛ ولأنه خارج يوجب الغسل، فرجع إلى صفته ~~عند الاشتباه كالمني. # وظاهر كلام أحمد اعتبار العادة. وهو قول أكثر الأصحاب؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - رد أم حبيبة، والمرأة التي استفتت لها أم سلمة إلى ~~العادة، ولم يفرق ولم يستفصل بين كونها مميزة أو غيرها، وحديث فاطمة قد روي ~~فيه ردها إلى العادة، وفي لفظ آخر ردها إلى التمييز، فتعارضت روايتان وبقيت ~~الأحاديث الباقية خالية عن معارض، فيجب العمل بها. على أن حديث فاطمة قضية ~~عين، وحكاية حال، يحتمل أنها أخبرته أنها لا عادة لها، أو علم ذلك من ~~غيرها، أو قرينة حالها، وحديث عدي بن ثابت عام في كل مستحاضة، فيكون أولى؛ ~~ولأن العادة ms0274 أقوى؛ لكونها لا تبطل دلالتها، واللون إذا زاد على أكثر الحيض، ~~بطلت دلالته، فما لا تبطل دلالته أقوى وأولى. ### | [فصل كان حيضها خمسة أيام من أول كل شهر فاستحيضت وصارت ترى ثلاثة أيام دما أسود] # (461) فصل: ومن كان حيضها خمسة أيام من أول كل شهر، فاستحيضت، وصارت ترى ~~ثلاثة أيام دما أسود # PageV01P232 # في أول كل شهر، فمن قدم العادة قال: تجلس خمسة في كل شهر، كما كانت تجلس ~~قبل الاستحاضة. ومن قدم التمييز جعل حيضها الثلاثة التي ترى الدم الأسود ~~فيها، إلا أنها لا تترك الصلاة في الشهر الأول فيما زاد على الثلاثة؛ لأنا ~~لا نعلم أنها مستحاضة إلا بتجاوز الدم أكثر الحيض ولا نعلم ذلك في الشهر ~~الأول، فإذا عبر الدم أكثر الحيض في الشهر الأول علمنا أنه استحاضة. # فلا تجلس في الثاني ما زاد على الدم الأسود. فإن رأت في كل شهر عشرة دما ~~أسود، ثم صار أحمر واتصل، فمن قال: إنها لا تلتفت إلى ما زاد على العادة ~~حتى تتكرر. لم يحيضها في الشهرين الأولين أو الثلاثة إلا خمسة، قدر عادتها. ~~ومن قال: إنها إذا زادت على العادة جلسته بأول مرة. أجلسها في الشهر الأول ~~خمسة عشر يوما، ثم تغتسل وتصلي، وفي الثاني تجلس أيام العادة، وهي الخمسة ~~الأولى من الشهر عند من يقدم العادة على التمييز، ومن قدم التمييز لم يعتبر ~~فيه التكرار، أجلسها العشرة كلها. # فإذا تكرر ثلاثة أشهر على هذا الوصف، فقال القاضي: تجلس العشرة في الشهر ~~الرابع، على الروايتين جميعا؛ لأن الزيادة على العادة تثبت بتكرر الأسود. ~~ويحتمل أن لا تجلس زيادة على عادتها على قول من يقدم العادة على التمييز؛ ~~لأنا لو جعلنا الزائد على العادة من التمييز حيضا بتكرره، لجعلنا الناقص ~~عنها استحاضة بتكرره، فكانت لا تجلس فيما إذا رأت ثلاثة أسود ثم صار أحمر، ~~أكثر من الثلاثة. # والأمر بخلاف ذلك (462) فصل: فإن كان حيضها خمسا من أول شهر فاستحيضت، ~~فصارت ترى خمسة أسود ثم يصير أحمر، ويتصل، فالأسود حيض بلا ms0275 خلاف؛ لموافقته ~~زمن العادة والتمييز، وإن رأت مكان الأسود أحمر، ثم صار أسود، وعبر، سقط ~~حكم الأسود؛ لعبوره أكثر الحيض، وكان حيضها الأحمر، لموافقته زمن العادة. ~~وإن رأت مكان العادة أحمر، ثم خمسة أسود، ثم صار أحمر واتصل، فمن قدم ~~العادة حيضها أيام العادة. وإذا تكرر الأسود، فقال القاضي: يصير حيضا، وأما ~~من يقدم التمييز، فإنه يجعل الأسود وحده حيضا. ### | [مسألة كانت لها أيام تحيض فيها ثم نسيتها] # (463) مسألة: قال: (فإن كانت لها أيام أنسيتها، فإنها تقعد ستا أو سبعا ~~في كل شهر) هذه من القسم الرابع من أقسام المستحاضة، وهي من لا عادة لها ~~ولا تمييز وهذا القسم نوعان: أحدهما الناسية، ولها ثلاثة أحوال: أحدها، أن ~~تكون ناسية لوقتها وعددها وهذه يسميها الفقهاء المتحيرة. # والثانية، أن تنسى عددها، وتذكر وقتها. # والثالثة، أن تذكر عددها، وتنسى وقتها. # PageV01P233 # فالناسية لهما، هي التي ذكر الخرقي حكمها، وأنها تجلس في كل شهر ستة أيام ~~أو سبعة، يكون ذلك حيضها، ثم تغتسل، وهي فيما بعد ذلك مستحاضة، تصوم وتصلي ~~وتطوف. وعن أحمد أنها تجلس أقل الحيض، ثم إن كانت تعرف شهرها، وهو مخالف ~~للشهر المعروف، جلست ذلك من شهرها، وإن لم تعرف شهرها، جلست من الشهر ~~المعروف؛ لأنه الغالب. # وقال الشافعي في الناسية لهما: لا حيض لها بيقين، وجميع زمنها مشكوك فيه، ~~تغتسل لكل صلاة، وتصلي وتصوم، ولا يأتيها زوجها. وله قول آخر، أنها تجلس ~~اليقين. وقال بعض أصحابه: الأول أصح؛ لأن هذه لها أيام معروفة، ولا يمكن ~~ردها إلى غيرها، فجميع زمانها مشكوك فيه، وقد روت عائشة «أن أم حبيبة ~~استحيضت سبع سنين، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرها أن تغتسل، ~~لكل صلاة» متفق عليه. # ولنا ما روت حمنة بنت جحش، قالت: كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة، فأتيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أستفتيه، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش. ~~فقلت: يا رسول الله، إني أستحاض حيضة كبيرة شديدة. فما تأمرني فيها؟ قد ~~منعتني الصيام والصلاة، قال: «أنعت لك الكرسف، فإنه ms0276 يذهب الدم. قلت: هو ~~أكثر من ذلك. إنما أثج ثجا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - سآمرك أمرين، ~~أيهما صنعت أجزأ عنك، فإن قويت عليهما فأنت أعلم، فقال إنما هي ركضة من ~~الشيطان فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام، في علم الله، ثم اغتسلي فإذا رأيت ~~أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعا وعشرين ليلة، أو ثلاثا وعشرين ليلة ~~وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك وكذلك فافعلي، كما تحيض النساء، وكما يطهرن ~~لميقات حيضهن وطهرهن، فإن قويت أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلين حتى ~~تطهرين وتصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم ~~تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، وتغتسلين للصبح، فافعلي، وصومي إن قويت على ~~ذلك. # PageV01P234 # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أعجب الأمرين إلي» رواه أبو ~~داود، والترمذي، وقال هذا حديث حسن صحيح. قال: وسألت محمدا عنه، فقال: هو ~~حديث حسن. وحكي ذلك عن أحمد أيضا. # وهو بظاهره يثبت الحكم في حق الناسية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يستفصلها، هل هي مبتدأة أو ناسية؟ ولو افترق الحال لاستفصل وسأل. ~~واحتمال أن تكون ناسية أكثر، فإن حمنة امرأة كبيرة، كذلك قال أحمد. ولم ~~يسألها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تمييزها؛ لأنه قد جرى من كلامها، ~~من تكثير الدم وصفته ما أغنى عن السؤال عنه، ولم يسألها هل لها عادة فيردها ~~إليها؟ لاستغنائه عن ذلك، لعلمه إياه، إذ كان مشتهرا، وقد أمر به أختها أم ~~حبيبة فلم يبق إلا أن تكون ناسية؛ ولأن لها حيضا لا تعلم قدره، فيرد إلى ~~غالب عادات النساء، كالمبتدأة؛ ولأنها لا عادة لها ولا تمييز، فأشبهت ~~المبتدأة. # وقولهم: لها أيام معروفة. قلنا: قد زالت المعرفة، فصار وجودها كالعدم. ~~وأما أمره أم حبيبة بالغسل لكل صلاة، فإنما هو ندب، كأمره لحمنة في هذا ~~الخبر، فإن أم حبيبة كانت معتادة ردها إلى عادتها، وهي لها أم سلمة، على أن ~~حديث أم حبيبة إنما روي عن الزهري، وأنكره الليث بن سعد، فقال: لم يذكر ms0277 ابن ~~شهاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة، ~~ولكنه شيء فعلته هي. # (464) فصل: قوله: " ستا أو سبعا " الظاهر أنه ردها إلى اجتهادها ورأيها، ~~فيما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها أو عادة نسائها، أو ما يكون أشبه ~~بكونه حيضا. ذكره القاضي في بعض المواضع، وذكر في موضع آخر أنه خيرها بين ~~ست وسبع، لا على طريق الاجتهاد، كما خير واطئ الحائض بين التكفير بدينار أو ~~نصف دينار، بدليل أن حرف " أو " للتخيير. والأول إن شاء الله أصح؛ لأنا لو ~~جعلناها مخيرة أفضى إلى تخييرها في اليوم السابع بين أن تكون الصلاة عليها ~~واجبة وبين كونها محرمة، وليس لها في ذلك خيرة بحال. # أما التكفير ففعل اختياري، يمكن التخيير فيه بين إخراج دينار أو نصف ~~دينار، والواجب نصف دينار في الحالين؛ لأن الواجب لا يتخير بين فعله وتركه. ~~وقولهم: إن " أو " للتخيير. قلنا: وقد يكون للاجتهاد، كقول الله تعالى ~~{فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] . و " إما " " كأو " في وضعها، وليس ~~للإمام في الأسرى إلا فعل ما يؤديه إليه اجتهاده أنه الأصلح. # PageV01P235 ### | [فصل لا تخلو الناسية من أن تكون جاهلة بشهرها أو عالمة به] # (465) فصل: ولا تخلو الناسية من أن تكون جاهلة بشهرها، أو عالمة به، فإن ~~كانت جاهلة بشهرها، رددناها إلى الشهر الهلالي، فحيضناها في كل شهر حيضة؛ ~~لحديث حمنة؛ ولأنه الغالب، فترد إليه، كردها إلى الست والسبع. وإن كانت ~~عالمة بشهرها، حيضناها في كل شهر من شهورها حيضة؛ لأن ذلك عادتها، فترد ~~إليها، كما ترد المعتادة إلى عادتها في عدد الأيام، إلا أنها متى كان شهرها ~~أقل من عشرين يوما، لم نحيضها منه أكثر من الفاضل عن ثلاثة عشر يوما، أو ~~خمسة عشر يوما؛ لأنها لو حاضت أكثر من ذلك، لنقص طهرها عن أقل الطهر، ولا ~~سبيل إليه. # وهل تجلس أيام حيضها من أول كل شهر، أو بالتحري والاجتهاد؟ فيه وجهان: ~~أحدهما، تجلسه من أول كل شهر إذا كان يحتمل؛ ms0278 لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لحمنة «تحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام، في علم الله، ثم اغتسلي ~~وصلي أربعا وعشرين ليلة، أو ثلاثة وعشرين ليلة وأيامها» . فقدم حيضها على ~~الطهر، ثم أمرها بالصلاة والصوم في بقيته؛ ولأن المبتدأة تجلس من أول ~~الشهر، مع أنه لا عادة لها، فكذلك الناسية؛ ولأن دم الحيض دم جبلة، ~~والاستحاضة عارضة، فإذا رأت الدم، وجب تغليب دم الحيض. # والوجه الثاني، أنها تجلس أيامها من الشهر بالتحري والاجتهاد. وهذا قول ~~أبي بكر، وابن أبي موسى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ردها إلى ~~اجتهادها في القدر بقوله: " ستا أو سبعا ". فكذلك في الزمان؛ ولأن للتحري ~~مدخلا في الحيض، بدليل أن المميزة ترجع إلى صفة الدم. فكذلك في زمنه، فإن ~~تساوى عندها الزمان كله، ولم يغلب على ظنها شيء، تعين إجلاسها من أول ~~الشهر؛ لعدم الدليل فيما سواه. # القسم الثاني، الناسية لعددها دون وقتها، كالتي تعلم أن حيضها في العشر ~~الأول من الشهر، ولا تعلم عدده، فهي في قدر ما تجلسه كالمتحيرة، تجلس ستا ~~أو سبعا، في أصح الروايتين، إلا أنها تجلسها من العشر دون غيرها، وهل ~~تجلسها من أول العشر، أو بالتحري؟ على وجهين. وإن قالت: أعلم أنني كنت أول ~~الشهر حائضا، ولا أعلم آخره. أو إنني كنت آخر الشهر حائضا ولا أعلم أوله. ~~أو لا أعلم هل كان ذلك أول حيضي أو آخره؟ حيضناها اليوم الذي علمته، وأتمت ~~بقية حيضها مما بعده في الصورة الأولى، ومما قبله في الثانية، وبالتحري في ~~الثالثة، أو مما يلي أول الشهر، على اختلاف الوجهين. # القسم الثالث، الناسية لوقتها دون عددها، وهذه تتنوع نوعين: أحدهما، أن ~~لا تعلم لها وقتا أصلا، مثل أن تعلم أن حيضها خمسة أيام، فإنها تجلس خمسة ~~من كل شهر؛ إما من أوله، أو بالتحري، على اختلاف الوجهين. والثاني، أن تعلم ~~لها وقتا، مثل أن تعلم أنها كانت تحيض أياما معلومة من العشر الأول من كل # PageV01P236 # شهر، فإنها تجلس عدد أيامها من ذلك الوقت ms0279 دون غيره، ثم لا يخلو عدد ~~أيامها؛ إما أن يكون زائدا على نصف ذلك الوقت، أو لا يزيد، فإن كان زائدا ~~على نصفه، مثل أن تعلم أن حيضها ستة أيام من العشر الأول من كل شهر، أضعفنا ~~الزائد، فجعلناه حيضا بيقين، وتجلس بقية أيامها بالتحري في أحد الوجهين. # وفي الآخر، من أول العشر، ففي هذه المسألة الزائد يوم وهو السادس، فنضعفه ~~ويكون الخامس والسادس حيضا بيقين؛ لأننا متى عددنا لها ستة أيام من أي موضع ~~كان من العشر، دخل فيه الخامس والسادس، يبقى لها أربعة أيام، فإن أجلسناها ~~من الأول، كان حيضها من أول العشر إلى آخر السادس، منها يومان حيض بيقين، ~~والأربعة حيض مشكوك فيه، والأربعة الباقية طهر مشكوك فيه، وإن أجلسناها ~~بالتحري، فأداها اجتهادها إلى أنها من أول الشهر، فهي كالتي ذكرنا. وإن ~~جلست الأربعة من آخر الشهر، كانت حيضا مشكوكا فيه، والأربعة الأولى طهر ~~مشكوك فيه. # وإن قالت: حيضي سبعة أيام من العشر الأول. فقد زادت يومين على نصف الوقت، ~~فنضعفهما، فيصير لها أربعة أيام حيضا بيقين، وهي من أول الرابع إلى آخر ~~السابع، ويبقى لها ثلاثة أيام تجلسها من أول العشر، أو بالتحري، فيكون ذلك ~~حيضا مشكوكا فيه، ويبقى لها ثلاثة، طهرا مشكوكا فيه، وسائر الشهر طهر، وحكم ~~الحيض المشكوك فيه حكم الحيض المتيقن، في ترك العبادات. # وإن كان حيضها نصف الوقت فما دون، فليس لها حيض بيقين؛ لأنها متى كانت ~~تحيض خمسة أيام، احتمل أن تكون الخمسة الأولى، وأن تكون الثانية، وأن تكون ~~بعضها من الأولى وباقيها من الثانية، فتجلس خمسة بالتحري، أو من أول العشر، ~~على اختلاف الوجهين. ### | [فصل لا يعتبر التكرار في الناسية لأيام الحيض] # (466) فصل: ولا يعتبر التكرار في الناسية؛ لأنها عرفت استحاضتها في الشهر ~~الأول، فلا معنى للتكرار. # (467) فصل: وإذا ذكرت الناسية عادتها بعد جلوسها في غيره، رجعت إلى ~~عادتها؛ لأن تركها لعارض النسيان، فإذا زال العارض عادت إلى الأصل. وإن ~~تبين أنها كانت تركت الصلاة في غير عادتها، لزمها إعادتها، ms0280 ويلزمها قضاء ما ~~صامته من الفرض في عادتها، فلو كانت عادتها ثلاثة من آخر العشر الأول، ~~فجلست السبعة التي قبلها مدة، ثم ذكرت، لزمها قضاء ما تركت من الصلاة ~~والصيام المفروض في السبعة، وقضاء ما صامت من الفرض في الثلاثة؛ لأنها ~~صامته في زمن حيضها. ### | [مسألة المبتدأ بها الدم تحتاط] # (468) مسألة: قال: (والمبتدأ بها الدم تحتاط، فتجلس يوما وليلة، وتغتسل ~~وتتوضأ لكل صلاة وتصلي. فإن انقطع دمها في خمسة عشر يوما، اغتسلت عند ~~انقطاعه، وتفعل مثل ذلك ثانية وثالثة. فإن كان بمعنى واحد، عملت عليه ~~وأعادت الصوم، إن كانت صامت في هذه الثلاث مرار لفرض) # PageV01P237 # هذا النوع الثاني من القسم الرابع؛ وهي من لا عادة لها ولا تمييز، وهي ~~التي بدأ بها الحيض ولم تكن حاضت قبله؛ والمشهور عن أحمد فيها أنها تجلس ~~إذا رأت الدم، وهي ممن يمكن أن تحيض وهي التي لها تسع سنين فصاعدا، فتترك ~~الصوم والصلاة؛ فإن زاد الدم على يوم وليلة، اغتسلت عقيب اليوم والليلة، ~~وتتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي، وتصوم. # فإن انقطع الدم لأكثر الحيض فما دون، اغتسلت غسلا ثانيا عند انقطاعه، ~~وصنعت مثل ذلك في الشهر الثاني والثالث، فإن كانت أيام الدم في الأشهر ~~الثلاثة متساوية، صار ذلك عادة؛ وعلمنا أنها كانت حيضا فيجب عليها قضاء ما ~~صامت من الفرض؛ لأنا تبينا أنها صامته في زمن الحيض. قال القاضي: المذهب ~~عندي في هذا رواية واحدة. قال: وأصحابنا يجعلون في قدر ما تجلسه المبتدأة ~~في الشهر الأول أربع روايات: إحداهن، أنها تجلس أقل الحيض، والثانية غالبه، ~~والثالثة أكثره، والرابعة عادة نسائها. قال: وليس هاهنا موضع الروايات، ~~وإنما موضع ذلك إذا اتصل الدم، وحصلت مستحاضة في الشهر الرابع. # وقد نقل عن أحمد ما يدل على صحة قول الأصحاب؛ فروى صالح، قال: قال أبي: ~~أول ما يبدأ الدم بالمرأة تقعد ستة أيام أو سبعة أيام، وهو أكثر ما تجلسه ~~النساء على حديث حمنة. فظاهر هذا أنها تجلس ذلك في أول حيضها. وقوله: أكثر ~~ما تجلسه النساء. ms0281 يعني أن الغالب من النساء هكذا يحضن. وروى حرب عنه قال: ~~سألت أبا عبد الله قلت: امرأة أول ما حاضت استمر بها الدم، كم يوما تجلس؟ ~~قال: إن كان مثلها من النساء من يحضن، فإن شاءت جلست ستا أو سبعا حتى يتبين ~~لها حيض ووقت، وإن أرادت الاحتياط، جلست يوما واحدا، أول مرة حتى يتبين ~~وقتها. وقال في موضع آخر: قالوا هذا، وقالوا هذا، فأيها أخذت فهو جائز. # وروى الخلال بإسناده عن عطاء، في البكر تستحاض، ولا تعلم لها قرءا، قال: ~~لتنظر قرء أمها أو أختها أو عمتها أو خالتها، فلتترك الصلاة عدة تلك ~~الأيام، وتغتسل وتصلي. قال حنبل قال أبو عبد الله: ها حسن. واستحسنه جدا ~~وهذا يدل على أنه أخذ به، وهذا قول عطاء، والثوري، والأوزاعي. # وروي عن أحمد: أنها تجلس أكثر الحيض. إلا أن المشهور في الرواية عنه مثل ~~ما ذكر الخرقي؛ وقال مالك وأبو حنيفة، والشافعي: تجلس جميع الأيام التي ترى ~~الدم فيها إلى أكثر الحيض، فإن انقطع لأكثره فما دون، فالجميع حيض؛ لأنا ~~حكمنا بأن ابتداء الدم حيض مع جواز أن يكون استحاضة، فكذلك أثناؤه؛ ولأننا ~~حكمنا بكونه حيضا، فلا ننقض ما حكمنا به بالتجويز، كما في المعتادة؛ ولأن ~~دم الحيض دم جبلة، والاستحاضة دم عارض لمرض عرض؛ وعرق انقطع، والأصل فيها ~~الصحة والسلامة، وأن دمها دم الجبلة دون العلة. # ولنا، أن في إجلاسها أكثر من أقل الحيض حكما ببراءة ذمتها من عبادة واجبة ~~عليها؛ فلم يحكم # PageV01P238 # به أول مرة، كالمعتدة لا يحكم ببراءة ذمتها من العدة بأول حيضة، ولا يلزم ~~اليوم والليلة؛ لأنها اليقين، فلو لم نجلسها ذلك أدى إلى أن لا نجلسها ~~أصلا؛ ولأنها ممن لا عادة لها ولا تمييز، فلم تجلس أكثر الحيض، كالناسية. # (469) فصل: والمنصوص في المبتدأة اعتبار التكرار ثلاثا، فعلى هذا لا ~~تنتقل عن اليقين في الشهر الثالث، وقد نص في المعتادة ترى الدم زيادة على ~~عادتها على جلوسها الزائد بمرتين، في إحدى الروايتين عنه، فكذا هاهنا، وقد ~~مضى توجيههما. ms0282 وعلى الروايات كلها، إذا انقطع الدم لأكثر الحيض فما دون، ~~وكان في الأشهر الثلاثة على قدر واحد، انتقلت إليه، وعملت عليه، وصار ذلك ~~عادة لها، وأعادت ما صامته من الفرض فيه؛ لأننا تبينا أنها صامته في حيضها. ### | [فصل انقطع دم الحيض في الأشهر الثلاثة مختلفا] # (470) فصل: وإن انقطع في الأشهر الثلاثة مختلفا، ففي شهر انقطع على سبع، ~~وفي شهر على ست، وفي شهر على خمس، نظرت إلى أقل ذلك، وهو الخمس، فجعلته ~~حيضا، وما زاد عليه لا يكون حيضا، حتى يأتي عليه التكرار، نص عليه. وإن جاء ~~في الشهر الرابع ستا أو أكثر، صارت الستة حيضا؛ لتكررها ثلاثا، وكذلك الحكم ~~في السابع إذا تكرر ثلاثا. # ومن قال بإجلاسها ستا أو سبعا، فإنها تجلس ذلك من غير تكرار، ولا تجلس ما ~~زاد عليه حتى يتكرر، ولذلك من أجلسها عادة نسائها، فإنه يجلسها ما وافق ~~عادتهن، من غير تكرار. # (471) فصل: ومتى أجلسناها يوما وليلة، أو ستا أو سبعا، أو عادة نسائها، ~~فرأت الدم أكثر من ذلك، لم يحل لزوجها وطؤها فيه حتى ينقطع، أو يتجاوز أكثر ~~الحيض؛ لأنه يحتمل أن يكون حيضا احتمالا ظاهرا، وإنما أمرناها بالصوم فيه ~~والصلاة احتياطا لبراءة ذمتها، فيجب ترك وطئها احتياطا أيضا. # وإن انقطع الدم، واغتسلت، حل وطؤها. وهل يكره؟ على روايتين: إحداهما، لا ~~يكره؛ لأنها رأت النقاء الخالص، أشبه غير المبتدأة. والثانية، يكره؛ لأننا ~~لا نأمن معاودة الدم، فكره وطؤها، كالنفساء إذا انقطع دمها لأقل من أربعين ~~يوما. فإن عاودها الدم في زمن العادة، لم يطأها، نص عليه؛ لأنه زمن صادف ~~زمن الحيض، فلم يجز الوطء فيه كما لو لم ينقطع. وعنه: لا بأس بوطئها. قال ~~الخلال الأحوط في قوله، على ما اتفقوا عليه دون الأنفس الثلاثة، أنه لا ~~يطؤها. # PageV01P239 ### | [مسألة استمر بها الدم ولم يتميز] # (472) مسألة: قال: (فإن استمر بها الدم ولم يتميز، قعدت في كل شهر ستا أو ~~سبعا؛ لأن الغالب من النساء هكذا يحضن) قوله: " استمر بها الدم ". يعني زاد ~~على أكثر الحيض. ms0283 وقوله: " لم يتميز ". يعني لم يكن دمها منفصلا، على الوجه ~~الذي ذكرناه. فهذه حكمها أن تجلس في كل شهر ستة أيام أو سبعة. وقد ذكر ~~الخرقي علته، وهي أن الغالب من النساء هكذا يحضن. والظاهر أن حيض هذه كحيض ~~غالب النساء، فيجب ردها إليه، كردها في الوقت إلى حيضة في كل شهر. وهذا أحد ~~قولي الشافعي، وعن أحمد أنها تجلس يوما وليلة من كل شهر. # وهذا القول الثاني للشافعي؛ لأن ذلك اليقين، وما زاد عليه مشكوك فيه. فلا ~~تزول عن اليقين بالشك. وعنه رواية ثالثة: أنها تجلس أكثر الحيض. وهو مذهب ~~أبي حنيفة؛ لأنه زمان الحيض، فإذا رأت الدم فيه جلسته، كالمعتادة. وعنه ~~أنها تجلس عادة نسائها، وهو قول عطاء، والثوري، والأوزاعي؛ لأن الغالب أنها ~~تشبههن في عادتهن. والأول أولى لحديث حمنة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ردها إلى ست أو سبع، ولم يردها إلى اليقين، ولا إلى عادة نسائها، ولا إلى ~~أكثر الحيض؛ ولأن هذه ترد إلى غالب عادات النساء في وقتها؛ لكونها تجلس في ~~كل شهر مرة؛ فكذلك في عدد أيامها؛ وبهذا يبطل ما ذكرناه لليقين، ولعادة ~~نسائها. # (473) فصل: وهل ترد إلى ذلك إذا استمر بها الدم في الشهر الرابع أو ~~الثاني؟ المنصوص أنها لا ترد إلى ست أو سبع إلا في الشهر الرابع؛ لأنا لم ~~نحيضها أكثر من ذلك إذا لم تكن مستحاضة. فأولى أن نفعل ذلك إذا كانت ~~مستحاضة. قال القاضي: ويحتمل أن تنتقل إليها في الشهر الثاني بغير تكرار؛ ~~لأننا قد علمنا استحاضتها، فلا معنى للتكرار في حقها. ### | [فصل كانت التي استمر بها الدم مميزة عادة] # (474) فصل: وإن كانت التي استمر بها الدم مميزة، على ما ذكرناه فيما مضى ~~جلست بالتمييز فيما بعد الأشهر الثلاثة، وتجلس في الثلاثة اليقين يوما ~~وليلة، إلا أن نقول: العادة تثبت بمرتين، فإنها تعود إلى التمييز في الشهر ~~الثالث، ويعمل به. وقال ابن عقيل: وعن أحمد أنها ترد إلى التمييز في الشهر ~~الثاني، ولا يعتبر التكرار، فإنه قال: إذا ms0284 بدأ بها الحيض، ولم ينقطع عنها ~~الدم، ولم تعرف أيامها قعدت إقبال الدم إذا أقبل سواده وغلظه وريحه، فإذا ~~أدبر وصفا وذهب ريحه صلت وصامت، وذلك لأنها مستحاضة مميزة، فترد إلى ~~تمييزها، كما في الشهر الرابع، ولا يعتبر التكرار في التمييز بعد أن تعلم ~~كونها مستحاضة، على ما نصرناه. # PageV01P240 # وقال القاضي: لا تجلس منه إلا ما تكرر. فعلى هذا إذا رأت في كل شهر خمسة ~~أحمر ثم خمسة أسود، ثم أحمر واتصل، جلست زمان الأسود، فكان حيضها، والباقي ~~استحاضة. وهل تجلس زمان الأسود في الشهر الثاني أو الثالث أو الرابع؟ يخرج ~~ذلك على الروايات الثلاث. ولو رأت عشرة أحمر، ثم خمسة أسود، ثم أحمر واتصل، ~~فالحكم فيها كالتي قبلها، فإن اتصل الأسود، وعبر أكثر الحيض، فليس لها ~~تمييز، ونحيضها من الأسود؛ لأنه أشبه بدم الحيض. ولو رأت أقل من يوم دما ~~أسود، فلا تمييز لها؛ لأن الأسود لا يصلح أن يكون حيضا، لقلته عن أقل ~~الحيض. # وإن رأت في الشهر الأول أحمر كله، وفي الثاني والثالث والرابع خمسة أسود، ~~ثم أحمر واتصل، وفي الخامس كله أحمر، فإنها تجلس في الأشهر الثلاثة اليقين، ~~وفي الرابع أيام الدم الأسود، وفي الخامس تجلس خمسة أيضا؛ لأنها قد صارت ~~معتادة. وقال القاضي: لا تجلس من الرابع إلا اليقين، إلا أن نقول بثبوت ~~العادة بمرتين. # وهذا فيه نظر؛ فإن أكثر ما يقدر فيها أنها لا عادة لها ولا تمييز، ولو ~~كانت كذلك، لجلست ستا أو سبعا، في أصح الروايات، فكذا هاهنا ومن لم يعتبر ~~التكرار في التمييز فهذه مميزة، ومن قال إن المميزة تجلس بالتمييز في الشهر ~~الثاني، قال إنها تجلس الدم الأسود في الشهر الثالث؛ لأنها لا تعلم أنها ~~مميزة قبله، ولو رأت في شهر خمسة أسود، ثم صار أحمر واتصل، وفي الثاني ~~كذلك، وفي الثالث كله أحمر، والرابع رأت خمسة أحمر، ثم صار أسود واتصل، ~~جلست اليقين من الأشهر الثلاثة، والرابع لا تمييز لها فيه، فتصير فيه إلى ~~ستة أيام أو سبعة، في ms0285 أشهر الروايات، إلا أن نقول العادة تثبت بمرتين، ~~فتجلس من الثالث والرابع خمسة خمسة. # وقال القاضي: لا تجلس في الأشهر الأربعة إلا اليقين، وهذا بعيد؛ لما ~~ذكرناه. ولو كانت رأت في الرابع خمسة أسود، والباقي كله أحمر، صار عادة ~~بذلك. ### | [مسألة الصفرة والكدرة في أيام الحيض] # (475) مسألة: قال: (والصفرة والكدرة في أيام الحيض من الحيض) يعني إذا ~~رأت في أيام عادتها صفرة أو كدرة، فهو حيض، وإن رأته بعد أيام حيضها، لم ~~يعتد به. نص عليه أحمد. وبه قال يحيى الأنصاري، وربيعة، ومالك، والثوري، ~~والأوزاعي، وعبد الرحمن بن مهدي، والشافعي، وإسحاق. وقال أبو يوسف، وأبو ~~ثور: لا يكون حيضا، إلا أن يتقدمه دم أسود؛ لأن أم عطية، وكانت بايعت النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قالت: كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة بعد الغسل شيئا. ~~رواه أبو داود، وقال: بعد الطهر. # ولنا، قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} [البقرة: 222] ، وهذا ~~يتناول الصفرة والكدرة، وروى الأثرم، بإسناده، عن عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها كانت تبعث إليها النساء # PageV01P241 # بالدرجة فيها الكرسف، فيها الصفرة والكدرة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين ~~القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة. وحديث أم عطية إنما يتناول ما ~~بعد الطهر والاغتسال، ونحن نقول به، وقد قالت عائشة: ما كنا نعد الكدرة ~~والصفرة حيضا. مع قولها المتقدم، الذي ذكرناه. # (476) فصل: وحكم الصفرة والكدرة حكم الدم العبيط في أنها في أيام الحيض ~~حيض، وتجلس منها المبتدأة كما تجلس من غيرها. وإن رأتها فيما بعد العادة ~~فهو كما لو رأت غيرها على ما سيأتي ذكره، إن شاء الله. وإن طهرت ثم رأت ~~كدرة أو صفرة، لم يلتفت إليها؛ لخبر أم عطية وعائشة، وقد روى النجاد، ~~بإسناده، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة، عن أسماء قالت: كنا في حجرها مع بنات ~~بنتها، فكانت إحدانا تطهر ثم تصلي، ثم تنكس بالصفرة اليسيرة، فنسألها، ~~فتقول: اعتزلن الصلاة حتى لا ترين إلا البياض خالصا، والأول أولى؛ لما ~~ذكرنا، وقول عائشة وأم عطية أولى من قول ms0286 أسماء. وقال القاضي: معنى هذا أنها ~~لا تلتفت إليه قبل التكرار، وقول أسماء فيما إذا تكرر، فجمع بين الأخبار. ~~والله أعلم. ### | [مسألة يستمتع من الحائض بما دون الفرج] # مسألة: قال: (ويستمتع من الحائض بما دون الفرج) وجملته أن الاستمتاع من ~~الحائض فيما فوق السرة ودون الركبة جائز بالنص والإجماع، والوطء في الفرج ~~محرم بهما. واختلف في الاستمتاع بما بينهما؛ فذهب أحمد، - رحمه الله - إلى ~~إباحته. وروي ذلك عن عكرمة، وعطاء، والشعبي، والثوري، وإسحاق، ونحوه قال ~~الحكم، فإنه قال: لا بأس أن تضع على فرجها ثوبا ما لم يدخله. وقال أبو ~~حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يباح؛ لما روي عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض» . رواه البخاري. ~~وعن عمر قال: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما يحل للرجل من ~~امرأته وهي حائض فقال: فوق الإزار» # ولنا قول الله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: 222] ، ~~والمحيض: اسم لمكان الحيض، # PageV01P242 # كالمقيل والمبيت، فتخصيصه موضع الدم بالاعتزال دليل على إباحته فيما ~~عداه. فإن قيل: بل المحيض الحيض، مصدر حاضت المرأة حيضا ومحيضا، بدليل قوله ~~تعالى في أول الآية: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} [البقرة: 222] . ~~والأذى: هو الحيض المسئول عنه، وقال تعالى: {واللائي يئسن من المحيض} ~~[الطلاق: 4] . قلنا: اللفظ يحتمل المعنيين، وإرادة مكان الدم أرجح، بدليل ~~أمرين: أحدهما أنه لو أراد الحيض لكان أمرا باعتزال النساء في مدة الحيض ~~بالكلية، والإجماع بخلافه. # والثاني، أن سبب نزول الآية، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة اعتزلوها، ~~فلم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيت، فسأل أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «اصنعوا كل شيء غير النكاح.» رواه مسلم في " ~~صحيحه " وهذا تفسير لمراد الله تعالى، ولا تتحقق مخالفة اليهود بحملها على ~~إرادة الحيض؛ لأنه يكون موافقا لهم، ومن السنة قوله - عليه السلام -: ~~«اصنعوا كل شيء غير النكاح» ، وروي عنه - عليه السلام - أنه ms0287 قال: «اجتنب ~~منها شعار الدم» . # ولأنه منع الوطء لأجل الأذى، فاختص مكانه كالدبر، وما رووه عن عائشة دليل ~~على حل ما فوق الإزار، لا على تحريم غيره، وقد يترك النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بعض المباح تقذرا، كتركه أكل الضب والأرنب، وقد روى عكرمة عن بعض ~~أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا ثم ما ذكرناه منطوق وهو أولى ~~من المفهوم. ### | [فصل وطء الحائض في الفرج] # (478) فصل: فإن وطئ الحائض في الفرج أثم، ويستغفر الله تعالى، وفي ~~الكفارة روايتان: إحداهما، يجب عليه كفارة؛ لما روى أبو داود، والنسائي، ~~بإسنادهما، عن ابن عباس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال، في الذي ~~يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو بنصف دينار» . والثانية لا كفارة ~~عليه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأكثر أهل العلم؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من أتى كاهنا فصدقه بما قال، أو أتى امرأته في دبرها، أو أتى ~~حائضا، فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -» رواه ابن ماجه، # PageV01P243 # ولم يذكر كفارة؛ ولأنه وطء نهي عنه لأجل الأذى، فأشبه الوطء في الدبر. # وللشافعي قولان كالروايتين. وحديث الكفارة مداره على عبد الحميد بن عبد ~~الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقد قيل لأحمد: في نفسك منه شيء؟ قال: نعم لأنه ~~من حديث فلان. أظنه قال: عبد الحميد وقال: لو صح ذلك الحديث عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كنا نرى عليه الكفارة. وقال في موضع: ليس به بأس، وقد روى ~~الناس عنه. فاختلاف الرواية في الكفارة مبني على اختلاف قول أحمد في ~~الحديث. # وقد روي عن أحمد أنه قال: إن كانت له مقدرة تصدق بما جاء عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقال أبو عبد الله بن حامد؛ كفارة وطء الحائض تسقط بالعجز ~~عنها، أو عن بعضها، ككفارة الوطء في رمضان. ### | [فصل في قدر كفارة وطء الحائض] # (479) فصل: وفي قدر الكفارة ms0288 روايتان: إحداهما، أنها دينار، أو نصف دينار، ~~على سبيل التخيير، أيهما أخرج أجزأه، روي ذلك عن ابن عباس، والثانية، أن ~~الدم إن كان أحمر فهي دينار، وإن كان أصفر، فنصف دينار. # وهو قول إسحاق، وقال النخعي: إن كان في فور الدم فدينار، وإن كان في آخره ~~فنصف دينار؛ لما روى ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إن كان دما أحمر فدينار، وإن كان دما أصفر فنصف دينار» . رواه الترمذي ~~والأول أصح. قال أبو داود الرواية الصحيحة: " يتصدق بدينار أو بنصف دينار ~~". ولأنه حكم تعلق بالحيض، فلم يفرق بين أوله وآخره، كسائر أحكامه. فإن ~~قيل: فكيف تخير بين شيء ونصفه؟ قلنا: كما يخير المسافر بين قصر الصلاة ~~وإتمامها، فأيهما فعل كان واجبا، كذا هاهنا. ### | [فصل وطئ بعد طهرها وقبل غسلها] # (480) فصل: وإن وطئ بعد طهرها، وقبل غسلها فلا كفارة عليه. وقال قتادة، ~~والأوزاعي: عليه نصف دينار. ولو وطئ في حال جريان الدم، لزمه دينار؛ لأنه ~~حكم تعلق بالوطء في الحيض، فثبت قبل الغسل، كالتحريم. ولنا أن وجوب الكفارة ~~بالشرع، وإنما ورد بها الخبر في الحائض، وغيرها لا يساويها؛ لأن الأذى ~~المانع من وطئها قد زال بانقطاع الدم، وما ذكروه يبطل بما لو حلف لا يطأ ~~حائضا، فإن الكفارة تجب بالوطء في الحيض، ولا تجب في غيره. ### | [فصل هل تجب الكفارة على الجاهل والناسي] # (481) فصل: وهل تجب الكفارة على الجاهل والناسي؟ على وجهين: # PageV01P244 # أحدهما، تجب لعموم الخبر؛ ولأنها كفارة تجب بالوطء، أشبهت كفارة الوطء في ~~الصوم والإحرام. والثاني، لا تجب لقوله - عليه السلام -: «عفي لأمتي عن ~~الخطأ والنسيان» . ولأنها تجب لمحو المأثم، فلا تجب مع النسيان، ككفارة ~~اليمين، فعلى هذا لو وطئ طاهرا، فحاضت في أثناء وطئه، لا كفارة عليه. وعلى ~~الرواية الأولى، عليه كفارة. وهو قول ابن حامد، قال: ولو وطئ الصبي لزمته ~~الكفارة؛ لعموم الخبر، وقياسا على كفارة الإحرام، ويحتمل أن لا يلزمه ~~كفارة؛ لأن أحكام التكليف لا تثبت في حقه، وهذا من فروعها، فلا تثبت. ms0289 ### | [فصل هل تلزم المرأة الموطوءة وهي حائض كفارة] # (482) فصل: وهل تلزم المرأة كفارة؟ المنصوص أن عليها الكفارة. قال أحمد ~~في امرأة غرت زوجها: إن عليه الكفارة وعليها؛ وذلك لأنه وطء يوجب الكفارة، ~~فأوجبها على المرأة المطاوعة، ككفارة الوطء في الإحرام. وقال القاضي: في ~~وجوبها على المرأة وجهان: أحدهما لا يجب؛ لأن الشرع لم يرد بإيجابها عليها، ~~وإنما يتلقى الوجوب من الشرع. وإن كانت مكرهة أو غير عالمة، فلا كفارة ~~عليها، لقوله - عليه السلام -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا ~~عليه» . # (483) فصل: والنفساء كالحائض في هذا؛ لأنها تساويها في سائر أحكامها، ~~ويجزئ نصف دينار من أي ذهب كان إذا كان صافيا من الغش، ويستوي تبره ~~ومضروبه، لوقوع الاسم عليه. وهل يجوز إخراج قيمته؟ فيه وجهان: أحدهما، ~~يجوز؛ لأن المقصود يحصل بإخراج هذا القدر من المال، على أي صفة كان من ~~المال، فجاز بأي مال كان، كالخراج والجزية. # والثاني، لا يجوز؛ لأنه كفارة، فاختص ببعض أنواع المال، كسائر الكفارات، ~~فعلى هذا الوجه هل يجوز إخراج الدراهم مكان الدينار فيه وجهان، بناء على ~~إخراجها عنه في الزكاة، والصحيح جوازه؛ لما ذكرنا؛ ولأنه حق يجزئ فيه أحد ~~الثمنين، فأجزأ فيه الآخر، كسائر الحقوق. ومصرف هذه الكفارة إلى مصرف سائر ~~الكفارات؛ لكونها كفارة؛ ولأن المساكين مصرف حقوق الله تعالى، وهذا منها. ### | [مسألة فإن انقطع دمها فلا توطأ حتى تغتسل] # (484) مسألة: قال: (فإن انقطع دمها، فلا توطأ حتى تغتسل) وجملته أن وطء ~~الحائض قبل الغسل حرام، وإن انقطع دمها في قول أكثر أهل العلم. قال ابن # PageV01P245 # المنذر: هذا كالإجماع منهم. وقال أحمد بن محمد المروذي: لا أعلم في هذا ~~خلافا. وقال أبو حنيفة: إن انقطع الدم لأكثر الحيض، حل وطؤها، وإن انقطع ~~لدون ذلك، لم يبح حتى تغتسل، أو تتيمم، أو يمضي عليها وقت صلاة؛ لأن وجوب ~~الغسل لا يمنع من الوطء بالجنابة. # ولنا، قول الله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث ~~أمركم الله} [البقرة: 222] . يعني إذا اغتسلن. هكذا فسره ابن ms0290 عباس؛ ولأن ~~الله تعالى قال في الآية: {ويحب المتطهرين} [البقرة: 222] . فأثنى عليهم، ~~فيدل على أنه فعل منهم أثنى عليهم به، وفعلهم هو الاغتسال دون انقطاع الدم، ~~فشرط لإباحة الوطء شرطين: انقطاع الدم، والاغتسال، فلا يباح إلا بهما، ~~كقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] . لما اشترط لدفع المال إليهم بلوغ ~~النكاح والرشد لم يبح إلا بهما. كذا هاهنا؛ ولأنها ممنوعة من الصلاة لحدث ~~الحيض، فلم يبح وطؤها كما لو انقطع لأقل الحيض. وما ذكروه من المعنى منقوض ~~بما إذا انقطع لأقل الحيض؛ ولأن حدث الحيض آكد من حدث الجنابة، فلا يصح ~~قياسه عليه. ### | [مسألة لا توطأ مستحاضة إلا أن يخاف على نفسه] # (485) مسألة: قال: (ولا توطأ مستحاضة إلا أن يخاف على نفسه) اختلف عن ~~أحمد، - رحمه الله -، في وطء المستحاضة، فروي ليس له وطؤها إلا أن يخاف على ~~نفسه الوقوع في محظور. وهو مذهب ابن سيرين، والشعبي، والنخعي، والحاكم؛ لما ~~روى الخلال، بإسناده عن عائشة، أنها قالت: المستحاضة لا يغشاها زوجها. # ولأن بها أذى، فيحرم وطؤها كالحائض؛ فإن الله تعالى منع وطء الحائض معللا ~~بالأذى بقوله: {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: 222] . أمر ~~باعتزالهن عقيب الأذى مذكورا بفاء التعقيب؛ ولأن الحكم إذا ذكر مع وصف ~~يقتضيه ويصلح له، علل به، كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38] والأذى يصلح أن يكون علة. فيعلل به، وهو موجود في المستحاضة، ~~فيثبت التحريم في حقها وروي عن أحمد إباحة وطئها مطلقا، من غير شرط. وهو ~~قول أكثر الفقهاء؛ لما روى أبو داود عن عكرمة، عن حمنة بنت جحش، أنها كانت ~~مستحاضة، وكان زوجها يجامعها. # وقال: كانت أم حبيبة تستحاض، وكان زوجها يغشاها؛ ولأن حمنة كانت تحت ~~طلحة، وأم حبيبة تحت عبد الرحمن بن عوف وقد سألتا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن أحكام المستحاضة، فلو كان حراما لبينه لهما. # وإن خاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك الوطء، أبيح على ms0291 الروايتين؛ لأن ~~حكمها أخف من حكم الحائض، ولو وطئها من غير خوف، فلا كفارة عليه؛ لأن ~~الوجوب من الشرع، ولم يرد بإيجابها في حقها، ولا هي في معنى الحائض لما ~~بينهما من الاختلاف. # PageV01P246 # وإذا انقطع دمها، أبيح وطؤها من غير غسل؛ ليس بواجب عليها، أشبه سلس ~~البول. ### | [مسألة المبتلى بسلس البول وكثرة المذي] # (486) مسألة: قال: (والمبتلى بسلس البول، وكثرة المذي، فلا ينقطع، ~~كالمستحاضة، يتوضأ لكل صلاة، بعد أن يغسل فرجه) وجملته أن المستحاضة، ومن ~~به سلس البول أو المذي، أو الجريح الذي لا يرقأ دمه، وأشباههم ممن يستمر ~~منه الحدث ولا يمكنه حفظ طهارته، عليه الوضوء لكل صلاة بعد غسل محل الحدث، ~~وشده والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه. فالمستحاضة تغسل المحل، ثم تحشوه ~~بقطن أو ما أشبهه، ليرد الدم؛ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لحمنة، ~~حين شكت إليه كثرة الدم: أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم. فإن لم يرتد الدم ~~بالقطن، استثفرت بخرقة مشقوقة الطرفين، تشدها على جنبيها ووسطها على الفرج» ~~، وهو المذكور في حديث أم سلمة " لتستثفر بثوب. # وقال لحمنة " تلجمي ". لما قالت: إنه أكثر من ذلك. فإذا فعلت ذلك، ثم خرج ~~الدم، فإن كان لرخاوة الشد، فعليها إعادة الشد والطهارة، وإن كان لغلبة ~~الخارج وقوته وكونه لا يمكن شده أكثر من ذلك، لم تبطل الطهارة؛ لأنه لا ~~يمكن التحرز منه، فتصلي ولو قطر الدم، قالت عائشة: «اعتكفت مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة والطست ~~تحتها وهي تصلي» . رواه البخاري، وفي حديث: «صلي وإن قطر الدم على الحصير» ~~. وكذلك من به سلس البول، أو كثرة المذي، يعصب رأس ذكره بخرقة، ويحترس حسب ~~ما يمكنه، ويفعل ما ذكر. # وكذلك من به جرح يفور منه الدم، أو به ريح، أو نحو ذلك من الأحداث ممن لا ~~يمكنه قطعه عن نفسه، فإن كان مما لا يمكن عصبه، مثل من به جرح لا يمكن شده، ~~أو به باسور أو ناصور لا يتمكن من ms0292 عصبه، صلى على حسب حاله، كما روي عن عمر ~~- رضي الله عنه - أنه حين طعن صلى وجرحه يثعب دما. # (487) فصل: ويلزم كل واحد من هؤلاء الوضوء لوقت كل صلاة، إلا أن يخرج منه ~~شيء، وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقال مالك لا يجب الوضوء ~~على المستحاضة. وروي ذلك عن عكرمة وربيعة. # واستحب مالك لمن به سلس البول أن يتوضأ لكل صلاة، إلا أن يؤذيه البرد، ~~فإن آذاه قال: فأرجو أن لا يكون عليه ضيق في ترك الوضوء. واحتجوا بأن في ~~حديث هشام بن عروة عن أبيه # PageV01P247 # عن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة بنت أبي حبيش: ~~«فاغتسلي وصلي» . ولم يأمرها بالوضوء؛ ولأنه ليس بمنصوص على الوضوء منه، ~~ولا في معنى المنصوص؛ لأن المنصوص عليه الخارج المعتاد، وليس هذا بمعتاد، ~~ولنا ما روى عدي بن ثابت عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في «المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل، وتصوم وتصلي، وتتوضأ عند ~~كل صلاة» . رواه أبو داود، والترمذي # ، وعن عائشة، قالت: «جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فذكرت خبرها، ثم قال: اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة وصلي» . رواه أبو ~~داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ولأنه خارج من السبيل، فنقض الوضوء، ~~كالمذي. إذا ثبت هذا، فإن طهارة هؤلاء مقيدة بالوقت؛ لقوله: " تتوضأ عند كل ~~صلاة ". وقوله: " ثم توضئي لكل صلاة ". ولأنها طهارة عذر وضرورة، فتقيدت ~~بالوقت، كالتيمم. # (488) فصل: فإن توضأ أحد هؤلاء قبل الوقت، وخرج منه شيء، بطلت طهارته؛ ~~لأن دخوله يخرج به الوقت الذي توضأ فيه، وخروج الوقت مبطل لهذه الطهارة، ~~كما قررناه؛ ولأن الحدث مبطل للطهارة، وإنما عفي عنه لعدم إمكان التحرز عنه ~~مع الحاجة إلى الطهارة. وإن توضأ بعد الوقت صح، وارتفع حدثه، ولم يؤثر فيه ~~ما يتجدد من الحدث الذي لا يمكن التحرز منه. # فإن دخل في الصلاة عقيب طهارته، أو أخرها لأمر يتعلق بمصلحة الصلاة، كلبس ~~الثياب، وانتظار الجماعة، أو ms0293 لم يعلم أنه خرج منه شيء، جاز. وإن أخرها لغير ~~ذلك، ففيه وجهان: أحدهما، الجواز؛ لأنها طهارة أريدت للصلاة بعد دخول ~~وقتها، فأشبهت التيمم؛ ولأنها طهارة ضرورة، فتقيدت بالوقت، كالتيمم. # والثاني، لا يجوز؛ لأنه إنما أبيح له الصلاة بهذه الطهارة مع قيام الحدث ~~للحاجة والضرورة، ولا ضرورة هاهنا. وإن خرج الوقت بعد أن خرج منها شيء، أو ~~أحدثت حدثا سوى هذا الخارج، بطلت الطهارة. قال أحمد، في رواية أحمد بن ~~القاسم: إنما أمرها أن تتوضأ لكل صلاة، فتصلي بذلك الوضوء النافلة والصلاة ~~الفائتة، حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى، فتتوضأ أيضا. وهذا يقتضي إلحاقها ~~بالتيمم، في أنها باقية ببقاء الوقت، يجوز لها أن تتطوع بها، وتقضي بها ~~الفوائت، وتجمع بين الصلاتين، ما لم تحدث حدثا آخر، أو يخرج الوقت. # PageV01P248 ### | [فصل للمستحاضة الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد] # (489) فصل: ويجوز للمستحاضة الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد؛ لأن «النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أمر حمنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد، ~~وأمر به سهلة بنت سهيل» وغير المستحاضة من أهل الأعذار مقيس عليها، وملحق ~~بها. ### | [فصل توضأت المستحاضة ثم انقطع دمها] # (490) فصل: إذا توضأت المستحاضة، ثم انقطع دمها، فإن تبين أنه انقطع ~~لبرئها باتصال الانقطاع، تبينا أن وضوءها بطل بانقطاعه؛ لأن الحدث الخارج ~~مبطل للطهارة عفي عنه للعذر، فإذا زال العذر زالت الضرورة، فظهر حكم الحدث. ~~وإن عاد الدم فظاهر كلام أحمد أنه لا عبرة بهذا الانقطاع. قال أحمد بن ~~القاسم: سألت أبا عبد الله، فقلت: إن هؤلاء يتكلمون بكلام كثير، ويوقتون ~~بوقت، يقولون: إذا توضأت للصلاة، وقد انقطع الدم ثم سال بعد ذلك قبل أن ~~تدخل في الصلاة، تعيد الوضوء. ويقولون: إذا كان الدم سائلا، فتوضأت، ثم ~~انقطع الدم، قولا آخر. # قال: لست أنظر في انقطاعه حين توضأت سال أم لم يسل، إنما آمرها أن تتوضأ ~~لكل صلاة، فتصلي بذلك الوضوء النافلة والفائتة، حتى يدخل وقت الصلاة ~~الأخرى؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها بالوضوء لكل صلاة، من ~~غير تفصيل، ms0294 فالتفصيل يخالف مقتضى الخبر؛ ولأن اعتبار هذا يشق، والعادة في ~~المستحاضة وأصحاب هذه الأعذار أن الخارج يجري وينقطع، واعتبار مقدار ~~الانقطاع فيما يمكن فعل العبادة فيه يشق، وإيجاب الوضوء به حرج لم يرد ~~الشرع به، ولا سأل عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - المستحاضة التي ~~استفتته، فيدل ذلك ظاهرا على عدم اعتباره مع قول الله تعالى: {وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] ، ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا عن أحد من الصحابة هذا التفصيل. # وقال القاضي، وابن عقيل: إن تطهرت المستحاضة حال جريان دمها ثم انقطع قبل ~~دخولها في الصلاة، ولم يكن لها عادة بانقطاعه، لم يكن لها الدخول في الصلاة ~~حتى تتوضأ؛ لأنها طهارة عفي عن الحدث فيها لمكان الضرورة، فإذا انقطع الدم ~~زالت الضرورة، فظهر حكم الحدث كالمتيمم إذا وجد الماء، وإن دخلت في الصلاة ~~فاتصل الانقطاع زمنا يمكن الوضوء والصلاة فيه، فهي باطلة؛ لأننا تبينا ~~بطلان طهارتها بانقطاعه. # وإن عاد قبل ذلك، فطهارتها صحيحة؛ لأننا تبينا عدم الطهر المبطل للطهارة، ~~فأشبه ما لو ظن أنه أحدث، ثم تبين أنه لم يحدث. وفي صحة الصلاة وجهان: ~~أحدهما، يصح؛ لأننا تبينا صحة طهارتها؛ لبقاء استحاضتها والثاني، لا يصح؛ ~~لأنها صلت بطهارة لم يكن لها أن تصلي بها فلم تصح، كما لو تيقن الحدث وشك ~~في الطهارة، فصلى، ثم تبين أنه كان متطهرا. # PageV01P249 # وإن عاودها الدم قبل دخولها في الصلاة لمدة تتسع للطهارة والصلاة، بطلت ~~الطهارة، وإن كانت لا تتسع، لم تبطل؛ لأننا تبينا عدم الطهر المبطل ~~للطهارة، فأشبه ما لو ظن أنه أحدث، فتبين أنه لم يحدث، وإن كان انقطاعه في ~~الصلاة، ففي بطلان الصلاة به وجهان مبنيان على المتيمم يرى الماء في ~~الصلاة. # ذكر ذلك ابن حامد. وإن عاود الدم، فالحكم فيه على ما مضى في انقطاعه في ~~غير الصلاة. وإن توضأت في زمن انقطاعه، ثم عاودها الدم قبل الصلاة أو فيها، ~~أو كانت مدة انقطاعه تتسع للطهارة والصلاة، بطلت طهارتها بعود الدم؛ ms0295 لأنها ~~بهذا الانقطاع صارت في حكم الطاهرات، فصار عود الدم كسبق الحدث. وإن كان ~~انقطاعا لا يتسع لذلك، لم يؤثر عوده؛ لأنها مستحاضة، ولا حكم لهذا ~~الانقطاع. وهذا مذهب الشافعي. وقد ذكرنا من كلام أحمد - رحمه الله - ما يدل ~~على أنه لا عبرة بهذا الانقطاع، بل متى كانت مستحاضة أو بها عذر من هذه ~~الأعذار، فتحرزت وتطهرت، فطهارتها صحيحة، وصلاتها بها ماضية، ما لم يزل ~~عذرها، وتبرأ من مرضها، أو يخرج وقت الصلاة، أو تحدث حدثا سوى حدثها. ### | [فصل كانت لها عادة بانقطاع الدم زمنا لا يتسع للطهارة والصلاة] # (491) فصل: فإن كانت لها عادة بانقطاع الدم زمنا لا يتسع للطهارة والصلاة ~~فتوضأت، ثم انقطع دمها، لم يحكم ببطلان طهارتها، ولا صلاتها، إن كانت فيها؛ ~~لأن هذا الانقطاع لا يفيد المقصود. وإن اتصل الانقطاع وبرأت، وكان قد جرى ~~منها دم بعد الوضوء، بطلت طهارتها والصلاة؛ لأنا تبينا أنها صارت في حكم ~~الطاهرات بذلك الانقطاع. وإن اتصل زمنا يتسع للطهارة والصلاة، فالحكم فيها ~~كالحكم في التي لم يجر لها عادة بانقطاعه على ما ذكر فيه. وإن كانت لها ~~عادة بانقطاعه زمنا يتسع للطهارة والصلاة، لم تصل حال جريان الدم، وتنتظر ~~إمساكه، إلا أن تخشى خروج الوقت، فتتوضأ وتصلي. فإن شرعت في الصلاة في آخر ~~الوقت بهذه الطهارة، فأمسك الدم عنها، بطلت طهارتها؛ لأنها أمكنتها الصلاة ~~بطهارة غير ضرورية، فلم تصح صلاتها بغيرها، كغير المستحاضة. # وإن كان زمن إمساكه يختلف، فتارة يتسع. وتارة لا يتسع، فهي كالتي قبلها، ~~إلا أن تعلم أن انقطاعه في هذا الوقت لا يتسع. ويحتمل أنها إذا شرعت في ~~الصلاة، ثم انقطع الدم، لا تبطل صلاتها؛ لأنها شرعت فيها بطهارة يقينية، ~~وانقطاع الدم يحتمل أن يكون متسعا، فتبطل، ويحتمل أن يكون ضيقا، فلا تبطل، ~~ولا يزول اليقين بالشك. فإن اتصل الانقطاع، تبينا أنه كان مبطلا، فبطلت ~~الطهارة والصلاة به. ### | [مسألة أكثر النفاس أربعون يوما] # (492) مسألة: قال: (وأكثر النفاس أربعون يوما) هذا قول أكثر أهل العلم. ~~قال أبو عيسى الترمذي: ms0296 أجمع أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ومن # PageV01P250 # بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، ~~فتغتسل وتصلي. وقال أبو عبيد: وعلى هذا جماعة الناس، وروي هذا عن عمر، وابن ~~عباس، وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو وأنس، وأم سلمة - رضي الله عنهم ~~-. وبه قال الثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال مالك، والشافعي: أكثره ستون ~~يوما. # وحكى ابن عقيل، عن أحمد، رواية مثل قولهما لأنه روي عن الأوزاعي أنه قال: ~~عندنا امرأة ترى النفاس شهرين. وروي مثل ذلك عن عطاء أنه وجده. والمرجع في ~~ذلك إلى الوجود، قال الشافعي غالبه أربعون يوما. # ولنا ما روى أبو سهل كثير بن زياد، عن مسة الأزدية، عن أم سلمة، قالت: ~~«كانت النفساء تجلس على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوما ~~وأربعين ليلة.» رواه أبو داود والترمذي، وقال: هذا الحديث لا نعرفه إلا من ~~حديث أبي سهل، وهو ثقة. قال الخطابي: أثنى محمد بن إسماعيل على هذا الحديث. ~~وروى الحكم بن عتيبة، عن مسة، عن أم سلمة «، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنها سألته: كم تجلس المرأة إذا ولدت قال: أربعين يوما، إلا أن ترى الطهر ~~قبل ذلك» . رواه الدارقطني. ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم ~~مخالفا في عصرهم، فكان إجماعا، وقد حكاه الترمذي إجماعا، ونحوه حكى أبو ~~عبيد، وما حكوه عن الأوزاعي، يحتمل أن الزيادة كانت حيضا أو استحاضة، كما ~~لو زاد دمها عن الستين، أو كما لو زاد دم الحائض على خمسة عشر يوما. ### | [فصل زاد دم النفساء على أربعين يوما] # (493) فصل: فإن زاد دم النفساء على أربعين يوما، فصادف عادة الحيض، فهو ~~حيض، وإن لم يصادف عادة، فهو استحاضة. قال أحمد: إذا استمر بها الدم، فإن ~~كان في أيام حيضها الذي تقعده أمسكت عن الصلاة، ولم يأتها زوجها، وإن لم ~~يكن لها أيام كانت بمنزلة المستحاضة، يأتيها زوجها، وتتوضأ لكل صلاة، وتصوم ~~وتصلي إن أدركها رمضان، ms0297 ولا تقضي. وهذا يدل على مثل ما قلنا. ### | [مسألة ليس لأقل النفاس حد] # (494) مسألة: قال: (وليس لأقله حد، أي وقت رأت الطهر اغتسلت، وهي طاهر، ~~ولا يقربها زوجها في الفرج حتى تتم الأربعين استحبابا) وبهذا قال الثوري، ~~والشافعي. وقال مالك، والأوزاعي، وأبو عبيد: إذا لم تر دما تغتسل وتصلي. ~~وقال محمد بن الحسن، وأبو ثور: أقله ساعة. وقال أبو عبيد: أقله خمسة وعشرون ~~يوما، ولنا أنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد ~~قليلا وكثيرا، وقد روي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فلم تر دما، فسميت ذات الجفوف. # قال أبو داود: ذاكرت أبا عبد الله حديث جرير: كانت امرأة تسمى الطاهر، ~~تضع أول النهار وتطهر آخره فجعل يعجب منه. وقال علي - رضي الله عنه - لا ~~يحل للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلي. ولأن # PageV01P251 # اليسير دم وجد عقيب سببه وهو الولادة، فيكون نفاسا كالكثير، وقد روي عن ~~أحمد، أنها إذا رأت النقاء لدون اليوم لا تثبت لها أحكام الطاهرات. # قال يعقوب: سألت أبا عبد الله عن المرأة إذا ضربها المخاض، فتكون أيامها ~~عشرا، فترى النقاء قبل ذلك، فتغتسل، ثم ترى الدم من يومها؟ قال: هذا أقل من ~~يوم، ليس عليها شيء. # فعلى هذا لا تثبت لها أحكام الطاهرات حتى ترى الطهر يوما كاملا، ووجه ذلك ~~أن الدم يجري تارة وينقطع أخرى، فلا يخرج عن حكم النفاس بمجرد انقطاعه؛ لأن ~~ذلك يفضي إلى أن لا تسقط الصلاة عنها في نفاسها، إذ ما من وقت صلاة إلا ~~يوجد فيه طهر يجب عليها الصلاة به وهذا يخالف النص والإجماع، وإذا لم يعتبر ~~مجرد انقطاع الدم فلا بد من ضابط للانقطاع المعدود طهرا، واليوم يصلح أن ~~يكون ضابطا لذلك، فتعلق الحكم به. ### | [فصل ولدت ولم تر دما] # (495) فصل: وإن ولدت ولم تر دما، فهي طاهر لا نفاس لها لأن النفاس هو ~~الدم، ولم يوجد، وفي وجوب الغسل عليها وجهان: أحدهما، لا يجب؛ لأن الوجوب ms0298 ~~من الشرع، وإنما ورد الشرع بإيجابه على النفساء، وليست هذه نفساء، ولا في ~~معناها؛ لأن النفساء قد خرج منها دم يقتضي خروجه وجوب الغسل، ولم يوجد ذلك ~~فيمن لم يخرج منها. # والثاني، يجب؛ لأن الولادة مظنة للنفاس، فتعلق الإيجاب بها، كتعلقه ~~بالتقاء الختانين، وإن لم يوجد الإنزال. ### | [فصل إذا طهرت النفساء لدون الأربعين اغتسلت] # (496) فصل: وإذا طهرت لدون الأربعين اغتسلت وصلت، وصامت، ويستحب أن لا ~~يقربها زوجها قبل الأربعين. قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيها زوجها، على حديث ~~عثمان بن أبي العاص، أنها أتته قبل الأربعين، فقال لا تقربيني؛ ولأنه لا ~~يأمن عود الدم في زمن الوطء، فيكون واطئا في نفاس، وهذا على سبيل ~~الاستحباب، فإنا حكمنا لها بأحكام الطاهرات ولهذا يلزمها أن تغتسل وتصلي، ~~وتصوم. وإن عاد دمها في مدة الأربعين ففيه روايتان. # إحداهما، أنه من نفاسها، تدع له الصوم والصلاة. نقل عنه أحمد بن القاسم ~~أنه قال: فإن عاودها الدم قبل الأربعين، أمسكت عن الصلاة والصوم، فإن طهرت ~~أيضا اغتسلت وصلت وصامت. وهذا قول عطاء، والشعبي؛ لأنه دم في زمن النفاس، ~~فكان نفاسا كالأول، وكما لو اتصل. # والثانية، أنه مشكوك فيه، تصوم وتصلي، ثم تقضي الصوم احتياطا. وهذه ~~الرواية المشهورة # PageV01P252 # عنه، نقلها الأثرم، وغيره. ولا يأتيها زوجها، وإنما ألزمها فعل العبادات ~~في هذا الدم؛ لأن سببها متيقن، وسقوطها بهذا الدم مشكوك فيه، فلا يزول ~~اليقين بالشك، وأمرها بالقضاء احتياطا؛ لأن وجوب الصلاة والصوم متيقن، ~~وسقوط الصوم بفعله في هذا الدم مشكوك فيه، فلا يزول بالشك. # والفرق بين هذا الدم وبين الزائد على الست والسبع في حق الناسية، حيث لا ~~يجب قضاء ما صامته فيه مع الشك، أن الغالب مع عادات النساء ست أو سبع، وما ~~زاد عليه نادر بخلاف النفاس؛ ولأن الحيض يتكرر، فيشق إيجاب القضاء فيه، ~~والنفاس بخلافه، وكذلك الدم الزائد عن العادة في الحيض. وقال مالك: إن رأت ~~الدم بعد يومين أو ثلاثة، فهو نفاس، وإن تباعد ما بينهما، فهو حيض. ولأصحاب ~~الشافعي وجهان فيما إذا ms0299 رأت الدم يوما وليلة بعد طهر خمسة عشر يوما: ~~أحدهما، يكون حيضا، والثاني، يكون نفاسا. # وقال القاضي إن رأت الدم أقل من يوم وليلة بعد طهر خمسة عشر يوما، فهو دم ~~فساد تصلي وتصوم ولا تقضي. وهذا قول أبي ثور. وإن كان الدم الثاني يوما ~~وليلة، فالحكم فيه كما قلناه، من أنها تصوم وتصلي وتقضي الصوم، ولنا أنه دم ~~صادف زمن النفاس، فكان نفاسا، كما لو استمر، ولا فرق بين قليله وكثيره؛ لما ~~ذكرناه من جعله حيضا، فإنما خالف في العبارة، فإن حكم الحيض والنفاس واحد، ~~وأما ما صامته في زمن الطهر، فلا إعادة عليها فيه. ### | [فصل رأت المرأة الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق الإنسان فهو نفاس] # (497) فصل: إذا رأت المرأة الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق الإنسان، فهو ~~نفاس. نص عليه وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة، فليس بنفاس. وإن كان ~~الملقى بضعة لم يتبين فيها شيء من خلق الإنسان، ففيها وجهان: أحدهما، هو ~~نفاس؛ لأنه بدء خلق آدمي، فكان نفاسا، كما لو تبين فيها خلق آدمي. والثاني، ~~ليس بنفاس؛ لأنه لم يتبين فيها خلق آدمي، فأشبهت النطفة. ### | [فصل إذا ولدت المرأة توأمين] # (498) فصل: إذا ولدت المرأة توأمين، فذكر أصحابنا عن أحمد روايتين فيها: ~~إحداهما، أن النفاس من الأول كله، أوله وآخره، قالوا: وهي الصحيحة. وهذا ~~قول مالك، وأبي حنيفة. فعلى هذا متى انقضت مدة النفاس من حين وضعت الأول، ~~لم يكن ما بعده نفاسا؛ لأن ما بعد ولادة الأول دم بعد الولادة، فكان نفاسا، ~~كالمنفرد، وآخره منه؛ لأن أوله منه، فكان آخره منه، كالمنفرد. واختلف ~~أصحابنا في الرواية الثانية، فقال الشريف أبو جعفر، وأبو الخطاب في " رءوس ~~المسائل " # PageV01P253 # هي أن أوله من الأول وآخره من الثاني. وهذا قول القاضي، في كتاب " ~~الروايتين " لأن الثاني ولد فلا تنتهي مدة النفاس قبل انتهائها منه ~~كالمنفرد، فعلى هذا تزيد مدة النفاس على الأربعين في حق من ولدت توأمين. # وقال القاضي أبو الحسين في " مسائله "، وأبو الخطاب. في ms0300 " الهداية ": ~~الرواية الثانية أنه من الثاني فقط. وهذا قول زفر؛ لأن مدة النفاس مدة ~~تتعلق بالولادة، فكان ابتداؤها وانتهاؤها من الثاني، كمدة العدة. فعلى هذا ~~ما تراه من الدم قبل ولادة الثاني لا يكون نفاسا. ولأصحاب الشافعي ثلاثة ~~أوجه، كالأقوال الثلاثة. وذكر القاضي، أنه منهما، رواية واحدة وإنما الخلاف ~~في الدم الذي بين الولادتين، هل هو نفاس، أم لا؟ وهذا ظاهره إنكار لرواية ~~من روى أن آخر النفاس من الأول. ### | [فصل حكم النفساء حكم الحائض] # (499) فصل: وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويسقط عنها، ~~لا نعلم في هذا خلافا، وكذلك تحريم وطئها وحل مباشرتها، والاستمتاع بما دون ~~الفرج منها، والخلاف في الكفارة بوطئها؛ وذلك لأن دم النفاس هو دم الحيض، ~~إنما امتنع خروجه مدة الحمل لكونه ينصرف إلى غذاء الحمل، فإذا وضع الحمل، ~~وانقطع العرق الذي كان مجرى الدم، خرج من الفرج، فيثبت حكمه، كما لو خرج من ~~الحائض. ويفارق النفاس الحيض في أن العدة لا تحصل به؛ لأنها تنقضي بوضع ~~الحمل قبله، ولا يدل على البلوغ؛ لحصوله بالحمل قبله. ### | [مسألة كانت لها أيام حيض فزادت على ما كانت تعرف] # (500) مسألة: قال: (ومن كانت لها أيام فزادت على ما كانت تعرف، لم تلتفت ~~إلى الزيادة، إلا أن تراه ثلاث مرات، فتعلم حينئذ أن حيضها قد انتقل، فتصير ~~إليه فتترك الأول. وإن كانت صامت في هذه الثلاث مرارا أعادته، إذا كان صوما ~~واجبا، وإذا رأت الدم قبل أيامها التي كانت تعرف، فلا تلتفت إليه، حتى ~~يعاودها ثلاث مرات) # وجملة ذلك أن المرأة إذا كانت لها عادة مستقرة في الحيض، فرأت الدم في ~~غير عادتها، لم تعتد بما خرج من العادة حيضا، حتى يتكرر ثلاثا، في إحدى ~~الروايتين، أو مرتين في الأخرى. نقل حنبل عن أحمد في امرأة لها أيام ~~معلومة، فتقدمت الحيضة قبل أيامها، لم تلتفت إليها، تصوم وتصلي، فإن عاودها ~~في الثانية، مثل ذلك، فإنه دم حيض منتقل. ونقل الفضل بن زياد: لا تنتقل ~~إليه إلا في ms0301 الثالثة، فلتمسك عن الصلاة والصوم. # وفي لفظ له قال: سألت أبا عبد الله عن المرأة أيام أقرائها معلومة، فربما ~~زاد في الأشهر الكثيرة على أيام أقرائها، أتمسك عن الصلاة أو تصلي؟ قال: بل ~~تصلي، ولا تلتفت إلى ما زاد على أقرائها، إلا أن يكون دم حيض تنتقل إليه أو ~~نحو هذا. قلت: أفتصلي إلى أن يصيبها ثلاث مرارا، ثم تدع الصلاة بعد ثلاث؟ ~~قال: نعم، بعد ثلاث. # PageV01P254 # ففي هذه الرواية تصريح بأنها لا تعد الزيادة من حيضها إلا في المرة ~~الرابعة، وأنها تصلي وتصوم في المرات الثلاث. # وفي روايته الأولى يحتمل أنها تحتسبه من حيضها في المرة الثالثة؛ لقوله: ~~لا تنتقل إليه إلا في الثالثة، ويحتمل أنه أراد بعد الثالثة، وفي رواية ~~حنبل احتمالان أحدهما، أنها تنتقل إليه في المرة الثانية، وتحتسبه من ~~حيضها. والثاني، أنها لا تنتقل إليه إلا في الثالثة. وأكثر الروايات عنه ~~اعتبار التكرار ثلاثا فيما خرج عن العادة سواء رأت الدم قبل عادتها، أو ~~بعدها مع بقاء العادة، أو انقطاع الدم فيها، أو في بعضها، فإنها لا تجلس في ~~غير أيامها حتى تتكرر مرتين أو ثلاثا، فإذا تكرر علمنا أنه حيض منتقل، ~~فتصير إليه، أي تترك الصلاة والصوم فيه، وتصير عادة لها، وتترك الأول، أي ~~العادة الأولى؛ لأنها قد انتقلت عنها، وصارت العادة أكثر منها أو غيرها. # ثم يجب عليها قضاء ما صامته من الفرض في هذه المرات الثلاث التي أمرناها ~~بالصيام فيها؛ لأننا تبينا أنها صامته في حيض، والصوم في الحيض غير صحيح، ~~وأما الصلاة فليس عليها قضاؤها؛ لأن الحائض لا تقضي الصلاة. قال أبو عبد ~~الله: ولا يعجبني أن يأتيها زوجها في الأيام التي تصلي فيها؛ لأننا لا نأمن ~~كونها حيضا، وإنما تصلي وتصوم احتياطا للعبادة، وترك الوطء احتياطا أيضا، ~~فيجب كما تجب الصلاة. # وإن تجاوزت الزيادة أكثر الحيض، فهي استحاضة، ولا تجلس غير أيام العادة ~~بكل حال. ومثال ذلك امرأة عادتها ثلاثة أيام في أول كل شهر، فرأت خمسة في ~~أول الشهر، أو ms0302 رأت يومين من آخر الشهر الذي قبله، والثلاثة المعتادة، أو ~~طهرت الثلاثة، ورأت ثلاثة بعده أو أكثر منها، أو أقل، قبلها أو بعدها، أو ~~طهرت اليوم الأول ورأت ثلاثة بعده أو أكثر منها، أو طهرت يومين ورأت يومين ~~بعدهما أو أكثر منها أو رأت الدم يومين في آخر الشهر ويوما في أوله، وما ~~أشبه ذلك، فإنها لا تجلس في جميع هذه الصور، ما عدا الأول من الشهر حتى ~~تتكرر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اجلسي قدر ما كانت تحبسك ~~حيضتك» . ولأن لها عادة، فردت إليها، كالمستحاضة. # وقال أبو حنيفة: ما رأته قبل العادة ليس بحيض، حتى يتكرر مرتين، وما تراه ~~بعدها فهو حيض. وقال الشافعي: جميعه حيض، ما لم تتجاوز أكثر الحيض. وهذا ~~أقوى عندي؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - كانت تبعث إليها النساء بالدرجة ~~فيها الصفرة والكدرة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. # ومعناه لا تعجلن بالغسل حتى ينقطع الدم، وتذهب الصفرة والكدرة، ولا يبقى ~~شيء يخرج من المحل، بحيث إذا دخلت فيه قطنة خرجت بيضاء. ولو لم تعد الزيادة ~~حيضا للزمها الغسل عند انقضاء العادة، وإن كان الدم جاريا؛ ولأن الشارع علق ~~على الحيض أحكاما، ولم يحده، فعلم أنه رد # PageV01P255 # الناس فيه إلى عرفهم، والعرف بين النساء أن المرأة متى رأت دما يصلح أن ~~يكون حيضا، اعتقدته حيضا، ولو كان عرفهن اعتبار العادة على الوجه المذكور ~~لنقل، ولم يجز التواطؤ على كتمانه، مع دعاء الحاجة إليه، ولذلك لما كان بعض ~~أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - معه في الخميلة، فجاءها الدم، فانسلت ~~من الخميلة، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ما لك؟ أنفست؟ " ~~قالت: نعم. # فأمرها أن تأتزر. ولم يسألها النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل وافق ~~العادة أو جاء قبلها؟ ولا هي ذكرت ذلك، ولا سألت عنه، وإنما استدلت على ~~الحيضة بخروج الدم، فأقرها عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك حين ~~حاضت عائشة في عمرتها في حجة الوداع، إنما علمت الحيضة برؤية الدم ms0303 لا غير، ~~ولم تذكر عادة، ولا ذكرها لها النبي - صلى الله عليه وسلم - والظاهر أنه لم ~~يأت في العادة؛ لأن عائشة استكرهته، واشتد عليها، وبكت حين رأته، وقالت: ~~وددت أني لم أكن حججت العام. # ولو كانت تعلم لها عادة تعلم مجيئه فيها وقد جاء فيها، ما أنكرته، ولا ~~صعب عليها، ولو كانت العادة معتبرة، على الوجه المذكور في المذهب، لبينه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته، ولما وسعه تأخير بيانه، إذ لا يجوز ~~تأخير البيان عن وقته، وأزواجه وغيرهن من النساء يحتجن إلى بيان ذلك في كل ~~وقت، فلم يكن ليغفل بيانه، وما جاء عنه - عليه السلام - ذكر العادة، ولا ~~بيانها، إلا في حق المستحاضة لا غير، وأما امرأة طاهر ترى الدم في وقت يمكن ~~أن يكون حيضا ثم ينقطع عنها، فلم يذكر في حقها عادة أصلا، ولأننا لو ~~اعتبرنا التكرار فيما خرج عن العادة أدى إلى خلو نساء عن الحيض بالكلية، مع ~~رؤيتهن الدم في زمن الحيض، وصلاحية أن يكون حيضا؛ بيانه أن المرأة إذا رأت ~~الدم في غير أيام عادتها، وطهرت أيام عادتها، لم تمسك عن الصلاة ثلاثة ~~أشهر، فإذا انتقلت في الشهر الرابع إلى أيام أخر لم نحيضها أيضا ثلاثة ~~أشهر، وكذلك أبدا، فيفضي إلى إخلائها من الحيض بالكلية. # ولا سبيل إلى هذا، فعلى هذا القول تجلس ما تراه من الدم قبل عادتها ~~وبعدها، ما لم يزد على أكثر الحيض، فإن زاد على أكثره علمنا أنه استحاضة، ~~فرددناها إلى عادتها، ويلزمها قضاء ما تركته من الصلاة والصيام فيما زاد ~~على عادتها، لأننا تبينا أنه ليس بحيض، وإنما هو استحاضة. ### | [فصل كانت لها عادة فرأت الدم أكثر منها] # (501) فصل: فإن كانت لها عادة، فرأت الدم أكثر منها، وجاوز أكثر الحيض، ~~فهي مستحاضة، وحيضها منه قدر العادة لا غير، ولا تجلس بعد ذلك من الشهور ~~المستقبلة إلا قدر العادة، ولا أعلم في هذا خلافا عند من اعتبر العادة. # فأما إن كانت عادتها ثلاثة من كل شهر، فرأت في شهر ms0304 خمسة أيام، ثم استحيضت ~~في الشهر # PageV01P256 # الآخر، فإنها لا تجلس مما بعده من الشهور إلا ثلاثة ثلاثة. وبهذا قال أبو ~~حنيفة. وقال الشافعي: تجلس خمسة من كل شهر. وهذا مبني على أن العادة لا ~~تثبت بمرة، وإن رأت خمسة في شهرين، فهل تنتقل عادتها إلى خمسة؟ يخرج على ~~الروايتين فيما تثبت به العادة، وإن رأت الخمسة في ثلاثة أشهر، ثم استحيضت، ~~انتقلت إليها، وجلست من كل شهر خمسة، بغير خلاف بينهم. ### | [مسألة كانت لها أيام فرأت الطهر قبل ذلك] # (502) مسألة: قال: (ومن كانت لها أيام فرأت الطهر قبل ذلك، فهي طاهر، ~~تغتسل وتصلي، فإن عاودها الدم، لم تلتفت إليه حتى تجيء أيامها) الكلام في ~~هذه المسألة في فصلين: أحدهما، في الطهر بين الدمين. والثاني، في حكم الدم ~~العائد بعده. # فصل: أما الأول، فإن المرأة متى رأت الطهر فهي طاهر تغتسل، وتلزمها ~~الصلاة والصيام، سواء رأته في العادة، أو بعد انقضائها، ولم يفرق أصحابنا ~~بين قليل الطهر وكثيره؛ لقول ابن عباس: أما ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل. ~~ويتوجه أن انقطاع الدم متى نقص عن اليوم، فليس بطهر بناء على الرواية التي ~~حكيناها في النفاس، أنها لا تلتفت إلى ما دون اليوم. # وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن الدم يجري مرة، وينقطع أخرى، وفي إيجاب ~~الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة حرج ينتفي بقوله: {وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج} [الحج: 78] . ولأننا لو جعلنا انقطاع الدم ساعة طهرا، ولا تلتفت ~~إلى ما بعده من الدم، أفضى إلى أن لا يستقر لها حيض، فعلى هذا لا يكون ~~انقطاع الدم أقل من يوم طهرا، إلا أن ترى ما يدل عليه، مثل أن يكون انقطاعه ~~في آخر عادتها، أو ترى القصة البيضاء، وهو شيء يتبع الحيض أبيض، يسمى ~~الترية. # روي ذلك عن إمامنا، وروي عنه أن القصة البيضاء هي القطنة التي تحشوها ~~المرأة، إذا خرجت بيضاء كما دخلت لا تغير عليها فهي القصة البيضاء بضم ~~القاف. حكي ذلك عن الزهري. وروي عن إمامنا ms0305 أيضا، وقال أبو حنيفة: ليس ~~النقاء بين الدمين طهرا، بل لو صامت فيه فرضا لم يصح، ولزمها قضاؤه، ولا ~~يجب عليها فيه صلاة، ولا يأتيها زوجها، فيكون الدمان وما بينهما حيضا. # وهو أحد قولي الشافعي؛ لأن الدم يسيل تارة وينقطع أخرى؛ ولأنه لو لم يكن ~~من الحيض لم يحتسب من مدته، ولنا قول الله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل ~~هو أذى} [البقرة: 222] . وصف الحيض بكونه أذى، فإذا ذهب الأذى وجب أن يزول ~~الحيض. وقال ابن عباس: أما ما رأت الدم البحراني # PageV01P257 # فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل. وقالت عائشة: لا تعجلن حتى ~~ترين القصة البيضاء؛ ولأنها صامت وهي طاهر، فلم يلزمها القضاء، كما لو لم ~~يعد الدم. # فأما قولهم: إن الدم يجري تارة وينقطع أخرى. قلنا؛ لا عبرة بالانقطاع ~~اليسير، وإنما إذا وجد انقطاع كبير يمكن فيه الصلاة والصيام، وتتأدى ~~العبادة فيه، وجبت عليها؛ لعدم المانع من وجوبها. # (504) فصل: الفصل الثاني، إذا عاودها الدم، فلا يخلو إما أن يعاودها في ~~العادة، أو بعدها، فإن عاودها في العادة، ففيه روايتان: إحداهما، أنه من ~~حيضها؛ لأنه صادف زمن العادة، فأشبه ما لو لم ينقطع، وهذا مذهب الثوري، ~~وأصحاب الرأي، والشافعي. # والثانية، ليس بحيض، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار ابن أبي موسى، ومذهب ~~عطاء؛ لأنه عاد بعد طهر صحيح، فأشبه ما لو عاد بعد العادة. وعلى هذه ~~الرواية يكون حكمه حكم ما لو عاد بعد العادة على ما سنذكره فيما بعد، إن ~~شاء الله تعالى. وقد روي عن أحمد، - رحمه الله -: إذا كانت أيامها عشرا، ~~فقعدت خمسا، ثم رأت الطهر، فإنها تصلي، فإذا كان اليوم التاسع أو الثامن، ~~فرأت الدم، صلت وصامت، وتقضي الصوم. # وهذا على سبيل الاحتياط؛ لوجود التردد في هذا الدم، فأشبه دم النفساء ~~العائد في مدة النفاس. فإن رأته في العادة، وتجاوز العادة، لم يخل من أن ~~يعبر أكثر الحيض أو لا يعبر، فإن عبر أكثر الحيض، فليس بحيض؛ لأن بعضه ليس ~~بحيض، فيكون كله استحاضة؛ لأنه متصل ms0306 به، فكان أقرب إليه، فإلحاقه ~~بالاستحاضة أقرب من إلحاقه بالحيض؛ لانفصاله عنه، وإن انقطع لأكثره فما ~~دون، فمن قال: إن ما لم يعبر العادة ليس بحيض. # فهذا أولى أن لا يكون حيضا، ومن قال: هو حيض. ففي هذا على قوله ثلاثة ~~أوجه: أحدها، أن جميعه حيض، بناء على الوجه الذي ذكرنا في أن الزائد على ~~العادة حيض، ما لم يعبر أكثر الحيض. والثاني، أن ما وافق العادة حيض؛ ~~لموافقته العادة، وما زاد عليها ليس بحيض؛ لخروجه عنها. والثالث، أن الجميع ~~ليس بحيض؛ لاختلاطه بما ليس بحيض. فإن تكرر فهو حيض، على الروايتين جميعا. ~~فأما إن عاد بعد العادة لم يخل من حالين: أحدهما، أن لا يمكن كونه حيضا. # والثاني، أن يمكن ذلك؛ فإن لم يمكن كونه حيضا لعبوره أكثر الحيض، وأنه ~~ليس بينه وبين الدم أقل الطهر، فهذا استحاضة كله، سواء تكرر أو لم يتكرر؛ ~~لأنه لا يمكن جعل جميعه حيضا، فكان جميعه استحاضة؛ لأن إلحاق بعضه ببعض ~~أولى من إلحاقه بغيره. والثاني، أن يمكن جعله حيضا، وذلك يتصور في حالين؛ ~~أحدهما، أن يكون بضمه إلى الدم # PageV01P258 # الأول لا يكون بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوما، فإذا تكرر جعلناهما ~~حيضة واحدة، ويلفق أحدهما إلى الآخر، ويكون الطهر الذي بينهما طهرا في خلال ~~الحيض. # والصورة الثانية، أن يكون بينهما أقل الطهر، إما ثلاثة عشر يوما، أو خمسة ~~عشر يوما، ويكون كل واحد من الدمين يصلح أن يكون حيضا بمفرده بأن يكون يوما ~~وليلة فصاعدا، فهذا إذا تكرر كان الدمان حيضتين، وإن نقص أحدهما عن أقل ~~الحيض، فهو دم فساد، إذا لم يمكن ضمه إلى ما بعده. # ومثال ذلك ما لو كانت عادتها عشرة من أول الشهر، فرأت خمسة منها دما، ~~وطهرت خمسة، ثم رأت خمسة دما، وتكرر ذلك. فالخمسة الأولى والثانية حيضة ~~واحدة تلفق الدم الثاني إلى الأول. وإن رأت الثاني ستة أو سبعة، لم يمكن أن ~~يكون حيضا؛ لأن بين طرفيها أكثر من خمسة عشر يوما، وليس بينهما أقل ms0307 الطهر. ~~وإن رأت يوما دما وثلاثة عشر طهرا، ثم رأت يوما دما وتكرر هذا، كانا ~~حيضتين، وصار شهرها أربعة عشر يوما. وكذلك إن رأت يومين دما وثلاثة عشر ~~طهرا، ثم رأت يومين دما وثلاثة عشر طهرا، ثم رأت يومين دما، وتكرر شهرها ~~خمسة عشر يوما. # وإن كان الطهر بينهما أحد عشر يوما فما دون وتكرر، فهما حيضة واحدة؛ لأنه ~~ليس بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوما، ولا بينهما أقل الطهر. وإن كان ~~بينهما اثنا عشر يوما طهرا، لم يمكن كونهما جميعا حيضا؛ لأنه لا يمكن ~~كونهما حيضة واحدة؛ لزيادتهما بما بينهما من الطهر على أكثر الحيض، ولا ~~يمكن جعلهما حيضتين؛ لأنه ليس بينهما أقل الطهر، فيكون حيضها منهما ما وافق ~~العادة، والآخر استحاضة. وعلى هذا كل ما يتفرع من المسائل، إلا أنها لا ~~تلتفت إلى ما رأته بعد الطهر فيما خرج عن العادة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثا، ~~فإن تكرر، وأمكن جعله حيضا، فهو حيض، وإلا فلا. وكل موضع رأت الدم ولم تترك ~~العبادة فيه، ثم تبين أنه كان حيضا، فعليها قضاء الصوم المفروض فيه. وكل ~~موضع عدته حيضا وتركت فيه العبادة، ثم تبين أنه طهر، فعليها قضاء ما تركته ~~من الواجبات فيه. # (505) فصل: واختلف أصحابنا في مراد الخرقي، - رحمه الله -، بقوله: " فإن ~~عاودها الدم فلا تلتفت إليه. فقال أبو الحسن التميمي، والقاضي، وابن عقيل: ~~أراد إذا عاودها بعد العادة، وعبر أكثر الحيض، بدليل أنه منعها أن تلتفت ~~إليه مطلقا، ولو أراد غير ذلك لقال: حتى يتكرر. قال القاضي: ويحتمل أنه ~~أراد إذا عاودها بعد العادة ولم يعبر. فإنها لا تلتفت إليه قبل التكرار. # وقال أبو حفص العكبري: أراد معاودة الدم في كل حال، سواء كان في العادة ~~أو بعدها؛ لأن لفظه مطلق فيتناول بإطلاقه الزمان كله. وهذا أظهر، إن شاء ~~الله. # PageV01P259 # وما ذكروه من الترجيح معارض بمثله، وهو أن قولهم يحتاج إلى إضمار عبور ~~أكثر الحيض، وليس هذا أولى من إضمار التكرار، فيتساويان، ويسلم الترجيح ~~الذي ذكرناه. ### | [فصل ms0308 في ضم الدم إلى الدم الذين بينهما طهر] # فصل: في التلفيق ومعناه ضم الدم إلى الدم الذين بينهما طهر وقد ذكرنا أن ~~الطهر في أثناء الحيضة طهر صحيح، فإذا رأت يوما طهرا ويوما دما، ولم يجاوز ~~أكثر الحيض، فإنها تضم الدم إلى الدم، فيكون حيضا، وما بينهما من النقاء ~~طهر على ما قررناه. # ولا فرق بين أن يكون زمن الدم أكثر من زمن الطهر أو مثله أو أقل منه مثل ~~أن ترى يومين دما ويوما طهرا، أو يومين طهرا ويوما دما، أو أقل أو أكثر فإن ~~جميع الدم حيض إذا تكرر ولم يجاوز لمدة أكثر الحيض، فإن كان الدم أقل من ~~يوم مثل أن ترى نصف يوم دما ونصفه طهرا، أو ساعة وساعة فقال أصحابنا: هو ~~كالأيام يضم الدم إلى الدم، فيكون حيضا، وما بينهما طهر، إذا بلغ المجتمع ~~منه أقل الحيض، فإن لم يبلغ ذلك فهو دم فساد. وفيه وجه آخر، لا يكون الدم ~~حيضا، إلا أن يتقدمه حيض صحيح متصل. # وهذا كله مذهب الشافعي، وله قول في النقاء بين الدمين أنه حيض وقد ~~ذكرناه، وذكرنا أيضا وجها لنا في أن النقاء متى كان أقل من يوم لم يكن ~~طهرا. فعلى هذا متى نقص النقاء عن يوم كان الدم وما بينه حيضا كله، فإن ~~جاوز الدم أكثر الحيض، بأن يكون بين طرفيه أكثر من خمسة عشر يوما، مثل أن ~~ترى يوما دما ويوما طهرا إلى ثمانية عشر يوما، فهي مستحاضة لا تخلو من أن ~~تكون معتادة، أو مميزة، أو لا عادة لها ولا تمييز، أو يوجد في حقها ~~الأمران. # فإن كانت معتادة، مثل أن يكون حيضها خمسة أيام في أول كل شهر، فهذه تجلس ~~أول يوم ترى الدم فيه في العادة، وتغتسل عند انقطاعه، وما بعد ذلك مبني على ~~الروايتين في الطهر في أثناء الحيضة؛ هل يمنع ما بعده أن يكون حيضا، أو لا؟ ~~فإن قلنا يمنع، فحيضها اليوم الأول خاصة وما بعده استحاضة، وإن قلنا لا ~~يمنع، فحيضها ms0309 اليوم الأول، والثالث والخامس، فيحصل لها من عادتها ثلاثة ~~أيام والباقي استحاضة، وفي وجه آخر أنه يلفق لها الخمسة من أيام الدم ~~جميعها، فتجلس السابع والتاسع. # والصحيح الأول؛ لأن هذين اليومين ليسا من عادتها فلا. تجلسهما كغير ~~الملفقة. وإن كانت مميزة جلست زمان الدم الأسود من الأيام، فكان حيضها ~~وباقيه استحاضة، وإن كانت مبتدأة جلست اليقين في ثلاثة أشهر، من أول دم ~~تراه، أو في شهرين، ثم تنتقل بعد ذلك إلى ستة أيام أو سبعة. وهل يلفق لها ~~السبعة من خمسة عشر يوما، أو تجلس أربعة أيام من سبعة أيام؟ على وجهين، كما ~~قلنا فيمن عادتها سبعة أيام، فإذا قلنا تجلس زمان الدم من سبعة، جلست الأول ~~والثالث والخامس والسابع. # PageV01P260 # وإن أجلسناها ستة أيام سقط السابع. وإن قلنا تلفق لها، زادت التاسع ~~والحادي عشر إن قلنا تجلس ستة، وإن جلست سبعة زادت الثالث عشر وهكذا الحكم ~~في الناسية. # وهذا أحد قولي الشافعي إلا أنه لا يلفق لها عدد أيامها في أحد الوجهين. ~~وقال القاضي، في المعتادة كما ذكرنا. وفي غيرها: ما عبر الخمسة عشر استحاضة ~~وأيام الدم من الخمسة عشر حيض كلها إذا تكرر فإن كان يوما ويوما، فلها ~~ثمانية أيام حيض، وسبعة طهر وإن كانت أنصافا فلها سبعة أيام ونصف حيض ~~ومثلها طهر وهذا قول ابن بنت الشافعي؛ لأن الطهر في اليوم السادس عشر يفصل ~~بين الحيض وما بعده، فإنها فيما بعده في حكم الطاهرات، نأمرها بالصلاة ~~والصيام. # ولنا: أن الطهر لو ميز بعد الخامس عشر لميز قبله، كتميز اللون، والحكم ~~فيما إذا كان أنصافا أو مختلفا، يوما دما وأياما طهرا أو أياما طهرا وأياما ~~دما، كالحكم في الأيام الصحاح المتساوية، إلا أنه إذا كان الجزء الذي ترى ~~الدم فيه أولا أقل من أقل الحيض ففيه وجه أنه لا يكون حيضا حتى يسبقه دم ~~متصل يصلح أن يكون حيضا. # وإن قلنا الطهر يمنع ما بعده من كونه حيضا قبل التكرار، وجاء في العادة، ~~فإنها تضم إلى الأول ما تكمل ms0310 به أقل الحيض؛ فإذا كانت ترى الدم يوما ويوما، ~~ضمت الثالث إلى الأول. # فكان حيضا في المرة الأولى والثانية، ثم تنتقل إلى ما تكرر في المرة ~~الثالثة أو الرابعة، على اختلاف الوجهين، وإذا رأت أقل من أقل الحيض، ثم ~~طهرت ثلاثة عشر يوما، ثم رأت دما مثل ذلك، وقلنا أقل الطهر ثلاثة عشر يوما، ~~فهو دم فساد؛ لأنه لا يصلح أن يكون حيضة واحدة لفصل أقل الطهر بينهما، ولا ~~حيضتين؛ لنقصان كل واحد منهما عن أقل الحيض، وإن قلنا أقل الطهر خمسة عشر، ~~ضممنا الأول إلى الثاني، فكانا حيضة واحدة، إذا بلغا بمجموعهما أقل الحيض، ~~وإن كان كل واحد من الدمين يبلغ أقل الحيض، فهما حيضتان، إن قلنا: أقل ~~الطهر ثلاثة عشر وإن قلنا أقله خمسة عشر، ضممنا الثاني إلى الأول فكانا ~~حيضا واحدا، إذا لم يكن بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوما، فإن كان بين ~~طرفيهما خمسة عشر يوما لم يكن جعلهما جميعا حيضا فيجعل أحدهما حيضا والآخر ~~استحاضة وعلى هذا فقس ### | [مسألة الحامل لا تحيض] # (507) مسألة: قال والحامل لا تحيض، إلا أن تراه قبل ولادتها بيومين، أو ~~ثلاثة فيكون دم نفاس مذهب أبي عبد الله - رحمه الله - أن الحامل لا تحيض، ~~وما تراه من الدم فهو دم فساد وهو قول جمهور التابعين؛ منهم: سعيد بن ~~المسيب، وعطاء، والحسن، وجابر بن زيد وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، والشعبي، ~~ومكحول وحماد والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر وأبو عبيد وأبو ~~ثور وروي عن عائشة - رضي الله عنها - والصحيح عنها أنها إذا رأت الدم لا ~~تصلي. # وقال # PageV01P261 # مالك والشافعي، والليث: ما تراه من الدم حيض إذا أمكن وروي ذلك عن ~~الزهري، وقتادة، وإسحاق لأنه دم صادف عادة، فكان حيضا كغير الحامل، ولنا ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى ~~تستبرأ بحيضة» فجعل وجود الحيض علما على براءة الرحم، فدل ذلك على أنه لا ~~يجتمع معه. # واحتج إمامنا بحديث سالم عن أبيه «أنه طلق امرأته ms0311 وهي حائض، فسأل عمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو ~~حاملا» فجعل الحمل علما على عدم الحيض، كما جعل الطهر علما عليه؛ ولأنه زمن ~~لا يعتادها الحيض فيه غالبا، فلم يكن ما تراه فيه حيضا كالآيسة قال أحمد ~~إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم، وقول عائشة يحمل على الحبلى التي ~~قاربت الوضع، جمعا بين قوليها، فإن الحامل إذا رأت الدم قريبا من ولادتها ~~فهو نفاس، تدع له الصلاة كذلك قال إسحاق: وقال الحسن: إذا رأت الدم على ~~الولد أمسكت عن الصلاة. # وقال يعقوب بن بختان سألت أحمد عن المرأة إذا ضربها المخاض قبل الولادة ~~بيوم أو يومين تعيد الصلاة؟ قال: لا وقال إبراهيم النخعي: إذا ضربها المخاض ~~فرأت الدم قال: هو حيض. وهذا قول أهل المدينة، والشافعي وقال عطاء: تصلي ~~ولا تعده حيضا ولا نفاسا. # ولنا: أنه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسا، كالخارج بعده وإنما يعلم ~~خروجه بسبب الولادة إذا كان قريبا منها ويعلم ذلك برؤية أماراتها؛ من ~~المخاض ونحوه في وقته: وأما إن رأت الدم من غير علامة على قرب الوضع، لم ~~تترك له العبادة؛ لأن الظاهر أنه دم فساد فإن تبين كونه قريبا من الوضع، ~~كوضعه بعده بيوم أو بيومين أعادت الصوم المفروض إن صامته فيه. وإن رأته عند ~~علامة على الوضع تركت العبادة. فإن تبين بعده عنها أعادت ما تركته من ~~العبادات الواجبة؛ لأنها تركتها من غير حيض ولا نفاس. ### | [مسألة رأت الدم ولها خمسون سنة] # (508) مسألة: قال: وإذا رأت الدم ولها خمسون سنة، فلا تدع الصوم، ولا ~~الصلاة، وتقضي الصوم احتياطا، فإن رأته بعد الستين، فقد زال الإشكال؛ وتيقن ~~أنه ليس بحيض، فتصوم وتصلي ولا تقضي. اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله ~~-، في هذه المسألة فالذي نقل الخرقي هاهنا، أنها لا تيأس من الحيض يقينا ~~إلى ستين سنة، وما تراه فيما بين الخمسين والستين مشكوك فيه، لا تترك له ~~الصلاة، ولا الصوم؛ لأن وجوبهما متيقن فلا يسقط بالشك، وتقضي ms0312 الصوم المفروض ~~احتياطا؛ لأن وجوبه كان متيقنا، وما صامته في زمن الدم مشكوك في صحته، فلا ~~يسقط به ما تيقن وجوبه. # وروي عنه ما يدل على أنها بعد الخمسين لا تحيض. وكذلك قال إسحاق بن ~~راهويه لا يكون حيضا بعد الخمسين، ويكون حكمها # PageV01P262 # فيما تراه من الدم حكم المستحاضة؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها قالت: إذا بلغت خمسين سنة خرجت من حد الحيض. وروي عنها أنها قالت: لن ~~ترى المرأة في بطنها ولدا بعد الخمسين. وروي عنه أن نساء الأعاجم يئسن من ~~المحيض في خمسين، ونساء بني هاشم وغيرهم من العرب إلى ستين سنة وهو قول أهل ~~المدينة لما روى الزبير بن بكار في كتاب النسب عن بعضهم، أنه قال: لا تلد ~~لخمسين سنة إلا العربية، ولا تلد لستين إلا قرشية. # وقال: إن هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة ولدت موسى بن عبد الله ~~بن حسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولها ستون سنة. وقال أحمد في امرأة من ~~العرب رأت الدم بعد الخمسين إن عاودها مرتين أو ثلاثة فهو حيض، وذلك لأن ~~المرجع في هذا إلى الوجود، وقد وجد حيض من نساء ثقات أخبرن به عن أنفسهن ~~بعد الخمسين، فوجب اعتقاد كونه حيضا كما قبل الخمسين؛ ولأن الكلام فيما إذا ~~وجد من المرأة دم في زمن عادتها على وجه كانت تراه قبل ذلك، فالوجود هاهنا ~~دليل الحيض، كما كان قبل الخمسين دليلا، فوجب جعله حيضا، وأما إيجاب الصلاة ~~والصوم فيه فللاحتياط، لوقوع الخلاف فيه، والصحيح أنه لا فرق بين نساء ~~العرب وغيرهن لأنهن لا يختلفن في سائر أحكام الحيض، فكذلك في هذا، وما ذكر ~~عن عائشة لا حجة فيه؛ لأن وجود الحيض أمر حقيقي، المرجع فيه إلى الوجود، ~~والوجود لا علم لها به. # ثم قد وجد بخلاف ما قالته؛ فإن موسى بن عبد الله بن حسن قد ولدته أمه بعد ~~الخمسين، ووجد الحيض فيما بعد الخمسين على وجهه، فلا يمكن إنكاره، ms0313 فإن قيل: ~~هذا الدم ليس بحيض، مع كونه على صفته، وفي وقته وعادته، بغير نص فهذا تحكم ~~لا يقبل فأما بعد الستين فقد زال الإشكال وتيقن أنه ليس بحيض؛ لأنه لم يوجد ~~وقد علم أن للمرأة حالا تنتهي فيه إلى الإياس لقول الله تعالى {واللائي ~~يئسن من المحيض من نسائكم} [الطلاق: 4] قال أحمد في المرأة الكبيرة ترى ~~الدم لا يكون حيضا، هو بمنزلة الجرح وإن اغتسلت فحسن. # وقال عطاء: هي بمنزلة المستحاضة. ومعنى القولين واحد؛ وذلك لأن هذا الدم ~~إذا لم يكن حيضا فهو دم فساد، وحكمها حكم المستحاضة ومن به سلس البول، على ~~ما مر حكمهما ### | [فصل أقل سن تحيض له المرأة] # (509) فصل وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين؛ لأن الصغيرة لا تحيض، بدليل ~~قول الله تعالى # PageV01P263 # {واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] ؛ ولأن المرجع فيه إلى الوجود، ولم يوجد ~~من النساء من يحضن عادة فيما دون هذا السن ولأن دم الحيض إنما خلقه الله ~~لحكمة تربية الحمل به فمن لا تصلح للحمل لا توجد فيها حكمته، فينتفي ~~لانتفاء حكمته كالمني، فإنهما متقاربان في المعنى، فإن أحدهما يخلق منه ~~الولد، والآخر يربيه ويغذيه، وكل واحد منهما لا يوجد من صغير، ووجوده علم ~~على البلوغ، وأقل سن تبلغ له الجارية تسع سنين، فكان ذلك أقل سن تحيض له ~~وقد روي عن عائشة أنها قالت «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» وروي ~~ذلك مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به حكمها حكم المرأة ~~وهذا قول الشافعي وقد حكي عنه أنه قال: رأيت جدة بنت إحدى وعشرين سنة. وهذا ~~يدل على أنها حملت لدون عشر سنين، وحملت ابنتها لمثل ذلك. فعلى هذا إذا رأت ~~بنت تسع سنين دما تركت الصلاة؛ لأنها رأته في زمن يصلح للحيض، فإن اتصل ~~يوما وليلة فهو حيض، يثبت به بلوغها، ونثبت فيه أحكام الحيض كلها وإن انقطع ~~لدون ذلك، فهو دم فساد، لا يثبت به شيء مما ذكرنا. # وإن رأت الدم لدون تسع سنين، فهو ms0314 دم فساد، على كل حال؛ لأنه لا يجوز أن ~~يكون حيضا. وقد روى الميموني، عن أحمد، في بنت عشر رأت الدم، قال: ليس بحيض ~~فعلى هذا ليس التسع ولا العشر زمنا للحيض. قال القاضي: فيجب على هذا أن ~~يقال: أول زمن يصح فيه وجود الحيض ثنتا عشرة سنة؛ لأنه الزمان الذي يصح فيه ~~بلوغ الغلام والأول أصح ### | [مسألة المستحاضة إن اغتسلت لكل صلاة] # (510) مسألة: قال: والمستحاضة، إن اغتسلت لكل صلاة فهو أشد ما قيل فيها؛ ~~وإن توضأت لكل صلاة أجزأها اختلف أهل العلم في المستحاضة، فقال بعضهم: يجب ~~عليها الغسل لكل صلاة روي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن عباس وابن الزبير وهو ~~أحد قولي الشافعي في المتحيرة؛ لأن عائشة روت، «أن أم حبيبة استحيضت، فسألت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرها أن تغتسل، لكل صلاة» ، متفق عليه، ~~وروى أبو داود، «أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرها بالغسل عند كل ~~صلاة» وقال بعضهم تغتسل كل يوم غسلا وروي ذلك عن عائشة، وعن ابن عمر، وأنس، ~~وسعيد بن المسيب فإنهم قالوا: تغتسل من ظهر إلى ظهر. # قال مالك: إني أحسب حديث ابن المسيب إنما هو: من طهر إلى طهر. ولكن الوهم ~~دخل فيه. يعني أن الطاء غير المعجمة أبدلت بالظاء المعجمة. # PageV01P264 # وقال بعضهم: تجمع بين كل صلاتي جمع بغسل واحد، وتغتسل للصبح على ما في ~~حديث حمنة. وقد ذكرناه، وكذلك أمر به سهلة بنت سهيل وبه قال عطاء، والنخعي ~~وأكثر أهل العلم، على أن الغسل عند انقضاء الحيض، ثم عليها الوضوء لكل ~~صلاة، ويجزئها ذلك ويروى هذا عن عروة، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي. وقال ~~عكرمة، وربيعة، ومالك إنما عليها الغسل عند انقضاء حيضها وليس عليها ~~للاستحاضة وضوء؛ لأن ظاهر حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، في حديث ~~فاطمة بنت أبي حبيش الغسل فقط؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: ~~" فاغتسلي وصلي ms0315 ". ولم يذكر الوضوء لكل صلاة. # ولنا: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة إنما ذلك عرق، وليست ~~بالحيضة، فإذا أقبلت فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي، وتوضئي ~~لكل صلاة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهذه زيادة يجب قبولها. وفي ~~حديث عدي بن ثابت، عن أبيه عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~المستحاضة «تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، وتتوضأ عند كل صلاة» ~~. # ولأنه دم خارج من الفرج، فأوجب الوضوء كدم الحيض، وهذا يدل على أن الغسل ~~المأمور به في سائر الأحاديث مستحب غير واجب، والغسل لكل صلاة أفضل؛ لما ~~فيه من الخروج من الخلاف، والأخذ بالثقة والاحتياط، وهو أشد ما قيل، ثم ~~يليه في الفضل والمشقة الجمع بين كل صلاتين بغسل واحد، والاغتسال للصبح، ~~ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه: «وهو أعجب الأمرين إلي» . ثم ~~يليه الغسل كل يوم مرة بعد الغسل عند انقضاء الحيض، ثم تتوضأ لكل صلاة، وهو ~~أقل الأمور ويجزئها. والله أعلم. ### | [فصل حكم طهارة المستحاضة] # (511) فصل: وحكم طهارة المستحاضة حكم التيمم في أنها إذا توضأت في وقت ~~الصلاة، صلت بها الفريضة، ثم قضت الفوائت، وتطوعت حتى يخرج الوقت نص على ~~هذا أحمد وعلى قياس ذلك لها الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد. وقال الشافعي: ~~لا تجمع بين فرضين بطهارة واحدة. ولا تقضي به فوائت، ولا تجمع بين صلاتين. ~~كقوله في التيمم. # ويحتمله قول الخرقي لقوله: «لكل صلاة» . وحجتهم قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «توضئي لكل صلاة.» ولنا أنه قد روي في بعض ألفاظ حديث فاطمة: ~~«توضئي لوقت كل صلاة.» ولأنه وضوء يبيح النفل، فيبيح الفرض، كوضوء غير ~~المستحاضة، وحديثهم محمول على الوقت، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«أينما أدركتك الصلاة فصل» أي وقتها، وحديث حمنة ظاهر في الجمع بين ~~الصلاتين بوضوء واحد؛ لأنه لم يأمرها بالوضوء بينهما، وهو مما يخفى ويحتاج ~~إلى بيانه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. # PageV01P265 ### | [فصل لا بأس أن ms0316 تشرب المرأة دواء يقطع عنها الحيض] # (512) فصل: روي عن أحمد - رحمه الله -، أنه قال: لا بأس أن تشرب المرأة ~~دواء يقطع عنها الحيض، إذا كان دواء معروفا. # PageV01P266 ### | [كتاب الصلاة] ### | [فصل في الصلوات المكتوبات] # الصلاة في اللغة الدعاء، قال الله تعالى {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} ~~[التوبة: 103] أي ادع لهم، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا دعي ~~أحدكم فليجب، فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليصل» . وقال الشاعر: # تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا # وهي في الشرع عبارة عن الأفعال المعلومة، فإذا ورد في الشرع أمر بصلاة أو ~~حكم معلق عليها، انصرف بظاهره إلى الصلاة الشرعية. # وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله تعالى {وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5] وأما السنة فما روى ابن عمر، عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، ~~وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» . متفق عليه مع آي وأخبار كثيرة، نذكر ~~بعضها في غير هذا الموضع، إن شاء الله تعالى. # وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة. # (513) فصل: والصلوات المكتوبات خمس في اليوم والليلة ولا خلاف بين ~~المسلمين في وجوبها، ولا يجب غيرها إلا لعارض من نذر أو غيره هذا قول أكثر ~~أهل العلم وقال أبو حنيفة: الوتر واجب؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «إن الله قد زادكم صلاة وهي الوتر» وهذا يقتضي وجوبه. وقال ~~- عليه السلام - «الوتر حق» رواه ابن ماجه # ، ولنا ما روى ابن شهاب عن أنس بن مالك، قال قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «فرض الله على أمتي خمسين صلاة» فذكر الحديث، إلى أن قال ~~«فرجعت إلى ربي، فقال: ms0317 هي خمس وهي خمسون، ما يبدل القول لدي» متفق عليه وعن ~~عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله # PageV01P267 # - صلى الله عليه وسلم - يقول «خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن جاء ~~بهن لم ينقص منهن شيئا استخفافا بهن، فإن الله جاعل له يوم القيامة عهدا أن ~~يدخله الجنة، ومن جاء بهن وقد نقص منهن شيئا، لم يكن له عند الله عهد، إن ~~شاء عذبه، وإن شاء غفر له» وروي عن طلحة بن عبيد الله، «أن أعرابيا أتى إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: ماذا فرض الله علي من ~~الصلاة قال: خمس صلوات قال: فهل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع شيئا فقال ~~الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها، ولا أنقص منها. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أفلح الرجل إن صدق» متفق عليه # وزيادة الصلاة يجوز أن تكون في السنن، فلا يتعين كونها فرضا؛ ولأنها صلاة ~~تصلى على الراحلة من غير ضرورة، فكانت نافلة كالسنن الرواتب. # PageV01P268 ### | [باب المواقيت] # أجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محدودة، وقد ~~ورد في ذلك أحاديث صحاح جياد نذكر أكثرها في مواضعها، إن شاء الله تعالى. # (514) مسألة: قال أبو القاسم - رحمه الله -: (وإذا زالت الشمس وجبت صلاة ~~الظهر) بدأ الخرقي بذكر صلاة الظهر؛ لأن جبريل بدأ بها حين أم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس، وجابر وبدأ بها - صلى الله عليه وسلم - ~~حين علم الصحابة مواقيت الصلاة، في حديث بريدة وغيره، وبدأ بها الصحابة حين ~~سئلوا عن الأوقات في حديث أبي برزة وجابر وغيرهما تسمى الأولى والهجير ~~والظهر. وقال أبو برزة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~الهجيرة التي يدعونها الأولى حين تدحض الشمس.» متفق عليه، يعني حين تزول ~~الشمس. وأجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر: إذا زالت الشمس. # قاله ابن المنذر، وابن عبد البر وقد تظاهرت الأخبار بذلك، فمنها ما روى ~~ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه ms0318 وسلم - قال «أمني جبريل عند البيت ~~مرتين، فصلى بي الظهر في الأولى منهما، حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى ~~العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، وأفطر ~~الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم ~~الطعام على الصائم، وصلى في المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثله ~~لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب ~~لوقت الأولى، ثم صلى العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين ~~أسفرت الأرض، ثم التفت إلي جبريل وقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، ~~والوقت فيما بين هذين» رواه أبو داود، وابن ماجه والترمذي، وقال: هذا حديث ~~حسن. وروى جابر نحوه، ولم يذكر فيه «لوقت العصر بالأمس» ، وقال البخاري: ~~أصح حديث في المواقيت حديث جابر. # وروى بريدة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن رجلا سأله عن وقت ~~الصلاة، فقال: صل معنا هذين اليومين فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن، ثم ~~أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية لم ~~يخالطها صفرة، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء ~~حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما كان اليوم الثاني ~~أمره فأبرد في الظهر، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس بيضاء مرتفعة، ~~آخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب حين غاب الشفق، وصلى العشاء حين غاب ثلث ~~الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال ~~الرجل: أنا يا رسول الله. فقال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم» رواه مسلم وغيره. # PageV01P269 # وروى أبو داود، عن أبي موسى نحوه، إلا أنه قال: «بدأ فأقام الفجر حين ~~انشق الفجر، فصلى حين كان الرجل لا يعرف وجه صاحبه، أو أن الرجل لا يعرف من ~~إلى جنبه، فلما كان الغد صلى الفجر وانصرف، فقلنا: طلعت الشمس.» # وفي الباب أحاديث كثيرة. ms0319 # (515) فصل: ومعنى زوال الشمس ميلها عن كبد السماء، ويعرف ذلك بطول ظل ~~الشخص بعد تناهي قصره، فمن أراد معرفة ذلك فليقدر ظل الشمس، ثم يصبر قليلا، ~~ثم يقدره ثانيا، فإن كان دون الأول فلم تزل، وإن زاد ولم ينقص فقد زالت، ~~وأما معرفة ذلك بالأقدام، فتختلف باختلاف الشهور والبلدان، فكلما طال ~~النهار قصر الظل، وإذا قصر طال الظل، فكل يوم يزيد أو ينقص، فنذكر ذلك في ~~وسط كل شهر، على ما حكى أبو العباس السنجي، - رحمه الله -، تقريبا، قال: إن ~~الشمس تزول في نصف حزيران على قدم وثلث، وهو أقل ما تزول عليه الشمس، وفي ~~نصف تموز ونصف أيار على قدم ونصف وثلث، وفي نصف آب ونيسان على ثلاثة أقدام، ~~وفي نصف آذار وأيلول على أربعة أقدام ونصف. # وهو وقت استواء الليل والنهار، وفي نصف تشرين الأول وشباط على ستة أقدام ~~ونصف، وفي نصف تشرين الثاني وكانون الثاني على تسعة أقدام، وفي نصف كانون ~~الأول على عشرة أقدام وسدس، وهذا أنهى ما تزول عليه الشمس فهذا ما تزول ~~عليه الشمس في أقاليم العراق والشام وما سامتهما من البلدان، فإذا أردت ~~معرفة ذلك فقف على مستو من الأرض، وعلم الموضع الذي انتهى إليه ظلك، ثم ضع ~~قدمك اليمنى بين يدي قدمك اليسرى، وألصق عقبك بإبهامك، فما بلغت مساحة هذا ~~القدر بعد انتهاء النقص فهو الوقت الذي زالت عليه الشمس، ووجبت به صلاة ~~الظهر. ### | [فصل تجب صلاة الظهر بزوال الشمس] # (516) فصل: وتجب صلاة الظهر بزوال الشمس، وكذلك جميع الصلوات تجب بدخول ~~وقتها في حق من هو من أهل الوجوب، فأما أهل الأعذار؛ كالحائض والمجنون ~~والصبي والكافر، فتجب في حقه بأول جزء أدركه من وقتها بعد زوال عذره. وبهذا ~~قال الشافعي، - رحمه الله -. وقال أبو حنيفة، - رحمه الله -: يجب تأخير ~~وقتها إذا بقي منه ما لا يتسع لأكثر منها؛ لأنه في أول الوقت يتخير بين ~~فعلها وتركها، فلم تكن واجبة كالنافلة. # PageV01P270 # ولنا أنه مأمور بها في أول الوقت بقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك ms0320 الشمس} ~~[الإسراء: 78] والأمر يقتضي الوجوب على الفور؛ ولأن دخول الوقت سبب للوجوب، ~~فيترتب عليه حكمه حين وجوده؛ ولأنها يشترط لها نية الفريضة، ولو لم تجب ~~لصحت بدون نية الواجب كالنافلة، وتفارق النافلة؛ فإنها لا يشترط لها ذلك، ~~ويجوز تركها غير عازم على فعلها، وهذه إنما يجوز تأخيرها مع العزم على ~~فعلها، كما تؤخر صلاة المغرب ليلة مزدلفة عن وقتها، وكما تؤخر سائر الصلوات ~~عن وقتها إذا كان مشتغلا بتحصيل شرطها. ### | [فصل يستقر وجوب وقت صلاة الظهر بما وجبت به] # (517) فصل: ويستقر وجوبها بما وجبت به. فلو أدرك جزءا من أول وقتها ثم ~~جن، أو حاضت المرأة، لزمهما القضاء إذا أمكنهما. وقال الشافعي وإسحاق: لا ~~يستقر إلا بمضي زمن يمكن فعلها فيه، ولا يجب القضاء بما دون ذلك. واختاره ~~أبو عبد الله بن بطة؛ لأنه لم يدرك من الوقت ما يمكنه أن يصلي فيه، فلم يجب ~~القضاء، كما لو طرأ العذر قبل ذلك الوقت. ولنا أنها صلاة وجبت عليه، فوجب ~~قضاؤها إذا فاتته، كالتي أمكن أداؤها، وفارقت التي طرأ العذر قبل دخول ~~وقتها؛ فإنها لم تجب، وقياس الواجب على غيره غير صحيح. ### | [مسألة آخر وقت الظهر] # (518) مسألة: قال: (فإذا صار ظل كل شيء مثله فهو آخر وقتها) يعني أن ~~الفيء إذا زاد على ما زالت عليه الشمس قدر ظل طول الشخص، فذلك آخر وقت ~~الظهر. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: وأي شيء آخر وقت الظهر؟ قال: أن ~~يصير الظل مثله. قيل له: فمتى يكون الظل مثله؟ قال: إذا زالت الشمس، فكان ~~الظل بعد الزوال مثله، فهو ذاك. ومعرفة ذلك أن يضبط ما زالت عليه الشمس، ثم ~~ينظر الزيادة عليه، فإن كانت قد بلغت قدر الشخص، فقد انتهى وقت الظهر؛ ومثل ~~شخص الإنسان ستة أقدام ونصف بقدمه، أو يزيد قليلا، فإذا أردت اعتبار ~~الزيادة بقدمك مسحتها على ما ذكرناه في الزوال، ثم أسقطت منه القدر الذي ~~زالت عليه الشمس، فإذا بلغ الباقي ستة أقدام ونصف فقد بلغ المثل، فهو آخر ~~وقت ms0321 الظهر، وأول وقت العصر. # وبهذا قال مالك، والثوري، والشافعي، والأوزاعي ونحوه قال أبو يوسف، ~~ومحمد، وأبو ثور وداود وقال عطاء: لا تفريط للظهر حتى تدخل الشمس صفرة. ~~وقال طاوس: وقت الظهر والعصر إلى الليل. وحكي عن مالك: وقت الاختيار إلى أن ~~يصير ظل كل شيء مثله، ووقت الأداء إلى أن يبقى من غروب الشمس قدر ما يؤدى ~~فيه العصر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر في ~~الحضر. # وقال أبو حنيفة: وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV01P271 # قال «إنما مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجيرا، فقال: من يعمل ~~لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال من يعمل لي من ~~نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي ~~من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم. فغضب اليهود والنصارى، ~~وقالوا: ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء؟ قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا؟ ~~قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء» أخرجه البخاري وهذا يدل على أن من الظهر إلى ~~العصر أكثر من العصر إلى المغرب. # ولنا «أن جبريل - عليه السلام - صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ~~حين كان الفيء مثل الشراك في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل ~~شيء مثله، ثم قال: الوقت ما بين هذين» وحديث مالك محمول على العذر بمطر أو ~~مرض، وما احتج به أبو حنيفة لا حجة له فيه؛ لأنه قال: إلى صلاة العصر. ~~وفعلها يكون بعد دخول الوقت وتكامل الشروط، على أن أحاديثنا قصد بها بيان ~~الوقت، وخبرهم قصد به ضرب المثل، فالأخذ بأحاديثنا أولى. قال ابن عبد البر ~~خالف أبو حنيفة في قوله هذا الآثار والناس، وخالفه أصحابه. ### | [مسألة وقت العصر] # (519) مسألة: قال: (وإذا زاد شيئا وجبت العصر) وجملته أن وقت العصر من ~~حين الزيادة على المثل أدنى زيادة متصل بوقت الظهر، لا فصل بينهما، وغير ms0322 ~~الخرقي قال: إذا صار ظل الشيء مثله فهو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. وهو ~~قريب مما قال الخرقي. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: إذا زاد على ~~المثلين؛ لما تقدم من الحديث، ولقوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار} ~~[هود: 114] ولو كان على ما ذكرتموه لكان وسط النهار. وحكي عن ربيعة: أن وقت ~~الظهر والعصر إذا زالت الشمس. # وقال إسحاق آخر وقت الظهر وأول وقت العصر يشتركان في قدر الصلاة، فلو أن ~~رجلين يصليان معا، أحدهما يصلي الظهر والآخر العصر، حين صار ظل كل شيء ~~مثله، كان كل واحد منهما مصليا لها في وقتها. وحكي ذلك عن ابن المبارك لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس: «صلى بي الظهر لوقت العصر ~~بالأمس» . # ولنا ما تقدم في حديث جبريل - عليه السلام - وقوله تعالى: {وأقم الصلاة ~~طرفي النهار} [هود: 114] . لا ينفي ما قلنا؛ فإن الطرف ما تراخى عن الوسط، ~~وهو موجود في مسألتنا، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لوقت العصر ~~بالأمس» أراد مقارنة الوقت، يعني أن ابتداء صلاته اليوم العصر متصل بوقت ~~انتهاء صلاة الظهر في اليوم الثاني، أو مقارب له؛ لأنه قصد به بيان ~~المواقيت، وإنما تبين أول الوقت بابتداء فعل الصلاة، وتبين آخره بالفراغ ~~منها، وقد بينه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن # PageV01P272 # عمرو «وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر» رواه مسلم وأبو داود وفي حديث ~~رواه أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن للصلاة أولا ~~وآخرا، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر» ~~أخرجه الترمذي ### | [مسألة آخر وقت العصر] # (520) مسألة: قال: وإذا صار ظل كل شيء مثليه خرج وقت الاختيار. اختلفت ~~الرواية عن أحمد - رضي الله عنه - في آخر وقت الاختيار؛ فروي: حين يصير ظل ~~كل شيء مثليه. وهو قول مالك، والثوري، والشافعي لقوله في حديث ابن عباس، ~~وجابر: «الوقت ما بين هذين.» وروي عن أحمد، - رحمه الله -، أن آخره ms0323 ما لم ~~تصفر الشمس. وهي أصح عنه حكاه عنه جماعة، منهم الأثرم، قال: سمعته يسأل عن ~~آخر وقت العصر؟ فقال: هو تغير الشمس. قيل: ولا تقول بالمثل والمثلين؟ قال: ~~لا، هذا عندي أكثر، وهذا قول أبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد، ونحوه عن الأوزاعي ~~لحديث عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وقت العصر ~~ما لم تصفر الشمس» رواه مسلم. # وفي حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «وإن آخر وقتها حين ~~تصفر الشمس» وفي حديث بريدة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر ~~في اليوم الثاني والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة» . قال ابن عبد البر ~~أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية، فقد صلاها في وقتها. # وفي هذا دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب، ولعلهما متقاربان ~~يوجد أحدهما قريبا من الآخر. # (521) فصل: ولا يجوز تأخير العصر عن وقت الاختيار لغير عذر؛ لما تقدم من ~~الأخبار، وروى مسلم وأبو داود بإسنادهما، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة ~~المنافقين، تلك صلاة المنافقين، يجلس أحدهم، حتى إذا اصفرت الشمس، فكانت ~~بين قرني شيطان، أو على قرني شيطان، قام، فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها ~~إلا قليلا» ولو أبيح تأخيرها لما ذمه عليه، وجعله علامة النفاق. ### | [مسألة أدرك منها ركعة قبل أن تغرب الشمس] # (522) مسألة: قال: (ومن أدرك منها ركعة قبل أن تغرب الشمس، فقد أدركها مع ~~الضرورة) وجملة ذلك أن من أخر الصلاة ثم أدرك منها ركعة قبل غروب الشمس، ~~فهو مدرك لها، ومؤد لها في وقتها، سواء أخرها لعذر أو لغير عذر، إلا أنه ~~إنما يباح تأخيرها لعذر وضرورة، كحائض تطهر، أو كافر يسلم، أو صبي يبلغ، أو ~~مجنون يفيق، أو نائم يستيقظ، أو مريض يبرأ، وهذا معنى قوله: " مع الضرورة ~~". فأما إدراكها بإدراك ركعة منها، فيستوي فيه المعذور وغيره، وكذلك # PageV01P273 # سائر الصلوات يدركها بإدراك ركعة منها في ms0324 وقتها؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» متفق عليه وفي رواية ~~«من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» متفق عليه ولا ~~أعلم في هذا خلافا ### | [فصل هل يدرك الصلاة بإدراك ما دون ركعة] # (523) فصل: وهل يدرك الصلاة بإدراك ما دون ركعة؟ فيه روايتان: إحداهما لا ~~يدركها بأقل من ذلك، وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب مالك؛ لظاهر الخبر الذي ~~رويناه، فإن تخصيصه الإدراك بركعة يدل على أن الإدراك لا يحصل بأقل منها؛ ~~ولأنه إدراك للصلاة، فلا يحصل بأقل من ركعة كإدراك الجمعة. والثانية، ~~يدركها بإدراك جزء منها، أي جزء كان. قال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه يكون ~~مدركا لها بإدراكه. وقال أبو الخطاب: من أدرك من الصلاة مقدار تكبيرة ~~الإحرام قبل أن يخرج الوقت فقد أدركها. وهذا مذهب أبي حنيفة. وللشافعي ~~قولان كالمذهبين. # ولأن أبا هريرة روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدرك ~~سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة ~~الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته» متفق عليه وللنسائي «فقد أدركها» ؛ ~~ولأن الإدراك إذا تعلق به حكم في الصلاة استوى فيه الركعة وما دونها، ~~كإدراك الجماعة، وإدراك المسافر صلاة المقيم، ولفظ الحديث الأول يدل ~~بمفهومه، والمنطوق أولى منه، والقياس يبطل بإدراك ركعة دون تشهدها. ### | [فصل الصلاة الوسطى] # (524) فصل: وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى، في قول أكثر أهل العلم من ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم، منهم: علي بن أبي طالب، وأبو ~~هريرة، وأبو أيوب، وأبو سعيد وعبيدة السلماني، والحسن، والضحاك، وأبو ~~حنيفة، وأصحابه. وروي عن زيد بن ثابت وعائشة أنها صلاة الظهر. # وبه. قال عبد الله بن شداد؛ لما روي عن زيد بن ثابت، قال: «كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها، فنزلت: {حافظوا على الصلوات ~~والصلاة ms0325 الوسطى} [البقرة: 238] » رواه أبو داود وروت عائشة «عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قرأ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر» ~~رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث صحيح. # وقال طاوس، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، والشافعي: هي الصبح لقول الله # PageV01P274 # تعالى: {والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] والقنوت طول ~~القيام، وهو مختص بالصبح؛ ولأنها من أثقل الصلاة على المنافقين، ولهذا ~~اختصت بالوصية وبالمحافظة عليها، وقال الله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب} [ق: 39] يعني صلاة الفجر والعصر، وروى جرير بن عبد الله ~~قال: «كنا جلوسا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ نظر إلى القمر ~~ليلة البدر، فقال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في ~~رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» ~~متفق عليه. وللبخاري (فافعلوا ثم قرأ جرير {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها} [طه: 130] # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة ~~بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، ~~فيسألهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، ~~وأتيناهم وهم يصلون» وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من صلى البردين ~~دخل الجنة» يريد هاتين الصلاتين. وقال: «لو يعلمون ما في صلاة العتمة ~~والصبح لأتوهما ولو حبوا» متفق على هذه الأحاديث. # وقيل: هي المغرب؛ لأن الأولى هي الظهر، فتكون المغرب الثالثة، والثالثة ~~من كل خمس هي الوسطى؛ ولأنها وسطى في عدد الركعات، ووسطى في الأوقات؛ لأن ~~عدد ركعاتها ثلاث، فهي وسطى بين الأربع والاثنين، ووقتها في آخر النهار ~~وأول الليل، وخصت من بين الصلاة بأنها وتر، والله وتر يحب الوتر، وبأنها ~~تصلى في أول وقتها في جميع الأمصار والأعصار. # ويكره تأخيرها عنه، وكذلك صلاها جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~اليومين لوقت واحد، ولذلك ذهب بعض الأئمة إلى أنها ليس لها إلا وقت واحد ~~لذلك، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تزال ms0326 أمتي، أو قال: هذه الأمة ~~بخير أو قال على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم» رواه ~~أبو داود وقيل: هي العشاء؛ لما روى ابن عمر، قال: «مكثنا ليلة ننتظر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة # PageV01P275 # العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فقال: إنكم ~~لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن أشق على أمتي لصليت بهم ~~هذه الساعة. وقال: إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الغداة والعشاء ~~الآخرة، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا» متفق عليهما. # ولنا ما روي عن علي - رضي الله عنه - قال: «قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم الأحزاب: شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله ~~بيوتهم وقبورهم نارا» متفق عليه. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «صلاة الوسطى صلاة العصر.» وعن سمرة مثله، قال الترمذي ~~في كل واحد منهما: هذا حديث حسن صحيح. # وهذا نص لا يجوز التعريج معه على شيء يخالفه؛ ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» متفق عليه، ~~وقال: «من فاتته صلاة العصر حبط عمله» رواه البخاري، وابن ماجه وقال: «إن ~~هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره ~~مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد» يعني النجم رواه البخاري وما ذكر ~~في صلاة الصبح فقد شاركته صلاة العصر في أكثره، ورواية عائشة " وصلاة العصر ~~" فالواو زائدة كالواو في قوله تعالى {وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75] ~~وفي قوله {وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40] وقوله: {وقوموا لله قانتين} ~~[البقرة: 238] فالقنوت قيل: هو الطاعة. أي قوموا لله مطيعين. # وقيل: القنوت السكوت. قال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ~~{وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام. ثم ~~ما روينا نص صريح. فكيف يترك بمثل هذا الوهم، أو يعارض به؟ ### | [مسألة وقت المغرب] # (525) مسألة: قال: وإذا غابت الشمس وجبت المغرب، ولا يستحب تأخيرها ms0327 إلى ~~أن يغيب الشفق أما دخول وقت المغرب بغروب الشمس فإجماع أهل العلم. لا نعلم ~~بينهم خلافا فيه، والأحاديث دالة عليه. وآخره: مغيب الشفق. # وبهذا قال الثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وبعض أصحاب الشافعي ~~وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي ليس لها إلا وقت واحد، عند مغيب الشمس؛ لأن ~~جبريل - عليه السلام - صلاها بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليومين ~~لوقت واحد، في بيان مواقيت الصلاة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا ~~تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى أن يشتبك النجم» ؛ ولأن المسلمين ~~مجمعون على فعلها في وقت واحد في أول الوقت. # وعن طاوس: لا تفوت المغرب والعشاء حتى الفجر. ونحوه عن عطاء؛ لما ذكرناه ~~في الظهر والعصر. # PageV01P276 # ولنا حديث بريدة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى المغرب في اليوم ~~الثاني حين غاب الشفق» وفي لفظ رواه الترمذي: «فأخر المغرب إلى أن يغيب ~~الشفق.» # وروى أبو موسى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر المغرب في اليوم ~~الثاني حتى كان عند سقوط الشفق.» رواه مسلم وأبو داود وفي حديث عبد الله بن ~~عمرو، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «وقت المغرب ما لم يغب الشفق» ~~رواه مسلم وفي حديث أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن ~~للصلاة أولا وآخرا، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين ~~يغيب الأفق» . رواه الترمذي وهذه نصوص صحيحة، لا يجوز مخالفتها بشيء محتمل # ؛ ولأنها إحدى الصلوات، فكان لها وقت متسع كسائر الصلوات؛ ولأنها إحدى ~~صلاتي جمع، فكان وقتها متصلا بوقت التي تجمع إليها كالظهر والعصر؛ ولأن ما ~~قبل مغيب الشفق وقت لاستدامتها، فكان وقتا لابتدائها كأول وقتها. وأحاديثهم ~~محمولة على الاستحباب والاختيار، وكراهة التأخير، ولذلك قال الخرقي " ولا ~~يستحب تأخيرها ". # فإن الأحاديث فيها تأكيد لفعلها في أول وقتها، وأقل أحوالها تأكيد ~~الاستحباب. وإن قدر أن الأحاديث متعارضة وجب حمل أحاديثهم على أنها منسوخة؛ ~~لأنها في أول فرض الصلاة بمكة، وأحاديثنا بالمدينة متأخرة، فتكن ناسخة ms0328 لما ~~قبلها مما يخالفها، والله أعلم. ### | [مسألة وقت العشاء] # (526) مسألة: قال: (فإذا غاب الشفق، وهو الحمرة في السفر، وفي الحضر ~~البياض؛ لأن في الحضر قد تنزل الحمرة فتواريها الجدران، فيظن أنها قد غابت، ~~فإذا غاب البياض فقد تيقن، ووجبت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل) لا خلاف في ~~دخول وقت العشاء بغيبوبة الشفق، وإنما اختلفوا في الشفق ما هو؟ فمذهب ~~إمامنا، - رحمه الله -، أن الشفق الذي يخرج به وقت المغرب، ويدخل به وقت ~~العشاء، هو الحمرة. وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن ~~جبير، والزهري، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق، وصاحبي ~~أبي حنيفة. # وعن أنس، وأبي هريرة: الشفق البياض. وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وبه ~~قال الأوزاعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر؛ لأن النعمان بن بشير قال: أنا أعلم ~~الناس بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصليها لسقوط القمر لثالثة. رواه أبو داود وروي عن ابن مسعود، قال: «رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي هذه الصلاة حين يسود الأفق» . # ولنا، ما روت عائشة، - رضي الله عنها - قالت: «أعتم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالعشاء حتى ناداه عمر بالصلاة: نام النساء والصبيان. فخرج ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما ينتظرها أحد غيركم # PageV01P277 # قال: ولا يصلي يومئذ إلا بالمدينة وكان يصلون فيما بين أن يغيب الشفق ~~الأول إلى ثلث الليل.» رواه البخاري والشفق الأول هو الحمرة. وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق» رواه أبو داود ~~وروي " ثور الشفق " وفور الشفق: فورانه وسطوعه. وثوره: ثوران حمرته، وإنما ~~يتناول هذا الحمرة، وآخر وقت المغرب أول وقت العشاء. # وروي عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الشفق ~~الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت العشاء» رواه الدارقطني وما رووه لا حجة لهم ~~فيه، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤخر الصلاة عن أول الوقت ~~قليلا، وهو الأفضل والأولى، ولهذا ms0329 روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال ~~لبلال: اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والمتوضئ من ~~وضوئه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته» إذا ثبت هذا، فإنه إن كان في مكان ~~يظهر له الأفق، ويبين له مغيب الشفق، فمتى ذهبت الحمرة وغابت، دخل وقت ~~العشاء، وإن كان في مكان يستتر عنه الأفق بالجدران والجبال، استظهر حتى ~~يغيب البياض، ليستدل بغيبته على مغيب الحمرة، فيعتبر غيبة البياض، لدلالته ~~على مغيب الحمرة لا لنفسه. ### | [مسألة إذا ذهب ثلث الليل ذهب وقت الاختيار] # (527) مسألة: قال: (فإذا ذهب ثلث الليل ذهب وقت الاختيار، ووقت الضرورة ~~مبقى إلى أن يطلع الفجر الثاني، وهو البياض الذي يرى من قبل المشرق، ~~فينتشر، ولا ظلمة بعده) اختلفت الرواية في آخر وقت الاختيار، فروي عن أحمد ~~أنه ثلث الليل، نص عليه أحمد، في رواية الجماعة، وهو قول عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك؛ لأن في حديث جبريل، ~~أنه صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في المرة الثانية ثلث الليل، وقال: ~~«الوقت فيما بين هذين» وفي حديث بريدة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلاها في اليوم الثاني ثلث الليل» وعن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «صلوا فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل» وفي حديثها ~~الآخر: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق الأول إلى ثلث الليل. # ولأن ثلث الليل يجمع الروايات، والزيادة تعارضت الأخبار فيها، فكان ثلث ~~الليل أولى، والرواية الثانية أن آخره نصف الليل. وهو قول الثوري، وابن ~~المبارك وأبي ثور وأصحاب الرأي، وأحد قولي الشافعي، لما روي عن أنس بن مالك ~~قال: «أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء إلى نصف الليل.» ~~رواه البخاري # وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لولا ~~ضعف الضعيف، وسقم السقيم، لأمرت بهذه الصلاة أن تؤخر إلى شطر الليل» رواه ~~أبو داود، والنسائي، وفي حديث عبد الله بن ms0330 عمرو عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال «وقت العشاء إلى نصف الليل» # PageV01P278 # رواه أبو داود والأولى إن شاء الله تعالى أن لا يؤخرها عن ثلث الليل، وإن ~~أخرها إلى نصف الليل جاز، وما بعد النصف وقت ضرورة، الحكم فيه حكم وقت ~~الضرورة في صلاة العصر، على ما مضى شرحه وبيانه، ثم لا يزال الوقت ممتدا ~~حتى يطلع الفجر الثاني. # (528) فصل: وتسمى هذه الصلاة العشاء، ولا يستحب تسميتها العتمة، وكان ابن ~~عمر إذا سمع رجلا يقول: العتمة. صاح وغضب، وقال: إنما هو العشاء # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تغلبنكم الأعراب على ~~اسم صلاتكم، فإنها العشاء، وإنهم يعتمون بالإبل» وعن أبي هريرة مثله. ~~رواهما ابن ماجه وإن سماها العتمة جاز؛ فقد روى أبو داود بإسناده عن معاذ، ~~أنه قال: أبقينا - يعني - انتظرنا - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~صلاة العتمة؛ ولأن هذا نسبة لها إلى الوقت الذي تجب فيه، فأشبهت صلاة الصبح ~~والظهر وسائر الصلوات ### | [مسألة وقت الصبح] # (529) مسألة: قال: (وإذا طلع الفجر الثاني وجبت صلاة الصبح والوقت مبقى ~~إلى ما قبل أن تطلع الشمس، ومن أدرك منها ركعة قبل أن تطلع فقد أدركها، ~~وهذا مع الضرورة) وجملته أن وقت الصبح يدخل بطلوع الفجر الثاني إجماعا، وقد ~~دلت عليه أخبار المواقيت، وهو البياض المستطير المنتشر في الأفق، ويسمى ~~الفجر الصادق؛ لأنه صدقك عن الصبح وبينه لك، والصبح ما جمع بياضا وحمرة، ~~ومنه سمي الرجل الذي في لونه بياض وحمرة أصبح، وأما الفجر الأول، فهو ~~البياض المستدق صعدا من غير اعتراض، فلا يتعلق به حكم، ويسمى الفجر الكاذب. # ثم لا يزال وقت الاختيار إلى أن يسفر النهار؛ لما تقدم في حديث جبريل ~~وبريدة وما بعد ذلك وقت عذر وضرورة، حتى تطلع الشمس؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في حديث عبد الله بن عمرو: «ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس. ومن ~~أدرك منها ركعة قبل أن تطلع الشمس كان مدركا لها» وفي إدراكها بما دون ذلك ms0331 ~~اختلاف قد ذكرناه. # وقال أصحاب الرأي، فيمن طلعت الشمس وقد صلى ركعة: تفسد صلاته؛ لأنه صار ~~في وقت نهي عن الصلاة فيه. وهذا لا يصح لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح» متفق ~~عليه وفي رواية «من أدرك سجدة من صلاة الصبح # PageV01P279 # قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته» متفق عليه؛ ولأنه أدرك ركعة من الصلاة في ~~وقتها، فكان مدركا لها في وقتها، كبقية الصلوات، وإنما نهي عن النافلة، ~~فأما الفرائض فتصلى في كل وقت، بدليل أن قبل طلوع الشمس وقت نهي أيضا، ولا ~~يمنع من فعل الفجر فيه ### | [فصل إذا شك في دخول الوقت] # (530) فصل: إذا شك في دخول الوقت، لم يصل حتى يتيقن دخوله، أو يغلب على ~~ظنه ذلك، مثل من هو ذو صنعة جرت عادته بعمل شيء مقدر إلى وقت الصلاة، أو ~~قارئ جرت عادته بقراءة جزء فقرأه، وأشباه هذا، فمتى فعل ذلك، وغلب على ظنه ~~دخول الوقت، أبيحت له الصلاة، ويستحب تأخيرها قليلا احتياطا، لتزداد غلبة ~~ظنه، إلا أن يخشى خروج الوقت، أو تكون صلاة العصر في وقت الغيم، فإنه يستحب ~~التبكير بها؛ لما روى بريدة، قال: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في غزاة، فقال: بكروا بصلاة العصر في الغيم، فإنه من فاتته صلاة العصر ~~حبط عمله» رواه البخاري، وابن ماجه ومعناه - والله أعلم - التبكير بها إذا ~~دخل وقت فعلها، ليقين، أو غلبة ظن، وذلك لأن وقتها المختار في زمن الشتاء ~~يضيق، فيخشى خروجه. # (531) فصل: ومن أخبره ثقة عن علم عمل به؛ لأنه خبر ديني، فقبل فيه قول ~~الواحد كالرواية، وإن أخبره عن اجتهاده لم يقلده، واجتهد لنفسه، حتى يغلب ~~على ظنه؛ لأنه يقدر على الصلاة باجتهاد نفسه، فلم يصل باجتهاد غيره، كحالة ~~اشتباه القبلة. والبصير والأعمى والمطمور القادر على التوصل إلى الاستدلال ~~سواء؛ لاستوائهم في إمكان التقدير بمرور الزمان، كما بينا، فمتى صلى في هذه ~~المواضع، فبان أنه وافق الوقت أو ms0332 بعده أجزأه؛ لأنه أدى ما فرض عليه، وخوطب ~~بأدائه، وإن بان أنه صلى قبل الوقت لم يجزه؛ لأن المخاطبة بالصلاة وسبب ~~الوجوب وجد بعد فعله، فلم يسقط حكمه بما وجد قبله. وإن صلى من غير دليل مع ~~الشك، لم تجزه صلاته، سواء أصاب أو أخطأ لأنه صلى مع الشك في شرط الصلاة من ~~غير دليل، فلم يصح، كما لو اشتبهت عليه القبلة فصلى من غير اجتهاد. ### | [فصل إذا سمع الأذان من ثقة عالم بالوقت] # (532) فصل: وإذا سمع الأذان من ثقة عالم بالوقت، فله تقليده؛ لأن الظاهر ~~أنه لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، فجرى مجرى خبره، وقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «المؤذن مؤتمن» رواه أبو داود ولولا أنه يقلد ويرجع إليه ما ~~كان مؤتمنا، وجاء عنه - عليه السلام - أنه قال: «خصلتان معلقتان في أعناق ~~المؤذنين للمسلمين صلاتهم وصيامهم» رواه ابن ماجه. ولأن الآذان مشروع ~~للإعلام بالوقت فلو لم يجز تقليد # PageV01P280 # المؤذن لم تحصل الحكمة التي شرع الآذان من أجلها، ولم يزل الناس يجتمعون ~~في مساجدهم وجوامعهم في أوقات الصلاة، فإذا سمعوا الآذان قاموا إلى الصلاة، ~~وبنوا على أذان المؤذن من غير اجتهاد في الوقت، ولا مشاهدة ما يعرفونه من ~~غير نكير، فكان إجماعا. ### | [مسألة الصلاة في أول الوقت] # (533) مسألة: قال: (والصلاة في أول الوقت أفضل، إلا عشاء الآخرة، وفي شدة ~~الحر الظهر) . وجملته أن الأوقات ثلاثة أضرب: وقت فضيلة، وجواز، وضرورة. ~~فأما وقت الجواز والضرورة، فقد ذكرناهما، وأما وقت الفضيلة فهذا الذي ذكره ~~الخرقي قال أحمد: أول الوقت أعجب إلي، إلا في صلاتين: صلاة العشاء، وصلاة ~~الظهر يبرد بها في الحر، رواه الأثرم. وهكذا كان يصلي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال سيار بن سلامة: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي فسأله ~~أبي: «كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي المكتوبة؟ قال: كان ~~يصلي الهجير، التي يدعونها الأولى، حين تدحض الشمس، ويصلي العصر، ثم يرجع ~~أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية ونسيت ما ms0333 قال في المغرب. قال: ~~وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها ~~والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ ~~بالستين إلى المائة» . # ، وقال جابر «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة، ~~والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانا، وأحيانا إذا رآهم ~~اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر، والصبح كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يصليها بغلس» متفق عليهما وقد روى الأموي، في " المغازي " حديثا ~~أسنده إلى عبد الرحمن بن غنم، قال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: «لما بعثني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، قال: أظهر كبير الإسلام ~~وصغيره، وليكن من أكبرها الصلاة، فإنها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين، ~~إذا كان الشتاء فصل صلاة الفجر في أول الفجر، ثم أطل القراءة على قدر ما ~~تطيق، ولا تملهم، وتكره إليهم أمر الله، ثم عجل الصلاة الأولى بعد أن تميل ~~الشمس، وصل العصر والمغرب في الشتاء والصيف على ميقات واحد؛ العصر والشمس ~~بيضاء مرتفعة، والمغرب حين تغيب الشمس، وتوارى بالحجاب، وصل العشاء فأعتم ~~بها، فإن الليل طويل، فإذا كان الصيف فأسفر بالصبح، فإن الليل قصير. وإن ~~الناس ينامون، فأمهلهم حتى يدركوها، وصل الظهر بعد أن ينقص الظل وتتحرك ~~الريح، فإن الناس يقيلون، فأمهلهم حتى يدركوها، وصل العتمة فلا تعتم بها، ~~ولا تصلها حتى يغيب الشفق» # PageV01P281 # وروى أيضا في كتابه عن عمر أنه قال: والصلاة لها وقت شرطه الله، لا تصح ~~الصلاة إلا به؛ وقت صلاة الفجر حين يزايل الرجل أهله ويحرم على الصائم ~~الطعام والشراب، فأعطوها نصيبها من القراءة، ووقت صلاة الظهر إذا كان القيظ ~~واشتد الحر، حين يكون ظلك مثلك، وذلك حين يهجر المهجر وذلك لئلا يرقد عن ~~الصلاة، فإذا كان في الشتاء فحين تزيغ عن الفلك حتى تكون على حاجبك الأيمن، ~~والعصر والشمس بيضاء نقية قبل أن تصفر، والمغرب حين يفطر الصائم، والعشاء ~~حين يغسق الليل، وتذهب حمرة الأفق إلى أن يذهب ثلث الليل ms0334 الأول، من نام ~~عنها بعد ذلك فلا أرقد الله عينه. هذه مواقيت الصلاة {إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103] ### | [فصل تعجيل الظهر في غير الحر والغيم] # (534) فصل: ولا نعلم في استحباب تعجيل الظهر، في غير الحر والغيم، خلافا. ~~قال الترمذي وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ومن بعدهم وذلك لما ثبت من حديث أبي برزة وجابر، وغيرهما، عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وقالت عائشة - رضي الله عنها - ما رأيت أحدا كان ~~أشد تعجيلا للظهر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا من أبي بكر ولا ~~من عمر قال الترمذي: هذا حديث حسن وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الأخير عفو ~~الله تعالى» قال الترمذي هذا حديث غريب. # وأما في شدة الحر فكلام الخرقي يقتضي استحباب الإبراد بها على كل حال، ~~وهو ظاهر كلام أحمد. قال الأثرم: وعلى هذا مذهب أبي عبد الله سواء، يستحب ~~تعجيلها في الشتاء والإبراد بها في الحر. وهو قول إسحاق وأصحاب الرأي، وابن ~~المنذر؛ لظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا اشتد الحر فأبردوا ~~بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» رواه الجماعة عن أبي هريرة وهذا عام. ~~وقال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاثة شروط: شدة الحر، وأن يكون في ~~البلدان الحارة ومساجد الجماعات، فأما من صلاها في بيته، أو في مسجد بفناء ~~بيته، فالأفضل تعجيلها. # وهذا مذهب الشافعي؛ لأن التأخير إنما يستحب لينكسر الحر، ويتسع في ~~الحيطان، ويكثر السعي إلى الجماعات، ومن لا يصلي في جماعة لا حاجة به إلى ~~التأخير. وقال القاضي في الجامع لا فرق بين البلدان الحارة وغيرها ولا بين ~~كون المسجد ينتابه الناس أو لا، فإن أحمد - رحمه الله -، كان يؤخرها في ~~مسجده ولم يكن بهذه الصفة. والأخذ بظاهر الخبر أولى. ومعنى الإبراد بها، ~~تأخيرها حتى ينكسر الحر، ويتسع في الحيطان، وفي حديث أبي ذر: أن # PageV01P282 # النبي ms0335 - صلى الله عليه وسلم - قال: «أبرد، حتى رأينا فيء التلول» وهذا ~~إنما يكن مع كثرة تأخيرها، ولا يؤخرها إلى آخر وقتها، بل يصليها في وقت إذا ~~فرغ يكون بينه وبين آخر الوقت فضل، وقد روى ابن مسعود، قال: «كان قدر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في الصيف ثلاثة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام ~~إلى تسعة أقدام.» رواه أبو داود والنسائي # فأما الجمعة فيسن تعجيلها في كل وقت بعد الزوال من غير إبراد؛ لأن سلمة ~~بن الأكوع، قال: «كنا نجمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا زالت ~~الشمس.» متفق عليه، ولم يبلغنا أنه أخرها، بل كان يعجلها، حتى قال سهل بن ~~سعد: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة. أخرجه البخاري؛ ولأن السنة ~~التبكير بالسعي إليها، ويجتمع الناس لها، فلو أخرها لتأذى الناس بتأخير ~~الجمعة. ### | [فصل تأخير الظهر والمغرب في الغيم وتعجيل العصر والعشاء فيه] # (535) فصل: ذكر القاضي أنه يستحب تأخير الظهر والمغرب في الغيم، وتعجيل ~~العصر والعشاء فيه. قال: ونص عليه أحمد - رحمه الله - في رواية الجماعة؛ ~~منهم المروذي فقال: يؤخر الظهر في يوم الغيم، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب، ~~ويعجل العشاء وعلل القاضي ذلك بأنه وقت يخاف منه العوارض والموانع؛ من ~~المطر، والريح، والبرد، فتلحق المشقة في الخروج لكل صلاة، وفي تأخير الصلاة ~~الأولى من صلاتي الجمع، وتعجيل الثانية، دفع لهذه المشقة؛ لكونه يخرج ~~إليهما خروجا واحدا، فيحصل به الرفق، كما يحصل بجمع الصلاتين في وقت ~~إحداهما، وبهذا قال أبو حنيفة والأوزاعي وروي عن عمر - رضي الله عنه - مثل ~~ذلك في الظهر والعصر، وعن ابن مسعود: يعجل الظهر والعصر، ويؤخر المغرب. # وقال الحسن: يؤخر الظهر. وظاهر كلام الخرقي أنه يستحب تعجيل الظهر في غير ~~الحر، والمغرب في كل حال. وهو مذهب الشافعي قال: متى غلب على ظنه دخول ~~الوقت باجتهاده استحب له التعجيل. ويحتمل أن أحمد - رحمه الله -، إنما أراد ~~بتأخير الظهر والمغرب ليتيقن دخول وقتهما، ولا يصلي مع الشك، وقد نقل أبو ~~طالب كلاما يدل ms0336 على هذا قال: يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد ~~حانت، ويعجل العصر، والمغرب يؤخرها حتى يعلم أنه سواد الليل، ويعجل العشاء. ### | [فصل تعجيل صلاة العصر] # (536) فصل: وأما العصر فتعجيلها مستحب بكل حال، وروي ذلك عن عمر، وابن ~~مسعود، وعائشة، وأنس وابن المبارك وأهل المدينة، والأوزاعي والشافعي، ~~وإسحاق، وروي عن أبي قلابة وابن شبرمة أنهما قالا: إنما سميت العصر لتعصر. ~~يعنيان أن تأخيرها أفضل. وقال أصحاب الرأي: الأفضل فعلها # PageV01P283 # في آخر وقتها المختار؛ لما روى رافع بن خديج، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يأمر بتأخير العصر. وعن علي بن شيبان، قال: «قدمنا على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فكان يؤخر العصر ما دامت بيضاء نقية.» رواه ~~أبو داود؛ ولأنها آخر صلاتي جمع، فاستحب تأخيرها كصلاة العشاء. # ولنا ما ذكرناه من حديث أبي برزة، وقال رافع بن خديج «كنا نصلي مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العصر، ثم ينحر الجزور، فيقسم عشرة ~~أجزاء، ثم يطبخ فيؤكل لحما نضيجا قبل مغيب الشمس.» متفق عليه، وعن أبي ~~أمامة قال: " صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس ~~بن مالك فوجدناه يصلي العصر، فقلنا يا أبا عمارة ما هذه الصلاة التي صليت؟ ~~قال: العصر وهذه صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كنا نصليها ~~معه. رواه البخاري ومسلم # وعن أبي المليح، قال: كنا مع أبي بريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: ~~بكروا الصلاة للعصر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من فاتته صلاة ~~العصر حبط عمله» رواه البخاري وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله» يرويه عبد ~~الله بن عمر العمري قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. وأما حديث رافع الذي ~~احتجوا به فلا يصح. قاله الترمذي وقال الدارقطني: يرويه عبد الواحد بن نافع ~~وليس بالقوي، ولا يصح عن رافع ولا عن غيره من الصحابة، والصحيح ms0337 عنهم تعجيل ~~صلاة العصر، والتبكير بها. ### | [فصل استحباب تقديم المغرب] # (537) فصل: وأما المغرب فلا خلاف في استحباب تقديمها في غير حال العذر، ~~وهو قول أهل العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم. ~~قاله الترمذي وقد ذكرنا في حديث جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يصليها إذا وجبت، وقال رافع بن خديج «كنا نصلي المغرب مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله» متفق عليه. وعن أنس مثله، ~~رواه أبو داود وعن سلمة بن الأكوع، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس، إذا غاب حاجبها» رواه أبو داود، والترمذي ~~وقال: حديث حسن صحيح. وهذا لفظ أبي داود وفعل جبريل لها في اليومين في وقت ~~واحد دليل على تأكيد استحباب تقديمها. ### | [فصل استحباب تأخير العشاء] # (538) فصل: وأما صلاة العشاء فيستحب تأخيرها إلى آخر وقتها إن لم يشق، ~~وهو اختيار أكثر أهل العلم، # PageV01P284 # من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين. قاله الترمذي وحكي عن ~~الشافعي أن الأفضل تقديمها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الوقت ~~الأول رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله» وروى القاسم بن غنام، عن بعض ~~أمهاته، عن أم فروة، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل الصلاة لأول وقتها» . ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يكن يؤخرها، وإنما أخرها ليلة واحدة، ولا يفعل إلا ~~الأفضل. # ولنا قول أبي برزة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستحب أن يؤخر ~~من العشاء التي يدعونها العتمة وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لولا أن ~~أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» وهو حديث ~~حسن صحيح، وأحاديثهم ضعيفة. أما خبر " الوقت الأول رضوان الله " فيرويه عبد ~~الله بن عمر العمري وهو ضعيف وحديث أم فروة رواته مجاهيل، قال أحمد - رحمه ~~الله -: لا أعلم شيئا ثبت في أوقات الصلاة: أولها كذا، وأوسطها كذا، ms0338 وآخرها ~~كذا يعني مغفرة ورضوانا، وقال: ليس ذا ثابتا. # ولو ثبت فالأخذ بأحاديثنا الخاصة أولى من الأخذ بالعموم، مع صحة أخبارنا، ~~وضعف أخبارهم. # (539) فصل: وإنما يستحب تأخيرها للمنفرد والجماعة راضين بالتأخير؛ فأما ~~مع المشقة على المأمومين أو بعضهم فلا يستحب، بل يكره. نص عليه أحمد - رحمه ~~الله -، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كم قدر تأخير العشاء؟ فقال ما قد ~~بعد أن لا يشق على المأمومين. وقد ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~تأخير العشاء، والأمر بتأخيرها، كراهية المشقة على أمته، وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «من شق على أمتي شق الله عليه» وإنما نقل التأخير عنه مرة ~~أو مرتين، ولعله كان لشغل، أو إتيان آخر الوقت، وأما في سائر أوقاته فإنه ~~كان يصليها، على ما رواه جابر أحيانا، وأحيانا إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، ~~وإذا رآهم قد أبطئوا أخر. # وعلى ما رواه النعمان بن بشير، أنه كان يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة. ~~فيستحب للإمام الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في إحدى هاتين ~~الحالتين، ولا يؤخرها تأخيرا يشق على المأمومين؛ فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يأمر بالتخفيف، رفقا بالمأمومين، وقال: «إني لأدخل في الصلاة، ~~وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأخففها كراهية أن أشق على أمه.» ~~متفق عليه # PageV01P285 ### | [فصل التغليس بصلاة الصبح أفضل] # (540) فصل: وأما صلاة الصبح فالتغليس بها أفضل، وبهذا قال مالك، والشافعي ~~وإسحاق. وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وأبي موسى وابن الزبير، وعمر ~~بن عبد العزيز، ما يدل على ذلك. قال ابن عبد البر: صح عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وعن أبي بكر وعمر وعثمان، أنهم كانوا يغلسون، ومحال أن ~~يتركوا الأفضل، ويأتوا الدون، وهم النهاية في إتيان الفضائل. # وروي عن أحمد، - رحمه الله -، أن الاعتبار بحال المأمومين، فإن أسفروا ~~فالأفضل الإسفار؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك في ~~العشاء، كما ذكر جابر، فكذلك في الفجر. وقال الثوري، وأصحاب الرأي: الأفضل ~~الإسفار؛ لما روى رافع بن ms0339 خديج، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» . قال الترمذي: هذا حديث حسن ~~صحيح. ولنا ما تقدم من حديث جابر وأبي برزة، وقول عائشة - رضي الله عنها -: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات ~~بمروطهن، ما يعرفن من الغلس.» متفق عليه. # وعن أبي مسعود الأنصاري، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلس ~~بالصبح، ثم أسفر مرة، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله» . رواه أبو ~~داود. قال الخطابي: وهو صحيح الإسناد. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: «ما ~~صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة لوقتها الآخر مرتين، حتى قبضه الله» ~~. وهذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل. فأما الإسفار المذكور في حديثهم، ~~فالمراد به تأخيرها حتى يتبين طلوع الفجر، وينكشف يقينا من قولهم: أسفرت ~~المرأة، إذا كشفت وجهها. ### | [فصل تعجيل الصلاة التي يستحب تأخيرها] # (541) فصل: ولا يأثم بتعجيل الصلاة التي يستحب تأخيرها، ولا بتأخير ما ~~يستحب تعجيله، إذا أخره عازما على فعله، ما لم يخرج الوقت، أو يضيق عن فعل ~~العبادة جميعها؛ لأن جبريل صلاها بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أول ~~الوقت وآخره، وصلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الوقت وآخره ~~«وقالا: الوقت ما بين هذين» ولأن الوجوب موسع فهو كالتكفير، يجب موسعا بين ~~الأعيان، فإن أخر غير عازم على الفعل أثم بذلك التأخير المقترن بالعزم، وإن ~~أخرها بحيث لم يبق من الوقت ما يتسع لجميع الصلاة أثم أيضا؛ لأن الركعة ~~الأخيرة من جملة الصلاة، فلا يجوز تأخيرها عن الوقت، كالأولى. # PageV01P286 # (542) فصل: وإن أخر الصلاة عن أول وقتها بنية فعلها، فمات قبل فعلها، لم ~~يكن عاصيا، لأنه فعل ما يجوز له فعله، والموت ليس من فعله، فلا يأثم به. ### | [فصل صلى قبل الوقت] # (543) فصل: ومن صلى قبل الوقت، لم يجز صلاته، في قول أكثر أهل العلم، ~~سواء فعله عمدا أو خطأ، كل الصلاة أو بعضها. وبه قال الزهري، والأوزاعي ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. وروي عن ms0340 ابن عمر، وأبي موسى أنهما أعادا الفجر، ~~لأنهما صلياها قبل الوقت. وروي عن ابن عباس في مسافر صلى الظهر قبل الزوال، ~~يجزئه. ونحوه قال الحسن، والشعبي. وعن مالك كقولنا. وعنه فيمن صلى العشاء ~~قبل مغيب الشفق جاهلا أو ناسيا، يعيد ما كان في الوقت، فإن ذهب الوقت قبل ~~علمه، أو ذكر، فلا شيء عليه. ولنا أن الخطاب بالصلاة يتوجه إلى المكلف عند ~~دخول وقتها، وما وجد بعد ذلك ما يزيله ويبرئ الذمة منه، فيبقى بحاله. ### | [مسألة حكم الصلاة إذا طهرت الحائض وأسلم الكافر قبل أن تغيب الشمس] # (544) مسألة: قال: (وإذا طهرت الحائض، وأسلم الكافر، وبلغ الصبي قبل أن ~~تغيب الشمس، صلوا الظهر فالعصر، وإن بلغ الصبي، وأسلم الكافر، وطهرت الحائض ~~قبل أن يطلع الفجر، صلوا المغرب وعشاء الآخرة) وروي هذا القول في الحائض ~~تطهر عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وطاوس، ومجاهد، والنخعي، والزهري، ~~وربيعة، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. قال الإمام أحمد: عامة ~~التابعين يقولون بهذا القول، إلا الحسن وحده قال: لا تجب إلا الصلاة التي ~~طهرت في وقتها وحدها. وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي؛ لأن وقت الأولى خرج في ~~حال عذرها، فلم تجب كما لو لم يدرك من وقت الثانية شيئا. # وحكي عن مالك أنه إذا أدرك قدر خمس ركعات من وقت الثانية، وجبت الأولى؛ ~~لأن قدر الركعة الأولى من الخمس وقت للصلاة الأولى في حال العذر، فوجبت ~~بإدراكه، كما لو أدرك ذلك من وقتها المختار، بخلاف ما لو أدرك دون ذلك. ~~ولنا ما روى الأثرم، وابن المنذر، وغيرهما، بإسنادهم عن عبد الرحمن بن عوف، ~~وعبد الله بن عباس، أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة: تصلي ~~المغرب والعشاء، فإذا طهرت قبل أن تغرب الشمس، صلت الظهر والعصر جميعا. ~~ولأن وقت الثانية وقت للأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور لزمه فرضها، ~~كما يلزمه فرض الثانية. # PageV01P287 ### | [فصل القدر الذي يتعلق به الوجوب في الصلاة] # (545) فصل: والقدر الذي يتعلق به الوجوب قدر تكبيرة الإحرام. وقال ~~الشافعي: ms0341 قدر ركعة؛ لأن ذلك هو الذي روي عن عبد الرحمن وابن عباس، ولأنه ~~إدراك تعلق به إدراك الصلاة، فلم يكن بأقل من ركعة كإدراك الجمعة. وقال ~~مالك: خمس ركعات. ولنا أن ما دون الركعة تجب به الثانية، فوجبت به الأولى، ~~كالركعة والخمس عند مالك، ولأنه إدراك فاستوى فيه القليل والكثير، كإدراك ~~المسافر صلاة المقيم، فأما الجمعة فإنما اعتبرت الركعة بكمالها؛ لكون ~~الجماعة شرطا فيها فاعتبر إدراك ركعة كي لا يفوته شرطها في معظمها، بخلاف ~~مسألتنا. ### | [فصل أدرك المكلف من وقت الأولى من صلاتي الجمع قدرا تجب به ثم جن] # (546) فصل: وإن أدرك المكلف من وقت الأولى من صلاتي الجمع قدرا تجب به، ~~ثم جن أو كانت امرأة فحاضت، أو نفست، ثم زال العذر بعد وقتها، لم تجب ~~الثانية في إحدى الروايتين، ولا يجب قضاؤها. وهذا اختيار ابن حامد. ~~والأخرى: يجب ويلزم قضاؤها؛ لأنها إحدى صلاتي الجمع، فوجبت بإدراك جزء من ~~وقت الأخرى، كالأولى. # ووجه الأولى أنه لم يدرك جزءا من وقتها، ولا وقت تبعها، فلم تجب، كما لو ~~لم يدرك من وقت الأولى شيئا، وفارق مدرك وقت الثانية، فإنه أدرك وقت تبع ~~الأولى، فإن الأولى تفعل في وقت الثانية متبوعة مقصودة يجب تقديمها، ~~والبداية بها، بخلاف الثانية مع الأولى، ولأن من لا يجوز الجمع إلا في وقت ~~الثانية ليس وقت الأولى عنده وقتا للثانية بحال، فلا يكون مدركا لشيء من ~~وقتها، ووقت الثانية وقت لهما جميعا، لجواز فعل الأولى في وقت الثانية، ومن ~~جوز الجمع في وقت الأولى، فإنه يجوز تقديم الثانية رخصة تحتاج إلى نية ~~التقديم، وترك التفريق، ومتى أخر الأولى إلى الثانية كانت مفعولة لا واجبة، ~~لا يجوز تركها، ولا يجب نية جمعها، ولا يشترط ترك التفريق بينهما، فلا يصح ~~قياس الثانية على الأولى، والأصل أن لا تجب صلاة إلا بإدراك وقتها. ### | [فصل الصلاة لا تجب على صبي ولا كافر ولا حائض] # (547) فصل: وهذه المسألة تدل على أن الصلاة لا تجب على صبي، ولا كافر، ~~ولا حائض؛ إذ ms0342 لو كانت الصلاة واجبة عليهم لم يكن لتخصيص القضاء بهذه الحال ~~معنى، وهذا الصحيح في المذهب. فأما الحائض، فقد ذكرنا حكمها في بابها، وأما ~~الكافر فإن كان أصليا لم يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره، بغير ~~خلاف نعلمه، وقد قال الله تعالى {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف} [الأنفال: 38] وأسلم في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - خلق كثير، ~~وبعده، فلم يؤمر # PageV01P288 # أحد منهم بقضاء، ولأن في إيجاب القضاء عليه تنفيرا عن الإسلام، فعفي عنه. ~~وقد اختلف أهل العلم في خطابه بفروع الإسلام في حال كفره، مع إجماعهم على ~~أنه لا يلزمه قضاؤها بعد إسلامه، وحكي عن أحمد في هذا روايتان. وأما ~~المرتد، فذكر أبو إسحاق بن شاقلا عن أحمد، في وجوب القضاء عليه، روايتين: ~~إحداهما: لا يلزمه. # وهو ظاهر كلام الخرقي في هذه المسألة، فعلى هذا لا يلزمه قضاء ما ترك في ~~حال كفره، ولا في حال إسلامه قبل ردته. ولو كان قد حج لزمه استئنافه؛ لأن ~~عمله قد حبط بكفره، بدليل قول الله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: ~~65] . فصار كالكافر الأصلي في جميع أحكامه. والثانية: يلزمه قضاء ما ترك من ~~العبادات في حال ردته، وإسلامه قبل ردته، ولا يجب عليه إعادة الحج؛ لأن ~~العمل إنما يحبط بالإشراك مع الموت، لقوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه ~~فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} [البقرة: 217] . ~~فشرط الأمرين لحبوط العمل، وهذا مذهب الشافعي؛ لأن المرتد أقر بوجوب ~~العبادات عليه، واعتقد ذلك وقدر على التسبب إلى أدائها، فلزمه ذلك، ~~كالمحدث. ولو حاضت المرأة المرتدة لم يلزمها قضاء الصلاة في زمن حيضها؛ لأن ~~الصلاة غير واجبة عليها في تلك الحال. # وذكر القاضي رواية ثالثة، أنه لا قضاء عليه لما ترك في حال ردته؛ لأنه ~~تركه في حال لم يكن مخاطبا بها لكفره، وعليه قضاء ما ترك في إسلامه قبل ~~الردة؛ ولأنه كان واجبا عليه، ومخاطبا به قبل الردة، فبقي الوجوب عليه ~~بحاله. ms0343 قال: وهذا المذهب. وهو قول أبي عبد الله بن حامد، وعلى هذا لا يلزمه ~~استئناف الحج إن كان قد حج؛ لأن ذمته برئت منه بفعله قبل الردة، فلا يشتغل ~~به بعد ذلك، كالصلاة التي صلاها في إسلامه؛ ولأن الردة لو أسقطت حجه ~~وأبطلته، لأبطلت سائر عباداته المفعولة قبل ردته. # (548) فصل: فأما الصبي العاقل فلا تجب عليه في أصح الروايتين. وعنه أنها ~~تجب على من بلغ عشرا وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. # فعلى قولنا إنها لا تجب عليه، متى صلى في الوقت، ثم بلغ فيه بعد فراغه ~~منها، وفي أثنائها، فعليه إعادتها. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: ~~يجزئه، ولا يلزمه إعادتها في الموضعين؛ لأنه أدى وظيفة الوقت، فلم يلزمه ~~إعادتها، كالبالغ. ولنا، أنه صلى قبل وجوبها عليه، وقبل سبب وجوبها، فلم ~~تجزه عما وجد سبب وجوبها عليه، كما لو صلى قبل الوقت، # PageV01P289 # ولأنه صلى نافلة، فلم تجزه عن الواجب، كما لو نوى نفلا، ولأنه بلغ في وقت ~~العبادة وبعد فعلها، فلزمته إعادتها كالحج، ووظيفة الوقت في حق البالغ ظهرا ~~واجبة، ولم يأت بها. ### | [فصل المجنون غير مكلف] # (549) فصل: والمجنون غير مكلف، ولا يلزمه قضاء ما ترك في حال جنونه، إلا ~~أن يفيق وقت الصلاة، فيصير كالصبي يبلغ. ولا نعلم في ذلك خلافا، وقد قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى ~~يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل» . أخرجه أبو داود، وابن ~~ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن. ولأن مدته تطول غالبا، فوجوب القضاء عليه ~~يشق، فعفي عنه. ### | [مسألة المغمى عليه حكمه حكم النائم] # (550) مسألة: قال: (والمغمى عليه يقضي جميع الصلوات التي كانت في حال ~~إغمائه) وجملة ذلك أن المغمى عليه حكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء ~~من الواجبات التي يجب قضاؤها على النائم؛ كالصلاة والصيام. وقال مالك، ~~والشافعي: لا يلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق في جزء من وقتها؛ لأن عائشة ~~«سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ms0344 الرجل يغمى عليه، فيترك الصلاة، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه، ~~فيفيق في وقتها، فيصليها» . وقال أبو حنيفة: إن أغمي عليه خمس صلوات قضاها، ~~وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل؛ لأن ذلك يدخل في التكرار، فأسقط القضاء، ~~كالجنون. ولنا ما روي، أن عمارا غشي عليه أياما لا يصلي، ثم استفاق بعد ~~ثلاث، فقال: هل صليت؟ فقيل: ما صليت منذ ثلاث. فقال: أعطوني وضوءا، فتوضأ، ~~ثم صلى تلك الليلة # وروى أبو مجلز، أن سمرة بن جندب، قال: المغمى عليه - يترك الصلاة، أو ~~فيترك الصلاة - يصلي مع كل صلاة صلاة مثلها قال: قال عمران: زعم، ولكن ~~ليصلهن جميعا. وروى الأثرم هذين الحديثين في " سننه ". وهذا فعل الصحابة ~~وقولهم، ولا نعرف لهم مخالفا، فكان إجماعا. ولأن الإغماء لا يسقط فرض ~~الصيام، ولا يؤثر في استحقاق الولاية على المغمى عليه، فأشبه النوم. فأما ~~حديثهم فباطل يرويه الحاكم بن سعد، وقد نهى أحمد - رحمه الله -، عن حديثه، ~~وضعفه ابن المبارك، وقال البخاري: تركوه. وفي إسناده خارجة بن مصعب. # ولا يصح قياسه على المجنون؛ لأن المجنون تتطاول مدته غالبا، وقد رفع ~~القلم عنه، ولا يلزمه صيام، ولا شيء # PageV01P290 # من أحكام التكليف، وتثبت الولاية عليه، ولا يجوز على الأنبياء - عليهم ~~السلام -، والإغماء بخلافه، وما لا يؤثر في إسقاط الخمس لا يؤثر في إسقاط ~~الزائد عليها، كالنوم. ### | [فصل شرب دواء فزال عقله به] # (551) فصل: ومن شرب دواء فزال عقله به نظرت؛ فإن كان زوالا لا يدوم ~~كثيرا، فهو كالإغماء، وإن كان يتطاول، فهو كالجنون. وأما السكر، ومن شرب ~~محرما يزيل عقله وقتا دون وقت، فلا يؤثر في إسقاط التكليف وعليه قضاء ما ~~فاته في حال زوال عقله. لا نعلم فيه خلافا؛ ولأنه إذا وجب عليه القضاء ~~بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى. ### | [فصل ما فيه السموم من الأدوية] # (552) فصل: وما فيه السموم من الأدوية؛ إن كان الغالب من شربه واستعماله ~~الهلاك به، أو الجنون، لم يبح شربه، وإن كان ms0345 الغالب منه السلامة ويرتجى منه ~~المنفعة، فالأولى إباحة شربه، لدفع ما هو أخطر منه، كغيره من الأدوية، ~~ويحتمل أن لا يباح؛ لأنه يعرض نفسه للهلاك، فلم يبح، كما لو لم يرد به ~~التداوي. والأول أصح؛ لأن كثيرا من الأدوية يخاف منه، وقد أبيح لدفع ما هو ~~أضر منه، فإذا قلنا يحرم شربه، فهو كالمحرمات من الخمر ونحوه، وإن قلنا ~~يباح، فهو كسائر الأدوية المباحة. والله أعلم. # PageV01P291 ### | [باب الأذان] # الأذان إعلام بوقت الصلاة. والأصل في الأذان الإعلام، قال الله عز وجل: ~~{وأذان من الله ورسوله} [التوبة: 3] أي: إعلام، و: {آذنتكم على سواء} ~~[الأنبياء: 109] أي أعلمتكم، فاستوينا في العلم. وقال الحارث بن حلزة: # آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء # أي: أعلمتنا. والأذان الشرعي هو اللفظ المعلوم المشروع في أوقات الصلوات ~~للإعلام بوقتها. وفيه فضل كثير وأجر عظيم، بدليل ما روى أبو هريرة، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف ~~الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» . وقال أبو سعيد ~~الخدري: «إذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء؛ ~~فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» . قال ~~أبو سعيد: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أخرجهما البخاري. # وعن معاوية قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المؤذنون ~~أطول الناس أعناقا يوم القيامة» . أخرجه مسلم. وعن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة على كثبان المسك أراه قال: يوم ~~القيامة، يغبطهم الأولون والآخرون، رجل نادى بالصلوات الخمس في كل يوم ~~وليلة؛ ورجل يؤم قوما وهم به راضون، وعبد أدى حق الله وحق مواليه» . أخرجه ~~الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. ### | [فصل هل الأذان أفضل من الإمامة] # (553) فصل: واختلفت الرواية، هل الأذان أفضل من الإمامة، أو لا؟ فروي أن ~~الإمامة أفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تولاها بنفسه، وكذلك ~~خلفاؤه، ولم يتولوا الأذان، ms0346 ولا يختارون إلا الأفضل، ولأن الإمامة يختار ~~لها من هو أكمل حالا وأفضل، واعتبار فضيلته دليل على فضيلة منزلته. ~~والثانية: الأذان أفضل. # وهو مذهب الشافعي؛ لما روينا من الأخبار في فضيلته، ولما روى أبو هريرة، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، ~~اللهم أرشد الأئمة، # PageV01P292 # واغفر للمؤذنين» . أخرجه أبو داود، والنسائي والأمانة أعلى من الضمان، ~~والمغفرة أعلى من الإرشاد، ولم يتوله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~خلفاؤه؛ لضيق وقتهم عنه، ولهذا قال عمر، - رضي الله عنه -: " لولا الخلافة ~~لأذنت ". وهذا اختيار القاضي، وابن أبي موسى، وجماعة من أصحابنا. والله ~~أعلم. # (554) فصل: والأصل في الأذان، ما روى محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن ~~إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: ~~«حدثني أبي عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بالناقوس يعمل ليضرب به لجمع الناس للصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ~~ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ قلت: ~~ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، ~~فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا ~~الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا ~~رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، ~~الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم ~~قال: تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، ~~أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، ~~قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها رؤيا حق، ~~إن شاء الله، ms0347 فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتا ~~منك، فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، فقال يا رسول الله، والذي ~~بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~فلله الحمد.» رواه الأثرم، وأبو داود، وذكر الترمذي آخره بهذا الإسناد، ~~وقال: هو حديث حسن صحيح. وأجمعت الأمة على أن الأذان مشروع للصلوات الخمس. ### | [مسألة صفة الأذان] # (555) مسألة: قال أبو القاسم: (ويذهب أبو عبد الله، رحمه الله، إلى أذان ~~بلال - رضي الله عنه - وهو: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، ~~أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول ~~الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على ~~الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.) وجملة ~~ذلك، أن اختيار أحمد، - رحمه الله -، من الأذان أذان بلال - رضي الله عنه - ~~وهو كما وصف الخرقي. وجاء في خبر عبد الله بن زيد، وهو خمس عشرة كلمة، لا ~~ترجيع فيه. وبهذا قال الثوري، وأصحاب # PageV01P293 # الرأي وإسحاق. # وقال مالك، والشافعي، ومن تبعهما من أهل الحجاز: الأذان المسنون أذان أبي ~~محذورة، وهو مثل ما وصفنا، إلا أنه يسن الترجيع، وهو أن يذكر الشهادتين ~~مرتين مرتين، يخفض بذلك صوته، ثم يعيدهما رافعا بهما صوته، إلا أن مالكا ~~قال: التكبير في أوله مرتان حسب، فيكون الأذان عنده سبع عشرة كلمة، وعند ~~الشافعي تسع عشرة كلمة. واحتجوا بما روى أبو محذورة، «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لقنه الأذان، وألقاه عليه، فقال له تقول: أشهد أن لا إله إلا ~~الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا ~~رسول الله. تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة. أشهد أن لا إله إلا ~~الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ms0348 أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا ~~رسول الله.» ثم ذكر سائر الأذان. أخرجه مسلم، وهو حديث متفق عليه # ، واحتج مالك بأن ابن محيريز، قال: كان الأذان الذي يؤذن به أبو محذورة، ~~الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله. متفق عليه. ولنا، حديث عبد ~~الله بن زيد، والأخذ به أولى؛ لأن بلالا كان يؤذن به مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - دائما، سفرا وحضرا، وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على أذانه بعد أذان أبي محذورة. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل: إلى ~~أي الأذان يذهب؟ قال: إلى أذان بلال، رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن ~~إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن زيد، ثم وصفه. # قيل لأبي عبد الله: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد؛ لأن ~~حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ فقال: أليس قد رجع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى المدينة؛ فأقر بلالا على أذان عبد الله بن زيد؟ وهذا من ~~الاختلاف المباح، فإن رجع فلا بأس. نص عليه أحمد. وكذلك قال إسحاق فإن ~~الأمرين كليهما قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إنما أمر أبا محذورة بذكر الشهادتين سرا، ليحصل له ~~الإخلاص بهما، فإن الإخلاص في الإسرار بهما أبلغ من قولهما إعلانا للإعلام، ~~وخص أبا محذورة بذلك، لأنه لم يكن مقرا بهما حينئذ، فإن في الخبر «أنه كان ~~مستهزئا يحكي أذان مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسمع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صوته، فدعاه، فأمره بالأذان، قال: ولا شيء عندي أبغض من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا مما يأمرني به» . # فقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - نطقه بالشهادتين سرا ليسلم بذلك ولا ~~يوجد هذا في غيره، ودليل هذا الاحتمال كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يأمر به بلالا، ولا غيره ممن كان مسلما ثابت الإسلام. والله أعلم. ### | [مسألة صفة الإقامة] # (556) مسألة: قال (والإقامة: الله ms0349 أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا ~~الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت ~~الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة الإقامة مثل الأذان، ويزيد الإقامة مرتين؛ لحديث ~~عبد الله # PageV01P294 # بن زيد، «أن الذي علمه الأذان أمهل هنيهة، ثم قام فقال مثلها» . رواه أبو ~~داود. وروى ابن محيريز، عن أبي محذورة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~علمه الإقامة سبع عشرة كلمة» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. # وقال مالك: الإقامة عشر كلمات، تقول: قد قامت الصلاة مرة واحدة؛ لما روى ~~أنس قال «أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة» . متفق عليه. ولنا، ما ~~روى عبد الله بن عمر أنه قال: «إنما كان الأذان على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، إلا أنه يقول: قد قامت ~~الصلاة، قد قامت الصلاة.» أخرجه النسائي. وفي حديث عبد الله بن زيد، أنه ~~وصف الإقامة كما ذكرنا، رواه الإمام أحمد، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ~~أبيه، عن محمد بن إسحاق، بالإسناد الذي ذكرناه. وما احتجوا به من قوله: ~~فقام فقال مثلها. فقد قال الترمذي: الصحيح مثل ما رويناه. وقال ابن خزيمة: ~~الصحيح ما رواه محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه: # " ثم استأخر غير كثير، ثم قال مثل ما قال، وجعلها وترا، إلا أنه قال: قد ~~قامت الصلاة قد قامت الصلاة ". وهذه زيادة بيان يجب الأخذ بها، وتقديم ~~العمل بهذه الرواية المشروحة. وأما خبر أبي محذورة في تثنية الإقامة، فإن ~~ثبت كان الأخذ بخبر عبد الله بن زيد أولى؛ لأنه أذان بلال، وقد بينا وجوب ~~تقديمه في الأذان، وكذا في الإقامة، وخبر أبي محذورة متروك بالإجماع في ~~الترجيع في الإقامة، ولذلك عملنا نحن وأبو حنيفة بخبره في الأذان، وأخذ ~~بأذانه مالك والشافعي، وهما يريان إفراد الإقامة. ### | [مسألة آداب الأذان ومستحباته] # (557) مسألة: قال: (ويترسل في الأذان ويحدر الإقامة) ms0350 الترسل التمهل ~~والتأني. من قولهم: جاء فلان على رسله. والحدر: ضد ذلك، وهو الإسراع، وقطع ~~التطويل وهذا من آداب الأذان ومستحباته؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر» . رواه أبو داود، والترمذي، وقال: هو ~~حديث غريب. وروى أبو عبيد، بإسناده عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لمؤذن ~~بيت المقدس: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذم. # قال الأصمعي: وأصل الحذم في المشي إنما هو الإسراع، وأن يكون مع هذا كأنه ~~يهوي بيديه إلى خلفه. ولأن هذا معنى يحصل به الفرق بين الأذان والإقامة، ~~فاستحب، كالإفراد، ولأن، الأذان إعلام الغائبين، والتثبيت فيه أبلغ في ~~الإعلام، والإقامة إعلام الحاضرين، فلا حاجة إلى التثبت فيها. # PageV01P295 # (558) فصل: ذكر أبو عبد الله بن بطة، أنه حال ترسله ودرجه، لا يصل الكلام ~~بعضه ببعض معربا، بل جزما. وحكاه عن ابن الأنباري، عن أهل اللغة. قال: وروي ~~عن إبراهيم النخعي قال: شيئان مجزومان كانوا لا يعربونهما؛ الأذان، ~~والإقامة، قال: وهذه إشارة إلى جماعتهم. ### | [مسألة التثويب بين الأذان والإقامة] # (559) مسألة: قال: (ويقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم. مرتين) ~~وجملته أنه يسن أن يقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم. مرتين، بعد ~~قوله: حي على الفلاح. ويسمى التثويب. وبذلك قال ابن عمر، والحسن البصري، ~~وابن سيرين والزهري، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، ~~والشافعي في الصحيح عنه. وقال أبو حنيفة: التثويب بين الأذان والإقامة في ~~الفجر، أن يقول: حي على الصلاة، مرتين. حي على الفلاح. # مرتين. ولنا، ما روى النسائي، بإسناده عن أبي محذورة، قال «قلت: يا رسول ~~الله، علمني سنة الأذان، فذكره، إلى أن قال بعد قوله حي على الفلاح: فإن ~~كان في صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، مرتين، الله أكبر الله أكبر، ~~لا إله إلا الله» . وما ذكروه، فقال إسحاق: هذا شيء أحدثه الناس. # وقال أبو عيسى: هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم. وهو الذي خرج منه ابن ~~عمر من المسجد لما سمعه. ### | [فصل التثويب في غير ms0351 الفجر] # (560) فصل: ويكره التثويب في غير الفجر، سواء ثوب في الأذان أو بعده؛ لما ~~روي عن بلال، أنه قال: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أثوب في ~~الفجر، ونهاني أن أثوب في العشاء.» رواه ابن ماجه. ودخل ابن عمر مسجدا يصلي ~~فيه، فسمع رجلا يثوب في أذان الظهر، فخرج، فقيل له: أين؟ فقال: أخرجتني ~~البدعة. ولأن صلاة الفجر وقت ينام فيه عامة الناس، ويقومون إلى الصلاة عن ~~نوم، فاختصت بالتثويب، لاختصاصها بالحاجة إليه. ### | [فصل الخروج من المسجد بعد الأذان] # (561) فصل: ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر. قال الترمذي: ~~وعلى هذا العمل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم، أن لا ~~يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر. قال أبو الشعثاء: كنا قعودا مع ~~أبي هريرة في المسجد، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو ~~هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ~~- صلى الله عليه وسلم -. رواه أبو داود، والترمذي، # PageV01P296 # وقال: حديث حسن صحيح. وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج، لم يخرج ~~لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو منافق» . رواه ابن ماجه. # فأما الخروج لعذر فمباح؛ بدليل أن ابن عمر خرج من أجل التثويب في غير ~~حينه. وكذلك من نوى الرجعة؛ لحديث عثمان - رضي الله عنه -. ### | [مسألة الأذان قبل الوقت في غير الفجر] # (562) مسألة: قال: (ومن أذن لغير الفجر قبل دخول الوقت، أعاد إذا دخل ~~الوقت) . # (563) فصل: الكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما في أن الأذان قبل ~~الوقت في غير الفجر لا يجزئ. وهذا لا نعلم فيه خلافا، قال ابن المنذر: أجمع ~~أهل العلم على أن من السنة أن يؤذن للصلوات بعد دخول وقتها، إلا الفجر. ~~ولأن الأذان شرع للإعلام بالوقت، فلا يشرع قبل الوقت، لئلا يذهب مقصوده. ### | [فصل الأذان للفجر قبل وقتها] # (564) فصل: الفصل ms0352 الثاني، أنه يشرع الأذان للفجر قبل وقتها. وهو قول ~~مالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق. ومنعه الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن ~~الحسن؛ لما روى ابن عمر، «أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام» وعن ~~بلال «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: لا تؤذن حتى يستبين لك ~~الفجر هكذا ومد يديه عرضا» . رواهما أبو داود. وقال طائفة من أهل الحديث: ~~إذا كان له مؤذنان، يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعده، فلا بأس؛ لأن ~~الأذان قبل الفجر يفوت المقصود من الإعلام بالوقت، فلم يجز، كبقية الصلوات، ~~إلا أن يكون له مؤذنان يحصل إعلام الوقت بأحدهما، كما كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا ~~واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» متفق عليه. وهذا يدل على دوام ذلك منه، ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - أقره عليه، ولم ينهه عنه، فثبت جوازه وروى ~~زياد بن الحارث الصدائي، قال «لما كان أول أذان الصبح أمرني النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ~~ناحية المشرق، ويقول: لا. حتى إذا طلع الفجر نزل، فبرز، ثم انصرف إلي وقد ~~تلاحق أصحابه، فتوضأ، فأراد بلال أن يقيم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم قال: فأقمت» . رواه أبو داود ~~والترمذي: وهذا قد أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأذان قبل طلوع ~~الفجر، وهو حجة على من قال: إنما يجوز إذا كان له مؤذنان، فإن زيادا أذن ~~وحده. وحديث ابن عمر الذي احتجوا به، قال أبو داود: لم يروه إلا حماد بن ~~سلمة، ورواه حماد بن زيد، # PageV01P297 # والدراوردي، فخالفاه، وقالا: مؤذن لعمر. وهذا أصح. وقال علي بن المديني: ~~أخطأ فيه، يعني حمادا، وقال الترمذي: هو غير محفوظ. وحديثهم الآخر، قال ابن ~~عبد البر: لا يقوم به ms0353 ولا بمثله حجة؛ لضعفه وانقطاعه. # وإنما اختص الفجر بذلك؛ لأنه وقت النوم، لينتبه الناس، ويتأهبوا للخروج ~~إلى الصلاة، وليس ذلك في غيرها، وقد روينا في حديث، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إن بلالا يؤذن بليل؛ لينتبه نائمكم، ويرجع قائمكم» . ~~رواه أبو داود. # ولا ينبغي أن يتقدم ذلك على الوقت كثيرا، إذا كان المعنى فيه ما ذكرناه، ~~فيفوت المقصود منه. وقد روي «أن بلالا كان بين أذانه وأذان ابن أم مكتوم أن ~~ينزل هذا ويصعد هذا» . ويستحب أيضا أن لا يؤذن قبل الفجر، إلا أن يكون معه ~~مؤذن آخر يؤذن إذا أصبح. كفعل بلال وابن أم مكتوم؛ اقتداء برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولأنه إذا لم يكن كذلك لم يحصل الإعلام بالوقت المقصود ~~بالأذان، فإذا كانا مؤذنين حصل الإعلام بالوقت بالثاني، وبقربه بالمؤذن ~~الأول. ### | [فصل لا يؤذن في الوقت تارة وقبله أخرى] # فصل: وينبغي لمن يؤذن قبل الوقت أن يجعل أذانه في وقت واحد في الليالي ~~كلها؛ ليعلم الناس ذلك من عادته، فيعرفوا الوقت بأذانه، ولا يؤذن في الوقت ~~تارة وقبله أخرى، فيلتبس على الناس ويغتروا بأذانه، فربما صلى بعض من سمعه ~~الصبح بناء على أذانه قبل وقتها، وربما، امتنع المتسحر من سحوره، والمتنفل ~~من صلاته، بناء على أذانه ومن علم لا يستفيد بأذانه فائدة؛ لتردده بين ~~الاحتمالين. ولا يقدم الأذان كثيرا تارة ويؤخره أخرى، فلا يعلم الوقت ~~بأذانه، فتقل فائدته. ### | [فصل الأذان للفجر بعد نصف الليل] # (566) فصل: قال بعض أصحابنا: ويجوز الأذان للفجر بعد نصف الليل. وهذا ~~مذهب الشافعي؛ لأن بذلك يخرج وقت العشاء المختار، ويدخل وقت الدفع من ~~مزدلفة؛ ووقت رمي الجمرة، وطواف الزيارة، وقد روى الأثرم، عن جابر، قال: ~~كان مؤذن مسجد دمشق يؤذن لصلاة الصبح في السحر بقدر ما يسير الراكب ستة ~~أميال، فلا ينكر ذلك مكحول، ولا يقول فيه شيئا. ### | [فصل الأذان قبل الفجر في شهر رمضان] # (567) فصل: ويكره الأذان قبل الفجر في شهر رمضان. نص عليه أحمد، في رواية ~~الجماعة، لئلا يغتر ms0354 الناس به فيتركوا سحورهم. ويحتمل أن لا يكره في حق من ~~عرف عادته بالأذان في الليل؛ لأن بلالا كان يفعل ذلك، بدليل قوله - عليه ~~السلام -: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن # PageV01P298 # أم مكتوم» . وقال - عليه السلام -: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، فإنه ~~يؤذن بليل، لينتبه نائمكم ويرجع قائمكم» . ### | [فصل يستحب أن يؤذن في أول الوقت] # (568) فصل: ويستحب أن يؤذن في أول الوقت، ليعلم الناس، فيأخذوا أهبتهم ~~للصلاة. وروى جابر بن سمرة قال: كان بلال لا يؤخر الأذان عن الوقت، وربما ~~أخر الإقامة شيئا. رواه ابن ماجه. وفي رواية قال: «كان بلال يؤذن إذا مالت ~~الشمس، لا يؤخر، ثم لا يقيم حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا ~~خرج أقام حين يراه» . رواه أحمد، في " المسند ". # ويستحب أن يفصل بين الأذان والإقامة، بقدر الوضوء وصلاة ركعتين، يتهيئون ~~فيها، وفي المغرب يفصل بجلسة خفيفة. وحكي عن أبي حنيفة والشافعي، أنه لا ~~يسن في المغرب. ولنا، ما روى الإمام أحمد، في " مسنده " بإسناده، عن أبي بن ~~كعب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا بلال، اجعل بين أذانك ~~وإقامتك نفسا، يفرغ الآكل من طعامه في مهل، ويقضي حاجته في مهل» . # وعن جابر بن عبد الله، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال: ~~اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، ~~والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته» رواه أبو داود والترمذي وروى تمام في " ~~فوائده "، بإسناده عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«جلوس المؤذن بين الأذان والإقامة في المغرب سنة» . قال إسحاق بن منصور: ~~رأيت أحمد خرج عند المغرب، فحين انتهى إلى موضع الصف أخذ المؤذن في ~~الإقامة، فجلس. وروى الخلال، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - جاء وبلال في الإقامة، فقعد» وقال أحمد: يقعد الرجل ~~مقدار ركعتين إذا أذن المغرب. # قيل من أين؟ قال: من حديث أنس وغيره: ms0355 كان أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا أذن المؤذن ابتدروا السواري وصلوا ركعتين ولأن الأذان مشرع ~~للإعلام، فيسن الانتظار ليدرك الناس الصلاة ويتهيئوا لها، دليله سائر ~~الصلوات. ### | [مسألة للمؤذن أن يكون متطهرا من الحدث الأصغر والجنابة] # مسألة: قال (ولا يستحب أبو عبد الله أن يؤذن إلا طاهرا، فإن أذن جنبا ~~أعاد) المستحب للمؤذن أن يكون متطهرا من الحدث الأصغر والجنابة جميعا؛ لما ~~روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يؤذن إلا متوضئ» ~~رواه الترمذي وروي موقوفا، على أبي هريرة، وهو # PageV01P299 # أصح من المرفوع. فإن أذن محدثا جاز، لأنه لا يزيد على قراءة القرآن، ~~والطهارة غير مشروطة له. وإن أذن جنبا، فعلى روايتين: إحداهما، لا يعتد به. ~~وهو قول إسحاق. والأخرى، يعتد به. # قال أبو الحسن الآمدي: هو المنصوص عن أحمد، وقول أكثر أهل العلم؛ لأنه ~~أحد الحدثين، فلم يمنع صحته كالآخر. ووجه الأولى ما روي عن وائل بن حجر، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «حق وسنة أن لا يؤذن أحد إلا وهو طاهر» ~~، ولأنه ذكر مشروع للصلاة، فأشبه القرآن والخطبة. ### | [فصل ممن يصح الأذان] # (570) فصل: ولا يصح الأذان إلا من مسلم عاقل ذكر، فأما الكافر والمجنون، ~~فلا يصح منهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادات. ولا يعتد بأذان المرأة؛ لأنها ~~ليست ممن يشرع له الأذان، فأشبهت المجنون، ولا الخنثى؛ لأنه لا يعلم كونه ~~رجلا. وهذا كله مذهب الشافعي. ولا نعلم فيه خلافا. # وهل يشترط العدالة والبلوغ للاعتداد به؟ على روايتين في الصبي، ووجهين في ~~الفاسق: إحداهما: يشترط ذلك، ولا يعتد بأذان صبي ولا فاسق؛ لأنه مشروع ~~للإعلام، ولا يحصل الإعلام بقولهما، لأنهما ممن لا يقبل خبره ولا روايته. ~~ولأنه قد روي: «ليؤذن لكم خياركم» . # والثانية: يعتد بأذانه. وهو قول عطاء والشعبي، وابن أبي ليلى، والشافعي. ~~وروى ابن المنذر، بإسناده عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس قال: كان عمومتي ~~يأمرونني أن أؤذن لهم وأنا غلام، ولم أحتلم وأنس بن مالك شاهد لم ms0356 ينكر ذلك. ~~وهذا مما يظهر ولا يخفى، ولم ينكر، فيكون إجماعا، ولأنه ذكر تصح صلاته، ~~فاعتد بأذانه، كالعدل البالغ. ولا خلاف في الاعتداد بأذان من هو مستور ~~الحال، وإنما الخلاف فيمن هو ظاهر الفسق ويستحب أن يكون المؤذن عدلا أمينا ~~بالغا لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة والصيام، فلا يؤمن أن يغرهم بأذانه ~~إذا لم يكن كذلك، ولأنه يؤذن على موضع عال، فلا يؤمن منه النظر إلى ~~العورات. # وفي الأذان الملحن وجهان: أحدهما: يصح؛ لأن المقصود يحصل منه، فهو كغير ~~الملحن. والآخر، لا يصح؛ لما روى الدارقطني، بإسناده عن ابن عباس قال «كان ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤذن يطرب، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: إن الأذان سهل سمح، فإن كان أذانك سهلا سمحا، وإلا فلا تؤذن» . # PageV01P300 ### | [فصل أذان الأعمى] # (571) فصل: ويستحب أن يكون المؤذن بصيرا؛ لأن الأعمى لا يعرف الوقت، ~~فربما غلط، فإن أذن الأعمى صح أذانه فإن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال ابن عمرو: كان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له " ~~أصبحت أصبحت " رواه البخاري. ويستحب أن يكون معه بصير يعرفه الوقت، أو يؤذن ~~بعد مؤذن بصير، كما كان ابن أم مكتوم يؤذن بعد أذان بلال ويستحب أن يكون ~~عالما بالأوقات؛ ليتحراها، فيؤذن في أولها، وإذا لم يكن عالما فربما غلط ~~وأخطأ. فإن أذن الجاهل صح أذانه، فإنه إذا صح أذان الأعمى فالجاهل أولى. # ويستحب أن يكون صيتا، يسمع الناس «واختار النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أبا محذورة للأذان» لكونه صيتا، وفي حديث عبد الله بن زيد، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال له: ألقه على بلال؛ فإنه أندى صوتا منك» ويستحب أن ~~يكون حسن الصوت؛ لأنه أرق لسامعه. ### | [فصل أخذ الأجرة على الأذان] # (572) فصل: ولا يجوز أخذ الأجرة على الأذان في ظاهر المذهب وكرهه القاسم ~~بن عبد الرحمن، والأوزاعي، وأصحاب الرأي وابن المنذر؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «قال لعثمان بن أبي العاص: واتخذ مؤذنا لا ms0357 يأخذ على أذانه ~~أجرا» . رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن. ولأنه قربة ~~لفاعله، لا يصح إلا من مسلم، فلم يستأجره عليه كالإمامة. وحكي عن أحمد ~~رواية أخرى: أنه يجوز أخذ الأجرة عليه. ورخص فيه مالك، وبعض الشافعية؛ لأنه ~~عمل معلوم، يجوز أخذ الرزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه، كسائر الأعمال، ولا ~~نعلم خلافا في جواز أخذ الرزق عليه. # وهذا قول الأوزاعي والشافعي؛ لأن بالمسلمين حاجة إليه، وقد لا يوجد متطوع ~~به، وإذا لم يدفع الرزق فيه يعطل، ويرزقه الإمام من الفيء؛ لأنه المعد ~~للمصالح، فهو كأرزاق القضاة والغزاة، وإن وجد متطوع به لم يرزق غيره؛ لعدم ~~الحاجة إليه. ### | [فصل يتولى الإقامة من تولى الأذان] # (573) فصل: وينبغي أن يتولى الإقامة من تولى الأذان، وبهذا قال الشافعي، ~~وقال أبو حنيفة ومالك: لا فرق # PageV01P301 # بينه وبين غيره؛ لما روى أبو داود، في حديث عبد الله بن زيد «أنه رأى ~~الأذان في المنام، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال: ألقه ~~على بلال فألقاه عليه، فأذن بلال، فقال عبد الله: أنا رأيته، وأنا كنت ~~أريده. قال: أقم أنت» . ولأنه يحصل المقصود منه. # فأشبه ما لو تولاهما معا ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ~~زياد بن الحارث الصدائي «إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم» . ولأنهما ~~فعلان من الذكر، يتقدمان الصلاة، فيسن أن يتولاهما واحد، كالخطبتين، وما ~~ذكروه يدل على الجواز، وهذا على الاستحباب، فإن سبق المؤذن بالأذان، فأراد ~~المؤذن أن يقيم، فقال أحمد: لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة، كما روى ~~عبد العزيز بن رفيع، قال: رأيت رجلا أذن قبل أبي محذورة قال: فجاء أبو ~~محذورة فأذن، ثم أقام. أخرجه الأثرم. فإن أقام من غير إعادة فلا بأس، وبذلك ~~قال مالك، والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي؛ لما ذكروه من حديث عبد الله بن ~~زيد. ### | [فصل يستحب أن يقيم في موضع أذانه] # (574) فصل: ويستحب أن يقيم في موضع أذانه. قال أحمد: أحب إلي أن يقيم في ms0358 ~~مكانه، ولم يبلغني فيه شيء إلا حديث بلال: " لا تسبقني بآمين " يعني لو كان ~~يقيم في موضع صلاته، لما خاف أن يسبقه بالتأمين؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما كان يكبر بعد فراغه من الإقامة، ولأن الإقامة شرعت للإعلام، ~~فشرعت في موضعه، ليكون أبلغ في الإعلام، وقد دل على هذا حديث عبد الله بن ~~عمر، قال: كنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة. إلا أن يؤذن ~~في المنارة أو مكان بعيد من المسجد، فيقيم في غير موضعه، لئلا يفوته بعض ~~الصلاة. ### | [فصل المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة] # (575) فصل: ولا يقيم حتى يأذن له الإمام، فإن بلالا كان يستأذن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وفي حديث زياد بن الحارث الصدائي، أنه قال: فجعلت ~~أقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - أقيم أقيم؟ . وروى أبو حفص، بإسناده عن ~~علي قال: المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة. ### | [مسألة حكم ترك الأذان] # مسألة: قال: (ومن صلى بلا أذان ولا إقامة، كرهنا له ذلك، ولا يعيد) يكره ~~ترك الأذان للصلوات الخمس، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت صلواته ~~بأذان وإقامة، والأئمة بعده، وأمر به، قال مالك بن الحويرث: «أتيت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنا ورجل نودعه، فقال: إذا حضرت الصلاة فليؤذن ~~أحدكما، وليؤمكما أكبركما» متفق عليه وظاهر كلام الخرقي: أن الأذان سنة ~~مؤكدة، وليس بواجب؛ لأنه جعل تركه مكروها. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ~~لأنه دعاء إلى الصلاة، فأشبه قوله: الصلاة جامعة. وقال أبو بكر عبد العزيز: ~~هو من فروض الكفايات. # وهذا قول # PageV01P302 # أكثر أصحابنا، وقول بعض أصحاب مالك. وقال عطاء، ومجاهد، والأوزاعي: هو ~~فرض لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به مالكا وصاحبه، وداوم عليه هو ~~وخلفاؤه وأصحابه، والأمر يقتضي الوجوب، ومداومته على فعله دليل على وجوبه، ~~ولأنه من شعائر الإسلام الظاهرة، فكان فرضا كالجهاد فعلى قول أصحابنا؛ إذا ~~قام به من تحصل به الكفاية سقط عن الباقين؛ لأن بلالا كان يؤذن للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيكتفي ms0359 به. وإن صلى مصل بغير أذان ولا إقامة، فالصلاة ~~صحيحة على القولين؛ لما روي عن علقمة والأسود، أنهما قالا: دخلنا على عبد ~~الله فصلى بنا، بلا أذان ولا إقامة رواه الأثرم ولا أعلم أحدا خالف في ذلك ~~إلا عطاء، قال: ومن نسي الإقامة يعيد والأوزاعي قال مرة: يعيد ما دام في ~~الوقت، فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه. وهذا شذوذ، والصحيح قول الجمهور؛ لما ~~ذكرنا، ولأن الإقامة أحد الأذانين، فلم تفسد الصلاة بتركها، كالآخر. ### | [فصل النداء في مساجد الجماعة] # (577) فصل: ومن أوجب الأذان من أصحابنا فإنما أوجبه على أهل المصر. كذلك ~~قال القاضي: لا يجب على أهل غير المصر من المسافرين. وقال مالك: إنما يجب ~~النداء في مساجد الجماعة التي يجمع فيها للصلاة؛ وذلك لأن الأذان إنما شرع ~~في الأصل للإعلام بالوقت، ليجتمع الناس إلى الصلاة، ويدركوا الجماعة، ويكفي ~~في المصر أذان واحد، إذا كان بحيث يسمعهم. وقال ابن عقيل: يكفي أذان واحد ~~في المحلة، ويجتزئ بقيتهم بالإقامة. وقال أحمد، في الذي يصلي في بيته: ~~يجزئه أذان المصر. وهو قول الأسود، وأبي مجلز، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، ~~وعكرمة، وأصحاب الرأي. وقال ميمون بن مهران، والأوزاعي، ومالك: تكفيه ~~الإقامة. # وقال الحسن، وابن سيرين: إن شاء أقام. ووجه ذلك أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال للذي علمه الصلاة: «إذا أردت الصلاة فأحسن الوضوء، ثم استقبل ~~القبلة فكبر» ولم يأمره بالأذان، وفي لفظ رواه النسائي: " فأقم، ثم كبر " ~~وحديث ابن مسعود. والأفضل لكل مصل أن يؤذن ويقيم إلا أنه إن كان يصلي قضاء ~~أو في غير وقت الأذان، لم يجهر به. وإن كان في الوقت، في بادية أو نحوها، ~~استحب له الجهر بالأذان؛ لقول أبي سعيد: «إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت ~~بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا ~~شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعت ذلك من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -.» وعن أنس، «أن رسول الله - صلى الله عليه ms0360 وسلم - كان ~~يغير إذا طلع الفجر، وكان إذا سمع أذانا أمسك، # PageV01P303 # وإلا أغار، فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على الفطرة. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا ~~إله إلا الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرجت من النار، ~~فنظروا فإذا صاحب معز» أخرجه مسلم. ### | [فصل من فاتته صلوات استحب له أن يؤذن للأولى ثم يقيم لكل صلاة إقامة] # فصل: ومن فاتته صلوات استحب له أن يؤذن للأولى، ثم يقيم لكل صلاة إقامة، ~~وإن لم يؤذن فلا بأس. قال الأثرم؛ سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل يقضي ~~صلاة، كيف يصنع في الأذان؟ فذكر حديث هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن ~~جبير، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه «أن المشركين شغلوا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، ~~قال: فأمر بلالا فأذن وأقام، وصلى الظهر، ثم أمره فأقام، فصلى العصر، ثم ~~أمره فأقام، فصلى المغرب، ثم أمره فأقام، فصلى العشاء» قال أبو عبد الله ~~وهشام الدستوائي لم يقل كما قال هشيم، جعلها إقامة إقامة. # قلت فكأنك تختار حديث هشيم؟ قال: نعم هو زيادة، أي شيء يضره؟ وهذا في ~~الجماعة. فإن كان يقضي وحده كان استحباب ذلك أدنى في حقه، لأن الأذان ~~والإقامة للإعلام، ولا حاجة إلى الإعلام هاهنا، وقد روي عن أحمد في رجل ~~فاتته صلوات فقضاها: ليؤذن، ويقم مرة واحدة، يصليها كلها. فسهل في ذلك، ~~ورآه حسنا. وقال الشافعي نحو ذلك؛ وله قولان آخران: أحدهما، أنه يقيم ولا ~~يؤذن. وهذا قول مالك؛ لما روى أبو سعيد قال؛ «حبسنا يوم الخندق عن الصلاة، ~~حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل، قال: فدعا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بلالا، فأمره فأقام الظهر، فصلاها، ثم أمره، فأقام العصر، فصلاها» . ~~ولأن الأذان للإعلام بالوقت، وقد فات. والقول الثالث: إن رجي اجتماع الناس ~~أذن، وإلا فلا؛ لأن ms0361 الأذان مشروع للإعلام، فلا يشرع إلا مع الحاجة. # وقال أبو حنيفة: يؤذن لكل صلاة ويقيم؛ لأن ما سن للصلاة في أدائها سن في ~~قضائها، كسائر المسنونات. ولنا، حديث ابن مسعود، رواه الأثرم، والنسائي ~~وغيرهما، وهو متضمن للزيادة، والزيادة من الثقة مقبولة. وعن أبي قتادة، ~~«أنهم كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فناموا حتى طلعت الشمس، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا بلال، قم فأذن الناس بالصلاة» . متفق ~~عليه، ورواه عمران بن حصين أيضا. قال: «فأمر بلالا فأذن، فصلينا ركعتين، ثم ~~أمره فأقام فصلينا» . متفق عليه. ولنا على أبي حنيفة حديث ابن مسعود وأبي ~~سعيد، ولأن الثانية من الفوائت صلاة وقد أذن لما قبلها، فأشبهت الثانية من ~~المجموعتين، وقياسهم منتقض بهذا. # PageV01P304 ### | [فصل حكم الأذان عند الجمع بين صلاتين] # (579) فصل: فإن جمع بين صلاتين في وقت أولاهما، استحب أن يؤذن للأولى ~~ويقيم، ثم يقيم للثانية. وإن جمع بينهما في وقت الثانية فهما كالفائتتين، ~~لا يتأكد الأذان لهما؛ لأن الأولى منهما تصلى في غير وقتها، والثانية ~~مسبوقة بصلاة قبلها. وإن جمع بينهما بإقامة واحدة فلا بأس. وقال أبو حنيفة ~~في المجموعتين: لا يقيم للثانية؛ لأن «ابن عمر روى أنه صلى مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - المغرب والعشاء بمزدلفة بإقامة واحدة. صحيح» . # وقال مالك: يؤذن للأولى والثانية ويقيم؛ لأن الثانية منهما صلاة يشرع لها ~~الأذان، وهي مفعولة في وقتها، فيؤذن لها كالأولى. ولنا على الجمع في وقت ~~الأولى، ما روى جابر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر ~~والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة، بأذان وإقامتين» . رواه مسلم. ~~ولأن الأولى منهما في وقتها، فيشرع لها الأذان كما لو لم يجمعهما. # وأما إذا كان الجمع في وقت الثانية، فقد روى ابن عمر «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - جمع بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة.» ~~رواه البخاري. وإن جمع بينهما بإقامة، فلا بأس؛ لحديث آخر، ولأن الأولى ~~مفعولة في غير وقتها، فأشبهت الفائتة، والثانية منهما مسبوقة بصلاة، ms0362 فلا ~~يشرع لها الأذان، كالثانية من الفوائت، وما ذهب إليه مالك يخالف الخبر ~~الصحيح، وقد رواه في " موطئه " وذهب إلى ما سواه. ### | [فصل الأذان في السفر] # (580) فصل: ويشرع الأذان في السفر للراعي وأشباهه، في قول أكثر أهل ~~العلم، وكان ابن عمر يقيم لكل صلاة إقامة، إلا الصبح، فإنه يؤذن لها ويقيم، ~~وكان يقول: إنما الأذان على الأمير، والإقامة على الذي يجمع الناس، وعنه، ~~أنه كان لا يقيم في أرض تقام فيها الصلاة وعن علي أنه قال: إن شاء أذن ~~وأقام، وإن شاء أقام وبه قال عروة، والثوري. وقال الحسن، وابن سيرين: تجزئه ~~الإقامة. # وقال إبراهيم في المسافرين: إذا كانوا رفاقا أذنوا وأقاموا، وإذا كان ~~وحده أقام للصلاة ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤذن له في ~~الحضر والسفر، وقد ذكرنا ذلك في حديث أبي قتادة، وعمران، وزياد بن الحارث، ~~وأمر به مالك بن الحويرث وصاحبه، وما نقل عن السلف في هذا فالظاهر أنهم ~~أرادوا الواحد وحده، وقد بينه إبراهيم النخعي في كلامه، والأذان مع ذلك ~~أفضل؛ لما ذكرنا من حديث أبي سعيد، وحديث أنس، وروى عقبة بن عامر قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يعجب ربك من راعي غنم في رأس ~~الشظية للجبل، يؤذن للصلاة، ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا # PageV01P305 # إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته ~~الجنة» . رواه النسائي. # وقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجل بأرض في (1) فأقام الصلاة، صلى خلفه ~~ملكان، فإن أذن وأقام صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى قطراه (2) يركعون ~~بركوعه، ويسجدون بسجوده، ويؤمنون على دعائه. وكذلك قال سعيد بن المسيب، إلا ~~أنه قال: صلى خلفه من الملائكة أمثال الجبال. ### | [فصل من دخل مسجدا قد صلي فيه] # (581) فصل: ومن دخل مسجدا قد صلي فيه، فإن شاء أذن وأقام. نص عليه أحمد؛ ~~لما روى الأثرم، وسعيد بن منصور، عن أنس، أنه دخل مسجدا قد صلوا فيه، فأمر ~~رجلا فأذن وأقام، فصلى بهم في جماعة. وإن ms0363 شاء صلى من غير أذان ولا إقامة؛ ~~فإن عروة قال: إذا انتهيت إلى مسجد قد صلى فيه ناس أذنوا وأقاموا، فإن ~~أذانهم وإقامتهم تجزئ عمن جاء بعدهم. وهذا قول الحسن، والشعبي، والنخعي، ~~إلا أن الحسن، قال: كان أحب إليهم أن يقيم. وإذا أذن فالمستحب أن يخفي ذلك ~~ولا يجهر به؛ ليغر الناس بالأذان في غير محله. ### | [فصل ليس على النساء أذان ولا إقامة] # (582) فصل: وليس على النساء أذان ولا إقامة، وكذلك قال ابن عمر، وأنس، ~~وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. ولا أعلم فيه خلافا. وهل يسن لهن ذلك؟ فقد روي عن أحمد قال: ~~إن فعلن فلا بأس، وإن لم يفعلن فجائز. وقال القاضي: هل يستحب لها الإقامة؟ ~~على روايتين. وعن جابر: أنها تقيم. وبه قال عطاء، ومجاهد، والأوزاعي. # وقال الشافعي إن أذن وأقمن فلا بأس. وعن عائشة، أنها كانت تؤذن وتقيم. ~~وبه قال إسحاق. وقد روي عن أم ورقة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن ~~لها أن يؤذن لها ويقام، وتؤم نساء أهل دارها» . وقيل: إن هذا الحديث يرويه ~~الوليد بن جميع، وهو ضعيف وروى النجاد، بإسناده عن أسماء بنت يزيد، قالت: ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليس على النساء أذان ولا ~~إقامة» . ولأن الأذان في الأصل للإعلام، ولا يشرع لها ذلك، والأذان يشرع له ~~رفع الصوت، ولا يشرع لها رفع الصوت، ومن لا يشرع في حقه الأذان لا يشرع في ~~حقه الإقامة، كغير المصلي، وكمن أدرك بعض الجماعة. # PageV01P306 ### | [مسألة يجعل أصابعه مضمومة على أذنيه في الأذان] # (583) مسألة: قال: (ويجعل أصابعه مضمومة على أذنيه) المشهور عن أحمد، أنه ~~يجعل إصبعيه في أذنيه، وعليه العمل عند أهل العلم، يستحبون أن يجعل المؤذن ~~إصبعيه في أذنيه، قال الترمذي؛ لما روى أبو جحيفة، «أن بلالا أذن ووضع ~~إصبعيه في أذنيه» متفق عليه. وعن سعد، مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- «، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا أن ms0364 يجعل إصبعيه في ~~أذنيه، وقال: إنه أرفع لصوتك» . وروى أبو طالب، عن أحمد أنه قال: أحب إلي ~~أن يجعل يديه على أذنيه، على حديث أبي محذورة. وضم أصابعه الأربع ووضعها ~~على أذنيه، وحكى أبو حفص، عن ابن بطة، قال: سألت أبا القاسم الخرقي عن صفة ~~ذلك؟ فأرانيه بيديه جميعا، فضم أصابعه على راحتيه، ووضعهما على أذنيه. # واحتج لذلك القاضي بما روى أبو حفص بإسناده عن ابن عمر، أنه كان إذا بعث ~~مؤذنا يقول له: اضمم أصابعك مع كفيك، واجعلها مضمومة على أذنيك. وبما روى ~~الإمام أحمد، عن أبي محذورة، أنه كان يضم أصابعه. والأول أصح؛ لصحة الحديث ~~وشهرته وعمل أهل العلم به، وأيهما فعل فحسن، وإن ترك الكل فلا بأس. ### | [فصل رفع الصوت بالأذان] # (584) فصل: ويستحب رفع الصوت بالأذان؛ ليكون أبلغ في إعلامه، وأعظم ~~لثوابه، كما ذكر في خبر أبي سعيد، ولا يجهد نفسه في رفع صوته زيادة على ~~طاقته؛ لئلا يضر بنفسه، وينقطع صوته: فإن أذن لعامة الناس جهر بجميع ~~الأذان، ولا يجهر ببعض، ويخافت ببعض؛ لئلا يفوت مقصود الأذان، وهو الإعلام. ~~وإن أذن لنفسه، أو لجماعة خاصة حاضرين، جاز أن يخافت ويجهر، وأن يخافت ببعض ~~ويجهر ببعض، إلا أن يكون في وقت الأذان. فلا يجهر بشيء منه؛ لئلا يغر الناس ~~بأذانه. ### | [فصل ينبغي أن يؤذن قائما] # (585) فصل: وينبغي أن يؤذن قائما، قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه ~~من أهل العلم، أن السنة أن يؤذن قائما. وفي حديث أبي قتادة الذي رويناه، ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال قم فأذن» . وكان مؤذنو رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يؤذنون قياما. وإن كان له عذر فلا بأس أن يؤذن ~~قاعدا قال الحسن العبدي: رأيت أبا زيد صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وكانت رجله أصيبت في سبيل الله، يؤذن قاعدا رواه الأثرم. # فإن أذن قاعدا لغير عذر فقد كرهه أهل العلم، ويصح؛ فإنه ليس بآكد من ~~الخطبة، وتصح من القاعد. قال الأثرم: وسمعت أبا عبد ms0365 الله يسأل عن الأذان ~~على الراحلة؟ فسهل # PageV01P307 # فيه، وقال: أمر الأذان عندي سهل. وروي عن ابن عمر، أنه كان يؤذن على ~~الراحلة، ثم ينزل فيقيم. وإذا أبيح التنفل على الراحلة، فالأذان أولى. ### | [فصل يستحب أن يؤذن على شيء مرتفع] # فصل: ويستحب أن يؤذن على شيء مرتفع؛ ليكون أبلغ لتأدية صوته، وقد روى أبو ~~داود، عن عروة بن الزبير عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول ~~بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر، فيجلس على البيت ~~ينظر إلى الفجر فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أستعينك وأستعديك على ~~قريش، أن يقيموا دينك. قالت: ثم يؤذن. وفي حديث بدء الأذان، فقال «رجل من ~~الأنصار: يا رسول الله، رأيت رجلا، كأن عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد ~~فأذن، ثم قعد قعدة، ثم قام فقال مثلها إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة» . ### | [فصل الكلام في أثناء الأذان] # (587) فصل: ولا يستحب أن يتكلم في أثناء الأذان وكرهه طائفة من أهل ~~العلم، قال الأوزاعي: لم نعلم أحدا يقتدي به فعل ذلك. ورخص فيه الحسن، ~~وعطاء، وقتادة، وسليمان بن صرد. فإن تكلم بكلام يسير جاز. وإن طال الكلام ~~بطل الأذان؛ لأنه يقطع الموالاة المشروطة في الأذان، فلا يعلم أنه أذان. ~~وكذلك لو سكت سكوتا طويلا، أو نام نوما طويلا، أو أغمي عليه، أو أصابه جنون ~~يقطع الموالاة، بطل أذانه. وإن كان الكلام يسيرا محرما كالسب ونحوه، فقال ~~بعض أصحابنا: فيه وجهان، أحدهما، لا يقطعه؛ لأنه لا يخل بالمقصود، فأشبه ~~المباح. والثاني؛ يقطعه؛ لأنه محرم فيه. وأما الإقامة فلا ينبغي أن يتكلم ~~فيها؛ لأنها يستحب حدرها، وأن لا يفرق بينهما. قال أبو داود: قلت لأحمد: ~~الرجل يتكلم في أذانه؟ فقال: نعم. فقلت له: يتكلم في الإقامة؟ فقال: لا. ### | [فصل ليس للرجل أن يبني على أذان غيره] # (588) فصل: وليس للرجل أن يبني على أذان غيره؛ لأنه عبادة بدنية، فلا يصح ~~من شخصين، كالصلاة. والردة تبطل الأذان إن وجدت في أثنائه، فإن وجدت ms0366 بعده، ~~فقال القاضي: قياس قوله في الطهارة أن تبطل أيضا، والصحيح أنها لا تبطل؛ ~~لأنها وجدت بعد فراغه، وانقضاء حكمه، بحيث لا يبطله شيء من مبطلاته، فأشبه ~~سائر العبادات إذا وجدت بعد فراغه منها، بخلاف الطهارة، فإنها تبطل ~~بمبطلاتها، فالأذان أشبه بالصلاة في هذا الحكم منه بالطهارة، والله تعالى ~~أعلم. # PageV01P308 ### | [فصل لا يصح الأذان إلا مرتبا] # (589) فصل: ولا يصح الأذان إلا مرتبا؛ لأن المقصود منه يختل بعدم ~~الترتيب، وهو الإعلام، فإنه إذا لم يكن مرتبا، لم يعلم أنه أذان، ولأنه شرع ~~في الأصل مرتبا، وعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا محذورة مرتبا. ### | [مسألة يدير المؤذن وجهه عن يمينه وعن يساره عند الحيعلتين] # (590) مسألة: قال (ويدير وجهه على يمينه إذا قال: حي على الصلاة، وعلى ~~يساره إذا قال: حي على الفلاح. ولا يزيل قدميه) المستحب أن يؤذن مستقبل ~~القبلة، لا نعلم فيه خلافا؛ فإن مؤذني النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا ~~يؤذنون مستقبلي القبلة. ويستحب أن يدير وجهه على يمينه، إذا قال " حي على ~~الصلاة " وعلى يساره، إذا قال " حي على الفلاح ". ولا يزيل قدميه عن القبلة ~~في التفاته؛ لما روى أبو جحيفة، قال: رأيت بلالا يؤذن، وأتتبع فاه هاهنا ~~وها هنا وأصبعاه في أذنيه. متفق عليه. وفي لفظ قال: «أتيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو في قبة حمراء من أدم، فخرج بلال فأذن، فلما بلغ حي ~~على الصلاة حي على الفلاح، التفت يمينا وشمالا، ولم يستدر» رواه أبو داود. # وظاهر كلام الخرقي، أنه لا يستدير، سواء كان على الأرض أو فوق المنارة، ~~وهو قول الشافعي، وذكر أصحابنا، عن أحمد، فيمن أذن في المنارة روايتين: ~~إحداهما، لا يدور للخبر، ولأنه يستدبر القبلة، فكره، كما لو كان على وجه ~~الأرض. والثانية، يدور في مجالها، لأنه لا يحصل الإعلام بدونه، وتحصيل ~~المقصود بالإخلال بأدب أولى من العكس، ولو أخل باستقبال القبلة أو مشى في ~~أذانه، لم يبطل، فإن الخطبة آكد من الأذان، ولا تبطل بهذا. # وسئل أحمد عن الرجل يؤذن ms0367 وهو يمشي؟ فقال: نعم، أمر الأذان عندي سهل. وسئل ~~عن المؤذن يمشي وهو يقيم قال: يعجبني أن يفرغ ثم يمشي. وقال في رواية حرب: ~~وفي المسافر أحب إلي أن يؤذن ووجهه إلى القبلة، وأرجو أن يجزئ. ### | [مسألة يستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول] # (591) مسألة: قال (ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول) لا أعلم ~~خلافا بين أهل العلم في استحباب ذلك، والأصل فيه ما روى أبو سعيد أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «فإذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول ~~المؤذن» . متفق عليه. ورواه جماعة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ منهم ~~أبو هريرة، وعمرو بن العاص وابنه، وأم حبيبة. # وقال غير الخرقي من أصحابنا: يستحب أن يقول عند الحيعلة: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله. نص عليه أحمد؛ لما روى الأثرم بإسناده عن أبي رافع، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «، أنه كان إذا سمع الأذان، قال مثل ما يقول المؤذن، ~~فإذا بلغ حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.» # " وروى حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، # PageV01P309 # عن جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قال المؤذن: الله ~~أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله ~~إلا الله. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمدا رسول الله. ~~قال: أشهد أن محمدا رسول الله. ثم قال: حي على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: ~~الله أكبر، الله أكبر. قال: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا ~~الله. قال: لا إله إلا الله. من قلبه، دخل الجنة» رواه مسلم وأبو داود. قال ~~أبو بكر الأثرم: هذا من الأحاديث الجياد - يعني هذا الحديث - وهذا أخص من ~~حديث أبي سعيد، فيقدم عليه، أو يجمع بينهما. # (592) فصل: ويستحب أن يقول ms0368 في الإقامة مثل ما يقول، ويقول عند كلمة ~~الإقامة: أقامها الله وأدامها؛ لما روى أبو داود، بإسناده عن بعض أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن بلالا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد ~~قامت الصلاة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أقامها الله وأدامها» . ~~وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان. ### | [فصل الدعاء بين الأذان والإقامة] # (593) فصل: روى سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: «من قال حين يسمع النداء: وأنا أشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، رضيت بالله ربا، وبالإسلام ~~دينا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا غفر له ذنبه» رواه مسلم. # وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قال حين يسمع ~~النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة ~~والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته. حلت له شفاعتي يوم القيامة» ~~رواه البخاري وعن أم سلمة قالت: «علمني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~أقول عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك، وأصوات دعائك، ~~فاغفر لي» . رواه أبو داود وروى أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة» . رواه أبو داود، أيضا ### | [فصل إذا سمع الأذان وهو في قراءة قطعها] # فصل: وإذا سمع الأذان، وهو في قراءة، قطعها، ليقول مثل ما يقول؛ لأنه ~~يفوت، والقراءة لا تفوت. وإن سمعه في الصلاة، لم يقل مثل قوله؛ لئلا يشتغل ~~عن الصلاة بما ليس منها، وقد روي: " إن في الصلاة لشغلا ". وإن قاله ما عدا ~~الحيعلة لم تبطل الصلاة؛ لأنه ذكر، وإن قال الدعاء إلى الصلاة فيها، بطلت؛ ~~لأنه خطاب آدمي. ### | [فصل إذا أذن فقال كلمة من الأذان قال مثلها سرا] # (595) فصل: وروي عن أحمد أنه كان إذا أذن، فقال كلمة من الأذان، قال ~~مثلها سرا فظاهر هذا أنه رأى ذلك # PageV01P310 # مستحبا، ليكون ما يظهره أذانا ms0369 ودعاء إلى الصلاة، وما يسره ذكرا لله ~~تعالى، فيكون بمنزلة من سمع الأذان. # (596) فصل: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يقوم حين يسمع ~~المؤذن مبادرا يركع؟ فقال: يستحب أن يكون ركوعه بعدما يفرغ المؤذن، أو يقرب ~~من الفراغ؛ لأنه يقال: إن الشيطان ينفر حين يسمع الأذان، فلا ينبغي أن ~~يبادر بالقيام. وإن دخل المسجد فسمع المؤذن استحب له انتظاره ليفرغ، ويقول ~~مثل ما يقول جمعا بين الفضيلتين. وإن لم يقل كقوله وافتتح الصلاة، فلا بأس. ~~نص عليه أحمد. ### | [فصل الزيادة على مؤذنين] # (597) فصل: ولا يستحب الزيادة على مؤذنين؛ لأن الذي حفظ عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه كان له مؤذنان، بلال، وابن أم مكتوم. إلا أن تدعو ~~الحاجة إلى الزيادة عليهما فيجوز، فقد روي عن عثمان، - رضي الله عنه - أنه ~~كان له أربعة مؤذنين. وإن دعت الحاجة إلى أكثر منه، كان مشروعا، وإذا كان ~~أكثر من واحد؛ وكان الواحد يسمع الناس، فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد لأن ~~مؤذني النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أحدهما يؤذن بعد الآخر. وإن كان ~~الإعلام لا يحصل بواحد، أذنوا على حسب ما يحتاج إليه؛ أما أن يؤذن كل واحد ~~في منارة أو ناحية، أو دفعة واحدة في موضع واحد: قال أحمد إن أذن عدة في ~~منارة فلا بأس، وإن خافوا من تأذين واحد بعد الآخر فوات أول الوقت، أذنوا ~~جميعا دفعة واحدة. ### | [فصل لا يؤذن قبل المؤذن الراتب] # (598) فصل: ولا يؤذن قبل المؤذن الراتب، إلا أن يتخلف ويخاف فوات وقت ~~التأذين فيؤذن غيره، كما روي عن زياد بن الحارث الصدائي، أنه أذن للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - حين غاب بلال وقد ذكرنا حديثه. وأذن رجل حين غاب أبو ~~محذورة قبله. فأما مع حضوره فلا يسبق بالأذان، فإن مؤذني النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يكن غيرهم يسبقهم بالأذان. ### | [فصل إذا تشاح نفسان في الأذان] # (599) فصل: وإذا تشاح نفسان في الأذان قدم أحدهما في الخصال المعتبرة في ~~التأذين، فيقدم من ms0370 كان أعلى صوتا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد ~~الله بن زيد: «ألقه على بلال فإنه أندى صوتا منك» . وقدم أبا محذورة لصوته. ~~وكذلك يقدم من كان أبلغ في معرفة الوقت، وأشد محافظة عليه، ومن يرتضيه ~~الجيران؛ لأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته ومن هو أعف عن النظر. فإن تساويا من ~~جميع الجهات أقرع بينهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو يعلم ~~الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن # PageV01P311 # يستهموا عليه، لاستهموا» . متفق عليه ولما تشاح الناس في الأذان يوم ~~القادسية أقرع بينهم سعد. ### | [فصل اللحن في الأذان] # فصل: ويكره اللحن في الأذان فإنه ربما غير المعنى. فإن من قال: أشهد أن ~~محمدا رسول الله، ونصب لام " رسول "، أخرجه عن كونه خبرا. ولا يمد لفظة، " ~~أكبر " لأنه يجعل فيها ألفا، فيصير جمع كبر، وهو الطبل. ولا تسقط الهاء من ~~اسم الله تعالى واسم الصلاة، ولا الحاء من الفلاح؛ لما روى أبو هريرة، قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يؤذن لكم من يدغم الهاء قلنا: ~~وكيف يقول؟ قال: يقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله» . ~~أخرجه الدارقطني في الأفراد. فأما إن كان ألثغ لثغة لا تتفاحش، جاز أذانه، ~~فقد روي أن بلالا كان يقول " أسهد " يجعل الشين سينا. وإن سلم من ذلك كان ~~أكمل وأحسن. ### | [فصل إذا أذن في الوقت كره له أن يخرج من المسجد] # (601) فصل: وإذا أذن في الوقت، كره له أن يخرج من المسجد، إلا أن يكون ~~لحاجة ثم يعود؛ لأنه ربما احتيج إلى إقامة الصلاة فلا يوجد. وإن أذن قبل ~~الوقت للفجر، فلا بأس بذهابه؛ لأنه لا يحتاج إلى حضوره. قال أحمد، في الرجل ~~يؤذن في الليل، وهو على غير وضوء، فيدخل المنزل، ويدع المسجد: أرجو أن يكون ~~موسعا عليه، ولكن إذا أذن وهو متوضئ في وقت الصلاة، فلا أرى له أن يخرج من ~~المسجد حتى يصلي، إلا أن تكون له الحاجة. # (602) فصل: ms0371 وإن أذن المؤذن في بيته، وكان قريبا من المسجد، فلا بأس، وإن ~~كان بعيدا فلا؛ لأن القريب أذانه من عند المسجد، فيأتيه السامعون للأذان، ~~والبعيد ربما سمعه من لا يعرف المسجد، فيغتر به ويقصده، فيضيع عن المسجد، ~~وقد روي في الذي يؤذن في بيته، وبينه وبين المسجد طريق يسمع الناس: أرجو أن ~~لا يكون به بأس. وقال، في رواية إبراهيم الحربي، فيمن يؤذن في بيته على ~~سطح: معاذ الله، ما سمعنا أن أحدا يفعل هذا. فالأول المراد به القريب، ~~ولهذا كان بلال يؤذن على سطح امرأة من قريش، لما كان قريبا من المسجد ~~عاليا. والثاني محمول على البعيد؛ لما ذكرناه. ### | [فصل إذا أذن المؤذن وأقام] # (603) فصل: إذا أذن المؤذن، وأقام، لم يستحب لسائر الناس أن يؤذن كل ~~إنسان منهم في نفسه ويقيم، بعد فراغ المؤذن، ولكن يقول مثل ما يقول المؤذن؛ ~~لأن السنة إنما وردت بهذا. والله أعلم. # PageV01P312 ### | [باب استقبال القبلة] # استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة إلا في الحالتين اللتين ذكرهما الخرقي، ~~- رحمه الله -. والأصل في ذلك قول الله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره} [البقرة: 144] . يعني نحوه، كما أنشدوا # ألا من مبلغ عنا رسولا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو # أي نحو عمرو. وتقول العرب: هؤلاء القوم يشاطروننا. إذا كانت بيوتهم تقابل ~~بيوتهم. # وقال علي، - رضي الله عنه -: شطره قبله وروي عن البراء قال «قدم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم إنه وجه ~~إلى الكعبة فمر رجل، وكان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على قوم من ~~الأنصار، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد وجه إلى الكعبة. ~~فانحرفوا إلى الكعبة» . أخرجه النسائي. ### | [مسألة إذا اشتد الخوف وهو مطلوب ابتدأ الصلاة إلى القبلة] # (604) مسألة: قال أبو القاسم (وإذا اشتد الخوف وهو مطلوب، ابتدأ الصلاة ~~إلى القبلة، وصلى إلى غيرها راجلا وراكبا، يومئ إيماء على قدر الطاقة، ~~ويجعل سجوده أخفض من ركوعه) وجملة ذلك أنه إذا اشتد الخوف، ms0372 بحيث لا يتمكن ~~من الصلاة إلى القبلة، أو احتاج إلى المشي، أو عجز عن بعض أركان الصلاة؛ ~~إما لهرب مباح من عدو، أو سيل، أو سبع، أو حريق، أو نحو ذلك، مما لا يمكنه ~~التخلص منه إلا بالهرب، أو المسابقة، أو التحام الحرب، والحاجة إلى الكر ~~والفر والطعن والضرب والمطاردة، فله أن يصلي على حسب حاله، راجلا وراكبا ~~إلى القبلة - إن أمكن -، أو إلى غيرها إن لم يمكن. # وإذا عجز عن الركوع والسجود، أومأ بهما، وينحني إلى السجود أكثر من ~~الركوع على قدر طاقته، وإن عجز عن الإيماء، سقط، وإن عجز عن القيام أو ~~القعود أو غيرهما، سقط، وإن احتاج إلى الطعن والضرب والكر والفر، فعل ذلك. ~~ولا يؤخر الصلاة عن وقتها؛ لقول الله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} ~~[البقرة: 239] . وروى مالك، عن نافع، عن «ابن عمر، قال: فإن كان خوفا هو ~~أشد من ذلك صلوا رجالا، قياما على أقدامهم، أو ركبانا، مستقبلي القبلة وغير ~~مستقبليها» . قال نافع: لا أرى ابن عمر حدثه إلا عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وإذا أمكن افتتاح الصلاة إلى القبلة، فهل يجب ذلك؟ قال أبو بكر: فيه ~~روايتان: إحداهما، لا يجب؛ لأنه جزء من أجزاء الصلاة، فلم يجب الاستقبال ~~فيه، كبقية أجزائها. قال: وبه أقول # والثانية، يجب؛ لما روى أنس بن مالك «، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان إذا كان في السفر، فأراد أن يصلي على راحلته، استقبل القبلة، ثم ~~كبر، ثم صلى حيث توجهت به» . رواه الدارقطني. ولأنه # PageV01P313 # أمكنه ابتداء الصلاة مستقبلا فلم يجز بدونه، كما لو أمكنه ذلك في ركعة ~~كاملة. وتمام شرح هذه الصلاة نذكره في باب صلاة الخوف، إن شاء الله. ### | [مسألة استقبال القبلة في صلاة الخوف] # (605) مسألة: قال (وسواء كان مطلوبا أو طالبا يخشى فوات العدو، وعن أبي ~~عبد الله، رحمه الله رواية أخرى: أنه إن كان طالبا، فلا يجزئه أن يصلي إلا ~~صلاة آمن) اختلفت الرواية عن أبي عبد الله رحمه الله، في طالب ms0373 العدو الذي ~~يخاف فواته، فروي أنه يصلي على حسب حاله، كالمطلوب سواء، روي ذلك عن شرحبيل ~~بن حسنة. وهو قول الأوزاعي. وعن أحمد أنه لا يصلي إلا صلاة آمن. وهو قول ~~أكثر أهل العلم؛ لأن الله تعالى قال: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} [البقرة: ~~239] . فشرط الخوف، وهذا غير خائف. ولأنه آمن فلزمته صلاة الآمن، كما لو لم ~~يخش فوتهم. وهذا الخلاف فيمن يأمن رجوعهم عليه إن تشاغل بالصلاة، ويأمن على ~~أصحابه، فأما الخائف من ذلك فحكمه حكم المطلوب. # ولنا ما روى أبو داود، في " سننه " بإسناده، عن عبد الله بن أنيس، قال: ~~«بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان ~~نحو عرنة أو عرفات، قال: اذهب فاقتله. فرأيته، وحضرت صلاة العصر، فقلت: إني ~~لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي، وأنا أصلي أومئ ~~إيماء نحوه، فلما دنوت منه، قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب، بلغني أنك ~~تجمع لهذا الرجل، فجئتك لذلك، قال: إني لعلى ذلك. فمشيت معه ساعة، حتى إذا ~~أمكنني علوته بسيفي حتى برد» . # وظاهر حاله أنه أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - أو كان قد علم ~~جواز ذلك من قبله، فإنه لا يظن به أنه يفعل مثل ذلك مخطئا، وهو رسول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ثم لا يخبره به، ولا يسأله عن حكمه. وروى ~~الأوزاعي عن سابق البربري، عن كتاب الحسن: أن الطالب ينزل فيصلي بالأرض. ~~فقال الأوزاعي: وجدنا الأمر على غير ذلك، قال شرحبيل بن حسنة: لا تصلوا ~~الصبح إلا على ظهر. فنزل الأشتر فصلى على الأرض، فمر به شرحبيل، فقال؛ ~~مخالف، خالف الله به. قال: فخرج الأشتر في الفتنة. وكان الأوزاعي يأخذ بهذا ~~في طلب العدو؛ ولأنها إحدى حالتي الحرب، أشبهت حالة الهرب. والآية لا دلالة ~~فيها على محل النزاع لأن مدلولها إباحة القصر. # وقد أبيح القصر حالة الأمن بغير خلاف، وهو أيضا غير محل النزاع، ثم وإن ~~دلت على محل النزاع، فقد ms0374 أبيحت صلاة الخوف من غير خوف فتنة الكفار، للخوف ~~من سبع أو سيل أو حريق، لوجود معنى المنطوق فيها، وهذا في معناه، لأن فوات ~~الكفار ضرر عظيم، فأبيحت صلاة الخوف عند فوته، كالحالة الأخرى. ### | [مسألة التطوع على الراحلة في السفر] # (606) مسألة: قال (وله أن يتطوع في السفر على الراحلة، على ما وصفنا من ~~صلاة الخوف) # PageV01P314 # لا نعلم خلافا بين أهل العلم في إباحة التطوع على الراحلة في السفر ~~الطويل. قال الترمذي: هذا عند عامة أهل العلم. وقال ابن عبد البر: أجمعوا ~~على أنه جائز لكل من سافر سفرا يقصر فيه الصلاة أن يتطوع على دابته حيثما ~~توجهت، يومئ بالركوع والسجود، يجعل السجود أخفض من الركوع. وأما السفر ~~القصير وهو ما لا يباح فيه القصر، فإنه تباح فيه الصلاة على الراحلة عند ~~إمامنا، والليث، والحسن بن حي، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال مالك: لا يباح إلا في سفر طويل؛ لأنه رخصة سفر، فاختص بالطويل ~~كالقصر. ولنا قول الله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ~~الله} [البقرة: 115] ، قال ابن عمر: نزلت هذه الآية في التطوع خاصة، حيث ~~توجه بك بعيرك. وهذا مطلق يتناول بإطلاقه محل النزاع. وعن ابن عمر، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «كان يوتر على بعيره» وفي رواية: «كان يسبح ~~على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه» وكان ابن عمر يفعله متفق عليهما. ~~وللبخاري: «إلا الفرائض» . ولمسلم، وأبي داود: «غير أنه لا يصلي عليها ~~المكتوبة» . ولم يفرق بين قصير السفر وطويله، ولأن إباحة الصلاة على ~~الراحلة تخفيف في التطوع، كي لا يؤدي إلى قطعها وتقليلها، وهذا يستوي فيه ~~الطويل والقصير، والقصر والفطر يراعى فيه المشقة، وإنما توجد غالبا في ~~الطويل. # قال القاضي: الأحكام التي يستوي فيها الطويل من السفر والقصير ثلاثة: ~~التيمم، وأكل الميتة في المخمصة، والتطوع على الراحلة، وبقية الرخص تخص ~~الطويل؛ الفطر، والجمع، والمسح ثلاثا. ### | [فصل حكم الصلاة على الراحلة] # (607) فصل: وحكم الصلاة على الراحلة حكم الصلاة في الخوف، في أنه يومئ ~~بالركوع ms0375 والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع. قال جابر: «بعثني رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في حاجة، فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، ~~والسجود أخفض من الركوع» . رواه أبو داود. ويجوز أن يصلي على البعير ~~والحمار وغيرهما. قال ابن عمر: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر.» . رواه أبو داود، والنسائي. لكن إن ~~صلى على حيوان نجس فلا بد أن يكون بينهما سترة طاهرة. ### | [فصل المصلي على الراحلة في مكان واسع] # (608) فصل: فإن كان على الراحلة في مكان واسع، كالمنفرد في العمارية يدور ~~فيها كيف شاء، ويتمكن من # PageV01P315 # الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود، فعليه استقبال القبلة في صلاته، ~~ويسجد على ما هو عليه إن أمكنه ذلك؛ لأنه كراكب السفينة. وإن قدر على ~~الاستقبال دون الركوع والسجود، استقبل القبلة، وأومأ بهما. نص عليه. وقال ~~أبو الحسن الآمدي: يحتمل أن لا يلزمه شيء من ذلك، كغيره؛ لأن الرخصة العامة ~~تعم ما وجدت فيه المشقة وغيره، كالقصر والجمع. وإن عجز عن ذلك سقط بغير ~~خلاف. وإن كان يعجز عن استقبال القبلة في ابتداء صلاته، كراكب راحلة لا ~~تطيعه، أو كان في قطار، فليس عليه استقبال القبلة في شيء من الصلاة. # وإن أمكنه افتتاحها إلى القبلة، كراكب راحلة منفردة تطيعه، فهل يلزمه ~~افتتاحها إلى القبلة؟ يخرج فيه روايتان؛ إحداهما، يلزمه لما روى أنس، «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سافر، فأراد أن يتطوع، استقبل ~~بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث كان وجهة ركابه» رواه الإمام أحمد، في " ~~مسنده " وأبو داود. ولأنه أمكنه استقبال القبلة في ابتداء الصلاة فلزمه ~~ذلك، كالصلاة كلها. والثانية: لا يلزمه؛ لأنه جزء من أجزاء الصلاة، أشبه ~~سائر أجزائها، ولأن ذلك لا يخلو من مشقة، فسقط، وخبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يحمل على الفضيلة والندب. # (609) فصل: وقبلة هذا المصلي حيث كانت وجهته، فإن عدل عنها نظرت، فإن كان ~~عدوله إلى جهة الكعبة، جاز؛ لأنها الأصل، وإنما جاز تركها للعذر، ms0376 فإذا عدل ~~إليها أتى بالأصل، كما لو ركع فسجد في مكان الإيماء. وإن عدل إلى غيرها ~~عمدا، فسدت صلاته؛ لأنه ترك قبلته عمدا. وإن فعل ذلك مغلوبا، أو نائما، أو ~~ظنا منه أنها جهة سفره، فهو على صلاته، ويرجع إلى جهة سفره عند زوال عذره. ~~لأنه مغلوب على ذلك. فأشبه العاجز عن الاستقبال. # فإن تمادى به ذلك بعد زوال عذره، فسدت صلاته؛ لأنه ترك الاستقبال عمدا. ~~ولا فرق بين جميع التطوعات في هذا، فيستوي فيه النوافل المطلقة، والسنن ~~الرواتب، والمعينة، والوتر، وسجود التلاوة، وقد «كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يوتر على بعيره» ، «وكان يسبح على بعيره إلا الفرائض» . متفق ~~عليهما. ### | [فصل الماشي في السفر لا تباح له الصلاة في حال مشيه] # (610) فصل: فأما الماشي في السفر، فظاهر كلام الخرقي أنه لا تباح له ~~الصلاة في حال مشيه؛ لقوله: " ولا يصلي في غير هاتين الحالتين فرضا، ولا ~~نافلة، إلا متوجها إلى الكعبة ". وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ فإنه قال: # PageV01P316 # ما أعلم أحدا قال في الماشي: يصلي، إلا عطاء، ولا يعجبني أن يصلي الماشي. ~~وهذا مذهب أبي حنيفة. والرواية الثانية، له أن يصلي ماشيا. نقلها مثنى بن ~~جامع، وذكرها القاضي وغيره. # وعليه أن يستقبل القبلة لافتتاح الصلاة، ثم ينحرف إلى جهة سيره، ويقرأ ~~وهو ماش، ويركع ثم يسجد على الأرض. وهذا مذهب عطاء، والشافعي. وقال الآمدي: ~~يومئ بالركوع والسجود، كالراكب؛ لأنها حالة أبيح فيها ترك الاستقبال، فلم ~~يجب عليه الركوع والسجود كالراكب. وعلى قول القاضي: الركوع والسجود ممكن من ~~غير انقطاعه عن جهة سيره، فلزمه، كالوقف. واحتجوا بأن الصلاة أبيحت للراكب، ~~لئلا ينقطع عن القافلة في السفر، وهذا المعنى موجود في الماشي، ولأنه إحدى ~~حالتي سير المسافر، فأبيحت الصلاة فيها كالأخرى. # ولنا، أنه لم ينقل، ولا هو في معنى المنقول؛ لأنه يحتاج إلى عمل كثير، ~~ومشي متتابع، يقطع الصلاة، ويقتضي بطلانها، وهذا غير موجود في الراكب، فلم ~~يصح إلحاقه به، ولأن قوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} ~~[البقرة: 144] . عام ms0377 ترك في موضع الإجماع، بشروط موجودة هاهنا، فيبقى وجوب ~~الاستقبال فيما عداه على مقتضى العموم. ### | [فصل إذا دخل المصلي بلدا ناويا للإقامة فيه] # (611) فصل: وإذا دخل المصلي بلدا ناويا للإقامة فيه، لم يصل بعد دخوله ~~إليه إلا صلاة المقيم. وإن دخله مجتازا به، غير ناو للإقامة فيه، ولا نازل ~~به، أو نازلا به، ثم يرتحل من غير نية إقامة مدة يلزمه بها إتمام الصلاة، ~~استدام الصلاة ما دام سائرا، فإذا نزل فيه صلى إلى القبلة، وبنى على ما مضى ~~من صلاته، كقولنا في الخائف إذا أمن في أثناء صلاته. ولو ابتدأها، وهو نازل ~~إلى القبلة، ثم أراد الركوب، أتم صلاته، ثم ركب. وقيل: يركب في الصلاة ~~ويتمها إلى جهة سيره، كالآمن إذا خاف في أثناء صلاته. # والفرق بينهما أن حالة الخوف حالة ضرورة أبيح فيها ما يحتاج إليه من ~~العمل، وهذه رخصة ورد الشرع بها من غير ضرورة إليها، فلا يباح فيها غير ما ~~نقل فيها، ولم يرد بإباحة الركوب الذي يحتاج فيه إلى عمل وتوجه إلى غير جهة ~~القبلة ولا جهة سيره، فيبقى على الأصل. والله تعالى أعلم. ### | [مسألة استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة] # (612) مسألة: قال: (ولا يصلي في غير هاتين الحالتين فرضا ولا نافلة إلا ~~متوجها إلى الكعبة؛ فإن كان يعاينها فبالصواب، وإن كان غائبا عنها ~~فبالاجتهاد بالصواب إلى جهتها) قد ذكرنا أن استقبال القبلة شرط لصحة ~~الصلاة، ولا فرق بين الفريضة والنافلة؛ لأنه شرط للصلاة، فاستوى فيه الفرض ~~والنفل، كالطهارة والستارة، ولأن قوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره} [البقرة: 144] عام فيهما جميعا. ثم إن كان معاينا للكعبة، ففرضه ~~الصلاة إلى عينها. لا نعلم فيه خلافا. # قال # PageV01P317 # ابن عقيل؛ إن خرج بعضه عن مسامتة الكعبة لم تصح صلاته. وقال بعض أصحابنا: ~~الناس في استقبالها على أربعة أضرب: منهم من يلزمه اليقين، وهو من كان ~~معاينا للكعبة، أو كان بمكة من أهلها، أو ناشئا بها من وراء حائل محدث ~~كالحيطان، ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقينا. وهكذا ms0378 إن كان بمسجد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لأنه متيقن صحة قبلته، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يقر على الخطأ، وقد روى أسامة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى ركعتين، قبل القبلة، وقال: هذه القبلة» . # الثاني: من فرضه الخبر، وهو من كان بمكة غائبا عن الكعبة من غير أهلها، ~~ووجد مخبرا يخبره عن يقين أو مشاهدة، مثل أن يكون من وراء حائل، وعلى ~~الحائل من يخبره، أو كان غريبا نزل بمكة، فأخبره أهل الدار، وكذلك لو كان ~~في مصر أو قرية، ففرضه التوجه إلى محاريبهم وقبلتهم المنصوبة؛ لأن هذه ~~القبل ينصبها أهل الخبرة والمعرفة، فجرى ذلك مجرى الخبر، فأغنى عن ~~الاجتهاد، وإن أخبره مخبر من أهل المعرفة بالقبلة؛ أما من أهل البلد، أو من ~~غيره، صار إلى خبره، وليس له الاجتهاد، كما يقبل الحاكم النص من الثقة، ولا ~~يجتهد. الثالث: من فرضه الاجتهاد، وهو من عدم هاتين الحالتين، وهو عالم ~~بالأدلة. # الرابع: من فرضه التقليد، وهو الأعمى ومن لا اجتهاد له، وعدم الحالتين، ~~ففرضه تقليد المجتهدين. والواجب على هذين وسائر من بعد من مكة طلب جهة ~~الكعبة، دون إصابة العين. قال أحمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة، فإن انحرف ~~عن القبلة قليلا لم يعد، ولكن يتحرى الوسط. وبهذا قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: في أحد قوليه كقولنا، والآخر: الفرض إصابة العين؛ لقول ~~الله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] ولأنه يجب ~~عليه التوجه إلى الكعبة، فلزمه التوجه إلى عينها، كالمعاين. ولنا، قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» . رواه ~~الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة. ولأنه لو كان الفرض إصابة العين، لما صحت ~~صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة ~~واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها. فإن قيل: ~~مع البعيد يتسع المحاذي. قلنا: إنما يتسع مع تقوس الصف، أما مع استوائه ~~فلا. وشطر ms0379 البيت: نحوه وقبله. ### | [فصل محاريب الكفار] # فصل: فأما محاريب الكفار فلا يجوز أن يستدل بها؛ لأن قولهم لا يستدل به، ~~فمحاريبهم أولى، إلا أن نعلم قبلتهم كالنصارى، نعلم أن قبلتهم المشرق، فإذا ~~رأى محاريبهم في كنائسهم علم أنها مستقبلة المشرق. # PageV01P318 # وإن وجد محرابا لا يعلم هل هو للمسلمين أو لغيرهم، اجتهد ولم يلتفت إليه؛ ~~لأن الاستدلال إنما يجوز بمحاريب المسلمين، ولا يعلم وجود ذلك. ولو رأى على ~~المحراب آثار الإسلام، لم يصل إليه؛ لاحتمال أن يكون الباني له مشركا ~~مستهزئا، يغر به المسلمين، إلا أن يكون ذلك مما لا يتطرق إليه الاحتمال، ~~ويحصل له العلم أنه من محاريب المسلمين، فيستقبله. ### | [فصل صلى على جبل عال يخرج عن مسامتة الكعبة] # (614) فصل: ولو صلى على جبل عال يخرج عن مسامتة الكعبة، صحت صلاته. وكذلك ~~لو صلى في مكان ينزل عن مسامتتها؛ لأن الواجب استقبالها وما يسامتها من ~~فوقها وتحتها، بدليل ما لو زالت الكعبة والعياذ بالله صحت الصلاة إلى موضع ~~جدارها. ### | [فصل المجتهد في القبلة] # (615) فصل: والمجتهد في القبلة هو العالم بأدلتها، وإن كان جاهلا بأحكام ~~الشرع، فإن كل من علم أدلة شيء كان من المجتهدين فيه، وإن جهل غيره، ولأنه ~~يتمكن من استقبالها بدليله، فكان مجتهدا فيها كالفقيه، ولو جهل الفقيه ~~أدلتها أو كان أعمى، فهو مقلد وإن علم غيرها. وأوثق أدلتها النجوم، قال ~~الله تعالى: {وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] وقال تعالى: {وهو الذي جعل ~~لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} [الأنعام: 97] . # وآكدها القطب الشمالي، وهو نجم خفي حوله أنجم دائرة كفراشة الرحى، في أحد ~~طرفيها الفرقدان، وفي الآخر الجدي، وبين ذلك أنجم صغار، منقوشة كنقوش ~~الفراشة، ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل، تدور هذه الفراشة حول القطب، دوران ~~فراشة الرحى حول سفودها، في كل يوم وليلة دورة، في الليل نصفها وفي النهار ~~نصفها، فيكون الجدي عند طلوع الشمس في مكان الفرقدين عند غروبها، ويمكن ~~الاستدلال بها على ساعات الليل وأوقاته، والأزمنة، لمن عرفها، وعلم كيفية ~~دورانها، وحولها بنات ms0380 نعش مما يلي الفرقدين تدور حولها، والقطب لا يبرح ~~مكانه في جميع الأزمان، ولا يتغير كما لا يتغير سفود الرحى بدورانها. # وقيل: إنه يتغير تغيرا يسيرا لا يتبين، ولا يؤثر، وهو نجم خفي يراه حديد ~~النظر إذا لم يكن القمر طالعا، فإذا قوي نور القمر خفي، فإذا استدبرته في ~~الأرض الشامية، كنت مستقبلا الكعبة. # وقيل: إنه ينحرف في دمشق وما قاربها إلى المشرق قليلا، وكلما قرب إلى ~~المغرب كان انحرافه أكثر. وإن كان بحران وما يقاربها اعتدل، وجعل القطب خلف ~~ظهره معتدلا من غير انحراف. وقيل: أعدل القبل قبلة حران. وإن كان بالعراق # PageV01P319 # جعل القطب حذو ظهر أذنه اليمنى على علوها، فيكون مستقبلا باب الكعبة إلى ~~المقام، ومتى استدبر الفرقدين أو الجدي، في حال علو أحدهما ونزول الآخر، ~~على الاعتدال، كان ذلك كاستدبار القطب. # وإن استدبره، في غير هذه الحال، كان مستقبلا للجهة، فإذا استدبر الشرقي ~~منها، كان منحرفا إلى الغرب قليلا، وإذا استدبر الغربي كان منحرفا إلى ~~الشرق، وإن استدبر بنات نعش، كان مستقبلا للجهة أيضا، إلا أن انحرافه أكثر # فصل: ومنازل الشمس والقمر، وهي ثمانية وعشرون منزلا، وهي: السرطان، ~~والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، ~~والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزبانى، والإكليل، ~~والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، ~~وسعد الأخبية، والفرع المقدم؛ والفرع المؤخر، وبطن الحوت. # منها أربعة عشر شامية تطلع من وسط المشرق أو مائلة عنه إلى الشمال قليلا، ~~أولها السرطان، وآخرها السماك. ومنها أربعة عشر يمانية، تطلع من المشرق أو ~~ما يليه إلى التيامن، أولها الغفر؛ وآخرها بطن الحوت. # ولكل نجم من الشامية رقيب من اليمانية، إذا طلع أحدهما غاب رقيبه، وينزل ~~القمر كل ليلة بمنزلة منها قريبا منه، ثم ينتقل في الليلة الثانية إلى ~~المنزل الذي يليه، قال الله تعالى: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم} [يس: 39] . # والشمس تنزل بكل منزل منها ثلاثة عشر يوما، فيكون عودها إلى المنزل الذي ~~نزلت به عند تمام حول كامل من ms0381 أحوال السنة الشمسية، وهذه المنازل يكون منها ~~فيما بين غروب الشمس وطلوعها أربعة عشر منزلا، ومن طلوعها إلى غروبها مثل ~~ذلك، ووقت الفجر منها منزلان، ووقت المغرب منزل، وهو نصف سدس سواد الليل، ~~وسواد الليل اثنا عشر منزلا، وكلها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب، إلا أن ~~أوائل الشامية وآخر اليمانية تطلع من وسط المشرق، بحيث إذا طلع جعل الطالع ~~منها محاذيا لكتفه الأيسر كان مستقبلا للكعبة، وكذلك آخر الشامية. # وأول اليمانية يكون مقاربا لذلك، والمتوسط من الشامية، وهو الذراع وما ~~يليه من جانبيه، يميل مطلعه إلى ناحية الشمال، والمتوسط من اليمانية - نحو ~~العقرب، والنعائم، والبلدة، والسعود - تميل مطالعها إلى اليمين، فاليماني ~~منها يجعله من أمام كتفه اليسرى، والشامي يجعله خلف كتفه الأيمن قريبا ~~منها، والغارب منها يجعله عند كتفه الأيمن كذلك. # وإن عرف المتوسط منها بأن يرى بينه وبين أفق السماء سبعة من هاهنا وسبعة ~~من هاهنا، استقبله، ولكل نجم من هذه المنازل نجوم تقاربه، وتسير بسيره، من ~~عن يمينه، وشماله، يكثر عددها، حكمها حكمه، # PageV01P320 # ويستدل بها عليه، وعلى ما تدل عليه، كالنسرين والشعريين، والنظم المقارن ~~للهقعة، والسماك الرامح، والفكة، وغيرها، وكلها تطلع من المشرق وتغرب في ~~المغرب، وسهيل نجم كبير مضيء يطلع من نحو مهب الجنوب، ثم يسير حتى يصير في ~~قبلة المصلي، ثم يتجاوزها، ثم يغرب قريبا من مهب الدبور، والناقة أنجم على ~~صورة الناقة، تطلع في المجرة من مهب الصبا، ثم تغيب في مهب الشمال. # (617) فصل: والشمس تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب، وتختلف مطالعها ~~ومغاربها، على حسب اختلاف منازلها، وتكون في الشتاء في حال توسطها في قبلة ~~المصلي، وفي الصيف محاذية لقبلته. # (618) فصل: والقمر يبدو أول ليلة من الشهر هلالا في المغرب، عن يمين ~~المصلي، ثم يتأخر كل ليلة نحو المشرق منزلا، حتى يكون ليلة السابع وقت ~~المغرب في قبلة المصلي، أو مائلا عنها قليلا، ثم يطلع ليلة الرابع عشر من ~~المشرق قبل غروب الشمس، بدرا تاما، وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي، ~~أو ms0382 قريبا منها، وقت الفجر، وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر كالهلال من ~~المشرق، وتختلف مطالعه باختلاف منازله. # (619) فصل: والرياح كثيرة يستدل منها بأربع، تهب من زوايا السماء؛ الجنوب ~~تهب من الزاوية التي بين القبلة والمشرق، مستقبلة بطن كتف المصلي الأيسر، ~~مما يلي وجهه إلى يمينه، والشمال مقابلتها، تهب من الزاوية التي بين المغرب ~~والشمال؛ مارة إلى مهب الجنوب. # والدبور تهب من الزاوية التي بين المغرب واليمن، مستقبلة شطر وجه المصلي ~~الأيمن، مارة إلى الزاوية المقابلة لها. والصبا مقابلتها، تهب من ظهر ~~المصلي. وربما هبت الرياح بين الحيطان والجبال فتدور، فلا اعتبار بها. # وبين كل ريحين ريح تسمى النكباء، لتنكبها طريق الرياح المعروفة، وتعرف ~~الرياح بصفاتها وخصائصها، فهذا أصح ما يستدل به على القبلة. # وذكر أصحابنا الاستدلال بالمياه، وقالوا: الأنهار الكبار كلها تجري عن ~~يمنة المصلي إلى يسرته، على انحراف قليل، وذلك مثل دجلة والفرات والنهروان، ~~ولا اعتبار بالأنهار المحدثة؛ لأنها تحدث بحسب الحاجات إلى الجهات ~~المختلفة، ولا بالسواقي والأنهار الصغار؛ لأنها لا ضابط لها، ولا بنهرين ~~يجريان من يسرة المصلي إلى يمينه، أحدهما العاصي بالشام، والثاني سيحون ~~بالمشرق. # وهذا الذي ذكروه لا ينضبط بضابط؛ فإن كثيرا من أنهار الشام تجري على غير ~~السمت الذي ذكروه، فالأردن يجري نحو القبلة، وكثير منها يجري نحو البحر، ~~حيث كان منها حتى يصب فيه. وإن اختصت الدلالة بما # PageV01P321 # ذكروه فليس شيء منها في الشام سوى العاصي، والفرات حد الشام من ناحية ~~المشرق. # فمن علم هذه الأدلة فهو مجتهد، وقد يستدل أهل كل بلدة بأدلة تختص ~~ببلدتهم؛ من جبالها، وأنهارها، وغير ذلك، مثل من يعلم أن جبلا بعينه يكون ~~في قبلتهم، أو على أيمانهم، أو غير ذلك من الجهات. وكذلك إن علم مجرى نهر ~~بعينه. فمن كان من أهل الاجتهاد، إذا خفيت عليه القبلة في السفر، ولم يجد ~~مخبرا، ففرضه الصلاة إلى جهة يؤديه اجتهاده إليها. # فإن خفيت عليه الأدلة لغيم أو ظلمة، تحرى فصلى، والصلاة صحيحة؛ لما نذكره ~~من الأحاديث، ولأنه بذل وسعه في ms0383 معرفة الحق، مع علمه بأدلته، فأشبه الحاكم ~~والعالم إذا خفيت عليه النصوص. ### | [فصل صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم أراد صلاة أخرى] # (620) فصل: إذا صلى بالاجتهاد إلى جهة، ثم أراد صلاة أخرى، لزمه إعادة ~~الاجتهاد، كالحاكم إذا اجتهد في حادثة، ثم حدث مثلها، لزمه إعادة الاجتهاد، ~~وهذا مذهب الشافعي. فإن تغير اجتهاده، عمل بالثاني، ولم يعد ما صلى بالأول، ~~كما لو تغير اجتهاد الحاكم عمل بالثاني في الحادثة الثانية، ولم ينقض حكمه ~~الأول. وهذا لا نعلم فيه خلافا. فإن تغير اجتهاده في الصلاة، استدار إلى ~~الجهة الثانية، وبنى على ما مضى من صلاته. نص عليه أحمد، في رواية الجماعة. ~~وقال ابن أبي موسى، والآمدي: لا ينتقل، ويمضي على اجتهاده الأول؛ لئلا ينقض ~~الاجتهاد بالاجتهاد. # ولنا أنه مجتهد أداه اجتهاده إلى جهة، فلم يجز له الصلاة إلى غيرها، كما ~~لو أراد صلاة أخرى، ولأنه أداه اجتهاده إلى غير هذه الجهة، فلم يجز له ~~الصلاة إليها، كسائر محال الوفاق، وليس هذا نقضا للاجتهاد، وإنما يعمل به ~~في المستقبل، كما في الصلاة الأخرى، وإنما يكون نقضا للاجتهاد أن لو ~~ألزمناه إعادة ما مضى من صلاته، ولم نعتد له به، فإن لم يبق اجتهاده وظنه ~~إلى الجهة الأولى، ولم يؤده اجتهاده إلى الجهة الأخرى، فإنه يبني على ما ~~مضى من صلاته؛ لأنه لم يظهر له جهة أخرى يتوجه إليها. وإن بان له يقين ~~الخطأ في الصلاة، بمشاهدة أو خبر عن يقين، استدار إلى جهة الصواب، وبنى ~~كأهل قباء لما أخبروا بتحويل القبلة استداروا إليها وبنوا. # وإن شك في اجتهاده لم يزل عن جهته؛ لأن الاجتهاد ظاهر، فلا يزول عنه ~~بالشك. وإن بان له الخطأ، ولم يعرف جهة القبلة، كرجل كان يصلي إلى جهة، ~~فرأى بعض منازل القمر في قبلته، ولم يدر أهو في المشرق أو المغرب، واحتاج ~~إلى الاجتهاد، بطلت صلاته؛ لأنه لا يمكنه استدامتها إلى غير القبلة، وليست ~~له جهة يتوجه إليها، فبطلت، لتعذر إتمامها. ### | [مسألة إذا اختلف اجتهاد رجلين في القبلة] # (621) مسألة: قال: ms0384 (وإذا اختلف اجتهاد رجلين، لم يتبع أحدهما صاحبه) ~~وجملته أن المجتهدين إذا اختلفا، ففرض كل واحد منهما الصلاة إلى الجهة التي ~~يؤديه اجتهاده إليها # PageV01P322 # أنها القبلة، لا يسعه تركها، ولا تقليد صاحبه، سواء كان أعلم منه، أو لم ~~يكن، كالعالمين يختلفان في الحادثة. ولو أن أحدهما اجتهد، فأراد الآخر ~~تقليده من غير اجتهاد، لم يجز له ذلك، ولا يسعه الصلاة حتى يجتهد، سواء ~~اتسع الوقت، أو كان ضيقا يخشى خروج وقت الصلاة، كالحاكم، لا يسوغ له الحكم ~~في حادثة بتقليد غيره. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد، في المجتهد الذي يضيق ~~الوقت عن اجتهاده، أن له تقليد غيره. وأشار إلى قول أحمد، فيمن هو في ~~مدينة، فتحرى، فصلى لغير القبلة في بيت يعيد؛ لأن عليه أن يسأل، قال: فقد ~~جعل فرض المحبوس السؤال، وهذا غير صحيح. # وكلام أحمد إنما دل على أنه ليس لمن في المصر الاجتهاد؛ لأنه يمكنه ~~التوصل إلى القبلة بطريق الخبر، والاستدلال بالمحاريب، بخلاف المسافر، وليس ~~فيه دليل على أنه يجوز له تقليد المجتهدين في محل الاجتهاد عند ضيق الوقت، ~~ألا ترى أن أبا عبد الله لم يفرق بين ضيق الوقت وسعته، مع اتفاقنا على أنه ~~لا يجوز له التقليد مع سعة الوقت، ولأن الاجتهاد في حقه شرط لصحة الصلاة، ~~فلم يسقط بضيق الوقت، مع إمكانه، كسائر الشروط. ### | [فصل اختلف اجتهاد رجلين فصلى كل واحد منهما إلى جهة] # (622) فصل: وإذا اختلف اجتهاد رجلين، فصلى كل واحد منهما إلى جهة، فليس ~~لأحدهما الائتمام بصاحبه. وهذا مذهب الشافعي؛ لأن كل واحد يعتقد خطأ صاحبه، ~~فلم يجز أن يأتم به، كما لو خرجت من أحدهما ريح، واعتقد كل واحد منهما أنها ~~من صاحبه، فإن لكل واحد منهما أن يصلي، وليس له أن يأتم بصاحبه. وقياس ~~المذهب جواز ذلك. وهو مذهب أبي ثور؛ لأن كل واحد منهما يعتقد صحة صلاة ~~الآخر. # فإن فرضه التوجه إلى ما توجه إليه، فلم يمنع اقتداءه به اختلاف جهته، ~~كالمصلين حول الكعبة مستديرين حولها، وكالمصلين حال شدة ms0385 الخوف، وقد نص أحمد ~~على صحة الصلاة خلف المصلي في جلود الثعالب، إذا كان يتأول قوله - عليه ~~السلام -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» . مع كون أحمد لا يرى طهارتها، وفارق ما ~~إذا اعتقد كل واحد منهما حدث صاحبه؛ لأنه يعتقد بطلان صلاته، بحيث لو بان ~~له يقينا حدث نفسه، لزمته إعادة الصلاة؛ وهاهنا صلاته صحيحة ظاهرا وباطنا، ~~بحيث لو بان له يقين الخطأ، لم يلزمه الإعادة، فافترقا. # فأما إن كان أحدهما يميل يمينا، ويميل الآخر شمالا، مع اتفاقهما في ~~الجهة، فلا يختلف المذهب في أن لأحدهما الائتمام بصاحبه؛ لأن الواجب ~~استقبال الجهة، وقد اتفقا فيها. ### | [مسألة إذا اختلف مجتهدان في القبلة ومعهما أعمى] # (623) مسألة: قال: (ويتبع الأعمى أوثقهما في نفسه) يعني إذا اختلف ~~مجتهدان في القبلة، ومعهما أعمى، قلد أوثقهما في نفسه، وهو أعلمهما عنده ~~وأصدقهما قولا، وأشدهما تحريا؛ لأن الصواب إليه أقرب، وكذلك الحكم في ~~البصير الذي لا يعلم الأدلة، ولا يقدر على تعلمها قبل خروج الوقت، فرضه ~~أيضا التقليد، ويقلد أوثقهما في نفسه، فإن قلد المفضول، فظاهر # PageV01P323 # قول الخرقي أنه لا تصح صلاته؛ لأنه ترك ما يغلب على ظنه أن الصواب فيه، ~~فلم يسغ له ذلك، كالمجتهد إذا ترك جهة اجتهاده، والأولى صحتها، وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأنه أخذ بدليل له الأخذ به لو انفرد. # فكذلك إذا كان معه غيره، كما لو استويا، ولا عبرة بظنه، فإنه لو غلب على ~~ظنه أن المفضول مصيب، لم يمنع ذلك من تقليد الأفضل. فأما إن استويا عنده، ~~فله تقليد من شاء منهما، كالعامي مع العلماء في بقية الأحكام. ### | [فصل المقلد من لا يمكنه الصلاة باجتهاد نفسه] # (624) فصل: والمقلد من لا يمكنه الصلاة باجتهاد نفسه، إما لعدم بصره، ~~وإما لعدم بصيرته، وهو العامي الذي لا يمكنه التعلم والصلاة باجتهاده قبل ~~خروج وقت الصلاة. فأما من يمكنه، فإنه يلزمه التعلم، فإن صلى قبل ذلك لم ~~تصح صلاته، لأنه قدر على الصلاة باجتهاده، فلم يصح بالتقليد كالمجتهد ولا ~~يلزم على هذا العامي حيث لا يلزمه ms0386 تعلم الفقه لوجهين: أحدهما: أن الفقه ليس ~~بشرط في صحة الصلاة. # والثاني: أن مدته تطول. فهو كالذي لا يقدر على تعلم الأدلة في مسألتنا. ~~وإن أخر هذا التعلم والصلاة إلى حال يضيق وقتها عن التعلم والاجتهاد، أو عن ~~أحدهما، صحت صلاته بالتقليد، كالذي يقدر على تعلم الفاتحة، فيضيق الوقت عن ~~تعلمها. ### | [فصل كان المجتهد في استقبال القبلة به رمد أو عارض يمنعه رؤية الأدلة] # (625) فصل: فإن كان المجتهد به رمد، أو عارض يمنعه رؤية الأدلة، فهو ~~كالأعمى، في جواز التقليد؛ لأنه عاجز عن الاجتهاد. وكذلك لو كان محبوسا في ~~مكان لا يرى فيه الأدلة، ولا يجد مخبرا إلا مجتهدا آخر في مكان يرى ~~العلامات فيه، فله تقليده؛ لأنه كالأعمى. ### | [فصل شرع في الصلاة بتقليد مجتهد فقال له قائل قد أخطأت القبلة] # (626) فصل: وإذا شرع في الصلاة بتقليد مجتهد، فقال له قائل: قد أخطأت ~~القبلة، وإنما القبلة هكذا. وكان يخبر عن يقين، مثل من يقول: قد رأيت ~~الشمس، أو الكواكب، وتيقنت أنك مخطئ. فإنه يرجع إلى قوله، ويستدير إلى ~~الجهة التي أخبره أنها جهة الكعبة؛ لأنه لو أخبر بذلك المجتهد الذي قلده ~~الأعمى، لزمه قبول خبره، فالأعمى أولى. وإن أخبره عن اجتهاده، أو لم يبين ~~له عن أي شيء أخبره، ولم يكن في نفسه أوثق من الأول، مضى على ما هو عليه؛ ~~لأنه شرع في الصلاة بدليل يقينا، فلا يزول عنه بالشك. # وإن كان الثاني أوثق في نفسه من الأول، وقلنا: لا يتعين عليه تقليد ~~الأفضل. فكذلك، وإن قلنا: عليه تقليده خاصة، رجع إلى قوله، كالبصير إذا ~~تغير اجتهاده في أثناء صلاته. ### | [فصل إذا شرع مجتهد في الصلاة باجتهاده فعمي فيها] # فصل: ولو شرع مجتهد في الصلاة باجتهاده، فعمي فيها، بنى على ما مضى من ~~صلاته، لأنه إنما يمكنه البناء # PageV01P324 # على اجتهاد غيره، فاجتهاده أولى، فإن استدار عن تلك الجهة، بطلت صلاته. ~~وإن أخبره مخبر بخطئه عن يقين، رجع إليه. وإن أخبره عن اجتهاد، لم يرجع ~~إليه؛ لما ذكرنا. # وإن شرع ms0387 فيها وهو أعمى، فأبصر في أثنائها، فشاهد ما يستدل به على صواب ~~نفسه، مثل أن يرى الشمس في قبلته في صلاة الظهر، ونحو ذلك، مضى عليه؛ لأن ~~الاجتهادين قد اتفقا. وإن بان له خطؤه، استدار إلى الجهة التي أداه إليها، ~~وبنى على ما مضى من صلاته. وإن لم يبن له صوابه ولا خطؤه، بطلت صلاته، ~~واجتهد؛ لأن فرضه الاجتهاد، فلم يجز له أداء فرضه بالتقليد، كما لو كان ~~بصيرا في ابتدائها. وإن كان مقلدا، مضى في صلاته؛ لأنه ليس في وسعه إلا ~~الدليل الذي بدأ به فيها. ### | [مسألة صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم علم أنه قد أخطأ القبلة] # (628) مسألة: قال: (وإذا صلى بالاجتهاد إلى جهة، ثم علم أنه قد أخطأ ~~القبلة، لم يكن عليه إعادة) وجملته أن المجتهد إذا صلى بالاجتهاد إلى جهة، ~~ثم بان له أنه صلى إلى غير جهة الكعبة يقينا، لم يلزمه الإعادة. وكذلك ~~المقلد الذي صلى بتقليده. وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة. والشافعي في أحد ~~قوليه. # وقال في الآخر: يلزمه الإعادة؛ لأنه بان له الخطأ في شرط من شروط الصلاة، ~~فلزمته الإعادة، كما لو بان له أنه صلى قبل الوقت، أو بغير طهارة أو ستارة. # ولنا، ما روى عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: «كنا مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في سفر، في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل ~~حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل: {فأينما ~~تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] » . رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: ~~حديث حسن إلا أنه من حديث أشعث السمان، وفيه ضعف. # وعن عطاء، عن جابر، قال: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~مسير، فأصابنا غيم، فتحيرنا فاختلفنا في القبلة، فصلى كل رجل منا على حدة، ~~وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: قد أجزأتكم صلاتكم» . رواه الدارقطني، ~~وقال: رواه محمد بن سالم، عن عطاء، ويروى أيضا عن محمد ms0388 بن عبد الله العمري، ~~عن عطاء. وكلاهما ضعيف. وقال العقيلي: لا يروى متن هذا الحديث من وجه يثبت. # وروى مسلم في " صحيحه "، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ~~نحو بيت المقدس، فنزلت: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] . فمر رجل ببني سلمة وهم ركوع ~~في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة قد حولت. فمالوا كلهم ~~نحو القبلة» . # ومثل هذا لا يختفي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يترك إنكاره إلا ~~وهو جائز. وقد كان ما مضى من صلاتهم بعد تحويل القبلة إلى الكعبة وهو صحيح. ~~ولأنه أتى بما أمر، فخرج عن العهد، كالمصيب، ولأنه صلى إلى غير الكعبة ~~للعذر، فلم تجب عليه الإعادة، كالخائف يصلي إلى غيرها، ولأنه # PageV01P325 # شرط عجز عنه، فأشبه سائر الشروط. وأما المصلي قبل الوقت فإنه لم يؤمر ~~بالصلاة، وإنما أمر بعد دخول الوقت ولم يأت بما أمر، بخلاف مسألتنا، فإنه ~~مأمور بالصلاة بغير شك، ولم يؤمر إلا بهذه الصلاة، وسائر الشروط، إذا عجز ~~عنها، سقطت، كذا هاهنا، وأما إذا ظن وجودها فأخطأ، فليست في محل الاجتهاد، ~~فنظيره: إذا اجتهد في مسألتنا في الحضر، فأخطأ. # (629) فصل: ولا فرق بين أن تكون الأدلة ظاهرة مكشوفة فاشتبهت عليه، أو ~~مستورة بغيم أو شيء يسترها عنه، بدليل الأحاديث التي رويناها، فإن الأدلة ~~استترت عنهم بالغيم، فلم يعيدوا، ولأنه أتى بما أمر به في الحالين، وعجز عن ~~استقبال القبلة في الموضعين، فاستويا في عدم الإعادة. ### | [فصل إن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة استدار إلى جهة الكعبة] # (630) فصل: وإن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة، استدار إلى جهة الكعبة، ~~وبنى على ما مضى من الصلاة؛ لأن ما مضى منها كان صحيحا، فجاز البناء عليه، ~~كما لو لم يبن له الخطأ. وإن كانوا جماعة، قد أداهم اجتهادهم إلى جهة، ~~فقدموا أحدهم، ثم بان لهم الخطأ في حال واحدة، استداروا إلى الجهة التي بان ~~لهم ms0389 الصواب فيها، كبني سلمة، لما بان لهم تحول الكعبة. وإن بان للإمام ~~وحده، أو للمأمومين دونه، أو لبعضهم، استدار من بان له الصواب وحده، وينوي ~~بعضهم مفارقة بعض، إلا على الوجه الذي قلنا أن لبعضهم أن يقتدي بمن خالفه ~~في الاجتهاد. # وإن كان فيهم مقلد، تبع من قلده وانحرف بانحرافه. وإن قلد الجميع، لم ~~ينحرف إلا بانحراف الجميع؛ لأنه شرع بدليل يقيني، فلا ينحرف بالشك إلا من ~~يلزمه تقليد أوثقهم، فإنه ينحرف بانحرافه. ### | [مسألة إذا صلى البصير في حضر أو الأعمى فأخطأ في استقبال القبلة] # (631) مسألة: قال: (وإذا صلى البصير في حضر، فأخطأ، أو الأعمى بلا دليل، ~~أعادا) . أما البصير إذا صلى إلى غير الكعبة في الحضر، ثم بان له الخطأ، ~~فعليه الإعادة، سواء إذا صلى بدليل أو غيره؛ لأن الحضر ليس بمحل الاجتهاد، ~~لأن من فيه يقدر على المحاريب والقبل المنصوبة، ويجد من يخبره عن يقين ~~غالبا، فلا يكون له الاجتهاد، كالقادر على النص في سائر الأحكام، فإن صلى ~~من غير دليل فأخطأ، لزمته الإعادة؛ لتفريطه. وإن أخبره مخبر، فأخطأه، فقد ~~غره، وتبين أن خبره ليس بدليل. # فإن كان محبوسا، لا يجد من يخبره، فقال أبو الحسن التميمي: هو كالمسافر، ~~يتحرى في محبسه، ويصلي، من غير إعادة؛ لأنه عاجز عن الاستدلال بالخبر ~~والمحاريب، فهو كالمسافر. وأما الأعمى، فإن كان في حضر، فهو كالبصير؛ لأنه ~~يقدر على الاستدلال بالخبر والمحاريب، فإن الأعمى إذا لمس المحراب، وعلم ~~أنه محراب، وأنه متوجه إليه، فهو كالبصير. # وكذلك إذا علم أن باب المسجد إلى الشمال أو غيرها من الجهات، جاز له ~~الاستدلال به، ومتى أخطأ فعليه الإعادة. وحكم المقلد حكم الأعمى في هذا. ~~وإن كان الأعمى، أو المقلد مسافرا، ولم يجد من يخبره، ولا مجتهدا يقلده، ~~فظاهر كلام الخرقي، أنه يعيد، # PageV01P326 # سواء أصاب أو أخطأ؛ لأنه صلى من غير دليل، فلزمته الإعادة وإن أصاب، كان ~~كالمجتهد إذا صلى من غير اجتهاد. # وقال أبو بكر: يصلي على حسب حاله، وفي الإعادة روايتان، سواء أصاب أو ms0390 ~~أخطأ: إحداهما: يعيد؛ لما ذكرنا. # والثانية: لا إعادة عليه؛ لأنه أتى بما أمر، فأشبه المجتهد ولأنه عاجز عن ~~غير ما أتى به، فسقط عنه، كسائر العاجزين عن الاستقبال، ولأنه عادم للدليل، ~~فأشبه المجتهد، في الغيم والحبس. وقال ابن حامد: إن أخطأ أعاد، وإن أصاب ~~فعلى وجهين. وحكم المقلد لعدم بصيرته كعادم بصره. # فأما إن وجد من يقلده، أو من يخبره، فلم يستخبره ولم يقلد، أو خالف ~~المخبر والمجتهد، وصلى، فصلاته باطلة بكل حال. وكذلك المجتهد إذا صلى من ~~غير اجتهاد، فأصاب، أو أداه اجتهاده إلى جهة، فصلى إلى غيرها، فإن صلاته ~~باطلة بكل حال؛ سواء أخطأ أو أصاب؛ لأنه لم يأت بما أمر به، فأشبه من ترك ~~التوجه إلى الكعبة، مع علمه بها. ### | [مسألة لا يتبع دلالة مشرك بحال في استقبال القبلة] # (632) مسألة: قال: (ولا يتبع دلالة مشرك بحال؛ وذلك لأن الكافر لا يقبل ~~خبره، ولا روايته، ولا شهادته، لأنه ليس بموضع أمانة) ولذلك قال عمر - رضي ~~الله عنه -: لا تأتمنوهم بعد إذ خونهم الله عز وجل. ولا يقبل خبر الفاسق؛ ~~لقلة دينه، وتطرق التهمة إليه، ولأنه أيضا لا تقبل روايته ولا شهادته. ولا ~~يقبل خبر الصبي لذلك، ولأنه يلحقه مأثم بكذبه، فتحرزه من الكذب غير موثوق ~~به. # وقال التميمي؛ يقبل خبر الصبي المميز. وإذا لم يعرف حال المخبر، فإن شك ~~في إسلامه وكفره، لم يقبل خبره، كما لو وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين ~~أو أهل الذمة. وإن لم يعلم عدالته وفسقه، قبل خبره؛ لأن حال المسلم يبنى ~~على العدالة، ما لم يظهر خلافها، ويقبل خبر سائر الناس من المسلمين ~~البالغين العقلاء، سواء كانوا رجالا أو نساء، ولأنه خبر من أخبار الدين، ~~فأشبه الرواية. ويقبل من الواحد كذلك. والله أعلم. # PageV01P327 # آداب المشي إلى الصلاة يستحب للرجل، إذا أقبل إلى الصلاة، أن يقبل بخوف ~~ووجل وخشوع وخضوع، وعليه السكينة والوقار، وإن سمع الإقامة لم يسع إليها؛ ~~لما روى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا ms0391 سمعتم ~~الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم ~~فأتموا» . # وعن أبي قتادة، قال: «بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ ~~سمع جلبة رجال، فلما صلى، قال: ما شأنكم قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: ~~فلا تفعلوا، إذا أتيتم إلى الصلاة فعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما ~~فاتكم فأتموا» . متفق عليهما. وفي رواية " فاقضوا ". # قال الإمام أحمد: ولا بأس إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئا، ~~ما لم يكن عجلة تقبح، جاء الحديث عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنهم كانوا يعجلون شيئا إذا خافوا فوات التكبيرة الأولى. ويستحب أن يقارب ~~بين خطاه، لتكثر حسناته، فإن كل خطوة يكتب له بها حسنة. وقد روى عبد بن ~~حميد، في " مسنده "، بإسناده عن زيد بن ثابت، قال: «أقيمت الصلاة، فخرج ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي وأنا معه، فقارب في الخطى، ثم قال: ~~أتدري لم فعلت هذا؟ لتكثر خطانا في طلب الصلاة» . # ويكره أن يشبك بين أصابعه؛ لما روي عن كعب بن عجرة، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى ~~المسجد، فلا يشبكن يديه، فإنه في صلاة» . رواه أبو داود. # (633) فصل: ويستحب أن يقول ما روى ابن عباس، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - خرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي لساني نورا، ~~واجعل في سمعي نورا، واجعل في بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ومن أمامي ~~نورا، واجعل من فوقي نورا، ومن تحتي نورا، وأعطني نورا» . أخرجه مسلم. # وروى الإمام أحمد في " المسند "، وابن ماجه في " السنن "، بإسنادهما عن ~~أبي سعيد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من خرج من بيته إلى ~~الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، ~~فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا رياء ولا سمعة، وخرجت # PageV01P328 # اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر ms0392 لي ~~ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له ~~سبعون ألف ملك. ويقول: بسم الله {الذي خلقني فهو يهدين} [الشعراء: 78] إلى ~~قوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 89] » . # (634) فصل: فإذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى وقال ما رواه مسلم، عن أبي ~~حميد، أو أبي أسيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخل ~~أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم إني ~~أسألك من فضلك» ، وعن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، ~~وقال: رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد، ~~وقال: رب اغفر لي، وافتح لي أبواب فضلك» . رواه الترمذي. # ولا يجلس حتى يركع ركعتين؛ لما روى أبو قتادة، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين» . متفق ~~عليه. ثم يجلس مستقبل القبلة، ويشتغل بذكر الله تعالى، أو قراءة القرآن، أو ~~يسكت، ولا يخوض في حديث الدنيا، ولا يشبك أصابعه؛ لما روى أبو سعيد، عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا كان أحدكم في المسجد فلا ~~يشبكن؛ فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما كان في ~~المسجد، حتى يخرج منه» . رواه أحمد، في " المسند " ### | [فصل إذا أقيمت الصلاة لم يشتغل عنها بنافلة] # (635) فصل: وإذا أقيمت الصلاة، لم يشتغل عنها بنافلة، سواء خشي فوات ~~الركعة الأولى أم لم يخش. وبهذا قال أبو هريرة، وابن عمر، وعروة، وابن ~~سيرين، وسعيد بن جبير، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وروي عن ابن مسعود، أنه ~~دخل والإمام في صلاة الصبح، فركع ركعتي الفجر. وهذا مذهب الحسن، ومكحول، ~~ومجاهد، وحماد بن أبي سليمان. وقال مالك: إن لم يخف فوات الركعة ركعهما ~~خارج المسجد. # وقال الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وأبو حنيفة: يركعهما إلا أن يخاف ~~فوات ms0393 الركعة الأخيرة. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقيمت ~~الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» . رواه مسلم. ولأن ما يفوته مع الإمام أفضل ~~مما يأتي به، فلم يشتغل به، كما لو خاف فوات الركعة. قال ابن عبد البر في ~~هذه المسألة: الحجة عند التنازع السنة، فمن أدلى بها فقد فلح، ومن استعملها ~~فقد نجا. # قال: وقد روت عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خرج حين أقيمت الصلاة، فرأى ناسا يصلون، فقال: أصلاتان معا؟» . وروى نحو ~~ذلك أنس، وعبد الله بن سرجس، وابن بحينة، وأبو هريرة، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ورواهن # PageV01P329 # كلهن ابن عبد البر في كتاب " التمهيد ". قال: وكل هذا إنكار منه لهذا ~~الفعل. فأما إن أقيمت الصلاة وهو في النافلة، ولم يخش فوات الجماعة، أتمها، ~~ولم يقطعها؛ لقول الله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] . وإن خشي ~~فوات الجماعة، فعلى روايتين؛ إحداهما، يتمها؛ لذلك. # والثانية، يقطعها؛ لأن ما يدركه من الجماعة أعظم أجرا وأكثر ثوابا مما ~~يفوته بقطع النافلة، لأن صلاة الجماعة تزيد على صلاة الرجل وحده سبعا ~~وعشرين درجة. ### | [فصل دعاء الافتتاح] # (636) فصل: قيل لأحمد: قبل التكبير يقول شيئا؟ قال: لا. يعني ليس قبله ~~دعاء مسنون، إذ لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه، ~~ولأن الدعاء يكون بعد العبادة؛ لقول الله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} [الشرح: ~~7] {وإلى ربك فارغب} [الشرح: 8] . # PageV01P330 ### | [باب صفة الصلاة] # . روى محمد بن عمرو بن عطاء، قال سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم أبو قتادة، فقال أبو حميد؛ أنا ~~أعلمكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قالوا: فاعرض. # قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يرفع ~~يديه، حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر، حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلا. ثم ~~يقرأ، ثم يكبر، فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع، ويضع راحتيه ~~على ركبتيه، ثم يعتدل، فلا يصوب ms0394 رأسه ولا يقنعه، ثم يرفع رأسه، ويقول: سمع ~~الله لمن حمده. ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلا، ثم يقول: الله أكبر. ~~ثم يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله اليسرى ~~فيقعد عليها، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع ~~ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في ~~الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعة كبر، فرفع يديه حتى يحاذي بهما ~~منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يفعل ذلك في بقية صلاته، حتى إذا ~~كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى، وقعد متوركا على شقه ~~الأيسر. قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي - صلى الله عليه وسلم -» . رواه مالك ~~في الموطأ، وأبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. # وفي لفظ رواه البخاري، قال: «فإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، ~~فإذا رفع رأسه استوى قائما حتى يعود كل فقار مكانه، وإذا سجد سجد غير ~~مفترش، ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في ~~الركعتين جلس على اليسرى، ونصب الأخرى، فإذا كانت السجدة التي فيها التسليم ~~أخر رجله اليسرى، وجلس متوركا على شقه الأيسر، وقعد على مقعدته» . ### | [فصل يستحب أن يقوم إلى الصلاة عند قول المؤذن قد قامت الصلاة] # (637) فصل: ويستحب أن يقوم إلى الصلاة عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة. ~~وبهذا قال مالك. قال ابن المنذر: على هذا أهل الحرمين. وقال الشافعي: يقوم ~~إذا فرغ المؤذن من الإقامة. وكان عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن كعب، وسالم، ~~وأبو قلابة، والزهري، وعطاء، يقومون في أول بدوة من الإقامة. وقال أبو ~~حنيفة: يقوم إذا قال: حي على الصلاة، فإذا قال: قد قامت الصلاة. كبر. وكان ~~أصحاب عبد الله # PageV01P331 # يكبرون إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة. # وبه قال سويد بن غفلة، والنخعي، واحتجوا بقول بلال: لا تسبقني بآمين. فدل ~~على أنه يكبر قبل فراغه. ولا يستحب عندنا أن يكبر إلا بعد فراغه من ms0395 ~~الإقامة، وهو قول الحسن، ويحيى بن وثاب، وإسحاق، وأبي يوسف، والشافعي، ~~وعليه جل الأئمة في الأمصار. # وإنما قلنا: إنه يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة؛ لأن هذا خبر بمعنى ~~الأمر، ومقصوده الإعلام ليقوموا، فيستحب المبادرة إلى القيام امتثالا ~~للأمر، وتحصيلا للمقصود، ولا يكبر حتى يفرغ المؤذن؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما كان يكبر بعد فراغه، دل على ذلك ما روي عنه، أنه كان يعدل ~~الصفوف بعد إقامة الصلاة، ويقول في الإقامة مثل قول المؤذن، فروى أنس، قال: ~~«أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه، فقال: ~~أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري» . رواه البخاري. # وعنه قال، «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة قال ~~هكذا وهكذا، عن يمينه وشماله: استووا واعتدلوا» . وفيما رواه أبو داود، عن ~~بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أن بلالا أخذ في الإقامة، ~~فلما أن قال: قد قامت الصلاة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أقامها ~~الله وأدامها» . وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان، فأما ~~حديثهم، فإن بلالا كان يقيم في موضع أذانه، وإلا فليس بين لفظ الإقامة ~~والفراغ منها ما يفوت بلالا " آمين "، مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. إذا ثبت هذا فإنما يقوم المأمومون إذا كان الإمام في المسجد أو قريبا ~~منه. وإن لم يكن في مقامه. # قال أحمد. في رواية الأثرم: أذهب إلى حديث أبي هريرة: «خرج علينا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أقمنا الصفوف» . إسناد جيد؛ الزهري عن أبي ~~سلمة، عن أبي هريرة. وقال في رواية أبي داود، سمعت أحمد يقول: ينبغي أن ~~تقام الصفوف قبل أن يدخل الإمام، فلا يحتاج أن يقف. وعن أبي هريرة، قال: ~~«كانت الصلاة تقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأخذ الناس مصافهم ~~قبل أن يقوم النبي - صلى الله عليه وسلم - مقامه» . رواه مسلم. # فإن أقيمت، والإمام في غير المسجد، ولم يعلموا قربه، لم يقوموا؛ لما روى ms0396 ~~أبو قتادة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقيمت الصلاة ~~فلا تقوموا حتى تروني» . متفق عليه. وللبخاري: " قد خرجت "، وخرج علي - رضي ~~الله عنه - والناس ينتظرونه قياما للصلاة، فقال: " ما لي أراكم سامدين؟ ". # PageV01P332 ### | [فصل يستحب للإمام تسوية الصفوف] # (638) فصل: ويستحب للإمام تسوية الصفوف، يلتفت عن يمينه، فيقول: استووا. ~~رحمكم الله. وعن يساره كذلك؛ لما ذكرنا من الحديث، وعن محمد بن مسلم، قال: ~~«صليت إلى جنب أنس بن مالك يوما، فقال: هل تدري لم صنع هذا العود؟ قلت: لا ~~والله. فقال: لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة ~~أخذه بيمينه، فقال: اعتدلوا، وسووا صفوفكم. ثم أخذه بيساره، وقال: اعتدلوا، ~~وسووا صفوفكم» . رواه أبو داود. وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» . متفق عليه. ### | [مسألة الصلاة لا تنعقد إلا بقول الله أكبر] # (639) مسألة: قال أبو القاسم: (وإذا قام إلى الصلاة فقال: الله أكبر) ~~وجملته أن الصلاة لا تنعقد إلا بقول: " الله أكبر ". عند إمامنا، ومالك. ~~وكان ابن مسعود، وطاوس، وأيوب، ومالك، والثوري، والشافعي، يقولون: افتتاح ~~الصلاة التكبير. وعلى هذا عوام أهل العلم في القديم والحديث، إلا أن ~~الشافعي قال: تنعقد بقوله: الله الأكبر. لأن الألف واللام لم تغيره عن ~~بنيته ومعناه، وإنما أفادت التعريف. # وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل اسم لله تعالى على وجه التعظيم، كقوله: الله ~~عظيم. أو كبير، أو جليل. وسبحان الله. والحمد لله. ولا إله إلا الله. ~~ونحوه. قال الحاكم: لأنه ذكر الله تعالى على وجه التعظيم، أشبه قوله: الله ~~أكبر. واعتبر ذلك بالخطبة، حيث لم يتعين لفظها. ولنا، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «تحريمها التكبير» . رواه أبو داود. # «وقال للمسيء في صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر» . متفق عليه. وفي حديث ~~رفاعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى ~~يضع الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة، فيقول: الله أكبر» . «وكان النبي - ~~صلى الله ms0397 عليه وسلم - يفتتح الصلاة بقوله: الله أكبر» . لم ينقل عنه عدول ~~عن ذلك حتى فارق الدنيا، وهذا يدل على أنه لا يجوز العدول عنه، وما قاله ~~أبو حنيفة يخالف دلالة الأخبار، فلا يصار إليه، ثم يبطل بقول: اللهم اغفر ~~لي. # ولا يصح القياس على الخطبة؛ لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيها لفظ بعينه في جميع خطبه، ولا أمر به، ولا يمنع من الكلام فيها والتلفظ ~~بما شاء من الكلام المباح، والصلاة بخلافه، وما قاله الشافعي عدول عن ~~المنصوص، فأشبه ما لو قال: الله العظيم. وقولهم: لم تغير بنيته ولا معناه. ~~لا يصح؛ لأنه نقله عن التنكير إلى التعريف، وكان متضمنا # PageV01P333 # لإضمار أو تقدير. فزال، فإن قوله " الله أكبر " التقدير: من كل شيء. # ولم يرد في كلام الله تعالى، ولا في كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا في المتعارف في كلام الفصحاء إلا هكذا، فإطلاق لفظ التكبير ينصرف إليها ~~دون غيرها، كما أن إطلاق لفظ التسمية ينصرف إلى قول " بسم الله " دون غيره، ~~وهذا يدل على أن غيرها ليس مثلا لها. ### | [فصل التكبير ركن في الصلاة] # (640) فصل: والتكبير ركن في الصلاة، لا تنعقد الصلاة إلا به، سواء تركه ~~عمدا أو سهوا، وهذا قول ربيعة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ~~ثور، وابن المنذر. وقال سعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، وقتادة، والحكم، ~~والأوزاعي: من نسي تكبيرة الافتتاح، أجزأته تكبيرة الركوع. ولنا، قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «تحريمها التكبير» . يدل على أنه لا يدخل في ~~الصلاة بدونه. ### | [فصل لا يصح التكبير إلا مرتبا] # (641) فصل: ولا يصح التكبير إلا مرتبا، فإن نكسه لم يصح؛ لأنه لا يكون ~~تكبيرا. ويجب على المصلي أن يسمعه نفسه إماما كان أو غيره، إلا أن يكون به ~~عارض من طرش، أو ما يمنعه السماع، فيأتي به بحيث لو كان سميعا أو لا عارض ~~به سمعه، ولأنه ذكر محله اللسان، ولا يكون كلاما بدون الصوت، والصوت ما ~~يتأتى سماعه، وأقرب السامعين إليه نفسه، فمتى لم ms0398 يسمعه لم يعلم أنه أتى ~~بالقول، ولا فرق بين الرجل والمرأة فيما ذكرناه. ### | [فصل يستحب للإمام أن يجهر بالتكبير] # (642) فصل: ويستحب للإمام أن يجهر بالتكبير، بحيث يسمع المأمومون ~~ليكبروا، فإنهم لا يجوز لهم التكبير إلا بعد تكبيره، فإن لم يمكنه إسماعهم، ~~جهر بعض المأمومين ليسمعهم، أو ليسمع من لا يسمع الإمام؛ لما روى جابر، ~~قال: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر خلفه، فإذا كبر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر أبو بكر؛ ليسمعنا» . متفق عليه. ### | [فصل يبين التكبير ولا يمد في غير موضع المد] # (643) فصل: ويبين التكبير، ولا يمد في غير موضع المد، فإن فعل بحيث تغير ~~المعنى، مثل أن يمد الهمزة الأولى، فيقول: آلله. فيجعلها استفهاما، أو يمد ~~أكبر. فيزيد ألفا، فيصير جمع كبر، # PageV01P334 # وهو الطبل، لم يجز؛ لأن المعنى يتغير به. وإن قال: الله أكبر وأعظم وأجل. ~~ونحوه، لم يستحب. نص عليه، وانعقدت الصلاة بالتكبيرة الأولى. ### | [فصل التكبير بغير العربية] # فصل: ولا يجزئه التكبير بغير العربية مع قدرته عليها. وبهذا قال الشافعي. ~~وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: يجزئه؛ لقول الله تعالى: {وذكر اسم ربه ~~فصلى} [الأعلى: 15] . وهذا قد ذكر اسم ربه. ولنا، ما تقدم من النصوص، وأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعدل عنها، وهذا يخص ما ذكروا. فإن لم ~~يحسن العربية، لزمه تعلم التكبير بها، فإن خشي فوات الوقت كبر بلغته. ذكره ~~القاضي في " المجرد ". وهو مذهب الشافعي. # وقال القاضي في " الجامع ": لا يكبر بغير العربية، ويكون حكمه حكم ~~الأخرس، كمن عجز عن القراءة بالعربية لا يعبر عنها بغيرها. والأول أصح؛ لأن ~~التكبير ذكر الله، وذكر الله تعالى يحصل بكل لسان، وأما القرآن فإنه عربي، ~~فإذا عبر عنه بغير العربية لم يكن قرآنا، والذكر لا يخرج بذلك عن كونه ~~ذكرا. ### | [فصل فإن كان أخرس أو عاجزا عن التكبير بكل لسان] # (645) فصل: فإن كان أخرس أو عاجزا عن التكبير بكل لسان، سقط عنه، وقال ~~القاضي: عليه تحريك لسانه؛ لأن الصحيح يلزمه ms0399 النطق بتحريك لسانه، فإذا عجز ~~عن أحدهما لزمه الآخر. ولا يصح هذا؛ لأنه قول عجز عنه، فلم يلزمه تحريك ~~لسانه في موضعه كالقراءة، وإنما لزمه تحريك لسانه بالتكبير مع القدرة عليه ~~ضرورة يوقف التكبير عليها، فإذا سقط التكبير سقط ما هو من ضرورته، كمن سقط ~~عنه القيام، سقط عنه النهوض إليه، وإن قدر عليه. ولأن تحريك اللسان من غير ~~نطق عبث لم يرد الشرع به، فلا يجوز في الصلاة، كالعبث بسائر جوارحه. ### | [فصل يأتي بالتكبير قائما] # (646) فصل: وعليه أن يأتي بالتكبير قائما. فإن انحنى إلى الركوع بحيث ~~يصير راكعا قبل إنهاء التكبير، لم تنعقد صلاته، إلا أن تكون نافلة؛ لسقوط ~~القيام فيها. ويحتمل أن لا تنعقد أيضا؛ لأن صفة الركوع غير صفة القعود، ولم ~~يأت التكبير قائما ولا قاعدا. ولو كان ممن تصح صلاته قاعدا، كان عليه ~~الإتيان بالتكبير قبل وجود الركوع منه. وقال القاضي: إن كبر في الفريضة، في ~~حال انحنائه إلى الركوع، انعقدت نفلا؛ لأنها امتنع وقوعها فرضا، وأمكن ~~جعلها نفلا، فأشبه من أحرم بفريضة، فبان أنه لم يدخل وقتها. ### | [فصل لا يكبر المأموم حتى يفرغ إمامه من التكبير] # (647) فصل: ولا يكبر المأموم حتى يفرغ إمامه من التكبير. وقال أبو حنيفة: ~~يكبر معه، كما يركع معه. # PageV01P335 # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، ~~فإذا كبر فكبروا» . متفق عليه. والركوع مثل ذلك، فإنه إنما يركع بعده، إلا ~~أنه لا تفسد صلاته بالركوع معه، لأنه قد دخل في الصلاة، وهاهنا بخلافه. فإن ~~كبر قبل إمامه، لم ينعقد تكبيره، وعليه استئناف التكبير بعد تكبير الإمام. ### | [فصل التكبير من الصلاة] # (648) فصل: والتكبير من الصلاة. وقال أصحاب أبي حنيفة. ليس هو منها؛ ~~بدليل إضافته إليها، بقوله: «تحريمها التكبير» ، ولا يضاف الشيء إلى نفسه. ~~ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة: «إنما هي التسبيح ~~والتكبير وقراءة القرآن» . رواه مسلم وأبو داود. وما ذكروه غلط؛ فإن أجزاء ~~الشيء تضاف إليه، كيد الإنسان ورأسه وأطرافه. ### | [مسألة وجوب النية ms0400 للصلاة] # (649) مسألة: قال: (وينوي بها المكتوبة، يعني بالتكبيرة. ولا نعلم خلافا ~~بين الأمة في وجوب النية للصلاة، وأن الصلاة لا تنعقد إلا بها) والأصل فيه ~~قول الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5] ~~. والإخلاص عمل القلب، وهو النية، وإرادة الله وحده دون غيره، وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى» . ومعنى ~~النية القصد، ومحلها القلب. وإن لفظ بما نواه، كان تأكيدا. فإن كانت الصلاة ~~مكتوبة، لزمته نية الصلاة بعينها؛ ظهرا، أو عصرا، أو غيرهما، فيحتاج إلى ~~نية شيئين؛ الفعل، والتعيين. # واختلف أصحابنا في نية الفرضية؛ فقال بعضهم: لا يحتاج إليها، لأن التعيين ~~يغني عنها؛ لكون الظهر مثلا لا يكون إلا فرضا من المكلف. وقال ابن حامد: لا ~~بد من نية الفرضية؛ لأن المعينة قد تكون نفلا، كظهر الصبي والمعادة، فيفتقر ~~إلى ثلاثة أشياء؛ الفعل، والتعيين، والفرضية. ويحتمل هذا كلام الخرقي؛ ~~لقوله: " ينوي بها المكتوبة " أي الواجبة المعينة. والألف واللام هنا ~~للمعهود، أي أنها المكتوبة الحاضرة. # وقال القاضي: ظاهر كلام الخرقي، أنه لا يفتقر إلى التعيين؛ لأنه إذا نوى ~~المفروضة انصرفت النية إلى الحاضرة. والصحيح أنه لا بد من التعيين، والألف ~~واللام هنا للمعهود، كما ذكرنا، والحضور لا يكفي عن النية؛ بدليل أنه لم ~~يغن عن نية المكتوبة، وقد يكون عليه صلوات، فلا تتعين إحداهن بدون التعيين. ~~فأما الفائتة، فإن عينها بقلبه أنها ظهر اليوم، لم يحتج إلى نية القضاء، ~~ولا الأداء، بل لو نواها أداء، فبان أن وقتها قد خرج وقعت قضاء من غير نية. # ولو ظن أن الوقت قد خرج، فنواها قضاء، فبان أنها في وقتها، وقعت أداء من ~~غير نية، كالأسير إذا تحرى وصام شهرا، يريد به شهر رمضان، فوافقه، أو ما ~~بعده، أجزأه. # PageV01P336 # وإن ظن أن عليه ظهرا فائتة، فقضاها في وقت ظهر اليوم، ثم تبين أنه لا ~~قضاء عليه، فهل يجزئه عن ظهر اليوم؟ يحتمل وجهين: أحدهما، يجزئه؛ لأن ~~الصلاة معينة، وإنما أخطأ في نية الوقت، ms0401 فلم يؤثر، كما إذا اعتقد أن الوقت ~~قد خرج، فبان أنه لم يخرج، أو كما لو نوى ظهر أمس، وعليه ظهر يوم قبله. # والثاني: لا يجزئه؛ لأنه لم ينو عين الصلاة، فأشبه ما لو نوى قضاء عصر، ~~لم يجزئه عن الظهر. ولو نوى ظهر اليوم في وقتها، وعليه فائتة، لم يجزئه ~~عنها، ويتخرج فيها كالتي قبلها. فأما إن كانت عليه فوائت، فنوى صلاة غير ~~معينة، لم يجزئه عن واحدة منها؛ لعدم التعيين. ولو نسي صلاة من يوم لا يعلم ~~عينها، لزمه خمس صلوات؛ ليعلم أنه أدى الفائتة. ولو نسي صلاة لا يدري أظهر ~~هي أم عصر، لزمه صلاتان، فإن صلى واحدة ينوي أنها الفائتة، لم يجزئه؛ لعدم ~~التعيين. # (650) فصل: فأما النافلة، فتنقسم إلى معينة، كصلاة الكسوف، والاستسقاء، ~~والتراويح، والوتر، والسنن الرواتب، فيفتقر إلى التعيين أيضا، وإلى مطلقة، ~~كصلاة الليل، فيجزئه نية الصلاة لا غير؛ لعدم التعيين فيها. ### | [فصل دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها] # (651) فصل: وإذا دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها، لم تصح؛ ~~لأن النية عزم جازم، ومع التردد لا يحصل الجزم. وإن تلبس بها بنية صحيحة، ~~ثم نوى قطعها، والخروج منها، بطلت. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا ~~تبطل بذلك؛ لأنها عبادة صح دخوله فيها، فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج. # ولنا، أنه قطع حكم النية قبل إتمام صلاته، ففسدت، كما لو سلم ينوي الخروج ~~منها، ولأن النية شرط في جميع الصلاة، وقد قطعها بما حدث، ففسدت لذهاب ~~شرطها، وفارقت الحج؛ فإنه لا يخرج منه بمحظوراته، ولا بمفسداته، بخلاف ~~الصلاة. فأما إن تردد في قطعها، فقال ابن حامد: لا تبطل؛ لأنه دخل فيها ~~بنية متيقنة، فلا تزول بالشك والتردد، كسائر العبادات. وقال القاضي: يحتمل ~~أن تبطل. وهو مذهب الشافعي؛ لأن استدامة النية شرط مع التردد لا يكون ~~مستديما لها، فأشبه ما لو نوى قطعها ### | [فصل استصحاب حكم النية دون حقيقتها] # (652) فصل: والواجب استصحاب حكم النية دون حقيقتها، بمعنى أنه لا ينوي ~~قطعها. ولو ms0402 ذهل عنها وعزبت عنه في أثناء الصلاة، لم يؤثر ذلك في صحتها؛ لأن ~~التحرز من هذا غير ممكن، ولأن النية لا تعتبر حقيقتها # PageV01P337 # في أثناء العبادة، بدليل الصوم وغيره، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «إذا أقيمت الصلاة أدبر الشيطان، وله حصاص، فإذا قضي ~~التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، حتى يظل ~~أحدكم أن لا يدري كم صلى» . متفق عليه. ورواه مالك، في " الموطأ ". وروي عن ~~عمر - رضي الله عنه - أنه صلى صلاة فلم يقرأ فيها، فقيل له: إنك لم تقرأ. ~~فقال: إني جهزت جيشا للمسلمين، حتى بلغت به وادي القرى ### | [فصل شك في أثناء الصلاة هل نوى أو لا أو شك في تكبيرة الإحرام] # (653) فصل: فإن شك في أثناء الصلاة، هل نوى أو لا؟ أو شك في تكبيرة ~~الإحرام، استأنفها؛ لأن الأصل عدم ما شك فيه؛ فإن ذكر أنه كان قد نوى أو ~~كبر قبل قطعها، أو أخذ في عمل، فله البناء؛ لأنه لم يوجد مبطل لها. وإن عمل ~~فيها عملا مع الشك، فقال القاضي: تبطل. # وهذا مذهب الشافعي؛ لأن هذا العمل عري عن النية وحكمها، فإن استصحاب ~~حكمها مع الشك لا يوجد. وقال ابن حامد: لا تبطل، ويبني أيضا؛ لأن الشك لا ~~يزيل حكم النية، بدليل ما لو لم يحدث عملا، فإنه يبني، ولو زال حكم النية ~~لبطلت الصلاة، كما لو نوى قطعها. وإن شك هل نوى فرضا أو نفلا؟ أتمها نفلا، ~~إلا أن يذكر أنه نوى الفرض قبل أن يحدث عملا. وإن ذكر ذلك بعد إحداث عمل، ~~خرج فيه الوجهان المذكوران في التي قبلها. # فإن شك، هل أحرم بظهر أو عصر؟ فحكمه حكم ما لو شك؛ في النية؛ لأن التعيين ~~شرط، وقد زال بالشك. ويحتمل أن يتمها نفلا، كما لو أحرم بفرض، فبان أنه قبل ~~وقته. ### | [فصل أحرم بفريضة ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى] # (654) فصل: وإذا أحرم بفريضة، ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى، بطلت الأولى، ms0403 ~~لأنه قطع نيتها، ولم تصح الثانية؛ لأنه لم ينوها من أولها. فإن نقلها إلى ~~نفل لغير غرض، فقال القاضي: لا يصح، رواية واحدة؛ لما ذكرناه. وقال في " ~~الجامع ": يخرج على روايتين. وقال أبو الخطاب: يكره، ويصح؛ لأن النفل يدخل ~~في نية الفرض، بدليل ما لو أحرم بفرض فبان أنه لم يدخل وقته، وصحة نقلها ~~إذا كان لغرض وللشافعي قولان كالوجهين. فأما إن نقلها لغرض صحيح، مثل من ~~أحرم بها منفردا، فحضرت جماعة، فجعلها نفلا ليصلي فرضه في جماعة. فقال أبو ~~الخطاب: تصح من غير كراهة. وقال القاضي: فيه روايتان: # PageV01P338 # إحداهما: لا يصح؛ لأنه لم ينو النفل من أولها. # والثانية، يصح؛ لأنه لفائدة، وهي تأدية فرضه في الجماعة مضاعفة للثواب، ~~بخلاف من نقلها لغير غرض، فإنه أبطل عمله لغير سبب ولا فائدة. ### | [مسألة تقديم النية على التكبير] # (655) مسألة: قال: (وإن تقدمت النية قبل التكبير وبعد دخول الوقت ما لم ~~يفسخها أجزأه) قال أصحابنا: يجوز تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير، ~~وإن طال الفصل أو فسخ نيته بذلك، لم يجزئه. وحمل القاضي كلام الخرقي على ~~هذا، وفسره به. وهذا مذهب أبي حنيفة. # وقال الشافعي وابن المنذر يشترط مقارنة النية للتكبير؛ لقوله تعالى: {وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5] . فقوله (مخلصين) حال ~~لهم في وقت العبادة، فإن الحال وصف هيئة الفاعل وقت الفعل، والإخلاص هو ~~النية، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» . ولأن ~~النية شرط، فلم يجز أن تخلو العبادة عنها، كسائر شروطها. # ولنا، أنها عبادة فجاز تقديم نيتها عليها، كالصوم، وتقديم النية على ~~الفعل لا يخرجه عن كونه منويا، ولا يخرج الفاعل عن كونه مخلصا، بدليل ~~الصوم، والزكاة إذا دفعها إلى وكيله، كسائر الأفعال في أثناء العبادة. ### | [مسألة رفع اليدين عند افتتاح الصلاة] # (656) مسألة: قال: (ويرفع يديه إلى فروع أذنيه، أو إلى حذو منكبيه) لا ~~نعلم خلافا في استحباب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. وقال ابن المنذر: لا ~~يختلف أهل العلم في أن النبي - صلى الله ms0404 عليه وسلم - كان يرفع يديه إذا ~~افتتح الصلاة. وقد ذكرنا حديث أبي حميد وروى ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - «إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ~~وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين» . ~~متفق عليه. # وهو مخير في رفعهما إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه، ومعناه أن يبلغ بأطراف ~~أصابعه ذلك الموضع، وإنما خير لأن كلا الأمرين مروي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فالرفع إلى حذو المنكبين؛ في حديث أبي حميد وابن عمر، ~~رواه علي وأبو هريرة، وهو قول الشافعي وإسحاق، والرفع إلى حذو الأذنين. ~~رواه وائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، رواه مسلم، وقال به ناس من أهل العلم، ~~وميل أحمد إلي الأول أكثر، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إلى أين يبلغ ~~بالرفع؟ قال: أما أنا فأذهب إلى المنكبين؛ لحديث ابن عمر، ومن ذهب إلى أن ~~يرفع يديه إلى حذو أذنيه فحسن. # وذلك لأن رواة الأول أكثر وأقرب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وجوز ~~الآخر لأن صحة روايته تدل على أنه كان يفعل هذا مرة وهذا مرة. # (657) فصل: ويستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع، ويضم بعضها إلى بعض؛ لما روى ~~أبو هريرة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P339 # كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدا» . وقال الشافعي: السنة أن يفرق ~~أصابعه؛ لما روي عن أبي هريرة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينشر ~~أصابعه للتكبير» . ولنا، ما ذكرناه، وحديثهم قال الترمذي: هذا خطأ، والصحيح ~~ما رويناه. ثم لو صح كان معناه مد أصابعه. # قال أحمد: أهل العربية قالوا: هذا الضم. وضم أصابعه. وهذا النشر. ومد ~~أصابعه. وهذا التفريق. وفرق أصابعه. ولأن النشر لا يقتضي التفريق كنشر ~~الثوب، ولهذا يستعمل في الشيء الواحد، ولا تفريق فيه. # (658) فصل: ويبتدئ رفع يديه مع ابتداء التكبير، ويكون انتهاؤه مع انقضاء ~~تكبيره، ولا يسبق أحدهما صاحبه، فإذا انقضى التكبير حط يديه، فإن نسي رفع ~~اليدين ms0405 حتى فرغ من التكبير، لم يرفعهما؛ لأنه سنة فات محلها. # وإن ذكره في أثناء التكبير رفع؛ لأن محله باق. فإن لم يمكنه رفع يديه إلى ~~المنكبين رفعهما قدر ما يمكنه. وإن أمكنه رفع إحداهما دون الأخرى رفعها؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم» وإن لم يمكنه رفعهما إلا بالزيادة على المسنون رفعهما؛ لأنه يأتي ~~بالسنة وزيادة مغلوب عليها. وقول الشافعي كقولنا في هذا الفصل جميعه. # (659) فصل: وإن كانت يداه في ثوبه، رفعهما بحيث يمكن؛ لما روى وائل بن ~~حجر، قال: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشتاء، فرأيت أصحابه ~~يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة» . وفي رواية، قال: ثم جئت في زمان فيه ~~برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب، تتحرك أيديهم تحت الثياب. رواهما ~~أبو داود وفي رواية؛ فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم. # (660) فصل: والإمام والمأموم والمنفرد في هذا سواء، وكذلك الفريضة ~~والنافلة، لأن الأخبار لا تفريق فيها. # فأما المرأة فذكر القاضي فيها روايتين عن أحمد إحداهما، ترفع؛ لما روى ~~الخلال، بإسناده عن أم الدرداء، وحفصة بنت سيرين أنهما كانتا ترفعان ~~أيديهما. وهو قول طاوس، ولأن من شرع في حقه التكبير شرع في حقه الرفع ~~كالرجل، فعلى هذا ترفع قليلا. قال أحمد: رفع دون الرفع. والثانية: لا يشرع؛ ~~لأنه في معنى التجافي، ولا يشرع ذلك لها، بل تجمع نفسها في الركوع والسجود ~~وسائر صلاتها. # PageV01P340 ### | [مسألة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة] # (661) مسألة: قال: (ثم يضع يده اليمنى على كوعه اليسرى) أما وضع اليمنى ~~على اليسرى في الصلاة، فمن سنتها في قول كثير من أهل العلم، يروى ذلك عن ~~علي، وأبي هريرة، والنخعي، وأبي مجلز، وسعيد بن جبير، والثوري، والشافعي ~~وأصحاب الرأي، وحكاه ابن المنذر عن مالك. # وظاهر مذهبه الذي عليه أصحابه إرسال اليدين، وروي ذلك عن ابن الزبير، ~~والحسن. ولنا: ما روى قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه» ، رواه الترمذي، ms0406 وقال: حديث ~~حسن، وعليه العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والتابعين، ومن بعدهم. وعن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان الناس يؤمرون ~~أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا ~~أعلمه إلا ينمي ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه البخاري. # وعن ابن مسعود، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر به وهو واضع شماله ~~على يمينه فأخذ يمينه فوضعها على شماله» رواه أبو داود. ورواهما الأثرم. ~~وفي (المسند) ، عن غطيف، قال: ما نسيت من الأشياء فلم أنس أني «رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا يمينه على شماله في الصلاة» . # ويستحب أن يضعها على كوعه، وما يقاربه؛ لما روى وائل بن حجر، أنه وصف ~~صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال في وصفه: ثم وضع يده اليمنى على ~~ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد. ### | [مسألة وضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة] # (662) مسألة: قال: (ويجعلهما تحت سرته) اختلفت الرواية في موضع وضعهما، ~~فروي عن أحمد، أنه يضعهما تحت سرته. روي ذلك عن علي، وأبي هريرة وأبي مجلز، ~~والنخعي، والثوري، وإسحاق؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - قال: من السنة ~~وضع اليمين على الشمال تحت السرة. رواه الإمام أحمد، وأبو داود. وهذا ينصرف ~~إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنه قول من ذكرنا من الصحابة. # وعن أحمد؛ أنه يضعهما فوق السرة. وهو قول سعيد بن جبير، والشافعي؛ لما ~~روى وائل بن حجر قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي فوضع يديه ~~على صدره إحداهما على الأخرى» . وعنه أنه مخير في ذلك؛ لأن الجميع مروي،، ~~والأمر في ذلك واسع ### | [مسألة الاستفتاح من سنن الصلاة] # (663) مسألة: قال: (ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى ~~جدك، ولا إله غيرك) وجملته أن الاستفتاح من سنن الصلاة في قول أكثر أهل ~~العلم، وكان مالك لا يراه، بل يكبر ويقرأ؛ لما روى أنس، قال: «كان النبي - ~~صلى ms0407 الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب ~~العالمين» . متفق عليه. # PageV01P341 # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستفتح بما سنذكره، وعمل به ~~الصحابة، - رضي الله عنهم -، وكان عمر يستفتح به في صلاته، يجهر به ليسمعه ~~الناس، وعبد الله بن مسعود، وحديث أنس أراد به القراءة، كما جاء في حديث ~~أبي هريرة: «إن الله تعالى قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» . وفسر ~~ذلك بالفاتحة. وهذا مثل قول عائشة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين» . # ويتعين حمله على هذا؛ لأنه قد ثبت عن الذين روى عنهم أنس الاستفتاح بما ~~ذكرناه. إذا ثبت هذا، فإن أحمد ذهب إلى الاستفتاح بهذا الذي ذكره الخرقي، ~~وقال: لو أن رجلا استفتح ببعض ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~الاستفتاح، كان حسنا. أو قال " جائزا "، وكذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم عمر ~~بن الخطاب، وابن مسعود، والثوري وإسحاق، وأصحاب الرأي. قال الترمذي: وعليه ~~العمل عند أهل العلم من التابعين، وغيرهم. # وذهب الشافعي وابن المنذر، إلى الاستفتاح بما قد روي عن علي، قال «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة كبر، ثم قال: وجهت ~~وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول ~~المسلمين، أنت الملك لا إله إلا أنت، أنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، ~~فاغفر لي ذنوبي جميعا، لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا ~~يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك ~~وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت ربنا ~~وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» . رواه مسلم. وأبو داود، والنسائي. # وروى أبو هريرة، قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كبر في ~~الصلاة أسكت إسكاتة. حسبته قال: هنيهة. بين التكبير والقراءة، فقلت: يا ~~رسول ms0408 الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت إسكاتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ ~~قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، ~~اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من ~~خطاياي بالثلج والماء والبرد» متفق عليه. # ولنا، ما روت عائشة، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~استفتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم، وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا ~~إله غيرك.» رواه أبو داود، وابن ماجه والترمذي. وعن أبي سعيد عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مثله. رواه النسائي والترمذي. ورواه أنس، وإسناد ~~حديثه كلهم ثقات. رواه الدارقطني وعمل به السلف وكان عمر - رضي الله عنه - ~~يستفتح به بين يدي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فروى الأسود، ~~أنه صلى خلف عمر، فسمعه كبر، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، ~~وتعالى جدك، ولا إله غيرك. # فلذلك اختاره أحمد، وجوز الاستفتاح بغيره، لكونه # PageV01P342 # قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه قال في حديث علي: بعضهم ~~يقول في صلاة الليل. ولأن العمل به متروك، فإنا لا نعلم أحدا يستفتح به ~~كله، وإنما يستفتحون بأوله. # (664) فصل: قال أحمد: ولا يجهر الإمام بالافتتاح. وعليه عامة أهل العلم؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجهر به، وإنما جهر به عمر، ليعلم ~~الناس. وإذا نسي الاستفتاح، أو تركه عمدا حتى شرع في الاستعاذة، لم يعد ~~إليه؛ لأنه سنة فات محلها. وكذلك إن نسي التعوذ حتى شرع في القراءة، لم يعد ~~إليه لذلك. ### | [مسألة الاستعاذة قبل القراءة في الصلاة] # (665) مسألة: قال (ثم يستعيذ) وجملة ذلك أن الاستعاذة قبل القراءة في ~~الصلاة سنة. وبذلك قال الحسن وابن سيرين، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، ~~والشافعي، وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال مالك: لا يستعيذ؛ لحديث أنس ولنا قول ~~الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: ~~98] . # وعن أبي سعيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه كان إذا قام إلى ~~الصلاة استفتح، ثم يقول: أعوذ بالله السميع ms0409 العليم من الشيطان الرجيم، من ~~همزه، ونفخه، ونفثه» قال الترمذي: هذا أشهر حديث في الباب. وقال ابن المنذر ~~جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم» . وحديث أنس قد مضى جوابه. # وصفة الاستعاذة: أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وهذا قول أبي ~~حنيفة والشافعي؛ لقول الله تعالى {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: ~~98] وعن أحمد أنه يقول؛ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ لخبر ~~أبي سعيد ولقول الله تعالى {فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت: 36] ~~وهذا متضمن لزيادة، ونقل حنبل عنه: أنه يزيد بعد ذلك: إن الله هو السميع ~~العليم. وهذا كله واسع، وكيفما استعاذ فهو حسن، ويسر الاستعاذة، ولا يجهر ~~بها، لا أعلم فيه خلافا. ### | [مسألة قراءة الفاتحة في الصلاة] # (666) مسألة: قال: (ثم يقرأ: الحمد لله رب العالمين) وجملة ذلك أن قراءة ~~الفاتحة واجبة في الصلاة، وركن من أركانها، لا تصح إلا بها في المشهور عن ~~أحمد. نقله عنه الجماعة. وهو قول مالك، والثوري، والشافعي وروي عن عمر بن ~~الخطاب، وعثمان بن أبي العاص وسعيد بن جبير - رضي الله عنهم -، أنهم قالوا: ~~لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وروي عن أحمد رواية أخرى، أنها لا تتعين، ~~وتجزئ قراءة آية من القرآن، من أي موضع كان. وهذا قول أبي حنيفة؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسيء في صلاته: «ثم اقرأ ما تيسر معك من ~~القرآن» # PageV01P343 # وقول الله تعالى {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] وقوله ~~{فاقرءوا ما تيسر منه} [المزمل: 20] . ولأن الفاتحة وسائر القرآن سواء في ~~سائر الأحكام، فكذا في الصلاة. # ولنا ما روى عبادة بن الصامت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه ولأن القراءة ركن في ~~الصلاة، فكانت معينة كالركوع والسجود. وأما خبرهم، فقد روى الشافعي، ~~بإسناده عن رفاعة بن رافع «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~للأعرابي: ثم اقرأ بأم القرآن، وما شاء ms0410 الله أن تقرأ» ثم نحمله على ~~الفاتحة، وما تيسر معها، مما زاد عليها، ويحتمل أنه لم يكن يحسن الفاتحة. ~~وأما الآية، فتحتمل أنه أراد الفاتحة وما تيسر معها، ويحتمل أنها نزلت قبل ~~نزول الفاتحة، لأنها نزلت بمكة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مأمور بقيام ~~الليل، فنسخه الله تعالى عنه بها، والمعنى الذي ذكروه أجمعوا على خلافه، ~~فإن من ترك الفاتحة كان مسيئا بخلاف بقية السور. ### | [مسألة قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة] # (667) مسألة: قال: (ويبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم) وجملة ذلك أن ~~قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) . مشروعة في الصلاة، في أول الفاتحة، وأول ~~كل سورة، في قول أكثر أهل العلم. وقال مالك والأوزاعي: لا يقرؤها في أول ~~الفاتحة؛ لحديث أنس. وعن ابن عبد الله بن المغفل، قال: سمعني أبي وأنا ~~أقول: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال: أي بني، محدث؟ إياك والحدث. قال: ولم ~~أر واحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أبغض إليه الحدث ~~في الإسلام - يعني منه. فإني صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي ~~بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا صليت فقل: ~~الحمد لله رب العالمين. أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن. # ولنا، ما روي عن نعيم المجمر، أنه قال: «صليت وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم ~~الله الرحمن الرحيم. ثم قرأ بأم القرآن، وقال: والذي نفسي بيده، إني ~~لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -» أخرجه النسائي. وروى ابن ~~المنذر «، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الصلاة: بسم الله ~~الرحمن الرحيم» . وعن أم سلمة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في ~~الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم، وعدها آية، و {الحمد لله رب العالمين} ~~[الفاتحة: 2] اثنين» . فأما حديث أنس، فقد سبق جوابه. ثم نحمله على أن الذي ~~كان يسمع منهم: الحمد لله رب العالمين. وقد جاء مصرحا به. # وروى شعبة، وشيبان عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك، قال «صليت خلف النبي ~~- صلى ms0411 الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله ~~الرحمن الرحيم» . وفي لفظ: فكلهم يخفي بسم الله الرحمن الرحيم. وفي لفظ، أن ~~رسول الله كان يسر: بسم الله الرحمن الرحيم وأبا بكر وعمر. رواه ابن شاهين. # وحديث ابن عبد الله بن المغفل محمول على هذا أيضا، جمعا بين الأخبار # PageV01P344 # ولأن (بسم الله الرحمن الرحيم) يستفتح بها سائر السور، فاستفتاح الفاتحة ~~بها أولى، لأنها أول القرآن وفاتحته، وقد سلم مالك هذا، فإنه قال في قيام ~~رمضان: لا يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول الفاتحة، ويستفتح بها بقية ~~السور. ### | [مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة] # مسألة: قال: (ولا يجهر بها) يعني (بسم الله الرحمن الرحيم) . ولا تختلف ~~الرواية عن أحمد أن الجهر بها غير مسنون. قال الترمذي: وعليه العمل عند ~~أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم من ~~التابعين، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وذكره ابن المنذر، عن ابن مسعود، ~~وابن الزبير، وعمار. وبه يقول الحكم وحماد، والأوزاعي، والثوري، وابن ~~المبارك، وأصحاب الرأي. # ويروى عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، الجهر بها وهو مذهب ~~الشافعي؛ لحديث أبي هريرة، أنه قرأها في الصلاة وقد صح أنه قال: ما أسمعنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسمعناكم، وما أخفى علينا أخفيناه عليكم. ~~متفق عليه. وعن أنس، «أنه صلى وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وقال: أقتدي ~~بصلاة # PageV01P345 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . ولما تقدم من حديث أم سلمة وغيره، ~~ولأنها آية من الفاتحة، فيجهر بها الإمام في صلاة الجهر، كسائر آياتها. # ولنا، حديث أنس، وعبد الله بن المغفل. وعن عائشة، - رضي الله عنها - «، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة ~~بالحمد لله رب العالمين» . متفق عليه. وروى أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله: ms0412 ~~حمدني عبدي. وذكر الخبر.» أخرجه مسلم. # وهذا يدل على أنه لم يذكر " بسم الله الرحمن الرحيم "، ولم يجهر بها. ~~وحديث أبي هريرة الذي احتجوا به ليس فيه أنه جهر بها، ولا يمتنع أن يسمع ~~منه حال الإسرار، كما سمع الاستفتاح والاستعاذة من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مع إسراره بهما، وقد روى أبو قتادة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يسمعهم الآية أحيانا في صلاة الظهر» . متفق عليه. وحديث أم سلمة ليس ~~فيه أنه جهر بها، وسائر أخبار الجهر ضعيفة؛ فإن رواتها هم رواة الإخفاء، ~~وإسناد الإخفاء صحيح ثابت بغير خلاف فيه، فدل على ضعف رواية الجهر، وقد ~~بلغنا أن الدارقطني قال: لم يصح في الجهر حديث. ### | [فصل البسملة هل هي آية من الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة أو لا] # (669) فصل: واختلفت الرواية عن أحمد؛ هل هي آية من الفاتحة يجب قراءتها ~~في الصلاة، أو لا؟ فعنه أنها من الفاتحة. وذهب إليه أبو عبد الله ابن بطة، ~~وأبو حفص. وهو قول ابن المبارك، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد. قال ابن ~~المبارك: من ترك (بسم الله الرحمن الرحيم) فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية. # وكذلك قال الشافعي: هي آية من كل سورة؛ لحديث أم سلمة. وروى أبو هريرة، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قرأتم: الحمد لله رب العالمين، ~~فاقرءوا: بسم الله الرحمن الرحيم. فإنها أم الكتاب، وإنها # PageV01P346 # السبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها» . ولأن الصحابة - رضي ~~الله عنهم -، أثبتوها في المصاحف بخطها، ولم يثبتوا بين الدفتين سوى ~~القرآن. وروي عن أحمد، أنها ليست من الفاتحة، ولا آية من غيرها، ولا يجب ~~قراءتها في الصلاة. وهي المنصورة عند أصحابه، وقول أبي حنيفة، ومالك، ~~والأوزاعي، وعبد الله بن معبد الزماني. # واختلف عن أحمد فيها، فقيل عنه: هي آية مفردة كانت تنزل بين سورتين، فصلا ~~بين السور. وعنه: إنما هي بعض آية من سورة النمل. كذلك قال عبد الله بن ~~معبد، والأوزاعي: ما أنزل الله " بسم الله الرحمن الرحيم ms0413 " إلا في سورة ~~{إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30] . # والدليل على أنها ليست من الفاتحة، ما روى أبو هريرة، قال: سمعت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله ~~تعالى: حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله: أثنى علي عبدي. ~~فإذا قال: مالك يوم الدين. قال الله: مجدني عبدي. فإذا قال: إياك نعبد ~~وإياك نستعين. قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ~~اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين. قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل» . أخرجه مسلم. # فلو كانت (بسم الله الرحمن الرحيم) آية لعدها، وبدأ بها، ولم يتحقق ~~التنصيف، لأن آيات الثناء تكون أربعا ونصفا، وآيات الدعاء اثنتين ونصفا. ~~وعلى ما ذكرناه يتحقق التنصيف. فإن قيل: فقد روى عبد الله بن زياد بن ~~سمعان: «يقول عبدي إذا افتتح الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم. فيذكرني عبدي» ~~. قلنا: ابن سمعان متروك الحديث، لا يحتج به. قاله الدارقطني. واتفاق ~~الرواة على خلاف روايته أولى بالصواب. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «سورة هي ثلاثون آية شفعت ~~لقارئها، ألا وهي تبارك الذي بيده الملك» . وهي ثلاثون آية سوى " بسم الله ~~الرحمن الرحيم "، وأجمع الناس على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، بدون (بسم ~~الله الرحمن الرحيم) ولو كانت منها لكانت أربعا، ولأن مواضع الآي تجري مجرى # PageV01P347 # الآي أنفسها، في أنها لا تثبت إلا بالتواتر، ولم ينقل في ذلك تواتر. # فأما قول أم سلمة فمن رأيها، ولا ينكر الاختلاف في ذلك. على أننا نقول: ~~هي آية مفردة للفصل بين السور. وحديث أبي هريرة موقوف عليه، فإنه من رواية ~~أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، قال قال أبو ~~بكر: راجعت فيه نوحا فوقفه. وهذا يدل على أن رفعه كان وهما من عبد الحميد. ~~وأما ms0414 إثباتها بين السور في المصحف، فللفصل بينها، ولذلك أفردت سطرا على ~~حدتها. ### | [فصل قراءة الفاتحة في الصلاة مرتبة مشددة غير ملحون فيها] # فصل: يلزمه أن يأتي بقراءة الفاتحة مرتبة مشددة، غير ملحون فيها لحنا ~~يحيل المعنى، فإن ترك ترتيبها، أو شدة منها، أو لحن لحنا يحيل المعنى، مثل ~~أن يكسر كاف (إياك) ، أو يضم تاء (أنعمت) ، أو يفتح ألف الوصل في (اهدنا) ، ~~لم يعتد بقراءته، إلا أن يكون عاجزا عن غير هذا. ذكر القاضي نحو هذا في ~~(المجرد) ، وهو مذهب الشافعي. وقال القاضي في (الجامع) : لا تبطل بترك شدة؛ ~~لأنها غير ثابتة في خط المصحف، هي صفة للحرف، ويسمى تاركها قارئا. # والصحيح الأول؛ لأن الحرف المشدد أقيم مقام حرفين، بدليل أن شدة راء ~~(الرحمن) أقيمت مقام اللازم، وشدة لام (الذين) أقيمت مقام اللازم أيضا، ~~فإذا أخل بها أخل بالحرف وما يقوم مقامه، وغير المعنى، إلا أن يريد أنه ~~أظهر المدغم، مثل من يقول " الرحمن " مظهرا للام، فهذا تصح صلاته؛ لأنه ~~إنما ترك الإدغام، وهو معدود لحنا لا يغير المعنى. # قال: ولا يختلف المذهب، أنه إذا لينها، ولم يحققها على الكمال، أنه لا ~~يعيد الصلاة؛ لأن ذلك لا يحيل المعنى، ويختلف باختلاف الناس. ولعله إنما ~~أراد في (الجامع) هذا المعنى، فيكون قوله متفقا. ولا يستحب المبالغة في ~~التشديد، بحيث يزيد على قدر حرف ساكن؛ لأنها في كل موضع أقيمت مقام حرف ~~ساكن؛ فإذا زادها على ذلك زادها عما أقيمت مقامه، فيكون مكروها. وفي (بسم ~~الله الرحمن الرحيم) ثلاث شدات، وفيما عداها إحدى عشرة تشديدة، بغير اختلاف # PageV01P348 ### | [فصل أقل ما يجزئ في قراءة الفاتحة] # (671) فصل: وأقل ما يجزئ فيها قراءة مسموعة، يسمعها نفسه، أو يكون بحيث ~~يسمعها لو كان سميعا، كما قلنا في التكبير، فإن ما دون ذلك ليس بقراءة. ~~والمستحب أن يأتي بها مرتلة معربة، يقف فيها عند كل آية، ويمكن حروف المد ~~واللين، ما لم يخرجه ذلك إلى التمطيط؛ لقول الله تعالى: {ورتل القرآن ~~ترتيلا} [المزمل: 4] . وروي عن أم سلمة، ms0415 «أنها سئلت عن قراءة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قالت: كان يقطع قراءته آية آية: بسم الله الرحمن ~~الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين» . رواه الإمام ~~أحمد، في (مسنده) وعن أنس، قال: «كانت قراءة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم. يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ~~ويمد بالرحيم.» أخرجه البخاري. فإن انتهى ذلك إلى التمطيط والتلحين كان ~~مكروها؛ لأنه ربما جعل الحركات حروفا. قال أحمد: يعجبني من قراءة القرآن ~~السهلة. # وقال: قوله: «زينوا القرآن بأصواتكم» قال: يحسنه بصوته من غير تكلف. وقد ~~روي في خبر آخر: " أحسن الناس قراءة، من إذا سمعت قراءته رأيت أنه يخشى ~~الله ". وروي: (إن هذا القرآن نزل بحزن، فاقرءوه بحزن) ### | [فصل قطع قراءة الفاتحة في الصلاة] # (672) فصل: فإن قطع قراءة الفاتحة بذكر؛ من دعاء، أو قراءة، أو سكوت ~~يسير، أو فرغ الإمام من الفاتحة في أثناء قراءة المأموم، قال: آمين. ولا ~~تنقطع قراءته؛ لقول أحمد: إذا مرت به آية رحمة سأل، وإذا مرت به آية عذاب ~~استعاذ. وإن كثر ذلك استأنف قراءتها، إلا أن يكون السكوت مأمورا به، ~~كالمأموم يشرع في قراءة الفاتحة، ثم يسمع قراءة الإمام، فينصت له، فإذا سكت ~~الإمام أتم قراءتها، وأجزأته. أومأ إليه أحمد. # وكذلك إن كان السكوت نسيانا، أو نوما، أو لانتقاله إلى غيرها غلطا، لم ~~يبطل، فمتى ذكر أتى بما بقي منها. فإن تمادى فيما هو فيه بعد ذكره، أبطلها، ~~ولزمه استئنافها، كما لو ابتدأ بذلك. فإن نوى قطع قراءتها، من غير أن ~~يقطعها، لم تنقطع؛ لأن فعله مخالف لنيته، والاعتبار بالفعل لا بالنية. وكذا ~~إن سكت مع النية سكوتا يسيرا؛ لما ذكرناه من أنه لا عبرة بالنية، فوجودها ~~كعدمها. وذكر القاضي في (الجامع) ، أنه متى سكت مع النية أبطلها، ومتى عدل ~~إلى قراءة غير الفاتحة عمدا، أو دعاء غير مأمور به، بطلت قراءته. # ولم يفرق بين قليل أو كثير. وإن قدم آية منها في غير موضعها عمدا، ms0416 ~~أبطلها. وإن كان غلطا، رجع إلى موضع الغلط فأتمها. والأولى، إن شاء الله، ~~ما ذكرناه؛ لأن المعتبر في القراءة وجودها، لا نيتها، فمتى قرأها متواصلة ~~تواصلا قريبا صحت، كما لو كان ذلك عن غلط. # PageV01P349 ### | [فصل قراءة الفاتحة في كل ركعة] # (673) فصل: ويجب قراءة الفاتحة في كل ركعة في الصحيح من المذهب. وهذا ~~مذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي. وعن أحمد: أنها لا تجب إلا في ركعتين من ~~الصلاة. ونحوه عن النخعي، والثوري، وأبي حنيفة؛ لما روي، عن علي، - رضي ~~الله عنه - أنه قال: اقرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين. ولأن القراءة لو ~~وجبت في بقية الركعات، لسن الجهر بها في بعض الصلوات، كالأوليين. وعن ~~الحسن: أنه إن قرأ في ركعة واحدة، أجزأه؛ لقول الله تعالى: {فاقرءوا ما ~~تيسر من القرآن} [المزمل: 20] . # وعن مالك، أنه إن قرأ في ثلاث، أجزأه؛ لأنها معظم الصلاة. ولنا، ما روى ~~أبو قتادة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر في ~~الأوليين بأم الكتاب وسورتين، ويطول الأولى، ويقصر في الثانية، ويسمع الآية ~~أحيانا، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب» متفق عليه «. وقال: صلوا كما ~~رأيتموني أصلي» متفق عليه. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب» . وعنه، وعن ~~عبادة، قالا: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ بفاتحة ~~الكتاب، في كل ركعة» . رواهما إسماعيل بن سعيد الشالنجي. ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - علم المسيء في صلاته كيف يصلي الركعة الأولى، ثم قال: ~~(وافعل ذلك في صلاتك كلها) . # فيتناول الأمر بالقراءة. وعن جابر قال: (من صلى ركعة، فلم يقرأ فيها فلم ~~يصل. إلا خلف الإمام) رواه مالك، في " الموطأ ". وحديث علي يرويه الحارث ~~الأعور، قال الشعبي: كان كذابا. ثم هو من قول علي. وقد خالفه عمر، وجابر، ~~والإسرار لا ينفي الوجوب؛ بدليل الأوليين من الظهر والعصر. ### | [فصل لا تجزئه القراءة بغير العربية في الصلاة] # (674) فصل: ولا تجزئه القراءة بغير العربية، ولا ms0417 إبدال لفظها بلفظ عربي، ~~سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن. وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ~~ومحمد. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك. وقال بعض أصحابه: # PageV01P350 # أنما يجوز لمن لم يحسن العربية. واحتج بقوله تعالى: {وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] . ولا ينذر كل قوم إلا بلسانهم ~~ولنا قول الله تعالى: {قرآنا عربيا} [يوسف: 2] . # وقوله تعالى: {بلسان عربي مبين} [الشعراء: 195] . ولأن القرآن معجزة؛ ~~لفظه، ومعناه، فإذا غير خرج عن نظمه، فلم يكن قرآنا ولا مثله، وإنما يكون ~~تفسيرا له، ولو كان تفسيره مثله لما عجزوا عنه لما تحداهم بالإتيان بسورة ~~من مثله، أما الإنذار، فإنه إذا فسره لهم كان الإنذار بالمفسر دون التفسير. ~~(675) فصل: فإن لم يحسن القراءة بالعربية، لزمه التعلم، فإن لم يفعل مع ~~القدرة عليه، لم تصح صلاته، فإن لم يقدر أو خشي فوات الوقت، وعرف من ~~الفاتحة آية، كررها سبعا. قال القاضي: لا يجزئه غير ذلك؛ لأن الآية منها ~~أقرب إليها من غيرها. # وكذلك إن أحسن منها أكثر من ذلك، كرره بقدره. ويحتمل أن يأتي ببقية الآي ~~من غيرها؛ لأن هذه الآية يسقط فرضها بقراءتها، فيعدل عن تكرارها إلى غيرها، ~~كمن وجد بعض الماء، فإنه يغسل به، ويعدل إلى التيمم. وذكر القاضي هذا ~~الاحتمال في " الجامع ". ولأصحاب الشافعي وجهان، كما ذكرنا. فأما إن عرف ~~بعض آية، لم يلزمه تكرارها، وعدل إلى غيرها؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر الذي لا يحسن القرآن أن يقول: (الحمد لله) وغيرها. # وهي بعض آية، ولم يأمره بتكرارها. # وإن لم يحسن شيئا منها، وكان يحفظ غيرها من القرآن، قرأ منه بقدرها إن ~~قدر، لا يجزئه غيره؛ لما روى أبو داود، عن رفاعة بن رافع، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا قمت إلى الصلاة، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، ~~وإلا فاحمد الله، وهلله، وكبره» ولأنه من جنسها، فكان أولى. ويجب أن يقرأ ~~بعدد آياتها. # وهل يعتبر أن يكون بعدد حروفها؟ فيه وجهان: أحدهما، لا يعتبر؛ لأن الآيات ms0418 ~~هي المعتبرة، بدليل أنه لا يكفي عدد الحروف دونها، فأشبه من فاته صوم يوم ~~طويل، فلا يعتبر أن يكون القضاء في يوم على قدر ساعات الأداء. والثاني: ~~يلزمه ذلك؛ لأن الحرف مقصود؛ بدليل تقدير الحسنات به، ويخالف الصوم، إذ لا ~~يمكن اعتبار المقدار في الساعات إلا بمشقة. فإن لم يحسن إلا آية، كررها ~~سبعا. فإن لم يحسن شيئا من القرآن، ولا أمكنه التعلم قبل خروج الوقت، لزمه ~~أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، # PageV01P351 # والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لما روى أبو داود، قال «جاء رجل ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من ~~القرآن، فعلمني ما يجزئني منه. فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله قال: هذا لله. فما لي؟ ~~قال: تقول: اللهم اغفر لي، وارحمني، وارزقني، واهدني، وعافني» . # ولا يلزمه الزيادة على الخمس الأول؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اقتصر عليها، وإنما زاده عليها حين طلب الزيادة. وذكر بعض أصحاب الشافعي، ~~أنه يزيد على هذه الخمس كلمتين، حتى تكون مقام سبع آيات. ولا يصح؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه ذلك جوابا لقوله: علمني ما يجزئني. # والسؤال كالمعتاد في الجواب، فكأنه قال: يجزئك هذا. وتفارق القراءة من ~~غير الفاتحة؛ لأنه بدل من غير الجنس، فأشبه التيمم. فإن لم يحسن هذه ~~الكلمات كلها، قال ما يحسن منها. وينبغي أن يلزمه تكرار ما يحسن منها ~~بقدرها، كمن يحسن بعض الفاتحة. ويحتمل أن يجزئه التحميد والتهليل والتكبير؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا ~~فاحمد الله، وهلله، وكبره» رواه أبو داود. ### | [مسألة التأمين عند فراغ الفاتحة في الصلاة] # (676) مسألة: قال: (فإذا قال: ولا الضالين، قال: آمين) وجملته أن التأمين ~~عند فراغ الفاتحة سنة للإمام والمأموم. روي ذلك عن ابن عمر وابن الزبير، ~~وبه قال الثوري، وعطاء، والشافعي، ويحيى بن يحيى، ms0419 وإسحاق، وأبو خيثمة، وابن ~~أبي شيبة، وسليمان بن داود، وأصحاب الرأي. # وقال أصحاب مالك: لا يحسن التأمين للإمام؛ لما روى مالك، عن سمي، عن أبي ~~صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قال ~~الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول ~~الملائكة غفر له» . وهذا دليل على أنه لا يقولها. ولنا، ما روى أبو هريرة، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه ~~من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له» متفق عليه وروى وائل بن حجر «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قال: ولا الضالين. قال: آمين، ورفع ~~بها صوته» ، رواه أبو داود ورواه الترمذي، وقال: ومد بها صوته. وقال: هو ~~حديث حسن # ، وقد قال بلال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تسبقني بآمين) . ~~وحديثهم لا حجة لهم فيه، وإنما قصد به تعريفهم موضع تأمينهم، وهو عقيب قول ~~الإمام: (ولا الضالين) . لأنه موضع تأمين الإمام، ليكون تأمين الإمام ~~والمأمومين في وقت واحد موافقا لتأمين الملائكة، وقد جاء هذا مصرحا به، كما ~~قلنا، وهو ما روي عن الإمام أحمد، في " مسنده ". عن أبي هريرة، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: إذا قال الإمام: ولا الضالين. فقولوا: آمين. فإن ~~الملائكة تقول: آمين. والإمام يقول: آمين. فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة ~~غفر له ما تقدم من ذنبه» ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في اللفظ ~~الآخر: (إذا أمن الإمام) . # يعني إذا شرع في التأمين # PageV01P352 # (677) فصل: ويسن أن يجهر به الإمام والمأموم فيما يجهر فيه بالقراءة، ~~وإخفاؤها فيما يخفي فيه. وقال أبو حنيفة، ومالك في إحدى الروايتين عنه: يسن ~~إخفاؤها؛ لأنه دعاء. فاستحب إخفاؤه كالتشهد. # ولنا «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: آمين. ورفع بها صوته» ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتأمين عند تأمين الإمام، فلو لم يجهر ~~به لم يعلق عليه، كحالة الإخفاء. وما ذكروه يبطل بآخر الفاتحة، فإنه دعاء ~~ويجهر ms0420 به، ودعاء التشهد تابع له. فيتبعه في الإخفاء، وهذا تابع للقراءة ~~فيتبعها في الجهر. # فصل: فإن نسي الإمام التأمين أمن المأموم، ورفع صوته؛ ليذكر الإمام، ~~فيأتي به، لأنه سنة قولية إذا تركها الإمام أتى بها المأموم، كالاستعاذة، ~~وإن أخفاها الإمام جهر بها المأموم؛ لما ذكرناه. وإن ترك التأمين نسيانا، ~~أو عمدا، حتى شرع في قراءة السورة، لم يأت به؛ لأنه سنة فات محلها. # (679) فصل: في " آمين " لغتان: قصر الألف، ومدها، مع التخفيف فيهما، قال ~~الشاعر: # تباعد مني فطحل إذ دعوته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا # وأنشدوا في الممدود: # يا رب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا # ومعنى " آمين " اللهم استجب لي. قاله الحسن. # وقيل: هو اسم من أسماء الله عز وجل. ولا يجوز التشديد فيها؛ لأنه يحيل ~~معناها، فيجعله بمعنى قاصدين، كما قال الله تعالى: {ولا آمين البيت الحرام} ~~[المائدة: 2] . # (680) فصل: يستحب أن يسكت الإمام عقيب قراءة الفاتحة سكتة يستريح فيها، ~~ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة، كي لا ينازعوه فيها. وهذا مذهب الأوزاعي، ~~والشافعي، وإسحاق. وكرهه مالك، وأصحاب الرأي. ولنا، ما روى أبو داود، وابن ~~ماجه أن، سمرة، حدث، أنه حفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكتتين؛ ~~سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) ~~فأنكر عليه عمران، فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب، فكان في كتابه إليهما، أن ~~سمرة قد حفظ. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: للإمام سكتتان، فاغتنموا فيهما ~~القراءة بفاتحة الكتاب، إذا دخل في الصلاة وإذا قال ولا الضالين. # PageV01P353 # وقال عروة بن الزبير: أما أنا فأغتنم من الإمام اثنتين، إذا قال (غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين) . فأقرأ عندها، وحين يختم السورة، فأقرأ قبل أن ~~يركع. وهذا يدل على اشتهار ذلك فيما بينهم. رواه الأثرم. ### | [مسألة قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة] # (681) مسألة: قال: (ثم يقرأ سورة في ابتدائها بسم الله الرحمن الرحيم) لا ~~نعلم بين أهل العلم خلافا في أنه ms0421 يسن قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين ~~الأوليين من كل صلاة، ويجهر بها فيما يجهر فيه بالفاتحة، ويسر فيما يسر بها ~~فيه. والأصل في هذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن أبا قتادة روى ~~«، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الركعتين الأوليين من ~~الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، ويسمع ~~الآية أحيانا، وكان يقرأ في الركعتين الأوليين من العصر بفاتحة الكتاب ~~وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، وكان يطول في الأولى من صلاة ~~الصبح، ويقصر في الثانية» . وفي رواية: في الظهر كان يقرأ في الركعتين ~~الأخريين بأم الكتاب. متفق عليه # وروى أبو برزة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الصبح من ~~الستين إلى المائة. وقد اشتهرت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - للسورة ~~مع الفاتحة في صلاة الجهر، ونقل نقلا متواترا، وأمر به معاذا، فقال: اقرأ ~~بالشمس وضحاها، وبسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى» متفق عليه. # ويسن أن يفتتح السورة بقراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وافق مالك على ~~هذا؛ فإنه قال في قيام رمضان: لا يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول ~~الفاتحة، ويستفتح بها في بقية السور. ويسر بها في السورة كما يسر بها في ~~أول الفاتحة، والخلاف هاهنا كالخلاف ثم، وقد سبق القول فيه ### | [فصل يقرأ الفاتحة بما في مصحف عثمان] # (682) فصل: ويقرأ بما في مصحف عثمان. ونقل عن أحمد أنه كان يختار قراءة ~~نافع من طريق إسماعيل بن جعفر. قال: فإن لم يكن فقراءة عاصم، من طريق أبي ~~بكر بن عياش. وأثنى على قراءة أبي عمرو بن العلاء. ولم يكره قراءة أحد من ~~العشر، إلا قراءة حمزة والكسائي؛ لما فيها من الكسر والإدغام، والتكلف، ~~وزيادة المد. # وروي عن زيد بن ثابت، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «نزل ~~القرآن بالتفخيم» وعن ابن عباس قال: أنزل القرآن بالتفخيم والتثقيل، نحو ~~الجمعة وأشباه ذلك، ونقل عنه التسهيل في ذلك، وأن قراءتهما في الصلاة ~~جائزة. ms0422 قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إمام كان يصلي بقراءة حمزة أصلي ~~خلفه؟ قال: لا يبلغ به هذا كله، ولكنها لا تعجبني قراءة حمزة. # (683) فصل: فأما ما يخرج عن مصحف عثمان، كقراءة ابن مسعود وغيرها، فلا ~~ينبغي أن يقرأ بها في الصلاة؛ # PageV01P354 # لأن القرآن ثبت بطريق التواتر، وهذه لم يثبت التواتر بها، فلا يثبت كونها ~~قرآنا، فإن قرأ بشيء منها مما صحت به الرواية، واتصل إسنادها، ففيه ~~روايتان؛ إحداهما، لا تصح صلاته لذلك. والثانية: تصح؛ لأن الصحابة كانوا ~~يصلون بقراءتهم في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعده، وكانت صلاتهم ~~صحيحة بغير شك. # وقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا ~~كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» وقد أمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عمر وهشام ابن حكيم حين اختلفا في قراءة القرآن، فقال: «اقرءوا كما ~~علمتم» . وكان الصحابة - رضي الله عنهم - قبل جمع عثمان المصحف يقرءون ~~بقراءات لم يثبتها في المصحف، ويصلون بها، لا يرى أحد منهم تحريم ذلك، ولا ~~بطلان صلاتهم به ### | [فصل قراءة أواخر السور وأوساطها في الصلاة] # (684) فصل: ولا تكره قراءة أواخر السور وأوساطها في إحدى الروايتين. ~~نقلها عن أحمد جماعة؛ لأن أبا سعيد، قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما ~~تيسر وعن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اخرج، ~~فناد في المدينة، أنه «لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب» أخرجهما أبو ~~داود وهذا يدل على أنه لا يتعين الزيادة. وروي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ ~~في الآخرة من صلاة الصبح، آخر آل عمران وآخر الفرقان، رواه الخلال، ~~بإسناده. وعن إبراهيم النخعي، قال: كان أصحابنا يقرءون في الفريضة من ~~السورة بعضها، ثم يركع، ثم يقوم، فيقرأ في سورة أخرى. # وقول أبي برزة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصبح من ~~الستين إلى المائة» . دليل على أنه لم يكن يقتصر على قراءة سورة والرواية ~~الثانية، يكره ذلك. نقل ms0423 المروذي، عن أحمد أنه كان يكره أن يقرأ في صلاة ~~الفرض بآخر سورة. وقال: سورة أعجب إلي. قال المروذي: وكان لأبي عبد الله ~~قرابة يصلي به، فكان يقرأ في الثانية من الفجر بآخر السورة، فلما أكثر قال ~~أبو عبد الله: تقدم أنت فصل. فقلت له: هذا يصلي بك منذ كم، قال: دعنا منه، ~~يجيء بآخر السور. وكرهه ولعل أحمد إنما أحب اتباع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيما نقل عنه. وكره المداومة على خلاف ذلك، والمنقول عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قراءة السورة أو بعض سورة من أولها، فأعجبه موافقة النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. ولم يعجبه مخالفته. # ونقل عنه، في الرجل يقرأ من أوسط السور وآخرها، فقال: أما آخر السور ~~فأرجو، وأما أوسطها فلا ولعله ذهب في آخر السورة، إلى ما روي فيه عن عبد ~~الله وأصحابه. ولم ينقل مثل ذلك في أوسطها. وقد نقل عنه الأثرم، قال: قلت ~~لأبي عبد الله: الرجل يقرأ آخر السورة في الركعة؟ قال: أليس قد روي في هذا ~~رخصة عن عبد الرحمن بن يزيد، وغيره؟ # PageV01P355 # وأما قراءة بعض السورة من أولها فلا خلاف في أنه غير مكروه؛ «فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قرأ من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى وهارون، ثم أخذته ~~سعلة، فركع، وقرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب، فرقها مرتين.» رواه النسائي ### | [فصل الجمع بين السور في صلاة النافلة] # (685) فصل: ولا بأس بالجمع بين السور في صلاة النافلة؛ فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «قرأ في ركعة سورة البقرة وآل عمران والنساء» . وقال ابن ~~مسعود: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرن ~~بينهن. فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في ركعة. متفق عليه. وكان عثمان، ~~- رضي الله عنه -، يختم القرآن في ركعة. وروي ذلك عن جماعة من التابعين. # وأما الفريضة فالمستحب أن يقتصر على سورة مع الفاتحة، من غير زيادة ~~عليها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا كان يصلي أكثر صلاته، وأمر ~~معاذا ms0424 أن يقرأ في صلاته كذلك. وإن جمع بين سورتين في ركعة، ففيه روايتان: ~~إحداهما، يكره؛ لذلك. والثانية: لا يكره؛ لأن حديث عبد الله بن مسعود مطلق ~~في الصلاة، فيحتمل أنه أراد الفرض. وقد روى الخلال، بإسناده عن ابن عمر، ~~أنه كان يقرأ في المكتوبة بالسورتين في ركعة. وإن قرأ في ركعة سورة، ثم ~~أعادها في الثانية، فلا بأس؛ لما روى أبو داود، بإسناده عن رجل من جهينة، ~~أنه «سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في صلاة الصبح إذا زلزلت في ~~الركعتين كلتيهما» . # (686) فصل: والمستحب أن يقرأ في الركعة الثانية بسورة بعد السورة التي ~~قرأها في الركعة الأولى في النظم؛ لأن ذلك هو المنقول عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد روي عن ابن مسعود، أنه سئل عمن يقرأ القرآن منكوسا؟ قال: ~~ذلك منكوس القلب. وفسره أبو عبيدة بأن يقرأ سورة، ثم يقرأ بعدها أخرى، هي ~~قبلها في النظم. فإن قرأ بخلاف ذلك، فلا بأس به. قال أحمد لما سئل عن هذه ~~المسألة: لا بأس به، أليس يعلم الصبي على هذا؟ وقال في رواية مهنا: أعجب ~~إلي أن يقرأ من البقرة إلى أسفل. وقد روي أن الأحنف قرأ بالكهف في الأولى، ~~وفي الثانية بيوسف. وذكر أنه صلى مع عمر الصبح بهما، استشهد به البخاري. ### | [فصل يثبت قائما ويسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع.] # (687) فصل: إذا فرغ من القراءة، قال أحمد، - رحمه الله -: يثبت قائما، ~~ويسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، # PageV01P356 # ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع، جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«أنه كان له سكتتان؛ سكتة عند افتتاح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من القراءة» . ~~وهذا هو حديث سمرة. كذلك رواه أبو داود، وغيره. ### | [مسألة إذا فرغ من القراءة كبر للركوع] # (688) مسألة: (فإذا فرغ كبر للركوع) أما الركوع فواجب بالنص والإجماع؛ ~~قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] . وأجمعت ~~الأمة على وجوبه في الصلاة على القادر عليه. وأكثر أهل العلم يرون أن يبتدئ ms0425 ~~الركوع بالتكبير، وأن يكبر في كل خفض ورفع، منهم: ابن مسعود، وابن عمر، ~~وجابر، وأبو هريرة، وقيس بن عباد، ومالك، والأوزاعي، وابن جابر، والشافعي، ~~وأبو ثور، وأصحاب الرأي وعوام العلماء من الأمصار. # وروي عن عمر بن عبد العزيز، وسالم، والقاسم، وسعيد بن جبير، أنهم كانوا ~~لا يتمون التكبير. ولعلهم يحتجون بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يعلمه المسيء في صلاته، ولو كان منها لعلمه إياه. ولم تبلغهم السنة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولنا، ما روى أبو هريرة، قال: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر ~~حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول، ~~وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم ~~يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى ~~يقضيها. ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس. وقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا.» متفق عليهما. # وكان أبو هريرة يكبر في كل خفض ورفع، ويقول، أنا أشبهكم صلاة برسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. رواه البخاري. وعن ابن مسعود قال: «كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يكبر في كل خفض ورفع، وقيام وقعود، وأبو بكر، ~~وعمر.» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . ولأنه ~~شروع في ركن، فشرع فيه التكبير، كحالة ابتداء الصلاة، ولأنه انتقال من ركن ~~إلى ركن، فشرع فيه ذكر يعلم به المأموم انتقاله ليقتدي به، كحالة الرفع من ~~الركوع. # (689) فصل: ويسن الجهر به للإمام ليسمع المأموم، فيقتدي به في حال الجهر ~~والإسرار جميعا، كقولنا في تكبيرة الإحرام، فإن لم يجهر الإمام بحيث يسمع ~~الجميع، استحب لبعض المأمومين رفع صوته؛ ليسمعهم، كفعل أبي بكر، - رضي الله ~~عنه -، حين صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم في ms0426 مرضه قاعدا، وأبو بكر ~~إلى جنبه يقتدي به، والناس يقتدون بأبي بكر. # PageV01P357 ### | [مسألة رفع اليدين في الصلاة] # (690) مسألة: قال: (ويرفع يديه كرفعه الأول) يعني يرفعهما إلى حذو ~~منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، كفعله عند تكبيرة الإحرام، ويكون ابتداء رفعه ~~عند ابتداء تكبيره، وانتهاؤه عند انتهائه. وبهذا قال ابن عمر، وابن عباس، ~~وجابر، وأبو هريرة، وابن الزبير، وأنس، والحسن وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ~~وسالم، وسعيد بن جبير، وغيرهم من التابعين، وهو مذهب ابن المبارك، ~~والشافعي، وإسحاق، ومالك في إحدى الروايتين عنه. وقال الثوري، وأبو حنيفة: ~~لا يرفع يديه إلا في الافتتاح. وهو قول إبراهيم النخعي؛ لما روي عن «عبد ~~الله بن مسعود، أنه قال: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. فصلى، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة» . قال الترمذي: حديث ابن مسعود حسن ~~روى يزيد بن زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود» . قالوا ~~والعمل بهذين الحديثين أولى لأن ابن مسعود كان فقيها، ملازما لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، عالما بأحواله، وباطن أمره وظاهره، فتقدم روايته على ~~رواية من لم يكن حاله كحاله. # قال إبراهيم النخعي لرجل روى حديث وائل بن حجر: لعل وائلا لم يصل مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا تلك الصلاة. فترى أن نترك رواية عبد ~~الله، الذي لعله لم يفته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة، ونأخذ ~~برواية هذا. أو كما قال. ولنا، ما روى الزهري عن سالم عن أبيه، قال: «رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي ~~بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك ~~في السجود» . قال البخاري: قال علي بن المديني - وكان أعلم أهل زمانه -: حق ~~على المسلمين أن يرفعوا أيديهم لهذا الحديث. وحديث أبي حميد، الذي ذكرنا في ~~أول الباب وقد رواه، في عشرة من ms0427 الصحابة، منهم أبو قتادة، فصدقوه، وقالوا: ~~هكذا كان يصلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ورواه سوى هذين عمر، ~~وعلي، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وأنس، وأبو هريرة، وأبو أسيد، وسهل ~~بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو موسى، وجابر بن عمير الليثي، فصار كالمتواتر ~~الذي لا يتطرق إليه شك مع كثرة رواته، وصحة سنده، وعمل به الصحابة ~~والتابعون، وأنكروا على من لم يعمل به. قال الحسن: رأيت أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا رءوسهم ~~كأنها المراوح. قال أحمد، وقد سئل عن الرفع فقال: إي لعمري. ومن يشك في ~~هذا، كان ابن عمر إذا رأى من لا يرفع، حصبه وأمره أن يرفع. فأما حديثاهم ~~فضعيفان. فأما حديث ابن مسعود، فقال ابن المبارك: لم يثبت. وحديث البراء، ~~قال ابن عيينة: حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، ولم يقل: ثم لا ~~يعود. فلما قدمت الكوفة # PageV01P358 # سمعته يحدث به، فيقول: لا يعود. فظننت أنهم لقنوه. وقال الحميدي، وغيره: ~~يزيد بن أبي زياد ساء حفظه في آخر عمره، وخلط. ثم لو صحا كان الترجيح ~~لأحاديثنا أولى لخمسة أوجه: أحدها: أنها أصح إسنادا، وأعدل رواة، فالحق إلى ~~قولهم أقرب. الثاني: أنها أكثر رواة، فظن الصدق في قولهم أقوى، والغلط منهم ~~أبعد. الثالث: أنهم مثبتون، والمثبت يخبر عن شيء شاهده ورواه. فقوله يجب ~~تقديمه لزيادة علمه. والنافي لم ير شيئا، فلا يؤخذ بقوله، ولذلك قدمنا قول ~~الجارح على المعدل. الرابع: أنهم فصلوا في روايتهم، ونصوا على الرفع في ~~الحالتين المختلف فيهما،، والمخالف لهم عمم بروايته المختلف فيه وغيره، ~~فيجب تقديم أحاديثنا لنصها وخصوصها، على أحاديثهم العامة، التي لا نص فيها ~~كما يقدم الخاص على العام، والنص على الظاهر المحتمل. الخامس: أن أحاديثنا ~~عمل بها السلف من الصحابة والتابعين، فيدل ذلك على قوتها. وقولهم: إن ابن ~~مسعود إمام. قلنا: لا ننكر فضله، لكن بحيث يقدم على أميري المؤمنين عمر ~~وعلي وسائر من معهم، كلا، ولا يساوي ms0428 واحدا منهم، فكيف يرجح على جميعهم؟ مع ~~أن ابن مسعود قد ترك قوله في الصلاة في أشياء، منها أنه كان يطبق في ~~الركوع، يضع يديه بين ركبتيه، فلم يؤخذ بفعله، وأخذ برواية غيره في وضع ~~اليدين على الركبتين، وتركت قراءته وأخذ بقراءة زيد بن ثابت، وكان لا يرى ~~التيمم للجنب، فترك ذلك برواية من هو أقل من رواة أحاديثنا وأدنى منهم ~~فضلا، فهاهنا أولى. ### | [مسألة يستحب للراكع أن يضع يديه على ركبتيه] # (691) مسألة: قال: (ثم يضع يديه على ركبتيه، ويفرج أصابعه، ويمد ظهره، ~~ولا يرفع رأسه، ولا يخفضه) وجملته أنه يستحب للراكع أن يضع يديه على ركبتيه ~~ثبت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله عمر، وعلي، وسعد، وابن ~~عمر، وجماعة من التابعين. # وبه يقول الثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذهب قوم من ~~السلف إلى التطبيق، وهو أن يجعل المصلي إحدى كفيه على الأخرى، ثم يجعلهما ~~بين ركبتيه إذا ركع. وهذا كان في أول الإسلام، ثم نسخ. قال مصعب بن سعد: ~~«ركعت، فجعلت يدي بين ركبتي. فنهاني أبي، وقال: إنا كنا نفعل هذا فنهينا ~~عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب.» متفق عليه # وذكر أبو حميد، في صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأيته ~~إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره. يعني عصره حتى يعتدل، ولا يبقى ~~محدودبا، وفي لفظ: # PageV01P359 # ثم اعتدل فلم يصوب ولم يقنع، ووضع يديه على ركبتيه» . وقالت عائشة،: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع لم يرفع رأسه، ولم يصوبه ولكن ~~بين ذلك.» متفق عليه قال أحمد: ينبغي له إذا ركع أن يلقم - صلى الله عليه ~~وسلم - راحتيه ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويعتمد على ضبعيه وساعديه، ويسوي ~~ظهره، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه، وقد جاء الحديث، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كان إذا ركع لو كان قدح ماء على ظهره ما تحرك. وذلك لاستواء ~~ظهره. # والواجب من ذلك الانحناء، بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه؛ لأنه ms0429 لا يخرج عن ~~حد القيام إلى الركوع إلا به، ولا يلزمه وضعهما، وإنما ذلك مستحب، فإن ~~كانتا عليلتين، لا يمكنه وضعهما، انحنى ولم يضعهما، وإن كانت إحداهما عليلة ~~وضع الأخرى. # (692) فصل: ويستحب أن يجافي عضديه عن جنبيه، فإن أبا حميد ذكر «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه ~~فنحاهما عن جنبيه» حديث صحيح. ### | [فصل الطمأنينة في الركوع] # (693) فصل: ويجب أن يطمئن في ركوعه. ومعناه أن يمكث إذا بلغ حد الركوع ~~قليلا. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: الطمأنينة غير واجبة لقوله ~~تعالى: {اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] . ولم يذكر الطمأنينة، والأمر بالشيء ~~يقتضي حصول الإجزاء به. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسيء في ~~صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعا» متفق عليه. وروى أبو قتادة، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته. قيل: وكيف ~~يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها وقال: لا تجزئ صلاة لا يقيم ~~الرجل صلبه فيها في الركوع والسجود» رواه البخاري. # والآية حجة لنا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر الركوع بفعله ~~وقوله، فالمراد بالركوع ما بينه النبي - صلى الله عليه وسلم -. ### | [فصل رفع رأسه وشك هل ركع أولا أو هل أتى بقدر الإجزاء أو لا] # (694) فصل: وإذا رفع رأسه، وشك هل ركع أو لا، أو هل أتى بقدر الإجزاء أو ~~لا؟ لم يعتد به، وعليه أن يعود فيركع حتى يطمئن راكعا؛ لأن الأصل عدم ما شك ~~فيه، إلا أن يكون ذلك وسواسا، فلا يلتفت إليه، وهكذا الحكم في سائر ~~الأركان. # PageV01P360 ### | [مسألة التسبيح في الركوع] # (695) مسألة: قال: (ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثا. وهو أدنى الكمال، وإن ~~قال مرة أجزأه) وجملة ذلك أنه يشرع أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم. ~~وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس عندنا في الركوع والسجود ~~شيء محدود، وقد سمعت أن التسبيح في الركوع والسجود. ولنا، ما روى عقبة بن ~~عامر، قال: «لما ms0430 نزلت فسبح باسم ربك العظيم. قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: اجعلوها في ركوعكم» . وعن ابن مسعود، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم. وذلك ~~أدناه.» أخرجهما أبو داود وابن ماجه. # وروى حذيفة، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إذا ركع: ~~سبحان ربي العظيم ثلاث مرات» . رواه الأثرم ورواه أبو داود، ولم يقل: ثلاث ~~مرات ويجزئ تسبيحة واحدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتسبيح ~~في حديث عقبة ولم يذكر عددا، فدل على أنه يجزئ أدناه، وأدنى الكمال ثلاث؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعود " وذلك أدناه ". # قال أحمد في رسالته: جاء الحديث عن الحسن البصري أنه قال: التسبيح التام ~~سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث. وقال القاضي: الكامل في التسبيح، إن كان ~~منفردا، ما لا يخرجه إلى السهو، وفي حق الإمام ما لا يشق على المأمومين، ~~ويحتمل أن يكون الكمال عشر تسبيحات؛ لأن أنسا روى، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يصلي كصلاة عمر بن عبد العزيز فحزروا ذلك بعشر تسبيحات. ~~وقال بعض أصحابنا: الكمال أن يسبح مثل قيامه؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد روى عنه البراء قال: «قد رمقت محمدا - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~يصلي، فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته ما بين ~~السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء.» متفق ~~عليه، إلا أن البخاري قال: ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء. # (696) فصل: وإن قال: سبحان ربي العظيم وبحمده. فلا بأس، فإن أحمد بن نصر ~~روى عن أحمد، أنه سئل عن تسبيح الركوع والسجود، سبحان ربي العظيم، أعجب ~~إليك، أو سبحان ربي العظيم وبحمده؟ فقال: قد جاء هذا وجاء هذا، وما أدفع ~~منه شيئا. # وقال أيضا: إن قال: " وبحمده ". في الركوع والسجود، أرجو أن لا يكون به ~~بأس؛ وذلك لأن حذيفة روى في بعض طرق حديثه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ms0431 ~~- كان يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم وبحمده) ، وفي سجوده: (سبحان ربي ~~الأعلى وبحمده) ، وهذه زيادة يتعين الأخذ بها. وروي عن أحمد، أنه قال: أما ~~أنا فلا أقول: وبحمده. # وحكى ذلك ابن المنذر عن الشافعي وأصحاب الرأي. ووجه ذلك أن الرواية بدون ~~هذه الزيادة أشهر وأكثر، وهذه الزيادة قال # PageV01P361 # أبو داود: نخاف أن لا تكون محفوظة. وقيل: هذه الزيادة من رواية ابن أبي ~~ليلى. فيحتمل أن أحمد تركها لضعف ابن أبي ليلى عنده. ### | [فصل تكبير الخفض والرفع وتسبيح الركوع والسجود] # (697) فصل: والمشهور عن أحمد أن تكبير الخفض والرفع، وتسبيح الركوع ~~والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، وقول: ربي اغفر لي - ~~بين السجدتين -، والتشهد الأول، واجب. وهو قول إسحاق، وداود. وعن أحمد: أنه ~~غير واجب. # وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلمه المسيء ~~في صلاته، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولأنه لو كان واجبا لم ~~يسقط بالسهو، كالأركان. ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به - ~~وأمره للوجوب -، وفعله. وقال «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، وقد روى أبو داود، ~~عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ إلى قوله: ثم يكبر، ثم يركع حتى ~~تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستوي قائما ثم يقول: الله ~~أكبر، ثم يسجد حتى يطمئن ساجدا، ثم يقول: الله أكبر. ويرفع رأسه حتى يستوي ~~قاعدا، ثم يقول: الله أكبر. ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر. ~~فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» . # وهذا نص في وجوب التكبير، ولأن مواضع هذه الأذكار أركان الصلاة. فكان ~~فيها ذكر واجب كالقيام # وأما حديث المسيء في صلاته فقد ذكر في الحديث الذي رويناه تعليمه ذلك، ~~وهي زيادة يجب قبولها، على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلمه كل ~~الواجبات، بدليل أنه لم يعلمه التشهد ولا السلام، ويحتمل أنه ms0432 اقتصر على ~~تعليمه ما رآه أساء فيه، ولا يلزم من التساوي في الوجوب التساوي في ~~الأحكام، بدليل واجبات الحج. ### | [فصل الزيادة في التسبيح في الصلاة] # (698) فصل: وإذا كان إماما، لم يستحب له التطويل، ولا الزيادة في ~~التسبيح. قال القاضي: لا يستحب له التطويل، ولا الزيادة على ثلاث؛ كي لا ~~يشق على المأمومين. وهذا إذا لم يرضوا بالتطويل، فإن كانت الجماعة يسيرة، ~~ورضوا بذلك، استحب له التسبيح الكامل، على ما ذكرناه، وكذلك إن كان وحده ### | [فصل قراءة القرآن في الركوع والسجود] # (699) فصل: ويكره أن يقرأ في الركوع والسجود، لما روي عن علي - رضي الله ~~عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قراءة القرآن في الركوع ~~والسجود» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إني نهيت أن أقرأ راكعا وساجدا، فأما الركوع فعظموا الرب فيه، وأما السجود ~~فاجتهدوا في # PageV01P362 # الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» . رواه أبو داود، وقوله (قمن) معناه: جدير ~~وحري. ### | [فصل أدرك الإمام في الركوع] # (700) فصل: ومن أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركوع؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» . رواه أبو داود. ~~ولأنه لم يفته من الأركان إلا القيام، وهو يأتي به مع تكبيرة الإحرام، ثم ~~يدرك مع الإمام بقية الركعة، وهذا إذا أدرك الإمام في طمأنينة الركوع، أو ~~انتهى إلى قدر الإجزاء من الركوع قبل أن يزول الإمام عن قدر الإجزاء. # فهذا يعتد له بالركعة، ويكون مدركا لها. فأما إن كان المأموم يركع ~~والإمام يرفع لم يجزه؛ وعليه أن يأتي بالتكبيرة منتصبا، فإن أتى بها بعد أن ~~انتهى في الانحناء إلى قدر الركوع أو ببعضها، لم يجزه؛ لأنه أتى بها في غير ~~محلها، إلا في النافلة؛ لأنه يفوته القيام، وهو من أركان الصلاة، ثم يأتي ~~بتكبيرة أخرى للركوع في حال انحطاطه إليه، فالأولى ركن لا تسقط بحال، ~~والثانية تكبيرة الركوع، والمنصوص عن أحمد أنها تسقط هاهنا، ويجزئه تكبيرة ~~واحدة. نقلها أبو داود وصالح وروي ذلك عن ms0433 زيد بن ثابت، وابن عمر، وسعيد بن ~~المسيب، وعطاء، والحسن، وميمون بن مهران، والنخعي، والحكم، والثوري، ~~والشافعي، ومالك، وأصحاب الرأي # وعن عمر بن عبد العزيز: عليه تكبيرتان. وهو قول حماد بن أبي سليمان، ~~والظاهر أنهما أرادا أن الأولى له أن يكبر تكبيرتين، فلا يكون قولهما ~~مخالفا لقول الجماعة، فإن عمر بن عبد العزيز قد نقل عنه أنه كان ممن لا يتم ~~التكبير، ولأنه قد نقلت تكبيرة واحدة عن زيد بن ثابت وابن عمر، ولم يعرف ~~لهما في الصحابة مخالف. # فيكون ذلك إجماعا، ولأنه اجتمع واجبان من جنس في محل واحد، وأحدهما ركن، ~~فسقط به الآخر، كما لو طاف الحاج طواف الزيارة عند خروجه من مكة أجزأه عن ~~طواف الوداع. وقال القاضي: إن نوى بالتكبير الإحرام وحده أجزأه، وإن نوى به ~~الإحرام والركوع، فظاهر كلام أحمد أنه لا يجزئه؛ لأنه شرك بين الواجب وغيره ~~في النية، فأشبه ما لو عطس عند رفع رأسه من الركوع، فقال: ربنا ولك الحمد، ~~ينويها. وقال: ونص أحمد في هذا أنه لا يجزئه. وهذا القول يخالف نصوص أحمد، ~~فلا يعول عليه، وقد قال في رواية ابنه صالح، فيمن جاء به والإمام راكع: كبر ~~تكبيرة واحدة. # قيل له: ينوي بها الافتتاح؟ قال: نوى أو لم ينو، أليس قد جاء وهو يريد ~~الصلاة؟ ولأن نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح، ولهذا حكمنا بدخوله في ~~الصلاة بهذه النية، فلم تؤثر نية الركوع في فسادها؛ ولأنه واجب يجزئ عنه ~~وعن غيره إذا نواه، فلم يمنع صحة نية الواجبين، كما لو نوى بطواف الزيارة ~~له وللوداع، ولا يجوز ترك نص الإمام ومخالفته بقياس ما نصه في موضع آخر، ~~كما لا يترك نص كتاب الله تعالى ورسوله بقياس، والمستحب تكبيرة نص عليه ~~أحمد قال أبو داود: قلت لأحمد يكبر مرتين أحب إليك؟ قال: إن كبر تكبيرتين، ~~ليس فيه اختلاف. # PageV01P363 ### | [فصل أدرك الإمام في ركن غير الركوع] # (701) فصل:: وإن أدرك الإمام في ركن غير الركوع، لم يكبر إلا تكبيرة ~~الافتتاح، وينحط بغير تكبير؛ ms0434 لأنه لا يعتد له به، وقد فاته محل التكبير. ~~وإن أدركه في السجود أو التشهد الأول كبر في حال قيامه مع الإمام إلى ~~الثالثة؛ لأنه مأموم له، فيتابعه في التكبير، كمن أدرك معه من أولها، وإن ~~سلم الإمام قام إلى القضاء بتكبير. وبهذا قال مالك، والثوري، وإسحاق. وقال ~~الشافعي يقوم بغير تكبير، لأنه قد كبر في ابتداء الركعة، ولا إمام له ~~يتابعه في التكبير. # ولنا، أنه قام في الصلاة إلى ركن معتد له به، فيكبر، كالقائم من التشهد ~~الأول، وكما لو قام مع الإمام، ولا يسلم أنه كبر في ابتداء الركعة، فإن ما ~~كبر فيه لم يكن من الركعة، إذ ليس في أول الركعة سجود ولا تشهد، وإنما ~~ابتداء الركعة قيامه، فينبغي أن يكبر فيه. ### | [فصل يستحب لمن أدرك الإمام في حال متابعته فيه] # (702) فصل: ويستحب لمن أدرك الإمام في حال متابعته فيه، وإن لم يعتد له ~~به؛ لما روى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا جئتم إلى ~~الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئا، ومن أدرك الركوع فقد أدرك ~~الركعة» . رواه أبو داود. # وروى الترمذي، عن معاذ، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتى ~~أحدكم والإمام على حال، فليصنع كما يصنع الإمام» . والعمل على هذا عند أهل ~~العلم، قالوا: إذا جاء الرجل والإمام ساجد فليسجد، ولا تجزئه تلك الركعة. ~~وقال بعضهم: لعله أن لا يرفع رأسه من السجدة حتى يغفر له ### | [مسألة إذا فرغ من الركوع] # (703) مسألة: قال: (ثم يقول: سمع الله لمن حمده. ويرفع يديه، كرفعه ~~الأول) وجملة ذلك أنه إذا فرغ من الركوع ورفع رأسه واعتدل قائما حتى يرجع ~~كل عضو إلى موضعه، ويطمئن، يبتدئ الرفع قائلا: سمع الله لمن حمده. ويكون ~~انتهاؤه عند انتهاء رفعه، ويرفع يديه؛ لما روينا من الأخبار. وفي موضع ~~الرفع روايتان: إحداهما بعد اعتداله قائما. # قال أحمد بن الحسين: رأيت أبا عبد الله إذا رفع رأسه من الركوع لا يرفع ~~يديه حتى يستتم قائما. ووجهه أن ms0435 في بعض ألفاظ حديث ابن عمر: رأيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - «إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وبعدما يرفع ~~رأسه من الركوع» . ولأنه رفع، فلا يشرع في غير حالة القيام، كرفع الركوع ~~والإحرام. # والثانية: يبتدئه حين يبتدئ رفع رأسه؛ لأن أبا حميد قال «في صفة صلاة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثم قال: سمع الله لمن حمده» . ورفع ~~يديه. وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا # PageV01P364 # افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر، للركوع وإذا رفع رأسه من ~~الركوع رفعهما كذلك، ويقول: سمع الله لمن حمده» وظاهره أنه رفع يديه حين ~~أخذ في رفع رأسه. # كقوله: (إذا كبر) أي أخذ في التكبير، ولأنه حين الانتقال، فشرع الرفع منه ~~كحال الركوع ولأنه محل رفع المأموم، فكان محلا لرفع الإمام كالركوع، ولا ~~تختلف الرواية في أن المأموم يبتدئ الرفع عند رفع رأسه، لأنه ليس في حقه ~~ذكر بعد الاعتدال، والرفع إنما جعل هيئة للذكر، بخلاف الإمام، ثم ينتصب ~~قائما ويعتدل، قال أبو حميد في صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«وإذا رفع رأسه استوى قائما، حتى يعود كل فقار إلى مكانه» متفق عليه. # وقالت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كان إذا رفع رأسه من ~~الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما» . رواه مسلم. وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - للمسيء في صلاته «ثم ارفع حتى تعتدل قائما» متفق عليه. # (704) فصل: وهذا الرفع والاعتدال عنه واجب، وبه قال الشافعي، وقال أبو ~~حنيفة، وبعض أصحاب مالك: لا يجب؛ لأن الله تعالى لم يأمر به، وإنما أمر ~~بالركوع والسجود والقيام، فلا يجب غيره، ولأنه لو كان واجبا لتضمن ذكرا ~~واجبا، كالقيام الأول. ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به ~~المسيء في صلاته، وداوم على فعله، فيدخل في عموم قوله: «صلوا كما رأيتموني ~~أصلي» . # وقولهم: لم يأمر الله به. قلنا قد أمر بالقيام، وهذا قيام، ثم أمر النبي ~~- صلى الله ms0436 عليه وسلم - يجب امتثاله، وقد أمر به. وقولهم " لا يتضمن ذكرا ~~واجبا " ممنوع، ثم هو باطل بالركوع والسجود، فإنهما ركنان، ولا ذكر فيهما ~~واجب، على قولهم. ### | [فصل يسن الجهر بالتسميع] # (705) فصل: ويسن الجهر بالتسميع للإمام، كما يسن الجهر بالتكبير؛ لأنه ~~ذكر مشروع عند الانتقال من ركن، فيشرع الجهر به للإمام، كالتكبير. ### | [مسألة قول ربنا ولك الحمد في حق كل مصل] # (706) مسألة: قال: (ثم يقول: ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، ~~وملء ما شئت من شيء بعد) وجملته أن يشرع قول (ربنا ولك الحمد) في حق كل ~~مصل، في المشهور عن أحمد، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم ابن مسعود، وابن ~~عمر، وأبو هريرة، وبه قال الشعبي، وابن سيرين وأبو بردة، والشافعي، وإسحاق، ~~وابن المنذر. وعن أحمد رواية أخرى: لا يقوله المنفرد. فإنه قال في رواية # PageV01P365 # إسحاق في الرجل يصلي وحده، فإذا قال: (سمع الله لمن حمده) . قال: (ربنا ~~ولك الحمد) ؟ فقال: إنما هذا للإمام جمعهما، وليس هذا لأحد سوى الإمام. # ووجهه أن الخبر لم يرد به في حقه. فلم يشرع له كقول: (سمع الله لمن حمده) ~~. في حق المأموم. وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يشرع قول هذا في حق الإمام ولا ~~المنفرد؛ لما روى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ~~قال الإمام: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد؛ فإنه من ~~وافق قوله قول الملائكة غفر له» . متفق عليه. # ولنا أن أبا هريرة قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: سمع ~~الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد» ~~. وعن أبي سعيد، وابن أبي أوفى، رواه مسلم، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان إذا رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء ~~الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» متفق عليه. # ولأنه حال من أحوال الصلاة، فيشرع فيه ذكر كالركوع والسجود. وما ذكروه لا ~~حجة لهم فيه؛ فإنه ms0437 إن ترك ذكره في حديثهم، فقد ذكره في أحاديثنا، وراويه ~~أبو هريرة قد صرح بذكره في روايته الأخرى، فحديثهم لو انفرد لم يكن فيه ~~حجة، فكيف نترك به الأحاديث الصحيحة الصريحة؟ والصحيح أن المنفرد يقول كما ~~يقول الإمام؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - روي عنه أنه قال لبريدة: ~~يا بريدة: إذا رفعت رأسك في الركوع، فقل: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك ~~الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» . رواه الدارقطني. # وهذا عام في جميع أحواله، وقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقول ذلك، رواه أبو هريرة وأبو سعيد، وابن أبي أوفى، وعلي بن أبي طالب، ~~وغيرهم، وكلها أحاديث صحاح، ولم تفرق الرواية بين كونه إماما ومنفردا، ولأن ~~ما شرع من القراءة والذكر في حق الإمام شرع في حق المنفرد، كسائر الأذكار. # (707) فصل: والسنة أن يقول: " ربنا ولك الحمد ". بواو، نص عليه أحمد في ~~رواية الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله يثبت أمر الواو، وقال: روى فيه ~~الزهري ثلاثة أحاديث، عن أنس، وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وعن سالم، ~~عن أبيه، وفي حديث علي الطويل، وهذا قول مالك. ونقل ابن منصور، عن أحمد، ~~إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد. فإنه لا يجعل فيها ~~الواو، ومن قال: " ربنا " قال: " ولك الحمد "، وذلك لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نقل عنه أنه قال: " ربنا ولك الحمد "، # PageV01P366 # كما نقل الإمام، وفي حديث ابن أبي أوفى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد» ، وكذلك في حديث بريدة؛ ~~فاستحب الاقتداء به في القولين، وقال الشافعي: السنة أن يقول: ربنا لك ~~الحمد؛ لأن الواو للعطف، وليس هاهنا شيء يعطف عليه. # ولنا أن السنة الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأن إثبات الواو ~~أكثر حروفا، ويتضمن الحمد مقدرا ومظهرا، فإن التقدير: ربنا حمدناك ولك ~~الحمد. فإن الواو لما كانت للعطف ولا شيء هاهنا تعطف عليه ms0438 ظاهرا، دلت على ~~أن في الكلام مقدرا، كقوله: " سبحانك اللهم وبحمدك "، أي وبحمدك سبحانك، ~~وكيفما قال جاز، وكان حسنا؛ لأن كلا قد وردت السنة به. ### | [مسألة لا يشرع للمأموم قول سمع الله لمن حمده] # (708) مسألة: قال: (فإن كان مأموما، لم يزد على قول: ربنا ولك الحمد) لا ~~أعلم في المذهب خلافا أنه لا يشرع للمأموم قول: " سمع الله لمن حمده "، ~~وهذا قول ابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، والشعبي، ومالك، وأصحاب الرأي، ~~وقال ابن سيرين، وأبو بردة، وأبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وإسحاق: يقول ذلك ~~كالإمام؛ لحديث بريدة، ولأنه ذكر شرع للإمام فيشرع للمأموم، كسائر الأذكار. ~~ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قال الإمام سمع الله لمن ~~حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد» . # وهذا يقتضي أن يكون قولهم " ربنا ولك الحمد " عقيب قوله " سمع الله لمن ~~حمده " بغير فصل؛ لأن الفاء للتعقيب، وهذا ظاهر يجب تقديمه على القياس، ~~وعلى حديث بريدة، لأن هذا صحيح مختص بالمأموم، وحديث بريدة في إسناده جابر ~~الجعفي، وهو عام، وتقديم الصحيح الخاص أولى، فأما قول: " ملء السماء " وما ~~بعده، فظاهر المذهب أنه لا يسن للمأموم، نص عليه أحمد في رواية أبي داود ~~وغيره، وهو قول أكثر الأصحاب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتصر على ~~أمرهم بقول: " ربنا ولك الحمد ". فدل على أنه لا يشرع في حقهم سواه. ونقل ~~الأثرم عن أحمد كلاما يدل على أنه مسنون، قال: وليس يسقط خلف الإمام عنه ~~غير: " سمع الله لمن حمده ". وهذا اختيار أبي الخطاب، ومذهب الشافعي؛ لأنه ~~ذكر مشروع في الصلاة، أشبه سائر الأذكار. ### | [فصل موضع قول ربنا ولك الحمد] # فصل: وموضع قول: " ربنا ولك الحمد " في حق الإمام والمنفرد، بعد الاعتدال ~~من الركوع؛ لأنه في حال رفعه يشرع في حقه قول: " سمع الله لمن حمده "، فأما ~~المأموم ففي حال رفعه؛ لأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قال ~~الإمام: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد» . يقتضي تعقيب قول ~~الإمام قول # PageV01P367 # المأموم، والمأموم يأخذ ms0439 في الرفع عقيب قول الإمام: سمع الله لمن حمده. ~~فيكون قوله: ربنا ولك الحمد حينئذ، والله أعلم. ### | [فصل إذا زاد على الذكر المأثور بعد الرفع من الركوع] # (710) فصل: إذا زاد على قول: " ملء السماء وملء الأرض، وملء ما شئت من ~~شيء بعد "، فقد نقل أبو الحارث، عن أحمد أنه إن شاء قال: أهل الثناء ~~والمجد. قال أبو عبد الله: وأنا أقول ذلك. فظاهر هذا أنه يستحب ذلك، وهو ~~اختيار أبي حفص، وهو الصحيح؛ لأن أبا سعيد روى، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يقول: «ربنا ولك الحمد، ملء السماء وملء الأرض، وملء ما شئت من ~~شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد: لا مانع لما ~~أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» . رواه أبو داود، ~~والأثرم. وعن ابن أبي أوفى، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زاد: «اللهم ~~طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ~~ينقى الثوب الأبيض من الدنس» . رواه مسلم # ، وقد «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطيل القيام بين الركوع ~~والسجود» ، وقال أنس: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: سمع ~~الله لمن حمده. قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى ~~نقول: قد أوهم.» رواه مسلم. وليست حالة سكوت، فيعلم أنه - عليه السلام - قد ~~كان يزيد على هذه الكلمات، لكونها لا تستغرق هذا القيام كله، وروي عن أحمد، ~~أنه قيل له: أفلا يزيد على هذا فيقول: أهل الثناء والمجد؟ فقال: قد روي ~~ذلك، وأما أنا فأقول هذا، إلى " ما شئت من شيء بعد " فظاهر هذا أنه لا ~~يستحب ذلك في الفريضة اتباعا لأكثر الأحاديث الصحيحة. ### | [فصل إذا قال مكان سمع الله لمن حمده من حمد الله سمع له] # (711) فصل: إذا قال مكان " سمع الله لمن حمده ": " من حمد الله سمع له ". ~~لم يجزئه. وقال أصحاب الشافعي: يجزئه؛ لأنه أتى باللفظ والمعنى. ولنا أنه ~~عكس اللفظ المشروع، فلم ms0440 يجزئه، كما لو قال في التكبير: الأكبر الله. ولا ~~نسلم أنه أتى بالمعنى؛ فإن قوله: سمع الله لمن حمده. صيغة خبر، تصلح دعاء، ~~واللفظ الآخر صيغة شرط وجزاء، لا تصلح لذلك، فهما متغايران. ### | [فصل إذا رفع رأسه من الركوع فعطس فقال ربنا ولك الحمد] # (712) فصل: إذا رفع رأسه من الركوع، فعطس، فقال: ربنا ولك الحمد. ينوي ~~بذلك لما عطس وللرفع، فروي # PageV01P368 # عن أحمد أنه لا يجزئه؛ لأنه لم يخلصه للرفع من الركوع. والصحيح أن هذا ~~يجزئه؛ لأن هذا ذكر لا تعتبر له النية، وقد أتى به فأجزأه، كما لو قال ~~ذاهلا وقلبه غير حاضر. وقول أحمد يحمل على الاستحباب، لا على نفي الإجزاء ~~حقيقة. ### | [فصل إذا أتى بقدر الإجزاء من الركوع فاعترضته علة منعته من القيام] # (713) فصل: إذا أتى بقدر الإجزاء من الركوع، فاعترضته علة منعته من ~~القيام، سقط عنه الرفع؛ لتعذره، ويسجد عن الركوع. فإن زالت العلة قبل سجوده ~~فعليه القيام لإمكانه. فإن زالت بعد سجوده إلى الأرض، سقط القيام؛ لأن ~~السجود قد صح وأجزأ، فسقط ما قبله. فإن قام من سجوده عالما بتحريم ذلك، ~~بطلت صلاته. وإن فعله جهلا أو نسيانا، لم تبطل، ويعود إلى جلسة الفصل، ~~ويسجد للسهو. ### | [فصل أراد الركوع فوقع إلى الأرض] # فصل: فإن أراد الركوع، فوقع إلى الأرض، فإنه يقوم فيركع. وكذلك إن ركع ~~وسقط قبل طمأنينته، لزمته إعادة الركوع؛ لأنه لم يأت بما يسقط فرضه. وإن ~~ركع واطمأن، ثم سقط، فإنه يقوم منتصبا، ولا يحتاج إلى إعادة الركوع، لأن ~~فرضه قد سقط، والاعتدال عنه قد سقط بقيامه. ### | [فصل إذا ركع ثم رفع رأسه فذكر أنه لم يسبح في ركوعه] # (715) فصل: إذا ركع، ثم رفع رأسه، فذكر أنه لم يسبح في ركوعه، لم يعد إلى ~~الركوع، سواء ذكره قبل اعتداله قائما أو بعده؛ لأن التسبيح قد سقط برفعه، ~~والركوع قد وقع صحيحا مجزئا، فلو عاد إليه، زاد ركوعا في الصلاة غير مشروع، ~~فإن فعله عمدا أبطل الصلاة، كما لو زاده لغير عذر، وإن فعله ms0441 جاهلا أو ~~ناسيا، لم تبطل الصلاة، كما لو ظن أنه لم يركع. ويسجد للسهو. فإن أدرك ~~المأموم الإمام في هذا الركوع، لم يدرك الركعة؛ لأنه ليس بمشروع في حقه، ~~ولأنه لم يدرك ركوع الركعة، فأشبه ما لو لم يدركه راكعا. ### | [مسألة يكبر للسجود ولا يرفع يديه] # (716) مسألة: قال: (ثم يكبر للسجود، ولا يرفع يديه) أما السجود فواجب ~~بالنص والإجماع؛ لما ذكرنا في الركوع، والطمأنينة فيه ركن؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في حديث المسيء في صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» ~~. والخلاف فيه كالخلاف في طمأنينة الركوع، وينحط إلى السجود مكبرا؛ لما ~~ذكرنا من الأخبار، ولأن الهوي إلى السجود ركن، فلا يخلو من ذكر، كسائر ~~الأركان، ويكون ابتداء تكبيره مع ابتداء انحطاطه، وانتهاؤه مع انتهائه؛ ~~والكلام في التكبير ووجوبه قد مضى. ولا يستحب رفع يديه، في المشهور من ~~المذهب. ونقل عنه الميموني أنه رفع يديه. وسئل عن رفع اليدين في الصلاة؟ ~~فقال: في كل خفض ورفع وقال: فيه عن ابن عمر وأبي حميد أحاديث # PageV01P369 # صحاح. والصحيح الأول؛ لأن ابن عمر قال: ولا يفعل ذلك في السجود. # في حديثه الصحيح؛ ولما وصف أبو حميد صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يذكر رفع اليدين في السجود، والأحاديث العامة مفسرة بالأحاديث ~~المفصلة، التي رويناها، فلا يبقى فيها اختلاف. ### | [مسألة أول ما يقع منه على الأرض عند السجود ركبتاه] # (717) مسألة: قال: (ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه، ثم يداه، ثم ~~جبهته وأنفه) هذا المستحب في مشهور المذهب، وقد روي ذلك عن عمر - رضي الله ~~عنه - وبه قال مسلم بن يسار، والنخعي، وأبو حنيفة، والثوري، والشافعي. وعن ~~أحمد رواية أخرى أنه يضع يديه قبل ركبتيه. وإليه ذهب مالك؛ لما روي عن أبي ~~هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سجد أحدكم فليضع ~~يديه قبل ركبتيه ولا يبرك بروك البعير» . رواه النسائي. # ولنا، ما روى وائل بن حجر، قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا سجد ms0442 وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» . أخرجه أبو ~~داود، والنسائي، والترمذي. قال الخطابي: هذا أصح من حديث أبي هريرة. وروي ~~عن أبي سعيد، قال: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بوضع الركبتين قبل ~~اليدين.» وهذا يدل على نسخ ما تقدمه، وقد روى الأثرم حديث أبي هريرة: «إذا ~~سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل» . # (718) فصل: والسجود على جميع هذه الأعضاء واجب، إلا الأنف، فإن فيه خلافا ~~سنذكره إن شاء الله، وبهذا قال طاوس، والشافعي في أحد قوليه وإسحاق. # وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في القول الآخر: لا يجب، السجود على غير ~~الجبهة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (سجد وجهي. وهذا يدل على أن ~~السجود على الوجه، ولأن الساجد على الوجه يسمى ساجدا، ووضع غيره على الأرض ~~لا يسمى به ساجدا، فالأمر بالسجود ينصرف إلى ما يسمى به ساجدا دون غيره، ~~ولأنه لو وجب السجود على هذه الأعضاء لوجب كشفها كالجبهة. وذكر الآمدي هذا ~~رواية عن أحمد. وقال القاضي في " الجامع ": وهو ظاهر كلام أحمد؛ فإنه قد نص ~~في المريض يرفع شيئا يسجد عليه، أنه يجزئه، ومعلوم أنه قد أخل بالسجود على ~~يديه. ولنا ما روى ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أمرت بالسجود على سبعة أعظم؛ اليدين، والركبتين، والقدمين، والجبهة» . ~~متفق عليه. وروي عن ابن عمر رفعه: «إن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، فإذا ~~وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما» . رواه الإمام أحمد، وأبو ~~داود، والنسائي. # وسجود الوجه لا ينفي سجود ما عداه، وسقوط الكشف لا يمنع وجوب السجود، ~~فإنا نقول كذلك في الجبهة على رواية، وعلى الرواية الأخرى فإن الجبهة هي ~~الأصل، # PageV01P370 # وهي مكشوفة عادة، بخلاف غيرها، فإن أخل بالسجود بعضو من هذه الأعضاء، لم ~~تصح صلاته عند من أوجبه، وإن عجز عن السجود على بعض هذه الأعضاء، سجد على ~~بقيتها، وقرب العضو المريض من الأرض غاية ما يمكنه؛ ولم يجب عليه أن يرفع ~~إليه ms0443 شيئا؛ لأن السجود هو الهبوط، ولا يحصل ذلك برفع المسجود عليه، وإن سقط ~~السجود على الجبهة، لعارض من مرض أو غيره، سقط عنه السجود على غيره؛ لأنه ~~الأصل وغيره تبع له، فإذا سقط الأصل سقط التبع، ولهذا قال أحمد في المريض ~~يرفع إلى جبهته شيئا يسجد عليه: إنه يجزئه. # (719) فصل: وفي الأنف روايتان: إحداهما، يجب السجود عليه. وهذا قول سعيد ~~بن جبير، وإسحاق، وأبي خيثمة، وابن أبي شيبة؛ لما روي عن ابن عباس، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم؛ الجبهة ~~وأشار بيده إلى أنفه واليدين والركبتين، وأطراف القدمين» . متفق عليه، ~~وإشارته إلى أنفه تدل على أنه أراده، وفي لفظ رواه النسائي، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، الجبهة والأنف واليدين ~~والركبتين والقدمين» . # وروى عكرمة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا صلاة لمن لا يصيب ~~أنفه من الأرض ما تصيب الجبهة.» رواه الأثرم، والإمام أحمد، ورواه أبو بكر ~~بن عبد العزيز، والدارقطني في الأفراد متصلا، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح أنه مرسل. والرواية الثانية، لا يجب ~~السجود عليه. وهو قول عطاء، وطاوس، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، والشافعي، ~~وأبي ثور، وصاحبي أبي حنيفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت ~~أن أسجد على سبعة أعظم» . # ولم يذكر الأنف فيها، وروي أن جابرا قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر.» رواه تمام، في " فوائده "، وغيره، ~~وإذا سجد بأعلى الجبهة لم يسجد على الأنف. وروي عن أبي حنيفة، أنه إن سجد ~~على أنفه دون جبهته، أجزأه. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا سبقه إلى هذا ~~القول، ولعله ذهب إلى أن الجبهة والأنف عضو واحد، لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما ذكر الجبهة أشار إلى أنفه، والعضو الواحد يجزئه السجود على ~~بعضه. وهذا قول يخالف الحديث الصحيح والإجماع الذي قبله، فلا يصح. ### | [فصل إذا ms0444 سجد على كور العمامة أو كمه أو ذيله] # (720) فصل: ولا تجب مباشرة المصلي بشيء من هذه الأعضاء قال القاضي: إذا ~~سجد على كور العمامة أو كمه # PageV01P371 # أو ذيله، فالصلاة صحيحة رواية واحدة. وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة. وممن ~~رخص في السجود على الثوب في الحر والبرد عطاء، وطاوس، والنخعي، والشعبي، ~~والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأصحاب الرأي. ورخص في السجود على كور العمامة ~~الحسن، ومكحول، وعبد الرحمن بن يزيد. وسجد شريح على برنسه، وقال أبو ~~الخطاب: لا يجب مباشرة المصلي بشيء من أعضاء السجود إلا الجبهة، فإنها على ~~روايتين. وقد روى الأثرم، قال: سألت أبا عبد الرحمن عن السجود على كور ~~العمامة؟ فقال: لا يسجد على كورها، ولكن يحسر العمامة. # وهذا يحتمل المنع، وهو مذهب الشافعي؛ لما روي عن خباب، قال: «شكونا إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا. فلم ~~يشكنا.» رواه مسلم. ولأنه سجد على ما هو حامل له، أشبه ما إذا سجد على ~~يديه. ولنا ما روى أنس، قال: «كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود.» رواه البخاري، ومسلم. ~~وعن ثابت بن الصامت «، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى في بني عبد ~~الأشهل، وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه، يقيه برد الحصى» . وفي رواية: ~~«فرأيته واضعا يديه على قرنه إذا سجد» . رواه ابن ماجه. # ورويعن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه سجد على كور العمامة» ، وهو ~~ضعيف. وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة، ويده في كمه. ~~ولأنه عضو من أعضاء السجود، فجاز السجود على حائله، كالقدمين. فأما حديث ~~خباب فالظاهر أنهم طلبوا منه تأخير الصلاة، أو تسقيف المسجد، أو نحو ذلك، ~~مما يزيل عنهم ضرر الرمضاء في جباههم وأكفهم، أما الرخصة في السجود على كور ~~العمامة، فالظاهر أنهم لم يطلبوه؛ لأن ذلك إنما طلبه الفقراء، ولم يكن لهم ~~عمائم، ولا أكمام طوال يتقون بها الرمضاء، فكيف يطلبون منه الرخصة ms0445 فيها؟ ~~ولو احتمل ذلك، لكنه لا يتعين، فلم يحمل عليه دون غيره؟ ولذلك لم يعملوا به ~~في الأكف. قال أبو إسحاق: المنصوص عن الشافعي أنه لا يجب كشفهما. # قال: وقد قيل فيه قول آخر، إنه يجب. وإن سجد على يديه لم يصح، رواية ~~واحدة؛ لأنه سجد على عضو من أعضاء السجود، فالسجود يؤدي إلى تداخل السجود، ~~بخلاف مسألتنا. وقال القاضي في " الجامع ": لم أجد عن أحمد نصا # PageV01P372 # في هذه المسألة، ويجب أن تكون مبنية على السجود على غير الجبهة. هل هو ~~واجب؟ على روايتين؛ إن قلنا: لا يجب جاز، كما لو سجد على العمامة. وإن ~~قلنا: يجب لم يجز؛ لئلا يتداخل محل السجود بعضه في بعض. والمستحب مباشرة ~~المصلي بالجبهة واليدين ليخرج من الخلاف، ويأخذ بالعزيمة. # قال أحمد: لا يعجبني إلا في الحر والبرد. وكذلك قال إسحاق، وكان ابن عمر ~~يكره السجود على كور العمامة، وكان عبادة بن الصامت يحسر عمامته إذا قام ~~إلى الصلاة، وقال النخعي: أسجد على جبيني أحب إلي. ### | [مسألة الاعتدال في السجود] # (721) مسألة: قال: (ويكون في سجوده معتدلا) قال الترمذي: أهل العلم ~~يختارون الاعتدال في السجود، وروي عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب» . وقال: هو ~~حديث حسن صحيح. وعن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، رواه أبو ~~داود وفي لفظ عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اعتدلوا في ~~السجود ولا يسجد أحدكم وهو باسط ذراعيه كالكلب» . # وهذا هو الافتراش المنهي عنه في الحديث، وهو أن يضع ذراعيه على الأرض، ~~كما تفعل السباع، وقد كرهه أهل العلم، وفي حديث أبي حميد: وإذا سجد سجد غير ~~مفترش ولا قابضهما. ### | [مسألة يجافي عضديه عن جنبيه] # (722) مسألة: قال: (ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ~~ساقيه، ويكون على أطراف أصابعه) وجملته أن من السنة أن يجافي عضديه عن ~~جنبيه، وبطنه عن فخذيه إذا سجد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ms0446 - كان يفعل ~~ذلك في سجوده. قال أبو عبد الله، في " رسالته ": جاء عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «، أنه كان إذا سجد لو مرت بهيمة لنفدت» ، وذلك لشدة مبالغته ~~في رفع مرفقيه وعضديه. ورواه أيضا أبو داود في حديث أبي حميد «، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه» ، ولأبي داود «. ثم ~~سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع يديه حذو منكبيه» . وقال ~~أبو إسحاق الشعبي: وصف لنا البراء السجود، فوضع يديه بالأرض، ورفع عجيزته، ~~وقال: هكذا رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل. وقال: كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا سجد جخ. والجخ: الخاوي. رواهما أبو داود والنسائي. # ويستحب أن يكون على أطراف أصابع رجليه، ويثنيهما إلى القبلة. وقال أحمد: ~~ويفتح أصابع رجليه، ليكون أصابعهما إلى القبلة. ويسجد على صدور قدميه؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم» . ذكر منها ~~أطراف القدمين، وفي لفظ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «سجد غير # PageV01P373 # مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف رجليه القبلة» . من رواية البخاري. ~~ومن رواية الترمذي: وفتح أصابع رجليه. وهذا معناه. ومن رواية أبي داود: ~~سجد، فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه، وهو ساجد. # (723) فصل: ويستحب أن يضع راحتيه على الأرض، مبسوطتين، مضمومتي الأصابع ~~بعضها إلى بعض، مستقبلا بهما القبلة، ويضعهما حذو منكبيه. ذكره القاضي، وهو ~~مذهب الشافعي؛ لقول أبي حميد: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع كفيه ~~حذو منكبيه. # وروى الأثرم قال: رأيت أبا عبد الله سجد ويداه بحذاء أذنيه. وروي ذلك عن ~~ابن عمر، وسعيد بن جبير؛ لما روى وائل بن حجر «، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه» ، رواه الأثرم، وأبو داود، ولفظه: ~~ثم سجد ووضع وجهه بين كفيه. والجميع حسن. # (724) فصل: والكمال في السجود على الأرض أن يضع جميع بطن كفيه، وأصابعه ~~على الأرض، ويرفع مرفقيه، فإن اقتصر على بعض باطنهما، أجزأه. قال أحمد: إن ~~وضع من ms0447 اليدين بقدر الجبهة، أجزأه. # وإن جعل ظهور كفيه إلى الأرض، وسجد عليهما، أو سجد على أطراف أصابع يديه، ~~فظاهر الخبر أنه يجزئه؛ لأنه أمر بالسجود على اليدين، وقد سجد عليهما. ~~وكذلك لو سجد على ظهور قدميه، فإنه قد سجد على القدمين، ولا يخلو من إصابة ~~بعض أطراف قدميه الأرض، فيكون ساجدا على أطراف قدميه، ولكنه يكون تاركا ~~للأفضل الأحسن؛ لما ذكرنا من الأحاديث في ذلك. # (725) فصل: ويستحب أن يفرق بين ركبتيه ورجليه؛ لما روى أبو حميد قال: ~~وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه. # (726) فصل: وإذا أراد السجود فسقط على وجهه، فماست جبهته الأرض، أجزأه ~~ذلك وإن لم ينو. إلا أن يقطع نية السجود، فلا يجزئه. # وإن انقلب على جنبه، ثم انقلب، فماست جبهته الأرض، لم يجزه ذلك، إلا أن ~~ينوي السجود. والفرق بين المسألتين: أنه هاهنا خرج عن سنن الصلاة وهيئاتها، ~~ثم كان انقلابه الثاني عائدا إلى الصلاة، فافتقر إلى تجديد النية، وفي التي ~~قبلها هو على هيئة الصلاة وسنتها، فاكتفي باستدامة النية. ### | [مسألة يقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا في السجود] # (727) مسألة: قال: (ثم يقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وإن قال مرة، ~~أجزأه) الحكم في هذا التسبيح كالحكم في تسبيح الركوع، على ما شرحناه، ~~والأصل فيه حديث عقبة بن عامر، # PageV01P374 # قال: «لما نزل سبح اسم ربك الأعلى قال لنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: اجعلوها في سجودكم» ، وفي حديث ابن مسعود، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إذا سجد أحدكم فليقل: سبحان ربي الأعلى. ثلاثا، وذلك أدناه» ~~. وعن حذيفة: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا سجد قال: ~~سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات» . رواهن ابن ماجه، وأبو داود، ولم يقل " ثلاث ~~مرات ". # والحكم في عدده وتطويل السجود على ما ذكرناه في الركوع. ### | [فصل الزيادة على سبحان ربي الأعلى في السجود] # (728) فصل: وإن زاد دعاء مأثورا، أو ذكرا - مثل ما روي عن عائشة، - رضي ~~الله عنها -، قالت: «كان رسول الله - صلى الله ms0448 عليه وسلم - يكثر أن يقول في ~~ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن.» متفق ~~عليه. وعن أبي سعيد «. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا معاذ، إذا ~~وضعت وجهك ساجدا فقل: اللهم أعني على شكرك وحسن عبادتك» . # وقال علي - رضي الله عنه -: أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد - وهو ~~ساجد -: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي. رواهما سعيد في " سننه ". وعن أبي ~~هريرة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في سجوده: اللهم اغفر ~~لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وسره وعلانيته.» رواه مسلم - فحسن؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله. وقد قال: «وأما السجود فأكثروا فيه ~~من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» . حديث صحيح. # وقال القاضي: لا تستحب الزيادة على: " سبحان ربي الأعلى " في الفرض، وفي ~~التطوع روايتان؛ لأنه، لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه سوى ~~الأمر بالتسبيح، وقد ذكرنا هذه الأخبار الصحيحة، وسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أحق أن تتبع، والأمر بالتسبيح لا ينفي الأمر بغيره، كما أن ~~أمره بالتشهد في الصلاة لم ينف كون الدعاء مشروعا، ولو ساغ كون الأمر ~~بالشيء نافيا لغيره لكان الأمر بالدعاء نافيا للتسبيح؛ لصحة الأمر به، وفعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - له فيه. ### | [مسألة إذا قضى سجوده رفع رأسه مكبرا وجلس واعتدل] # (729) مسألة: قال: (ثم يرفع رأسه مكبرا) يعني إذا قضى سجوده رفع رأسه ~~مكبرا، وجلس، واعتدل، ويكون ابتداء تكبيره مع ابتداء رفعه، وانتهاؤه مع ~~انتهائه. وهذا الرفع والاعتدال عنه واجب. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك، ~~وأبو حنيفة: ليس بواجب، بل يكفي عند أبي حنيفة أن يرفع رأسه مثل حد السيف؛ ~~لأن هذه جلسة فصل بين متشاكلين فلم تكن واجبة، كجلسة التشهد الأول. # PageV01P375 # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسيء في صلاته: «ثم اجلس حتى ~~تطمئن جالسا» . متفق عليه، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله، ~~ولم ينقل أنه أخل به، قالت عائشة: وكان - تعني النبي ms0449 - صلى الله عليه وسلم ~~- «- إذا رفع من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعدا.» متفق عليه. ولأنه رفع ~~واجب، فكان الاعتدال عنه واجبا، كالرفع من السجدة الأخيرة، ولا يسلم لهم أن ~~جلسة التشهد غير واجبة. ### | [مسألة يجلس بين السجدتين مفترشا] # (730) مسألة: قال: (فإذا جلس واعتدل يكون جلوسه على رجله اليسرى، وينصب ~~رجله اليمنى) السنة أن يجلس بين السجدتين مفترشا، وهو أن يثني رجله اليسرى، ~~فيبسطها، ويجلس عليها، وينصب رجله اليمنى ويخرجها من تحته، ويجعل بطون ~~أصابعه على الأرض معتمدا عليها؛ لتكون أطراف أصابعها إلى القبلة. # قال أبو حميد، في صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثم ثنى ~~رجله اليسرى، وقعد عليها، ثم اعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه، ثم هوى ساجدا. ~~وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي روته عائشة: «وكان يفرش رجله ~~اليسرى، وينصب اليمنى» . متفق عليه. # ويستحب أن يفتح أصابع رجله اليمنى، فيستقبل بها القبلة، ومعناه أن يثنيها ~~نحو القبلة. قال الأثرم: تفقدت أبا عبد الله، فرأيته يفتح أصابع رجله ~~اليمنى، فيستقبل بها القبلة. وروى بإسناده، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: ~~كنا نعلم إذا جلسنا في الصلاة، أن يفترش الرجل منا قدمه اليسرى، وينصب قدمه ~~اليمنى على صدر قدمه، فإن كانت إبهام أحدنا لتنثني فيدخل يده حتى يعدلها. # وعن ابن عمر، قال: من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى، واستقباله ~~بأصابعها القبلة. رواه النسائي. وقال نافع: كان ابن عمر إذا صلى استقبل ~~القبلة بكل شيء، حتى بنعليه. رواه الأثرم. ### | [فصل الإقعاء على القدمين في السجود] # (731) فصل: ويكره الإقعاء، وهو أن يفرش قدميه، ويجلس على عقبيه. بهذا ~~وصفه أحمد، قال أبو عبيد: هذا قول أهل الحديث، والإقعاء عند العرب: جلوس ~~الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه، مثل إقعاء الكلب والسبع. ولا أعلم أحدا قال ~~باستحباب الإقعاء على هذه الصفة، فأما الأول فكرهه علي، وأبو هريرة، ~~وقتادة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم. ~~وفعله ابن عمر، وقال: لا تقتدوا بي، فإني قد كبرت. ms0450 # وقد نقل مهنا عن أحمد أنه قال: لا أفعله، ولا أعيب من فعله. وقال: ~~العبادلة كانوا يفعلونه. وقال طاوس: رأيت العبادلة يفعلونه ابن عمر، وابن ~~عباس، وابن الزبير. وعن ابن عباس، أنه قال: من السنة أن تمس أليتاك قدميك. ~~وقال طاوس: «قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين في السجود؟ فقال: هي ~~السنة. قال: قلنا إنا لنراه جفاء بالرجل، فقال: هي سنة نبيك» . رواه مسلم ~~وأبو داود. # PageV01P376 # ولنا، ما روى الحارث عن علي قال. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا تقع بين السجدتين» . وعن أنس، قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب» . رواهما ابن ~~ماجه. وفي صفة جلوس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي حميد: ثم ~~ثنى رجله اليسرى، وقعد عليها. وفي حديث عائشة: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يفترش رجله اليسرى، وينصب اليمنى، وينهى عن عقبة الشيطان» . ~~وهذه الأحاديث أكثر وأصح، فتكون أولى. وأما ابن عمر، فإنه كان يفعل ذلك ~~لكبره، ويقول: لا تقتدوا بي. ### | [مسألة يقول بين السجدتين رب اغفر لي رب اغفر لي] # مسألة: قال: (ويقول: رب اغفر لي رب اغفر لي) المستحب عند أبي عبد الله أن ~~يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي: يكرر ذلك مرارا، والواجب منه ~~مرة، وأدنى الكمال ثلاث، والكمال منه مثل الكمال في تسبيح الركوع والسجود، ~~على ما مضى من اختلاف الروايتين، واختلاف أهل العلم مثل ما ذكرنا في تسبيح ~~الركوع والسجود. والأصل في هذا ما روى حذيفة «، أنه صلى مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي» . احتج ~~به أحمد، رواه النسائي، وابن ماجه. # وروي عن ابن عباس أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~بين السجدتين. اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني؛ وارزقني» . رواه ~~أبو داود، وابن ماجه، إلا أنه قال: في صلاة الليل. وإن قال: رب ms0451 اغفر لنا. ~~أو: اللهم اغفر لنا، مكان: رب اغفر لي. جاز ### | [مسألة إذا فرغ من الجلسة بين السجدتين] # (733) مسألة: قال: (ثم يكبر، ويخر ساجدا) وجملته أنه إذا فرغ من الجلسة ~~بين السجدتين، سجد سجدة أخرى على صفة الأولى، سواء. وهي واجبة إجماعا. وكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يسجد سجدتين لم يختلف عنه في ذلك. ### | [فصل شروع المأموم في أفعال الصلاة من الرفع والوضع بعد فراغ الإمام] # (734) فصل: والمستحب أن يكون شروع المأموم في أفعال الصلاة؛ من الرفع ~~والوضع، بعد فراغ الإمام منه، ويكره فعله معه في قول أكثر أهل العلم. ~~واستحب مالك أن تكون أفعاله مع أفعال الإمام. ولنا، ما روى البراء قال: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم نزل ~~قياما حتى نراه قد وضع جبهته في الأرض، ثم نتبعه» . متفق عليه. وللبخاري: ~~«لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساجدا، ثم ~~نقع سجودا بعده» . # وعن أبي موسى، قال: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبنا، فبين ~~لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، وليؤمكم أحدكم، ~~فإذا كبر فكبروا - إلى قوله - فإذا ركع فاركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم ~~ويرفع قبلكم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فتلك بتلك» . رواه ~~مسلم، وفي لفظ: «فمهما # PageV01P377 # أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت» . # وروى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنما جعل ~~الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا. ~~وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد. وإذا سجد فاسجدوا، ~~وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون» . متفق عليه. # وقوله: " فإذا ركع فاركعوا "، يقتضي أن يكون ركوعهم بعد ركوعه؛ لأنه عقبه ~~به بفاء التعقيب، فيكون بعده، كقولك: جاء زيد فعمرو. أي جاء بعده. وإن وافق ~~إمامه في أفعال الصلاة، فركع وسجد معه، أساء، وصحت صلاته. # (735) فصل: ولا يجوز أن يسبق إمامه؛ لقول رسول ms0452 الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود؛ ولا بالقيام، ولا بالانصراف» . رواه ~~مسلم. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أما ~~يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله صورته صورة حمار» . متفق ~~عليه. # ولما روينا من الأخبار في الفصل الذي قبله، ولأنه تابع له، فلا ينبغي أن ~~يسبقه، كما في تكبيرة الإحرام. فإن سبق إمامه فعليه أن يرفع ليأتي بذلك ~~مؤتما بإمامه، وقد روي عن عمر، أنه قال: إذا رفع أحدكم رأسه، والإمام ساجد، ~~فليسجد، وإذا رفع الإمام برأسه فليمكث قدر ما رفع. فإن لم يفعل حتى لحقه ~~الإمام سهوا أو جهلا، فلا شيء عليه؛ لأن هذا سبق يسير. # وإن سبق إمامه عمدا عالما بتحريمه، فقال أحمد في رسالته: ليس لمن سبق ~~الإمام صلاة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما يخشى الذي يرفع رأسه ~~قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار» . ولو كانت له صلاة لرجا له ~~الثواب، ولم يخش عليه العقاب. وعن ابن مسعود، أنه نظر إلى من سبق الإمام، ~~فقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت، وعن ابن عمر نحو من ذلك، قال: ~~وأمره بالإعادة. لأنه لم يأت بالركن مؤتما بإمامه. فأشبه ما لو سبقه ~~بتكبيرة الإحرام أو السلام. وقال ابن حامد: في ذلك وجهان. قال القاضي: عندي ~~أنه تصح صلاته؛ لأنه اجتمع معه في الركن، فصحت صلاته، كما لو ركع معه ~~ابتداء. ### | [فصل ركع ورفع قبل ركوع إمامه] # (736) فصل: فإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه. فقال أبو الخطاب: إن فعله عمدا ~~فهل تبطل صلاته؟ على وجهين؛ لأنه سبقه بركن واحد، فأشبه ما لو ركع قبله ~~حسب. وإن فعله سهوا فصلاته صحيحة. وهل يعتد بتلك # PageV01P378 # الركعة؟ فيه روايتان. فأما إن سبقه بركعتين فركع قبله، فلما أراد أن يركع ~~رفع، فلما أراد أن يرفع سجد عمدا، بطلت صلاته؛ لأنه لم يقتد بإمامه في أكثر ~~الركعة. وإن فعله سهوا، لم تبطل صلاته؛ لأنه معذور. ولم يعتد بتلك الركعة؛ ms0453 ~~لعدم اقتدائه بإمامه فيها. ### | [فصل سبق الإمام المأموم بركن كامل] # (737) فصل: فإن سبق الإمام المأموم بركن كامل؛ مثل أن ركع ورفع قبل ركوع ~~المأموم، لعذر من نعاس أو زحام أو عجلة الإمام، فإنه يفعل ما سبق به، ويدرك ~~إمامه، ولا شيء عليه. نص عليه أحمد. قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: ~~الإمام إذا سجد، فرفع رأسه قبل أن أسجد؟ قال: إن كانت سجدة واحدة فأتبعه ~~إذا رفع رأسه. وهذا لا أعلم فيه خلافا. وإن سبقه بركعة كاملة أو أكثر، فإنه ~~يتبع إمامه، ويقضي ما سبقه الإمام به. # قال أحمد، في رجل نعس خلف الإمام حتى صلى ركعتين؟ قال: كأنه أدرك ركعتين، ~~فإذا سلم الإمام صلى ركعتين، وإن سبقه بأكثر من ركن، وأقل من ركعة، ثم زال ~~عذره، فالمنصوص عن أحمد أنه يتبع إمامه، ولا يعتد بتلك الركعة؛ فإنه قال في ~~رجل ركع إمامه وسجد وهو قائم لا يشعر، ولم يركع حتى سجد الإمام، فقال: يسجد ~~معه، ويأتي بركعة مكانها. وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: الإمام إذا سجد ~~ورفع رأسه قبل أن أسجد؟ قال: إن كانت سجدة واحدة فاتبعه إذا رفع رأسه، وإن ~~كان سجدتان فلا يعتد بتلك الركعة. وظاهر هذا أنه متى سبقه بركعتين بطلت تلك ~~الركعة. # وإن سبقه بأقل من ذلك فعله وأدرك إمامه. وقال أصحابنا، فيمن زحم عن ~~السجود يوم الجمعة: ينتظر زوال الزحام ثم يسجد ويتبع الإمام، ما لم يخف ~~فوات الركوع في الثانية مع الإمام. وهذا يقتضي أنه يفعل ما فاته، وإن كان ~~أكثر من ركن واحد. وهذا قول الشافعي «؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فعله بأصحابه في صلاة عسفان، حين أقامهم خلفه صفين، فسجد بالصف الأول، ~~والصف الثاني قائم، حتى قام النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الثانية، ~~فسجد الصف الثاني، ثم تبعه» . وكان ذلك جائزا للعذر. فهذا مثله. # وقال مالك: إن أدركهم المسبوق في أول سجودهم سجد معهم، واعتد بها. وإن ~~علم أنه لا يقدر على الركوع، وأدركهم في السجود حتى يستووا ms0454 قياما، فليتبعهم ~~فيما بقي من صلاتهم، ثم يقضي ركعة، ثم يسجد للسهو، ونحوه، قال الأوزاعي: ~~ولم يجعل عليه سجدتي السهو. # والأولى في هذا، والله أعلم، ما كان على قياس فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في صلاة الخوف؛ فإن ما لا نص فيه يرد إلى أقرب الأشياء به من ~~المنصوص عليه. وإن فعل ذلك لغير عذر بطلت صلاته؛ لأنه ترك الائتمام بإمامه ~~عمدا، والله أعلم. ### | [مسألة جلسة الاستراحة في الصلاة] # (738) مسألة: قال: (ثم يرفع رأسه مكبرا، ويقوم على صدور قدميه، معتمدا ~~على ركبتيه) # PageV01P379 # وجملته أنه إذا قضى سجدته الثانية نهض للقيام مكبرا، والقيام ركن، ~~والتكبير واجب، في إحدى الروايتين. واختلفت الرواية عن أحمد: هل يجلس ~~للاستراحة؟ فروي عنه: لا يجلس. # وهو اختيار الخرقي، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن ~~عباس، وبه يقول مالك، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال أحمد: أكثر ~~الأحاديث على هذا. وذكر عن عمر، وعلي، وعبد الله. # وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يفعل ذلك. أي لا يجلس. # قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم. وقال أبو الزناد: تلك السنة. ~~والرواية الثانية: أنه يجلس. اختارها الخلال. وهو أحد قولي الشافعي. قال ~~الخلال: رجع أبو عبد الله إلى هذا. # يعني ترك قوله بترك الجلوس؛ لما روى مالك بن الحويرث «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض» . متفق ~~عليه وذكره أيضا أبو حميد في صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو حديث حسن صحيح، فيتعين العمل به، والمصير إليه. وقيل: إن كان المصلي ~~ضعيفا جلس للاستراحة؛ لحاجته إلى الجلوس، وإن كان قويا لم يجلس؛ لغناه عنه، ~~وحمل جلوس النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه كان في آخر عمره، عند كبره ~~وضعفه، وهذا فيه جمع بين الأخبار، وتوسط بين القولين. # فإذا قلنا: يجلس؛ فيحتمل أنه يجلس مفترشا على صفة الجلوس بين السجدتين، ~~وهو مذهب الشافعي؛ لقول ms0455 أبي حميد في صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ثم ثنى رجله، وقعد، واعتدل حتى يرجع كل عضو في موضعه، ثم نهض» . ~~وهذا صريح في كيفية جلسة الاستراحة، فيتعين المصير إليه. وقال الخلال: روى ~~عن أحمد من لا أحصيه كثرة، أنه يجلس على أليتيه. قال القاضي: يجلس على ~~قدميه وأليتيه، مفضيا بهما إلى الأرض؛ لأنه لو جلس مفترشا لم يأمن السهو، ~~فيشك هل جلس عن السجدة الأولى أو الثانية؟ وبهذا يأمن ذلك. # وقال أبو الحسن الآمدي: لا يختلف أصحابنا أنه لا يلصق أليتيه بالأرض في ~~جلسة الاستراحة، بل يجلس معلقا عن الأرض. وعلى كلتي الروايتين ينهض إلى ~~القيام على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه، ولا يعتمد على يديه. قال القاضي: ~~لا يختلف قوله، أنه لا يعتمد على الأرض، سواء قلنا: يجلس للاستراحة أو لا ~~يجلس. وقال مالك، والشافعي: السنة أن يعتمد على يديه في النهوض؛ لأن مالك ~~بن الحويرث قال في صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «، إنه لما ~~رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قاعدا، ثم اعتمد على الأرض» . رواه ~~النسائي. # ولأن ذلك أعون للمصلي. ولنا ما روى وائل بن حجر، قال: «رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا سجد وضع ركبتيه # PageV01P380 # قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» رواه النسائي، والأثرم، وفي ~~لفظ: «وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه» . # وعن ابن عمر، قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتمد الرجل ~~على يديه إذا نهض في الصلاة» . رواهما أبو داود، وقال علي كرم الله وجهه: ~~«إن من السنة في الصلاة المكتوبة، إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين، أن ~~لا يعتمد بيديه على الأرض، إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع» . رواه ~~الأثرم. وقال أحمد: بذلك جاء الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعن أبي هريرة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في الصلاة ينهض على ~~صدور قدميه» . رواه الترمذي. وقال: يرويه خالد بن إلياس. قال ms0456 أحمد: ترك ~~الناس حديثه. ولأنه أشق فكان أفضل، كالتجافي والافتراش. وحديث مالك محمول ~~على أنه كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - لمشقة القيام عليه لضعفه ~~وكبره، فإنه قال - عليه السلام -: «إني قد بدنت، فلا تسبقوني بالركوع ولا ~~بالسجود» ### | [مسألة إذا شق عليه النهوض من السجود] # (739) مسألة: قال: (إلا أن يشق ذلك عليه، فيعتمد بالأرض) يعني إذا شق ~~عليه النهوض على الصفة التي ذكرناها، فلا بأس باعتماده على الأرض بيديه، لا ~~نعلم أحدا خالف في هذا، وقد دل عليه حديث مالك بن الحويرث، وقول علي - رضي ~~الله عنه -: إلا أن يكون شيخا كبيرا. ومشقة ذلك تكون لكبر، أو ضعف، أو مرض، ~~أو سمن، ونحوه. ### | [فصل ابتداء تكبيره مع ابتداء رفع رأسه من السجود وانتهاؤه عند اعتداله] # (740) فصل: يستحب أن يكون ابتداء تكبيره مع ابتداء رفع رأسه من السجود، ~~وانتهاؤه عند اعتداله قائما، ليكون مستوعبا بالتكبير جميع الركن المشروع ~~فيه، وعلى هذا بقية التكبيرات، إلا من جلس جلسة الاستراحة، فإنه ينتهي ~~تكبيره عند انتهاء جلوسه، ثم ينهض للقيام بغير تكبير. وقال أبو الخطاب: ~~ينهض مكبرا. وليس بصحيح؛ فإنه يفضي إلى أن يوالي بين تكبيرتين في ركن واحد ~~لم يرد الشرع بجمعهما فيه. ### | [مسألة يصنع في الركعة الثانية من الصلاة مثل ما صنع في الركعة الأولى] # (741) مسألة: قال: (ويفعل في الثانية مثل ما فعل في الأولى) يعني يصنع في ~~الركعة الثانية من الصلاة مثل ما صنع في الركعة الأولى على ما وصف؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف الركعة الأولى للمسيء في صلاته، ثم قال: ~~«افعل ذلك في صلاتك كلها» . وهذا لا خلاف فيه نعلمه، إلا أن الثانية تنقص ~~النية وتكبيرة الإحرام والاستفتاح؛ لأن ذلك يراد لافتتاح الصلاة، وقد روى ~~مسلم عن أبي هريرة، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نهض من ~~الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت» . # وهذا يدل على أنه لم يكن يستفتح ولا يستعيذ، ولا نعلم في ترك هذه الأمور ~~الثلاثة ms0457 خلافا، فيما عدا الركعة الثالثة. # PageV01P381 # فأما الاستعاذة فاختلفت الرواية عن أحمد فيها في كل ركعة، فعنه أنها تختص ~~بالركعة الأولى. وهو قول عطاء، والحسن، والنخعي، والثوري؛ لحديث أبي هريرة ~~هذا، ولأن الصلاة جملة واحدة فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة، ولذلك ~~اعتبرنا الترتيب في القراءة في الركعتين، فأشبه ما لو سجد للتلاوة في أثناء ~~قراءته. # فإذا أتى بالاستعاذة في أولها كفى ذلك كالاستفتاح. فعلى هذه الرواية، إذا ~~ترك الاستعاذة في الأولى لنسيان أو غيره، أتى بها في الثانية، والاستفتاح ~~بخلاف ذلك. نص عليه؛ لأن الاستفتاح لافتتاح الصلاة، فإذا فات في أولها فات ~~محله. والاستعاذة للقراءة، وهو يستفتحها في الثانية، وإن شرع في القراءة ~~قبل الاستعاذة، لم يأت بها في تلك الركعة؛ لأنها سنة فات محلها. # والرواية الثانية، يستعيذ في كل ركعة. وهو قول ابن سيرين، والشافعي، ~~لقوله سبحانه وتعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} ~~[النحل: 98] . فيقتضي ذلك تكرير الاستعاذة عند تكرير القراءة، ولأنها ~~مشروعة للقراءة، فتكرر بتكررها، كما لو كانت في صلاتين. ### | [فصل المسبوق إذا أدرك الإمام فيما بعد الركعة الأولى] # فصل: والمسبوق إذا أدرك الإمام فيما بعد الركعة الأولى لم يستفتح، وأما ~~الاستعاذة، فإن قلنا: تختص بالركعة الأولى. لم يستعذ؛ لأن ما يدركه المأموم ~~مع الإمام آخر صلاته فإذا قام للقضاء استفتح واستعاذ. نص على هذا أحمد. وإن ~~قلنا: يستعيذ في كل ركعة. استعاذ؛ لأن الاستعاذة في أول قراءة كل ركعة، ~~فإذا أراد المأموم القراءة استعاذ؛ لقول الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] ### | [مسألة إذا صلى ركعتين جلس للتشهد] # (743) مسألة: قال: (فإذا جلس فيها للتشهد يكون كجلوسه بين السجدتين) ~~وجملته أنه إذا صلى ركعتين جلس للتشهد، وهذا الجلوس والتشهد فيه مشروعان ~~بلا خلاف، وقد نقله الخلف عن السلف، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نقلا ~~متواترا، والأمة تفعله في صلاتها؛ فإن كانت الصلاة مغربا أو رباعية، فهما ~~واجبان فيها، على إحدى الروايتين. وهو مذهب الليث، وإسحاق. والأخرى: ليسا ~~بواجبين. وهو قول أبي ms0458 حنيفة، ومالك، والشافعي؛ لأنهما يسقطان بالسهو، ~~فأشبها السنن. ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله، وداوم على ~~فعله، وأمر به» في حديث ابن عباس، فقال: " قولوا: التحيات لله ". وسجد ~~للسهو حين نسيه. # وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي.» وإنما سقط بالسهو إلى بدل، فأشبه ~~جبرانات الحج تجبر بالدم، بخلاف السنن، ولأنه أحد التشهدين، فكان واجبا ~~كالآخر. وصفة الجلوس لهذا التشهد كصفة الجلوس بين السجدتين؛ يكون مفترشا ~~كما وصفنا. وسواء كان آخر صلاته أو لم يكن. وبهذا قال الثوري، وإسحاق، ~~وأصحاب الرأي، وقال مالك: يكون متوركا # PageV01P382 # على كل حال؛ لما روى ابن مسعود «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركا» . # وقال الشافعي: إن كان متوسطا كقولنا، وإن كان آخر صلاته كقول مالك. ولنا، ~~حديث أبي حميد «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس - يعني للتشهد - ~~فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته.» وقال وائل بن حجر: قلت: ~~لأنظرن إلى صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. «فلما جلس - يعني ~~للتشهد - افترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ونصب رجله ~~اليمنى» . وهذان حديثان صحيحان حسنان، يتعين الأخذ بهما، وتقديمهما على ~~حديث ابن مسعود؛ لصحتهما وكثرة رواتهما، فإن أبا حميد ذكر حديثه في عشرة من ~~الصحابة فصدقوه، وهما متأخران عن ابن مسعود # ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ~~بين أبو حميد في حديثه الفرق بين التشهدين، فتكون زيادة، والأخذ بالزيادة ~~واجب. ### | [مسألة المصلي إذا جلس للتشهد] # (744) مسألة: قال: (ثم يبسط كفه اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على ~~فخذه اليمنى، ويحلق الإبهام مع الوسطى؛ ويشير بالسبابة) وجملته أنه يستحب ~~للمصلي إذا جلس للتشهد وضع اليد اليسرى على فخذ اليسرى، مبسوطة مضمومة ~~الأصابع، مستقبلا بجميع أطراف أصابعها القبلة، ويضع يده اليمنى على فخذه ~~اليمنى، يقبض منها الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويشير ~~بالسبابة، وهي الإصبع التي تلي الإبهام؛ لما روى وائل بن حجر «، أن النبي - ~~صلى ms0459 الله عليه وسلم - وضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد من أصابعه ~~الخنصر والتي تليها، وحلق حلقة بإصبعه الوسطى والإبهام، ورفع السبابة مشيرا ~~بها» . # قال أبو الحسن الآمدي، وقد روي عن أبي عبد الله أنه يجمع أصابعه الثلاث، ~~ويعقد الإبهام كعقد الخمسين؛ لما روى ابن عمر، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين، وأشار ~~بالسبابة» . رواه مسلم. وقال الآمدي: وروي أنه يبسط الخنصر والبنصر؛ ليكون ~~مستقبلا بهما القبلة. # والأول أولى؛ اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. ويشير بالسبابة، ~~يرفعها عند ذكر الله تعالى في تشهده؛ لما روينا، ولا يحركها؛ لما روى عبد ~~الله بن الزبير «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يشير بإصبعه ولا ~~يحركها» . رواه أبو داود. وفي لفظ: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا قعد - يدعو - وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه ~~اليسرى، وأشار بإصبعه.» ### | [مسألة أفضل التشهد] # (745) مسألة: قال: (ويتشهد، فيقول: «التحيات لله، والصلوات والطيبات، ~~السلام عليك أيها النبي # PageV01P383 # ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وهو التشهد الذي علمه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -» ) هذا التشهد ~~هو المختار عند إمامنا، رحمه الله، وعليه أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم من التابعين. قاله الترمذي، وبه يقول ~~الثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وكثير من أهل المشرق. وقال مالك: ~~أفضل التشهد تشهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: " التحيات لله، الزاكيات ~~لله، الصلوات لله "، وسائره كتشهد ابن مسعود؛ لأن عمر قاله على المنبر ~~بمحضر من الصحابة وغيرهم، فلم ينكروه، فكان إجماعا. وقال الشافعي: أفضل ~~التشهد: ما روى ابن عباس قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فيقول: قولوا: التحيات ~~المباركات، الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة ms0460 الله وبركاته، ~~سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن ~~محمدا رسول الله» . أخرجه مسلم، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، إلا أن في ~~رواية مسلم " وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ". # ولنا، ما روى عبد الله بن مسعود قال: «علمني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - التشهد - كفي بين كفيه - كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله، ~~والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله» . وفي لفظ: «إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله. ~~وفيه: فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء وفي ~~الأرض. وفيه: فليتخير من المسألة ما شاء» . متفق عليه. # قال الترمذي: حديث ابن مسعود قد روي من غير وجه، وهو أصح حديث روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد، وقد رواه عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - معه ابن عمر، وجابر، وأبو موسى، وعائشة. وعليه أكثر أهل العلم، ~~فتعين الأخذ به وتقديمه. فأما حديث عمر فلم يروه عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما هو من قوله، وأكثر أهل العلم على خلافه، فكيف يكون إجماعا؟ على ~~أنه ليس الخلاف في إجزائه في الصلاة، إنما الخلاف في الأولى والأحسن، ~~والأحسن تشهد النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي علمه أصحابه وأخذوا به. ~~وأما حديث ابن عباس فانفرد به، واختلف عنه في بعض ألفاظه، ففي رواية مسلم ~~أنه قال: " وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " كرواية ابن مسعود. # ثم رواية ابن مسعود أصح إسنادا، وأكثر رواة، وقد اتفق على روايته جماعة ~~من الصحابة فيكون أولى، ثم هو متضمن للزيادة، وفيه العطف بواو العطف، وهو ~~أشهر في كلام العرب، وفيه السلام بالألف واللام، وهما للاستغراق. وقال عبد ~~الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: حدثنا عبد الله بن مسعود «، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV01P384 # علمه التشهد في الصلاة، قال: وكنا ms0461 نتحفظه عن عبد الله كما نتحفظ حروف ~~القرآن» الواو والألف. وهذا يدل على ضبطه، فكان أولى. # (746) فصل: وبأي تشهد تشهد مما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاز. ~~نص عليه أحمد فقال: تشهد عبد الله أعجب إلي، وإن تشهد بغيره فهو جائز؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما علمه الصحابة مختلفا دل على جواز الجميع، ~~كالقراءات المختلفة التي اشتمل عليها المصحف. قال القاضي: وهذا يدل على أنه ~~إذا أسقط لفظة هي ساقطة في بعض التشهدات المروية صح تشهده، فعلى هذا يجوز ~~أن يقال: أقل ما يجزئ التحيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله، أو أن محمدا رسول الله. # وقد قال أحمد في رواية أبي داود: إذا قال: " وأن محمدا عبده ورسوله ". ~~ولم يذكر " وأشهد " أرجو أن يجزئه. قال ابن حامد: رأيت بعض أصحابنا يقول: ~~لو ترك واوا أو حرفا أعاد الصلاة؛ لقول الأسود: فكنا نتحفظه عن عبد الله ~~كما نتحفظ حروف القرآن. # والأول أصح؛ لما ذكرنا، وقول الأسود يدل على أن الأولى والأحسن الإتيان ~~بلفظه وحروفه، وهو الذي ذكرنا أنه المختار، وعلى أن عبد الله كان يرخص في ~~إبدال لفظات من القرآن، فالتشهد أولى، فقد روي عنه أن إنسانا كان يقرأ عليه ~~{إن شجرت الزقوم} [الدخان: 43] {طعام الأثيم} [الدخان: 44] . فيقول: طعام ~~اليتيم. فقال له عبد الله: قل طعام الفاجر. فأما ما اجتمعت عليه التشهدات ~~كلها فيتعين الإتيان به، وهذا مذهب الشافعي. # (747) فصل: ولا تستحب الزيادة على هذا التشهد، ولا تطويله، وبهذا قال ~~النخعي، والثوري، وإسحاق. وعن الشعبي أنه لم ير بأسا أن يصلي على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيه. وكذلك قال الشافعي؛ وعن عمر، أنه كان إذا تشهد ~~قال: بسم الله خير الأسماء. وعن ابن عمر، أنه كان يسمي في أوله، وقال زدت ~~فيه: وحده لا شريك له. وأباح الدعاء فيه بما بدا له. # وقال أيوب، ويحيى بن سعيد، ms0462 وهشام بقول عمر في التسمية، وقد روى جابر قال، ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من ~~القرآن: بسم الله، التحيات لله. وذكر التشهد كتشهد ابن مسعود أسأل الله ~~الجنة وأعوذ بالله من النار» ، رواه النسائي وابن ماجه. وقال مالك: ذلك ~~واسع. وسمع ابن عباس رجلا يقول: " بسم الله ". فانتهره. # وبه قال مالك، وأهل المدينة وابن المنذر، والشافعي. وهو الصحيح؛ لما روى ~~ابن مسعود «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في الركعتين ~~الأوليين، كأنه على الرضف حتى يقوم» . رواه أبو داود. والرضف: هي الحجارة ~~المحماة. يعني لما يخففه. وهذا يدل على أنه لم يطوله، ولم يزد على التشهد ~~شيئا. # PageV01P385 # وروي عن مسروق، قال: كنا إذا جلسنا مع أبي بكر كأنه على الرضف حتى يقوم. ~~رواه الإمام أحمد. وقال حنبل: رأيت أبا عبد الله يصلي، فإذا جلس في الجلسة ~~بعد الركعتين أخف الجلوس، ثم يقوم كأنه على الرضف، وإنما قصد الاقتداء ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه. ولأن الصحيح من التشهدات ليس فيه ~~تسمية ولا شيء من هذه الزيادات، فيقتصر عليها، ولم تصح التسمية عند أصحاب ~~الحديث، ولا غيرها مما وقع الخلاف فيه، وإن فعله جاز؛ لأنه ذكر. # (748) فصل: وإذا أدرك بعض الصلاة مع الإمام، فجلس الإمام في آخر صلاته، ~~لم يزد المأموم على التشهد الأول، بل يكرره. # نص عليه أحمد فيمن أدرك مع الإمام ركعة، قال: يكرر التشهد، ولا يصلي على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يدعو بشيء مما يدعى به في التشهد الأخير؛ ~~لأن ذلك إنما يكون في التشهد الذي يسلم عقيبه، وليس هذا كذلك. ### | [مسألة إذا فرغ من التشهد الأول نهض قائما] # (749) مسألة: قال: (ثم ينهض مكبرا كنهوضه من السجود) يعني إذا فرغ من ~~التشهد الأول نهض قائما على صدر قدميه، معتمدا على ركبتيه، على ما ذكرناه ~~في نهوضه من السجود في الركعة الأولى، ولا يقدم إحدى رجليه عند النهوض. ~~كذلك قال ابن عباس. وكرهه إسحاق. وروي عن ابن عباس ms0463 أن ذلك يقطع الصلاة. ~~ورخص فيه مجاهد، وإسحاق للشيخ. ولنا، أنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد كرهه ابن عباس، ويمكن الشيخ أن يعتمد على يديه، فيستغني عنه، ~~ولا تبطل الصلاة به، لأنه ليس بعمل كثير، ولا وجد فيه ما يقتضي البطلان. # (750) فصل: ثم يصلي الثالثة والرابعة كالثانية، إلا أنه: لا يقرأ فيهما ~~شيئا بعد الفاتحة، ولا يجهر فيهما في صلاة الجهر. وسيأتي بيان ذلك، إن شاء ~~الله تعالى. ### | [مسألة التورك في التشهد الثاني] # (751) مسألة: قال: (فإذا جلس للتشهد الأخير تورك، فنصب رجله اليمنى، وجعل ~~باطن رجله اليسرى تحت فخذه اليمنى، ويجعل أليتيه على الأرض) السنة عند ~~إمامنا، - رحمه الله -، التورك في التشهد الثاني. وإليه ذهب مالك، ~~والشافعي. وقال الثوري، وأصحاب الرأي: يجلس مفترشا كجلوسه في الأول؛ لما ~~ذكرنا من حديث وائل بن حجر، وأبي حميد، في صفة جلوس النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ولنا قول أبي حميد: حتى «إذا كانت الركعة التي يقضي فيها صلاته أخر رجله ~~اليسرى، وجلس متوركا على شقه الأيسر.» وهذا بيان الفرق بين التشهدين، ~~وزيادة يجب الأخذ بها والمصير إليها، والذي # PageV01P386 # احتجوا به في التشهد الأول، لا نزاع بيننا فيه، وأبو حميد - راوي حديثهم ~~- بين في حديثه أن افتراشه كان في التشهد الأول، وأنه تورك في الثاني، فيجب ~~المصير إلى قوله وبيانه. # فأما صفة التورك، فقال الخرقي: ينصب رجله اليمنى، ويجعل باطن رجله اليسرى ~~تحت فخذه اليمنى، ويجعل أليتيه على الأرض. وذكر القاضي مثل ذلك؛ لما روي عن ~~عبد الله بن الزبير قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في ~~الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى.» رواه مسلم، ~~وأبو داود وفي بعض ألفاظ حديث أبي حميد، قال: «جلس النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على أليتيه، وجعل بطن قدمه عند مأبض اليمنى، ونصب قدمه اليمنى» . # وروى الأثرم في صفته، قال: رأيت أبا عبد الله يتورك في الرابعة في ~~التشهد، فيدخل رجله اليسرى، يخرجها من تحت ساقه ms0464 الأيمن، ولا يقعد على شيء ~~منها، وينصب اليمنى، ويفتح أصابعه، وينحي عجزه كله، ويستقبل بأصابعه اليمنى ~~القبلة، وركبته اليمنى على الأرض ملزقة. وهكذا ذكر أبو الخطاب، وأصحاب ~~الشافعي، وإن أبا حميد، قال في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية ~~واحدة.» رواه أبو داود، وأيهما فعل فحسن. ### | [فصل التشهد والجلوس] # (752) فصل: وهذا التشهد والجلوس له من أركان الصلاة، وممن قال بوجوبه ~~عمر، وابنه وأبو مسعود البدري، والحسن، والشافعي. ولم يوجبه مالك، ولا أبو ~~حنيفة، إلا أن أبا حنيفة أوجب الجلوس قدر التشهد. وتعلقا بأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يعلمه الأعرابي، فدل على أنه غير واجب. ولنا، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به فقال: قولوا: التحيات لله.» وأمره ~~يقتضي الوجوب، وفعله، وداوم عليه، وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: «كنا ~~نقول، قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على ~~جبريل، السلام على ميكائيل. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تقولوا: ~~السلام على الله. ولكن قولوا: التحيات لله. إلى آخره» # وهذا يدل أنه فرض بعد أن لم يكن مفروضا، وحديث الأعرابي يحتمل أنه كان ~~قبل أن يفرض التشهد، ويحتمل أنه ترك تعليمه لأنه لم يره أساء في تركه. ### | [مسألة التورك في كل تشهد يسلم فيه] # (753) مسألة: قال: (ولا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما) ~~وجملته أن جميع جلسات الصلاة لا يتورك فيها إلا في تشهد ثان. وقال الشافعي: ~~يسن التورك في كل تشهد يسلم فيه، وإن لم يكن ثانيا، كتشهد الصبح والجمعة ~~وصلاة التطوع؛ لأنه تشهد يسن تطويله، فسن فيه التورك كالثاني. ولنا، حديث ~~وائل بن حجر «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جلس للتشهد افترش رجله ~~اليسرى، ونصب # PageV01P387 # رجله اليمنى. ولم يفرق بين ما يسلم فيه وما لا يسلم.» وقالت عائشة: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في كل ركعتين التحية، وكان ms0465 يفرش ~~رجله اليسرى وينصب اليمنى» . رواه مسلم. # وهذان يقضيان على كل تشهد بالافتراش، إلا ما خرج منه لحديث أبي حميد في ~~التشهد الثاني، فيبقى فيما عداه على قضية الأصل، ولأن هذا ليس بتشهد ثان، ~~فلا يتورك فيه كالأول، وهذا لأن التشهد الثاني، إنما تورك فيه للفرق بين ~~التشهدين، وما ليس فيه إلا تشهد واحد لا اشتباه فيه، فلا حاجة إلى الفرق، ~~وما ذكروه من المعنى إن صح فيضم إليه هذا المعنى الذي ذكرناه، ونعلل الحكم ~~بهما، والحكم إذا علل بعلتين لم يجز تعديه لتعدي أحدهما دون الآخر. والله ~~أعلم. # (754) فصل: قيل لأبي عبد الله: فما تقول في تشهد سجود السهو؟ فقال " ~~يتورك فيه أيضا، هو من بقية الصلاة. يعني إذا كان من السجود في صلاة ~~رباعية؛ لأن تشهدها يتورك فيه، وهذا تابع له. وقال القاضي: يتورك في كل ~~تشهد لسجود السهو بعد السلام، سواء كانت الصلاة رباعية أو ركعتين؛ لأنه ~~تشهد ثان في الصلاة، ويحتاج إلى الفرق بينه وبين تشهد صلب الصلاة. وقال ~~الأثرم: قلت لأبي عبد الله: الرجل يجيء فيدرك مع الإمام ركعة، فيجلس الإمام ~~في الرابعة، أيتورك معه الرجل الذي جاء في هذه الجلسة؟ فقال: إن شاء تورك. # قلت: فإذا قام يقضي، يجلس في الرابعة هو، فينبغي له أن يتورك؟ فقال: نعم، ~~يتورك، هذا لأنها هي الرابعة له، نعم يتورك، ويطيل الجلوس في التشهد ~~الأخير. قال القاضي: قوله: إن شاء تورك. على سبيل الجواز؛ لأنه مسنون. وقد ~~صرح في رواية مهنا فيمن أدرك من صلاة الظهر ركعتين، لا يتورك إلا في ~~الأخيرتين. ويحتمل أن يكون هذان روايتين. ### | [مسألة الصلاة على النبي في التشهد] # مسألة: قال: (ويتشهد بالتشهد الأول، ويصلي على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، ~~إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، ~~إنك حميد مجيد) وجملته أنه إذا جلس في آخر صلاته فإنه يتشهد بالتشهد الذي ~~ذكرناه، ثم ms0466 يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكر الخرقي، وهي ~~واجبة في صحيح المذهب، وهو قول الشافعي وإسحاق. وعن أحمد أنها غير واجبة. ~~قال المروذي: قيل لأبي عبد الله. إن ابن راهويه يقول: لو أن رجلا ترك ~~الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد، بطلت صلاته. قال: ما ~~أجترئ أن أقول هذا. وقال في موضع: هذا شذوذ. وهذا يدل على أنه لم يوجبها. # وهذا قول مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، وأكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: ~~هو قول جل أهل العلم إلا الشافعي. وكان إسحاق يقول: لا يجزئه إذا ترك ذلك ~~عامدا. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول؛ لأنني لا أجد الدلالة موجودة ~~في إيجاب الإعادة عليه. واحتجوا بحديث # PageV01P388 # ابن مسعود: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه التشهد، ثم قال: إذا ~~قلت هذا - أو قضيت هذا - فقد تمت صلاتك» . وفي لفظ: " وقد قضيت صلاتك، فإن ~~شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد " رواه أبو داود. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من ~~أربع» . رواه مسلم. أمرنا بالاستعاذة عقيب التشهد من غير فصل. ولأن الصحابة ~~كانوا يقولون في التشهد قولا، فنقلهم عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~التشهد وحده، فدل على أنه لا يجب غيره، ولأن الوجوب من الشرع، ولم يرد ~~بإيجابه. # وظاهر مذهب أحمد - رحمه الله - وجوبه؛ فإن أبا زرعة الدمشقي نقل عن أحمد، ~~أنه قال: كنت أتهيب ذلك، ثم تبينت، فإذا الصلاة واجبة. فظاهر هذا أنه رجع ~~عن قوله الأول إلى هذا؛ لما روى كعب بن عجرة، قال: «إن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - خرج علينا فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف ~~نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل ~~إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على آل ~~إبراهيم، إنك حميد مجيد» . متفق عليه. # وروى الأثرم عن فضالة بن عبيد «سمع رسول ms0467 الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رجلا يدعو في صلاته لم يمجد ربه، ولم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عجل هذا. ثم دعاه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم ليصل ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ليدع بعد بما شاء» . ولأن الصلاة ~~عبادة شرط فيها ذكر الله تعالى بالشهادة، فشرط ذكر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كالأذان. فأما حديث ابن مسعود، فقال الدارقطني: الزيادة فيه من كلام ~~ابن مسعود. # (756) فصل: وصفة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكر ~~الخرقي، لما روينا من حديث كعب بن عجرة، وقد رواه النسائي كذلك، إلا أنه ~~قال: " كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم "، و " كما باركت على إبراهيم وآل ~~إبراهيم " وفي رواية: " كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد " و " كما ~~باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد " قال الترمذي: وهو حديث حسن صحيح. وفي ~~رواية ابن مسعود: «كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما ~~باركت على إبراهيم؛ في العالمين، إنك حميد مجيد» . رواه مسلم. # وعن أبي حميد «، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قولوا: اللهم ~~صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم؛ وبارك على محمد ~~وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» . رواه ~~البخاري. والأولى أن يأتي بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~الصفة التي ذكر الخرقي. لأن ذلك في حديث كعب # PageV01P389 # بن عجرة، وهو أصح حديث روي فيها. وعلى أي صفة أتى بالصلاة عليه مما ورد ~~في الأخبار، جاز، كقولنا في التشهد، وظاهره أنه إذا أخل بلفظ ساقط في بعض ~~الأخبار، جاز، لأنه لو كان واجبا لما أغفله النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~قال القاضي أبو يعلى: ظاهر كلام أحمد أن الصلاة واجبة على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حسب؛ لقوله في خبر أبي زرعة: الصلاة على النبي ms0468 - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر، من تركها أعاد الصلاة، ولم يذكر الصلاة على آله. # وهذا مذهب الشافعي. ولهم في وجوب الصلاة على آله وجهان. وقال بعض ~~أصحابنا: تجب الصلاة على الوجه الذي في خبر كعب؛ لأنه أمر به، والأمر يقتضي ~~الوجوب. والأول أولى، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرهم بهذا حين ~~سألوه تعليمهم، ولم يبتدئهم به. # (757) فصل: آل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أتباعه على دينه، كما قال ~~الله تعالى {أدخلوا آل فرعون} [غافر: 46] . يعني أتباعه من أهل دينه. # وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «، أنه سئل: من آل محمد؟ فقال: ~~كل تقي» . أخرجه تمام في " فوائده ". وقيل آله: أهله، الهاء منقلبة عن ~~الهمزة، كما يقال: أرقت الماء وهرقته. فلو قال: وعلى أهل محمد، مكان آل ~~محمد، أجزأه عند القاضي، وقال: معناهما واحد، ولذلك لو صغر، قيل: أهيل: ~~قال. ومعناهما جميعا أهل دينه. # وقال ابن حامد وأبو حفص: لا يجزئ؛ لما فيه من مخالفة لفظ الأثر، وتغيير ~~المعنى، فإن الأهل إنما يعبر به عن القرابة، والآل يعبر به عن الأتباع في ~~الدين. # (758) فصل: وأما تفسير التحيات، فروي عن ابن عباس، قال: التحية العظمة، ~~والصلوات الصلوات الخمس، والطيبات الأعمال الصالحة. وقال أبو عمرو: التحيات ~~الملك. وأنشد: # ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية # وقال بعض أهل اللغة: التحية البقاء. واستشهد بهذا البيت. # وقال ابن الأنباري: التحيات السلام، والصلوات الرحمة، والطيبات من ~~الكلام. # PageV01P390 # (759) فصل: والسنة إخفاء التشهد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يكن يجهر به، إذ لو جهر به لنقل كما نقلت القراءة. وقال عبد الله بن مسعود: ~~من السنة إخفاء التشهد. رواه أبو داود. ولأنه ذكر غير القراءة لا ينتقل به ~~من ركن إلى ركن، فاستحب إخفاؤه، كالتسبيح، ولا نعلم في هذا خلافا. # فصل (760) : ولا يجوز لمن قدر على العربية التشهد والصلاة على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بغيرها؛ لما ذكرنا في التكبير. فإن عجز عن العربية ~~تشهد بلسانه، كقولنا في التكبير، ويجيء على قول ms0469 القاضي أن لا يتشهد، وحكمه ~~حكم الأخرس. ومن قدر على تعلم التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لزمه ذلك؛ لأنه من فروض الأعيان، فلزمه كالقراءة. # فإن صلى قبل تعلمه مع إمكانه، لم تصح صلاته. وإن خاف فوات الوقت، أو عجز ~~عن تعلمه، أتى بما يمكنه منه، وأجزأه؛ للضرورة. وإن لم يحسن شيئا بالكلية، ~~سقط كله. # (761) فصل: والسنة ترتيب التشهد، وتقديمه على الصلاة على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فإن لم يفعل، وأتى به منكسا من غير تغيير شيء من معانيه، ~~ولا إخلال بشيء من الواجب فيه، ففيه وجهان: أحدهما يجزئه. ذكره القاضي. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأن المقصود المعنى، وقد حصل، فصح كما لو رتبه. والثاني لا ~~يصح؛ لأنه أخل بالترتيب في ذكر ورد الشرع به مرتبا، فلم يصح كالأذان. ### | [مسألة يستحب أن يتعوذ من أربع بعد التشهد] # (762) مسألة: قال: (ويستحب أن يتعوذ من أربع. فيقول: أعوذ بالله من عذاب ~~جهنم، أعوذ بالله من عذاب القبر، أعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال، أعوذ ~~بالله من فتنة المحيا والممات) وذلك لما روى أبو هريرة، قال: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن ~~عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» . متفق ~~عليه. ولمسلم: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ من أربع» وذكره. ### | [مسألة الدعاء في الصلاة بما وردت به الأخبار] # (763) مسألة: قال: (وإن دعا في تشهده بما ذكر في الأخبار فلا بأس) وجملته ~~أن الدعاء في الصلاة بما وردت به الأخبار جائز. قال الأثرم: قلت لأبي عبد ~~الله: إن هؤلاء # PageV01P391 # يقولون: لا يدعو في المكتوبة إلا بما في القرآن. فنفض يده كالمغضب، وقال: ~~من يقف على هذا، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بخلاف ما قالوا، قلت لأبي عبد الله: إذا جلس في الرابعة يدعو بعد التشهد ~~بما شاء؟ قال: بما شاء لا أدري، ولكن يدعو بما يعرف وبما جاء. فقلت: على ~~حديث عمرو بن سعد، قال: ms0470 سمعت عبد الله، يقول: إذا جلس أحدكم في صلاته، وذكر ~~التشهد، ثم ليقل: " اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، ~~وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم. اللهم إني أسألك من خير ما ~~سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك الصالحون، ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ذنوبنا، ~~وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا ~~تخزنا يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد ". رواه الأثرم. # وعن عبد الله قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد، كما ~~يعلمنا السورة من القرآن، قال: وعلمنا أن نقول: اللهم أصلح ذات بيننا، ~~واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واصرف عنا الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أبصارنا وأسماعنا وقلوبنا وأزواجنا ~~وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين ~~عليك بها، قابليها، وأتمها علينا» ، رواه أبو داود. # وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه «قال لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ~~ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك ~~أنت الغفور الرحيم» متفق عليه. وعن أبي هريرة، قال «قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لرجل: ما تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد، ثم أسأل الله ~~الجنة، وأعوذ به من النار، أما والله ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ. ~~فقال: حولها ندندن» . رواه أبو داود. # وفي حديث جابر «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمهم التشهد، فقال في ~~آخره: أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار» . وقول الخرقي: بما ذكر في ~~الأخبار. يعني أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والسلف، رحمة ~~الله عليهم؛ فإن أحمد ذهب إلى حديث ابن مسعود في الدعاء، وهو موقوف عليه، ~~وقال: يدعو بما جاء وبما ms0471 يعرف. # ولم يقيده بما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال عبد الله بن ~~أحمد: سمعت أبي يقول في سجوده: # PageV01P392 # اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن المسألة لغيرك. وقال: ~~كان عبد الرحمن يقوله في سجوده. وقال: سمعت الثوري يقوله في سجوده. # (764) فصل: ولا يجوز أن يدعو في صلاته بما يقصد به ملاذ الدنيا وشهواتها، ~~بما يشبه كلام الآدميين وأمانيهم، مثل: اللهم ارزقني جارية حسناء، ودارا ~~قوراء، وطعاما طيبا، وبستانا أنيقا. وقال الشافعي: يدعو بما أحب؛ لقوله - ~~عليه السلام -، في حديث ابن مسعود، في التشهد: " ثم ليتخير من الدعاء أعجبه ~~إليه ". متفق عليه. # ولمسلم: " ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء أو ما أحب ". وفي حديث أبي ~~هريرة: «إذا تشهد أحدكم فليتعوذ من أربع، ثم يدعو لنفسه ما بدا له» . ولنا ~~قوله - عليه السلام -: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، ~~إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» . أخرجه مسلم. وهذا من كلام ~~الآدميين، ولأنه كلام آدمي يخاطب بمثله، أشبه تشميت العاطس، ورد السلام، ~~والخبر محمول على أنه يتخير من الدعاء المأثور وما أشبهه. # (765) فصل: فأما الدعاء بما يتقرب به إلى الله عز وجل مما ليس بمأثور، ~~ولا يقصد به ملاذ الدنيا، فظاهر كلام الخرقي وجماعة من أصحابنا أنه لا ~~يجوز، ويحتمله كلام أحمد؛ لقوله: ولكن يدعو بما جاء وبما يعرف. وحكى عنه ~~ابن المنذر، أنه قال: لا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه؛ من حوائج دنياه ~~وآخرته. وهذا هو الصحيح، إن شاء الله تعالى؛ لظواهر الأحاديث، فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " ثم ليتخير من الدعاء "، وقوله: " ثم يدعو ~~لنفسه بما بدا له ". وقوله: " ثم ليدع بعد بما شاء ". وروي عن أنس، قال: ~~«جاءت أم سليم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله: ~~علمني دعاء أدعو به في صلاتي. فقال: احمدي الله عشرا، وسبحي الله عشرا، ثم ~~سلي ما شئت. يقول: نعم نعم نعم» . رواه الأثرم # PageV01P393 # ولأن أصحاب النبي ms0472 - صلى الله عليه وسلم - كانوا يدعون في صلاتهم بما لم ~~يتعلموه، فلم ينكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولهذا لما قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - للرجل: " ما تقول في صلاتك؟ " قال: أتشهد، ثم أسأل ~~الله الجنة، وأعوذ به من النار. فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~دعائه ذلك من غير أن يكون علمه إياه، ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء» . لم يعين لهم ما يدعون به، فدل على ~~أنه أباح لهم كل الدعاء، إلا ما خرج منه بالدليل في الفصل الذي قبل هذا، ~~وقد روي عن عائشة، أنها كانت إذا قرأت: «فمن الله علينا ووقانا عذاب ~~السموم» . قالت: من علينا، وقنا عذاب السموم. # وعن جبير بن نفير، أنه سمع أبا الدرداء، وهو يقول في آخر صلاته، وقد فرغ ~~من التشهد: أعوذ بالله من النفاق. ولأنه دعاء يتقرب به إلى الله تعالى، ~~فأشبه الدعاء المأثور. # (766) فصل: وهل يجوز أن يدعو لإنسان بعينه في صلاته؟ على روايتين: ~~إحداهما يجوز. قال الميموني: سمعت أبا عبد الله يقول لابن الشافعي: أنا ~~أدعو لقوم منذ سنين في صلاتي؛ أبوك أحدهم. وقد روي ذلك عن علي، وأبي ~~الدرداء، واختاره ابن المنذر «؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~قنوته: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، ~~والمستضعفين من المؤمنين» . ولأنه دعاء لبعض المؤمنين. فأشبه ما لو قال: " ~~رب اغفر لي ولوالدي ". والأخرى لا يجوز. # وكرهه عطاء والنخعي؛ لشبهه بكلام الآدميين، ولأنه دعاء لمعين، فلم يجز، ~~كتشميت العاطس، وقد دل على المنع من تشميت العاطس حديث معاوية بن الحكم ~~السلمي. # (767) فصل: ويستحب للمصلي نافلة إذا مرت به آية رحمة أن يسألها، أو آية ~~عذاب أن يستعيذ منها؛ لما روى حذيفة، «أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي ~~الأعلى، وما مر بآية رحمة إلا وقف عندها وسأل، ولا بآية عذاب إلا ms0473 وقف عندها ~~فتعوذ.» رواه أبو داود. # وعن عوف بن مالك، قال: «قمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة، ~~فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب ~~إلا وقف فتعوذ. قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت ~~والملكوت. والكبرياء والعظمة» . رواه أبو داود. ولا يستحب ذلك في الفريضة؛ ~~لأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فريضة، مع كثرة من وصف ~~قراءته فيها. # PageV01P394 # (768) فصل: ويستحب للإمام أن يرتل القراءة والتسبيح والتشهد بقدر ما يرى ~~أن من خلفه ممن يثقل لسانه قد أتى عليه، وأن يتمكن من ركوعه وسجوده، قدر ما ~~يرى أن الكبير والصغير والثقيل قد أتى عليه. فإن خالف وأتى بقدر ما عليه، ~~كره وأجزأه. # ولا يستحب له التطويل كثيرا، فيشق على من خلفه؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من أم الناس فليخفف» . وأما المنفرد فله الإطالة في ذلك كله، ~~ما لم يخرجه إلى حال يخاف السهو، فتكره الزيادة عليه، فقد روي عن عمار أنه ~~صلى صلاة أوجز فيها، فقيل له في ذلك، فقال: أنا أبادر الوسواس. ويستحب ~~للإمام إذا عرض في الصلاة عارض لبعض المأمومين، يقتضي خروجه، أن يخفف؛ فقد ~~جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إني لأقوم في الصلاة وأنا ~~أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز؛ كراهية أن أشق على أمه» . ~~رواه أبو داود. ### | [مسألة إذا فرغ من صلاته وأراد الخروج منها] # (769) مسألة: قال: ثم يسلم عن يمينه، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله. ~~وعن يساره كذلك. وجملته أنه إذا فرغ من صلاته، وأراد الخروج منها، سلم عن ~~يمينه وعن يساره، وهذا التسليم واجب لا يقوم غيره مقامه. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يتعين السلام للخروج من الصلاة، بل إذا خرج ~~بما ينافي الصلاة من عمل أو حدث أو غير ذلك، جاز، إلا أن السلام مسنون، ~~وليس بواجب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ms0474 يعلمه المسيء في صلاته، ~~ولو وجب لأمره به، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولأن إحدى ~~التسليمتين غير واجبة، فكذلك الأخرى. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها ~~التكبير، وتحليلها التسليم» ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم من ~~صلاته، ويديم ذلك ولا يخل به، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . ولأن ~~الحدث ينافي الصلاة، فلا يجب فيها، وحديث الأعرابي أجبنا عنه فيما مضى. ### | [فصل يسلم تسليمتين عن يمينه ويساره] # (770) فصل: ويشرع أن يسلم تسليمتين عن يمينه ويساره. روي ذلك عن أبي بكر ~~الصديق، وعلي، وعمار، # PageV01P395 # وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وبه قال نافع بن عبد الحارث، وعلقمة، وأبو ~~عبد الرحمن السلمي، وعطاء، والشعبي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن ~~المنذر، وأصحاب الرأي وقال ابن عمر، وأنس، وسلمة بن الأكوع وعائشة، والحسن، ~~وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعي: يسلم تسليمة واحدة. # وقال عمار بن أبي عمار: كان مسجد الأنصار يسلمون فيه تسليمتين، وكان مسجد ~~المهاجرين يسلمون فيه تسليمة. ولما روت عائشة، قالت: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه.» وعن سلمة بن الأكوع قال: ~~«رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى فسلم تسليمة واحدة» ، رواهما ~~ابن ماجه. ولأن التسليمة الأولى قد خرج بها من الصلاة، فلم يشرع ما بعدها ~~كالثانية. # ولنا، ما روى ابن مسعود قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسلم ~~حتى يرى بياض خده، عن يمينه ويساره.» وعن جابر بن سمرة، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على ~~أخيه من على يمينه وشماله» . رواهما مسلم. وفي لفظ لحديث ابن مسعود: «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، ~~وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله» . قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث ~~حسن صحيح. وحديث عائشة يرويه زهير بن محمد. وقال البخاري: يروي مناكير، ~~وقال أبو حاتم الرازي: هذا ms0475 حديث منكر. وسأل الأثرم، أحمد عن هذا الحديث؟ ~~فقال: كان يقول هشام: كان يسلم تسليمة يسمعنا. قيل له: إنهم مختلفون فيه عن ~~هشام، وبعضهم يقول: تسليما. وبعضهم يقول: تسليمة. قال: هذا أجود. فقد بين ~~أحمد أن معنى الحديث يرجع إلى أنه يسمعهم التسليمة الواحدة، ومن روى: ~~تسليما. فلا حجة لهم فيه، فإنه يقع على الواحدة والثنتين. على أن أحاديثنا ~~تتضمن زيادة على أحاديثهم والزيادة من الثقة مقبولة. # ويجوز أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل الأمرين؛ ليبين الجائز ~~والمسنون، ولأن الصلاة عبادة ذات إحرام وإحلال، فجاز أن يكون لها تحللان ~~كالحج. ### | [فصل الواجب تسليمة واحدة والثانية سنة] # (771) فصل: والواجب تسليمة واحدة، والثانية سنة. قال ابن المنذر: أجمع كل ~~من أحفظ عنه من أهل العلم، أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة، جائزة، وقال ~~القاضي فيه رواية أخرى، أن الثانية واجبة. وقال: هي أصح؛ لحديث جابر بن ~~سمرة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعلها ويداوم عليها، ولأنها ~~عبادة لها تحللان، فكانا واجبين، كتحللي الحج، ولأنها إحدى التسليمتين، ~~فكانت واجبة كالأولى. والصحيح ما ذكرناه. # وليس نص أحمد بصريح بوجوب التسليمتين، إنما قال: التسليمتان أصح عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وحديث ابن مسعود وغيره أذهب إليه. ويجوز أن ~~يذهب إليه في المشروعية # PageV01P396 # والاستحباب، دون الإيجاب كما ذهب إلى ذلك غيره، وقد دل عليه قوله في ~~رواية مهنا: أعجب إلي التسليمتان. ولأن عائشة، وسلمة بن الأكوع، وسهل بن ~~سعد. قد رووا: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم تسليمة واحدة» ~~وكان المهاجرون يسلمون تسليمة واحدة ففيما ذكرناه جمع بين الأخبار وأقوال ~~الصحابة - رضي الله عنهم - في أن يكون المشروع والمسنون تسليمتين، والواجب ~~واحدة، وقد دل على صحة هذا الإجماع الذي حكاه ابن المنذر فلا معدل عنه، ~~وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل على المشروعية والسنة؛ فإن أكثر ~~أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة مسنونة غير واجبة، فلا يمنع ~~حمل فعله لهذه التسليمة على السنة عند قيام ms0476 الدليل عليها، والله أعلم. # ولأن التسليمة الواحدة يخرج بها من الصلاة، فلم يجب عليه شيء آخر فيها، ~~ولأن هذه صلاة، فتجزئه فيها تسليمة واحدة، ولأن هذه واحدة كصلاة الجنازة ~~والنافلة. وأما قوله في حديث جابر: «إنما يكفي أحدكم» فإنه يعني في إصابة ~~السنة؛ بدليل أنه قال: أن «يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه عن يمينه ~~وشماله.» وكل هذا غير واجب. وهذا الخلاف الذي ذكرناه في الصلاة المفروضة، ~~أما صلاة الجنازة، والنافلة، وسجود التلاوة، فلا خوف في أنه يخرج منها ~~بتسليمة واحدة. قال القاضي: هذا - رواية واحدة - نص عليه أحمد في صلاة ~~الجنازة وسجود التلاوة؛ ولأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسلموا ~~في صلاة الجنازة إلا تسليمة واحدة. والله أعلم. ### | [فصل السنة أن يقول السلام عليكم ورحمة الله في الصلاة] # (772) فصل: والسنة أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله. لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يسلم كذلك، في رواية ابن مسعود، وجابر بن سمرة، ~~وغيرهما. وقد روى وائل بن حجر، قال: «صليت مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فكان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعن شماله: ~~السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.» رواه أبو داود، فإن قال ذلك فحسن، ~~والأول أحسن؛ لأن رواته أكثر، وطرقه أصح فإن قال: السلام عليكم. ولم يزد ~~فظاهر كلام أحمد أنه يجزئه. قال القاضي: ونص عليه أحمد في صلاة الجنازة. ~~وهو مذهب الشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وتحليلها ~~التسليم. والتسليم يحصل بهذا القول. # وقد روي عن سعد، قال: «كنت أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن ~~يمينه وشماله، حتى أرى بياض # PageV01P397 # خده: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» . رواه أبو ~~داود، وروى عبد الله بن زيد نحوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن ~~علي - رضي الله عنه - «أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم، ~~السلام عليكم.» رواهما سعيد.، ولأن ذكر الرحمة تكرير للثناء، فلم يجب. ~~كقوله: وبركاته، وقال ms0477 ابن عقيل: الأصح أنه لا يجزئه لأن الصحيح عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: السلام عليكم ورحمة الله ولأنه سلام في ~~الصلاة ورد مقرونا بالرحمة، فلم يجز بدونها، كالتسليم على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في التشهد. ### | [فصل نكس السلام في الصلاة فقال عليكم السلام] # (773) فصل: فإن نكس السلام فقال: عليكم السلام. لم يجزه. قال القاضي: فيه ~~وجه آخر، أنه يجزئ. وهو قول الشافعي؛ لأن المقصود يحصل، وليس هو بقرآن ~~يعتبر فيه النظم. ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله مرتبا، وأمر ~~به كذلك. وقال لأبي تميمة: «لا تقل عليك السلام. فإن عليك السلام تحية ~~الموتى» . رواه أحمد، في المسند، ولأنه ذكر يؤتى به في أحد طرفي الصلاة، ~~فلم يجز منكسا، كالتكبير. ### | [فصل قال في الصلاة سلام عليكم منكرا منونا] # (774) فصل: فإن قال: سلام عليكم: منكرا منونا، ففيه وجهان: أحدهما، ~~يجزئه. وهو مذهب الشافعي؛ لأن التنوين قام مقام الألف واللام، ولأن أكثر ما ~~ورد في القرآن من السلام بغير ألف ولام كقوله تعالى: {سلام عليكم بما ~~صبرتم} [الرعد: 24] . وقوله: {يقولون سلام عليكم} [النحل: 32] . وقوله: ~~{وقال لهم خزنتها سلام عليكم} [الزمر: 73] . ولأنا أجزنا التشهد بتشهد ابن ~~عباس، وأبي موسى، وفيهما: سلام عليك. بغير ألف ولام، والتسليمتان واحد. ~~والآخر: لا يجزئه؛ لأنه يغير صيغة السلام الوارد، ويخل بحرف يقتضي ~~الاستغراق، فيتغير المعنى، فلم يجزئ، كما لو أثبت اللام في التكبير. وقال ~~أبو الحسن الآمدي: لا فرق بين أن ينون التسليم أو لا ينونه؛ لأن حذف ~~التنوين لا يخل بالمعنى؛ بدليل ما لو وقف عليه. ### | [فصل يسن أن يلتفت عن يمينه في التسليمة الأولى وعن يساره في الثانية] # (775) فصل: ويسن أن يلتفت عن يمينه في التسليمة الأولى، وعن يساره في ~~الثانية، كما جاءت السنة، في حديث ابن مسعود، «رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يسلم حتى يرى بياض خده عن يمينه وعن يساره» . ويكون التفاته في ~~الثانية أوفى؛ لما روى يحيى بن محمد بن صاعد، بإسناده عن عمار، ms0478 عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «أنه كان يسلم عن يمينه، حتى يرى بياض خده الأيمن، ~~وإذا سلم عن يساره يرى بياض خده # PageV01P398 # الأيمن والأيسر.» ورواه أبو بكر، بإسناده عن ابن مسعود، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # قال ابن عقيل: يبتدئ بقوله: السلام عليكم إلى القبلة، ثم يلتفت قائلا: ~~ورحمة الله عن يمينه ويساره، في قوله: ورحمة الله؛ لقول عائشة: «كان النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يسلم تلقاء وجهه.» معناه ابتداء السلام، و " رحمة ~~الله " يكون في حال التفاته ### | [فصل الجهر بالتسليمة الأولى في الصلاة] # فصل: وقد: روي عن أحمد، - رحمه الله - أنه يجهر بالتسليمة الأولى، وتكون ~~الثانية أخفى من الأولى، يعني بذلك في حق الإمام. قال صالح بن علي: سئل ~~أحمد: أي التسليمتين أرفع؟ قال: الأولى. وفي لفظ قال: قال أبو عبد الله: ~~التسليمة الأولى أرفع من الأخرى. قال القاضي أبو الحسين: واختار هذه ~~الرواية أبو بكر الخلال، وأبو حفص العكبري وحمل أحمد حديث عائشة. أنه كان ~~يسلم تسليمة واحدة، على أنه كان يجهر بواحدة، فتسمع منه. # والمعنى في ذلك، أن الجهر في غير القراءة إنما شرع للإعلام بالانتقال من ~~ركن إلى غيره، وقد حصل العلم بالجهر بالتسليمة الأولى، فلا يشرع الجهر ~~بغيرها. وكان ابن حامد يخفي الأولى ويجهر بالثانية، لئلا يسبقه المأمومون ~~بالسلام ### | [فصل يستحب حذف السلام] # (777) فصل: ويستحب حذف السلام، وهو ألا يمد بطوله، وقد روى أبو داود،، ~~والترمذي، بإسنادهما، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «حذف السلام سنة» ~~. قال ابن المبارك: معناه أن لا يمده مدا. قال أحمد: هذا حديث حسن صحيح ~~وهذا الذي يستحبه أهل العلم. قال إبراهيم النخعي: التكبير جزم، والسلام ~~جزم. وقد روي أن معنى هذا الحديث إخفاء التسليمة الثانية. # والصحيح الأول؛ لأن الحذف إسقاط بعض الشيء، والجزم قطع له، فيتفق ~~معناهما، والإخفاء بخلافه، ويختص ببعض السلام دون جملته، قال أحمد بن ~~الأثرم سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، يقول: حذف السلام سنة، وهو أن لا ~~يطول به صوته. وطول ms0479 أبو عبد الله صوته. ### | [فصل ينوي بسلامه الخروج من الصلاة] # (778) فصل: وينوي بسلامه الخروج من الصلاة. فإن لم ينو؛ فقال ابن حامد ~~تبطل صلاته. وهو ظاهر نص الشافعي؛ لأنه نطق في أحد طرفي الصلاة؛ فاعتبرت له ~~النية، كالتكبير. والمنصوص عن أحمد - رحمه الله - أنه لا تبطل صلاته. وهو ~~الصحيح؛ لأن نية الصلاة قد شملت جميع الصلاة، والسلام من جملتها، ولأنه # PageV01P399 # لو وجبت النية في السلام لوجب تعيينها، كتكبيرة الإحرام، ولأنها عبادة، ~~فلم تجب النية للخروج منها، كسائر العبادات، وقياس الطرف الأخير على الطرف ~~الأول غير صحيح؛ فإن النية اعتبرت في الطرف الأول، لينسحب حكمها على بقية ~~الأجزاء، بخلاف الأخير، ولذلك فرق الطرفان في سائر العبادات. # قال بعض أصحابنا: ينوي بالتسليمتين معا الخروج من الصلاة. فإن نوى مع ذلك ~~الرد على الملكين، وعلى من خلفه إن كان إماما، أو على الإمام ومن معه إن ~~كان مأموما، فلا بأس. نص عليه أحمد، فقال: يسلم في الصلاة، وينوي بسلامه ~~الرد على الإمام؛ لما روى مسلم، عن جابر بن سمرة، قال: «كنا إذا صلينا مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: السلام عليكم السلام عليكم، فنظر إلينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها ~~أذناب خيل شمس، إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده» ، وفي لفظ ~~«إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه ~~وشماله» وروى أبو داود. قال: «أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نرد ~~على الإمام، وأن يسلم بعضنا على بعض.» # وهذا يدل على أنه يسن أن ينوي بسلامه على من معه من المصلين وهو مذهب ~~الشافعي وأبي حنيفة. وقال أبو حفص بن المسلم - من أصحابنا -: ينوي بالأولى ~~الخروج من الصلاة. وينوي بالثانية السلام على الحفظة والمأمومين، إن كان ~~إماما، والرد على الإمام والحفظة، إن كان مأموما. وقال ابن حامد: إن نوى في ~~السلام الرد على الملائكة أو غيرهم من الناس مع نية الخروج من الصلاة، فهل ms0480 ~~تبطل صلاته؟ على وجهين: # أحدهما تبطل؛ لأنه نوى السلام على آدمي، أشبه ما لو سلم على من لا يصلي ~~معه والصحيح ما ذكرناه؛ فإن أحمد - رحمه الله -، قال في رواية يعقوب: يسلم ~~للصلاة، وينوي في سلامه الرد على الإمام. رواها أبو بكر الخلال في كتابه. ~~وقال في رواية إسحاق بن هانئ: إذا نوى بتسليمه الرد على الحفظة أجزأه. ~~وقال: أيضا: ينوي بسلامه الخروج من الصلاة. قيل له: فإن نوى الملكين، ومن ~~خلفه؟ قال: لا بأس، والخروج من الصلاة نختار. وقد ذكرنا من الحديث ما يدل ~~على مشروعية ذلك، والله أعلم. ### | [فصل ذكر الله تعالى والدعاء عقيب صلاته] # (779) فصل: ويستحب ذكر الله تعالى، والدعاء عقيب صلاته، ويستحب من ذلك ما ~~ورد به الأثر، مثل ما روى المغيرة، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، ~~وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما ~~منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» . متفق عليه. # وقال ثوبان: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من صلاته ~~استغفر ثلاثا، # PageV01P400 # وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» قال ~~الأوزاعي: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، رواه مسلم. وقال أبو هريرة: ~~«جاء الفقراء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ذهب أهل الدثور ~~من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما ~~نصوم، ولهم فضل أموال، يحجون بها ويعتمرون، ويتصدقون؟ فقال: ألا أحدثكم ~~بحديث إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدركم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم ~~بين ظهرانيه إلا من عمل مثله؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا ~~وثلاثين. فاختلفنا بيننا. فقال بعضنا: نسبح ثلاثا وثلاثين، ونحمد ثلاثا ~~وثلاثين، ونكبر أربعا وثلاثين. فرجعت إليه، فقال: تقول: سبحان الله والحمد ~~لله والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون» قال أحمد، في رواية أبي ~~داود: ms0481 يقول هكذا ولا يقطعه: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر. فإن عدل إلى غيره جاز؛ لأنه قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~غيره. رواه البخاري. # وروى مسلم، والنسائي عن عبد الله بن الزبير، أنه حدث على المنبر، قال: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة والفضل ~~والثناء الحسن الجميل، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. ~~وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهلل بهن في دبر الصلاة.» وعن سعد، ~~أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، ويقول: «إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يتعوذ بهن دبر كل صلاة: اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك ~~من البخل، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ~~وعذاب القبر» . من الصحاح # ، قال ابن عباس: إن «رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال ابن عباس: كنت أعلم إذا ~~انصرفوا بذلك إذا سمعته.» رواه البخاري، ومسلم ### | [فصل إذا كان مع الإمام رجال ونساء] # ، فالمستحب أن يثبت هو والرجال بقدر ما يرى أنهن قد انصرفن، ويقمن هن ~~عقيب تسليمه. قالت أم سلمة: «إن النساء في عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كن إذا سلم من المكتوبة قمن، وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قام الرجال.» قال الزهري فنرى، والله أعلم، لكي يبعد من ينصرف من النساء. ~~رواه البخاري. # ولأن # PageV01P401 # الإخلال بذلك من أحدهما يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء، فإن لم يكن معه ~~نساء فلا يستحب له إطالة الجلوس؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها ms0482 - قالت: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: ~~اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» ، رواه ابن ~~ماجه. # وعن البراء، قال: «رمقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت قيامه ~~فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين؛ فجلسته ما بين ~~التسليم والانصراف قريبا من السواء متفق عليه» إلا أن البخاري قال: ما خلا ~~القيام والقعود قريبا من السواء. فإن لم يقم فالمستحب أن ينحرف عن قبلته، ~~لا يلبث مستقبل القبلة؛ لأنه ربما أفضى به إلى الشك، هل فرغ من صلاته، أو ~~لا؟ ، وقد روى البخاري بإسناده عن سمرة، قال: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه.» وعن يزيد بن الأسود، قال: ~~«صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفجر، فلما سلم انحرف» . # وعن علي، أنه صلى بقوم العصر، ثم أسند ظهره إلى القبلة، فاستقبل القوم. ~~رواهما الأثرم وقال سعيد بن المسيب: لأن يجلس الرجل على رضفة خير له من أن ~~يجلس مستقبل القبلة حين يسلم ولا ينحرف. وقال إبراهيم: إذا سلم الإمام ثم ~~استقبل القبلة فاحصبوه. قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله إذا سلم يلتفت ~~ويتربع وقال أبو داود: رأيته إذا كان إماما فسلم انحرف عن يمينه. # وروى مسلم، وأبو داود في السنن، عن جابر بن سمرة، قال: «كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا صلى الفجر يتربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء.» وفي ~~لفظ: «كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس» . وعن سعد، قال: ~~«كنت أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه ~~الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام» . رواهما مسلم، وسئل أحمد عن تفسير ~~حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كان لا يجلس بعد التسليم إلا قدر ما ~~يقول: اللهم أنت السلام» . يعني في مقعده حتى ينحرف، قال: لا أدري. وروى ~~الأثرم هذه الأحاديث التي ذكرناها. # ويستحب للمأمومين ms0483 أن لا يثبوا قبل الإمام، لئلا يذكر سهوا فيسجد وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني إمامكم، فلا تبادروني بالركوع ولا ~~بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف» ، رواه مسلم، والنسائي، ولفظ مسلم: فلا ~~تسبقوني. فإن خالف الإمام السنة في إطالة الجلوس مستقبل القبلة أو انحرف، ~~فلا بأس أن يقوم المأموم ويدعه. ### | [فصل الانصراف من الصلاة] # (781) فصل: وينصرف حيث شاء عن يمين وشمال؛ لقول ابن مسعود: لا يجعل أحدكم ~~للشيطان حظا من صلاته، يرى حقا عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، «لقد رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما ينصرف عن شماله.» رواه مسلم. ~~وعن قبيصة بن هلب عن أبيه، «أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان # PageV01P402 # ينصرف عن شقيه.» رواهما أبو داود، وابن ماجه. ### | [فصل لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلي فيه المكتوبة] # (782) فصل: قال أحمد لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة نص ~~عليه أحمد، وقال: كذا قال علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه - قال أحمد ومن ~~صلى وراء الإمام فلا بأس أن يتطوع مكانه، فعل ذلك ابن عمر. وبهذا قال ~~إسحاق. وروى أبو بكر حديث علي بإسناده وبإسناده عن المغيرة بن شعبة: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصلي ~~فيه بالناس.» ### | [مسألة يثبت في حق المرأة من أحكام الصلاة ما يثبت للرجال] # (783) مسألة: قال والرجل والمرأة في ذلك سواء، إلا أن المرأة تجمع نفسها ~~في الركوع والسجود وتجلس متربعة أو تسدل رجليها فتجعلهما في جانب يمينها. ~~الأصل أن يثبت في حق المرأة من أحكام الصلاة ما يثبت للرجال؛ لأن الخطاب ~~يشملها، غير أنها خالفته في ترك التجافي، لأنها عورة، فاستحب لها جمع ~~نفسها، ليكون أستر لها، فإنه لا يؤمن أن يبدو منها شيء حال التجافي. وكذلك ~~في الافتراش، قال أحمد: والسدل أعجب إلي. واختاره الخلال. # قال علي، كرم الله وجهه: إذا صلت المرأة فلتحتفز ولتضم فخذيها. وعن ابن ~~عمر - رضي الله عنهما -، أنه ms0484 كان يأمر النساء أن يتربعن في الصلاة. ### | [مسألة المأموم إذا سمع قراءة الإمام فلا يقرأ بالحمد ولا بغيرها] # (784) مسألة: قال: والمأموم إذا سمع قراءة الإمام فلا يقرأ بالحمد، ولا ~~بغيرها، لقول الله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ~~ترحمون} [الأعراف: 204] . ولما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: ما لي أنازع القرآن؟ ، قال: فانتهى الناس أن ~~يقرءوا فيما جهر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -» وجملة ذلك أن المأموم ~~إذا كان يسمع قراءة الإمام، لم تجب عليه القراءة، ولا تستحب عند إمامنا، ~~والزهري، والثوري، ومالك، وابن عيينة، وابن المبارك، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # وهذا أحد قولي الشافعي، ونحوه عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي ~~سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، وجماعة من السلف. والقول الآخر للشافعي ~~قال: يقرأ فيما جهر فيه الإمام. ونحوه عن الليث، والأوزاعي، وابن عون ~~ومكحول، # PageV01P403 # وأبي ثور، لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لمن لم يقرأ ~~بفاتحة الكتاب» . متفق عليه. # وعن عبادة بن الصامت، قال: «كنا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~صلاة الفجر، فقرأ، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرءون خلف ~~إمامكم؟ قلنا: نعم يا رسول الله، قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه ~~لا صلاة لمن لم يقرأ بها.» رواه الأثرم، وأبو داود. وروي عن أبي هريرة - ~~رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى صلاة ~~لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، غير تمام» . قال ~~الراوي: يا أبا هريرة، إني أكون أحيانا وراء الإمام؟ قال: فغمز ذراعي، ~~وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي. رواه مسلم، وأبو داود، ولأنها ركن في ~~الصلاة فلم تسقط عن المأموم، كسائر أركانها، ولأن من لزمه القيام لزمته ~~القراءة مع القدرة، كالإمام والمنفرد. # ولنا قول الله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ~~ترحمون} [الأعراف: 204] . وقال أحمد: فالناس على أن هذا ms0485 في الصلاة. قال ~~سعيد بن المسيب، والحسن، وإبراهيم، ومحمد بن كعب، والزهري: إنها نزلت في ~~شأن الصلاة. وقال زيد بن أسلم، وأبو العالية: كانوا يقرءون خلف الإمام، ~~فنزلت: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204] ~~. # وقال أحمد، في رواية أبي داود: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة. ~~ولأنه عام فيتناول بعمومه الصلاة، وروى أبو هريرة، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به. فإذا كبر فكبروا، وإذا ~~قرأ فأنصتوا» . رواه مسلم. والحديث الذي رواه الخرقي، رواه مالك، عن ابن ~~شهاب، عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~انصرف من صلاة فقال: هل قرأ معي أحد منكم؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، ~~قال: ما لي أنازع القرآن. قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فيما جهر فيه من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -.» أخرجه مالك، في الموطأ، وأبو داود، والترمذي، وقال: ~~حديث حسن، ورواه الدارقطني بلفظ آخر، قال: «صلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - صلاة، فلما قضاها قال: هل قرأ أحد منكم معي بشيء من القرآن؟ فقال ~~رجل من القوم: أنا يا رسول الله، فقال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ إذا ~~أسررت بقراءتي فاقرءوا، وإذا جهرت بقراءتي فلا يقرأن معي أحد» . # ولأنه إجماع فإنه إجماع، قال أحمد، ما سمعنا أحدا من أهل الإسلام يقول: ~~إن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ. وقال: هذا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز ~~وهذا الثوري، في أهل العراق، وهذا الأوزاعي، في أهل الشام، وهذا الليث، # PageV01P404 # في أهل مصر، ما قالوا لرجل صلى خلف الإمام، وقرأ إمامه، ولم يقرأ هو: ~~صلاته باطلة. # ولأنها قراءة لا تجب على المسبوق، فلا تجب على غيره، كقراءة السورة، ~~يحققه أنها لو وجبت على غير المسبوق لوجبت على المسبوق، كسائر ms0486 أركان ~~الصلاة. فأما حديث عبادة، الصحيح، فهو محمول على غير المأموم، وكذلك حديث ~~أبي هريرة، وقد جاء مصرحا به رواه الخلال، بإسناده عن جابر، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، إلا أن ~~تكون وراء الإمام» وقد روي أيضا موقوفا عن جابر. وقول أبي هريرة: اقرأ بها ~~في نفسك. من كلامه، وقد خالفه جابر، وابن الزبير، وغيرهما، ثم يحتمل أنه ~~أراد: اقرأ بها في سكتات الإمام، أو في حال إسراره. # فإنه يروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: «إذا قرأ الإمام ~~فأنصتوا» ، والحديث الآخر، وحديث عبادة الآخر، لم يروه غير ابن إسحاق. كذلك ~~قاله الإمام أحمد، وقد رواه أبو داود، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن ~~الربيع الأنصاري. وهو أدنى حالا من ابن إسحاق. فإنه غير معروف من أهل ~~الحديث وقياسهم يبطل بالمسبوق. ### | [فصل المأموم قرأ بفاتحة الكتاب ثم سمع قراءة الإمام] # (785) فصل: قال أبو داود: قيل لأحمد، - رحمه الله -: فإنه - يعني المأموم ~~- قرأ بفاتحة الكتاب، ثم سمع قراءة الإمام؟ قال: يقطع إذا سمع قراءة ~~الإمام، وينصت للقراءة. وإنما قال ذلك اتباعا لقول الله تعالى: {وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] ، ولقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «وإذا قرأ فأنصتوا» . ### | [فصل هل يستفتح المأموم ويستعيذ في الصلاة] # (786) فصل: وهل يستفتح المأموم ويستعيذ؟ ينظر إن كان في حقه قراءة ~~مسنونة، وهو في الصلوات التي يسر فيها الإمام، أو التي فيها سكتات يمكن ~~فيها القراءة، استفتح المأموم واستعاذ، وإن لم يسكت أصلا، فلا يستفتح ولا ~~يستعيذ، وإن سكت قدرا يتسع للافتتاح فحسب، استفتح ولم يستعذ. قال ابن ~~منصور: قلت لأحمد: سئل سفيان أيستعيذ الإنسان خلف الإمام؟ قال: إنما يستعيذ ~~من يقرأ. # قال أحمد: صدق. وقال أحمد أيضا: إن كان ممن يقرأ خلف الإمام قال الله ~~تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] . ~~وذكر بعض أصحابنا أنه فيه روايات أخرى، أنه يستفتح ويستعيذ في حال جهر ~~الإمام؛ لأن ms0487 سماعه لقراءة الإمام قام مقام قراءته، بخلاف الاستفتاح ~~والاستعاذة. والصحيح ما ذكرناه ### | [مسألة الاستحباب أن يقرأ في سكتات الإمام] # (787) مسألة: قال: الاستحباب أن يقرأ في سكتات الإمام، وفيما لا يجهر فيه ~~هذا قول أكثر أهل العلم، كان ابن مسعود، وابن عمر، وهشام بن عامر يقرءون ~~وراء الإمام # PageV01P405 # فيما أسر به. وقال ابن الزبير: إذا جهر فلا تقرأ، وإذا خافت فاقرأ. وروي ~~معنى ذلك عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن والقاسم بن محمد، ونافع ~~بن جبير، والحكم، والزهري، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: للإمام سكتتان، ~~فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب؛ إذا دخل في الصلاة، وإذا قال: ولا ~~الضالين. وقال عروة بن الزبير: أما أنا فأغتنم من الإمام اثنتين، إذا قال: ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فأقرأ عندها، وحين يختم السورة، فأقرأ قبل ~~أن يركع. # وقال الثوري، وابن عيينة، وأبو حنيفة: لا يقرأ الإمام بحال؛ لما ذكرنا في ~~المسألة التي قبل هذا. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا ~~أسررت بقراءتي فاقرءوا» . رواه الترمذي، والدارقطني. ولأن عموم الأخبار ~~يقتضي القراءة في حق كل مصل، فخصصناها بما ذكرناه من الأدلة، وهي مختصة ~~بحال الجهر، وفيما عداه يبقى على العموم، وتخصيص حالة الجهر بامتناع الناس ~~من القراءة فيها يدل على أنهم كانوا يقرءون في غيرها. قال الإمام أحمد - ~~رحمه الله تعالى -، في الإمام يقرأ وهو لا يسمع: يقرأ. قيل له: أليس قد قال ~~الله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] ؟ فقال: ~~هذا إلى أي شيء يستمع؟ . ويسن له قراءة السورة مع الفاتحة في مواضعها. ### | [مسألة من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة] # (788) مسألة: قال: فإن لم يفعل فصلاته تامة؛ لأن من كان له إمام فقراءة ~~الإمام له قراءة وجملة ذلك أن القراءة غير واجبة على المأموم فيما جهر به ~~الإمام، ولا فيما أسر به. نص عليه أحمد، في رواية الجماعة. وبذلك قال ~~الزهري، والثوري، وابن عيينة، ومالك، وأبو حنيفة وإسحاق، وقال الشافعي، ~~وداود: يجب؛ لعموم قوله - عليه ms0488 السلام - «لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة ~~الكتاب» غير أنه خص في حال الجهر بالأمر بالإنصات، ففيما عداه يبقى على ~~العموم. ولنا ما روى الإمام أحمد، عن وكيع، عن سفيان، عن موسى بن أبي ~~عائشة، عن عبد الله بن شداد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة» . ورواه الخلال بإسناده عن، ~~شعبة، عن موسى، مطولا. وأخبرناه أبو الفتح بن البطي في حديث ابن البحتري، ~~بإسناده عن منصور، عن موسى، عن عبد الله بن شداد، # قال: «كان رجل يقرأ خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل رجل يومئ ~~إليه أن لا يقرأ، فأبى إلا أن يقرأ، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال له الرجل: ما لك تقرأ خلف الإمام؟ فقال: ما لك تنهاني أن أقرأ؟ ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا كان لك إمام يقرأ فإن قراءته ~~لك قراءة» . وقد ذكرنا حديث جابر: " إلا وراء الإمام ". وروى الخلال، ~~والدارقطني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يكفيك قراءة الإمام، ~~خافت أو جهر» ولأن القراءة لو كانت # PageV01P406 # واجبة عليه لم تسقط كبقية أركانها " ### | [فصل إذا قرأ بعض الفاتحة في سكتة الإمام ثم قرأ الإمام] # (789) فصل: وإذا قرأ بعض الفاتحة في سكتة الإمام، ثم قرأ الإمام فأنصت ~~له، وقطع قراءته، ثم قرأ بقية الفاتحة في السكتة الثانية، فظاهر كلام أحمد ~~أن ذلك حسن ولا تنقطع القراءة بسكوته؛ لأنه سكوت مأمور به، فلا يكون مبطلا ~~لقراءته، ولأنه لو أبطلها " لم يستفد فائدة، فإنه لا يقرأ في الثانية زيادة ~~على ما قرأه في الأولى ### | [فصل إذا لم يسمع قراءة الإمام ونغمته] # (790) فصل: فإن لم يسمعه لبعد، قرأ. نص عليه قال الأثرم قيل لأبي عبد ~~الله رحمه الله. فيوم الجمعة قال: إذا لم يسمع قراءة الإمام ونغمته قرأ، ~~فإذا سمع فلينصت قيل له: فالأطرش؟ قال لا أدري فيحتمل أن يشرع في حقه ~~القراءة؛ لأنه لا يسمع، فلا يجب عليه الإنصات ms0489 كالبعيد ويحتمل أن لا يقرأ كي ~~لا يخلط على الإمام، فإن سمع همهمته ولم يفهم، فقال، في رواية الجماعة: لا ~~يقرأ ونقل عنه، أنه يقرأ إذا سمع الحرف بعد الحرف ### | [مسألة الإسرار بالقراءة في الظهر والعصر] # (791) مسألة: قال: ويسر بالقراءة في الظهر والعصر، ويجهر بها في الأوليين ~~من المغرب والعشاء، وفي الصبح كلها. الجهر في مواضع الجهر، والإسرار في ~~مواضع الإسرار، لا خلاف في استحبابه، والأصل فيه فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد ثبت ذلك بنقل الخلف عن السلف، فإن جهر في موضع الإسرار، أو أسر ~~في موضع الجهر، ترك السنة، وصحت صلاته، إلا أنه إن نسي فجهر في موضع ~~الإسرار، ثم ذكر في أثناء القراءة، بنى على قراءته، وإن أسر في موضع الجهر، ~~ففيه روايتان؛ إحداهما يمضي في قراءته. والثانية يعود في قراءته. على طريق ~~الاختيار، لا على طريق الوجوب إنما لم يعد إذا جهر؛ لأنه أتى بزيادة. وإن ~~خافت في موضع الجهر، أعاد؛ لأنه أخل بصفة مستحبة في القراءة، يمكنه أن يأتي ~~بها وفوت على المأمومين سماع القراءة ### | [فصل الجهر مشروع للإمام ولا يشرع للمأموم] # (792) فصل: وهذا الجهر مشروع للإمام، ولا يشرع للمأموم بغير اختلاف. وذلك ~~لأن المأموم مأمور بالإنصات للإمام والاستماع له، بل قد منع من القراءة ~~لأجل ذلك، وأما المنفرد فظاهر كلام أحمد أنه مخير وكذلك من فاته بعض الصلاة ~~مع الإمام فقام ليقضيه. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: رجل فاتته ركعة مع ~~الإمام # PageV01P407 # من المغرب أو العشاء، فقام ليقضي، أيجهر أو يخافت؟ قال: إن شاء جهر، وإن ~~شاء خافت. # ثم قال: إنما الجهر للجماعة، قلت له: وكذلك إذا صلى وحده المغرب والعشاء، ~~إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر؟ قال: نعم، إنما الجهر للجماعة. وكذلك قال ~~طاوس، فيمن فاتته بعض الصلاة وهو قول الأوزاعي ولا فرق بين القضاء والأداء. ~~وقال الشافعي: يسن للمنفرد الجهر؛ لأنه غير مأمور بالإنصات إلى أحد، فأشبه ~~الإمام. ولنا، أنه لا يتحمل القراءة عن غيره، فأشبه المأموم في سكتات ms0490 ~~الإمام، ويفارق الإمام، فإنه يقصد إسماع المأمومين، ويتحمل القراءة عنهم. ~~وإلى هذا أشار أحمد في قوله: إنما الجهر للجماعة، فقد توسط المنفرد بين ~~الإمام والمأموم، وفارقهما في كونه لا يقصد إسماع غيره، ولا الإنصات له، ~~فكان مخيرا بين الحالين. ### | [فصل إن قضى الصلاة في جماعة] # (793) فصل: فأما إن قضى الصلاة في جماعة، فإن كانت صلاة نهار أسر، سواء ~~قضاها في ليل أو نهار لأنها صلاة نهار، ولا أعلم في هذا خلافا. فإن كانت ~~الفائتة صلاة جهر فقضاها في ليل، جهر في ظاهر كلام أحمد، لأنها صلاة ليل ~~فعلها ليلا، فيجهر فيها كالمؤداة وإن قضاها نهارا، فقال أحمد: إن شاء لم ~~يجهر فيحتمل الإسرار. وهو مذهب الأوزاعي والشافعي؛ لأن صلاة النهار عجماء، ~~وهذه صلاة نهار وروى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ~~رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارجموه بالبعر» . رواه أبو حفص، ~~بإسناده. # وهذه قد صارت صلاة نهار، ولأنها صلاة مفعولة بالنهار، فأشبه الأداء فيه، ~~ويحتمل أن يجهر فيها، ليكون القضاء على وفق الأداء، وهو قول أبي حنيفة، ~~وأبي ثور، وابن المنذر. ولا فرق عند هؤلاء بين المنفرد والإمام وظاهر كلام ~~أحمد أنه مخير بين الأمرين، لشبه الصلاة المقضية بالحالين. ### | [مسألة قراءة السورة بعد الفاتحة مسنونة] # (794) مسألة: قال: (ويقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي الظهر في الركعة ~~الأولى: بنحو الثلاثين آية، وفي الثانية بأيسر من ذلك، وفي العصر على النصف ~~من ذلك، وفي المغرب، بسور آخر المفصل، وفي العشاء الآخرة " والشمس وضحاها " ~~وما أشبهها) وجملة ذلك، أن قراءة السورة بعد الفاتحة مسنونة في الركعتين من ~~كل صلاة. لا نعلم في هذا خلافا. ويستحب أن يكون على الصفة التي بين الخرقي؛ ~~اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتباعا لسنته، ففي حديث أبي ~~برزة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الغداة بالستين ~~إلى المائة» . متفق عليه. وعن جابر بن سمرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يقرأ في الفجر ب {ق ms0491 والقرآن المجيد} [ق: 1] ونحوها، فكانت صلاته بعد ~~إلى التخفيف» . وقال قطبة بن مالك: «سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقرأ في الفجر والنخل باسقات» رواهما مسلم وروى النسائي، أنه قرأ فيها ~~الروم. وروى ابن ماجه عن عبد الله بن السائب قال: «قرأ النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في صلاة الصبح ب المؤمنون. فلما أتى على ذكر عيسى أصابته شرقة، ~~فركع» . وروى أبو داود، وابن ماجه عن عمرو بن حريث قال: «كأني أسمع صوت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في صلاة الغداة فلا أقسم بالخنس الجوار ~~الكنس» # PageV01P408 # فأما صلاة الظهر والعصر فروى مسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن أبي سعيد - ~~يعني الخدري - رضي الله عنه - قال: «اجتمع ثلاثون من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا: تعالوا حتى نقيس قراءة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فيما لم يجهر فيه من الصلاة، فما اختلف منهم رجلان، فقاسوا قراءته ~~في الركعة الأولى من الظهر بقدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف ~~من ذلك، وقاسوا ذلك في العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من ~~الظهر.» هذا لفظ رواية ابن ماجه. ولفظ أبي داود: «حزرنا قيامه في الركعتين ~~الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، قدر الم تنزيل السجدة، وحزرنا قيامه في ~~الأخريين على النصف من ذلك وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر على قدر ~~الأخريين من الظهر، وحزرنا قيامه في الأخريين من العصر على النصف من ذلك» ~~ولفظ مسلم كذلك ولم يقل قدر (الم تنزيل) ، وقال: والأخريين من العصر على ~~قدر ذلك: وعن جابر بن سمرة، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ~~في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك» . ~~وفي حديث: «كان يقرأ في الظهر بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الصبح أطول من ذلك» ~~. أخرجهما مسلم. وروى أبو داود عن جابر بن سمرة، قال: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر: والسماء ذات البروج، والسماء ~~والطارق وشبههما» ms0492 . # فأما المغرب والعشاء فروى ابن ماجه، عن ابن عمر قال: «كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب: قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد» . ~~وعن البراء، «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في العشاء بالتين ~~والزيتون في السفر» . متفق عليه. وروى مسلم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال لمعاذ: أفتان أنت يا معاذ؟ ويكفيك أن تقرأ بالشمس وضحاها {والضحى} ~~[الضحى: 1] {والليل إذا سجى} [الضحى: 2] ، و {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: ~~1] » . وكتب عمر إلى أبي موسى، أن اقرأ في الصبح بطوال المفصل، وأقرأ في ~~الظهر بأواسط المفصل، واقرأ في المغرب بقصار المفصل. رواه أبو حفص بإسناده ### | [مسألة ما قرأ به بعد أم الكتاب في ذلك كله أجزأه] # (795) مسألة: قال: (ومهما قرأ به بعد أم الكتاب في ذلك كله أجزأه) قد ~~ذكرنا أن قراءة السورة غير واجبة، فالتقدير أولى أن لا يجب، والأمر في هذا ~~واسع، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أنهم قرءوا بأقل من ~~ذلك وأكثر. وثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب ~~بالمرسلات» ، وقرأ فيها بالتين والزيتون. وعن جبير بن مطعم، «أنه سمع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور» . متفق عليه. وقرأ ~~فيها بالأعراف رواه زيد بن ثابت. وأخرجه أبو داود وعن رجل من جهينة. أنه ~~«سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصبح إذا زلزلت في الركعتين ~~كلتيهما، فلا أدري أنسي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم قرأ ذلك عمدا» ~~. رواه أبو داود. وعنه «أنه قرأ في الصبح بالمعوذتين» . # PageV01P409 # وكان - عليه السلام - يطيل تارة ويقصر أخرى، بحسب الأحوال وروي عنه أنه ~~قال - عليه السلام -: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء ~~الصبي فأخفف؛ مخافة أن أشق على أمه» ### | [فصل إطالة الركعة الأولى من كل صلاة] # (796) فصل:: ويستحب أن يطيل الركعة الأولى من كل صلاة؛ ليلحقه القاصد ~~للصلاة وقال الشافعي: يكون الأوليان متساويين؛ لحديث أبي سعيد: «حزرنا قيام ~~رسول ms0493 الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ~~الثلاثين آية» ولأن الأخريين متساويتان فكذلك الأوليان. ووافقنا أبو حنيفة ~~في الصبح، خاصة، ووافق الشافعي في سائر الصلوات. ولنا، ما روى أبو قتادة، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر ~~بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، ويسمع الآية ~~أحيانا، وكان يقرأ في العصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ~~يطول في الأولى ويقصر في الثانية، وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة ~~الصبح، ويقصر في الثانية» . متفق عليه وروى أبو داود هذا الحديث، وفيه قال: ~~" فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. # وعن عبد الله بن أبي أوفى: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم في ~~الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم» وحديث أبي سعيد قد رواه ~~ابن ماجه: وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك. وهذا أولى؛ لأنه يوافق ~~الأحاديث الصحيحة، ثم لو قدرنا التعارض وجب تقديم حديث أبي قتادة؛ لأنه ~~أصح، ويتضمن زيادة، وهي ضبط التفريق بين الركعتين. قال أحمد، - رحمه الله ~~-، في الإمام يطول في الثانية، يعني أكثر من الأولى: يقال له في هذا تعلم. ~~وقال أيضا، في الإمام يقصر في الأولى ويطول في الآخرة: لا ينبغي هذا، يقال ~~له، ويؤمر. ### | [فصل قراءة السورة في ركعتين في الصلاة] # (797) فصل: قال أحمد في رواية أبي طالب، وإسحاق بن إبراهيم: لا بأس ~~بالسورة في ركعتين؛ وذلك لما روى زيد بن ثابت، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين كلتيهما» وروى الخلال بإسناده ~~عن عائشة، - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم ~~البقرة في الركعتين» ، وبإسناده عن الزهري قال: أخبرني أنس قال: صلى بنا ~~أبو بكر - رضي الله عنه - صلاة الفجر، فافتتح سورة البقرة، فقرأ بها في ~~ركعتين، فلما سلم قام إليه عمر فقال ما كدت تفرغ حتى تطلع الشمس فقال: لو ~~طلعت لألفتنا ms0494 غير غافلين. # وقد «قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بسورة المؤمنون، فلما أتى على ذكر ~~عيسى أخذته شرقة فركع» # PageV01P410 # ولا بأس أيضا بقراءة بعض السورة في الركعة؛ لما روينا من الأحاديث، وهي ~~تتضمن ذلك، وقد نص عليه أحمد واحتج بما رواه بإسناده عن ابن أبزى قال صليت ~~خلف عمر، فقرأ سورة يوسف حتى إذا بلغ: {وابيضت عيناه من الحزن} [يوسف: 84] ~~وقع عليه البكاء فركع، ثم قرأ سورة النجم فسجد فيها، ثم قام فقرأ: {إذا ~~زلزلت} [الزلزلة: 1] ولأنه إذا جاز أن يقتصر على قراءة آية من السورة فهي ~~بعض السورة ### | [فصل يقرأ في الركعة بسورة ثم يقوم فيقرأ بها في الركعة الأخرى] # (798) فصل: وسئل أحمد عن الرجل يقرأ في الركعة بسورة ثم يقوم فيقرأ بها ~~في الركعة الأخرى؟ فقال: وما بأس بذلك؟ وقد روى النجاد، بإسناده عن أبي ~~الحويرث: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى المغرب، فقرأ بأم الكتاب، ~~وقرأ معها {إذا زلزلت} [الزلزلة: 1] ، ثم قام فقرأ في الثانية بأم القرآن، ~~وقرأ {إذا زلزلت} [الزلزلة: 1] أيضا.» ورواه أبو داود عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد روينا من حديث البخاري «أن رجلا كان يقرأ في كل ركعة {قل ~~هو الله أحد} [الإخلاص: 1] فرفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقره ~~عليه» . ### | [فصل يقرأ على التأليف في الصلاة اليوم سورة وغدا التي تليها ونحوه] # (799) فصل: قال حرب: قلت لأحمد الرجل يقرأ على التأليف في الصلاة اليوم ~~سورة. وغدا التي تليها ونحوه؟ قال: ليس في هذا شيء. إلا أنه روي عن عثمان ~~أنه فعل ذلك في المفصل وحده وقد روي عن أنس قال: كان أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقرءون القرآن من أوله إلى آخره في الفرائض إلا أن أحمد ~~قال هذا حديث منكر وقال مهنا: سألت أحمد عن الرجل يقرأ في الصلاة حيث ينتهي ~~جزؤه؟ فقال: لا بأس به في الفرائض ### | [فصل يصلي بالناس القيام وهو ينظر في المصحف] # (800) فصل: قال أحمد: لا بأس أن يصلي بالناس القيام وهو ms0495 ينظر في المصحف ~~قيل له: في الفريضة؟ قال: لا، لم أسمع فيه شيئا. وقال القاضي: يكره في ~~الفرض، ولا بأس به في التطوع إذا لم يحفظ، فإن كان حافظا كره أيضا. قال وقد ~~سئل أحمد عن الإمامة في المصحف في رمضان؟ فقال: إذا اضطر إلى ذلك. نقله علي ~~بن سعيد، وصالح، وابن منصور. وحكي عن ابن حامد أن النفل والفرض في الجواز ~~سواء. # وقال أبو حنيفة تبطل الصلاة به إذا لم يكن حافظا؛ لأنه عمل طويل، وقد روى ~~أبو بكر بن أبي داود، في كتاب المصاحف بإسناده عن ابن عباس قال نهانا أمير ~~المؤمنين أن نؤم الناس في المصاحف، وأن يؤمنا إلا محتلم، وروي عن ابن ~~المسيب والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، وسليمان بن حنظلة، والربيع، كراهة ذلك ~~وعن سعيد، والحسن قالا: تردد ما معك من القرآن ولا تقرأ في المصحف # PageV01P411 # والدليل على جوازه ما روى أبو بكر الأثرم، وابن أبي داود بإسنادهما عن ~~عائشة أنها كانت يؤمها عبد لها في المصحف وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان ~~في المصحف فقال: كان خيارنا يقرءون في المصاحف وروي ذلك عن عطاء، ويحيى ~~الأنصاري وعن الحسن، ومحمد في التطوع ولأن ما جاز قراءته ظاهرا جاز نظيره ~~كالحافظ، ولا نسلم أن ذلك يحتاج إلى عمل طويل، وإن كان كثيرا فهو متصل ~~واختصت الكراهة بمن يحفظ لأنه يشتغل بذلك عن الخشوع في الصلاة والنظر إلى ~~موضع السجود لغير حاجة. # وكره في الفرض على الإطلاق؛ لأن العادة أنه لا يحتاج إلى ذلك فيها وأبيحت ~~في غير هذين الموضعين لموضع الحاجة إلى سماع القرآن والقيام به والله أعلم ### | [مسألة زيادة القراءة على أم الكتاب في الركعتين غير الأوليين] # (801) مسألة: قال (ولا يزيد على قراءة أم الكتاب في الأخريين من الظهر ~~والعصر، وعشاء الآخرة والركعة الأخيرة من المغرب) وجملة ذلك أنه لا تسن ~~زيادة القراءة على أم الكتاب في الركعتين غير الأوليين قال ابن سيرين: لا ~~أعلمهم يختلفون في أنه يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي ms0496 ~~الأخريين بفاتحة الكتاب. وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء، وجابر، وأبي ~~هريرة، وعائشة رواه إسماعيل بن سعيد. الشالنجي عنهم بإسناده إلا حديث جابر ~~فرواه أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة، واختلف قول الشافعي فمرة قال كذلك ~~ومرة قال: يقرأ بسورة مع الفاتحة في كل ركعة وروي ذلك عن ابن عمر. لما روى ~~الصنابحي قال: صليت خلف أبي بكر الصديق المغرب، فدنوت منه حتى إن ثيابي ~~تكاد تمس ثيابه، فقرأ في الركعة الأخيرة بأم الكتاب، وهذه الآية {ربنا لا ~~تزغ قلوبنا} [آل عمران: 8] ولنا: حديث أبي قتادة «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي ~~الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية أحيانا» وكتب عمر إلى شريح: ~~أن اقرأ في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورة، وفي الأخريين بأم الكتاب. # وما فعله الصديق - رحمه الله - إنما قصد به الدعاء، لا القراءة. ليكون ~~موافقا لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبقية أصحابه ولو قدر # PageV01P412 # أنه قصد بذلك القراءة فليس بموجب ترك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وفعله، ثم قد ذكرنا مذهب عمر وغيره من الصحابة بخلاف هذا. فأما إن دعا ~~إنسان في الركعة الآخرة بآية من القرآن مثل ما فعل الصديق فقد روي عن أحمد ~~أنه سئل عن ذلك؟ فقال: إن شاء قاله، ولا ندري أكان ذلك قراءة من أبي بكر أو ~~دعاء؟ فهذا يدل على أنه لا بأس بذلك؛ لأنه دعاء في الصلاة فلم يكره، ~~كالدعاء في التشهد ### | [مسألة ستر العورة في الصلاة] # (802) مسألة: قال (ومن كان من الرجال وعليه ما يستر ما بين سرته وركبته، ~~أجزأه ذلك) وجملة ذلك أن ستر العورة عن النظر بما لا يصف البشرة واجب، وشرط ~~لصحة الصلاة. وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال بعض أصحاب مالك: سترها ~~واجب، وليس بشرط لصحة الصلاة. وقال بعضهم: هي شرط مع الذكر دون السهو. ~~احتجوا على أنها ليست شرطا بأن وجوبها لا يختص بالصلاة، فلم يكن شرطا، ~~كاجتناب الصلاة في ms0497 الدار المغصوبة. ولنا ما روت عائشة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» رواه أبو داود ~~والترمذي، وقال حديث حسن، وقال سلمة بن الأكوع «قلت يا رسول الله، إني أكون ~~في الصيد في القميص الواحد؟ قال: نعم، وازرره ولو بشوكة» . حديث حسن. # وما ذكروه ينتقض بالإيمان والطهارة، فإنها تجب لمس المصحف، والمسألة ~~ممنوعة، قال ابن عبد البر: احتج من قال الستر من فرائض الصلاة، بالإجماع ~~على إفساد من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به، وصلى عريانا، قال: وهذا ~~أجمعوا عليه كلهم. إذا ثبت هذا، فالكلام في حد العورة، والصالح في المذهب، ~~أنها من الرجل ما بين السرة والركبة. نص عليه أحمد في رواية جماعة، وهو قول ~~مالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء، وفيه رواية أخرى أنها الفرجان. ~~قال مهنا، سألت أحمد ما العورة؟ قال: الفرج والدبر. وهذا قول ابن أبي ذئب ~~وداود لما روى أنس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر، حسر الإزار ~~عن فخذه، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي - صلى الله عليه وسلم -.» رواه ~~البخاري (وقال حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط) # ، وروت عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته كاشفا ~~عن فخذه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على ذلك، ثم استأذن عمر فأذن له وهو ~~على ذلك.» وهذا يدل على أنه ليس بعورة، ولأنه ليس بمخرج للحدث، فلم يكن ~~عورة، كالساق. # PageV01P413 # ووجه الرواية الأولى، ما روى الخلال بإسناده، والإمام أحمد في (مسنده) ؛ ~~عن جرهد، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رآه قد كشف عن فخذه، فقال: ~~غط فخذك؛ فإن الفخذ من العورة» قال البخاري: حديث أنس أسند، وحديث جرهد ~~أحوط وروى الدارقطني «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي: لا ~~تكشف فخذك، ولا تنظر فخذ حي، ولا ميت» وهذا صريح في الدلالة، فكان أولى. # وروى أبو بكر، بإسناده، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله ms0498 عليه وسلم - «أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة» وروى الدارقطني، ~~بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إذا زوج أحدكم عبده أمته أو أجيره، فلا ينظر إلى شيء من ~~عورته؛ فإن ما تحت السرة إلى الركبة عورة» . وفي لفظ: «ما بين سرته وركبته ~~من عورته» . رواه أبو بكر، وفي لفظ: «إذا زوج أحدكم خادمه، عبده، أو أجيره، ~~فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة» . رواه أبو داود. وهذه نصوص يتعين ~~تقديمها، والأحاديث السابقة تحمل على أن غير الفرجين عورة غير مغلظة، ~~والمغلظة هي الفرجان. # وهذا نص، والحر والعبد في هذا سواء، لتناول النص لهما جميعا. (803) فصل: ~~وليست سرته وركبتاه من عورته. نص عليه أحمد في مواضع. وهذا قال به مالك، ~~والشافعي، وقال أبو حنيفة الركبة من العورة؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «الركبة من العورة» . ولنا ما تقدم من حديث أبي أيوب، وعمرو بن ~~شعيب؛ ولأن الركبة حد فلم تكن من العورة كالسرة. وحديثهم يرويه أبو الجنوب، ~~لا يثبته أهل النقل. # وقد قبل أبو هريرة سرة الحسن، ولو كانت عورة لم يفعلا ذلك. (804) فصل: ~~والواجب الستر بما يستر لون البشرة، فإن كان خفيفا يبين لون الجلد من ~~ورائه، فيعلم بياضه أو حمرته، لم تجز الصلاة فيه؛ لأن الستر لا يحصل بذلك. ~~وإن كان يستر لونها، ويصف الخلقة، جازت الصلاة؛ لأن هذا لا يمكن التحرز ~~منه، وإن كان الساتر صفيقا. ### | [فصل انكشف من العورة يسير في الصلاة] # (805) فصل: فإن انكشف من العورة يسير. لم تبطل صلاته. نص عليه أحمد وبه ~~قال أبو حنيفة وقال الشافعي: تبطل لأنه حكم تعلق بالعورة، فاستوى قليله ~~وكثيره، كالنظر. ولنا: ما روى أبو داود، بإسناده عن أيوب، عن عمرو بن سلمة ~~الجرمي قال: «انطلق أبي وافدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر ~~من قومه، فعلمهم الصلاة، وقال: يؤمكم أقرؤكم. فكنت أقرأهم فقدموني، فكنت ~~أؤمهم وعلي بردة لي صفراء صغيرة، وكنت ms0499 إذا سجدت انكشفت عني، # PageV01P414 # فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم. فاشتروا لي قميصا عمانيا، ~~فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به.» ورواه أبو داود،، والنسائي أيضا، عن ~~عاصم الأحول، عن عمرو بن سلمة، قال: «فكنت أؤمهم في بردة موصلة فيها فتق، ~~فكنت إذا سجدت فيها خرجت استي» . # وهذا ينتشر ولم ينكر، ولا بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكره ~~ولا أحد من أصحابه؛ ولأن ما صحت الصلاة مع كثيره حال العذر، فرق بين قليله ~~وكثيره في غير حال العذر، كالمشي، ولأن الاحتراز من اليسير يشق، فعفي عنه ~~كيسير الدم. إذا ثبت هذا فإن حد الكثير ما فحش في النظر، ولا فرق في ذلك ~~بين الفرجين وغيرهما. واليسير ما لا يفحش، والمرجع في ذلك إلى العادة، إلا ~~أن المغلظة يفحش منها ما لا يفحش من غيرها، فيعتبر ذلك في المانع من ~~الصلاة. # وقال أبو حنيفة: إن انكشف من المغلظة قدر الدرهم أو من المخففة أقل من ~~ربعها، لم تبطل الصلاة. وإن كان أكثر، بطلت. ولنا، أن هذا شيء لم يرد الشرع ~~بتقديره، فرجع فيه إلى العرف، كالكثير من العمل في الصلاة، والتفرق ~~والإحراز، والتقدير بالتحكم من غير دليل لا يسوغ. ### | [فصل انكشفت عورته عن غير عمد في الصلاة فسترها في الحال] # (806) فصل: فإن انكشفت عورته عن غير عمد، فسترها في الحال، من غير تطاول ~~الزمان، لم تبطل؛ لأنه يسير من الزمان، أشبه اليسير في القدر. وقال التميمي ~~في " كتابه ": إن بدت عورته وقتا واستترت وقتا، فلا إعادة عليه؛ لحديث عمرو ~~بن سلمة. ولم يشترط اليسير، ولا بد من اشتراطه؛ لأن الكثير يفحش انكشاف ~~العورة فيه، ويمكن التحرز منه، فلم يعف عنه، كالكثير من القدر. ### | [مسألة كان على عاتقه شيء من اللباس في الصلاة] # (807) مسألة: قال: إذا كان على عاتقه شيء من اللباس وجملة ذلك، أنه يجب ~~أن يضع المصلي على عاتقه شيئا من اللباس، إن كان قادرا على ذلك. وهو قول ~~ابن المنذر. وحكي عن أبي جعفر، أن ms0500 الصلاة لا تجزئ من لم يخمر منكبيه. وقال ~~أكثر الفقهاء: لا يجب ذلك، ولا يشترط لصحة الصلاة. وبه قال مالك، والشافعي، ~~وأصحاب الرأي؛ لأنهما ليسا بعورة، فأشبها بقية البدن. ولنا، ما روى أبو ~~هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يصلي الرجل في الثوب ~~الواحد، ليس على عاتقه منه شيء» . رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ~~ماجه، وغيرهم. # وهذا نهي يقتضي التحريم، ويقدم على القياس. وروى أبو داود، عن بريدة، ~~قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي في لحاف لا يتوشح به ~~وأن يصلي في سراويل، ليس عليه رداء» . ويشترط ذلك لصحة الصلاة في ظاهر ~~المذهب، لأنه منهي عن تركه في الصلاة، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ~~ولأنها سترة واجبة في الصلاة، والإخلال بها يفسدها، كستر العورة. وذكر ~~القاضي، أنه نقل عن أحمد، ما يدل على أنه ليس بشرط، وأخذه من رواية مثنى بن ~~جامع، عن أحمد فيمن صلى وعليه سراويل، وثوبه على إحدى عاتقيه، والأخرى ~~مكشوفة: يكره. قيل له: يؤمر أن يعيد؟ فلم ير عليه إعادة. وهذا يحتمل أنه لم ~~ير # PageV01P415 # عليه الإعادة؛ لستره بعض المنكبين، فاجتزئ بستر أحد العاتقين عن ستر ~~الآخر، لامتثاله للفظ الخبر. ووجه اشتراط ذلك أنه منهي عن الصلاة مع كشف ~~المنكبين، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأنها سترة واجبة في الصلاة ~~فالإخلال بها يفسدها كستر العورة. ### | [فصل ستر المنكبين في الصلاة] # (808) فصل: ولا يجب ستر المنكبين جميعهما، بل يجزئ ستر بعضهما، ويجزئ ~~سترهما بثوب خفيف يصف لون البشرة؛ لأن وجوب سترهما بالحديث، ولفظه: «لا ~~يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» . وهذا يقع على ما يعم ~~المنكبين، وما لا يعمهما، وقد ذكرنا نص أحمد فيمن صلى وإحدى منكبيه مكشوفة، ~~فلم يوجب عليه الإعادة. فإن طرح على كتفه حبلا أو خيطا ونحوه، فظاهر كلام ~~الخرقي أنه لا يجزئه؛ لقوله شيئا من اللباس، وهذا لا يسمى لباسا. وهو قول ~~القاضي. # وقال بعض أصحابنا: يجزئه؛ لأن هذا شيء، ms0501 فيكون الحديث متناولا له، وقد روي ~~عن جابر، «أنه صلى في ثوب واحد متوشحا به، كأني أنظر إليه كأن على عاتقه ~~ذنب فأرة.» وعنه قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لم ~~يجد أحدهم ثوبا ألقى على عاتقه عقالا وصلى. والصحيح: أنه لا يجزئه؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا صلى أحدكم في ثوب واحد فليخالف بين ~~طرفيه على عاتقيه» . من الصحاح، ورواه أبو داود. ولأن الأمر بوضعه على ~~العاتقين للستر، ولا يحصل ذلك بوضع خيط ولا حبل، ولا يسمى سترة ولا لباسا. ~~وما روي عن جابر لم يصح، وما روي عن الصحابة، إن صح عنهم؛ فلعدم ما سواه، ~~والله أعلم ### | [فصل ما اشترط للفرض اشترط للنفل] # (809) فصل: ولم يفرق الخرقي بين الفرض والنفل؛ لأن الخبر عام فيهما، ولأن ~~ما اشترط للفرض اشترط للنفل، كالطهارة. ونص أحمد أنه يجزئه في التطوع فإنه ~~قال في رواية حنبل إنه يجزئه أن يأتزر بالثوب الواحد، ليس على عاتقه منه ~~شيء، في التطوع؛ لأن النافلة مبناها على التخفيف. ولذلك يسامح فيه بهذا ~~المقدار. واستدل أبو بكر على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~كان الثوب ضيقا فاشدده على حقوك» . قال: هذا في التطوع، وحديث أبي هريرة في ~~الفرض. ### | [مسألة كان عليه ثوب واحد في الصلاة بعضه على عاتقه] ### | [الفصل الأول فيما يجزئ في الصلاة] # (810) مسألة: قال: ومن كان عليه ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأه ذلك. ~~وجملة ذلك أن الكلام في اللباس في أربعة فصول؛ الفصل الأول: فيما يجزئ في ~~الصلاة. والثاني: في الفضيلة. والثالث: فيما يكره. والرابع: فيما يحرم. # (811) فصل: أما الأول فإنه يجزئ ثوب واحد يستر عورته، وبعضه أو غيره على ~~عاتقه؛ لما روى عمرو بن سلمة # PageV01P416 # «أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد في بيت أم ~~سلمة، ألقى طرفيه على عاتقه» متفق عليه، وعن جابر أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا كان الثوب واسعا فالتحف به، وإذا ms0502 كان ضيقا فاتزر به» رواه ~~البخاري، وغيره وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سئل عن الصلاة في ثوب واحد؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: أولكلكم ثوبان؟» . رواه مسلم ومالك في موطئه، وصلى جابر في قميص ليس ~~عليه رداء، فلما انصرف قال: إني «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي في قميص.» رواه أبو داود. ### | [الفصل الثاني في الفضيلة وهو أن يصلي في ثوبين أو أكثر] # (812) الفصل الثاني: في الفضيلة، وهو أن يصلي في ثوبين أو أكثر. فإنه إذا ~~أبلغ في الستر. لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: إذا أوسع الله ~~فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء في إزار وقميص، في ~~إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبان ~~وقميص. وروى أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أو قال: قال عمر: «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب ~~واحد فليتزر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود» . # قال التميمي: الثوب الواحد يجزئ، والثوبان أحسن، والأربع أكمل؛ قميص ~~وسراويل وعمامة وإزار. وروى ابن عبد البر عن ابن عمر أنه رأى نافعا يصلي في ~~ثوب واحد، قال: ألم تكتس ثوبين؟ قلت: بلى. قال: فلو أرسلت في الدار، أكنت ~~تذهب في ثوب واحد؟ قلت لا. قال: فالله أحق أن تتزين له أو الناس؟ قلت: بل ~~الله. # وقال القاضي: وذلك في الإمام آكد منه في غيره؛ لأنه بين يدي المأمومين، ~~وتتعلق صلاتهم بصلاته. فإن لم يكن إلا ثوب واحد فالقميص أولى؛ لأنه أعم في ~~الستر، فإنه يستر جميع الجسد إلا الرأس والرجلين، ثم الرداء؛ لأنه يليه في ~~الستر، ثم المئزر أو السراويل. ولا يجزئ من ذلك كله إلا ما ستر العورة عن ~~غيره وعن نفسه، فلو صلى في قميص واسع الجيب بحيث لو ركع أو سجد رأى عورته، ~~أو كانت بحيث يراها، لم تصح صلاته، ms0503 ودل على ذلك حديث «سلمة بن الأكوع أنه ~~قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أصلي في القميص الواحد؟ قال: نعم، ~~وازرره ولو بشوكة» . قال الأثرم: سئل أحمد عن الرجل يصلي في القميص الواحد ~~غير مزرور عليه؟ قال: ينبغي أن يزره. # قيل له: فإن كانت لحيته تغطيه، ولم يكن متسع الجيب؟ قال: إن كان # PageV01P417 # يسيرا فجائز. فعلى هذا متى ظهرت عورته له أو لغيره فسدت صلاته. فإن لم ~~تظهر لكون جيب القميص ضيقا، أو شد وسطه بمئزر أو حبل فوق الثوب، أو كان ذا ~~لحية تسد الجيب فتمنع الرؤية، أو شد إزاره، أو ألقى على جيبه رداء أو خرقة، ~~فاستترت عورته، أجزأه ذلك. وهذا مذهب الشافعي. ### | [الفصل الثالث ما يكره في الصلاة] # (813) الفصل الثالث، فيما يكره؛ يكره اشتمال الصماء؛ لما روى البخاري، عن ~~أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن ~~لبستين: اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل بثوب ليس بين فرجه وبين السماء ~~شيء.» واختلف في تفسير اشتمال الصماء، فقال بعض أصحابنا: هو أن يضطبع ~~بالثوب ليس عليه غيره، ومعنى، الاضطباع: أن يضع وسط الرداء تحت عاتقه ~~الأيمن، ويجعل طرفيه على منكبه الأيسر، ويبقى منكبه الأيمن مكشوفا، وروى ~~حنبل، عن أحمد في اشتمال الصماء: أن يضطبع الرجل بالثوب ولا إزار عليه. ~~فيبدو منه شقه وعورته، أما إن كان عليه إزار فتلك لبسة المحرم، فلو كان لا ~~يجزئه لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وروى أبو بكر، بإسناده عن ابن مسعود، قال: «نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يلبس الرجل ثوبا واحدا، يأخذ بجوانبه عن منكبه، فيدعى تلك ~~الصماء.» وقال بعض أصحاب الشافعي: هو أن يلتحف بالثوب، ثم يخرج يديه من قبل ~~صدره، فتبدو عورته. وقال أبو عبيد اشتمال الصماء، عند العرب: أن يشتمل ~~الرجل بثوبه، يجلل به جسده كله، ولا يرفع منه جانبا يخرج منه يده. كأنه ~~يذهب به إلى أنه لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه. فلا يقدر عليه. # وتفسير الفقهاء، أن ms0504 يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد ~~جانبيه، فيضعه على منكبيه، فيبدو منه فرجه، والفقهاء أعلم بالتأويل. فعلى ~~هذا التفسير يكون النهي للتحريم، وتفسد الصلاة معه. ويكره السدل. وهو أن ~~يلقي طرف الرداء من الجانبين، ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى، ولا يضم ~~الطرفين بيديه. وكره السدل ابن مسعود، والنخعي، والثوري، والشافعي، ومجاهد، ~~وعطاء. # وروي عن جابر وابن عمر الرخصة فيه، وعن مكحول، والزهري، وعبيد الله بن ~~الحسن بن الحصين أنهم فعلوه، وعن الحسن، وابن سيرين أنهما كانا يسدلان فوق ~~قميصهما، وقال ابن المنذر: لا أعلم فيه حديثا يثبت. # وقد روي عن أبي هريرة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن السدل في ~~الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه.» رواه أبو داود، من طريق عطاء. ثم روي عن ابن ~~جريج أنه قال: أكثر ما رأيت عطاء يصلي سادلا. ويكره إسبال القميص والإزار ~~والسراويل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر برفع الإزار. فإن فعل ذلك ~~على وجه الخيلاء حرم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من جر ثوبه ~~خيلاء لم ينظر الله إليه» . متفق عليه. # وروى أبو داود عن ابن مسعود، قال: # PageV01P418 # سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من أسبل إزاره في صلاته ~~خيلاء فليس من الله جل ذكره في حل ولا حرام» . ويكره أن يغطي الرجل وجهه أو ~~فمه. لما ذكرنا من حديث أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى ~~عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه.» وهل يكره التلثم على الأنف؟ على ~~روايتين: إحداهما، يكره؛ لأن ابن عمر كرهه. والأخرى، لا يكره؛ لأن تخصيص ~~الفم بالنهي عن تغطيته تدل على إباحة تغطية غيره. # وتكره الصلاة في الثوب المزعفر للرجل، وكذلك المعصفر؛ لأن البخاري ومسلما ~~رويا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى الرجل عن التزعفر.» وروى مسلم، ~~عن علي - رضي الله عنه - قال: «نهاني النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لباس ~~المعصفر» . وقال عبد الله بن عمرو: «رأى ms0505 النبي - صلى الله عليه وسلم - علي ~~ثوبين معصفرين، فقال: إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسهما» . وروى أبو بكر، ~~بإسناده عن عمران بن الحصين «أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا ~~أركب الأرجوان، ولا ألبس المعصفر» . # فأما شد الوسط في الصلاة، فإن كان بمنطقة أو مئزر أو ثوب أو شد قباء، فلا ~~يكره، رواية واحدة، قال أبو طالب: سألت أحمد عن الرجل يصلي وعليه قميص ~~يأتزر بالمنديل فوقه؟ قال: نعم، فعل ذلك ابن عمر. وإن كان بخيط أو حبل مع ~~سرته وفوقها فهل يكره؟ على روايتين. إحداهما، يكره؛ لما فيه من التشبه بأهل ~~الكتاب، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التشبه بهم، وقال: «لا ~~تشتملوا اشتمال اليهود» . رواه أبو داود. والرواية الأخرى، قال أحمد: لا ~~بأس، أليس قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يصلي أحدكم إلا ~~وهو محتزم» . وقال علي بن سعيد سألت أحمد عن حديث النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا يصلي أحدكم إلا وهو محتزم» . قال: كأنه من شد الوسط. # وروى الخلال، بإسناده عن الشعبي، قال: كان يقال، شد حقوك في الصلاة ولو ~~بعقال " وعن يزيد بن الأصم مثله # وأما الصلاة في الثوب الأحمر، فقال أصحابنا: يكره للرجال لبسه، والصلاة ~~فيه. وقد اشترى عمر ثوبا، فرأى فيه خيطا أحمر، فرده وقد روى أبو جحيفة قال: ~~«خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حلة حمراء، ثم # PageV01P419 # ركزت له عنزة، فتقدم وصلى الظهر.» وقال البراء: «ما رأيت من ذي لمة في ~~حلة حمراء أحسن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.» متفق عليهما، وروى ~~أبو داود عن هلال بن عامر، قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يخطب على بغلة وعليه برد أحمر، وعلي أمامه يعبر عنه.» # ووجه كراهة ذلك، ما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: «دخل ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل عليه بردان أحمران، فسلم، فلم يرد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -.» وبإسناده ms0506 عن رافع بن خديج قال: «خرجنا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فرأى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على رواحلنا أكسية فيها خيوط عهن حمر. فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم. فقمنا سراعا لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى نفر بعض إبلنا، فأخذنا الأكسية، فنزعناها عنها» ~~والأحاديث الأول أثبت وأبين في الحكم؛ فإن ترك النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لرد السلام عليه يحتمل أن يكون لمعنى غير الحمرة، ويحتمل أنها كانت ~~معصفرة، وهو مكروه، وحديث رافع يرويه عنه رجل مجهول، ولأن الحمرة لون، فهي ~~كسائر الألوان. # (814) فصل: وقد روى أبو داود، عن أبي رمثة، قال: «انطلقت مع أبي نحو ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأيت عليه بردين أخضرين.» وبإسناده عن ~~قتادة، قال: «قلنا لأنس: أي اللباس كان أحب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-؟ قال الحبرة.» متفق عليه. وبإسناده عن ابن عمر، «أنه قيل له: لم تصبغ ~~بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبغ بها، ولم ~~يكن شيء أحب إليه منها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته.» وبإسناده ~~عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البسوا من ثيابكم ~~البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم» . # (815) الفصل الرابع: فيما يحرم لبسه، والصلاة فيه وهو قسمان؛ قسم تحريمه ~~عام في الرجال والنساء، وقسم يختص تحريمه بالرجال. فالأول، ما يعم تحريمه، ~~وهو نوعان: أحدهما، النجس لا تصح الصلاة فيه، ولا عليه؛ لأن الطهارة من ~~النجاسة شرط، وقد فاتت. والثاني، المغصوب، لا يحل لبسه، ولا الصلاة فيه. ~~وهل تصح الصلاة فيه؟ على روايتين؛ إحداهما، لا تصح. والثانية تصح، وهو قول ~~أبي حنيفة، والشافعي لأن التحريم لا يختص الصلاة، # PageV01P420 # ولا النهي يعود إليها، فلم يمنع الصحة، كما لو غسل ثوبه من النجاسة بماء ~~مغصوب، وكما لو صلى وعليه عمامة مغصوبة. # ووجه الرواية الأولى، أنه استعمل في شرط العبادة ما يحرم عليه ms0507 استعماله، ~~فلم تصح، كما لو صلى في ثوب نجس، ولأن الصلاة قربة وطاعة، وهو منهي عنها ~~على هذا الوجه، فكيف يتقرب بما هو عاص به، أو يؤمر بما هو منهي عنه على هذا ~~الوجه. وأما إذا صلى في عمامة مغصوبة، أو في يده خاتم من ذهب، فإن الصلاة ~~تصح؛ لأن النهي لا يعود إلى شرط الصلاة، إذ العمامة ليست شرطا فيها. وإن ~~صلى في دار مغصوبة، فالخلاف فيها كالخلاف في الثوب المغصوب، إلا أن أحمد ~~قال في الجمعة: يصلي في مواضع الغصب؛ لأنها تختص بموضع معين، فالمنع من ~~الصلاة فيه إذا كان غصبا يفضي إلى تعطيلها. فلذلك أجاز فعلها فيه، كما أجاز ~~صلاة الجمعة خلف الخوارج وأهل البدع والفجور، كي لا يفضي إلى تعطيلها. # القسم الثاني، ما يختص تحريمه بالرجال دون النساء، وهو الحرير، والمنسوج ~~بالذهب، والمموه به، فهو حرام لبسه، وافتراشه في الصلاة وغيرها؛ لما روى ~~أبو موسى، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «حرام لباس الحرير ~~والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم» . أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: ~~حديث حسن صحيح وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه ~~في الآخرة» . متفق عليه. ولا نعلم في تحريم لبس ذلك على الرجال اختلافا، ~~إلا لعارض، أو عذر، قال ابن عبد البر: هذا إجماع. # فإن صلى فيه، فالحكم فيه كالصلاة في الثوب المغصوب، على ما بيناه من ~~الخلاف والروايتين. والافتراش كاللبس في التحريم؛ لما روى البخاري عن ~~حذيفة، قال: «نهانا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نشرب في آنية الذهب ~~والفضة، وأن نأكل فيها، وأن نلبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه.» ### | [فصل العلم الحرير في الثوب في الصلاة] # (816) فصل: ويباح العلم الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع فما دون؛ لما ~~روي عن عمر بن الخطاب، - رضي الله عنه - أنه قال: «نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الحرير إلا موضع إصبعين ms0508 أو ثلاث أو أربع.» رواه أبو داود، ~~والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي التنبيه. يباح وإن كان مذهبا، وكذلك ~~القول في الرقاع، ولبنة الجيب، وسجف الفراء وغيرها؛ لأنه داخل فيما تناوله ~~الحديث. # فصل: فإن لبس الحرير للقمل أو الحكة أو المرض ينفعه لبس الحرير جاز، في ~~إحدى الروايتين؛ لأن # PageV01P421 # أنسا روى «أن عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، شكوا القمل إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما» وفي ~~رواية: شكيا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القمل فرخص لهما في قمص ~~الحرير، ورأيته عليهما. متفق عليه. وما ثبت في حق صحابي ثبت في حق غيره، ما ~~لم يقم دليل التخصيص، وغير القمل الذي ينفع فيه لبس الحرير في معناه. فيقاس ~~عليه. # والرواية الأخرى، لا يباح لبسه للمرض؛ لاحتمال أن تكون الرخصة خاصة لهما، ~~وهو قول مالك والأول أصح؛ إن شاء الله تعالى؛ لأن تخصيص الرخصة بها على ~~خلاف الأصل. # فأما لبسه للحرب، فإن كان به حاجة إليه، كأن كان بطانة لبيضة أو درع ~~ونحوه، أبيح. قال بعض أصحابنا: يجوز مثل ذلك من الذهب؛ كدرع مموه بالذهب، ~~وهو لا يستغني عن لبسه، وهو محتاج إليه. وإن لم يكن به حاجة إليه، فعلى ~~وجهين: أحدهما يباح لأن المنع من لبسه للخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، ~~والخيلاء في وقت الحرب غير مذموم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رأى ~~بعض أصحابه يمشي بين الصفين يختال في مشيته: " إنها لمشية يبغضها الله إلا ~~في هذا الموطن ". # والثاني، يحرم؛ لعموم الخبر. وظاهر كلام أحمد، - رحمه الله -، إباحته ~~مطلقا، وهو قول عطاء، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن لبس الحرير في ~~الحرب؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس. وروى الأثرم بإسناده عن عروة، أنه ~~كان له يلمق من ديباج، بطانته سندس، محشو قزا، كان يلبسه في الحرب. ### | [فصل المنسوج من الحرير وغيره في الصلاة] # (817) فصل: فأما المنسوج من الحرير وغيره، كثوب منسوج من قطن ms0509 وإبريسم، أو ~~قطن وكتان فالحكم للأغلب منهما. لأن الأول مستهلك فيه، فهو كالبيضة من ~~الفضة، والعلم من الحرير. وقد روي عن ابن عباس قال: «إنما نهى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن الثوب المصمت من الحرير، وأما العلم، وسدى الثوب، فليس ~~به بأس.» رواه الأثرم بإسناده، وأبو داود قال ابن عبد البر مذهب ابن عباس ~~وجماعة من # PageV01P422 # أهل العلم. أن المحرم الحرير الصافي، الذي لا يخالطه غيره، فإن كان الأقل ~~الحرير فهو مباح، وإن كان القطن فهو محرم. # فإن استويا ففي تحريمه وإباحته وجهان وهذا مذهب الشافعي. قال ابن عقيل ~~الأشبه التحريم، لأن النصف كثير، فأما الجباب المحشوة من إبريسم، فقال ~~القاضي: لا يحرم. وهو مذهب الشافعي، لعدم الخيلاء فيه. ويحتمل التحريم؛ ~~لعموم الخبر. وهكذا الفرش المحشوة بالحرير. ### | [فصل الثياب التي عليها تصاوير الحيوانات في الصلاة] # (818) فصل: فأما الثياب التي عليها تصاوير الحيوانات؛ فقال ابن عقيل يكره ~~لبسها، وليس بمحرم. وقال أبو الخطاب هو محرم؛ لأن أبا طلحة قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا ~~صورة» . متفق عليه. وحجة من لم يره محرما أن زيد بن خالد رواه عن أبي طلحة ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال في آخره: «إلا رقما في ثوب» . متفق ~~عليه. لأنه يباح إذا كان مفروشا، أو يتكئ عليه، فكذلك إذا كان ملبوسا. ### | [فصل التصليب في الثوب] # (819) فصل: ويكره التصليب في الثوب؛ لأن عمران بن حطان روى عن عائشة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «كان لا يترك في بيته شيئا فيه تصليب إلا ~~قضبه.» رواه أبو داود يعني قطعه. ### | [فصل لبس الخز] # (820) فصل: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن لبس الخز؟ فلم ير به ~~بأسا. وروى الأثرم، بإسناده عن عمران بن حصين، وأنس بن مالك، والحسن بن ~~علي، وأبي هريرة، وقيس، ومحمد بن الحنفية، وغيلان بن جرير، وشبيل بن عوف، ~~أنهم لبسوا مطارف الخز. وبإسناده عن قتادة، أن أنس بن مالك، وعائذ بن ms0510 عمرو، ~~وعمران بن حصين، وأبا هريرة، وابن عباس، وأبا قتادة، كانوا يلبسون الخز. ~~وبإسناده عن عبد الرحمن بن عوف، والحسين بن علي، وعبد الله بن الحارث بن ~~أبي ربيعة، والقاسم بن محمد، أنهم لبسوا جباب الخز. # وبإسناده عن أنس بن مالك، وشريح، أنهم لبسوا برانس الخز، وبإسناده عن ~~عمار بن أبي عمار، قال: أتت مروان مطارف من خز، فكساها أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فكسا أبا هريرة مطرفا من خز أغبر، فكان يلبسه اثنان ~~بسعته. وهذا اشتهر فلم يظهر بخلافه، فكان إجماعا. وروى أبو بكر، بإسناده عن ~~أحمد بن عبد الرحمن الرازي، حدثنا أبي، # PageV01P423 # قال: أخبرني أبي عبد الله بن سعيد، عن أبيه سعيد، قال: «رأيت رجلا ببخارى ~~على بغلة بيضاء، عليه عمامة خز سوداء؛ فقال: كسانيها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -.» رواه أبو داود. وروى مالك، في موطئه، أن عائشة كست عبد الله ~~بن الزبير مطرف خز كانت تلبسه. ### | [فصل هل يجوز لولي الصبي أن يلبسه الحرير] # (821) فصل: وهل يجوز لولي الصبي أن يلبسه الحرير؟ فيه وجهان. أشبههما ~~بالصواب تحريمه؛ لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حرم لباس الحرير ~~على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم» . وروى أبو داود، بإسناده عن جابر، قال: كنا ~~ننزعه عن الغلمان، ونتركه على الجواري. وقدم حذيفة من سفر، وعلى صبيانه قمص ~~من حرير، فمزقها على الصبيان، وتركها على الجواري، أخرجه الأثرم. وروي أيضا ~~عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنت رابع أربعة، أو خامس خمسة، مع عبد الله، ~~فجاء ابن له صغير عليه قمص من حرير، فدعاه، فقال له: من كساك هذا؟ قال: ~~أمي. فأخذه عبد الله فشقه. # والوجه الآخر، ذكره أصحابنا، أنه يباح؛ لأنهم غير مكلفين، فلا يتعلق ~~التحريم بلبسهم، كما لو ألبسه دابة، ولأنهم محل للزينة فأشبهوا النساء. # والأول أصح؛ لظاهر الحديث، وفعل الصحابة. ويتعلق التحريم بتمكينهم من ~~المحرمات كتمكينهم من شرب الخمر، وأكل الربا، وغيرهما، وكونهم محل الزينة - ~~مع تحريم الاستمتاع بهم - يقتضي التحريم، لا الإباحة، بخلاف النساء. ms0511 والله ~~أعلم. ### | [مسألة لم يقدر على ستر العورة في الصلاة] # (822) مسألة: قال: ومن لم يقدر على ستر العورة صلى جالسا يومئ إيماء ~~وجملة ذلك، أن العادم للسترة الأولى له أن يصلي قاعدا. وروي ذلك عن ابن عمر ~~وقال به عطاء، وعكرمة، وقتادة، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. ويومئ بالركوع ~~والسجود. وهذا مذهب أبي حنيفة. وقال مجاهد، ومالك، والشافعي وابن المنذر ~~يصلي قائما، بركوع وسجود؛ لقوله - عليه السلام -: «صل قائما، فإن لم تستطع ~~فجالسا» . رواه البخاري. ولأنه مستطيع للقيام من غير ضرر، فلم يجز تركه له ~~كالقادر على الستر. # ولنا ما روى الخلال، بإسناده عن ابن عمر، في قوم انكسرت بهم مراكبهم، ~~فخرجوا عراة، قال: يصلون جلوسا، يومئون إيماء برءوسهم. ولم ينقل خلافه، ~~ولأن الستر آكد من القيام بدليل أمرين: أحدهما، أنه يسقط مع القدرة بحال، ~~والقيام يسقط في النافلة. والثاني أن القيام يختص الصلاة، والستر يجب فيها ~~وفي غيرها، فإذا لم يكن بد من ترك # PageV01P424 # أحدهما، فترك أخفهما أولى من ترك آكدهما. ولأنه إذا استتر أتى ببدل عن ~~القيام والركوع والسجود، والستر لا بدل له. # والحديث محمول على حال لا تتضمن ترك السترة. فإن قيل: فالستر لا يحصل ~~كله، وإنما يحصل بعضه، فلا يفي بترك القيام. قلنا: إذا قلنا العورة ~~الفرجان. فقد حصل الستر. وإن قلنا: العورة ما بين السرة والركبة فقد حصل ~~ستر آكدها وجوبا في الستر، وأفحشها في النظر، فكان ستره أولى. وإذا ثبت ~~هذا، فليس على من صلى في هذه الحال إعادة؛ لأنه شرط من شرائط الصلاة عجز ~~عنه فسقط، كما لو عجز عن استقبال القبلة فصلى إلى غيرها. وإن صلى العريان ~~قائما، وركع وسجد صحت صلاته أيضا في ظاهر كلام أحمد - رحمه الله -، وهو قول ~~أصحاب الرأي. # وقال ابن جريج: يتخيرون بين الصلاة قياما وقعودا. وقد روي عن أبي عبد ~~الله رحمه الله، ما يدل على أنهم يصلون قياما وقعودا؛ فإنه قد قال في ~~العراة: يقوم إمامهم في وسطهم. وروى عنه الأثرم، إن توارى بعضهم ببعض فصلوا ~~قياما، ms0512 فهذا لا بأس به. قيل له: فيومئون أو يسجدون؟ قال: سبحان الله، ~~السجود لا بد منه. # فهذا يدل على أنه لا يومئ بالسجود في حال، وأن الأفضل في الخلوة القيام، ~~إلا أن الخلال قال: هذا توهم من الأثرم. قال: ومعنى قول أحمد: يقوم وسطهم. ~~أي يكون وسطهم، لم يرد به حقيقة القيام وعلى كل حال فينبغي لمن صلى عريانا ~~أن يضم بعضه إلى بعض، ويستر ما أمكن ستره قيل لأبي عبد الله: يتربعون أو ~~يتضامون؟ قال: لا بل يتضامون. وإذا قلنا: يسجدون بالأرض. فإنهم يتضامون ~~أيضا. وعن أحمد: أنه يتربع موضع القيام. والأول أولى. ### | [فصل إذا وجد العريان جلدا طاهرا أو ورقا يمكنه خصفه عليه] # (823) فصل: وإذا وجد العريان جلدا طاهرا، أو ورقا يمكنه خصفه عليه، أو ~~حشيشا يمكنه أن يربطه عليه فيستر به، لزمه ذلك؛ لأنه قادر على ستر عورته ~~بطاهر لا يضره فلزمه كما لو قدر على سترها بثوب، وقد «ستر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رجلي مصعب بن عمير بالإذخر» لما لم يجد سترة. فإن وجد طينا ~~يطلي به جسده فظاهر كلام أحمد، أنه لا يلزمه ذلك، وذلك لأنه يجف ويتناثر ~~عند الركوع والسجود. ولأن فيه مشقة شديدة ولم تجر به العادة، واختار ابن ~~عقيل أنه يلزمه لأنه يستر جسده وما تناثر سقط حكمه، ويستتر بما بقي منه، ~~وهو قول بعض الشافعية. # والأولى أنه لا يلزمه ذلك؛ لأن عليه فيه مشقة، ويلحقه به ضرر، ولا يحصل ~~له كمال الستر، فإن وجد ماء لم يلزمه النزول فيه، وإن كان كدرا، لأن للماء ~~سكانا، ولا يتمكن فيه # PageV01P425 # من السجود، وكذلك لو وجد حفرة لم يلزمه النزول فيها؛ لأنها لا تلصق ~~بجلده، فهي كالجدار. وإن وجد سترة تضر بجسمه كبارية القصب ونحوها، مما يدخل ~~في جسمه، لم يلزمه الاستتار بها، لما فيه من الضرر والمنع من إكمال الركوع ~~والسجود. ### | [فصل إذا بذل له سترة في الصلاة] # (824) فصل: وإذا بذل له سترة لزمه قبولها إذا كانت عارية؛ لأنه قدر على ~~ستر ms0513 العورة بما لا ضرر فيه. وإن وهب له لم يلزمه قبوله؛ لأن عليه فيه منة. ~~ويحتمل أن يلزمه ذلك؛ لأن العار في بقاء عورته مكشوفة أكبر من الضرر في ~~المنة التي تلحقه. وإن وجد من يبيعه ثوبا بثمن مثله، أو يؤجره بأجرة مثله، ~~أو زيادة يتغابن الناس بمثلها، وقدر على ذلك العوض، لزمه قبوله، وإن كانت ~~كثيرة لا يتغابن الناس بمثلها، لم يلزمه، كما قلنا في شراء الماء للوضوء. ### | [فصل لم يجد المصلي إلا ثوبا نجسا] # (825) فصل: فإن لم يجد إلا ثوبا نجسا، قال أحمد: يصلي فيه، ولا يصلي ~~عريانا. وهو قول مالك، والمزني. وقال الشافعي، وأبو ثور: يصلي عريانا، ولا ~~يعيد؛ لأنها سترة نجسة، فلم تجز له الصلاة فيها، كما لو قدر على غيرها. ~~وقال أبو حنيفة: إن كان جميعه نجسا فهو مخير في الفعلين؛ لأنه لا بد من ترك ~~واجب في كلا الفعلين، وفعل واجب، فاستويا. # ولنا أن الستر آكد من إزالة النجاسة، على ما قررناه في الصلاة جالسا، ~~فكان أولى، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «غط فخذك» . وهذا عام، ~~ولأن السترة متفق على اشتراطها، والطهارة من النجاسة مختلف فيها، فكان ~~المتفق عليه أولى. # وما ذكره الشافعي معارض بمثله، وهو أنه قدر على ستر عورته، فلزمه، كما لو ~~وجد ثوبا طاهرا إذا انفرد أنه يصلي فيه، فالمنصوص عن أحمد أنه لا يعيد؛ لأن ~~الطهارة من النجاسة شرط قد فاتت. وقد نص في من صلى في موضع نجس لا يمكنه ~~الخروج منه أنه لا يعيد. فكذا هاهنا. وهو مذهب مالك، والأوزاعي. وهو ~~الصحيح؛ لأنه شرط للصلاة عجز عنه، فسقط كالسترة والاستقبال، بل أولى، فإن ~~السترة آكد، بدليل تقديمها على هذا الشرط، ثم قد صحت الصلاة وأجزأت عند ~~عدمها، فهاهنا أولى. فإن لم يجد إلا ثوب حرير صلى فيه، ولا يعيد. وإن لم ~~يجد إلا ثوبا مغصوبا صلى عريانا، لما في ذلك من حق الآدمي، فأشبه ما لو لم ~~يجد ماء يتوضأ به، إلا أن يغصبه، فإنه يتيمم. ms0514 كذا هاهنا. والله أعلم. # PageV01P426 ### | [فصل لم يجد إلا ما يستر عورته أو منكبيه في الصلاة] # (826) فصل: فإن لم يجد إلا ما يستر عورته أو منكبيه، ستر عورته؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان الثوب واسعا فالتحف به، وإن كان ~~ضيقا فاتزر به» . وهذا الثوب ضيق. وفي المسند عن ابن عمر، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أو عن عمر، قال: «لا يشتمل أحدكم اشتمال اليهود، ليتوشح، ~~ومن كان له ثوبان فليأتزر وليرتد، ومن لم يكن له ثوبان فليتزر ثم ليصل» . ~~ولأن الستر للعورة واجب متفق على وجوبه متأكد، وستر المنكبين فيه من الخلاف ~~والتخفيف ما فيه، فلا يجوز تقديمه. # وقد روي عن أحمد، في الرجل يكون عليه الثوب اللطيف، لا يبلغ أن يعقده، ~~يرى أن يتزر به ويصلي؟ قال: لا أرى ذلك مجزئا عنه. وإن كان الثوب لطيفا صلى ~~قاعدا، وعقد من ورائه. وظاهر هذا، أنه قد ستر المنكبين على القيام، وستر ما ~~عدا الفرجين، ولأنه ذهب إلى أن الحديث في ستر المنكبين أصح منه في ستر ~~الفرجين، وأن القيام له بدل، وستر المنكبين لا بدل له. والصحيح ما ذكرناه ~~أولا؛ لما قدمنا من تأكد ستر العورة والقيام، وما روينا من الحديث، وهو ~~صريح في هذه المسألة، وفيه قصة رواها أبو داود، عن جابر، قال: «سرت مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي بردة ذهبت أخالف بين طرفيها، فلم تبلغ ~~لي، وكانت لها ذباذب، فنكستها، ثم خالفت بين طرفيها، ثم تواقصت عليها حتى ~~لا تسقط، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ ~~بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، فجاء جبار بن صخر، حتى قام عن يساره، ~~فأخذنا بيديه جميعا، حتى أقامنا خلفه. قال: وجعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يرمقني وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فأشار إلي أن اتزر بها، فلما فرغ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا جابر. قلت: لبيك يا رسول الله. ~~قال: إذا كان ms0515 واسعا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك» . ### | [فصل لم يجد إلا ما يستر بعض العورة في الصلاة] # (827) فصل: فإن لم يجد إلا ما يستر بعض العورة ستر الفرجين؛ لأنهما أفحش، ~~وسترهما آكد، وهما من العورة بغير خلاف. فإن كان لا يكفي إلا أحدهما ستر ~~أيهما شاء. واختلف في أولاهما بالستر، فقيل: الدبر؛ لأنه أفحش، لا سيما في ~~الركوع والسجود. وقيل: القبل لأنه مستقبل به القبلة، وليس له ما يستره، ~~والدبر مستور بالأليتين. ### | [مسألة صلى جماعة عراة] # (828) مسألة: قال: فإن صلى جماعة عراة، كان الإمام معهم في الصف وسطا، ~~يومئون إيماء. ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم # PageV01P427 # وجملة ذلك أن الجماعة مشروعة للعراة. وبه قال قتادة. وقال مالك، ~~والأوزاعي، وأصحاب الرأي: يصلون فرادى. قال مالك: ويتباعد بعضهم من بعض. ~~وإن كانوا في ظلمة صلوا جماعة، ويتقدمهم إمامهم. # وقال الشافعي في القديم كقولهم. وقال في موضع آخر: الجماعة والانفراد ~~سواء؛ لأن في الجماعة الإخلال بسنة الموقف، وفي الانفراد الإخلال بفضيلة ~~الجماعة، فيستويان، ووافقنا في أن إمامهم يقوم وسطهم على مشروعية الجماعة ~~للنساء العراة؛ لأن موقف إمامتهن في وسطهن، فما حصل في حقهن إخلال بفضيلة ~~الموقف، ووافقنا في الرجال إذا كان معهم مكتس يصلح أن يؤمهم، ولنا، أنه ~~يمكنهم الجماعة من غير ضرر، فلزمهم كالمستترين، وقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «صلاة الرجل في الجميع تفضل على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة» . ~~عام في كل مصل، ولا تسقط الجماعة لتعذر سببها في الموقف، كما لو كانوا في ~~مكان ضيق لا يمكن أن يتقدمهم إمامهم. وإذا شرعت الجماعة لعراة النساء، مع ~~أن الستر في حقهن آكد، والجماعة في حقهن أخف، فللرجال أولى وأحرى، وغض ~~البصر يحصل بكونهم صفا واحدا، يستر بعضهم بعضا. # إذا ثبت هذا، فإنهم يصلون صفا واحدا، ويكون إمامهم في وسطهم، ليكون أستر ~~له، وأغض لأبصارهم عنه. وكذلك سن لإمامة النساء القيام وسطهن في كل حال. ~~لأنهن عورات، فإن كان مع الرجال نساء عراة تنحين عنهم؛ لئلا يرى بعضهم ~~بعضا، ms0516 ويصلين جماعة أيضا كالرجال، إلا أن الجماعة في حقهن أدنى منها في حق ~~الرجال، كما لو كانوا غير عراة. فإن كان الجميع في مجلس، أو في مكان ضيق، ~~صلى الرجال، واستدبرهم النساء، ثم صلى النساء واستدبرهن الرجال؛ لئلا يرى ~~بعضهم عورات بعض. فإن كان الرجال لا يسعهم صف واحد، والنساء وقفوا صفوفا، ~~وغضوا أبصارهم عمن بين أيديهم؛ لأنه موضع ضرورة. ### | [مسألة العراة إذا صلوا قعودا] # (829) مسألة: قال: وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله، رواية أخرى، أنهم ~~يسجدون بالأرض اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله -، في العراة إذا صلوا ~~قعودا؛ فروي عنه أنهم يومئون بالركوع والسجود؛ لأن القيام سقط عنهم لحفظ ~~عوراتهم، فيسقط السجود؛ لأن ظهورها بالسجود أكثر وأفحش، فوجب أن يسقط. وروي ~~أنهم يسجدون بالأرض؛ لأن السجود آكد من القيام؛ لكونه مقصودا في نفسه، ولا ~~يسقط فيما يسقط فيه القيام، وهو صلاة النافلة، فلهذا لم يسقط وقد اختلف عن ~~أحمد، في القيام أيضا؛ فروي عنه أن العراة يصلون قياما، فإنه قال في ~~العراة: يقوم إمامهم في وسطهم. وروى عنه الأثرم أنه قال: إن توارى بعضهم ~~ببعض؛ فصلوا قياما، فهذا لا بأس به. # قيل: فيومئون أم يسجدون؟ قال: سبحان الله، السجود لا بد منه. فهذا يدل ~~على أن السجود لا يسقط، وأن الأفضل القيام في الخلوة، إلا أن الخلال قال: ~~هذا توهم من الأثرم، ومعنى قوله: يقوم في وسطهم. كقوله تعالى: (إلا ما دمت ~~عليه قائما) . لم يرد به القيام على رجل. ### | [فصل فإن كان مع العراة واحد له ثوب لزمته الصلاة فيه] # (830) فصل: فإن كان مع العراة واحد له ثوب، لزمته الصلاة فيه، لأنه قادر ~~على السترة. فإن أعاره وصلى عريانا، لم تصح صلاته؛ لتركه الواجب عليه. ~~ويستحب أن يعيره بعد صلاته فيه لغيره، ليصلي فيه؛ لقول # PageV01P428 # الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] . ولا يجب عليه ~~ذلك، بخلاف ما لو كان معه طعام فاضل عن حاجته، ووجد من به ضرورة، لزم ~~إعطاؤه إياه؛ لأنها حال ضرورة، فإذا ms0517 بذله لهم صلى فيه واحد بعد واحد، ولم ~~تجز لهم الصلاة عراة؛ لأنهم قادرون على الستر، إلا أن يخافوا ضيق الوقت، ~~فيصلي فيه واحد والباقون عراة. # وقال الشافعي: لا يصلي أحد عريانا. وينتظر الثوب وإن خرج الوقت. ولا يصح، ~~فإن الوقت آكد من القيام، بدليل ما لو كانوا في سفينة في موضع ضيق، لا يمكن ~~جميعهم الصلاة فيه قياما صلى واحد بعد واحد، إلا أن يخافوا فوات الوقت ~~فيصلون قعودا، نص الشافعي على هذا. والقيام آكد من السترة عنده. وعلى رواية ~~لنا، والوجه الآخر أقيس عندي، فإن المحافظة على الشرط مع إمكانه أولى مع ~~إدراك الوقت، بدليل ما لو جد ما لا يمكنه استعماله إلا بعد فوات الوقت، أو ~~سترة يخاف فوات الوقت إن تشاغل بالمخشي إليها، والاستتار بها. فأولى أن ~~يكون الوقت مقدما على الستر. فإن امتنع صاحب الثوب من إعارتهم، أو ضاق ~~الوقت عن أكثر من صلاة. # فالمستحب أن يؤمهم صاحب الثوب، ويقف بين أيديهم، فإن كان أميا وهم قراء، ~~صلى الباقون جماعة على ما أسلفنا. قال القاضي: يصلي هو منفردا، وإذا أراد ~~صاحب الثوب إعارة ثوبه، ومعهم نساء، استحب أن يبدأ بهن؛ لأنهن آكد في ~~الستر. وإذا صلين فيه أخذه. فإذا تضايق الوقت، وفيهم قارئ، فالمستحب أن ~~يبدأ به؛ ليكون إمامهم. وإن أعاده لغير القارئ صار حكمه كحكم صاحب الثوب. ~~فإن استووا، ولم يكن الثوب لواحد منهم، أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة فهو ~~أحق. وإن لم يستووا فالأولى به من تستحب البداية بإعارته، على ما ذكرنا. ### | [مسألة كان في الطين والمطر ولم يمكنه السجود على الأرض إلا بالتلوث] # (831) مسألة: قال: ومن كان في ماء وطين أومأ إيماء وجملة ذلك، أنه إذا ~~كان في الطين والمطر ولم يمكنه السجود على الأرض إلا بالتلوث بالطين والبلل ~~بالماء، فله الصلاة على دابته، يومئ بالركوع والسجود، وإن كان راجلا أومأ ~~بالسجود أيضا، ولم يلزمه السجود على الأرض. قال الترمذي. روي عن أنس بن ~~مالك أنه صلى على دابته في ماء ms0518 وطين. وفعله جابر بن زيد، وأمر به طاوس، ~~وعمارة بن غزية قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول ~~إسحاق. # وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز أن يصلي الفرد على الراحلة لأجل المطر؛ ~~لحديث أبي سعيد، ولأن السجود والقيام من أركان الصلاة فلم يسقط بالمطر، ~~كبقية أركانها. ولنا، ما روى يعلى بن أمية، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «أنه انتهى إلى مضيق، ومعه أصحابه، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل ~~منهم، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته، وأصحابه على ظهور ~~دوابهم، يومئون إيماء، يجعلون السجود أخفض من الركوع.» رواه الأثرم، ~~والترمذي. وقال: تفرد به عمر بن الرماح البلخي، وقد روى عنه غير واحد من ~~أهل العلم، # قال القاضي أبو يعلى: سألت أبا عبد الله الدامغاني، فقال: مذهب أبي حنيفة ~~أن يصلي على الراحلة في المطر والمرض. وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز أن يصلي ~~الفرض على الراحلة لأجل المطر والمرض. وعن مالك كالمذهبين. # واحتج من منع ذلك بحديث أبي سعيد الخدري: «فأبصرت عيناي # PageV01P429 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء ~~والطين.» وهذا حديث صحيح. ولنا، ما رويناه من الحديث. وفعل أنس قال أحمد، - ~~رحمه الله -: قد صلى أنس وهو متوجه إلى سرابيط. في يوم مطر المكتوبة على ~~الدابة رواه الأثرم بإسناده، وذكره الإمام أحمد، ولم ينقل عن غيره خلافه، ~~فيكون إجماعا، ولأن المطر عذر يبيح الجمع، فأثر في أفعال الصلاة كالسفر ~~يؤثر في القصر. وأما حديث أبي سعيد فيحتمل أن الطين كان يسيرا لا يؤثر في ~~تلويث الثياب. ### | [فصل الصلاة على الراحلة] # (832) فصل: فأما الصلاة على الراحلة لأجل المرض، ففيه روايتان: إحداهما، ~~يجوز. اختارها أبو بكر؛ لأن المشقة بالنزول في المرض أشد منها بالنزول في ~~المطر، فإذا أثر المطر في إباحة الصلاة على الراحلة فالمرض أولى. # والثانية لا يجوز ذلك. واحتج لها أحمد بأن ابن عمر كان ينزل مرضاه، ولأنه ~~قادر على الصلاة أو على السجود، فلم يجز تركه كغير المرض، ms0519 والفرق بينه وبين ~~المطر، أن النزول في المطر يبلل ثيابه ويلوثها، ولا يتمكن من الصلاة ~~بالمشقة، ونزول المريض يؤثر في حصوله على الأرض، وهو أسكن له وأمكن من كونه ~~على الظهر، وقد اختلفت جهة المشقة، فالمشقة على المريض في نفس جهة النزول، ~~لا في الصلاة على الأرض، والمشقة على الممطور في الصلاة على الأرض، لا في ~~النزول. ومع هذا الاختلاف لا يصح الإلحاق، فإن خاف المريض من النزول ضررا ~~غير محتمل، كالانقطاع عن الرفقة، أو العجز عن الركوب، أو زيادة المرض، ونحو ~~هذا، صلى على الراحلة كما ذكرنا في صلاة الخوف ### | [فصل صلى على الراحلة لمرض أو مطر] # (833) فصل: ومتى صلى على الراحلة لمرض أو مطر، فليس له ترك الاستقبال. ~~وهو ظاهر كلام الخرقي، حيث قال: ولا يصلي في غير هاتين الحالتين فرضا ولا ~~نافلة، إلا متوجها إلى الكعبة، ولأن قوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره} [البقرة: 144] [سورة البقرة] عام، خرج منه حال الخوف في صلاة ~~الفرض، محافظة على بقاء النفس، ففيما عداه يبقى الاستقبال لعموم الآية. ### | [مسألة إذا انكشف من المرأة الحرة شيء سوى وجهها أعادت الصلاة] # (834) مسألة: قال: وإذا انكشف من المرأة الحرة شيء سوى وجهها، أعادت ~~الصلاة لا يختلف المذهب في أنه يجوز للمرأة كشف وجهها في الصلاة، ولا نعلم ~~فيه خلافا بين أهل العلم. وأنه ليس لها كشف ما عدا وجهها وكفيها، وفي ~~الكفين روايتان. واختلف أهل العلم؛ فأجمع أكثرهم على أن لها أن تصلي مكشوفة ~~الوجه، وأجمع أهل العلم على أن للمرأة الحرة أن تخمر رأسها إذا صلت، وعلى ~~أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها الإعادة. وقال أبو حنيفة: القدمان ~~ليسا من العورة؛ لأنهما يظهران غالبا، فهما # PageV01P430 # كالوجه، وإن انكشف من المرأة أقل من ربع شعرها أو ربع فخذها أو ربع بطنها ~~لم تبطل صلاتها. # وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي: جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، وما ~~سوى ذلك يجب ستره في الصلاة؛ لأن ابن عباس قال في قوله تعالى: {ولا يبدين ms0520 ~~زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: الوجه والكفين. ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب.» ولو كان الوجه ~~والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع ~~والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء. وقال بعض أصحابنا: المرأة كلها عورة؛ ~~لأنه قد روي في حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرأة عورة» . ~~رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ولكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها؛ لما ~~في تغطيته من المشقة، وأبيح النظر إليه لأجل الخطبة؛ لأنه مجمع المحاسن. ~~وهذا قول أبي بكر الحارث بن هشام قال: المرأة كلها عورة حتى ظفرها. # والدليل على وجوب تغطية القدمين ما روت «أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول ~~الله، أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: نعم، إذا كان سابغا ~~يغطي ظهور قدميها» . رواه أبو داود، وقال: وقفه جماعة على أم سلمة، ووقفه ~~عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. وروى ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا ينظر الله إلى من جر ذيله خيلاء. فقالت أم سلمة: كيف ~~يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرا. فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. قال: ~~فيرخينه ذراعا، لا يزدن عليه» . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وهذا ~~يدل على وجوب تغطية القدمين، ولأنه محل لا يجب كشفه في الإحرام؛ فلم يجب ~~كشفه في الصلاة، كالساقين. # وما ذكروه من تقدير البطلان بزيادة على ربع العضو فتحكم لا دليل عليه، ~~والتقدير لا يصار إليه بمجرد الرأي، وقد ثبت وجوب تغطية الرأس بقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» أخرجه الترمذي، ~~وقال: حديث حسن. وبالإجماع على ما قدمناه. فأما الكفان فقد ذكرنا فيهما ~~روايتين: إحداهما: لا يجب سترهما؛ لما ذكرنا. والثانية: يجب، لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «المرأة عورة» . وهذا عام إلا ما خصه الدليل. وقول ~~ابن عباس: الوجه والكفان. قد روى أبو حفص عن عبد الله بن مسعود خلافه، قال: ~~{ولا ms0521 يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] . قال: الثياب. ولا يجب ~~كشف الكفين في الإحرام، إنما يحرم أن تلبس فيهما شيئا مصنوعا على قدرهما ~~كما يحرم على الرجل لبس السراويل، والذي يستر به عورته. # PageV01P431 ### | [فصل المستحب أن تصلي المرأة في درع] # (835) فصل: والمستحب أن تصلي المرأة في درع - وهو القميص، لكنه سابغ يغطي ~~قدميها -، وخمار - يغطي رأسها وعنقها -، وجلباب - وهو الملحفة، تلتحف به من ~~فوق الدرع -؛ روي نحو ذلك عن عمر، وابنه، وعائشة، وعبيدة السلماني، وعطاء، ~~وهو قول الشافعي. قال أحمد: قد اتفق عامتهم على الدرع والخمار، وما زاد فهو ~~خير وأستر، ولأنه إذا كان عليها جلباب، فإنها تجافيه راكعة وساجدة؛ لئلا ~~تصفها ثيابها، فتبين عجيزتها، ومواضع عوراتها المغلظة. ### | [فصل يجزئها من اللباس الستر الواجب] # (836) فصل: ويجزئها من اللباس الستر الواجب على ما بينا بحديث «أم سلمة، ~~أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتصلي المرأة في درع وخمار، ~~ليس عليها إزار؟ قال: نعم، إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» . وقد ~~روي عن ميمونة، وأم سلمة، أنهما كانتا تصليان في درع وخمار، ليس عليهما ~~إزار. رواه مالك، في الموطأ. وقال أحمد: قد اتفق عامتهم على الدرع والخمار. ~~ولأنها سترت ما يجب عليها ستره، فأجزأتها صلاتها كالرجل. ### | [فصل فإن انكشف من المرأة شيء يسير من غير الوجه والكفين الصلاة] # (837) فصل: فإن انكشف من المرأة شيء يسير من غير الوجه والكفين فلا أعلم ~~فيها قولا صحيحا صريحا. وظاهر قول الخرقي " إذا انكشف من المرأة الحرة شيء ~~سوى وجهها وكفيها أعادت " يقتضي بطلان الصلاة بانكشاف اليسير؛ لأنه شيء، ~~يمكن حمل ذلك على الكثير، لما قررنا في عورة الرجل أنه يعفى فيها عن ~~اليسير. فكذا هاهنا. ولأنه يشق التحرز من اليسير، فعفي عنه قياسا على يسير ~~عورة الرجل. ### | [فصل يكره أن تنتقب المرأة وهي تصلي] # (838) فصل: ويكره أن تنتقب المرأة وهي تصلي لأنه يخل بمباشرة المصلى ~~بجبهتها وأنفها، ويجري مجرى تغطية الفم للرجل، وقد نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عنه. قال ms0522 ابن عبد البر وقد أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف ~~وجهها في الصلاة والإحرام. ### | [فصل صلاة الأمة مكشوفة الرأس] # (839) فصل: قال: وصلاة الأمة مكشوفة الرأس جائزة هذا قول عامة أهل العلم. ~~لا نعلم أحدا خالف في هذا إلا الحسن، فإنه من بين أهل العلم أوجب عليها ~~الخمار إذا تزوجت، أو اتخذها الرجل لنفسه، واستحب لها عطاء أن تقنع إذا ~~صلت، ولم يوجبه. ولنا، أن عمر - رضي الله عنه - ضرب أمة لآل أنس رآها ~~متقنعة، وقال: اكشفي رأسك، # PageV01P432 # ولا تشبهي بالحرائر. وهذا يدل على أن هذا كان مشهورا بين الصحابة لا ~~ينكر، حتى أنكر عمر مخالفته كان ينهى الإماء عن التقنع. قال أبو قلابة: إن ~~عمر بن الخطاب كان لا يدع أمة تقنع في خلافته، وقال: إنما القناع للحرائر. # (840) فصل: لم يذكر الخرقي، رحمه الله، عنه سوى كشف الرأس، وهو المنصوص ~~عن أحمد - رحمه الله -، في رواية عبد الله، فقال: وإن صلت الأمة مكشوفة ~~الرأس فلا بأس، واختلف أصحابنا فيما عدا ذلك، فقال ابن حامد عورتها كعورة ~~الرجل، وقد لوح إليه، - رحمه الله -، وقال القاضي في المجرد: إن انكشف منها ~~في الصلاة ما بين السرة والركبة فالصلاة باطلة، وإن انكشف ما عدا ذلك ~~فالصلاة صحيحة، وقال في الجامع: عورة الأمة ما عدا الرأس واليدين إلى ~~المرفقين، والرجلين إلى الركبتين. # واحتج عليه بقول أحمد: لا بأس أن يقلب الرجل الجارية إذا أراد الشراء من ~~فوق الثوب، ويكشف الذراعين والساقين. ولأن هذا يظهر عادة عند الخدمة، ~~والتقليب للشراء، فلم يكن عورة كالرأس، وما سواه لا يظهر عادة ولا تدعو ~~الحاجة إلى كشفه، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، والأظهر عنهم مثل قول ابن ~~حامد لما روي عن أبي موسى، أنه قال على المنبر: ألا لا أعرف أحدا أراد أن ~~يشتري جارية، فينظر إلى ما فوق الركبة أو دون السرة، لا يفعل ذلك أحد إلا ~~عاقبته. # وقد ذكرنا حديث الدارقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم ms0523 - قال: «إذا زوج أحدكم عبده أمته أو أجيره فلا ينظر إلى ~~شيء من عورته؛» فإن ما تحت السرة إلى ركبته من العورة. يريد الأمة. فإن ~~الأجير والعبد لا ينظر إلى ذلك منه مزوجا وغير مزوج. ولأن من لم يكن رأسه ~~عورة لم يكن صدره عورة، كالرجل. ### | [فصل صلاة المكاتبة والمدبرة والمعلق عتقها مكشوفة الرأس] # (841) فصل: والمكاتبة والمدبرة والمعلق عتقها بصفة كالأمة القن فيما ~~ذكرناه؛ لأنهن إماء يجوز بيعهن وعتقهن. فأما المعتق بعضها، فيحتمل وجهين؛ ~~أحدهما أنها كالحرة؛ احتياطا للعبادة. والثاني كالأمة، لعدم الحرية ~~الكاملة؛ ولذلك ضمنت بالقيمة. ### | [فصل الخنثى المشكل كالرجل في الصلاة] # (842) فصل: والخنثى المشكل كالرجل؛ لأن ستر ما زاد على عورة الرجل محتمل، ~~فلا توجب عليه حكما بأمر # PageV01P433 # محتمل متردد، وعلى قولنا: العورة الفرجان اللذان في قبله؛ لأن أحدهما فرج ~~حقيقي، وليس يمكنه تغطيته يقينا إلا بتغطيتهما، فوجب عليه ذلك، كما يجب ستر ~~ما قرب من الفرجين، ضرورة سترهما. ### | [فصل إذا تلبست الأمة بالصلاة مكشوفة الرأس فعتقت في أثنائها] # (843) فصل: إذا تلبست الأمة بالصلاة مكشوفة الرأس، فعتقت في أثنائها، فهي ~~كالعريان يجد السترة في أثناء صلاته، إن أمكنها أو أمكنه السترة، من غير ~~زمن طويل ولا عمل كثير، ستر، وبنى على ما مضى من الصلاة، كأهل قباء لما ~~علموا بتحويل القبلة استداروا إليها وبنوا. وإن لم يمكن الستر إلا بعمل ~~كثير، أو زمن طويل، بطلت الصلاة، إذ لا يمكن المضي فيها لكون السترة شرطا ~~مع القدرة، ووجدت القدرة، ولا يمكن العمل في الصلاة كثيرا، لأنه ينافيها ~~فيبطلها. # والمرجع في اليسير والكثير إلى العرف من غير تقدير بالخطوة والخطوتين. ~~وذكر القاضي فيمن وجدت من يناولها السترة فانتظرت، احتمالين: أحدهما: تبطل ~~صلاتها. والثاني: لا تبطل؛ لأن الجميع انتظار واحد. والأول أولى؛ لأن ~~الفصل: طال عليها وهي بادية العورة بعد القدرة على الستر، فلم تصح صلاتها، ~~كما لو لم تكن منتظرة. فإن لم تعلم بالعتق حتى أتمت صلاتها، لم تصح؛ لأنها ~~صلت عارية جهلا بوجوب الستر، فلم تصح، كما لو علمت ms0524 العتق وجهلت الحكم. وإن ~~عتقت ولم تجد ما تستتر به، صحت صلاتها؛ لأنها لا تزيد على الحرة الأصلية ~~العاجزة عن الاستتار. ### | [مسألة يستحب لأم الولد أن تغطي رأسها في الصلاة] # (844) مسألة: قال: ويستحب لأم الولد أن تغطي رأسها في الصلاة وجملة ذلك ~~أن أم الولد كالأمة في صلاتها وسترتها، صرح بها الخرقي في عتق أمهات ~~الأولاد، فقال: وإن صلت مكشوفة الرأس كره لها ذلك وأجزأها. # وممن لم يوجب عليها تغطية رأسها النخعي، ومالك، والشافعي، وأبو ثور وقد ~~نقل الأثرم عن أحمد أنه سأله كيف تصلي أم الولد؟ قال: تغطي شعرها وقدمها؛ ~~لأنها لا تباع، وهي تصلي كما تصلي الحرة. فهذا يحتمل أن يكون على ~~الاستحباب، فيكون كما ذكر الخرقي، ويحتمل أن يجري على ظاهره في الوجوب؛ ~~لأنها لا تباع، ولا ينقل الملك فيها، فأشبهت الحرة، وقد انعقد سبب حريتها ~~بحيث لا يمكن إبطاله، فغلب فيها حكم الحرية في العبادة، والأول أولى لأنها ~~أمة، حكمها حكم الإماء، إلا في أنها لا ينقل الملك فيها، فهي كالموقوفة، ~~وانعقاد السبب للحرية لا يوجب الستر، كالكتابة والتدبير، ولكن يستحب لها ~~الستر، ويكره لها كشف الرأس، لما فيها من الشبه بالحرائر. ### | [مسألة ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى] # (845) مسألة: قال: ومن ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى، أتمها، وقضى ~~المذكورة، وأعاد التي كان فيها إذا كان الوقت مبقى وجملة ذلك، أن الترتيب ~~واجب في قضاء الفوائت. نص عليه أحمد في مواضع، قال في رواية أبي داود # PageV01P434 # فيمن ترك صلاة سنة: يصليها، ويعيد كل صلاة صلاها وهو ذاكر لما ترك من ~~الصلاة. وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - ما يدل على وجوب الترتيب، ~~ونحوه عن النخعي، والزهري، وربيعة، ويحيى الأنصاري، ومالك، والليث، وأبي ~~حنيفة، وإسحاق. # وقال الشافعي: لا يجب؛ لأن قضاء الفريضة فائتة، فلا يجب الترتيب فيه، ~~كالصيام. ولنا، ما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاته يوم الخندق ~~أربع صلوات، فقضاهن مرتبات. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . وروى الإمام ~~أحمد، ms0525 بإسناده، عن أبي جمعة حبيب بن سباع، وكان قد أدرك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الأحزاب صلى ~~المغرب، فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ فقالوا: يا رسول ~~الله ما صليتها. فأمر المؤذن فأقام الصلاة، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب.» # وهذا يدل على وجوب الترتيب. وروى أبو حفص بإسناده عن نافع، عن ابن عمر، ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو ~~مع الإمام فليصل مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي، ثم ~~ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام» . رواه أبو يعلى الموصلي، في مسنده، ~~بإسناد حسن. وروي موقوفا عن ابن عمر ولأنهما صلاتان مؤقتتان، فوجب الترتيب ~~فيهما. كالمجموعتين. إذا ثبت هذا، فإنه يجب الترتيب فيها وإن كثرت، وقد نص ~~عليه أحمد. # وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجب الترتيب في أكثر من صلاة يوم وليلة؛ ولأن ~~اعتباره فيما زاد على ذلك يشق، ويفضي إلى الدخول في التكرار، فسقط، ~~كالترتيب في قضاء صيام رمضان. ولنا أنها صلوات واجبات، تفعل في وقت يتسع ~~لها، فوجب فيها الترتيب كالخمس، وإفضاؤه إلى التكرار لا يمنع وجوب الترتيب، ~~كترتيب الركوع على السجود، وهذا الترتيب شرط في الصلاة، فلو أخل به لم تصح ~~صلاته، بدليل ما ذكرناه من حديث أبي جمعة، وحديث ابن عمر، ولأنه ترتيب واجب ~~في الصلاة، فكان شرطا لصحتها، كترتيب المجموعتين، والركوع والسجود. إذا ثبت ~~هذا عدنا إلى مسألة الكتاب، وهي إذا أحرم بالحاضرة، ثم ذكر في أثنائها أن ~~عليه فائتة، والوقت متسع، فإنه يتمها، ويقضي الفائتة، ثم يعيد الصلاة التي ~~كان فيها، سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا. هذا ظاهر كلام الخرقي وأبي ~~بكر، وهو قول ابن عمر، ومالك، والليث، وإسحاق، في المأموم. # وهو الذي نقله الجماعة عن أحمد في المأموم، ونقل عنه جماعة في المنفرد، ~~أنه يقطع الصلاة ويقضي الفائتة. وهو قول النخعي، والزهري، وربيعة، ويحيى ~~الأنصاري في المنفرد ms0526 وغيره، وروى حرب عن أحمد، في الإمام: ينصرف، ويستأنف ~~المأمومون. قال أبو بكر: لا ينقلها غير حرب، وقد نقل عنه في المأموم، أنه ~~يقطع، وفي المنفرد، أنه يتم الصلاة. وكذلك حكم الإمام يجب أن يكون مثله، ~~فيكون في الجميع أداء روايتان # PageV01P435 # إحداهما يتمها. # وقال طاوس والحسن والشافعي وأبو ثور: يتم صلاته، ويقضي الفائتة لا غير. ~~ولنا على وجوب الإعادة، حديث ابن عمر، وحديث أبي جمعة، ولأنه ترتيب واجب، ~~فوجب اشتراطه لصحة الصلاة، كترتيب المجموعتين. ولنا على أنه يتم الصلاة ~~قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] . وحديث ابن عمر، وحديث أبي ~~جمعة أيضا، قال: يتعين حمله على أنه ذكرها وهو في الصلاة، فإنه لو نسيها ~~حتى يفرغ من الصلاة لم يجب قضاؤها، ولأنها صلاة ذكر فيها فائتة، فلم تفسد ~~كما لو كان مأموما، فإن ظاهر المذهب أنه يمضي فيها. قال أبو بكر: لا يختلف ~~كلام أحمد، إذا كان وراء الإمام، أنه يمضي مع الإمام، ويعيدهما جميعا ". # واختلف قوله إذا كان وحده، قال: والذي أقول، أنه يمضي، لأنه يشنع أن يقطع ~~ما دخل فيه قبل أن يتمه، فإن مضى الإمام في صلاته بعد ذكره، انبنت صلاة ~~المأمومين على ائتمام المفترض بالمتنفل، والأولى أن ذلك يصح؛ لما سنذكره ~~فيما بعد، إن شاء الله تعالى. وإذا قلنا: يمضي في صلاته فليس ذلك بواجب فإن ~~الصلاة تصير نفلا فلا يلزم ائتمامه. قال مهنا: قلت لأحمد: إني كنت في صلاة ~~العتمة، فذكرت أني لم أكن صليت المغرب، فصليت العتمة، ثم أعدت المغرب ~~والعتمة؟ قال: أصبت. فقلت: أليس كان ينبغي أن أخرج حين ذكرتها؟ قال: بلى. ~~قلت: فكيف أصبت؟ قال: كل جائز. ### | [فصل ذكر صلاة وهو في أخرى] # (846) فصل: وقول الخرقي: " ومن ذكر صلاة وهو في أخرى " يدل على أنه متى ~~صلى ناسيا للفائتة أن صلاته صحيحة وقد نص أحمد على هذا في رواية الجماعة، ~~قال: متى ذكر الفائتة وقد سلم، أجزأته، ويقضي الفائتة. وقال مالك: يجب ~~الترتيب مع النسيان. ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بحديث ms0527 أبي جمعة وبالقياس ~~على المجموعتين. ولنا، عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «عفي لأمتي عن ~~الخطأ والنسيان» . ولأن المنسية ليس عليها أمارة، فجاز أن يؤثر فيها ~~النسيان، كالصيام. # وأما حديث أبي جمعة، فإنه من رواية ابن لهيعة، وفيه ضعف، ويحتمل أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ذكرها وهو في الصلاة. وأما المجموعتان فإنما لم ~~يعذر بالنسيان؛ لأن عليهما أمارة، وهو اجتماع الجماعة، بخلاف مسألتنا، ولا ~~فرق بين أن يكون قد سبق منه ذكر الفائتة أو لم يسبق منه لها ذكر، نص عليه ~~أحمد؛ لعموم ما ذكرناه من الدليل، والله أعلم. # PageV01P436 ### | [مسألة خشي فوات الوقت قبل قضاء الفائتة] # (847) مسألة: قال: (ومن خشي خروج الوقت اعتقد وهو فيها أن لا يعيدها، وقد ~~أجزأته) يعني إذا خشي فوات الوقت، قبل قضاء الفائتة، وإعادة التي هو فيها، ~~سقط عنه الترتيب حينئذ، ويتم صلاته، ويقضي الفائتة حسب. وقوله " اعتقد أن ~~لا يعيدها ". يعني لا يغير نيته عن الفرضية ولا يعتقد أنه يعيدها، هذا هو ~~الصحيح في المذهب، وكذلك لو لم يكن دخل فيها، لكن لم يبق من وقتها قدر ~~يصليهما جميعا فيه، فإنه يسقط الترتيب، ويقدم الحاضرة، وهو قول سعيد بن ~~المسيب، والحسن، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # وعن أحمد رواية أخرى، أن الترتيب واجب مع سعة الوقت وضيقه. اختارها ~~الخلال. وهو مذهب عطاء، والزهري، والليث، ومالك. ولا فرق بين أن تكون ~~الحاضرة جمعة أو غيرها. قال أبو حفص: هذه الرواية تخالف ما نقله الجماعة، ~~فإما أن يكون غلطا في النقل، وإما أن يكون قولا قديما لأبي عبد الله. وقال ~~القاضي: وعندي أن المسألة رواية واحدة، أن الترتيب يسقط، لأنه قال في رواية ~~مهنا في رجل نسي صلاة وهو في المسجد يوم الجمعة عند حضور الجمعة: يبدأ ~~بالجمعة، هذه يخاف فوتها. فقيل له: كنت أحفظ عنك أنه إذا صلى وهو ذاكر ~~لصلاة فائتة أنه يعيد هذه وهذه. فقال: كنت أقول هذا. # فظاهر هذا أنه رجع عن قوله الأول وفيه رواية ثالثة، إن كان وقت الحاضرة ms0528 ~~يتسع لقضاء الفوائت وجب الترتيب، وإن كان لا يتسع سقط الترتيب في أول ~~وقتها. نقل ابن منصور في من يقضي صلوات فوائت، فتحضر صلاة، أيؤخرها إلى آخر ~~الوقت، فإذا صلاها يعيدها؟ فقال: لا، بل يصليها في الجماعة إذا حضرت، إذا ~~كان لا يطمع أن يقضي الفوائت كلها إلى آخر وقت هذه الصلاة التي حضرت، فإن ~~طمع في ذلك قضى الفوائت، ما لم يخش فوت هذه الصلاة، ولا قضاء عليه إذا صلى ~~مرة. وهذه الرواية اختيار أبي حفص العكبري. وعلل القاضي هذه الرواية بأن ~~الوقت لا يتسع لقضاء ما في الذمة، وفعل الحاضرة، فسقط الترتيب، وإن كان ~~يمكنه القضاء والشروع في أداء الحاضرة، كذا هاهنا. ويمكن أن تحمل هذه ~~الرواية على أنه قدم الجماعة على الترتيب مشروطا لضيق الوقت عن قضاء ~~الفوائت جميعها وقد ذكر بعض أصحابنا أن في تقديم الجماعة على الترتيب ~~روايتين، ولعله أشار إلى هذه الرواية. # فأما من ذهب إلى تقديم الترتيب بكل حال، فحجته قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها» . وهذا عام في حال ~~ضيق الوقت وسعته، ولأنه ترتيب مستحق مع سعة الوقت فيستحق مع ضيقه، كترتيب ~~الركوع والسجود والطهارة. ولنا أن الحاضرة صلاة ضاق وقتها عن أكثر منها، ~~فلم يجز له تأخيرها، كما لو لم يكن عليه فائتة. ولأن الحاضرة آكد من ~~الفائتة، بدليل أنه يقتل بتركها، ويكفر على رواية، ولا يحل له تأخيرها عن ~~وقتها، والفائتة بخلاف ذلك، وقد ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~نام عن صلاة الفجر أخرها شيئا، وأمرهم # PageV01P437 # فاقتادوا رواحلهم» ، ولأنه ركن من أركان الإسلام مؤقت، فلم يجز تقديم ~~فائتة على حاضرة يخاف فواتها كالصيام. # وقوله - عليه السلام - «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها» ~~مخصوص بما إذا ذكرت فوائت فإنه لا يلزمه في الحال إلا الأولى، فنقيس عليه ~~ما إذا اجتمعت حاضرة - يخاف فوتها - وفائتة، لتأكد الحاضرة بما بيناه. فإن ~~قيل: فقد قال النبي - صلى الله عليه ms0529 وسلم -: «لا صلاة لمن عليه صلاة» . ~~قلنا: هذا الحديث لا أصل له. قال إبراهيم الحربي: قيل لأحمد: حديث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «لا صلاة لمن عليه صلاة» فقال: لا أعرف هذا اللفظ. ~~قال إبراهيم: ولا سمعت بهذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فعلى هذه ~~الرواية، يبدأ فيقضي الفوائت على الترتيب حتى إذا خاف فوت الحاضرة، صلاها، ~~ثم عاد إلى قضاء الفوائت. نص أحمد على هذا. # فإن حضرت جماعة في صلاة الحاضرة، فقال أحمد، في رواية أبي داود، في من ~~عليه صلوات فائتة فأدركته الظهر، ولم يفرغ من الصلوات: يصلي مع الإمام ~~الظهر ويحسبها من الفوائت، ويصلي الظهر في آخر الوقت، فإن كان عليه عصر ~~وأقيمت صلاة الظهر، فقد ذكر بعض أصحابنا. في من عليه فائتة، وخشي فوات ~~الجماعة، روايتين؛ إحداهما، يسقط الترتيب لأنه اجتمع واجبان، الترتيب ~~والجماعة، ولا بد من تفويت أحدهما، فكان مخيرا فيهما. # فأما على الرواية التي ذكرناها، في جواز تقديم الحاضرة على الفوائت إذا ~~كثرت، في أول وقتها، فإنه يصلي الحاضرة مع الجماعة متى حضرت، ولا يحتاج إلى ~~إعادتها. وهذا أحسن وأصح، إن شاء الله تعالى، والثانية، لا يسقط الترتيب؛ ~~لأنه آكد من الجماعة بدليل اشتراطه لصحة الصلاة، بخلاف الجماعة، وهذا ظاهر ~~المذهب. فإن أراد أن يصلي العصر الفائتة خلف من يؤدي الظهر ابتنى ذلك على ~~جواز ائتمام من يصلي العصر خلف من يصلي الظهر. وفيه روايتان، سنذكرهما إن ~~شاء الله تعالى. قال أحمد، في من ترك صلاة سنين: يعيدها، فإذا جاء وقت صلاة ~~مكتوبة صلاها، ويجعلها من الفوائت التي يعيدها، ويصلي الظهر في آخر الوقت. ~~وقال: لا يصلي مكتوبة إلا في آخر وقتها حتى يقضي التي عليه من الصلوات. ### | [فصل ترك ظهرا وعصرا من يومين لا يدري أيهما أولا] # (848) فصل: إذا ترك ظهرا وعصرا من يومين، لا يدري أيهما أولا. ففي ذلك ~~روايتان: إحداهما، أنه يجزئ أن يتحرى أيهما نسي أولا، فيقضيها، ثم يقضي ~~الأخرى. نقل الأثرم عن أحمد أنه يعمل على أكثر ذلك ms0530 في نفسه ثم يقضي. يعني ~~أنه يتحرى أيهما نسي أولا فيقضيها، ثم يقضي الأخرى. وهذا قول أبي يوسف، ~~ومحمد؛ لأن الترتيب مما تبيح الضرورة تركه، بدليل ما إذا تضايق الوقت أو ~~نسي الفائتة، فيدخله التحري كالقبلة. والرواية الثانية: أنه يصلي الظهر ثم ~~العصر بغير تحر. # نقلها مهنا؛ لأن التحري فيما فيه أمارة، وهذا لا أمارة فيه يرجع إليها، ~~فرجع فيه إلى ترتيب الشرع ويحتمل أن يلزمه صلاة الظهر، ثم العصر، ثم الظهر # PageV01P438 # أو العصر ثم الظهر ثم العصر؛ لأنه أمكنه أداء فرضه بيقين، فلزمه كما لو ~~نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها، وقد نقل أبو داود، عن أحمد، في رجل فرط في ~~صلاة يوم العصر، ويوم الظهر، صلوات لا يعرفها قال: يعيد حتى لا يكون في ~~قلبه شيء. وظاهر هذا أنه يقضي حتى يتيقن براءة ذمته. وهذا مذهب أبي حنيفة ### | [فصل ترك الترتيب بالجهل بوجوبه] # (849) فصل: ولا يعذر في ترك الترتيب بالجهل بوجوبه، وقال زفر: يعذر بذلك. ~~ولنا أنه ترتيب واجب في الصلاة، فلم يسقط بالجهل كالترتيب في المجموعتين ~~والركوع والسجود، ولأن الجهل بأحكام الشرع مع التمكن من العلم لا يسقط ~~أحكامها كالجهل بتحريم الأكل في الصوم. ### | [فصل إذا كثرت الفوائت عليه يتشاغل بالقضاء] # (850) فصل: إذا كثرت الفوائت عليه يتشاغل بالقضاء، ما لم يلحقه مشقة في ~~بدنه أو ماله، أما في بدنه فأن يضعف أو يخاف المرض، وأما في المال فأن ~~ينقطع عن التصرف في ماله، بحيث ينقطع عن معاشه، أو يستضر بذلك. وقد نص أحمد ~~على معنى هذا. فإن لم يعلم قدر ما عليه فإنه يعيد حتى يتيقن براءة ذمته. ~~قال أحمد في رواية صالح، في الرجل يضيع الصلاة: يعيد حتى لا يشك أنه قد جاء ~~بما قد ضيع. ويقتصر على قضاء الفرائض، ولا يصلي بينها نوافل، ولا سننها؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتته أربع صلوات يوم الخندق، فأمر بلالا ~~فأقام فصلى الظهر، ثم أمره فأقام فصلى العصر، ثم أمره فأقام فصلى المغرب، ~~ثم أمره فأقام ms0531 فصلى العشاء. ولم يذكر أنه صلى بينهما سنة، ولأن المفروضة ~~أهم، فالاشتغال بها أولى، إلا أن تكون الصلوات يسيرة، فلا بأس بقضاء سننها ~~الرواتب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتته صلاة الفجر، فقضى سنتها ~~قبلها. # فصل: وإن نسي صلاة من يوم، لا يعلم عينها، أعاد صلاة يوم وليلة. نص عليه ~~أحمد. وهو قول أكثر أهل العلم؛ وذلك لأن التعيين شرط في صحة الصلاة ~~المكتوبة، ولا يتوصل إلى ذلك هاهنا إلا بإعادة الصلوات الخمس فلزمه. ### | [فصل نام في منزل في السفر فاستيقظ بعد خروج وقت الصلاة] # (851) فصل: وإذا نام في منزل في السفر، فاستيقظ بعد خروج وقت الصلاة، ~~فالمستحب. له أن ينتقل عن ذلك المنزل، فيصلي في غيره. نص عليه أحمد؛ لما ~~روى أبو هريرة، قال: «عرسنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ~~نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليأخذ كل ~~رجل منكم برأس راحلته، فإن هذا منزل حضر فيه الشيطان. قال ففعلنا. ثم دعا ~~بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الغداة» . وروى نحوه ~~أبو قتادة، وعمران بن حصين. متفق عليها. ويستحب أن يقضي ركعتي الفجر قبل ~~الفريضة؛ لما تقدم من الحديث. # فإن أراد التطوع بصلاة أخرى، كره له ذلك، وكذلك حكم الصوم، لا يتطوع به ~~وعليه فريضة، فإن فعل صح تطوعه؛ بدليل حديث ابن عمر في الذي ينسى فريضة فلا ~~يذكرها إلا وراء الإمام، فإنه يتممها، فحكم له بصحتها. # PageV01P439 # فأما السنن الرواتب، فلا يكره قضاؤها قبل الفرائض، كما ذكرنا في ركعتي ~~الفجر. # (852) فصل: فإن أخر الصلاة لنوم أو غيره حتى خاف خروج الوقت إن تشاغل ~~بركعتي الفجر، فإنه يبدأ بالفرض، ويؤخر الركعتين. # نص عليه أحمد في رواية جماعة، منهم: أبو الحارث، نقل عنه، إذا انتبه قبل ~~طلوع الشمس، وخاف أن تطلع الشمس بدأ بالفريضة؛ فإنه إذا قدمت الحاضرة على ~~الفائتة، مع الإخلال بالترتيب الواجب مراعاة لوقت الحاضرة، فتقديمها على ~~السنة أولى. وهكذا إن استيقظ لا يدري أطلعت الشمس، أو ms0532 لا، بدأ بالفريضة ~~أيضا، نص عليه أحمد؛ لأن الأصل بقاء الوقت، وإمكان الإتيان بالفريضة فيه. ### | [فصل قضاء الفوائت في جماعة] # (853) فصل: ويستحب قضاء الفوائت في جماعة؛ فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم الخندق فاته أربع صلوات فقضاهن في جماعة، وحديث أبي قتادة ~~وغيره، حين قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق عن صلاة الفجر ~~هو وأصحابه، فصلى بهم جماعة، ولا يلزمه القضاء أكثر من مرة عند استيقاظه، ~~أو ذكره لها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينقل عنه أنه قضى غير ~~مرة، وقال - عليه السلام - «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» . ~~لم يزد على ذلك، وقد روى عمران بن حصين، قال: «سرنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فعرس بنا من السحر، فما استيقظنا إلا بحر الشمس؛ قال: ~~فقام القوم دهشين مسرعين؛ لما فاتهم من صلاتهم فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: اركبوا. فركبنا، فسرنا حتى طلعت الشمس، ثم نزل ونزلنا، وقضى القوم ~~من حوائجهم، وتوضئوا، فأمر بلالا، فأذن وصلى ركعتي الفجر، وصلينا، ثم أمره ~~فأقام، فصلى بنا، فقلنا: يا رسول الله ألا نصلي هذه الصلاة لوقتها؟ قال: ~~لا، لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم. رواه» # الأثرم، واحتج به أحمد. ### | [فصل أسلم في دار الحرب فترك صلوات أو صياما لا يعلم وجوبه] # فصل: ومن أسلم في دار الحرب، فترك صلوات، أو صياما لا يعلم وجوبه، لزمه ~~قضاؤه. وبذلك قال الشافعي. وعند أبي حنيفة لا يلزمه. ولنا أنها عبادة تجب ~~مع العلم بها، فلزمته مع الجهل كما لو كان في دار الإسلام. ### | [مسألة يؤدب الغلام على الطهارة والصلاة إذا تمت له عشر سنين] # (855) مسألة: قال: (ويؤدب الغلام على الطهارة والصلاة إذا تمت له عشر ~~سنين.) معنى التأديب، الضرب والوعيد والتعنيف، قال القاضي: يجب على ولي ~~الصبي أن يعلمه الطهارة والصلاة إذا بلغ سبع سنين ويأمره بها، ويلزمه أن ~~يؤدبه عليها إذا بلغ عشر سنين. # PageV01P440 # والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه ms0533 وسلم -: «علموا الصبي الصلاة ~~ابن سبع سنين واضربوه عليها ابن عشر» رواه الأثرم، وأبو داود، والترمذي، ~~وقال: حديث حسن. وهذا لفظ رواية الترمذي، ولفظ حديث غيره: «مروا الصبي ~~بالصلاة لسبع سنين واضربوه عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» . # وهذا الأمر والتأديب المشروع في حق الصبي لتمرينه على الصلاة، كي يألفها ~~ويعتادها، ولا يتركها عند البلوغ، وليست واجبة عليه في ظاهر المذهب. ومن ~~أصحابنا من قال: تجب عليه لهذا الحديث، فإن العقوبة لا تشرع. إلا لترك ~~واجب، ولأن حد الواجب: ما عوقب على تركه، ولأن أحمد قد نقل عنه في ابن أربع ~~عشرة: إذا ترك الصلاة يعيد. # ولعل أحمد، - رحمه الله - أمر بذلك على طريق الاحتياط؛ فإن الحديث قد ثبت ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى ~~يبلغ» . ولأنه صبي فلم يجب عليه كالصغير، يحققه أن الصبي ضعيف العقل ~~والبنية، ولا بد من ضابط يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله، فإنه ~~يتزايد تزايدا خفي التدريج، فلا يعلم ذلك بنفسه، والبلوغ ضابط لذلك، ولهذا ~~تجب به الحدود، وتؤخذ به الجزية من الذمي إذا بلغه، ويتعلق به أكثر أحكام ~~التكليف، فكذلك الصلاة. وقول أحمد في ذلك يحمل على سبيل الاحتياط، مخافة أن ~~يكون قد بلغ، ولهذا قيده بابن أربع عشرة، ولو أراد ما قالوا لما اختص بابن ~~أربع عشرة دون غيره. وهذا التأديب هاهنا للتمرين والتعويد، كالضرب على تعلم ~~الخط والقرآن والصناعة وأشباهها، ولا خلاف في أنها تصح من الصبي العاقل، ~~ولا فرق بين الذكر والأنثى فيما ذكرناه. ### | [فصل يعتبر لصلاة الصبي من الشروط ما يعتبر في صلاة البالغ] # (856) فصل: ويعتبر لصلاة الصبي من الشروط ما يعتبر في صلاة البالغ، إلا ~~أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» ~~يدل على صحة صلاة غير الحائض بغير الخمار. ### | [مسألة سجود القرآن أربع عشرة سجدة] # (857) مسألة: قال: (وسجود القرآن أربع عشرة سجدة) المشهور في المذهب أن ~~عزائم سجود القرآن أربع عشرة ms0534 سجدة، وهو قول أبي حنيفة في إحدى الروايتين ~~والشافعي في أحد القولين. وممن روي عنه أن في المفصل ثلاث سجدات أبو بكر، ~~وعلي. وابن مسعود، وعمار، وأبو هريرة، وابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، ~~وجماعة من التابعين وبه قال الثوري، والشافعي، وأبو حنيفة، وإسحاق،، وعن ~~أحمد، - رحمه الله -، رواية أخرى، أنها خمس عشرة سجدة منها سجدة (ص) . وروي ~~ذلك عن عقبة بن عامر، وهو قول إسحاق، لما روى ابن ماجه، وأبو داود عن عمرو ~~بن العاص «، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقرأه خمس عشرة سجدة، ~~منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان» . وقال مالك، في رواية ~~والشافعي في قول: عزائم السجود إحدى عشرة سجدة، ليس منها شيء من المفصل. ~~قال ابن عبد البر: هذا قول ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وابن ~~جبير، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، ومالك، وطائفة من أهل ~~المدينة؛ لأن # أبا الدرداء قال: «سجدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى عشرة ليس ~~فيها من المفصل شيء» . رواه ابن ماجه. وروى ابن عباس: «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.» رواه أبو ~~داود. # ولنا، ما روى أبو رافع، قال: «صليت خلف أبي هريرة العتمة، فقرأ {إذا ~~السماء انشقت} [الانشقاق: 1] . فسجد، فقلت: ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها ~~خلف أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه» . # رواه # PageV01P441 # البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والأثرم. وروى مسلم، وأبو داود، ~~وابن ماجه عن أبي هريرة، قال: «سجدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في {إذا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] /و {اقرأ باسم ربك} [العلق: 1] » وروى ~~عبد الله بن مسعود، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة النجم، فسجد ~~فيها، وما بقي أحد من القوم إلا سجد» . رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود. # وأبو هريرة إنما أسلم بالمدينة سنة سبع، وهو أولى من حديث ابن عباس، لأنه ~~إثبات. ثم إن ترك السجود ms0535 يدل على أنه ليس بواجب، والسجود يدل على أنه ~~مسنون، ولا تعارض بينهما، وحديث أبي الدرداء قال أبو داود إسناده واه. ثم ~~لا دلالة فيه، إذ يجوز أن يكون سجود غير المفصل إحدى عشرة فيكون مع سجدات ~~المفصل أربع عشرة. # (858) فصل: فعلى الرواية الأولى ليست " ص " من عزائم السجود، وهو قول ~~علقمة، والشافعي، وروي ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود. # والرواية الثانية: هي من العزائم. وهو قول الحسن، ومالك والأوزاعي، ~~وإسحاق، وأصحاب الرأي، لحديث عمرو بن العاص. وروي عن عمر وابنه وعثمان، ~~أنهم كانوا يسجدون فيها. وروى أبو داود، بإسناده عن ابن عباس، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - سجد فيها. وحديث أبي الدرداء يدل على أنه سجد فيها. ~~ولنا، ما روى أبو داود، عن أبي سعيد. قال: «قرأ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما ~~كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود فنزل، ~~فسجد، وسجدوا» . # وروى أبو داود عن ابن عباس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في ص، ~~وقال: سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرا» . أخرجه النسائي. وروى أبو داود ~~عن ابن عباس، قال: ليس " ص " من عزائم السجود. والحديث الذي ذكرناه للرواية ~~الأخرى، يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد فيها، فيكون سجودا ~~للشكر، كما بينه في حديث ابن عباس. # (859) مسألة: قال: (في الحج منها سجدتان) وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، ~~وأبو ثور، وابن المنذر. وممن كان يسجد في الحج سجدتين عمر، وعلي، وعبد الله ~~بن عمر، وأبو الدرداء، وأبو موسى، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية، ~~وزر. وقال ابن عباس: فضلت سورة الحج بسجدتين. # وقال الحسن، وسعيد بن جبير، # PageV01P442 # وجابر بن زيد، والنخعي، ومالك، وأبو حنيفة: ليست الأخيرة سجدة؛ لأنه جمع ~~فيها بين الركوع والسجود. فقال {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} ~~[الحج: 77] فلم ms0536 تكن سجدة، كقوله {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع ~~الراكعين} [آل عمران: 43] . ولنا حديث عمرو بن العاص، الذي ذكرناه. وروى ~~أبو داود، والأثرم عن عقبة بن عامر، قال: «قلت لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما.» ~~وأيضا فإنه قول من سمينا من الصحابة لم نعرف لهم مخالفا في عصرهم، فيكون ~~إجماعا. # وقال أبو إسحاق: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين. وقال ~~ابن عمر: لو كنت تاركا إحداهما لتركت الأولى. وذلك لأن الأولى إخبار، ~~والثانية أمر، واتباع الأمر أولى. وذكر الركوع لا يقتضي ترك السجود، كما ~~ذكر البكاء في قوله {خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58] ، وقوله: {ويخرون للأذقان ~~يبكون ويزيدهم خشوعا} [الإسراء: 109] . ### | [فصل مواضع السجود في القرآن] # (860) فصل: ومواضع السجود: آخر الأعراف: {وله يسجدون} [الأعراف: 206] ، ~~وفي الرعد {وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] ، وفي النحل: {ويفعلون ما ~~يؤمرون} [النحل: 50] وفي بني إسرائيل: {ويزيدهم خشوعا} [الإسراء: 109] . ~~وفي مريم: {خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58] وفي الحج: {إن الله يفعل ما يشاء} ~~[الحج: 18] وقوله: {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} [الحج: 77] . وفي الفرقان: ~~{وزادهم نفورا} [الفرقان: 60] . وفي النمل: {رب العرش العظيم} [النمل: 26] ~~. وفي الم السجدة: {وهم لا يستكبرون} [السجدة: 15] . وفي حم تنزيل: {وهم لا ~~يسأمون} [فصلت: 38] . وآخر النجم: {فاسجدوا لله واعبدوا} [النجم: 62] . وفي ~~الانشقاق: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} [الانشقاق: 21] . وآخر {اقرأ ~~باسم ربك} [العلق: 1] . # وقال مالك: السجود في حم عند: {إن كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37] . لأن ~~الأمر بالسجود هناك فيها. ولنا، أن تمام الكلام في الثانية، فكان السجود ~~بعدها، كما في سورة النحل عند قوله: {ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50] وذكر ~~السجود في التي قبلها، كذا هاهنا. # PageV01P443 ### | [مسألة لا يسجد للتلاوة إلا وهو طاهر] # (861) مسألة: قال: (ولا يسجد إلا وهو طاهر) . وجملة ذلك، أنه يشترط ~~للسجود ما يشترط لصلاة النافلة؛ من الطهارتين من الحدث والنجس، وستر ~~العورة، واستقبال القبلة، والنية، ولا نعلم فيه خلافا. إلا ما روي عن عثمان ~~بن عفان - رضي الله عنه - في ms0537 الحائض تسمع السجدة، تومئ برأسها. وبه قال ~~سعيد بن المسيب، قال، ويقول: اللهم لك سجدت. وعن الشعبي في من سمع السجدة ~~على غير وضوء يسجد حيث كان وجهه. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» ~~. فيدخل في عمومه السجود. ولأنه صلاة فيشترط له ذلك، كذات الركوع، ولأنه ~~سجود، فيشترط له ذلك كسجود السهو. # (862) فصل: وإذا سمع السجدة غير متطهر، لم يلزمه الوضوء ولا التيمم. وقال ~~النخعي: يتيمم، ويسجد. وعنه: يتوضأ، ويسجد. وبه قال الثوري، وإسحاق، وأصحاب ~~الرأي. ولنا أنها تتعلق بسبب، فإذا فات لم يسجد كما لو قرأ سجدة في الصلاة، ~~فلم يسجد، فإنه لا يسجد بعدها. ### | [مسألة يكبر إذا سجد إذا سجد للتلاوة] # (863) مسألة: قال: (ويكبر إذا سجد) وجملة ذلك، أنه إذا سجد للتلاوة فعليه ~~التكبير للسجود والرفع منه، سواء كان في صلاة أو في غيرها. وبه قال ابن ~~سيرين والحسن، وأبو قلابة، والنخعي، ومسلم بن يسار، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والشافعي، وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال مالك: إذا كان في صلاة. ~~واختلف عنه إذا كان في غير صلاة. ولنا، ما روى ابن عمر، قال: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد ~~وسجدنا معه.» قال عبد الرزاق: كان الثوري يعجبه هذا الحديث. # قال أبو داود: يعجبه لأنه كبر. رواه أبو داود، ولأنه سجود منفرد، فشرع له ~~التكبير في ابتدائه، والرفع منه كسجود السهو بعد السلام. وقد صح عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه كبر فيه للسجود والرفع. ولم يذكر الخرقي التكبير ~~للرفع. وقد ذكره غيره من أصحابنا، وهو القياس كما ذكرنا. ولا يشرع في ~~ابتداء السجود أكثر من تكبيرة. قال: يكبر للافتتاح واحدة، وللسجود أخرى. ~~ولنا حديث ابن عمر، وظاهره أن يكبر واحدة، وقياسه على سجود السهو بعد ~~السلام. . ### | [فصل يرفع يديه مع تكبيرة سجود التلاوة] # (864) فصل: ويرفع يديه مع تكبيرة السجود إن سجد. في غير صلاة. وهو قول ~~الشافعي؛ لأنها تكبيرة افتتاح، وإن كان ms0538 السجود في الصلاة، فنص أحمد على أنه ~~يرفع يديه لأنه يسن له الرفع لو كان منفردا، # PageV01P444 # فكذلك مع غيره. قال القاضي: وقياس المذهب لا يرفع؛ لأن محل الرفع في ~~ثلاثة مواضع، ليس هذا منها، ولأن في حديث ابن عمر: «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان لا يفعله في السجود. يعني رفع يديه» ، وهو حديث متفق عليه ~~واحتج أحمد بما روى وائل بن حجر، قال: «قلت لأنظرن إلى صلاة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. فكان يكبر إذا خفض ورفع، ويرفع يديه في التكبير.» ~~قال أحمد: هذا يدخل في هذا كله، وهو قول مسلم بن يسار، ومحمد بن سيرين. ### | [فصل يقول في سجوده للتلاوة ما يقول في سجود الصلاة] # (865) فصل: ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة قال أحمد: أما أنا ~~فأقول سبحان ربي الأعلى. وقد روت عائشة - رضي الله عنها -: «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يقول في سجود القرآن بالليل: سجد وجهي للذي خلقه ~~وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته.» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح # وروى الترمذي، وابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «جاء رجل ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني رأيتني الليلة ~~أصلي خلف شجرة، فقرأت السجدة، فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي ~~تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ~~ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. فقرأ النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سجدة ثم سجد، فقال ابن عباس: فسمعته يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول ~~الشجرة.» قال الترمذي: وهذا حديث غريب. ومهما قال من ذلك ونحوه فحسن. ### | [مسألة التسليم في سجود التلاوة] # (866) مسألة: قال: (ويسلم إذا رفع) اختلفت الرواية عن أحمد في التسليم في ~~سجود التلاوة، فرأى أنه واجب. وبه قال أبو قلابة، وأبو عبد الرحمن وروي أنه ~~غير واجب. قال ابن المنذر: قال أحمد، أما التسليم فلا أدري ما هو. قال ~~النخعي، والحسن، وسعيد بن ms0539 جبير، ويحيى بن وثاب: ليس فيه تسليم وروي ذلك عن ~~أبي حنيفة. واختلف قول الشافعي فيه. ووجه الرواية التي اختارها الخرقي قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» ولأنها ~~صلاة ذات إحرام، فافتقرت إلى سلام، كسائر الصلوات، ولا تفتقر إلى تشهد. نص ~~عليه أحمد، في رواية الأثرم؛ لأنه لم ينقل، ولأنه لا ركوع فيه، فلم يكن له ~~تشهد كصلاة الجنازة. ويجزئه تسليمة واحدة. # نص عليه أحمد، في رواية حرب وعبد الله قال: يسلم تسليمة واحدة. قال ~~القاضي: يجزئه رواية واحدة. قال إسحاق: يسلم عن يمينه فقط: السلام عليكم. ~~وقال في المجرد، عن أبي بكر: إن فيه رواية أخرى؛ لا يجزئه إلا اثنتان. # PageV01P445 ### | [مسألة لا يسجد في الأوقات التي لا يجوز أن يصلي فيها تطوعا] # (867) مسألة: قال: (ولا يسجد في الأوقات التي لا يجوز أن يصلي فيها ~~تطوعا.) قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عمن قرأ سجود القرآن بعد الفجر ~~وبعد العصر، أيسجد؟ قال: لا وبهذا قال أبو ثور. وروي ذلك عن ابن عمر، وسعيد ~~بن المسيب، وإسحاق. وكره مالك قراءة السجدة في وقت النهي. وعن أحمد رواية ~~أخرى، أنه يسجد. وبه قال الشافعي. وروي ذلك عن الحسن، والشعبي، وسالم، ~~والقاسم، وعطاء، وعكرمة؛ # ورخص فيه أصحاب الرأي قبل تغير الشمس. ولنا، عموم قوله - عليه السلام -: ~~«لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس» . وروى ~~أبو داود عن أبي تميمة الهجيمي، قال: كنت أقص بعد صلاة الصبح، فأسجد، ~~فنهاني ابن عمر، فلم أنته، ثلاث مرات، ثم عاد فقال: «إني صليت خلف النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يسجدوا حتى تطلع ~~الشمس» . وروى الأثرم، عن عبد الله بن مقسم: أن قاصا كان يقرأ السجدة بعد ~~العصر ويسجد، فنهاه ابن عمر، وقال: إنهم لا يعقلون. ### | [مسألة سجود التلاوة سنة مؤكدة] # (868) مسألة: قال: (ومن سجد فحسن، ومن ترك فلا شيء عليه) وجملة ذلك أن ~~سجود التلاوة سنة مؤكدة، وليس بواجب عند ms0540 إمامنا ومالك، والأوزاعي، والليث، ~~والشافعي، وهو مذهب عمر، وابنه عبد الله، وأوجبه أبو حنيفة وأصحابه. لقول ~~الله عز وجل: {فما لهم لا يؤمنون} [الانشقاق: 20] {وإذا قرئ عليهم القرآن ~~لا يسجدون} [الانشقاق: 21] ولا يذم إلا على ترك واجب. ولأنه سجود يفعل في ~~الصلاة، فكان واجبا كسجود الصلاة. # ولنا، ما روى زيد بن ثابت، قال: «قرأت على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~النجم فلم يسجد منا أحد» . متفق عليه. ولأنه إجماع الصحابة. وروى البخاري، ~~والأثرم عن عمر، أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء ~~السجدة نزل، فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى ~~إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ~~ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر. وفي لفظ إن الله لم يفرض علينا ~~السجود إلا أن نشاء. وفي رواية الأثرم، فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها ~~علينا إلا أن نشاء. فقرأها، ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا # وهذا بحضرة الجمع الكثير، فلم ينكره أحد، ولا نقل خلافه. فأما الآية فإنه ~~ذمهم لترك السجود غير معتقدين فضله، ولا مشروعيته، وقياسهم ينتقض بسجود ~~السهو، فإنه عندهم غير واجب. ### | [فصل يسن السجود للتالي والمستمع] # (869) فصل: ويسن السجود للتالي والمستمع لا نعلم في هذا خلافا. وقد دلت ~~عليه الأحاديث التي رويناها. وقد روى البخاري، ومسلم، وأبو داود، عن ابن ~~عمر، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ علينا السورة # PageV01P446 # في غير الصلاة، فيسجد، ونسجد معه، حتى لا يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته» . ~~فأما السامع غير القاصد للسماع فلا يستحب له، وروي ذلك عن عثمان، وابن ~~عباس، وعمران وبه قال مالك. # وقال أصحاب الرأي: عليه السجود. وروي نحو ذلك عن ابن عمر، والنخعي، وسعيد ~~بن جبير، ونافع، وإسحاق؛ لأنه سامع للسجدة، فكان عليه السجود كالمستمع. ~~وقال الشافعي: لا أؤكد عليه السجود، وإن سجد فحسن # ولنا ما روي عن عثمان - رضي الله عنه -: أنه مر بقاص، فقرأ القاص ms0541 سجدة ~~ليسجد عثمان معه، فلم يسجد. وقال: إنما السجدة على من استمع. وقال ابن ~~مسعود، وعمران: ما جلسنا لها. وقال سلمان: ما عدونا لها. ونحوه عن ابن ~~عباس، ولا مخالف لهم في عصرهم نعلمه إلا قول ابن عمر: إنما السجدة على من ~~سمعها. فيحتمل أنه أراد من سمع عن قصد، فيحمل عليه كلامه جمعا بين أقوالهم؛ ~~ولا يصح قياس السامع على المستمع، لافتراقهما في الأجر ". ### | [فصل يشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن يصلح أن يكون له إماما] # (870) فصل: ويشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن يصلح أن يكون له ~~إماما. فإن كان صبيا أو امرأة، فلا يسجد السامع، رواية واحدة، إلا أن يكون ~~ممن يصح له أن يأتم به. وممن قال لا يسجد إذا سمع المرأة قتادة، ومالك، ~~والشافعي، وإسحاق. وقال النخعي: هي إمامك. وقد روي «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أتى إلى نفر من أصحابه، فقرأ رجل منهم سجدة، ثم نظر إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~إنك كنت إمامنا، ولو سجدت سجدنا» . رواه الشافعي، في " مسنده "، ~~والجوزجاني، في " المترجم "، عن عطاء، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن ~~كان التالي أميا لم يسجد المستمع. # وقال الشافعي: يسجد؛ لأن الاستماع موجود، وهو سبب السجود. ولنا، الحديث ~~الذي رويناه ولأنه إمام له فلم يسجد بدون إمامه كما لو كانا في صلاة وإن ~~قرأ الأمي سجدة فعلى القارئ المستمع السجود معه لأن القراءة ليست بركن في ~~السجود فإن كان التالي في صلاة، والمستمع في غير صلاة، سجد معه. وإن كان ~~المستمع في صلاة أخرى لم يسجد معه إن كانت فرضا، رواية واحدة، وإن كانت ~~نفلا فعلى روايتين، الصحيح أنه لا يسجد، ولا ينبغي له أن يستمع، بل يشتغل ~~بصلاته. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن في الصلاة لشغلا» . ~~متفق عليه. # ولا يسجد إذا فرغ من الصلاة، وقال أبو حنيفة: يسجد عند فراغه، وليس بصحيح ~~فإنه، لو ترك السجود ms0542 لتلاوته في الصلاة لم يسجد إذا فرغ، فلأن لا يسجد بحكم ~~سماعه أولى، وهكذا الحكم إن كان التالي في غير صلاة والمستمع في الصلاة. # PageV01P447 ### | [فصل لا يقوم الركوع مقام سجود التلاوة] # (871) فصل: ولا يقوم الركوع مقام السجود، وقال أبو حنيفة: يقوم مقامه ~~استحبابا، لقوله تعالى: {وخر راكعا وأناب} [ص: 24] ولنا، أنه سجود مشروع، ~~فلا يقوم مقامه الركوع، كسجود الصلاة، والآية المراد بها السجود، لأنه قال: ~~(وخر) ولا يقال للراكع: خر، وإنما روي عن داود - عليه السلام - السجود لا ~~الركوع، إلا أنه عبر عنه بالركوع، على أن سجدة " ص " ليست من عزائم السجود ~~ولو قدر أن داود ركع حقيقة لم يكن فيه حجة؛ لأن داود إنما فعل ذلك توبة، لا ~~لسجود التلاوة ### | [فصل قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة] # (872) فصل: وإن قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة، فإن شاء ركع؛ وإن ~~شاء سجد، ثم قام فركع نص عليه، قال ابن مسعود: إن شئت ركعت وإن شئت سجدت، ~~وبه قال. الربيع بن خيثم، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ونحوه عن علقمة، وعمرو بن ~~شرحبيل، ومسروق،. قال مسروق: قال عبد الله، إذا قرأ أحدكم سورة وآخرها ~~سجدة، فليركع إن شاء وإن شاء فليسجد؛ فإن الركعة مع السجدة، وإن سجد فليقرأ ~~إذا قام سورة، ثم ليركع. وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قرأ بالنجم فسجد ~~فيها، ثم قام فقرأ سورة أخرى. ### | [فصل إذا كان على الراحلة في السفر جاز أن يومئ بالسجود حيث كان وجهه] # فصل:: وإذا كان على الراحلة في السفر، جاز أن يومئ بالسجود حيث كان وجهه ~~كصلاة النافلة. فعل ذلك علي، وسعيد بن زيد، وابن عمر، وابن الزبير، ~~والنخعي، وعطاء، وبه قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه خلافا ~~وقد روى أبو داود، عن ابن عمر «، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ ~~عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم، منهم الراكب والساجد في الأرض، حتى إن ~~الراكب ليسجد على يده» . ولأنها لا تزيد على صلاة التطوع، وهي تفعل ms0543 على ~~الراحلة. وإن كان ماشيا سجد على الأرض، وبه قال أبو العالية، وأبو زرعة، ~~وابن عمر، وابن جرير، وأصحاب الرأي، لما ذكرنا من الحديث والقياس. # وقال الأسود بن يزيد، وعطاء، ومجاهد: يومئ. وفعله علقمة، وأبو عبد ~~الرحمن، وعلى ما حكاه أبو الحسن الآمدي في صلاة الماشي في التطوع، أنه يومئ ~~فيها بالسجود، ولا يلزمه السجود بالأرض، ويكون هاهنا مثله. ### | [فصل يكره أن ينتزع الآيات التي فيها السجود فيقرأها ويسجد فيها] # (874) فصل: يكره اختصار السجود وهو أن ينتزع الآيات التي فيها السجود ~~فيقرأها ويسجد فيها. وكرهه الشعبي، والنخعي، والحسن، وإسحاق، ورخص فيه ~~النعمان وصاحبه محمد وأبو ثور. # PageV01P448 # ولنا أنه ليس بمروي عن السلف فعله، بل كراهته، ولا نظير له يقاس عليه. ### | [فصل قراءة السجدة في صلاة لا يجهر فيها] # (875) فصل: قال بعض أصحابنا: يكره للإمام قراءة السجدة في صلاة لا يجهر ~~فيها، وإن قرأ لم يسجد. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن فيه إيهاما على المأموم. ~~ولم يكرهه الشافعي؛ لأن ابن عمر روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «، ~~أنه سجد في الظهر، ثم قام فركع، فرأى أصحابه أنه قرأ سورة السجدة» . رواه ~~أبو داود واحتج أصحابنا بأن فيه إيهاما على المأموم. واتباع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أولى. # وإذا سجد الإمام سجد المأموم معه، وقال بعض أصحابنا: المأموم مخير بين ~~اتباعه أو تركه والأولى اتباعه، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا سجد فاسجدوا» . ولأنه لو كان بعيدا لا ~~يسمع، أو أطروشا في صلاة الجهر، لسجد بسجود إمامه، كذا هاهنا. ### | [فصل سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم] # (876) فصل:: ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم، واندفاع النقم. وبه قال ~~الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال النخعي، ومالك، وأبو حنيفة: ~~يكره لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في أيامه الفتوح، واستسقى فسقي، ~~ولم ينقل أنه سجد، ولو كان مستحبا لم يخل به. # ولنا ما روى ابن المنذر، بإسناده عن أبي بكرة، «أن النبي - صلى ms0544 الله عليه ~~وسلم - كان إذا أتاه أمر يسر به خر ساجدا» ، ورواه أبو داود، ولفظه قال: ~~«كان إذا أتاه أمر يسر به، أو بشر به خر ساجدا؛ شكرا لله» . وقال الترمذي: ~~هذا حديث حسن غريب. # وسجد الصديق حين فتح اليمامة وعلي حين وجد ذا الثدية. وروي عن جماعة من ~~الصحابة، فثبت ظهوره وانتشاره فبطل ما قالوه، وتركه تارة لا يدل على أنه ~~ليس بمستحب، فإن المستحب يفعل تارة، ويترك أخرى. ويشترط لسجود الشكر ما ~~يشترط لسجود التلاوة. والله أعلم. ### | [فصل لا يسجد للشكر وهو في الصلاة] # (877) فصل: ولا يسجد للشكر وهو في الصلاة. لأن سبب السجدة ليس منها. فإن ~~فعل بطلت صلاته، إلا أن يكون ناسيا أو جاهلا بتحريم ذلك. فأما سجدة " ص " ~~إذا سجدها في الصلاة وقلنا: ليست من العزائم، # PageV01P449 # فيحتمل أن تبطل؛ لأنها سجدة شكر. ويحتمل أن لا تبطل؛ لأن سببها من ~~الصلاة، وتتعلق بالتلاوة، فهي كسجود التلاوة. والله أعلم. ### | [مسألة إذا حضرت الصلاة والعشاء بدأ بالعشاء] # (878) مسألة قال: (وإذا حضرت الصلاة والعشاء بدأ بالعشاء) وجملة ذلك أنه ~~إذا حضر العشاء في وقت الصلاة فالمستحب. أن يبدأ بالعشاء. قبل الصلاة؛ ~~ليكون أفرغ لقلبه، وأحضر لباله، ولا يستحب أن يعجل عن عشائه أو غدائه، فإن ~~أنسا روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا قرب العشاء وحضرت ~~الصلاة، فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم» وعن ~~عائشة قالت: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا صلاة ~~بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» رواهما مسلم وغيره ولا فرق بين أن ~~يحضر صلاة الجماعة ويخاف فوتها في الجماعة أو لا يخاف ذلك، فإن في بعض ~~ألفاظ حديث أنس: «إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء» . وعن ابن ~~عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~قرب عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه» . ~~رواهما مسلم، وغيره # وقوله: وأقيمت الصلاة. يعني الجماعة. وتعشى ابن ms0545 عمر وهو يسمع قراءة ~~الإمام. قال أصحابنا: إنما يقدم العشاء على الجماعة إذا كانت نفسه تتوق إلى ~~الطعام كثيرا. ونحوه قال الشافعي. وقال مالك: يبدءون بالصلاة، إلا أن يكون ~~طعاما خفيفا. وقال بظاهر الحديث عمر، وابنه وإسحاق، وابن المنذر. # وقال ابن عباس: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء. قال ابن عبد البر: ~~أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام، فأكمل صلاته أن صلاته تجزئه. كذلك إذا ~~صلى حاقنا. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والعنبري: يكره أن يصلي وهو حاقن، ~~وصلاته جائزة مع ذلك، إن لم يترك شيئا من فروضها. وقال مالك: أحب أن يعيد ~~إذا شغله ذلك. قال الطحاوي: لا يختلفون أنه لو شغل قلبه بشيء من الدنيا، ~~أنه لا يستحب له الإعادة، كذلك إذا شغله البول. ### | [مسألة إذا حضرت الصلاة وهو يحتاج إلى الخلاء] # (879) مسألة: قال: (وإذا حضرت الصلاة، وهو يحتاج إلى الخلاء، بدأ ~~بالخلاء) يعني إذا كان حاقنا كرهت له الصلاة حتى يقضي حاجته، سواء خاف فوات ~~الجماعة أو لم يخف. لما ذكرنا من حديث عائشة، وروى ثوبان عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يحل لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى ~~يستأذن، ولا يقوم إلى الصلاة وهو حاقن» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. # والمعنى في ذلك أن يقوم إلى الصلاة وبه ما يشغله عن خشوعها. وحضور قلبه ~~فيها، فإن خالف وفعل، # PageV01P450 # صحت صلاته في هذه المسألة وفي التي قبلها وقال، ابن أبي موسى: إن كان به ~~من مدافعة الأخبثين ما يزعجه ويشغله عن الصلاة، أعاد، في الظاهر من قوله. ~~لظاهر الحديثين. اللذين رويناهما، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى. وقال ابن عبد ~~البر في حديث ثوبان: لا يقوم به حجة عند أهل العلم بالحديث، فهذان من ~~الأعذار التي يعذر بها في ترك الجماعة والجمعة، لعموم اللفظ؛ فإن قوله: ~~«وأقيمت الصلاة» . عام في كل صلاة، وقوله: " لا صلاة " عام أيضا. # (880) فصل: ويعذر في تركهما المريض في قول عامة أهل العلم. # قال ابن المنذر: لا ms0546 أعلم خلافا بين أهل العلم، أن للمريض أن يتخلف عن ~~الجماعات من أجل المرض، وقد روى ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر. قالوا: وما العذر يا رسول ~~الله؟ قال: خوف أو مرض. لم تقبل منه الصلاة التي صلى» . رواه أبو داود. وقد ~~«كان بلال يؤذن بالصلاة ثم يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مريض ~~فيقول: مروا أبا بكر فليصل بالناس» . # (881) فصل: ويعذر في تركهما الخائف؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«العذر خوف أو مرض» والخوف، ثلاثة أنواع؛ خوف على النفس، وخوف على المال، ~~وخوف على الأهل. فالأول، أن يخاف على نفسه سلطانا، يأخذه أو عدوا، أو لصا، ~~أو سبعا، أو دابة، أو سيلا، ونحو ذلك، مما يؤذيه في نفسه، وفي معنى ذلك. أن ~~يخاف غريما له يلازمه ولا شيء معه يوفيه، فإن حبسه بدين هو معسر به ظلم له، ~~فإن كان قادرا على أداء الدين لم يكن عذرا له، لأنه يجب إيفاؤه. وكذلك إن ~~وجب عليه حد لله تعالى أو حد قذف، فخاف أن يؤخذ به، لم يكن عذرا، لأنه يجب ~~إيفاؤه وهكذا إن تأخر عليه قصاص، لم يكن له عذر في التخلف من أجله. وقال ~~القاضي: إن كان يرجو الصلح على مال فله التخلف، حتى يصالح، بخلاف الحدود، ~~فإنها لا تدخلها المصالحة ولا العفو. # وحد العفو أن يرجى العفو عنه، فليس يعذر في التخلف؛ لأنه يرجو إسقاطه ~~بغير بدل ويعذر في تركهما بالمطر. الذي يبل الثياب، والوحل الذي يتأذى به ~~في نفسه وثيابه؛ قال: عبد الله بن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد ~~أن محمدا رسول الله. فلا تقل: حي على الصلاة. وقل: صلوا في بيوتكم. قال: ~~فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال ابن عباس: أتعجبون من ذلك، لقد فعل ذلك من ~~هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن # PageV01P451 # أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض. متفق عليه # ويعذر في ترك الجماعة بالريح الشديدة في ms0547 الليلة المظلمة الباردة وقد روى ~~ابن ماجه عن، ابن عمر قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينادي ~~مناديه في الليلة المطيرة أو الليلة الباردة. صلوا في رحالكم» وإسناده صحيح ~~ورواه أبو داود، ونحوه واتفق عليه البخاري، ومسلم إلا أن فيه: في الليلة ~~الباردة أو المطيرة في السفر وروى أبو المليح أنه «شهد مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - زمن الحديبية يوم جمعة، وأصابهم مطر لم يبتل أسفل نعالهم ~~فأمرهم أن يصلوا في رحالهم» رواه أبو داود ويعذر أيضا من يريد سفرا، ويخاف ~~فوات رفقته. النوع الثاني: الخوف على ماله؛ بخروجه مما ذكرناه من السلطان ~~واللصوص وأشباههما، أو يخاف أن يسرق منزله أو يحرق أو شيء منه أو يكون له ~~خبز في التنور، أو طبيخ على النار يخاف حريقه باشتغاله عنه أو يكون له غريم ~~إن ترك ملازمته ذهب بماله، أو يكون له بضاعة أو وديعة عند رجل إن لم يدركه ~~ذهب. # فهذا وأشباهه عذر في التخلف عن الجمعة والجماعات؛ النوع الثالث: الخوف ~~على ولده وأهله أن يضيعوا، أو يكون ولده ضائعا فيرجو وجوده في تلك الحال أو ~~يكون له قريب يخاف إن تشاغل بهما مات فلم يشهده. قال ابن المنذر ثبت أن ابن ~~عمر استصرخ على سعيد بن زيد بعد ارتفاع الضحى فأتاه بالعقيق وترك الجمعة. ~~وهذا مذهب عطاء، والحسن، والأوزاعي، والشافعي. ### | [فصل يعذر في تركهما من يخاف عليه النعاس حتى يفوتاه فيصلي وحده وينصرف] # فصل: ويعذر في تركهما من يخاف عليه النعاس حتى يفوتاه فيصلي وحده وينصرف # PageV01P452 ### | باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا # روى أبو هريرة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد فدخل رجل ~~فصلى، ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ارجع فصل فإنك ~~لم تصل فرجع فصلى، ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ارجع ~~فصل؛ فإنك لم تصل ثلاثا فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني. قال: ~~إذا قمت إلى الصلاة ms0548 فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن ~~راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن ~~جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» متفق عليه زاد ~~مسلم «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر.» (883) ### | [مسألة ترك ركنا من أركان وهو إمام أو منفرد] # (885) مسألة: قال: ومن ترك تكبيرة الإحرام، أو قراءة الفاتحة - وهو إمام ~~أو منفرد -، أو الركوع، أو الاعتدال بعد الركوع، أو السجود، أو الاعتدال ~~بعد السجود، أو التشهد الأخير، أو السلام، بطلت صلاته، عامدا أو ساهيا ~~وجملة ذلك أن المشروع في الصلاة ينقسم قسمين: واجب، ومسنون، فالواجب نوعان؛ ~~أحدهما، لا يسقط في العمد ولا في السهو، وهو الذي ذكره الخرقي في هذه ~~المسألة، وهو عشرة أشياء: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة للإمام والمنفرد، ~~والقيام، والركوع حتى يطمئن، والاعتدال عنه حتى يطمئن، والسجود حتى يطمئن، ~~والاعتدال عنه بين السجدتين حتى يطمئن؛ والتشهد في آخر الصلاة، والجلوس له، ~~والسلام، وترتيب الصلاة، على ما ذكرناه. # فهذه تسمى أركانا للصلاة لا تسقط في عمد ولا سهو. وفي وجوب بعض ذلك ~~اختلاف ذكرناه فيما مضى. وقد دل على وجوبها حديث أبي هريرة عن المسيء في ~~صلاته. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: لم تصل وأمره بإعادة ~~الصلاة، فلما سأله أن يعلمه علمه هذه الأفعال، فدل على أنه لا يكون مصليا ~~بدونها. ودل الحديث على أنها لا تسقط بالسهو؛ فإنها لو سقطت بالسهو، لسقطت ~~عن الأعرابي لكونه جاهلا بها. والجاهل كالناسي. # PageV02P003 # فأما بطلان الصلاة بتركها ففيه تفصيل، وذلك أنه لا يخلو؛ إما أن يتركها ~~عمدا أو سهوا. فإن من تركها عمدا بطلت صلاته في الحال، وإن ترك شيئا منها ~~سهوا، ثم ذكره في الصلاة، أتى به، على ما سنبينه فيما بعد، إن شاء الله، ~~وإن لم يذكره حتى فرغ من الصلاة. # فإن طال الفصل. ابتدأ الصلاة، وإن لم يطل بنى عليها، نص أحمد على ms0549 هذا، في ~~رواية جماعة. وبهذا قال الشافعي ونحوه قال مالك ويرجع في طول الفصل وقصره ~~إلى العادة والعرف. واختلف أصحاب الشافعي فقال بعضهم كقولنا وقال بعضهم: ~~الفصل الطويل قدر ركعة وهو المنصوص عن الشافعي وقال بعضهم قدر الصلاة التي ~~نسي فيها والذي قلنا أصح لأنه لا حد له في الشرع فيرجع إلى العرف فيه ولا ~~يجوز التقدير بالتحكم. # وقال جماعة من أصحابنا: متى ترك ركنا فلم يدركه حتى سلم، بطلت صلاته. قال ~~النخعي، والحسن من نسي سجدة من صلاة، ثم ذكرها في الصلاة، سجدها متى ذكرها، ~~فإذا قضى صلاته، سجد سجدتي السهو. وعن مكحول، ومحمد بن أسلم الطوسي في ~~المصلي ينسى سجدة أو ركعة، يصليها متى ما ذكرها، ويسجد سجدتي السهو. وعن ~~الأوزاعي في رجل نسي سجدة من صلاة الظهر، فذكرها في صلاة العصر، يمضي في ~~صلاته، فإذا فرغ سجدها. ولنا، على أن الصلاة لا تبطل مع قرب الفصل، أنه لو ~~ترك ركعة أو أكثر، فذكر قبل أن يطول الفصل، أتى بما ترك، ولم تبطل صلاته ~~إجماعا. وقد دل عليه حديث ذي اليدين فإذا ترك ركنا واحدا، فأولى أن لا تبطل ~~الصلاة؛ فإنه لا يزيد على ترك ركعة. # والدليل على أن الصلاة تبطل بتطاول الفصل، أنه أخل بالموالاة، فلم تصح ~~صلاته كما لو ذكر في يوم ثان. # (884) فصل: ويلزمه أن يأتي بركعة، إلا أن يكون المنسي التشهد والسلام، ~~فإنه يأتي به ويسلم، ثم يسجد للسهو. وقال الشافعي يأتي بالركن وما بعده لا ~~غير. ويأتي الكلام على هذا في باب سجود السهو. قال أحمد - رحمه الله -. في ~~رواية الأثرم، فيمن نسي سجدة من الركعة الرابعة، ثم سلم وتكلم: إذا كان ~~الكلام الذي تكلم به من شأن الصلاة، قضى ركعة، لا يعتد بالركعة الأخيرة؛ ~~لأنها لا تتم إلا بسجدتيها، فلما لم يسجد مع الركعة سجدتيها، وأخذ في عمل ~~بعد السجدة الواحدة، قضى ركعة، ثم تشهد وسلم وسجد سجدتي السهو. # PageV02P004 # وإن تكلم بشيء من غير شأن الصلاة، ابتدأ الصلاة. # قال أبو عبد الله ms0550 وبهذا كان يقول مالك زعموا. ولعل أحمد - رحمه الله -، ~~ذهب إلى حديث ذي اليدين، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم وسأل أبا ~~بكر، وعمر: " أحق ما يقول ذو اليدين؟ ثم بنى على ما مضى من صلاته. وفي ~~الجملة فالحكم في ترك ركن من ركعة كالحكم في ترك الركعة بكمالها. والله ~~أعلم. # (885) فصل: وتختص تكبيرة الإحرام من بين الأركان بأن الصلاة لا تنعقد ~~بتركها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تحريمها التكبير» . ولا يدخل ~~في الصلاة بدونها. # ويختص القيام بسقوطه في النوافل؛ لأنه يطول فيشق، فسقط في النافلة، ~~مبالغة في تكثيرها، كما سقط التوجه فيها في السفر على الراحلة، مبالغة في ~~تكثيرها. وتختص قراءة الفاتحة بسقوطها عن المأموم؛ لأن قراءة إمامه له ~~قراءة. ويختص السلام بأنه إذا نسيه أتى به خاصة. ### | [مسألة سجود السهو] # (886) مسألة: قال: ومن ترك شيئا من التكبير - غير تكبيرة الإحرام -، أو ~~التسبيح في الركوع، أو التسبيح في السجود، أو قول: سمع الله لمن حمده، أو ~~قول: ربنا ولك الحمد، أو رب اغفر لي، رب اغفر لي، أو التشهد الأول، أو ~~الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأخير عامدا، بطلت ~~صلاته. ومن ترك شيئا منه ساهيا أتى بسجدتي السهو هذا النوع الثاني من ~~الواجبات، وهي ثمانية، وفي وجوبها روايتان؛ إحداهما، أنها واجبة، وهو قول ~~إسحاق والأخرى، ليست واجبة، وهو قول أكثر الفقهاء، إلا أن الشافعي أوجب ~~منها الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وضمه إلى الأركان. # وعن أحمد رواية أخرى كقوله. وقد ذكرنا الدليل على وجوبها فيما مضى، ~~وذكرنا حديث يحيى بن خلاد، عن عمه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إنه لا تتم الصلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، ويضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر ~~ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم ~~يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائما، ثم ~~يقول الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم ms0551 يقول الله أكبر، ويرفع رأسه ~~حتى يستوي قاعدا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع ~~رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» . وفي رواية: لا تتم صلاة أحدكم ~~حتى يفعل ذلك. رواه أبو داود. # PageV02P005 # وحكم هذه الواجبات - إذا قلنا بوجوبها - أنه إن تركها عمدا بطلت صلاته. ~~وإن تركها سهوا وجب عليه السجود للسهو؛ والأصل فيه حديث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حين قام إلى ثالثة وترك التشهد الأول، فسبحوا به فلم يرجع، حتى ~~إذا جلس للتسليم، سجد سجدتين وهو جالس، قبل أن يسلم، ثم سلم. في حديث ابن ~~بحينة. ولولا أن التشهد سقط بالسهو لرجع إليه، ولولا أنه واجب لما سجد جبرا ~~لنسيانه، وغير التشهد من الواجبات مقيس عليه، ومشبه به، ولا يمتنع أن يكون ~~للعبادة واجبات يتخير إذا تركها، وأركان لا تصح العبادة بدونها، كالحج في ~~واجباته وأركانه. # (887) فصل: وضم بعض أصحابنا إلى هذه الواجبات نية الخروج من الصلاة في ~~سلامه، والتسليمة الثانية، وقد دللنا على أنهما ليستا بواجبتين. وهو اختيار ~~الخرقي لكونه لم يذكرهما في عدد الواجبات. # ويختص «ربنا ولك الحمد» بالمأموم والمنفرد، وفي المنفرد رواية أخرى، أنه ~~لا يجب عليه، ويختص قول: سمع الله لمن حمده، بالإمام والمنفرد. # القسم الثاني من المشروع في الصلاة: المسنون وهو ما عدا ما ذكرناه، وهو ~~اثنان وثلاثون؛ رفع اليدين عند الإحرام، والركوع، والرفع منه، ووضع اليمنى ~~على اليسرى، وحطها تحت السرة، والنظر إلى موضع سجوده، والاستفتاح والتعوذ، ~~وقراءة {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] وقول " آمين "، وقراءة ~~السورة بعد الفاتحة، والجهر والإسرار في مواضعهما، ووضع اليدين على ~~الركبتين في الركوع، ومد الظهر والانحناء في الركوع والسجود. # وما زاد على التسبيحة الواحدة فيهما، وما زاد على المرة في سؤال المغفرة، ~~وقول (ملء السماء بعد التحميد، والبداية بوضع الركبتين قبل اليدين في ~~السجود، ورفعهما في القيام، والتفريق بين ركبتيه في السجود، ووضع يديه حذو ~~منكبيه أو حذو أذنيه، وفتح أصابع رجليه فيه، وفي الجلوس، والافتراش في ~~التشهد الأول، والجلوس ms0552 بين السجدتين، والتورك في الثاني، ووضع اليد اليمنى ~~على الفخذ اليمنى مقبوضة محلقة، والإشارة بالسبابة، ووضع اليد الأخرى على ~~الفخذ الأخرى مبسوطة، والالتفات على اليمين والشمال في التسليمتين، والسجود ~~على أنفه، وجلسة الاستراحة، والتسليمة الثانية، ونية الخروج من الصلاة في ~~سلامه على إحدى الروايتين فيهن. وحكم هذه السنن جميعها أن الصلاة لا تبطل ~~بتركها عمدا ولا سهوا، وفي السجود لها عند السهو عنها تفصيل، نذكره في ~~موضعه إن شاء الله. ### | [فصل شروط صحة الصلاة] # (888) فصل: ويشترط للصلاة ستة أشياء؛ الطهارة من الحدث، والطهارة من ~~النجاسة، والسترة، واستقبال القبلة، # PageV02P006 # ودخول الوقت، والنية. فمتى أخل بشيء من هذه الشروط لغير عذر لم تنعقد ~~صلاته. وتختص النية بأنها لا تصح الصلاة مع عدمها بحال لا في حق معذور ولا ~~غيره. ويختص الوقت ببعض الصلوات. وكل ما اعتبر له وقت فلا يصح قبل وقته، ~~إلا الثانية من المجموعتين، تفعل في وقت الأولى حال العذر، إذا جمع بينهما. ~~وبقية الشروط تسقط بالعذر، على تفصيل ذكر في مواضعه، فيما مضى. ### | [فصل يستحب للمصلي أن ينظر إلى موضع سجوده] # فصل: يستحب للمصلي أن يجعل نظره إلى موضع سجوده. قال أحمد في رواية حنبل: ~~الخشوع في الصلاة: أن يجعل نظره إلى موضع سجوده. وروي ذلك عن مسلم بن يسار، ~~وقتادة، وحكي عن شريك، أنه قال: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده، وفي ~~ركوعه إلى قدميه، وفي حال سجوده إلى أنفه، وفي حال التشهد إلى حجره. # وقد روى أبو طالب العشاري، في الأفراد عن بعض الصحابة، قال: «قلت يا رسول ~~الله، أين أجعل بصري في الصلاة؟ قال: موضع سجودك. قال: قلت يا رسول الله، ~~إن ذلك لشديد، إن ذلك لا أستطيع. قال: ففي المكتوبة إذا» . ويستحب أن يفرج ~~بين قدميه، ويراوح بينهما إذا طال جلوسه، يعتمد على هذه مرة، وعلى هذه مرة، ~~ولا يكثر ذلك، لما روى الأثرم، بإسناده عن أبي عبيدة قال: رأى عبد الله ~~رجلا يصلي صافا بين قدميه، فقال: لو راوح هذا بين قدميه كان ms0553 أفضل. ورواه ~~النسائي، ولفظه: فقال أخطأ السنة، ولو راوح بينهما كان أعجب إلي. # قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله يفرج بين قدميه، ورأيته يراوح بينهما. ~~وروي هذا عن عمرو بن ميمون، والحسن ويحتمل أن يكون هذا عند طول القيام كما ~~قال عطاء، قال: إني لأحب أن يقل فيه التحريك، وأن يعتدل قائما على قدميه، ~~إلا أن يكون إنسانا كبيرا لا يستطيع ذلك، وأما التطوع فإنه يطول على ~~الإنسان فلا بد من التوكؤ على هذه مرة وعلى هذه مرة. ### | [فصل ترك شيئ من سنن الصلاة] # (890) فصل: يكره أن يترك شيئا من سنن الصلاة، ويكره أن يلتفت في الصلاة ~~لغير حاجة؛ لما روت عائشة، - رضي الله عنها - قالت: «سألت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه ~~الشيطان من صلاة العبد.» من الصحاح، رواه سعيد بن منصور. وفي المسند، عن ~~أبي ذر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال الله مقبلا ~~على العبد وهو في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه» . رواهما أبو ~~داود. ولأنه يشغل عن الصلاة، فكان تركه أولى. فإن كان لحاجة لم يكره؛ لما ~~روى أبو داود، عن سهل بن الحنظلية، قال: «ثوب بالصلاة، فجعل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب.» قال أبو داود وكان أرسل ~~فارسا إلى الشعب يحرس. رواه أبو داود. وعن # PageV02P007 # ابن عباس - رضي الله عنهما - قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يلتفت يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره.» رواه النسائي # ولا تبطل الصلاة بالالتفات إلا أن يستدير بجملته عن القبلة، أو يستدبر ~~القبلة. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله، وبهذا قال أبو ثور. قال ~~ابن عبد البر: وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان ~~يسيرا. # ويكره رفع البصر لما روى البخاري أن أنسا، قال: قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد ~~قوله ms0554 في ذلك، حتى قال: لينتهين، أو لتخطفن أبصارهم» . # ويكره أن ينظر إلى ما يلهيه، أو ينظر في كتاب؛ لما روت عائشة، - رضي الله ~~عنها - قالت: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خميصة لها أعلام. ~~فقال: شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم بن حذيفة، وأتوني ~~بأنبجانيته» . رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود. وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لعائشة: «أميطي عنا قرامك هذا؛ فإنه لا يزال تصاويره تعرض لي في ~~صلاتي» . رواه البخاري. # ويكره أن يصلي ويده على خاصرته؛ لما روى أبو هريرة، «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى أن يصلي الرجل متخصرا.» رواه البخاري، ومسلم. وعن زياد بن ~~صبيح الحنفي، قال: «صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى ~~قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى ~~عنه.» رواه أبو داود. # ويكره أن يصلي وهو معقوص أو مكتوف؛ لما روى مسلم، عن ابن عباس: «أنه رأى ~~عبد الله بن الحارث يصلي، ورأسه معقوص من ورائه، فقام فجعل يحله، فلما ~~انصرف أقبل على ابن عباس، فقال: ما لك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف.» # ويكره أن يكف شعره وثيابه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن ~~أسجد على سبعة أعضاء، ولا أكف شعرا ولا ثوبا» . متفق عليه. # ويكره التشبيك في الصلاة؛ لما روى ابن ماجه، عن كعب بن عجرة، «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا قد شبك أصابعه في الصلاة، ففرج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصابعه.» وقال ابن عمر، في الذي يصلي وهو ~~مشبك يديه: تلك صلاة المغضوب عليهم. # PageV02P008 # ويكره فرقعة الأصابع، لما روى ابن ماجه، عن علي، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا تفرقع أصابعك وأنت في الصلاة» . # ويكره أن يعتمد على يده في الجلوس في الصلاة؛ لما روي عن ابن عمر، قال: ~~«نهى رسول ms0555 الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد ~~على يده.» # ويكره مسح الحصا؛ لما روى أحمد، في المسند، عن أبي ذر، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة ~~تواجهه، فلا يمسح الحصا» . وعن معيقيب، قال: «قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في مسح الحصا في الصلاة: إن كنت فاعلا فمرة واحدة» . رواه ~~مسلم، ورواهما ابن ماجه، وأبو داود. # ويكره العبث كله، وما يشغل عن الصلاة ويذهب بخشوعها، وقد روي، «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يعبث في الصلاة، فقال: لو خشع قلب ~~هذا لخشعت جوارحه» . ولا نعلم بين أهل العلم في كراهة هذا كله اختلافا، ~~وممن كرهه الشافعي، ونقل كراهة بعضه عن ابن عباس، وعائشة، ومجاهد، والنخعي، ~~وأبي مجلز ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # ويكره أن يلصق إحدى قدميه بالأخرى في حال قيامه؛ لما روى الأثرم، عن ~~عيينة بن عبد الرحمن، قال: كنت مع أبي في المسجد، فرأى رجلا يصلي، قد صف ~~بين قدميه، وألزق إحداهما بالأخرى، فقال أبي: لقد أدركت في هذا المسجد ~~ثمانية عشر رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ما رأيت أحدا منهم ~~فعل هذا قط. وكان ابن عمر لا يفرج بين قدميه، ولا يمس إحداهما بالأخرى، ~~ولكن بين ذلك، لا يقارب ولا يباعد. # ويكره أن يغمض عينيه في الصلاة. نص عليه أحمد؛ وقال: هو فعل اليهود. ~~وكذلك قال سفيان، وروي ذلك عن مجاهد، والثوري، والأوزاعي. وروي عن الحسن ~~جوازه من غير كراهة. وقد روي عن ابن عباس، - رضي الله عنهما - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض ~~عينيه» . رواه الطبراني في معجمه، وعبد الرحمن بن أبي حاتم. وقال: هذا حديث ~~منكر. # ويكره أن يكثر الرجل مسح جبهته في الصلاة؛ لما روى ابن المنذر، عن ابن ~~مسعود، قال من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته، قبل أن يفرغ من الصلاة، ~~وروي ms0556 أيضا مرفوعا. وكرهه الأوزاعي وقال سعيد بن جبير: هو من الجفاء. وروى ~~الأثرم، عن ابن عباس، قال: لا تمسح جبهتك. ولا تنفخ، ولا تحرك الحصا. ورخص ~~فيه مالك، وأصحاب الرأي. # PageV02P009 # وكره أحمد التروح في الصلاة، إلا من الغم الشديد. وبذلك قال إسحاق وكرهه ~~عطاء، وأبو عبد الرحمن، ومسلم بن يسار، ومالك. ورخص فيه ابن سيرين، ومجاهد، ~~والحسن، وعائشة بنت سعد. # وكره التميل في الصلاة. لما روى النجاد، بإسناده، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إذا قام أحدكم في صلاته فليسكن أطرافه. ولا يتميل مثل ~~اليهود» . ولا تبطل الصلاة بجميع ذلك، إلا ما كان منها فعلا، كالعبث، ~~وفرقعة الأصابع، إذا كثر متواليا، فإنه يبطل الصلاة. ### | [فصل عد الآي في الصلاة] # (891) فصل: ولا بأس بعد الآي في الصلاة. وتوقف أحمد عن عد التسبيح، قال ~~أبو بكر: لا بأس به؛ لأنه في معنى عد الآي. وهو قول ابن أبي مليكة، وطاوس، ~~وابن سيرين، والشعبي، والمغيرة بن حكيم، وإسحاق. وكرهه أبو حنيفة، ~~والشافعي؛ لأنه يشغل عن خشوع الصلاة المأمور به. # ولنا: أنه إجماع رواه الأثرم بإسناده عن يحيى بن وثاب، وطاوس، والحسن، ~~ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، والمغيرة بن حكيم، ومجاهد، وسعيد بن ~~جبير، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف مع أن الظاهر أن ذلك ينتشر ولا يخفى، ~~فيكون، إجماعا. وإنما توقف أحمد عن عد التسبيح؛ لأن المنقول عمن ذكرناهم عد ~~الآي قال أحمد أما عد الآي فقد سمعنا، وأما عد التسبيح فما سمعنا. وكان ~~الحسن لا يرى بعد الآي في الصلاة بأسا. وكره أن يحسب في الصلاة شيئا سواه. # ولا بأس بالإشارة في الصلاة باليد والعين لأن معمرا روى عن الزهري عن أنس ~~وعن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يشير في الصلاة» رواه الديري عن عبد الرزاق عن معمر. # ولا بأس بقتل الحية والعقرب وبه قال الحسن، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب ~~الرأي وكرهه النخعي، ولا معنى لقوله فإن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ms0557 ~~بقتل الأسودين في الصلاة؛ الحية والعقرب.» رواه أبو داود، ورأى ابن عمر وهو ~~في الصلاة، ريشة حسبها عقربا، فضربها بنعله. # فأما القمل، فقال القاضي: الأولى التغافل عنه، فإن قتلها فلا بأس؛ لأن ~~أنسا كان يقتل القمل والبراغيث في الصلاة وكان الحسن يقتل القمل وقال ~~الأوزاعي: تركه أحب إلي وكان عمر يقتل القمل في الصلاة، رواه سعيد. # وإذا تثاءب في الصلاة استحب أن يكظم ما استطاع، فإن لم يقدر استحب له أن ~~يضع يده على فيه لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا تثاءب أحدكم ~~في الصلاة فليكظم ما استطاع، فإن الشيطان يدخل» من الصحاح. وفي رواية، قال ~~«إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه فإن الشيطان يدخل» رواه سعيد في سننه ~~قال الترمذي: هو حديث حسن # PageV02P010 # وإذا بدره البصاق وهو في المسجد بصق في ثوبه ويحك بعضه ببعض وإن كان في ~~غير المسجد يبصق عن يساره، أو تحت قدمه. ولنا، ما روى مسلم، عن أبي هريرة، ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على ~~الناس فقال ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه، أيحب أن يستقبل ~~فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن لم يجد ~~فليقل هكذا. ووصف القاسم: فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض» . وقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» ~~رواه مسلم أيضا # ولا بأس بالعمل اليسير في الصلاة للحاجة لما روى أبو داود عن عائشة - رضي ~~الله عنها - قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي والباب عليه ~~مغلق فجئت فاستفتحت، فمشى، ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه» وعن جابر - رضي الله ~~عنه - أنه قال «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثني بحاجة فأدركته ~~وهو يشير فسلمت عليه فأشار إلي فلما فرغ دعاني فقال إنك سلمت علي آنفا وأنا ~~أصلي» ولا تبطل الصلاة بجميع ذلك إلا أن يتوالى ويكثر كالذي قبله والله ~~أعلم. ms0558 # PageV02P011 ### | [باب سجدتي السهو] ### | [مسألة سلم وقد بقي عليه شيء من صلاته] # قال الإمام أحمد: يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة أشياء؛ سلم ~~من اثنتين فسجد، وسلم من ثلاث فسجد وفي الزيادة والنقصان، وقام من اثنتين ~~ولم يتشهد. وقال الخطابي: المعتمد عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة يعني ~~حديثي ابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن بحينة (892) مسألة: قال أبو ~~القاسم: ومن سلم، وقد بقي عليه شيء من صلاته، أتى بما بقي عليه من صلاته، ~~وسلم، ثم سجد سجدتي السهو ثم تشهد وسلم. # كما روى أبو هريرة، وعمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~فعل ذلك وجملة ذلك، أن من سلم قبل إتمام صلاته ساهيا ثم علم قبل طول الفصل ~~ونقض وضوئه، فعليه أن يأتي بما بقي، ثم يتشهد ويسلم، ثم يسجد سجدتي السهو ~~ويتشهد ويسلم. # وإن لم يذكر حتى قام، فعليه أن يجلس لينهض إلى الإتيان بما بقي عن جلوس؛ ~~فإن هذا القيام واجب للصلاة، ولم يأت به قاصدا لها، فكان عليه الإتيان به ~~مع النية. ولا نعلم في جواز إتمام الصلاة في حق من نسي ركعة فما زاد ~~اختلافا والأصل في ذلك ما روى ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: «صلى بنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها لنا ~~أبو هريرة، ولكن أنا نسيت - فصلى ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في ~~المسجد، فوضع يده عليها كأنه غضبان فشبك أصابعه ووضع يده اليمنى على ظهر ~~كفه اليسرى وخرجت السرعان من المسجد، فقالوا: أقصرت الصلاة، وفي القوم أبو ~~بكر، وعمر فهاباه أن يكلماه وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين ~~فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال لم أنس، ولم تقصر، فقال: ~~أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم. قال: فتقدم، فصلى ما ترك من صلاته، ثم ~~سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم كبر وسجد مثل ms0559 ~~سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر. قال فربما سألوه: ثم سلم» ؟ قال: فنبئت ~~أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. متفق عليه ورواه أبو داود وزاد قال: قلت ~~فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد، وأحب إلي أن يتشهد وروى مسلم، بإسناده عن ~~أبي المهلب، عن عمران بن الحصين، قال «سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة فقام رجل بسيط اليدين، فقال: ~~أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبا فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ~~ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم» وروى ابن عمر، وابن عباس - رضي الله عنهم - ~~وذو اليدين مثل حديث أبي هريرة، # PageV02P012 # (893) فصل: فإن طال الفصل، أو انتقض وضوءه استأنف الصلاة. وكذلك قال ~~الشافعي إن ذكر قريبا مثل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذي اليدين، ~~ونحوه قال مالك. # وقال يحيى الأنصاري، والليث، والأوزاعي: يبني، ما لم ينقض وضوءه ولنا، ~~أنها صلاة واحدة، فلم يجز بناء بعضها على بعض مع طول الفصل، كما لو انتقض ~~وضوءه. ويرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة من غير تقدير بمدة وهو مذهب ~~الشافعي في أحد الوجوه وعنه يعتبر قدر ركعة. وقال بعضهم: يعتبر بقدر مضي ~~الصلاة التي نسي فيها. والصحيح لا حد له؛ لأنه لم يرد الشرع بتحديده، فيرجع ~~فيه إلى العادة والمقاربة لمثل حال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ~~ذي اليدين (894) فصل: فإن لم يذكر حتى شرع في صلاة أخرى نظرت فإن كان ما ~~عمل في الثانية قليلا، ولم يطل الفصل، عاد إلى الأولى فأتمها. وإن طال بطلت ~~الأولى. # وهذا مذهب الشافعي، وقال الشيخ أبو الفرج في المبهج: يجعل ما شرع فيه من ~~الصلاة الثانية تماما للأولى، فيبني إحداهما على الأخرى ويكون وجود السلام ~~كعدمه؛ لأنه سهو معذور فيه، وسواء كان ما شرع فيه نفلا أو فرضا وقال الحسن، ~~وحماد بن أبي سليمان فيمن سلم قبل إتمام المكتوبة وشرع في تطوع يبطل ~~المكتوبة قال مالك: أحب ms0560 إلي أن يبتدئها ونص عليه أحمد فقال، في رواية أبي ~~الحارث إذا صلى ركعتين من المغرب وسلم ثم دخل في التطوع: إنه بمنزلة ~~الكلام؛ يستأنف الصلاة. ولنا، أنه عمل عملا من جنس الصلاة سهوا، فلم تبطل، ~~كما لو زاد خامسة. وأما بناء الثانية على الأولى، فلا يصح، لأنه قد خرج من ~~الأولى ولم ينوها بعد ذلك، ونية غيرها لا تجزئ عن نيتها، كحالة الابتداء ### | [مسألة كان إماما فشك فلم يدر كم صلى] # (895) مسألة: قال: ومن كان إماما فشك، فلم يدر كم صلى؟ تحرى، فبنى على ~~أكثر وهمه، ثم سجد بعد السلام، كما روي عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قوله " على أكثر وهمه " أي ما يغلب على ظنه أنه صلاه ~~وهذا في الإمام خاصة، وروي عن أحمد - رحمه الله - رواية أخرى أنه يبني على ~~اليقين ويسجد قبل السلام. كالمنفرد سواء، اختارها أبو بكر. وروي ذلك عن ابن ~~عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وشريح، والشعبي، وعطاء، وسعيد بن جبير. ~~وهو قول سالم بن عبد الله، وربيعة، ومالك، وعبد العزيز بن أبي سلمة ~~والثوري، والشافعي، وإسحاق، والأوزاعي؛ لما روى أبو سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P013 # «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك، ~~وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن ~~له صلاته، وإن كان صلى تمام الأربع كانتا ترغيما للشيطان» أخرجه مسلم، وأبو ~~داود، وابن ماجه وعن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أو نقص، فإن كان شك أحدكم في ~~صلاته، فلم يدر أزاد أو نقص، فإن كان شك في الواحدة والاثنتين فليجعلهما ~~واحدة، حتى يكون الوهم في الزيادة ثم ليسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم، ~~ثم يسلم» رواه الأثرم، وابن ماجه. # ولأن الأصل عدم الإتيان بما شك فيه، فلزمه الإتيان ms0561 به، كما لو شك هل صلى ~~أو لا، وذكر ابن أبي موسى، في الإرشاد عن أحمد رواية أخرى في المنفرد أنه ~~يبني على غالب ظنه كالإمام، وهو ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في رواية من ~~قال: بين التحري واليقين فرق. أما حديث عبد الرحمن بن عوف، فيقول إذا لم ~~يدر ثلاثا أو اثنتين، جعلها اثنتين. قال: فهذا عمل على اليقين، فبنى عليه، ~~والذي يتحرى يكون قد صلى ثلاثا، فيدخل قلبه شك أنه إنما صلى اثنتين، إلا أن ~~يكون أكثر ما في نفسه أنه قد صلى ثلاثا، وقد دخل قلبه شيء، فهذا يتحرى أصوب ~~ذلك، ويسجد بعد السلام. قال فبينهما فرق. # فظاهر هذا، أنه إنما يبني على اليقين إذا لم يكن له ظن ومتى كان له غالب ~~ظن، عمل عليه لا فرق بين الإمام والمنفرد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن ~~مسعود، وبنحوه قال النخعي، وقاله أصحاب الرأي، إن تكرر ذلك عليه وإن كان ~~أول ما أصابه، أعاد الصلاة لقوله - عليه السلام - «لا غرار في الصلاة» ووجه ~~هذه الرواية؛ ما روى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد ~~سجدتين» . متفق عليه، وللبخاري: " بعد التسليم ". وفي لفظ: " فلينظر أحرى ~~ذلك للصواب " وفي لفظ: (فليتحر أقرب ذلك للصواب) . وفي لفظ " فليتحر الذي ~~يرى أنه الصواب ". رواه كله مسلم. وفي لفظ رواه أبو داود، قال: (إذا كنت في ~~صلاة، فشككت في ثلاث أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهدت، ثم سجدت سجدتين ~~وأنت جالس) . # فعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد على من استوى عنده الأمران، فلم يكن له ظن ~~وحديث ابن مسعود على من له رأي وظن يعمل بظنه جمعا بين الحديثين وعملا بهما ~~فيكون أولى ولأن الظن دليل في الشرع فوجب اتباعه كما لو اشتبهت عليه القبلة ~~واختار الخرقي التفريق بين الإمام والمنفرد فجعل الإمام يبني على الظن، ~~والمنفرد يبني على اليقين، وهو الظاهر في ms0562 المذهب نقله عن أحمد الأثرم وغيره ~~والمشهور عن أحمد البناء على اليقين في حق # PageV02P014 # المنفرد، لأن الإمام له من ينبهه ويذكره إذا أخطأ الصواب، فليعمل بالأظهر ~~عنده، فإن أصاب أقره المأمومون، فيتأكد عنده صواب نفسه، وإن أخطأ سبحوا به، ~~فرجع إليهم، فيجعل له الصواب على كلتا الحالتين، وليس كذلك المنفرد، إذ ليس ~~له من يذكره، فيبني على اليقين، ليحصل له إتمام صلاته، ولا يكون مغرورا ~~بها، وهو معنى قوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا غرار في الصلاة» . # وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد وعبد الرحمن بن عوف على المنفرد، وحديث ابن ~~مسعود على الإمام، جمعا بين الأخبار، وتوفيقا بينها. فإن استوى الأمران عند ~~الإمام، بنى على اليقين أيضا. وعلى الرواية الثانية يحمل حديث أبي سعيد ~~وعبد الرحمن على من لا ظن له، وحديث ابن مسعود على من له ظن. # فأما قول أصحاب الرأي فيخالف السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إن ~~أحدكم إذا قام فصلى، جاءه الشيطان فلبس عليه، حتى لا يدري كم صلى؟ فإذا وجد ~~ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين وهو جالس» متفق عليه. ولأنه شك في الصلاة فلم ~~يبطلها، كما لو تكرر ذلك منه. وقوله - عليه الصلاة والسلام -: (لا غرار) . ~~يعني لا ينقص من صلاته. ويحتمل أنه أراد لا يخرج منها وهو في شك من تمامها، ~~ومن بنى على اليقين لم يبق في شك من تمامها، وكذلك من بنى على غالب ظنه ~~فوافقه المأمومون، أو ردوا عليه غلطه، فلا شك عنده. # (896) فصل: ومتى استوى عنده الأمران بنى على اليقين، إماما كان أو ~~منفردا، وأتى بما بقي من صلاته وسجد للسهو قبل السلام؛ لأن الأصل البناء ~~على اليقين، وإنما جاز تركه في حق الإمام، لمعارضته الظن الغالب، فإذا لم ~~يوجد وجب الرجوع إلى الأصل. ### | [فصل سها الإمام فأتى بفعل في غير موضعه] # (897) فصل: وإذا سها الإمام فأتى بفعل في غير موضعه، لزم المأمومين ~~تنبيهه، فإن كانوا ms0563 رجالا سبحوا به، وإن كانوا نساء صفقن ببطون أكفهن على ~~ظهور الأخرى، وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: التسبيح للرجال والنساء؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «من نابه شيء في صلاته، فليقل: سبحان الله» ~~متفق عليه وحكي عن أبي حنيفة أن تنبيه الآدمي بالتسبيح أو القرآن أو ~~الإشارة يبطل الصلاة؛ لأن ذلك خطاب آدمي، وقد روى أبو غطفان، عن أبي هريرة، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أشار بيده في الصلاة إشارة تفقه ~~أو تفهم فقد قطع الصلاة» . # ولنا ما روى أبو هريرة، قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء» وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال، # PageV02P015 # ولتصفق النساء» متفق عليهما وروى عبد الله بن عمر، قال: قلت لبلال:: «كيف ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه في ~~الصلاة؟ قال: كان يشير بيده» وعن صهيب، قال: «مررت برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد علي إشارة. وقال: لا أعلم إلا أنه ~~قال: إشارة بإصبعه» . قال الترمذي: كلا الحديثين صحيح. وقد ذكرنا حديث أنس، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يشير في الصلاة. فأما حديث مالك ففي ~~حق الرجال، فإن حديثنا يفسره، لأن فيه تفصيلا وزيادة بيان، يتعين الأخذ ~~بها. وأما حديث أبي حنيفة فضعيف، يرويه أبو غطفان وهو مجهول فلا يعارض به ~~الأحاديث الصحيحة # (898) فصل: إذا سبح به اثنان يثق بقولهما، لزمه قبوله، والرجوع إليه، ~~سواء غلب على ظنه صوابهما أو خلافه وقال الشافعي: إن غلب على ظنه خطؤهما لم ~~يعمل بقولهما؛ لأن من شك في فعل نفسه لم يعمل بقول غيره، كالحاكم إذا نسي ~~حكما حكم به، فشهد به شاهدان وهو لا يذكره. # ولنا: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى قول أبي بكر، وعمر - رضي ~~الله عنهما -، في حديث ذي اليدين، لما سألهما: أحق ما يقول ذو اليدين؟ ms0564 ~~قالوا: نعم» . مع أنه كان شاكا، بدليل أنه أنكر ما قاله ذو اليدين، وسألهما ~~عن صحة قوله، وهذا دليل على شكه، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم ~~بالتسبيح، ليذكروا الإمام، ويعمل بقولهم، وروى ابن مسعود «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى فزاد أو نقص، إلى قوله: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، ~~فإذا نسيت فذكروني» . يعني بالتسبيح، كما روي عنه في الحديث الآخر. وكذا ~~نقول في الحاكم: إنه يرجع إلى قول الشاهدين وإن كان الإمام على يقين من ~~صوابه، وخطإ المأمومين، لم يجز له متابعتهم. # وقال أبو الخطاب: يلزمه الرجوع إلى قولهم، كالحاكم يحكم بالشاهدين. ويترك ~~يقين نفسه. وليس بصحيح؛ فإنه يعلم خطأهم فلا يتبعهم في الخطأ. وكذا نقول في ~~الشاهدين: متى علم الحاكم كذبهما لم يجز له الحكم بقولهما؛ لأنه يعلم أنهما ~~شاهدا زور، فلا يحل له الحكم بقول الزور، وإنما اعتبرت العدالة في الشهادة ~~ليغلب على الظن صدق الشهود، وردت شهادة غيرهم؛ لأنه لا يعلم صدقهم، فمع ~~يقين العلم بالكذب أولى أن لا يقبل. # وإذا ثبت هذا، فإنه إذا سبح به المأمومون فلم يرجع، في موضع يلزمه ~~الرجوع، بطلت صلاته. نص عليه أحمد وليس للمأمومين اتباعه، فإن اتبعوه لم ~~يخل من أن يكونوا عالمين بتحريم ذلك، أو جاهلين به، فإن كانوا عالمين بطلت ~~صلاتهم؛ لأنهم تركوا الواجب عمدا. وقال القاضي: في هذا ثلاث روايات: # PageV02P016 # إحداها، أنه لا يجوز لهم متابعته، ولا يلزمهم انتظاره، إن كان نسيانه في ~~زيادة يأتي بها، وإن فارقوه وسلموا صحت صلاتهم. وهذا اختيار الخلال. # والثانية: يتابعونه في القيام، استحسانا. والثالثة: لا يتابعونه، ولا ~~يسلمون قبله، لكن ينتظرونه ليسلم بهم. وهو اختيار ابن حامد. والأول أولى؛ ~~لأن الإمام مخطئ في ترك متابعتهم، فلا يجوز اتباعه على الخطأ. الحال ~~الثاني: إن تابعوه جهلا بتحريم ذلك، فإن صلاتهم صحيحة؛ لأن أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - تابعوه في التسليم في حديث ذي اليدين، وفي الخامسة في ~~حديث ابن مسعود، فلم تبطل صلاتهم. وروى الأثرم بإسناده ms0565 عن الزبير، أنه صلى ~~صلاة العصر، فلما سلم قال له رجل من القوم: يا أبا عبد الله إنك صليت ركعات ~~ثلاثا. قال أكذاك؟ قالوا: نعم. فرجع فصلى ركعة، ثم سجد سجدتين وعن إبراهيم، ~~قال صلى بنا علقمة الظهر خمسا، فلما سلم قال القوم: يا أبا شبل، قد صليت ~~خمسا. قال: كلا، ما فعلت قالوا: بلى. قال: وكنت في ناحية القوم وأنا غلام، ~~فقلت: بلى قد صليت خمسا. قال لي: يا أعور، وأنت تقول ذلك أيضا؟ قلت: نعم. ~~فسجد سجدتين. فلم يأمروا من وراءهم بالإعادة فدل على أن صلاتهم لم تبطل ~~بمتابعتهم. ومتى عمل الإمام بغالب ظنه، فسبح به المأمومون، فرجع إليهم، فإن ~~سجوده قبل السلام لما فعله من الزيادة في الصلاة سهوا. # قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل، عن رجل جلس في الركعة الأولى من ~~الفجر، فسبحوا به فقام، متى يسجد للسهو؟ فقال: قبل السلام. (899) فصل: فإن ~~سبح بالإمام واحد لم يرجع إلى قوله، إلا أن يغلب على ظنه صدقه، فيعمل بغالب ~~ظنه، لا بتسبيحه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل قول ذي اليدين ~~وحده، فإن سبح فساق لم يرجع إلى قولهم؛ لأن قولهم غير مقبول في أحكام ~~الشرع. وإن افترق المأمومون طائفتين، وافقه قوم وخالفه آخرون، سقط قولهم؛ ~~لتعارضهم، كالبينتين إذا تعارضتا. ومتى لم يرجع، وكان المأموم على يقين من ~~خطأ الإمام، لم يتابعه في أفعال الصلاة، وليس هذا منها. وينبغي أن ينتظره ~~هاهنا، لأن صلاة الإمام، صحيحة، لم تفسد بزيادة، فينتظره كما ينتظر الإمام ~~المأمومين في صلاة الخوف. ### | [مسألة سجود السهو قبل السلام أم بعده] # (900) مسألة: قال (وما عدا هذا من السهو فسجوده قبل السلام، مثل المنفرد ~~إذا شك في صلاته، فلم يدر كم صلى، فبنى على اليقين، أو قام في موضع جلوس، ~~أو جلس في موضع قيام، أو جهر # PageV02P017 # في موضع تخافت، أو خافت في موضع جهر، أو صلى خمسا، أو ما عدا ذلك من ~~السهو، فكل ذلك يسجد له قبل السلام) وجملة ذلك، ms0566 أن السجود كله عند أحمد قبل ~~السلام، إلا في الموضعين اللذين ورد النص بسجودهما بعد السلام، وهما إذا ~~سلم من نقص في صلاته، أو تحرى الإمام، فبنى على غالب ظنه، وما عداهما يسجد ~~له قبل السلام. نص على هذا في رواية الأثرم. قال: أنا أقول، كل سهو جاء عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السجود يسجد ~~فيه قبل السلام، هو أصح في المعنى؛ وذلك أنه من شأن الصلاة، فيقضيه قبل أن ~~يسلم. # ثم قال: سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة مواضع بعد السلام، ~~وفي غيرها قبل السلام. قلت: اشرح الثلاثة مواضع التي بعد السلام. قال: سلم ~~من ركعتين، فسجد بعد السلام، هذا حديث ذي اليدين. وسلم من ثلاث فسجد بعد ~~السلام، هذا حديث عمران بن حصين. وحديث ابن مسعود في موضع التحري سجد بعد ~~السلام. قال القاضي: لا يختلف قول أحمد في هذين الموضعين، أنه يسجد لهما ~~بعد السلام. واختلف في من سها فصلى خمسا، هل يسجد قبل السلام أو بعده؟ على ~~روايتين. وما عدا هذه المواضع يسجد لها قبل السلام، رواية واحدة. # وبهذا قال سليمان بن داود، وأبو خيثمة، وابن المنذر، وحكى أبو الخطاب عن ~~أحمد روايتين أخريين؛ إحداهما، أن السجود كله قبل السلام روي ذلك عن أبي ~~هريرة، ومكحول، والزهري، ويحيى الأنصاري، وربيعة، والليث، والأوزاعي. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لحديث ابن بحينة، وأبي سعيد. وقال الزهري: كان آخر الأمرين ~~السجود قبل السلام. ولأنه تمام الصلاة وجبر لنقصها، فكان قبل سلامها كسائر ~~أفعالها. # والثانية أن ما كان من نقص سجد له قبل السلام؛ لحديث ابن بحينة. وما كان ~~من زيادة سجد له بعد السلام؛ لحديث ذي اليدين، وحديث ابن مسعود حين صلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسا. وهذا مذهب مالك وأبي ثور وروي عن ابن ~~مسعود، أنه قال: كل شيء شككت فيه من صلاتك من نقصان، من ركوع أو سجود، أو ~~غير ذلك، فاستقبل أكثر ظنك، واجعل سجدتي السهو من هذا ms0567 النحو قبل التسليم، ~~فأما غير ذلك من السهو فاجعله بعد التسليم. رواه سعيد. # وقال أصحاب الرأي: سجود السهو كله بعد السلام، وله فعلهما قبل السلام. ~~يروى نحو ذلك عن علي، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار، وابن عباس، ~~وابن الزبير، وأنس، والحسن، والنخعي، وابن أبي ليلى؛ لحديث ذي اليدين، ~~وحديث ابن مسعود التحري. وروى ثوبان، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لكل سهو سجدتان بعد التسليم» رواه سعيد. # وعن عبد الله بن جعفر قال: # PageV02P018 # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من شك في صلاته فليسجد سجدتين ~~بعدما يسلم» رواهما أبو داود. ولنا، أنه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - السجود قبل السلام، وبعده في أحاديث صحيحة، متفق عليها، ففيما ~~ذكرناه عمل بالأحاديث كلها، وجمع بينها، من غير ترك شيء منها، وذلك واجب ~~مهما أمكن، فإن خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة يجب المصير إليه، ~~والعمل به، ولا يترك إلا لمعارض مثله، أو أقوى منه، وليس في سجوده، بعد ~~السلام أو قبله، في صورة، ما ينفي سجوده في صورة أخرى في غير ذلك الموضع، ~~وذكر نسخ حديث ذي اليدين لا وجه له، فإن راوييه أبا هريرة وعمران بن حصين ~~هجرتهما متأخرة. # وقول الزهري مرسل لا يقتضي نسخا، فإنه لا يجوز أن يكون آخر الأمرين سجوده ~~قبل السلام؛ لوقوع السهو في آخر الأمر فيما سجوده قبل السلام. وحديث ثوبان ~~راويه إسماعيل بن عياش وفي روايته عن أهل الحجاز ضعف. وحديث ابن جعفر فيه ~~ابن أبي ليلى، وهو ضعيف. وقال الأثرم: لا يثبت واحد منهما. ### | [فصل شك في صلاته فلم يدر كم صلى] # (901) فصل في تفصيل المسائل التي ذكرها الخرقي في هذه المسألة: قوله (مثل ~~المنفرد إذا شك في صلاته، فلم يدر كم صلى، فبنى على اليقين) . قد ذكرنا أن ~~ظاهر المذهب، أن المنفرد يبني على اليقين. ومعناه أنه ينظر ما تيقن أنه ~~صلاه من الركعات، فيتم عليه، ويلغي ما شك فيه. كما قال النبي - صلى ms0568 الله ~~عليه وسلم - في حديث عبد الرحمن بن عوف: «إذا شك أحدكم في الثنتين ~~والواحدة، فليجعلها واحدة، وإذا شك في الثنتين والثلاث، فليجعلهما ثنتين، ~~وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثا، ثم ليتم ما بقي من صلاته، حتى ~~يكون الوهم في الزيادة. ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم» رواه ابن ~~ماجه هكذا # وسواء غلب على ظنه خلاف ذلك أم لم يغلب على ظنه، إلا أن يكون هذا الوهم ~~مثل الوسواس، فقد قال ابن أبي موسى إذا كثر السهو حتى يصير مثل الوسواس، ~~لها عنه وذكرنا أن في المنفرد رواية أخرى، أنه يبني على ما يغلب على ظنه ~~والصحيح في المذهب ما ذكر الخرقي - رحمه الله -، والحكم في الإمام إذا بنى ~~على اليقين، أنه يسجد قبل السلام كالمنفرد. وإذا تحرى المنفرد على الرواية ~~الأخرى، سجد بعد السلام ### | [فصل قام المصلي في موضع جلوس أو جلس في موضع قيام] # (902) فصل: قوله: أو قام في موضع جلوس أو جلس في موضع قيام ". أكثر أهل ~~العلم يرون أن هذا يسجد له. وممن قال ذلك ابن مسعود، وقتادة، والثوري، # PageV02P019 # والشافعي، وإسحاق وأصحاب الرأي. وكان علقمة والأسود يقعدان في الشيء يقام ~~فيه، ويقومان في الشيء يقعد فيه، فلا يسجدان. ولنا قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» وقال: «إذا زاد الرجل أو نقص ~~فليسجد سجدتين» رواهما مسلم عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «لكل سهو سجدتان بعد السلام» . رواه أبو ~~داود. ولأنه سهو فسجد له كغيره، مع ما نذكره في تفصيل المسائل. # فأما القيام في موضع الجلوس، ففي ثلاث صور: إحداها، أن يترك التشهد الأول ~~ويقوم،، وفيه ثلاث مسائل (903) المسألة الأولى، ذكره قبل اعتداله قائما، ~~فيلزمه الرجوع إلى التشهد. وممن قال يجلس علقمة، والضحاك، وقتادة، ~~والأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر. وقال مالك: إن فارقت أليتاه الأرض مضى. ~~وقال حسان بن عطية: إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى. # ولنا، ما روى المغيرة بن شعبة، عن ms0569 النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إذا قام أحدكم في الركعتين، فلم يستتم قائما فليجلس، فإذا استتم قائما، ~~فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو» رواه أبو داود، وابن ماجه. ولأنه أخل بواجب ~~ذكره قبل الشروع في ركن مقصود. فلزمه الإتيان به، كما لو لم تفارق أليتاه ~~الأرض. # (904) المسألة الثانية: ذكره بعد اعتداله قائما، وقبل شروعه في القراءة، ~~فالأولى له أن لا يجلس، وإن جلس جاز. نص عليه قال. النخعي: يرجع ما لم ~~يستفتح القراءة وقال حماد بن أبي سليمان: إن ذكر ساعة يقوم جلس. ولنا، حديث ~~المغيرة، وما نذكره فيما بعد؛ ولأنه ذكره بعد الشروع في ركن، فلم يلزمه ~~الرجوع، كما لو ذكره بعد الشروع في القراءة. ويحتمل أنه لا يجوز له الرجوع؛ ~~لحديث المغيرة، ولأنه شرع في ركن، فلم يجز له الرجوع، كما لو شرع في ~~القراءة (905) المسألة الثالثة، ذكره بعد الشروع في القراءة، فلا يجوز له ~~الرجوع، ويمضي في صلاته، في قول أكثر أهل العلم. # وممن روي عنه أنه لا يرجع عمر، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، والمغيرة ~~بن شعبة والنعمان بن بشير، وابن الزبير، والضحاك بن قيس، وعقبة بن عامر. ~~وهو قول أكثر الفقهاء. وقال الحسن. يرجع ما لم يركع. وليس بصحيح؛ لحديث ~~المغيرة. وروى أبو بكر الآجري، بإسناده عن معاوية: أنه صلى بهم فقام في ~~الركعتين، وعليه الجلوس، فسبح به، فأبى أن يجلس، حتى إذا جلس # PageV02P020 # يسلم سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فعل هذا. ولأنه شرع في ركن مقصود، فلم يجز له الرجوع، كما لو شرع في ~~الركوع. # إذا ثبت هذا فإنه يسجد قبل السلام في جميع هذه المسائل؛ لحديث معاوية، ~~ولما روى عبد الله بن مالك بن بحينة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين، ولم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى ~~الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم» ، متفق ~~عليه ### | [فصل إذا علم المأمومون بتركه ms0570 التشهد الأول قبل قيامهم وبعد قيام إمامهم] # (906) فصل: إذا علم المأمومون بتركه التشهد الأول، قبل قيامهم، وبعد قيام ~~إمامهم، تابعوه في القيام، ولم يجلسوا للتشهد. حكاه الآجري عن أحمد، وقال: ~~هذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأهل العراق. ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سها عن التشهد الأول وقام، قام الناس ~~معه، وفعله جماعة من الصحابة ممن صلى بالناس، نهضوا في الثانية عن الجلوس، ~~فسبحوا بهم، فلم يلتفتوا إلى من سبح بهم، وبعضهم أومأ إليهم بالقيام، ~~فقاموا. قالوا ومما احتج به أحمد من فعل الصحابة، أنهم كانوا يقومون معه. # قال: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا: المسعودي، عن هلال بن علاثة قال: «صلى ~~بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس، فسبح به من خلفه، ~~فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم، وسجد سجدتين وسلم ثم قال: ~~هكذا صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» قال: وحدثنا وكيع قال: أخبرنا ~~عمران بن حدير، عن مضر بن عاصم الليثي، قال: أوهم عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - في القعدة، فسبحوا به، فقال: سبحان الله هكذا. أي قوموا. وروي ~~بإسناده مثل ذلك عن سعد. ورواه الآجري عن ابن مسعود وعن عقبة بن عامر، ~~وقال: إني سمعتكم تقولون سبحان الله لكيما أجلس، فليست تلك السنة، إنما ~~السنة التي صنعت. # وقد ذكرنا حديث ابن بحينة فأما إن سبحوا به قبل قيامه فلم يرجع، تشهدوا، ~~لأنفسهم، ولم يتبعوه في تركه؛ لأنه ترك واجبا تعين فعله عليه، فلم يكن لهم ~~متابعته في تركه. ولو رجع إلى التشهد بعد شروعه في القراءة لم يكن لهم ~~متابعته في ذلك؛ لأنه أخطأ. # فأما الإمام، فمتى فعل ذلك عالما بتحريمه، بطلت صلاته؛ لأنه زاد في ~~الصلاة من جنسها عمدا، أو ترك واجبا عمدا، وإن كان جاهلا بالتحريم أو ~~ناسيا، لم تبطل؛ لأنه زاد في الصلاة سهوا. ومتى علم بتحريم ذلك وهو في ~~التشهد، نهض، ولم يتم الجلوس. ولو ذكر الإمام التشهد قبل ms0571 انتصابه، وبعد ~~قيام المأمومين، وشروعهم في القراءة، فرجع، لزمهم الرجوع؛ لأن الإمام رجع ~~إلى واجب، فلزمهم متابعته ولا اعتبار بقيامهم قبله # PageV02P021 ### | [فصل نسي التشهد دون الجلوس له] # (907) فصل: وإن نسي التشهد دون الجلوس له، فحكمه في الرجوع إليه حكم ما ~~لو نسيه مع الجلوس؛ لأن التشهد هو المقصود. فأما إن نسي شيئا من الأذكار ~~الواجبة، كتسبيح الركوع والسجود، وقول: رب اغفر لي بين السجدتين، وقول: ~~ربنا ولك الحمد. فإنه لا يرجع إليه بعد الخروج من محله؛ لأن محل الذكر ركن ~~قد وقع مجزئا صحيحا. فلو رجع إليه لكان زيادة في الصلاة، وتكرارا لركن، ثم ~~يأتي بالذكر في ركوع أو سجود زائد غير مشروع، بخلاف التشهد، ولكنه يمضي ~~ويسجد للسهو لتركه، قياسا على ترك التشهد. # الصورة الثانية: قام من السجدة الأولى، ولم يجلس للفصل بين السجدتين، ~~فهذا قد ترك ركنين؛ جلسة الفصل، والسجدة الثانية. فلا يخلو من حالين: ~~أحدهما، أن يذكر قبل الشروع في القراءة، فيلزمه الرجوع. وهذا قول مالك ~~والشافعي ولا أعلم فيه مخالفا، فإذا رجع، فإنه يجلس جلسة الفصل، ثم يسجد ~~السجدة الثانية، ثم يقوم إلى الركعة الأخرى. وقال بعض أصحاب الشافعي لا ~~يحتاج إلى الجلوس؛ لأن الفصل قد حصل بالقيام. وليس بصحيح؛ لأن الجلسة ~~واجبة، ولا ينوب عنها القيام كما لو عمد ذلك. # فأما إن كان جلس للفصل، ثم قام ولم يسجد فإنه يسجد، ولا يلزمه الجلوس. ~~وقيل: يلزمه؛ ليأتي بالسجدة عن جلوس. ولا يصح؛ لأنه أتى بالجلسة، فلم تبطل ~~بسهو بعدها كالسجدة الأولى، ويصير كأنه سجد عقيب الجلوس. فإن كان يظن أنه ~~سجد سجدتين، وجلس جلسة الاستراحة، لم يجزه عن جلسة الفصل؛ لأنها هيئة، فلا ~~تنوب عن الواجب، كما لو ترك سجدة من ركعة، ثم سجد للتلاوة. وهكذا الحكم في ~~ترك ركن غير السجود مثل الركوع، أو الاعتدال عنه؛ فإنه يرجع إليه متى ذكره، ~~قبل الشروع في قراءة الركعة الأخرى، فيأتي به، ثم بما بعده لأن ما أتى به ~~بعده غير معتد به؛ لفوات الترتيب. # الحال الثاني: ms0572 ترك ركنا؛ إما سجدة، أو ركوعا، ساهيا، ثم ذكره بعد الشروع ~~في قراءة الركعة التي تليها، بطلت الركعة التي ترك الركن منها، وصارت التي ~~شرع في قراءتها مكانها. نص على هذا أحمد في رواية الجماعة قال، الأثرم: ~~سألت أبا عبد الله عن رجل صلى ركعة، ثم قام ليصلي أخرى، فذكر أنه إنما سجد ~~للركعة الأولى سجدة واحدة؟ فقال: إن كان أول ما قام قبل أن يحدث عمله ~~للأخرى، فإنه، ينحط ويسجد، ويعتد بها. وإن كان أحدث عمله للأخرى، ألغى ~~الأولى، وجعل هذه الأولى. قلت: يستفتح أو يجزئ الاستفتاح الأول؟ قال: لا ~~يستفتح، ويجزئه الأول. قلت: فنسي سجدتين من ركعتين؟ قال: لا يعتد بتينك ~~الركعتين، والاستفتاح ثابت. وهذا قول إسحاق. # وقال الشافعي: إذا ذكر الركن المتروك قبل السجود في الثانية، فإنه يعود ~~إلى السجدة الأولى. وإن ذكره بعد سجوده في الثانية # PageV02P022 # وقعتا عن الأولى، لأن الركعة الأولى قد صح فعلها، وما فعله في الثانية - ~~سهوا - لا يبطل الأولى، كما لو ذكر قبل القراءة. وقد ذكر أحمد هذا القول عن ~~الشافعي وقربه، وقال: هو أشبه. يعني من قول أصحاب أبي حنيفة. إلا أنه اختار ~~القول الذي حكاه عنه الأثرم. وقال مالك: إن ترك سجدة فذكرها قبل رفع رأسه ~~من ركوع الثانية، ألغى الأولى. وقال الحسن والنخعي، والأوزاعي: من نسي ~~سجدة، ثم ذكرها، سجدها في الصلاة متى ما ذكرها. # وقال الأوزاعي: يرجع إلى حيث كان من الصلاة وقت ذكرها، فيمضي فيها وقال ~~أصحاب الرأي، في من نسي أربع سجدات من أربع ركعات، ثم ذكرها في التشهد: سجد ~~في الحال أربع سجدات، وتمت صلاته. ولنا أن المزحوم في الجمعة، إذا زال ~~الزحام والإمام راكع في الثانية، فإنه يتبعه ويسجد معه، ويكون السجود من ~~الثانية دون الأولى، كذا هاهنا ### | [فصل مضى المصلي في موضع يلزمه الرجوع أو رجع في موضع يلزمه المضي] # (908) فصل: فإن مضى في موضع يلزمه الرجوع، أو رجع في موضع يلزمه المضي، ~~عالما بتحريم ذلك، فسدت صلاته؛ لأنه ترك واجبا في الصلاة ms0573 عمدا. وإن فعل ذلك ~~معتقدا جوازه، لم تبطل؛ لأنه تركه من غير تعمد، أشبه ما لو مضى قبل ذكر ~~المتروك، لكن إذا مضى في موضع يلزمه الرجوع، فسدت الركعة التي ترك ركنها، ~~كما لو لم يذكره إلا بعد شروعه في القراءة. وإن رجع في موضع المضي لم يعتد ~~بما يفعله في الركعة التي تركه منها، لأنها فسدت بشروعه في قراءة غيرها، ~~فلم يعد إلى الصحة بحال. # الصورة الثالثة: قام عن التشهد الأخير إلى ركعة زائدة، فإنه يرجع إليه ~~متى ما ذكره؛ لأنه قام إلى زيادة غير معتد له بها فلزمه الرجوع، كما لو ذكر ~~قبل السجود. ويأتي تفصيل هذه الصورة فيما إذا صلى خمسا. وفي هذه الصور ~~الثلاث يلزمه السجود قبل السلام ### | [فصل جلس المصلي في موضع قيام] # (909) فصل: قوله: " أو جلس في موضع قيام " فهذا يتصور بأن يجلس عقيب ~~الأولى أو الثالثة، يظن أنه موضع التشهد أو جلسة الفصل فمتى ما ذكر قام. ~~وإن لم يذكر حتى قام، أتم صلاته وسجد للسهو؛ لأنه زاد في الصلاة من جنسها ~~ما لو فعله عمدا أبطلها، فلزمه السجود إذا كان سهوا، كزيادة ركعة ### | [فصل الزيادات في الصلاة على ضربين زيادة أفعال وزيادة أقوال] # (910) فصل: والزيادات على ضربين؛ زيادة أفعال، وزيادة أقوال: فزيادات ~~الأفعال قسمان: أحدهما، زيادة من جنس الصلاة، مثل أن يقوم في موضع جلوس، أو ~~يجلس في موضع قيام، أو يزيد # PageV02P023 # ركعة أو ركنا، فهذا تبطل الصلاة بعمده، ويسجد لسهوه، قليلا كان أو كثيرا؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» ~~رواه مسلم والثاني، من غير جنس الصلاة كالمشي والحك والتروح، فهذا تبطل ~~الصلاة بكثيره، ويعفى عن يسيره، ولا يسجد له، ولا فرق بين عمده وسهوه. # الضرب الثاني، زيادات الأقوال، وهي قسمان أيضا. أحدهما، ما يبطل عمده ~~الصلاة، كالسلام وكلام الآدميين، فإذا أتى به سهوا فسلم في غير موضعه، سجد، ~~على ما ذكرناه في حديث ذي اليدين وإن تكلم في الصلاة سهوا، فهل تبطل الصلاة ms0574 ~~به أو يسجد للسهو؟ على روايتين. # القسم الثاني، ما لا يبطل عمده الصلاة، وهو نوعان: أحدهما، أن يأتي بذكر ~~مشروع في الصلاة في غير محله، كالقراءة في الركوع والسجود، والتشهد في ~~القيام والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول، وقراءة ~~السورة في الأخريين من الرباعية أو الأخيرة من المغرب وما أشبه ذلك، إذا ~~فعله سهوا، فهل يشرع له سجود السهو؟ على روايتين. إحداهما، لا يشرع له ~~سجود؛ لأن الصلاة لا تبطل بعمده، فلم يشرع السجود لسهوه، كترك سنن الأفعال. # والثانية، يشرع له السجود، لقوله - عليه الصلاة والسلام - «إذا نسي أحدكم ~~فليسجد سجدتين وهو جالس» رواه مسلم. فإذا قلنا: يشرع له السجود. فذلك مستحب ~~غير واجب لأنه جبر لغير واجب، فلم يكن واجبا، كجبر سائر السنن. قال أحمد: ~~إنما السهو الذي يجب فيه السجود، ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولأن الأصل عدم وجوب السجود. # النوع الثاني، أن يأتي فيها بذكر أو دعاء لم يرد الشرع به فيها، كقوله " ~~آمين رب العالمين " وقوله في التكبير " الله أكبر كبيرا " ونحو ذلك. فهذا ~~لا يشرع له السجود؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه سمع ~~رجلا يقول في الصلاة: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ~~ويرضى. فلم يأمره بالسجود» ### | [فصل جلس في غير موضع التشهد قدر جلسة الاستراحة] # (911) فصل: وإذا جلس في غير موضع التشهد قدر جلسة الاستراحة، فقال ~~القاضي: يلزمه السجود، سواء # PageV02P024 # قلنا: جلسة الاستراحة، مسنونة أو لم نقل ذلك؛ لأنه لم يردها بجلوسه، إنما ~~أراد غيرها فكان سهوا. ويحتمل أن لا يلزمه؛ لأنه فعل لو تعمده لم تبطل ~~صلاته، فلا يسجد لسهوه، كالعمل اليسير من غير جنس الصلاة ### | [فصل جهر المصلي في موضع تخافت أو خافت في موضع جهر] # (912) فصل: قوله أو جهر في موضع تخافت، أو خافت في موضع جهر. وجملة ذلك ~~أن الجهر والإخفات - في موضعهما - من سنن الصلاة، لا تبطل الصلاة بتركه ~~عمدا وإن تركه سهوا فهل ms0575 يشرع له السجود من أجله؟ فيه عن أحمد روايتان: ~~إحداهما، لا يشرع قال الحسن، وعطاء، وسالم، ومجاهد، والقاسم، والشعبي، ~~والحاكم: لا سهو عليه. # وجهر أنس في الظهر والعصر ولم يسجد، وكذلك علقمة والأسود. وهذا مذهب ~~الأوزاعي، والشافعي؛ لأنه سنة، فلا يشرع السجود لتركه اليدين. والثانية ~~يشرع وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة في الإمام؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» ولأنه أخل بسنة قولية، فشرع السجود ~~لها، كترك القنوت وما ذكروه يبطل بالقنوت، وبالتشهد الأول، فإنه عند ~~الشافعي سنة ويسجد تاركه، فإذا قلنا بهذا كان السجود مستحبا غير واجب نص ~~عليه أحمد. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل سها، فجهر فيما ~~يخافت فيه، فهل عليه سجدتا السهو؟ قال: أما عليه فلا أقول عليه، ولكن إن ~~شاء سجد. # وذكر أبو عبد الله الحديث عن عمر، أو غيره، أنه كان يسمع منه نغمة في ~~صلاة الظهر قال: وأنس جهر فلم يسجد. وقال: إنما السهو الذي يجب فيه السجود ~~ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال صالح: قال أبي إن سجد فلا بأس ~~وإن لم يسجد فليس عليه. ولأنه جبر لما ليس بواجب، فلم يكن واجبا كسائر ~~السنن ### | [فصل صلى خمسا في صلاة رباعية] # (913) فصل: قوله أو صلى خمسا يعني في صلاة رباعية فإنه متى قام إلى ~~الخامسة في الرباعية، أو إلى الرابعة في المغرب، أو إلى الثالثة في الصبح، ~~لزمه الرجوع متى ما ذكر، فيجلس؛ فإن كان قد تشهد عقيب الركعة التي تمت بها ~~صلاته، سجد للسهو، ثم يسلم وإن كان تشهد، ولم يصل على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صلى عليه، ثم سجد للسهو. وسلم وإن لم يكن تشهد، تشهد وسجد ~~للسهو، ثم سلم. # فإن لم يذكر حتى فرغ من الصلاة، سجد سجدتين، عقيب ذكره، وتشهد وصلاته ~~صحيحة. وبهذا قال علقمة والحسن، وعطاء، والزهري، والنخعي، ومالك، والليث، ~~والشافعي، وإسحاق وأبو ثور وقال أبو حنيفة: إن ذكر قبل أن يسجد، جلس للتشهد ~~وإن ms0576 ذكر بعد السجود وكان جلس عقيب الرابعة قدر التشهد، صحت صلاته، ويضيف # PageV02P025 # إلى الزيادة أخرى، لتكون نافلة. # فإن لم يكن جلس في الرابعة بطل فرضه، وصارت صلاته نافلة ولزمه إعادة ~~الصلاة، ونحوه قال حماد بن أبي سليمان. وقال قتادة، والأوزاعي، في من صلى ~~المغرب أربعا: يضيف إليها أخرى، فتكون الركعتان تطوعا؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد في من سجد سجدتين «فإن كانت صلاته تامة ~~كانت الركعة والسجدتان نافلة» رواه أبو داود، وابن ماجه. وفي رواية «فإن ~~كان صلى خمسا شفعن له صلاته» رواه مسلم # ولنا: ما روى عبد الله بن مسعود، قال «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خمسا فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا يا رسول ~~الله هل زيد في الصلاة؟ قال: لا قالوا: فإنك قد صليت خمسا فانفتل، ثم سجد ~~سجدتين، ثم سلم ثم قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم ~~فليسجد سجدتين» . وفي رواية قال: «إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون ~~وأنسى كما تنسون ثم سجد سجدتي السهو» . وفي رواية، فقال «فإذا زاد الرجل أو ~~نقص فليسجد سجدتين» رواه كله مسلم # والظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجلس عقيب الرابعة؛ لأنه لم ~~ينقل، ولأنه قام إلى الخامسة معتقدا أنه قام عن ثالثة ولم تبطل صلاته بهذا، ~~ولم يضف إلى الخامسة أخرى. وحديث أبي سعيد حجة عليهم أيضا، فإنه جعل ~~الزائدة نافلة، من غير أن يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوس، وجعل السجدتين ~~يشفعانها، ولم يضم إليها ركعة أخرى، وهذا كله خلاف لما قالوه، فقد خالفوا ~~الخبرين جميعا، وقولنا يوافق الخبرين جميعا. والحمد لله رب العالمين. ### | [مسألة نسي أن عليه سجود سهو] # (914) مسألة: قال (فإن نسي أن عليه سجود سهو وسلم، كبر وسجد سجدتي السهو، ~~وتشهد، وسلم، ما كان في المسجد وإن تكلم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سجد بعد السلام والكلام) . الكلام في هذه المسألة في ثلاثة فصول: (915) ~~الفصل: الأول: ms0577 أنه إذا نسي سجود السهو، ثم ذكره قبل طول الفصل في المسجد ~~فإنه يسجد، سواء تكلم أو لم يتكلم وبهذا قال مالك، والأوزاعي والشافعي، ~~وأبو ثور. وكان الحسن، وابن سيرين يقولان: إذا صرف وجهه عن القبلة، لم يبن، ~~ولم يسجد. وقال: أبو حنيفة: إن تكلم بعد الصلاة، سقط عنه سجود السهو ولأنه ~~أتى بما ينافيها، فأشبه ما لو أحدث. # ولنا ما روى ابن مسعود «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بعد السلام ~~والكلام» . رواه مسلم وأيضا الحديث الذي ذكرناه في المسألة التي قبل هذه، ~~فإنه - عليه الصلاة والسلام - تكلم، وتكلم المأمومون، ثم # PageV02P026 # سجد وسجدوا معه وهذا حجة على الحسن وابن سيرين لقوله فلما انفتل توشوش ~~القوم بينهم، ثم سجد بعد انصرافه عن القبلة. ولأنه إذا جاز إتمام ركعتين من ~~الصلاة بعد الكلام والانصراف، كما في حديث ذي اليدين، فالسجود أولى (916) ~~الفصل الثاني: أنه لا يسجد بعد طول المدة. واختلف في ضبط المدة التي يسجد ~~فيها، ففي قول الخرقي، يسجد ما كان في المسجد، فإن خرج لم يسجد. نص عليه ~~أحمد وهو قول الحكم، وابن شبرمة. # وقال القاضي: يرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة، وهذا قول الشافعي؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى المسجد بعد خروجه منه في حديث عمران ~~بن حصين، فالسجود أولى، وحكى ابن أبي موسى، عن أحمد رواية أخرى، أنه يسجد ~~وإن خرج وتباعد وهو قول ثان للشافعي؛ لأنه جبران يأتي به بعد طول الزمان ~~كجبران الحج. وهذا قول مالك إن كان لزيادة وإن كان لنقص أتى به ما لم يطل ~~الفصل؛ لأنه لتكميل الصلاة. ولنا، أنه لتكميل الصلاة، فلا يأتي به بعد طول ~~الفصل، كركن من أركانها، وكما لو كان من نقص وإنما ضبطناه بالمسجد؛ لأنه ~~محل الصلاة وموضعها، فاعتبرت فيه المدة، كخيار المجلس. (917) الفصل الثالث: ~~أنه متى سجد للسهو، فإنه يكبر للسجود والرفع منه، سواء كان قبل السلام أو ~~بعده. # فإن كان قبل السلام سلم عقبه. وإن كان بعده تشهد، وسلم، سواء ms0578 كان محله ~~بعد السلام، أو كان قبل السلام فنسيه إلى ما بعده. وبهذا قال ابن مسعود، ~~والنخعي، وقتادة، والحكم وحماد، والثوري، والأوزاعي، والشافعي وأصحاب الرأي ~~في التشهد والسلام وقال أنس، والحسن، وعطاء: ليس فيهما تشهد ولا تسليم. ~~وقال ابن سيرين، وابن المنذر فيهما تسليم بغير تشهد. قال ابن المنذر: ~~التسليم فيهما ثابت من غير وجه، وفي ثبوت التشهد نظر وعن عطاء: إن شاء تشهد ~~وسلم، وإن شاء لم يفعل. # ولنا، على التكبير قول ابن بحينة: «فلما قضى الصلاة سجد سجدتين، كبر في ~~كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه.» وهو حديث صحيح وقول أبي ~~هريرة، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يكبر في كل رفع وخفض. # وأما التسليم فقد ذكره عمران بن حصين، في حديثه الذي رواه مسلم، قال فيه ~~«سجد سجدتي السهو ثم سلم» وفي حديث ابن مسعود «ثم سجد سجدتين ثم سلم» وأما ~~التشهد فقد روى أبو داود في حديث عمران بن حصين «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى بهم فسها، فسجد سجدتين ثم تشهد، ثم سلم» ، قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن غريب. ولأنه سجود يسلم له، فكان معه تشهد، كسجود # PageV02P027 # صلب الصلاة. ويحتمل أن لا يجب التشهد؛ لأن ظاهر الحديثين الأولين أنه سلم ~~من غير تشهد، وهما أصح من هذه الرواية، ولأنه سجود مفرد، فلم يجب له تشهد، ~~كسجود التلاوة ### | [فصل نسي سجود السهو حتى طال الفصل] # (918) فصل: وإذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل، لم تبطل الصلاة. وبذلك ~~قال الشافعي وأصحاب الرأي. وعن أحمد: أنه إن خرج من المسجد أعاد الصلاة، ~~وهو قول الحكم، وابن شبرمة وقول مالك وأبي ثور في السجود الذي قبل السلام. ~~ولنا، أنه جابر للعبادة بعدها، فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج، ولأنه مشروع ~~للصلاة خارج منها، فلم تفسد بتركه، كالأذان (919) فصل: ويقول في سجوده ما ~~يقول في سجود صلب الصلاة؛ لأنه سجود مشروع في الصلاة، أشبه ms0579 سجود صلب الصلاة ### | [فصل نسي السجود حتى شرع في صلاة أخرى] # (920) فصل: وإن نسي السجود حتى شرع في صلاة أخرى، سجد بعد فراغه منها، في ~~ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه في المسجد. وعلى قول غيره، إن طال الفصل لم يسجد ~~وإلا سجد. ### | [فصل سجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب] # (921) فصل: وسجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب. وعن أحمد غير واجب. ~~ولعل مبناها على أن الواجبات التي شرع السجود لجبرها غير واجبة، فيكون ~~جبرها غير واجب. وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «كانت الركعة والسجدتان نافلة له» . ولنا أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر به في حديث ابن مسعود وأبي سعيد وفعله، وقال «صلوا كما ~~رأيتموني أصلي» وقوله " نافلة " يعني أن له ثوابا فيه كما أنه سمى الركعة ~~أيضا نافلة وهي واجبة على الساهي بلا خلاف. # فأما المشروع لما لا يبطل عمده الصلاة فغير واجب قال أحمد: إنما يجب ~~السجود فيما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني وما كان في معناه ~~فنقيس على زيادة خامسة سائر زيادات الأفعال من جنس الصلاة، وعلى ترك التشهد ~~ترك غيره من الواجبات، وعلى التسليم من نقصان زيادات الأقوال المبطلة عمدا # PageV02P028 # (922) فصل: فإن ترك الواجب عمدا؛ فإن كان قبل السلام بطلت صلاته؛ لأنه ~~أخل بواجب في الصلاة عمدا. # وإن ترك الواجب بعد السلام، لم تبطل صلاته؛ لأنه جبر للعبادة خارج منها، ~~فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج، وسواء كان محله بعد السلام أو قبله، فنسيه، ~~فصار بعد السلام وقد نقل عن أحمد ما يدل على بطلان الصلاة، ونقل عنه ~~التوقف، فنقل عنه الأثرم في من نسي سجود السهو، فقال: إن كان في سهو خفيف، ~~فأرجو أن لا يكون عليه قلت: فإن كان فيما سها فيه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ فقال: هاه. ولم يجب، فبلغني عنه أنه يستحب أن يعيد. فإذا كان هذا ~~في السهو، ففي العمد أولى ### | [مسألة نسي أربع سجدات من أربع ركعات وذكر وهو في ms0580 التشهد] # (923) مسألة: قال: وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات، وذكر وهو في ~~التشهد، سجد سجدة تصح له ركعة، ويأتي بثلاث ركعات، ويسجد للسهو في إحدى ~~الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله والرواية الأخرى، قال: كان هذا يلعب، ~~يبتدئ الصلاة من أولها هذه المسألة مبنية على من ترك ركنا من ركعة فلم ~~يذكره إلا في التي بعدها، وقد ذكرنا أنه إذا لم يذكره حتى شرع في قراءة ~~التي بعدها، بطلت، فلما شرع في قراءة الثانية هاهنا قبل ذكر سجدة الأولى، ~~بطلت الأولى، ولما شرع في قراءة الثالثة قبل ذكر سجدة الثانية، بطلت ~~الثانية، وكذلك الثالثة، تبطل بالشروع في قراءة الرابعة، فلم يبق إلا ~~الرابعة، ولم يسجد فيها إلا سجدة فيسجد الثانية حين ذكر وتتم له ركعة، ~~ويأتي بثلاث ركعات. # وهذا قول مالك، والليث لأن كل ركعة بطلت بشروعه في الثانية قبل إتمام ~~الأولى. وفيه رواية أخرى عن أحمد، أن صلاته تبطل، ويبتدئها؛ لأن هذا يؤدي ~~إلى أن يكون متلاعبا بصلاته، ثم يحتاج إلى إلغاء عمل كثير في الصلاة، فإن ~~بين التحريمة والركعة المعتد بها ثلاث ركعات لاغية. وهذا قول إسحاق، وأبي ~~بكر الآجري وقال الشافعي: يصح له ركعتان؛ لأنه لما قام إلى الثانية سهوا ~~قبل إتمام الأولى، كان عمله فيها لاغيا، فلما سجد فيها، انضمت سجدتها إلى ~~سجدة الأولى، فكملت له ركعة، وهكذا الثالثة والرابعة يحصل له منها ركعة. # وحكى أبو عبد الله هذا القول عن الشافعي، ثم قال: هو أشبه بما يقول هؤلاء ~~- يعني أصحاب الرأي - قال الأثرم: فقلت له، فإنه إذا فعل لا يستقيم، لأنه ~~إنما نوى بهذه السجدة عن الثانية، لا عن الأولى. قال: فكذلك أقول إنه يحتاج ~~أن يسجد لكل ركعة سجدتين. ويحتمل أن يكون هذا القول المحكي عن الشافعي هو ~~الصحيح، وأن يكون مذهبا لأحمد؛ لأنه قد حسنه، وإنما اعتذر عن المصير إليه، ~~لكونه إنما نوى بالسجدة الثانية عن الركعة الثانية، وهذا لا يمنع جعلها عن ~~الأولى، كما لو سجد في الركعة الأولى يحسب ms0581 أنه في الثانية، أو سجد في ~~الثانية يحسب أنه في الأولى. والله أعلم. # PageV02P029 # وقال الثوري وأصحاب الرأي: يسجد في الحال أربع سجدات. وقال الحسن بن ~~صالح، فيمن نسي من كل ركعة سجدتيها: يسجد في الحال ثماني سجدات. وهذا فاسد؛ ~~لأن ترتيب الصلاة شرط فيها، فلا يسقط بالنسيان، كما لو قدم السجود على ~~الركوع ناسيا وإن لم يذكر حتى سلم، ابتدأ الصلاة؛ فإنه لم يبق له غير ركعة ~~تنقص سجدة فإذا سلم بطلت أيضا. نص أحمد على بطلانها في رواية الأثرم، ~~فحينئذ يستأنف الصلاة ### | [فصل ترك المصلي ركنا ثم ذكره ولم يعلم موضعه] # (924) فصل: وإذا ترك ركنا، ثم ذكره ولم يعلم موضعه، بنى الأمر على أسوأ ~~الأحوال، مثل أن يترك سجدة لا يعلم أمن الركعة. الرابعة أم من الركعة التي ~~قبلها جعلها من التي قبلها؛ لأنه يلزمه حينئذ ركعة كاملة، ولو حسبها من ~~الركعة الرابعة، أجزأته سجدة واحدة. فإن ترك سجدتين لا يعلم أمن الركعتين ~~أم من ركعة، جعلهما من ركعتين ليلزمه ركعتان. وإن علم أنه ترك ركنا من ركعة ~~هو فيها لا يعلم أركوع هو أم سجود، جعله ركوعا؛ ليلزمه الإتيان به وبما ~~بعده. # وعلى قياس هذا، يأتي بما يتيقن به إتمام الصلاة لئلا يخرج منها وهو شاك ~~فيها، فيكون مغرورا بها. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا غرار في ~~صلاة ولا تسليم» . رواه أبو داود وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن تفسير ~~هذا الحديث، فقال: أما أنا فأرى أن لا يخرج منها إلا على يقين، لا يخرج ~~منها على غرر حتى يتيقن أنها قد تمت، ولو ترك سجدة من الأولى فذكرها في ~~التشهد، أتى بركعة وأجزأته وقد روى الأثرم، بإسناده عن الحسن في رجل - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى العصر أو غيرها، فنسي أن يركع في الثانية، حتى ذكر ~~ذلك في الرابعة، قال: يمضي في صلاته ويتمها أربع ركعات، ولا يحتسب بالتي لم ~~يركع فيها، ثم يسجد للوهم ### | [فصل شك في ترك ركن من أركان الصلاة ms0582 وهو فيها هل أخل به أو لا] # (925) فصل: وإن شك في ترك ركن من أركان الصلاة، وهو فيها - هل أخل به أو ~~لا؟ - فحكمه حكم من لم يأت به، إماما كان أو منفردا؛ لأن الأصل عدمه وإن شك ~~في زيادة توجب السجود، فلا سجود عليه؛ لأن الأصل عدمها فلا يجب السجود ~~بالشك فيها. وإن شك في ترك واجب يوجب تركه سجود السهو فقال ابن حامد: لا ~~سجود عليه؛ لأنه شك في سببه، فلم يلزمه بالشك، كما لو شك في الزيادة. وقال ~~القاضي: يحتمل أن يلزمه السجود؛ لأن الأصل عدمه. ولو شك في عدد الركعات، أو ~~في ركن ذكر في الصلاة لم يسجد؛ لأن السجود لزيادة أو نقص أو احتمال ذلك، ~~ولم يوجد ### | [فصل سها سهوين أو أكثر من جنس] # (926) فصل: إذا سها سهوين، أو أكثر من جنس، كفاه سجدتان للجميع. لا نعلم ~~أحدا خالف فيه. وإن كان # PageV02P030 # السهو من جنسين، فكذلك. حكاه ابن المنذر قولا لأحمد، وهو قول أكثر أهل ~~العلم منهم النخعي، والثوري، ومالك والليث، والشافعي وأصحاب الرأي. # وذكر أبو بكر فيه وجهين: أحدهما، ما ذكرنا. والثاني، يسجد سجودين. وقال ~~الأوزاعي وابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة: إذا كان عليه سجودان، ~~أحدهما قبل السلام. والآخر بعده، سجدهما في محليهما؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «لكل سهو سجدتان» رواه أبو داود وابن ماجه وهذان سهوان، فلكل ~~واحد منهما سجدتان، ولأن كل سهو يقتضي سجودا، وإنما تداخلا في الجنس الواحد ~~لاتفاقهما، وهذان مختلفان ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا نسي ~~أحدكم، فليسجد سجدتين» وهذا يتناول السهو في موضعين ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - سها فسلم، وتكلم بعد صلاته فسجد لهما سجودا واحدا، ولأن السجود ~~أخر إلى آخر الصلاة، ليجمع السهو كله وإلا فعله عقيب سببه، ولأنه شرع للجبر ~~فجبر نقص الصلاة، وإن كثر، بدليل السهو مرات من جنس واحد، وإذا انجبرت لم ~~يحتج إلى جابر آخر فنقول: سهوان. فأجزأ عنهما سجود واحد، كما لو كانا ms0583 من ~~جنس. # وقوله: «لكل سهو سجدتان» في إسناده مقال ثم إن المراد به لكل سهو في ~~صلاة، والسهو وإن كثر فهو داخل في لفظ السهو لأنه اسم جنس، فيكون التقدير: ~~لكل صلاة فيها سهو سجدتان ولذلك قال: «لكل سهو سجدتان» بعد السلام " هكذا ~~في رواية أبي داود، ولا يلزمه بعد السلام سجودان. إذا ثبت هذا فإن معنى ~~الجنسين أن يكون أحدهما. قبل السلام، والآخر بعده؛ لأن محليهما مختلفان، ~~وكذلك سبباهما وأحكامهما. # وقال بعض أصحابنا: الجنسان أن يكون أحدهما من نقص، والآخر من زيادة ~~والأولى ما قلناه إن شاء الله تعالى. فعلى هذا إذا اجتمعا، سجد لهما قبل ~~السلام؛ لأنه أسبق وآكد، ولأن الذي قبل السلام قد وجب لوجوب سببه، ولم يوجد ~~قبله ما يمنع وجوبه، ولا يقوم مقامه، فلزمه الإتيان به، كما لو لم يكن عليه ~~سهو آخر، وإذا سجد له، سقط الثاني؛ لإغناء الأول عنه، وقيامه مقامه ### | [فصل أحرم منفردا فصلى ركعة ثم نوى متابعة الإمام] # (927) فصل: ولو أحرم منفردا، فصلى ركعة، ثم نوى متابعة الإمام، وقلنا ~~بجواز ذلك فسها فيما انفرد فيه، وسها إمامه فيما تابعه فيه، فإن صلاته ~~تنتهي قبل صلاة إمامه فعلى قولنا هما من جنس واحد إن كان محلهما واحدا، ~~وعلى قول من فسر الجنسين بالزيادة والنقص، يحتمل كونهما من جنسين وهكذا لو ~~صلى من الرباعية ركعة ودخل مع مسافر، فنوى متابعته، فلما سلم إمامه قام ~~ليتم ما عليه، فقد حصل مأموما # PageV02P031 # في وسط صلاته، منفردا في طرفيها فإذا سها في الوسط والطرفين جميعا، فعلى ~~قولنا إن كان محل سجودهما واحدا فهي جنس واحد وإن اختلف محل السجود فهي ~~جنسان. وقال بعض أصحابنا: هي جنسان. هل يجزئه لها سجدتان، أو أربع سجدات؟ ~~على وجهين ولأصحاب الشافعي فيها وجهان كهذين، ووجه ثالث أنه يحتاج أن يسجد ~~ست سجدات، لكل سهو سجدتان ### | [مسألة ليس على المأموم سجود سهو] # (928) مسألة: قال: (وليس على المأموم سجود سهو، إلا أن يسهو إمامه، فيسجد ~~معه) وجملته أن المأموم إذا سها دون ms0584 إمامه، فلا سجود عليه، في قول عامة أهل ~~العلم وحكي عن مكحول أنه قام عن قعود إمامه فسجد. ولنا أن معاوية بن الحكم ~~تكلم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يأمره بسجود وروى الدارقطني في ~~سننه عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس على من خلف ~~الإمام سهو فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه» . ولأن المأموم تابع للإمام ~~وحكمه حكمه إذا سها، وكذلك إذا لم يسه وإذا سها الإمام، فعلى المأموم ~~متابعته في السجود سواء سها معه، أو انفرد الإمام بالسهو. # وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك. وذكر إسحاق ~~أنه إجماع أهل العلم، سواء كان السجود قبل السلام، أو بعده لقول رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا سجد فاسجدوا» ~~ولحديث ابن عمر، الذي رويناه. وإذا كان المأموم مسبوقا فسها الإمام فيما لم ~~يدركه فيه، فعليه متابعته في السجود، سواء كان قبل السلام أو بعده. روي هذا ~~عن عطاء، والحسن والنخعي، والشعبي، وأبي ثور وأصحاب الرأي. وقال ابن سيرين، ~~وإسحاق: يقضي ثم يسجد. # وقال مالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي في السجود قبل السلام، كقولنا، ~~وبعده، كقول ابن سيرين. وروي ذلك عن أحمد ذكره أبو بكر في زاد المسافر لأنه ~~فعل خارج من الصلاة، فلم يتبع الإمام فيه، كصلاة أخرى. ولنا قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «فإذا سجد فاسجدوا» وقوله في حديث ابن عمر «فإن سها ~~إمامه فعليه وعلى من خلفه» ولأن السجود من تمام الصلاة فيتابعه فيه، كالذي ~~قبل السلام، وكغير المسبوق، وفارق صلاة أخرى، فإنه، غير مؤتم به فيها. # إذا ثبت هذا فمتى قضى ففي إعادة السجود روايتان: إحداهما، يعيده؛ لأنه قد ~~لزمه حكم السهو، وما فعله من السجود مع الإمام كان متابعا له، فلا يسقط به ~~ما لزمه، كالتشهد الأخير. # والثانية، لا يلزمه السجود؛ لأن سجود إمامه قد كملت به الصلاة في حقه، ~~وحصل به الجبران، فلم يحتج إلى سجود ms0585 ثان، كالمأموم إذا سها وحده. وللشافعي ~~قولان كالروايتين. فإن نسي الإمام # PageV02P032 # السجود، سجد المسبوق في آخر صلاته، رواية واحدة؛ لأنه لم يوجد من الإمام ~~ما يكمل به صلاة المأموم. # وإذا سها المأموم فيما تفرد فيه بالقضاء، سجد، رواية واحدة؛ لأنه قد صار ~~منفردا، فلم يتحمل عنه الإمام وهكذا لو سها، فسلم مع إمامه، قام فأتم ~~صلاته، ثم سجد بعد السلام، كالمنفرد، سواء ### | [فصل غير المسبوق إذا سها إمامه فلم يسجد فهل يسجد المأموم] # (929) فصل: فأما غير المسبوق إذا سها إمامه فلم يسجد، فهل يسجد المأموم؟ ~~فيه روايتان: إحداهما، يسجد، وهو قول ابن سيرين، والحكم، وحماد وقتادة ~~ومالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور قال ابن عقيل: وهي أصح؛ لأن صلاة ~~المأموم نقصت بسهو الإمام، ولم تنجبر بسجوده، فيلزم المأموم جبرها. ~~والثانية: لا يسجد. روي ذلك عن عطاء، والحسن، والنخعي، والقاسم وحماد بن ~~أبي سليمان، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأن المأموم إنما يسجد تبعا، فإذا لم ~~يسجد الإمام لم يوجد المقتضي لسجود المأموم. # وهذا إذا تركه الإمام لعذر، فإن تركه قبل السلام عمدا، وكان الإمام ممن ~~لا يرى أن السجود واجب، فهو كتاركه سهوا. وإن كان يعتقد وجوبه، بطلت صلاته. ~~وهل تبطل صلاة المأموم؟ فيه وجهان: أحدهما: تبطل؛ لأنه ترك واجبا في الصلاة ~~عمدا فبطلت صلاة المأموم، كترك التشهد الأول. والثاني: لا تبطل؛ لأنه لم ~~يبق من الصلاة إلا السلام ### | [فصل قام المأموم لقضاء ما فاته فسجد إمامه بعد السلام] # (930) فصل: إذا قام المأموم لقضاء ما فاته، فسجد إمامه بعد السلام، فحكمه ~~حكم القائم عن التشهد الأول؛ إن سجد إمامه قبل انتصابه قائما لزمه الرجوع، ~~وإن انتصب قائما ولم يشرع في القراءة، لم يرجع وإن رجع جاز وإن شرع في ~~القراءة لم يكن له الرجوع، نص عليه أحمد قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: ~~رجل أدرك بعض الصلاة، فلما قام ليقضي، إذا على الإمام سجود سهو؟ فقال: إن ~~كان عمل في قيامه، وابتدأ في القراءة، مضى، ثم سجد. قلت: فإن لم يستتم ~~قائما؟ قال: ms0586 يرجع ما لم يعمل. قيل له: قد استتم قائما؟ فقال: إذا استتم ~~قائما، وأخذ في عمل القضاء، سجد بعدما يقضي. وذلك لأنه قام عن واجب إلى ركن ~~أشبه القيام عن التشهد الأول. وذكر ابن عقيل أن فيه روايات ثلاثا. وهذا ~~أولى، وهو منصوص عليه بما قد رويناه. # PageV02P033 ### | [فصل ليس على المسبوق ببعض الصلاة سجود لذلك] # (931) فصل: وليس على المسبوق ببعض الصلاة سجود لذلك، في قول أكثر أهل ~~العلم ويروى عن ابن عمر وابن الزبير، وأبي سعيد، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ~~وإسحاق، في من أدرك وترا من صلاة إمامه سجد للسهو؛ لأنه يجلس للتشهد في غير ~~موضع التشهد ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «وما فاتكم فأتموا» ~~وفي رواية «فاقضوا» ولم يأمر بسجود ولا نقل ذلك، وقد فات النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بعض الصلاة مع عبد الرحمن بن عوف فقضاها ولم يكن لذلك سجود ~~والحديث متفق عليه. وقد جلس في غير موضع تشهده، ولأن السجود يشرع للسهو، ~~هاهنا ولأن متابعة الإمام واجبة، فلم يسجد لفعلها كسائر الواجبات. ### | [فصل لا يشرع السجود لشيء فعله أو تركه عامدا] # (932) فصل: ولا يشرع السجود لشيء فعله أو تركه عامدا. وبهذا قال أبو ~~حنيفة. وقال الشافعي: يسجد لترك التشهد والقنوت عمدا؛ لأن ما تعلق الجبر ~~بسهوه تعلق بعمده، كجبرانات الحج. ولنا، أن السجود يضاف إلى السهو، فيدل ~~على اختصاصه به، والشرع إنما ورد به في السهو، فقال «إذا نسي أحدكم فليسجد ~~سجدتين» ولا يلزم من انجبار السهو به انجبار العمد؛ لأنه معذور في السهو ~~غير معذور في العمد، وما ذكروه يبطل بزيادة ركن أو ركعة، أو قيام في موضع ~~جلوس، أو جلوس في موضع قيام، ولا يشرع لحديث النفس؛ لأن الشرع لم يرد به ~~فيه، ولأن هذا لا يمكن التحرز منه، ولا تكاد صلاة تخلو منه، ولأنه معفو ~~عنه. ### | [فصل حكم النافلة حكم الفرض في سجود السهو] # (933) فصل: وحكم النافلة حكم الفرض في سجود السهو، في قول عامة أهل ~~العلم، لا نعلم فيه مخالفا، إلا ms0587 أن ابن سيرين قال: لا يشرع في النافلة. ~~وهذا يخالف عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا نسي أحدكم فليسجد ~~سجدتين.» وقال «إذا نسي أحدكم فزاد أو نقص فليسجد سجدتين» ولم يفرق، ولأنها ~~صلاة ذات ركوع وسجود فيسجد لسهوها كالفريضة، ولو قام في صلاة الليل فحكمه ~~حكم القيام إلى ثالثة في الفجر، نص عليه أحمد وقال مالك يتمها أربعا، ويسجد ~~للسهو، ليلا كان أو نهارا. # وقال الشافعي بالعراق كقوله وقال الأوزاعي في صلاة النهار كقوله، وفي ~~صلاة الليل: إن ذكر قبل ركوعه في الثالثة جلس وسجد للسهو، وإن ذكر بعد ~~ركوعه أتمها أربعا. ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلاة الليل ~~مثنى» ولأنها صلاة شرعت ركعتين، فكان حكمها ما ذكرنا في صلاة الفجر، فأما ~~صلاة النهار فيتمها أربعا # PageV02P034 ### | [فصل السجود للسهو في صلاة الجنازة] # (934) فصل: ولا يشرع السجود للسهو في صلاة جنازة لأنها لا سجود في صلبها، ~~ففي جبرها أولى ولا في سجود تلاوة؛ لأنه لو شرع لكان الجبر زائدا على الأصل ~~ولا في سجود سهو. نص عليه أحمد. وقال إسحاق هو إجماع؛ لأن ذلك يفضي إلى ~~التسلسل، ولو سها بعد سجود السهو لم يسجد لذلك. والله تعالى أعلم ### | [مسألة الكلام عمدا أو سهوا يبطل الصلاة] # (935) مسألة: قال: (ومن تكلم عامدا أو ساهيا بطلت صلاته) أما الكلام ~~عمدا، وهو أن يتكلم عالما أنه في الصلاة، مع علمه بتحريم ذلك لغير مصلحة ~~الصلاة، ولا لأمر يوجب الكلام، فتبطل الصلاة إجماعا. قال ابن المنذر: أجمع ~~أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدا وهو يريد صلاح صلاته، أن صلاته ~~فاسدة وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» رواه مسلم وعن ~~زيد بن أرقم قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم أحدنا صاحبه وهو إلى جنبه، ~~حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت» متفق عليه ~~ولمسلم: ونهينا عن الكلام وعن ابن مسعود قال: «كنا ms0588 نسلم على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي ~~سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم في الصلاة فترد ~~علينا. قال: إن في الصلاة لشغلا» متفق عليه ورواهما أبو داود، ولفظه في ~~حديث ابن مسعود: «فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، قال: ~~إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة» # فأما الكلام غير ذلك، فيقسم خمسة أقسام: أحدها أن يتكلم جاهلا بتحريم ~~الكلام في الصلاة. فقال القاضي في " الجامع " لا أعرف عن أحمد نصا في ذلك. # ويحتمل أن لا تبطل صلاته لأن الكلام كان مباحا في الصلاة، بدليل حديث ابن ~~مسعود وزيد بن أرقم، ولا يثبت حكم النسخ في حق من لم يعلمه، بدليل أن أهل ~~قباء لم يثبت في حقهم حكم نسخ القبلة قبل علمهم، فبنوا على صلاتهم بخلاف ~~الناسي، فإن الحكم قد ثبت في حقه، وبخلاف الأكل في الصوم جاهلا بتحريمه، ~~فإنه لم يكن مباحا، وقد دل على صحة هذا حديث معاوية بن الحكم السلمي # PageV02P035 # قال: «بينا أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ عطس رجل من ~~القوم، فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت واثكل أمياه، ما ~~شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم ~~يصمتوني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبأبي هو ~~وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ~~ضربني ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، ~~إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» # أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه مسلم فلم يأمره ~~بالإعادة، فدل على صحتها وهذا مذهب الشافعي والأولى أن يخرج هذا على ~~الروايتين في كلام الناسي، لأنه معذور مثله. القسم الثاني، أن يتكلم ناسيا، ~~وذلك نوعان؛ أحدهما أن ينسى أنه في صلاة، ms0589 ففيه روايتان. إحداهما، لا تبطل ~~الصلاة. # وهو قول مالك والشافعي لأن؛ النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم في حديث ~~ذي اليدين، ولم يأمر معاوية بن الحكم بالإعادة إذ تكلم جاهلا، وما عذر فيه ~~بالجهل عذر فيه بالنسيان. والثانية: تفسد صلاته. وهو قول النخعي، وقتادة، ~~وحماد بن أبي سليمان، وأصحاب الرأي؛ لعموم أحاديث المنع من الكلام ولأنه ~~ليس من جنس ما هو مشروع في الصلاة، فلم يسامح فيه بالنسيان، كالعمل الكثير ~~من غير جنس الصلاة. # النوع الثاني: أن يظن أن صلاته تمت، فيتكلم، فهذا إن كان سلاما لم تبطل ~~الصلاة، رواية واحدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فعلوه، ~~وبنوا على صلاتهم، ولأن جنسه مشروع في الصلاة، فأشبه الزيادة فيها من ~~جنسها. وإن لم يكن سلاما، فالمنصوص عن أحمد، في رواية جماعة من أصحابه، أنه ~~إذا تكلم بشيء مما تكمل به الصلاة، أو شيء من شأن الصلاة، مثل كلام النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ذا اليدين، لم تفسد صلاته وإن تكلم بشيء من غير أمر ~~الصلاة كقوله: يا غلام اسقني ماء. فصلاته باطلة. # وقال في رواية يوسف بن موسى من تكلم ناسيا في صلاته يظن أن صلاته قد تمت، ~~إن كان كلامه فيما تتم به الصلاة، بنى على صلاته كما كلم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ذا اليدين. وإذا قال: يا غلام اسقني ماء. أو # PageV02P036 # شبهه أعاد وممن تكلم بعد أن سلم، وأتم صلاته، الزبير، وابناه عبد الله ~~وعروة، وصوبه ابن عباس ولا نعلم عن غيرهم في عصرهم خلافه. وفيه رواية ثانية ~~أن الصلاة تفسد بكل حال. قال في رواية حرب: أما من تكلم اليوم وأجابه أحد ~~أعاد الصلاة. # وهذه الرواية اختيار الخلال. وقال: على هذا استقرت الروايات عن أبي عبد ~~الله بعد توقفه وهذا مذهب أصحاب الرأي؛ لعموم الأخبار في منع الكلام. وفيه ~~رواية ثالثة أن الصلاة لا تفسد بالكلام في تلك الحال بحال سواء كان من شأن ~~الصلاة، أو لم يكن، إماما كان أو مأموما. وهذا مذهب مالك، ms0590 والشافعي؛ لأنه ~~نوع من النسيان فأشبه المتكلم جاهلا، ولذلك تكلم النبي؛ - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه، وبنوا على صلاتهم، وتخرج فيه رواية رابعة، وهو أن المتكلم ~~إن كان إماما تكلم لمصلحة الصلاة لم تفسد صلاته، وإن تكلم غيره فسدت صلاته. ~~ويأتي الكلام على الفرق بينهما فيما بعد، إن شاء الله تعالى. # القسم الثالث، أن يتكلم مغلوبا على الكلام، وهو ثلاثة أنواع: أحدها أن ~~تخرج الحروف من فيه بغير اختياره، مثل أن يتثاءب، فيقول: هاه، أو يتنفس، ~~فيقول: آه. أو يسعل، فينطق في السعلة بحرفين، وما أشبه هذا أو يغلط في ~~القراءة، فيعدل إلى كلمة من غير القرآن، أو يجيئه البكاء فيبكي ولا يقدر ~~على رده، فهذا لا تفسد صلاته نص عليه أحمد في الرجل يكون في الصلاة فيجيئه ~~البكاء فيبكي، فقال: إذا كان لا يقدر على رده لا تفسد صلاته. وقال: قد كان ~~عمر يبكي، حتى يسمع له نشيج. وقال مهنا: صليت إلى جنب أحمد فتثاءب خمس ~~مرات، وسمعت لتثاؤبه: هاه هاه وهذا لأن الكلام هاهنا لا ينسب إليه، ولا ~~يتعلق به حكم من أحكام الكلام. # وقال القاضي في من تثاءب، فقال آه آه: تفسد صلاته. وهذا محمول على من فعل ~~ذلك غير مغلوب عليه؛ لما ذكرنا من فعل أحمد خلافه. والنوع الثاني أن ينام ~~فيتكلم، فقد توقف أحمد عن الجواب فيه. وينبغي أن لا تبطل صلاته؛ لأن القلم ~~مرفوع عنه. ولا حكم لكلامه، فإنه لو طلق أو أقر أو أعتق لم يلزمه حكم ذلك. ~~النوع الثالث: أن يكره على الكلام فيحتمل أن يخرج على كلام الناسي؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما في العفو، بقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «عفي لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» وقال القاضي؛ ~~هذا أولى بالعفو، وصحت الصلاة؛ لأن الفعل غير منسوب إليه، ولهذا لو أكره ~~على إتلاف مال لم يضمنه ولو أتلفه ناسيا ضمنه والصحيح، إن شاء الله، أن هذا ~~تفسد صلاته؛ لأنه أتى بما يفسد الصلاة عمدا، فأشبه ما لو ms0591 أكره على صلاة ~~الفجر أربعا، أو على أن يركع في كل ركعة ركوعين. # ولا يصح قياسه على الناسي لوجهين: # PageV02P037 # أحدهما أن النسيان يكثر، ولا يمكن التحرز منه بخلاف الإكراه، والثاني أنه ~~لو نسي فزاد في الصلاة، أو نسي في كل ركعة سجدة، لم تفسد صلاته، ولم يثبت ~~مثل هذا في الإكراه. القسم الرابع، أن يتكلم بكلام واجب، مثل أن يخشى على ~~صبي أو ضرير الوقوع في هلكة، أو يرى حية ونحوها تقصد غافلا أو نائما أو يرى ~~نارا يخاف أن تشتعل في شيء ونحو هذا، ولا يمكن التنبيه بالتسبيح. فقال ~~أصحابنا: تبطل الصلاة بهذا. # وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لما ذكرنا في كلام المكره. ويحتمل أن لا تبطل ~~الصلاة به. وهو ظاهر قول أحمد، - رحمه الله -؛ فإنه قال في قصة ذي اليدين: ~~إنما كلم القوم النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كلمهم لأنه كان عليهم أن ~~يجيبوه. فعلل صحة صلاتهم بوجوب الإجابة عليهم. وهذا متحقق هاهنا، وهذا ظاهر ~~مذهب الشافعي. والصحيح عند أصحابه، أن الصلاة لا تبطل بالكلام في جميع هذه ~~الأقسام، ووجه صحة الصلاة هاهنا، أنه تكلم بكلام واجب عليه، أشبه كلام ~~المجيب للنبي - صلى الله عليه وسلم -. القسم الخامس: أن يتكلم لإصلاح ~~الصلاة ونذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. # (936) فصل: وكل كلام حكمنا بأنه لا يفسد الصلاة فإنما هو في اليسير منه، ~~فإن كثر، وطال، أفسد الصلاة. وهذا منصوص الشافعي. وقال القاضي، في المجرد ~~كلام الناسي إذا طال يعيد رواية واحدة. وقال في الجامع لا فرق بين القليل ~~والكثير في ظاهر كلام أحمد لأن ما عفي عنه بالنسيان استوى قليله وكثيره ~~كالأكل في الصيام. وهذا قول بعض الشافعية ولنا: أن دلالة أحاديث المنع من ~~الكلام عامة تركت في اليسير بما ورد فيه الأخبار، فتبقى فيما عداه على ~~مقتضى العموم، ولا يصح قياس الكثير على اليسير؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، ~~وقد عفي عنه في العمل من غير جنس الصلاة بخلاف الكثير ### | [مسألة الإمام إذا تكلم لمصلحة الصلاة] ms0592 # (937) مسألة: قال إلا الإمام خاصة؛ فإنه إذا تكلم لمصلحة الصلاة لم تبطل ~~صلاته ومن ذكر وهو في التشهد أنه قد ترك سجدة من ركعة فليأت بركعة بسجدتيها ~~ويسجد للسهو. وجملته أن من سلم عن نقص من صلاته يظن أنها قد تمت، ثم تكلم ~~ففيه ثلاث روايات: إحداهن أن الصلاة لا تفسد إذا كان الكلام في شأن الصلاة ~~مثل الكلام في بيان الصلاة # PageV02P038 # مثل كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في حديث ذي اليدين؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه تكلموا، ثم بنوا على صلاتهم، ولنا في ~~رسول الله أسوة حسنة. والرواية الثانية: تفسد صلاتهم. وهو قول الخلال ~~وصاحبه، ومذهب أصحاب الرأي؛ لعموم أحاديث النهي. # والثالثة: أن صلاة الإمام لا تفسد - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إماما، فتكلم وبنى على صلاته -، وصلاة المأمومين الذين تكلموا تفسد؛ ~~فإنه لا يصح اقتداؤهم بأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - لأنهما تكلما ~~مجيبين للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإجابته واجبة عليهما، ولا بذي ~~اليدين، لأنه تكلم سائلا عن نقص الصلاة، في وقت يمكن ذلك فيها، وليس بموجود ~~في زماننا وهذه الرواية اختيار الخرقي واختص هذا بالكلام في شأن الصلاة؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إنما تكلموا في شأنها، فاختصت ~~إباحة الكلام بورود النص؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، دون غيره، فيمتنع قياس ~~غيره عليه. # فأما من تكلم في صلب الصلاة من غير سلام، ولا ظن التمام، فإن صلاته تفسد؛ ~~إماما كان أو غيره، لمصلحة الصلاة أو غيرها. وذكر القاضي في ذلك الروايات ~~الثلاث، ويحتمله كلام الخرقي؛ لعموم لفظه، وهو مذهب الأوزاعي، فإنه قال: لو ~~أن رجلا قال للإمام وقد جهر بالقراءة في العصر: إنها العصر لم تفسد صلاته ~~ولأن الإمام قد تطرقه حال يحتاج إلى الكلام فيها، وهو ما لو نسي القراءة في ~~ركعة فذكرها في الثانية، فقد فسدت عليه ركعة، فيحتاج أن يبدلها بركعة هي في ~~ظن المأمومين خامسة ليس لهم موافقته فيها، ولا سبيل إلى إعلامهم بغير ms0593 ~~الكلام وقد شك في صلاته، فيحتاج إلى السؤال، فلذلك أبيح له الكلام. # ولم أعلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن صحابته ولا عن الإمام ~~نصا في الكلام في غير الحال التي سلم فيها معتقدا تمام الصلاة، ثم تكلم بعد ~~السلام، وقياس الكلام في صلب الصلاة عالما بها على هذه الحال ممتنع؛ لأن ~~هذه حال نسيان، غير ممكن التحرز من الكلام فيها، وهي أيضا حال يتطرق الجهل ~~إلى صاحبها بتحريم الكلام فيها، فلا يصح قياس ما يفارقها في هذين الأمرين ~~عليها، ولا نص فيها، وإذا عدم النص والقياس والإجماع، امتنع ثبوت الحكم؛ ~~لأن إثباته يكون ابتداء حكم بغير دليل، ولا سبيل إليه. ### | [فصل الكلام المبطل للصلاة ما انتظم حرفين] # فصل: والكلام المبطل ما انتظم حرفين. هذا قول أصحابنا وأصحاب الشافعي لأن ~~بالحرفين تكون كلمة كقوله: أب وأخ ودم. وكذلك الأفعال والحروف، ولا تنتظم ~~كلمة من أقل من حرفين. ولو قال: لا. فسدت صلاته، لأنها حرفان لام وألف. وإن ~~ضحك فبان حرفان. فسدت صلاته وكذلك وإن قهقه ولم يكن حرفان. وبهذا قال جابر ~~بن عبد الله، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وقتادة، # PageV02P039 # والنخعي، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا. قال ~~ابن المنذر: أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة، وأكثر أهل العلم على أن ~~التبسم لا يفسدها، وقد روى جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال «القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء» رواه الدارقطني في سننه ### | [فصل النفخ في الصلاة] # (939) فصل: فأما النفخ في الصلاة، فإن انتظم حرفين أفسد صلاته؛ لأنه كلام ~~وإلا فلا يفسدها. وقد قال أحمد النفخ عندي بمنزلة الكلام وقال أيضا: قد ~~فسدت صلاته؛ لحديث ابن عباس " من نفخ في الصلاة فقد تكلم " وروي عن أبي ~~هريرة أيضا، وسعيد بن جبير. وقال ابن المنذر: لا يثبت عن ابن عباس، ولا أبي ~~هريرة - رضي الله عنهما - وروي عن أحمد أنه قال: أكرهه، ولا أقول يقطع ~~الصلاة، ليس هو كلاما وروي ذلك عن ابن مسعود، ms0594 وابن عباس، وابن سيرين، ~~والنخعي، ويحيى بن أبي كثير، وإسحاق. # قال القاضي: الموضع الذي قال أحمد يقطع الصلاة إذا انتظم حرفين؛ لأنه ~~جعله كلاما ولا يكون كلاما بأقل من حرفين، والموضع الذي قال: لا يقطع ~~الصلاة إذا لم ينتظم منه حرفان؛ وقال أبو حنيفة إن سمع فهو بمنزلة الكلام ~~وإلا فلا يضر والصحيح أنه لا يقطع الصلاة ما لم ينتظم منه حرفان؛ لما روى ~~عبد الله قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فذكر الحديث إلى أن قال: ثم نفخ في سجوده، فقال: أف أف» رواه أبو داود. ~~وأما قول أبي حنيفة، فإن أراد ما لا يسمعه الإنسان من نفسه، فليس ذلك بنفخ ~~وإنما أراد ما لا يسمعه غيره فلا يصح؛ لأن ما أبطل الصلاة إظهاره أبطلها ~~إسراره، وما لا فلا، كالكلام ### | [فصل النحنحة إن بان منها حرفان بطلت الصلاة بها] # (940) فصل: فأما النحنحة، فقال أصحابنا: إن بان منها حرفان، بطلت الصلاة ~~بها كالنفخ. ونقل المروذي قال: كنت آتي أبا عبد الله فيتنحنح في صلاته، ~~لأعلم أنه يصلي. وقال مهنا: رأيت أبا عبد الله يتنحنح في الصلاة. قال ~~أصحابنا: هذا محمول على أنه لم ينتظم حرفين. وظاهر حال أحمد أنه لم يعتبر ~~ذلك؛ لأن النحنحة لا تسمى كلاما، وتدعو الحاجة إليها في الصلاة وقد روي عن ~~علي - رضي الله عنه - قال «كانت لي ساعة في # PageV02P040 # السحر أدخل فيها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن كان في صلاة ~~تنحنح، فكان ذلك إذني وإن لم يكن في صلاة أذن لي» . رواه الخلال بإسناده # واختلفت الرواية عن أحمد في كراهة تنبيه المصلي بالنحنحة في صلاته، فقال ~~في موضع: لا تنحنح في الصلاة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا نابكم ~~شيء في صلاتكم فليسبح الرجال، ولتصفق النساء» وروى عنه المروذي أنه كان ~~يتنحنح ليعلمه أنه في صلاة وحديث علي يدل عليه، وهو خاص فيقدم على العام ### | [فصل البكاء والتأوه والأنين في الصلاة] # (941) فصل: فأما البكاء والتأوه والأنين ms0595 الذي ينتظم منه حرفان فما كان ~~مغلوبا عليه لم يؤثر على ما ذكرنا من قبل وما كان من غير غلبة فإن كان لغير ~~خوف الله أفسد الصلاة، وإن كان من خشية الله، فقال أبو عبد الله بن بطة، في ~~الرجل يتأوه في الصلاة: إن تأوه من النار فلا بأس. وقال أبو الخطاب: إذا ~~تأوه، أو أن، أو بكى لخوف الله، لم تبطل صلاته. # قال القاضي: التأوه ذكر، مدح الله تعالى به إبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام - فقال: {إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114] والذكر لا يفسد ~~الصلاة، ومدح الباكين بقوله تعالى {خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58] وقال: ~~{ويخرون للأذقان يبكون} [الإسراء: 109] وروي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ~~عن أبيه، أنه قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ولصدره ~~أزيز كأزيز المرجل من البكاء» . رواه الخلال وقال عبد الله بن شداد: سمعت ~~نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف. # ولم أر عن أحمد في التأوه شيئا، ولا في الأنين، والأشبه بأصولنا أنه متى ~~فعله مختارا أفسد صلاته؛ فإنه قال في رواية مهنا، في البكاء الذي لا يفسد ~~الصلاة: إنه ما كان عن غلبة ولأن الحكم لا يثبت إلا بنص أو قياس أو إجماع ~~والنصوص العامة تمنع من الكلام كله، ولم يرد في التأوه والأنين ما يخصهما ~~ويخرجهما من العموم، والمدح على التأوه لا يوجب تخصيصه، كتشميت العاطس، ورد ~~السلام، والكلمة الطيبة التي هي صدقة ### | [فصل أتى بذكر مشروع يقصد به تنبيه غيره في الصلاة] # (942) فصل: إذا أتى بذكر مشروع يقصد به تنبيه غيره. فذلك ثلاثة أنواع: ~~الأول مشروع في الصلاة، مثل أن يسهو إمامه فيسبح به ليذكره أو يترك إمامه ~~ذكرا فيرفع المأموم صوته ليذكره أو يستأذن عليه إنسان في الصلاة أو يكلمه ~~أو ينوبه شيء، فيسبح ليعلم أنه في صلاة، أو يخشى على إنسان الوقوع في شيء ~~فيسبح به ليوقظه، أو يخشى أن يتلف شيئا، فيسبح # PageV02P041 # به ليتركه. # فهذا لا يؤثر في الصلاة في قول أكثر أهل العلم؛ منهم الأوزاعي، ms0596 والشافعي، ~~وإسحاق، وأبو ثور وحكي عن أبي حنيفة أن من أفهم غير إمامه بالتسبيح فسدت ~~صلاته؛ لأنه خطاب آدمي فيدخل في عموم أحاديث النهي عن الكلام ولنا قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «من نابه شيء في الصلاة فليقل: سبحان الله ~~فإنه لا يسمعه أحد يقول سبحان الله إلا التفت وفي لفظ إذا نابكم أمر فليسبح ~~الرجال ولتصفق النساء» متفق عليه وهو عام في كل أمر ينوب المصلي وفي " ~~المسند " عن علي «كنت إذا استأذنت على النبي - صلى الله عليه وسلم - إن كان ~~في صلاة سبح وإن كان في غير صلاة أذن» ولأنه نبه بالتسبيح أشبه ما لو نبه ~~الإمام، ولو كان تنبيه غير الإمام كلاما مبطلا لكان تنبيه الإمام كذلك. # (943) فصل: وفي معنى هذا النوع، إذا فتح على الإمام إذا ارتج عليه، أو رد ~~عليه إذا غلط فلا بأس به في الفرض والنفل. وروي ذلك عن عثمان، وعلي، وابن ~~عمر. - رضي الله عنهم - وبه قال عطاء، والحسن، وابن سيرين، وابن معقل، ~~ونافع بن جبير بن مطعم، وأبو أسماء الرحبي، وأبو عبد الرحمن السلمي. وكرهه ~~ابن مسعود وشريح، والشعبي، والثوري، وقال أبو حنيفة، تبطل الصلاة به؛ لما ~~روى الحارث عن علي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يفتح ~~على الإمام» ولنا: ما روى ابن عمر، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى صلاة، فقرأ فيها، فلبس عليه، فلما انصرف قال لأبي أصليت معنا؟ . قال: ~~نعم قال: فما منعك؟» رواه أبو داود قال الخطابي وإسناده جيد # وعن ابن عباس قال: «تردد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القراءة في ~~صلاة الصبح، فلم يفتحوا عليه، فلما قضى الصلاة نظر في وجوه القوم، فقال: ~~أما شهد الصلاة معكم أبي بن كعب؟ قالوا: لا» فرأى القوم أنه إنما تفقده ~~ليفتح عليه. رواه الأثرم وروى مسور بن يزيد المالكي قال: «شهدت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصلاة فترك آية من القرآن فقيل يا رسول ~~الله، آية كذا ms0597 وكذا تركتها. قال: فهلا ذكرتنيها؟» رواه أبو داود والأثرم ~~ولأنه تنبيه لإمامه بما هو مشروع في الصلاة، فأشبه التسبيح وحديث علي يرويه ~~الحارث وقال الشعبي: كان كذابا، وقد قال عن نفسه: إذا استطعمك الإمام ~~فأطعمه. يعني إذا تعايى فاردد عليه. رواه الأثرم. وقال الحسن إن أهل الكوفة ~~يقولون: لا تفتح على الإمام. وما بأس به، أليس يقول سبحان الله وقال أبو ~~داود: لم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث، ليس هذا منها. # PageV02P042 ### | [فصل إذا أرتج على الإمام في الفاتحة] # (944) فصل: وإذا ارتج على الإمام في الفاتحة لزم من وراءه الفتح عليه، ~~كما لو نسي سجدة لزمهم تنبيهه بالتسبيح. فإن عجز عن إتمام الفاتحة فله أن ~~يستخلف من يصلي بهم؛ لأنه عذر، فجاز أن يستخلف من أجله، كما لو سبقه الحدث. ~~وكذلك لو عجز في أثناء الصلاة عن ركن يمنع الائتمام، كالركوع أو السجود، ~~فإنه يستخلف من يتم بهم الصلاة، كمن سبقه الحدث بل هذا أولى بالاستخلاف؛ ~~لأن من سبقه الحدث قد بطلت صلاته، وهذا صلاته صحيحة فكان بالاستخلاف أولى. # وإذا لم يقدر على إتمام الفاتحة، فقال ابن عقيل: يأتي بما يحسن ويسقط عنه ~~ما عجز عنه، وتصح صلاته لأن القراءة ركن عجز عنه في أثناء الصلاة، فسقط ~~كالقيام، فأما المأموم فإن كان أميا عاجزا عن قراءة الفاتحة صحت صلاته أيضا ~~وإن كان قارئا نوى مفارقته، وأتم وحده، ولا يصح له إتمام الصلاة خلفه لأن ~~هذا قد صار حكمه حكم الأمي والصحيح أنه إذا لم يقدر على قراءة الفاتحة أن ~~صلاته تفسد لأنه قادر على الصلاة بقراءتها فلم تصح صلاته بدون ذلك، لعموم ~~قوله - عليه الصلاة والسلام - «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ولا يصح ~~قياس هذا على الأمي لأن الأمي لو قدر على تعلمها قبل خروج الوقت، لم تصح ~~صلاته بدونها، وهذا يمكنه أن يخرج فيسأل عما وقف عليه ويصلي، ولا قياسه على ~~أركان الأفعال؛ لأن خروجه عن الصلاة لا يزيل عجزه عنها، ولا يأمن عود مثل ms0598 ~~ذلك لعجز بخلاف هذا. # النوع الثاني: ما لا يتعلق بتنبيه آدمي، إلا أنه لسبب من غير الصلاة، مثل ~~أن يعطس فيحمد الله، أو تلسعه عقرب فيقول: بسم الله. أو يسمع، أو يرى ما ~~يغمه فيقول: {إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 156] أو يرى عجبا فيقول: ~~سبحان الله. فهذا لا يستحب في الصلاة ولا يبطلها نص عليه أحمد في رواية ~~الجماعة، في من عطس فحمد الله، لم تبطل صلاته وقال، في رواية مهنا، في من ~~قيل له وهو يصلي: ولد لك غلام. فقال: الحمد لله أو قيل له: احترق دكانك ~~قال: لا إله إلا الله أو ذهب كيسك: فقال لا حول ولا قوة إلا بالله فقد مضت ~~صلاته ولو قيل: له مات أبوك. فقال {إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: ~~156] فلا يعيد صلاته. وذكر حديث علي حين أجاب الخارجي. # وهذا قول الشافعي، وأبي يوسف. وقال أبو حنيفة: تفسد صلاته لأنه كلام آدمي ~~وقد روي عن أحمد مثل هذا؛ فإنه قال في من قيل له: ولد لك غلام. فقال: الحمد ~~لله رب العالمين. أو ذكر مصيبة، فقال: {إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: ~~156] . قال يعيد الصلاة. وقال القاضي: هذا محمول على من قصد خطاب آدمي. ~~ولنا ما روى عامر بن ربيعة، قال: «عطس شاب من الأنصار خلف رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو في الصلاة، فقال: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا ~~فيه، حتى يرضى ربنا، وبعدما يرضى من أمر # PageV02P043 # الدنيا والآخرة. فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من ~~القائل هذه الكلمة؟ فإنه لم يقل بأسا، ما تناهت دون العرش» . رواه أبو ~~داود. # وعن علي، أنه قال له رجل من الخوارج، وهو في صلاة الغداة، فناداه: {لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65] . قال: فأنصت له حتى ~~فهم، ثم أجابه وهو في الصلاة: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا ~~يوقنون} [الروم: 60] احتج به أحمد، ورواه أبو بكر النجاد، بإسناده. ولأن ما ~~لا يبطل الصلاة ms0599 ابتداء لا يبطلها إذا أتى به عقيب سبب، كالتسبيح لتنبيه ~~إمامه. قال الخلال: اتفق الجميع، عن أبي عبد الله، على أنه - لا يرفع صوته ~~- يعني: العاطس لا يرفع صوته - بالحمد، وإن رفع فلا بأس؛ بدليل حديث ~~الأنصاري. # وقال أحمد، في الإمام يقول: " لا إله إلا الله ". فيقول من خلفه: " لا ~~إله إلا الله " يرفعون بها أصواتهم، قال: يقولون، ولكن يخفون ذلك في ~~أنفسهم. وإنما لم يكره أحمد ذلك، كما كره القراءة خلف الإمام؛ لأنه يسير لا ~~يمنع الإنصات، فجرى مجرى التأمين. قيل لأحمد: فإن رفعوا أصواتهم بهذا؟ قال: ~~أكرهه. قيل: فينهاهم الإمام؟ قال: لا ينهاهم. قال القاضي: إنما لم ينههم؛ ~~لأنه قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الجهر بمثل ذلك في صلاة ~~الإخفاء، فإنه كان يسمعهم الآية أحيانا. # (945) فصل: قيل لأحمد، - رحمه الله -: إذا قرأ: {أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى} [القيامة: 40] هل يقول: " سبحان ربي الأعلى ". قال: إن شاء ~~قاله فيما بينه وبين نفسه، ولا يجهر به في المكتوبة وغيرها. وقد روي عن علي ~~- رضي الله عنه - أنه قرأ في الصلاة: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] . ~~فقال: سبحان ربي الأعلى،. وعن ابن عباس، أنه قرأ في الصلاة: {أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى} [القيامة: 40] . فقال: سبحانك، وبلى. وعن موسى ~~بن أبي عائشة، قال: «كان رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ: {أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى} [القيامة: 40] . قال: سبحانك فبكى، فسألوه عن ذلك، ~~فقال: سمعته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . رواه أبو داود. ولأنه ~~ذكر ورد الشرع به، فجاز التسبيح في موضعه. # النوع الثالث: أن يقرأ القرآن يقصد به تنبيه آدمي، مثل أن يقول: {ادخلوها ~~بسلام} [الحجر: 46] . يريد الإذن، أو يقول لرجل اسمه يحيى: {يا يحيى خذ ~~الكتاب بقوة} [مريم: 12] . أو {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} [هود: 32] ~~. فقد روي عن أحمد أن صلاته تبطل بذلك. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه خطاب آدمي ~~فأشبه ما لو كلمه. وروي عنه ما يدل ms0600 على أنها لا تبطل؛ لأنه قال في من قيل ~~له: مات أبوك. فقال {إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 156] . لا يعيد ~~الصلاة. # واحتج بحديث علي، حين قال للخارجي: {فاصبر إن وعد الله حق} [الروم: 60] . # PageV02P044 # وروي نحو هذا عن ابن مسعود وابن أبي ليلى. وروى أبو بكر الخلال، بإسناده ~~عن عطاء بن السائب، قال: استأذنا على عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو يصلي. ~~فقال {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} [يوسف: 99] . فقلنا: كيف صنعت، فقال: ~~استأذنا على عبد الله بن مسعود وهو يصلي، فقال {ادخلوا مصر إن شاء الله ~~آمنين} [يوسف: 99] . # ولأنه قرأ القرآن، فلم تفسد صلاته، كما لو لم يقصد به التنبيه. # وقال القاضي: إن قصد التلاوة دون التنبيه، لم تفسد صلاته، وإن قصد ~~التنبيه دون التلاوة، فسدت صلاته؛ لأنه خاطب آدميا، وإن قصدهما جميعا ففيه ~~وجهان: أحدهما، لا تفسد صلاته. وهو مذهب الشافعي؛ لما ذكرنا من الآثار ~~والمعنى. # والثاني: تفسد صلاته؛ لأنه خاطب آدميا، أشبه ما لو لم يقصد التلاوة. فأما ~~إن أتى ما لا يتميز به القرآن من غيره، كقوله لرجل اسمه إبراهيم. يا ~~إبراهيم. أو لعيسى: يا عيسى. ونحو ذلك، فسدت صلاته؛ لأن هذا كلام الناس، ~~ولم يتميز عن كلامهم بما يتميز به القرآن، فأشبه ما لو جمع بين كلمات ~~متفرقة في القرآن، فقال يا إبراهيم خذ الكتاب الكبير. ### | [فصل يكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى] # (946) فصل: يكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى، أو على ~~من ليس في صلاة؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته، وقد قال النبي صلى - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إن في الصلاة لشغلا» . وقد سئل أحمد عن رجل جالس بين يدي ~~المصلي يقرأ، فإذا أخطأ، فتح عليه المصلي. فقال: كيف يفتح إذا أخطأ هذا، ~~ويتعجب من هذه المسألة. فإن فعل لم تبطل صلاته؛ لأنه قرآن، وإنما قصد ~~قراءته دون خطاب الآدمي بغيره. ولا بأس أن يفتح على المصلي من ليس ms0601 معه في ~~الصلاة. وقد روى النجاد بإسناده، قال: كنت قاعدا بمكة، فإذا رجل عند المقام ~~يصلي، وإذا رجل قاعد خلفه يلقنه، فإذا هو عثمان - رضي الله عنه -. ### | [فصل إذا سلم على المصلي] # (947) فصل: إذا سلم على المصلي، لم يكن له رد السلام بالكلام، فإن فعل ~~بطلت صلاته. روي نحو ذلك عن أبي ذر وعطاء والنخعي. وبه قال مالك والشافعي ~~وإسحاق وأبو ثور. وكان سعيد بن المسيب والحسن وقتادة، لا يرون به بأسا، ~~وروي عن أبي هريرة أنه أمر بذلك. وقال إسحاق: إن فعله متأولا، جازت صلاته. # ولنا، ما روى جابر قال: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~حاجة، فرجعت وهو يصلي على راحلته، ووجهه إلى غير القبلة، فسلمت عليه، فلم ~~يرد علي، فلما انصرف، قال: أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت ~~أصلي» . وقول ابن مسعود «، قلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة ~~فترد # PageV02P045 # علينا؟ قال: إن في الصلاة لشغلا» . رواهما مسلم. ولأنه كلام آدمي، فأشبه ~~تشميت العاطس. إذا ثبت هذا فإنه يرد السلام بالإشارة. وهذا قول مالك ~~والشافعي وإسحاق، وأبي ثور. وعن ابن عباس أنه سلم عليه موسى بن جميل وهو ~~يصلي، فقبض ابن عباس على ذراعه، فكان ذلك ردا من ابن عباس عليه. وإن رد ~~عليه بعد فراغه من الصلاة فحسن. # روي هذا عن أبي ذر وعطاء والنخعي وداود؛ لما روى ابن مسعود، قال: «فقدمت ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يرد علي ~~السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الصلاة قال: وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث أن لا تكلموا ~~في الصلاة» . فرد علي السلام. وقد روى صهيب، قال: «مررت برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو يصلي، فسلمت عليه، وكلمته فرد إشارة» . # قال بعض الرواة: ولا أعلمه إلا قال إشارة بأصبعه. وعن ابن عمر، قال: «خرج ~~رسول الله - صلى الله ms0602 عليه وسلم - إلى قباء، فصلى فيه قال: فجاءته الأنصار ~~فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال يعقوب: هكذا: ~~وبسط - يعني كفه - وجعل بطنه أسفل، وظهره إلى فوق.» قال الترمذي: كلا ~~الحديثين صحيح. رواهما أبو داود، والأثرم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى. ### | [فصل دخل قوم على قوم وهم يصلون] # (948) فصل: وإذا دخل قوم على قوم وهم يصلون، فسئل أحمد عن الرجل يدخل على ~~القوم وهم يصلون، أيسلم عليهم؟ قال: نعم. وروى ابن المنذر عن أحمد أنه سلم ~~على مصل. وفعل ذلك ابن عمر، وكرهه عطاء، وأبو مجلز، والشعبي، وإسحاق؛ لأنه ~~ربما غلط المصلي فرد - عليه السلام -. وقد روى مالك في موطئه: أن ابن عمر ~~سلم على رجل وهو يصلي، فرد - عليه السلام -، فرجع إليه ابن عمر فنهاه عن ~~ذلك، ومن ذهب إلى تجويزه احتج بقول الله تعالى: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا ~~على أنفسكم} [النور: 61] أي على أهل دينكم، ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حين سلم أصحابه عليه رد عليهم إشارة، ولم ينكر ذلك عليهم. ### | [فصل إذا أكل أو شرب في الفريضة عامدا بطلت صلاته] # (949) فصل: إذا أكل أو شرب في الفريضة عامدا، بطلت صلاته، رواية، واحدة. ~~ولا نعلم فيه خلافا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المصلي ممنوع ~~من الأكل والشرب، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من أكل أو شرب ~~في صلاة الفرض عامدا أن عليه الإعادة، وأن ذلك يفسد الصوم # PageV02P046 # الذي لا يفسد بالأفعال، فالصلاة أولى. فإن فعل ذلك في التطوع أبطله، في ~~الصحيح من المذهب، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن ما أبطل الفرض أبطل التطوع، ~~كسائر مبطلاته. وعن أحمد رواية أخرى، أنه لا يبطلها. ويروى عن ابن الزبير ~~وسعيد بن جبير، أنهما شربا في التطوع. # وعن طاوس، أنه لا بأس به. وكذلك قال إسحاق؛ لأنه عمل يسير، فأشبه غير ~~الأكل، فأما إن أكثر فلا ms0603 خلاف في أنه يفسدها؛ لأن غير الأكل من الأعمال ~~يفسد إذا كثر، فالأكل والشرب أولى. وإن أكل أو شرب في فريضة أو تطوع ناسيا ~~لم تفسد. وبهذا قال عطاء والشافعي. وقال الأوزاعي تفسد صلاته؛ لأنه فعل ~~مبطل من غير جنس الصلاة، فاستوى عمده وسهوه، كالعمل الكثير. # ولنا عموم قوله - عليه الصلاة والسلام -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» ~~. ولأنه يسوى بين قليله وكثيره حال العمد. ويعفى عنه في الصلاة كالعمل من ~~جنسها، ويشرع لذلك سجود السهو. وهذا قول الشافعي؛ فإن ما يبطل عمده الصلاة ~~إذا عفي عنه لأجل السهو شرع له السجود، كالزيادة من جنس الصلاة، ومتى كثر ~~ذلك أبطل الصلاة بغير خلاف؛ لأن الأفعال المعفو عن يسيرها إذا كثرت أبطلت، ~~فهذا أولى. ### | [فصل إذا ترك في فيه ما يذوب كالسكر فذاب منه شيء فابتلعه أفسد صلاته] # ؛ لأنه أكل. وإن بقي بين أسنانه، أو في فيه من بقايا الطعام يسير يجري به ~~الريق، فابتلعه، لم تفسد صلاته؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه. وإن ترك في فيه ~~لقمة ولم يبتلعها، كره؛ لأنه يشغله عن خشوع الصلاة والذكر والقراءة فيها، ~~ولا يبطلها؛ لأنه عمل يسير، فأشبه ما لو أمسك شيئا في يده. والله أعلم. # PageV02P047 ### | [باب الصلاة بالنجاسة وغير ذلك] ### | [مسألة إذا لم تكن ثيابه طاهرة وموضع صلاته طاهرا] # مسألة: قال: (وإذا لم تكن ثيابه طاهرة، وموضع صلاته طاهرا، أعاد) وجملة ~~ذلك، أن الطهارة من النجاسة في بدن المصلي وثوبه شرط لصحة الصلاة في قول ~~أكثر أهل العلم؛ منهم ابن عباس وسعيد بن المسيب وقتادة ومالك والشافعي، ~~وأصحاب الرأي. ويروى عن ابن عباس أنه قال: ليس على ثوب جنابة. ونحوه عن أبي ~~مجلز وسعيد بن جبير والنخعي. وقال الحارث العكلي وابن أبي ليلى: ليس في ثوب ~~إعادة، ورأى طاوس دما كثيرا في ثوبه، وهو في الصلاة فلم يباله. وسئل سعيد ~~بن جبير، عن الرجل يرى في ثوبه الأذى وقد صلى؟ فقال: اقرأ علي الآية التي ~~فيها غسل الثياب. # ولنا قول الله تعالى: {وثيابك فطهر} ms0604 [المدثر: 4] . قال ابن سيرين: هو ~~الغسل بالماء. وعن أسماء ابنة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قالت: «سئل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال: اقرصيه، ~~وصلي فيه» . وفي لفظ قالت: «سمعت امرأة تسأل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر، أتصلي فيه؟ قال: تنظر فيه، ~~فإن رأت دما فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر، ولتصل فيه» . رواه أبو ~~داود. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إنهما يعذبان وما ~~يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله» . متفق عليه. وفي رواية: ~~" لا يستنزه من بوله ". # ولأنها إحدى الطهارتين، فكانت شرطا للصلاة، كالطهارة من الحدث. # PageV02P048 ### | [فصل طهارة موضع الصلاة] # (952) فصل: وطهارة موضع الصلاة شرط أيضا، وهو الموضع الذي تقع عليه ~~أعضاؤه وتلاقيه ثيابه التي عليه، فلو كان على رأسه طرف عمامة، وطرفها الآخر ~~يسقط على نجاسة، لم تصح صلاته. وذكر ابن عقيل احتمالا فيما تقع عليه ثيابه ~~خاصة، أنه لا يشترط طهارته؛ لأنه يباشرها بما هو منفصل عن ذاته، أشبه ما لو ~~صلى إلى جانبه إنسان نجس الثوب، فالتصق ثوبه به. والأول المذهب لأن سترته ~~تابعة له، فهي كأعضاء سجوده. # فأما إذا كان ثوبه يمس شيئا نجسا، كثوب من يصلي إلى جانبه، أو حائط لا ~~يستند إليه، فقال ابن عقيل: لا تفسد صلاته بذلك؛ لأنه ليس بمحل لبدنه ولا ~~سترته، ويحتمل أن تفسد؛ لأن سترته ملاقية لنجاسة، أشبه ما لو وقعت عليها. ~~وإن كانت النجاسة محاذية لجسمه في حال سجوده بحيث لا يلتصق بها شيء من بدنه ~~ولا أعضائه، لم يمنع صحة صلاته؛ لأنه لم يباشر النجاسة، فأشبه ما لو خرجت ~~عن محاذاته. ### | [فصل صلى ثم رأى عليه نجاسة في بدنه أو ثيابه] # (953) فصل: وإذا صلى، ثم رأى عليه نجاسة في بدنه أو ثيابه، لا يعلم؛ هل ~~كانت عليه في الصلاة، أو لا؟ فصلاته صحيحة؛ لأن الأصل عدمها في الصلاة. وإن ~~علم ms0605 أنها كانت في الصلاة، لكن جهلها حتى فرغ من الصلاة، ففيه روايتان: ~~إحداهما، لا تفسد صلاته. هذا قول ابن عمر وعطاء وسعيد بن المسيب وسالم، ~~ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والزهري ويحيى الأنصاري، وإسحاق وابن المنذر. ~~والثانية: يعيد. وهو قول أبي قلابة والشافعي لأنها طهارة مشترطة للصلاة، ~~فلم تسقط بجهلها، كطهارة الحدث. وقال ربيعة ومالك: يعيد ما كان في الوقت، ~~ولا يعيد بعده. # ووجه الرواية الأولى، ما روى أبو سعيد، قال: «بينا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فخلع الناس ~~نعالهم، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته قال: ما حملكم ~~على إلقائكم نعالكم؟ . قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا. قال: إن ~~جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا» . رواه أبو داود. ولو كانت الطهارة ~~شرطا، مع عدم العلم بها، لزمه استئناف الصلاة، وتفارق طهارة الحدث؛ لأنها ~~آكد؛ لأنها لا يعفى عن يسيرها، وتختص البدن، وإن كان قد علم بالنجاسة ثم ~~نسيها، وصلى، فقال القاضي: حكى أصحابنا في المسألتين روايتين. وذكر هو في ~~مسألة # PageV02P049 # النسيان، أن الصلاة باطلة؛ لأنه منسوب إلى التفريط، بخلاف الجاهل بها. ~~قال الآمدي: يعيد إذا كان قد توانى، رواية واحدة. # والصحيح التسوية بينهما؛ لأن ما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان، بل ~~النسيان أولى؛ لورود النص بالعفو فيه، بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» وإن علم بالنجاسة في أثناء الصلاة، فإن ~~قلنا. يعذر. فصلاته صحيحة. ثم إن طرح النجاسة من غير زمن طويل، ولا عمل ~~كثير، ألقاها، وبنى، كما خلع النبي - صلى الله عليه وسلم - نعليه حين أخبره ~~جبريل بالقذر فيهما. وإن احتاج أحد هذين، بطلت صلاته؛ لأنه يفضي إلى أحد ~~أمرين؛ إما استصحاب النجاسة مع العلم بها زمنا طويلا، أو يعمل في الصلاة ~~عملا كثيرا، فتبطل به الصلاة، فصار كالعريان يجد السترة بعيدة منه. (954) ~~فصل: وإذا سقطت عليه نجاسة، ثم زالت عنه، أو أزالها في الحال، لم تبطل ~~صلاته؛ لأن النبي - صلى الله ms0606 عليه وسلم - لما علم بالنجاسة في نعليه ~~خلعهما، وأتم صلاته، ولأن النجاسة يعفى عن يسيرها، فعفي عن يسير زمنها، ~~ككشف العورة. وهذا مذهب الشافعي. ### | [فصل صلى على منديل طرفه نجس] # (955) فصل: وإذا صلى على منديل، طرفه نجس أو كان تحت قدمه حبل مشدود في ~~نجاسة، وما يصلي عليه طاهر، فصلاته صحيحة، سواء تحرك النجس بحركته، أو لم ~~يتحرك، لأنه ليس بحامل للنجاسة، ولا بمصل عليها، وإنما اتصل مصلاه بها، ~~أشبه ما لو صلى على أرض طاهرة متصلة بأرض نجسة. وقال بعض أصحابنا: إذا كان ~~النجس يتحرك بحركته، لم تصح صلاته. والمعول على ما ذكرنا. فأما إن كان ~~الحبل أو المنديل متعلقا به، بحيث ينجر معه إذا مشى، لم تصح صلاته؛ لأنه ~~مستتبع لها، فهو كحاملها. ولو كان في يده أو وسطه حبل مشدود في نجاسة، أو ~~حيوان نجس، أو سفينة صغيرة فيها نجاسة تنجر معه إذا مشى، لم تصح صلاته؛ ~~لأنه مستتبع لها، فهو كحاملها. # وإن كانت السفينة كبيرة لا يمكنه جرها، أو الحيوان كبيرا لا يقدر على جره ~~إذا استعصى عليه، لم تفسد صلاته؛ لأنه ليس بمستتبع لها. قال القاضي: هذا ~~إذا كان الشد في موضع طاهر، فإن كان مشدودا في موضع نجس، فسدت صلاته؛ لأنه ~~حامل لما هو ملاق للنجاسة. والأولى أن صلاته لا تفسد؛ لأنه لا يقدر على ~~استتباع ما هو ملاق للنجاسة، فأشبه ما لو أمسك سفينة عظيمة فيها نجاسة، أو ~~غصنا من شجرة عليها نجاسة. ### | [فصل إذا حمل في الصلاة حيوانا طاهرا أو صبيا] # (956) فصل: وإذا حمل في الصلاة حيوانا طاهرا أو صبيا، لم تبطل صلاته؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى وهو حامل # PageV02P050 # أمامة ابنة أبي العاص. متفق عليه. وركب الحسن والحسين على ظهره وهو ساجد، ~~ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدته، فهي كالنجاسة في معدة المصلي، ولو ~~حمل قارورة فيها نجاسة مسدودة، لم تصح صلاته. وقال بعض أصحاب الشافعي: لا ~~تفسد صلاته؛ لأن النجاسة لا تخرج منها، فهي كالحيوان. وليس ms0607 بصحيح؛ لأنه ~~حامل لنجاسة غير معفو عنها في غير معدنها، فأشبه ما لو حملها في كمه. ### | [مسألة الصلاة في المقبرة أوالحش أو الحمام أو في أعطان الإبل] # (957) مسألة: قال: (وكذلك إن صلى في المقبرة أو الحش أو الحمام أو في ~~أعطان الإبل؛ أعاد) اختلفت الرواية عن أحمد، - رحمه الله -، في الصلاة في ~~هذه المواضع، فروي أن الصلاة لا تصح فيها بحال. وممن روي عنه أنه كره ~~الصلاة في المقبرة علي، وابن عباس، وابن عمر وعطاء، والنخعي، وابن المنذر. ~~وممن رأى أن يصلى في مرابض الغنم ولا يصلى في مبارك الإبل ابن عمر وجابر بن ~~سمرة، والحسن، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور. وعن أحمد رواية أخرى، أن الصلاة في ~~هذه صحيحة ما لم تكن نجسة. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله - ~~عليه السلام -: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» وفي لفظ «فحيثما أدركتك ~~الصلاة فصل، فإنه مسجد» . وفي لفظ: «أينما أدركتك الصلاة فصل، فإنه مسجد» . ~~متفق عليها # ، ولأنه موضع طاهر، فصحت الصلاة فيه، كالصحراء. ولنا، قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة» رواه أبو داود. # وهذا خاص مقدم على عموم ما رووه. وعن جابر بن سمرة «، أن رجلا سأل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أنصلي في في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: ~~أنصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا» . رواه مسلم وعن البراء قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين» . ~~رواه أبو داود. وعن أسيد بن حضير، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في مبارك الإبل» رواه الإمام أحمد في ~~" مسنده ". والنهي يقتضي التحريم، وهذا خاص يقدم على عموم ما رووه، وروي ~~هذا الحديث عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن مغفل، رواهن الأثرم. # فأما الحش فإن الحكم يثبت فيه بالتنبيه؛ لأنه إذا منع من الصلاة في هذه ~~المواضع لكونها مظان النجاسة، فالحش معد للنجاسة ومقصود لها، فهو أولى ms0608 ~~بالمنع فيه. وقال بعض أصحابنا: إن كان المصلي عالما بالنهي في هذه المواضع، ~~لم تصح صلاته فيها؛ لأنه عاص بصلاته فيها، والمعصية لا تكون قربة ولا طاعة، ~~وإن لم يكن عالما فهل تصح صلاته؟ على روايتين. إحداهما، لا تصح لأنه صلى ~~فيما لا تصح الصلاة فيه مع العلم، فلا تصح مع الجهل، كالصلاة في محل نجس. # والثانية: تصح لأنه معذور. # PageV02P051 # (958) فصل: وذكر بعض أصحابنا مع هذه المواضع المزبلة، والمجزرة، ومحجة ~~الطريق، وظهر بيت الله الحرام، والموضع المغصوب لما روى ابن عمر، أن رسول ~~الله صلى - صلى الله عليه وسلم - قال: «سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة؛ ظهر ~~بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة ~~الطريق» رواه ابن ماجه. وعن ابن عمر قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يصلى في سبع مواطن. وذكرها، وقال: وقارعة الطريق، ومعاطن الإبل، ~~وفوق الكعبة» . وقال: الحكم في هذه المواضع السبعة كالحكم في الأربعة سواء. # ولأن المواضع مظنة النجاسات، فعلق الحكم عليها دون حقيقتها، كما يثبت حكم ~~نقض الطهارة بالنوم، ووجوب الغسل بالتقاء الختانين. (959) فصل: قال القاضي: ~~المنع من هذه المواضع تعبد، لا لعلة معقولة، فعلى هذا يتناول النهي كل ما ~~وقع عليه الاسم فلا فرق في المقبرة بين القديمة والحديثة، وما تقلبت ~~أتربتها أو لم تتقلب؛ لتناول الاسم لها، فإن كان في الموضع قبر أو قبران، ~~لم يمنع من الصلاة فيها. لأنها لا يتناولها اسم المقبرة. وإن نقلت القبور ~~منها، جازت الصلاة فيها؛ لأن مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت ~~فيه قبور المشركين، فنبشت. متفق عليه. ولا فرق في الحمام بين مكان الغسل ~~وصب الماء، وبين بيت المسلخ - الذي ينزع فيه الثياب - والأتون وكل ما يغلق ~~عليه باب الحمام؛ لتناول الاسم له. وأما المعاطن، فقال أحمد: هي التي تقيم ~~فيها الإبل وتأوي إليها. # وقيل: هي المواضع التي تناخ فيها إذا وردت. والأول أجود؛ لأنه جعله ~~مقابلة مراح الغنم. والحش: المكان الذي يتخذ للغائط والبول فيمنع من الصلاة ~~فيما ms0609 هو داخل بابه. ولا أعلم في منع الصلاة فيه إلا أنه قد منع من ذكر الله ~~تعالى فيه والكلام، فمنع الصلاة فيه أولى، ولأنه إذا منع الصلاة في هذه ~~المواضع لكونها مظان للنجاسات، فهذا أولى؛ فإنه بني لها ويحتمل أن المنع في ~~هذه المواضع معلل بأنها مظان للنجاسات، فإن المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي ~~فيه صديد الموتى ودماؤهم ولحومهم، ومعاطن الإبل يبال فيها، فإن البعير ~~البارك كالجدار يمكن أن يستتر به ويبول، كما روي عن ابن عمر، أنه أناخ ~~بعيره مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليه. # ولا يتحقق هذا في حيوان سواها؛ لأنه في حال ربضه لا يستر، وفي حال قيامه ~~لا يثبت ولا يستر. والحمام موضع الأوساخ والبول، فنهي عن الصلاة فيها لذلك. ~~وتعلق الحكم بها وإن كانت طاهرة لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن # PageV02P052 # خفيت الحكمة فيها، ومتى أمكن تعليل الحكم تعين تعليله، وكان أولى من قهر ~~التعبد ومرارة التحكم، يدل على صحة هذا تعدية الحكم إلى الحش المسكوت عنه، ~~بالتنبيه من وجود معنى المنطوق فيه، وإلا لم يكن ذلك تنبيها، فعلى هذا يمكن ~~قصر الحكم على ما هو مظنة منها، فلا يثبت حكم المنع في موضع المسلخ من ~~الحمام، ولا في وسطه، لعدم المظنة فيه، وكذلك ما أشبهه والله أعلم. (960) ~~فصل: وزاد أصحابنا المجزرة، والمزبلة، ومحجة الطريق، وظهر الكعبة؛ لأنها في ~~خبر عمر وابنه. وقالوا: لا يجوز فيها الصلاة. # ولم يذكرها الخرقي فيحتمل أنه جوز الصلاة فيها، وهو قول أكثر أهل العلم؛ ~~لعموم قوله - عليه الصلاة والسلام -: «جعلت لي الأرض مسجدا» وهو صحيح متفق ~~عليه. واستثنى منه المقبرة، والحمام، ومعاطن الإبل، بأحاديث صحيحة خاصة، ~~ففيما عدا ذلك يبقى على العموم. وحديث عمر وابنه يرويهما العمري، وزيد بن ~~جبير؛ وقد تكلم فيهما من قبل حفظهما، فلا يترك الحديث الصحيح بحديثهما. ~~وهذا أصح، وأكثر أصحابنا، فيما علمت، عملوا بخبر عمر وابنه في المنع من ~~الصلاة في المواضع السبعة. # ومعنى محجة الطريق: الجادة المسلوكة التي تسلكها السابلة. وقارعة الطريق: ~~يعني ms0610 التي تقرعها الأقدام، فاعلة بمعنى مفعولة، مثل الأسواق والمشارع ~~والجادة للسفر. ولا بأس بالصلاة فيما علا منها يمنة ويسرة ولم يكثر قرع ~~الأقدام فيه. وكذلك لا بأس بالصلاة في الطريق التي يقل سالكوها، كطرق ~~الأبيات اليسيرة. # والمجزرة: الموضع الذي يذبح القصابون فيه البهائم، وشبههم معروفا بذلك ~~معدا. والمزبلة: الموضع الذي يجمع فيه الزبل. ولا فرق في هذه المواضع بين ~~ما كان منها طاهرا ونجسا، ولا بين كون الطريق فيها سالكا أو لم يكن؛ ولا في ~~المعاطن بين أن يكون فيها إبل في الوقت أو لم يكن. # وأما المواضع التي تبيت فيها الإبل في مسيرها، أو تناخ فيها لعلفها أو ~~وردها، فلا يمنع الصلاة فيها. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن موضع ~~فيه أبعار الإبل يصلى فيه؟ فرخص فيه، ثم قال: إذا لم يكن من معاطن الإبل، ~~التي نهي عن الصلاة فيها، التي تأوي إليها الإبل. (961) فصل: ويكره أن يصلي ~~إلى هذه المواضع فإن فعل صحت صلاته نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وقد سئل ~~عن الصلاة إلى المقبرة والحمام والحش؟ قال: لا ينبغي أن يكون في القبلة ~~قبر، ولا حش ولا حمام، فإن كان يجزئه. وقال أبو بكر: يتوجه في الإعادة ~~قولان؛ أحدهما: يعيد؛ لموضع النهي، وبه أقول. # والثاني: يصح؛ لأنه لم يصل في شيء من المواضع المنهي عنها. وقال أبو عبد ~~الله بن حامد: إن # PageV02P053 # صلى إلى المقبرة والحش فحكمه حكم المصلي فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما ~~حائل؛ لما روى أبو مرثد الغنوي، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها» . متفق عليه. وقال الأثرم: ~~ذكر أحمد حديث أبي مرثد، ثم قال: إسناده جيد. وقال أنس: رآني عمر، وأنا ~~أصلي إلى قبر، فجعل يشير إلي: القبر، القبر. قال القاضي: وفي هذا تنبيه على ~~نظائره من المواضع التي نهي عن الصلاة فيها. # والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة؛ لأن ~~قوله - عليه الصلاة ms0611 والسلام -: «جعلت الأرض مسجدا» يتناول الموضع الذي يصلي ~~فيه من هي في قبلته، وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح لأن النهي إن ~~كان تعبدا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه، وإن كان لمعنى ~~مختص بها، وهو اتخاذ القبور مسجدا، والتشبه بمن يعظمها ويصلي إليها، فلا ~~يتعداها الحكم؛ لعدم وجود المعنى في غيرها، وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا ~~فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» . # وقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . ~~يحذر ما صنعوا. متفق عليهما. فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور للنهي ~~عنها، ويصح إلى غيرها لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد ~~النهي فيه، والله أعلم. (962) فصل: وإن صلى على سطح الحش أو الحمام أو عطن ~~الإبل أو غيرها، فذكر القاضي أن حكمه حكم المصلي فيها؛ لأن الهواء تابع ~~للقرار، فيثبت فيه حكمه، ولذلك لو حلف لا يدخل دارا، فدخل سطحها، حنث، ولو ~~خرج المعتكف إلى سطح المسجد كان له ذلك؛ لأن حكمه حكم المسجد. # والصحيح، إن شاء الله، قصر النهي على ما تناوله، وأنه لا يعدى إلى غيره؛ ~~لأن الحكم إن كان تعبديا فالقياس فيه ممتنع، وإن علل فإنما تعلل بكونه ~~للنجاسة، ولا يتخيل هذا في سطحها. فأما إن بنى على طريق ساباطا أو أخرج ~~عليه خروجا، فعلى قول القاضي: حكمه حكم الطريق، لما ذكره فيما تقدم. # وعلى قولنا، إن كان الساباط مباحا له، مثل أن يكون في درب غير نافذ بإذن ~~أهله، أو مستحقا له، أو حدث الطريق بعده، فلا بأس بالصلاة عليه، وإن كان ~~على طريق نافذ، فليس ذلك له، فيكون المصلي فيه كالمصلي في الموضع المغصوب. ~~على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وإن كان الساباط على نهر تجري فيه السفن، ~~فهو كالساباط على الطريق، # PageV02P054 # في القولين جميعا. # وهذا مما يدل على ما ذكرناه؛ لأنه لو كانت العلة كونه تابعا ms0612 للقرار، ~~لجازت الصلاة هاهنا، لكون القرار غير ممنوع من الصلاة فيه، بدليل ما لو صلى ~~عليه في سفينة، أو لو جمد ماؤه فصلى عليه، صح، ولأنه لو كانت العلة ما ذكره ~~لصحت الصلاة على ما حاذى ميمنة الطريق وميسرتها، وما لا تقرعه الأقدام ~~منها، وهذا فيما إذا كان السطح جاريا على موضع النهي، فإن كان المسجد ~~سابقا، وجعل تحته طريق أو عطن أو غيرهما من مواضع النهي. أو كان في غير ~~مقبرة فحدثت المقبرة حوله، لم تمتنع الصلاة فيه، بغير خلاف، لأنه لم يتبع ~~ما حدث بعده، والله أعلم. ### | [فصل بنى مسجدا في المقبرة بين القبور] # (963) فصل: وإن بنى مسجدا في المقبرة بين القبور، فحكمه حكمها؛ لأنه لا ~~يخرج بذلك عن أن يكون في المقبرة. وقد روى قتادة: أن أنسا مر على مقبرة، ~~وهم يبنون فيها مسجدا، فقال أنس: كان يكره أن يبنى مسجد في وسط القبور. ### | [فصل لا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها] # (964) فصل: ولا تصح الفريضة في الكعبة، ولا على ظهرها. وجوزه الشافعي ~~وأبو حنيفة؛ لأنه مسجد، ولأنه محل لصلاة النفل، فكان محلا للفرض، كخارجها. ~~ولنا: قول الله تعالى {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] . ~~والمصلي فيها أو على ظهرها غير مستقبل لجهتها، والنافلة مبناها على التخفيف ~~والمسامحة، بدليل صلاتها قاعدا، وإلى غير القبلة، في السفر على الراحلة. ~~(965) فصل: وتصح النافلة في الكعبة وعلى ظهرها. لا نعلم فيه خلافا؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في البيت ركعتين. # إلا أنه إن صلى تلقاء الباب أو على ظهرها، وكان بين يديه شيء من بناء ~~الكعبة متصل بها، صحت صلاته، فإن لم يكن بين يديه شيء شاخص، أو كان بين ~~يديه آجر معبأ غير مبني، أو خشب غير مسمور فيها، فقال أصحابنا: لا تصح ~~صلاته لأنه غير مستقبل لشيء منها. وإن كان الخشب مسمورا والآجر مبنيا، صحت ~~صلاته؛ لأن ذلك تابع لها. والأولى أنه لا يشترط كون شيء منها بين يديه؛ لأن ~~الواجب استقبال موضعها وهوائها، ms0613 دون حيطانها، بدليل ما لو انهدمت الكعبة، ~~صحت الصلاة إلى موضعها، ولو صلى على جبل عال يخرج عن مسامتتها، صحت صلاته ~~إلى هوائها، كذا هاهنا. ### | [فصل الصلاة في الموضع المغصوب] # (966) فصل: وفي الصلاة في الموضع المغصوب روايتان: # PageV02P055 # إحداهما، لا تصح. وهو أحد قولي الشافعي. والثانية، تصح. وهو قول أبي ~~حنيفة ومالك، والقول الثاني للشافعي لأن النهي لا يعود إلى الصلاة، فلم ~~يمنع صحتها، كما لو صلى وهو يرى غريقا، يمكنه إنقاذه، فلم ينقذه، أو حريقا ~~يقدر على إطفائه، فلم يطفئه، أو مطل غريمه الذي يمكن إيفاؤه وصلى. # ولنا أن الصلاة عبادة أتى بها على الوجه المنهي عنه، فلم تصح، كصلاة ~~الحائض وصومها، وذلك لأن النهي يقتضي تحريم الفعل، واجتنابه، والتأثيم ~~بفعله، فكيف يكون مطيعا بما هو عاص به، ممتثلا بما هو محرم عليه، متقربا ~~بما يبعد به، فإن حركاته وسكناته من القيام والركوع والسجود أفعال ~~اختيارية، هو عاص بها منهي عنها. # فأما من رأى الحريق فليس بمنهي عن الصلاة، إنما هو مأمور بإطفاء الحريق، ~~وإنقاذ الغريق، وبالصلاة، إلا أن أحدهما آكد من الآخر، أما في مسألتنا فإن ~~أفعال الصلاة في نفسها منهي عنها. إذا ثبت هذا فلا فرق بين غصبه لرقبة ~~الأرض بأخذها، أو دعواه ملكيتها، وبين غصبه منافعها، بأن يدعي إجارتها ~~ظالما، أو يضع يده عليها ليسكنها مدة أو يخرج روشنا أو ساباطا في موضع لا ~~يحل له، أو يغصب راحلة ويصلي عليها أو سفينة ويصلي فيها، أو لوحا فيجعله في ~~سفينة ويصلي عليها، كل ذلك حكمه في الصلاة حكم الدار، على ما بيناه. (967) ~~فصل: قال أحمد - رحمه الله -: تصلى الجمعة في الموضع الغصب. # يعني لو كان الجامع أو موضع منه مغصوبا صحت الصلاة فيه؛ لأن الجمعة، تختص ~~ببقعة، فإذا صلاها الإمام في الموضع المغصوب، فامتنع الناس من الصلاة فيه، ~~فاتتهم الجمعة، وإن امتنع بعضهم، فاتته الجمعة، ولذلك أبيحت خلف الخوارج ~~والمبتدعة، وكذلك تصح في الطرق ورحاب المسجد، لدعاء الحاجة إلى فعلها في ~~هذه المواضع، وكذلك في الأعياد والجنازة. ms0614 ### | [فصل الصلاة في أرض الخسف] # (968) فصل: قال أحمد - رحمه الله -: أكره الصلاة في أرض الخسف؛ وذلك ~~لأنها موضع مسخوط عليه. وقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه يوم ~~مر بالحجر: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم ~~مثل ما أصابهم.» متفق عليه. # PageV02P056 ### | [فصل الصلاة في الكنيسة النظيفة] # (969) فصل: ولا بأس بالصلاة في الكنيسة النظيفة، رخص فيها الحسن وعمر بن ~~عبد العزيز والشعبي والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وروي أيضا عن عمر وأبي ~~موسى، وكره ابن عباس ومالك الكنائس؛ من أجل الصور. ولنا «، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى في الكعبة وفيها صور» ، ثم هي داخلة في قوله - عليه ~~السلام -: «فأينما أدركتك الصلاة فصل، فإنه مسجد» ### | [فصل حكم الصلاة على الأرض النجسة إذا بسط عليها شيء طاهر] # (970) فصل: وإذا كانت الأرض نجسة، فطينها بطاهر، أو بسط عليها شيئا ~~طاهرا، صحت الصلاة مع الكراهة، في ظاهر كلام أحمد، - رحمه الله -. وهو قول ~~طاوس، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وذكر أصحابنا في المسألة ~~روايتين؛ إحداهما: لا تصح؛ لأنها مدفن النجاسة، فأشبهت المقبرة. ولنا أن ~~الطهارة إنما تشترط في بدن المصلي وثوبه وموضع صلاته، وقد وجد ذلك كله، ولا ~~نسلم العلة في الأصل، فإنه لو صلى بين القبور لم تصح صلاته وإن لم يكن ~~مدفنا للنجاسة، وقد قيل: إن الحكم غير معلل؛ فلا يقاس عليه. ### | [فصل تطيين المسجد بطين نجس] # (971) فصل: ويكره تطيين المسجد بطين نجس، أو تطبيقه بطوابق نجسة، أو ~~بناؤه بلبن نجس، أو آجر نجس، فإن فعل، وباشر المصلي أرضه النجسة ببدنه أو ~~ثيابه، لم تصح صلاته. وأما الآجر المعجون بالنجاسة، فهو نجس؛ لأن النار لا ~~تطهره، فإن غسل طهر ظاهره؛ لأن النار أكلت أجزاء النجاسة الظاهرة، وبقي ~~أثرها، فتطهر بالغسل، كالأرض النجسة ويبقى باطنها نجسا لأن الماء لم يصل ~~إليه، فإن صلى عليه بعد الغسل فهو كما لو صلى على بساط طاهر مفروش على أرض ~~نجسة، وذلك الحكم في البساط الذي باطنه نجس وظاهره طاهر. ومتى ms0615 انكسر من ~~الآجر النجس قطعة، فظهر بعض باطنه، فهو نجس، لا تصح الصلاة عليه. ### | [فصل الصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعر والوبر] # (972) فصل: ولا بأس بالصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعر والوبر، ~~والثياب من القطن والكتان وسائر الطاهرات. وصلى عمر على عبقري وابن عباس ~~على طنفسة وزيد بن ثابت وجابر # PageV02P057 # على حصير وعلي وابن عباس وابن مسعود وأنس على المنسوج. وهو قول عوام أهل ~~العلم، إلا ما روي عن جابر، أنه كره الصلاة على كل شيء من الحيوان، واستحب ~~الصلاة على كل شيء من نبات الأرض. ونحوه قال مالك، إلا أنه قال في بساط ~~الصوف والشعر: إذا كان سجوده على الأرض لم أر بالقيام عليه بأسا. والصحيح: ~~أنه لا بأس بالصلاة على شيء من ذلك، وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على حصير في بيت عتبان بن مالك، وأنس، متفق عليهما. # وروى عنه المغيرة بن شعبة «، أنه كان يصلي على الحصير والفروة المدبوغة» ~~. وفيما رواه ابن ماجه، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ملتفا بكساء، ~~يضع يده عليه إذا سجد» . ولأن ما لم تكره الصلاة فيه لم تكره الصلاة عليه ~~كالكتان والخوص. وتصح الصلاة على ظهر الحيوان، إذا أمكنه استيفاء الأركان ~~عليه، والنافلة في السفر. وإن كان الحيوان نجسا، أو عليه بساط طاهر، صحت ~~الصلاة عليه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على حمار. وفعله أنس ~~وتصح الصلاة على العجلة، وهي خشب على بكرات، إذا أمكنه ذلك؛ لأنها محل ~~تستقر عليه أعضاؤه، فهي كغيرها. ### | [مسألة صلى وفي ثوبه نجاسة] # (973) مسألة: قال: (وإن صلى وفي ثوبه نجاسة، وإن قلت، أعاد) وقد ذكرنا أن ~~الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة، ولا فرق بين كثيرها وقليلها، إلا فيما ~~نذكره بعد، إن شاء الله تعالى. وممن قال: لا يعفى عن يسير البول مثل رءوس ~~الإبر مالك والشافعي، وأبو ثور وقال أبو حنيفة: يعفى عن يسير جميع ~~النجاسات؛ لأنه يتحرى فيها بالمسح في محل الاستنجاء، ولو لم يعف عنها لم ms0616 ~~يكف فيها المسح كالكثير، ولأنه يشق التحرز منه، فعفي عنه كالدم. # ولنا: عموم قوله تعالى {وثيابك فطهر} [المدثر: 4] . وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» ولأنها ~~نجاسة لا تشق إزالتها، فوجبت إزالتها كالكثير، وأما الدم فإنه يشق التحرز ~~منه، فإن الإنسان لا يكاد يخلو من بثرة أو حكة أو دمل، ويخرج من أنفه وفيه ~~وغيرهما، فيشق التحرز من يسيره أكثر من كثيره، ولهذا فرق في الوضوء بين ~~قليله وكثيره. # مسألة: قال: (إلا أن يكون ذلك دما أو قيحا يسيرا مما لا يفحش في القلب) ~~أكثر أهل العلم يرون العفو عن يسير الدم والقيح. وممن روي عنه ابن عباس، ~~وأبو هريرة، وجابر، وابن أبي أوفى، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وطاوس، ~~ومجاهد، وعروة، ومحمد بن كنانة، والنخعي وقتادة، والأوزاعي، والشافعي في ~~أحد قوليه، وأصحاب الرأي. وكان ابن عمر # PageV02P058 # ينصرف من قليله وكثيره. وقال الحسن: كثيره وقليله سواء. ونحوه عن سليمان ~~التيمي؛ لأنه نجاسة. فأشبه البول. # ولنا، ما روي عن عائشة، قالت: قد كان يكون لإحدانا الدرع، فيه تحيض وفيه ~~تصيبها الجنابة، ثم ترى فيه قطرة من دم، فتقصعه بريقها. وفي لفظ: ما كان ~~لإحدانا إلا ثوب، فيه تحيض، فإن أصابه شيء من دمها بلته بريقها، ثم قصعته ~~بظفرها. رواه أبو داود. # وهذا يدل على العفو عنه؛ لأن الريق لا يطهر به ويتنجس به ظفرها، وهو ~~إخبار عن دوام الفعل، ومثل هذا لا يخفى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا يصدر إلا عن أمره، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في ~~عصرهم، فيكون إجماعا. وما حكي عن ابن عمر فقد روي عنه خلافه، فروى الأثرم ~~بإسناده، عن نافع، أن ابن عمر كان يسجد، فيخرج يديه، فيضعهما بالأرض، وهما ~~يقطران دما، من شقاق كان في يديه، وعصر بثرة فخرج منها شيء من دم وقيح، ~~فمسحه بيده وصلى، ولم يتوضأ. وانصرافه منه في بعض الحالات لا ينافي ما ~~رويناه عنه، فقد يتورع ms0617 الإنسان عن بعض ما يرى جوازه، ولأنه يشق التحرز منه، ~~فعفي عنه كأثر الاستنجاء. # (975) فصل: وظاهر مذهب أحمد، أن اليسير ما لا يفحش في القلب. وهو قول ابن ~~عباس، قال: إلا إذا كان فاحشا أعاده. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب. وروي عن ~~أحمد أنه سئل عن الكثير؟ فقال: شبر في شبر. وقال في موضع، قال: قدر الكف ~~فاحش. وظاهر مذهبه، أنه ما فحش في قلب من عليه الدم. وقال ابن عباس: ما فحش ~~في قلبك. قال الخلال: والذي استقر عليه قوله في الفاحش، أنه على قدر ما ~~يستفحشه كل إنسان في نفسه. وقال ابن عقيل: إنما يعتبر ما يفحش في نفوس ~~أوساط الناس. # وقال قتادة، في موضع الدرهم: فاحش. ونحوه عن النخعي وسعيد بن جبير وحماد ~~بن أبي سليمان والأوزاعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه يروى عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم» . # ولنا أنه لا حد له في الشرع، فرجع فيه إلى العرف، كالتفرق والإحراز، وما ~~رووه لا يصح، # PageV02P059 # فإن الحافظ أبا الفضل المقدسي، قال: هو موضوع. ولأنه إنما يدل على محل ~~النزاع، بدليل خطابه، وأصحاب الرأي لا يرونه حجة. (976) فصل: والقيح، ~~والصديد، وما تولد من الدم، بمنزلته، إلا أن أحمد قال: هو أسهل من الدم ~~وروي عن ابن عمر، والحسن أنهما لم يرياه كالدم. # وقال أبو مجلز، في الصديد: إنما ذكر الله الدم المسفوح. وقال أمي بن ~~ربيعة، رأيت طاوسا كأن إزاره نطع من قروح كانت برجليه. وقال إسماعيل ~~السراج: رأيت حاشية إزار مجاهد قد ثبتت من الصديد والدم من قروح كانت ~~بساقيه. وقال إبراهيم، في الذي يكون به الحبون: يصلي، ولا يغسله، فإذا برئ ~~غسله. وقال عروة ومحمد بن كنانة مثل ذلك. فعلى هذا يعفى منه عن أكثر مما ~~يعفى عن مثله من الدم؛ لأنه لا يفحش منه إلا أكثر من الدم، ولأن هذا لا نص ~~فيه، وإنما ثبتت النجاسة فيه لأنه مستحيل من الدم إلى حال مستقذرة. # (977) فصل: ولا ms0618 فرق بين كون الدم مجتمعا أو متفرقا، بحيث إذا جمع بلغ هذا ~~القدر، ولو كانت النجاسة في شيء صفيق، قد نفذت من الجانبين، فاتصل ظاهره ~~بباطنه، فهو نجاسة واحدة. وإن لم يتصلا، بل كان بينهما شيء لم يصبه الدم، ~~فهما نجاستان، إذا بلغا - لو جمعا - قدرا لا يعفى عنه لم يعف عنهما، كما لو ~~كانا في جانبي الثوب (978) . فصل: ويعفى عن يسير دم الحيض؛ لما ذكرنا من ~~حديث عائشة - رضي الله عنها -، وعن سائر دماء الحيوانات الطاهرة. فأما دم ~~الكلب والخنزير فلا يعفى عن يسيره؛ لأن رطوباته الطاهرة من غيره لا يعفى عن ~~شيء منها، فدمه أولى، ولأنه أصاب جسم الكلب فلم يعف عنه، كالماء إذا أصابه. ~~وهكذا كل دم أصاب نجاسة غير معفو عنها، لم يعف عن شيء منه لذلك. # (979) فصل: ودم ما لا نفس له سائلة، كالبق، والبراغيث، والذباب، ونحوه، ~~فيه روايتان؛ إحداهما، أنه طاهر. وممن رخص في دم البراغيث عطاء وطاوس ~~والحسن، والشعبي والحاكم # PageV02P060 # وحبيب بن أبي ثابت وحماد والشافعي وإسحاق؛ ولأنه لو كان نجسا لنجس الماء ~~اليسير إذا مات فيه، فإنه إذا مكث في الماء لا يسلم من خروج فضلة منه فيه، ~~ولأنه ليس بدم مسفوح، وإنما حرم الله الدم المسفوح. والرواية الثانية، عن ~~أحمد، قال في دم البراغيث إذا كثر: إني لأفزع منه. وقال النخعي: اغسل ما ~~استطعت. وقال مالك في دم البراغيث: إذا كثر وانتشر، فإني أرى أن يغسل. # والأول أظهر. وقول أحمد: إني لأفزع منه. ليس بصريح في نجاسته، وإنما هو ~~دليل على توقفه فيه، وليس المنسوب إلى البراغيث دما إنما هو بولها في ~~الظاهر، وبول هذه الحشرات ليس بنجس، والله أعلم. وقال أبو الخطاب: دم السمك ~~طاهر؛ لأن إباحته لا تقف على سفحه، ولو كان نجسا، لوقفت الإباحة على إراقته ~~بالذبح كحيوان البر، ولأنه إذا ترك استحال فصار ماء. وقال أبو ثور: هو نجس؛ ~~لأنه دم مسفوح، فيدخل في عموم قوله تعالى {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] . # (980) فصل: واختلفت الرواية في العفو عن ms0619 يسير القيء، فروي عن أحمد، أنه ~~قال: هو عندي بمنزلة الدم؛ وذلك لأنه خارج من الإنسان نجس من غير السبيل، ~~فأشبه الدم. وروي عنه في المذي أنه قال: يغسل ما أصاب الثوب منه، إلا أن ~~يكون يسيرا. وروى الخلال، بإسناده قال: سئل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ~~وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن المذي يخرج، فكلهم قال: إنه ~~بمنزلة القرحة، فما علمت منه فاغسله، وما غلبك منه فدعه، ولأنه يخرج من ~~الشباب كثيرا، فيشق التحرز منه، فعفي عن يسيره، كالدم. # وكذلك المني إذا قلنا بنجاسته. وروي عنه في الودي مثل ذلك، إلا أن الظاهر ~~عنه أن حكمه حكم البول؛ لأنه من مخرجه. وروي عن أحمد أيضا أنه يعفى عن ريق ~~البغل والحمار وعرقهما، إذا كان يسيرا. وهو الظاهر عن أحمد. قال الخلال: ~~وعليه مذهب أبي عبد الله؛ لأنه يشق التحرز منه. قال أحمد: من يسلم من هذا ~~ممن يركب الحمير، إلا إني أرجو أن يكون ما خف منه أسهل. قال القاضي: وكذلك ~~ما كان في معناهما من سباع البهائم، سوى الكلب والخنزير، وكذلك الحكم في ~~أبوالها وأرواثها، وبول الخفاش. # قال الشعبي والحاكم وحماد وحبيب بن أبي ثابت: لا بأس ببول الخفافيش. ~~وكذلك الخفاش؛ لأنه يشق التحرز منه، فإنه في المساجد يكثر، فلو لم يعف عن ~~يسيره لم يقر في المساجد. وكذلك بول ما يؤكل لحمه، إن قلنا بنجاسته؛ لأنه ~~يشق التحرز منه لكثرته. وعن أحمد: لا يعفى عن يسير شيء # PageV02P061 # من ذلك؛ لأن الأصل أن لا يعفى عن شيء من النجاسة، خولف في الدم وما تولد ~~منه، فيبقى فيما عداه على الأصل. ### | [فصل النجاسات المغلظة] # (981) فصل: وقد عفي عن النجاسات المغلظة لأجل محلها، في ثلاثة مواضع؛ ~~أحدها، محل الاستنجاء، فعفي فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء، واستيفاء ~~العدد، بغير خلاف نعلمه. واختلف أصحابنا في طهارته، فذهب أبو عبد الله بن ~~حامد، وأبو حفص بن المسلمة، إلى طهارته. وهو ظاهر كلام أحمد؛ فإنه قال في ~~المستجمر يعرق ms0620 في سراويله: لا بأس به. ولو كان نجسا لنجسه، ووجه ذلك قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «، في الروث والرمة: إنهما لا يطهران» . ~~مفهومه أن غيرهما يطهر، ولأنه معنى يزيل حكم النجاسة، فيزيلها كالماء. وقال ~~أصحابنا المتأخرون: لا يطهر المحل، بل هو نجس، فلو قعد المستجمر في ماء ~~يسير نجسه، ولو عرق كان عرقه نجسا؛ لأن المسح لا يزيل أجزاء النجاسة كلها، ~~فالباقي منها نجس، لأنه عين النجاسة، فأشبه ما لو وجد في المحل وحده. # الثاني: أسفل الخف والحذاء، إذا أصابته نجاسة، فدلكها بالأرض حتى زالت ~~عين النجاسة ففيه ثلاث روايات: إحداهن، يجزئ دلكه بالأرض، وتباح الصلاة ~~فيه. وهو قول الأوزاعي، وإسحاق؛ لما روى أبو داود، بإسناده عن أبي هريرة، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه ~~فطهورهما التراب» . وفي لفظ: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له ~~طهور» . وعن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مثل ذلك، وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى، فليمسحه، ~~وليصل فيهما» . وعن ابن مسعود قال: كنا لا نتوضأ من موطئ. رواهما أبو داود. ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا يصلون في نعالهم. # قال أبو مسلمة سعيد بن يزيد: سألت أنس بن مالك: أكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصلي في نعليه؟ قال: نعم. متفق عليه. والظاهر أن النعل لا ~~تخلو من نجاسة تصيبها، فلو لم يجزئ دلكها لم تصح الصلاة فيها. والثانية، ~~يجب غسله كسائر النجاسات؛ فإن الدلك لا يزيل جميع أجزاء النجاسة. والثالثة ~~يجب غسله من البول والعذرة دون غيرهما؛ لتغلظ نجاستهما وفحشهما. والأول ~~أولى، لأن اتباع الأثر واجب. # PageV02P062 # فإن قيل: فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في نعليه، إن فيهما قذرا. ~~يدل على أنه لم يجز دلكهما، ولم يزل القذر منهما. # قلنا: لا دلالة في هذا؛ لأنه لم ينقل ms0621 أنه دلكهما، والظاهر أنه لم ~~يدلكهما؛ لأنه لم يعلم بالقذر فيهما، حتى أخبره جبريل - عليه السلام -، إذا ~~ثبت هذا، فإن دلكهما يطهرهما في قول ابن حامد؛ لظاهر الأخبار وقال غيره: ~~يعفى عنه مع بقاء نجاسته، كقولهم في أثر الاستنجاء. وقال القاضي: إنما يجزئ ~~دلكهما بعد جفاف نجاستهما؛ لأنه لا يبقى لها أثر وإن دلكهما قبل جفافهما لم ~~يجزه ذلك؛ لأن رطوبة النجاسة باقية فلا يعفى عنها. # وظاهر الأخبار لا يفرق بين رطب وجاف. ولأنه محل اجتزئ فيه بالمسح، فجاز ~~في حال رطوبة الممسوح كمحل الاستنجاء، ولأن رطوبة المحل معفو عنها إذا جفت ~~قبل الدلك، فيعفى عنها إذا جفت به كالاستجمار. الثالث: إذا جبر عظمه بعظم ~~نجس فجبر، لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر، وأجزأته صلاته، لأنها نجاسة باطنة ~~يتضرر بإزالتها، فأشبهت دماء العروق. وقيل: يلزمه قلعه، ما لم يخف التلف. ~~وإن سقط سن من أسنانه فأعادها بحرارتها، فثبتت، فهي طاهرة؛ لأنها بعضه، ~~والآدمي بجملته طاهر حيا وميتا، فكذلك بعضه. وقال القاضي: هي نجسة، حكمها ~~حكم سائر العظام النجسة؛ لأن ما أبين من حي فهو ميت. وإنما حكم بطهارة ~~الجملة لحرمتها، وحرمتها آكد من حرمة البعض، فلا يلزم من الحكم بطهارتها ~~الحكم بطهارة ما دونها. # (982) فصل: وإذا كان على الأجسام الصقيلة، كالسيف والمرآة نجاسة، فعفي عن ~~يسيرها، كالدم ونحوه، عفي عن أثر كثيرها بالمسح؛ لأن الباقي بعد المسح ~~يسير. وإن كثر محله، عفي عنه، كيسير غيره. ### | [مسألة إذا خفي على المصلي موضع النجاسة من الثوب] # (983) مسألة: قال (: وإذا خفي موضع النجاسة من الثوب استظهر، حتى يتيقن ~~أن الغسل قد أتى على النجاسة) وجملته أن النجاسة إذا خفيت في بدن أو ثوب، ~~وأراد الصلاة فيه، لم يجز له ذلك حتى يتيقن زوالها، ولا يتيقن ذلك حتى يغسل ~~كل محل يحتمل أن تكون النجاسة أصابته، فإذا لم يعلم جهتها من الثوب غسله ~~كله. وإن علمها في إحدى جهتيه غسل تلك الجهة كلها. وإن رآها في بدنه، أو ~~ثوب - هو لابسه -، غسل كل ما ms0622 يدركه بصره من ذلك. وبهذا قال النخعي والشافعي ~~ومالك وابن المنذر # PageV02P063 # وقال عطاء والحكم وحماد: إذا خفيت النجاسة في الثوب نضحه كله. وقال ابن ~~شبرمة: يتحرى مكان النجاسة فيغسله. # ولعلهم يحتجون بحديث سهل بن حنيف في المذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: قلت يا رسول الله فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ قال: «يجزئك أن تأخذ كفا ~~من ماء، فتنضح به حيث ترى أنه أصاب منه.» فأمره بالتحري والنضح. ولنا، أنه ~~متيقن للمانع من الصلاة. فلم تبح له الصلاة إلا بتيقن زواله كمن تيقن الحدث ~~وشك في الطهارة، والنضح لا يزيل النجاسة، وحديث سهل في المذي دون غيره، فلا ~~يعدى، لأن أحكام النجاسة تختلف. # وقوله: حيث ترى أنه أصاب منه ". محمول على من ظن أنه أصاب ناحية من ثوبه، ~~من غير تيقن، فيجزئه نضح المكان أو غسله. ### | [فصل إن خفيت النجاسة في فضاء واسع صلى حيث شاء] # (984) فصل: وإن خفيت النجاسة في فضاء واسع، صلى حيث شاء، ولا يجب غسل ~~جميعه، لأن ذلك يشق، فلو منع من الصلاة أفضى إلى أن لا يجد موضعا يصلي فيه، ~~فأما إن كان موضعا صغيرا، كبيت ونحوه، فإنه يغسله كله؛ لأنه لا يشق غسله، ~~فأشبه الثوب. ### | [مسألة ما خرج من الإنسان أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها من بول أوغيره] # (985) مسألة: قال: (وما خرج من الإنسان، أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها ~~من بول أو غيره، فهو نجس) يعني ما خرج من السبيلين، كالبول، والغائط، ~~والمذي، والودي، والدم، وغيره. فهذا لا نعلم في نجاسته خلافا، إلا أشياء ~~يسيرة، نذكرها إن شاء الله تعالى. أما بول الآدمي، فقد روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «في الذي مر به وهو يعذب في قبره إنه كان لا يستبرئ من ~~بوله» . متفق عليه. وروي في خبر «أن عامة عذاب القبر من البول» . # وأما الودي، فهو ماء أبيض يخرج عقيب البول خاثر، فحكمه حكم البول سواء؛ ~~لأنه خارج من مخرج البول، وجار مجراه. وأما المذي، فهو ماء ms0623 لزج رقيق يخرج ~~عقيب الشهوة، على طرف الذكر، فظاهر المذهب أنه نجس. قال هارون الحمال: سمعت ~~أبا عبد الله يذهب في المذي إلى أنه يغسل ما أصاب الثوب منه، إلا أن يكون ~~يسيرا. وقد ذكرنا الاختلاف في العفو عن يسيره فيما مضى وروي عن أحمد - رحمه ~~الله - أنه بمنزلة المني. قال في رواية محمد بن الحكم: إنه سأل أبا عبد ~~الله عن المذي أشد أو المني، قال: هما سواء، ليسا من مخرج البول، إنما هما ~~من الصلب والترائب، كما قال ابن عباس: هو عندي بمنزلة البصاق والمخاط. # وذكر ابن عقيل نحو هذا، وعلل بأن المذي جزء من المني؛ لأن سببهما جميعا ~~الشهوة، ولأنه خارج تحلله الشهوة، أشبه المني فظاهر المذهب أنه نجس لأنه ~~خارج من السبيل، ليس بدءا لخلق آدمي، فأشبه البول، # PageV02P064 # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل الذكر منه، والأمر يقتضي ~~الوجوب. ثم اختلف عن أحمد: هل يجزئ فيه النضح، أو يجب غسله؟ قال، في رواية ~~محمد بن الحكم: المذي يرش عليه الماء، أذهب إلى حديث سهل بن حنيف ليس يدفعه ~~شيء، وإن كان حديثا واحدا. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله حديث سهل بن ~~حنيف في المذي، ما تقول فيه؟ قال: الذي يرويه ابن إسحاق؟ قلت: نعم. قال: لا ~~أعلم شيئا يخالفه. # وهو ما روى سهل بن حنيف، قال: «كنت ألقى من المذي شدة وعناء، فذكرت ذلك ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يجزئك منه الوضوء. قلت: فكيف بما ~~أصاب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصاب ~~منه» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وروي عنه وجوب غسله، قال محمد بن داود ~~سألت أبا عبد الله عن المذي يصيب الثوب، كيف العمل فيه؟ قال: الغسل ليس في ~~القلب منه شيء. # وقال: حديث محمد بن إسحاق ربما تهيبته. قال ابن المنذر: وممن أمر بغسل ~~المذي عمر وابن عباس، وهو مذهب الشافعي وإسحاق وأبي ثور، وكثير من أهل ~~العلم؛ لأن ms0624 النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل الذكر منه في حديث ~~المقداد، ولأنه نجاسة، فوجب غسلها كسائر النجاسات، ولحديث سهل بن حنيف. قال ~~أحمد: حديث محمد بن إسحاق لا أعرفه عن غيره، ولا أحكم لمحمد بن إسحاق، ~~وربما تهيبته. وهذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار الخلال. ### | [فصل رطوبة فرج المرأة] # فصل: وفي رطوبة فرج المرأة احتمالان: أحدهما، أنه نجس؛ لأنه في الفرج لا ~~يخلق منه الولد، أشبه المذي. والثاني: طهارته؛ لأن عائشة كانت تفرك المني ~~من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو من جماع، فإنه ما احتلم نبي ~~قط، وهو يلاقي رطوبة الفرج، ولأننا لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة، لحكمنا ~~بنجاسة منيها؛ لأنه يخرج من فرجها، فيتنجس برطوبته. وقال القاضي: ما أصاب ~~منه في حال الجماع فهو نجس؛ لأنه لا يسلم من المذي، وهو نجس. ولا يصح ~~التعليل، فإن الشهوة إذا اشتدت خرج المني دون المذي، كحال الاحتلام. ### | [فصل بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر] # (987) فصل: وبول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر. وهذا مفهوم كلام الخرقي. وهو ~~قول عطاء والنخعي والثوري ومالك: قال مالك: لا يرى أهل العلم أبوال ما أكل ~~لحمه وشرب لبنه نجسا. ورخص في أبوال الغنم الزهري ويحيى الأنصاري وقال ابن ~~المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة # PageV02P065 # في مرابض الغنم، إلا الشافعي، فإنه اشترط أن تكون سليمة من أبعارها ~~وأبوالها. ورخص في ذرق الطائر أبو جعفر والحكم وحماد وأبو حنيفة وعن أحمد: ~~أن ذلك نجس. # وهو قول الشافعي وأبي ثور، ونحوه عن الحسن؛ لأنه داخل في عموم قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «تنزهوا من البول» . ولأنه رجيع، فكان نجسا كرجيع الآدمي. ~~ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر العرنيين أن يشربوا من أبوال ~~الإبل» ، والنجس لا يباح شربه، ولو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا ~~أرادوا الصلاة «، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في مرابض الغنم» ~~. متفق عليه. وقال: «صلوا في مرابض الغنم» . متفق عليه. وهو إجماع كما ms0625 ذكر ~~ابن المنذر، وصلى أبو موسى في موضع فيه أبعار الغنم. فقيل له: لو تقدمت إلى ~~هاهنا؟ فقال: هذا وذاك واحد. # ولم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما يصلون عليه من الأوطئة ~~والمصليات، وإنما كانوا يصلون على الأرض، ومرابض الغنم لا تخلو من أبعارها ~~وأبوالها، فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلاتهم، ولأنه متحلل معتاد من ~~حيوان يؤكل لحمه، فكان طاهرا كاللبن، وذرق الطائر عند من سلمه، ولأنه لو ~~كان نجسا لتنجست الحبوب التي تدوسها البقر، فإنها لا تسلم من أبوالها، ~~فيتنجس بعضها، ويختلط النجس بالطاهر، فيصير حكم الجميع حكم النجس. ### | [فصل الخارج من غير السبيلين] # (988) فصل: فأما الخارج من غير السبيلين، فالحيوانات فيه أربعة أقسام: ~~أحدها: الآدمي، فالخارج منه نوعان، طاهر وهو ريقه ودمعه وعرقه ومخاطه، ~~ونخامته، فإنه جاء «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم الحديبية، أنه ~~ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه» . رواه البخاري. ~~ولولا طهارتها لم يفعلوا ذلك، وفي حديث أبي هريرة «، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس، فقال: ما بال ~~أحدكم يقوم يستقبل ربه، فيتنخع أمامه، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا ~~تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا» . ووصف ~~القاسم: فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه ببعض. رواه مسلم. # ولو كانت نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه وهو في الصلاة، ولا تحت قدمه. ولا ~~فرق بين ما يخرج من الرأس والبلغم الخارج من الصدر. ذكره القاضي. وهو مذهب ~~أبي حنيفة. وقال أبو الخطاب: البلغم نجس؛ لأنه طعام استحال في المعدة، أشبه ~~القيء. # PageV02P066 # ولنا، أنه داخل في عموم الخبرين، ولأنه أحد نوعي النخامة، أشبه الآخر، ~~ولأنه لو كان نجسا نجس به الفم، ونقض الوضوء، ولم يبلغنا عن الصحابة - رضي ~~الله عنهم - مع عموم البلوى به - شيء من ذلك. وقولهم " إنه طعام مستحيل في ~~المعدة " غير مسلم، إنما هو منعقد من ms0626 الأبخرة، فهو كالنازل من الرأس، ~~وكالمخاط؛ ولأنه يشق التحرز منه، أشبه المخاط. النوع الثاني: نجس، وهو الدم ~~وما تولد منه من القيح والصديد، وما يخرج من المعدة من القيء والقلس، فهذا ~~نجس، وقد تقدم بيان حكمه. # القسم الثاني: ما أكل لحمه، فالخارج منه ثلاثة أنواع: أحدها، نجس، وهو ~~الدم، وما تولد منه. الثاني، طاهر، وهو الريق والدمع والعرق واللبن. فهذا ~~لا نعلم فيه خلافا. الثالث: القيء، ونحوه، فحكمه حكم بوله؛ لأنه طعام ~~مستحيل، فأشبه الروث، وقد دللنا على طهارة بوله، فهذا أولى، وكذلك منيه. ~~القسم الثالث: ما لا يؤكل لحمه، ويمكن التحرز منه، وهو نوعان: أحدهما: ~~الكلب والخنزير، فهما نجسان بجميع أجزائهما وفضلاتهما، وما ينفصل عنهما. ~~الثاني، ما عداهما من سباع البهائم وجوارح الطير والبغل والحمار، فعن أحمد، ~~- رحمه الله -، أنها نجسة بجميع أجزائها وفضلاتها، إلا أنه يعفى عن يسير ~~نجاستها. وعنه ما يدل على طهارتها. فحكمها حكم الآدمي، على ما فصل. # القسم الرابع: ما لا يمكن التحرز منه، وهو نوعان: أحدهما، ما ينجس ~~بالموت، وهو السنور وما دونه في الخلقة، فحكمه حكم الآدمي؛ ما حكمنا ~~بنجاسته من الآدمي، فهو منه نجس. وما حكمنا بطهارته من الآدمي، فهو منه ~~طاهر، إلا منيه، فإنه نجس؛ لأن مني الآدمي بدء خلق آدمي فشرف بتطهيره، وهذا ~~معدوم هاهنا. النوع الثاني، ما لا نفس له سائلة، فهو طاهر بجميع أجزائه ~~وفضلاته. ### | [مسألة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام] # (989) مسألة: قال: (إلا بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، فإنه يرش الماء ~~عليه) هذا استثناء منقطع، إذ ليس معنى الكلام طهارة بول الغلام، إنما أراد ~~أن بول الغلام الذي لم يطعم الطعام يجزئ فيه الرش، وهو أن ينضح عليه الماء ~~حتى يغمره، ولا يحتاج إلى رش وعصر،، وبول الجارية يغسل وإن لم تطعم. وهذا ~~قول علي - رضي الله عنه -. وبه قال عطاء، والحسن والشافعي # PageV02P067 # وإسحاق. وقال القاضي: رأيت لأبي إسحاق بن شاقلا كلاما يدل على طهارة بول ~~الغلام؛ لأنه لو كان نجسا لوجب غسله. (1) وقال الثوري ms0627 وأبو حنيفة: يغسل بول ~~الغلام كما يغسل بول الجارية؛ لأنه بول نجس، فوجب غسله كسائر الأبوال ~~النجسة، ولأنه حكم يتعلق بالنجاسة، فاستوى فيه الذكر والأنثى، كسائر ~~أحكامهما. # ولنا ما روت أم قيس بنت محصن «، أنها أتت بابن، لها صغير، لم يأكل ~~الطعام، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجلسه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، ولم يغسله.» وعن ~~عائشة - رضي الله عنها - قالت «، أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بصبي، فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه بوله، ولم يغسله» . متفق عليهما. وعن ~~لبابة بنت الحارث قالت: «كان الحسين بن علي في حجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فبال عليه، فقلت: البس ثوبا آخر، وأعطني إزارك حتى أغسله. فقال: إنما ~~يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الغلام الذكر» . رواه أبو داود. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل» . قال قتادة: هذا ما لم يطعما ~~الطعام، فإذا طعما غسل بولهما. رواه الإمام أحمد في مسنده. وهذه نصوص صحيحة ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاتباعها أولى، وقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أصح من قول من خالفه. (990) فصل: قال أحمد: الصبي إذا طعم ~~الطعام، وأراده، واشتهاه، غسل بوله، وليس إذا أطعم؛ لأنه قد يلعق العسل ~~ساعة يولد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حنك بالتمر. ولكن إذا كان يأكل ~~ويريد الأكل، فعلى هذا ما يسقاه الصبي أو يلعقه للتداوي لا يعد طعاما يوجب ~~الغسل، وما يطعمه لغذائه وهو يريده ويشتهيه، هو الموجب لغسل بوله. والله ~~أعلم. ### | [مسألة المني طاهر] # (991) مسألة: قال: (والمني طاهر. وعن أبي عبد الله، رحمه الله رواية ~~أخرى، أنه كالدم) اختلفت الرواية عن أحمد في المني، فالمشهور: أنه طاهر. ~~وعنه أنه كالدم، أي أنه نجس. ويعفى عن يسيره. وعنه: أنه لا يعفى عن يسيره. ~~ويجزئ فرك يابسه على كل حال. والرواية الأولى هي المشهورة في ms0628 المذهب، وهو ~~قول سعد بن أبي وقاص، وابن عمر. وقال ابن عباس: امسحه عنك بإذخرة أو خرقة، ~~ولا تغسله إن شئت. وقال ابن المسيب: إذا صلى فيه لم يعد. وهو مذهب الشافعي، # PageV02P068 # وأبي ثور وابن المنذر. # وقال مالك: غسل الاحتلام أمر واجب. وعلى هذا مذهب الأوزاعي والثوري. وقال ~~أصحاب الرأي: هو نجس، ويجزئ فرك يابسه؛ لما روت عائشة أنها كانت تغسل المني ~~من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: ثم أرى فيه بقعة أو بقعا. ~~وهو حديث صحيح. قال صالح: قال أبي: غسل المني من الثوب أحوط وأثبت في ~~الرواية. وقد جاء الفرك أيضا عن عائشة - رضي الله عنها - «، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال في المني يصيب الثوب: إن كان رطبا فاغسليه. وإن كان ~~يابسا فافركيه» . وهذا أمر يقتضي الوجوب. ولأنه خارج معتاد من السبيل، أشبه ~~البول. # ولنا، ما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كنت أفرك المني من ثوب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فيصلي فيه» . متفق عليه. وقال ابن عباس: ~~امسحه عنك بإذخرة أو بخرقة، ولا تغسله، إنما هو كالبزاق والمخاط. رواه ~~الدارقطني مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأنه لا يجب غسله إذا ~~جف، فلم يكن نجسا كالمخاط، ولأنه بدء خلق آدمي، فكان طاهرا كالطين، ويفارق ~~البول من حيث إنه بدء خلق آدمي. (992) فصل: فإن خفي موضع المني فرك الثوب ~~كله، إن قلنا بنجاسته، وإن قلنا بطهارته استحب فركه. # وإن صلى فيه من غير فرك، أجزأه. وهذا مذهب الشافعي وغيره ممن قال ~~بالطهارة. وقال ابن عباس: ينضح الثوب كله. وبه قال النخعي وحماد. ونحوه عن ~~عائشة وعطاء. وقال ابن عمر وأبو هريرة والحسن: يغسل الثوب كله. ولنا، أن ~~فركه يجزئ إذا علم مكانه، فكذلك إذا خفي، وأما النضح فلا يفيد، فإنه لا ~~يطهره إذا علم مكانه، فكذلك إذا خفي. وأما إذا قلنا بالطهارة فلا يجب شيء ~~من ذلك، لكن يستحب، كحال العلم به. # فصل: قال أحمد - رحمه الله -: إنما يفرك مني ms0629 الرجل، أما مني المرأة فلا ~~يفرك؛ لأن الذي للرجل ثخين، والذي للمرأة رقيق. والمعنى في هذا أن الفرك ~~يراد للتخفيف والرقيق لا يبقى له جسم بعد جفافه يزول بالفرك، فلا يفيد فيه ~~شيئا، فعلى هذا إن قلنا بنجاسته، فلا بد من غسله رطبا كان أو يابسا، ~~كالبول. وإن قلنا بطهارته، استحب غسله، كما يستحب فرك مني الرجل. # وأما الطهارة والنجاسة فلا يفترقان فيه؛ لأن كل واحد منهما مني، وهو بدء ~~لخلق آدمي، خارج من السبيل. (994) فصل: فأما العلقة، فقال ابن عقيل: فيها ~~روايتان، كالمني؛ لأنها بدء خلق آدمي. والصحيح نجاستها؛ # PageV02P069 # لأنها دم، ولم يرد من الشرع فيها طهارة، وقياسها على المني ممتنع، لكونها ~~دما خارجا من الفرج، فأشبهت دم الحيض (995) . فصل: ومن أمنى وعلى فرجه ~~نجاسة نجس منيه؛ لإصابته النجاسة، ولم يعف عن يسيره لذلك. وذكر القاضي في ~~المني من الجماع أنه نجس؛ لأنه لا يسلم من المذي. وقد ذكرنا فساد هذا. فإن ~~مني النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان من جماع، وهو الذي وردت الأخبار ~~بفركه، والطهارة لغيره إنما أخذت من طهارته، والله أعلم. ### | [مسألة البولة على الأرض يطهرها دلو من ماء] # (996) مسألة: قال: (والبولة على الأرض يطهرها دلو من ماء) وجملة ذلك أن ~~الأرض إذا تنجست بنجاسة مائعة، كالبول والخمر وغيرهما. فطهورها أن يغمرها ~~بالماء، بحيث يذهب لون النجاسة وريحها. فما انفصل عنها غير متغير بها فهو ~~طاهر. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تطهر الأرض حتى ينفصل الماء، ~~فيكون المنفصل نجسا؛ لأن النجاسة انتقلت إليه، فكان نجسا، كما لو وردت ~~عليه. # ولنا. ما روى أنس، قال: «جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، ~~فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء ~~فأهريق عليه» . وفي لفظ: فدعاه، فقال: " إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا ~~البول والقذر، وإنما هي لذكر الله تعالى، والصلاة، وقراءة القرآن ". أو كما ~~«قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر رجلا فجاء بدلو من ماء ms0630 فشنه ~~عليه» . متفق عليه. ولولا أن المنفصل طاهر لكان قد أمر بزيادة تنجيسه؛ لأنه ~~كان في موضع فصار في مواضع، وإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - تطهير ~~المسجد. # فإن قيل: فقد روي عن ابن معقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«خذوا ما بال عليه من التراب، وأهريقوا على مكانه ماء» . وروى أبو بكر بن ~~عياش، عن سمعان، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: فأمر به فحفر. قلنا: ليست هذه الزيادة في خبر متصل، قاله الخطابي. ~~وحديث ابن معقل مرسل. قال أبو داود: ابن معقل لم يدرك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. وحديث سمعان منكر. قاله الإمام. وقال: ما أعرف سمعان. ولأن ~~البلة الباقية في المحل بعد غسله طاهرة، وهي بعض المنفصل، فكذلك المنفصل. # وقولهم: إن النجاسة انتقلت إليه. قلنا: بعد طهارتها، لأن الماء لو لم ~~يطهرها لنجس بها حال ملاقاته لها، ولو نجس بها لما طهر المحل، ولكان الباقي ~~منه في المحل نجسا. قال القاضي: إنما يحكم بطهارة المنفصل إذا نشفت ~~النجاسة، وذهبت أجزاؤها، ولم يبق إلا أثرها، فإن كانت أجزاؤها باقية، طهر ~~المحل، ونجس المنفصل. # PageV02P070 # وهذا الشرط الذي ذكره لم أره عن أحمد، ولا يقتضيه كلام الخرقي، ولا يصح؛ ~~لأنه إن أراد ببقاء أجزائها بقاء رطوبتها، فهو خلاف الخبر، فإن قوله: فلما ~~قضى بوله أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه، يدل على أنه صب عليه عقيب فراغه ~~منه. وإن أراد بقاء البول متنقعا، فلا فرق بينه وبين الرطوبة، فإن قليل ~~البول وكثيره في التنجيس سواء. والرطوبة أجزاء تنجس كما تنجس المتنقع، فلا ~~فرق إذا. ### | [فصل أصاب الأرض ماء المطر أو السيول فغمرها وجرى عليها] # (997) فصل: وإن أصاب الأرض ماء المطر أو السيول، فغمرها، وجرى عليها، فهو ~~كما لو صب عليها؛ لأن تطهير النجاسة لا تعتبر فيه نية ولا فعل، فاستوى ما ~~صبه الآدمي وما جرى بغير صبه. قال أحمد، - رحمه الله -، في البول يكون في ~~الأرض فتمطر عليه السماء: ms0631 إذا أصابه من المطر بقدر ما يكون ذنوبا، كما أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصب على البول، فقد طهر. وقال المروذي: ~~سئل أبو عبد الله عن ماء المطر يختلط بالبول، فقال: ماء المطر عندي لا ~~يخالط شيئا إلا طهره، إلا العذرة. فإنها تقطع. وسئل عن ماء المطر يصيب ~~الثوب، فلم ير به بأسا إلا أن يكون بيل فيه بعد المطر. وقال: كل ما ينزل من ~~السماء إلى الأرض فهو نظيف، داسته الدواب أو لم تدسه. # وقال في الميزاب: إذا كان في الموضع النظيف فلا بأس بما قطر عليك من ~~المطر. إذا لم تعلم أنه قذر. قيل له: فأسأل عنه؟ قال: لا تسأل، وما دعاك ~~إلى أن تسأل وهو ماء المطر، إذا لم يكن موضع مخرج، أو موضع قذر. فلا تغسله. ~~واحتج في طهارة طين المطر بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد. قال إسحاق بن ~~منصور، وقال إسحاق بن راهويه، كما قال أحمد. واحتج بأن أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - والتابعين كانوا يخوضون المطر في الطرقات، فلا يغسلون ~~أرجلهم، لما غلب الماء القذر. وممن روي عنه أنه خاض طين المطر، وصلى، ولم ~~يغسل رجليه عمر، وعلي - رضي الله عنهما - وقال ابن مسعود: كنا لا نتوضأ من ~~موطئ. ونحوه عن ابن عباس. # وقال بذلك سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود، وعبد الله بن معقل بن مقرن ~~والحسن، وأصحاب الرأي، وعوام أهل العلم. لأن الأصل الطهارة، فلا تزول ~~بالشك. (998) فصل: ولا تطهر الأرض حتى يذهب لون النجاسة ورائحتها؛ لأن ~~بقاءهما دليل على بقاء النجاسة. فإن كانت مما لا يزول لونها إلا بمشقة سقط ~~عنه إزالتها، كالثوب، وكذلك الحكم في الرائحة. " # PageV02P071 # (999) فصل: وإذا كانت النجاسة ذات أجزاء متفرقة، كالرميم، والروث، والدم ~~إذا جف، فاختلطت بأجزاء الأرض، لم تطهر بالغسل؛ لأن عينها لا تنقلب، ولا ~~تطهر إلا بإزالة أجزاء المكان، بحيث يتيقن زوال أجزاء النجاسة. ولو بادر ~~البول وهو رطب، فقلع التراب الذي عليه أثره، فالباقي طاهر؛ لأن النجس كان ~~رطبا وقد زال. ms0632 # وإن جف فأزال ما وجد عليه الأثر، لم يطهر؛ لأن الأثر إنما يبين على ظاهر ~~الأرض، لكن إن قلع ما تيقن به زوال ما أصابه البول، فالباقي طاهر. فصل: ولا ~~تطهر الأرض النجسة بشمس ولا ريح ولا جفاف. وهذا قول أبي ثور وابن المنذر ~~والشافعي في أحد قوليه. وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: تطهر إذا ذهب أثر ~~النجاسة. وقال أبو قلابة: جفوف الأرض طهورها؛ لأن ابن عمر روى أن الكلاب ~~كانت تبول، وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك. أخرجه ~~أبو داود. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أهريقوا على بوله سجلا ~~من ماء» . # والأمر يقتضي الوجوب، ولأنه محل نجس، فلم يطهر بغير الغسل، كالثياب، وأما ~~حديث ابن عمر، فرواه البخاري، وليس فيه ذكر البول. ويحتمل أنه أراد أنها ~~كانت تبول، ثم تقبل وتدبر في المسجد، فيكون إقبالها وإدبارها فيه بعد ~~بولها. (1001) فصل: ولا تطهر النجاسة بالاستحالة، فلو أحرق السرجين النجس ~~فصار رمادا، أو وقع كلب في ملاحة فصار ملحا، لم تطهر. لأنها نجاسة لم تحصل ~~بالاستحالة. فلم تطهر بها، كالدم إذا صار قيحا أو صديدا، وخرج عليه الخمر، ~~فإنه نجس بالاستحالة، فجاز أن يطهر بها. # PageV02P072 ### | [فصل المنفصل من غسالة النجاسة ينقسم إلى ثلاثة أقسام] # (1002) فصل: والمنفصل من غسالة النجاسة، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ~~أن ينفصل متغيرا بها، فهو نجس إجماعا؛ لأنه متغير بالنجاسة، فكان نجسا، كما ~~لو وردت عليه. الثاني: أن ينفصل غير متغير قبل طهارة المحل، فهو نجس أيضا؛ ~~لأنه ماء يسير لاقى نجاسة لم يطهرها، فكان نجسا، كالمتغير، وكالباقي في ~~المحل، فإن الباقي في المحل نجس، وهو جزء من الماء الذي غسلت به النجاسة، ~~ولأنه كان في المحل نجسا، وعصره لا يجعله طاهرا. الثالث: أن ينفصل غير ~~متغير من الغسلة التي طهرت المحل، ففيه وجهان، أصحهما أنه طاهر. وهو قول ~~الشافعي لأنه جزء من المتصل، والمتصل طاهر، فكذلك المنفصل، ولأنه ماء أزال ~~حكم النجاسة، ولم يتغير بها، فكان طاهرا، كالمنفصل من ms0633 الأرض. # والثاني، هو نجس. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه ماء يسير لاقى نجاسة، فنجس ~~بها، كما لو وردت عليه، وإذا حكمنا بطهارته، فهل يكون طهورا؟ على وجهين: ~~أحدهما، يكون طهورا؛ لأن الأصل طهوريته، ولأن الحادث فيه لم ينجسه، ولم ~~يغيره، فلم تزل طهوريته، كما لو غسل به ثوبا طاهرا. # والثاني، أنه غير مطهر، لأنه أزال مانعا من الصلاة، أشبه ما رفع به ~~الحدث. (1003) فصل: إذا جمع الماء الذي أزيلت به النجاسة قبل طهارة المحل ~~وبعده في إناء واحد، وكان دون القلتين، فالجميع نجس، تغير أو لم يتغير. ~~وقال بعض أصحاب الشافعي: هو طاهر؛ لأنه ماء أزيلت به النجاسة ولم يتغير ~~بها، فأشبه ماء الغسلة التي طهرت المحل. ولنا، أنه اجتمع الماء النجس ~~والطاهر وهو يسير، فكان نجسا، كما لو اجتمع مع ماء غير الذي غسل المحل. ### | [مسألة إذا نسي فصلى بهم جنبا] # (1004) مسألة: قال: (وإذا نسي فصلى بهم جنبا، أعاد وحده) وجملته أن ~~الإمام إذا صلى بالجماعة محدثا، أو جنبا، غير عالم بحدثه، فلم يعلم هو ولا ~~المأمومون، حتى فرغوا من الصلاة، فصلاتهم صحيحة، وصلاة الإمام باطلة. روي ~~ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر - رضي الله عنهم -، وبه قال الحسن، ~~وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وسليمان بن حرب، وأبو ثور. # وعن علي أنه يعيد ويعيدون. وبه قال ابن سيرين والشعبي وأبو حنيفة، ~~وأصحابه؛ لأنه صلى بهم محدثا، أشبه ما لو علم. # PageV02P073 # ولنا، إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، روي أن عمر - رضي الله عنه - صلى ~~بالناس الصبح، ثم خرج إلى الجرف، فأهرق الماء، فوجد في ثوبه احتلاما، فأعاد ~~ولم يعيدوا وعن محمد بن عمرو بن المصطلق الخزاعي، أن عثمان صلى بالناس صلاة ~~الفجر، فلما أصبح وارتفع النهار فإذا هو بأثر الجنابة. فقال: كبرت والله، ~~كبرت والله، فأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا. وعن علي، أنه قال: إذا ~~صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة آمره أن يغتسل ويعيد، ولا آمرهم أن ~~يعيدوا. وعن ابن عمر، أنه صلى بهم الغداة، ثم ms0634 ذكر أنه صلى بغير وضوء، فأعاد ~~ولم يعيدوا. رواه كله الأثرم. وهذا في محل الشهرة # ، ولم ينقل خلافه، فكان إجماعا، ولم يثبت ما نقل عن علي في خلافه، وعن ~~البراء بن عازب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا صلى الجنب ~~بالقوم، أعاد صلاته، وتمت للقوم صلاتهم» . أخرجه أبو سليمان محمد بن الحسن ~~الحراني، في " جزء ". ولأن الحدث مما يخفى، ولا سبيل للمأموم إلى معرفته من ~~الإمام، فكان معذورا في الاقتداء به، ويفارق ما إذا كان على الإمام حدث ~~نفسه؛ لأنه يكون مستهزئا بالصلاة فاعلا لما لا يحل. وكذلك إن علم المأموم، ~~فإنه لا عذر له في الاقتداء به. # وقياس المعذور على غيره لا يصح، والحكم في النجاسة كالحكم في الحدث سواء؛ ~~لأنها إحدى الطهارتين، فأشبهت الأخرى، ولأنها في معناها في خفائها على ~~الإمام والمأموم، بل حكم النجاسة أخف، وخفاؤها أكثر، إلا أن في النجاسة ~~رواية أخرى، أن صلاة الإمام تصح أيضا، إذا نسيها. ### | [فصل إذا علم بحدث نفسه في الصلاة أو علم المأمومون] # (1005) فصل: إذا علم بحدث نفسه في الصلاة، أو علم المأمومون، لزمهم ~~استئناف الصلاة. نص عليه. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله، عن رجل صلى بقوم ~~وهو غير طاهر، بعض الصلاة، فذكر؟ قال: يعجبني أن يبتدئوا الصلاة. قلت له: ~~يقول لهم استأنفوا الصلاة؟ قال: لا، ولكن ينصرف ويتكلم، ويبتدئون هم ~~الصلاة. وقال ابن عقيل: فيه عن أحمد، - رحمه الله - رواية أخرى، إذا علم ~~المأمومون أنهم يبنون على صلاتهم. # وقال الشافعي: يبنون على صلاتهم، سواء علم بذلك، أو علم المأمومون؛ لأن ~~ما مضى من صلاتهم صحيح، فكان لهم البناء عليه، كما لو قام إلى خامسة فسبحوا ~~به فلم يرجع. ولنا، أنه ائتم بمن صلاته فاسدة مع العلم منهما أو من أحدهما ~~أشبه ما لو ائتم بامرأة. وإنما خولف هذا فيما إذا استمر الجهل منهما ~~للإجماع، ولأن وجوب الإعادة على المأمومين حال استمرار الجهل يشق، لتفرقهم، ~~بخلاف ما إذا علموا في الصلاة. وإن علم بعض المأمومين دون بعض، ms0635 فالمنصوص أن ~~صلاة الجميع تفسد، والأولى أن يختص البطلان بمن علم دون من جهل؛ لأنه معنى ~~مبطل اختص به، فاختص بالبطلان، كحدث نفسه. # PageV02P074 # (1006) فصل: إذا اختل غير ذلك من الشروط في حق الإمام، كالستارة واستقبال ~~القبلة، لم يعف عنه في حق المأموم؛ لأن ذلك لا يخفى غالبا، بخلاف الحدث ~~والنجاسة. وكذا إن فسدت صلاته لترك ركن، فسدت صلاتهم. نص عليه أحمد، في من ~~ترك القراءة، يعيد ويعيدون، وكذلك في من ترك تكبيرة الإحرام. (1007) فصل: ~~وإن فسدت لفعل يبطل الصلاة، فإن كان عن عمد، أفسد صلاة الجميع، وإن كان عن ~~غير عمد، لم تفسد صلاة المأمومين. # نص عليه أحمد في الضحك أنه يبطل صلاة الإمام، ولا تفسد صلاة المأمومين، ~~وعن أحمد في من سبقه الحدث روايتان: إحداهما، أن صلاة المأمومين تفسد لأنه ~~أمر أفسد صلاة الإمام، فأفسد صلاة المأمومين كترك الشرط، وقد ثبت هذا الحكم ~~في الشرط بما روي عن عمر - رضي الله عنه -، أنه صلى بالناس المغرب، فلم ~~يسمعوا له قراءة، فلما قضى صلاته قالوا: يا أمير المؤمنين كأنك خفضت من ~~صوتك: قال: وما سمعتم؟ قالوا: ما سمعنا لك قراءة. قال: فما قرأت في نفسي، ~~شغلتني عير جهزتها إلى الشام. ثم قال: لا صلاة إلا بقراءة. ثم أقام، فأعاد ~~وأعاد الناس. # والصحيح الأول؛ لأن عمر - رضي الله عنه - لما طعن وهو في الصلاة، أخذ بيد ~~عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فأتم بهم الصلاة، ولو فسدت صلاتهم للزمهم ~~استئنافها، ولا يصح القياس على ترك الشرط؛ لأن الشرط آكد، بدليل أنه لا ~~يعفى عنه بالنسيان بخلاف المبطل. ### | [فصل إذا سبق الإمام الحدث] # (1008) فصل: إذا سبق الإمام الحدث فله أن يستخلف من يتم بهم الصلاة، روي ~~ذلك عن عمر وعلي، وعلقمة، وعطاء، والحسن، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. وحكي عن أحمد رواية أخرى، أن صلاة المأمومين تبطل؛ ~~لأن أحمد قال: كنت أذهب إلى جواز الاستخلاف، وجبنت عنه. وقال أبو بكر: تبطل ~~صلاتهم، رواية واحدة؛ لأنه فقد شرط صحة الصلاة في حق الإمام، ms0636 فبطلت صلاة ~~المأموم، كما لو تعمد الحدث. ولنا، أن عمر - رضي الله عنه -، لما طعن أخذ ~~بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فأتم بهم الصلاة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ~~وغيرهم ولم ينكره منكر، فكان إجماعا. # وقد احتج أحمد بقول عمر وعلي، وقولهما عنده حجة، فلا معدل عنه. وقول ~~أحمد: جبنت عنه. إنما يدل على التوقف، وتوقفه مرة لا يبطل ما انعقد الإجماع ~~عليه. وإذا ثبت هذا فإن للإمام أن يستخلف من يتم بهم الصلاة، كما فعل # PageV02P075 # عمر - رضي الله عنه - وإن لم يستخلف فقدم المأمومون منهم رجلا فأتم بهم، ~~جاز. وإن صلوا وحدانا جاز. قال الزهري، في إمام ينوبه الدم أو رعف أو يجد ~~مذيا ينصرف، وليقل: أتموا صلاتكم. وقال الشافعي، في آخر قوليه: الاختيار أن ~~يصلي القوم فرادى إذا كان ذلك. ولعل توقف أحمد إنما كان في الاستخلاف، لا ~~في صحة صلاة المأمومين، فإنه قد نص على أن صلاة المأمومين لا تفسد بضحك ~~الإمام، فهذا أولى. # وإن قدمت كل طائفة من المأمومين لهم إماما فصلى بهم، فقياس المذهب جوازه، ~~وهو مذهب الشافعي. وقال أصحاب الرأي: تفسد صلاتهم كلهم. ولنا، أن لهم أن ~~يصلوا وحدانا. فكان لهم أن يقدموا رجلا، كحالة ابتداء الصلاة وإن قدم بعضهم ~~رجلا، وصلى الباقون وحدانا، جاز. # (1009) فصل: فأما الذي سبقه الحدث، فتبطل صلاته، ويلزمه استئنافها. قال ~~أحمد: يعجبني أن يتوضأ ويستقبل. هذا قول الحسن وعطاء والنخعي ومكحول. وعن ~~أحمد أنه يتوضأ، ويبني. وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس؛ لما روي عن عائشة، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قاء أو رعف في صلاته، فلينصرف، ~~فليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته» . وعنه، رواية ثالثة، إن كان الحدث من ~~السبيلين ابتدأ، وإن كان من غيرهما بنى لأن حكم نجاسة السبيل أغلظ، والأثر ~~إنما ورد بالبناء في الخارج من غير السبيل، فلا يلحق به ما ليس في معناه. # والصحيح الأول؛ لما روى علي بن طلق، قال قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم ms0637 -: «إذا فسا أحدكم في صلاته، فلينصرف، فليتوضأ، وليعد صلاته» . رواه ~~أبو داود، والأثرم. وعن علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه - «، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كان قائما يصلي بهم، فانصرف، ثم جاء ورأسه يقطر، ~~فقال: إني قمت بكم، ثم ذكرت أني كنت جنبا ولم أغتسل، فانصرفت فاغتسلت، فمن ~~أصابه منكم مثل الذي أصابني، أو أصابه في بطنه رز، فلينصرف فليغتسل، أو ~~ليتوضأ، وليستقبل صلاته» رواه الأثرم. ولأنه فقد شرط الصلاة في أثنائها على ~~وجه لا يعود إلا بعد زمن طويل وعمل كثير، ففسدت صلاته، كما لو تنجس نجاسة ~~يحتاج في إزالتها إلى مثل ذلك، أو انكشفت عورته ولم يجد السترة إلا بعيدة ~~منه، أو تعمد الحدث، أو انقضت مدة المسح، وحديثهم ضعيف. # (1010) فصل: قال أصحابنا: يجوز أن يستخلف من سبق ببعض الصلاة، ولمن جاء ~~بعد حدث الإمام، فيبني على ما مضى من صلاة الإمام من قراءة أو ركعة أو ~~سجدة، ويقضي بعد فراغ صلاة المأمومين. وحكي هذا القول عن عمر وعلي، وأكثر ~~من وافقهما في الاستخلاف. وفيه رواية أخرى، أنه مخير بين # PageV02P076 # أن يبني أو يبتدئ قال مالك: ويصلي لنفسه صلاة تامة، فإذا فرغوا من صلاتهم ~~قعدوا وانتظروه حتى يتم ويسلم معهم؛ لأن اتباع المأمومين للإمام أولى من ~~اتباعه لهم، فإن الإمام إنما جعل ليؤتم به. وعلى كلتا الروايتين إذا فرغ ~~المأمومون قبل فراغ إمامهم، وقام لقضاء ما فاته، فإنهم يجلسون وينتظرونه ~~حتى يتم ويسلم بهم؛ لأن الإمام ينتظر المأمومين في صلاة الخوف، فانتظارهم ~~له أولى. وإن سلموا ولم ينتظروه جاز. # وقال ابن عقيل: يستخلف من يسلم بهم، والأولى انتظاره. وإن سلموا لم ~~يحتاجوا إلى خليفة، فإنه لم يبق من الصلاة إلا السلام، فلا حاجة إلى ~~الاستخلاف فيه. ويقوى عندي أنه لا يصح الاستخلاف في هذه الصورة؛ لأنه إن ~~بنى جلس في غير موضع جلوسه، وصار تابعا للمأمومين، وإن ابتدأ جلس المأمومون ~~في غير موضع جلوسهم، ولم يرد الشرع بهذا، وإنما ثبت الاستخلاف في موضع ~~الإجماع حيث ms0638 لم يحتج إلى شيء من هذا، فلا يلحق به ما ليس في معناه. والله ~~أعلم. ### | [فصل إذا استخلف من لا يدري كم صلى] # (1011) فصل: وإذا استخلف من لا يدري كم صلى؟ احتمل أن يبني على اليقين، ~~فإن وافق الحق، وإلا سبحوا به، فرجع إليهم، ويسجد للسهو. وقال النخعي: ينظر ~~ما يصنع من خلفه. وقال الشافعي. يتصنع، فإن سبحوا به جلس، وعلم أنها ~~الرابعة. وقال الأوزاعي: يصلي بهم ركعة؛ لأنه تيقن بقاء ركعة، ثم يتأخر ~~ويقدم رجلا يصلي بهم ما بقي من صلاتهم، فإذا سلم قام الرجل فأتم صلاته. # وقال مالك: يصلي لنفسه صلاة تامة فإن فرغوا من صلاتهم قعدوا وانتظروه. ~~والأقوال الثلاثة الأولى متقاربة. ولنا، على أنه لا يستخلف، أنه إن شك في ~~عدد الركعات، فلم يجز له الاستخلاف لذلك، كغير المستخلف. ولنا، على أنه ~~يبني على اليقين أنه شك ممن لا ظن له، فوجب البناء على اليقين، كسائر ~~المصلين. ### | [فصل من أجاز الاستخلاف فقد أجاز نقل الجماعة إلى جماعة أخرى] # (1012) فصل: ومن أجاز الاستخلاف، فقد أجاز نقل الجماعة إلى جماعة أخرى، ~~للعذر، ويشهد لذلك «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء وأبو بكر في ~~الصلاة، فتأخر أبو بكر. وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتم بهم ~~الصلاة. وفعل هذا مرة أخرى، جاء حتى جلس إلى جانب أبي بكر عن يسار، وأبو ~~بكر عن يمينه قائم، يأتم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ويأتم الناس بأبي ~~بكر.» وكلا الحديثين صحيح متفق عليهما. # وهذا يقوي جواز الاستخلاف والانتقال من جماعة إلى جماعة أخرى حال العذر. ~~فيخرج من هذا أنه لو أدرك اثنان بعض الصلاة مع الإمام، فلما سلم الإمام ~~ائتم أحدهما بصاحبه، ونوى الآخر إمامته، أن ذلك يصح؛ لأنه في معنى ~~الاستخلاف، ومن لم يجز الاستخلاف لم يجز ذلك. # PageV02P077 # ولو تخلف إمام الحي من الصلاة لغيبة، أو مرض، أو عذر، وصلى غيره، وحضر ~~إمام الحي في أثناء الصلاة، فتأخر الإمام، وتقدم إمام الحي، فبنى على صلاة ~~خليفته، كما فعل النبي - صلى الله ms0639 عليه وسلم - وأبو بكر، ففي ذلك وجهان: ~~أحدهما، يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله، فيجوز لغيره أن يفعل ~~مثل فعله. والثاني، لا يجوز؛ لاحتمال أن يكون ذلك خاصا بالنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لعدم مساواة غيره له في الفضل. ### | [فصل إذا وجد المبطل في المأموم دون الإمام] # (1013) فصل: إذا وجد المبطل في المأموم دون الإمام، مثل أن يكون المأموم ~~محدثا أو نجسا ولم يعلم بذلك إلا بعد فراغه من الصلاة، أو سبقه الحدث في ~~أثناء الصلاة، أو ضحك أو تكلم أو ترك ركنا أو غير ذلك من المبطلات، ولم يكن ~~مع الإمام من تنعقد به الصلاة سواه، فقياس المذهب أن حكمه كحكم الإمام معه ~~على ما فصلناه؛ لأن ارتباط صلاة الإمام بالمأموم كارتباط صلاة المأموم ~~بالإمام، فما فسد ثم فسد هاهنا، وما صح ثم صح هاهنا، والله أعلم. ### | [فصل رجلين أم أحدهما صاحبه فشم كل واحد منهما ريحا] # (1014) فصل: قال أحمد، - رحمه الله -، في رجلين أم أحدهما صاحبه، فشم كل ~~واحد منهما ريحا، أو سمع صوتا يعتقد أنه من صاحبه؛ وكل يقول ليس مني: ~~يتوضآن جميعا، ويصليان؛ إنما فسدت صلاتهما لأن كل واحد منهما يعتقد فساد ~~صلاة صاحبه، وأنه صار فذا، وهذا على الرواية التي تقول بفساد صلاة كل واحد ~~من الإمام والمأموم بفساد صلاة صاحبه لكونه صار فذا. وعلى الرواية ~~المنصورة، ينوي كل واحد منهما الانفراد، ويتم صلاته. ويحتمل أنه إنما قضى ~~بفساد صلاتهما إذا أتما الصلاة على ما كان عليه من غير فسخ النية، فإن ~~المأموم يعتقد أنه مؤتم بمحدث، والإمام يعتقد أنه يؤم محدثا. # وأما الوضوء فلعل الإمام أحمد، - رحمه الله -، إنما أراد بقوله: يتوضآن ~~لتصح صلاتهما جماعة. إذ ليس لأحدهما أن يأتم بصاحبه أو يؤمه مع اعتقاد ~~حدثه، ولعله أمر بذلك احتياطا، أما إذا صليا منفردين فإنه لا يجب الوضوء ~~على واحد منهما؛ لأن يقين الطهارة موجود في كل واحد منهما، والحدث مشكوك ~~فيه، فلا يزول اليقين بالشك. (1015) فصل: ونقل عن أحمد، - رحمه الله ms0640 -، في ~~إمام صلى بقوم، فشهد اثنان عن يمينه أنه أحدث، وأنكر الإمام وبقية # PageV02P078 # المأمومين: يعيد، ويعيدون. وهذا لأن شهادتهما إثبات يقدم على النفي، ~~لاحتمال علمهما به، مع خفائه عنه وعن بقية المأمومين. وقوله: " يعيدون ". ~~لأن المأمومين متى علم بعضهم بحدث إمامهم، لزمت الجميع الإعادة على ~~المنصوص. ويحتمل أنه تختص الإعادة من علم دون غيره على ما تقدم. والله ~~أعلم. # PageV02P079 ### | [باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها] # روى ابن عباس قال: «شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر - رضي الله ~~عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصبح، حتى تشرق ~~الشمس، وبعد العصر، حتى تغرب الشمس» . وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد ~~العصر حتى تغرب الشمس» متفق عليهما. وفي لفظ بعد صلاة الفجر وبعد صلاة ~~العصر. رواه مسلم. وعن أبي هريرة مثل حديث عمر إلا أنه قال: وعن الصلاة بعد ~~الصبح حتى تطلع الشمس. وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا ~~غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب» رواهما مسلم. # وعن عقبة بن عامر، قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيها موتانا؛ حين تطلع الشمس بازغة حتى ~~ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب» ~~. وعن عمرو بن عبسة، قال: «قلت يا رسول الله، أخبرني عن الصلاة. قال: صل ~~صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حين تطلع الشمس، حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين ~~تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل؛ فإن الصلاة محضورة ~~مشهودة، حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهنم ~~فإذا أقبل الفيء فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن ~~الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين ms0641 قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها ~~الكفار» . رواهن مسلم. ### | [مسألة قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها] # (1016) مسألة: قال أبو القاسم: (ويقضي الفوائت من الصلوات الفرض) وجملته ~~أنه يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها. روي نحو ذلك عن ~~علي - رضي الله عنه - وغير واحد من الصحابة. وبه قال أبو العالية، والنخعي، ~~والشعبي، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور ~~وابن المنذر، وقال أصحاب الرأي: لا تقضى الفوائت في الأوقات الثلاثة التي ~~في حديث عقبة بن عامر، إلا عصر يومه يصليها قبل غروب الشمس؛ لعموم النهي، ~~وهو متناول للفرائض وغيرها، ولأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نام عن ~~صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، أخرها حتى ابيضت الشمس» . متفق عليه. # ولأنها صلاة، فلم تجز في هذه الأوقات كالنوافل، # PageV02P080 # وقد روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه نام في دالية، فاستيقظ عند غروب ~~الشمس، فانتظر حتى غابت الشمس ثم صلى. وعن كعب - أحسبه ابن عجرة - أنه نام ~~حتى طلع قرن الشمس فأجلسه، فلما أن تعالت الشمس قال له: صل الآن. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها، ~~فليصلها إذا ذكرها» . متفق عليه. وفي حديث أبي قتادة: «إنما التفريط في ~~اليقظة على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ~~ينتبه لها» . متفق عليه. وخبر النهي مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين، ~~وبعصر يومه، فنقيس محل النزاع على المخصوص، وقياسهم منقوض بذلك أيضا، وحديث ~~أبي قتادة يدل على جواز التأخير، لا على تحريم الفعل. ### | [فصل طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح] # (1017) فصل: ولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح، أتمها. وقال أصحاب الرأي: ~~تفسد؛ لأنها صارت في وقت النهي. ولنا، ما روى أبو هريرة، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر، قبل أن ~~تغيب الشمس، فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، ~~فليتم صلاته» . متفق ms0642 عليه. وهذا نص في المسألة، يقدم على عموم غيره. ### | [فصل فعل الصلاة المنذورة في وقت النهي] # (1018) فصل: ويجوز فعل الصلاة المنذورة في وقت النهي، سواء كان النذر ~~مطلقا أو مؤقتا. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، ويتخرج لنا مثله بناء على صوم ~~الواجب في أيام التشريق. ولنا أنها صلاة واجبة، فأشبهت الفوائت من الفرائض ~~وصلاة الجنازة، وقد وافقنا فيه فيما بعد صلاة العصر وصلاة الصبح. ### | [مسألة يركع للطواف] # (1019) مسألة: قال: (ويركع للطواف) يعني في أوقات النهي، وممن طاف بعد ~~الصبح والعصر وصلى ركعتين ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء، وطاوس، وفعله ابن ~~عباس، والحسن، والحسين، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وفعله عروة بعد الصبح، ~~وهذا مذهب عطاء، والشافعي، وأبي ثور. وأنكرت طائفة ذلك، منهم أبو حنيفة، ~~ومالك. واحتجوا بعموم أحاديث النهي. # PageV02P081 # ولنا، ما روى جبير بن مطعم، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت، وصلى في أي ساعة شاء، من ~~ليل أو نهار» . رواه الأثرم، والترمذي، وقال: حديث صحيح. ولأنه قول من ~~سمينا من الصحابة، ولأن ركعتي الطواف تابعة له، فإذا أبيح المتبوع ينبغي أن ~~يباح التبع، وحديثهم مخصوص بالفوائت، وحديثنا لا تخصيص فيه، فيكون أولى. ### | [مسألة الصلاة على الجنازة في أوقات النهي] # (1020) مسألة: قال: (ويصلي على الجنازة) أما الصلاة على الجنازة بعد ~~الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تميل للغروب، فلا خلاف فيه، قال ابن ~~المنذر: إجماع المسلمين في الصلاة على الجنازة بعد العصر والصبح، وأما ~~الصلاة عليها في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر فلا يجوز. ~~ذكرها القاضي، وغيره. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الصلاة على الجنازة ~~إذا طلعت الشمس؟ قال: أما حين تطلع فما يعجبني. ثم ذكر حديث عقبة بن عامر. ~~وقد روي عن جابر، وابن عمر نحو هذا القول، وذكره مالك في " الموطأ " عن ابن ~~عمر. # وقال الخطابي: هذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو الخطاب، عن أحمد، رواية ~~أخرى: إن الصلاة على ms0643 الجنازة تجوز في جميع أوقات النهي. وهذا مذهب الشافعي؛ ~~لأنها صلاة تباح بعد الصبح والعصر، فأبيحت في سائر الأوقات، كالفرائض. ~~ولنا، قول عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا» . وذكره للصلاة مقرونا بالدفن ~~دليل على إرادة صلاة الجنازة. # ولأنها صلاة من غير الصلوات الخمس، فلم يجز فعلها في هذه الأوقات ~~الثلاثة، كالنوافل المطلقة، وإنما أبيحت بعد الصبح والعصر لأن مدتهما تطول، ~~فالانتظار يخاف منه عليها، وهذه مدتها تقصر، وأما الفرائض فلا يقاس عليها؛ ~~لأنها آكد، ولا يصح قياس هذه الأوقات الثلاثة على الوقتين الآخرين، لأن ~~النهي فيها آكد، وزمنها أقصر، فلا يخاف على الميت فيها، ولأنه نهي عن الدفن ~~فيها، والصلاة المقرونة بالدفن تتناول صلاة الجنازة، وتمنعها القرينة من ~~الخروج بالتخصيص، بخلاف الوقتين الآخرين. والله أعلم. ### | [مسألة كان في المسجد وأقيمت الصلاة وقد كان صلاها] # (1021) مسألة: قال: (ويصلي إذا كان في المسجد وأقيمت الصلاة وقد كان ~~صلاها) . وجملته أن من صلى فرضه ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة، استحب له ~~إعادتها، أي صلاة كانت، بشرط أن تقام وهو في المسجد، أو يدخل المسجد وهم ~~يصلون. وهذا قول الحسن، والشافعي، وأبي ثور. فإن أقيمت صلاة الفجر أو العصر ~~وهو خارج المسجد، لم يستحب له الدخول. واشترط القاضي لجواز الإعادة في وقت ~~النهي، أن يكون مع إمام الحي. ولم يفرق الخرقي بين إمام الحي وغيره، ولا ~~بين # PageV02P082 # المصلي جماعة وفرادى. وكلام أحمد يدل على ذلك أيضا. قال الأثرم: سألت أبا ~~عبد الله عن من صلى في جماعة، ثم دخل المسجد وهم يصلون، أيصلي معهم؟ قال: ~~نعم. وذكر حديث أبي هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم. إنما هي نافلة فلا ~~يدخل، فإن دخل صلى، وإن كان قد صلى في جماعة، قيل لأبي عبد الله: والمغرب؟ ~~قال: نعم، إلا أنه في المغرب يشفع. # وقال مالك: إن كان صلى وحده أعاد المغرب، وإن كان صلى في جماعة لم يعدها؛ ~~لأن الحديث ms0644 الدال على الإعادة قال فيه: صلينا في رحالنا. وقال أبو حنيفة: ~~لا تعاد الفجر ولا العصر ولا المغرب؛ لأنها نافلة فلا يجوز فعلها في وقت ~~النهي؛ لعموم الحديث فيه، ولا تعاد المغرب لأن التطوع لا يكون بوتر. وعن ~~ابن عمر، والنخعي: تعاد الصلوات كلها إلا الصبح والمغرب. وقال أبو موسى، ~~وأبو مجلز، ومالك، والثوري، والأوزاعي: تعاد كلها إلا المغرب، لئلا يتطوع ~~بوتر. وقال الحاكم: إلا الصبح وحدها. # ولنا، ما روى جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال: «شهدت مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - حجته فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف، وأنا ~~غلام شاب، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه. فقال: ~~علي بهما فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ ، ~~فقالا: يا رسول الله، قد صلينا في رحالنا. قال: لا تفعلا، إذا صليتما في ~~رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم؛ فإنها لكم نافلة» . رواه أبو ~~داود، والترمذي، وقال حديث حسن صحيح والأثرم. # وروى مالك، في " الموطأ " عن زيد بن أسلم عن بسر بن محجن، عن أبيه، «أنه ~~كان جالسا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذن للصلاة، فقام رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: ما منعك أن تصلي مع الناس، ألست برجل مسلم؟ . ~~فقال: بلى يا رسول الله، ولكني قد صليت في أهلي. فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت» . وعن أبي ذر ~~قال: «إن خليلي - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصاني أن أصلي الصلاة ~~لوقتها، فإذا أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة» . رواه مسلم. # وفي رواية: «فإن أدركتها معهم فصل، ولا تقل: إني قد صليت، فلا أصلي» . ~~رواه النسائي. وهذه الأحاديث بعمومها تدل على محل النزاع، وحديث يزيد بن ~~الأسود صريح في إعادة الفجر، والعصر مثلها، والأحاديث بإطلاقها تدل على ~~الإعادة، ms0645 سواء كان مع إمام الحي أو غيره، وسواء صلى وحده أو في جماعة. وقد ~~روى أنس، قال: صلى بنا أبو موسى الغداة في المربد، فانتهينا إلى المسجد # PageV02P083 # الجامع، فأقيمت الصلاة، فصلينا مع المغيرة بن شعبة. وعن صلة، عن حذيفة: ~~أنه أعاد الظهر والعصر والمغرب، وكان قد صلاهن في جماعة. رواهما الأثرم. ### | [فصل إذا أعاد المغرب شفعها برابعة] # (1022) فصل: إذا أعاد المغرب شفعها برابعة. نص عليه أحمد. وبه قال الأسود ~~بن يزيد، والزهري، والشافعي، وإسحاق، ورواه قتادة، عن سعيد بن المسيب. وروى ~~صلة، عن حذيفة، أنه لما أعاد المغرب، قال: ذهبت أقوم في الثالثة، فأجلسني، ~~وهذا يحتمل أنه أمره بالاقتصار على ركعتين؛ لتكون شفعا، ويحتمل أنه أمره ~~بالصلاة مثل صلاة الإمام. ولنا أن هذه الصلاة نافلة، ولا يشرع التنفل بوتر ~~غير الوتر، فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها؛ لئلا يفارق إمامه قبل إتمام ~~صلاته. ### | [فصل أقيمت الصلاة وهو خارج من المسجد] # (1023) فصل: إن أقيمت الصلاة وهو خارج من المسجد، فإن كان في وقت نهي لم ~~يستحب له الدخول، وإن كان في غير وقت نهي استحب له الدخول في الصلاة معهم، ~~وإن دخل وصلى معهم فلا بأس؛ لما ذكرنا من خبر أبي موسى. ولا يستحب؛ لما روى ~~مجاهد، قال: خرجت مع ابن عمر من دار عبد الله بن خالد بن أسيد حتى إذا نظر ~~إلى باب المسجد إذا الناس في الصلاة، فلم يزل واقفا حتى صلى الناس، وقال: ~~إني صليت في البيت رواه الإمام أحمد في المسند. ### | [فصل إذا أعاد الصلاة] # (1024) فصل: إذا أعاد الصلاة فالأولى فرضه. روي ذلك عن علي - رضي الله ~~عنه - وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق، والشافعي في الجديد. وعن سعيد ~~بن المسيب، وعطاء، والشعبي، التي صلى معهم المكتوبة؛ لما روي في حديث يزيد ~~بن الأسود، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا جئت إلى الصلاة ~~فوجدت الناس فصل معهم، وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة، وهذه مكتوبة» . ولنا ~~قوله في الحديث الصحيح: «تكن لكما نافلة» ms0646 . # وقوله في حديث أبي ذر: «فإنها لك نافلة» . ولأن الأولى قد وقعت فريضة، ~~وأسقطت الفرض، بدليل أنها لا تجب ثانيا؛ وإذا برئت الذمة بالأولى استحال ~~كون الثانية فريضة، وجعل الأولى نافلة. قال حماد، قال إبراهيم: إذا نوى ~~الرجل صلاة وكتبتها الملائكة فمن يستطيع أن يحولها، فما صلى بعدها فهو ~~تطوع. وحديثهم لا تصريح فيه، # PageV02P084 # فيجب أن يحمل معناه على ما في الأحاديث الباقية سواء. فعلى هذا لا ينوي ~~الثانية فرضا، لكن ينويها ظهرا معادة، وإن نواها نافلة صح. # (1025) فصل: ولا تجب الإعادة. قال القاضي: لا تجب، رواية واحدة. وقال بعض ~~أصحابنا فيها رواية أخرى: إنها تجب مع إمام الحي؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر بها. ولنا، أنها نافلة، والنافلة لا تجب، وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا تصل صلاة في يوم مرتين» . رواه أبو داود. ومعناه ~~واجبتان. والله أعلم، والأمر للاستحباب. # فعلى هذا إن قصد الإعادة فلم يدرك إلا ركعتين، فقال الآمدي: يجوز أن يسلم ~~معهم؛ لأنها نافلة، ويستحب أن يتمها؛ لأنه قصدها أربعا. ونص أحمد، رحمه ~~الله، على أنه يتمها أربعا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وما فاتكم ~~فأتموا» . ### | [مسألة الأوقات المنهي عن الصلاة فيها] # (1026) مسألة: قال: (في كل وقت نهي عن الصلاة فيه، وهو بعد الفجر حتى ~~تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس) اختلف أهل العلم في الأوقات المنهي ~~عن الصلاة فيها؛ فذهب أحمد، - رحمه الله -، إلى أنها من بعد الفجر حتى ~~ترتفع الشمس قدر رمح، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وحال قيام الشمس حتى ~~تزول، وعدها أصحابه خمسة أوقات؛ من الفجر إلى طلوع الشمس وقت، ومن طلوعها ~~إلى ارتفاعها وقت، وحال قيامها وقت، ومن العصر إلى شروع الشمس في الغروب ~~وقت، وإلى تكامل الغروب وقت. # والصحيح أن الوقت الخامس من حين تتضيف الشمس للغروب إلى أن تغرب؛ لأن ~~عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا ~~أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا؛ حين تطلع الشمس ms0647 بازغة حتى ترتفع، وحين ~~يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب. فجعل هذه ~~ثلاثة أوقات، وقد ثبت لنا وقتان آخران بحديث عمر وأبي سعيد، فيكون الجميع ~~خمسة. ومن جعل الخامس وقت الغروب، فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصه ~~بالنهي في حديث ابن عمر، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا ~~الصلاة حتى تغيب» . وفي حديث: «ولا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها» ~~. وعلى كل حال فهذه الأوقات المذكورة منهي عن الصلاة فيها، وهو قول ~~الشافعي، وأصحاب الرأي. وقال ابن المنذر: إنما المنهي عنه الأوقات الثلاثة ~~التي في حديث عقبة؛ بدليل تخصيصها بالنهي في حديثه وحديث # PageV02P085 # ابن عمر. # وقوله: «لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة» . رواه أبو ~~داود. وقالت عائشة: وهم عمر إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يتحرى طلوع الشمس أو غروبها. ولنا ما ذكرنا من الأحاديث في أول الباب، وهي ~~صحيحة صريحة، والتخصيص في بعض الأحاديث لا يعارض العموم الموافق له، بل يدل ~~على تأكد الحكم فيما خصه، وقول عائشة في رد خبر عمر غير مقبول، فإنه مثبت ~~لروايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي تقول برأيها، وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أصح من قولها، ثم هي قد روت ذلك أيضا، فروى ذكوان ~~مولى عائشة، أنها حدثته، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ~~بعد العصر، وينهى عنه» . رواه أبو داود، فكيف يقبل ردها لما قد أقرت بصحته، ~~وقد رواه أبو سعيد، وعمرو بن عبسة، وأبو هريرة، وابن عمر، والصنابحي، وأم ~~سلمة، كنحو رواية عمر، فلا يترك هذا بمجرد رأي مختلف متناقض. # (1027) فصل: والنهي عن الصلاة بعد العصر متعلق بفعل الصلاة، فمن لم يصل ~~أبيح له التنفل، وإن صلى غيره. ومن صلى العصر فليس له التنفل وإن لم يصل ~~أحد سواه. لا نعلم في هذا خلافا عند من يمنع ms0648 الصلاة بعد العصر. فأما النهي ~~بعد الفجر فيتعلق بطلوع الفجر، وبهذا قال سعيد بن المسيب، والعلاء بن زياد، ~~وحميد بن عبد الرحمن، وأصحاب الرأي. وقال النخعي: كانوا يكرهون ذلك. يعني ~~التطوع بعد طلوع الفجر. ورويت كراهته عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن ~~عمرو. # وعن أحمد رواية أخرى، أن النهي متعلق بفعل الصلاة أيضا كالعصر. وروي نحو ~~ذلك عن الحسن، والشافعي؛ لما روى أبو سعيد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر ~~حتى تطلع الشمس» . رواه مسلم، وروى أبو داود حديث عمر بهذا اللفظ. وفي حديث ~~عمرو بن عبسة قال: «صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة، كذا» رواه مسلم. وفي ~~رواية أبي داود قال: «قلت يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل ~~الآخر، فصل ما شئت، فإن الصلاة مكتوبة مشهودة حتى تصلي الصبح، ثم أقصر حتى ~~تطلع الشمس، فترتفع قدر رمح أو رمحين» . ولأن لفظ النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في العصر علق على الصلاة دون وقتها، فكذلك الفجر، ولأنه وقت نهي بعد ~~صلاة، فيتعلق بفعلها، كبعد العصر. والمشهور في المذهب الأول؛ لما روى «يسار ~~مولى ابن عمر، قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر فقال: يا يسار، ~~إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، ~~فقال: ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين» . رواه أبو ~~داود، وفي لفظ: # PageV02P086 # «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتان» . رواه الدارقطني. وفي لفظ: «إلا ~~ركعتي الفجر» ، وقال: هو غريب، رواه قدامة بن موسى. وقد روى عنه غير واحد ~~من أهل العلم. وقال: هذا ما أجمع عليه أهل العلم. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا طلع ~~الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر» . وهذا يبين مراد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من اللفظ المجمل، ولا يعارضه تخصيص ما بعد الصلاة بالنهي، فإن ذلك ms0649 ~~دليل خطاب، وهذا منطوق، فيكون أولى. وحديث عمرو بن عبسة قد اختلفت ألفاظ ~~الرواة فيه، وهو في سنن ابن ماجه: «حتى يطلع الفجر» . ### | [مسألة لا يبتدئ في أوقات النهي عن الصلاة بتطوع] # (1028) مسألة: قال: (ولا يبتدئ في هذه الأوقات صلاة يتطوع بها) . لا أعلم ~~خلافا في المذهب أنه لا يجوز أن يبتدئ صلاة تطوع غير ذات سبب. وهو قول ~~الشافعي، وأصحاب الرأي. وقال ابن المنذر: رخصت طائفة في الصلاة بعد العصر، ~~روينا ذلك عن علي، والزبير، وابنه، وتميم الداري، والنعمان بن بشير، وأبي ~~أيوب الأنصاري، وعائشة، وفعله الأسود بن يزيد، وعمر، وابن ميمون، ومسروق، ~~وشريح، وعبد الله بن أبي الهذيل، وأبو بردة، وعبد الرحمن بن الأسود، وابن ~~البيلماني، والأحنف بن قيس. # وحكي عن أحمد أنه قال: لا نفعله ولا نعيب فاعله. وذلك لقول عائشة - رضي ~~الله عنها -: «ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين بعد العصر ~~عندي قط» . وقولها: وهم عمر، إنما «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها» . رواهما # PageV02P087 # مسلم. وقول علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة بعد العصر ~~إلا والشمس مرتفعة» . ولنا، الأحاديث المذكورة في أول الباب، وهي صحيحة ~~صريحة، وروى أبو بصرة، قال: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~صلاة العصر بالمخمص، فقال: إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، ~~فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد» . رواه ~~مسلم. وهذا خاص في محل النزاع. # وأما حديث عائشة؛ فقد روى عنها ذكوان مولاها، أنها حدثته، «أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعد العصر وينهى عنها» . رواه أبو داود. ~~وروى أبو سلمة، أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يصليهما بعد العصر، فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل ~~عنهما، أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما وكان إذا صلى صلاة ~~أثبتها. وعن أم سلمة قالت: «سمعت رسول ms0650 الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى ~~عنهما، ثم رأيته يصليهما، وقال: يا بنت أبي أمية، إنه أتاني ناس من عبد ~~القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما ~~هاتان» . رواهما مسلم. # وهذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما فعله لسبب، وهو قضاء ~~ما فاته من السنة، وأنه نهى عن الصلاة بعد العصر، كما رواه غيرهما، وحديث ~~عائشة يدل على اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ونهيه غيره، وهذا ~~حجة على من خالف ذلك، فإن النزاع إنما هو في غير النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد ثبت ذلك من غير معارض له. # (1029) فصل: فأما التطوع لسبب غير ما ذكره الخرقي، فالمنصوص عن أحمد، - ~~رحمه الله -، في الوتر أنه يفعله قبل صلاة الفجر. قال الأثرم: سمعت أبا عبد ~~الله يسأل: أيوتر الرجل بعدما يطلع الفجر؟ قال: نعم. وروي ذلك عن ابن ~~مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وحذيفة، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، ~~وفضالة بن عبيد، وعائشة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعمرو بن شرحبيل، ~~وقال أيوب السختياني وحميد الطويل: إن أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر. # وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي. وروي عن علي - رضي الله عنه ~~- أنه خرج بعد طلوع الفجر، فقال: لنعم ساعة الوتر هذه. وروي عن عاصم، قال: ~~جاء ناس إلى أبي موسى، فسألوه عن رجل لم يوتر حتى أذن المؤذن؟ قال: لا وتر ~~له، فأتوا عليا فسألوه فقال: أغرق في النزع، الوتر ما بينه وبين الصلاة. ~~وأنكر ذلك عطاء، والنخعي، وسعيد بن جبير، وهو قول أبي موسى على ما حكينا، ~~واحتجوا بعموم النهي. # ولنا، ما روى أبو بصرة الغفاري، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح، ~~الوتر الوتر» . رواه الأثرم، واحتج به أحمد، ولأنه قول من سمينا من ~~الصحابة، وأحاديث النهي الصحيحة ليست صريحة في النهي قبل صلاة الفجر، على ~~ما قدمناه، إنما فيه حديث ابن عمر ms0651 وهو غريب، وقد روى أبو هريرة قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن الوتر أو نسيه، فليصله إذا ~~أصبح أو ذكر» . رواه ابن ماجه. وهذا صريح في محل النزاع. # إذا ثبت هذا، فإنه لا ينبغي لأحد أن يتعمد ترك الوتر حتى يصبح؛ لهذا ~~الخبر، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فإذا خشي أحدكم الصبح ~~فليصل ركعة توتر له ما قد صلى» . متفق عليه. وهكذا قال مالك. وقال: من ~~فاتته صلاة الليل فله أن يصلي بعد الصبح قبل أن يصلي الصبح، # PageV02P088 # وحكاه ابن أبي موسى، في " الإرشاد " مذهبا لأحمد، قياسا على الوتر، ولأن ~~هذا الوقت لم يثبت النهي فيه صريحا، فكان حكمه خفيفا. ### | [فصل قضاء سنة الفجر بعدها] # (1030) فصل: فأما قضاء سنة الفجر بعدها فجائز، إلا أن أحمد اختار أن ~~يقضيهما من الضحى، وقال: إن صلاهما بعد الفجر أجزأ، وأما أنا فأختار ذلك. ~~وقال عطاء، وابن جريج، والشافعي: يقضيهما بعدها؛ لما روي عن قيس بن فهد، ~~قال: «رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد ~~صلاة الفجر، فقال: ما هاتان الركعتان يا قيس؟ . قلت: يا رسول الله لم أكن ~~صليت ركعتي الفجر، فهما هاتان» . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي. ~~وسكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على الجواز، ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذه في معناها، ولأنها صلاة ذات ~~سبب، فأشبهت ركعتي الطواف. وقال أصحاب الرأي: لا يجوز؛ لعموم النهي، ولما ~~روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يصل ~~ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس» . رواه الترمذي، وقال: لا نعرفه ~~إلا من حديث عمرو بن عاصم. قال ابن الجوزي، - رحمه الله -: وهو ثقة، أخرج ~~عنه البخاري. وكان ابن عمر يقضيهما من الضحى، وحديث قيس مرسل، قاله أحمد، ~~والترمذي، لأنه يرويه محمد بن إبراهيم عن قيس، ولم يسمع منه، وروي من طريق ~~يحيى بن سعيد عن جده، وهو مرسل أيضا، ms0652 ورواه الترمذي، قال: «قلت يا رسول ~~الله: إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر. قال: فلا إذا» . # وهذا يحتمل النهي. وإذا كان الأمر هكذا كان تأخيرها إلى وقت الضحى أحسن؛ ~~لنخرج من الخلاف، ولا نخالف عموم الحديث، وإن فعلها فهو جائز؛ لأن هذا ~~الخبر لا يقصر عن الدلالة على الجواز. والله أعلم. ### | [فصل قضاء السنن الراتبة بعد العصر] # (1031) فصل: وأما قضاء السنن الراتبة بعد العصر، فالصحيح جوازه؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله، فإنه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر ~~بعد العصر في حديث أم سلمة، وقضى الركعتين اللتين قبل العصر بعدها في حديث ~~عائشة، والاقتداء بما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - متعين. ولأن النهي ~~بعد العصر خفيف؛ لما روي في خلافه من الرخصة، وما وقع من الخلاف فيه، وقول ~~عائشة: إنه كان ينهى عنها معناه - والله أعلم - أنه نهى عنها لغير هذا ~~السبب، أو أنه كان يفعلها على الدوام، وينهى عن ذلك. وهذا مذهب الشافعي. ~~ومنعه أصحاب الرأي لعموم النهي. وما ذكرناه خاص، فالأخذ به أولى، إلا أن ~~الصحيح في الركعتين قبل العصر أنها لا تقضى؛ لما روت عائشة، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - صلاهما. فقلت له: أنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا» . ~~رواه ابن النجار، في الجزء الخامس من حديثه. # PageV02P089 ### | [فصل قضاء السنن في سائر أوقات النهي] # (1032) فصل: فأما قضاء السنن في سائر أوقات النهي، وفعل غيرها من الصلوات ~~التي لها سبب، كتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وسجود التلاوة، فالمشهور في ~~المذهب أنه لا يجوز. ذكره الخرقي في سجود التلاوة وصلاة الكسوف. وقال ~~القاضي: في ذلك روايتان؛ أصحهما أنه لا يجوز. وهو قول أصحاب الرأي؛ لعموم ~~النهي. والثانية: يجوز. وهو قول الشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين» . متفق عليه. وقال ~~في الكسوف: «فإذا رأيتموهما فصلوا» . وهذا خاص في هذه الصلاة، فيقدم على ~~النهي العام في الصلاة كلها، ولأنها صلاة ذات سبب، فأشبهت ما ثبت جوازه. # ولنا، أن النهي ms0653 للتحريم، والأمر للندب، وترك المحرم أولى من فعل المندوب. ~~وقولهم: إن الأمر خاص في الصلاة. قلنا: ولكنه عام في الوقت، والنهي خاص ~~فيه، فيقدم، ولا يصح القياس على القضاء بعد العصر؛ لأن حكم النهي فيه أخف، ~~لما ذكرنا، ولا على قضاء الوتر بعد طلوع الفجر لذلك، ولأنه وقت له، بدليل ~~حديث أبي بصرة، ولا على صلاة الجنازة لأنها فرض كفاية، ويخاف على الميت، ~~ولا على ركعتي الطواف، لأنهما تابعتان لما لا يمنع منه النهي، مع أننا قد ~~ذكرنا أن الصحيح أنه لا يصلى على الجنازة في الأوقات الثلاثة التي في حديث ~~عقبة بن عامر. وكذلك لا ينبغي أن يركع للطواف فيها، ولا يعيد فيها جماعة. ~~وإذا منعت هذه الصلوات المتأكدة فيها فغيرها أولى بالمنع، والله أعلم. # (1033) فصل: ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي. ~~وقال الشافعي: لا يمنع فيها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار» . وعن أبي ~~ذر، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يصلين أحد بعد ~~الصبح إلى طلوع الشمس، ولا بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، إلا بمكة يقول: ~~قال ذلك ثلاثا» . رواه الدارقطني. ولنا عموم النهي، وأنه معنى يمنع الصلاة، ~~فاستوت فيه مكة وغيرها، كالحيض، وحديثهم أراد به ركعتي الطواف، فيختص بهما، ~~وحديث أبي ذر ضعيف، يرويه عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف، قاله يحيى بن ~~معين. # (1034) فصل: ولا فرق في وقت الزوال بين الجمعة وغيرها، ولا بين الشتاء ~~والصيف، كان عمر بن الخطاب ينهى # PageV02P090 # عنه، وقال ابن مسعود: «كنا ننهى عن ذلك. يعني يوم الجمعة» . وقال سعيد ~~المقبري: أدركت الناس وهم يتقون ذلك. وعن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه ~~قال: كنت ألقى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا زالت الشمس ~~قاموا فصلوا أربعا. ورخص فيه الحسن، وطاوس، والأوزاعي، وسعيد بن عبد ~~العزيز، والشافعي، وإسحاق في يوم الجمعة؛ لما ms0654 روى أبو سعيد، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة» . وعن أبي ~~قتادة مثله، رواه أبو داود. ولأن الناس ينتظرون الجمعة في هذا الوقت، وليس ~~عليهم قطع النوافل. # وقال مالك: أكرهه إذا علمت انتصاف النهار، وإذا كنت في موضع لا أعلمه، ~~ولا أستطيع أن أنظر، فإني أراه واسعا. وأباحه فيها عطاء في الشتاء دون ~~الصيف؛ لأن شدة الحر من فيح جهنم، وذلك الوقت حين تسجر جهنم. ولنا، عموم ~~الأحاديث في النهي. # وذكر لأحمد الرخصة في الصلاة نصف النهار يوم الجمعة، قال: فيه حديث النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - من ثلاثة وجوه: حديث عمرو بن عبسة، وحديث عقبة بن ~~عامر، وحديث الصنابحي، رواه الأثرم، عن عبد الله الصنابحي، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت ~~فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، ~~فإذا غربت فارقها» . ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في ~~تلك الساعات. ولأنه وقت نهي، فاستوى فيه يوم الجمعة وغيره، كسائر الأوقات، ~~وحديثهم ضعيف، في إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وهو مرسل؛ لأن أبا ~~الخليل يرويه عن أبي قتادة، ولم يسمع منه. # وقولهم: إنهم ينتظرون الجمعة. قلنا: إذا علم وقت النهي فليس له أن يصلي، ~~فإن شك فله أن يصلي حتى يعلم؛ لأن الأصل الإباحة، فلا تزول بالشك. والله ~~أعلم ### | [مسألة صلاة التطوع مثنى مثنى] # (1035) مسألة: قال: (وصلاة التطوع مثنى مثنى) يعني يسلم من كل ركعتين، ~~والتطوع قسمان؛ تطوع ليل، وتطوع نهار، فأما تطوع الليل فلا يجوز إلا مثنى ~~مثنى. هذا قول أكثر أهل العلم، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: ~~إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعا، وإن شئت ستا، وإن شئت ثمانيا. ولنا، قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الليل مثنى مثنى» متفق عليه. وعن ~~عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مفتاح الصلاة الطهور، ~~وبين كل ms0655 ركعتين تسليمة» . رواه الأثرم. ### | [مسألة إن تطوع بأربع في النهار فلا بأس] # (1036) مسألة: قال: (وإن تطوع بأربع في النهار فلا بأس) الأفضل في تطوع ~~النهار: أن يكون مثنى مثنى. لما روى علي بن عبد الله البارقي، عن ابن عمر # PageV02P091 # عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صلاة الليل والنهار مثنى ~~مثنى» . رواه أبو داود، والأثرم. ولأنه أبعد عن السهو، وأشبه بصلاة الليل، ~~وتطوعات النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن الصحيح في تطوعاته ركعتان. وذهب ~~الحسن، وسعيد بن جبير، ومالك، والشافعي، وحماد بن أبي سليمان إلى أن تطوع ~~الليل والنهار مثنى مثنى لذلك. # والصحيح أنه إن تطوع في النهار بأربع فلا بأس، فعل ذلك ابن عمر، وكان ~~إسحاق يقول: صلاة النهار أختار أربعا، وإن صلى ركعتين جاز. ويشبهه قول ~~الأوزاعي، وأصحاب الرأي؛ لما روي عن أبي أيوب، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «أربع قبل الظهر لا تسليم فيهن تفتح لهن أبواب السماء» . ~~رواه أبو داود. ولأن مفهوم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الليل ~~مثنى مثنى» أن صلاة النهار رباعية. ولنا على أن الأفضل مثنى، ما تقدم، ~~وحديث أبي أيوب يرويه عبيد الله بن معتب، وهو ضعيف، ومفهوم الحديث المتفق ~~عليه يدل على جواز الأربع لا على تفضيلها، وأما حديث البارقي فإنه تفرد ~~بزيادة لفظة " النهار " من بين سائر الرواة، وقد رواه عن ابن عمر نحو من ~~خمسة عشر نفسا، لم يقل ذلك أحد سواه، وكان ابن عمر يصلي أربعا، فيدل ذلك ~~على ضعف روايته، أو على أن المراد بذلك الفضيلة، مع جواز غيره. والله أعلم. # (1037) فصل: قال بعض أصحابنا: ولا يزاد في الليل على اثنتين، ولا في ~~النهار على أربع، ولا يصح التطوع بركعة ولا بثلاث. وهذا ظاهر كلام الخرقي. ~~وقال القاضي: لو صلى ستا في ليل أو نهار، كره وصح. وقال أبو الخطاب: في صحة ~~التطوع بركعة روايتان؛ إحداهما، يجوز؛ لما روى سعيد، قال: حدثنا جرير، عن ~~قابوس، عن أبيه، قال: دخل عمر المسجد ms0656 فصلى ركعة، ثم خرج فتبعه رجل، فقال: ~~يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة. قال: هو تطوع، فمن شاء زاد، ومن شاء ~~نقص. ولنا، أن هذا خلاف قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الليل ~~مثنى مثنى» . ولأنه لم يرد الشرع بمثله، والأحكام إنما تتلقى من الشارع، ~~إما من نصه، أو معنى نصه، وليس هاهنا شيء من ذلك. ### | [فصل التطوعات قسمان] # فصل: والتطوعات قسمان؛ أحدهما، ما تسن له الجماعة، وهو صلاة الكسوف ~~والاستسقاء والتراويح، ونذكرها، إن شاء الله، في مواضعها. # PageV02P092 # والثاني، ما يفعل على الانفراد، وهي قسمان؛ سنة معينة، ونافلة مطلقة، ~~فأما المعينة فتتنوع أنواعا؛ منها السنن الرواتب مع الفرائض، وهي عشر ~~ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد ~~العشاء، وركعتان قبل الفجر. وقال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر؛ لما روى ابن ~~عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله امرأ صلى قبل ~~العصر أربعا» . رواه أبو داود وقال الشافعي: قبل الظهر أربع # ؛ لما روى عبد الله بن شقيق، قال: «سألت عائشة عن صلاة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؟ فقالت: كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي ~~بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ~~ركعتين، ثم يصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي، فيصلي ركعتين» . رواه مسلم. ~~ولنا، ما روى ابن عمر، قال: «حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر ~~ركعات؛ ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، ~~وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يدخل على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها، حدثتني حفصة، أنه كان إذا أذن المؤذن ~~وطلع الفجر صلى ركعتين» . متفق عليه. ولمسلم: وبعد الجمعة سجدتين. ولم يذكر ~~ركعتين قبل الصبح. وروى الترمذي عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مثل ذلك. وقال: هو حديث صحيح. # وقوله: «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا» . ترغيب فيها، ولم يجعلها من ~~السنن الرواتب، بدليل ms0657 أن ابن عمر راويه، ولم يحفظها عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وحديث عائشة قد اختلف فيه، فروي عنها مثل رواية ابن عمر. ### | [فصل الركعتين قبل الفجر] # (1039) فصل: وآكد هذه الركعات ركعتا الفجر، قالت عائشة - رضي الله عنها ~~-: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على شيء من النوافل أشد ~~معاهدة منه على ركعتي الفجر» . متفق عليه. وفي لفظ: «ما رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في شيء من النوافل أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر» ~~. أخرجه مسلم. وقال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها. وفي لفظ: أحب ~~إلي من الدنيا وما فيها» . رواه مسلم. وعن أبي هريرة: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «صلوهما ولو طردتكم الخيل» . رواه أبو داود. ويستحب ~~تخفيفهما، فإن عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~ركعتي الفجر فيخفف، حتى إني لأقول: هل قرأ فيهما بأم الكتاب؟» . متفق عليه. # ويستحب أن يقرأ فيهما {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] ، و {قل هو ~~الله أحد} [الإخلاص: 1] لما روى أبو هريرة، # PageV02P093 # «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في ركعتي الفجر {قل يا أيها ~~الكافرون} [الكافرون: 1] و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] » . رواه مسلم. ~~وقال ابن عمر: «رمقت النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرا، فكان يقرأ في ~~الركعتين قبل الفجر {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] و {قل هو الله ~~أحد} [الإخلاص: 1] » . قال الترمذي: هذا حديث حسن. وعن ابن عباس، قال: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في ركعتي الفجر {قولوا آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا} [البقرة: 136] الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما ~~{آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} [آل عمران: 52] » . رواه مسلم. ### | [فصل يستحب أن يضطجع بعد ركعتي الفجر على جنبه الأيمن] # (1040) فصل: ويستحب أن يضطجع بعد ركعتي الفجر على جنبه الأيمن، وكان أبو ~~موسى ورافع بن خديج، وأنس بن مالك يفعلونه، وأنكره ابن مسعود، وكان القاسم، ~~وسالم، ونافع لا يفعلونه. واختلف فيه عن ابن عمر. وروي ms0658 عن أحمد: أنه ليس ~~بسنة؛ لأن ابن مسعود أنكره. ولنا، ما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع» . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن. رواه البزار في مسنده وقال: «على شقه الأيمن» # وعن عائشة قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى ركعتي الفجر ~~اضطجع على شقه الأيمن» . متفق عليه. وهذا لفظ رواية البخاري، واتباع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في قوله وفعله أولى من اتباع من خالفه كائنا من ~~كان. ### | [فصل يقرأ في الركعتين بعد المغرب] # (1041) فصل: ويقرأ في الركعتين بعد المغرب {قل يا أيها الكافرون} ~~[الكافرون: 1] و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ؛ لما روى «ابن مسعود، قال: ~~ما أحصي ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين بعد ~~المغرب، وفي الركعتين قبل الفجر قل يا أيها الكافرون و {قل هو الله أحد} ~~[الإخلاص: 1] » . أخرجه الترمذي، وابن ماجه. ### | [فعل السنن في البيت] # ويستحب فعل السنن في البيت؛ لما ذكرنا من حديث ابن عمر: «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتي الفجر والمغرب والعشاء في بيته» ، ~~وقال أبو داود: ما رأيت أحمد ركعهما، يعني ركعتي الفجر، في المسجد قط، إنما ~~كان يخرج فيقعد في المسجد حتى تقام الصلاة. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ~~سئل عن الركعتين بعد الظهر أين يصليان؟ قال: في المسجد، ثم قال: أما ~~الركعتان قبل الفجر ففي بيته، وبعد المغرب في بيته. ثم قال: ليس هاهنا شيء ~~آكد من الركعتين بعد المغرب. وذكر حديث ابن إسحاق: «صلوا هاتين الركعتين في ~~بيوتكم» . قيل لأحمد: فإن كان منزل الرجل بعيدا؟ قال: لا أدري. # وذلك لما روى سعد بن إسحاق، عن أبيه، عن جده، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أتاهم في مسجد بني # PageV02P094 # عبد الأشهل، فصلى المغرب، فرآهم يتطوعون بعدها. فقال: هذه صلاة البيوت» . ~~رواه أبو داود. وعن رافع بن خديج، قال: «أتانا النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في بني عبد الأشهل، ms0659 فصلى بنا المغرب في مسجدنا، ثم قال: اركعوا هاتين ~~الركعتين في بيوتكم» . رواه ابن ماجه، والأثرم، ولفظه، قال: «صلوا هاتين ~~الركعتين في بيوتكم» . ### | [فصل كل سنة قبل الصلاة فوقتها من دخول وقتها] # (1042) فصل: كل سنة قبل الصلاة، فوقتها من دخول وقتها إلى فعل الصلاة، ~~وكل سنة بعدها، فوقتها من فعل الصلاة إلى خروج وقتها، فإن فات شيء من وقت ~~هذه السنن، فقال أحمد: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى شيئا ~~من التطوع، إلا ركعتي الفجر، والركعتين بعد العصر. وقال ابن حامد: تقضى ~~جميع السنن الرواتب في جميع الأوقات إلا أوقات النهي؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قضى بعضها، وقسنا الباقي عليه. وقال القاضي وبعض أصحابنا: لا ~~يقضى إلا ركعتا الفجر تقضى، إلى وقت الضحى، وركعتا الظهر. فإن أحمد قال: ما ~~أعرف وترا بعد الفجر. وركعتا الفجر تقضى إلى وقت الضحى. قال مالك: تقضى ~~ركعتا الفجر إلى وقت الزوال، ولا تقضى بعد ذلك # وقال النخعي، وسعيد بن جبير، والحسن: إذا طلعت الشمس فلا وتر. وقال ~~بعضهم: من صلى الغداة فلا وتر عليه. والأول أصح؛ لما ذكرنا وقد قال أحمد، - ~~رحمه الله -: أحب أن يكون له شيء من النوافل يحافظ عليه، إذا فات قضى. # النوع الثاني: تطوعات مع السنن الرواتب، يستحب أن يصلي قبل الظهر أربعا ~~وأربعا بعدها؛ لما روت أم حبيبة، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها، حرمه الله ~~على النار» . رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب. وروى أبو ~~أيوب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أربع قبل الظهر ليس فيهن ~~تسليم تفتح لهن أبواب السماء» . وقد ذكرناه # وعلى أربع قبل العصر؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله ~~امرأ صلى قبل العصر أربعا» . رواه أبو داود، وعن علي - رضي الله عنه - في ~~صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وأربعا قبل الظهر إذا زالت ~~الشمس، وركعتين بعدها، ms0660 وأربعا قبل العصر، يفصل بين كل ركعتين بالسلام على ~~الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين. رواه ابن ماجه. وعلى ~~أربع بعد سنة المغرب؛ لما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من صلى بعد المغرب ست ركعات، لم يتكلم بينهن بسوء، عدلن له ~~بعبادة اثنتي عشرة سنة» رواه الترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من حديث # PageV02P095 # عمر بن أبي خثعم. # وضعفه البخاري جدا. وعلى أربع بعد العشاء؛ لما روي عن «شريح بن هانئ، عن ~~عائشة، قال: سألتها عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالت: ما ~~صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء قط إلا صلى أربع ركعات، أو ست ~~ركعات» . رواه أبو داود. ### | [فصل اختلف في أربع ركعات منها ركعتان قبل المغرب بعد الأذان] # (1043) فصل: واختلف في أربع ركعات، منها ركعتان قبل المغرب بعد الأذان؛ ~~فظاهر كلام أحمد، أنهما جائزتان وليستا سنة. قال الأثرم: قلت لأبي عبد ~~الله، الركعتان قبل المغرب؟ قال: ما فعلته قط إلا مرة، حين سمعت الحديث، ~~وقال: فيهما أحاديث جياد، أو قال: صحاح، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه والتابعين. إلا أنه قال: " لمن شاء ". فمن شاء صلى. وقال: هذا شيء ~~ينكره الناس. وضحك كالمتعجب، وقال: هذا عندهم عظيم. والدليل على جوازهما ما ~~روى أنس، قال: «كنا نصلي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ~~بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب. قال المختار بن فلفل: فقلت له، أكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ~~ولم ينهنا» . متفق عليه # وقال أنس: كنا بالمدينة إذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، ~~فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت، ~~من كثرة من يصليهما. رواه مسلم. وعن عبد الله بن المغفل، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «بين كل أذانين صلاة. قالها ثلاثا، ثم قال في ~~الثالثة: لمن شاء» . أخرجهما مسلم. وقال عقبة: كنا نفعله ms0661 على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. وعن عبد الله بن المزني قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «صلوا قبل المغرب ركعتين. قال: ثم قال: صلوا قبل المغرب ~~ركعتين. قال: ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء. خشية أن يتخذها ~~الناس سنة» . متفق عليه. # ومنها، الركعتان بعد الوتر، فظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب فعلهما، وإن ~~فعلهما إنسان جاز. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الركعتين بعد ~~الوتر، قيل له: قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه، فما ترى ~~فيهما؟ فقال: أرجو إن فعله إنسان أن لا يضيق عليه، ولكن يكون وهو جالس، كما ~~جاء الحديث. قلت: تفعله أنت؟ قال: لا، ما أفعله. وعدهما أبو الحسن الآمدي ~~من السنن الراتبة. والصحيح أنهما ليستا بسنة؛ لأن أكثر من وصف تهجد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يذكرهما؛ من ذلك حديث ابن عباس، وزيد بن خالد، ~~وعائشة، فيما رواه عنهما عروة وعبد الله بن شقيق، والقاسم، واختلف فيه عن ~~أبي سلمة، وأكثر الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم على تركهما. # ووجه الجواز، ما روى سعد بن هشام، عن عائشة، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يصلي من الليل # PageV02P096 # تسع ركعات، ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم، وهو قاعد، ~~فتلك إحدى عشرة ركعة» . وقال «أبو سلمة: سألت عائشة عن صلاة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثماني ركعات، ~~ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم يصلي ~~ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح» . رواهما مسلم. وروى ذلك أبو ~~أمامة أيضا، وأوصى بهما خالد بن معدان، وكثير بن مرة الحضرمي، وفعلهما ~~الحسن، فهذا وجه جوازهما. # النوع الثالث: صلوات معينة سوى ذلك، منها صلاة الضحى، وهي مستحبة؛ لما ~~روى أبو هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ~~وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» ms0662 . متفق عليه. وعن أبي الدرداء - رضي ~~الله عنه - قال: «أوصاني حبيبي بثلاث لن أدعهن ما عشت: بصيام ثلاثة أيام من ~~كل شهر، وصلاة الضحى، وأن لا أنام حتى أوتر» . وروى أبو ذر، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة ~~صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف ~~صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» . ~~رواهما مسلم. # فأقلها ركعتان لهذا الخبر، وأكثرها ثمان في قول أصحابنا؛ لما روت أم ~~هانئ، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل بيتها يوم فتح مكة، وصلى ثماني ~~ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود» . متفق عليه. ~~ووقتها إذا علت الشمس واشتد حرها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» . رواه مسلم. قال بعض أصحابنا: لا تستحب ~~المداومة عليها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يداوم عليها، «قالت ~~عائشة: ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى قط» . متفق عليه. ~~وعن عبد الله بن شقيق، قال: «قلت لعائشة: أكان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه» . رواه مسلم. # وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «ما حدثني أحد أنه رأى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصلي الضحى إلا أم هانئ، فإنها حدثت أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - دخل بيتها يوم فتح مكة، فصلى ثماني ركعات، ما رأيته قط صلى ~~صلاة أخف منها، غير أنه كان يتم الركوع والسجود» . متفق عليه. ولأن في ~~المداومة عليها تشبيها بالفرائض. وقال # PageV02P097 # أبو الخطاب: تستحب المداومة عليها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أوصى بها أصحابه. وقال: «من حافظ على شفعة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت مثل ~~زبد البحر» . قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث النهاس بن قهم. ولأن أحب ~~العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه. ### | [فصل صلاة التسبيح] # (1044) فصل: ms0663 فأما صلاة التسبيح، فإن أحمد قال: ما يعجبني. قيل له: لم؟ ~~قال: ليس فيها شيء يصح. ونفض يده كالمنكر. وقد روي عن ابن عباس: «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال للعباس بن عبد المطلب: يا عماه، ألا ~~أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر ~~الله لك ذنبك، أوله وآخره، وقديمه وحديثه، وخطأه وعمده، وصغيره وكبيره، ~~وسره وعلانيته عشر خصال؛ أن تصلي أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب ~~وسورة، فإذا فرغت من القرآن، قلت سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر، خمس عشرة مرة، ثم تركع، فتقولها وأنت راكع عشرا، ثم ترفع ~~رأسك من الركوع، فتقولها عشرا، ثم تهوي ساجدا، فتقولها وأنت ساجد عشرا، ثم ~~ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا، ثم تسجد، فتقولها عشرا. ثم ترفع رأسك، ~~فتقولها عشرا، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في الأربع ركعات، إن ~~استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن ~~لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك ~~مرة» رواه أبو داود، والترمذي. ولم يثبت أحمد الحديث المروي فيها، ولم يرها ~~مستحبة، وإن فعلها إنسان فلا بأس؛ فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة ~~الحديث فيها. ### | [فصل في صلاة الاستخارة] # (1045) فصل: في صلاة الاستخارة: عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما ~~يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير ~~الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من ~~فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم ~~إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في ~~عاجل أمري وآجله -، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن ms0664 كنت تعلم أن ~~هذا الأمر شر لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري أو قال: في عاجل أمري وآجله، ~~فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به ويسمي ~~حاجته» . أخرجه البخاري. # PageV02P098 ### | [فصل في صلاة الحاجة] # (1046) فصل: في صلاة الحاجة: عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت له إلى الله حاجة، أو إلى أحد من ~~بني آدم، فليتوضأ، وليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين، وليثن على الله تعالى، ~~وليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم ~~الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد ~~لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، ~~والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا ~~حاجة هي لك رضا إلا قضيتها، يا أرحم الراحمين» . رواه الترمذي، وقال: حديث ~~غريب. ### | [فصل في صلاة التوبة] # (1047) فصل: في صلاة التوبة: عن علي - رضي الله عنه - قال: حدثني أبو ~~بكر، وصدق أبو بكر، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما ~~من رجل يذنب ذنبا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله تعالى ~~إلا غفر له. ثم قرأ {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله} ~~[آل عمران: 135] إلى آخرها» . رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن ~~غريب. ### | [فصل يسن لمن دخل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين قبل جلوسه] # (1048) فصل: ويسن لمن دخل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين قبل جلوسه؛ ~~لما روى أبو قتادة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخل ~~أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين» . متفق عليه. فإذا جلس قبل الصلاة ~~سن له أن يقوم فيصلي؛ لما روى جابر، قال: «جاء سليك الغطفاني ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يخطب، فجلس فقال: يا سليك، قم فاركع ركعتين، وتجوز ~~فيهما» . رواه مسلم. # ويستحب ms0665 أن يتطوع بمثل تطوع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن عليا - رضي ~~الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا صلى الفجر يمهل ~~حتى إذا كانت الشمس من هاهنا - يعني من قبل المشرق - مقدارها من صلاة الظهر ~~من العصر من هاهنا - يعني من قبل المغرب - قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى ~~إذا كانت الشمس من هاهنا - يعني من قبل المشرق - مقدارها من صلاة الظهر من ~~هاهنا قام فصلى أربعا، وأربعا قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، ~~وأربعا قبل العصر، يفصل بين كل ركعتين # PageV02P099 # بالسلام على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين. فتلك ست ~~عشرة ركعة، تطوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنهار، وقل من يداوم ~~عليها.» ### | [فصل النوافل المطلقة] # (1049) فصل: فأما النوافل المطلقة فتشرع في الليل كله، وفي النهار فيما ~~سوى أوقات النهي، وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار. قال أحمد: ليس بعد ~~المكتوبة عندي أفضل من قيام الليل. والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر ~~بذلك، قال الله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} [الإسراء: 79] . وروى ~~أبو هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصلاة بعد ~~الفريضة صلاة الليل» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. وكان قيام الليل مفروضا؛ ~~بدليل قوله تعالى: {يا أيها المزمل} [المزمل: 1] {قم الليل إلا قليلا} ~~[المزمل: 2] {نصفه} [المزمل: 3] ثم نسخ بقوله: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ~~من ثلثي الليل} [المزمل: 20] الآية. ### | [فصل أفضل التهجد جوف الليل الآخر] # (1050) فصل: وأفضل التهجد جوف الليل الآخر؛ لما روى عمرو بن عبسة، قال: ~~«قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت» . ~~رواه أبو داود. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصلاة صلاة ~~داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه» . وفي حديث ابن عباس في ~~«صفة تهجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نام حتى انتصف الليل، أو ~~قبله بقليل، أو بعده بقليل، ثم استيقظ - فوصف تهجده حتى قال: ms0666 ثم أوتر، ثم ~~اضطجع حتى جاء المؤذن» . وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ينام أول الليل، ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة ~~إلى أهله قضى حاجته، ثم نام، فإذا كان عند النداء الأول وثب، فأفاض عليه ~~الماء، وإن لم يكن له حاجة توضأ. وقالت: ما ألفى عندي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - السحر الأعلى في بيتي إلا نائما» . متفق عليهن. وفي رواية أبي ~~داود: «فما يجيء السحر حتى يفرغ من وتره» ، ولأن آخر الليل ينزل فيه الرب ~~تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا؛ لما روى أبو هريرة، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا حين يبقى ~~ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن ~~يستغفرني فأغفر له؟» متفق عليه. قال أبو عبد الله: إذا أغفى - يعني بعد ~~التهجد - فإنه لا يبين عليه أثر السهر، وإذا لم يغف يبين عليه. وقال مسروق: ~~«سألت عائشة: أي حين كان يصلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالت: كان ~~إذا سمع الصارخ قام، فصلى.» متفق عليه. # PageV02P100 # (1051) فصل: ويقول عند انتباهه ما رواه عبادة، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك ~~له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا ~~إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر ~~لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى، قبلت صلاته» . رواه البخاري. وعن ابن ~~عباس، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يتهجد، ~~قال: اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ~~قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السموات والأرض ومن ~~فيهن، ولك الحمد أنت الحق؛ ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، ~~والنار حق، والساعة حق، والنبيون ms0667 حق، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - حق، ~~اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك ~~حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت ~~المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» . متفق عليه. وفي مسلم: ~~«أنت رب السموات والأرض. وفيه: أنت إلهي لا إله إلا أنت» . وعن عائشة قالت: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل افتتح صلاته: ~~اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب ~~والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» . أخرجه مسلم وعنها. # قالت: «كان - تعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام كبر عشرا، ~~وحمد عشرا، وسبح عشرا، وهلل عشرا، واستغفر عشرا، وقال: اللهم اغفر لي، ~~واهدني، وارزقني، وعافني ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة» . رواه أبو ~~داود. (1052) فصل: ويستحب أن يتسوك؛ لما روى حذيفة، قال: «كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك» . متفق عليه. وعن ابن ~~عباس، «أنه رقد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستيقظ، فسوك وتوضأ» ~~. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنا نعد له - تعني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سواكه وطهوره، # PageV02P101 # فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات. أخرجهما ~~مسلم. ### | [فصل يستحب أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين] # (1053) فصل: ويستحب أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين؛ لما روى أبو هريرة، ~~- رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قام أحدكم من ~~الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» وعن زيد بن خالد أنه قال: «لأرمقن ~~صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم ~~صلى ركعتين طويلتين طويلتين ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ~~ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم ~~صلى ms0668 ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، وذلك ثلاث عشرة ركعة» . وقال ~~ابن عباس: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ثلاث عشرة ~~ركعة» . أخرجهما مسلم. # وقد اختلف في عدد ركعات تهجد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ففي هذين ~~الحديثين أنه ثلاث عشرة ركعة، وقالت عائشة، ما كان يزيد في رمضان ولا غيره ~~على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، ~~فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. وفي لفظ قالت: كانت صلاته في شهر ~~رمضان وغيره بالليل ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر. وفي لفظ: منها الوتر ~~وركعتا الفجر. وفي لفظ: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، بركعتي الفجر. وفي لفظ: ~~كان يصلي فيما بين صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ~~ركعتين، ويوتر بواحدة. متفق عليهن. # ولعلها لم تعد الركعتين الخفيفتين اللتين ذكرهما غيرها، ويحتمل أنه صلى ~~في ليلة ثلاث عشرة، وفي ليلة إحدى عشرة. ### | [فصل يستحب أن يقرأ المتهجد جزءا من القرآن في تهجده] # (1054) فصل: ويستحب أن يقرأ المتهجد جزءا من القرآن في تهجده؛ فإن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يفعله، وهو مخير بين الجهر بالقراءة والإسرار ~~بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع ~~قراءته، أو ينتفع بها، فالجهر أفضل، وإن كان قريبا منه من يتهجد، أو من ~~يستضر برفع صوته فالإسرار أولى، وإن لم يكن لا هذا ولا هذا، فليفعل ما شاء. ~~«قال عبد الله بن أبي قيس: سألت عائشة: كيف كانت قراءة رسول الله؟ فقالت: ~~كل ذلك كان يفعل، ربما أسر وربما جهر» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وقال أبو هريرة: «كانت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع ~~طورا، ويخفض طورا» . وقال ابن عباس: «كانت قراءة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على قدر ما يسمعه من في الحجرة وهو في البيت» . رواهما أبو داود. ~~وعن أبي قتادة «أن رسول الله ms0669 - صلى الله عليه وسلم - خرج، فإذا هو بأبي بكر # PageV02P102 # يصلي، يخفض من صوته، ومر بعمر وهو يصلي رافعا صوته، قال: فلما اجتمعنا ~~عند النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا أبا بكر، مررت بك وأنت تصلي تخفض ~~صوتك قال: إني أسمعت من ناجيت يا رسول الله. قال: ارفع قليلا. وقال لعمر: ~~مررت بك وأنت تصلي رافعا صوتك. قال، فقال: يا رسول الله أوقظ الوسنان، ~~وأطرد الشيطان. قال: اخفض من صوتك شيئا» . رواه أبو داود. # وقال أبو سعيد: «اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، ~~فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر، وقال: ألا إن كلكم مناج ربه، فلا ~~يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال: في الصلاة» . ~~أخرجه أبو داود. ### | [فصل كان له تهجد ففاته] # (1055) فصل: ومن كان له تهجد ففاته، استحب له قضاؤه بين صلاة الفجر ~~والظهر؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن حزبه أو عن شيء ~~منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل» ~~. وعن عائشة، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا عمل عملا ~~أثبته، وكان إذا نام من الليل، أو مرض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. ~~قالت: وما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام ليلة حتى الصباح، وما ~~صام شهرا متتابعا إلا رمضان» . أخرجهما مسلم. ### | [فصل التنفل بين المغرب والعشاء] # (1056) فصل: ويستحب التنفل بين المغرب والعشاء؛ لما روي عن أنس بن مالك ~~في هذه الآية: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16] الآية، قال: كانوا ~~يتنفلون ما بين المغرب والعشاء، يصلون. رواه أبو داود. وعن عائشة - رضي ~~الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صلى بعد المغرب ~~عشرين ركعة بنى الله له بيتا في الجنة» . قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. ### | [فصل ما ورد عن النبي تخفيفه أو تطويله فالأفضل اتباعه فيه] # فصل: وما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تخفيفه أو تطويله، ms0670 فالأفضل ~~اتباعه فيه، فإنه - عليه السلام - لا يفعل إلا الأفضل، وقد ذكرنا بعض ما ~~«كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخففه ويطوله» ، وما عدا ذلك فاختلفت ~~الرواية فيه؛ فروي أن الأفضل كثرة الركوع والسجود، «لقول ابن مسعود: إني ~~لأعلم النظائر التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرن بينهن ~~سورتين في كل ركعة، عشرون سورة من المفصل» . رواه مسلم. وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ما من عبد سجد سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه ~~بها سيئة، ورفع له بها درجة» . # PageV02P103 # والثانية، التطويل أفضل؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل ~~الصلاة طول القنوت» . رواه مسلم. # «ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أكثر صلاته التهجد وكان يطيله، ~~على ما قد مر ذكره، ولا يداوم إلا على الأفضل» . والثالثة، هما سواء؛ ~~لتعارض الأخبار في ذلك. والله أعلم. ### | [فصل التطوع في البيت] # (1058) فصل: والتطوع في البيت أفضل؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة ~~المكتوبة» . رواه مسلم. وعن زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلا المكتوبة» . ~~رواه أبو داود. وقال: «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا ~~من صلاته؛ فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا» . رواه مسلم. ولأن الصلاة ~~في البيت أقرب إلى الإخلاص. وأبعد من الرياء، وهو من عمل السر، وفعله في ~~المسجد علانية والسر أفضل. ### | [فصل يستحب أن يكون للإنسان تطوعات يداوم عليها] # (1059) فصل: ويستحب أن يكون للإنسان تطوعات يداوم عليها، وإذا فاتت ~~يقضيها. قال أبو داود: سمعت أحمد - رحمه الله - يقول: يعجبني أن يكون للرجل ~~ركعات من الليل والنهار معلومة، فإذا نشط، طولها، وإذا لم ينشط خففها. ~~وقالت عائشة: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الأعمال أفضل؟ قال: ~~أدومه وإن قل. وفي لفظ قال: أحب الأعمال إلى الله الذي يداوم عليه ms0671 صاحبه، ~~وإن قل» . متفق عليه. وقالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى ~~صلاة أحب أن يداوم عليها» . وقالت: «كان عمله ديمة، وكان إذا عمل عملا ~~أثبته» . رواه مسلم. # وقال عبد الله بن عمرو: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل» . متفق عليه. ### | [فصل التطوع جماعة وفرادى] # (1060) فصل: يجوز التطوع جماعة وفرادى؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فعل الأمرين كليهما، وكان أكثر تطوعه منفردا، وصلى بحذيفة مرة، وبابن ~~عباس مرة، وبأنس وأمه واليتيم مرة، وأم أصحابه في بيت عتبان مرة، وأمهم في ~~ليالي رمضان ثلاثا» ، وسنذكر أكثر هذه الأخبار في مواضعها إن شاء الله ~~تعالى، وهي كلها صحاح جياد. # PageV02P104 ### | [مسألة يباح أن يتطوع جالسا] # (1061) مسألة: قال: (ويباح أن يتطوع جالسا) لا نعلم خلافا في إباحة ~~التطوع جالسا، وأنه في القيام أفضل، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم» . متفق عليه. ~~وفي لفظ مسلم: «صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة» . وقالت عائشة: «إن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يمت حتى كان كثير من صلاته وهو جالس» . وروي نحو ~~ذلك عن حفصة، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن سمرة، أخرجهن مسلم. ولأن كثيرا ~~من الناس يشق عليه طول القيام، فلو وجب في التطوع لترك أكثره، فسامح الشارع ~~في ترك القيام فيه ترغيبا في تكثيره، كما سامح في فعله على الراحلة في ~~السفر، وسامح في نية صوم التطوع من النهار. ### | [مسألة يستحب للمتطوع جالسا أن يكون في حال القيام متربعا] # (1062) مسألة: قال: (ويكون في حال القيام متربعا، ويثني رجليه في الركوع ~~والسجود) وجملته أنه يستحب للمتطوع جالسا أن يكون في حال القيام متربعا، ~~روي ذلك عن ابن عمر، وأنس، وابن سيرين، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومالك، ~~والثوري، والشافعي، وإسحاق. وعن أبي حنيفة كقولنا. وعنه يجلس كيف شاء. وروي ~~عن ابن المسيب، وعروة، وابن عمر: يجلس كيف شاء؛ لأن ms0672 القيام سقط، فسقطت ~~هيئته. وروي عن ابن المسيب، وعروة، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء ~~الخراساني، أنهم كانوا يحتبون في التطوع. # واختلف فيه عن عطاء، والنخعي. ولنا، أن القيام يخالف القعود فينبغي أن ~~تخالف هيئته في بدله هيئة غيره، كمخالفة القيام غيره، وهو مع هذا أبعد من ~~السهو والاشتباه، وليس إذا سقط القيام لمشقته يلزم سقوط ما لا مشقة فيه، ~~كمن سقط عنه الركوع والسجود، لا يلزم سقوط الإيماء بهما. وهذا الذي ذكرنا ~~من صفة الجلوس مستحب غير واجب، إذ لم يرد بإيجابه دليل. فأما قوله: «ويثني ~~رجليه في الركوع والسجود» . فقد روي عن أنس. قال أحمد: يروى عن أنس، أنه ~~صلى متربعا، فلما ركع ثنى رجله. وهذا قول الثوري. # وحكى ابن المنذر، عن أحمد، وإسحاق، أنه لا يثني رجليه إلا في السجود ~~خاصة، ويكون في الركوع على هيئة القيام. وذكره أبو الخطاب. وهو قول أبي ~~يوسف ومحمد، وهو أقيس؛ لأن هيئة الراكع في رجليه هيئة القائم، فينبغي أن ~~يكون على هيئته، وهذا أصح في النظر إلا أن أحمد ذهب إلى فعل أنس، وأخذ به. # PageV02P105 # (1063) فصل: وهو مخير في الركوع والسجود، إن شاء من قيام، وإن شاء من ~~قعود؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل الأمرين» . # «قالت عائشة: لم أر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة الليل ~~قاعدا قط، حتى أسن، فكان يقرأ قاعدا، حتى إذا أراد أن يركع، قام فقرأ نحوا ~~من ثلاثين آية، أو أربعين آية، ثم ركع» . متفق عليه. وعنها، «أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، ~~وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو ~~قاعد» . رواه مسلم. قال الترمذي: كلا الحديثين صحيح، قال: وقال أحمد ~~وإسحاق: والعمل على كلا الحديثين. # (1064) مسألة: قال: (والمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه صلى قاعدا) # أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام، له أن يصلي جالسا. وقد «قال ms0673 ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين: صل قائما، فإن لم تستطع ~~فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» . رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، ~~وزاد: «فإن لم تستطع فمستلقيا، {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: ~~286] » . وروى أنس قال: «سقط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرس، ~~فخدش أو جحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده. فحضرت الصلاة، فصلى قاعدا، ~~وصلينا خلفه قعودا» . متفق عليه. وإن أمكنه القيام، إلا أنه يخشى زيادة ~~مرضه به، أو تباطؤ برئه، أو يشق عليه مشقة شديدة، فله أن يصلي قاعدا. ونحو ~~هذا قال مالك وإسحاق. # وقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه، فليصل جالسا. وحكي عن ~~أحمد نحو ذلك. ولنا قول الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ~~[الحج: 78] . وتكليف القيام في هذه الحال حرج، ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى جالسا لما جحش شقه الأيمن، والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام ~~بالكلية؛ لكن لما شق عليه القيام سقط عنه، فكذلك تسقط عن غيره. وإذا صلى ~~قاعدا فإنه يكون جلوسه على صفة جلوس المتطوع، جالسا على ما ذكرنا. ### | [فصل إن قدر على القيام للصلاة بأن يتكئ على عصى أو يستند إلى حائط] # (1065) فصل: وإن قدر على القيام، بأن يتكئ على عصى، أو يستند إلى حائط، ~~أو يعتمد على أحد جانبيه، لزمه؛ لأنه قادر على القيام من غير ضرر، فلزمه، ~~كما لو قدر بغير هذه الأشياء. # PageV02P106 ### | [فصل إن قدر على القيام إلا أنه يكون على هيئة الراكع] # (1066) فصل: وإن قدر على القيام، إلا أنه يكون على هيئة الراكع كالأحدب، ~~أو من هو في بيت قصير السقف، لا يمكنه الخروج منه، أو في سفينة، أو خائف لا ~~يأمن أن يعلم به إذا رفع رأسه، فإنه إن كان ذلك لحدب أو كبر، لزمه قيام ~~مثله، وإن كان لغير ذلك، احتمل أن يلزمه القيام، قياسا على الأحدب، واحتمل ~~أن لا يلزمه، فإن أحمد - رحمه الله -، قال في الذي في السفينة لا ms0674 يقدر على ~~أن يستتم قائما، لقصر سماء السفينة: يصلي قاعدا، إلا أن يكون شيئا يسيرا. ~~فيقاس عليه سائر ما في معناه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صل ~~قائما، فإن لم تستطع فقاعدا» وهذا لم يستطع القيام. ### | [فصل قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود] # (1067) فصل: ومن قدر على القيام، وعجز عن الركوع أو السجود، لم يسقط عنه ~~القيام، ويصلي قائما، فيومئ بالركوع، ثم يجلس فيومئ بالسجود. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: يسقط القيام. ولأنها صلاة لا ركوع فيها ولا سجود، ~~فسقط فيها القيام كصلاة النافلة على الراحلة. ولنا قول الله تعالى: {وقوموا ~~لله قانتين} [البقرة: 238] . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صل ~~قائما» . ولأن القيام ركن قدر عليه، فلزمه الإتيان به، كالقراءة، والعجز عن ~~غيره لا يقتضي سقوطه، كما لو عجز عن القراءة، وقياسهم فاسد لوجوه: أحدها، ~~أن الصلاة على الراحلة لا يسقط فيها الركوع. والثاني، أن النافلة لا يجب ~~فيها القيام، فما سقط على الراحلة لسقوط الركوع والسجود. والثالث: أنه ~~منقوض بصلاة الجنازة. ### | [فصل قدر المريض على الصلاة وحده قائما ولا يقدر على ذلك مع الإمام] # (1068) فصل: وإن قدر المريض على الصلاة وحده قائما، ولا يقدر على ذلك مع ~~الإمام لتطويله، يحتمل أن يلزمه القيام ويصلي وحده؛ لأن القيام آكد لكونه ~~ركنا في الصلاة لا تتم إلا به، والجماعة تصح الصلاة بدونها، واحتمل أنه ~~مخير بين الأمرين، لأننا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه، مع إمام الحي ~~العاجز عن القيام، مراعاة للجماعة، فهاهنا أولى، ولأن العجز يتضاعف ~~بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام، بدليل أن «صلاة القاعد على النصف من صلاة ~~القائم» . و «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده سبعا وعشرين درجة» . ~~وهذا أحسن، وهو مذهب الشافعي. ### | [مسألة عجز عن الصلاة قاعدا] # (1069) مسألة: قال: (فإن لم يطق جالسا فنائما) يعني مضطجعا، سماه نائما ~~لأنه في هيئة النائم، وقد جاء مثل هذه التسمية عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - # PageV02P107 # قال: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، ms0675 وصلاة النائم على النصف من ~~صلاة القاعد» . رواه البخاري هكذا. فمن عجز عن الصلاة قاعدا فإنه يصلي على ~~جنبه، مستقبل القبلة بوجهه، وهذا قول مالك، والشافعي، وابن المنذر. وقال ~~سعيد بن المسيب، والحارث العكلي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يصلي مستلقيا، ~~ووجهه ورجلاه إلى القبلة؛ ليكون إيماؤه إليها، فإنه إذا صلى على جنبه كان ~~وجهه في الإيماء إلى غير القبلة. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن لم يستطع فعلى جنب» . ولم ~~يقل: فإن لم يستطع فمستلقيا. ولأنه يستقبل القبلة إذا كان على جنبه، ولا ~~يستقبلها إذا كان على ظهره، وإنما يستقبل السماء، ولذلك يوضع الميت في قبره ~~على جنبه قصد التوجيه إلى القبلة. وقولهم: إن وجهه في الإيماء يكون إلى غير ~~القبلة. قلنا: استقبال القبلة من الصحيح لا يكون في حال الركوع بوجهه، ولا ~~في حال السجود، إنما يكون إلى الأرض، فلا يعتبر في المريض أن يستقبل القبلة ~~فيهما أيضا. إذا ثبت هذا، فالمستحب أن يصلي على جنبه الأيمن، فإن صلى على ~~الأيسر، جاز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعين جنبا بعينه، ولأنه ~~يستقبل القبلة على أي الجنبين كان. # وإن صلى على ظهره، مع إمكان الصلاة على جنبه، فظاهر كلام أحمد أنه يصح؛ ~~لأنه نوع استقبال، ولهذا يوجه الميت عند الموت كذلك. والدليل يقتضي أن لا ~~يصح؛ لأنه خالف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (فعلى جنب. ~~ولأنه نقله إلى الاستلقاء عند عجزه عن الصلاة على جنبه، فيدل على أنه لا ~~يجوز ذلك مع إمكان الصلاة على جنبه، ولأنه ترك الاستقبال مع إمكانه، وإن ~~عجز عن الصلاة على جنبه، صلى مستلقيا؛ للخبر، ولأنه عجز عن الصلاة على ~~جنبه، فسقط، كالقيام والقعود. ### | [فصل إذا كان بعينه مرض لا يستطيع معه الصلاة مستلقيا] # (1070) فصل: إذا كان بعينه مرض. فقال ثقات من العلماء بالطب: إن صليت ~~مستلقيا أمكن مداواتك. فقال القاضي: قياس المذهب جواز ذلك. وهو قول جابر بن ~~زيد، والثوري، وأبي حنيفة. وكرهه عبيد الله بن عبد ms0676 الله بن عتبة، وأبو ~~وائل. وقال مالك، والأوزاعي: لا يجوز؛ لما روي عن ابن عباس، أنه لما كف ~~بصره أتاه رجل، فقال: لو صبرت علي سبعة أيام لم تصل إلا مستلقيا داويت ~~عينك، ورجوت أن تبرأ. فأرسل في ذلك إلى عائشة، وأبي هريرة، وغيرهما من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكل قال له: إن مت في هذه الأيام ~~فما الذي تصنع بالصلاة؟ فترك معالجة عينه. # ولنا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى جالسا لما جحش شقه الأيمن، ~~والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام، لكن # PageV02P108 # كانت عليه مشقة فيه، أو خوف ضرر، وأيهما قدر فهو حجة على الجواز هاهنا، ~~ولأنا أبحنا له ترك الوضوء إذا لم يجد الماء إلا بزيادة على ثمن المثل - ~~حفظا لجزء من ماله -، وترك الصوم لأجل المرض والرمد، ودلت الأخبار على جواز ~~ترك القيام لأجل الصلاة على الراحلة، خوفا من ضرر الطين في ثيابه وبدنه، ~~وجاز ترك الجمعة والجماعة صيانة لنفسه وثيابه من البلل والتلوث بالطين، ~~وجاز ترك القيام اتباعا لإمام الحي إذا صلى جالسا، والصلاة على جنبه ~~ومستلقيا في حال الخوف من العدو، ولا ينقص الضرر بفوات البصر عن الضرر في ~~هذه الأحوال، فأما خبر ابن عباس - إن صح - فيحتمل أن المخبر لم يخبر عن ~~يقين، وإنما قال: أرجو. أو أنه لم يقبل خبره لكونه واحدا، أو مجهول الحال، ~~بخلاف مسألتنا. ### | [فصل عجز عن الركوع والسجود] # (1071) فصل: وإن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، كما يومئ بهما في حالة ~~الخوف، ويجعل السجود أخفض من الركوع، وإن عجز عن السجود وحده ركع، وأومأ ~~بالسجود، وإن لم يمكنه أن يحني ظهره حنى رقبته، وإن تقوس ظهره فصار كأنه ~~واقع، فمتى أراد الركوع زاد في انحنائه قليلا، ويقرب وجهه إلى الأرض في ~~السجود أكثر ما يمكنه. وإن قدر على السجود على صدغه لم يفعل؛ لأنه ليس من ~~أعضاء السجود. وإن وضع بين يديه وسادة، أو شيئا عاليا، أو سجد على ربوة أو ~~حجر، جاز، إذا ms0677 لم يمكنه تنكيس وجهه أكثر من ذلك. وحكى ابن المنذر، عن أحمد، ~~أنه قال: أختار السجود على المرفقة. وقال: هو أحب إلي من الإيماء. وكذلك ~~قال إسحاق. وجوزه الشافعي، وأصحاب الرأي. ورخص فيه ابن عباس. # وسجدت أم سلمة على المرفقة. وكره ابن مسعود السجود على عود، وقال: يومئ ~~إيماء. ووجه الجواز؛ أنه أتى بما يمكنه من الانحطاط، فأجزأه، كما لو أومأ، ~~فأما إن رفع إلى وجهه شيئا فسجد عليه، فقال بعض أصحابنا: لا يجزئه. وروي عن ~~ابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وأنس، أنهم قالوا: يومئ، ولا يرفع إلى وجهه ~~شيئا. وهو قول عطاء، ومالك، والثوري. وروى الأثرم عن أحمد، أنه قال: أي ذلك ~~فعل، فلا بأس، يومئ، أو يرفع المرفقة فيسجد عليها. قيل له: المروحة؟ قال: ~~لا. أما المروحة فلا. # وعن أحمد، أنه قال: الإيماء أحب إلي. وإن رفع إلى وجهه شيئا فسجد عليه، ~~أجزأه. وهو قول أبي ثور. ولا بد من أن يكون بحيث لا يمكنه الانحطاط أكثر ~~منه، ووجه ذلك، أنه أتى بما أمكنه من وضع رأسه، فأجزأه، كما لو أومأ. ووجه ~~الأول أنه سجد على ما هو حامل له، فلم يجزه، كما لو سجد على يديه. ### | [فصل لم يقدر المصلي على الإيماء برأسه] # (1072) فصل: وإن لم يقدر على الإيماء برأسه، أومأ بطرفه، ونوى بقلبه، ولا ~~تسقط الصلاة عنه ما دام عقله # PageV02P109 # ثابتا. وحكي عن أبي حنيفة أن الصلاة تسقط عنه. وذكر القاضي أن هذا ظاهر ~~كلام أحمد في رواية محمد بن يزيد؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل له ~~في مرضه: الصلاة. فقال: قد كفاني، إنما العمل في الصحة # ولأن الصلاة أفعال عجز عنها بالكلية، فسقطت عنه؛ لقول الله تعالى: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] . ولنا ما ذكرناه من حديث عمران، ~~وأنه مسلم بالغ عاقل، فلزمته الصلاة، كالقادر على الإيماء برأسه، ولأنه ~~قادر على الإيماء، أشبه الأصل. ### | [فصل إذا صلى جالسا فسجد سجدة وأومأ بالثانية] # (1073) فصل: إذا صلى جالسا، فسجد سجدة، وأومأ بالثانية، ms0678 مع إمكان السجود، ~~جاهلا بتحريم ذلك، وفعل مثل ذلك في الثانية، ثم علم قبل سلامه، سجد سجدة ~~تتم له الركعة الثانية، وأتى بركعة، كما لو ترك السجود نسيانا. وذكر القاضي ~~أنه تتم له الركعة الأولى بسجدة الثانية. وهذا مذهب الشافعي، وليس هذا ~~مقتضى مذهبنا؛ فإنه متى شرع في قراءة الثانية قبل إتمام الأولى، بطلت ~~الأولى، وصارت الثانية أولاه، وقد مضى هذا في سجود السهو. ### | [فصل قدر المريض في أثناء الصلاة على ما كان عاجزا عنه] # (1074) فصل: ومتى قدر المريض في أثناء الصلاة، على ما كان عاجزا عنه، من ~~قيام، أو قعود، أو ركوع، أو سجود، أو إيماء، انتقل إليه، وبنى على ما مضى ~~من صلاته. وهكذا لو كان قادرا، فعجز في أثناء الصلاة، أتم صلاته على حسب ~~حاله؛ لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحا، فيبني عليه، كما لو لم يتغير حاله. ### | [مسألة الوتر ركعة] # (1075) مسألة: قال: (والوتر ركعة) نص على هذا أحمد - رحمه الله -. فقال: ~~إنا نذهب في الوتر إلى ركعة، وممن روي عنه ذلك: عثمان بن عفان، وسعد بن أبي ~~وقاص، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو موسى، ~~ومعاوية، وعائشة، - رضي الله عنهم -، وفعل ذلك معاذ القارئ، ومعه رجال من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينكر ذلك منهم أحد، وقال ابن ~~عمر: الوتر ركعة، كان ذلك وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، ~~وعمر. وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، ~~وإسحاق، وأبو ثور. وقال هؤلاء: يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يوتر بركعة. # وقد روي عن ابن عمر، وابن عباس، أن النبي # PageV02P110 # - صلى الله عليه وسلم - قال: «الوتر ركعة من آخر الليل» . وقالت: عائشة: ~~«كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الليل عشر ركعات، ويوتر ~~بسجدة» . وفي لفظ: «كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة» . ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت ~~الصبح فأوتر بواحدة» . أخرجهن مسلم. (1076) فصل: ms0679 قوله: «الوتر ركعة» يحتمل ~~أنه أراد: جميع الوتر ركعة، وما يصلى قبله ليس من الوتر، كما قال الإمام ~~أحمد: إنما نذهب في الوتر إلى ركعة، ولكن يكون قبلها صلاة عشر ركعات، ثم ~~يوتر ويسلم. # ويحتمل أنه أراد أقل الوتر ركعة. فإن أحمد قال: إنا نذهب في الوتر إلى ~~ركعة، وإن أوتر بثلاث أو أكثر فلا بأس، وممن روي عنه أنه أوتر بثلاث؛ عمر، ~~وعلي، وأبي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو أمامة، وعمر بن عبد العزيز. وبه ~~قال أصحاب الرأي. قال أبو الخطاب: أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، ~~وأدنى الكمال ثلاث ركعات. وقال الثوري، وإسحاق: الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، ~~وتسع، وإحدى عشرة. وقال أبو موسى: ثلاث أحب إلي من واحدة، وخمس أحب إلي من ~~ثلاث، وسبع أحب إلي من خمس، وتسع أحب إلي من سبع. # وقال ابن عباس: إنما هي واحدة، أو خمس، أو سبع، أو أكثر من ذلك، يوتر بما ~~شاء. وقد روى أبو أيوب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الوتر ~~حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث ~~فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» . أخرجه أبو داود. وروت عائشة، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بتسع، وروت، أنه كان يوتر بسبع، ~~وروت، أنه كان يوتر بخمس» . رواهن مسلم. # وعن عبد الله بن قيس، قال: «قلت لعائشة: بكم كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث وست وثلاث، وثمان وثلاث، ~~وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأقل من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة» . رواه أبو ~~داود. ### | [مسألة القنوت مسنون في الوتر] # (1077) مسألة: قال: (يقنت فيها) يعني أن القنوت مسنون في الوتر، في ~~الركعة الواحدة، في جميع السنة. هذا المنصوص عند أصحابنا، وهذا قول ابن ~~مسعود، وإبراهيم، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن الحسن. وعن أحمد رواية ~~أخرى، أنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان. وروي ذلك عن علي ms0680 وأبي. ~~وبه قال ابن سيرين، وسعيد بن أبي الحسن، والزهري، ويحيى بن وثاب، ومالك ~~والشافعي # واختاره أبو بكر الأثرم؛ لما روي عن الحسن، أن عمر جمع الناس على أبي بن ~~كعب، فكان يصلي لهم عشرين # PageV02P111 # ليلة، ولا يقنت إلا في النصف الثاني. رواه أبو داود، وهذا كالإجماع. وقال ~~قتادة: يقنت في السنة كلها إلا في النصف الأول من رمضان؛ لهذا الخبر، وعن ~~ابن عمر أنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان. وعنه لا يقنت في صلاة ~~بحال. والرواية الأولى هي المختارة عند أكثر الأصحاب. وقد قال أحمد، في ~~رواية المروذي: كنت أذهب إلى أنه في النصف من شهر رمضان، ثم إني قنت، هو ~~دعاء وخير. # ووجهه ما روي عن أبي، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر، ~~فيقنت قبل الركوع» . وعن علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يقول في آخر وتره: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ ~~بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على ~~نفسك» . وكان للدوام، وفعل أبي يدل على أنه رآه. ولا ينكر اختلاف الصحابة ~~في هذا، ولأنه وتر، فيشرع فيه القنوت، كالنصف الآخر، ولأنه ذكر يشرع في ~~الوتر، فيشرع في جميع السنة، كسائر الأذكار. ### | [فصل القنوت بعد الركوع] # (1078) فصل: ويقنت بعد الركوع. نص عليه أحمد. وروي نحو ذلك عن أبي بكر ~~الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي قلابة، وأبي المتوكل، وأيوب السختياني. ~~وبه قال الشافعي. وروي عن أحمد أنه قال: أنا أذهب إلى أنه بعد الركوع، فإن ~~قنت قبله، فلا بأس. ونحو هذا قال أيوب السختياني؛ لما روى حميد، قال: سئل ~~أنس عن القنوت في صلاة الصبح، فقال: كنا نقنت قبل الركوع وبعده، رواه ابن ~~ماجه. # وقال مالك، وأبو حنيفة: يقنت قبل الركوع. وروي ذلك عن أبي، وابن مسعود، ~~وأبي موسى، والبراء، وابن عباس، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، وعبيدة، وعبد ~~الرحمن بن أبي ليلى، وحميد الطويل؛ لأن في حديث ms0681 أبي: ويقنت قبل الركوع. وعن ~~ابن مسعود، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت قبل الركوع» . ولنا، ما ~~روى أبو هريرة، وأنس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت بعد الركوع» . ~~رواه مسلم. # قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن هذه المسألة؟ فقال: أقنت بعد ~~الركوع. وذكر حديث الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وغير واحد قنت ~~بعد الركوع. وحديث ابن مسعود يرويه أبان بن أبي عياش، وهو متروك الحديث. ~~وحديث أبي قد تكلم فيه أيضا، وقيل ذكر القنوت فيه غير صحيح. والله أعلم. ### | [فصل الدعاء في قنوت الوتر] # (1079) فصل: ويستحب أن يقول في قنوت الوتر ما روى «الحسن بن علي - رضي ~~الله تعالى عنهما -، قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمات ~~أقولهن في الوتر: اللهم اهدني في من هديت، وعافني في من عافيت وتولني في من ~~توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، ~~وإنه لا يذل # PageV02P112 # من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت» . أخرجه أبو داود، ~~والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، ولا نعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في القنوت شيئا أحسن من هذا. # ويقول ما روى علي - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقوله في وتره» وقد ذكرناه وعن عمر - رضي الله عنه - «أنه قنت في صلاة ~~الفجر، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ~~ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك، ولا ~~نكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك، ~~ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين ~~يصدون عن سبيلك» . وهاتان سورتان في مصحف أبي بن كعب. وروى أبو عبيد، ~~بإسناده، عن عروة، أنه قال: قرأت في مصحف أبي بن كعب هاتين السورتين: " ~~اللهم إنا نستعينك. اللهم إياك نعبد ". # وقال ms0682 ابن سيرين: كتبهما أبي في مصحفه. يعني إلى قوله: " بالكفار ملحق ". ~~قال ابن قتيبة: " نحفد " نبادر. وأصل الحفد: مداركة الخطو والإسراع. " ~~والجد " بكسر الجيم، أي الحق لا اللعب، " ملحق " بكسر الحاء لاحق. وهكذا ~~يروى هذا الحرف، يقال: لحقت القوم وألحقتهم بمعنى واحد. ومن فتح الحاء أراد ~~أن الله يلحقه إياه، وهو معنى صحيح، غير أن الرواية هي الأولى. وقال ~~الخلال: سألت ثعلبا عن ملحق وملحق؟ فقال: العرب تقولهما معا. ### | [فصل إذا أخذ الإمام في القنوت أمن من خلفه] # (1080) فصل: إذا أخذ الإمام في القنوت، أمن من خلفه. لا نعلم فيه خلافا. ~~وقاله إسحاق. وقال القاضي: وإن دعوا معه فلا بأس. وقيل لأحمد: إذا لم أسمع ~~قنوت الإمام أدعو؟ قال: نعم. فيرفع يديه في حال القنوت. قال الأثرم: كان ~~أبو عبد الله يرفع يديه في القنوت إلى صدره. واحتج بأن ابن مسعود رفع يديه ~~في القنوت إلى صدره. وروي ذلك عن عمر، وابن عباس. وبه قال إسحاق، وأصحاب ~~الرأي. وأنكره مالك، والأوزاعي، ويزيد بن أبي مريم # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دعوت الله فادع ببطون ~~كفيك، ولا تدع بظهورهما، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك» . رواه أبو داود، وابن ~~ماجه. ولأنه فعل من سمينا من الصحابة. وإذا فرغ من القنوت فهل يمسح وجهه ~~بيده؟ فيه روايتان: # PageV02P113 # إحداهما، لا يفعل؛ لأنه روي عن أحمد أنه قال: لم أسمع فيه بشيء. ولأنه ~~دعاء في الصلاة، فلم يستحب مسح وجهه فيه، كسائر دعائها. # الثانية: يستحب؛ للخبر الذي رويناه. وروى السائب بن يزيد، «أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كان إذا دعا رفع يديه، ومسح وجهه بيديه» . ولأنه ~~دعاء يرفع يديه فيه، فيمسح بهما وجهه، كما لو كان خارجا عن الصلاة، وفارق ~~سائر الدعاء، فإنه لا يرفع يديه فيه. ### | [فصل لا يسن القنوت في الصبح ولا غيرها من الصلوات سوى الوتر] # (1081) فصل: ولا يسن القنوت في الصبح، ولا غيرها من الصلوات، سوى الوتر. ~~وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة. وروي عن ابن عباس، ms0683 وابن عمر، وابن مسعود، ~~وأبي الدرداء. وقال مالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، والشافعي: يسن ~~القنوت في صلاة الصبح، في جميع الزمان؛ لأن أنسا قال: «ما زال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا» . رواه الإمام أحمد، ~~في " المسند "، وكان عمر يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم. # ولنا، ما روي، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت شهرا، يدعو على حي ~~من أحياء العرب، ثم تركه» . رواه مسلم. وروى أبو هريرة، وأبو مسعود، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك. وعن «أبي مالك قال: قلت لأبي: يا ~~أبت، إنك قد صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي هاهنا بالكوفة نحوا من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني ~~محدث» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. وقال إبراهيم النخعي: أول من قنت في ~~صلاة الغداة علي، وذلك أنه كان رجلا محاربا يدعو على أعدائه. وروى سعيد في ~~" سننه " عن هشيم، عن عروة الهمذاني، عن الشعبي قال: لما قنت علي في صلاة ~~الصبح، أنكر ذلك الناس. فقال علي: إنما استنصرنا على عدونا هذا. وعن أبي ~~هريرة - رضي الله عنه - قال: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا ~~يقنت في صلاة الفجر، إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم» . رواه سعيد، وحديث ~~أنس يحتمل أنه أراد طول القيام، فإنه يسمى قنوتا. وقنوت عمر يحتمل أنه كان ~~في أوقات النوازل؛ فإن أكثر الروايات عنه أنه لم يكن يقنت، وروى ذلك عنه ~~جماعة، فدل على أن قنوته كان في وقت نازلة. # PageV02P114 # (1082) فصل: فإن نزل بالمسلمين نازلة، فللإمام أن يقنت في صلاة الصبح نص ~~عليه أحمد قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن القنوت في الفجر؟ فقال: ~~إذا نزل بالمسلمين نازلة، قنت الإمام وأمن من خلفه. ثم قال: مثل ما نزل ~~بالمسلمين من هذا الكافر. يعني بابك. قال أبو داود: سمعت أحمد ms0684 يسأل عن ~~القنوت في الفجر؟ فقال: لو قنت أياما معلومة، ثم يترك كما فعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أو قنت على الخرمية أو قنت على الدوام. والخرمية: هم ~~أصحاب بابك وبهذا قال أبو حنيفة والثوري؛ وذلك لما ذكرنا من أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قنت شهرا يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه وأن عليا ~~قنت، وقال: إنما استنصرنا على عدونا هذا ولا يقنت آحاد الناس. # ويقول في قنوته نحوا مما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. وروي ~~عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يقول في القنوت " اللهم اغفر للمؤمنين ~~والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم وانصرهم ~~على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب، الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون ~~أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد ~~عن القوم المجرمين اللهم إنا نستعينك، ولا يقنت في غير الصبح من الفرائض. ~~قال عبد الله عن أبيه: كل شيء يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~القنوت إنما هو في الفجر. ولا يقنت في الصلاة إلا في الوتر والغداة إذا كان ~~مستنصرا يدعو للمسلمين. # وقال أبو الخطاب يقنت في الفجر والمغرب، لأنهما صلاتا جهر في طرفي ~~النهار. وقيل: يقنت، في صلاة الجهر كلها، قياسا على الفجر ولا يصح هذا؛ ~~لأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه، ~~القنوت في غير الفجر والوتر ### | [مسألة يفصل ركعة الوتر بما قبلها] # (1083) مسألة: قال: (مفصولة مما قبلها) الذي يختاره أبو عبد الله أن يفصل ~~ركعة الوتر بما قبلها. وقال: إن أوتر بثلاث لم يسلم فيهن، لم يضيق عليه ~~عندي. وقال يعجبني أن يسلم في الركعتين، وممن كان يسلم بين الركعتين ~~والركعة ابن عمر حتى يأمر ببعض حاجته وهو مذهب معاذ القارئ، ومالك، ~~والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: # PageV02P115 # لا يفصل بسلام # وقال الأوزاعي إن فصل فحسن وإن لم يفصل فحسن. وحجة من لم يفصل قول عائشة: ~~«إن ms0685 النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث وثمان ~~وثلاث» وقولها «كان يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، ~~فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا» فظاهر هذا أنه كان يصلي الثلاث ~~بتسليم واحد، وروت أيضا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بخمس، ~~لا يجلس إلا في آخرهن» رواه مسلم. # ولنا، ما روت عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ~~ركعتين ويوتر بواحدة.» رواه مسلم وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلاة ~~الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة» متفق عليه وقيل لابن عمر ما ~~مثنى مثنى؟ قال يسلم في كل ركعتين. وقال - عليه السلام - «الوتر ركعة من ~~آخر الليل» رواه مسلم وعن ابن أبي ذئب عن نافع عن، ابن عمر «أن رجلا سأل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوتر؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم» رواه الأثرم بإسناده وهذا ~~نص. # فأما حديث عائشة الذي احتجوا به، فليس فيه تصريح بأنها بتسليم واحد وقد ~~قالت في الحديث الآخر: يسلم بين كل ركعتين. وأما إذا أوتر بخمس فيأتي ~~الكلام فيه. إذا ثبت هذا، فإنه إذا صلى خلف إمام يصلي الثلاث بتسليم واحد ~~تابعه لئلا يخالف إمامه وبه قال مالك وقد قال أحمد في رواية أبي داود في من ~~يوتر فيسلم من الثنتين، فيكرهونه. # يعني أهل المسجد قال: فلو صار إلى ما يريدون يعني أن ذلك سهل، لا تضر ~~موافقته إياهم فيه (1084) فصل: يجوز أن يوتر بإحدى عشرة ركعة وبتسع وبسبع ~~وبخمس وبثلاث وبواحدة؛ لما ذكرنا من الأخبار فإن أوتر بإحدى عشرة سلم من كل ~~ركعتين، وإن أوتر بثلاث، سلم من الثنتين وأوتر بواحدة وإن أوتر بخمس، لم ~~يجلس إلا في آخرهن وإن أوتر بسبع، جلس عقيب السادسة، فتشهد ولم يسلم ثم ~~يجلس بعد السابعة، فيتشهد ms0686 ويسلم وإن أوتر بتسع لم يجلس إلا عقيب الثامنة ~~فيتشهد ثم يقوم فيأتي بالتاسعة، ويسلم. ونحو هذا قال إسحاق وقال القاضي: في ~~السبع لا يجلس إلا في آخرهن أيضا، كالخمس. # فأما الإحدى عشرة والثلاث فقد ذكرناهما وأما الخمس فقد روي عن زيد بن ~~ثابت أنه كان يوتر بخمس، لا ينصرف إلا في آخرها وروى عروة عن عائشة قالت: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر ~~من ذلك # PageV02P116 # بخمس، لا يجلس في شيء منها، إلا في آخرها» متفق عليه وعن ابن عباس، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن» . وفي ~~لفظ: «فتوضأ، ثم صلى سبعا أو خمسا، أوتر بهن، لم يسلم إلا في آخرهن» . رواه ~~أبو داود. وقال صالح مولى التوأمة: أدركت الناس قبل الحرة يقومون بإحدى ~~وأربعين ركعة ويوترون بخمس، يسلمون بين كل اثنتين، ويوترون بواحدة، ويصلون ~~الخمس جميعا رواه الأثرم وأما التسع والسبع فروى زرارة بن أوفى، عن سعيد بن ~~هشام، قال: «قلت يعني لعائشة: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء ~~أن يبعثه فيتسوك ويتوضأ، ويصلي سبع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة ~~فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد ~~فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما ~~يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأخذه اللحم، أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنعه في الأول. ~~قال: فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقت» رواه مسلم، وأبو ~~داود، # وفي حديث أبي داود، فقال ابن عباس: هذا هو الحديث. وفيه: أوتر بسبع لم ~~يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة وفيه من طريق أخرى ~~ويسلم بتسليمة شديدة يكاد يوقظ أهل البيت من شدة تسليمه. # وهذا ms0687 صريح في أن السبع يجلس فيها عقيب السادسة ولعل القاضي يحتج بحديث ~~ابن عباس صلى سبعا، أو خمسا أوتر بهن، لم يسلم إلا في آخرهن وعن أم سلمة ~~قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بسبع، أو خمس، لا يفصل ~~بينهن بتسليم ولا كلام» . رواه ابن ماجه وكلا الحديثين فيه شك في السبع ~~وليس في واحد منهما أنه لا يجلس عقيب السادسة، وحديث عائشة فيه تصريح بذلك، ~~وهو ثابت فيتعين تقديمه ### | [فصل الوتر غير واجب] # (1085) فصل: الوتر غير واجب وبهذا قال مالك، والشافعي، وقال أبو بكر: وهو ~~واجب. وبه قال أبو حنيفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا خفت ~~الصبح، فأوتر بواحدة» وأمر به في أحاديث كثيرة والأمر يقتضي الوجوب وروى ~~أبو أيوب قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الوتر حق، فمن أحب ~~أن يوتر بخمس فليفعل، # PageV02P117 # ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» . رواه أبو ~~داود، وابن ماجه. وعن بريدة قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول «الوتر حق؛ فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا، ~~الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا» ، رواه أحمد في " المسند " من غير تكرار. ~~وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله من ~~(المسند) أيضا # وعن خارجة بن حذافة، قال: «خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ذات غداة فقال: إن الله قد أمركم بصلاة فهي خير لكم من حمر النعم، وهي ~~الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر» رواه أحمد، وأبو داود. # وعن أبي بصرة قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إن الله ~~زادكم صلاة، فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح، الوتر الوتر» . رواه ~~الأثرم، واحتج به أحمد. # ولنا، ما روى عبد الله بن محيريز، أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي، ~~سمع رجلا بالشام يدعى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. ms0688 قال: فرحت إلى عبادة ~~بن الصامت فأخبرته، فقال عبادة: كذب أبو محمد سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد، فمن جاء بهن لم ~~يضيع منهن شيئا، استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن ~~لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة» . رواه ~~أبو داود وأحمد. وعن علي - رضي الله عنه - «أن الوتر ليس بختم، ولا ~~كصلواتكم المكتوبة، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوتر. ثم قال: ~~يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر» . رواه أحمد، في " المسند " # وقد ثبت «أن الأعرابي لما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما فرض الله ~~علي في اليوم والليلة؟ قال خمس صلوات. قال: هل علي غيرهن؟ قال لا، إلا أن ~~تتطوع فقال الأعرابي: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن. ~~فقال: أفلح الرجل إن صدق» ولأنه يجوز فعله على الراحلة من غير ضرورة، فلم ~~يكن واجبا، كالسنن، وقد روى ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان ~~يوتر على بعيره» . متفق عليه، وقال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها ~~المكتوبة» . رواه مسلم وغيره. وأحاديثهم قد تكلم فيها، # ثم إن المراد بها تأكيده وفضيلته، وأنه سنة مؤكدة، وذلك حق، وزيادة ~~الصلاة يجوز أن تكون سنة، والتوعد على تركه للمبالغة في تأكيده، كقوله: «من ~~أكل هاتين الشجرتين فلا يقربن مسجدنا» ### | [فصل ترك الوتر عمدا] # (1086) فصل: وهو سنة مؤكدة، قال أحمد: من ترك الوتر عمدا فهو رجل سوء، ~~ولا ينبغي أن تقبل له شهادة. # PageV02P118 # وأراد المبالغة في تأكيده؛ لما قد ورد فيه من الأحاديث في الأمر به، ~~والحث عليه، فخرج كلامه مخرج كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلا فقد ~~صرح في رواية حنبل، فقال: الوتر ليس بمنزلة الفرض، فلو أن رجلا صلى الفريضة ~~وحدها، جاز له ms0689 وهما سنة مؤكدة؛ الركعتان قبل الفجر والوتر، فإن شاء قضى ~~الوتر، وإن شاء لم يقضه، وليس هما بمنزلة المكتوبة. واختلف أصحابنا في ~~الوتر وركعتي الفجر، فقال القاضي: ركعتا الفجر آكد من الوتر؛ لاختصاصهما ~~بعدد لا يزيد ولا ينقص، فأشبها المكتوبة. وقال غيره: الوتر آكد. وهو أصح؛ ~~لأنه مختلف في وجوبه، وفيه من الأخبار ما لم يأت مثله في ركعتي الفجر، لكن ~~ركعتا الفجر تليه في التأكيد، والله أعلم. ### | [فصل وقت الوتر] # (1087) فصل: ووقته ما بين العشاء وطلوع الفجر الثاني، فلو أوتر قبل ~~العشاء، لم يصح. وتره. وقال الثوري، وأبو حنيفة: إن صلاه قبل العشاء ناسيا ~~لم يعده، وخالفه صاحباه. فقالا: يعيد. وكذلك قال مالك، والشافعي؛ فإن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «الوتر جعله الله لكم ما بين صلاة العشاء إلى ~~صلاة الفجر.» وفيه حديث أبي بصرة «إن الله زادكم صلاة، فصلوها ما بين ~~العشاء إلى صلاة الصبح» . # وفي " المسند " عن معاذ، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «زادني ربي صلاة، وهي الوتر، ووقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» ~~ولأنه صلاه قبل وقته، فأشبه ما لو صلى نهارا. وإن أخر الوتر حتى يطلع ~~الصبح، فات وقته وصلاه قضاء. وروي عن ابن مسعود، أنه قال: الوتر ما بين ~~الصلاتين. وعن علي - رضي الله عنه - نحوه، لحديث أبي بصرة. والصحيح أن وقته ~~إلى طلوع الفجر؛ لحديث معاذ، والحديث الآخر، وقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة، فأوترت له ما قد صلى» . وقال: ~~«اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» متفق عليه. وقال «أوتروا قبل أن تصبحوا» ~~وقال: «الوتر ركعة من آخر الليل» وقال «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل ~~فليوتر من أوله» . أخرجهن مسلم. ### | [فصل الأفضل التهجد في آخر الليل] # (1088) فصل: والأفضل فعله في آخر الليل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل، فليوتر من أوله، ومن طمع أن يقوم ~~آخره، فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة ms0690 آخر الليل مشهودة» وذلك أفضل وهذا صريح. ~~وقال - عليه السلام - «الوتر ركعة من آخر الليل» وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يوتر آخر الليل وقالت عائشة: «من كل الليل قد أوتر رسول الله # PageV02P119 # - صلى الله عليه وسلم - فانتهى وتره إلى السحر» . ومن كان له تهجد جعل ~~الوتر بعد تهجده، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك. وقال: ~~«اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» مع ما ذكرنا من الأخبار. فإن خاف أن لا ~~يقوم من آخر الليل، استحب أن يوتر أوله؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أوصى أبا هريرة وأبا ذر وأبا الدرداء بالوتر قبل النوم. وقال من خاف أن لا ~~يقوم آخر الليل فليوتر من أوله» وهذه الأحاديث كلها صحاح، رواها مسلم، ~~وغيره. # وروى أبو داود، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر: متى ~~توتر؟ قال: أوتر من أول الليل. وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخر الليل. فقال ~~لأبي بكر: أخذ هذا بالحزم وأخذ هذا بالقوة» وأي وقت أوتر من الليل، بعد ~~العشاء أجزأه. لا نعلم فيه خلافا، وقد دلت الأخبار عليه. ### | [فصل أوتر من الليل ثم قام للتهجد] # (1089) فصل: ومن أوتر من الليل، ثم قام للتهجد، فالمستحب أن يصلي مثنى ~~مثنى، ولا ينقض وتره. روي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمار، وسعد بن أبي وقاص ~~وعائذ بن عمرو، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة. وكان علقمة لا يرى نقض ~~الوتر. وبه قال طاوس، وأبو مجلز. وبه قال النخعي، ومالك، والأوزاعي، وأبو ~~ثور. وقيل لأحمد: ولا ترى نقض الوتر؟ فقال لا ثم قال: وإن ذهب إليه رجل ~~فأرجو، لأنه قد فعله جماعة. ومروي. عن علي، وأسامة، وأبي هريرة، وعمر، ~~وعثمان وسعد، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود وهو قول إسحاق. # ومعناه أنه إذا قام للتهجد يصلي ركعة تشفع الوتر الأول، ثم يصلي مثنى ~~مثنى، ثم يوتر في آخر التهجد. ولعلهم ذهبوا إلى قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» . ولنا: ما روى قيس ms0691 بن طلق، قال: ~~«زارنا طلق بن علي في يوم من رمضان، فأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا تلك ~~الليلة، ثم انحدر إلى المسجد فصلى بأصحابه، حتى إذا بقي الوتر قدم رجلا، ~~فقال: أوتر بأصحابك، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا ~~وتران في ليلة» . رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن وروي عن أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - قال: أما أنا فإني أنام على فراشي، فإن استيقظت ~~صليت شفعا حتى الصباح. رواه الأثرم. وكان سعيد بن المسيب يفعله. ### | [فصل صلى مع الإمام وأحب متابعته في الوتر وأحب أن يوتر آخر الليل] # (1090) فصل: فإن صلى مع الإمام، وأحب متابعته في الوتر، وأحب أن يوتر آخر ~~الليل، فإنه إذا سلم الإمام لم يسلم معه، وقام فصلى ركعة أخرى يشفع بها ~~صلاته مع الإمام. نص عليه. وقال: إن شاء أقام # PageV02P120 # على وتر وشفع إذا قام. وإن شاء صلى مثنى، قال: ويشفع مع الإمام بركعة أحب ~~إلي. وسئل أحمد عمن أوتر، يصلي بعدها مثنى مثنى؟ قال: نعم، ولكن يكون الوتر ~~بعد ضجعة. ### | [فصل يستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث] # (1091) فصل: ويستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث، في الأولى ب {سبح} ، ~~وفي الثانية {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] ، وفي الثالثة {قل هو ~~الله أحد} [الإخلاص: 1] . وبه قال الثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال ~~الشافعي: يقرأ في الثالثة {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ، والمعوذتين. وهو ~~قول مالك في الوتر. وقال في الشفع: لم يبلغني فيه شيء معلوم، وقد روي عن ~~أحمد، أنه سئل، يقرأ بالمعوذتين في الوتر؟ قال: ولم لا يقرأ، وذلك لما روت ~~عائشة، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الركعة الأولى " ~~بسبح "، وفي الثانية " قل يا أيها الكافرون "، وفي الثالثة " قل هو الله ~~أحد "، والمعوذتين» ، رواه ابن ماجه. # ولنا: ما روى أبي بن كعب، قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يوتر " بسبح اسم ربك الأعلى و " قل يا أيها الكافرون " و " قل هو ms0692 الله أحد» ~~رواه أبو داود، وابن ماجه. وعن ابن عباس مثله. رواه ابن ماجه. وحديث عائشة ~~في هذا لا يثبت؛ فإنه يرويه يحيى بن أيوب، وهو ضعيف. وقد أنكر أحمد ويحيى ~~بن معين زيادة المعوذتين. ### | [فصل الوتر بركعة] # (1092) فصل: قال أحمد - رحمه الله -: الأحاديث التي جاءت، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أوتر بركعة، كان قبلها صلاة متقدمة» . قيل له: أوتر ~~في السفر بواحدة؟ قال: يصلي قبلها ركعتين. قيل له: يكون بين الركعة وبين ~~المثنى ساعة؟ قال يعجبني أن يكون بعده ومعه. ثم احتج فقال: «صلاة الليل ~~مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بركعة» . فقيل له: رجل تنفل بعد ~~العشاء الآخرة ثم تعشى، ثم أراد أن يوتر يعجبك أن يركع ركعتين ثم يوتر؟ ~~قال: نعم. وسئل عمن صلى من الليل، ثم نام ولم يوتر؟ قال: يعجبني أن يركع ~~ركعتين، ثم يسلم، ثم يوتر بواحدة. # وسئل عن رجل أصبح ولم يوتر؟ قال: لا يوتر بركعة، إلا أن يخاف طلوع الشمس. ~~قيل: يوتر بثلاث؟ قال: نعم. يصلي الركعتين، إلا أن يخاف طلوع الشمس. قيل ~~له: فإذا لحق مع الإمام ركعة الوتر؟ قال: إن كان الإمام يفصل بينهن بسلام ~~أجزأته الركعة، وإن كان الإمام لا يسلم في الثنتين تبعه، ويقضي مثل ما صلى، ~~فإذا فرغ قام يقضي ولا يقنت. وقيل لأبي عبد الله: رجل ابتدأ يصلي تطوعا، ثم ~~بدا له، فجعل تلك الركعة وترا؟ فقال: لا، كيف يكون هذا؟ قد قلب نيته. قيل ~~له: أيبتدئ الوتر؟ قال: نعم. وقال أبو عبد الله: إذا قنت قبل الركوع كبر، ~~ثم أخذ في القنوت. # وقد روي عن عمر # PageV02P121 # - رضي الله عنه - أنه كان إذا فرغ من القراءة كبر، ثم قنت، ثم كبر حين ~~يركع. وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، والبراء، وهو قول الثوري ولا نعلم فيه ~~خلافا. ### | [فصل يستحب أن يقول بعد وتره سبحان الملك القدوس ثلاثا] # (1093) فصل: يستحب أن يقول بعد وتره: سبحان الملك القدوس. ثلاثا، ويمد ~~صوته بها في الثالثة؛ لما روى ms0693 أبي بن كعب، قال: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا سلم من الوتر قال: سبحان الملك القدوس» . هكذا رواه أبو ~~داود وروى عبد الرحمن بن أبزى قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يوتر ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] ، و {قل يا أيها الكافرون} ~~[الكافرون: 1] ، و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] وإذا أراد أن ينصرف من ~~الوتر قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ثم يرفع صوته بها في الثالثة» . ~~أخرجه الإمام أحمد في " المسند ". ### | [مسألة قيام شهر رمضان عشرون ركعة] # (1094) مسألة: قال (وقيام شهر رمضان عشرون ركعة) . (يعني) (صلاة ~~التراويح) وهي سنة مؤكدة، وأول من سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال أبو هريرة «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرغب في قيام رمضان، ~~من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ~~ما تقدم من ذنبه» وقالت عائشة: «صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، وكثر الناس، ثم ~~اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فلما أصبح، قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من ~~الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم قال: وذلك في رمضان» . رواهما ~~مسلم # وعن أبي ذر، قال: «صمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمضان فلم ~~يقم بنا شيئا من الشهر، حتى بقي سبع. فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما ~~كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل. ~~فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا قيام هذه الليلة؟ قال: فقال: إن الرجل إذا ~~صلى مع الإمام حتى ينصرف، حسب له قيام ليلة. قال: فلما كانت الرابعة لم ~~يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن ~~يفوتنا الفلاح؟ قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور. ثم لم يقم بنا بقية ~~الشهر.» رواه أبو داود، ms0694 والأثرم، وابن ماجه. # وعن أبي هريرة، قال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا الناس ~~في رمضان يصلون في ناحية المسجد. فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم ~~قرآن، وأبي بن كعب يصلي بهم، وهم يصلون بصلاته. فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: أصابوا، ونعم ما صنعوا» . رواه أبو داود. وقال رواه مسلم بن خالد، ~~وهو ضعيف. # ونسبت التراويح إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأنه جمع الناس على ~~أبي بن كعب، فكان يصليها # PageV02P122 # بهم، فروى عبد الرحمن بن عبد القاري، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في ~~رمضان، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي ~~بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل ~~ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون ~~بصلاة قارئهم. فقال: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي ~~يقومون. يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. أخرجه البخاري. # (1095) فصل: والمختار عند أبي عبد الله، رحمه الله، فيها عشرون ركعة. ~~وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك: ستة وثلاثون. وزعم أنه ~~الأمر القديم، وتعلق بفعل أهل المدينة، فإن صالحا مولى التوأمة، قال: أدركت ~~الناس يقومون بإحدى وأربعين ركعة، يوترون منها بخمس. # ولنا، أن عمر، - رضي الله عنه - لما جمع الناس على أبي بن كعب، وكان يصلي ~~لهم عشرين ركعة، وقد روى الحسن أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي ~~لهم عشرين ليلة، ولا يقنت بهم إلا في النصف الثاني. فإذا كانت العشر ~~الأواخر تخلف أبي، فصلى في بيته، فكانوا يقولون: أبق أبي رواه أبو داود، ~~ورواه السائب بن يزيد، وروي عنه من طرق. وروى مالك، عن يزيد بن رومان، قال: ~~كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. وعن علي، أنه أمر ~~رجلا يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة. وهذا كالإجماع، فأما ما رواه صالح، فإن ~~صالحا ضعيف، ms0695 ثم لا ندري من الناس الذين أخبر عنهم # ؟ فلعله قد أدرك جماعة من الناس يفعلون ذلك، وليس ذلك بحجة، ثم لو ثبت أن ~~أهل المدينة كلهم فعلوه لكان ما فعله عمر، وأجمع عليه الصحابة في عصره، ~~أولى بالاتباع، قال بعض أهل العلم: إنما فعل هذا أهل المدينة لأنهم أرادوا ~~مساواة أهل مكة، فإن أهل مكة يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، فجعل أهل ~~المدينة مكان كل سبع أربع ركعات، وما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أولى وأحق أن يتبع. ### | [فصل الجماعة في التراويح] # (1096) فصل: والمختار عند أبي عبد الله، فعلها في الجماعة، قال، في رواية ~~يوسف بن موسى: الجماعة في التراويح أفضل، وإن كان رجل يقتدى به، فصلاها في ~~بيته، خفت أن يقتدي الناس به. وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«اقتدوا بالخلفاء» وقد جاء عن عمر أنه كان يصلي في الجماعة. وبهذا قال ~~المزني، # PageV02P123 # وابن عبد الحكم، وجماعة من أصحاب أبي حنيفة، قال أحمد: كان جابر، وعلي ~~وعبد الله يصلونها في جماعة. # قال الطحاوي: كل من اختار التفرد ينبغي أن يكون ذلك على أن لا يقطع معه ~~القيام في المساجد، فأما التفرد الذي يقطع معه القيام في المساجد فلا. وروي ~~نحو هذا عن الليث بن سعد. وقال مالك، والشافعي: قيام رمضان لمن قوي في ~~البيت أحب إلينا؛ لما روى زيد بن ثابت قال: «احتجر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حجيرة بخصفة أو حصير، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيها. فتتبع إليه رجال، وجاءوا يصلون بصلاته قال ثم: جاءوا ليلة فحضروا، ~~وأبطأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم، فلم يخرج إليهم، فرفعوا ~~أصواتهم، وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مغضبا، فقال: ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة ~~في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته، إلا الصلاة المكتوبة» . رواه مسلم. # ولنا إجماع الصحابة على ذلك، وجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ms0696 ~~وأهله في حديث أبي ذر، وقوله له: «إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف، ~~كتب لهم قيام تلك الليلة» . وهذا خاص في قيام رمضان، فيقدم على عموم ما ~~احتجوا به، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لهم معلل بخشية فرضه ~~عليهم، ولهذا ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - القيام بهم معللا بذلك ~~أيضا، أو خشية أن يتخذه الناس فرضا، وقد أمن هذا أن يفعل بعده. فإن قيل: ~~فعلي لم يقم مع الصحابة؟ قلنا: قد روي عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عليا - ~~رضي الله عنه - قام بهم في رمضان. وعن إسماعيل بن زياد، قال: مر علي على ~~المساجد وفيها القناديل في شهر رمضان. فقال نور الله على عمر قبره، كما نور ~~علينا مساجدنا. رواهما الأثرم. ### | [فصل يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس ولا يشق عليهم] # (1097) فصل: قال أحمد، - رحمه الله -: يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف ~~على الناس، ولا يشق عليهم، ولا سيما في الليالي القصار، والأمر على ما ~~يحتمله الناس. وقال القاضي: لا يستحب النقصان عن ختمه في الشهر؛ ليسمع ~~الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمه كراهية المشقة على من خلفه. والتقدير ~~بحال الناس أولى؛ فإنه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل ويختارونه، كان أفضل. ~~كما روى أبو ذر، قال: «قمنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى خشينا أن ~~يفوتنا الفلاح. يعني السحور.» وقد كان السلف يطيلون الصلاة، حتى قال بعضهم: # PageV02P124 # كانوا إذا انصرفوا يستعجلون خدمهم بالطعام، مخافة طلوع الفجر، وكان ~~القارئ يقرأ بالمائتين. ### | [فصل يصلى مع الإمام ويوتر معه] # (1098) فصل: قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: يعجبني أن يصلي مع الإمام، ~~ويوتر معه. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرجل إذا قام مع ~~الإمام، حتى ينصرف، كتب له بقية ليلته» . قال: وكان أحمد يقوم مع الناس، ~~ويوتر معهم. قال الأثرم: وأخبرني الذي كان يؤمه في شهر رمضان، أنه كان يصلي ~~معهم التراويح كلها والوتر. قال: وينتظرني بعد ذلك حتى أقوم ms0697 ثم يقوم، كأنه ~~يذهب إلى حديث أبي ذر «إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته» # قال أبو داود: وسئل أحمد عن قوم صلوا في رمضان خمس تراويح، لم يتروحوا ~~بينها؟ قال: لا بأس. قال: وسئل عمن أدرك من ترويحه ركعتين، يصلي إليها ~~ركعتين؟ فلم ير ذلك. وقال هي تطوع. وقيل لأحمد: تؤخر القيام يعني في ~~التراويح إلى آخر الليل؟ قال: لا، سنة المسلمين أحب إلي. ### | [فصل التطوع بين التراويح] # (1099) فصل: وكره أبو عبد الله التطوع بين التراويح، وقال: فيه عن ثلاثة ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ عبادة، وأبو الدرداء، وعقبة بن ~~عامر. فذكر لأبي عبد الله فيه رخصة عن بعض الصحابة، فقال: هذا باطل، إنما ~~فيه عن الحسن، وسعيد بن جبير. وقال أحمد: يتطوع بعد المكتوبة، ولا يتطوع ~~بين التراويح. وروى الأثرم عن أبي الدرداء، أنه أبصر قوما يصلون بين ~~التراويح، فقال: ما هذه الصلاة؟ أتصلي وإمامك بين يديك؟ ليس منا من رغب ~~عنا. وقال: من قلة فقه الرجل أن يرى أنه في المسجد وليس في صلاة. ### | [فصل الصلاة بعد التراويح] # (1100) فصل: فأما التعقيب، وهو أن يصلي بعد التراويح نافلة أخرى جماعة، ~~أو يصلي التراويح في جماعة أخرى. فعن أحمد: أنه لا بأس به؛ لأن أنس بن مالك ~~قال: ما يرجعون إلا لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه. وكان لا يرى به بأسا. ~~ونقل محمد بن الحكم عنه الكراهة، إلا أنه قول قديم، والعمل على ما رواه ~~الجماعة. وقال أبو بكر: الصلاة إلى نصف الليل، أو إلى آخره، لم تكره رواية ~~واحدة، وإنما الخلاف فيما إذا رجعوا قبل النوم، والصحيح أنه لا يكره؛ لأنه ~~خير وطاعة، فلم يكره، كما لو أخره إلى آخر الليل. ### | [فصل في ختم القرآن في الصلاة] # (1101) فصل: في ختم القرآن: قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله فقلت: ~~أختم القرآن، أجعله في الوتر أو في التراويح؟ قال: اجعله في التراويح، حتى ~~يكون لنا دعاء بين اثنين. قلت كيف أصنع.؟ قال ms0698 إذا # PageV02P125 # فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع، وادع بنا ونحن في الصلاة، ~~وأطل القيام. قلت: بم أدعو؟ قال: بما شئت. قال: ففعلت بما أمرني، وهو خلفي ~~يدعو قائما، ويرفع يديه، وقال حنبل: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا ~~فرغت من قراءة {قل أعوذ برب الناس} [الناس: 1] فارفع يديك في الدعاء قبل ~~الركوع. قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان ~~سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة. # قال العباس بن عبد العظيم: وكذلك أدركنا الناس بالبصرة وبمكة. ويروي أهل ~~المدينة في هذا شيئا، وذكر عن عثمان بن عفان. ### | [فصل في قيام ليلة الشك] # (1102) فصل: واختلف أصحابنا في قيام ليلة الشك؛ فحكي عن القاضي أنه قال: ~~جرت هذه المسألة في وقت شيخنا أبي عبد الله فصلى، وصلاها القاضي أبو يعلى ~~أيضا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله فرض عليكم صيامه، ~~وسننت لكم قيامه» فجعل القيام مع الصيام. وذهب أبو حفص العكبري إلى ترك ~~القيام، وقال: المعول في الصيام على حديث ابن عمر، وفعل الصحابة والتابعين، ~~ولم ينقل عنهم قيام تلك الليلة. واختاره التميميون؛ لأن الأصل بقاء شعبان، ~~وإنما صرنا إلى الصوم احتياطا للواجب، والصلاة غير واجبة، فتبقى على الأصل. ### | [فصل إذا قرأ قل أعوذ برب الناس هل يقرأ من البقرة شيئا] # (1103) فصل: قال أبو طالب: سألت أحمد إذا قرأ {قل أعوذ برب الناس} ~~[الناس: 1] يقرأ من البقرة شيئا؟ قال: لا فلم يستحب أن يصل ختمته بقراءة ~~شيء، ولعله لم يثبت فيه عنده أثر صحيح يصير إليه. قال أبو داود: وذكرت ~~لأحمد قول ابن المبارك: إذا كان الشتاء فاختم القرآن في أول الليل، وإذا ~~كان الصيف فاختمه في أول النهار. فكأنه أعجبه. وذلك، لما روي عن طلحة بن ~~مصرف، قال: أدركت أهل الخير من صدر هذه الأمة يستحبون الختم في أول الليل، ~~وفي أول النهار، يقولون: إذا ختم في أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، ~~وإذا ختم في أول النهار ms0699 صلت عليه الملائكة حتى يمسي. # وقال بعض أهل العلم: يستحب أن يجعل ختمة النهار في ركعتي الفجر أو ~~بعدهما، وختمة الليل في ركعتي المغرب أو بعدهما، يستقبل بختمه أول الليل ~~وأول النهار. ### | [فصل يستحب أن يجمع أهله عند ختم القرآن وغيرهم لحضور الدعاء] # (1104) فصل:: ويستحب أن يجمع أهله عند ختم القرآن وغيرهم؛ لحضور الدعاء. ~~قال أحمد: كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله وولده. وروي ذلك عن ابن مسعود ~~وغيره. ورواه ابن شاهين مرفوعا إلى رسول الله # PageV02P126 # - صلى الله عليه وسلم -. واستحسن أبو بكر التكبير عند آخر كل سورة من ~~الضحى إلى آخر القرآن؛ لأنه روي عن أبي بن كعب «أنه قرأ على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأمره بذلك» ، رواه القاضي، في " الجامع " بإسناده. ### | [فصل الإمام في شهر رمضان يدع الآيات من السورة ترى لمن خلفه أن يقرأها] # (1105) فصل: وسئل أبو عبد الله، عن الإمام في شهر رمضان، يدع الآيات من ~~السورة، ترى لمن خلفه أن يقرأها؟ قال: نعم ينبغي أن يفعل، قد كان بمكة ~~يوكلون رجلا يكتب ما ترك الإمام من الحروف وغيرها، فإذا كان ليلة الختمة ~~أعاده وإنما استحب ذلك لتتم الختمة، ويكمل الثواب. ### | [فصل قراءة القرآن في الطريق والإنسان مضطجع] # (1106) فصل: ولا بأس بقراءة القرآن في الطريق، والإنسان مضطجع، قال إسحاق ~~بن إبراهيم: خرجت مع أبي عبد الله إلى الجامع فسمعته يقرأ سورة الكهف. وعن ~~إبراهيم التميمي قال: كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق، فإذا قرأت ~~السجدة قلت له: أتسجد في الطريق؟ قال نعم. وعن عائشة أنها قالت: إني لأقرأ ~~القرآن وأنا مضطجعة على سريري. رواه الفريابي، في فضائل القرآن عن عائشة. ### | [فصل يستحب قراءة القرآن في كل سبعة أيام] # (1107) فصل: يستحب أن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام، ليكون له ختمة في كل ~~أسبوع. قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يختم القرآن في النهار في كل سبعة ~~يقرأ في كل يوم سبعا، لا يتركه نظرا. وقال حنبل: كان أبو عبد الله ms0700 يختم من ~~الجمعة إلى الجمعة. وذلك لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لعبد الله بن عمرو: اقرأ القرآن في سبع، ولا تزيدن على ذلك» . رواه أبو ~~داود، وعن أوس بن حذيفة، قال: «قلنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~لقد أبطأت عنا الليلة. قال إنه طرأ علي حزبي من القرآن، فكرهت أن أخرج حتى ~~أتمه» # قال أوس سألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف تحزبون ~~القرآن؛ قالوا: ثلاث وخمس، وسبع، وتسع وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل ~~وحده. رواه أبو داود. ويكره أن يؤخر ختمة القرآن أكثر من أربعين يوما «؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله عبد الله بن عمرو: في كم يختم ~~القرآن؟ قال: في أربعين يوما ثم قال: في شهر. ثم قال: في عشرين ثم قال: في ~~خمس عشرة. ثم قال: في عشر. ثم قال: في سبع» . لم ينزل من سبع. أخرجه أبو ~~داود. وقال أحمد: أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين. # ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى نسيان القرآن والتهاون به، فكان ما ~~ذكرنا أولى، وهذا إذا لم يكن له عذر، فأما مع العذر فواسع له. # PageV02P127 # (1108) فصل: وإن قرأه في ثلاث فحسن؛ لما روي «عن عبد الله بن عمرو، قال: ~~قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن بي قوة قال: اقرأه في ثلاث» . ~~رواه أبو داود فإن قرأه في أقل من ثلاث، فقد روي عن أبي عبد الله أنه قال: ~~أكره أن يقرأه في أقل من ثلاث. # وذلك لما روى عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث» ، رواه أبو داود. وروي عن أحمد أن ذلك ~~غير مقدر وهو على حسب ما يجد من النشاط والقوة؛ لأن عثمان كان يختمه في ~~ليلة، وروي ذلك عن جماعة من السلف. # والترتيل أفضل من قراءة الكثير مع العجلة؛ لأن الله تعالى قال: {ورتل ~~القرآن ترتيلا} [المزمل: 4] . وعن عائشة ms0701 «أنها قالت: ولا أعلم نبي الله قرأ ~~القرآن كله في ليلة» ، وعنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يختم القرآن في أقل من ثلاث» . رواه أبو عبيد، في " فضائل القرآن " وقال ~~ابن مسعود: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، فهذه كهذ الشعر، ونثر كنثر ~~الدقل. ### | [فصل القراءة بالألحان] # (1109) فصل: كره أبو عبد الله القراءة بالألحان، وقال: هي بدعة؛ وذلك لما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه ذكر في أشراط الساعة أن يتخذ ~~القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم غناء» ~~ولأن القرآن معجز في لفظه ونظمه، والألحان تغيره. وكلام أحمد في هذا محمول ~~على الإفراط في ذلك، بحيث يجعل الحركات حروفا، ويمد في غير موضعه، فأما ~~تحسين القراءة والترجيع فغير مكروه؛ فإن عبد الله بن المغفل قال: «سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة يقرأ سورة الفتح. قال: فقرأ ~~ابن المغفل، فرجع في قراءته. وفي لفظ قال: قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته، فرجع في قراءته» قال معاوية ~~بن قرة: لولا أني أخاف أن تجتمع علي الناس لحكيت لكم قراءته. . رواهما ~~مسلم. # وفي بعض الألفاظ فقال: " أأ أ ". وروى أبو # PageV02P128 # هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما أذن الله لشيء ~~كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن» ، يجهر به. يعني ليستمع. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «زينوا القرآن بأصواتكم» وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» وقد اختلف السلف في ~~معنى قوله: " يتغنى بالقرآن " فقال: ابن عيينة، وأبو عبيد، وجماعة، ~~وغيرهما: معناه يستغني بالقرآن. قال أبو عبيد: وكيف يجوز أن يحمل على أن من ~~لم يغن بالقرآن ليس من النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وقالت طائفة منهم: ~~معناه يحسن قراءته، ويترنم به، ويرفع صوته به. كما قال أبو موسى للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لك ms0702 تحبيرا. وقال ~~الشافعي: يرفع صوته به. وقال أبو عبد الله: حزنه فيقرؤه بحزن مثل صوت أبي ~~موسى. # وعلى كل حال، فقد ثبت أن تحسين الصوت بالقرآن، وتطريبه، مستحب غير مكروه، ~~ما لم يخرج ذلك إلى تغيير لفظه، وزيادة حروفه، فقد روي «عن عائشة - رضي ~~الله عنها - أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أستمع قراءة رجل في ~~المسجد لم أسمع قراءة أحسن من قراءته. فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فاستمع قراءته، ثم قال هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في ~~أمتي مثل هذا» . «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى: إني مررت ~~بك البارحة وأنت تقرأ، فقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود فقال أبو موسى: ~~لو أعلم أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا» . مع ما ذكرنا من الأخبار، والله ~~أعلم. # PageV02P129 ### | [باب الإمامة وصلاة الجماعة] # الجماعة واجبة للصلوات الخمس، روي نحو ذلك عن ابن مسعود، وأبي موسى. وبه ~~قال عطاء، والأوزاعي، وأبو ثور. ولم يوجبها مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ~~والشافعي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة ~~الفذ بخمس وعشرين درجة» . متفق عليه. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~ينكر على اللذين قالا: صلينا في رحالنا. ولو كانت واجبة لأنكر عليهما، ~~ولأنها لو كانت واجبة في الصلاة لكانت شرطا لها كالجمعة. # ولنا قول الله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102] . ~~الآية، ولو لم تكن واجبة لرخص فيها حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات ~~الصلاة من أجلها، وروى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها؛ ~~ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم ~~بيوتهم» . متفق عليه. وفيه ما يدل على أنه أراد الجماعة؛ لأنه لو أراد ~~الجمعة لما هم بالتخلف عنها. وعن أبي هريرة، قال: «أتى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، ms0703 ليس لي قائد يقودني إلى المسجد ~~فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: تسمع ~~النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب» . رواه مسلم. # وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائدا له، فغيره أولى. وعن ابن عباس، - ~~رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:: «من ~~سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر قالوا: وما العذر؟ قال: خوف، أو مرض، ~~لم تقبل منه الصلاة التي صلى» . أخرجه أبو داود. وروى أبو الدرداء، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من ~~ثلاثة في قرية، أو بلد، لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، ~~فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية» # PageV02P130 # } . أخرجه أبو داود. وحديثهم يدل على أن الجماعة غير مشترطة، ولا نزاع ~~بيننا فيه، ولا يلزم من الوجوب الاشتراط، كواجبات الحج، والإحداد في العدة. ~~(1110) فصل: وليست الجماعة شرطا لصحة الصلاة نص عليه أحمد. # وخرج ابن عقيل وجها في اشتراطها، قياسا على سائر واجبات الصلاة. وهذا ليس ~~بصحيح؛ بدليل الحديثين اللذين احتجوا بهما والإجماع، فإننا لا نعلم قائلا ~~بوجوب الإعادة على من صلى وحده، إلا أنه روي عن جماعة من الصحابة، منهم ابن ~~مسعود، وأبو موسى، أنهم قالوا: من سمع النداء وتخلف من غير عذر، فلا صلاة ~~له. ### | [فصل تنعقد الجماعة باثنين فصاعدا] # (1111) فصل: وتنعقد الجماعة باثنين فصاعدا. لا نعلم فيه خلافا. وقد روى ~~أبو موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الاثنان فما فوقهما جماعة» ~~. رواه ابن ماجه. «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمالك بن الحويرث ~~وصاحبه: إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما، وليؤمكما أكبركما» . وأم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - حذيفة مرة، وابن مسعود مرة، وابن عباس مرة. # ولو أم الرجل عبده أو زوجته أدرك فضيلة الجماعة، وإن أم صبيا جاز في ~~التطوع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم فيه ابن عباس وهو صبي. وإن ~~أمه في الفرض، فقال أحمد: لا تنعقد ms0704 به الجماعة؛ لأنه لا يصلح أن يكون ~~إماما؛ لنقص حاله، فأشبه من لا تصح صلاته. وقال أبو الحسن الآمدي: فيه ~~رواية أخرى، أنه يصح أن يكون إماما؛ لأنه متنفل، فجاز أن يكون مأموما ~~بالمفترض، كالبالغ، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرجل الذي ~~فاتته الجماعة: «من يتصدق على هذا، فيصلي معه» . ### | [فصل فعل صلاة الجماعة في البيت والصحراء] # (1112) فصل: ويجوز فعلها في البيت والصحراء، وقيل: فيه رواية أخرى: أن ~~حضور المسجد واجب إذا كان قريبا منه؛ لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» . ولنا قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -:: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: جعلت لي الأرض # PageV02P131 # طيبة وطهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان» . متفق عليه. ~~وقالت عائشة: «صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته، وهو شاك فصلى ~~جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا» . رواه البخاري # ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجلين: «إذا صليتما في رحالكما، ثم ~~أدركتما الجماعة فصليا معهم، تكن لكما نافلة» . وقوله: " لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد " لا نعرفه إلا من قول علي نفسه، كذلك رواه سعيد في " ~~سننه "، والظاهر أنه إنما أراد الجماعة؛ وعبر بالمسجد عن الجماعة لأنه ~~محلها، ومعناه لا صلاة لجار المسجد إلا مع الجماعة. وقيل: أراد به الكمال ~~والفضيلة، فإن الأخبار الصحيحة دالة على أن الصلاة في غير المسجد صحيحة ~~جائزة ### | [فصل فعل الصلاة فيما كثر فيه الجمع من المساجد] # (1113) فصل: وفعل الصلاة فيما كثر فيه الجمع من المساجد أفضل؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته ~~مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل؛ وما كان أكثر، فهو أحب إلى الله تعالى» ~~. رواه أحمد في " المسند "، فإن تساويا في الجماعة ففعلها في المسجد العتيق ~~أفضل؛ لأن العبادة فيه أكثر. وإن كان في جواره أو غير جواره مسجد لا تنعقد ~~الجماعة فيه ms0705 إلا بحضوره ففعلها فيه أولى؛ لأنه يعمره بإقامة الجماعة فيه، ~~ويحصلها لمن يصلي فيه. وإن كانت تقام فيه، وكان في قصده غيره كسر قلب إمامه ~~أو جماعته، فجبر قلوبهم أولى. # وإن لم يكن كذلك فهل الأفضل قصد الأبعد أو الأقرب؟ فيه روايتان: إحداهما ~~قصد الأبعد؛ لتكثر خطاه في طلب الثواب فتكثر حسناته. والثانية الأقرب لأن ~~له جوارا، فكان أحق بصلاته كما أن الجار أحق بهدية جاره ومعروفه من البعيد. ~~وإن كان البلد ثغرا، فالأفضل اجتماع الناس في مسجد واحد ليكون أعلى للكلمة، ~~وأوقع للهيبة، وإذا جاءهم خبر عن عدوهم سمعه جميعهم، وإن أرادوا التشاور في ~~أمر حضر جميعهم، وإن جاء عين # PageV02P132 # الكفار رآهم فأخبر بكثرتهم. قال الأوزاعي: لو كان الأمر إلي لسمرت أبواب ~~المساجد التي في الثغور أو نحو هذا ليجتمع الناس في مسجد واحد. ### | [فصل إعادة الجماعة في المسجد] # (1114) فصل: ولا يكره إعادة الجماعة في المسجد، ومعناه أنه إذا صلى إمام ~~الحي، وحضر جماعة أخرى، استحب لهم أن يصلوا جماعة، وهو قول ابن مسعود، ~~وعطاء، والحسن، والنخعي، وقتادة، وإسحاق. وقال سالم، وأبو قلابة، وأيوب، ~~وابن عون، والليث، والبتي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ~~والشافعي: لا تعاد الجماعة في مسجد له إمام راتب، في غير ممر الناس. فمن ~~فاتته الجماعة، صلى منفردا؛ لئلا يفضي إلى اختلاف القلوب والعداوة والتهاون ~~في الصلاة مع الإمام، ولأنه مسجد له إمام راتب، فكره فيه إعادة الجماعة، ~~كمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ولنا عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -:: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة ~~الفذ بخمس وعشرين درجة. وفي رواية: بسبع وعشرين درجة» . وروى أبو سعيد قال: ~~«جاء رجل، وقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أيكم يتجر على ~~هذا؟ فقام رجل، فصلى معه» قال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه الأثرم، وأبو ~~داود، فقال: " ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه ". وروى الأثرم، بإسناده عن ~~أبي أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله، وزاد: قال فلما صليا، ~~قال: " وهذان جماعة ". ولأنه ms0706 قادر على الجماعة، فاستحب له فعلها، كما لو ~~كان المسجد في ممر الناس. (1115) فصل: فأما إعادة الجماعة في المسجد ~~الحرام، ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسجد الأقصى، فقد روي ~~عن أحمد كراهة إعادة الجماعة فيها. وذكره أصحابنا، لئلا يتوانى الناس في ~~حضور الجماعة مع الإمام الراتب فيها إذا أمكنتهم الصلاة في الجماعة مع ~~غيره. # وظاهر خبر أبي سعيد وأبي أمامة، أن ذلك لا يكره؛ لأن الظاهر أن هذا كان ~~في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - والمعنى يقتضيه أيضا، فإن فضيلة ~~الجماعة تحصل فيها، كحصولها في غيرها. ### | [مسألة يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى] # (1116) مسألة قال: (ويؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى) لا خلاف في ~~التقديم بالقراءة والفقه على غيرهما. واختلف في أيهما يقدم على صاحبه؟ ~~فمذهب أحمد، - رحمه الله -، تقديم القارئ. وبهذا قال ابن سيرين، والثوري، ~~وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال عطاء، ومالك، # PageV02P133 # والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور: يؤمهم أفقههم إذا كان يقرأ ما يكفي في ~~الصلاة؛ لأنه قد ينوبه في الصلاة ما لا يدري ما يفعل فيه إلا بالفقه، فيكون ~~أولى، كالإمامة الكبرى والحكم. # ولنا ما روى أوس بن ضمرة، عن أبي مسعود، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم ~~بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء ~~فأقدمهم سنا.» أو قال: " سلما ". وروى أبو سعيد، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا اجتمع ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم.» ~~رواهما مسلم. وعن ابن عمر، قال: لما قدم المهاجرون الأولون العصبة، موضع ~~بقباء، كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنا رواه البخاري، ~~وأبو داود. وكان فيهم عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد. # وفي حديث عمرو بن سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليؤمكم ~~أكثركم قرآنا» . ولأن القراءة ركن في الصلاة فكان القادر عليها أولى، ~~كالقادر على القيام مع العاجز عنه. فإن قيل: إنما أمر النبي ms0707 - صلى الله ~~عليه وسلم - بتقديم القارئ لأن أصحابه كان أقرؤهم أفقههم، فإنهم كانوا إذا ~~تعلموا القرآن تعلموا معه أحكامه، قال ابن مسعود كنا لا نجاوز عشر آيات حتى ~~نعرف أمرها، ونهيها، وأحكامها. # قلنا: اللفظ عام فيجب الأخذ بعمومه دون خصوص السبب، ولا يخص ما لم يقم ~~دليل على تخصيصه، على أن في الحديث ما يبطل هذا التأويل، فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «فإن استووا فأعلمهم بالسنة» . ففاضل بينهم في العلم ~~بالسنة مع تساويهم في القراءة، ولو قدم القارئ لزيادة علم لما نقلهم عند ~~التساوي فيه إلى الأعلم بالسنة، ولو كان العلم بالفقه على قدر القراءة للزم ~~من التساوي في القراءة التساوي فيه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أقرؤكم أبي، وأقضاكم علي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضكم ~~زيد بن ثابت» . فقد فضل بالفقه من هو مفضول بالقراءة، وفضل بالقراءة من هو ~~مفضول بالقضاء والفرائض وعلم الحلال والحرام. # قيل لأبي عبد الله: حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: " مروا أبا بكر ~~يصلي بالناس " أهو خلاف حديث أبي مسعود؟ قال: لا، إنما قوله لأبي بكر - ~~عندي - " يصلي بالناس " للخلافة، يعني أن الخليفة أحق بالإمامة، وإن كان ~~غيره أقرأ منه، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر بالصلاة يدل على ~~أنه أراد استخلافه. # PageV02P134 # (1117) فصل: ويرجح أحد القارئين على الآخر بكثرة القرآن؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -:: «ليؤمكم أكثركم قرآنا.» وإن تساويا في قدر ما يحفظ ~~كل واحد منهما، وكان أحدهما أجود قراءة وإعرابا فهو أولى؛ لأنه أقرأ، فيدخل ~~في عموم قوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» . # وإن كان أحدهما أكثر حفظا، والآخر أقل لحنا وأجود قراءة، فهو أولى؛ لأنه ~~أعظم أجرا في قراءته؛ لقوله - عليه السلام -: «من قرأ القرآن فأعربه فله ~~بكل حرف عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة.» رواه الترمذي، ~~وقال: حديث حسن صحيح. (1118) مسألة قال: (فإن استووا فأفقههم) وذلك لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «فإن كانوا في القراءة ms0708 سواء فأعلمهم ~~بالسنة» ولأن الفقه يحتاج إليه في الصلاة للإتيان بواجباتها وسننها، وجبرها ~~إن عرض ما يحوج إليه فيها، فإن اجتمع فقيهان قارئان، وأحدهما أقرأ، والآخر ~~أفقه، قدم الأقرأ. نص عليه للخبر. # وقال ابن عقيل: الأفقه أولى؛ لتميزه بما لا يستغنى عنه في الصلاة. وهذا ~~يخالف عموم الخبر، فلا يعول عليه. وإن اجتمع فقيهان، أحدهما أعلم بأحكام ~~الصلاة، والآخر أعرف بما سواها، فالأعلم بأحكام الصلاة أولى، لأن علمه يؤثر ~~في تكميل الصلاة بخلاف الآخر. # (1119) مسألة؛ قال: (فإن استووا فأسنهم) . يعني: أكبرهم سنا، يقدم عند ~~استوائهم في القراءة والفقه. وظاهر قول أحمد، أنه يقدم أقدمهما هجرة، ثم ~~أسنهما؛ لأنه ذهب إلى حديث أبي مسعود، وهو مرتب هكذا. قال الخطابي: وعلى ~~هذا الترتيب توجد أكثر أقاويل العلماء. ومعنى تقدم الهجرة أن يكون أحدهما ~~أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، لأن الهجرة قربة وطاعة فيقدم ~~السابق إليها لسبقه إلى الطاعة. فإذا استويا فيها، إما لهجرتهما معا، أو ~~عدمها منهما، فأسنهم؛ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمالك # PageV02P135 # بن الحويرث وصاحبه: ليؤمكما أكبركما» . متفق عليه. ولأن الأسن أحق ~~بالتوقير والتقديم. وكذلك «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن ~~بن سهل، لما تكلم في أخيه: كبر كبر» . أي دع الأكبر يتكلم. # وقال أبو عبد الله بن حامد أحقهم بعد القراءة والفقه أشرفهم، ثم أقدمهم ~~هجرة، ثم أسنهم. والصحيح، الأخذ بما دل عليه حديث النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في تقديم السابق بالهجرة، ثم الأسن؛ لتصريحه بالدلالة، ولا دلالة في ~~حديث مالك بن الحويرث على تقديم الأسن؛ لأنه لم يثبت في حقهما هجرة ولا ~~تفاضلهما في شرف، ويرجح بتقديم الإسلام كالترجيح بتقديم الهجرة، فإن في بعض ~~ألفاظ حديث أبي مسعود: «فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما» ولأن ~~الإسلام أشرف من الهجرة، فإذا قدم بتقدمها فتقدمه أولى. فإذا استووا في هذا ~~كله قدم أشرفهم، أي أعلاهم نسبا، وأفضلهم في نفسه، وأعلاهم قدرا؛ لقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «قدموا قريشا ولا تقدموها» ms0709 . # (1120) فصل: فإن استووا في هذه الخصال، قدم أتقاهم وأورعهم؛ لأنه أشرف في ~~الدين، وأفضل وأقرب إلى الإجابة، وقد جاء: " إذا أم الرجل القوم وفيهم من ~~هو خير منه لم يزالوا في سفال ". ذكره الإمام أحمد في " رسالته "، ويحمل ~~تقديم هذا على الأشرف، لأن شرف الدين خير من شرف الدنيا، وقد قال الله ~~تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] . فإذا استووا في هذا ~~كله أقرع بينهم. نص عليه أحمد، - رحمه الله -. وذلك لأن سعد بن أبي وقاص ~~أقرع بينهم في الأذان، فالإمامة أولى، ولأنهم تساووا في الاستحقاق، وتعذر ~~الجمع، فأقرع بينهم كسائر الحقوق. # PageV02P136 # وإن كان أحدهما يقوم بعمارة المسجد وتعاهده فهو أحق به، وكذلك إن رضي ~~الجيران أحدهما دون الآخر، قدم بذلك. ولا يقدم بحسن الوجه؛ لأنه لا مدخل له ~~في الإمامة، ولا أثر له فيها، وهذا كله تقديم استحباب، لا تقديم اشتراط، ~~ولا إيجاب، لا نعلم فيه خلافا، فلو قدم المفضول كان ذلك جائزا؛ لأن الأمر ~~بهذا أمر أدب واستحباب. ### | [مسألة صلى خلف من يعلن ببدعة أو يسكر] # (1121) مسألة: قال: (ومن صلى خلف من يعلن ببدعة، أو يسكر، أعاد) . ~~الإعلان الإظهار، وهو ضد الإسرار. فظاهر هذا أن من ائتم بمن يظهر بدعته، ~~ويتكلم بها، ويدعو إليها، أو يناظر عليها، فعليه الإعادة. ومن لم يظهر ~~بدعته، فلا إعادة على المؤتم به، وإن كان معتقدا لها. قال الأثرم: قلت لأبي ~~عبد الله: الرافضة الذين يتكلمون بما تعرف؟ فقال: نعم، آمره أن يعيد. قيل ~~لأبي عبد الله: وهكذا أهل البدع كلهم؟ قال: لا، إن منهم من يسكت، ومنهم من ~~يقف ولا يتكلم. وقال: لا تصل خلف أحد من أهل الأهواء، إذا كان داعية إلى ~~هواه. # وقال: لا تصل خلف المرجئ إذا كان داعية. وتخصيصه الداعية، ومن يتكلم ~~بالإعادة، دون من يقف ولا يتكلم، يدل على ما قلناه. وقال القاضي: المعلن ~~بالبدعة من يعتقدها بدليل، وغير المعلن من يعتقدها تقليدا. ولنا، أن حقيقة ~~الإعلان هو الإظهار، وهو ضد الإخفاء والإسرار، قال الله تعالى: ms0710 {ويعلم ما ~~تسرون وما تعلنون} [التغابن: 4] وقال تعالى مخبرا عن إبراهيم: {ربنا إنك ~~تعلم ما نخفي وما نعلن} [إبراهيم: 38] ولأن المظهر لبدعته لا عذر للمصلي ~~خلفه - لظهور حاله -، والمخفي لها من يصلي خلفه معذور، وهذا له أثر في صحة ~~الصلاة، ولهذا لم تجب الإعادة خلف المحدث والنجس إذا لم يعلم حالهما؛ لخفاء ~~ذلك ومنهما ووجبت على المصلي خلف الكافر والأمي، لظهور حالهما غالبا. # وقد روي عن أحمد، أنه لا يصلى خلف مبتدع بحال. قال، في رواية أبي الحارث: ~~لا يصلي خلف مرجئ ولا رافضي، ولا فاسق، إلا أن يخافهم فيصلي، ثم يعيد. وقال ~~أبو داود، قال أحمد: متى ما صليت خلف من يقول: القرآن مخلوق فأعد. قلت: ~~وتعرفه. قال: نعم. وعن مالك، أنه لا يصلى خلف أهل البدع. فحصل من هذا أن من ~~صلى خلف مبتدع معلن ببدعته، فعليه الإعادة. # ومن لم يعلنها ففي الإعادة خلفه روايتان. وأباح الحسن، وأبو جعفر، ~~والشافعي الصلاة خلف أهل البدع؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله.» رواه الدارقطني. ولأنه رجل صلاته ~~صحيحة، # PageV02P137 # فصح الائتمام به كغيره. وقال نافع: كان ابن عمر يصلي مع الخشبية والخوارج ~~زمن ابن الزبير، وهم يقتتلون. فقيل له: أتصلي مع هؤلاء، ومع هؤلاء، وبعضهم ~~يقتل بعضا؟ فقال: من قال: حي على الصلاة. أجبته، ومن قال: حي على الفلاح. ~~أجبته، ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم، وأخذ ماله. قلت: لا. رواه سعيد. ~~وقال ابن المنذر، وبعض الشافعية: من نكفره ببدعته كالذي يكذب الله أو رسوله ~~ببدعته، لا يصلى خلفه، ومن لا نكفره تصح الصلاة خلفه. ولنا: ما روى جابر، ~~قال: " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على منبره يقول: «لا تؤمن ~~امرأة رجلا، ولا فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره بسلطان، أو يخاف سوطه أو سيفه» . ~~رواه ابن ماجه، وهذا أخص من حديثهم، فتعين تقديمه، وحديثهم نقول به في ~~الجمع والأعياد، وتعاد، وهو مطلق، فالعمل به في موضع يحصل الوفاء بدلالتهم، ms0711 ~~وقياسهم منقوض بالخنثى والأمي. ويروى عن حبيب بن عمر الأنصاري، عن أبيه، ~~قال: سألت واثلة بن الأسقع، قلت: أصلي خلف القدري؟ قال: لا تصل خلفه. ثم ~~قال: أما أنا لو صليت خلفه لأعدت صلاتي. رواه الأثرم. # وأما قول الخرقي: " أو يسكر ". فإنه يعني من يشرب ما يسكره من أي شراب ~~كان، فإنه لا يصلى خلفه لفسقه. وإنما خصه بالذكر، فيما يرى من سائر الفساق، ~~لنص أحمد عليه. قال أبو داود: سألت أحمد وقيل له: إذا كان الإمام يسكر؟ ~~قال: لا تصل خلفه ألبتة. وسأله رجل، قال: صليت خلف رجل، ثم علمت أنه يسكر، ~~أعيد؟ قال: نعم، أعد. قال: أيتهما صلاتي؟ قال: التي صليت وحدك. وسأله رجل. ~~قال: رأيت رجلا سكران، أصلي خلفه؟ قال: لا. قال: فأصلي وحدي؟ قال أين أنت؟ ~~في البادية؟ المساجد كثيرة. قال: أنا في حانوتي. قال: تخطاه إلى غيره من ~~المساجد. # فأما من يشرب من النبيذ المختلف فيه ما لا يسكره، معتقدا حله، فلا بأس ~~بالصلاة خلفه. نص عليه أحمد. فقال: يصلى خلف من يشرب المسكر على التأويل، ~~نحن نروي عنهم الحديث، ولا نصلي خلف من يسكر. وكلام الخرقي بمفهومه يدل على ~~ذلك، لتخصيصه من سكر بالإعادة خلفه. وفي معنى شارب ما يسكر كل فاسق، فلا ~~يصلى خلفه. نص عليه أحمد. فقال: لا تصل خلف فاجر ولا فاسق. # وقال أبو داود سمعت أحمد، - رحمه الله -، سئل عن إمام، قال: أصلي بكم ~~رمضان بكذا وكذا درهما. قال: أسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟ وروي عنه ~~أنه قال: لا تصلوا خلف من لا يؤدي # PageV02P138 # الزكاة، وقال لا تصل خلف من يشارط، ولا بأس أن يدفعوا إليه من غير شرط. ~~وهذه النصوص تدل على أنه لا يصلى خلف فاسق. وعنه رواية أخرى، أن الصلاة ~~جائزة، ذكرها أصحابنا. وهذا مذهب الشافعي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «صلوا خلف من قال لا إله إلا الله» . وكان ابن عمر يصلي خلف الحجاج، ~~والحسين والحسن، وغيرهما من الصحابة كانوا يصلون مع مروان. ms0712 والذين كانوا في ~~ولاية زياد وابنه كانوا يصلون معهما. وصلوا وراء الوليد بن عقبة، وقد شرب ~~الخمر وصلى الصبح أربعا، وقال: أزيدكم. # فصار هذا إجماعا، وروي عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت. ~~فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة» ~~. رواه مسلم. وفي لفظ: «فإن صليت لوقتها كانت نافلة، وإلا كنت قد أحرزت ~~صلاتك» . وفي لفظ: «فإن أدركت الصلاة معهم فصل، ولا تقل: إني قد صليت، فلا ~~أصلي» . وفي لفظ: " فإنها زيادة خير ". وهذا فعل يقتضي فسقهم، وقد أمره ~~بالصلاة معهم، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الجماعة تفضل صلاة ~~الفذ بخمس وعشرين درجة» عام، فيتناول محل النزاع، ولأنه رجل تصح صلاته ~~لنفسه، فصح الائتمام به كالعدل. # ووجه الأولى قوله - عليه السلام -: «لا يؤمن فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره ~~بسلطانه أو سيفه» . ولأن الإمامة تتضمن حمل القراءة، ولا يؤمن تركه لها، ~~ولا يؤمن ترك بعض شرائطها كالطهارة، وليس ثم أمارة ولا غلبة ظن يؤمنان ذلك. ~~والحديث أجبنا عنه، وفعل الصحابة محمول على أنهم خافوا الضرر بترك الصلاة ~~معهم، فقد روينا عن عطاء، وسعيد بن جبير، أنهما كانا في المسجد، والحجاج ~~يخطب، فصليا بالإيماء، وإنما فعلا ذلك لخوفهما على أنفسهما إن صليا على وجه ~~يعلم بهما. ورويناه عن قسامة بن زهير. قال: لما كان من شأن فلان ما كان، ~~قال له أبو بكر: تنح عن مصلانا، فإنا لا نصلي خلفك. وحديث أبي ذر: يدل على ~~صحتها نافلة، والنزاع في الفرض. (1122) فصل: فأما الجمع والأعياد فإنها ~~تصلى خلف كل بر وفاجر. # وقد كان أحمد يشهدها مع المعتزلة، وكذلك # PageV02P139 # العلماء الذين في عصره. وقد روينا أن رجلا جاء محمد بن النضر، فقال له: ~~إن لي جيرانا من أهل الأهواء، لا يشهدون الجمعة. قال حسبك، ما تقول في من ~~رد على أبي بكر وعمر؟ قال: رجل سوء. قال: فإن رد ms0713 على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ قال: يكفر. قال: فإن رد على العلي الأعلى؟ ثم غشي عليه، ثم أفاق، ~~فقال: ردوا عليه والذي لا إله إلا هو فإنه قال: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] وهو يعلم أن ~~بني العباس سيلونها. ولأن هذه الصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة؛ وتليها ~~الأئمة دون غيرهم، فتركها خلفهم يفضي إلى تركها بالكلية. إذا ثبت هذا فإنها ~~تعاد خلف من يعاد خلفه غيرها. # قال أحمد: أما الجمعة فينبغي شهودها، فإن كان الذي يصلي منهم أعاد. وروي ~~عنه أنه قال: من أعادها فهو مبتدع. وهذا يدل بعمومه على أنها لا تعاد خلف ~~فاسق ولا مبتدع؛ لأنها صلاة أمر بها، فلم تجب إعادتها كسائر الصلوات. ~~(1123) فصل: فإن كان المباشر لها عدلا، والمولي له غير مرضي الحال لبدعته ~~أو فسقه، لم يعدها. نص عليه. وقيل له: إنهم يقولون إذا كان الذي وضعه يقول ~~بقولهم فسدت الصلاة. قال: لست أقول بهذا. ولأن صلاته إنما ترتبط بصلاة ~~إمامه، فلا يضر وجود معنى في غيره، كالحدث أو كونه أميا. وعنه: تعاد. # والصحيح الأول. (1124) فصل: وإن لم يعلم فسق إمامه، ولا بدعته، حتى صلى ~~معه، فإنه يعيد. نص عليه. وقال ابن عقيل: لا إعادة عليه؛ لأن ذلك مما يخفى، ~~فأشبه المحدث والنجس. والصحيح أن هذا ينظر فيه، فإن كان ممن يخفي بدعته ~~وفسوقه، صحت الصلاة خلفه، لما ذكرنا في أول المسألة، وإن كان ممن يظهر ذلك، ~~وجبت الإعادة خلفه، على الرواية التي تقول بوجوب إعادتها خلف المبتدع؛ ~~ولأنه معنى يمنع الائتمام، فاستوى فيه العلم وعدمه، كما لو كان أميا، ~~والحدث والنجاسة يشترط خفاؤهما على الإمام والمأموم معا، ولا يخفى على ~~الفاسق فسق نفسه، ولأن الإعادة إنما تجب خلف من يعلن ببدعته، وليس ذلك في ~~مظنة الخفاء، بخلاف الحدث والنجاسة. # (1125) فصل: وإن لم يعلم حاله ولم يظهر منه ما يمنع الائتمام به، فصلاة ~~المأموم صحيحة. نص عليه أحمد؛ لأن الأصل في المسلمين السلامة. ولو ms0714 صلى خلف ~~من يشك في إسلامه، فصلاته صحيحة؛ لأن الظاهر أنه لا يتقدم للإمامة إلا ~~مسلم. # PageV02P140 ### | [فصل الصلاة خلف المخالفين في الفروع صحيحة غير مكروهة] # (1126) فصل: فأما المخالفون في الفروع كأصحاب أبي حنيفة، ومالك، ~~والشافعي، فالصلاة خلفهم صحيحة غير مكروهة. نص عليه أحمد؛ لأن الصحابة ~~والتابعين، ومن بعدهم لم يزل بعضهم يأتم ببعض، مع اختلافهم في الفروع، فكان ~~ذلك إجماعا، ولأن المخالف إما أن يكون مصيبا في اجتهاده، فله أجران أجر ~~لاجتهاده وأجر لإصابته، أو مخطئا فله أجر على اجتهاده، ولا إثم عليه في ~~الخطأ، لأنه محطوط عنه. فإن علم أنه يترك ركنا أو شرطا يعتقده المأموم دون ~~الإمام، فظاهر كلام أحمد صحة الائتمام به. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ~~يسأل عن رجل صلى بقوم، وعليه جلود الثعالب، فقال: إن كان يلبسه وهو يتأول: ~~«أيما إهاب دبغ فقد طهر» . يصلى خلفه. # قيل له، أفتراه أنت جائزا؟ قال: لا، نحن لا نراه جائزا ولكن إذا كان هو ~~يتأول فلا بأس أن يصلى خلفه. ثم قال أبو عبد الله: لو أن رجلا لم ير الوضوء ~~من الدم لم يصل خلفه؟ ثم قال: نحن نرى الوضوء من الدم، فلا نصلي خلف سعيد ~~بن المسيب، ومالك ومن سهل في الدم؟ أي: بلى. ورأيت لبعض أصحاب الشافعي ~~مسألة مفردة في الرد على من أنكر هذا، واستدل بأن الصحابة كان يصلي بعضهم ~~خلف بعض مع الاختلاف. ولأن كل مجتهد مصيب، أو كالمصيب في حط المأثم عنه، ~~وحصول الثواب، وصحة الصلاة لنفسه، فجائز الائتمام به، كما لو لم يترك شيئا. ~~وذكر القاضي فيه رواية أخرى، أنه لا يصح ائتمامه به؛ لأنه يرتكب ما يعتقده ~~المأموم مفسدا للصلاة، فلم يصح ائتمامه به، كما لو خالفه في القبلة حال ~~الاجتهاد فيها. # (1127) فصل: وإن فعل شيئا من المختلف فيه، يعتقد تحريمه، فإن كان يترك ما ~~يعتقده شرطا للصلاة أو واجبا فيها، فصلاته فاسدة، وصلاة من يأتم به، وإن ~~كان المأموم يخالفه في اعتقاد ذلك؛ لأنه ترك واجبا في الصلاة، ms0715 ففسدت صلاته ~~وصلاة من ائتم به، كالمجمع عليه. وإن كان يفعل ما يعتقد تحريمه في غير ~~الصلاة، كالمتزوج بغير ولي ممن يرى فساده، وشارب يسير النبيذ ممن يعتقد ~~تحريمه، فهذا إن دام على ذلك، فهو فاسق، حكمه حكم سائر الفساق، فإن لم يدم ~~عليه، فلا بأس بالصلاة خلفه؛ لأنه من الصغائر. ومتى كان الفاعل كذلك عاميا ~~قلد من يعتقد جوازه، فلا شيء عليه؛ لأن فرض العامي سؤال العلماء وتقليدهم؛ ~~لقول الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء: 7] ### | [فصل الصلاة خلف مجنون] # (1128) فصل: ولا تصح الصلاة خلف مجنون؛ لأن صلاته لنفسه باطلة. وإن كان ~~يجن تارة، ويفيق أخرى، # PageV02P141 # فصلى وراءه حال إفاقته، صحت صلاته، ويكره الائتمام به؛ لئلا يكون قد ~~احتلم حال جنونه ولم يعلم، ولئلا يعرض الصلاة للإبطال في أثنائها، لوجود ~~الجنون فيها، والصلاة صحيحة، لأن الأصل السلامة، فلا تفسد بالاحتمال. ### | [فصل إذا أقيمت الصلاة والإنسان في المسجد والإمام ممن لا يصلح للإمامة] # (1129) فصل: وإذا أقيمت الصلاة والإنسان في المسجد، والإمام ممن لا يصلح ~~للإمامة، فإن شاء صلى خلفه، وأعاد وإن نوى الصلاة وحده، ووافق الإمام في ~~الركوع والسجود والقيام والقعود، فصلاته صحيحة؛ لأنه أتى بأفعال الصلاة ~~وشروطها على الكمال، فلا تفسد بموافقته غيره في الأفعال، كما لو لم يقصد ~~الموافقة. وروي عن أحمد أنه يعيد. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: الرجل ~~يكون في المسجد، فتقام الصلاة، ويكون الرجل الذي يصلي بهم لا يرى الصلاة ~~خلفه، ويكره الخروج من المسجد بعد النداء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كيف يصنع؟ # قال: إن خرج كان في ذلك شنعة، ولكن يصلي معه، ويعيد، وإن شاء أن يصلي ~~بصلاته، ويكون يصلي لنفسه، ثم يكبر لنفسه ويركع لنفسه، ويسجد لنفسه، ولا ~~يبالي أن يكون سجوده مع سجوده، وتكبيره مع تكبيره. # قلت: فإن فعل هذا لنفسه أيعيد؟ قال: نعم. قلت: فكيف يعيد، وقد جاء أن ~~الصلاة هي الأولى، وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اجعلوا صلاتكم ~~معهم سبحة» . قال: إنما ذاك ms0716 إذا صلى وحده فنوى الفرض، أما إذا صلى معه وهو ~~ينوي أن لا يعتد بها فليس هذا مثل هذا. فقد نص على الإعادة، ولكن تعليله ~~إفسادها بكونه نوى أن لا يعتد بها، يدل على صحتها وإجزائها إذا نوى ~~الاعتداد بها، وهو الصحيح لما ذكرنا أولا، وكذلك لو كان الذين لا يرضون ~~الصلاة خلفه جماعة، فأمهم أحدهم ووافقوا الإمام في الركوع والسجود، كان ~~جائزا والله أعلم. ### | [مسألة إمامة العبد والأعمى جائزة] # (1130) مسألة؛ قال: (وإمامة العبد والأعمى جائزة) . هذا قول أكثر أهل ~~العلم. وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أن غلاما لها كان يؤمها. وصلى ابن ~~مسعود، وحذيفة، وأبو ذر وراء أبي سعيد مولى أبي أسيد، وهو عبد. وممن أجاز ~~ذلك: الحسن، والشعبي، والنخعي، والحكم، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب ~~الرأي. وكره أبو مجلز إمامة العبد، وقال مالك: لا يؤمهم إلا أن يكون قارئا ~~وهم أميون. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ~~تعالى» ، وقال أبو ذر: «إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا مجدع ~~الأطراف، وأن أصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركت # PageV02P142 # القوم وقد صلوا، كنت أحرزت صلاتك، وإلا كانت لك نافلة» . رواه مسلم. # ولأنه إجماع الصحابة، فعلت عائشة ذلك وروي أن أبا سعيد مولى أبي أسيد، ~~قال: تزوجت وأنا عبد، فدعوت نفرا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فأجابوني، فكان فيهم أبو ذر، وابن مسعود، وحذيفة، فحضرت الصلاة وهم في ~~بيتي، فتقدم أبو ذر ليصلي بهم، فقالوا له. وراءك؟ فالتفت إلى ابن مسعود، ~~فقال: أكذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: نعم. فقدموني، وأنا عبد، فصليت بهم. ~~رواه صالح في " مسائله " بإسناده، وهذه قصة مثلها ينتشر، ولم ينكر ولا عرف ~~مخالف لها، فكان ذلك إجماعا، ولأن الرق حق ثبت عليه، فلم يمنع صحة إمامته ~~كالدين، ولأنه من أهل الأذان للرجال يأتي بالصلاة على الكمال فكان له أن ~~يؤمهم كالحر. # وأما الأعمى فلا نعلم في صحة إمامته خلافا، إلا ما حكي عن أنس، أنه قال: ms0717 ~~ما حاجتهم إليه. وعن ابن عباس: أنه قال: كيف أؤمهم وهم يعدلونني إلى ~~القبلة. والصحيح عن ابن عباس أنه كان يؤم وهو أعمى، وعتبان بن مالك، وقتادة ~~وجابر. وقال أنس: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف ابن أم مكتوم ~~يؤم الناس وهو أعمى» رواه أبو داود. . وعن الشعبي، أنه قال: «غزا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة غزوة، كل ذلك يقدم ابن أم مكتوم يصلي ~~بالناس» . رواه أبو بكر. ولأن العمى فقد حاسة لا يخل بشيء من أفعال الصلاة ~~ولا بشروطها، فأشبه فقد الشم. فإذا ثبت هذا فالحر أولى من العبد، لأنه أكمل ~~منه وأشرف، ويصلي الجمعة والعيد إماما بخلاف العبد. وقال أبو الخطاب: ~~والبصير أولى من الأعمى؛ لأنه يستقبل القبلة بعلمه، ويتوقى النجاسات ببصره. ~~وقال القاضي: هما سواء؛ لأن الأعمى أخشع، لأنه لا يشتغل في الصلاة بالنظر ~~إلى ما يلهيه، فيكون ذلك في مقابلة فضيلة البصير عليه، فيتساويان. # والأول أصح؛ لأن البصير لو أغمض عينيه كان مكروها، ولو كان ذلك فضيلة ~~لكان مستحبا، لأنه يحصل بتغميضه ما يحصله الأعمى، ولأن البصير إذا غض بصره ~~مع إمكان النظر كان له الأجر فيه، لأنه يترك المكروه مع إمكانه اختيارا، ~~والأعمى يتركه اضطرارا فكان أدنى حالا، وأقل فضيلة. ### | [فصل إمامة الأخرس] # (1131) فصل: ولا تصح إمامة الأخرس بمثله، ولا غيره، لأنه يترك ركنا، وهو ~~القراءة، تركا مأيوسا من زواله، فلم تصح إمامته، كالعاجز عن الركوع ~~والسجود. ### | [فصل إمامة الأصم] # (1132) فصل: وتصح إمامة الأصم؛ لأنه لا يخل بشيء من أفعال الصلاة، ولا ~~شروطها، فأشبه الأعمى؛ فإن # PageV02P143 # كان أصم أعمى صحت إمامته لذلك. وقال بعض أصحابنا: لا تصح إمامته؛ لأنه ~~إذا سها لا يمكن تنبيهه بتسبيح ولا إشارة، والأولى صحتها؛ فإنه لا يمنع من ~~صحة الصلاة احتمال عارض لا يتيقن وجوده، كالمجنون حال إفاقته. ### | [فصل إمامة أقطع اليدين] # (1133) فصل: فأما أقطع اليدين، فقال أحمد - رحمه الله -: لم أسمع فيه ~~شيئا. وذكر الآمدي فيه روايتين؛ إحداهما: تصح إمامته. اختارها القاضي؛ لأنه ~~عجز لا يخل ms0718 بركن في الصلاة. فلم يمنع صحة إمامته، كأقطع أحد الرجلين ~~والأنف. والثانية: لا تصح. اختارها أبو بكر؛ لأنه يخل بالسجود على بعض ~~أعضاء السجود، أشبه العاجز عن السجود على جبهته. وحكم أقطع اليد الواحدة ~~كالحكم في قطعهما جميعا، وأما أقطع الرجلين فلا يصح الائتمام به؛ لأنه ~~مأيوس من قيامه، فلم تصح إمامته كالزمن. وإن كان مقطوع إحدى الرجلين، ~~ويمكنه القيام، صحت إمامته. ويتخرج على قول أبي بكر أن لا تصح إمامته؛ ~~لإخلاله بالسجود على عضو. والأول أصح؛ لأنه يسجد على الباقي من رجله أو ~~حائلها. ### | [مسألة أم أمي أميا وقارئا] # (1134) مسألة: قال: (وإن) (أم أمي أميا وقارئا) (أعاد القارئ وحده) . # الأمي من لا يحسن الفاتحة أو بعضها، أو يخل بحرف منها، وإن كان يحسن ~~غيرها، فلا يجوز لمن يحسنها أن يأتم به، ويصح لمثله أن يأتم به، ولذلك خص ~~الخرقي القارئ بالإعادة فيما إذا أم أميا وقارئا. وقال القاضي: هذه المسألة ~~محمولة على أن القارئ مع جماعة أميين حتى إذا فسدت صلاة القارئ بقي خلف ~~الإمام اثنان فصاعدا. فإن كان معه أمي واحد، وكانا خلف الإمام أعادا جميعا؛ ~~لأن الأمي صار فذا. # والظاهر أن الخرقي إنما قصد بيان من تفسد صلاته بالائتمام بالأمي، وهذا ~~يخص القارئ دون الأمي، ويجوز أن تصح صلاة الأمي؛ لكونه عن يمين الإمام، أو ~~كونهما جميعا عن يمينه، أو معهم أمي آخر، وإن فسدت صلاته لكونه فذا، فما ~~فسدت لائتمامه بمثله، إنما فسدت لمعنى آخر. وبهذا قال مالك، والشافعي في ~~الجديد. وقيل عنه: يصح أن يأتم القارئ بالأمي في صلاة الإسرار دون صلاة ~~الجهر. وقيل عنه: يجوز أن يأتم به في الحالين؛ لأنه عجز عن ركن، فجاز ~~للقادر عليه الائتمام به، كالقاعد بالقائم. وقال أبو حنيفة: تفسد صلاة ~~الإمام أيضا؛ لأنه لما أحرم معه القارئ لزمته القراءة عنه، لكون الإمام ~~يتحمل القراءة عن المأموم، فعجز عنها، ففسدت صلاته. # ولنا على الأول، أنه ائتم بعاجز عن ركن سوى القيام يقدر عليه المأموم، ~~فلم تصح، كالمؤتم بالعاجز عن ms0719 الركوع والسجود، ولأن الإمام يتحمل القراءة عن ~~المأموم، وهذا عاجز عن التحمل للقراءة # PageV02P144 # الواجبة على المأموم، فلم يصح له الائتمام به، لئلا يفضي إلى أن يصلي ~~بغير قراءة، وقياسهم يبطل بالأخرس والعاجز عن الركوع والسجود والقيام، ولا ~~مدخل للتحمل فيه، بخلاف القراءة. ولنا على صحة صلاة الإمام، أنه أم من لا ~~يصح له الائتمام به، فلم تبطل صلاته، كما لو أمت امرأة رجلا ونساء. وقولهم: ~~إنه يلزم القراءة عن القارئ. لا يصح؛ لأن الله تعالى قال: {لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] ومن لا تجب عليه القراءة عن نفسه، فعن غيره ~~أولى. # وإن أم الأمي قارئا واحدا، لم تصح صلاة واحد منهما؛ لأن الأمي نوى ~~الإمامة وقد صار فذا. (1135) فصل: وإن صلى القارئ خلف من لا يعلم حاله في ~~صلاة الإسرار صحت صلاته؛ لأن الظاهر أنه لا يتقدم إلا من يحسن القراءة، ولم ~~يتخرم الظاهر، فإنه أسر في موضع الإسرار، وإن كان يسر في صلاة الجهر، ففيه ~~وجهان: أحدهما، لا تصح صلاة القارئ. ذكره القاضي؛ لأن الظاهر أنه لو أحسن ~~القراءة لجهر. # والثاني: تصح؛ لأن الظاهر أنه لا يؤم الناس إلا من يحسن القراءة، وإسراره ~~يحتمل أن يكون نسيانا، أو لجهله، أو لأنه لا يحسن أكثر من الفاتحة، فلا ~~تبطل الصلاة بالاحتمال. فإن قال: قد قرأت في الإسرار. صحت الصلاة على ~~الوجهين؛ لأن الظاهر صدقه. ويستحب الإعادة احترازا من أن يكون كاذبا، ولو ~~أسر في صلاة الإسرار، ثم قال: ما كنت قرأت الفاتحة. لزمه ومن وراءه ~~الإعادة، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - عنه، أنه صلى بهم المغرب، فلما ~~سلم قال: أما سمعتموني قرأت؟ قالوا: لا. قال: فما قرأت في نفسي. فأعاد بهم ~~الصلاة. # (1136) فصل: ومن ترك حرفا من حروف الفاتحة؛ لعجزه عنه، أو أبدله بغيره، ~~كالألثغ الذي يجعل الراء غينا، والأرت الذي يدغم حرفا في حرف، أو يلحن لحنا ~~يحيل المعنى، كالذي يكسر الكاف من إياك، أو يضم التاء من أنعمت، ولا يقدر ~~على إصلاحه، فهو كالأمي، ms0720 لا يصح أن يأتم به قارئ. ويجوز لكل واحد منهم أن ~~يؤم مثله؛ لأنهما أميان، فجاز لأحدهما الائتمام بالآخر، كاللذين لا يحسنان ~~شيئا. وإن كان يقدر على إصلاح شيء من ذلك فلم يفعل، لم تصح صلاته، ولا صلاة ~~من يأتم به. (1137) فصل: إذا كان رجلان لا يحسن واحد منهما الفاتحة، ~~وأحدهما يحسن سبع آيات من غيرها، والآخر لا يحسن # PageV02P145 # شيئا من ذلك، فهما أميان، لكل واحد منهما الائتمام بالآخر، والمستحب أن ~~يؤم الذي يحسن الآيات؛ لأنه أقرأ، وعلى هذا كل من لا يحسن الفاتحة، يجوز أن ~~يؤم من لا يحسنها، سواء استويا في الجهل أو كانا متفاوتين فيه. # (1138) فصل: تكره إمامة اللحان، الذي لا يحيل المعنى، نص عليه أحمد. وتصح ~~صلاته بمن لا يلحن؛ لأنه أتى بفرض القراءة، فإن أحال المعنى في غير ~~الفاتحة، لم يمنع صحة الصلاة، ولا الائتمام به، إلا أن يتعمده، فتبطل ~~صلاتهما. # (1139) فصل: ومن لا يفصح ببعض الحروف، كالضاد والقاف، فقال القاضي: تكره ~~إمامته، وتصح، أعجميا كان أو عربيا، وقيل في من قرأ {ولا الضالين} ~~[الفاتحة: 7] بالظاء: لا تصح صلاته؛ لأنه يحيل المعنى يقال: ظل يفعل كذا: ~~إذا فعله نهارا، فحكمه حكم الألثغ. وتكره إمامة التمتام - وهو من يكرر ~~التاء -، والفأفاء، وهو من يكرر الفاء. وتصح الصلاة خلفهما؛ لأنهما يأتيان ~~بالحروف على الكمال، ويزيدان زيادة هما مغلوبان عليها، فعفي عنها، ويكره ~~تقديمهما لهذه الزيادة. ### | [مسألة الصلاة خلف مشرك أو امرأة أو خنثى مشكل.] # (1140) مسألة؛ قال: (وإن صلى خلف مشرك أو امرأة أو خنثى مشكل، أعاد ~~الصلاة) وجملته أن الكافر لا تصح الصلاة خلفه بحال سواء علم بكفره بعد ~~فراغه من الصلاة، أو قبل ذلك، وعلى من صلى وراءه الإعادة. وبهذا قال ~~الشافعي، وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور، والمزني: لا إعادة على من صلى خلفه، ~~وهو لا يعلم؛ لأنه ائتم بمن لا يعلم حاله، فأشبه ما لو ائتم بمحدث. ولنا، ~~أنه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة، فلم تصح صلاته، كما لو ائتم بمجنون، وأما ~~المحدث فيشترط ms0721 أن لا يعلم حدث نفسه، والكافر يعلم حال نفسه. # وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال، في فرض ولا نافلة، في قول ~~عامة الفقهاء، وقال أبو ثور: لا إعادة على من صلى خلفها. وهو قياس قول ~~المزني وقال بعض أصحابنا: يجوز أن تؤم الرجال في التراويح، وتكون وراءهم؛ ~~لما روي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - جعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها.» رواه أبو داود. ~~وهذا عام في الرجال والنساء. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تؤمن امرأة رجلا» ، ولأنها ~~لا تؤذن للرجال، فلم # PageV02P146 # يجز أن تؤمهم، كالمجنون. وحديث أم ورقة إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل ~~دارها، كذلك رواه الدارقطني. وهذه زيادة يجب قبولها، ولو لم يذكر ذلك لتعين ~~حمل الخبر عليه؛ لأنه أذن لها أن تؤم في الفرائض، بدليل أنه جعل لها مؤذنا، ~~والأذان إنما يشرع في الفرائض، ولا خلاف في أنها لا تؤمهم في الفرائض، ولأن ~~تخصيص ذلك بالتراويح واشتراط تأخرها تحكم يخالف الأصول بغير دليل، فلا يجوز ~~المصير إليه، ولو قدر ثبوت ذلك لأم ورقة، لكان خاصا بها، بدليل أنه لا يشرع ~~لغيرها من النساء أذان ولا إقامة، فتختص بالإمامة لاختصاصها بالأذان ~~والإقامة. # وأما الخنثى فلا يجوز أن يؤم رجلا؛ لأنه يحتمل أن يكون امرأة، ولا يؤم ~~خنثى مثله؛ لأنه يجوز أن يكون الإمام امرأة والمأموم رجلا. ولا يجوز أن ~~تؤمه امرأة لاحتمال أن يكون رجلا. قال القاضي: رأيت لأبي حفص البرمكي أن ~~الخنثى لا تصح صلاته في جماعة؛ لأنه إن قام مع الرجال احتمل أن يكون امرأة، ~~وإن قام مع النساء أو وحده أو ائتم بامرأة احتمل أن يكون رجلا، وإن أم ~~الرجال احتمل أن يكون امرأة. # وإن أم النساء فقام وسطهن احتمل أنه رجل، وإن قام بين أيديهن احتمل أنه ~~امرأة، ويحتمل أن تصح صلاته في هذه الصورة، وفي صورة أخرى، وهو أن يقوم في ~~صف ms0722 الرجال مأموما؛ فإن المرأة إذا قامت في صف الرجال لم تبطل صلاتها ولا ~~صلاة من يليها. (1141) فصل: يكره أن يؤم الرجل نساء أجانب، لا رجل معهن؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية. ولا ~~بأس أن يؤم ذوات محارمه، وأن يؤم النساء مع الرجال، فإن النساء كن يصلين مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، وقد أم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نساء، وقد أم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنسا وأمه في بيتهم. # (1142) فصل: إذا صلى خلف من شك في إسلامه، أو كونه خنثى، فصلاته صحيحة، ~~ما لم يبن كفره، وكونه خنثى مشكلا؛ لأن الظاهر من المصلين الإسلام، سيما ~~إذا كان إماما، والظاهر السلامة من كونه خنثى، سيما من يؤم الرجال، فإن ~~تبين بعد الصلاة أنه كان كافرا أو خنثى مشكلا، فعليه الإعادة على ما بينا. ~~وإن كان الإمام ممن يسلم تارة ويرتد أخرى، لم يصل خلفه، حتى يعلم على أي ~~دين هو، فإن صلى خلفه، وهو لم يعلم ما هو عليه نظرنا؛ فإن كان قد علم قبل ~~الصلاة إسلامه، وشك في ردته، فهو مسلم. وإن علم ردته، وشك في إسلامه، لم ~~تصح صلاته. # فإن كان علم إسلامه، فصلى خلفه، فقال بعد الصلاة: ما كنت أسلمت أو ~~ارتددت. لم تبطل الصلاة؛ لأن صلاته كانت صحيحة حكما، فلا يقبل قول هذا في ~~إبطالها؛ # PageV02P147 # لأنه ممن لا يقبل قوله. وإذا صلى خلف من علم ردته، فقال بعد الصلاة: قد ~~كنت أسلمت. قبل قوله؛ لأنه ممن يقبل قوله. فصل: قال أصحابنا: يحكم بإسلامه ~~بالصلاة، سواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام، وسواء صلى جماعة أو ~~فرادى، فإن أقام بعد ذلك على الإسلام فلا كلام، وإن لم يقم عليه فهو مرتد، ~~يجري عليه أحكام المرتدين. وإن مات قبل ظهور ما ينافي الإسلام فهو مسلم ~~يرثه ورثته المسلمون دون الكافرين. وقال أبو حنيفة: إن صلى جماعة أو منفردا ~~في المسجد، كقولنا، وإن صلى فرادى في غير ms0723 المسجد، لم يحكم بإسلامه. # وقال بعض الشافعية: لا يحكم بإسلامه بحال؛ لأن الصلاة من فروع الإسلام، ~~فلم يصر مسلما بفعلها، كالحج والصيام، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها.» وقال بعضهم: إن صلى في دار الإسلام فليس ~~بمسلم؛ لأنه قد يقصد الاستتار بالصلاة، وإخفاء دينه، وإن صلى في دار الحرب ~~فهو مسلم؛ لأنه لا تهمة في حقه. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«نهيت عن قتل المصلين» . وقال: «بيننا وبينهم الصلاة.» فجعل الصلاة حدا بين ~~الإسلام والكفر، فمن صلى فقد دخل في حد الإسلام، وقال في المملوك: «فإذا ~~صلى فهو أخوك» . # ولأنها عبادة تختص بالمسلمين، فالإتيان بها إسلام كالشهادتين، وأما الحج ~~فإن الكفار كانوا يفعلونه، والصيام إمساك عن المفطرات، وقد يفعله من ليس ~~بصائم. (1144) فصل: فأما صلاته في نفسه، فأمر بينه وبين الله تعالى، فإن ~~علم أنه كان قد أسلم، ثم توضأ وصلى بنية صحيحة، فصلاته صحيحة، وإن لم يكن ~~كذلك، فعليه الإعادة، لأن الوضوء لا يصح من كافر، وإذا لم يسلم قبل الصلاة، ~~كان حال شروعه فيها غير مسلم، ولا متطهر، فلم يصح منه. ### | [مسألة صلاة المرأة بالنساء] # (1145) مسألة: قال: (وإن صلت امرأة بالنساء قامت معهن في الصف وسطا) . ~~اختلفت الرواية، هل يستحب أن تصلي المرأة بالنساء جماعة؟ فروي أن ذلك ~~مستحب، وممن روي عنه أن المرأة تؤم النساء عائشة، وأم سلمة، وعطاء، ~~والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وروي عن أحمد، - رحمه ~~الله -، أن ذلك غير مستحب وكرهه أصحاب الرأي، وإن فعلت # PageV02P148 # أجزأهن. وقال الشعبي، والنخعي، وقتادة: لهن ذلك في التطوع دون المكتوبة. ~~وقال الحسن، وسليمان بن يسار: لا تؤم في فريضة ولا نافلة. وقال مالك: لا ~~ينبغي للمرأة أن تؤم أحدا، لأنه يكره لها الأذان، وهو دعاء إلى الجماعة، ~~فكره لها ما يراد الأذان له. # ولنا حديث أم ورقة ولأنهن من أهل الفرض، فأشبهن الرجال، وإنما كره لهن ms0724 ~~الأذان لما فيه من رفع الصوت، ولسن من أهله. إذا ثبت هذا، فإنها إذا صلت ~~بهن قامت في وسطهن، لا نعلم فيه خلافا بين من رأى لها أن تؤمهن، ولأن ~~المرأة يستحب لها التستر، ولذلك لا يستحب لها التجافي، وكونها في وسط الصف ~~أستر لها؛ لأنها تستتر بهن من جانبيها، فاستحب لها ذلك كالعريان، فإن صلت ~~بين أيديهن احتمل أن يصح؛ لأنه موقف في الجملة، ولهذا كان موقفا للرجل، ~~واحتمل أن لا يصح؛ لأنها خالفت موقفها، أشبه ما لو خالف الرجل موقفه. # (1146) فصل: وتجهر في صلاة الجهر، وإن كان ثم رجال لا تجهر، إلا أن ~~يكونوا من محارمها، فلا بأس. # فصل: ويباح لهن حضور الجماعة مع الرجال؛ لأن النساء كن يصلين مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قالت عائشة: «كان النساء يصلين مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم ينصرفن متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس» . ~~متفق عليه. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ~~وليخرجن تفلات. يعني غير متطيبات» . رواه أبو داود. وصلاتها في بيتها خير ~~لها وأفضل لما روى ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن» . رواه أبو داود. # وقال - عليه الصلاة والسلام - «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في ~~حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» . رواه أبو داود. ### | [فصل إذا أمت المرأة امرأة واحدة] # (1148) فصل: إذا أمت المرأة امرأة واحدة، قامت المرأة عن يمينها، ~~كالمأموم مع الرجال، وإن صلت خلف رجل قامت خلفه، لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أخروهن من حيث أخرهن الله» . وإن كان معهما رجل قام عن يمين ~~الإمام والمرأة خلفهما، كما روى «أنس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى به وبأمه أو خالته، فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا» . رواه ~~مسلم. وإن كان مع الإمام رجل وصبي وامرأة، وكانوا في تطوع، # PageV02P149 # قاما خلف الإمام والمرأة خلفهما. كما روى أنس «، أن ms0725 رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صلى بهم، قال: فصففت أنا واليتيم وراءه، والمرأة خلفنا، فصلى ~~لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، ثم انصرف» . متفق عليه. # وإن كانت فرضا جعل الرجل عن يمينه، والغلام عن يساره، كما فعل عبد الله ~~بن مسعود بعلقمة والأسود ورواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ~~ذلك رواه أبو داود. وإن وقفا جميعا عن يمينه فلا بأس، وإن وقفا وراءه فروى ~~الأثرم أن أحمد توقف في هذه المسألة، وقال: ما أدري. فذكر له حديث أنس. ~~فقال: ذاك في التطوع. واختلف أصحابنا فيه، فقال بعضهم: لا يصح؛ لأن الصبي ~~لا يصلح إماما للرجال في الفرائض فلم يصافهم كالمرأة. # وقال ابن عقيل: يصح؛ لأنه يصح أن يصاف الرجل في النفل فصح في الفرض، ~~كالمتنفل يقف مع المفترض، ولا يشترط في صحة مصافته صحة إمامته، بدليل ~~الفاسق والعبد والمسافر في الجمعة، والمفترض مع المتنفل، ويفارق المرأة؛ ~~لأنه يصح أن يصاف الرجال في التطوع ويؤمهم فيه في رواية، بخلاف المرأة. ~~وقال الحسن في ثلاثة أحدهم امرأة: يقومون متواترين، بعضهم خلف بعض. ولنا، ~~حديث أنس، وهو قول أكثر أهل العلم، لا نعلم أحدا خالف فيه، إلا الحسن، ~~واتباع السنة أولى، وقول الحسن يفضي إلى وقوف الرجل وحده فذا، ويرده حديث ~~وابصة وعلي بن شيبان. وإن اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء تقدم الرجال، ثم ~~الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلى ~~فصف الرجال، ثم صف خلفهم الغلمان» . رواه أبو داود. (1149) فصل: وإن وقفت ~~المرأة في صف الرجال كره، ولم تبطل صلاتها، ولا صلاة من يليها. وهذا مذهب ~~الشافعي. وقال أبو بكر: تبطل صلاة من يليها ومن خلفها دونها. وهذا قول أبي ~~حنيفة لأنه منهي عن الوقوف إلى جانبها، أشبه ما لو وقف بين يدي الإمام. ~~ولنا، أنها لو وقفت في غير صلاة لم تبطل صلاته، فكذلك في الصلاة، وقد ثبت ~~أن عائشة كانت تعترض بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0726 - نائمة وهو ~~يصلي. وقولهم: إنه منهي قلنا: هي المنهية عن الوقوف مع الرجال، ولم تفسد ~~صلاتها، فصلاة من يليها أولى. ### | [مسألة صاحب البيت أحق بالإمامة] # (1150) مسألة: قال: (وصاحب البيت أحق بالإمامة إلا أن يكون بعضهم ذا ~~سلطان) . وجملته أن الجماعة إذا أقيمت في بيت، فصاحبه أولى بالإمامة من ~~غيره، وإن كان فيه من هو أقرأ منه وأفقه، إذا كان ممن يمكنه إمامتهم، وتصح ~~صلاتهم وراءه، فعل ذلك ابن مسعود، وأبو ذر، وحذيفة، وقد ذكرنا حديثهم، وبه ~~قال عطاء، والشافعي. ولا نعلم فيه خلافا، والأصل فيه قول النبي # PageV02P150 # - صلى الله عليه وسلم -:: «ولا يؤمن الرجل في بيته، ولا في سلطانه، ولا ~~يجلس على تكرمته إلا بإذنه» . رواه مسلم وغيره. وروى مالك بن الحويرث، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم» . ~~رواه أبو داود. # وإن كان في البيت ذو سلطان فهو أحق من صاحب البيت؛ لأن ولايته على البيت ~~وعلى صاحبه وغيره، وقد أم النبي - صلى الله عليه وسلم - عتبان بن مالك ~~وأنسا في بيوتهما. # (1151) فصل: وإمام المسجد الراتب أولى من غيره؛ لأنه في معنى صاحب البيت ~~والسلطان، وقد روي عن ابن عمر أنه أتى أرضا له، وعندها مسجد يصلي فيه مولى ~~لابن عمر، فصلى معهم، فسألوه أن يصلي بهم، فأبى، وقال: صاحب المسجد أحق. ~~ولأنه داخل في قوله: «من زار قوما فلا يؤمهم» . # (1152) فصل: وإذا أذن المستحق من هؤلاء لرجل في الإمامة، جاز وصار بمنزلة ~~من أذن في استحقاق التقدم، لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - " إلا بإذنه ~~". ولأن الإمامة حق له فله نقلها إلى من شاء، قال أحمد: قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته في بيته ~~إلا بإذنه» . أرجو أن يكون الإذن في الكل، ولم ير بأسا إذا أذن له أن يصلي. # (1153) فصل: وإن دخل السلطان بلدا له فيه خليفة فهو أحق من خليفته، لأن ~~ولايته على خليفته وغيره ولو اجتمع العبد وسيده في ms0727 بيت العبد فالسيد أولى، ~~لأنه المالك على الحقيقة، وولايته على العبد، وإن لم يكن سيده معهم فالعبد ~~أولى؛ لأنه صاحب البيت، ولذلك لما اجتمع ابن مسعود وحذيفة وأبو ذر في بيت ~~أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد، تقدم أبو ذر ليصلي بهم، فقالوا له: وراءك. ~~فالتفت إلى أصحابه، فقال: أكذلك؟ قالوا: نعم. فتأخر، وقدموا أبا سعيد، فصلى ~~بهم وإن اجتمع المؤجر والمستأجر في الدار المؤجرة، فالمستأجر أولى؛ لأنه ~~أحق بالسكنى والمنفعة. # (1154) فصل: والمقيم أولى من المسافر لأنه إذا كان إماما حصلت له الصلاة ~~كلها في جماعة، وإن أمه المسافر احتاج إلى إتمام الصلاة منفردا. وإن ائتم ~~بالمسافر جاز، ويتم الصلاة بعد سلام إمامه. فإن أتم المسافر الصلاة جازت ~~صلاتهم. وحكي عن أحمد في صلاة المقيمين رواية أخرى أنها لا تجوز؛ لأن ~~الزيادة نفل # PageV02P151 # أم بها مفترضين. والصحيح الأول؛ لأن المسافر إذا نوى إتمام الصلاة أو لم ~~ينو القصر، لزمه الإتمام، فيصير الجميع فرضا. ### | [مسألة يأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغير المسجد إذا اتصلت الصفوف] # (1155) مسألة: قال: (ويأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغير المسجد، إذا ~~اتصلت الصفوف) وجملته أنه يجوز أن يكون المأموم مساويا للإمام أو أعلى منه، ~~كالذي على سطح المسجد أو على دكة عالية، أو رف فيه، روي عن أبي هريرة أنه ~~صلى بصلاة الإمام على سطح المسجد وفعله سالم. وبه قال الشافعي، وأصحاب ~~الرأي. وقال مالك يعيد الجمعة إذا صلى فوق سطح المسجد بصلاة الإمام. ولنا ~~أنهما في المسجد، ولم يعل الإمام، فصح أن يأتم به كالمتساويين، ولا يعتبر ~~اتصال الصفوف إذا كانا جميعا في المسجد. قال الآمدي: لا خلاف في المذهب أنه ~~إذا كان في أقصى المسجد، وليس بينه وبين الإمام ما يمنع الاستطراق ~~والمشاهدة، أنه يصح اقتداؤه به، وإن لم تتصل الصفوف. # وهذا مذهب الشافعي؛ وذلك لأن المسجد بني للجماعة، فكل من حصل فيه فقد حصل ~~في محل الجماعة. وإن كان المأموم في غير المسجد أو كانا جميعا في غير مسجد، ~~صح أن ms0728 يأتم به، سواء كان مساويا للإمام أو أعلى منه، كثيرا كان العلو أو ~~قليلا، بشرط كون الصفوف متصلة ويشاهد من وراء الإمام، وسواء كان المأموم في ~~رحبة الجامع، أو دار، أو على سطح والإمام على سطح آخر، أو كانا في صحراء، ~~أو في سفينتين. وهذا مذهب الشافعي، إلا أنه يشترط أن لا يكون بينهما ما ~~يمنع الاستطراق في أحد القولين. ولنا، أن هذا لا تأثير له في المنع من ~~الاقتداء بالإمام، ولم يرد فيه نهي، ولا هو في معنى ذلك، فلم يمنع صحة ~~الائتمام به، كالفصل اليسير. إذا ثبت هذا، فإن معنى اتصال الصفوف أن لا ~~يكون بينهما بعد لم تجر العادة به، ولا يمنع إمكان الاقتداء. # وحكي عن الشافعي أنه حد الاتصال بما دون ثلاث مائة ذراع. والتحديدات ~~بابها التوقيف، والمرجع فيها إلى النصوص والإجماع، ولا نعلم في هذا نصا ~~نرجع إليه ولا إجماعا نعتمد عليه، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كالتفرق ~~والإحراز، والله أعلم. (1156) فصل: فإن كان بين الإمام والمأموم حائل يمنع ~~رؤية الإمام، أو من وراءه، فقال ابن حامد: فيه روايتان؛ إحداهما، لا يصح ~~الائتمام به. اختاره القاضي؛ لأن عائشة قالت لنساء كن يصلين في حجرتها: لا ~~تصلين بصلاة الإمام، فإنكن دونه في حجاب. ولأنه يمكنه الاقتداء به في ~~الغالب. والثانية: يصح. # قال أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة: أرجو ~~أن لا يكون به بأس. وسئل عن رجل يصلي يوم الجمعة وبينه وبين الإمام سترة ~~قال: إذا لم يقدر # PageV02P152 # على غير ذلك. وقال في المنبر إذا قطع الصف: لا يضر. ولأنه أمكنه الاقتداء ~~بالإمام، فيصح اقتداؤه به من غير مشاهدة، كالأعمى، ولأن المشاهدة تراد ~~للعلم بحال الإمام، والعلم يحصل بسماع التكبير، فجرى مجرى الرؤية، ولا فرق ~~بين أن يكون المأموم في المسجد أو في غيره، واختار القاضي أنه يصح إذا كانا ~~في المسجد، ولا يصح في غيره؛ لأن المسجد محل الجماعة، وفي مظنة القرب، ولا ~~يصح في غيره لعدم هذا المعنى، ولخبر ms0729 عائشة. # ولنا، أن المعنى المجوز أو المانع قد استويا فيه، فوجب استواؤهما في ~~الحكم، ولا بد لمن لا يشاهد أن يسمع التكبير، ليمكنه الاقتداء، فإن لم ~~يسمع، لم يصح ائتمامه به بحال، لأنه لا يمكنه الاقتداء به. # فصل: وكل موضع اعتبرنا المشاهدة، فإنه يكفيه مشاهدة من وراء الإمام، سواء ~~شاهده من باب أمامه أو عن يمينه أو عن يساره، أو شاهده طرف الصف الذي ~~وراءه، فإن ذلك يمكنه الاقتداء به. وإن كانت المشاهدة تحصل في بعض أحوال ~~الصلاة، فالظاهر صحة الصلاة؛ لما روي عن عائشة، قالت: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصلي من الليل، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فقام أناس يصلون بصلاته، وأصبحوا يتحدثون ~~بذلك، فقام الليلة الثانية، فقام معه أناس يصلون بصلاته» . رواه البخاري. # والظاهر أنهم كانوا يرونه في حال قيامه. (1158) فصل: وإذا كان بينهما ~~طريق أو نهر تجري فيه السفن، أو كانا في سفينتين مفترقتين، ففيه وجهان: ~~أحدهما، لا يصح أن يأتم به، وهو اختيار أصحابنا، ومذهب أبي حنيفة لأن ~~الطريق ليست محلا للصلاة، فأشبه ما يمنع الاتصال. # والثاني: يصح، وهو الصحيح عندي، ومذهب مالك والشافعي؛ لأنه لا نص في منع ~~ذلك، ولا إجماع ولا هو في معنى ذلك، لأنه لا يمنع الاقتداء، فإن المؤثر في ~~ذلك ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت، وليس هذا بواحد منهما، وقولهم: إن ~~بينهما ما ليس بمحل للصلاة، فأشبه ما يمنع. وإن سلمنا ذلك في الطريق فلا ~~يصح في النهر، فإنه تصح الصلاة عليه في السفينة، وإذا كان جامدا، ثم كونه ~~ليس بمحل للصلاة إنما يمنع الصلاة فيه، أما المنع من الاقتداء بالإمام ~~فتحكم محض، لا يلزم المصير إليه، ولا العمل به، ولو كانت صلاة جنازة أو ~~جمعة أو عيد، لم يؤثر ذلك فيها؛ لأنها تصح في الطريق، وقد صلى أنس في موت ~~حميد بن عبد الرحمن بصلاة الإمام، وبينهما طريق. # PageV02P153 ### | [مسألة ارتفاع الإمام عن المأموم] # (1159) مسألة: قال: (ولا يكون الإمام أعلى ms0730 من المأموم) . المشهور في ~~المذهب أنه يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين، سواء أراد تعليمهم ~~الصلاة أو لم يرد، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد ما ~~يدل على أنه لا يكره؛ فإن علي بن المديني قال: سألني أحمد عن حديث سهل بن ~~سعد، وقال: إنما أردت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أعلى من الناس. # فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث. وقال الشافعي: أختار ~~للإمام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع، فيراه من خلفه، ~~فيقتدون به؛ لما روى سهل بن سعد، قال: «لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قام عليه - يعني المنبر - فكبر، وكبر الناس وراءه، ثم ركع وهو على ~~المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر ~~صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ~~ولتعلموا صلاتي» . متفق عليه. # ولنا، ما روي أن عمار بن ياسر كان بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار ~~فقام على دكان، والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة فأخذ بيده فاتبعه عمار حتى ~~أنزله حذيفة، فلما فرغ من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «إذا أم الرجل القوم، فلا يقومن في مكان أرفع من ~~مقامهم» ؟ قال عمار: فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي. وعن همام، أن حذيفة أم ~~الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه، فجبذه، فلما فرغ من ~~صلاته، قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، فذكرت حين ~~مددتني. رواهما أبو داود. وعن ابن مسعود، أن رجلا تقدم يؤم بقوم على مكان، ~~فقام على دكان، فنهاه ابن مسعود، وقال للإمام: استو مع أصحابك. # ولأنه يحتاج أن يقتدي بإمامه، فينظر ركوعه وسجوده، فإذا كان أعلى منه ~~احتاج أن يرفع بصره إليه ليشاهده، وذلك منهي عنه في الصلاة. فأما حديث سهل، ~~فالظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على ms0731 الدرجة السفلى، لئلا ~~يحتاج إلى عمل كبير في الصعود والنزول، فيكون ارتفاعا يسيرا، فلا بأس به، ~~جمعا بين الأخبار، ويحتمل أن يختص ذلك بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه ~~فعل شيئا ونهى عنه، فيكون فعله له ونهيه لغيره، ولذلك لا يستحب مثله لغير ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأن النبي لم يتم الصلاة على المنبر، فإن ~~سجوده وجلوسه إنما كان على الأرض، بخلاف ما اختلفنا فيه. (1160) فصل: ولا ~~بأس بالعلو اليسير؛ لحديث سهل، ولأن النهي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر ~~في الصلاة، وهذا # PageV02P154 # يخص الكثير، فعلى هذا يكون اليسير مثل درجة المنبر ونحوها، لما ذكرنا في ~~حديث سهل، والله أعلم. # (1161) فصل: فإن صلى الإمام في مكان أعلى من المأمومين، فقال ابن حامد: ~~لا تصح صلاتهم. وهو قول الأوزاعي؛ لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه. وقال ~~القاضي: لا تبطل وهو قول أصحاب الرأي؛ لأن عمارا أتم صلاته؛ ولو كانت ~~فاسدة، لاستأنفها، ولأن النهي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر في الصلاة، ~~وذلك لا يفسدها، فسببه أولى. (1162) فصل: وإن كان مع الإمام من هو مساو له ~~أو أعلى منه، ومن هو أسفل منه اختصت الكراهة بمن هو أسفل منه، لأن المعنى ~~وجد فيهم دون غيرهم، ويحتمل أن يتناول النهي الإمام؛ لكونه منهيا عن القيام ~~في مكان أعلى من مقامهم، فعلى هذا الاحتمال تبطل صلاة الجميع عند من أبطل ~~الصلاة بارتكاب النهي. ### | [مسألة من صلى خلف الصف وحده أو قام بجنب الإمام عن يساره أعاد الصلاة] # (1163) مسألة: قال: (ومن صلى خلف الصف وحده، أو قام بجنب الإمام عن ~~يساره، أعاد الصلاة) وجملته أن من صلى وحده ركعة كاملة، لم تصح صلاته. وهذا ~~قول النخعي، والحكم، والحسن بن صالح، وإسحاق، وابن المنذر. وأجازه الحسن، ~~ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن أبا بكرة ركع دون الصف، فلم ~~يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة، ولأنه موقف للمرأة فكان ~~موقفا للرجل، كما لو كان مع جماعة. ولنا، ما روى وابصة بن معبد، أن ms0732 النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد.» رواه ~~أبو داود، وغيره. وقال أحمد: حديث وابصة حسن. وقال ابن المنذر: ثبت الحديث ~~أحمد وإسحاق. وفي لفظ: «سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رجل صلى وراء ~~الصفوف وحده. قال: يعيد» . رواه تمام في " الفوائد ". وعن علي بن شيبان، ~~أنه «صلى بهم نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فانصرف ورجل فرد خلف الصف، ~~فوقف نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حتى انصرف الرجل، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: استقبل صلاتك، ولا صلاة لفرد خلف الصف.» . رواه الأثرم. ~~وقال: قلت لأبي عبد الله: حديث ملازم بن عمرو - يعني هذا الحديث في هذا ~~أيضا - حسن؟ قال: نعم ولأنه خالف الموقف، فلم تصح صلاته، كما لو وقف أمام ~~الإمام، فأما حديث أبي بكرة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهاه ~~فقال: " لا تعد ". # والنهي يقتضي الفساد، وعذره فيما فعله لجهله بتحريمه، وللجهل تأثير في ~~العفو، ولا يلزم من كونه موقفا للمرأة كونه موقفا للرجل، بدليل اختلافهما ~~في كراهية الوقوف واستحبابه. وأما إذا وقف عن يسار الإمام، فإن كان عن يمين ~~الإمام أحد، صحت صلاته؛ لأن ابن مسعود صلى # PageV02P155 # بين علقمة والأسود، فلما فرغوا قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فعل. رواه أبو داود. ولأن وسط الصف موقف للإمام في حق النساء ~~والعراة، وإن لم يكن عن يمينه أحد فصلاة من وقف عن يساره فاسدة، سواء كان ~~واحدا أو جماعة، وأكثر أهل العلم يرون للمأموم الواحد أن يقف عن يمين ~~الإمام، وأنه إن وقف عن يساره، خالف السنة. # وحكي عن سعيد بن المسيب، أنه كان إذا لم يكن معه إلا مأموم واحد جعله عن ~~يساره. وقال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: إن وقف عن يسار الإمام صحت ~~صلاته؛ لأن ابن عباس لما أحرم عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أداره عن يمينه، ولم تبطل تحريمته، ولو لم يكن موقفا، لاستأنف التحريمة، ~~كأمام الإمام، ms0733 ولأنه موقف فيما إذا كان عن الجانب الآخر آخر، فكان موقفا، ~~وإن لم يكن آخر كاليمين، ولأنه أحد جانبي الإمام، فأشبه اليمين. # ولنا، أن ابن عباس، قال: «قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من ~~الليل، فجئت، فقمت فوقفت عن يساره، فأخذ بذؤابتي، فأدارني عن يمينه» . متفق ~~عليه. وروى جابر، قال: «قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي، فجئت، ~~فوقفت عن يساره، فأدارني عن يمينه» . رواه أبو داود. وقولهم: إنه لم يأمره ~~بابتداء التحريمة. قلنا: لأن ما فعله قبل الركوع لا يؤثر، فإن الإمام يحرم ~~قبل المأمومين، ولا يضر انفراده بما قبل إحرامهم، وكذلك المأمومون يحرم ~~أحدهم قبل الباقين فلا يضر، ولا يلزم من العفو عن ذلك العفو عن ركعة كاملة. ~~وقولهم: إنه موقف إذا كان عن يمين الإمام آخر. قلنا: كونه موقفا في صورة لا ~~يلزم منه كونه موقفا في أخرى، كما خلف الصف، فإنه موقف لاثنين، ولا يكون ~~موقفا لواحد، فإن منعوا هذا أثبتناه بالنص. # (1164) فصل: فإن وقف عن يسار إمامه وخلف الإمام صف، احتمل أن تصح صلاته، ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس عن يسار أبي بكر، وقد روي أن أبا بكر ~~كان الإمام ولأن مع الإمام من تنعقد صلاته به، فصح الوقوف عن يساره، كما لو ~~كان معه عن يمينه آخر، واحتمل أن لا تصح؛ لأنه ليس بموقف إذا لم يكن صف، # PageV02P156 # فلم يكن موقفا مع الصف كأمام الإمام، وفارق ما إذا كان عن يمينه آخر، ~~لأنه معه في الصف، فكان صفا واحدا، كما لو كان وقف معه خلف الصف. (1165) ~~فصل: السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام، فإن وقفوا قدامه، لم تصح، وبهذا ~~قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك، وإسحاق: تصح لأن ذلك لا يمنع الاقتداء ~~به، فأشبه من خلفه. # ولنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما جعل الإمام ليؤتم به ". ولأنه ~~يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه، ولأن ذلك لم ينقل عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا هو في معنى المنقول. فلم ms0734 يصح، كما لو صلى في بيته ~~بصلاة الإمام ويفارق من خلف الإمام فإنه لا يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات ~~إلى ورائه. # (1166) فصل: وإذا كان المأموم واحدا ذكرا، فالسنة أن يقف عن يمين الإمام ~~رجلا كان، أو غلاما؛ لحديث ابن عباس وأنس، وروى جابر بن عبد الله، قال: ~~«سرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة، فقام يصلي، فتوضأت، ثم ~~جئت حتى قمت عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بيدي فأدارني ~~حتى أقامني عن يمينه، فجاء جبار بن صخر حتى قام عن يساره، فأخذنا بيديه ~~جميعا حتى أقامنا خلفه.» رواه مسلم، وأبو داود. فإن كانوا ثلاثة تقدم ~~الإمام، ووقف المأمومان خلفه. وهذا قول عمر، وعلي، وجابر بن زيد، والحسن، ~~وعطاء، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وكان ابن مسعود يرى أن يقفوا جميعا صفا. ولنا أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أخرج جبارا وجابرا، فجعلهما خلفه، ولما صلى بأنس واليتيم جعلهما ~~خلفه، وحديث ابن مسعود يدل على جواز ذلك، وحديث جابر وجبار يدل على الفضل؛ ~~لأنه أخرهما إلى خلفه، ولا ينقلهما إلا إلى الأكمل. فإن كان أحد المأمومين ~~صبيا، وكانت الصلاة تطوعا، جعلهما خلفه، لخبر أنس. وإن كانت فرضا، جعل ~~الرجل عن يمينه، والغلام عن يساره، كما جاء في حديث ابن مسعود. وإن جعلهما ~~جميعا عن يمينه جاز، وإن وقفهما خلفه، فقال بعض أصحابنا: لا تصح؛ لأنه لا ~~يؤمه، فلم يصافه كالمرأة. # ويحتمل أن تصح؛ لأنه بمنزلة المتنفل، والمتنفل يصح أن يصاف المفترض، كذا ~~هاهنا. (1167) فصل: وإن أم امرأة وقفت خلفه؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «أخروهن من حيث أخرهن الله» . ولأن # PageV02P157 # أم أنس وقفت خلفهما وحدها. فإن كان معهما رجل وقف عن يمينه، ووقفت المرأة ~~خلفهما. وإن كان معهما رجلان وقفا خلفه، ووقفت المرأة خلفهما. وإن كان ~~أحدهما غلاما في تطوع، وقف الرجل والغلام وراءه، والمرأة خلفهما؛ لحديث ~~أنس. وإن كانت فريضة، فقد ذكرنا ذلك. وتقف المرأة خلفهما. # وإن وقفت معهم في الصف في هذه المواضع، ms0735 صح ولم تبطل صلاتها ولا صلاتهم ~~على ما ذكرنا فيما تقدم. وإن وقف الرجل الواحد والمرأة خلف الإمام. فقال ~~ابن حامد: لا تصح؛ لأنها لا تؤمه، فلا تكون معه صفا. وقال ابن عقيل: تصح ~~على أصح الوجهين؛ لأنه وقف معه مفترض صلاته صحيحة، فأشبه ما لو وقف معه ~~رجل، وليس من الشرط أن يكون ممن تصح إمامته، بدليل القارئ. مع الأمي، ~~والفاسق والمتنفل مع المفترض (1168) فصل: إذا كان المأموم واحدا، فكبر عن ~~يسار الإمام، أداره الإمام عن يمينه، ولم تبطل تحريمته، كما فعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بابن عباس وجابر. # وإن كبر فذا خلف الإمام، ثم تقدم عن يمينه، أو جاء آخر فوقف معه، أو تقدم ~~إلى صف بين يديه، أو كانا اثنين فكبر أحدهما وتوسوس الآخر، ثم كبر قبل رفع ~~الإمام رأسه من الركوع، أو كبر واحد عن يمينه فأحس بآخر، فتأخر معه قبل أن ~~يحرم الثاني، ثم أحرم معه أو أحرم عن يساره، فجاء آخر، فوقف عن يمينه قبل ~~رفع الإمام رأسه من الركوع، صحت صلاتهم. وقد نص أحمد، في رواية الأثرم، في ~~الرجلين يقومان خلف الإمام، ليس خلفه غيرهما، فإن كبر أحدهما قبل صاحبه خاف ~~أن يدخل في الصلاة خلف الصف، فقال: ليس هذا من ذاك، ذاك في الصلاة بكمالها، ~~أو صلى ركعة كاملة، وما أشبه هذا، فأما هذا فأرجو أن لا يكون به بأس. # ولو أحرم رجل خلف الصف، ثم خرج من الصف رجل فوقف معه، صح؛ لما ذكرنا. ~~(1169) فصل: وإن كبر المأموم عن يمين الإمام، ثم جاء آخر فكبر عن يساره، ~~أخرجهما الإمام إلى ورائه، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بجابر ~~وجبار، ولا يتقدم الإمام، إلا أن يكون وراءه ضيق. وإن تقدم، جاز، وإن كبر ~~الثاني مع الأول عن اليمين وخرجا، جاز. وإن دخل الثالث، وهما في التشهد، ~~كبر وجلس عن يمين صاحبه، أو عن يساره، ولا يتأخران في التشهد، فإن في ذلك ~~مشقة. # (1170) فصل: وإن أحرم اثنان وراء الإمام، فخرج أحدهما ms0736 لعذر، أو لغير عذر، ~~دخل الآخر في الصف، أو نبه # PageV02P158 # رجلا فخرج معه، أو دخل فوقف عن يمين الإمام، فإن لم يمكنه شيء من ذلك نوى ~~الانفراد، وأتم منفردا؛ لأنه عذر حدث له، فأشبه ما لو سبق إمامه الحدث. ### | [فصل إذا دخل المأموم فوجد في الصف فرجة] # (1171) فصل: إذا دخل المأموم، فوجد في الصف فرجة، دخل فيها، فإن لم يجد، ~~وقف عن يمين الإمام، ولا يستحب أن يجذب رجلا، فيقوم معه، فإن لم يمكنه ذلك ~~نبه رجلا فخرج فوقف معه. وبهذا قال عطاء، والنخعي، قالا: يجذب رجلا فيقوم ~~معه. وكره ذلك مالك، والأوزاعي، واستقبحه أحمد، وإسحاق. # قال ابن عقيل: جوز أصحابنا جذب رجل يقوم معه صفا، واختار هو أن لا يفعل؛ ~~لما فيه من التصرف فيه بغير إذنه. # والصحيح جواز ذلك؛ لأن الحالة داعية إليه، فجاز، كالسجود على ظهره أو ~~قدمه حال الزحام وليس هذا تصرفا فيه، إنما هو تنبيه له ليخرج معه، فجرى ~~مجرى مسألته أن يصلي معه؛ وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لينوا في أيدي إخوانكم» . يريد ذلك. فإن امتنع من الخروج معه لم ~~يكرهه وصلى وحده. ### | [فصل يصلي الإمام برجل قائم وقاعد ويتقدمهما] # (1172) فصل: قال أحمد: يصلي الإمام برجل قائم وقاعد ويتقدمهما. وقال: إذا ~~أم برجلين أحدهما غير طاهر، ائتم الطاهر معه. وهذا يحتمل أنه أراد إذا علم ~~المحدث بحدثه، فخرج، ائتم الآخر إن كان عن يمين الإمام، وإن لم يكن عن ~~يمينه صار عن يمينه، كما ذكرنا، فأما إن كان خلفه، وعلم المحدث، فإنما ~~الصلاة لم تصح. وإن لم يعلم المحدث بحدثه حتى تمت الصلاة، صحت لأنه لو كان ~~إماما صح الائتمام به، فلأن تصح مصافته أولى. ### | [فصل وقف معه كافر أو من لا تصح صلاته] # فصل: (1173) ومن وقف معه كافر، أو من لا تصح صلاته غير ما ذكرنا، لم تصح ~~مصافته؛ لأن وجوده وعدمه واحد. وإن وقف معه فاسق، أو متنفل، صار صفا؛ ~~لأنهما رجلان صلاتهما صحيحة، وكذلك لو وقف ms0737 قارئ مع أمي، أو من به سلس البول ~~مع صحيح، أو متيمم مع متوضئ، كانا صفا؛ لما ذكرنا. فإن وقف معه خنثى مشكل، ~~لم يكن صفا معه، إلا من أجاز وقوف المرأة مع الرجل؛ لأنه يحتمل أن يكون ~~امرأة. # PageV02P159 # (1174) فصل: ولو كان مع الإمام خنثى مشكل وحده، فالصحيح أن يقفه عن ~~يمينه؛ لأنه إن كان رجلا فقد وقف في موقفه، وإن كان امرأة لم تبطل صلاتها ~~بوقوفها مع الإمام، كما لا تبطل بوقوفها مع الرجال، ولا يجوز أن يقف وحده؛ ~~لأنه يحتمل أن يكون رجلا. فإن كان معهما رجل، وقف الرجل عن يمين الإمام، ~~والخنثى عن يساره، أو عن يمين الرجل، ولا يقفا خلفه؛ لأنه يحتمل أن يكون ~~امرأة، إلا عند من أجاز مصافة المرأة. فإن كان معهم رجل آخر، وقف الثلاثة ~~خلفه صفا؛ لما ذكرنا. # وإن كان مع الخنثى خنثى آخر، فقال أصحابنا: يقف الخنثيان صفا خلف ~~الرجلين؛ لأنه يحتمل أن يكونا امرأتين. ويحتمل أن يقفا مع الرجلين؛ لأنه ~~يحتمل أن يكون أحدهما وحده رجلا، فلا تصح صلاته. وإن كان معهم نساء، وقفن ~~خلف الخناثى. قال أبو الخطاب: إذا اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء، تقدم ~~الرجال، ثم الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء. وروى أبو مالك الأشعري، عن ~~أبيه، أنه قال: «ألا أحدثكم بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: أقام ~~الصلاة، فصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان، ثم صلى بهم. ثم قال: هكذا صلاته» . ~~قال عبد الأعلى: لا أحسبه إلا قال: " صلاة أمتي ". رواه أبو داود. ### | [فصل الأحق بالوقوف بالصف الأول ومن يلي الإمام] # فصل (1175) : السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والسن، ويلي ~~الإمام أكملهم وأفضلهم. قال أحمد: يلي الإمام الشيوخ وأهل القرآن، وتؤخر ~~الصبيان والغلمان، ولا يلون الإمام؛ لما روى أبو مسعود الأنصاري قال: كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ~~ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . رواه مسلم. وعن أنس، قال: كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن ms0738 يليه المهاجرون والأنصار؛ ليأخذوا عنه. ~~وقال أبو سعيد: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى في أصحابه تأخرا، ~~فقال: «تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى ~~يؤخرهم الله عز وجل» . رواه مسلم، وأبو داود. وروى أحمد، في " مسنده "، عن ~~قيس بن عباد، قال: أتيت المدينة للقاء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~فأقيمت الصلاة، وخرج عمر مع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقمت ~~في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في وجوه القوم، فعرفهم غيري، فنحاني، وقام في ~~مكاني، فما عقلت صلاتي، فلما صلى قال: أي بني، لا يسؤك الله، فإني لم آتك ~~الذي # PageV02P160 # أتيت بجهالة، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لنا: «كونوا في ~~الصف الذي يليني» . وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك. وكان الرجل أبي ~~بن كعب. ### | [فصل خير صفوف الرجال] # فصل: (1176) وخير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء ~~آخرها، وشرها أولها؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خير صفوف ~~الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» . رواه ~~مسلم، وأبو داود. وعن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه» . رواه ~~أحمد، في " المسند ". وعن أنس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«أتموا الصف المقدم، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر» . وعن عائشة، ~~قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله وملائكته يصلون على ~~ميامن الصفوف» . رواهما أبو داود. ### | [فصل يستحب أن يقف الإمام في مقابلة وسط الصف] # (1177) فصل: ويستحب أن يقف الإمام في مقابلة وسط الصف؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «وسطوا الإمام، وسدوا الخلل» رواه أبو داود. ويكره أن ~~يدخل في طاق القبلة، إلا أن يكون المسجد ضيقا، وكرهه ابن مسعود، وعلقمة، ~~والحسن، وإبراهيم. وفعله سعيد بن جبير، وأبو عبد الرحمن السلمي، وقيس بن ~~أبي حازم. ولنا: أنه يستتر به ms0739 عن بعض المأمومين فكره، كما لو جعل بينه ~~وبينهم حجابا. # (1178) فصل: ولا يكره للإمام أن يقف بين السواري، ويكره للمأمومين لأنها ~~تقطع صفوفهم. وكرهه ابن مسعود، والنخعي، وروي عن حذيفة، وابن عباس. ورخص ~~فيه ابن سيرين، ومالك، وأصحاب الرأي وابن المنذر؛ لأنه لا دليل على المنع ~~منه. # ولنا، ما روي عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: كنا ننهى أن نصف بين ~~السواري # PageV02P161 # على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونطرد عنها طردا. رواه ابن ~~ماجه. ولأنها تقطع الصف، فإن كان الصف صغيرا قدر ما بين الساريتين لم يكره، ~~لأنه لا ينقطع بها. ### | [مسألة إذا صلى إمام الحي جالسا صلى من وراءه جلوسا] # (1179) مسألة: قال: (وإذا صلى إمام الحي جالسا صلى من وراءه جلوسا) . ~~المستحب للإمام إذا مرض، وعجز عن القيام، أن يستخلف؛ لأن الناس اختلفوا في ~~صحة إمامته، فيخرج من الخلاف، ولأن صلاة القائم أكمل، فيستحب أن يكون ~~الإمام كامل الصلاة. فإن قيل: فقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدا ~~بأصحابه، ولم يستخلف. # قلنا: صلى قاعدا ليبين الجواز، واستخلف مرة أخرى، ولأن صلاة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قاعدا أفضل من صلاة غيره قائما. فإن صلى بهم قاعدا جاز، ~~ويصلون من ورائه جلوسا، فعل ذلك أربعة من الصحابة، أسيد بن حضير، وجابر، ~~وقيس بن قهد، وأبو هريرة. وبه قال الأوزاعي، وحماد بن زيد، وإسحاق، وابن ~~المنذر. وقال مالك في إحدى روايتيه: لا تصح صلاة القادر على القيام خلف ~~القاعد. وهو قول محمد بن الحسن؛ لأن الشعبي روى عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «لا يؤمن أحد بعدي جالسا» أخرجه الدارقطني. ولأن القيام ~~ركن، فلا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الأركان. # وقال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي: يصلون خلفه قياما؛ لما روت عائشة، ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف أبا بكر، ثم إن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وجد في نفسه خفة، فخرج بين رجلين، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، ~~فجعل أبو بكر يصلي ms0740 وهو قائم بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس ~~يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قاعد» . متفق عليه. # وهذا آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه ركن قدر ~~عليه، فلم يجز له تركه، كسائر الأركان. ولنا، ما روى أبو هريرة - رضي الله ~~عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما جعل الإمام ليؤتم ~~به، فلا تختلفوا عليه، وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون» . متفق عليه. . ~~وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في بيته، وهو شاك، فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم، ~~أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، ~~وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد. ~~وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون» # وروى أنس نحوه، أخرجهما البخاري، ومسلم. وروى جابر، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مثله. أخرجه مسلم. ورواه أسيد بن حضير، وعمل به. وقال ابن عبد ~~البر: روي هذا الحديث عن النبي # PageV02P162 # - صلى الله عليه وسلم - من طرق متواترة، من حديث أنس، وجابر، وأبي هريرة، ~~وابن عمر، وعائشة، كلها بأسانيد صحاح. ولأنها حالة قعود الإمام، فكان على ~~المأمومين متابعته، كحال التشهد. # فأما حديث الشعبي فمرسل، يرويه جابر الجعفي، وهو متروك. وقد فعله أربعة ~~من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده. وأما حديث الآخرين، فقال ~~أحمد: ليس في هذا حجة؛ لأن أبا بكر كان ابتدأ الصلاة، فإذا ابتدأ الصلاة ~~قائما صلوا قياما. فأشار أحمد إلى أنه يمكن الجمع بين الحديثين، بحمل الأول ~~على من ابتدأ الصلاة جالسا، والثاني على ما إذا ابتدأ الصلاة قائما، ثم ~~اعتل فجلس، ومتى أمكن الجمع بين الحديثين وجب، ولم يحمل على النسخ، ثم ~~يحتمل أن أبا بكر كان الإمام. قال ابن المنذر: في بعض الأخبار أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس، وفي بعضها أن أبا بكر كان الإمام. وقالت ~~عائشة: صلى النبي ms0741 - صلى الله عليه وسلم - خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه ~~قاعدا. وقال أنس: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه خلف أبي بكر ~~قاعدا في ثوب متوشحا به. قال الترمذي: كلا الحديثين حسن صحيح، ولا يعرف ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - خلف أبي بكر صلاة إلا في هذا الحديث. وروى ~~مالك عن ربيعة الحديث، قال: وكان أبو بكر الإمام، وكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصلي بصلاة أبي بكر. وقال: «ما مات نبي حتى يؤمه رجل من ~~أمته» . قال مالك: العمل عندنا على حديث ربيعة هذا، وهو أحب إلي. # فإن قيل: لو كان أبو بكر الإمام لكان عن يسار رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قلنا: يحتمل أنه فعل ذلك؛ لأن وراءه صفا. (1180) فصل: فإن صلوا ~~وراءه قياما، ففيه وجهان: أحدهما، لا تصح صلاتهم. أومأ إليه أحمد، فإنه ~~قال: إن صلى الإمام جالسا، والذين خلفه قياما. لم يقتدوا بالإمام، إنما ~~اتباعهم له إذا صلى جالسا صلوا جلوسا؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أمرهم بالجلوس، ونهاهم عن القيام، فقال في حديث جابر: «إذا صلى الإمام ~~قاعدا فصلوا قعودا، وإذا صلى قائما فصلوا قياما، ولا تقوموا والإمام جالس، ~~كما يفعل أهل فارس بعظمائها. فقعدنا» والأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي ~~فساد المنهي عنه. # ولأنه ترك اتباع إمامه، مع قدرته عليه، أشبه تارك القيام في حال قيام ~~إمامه. والثاني: تصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى وراءه قوم ~~قياما، لم يأمرهم بالإعادة، فعلى هذا يحمل الأمر على الاستحباب، ولأنه ~~يتكلف للقيام في موضع يجوز له القعود أشبه المريض إذا تكلف القيام. ويحتمل ~~أن تصح صلاة الجاهل بوجوب القعود، دون العالم بذلك، كقولنا في الذي ركع دون # PageV02P163 # الصف. فأما من وجب عليه القيام فقعد، فإن صلاته لا تصح؛ لأنه ترك ركنا ~~يقدر على الإتيان به. # فصل: ولا يؤم القاعد من يقدر على القيام إلا بشرطين: أحدهما، أن يكون ~~إمام الحي. نص عليه أحمد فقال: ذلك لإمام الحي؛ ms0742 لأنه لا حاجة بهم إلى تقديم ~~عاجز عن القيام إذا لم يكن الإمام الراتب. فلا يتحمل إسقاط ركن في الصلاة ~~لغير حاجة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث فعل ذلك كان هو الإمام ~~الراتب. الثاني: أن يكون مرضه يرجى زواله؛ لأن اتخاذ الزمن، ومن لا يرجى ~~قدرته على القيام إماما راتبا، يفضي إلى تركهم القيام على الدوام، ولا حاجة ~~إليه، ولأن الأصل في هذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يرجى برؤه. ### | [مسألة ابتدأ الصلاة قائما ثم اعتل فجلس] # (1182) مسألة: قال: (فإن ابتدأ الصلاة قائما، ثم اعتل فجلس، ائتموا خلفه ~~قياما.) إنما كان كذلك لأن أبا بكر حيث ابتدأ بهم الصلاة قائما، ثم جاء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتم الصلاة بهم جالسا، أتموا قياما، ولم ~~يجلسوا. # ولأن القيام هو الأصل، فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها إذا قدر ~~عليه، كالتنازع في صلاة المقيم يلزمه إتمامها، وإن حدث مبيح القصر في ~~أثنائها. (1183) فصل: فإن استخلف بعض الأئمة في زماننا، ثم زال عذره فحضر، ~~فهل يجوز أن يفعل كفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر؟ فيه ~~روايتان: إحداهما، ليس له ذلك. قال أحمد، في رواية أبي داود: ذلك خاص للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - دون غيره؛ لأن هذا أمر يخالف القياس، فإن انتقال ~~الإمام مأموما، وانتقال المأمومين من إمام إلى آخر، لا يجوز إلا لعذر يحوج ~~إليه، وليس في تقديم الإمام الراتب ما يحوج إلى هذا، أما النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فكانت له من الفضيلة على غيره، وعظم التقدم عليه، ما ليس ~~لغيره، ولهذا قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # والثانية: يجوز ذلك لغيره. قال أحمد، في رواية أبي الحارث: من فعل كما ~~فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر، ويقعد إلى جنب الإمام، يبتدئ ~~القراءة من حيث بلغ الإمام، ويصلي للناس قياما؛ وذلك لأن الأصل أن ms0743 ما فعله ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان جائزا لأمته، ما لم يقم دليل على اختصاصه ~~به. # وفيه رواية ثالثة، أن ذلك لا يجوز إلا للخليفة دون بقية الأئمة. قال في ~~رواية المروذي: ليس هذا لأحد إلا للخليفة؛ # PageV02P164 # وذلك لأن رتبة الخلافة تفضل رتبة سائر الأئمة، فلا يلحق بها غيرها، وكان ~~ذلك للخليفة؛ لأن خليفة النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم مقامه ### | [فصل يجوز للعاجز عن القيام أن يؤم مثله] # (1184) فصل: ويجوز للعاجز عن القيام أن يؤم مثله؛ لأنه إذا أم القادرين ~~على القيام فمثله أولى، ولا يشترط في اقتدائهم به أن يكون إماما راتبا، ولا ~~مرجوا زوال مرضه؛ لأنه ليس في إمامته لهم ترك ركن مقدور عليه، بخلاف إمامته ~~للقادرين على القيام. ### | [فصل لا يجوز لتارك ركن من الأفعال إمامة أحد] # (1185) فصل: ولا يجوز لتارك ركن من الأفعال إمامة أحد، كالمضطجع، والعاجز ~~عن الركوع والسجود. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك. وقال الشافعي: يجوز؛ لأنه ~~فعل أجازه المرض، فلم يغير حكم الائتمام، كالقاعد بالقيام. ولنا أنه أخل ~~بركن لا يسقط في النافلة، فلم يجز للقادر عليه الائتمام به، كالقارئ ~~بالأمي، وحكم القيام حق بدليل سقوطه في النافلة، وعن المقتدين بالعاجز، ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المصلين خلف الجالس بالجلوس، ولا ~~خلاف في أن المصلي خلف المضطجع لا يضطجع. فأما إن أم مثله، فقياس المذهب ~~صحته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه في المطر بالإيماء، ~~والعراة يصلون جماعة بالإيماء، وكذلك حال المسايفة. ### | [فصل ائتمام المتوضئ بالمتيمم] # (1186) فصل: ويصح ائتمام المتوضئ، بالمتيمم لا أعلم فيه خلافا؛ لأن عمرو ~~بن العاص صلى بأصحابه متيمما، وبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ~~ينكره. وأم ابن عباس أصحابه متيمما، وفيهم عمار بن ياسر، في نفر من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكروه. ولأنه متطهر طهارة صحيحة، ~~فأشبه المتوضئ. ولا يصح ائتمام الصحيح بمن به سلس البول، ولا غير المستحاضة ~~بها: لأنهما يصليان مع خروج الحدث من غير طهارة ms0744 له، بخلاف المتيمم. فأما من ~~كانت عليه نجاسة، فإن كانت على بدنه فتيمم لها، جاز للطاهر الائتمام به عند ~~القاضي؛ لأنه كالمتيمم للحدث. # وعلى قياس قول أبي الخطاب لا يجوز الائتمام به؛ لأنه أوجب عليه الإعادة. ~~وإن كانت على ثوبه، لم يصح الائتمام به؛ لأنه تارك لشرط. ولا يجوز ائتمام ~~المتوضئ ولا المتيمم # PageV02P165 # بعادم الماء والتراب، واللابس بالعاري، ولا القادر على الاستقبال بالعاجز ~~عنه؛ لأنه تارك لشرط يقدر عليه المأموم، فأشبه المعافى بمن به سلس البول. ~~ويصح ائتمام كل واحد من هؤلاء بمثله؛ لأن العراة يصلون جماعة، وقد سبق هذا. ### | [فصل صلاة المفترض خلف المتنفل] # (1187) فصل: وفي صلاة المفترض خلف المتنفل روايتان: إحداهما: لا تصح. نص ~~عليه أحمد، في رواية أبي الحارث، وحنبل. واختارها أكثر أصحابنا. وهذا قول ~~الزهري، ومالك، وأصحاب الرأي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما ~~جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» . متفق عليه. ولأن صلاة المأموم لا ~~تتأدى بنية الإمام، أشبه صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر. # والثانية: يجوز. نقلها إسماعيل بن سعيد. ونقل أبو داود، قال: سمعت أحمد ~~سئل عن رجل صلى العصر، ثم جاء فنسي، فتقدم يصلي بقوم تلك الصلاة، ثم ذكر ~~لما أن صلى ركعة، فمضى في صلاته؟ قال: لا بأس. # وهذا قول عطاء، وطاوس، وأبي رجاء، والأوزاعي، والشافعي، وسليمان بن حرب، ~~وأبي ثور، وابن المنذر، وأبي إسحاق الجوزجاني، وهي أصح؛ لما روى جابر بن ~~عبد الله، «أن معاذا كان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يرجع ~~فيصلي بقومه تلك الصلاة» . متفق عليه. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه «صلى بطائفة من أصحابه في الخوف ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالطائفة ~~الأخرى ركعتين، ثم سلم» . رواه أبو داود، والأثرم. # والثانية منهما تقع نافلة، وقد أم بها مفترضين. وروي عن أبي خلدة، قال: ~~أتينا أبا رجاء لنصلي معه الأولى، فوجدناه قد صلى، فقلنا: جئناك لنصلي معك. ~~فقال: قد صلينا ولكن لا أخيبكم، فأقام فصلى وصلينا معه. رواه الأثرم. ms0745 ~~ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال، فجاز ائتمام المصلي في إحداهما بالمصلي ~~في الأخرى، كالمتنفل خلف المفترض. # فأما حديثهم فالمراد به، لا تختلفوا عليه في الأفعال، بدليل قوله: «فإذا ~~ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا ~~جلوسا أجمعون» . ولهذا يصح ائتمام المتنفل بالمفترض مع اختلاف نيتهما،، ~~وقياسهم ينتقض بالمسبوق في الجمعة يدرك أقل من ركعة، ينوي الظهر خلف من ~~يصلي الجمعة. # فصل: ولا يختلف المذهب في صحة صلاة المتنفل وراء المفترض. ولا نعلم بين ~~أهل العلم فيه اختلافا، وقد دل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:: ~~«ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه» . والأحاديث التي في إعادة الجماعة، ~~ولأن صلاة المأموم تتأدى بنية الإمام، بدليل ما لو نوى مكتوبة، فبان قبل ~~وقتها. # PageV02P166 # (1189) فصل: فإن صلى الظهر خلف من يصلي العصر، ففيه أيضا روايتان: نقل ~~إسماعيل بن سعيد جوازه. ونقل غيره المنع منه. ونقل إسماعيل بن سعيد، قال: ~~قلت لأحمد: فما ترى إن صلى في رمضان خلف إمام يصلي بهم التراويح؟ قال: يجوز ~~ذلك من المكتوبة. # وقال في رواية المروذي: لا يعجبنا أن يصلي مع قوم التراويح، ويأتم بها ~~للعتمة. وهذه فرع على ائتمام المفترض بالمتنفل، وقد مضى الكلام فيها. ~~(1190) فصل: فإن كانت إحدى الصلاتين تخالف الأخرى في الأفعال، كصلاة ~~الكسوف، أو الجمعة، خلف من يصلي غيرهما، وصلاة غيرهما وراء من يصليهما، لم ~~تصح، رواية واحدة؛ لأنه يفضي إلى مخالفة إمامه في الأفعال، وهو منهي عنه. ~~(1191) فصل: ومن صلى الفجر، ثم شك، هل طلع الفجر أو لا؟ أو شك في صلاة ~~صلاها، هل فعلها في وقتها أو قبله؟ لزمته إعادتها، وله أن يؤم في الإعادة ~~من لم يصل. وقال أصحابنا: يخرج على الروايتين في إمامة المتنفل مفترضا. # ولنا أن الأصل بقاء الصلاة في ذمته، ووجوب فعلها، فيصح أن يؤم فيها ~~مفترضا، كما لو شك، هل صلى أم لا؟ ولو فاتت المأموم ركعة فصلى الإمام خمسا ~~ساهيا، فقال ابن عقيل: لا يعتد للمأموم بالخامسة؛ لأنها سهو وغلط. ms0746 وقال ~~القاضي: هذه الركعة نافلة له، وفرض للمأموم. فيخرج فيها الروايتان. وقد سئل ~~أحمد عن هذه المسائل، فتوقف فيها. والأولى، أن يحتسب له بها، لأنه لو لم ~~يحتسب له بها للزمه أن يصلي خمسا مع علمه بذلك، ولأن الخامسة واجبة على ~~الإمام عند من يوجب عليه البناء على اليقين، وعند استواء الأمرين عنده، ثم ~~إن كانت نفلا، فالصحيح صحة الائتمام به. وقوله: إنه غلط. # قلنا: لا يخرجه الغلط عن أن يكون نفلا مثابا فيه، فلذلك قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «كانت الركعة والسجدتان نافلة له» . وإن صلى بقوم الظهر ~~يظنها العصر. فقال أحمد: يعيد، ويعيدون. وهذا على الرواية التي منع فيها ~~ائتمام المفترض بالمتنفل. فإن ذكر الإمام وهو في الصلاة، فأتمها عصرا، كانت ~~له نافلة، وإن قلب نيته إلى الظهر، بطلت صلاته؛ لما ذكرناه متقدما. وقال ~~ابن حامد: يتمها والفرض باق في ذمته. ### | [فصل ائتمام البالغ بالصبي في الفرض] # (1192) فصل: ولا يصح ائتمام البالغ بالصبي في الفرض، نص عليه أحمد، وهو ~~قول ابن مسعود وابن عباس. وبه # PageV02P167 # قال عطاء، ومجاهد، والشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة. ~~وأجازه الحسن، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على ~~إمامة المتنفل للمفترض؛ ووجه ذلك عموم قوله: «يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله ~~تعالى» . # وهذا داخل في عمومه. وروى عمرو بن سلمة الجرمي، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لقومه: «يؤمكم أقرؤكم. قال: فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ~~ثمان سنين» . رواه أبو داود، وغيره. # ولأنه يؤذن للرجال، فجاز أن يؤمهم كالبالغ. ولنا قول ابن مسعود وابن ~~عباس، ولأن الإمامة حال كمال، والصبي ليس من أهل الكمال، فلا يؤم الرجال ~~كالمرأة، ولأنه لا يؤمن من الصبي الإخلال بشرط من شرائط الصلاة أو القراءة ~~حال الإسرار. فأما حديث عمرو بن سلمة الجرمي، فقال الخطابي: كان أحمد يضعف ~~أمر عمرو بن سلمة. وقال مرة: دعه ليس بشيء بين. # وقال أبو داود: قيل لأحمد: حديث عمرو بن سلمة؟ قال: لا أدري أي شيء هذا، ms0747 ~~ولعله إنما توقف عنه لأنه لم يتحقق بلوغ الأمر إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فإنه كان بالبادية في حي من العرب بعيد من المدينة، وقوى هذا ~~الاحتمال قوله في الحديث: وكنت إذا سجدت خرجت استي. وهذا غير سائغ. # (1193) فصل: فأما إمامته في النفل ففيها روايتان: إحداهما، لا تصح؛ لما ~~ذكرنا في الفرض. والثانية، تصح؛ لأنه متنفل يؤم متنفلين، ولأن النافلة ~~يدخلها التخفيف، ولذلك تنعقد الجماعة به فيها إذا كان مأموما. ### | [فصل يؤم قوما أكثرهم له كارهون] # (1194) فصل: يكره أن يؤم قوما أكثرهم له كارهون؛ لما روى أبو أمامة، قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: ~~العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له ~~كارهون» . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. # وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاثة ~~لا تقبل منهم صلاة: من تقدم قوما هم له كارهون، ورجل يأتي الصلاة دبارا - ~~والدبار: أن يأتي بعد أن يفوته الوقت - ورجل اعتبد محررا» . رواه أبو داود. # PageV02P168 # وقال علي لرجل أم قوما وهم له كارهون: إنك لخروط. قال أحمد، - رحمه الله ~~-: إذا كرهه واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس، حتى يكرهه أكثر القوم، وإن ~~كان ذا دين وسنة فكرهه القوم لذلك، لم تكره إمامته. قال منصور: أما إنا ~~سألنا أمر الإمامة، فقيل لنا: إنما عنى بهذا الظلمة فأما من أقام السنة ~~فإنما الإثم على من كرهه. ### | [فصل إمامة الأعرابي] # (1195) فصل: ولا تكره إمامة الأعرابي إذا كان يصلح لها. نص عليه. وهذا ~~قول عطاء، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وكره أبو مجلز إمامته، ~~وقال مالك: لا يؤمهم، وإن كان أقرأهم؛ لقول الله تعالى {الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} [التوبة: 97] . ~~ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ~~تعالى» . # ولأنه مكلف من أهل الإمامة، أشبه المهاجر، والمهاجر أولى منه؛ لأنه يقدم ~~على المسبوق ms0748 بالهجرة، فمن لا هجرة له أولى. قال أبو الخطاب: والحضري أولى ~~من البدوي؛ لأنه مختلف في إمامته، ولأن الغالب جفاؤهم، وقلة معرفتهم بحدود ~~الله. ### | [فصل إمامة ولد الزنا] # فصل: ولا تكره إمامة ولد الزنا إذا سلم دينه. قال عطاء: له أن يؤم إذا ~~كان مرضيا، وبه قال سليمان بن موسى، والحسن، والنخعي، والزهري، وعمرو بن ~~دينار، وإسحاق. وقال أصحاب الرأي: لا تجزئ الصلاة خلفه. وكره مالك أن يتخذ ~~إماما راتبا. وكره الشافعي إمامته؛ لأن الإمامة موضع فضيلة، فكره تقديمه ~~فيها كالعبد. ولنا، قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب ~~الله» . # وقالت عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شيء. وقد قال تعالى {ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى} [الأنعام: 164] وقال {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] ~~والعبد لا تكره إمامته، وإنما الحر أولى منه، ثم إن العبد ناقص في أحكامه، ~~لا يلي النكاح ولا المال، ولا تقبل شهادته في بعض الأشياء، بخلاف هذا. ~~(1197) فصل: ولا تكره إمامة الجندي والخصي إذا سلم دينهما؛ لما ذكرنا في ~~العبد، ولأنه عدل من أهل الإمامة، أشبه غيره. # PageV02P169 ### | [فصل من شرط صحة الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما] # (1198) فصل: من شرط صحة الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما، فينوي ~~الإمام أنه إمام، والمأموم أنه مأموم، فإن صلى رجلان ينوي كل واحد منهما ~~أنه إمام صاحبه، أو مأموم له، فصلاتهما فاسدة. نص عليهما؛ لأنه ائتم بمن ~~ليس بإمام في الصورة الأولى، وأم من لم يأتم به في الثانية. ولو رأى رجلين ~~يصليان، فنوى الائتمام بالمأموم، لم يصح؛ لأنه ائتم بمن لم ينو إمامته. وإن ~~نوى الائتمام بأحدهما لا بعينه، لم يصح، حتى يعين الإمام؛ لأن تعيينه شرط. # وإن نوى الائتمام بهما معا، لم يصح، لأنه نوى الائتمام بمن ليس بإمام، ~~ولأنه نوى الائتمام باثنين، ولا يجوز الائتمام بأكثر من واحد. ولو نوى ~~الائتمام بإمامين، لم يجز؛ لأنه لا يمكن اتباعهما معا. ### | [فصل أحرم منفردا ثم جاء آخر فصلى معه فنوى إمامته] # (1199) فصل: ولو أحرم منفردا ثم ms0749 جاء آخر فصلى معه، فنوى إمامته، صح في ~~النفل. نص عليه أحمد. # واحتج بحديث ابن عباس، وهو «أن ابن عباس، قال: بت عند خالتي ميمونة، فقام ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - متطوعا من الليل، فقام إلى القربة فتوضأ، ~~فقام فصلى، فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت من القربة، ثم قمت إلى شقه ~~الأيسر، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن» . متفق عليه. ~~وهذا لفظ رواية مسلم. # فأما في الفريضة، فإن كان ينتظر أحدا كإمام المسجد يحرم وحده وينتظر من ~~يأتي فيصلي معه، فيجوز ذلك أيضا. نص عليه أحمد؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أحرم وحده، ثم جاء جابر وجبارة فأحرما معه، فصلى بهما، ولم ينكر ~~فعلهما. والظاهر أنها كانت صلاة مفروضة، لأنهم كانوا مسافرين. # وإن لم يكن كذلك، فقد روي عن أحمد أنه لا يصح، هذا قول الثوري، وإسحاق، ~~وأصحاب الرأي، في الفرض والنفل جميعا؛ لأنه لم ينو الإمامة في ابتداء ~~الصلاة، فلم يصح، كما لو ائتم بمأموم. وروي عن أحمد أنه قال: في النفس منها ~~شيء. مع أن حديث ابن عباس يقويه. وهذا مذهب الشافعي، وهو الصحيح إن شاء ~~الله تعالى؛ لأنه قد ثبت في النفل بحديث ابن عباس، وحديث عائشة: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس ~~شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقام أناس يصلون بصلاته» . وقد ~~ذكرناه. # والأصل مساواة الفرض للنفل في النية، وقوى ذلك حديث جابر وجبارة في ~~الفرض، ولأن الحاجة تدعو إلى نقل النية إلى الإمامة فصح كحالة الاستخلاف، ~~وبيان الحاجة أن المنفرد إذا جاء قوم فأحرموا وراءه، فإن قطع الصلاة وأخبر ~~بحاله قبح، وكان مرتكبا للنهي بقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: ~~33] وإن أتم الصلاة بهم، ثم أخبرهم بفساد صلاتهم كان أقبح وأشق. # ولأن الانفراد أحد حالتي عدم الإمامة في الصلاة، فجاز الانتقال # PageV02P170 # منها إلى الإمامة، كما لو كان مأموما، وقياسهم ينتقض بحالة الاستخلاف. ### | [فصل أحرم منفردا ثم نوى جعل ms0750 نفسه مأموما] # (1200) فصل: وإن أحرم منفردا، ثم نوى جعل نفسه مأموما، بأن يحضر جماعة، ~~فينوي الدخول معهم في صلاتهم، ففيه روايتان: إحداهما، هو جائز، سواء كان في ~~أول الصلاة، أو قد صلى ركعة فأكثر؛ لأنه نقل نفسه إلى الجماعة، فجاز، كما ~~لو نوى الإمامة. والثانية، لا يجوز؛ لأنه نقل نفسه إلى جعله مأموما من غير ~~حاجة، فلم يجز كالإمام، وفارق نقله إلى الإمامة؛ لأن الحاجة داعية إليه، ~~فعلى هذا يقطع صلاته، ويستأنف الصلاة معهم. # قال أحمد، في رجل دخل المسجد فصلى ركعتين، أو ثلاثا، ينوي الظهر، ثم جاء ~~المؤذن فأقام الصلاة: سلم من هذه، وتصير له تطوعا، ويدخل معهم. قيل له: فإن ~~دخل في الصلاة مع القوم، واحتسب به. قال: لا يجزئه حتى ينوي بها الصلاة مع ~~الإمام في ابتداء الفرض. ### | [فصل أحرم مأموما ثم نوى مفارقة الإمام وإتمامها منفردا لعذر] # (1201) فصل: وإن أحرم مأموما، ثم نوى مفارقة الإمام، وإتمامها منفردا ~~لعذر، جاز؛ لما روى جابر، قال: «كان معاذ يصلي مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صلاة العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم، فأخر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صلاة العشاء، فصلى معه، ثم رجع إلى قومه فقرأ سورة البقرة، ~~فتأخر رجل فصلى وحده، فقيل له: نافقت يا فلان. قال: ما نافقت، ولكن لآتين ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فذكر له ذلك، فقال: أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ مرتين اقرأ ~~سورة كذا وسورة كذا، قال: وسورة ذات البروج، والليل إذا يغشى، والسماء ~~والطارق، وهل أتاك حديث الغاشية» متفق عليه. # ولم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل بالإعادة، ولا أنكر عليه ~~فعله، والأعذار التي يخرج لأجلها، مثل المشقة بتطويل الإمام، أو المرض، أو ~~خشية غلبة النعاس، أو شيء يفسد صلاته، أو خوف فوات مال أو تلفه، أو فوت ~~رفقته، أو من يخرج من الصف لا يجد من يقف معه، وأشباه هذا. وإن فعل ذلك ~~لغير عذر، ففيه روايتان: ms0751 إحداهما، تفسد صلاته؛ لأنه ترك متابعة إمامه لغير ~~عذر، أشبه ما لو تركها من غير نية المفارقة. # والثانية: تصح لأنه لو نوى المنفرد كونه مأموما لصح في رواية، فنية ~~الانفراد أولى، فإن المأموم قد يصير منفردا بغير نية، وهو المسبوق إذا سلم ~~إمامه، وغيره لا يصير مأموما بغير نية بحال. # PageV02P171 ### | [فصل أحرم مأموما ثم صار إماما أو نقل نفسه إلى الائتمام بإمام آخر] # (1202) فصل: وإن أحرم مأموما، ثم صار إماما، أو نقل نفسه إلى الائتمام ~~بإمام آخر، جاز في موضع واحد، وهو إذا سبق الإمام الحدث، فاستخلف من يتم ~~بهم الصلاة، وقد ذكرنا هذا. ولا يصح في غيره، إلا أن يدرك اثنان بعض الصلاة ~~مع الإمام، فلما سلم ائتم أحدهما بصاحبه في بقية الصلاة، ففيه وجهان. وإن ~~نوى كل واحد منهما أنه إمام صاحبه، أو مأموم له، فسدت صلاتهما؛ لما ذكرناه ~~من قبل. # وإن نوى الإمام الائتمام بغيره لم يصح إلا في موضع واحد، وهو إذا استخلف ~~الإمام من يصلي، ثم جاء في أثناء الصلاة، فتقدم فصار إماما، وبنى على صلاة ~~خليفته، وفي ذلك ثلاث روايات، قد ذكرناها. ### | [مسألة أدرك الإمام راكعا فركع دون الصف ثم مشى حتى دخل في الصف] # (1203) مسألة؛ قال: (ومن أدرك الإمام راكعا فركع دون الصف، ثم مشى حتى ~~دخل في الصف، وهو لا يعلم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكرة: ~~«زادك الله حرصا ولا تعد» قيل له: لا تعد. وقد أجزأته صلاته، فإن عاد بعد ~~النهي لم تجزئه صلاته، ونص أحمد، رحمه الله، على هذا في رواية أبي طالب) ~~وجملة ذلك، أن من ركع دون الصف، ثم دخل فيه، لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما ~~أن يصلي ركعة كاملة، فلا تصح صلاته؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا صلاة لفرد خلف الصف» . # والثاني، أن يدب راكعا حتى يدخل في الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، ~~أو أن يأتي آخر فيقف معه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع فإن صلاته تصح؛ ms0752 ~~لأنه أدرك مع الإمام في الصف ما يدرك به الركعة. وممن رخص في ركوع الرجل ~~دون الصف زيد بن ثابت، وفعله ابن مسعود، وزيد بن وهب، وأبو بكر بن عبد ~~الرحمن، وعروة، وسعيد بن جبير، وابن جريج. وجوزه الزهري، والأوزاعي، ومالك، ~~والشافعي، إذا كان قريبا من الصف. # الحال الثالث، إذا رفع رأسه من الركوع، ثم دخل في الصف، أو جاء آخر فوقف ~~معه قبل إتمام الركعة، فهذه الحال التي يحمل عليها قول الخرقي: " ونص أحمد ~~". فمتى كان جاهلا بتحريم ذلك، صحت صلاته، وإن علم، لم تصح. وروى أبو داود، ~~عن أحمد، أنه يصح، ولم يفرق. # وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن أبا بكرة فعل ذلك، وفعله من ~~ذكرنا من الصحابة ولنا، ما روي أن أبا بكرة انتهى إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: «زادك الله حرصا ولا تعد» . رواه البخاري، ورواه ~~أبو داود، ولفظه: أن أبا بكرة جاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - راكع، ~~فركع دون الصف # PageV02P172 # ، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، قال: ~~«أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا. فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: زادك الله حرصا، ولا تعد» . # فلم يأمره بإعادة الصلاة، ونهاه عن العود، والنهي يقتضي الفساد. فإن قيل: ~~إنما نهاه عن التهاون والتخلف عن الصلاة. قلنا: إنما يعود النهي إلى ~~المذكور، والمذكور الركوع دون الصف، ولم ينسبه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى التهاون، وإنما نسبه إلى الحرص، ودعا له بالزيادة فيه، فكيف ينهاه عن ~~التهاون، وهو منسوب إلى ضده؟ # وروي عن أحمد، - رحمه الله -، رواية أخرى، أنها لا تصح صلاته، عالما كان ~~أو جاهلا؛ لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة، أشبه ما لو صلى ركعة ~~كاملة، وعلى هذا يحمل حديث أبي بكرة، على أنه دخل في الصف قبل رفع النبي ms0753 - ~~صلى الله عليه وسلم - رأسه، وقد قال أبو هريرة: لا يركع أحدكم حتى يأخذ ~~مقامه من الصف. # ولم يفرق القاضي في هذه المسألة بين من رفع رأسه من الركوع ثم دخل، وبين ~~من دخل فيه راكعا، وكذلك كلام أحمد والخرقي، ولا تفريق فيه، والدليل يقتضي ~~التفريق، فيحمل كلامهم عليه، وقد ذكره أبو الخطاب نحوا مما ذكرنا. (1204) ~~فصل: وإن فعل هذا لغير عذر، ولا خشي الفوات، ففيه وجهان: أحدهما، يجزئه؛ ~~لأنه لو لم يجز مطلقا لم يجز حال العذر، كالركعة كلها. # والثاني، لا يجزئه؛ لأن الأصل أن لا يجوز؛ لكونه يفوته في الصف ما تفوته ~~الركعة بفواته، وإنما أبيح في المعذور لحديث أبي بكرة، ففي غيره يبقى على ~~الأصل. ### | [فصل أحس الإمام بداخل وهو في الركوع يريد الصلاة معه] # (1205) فصل: إذا أحس بداخل، وهو في الركوع، يريد الصلاة معه، وكانت ~~الجماعة كثيرة، كره انتظاره؛ لأنه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه، وإن ~~كانت الجماعة يسيرة، وكان انتظاره يشق عليهم، كره أيضا؛ لأن الذين معه أعظم ~~حرمة من الداخل، فلا يشق عليهم لنفعه، وإن لم يشق لكونه يسيرا، فقد قال ~~أحمد: ينتظره ما لم يشق على من خلفه. # وهذا مذهب أبي مجلز، والشعبي، والنخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وإسحاق، ~~وأبي ثور. وقال الأوزاعي، والشافعي، وأبو حنيفة: لا ينتظره؛ لأن انتظاره ~~تشريك في العبادة، فلا يشرع، كالرياء. ولنا، أنه انتظار ينفع ولا يشق، ~~فشرع، كتطويل الركعة وتخفيف الصلاة، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم. # وأطال السجود حين ركب الحسن على ظهره، وقال: «إن ابني هذا ارتحلني فكرهت ~~أن أعجله» . وقال: «إني لأسمع بكاء الصبي وأنا # PageV02P173 # في الصلاة فأخففها كراهة أن أشق على أمه» . وقال: «من أم الناس فليخفف ~~فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة» . وشرع الانتظار في صلاة الخوف لتدركه ~~الطائفة الثانية، ولأن منتظر الصلاة في صلاة، وقد كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ينتظر الجماعة، فقال جابر: «كان ms0754 النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي العشاء أحيانا، وأحيانا إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا ~~أخر» وبهذا كله يبطل ما ذكروه من التشريك. # قال القاضي: والانتظار جائز، غير مستحب، وإنما ينتظر من كان ذا حرمة، ~~كأهل العلم ونظرائهم من أهل الفضل ### | [مسألة سترة الإمام سترة لمن خلفه] # (1206) مسألة: قال: (وسترة الإمام سترة لمن خلفه) . وجملته أنه يستحب ~~للمصلي أن يصلي إلى سترة، فإن كان في مسجد أو بيت صلى إلى الحائط أو سارية، ~~وإن كان في فضاء صلى إلى شيء شاخص بين يديه، أو نصب بين يديه حربة أو عصا، ~~أو عرض البعير فصلى إليه، أو جعل رحله بين يديه. وسئل أحمد: يصلي الراحل ~~إلى سترة في الحضر والسفر؟ قال: نعم، مثل آخرة الرحل. # ولا نعلم في استحباب ذلك خلافا، والأصل فيه «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان تركز له الحربة فيصلي إليها، ويعرض البعير فيصلي إليه» ، وروى ~~أبو جحيفة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركزت له العنزة، فتقدم وصلى ~~الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع» . متفق عليه. # وعن طلحة بن عبيد الله، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك» . ~~أخرجه مسلم. إذا ثبت هذا، فإن سترة الإمام سترة لمن خلفه نص على هذا أحمد، ~~وهو قول أكثر أهل العلم. كذلك قال ابن المنذر. وقال الترمذي، قال أهل ~~العلم: سترة الإمام سترة لمن خلفه. # قال أبو الزناد: كل من أدركت من فقهاء المدينة الذين ينتهى إلى قولهم؛ ~~سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد ~~الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، ~~وغيرهم، يقولون: سترة الإمام سترة لمن خلفه. وروي ذلك عن ابن عمر. وبه قال ~~النخعي، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وغيرهم؛ وذلك لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صلى إلى سترة، ولم يأمر أصحابه ms0755 بنصب سترة أخرى. # وفي حديث عن ابن عباس، قال: «أقبلت راكبا على حمار أتان، والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV02P174 # يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض أهل الصف، فنزلت، ~~فأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر علي أحد» . متفق عليه. # ومعنى قولهم: سترة الإمام سترة لمن خلفه. أنه متى لم يحل بين الإمام ~~وسترته شيء يقطع الصلاة، فصلاة المأمومين صحيحة، لا يضرها مرور شيء بين ~~أيديهم في بعض الصف، ولا فيما بينهم وبين الإمام، وإن مر ما يقطع الصلاة ~~بين الإمام وسترته قطع صلاته وصلاتهم، وقد دل على هذا ما روى عمرو بن شعيب، ~~عن أبيه، عن جده، قال: «هبطنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من ثنية ~~أذاخر فحضرت الصلاة - يعني فصلى إلى جدر - فاتخذها قبلة، ونحن خلفه، فجاءت ~~بهمة تمر بين يديه، فما زال يدرؤها حتى لصق بطنه بالجدر، فمرت من ورائه» . ~~رواه أبو داود. # فلولا أن سترته سترة لهم لم يكن بين مرورها بين يديه وخلفه فرق. ### | [فصل قدر السترة للمصلي] # (1207) فصل: وقدر السترة في طولها ذراع أو نحوه. قال الأثرم: سئل أبو عبد ~~الله عن آخرة الرحل كم مقدارها؟ قال: ذراع. كذا قال عطاء: ذراع. وبهذا قال ~~الثوري، وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد، أنها قدر عظم الذراع. وهذا قول مالك، ~~والشافعي. # والظاهر أن هذا على سبيل التقريب لا التحديد؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قدرها بآخرة الرحل، وآخرة الرحل تختلف في الطول والقصر، فتارة تكون ~~ذراعا، وتارة تكون أقل منه، فما قارب الذراع أجزأ الاستتار به، والله أعلم. ~~فأما قدرها في الغلظ والدقة فلا حد له نعلمه، فإنه يجوز أن تكون دقيقة ~~كالسهم والحربة، وغليظة كالحائط، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يستتر بالعنزة. # وقال أبو سعيد: كنا نستتر بالسهم والحجر في الصلاة. وروي عن سبرة، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «استتروا في الصلاة ولو بسهم» . رواه ~~الأثرم. وقال الأوزاعي: يجزئه السهم والسوط. قال أحمد: وما كان أعرض ms0756 فهو ~~أعجب إلي؛ وذلك لأن قوله " ولو بسهم " يدل على أن غيره أولى منه ### | [فصل يستحب للمصلي أن يدنو من سترته] # (1208) فصل: ويستحب للمصلي أن يدنو من سترته؛ لما روى سهل بن أبي حثمة، ~~يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا صلى أحدكم إلى سترة، ~~فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته» . رواه أبو داود. وعن أبي # PageV02P175 # سعيد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلى أحدكم فليصل ~~إلى سترة، وليدن منها» . رواه الأثرم. # وعن سهل بن سعد، قال: «كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين القبلة ~~ممر الشاة» . رواه البخاري. وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ارهقوا القبلة» . رواه الأثرم. # وذكر الخطابي في " معالم السنن " أن مالك بن أنس كان يصلي يوما متنائيا ~~عن السترة، فمر به رجل لا يعرفه، فقال: يا أيها المصلي، ادن من سترتك. فجعل ~~مالك يتقدم وهو يقرأ {وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} ~~[النساء: 113] . ولأن قربه من السترة أصون لصلاته وأبعد من أن يمر بينه ~~وبينها شيء يحول بينه وبينها. # إذا ثبت هذا، فإنه يجعل بينه وبين سترته ثلاثة أذرع فما دون. قال مهنا: ~~سألت أبا عبد الله عن الرجل يصلي، كم ينبغي أن يكون بينه وبين القبلة؟ قال ~~يدنو من القبلة ما استطاع. ثم قال بعد: إن ابن عمر، قال: «صلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الكعبة، فكان بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع» . # قال الميموني: فقد رأيتك على نحو من أربعة. قال: بالسهو. وكان عبد الله ~~بن مغفل يجعل بينه وبين سترته ستة أذرع. قال عطاء: أقل ما يكفيك ثلاثة ~~أذرع. وبه قال الشافعي؛ لخبر ابن عمر، عن بلال «، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى في مقدم البيت، وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع» . وكلما دنا فهو ~~أفضل؛ لما ذكرنا من الأخبار والمعنى. ### | [فصل لا بأس أن يستتر المصلي ببعير أو حيوان] # (1209) فصل: ولا ms0757 بأس أن يستتر ببعير أو حيوان، وفعله ابن عمر، وأنس. وحكي ~~عن الشافعي، أنه لا يستتر بدابة. ولنا، ما روى ابن عمر، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى إلى بعير. رواه البخاري، ومسلم. وفي لفظ: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض راحلته، ويصلي إليها. قال: قلت: فإذا ذهب ~~الركاب؟ قال: يعرض الرحل، ويصلي إلى آخرته، فإن استتر بإنسان فلا بأس، فإنه ~~يقوم مقام غيره من السترة» # وقد روي عن حميد بن هلال، قال: رأى عمر بن الخطاب رجلا يصلي، والناس ~~يمرون بين يديه، فولاه ظهره، وقال بثوبه هكذا، وبسط يديه هكذا. وقال: صل، ~~ولا تعجل. وعن نافع، قال: كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلا إلى سارية من سواري ~~المسجد، قال: ولني ظهرك. رواهما النجاد بإسناده. # PageV02P176 ### | [فصل لم يجد المصلي سترة] # (1210) فصل: فإن لم يجد سترة خط خطا، وصلى إليه، وقام ذلك مقام السترة، ~~نص عليه أحمد. وبه قال سعيد بن جبير، والأوزاعي، وأنكر مالك الخط والليث بن ~~سعد، وأبو حنيفة. وقال الشافعي بالخط بالعراق، وقال بمصر: لا يخط المصلي ~~خطا، إلا أن يكون فيه سنة تتبع. # ولنا، ما روى أبو هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ~~صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم تكن معه ~~عصا فليخط خطا، ثم لا يضره من مر أمامه» . رواه أبو داود. وسنة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أولى أن تتبع. # (1211) فصل: وصفة الخط مثل الهلال. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول ~~غير مرة، وسئل عن الخط فقال: هكذا عرضا مثل الهلال. قال: وسمعت مسددا، قال: ~~قال ابن داود: الخط بالطول. وقال في رواية الأثرم: قالوا: طولا، وقالوا: ~~عرضا. وقال: أما أنا فأختار هذا. ودور بإصبعه مثل القنطرة. # وكيف ما خطه أجزأه، فقد نقل حنبل، أنه قال: إن شاء معترضا، وإن شاء طولا، ~~وذلك لأن الحديث مطلق في الخط، فكيف ما أتى به فقد أتى بالخط، فيجزئه ذلك، ~~والله ms0758 أعلم. (1212) فصل: وإن كان معه عصا فلم يمكنه نصبها. فقال الأثرم: ~~قلت لأحمد: الرجل يكون معه عصا، لم يقدر على غرزها، فألقاها بين يديه، ~~أيلقيها طولا أم عرضا؟ قال: لا، بل عرضا. وكذلك قال سعيد بن جبير، ~~والأوزاعي. وكرهه النخعي. # ولنا، أن هذا في معنى الخط، فيقوم مقامه، وقد ثبت استحباب الخط بالحديث ~~الذي رويناه. ### | [فصل إذا صلى إلى عود أو عمود أو شيء في معناهما] # (1213) فصل: وإذا صلى إلى عود أو عمود أو شيء في معناهما، استحب له أن ~~ينحرف عنه، ولا يصمد له صمدا؛ لما روى أبو داود، عن المقداد بن الأسود قال: ~~«ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى عود أو إلى عمود ولا ~~شجرة، إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمدا. أي لا ~~يستقبله فيجعله وسطا» . ومعنى الصمد: القصد. # PageV02P177 ### | [فصل الصلاة إلى المتحدثين والنائم] # (1214) فصل: تكره الصلاة إلى المتحدثين، لئلا يشتغل بحديثهم. واختلف في ~~الصلاة إلى النائم، فروي أنه يكره، وروي ذلك عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير. ~~وعن أحمد ما يدل على أنه يكره في الفريضة خاصة، ولا يكره في التطوع؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل وعائشة معترضة بين يديه ~~كاعتراض الجنازة. متفق عليه. قال أحمد: هذا في التطوع، والفريضة أشد. # وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة إلى النائم ~~والمتحدث. رواه أبو داود. فخرج التطوع من عمومه، لحديث عائشة، بقي الفرض ~~على مقتضى العموم. وقيل: لا يكره فيهما؛ لأن حديث عائشة صحيح، وحديث النهي ~~ضعيف. قاله الخطابي. وقد قال أحمد: لا فرق بين الفريضة والنافلة إلا في ~~صلاة الراكب. # وتقديم قياس الخبر الصحيح أولى من الخبر الضعيف. ### | [فصل الصلاة مستقبلا وجه إنسان] # (1215) فصل: ويكره أن يصلي مستقبلا وجه إنسان؛ لأن عمر أدب على ذلك. وفي ~~حديث عائشة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي حذاء وسط السرير، ~~وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة فأكره أن ms0759 أقوم فأستقبله، ~~فأنسل انسلالا» . متفق عليه. ولأنه شبه السجود لذلك الشخص. ويكره أن يصلي ~~إلى نار. قال أحمد: إذا كان التنور في قبلته لا يصلي إليه. # وكره ابن سيرين ذلك. وقال أحمد، في السراج والقنديل يكون في القبلة: ~~أكرهه. وأكره كل شيء. حتى كانوا يكرهون أن يجعلوا شيئا في القبلة حتى ~~المصحف، وإنما كره ذلك لأن النار تعبد من دون الله، فالصلاة إليها تشبه ~~الصلاة لها. وقال أحمد: لا تصل إلى صورة منصوبة في وجهك، وذلك لأن الصورة ~~تعبد من دون الله. # وقد روي عن عائشة، قالت: كان لنا ثوب فيه تصاوير، فجعلته بين يدي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، فنهاني. أو قالت: كره ذلك. رواه عبد ~~الرحمن بن أبي حاتم، بإسناده. ولأن التصاوير تشغل المصلي بالنظر إليها، ~~وتذهله عن صلاته. وقال أحمد: يكره أن يكون في القبلة شيء معلق، مصحف أو ~~غيره، ولا بأس أن يكون موضوعا بالأرض. وقد روى مجاهد، قال: لم يكن عبد الله ~~بن عمر يدع شيئا بينه وبين القبلة إلا نزعه، لا سيفا ولا مصحفا. رواه ~~الخلال بإسناده. # قال أحمد: ولا يكتب في القبلة شيء، وذلك لأنه يشغل قلب المصلي، وربما ~~اشتغل بقراءته عن صلاته، وكذلك يكره تزويقها، وكل ما يشغل المصلي عن صلاته، ~~وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في خميصة لها أعلام، فلما قضى ~~صلاته، قال: «اذهبوا بهذه إلى أبي جهم بن حذيفة، فإنها ألهتني آنفا عن ~~صلاتي. وأتوني بأنبجانيته» متفق عليه. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: «أميطي عنا # PageV02P178 # قرامك، فإنه لا يزال تصاويره تعرض لي في صلاتي» . رواه البخاري. وإذا كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ما أيده الله تعالى به من العصمة والخشوع، ~~يشغله ذلك، فغيره من الناس أولى. ### | [فصل الصلاة وأمامه امرأة تصلي] # (1216) فصل: ويكره أن يصلي وأمامه امرأة؛ تصلي؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أخروهن من حيث أخرهن الله» . فأما في غير الصلاة فلا يكره؛ ~~لخبر عائشة. ms0760 وروى أبو حفص، بإسناده، عن أم سلمة، قالت: كان فراشي حيال مصلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وإن كانت عن يمينه أو يساره، لم يكره، وإن ~~كانت في صلاة. وكره أحمد أن يصلي وبين يديه كافر. وروي ذلك عن إسحاق؛ لأن ~~المشركين نجس. ### | [فصل لا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة] # (1217) فصل: ولا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة، وروي ذلك عن ابن الزبير، ~~وعطاء، ومجاهد. قال الأثرم، قيل لأحمد: الرجل يصلي بمكة، ولا يستتر بشيء؟ ~~فقال: قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ثم ليس بينه وبين ~~الطواف سترة. قال أحمد: لأن مكة ليست كغيرها، كأن مكة مخصوصة. وذلك لما روى ~~كثير بن كثير بن المطلب، عن أبيه، عن جده المطلب، قال: رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي حيال الحجر، والناس يمرون بين يديه. رواه الخلال ~~بإسناده. وروى الأثرم، بإسناده عن المطلب، قال: رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا فرغ من سعيه، جاء حتى يحاذي الركن بينه وبين السقيفة، فصلى ~~ركعتيه في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطواف أحد. # وقال ابن أبي عمار: رأيت ابن الزبير جاء يصلي، والطواف بينه وبين القبلة، ~~تمر المرأة بين يديه، فينتظرها حتى تمر، ثم يضع جبهته في موضع قدمها. رواه ~~حنبل، في كتاب " المناسك ". # وقال المعتمر، قلت لطاوس: الرجل يصلي - يعني بمكة - فيمر بين يديه الرجل ~~والمرأة؟ فقال: أولا يرى الناس بعضهم بعضا. وإذا هو يرى أن لهذا البلد حالا ~~ليس # PageV02P179 # لغيره من البلدان، وذلك لأن الناس يكثرون بمكة لأجل قضاء نسكهم، ويزدحمون ~~فيها، ولذلك سميت بكة، لأن الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون ويدفع بعضهم ~~بعضا، فلو منع المصلي من يجتاز بين يديه لضاق على الناس، وحكم الحرم كله ~~حكم مكة في هذا، بدليل ما روى ابن عباس، قال: أقبلت راكبا على حمار أتان، ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار. متفق عليه. # ولأن الحرم كله محل المشاعر والمناسك، فجرى ms0761 مجرى مكة في ما ذكرناه. فصل: ~~ولو صلى في غير مكة إلى غير سترة، لم يكن به بأس، لما روى ابن عباس، قال: ~~صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضاء ليس بين يديه شيء. رواه البخاري. ~~وروي عن الفضل بن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاهم في باديتهم ~~فصلى إلى غير سترة. ولأن السترة ليست شرطا في الصلاة، وإنما هي مستحبة. # قال أحمد، في الرجل يصلي في فضاء ليس بين يديه سترة ولا خط: صلاته جائزة. ~~وقال: أحب أن يفعل، فإن لم يفعل يجزئه. ### | [مسألة من مر بين يدي المصلي فليردده] # (1219) مسألة؛ قال: (ومن مر بين يدي المصلي فليردده) وجملته أنه ليس لأحد ~~أن يمر بين يدي المصلي إذا لم يكن بين يديه سترة، فإن كانت بين يديه سترة ~~لم يمر أحد بينه وبينها؛ لما روى أبو جهم الأنصاري، قال، قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم، ~~لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه» . متفق عليه. # ولمسلم: «لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو ~~يصلي» . وقد سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يمر بين يدي المصلي ~~شيطانا، وأمر برده ومقاتلته. وروي عن يزيد بن نمران أنه قال: رأيت رجلا ~~بتبوك مقعدا، فقال: «مررت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ~~على حمار وهو يصلي، فقال: اللهم اقطع أثره فما مشيت عليها بعد» . رواه أبو ~~داود. وفي لفظ قال: «قطع صلاتنا، قطع الله أثره» . # وإن أراد أحد المرور بين يدي المصلي، فله منعه في قول أكثر أهل العلم؛ ~~منهم ابن مسعود، وابن عمر، وسالم. وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب ~~الرأي. ولا أعلم فيه خلافا، والأصل فيه ما روى أبو سعيد، قال: سمعت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس، ~~فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، ms0762 فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما # PageV02P180 # هو شيطان» . متفق عليه. ورواه أبو داود، ولفظ روايته: «إذا كان أحدكم ~~يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، ~~فإنما هو شيطان» . # ومعناه: أي ليدفعه. وهذا في أولي الأمر لا يزيد على دفعه، فإن أبى، ولج، ~~فليقاتله، أي يعنفه في دفعه من المرور، فإنما هو شيطان، أي فعله فعل ~~الشيطان، أو الشيطان يحمله على ذلك. # وقيل معناه: أن معه شيطانا. وأكثر الروايات عن أبي عبد الله، أن المار ~~بين يدي المصلي إذا لج في المرور، وأبى الرجوع، أن المصلي يشتد عليه في ~~الدفع، ويجتهد في رده، ما لم يخرجه ذلك إلى إفساد صلاته بكثرة العمل فيها. ~~وروي عنه أنه قال: يدرأ ما استطاع، وأكره القتال في الصلاة. # وذلك لما يفضي إليه من الفتنة وفساد الصلاة، والنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إنما أمر برده ودفعه حفظا للصلاة عما ينقصها، فيعلم أنه لم يرد ما يفسدها ~~ويقطعها بالكلية، فيحمل لفظ المقاتلة على دفع أبلغ من الدفع الأول. والله ~~أعلم. وقد روت أم سلمة؛ قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ~~حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله، أو عمر بن أبي سلمة. فقال بيده، ~~فرجع، فمرت زينب بنت أم سلمة، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: هن أغلب» . رواه ابن ماجه. # وهذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجتهد في الدفع. فصل: ~~يستحب أن يرد ما مر بين يديه من كبير وصغير، وإنسان وبهيمة؛ لما روينا من ~~رد النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر وزينب وهما صغيران، وفي حديث عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى جدر، ~~فاتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهيمة تمر بين يديه، فما زال يدرأ بها حتى ~~لصق بطنه بالجلد، فمرت من ورائه. # (1221) فصل: فإن مر بين يديه إنسان فعبر، لم يستحب رده من حيث جاء. ms0763 وهذا ~~قول الشعبي، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر، وروي عن ابن مسعود؛ أنه يرده من ~~حيث جاء، وفعله سالم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر برده، فتناول ~~العابر. # PageV02P181 # ولنا، أن هذا مرور ثان، فينبغي أن لا ينسب إليه كالأول، ولأن المار لو ~~أراد أن يعود من حيث جاء لكان مأمورا بمنعه، ولم يحل للعابر العود، والحديث ~~لم يتناول العابر، إنما في الخبر: «فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه» . # وبعد العبور فليس هذا مريدا للاجتياز. (1222) فصل: والمرور بين يدي ~~المصلي ينقص الصلاة ولا يقطعها. قال أحمد: يضع من صلاته، ولكن لا يقطعها. ~~وروي عن ابن مسعود، أن ممر الرجل يضع نصف الصلاة. وكان عبد الله إذا مر بين ~~يديه رجل التزمه حتى يرده. رواه البخاري بإسناده. # قال القاضي: ينبغي أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد فلم يفعله، أما ~~إذا رد فلم يمكنه الرد فصلاته تامة؛ لأنه لم يوجد منه ما ينقص الصلاة، فلا ~~يؤثر فيها ذنب غيره. ### | [فصل العمل اليسير في الصلاة] # (1223) فصل: ولا بأس بالعمل اليسير في الصلاة للحاجة. قال أحمد: لا بأس ~~أن يحمل الرجل ولده في الصلاة الفريضة؛ لحديث أبي قتادة، وحديث عائشة، أنها ~~استفتحت الباب، فمشى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة حتى فتح ~~لها. وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل الأسودين في الصلاة. فإذا رأى ~~العقرب خطا إليها، وأخذ النعل، وقتلها، ورد النعل إلى موضعها؛ لأن ابن عمر ~~نظر إلى ريشة فحسبها عقربا، فضربها بنعله، وحديث النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه التحف بإزاره وهو في الصلاة. # فلا بأس إن سقط رداء الرجل أن يرفعه، وإن انحل إزاره أن يشده. وإذا عتقت ~~الأمة وهي تصلي اختمرت، وبنت على صلاتها. وقال: من فعل كفعل أبي برزة، حين ~~مشى إلى الدابة وقد أفلتت منه، فصلاته جائزة. وهذا لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - هو المشرع، فما فعله أو أمر به، فلا بأس به. ومثل هذا ما روى ~~سهل بن سعد، أن النبي ms0764 - صلى الله عليه وسلم - صلى على منبره، فإذا أراد أن ~~يسجد نزل عن المنبر فسجد بالأرض، ثم رجع إلى المنبر كذلك، حتى قضى صلاته. # وحديث جابر في صلاة الكسوف، قال: ثم تأخر، وتأخرت الصفوف خلفه، حتى ~~انتهينا إلى النساء، ثم تقدم، وتقدم الناس معه، حتى قام في مقامه. متفق ~~عليه. وعن أبي بكرة، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P182 # يصلي بنا، فكان الحسن بن علي يجيء وهو صغير، فكان كلما سجد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وثب على ظهره، ويرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه ~~رفعا رفيقا حتى يضعه بالأرض. رواه الأثرم. # وحديث عمرو بن شعيب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يدارئ ~~البهمة حتى لصق بالجدر وحديث أبي سعيد بالأمر بدفع المار بين يدي المصلي، ~~ومقاتلته إذا أبى الرجوع. فكل هذا وأشباهه لا بأس به في الصلاة، ولا ~~يبطلها، ولو فعل هذا لغير حاجة، كره، ولا يبطلها أيضا. # ولا يتقدر الجائز من هذا بثلاث ولا بغيرها من العدد؛ لأن فعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الظاهر منه زيادته على ثلاث، كتأخره حتى تأخر الرجال ~~فانتهوا إلى النساء، وفي حمله أمامة ووضعها في كل ركعة، وهذا في الغالب ~~يزيد على ثلاثة أفعال، وكذلك مشي أبي برزة مع دابته. ولأن التقدير بابه ~~التوقيف، وهذا لا توقيف فيه، ولكن يرجع في الكثير واليسير إلى العرف، فيما ~~يعد كثيرا أو يسيرا، وكل ما شابه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ~~معدود يسيرا. # وإن فعل أفعالا متفرقة لو جمعت كانت كثيرة، وكل واحد منها بمفرده يسير، ~~فهي في حد اليسير؛ بدليل حمل النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمامة في كل ~~ركعة ووضعها. وما كثر وزاد على فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أبطل ~~الصلاة سواء كان لحاجة أو غيرها، إلا أن يكون لضرورة، فيكون حكمه حكم ~~الخائف، فلا تبطل صلاته به، وإن احتاج إلى الفعل الكثير في الصلاة لغير ~~ضرورة، قطع الصلاة، وفعله. # قال أحمد: إذا رأى صبيين ms0765 يقتتلان، يتخوف أن يلقي أحدهما صاحبه في البئر، ~~فإنه يذهب إليهما فيخلصهما، ويعود في صلاته. وقال: إذا لزم رجل رجلا، فدخل ~~المسجد، وقد أقيمت الصلاة، فلما سجد الإمام خرج الملزوم، فإن الذي كان ~~يلزمه يخرج في طلبه. يعني: ويبتدئ الصلاة. وهكذا لو رأى حريقا يريد إطفاءه، ~~أو غريقا يريد إنقاذه، خرج إليه، وابتدأ الصلاة. # ولو انتهى الحريق إليه، أو السيل، وهو في الصلاة، ففر منه، بنى على ~~صلاته، وأتمها صلاة خائف؛ لما ذكرنا من قبل، والله أعلم. ### | [مسألة لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم] # (1224) مسألة؛ قال: (ولا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم) . يعني ~~إذا مر بين يديه. هذا المشهور عن أحمد - رحمه الله -، نقله الجماعة عنه. ~~قال الأثرم: سئل أبو عبد الله ما يقطع الصلاة؟ قال لا يقطعها عندي شيء إلا ~~الكلب الأسود البهيم. # وهذا قول عائشة وحكي عن طاوس وروى عن معاذ ومجاهد أنهما قالا: الكلب ~~الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة. ومعنى البهيم الذي ليس في لونه شيء ~~سوى السواد. وعن أحمد رواية أخرى، أنه يقطعها الكلب الأسود، والمرأة إذا ~~مرت، والحمار. # قال: وحديث # PageV02P183 # عائشة من الناس من قال: ليس بحجة على هذا؛ لأن المار غير اللابث، وهو في ~~التطوع، وهو أسهل، والفرض آكد. وحديث ابن عباس: مررت بين يدي بعض الصف. ليس ~~بحجة؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه وروي هذا القول عن أنس وعكرمة، ~~والحسن، وأبي الأحوص. # ووجه هذا القول ما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل» ~~. # وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قام أحدكم ~~يصلي، فإنه يستره مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل ~~فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود» قال عبد الله بن الصامت: ~~يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ~~ابن أخي، سألت رسول الله - صلى الله ms0766 عليه وسلم - كما سألتني فقال «الكلب ~~الأسود شيطان» . رواهما مسلم، وأبو داود وغيرهما. وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - للذي مر بين يديه على حمار: " قطع صلاتنا ". وقد ذكرنا هذا ~~الحديث # وكان ابن عباس وعطاء يقولان: يقطع الصلاة الكلب، والمرأة الحائض ورواه ~~ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. أخرجه أبو داود، وابن ماجه. قال ~~أبو داود: رفعه شعبة، ووقفه، سعيد، وهشام، وهمام، على ابن عباس. # وقال عروة، والشعبي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يقطع ~~الصلاة شيء؛ لما روى أبو سعيد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا يقطع الصلاة شيء» . رواه أبو داود. # وعن الفضل بن عباس قال: «أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في ~~بادية، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة يعبثان بين ~~يديه، فما بالى ذلك» رواه أبو داود. وقالت عائشة: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصلي صلاته من الليل، وأنا معترضة بينه وبين القبلة» . ~~وحديث ابن عباس: «أقبلت راكبا على حمار أتان، والنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يصلي، فمررت على بعض الصف، ونزلت، فأرسلت الأتان ترتع. فدخلت في الصف، ~~فلم ينكر علي أحد» . متفق عليهما. # وحديث زينب بنت أم سلمة، حين مرت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فلم يقطع صلاته. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي، فجاءت ~~جاريتان من بني عبد المطلب، حتى أخذتا بركبتيه، فقرع بينهما فما بالى ذلك. # PageV02P184 # ولنا، حديث أبي هريرة وأبي ذر، وحديث أبي سعيد: «لا يقطع الصلاة شيء» . ~~يرويه مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، فلا يعارض به الحديث الصحيح، ثم حديثنا ~~أخص، فيجب تقديمه لصحته وخصوصه، وحديث الفضل بن عباس في إسناده مقاتل، # ثم يحتمل أن الكلب لم يكن أسود ولا بهيما، ويجوز أن يكونا بعيدين، ثم هذه ~~الأحاديث كلها في المرأة، والحمار، يعارض حديث أبي هريرة وأبي ذر فيهما، ~~فيبقى الكلب الأسود خاليا عن معارض، فيجب القول به لثبوته، وخلوه عن معارض ms0767 ~~(1225) فصل: ولا يقطع الصلاة شيء سوى ما ذكرنا، لا من الكلاب ولا من غيرها؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصها بالذكر. # وقيل له: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: " ~~الكلب الأسود شيطان " وكذلك الكلب الأسود إذا لم يكن بهيما لم يقطع الصلاة؛ ~~لتخصيصه البهيم بالذكر، ولقوله - عليه السلام -: «لولا أن الكلاب أمة من ~~الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم، فإنه شيطان» . فبين أن ~~الشيطان هو الأسود البهيم، قال ثعلب: البهيم كل لون لم يخالطه لون آخر فهو ~~بهيم. فمتى كان فيه لون آخر فليس ببهيم. وإن كان بين عينيه نكتتان يخالفان ~~لونه لم يخرج بهذا عن كونه بهيما، # يتعلق به أحكام الأسود البهيم؛ من قطع الصلاة، وتحريم صيده، وإباحة قتله؛ ~~فإنه قد روي في حديث: «عليكم بالأسود البهيم ذي الغرتين، فإنه شيطان» . ### | [فصل لا فرق في بطلان الصلاة بين الفرض والتطوع] # (1226) فصل: ولا فرق في بطلان الصلاة بين الفرض والتطوع؛ لعموم الحديث في ~~كل صلاة، ولأن مبطلات الصلاة يتساوى فيها الفرض والتطوع في غير هذا، فكذلك ~~هذا، وقد روي عن أحمد كلام يدل على التسهيل في التطوع، والصحيح التسوية وقد ~~قال أحمد: يحتجون في حديث عائشة، فإنه في التطوع، وما أعلم بين التطوع ~~والفريضة فرقا إلا أن التطوع يصلى على الدابة. ### | [فصل مرور الكلب الأسود البهيم بين يدي المصلي] # (1227) فصل: فإن كان الكلب الأسود البهيم واقفا بين يدي المصلي، أو نائما ~~ولم يمر بين يديه ففيه روايتان: إحداهما، تبطل؛ لأنه بين يديه أشبه المار، ~~وقد قالت عائشة: عدلتمونا بالكلاب والحمر وذكرت في معارضة ذلك ودفعه أنها ~~كانت تكون معترضة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، ~~كاعتراض الجنازة. فيدل ذلك على التسوية بينهما. # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقطع الصلاة المرأة، والحمار، ~~والكلب» . ولم يذكر مرورا. والثانية، لا تبطل الصلاة به؛ لأن الوقوف والنوم ~~مخالف لحكم المرور، بدليل أن عائشة كانت # PageV02P185 # تنام بين يدي رسول الله - صلى ms0768 الله عليه وسلم - فلا يكرهه، ولا ينكره، ~~وقد قال في المار: " لكان أن يقف أربعين، خير له من أن يمر بين يديه ". ~~وكان يصلي إلى البعير، ولو مر بين يديه لم يدعه، ولهذا منع البهيمة من ~~المرور. # وكان ابن عمر يقول لنافع: ولني ظهرك. ليستتر به ممن يمر بين يديه. وقعد ~~عمر بين يدي المصلي يستره من المرور. فدل على أن الوقوف ليس في حكم المرور، ~~فلا يقاس عليه. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " يقطع الصلاة ". لا بد ~~فيه من إضمار المرور أو غيره، فيتعين حمله عليه ### | [فصل صلى إلى سترة فمر من ورائها ما يقطع الصلاة] # (1228) فصل: ومن صلى إلى سترة فمر من ورائها ما يقطع الصلاة، لم تنقطع. ~~وإن مر من ورائها غير ما يقطعها، لم يكره؛ لما مر من الأحاديث. وإن مر بينه ~~وبينها، قطعها إن كان مما يقطعها، كره إن كان مما لا يقطعها. وإن لم يكن ~~بين يديه سترة، فمر بين يديه قريبا منه ما يقطعها، قطعها، وإن كان مما لا ~~يقطعها، كره، وإن كان بعيدا، لم يتعلق به حكم. # ولا أعلم أحدا من أهل العلم حد البعيد من ذلك ولا القريب، إلا أن عكرمة ~~قال: إذا كان بينك وبين الذي يقطع الصلاة قذفة بحجر، لم يقطع الصلاة. وقد ~~روى عبد بن حميد، في " مسنده " وأبو داود في " سننه "، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس، قال: أحسبه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا صلى ~~أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الكلب، والحمار، والخنزير، والمجوسي، ~~واليهودي، والمرأة، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه قذفة بحجر» هذا لفظ رواية ~~أبي داود. وفي " مسند عبد بن حميد ": " والنصراني، والمرأة الحائض ". وهذا ~~الحديث لو ثبت، لتعين المصير إليه، غير أنه لم يجزم برفعه، وفيه ما هو ~~متروك بالإجماع، # وهو ما عدا الثلاثة المذكورة، ولا يمكن تقييد ذلك بموضع السجود؛ فإن قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - " إذا لم تكن بين يديه مثل آخرة الرحل، قطع ms0769 صلاته ~~الكلب الأسود ". # يدل على أن ما هو أبعد من السترة تنقطع صلاته بمرور الكلب فيه، والسترة ~~تكون أبعد من موضع السجود، والصحيح تحديد ذلك بما إذا مشى إليه، ودفع المار ~~بين يديه، لا تبطل صلاته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بدفع المار ~~بين يديه، فتقيد لدلالة الإجماع بما يقرب منه، بحيث إذا مشى إليه لم تبطل ~~صلاته، واللفظ في الحديثين واحد، وقد تعذر حملهما على إطلاقهما، وقد تقيد ~~أحدهما بدلالة الإجماع بقيد، فتقيد الآخر به. والله أعلم. # PageV02P186 ### | [فصل صلى إلى سترة مغصوبة فاجتاز وراءها كلب أسود فهل تنقطع صلاته] # (1229) فصل: إذا صلى إلى سترة مغصوبة، فاجتاز وراءها كلب أسود، فهل تنقطع ~~صلاته؟ فيه وجهان ذكرهما ابن حامد: أحدهما، تبطل صلاته؛ لأنه ممنوع من ~~نصبها، والصلاة إليها، فوجودها كعدمها، والثاني، لا تبطل؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: يقي ذلك مثل آخرة الرحل ". وهذا قد وجد. وأصل الوجهين ~~إذا صلى في ثوب مغصوب، هل تصح صلاته؟ على روايتين. # PageV02P187 ### | [باب صلاة المسافر] # الأصل في قصر الصلاة الكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله ~~تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ~~أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] . «قال - يعلى بن أمية - قلت لعمر بن ~~الخطاب ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ~~وقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» . # أخرجه مسلم. . وأما السنة، فقد تواترت الأخبار أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يقصر في أسفاره، حاجا، ومعتمرا، وغازيا. وقال ابن عمر: ~~صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قبض - يعني في السفر - وكان «لا ~~يزيد على ركعتين، وأبا بكر حتى قبض، وكان لا يزيد على ركعتين، وعمر، وعثمان ~~كذلك» . وقال ابن مسعود: «صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، ~~ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت ms0770 بكم الطرق. ووددت أن لي من ~~أربع ركعتين متقبلتين» . # وقال أنس: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فصلى ~~ركعتين حتى رجع، وأقمنا بمكة عشرا نقصر الصلاة حتى رجع» . متفق عليهن. ~~وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة في حج، أو عمرة، ~~أو جهاد، أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين. ### | [مسألة مسافة القصر في السفر] # (1230) مسألة؛ قال: (وإذا كانت مسافة سفره ستة عشر فرسخا، أو ثمانية ~~وأربعين ميلا بالهاشمي، فله أن يقصر) . قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: في ~~كم تقصر الصلاة؟ قال: في أربعة برد. قيل له: مسيرة يوم تام؟ قال: لا. أربعة ~~برد، ستة عشر فرسخا، ومسيرة يومين. # فمذهب أبي عبد الله أن القصر لا يجوز في أقل من ستة عشر فرسخا، والفرسخ: ~~ثلاثة أميال، فيكون ثمانية وأربعين ميلا، قال القاضي: والميل: اثنا عشر ألف ~~قدم، وذلك مسيرة يومين قاصدين. وقد قدره ابن عباس، فقال: من عسفان إلى مكة ~~ومن الطائف إلى مكة ومن جدة إلى مكة. # وذكر صاحب المسالك، أن من دمشق إلى القطيفة أربعة وعشرين ميلا، ومن دمشق ~~إلى الكسوة اثنا عشر ميلا، ومن الكسوة إلى جاسم أربعة وعشرين ميلا. فعلى ~~هذا تكون مسافة القصر يومين قاصدين. وهذا قول ابن عباس وابن عمر. وإليه ذهب ~~مالك، والليث، والشافعي، وإسحاق. # PageV02P188 # وروي عن ابن عمر أنه كان يقصر في مسيرة عشرة فراسخ، قال ابن المنذر: ثبت ~~أن ابن عمر كان يقصر إلى أرض له، وهي ثلاثون ميلا. # وروي نحو ذلك عن ابن عباس، فإنه قال: يقصر في اليوم، ولا يقصر فيما دونه. ~~وإليه ذهب الأوزاعي. وقال: عامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تام. وبه نأخذ. ~~ويروى عن ابن مسعود، أنه يقصر في مسيرة ثلاثة أيام. وبه قال الثوري وأبو ~~حنيفة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ~~ولياليهن» . # وهذا يقتضي أن كل مسافر له ذلك، ولأن الثلاثة متفق عليها، وليس في أقل من ~~ذلك توقيف ولا اتفاق. ms0771 وروي عن جماعة من السلف، رحمة الله عليهم، ما يدل على ~~جواز القصر في أقل من يوم، فقال الأوزاعي: كان أنس يقصر فيما بينه وبين ~~خمسة فراسخ. وكان قبيصة بن ذؤيب، وهانئ بن كلثوم، وابن محيريز يقصرون فيما ~~بين الرملة وبيت المقدس. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه خرج من قصره بالكوفة حتى أتى النخيلة ~~فصلى بها الظهر والعصر ركعتين ثم رجع من يومه، فقال: أردت أن أعلمكم سنتكم. ~~وعن جبير بن نفير، قال: «خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة ~~عشر ميلا، أو ثمانية عشر ميلا، فصلى ركعتين، فقلت له، فقال: رأيت عمر بن ~~الخطاب يصلي بالحليفة ركعتين، وقال: إنما فعلت كما رأيت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يفعل» . رواه مسلم # وروي «أن دحية الكلبي خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر ثلاثة أميال في ~~رمضان، ثم إنه أفطر، وأفطر معه أناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى ~~قريته، قال: والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رغبوا ~~عن هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. يقول ذلك للذين صاموا قبل» رواه ~~أبو داود. وروى سعيد، ثنا هاشم عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، ~~قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سافر فرسخا قصر الصلاة» . ~~وقال أنس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا خرج مسيرة ثلاثة ~~أميال، أو ثلاثة فراسخ، صلى ركعتين» . شعبة الشاك. رواه مسلم. وأبو داود. # واحتج أصحابنا بقول ابن عباس وابن عمر، قال ابن عباس: يا أهل مكة، لا ~~تقصروا في أدنى من أربعة برد من عسفان إلى مكة. قال الخطابي: وهو أصح ~~الروايتين عن ابن عمر. # ولأنها مسافة تجمع مشقة السفر، من الحل والشد، فجاز القصر فيها، كمسافة ~~الثلاث، ولم يجز فيما دونها؛ لأنه لم يثبت دليل يوجب القصر فيه. وقول: أنس: ~~إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ~~ثلاثة فراسخ، ms0772 صلى ركعتين. يحتمل أنه أراد به إذا سافر سفرا طويلا قصر إذا ~~بلغ ثلاثة أميال. # PageV02P189 # كما قال في لفظه الآخر: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة ~~أربعا، وبذي الحليفة ركعتين» . # قال المصنف: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة متعارضة ~~مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف. وقد روي عن ابن عباس، وابن عمر، خلاف ما ~~احتج به أصحابنا. # ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وفعله، وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه؛ ~~لوجهين: أحدهما، أنه مخالف لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي ~~رويناها، ولظاهر القرآن؛ لأن ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض، لقوله ~~تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ~~[النساء: 101] . وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية. فبقي ~~ظاهر الآية متناولا كل ضرب في الأرض. # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المسافر ثلاثة أيام» . جاء ~~لبيان أكثر مدة المسح، فلا يصح الاحتجاج به هاهنا، وعلى أنه يمكنه قطع ~~المسافة القصيرة في ثلاثة أيام، وقد سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سفرا، فقال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم ~~إلا مع ذي محرم» . # والثاني: أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، سيما ~~وليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل ~~مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. (1231) فصل: وإذا كان في سفينة في ~~البحر، فهو كالبر، إن كانت مسافة سفره تبلغ مسافة القصر، أبيح له، وإلا ~~فلا، سواء قطعها في زمن طويل أو قصير، اعتبارا بالمسافة وإن شك هل السفر ~~مبيح للقصر أو لا؟ لم يبح له؛ لأن الأصل وجوب الإتمام، فلا يزول بالشك. # وإن قصر، لم تصح صلاته، وإن تبين له بعدها أنه طويل؛ لأنه صلى شاكا في ~~صحة صلاته، فأشبه ما لو صلى ms0773 شاكا في دخول الوقت. ### | [فصل الاعتبار بالنية لا بالفعل فيعتبر أن ينوي مسافة تبيح القصر] # (1232) فصل: والاعتبار بالنية لا بالفعل، فيعتبر أن ينوي مسافة تبيح ~~القصر، فلو خرج يقصد سفرا بعيدا، فقصر الصلاة، ثم بدا له فرجع، كان ما صلاه ~~ماضيا صحيحا، ولا يقصر في رجوعه، إلا أن تكون مسافة الرجوع مبيحة بنفسها. ~~نص أحمد على هذا. ولو خرج طالبا لعبد آبق، لا يعلم أين هو، أو منتجعا غيثا ~~أو كلأ، متى وجده أقام أو رجع، أو سائحا في الأرض لا يقصد مكانا، لم يبح له ~~القصر، وإن سار سفرا أياما. # وقال ابن عقيل: يباح له القصر إذا بلغ مسافة مبيحة له؛ لأنه مسافر سفرا ~~طويلا. ولنا، أنه لم يقصد مسافة القصر، فلم يبح له، كابتداء سفره، ولأنه لم ~~يبح القصر في ابتدائه فلم يبحه في أثنائه، إذا لم يغير نيته، كالسفر ~~القصير، وسفر المعصية، ومتى رجع هذا يقصد بلده، أو نوى # PageV02P190 # مسافة القصر، فله القصر؛ لوجود نيته المبيحة، ولو قصد بلدا بعيدا، أو في ~~عزمه أنه متى وجد طلبته دونه رجع أو أقام، لم يبح له القصر؛ لأنه لم يجزم ~~بسفر طويل. # وإن كان لا يرجع ولا يقيم بوجوده، فله القصر. ### | [فصل كان لمقصده طريقان يباح القصر في أحدهما دون الآخر] # (1233) فصل: ومتى كان لمقصده طريقان، يباح القصر في أحدهما دون الآخر، ~~فسلك البعيد ليقصر الصلاة فيه، أبيح له؛ لأنه مسافر سفرا بعيدا مباحا، ~~فأبيح له القصر، كما لو لم يجد سواه أو كان الآخر مخوفا أو شاقا ### | [فصل صلاة المسافر إذا خرج مكرها] # (1234) فصل: وإن خرج الإنسان إلى السفر مكرها، كالأسير، فله القصر إذا ~~كان سفره بعيدا، نص عليه أحمد. وقال الشافعي: لا يقصر؛ لأنه غير ناو للسفر ~~ولا جازم به، فإن نيته أنه متى أفلت رجع. ولنا، أنه مسافر سفرا بعيدا غير ~~محرم، فأبيح له القصر، كالمرأة مع زوجها، والعبد مع سيده، إذا كان عزمهما ~~أنه لو مات أو زال ملكهما، رجع. وقياسهم منتقض بهذا. إذا ثبت ms0774 هذا، فإنه يتم ~~إذا صار في حصونهم، نص عليه أيضا؛ لأنه قد انقضى سفره. # ويحتمل أنه لا يلزمه الإتمام؛ لأن في عزمه أنه متى أفلت رجع، فأشبه ~~المحبوس ظلما. ### | [مسألة ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت قريته] # (1235) مسألة؛ قال: (إذا جاوز بيوت قريته) . وجملته أنه ليس لمن نوى ~~السفر القصر حتى يخرج من بيوت قريته، ويجعلها وراء ظهره. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وحكي ذلك عن جماعة من التابعين. ~~وحكي عن عطاء، وسليمان بن موسى، أنهما أباحا القصر في البلد لمن نوى السفر. ~~. # وعن الحارث بن أبي ربيعة، أنه أراد سفرا، فصلى بهم في منزله ركعتين، ~~وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب عبد الله. وروى عبيد بن جبر، ~~قال: «كنت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط، في شهر رمضان، فدفع، ~~ثم قرب غذاؤه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، ثم قال: اقترب. فقلت: ~~ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. فأكل» . رواه أبو داود. # ولنا، قول الله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة} [النساء: 101] ولا يكون ضاربا في الأرض حتى يخرج، وقد روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يبتدئ القصر إذا خرج من المدينة. قال ~~أنس: «صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالمدينة أربعا، وبذي ~~الحليفة ركعتين» . متفق عليه، فأما أبو بصرة فإنه لم يأكل حتى دفع، وقوله: ~~لم يجاوز البيوت: معناه - والله أعلم - لم يبعد منها؛ بدليل قول عبيد له: ~~ألست ترى البيوت؟ # PageV02P191 # إذا ثبت هذا؛ فإنه يجوز له القصر وإن كان قريبا من البيوت. # قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أن للذي يريد السفر ~~أن يقصر الصلاة إذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها. وروي عن مجاهد، أنه ~~قال: إذا خرجت مسافرا فلا تقصر الصلاة يومك ذلك إلى الليل، وإذا رجعت ليلا ~~فلا ms0775 تقصر ليلتك حتى تصبح. ولنا قول الله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} [النساء: 101] . # وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج من المدينة لم يزد على ~~ركعتين حتى يرجع إليها. وحديث أبي بصرة، وقال عبد الرحمن الهمذاني: خرجنا ~~مع علي - رضي الله عنه - مخرجه إلى صفين، فرأيته صلى ركعتين بين الجسر ~~وقنطرة الكوفة. وقال البخاري: خرج علي فقصر، وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل ~~له: هذه الكوفة. قال: لا حتى ندخلها. ولأنه مسافر، فأبيح له القصر، كما لو ~~بعد. # (1236) فصل: وإن خرج من البلد، وصار بين حيطان بساتينه، فله القصر؛ لأنه ~~قد ترك البيوت وراء ظهره وإن كان حول البلد خراب قد تهدم وصار فضاء، أبيح ~~له القصر فيه كذلك. وإن كانت حيطانه قائمة فكذلك. قاله الآمدي، وقال ~~القاضي: لا يباح. وهو مذهب الشافعي لأن السكنى فيه ممكنة، أشبه العامر. ~~ولنا، أنها غير معدة للسكنى، أشبهت حيطان البساتين. # وإن كان في وسط البلد نهر فاجتازه، فليس له القصر؛ لأنه لم يخرج من البلد ~~ولم يفارق البنيان، فأشبه الرحبة والميدان في وسط البلد. وإن كان للبلد ~~محال، كل محلة منفردة عن الأخرى، كبغداد، فمتى خرج من محلته أبيح له القصر ~~إذا فارق محلته، وإن كان بعضها متصلا ببعض، لم يقصر حتى يفارق جميعها. ولو ~~كانت قريتان متدانيتين، فاتصل بناء إحداهما بالأخرى، فهما كالواحدة، وإن لم ~~يتصل، فلكل قرية حكم نفسها. # (1237) فصل: وإذا كان البدوي في حلة، لم يقصر حتى يفارق حلته، وإن كانت ~~حللا فلكل حلة حكم نفسها، كالقرى. وإن كان بيته منفردا فحتى يفارق منزله ~~ورحله، ويجعله وراء ظهره، كالحضري. ### | [مسألة الرخص المختصة بالسفر من القصر والجمع] # (1238) مسألة؛ قال: (إذا كان سفره واجبا أو مباحا) وجملته أن الرخص ~~المختصة بالسفر؛ من القصر، والجمع، والفطر، والمسح ثلاثا، والصلاة على ~~الراحلة تطوعا، يباح في السفر الواجب والمندوب والمباح، كسفر التجارة ~~ونحوه، وهذا قول أكثر أهل العلم. وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وابن عمر. ms0776 ~~وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، # PageV02P192 # وأهل المدينة، وأصحاب الرأي. # وعن ابن مسعود: لا يقصر إلا في حج أو جهاد؛ لأن الواجب لا يترك إلا ~~لواجب. وعن عطاء كقول الجماعة. وعنه: لا يقصر إلا في سبيل من سبل الخير؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قصر في سفر واجب أو مندوب. ولنا، ~~قول الله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة} [النساء: 101] وقوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} [المائدة: ~~6] وقالت عائشة: إن الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فأقرت صلاة السفر، وأتمت ~~صلاة الحضر. متفق عليه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في ~~الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» . رواه مسلم. وقال عمر - ~~رضي الله عنه - «صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، والعيد ركعتان، تمام ~~غير قصر، على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد خاب من افترى» . رواه ~~سعيد، وابن ماجه. # وروي عن إبراهيم أنه قال: «أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: ~~يا رسول الله إني أريد البحرين في تجارة، فكيف تأمرني في الصلاة؟ فقال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: صل ركعتين» . رواه سعيد، عن أبي معاوية، ~~عن الأعمش عن إبراهيم. وقال صفوان بن عسال: «أمرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا كنا مسافرين سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن» ~~. # وهذه النصوص تدل على إباحة الترخص في كل سفر، وقد كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يترخص في عوده من سفره، وهو مباح. ### | [فصل لا تباح الرخص في سفر المعصية] # (1239) فصل: ولا تباح هذه الرخص في سفر المعصية كالإباق، وقطع الطريق، ~~والتجارة في الخمر والمحرمات. # PageV02P193 # نص عليه أحمد. وهو مفهوم كلام الخرقي لتخصيصه الواجب والمباح، وهذا قول ~~الشافعي، وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة: له ذلك؛ احتجاجا بما ذكرنا ~~من النصوص، ولأنه مسافر، فأبيح له الترخص كالمطيع. # ولنا، قول الله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم ms0777 عليه} [البقرة: ~~173] أباح الأكل لمن لم يكن عاديا ولا باغيا، فلا يباح لباغ ولا عاد. قال ~~ابن عباس: غير باغ على المسلمين، مفارق لجماعتهم، يخيف السبيل، ولا عاد ~~عليهم. # ولأن الترخص شرع للإعانة على تحصيل المقصد المباح، توصلا إلى المصلحة، ~~فلو شرع هاهنا لشرع إعانة على المحرم، تحصيلا للمفسدة، والشرع منزه عن هذا، ~~والنصوص وردت في حق الصحابة، وكانت أسفارهم مباحة، فلا يثبت الحكم في من ~~سفره مخالف لسفرهم، ويتعين حمله على ذلك جمعا بين النصين، وقياس المعصية ~~على الطاعة بعيد، لتضادهما. # (1240) فصل: فإن عدم العاصي بسفره الماء، فعليه أن يتيمم؛ لأن الصلاة ~~واجبة لا تسقط، والطهارة لها واجبة أيضا، فيكون ذلك عزيمة، وهل تلزمه ~~الإعادة؟ على وجهين: أحدهما، لا تلزمه؛ لأن التيمم عزيمة، بدليل وجوبه، ~~والرخص لا تجب، والثاني: عليه الإعادة؛ لأنه حكم يتعلق بالسفر، أشبه بقية ~~الرخص. # والأول أولى؛ لأنه أتى بما أمر به من التيمم والصلاة، فلم يلزمه إعادتها، ~~ويفارق بقية الرخص، فإنه يمنع منها، وهذا يجب فعله، ولأن حكم بقية الرخص ~~المنع من فعلها، ولا يمكن تعدية هذا الحكم إلى التيمم، ولا إلى الصلاة، ~~لوجوب فعلهما، ووجوب الإعادة ليس بحكم في بقية الرخص، فكيف يمكن أخذه منها ~~أو تعديته عنها. ويباح له المسح يوما وليلة؛ لأن ذلك لا يختص السفر، فأشبه ~~الاستجمار، والتيمم وغيرهما من رخص الحضر. # وقيل: لا يجوز؛ لأنه رخصة، فلم تبح له كرخص السفر، والأول أولى، وهذا ~~ينتقض بسائر رخص الحضر. ### | [فصل حكم القصر إذا كان السفر مباحا فغير نيته إلى المعصية] # (1241) فصل: إذا كان السفر مباحا، فغير نيته إلى المعصية، انقطع الترخص ~~لزوال سببه. ولو سافر لمعصية فغير نيته إلى مباح، صار سفرا مباحا، وأبيح له ~~ما يباح في السفر المباح، وتعتبر مسافة السفر من حين غير النية. ولو كان ~~سفره مباحا، فنوى المعصية بسفره، ثم رجع إلى نية المباح، اعتبرت مسافة ~~القصر من حين رجوعه إلى نية المباح؛ لأن حكم سفره انقطع بنية المعصية، ~~فأشبه ما لو نوى الإقامة، ثم عاد ms0778 فنوى السفر. # فأما إن كان السفر مباحا، لكنه يعصي فيه، لم يمنع ذلك الترخص؛ لأن السبب ~~هو السفر المباح، وقد وجد، فثبت حكمه، ولم يمنعه وجود معصية، كما أن معصيته ~~في الحضر لا تمنع الترخص فيه. # PageV02P194 ### | [فصل في سفر التنزه والتفرج روايتان إحداهما تبيح الترخص] # (1242) فصل: وفي سفر التنزه والتفرج روايتان: إحداهما، تبيح الترخص. وهذا ~~ظاهر كلام الخرقي لأنه سفر مباح، فدخل في عموم النصوص المذكورة، وقياسا على ~~سفر التجارة. والثانية: لا يترخص فيه. قال أحمد: إذا خرج الرجل إلى بعض ~~البلدان تنزها وتلذذا، وليس في طلب حديث ولا حج ولا عمرة ولا تجارة، فإنه ~~لا يقصر الصلاة؛ لأنه إنما شرع إعانة على تحصيل المصلحة، ولا مصلحة في هذا. # والأول أولى. ### | [فصل حكم القصر إذا سافر لزيارة القبور والمشاهد] # (1243) فصل: فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد. فقال ابن عقيل: لا يباح له ~~الترخص؛ لأنه منهي عن السفر إليها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» . متفق عليه، والصحيح إباحته، وجواز القصر ~~فيه؛ لان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي قباء راكبا وماشيا، وكان ~~يزور القبور، وقال: «زوروها تذكركم الآخرة» . # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ~~" فيحمل على نفي التفضيل، لا على التحريم، وليست الفضيلة شرطا في إباحة ~~القصر، فلا يضر انتفاؤها. ### | [فصل الملاح هل يقصر في السفينة] # (1244) فصل: والملاح الذي يسير في سفينه، وليس له بيت سوى سفينته، فيها ~~أهله وتنوره وحاجته، لا يباح له الترخص. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ~~يسأل عن الملاح، أيقصر، ويفطر في السفينة؟ قال: أما إذا كانت السفينة بيته ~~فإنه يتم ويصوم. قيل له: وكيف تكون بيته؟ قال: لا يكون له بيت غيرها، معه ~~فيها أهله وهو فيها مقيم. وهذا قول عطاء. # وقال الشافعي يقصر ويفطر؛ لعموم النصوص، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة» . رواه أبو داود. ولأن كون ~~أهله معه لا يمنع ms0779 الترخص، كالجمال. ولنا، أنه غير ظاعن عن منزله، فلم يبح ~~له الترخص، كالمقيم في المدن، فأما النصوص فإن المراد بها الظاعن عن منزله، ~~وليس هذا كذلك، وأما الجمال والمكاري فلهم الترخص وإن سافروا بأهلهم. # PageV02P195 # قال: أبو داود: سمعت أحمد يقول في المكاري الذي هو دهره في السفر: لا بد ~~من أن يقدم فيقيم اليوم. قيل: فيقيم اليوم واليومين والثلاثة في تهيئه ~~للسفر. قال: هذا يقصر. وذكر القاضي، وأبو الخطاب، أنه ليس له القصر ~~كالملاح. وهذا غير صحيح؛ لأنه مسافر مشفوق عليه، فكان له القصر كغيره، ولا ~~يصح قياسه على الملاح؛ فإن الملاح في منزله سفرا وحضرا، ومعه مصالحه وتنوره ~~وأهله، وهذا لا يوجد في غيره. # وإن سافر هذا بأهله كان أشق عليه، وأبلغ في استحقاق الترخص، وقد ذكرنا نص ~~أحمد في الفرق بينهما، والنصوص متناولة لهذا بعمومها، وليس هو في معنى ~~المخصوص، فوجب القول بثبوت حكم النص فيه، والله أعلم. ### | [مسألة لم ينو القصر في وقت دخوله إلى الصلاة] # (1245) مسألة؛ قال: (ومن لم ينو القصر في وقت دخوله إلى الصلاة لم يقصر) ~~. وجملته أن نية القصر شرط في جوازه، ويعتبر وجودها عند أول الصلاة، كنية ~~الصلاة. وهذا قول الخرقي واختاره القاضي. # وقال أبو بكر: لا تشترط نيته؛ لأن من خير في العبادة قبل الدخول فيها خير ~~بعد الدخول فيها، كالصوم، ولأن القصر هو الأصل؛ بدليل خبر عائشة، وعمر، ~~وابن عباس، فلا يحتاج إلى نية، كالإتمام في الحضر، ووجه الأول أن الإتمام ~~هو الأصل، على ما سنذكره في مسألة " وللمسافر أن يقصر وله أن يتم "، وإطلاق ~~النية ينصرف إلى الأصل، ولا ينصرف عنه إلا بتعيين ما يصرفه إليه، كما لو ~~نوى الصلاة مطلقا، ولم ينو إماما ولا مأموما، فإنه ينصرف إلى الانفراد، إذ ~~هو الأصل. # والتفريع يقع على هذا القول، فلو شك في أثناء صلاته، هل نوى القصر في ~~ابتدائها أو لا، لزمه إتمامها احتياطا؛ لأن الأصل عدمها، فإن ذكر بعد ذلك ~~أنه كان قد نوى القصر، لم يجز له القصر؛ ms0780 لأنه قد لزمه الإتمام، فلم يزل. ~~ولو نوى الإتمام، أو ائتم بمقيم، ففسدت الصلاة، وأراد إعادتها، لزمه ~~الإتمام أيضا؛ لأنها وجبت عليه تامة بتلبسه بها خلف المقيم، ونية الإتمام. # وهذا قول الشافعي. وقال الثوري، وأبو حنيفة: إذا فسدت صلاة الإمام عاد ~~المسافر إلى حاله. ولنا، أنها وجبت بالشروع فيها تامة، فلم يجز له قصرها، ~~كما لو لم تفسد. ### | [فصل نوى القصر ثم نوى الإتمام] # (1246) فصل: ومن نوى القصر، ثم نوى الإتمام، أو نوى ما يلزمه به الإتمام ~~من الإقامة، أو قلب نيته إلى سفر معصية، أو نوى الرجوع عن سفره، ومسافة ~~رجوعه لا يباح فيه القصر، ونحو هذا لزمه الإتمام، ولزم من خلفه متابعته. ~~وبهذا قال الشافعي. وقال: مالك: لا يجوز له الإتمام؛ لأنه نوى عددا، فإذا ~~زاد عليه، حصلت الزيادة بغير نية. # PageV02P196 # ولنا، أن نية صلاة الوقت قد وجدت، وهي أربع، وإنما أبيح ترك ركعتين رخصة، ~~فإذا أسقط نية الترخص، صحت الصلاة بنيتهما، ولزمه الإتمام، ولأن الإتمام ~~الأصل، وإنما أبيح تركه بشرط، فإذا زال الشرط عاد الأصل إلى حاله. ### | [فصل إذا قصر المسافر معتقدا لتحريم القصر] # (1247) فصل: وإذا قصر المسافر معتقدا لتحريم القصر، لم تصح صلاته؛ لأنه ~~فعل ما يعتقد تحريمه، فلم يقع مجزئا، كمن صلى يعتقد أنه محدث، ولأن نية ~~التقرب بالصلاة شرط، وهذا يعتقد أنه عاص، فلم تحصل نية التقرب. ### | [مسألة الصبح والمغرب لا يقصران] # مسألة؛ قال: (والصبح والمغرب لا يقصران، وهذا لا خلاف فيه) . قال ابن ~~المنذر: أجمع أهل العلم على أن لا يقصر في صلاة المغرب والصبح، وأن القصر ~~إنما هو في الرباعية، ولأن الصبح ركعتان، فلو قصرت صارت ركعة، وليس في ~~الصلاة ركعة إلا الوتر، والمغرب وتر النهار، فلو قصر منها ركعة لم تبق ~~وترا، وإن قصرت اثنتان صارت ركعة، فيكون إجحافا بها، وإسقاطا لأكثرها. # وقد روى علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن عائشة أم ~~المؤمنين، قالت: «افترض الله الصلاة على نبيكم - صلى الله عليه وسلم - بمكة ~~ركعتين ركعتين، ms0781 إلا صلاة المغرب، فلما هاجر إلى المدينة، فأقام بها، ~~واتخذها دار هجرة، زاد إلى كل ركعتين ركعتين إلا صلاة الغداة؛ لطول القراءة ~~فيها، وإلا صلاة الجمعة للخطبة، وإلا صلاة المغرب فإنها وتر النهار، ~~فافترضها الله على عباده إلا هذه الصلاة، فإذا سافر صلى الصلاة التي كان ~~افترضها الله عليه.» ### | [مسألة للمسافر أن يتم ويقصر كما له أن يصوم ويفطر] # (1249) مسألة؛ قال: (وللمسافر أن يتم ويقصر، كما له أن يصوم ويفطر) . ~~المشهور عن أحمد، أن المسافر إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أتم. وروي عنه أنه ~~توقف، وقال: أنا أحب العافية من هذه المسألة. وممن روي عنه الإتمام في ~~السفر: عثمان، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عمر، وعائشة - رضي الله ~~عنهم - وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وهو المشهور عن مالك. # وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له الإتمام في السفر. وهو قول الثوري، وأبي ~~حنيفة. وأوجب حماد الإعادة على من أتم. وقال أصحاب الرأي: إن كان جلس بعد ~~الركعتين قدر التشهد، فصلاته صحيحة، وإلا لم تصح. وقال عمر بن عبد العزيز: ~~الصلاة في السفر ركعتان حتم، لا يصلح غيرهما. # وروي عن ابن عباس أنه قال: من صلى في السفر أربعا فهو كمن صلى في الحضر ~~ركعتين. واحتجوا بأن صلاة السفر ركعتان بدليل قول عمر، وعائشة، وابن عباس، ~~على ما ذكرناه. وروي عن صفوان بن محرز، أنه سأل ابن عمر عن الصلاة في ~~السفر، فقال: ركعتان، فمن خالف السنة كفر، ولأن الركعتين الأخريين يجوز ~~تركهما إلى غير بدل، فلم تجز زيادتهما على الركعتين المفروضتين، كما لو ~~زادهما على صلاة الفجر. # PageV02P197 # ولنا، قول الله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] وهذا يدل على أن القصر رخصة مخير بين ~~فعله وتركه، كسائر الرخص. وقال يعلى بن أمية: «قلت لعمر بن الخطاب: {فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: ~~101] ، فقال عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - صلى ms0782 الله عليه وسلم - ~~فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» . رواه مسلم. # وهذا يدل على أنه رخصة، وليس بعزيمة، وأنها مقصورة. وروى الأسود، عن ~~عائشة، أنها قالت: «خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمرة ~~رمضان، فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أفطرت ~~وصمت، وقصرت وأتممت. فقال: أحسنت» . رواه أبو داود الطيالسي، في " مسنده ". ~~وهذا صريح في الحكم. ولأنه لو ائتم بمقيم صلى أربعا، وصحت الصلاة، والصلاة ~~لا تزيد بالائتمام. # قال ابن عبد البر: وفي إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل ~~في صلاة المقيمين، فأدرك منها ركعة أن يلزمه أربع، دليل واضح على أن القصر ~~رخصة، إذ لو كان فرضه ركعتين لم يلزمه أربع بحال. # وروى بإسناده، عن عطاء، عن عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«كان يتم في السفر ويقصر» . وعن أنس، قال: كنا - أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نسافر، فيتم بعضنا، ويقصر بعضنا، ويصوم بعضنا، ويفطر ~~بعضنا، فلا يعيب أحد على أحد، ولأن ذلك إجماع الصحابة، رحمة الله عليهم، ~~بدليل أن فيهم من كان يتم الصلاة، ولم ينكر الباقون عليه، بدليل حديث أنس، ~~وكانت عائشة تتم الصلاة. رواه مسلم والبخاري # وأتمها عثمان، وابن مسعود، وسعد. وقال عطاء: كانت عائشة وسعد يوفيان ~~الصلاة في السفر، ويصومان، وروى الأثرم بإسناده، عن سعد، أنه أقام بعمان ~~شهرين، فكان يصلي ركعتين، ويصلي أربعا. وعن المسور بن مخرمة، قال: أقمنا مع ~~سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصرها سعد ونتمها. وسأل ابن عباس رجل، ~~فقال: كنت أتم الصلاة في السفر. فلم يأمره بالإعادة. # فأما قول عائشة: فرضت الصلاة ركعتين. فإنما أرادت أن ابتداء فرضها كان ~~ركعتين، ثم أتمت بعد الهجرة، فصارت أربعا. وقد صرحت بذلك حين شرحت، ولذلك ~~كانت تتم الصلاة، ولو اعتقدت ما أراد هؤلاء لم تتم. # وقول ابن عباس مثل قولها، ولا يبعد أن يكون أخذه منها، فإنه لم يكن في ~~زمن فرض الصلاة في سن ms0783 من يعقل الأحكام، ويعرف حقائقها، ولعله لم يكن ~~موجودا، أو كان فرضها في السنة التي ولد فيها، فإنها فرضت بمكة ليلة ~~الإسراء قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن عباس حين مات النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # PageV02P198 # ابن ثلاث عشرة سنة، وفي حديثه ما اتفق على تركه، وهو قوله: والخوف ركعة. ~~والظاهر أنه أراد ما أرادت عائشة من ابتداء الفرض، فلذلك لم يأمر من أتم ~~بالإعادة. # وقول عمر: تمام غير قصر. أراد بها تمام في فضلها غير ناقصة الفضيلة. ولم ~~يرد أنها غير مقصورة الركعات؛ لأنه خلاف ما دلت عليه الآية والإجماع، إذ ~~الخلاف إنما هو في القصر والإتمام، وقد ثبت بروايته عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في حديث يعلى بن أمية أنها مقصورة، ويشبه هذا ما رواه مجاهد، ~~قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني وصاحب لي كنا في سفر، وكان صاحبي ~~يقصر وأنا أتم. فقال له ابن عباس: أنت كنت تقصر وصاحبك يتم؛ رواه الأثرم، # أراد أن فعله أفضل من فعلك. ثم لو ثبت أن أصل الفرض ركعتان لم يمتنع جواز ~~الزيادة عليها، كما لو ائتم بمقيم، ويخالف زيادة ركعتين على صلاة الفجر، ~~فإنه لا يجوز زيادتهما بحال. (1250) مسألة؛ قال: (والقصر والفطر أعجب إلى ~~أبي عبد الله، رحمه الله) . أما القصر فهو أفضل من الإتمام في قول جمهور ~~العلماء، وقد كره جماعة منهم الإتمام. قال أحمد: ما يعجبني. # وقال ابن عباس للذي قال له: كنت أتم الصلاة وصاحبي يقصر: أنت الذي كنت ~~تقصر وصاحبك يتم. وشدد ابن عمر على من أتم الصلاة، روي أن رجلا سأله عن ~~صلاة السفر، فقال: ركعتان، فمن خالف السنة كفر. وقال بشر بن حرب: سألت ابن ~~عمر: كيف صلاة السفر يا أبا عبد الرحمن؟ قال إما أنتم تتبعون سنة نبيكم - ~~صلى الله عليه وسلم - أخبرتكم، وإما لا تتبعون سنة نبيكم فلا أخبركم؟ قلنا: ~~فخير ما اتبع سنة نبينا يا أبا عبد الرحمن. قال: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا خرج ms0784 من المدينة لم يزد على ركعتين حتى يرجع إليها.» رواه ~~سعيد. # قال: حدثنا حماد بن زيد، عن بشر. ولما بلغ ابن مسعود أن عثمان صلى أربعا ~~استرجع، وقال: «صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، ومع أبي ~~بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، ووددت أن حظي من أربع ~~ركعتان متقبلتان» . وهذا قول مالك. # ولا أعلم فيه مخالفا من الأئمة إلا الشافعي في أحد قوليه، قال: الإتمام ~~أفضل؛ لأنه أكثر عملا وعددا، وهو الأصل، فكان أفضل، كغسل الرجلين. ولنا، ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يداوم على القصر» ، بدليل ما ذكرنا ~~من الأخبار، وقال ابن عمر: «صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ~~ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله # PageV02P199 # تعالى» . متفق عليه. # وعن ابن مسعود، وعمران بن حصين مثل ذلك. وروى سعيد بن المسيب، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خياركم من قصر في السفر وأفطر» رواه ~~الأثرم. مع ما ذكرنا من أقوال الصحابة فيما مضى، ولأنه إذا قصر أدى الفرض ~~بالإجماع، وإذ أتم اختلف فيه، وأما الغسل فلا نسلم له أنه أفضل من المسح، ~~والفطر نذكره في بابه. ### | [فصل في جمع الصلاة] # (1251) فصل: واختلفت الرواية في الجمع، فروي أنه أفضل من التفريق؛ لأنه ~~أكثر تخفيفا وسهولة، فكان أفضل كالقصر. وعنه التفريق أفضل؛ لأنه خروج من ~~الخلاف، فكان أفضل كالقصر، ولأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~المداومة عليه، ولو كان أفضل لأدامه كالقصر. ### | [مسألة دخل وقت الظهر على مسافر وهو يريد أن يرتحل] # (1252) مسألة؛ قال: (وإذا دخل وقت الظهر على مسافر، وهو يريد أن يرتحل، ~~صلاها وارتحل، فإذا دخل وقت العصر صلاها، وكذلك المغرب والعشاء الآخرة، وإن ~~كان سائرا فأحب أن يؤخر الأولى إلى وقت الثانية فجائز) . جملة ذلك أن الجمع ~~بين الصلاتين في السفر، في وقت إحداهما، ms0785 جائز في قول أكثر أهل العلم. # وممن روي عنه ذلك سعيد بن زيد، وسعد، وأسامة، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى، ~~وابن عباس، وابن عمر. وبه قال: طاوس، ومجاهد، وعكرمة، ومالك، والثوري، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. # وروي عن سليمان بن أخي زريق بن حكيم، قال: مر بنا نائلة بن ربيعة، وأبو ~~الزناد، ومحمد بن المنكدر، وصفوان بن سليم، وأشياخ من أهل المدينة، ~~فأتيناهم في منزلهم، وقد أخذوا في الرحيل، فصلوا الظهر والعصر جميعا حين ~~زالت الشمس، ثم أتينا المسجد، فإذا زريق بن حكيم يصلي للناس الظهر. وقال ~~الحسن، وابن سيرين، وأصحاب الرأي: لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة بعرفة، ~~وليلة مزدلفة بها، وهذا رواية ابن القاسم عن مالك واختياره، واحتجوا بأن ~~المواقيت تثبت بالتواتر، فلا يجوز تركها بخبر واحد. # ولنا، ما روى نافع عن ابن عمر، أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب ~~والعشاء، ويقول: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جد به السير ~~جمع بينهما.» وعن أنس، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، وإن ~~زاغت الشمس قبل أن يرتحل، صلى الظهر ثم ركب» . متفق عليهما. # ولمسلم # PageV02P200 # عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى وقت ~~العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب ~~الشفق.» وروى الجمع معاذ بن جبل، وابن عباس، وسنذكر أحاديثهما فيما بعد، ~~وقولهم: لا نترك الأخبار المتواترة. قلنا: لا نتركها، وإنما نخصصها، وتخصيص ~~المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالإجماع، وقد جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد ~~بالإجماع، فتخصيص السنة بالسنة أولى، وهذا ظاهر جدا. # فإن قيل: معنى الجمع في الأخبار أن يصلي الأولى في آخر وقتها، والأخرى في ~~أول وقتها. قلنا: هذا فاسد لوجهين: أحدهما، أنه قد جاء الخبر صريحا في أنه ~~كان يجمعهما في وقت إحداهما، على ما سنذكره، ولقول أنس: أخر الظهر إلى ms0786 وقت ~~العصر، ثم نزل فجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين ~~يغيب الشفق. فيبطل التأويل. # الثاني، أن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقا، وأعظم حرجا ~~من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن الإتيان بكل صلاة في وقتها أوسع من ~~مراعاة طرفي الوقتين، بحيث لا يبقى من وقت الأولى إلا قدر فعلها، ومن تدبر ~~هذا وجده كما وصفنا، ولو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر والمغرب، ~~والعشاء والصبح، ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك، والعمل بالخبر على الوجه ~~السابق إلى الفهم منه (أولى) من هذا (التكلف) الذي يصان كلام رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من حمله عليه. إذا ثبت هذا فمفهوم قول الخرقي أن ~~الجمع إنما يجوز إذا كان سائرا في وقت الأولى، فيؤخر إلى وقت الثانية، ثم ~~يجمع بينهما، ورواه الأثرم عن أحمد، وروي نحو هذا القول عن سعد، وابن عمر، ~~وعكرمة، أخذا بالخبرين اللذين ذكرناهما. وروي عن أحمد جواز تقديم الصلاة ~~الثانية إلى الأولى، وهذا هو الصحيح وعليه أكثر الأصحاب. قال القاضي: الأول ~~هو الفضيلة والاستحباب، وإن أحب أن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما، ~~جاز، نازلا كان، أو سائرا، أو مقيما في بلد إقامة لا تمنع القصر. وهذا قول ~~عطاء، وجمهور علماء المدينة، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر؛ لما روى معاذ ~~بن جبل، قال: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ~~فكان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما ~~جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار، وإذا ~~ارتحل قبل المغرب، أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا # PageV02P201 # ارتحل بعد المغرب، عجل العشاء، فصلاها مع المغرب.» رواه أبو داود، ~~والترمذي، وقال: هذا حديث حسن. وروى ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الظهر والعصر مثل ذلك. وقيل: إنه متفق عليه. وهذا صريح في محل ~~النزاع. وروى مالك في " الموطأ "، عن أبي الزبير، عن ms0787 أبي الطفيل، أن معاذا ~~أخبره، أنهم «خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، ~~فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب ~~والعشاء. قال: فأخر الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ~~ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا.» قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح، ثابت ~~الإسناد. وقال أهل السير: إن غزوة (تبوك) كانت في رجب، سنة تسع، وفي هذا ~~الحديث أوضح الدلائل، وأقوى الحجج، في الرد على من قال: لا يجمع بين ~~الصلاتين إلا إذا جد به السير؛ لأنه كان يجمع وهو نازل غير سائر، ماكث في ~~خبائه، يخرج فيصلي الصلاتين جميعا، ثم ينصرف إلى خبائه. وروى هذا الحديث ~~مسلم في " صحيحه " قال: فكان يصلي الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء ~~جميعا. والأخذ بهذا الحديث (متعين) ؛ لثبوته وكونه صريحا في الحكم، ولا ~~معارض له، ولأن الجمع رخصة من رخص السفر، فلم يختص بحالة السير، كالقصر ~~والمسح، ولكن الأفضل التأخير، لأنه أخذ بالاحتياط، وخروج من خلاف القائلين ~~بالجمع، وعمل بالأحاديث كلها. # (1253) فصل: ولا يجوز الجمع إلا في سفر يبيح القصر. وقال مالك، والشافعي، ~~في أحد قوليه: يجوز في السفر القصير؛ لأن أهل مكة يجمعون بعرفة ومزدلفة، ~~وهو سفر قصير. ولنا، أنه رخصة تثبت لدفع المشقة في السفر، فاختصت بالطويل، ~~كالقصر والمسح ثلاثا؛ ولأنه تأخير للعبادة عن وقتها، فأشبه الفطر، ولأن ~~دليل الجمع فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والفعل لا صيغة له، وإنما هو ~~قضية في عين، فلا يثبت حكمها إلا في مثلها، ولم ينقل أنه جمع إلا في سفر ~~طويل. # (1254) فصل: ويجوز الجمع لأجل المطر بين المغرب والعشاء. ويروى ذلك عن ~~ابن عمر، وفعله أبان بن عثمان في أهل المدينة. وهو قول الفقهاء السبعة، ~~ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وروي عن مروان، وعمر بن عبد العزيز. ~~ولم (يجوزه) أصحاب الرأي. فصل: ولنا، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن. قال: إن ~~من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء. ms0788 رواه الأثرم. وهذا ~~ينصرف إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال نافع: إن عبد الله ~~بن عمر كان # PageV02P202 # يجمع إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء. وقال هشام بن عروة: رأيت أبان ~~بن عثمان يجمع بين الصلاتين في الليلة المطيرة؛ المغرب والعشاء، فيصليهما ~~معه عروة بن الزبير،، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن، لا ~~ينكرونه. ولا يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان إجماعا. رواه الأثرم (1255) ~~فصل: فأما الجمع بين الظهر والعصر، فغير جائز. قال: الأثرم: قيل لأبي عبد ~~الله: الجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ قال: لا، ما سمعت. وهذا (اختيار) ~~أبي بكر، وابن حامد، وقول مالك. وقال أبو الحسن التميمي: فيه (قولان،) ~~أحدهما أنه لا بأس به. وهو قول أبي الخطاب، (ومذهب) الشافعي، لما روى يحيى ~~بن واضح، عن موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - جمع في المدينة بين الظهر والعصر في المطر» . ولأنه (معنى) أباح ~~الجمع، فأباحه بين الظهر والعصر، كالسفر. ولنا، أن مستند الجمع ما ذكرناه ~~من قول (أبي سلمة) ، والإجماع، ولم يرد إلا في المغرب والعشاء، وحديثهم غير ~~صحيح؛ فإنه غير مذكور في الصحاح والسنن. وقول أحمد: ما سمعت. يدل على أنه ~~ليس بشيء، ولا يصح القياس على المغرب والعشاء؛ لما فيهما من المشقة لأجل ~~الظلمة والمضرة، ولا القياس على السفر؛ لأن مشقته لأجل السير وفوات الرفقة، ~~وهو غير موجود هاهنا. # (1256) فصل: والمطر المبيح للجمع هو ما (يبل) الثياب، وتلحق المشقة ~~بالخروج فيه. وأما الطل، والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب، فلا يبيح، ~~والثلج كالمطر في ذلك، لأنه في معناه، وكذلك البرد. ### | [فصل حكم الوحل بمجرده في جمع الصلاة] # (1257) فصل: فأما الوحل بمجرده. فقال القاضي: قال أصحابنا: هو عذر؛ لأن ~~المشقة تلحق بذلك في النعال والثياب، كما تلحق بالمطر. وهو قول مالك. وذكر ~~أبو الخطاب فيه وجها ثانيا، أنه لا يبيح. # وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور؛ لأن مشقته دون مشقة المطر، فإن المطر ms0789 يبل ~~النعال والثياب، والوحل لا يبلها، فلم يصح قياسه عليه. والأول أصح؛ لأن ~~الوحل يلوث الثياب والنعال، ويتعرض الإنسان للزلق، فيتأذى نفسه وثيابه، ~~وذلك أعظم من البلل، وقد ساوى المطر في العذر في ترك الجمعة والجماعة، فدل ~~على تساويهما في المشقة المرعية في الحكم. ### | [فصل جمع الصلاة مع الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة] # (1258) فصل: فأما الريح الشديدة، في الليلة المظلمة الباردة، ففيها ~~وجهان: أحدهما، يبيح الجمع. قال الآمدي: وهو أصح. وهو قول عمر بن عبد ~~العزيز؛ لأن ذلك عذر # PageV02P203 # في الجمعة والجماعة، بدليل ما روى محمد بن الصباح، حدثنا سفيان، عن أيوب، ~~عن نافع، عن ابن عمر، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينادي ~~مناديه في الليلة المطيرة، أو الليلة الباردة ذات الريح: صلوا في رحالكم» . ~~رواه ابن ماجه، عن محمد بن الصباح. # والثاني، لا يبيحه؛ لأن المشقة فيه دون المشقة في المطر، فلا يصح قياسه ~~عليه، ولأن مشقتها من غير جنس مشقة المطر، ولا ضابط لذلك يجتمعان فيه، فلم ~~يصح إلحاقه به. ### | [فصل هل يجوز جمع لمنفرد] # (1259) فصل: هل يجوز الجمع لمنفرد، أو من كان طريقه إلى المسجد في ظلال ~~يمنع وصول المطر إليه، أو من كان مقامه في المسجد؟ على وجهين: أحدهما، ~~الجواز؛ لأن العذر إذا وجد استوى فيه حال وجود المشقة وعدمها، كالسفر، ولأن ~~الحاجة العامة إذا وجدت أثبتت الحكم في حق من ليست له حاجة، كالسلم، وإباحة ~~اقتناء الكلب للصيد والماشية في حق من لا يحتاج إليهما، ولأنه قد روي أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع في المطر، وليس بين حجرته والمسجد شيء. ~~والثاني، المنع؛ لأن الجمع لأجل المشقة، فيختص بمن تلحقه المشقة، دون من لا ~~تلحقه؛ كالرخصة في التخلف عن الجمعة والجماعة، يختص بمن تلحقه المشقة، دون ~~من لا تلحقه، كمن في الجامع والقريب منه. ### | [فصل جمع الصلاة لأجل المرض] # (1260) فصل: ويجوز الجمع لأجل المرض، وهو قول عطاء، ومالك. وقال أصحاب ~~الرأي والشافعي: لا يجوز، فإن أخبار التوقيت ثابتة، فلا تترك ms0790 بأمر محتمل. ~~ولنا، ما روى ابن عباس، قال: «جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ~~الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر.» وفي رواية: «من ~~غير خوف ولا سفر» . رواهما مسلم. وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير ~~عذر، ثبت أنه كان لمرض، وقد روي عن أبي عبد الله أنه قال في حديث ابن عباس: ~~هذا عندي رخصة للمريض والمرضع. # وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر سهلة بنت سهيل، # PageV02P204 # وحمنة بنت جحش، لما كانتا مستحاضتين بتأخير الظهر وتعجيل العصر، والجمع ~~بينهما بغسل واحد. فأباح لهما الجمع لأجل الاستحاضة. وأخبار المواقيت ~~مخصوصة بالصور التي أجمعنا على جواز الجمع فيها، فيخص منها محل النزاع بما ~~ذكرنا. ### | [فصل المرض المبيح لجمع الصلاة] # (1261) فصل: والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه به بتأدية كل صلاة في وقتها ~~مشقة وضعف. قال الأثرم، قيل لأبي عبد الله: المريض يجمع بين الصلاتين؟ ~~فقال: إني لأرجو له ذلك إذا ضعف، وكان لا يقدر إلا على ذلك. وكذلك يجوز ~~الجمع للمستحاضة، ولمن به سلس البول، ومن في معناهما؛ لما روينا من الحديث، ~~والله أعلم. ### | [فصل المريض مخير في التقديم والتأخير كالمسافر في جمع الصلاة] # فصل: والمريض مخير في التقديم والتأخير كالمسافر. فإن استوى عنده الأمران ~~فالتأخير أولى؛ لما ذكرنا في المسافر، فأما الجمع للمطر فإنما يجمع في وقت ~~الأولى، لأن السلف إنما كانوا يجمعون في وقت الأولى، ولأن تأخير الأولى إلى ~~وقت الثانية يفضي إلى لزوم المشقة، والخروج في الظلمة، أو طول الانتظار في ~~المسجد إلى دخول وقت العشاء، ولأن العادة اجتماع الناس للمغرب، فإذا حبسهم ~~في المسجد ليجمع بين الصلاتين، كان أشق من أن يصلي كل صلاة في وقتها، وربما ~~يزول العذر قبل خروج وقت الأولى، فيبطل الجمع ويمتنع. # وإن اختاروا تأخير الجمع، جاز. والمستحب أن يؤخر الأولى عن أول وقتها ~~شيئا. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الجمع بين الصلاتين في المطر؟ قال: ~~نعم، يجمع بينهما، إذا اختلط الظلام ms0791 قبل أن يغيب الشفق، كذا صنع ابن عمر. ~~قال الأثرم: وحدثنا أبو أسامة، حدثنا عبيد الله، عن نافع، قال: كان أمراؤنا ~~إذا كانت الليلة المطيرة أبطئوا بالمغرب، وعجلوا العشاء قبل أن يغيب الشفق، ~~فكان ابن عمر يصلي معهم، ولا يرى بذلك بأسا. قال عبيد الله: ورأيت القاسم ~~وسالما يصليان معهم، في مثل تلك الليلة. # قيل لأبي عبد الله: فكأن سنة الجمع بين الصلاتين في المطر عندك أن يجمع ~~قبل أن يغيب الشفق، وفي السفر يؤخر حتى يغيب الشفق. قال: نعم. ### | [فصل الجمع لغير عذر] # (1263) فصل: ولا يجوز الجمع لغير من ذكرنا. وقال ابن شبرمة: يجوز إذا ~~كانت حاجة أو شيء، ما لم يتخذه عادة؛ لحديث ابن عباس، «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر.» ~~فقيل لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. # ولنا، عموم أخبار التوقيت، وحديث ابن عباس حملناه على حالة المرض، ويجوز ~~أن يتناول من عليه # PageV02P205 # مشقة، كالمرضع، والشيخ الضعيف، وأشباههما ممن عليه مشقة في ترك الجمع، ~~ويحتمل أنه صلى الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، فإن عمرو بن ~~دينار روى هذا الحديث عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال عمرو: قلت: لجابر ~~أبا الشعثاء، أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء؟ قال: ~~وأنا أظن ذلك. ### | [فصل من شرط جواز الجمع] # (1264) فصل: قال ومن شرط جواز الجمع نية الجمع في أحد الوجهين، والآخر لا ~~يشترط ذلك. وهو قول أبي بكر. والتفريع على اشتراطه. وموضع النية يختلف ~~باختلاف الجمع، فإن جمع في وقت الأولى فموضعه عند الإحرام بالأولى، في أحد ~~الوجهين، لأنها نية يفتقر إليها، فاعتبرت عند الإحرام، كنية القصر. والثاني ~~موضعها من أول الصلاة الأولى إلى سلامها، أي ذلك نوى فيه أجزأه؛ لأن موضع ~~الجمع حين الفراغ من آخر الأولى إلى الشروع في الثانية، فإذا لم تتأخر ~~النية عنه، أجزأه ذلك. # وإن جمع في وقت الثانية، فموضع النية في ms0792 وقت الأولى من أوله إلى أن يبقى ~~منه قدر ما يصليها؛ لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء لا جمعا. ~~ويحتمل أن يكون وقت النية إلى أن يبقى منه قدر ما يدركها به، وهو ركعة، أو ~~تكبيرة الإحرام، على ما قدمنا. والذي ذكره أصحابنا أولى، فإن تأخيرها من ~~القدر الذي يضيق عن فعلها حرام. ### | [فصل فإن جمع في وقت الأولى اعتبرت المواصلة بينهما] # (1265) فصل: فإن جمع في وقت الأولى اعتبرت المواصلة بينهما، وهو أن لا ~~يفرق بينهما إلا تفريقا يسيرا. فإن أطال الفصل بينهما بطل الجمع. # لأن معنى الجمع المتابعة أو المقارنة، ولم تكن المتابعة فلم يبق إلا ~~المقارنة، فإن فرق بينهما تفريقا كثيرا، بطل الجمع، سواء فرق بينهما لنوم ~~أو سهو أو شغل أو قصد أو غير ذلك، لأن الشرط لا يثبت المشروط بدونه، وإن ~~كان يسيرا لم يمنع، لأنه لا يمكن التحرز منه، والمرجع في اليسير والكثير ~~إلى العرف والعادة، لا حد له سوى ذلك، وقدره بعض أصحابنا بقدر الإقامة ~~والوضوء. # والصحيح: أنه لا حد له، لأن ما لم يرد الشرع بتقديره لا سبيل إلى تقديره، ~~والمرجع فيه إلى العرف، كالإحراز والقبض، ومتى احتاج إلى الوضوء والتيمم، ~~فعله إذا لم يطل الفصل، وإن تكلم بكلام يسير، لم يبطل الجمع، وإن صلى ~~بينهما السنة، بطل الجمع، لأنه فرق بينهما بصلاة فبطل الجمع، كما لو صلى ~~بينهما غيرها. وعنه: لا يبطل؛ لأنه تفريق يسير، أشبه ما لو توضأ. # وإن جمع في وقت الثانية، جاز التفريق؛ لأنه متى صلى الأولى فالثانية في ~~وقتها، لا تخرج بتأخيرها عن كونها مؤداة. وفيه وجه آخر، أن المتابعة ~~مشترطة؛ لأن الجمع حقيقته ضم الشيء إلى الشيء، ولا يحصل مع التفريق. والأول ~~أصح؛ لأن الأولى بعد وقوعها صحيحة لا تبطل بشيء يوجد بعدها، والثانية لا ~~تقع إلا في وقتها. # PageV02P206 ### | [فصل متى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود العذر المبيح] # (1266) فصل: ومتى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود العذر المبيح حال افتتاح ~~الأولى والفراغ منها ms0793 وافتتاح الثانية، فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة ~~لم يبح الجمع. # وإن زال المطر في أثناء الأولى، ثم عاد قبل الفراغ منها، أو انقطع بعد ~~الإحرام بالثانية، جاز الجمع، ولم يؤثر انقطاعه؛ لأن العذر وجد في وقت ~~النية، وهو عند الإحرام بالأولى، وفي وقت الجمع، وهو آخر الأولى وأول ~~الثانية، فلم يضر عدمه في غير ذلك، فأما المسافر إذا نوى الإقامة في أثناء ~~الصلاة الأولى، انقطع الجمع والقصر، ولزمه الإتمام. ولو عاد فنوى السفر، لم ~~يبح له الترخص حتى يفارق البلد الذي هو فيه. # وإن نوى الإقامة بعد الإحرام بالثانية، أو دخلت به السفينة بلده في ~~أثنائها، احتمل أن يتمها، ويصح قياسا على انقطاع المطر. قال بعض أصحاب ~~الشافعي: هذا الذي يقتضيه مذهب الشافعي. ويحتمل أن ينقلب نفلا، ويبطل ~~الجمع؛ لأنه أحد رخص السفر، فبطل بذلك، كالقصر والمسح، ولأنه زال شرطها في ~~أثنائها، أشبه بسائر شروطها. ويفارق انقطاع المطر من وجهين: أحدهما، أنه لا ~~يتحقق انقطاعه؛ لاحتمال عوده في أثناء الصلاة، والثاني أن يخلفه عذر مبيح، ~~وهو الوحل، بخلاف مسألتنا. # وكذلك الحكم في المريض يبرأ ويزول عذره في أثناء الصلاة الثانية. فأما إن ~~جمع بينهما في وقت الثانية اعتبر بقاء العذر إلى حين دخول وقتها، فإن زال ~~في وقت الأولى، كالمريض يبرأ، والمسافر يقدم، والمطر ينقطع، لم يبح الجمع؛ ~~لزوال سببه. وإن استمر إلى حين دخول وقت الثانية، جمع، وإن زال العذر؛ ~~لأنهما صارتا واجبتين في ذمته، ولا بد له من فعلهما. ### | [فصل أتم الصلاتين في وقت الأولى ثم زال العذر] # (1267) فصل: وإن أتم الصلاتين في وقت الأولى، ثم زال العذر بعد فراغه ~~منهما قبل دخول وقت الثانية، أجزأته، ولم تلزمه الثانية في وقتها؛ لأن ~~الصلاة وقعت صحيحة مجزية عن ما في ذمته، وبرئت ذمته منها، فلم تشتغل الذمة ~~بها بعد ذلك، ولأنه أدى فرضه حال العذر، فلم يبطل بزواله بعد ذلك، كالمتيمم ~~إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة. ### | [فصل إذا جمع في وقت الأولى فله أن يصلي ms0794 سنة الثانية منهما] # (1268) فصل: وإذا جمع في وقت الأولى، فله أن يصلي سنة الثانية منهما، ~~ويوتر قبل دخول وقت الثانية؛ لأن سنتها تابعة لها، فيتبعها في فعلها ~~ووقتها، والوتر وقته ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، وقد صلى العشاء ~~فدخل وقته. ### | [فصل صلى إحدى صلاتي الجمع مع إمام وصلى الثانية مع إمام آخر] # (1269) فصل: وإذا صلى إحدى صلاتي الجمع مع إمام، وصلى الثانية مع إمام ~~آخر، وصلى معه مأموم في إحدى # PageV02P207 # الصلاتين، وصلى معه في الثانية مأموم ثان، صح. وقال ابن عقيل: لا يصح؛ ~~لأن كل واحد من الإمام والمأموم أحد من يتم به الجمع، فلم يجز اختلافه، ~~وإذا اشترط دوامه كالعذر اشترط دوامه في الصلاتين. # ولنا، أن لكل صلاة حكم نفسها، وهي منفردة بنيتها، فلم يشترط اتحاد الإمام ~~ولا المأموم، كغير المجموعتين. وقوله: إن الإمام والمأموم أحد من يتم به ~~الجمع. لا يصح، فإنه يجوز للمريض والمسافر الجمع منفردا وفي المطر في أحد ~~الوجهين. وإن قلنا: إن الجمع في المطر لا يصح إلا في الجماعة. فالذي يتم به ~~الجمع الجماعة، لا عين الإمام والمأموم، ولم تختل الجماعة، وعلى ما ذكرناه، ~~لو ائتم المأموم بإمام لا ينوي الجمع، فنواه المأموم، فلما سلم الإمام صلى ~~المأموم الثانية، جاز. # لأننا أبحنا له مفارقة إمامة في الصلاة الواحدة لعذر، ففي الصلاتين أولى، ~~ولأن نيتهما لم تختلف في الصلاة الأولى، وإنما نوى أن يفعل فعلا في غيرها، ~~فأشبه ما لو نوى المسافر في الصلاة الأولى إتمام الثانية، وهكذا لو صلى ~~المسافر بمقيمين، فنوى الجمع، فلما صلى بهم الأولى قام فصلى الثانية، جاز ~~على هذا. # وكذلك لو صلى أحد صلاتي الجمع منفردا، ثم حضرت جماعة يصلون الثانية، ~~فأمهم فيها، أو صلى معهم مأموما، جاز. وقول ابن عقيل يقتضي أن لا يجوز شيء ~~من ذلك. ### | [مسألة قال نسي صلاة حضر فذكرها في السفر] # (1270) مسألة؛ قال: (وإذا نسي صلاة حضر، فذكرها في السفر، أو صلاة سفر، ~~فذكرها في الحضر، صلى في الحالتين صلاة حضر) . نص أحمد، ms0795 رحمه الله، على ~~هاتين المسألتين في رواية أبي داود والأثرم. # قال في رواية الأثرم: أما المقيم إذا ذكرها في السفر، فذاك بالإجماع يصلي ~~أربعا، وإذا نسيها في السفر، فذكرها في الحضر، صلى أربعا بالاحتياط، فإنما ~~وجبت عليه الساعة، فذهب أبو عبد الله رحمه الله، إلى ظاهر الحديث: " ~~فليصلها إذا ذكرها ". أما إذا نسي صلاة الحضر، فذكرها في السفر، فعليه ~~الإتمام إجماعا، ذكره الإمام أحمد وابن المنذر؛ لأن الصلاة تعين عليه فعلها ~~أربعا، فلم يجز له النقصان من عددها، كما لو لم يسافر، ولأنه إنما يقضي ما ~~فاته، وقد فاته أربع. # وأما إن نسي صلاة السفر، فذكرها في الحضر، فقال أحمد: عليه الإتمام ~~احتياطا. وبه قال الأوزاعي، وداود، والشافعي في أحد قوليه. وقال مالك، ~~والثوري، وأصحاب الرأي: يصليها صلاة سفر؛ لأنه إنما يقضي ما فاته، ولم يفته ~~إلا ركعتان. ولنا، أن القصر رخصة من رخص السفر، فيبطل بزواله، كالمسح ~~ثلاثا. # ولأنها وجبت عليه في الحضر، بدليل قوله - عليه السلام -: " فليصلها إذا ~~ذكرها ". ولأنها عبادة تختلف بالحضر والسفر، فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر، ~~غلب فيها حكمه، كما لو دخلت به السفينة البلد في أثناء الصلاة وكالمسح. ~~وقياسهم ينتقض بالجمعة إذا فاتت، وبالمتيمم إذا فاتته الصلاة، فقضاها عند ~~وجود الماء. # PageV02P208 ### | [فصل نسي صلاة في سفر ثم ذكرها فيه] # (1271) فصل: وإن نسيها في سفر، فذكرها فيه، قضاها مقصورة، لأنها وجبت في ~~السفر، وفعلت فيه، أشبه ما لو صلاها في وقتها. وإن ذكرها في سفر آخر، ~~فكذلك؛ لما ذكرنا. وسواء ذكرها في الحضر أو لم يذكرها. ويحتمل أنه إذا ~~ذكرها في الحضر لزمته تامة؛ لأنه وجب عليه فعلها تامة بذكره إياها. فبقيت ~~في ذمته. والأول أولى؛ لأن وجوبها وفعلها في السفر، فكانت صلاة سفر، كما لو ~~لم يذكرها في الحضر. # وذكر بعض أصحابنا، أن من شرط القصر كون الصلاة مؤداة؛ لأنها صلاة مقصورة، ~~فاشترط لها الوقت، كالجمعة. وهذا فاسد؛ فإن هذا اشتراط بالرأي والتحكم لم ~~يرد الشرع به، والقياس على الجمعة غير صحيح، فإن ms0796 الجمعة لا تقضى، ويشترط ~~لها الخطبتان والعدد والاستيطان، فجاز اشتراط الوقت لها، بخلاف صلاة السفر. ### | [فصل سافر بعد دخول وقت الصلاة] # (1272) فصل: وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة، فقال ابن عقيل: فيه روايتان: ~~إحداهما، قصرها قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له ~~قصرها. وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه سافر قبل ~~خروج وقتها. أشبه ما لو سافر قبل وجوبها. # والثانية، ليس له قصرها؛ لأنها وجبت عليه في الحضر، فلزمه إتمامها، كما ~~لو سافر بعد خروج وقتها، أو بعد إحرامه بها، وفارق ما قبل الوقت؛ لأن ~~الصلاة لم تجب عليه. ### | [مسألة دخل الصلاة مع مقيم وهو مسافر] # (1273) مسألة: قال: (وإذا دخل مع مقيم، وهو مسافر، ائتم) . وجملة ذلك أن ~~المسافر متى ائتم بمقيم، لزمه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو ~~أقل. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن المسافر، يدخل في تشهد المقيمين؟ ~~قال: يصلي أربعا. # وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وجماعة من التابعين. وبه قال الثوري، ~~والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي وقال إسحاق: للمسافر القصر؛ ~~لأنها صلاة يجوز فعلها ركعتين، فلم تزد بالائتمام، كالفجر. وقال طاوس، ~~والشعبي، وتميم بن حذلم، في المسافر يدرك من صلاة المقيم ركعتين: يجزيان # وقال الحسن، والنخعي، والزهري، وقتادة، ومالك: إن أدرك ركعة أتم، وإن ~~أدرك دونها قصر؛ لقول النبي # PageV02P209 # - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة» . ~~ولأن من أدرك من الجمعة ركعة أتمها جمعة، ومن أدرك أقل من ذلك، لا يلزمه ~~فرضها. # ولنا، ما روي عن ابن عباس، أنه قيل له: «ما بال المسافر يصلي ركعتين في ~~حال الانفراد، وأربعا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة.» رواه أحمد، في " ~~المسند " # وقوله: السنة. ينصرف إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولأنه ~~فعل من سمينا من الصحابة، ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفا. قال نافع: كان ابن ~~عمر إذا صلى مع الإمام صلاها أربعا، وإذا صلى وحده ms0797 صلاها ركعتين. رواه ~~مسلم. ولأن هذه صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين، فلا يصليها خلف من يصلي ~~الأربع كالجمعة # وما ذكره إسحاق لا يصح عندنا؛ فإنه لا تصح له صلاة الفجر خلف من يصلي ~~الرباعية، وإدراك الجمعة يخالف ما نحن فيه، فإنه لو أدرك ركعة من الجمعة ~~رجع إلى ركعتين، وهذا بخلافه. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» . ومفارقة إمامه اختلاف عليه، ~~فلم يجز مع إمكان متابعته. وإذا أحرم المسافرون خلف مسافر فأحدث، واستخلف ~~مسافرا آخر، فلهم القصر؛ لأنهم لم يأتموا بمقيم. # وإن استخلف مقيما، لزمهم الإتمام؛ لأنهم ائتموا بمقيم، وللإمام الذي أحدث ~~أن يصلي صلاة المسافر؛ لأنه لم يأتم بمقيم. ولو صلى المسافرون خلف مقيم، ~~فأحدث واستخلف مسافرا أو مقيما، لزمهم الإتمام؛ لأنهم ائتموا بمقيم، فإن ~~استخلف مسافرا لم يكن معهم في الصلاة، فله أن يصلي صلاة السفر؛ لأنه لم ~~يأتم بمقيم. ### | [فصل أحرم المسافر خلف مقيم] # (1274) فصل: وإذا أحرم المسافر خلف مقيم، أو من يغلب على ظنه أنه مقيم، ~~أو من يشك هل هو مقيم أو مسافر؟ لزم الإتمام، وإن قصر إمامه؛ لأن الأصل ~~وجوب الصلاة تامة، فليس له نية قصرها مع الشك في وجوب إتمامها، ويلزمه ~~إتمامها اعتبارا بالنية. وهذا مذهب الشافعي. # وإن غلب على ظنه أن الإمام مسافر؛ لرؤية حلية المسافرين عليه وآثار ~~السفر، فله أن ينوي القصر، فإن قصر إمامه قصر معه، وإن أتم لزمه متابعته، ~~وإن نوى الإتمام لزمه الإتمام، سواء قصر إمامه، أو أتم، اعتبارا بالنية. # وإن نوى القصر فأحدث إمامه قبل علمه بحاله، فله القصر؛ لأن الظاهر أن ~~إمامه مسافر؛ لوجود دليله، وقد أبيحت له نية القصر، بناء على هذا الظاهر. ~~ويحتمل أن يلزمه الإتمام احتياطا. ### | [فصل صلى المسافر صلاة الخوف بمسافرين] # (1275) فصل: إذا صلى المسافر صلاة الخوف بمسافرين، ففرقهم فرقتين، فأحدث ~~قبل مفارقة الطائفة الأولى، واستخلف مقيما، لزم الطائفتين الإتمام، لوجود ~~الائتمام بمقيم، وإن كان ذلك بعد مفارقة الأولى، أتمت الثانية # PageV02P210 # وحدها، ms0798 لاختصاصها بالائتمام بالمقيم. # وإن كان الإمام مقيما، فاستخلف مسافرا ممن كان معه في الصلاة، فعلى ~~الجميع الإتمام؛ لأن المستخلف قد لزمه الإتمام باقتدائه بالمقيم، فصار ~~كالمقيم، وإن لم يكن دخل معه في الصلاة، وكان استخلافه قبل مفارقة الأولى، ~~فعليها الإتمام؛ لائتمامها بمقيم، ويقصر الإمام والطائفة الثانية. # وإن استخلف بعد دخول الثانية معه، فعلى الجميع الإتمام، وللمستخلف القصر ~~وحده؛ لأنه لم يأتم بمقيم ### | [مسألة صلاة المسافر والمقيم خلف مسافر] # (1276) مسألة: قال: (وإذا صلى مسافر ومقيم خلف مسافر، أتم المقيم إذا سلم ~~إمامه) أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر، وسلم المسافر من ~~ركعتين، أن على المقيم إتمام الصلاة. وقد روي عن عمران بن حصين قال: «شهدت ~~الفتح مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة، لا ~~يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: صلوا أربعا، فإنا سفر» . رواه أبو ~~داود. # ولأن الصلاة واجبة عليه أربعا، فلم يكن له ترك شيء من ركعاتها، كما لو لم ~~يأتم بمسافر. ### | [فصل يستحب للإمام إذا صلى بمقيمين أن يقول لهم عقيب تسليمه] # (1277) فصل: ويستحب للإمام إذا صلى بمقيمين أن يقول لهم عقيب تسليمه: ~~أتموا، فإنا سفر. لما ذكرنا من الحديث، ولئلا يشتبه على الجاهل عدد ركعات ~~الصلاة، فيظن أن الرباعية ركعتان. وقد روى الأثرم، عن الزهري، أن عثمان ~~إنما أتم الصلاة لأن الأعراب حجوا، فأراد أن يعرفهم أن الصلاة أربع. ### | [فصل أم المسافر المقيمين فأتم بهم الصلاة] # (1278) فصل: وإذا أم المسافر المقيمين، فأتم بهم الصلاة، فصلاتهم تامة ~~صحيحة. وبهذا قال الشافعي وإسحاق. وقال أبو حنيفة، والثوري: تفسد صلاة ~~المقيمين، وتصح صلاة الإمام والمسافرين معه. وعن أحمد نحو ذلك. قال القاضي: ~~لأن الركعتين الأخريين نفل من الإمام، فلا يؤم بها مفترضين. # ولنا، أن المسافر يلزمه الإتمام بنيته، فيكون الجميع واجبا، ولو كانت ~~نفلا فائتمام المفترض بالمتنفل جائز، على ما مضى. ### | [فصل أم المسافر مسافرين فنسي فصلاها تامة] # (1279) فصل: وإن أم المسافر مسافرين، فنسي فصلاها تامة، صحت صلاته ~~وصلاتهم، ولا يلزم ms0799 لذلك سجود سهو؛ لأنها زيادة لا يبطل الصلاة عمدها، فلا ~~يجب السجود لسهوها، كزيادات الأقوال، مثل القراءة في السجود والقعود، وهل ~~يشرع السجود لها؟ يخرج على الروايتين في الزيادات المذكورة. واختار # PageV02P211 # ابن عقيل أنه لا يحتاج إلى سجود؛ لأنه أتى بالأصل فلم يحتج إلى جبران. # ووجه مشروعيته أن هذه زيادة نقصت الفضيلة، وأخلت بالكمال، فأشبهت القراءة ~~في غير محلها، وقراءة السورة في الأخريين. وإذا ذكر الإمام بعد قيامه إلى ~~الثالثة، لم يلزمه الإتمام، وله أن يجلس، فإن الموجب للإتمام نيته، أو ~~الائتمام بمقيم، ولم يوجد واحد منهما. # وإن علم المأموم أن قيامه لسهو، وسبحوا به، لم يلزمه متابعته؛ لأنه سهو ~~فلا يجب اتباعه فيه، ولهم مفارقته إن لم يرجع، كما لو قام إلى ثالثة في ~~الفجر، وإن تابعوه لم تبطل صلاتهم؛ لأنها زيادة لا تبطل صلاة الإمام، فلا ~~تبطل صلاة المأموم بمتابعته فيها، كزيادات الأقوال، ولأنهم لو فارقوا ~~الإمام، وأتموا، صحت صلاتهم، فمع موافقته أولى. وقال القاضي: تفسد صلاتهم؛ ~~لأنهم زادوا ركعتين عمدا. # وإن لم يعلموا هل قام سهوا أو عمدا، لزمهم متابعته، ولم يكن لهم مفارقته، ~~لأن حكم وجوب المتابعة ثابت، فلا يزول بالشك. ### | [مسألة نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة] # (1280) مسألة: قال: (وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى ~~وعشرين صلاة، أتم) المشهور عن أحمد - رحمه الله - أن المدة التي تلزم ~~المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها، هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة. ~~رواه الأثرم، والمروذي، وغيرهما، وعنه أنه إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، ~~وإن نوى دونها قصر. # وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور؛ لأن الثلاث حد القلة، بدليل قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يقيم المهاجر بعد قضاء منسكه ثلاثا» . ولما ~~أخلى عمر - رضي الله عنه - أهل الذمة، ضرب لمن قدم منهم تاجرا ثلاثا، فدل ~~على أن الثلاث في حكم السفر، وما زاد في حكم الإقامة. ويروى هذا القول عن ~~عثمان - رضي الله عنه -. وقال الثوري، وأصحاب الرأي: إن ms0800 أقام خمسة عشر يوما ~~مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر. # وروي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، والليث بن سعد؛ لما روي عن ابن عمر، ~~وابن عباس، أنهما قالا: إذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل ~~الصلاة. ولا يعرف لهم مخالف. وروي عن سعيد بن المسيب مثل هذا القول. وروى ~~عنه قتادة، قال: إذا أقمت أربعا فصل أربعا. وروي عن علي - رضي الله عنه - ~~قال: يتم الصلاة الذي يقيم عشرا، ويقصر الصلاة الذي يقول: أخرج اليوم، أخرج ~~غدا، شهرا. # وهذا قول محمد بن علي وابنه والحسن بن صالح. وعن ابن عباس قال: إذا قدمت ~~بلدة، فلم تدر متى تخرج، فأتم الصلاة، وإن قلت: أخرج اليوم، أخرج غدا. ~~فأقمت عشرا، فأتم الصلاة. وعنه، أنه قال: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين. قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا ~~تسع عشرة نصلي ركعتين، وإذا زدنا على ذلك أتممنا.» رواه البخاري # وقال الحسن: صل ركعتين ركعتين، إلى أن تقدم مصرا، فأتم الصلاة وصم. وقالت # PageV02P212 # عائشة: إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة. وكان طاوس إذا قدم مكة صلى ~~أربعا. ولنا، ما روى أنس، قال: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشرا يقصر الصلاة» . متفق عليه. # وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم ~~لصبح رابعة، فأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - اليوم الرابع والخامس ~~والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن» فكان يقصر الصلاة في هذه ~~الأيام، وقد أجمع على إقامتها. قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم. # قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة ~~للمسافر. فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد. وقوله: أقام النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عشرا يقصر الصلاة ms0801 فقال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - لصبح ~~رابعة وخامسة وسادسة وسابعة. ثم قال: وثامنة يوم التروية، وتاسعة وعاشرة. ~~فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ومنى، ~~وإلا فلا وجه له عندي غير هذا. # فهذه أربعة أيام، وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة ~~يقصر، فهذا يدل على أن من أقام إحدى وعشرين صلاة يقصر، وهي تزيد على أربعة ~~أيام، وهذا صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام. # وقول أصحاب الرأي: لم نعرف لهم مخالفا في الصحابة، غير صحيح، فقد ذكرنا ~~الخلاف فيه عنهم، وذكرنا عن ابن عباس نفسه خلاف ما حكوه عنه. رواه سعيد في ~~سننه، ولم أجد ما حكوه عنه فيه. # وحديث ابن عباس في إقامة تسع عشرة، وجهه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يجمع الإقامة. قال أحمد: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثماني ~~عشرة زمن الفتح؛ لأنه أراد حنينا، ولم يكن ثم إجماع المقام. وهذه هي إقامته ~~التي رواها ابن عباس، والله أعلم. ### | [فصل قصد بلدا بعينه فوصله غير عازم على الإقامة به هل يقصر الصلاة] # (1281) فصل: ومن قصد بلدا بعينه، فوصله غير عازم على الإقامة به مدة ~~ينقطع فيها حكم سفره، فله القصر فيه. قال أحمد، في من دخل مكة لم يجمع على ~~إقامة تزيد على إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - بها، وهو أن يقدم رابع ~~ذي الحجة: فله القصر؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في أسفاره ~~يقصر حتى يرجع، وحين قدم مكة وأقام بها ما أقام كان يقصر فيها، وهذا خلاف ~~قول عائشة والحسن. # ولا فرق بين أن يقصد الرجوع إلى بلده، كما فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في حجة الوداع، على ما في حديث أنس، وبين أن يريد بلدا آخر، كما فعل ~~- صلى الله عليه وسلم - في غزوة الفتح، على ما في حديث ابن عباس. # PageV02P213 ### | [فصل مر في طريقه على بلد له فيه أهل أو مال ms0802 هل يقصر الصلاة] # (1282) فصل: وإن مر في طريقه على بلد له فيه أهل أو مال. فقال أحمد، في ~~موضع: يتم. وقال في موضع: يتم إلا أن يكون مارا. وهذا قول ابن عباس. وقال ~~الزهري: إذا مر بمزرعة له أتم. وقال مالك: إذا مر بقرية فيها أهله أو ماله ~~أتم، إذا أراد أن يقيم بها يوما وليلة. # وقال الشافعي، وابن المنذر: يقصر، ما لم يجمع على إقامة أربع؛ لأنه مسافر ~~لم يجمع على أربع. # ولنا، ما روي عن عثمان، أنه صلى بمنى أربع ركعات، فأنكر الناس عليه، ~~فقال: يا أيها الناس، إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم» . رواه الإمام ~~أحمد في " المسند ". # وقال ابن عباس: إذا قدمت على أهل لك أو مال، فصل صلاة المقيم. ولأنه مقيم ~~ببلد فيه أهله، فأشبه البلد الذي سافر منه. ### | [فصل كان مقيما بمكة ثم خرج إلى الحج وهو يريد أن يرجع إلى مكة هل يقصر الصلاة] # (1283) فصل: قال أحمد: من كان مقيما بمكة، ثم خرج إلى الحج، وهو يريد أن ~~يرجع إلى مكة، فلا يقيم بها حتى ينصرف، فهذا يصلي بعرفة ركعتين؛ لأنه حين ~~خرج من مكة أنشأ السفر، فهو في سفر من حين خرج من مكة. # ولو أن رجلا كان مقيما ببغداد، فأراد الخروج إلى الكوفة، فعرضت له حاجة ~~بالنهروان، ثم رجع فمر ببغداد ذاهبا إلى الكوفة، صلى ركعتين إذا كان يمر ~~ببغداد مجتازا، لا يريد الإقامة بها. وإن كان الذي خرج إلى عرفة في نيته ~~الإقامة بمكة إذا رجع، فإنه لا يقصر بعرفة، ولذلك أهل مكة لا يقصرون. # وإن صلى رجل خلف مكي يقصر الصلاة بعرفة ركعتين، ثم قام بعد صلاة الإمام، ~~فأضاف إليها ركعتين أخريين، صحت الصلاة؛ لأن المكي يقصر بتأويل، فصحت صلاة ~~من يأتم به. ### | [فصل خرج المسافر فذكر حاجة فرجع إليها هل يقصر الصلاة] # (1284) فصل: وإذا خرج المسافر، فذكر حاجة، فرجع إليها، فله القصر في ms0803 ~~رجوعه، إلا أن يكون نوى أن يقيم إذا رجع مدة تقطع القصر، أو يكون أهله أو ~~ماله في البلد الذي رجع إليه؛ لما ذكرنا. هكذا حكي عن أحمد. وقوله، في ~~الرواية الأخرى: أتم، إلا أن يكون مارا. # يقتضي أنه إذا قصد أخذ حاجته، والرجوع من غير # PageV02P214 # إقامة، أنه يقصر، والشافعي يرى له القصر، ما لم ينو في رجوعه الإقامة في ~~البلد أربعا، قال: ولو كان أتم أحب إلي. وقال مالك: يتم حتى يخرج فاصلا ~~للثانية. ونحوه قول الثوري. # ولنا، أنه قد ثبت له حكم السفر بخروجه، ولم توجد إقامة تقطع حكمه، فأشبه ~~ما لو أتى قرية غير مخرجه. ### | [مسألة قال اليوم أخرج وغدا أخرج قصر وإن أقام شهرا] # (1285) مسألة: قال: (وإن قال اليوم أخرج، وغدا أخرج. قصر، وإن أقام شهرا) ~~وجملة ذلك أن من لم يجمع الإقامة مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة، فله ~~القصر، ولو أقام سنين، مثل أن يقيم لقضاء حاجة يرجو نجاحها، أو لجهاد عدو، ~~أو حبسه سلطان أو مرض، وسواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة، أو ~~كثيرة، بعد أن يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا تقطع حكم السفر. # قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة، ~~وإن أتى عليه سنون. وقد روى ابن عباس، قال: «أقام النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين.» رواه البخاري. وقال جابر: ~~«أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة» ~~. رواه الإمام أحمد في " مسنده ". وفي حديث عمران بن حصين، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين» رواه أبو داود. # وروي عن عبد الرحمن بن المسور، عن أبيه، قال: أقمنا مع سعد بعمان أو ~~سلمان، فكان يصلي ركعتين، ويصلي أربعا، فذكرنا ذلك له. فقال: نحن أعلم رواه ~~الأثرم. # وروى سعيد، بإسناده عن المسور بن مخرمة، قال: أقمنا مع سعد ببعض قرى ~~الشام أربعين ليلة يقصرها ms0804 سعد، ونتمها. وقال نافع: أقام ابن عمر بأذربيجان ~~ستة أشهر يصلي ركعتين، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول. وعن حفص بن عبد ~~الله: أن أنس بن مالك أقام بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر. وقال أنس: أقام ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برامهرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة. # وعن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: أقمت معه سنتين بكابل يقصر ~~الصلاة، ولا يجمع. وقال إبراهيم: كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك، ~~وبسجستان السنتين، يجمعون ولا يصومون، وقد ذكرنا عن علي - رضي الله عنه - ~~أنه قال: ويقصر إذا قال: اليوم أخرج، غدا أخرج - شهرا. وهذا مثل قول ~~الخرقي، ولعل الخرقي - رحمه الله - إنما قال ذلك اقتداء به، ولم يرد أن ~~نهاية القصر إلى شهر، وإنما أراد أنه لا نهاية للقصر، والله أعلم. ### | [فصل عزم على إقامة طويلة في رستاق يتنقل فيه من قرية إلى قرية هل يقصر الصلاة] # (1286) فصل: وإن عزم على إقامة طويلة في رستاق، يتنقل فيه من قرية إلى ~~قرية، لا يجمع على الإقامة بواحدة منها # PageV02P215 # مدة تبطل حكم السفر، لم يبطل حكم سفره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أقام عشرا بمكة وعرفة ومنى، فكان يقصر في تلك الأيام كلها. # وروى الأثرم، بإسناده عن مورق، قال: سألت ابن عمر، قلت: إني رجل تاجر، ~~آتي الأهواز، فأنتقل في قراها من قرية إلى قرية، فأقيم الشهر وأكثر من ذلك. ~~قال: تنوي الإقامة؟ . قلت: لا. قال: لا أراك إلا مسافرا، صل صلاة ~~المسافرين. ولأنه لم ينو الإقامة في بلد بعينه، فأشبه المتنقل في سفره من ~~منزل إلى منزل. ### | [فصل دخل بلدا فقال إن لقيت فلانا أقمت وإن لم ألقه لم أقم هل يقصر الصلاة] # (1287) فصل: وإذا دخل بلدا، فقال: إن لقيت فلانا أقمت، وإن لم ألقه لم ~~أقم. لم يبطل حكم سفره؛ لأنه لم يجزم بالإقامة، ولأن المبطل لحكم السفر هو ~~العزم على الإقامة، ولم يوجد، وإنما علقه على شرط، وليس ذلك بحرام. ### | [فصل لا بأس بالتطوع نازلا وسائرا ms0805 على الراحلة] # (1288) فصل: ولا بأس بالتطوع نازلا وسائرا على الراحلة؛ لما روى ابن عمر، ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان ~~وجهه يومئ برأسه.» وكان ابن عمر يفعله. وروي نحو ذلك عن جابر، وأنس. متفق ~~عليهن. وروت أم هانئ بنت أبي طالب، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~فتح مكة اغتسل في بيتها، فصلى ثماني ركعات» . متفق عليه. وعن علي - رضي ~~الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتطوع في السفر.» رواه ~~سعيد. ويصلي ركعتي الفجر والوتر؛ لأن ابن عمر روى أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يوتر على بعيره ولما نام النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة ~~الفجر حتى طلعت الشمس، صلى ركعتي الفجر قبلها. متفق عليهما. # فأما سائر السنن والتطوعات قبل الفرائض وبعدها، فقال أحمد: أرجو أن لا ~~يكون بالتطوع في السفر بأس. # وروي عن الحسن، قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسافرون، فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن ~~مسعود، وجابر، وأنس، وابن عباس، وأبي ذر، وجماعة من التابعين كثير، وهو قول ~~مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر. # وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، ~~ونقل ذلك عن سعيد بن المسيب، وسعيد # PageV02P216 # بن جبير، وعلي بن الحسين؛ لما روي أن ابن عمر رأى قوما يسبحون بعد ~~الصلاة. فقال: لو كنت مسبحا لأتممت صلاتي، يا ابن أخي: «صحبت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم ~~يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وذكر عمر، وعثمان، وقال: {لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] » متفق عليه. # ووجه الأول ما روي عن ابن عباس، قال: «فرض رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - صلاة الحضر، فكنا نصلي قبلها وبعدها، وكنا نصلي في السفر قبلها ~~وبعدها.» رواه ابن ماجه. وعن أبي بصرة الغفاري، عن البراء ms0806 بن عازب، قال: ~~«صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية عشر سفرا، فما رأيته ترك ~~ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر» . رواه أبو داود. # وحديث الحسن عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ذكرناه. فهذا ~~يدل على أنه لا بأس بفعلها، وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها، ~~فيجمع بين الأحاديث، والله أعلم. # PageV02P217 ### | [كتاب صلاة الجمعة] # الأصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع} [الجمعة: 9] . فأمر بالسعي، ويقتضي الأمر الوجوب، ولا يجب ~~السعي إلا إلى الواجب. ونهى عن البيع؛ لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن ~~واجبة لما نهى عن البيع من أجلها، والمراد بالسعي هاهنا الذهاب إليها، لا ~~الإسراع، فإن السعي في كتاب الله لم يرد به العدو، قال الله تعالى: {وأما ~~من جاءك يسعى} [عبس: 8] . وقال: {وسعى لها سعيها} [الإسراء: 19] وقال: {سعى ~~في الأرض ليفسد فيها} [البقرة: 205] . وقال: {ويسعون في الأرض فسادا} ~~[المائدة: 33] . وأشباه هذا لم يرد بشيء من العدو، وقد روي عن عمر أنه كان ~~يقرؤها: فامضوا إلى ذكر الله. # وأما السنة، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لينتهين أقوام عن ودعهم ~~الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين» . متفق عليه. # وعن أبي الجعد الضمري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ترك ~~ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه» وقال - عليه السلام -: «الجمعة حق واجب ~~على كل مسلم، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» . رواهما ~~أبو داود. # وعن جابر، قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «واعلموا ~~أن الله تعالى قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري ~~هذا، من عامي هذا، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي، وله إمام عادل أو ~~جائر، استخفافا بها، أو جحودا لها، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له ms0807 في ~~أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ~~ولا بر له، حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه» رواه ابن ماجه. # وأجمع المسلمون على وجوب الجمعة. ### | [مسألة إذا زالت الشمس يوم الجمعة صعد الإمام على المنبر] # (1289) مسألة: قال: (وإذا زالت الشمس يوم الجمعة صعد الإمام على المنبر) ~~المستحب إقامة الجمعة بعد الزوال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يفعل ذلك. قال مسلمة بن الأكوع: «كنا نجمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء» . متفق عليه وعن أنس، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس.» أخرجه البخاري. # ولأن # PageV02P218 # في ذلك خروجا من الخلاف، فإن علماء الأمة اتفقوا على أن ما بعد الزوال ~~وقت للجمعة، وإنما الخلاف فيما قبله. ولا فرق في استحباب إقامتها عقيب ~~الزوال بين شدة الحر، وبين غيره؛ فإن الجمعة يجتمع لها الناس، فلو انتظروا ~~الإبراد شق عليهم، وكذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعلها إذا زالت ~~الشمس في الشتاء والصيف على ميقات واحد. # ويستحب أن يصعد للخطبة على منبر ليسمع الناس، وكان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يخطب الناس على منبره. وقال سهل بن سعد: «أرسل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى فلانة - امرأة سماها سهل - أن مري غلامك النجار يعمل لي ~~أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس» متفق عليه. وقالت أم هشام بنت حارثة بن ~~النعمان: «ما أخذت ق إلا عن لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها ~~كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس» . # وليس ذلك واجبا، فلو خطب على الأرض، أو على ربوة، أو وسادة، أو على ~~راحلته، أو غير ذلك، جاز؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان قبل أن ~~يصنع المنبر يقوم على الأرض اه. (1290) فصل: ويستحب أن يكون المنبر على ~~يمين القبلة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا صنع. ### | [مسألة إذا استقبل الإمام الناس سلم ms0808 عليهم وردوا عليه وجلس] # (1291) مسألة: قال: (فإذا استقبل الناس سلم عليهم، وردوا عليه، وجلس) ~~يستحب للإمام إذا خرج أن يسلم على الناس، ثم إذا صعد المنبر فاستقبل ~~الحاضرين سلم عليهم، وجلس إلى أن يفرغ المؤذنون من أذانهم. كان ابن الزبير ~~إذا علا على المنبر سلم، وفعله عمر بن عبد العزيز. وبه قال الأوزاعي ~~والشافعي. وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يسن السلام عقيب الاستقبال؛ لأنه قد ~~سلم حال خروجه. # ولنا، ما روى جابر، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد ~~المنبر سلم» . رواه ابن ماجه. وعن ابن عمر، قال: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا دخل المسجد يوم الجمعة سلم على من عند المنبر جالسا، فإذا ~~صعد المنبر توجه الناس ثم سلم عليهم» . رواه أبو بكر، بإسناده. عن الشعبي، ~~قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد المنبر يوم الجمعة ~~استقبل الناس، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، ويحمد الله تعالى، ويثني ~~عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه.» ~~رواه الأثرم. # ومتى سلم رد عليه الناس؛ لأن رد السلام آكد من ابتدائه. ثم يجلس حتى يفرغ ~~المؤذنون ليستريح. # وقد روى ابن عمر، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب خطبتين، ~~يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ # PageV02P219 # المؤذنون، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب» رواه أبو ~~داود. ### | [مسألة إذا أخذ المؤذنون في الأذان يوم الجمعة] # (1292) مسألة: قال: (وأخذ المؤذنون في الأذان، وهذا الأذان الذي يمنع ~~البيع، ويلزم السعي، إلا لمن منزله في بعد، فعليه أن يسعى في الوقت الذي ~~يكون به مدركا للجمعة) أما مشروعية الأذان عقيب صعود الإمام فلا خلاف فيه، ~~فقد كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال السائب بن يزيد: «كان ~~النداء إذا صعد الإمام على المنبر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان كثر الناس، فزاد النداء الثالث على ~~الزوراء» . رواه البخاري. # وأما ms0809 قوله: " هذا الأذان الذي يمنع البيع ويلزم السعي فلأن الله تعالى ~~أمر بالسعي، ونهى عن البيع بعد النداء، بقوله سبحانه: «إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع» والنداء الذي كان على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو النداء عقيب جلوس الإمام على المنبر، ~~فتعلق الحكم به دون غيره، ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل الزوال أو بعده. # وحكى القاضي رواية عن أحمد، أن البيع يحرم بزوال الشمس، وإن لم يجلس ~~الإمام على المنبر. ولا يصح هذا؛ لأن الله تعالى علقه على النداء، لا على ~~الوقت، ولأن المقصود بهذا إدراك الجمعة، وهو يحصل بما ذكرنا دون ما ذكره، ~~ولو كان تحريم البيع معلقا بالوقت لما اختص بالزوال، فإن ما قبله وقت أيضا. # فأما من كان منزله بعيدا لا يدرك الجمعة بالسعي وقت النداء، فعليه السعي ~~في الوقت الذي يكون به مدركا للجمعة؛ لأن الجمعة واجبة، والسعي قبل النداء ~~من ضرورة إدراكها، وما لا يتم الواجب إلا به واجب، كاستقاء الماء من البئر ~~للوضوء إذا لم يقدر على غيره، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم، ~~ونحوهما. ### | [فصل تحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطبين بالجمعة] # (1293) فصل: وتحريم البيع، ووجوب السعي، يختص بالمخاطبين بالجمعة، فأما ~~غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين، فلا يثبت في حقه ذلك. وذكر ابن أبي ~~موسى في غير المخاطبين روايتين. والصحيح ما ذكرنا؛ فإن الله تعالى إنما نهى ~~عن البيع من أمره بالسعي، فغير المخاطب بالسعي لا يتناوله النهي، ولأن ~~تحريم البيع معلل بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة، وهذا معدوم في حقهم. # فإن كان المسافر في غير المصر، أو كان إنسانا مقيما بقرية لا جمعة على ~~أهلها، لم يحرم البيع قولا واحدا، ولم يكره. وإن كان أحد المتبايعين مخاطبا ~~والآخر غير مخاطب، حرم في حق المخاطب، وكره في حق غيره؛ لما فيه من الإعانة ~~على الإثم ويحتمل أن يحرم أيضا: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ~~[المائدة: 2] # PageV02P220 ### | [فصل لا يحرم ms0810 غير البيع من العقود] # (1294) فصل: ولا يحرم غير البيع من العقود، كالإجارة والصلح والنكاح. ~~وقيل: يحرم؛ لأنه عقد معاوضة، أشبه البيع. ولنا، أن النهي مختص بالبيع، ~~وغيره لا يساويه في الشغل عن السعي؛ لقلة وجوده، فلا يصح قياسه على البيع. ### | [فصل للسعي إلى الجمعة وقتان] # (1295) فصل: وللسعي إلى الجمعة وقتان: وقت وجوب، ووقت فضيلة. فأما وقت ~~الوجوب فما ذكرناه، وأما وقت الفضيلة فمن أول النهار، فكلما كان أبكر كان ~~أولى وأفضل. وهذا مذهب الأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. ~~وقال مالك: لا يستحب التبكير قبل الزوال؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: " من راح إلى الجمعة ". # والرواح بعد الزوال، والغدو قبله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» . ويقال: تروحت عند ~~انتصاف النهار. # قال امرؤ القيس: # تروح من الحي أم تبتكر # ولنا، ما روى أبو هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ~~ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، ~~فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن ~~راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة ~~يستمعون الذكر» متفق عليه. وفي لفظ: «إذا كان يوم الجمعة وقف على كل باب من ~~أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طووا الصحف، ~~وجاءوا يستمعون» . متفق عليه. وقال علقمة: خرجت مع عبد الله إلى الجمعة، ~~فوجدت ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، إني سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الناس يجلسون من الله عز وجل ~~يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة» . رواه ابن ماجه. وروي أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، كان له ~~بكل خطوة يخطوها أجر سنة، صيامها وقيامها» . أخرجه الترمذي، وقال: حديث ~~حسن. ms0811 رواه ابن ماجه، وزاد: «ومشى # PageV02P221 # ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ.» # قوله " بكر " أي خرج في بكرة النهار، وهي أوله " وابتكر " بالغ في ~~التبكير، أي جاء في أول البكرة، على ما قال امرؤ القيس: # تروح من الحي أم تبتكر # وقيل: معناه ابتكر العبادة مع بكورة. وقيل: ابتكر الخطبة. أي: حضر ~~الخطبة، مأخوذ من باكورة الثمرة، وهي أولها. وغير هذا أجود؛ لأن من جاء في ~~بكرة النهار، لزم أن يحضر أول الخطبة # وقوله: " غسل واغتسل " أي: جامع امرأته ثم اغتسل. ولهذا قال في الحديث ~~الآخر: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة» . قال أحمد: تفسير قوله: " من ~~غسل واغتسل " مشددة، يريد يغسل أهله، وغير واحد من التابعين: عبد الرحمن بن ~~الأسود، وهلال بن يساف، يستحبون أن يغسل الرجل أهله يوم الجمعة، وإنما هو ~~على أن يطأ وإنما استحب ذلك ليكون أسكن لنفسه، وأغض لطرفه في طريقه. وروي ~~ذلك عن وكيع أيضا. وقيل: المراد به غسل رأسه، واغتسل في بدنه. حكي هذا عن ~~ابن المبارك. # وقوله: " غسل الجنابة " على هذا التفسير أي كغسل الجنابة. وأما قول مالك ~~فمخالف للآثار؛ لأن الجمعة يستحب فعلها عند الزوال، وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يبكر بها، ومتى خرج الإمام طويت الصحف، فلم يكتب من أتى الجمعة ~~بعد ذلك، فأي فضيلة لهذا؟ وإن أخر بعد ذلك شيئا دخل في النهي والذم، كما ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي جاء يتخطى الناس: «رأيتك آنيت ~~وآذيت» . أي أخرت المجيء. وقال عمر لعثمان حين جاء وهو يخطب: أي ساعة هذه؟ ~~على سبيل الإنكار عليه. # وإن أخر أكثر من هذا فاتته الجمعة، فكيف يكون لهؤلاء بدنة، أو بقرة، أو ~~فضل، وهم من أهل الذم. وقوله: " راح إلى الجمعة " أي: ذهب إليها. لا يحتمل ~~غير هذا. ### | [فصل المستحب أن يمشي ولا يركب في طريقه إلى الجمعة] # (1296) فصل: والمستحب أن يمشي ولا يركب في طريقها؛ لقوله: " ومشى ولم ~~يركب ". وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه لم يركب في ms0812 عيد ولا ~~جنازة.» والجمعة في معناهما، وإنما لم يذكرها، لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان باب حجرته شارعا في المسجد، يخرج منه إليه، فلا يحتمل الركوب، ~~ولأن الثواب على الخطوات، بدليل ما رويناه، ويستحب أن يكون عليه السكينة ~~والوقار في حال مشيه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سمعتم ~~الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا» . # ولأن الماشي إلى الصلاة في صلاة، ولا يشبك بين أصابعه، ويقارب بين خطاه، ~~لتكثر حسناته. وقد روينا عن # PageV02P222 # «النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج مع زيد بن ثابت إلى الصلاة، فقارب ~~بين خطاه، ثم قال: إنما فعلت لتكثر خطانا في طلب الصلاة» . وروي عن عبد ~~الله بن رواحة، أنه كان يبكر إلى الجمعة، ويخلع نعليه، ويمشي حافيا، ويقصر ~~في مشيه، رواه الأثرم. # ويكثر ذكر الله في طريقه، ويغض بصره، ويقول ما ذكرناه في باب صفة الصلاة. # ويقول أيضا: " اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من توسل إليك، ~~وأفضل من سألك ورغب إليك ". وروينا عن بعض الصحابة، أنه مشى إلى الجمعة ~~حافيا، فقيل له في ذلك، فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «من اغبرت قدماه في سبيل الله، حرمهما الله على النار.» ### | [فصل تجب الجمعة والسعي إليها سواء كان من يقيمها سنيا أو مبتدعا] # (1297) فصل: وتجب الجمعة والسعي إليها، سواء كان من يقيمها سنيا، أو ~~مبتدعا، أو عدلا، أو فاسقا. نص عليه أحمد، وروي عن العباس بن عبد العظيم، ~~أنه سأل أبا عبد الله، عن الصلاة خلفهم - يعني المعتزلة - يوم الجمعة، قال: ~~أما الجمعة فينبغي شهودها، فإن كان الذي يصلي منهم، أعاد، وإن كان لا يدري ~~أنه منهم، فلا يعيد. # قلت: فإن كان يقال: إنه قد قال بقولهم قال: حتى يستيقن. ولا أعلم في هذا ~~بين أهل العلم خلافا، والأصل في هذا عموم قول الله تعالى: {إذا نودي للصلاة ~~من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] وقول النبي: - ~~صلى الله عليه وسلم - «فمن ms0813 تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر، ~~استخفافا بها، أو جحودا بها، فلا جمع الله له شمله» . وإجماع الصحابة، - ~~رضي الله عنهم -، فإن عبد الله بن عمر وغيره من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كانوا يشهدونها مع الحجاج ونظرائه، ولم يسمع من أحد منهم ~~التخلف عنها. # وقال عبد الله بن أبي الهذيل: تذاكرنا الجمعة أيام المختار، فأجمع رأيهم ~~على أن يأتوه، فإنما عليه كذبه. ولأن الجمعة من أعلام الدين الظاهرة، ~~ويتولاها الأئمة ومن ولوه، فتركها خلف من هذه صفته يؤدي إلى سقوطها. # وجاء رجل إلى محمد بن النضر الحارثي، فقال: إن لي جيرانا من أهل الأهواء، ~~فكنت أعيبهم وأنقصهم، فجاءوني فقالوا: ما تخرج تذكرنا؟ قال: وأي شيء ~~يقولون؟ قال: أول ما أقول لك، أنهم لا يرون الجمعة. قال: حسبك، ما قولك في ~~من رد على أبي بكر وعمر، رحمهما الله؟ قال: قلت رجل # PageV02P223 # سوء. قال: فما قولك في من رد على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: قلت ~~كافر. ثم مكث ساعة، ثم قال: ما قولك في من رد على العلي الأعلى؟ ثم غشي ~~عليه، فمكث ساعة، ثم قال: ردوا عليه والله، قال الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] ~~قالها والله، وهو يعلم أن بني العباس يسألونها. # إذا ثبت هذا فإنها لا تعاد خلف من يعاد خلفه بقية الصلوات. # وحكي عن أبي عبد الله رواية أخرى، أنها لا تعاد. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى. ~~والظاهر من حال الصحابة، رحمة الله عليهم، أنهم لم يكونوا يعيدونها، فإنه ~~لم ينقل عنهم ذلك. ### | [مسألة إذا فرغوا من الأذان خطبهم قائما] # (1298) مسألة: قال: (فإذا فرغوا من الأذان خطبهم قائما) وجملة ذلك أن ~~الخطبة شرط في الجمعة، لا تصح بدونها كذلك قال عطاء، والنخعي، وقتادة، ~~والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه مخالفا، ~~إلا الحسن، قال: تجزئهم جميعهم، خطب الإمام أو لم يخطب؛ لأنها صلاة عيد، ms0814 ~~فلم تشترط لها الخطبة، كصلاة الأضحى. # ولنا، قول الله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] والذكر هو ~~الخطبة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ترك الخطبة للجمعة في حال؛ ~~وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: قصرت ~~الصلاة لأجل الخطبة. وقول عائشة نحو من هذا. وقال سعيد بن جبير: كانت ~~الجمعة أربعا فجعلت الخطبة مكان الركعتين. # وقوله: " خطبهم قائما ". يحتمل أنه أراد اشتراط القيام في الخطبة، وأنه ~~متى خطب قاعدا لغير عذر، لم تصح. ويحتمله كلام أحمد، - رحمه الله -. # قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الخطبة قاعدا، أو يقعد في إحدى ~~الخطبتين؟ فلم يعجبه، وقال: قال الله تعالى: {وتركوك قائما} [الجمعة: 11] ~~وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما. فقال له الهيثم بن خارجة: ~~كان عمر بن عبد العزيز يجلس في خطبته فظهر منه إنكار. # وهذا مذهب الشافعي. وقال القاضي: يجزئه الخطبة قاعدا. وقد نص عليه أحمد ~~وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام ~~كالأذان. ووجه الأول ما روى ابن عمر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس» . متفق عليه. وقال جابر بن سمرة: ~~إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم ~~فيخطب قائما، فمن نبأك أنه يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ~~ألفي صلاة.» أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي. # فأما إن قعد لعذر، من مرض، أو عجز عن القيام، فلا بأس، فإن الصلاة تصح من ~~القاعد العاجز عن القيام، فالخطبة أولى. ويستحب أن يشرع في الخطبة عند فراغ ~~المؤذن من أذانه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك. # PageV02P224 ### | [فصل يستحب أن يستقبل الناس الخطيب إذا خطب] # (1299) فصل: ويستحب أن يستقبل الناس الخطيب إذا خطب. قال الأثرم: قلت ~~لأبي عبد الله: يكون الإمام عن يميني متباعدا، فإذا أردت أن أنحرف إليه ~~حولت وجهي عن القبلة، ms0815 فقال: نعم، تنحرف إليه وممن كان يستقبل الإمام ابن ~~عمر، وأنس. وهو قول شريح، وعطاء، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وسعيد بن عبد ~~العزيز، وابن جابر، ويزيد بن أبي مريم، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # قال ابن المنذر: هذا كالإجماع. وروي عن الحسن أنه استقبل القبلة، ولم ~~ينحرف إلى الإمام وعن سعيد بن المسيب أنه كان لا يستقبل هشام بن إسماعيل ~~إذا خطب، فوكل به هشام شرطيا يعطفه إليه. والأول أولى؛ لما روى عدي بن ~~ثابت، عن أبيه، عن جده، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام ~~على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم» ، رواه ابن ماجه. وعن مطيع بن يحيى ~~المدني، عن أبيه، عن جده، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~قام على المنبر أقبلنا بوجوهنا إليه» . أخرجه الأثرم. # ولأن ذلك أبلغ في سماعهم، فاستحب، كاستقبال الإمام إياهم. ### | [مسألة حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وجلس وقام] # (1300) مسألة: قال: (فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وجلس وقام، فأتى أيضا بالحمد لله والثناء عليه، والصلاة على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقرأ ووعظ، وإن أراد أن يدعو لإنسان دعا) ~~وجملته أنه يشترط للجمعة خطبتان. وهذا مذهب الشافعي. وقال مالك، والأوزاعي، ~~وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي: يجزيه خطبة واحدة. # وقد روي عن أحمد ما يدل عليه، فإنه قال: لا تكون الخطبة إلا كما خطب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أو خطبة تامة. ووجه الأول أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يخطب خطبتين، كما روينا في حديث ابن عمر، وجابر بن ~~سمرة، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ~~الركعتين. فكل خطبة مكان ركعة، فالإخلال بإحداهما كالإخلال بإحدى الركعتين. # ويشترط لكل واحدة منهما حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل أمر ذي بال لا ~~يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر» . # وإذا وجب ذكر الله تعالى، وجب ذكر النبي - صلى ms0816 الله عليه وسلم - لما روي ~~في تفسير قوله تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 1] {ورفعنا لك ذكرك} ~~[الشرح: 4] قال: لا أذكر إلا ذكرت معي، ولأنه موضع وجب فيه ذكر الله تعالى، ~~والثناء عليه، فوجب فيه الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كالأذان ~~والتشهد # ويحتمل أن لا تجب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يذكر في خطبه ذلك. فأما القراءة، فقال القاضي: ~~يحتمل أن يشترط لكل واحدة من الخطبتين، وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأن الخطبتين ~~أقيمتا مقام ركعتين، فكانت القراءة شرطا فيهما كالركعتين. # ويحتمل أن تشترط في # PageV02P225 # إحداهما؛ لما روى الشعبي، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس، فقال: السلام عليكم. ويحمد الله، ~~ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب ثم ينزل، وكان أبو بكر ~~وعمر يفعلانه» . رواه الأثرم. فظاهر هذا أنه إنما قرأ في الخطبة الأولى، ~~ووعظ في الخطبة الثانية. وظاهر كلام الخرقي أن الموعظة إنما تكون في الخطبة ~~الثانية؛ لهذا الخبر. # وقال القاضي: تجب في الخطبتين؛ لأنها بيان المقصود من الخطبة، فلم يجز ~~الإخلال بها. وقال أبو حنيفة: لو أتى بتسبيحة واحدة أجزأ؛ لأن الله تعالى ~~قال: {فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] ولم يعين ذكرا، فأجزأ ما يقع عليه ~~اسم الذكر، ويقع اسم الخطبة على دون ما ذكرتموه، بدليل أن رجلا جاء إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: علمني عملا أدخل به الجنة. فقال: " لئن ~~أقصرت في الخطبة لقد أعرضت في المسألة ". # وعن مالك روايتان، كالمذهبين. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر الذكر بفعله، فيجب الرجوع إلى ~~تفسيره، قال جابر بن سمرة: «كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قصدا، وخطبته قصدا، يقرأ آيات من القرآن، ويذكر الناس» . وقال جابر: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس، يحمد الله، ويثني عليه بما ~~هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل ms0817 فلا هادي له» . # وقال ابن عمر: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما، ثم ~~يجلس، ثم يقوم. كما يفعلون اليوم» . فأما التسبيح والتهليل فلا يسمى خطبة. ~~والمراد بالذكر الخطبة، وما رووه مجاز؛ فإن السؤال لا يسمى خطبة، ولذلك لو ~~ألقى مسألة على الحاضرين لم يكف ذلك اتفاقا. # قال أصحابنا: ولا يكفي في القراءة أقل من آية، لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يقتصر على أقل من ذلك، ولأن الحكم لا يتعلق بما دونها، بدليل منع ~~الجنب من قراءتها، دون ما هو أقل من ذلك. وظاهر كلام أحمد أنه لا يشترط ~~ذلك؛ لأنه قال: القراءة في الخطبة على المنبر ليس فيها شيء مؤقت، ما شاء ~~قرأ. وقال: إن خطب بهم وهو جنب، ثم اغتسل وصلى بهم، فإنه يجزئه. والجنب ~~ممنوع من قراءة آية. والخرقي قال: قرأ شيئا من القرآن ولم يعين المقروء. # ويحتمل أن لا يجب شيء سوى حمد الله والموعظة؛ لأن ذلك يسمى خطبة، ويحصل ~~به المقصود، فأجزأ، وما عداه فليس على اشتراطه دليل. ولا يجب أن يخطب على ~~صفة خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاتفاق؛ لأنه قد روي أنه كان # PageV02P226 # يقرأ آيات ولا يجب قراءة آيات، ولكن يستحب أن يقرأ آيات كذلك، ولما روت ~~أم هشام بنت حارثة بن النعمان، قالت: «ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من في ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بها في كل جمعة» . وعن أخت لعمرة ~~كانت أكبر منها مثل هذا، رواهما مسلم # ، وفي حديث الشعبي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ سورة. ### | [فصل يستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة] # (1301) فصل: يستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك كما روينا في حديث ابن عمر، وجابر بن سمرة ~~وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم. وقال الشافعي: هي واجبة؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يجلسها ولنا، أنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع، فلم ~~تكن واجبة ms0818 كالأولى، وقد سرد الخطبة جماعة، منهم المغيرة بن شعبة، وأبي بن ~~كعب. قاله أحمد. # وروي عن أبي إسحاق، قال: رأيت عليا يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ. ~~وجلوس النبي - صلى الله عليه وسلم - كان للاستراحة، فلم تكن واجبة، ~~كالأولى، ولكن يستحب، فإن خطب جالسا لعذر فصل بين الخطبتين بسكتة، وكذلك إن ~~خطب قائما فلم يجلس. قال: ابن عبد البر: ذهب مالك، والعراقيون، وسائر فقهاء ~~الأمصار إلا الشافعي، أن الجلوس بين الخطبتين لا شيء على من تركه. ### | [فصل السنة أن يخطب متطهرا] # (1302) فصل: والسنة أن يخطب متطهرا. قال أبو الخطاب: وعنه أن ذلك من ~~شرائطها، وللشافعي قولان، كالروايتين. وقد قال أحمد، في من خطب وهو جنب، ثم ~~اغتسل وصلى بهم: يجزئه. وهذا إنما يكون إذا خطب في غير المسجد، أو خطب في ~~المسجد غير عالم بحال نفسه، ثم علم بعد ذلك، والأشبه بأصول المذهب اشتراط ~~الطهارة من الجنابة؛ فإن أصحابنا قالوا: يشترط قراءة آية فصاعدا. وليس ذلك ~~للجنب، ولأن الخرقي اشترط للأذان الطهارة من الجنابة، فالخطبة أولى. # فأما الطهارة الصغرى فلا يشترط؛ لأنه ذكر يتقدم الصلاة، فلم تكن الطهارة ~~فيه شرطا كالأذان، لكن يستحب أن يكون متطهرا من الحدث والنجس؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يصلي عقيب الخطبة، لا يفصل بينهما بطهارة، فيدل ~~على أنه كان متطهرا، والاقتداء به إن لم يكن واجبا فهو سنة. ولأننا ~~استحببنا ذلك للأذان، فالخطبة أولى، ولأنه لو لم يكن متطهرا احتاج إلى ~~الطهارة بين الصلاة والخطبة، فيفصل بينهما، وربما طول على الحاضرين. # PageV02P227 ### | [فصل السنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة] # (1303) فصل: والسنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يتولاهما بنفسه، وكذلك خلفاؤه من بعده. وإن خطب رجل، ~~وصلى آخر لعذر، جاز. نص عليه أحمد. ولو خطب أمير، فعزل وولي غيره، فصلى ~~بهم، فصلاتهم تامة. نص عليه؛ لأنه إذا جاز الاستخلاف في الصلاة الواحدة ~~للعذر، ففي الخطبة مع الصلاة أولى. وإن لم يكن عذر، فقال أحمد ms0819 - رحمه الله ~~-: لا يعجبني من غير عذر. # فيحتمل المنع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتولاهما، وقد قال: ~~«صلوا كما رأيتموني أصلي» . ولأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين. ويحتمل الجواز؛ ~~لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، فأشبهتا صلاتين. وهل يشترط أن يكون المصلي ~~ممن حضر الخطبة؟ فيه روايتان: إحداهما، يشترط ذلك. وهو قول الثوري، وأصحاب ~~الرأي، وأبي ثور؛ لأنه إمام في الجمعة، فاشترط حضوره الخطبة، كما لو لم ~~يستخلف. والثانية، لا يشترط. # وهو قول الأوزاعي، والشافعي؛ لأنه ممن تنعقد به الجمعة، فجاز أن يؤم ~~فيها. كما لو حضر الخطبة. وقد روي عن أحمد - رحمه الله - أنه لا يجوز ~~الاستخلاف لعذر ولا غيره. قال، في رواية حنبل، في الإمام إذا أحدث بعد ما ~~خطب، فقدم رجلا يصلي بهم: لم يصل بهم إلا أربعا، إلا أن يعيد الخطبة، ثم ~~يصلي بهم ركعتين. وذلك لأن هذا لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولا عن أحد من خلفائه والأول المذهب. ### | [فصل سنن الخطبة] # (1304) فصل: ومن سنن الخطبة أن يقصد الخطيب تلقاء وجهه؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك، ولأنه أبلغ في سماع الناس، وأعدل بينهم، ~~فإنه لو التفت إلى أحد جانبيه لأعرض عن الجانب الآخر، ولو خالف هذا، ~~واستدبر الناس، واستقبل القبلة، صحت الخطبة؛ لحصول المقصود بدونه، فأشبه ما ~~لو أذن غير مستقبل القبلة. # ويستحب أن يرفع صوته؛ ليسمع الناس. قال جابر: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر ~~جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله تعالى، ~~وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ~~ضلالة» . # PageV02P228 # ويستحب تقصير الخطبة؛ لما روى عمار، قال: إني سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا ~~الصلاة، واقصروا الخطبة» . وقال جابر بن سمرة: «كنت أصلي مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وكانت صلاته ms0820 قصدا، وخطبته قصدا» ، روى هذه الأحاديث كلها ~~مسلم. وعن جابر بن سمرة، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات» . رواه أبو داود. # ويستحب أن يعتمد على قوس، أو سيف، أو عصا؛ لما روى الحكم بن حزن الكلفي ~~قال: «وفدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقمنا أياما شهدنا فيها ~~الجمعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام متوكئا على عصا أو قوس، ~~فحمد الله، وأثنى عليه كلمات طيبات خفيفات مباركات.» رواه أبو داود. ولأن ~~ذلك أعون له؛ فإن لم يفعل، فيستحب أن يسكن أطرافه، إما أن يضع يمينه على ~~شماله، أو يرسلهما ساكنتين مع جنبيه. # ويستحب أن يبدأ بالحمد قبل الموعظة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يفعل ذلك، ولأن كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر، ثم يثني ~~بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يعظ. # فإن عكس ذلك صح؛ لحصول المقصود منه. ويستحب أن يكون في خطبته مترسلا، ~~مبينا، معربا، لا يعجل فيها، ولا يمططها، وأن يكون متخشعا، متعظا بما يعظ ~~الناس به؛ لأنه قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عرض علي ~~قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقيل لي: هؤلاء خطباء من أمتك يقولون ما ~~لا يفعلون.» ### | [فصل قراءة سورة الحج على المنبر] # (1305) فصل: سئل أحمد عن قراءة سورة الحج على المنبر، أيجزئه؟ قال: لا. ~~لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله تعالى، والصلاة على رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -. وقال: لا تكون الخطبة إلا كما خطب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أو خطبة تامة، ولأن هذا لا يسمى خطبة، ولا يجمع شروطها. وإن قرأ آيات ~~فيها حمد الله تعالى، والموعظة، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - صح؛ ~~لاجتماع الشروط. ### | [فصل قراءة السجدة في أثناء الخطبة] # (1306) فصل: وإن قرأ السجدة في أثناء الخطبة، فإن شاء نزل فسجد، وإن أمكن ~~السجود على المنبر، سجد # PageV02P229 # عليه. ms0821 وإن ترك السجود، فلا حرج، فعله عمر وترك، وبهذا قال الشافعي. وترك ~~عثمان، وأبو موسى، وعمار، والنعمان بن بشير، وعقبة بن عامر. # وبه قال أصحاب الرأي؛ لأن السجود عندهم واجب. وقال مالك: لا ينزل؛ لأنه ~~صلاة تطوع، فلا يشتغل بها في أثناء الخطبة، كصلاة ركعتين. # ولنا، فعل عمر وتركه، وفعل من سمينا من الصحابة، رحمة الله عليهم، ولأنه ~~سنة وجد سببها، لا يطول الفصل بها، فاستحب فعلها، كحمد الله تعالى إذا عطس، ~~وتشميت العاطس. ولا يجب ذلك؛ لما قدمنا من أن سجود التلاوة غير واجب. # ويفارق صلاة ركعتين، لأن سببها لم يوجد، ويطول الفصل بها. ### | [فصل الموالاة شرط في صحة الخطبة] # (1307) فصل: والموالاة شرط في صحة الخطبة فإن فصل بعضها من بعض، بكلام ~~طويل، أو سكوت طويل، أو شيء غير ذلك يقطع الموالاة، استأنفها. والمرجع في ~~طول الفصل وقصره إلى العادة. وكذلك يشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة. وإن ~~احتاج إلى الطهارة تطهر، وبنى على خطبته، ما لم يطل الفصل. ### | [فصل يستحب للخطيب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات ولنفسه والحاضرين] # (1308) فصل: ويستحب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات، ولنفسه، والحاضرين، وإن ~~دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن. وقد روى ضبة بن محصن، أن أبا موسى كان ~~إذا خطب، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يدعو لعمر، وأبي بكر. وأنكر عليه ضبة البداية بعمر قبل الدعاء لأبي بكر، ~~ورفع ذلك إلى عمر، فقال لضبة: أنت أوثق منه وأرشد. وقال القاضي: لا يستحب ~~ذلك؛ لأن عطاء قال: هو محدث. # وقد ذكرنا فعل الصحابة له، وهو مقدم على قول عطاء؛ ولأن سلطان المسلمين ~~إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاء لهم، وذلك مستحب غير مكروه. ### | [مسألة يصلي بهم الجمعة ركعتين يقرأ في كل ركعة الحمد لله وسورة] # (1309) مسألة: قال: (وينزل فيصلي بهم الجمعة ركعتين، يقرأ في كل ركعة ~~الحمد لله، وسورة) وجملة ذلك أن صلاة الجمعة ركعتان عقيب الخطبة، يقرأ في ~~كل ركعة (الحمد لله) وسورة، ويجهر بالقراءة فيهما. لا ms0822 خلاف في ذلك كله. قال ~~ابن المنذر: أجمع المسلمون على أن صلاة الجمعة ركعتان وجاء الحديث عن عمر، ~~أنه قال: «صلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم - صلى الله ~~عليه وسلم -» رواه الإمام أحمد، وابن ماجه. # ويستحب أن يقرأ في الأولى بسورة الجمعة، والثانية بسورة المنافقين. وهذا ~~مذهب الشافعي، وأبي ثور لما روي عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: «صلى بنا ~~أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة # PageV02P230 # في الركعة الأولى، وفي الركعة الآخرة: إذا جاءك المنافقون. فلما قضى أبو ~~هريرة الصلاة أدركته، فقلت: يا أبا هريرة، إنك قرأت بسورتين كان علي يقرأ ~~بهما بالكوفة. قال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بهما ~~في الجمعة.» أخرجه مسلم. وإن قرأ في الثانية بالغاشية، فحسن؛ فإن الضحاك بن ~~قيس سأل النعمان بن بشير: «ماذا كان يقرؤه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يوم الجمعة، على إثر سورة الجمعة فقال: كان يقرأ ب هل أتاك حديث الغاشية» ~~أخرجه مسلم. وإن قرأ في الأولى ب (سبح) وفي الثانية بالغاشية، فحسن؛ فإن ~~النعمان بن بشير، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في ~~العيدين، وفي الجمعة، ب " سبح اسم ربك الأعلى "، و " هل أتاك حديث الغاشية ~~" فإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، قرأ بهما أيضا في الصلاتين» . ~~أخرجه مسلم. وروى سمرة بن جندب، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقرأ في صلاة الجمعة ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] و {هل أتاك حديث ~~الغاشية} [الغاشية: 1] معا» . رواه أبو داود، والنسائي # وقال مالك: أما الذي جاء به الحديث (هل أتاك حديث الغاشية) مع سورة ~~الجمعة، والذي أدركت عليه الناس ب (سبح اسم ربك الأعلى) وحكي عن أبي بكر ~~عبد العزيز، أنه كان يستحب أن يقرأ في الثانية (سبح) ، ولعله صار إلى ما ~~حكاه مالك أنه أدرك الناس عليه، # واتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن. ومهما قرأ فهو جائز حسن، ~~إلا أن الاقتداء برسول الله ms0823 - صلى الله عليه وسلم - أحسن، ولأن سورة الجمعة ~~تليق بالجمعة؛ لما فيها من ذكرها، والأمر بها، والحث عليها. ### | [مسألة أدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها يوم الجمعة] # (1310) مسألة: قال: (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة بسجدتيها، أضاف إليها ~~أخرى، وكانت له جمعة) أكثر أهل العلم يرون أن من أدرك ركعة من الجمعة مع ~~الإمام، فهو مدرك لها، يضيف إليها أخرى، ويجزئه. وهذا قول ابن مسعود وابن ~~عمر، وأنس، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعلقمة، والأسود، وعروة، والزهري، ~~والنخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. # وقال عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول: من لم يدرك الخطبة صلى أربعا؛ لأن ~~الخطبة شرط للجمعة، فلا تكون جمعة في حق من لم يوجد في حقه شرطها. # ولنا، ما روى الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من أدرك من الجمعة ركعة، فقد أدرك الصلاة» . رواه ~~الأثرم، ورواه ابن ماجه، ولفظه: " فليصل إليها أخرى " وعن أبي هريرة، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» ~~متفق عليه. # ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم. # PageV02P231 ### | [مسألة أدرك مع الإمام أقل من ركعة يوم الجمعة] # (1311) مسألة: قال: (ومن أدرك معه أقل من ذلك، بنى عليها ظهرا، إذا كان ~~قد دخل بنية الظهر) . أما من أدرك أقل من ركعة، فإنه لا يكون مدركا للجمعة، ~~ويصلي ظهرا أربعا. وهو قول جميع من ذكرنا في المسألة قبل هذه. وقال الحكم، ~~وحماد، وأبو حنيفة يكون مدركا للجمعة بأي قدر أدرك من الصلاة مع الإمام؛ ~~لأن من لزمه أن يبني على صلاة الإمام إذا أدرك ركعة، لزمه إذا أدرك أقل ~~منها، كالمسافر يدرك المقيم، ولأنه أدرك جزءا من الصلاة، فكان مدركا لها، ~~كالظهر. # ولنا، قوله - عليه السلام - «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» . ~~فمفهومه أنه إذا أدرك أقل من ذلك لم يكن مدركا لها. ولأنه قول من سمينا من ~~الصحابة والتابعين، ولا مخالف لهم في ms0824 عصرهم، فيكون إجماعا، وقد روى بشر بن ~~معاذ الزيات، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «من أدرك يوم الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى، ومن أدرك دونها صلاها ~~أربعا» # ولأنه لم يدرك ركعة، فلم تصح له الجمعة، كالإمام إذا انفضوا قبل أن يسجد. ~~وأما المسافر فإدراكه إدراك إلزام، وهذا إدراك إسقاط للعدد، فافترقا، وكذلك ~~يتم المسافر خلف المقيم، ولا يقصر المقيم خلف المسافر، وأما الظهر فليس من ~~شرطها الجماعة، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل أدرك الركوع يوم الجمعة ثم فاتته السجدتان أو إحداهما حتى سلم الإمام] # (1312) فصل: وأما قوله " بسجدتيها " فيحتمل أنه للتأكيد، كقول الله ~~تعالى: {ولا طائر يطير بجناحيه} [الأنعام: 38] ويحتمل أنه للاحتراز من الذي ~~أدرك الركوع، ثم فاتته السجدتان، أو إحداهما، حتى سلم الإمام، لزحام، أو ~~نسيان، أو نوم، أو غفلة، وقد اختلفت الرواية عن أحمد في من أحرم مع الإمام، ~~ثم زحم فلم يقدر على الركوع والسجود حتى سلم الإمام، فروى الأثرم، ~~والميموني، وغيرهما، أنه يكون مدركا للجمعة، يصلي ركعتين. # اختارها الخلال. وهذا قول الحسن، والأوزاعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه أحرم ~~بالصلاة مع الإمام في أول ركعة، أشبه ما لو ركع وسجد معه. ونقل صالح، وابن ~~منصور، وغيرهما، أنه يستقبل الصلاة أربعا. # وهو ظاهر قول الخرقي وابن أبي موسى، واختيار أبي بكر، وقول قتادة، وأيوب ~~السختياني، ويونس بن عبيد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، لأنه لم يدرك ~~ركعة كاملة، فلم يكن مدركا للجمعة، كالتي قبلها. ### | [فصل المزحوم إذا سجد على ظهر إنسان أو قدمه] # (1313) فصل: ومتى قدر المزحوم على السجود على ظهر إنسان، أو قدمه، لزمه ~~ذلك، وأجزأه. قال أحمد، في رواية # PageV02P232 # أحمد بن هاشم يسجد على ظهر الرجل والقدم، ويمكن الجبهة والأنف، في ~~العيدين والجمعة. وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، وابن ~~المنذر، وقال عطاء، والزهري، ومالك: لا يفعل. # قال مالك: وتبطل الصلاة إن فعل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ومكن جبهتك من الأرض» . # ولنا، ما روي عن عمر - رضي ms0825 الله عنه -، أنه قال: إذا اشتد الزحام فليسجد ~~على ظهر أخيه. رواه سعيد في " سننه ". وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم ~~في يوم جمعة ولم يظهر له مخالف، فكان إجماعا. # ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز، فصح، كالمريض يسجد على المرفقة، والخبر ~~لم يتناول العاجز؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يأمر العاجز عن ~~الشيء بفعله. ### | [فصل إذا زحم في إحدى الركعتين يوم الجمعة] # (1314) فصل: وإذا زحم في إحدى الركعتين، لم يخل من أن يزحم في الأولى أو ~~في الثانية، فإن زحم في الأولى، ولم يتمكن من السجود على ظهر ولا قدم، ~~انتظر حتى يزول الزحام، ثم يسجد، ويتبع إمامه، مثل ما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في صلاة الخوف بعسفان، سجد معه صف، وبقي صف لم يسجد معه، ~~فلما قام إلى الثانية سجدوا، وجاز ذلك للحاجة، كذا هاهنا. فإذا قضى ما ~~عليه، وأدرك الإمام في القيام، أو في الركوع، أتبعه فيه، وصحت له الركعة، ~~وكذا إذا تعذر عليه السجود مع إمامه، لمرض، أو نوم، أو نسيان؛ لأنه معذور ~~في ذلك، فأشبه المزحوم. # فإن خاف أنه إن تشاغل بالسجود فاته الركوع مع الإمام في الثانية، لزمه ~~متابعته، وتصير الثانية أولاه. وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: يشتغل بقضاء ~~السجود؛ لأنه قد ركع مع الإمام، فيجب عليه السجود بعده، كما لو زال الزحام ~~والإمام قائم وللشافعي كالمذهبين. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، ~~فإذا ركع فاركعوا» . فإن قيل: فقد قال: " فإذا سجد فاسجدوا ". قلنا: قد سقط ~~الأمر بالمتابعة في السجود عن هذا لعذره، وبقي الأمر بالمتابعة في الركوع ~~متوجها لإمكانه، ولأنه خائف فوات الركوع، فلزمه متابعة إمامه فيه، ~~كالمسبوق، فأما إذا كان الإمام قائما فليس هذا اختلافا كثيرا، وقد فعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله بعسفان. # إذا تقرر هذا، فإنه إن اشتغل بالسجود معتقدا تحريمه، لم تصح صلاته؛ لأنه ~~ترك واجبا عمدا، وفعل ما لا يجوز له فعله. وإن اعتقد ms0826 جواز ذلك فسجد، لم ~~يعتد بسجوده؛ لأنه سجد في موضع الركوع جهلا، # PageV02P233 # فأشبه الساهي، ثم إن أدرك الإمام في الركوع، ركع معه، وصحت له الثانية ~~دون الأولى، وتصير الثانية أولاه، وإن فاته الركوع سجد معه، فإن سجد ~~السجدتين معه، فقال القاضي: يتم بهما الركعة الأولى. وهذا مذهب الشافعي. # وقياس المذهب أنه متى قام إلى الثانية، وشرع في ركوعها، أو شيء من ~~أفعالها المقصودة، أن الركعة الأولى تبطل، على ما ذكر في سجود السهو، ولكن ~~إن لم يقم، ولكن سجد السجدتين من غير قيام، تمت ركعته. وقال أبو الخطاب: ~~إذا سجد معتقدا جواز ذلك، اعتد له به، وتصح له الركعة، كما لو سجد وإمامه ~~قائم، ثم إن أدرك الإمام في ركوع الثانية، صحت له الركعتان، وإن أدرك بعد ~~رفع رأسه من ركوعه، فينبغي أن يركع ويتبعه، لأن هذا سبق يسير. ويحتمل أن ~~تفوته الثانية بفوات الركوع. # وإن أدركه في التشهد، تابعه، وقضى ركعة بعد سلامه كالمسبوق. قال أبو ~~الخطاب: ويسجد للسهو. ولا وجه للسجود هاهنا؛ لأن المأموم لا سجود عليه ~~لسهو، ولأن هذا فعله عمدا، ولا يشرع السجود للعمد. وإن زحم عن سجدة واحدة، ~~أو عن الاعتدال بين السجدتين، أو بين الركوع والسجود، أو عن جميع ذلك، ~~فالحكم فيه كالحكم في الزحام عن السجود. # فأما إن زحم عن السجود في الثانية، فزال الزحام قبل سلام الإمام، سجد، ~~واتبعه، وصحت الركعة. وإن لم يزل حتى سلم، فلا يخلو من أن يكون أدرك الركعة ~~الأولى، أو لم يدركها، فإن أدركها فقد أدرك الجمعة بإدراكها، ويسجد الثانية ~~بعد سلام الإمام، ويتشهد ويسلم، وقد تمت جمعته. وإن لم يكن أدرك الأولى، ~~فإنه يسجد بعد سلام إمامه، وتصح له الركعة. وهل يكون مدركا للجمعة بذلك؟ ~~على روايتين. ### | [فصل ركع مع الإمام ركعة فلما قام ليقضي الأخرى ذكر أنه لم يسجد مع إمامه إلا سجدة] # (1315) فصل: وإذا ركع مع الإمام ركعة، فلما قام ليقضي الأخرى ذكر أنه لم ~~يسجد مع إمامه إلا سجدة واحدة، أو شك هل ms0827 سجد واحدة أو اثنتين؟ فإنه إن لم ~~يكن شرع في قراءة الثانية، رجع فسجد للأولى، فأتمها، وقضى الثانية، وتمت ~~جمعته. نص أحمد على هذا، في رواية الأثرم. وإن كان شرع في قراءة الثانية، ~~بطلت الأولى، وصارت الثانية أولاه. # وعلى كلا الحالتين يتمها جمعة، على ما نقله الأثرم. وقياس الرواية الأخرى ~~في المزحوم أنه يتمها هاهنا ظهرا؛ لأنه لم يدرك ركعة كاملة. ولو قضى الركعة ~~الثانية، ثم علم أنه ترك سجدة من إحداهما، لا يدري من أي الركعتين تركها، ~~أو شك في تركها، فالحكم واحد، ويجعلها من الأولى، ويأتي بركعة مكانها. وفي ~~كونه مدركا للجمعة وجهان، بناء على الروايتين. # فأما إن شك في إدراك الركوع مع الإمام، مثل أن كبر والإمام راكع، فرفع ~~إمامه رأسه، فشك هل أدرك المجزئ من الركوع مع الإمام أو لا؟ لم يعتد بتلك ~~الركعة، ويصلي ظهرا، قولا واحدا؛ لأن الأصل أنه ما أتى بها معه. # PageV02P234 ### | [فصل أدرك مع الإمام ما لا يتم به جمعة] # (1316) فصل: وكل من أدرك مع الإمام ما لا يتم به جمعة، فإنه في قول ~~الخرقي ينوي ظهرا، فإن نوى جمعة لم تصح في ظاهر كلامه؛ لأنه اشترط للبناء ~~على ما أدرك أن يكون قد دخل بنية الظهر، فمفهومه أنه إذا دخل بنية الجمعة ~~لم يبن عليها. # وكلام أحمد، في رواية صالح وابن منصور، يحتمل هذا؛ لقوله في من أحرم، ثم ~~زحم عن الركوع والسجود حتى سلم إمامه، قال: يستقبل ظهرا أربعا فيحتمل أنه ~~أراد أنه يستأنف الصلاة، وذلك لأن الظهر لا تتأدى بنية الجمعة ابتداء، ~~فكذلك دواما، كالظهر مع العصر. وقال أبو إسحاق بن شاقلا ينوي جمعة؛ لئلا ~~يخالف نية إمامه، ثم يبني عليها ظهرا. # أربعا. وهذا ظاهر قول قتادة، وأيوب، ويونس، والشافعي؛ لأنهم قالوا في ~~الذي أحرم مع الإمام بالجمعة، ثم زحم عن السجود حتى سلم الإمام: أتمها ~~أربعا. فجوزوا له إتمامها ظهرا، مع كونه إنما أحرم بالجمعة. # وقال الشافعي من أدرك ركعة، فلما سلم الإمام علم أن عليه منها سجدة، ms0828 قال: ~~يسجد سجدة، ويأتي بثلاث ركعات؛ لأنه يجوز أن يأتم بمن يصلي الجمعة، فجاز أن ~~يبني صلاته على نيتها، كصلاة المقيم مع المسافر، وكما ينوي أنه مأموم، ويتم ~~بعد سلام إمامه منفردا، ولا يصح أن ينوي الظهر خلف من يصلي الجمعة في ~~ابتدائها، وكذلك في أثنائها. ### | [فصل صلى الإمام الجمعة قبل الزوال فأدرك المأموم معه دون الركعة] # (1317) فصل: وإذا صلى الإمام الجمعة قبل الزوال، فأدرك المأموم معه دون ~~الركعة، لم يكن له الدخول معه؛ لأنها في حقه ظهر، فلا يجوز قبل الزوال، ~~كعذر يوم الجمعة، فإن دخل معه كانت نفلا في حقه ولم تجزئه عن الظهر. # ولو أدرك منها ركعة، ثم زحم عن سجودها، وقلنا تصير ظهرا، فإنها تنقلب ~~نفلا؛ لئلا تكون ظهرا قبل وقتها. ### | [فصل صلى مع الإمام ركعة ثم زحم في الثانية وأخرج من الصف] # (1318) فصل: ولو صلى مع الإمام ركعة، ثم زحم في الثانية، وأخرج من الصف، ~~فصار فذا، فنوى الانفراد عن الإمام، فقياس المذهب أنه يتمها جمعة؛ لأنه ~~مدرك لركعة منها مع الإمام، فيبني عليها جمعة، كما لو أدرك الركعة الثانية. ~~وإن لم ينو الانفراد، وأتمها مع الإمام، ففيه روايتان: إحداهما، لا تصح؛ ~~لأنه فذ في ركعة كاملة، أشبه ما لو فعل ذلك عمدا. # والثانية، تصح؛ لأنه قد يعفى في البناء عن تكميل الشروط، كما لو خرج ~~الوقت وقد صلوا ركعة، وكالمسبوق بركعة، يقضي ركعة وحده. ### | [مسألة متى دخل وقت العصر وقد صلوا ركعة أتموا بركعة أخرى] # (1319) مسألة: قال: (ومتى دخل وقت العصر، وقد صلوا ركعة، أتموا بركعة ~~أخرى، وأجزأتهم جمعة) # PageV02P235 # ظاهر كلام الخرقي أنه لا يدرك الجمعة إلا بإدراك ركعة في وقتها، ومتى دخل ~~وقت العصر قبل ركعة لم تكن جمعة. # وقال القاضي: متى دخل وقت العصر بعد إحرامه بها أتمها جمعة. ونحو هذا قال ~~أبو الخطاب؛ لأنه أحرم بها في وقتها، أشبه ما لو أتمها فيه. والمنصوص عن ~~أحمد أنه إذا دخل وقت العصر بعد تشهده وقبل سلامه، سلم وأجزأته. وهذا قول ~~أبي يوسف، ms0829 ومحمد. وظاهر هذا أنه متى دخل الوقت قبل ذلك، بطلت أو انقلبت ~~ظهرا. # وقال أبو حنيفة: إذا خرج وقت الجمعة قبل فراغه منها، بطلت، ولا يبني ~~عليها ظهرا، لأنهما صلاتان مختلفتان، فلا يبني أحدهما على الأخرى، كالظهر ~~والعصر. والظاهر أن مذهب أبي حنيفة في هذا كما ذكرنا عن أحمد؛ لأن السلام ~~عنده ليس من الصلاة. وقال الشافعي لا يتمها جمعة، ويبني عليها ظهرا؛ لأنهما ~~صلاتا وقت واحد، فجاز بناء إحداهما على الأخرى، كصلاة الحضر والسفر. # واحتجوا على أنه لا يتمها جمعة، بأن ما كان شرطا في بعضها كان شرطا في ~~جميعها، كالطهارة، وسائر الشروط. # ولنا قوله - عليه السلام -: «من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة» . # ولأنه أدرك ركعة من الجمعة، فكان مدركا لها، كالمسبوق بركعة، ولأن الوقت ~~شرط يختص الجمعة، فاكتفي به في ركعة، كالجماعة، وما ذكروه ينتقض بالجماعة، ~~فإنه يكتفي بإدراكها في ركعة، فعلى هذا إن دخل وقت العصر قبل ركعة، فعلى ~~قياس قول الخرقي، تفسد ويستأنفها ظهرا، كقول أبي حنيفة. وعلى قول أبي إسحاق ~~بن شاقلا، يتمها ظهرا. كقول الشافعي # وقد ذكرنا وجه القولين. ### | [فصل أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ثم يصلي ركعة] # (1320) فصل: إذا أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ثم يصلي ركعة، فقياس قول ~~الخرقي، أن له التلبس بها؛ لأنه أدرك من الوقت ما يدركها فيه فإن شك هل ~~أدرك من الوقت ما يدركها به أو لا؟ صحت؛ لأن الأصل بقاء الوقت وصحتها. ### | [مسألة دخل والإمام يخطب] # (1321) مسألة: قال (ومن دخل والإمام يخطب، لم يجلس حتى يركع ركعتين، يوجز ~~فيهما) وبهذا قال الحسن، وابن عيينة، ومكحول، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، ~~وابن المنذر، وقال شريح، وابن سيرين، والنخعي، وقتادة، والثوري، ومالك، ~~والليث، وأبو حنيفة، يجلس، ويكره له أن يركع؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال «للذي جاء يتخطى رقاب الناس: اجلس، فقد آذيت وأنيت» . رواه ابن ~~ماجه # ولأن الركوع يشغله عن استماع الخطبة، فكره، كركوع غير الداخل. # ولنا ما روى جابر، قال: ms0830 «جاء رجل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ~~الناس، فقال: صليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم، فاركع» # وفي رواية: «فصل ركعتين» متفق عليه # PageV02P236 # ولمسلم، قال: ثم قال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ~~ركعتين، وليتجوز فيهما» وهذا نص. # ولأنه دخل المسجد في غير وقت النهي عن الصلاة، فسن له الركوع؛ لقول ~~النبي: - صلى الله عليه وسلم - «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ~~ركعتين» متفق عليه. وحديثهم قضية في عين، يحتمل أن يكون الموضع يضيق عن ~~الصلاة، أو يكون في آخر الخطبة، بحيث لو تشاغل بالصلاة فاتته تكبيرة ~~الإحرام، والظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمره بالجلوس، ليكف ~~أذاه عن الناس، لتخطيه إياهم # فإن كان دخوله في آخر الخطبة، بحيث إذا تشاغل بالركوع فاته أول الصلاة، ~~لم يستحب له التشاغل بالركوع. ### | [فصل ينقطع التطوع بجلوس الإمام على المنبر] # (1322) فصل: وينقطع التطوع بجلوس الإمام على المنبر، فلا يصلي أحد غير ~~الداخل يصلي تحية المسجد، ويتجوز فيها؛ لما روى ثعلبة بن أبي مالك، أنهم ~~كانوا في زمن عمر بن الخطاب يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر، ~~وجلس على المنبر، وأذن المؤذنون، جلسوا يتحدثون، حتى إذا سكت المؤذن وقام ~~عمر سكتوا، فلم يتكلم أحد. # وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم. ### | [فصل الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة] # (1323) فصل: ويجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة، فلا يجوز الكلام ~~لأحد من الحاضرين، ونهى عن ذلك عثمان وابن عمر وقال ابن مسعود: إذا رأيته ~~يتكلم، والإمام يخطب، فاقرع رأسه بالعصا. وكره ذلك عامة أهل العلم، منهم: ~~مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي. # وعن أحمد رواية أخرى؛ لا يحرم الكلام وكان سعيد بن جبير، والنخعي، ~~والشعبي، وإبراهيم بن مهاجر، وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب. # وقال بعضهم: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا وللشافعي قولان، كالروايتين # واحتج من أجاز ذلك بما روى أنس، قال: «بينما النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يخطب يوم الجمعة، إذ قام رجل، فقال: يا ms0831 رسول الله، هلك الكراع وهلك ~~الشاء، فادع الله أن يسقينا. . وذكر الحديث، إلى أن قال: ثم دخل رجل من ذلك ~~الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب، ~~فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع ~~الله يرفعها عنا.» متفق عليه. # وروي «أن رجلا قام، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، ~~فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فأعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - وأومأ ~~الناس إليه بالسكوت، فلم يقبل، وأعاد الكلام، فلما كان في الثالثة، قال له ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: ويحك، ماذا أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله، ~~قال: إنك # PageV02P237 # مع من أحببت» ولم ينكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كلامهم، ولو ~~حرم عليهم لأنكره عليهم. # ولنا، ما روى أبو هريرة، قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إذا قلت لصاحبك أنصت - يوم الجمعة - والإمام يخطب، فقد لغوت» متفق عليه. # وروي عن أبي بن كعب، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ يوم الجمعة ~~" تبارك " فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني فقال: متى ~~أنزلت هذه السورة، فإني لم أسمعها إلا الآن؟ فأشار إليه أن اسكت، فلما ~~انصرفوا، قال: سألتك متى أنزلت هذه فلم تخبرني. قال أبي: ليس لك من صلاتك ~~اليوم إلا ما لغوت فذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ~~وأخبره بما قال أبي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " صدق أبي " ~~رواه عبد الله بن أحمد، في " المسند " وابن ماجه، # وروى أبو بكر بن أبي شيبة، بإسناده، عن أبي هريرة نحوه. وعن ابن عباس، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من تكلم يوم الجمعة، والإمام ~~يخطب، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا» رواه ابن أبي خيثمة. # وما احتجوا به، فيحتمل أنه مختص بمن كلم الإمام، أو كلمه الإمام؛ لأنه لا ~~يشتغل بذلك عن سماع خطبته، ولذلك سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل صلى؟ ~~فأجابه. ms0832 وسأل عمر عثمان حين دخل وهو يخطب، فأجابه، فتعين حمل أخبارهم على ~~هذا، جمعا بين الأخبار، وتوفيقا بينها، ولا يصح قياس غيره عليه؛ لأن كلام ~~الإمام لا يكون في حال خطبته بخلاف غيره، وإن قدر التعارض فالأخذ بحديثنا ~~أولى؛ لأنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ونصه، وذلك سكوته، والنص أقوى ~~من السكوت # (1324) فصل: ولا فرق بين القريب والبعيد؛ لعموم ما ذكرناه، وقد روي عن ~~عثمان - رضي الله عنه - أنه قال: من كان قريبا يسمع وينصت ومن كان بعيدا ~~ينصت؛ فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ ما للسامع، # وقد روى عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يحضر ~~الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها يلغو، وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل ~~دعا الله، فإن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون، ولم يتخط ~~رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة ~~أيام، وذلك أن الله تعالى يقول: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ~~[الأنعام: 160] » رواه أبو داود. # (1325) فصل: وللبعيد أن يذكر الله تعالى، ويقرأ القرآن، ويصلي على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ولا يرفع صوته، # PageV02P238 # قال أحمد: لا بأس أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بينه ~~وبين نفسه. ورخص له في القراءة والذكر عطاء، وسعيد بن جبير، والنخعي ~~والشافعي وليس له أن يرفع صوته، ولا يذاكر في الفقه، ولا يصلي، ولا يجلس في ~~حلقة. # وذكر ابن عقيل أن له المذاكرة في الفقه، وصلاة النافلة. ولنا، عموم ما ~~رويناه، وأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل ~~الصلاة.» رواه أبو داود. ولأنه إذا رفع صوته منع من هو أقرب منه من السماع، ~~فيكون مؤذيا له، فيكون عليه إثم من آذى المسلمين، وصد عن ذكر الله تعالى. ~~وإذا ذكر الله فيما بينه وبين نفسه، من غير أن يسمع أحدا، فلا بأس. # وهل ذلك أفضل أو الإنصات؟ يحتمل وجهين: أحدهما، الإنصات أفضل؛ لحديث ms0833 عبد ~~الله بن عمرو، وقول عثمان. والثاني، الذكر أفضل؛ لأنه يحصل له ثوابه من غير ~~ضرر، فكان أفضل، كما قبل الخطبة. ### | [فصل لا يحرم الكلام على الخطيب ولا على من سأله الخطيب] # (1326) فصل: ولا يحرم الكلام على الخطيب، ولا على من سأله الخطيب؛ «لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل سليكا الداخل وهو يخطب: أصليت؟ قال: لا» ~~وعن ابن عمر، أن عمر بينا هو يخطب يوم الجمعة، إذ دخل رجل من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت ~~اليوم، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء، فلم أزد على أن توضأت. قال ~~عمر: الوضوء أيضا؟ وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر ~~بالغسل. متفق عليه. # ولأن تحريم الكلام علته الاشتغال به عن الإنصات الواجب، وسماع الخطبة. # ولا يحصل هاهنا، وكذلك من كلم الإمام لحاجة، أو سأله عن مسألة، بدليل ~~الخبر الذي تقدم ذكره. ### | [فصل إذا سمع الإنسان يوم الجمعة متكلما لم ينهه بالكلام] # (1327) فصل: وإذا سمع الإنسان متكلما لم ينهه بالكلام؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا قلت لصاحبك أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت» ولكن ~~يشير إليه. نص عليه أحمد فيضع أصبعه على فيه. # وممن رأى أن يشير ولا يتكلم، زيد بن صوحان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ~~والثوري، والأوزاعي، وابن المنذر، وكره الإشارة طاوس. # PageV02P239 # ولنا، أن الذي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - متى الساعة؟ أومأ الناس ~~إليه بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسكوت، ولأن الإشارة تجوز ~~في الصلاة التي يبطلها الكلام، ففي الخطبة أولى. ### | [فصل الكلام الواجب كتحذير الضرير من البئر] # (1328) فصل: فأما الكلام الواجب، كتحذير الضرير من البئر، أو من يخاف ~~عليه نارا، أو حية أو حريقا، ونحو ذلك، فله فعله، لأن هذا يجوز في نفس ~~الصلاة مع إفسادها، فهاهنا أولى فأما تشميت العاطس، ورد السلام ففيه ~~روايتان قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل: يرد الرجل السلام يوم الجمعة؟ ~~فقال: نعم. ms0834 ويشمت العاطس؟ فقال: نعم، والإمام يخطب. # وقال أبو عبد الله: قد فعله غير واحد قال ذلك غير مرة. وممن رخص في ذلك ~~الحسن، والشعبي، والنخعي، والحكم، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وذلك لأن هذا ~~واجب، فوجب، الإتيان به في الخطبة، كتحذير الضرير. والرواية الثانية: إن ~~كان لا يسمع رد السلام وشمت العاطس، وإن كان يسمع لم يفعل. # قال أبو طالب، قال أحمد: إذا سمعت الخطبة فاستمع وأنصت، ولا تقرأ، ولا ~~تشمت، وإذا لم تسمع الخطبة فاقرأ وشمت ورد السلام. # وقال أبو داود، قلت لأحمد: يرد السلام والإمام يخطب، ويشمت العاطس؟ فقال: ~~إذا كان ليس يسمع الخطبة فيرد، وإذا كان يسمع فلا؛ لقول الله تعالى: ~~{فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] # وقيل لأحمد: الرجل يسمع نغمة الإمام بالخطبة، ولا يدري ما يقول، يرد ~~السلام؟ قال: لا، إذا سمع شيئا وروي نحو ذلك عن عطاء؛ وذلك لأن الإنصات ~~واجب، فلم يجز الكلام المانع منه من غير ضرورة، كالأمر بالإنصات، بخلاف من ~~لم يسمع وقال القاضي: لا يرد ولا يشمت. # وروي نحو ذلك عن ابن عمر وهو قول مالك، والأوزاعي وأصحاب الرأي واختلف ~~فيه قول الشافعي، فيحتمل أن يكون هذا القول مختصا بمن يسمع دون من لم يسمع، ~~فيكون مثل الرواية الثانية. ويحتمل أن يكون عاما في كل حاضر يسمع أو لم ~~يسمع، لأن وجوب الإنصات شامل لهم، فيكون المنع من رد السلام وتشميت العاطس ~~ثابتا في حقهم، كالسامعين. ### | [فصل الكلام قبل شروعه في الخطبة وبعد فراغه منها] # (1329) فصل: لا يكره الكلام قبل شروعه في الخطبة، وبعد فراغه منها وبهذا ~~قال عطاء، وطاوس، والزهري، وبكر المزني، والنخعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق، ~~ويعقوب، ومحمد. وروي ذلك عن ابن عمر، وكرهه، الحكم. وقال أبو حنيفة: إذا ~~خرج الإمام حرم الكلام. # قال ابن عبد البر: إن عمر وابن عباس كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج ~~الإمام، ولا مخالف لهما في الصحابة. # PageV02P240 # ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب ~~أنصت، فقد لغوت» فخصه بوقت الخطبة. # وقال ms0835 ثعلبة بن أبي مالك: إنهم كانوا في زمن عمر إذا خرج عمر، وجلس على ~~المنبر، وأذن المؤذنون، جلسوا يتحدثون، حتى إذا سكت المؤذنون، وقام عمر ~~سكتوا، فلم يتكلم أحد، وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم ولأن الكلام إنما حرم ~~لأجل الإنصات للخطبة، فلا وجه لتحريمه مع عدمها. وقولهم: لا مخالف لهما في ~~الصحابة. قد ذكرنا عن عمومهم خلاف هذا القول. ### | [فصل الكلام في الجلسة بين الخطبتين] # (1330) فصل: فأما الكلام في الجلسة بين الخطبتين، فيحتمل أن يكون جائزا؛ ~~لأن الإمام غير خاطب ولا متكلم، فأشبه ما قبلها وبعدها. وهذا قول الحسن. ~~ويحتمل أن يمنع منه، وهو قول مالك، والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق؛ لأنه سكوت ~~يسير في أثناء الخطبتين، أشبه السكوت للتنفس. ### | [فصل إذا بلغ الخطيب إلى الدعاء فهل يسوغ الكلام] # (1331) فصل: إذا بلغ الخطيب إلى الدعاء، فهل يسوغ الكلام؟ فيه وجهان: ~~أحدهما، الجواز، لأنه فرغ من الخطبة، وشرع في غيرها، فأشبه ما لو نزل. ~~ويحتمل أن لا يجوز؛ لأنه تابع للخطبة، فيثبت له ما ثبت لها، كالتطويل في ~~الموعظة. ويحتمل أنه كان دعاء مشروعا، كالدعاء للمؤمنين والمؤمنات وللإمام ~~العادل، أنصت له، وإن كان لغيره لم يلزم الإنصات؛ لأنه لا حرمة له. ### | [فصل العبث والإمام يخطب] # (1332) فصل: ويكره العبث والإمام يخطب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ومن مس الحصى فقد لغا» رواه مسلم. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. واللغو: ~~الإثم، قال الله تعالى: {والذين هم عن اللغو معرضون} [المؤمنون: 3] ولأن ~~العبث يمنع الخشوع والفهم، ويكره أن يشرب والإمام يخطب، إن كان ممن يسمع، ~~وبه قال مالك، والأوزاعي. # ورخص فيه مجاهد، وطاوس، والشافعي؛ لأنه لا يشغل عن السماع. # ولنا، أنه فعل يشتغل به، أشبه مس الحصى. فأما إن كان لا يسمع، فلا يكره، ~~نص عليه؛ لأنه لا يستمع، فلا يشتغل به. ### | [فصل لا تتصدق على السؤال والإمام يخطب] # (1333) فصل: قال أحمد: لا تتصدق على السؤال والإمام يخطب؛ وذلك لأنهم ~~فعلوا ما لا يجوز، فلا يعينهم عليه. قال أحمد: وإن حصبه كان أعجب إلي، ms0836 لأن ~~ابن عمر رأى سائلا يسأل، والإمام يخطب يوم الجمعة، فحصبه # PageV02P241 # وقيل لأحمد: فإن تصدق عليه إنسان، فناوله والإمام يخطب؟ قال: لا يأخذ منه ~~قيل: فإن سأل قبل خطبة الإمام، ثم جلس، فأعطاني رجل صدقة أناولها إياه؟ قال ~~نعم، هذا لم يسأل والإمام يخطب. ### | [فصل الاحتباء والإمام يخطب] # (1334) فصل: ولا بأس بالاحتباء والإمام يخطب، روي ذلك عن ابن عمر، وجماعة ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وإليه ذهب سعيد بن المسيب، ~~والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وشريح، وعكرمة بن خالد، وسالم، ونافع، ومالك، ~~والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. # قال أبو داود: لم يبلغني أن أحدا كرهه إلا عبادة بن نسي، لأن سهل بن معاذ ~~روى، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام ~~يخطب.» رواه أبو داود. # ولنا، ما روى يعلى بن شداد بن أوس، قال: شهدت مع معاوية بيت المقدس، فجمع ~~بنا، فنظرت، فإذا جل من في المسجد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فرأيتهم محتبين والإمام يخطب وفعله ابن عمر، وأنس ولم نعرف لهم مخالفا، ~~فصار إجماعا والحديث في إسناده مقال. قاله ابن المنذر. والأولى تركه لأجل ~~الخبر، وإن كان ضعيفا، ولأنه يكون متهيئا للنوم والوقوع وانتقاض الوضوء، ~~فيكون تركه أولى، والله أعلم. # ويحمل النهي في الحديث على الكراهة، ويحمل أحوال الصحابة الذين فعلوا ذلك ~~على أنهم لم يبلغهم الخبر. ### | [مسألة إذا لم يكن في القرية أربعون رجلا عقلاء لم تجب عليهم الجمعة] # (1335) مسألة: قال: (وإذا لم يكن في القرية أربعون رجلا عقلاء، لم تجب ~~عليهم الجمعة) وجملته أن الجمعة إنما تجب بسبعة شرائط: إحداها، أن تكون في ~~قرية. والثاني، أن يكونوا أربعين. والثالث، الذكورية. والرابع، البلوغ. ~~والخامس، العقل. والسادس، الإسلام. والسابع، الاستيطان. # وهذا قول أكثر أهل العلم، فأما القرية فيعتبر أن تكون مبنية بما جرت ~~العادة ببنائها به، من حجر أو طين أو لبن أو قصب أو شجر ونحوه، فأما أهل ~~الخيام وبيوت الشعر والحركات فلا جمعة عليهم، ولا تصح منهم؛ ms0837 لأن ذلك لا ~~ينصب للاستيطان غالبا، وكذلك كانت قبائل العرب حول المدينة، فلم يقيموا ~~جمعة، ولا أمرهم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان ذلك لم يخف، ولم ~~يترك نقله، مع كثرته وعموم البلوى به، لكن إن كانوا مقيمين بموضع يسمعون ~~النداء، لزمهم السعي # PageV02P242 # إليها، كأهل القرية الصغيرة إلى جانب المصر # ذكره القاضي ويشترط في القرية أيضا أن تكون مجتمعة البناء بما جرت العادة ~~في القرية الواحدة، فإن كانت متفرقة المنازل تفرقا لم تجر العادة به، لم ~~تجب عليهم الجمعة، إلا أن يجتمع منها ما يسكنه أربعون، فتجب الجمعة بهم، ~~ويتبعهم الباقون # ولا يشترط اتصال البنيان بعضه ببعض، وحكي عن الشافعي أنه شرط، ولا يصح؛ ~~لأن القرية المتقاربة البنيان قرية مبنية على ما جرت به عادة القرى، فأشبهت ~~المتصلة، ومتى كانت القرية لا تجب الجمعة على أهلها بأنفسهم، وكانوا بحيث ~~يسمعون النداء من مصر، أو من قرية تقام فيها الجمعة، لزمهم السعي إليها، ~~لعموم الآية. # (1336) فصل: فأما الإسلام والعقل والذكورية، فلا خلاف في اشتراطها لوجوب ~~الجمعة وانعقادها؛ لأن الإسلام والعقل شرطان للتكليف وصحة العبادة المحضة، ~~والذكورية شرط لوجوب الجمعة وانعقادها، لأن الجمعة يجتمع لها الرجال، ~~والمرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال، ولكنها تصح منها لصحة الجماعة ~~منها، فإن النساء كن يصلين مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجماعة. ~~وأما البلوغ، فهو شرط أيضا لوجوب الجمعة # وانعقادها، في الصحيح من المذهب، وقول أكثر أهل العلم؛ لأنه من شرائط ~~التكليف، بدليل قوله: - عليه السلام - «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى ~~يبلغ» ، وذكر بعض أصحابنا في الصبي المميز رواية أخرى، أنها واجبة عليه، ~~بناء على تكليفه، ولا معول عليه. (1337) فصل: فأما الأربعون، فالمشهور في ~~المذهب أنه شرط لوجوب الجمعة وصحتها. # وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهو ~~مذهب مالك، والشافعي # وروي عن أحمد أنها لا تنعقد إلا بخمسين؛ لما روى أبو بكر النجاد، عن عبد ~~الملك الرقاشي، حدثنا رجاء بن ms0838 سلمة، حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن جعفر ~~بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «تجب الجمعة على خمسين رجلا، ولا تجب على ما دون ذلك» وبإسناده عن ~~الزهري، عن أبي سلمة، قال: «قلت لأبي هريرة: على كم تجب الجمعة من رجل؟ ~~قال: لما بلغ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسين جمع بهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» . # وعن أحمد أنها تنعقد بثلاثة، وهو قول الأوزاعي، # PageV02P243 # وأبي ثور؛ لأنه يتناوله اسم الجمع، فانعقدت به الجماعة كالأربعين، ولأن ~~الله تعالى قال: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} ~~[الجمعة: 9] وهذه صيغة الجمع، فيدخل فيه الثلاثة. وقال أبو حنيفة: تنعقد ~~بأربعة؛ لأنه عدد يزيد على أقل الجمع المطلق، أشبه الأربعين. # وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، «أنه كتب إلى مصعب بن عمير بالمدينة، فأمره أن يصلي الجمعة عند ~~الزوال ركعتين، وأن يخطب فيهما فجمع مصعب بن عمير في بيت سعد بن خيثمة ~~باثني عشر رجلا» . وعن جابر قال: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~الجمعة، فقدمت سويقة، فخرج الناس إليها، فلم يبق إلا اثنا عشر رجلا، أنا ~~فيهم، فأنزل الله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قائما} [الجمعة: 11] . إلى آخر الآية.» رواه مسلم. # وما يشترط للابتداء يشترط للاستدامة. ولنا، ما روى كعب بن مالك، قال: أول ~~من جمع بنا أسعد بن زرارة، في هزم النبيت، من حرة بني بياضة، في نقيع يقال ~~له: نقيع الخضمات قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون. رواه أبو داود، ~~والأثرم. # وروى خصيف، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: مضت السنة أن في كل ~~أربعين فما فوقها جمعة. رواه الدارقطني. وضعفه ابن الجوزي. وقول الصحابي: ~~مضت السنة. ينصرف إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأما من روى ~~أنهم كانوا اثني عشر رجلا، فلا يصح؛ فإن ما ms0839 رويناه أصح منه رواه أصحاب ~~السنن. والخبر الآخر يحتمل أنهم عادوا فحضروا القدر الواجب، ويحتمل أنهم ~~عادوا قبل طول الفصل. # فأما الثلاثة والأربعة فتحكم بالرأي فيما لا مدخل له فيه، فإن التقديرات ~~بابها التوقيف، فلا مدخل للرأي فيها، ولا معنى لاشتراط كونه جمعا، ولا ~~للزيادة على الجمع، إذ لا نص في هذا ولا معنى نص، ولو كان الجمع كافيا فيه، ~~لاكتفي بالاثنين، فإن الجماعة تنعقد بهما. (1338) # فصل: فأما الاستيطان، فهو شرط في قول أكثر أهل العلم. # وهو الإقامة في قرية، على الأوصاف المذكورة، لا يظعنون عنها صيفا ولا ~~شتاء، ولا تجب على مسافر ولا على مقيم في قرية يظعن أهلها عنها في الشتاء ~~دون # PageV02P244 # الصيف، أو في بعض السنة فإن خربت القرية أو بعضها، وأهلها مقيمون بها، ~~عازمون على إصلاحها، فحكمها باق في إقامة الجمعة بها. وإن عزموا على النقلة ~~عنها، لم تجب عليهم؛ لعدم الاستيطان # فصل: واختلفت الرواية في شرطين آخرين: أحدهما، الحرية. ونذكرها في موضعها ~~إن شاء الله تعالى. والثاني، إذن الإمام والصحيح أنه ليس بشرط، وبه قال ~~مالك، والشافعي، وأبو ثور والثانية: هو شرط، روي ذلك عن الحسن، والأوزاعي، ~~وحبيب بن أبي ثابت وأبي حنيفة؛ لأنه لا يقيمها إلا الأئمة في كل عصر، فصار ~~ذلك إجماعا. # ولنا، أن عليا صلى الجمعة بالناس وعثمان محصور، فلم ينكره أحد، وصوب ذلك ~~عثمان وأمر بالصلاة معهم، فروى حميد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عدي بن ~~الخيار، أنه دخل على عثمان وهو محصور، فقال: إنه قد نزل بك ما ترى، وأنت ~~إمام العامة، وهو يصلي بنا إمام فتنة، وأنا أتحرج من الصلاة معه. فقال: إن ~~الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب ~~إساءتهم. أخرجه البخاري، والأثرم، وهذا لفظ رواية الأثرم. # وقال أحمد وقعت الفتنة بالشام تسع سنين، فكانوا يجمعون. وروى مالك، في " ~~الموطأ " عن أبي جعفر القارئ أنه رأى صاحب المقصورة في الفتنة حين حضرت ~~الصلاة، فخرج يتبع الناس، يقول: من يصلي بالناس. ms0840 حتى انتهى إلى عبد الله بن ~~عمر، فقال له عبد الله بن عمر: تقدم أنت فصل بين يدي الناس # ولأنها من فرائض الأعيان، فلم يشترط لها إذن الإمام، كالظهر، ولأنها صلاة ~~أشبهت سائر الصلوات، وما ذكروه إجماعا لا يصح، فإن الناس يقيمون الجمعات في ~~القرى من غير استئذان أحد، ثم لو صح أنه لم يقع إلا ذلك لكان إجماعا على ~~جواز ما وقع، لا على تحريم غيره، كالحج يتولاه الأئمة، وليس بشرط فيه. فإن ~~قلنا: هو شرط فلم يأذن الإمام فيه، لم يجز أن يصلوا جمعة وصلوا ظهرا. # وإن أذن في إقامتها ثم مات، بطل إذنه بموته، فإن صلوا، ثم بان أنه قد مات ~~قبل ذلك، فهل تجزئهم صلاتهم؟ على روايتين: أصحهما، أنها تجزئهم؛ لأن ~~المسلمين في الأمصار النائية عن بلد الإمام لا يعيدون ما صلوا من الجمعات ~~بعد موته، ولا نعلم أحدا أنكر ذلك عليهم، فكان إجماعا، ولأن وجوب الإعادة ~~يشق؛ لعمومه في أكثر البلدان # وإن تعذر إذن الإمام لفتنة، فقال القاضي: ظاهر كلامه صحتها بغير إذن، على ~~كلتا الروايتين فعلى هذا يكون الإذن معتبرا مع إمكانه، ويسقط اعتباره ~~بتعذره. # PageV02P245 ### | [فصل لا يشترط للجمعة المصر] # (1340) فصل: ولا يشترط للجمعة المصر روي نحو ذلك عن ابن عمر، وعمر بن عبد ~~العزيز، والأوزاعي، والليث، ومكحول، وعكرمة، والشافعي. وروي عن علي - رضي ~~الله عنه - أنه قال: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. # وبه قال: الحسن، وابن سيرين وإبراهيم، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن؛ لأنه ~~قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا جمعة ولا تشريق إلا ~~في مصر جامع.» ولنا، ما روى كعب بن مالك أنه قال: أسعد بن زرارة أول من جمع ~~بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة، في نقيع يقال له: نقيع الخضمات رواه ~~أبو داود. # قال ابن جريج: قلت لعطاء: تعني إذا كان ذلك بأمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ قال. نعم قال الخطابي: حرة بني بياضة قرية على ميل من المدينة ms0841 # وعن ابن عباس، قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة المدينة لجمعة جمعت بجواثا ~~من البحرين من قرى عبد القيس رواه البخاري. # وروى أبو هريرة، أنه كتب إلى عمر يسأله عن الجمعة بالبحرين، وكان عامله ~~عليها فكتب إليه عمر: جمعوا حيث كنتم رواه الأثرم قال أحمد: إسناد جيد فأما ~~خبرهم فلم يصح. قال أحمد: ليس هذا بحديث، ورواه الأعمش، عن أبي سعيد ~~المقبري، ولم يلقه. قال أحمد: الأعمش لم يسمع من أبي سعيد، إنما هو عن علي، ~~وقول عمر يخالفه # (1341) فصل: ولا يشترط لصحة الجمعة إقامتها في البنيان، ويجوز إقامتها ~~فيما قاربه من الصحراء. وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا تجوز في غير ~~البنيان؛ لأنه موضع يجوز لأهل المصر قصر الصلاة فيه، فأشبه البعيد. # ولنا، أن مصعب بن عمير جمع بالأنصار في هزم النبيت في نقيع الخضمات، ~~والنقيع: بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة، فإذا نضب الماء نبت الكلأ. # ولأنه موضع لصلاة العيد، فجازت فيه الجمعة، كالجامع، ولأن الجمعة صلاة ~~عيد، فجازت في المصلى كصلاة الأضحى، ولأن الأصل عدم اشتراط ذلك، ولا نص في ~~اشتراطه، ولا معنى نص، فلا يشترط. ### | [مسألة صلوا جمعة مع اختلال بعض شروطها] # (1342) مسألة: قال: (وإن صلوا أعادوها ظهرا) وجملته أن ما كان شرطا لوجوب ~~الجمعة، فهو شرط لانعقادها، فمتى صلوا جمعة مع اختلال بعض شروطها، لم يصح، ~~ولزمهم أن يصلوا ظهرا، ولا يعد في الأربعين الذين تنعقد بهم الجمعة من لا ~~تجب عليه # PageV02P246 # ، ولا يعتبر اجتماع الشروط للصحة، بل تصح ممن لا تجب عليه، تبعا لمن وجبت ~~عليه، ولا يعتبر في وجوبها كونه ممن تنعقد به، فإنها تجب على من يسمع ~~النداء من غير أهل المصر، ولا تنعقد به. (1343) # فصل: ويعتبر استدامة الشروط في القدر الواجب من الخطبتين. وقال أبو ~~حنيفة، في رواية عنه: لا يشترط العدد فيهما؛ لأنه ذكر يتقدم الصلاة، فلم ~~يشترط له العدد، كالأذان. ولنا، أنه ذكر من شرائط الجمعة، فكان من شرطه ~~العدد، كتكبيرة الإحرام، ويفارق الأذان، فإنه ليس ms0842 بشرط، وإنما مقصوده ~~الإعلام، والإعلام للغائبين، والخطبة مقصودها التذكير والموعظة، وذلك إنما ~~يكون للحاضرين، وهي مشتقة من الخطاب، والخطاب إنما يكون للحاضرين # فعلى هذا إن انفضوا في أثناء الخطبة، ثم عادوا فحضروا القدر الواجب، ~~أجزأهم، وإلا لم يجزئهم، إلا أن يحضروا القدر الواجب، ثم ينفضوا ويعودوا ~~قبل شروعه في الصلاة، من غير طول الفصل، فإن طال الفصل، لزمه إعادة الخطبة، ~~إن كان الوقت متسعا؛ لأنهم من أهل وجوب الجمعة، والوقت متسع لها، لتصح لهم ~~الجمعة، وإن ضاق الوقت صلوا ظهرا، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة ~~(1344) # فصل: ويعتبر استدامة الشروط في جميع الصلاة، فإن نقص العدد قبل كمالها، ~~فظاهر كلام أحمد أنه لا يتمها جمعة وهذا أحد قولي الشافعي لأنه فقد بعض ~~شرائط الصلاة، فأشبه فقد الطهارة. وقياس قول الخرقي أنهم إن انفضوا بعد ~~ركعة، أنه يتمها جمعة، وهذا قول مالك، وقال المزني: هو الأشبه عندي؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى» . # ولأنهم أدركوا ركعة، فصحت لهم جمعة، كالمسبوقين بركعة، ولأن العدد شرط ~~يختص الجمعة، فلم يفت بفواته في ركعة، كما لو دخل وقت العصر وقد صلوا ركعة. ~~وقال أبو حنيفة: إن انفضوا بعدما صلى ركعة بسجدة واحدة، أتمها جمعة؛ لأنهم ~~أدركوا معظم الركعة، فأشبه ما لو أدركوها بسجدتيها. وقال إسحاق: إن بقي معه ~~اثنا عشر رجلا، أتمها جمعة لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - انفضوا ~~عنه، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، فأتمها جمعة. # وقال الشافعي، في أحد أقواله: إن بقي معه اثنان، أتمها جمعة وهو قول ~~الثوري؛ لأنهم أقل الجمع وحكى عنه أبو ثور: إن بقي معه واحد أتمها جمعة؛ ~~لأن الاثنين جماعة. # ولنا، أنهم لم يدركوا ركعة كاملة بشروط الجمعة فأشبه ما لو انفض الجميع ~~قبل الركوع في الأولى. وقولهم: أدرك معظم الركعة، يبطل بمن لم يفته من ~~الركعة إلا السجدتان، فإنه قد أدرك معظمها. # وقول الشافعي: بقي معه من تنعقد به الجماعة قلنا: لا يصح، ms0843 لأن هذا لا ~~يكفي في الابتداء، فلا يكفي في الدوام. إذا ثبت هذا فكل موضع قلنا لا يتمها ~~جمعة، فقياس قول الخرقي أنها تبطل، ويستأنف # PageV02P247 # ظهرا، إلا أن يمكنهم فعل الجمعة مرة أخرى، فيعيدونها قال أبو بكر: لا ~~أعلم خلافا عن أحمد، إن لم يتم العدد في الصلاة والخطبة، أنهم يعيدون ~~الصلاة. # وقياس قول أبي إسحاق بن شاقلا أنهم يتمونها ظهرا وهذا قول القاضي وقال: ~~قد نص عليها أحمد في الذي زحم عن أفعال الجمعة حتى سلم الإمام، يتمها ظهرا، ~~ووجه القولين قد تقدم. ### | [مسألة إذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع فصلاة الجمعة في جميعها جائزة] # (1345) مسألة: قال: (وإذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع، فصلاة الجمعة ~~في جميعها جائزة) وجملته أن البلد متى كان كبيرا، يشق على أهله الاجتماع في ~~مسجد واحد، ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره، أو ضيق مسجده عن أهله، كبغداد ~~وأصبهان ونحوهما من الأمصار الكبار، جازت إقامة الجماعة فيما يحتاج إليه من ~~جوامعها، وهذا قول عطاء. # وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها؛ لأن الحدود تقام فيها في موضعين، ~~والجمعة حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله: إنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود ~~في موضعين، جازت إقامة الجمعة في موضعين منه؛ لأن الجمعة حيث تقام الحدود، ~~وهذا قول ابن المبارك # وقال أبو حنيفة، ومالك والشافعي: لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من ~~موضع واحد؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يجمع إلا في مسجد ~~واحد» وكذلك الخلفاء بعده، ولو جاز لم يعطلوا المساجد، حتى قال ابن عمر: لا ~~تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر، الذي يصلي فيه الإمام. # ولنا، أنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فجازت فيما يحتاج إليه من ~~المواضع، كصلاة العيد. # وقد ثبت أن عليا، - رضي الله عنه - كان يخرج يوم العيد إلى المصلى، ~~ويستخلف على ضعفة الناس أبا مسعود البدري، فيصلي بهم. فأما ترك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إقامة جمعتين، فلغناهم عن إحداهما، ولأن أصحابه كانوا ~~يرون سماع ms0844 خطبته، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم، لأنه المبلغ عن الله ~~تعالى، وشارع الأحكام، ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار صليت في أماكن، ~~ولم ينكر، فصار إجماعا. # وقول ابن عمر، يعني أنها لا تقام في المساجد الصغار ويترك الكبير، وأما ~~اعتبار ذلك بإقامة الحدود، فلا وجه له. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: أي ~~حد كان يقام بالمدينة، قدمها مصعب بن عمير وهم مختبئون في دار، فجمع بهم ~~وهم أربعون. (1346) # فصل: فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز في أكثر من واحد، وإن حصل الغنى ~~باثنتين لم تجز الثالثة، وكذلك ما زاد، لا نعلم في هذا مخالفا، إلا أن عطاء ~~قيل له: إن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر. # قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه، ويجزئ ذلك من التجميع في المسجد الأكبر. ~~وما عليه الجمهور أولى، إذ لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وخلفائه أنهم جمعوا أكثر من جمعة، إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك، ولا يجوز ~~إثبات الأحكام بالتحكم بغير دليل، فإن صلوا جمعتين في مصر واحد من غير ~~حاجة، وإحداهما # PageV02P248 # جمعة الإمام، فهي صحيحة تقدمت أو تأخرت، والأخرى باطلة، لأن في الحكم ~~ببطلان جمعة الإمام افتياتا عليه، وتفويتا له الجمعة ولمن يصلي معه، ويفضي ~~إلى أنه متى شاء أربعون أن يفسدوا صلاة أهل البلد أمكنهم ذلك، بأن يجتمعوا ~~في موضع، ويسبقوا أهل البلد بصلاة الجمعة # وقيل: السابقة هي الصحيحة، لأنها لم يتقدمها ما يفسدها، ولا تفسد بعد ~~صحتها بما بعدها. والأول أصح، لما ذكرنا. وإن كانت إحداهما في المسجد ~~الجامع والأخرى في مكان صغير لا يسع المصلين، أو لا يمكنهم الصلاة فيه؛ ~~لاختصاص السلطان وجنده به، أو غير ذلك، أو كان أحدهما في قصبة البلد، ~~والآخر في أقصى المدينة، كان من وجدت فيه هذه المعاني صلاتهم صحيحة دون ~~الأخرى. # وهذا قول مالك؛ فإنه قال: لا أرى الجمعة إلا لأهل القصبة؛ وذلك لأن لهذه ~~المعاني مزية تقتضي التقديم، فقدم بها، كجمعة الإمام. # ويحتمل أن تصح السابقة منهما دون ms0845 الأخرى، لأن إذن الإمام آكد، ولذلك ~~اشترط في إحدى الروايتين. وإن لم يكن لإحداهما مزية، لكونهما جميعا مأذونا ~~فيهما، أو غير مأذون في واحدة منهما، وتساوى المكانان في إمكان إقامة ~~الجمعة في كل واحد منهما، فالسابقة هي الصحيحة؛ لأنها وقعت بشروطها، ولم ~~يزاحمها ما يبطلها، ولا سبقها ما يغني عنها، والثانية باطلة؛ لكونها واقعة ~~في مصر أقيمت فيه جمعة صحيحة، تغني عما سواها # ويعتبر السبق بالإحرام؛ لأنه متى أحرم بإحداهما حرم الإحرام بغيرها؛ ~~للغنى عنها، فإن وقع الإحرام بهما معا فهما باطلتان معا؛ لأنه لا يمكن ~~صحتهما معا، وليست إحداهما بالفساد أولى من الأخرى، فبطلتا كالمتزوج أختين، ~~أو إذا زوج الوليان رجلين. وإن لم تعلم الأولى منهما، أو لم يعلم كيفية ~~وقوعهما، بطلتا أيضا؛ لأن إحداهما باطلة، ولم تعلم بعينها، وليست إحداهما ~~بالإبطال أولى من الأخرى، فبطلتا كالمسألتين. # ثم إن علمنا فساد الجمعتين لوقوعهما معا، وجب إعادة الجمعة إن أمكن ذلك، ~~لبقاء الوقت، لأنه مصر ما أقيمت فيه جمعة صحيحة، والوقت متسع لإقامتها ~~فلزمتهم، كما لو لم يصلوا شيئا. # وإن تيقنا صحة إحداهما لا بعينها، فليس لهم أن يصلوا إلا ظهرا، لأنه مصر ~~تيقنا سقوط فرض الجمعة فيه بالأولى منهما، فلم تجز إقامة الجمعة فيه، كما ~~لو علمناها وقال القاضي: يحتمل أن لهم إقامة جمعة أخرى؛ لأننا حكمنا ~~بفسادهما معا، فكأن المصر ما صليت فيه جمعة صحيحة. # والصحيح الأول؛ لأن الصحيحة لم تفسد، وإنما لم يمكن إثبات حكم الصحة لها ~~بعينها؛ لجهلها، فيصير هذا كما لو زوج الوليان أحدهما قبل الآخر، وجهل ~~السابق منهما، فإنه لا يثبت حكم الصحة بالنسبة إلى واحد بعينه، وثبت حكم ~~النكاح في حق المرأة، بحيث لا يحل لها أن تنكح زوجا آخر # فأما إن جهلنا كيفية وقوعهما، فالأولى أن لا يجوز إقامة الجمعة أيضا، لأن ~~الظاهر صحة إحداهما، لأن وقوعهما معا - بحيث لا يسبق إحرام إحداهما الأخرى ~~- بعيد جدا، وما كان في غاية الندرة فحكمه حكم المعدوم، ولأننا شككنا في ~~شرط إقامة الجمعة، فلم يجز ms0846 إقامتها مع # PageV02P249 # الشك في شرطها، ويحتمل أن لهم إقامتها؛ لأننا لم نتيقن المانع من صحتها. ~~والأول أولى # (1347) فصل: وإن أحرم بالجمعة فتبين في أثناء الصلاة أن الجمعة قد أقيمت ~~في المصر، بطلت الجمعة، ولزمهم استئناف الظهر؛ لأننا تبينا أنه أحرم بها في ~~وقت لا يجوز الإحرام بالجمعة، فلا تصح، فأشبه، ما لو تبين أنه أحرم بها بعد ~~دخول وقت العصر. وقال القاضي: يستحب أن يستأنف ظهرا، وهذا من قوله يدل على ~~أن له إتمامها ظهرا قياسا على المسبوق الذي أدرك دون الركعة، وكما لو أحرم ~~بالجمعة فانفض العدد قبل إتمامها. # والفرق ظاهر؛ فإن هذا أحرم بها في وقت لا تصح الجمعة فيه، ولا يجوز ~~الإحرام بها، والأصل الذي قاس عليه بخلاف هذا. (1348) فصل: وإذا كانت قرية ~~إلى جانب مصر، يسمعون النداء منه، فأقاموا جمعة فيها، لم تبطل جمعة أهل ~~المصر؛ لأنهم في غير المصر، ولأن لجمعة المصر مزية بكونها فيه. ولو كان ~~مصران متقاربان، يسمع أهل كل مصر نداء المصر الآخر، كأهل مصر والقاهرة، لم ~~تبطل جمعة أحدهما بجمعة الآخر. # وكذلك القريتان المتقاربتان؛ لأن لكل قوم منهم حكم أنفسهم، بدليل أن جمعة ~~أحد الفريقين لا يتم عددها بالفريق الآخر، ولا تلزمهم الجمعة بكمال العدة ~~بالفريق الآخر، وإنما يلزمهم السعي إذا لم يكن لهم جمعة، فهم كأهل المحلة ~~القريبة من المصر. ### | [مسألة لا جمعة على مسافر ولا عبد ولا امرأة] # (1349) مسألة: قال: (ولا جمعة على مسافر، ولا عبد، ولا امرأة) وعن أبي ~~عبد الله، رحمه الله، في العبد روايتان: إحداهما، أن الجمعة عليه واجبة. ~~والرواية الأخرى ليست عليه بواجبة. أما المرأة فلا خلاف في أنها لا جمعة ~~عليها. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا جمعة على ~~النساء. # ولأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال، ولذلك لا تجب عليها ~~جماعة. وأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه كذلك. قاله ~~مالك في أهل المدينة، والثوري في أهل العراق، والشافعي، وإسحاق، وأبو ms0847 ثور ~~وروي ذلك عن عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والشعبي # وحكي عن الزهري، والنخعي، أنها تجب عليه؛ لأن الجماعة تجب عليه، فالجمعة ~~أولى # ولنا «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسافر فلا يصلي الجمعة في ~~سفره وكان في حجة الوداع بعرفة يوم جمعة، فصلى الظهر والعصر، وجمع بينهما، ~~ولم يصل جمعة» والخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم -، كانوا # PageV02P250 # يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك غيرهم من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم. وقد قال إبراهيم: كانوا ~~يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان السنين. لا يجمعون ولا يشرقون ~~وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: أقمت معه سنتين بكابل، يقصر الصلاة، ~~ولا يجمع رواهما سعيد. # وأقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين، فكان لا يجمع، ذكره ابن المنذر، وهذا ~~إجماع مع السنة الثابتة فيه، فلا يسوغ مخالفته. (1350) # فصل: فأما العبد ففيه روايتان: إحداهما، لا تجب عليه الجمعة. وهو قول من ~~سمينا في حق المسافر. والثانية، تجب عليه، ولا يذهب من غير إذن سيده. نقلها ~~المروذي، واختارها أبو بكر، وبذلك قالت طائفة، إلا أن له تركها إذا منعه ~~السيد، واحتجوا بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] . ولأن الجماعة تجب عليه، والجمعة ~~آكد منها، فتكون أولى بالوجوب # وحكي عن الحسن، وقتادة، أنها تجب على العبد الذي يؤدي الضريبة، لأن حقه ~~عليه قد تحول إلى المال، فأشبه من عليه الدين. # ولنا، ما روى طارق بن شهاب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«الجمعة حق واجب على كل مسلم، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو ~~مريض» . رواه أبو داود، وقال: طارق رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يسمع منه، وهو من أصحابه. وعن جابر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا مريضا، ~~أو مسافرا، أو ms0848 امرأة، أو صبيا، أو مملوكا» . رواه الدارقطني # وعن تميم الداري، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«الجمعة واجبة إلا على خمسة: امرأة، أو صبي، أو مريض، أو مسافر، أو عبد» . ~~رواه رجاء بن مرجى الغفاري، في " سننه " ولأن الجمعة يجب السعي إليها من ~~مكان بعيد، فلم تجب عليه، كالحج والجهاد، ولأنه مملوك المنفعة، محبوس على ~~السيد أشبه المحبوس بالدين، ولأنها لو وجبت عليه لجاز له المضي إليها من ~~غير إذن سيده، ولم يكن لسيده منعه منها، كسائر الفرائض، والآية مخصوصة بذوي ~~الأعذار، وهذا منهم. # PageV02P251 # (1351) # فصل: والمكاتب والمدبر حكمهما في ذلك حكم القن، لبقاء الرق فيهما. وكذلك ~~من بعضه حر، فإن حق سيده متعلق به وكذلك لا يجب عليه شيء مما يسقط عن ~~العبد. (1352) فصل: إذا أجمع المسافر إقامة تمنع القصر، ولم يرد استيطان ~~البلد كطلب العلم، أو الرباط، أو التاجر الذي يقيم لبيع متاعه، أو مشتري ~~شيء لا ينجز إلا في مدة طويلة، ففيه وجهان: أحدهما، تلزمه الجمعة؛ لعموم ~~الآية، ودلالة الأخبار التي رويناها، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أوجبها إلا على الخمسة الذين استثناهم، وليس هذا منهم. # والثاني: لا تجب عليه؛ لأنه ليس بمستوطن، والاستيطان من شرط الوجوب، ~~ولأنه لم ينو الإقامة في هذا البلد على الدوام، فأشبه أهل القرية الذين ~~يسكنونها صيفا ويظعنون عنها شتاء، ولأنهم كانوا يقيمون السنة والسنتين لا ~~يجمعون ولا يشرقون، أي لا يصلون جمعة ولا عيدا. فإن قلنا: تجب الجمعة عليه ~~فالظاهر أنها لا تنعقد به، لعدم الاستيطان الذي هو من شرط الانعقاد. (1353) # فصل: ولا تجب الجمعة على من في طريقه إليها مطر يبل الثياب، أو وحل يشق ~~المشي إليها فيه. # وحكي عن مالك أنه كان لا يجعل المطر عذرا في التخلف عنها. # ولنا ما روي عن ابن عباس، أنه أمر مؤذنه في يوم جمعة في يوم مطير إذا ~~قلت: أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة قل: صلوا في بيوتكم ~~فقال: فكأن الناس استنكروا ذلك. فقال: ms0849 أتعجبون من ذا؟ فعل ذا من هو خير مني ~~إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أخرجكم إليها فتمشوا في الطين والدحض. أخرجه ~~مسلم. # ولأنه عذر في الجماعة، فكان عذرا في الجمعة، كالمرض، وتسقط الجمعة بكل ~~عذر يسقط الجماعة، وقد ذكرنا الأعذار في آخر صفة الصلاة، وإنما ذكرنا المطر ~~هاهنا لوقوع الخلاف فيه. # PageV02P252 # (1354) فصل: تجب الجمعة على الأعمى وقال أبو حنيفة: لا تجب عليه. ولنا ~~عموم الآية، والأخبار، وقوله: «الجمعة واجبة إلا على أربعة» وما ذكرنا في ~~وجوب الجماعة عليه. # (1355) مسألة: قال: (وإن حضروها أجزأتهم) يعني تجزئهم الجمعة عن الظهر، ~~ولا نعلم في هذا خلافا. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم ~~أن لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنهن إذا حضرن فصلين الجمعة أن ذلك ~~يجزئ عنهن؛ لأن إسقاط الجمعة للتخفيف عنهن، فإذا تحملوا المشقة وصلوا، ~~أجزأهم، كالمريض. (1356) # فصل: والأفضل للمسافر حضور الجمعة،؛ لأنها أكمل. # فأما العبد فإن أذن له سيده في حضورها فهو أفضل؛ لينال فضل الجمعة ~~وثوابها، ويخرج من الخلاف. وإن منعه سيده لم يكن له حضورها، إلا أن نقول ~~بوجوبها عليه. وأما المرأة فإن كانت مسنة فلا بأس بحضورها وإن كانت شابة، ~~جاز حضورها، وصلاتهما في بيوتهما خير لهما، كما روي في الخبر: «وبيوتهن خير ~~لهن» . وقال أبو عمرو الشيباني: رأيت ابن مسعود يخرج النساء من الجامع يوم ~~الجمعة، يقول: اخرجن إلى بيوتكن خير لكن. # (1357) فصل: ولا تنعقد الجمعة بأحد من هؤلاء، ولا يصح أن يكون إماما ~~فيها. وقال أبو حنيفة، والشافعي: يجوز أن يكون العبد والمسافر إماما فيها، ~~ووافقهم مالك في المسافر. # وحكي عن أبي حنيفة أن الجمعة تصح بالعبيد والمسافرين؛ لأنهم رجال تصح ~~منهم الجمعة. # ولنا، أنهم من غير أهل فرض الجمعة، فلم تنعقد الجمعة بهم، ولم يجز أن ~~يؤموا فيها، كالنساء والصبيان، ولأن الجمعة إنما تنعقد بهم تبعا لمن انعقدت ~~به، فلو انعقدت بهم أو كانوا أئمة فيها صار التبع متبوعا، وعليه يخرج الحر ~~المقيم، ولأن الجمعة لو انعقدت بهم ms0850 لانعقدت بهم منفردين، كالأحرار ~~المقيمين، وقياسهم منتقض بالنساء والصبيان. (1358) # فصل: فأما المريض، ومن حبسه العذر من المطر والخوف، فإذا تكلف حضورها ~~وجبت عليه، وانعقدت به، # PageV02P253 # ويصح أن يكون إماما فيها؛ لأن سقوطها عنهم إنما كان لمشقة السعي، فإذا ~~تكلفوا وحصلوا في الجامع، زالت المشقة، فوجبت عليهم، كغير أهل الأعذار. ### | [مسألة من صلى الظهر يوم الجمعة ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام] # مسألة: قال: (ومن صلى الظهر يوم الجمعة ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة ~~الإمام أعادها بعد صلاته ظهرا) يعني من وجبت عليه الجمعة إذا صلى الظهر قبل ~~أن يصلي الإمام الجمعة، لم يصح، ويلزمه السعي إلى الجمعة إن ظن أنه يدركها؛ ~~لأنها المفروضة عليه، فإن أدركها معه صلاها، وإن فاتته فعليه صلاة الظهر، ~~وإن ظن أنه لا يدركها انتظر حتى يتيقن أن الإمام قد صلى، ثم يصلي الظهر. # وهذا قول مالك، والثوري، والشافعي في الجديد وقال أبو حنيفة، والشافعي في ~~القديم: تصح ظهره قبل صلاة الإمام؛ لأن الظهر فرض الوقت بدليل سائر الأيام، ~~وإنما الجمعة بدل عنها، وقائمة مقامها، ولهذا إذا تعذرت الجمعة صلى ظهرا، ~~فمن صلى الظهر فقد أتى بالأصل، فأجزأه كسائر الأيام. وقال أبو حنيفة: ~~ويلزمه السعي إلى الجمعة، فإن سعى بطلت ظهره، وإن لم يسع، أجزأته. # ولنا، أنه صلى ما لم يخاطب به، وترك ما خوطب به، فلم تصح، كما لو صلى ~~العصر مكان الظهر، ولا نزاع في أنه مخاطب بالجمعة، فسقطت عنه الظهر، كما لو ~~كان بعيدا، وقد دل عليه النص والإجماع. ولا خلاف في أنه يأثم بتركها وترك ~~السعي إليها، ويلزم من ذلك أن لا يخاطب بالظهر؛ لأنه لا يخاطب في الوقت ~~بصلاتين، ولأنه يأثم بترك الجمعة وإن صلى الظهر، ولا يأثم بفعل الجمعة وترك ~~الظهر بالإجماع، والواجب ما يأثم بتركه دون ما لم يأثم به. وقولهم: إن ~~الظهر فرض الوقت # لا يصح؛ لأنها لو كانت الأصل لوجب عليه فعلها، وأثم بتركها، ولم تجزه ~~صلاة الجمعة مع إمكانها، فإن البدل لا يصار إليه ms0851 إلا عند تعذر المبدل، ~~بدليل سائر الأبدال مع مبدلاتها، ولأن الظهر لو صحت لم تبطل بالسعي إلى ~~غيرها، كسائر الصلوات الصحيحة، ولأن الصلاة إذا صحت برئت الذمة منها، ~~وأسقطت الفرض عمن صلاها، فلا يجوز اشتغالها بها بعد ذلك، ولأن الصلاة إذا ~~فرغ منها لم تبطل بشيء من مبطلاتها، فكيف تبطل بما ليس من مبطلاتها، ولا ~~ورد الشرع به # فأما إذا فاتته الجمعة فإنه يصير إلى الظهر؛ لأن الجمعة لا يمكن قضاؤها؛ ~~لأنها لا تصح إلا بشروطها، ولا يوجد ذلك في قضائها، فتعين المصير إلى الظهر ~~عند عدمها، وهذا حال البدل (1360) # فصل: فإن صلى الظهر، ثم شك: هل صلى قبل صلاة الإمام أو بعدها؟ لزمه ~~إعادتها؛ لأن الأصل بقاء الصلاة في ذمته، فلا يبرأ منها إلا بيقين، ولأنه، ~~صلاها مع الشك في شرطها، فلم تصح، كما لو صلاها # PageV02P254 # مع الشك في طهارتها. وإن صلاها مع صلاة الإمام لم تصح؛ لأنه صلاها قبل ~~فراغ الإمام منها، أشبه ما لو صلاها قبله في وقت يعلم أنه لا يدركها. # (1361) فصل: فأما من لا تجب عليه الجمعة، كالمسافر، والعبد، والمرأة، ~~والمريض، وسائر المعذورين، فله أن يصلي الظهر قبل صلاة الإمام في قول أكثر ~~أهل العلم. وقال أبو بكر عبد العزيز: لا تصح صلاته قبل الإمام؛ لأنه لا ~~يتيقن بقاء العذر، فلم تصح صلاته كغير المعذور. # ولنا، أنه لم يخاطب بالجمعة، فصحت منه الظهر، كما لو كان بعيدا من موضع ~~الجمعة. وقوله: لا يتيقن بقاء العذر. قلنا: أما المرأة فمعلوم بقاء عذرها، ~~وأما غيرها فالظاهر بقاء عذره، والأصل استمراره، فأشبه المتيمم إذا صلى في ~~أول الوقت، والمريض إذا صلى جالسا، إذا ثبت هذا، فإنه إن صلاها، ثم سعى إلى ~~الجمعة، لم تبطل ظهره، وكانت الجمعة نفلا في حقه، سواء زال عذره أو لم يزل. # وقال أبو حنيفة: تبطل ظهره بالسعي إليها، كالتي قبلها. ولنا، ما روى أبو ~~العالية، قال: سألت عبد الله بن الصامت، فقلت: نصلي يوم الجمعة خلف أمراء ~~فيؤخرون الصلاة؟ فقال: سألت أبا ذر ms0852 عن ذلك، فقال: سألت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: «صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم ~~نافلة.» وفي لفظ: «فإن أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة» . # ولأنها صلاة صحيحة أسقطت فرضه، وأبرأت ذمته، فأشبهت ما لو صلى الظهر ~~منفردا، ثم سعى إلى الجماعة، والأفضل أن لا يصلوا إلا بعد صلاة الإمام؛ ~~ليخرجوا من الخلاف، ولأنه يحتمل زوال أعذارهم، فيدركون الجمعة. (1362) # فصل: ولا يكره لمن فاتته الجمعة، أو لم يكن من أهل فرضها، أن يصلي الظهر ~~في جماعة إذا أمن أن ينسب إلى مخالفة الإمام، والرغبة عن الصلاة معه، أو ~~أنه يرى الإعادة إذا صلى معه. فعل ذلك ابن مسعود، وأبو ذر، والحسن بن عبيد ~~الله، وإياس بن معاوية، وهو قول الأعمش، والشافعي، وإسحاق. # وكرهه الحسن، وأبو قلابة، ومالك، وأبو حنيفة، لأن زمن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يخل من معذورين، فلم ينقل أنهم صلوا جماعة. ولنا قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» ~~وروي عن ابن مسعود أنه فاتته الجمعة، فصلى بعلقمة والأسود # واحتج به أحمد، وفعله من ذكرنا من قبل ومطرف، وإبراهيم. قال أبو عبد ~~الله: ما أعجب الناس ينكرون هذا، فأما زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فلم ينقل إلينا أنه اجتمع جماعة معذورون يحتاجون إلى إقامة الجماعة. # PageV02P255 # إذا ثبت هذا، فإنه لا يستحب إعادتها جماعة في مسجد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا في مسجد تكره إعادة الجماعة فيه. # وتكره أيضا في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة؛ لأنه يفضي إلى النسبة إلى ~~الرغبة عن الجمعة، أو أنه لا يرى الصلاة خلف الإمام، أو يعيد الصلاة معه ~~فيه، وفيه افتيات على الإمام، وربما أفضى إلى فتنة، أو لخوف ضرر به وبغيره، ~~وإنما يصليها في منزله، أو موضع لا تحصل هذه المفسدة بصلاتها فيه. ### | [مسألة يستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل] # (1363) مسألة: قال: (ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل، ويلبس ثوبين ~~نظيفين، ويتطيب) لا خلاف في استحباب ذلك، ms0853 وفيه آثار كثيرة صحيحة، منها ما ~~روى سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - «لا يغتسل ~~رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب ~~بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم ~~الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» . رواه البخاري. # وليس ذلك بواجب في قول أكثر أهل العلم. قال الترمذي: العمل على هذا عند ~~أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم. وهو قول ~~الأوزاعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وابن المنذر وأصحاب الرأي، وقيل: إن ~~هذا إجماع. # قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين قديما وحديثا على أن غسل الجمعة ~~ليس بفرض واجب. وحكي عن أحمد رواية أخرى، أنه واجب، وروي ذلك عن أبي هريرة، ~~وعمرو بن سليم وقاول عمار بن ياسر رجلا، فقال عمار: أنا إذا أشر ممن لا ~~يغتسل يوم الجمعة ووجهه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «غسل الجمعة ~~واجب على كل محتلم» ، وقوله - عليه السلام -: «من أتى منكم الجمعة فليغتسل» ~~وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حق على كل مسلم ~~أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما، يغسل رأسه وجسده» متفق عليهن. # ولنا، ما روى سمرة بن جندب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» رواه النسائي ~~والترمذي، وقال: حديث حسن. وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه ~~وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا» . متفق عليه. # وأيضا فإنه إجماع، حيث قال عمر لعثمان: أية ساعة هذه؟ فقال: إني شغلت ~~اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء، فلم أزد على الوضوء، فقال له ~~عمر: والوضوء أيضا وقد علمت «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P256 # كان يأمر بالغسل؟» ms0854 ولو كان واجبا لرده، ولم يخف على عثمان وعلى من حضر من ~~الصحابة، وحديثهم محمول على تأكيد الندب، ولذلك ذكر في سياقه: " وسواك، وأن ~~يمس طيبا " كذلك رواه مسلم. والسواك، ومس الطيب، لا يجب، ولما ذكرنا من ~~الأخبار، وقالت عائشة: كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا يروحون إلى الجمعة ~~بهيئتهم، فتظهر لهم رائحة، فقيل لهم: لو اغتسلتم. رواه مسلم بنحو هذا ~~المعنى (1364) فصل: وقت الغسل بعد طلوع الفجر، فمن اغتسل بعد ذلك أجزأه، ~~وإن اغتسل قبله لم يجزئه، وهذا قول مجاهد، والحسن، والنخعي، والثوري، ~~والشافعي، وإسحاق وحكي عن الأوزاعي أنه يجزئه الغسل قبل الفجر. وعن مالك: ~~أنه لا يجزئه الغسل إلا أن يتعقبه الرواح. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من اغتسل يوم الجمعة» واليوم من طلوع الفجر، وإن اغتسل، ثم أحدث، ~~أجزأه الغسل، وكفاه الوضوء، وهذا قول مجاهد، والحسن، ومالك، والأوزاعي، ~~والشافعي. واستحب طاوس والزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، إعادة الغسل. # ولنا، أنه اغتسل يوم الجمعة، فدخل في عموم الخبر، وأشبه من لم يحدث، ~~والحدث إنما يؤثر في الطهارة الصغرى، ولا يؤثر في المقصود من الغسل، وهو ~~التنظيف، وإزالة الرائحة، ولأنه غسل، فلا يؤثر الحدث في إبطاله، كغسل ~~الجنابة. (1365) فصل: ويفتقر الغسل إلى النية؛ لأنه عبادة محضة، فافتقر إلى ~~النية، كتجديد الوضوء، فإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلا واحدا ونواهما، ~~أجزأه، ولا نعلم فيه خلافا وروي ذلك عن ابن عمر، ومجاهد، ومكحول، ومالك، ~~والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور. وقد ذكرنا أن معنى قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «من غسل واغتسل» أي: جامع واغتسل، ولأنهما # PageV02P257 # غسلان اجتمعا، فأشبها غسل الحيض والجنابة، وإن اغتسل للجنابة، ولم ينو ~~غسل الجمعة، ففيه وجهان، أحدهما لا يجزئه. # وروي عن بعض بني أبي قتادة، أنه دخل عليه يوم الجمعة مغتسلا، فقال: ~~للجمعة اغتسلت؟ فقال: لا، ولكن للجنابة. قال: فأعد غسل الجمعة. ووجه ذلك ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وإنما لكل امرئ ما نوى» . والثاني: ~~يجزئه، لأنه مغتسل، فيدخل في عموم الحديث، ولأن المقصود ms0855 التنظيف، وهو حاصل ~~بهذا الغسل، وقد روي في بعض الحديث: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة» ~~(1366) فصل: ومن لا يأتي الجمعة فلا غسل عليه قال أحمد: ليس على النساء غسل ~~يوم الجمعة، وعلى قياسهن الصبيان والمسافر والمريض. وكان ابن عمر، وعلقمة، ~~لا يغتسلان في السفر، وكان طلحة يغتسل وروي عن مجاهد، وطاوس، ولعلهم أخذوا ~~بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» وغيره ~~من الأخبار العامة. # ولنا قوله - عليه السلام -: «من أتى الجمعة فليغتسل» ولأن المقصود ~~التنظيف، وقطع الرائحة حتى لا يتأذى غيره به، وهذا مختص بمن أتى الجمعة، ~~والأخبار العامة يراد بها هذا، ولهذا سماه غسل الجمعة، ومن لا يأتيها لا ~~يكون غسله غسل الجمعة، وإن أتاها أحد ممن لا تجب عليه استحب له الغسل لعموم ~~الخبر، ووجود المعنى فيه. ### | [فصل يستحب أن يلبس ثوبين نظيفين للجمعة] # (1367) فصل: ويستحب أن يلبس ثوبين نظيفين؛ لما روى عبد الله بن سلام، أنه ~~سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم الجمعة يقول: «ما على أحدكم ~~لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوبي مهنته» رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه ~~وجاء في حديث: «من لبس أحسن ثيابه يوم الجمعة، واغتسل.» وذكر الحديث. ~~وأفضلها البياض؛ لقوله: - عليه السلام - «خير ثيابكم البياض، ألبسوها ~~أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم» ويستحب أن يعتم ويرتدي، لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يفعل ذلك، والإمام في هذا ونحوه آكد من غيره، لأنه المنظور ~~إليه من بين الناس. # PageV02P258 ### | [فصل من آداب يوم الجمعة التطيب والسواك] # (1368) فصل: والتطيب مندوب إليه، والسواك؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، وأن يمس طيبا» . وروى ابن ~~عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا يوم عيد، جعله ~~الله للمسلمين، فمن جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيب فليمس منه، ~~وعليكم بالسواك» ويستحب أن يدهن، ويتنظف بأخذ الشعر، وقطع الرائحة؛ لقوله - ~~عليه السلام -: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ms0856 ما استطاع من طهر، ويدهن ~~من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب ~~له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى.» ### | [فصل إذا أتى المسجد كره له أن يتخطى رقاب الناس] # (1369) فصل: إذا أتى المسجد كره له أن يتخطى رقاب الناس، لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «فلا يفرق بين اثنين.» وقوله: «ولم يتخط رقبة مسلم، ~~ولم يؤذ أحدا» . وقوله في الذي جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة: «اجلس، ~~فقد آذيت وآنيت» وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من تخطى ~~رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم» . رواه أبو داود، والترمذي، ~~وقال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، وقد ضعفه بعض أهل العلم من قبل ~~حفظه، # فأما الإمام إذا لم يجد طريقا، فلا يكره له التخطي، لأنه موضع حاجة. ### | [فصل رأى فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي] # (1370) فصل: فإن رأى فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، ففيه روايتان: ~~إحداهما، له التخطي. قال أحمد: يدخل الرجل ما استطاع، ولا يدع بين يديه ~~موضعا فارغا، فإن جهل فترك بين يديه خاليا فليتخط الذي يأتي بعده، ويتجاوزه ~~إلى الموضع الخالي، فإنه لا حرمة لمن ترك بين يديه خاليا، وقعد في غيره. # وقال الأوزاعي: يتخطاهم إلى السعة. وقال قتادة: يتخطاهم إلى مصلاه. وقال ~~الحسن: تخطوا رقاب الذين يجلسون على أبواب المساجد، فإنه لا حرمة لهم، وعن ~~أحمد، رواية أخرى، إن كان يتخطى الواحد والاثنين فلا بأس، لأنه يسير، فعفي ~~عنه، وإن كثر كرهناه، وكذلك قال الشافعي، إلا أن لا يجد السبيل إلى مصلاه ~~إلا بأن يتخطى، فيسعه التخطي، إن شاء الله تعالى، # PageV02P259 # ولعل قول أحمد، ومن وافقه في الرواية الأولى، فيما إذا تركوا مكانا ~~واسعا، مثل الذين يصفون في آخر المسجد، ويتركون بين أيديهم صفوفا خالية، ~~فهؤلاء لا حرمة لهم # كما قال الحسن؛ لأنهم خالفوا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ورغبوا عن ms0857 ~~الفضيلة وخير الصفوف، وجلسوا في شرها، ولأن تخطيهم مما لا بد منه، وقوله ~~الثاني في حق من لم يفرطوا، وإنما جلسوا في مكانهم؛ لامتلاء ما بين أيديهم، ~~لكن فيه سعة يمكن الجلوس فيه لازدحامهم، ومتى كان لم يمكن الصلاة إلا ~~بالدخول وتخطيهم، جاز؛ لأنه موضع حاجة. ### | [فصل إذا جلس في مكان ثم بدت له حاجة أو احتاج إلى الوضوء] # (1371) فصل: إذا جلس في مكان، ثم بدت له حاجة، أو احتاج إلى الوضوء، فله ~~الخروج. «قال عقبة: صليت وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ~~العصر، فسلم، ثم قام مسرعا، فتخطى رقاب الناس إلى حجر بعض نسائه فقال: ذكرت ~~شيئا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته» رواه البخاري، فإذا قام ~~من مجلسه، ثم رجع إليه فهو أحق به، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من ~~قام من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحق به» . # وحكمه في التخطي إلى موضعه حكم من رأى بين يديه فرجة. (1372) فصل: وليس ~~له أن يقيم إنسانا ويجلس في موضعه، سواء كان المكان راتبا لشخص يجلس فيه، ~~أو موضع حلقة لمن يحدث فيها، أو حلقة للفقهاء يتذاكرون فيها، أو لم يكن؛ ~~لما روى ابن عمر، قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم ~~الرجل - يعني أخاه - من مقعده، ويجلس فيه.» متفق عليه. # ولأن المسجد بيت الله، والناس فيه سواء، قال الله تعالى: {سواء العاكف ~~فيه والباد} [الحج: 25] فمن سبق إلى مكان فهو أحق به؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من سبق إلى ماء لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به» رواه ~~أبو داود، وكمقاعد الأسواق، ومشارع المياه والمعادن، فإن قدم صاحبا له، ~~فجلس في موضع، حتى إذا جاء قام النائب وأجلسه، جاز؛ لأن النائب يقوم ~~باختياره، وقد روي أن محمد بن سيرين كان يرسل غلاما له يوم الجمعة، فيجلس ~~فيه، فإذا جاء محمد قام الغلام، وجلس محمد فيه. # فإن لم يكن نائبا فقام ليجلس آخر في مكانه، فله الجلوس فيه؛ لأنه قام ms0858 ~~باختيار نفسه، فأشبه النائب. # وأما القائم فإن انتقل إلى مثل مكانه الذي آثر به في القرب، وسماع ~~الخطبة، فلا بأس، وإن انتقل إلى ما دونه، كره له؛ لأنه يؤثر على نفسه في ~~الدين. # ويحتمل أن لا يكره؛ لأن تقديم أهل الفضل إلى ما يلي الإمام مشروع، ولذلك ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» ولو ~~آثر شخصا بمكانه، لم يجز لغيره أن يسبقه إليه؛ لأن الحق للجالس آثر به غيره ~~فقام مقامه # PageV02P260 # في استحقاقه، كما لو يحجر مواتا، أو سبق إليه، ثم آثر غيره به. # وقال ابن عقيل نحو ذلك؛ لأن القائم أسقط حقه بالقيام، فبقي على الأصل، ~~فكان السابق إليه أحق به، كمن وسع لرجل في طريق، فمر غيره، وما قلنا أصح، ~~ويفارق التوسعة في الطريق، لأنها إنما جعلت للمرور فيها، فمن انتقل من مكان ~~فيها لم يبق له فيه حق يؤثر به، وليس كذلك المسجد، فإنه للإقامة فيه، ولا ~~يسقط حق المنتقل من مكانه إذا انتقل لحاجة، وهذا إنما انتقل مؤثرا لغيره، ~~فأشبه النائب الذي بعثه إنسان ليجلس في موضع يحفظه له. # ولو كان الجالس مملوكا، لم يكن لسيده أن يقيمه؛ لعموم الخبر، ولأن هذا ~~ليس بمال، وهو حق ديني، فاستوى هو وسيده فيه، كالحقوق الدينية كلها، والله ~~أعلم. ### | [فصل إن فرش مصلى له في مكان] # (1373) فصل: وإن فرش مصلى له في مكان، ففيه وجهان: أحدهما، يجوز رفعه، ~~والجلوس في موضعه، لأنه لا حرمة له، ولأن السبق بالأجسام، لا بالأوطئة ~~والمصليات، ولأن تركه يفضي إلى أن صاحبه يتأخر، ثم يتخطى رقاب المصلين، ~~ورفعه ينفي ذلك والثاني: لا يجوز؛ لأن؛ فيه افتياتا على صاحبه، ربما أفضى ~~إلى الخصومة، ولأنه سبق إليه، فكان كمحتجر الموات. ### | [فصل يستحب الدنو من الإمام يوم الجمعة] # (1374) فصل: ويستحب الدنو من الإمام؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من غسل واغتسل، وبكر، وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع، ولم ~~يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها» ms0859 . رواه أبو داود، ~~والنسائي، والترمذي، وابن ماجه. وهذا لفظه. # وعن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «احضروا الذكر، وادنوا من ~~الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة، وإن دخلها» رواه أبو ~~داود، ولأنه أمكن له من السماع. ### | [فصل الصلاة في المقصورة] # (1375) فصل: وتكره الصلاة في المقصورة التي تحمى نص عليه أحمد، وروي عن ~~ابن عمر أنه كان إذا حضرت الصلاة، وهو في المقصورة، خرج. وكرهه الأحنف، ~~وابن محيريز، والشعبي، وإسحاق ورخص فيها أنس، والحسن، والحسين، والقاسم، ~~وسالم، ونافع، لأنه مكان من الجامع، فلم تكره الصلاة فيه، كسائر المسجد. # ووجه الأول، أنه يمنع الناس من الصلاة فيه، كالمغصوب، فكره لذلك فأما إن ~~كانت لا تحمى، # PageV02P261 # فيحتمل أن لا تكره الصلاة فيها، لعدم شبه الغصب. ويحتمل أن تكره؛ لأنها ~~تقطع الصفوف، فأشبهت ما بين السواري. واختلفت الرواية عن أحمد في الصف ~~الأول، فقال في موضع: هو الذي يلي المقصورة؛ لأن المقصورة تحمى. # وقال: ما أدري هل الصف الأول الذي يقطعه المنبر، أو الذي يليه؟ والصحيح ~~أنه الذي يقطعه المنبر، لأنه هو الأول في الحقيقة، ولو كان الأول ما دونه ~~أفضى إلى خلو ما يلي الإمام. ولأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يليه فضلاؤهم، ولو كان الصف الأول وراء المنبر، لوقفوا فيه. ### | [فصل يستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول عن موضعه] # (1376) فصل: ويستحب لمن نعس يوم الجمعة، أن يتحول عن موضعه؛ لما روى ابن ~~عمر، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا نعس أحدكم يوم ~~الجمعة في مجلسه، فليتحول إلى غيره» رواه أبو مسعود أحمد بن الفرات، في " ~~سننه "، والإمام أحمد، في " مسنده " ولأن تحوله عن مجلسه يصرف عنه النوم. ### | [فصل الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة] # (1377) فصل: ويستحب أن يكثر من الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم الجمعة؛ لما روي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أكثروا ms0860 الصلاة علي يوم الجمعة؛ فإنه مشهود تشهده الملائكة» . ~~رواه ابن ماجه. # وعن أوس بن أوس قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل أيامكم يوم ~~الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من ~~الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا: يا رسول الله: وكيف تعرض صلاتنا ~~عليك وقد أرمت، أي بليت. قال: إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء ~~- عليهم السلام -» . رواه أبو داود. ### | [فصل قراءة الكهف يوم الجمعة] # (1378) فصل: ويستحب قراءة الكهف يوم الجمعة؛ لما روي عن علي - رضي الله ~~عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ الكهف يوم ~~الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، فإن خرج الدجال عصم منه» . ~~رواه زيدون بن علي في كتابه بإسناده. # وعن أبي سعيد الخدري، أنه قال: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من ~~النور ما بينه وبين البيت العتيق. وقال خالد بن معدان: من قرأ سورة الكهف ~~يوم الجمعة قبل أن يخرج الإمام كانت له كفارة ما بينه وبين الجمعة، وبلغ ~~نورها البيت العتيق. # PageV02P262 ### | [فصل الإكثار من الدعاء يوم الجمعة.] # (1379) فصل: يستحب الإكثار من الدعاء يوم الجمعة، لعله يوافق ساعة ~~الإجابة، «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر يوم الجمعة، فقال: فيه ~~ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل الله شيئا، إلا أعطاه إياه» . ~~وأشار بيده يقللها، وفي لفظ: «وهو قائم يصلي.» متفق عليه. # واختلف في تلك الساعة فقال عبد الله بن سلام، وطاوس: هي آخر ساعة في يوم ~~الجمعة. وفسر ابن سلام الصلاة بانتظارها. # وروي مرفوعا، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فروي عن «عبد الله بن ~~سلام قال: قلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس: إنا لنجد في كتاب ~~الله في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئا إلا ~~قضى الله حاجته. قال عبد الله بن سلام: فأشار إلي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أو بعض ساعة. ms0861 فقلت: صدقت أو بعض ساعة. قلت: أي ساعة هي؟ قال: هي آخر ~~ساعة من ساعات النهار. قلت: إنها ليست ساعة صلاة. قال: بلى، إن العبد ~~المؤمن إذا صلى، ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة، فهو في صلاة» . رواه ابن ماجه # ويكون القيام على هذا بمعنى الملازمة والإقامة، كقول الله تعالى: {ومنهم ~~من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما} [آل عمران: 75] . # وعن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «التمسوا الساعة التي ~~ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس» . أخرجه الترمذي. # وقيل: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الصلاة؛ لما روى أبو موسى، ~~قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «هي ما بين أن يجلس ~~الإمام إلى أن يقضي الصلاة» . رواه مسلم، وعن عمرو بن عوف المزني، قال: ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «في الجمعة ساعة من النهار، ~~لا يسأل العبد فيها شيئا إلا أعطي سؤله. قيل: أي ساعة هي؟ قال: حين تقام ~~الصلاة إلى الانصراف منها» . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. # فعلى هذا التفسير تكون الساعة مختلفة، فتكون في حق كل قوم في وقت صلاتهم. ~~وقيل: هي ما بين الفجر إلى طلوع الشمس، ومن العصر إلى غروبها. وقيل: هي ~~الساعة الثالثة من النهار. وقال كعب: لو قسم الإنسان جمعه في جمع أتى على ~~تلك الساعة. وقيل هي متنقلة في اليوم. وقال ابن عمر: إن طلب حاجة في يوم ~~ليسير. # وقيل: أخفى الله تعالى هذه الساعة ليجتهد عباده في دعائه في جميع اليوم ~~طلبا لها، كما أخفى ليلة القدر في ليالي رمضان، وأولياءه في الخلق، ليحسن ~~الظن بالصالحين كلهم. # PageV02P263 ### | [مسألة صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة] # (1380) مسألة: قال: (وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة، ~~أجزأتهم) وفي بعض النسخ، في الساعة الخامسة. والصحيح في الساعة السادسة. ~~وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز صلاتها فيما قبل السادسة. وروي عن ابن ~~مسعود، وجابر، ms0862 وسعيد، ومعاوية، أنهم صلوها قبل الزوال. وقال القاضي، ~~وأصحابه: يجوز فعلها في وقت صلاة العيد. # وروى ذلك عبد الله، عن أبيه، قال: نذهب إلى أنها كصلاة العيد. وقال ~~مجاهد: ما كان للناس عيد إلا في أول النهار. وقال عطاء: كل عيد حين يمتد ~~الضحى؛ الجمعة، والأضحى، والفطر؛ لما روي عن ابن مسعود، أنه قال: «ما كان ~~عيد إلا في أول النهار، ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~بنا الجمعة في ظل الحطيم» . رواه ابن البختري في " أماليه " بإسناده. # وروي عن ابن مسعود، ومعاوية، أنهما صليا الجمعة ضحى، وقالا: إنما عجلنا ~~خشية الحر عليكم. وروى الأثرم حديث ابن مسعود. ولأنها عيد فجازت في وقت ~~العيد، كالفطر والأضحى والدليل على أنها عيد قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين» . وقوله: «قد اجتمع لكم في ~~يومكم هذا عيدان» . # وقال أكثر أهل العلم: وقتها وقت الظهر، إلا أنه يستحب تعجيلها في أول ~~وقتها؛ لقول سلمة بن الأكوع: «كنا نجمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتبع الفيء» . متفق عليه. # وقال أنس: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة حين تميل ~~الشمس» . رواه البخاري. ولأنهما صلاتا وقت، فكان وقتهما واحدا، كالمقصورة ~~والتامة، ولأن إحداهما بدل عن الأخرى، وقائمة مقامها، فأشبها الأصل ~~المذكور، ولأن آخر وقتهما واحد، فكان أوله واحدا، كصلاة الحضر والسفر. ~~ولنا، على جوازها في السادسة السنة والإجماع؛ أما السنة فما روى جابر بن ~~عبد الله، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي - يعني الجمعة ~~- ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس.» أخرجه مسلم. # وعن سهل بن سعد، قال: «ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» . متفق عليه. قال ابن قتيبة: لا يسمى غداء، ~~ولا قائلة بعد الزوال. وعن سلمة، قال: «كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء.» ms0863 رواه أبو داود. # وأما الإجماع، فروى الإمام أحمد عن وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن ~~الحجاج، عن عبد الله بن سيدان، قال: شهدت الخطبة مع أبي بكر، فكانت صلاته ~~وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر بن الخطاب، # PageV02P264 # فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان بن ~~عفان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد زال النهار، فما رأيت أحدا عاب ~~ذلك ولا أنكره. # قال: وكذلك روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية، أنهم صلوا قبل ~~الزوال، وأحاديثهم تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها بعد ~~الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه، وأنه الأفضل والأولى، ~~وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال، ولا تنافي بينهما. # وأما في أول النهار، فالصحيح أنها لا تجوز، لما ذكره أكثر أهل العلم، ~~ولأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل، من نص، أو ما يقوم مقامه، وما ثبت عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن خلفائه، أنهم صلوها في أول النهار، ~~ولأن مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر، وإنما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا ~~من الدليل، وهو مختص بالساعة السادسة، فلم يجز تقديمها عليها، والله أعلم. # ولأنها لو صليت في أول النهار لفاتت أكثر المصلين، فإن العادة اجتماعهم ~~لها عند الزوال، وإنما يأتيها ضحى آحاد من الناس، وعدد يسير، كما روي عن ~~ابن مسعود أنه أتى الجمعة، فوجد أربعة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما ~~رابع أربعة ببعيد. # إذا ثبت هذا، فالأولى أن لا تصلى إلا بعد الزوال؛ ليخرج من الخلاف، ~~ويفعلها في الوقت الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعلها فيه في ~~أكثر أوقاته، ويعجلها في أول وقتها في الشتاء والصيف؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يعجلها، بدليل الأخبار التي رويناها، ولأن الناس يجتمعون ~~لها في أول وقتها، ويبكرون إليها قبل وقتها، فلو انتظر الإبراد بها لشق على ~~الحاضرين، وإنما جعل الإبراد بالظهر في شدة الحر دفعا للمشقة التي ms0864 يحصل ~~أعظم منها بالإبراد بالجمعة. ### | [فصل اتفق عيد في يوم جمعة] # (1381) فصل: وإن اتفق عيد في يوم جمعة، سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد، ~~إلا الإمام، فإنها لا تسقط عنه إلا أن لا يجتمع له من يصلي به الجمعة. ~~وقيل: في وجوبها على الإمام روايتان وممن قال بسقوطها الشعبي، والنخعي، ~~والأوزاعي. # وقيل: هذا مذهب عمر، وعثمان، وعلي، وسعيد، وابن عمر، وابن عباس، وابن ~~الزبير، وقال أكثر الفقهاء تجب الجمعة؛ لعموم الآية، والأخبار الدالة على ~~وجوبها ولأنهما صلاتان واجبتان، فلم تسقط إحداهما بالأخرى، كالظهر مع ~~العيد. # ولنا، ما روى إياس بن أبي رملة الشامي، قال: «شهدت معاوية يسأل زيد بن ~~أرقم: هل شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيدين اجتمعا في يوم ~~واحد؟ قال: نعم. قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة، فقال: ~~من شاء أن يصلي فليصل» . رواه أبو داود، والإمام أحمد، ولفظه «من شاء أن ~~يجمع فليجمع» . # وعن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « # PageV02P265 # اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون» . رواه ~~ابن ماجه. وعن ابن عمر، وابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو ~~ذلك. # ولأن الجمعة إنما زادت عن الظهر بالخطبة، وقد حصل سماعها في العيد، فأجزأ ~~عن سماعها ثانيا، ولأن وقتهما واحد بما بيناه، فسقطت إحداهما بالأخرى، ~~كالجمعة مع الظهر، وما احتجوا به مخصوص بما رويناه، وقياسهم منقوض بالظهر ~~مع الجمعة، فأما الإمام فلم تسقط عنه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«وإنا مجمعون» ولأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه، ومن ~~يريدها ممن سقطت عنه، بخلاف غيره من الناس. (1382) # فصل: وإن قدم الجمعة فصلاها في وقت العيد، فقد روي عن أحمد، قال: تجزئ ~~الأولى منهما، فعلى هذا تجزئه عن العيد والظهر، ولا يلزمه شيء إلى العصر ~~عند من جوز الجمعة في وقت العيد. وقد روى أبو داود، بإسناده عن عطاء، قال: ~~اجتمع يوم الجمعة ويوم فطر ms0865 على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان قد اجتمعا في ~~يوم واحد، فجمعهما وصلاهما ركعتين بكرة، فلم يزد عليهما حتى صلى العصر. ~~وروي عن ابن عباس أنه بلغه فعل ابن الزبير، فقال: أصاب السنة. # قال الخطابي: وهذا لا يجوز أن يحمل إلا على قول من يذهب إلى تقديم الجمعة ~~قبل الزوال، فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة فسقط العيد، والظهر، ~~ولأن الجمعة إذا سقطت مع تأكدها، فالعيد أولى أن يسقط بها، أما إذا قدم ~~العيد فإنه يحتاج إلى أن يصلي الظهر في وقتها إذا لم يصل الجمعة. ### | [مسألة تجب الجمعة على من بينه وبين الجامع فرسخ] # (1383) مسألة: قال: (وتجب الجمعة على من بينه وبين الجامع فرسخ) هذا في ~~حق غير أهل المصر، أما أهل المصر فيلزمهم كلهم الجمعة، بعدوا أو قربوا. قال ~~أحمد: أما أهل المصر فلا بد لهم من شهودها، سمعوا النداء أو لم يسمعوا؛ ~~وذلك لأن البلد الواحد بني للجمعة، فلا فرق بين القريب والبعيد، ولأن المصر ~~لا يكاد يكون أكثر من فرسخ، فهو في مظنة القرب، فاعتبر ذلك. وهذا قول أصحاب ~~الرأي، ونحوه قول الشافعي. # فأما غير أهل المصر، فمن كان بينه وبين الجامع فرسخ فما دون، فعليه ~~الجمعة، وإن كان أبعد فلا جمعة عليه. وروي نحو هذا عن سعيد بن المسيب وهو ~~قول مالك، والليث. وروي عن عبد الله بن عمرو، قال: الجمعة على من سمع ~~النداء. وهذا قول الشافعي، وإسحاق؛ لما روى عبد الله بن عمرو، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «الجمعة على من سمع النداء» رواه أبو داود. # والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P266 # «قال للأعمى الذي قال: ليس لي قائد يقودني: أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: ~~فأجب» . ولأن من سمع النداء داخل في عموم قول الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] . # وروي عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، والحسن، ونافع، وعكرمة، ms0866 والحكم ~~وعطاء، والأوزاعي، أنهم قالوا: الجمعة على من آواه الليل إلى أهله؛ لما روى ~~أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجمعة على من آواه ~~الليل إلى أهله» . وقال أصحاب الرأي: لا جمعة على من كان خارج المصر؛ لأن ~~عثمان - رضي الله عنه - صلى العيد في يوم جمعة، ثم قال لأهل العوالي: من ~~أراد منكم أن ينصرف فلينصرف، ومن أراد أن يقيم حتى يصلي الجمعة فليقم. # ولأنهم خارج المصر، فأشبه أهل الحلل. ولنا، قول الله تعالى: {إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] . وهذا يتناول غير ~~أهل المصر إذا سمعوا النداء، وحديث عبد الله بن عمرو، ولأن غير أهل المصر ~~يسمعون النداء، وهم من أهل الجمعة، فلزمهم السعي إليها، كأهل المصر. # وحديث أبي هريرة غير صحيح، يرويه عبد الله بن سعيد المقبري، وهو ضعيف، ~~قال أحمد بن الحسن: ذكرت هذا الحديث لأحمد بن حنبل، فغضب، وقال: استغفر ~~ربك، استغفر ربك. وإنما فعل أحمد هذا، لأنه لم ير الحديث شيئا لحال إسناده. ~~قال ذلك الترمذي. وأما ترخيص عثمان لأهل العوالي فلأنه إذا اجتمع عيدان ~~اجتزئ بالعيد، وسقطت الجمعة عمن حضره، على ما قررناه فيما مضى. # وأما اعتبار أهل القرى بأهل الحلل فلا يصح؛ لأن أهل الحلل غير مستوطنين، ~~ولا هم ساكنون بقرية، ولا في موضع جعل للاستيطان. # وأما اعتبار حقيقة النداء فلا يمكن؛ لأنه قد يكون من الناس الأصم وثقيل ~~السمع، وقد يكون النداء بين يدي المنبر، فلا يسمعه إلا من في الجامع، وقد ~~يكون المؤذن خفي الصوت، أو في يوم ذي ريح، ويكون المستمع نائما أو مشغولا ~~بما يمنع السماع، فلا يسمع، ويسمع من هو أبعد منه، فيفضي إلى وجوبها على ~~البعيد دون القريب، وما هذا سبيله ينبغي أن يقدر بمقدار لا يختلف، والموضع ~~الذي يسمع منه النداء في الغالب - إذا كان المنادي صيتا، في موضع عال، ~~والريح ساكنة، والأصوات هادئة، والمستمع سميع غير ساه ولا لاه - فرسخ، أو ~~ما قاربه، فحد به، والله ms0867 أعلم. # (1384) فصل: وأهل القرية لا يخلون من حالين: إما أن يكون بينهم وبين ~~المصر أكثر من فرسخ، أو لا، فإن # PageV02P267 # كان بينهم أكثر من فرسخ لم يجب عليهم السعي إليه، وحالهم معتبر بأنفسهم، ~~فإن كانوا أربعين واجتمعت فيهم شرائط الجمعة، فعليهم إقامتها، وهم مخيرون ~~بين السعي إلى المصر، وبين إقامتها في قريتهم، والأفضل إقامتها؛ لأنه متى ~~سعى بعضهم أخل على الباقين الجمعة، وإذا أقاموا حضرها جميعهم، وفي إقامتها ~~بموضعهم تكثير جماعات المسلمين. # وإن كانوا ممن لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم فهم مخيرون بين السعي إليها، ~~وبين أن يصلوا ظهرا، والأفضل السعي إليها، لينال فضل الساعي إلى الجمعة ~~ويخرج من الخلاف. والحال الثاني، أن يكون بينهم وبين المصر فرسخ فما دون، ~~فينظر فيهم، فإن كانوا أقل من أربعين فعليهم السعي إلى الجمعة، لما قدمنا. # وإن كانوا ممن تجب عليهم الجمعة بأنفسهم، وكان موضع الجمعة القريب منهم ~~قرية أخرى، لم يلزمهم السعي إليها، وصلوا في مكانهم، إذ ليست إحدى القريتين ~~بأولى من الأخرى. # وإن أحبوا السعي إليها، جاز، والأفضل أن يصلوا في مكانهم، كما ذكرنا من ~~قبل. فإن سعى بعضهم فنقص عدد الباقين، لزمهم السعي؛ لئلا يؤدي إلى ترك ~~الجمعة ممن تجب عليه. وإن كان موضع الجمعة القريب مصرا، فهم مخيرون أيضا ~~بين السعي إلى المصر، وبين إقامة الجمعة في مكانهم، كالتي قبلها. # ذكره ابن عقيل. وعن أحمد، أن السعي يلزمهم، إلا أن يكون لهم عذر فيصلون ~~جمعة. والأول أصح؛ لأن أهل القرية لا تنعقد بهم جمعة أهل المصر، فكان لهم ~~إقامة الجمعة في مكانهم، كما لو سمعوا النداء من قرية أخرى، ولأن أهل القرى ~~يقيمون الجمع في بلاد الإسلام، وإن كانوا قريبا من المصر، من غير نكير. ### | [فصل صلاة الجمعة بأقل من الأربعين] # (1385) فصل: وإذا كان أهل المصر دون الأربعين، فجاءهم أهل القرية، ~~فأقاموا الجمعة في المصر، لم يصح؛ لأن أهل القرية غير مستوطنين في المصر، ~~وأهل المصر لا تنعقد بهم الجمعة لقلتهم. وإن كان أهل القرية ممن تجب عليهم ~~الجمعة ms0868 بأنفسهم لزم أهل المصر السعي إليهم، لأنهم ممن بينه وبين موضع ~~الجمعة أقل من فرسخ، فلزمهم السعي إليها، كما يلزم أهل القرية السعي إلى ~~المصر إذا أقيمت به وكان أهل القرية دون الأربعين. # وإن كان في كل واحد منهما دون الأربعين، لم يجز إقامة الجمعة في واحد ~~منهما. ### | [فصل من تجب عليه الجمعة لا يجوز له السفر بعد دخول وقتها] # (1386) فصل: ومن تجب عليه الجمعة لا يجوز له السفر بعد دخول وقتها. وبه ~~قال الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة يجوز. # وسئل الأوزاعي عن مسافر يسمع أذان الجمعة، وقد أسرج دابته، فقال: ليمض في ~~سفره؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قال: الجمعة لا تحبس عن سفر. ولنا، ما روى ~~ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من سافر من دار إقامة ~~يوم الجمعة دعت عليه الملائكة، لا يصحب في سفره، ولا يعان على حاجته» رواه ~~الدارقطني في الأفراد. # PageV02P268 # وهذا وعيد لا يلحق بالمباح. # ولأن الجمعة قد وجبت عليه، فلم يجز له الاشتغال بما يمنع منها، كاللهو، ~~والتجارة، وما روي عن عمر، فقد روي عن ابنه وعائشة، أخبار تدل على كراهية ~~السفر يوم الجمعة، فتعارض قوله، ثم نحمله على السفر قبل الوقت. (1387) فصل: ~~وإن سافر قبل الوقت، فذكر أبو الخطاب فيه ثلاث روايات: إحداها، المنع لحديث ~~ابن عمر. والثانية، الجواز: وهو قول الحسن، وابن سيرين، وأكثر أهل العلم، ~~لقول عمر، ولأن الجمعة لم تجب، فلم يحرم السفر كالليل. # والثالثة، يباح للجهاد دون غيره. وهذا الذي ذكره القاضي؛ لما روى ابن ~~عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجه زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي ~~طالب، وعبد الله بن رواحة في جيش مؤتة، فتخلف عبد الله، فرآه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: ما خلفك؟ قال: الجمعة. فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: لروحة في سبيل الله أو قال: غدوة، خير من الدنيا وما فيها. قال: ~~فراح منطلقا.» رواه الإمام أحمد، في " المسند ". # والأولى الجواز مطلقا؛ لأن ذمته ms0869 بريئة من الجمعة فلم يمنعه إمكان وجوبها ~~عليه كما قبل يومها. وذكر أبو الخطاب أن الوقت الذي يمنع السفر، ويختلف ~~فيما قبله، زوال الشمس. ولم يفرق القاضي بين ما قبل الزوال وما بعده. ولعله ~~بنى على أن وقتها وقت العيد، ووجه قول أبي الخطاب على أن تقديمها رخصة على ~~خلاف الأصل، فلم يتعلق به حكم المنع، كتقديم الآخرة من المجموعتين إلى وقت ~~الأولى. # (1388) فصل: وإن خاف المسافر فوات رفقته، جاز له ترك الجمعة؛ لأن ذلك من ~~الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة، وسواء كان في بلده فأراد إنشاء السفر، أو ~~في غيره. ### | [فصل إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين وإن شاء صلى أربعا] # (1389) فصل: قال أحمد: إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين، وإن شاء صلى أربعا، ~~وفي رواية: وإن شاء ستا، وكان ابن مسعود، والنخعي، وأصحاب الرأي يرون أن ~~يصلي بعدها أربعا؛ لما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا» . رواه مسلم. # وعن علي، وأبي موسى، وعطاء، ومجاهد، وحميد بن عبد الرحمن، والثوري، أنه ~~يصلي ستا، لما روي «عن ابن عمر: أنه كان إذا كان بمكة، فصلى الجمعة، تقدم ~~فصلى ركعتين، ثم تقدم فصلى # PageV02P269 # أربعا، وإذا كان في المدينة صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين، ~~ولم يصل في المسجد، فقيل له، فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يفعل ذلك» . رواه أبو داود. # ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك كله، بدليل ما روي من ~~الأخبار، وروي عن ابن عمر، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ~~بعد الجمعة ركعتين.» متفق عليه. وفي لفظ لمسلم: وكان لا يصلي في المسجد حتى ~~ينصرف، فيصلي ركعتين في بيته. وهذا يدل على أنه مهما فعل من ذلك كان حسنا: ~~قال أحمد، في رواية عبيد الله: ولو صلى مع الإمام ثم لم يصل شيئا حتى صلى ~~العصر، كان جائزا. # قد فعله عمران بن حصين. وقال، ms0870 في رواية أبي داود: يعجبني أن يصلي. يعني ~~بعد الجمعة. ### | [فصل الصلاة قبل الجمعة] # (1390) فصل: فأما الصلاة قبل الجمعة، فلا أعلم فيه إلا ما روي «، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يركع من قبل الجمعة أربعا» . أخرجه ابن ~~ماجه. وروى عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه، قال: كنت ألقى أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فإذا زالت الشمس قاموا فصلوا أربعا. # قال أبو بكر: كنا نكون مع حبيب بن أبي ثابت في الجمعة، فيقول: أزالت ~~الشمس بعد؟ ويلتفت وينظر فإذا زالت الشمس، صلى الأربع التي قبل الجمعة. # وعن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، أنه كان يصلي قبل الجمعة أربع ~~ركعات، وبعدها أربع ركعات. رواه سعيد. # (1391) فصل: ويستحب لمن أراد الركوع يوم الجمعة أن يفصل بينها وبينه ~~بكلام، أو انتقال من مكانه، أو خروج إلى منزله؛ لما روى السائب بن يزيد ابن ~~أخت النمر، قال: «صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت ~~في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت ~~الجمعة فلا تصلها بصلاة، حتى تتكلم أو تخرج، فإن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أمرنا بذلك، أن لا نوصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج» . أخرجه مسلم. # وعن نافع، أن ابن عمر رأى رجلا يصلي يوم الجمعة ركعتين، فدفعه، وقال: ~~أتصلي الجمعة أربعا؟ «وكان عبد الله يصلي يوم الجمعة ركعتين في بيته، ~~ويقول: هكذا فعل رسول الله. - صلى الله عليه وسلم -» ### | [فصل إذا كانوا يقرءون الكتاب يوم الجمعة على الناس بعد الصلاة] # (1392) فصل: قال أحمد: إذا كانوا يقرءون الكتاب يوم الجمعة على الناس بعد ~~الصلاة، أعجب إلي أن يسمع إذا كان فتحا من فتوح المسلمين، أو كان فيه شيء ~~من أمور المسلمين فليستمع، وإن كان شيئا إنما فيه ذكرهم فلا يستمع. وقال في ~~الذين يصلون في الطرقات: إذا لم يكن بينهم باب مغلق فلا بأس. # وسئل # PageV02P270 # عن رجل يصلي خارجا من المسجد يوم الجمعة، وأبواب المسجد مغلقة، ms0871 قال: أرجو ~~أن لا يكون به بأس. وسئل عن الرجل يصلي يوم الجمعة وبينه وبين الإمام سترة. ~~قال: إذا لم يكن يقدر على غير ذلك. وقال: إذا دخلوا يوم الجمعة في دار في ~~الرحبة، فأغلقوا عليهم الباب، فلم يقدروا أن يخرجوا، وكانوا يسمعون ~~التكبير، فإن كان الباب مفتوحا ويرون الناس، كان جائزا، ويعيدون الصلاة إذا ~~كان مغلقا؛ لأن هؤلاء لم يكونوا مع صلاة الإمام. # وهذا، والله أعلم، لأنهم إذا كانوا في دار ولم يروا الإمام، كانوا ~~متحيزين عن الجماعة، فإذا اتفق مع ذلك عدم الرؤية، لم يصح. وأما إن كانوا ~~في الرحبة أو الطريق، فليس بينهم إلا باب المسجد، ويسمعون حس الجماعة، ولم ~~يفت إلا الرؤية، فلم يمنع من الاقتداء. ### | [فصل ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة] # (1393) فصل: ويستحب أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة " الم " و " هل أتى ~~على الإنسان " نص عليه أحمد؛ لما روى ابن عباس، وأبو هريرة، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ألم تنزيل وهل أتى ~~على الإنسان حين من الدهر» رواهما مسلم. قال أحمد، - رحمه الله -: ولا أحب ~~أن يداوم عليها، لئلا يظن الناس أنها مفضلة بسجدة. # ويحتمل أن يستحب المداومة عليها؛ لأن لفظ الخبر يدل عليها، وكان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا عمل عملا أثبته، ودام عليه، وكان عمله ديمة. # PageV02P271 ### | [باب صلاة العيدين] # . الأصل في صلاة العيد الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله ~~تعالى: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] . المشهور في التفسير أن المراد بذلك ~~صلاة العيد. وأما السنة فثبت بالتواتر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يصلي صلاة العيدين. قال ابن عباس: «شهدت صلاة الفطر مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، فكلهم يصليها قبل الخطبة.» وعنه «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العيد بغير أذان ولا إقامة» . متفق ~~عليهما. # وأجمع المسلمون على صلاة العيدين. وصلاة العيد فرض على الكفاية، في ظاهر ~~المذهب، إذا قام بها من ms0872 يكفي سقطت عن الباقين، وإن اتفق أهل بلد على تركها ~~قاتلهم الإمام. وبه قال بعض أصحاب الشافعي. # وقال أبو حنيفة: هي واجبة على الأعيان، وليست فرضا، لأنها صلاة شرعت لها ~~الخطبة، فكانت واجبة على الأعيان، وليست فرضا. كالجمعة. وقال ابن أبي موسى: ~~قيل إنها سنة مؤكدة غير واجبة. وبه قال مالك، وأكثر أصحاب الشافعي؛ «لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي حين ذكر خمس صلوات قال: هل علي ~~غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع.» وقوله - عليه السلام -: «خمس صلوات كتبهن ~~الله على العبد.» الحديث. # ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود لم يشرع لها أذان، فلم تجب ابتداء بالشرع، ~~كصلاة الاستسقاء والكسوف. ثم اختلفوا، فقال بعضهم: إذا امتنع جميع الناس من ~~فعلها قاتلهم الإمام عليها. وقال بعضهم: لا يقاتلهم. ولنا، على أنها لا تجب ~~على الأعيان أنها لا يشرع لها الأذان، فلم تجب على الأعيان، كصلاة الجنازة، ~~ولأن الخبر الذي ذكره مالك ومن وافقه يقتضي نفي وجوب صلاة سوى الخمس، وإنما ~~خولف بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن صلى معه، فيختص بمن كان مثلهم، ~~ولأنها لو وجبت على الأعيان لوجبت خطبتها، ووجب استماعها كالجمعة. # ولنا، على وجوبها في الجملة، أمر الله تعالى بها، بقوله {فصل لربك وانحر} ~~[الكوثر: 2] والأمر يقتضي الوجوب، ومداومة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على فعلها، وهذا دليل الوجوب. ولأنها من أعلام الدين الظاهرة، فكانت واجبة ~~كالجمعة، ولأنها لو لم تجب لم يجب قتال تاركيها، كسائر السنن، يحققه أن ~~القتال عقوبة لا تتوجه إلى تارك مندوب كالقتل والضرب. فأما حديث الأعرابي ~~فلا حجة لهم فيه؛ لأن الأعراب لا تلزمهم الجمعة، لعدم الاستيطان، فالعيد ~~أولى. # والحديث الآخر مخصوص بما ذكرناه، على أنه إنما صرح بوجوب الخمس، وخصها ~~بالذكر، لتأكيدها ووجوبها على الأعيان، # PageV02P272 # ووجوبها على الدوام، وتكررها في كل يوم وليلة، وغيرها يجب نادرا ولعارض، ~~كصلاة الجنازة والمنذورة والصلاة المختلف فيها، فلم يذكرها، وقياسهم لا ~~يصح؛ لأن كونها ذات ركوع وسجود لا أثر له، بدليل أن النوافل كلها فيها ms0873 ركوع ~~وسجود، وهي غير واجبة، فيجب حذف هذا الوصف، لعدم أثره، ثم ينقض قياسهم ~~بصلاة الجنازة، وينتقض على كل حال بالمنذورة. ### | [مسألة إظهار التكبير في ليالي العيدين] # مسألة: قال (ويظهرون التكبير في ليالي العيدين، وهو في الفطر آكد، لقول ~~الله تعالى {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} ~~[البقرة: 185] وجملته أنه يستحب للناس إظهار التكبير في ليلتي العيدين في ~~مساجدهم ومنازلهم وطرقهم، مسافرين كانوا أو مقيمين، لظاهر الآية المذكورة. ~~قال بعض أهل العلم في تفسيرها: لتكملوا عدة رمضان، ولتكبروا الله عند ~~إكماله على ما هداكم. # ومعنى إظهار التكبير رفع الصوت به، واستحب ذلك لما فيه من إظهار شعائر ~~الإسلام، وتذكير الغير، وكان ابن عمر يكبر في قبته بمنى، يسمعه أهل المسجد ~~فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق، حتى ترتج منى تكبيرا. قال أحمد: كان ابن عمر ~~يكبر في العيدين جميعا، ويعجبنا ذلك. # واختص الفطر بمزيد تأكيد؛ لورود النص فيه، وليس التكبير واجبا. وقال ~~داود: هو واجب في الفطر؛ لظاهر الآية. ولنا، أنه تكبير في عيد، فأشبه تكبير ~~الأضحى، ولأن الأصل عدم الوجوب، ولم يرد من الشرع إيجابه، فيبقى على الأصل، ~~والآية ليس فيها أمر، إنما أخبر الله تعالى عن إرادته، فقال: {يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} ~~[البقرة: 185] (1395) فصل: ويستحب أن يكبر في طريق العيد، ويجهر بالتكبير. # قال ابن أبي موسى: يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهرا، ~~حتى يأتي الإمام المصلى، ويكبر الناس بتكبير الإمام في خطبته، وينصتون فيما ~~سوى ذلك. # قال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، ~~عن ابن عمر أنه كان إذا خرج من بيته إلى العيد كبر حتى يأتي المصلى. وروي ~~ذلك عن سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، واختلف فيه عن إبراهيم ~~(1396) فصل: قال القاضي: التكبير في الأضحى مطلق ومقيد؛ فالمقيد عقيب ~~الصلوات. # والمطلق في كل حال في الأسواق، وفي كل زمان. وأما الفطر فمسنونه ms0874 مطلق غير ~~مقيد، على ظاهر كلام أحمد. # PageV02P273 # وهو ظاهر كلام الخرقي. وقال أبو الخطاب: يكبر من غروب الشمس من ليلة ~~الفطر إلى خروج الإمام إلى الصلاة، في إحدى الروايتين. وهو قول الشافعي. ~~وفي الأخرى إلى فراغ الإمام من الصلاة. ### | [مسألة يستحب أن يتطهر بالغسل للعيد] # (1397) مسألة: قال: (فإذا أصبحوا تطهروا) وجملته أنه يستحب أن يتطهر ~~بالغسل للعيد، وكان ابن عمر يغتسل يوم الفطر، وروي ذلك عن علي - رضي الله ~~عنه - وبه قال علقمة، وعروة، وعطاء، والنخعي، والشعبي، وقتادة، وأبو ~~الزناد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر لما روى ابن عباس، والفاكه بن سعد «، ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل يوم الفطر والأضحى» . # وروي أيضا «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في جمعة من الجمع: إن ~~هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين، فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن ~~يمس منه، وعليكم بالسواك.» رواه ابن ماجه. # فعلى هذه الأشياء تكون الجمعة عيدا. # ولأنه يوم يجتمع الناس فيه للصلاة، فاستحب الغسل فيه، كيوم الجمعة، وإن ~~اقتصر على الوضوء أجزأه؛ لأنه إذا لم يجب الغسل للجمعة مع الأمر به فيها، ~~فغيرها أولى (1398) فصل: ويستحب أن يتنظف، ويلبس أحسن ما يجد، ويتطيب، ~~ويتسوك، كما ذكرنا في الجمعة لما ذكرنا من الحديث. # وقال عبد الله بن عمر: «وجد عمر حلة من إستبرق في السوق، فأخذها، فأتى ~~بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ابتع هذه تتجمل بها ~~في العيدين والوفد. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هذه لباس من لا ~~خلاق لهم» متفق عليه. وهذا يدل على أن التجمل عندهم في هذه المواضع كان ~~مشهورا. # وروى ابن عبد البر، بإسناده عن جابر، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يقيم ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة» بإسناده عن ابن عباس، ~~قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس في العيدين برد حبرة» . # وبإسناده عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما على ~~أحدكم ms0875 أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته وعيده.» وقال مالك: سمعت أهل ~~العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد، والإمام بذلك أحق، لأنه المنظور ~~إليه من بينهم إلا أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه، ليبقى عليه ~~أثر العبادة والنسك. # وقال أحمد، في رواية المروذي: طاوس كان يأمر بزينة الثياب وعطاء قال: هو ~~يوم التخشع. وأستحسنهما جميعا. وذكر استحباب خروجه في ثياب اعتكافه في غير ~~هذا الموضع. # PageV02P274 # (1399) # فصل: ووقت الغسل بعد طلوع الفجر في ظاهر كلام الخرقي، لقوله: " فإذا ~~أصبحوا تطهروا ". # قال القاضي، والآمدي: إن اغتسل قبل الفجر لم يصب سنة الاغتسال؛ لأنه غسل ~~الصلاة في اليوم فلم يجز قبل الفجر كغسل الجمعة. وقال ابن عقيل: المنصوص عن ~~أحمد أنه قبل الفجر وبعده؛ لأن زمن العيد أضيق من وقت الجمعة، فلو وقف على ~~الفجر ربما فات، ولأن المقصود منه التنظيف، وذلك يحصل بالغسل في الليل ~~لقربه من الصلاة، والأفضل أن يكون بعد الفجر، ليخرج من الخلاف، ويكون أبلغ ~~في النظافة، لقربه من الصلاة. # وقول الخرقي: " تطهروا " لم يخص به الغسل، بل هو ظاهر في الوضوء، وهو غير ~~مختص بما بعد الفجر. ### | [مسألة السنة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي] # (1400) مسألة: قال: (وأكلوا إن كان فطرا) السنة أن يأكل في الفطر قبل ~~الصلاة، ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي. وهذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم علي، ~~وابن عباس، ومالك والشافعي وغيرهم، لا نعلم فيه خلافا قال: أنس: «كان النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات» . رواه البخاري. ~~وفي رواية استشهد بها: " ويأكلهن وترا ". # وروي عن بريدة، قال «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج يوم الفطر ~~حتى يفطر، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي» . رواه الأثرم، والترمذي، ولفظ ~~رواية الأثرم: " حتى يضحي ". # ولأن يوم الفطر يوم حرم فيه الصيام عقيب وجوبه، فاستحب تعجيل الفطر ~~لإظهار المبادرة إلى طاعة الله تعالى، وامتثال أمره في الفطر على خلاف ~~العادة، ms0876 والأضحى بخلافه. # ولأن في الأضحى شرع الأضحية والأكل منها، فاستحب أن يكون فطره على شيء ~~منها. قال أحمد: والأضحى لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أكل من ذبيحته، وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل. # (1401) فصل: والمستحب أن يفطر على التمر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يفطر عليه، ويأكلهن وترا، لقول أنس: يأكلهن وترا؛ ولأن الله تعالى ~~وتر يحب الوتر، ولأن الصائم يستحب له الفطر كذلك. ### | [مسألة السنة أن يصلي العيد في المصلى] # (1402) مسألة: قال: (ثم غدوا إلى المصلى، مظهرين للتكبير) السنة أن يصلي ~~العيد في المصلى، أمر بذلك علي - رضي الله عنه -. واستحسنه الأوزاعي، ~~وأصحاب الرأي. وهو قول ابن المنذر. # وحكي عن الشافعي: إن كان مسجد البلد واسعا، فالصلاة فيه أولى؛ لأنه خير ~~البقاع وأطهرها، ولذلك يصلي أهل مكة في المسجد الحرام. # PageV02P275 # ولنا «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج إلى المصلى ويدع ~~مسجده» ، وكذلك الخلفاء بعده، ولا يترك النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الأفضل مع قربه، ويتكلف فعل الناقص مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل، ~~ولأننا قد أمرنا باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به، ولا ~~يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص، والمنهي عنه هو الكامل، ولم ينقل عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى العيد بمسجده إلا من عذر، ولأن هذا ~~إجماع المسلمين. # فإن الناس في كل عصر ومصر يخرجون إلى المصلى، فيصلون العيد في المصلى، مع ~~سعة المسجد وضيقه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في المصلى مع ~~شرف مسجده، وصلاة النفل في البيت أفضل منها في المسجد مع شرفه، وروينا عن ~~علي - رضي الله عنه - أنه قيل له: قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس وعميانهم ~~فلو صليت بهم في المسجد؟ فقال: أخالف السنة إذا، ولكن نخرج إلى المصلى، ~~وأستخلف من يصلي بهم في المسجد أربعا. ### | [فصل يستحب للإمام إذا خرج أن يخلف من يصلي بضعفة الناس ms0877 في المسجد] # (1403) فصل: ويستحب للإمام إذا خرج أن يخلف من يصلي بضعفة الناس في ~~المسجد كما فعل علي - رضي الله عنه - فروى هزيل بن شرحبيل، قال: قيل لعلي - ~~رضي الله عنه - لو أمرت رجلا يصلي بضعفة الناس هونا في المسجد الأكبر؟ قال: ~~إن أمرت رجلا يصلي أمرته أن يصلي لهم أربعا. رواه سعيد. وروي أنه استخلف ~~أبا مسعود، فصلى بهم في المسجد. # (1404) فصل: وإن كان عذر يمنع الخروج، من مطر، أو خوف، أو غيره، صلوا في ~~الجامع، كما روى أبو هريرة، أنه «أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى بهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - صلاة العيد في المسجد.» رواه أبو داود، وابن ماجه. ### | [فصل يستحب التبكير إلى العيد بعد صلاة الصبح إلا الإمام] # (1405) فصل: يستحب التبكير إلى العيد بعد صلاة الصبح إلا الإمام فإنه ~~يتأخر إلى وقت الصلاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل كذلك. ~~قال أبو سعيد: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج يوم الفطر والأضحى ~~إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة» . رواه مسلم. ولأن الإمام ينتظر ولا ~~ينتظر، ولو جاء إلى المصلى وقعد في مكان مستتر عن الناس، فلا بأس. قال ~~مالك: مضت السنة أن يخرج الإمام من منزله قدر ما يبلغ مصلاه، وقد حلت ~~الصلاة، فأما غيره فيستحب له التبكير، والدنو من الإمام. # PageV02P276 # ليحصل له أجر التبكير، وانتظار الصلاة والدنو من الإمام من غير تخطي رقاب ~~الناس، ولا أذى أحد. # قال عطاء بن السائب: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن معقل ~~يصليان الفجر يوم العيد، وعليهما ثيابهما، ثم يتدافعان إلى الجبانة، أحدهما ~~يكبر، والآخر يهلل وروي عن ابن عمر: أنه كان لا يخرج حتى تخرج الشمس. ### | [فصل يستحب أن يخرج إلى العيد ماشيا وعليه السكينة والوقار] # (1406) فصل: ويستحب أن يخرج إلى العيد ماشيا، وعليه السكينة والوقار، كما ~~ذكرنا في الجمعة. وممن استحب المشي عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري ~~والشافعي، وغيرهم؛ لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ms0878 يركب في ~~عيد ولا جنازة» . # وروى ابن عمر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج إلى العيد ~~ماشيا، ويرجع ماشيا» . رواه ابن ماجه. وقال علي - رضي الله عنه -: من السنة ~~أن يأتي العيد ماشيا. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن وإن كان له عذر، وكان ~~مكانه بعيدا فركب، فلا بأس. قال أحمد: - رحمه الله - نحن نمشي ومكاننا ~~قريب، وإن بعد ذلك عليه فلا بأس أن يركب. # قال: حدثنا سعيد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء بن زبير، ~~أنه سمع عمر بن عبد العزيز على المنبر يوم الجمعة يقول: إن الفطر غدا، ~~فامشوا إلى مصلاكم، فإن ذلك كان يفعل، ومن كان من أهل القرى فليركب، فإذا ~~جاء المدينة فليمش إلى المصلى. # (1407) فصل: ويكبر في طريق العيد، ويرفع صوته بالتكبير، وهو معنى قول ~~الخرقي: " مظهرين للتكبير ". قال أحمد: يكبر جهرا إذا خرج من بيته حتى يأتي ~~المصلى. روي ذلك عن علي وابن عمر، وأبي أمامة، وأبي رهم، وناس من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وأبان بن ~~عثمان وأبي بكر بن محمد. # وفعله النخعي، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وبه قال الحكم، ~~وحماد، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: يكبر يوم ~~الأضحى، ولا يكبر يوم الفطر؛ لأن ابن عباس سمع التكبير يوم الفطر، فقال: ما ~~شأن الناس؟ فقيل: يكبرون. فقال: أمجانين الناس؟ وقال إبراهيم: إنما يفعل ~~ذلك الحواكون. # PageV02P277 # ولنا، أنه فعل من ذكرنا من الصحابة - رضي الله عنهم -، وقولهم. قال نافع: ~~كان ابن عمر يكبر يوم العيد في الأضحى والفطر، ويكبر ويرفع صوته. وقال أبو ~~جميلة: رأيت عليا، - رضي الله عنه - خرج يوم العيد، فلم يزل يكبر حتى انتهى ~~إلى الجبانة. فأما ابن عباس فكان يقول: يكبرون مع الإمام، ولا يكبرون ~~وحدهم. وهذا خلاف مذهبهم. # وإذا ثبت هذا فإنه يكبر حتى يأتي المصلى؛ لما ذكرنا عن علي - رضي الله ~~عنه - وغيره. قال الأثرم: قيل لأبي عبد ms0879 الله في الجهر بالتكبير حتى يأتي ~~المصلى، أو حتى يخرج الإمام؟ قال: حتى يأتي المصلى. وقال القاضي: فيه رواية ~~أخرى: حتى يخرج الإمام. ### | [فصل خروج النساء يوم العيد إلى المصلى] # (1408) فصل: ولا بأس بخروج النساء يوم العيد إلى المصلى. وقال ابن حامد: ~~يستحب ذلك. وقد روي عن أبي بكر، وعلي - رضي الله عنهما -، أنهما قالا: حق ~~على كل ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين. وكان ابن عمر يخرج من استطاع من أهله ~~في العيدين. # وروت أم عطية، قالت: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخرجهن ~~في الفطر والأضحى: العواتق، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ~~ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله: إحدانا لا يكون لها ~~جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها» . متفق عليه. وهذا لفظ رواية مسلم ~~ولفظ رواية البخاري، قالت: «كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من ~~خدرها، وحتى يخرج الحيض فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، ~~يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته» . # وعن أم عطية، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع نساء الأنصار في ~~بيت، فأرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب، فسلم، فرددنا عليه، فقال: ~~أنا رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليكن، وأمرنا بالعيدين أن نخرج ~~فيهما الحيض والعتق، ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنائز» . رواه. أبو ~~داود. # وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أن ذلك جائز غير مستحب. # وكرهه النخعي، ويحيى الأنصاري، وقالا: لا نعرف خروج المرأة في العيدين ~~عندنا. وكرهه سفيان، وابن المبارك ورخص أهل الرأي للمرأة الكبيرة، وكرهوه ~~للشابة؛ لما في خروجهن من الفتنة، وقول # PageV02P278 # عائشة - رضي الله عنها - لو رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ~~أحدث النساء لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل. وسنة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع. # وقول عائشة مختص بمن أحدثت دون غيرها، ولا شك بأن تلك يكره لها الخروج ~~وإنما يستحب لهن الخروج غير متطيبات ولا يلبسن ثوب شهرة ولا ms0880 زينة، ولا ~~يخرجن في ثياب البذلة؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وليخرجن ~~تفلات» . ولا يخالطن الرجال، بل يكن ناحية منهم. ### | [مسألة صلاة العيد مع الإمام ركعتان] # (1409) مسألة: قال: (فإذا حلت الصلاة، تقدم الإمام فصلى بهم ركعتين) لا ~~خلاف بين أهل العلم في أن صلاة العيد مع الإمام ركعتان، وفيما تواتر عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى العيد ركعتين، وفعله الأئمة بعده إلى ~~عصرنا، لم نعلم أحدا فعل غير ذلك، ولا خالف فيه. # وقد قال عمر - رضي الله عنه -: صلاة العيد ركعتان، تمام غير قصر على لسان ~~نبيكم - صلى الله عليه وسلم - وقد خاب من افترى وقوله: " حلت الصلاة " ~~يحتمل معنيين: أحدهما، أن معناه إذا دخل وقتها، والصلاة هاهنا صلاة العيد، ~~وحلت من الحلول كقولهم: حل الدين. إذا جاء أجله. # والثاني، معناه إذا أبيحت الصلاة. يعني النافلة، ومعناه إذا خرج وقت ~~النهي، وهو إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، وحلت من الحل وهو الإباحة، كقول الله ~~تعالى: {ويحل لهم الطيبات} [الأعراف: 157] . وهذا المعنى أحسن، لأن فيه ~~تفسيرا لوقتها، وتعريفا له بالوقت الذي عرف في مكان آخر. # وعلى القول الأول ليس فيه بيان، لوقتها، فعلى هذا يكون وقتها من حين ~~ترتفع الشمس قيد رمح، إلى أن يقوم قائم الظهيرة، وذلك ما بين وقتي النهي عن ~~صلاة النافلة. وقال أصحاب الشافعي: أول وقتها إذا طلعت الشمس؛ لما روى يزيد ~~بن خمير، قال: خرج عبد الله بن بسر، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا قد فرغنا ~~ساعتنا هذه، وذلك حين صلاة التسبيح. # رواه أبو داود، وابن ماجه. # PageV02P279 # ولنا، ما روى عقبة بن عامر قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا؛ حين تطلع الشمس ~~بازغة حتى ترتفع» . # ولأنه وقت نهي عن الصلاة فيه، فلم يكن وقتا للعيد، كقبل طلوع الشمس، ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده ms0881 لم يصلوا حتى ارتفعت الشمس، بدليل ~~الإجماع على أن الأفضل فعلها في ذلك الوقت، ولم يكن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يفعل إلا الأفضل والأولى، ولو كان لها وقت قبل ذلك، لكان تقييده ~~بطلوع الشمس تحكما بغير نص ولا معنى نص، ولا يجوز التوقيت بالتحكم. # وأما حديث عبد الله بن بسر، فإنه أنكر إبطاء الإمام عن وقتها المجمع ~~عليه، فإنه لو حمل على غير هذا لم يكن ذلك إبطاء، ولا جاز إنكاره، ولا يجوز ~~أن يحمل ذلك على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك في وقت ~~النهي؛ لأنه مكروه بالاتفاق على أن الأفضل خلافه، ولم يكن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ليداوم على المكروه ولا المفضول، ولو كان يداوم على الصلاة ~~فيه، لوجب أن يكون هو الأفضل والأولى، فتعين حمله على ما ذكرنا. # (1410) فصل: ويسن تقديم الأضحى؛ ليتسع وقت التضحية، وتأخير الفطر؛ ليتسع ~~وقت إخراج صدقة الفطر. وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا. وقد روي «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى عمرو بن حزم: أن أخر صلاة الفطر، ~~وعجل صلاة الأضحى» . ولأن لكل عيد وظيفة، فوظيفة الفطر إخراج الفطرة، ~~ووقتها قبل الصلاة، ووظيفة الأضحى التضحية، ووقتها بعد الصلاة وفي تأخير ~~الفطر وتقديم الأضحى توسيع لوظيفة كل منهما. ### | [مسألة لا أذان ولا إقامة لصلاة العيد] # (1411) مسألة: قال: (بلا أذان ولا إقامة) ولا نعلم في هذا خلافا ممن يعتد ~~بخلافه، إلا أنه روي عن ابن الزبير أنه أذن وأقام. وقيل: أول من أذن في ~~العيد ابن زياد. وهذا دليل على انعقاد الإجماع قبله، على أنه لا يسن لها ~~أذان ولا إقامة. # وبه يقول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقد ثبت أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العيد بلا أذان ولا إقامة، فروى ابن عباس، ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العيدين بغير أذان ولا إقامة» . وعن ~~جابر مثله. متفق عليهما. وقال جابر بن سمرة: «صليت مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - العيد ms0882 غير مرة ولا مرتين، بلا أذان ولا إقامة» . رواه مسلم. # وعن عطاء، قال: أخبرني جابر # PageV02P280 # أن لا أذان يوم الفطر حين يخرج الإمام، ولا بعد ما يخرج الإمام، ولا ~~إقامة، ولا نداء ولا شيء، لا نداء يومئذ ولا إقامة. رواه مسلم. وقال بعض ~~أصحابنا: ينادى لها: الصلاة جامعة. وهو قول الشافعي. # وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع. (1412) مسألة: قال: ~~(ويقرأ في كل ركعة منها ب " الحمد لله " وسورة، ويجهر بالقراءة) لا نعلم ~~خلافا بين أهل العلم في أنه يشرع قراءة الفاتحة وسورة في كل ركعة من صلاة ~~العيد، وأنه يسن الجهر، إلا أنه روي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان إذا ~~قرأ في العيدين أسمع من يليه، ولم يجهر ذلك الجهر. # وقال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون الجهر بالقراءة، وفي إخبار من أخبر ~~بقراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل على أنه كان يجهر، ولأنها صلاة ~~عيد، فأشبهت الجمعة. ويستحب أن يقرأ في الأولى ب (سبح) ، وفي الثانية ~~بالغاشية. # نص عليه أحمد؛ لأن النعمان بن بشير، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقرأ في العيدين وفي الجمعة ب سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث ~~الغاشية. وربما اجتمعا في يوم واحد، فقرأ بهما» . رواه مسلم. وقال الشافعي: ~~يقرأ ب (ق) و (اقتربت الساعة) . # لما روي «أن عمر سأل أبا واقد الليثي: ماذا كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقرأ به في الفطر والأضحى؟ فقال: كان يقرأ ب ق والقرءان ~~المجيد، واقتربت الساعة وانشق القمر» . رواه مسلم. وقال أبو حنيفة: ليس فيه ~~شيء يوقت وكان ابن مسعود يقرأ بالفاتحة وسورة من المفصل. ومهما قرأ به ~~أجزأه، وكان حسنا، إلا أن الأول أحسن؛ لأن عمر، - رضي الله عنه - عمل به، ~~وكان ذلك مذهبه، ولأن في (سبح) الحث على الصلاة، وزكاة الفطر. # على ما قاله سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، في تفسير قوله تعالى: ~~{قد أفلح من تزكى} [الأعلى: 14] {وذكر اسم ربه ms0883 فصلى} [الأعلى: 15] فاختصت ~~الفضيلة بها، كاختصاص الجمعة بسورتها. (1413) # فصل: وتكون القراءة بعد التكبير في الركعتين. نص عليه أحمد. وروي ذلك عن ~~أبي هريرة، وفقهاء المدينة السبعة وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، ~~والشافعي، والليث. # وقد روي عن أحمد أنه يوالي بين القراءتين. ومعناه أنه يكبر في الأولى قبل ~~القراءة، وفي الثانية بعدها. اختارها أبو بكر. # PageV02P281 # وروي ذلك عن ابن مسعود، وحذيفة، وأبي موسى، وأبي مسعود البدري والحسن، ~~وابن سيرين، والثوري وهو قول أصحاب الرأي؛ لما روي عن أبي موسى، قال: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر تكبيره على الجنازة. ويوالي بين ~~القراءتين» . رواه أبو داود. # وروى أبو عائشة، جليس لأبي هريرة «، أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى ~~وحذيفة: كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر في الأضحى والفطر؟ ~~فقال أبو موسى: كان يكبر أربعا تكبيره على الجنازة. فقال حذيفة: صدق» . # ولنا، ما روى كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كبر في العيدين، في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الثانية خمسا ~~قبل القراءة» . رواه الأثرم، وابن ماجه، والترمذي، وقال: هو حديث حسن، وهو ~~أحسن حديث في الباب. # وعن عائشة، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في العيدين ~~سبعا وخمسا قبل القراءة» . رواه أحمد، في " المسند ". وعن عبد الله بن عمرو ~~قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «التكبير في الفطر سبع في الأولى، ~~وخمس في الأخيرة، والقراءة بعدهما كليهما» . رواه أبو داود، والأثرم، ورواه ~~ابن ماجه عن سعد مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك. وحديث أبي ~~موسى ضعيف. قاله الخطابي # وليس في رواية أبي داود أنه والى بين القراءتين، ثم نحمله على أنه والى ~~بين الفاتحة والسورة، لأن قراءة الركعتين لا يمكن الموالاة بينهما؛ لما ~~بينهما من الركوع والسجود. ### | [مسألة يكبر في الأولى سبع تكبيرات منها تكبيرة الافتتاح] # مسألة: قال: (ويكبر في الأولى سبع تكبيرات، منها تكبيرة الافتتاح) قال: ~~أبو عبد الله: يكبر ms0884 في الأولى سبعا مع تكبيرة الإحرام، ولا يعتد بتكبيرة ~~الركوع؛ لأن بينهما قراءة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات، ولا يعتد ~~بتكبيرة النهوض، ثم يقرأ في الثانية، ثم يكبر ويركع. # وروي ذلك عن فقهاء المدينة السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، ~~والمزني، وروي عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، ويحيى ~~الأنصاري، قالوا: يكبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا. وبه قال الأوزاعي، ~~والشافعي، وإسحاق، إلا أنهم قالوا: يكبر سبعا في الأولى سوى تكبيرة ~~الافتتاح؛ لقول عائشة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر في ~~العيدين اثنتي عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح» . # وروي عن ابن عباس، وأنس، والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن المسيب، والنخعي: ~~يكبر سبعا سبعا: وقال أبو حنيفة والثوري: في الأولى والثانية ثلاثا ثلاثا. ~~واحتجوا بحديثي أبي موسى اللذين ذكرناهما. ولنا، أحاديث كثير، وعبد الله بن ~~عمرو، وعائشة، التي قدمناها. # قال ابن عبد البر: قد روي # PageV02P282 # عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن طرق كثيرة حسان «، أنه كبر في العيد ~~سبعا في الأولى، وخمسا في الثانية.» من حديث عبد الله بن عمرو، وابن عمر، ~~وجابر، وعائشة، وأبي واقد، وعمرو بن عوف المزني، ولم يرو عنه من وجه قوي ~~ولا ضعيف خلاف هذا، وهو أولى ما عمل به. وحديث عائشة المعروف عنها «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كبر في الفطر والأضحى سبعا وخمسا سوى تكبيرتي ~~الركوع» . رواه أبو داود، وابن ماجه. وحديث أبي موسى ضعيف، يرويه، أبو ~~عائشة جليس لأبي هريرة وهو غير معروف. # (1415) مسألة: قال: (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) وجملته أنه يستحب أن يرفع ~~يديه في حال تكبيره حسب رفعهما مع تكبيرة الإحرام. وبه قال عطاء، ~~والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي. # وقال مالك، والثوري: لا يرفعهما فيما عدا تكبيرة الإحرام؛ لأنها تكبيرات ~~في أثناء الصلاة؛ فأشبهت تكبيرات السجود. ولنا، ما روي «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يرفع يديه مع التكبير.» قال أحمد: أما أنا فأرى أن ~~هذا الحديث يدخل ms0885 فيه هذا كله. # وروي عن عمر، أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد. رواه ~~الأثرم. ولا يعرف له مخالف في الصحابة، ولا يشبه هذا تكبير السجود؛ لأن هذه ~~يقع طرفاها في حال القيام، فهي بمنزلة تكبيرة الافتتاح. ### | [مسألة كيفية صلاة العيد] # (1416) مسألة: قال: (ويستفتح في أولها، ويحمد الله ويثني عليه، ويصلي على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بين كل تكبيرتين، وإن أحب قال: الله أكبر ~~كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد ~~النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم وإن أحب قال غير ذلك. ويكبر في الثانية ~~خمس تكبيرات سوى التكبيرة التي يقوم بها من السجود، ويرفع يديه مع كل ~~تكبيرة) # قوله: " يستفتح ". يعني يدعو بدعاء الاستفتاح عقيب التكبيرة الأولى، ثم ~~يكبر تكبيرات العيد، ثم يتعوذ ثم يقرأ. وهذا مذهب الشافعي. وعن أحمد رواية ~~أخرى، أن الاستفتاح بعد التكبيرات. # اختارها الخلال وصاحبه. وهو قول الأوزاعي؛ لأن الاستفتاح تليه الاستعاذة، ~~وهي قبل القراءة. وقال أبو يوسف: يتعوذ قبل التكبير؛ لئلا يفصل بين ~~الاستفتاح والاستعاذة. ولنا، أن الاستفتاح شرع ليستفتح به الصلاة، فكان في ~~أولها كسائر الصلوات، والاستعاذة شرعت للقراءة، فهي تابعة لها، فتكون عند ~~الابتداء بها؛ لقول الله تعالى: # PageV02P283 # {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] . # وقد روى أبو سعيد «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ قبل ~~القراءة.» وإنما جمع بينهما في سائر الصلوات؛ لأن القراءة تلي الاستفتاح من ~~غير فاصل، فلزم أن يليه ما يكون في أولها، بخلاف مسألتنا، وأيا ما فعل كان ~~جائزا. # وإذا فرغ من الاستفتاح حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثم فعل هذا بين كل تكبيرتين، فإن قال ما ذكره الخرقي فحسن؛ ~~لأنه يجمع ما ذكرناه، وإن قال غيره نحو أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ~~ولا إله إلا الله، والله أكبر. أو ما شاء من الذكر، فجائز. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: يكبر متواليا، لا ms0886 ذكر بينه، ~~لأنه لو كان بينه ذكر مشروع لنقل، كما نقل التكبير، ولأنه ذكر من جنس ~~مسنون، فكان متواليا، كالتسبيح في الركوع والسجود. # ولنا، ما روى علقمة، أن عبد الله بن مسعود، وأبا موسى، وحذيفة، خرج عليهم ~~الوليد بن عقبة قبل العيد يوما، فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا، فكيف ~~التكبير فيه؟ فقال عبد الله تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ~~ربك، وتصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ~~ذلك، ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تدعو ~~وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر ~~وتركع، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك، وتصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ~~ذلك، ثم تركع. فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن. رواه الأثرم، في ~~" سننه " # ولأنها تكبيرات حال القيام فاستحب أن يتخللها ذكر، كتكبيرات الجنازة، ~~وتفارق التسبيح، لأنه ذكر يخفى ولا يظهر بخلاف التكبير. وقياسهم منتقض ~~بتكبيرات الجنازة. # قال القاضي: يقف بين كل تكبيرتين بقدر آية، لا طويلة ولا قصيرة. # وهذا قول الشافعي. (1417) فصل: والتكبيرات والذكر بينها سنة، وليس بواجب، ~~ولا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا، ولا أعلم فيه خلافا، فإن نسي ~~التكبير، وشرع في القراءة، لم يعد إليه. قاله ابن عقيل، وهو أحد قولي ~~الشافعي، لأنه سنة فلم يعد إليه بعد الشروع في القراءة، كالاستفتاح. وقال ~~القاضي: فيها وجه آخر، أنه يعود إلى التكبير. # وهو قول مالك، وأبي ثور، والقول الثاني للشافعي؛ لأنه ذكره في محله، ~~فيأتي به كما قبل الشروع في القراءة، وهذا لأن محله القيام، وقد ذكره فيه، ~~فعلى هذا يقطع القراءة ويكبر، ثم يستأنف القراءة، لأنه قطعها متعمدا بذكر ~~طويل. وإن كان المنسي شيئا يسيرا احتمل # PageV02P284 # أن يبني؛ لأنه لم يطل الفصل، أشبه ما لو قطعها بقول " آمين ". واحتمل أن ~~يبتدئ؛ لأن ms0887 محل التكبير قبل القراءة، ومحل القراءة بعده، فيستأنفها، ليأتي ~~بها بعده وإن ذكر التكبير بعد القراءة، فأتى به، لم يعد القراءة وجها ~~واحدا؛ لأنها وقعت موقعها. # وإن لم يذكره حتى ركع، سقط وجها واحدا، لأنه فات المحل. وكذلك المسبوق ~~إذا أدرك الركوع، لم يكبر فيه. وقال أبو حنيفة: يكبر فيه؛ لأنه بمنزلة ~~القيام، بدليل إدراك الركعة به. ولنا، أنه ذكر مسنون حال القيام، فلم يأت ~~به في الركوع، كالاستفتاح، وقراءة السورة، والقنوت عنده، وإنما أدرك الركعة ~~بإدراكه، لأنه أدرك معظمها، ولم يفته إلا القيام، وقد حصل منه ما يجزئ في ~~تكبيرة الإحرام. # فأما المسبوق إذا أدرك الإمام بعد تكبيره، فقال ابن عقيل: يكبر؛ لأنه ~~أدرك محله. ويحتمل أن لا يكبر؛ لأنه مأمور بالإنصات إلى قراءة الإمام. ~~ويحتمل أنه إن كان يسمع قراءة الإمام أنصت، وإن كان بعيدا كبر. (1418) فصل: ~~وإذا شك في عدد التكبيرات بنى على اليقين، فإن كبر ثم شك هل نوى الإحرام أو ~~لا، ابتدأ الصلاة هو ومن خلفه؛ لأن الأصل عدم النية، إلا أن يكون وسواسا، ~~فلا يلتفت إليه. # وسائر المسألة قد سبق شرحها. ### | [مسألة إذا سلم خطب بهم خطبتين يجلس بينهما] # (1419) مسألة: قال: (فإذا سلم خطب بهم خطبتين، يجلس بينهما، فإن كان فطرا ~~حضهم على الصدقة، وبين لهم ما يخرجون، وإن كان أضحى يرغبهم في الأضحية، ~~ويبين لهم ما يضحى به) وجملته أن خطبتي العيدين بعد الصلاة، لا نعلم فيه ~~خلافا بين المسلمين، إلا عن بني أمية. # وروي عن عثمان، وابن الزبير أنهما فعلاه، ولم يصح ذلك عنهما، ولا يعتد ~~بخلاف بني أمية؛ لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة، وقد أنكر عليهم فعلهم، وعد بدعة ~~ومخالفا للسنة، فإن ابن عمر قال: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا ~~بكر، وعمر، وعثمان، كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة» . متفق عليه. وروى ابن ~~عباس مثله. رواه مسلم. ورواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة، وروى ~~طارق بن شهاب قال: ms0888 قدم مروان الخطبة قبل الصلاة فقام رجل، فقال: خالفت ~~السنة، كانت الخطبة بعد الصلاة. فقال: ترك ذاك يا أبا فلان. فقام أبو سعيد، ~~فقال: أما هذا المتكلم فقد قضى ما عليه، قال لنا رسول الله: - صلى الله ~~عليه وسلم - «من رأى منكم منكرا فلينكره بيده، فمن لم يستطع فلينكره ~~بلسانه، فمن لم يستطع فلينكره بقلبه، وذلك أضعف الإيمان.» . رواه أبو داود ~~الطيالسي، # PageV02P285 # عن شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق. ورواه مسلم في صحيحه، ولفظه: " ~~فليغيره ". # فعلى هذا من خطب قبل الصلاة فهو كمن لم يخطب؛ لأنه خطب في غير محل ~~الخطبة، أشبه ما لو خطب في الجمعة بعد الصلاة. إذا ثبت هذا فإن صفة ~~الخطبتين كصفة خطبتي الجمعة، إلا أنه يستفتح الأولى بتسع تكبيرات متواليات، ~~والثانية بسبع متواليات. # قال القاضي: وإن أدخل بينهما تهليلا أو ذكرا فحسن. وقال سعيد: حدثنا ~~يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: ~~يكبر الإمام على المنبر يوم العيد قبل أن يخطب تسع تكبيرات، ثم يخطب، وفي ~~الثانية سبع تكبيرات، ويستحب أن يكثر التكبير في أضعاف خطبته. # وروى سعد مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يكبر بين أضعاف الخطبة، يكثر التكبير في خطبتي العيدين» . رواه ~~ابن ماجه # ، فإذا كبر في أثناء الخطبة كبر الناس بتكبيره. # وقد روي عن أبي موسى أنه كان يكبر يوم العيد على المنبر اثنتين وأربعين ~~تكبيرة، ويجلس بين الخطبتين؛ لما روى ابن ماجه، بإسناده، عن جابر، قال: ~~«خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فطر أو أضحى، فخطب قائما، ثم ~~قعد قعدة، ثم قام.» ويجلس عقيب صعوده المنبر. وقيل: لا يجلس عقيب صعوده؛ ~~لأن الجلوس في الجمعة للأذان، ولا أذان هاهنا. فإن كان في الفطر أمرهم ~~بصدقة الفطر، وبين لهم وجوبها، وثوابها، وقدر المخرج، وجنسه، وعلى من تجب، ~~والوقت الذي يخرج فيه. وفي الأضحى يذكر الأضحية، وفضلها، وأنها سنة مؤكدة، ~~وما يجزئ فيها، ووقت ذبحها، ms0889 والعيوب التي تمنع منها، وكيفية تفرقتها، وما ~~يقوله عند ذبحها؛ # لما روي عن أبي سعيد قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج ~~يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول ما يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم ~~مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان ~~يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف» . # رواه البخاري، وروى مسلم نحوه. وعن جابر، قال: «شهدت مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا ~~إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ ~~الناس فذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن» . متفق عليه. # وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ذبح قبل # PageV02P286 # أن يصلي فإنما هو شاة لحم عجله لأهله، ليس من النسك في شيء، ومن ذبح قبل ~~الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وقد أصاب سنة ~~المسلمين» . (1420) فصل: والخطبتان سنة، لا يجب حضورها ولا استماعها؛ لما ~~روى عبد الله بن السائب قال: «شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~العيد، فلما قضى الصلاة، قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن ~~أحب أن يذهب فليذهب» . رواه النسائي، وابن ماجه، ورواه أبو داود، وقال: هو ~~مرسل. # وإنما أخرت عن الصلاة - والله أعلم - لأنها لما كانت غير واجبة جعلت في ~~وقت يتمكن من أراد تركها، من تركها، بخلاف خطبة الجمعة. والاستماع لها ~~أفضل. # وقد روي عن الحسن، وابن سيرين، أنهما كرها الكلام يوم العيد والإمام ~~يخطب. وقال إبراهيم: يخطب الإمام يوم العيد قدر ما يرجع النساء إلى بيوتهن. ~~وهذا يدل على أنه لا يستحب لهن الجلوس لاستماع الخطبة، لئلا يختلطن ~~بالرجال. وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في موعظته النساء بعد فراغه ~~من خطبته، دليل على أنهن لم ينصرفن قبل فراغه، وسنة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أحق بالاتباع. # (1421) فصل: ويستحب أن يخطب ms0890 قائما؛ لما روى جابر، قال: «خرج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم فطر أو أضحى، فخطب قائما، ثم قعد ثم قام» ، رواه ~~ابن ماجه. ولأنها خطبة عيد، فأشبهت خطبة الجمعة. وإن خطب قاعدا فلا بأس؛ ~~لأنها غير واجبة، فأشبهت صلاة النافلة. وإن خطب على راحلته فحسن. # قال سعيد حدثنا هشيم، حدثنا حصين، حدثنا أبو جميلة، قال: رأيت عليا صلى ~~يوم عيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب على دابته، ورأيت عثمان بن عفان ~~يخطب على راحلته، ورأيت المغيرة بن شعبة يخطب على راحلته. ### | [مسألة لا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها] # (1422) مسألة: قال: (ولا يتنفل قبل صلاة العيد، ولا بعدها) وجملته أنه ~~يكره التنفل قبل صلاة العيد وبعدها للإمام والمأموم في موضع الصلاة، سواء ~~كان في المصلى أو المسجد. # وهو مذهب ابن عباس، وابن عمر، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، وحذيفة، ~~وبريدة، وسلمة بن الأكوع، وجابر، وابن أبي أوفى، وقال به شريح، وعبد الله ~~بن مغفل، والشعبي، ومالك، والضحاك، والقاسم، وسالم، ومعمر، وابن جريج، ~~ومسروق. # وقال الزهري: لم أسمع أحدا من علمائنا يذكر أن أحدا من سلف هذه الأمة كان ~~يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها. يعني صلاة العيد. وقال: ما صلى قبل العيد ~~بدري. ونهى عنه أبو مسعود البدري. وروي # PageV02P287 # أن عليا - رضي الله عنه - رأى قوما يصلون قبل العيد، فقال: ما كان هذا ~~يفعل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقال أحمد: أهل المدينة لا يتطوعون قبلها، ولا بعدها، وأهل البصرة ~~يتطوعون قبلها، وبعدها، وأهل الكوفة لا يتطوعون قبلها، ويتطوعون بعدها. ~~وهذا قول علقمة، والأسود، ومجاهد، وابن أبي ليلى، والنخعي، والثوري، ~~والأوزاعي، وأصحاب الرأي. وقال مالك: لا يتطوع في المصلى قبلها ولا بعدها. # وله في المسجد روايتان: إحداهما، يتطوع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين» . وقال الشافعي: يكره ~~التطوع للإمام دون المأموم؛ لأن الإمام لا يستحب له التشاغل عن الصلاة، ولم ~~يكره للمأموم، لأنه وقت ms0891 لم ينه عن الصلاة فيه، أشبه ما بعد الزوال. ولنا ما ~~روى ابن عباس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم الفطر، فصلى ~~ركعتين، لم يصل قبلهما ولا بعدهما» . متفق عليه. وروى ابن عمر نحوه. # ولأنه إجماع كما ذكرناه عن الزهري وغيره، ونهى أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عنه، ورووا الحديث وعملوا به، ولأنه وقت نهي الإمام عن ~~التنفل فيه، فكره للمأموم، كسائر أوقات النهي، وكما قبل الصلاة عند أبي ~~حنيفة، وكما لو كان في المصلى عند مالك. قال الأثرم: قلت لأحمد: قال سليمان ~~بن حرب: إنما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - التطوع لأنه كان إماما. # قال أحمد: فالذين رووا هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتطوعوا. ~~ثم قال ابن عمر، وابن عباس، هما راوياه، وأخذا به. يشير والله أعلم إلى أن ~~عمل راوي الحديث به تفسير له، وتفسيره يقدم على تفسير غيره. # ولو كانت الكراهة للإمام كي لا يشتغل عن الصلاة، لاختصت بما قبل الصلاة، ~~إذ لم يبق بعدها ما يشتغل به، ولأنه تنفل في المصلى وقت صلاة العيد فكره، ~~كالذي سلموه، وقياسهم منتقض بالإمام، وقد روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يكبر في صلاة العيد سبعا وخمسا، ~~ويقول: لا صلاة قبلها ولا بعدها» . حكى ابن عقيل أن الإمام ابن بطة رواه ~~بإسناده. ### | [فصل رجل يصلي صلاة في وقت العيد] # (1423) فصل: قيل لأحمد: فإن كان رجل يصلي صلاة في ذلك الوقت؟ قال: أخاف ~~أن يقتدي به بعض من يراه. يعني لا يصلي. قال ابن عقيل: وكره أحمد أن يتعمد ~~لقضاء، صلاة، وقال: أخاف أن يقتدوا به (1424) . # فصل: وإنما يكره التنفل في موضع الصلاة، فأما في غيره فلا بأس به، وكذلك ~~لو خرج منه، ثم عاد إليه بعد الصلاة، فلا بأس بالتطوع فيه. قال عبد الله بن ~~أحمد: سمعت أبي يقول: روى ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يصل قبلها ولا ms0892 بعدها» . ورأيته يصلي بعدها ركعات في البيت، وربما # PageV02P288 # صلاها في الطريق، يدخل بعض المساجد. وروي عن أبي سعيد، قال: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصلي قبل العيد شيئا فإذا رجع إلى منزله ~~صلى ركعتين» . رواه ابن ماجه. # ولأنه إنما ترك الصلاة في موضع الصلاة اقتداء برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه، ولاشتغاله بالصلاة وانتظارها، وهذا معدوم في غير موضع ~~الصلاة. ### | [مسألة الرجوع في غير الطريق التي غدا منها في صلاة العيدين سنة] # (1425) مسألة؛ قال: (وإذا غدا من طريق رجع من غيره) وجملته أن الرجوع في ~~غير الطريق التي غدا منها سنة. وبهذا قال مالك، والشافعي. والأصل فيه أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله، قال أبو هريرة: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره» . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن. وقال بعض أهل العلم: إنما فعل هذا قصدا لسلوك ~~الأبعد في الذهاب ليكثر ثوابه وخطواته إلى الصلاة. ويعود في الأقرب لأنه ~~أسهل وهو راجع إلى منزله. وقيل: كان يحب أن يشهد له الطريقان. وقيل: كان ~~يحب المساواة بين أهل الطريقين في التبرك بمروره بهم، وسرورهم برؤيته، ~~وينتفعون بمسألته. وقيل: لتحصل الصدقة ممن صحبه على أهل الطريقين من ~~الفقراء. وقيل: لتبرك الطريقين بوطئه عليهما. # وفي الجملة الاقتداء به سنة؛ لاحتمال بقاء المعنى الذي فعله من أجله، ~~ولأنه قد يفعل الشيء لمعنى ويبقى في حق غيره سنة، مع زوال المعنى، كالرمل ~~والاضطباع في طواف القدوم، فعله هو وأصحابه لإظهار الجلد للكفار، وبقي سنة ~~بعد زوالهم. # ولهذا روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: فيم الرملان الآن، ولمن نبدي ~~مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ ثم قال مع ذلك: لا ندع شيئا فعلناه مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. ### | [مسألة فاتته صلاة العيد] # (1426) مسألة؛ قال: (ومن فاتته صلاة العيد صلى أربع ركعات، كصلاة التطوع، ~~وإن أحب فصل بسلام بين كل ركعتين) . وجملته أن من فاتته صلاة العيد فلا ms0893 ~~قضاء عليه؛ لأنها فرض كفاية، قام بها من حصلت الكفاية به، فإن أحب قضاءها ~~فهو مخير، إن شاء صلاها أربعا، إما بسلام واحد وإما بسلامين. # وروي هذا عن ابن مسعود، وهو قول الثوري؛ وذلك لما روى عبد الله بن مسعود، ~~أنه قال: من فاته العيد # PageV02P289 # فليصل أربعا، ومن فاتته الجمعة فليصل أربعا. وروي عن علي - رضي الله عنه ~~- أنه قال: إن أمرت رجلا أن يصلي بضعفة الناس، أمرته أن يصلي أربعا. رواهما ~~سعيد. قال أحمد، - رحمه الله -: يقوي ذلك حديث علي، أنه أمر رجلا يصلي ~~بضعفة الناس أربعا، ولا يخطب. # ولأنه قضاء صلاة عيد، فكان أربعا كصلاة الجمعة، وإن شاء أن يصلي ركعتين ~~كصلاة التطوع. وهذا قول الأوزاعي لأن ذلك تطوع. وإن شاء صلاها على صفة صلاة ~~العيد بتكبير. نقل ذلك عن أحمد إسماعيل بن سعيد، واختاره الجوزجاني. # وهذا قول النخعي، ومالك، والشافعي، وأبي ثور وابن المنذر؛ لما روي عن ~~أنس، أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام بالبصرة جمع أهله ومواليه، ثم ~~قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلى بهم ركعتين، يكبر فيهما. ولأنه قضاء ~~صلاة، فكان على صفتها، كسائر الصلوات، وهو مخير، إن شاء صلاها وحده، وإن ~~شاء في جماعة. قيل لأبي عبد الله: أين يصلي؟ قال: إن شاء مضى إلى المصلى، ~~وإن شاء حيث شاء. # (1427) فصل: وإن أدرك الإمام في التشهد جلس معه، فإذا سلم الإمام قام ~~فصلى ركعتين، يأتي فيهما بالتكبير؛ لأنه أدرك بعض الصلاة التي ليست مبدلة ~~من أربع، فقضاها على صفتها كسائر الصلوات. وإن أدركه في الخطبة، فإن كان في ~~المسجد صلى تحية المسجد؛ لأنها إذا صليت في خطبة الجمعة التي يجب الإنصات ~~لها، ففي خطبة العيد أولى، ولا يكون حكمه في ترك التحية حكم من أدرك العيد. ~~وقال القاضي: يجلس فيستمع الخطبة، ولا يصلي؛ لئلا يشتغل بالصلاة عن استماع ~~الخطبة. # وهذا التعليل يبطل بالداخل في خطبة الجمعة، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر الداخل بالركوع، مع أن خطبة الجمعة آكد. ms0894 فأما إن لم يكن في ~~المسجد، فإنه يجلس فيستمع، ثم إن أحب قضى صلاة العيد، على ما ذكرناه. ### | [فصل لم يعلم بيوم العيد إلا بعد زوال الشمس] # (1428) فصل: إذا لم يعلم بيوم العيد إلا بعد زوال الشمس، خرج من الغد، ~~فصلى بهم العيد. وهذا قول الأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر. وصوبه ~~الخطابي. وحكي عن أبي حنيفة أنها لا تقضى. وقال الشافعي: إن علم بعد غروب ~~الشمس كقولنا، وإن علم بعد الزوال لم يصل، لأنها صلاة شرع لها الاجتماع ~~والخطبة، فلا تقضى بعد فوات وقتها، كصلاة الجمعة. # وإنما يصليها إذا علم بعد غروب الشمس؛ لأن العيد هو الغد؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وعرفتكم يوم ~~تعرفون» . ولنا، ما روى أبو عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «أن ركبا جاءوا # PageV02P290 # إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، ~~فأمرهم أن يفطروا. فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم» . رواه أبو داود. # قال الخطابي: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى، وحديث أبي عمير ~~صحيح، فالمصير إليه واجب. ولأنها صلاة مؤقتة، فلا تسقط بفوات الوقت، كسائر ~~الفرائض، وقياسهم على الجمعة لا يصح؛ لأنها معدول بها عن الظهر بشرائط منها ~~الوقت، فإذا فات واحد منها رجع إلى الأصل. ### | [فصل فاتته صلاة العيد حتى زالت الشمس وأحب قضاءها] # (1429) فصل: فأما الواحد إذا فاتته حتى تزول الشمس، وأحب قضاءها، قضاها ~~متى أحب. وقال ابن عقيل: لا يقضيها إلا من الغد، قياسا على المسألة التي ~~قبلها. وهذا لا يصح؛ لأن ما يفعله تطوع، فمتى أحب أتى به، وفارق ما إذا لم ~~يعلم الإمام والناس، لأن الناس تفرقوا يومئذ على أن العيد في الغد، فلا ~~يجتمعون إلا من الغد، ولا كذلك هاهنا، فإنه لا يحتاج إلى اجتماع الجماعة. # ولأن صلاة الإمام هي الصلاة الواجبة، التي يعتبر لها شروط العيد ومكانه ~~وصفة صلاته، فاعتبر لها الوقت، وهذا بخلافه. ### | [فصل شرط صلاة ms0895 العيدين الاستيطان] # (1430) فصل: ويشترط الاستيطان لوجوبها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يصلها في سفره. ولا خلفاؤه وكذلك العدد المشترط للجمعة؛ لأنها صلاة عيد، ~~فأشبهت الجمعة. وفي إذن الإمام روايتان: أصحهما، ليس بشرط. # ولا يشترط شيء من ذلك لصحتها، لأنها تصح من الواحد في القضاء، وقال أبو ~~الخطاب في ذلك كله روايتان. وقال القاضي: كلام أحمد يقتضي روايتين: ~~إحداهما، لا يقام العيد إلا حيث تقام الجمعة وهذا مذهب أبي حنيفة إلا أنه ~~لا يرى ذلك إلا في مصر، لقوله: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. ~~والثانية، يصليها المنفرد والمسافر، والعبد والنساء، على كل حال. # وهذا قول الحسن والشافعي، لأنه ليس من شرطها الاستيطان فلم يكن من شرطها ~~الجماعة، كالنوافل، إلا أن الإمام إذا خطب مرة، ثم أرادوا أن يصلوا، لم ~~يخطبوا وصلوا بغير خطبة، كي لا يؤدي إلى تفريق الكلمة، والتفصيل الذي ~~ذكرناه أولى ما قيل به، إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة التكبير يوم عرفة] # (1431) مسألة؛ قال: (ويبتدئ التكبير يوم عرفة من صلاة الفجر) لا خلاف بين ~~العلماء - رحمهم الله -، في أن التكبير مشروع في عيد النحر، واختلفوا في ~~مدته، فذهب إمامنا - رضي الله عنه - إلى أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى ~~العصر من آخر أيام التشريق. وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود - ~~رضي الله عنهم -، وإليه ذهب الثوري، وابن عيينة # PageV02P291 # وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، والشافعي في بعض أقواله. # وعن ابن مسعود أنه كان يكبر من غداة عرفة إلى العصر من يوم النحر. وإليه ~~ذهب علقمة، والنخعي، وأبو حنيفة؛ لقوله: {ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات} [الحج: 28] وهي العشر، وأجمعنا على أنه لا يكبر قبل يوم عرفة، ~~فينبغي أن يكبر يوم عرفة ويوم النحر. وعن ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، أن ~~التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق. # وبه قال مالك، والشافعي في المشهور عنه؛ لأن الناس تبع للحاج، والحجاج ~~يقطعون التلبية مع أول حصاة، ويكبرون مع ms0896 الرمي، وإنما يرمون يوم النحر، ~~فأول صلاة بعد ذلك الظهر، وآخر صلاة يصلون بمنى الفجر من اليوم الثالث من ~~أيام التشريق. # ولنا، ما روى جابر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح يوم ~~عرفة، وأقبل علينا، فقال: الله أكبر الله أكبر. ومد التكبير إلى العصر من ~~آخر أيام التشريق» . أخرجه الدارقطني من طرق، وفي بعضها: " الله أكبر الله ~~أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد ". ولأنه إجماع الصحابة - ~~رضي الله عنهم -، روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس وابن مسعود رواه سعيد عن ~~عمر، وعلي، وابن عباس، وروى بإسناده عن عمير بن سعيد، أن عبد الله كان يكبر ~~من صلاة الغداة يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر، فأتانا علي بعده فكبر من ~~غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق: الله أكبر الله أكبر، لا ~~إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. # قيل لأحمد، - رحمه الله -: بأي حديث تذهب، إلى أن التكبير من صلاة الفجر ~~يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع عمر، وعلي، وابن عباس، وابن ~~مسعود - رضي الله عنهم -. ولأن الله تعالى قال: {واذكروا الله في أيام ~~معدودات} [البقرة: 203] . وهي أيام التشريق، فتعين الذكر في جميعها. ولأنها ~~أيام يرمى فيها، فكان التكبير فيها كيوم النحر. وقوله تعالى: {ويذكروا اسم ~~الله في أيام معلومات} [الحج: 28] . # فالمراد به ذكر الله تعالى على الهدايا والأضاحي. ويستحب التكبير عند ~~رؤية الأنعام في جميع العشر، وهذا أولى من قولهم وتفسيرهم؛ لأنهم لم يعملوا ~~به في كل العشر ولا في أكثره، وإن صح قولهم فقد أمر الله تعالى بالذكر في ~~أيام معدودات، وهي أيام التشريق، فيعمل به أيضا. وأما المحرمون فإنهم ~~يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر؛ لما ذكروه، لأنهم كانوا مشغولين قبل ذلك ~~بالتلبية، وغيرهم يبتدئ من يوم عرفة؛ لعدم المانع في حقهم مع وجود المقتضي. # وقولهم: إن الناس تبع لهم في هذا. دعوى مجردة، لا دليل عليها، فلا تسمع. # PageV02P292 ### | [فصل صفة تكبير العيدين] # (1432) فصل: ms0897 وصفة التكبير: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله ~~أكبر الله أكبر ولله الحمد. وهذا قول عمر، وعلي، وابن مسعود. وبه قال ~~الثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق، وابن المبارك، إلا أنه زاد: على ما هدانا. ~~لقوله: {لتكبروا الله على ما هداكم} [الحج: 37] . # وقال مالك، والشافعي، يقول: الله أكبر الله أكبر ثلاثا؛ لأن جابرا صلى في ~~أيام التشريق، فلما فرغ من صلاته، قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. ~~وهذا لا يقوله إلا توقيفا، ولأن التكبير شعار العيد، فكان وترا، كتكبير ~~الصلاة والخطبة. # ولنا، خبر جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نص في كيفية ~~التكبير، وأنه قول الخليفتين الراشدين، وقول ابن مسعود، وقول جابر لا يسمع ~~مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يقدم على قول أحد ممن ذكرنا، فكيف ~~قدموه على قول جميعهم؟ ولأنه تكبير خارج الصلاة، فكان شفعا، كتكبير الأذان. # وقولهم: إن جابرا لا يفعله إلا توقيفا. فاسد؛ لوجوه: أحدها، أنه قد روى ~~خلاف قوله، فكيف يترك ما صرح به لاحتمال وجود ضده؟ الثاني، أنه إن كان قوله ~~توقيفا، كان قول من خالفه توقيفا، فكيف قدموا الضعيف على ما هو أقوى منه، ~~مع إمامة من خالفه وفضلهم في العلم عليه، وكثرتهم؟ الثالث، أن هذا ليس ~~بمذهب لهم، فإن قول الصحابي لا يحمل على التوقيف عندهم. الرابع، أنه إنما ~~يحمل على التوقيف ما خالف الأصول، وذكر الله تعالى لا يخالف الأصل، ولا ~~سيما إذا كان وترا. ### | [مسألة التكبير عقيب الفرائض في العيدين] # (1433) مسألة؛ قال: (ثم لا يزال يكبر دبر كل صلاة مكتوبة صلاها في جماعة، ~~وعن أبي عبد الله، رحمه الله، أنه يكبر لصلاة الفرض، وإن كان وحده، حتى ~~يكبر لصلاة العصر من آخر أيام التشريق، ثم يقطع) المشروع عند إمامنا، - ~~رحمه الله -، التكبير عقيب الفرائض في الجماعات، في المشهور عنه. قال ~~الأثرم: قلت لأبي عبد الله: أذهب إلى فعل ابن عمر، أنه كان لا يكبر إذا صلى ~~وحده؟ قال أحمد: نعم. وقال ابن مسعود: إنما ms0898 التكبير على من صلى في جماعة. # وهذا مذهب الثوري، وأبي حنيفة. وقال مالك: لا يكبر عقيب النوافل، ويكبر ~~عقيب الفرائض كلها. وقال الشافعي: يكبر عقيب كل صلاة، فريضة كانت، أو ~~نافلة، منفردا صلاها، أو في جماعة؛ لأنها صلاة مفعولة، فيكبر عقيبها، ~~كالفرض في جماعة. ولنا، قول ابن مسعود، وفعل ابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف ~~في الصحابة - رضي الله عنهم -، فكان إجماعا. ولأنه # PageV02P293 # ذكر مختص بوقت العيد. # فاختص بالجماعة، ولا يلزم من مشروعيته للفرائض مشروعيته للنوافل، كالأذان ~~والإقامة. وعن أحمد، - رحمه الله -، رواية أخرى، أنه يكبر للفرض، وإن كان ~~منفردا. وهو مذهب مالك؛ لأنه ذكر مستحب للمسبوق، فاستحب للمنفرد، كالسلام. ### | [فصل النساء يكبرن في الجماعة في العيدين] # (1434) فصل: والمسافرون كالمقيمين، فيما ذكرنا، وكذلك النساء يكبرن في ~~الجماعة، وفي تكبيرهن في الانفراد روايتان كالرجال. قال ابن منصور: قلت ~~لأحمد، قال سفيان: لا يكبر النساء أيام التشريق إلا في جماعة. قال: أحسن. ~~وقال البخاري: كان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ~~ليالي التشريق مع الرجال في المسجد. وينبغي لهن أن يخفضن أصواتهن، حتى لا ~~يسمعهن الرجال. # وعن أحمد رواية أخرى، أنهن لا يكبرن؛ لأن التكبير ذكر يشرع فيه رفع ~~الصوت، فلم يشرع في حقهن، كالأذان ### | [فصل المسبوق ببعض الصلاة يكبر إذا فرغ من قضاء ما فاته في العيدين] # (1435) فصل: والمسبوق ببعض الصلاة يكبر إذا فرغ من قضاء ما فاته. نص عليه ~~أحمد. وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال الحسن: يكبر، ثم يقضي، لأنه ذكر مشروع ~~في آخر الصلاة، فيأتي به المسبوق قبل القضاء، كالتشهد. وعن مجاهد، ومكحول: ~~يكبر، ثم يقضي، ثم يكبر لذلك. # ولنا، أنه ذكر شرع بعد السلام، فلم يأت به في أثناء الصلاة، كالتسليمة ~~الثانية، والدعاء بعدها. وإن كان على المصلي سجود سهو بعد السلام سجده، ثم ~~يكبر. وبهذا قال الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. ولا أعلم فيه ~~مخالفا، وذلك لأنه سجود مشروع للصلاة، فكان التكبير بعده، وبعد تشهده كسجود ~~صلب الصلاة، وآخر مدة التكبير العصر ms0899 من آخر أيام التشريق؛ لما ذكرناه في ~~المسألة التي قبلها. ### | [فصل فاتته صلاة من أيام التشريق فقضاها فيها] # (1436) فصل: وإذا فاتته صلاة من أيام التشريق فقضاها فيها، فحكمها حكم ~~المؤداة في التكبير؛ لأنها صلاة في أيام التشريق. وكذلك إن فاتته من غير ~~أيام التشريق فقضاها فيها كذلك. وإن فاتته من أيام التشريق، فقضاها في ~~غيرها، لم يكبر؛ لأن التكبير مقيد بالوقت، فلم يفعل في غيره، كالتلبية. ### | [فصل يكبر مستقبل القبلة للعيدين] # (1437) فصل: ويكبر مستقبل القبلة. حكاه أحمد عن إبراهيم. قال أبو بكر: ~~وعليه العمل. وذلك لأنه ذكر مختص بالصلاة، أشبه الأذان والإقامة. ويحتمل أن ~~يكبر كيفما شاء؛ لما روى جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل ~~عليهم، فقال: الله أكبر الله أكبر» . وإن نسي التكبير حتى خرج من المسجد لم ~~يكبر. وهذا # PageV02P294 # قول أصحاب الرأي؛ لأنه مختص بالصلاة من بعدها، فأشبه سجود السهو. # ويحتمل أن يكبر؛ لأنه ذكر، فاستحب وإن خرج وبعد، كالدعاء والذكر المشروع ~~بعدها. وإن ذكره في المسجد عاد إلى مكانه، فجلس، واستقبل القبلة، فكبر. ~~وقال الشافعي: يكبر ماشيا. وهذا أقيس؛ لأن التكبير ذكر مشروع بعد الصلاة، ~~فأشبه سائر الذكر. قال أصحابنا: وإذا أحدث قبل التكبير لم يكبر، عامدا كان ~~أو ساهيا، لأن الحدث يقطع الصلاة عمده وسهوه. وبالغ ابن عقيل، فقال: إن ~~تركه حتى تكلم، لم يكبر. # والأولى إن شاء الله أنه يكبر؛ لأن ذلك ذكر منفرد بعد سلام الإمام، فلا ~~تشترط له الطهارة، كسائر الذكر، ولأن اشتراط الطهارة إما بنص أو معناه، ولم ~~يوجد ذلك. وإذا نسي الإمام التكبير كبر المأموم. وهذا قول الثوري؛ لأنه ذكر ~~يتبع الصلاة، أشبه سائر الذكر. # (1438) فصل: قال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه يكبر عقيب صلاة العيد، وهو ~~قول أبي بكر؛ لأنها صلاة مفروضة في جماعة، فأشبهت الفجر. وقال أبو الخطاب: ~~لا يسن؛ لأنها ليست من الصلوات الخمس، أشبهت النوافل. والأول أولى؛ لأن هذه ~~الصلاة أخص بالعيد، فكانت أحق بتكبيره. ### | [فصل التكبير في غير أدبار الصلوات] # (1439) فصل: ويشرع التكبير في ms0900 غير أدبار الصلوات، وكان ابن عمر يكبر بمنى ~~في تلك الأيام خلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه، وممشاه، تلك ~~الأيام جميعا، وكان يكبر في قبته بما يسمعه أهل المسجد، فيكبرون، ويكبر أهل ~~الأسواق، حتى ترتج منى تكبيرا. # وكذلك يستحب التكبير في أيام العشر كلها؛ لقول الله تعالى: {ويذكروا اسم ~~الله في أيام معلومات} [الحج: 28] . كما قال: {واذكروا الله في أيام ~~معدودات} [البقرة: 203] . والأيام المعلومات أيام العشر، والمعدودات أيام ~~التشريق. قال البخاري: وكان ابن عمر، وأبو هريرة، يخرجان إلى السوق في أيام ~~العشر، يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما. ويستحب الاجتهاد في عمل الخير في ~~أيام العشر، من الذكر، والصلاة، والصيام، والصدقة، وسائر أعمال البر. # لما روى ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما العمل في ~~أيام أفضل منها في هذه الأيام قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا ~~الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء» . أخرجه البخاري. ### | [فصل قول الناس في العيدين تقبل الله منا ومنكم] # (1440) فصل: قال أحمد، - رحمه الله -: ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم ~~العيد: تقبل الله منا ومنك. وقال حرب: سئل أحمد عن قول الناس في العيدين ~~تقبل الله ومنكم. قال: لا بأس به، يرويه أهل الشام عن أبي # PageV02P295 # أمامة. # قيل: وواثلة بن الأسقع؟ قال: نعم. قيل: فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد. ~~قال: لا. وذكر ابن عقيل في تهنئة العيد أحاديث، منها، أن محمد بن زياد، ~~قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك. وقال ~~أحمد: إسناد حديث أبي أمامة إسناد جيد. # وقال علي بن ثابت: سألت مالك بن أنس منذ خمس وثلاثين سنة، وقال: لم يزل ~~يعرف هذا بالمدينة. وروي عن أحمد أنه قال: لا أبتدي به أحدا، وإن قاله أحد ~~رددته عليه. ### | [فصل لا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار بمقدم العيد] # (1441) فصل: قال القاضي: ولا بأس بالتعريف ms0901 عشية عرفة بالأمصار. وقال ~~الأثرم: سألت أبا عبد الله عن التعريف في الأمصار، يجتمعون في المساجد يوم ~~عرفة، قال: أرجو أن لا يكون به بأس، قد فعله غير واحد. # وروى الأثرم، عن الحسن، قال: أول من عرف بالبصرة ابن عباس، - رحمه الله ~~-. وقال أحمد: أول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث. # وقال الحسن، وبكر، وثابت ومحمد بن واسع: كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة. ~~قال أحمد: لا بأس به، إنما هو دعاء وذكر لله. فقيل له: تفعله أنت؟ قال: أما ~~أنا فلا. وروي عن يحيى بن معين أنه حضر مع الناس عشية عرفة. # PageV02P296 ### | [كتاب صلاة الخوف] # صلاة الخوف ثابتة بالكتاب والسنة؛ أما الكتاب فقول الله تعالى: {وإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102] الآية. وأما السنة فثبت أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «كان يصلي صلاة الخوف» ، وجمهور العلماء متفقون على ~~أن حكمها باق بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو يوسف: إنما كانت ~~تختص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} ~~[النساء: 102] . # وليس بصحيح؛ فإن ما ثبت في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت في حقنا، ~~ما لم يقم دليل على اختصاصه به، فإن الله تعالى أمر باتباعه بقوله: ~~{فاتبعوه} [الأنعام: 153] «. وسئل عن القبلة للصائم، فأجاب: بأنني أفعل ~~ذلك، فقال السائل: لست مثلنا، فغضب وقال: إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ~~تعالى، وأعلمكم بما أتقي» . ولو اختص بفعله لما كان الإخبار بفعله جوابا، ~~ولا غضب من قول السائل: لست مثلنا؛ لأن قوله - إذا - يكون صوابا. # وكان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتجون بأفعال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ويرونها معارضة لقوله وناسخة له؛ ولذلك لما أخبرت عائشة ~~وأم سلمة «بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبا من غير احتلام، ~~ثم يغتسل، ويصوم ذلك اليوم» . تركوا به خبر أبي هريرة: «من أصبح جنبا فلا ~~صوم له» . ولما ذكروا ذلك لأبي هريرة، قال: هن أعلم، إنما حدثني به الفضل ~~بن عباس. ورجع ms0902 عن قوله. # ولو لم يكن فعله حجة لغيره لم يكن معارضا لقوله، وأيضا فإن الصحابة - رضي ~~الله عنهم -، أجمعوا على صلاة الخوف، فروي أن عليا - رضي الله عنه - صلى ~~صلاة الخوف ليلة الهدير، وصلى أبو موسى الأشعري صلاة الخوف بأصحابه. وروي ~~أن سعيد بن العاص كان أميرا على الجيش بطبرستان، فقال: أيكم صلى مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. فقدمه، فصلى ~~بهم. # فأما تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخطاب، فلا يوجب تخصيصه ~~بالحكم؛ لما ذكرناه، ولأن الصحابة - رضي الله عنهم -، أنكروا على مانعي ~~الزكاة قولهم: إن الله تعالى خص نبيه بأخذ الزكاة، بقوله: {خذ من أموالهم ~~صدقة} [التوبة: 103] . وقد قال الله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل ~~الله لك} [التحريم: 1] وهذا لا يختص به. فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أخر الصلاة يوم الخندق، ولم يصل. # قلنا: هذا كان قبل نزول صلاة الخوف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويكون ناسخا لما قبله، ثم إن هذا ~~الاعتراض باطل في نفسه؛ إذ لا خلاف في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~له أن يصلي صلاة الخوف، وقد أمره الله تعالى بذلك في كتابه، فلا يجوز ~~الاحتجاج بما يخالف الكتاب والإجماع. # ويحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P297 # أخر الصلاة نسيانا، فإنه روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألهم عن ~~صلاتها، فقالوا: ما صلينا» . وروي أن عمر «قال: ما صليت العصر. فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: والله ما صليتها» . أو كما جاء، ويدل على صحة هذا ~~أنه لم يكن ثم قتال يمنعه من الصلاة، فدل على ما ذكرناه. ### | [مسألة صلاة الخوف إذا كان بإزاء العدو وهو في سفر] # (1442) مسألة؛ قال: (وصلاة الخوف إذا كان بإزاء العدو وهو في سفر، صلى ~~بطائفة ركعة، وأتمت لأنفسها أخرى بالحمد لله وسورة، ثم ذهبت تحرس، وجاءت ~~الطائفة الأخرى التي بإزاء العدو، فصلت معه ركعة وأتمت لأنفسها أخرى ms0903 بالحمد ~~لله وسورة، ويطيل التشهد حتى يتموا التشهد، ويسلم بهم) . # وجملة ذلك أن الخوف لا يؤثر في عدد الركعات في حق الإمام والمأموم جميعا، ~~فإذا كان في سفر يبيح القصر، صلى بهم ركعتين، بكل طائفة ركعة، وتتم لأنفسها ~~أخرى على الصفة المذكورة، وإنما يجوز ذلك بشرائط: منها أن يكون العدو مباح ~~القتال، وأن لا يؤمن هجومه. # قال القاضي: ومن شرطها كون العدو في غير جهة القبلة. ونص أحمد على خلاف ~~ذلك، في رواية الأثرم، فإنه قال: قلت له، حديث سهل، نستعمله مستقبلين ~~القبلة كانوا أو مستدبرين؟ قال: نعم، هو أنكى. ولأن العدو قد يكون في جهة ~~القبلة على وجه لا يمكن أن يصلي بهم صلاة عسفان لانتشارهم، أو استتارهم، أو ~~الخوف من كمين، فالمنع من هذه الصلاة يفضي إلى تفويتها. # قال أبو الخطاب: ومن شرطها أن يكون في المصلين كثرة يمكن تفريقهم ~~طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر. وقال القاضي: إن كانت كل فرقة أقل من ثلاثة ~~كرهناه، لأن أحمد ذهب إلى ظاهر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. ووجه. ~~قولهما أن الله تعالى ذكر الطائفة بلفظ الجمع، لقوله تعالى: {فإذا سجدوا ~~فليكونوا من ورائكم} [النساء: 102] . # وأقل لفظ الجمع ثلاثة، والأولى أن لا يشترط هذا؛ لأن ما دون الثلاثة عدد ~~تصح به الجماعة، فجاز أن يكون طائفة كالثلاثة، وأما فعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فإنه لا يشترط في صلاة الخوف أن يكون المصلون مثل أصحاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في العدد وجها واحدا؛ ولذلك اكتفينا بثلاثة، ولم ~~يكن كذلك أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ويستحب أن يخفف بهم الصلاة؛ لأن موضوع صلاة الخوف على التخفيف، وكذلك ~~الطائفة التي تفارقه تصلي لنفسها، تقرأ بسورة خفيفة، ولا تفارقه حتى يستقل ~~قائما؛ لأن النهوض يشتركون فيه # PageV02P298 # جميعا، فلا حاجة إلى مفارقتهم إياه قبله، والمفارقة إنما جازت للعذر. ~~ويقرأ، ويتشهد، ويطيل في حال الانتظار حتى يدركوه. # وقال الشافعي، في أحد قوليه: لا يقرأ حال الانتظار، بل يؤخر القراءة ~~ليقرأ بالطائفة الثانية، ليكون ms0904 قد سوى بين الطائفتين. ولنا، أن الصلاة ليس ~~فيها حال سكوت، والقيام محل للقراءة، فينبغي أن يأتي بها فيه، كما في ~~التشهد إذا انتظرهم فإنه يتشهد ولا يسكت، كذلك هاهنا، والتسوية بينهم تحصل ~~بانتظاره إياهم في موضعين، والأولى في موضع واحد. # إذا ثبت هذا فقال القاضي: إن قرأ في انتظارهم قرأ بعد ما جاءوا بقدر ~~فاتحة الكتاب وسورة خفيفة، وإن لم يقرأ في انتظارهم قرأ إذا جاءوا بالفاتحة ~~وسورة خفيفة، وهذا على سبيل الاستحباب، ولو قرأ قبل مجيئهم ثم ركع عند ~~مجيئهم أو قبله فأدركوه راكعا ركعوا معه، وصحت لهم الركعة مع تركه السنة، ~~وإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ركعة أخرى، وأطال التشهد بالدعاء والتوسل حتى ~~يدركوه ويتشهدوا، ثم يسلم بهم. # وقال مالك: يتشهدون معه، فإذا سلم الإمام قاموا فقضوا ما فاتهم كالمسبوق. ~~وما ذكرناه أولى. لقول الله تعالى: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ~~معك} [النساء: 102] . وهذا يدل على أن صلاتهم كلها معه. وفي حديث سهل «، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قعد حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم سلم» . رواه ~~أبو داود. # وروي أنه سلم بالطائفة الثانية. ولأن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام، ~~فينبغي أن يسلم بالثانية، ليسوي بينهم. وبهذا قال مالك، والشافعي، إلا فيما ~~ذكرنا من الاختلاف. وقال أبو حنيفة: يصلي كما روى ابن عمر، قال: «صلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين، والطائفة ~~الأخرى مواجهة للعدو، ثم انصرفوا، وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على ~~العدو، وجاء أولئك، ثم صلى لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة، ثم سلم، ~~ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة.» متفق عليه. # وقال أبو حنيفة: يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، والأخرى مواجهة للعدو، ثم ~~تنصرف التي صلت معه إلى وجه العدو، وهي في صلاتها، ثم تجيء الطائفة الأخرى، ~~فتصلي مع الإمام الركعة الثانية، ثم يسلم الإمام، وترجع الطائفة إلى وجه ~~العدو، وهي في الصلاة، ثم تأتى الطائفة الأولى إلى موضع صلاتها، فتصلي ركعة ~~منفردة ولا تقرأ فيها؛ لأنها ms0905 في حكم الائتمام، ثم تنصرف إلى وجه العدو، ثم ~~تأتي الطائفة الأخرى إلى موضع الصلاة، فتصلي الركعة الثانية منفردة، وتقرأ ~~فيها؛ لأنها قد فارقت الإمام بعد فراغه من الصلاة، فحكمها حكم المسبوق إذا ~~فارق إمامه. # قال: وهذا أولى؛ لأنكم جوزتم للمأموم فراق إمامه قبل فراغه من الصلاة، ~~وهي الطائفة الأولى، وللثانية فراقه في الأفعال، فيكون جالسا وهم قيام ~~يأتون بركعة وهم في إمامته. # PageV02P299 # ولنا، ما روى «صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى ~~بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه ~~العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت ~~جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم.» رواه مسلم وروى سهل بن أبي حثمة مثل ~~ذلك، والعمل بهذا أولى؛ لأنه أشبه بكتاب الله تعالى، وأحوط للصلاة والحرب. # أما موافقة الكتاب، فإن قول الله تعالى: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك} [النساء: 102] . يقتضي أن جميع صلاتها معه، وعنده تصلي معه ~~ركعة فقط، وعندنا جميع صلاتها معه، إحدى الركعتين توافقه في أفعاله وقيامه، ~~والثانية تأتي بها قبل سلامه، ثم تسلم معه، ومن مفهوم قوله: لم يصلوا أن ~~الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها، وعلى قولهم: لم تصل إلا بعضها. # وأما الاحتياط للصلاة، فإن كل طائفة تأتي بصلاتها متوالية، بعضها توافق ~~الإمام فيها فعلا، وبعضها تفارقه، وتأتي به وحدها كالمسبوق. # وعنده تنصرف في الصلاة، فإما أن تمشي، وإما أن تركب، وهذا عمل كثير، ~~وتستدبر القبلة، وهذا ينافي الصلاة، وتفرق بين الركعتين تفريقا كثيرا بما ~~ينافيها. ثم جعلوا الطائفة الأولى مؤتمة بالإمام بعد سلامه، ولا يجوز أن ~~يكون المأموم مأموما في ركعة يأتي بها بعد سلام إمامه. # وأما الاحتياط للحرب، فإنه يتمكن من الضرب والطعن والتحريض، وإعلام غيره ~~بما يراه مما خفي عليه من أمر العدو وتحذيره، وإعلام الذين مع الإمام بما ~~يحدث، ولا يمكن هذا على قولهم، ولأن ms0906 مبنى صلاة الخوف على التخفيف؛ لأنهم في ~~موضع الحاجة إليه. # وعلى قولهم تطول الصلاة أضعاف ما كانت حال الأمن؛ لأن كل طائفة تحتاج إلى ~~مضي إلى مكان الصلاة، ورجوع إلى وجاه العدو، وانتظار لمضي الطائفة الأخرى ~~ورجوعها، فعلى تقدير أن يكون بين المكانين نصف ميل، تحتاج كل طائفة إلى مشي ~~ميل، وانتظار للأخرى قدر مشي ميل وهي في الصلاة، ثم تحتاج إلى تكليف الرجوع ~~إلى موضع الصلاة لإتمام الصلاة من غير حاجة إليه. # ولا مصلحة تتعلق به، فلو احتاج الآمن إلى مثل هذه الكلفة في الجماعة ~~لسقطت عنه، فكيف يكلف الخائف هذا وهو في مظنة التخفيف، والحاجة # PageV02P300 # إلى الرفق به. وأما مفارقة الإمام فجائزة للعذر، ولا بد منها على ~~القولين، فإنهم جوزوا للطائفة الأولى مفارقة الإمام والذهاب إلى وجه العدو، ~~وهذا أعظم مما ذكرناه، فإنه لا نظير له في الشرع، ولا يوجد مثله في موضع ~~آخر. # (1443) فصل: وإن صلى بهم كمذهب أبي حنيفة، جاز، نص عليه أحمد. ولكن يكون ~~تاركا للأولى والأحسن. وبهذا قال ابن جرير، وبعض أصحاب الشافعي. (1444) ~~فصل: ولا تجب التسوية بين الطائفتين؛ لأنه لم يرد بذلك نص ولا قياس. ويجب ~~أن تكون الطائفة التي بإزاء العدو ممن تحصل الثقة بكفايتها وحراستها، ومتى ~~خشي اختلال حالهم واحتيج إلى معونتهم بالطائفة الأخرى، فللإمام أن ينهد ~~إليهم بمن معه، ويبنوا على ما مضى من صلاتهم. ### | [فصل صلوا الجمعة صلاة الخوف] # (1445) فصل: فإن صلوا الجمعة صلاة الخوف جاز، إذا كانت كل طائفة أربعين. ~~فإن قيل: فالعدد شرط في الجمعة كلها، ومتى ذهبت الطائفة الأولى بقي الإمام ~~منفردا، فتبطل كما لو نقص العدد. فالجواب: أن هذا جاز لأجل العذر، ولأنه ~~يترقب مجيء الطائفة الأخرى، بخلاف الانفضاض. ولا يجوز أن يخطب بإحدى ~~الطائفتين، ويصلي بالأخرى، حتى يصلي معه من حضر الخطبة. وبهذا قال الشافعي. ### | [فصل الطائفة الأولى في حكم الائتمام في صلاة الخوف] # (1446) فصل: والطائفة الأولى في حكم الائتمام قبل مفارقة الإمام، فإن سها ~~لحقهم حكم سهوه فيما قبل مفارقته، وإن سهوا لم ms0907 يلزمهم حكم سهوهم، لأنهم ~~مأمومون. وأما بعد مفارقته: فإن سها لم يلزمهم حكم سهوه، فإن سهوا لحقهم ~~حكم سهوهم؛ لأنهم منفردون. # وأما الطائفة الثانية، فيلحقها حكم سهو إمامها في جميع صلاته، ما أدركت ~~منها وما فاتها، كالمسبوق يلحقه حكم سهو إمامه فيما لم يدركه. # ولا يلحقها حكم سهوها في شيء من صلاتها؛ لأنها إن فارقته فعلا لقضاء ما ~~فاتها، فهي في حكم المؤتم به، لأنهم يسلمون بسلامه، فإذا فرغت من قضاء ما ~~فاتها، سجد وسجدت معه، فإن سجد الإمام قبل إتمامها سجدت؛ لأنها مؤتمة به، ~~فيلزمها متابعته، ولا تعيد السجود بعد فراغها من التشهد، لأنها لم تنفرد عن ~~الإمام، فلا يلزمها من السجود أكثر مما يلزمه، بخلاف المسبوق. # وقال القاضي: ينبني هذا على الروايتين في المسبوق إذا سجد مع إمامه ثم ~~قضى ما عليه، وقد ذكرنا الفرق بينهما. # PageV02P301 ### | [مسألة خاف وهو مقيم أن يصلي] # (1447) مسألة؛ قال: (وإن خاف وهو مقيم، صلى بكل طائفة ركعتين، وأتمت ~~الطائفة الأولى بالحمد لله في كل ركعة، والطائفة الأخرى تتم بالحمد لله ~~وسورة) وجملة ذلك أن صلاة الخوف جائزة في الحضر، إذا احتيج إلى ذلك بنزول ~~العدو قريبا من البلد. وبه قال الأوزاعي، والشافعي. # وحكي عن مالك أنها لا تجوز في الحضر؛ لأن الآية إنما دلت على صلاة ~~ركعتين، وصلاة الحضر أربعا، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعلها ~~في الحضر. وخالفه أصحابه، فقالوا كقولنا. ولنا، قول الله تعالى: {وإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102] الآية، وهذا عام في كل حال، وترك ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها في الحضر إنما كان لغناه عن فعلها في ~~الحضر. # وقولهم: إنما دلت الآية على ركعتين. قلنا: وقد يكون في الحضر ركعتان، ~~الصبح والجمعة، والمغرب ثلاث، ويجوز فعلها في الخوف في السفر، ولأنها حالة ~~خوف، فجازت فيها صلاة الخوف كالسفر، فإذا صلى بهم الرباعية صلاة الخوف، ~~فرقهم فرقتين، فصلى بكل طائفة ركعتين، وهل تفارقه الطائفة الأولى في التشهد ~~الأول، أو حين يقوم إلى الثالثة؟ على وجهين: ms0908 أحدهما، حين قيامه إلى ~~الثالثة. # وهو قول مالك، والأوزاعي؛ لأنه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار، ~~والتشهد يستحب تخفيفه، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس ~~للتشهد كأنه على الرضف حتى يقوم. ولأن ثواب القائم أكثر، ولأنه إذا انتظرهم ~~جالسا، فجاءت الطائفة، فإنه يقوم قبل إحرامهم، فلا يحصل اتباعهم له في ~~القيام. # والثاني، في التشهد؛ لتدرك الطائفة الثانية جميع الركعة الثالثة، ولأن ~~الانتظار في الجلوس أخف على الإمام، ولأنه متى انتظرهم قائما احتاج إلى ~~قراءة السورة في الركعة الثالثة، وهو خلاف السنة. وأيا ما فعل كان جائزا. # وإذا جلس الإمام للتشهد الأخير، جلست الطائفة معه، فتشهدت التشهد الأول، ~~وقامت وهو جالس فأتمت صلاتها، وتقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة؛ لأن ما ~~تقضيه أول صلاتها، ولأنها لم يحصل لها مع الإمام قراءة السورة. ويطول ~~الإمام التشهد والدعاء حتى تصلي الركعتين ثم يتشهد ويسلم بهم. # فأما الطائفة الأولى، فإنما تقرأ في الركعتين بعد مفارقة إمامها الفاتحة ~~وحدها، لأنها آخر صلاتها. وقد قرأ إمامها بها السورة في الركعتين الأوليين، ~~وظاهر المذهب أن ما تقضيه الطائفة الثانية أول صلاتها، فعلى هذا تستفتح إذا ~~فارقت إمامها، وتستعيذ، وتقرأ الفاتحة وسورة. # وقد روي أنه آخر صلاتها، ومقتضاه ألا تستفتح ولا تستعيذ ولا تقرأ السورة. ~~وعلى كل حال # PageV02P302 # فينبغي لها أن تخفف، وإن قرأت سورة فلتكن من أخف السور، أو تقرأ آية أو ~~اثنتين من سورة. وينبغي للإمام أن لا يعجل بالسلام حتى يفرغ أكثرهم من ~~التشهد، فإن سلم قبل فراغ بعضهم، أتم تشهده وسلم. ### | [فصل الرواية فيما يقضيه المسبوق في صلاة الخوف] # (1448) فصل: واختلفت الرواية فيما يقضيه المسبوق، فروي أنه أول صلاته، ~~وما يدركه مع الإمام آخرها. وهذا ظاهر المذهب. # وكذلك قال ابن عمر، ومجاهد، وابن سيرين، ومالك، والثوري، وحكي عن ~~الشافعي، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، والحسن بن حي. # وروي عن أحمد أن ما يقضيه آخر صلاته. وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، ~~وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق، والمزني، ms0909 ~~وأبو ثور. وهو قول الشافعي، ورواية عن مالك؛ لقول النبي: «وما فاتكم ~~فأتموا» . متفق عليه. # ولأنه آخر صلاته حقيقة، فكان آخرها حكما، كغير المسبوق، ولأنه يتشهد في ~~آخر ما يقضيه ويسلم، ولو كان أول صلاته لما تشهد وكان يكفيه تشهده مع ~~الإمام. وللرواية الأولى قوله: «وما فاتكم فاقضوا» . وهو صحيح، ولأنه يسمى ~~قضاء، والقضاء للفائت، والفائت أول الصلاة، ومعنى قوله: " فأتموا " أي ~~اقضوا، لأن القضاء إتمام؛ ولذلك سماه فائتا، والفائت أول الصلاة، ولأنه ~~يقرأ فيما يقضيه الفاتحة وسورة، فكان أول الصلاة، كغير المسبوق. # ولا أعلم خلافا بين الأئمة الأربعة في قراءة الفاتحة وسورة. قال ابن عبد ~~البر: كل هؤلاء القائلين بالقولين جميعا يقولون: يقضي ما فاته بالحمد لله ~~وسورة، على حسب ما قرأ إمامه، إلا إسحاق والمزني وداود، قالوا: يقرأ بالحمد ~~وحدها. # وعلى قول من قال: إنه يقرأ في القضاء بالفاتحة وسورة، لا تظهر فائدة ~~الخلاف، إلا أن يكون في الاستفتاح والاستعاذة حال مفارقة الإمام، وفي موضع ~~الجلسة للتشهد الأول، في حق من أدرك ركعة من المغرب والرباعية، والله أعلم ### | [فصل أدرك ركعة من المغرب أو الرباعية في صلاة الخوف] # (1449) فصل: واختلفت الرواية في موضع الجلسة والتشهد الأول في حق من أدرك ~~ركعة من المغرب أو الرباعية، إذا قضى، فروي عن أحمد أنه إذا قام استفتح، ~~وصلى ركعتين متواليتين، يقرأ في كل واحدة بالحمد لله وسورة. # نص عليه في رواية حرب، وفعل ذلك جندب؛ وذلك لأنهما أول صلاته، فلم يتشهد ~~بينهما كغير المسبوق، ولأن القضاء على صفة الأداء، والأداء لا جلوس فيه، ~~ولأنهما ركعتان يقرأ في كل واحدة منهما بالحمد لله وسورة، فلم يجلس بينهما ~~كالمؤداتين. # والرواية الثانية أنه يقوم فيأتي بركعة، يقرأ فيها بالحمد لله وسورة، ثم ~~يجلس، ثم يقوم فيأتي بأخرى بالحمد لله وسورة، في المغرب، أو بركعتين # PageV02P303 # متواليتين في الرباعية، يقرأ في أولاها بالحمد لله وسورة، وفي الثانية ~~بالحمد وحدها. # نقلها صالح، وأبو داود، والأثرم. وفعل ذلك مسروق. وقال عبد الله بن ~~مسعود: كما فعل مسروق يفعل. ms0910 # وهو قول سعيد بن المسيب، فإنه روي عنه أنه قال للزهري: ما صلاة يجلس في ~~كل ركعة منها؟ قال سعيد: هي المغرب إذا أدركت منها ركعة، ولأن الثالثة آخر ~~صلاته فعلا، فيجب أن يجلس قبلها كغير المسبوق وقد روى الأثرم، بإسناده عن ~~إبراهيم. # قال: جاء جندب ومسروق إلى المسجد وقد صلوا ركعتين من المغرب، فدخلا في ~~الصف، فقرأ جندب في الركعة التي أدرك مع الإمام، ولم يقرأ مسروق، فلما سلم ~~الإمام قاما في الركعة الثانية، فقرأ جندب وقرأ مسروق، وجلس مسروق في ~~الركعة الثانية وقام جندب، وقرأ مسروق في الركعة الثالثة ولم يقرأ جندب، ~~فلما قضيا الصلاة أتيا عبد الله فسألاه عن ذلك وقصا عليه القصة، فقال عبد ~~الله: كما فعل مسروق يفعل. وقال عبد الله: إذا أدركت ركعة من المغرب فاجلس ~~فيهن كلهن. وأيا ما فعل من ذلك جاز، إن شاء الله تعالى. ولذلك لم ينكر عبد ~~الله على جندب فعله، ولا أمره بإعادة صلاته. # (1450) فصل: إذا فرقهم في الرباعية فرقتين، فصلى بالأولى ثلاث ركعات، ~~وبالثانية ركعة، أو بالأولى ركعة وبالثانية ثلاثا، صحت الصلاة؛ لأنه لم يزد ~~على انتظارين ورد الشرع بمثلهما. # وبهذا قال الشافعي، إلا أنه قال: يسجد للسهو. ولا حاجة إليه؛ لأن السجود ~~للسهو، ولا سهو هاهنا، ولو قدر أنه فعله ساهيا لم يحتج إلى سجود؛ لأنه مما ~~لا يبطل عمده الصلاة، فلا يسجد لسهوه، كما لو رفع يديه في غير موضع الرفع ~~وترك رفعهما في موضعه. # فأما إن فرقهم أربع فرق، فصلى في كل طائفة ركعة، أو ثلاث فرق فصلى ~~بإحداهن ركعتين، وبالباقين ركعة ركعة. صحت صلاة الأولى والثانية، لأنهما ~~ائتما بمن صلاته صحيحة، ولم يوجد منهما ما يبطل صلاتهما، وتبطل صلاة الإمام ~~بالانتظار الثالث؛ لأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فزاد ~~انتظارا لم يرد الشرع به، فتبطل صلاته به، كما لو فعله من غير خوف. # ولا فرق بين أن تكون به حاجة إلى ذلك أو لم يكن؛ لأن الرخص إنما يصار ~~فيها ms0911 إلى ما ورد الشرع به، ولا تصح صلاة الثالثة والرابعة؛ لائتمامها بمن ~~صلاته باطلة، فأشبه ما لو كانت صلاته باطلة من أولها. # فإن لم يعلما ببطلان صلاة الإمام، فقال ابن حامد: لا تبطل صلاتهما؛ لأن ~~ذلك مما يخفى، فلم تبطل صلاة المأموم، كما لو ائتم بمحدث، وينبغي على هذا ~~أن يخفى على الإمام والمأموم، كما اعتبرنا في صحة صلاة من ائتم بمحدث - ~~خفاءه على الإمام والمأموم. ويحتمل أن لا تصح صلاتهما؛ لأن الإمام والمأموم ~~يعلمان وجود المبطل. # وإنما خفي عليهم حكمه، فلم يمنع ذلك البطلان، كما لو علم الإمام والمأموم # PageV02P304 # حدث الإمام، ولم يعلما كونه مبطلا. وقال بعض أصحاب الشافعي كقول ابن ~~حامد. وقال بعضهم: تصح صلاة الإمام والمأمومين جميعا؛ لأن الحاجة تدعو إلى ~~ذلك، فأشبه ما لو فرقهم فرقتين. وقال بعضهم: المنصوص أن صلاتهم تبطل ~~بالانتظار الأول؛ لأنه زاد على انتظار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~زيادة لم يرد الشرع بها. ولنا على الأول، أن الرخص إنما تتلقى من الشرع، ~~ولم يرد الشرع بهذا. # وعلى الثاني، أن طول الانتظار لا عبرة به، كما لو أبطأت الثانية فيما إذا ~~فرقهم فرقتين. ### | [مسألة كانت الصلاة مغربا في صلاة الخوف] # (1451) مسألة؛ قال: (وإن كانت الصلاة مغربا صلى بالطائفة الأولى ركعتين، ~~وأتمت لأنفسها ركعة تقرأ فيها بالحمد لله، ويصلى بالطائفة الأخرى ركعة، ~~وأتمت لأنفسها ركعتين، تقرأ فيهما بالحمد لله وسورة) وبهذا قال مالك، ~~والأوزاعي، وسفيان، والشافعي في أحد قوليه. # وقال في آخر: يصلي بالأولى ركعة، والثانية ركعتين، لأنه روي عن علي - رضي ~~الله عنه - أنه صلى ليلة الهدير هكذا، ولأن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام ~~والتقدم، فينبغي أن تزيد الثانية في الركعات؛ ليجبر نقصهم، وتساوي الأولى. ~~ولنا، أنه إذا لم يكن بد من التفضيل، فالأولى أحق به، ولأنه يجبر ما فات ~~الثانية بإدراكها السلام مع الإمام، ولأنها تصلي جميع صلاتها في حكم ~~الائتمام، والأولى تفعل بعض صلاتها في حكم الانفراد، وأيا ما فعل فهو جائز ~~على ما قدمنا. # وهل تفارقه الطائفة الأولى ms0912 في التشهد، أو حين يقوم إلى الثالثة؟ على ~~وجهين. وإذا صلى بالثانية الركعة الثالثة، وجلس للتشهد، فإن الطائفة تقوم ~~ولا تتشهد معه. ذكره القاضي؛ لأنه ليس بموضع لتشهدها، بخلاف الرباعية. # ويحتمل أن تتشهد معه، لأنها تقضي ركعتين متواليتين، على إحدى الروايتين، ~~فيفضي إلى أن تصلي ثلاث ركعات بتشهد واحد، ولا نظير لهذا في الصلوات، فعلى ~~هذا الاحتمال تتشهد معه التشهد الأول، ثم تقوم، كالصلاة الرباعية سواء. ### | [فصل يستحب أن يحمل السلاح في صلاة الخوف] # فصل: ويستحب أن يحمل السلاح في صلاة الخوف، لقول الله تعالى: {وليأخذوا ~~حذرهم وأسلحتهم} [النساء: 102] . ولأنهم لا يأمنون أن يفجأهم عدوهم، ~~فيميلون عليهم، كما قال الله تعالى: {ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} [النساء: 102] . # والمستحب من ذلك ما يدفع عن نفسه. كالسيف، والسكين، ولا يثقله، كالجوشن، ~~ولا يمنع من إكمال السجود، كالمغفر، # PageV02P305 # ولا ما يؤذي غيره، كالرمح إذا كان متوسطا، فإن كان في الحاشية لم يكره، ~~ولا يجوز حمل نجس، ولا ما يخل بركن من أركان الصلاة إلا عند الضرورة، مثل ~~أن يخاف وقوع الحجارة أو السهام به، فيجوز له حمله للضرورة. قال أصحابنا: ~~ولا يجب حمل السلاح. # وهذا قول أبي حنيفة وأكثر أهل العلم، وأحد قولي الشافعي؛ لأنه لو وجب ~~لكان شرطا في الصلاة كالسترة، ولأن الأمر به للرفق بهم والصيانة لهم، فلم ~~يكن للإيجاب، كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نهى عن الوصال رفقا ~~بهم لم يكن للتحريم. ويحتمل أن يكون واجبا، وبه قال داود، والشافعي في ~~القول الآخر، والحجة معهم؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب، وقد اقترن به ما يدل على ~~إرادة الإيجاب به، وهو قوله تعالى: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ~~أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} [النساء: 102] . # ونفي الحرج مشروطا بالأذى دليل على لزومه عند عدمه، فأما إن كان بهم أذى ~~من مطر أو مرض، فلا يجب بغير خلاف، بتصريح النص بنفي الحرج فيه. ### | [فصل يصلي صلاة الخوف على كل ms0913 صفة صلاها رسول الله] # . (1453) فصل: ويجوز أن يصلي صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. قال أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل ~~به جائز. وقال: ستة أوجه أو سبعة يروى فيها، كلها جائز. وقال الأثرم: قلت ~~لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها كل حديث في موضعه، أو تختار واحدا ~~منها. # قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره. إذا ~~تقرر هذا فنذكر الوجوه التي بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~عليها، وقد ذكرنا منها وجهين أحدهما، ما ذكره الخرقي، وهو حديث سهل. ~~والثاني حديث ابن عمر، وهو الذي ذهب إليه أبو حنيفة. والثالث، صلاة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بعسفان، وهو ما روى أبو عياش الزرقي قال «كنا مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد. فصلينا ~~الظهر. فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم في الصلاة. فنزلت آية ~~القصر بين الظهر والعصر. فلما حضرت العصر قام رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مستقبل القبلة، والمشركون أمامه، فصف خلف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - صف، وصف خلف ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما ~~صلى بهؤلاء السجدتين وقاموا، سجد الآخرون # PageV02P306 # الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف ~~الآخر إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما ~~جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم ~~جلسوا جميعا، فسلم عليهم، فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم» . رواه أبو ~~داود. وروى جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا المعنى. أخرجه ~~مسلم. وروي عن حذيفة، أنه أمر سعيد بن العاص بطبرستان حين سألهم: أيكم شهد ~~مع رسول الله ms0914 - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. وأمره ~~بنحو هذه الصلاة، وقال: وتأمر أصحابك إن هاجهم هيج فقد حل لهم القتال ~~والكلام. رواه الأثرم بإسناده. # وإن حرس الصف الأول في الأولى، والثاني في الثانية، أو لم يتقدم الثاني ~~إلى مقام الأول، أو حرس بعض الصف وسجد الباقون، جاز ذلك كله؛ لأن المقصود ~~يحصل، لكن الأولى فعل مثلما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومن شرط هذه ~~الصلاة أن يكون العدو في جهة القبلة؛ لأنه لا يمكن حراستهم في الصلاة إلا ~~كذلك، وأن يكونوا بحيث لا يخفى بعضهم على بعض، ولا يخاف كمين لهم. # (1454) فصل: الوجه الرابع، أن يصلي بكل طائفة صلاة منفردة، ويسلم بها، ~~كما روى أبو بكرة: قال «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خوف ~~الظهر، فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو، فصلى ركعتين، ثم سلم، فانطلق ~~الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين، ~~ثم سلم، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع، ولأصحابه ركعتان» . ~~أخرجه أبو داود، والأثرم. # وهذه صفة حسنة، قليلة الكلفة، لا يحتاج فيها إلى مفارقة الإمام، ولا إلى ~~تعريف كيفية الصلاة. وهذا مذهب الحسن، وليس فيها أكثر من أن الإمام في ~~الثانية متنفل يؤم مفترضين. # (1455) فصل: الوجه الخامس أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، ولا يسلم، ثم ~~تسلم الطائفة، وتنصرف ولا تقضي شيئا. وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بها ~~ركعتين، ويسلم بها، ولا تقضي شيئا. وهذا مثل الوجه الذي قبله، إلا أنه لا ~~يسلم في الركعتين الأوليين؛ لما روى جابر، قال: «أقبلنا مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بذات الرقاع. فذكر الحديث. قال: فنودي ~~بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين. ~~قال: وكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات، وللقوم ركعتين ~~ركعتين» . متفق عليه. # وتأول القاضي هذا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم كصلاة ~~الحضر، وأن كل طائفة قضت ركعتين. وهذا ظاهر الفساد جدا؛ لأنه ms0915 يخالف صفة ~~الرواية، وقول أحمد، ويحمله على محمل فاسد. # PageV02P307 # أما الرواية فإنه ذكر أنه صلى بكل طائفة ركعتين، ولم يذكر قضاء، ثم قال ~~في آخرها: وللقوم ركعتين ركعتين. وأما قول أحمد، فإنه قال: ستة أوجه أو ~~سبعة، يروى فيها، كلها جائز. وعلى هذا التأويل لا تكون ستة ولا خمسة. ولأنه ~~قال: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فهو جائز. وهذا مخالف لهذا التأويل. ~~وأما فساد المحمل، فإن الخوف يقتضي تخفيف الصلاة وقصرها، كما قال الله ~~تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا} [النساء: 101] . # وعلى هذا التأويل يجعل مكان الركعتين أربعا. ويتم الصلاة المقصورة، ولم ~~ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أتم صلاة السفر، فكيف يحمل هاهنا ~~على أنه أتمها، في موضع وجد فيه ما يقتضي التخفيف. # (1456) فصل: الوجه السادس، أن يصلي بكل طائفة ركعة، ولا تقضي شيئا؛ لما ~~روى ابن عباس، قال: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذي قرد صلاة ~~الخوف، والمشركون بينه وبين القبلة، فصف صفا خلفه، وصفا موازي العدو، فصلى ~~بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، فصلى ~~بهم ركعة، ثم سلم عليهم، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان، ~~وكانت لهم ركعة ركعة.» رواه. الأثرم # وعن حذيفة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الخوف بهؤلاء ~~ركعة، وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا شيئا» . رواه أبو داود. وروي مثله عن زيد بن ~~ثابت وأبي هريرة. رواهن الأثرم. وكذلك قال أبو داود، في " السنن "، وهو ~~مذهب ابن عباس، وجابر. قال: إنما القصر ركعة عند القتال. # وقال طاوس، ومجاهد، والحسن وقتادة، والحكم كذا يقولون: ركعة في شدة ~~الخوف، يومئ إيماء. وقال إسحاق: يجزئك عند الشدة ركعة، تومئ إيماء، فإن لم ~~يقدر فسجدة واحدة، فإن لم يقدر فتكبيرة، لأنها ذكر لله تعالى. وعن الضحاك، ~~أنه قال: ركعة، فإن لم يقدر كبر تكبيرة حيث كان وجهه. # فهذه الصلاة يقتضي عموم كلام أحمد جوازها؛ ms0916 لأنه ذكر ستة أوجه، ولا أعلم ~~وجها سادسا سواها، وأصحابنا ينكرون ذلك. قال القاضي: لا تأثير للخوف في عدد ~~الركعات. وهذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم ابن عمر، والنخعي، والثوري، ومالك، ~~والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه وسائر أهل العلم من علماء الأمصار، لا ~~يجيزون ركعة، والذي قال منهم ركعة، إنما جعلها عند شدة القتال # والذين روينا عنهم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثرهم لم ينقصوا ~~عن ركعتين، وابن عباس لم يكن ممن يحضر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~غزواته، ولا يعلم ذلك إلا بالرواية عن غيره، فالأخذ برواية من حضر الصلاة ~~وصلاها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى. # PageV02P308 ### | [فصل صلى بهم صلاة الخوف من غير خوف] # (1457) فصل: ومتى صلى بهم صلاة الخوف، من غير خوف، فصلاته وصلاتهم فاسدة؛ ~~لأنها لا تخلو من مفارق إمامه لغير عذر، وتارك متابعة إمامه في ثلاثة ~~أركان، أو قاصر للصلاة مع إتمام إمامه، وكل ذلك يفسد الصلاة، إلا مفارقة ~~الإمام لغير عذر، على اختلاف فيه. وإذا فسدت صلاتهم، فسدت صلاة الإمام؛ ~~لأنه صلى إماما بمن صلاته فاسدة، إلا أن يصلي بهم صلاتين كاملتين؛ فإنه تصح ~~صلاته، وصلاة الطائفة الأولى، وصلاة الثانية تبنى على ائتمام المفترض ~~بالمتنفل، وقد نصرنا جوازه. ### | [مسألة كان الخوف شديدا وهم في حال المسايفة] # (1458) مسألة؛ قال: (وإذا كان الخوف شديدا، وهم في حال المسايفة، صلوا ~~رجالا وركبانا، إلى القبلة وإلى غيرها، يومئون إيماء، يبتدئون تكبيرة ~~الإحرام إلى القبلة إن قدروا، أو إلى غيرها) . # أما إذا اشتد الخوف، والتحم القتال، فلهم أن يصلوا كيفما أمكنهم؛ رجالا ~~وركبانا، إلى القبلة إن أمكنهم، وإلى غيرها إن لم يمكنهم، يومئون بالركوع ~~والسجود على قدر الطاقة، ويجعلون السجود أخفض من الركوع، ويتقدمون ~~ويتأخرون، ويضربون ويطعنون، ويكرون ويفرون، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها. # وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة، وابن أبي ليلى: لا يصلي مع ~~المسايفة، ولا مع المشي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل يوم ~~الخندق، وأخر الصلاة، ولأن ما منع ms0917 الصلاة في غير شدة الخوف منعها معه، ~~كالحدث والصياح. وقال الشافعي: يصلي، ولكن إن تابع الطعن، أو الضرب، أو ~~المشي، أو فعل ما يطول، بطلت صلاته؛ لأن ذلك من مبطلات الصلاة، أشبه الحدث. ~~ولنا، قول الله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239] ، قال ~~ابن عمر: فإن كان خوف أشد من ذلك، صلوا رجالا قياما على أقدامهم، وركبانا ~~مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. متفق عليه. # وروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى بأصحابه في غير شدة الخوف، فأمرهم بالمشي إلى وجاه العدو، ثم ~~يعودون لقضاء ما بقي من صلاتهم، وهذا مشي كثير، وعمل طويل، واستدبار ~~للقبلة، وأجاز ذلك من أجل الخوف الذي ليس بشديد، فمع الخوف الشديد أولى. # ومن العجب أن أبا حنيفة اختار هذا الوجه دون سائر الوجوه التي لا تشتمل ~~على العمل في أثناء الصلاة، وسوغه مع الغنى عنه، وإمكان الصلاة بدونه، ثم ~~منعه في حال لا يقدر إلا عليه، وكان العكس أولى، سيما مع نص الله تعالى على ~~الرخصة في هذه الحال، ولأنه مكلف تصح طهارته، فلم يجز له إخلاء وقت الصلاة ~~عن فعلها، كالمريض، ويخص الشافعي بأنه عمل أبيح من أجل الخوف، فلم تبطل ~~الصلاة به، كاستدبار القبلة، والركوب، والإيماء. # ولأنه لا يخلو عند الحاجة إلى العمل الكثير من أجل ثلاثة أمور: إما تأخير ~~الصلاة عن وقتها، ولا خلاف بيننا في تحريمه، أو ترك القتال وفيه هلاكه، وقد ~~قال الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] . وأجمع ~~المسلمون على أنه لا يلزمه هذا، # PageV02P309 # أو متابعة العمل للمتنازع فيه، وهو جائز بالإجماع، فتعين فعله وصحة ~~الصلاة معه. ثم ما ذكره يبطل بالمشي الكثير، والعدو في الهرب وغيره. # وأما تأخير الصلاة يوم الخندق، فروى أبو سعيد، أنه كان قبل نزول صلاة ~~الخوف. ويحتمل أنه شغله المشركون فنسي الصلاة، فقد نقل ما يدل على ذلك، وقد ~~ذكرناه فيما مضى، وأكده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يكونوا ~~في مسايفة ms0918 توجب قطع الصلاة. وأما الصياح، والحدث، فلا حاجة بهم إليه، ~~ويمكنهم التيمم، ولا يلزم من كون الشيء مبطلا مع عدم العذر أن يبطل معه، ~~كخروج النجاسة من المستحاضة، ومن به سلس البول. # وإن هرب من العدو هربا مباحا، أو من سيل، أو سبع، أو حريق لا يمكنه ~~التخلص منه بدون الهرب. فله أن يصلي صلاة شدة الخوف، سواء خاف على نفسه، أو ~~ماله، أو أهله. والأسير إذا خافهم على نفسه إن صلى، والمختفي في موضع، ~~يصليان كيفما أمكنهما. نص عليه أحمد في الأسير. ولو كان المختفي قاعدا لا ~~يمكنه القيام، أو مضجعا لا يمكنه القعود، ولا الحركة، صلى على حسب حاله. # وهذا قول محمد بن الحسن. وقال الشافعي: يصلي ويعيد. وليس بصحيح؛ لأنه ~~خائف صلى على حسب ما يمكنه، فلم تلزمه الإعادة كالهارب. ولا فرق بين الحضر ~~والسفر في هذا؛ لأن المبيح خوف الهلاك، وقد تساويا فيه، ومتى أمكن التخلص ~~بدون ذلك، كالهارب من السيل يصعد إلى ربوة، والخائف من العدو يمكنه دخول ~~حصن يأمن فيه صولة العدو، ولحوق الضرر، فيصلي فيه، ثم يخرج، لم يكن له أن ~~يصلي صلاة شدة الخوف؛ لأنها إنما أبيحت للضرورة، فاختصت بوجود الضرورة. # (1459) فصل: والعاصي بهربه كالذي يهرب من حق توجه عليه، وقاطع الطريق، ~~واللص، والسارق، ليس له أن يصلي صلاة الخوف؛ لأنها رخصة ثبتت للدفع عن نفسه ~~في محل مباح، فلا تثبت بالمعصية، كرخص السفر. (1460) فصل: قال أصحابنا: ~~يجوز أن يصلوا في حال شدة الخوف جماعة، رجالا، وركبانا. ويحتمل أن لا يجوز ~~ذلك. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنهم يحتاجون إلى التقدم والتأخر، وربما تقدموا ~~الإمام، وتعذر عليهم الائتمام. # واحتج أصحابنا بأنها حالة يجوز فيها الصلاة على الانفراد، فجاز فيها صلاة ~~الجماعة، كركوب السفينة، ويعفى عن تقدم الإمام للحاجة إليه، كالعفو عن ~~العمل الكثير. ولمن نصر الأول أن يقول: العفو عن ذلك لا يثبت إلا بنص أو ~~معنى نص، ولم يوجد واحد منهما، وليس هذا في معنى العمل الكثير؛ لأن العمل ~~الكثير لا يختص ms0919 الإمامة، بل هو في حال الانفراد، كحال الائتمام، فلا يؤثر ~~الانفراد في نفسه بخلاف تقدم الإمام. # PageV02P310 # (1461) فصل: وإذا صلوا صلاة الخوف، ظنا منهم أن ثم عدوا، فبان أنه لا ~~عدو، أو بان عدو لكن بينهم وبينه ما يمنع عبوره إليهم، فعليهم الإعادة، ~~سواء صلوا صلاة شدة الخوف أو غيرها، وسواء كان ظنهم مستندا إلى خبر ثقة أو ~~غيره، أو رؤية سواد، أو نحوه؛ لأنهم تركوا بعض واجبات الصلاة ظنا منهم ~~سقوطها، فلزمتهم الإعادة، كما لو ترك المتوضئ غسل رجليه، ومسح على خفيه، ~~ظنا منه أن ذلك يجزئ عنه وصلى، ثم تبين أن خفه كان مخرقا، وكما لو ظن ~~المحدث أنه متطهر فصلى. # ويحتمل أن لا تلزم الإعادة إذا كان عدوا بينهم وبينه ما يمنع العبور؛ لأن ~~السبب للخوف متحقق، وإنما خفي المانع ### | [مسألة أمن وهو في الصلاة الخوف] # (1462) مسألة؛ قال: (ومن أمن وهو في الصلاة، أتمها صلاة آمن، وكذلك إن ~~كان آمنا، فاشتد خوفه، أتمها صلاة خائف) وجملته أنه إذا صلى بعض الصلاة حال ~~شدة الخوف، مع الإخلال بشيء من واجباتها، كالاستقبال وغيره، فأمن في أثناء ~~الصلاة، أتمها آتيا بواجباتها، فإذا كان راكبا إلى غير القبلة، نزل مستقبل ~~القبلة، وإن كان ماشيا، وقف واستقبل القبلة، وبنى على ما مضى؛ لأن ما مضى ~~كان صحيحا قبل الأمن، فجاز البناء عليه، كما لو لم يخل بشيء من الواجبات. # وإن ترك الاستقبال حال نزوله، أو أخل بشيء من واجباتها بعد أمنه، فسدت ~~صلاته. وإن ابتدأ الصلاة آمنا بشروطها وواجباتها، ثم حدث شدة خوف، أتمها، ~~على حسب ما يحتاج إليه، مثل أن يكون قائما على الأرض مستقبلا، فيحتاج أن ~~يركب ويستدبر القبلة، أتمها على حسب ما يحتاج إليه، ويطعن ويضرب ونحو ذلك، ~~فإنه يصير إليه، ويبني على ما مضى من صلاته. وحكي عن الشافعي أنه إذا أمن ~~نزل فبنى، وإذا خاف فركب ابتدأ؛ لأن الركوب عمل كثير. # ولا يصح؛ لأن الركوب قد يكون يسيرا، فمثله في حق الآمن لا يبطل، ففي حق ~~الخائف أولى ms0920 كالنزول، ولأنه عمل أبيح للحاجة، فلم يمنع صحة الصلاة كالهرب. # PageV02P311 ### | [كتاب صلاة الكسوف الكسوف والخسوف] ### | [مسألة مشروعية صلاة الكسوف] # شيء واحد، وكلاهما قد وردت به الأخبار، وجاء القرآن بلفظ الخسوف. (1463) ~~مسألة؛ قال أبو القاسم: (وإذا خسفت الشمس أو القمر، فزع الناس إلى الصلاة، ~~إن أحبوا جماعة، وإن أحبوا فرادى) صلاة الكسوف ثابتة بسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على ما سنذكره، ولا نعلم بين أهل العلم في مشروعيتها ~~لكسوف الشمس خلافا، وأكثر أهل العلم على أنها مشروعة لخسوف القمر، فعله ابن ~~عباس. وبه قال عطاء، والحسن، والنخعي، والشافعي، وإسحاق. # وقال مالك: ليس لكسوف القمر سنة. وحكى ابن عبد البر عنه، وعن أبي حنيفة ~~أنهما قالا: يصلي الناس لخسوف القمر وحدانا ركعتين ركعتين، ولا يصلون ~~جماعة؛ لأن في خروجهم إليها مشقة. ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ~~فإذا رأيتم ذلك فصلوا» . متفق عليه. فأمر بالصلاة لهما أمرا واحدا. # وعن ابن عباس، أنه صلى بأهل البصرة في خسوف القمر ركعتين، وقال: إنما ~~صليت لأني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي. ولأنه أحد ~~الكسوفين، فأشبه كسوف الشمس. ويسن فعلها جماعة وفرادى. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي. وحكي عن الثوري أنه قال: إن صلاها الإمام صلوها معه، وإلا فلا ~~تصلوا. ولنا، قوله - عليه الصلاة والسلام -: «فإذا رأيتموها فصلوا» . ~~ولأنها نافلة، فجازت في الانفراد، كسائر النوافل. # وإذا ثبت هذا فإن فعلها في الجماعة أفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- صلاها في جماعة، والسنة أن يصليها في المسجد؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فعلها فيه. قالت عائشة: خسفت الشمس في حياة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه. رواه البخاري. ولأن وقت ~~الكسوف يضيق، فلو خرج إلى المصلى احتمل التجلي قبل فعلها. وتشرع في الحضر ~~والسفر، بإذن الإمام وغير إذنه. وقال أبو بكر: هي كصلاة العيد، فيها ~~روايتان. # ولنا، قول النبي - صلى ms0921 الله عليه وسلم -: «فإذا رأيتموها فصلوا» . ولأنها ~~نافلة أشبهت سائر النوافل. وتشرع في حق النساء؛ لأن عائشة وأسماء صلتا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه البخاري. # PageV02P312 # ويسن أن ينادى لها: الصلاة جامعة؛ لما روي عن عبد الله بن عمرو، قال: لما ~~كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نودي بالصلاة جامعة. ~~متفق عليه. # ولا يسن لها أذان ولا إقامة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها ~~بغير أذان ولا إقامة، ولأنها من غير الصلوات الخمس، فأشبهت سائر النوافل ### | [مسألة المستحب في صلاة الكسوف] # (1464) مسألة؛ قال: (يقرأ في الأولى بأم الكتاب وسورة طويلة، يجهر ~~بالقراءة، ثم يركع فيطيل الركوع، ثم يرفع فيقرأ ويطيل القيام، وهو دون ~~القيام الأول، ثم يركع فيطيل الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم يسجد سجدتين ~~طويلتين، فإذا قام فعل مثل ذلك، فيكون أربع ركعات وأربع سجدات، ثم يتشهد ~~ويسلم) . # وجملته أن المستحب في صلاة الكسوف أن يصلي ركعتين، يحرم بالأولى، ~~ويستفتح، ويستعيذ، ويقرأ الفاتحة وسورة البقرة، أو قدرها في الطول، ثم يركع ~~فيسبح الله تعالى قدر مائة آية، ثم يرفع فيقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ~~ولك الحمد. # ثم يقرأ الفاتحة وآل عمران، أو قدرها، ثم يركع بقدر ثلثي ركوعه الأول، ثم ~~يرفع فيسمع ويحمد، ثم يسجد فيطيل السجود فيهما، ثم يقوم إلى الركعة ~~الثانية، فيقرأ الفاتحة وسورة النساء، ثم يركع فيسبح بقدر ثلثي تسبيحه في ~~الثانية، ثم يرفع فيقرأ الفاتحة والمائدة، ثم يركع فيطيل دون الذي قبله، ثم ~~يرفع فيسمع ويحمد، ثم يسجد فيطيل، فيكون الجميع ركعتين، في كل ركعة قيامان ~~وقراءتان وركوعان وسجودان. # ويجهر بالقراءة ليلا كان أو نهارا. وليس هذا التقدير في القراءة منقولا ~~عن أحمد، لكن قد نقل عنه أن الأولى أطول من الثانية، وجاء التقدير في حديث ~~ابن عباس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام قياما طويلا، نحوا من سورة ~~البقرة» . متفق عليه. وفي حديث لعائشة: «حزرت قراءة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فرأيت أنه ms0922 قرأ في الركعة الأولى سورة البقرة، وفي الثانية سورة ~~آل عمران» . # وبهذا قال مالك، والشافعي، إلا أنهما قالا: لا يطيل السجود. حكاه عنهما ~~ابن المنذر؛ لأن ذلك لم ينقل. وقالا: لا يجهر في كسوف الشمس، ويجهر في خسوف ~~القمر. ووافقهم أبو حنيفة، لقول عائشة: حزرت قراءة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. ولو جهر بالقراءة لم تحتج إلى الظن والتخمين. وكذلك قال ابن ~~عباس: قام قياما طويلا، نحوا من سورة البقرة. # وروى سمرة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في خسوف الشمس، فلم ~~أسمع له صوتا.» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ولأنها صلاة نهار، فلم ~~يجهر فيها كالظهر. وقال أبو حنيفة: يصلي ركعتين كصلاة التطوع؛ لما روى ~~النعمان بن بشير، قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فخرج فكان يصلي ركعتين ويسلم، ويصلي ركعتين ويسلم، حتى انجلت الشمس. ~~رواه أحمد، عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النعمان # PageV02P313 # وروى قبيصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فإذا رأيتموها فصلوا ~~كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة» . ولنا، أن عبد الله بن عمرو قال في صفة ~~صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكسوف: ثم سجد، فلم يكد يرفع. ~~رواه أبو داود. # وفي حديث عائشة: «ثم رفع، ثم سجد سجودا طويلا، ثم قام قياما طويلا، وهو ~~دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد سجودا ~~طويلا، وهو دون السجود الأول» . رواه البخاري. وترك ذكره في حديث لا يمنع ~~مشروعيته إذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما الجهر فقد روي عن ~~علي - رضي الله عنه - وفعله عبد الله بن زيد وبحضرته البراء بن عازب وزيد ~~بن أرقم، وبه قال أبو يوسف، وإسحاق، وابن المنذر. # وروت عائشة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جهر في صلاة الخسوف» . ~~متفق عليه. وعن عروة، عن عائشة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة ~~الكسوف، وجهر فيها بالقراءة» . قال الترمذي: ms0923 هذا حديث حسن صحيح. ولأنها ~~نافلة شرعت لها الجماعة، فكان من سننها الجهر كصلاة الاستسقاء والعيد ~~والتراويح. فأما قول عائشة - رضي الله عنها -: حزرت قراءته. ففي إسناده ~~مقال؛ لأنه من رواية ابن إسحاق. # ويحتمل أن تكون سمعت صوته ولم تفهم للبعد، أو قرأ من غير أول القرآن بقدر ~~البقرة. ثم حديثنا صحيح صريح، فكيف يعارض بمثل هذا، وحديث سمرة يجوز أنه لم ~~يسمع لبعده؛ فإن في حديثه: دفعت إلى المسجد، وهو بازر. يعني مغتصا بالزحام. ~~قاله الخطابي. ومن هذا حاله لا يصل مكانا يسمع منه. # ثم هذا نفي محتمل لأمور كثيرة، فكيف يترك من أجله الحديث الصحيح الصريح، ~~وقياسهم منتقض بالجمعة والعيدين والاستسقاء، وقياس هذه الصلاة على هذه ~~الصلوات أولى من قياسها على الظهر؛ لبعدها منها، وشبهها بهذه. وأما الدليل ~~على صفة الصلاة، فروت عائشة، قالت: «خسفت الشمس في حياة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد، فقام، ~~وكبر، وصف الناس وراءه، فاقترأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قراءة ~~طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده، ~~ربنا ولك الحمد. ثم قام فاقترأ قراءة طويلة، هي أدنى من القراءة الأولى، ثم ~~كبر فركع ركوعا طويلا، هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: سمع الله لمن ~~حمده، ربنا ولك الحمد، ثم سجد، ثم فعل في الركعة الأولى مثل ذلك، حتى ~~استكمل أربع ركعات، وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف.» وعن ابن عباس ~~مثل ذلك، وفيه «أنه قام في الأولى قياما طويلا نحوا من سورة البقرة» . متفق # PageV02P314 # عليهما. # ولأنها صلاة يشرع لها الاجتماع، فخالفت سائر النوافل، كصلاة العيدين ~~والاستسقاء، فأما أحاديثهم فمتروكة غير معمول بها باتفاقنا، فإنهم قالوا: ~~يصلي ركعتين. وحديث النعمان فيه أنه يصلي ركعتين، ثم ركعتين حتى انجلت ~~الشمس، وحديث قبيصة فيه أنه يصلي كأحدث صلاة صليتموها. وأحد الحديثين يخالف ~~الآخر. # ثم حديث قبيصة مرسل. ثم يحتمل أنه صلى ركعتين في كل ركعة ركوعين، ms0924 ولو قدر ~~التعارض لكان الأخذ بأحاديثنا أولى؛ لصحتها وشهرتها، واتفاق الأئمة على ~~صحتها، والأخذ بها، واشتمالها على الزيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ثم ~~هي نافلة عن العادة، وقد روي عن عروة أنه قيل له: إن أخاك صلى ركعتين. ~~فقال: إنه أخطأ السنة. (1465) فصل: ومهما قرأ به جاز سواء كانت القراءة ~~طويلة أو قصيرة. # وقد روي عن عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في كسوف ~~الشمس والقمر أربع ركعات، وأربع سجدات، وقرأ في الأولى بالعنكبوت والروم، ~~وفي الثانية بيس. أخرجه الدارقطني. (1466) فصل: ولم يبلغنا عن أحمد، - رحمه ~~الله - أن لها خطبة، وأصحابنا على أنها لا خطبة لها. وهذا مذهب مالك، ~~وأصحاب الرأي. # وقال الشافعي: يخطب كخطبتي الجمعة؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - «، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، وحمد ~~الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان ~~لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبروا، وصلوا، وتصدقوا ~~ثم قال: يا أمة محمد، والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني ~~أمته، يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» . متفق ~~عليه. # ولنا، هذا الخبر، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالصلاة ~~والدعاء والتكبير والصدقة، ولم يأمرهم بخطبة، ولو كانت سنة لأمرهم بها، ~~ولأنها صلاة يفعلها المنفرد في بيته، فلم يشرع لها خطبة، وإنما خطب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به، وليس في ~~الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة. (1467) فصل: ويستحب ذكر الله ~~تعالى، والدعاء، والتكبير، والاستغفار، والصدقة، والعتق، والتقرب إلى الله ~~تعالى بما استطاع؛ لخبر عائشة هذا. # وفي خبر أبي موسى: " فافزعوا إلى ذكر الله تعالى، ودعائه، # PageV02P315 # واستغفاره ". وروي عن أسماء، «أنها قالت: إن كنا لنؤمر بالعتق في الكسوف» ~~. ولأنه تخويف من الله تعالى، فينبغي أن يبادر إلى طاعة الله تعالى، ليكشفه ~~عن عباده (1468) فصل: ومقتضى مذهب ms0925 أحمد أنه يجوز أن يصلي صلاة الكسوف على ~~كل صفة رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كقوله في صلاة الخوف، إلا أن ~~اختياره من ذلك الصلاة على الصفة التي ذكرنا. # قال أحمد، - رحمه الله -: روى ابن عباس، وعائشة، في صلاة الكسوف أربع ~~ركعات وأربع سجدات، وأما علي فيقول: ست ركعات وأربع سجدات. فذهب إلى قول ~~ابن عباس وعائشة. وروي عن ابن عباس، أنه صلى ست ركعات وأربع سجدات. وكذلك ~~حذيفة. # وهذا قول إسحاق، وابن المنذر. وبعض أهل العلم قالوا: تجوز صلاة الكسوف ~~على كل صفة صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها، وقد روي عن عائشة ~~وابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ست ركعات، وأربع سجدات. ~~أخرجه مسلم. وروي عنه أنه صلى أربع ركعات، وسجدتين، في كل ركعة. رواه مسلم، ~~والدارقطني، بإسناده عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. # قال ابن المنذر: وروينا عن علي، وابن عباس، أنهما صليا هذه الصلاة. وحكي ~~عن إسحاق أنه قال: وجه الجمع بين هذه الأحاديث، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما كان يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس قد انجلت، فإذا انجلت سجد، ~~فمن هاهنا صارت زيادة الركعات، ولا يجاوز أربع ركعات في كل ركعة؛ لأنه لم ~~يأتنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ذلك. ### | [فصل صلاة الكسوف سنة] # (1469) فصل: وصلاة الكسوف سنة مؤكدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فعلها، وأمر بها، ووقتها من حين الكسوف إلى حين التجلي، فإن فاتت لم تقض؛ ~~لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال: إذا رأيتم ذلك فافزعوا ~~إلى الصلاة حتى تنجلي» . فجعل الانجلاء غاية للصلاة. ولأن الصلاة إنما سنت ~~رغبة إلى الله في ردها، فإذا حصل ذلك حصل مقصود الصلاة. # وإن انجلت وهو في الصلاة أتمها، وخففها. وإن استترت الشمس والقمر ~~بالسحاب، وهما منكسفان، صلى؛ لأن الأصل بقاء الكسوف. وإن غابت الشمس كاسفة، ~~أو طلعت على القمر وهو خاسف، لم ms0926 يصل؛ لأنه قد ذهب وقت الانتفاع بنورهما. ~~وإن غاب القمر ليلا، فقال القاضي: يصلي؛ لأنه لم يذهب وقت الانتفاع بنوره ~~وضوئه. ويحتمل أن لا يصلي؛ لأن ما يصلي له قد غاب، أشبه ما لو غابت الشمس. # وإن فرغ من الصلاة والكسوف قائم لم يزد، واشتغل بالذكر والدعاء؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزد على ركعتين. # PageV02P316 ### | [فصل اجتمع صلاتان كالكسوف مع غيره] # فصل: وإذا اجتمع صلاتان، كالكسوف مع غيره من الجمعة، أو العيد، أو صلاة ~~مكتوبة، أو الوتر، بدأ بأخوفهما فوتا، فإن خيف فوتهما بدأ بالصلاة الواجبة، ~~وإن لم يكن فيهما واجبة كالكسوف والوتر أو التراويح، بدأ بآكدهما، كالكسوف ~~والوتر، بدأ بالكسوف؛ لأنه آكد، ولهذا تسن له الجماعة، ولأن الوتر يقضى، ~~وصلاة الكسوف لا تقضى. فإن اجتمعت التراويح والكسوف، فبأيهما يبدأ؟ فيه ~~وجهان. هذا قول أصحابنا. # والصحيح عندي أن الصلوات الواجبة التي تصلى في الجماعة مقدمة على الكسوف ~~بكل حال؛ لأن تقديم الكسوف عليها يفضي إلى المشقة، لإلزام الحاضرين بفعلها ~~مع كونها ليست واجبة عليهم، وانتظارهم للصلاة الواجبة، مع أن فيهم الضعيف ~~والكبير وذا الحاجة. وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتخفيف الصلاة ~~الواجبة، كير لا يشق على المأمومين، فإلحاق المشقة بهذه الصلاة الطويلة ~~الشاقة، مع أنها غير واجبة، أولى. # وكذلك الحكم إذا اجتمعت مع التراويح، قدمت التراويح لذلك، وإن اجتمعت مع ~~الوتر في أول وقت الوتر، قدمت لأن الوتر لا يفوت، وإن خيف فوات الوتر قدم؛ ~~لأنه يسير يمكن فعله وإدراك وقت الكسوف، وإن لم يبق إلا قدر الوتر، فلا ~~حاجة بالتلبس بصلاة الكسوف؛ لأنها إنما تقع في وقت النهي. وإن اجتمع الكسوف ~~وصلاة الجنازة، قدمت الجنازة وجها واحدا؛ لأن الميت يخاف عليه، والله أعلم. ### | [فصل أدرك المأموم الإمام في الركوع الثاني في صلاة الكسوف] # (1471) فصل: إذا أدرك المأموم الإمام في الركوع الثاني، احتمل أن تفوته ~~الركعة. قال القاضي: لأنه قد فاته من الركعة ركوع، أشبه ما لو فاته الركوع ~~من غير هذه الصلاة. ويحتمل أن صلاته ms0927 تصح؛ لأنه يجوز أن يصلي هذه الصلاة ~~بركوع واحد، فاجتزئ به في حق المسبوق. والله أعلم. ### | [مسألة إذا كان الكسوف في غير وقت الصلاة] # (1472) مسألة؛ قال: (وإذا كان الكسوف في غير وقت الصلاة، جعل مكان الصلاة ~~تسبيحا، هذا ظاهر المذهب، لأن النافلة لا تفعل في أوقات النهي، سواء كان ~~لها سبب أو لم يكن) روي ذلك عن الحسن، وعطاء، وعكرمة بن خالد، وابن أبي ~~مليكة، وعمرو بن شعيب وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ومالك، وأبي حنيفة، ~~خلافا للشافعي. وقد مضى الكلام في هذا. ونص عليه أحمد. # قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الكسوف يكون في غير وقت الصلاة، ~~كيف يصنعون؟ قال: يذكرون الله، ولا يصلون إلا في وقت صلاة. قيل له: وكذلك ~~بعد الفجر؟ قال: نعم، لا يصلون. وروي عن قتادة، قال: انكسفت الشمس بعد ~~العصر، ونحن بمكة، فقاموا قياما يدعون، فسألت عن ذلك عطاء، قال: هكذا ~~يصنعون، فسألت عن ذلك الزهري، قال: هكذا يصنعون. # PageV02P317 # وروى إسماعيل بن سعيد، عن أحمد، أنهم يصلون الكسوف في أوقات النهي، قال ~~أبو بكر عبد العزيز: وبالأول أقول. # وهو أظهر القولين عندي، وقد تقدم الكلام في ذلك في بابه. ### | [فصل يصلي للزلزلة كصلاة الكسوف] # (1473) فصل: قال أصحابنا: يصلي للزلزلة كصلاة الكسوف. نص عليه. وهو مذهب ~~إسحاق، وأبي ثور. قال القاضي: ولا يصلي للرجفة، والريح الشديدة، والظلمة، ~~ونحوها. وقال الآمدي: يصلي لذلك، ولرمي الكواكب والصواعق وكثرة المطر. # وحكاه عن ابن أبي موسى. وقال أصحاب الرأي: الصلاة لسائر الآيات حسنة؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - علل الكسوف بأنه آية من آيات الله تعالى يخوف ~~بها عباده، وصلى ابن عباس للزلزلة بالبصرة. رواه سعيد. وقال مالك، ~~والشافعي: لا يصلي لشيء من الآيات سوى الكسوف؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يصل لغيره، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، وكذلك خلفاؤه. # ووجه الصلاة للزلزلة فعل ابن عباس، وغيرها لا يصلي له؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يصل لها، ms0928 ولا أحد من أصحابه، والله أعلم # PageV02P318 ### | [باب صلاة الاستسقاء] # صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة، ثابتة بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وخلفائه، - رضي الله عنهم -. (1474) مسألة؛ قال أبو القاسم، - رحمه الله -: ~~(وإذا أجدبت الأرض، واحتبس القطر، خرجوا مع الإمام، فكانوا في خروجهم، كما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «، أنه كان إذا خرج إلى الاستسقاء، ~~خرج متواضعا، متبذلا، متخشعا، متذللا، متضرعا» ) . # وجملة ذلك أن السنة الخروج لصلاة الاستسقاء على هذه الصفة المذكورة، ~~متواضعا لله تعالى، متبذلا، أي في ثياب البذلة، أي لا يلبس ثياب الزينة، ~~ولا يتطيب، لأنه من كمال الزينة، وهذا يوم تواضع واستكانة، ويكون متخشعا في ~~مشيه وجلوسه، في خضوع، متضرعا لله تعالى، متذللا له، راغبا إليه. قال ابن ~~عباس: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للاستسقاء متبذلا، متواضعا، ~~متخشعا، متضرعا، حتى أتى المصلى، فلم يخطب كخطبتكم هذه، ولكن لم يزل في ~~الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد» . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # ويستحب التنظيف بالماء، واستعمال السواك وما يقطع الرائحة، ويستحب الخروج ~~لكافة الناس، وخروج من كان ذا دين وستر وصلاح، والشيوخ أشد استحبابا، لأنه ~~أسرع للإجابة. فأما النساء فلا بأس بخروج العجائز، ومن لا هيئة لها، فأما ~~الشواب وذوات الهيئة، فلا يستحب لهن الخروج، لأن الضرر في خروجهن أكثر من ~~النفع. ولا يستحب إخراج البهائم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يفعله. # وإذا عزم الإمام على الخروج، استحب أن يعد الناس يوما يخرجون فيه، ~~ويأمرهم بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، والصيام، والصدقة، وترك ~~التشاحن؛ ليكون أقرب لإجابتهم، فإن المعاصي سبب الجدب، والطاعة تكون سببا ~~للبركات، قال الله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم ~~بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [الأعراف: ~~96] . ### | [مسألة صفة صلاة الاستسقاء] # (1475) مسألة؛ (قال: فيصلي بهم ركعتين) لا نعلم بين القائلين بصلاة ~~الاستسقاء خلافا في أنها ركعتان، واختلفت الرواية في صفتها، فروي أنه يكبر ~~فيهما كتكبير العيد سبعا ms0929 في الأولى، وخمسا في الثانية. وهو قول سعيد بن ~~المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وداود، ~~والشافعي. وحكي عن ابن عباس؛ وذلك لقول ابن عباس في حديثه: وصلى ركعتين، ~~كما كان يصلي في العيد. # وروى جعفر بن محمد، عن أبيه «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا ~~بكر، وعمر، كانوا يصلون صلاة الاستسقاء، يكبرون فيها سبعا وخمسا» . ~~والرواية الثانية، أنه يصلي ركعتين كصلاة التطوع. وهو مذهب مالك، # PageV02P319 # والأوزاعي، وأبي ثور، وإسحاق؛ لأن عبد الله بن زيد قال: استسقى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فصلى ركعتين، وقلب رداءه. متفق عليه. # وروى أبو هريرة نحوه. ولم يذكر التكبير، وظاهره أنه لم يكبر، وهذا ظاهر ~~كلام الخرقي، وكيفما فعل كان جائزا حسنا. وقال أبو حنيفة: لا تسن الصلاة ~~للاستسقاء، ولا الخروج لها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «استسقى على ~~المنبر يوم الجمعة، ولم يصل لها» ، واستسقى عمر بالعباس ولم يصل. # وليس هذا بشيء، فإنه قد ثبت بما رواه عبد الله بن زيد، وابن عباس، وأبو ~~هريرة أنه خرج وصلى، وما ذكروه لا يعارض ما رووه، لأنه يجوز الدعاء بغير ~~صلاة، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكروه لا يمنع فعل ما ذكرناه، ~~بل قد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمرين. قال ابن المنذر: ثبت أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الاستسقاء، وخطب. وبه قال عوام أهل ~~العلم إلا أبا حنيفة، وخالفه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، فوافقا سائر ~~العلماء، والسنة يستغنى بها عن كل قول. # ويسن أن يجهر بالقراءة؛ لما روى عبد الله بن زيد، قال: «خرج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ~~ركعتين، جهر فيهما بالقراءة» . متفق عليه. وإن قرأ فيهما ب {سبح اسم ربك ~~الأعلى} [الأعلى: 1] ، و {هل أتاك حديث الغاشية} [الغاشية: 1] فحسن لقول ~~ابن عباس: صلى ركعتين، كما كان يصلي في العيد. # وروى ابن قتيبة، في " غريب الحديث "، بإسناده عن ms0930 أنس، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خرج للاستسقاء، فتقدم فصلى بهم ركعتين، يجهر فيهما ~~بالقراءة، وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء، في الركعة الأولى بفاتحة ~~الكتاب، و " سبح اسم ربك الأعلى " وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب، و " ~~هل أتاك حديث الغاشية» . ### | [فصل ليس لصلاة الاستسقاء أذان ولا إقامة] # (1476) فصل: ولا يسن لها أذان ولا إقامة. ولا نعلم فيه خلافا. وقد روى ~~أبو هريرة، قال «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما يستسقي، فصلى ~~بنا ركعتين، بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا الله تعالى، وحول وجهه نحو ~~القبلة، رافعا يديه، وقلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على ~~الأيمن.» رواه الأثرم. ولأنها صلاة نافلة، فلم يؤذن لها كسائر النوافل. # قال أصحابنا: وينادى لها: الصلاة جامعة. كقولهم في صلاة العيد والكسوف. . # PageV02P320 ### | [فصل ليس لصلاة الاستسقاء وقت] # (1477) فصل: وليس لصلاة الاستسقاء وقت معين، إلا أنها لا تفعل في وقت ~~النهي بغير خلاف؛ لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي، ~~والأولى فعلها في وقت العيد؛ لما روت عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خرج حين بدا حاجب الشمس. رواه أبو داود. ولأنها تشبهها في الموضع ~~والصفة، فكذلك في الوقت، لأن وقتها لا يفوت بزوال الشمس، لأنها ليس لها يوم ~~معين، فلا يكون لها وقت معين. وقال ابن عبد البر: الخروج إليها عند زوال ~~الشمس، عند جماعة العلماء، إلا أبا بكر بن حزم. # وهذا على سبيل الاختيار، لا أنه يتعين فعلها فيه. ### | [مسألة في صلاة الاستسقاء خطبة] # (1478) مسألة؛ قال: (ثم يخطب، ويستقبل القبلة) اختلفت الرواية في الخطبة ~~للاستسقاء، وفي وقتها، والمشهور أن فيها خطبة بعد الصلاة. قال أبو بكر: ~~اتفقوا عن أبي عبد الله أن في صلاة الاستسقاء خطبة، وصعودا على المنبر. ~~والصحيح أنها بعد الصلاة. # وبهذا قال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن. قال ابن عبد البر: وعليه ~~جماعة الفقهاء؛ لقول أبي هريرة: صلى ركعتين، ثم خطبنا. ولقول ابن عباس: صنع ~~في الاستسقاء، كما صنع في العيدين. ولأنها ms0931 صلاة ذات تكبير، فأشبهت صلاة ~~العيد. والرواية الثانية، أنه يخطب قبل الصلاة. روي ذلك عن عمر، وابن ~~الزبير، وأبان بن عثمان، وهشام بن إسماعيل، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم. # وذهب إليه الليث بن سعد وابن المنذر؛ لما روى أنس وعائشة، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - خطب وصلى» . وعن عبد الله بن زيد، قال: «رأيت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - خرج يستسقي، فحول ظهره إلى الناس، واستقبل القبلة ~~يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة.» متفق عليه. # وروى الأثرم، بإسناده عن أبي الأسود، قال: أدركت أبان بن عثمان، وهشام بن ~~إسماعيل، وعمر بن عبد العزيز وأبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كانوا إذا ~~أرادوا أن يستسقوا، خرجوا للبراز، فكانوا يخطبون، ثم يدعون الله، ويحولون ~~وجوههم إلى القبلة حين يدعون، ثم يحول أحدهم رداءه من الجانب الأيمن على ~~الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، وينزل أحدهم فيقرأ في الركعتين، يجهر ~~بهم. # الرواية الثالثة، هو مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها؛ لورود الأخبار ~~بكلا الأمرين، ودلالتها على كلتا الصفتين، فيحتمل أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فعل الأمرين. والرابعة، أنه لا يخطب، وإنما يدعو ويتضرع؛ لقول ابن ~~عباس: لم يخطب كخطبتكم هذه، لكن لم يزل في الدعاء # PageV02P321 # والتضرع. وأيا ما فعل من ذلك فهو جائز؛ لأن الخطبة غير واجبة، على ~~الروايات كلها، فإن شاء فعلها، وإن شاء تركها. # والأولى أن يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة؛ لتكون كالعيد، وليكونوا قد فرغوا ~~من الصلاة إن أجيب دعاؤهم فأغيثوا، فلا يحتاجون إلى الصلاة في المطر. وقول ~~ابن عباس: لم يخطب كخطبتكم هذه. نفي للصفة لا لأصل الخطبة، أي لم يخطب ~~كخطبتكم هذه، إنما كان جل خطبته الدعاء والتضرع والتكبير ### | [مسألة للخطيب استقبال القبلة في أثناء الخطبة لصلاة الاستسقاء] # (1479) مسألة؛ قال: (ويستقبل القبلة، ويحول رداءه، فيجعل اليمين يسارا، ~~واليسار يمينا، ويفعل الناس كذلك) وجملته أنه يستحب للخطيب استقبال القبلة ~~في أثناء الخطبة؛ لما روى عبد الله بن زيد ms0932 «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- خرج يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو.» رواه البخاري. وفي لفظ: «فحول إلى ~~الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو» . # ويستحب أن يدعو سرا حال استقبال القبلة، فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ~~ووعدتنا إجابتك، فقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، اللهم ~~فامنن علينا بمغفرة ذنوبنا، وإجابتنا في سقيانا، وسعة أرزاقنا. ثم يدعو بما ~~شاء من أمر دين ودنيا. وإنما يستحب الإسرار؛ ليكون أقرب من الإخلاص، وأبلغ ~~في الخشوع والخضوع والتضرع، وأسرع في الإجابة، قال الله تعالى: {ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] . # واستحب الجهر ببعضه؛ ليسمع الناس، فيؤمنون على دعائه. ويستحب أن يحول ~~رداءه في حال استقبال القبلة؛ لأن في حديث عبد الله بن زيد، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «يوم خرج يستسقي، فحول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة، ~~ثم حول رداءه» . متفق عليه. وهذا لفظ رواه البخاري. وفي لفظ رواه مسلم: ~~«فحول رداءه حين استقبل القبلة» . وفي لفظ: «وقلب رداءه» . متفق عليه. # ويستحب تحويل الرداء للإمام والمأموم، في قول أكثر أهل العلم. وقال أبو ~~حنيفة: لا يسن؛ لأنه دعاء، فلا يستحب تحويل الرداء فيه، كسائر الأدعية. ~~وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع. وحكي عن سعيد بن ~~المسيب، وعروة، والثوري، أن تحويل الرداء مختص بالإمام دون المأموم. # وهو قول الليث، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، لأنه نقل عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - دون أصحابه. ولنا، أن ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ثبت في حق غيره، ما لم يقم على اختصاصه به دليل، كيف وقد عقل المعنى في ~~ذلك، وهو التفاؤل بقلب الرداء، ليقلب الله ما بهم من الجدب إلى الخصب، وقد ~~جاء ذلك # PageV02P322 # في بعض الحديث. وصفة تقليب الرداء أن يجعل ما على اليمين على اليسار، وما ~~على اليسار على اليمين. # روي ذلك عن أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، وهشام بن إسماعيل، وأبي ~~بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ومالك. وكان الشافعي يقول به، ثم ms0933 رجع، فقال: ~~يجعل أعلاه أسفله؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى وعليه خميصة ~~سوداء، فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها، فلما ثقلت عليه جعل العطاف الذي على ~~الأيسر على عاتقه الأيمن، والذي على الأيمن على عاتقه الأيسر.» رواه أبو ~~داود. # ودليلنا ما روى أبو داود، بإسناده عن عبد الله بن زيد، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حول رداءه، وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل ~~عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن» . وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك. والزيادة ~~التي نقلوها، إن ثبتت، فهي ظن الراوي، لا يترك لها فعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد نقل تحويل الرداء جماعة، لم ينقل أحد منهم أنه جعل أعلاه ~~أسفله، ويبعد أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك ذلك في جميع ~~الأوقات لثقل الرداء. ### | [فصل رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء] # (1480) فصل: ويستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء؛ لما روى البخاري، عن ~~أنس، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرفع يديه في شيء من ~~دعائه، إلا الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه.» وفي حديث أيضا لأنس: ~~«فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - ورفع الناس أيديهم» . ### | [مسألة يدعو ويدعون ويكثرون في دعائهم الاستغفار في صلاة الاستسقاء] # (1481) مسألة؛ قال: (ويدعو، ويدعون، ويكثرون في دعائهم الاستغفار) وجملته ~~أن الإمام إذا صعد المنبر جلس، وإن شاء لم يجلس؛ لأن الجلوس لم ينقل، ولا ~~هاهنا أذان ليجلس في وقته، ثم يخطب خطبة واحدة، يفتتحها بالتكبير، وبهذا ~~قال عبد الرحمن بن مهدي. وقال مالك، والشافعي: يخطب خطبتين كخطبتي العيدين؛ ~~لقول ابن عباس: صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما صنع في العيد. ولأنها ~~أشبهتها في التكبير، وفي صفة الصلاة، فتشبهها في الخطبتين. # ولنا، قول ابن عباس: لم يخطب كخطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع ~~والتكبير. وهذا يدل على أنه ما فصل بين ذلك بسكوت ولا جلوس. ولأن كل من نقل ~~الخطبة لم ينقل خطبتين، ولأن المقصود إنما هو دعاء الله تعالى ليغيثهم، ولا ~~أثر ms0934 لكونها خطبتين في ذلك، والصحيح من حديث ابن عباس أنه قال: صلى ركعتين، ~~كما كان يصلي في العيد. ولو كان النقل كما ذكروه، فهو محمول على الصلاة، ~~بدليل أول الحديث. # ويستحب أن يستفتح الخطبة بالتكبير، كخطبة العيد، ويكثر من الاستغفار ~~والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقرأ كثيرا: {استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا} [نوح: 10] {يرسل السماء عليكم مدرارا} [نوح: 11] وسائر الآيات ~~التي فيها الأمر به، فإن الله تعالى وعدهم بإرسال الغيث إذا استغفروه. # PageV02P323 # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، ~~وقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء. # وعن عمر بن عبد العزيز، أنه كتب إلى ميمون بن مهران يقول: قد كتبت إلى ~~البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء إلى موضع كذا وكذا، وأمرتهم بالصدقة ~~والصلاة، قال الله تعالى: {قد أفلح من تزكى} [الأعلى: 14] {وذكر اسم ربه ~~فصلى} [الأعلى: 15] . وأمرتهم أن يقولوا كما قال أبوهم آدم: {ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] . ~~ويقولوا كما قال نوح: {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 47] . ~~ويقولوا كما قال يونس: {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ~~من الظالمين} [الأنبياء: 87] . ويقولوا كما قال موسى: {رب إني ظلمت نفسي ~~فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} [القصص: 16] . # ولأن المعاصي سبب انقطاع الغيث، والاستغفار والتوبة تمحو المعاصي المانعة ~~من الغيث، فيأتي الله به. # ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو بدعائه، فروى جابر «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا ~~نافعا غير ضار عاجلا غير آجل» . رواه أبو داود. قال الخطابي: مريعا يروى ~~على وجهين بالياء والباء، فمن رواه بالياء جعله من المراعة، يقال: أمرع ~~المكان: إذا أخصب، ومن رواه مربعا، كان معناه منبتا للربيع. # وعن عائشة قالت: «شكا الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قحوط ~~المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج ~~رسول الله ms0935 - صلى الله عليه وسلم - حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، ~~فكبر، وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان ~~زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: ~~{الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 3] {مالك ~~يوم الدين} [الفاتحة: 4] لا إله إلا هو يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا ~~إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة ~~وبلاغا إلى حين. ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول ~~إلى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ~~فنزل، فصلى ركعتين» . وقال عبد الله بن عمرو: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا استسقى، قال: اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي ~~بلدك الميت» . رواهما أبو داود. # PageV02P324 # روى ابن قتيبة، بإسناده في " غريب الحديث "، عن أنس: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «خرج للاستسقاء، فصلى بهم ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة، وكان ~~يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب، و " سبح اسم ~~ربك الأعلى "، وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب، و " هل أتاك حديث الغاشية ~~"، فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه، وقلب رداءه، ورفع يديه، وكبر تكبيرة ~~قبل أن يستسقي، ثم قال: اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا غيثا مغيثا، وحيا ~~ربيعا، وجدا طبقا غدقا مغدقا مونقا، هنيئا مريئا مريعا مربعا مرتعا، سائلا ~~مسبلا مجللا، ديما درورا، نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث؛ اللهم تحيي به ~~البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد، اللهم أنزل في ~~أرضنا زينتها، وأنزل علينا في أرضنا سكنها، اللهم أنزل علينا من السماء ماء ~~طهورا، فأحيي به بلدة ميتا، وأسقه مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا.» # قال ابن قتيبة: المغيث: المحيي بإذن الله تعالى. والحيا: الذي تحيا به ~~الأرض والمال. والجدا: المطر العام، ومنه أخذ جدا العطية، والجدوى مقصور. ~~والطبق: الذي يطبق الأرض. والغدق والمغدق: الكثير القطر. والمونق: ms0936 المعجب. ~~والمريع: ذو المراعة والخصب. والمربع من قولك: ربعت مكان كذا: إذا أقمت به. ~~واربع على نفسك: ارفق. # والمرتع: من رتعت الإبل، إذا أرعت. والسابل: من السبل، وهو المطر. يقال ~~سبل سابل، كما يقال: مطر ماطر. والرائث: البطيء. والسكن: القوة، لأن الأرض ~~تسكن به. # وروي عن عبد الله بن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ~~استسقى، قال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا، هنيئا مريعا، غدقا مجللا، طبقا سحا ~~دائما، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد ~~والبلاد من اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا ~~الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، ~~اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه ~~غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا» # PageV02P325 ### | [فصل شرط صلاة الاستسقاء] # (1482) فصل: وهل من شرط هذه الصلاة إذن الإمام؟ على روايتين: إحداهما، لا ~~يستحب إلا بخروج الإمام، أو رجل من قبله. قال أبو بكر: فإذا خرجوا بغير إذن ~~الإمام دعوا، وانصرفوا بلا صلاة ولا خطبة. نص عليه أحمد. وعنه أنهم يصلون ~~لأنفسهم، ويخطب بهم أحدهم. فعلى هذه الرواية يكون الاستسقاء مشروعا في حق ~~كل أحد؛ مقيم، ومسافر، وأهل القرى، والأعراب؛ لأنها صلاة نافلة، فأشبهت ~~صلاة الكسوف. # ووجه الرواية الأولى، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بها، ~~وإنما فعلها على صفة، فلا يتعدى تلك الصفة، وهو أنه صلاها بأصحابه، وكذلك ~~خلفاؤه ومن بعدهم، فلا تشرع إلا في مثل تلك الصفة. ### | [فصل يستسقي بمن ظهر صلاحه] # (1483) فصل: ويستحب أن يستسقى بمن ظهر صلاحه؛ لأنه أقرب إلى إجابة ~~الدعاء، فإن عمر - رضي الله عنه - استسقى بالعباس عم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا ~~عم نبيك - صلى الله عليه وسلم - نتوجه إليك به فاسقنا. فما برحوا حتى سقاهم ~~الله عز وجل. # وروي أن معاوية خرج يستسقي، فلما جلس ms0937 على المنبر، قال: أين يزيد بن ~~الأسود الجرشي؟ فقام يزيد، فدعاه معاوية، فأجلسه عند رجليه، ثم قال: اللهم ~~إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد، ارفع يديك. فرفع ~~يديه، ودعا الله تعالى، فثارت في الغرب سحابة مثل الترس، وهب لها ريح، ~~فسقوا حتى كادوا لا يبلغون منازلهم. واستسقى به الضحاك مرة أخرى. ### | [مسألة كم مرة يخرجون للاستسقاء] # مسألة؛ قال: (فإن سقوا، وإلا عادوا في اليوم الثاني والثالث) وبهذا قال ~~مالك، والشافعي. وقال إسحاق: لا يخرجون إلا مرة واحدة؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يخرج إلا مرة واحدة، ولكن يجتمعون في مساجدهم، فإذا ~~فرغوا من الصلاة ذكروا الله تعالى، ودعوا، ويدعو الإمام يوم الجمعة على ~~المنبر، ويؤمن الناس. ولنا، أن هذا أبلغ في الدعاء والتضرع، وقد جاء عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» . # وأما النبي فلم يخرج ثانيا؛ لاستغنائه عن الخروج بإجابته أول مرة، ~~والخروج في المرة الأولى آكد مما بعدها؛ لورود السنة به. # PageV02P326 ### | [فصل الدعاء عند نزول الغيث] # (1485) فصل: وإن تأهبوا للخروج، فسقوا قبل خروجهم، لم يخرجوا، وشكروا ~~الله على نعمته، وسألوه المزيد من فضله، وإن خرجوا فسقوا قبل أن يصلوا، ~~صلوا شكرا لله تعالى، وحمدوه ودعوه. ويستحب الدعاء عند نزول الغيث؛ لما روي ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اطلبوا استجابة الدعاء عند ثلاث: ~~عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث» . وعن عائشة - رضي الله ~~عنها - «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى المطر، قال: صيبا ~~نافعا» . رواه البخاري. ### | [فصل يستحب أن يقف في أول المطر ويخرج رحله ليصيبه المطر] # (1486) فصل: ويستحب أن يقف في أول المطر، ويخرج رحله؛ ليصيبه المطر؛ لما ~~روى أنس «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينزل عن منبره حتى رأينا ~~المطر يتحادر عن لحيته.» رواه البخاري. وعن ابن عباس، أنه كان إذا أمطرت ~~السماء قال لغلامه. أخرج رحلي وفراشي يصبه المطر. # ويستحب أن يتوضأ من ماء المطر ms0938 إذا سال السيل؛ لما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أنه كان إذا سال السيل يقول: اخرجوا بنا إلى هذا الذي ~~جعله الله طهورا، فنتطهر» . ### | [فصل يستحب أن يستسقوا عقيب صلواتهم] # (1487) فصل: ويستحب أن يستسقوا عقيب صلواتهم، ويوم الجمعة يدعو الإمام ~~على المنبر، ويؤمن الناس. قال القاضي: الاستسقاء ثلاثة أضرب، أكملها الخروج ~~والصلاة على ما وصفنا. ويليه استسقاء الإمام يوم الجمعة على المنبر؛ لما ~~روي، «أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يخطب، فاستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما، ثم قال: يا رسول ~~الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغثنا. فرفع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يديه، فقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» . # «قال أنس: ولا والله ما يرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيء، وما ~~بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما ~~توسطت السماء، انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل من ~~ذلك الباب رجل في الجمعة المقبلة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب، ~~فاستقبله قائما، وقال يا رسول الله، هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع ~~الله أن يمسكها عنا. قال فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه، ~~وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، # PageV02P327 # اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر. قال: فانقطعت، ~~وخرجنا نمشي في الشمس» . متفق عليه. # والثالث أن يدعو الله تعالى عقيب صلواتهم، وفي خلواتهم. ### | [فصل كثر المطر بعد طلب الاستسقاء] # (1488) فصل: وإذا كثر المطر بحيث يضرهم أو مياه العيون، دعوا الله تعالى ~~أن يخففه، ويصرف عنهم مضرته، ويجعله في أماكن تنفع ولا تضر، كدعاء النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الفصل الذي قبل هذا، ولأن الضرر بزيادة المطر أحد ~~الضررين، فيستحب الدعاء لإزالته كانقطاعه. ### | [مسألة خرج أهل الذمة لصلاة الاستسقاء مع المسلمين] # (1489) مسألة؛ قال: (وإن خرج معهم أهل الذمة لم يمنعوا وأمروا أن يكونوا ~~منفردين عن المسلمين) وجملته أنه لا ms0939 يستحب إخراج أهل الذمة؛ لأنهم أعداء ~~الله الذين كفروا به، وبدلوا نعمته كفرا، فهم بعيدون من الإجابة، وإن أغيث ~~المسلمون فربما قالوا: هذا حصل بدعائنا وإجابتنا. # وإن خرجوا لم يمنعوا؛ لأنهم يطلبون أرزاقهم من ربهم، فلا يمنعون من ذلك، ~~ولا يبعد أن يجيبهم الله تعالى؛ لأنه قد ضمن أرزاقهم في الدنيا، كما ضمن ~~أرزاق المؤمنين، ويؤمروا بالانفراد عن المسلمين؛ لأنه لا يؤمن أن يصيبهم ~~عذاب، فيعم من حضرهم، فإن قوم عاد استسقوا، فأرسل الله عليهم ريحا صرصرا، ~~فأهلكتهم. فإن قيل: فينبغي أن يمنعوا الخروج يوم يخرج المسلمون؛ لئلا يظنوا ~~أن ما حصل من السقيا بدعائهم. # قلنا: ولا يؤمن أن يتفق نزول الغيث يوم يخرجون وحدهم، فيكون أعظم ~~لفتنتهم، وربما افتتن غيرهم بهم. # PageV02P328 ### | [باب الحكم في من ترك الصلاة] ### | [مسألة ترك الصلاة وهو بالغ عاقل جاحدا لها أو غير جاحد] # (1490) مسألة؛ قال: (ومن ترك الصلاة، وهو بالغ عاقل، جاحدا لها، أو غير ~~جاحد، دعي إليها في وقت كل صلاة، ثلاثة أيام، فإن صلى، وإلا قتل) وجملة ذلك ~~أن تارك الصلاة لا يخلو؛ إما أن يكون جاحدا لوجوبها، أو غير جاحد، فإن كان ~~جاحدا لوجوبها نظر فيه، فإن كان جاهلا به، وهو ممن يجهل ذلك، كالحديث ~~الإسلام، والناشئ ببادية، عرف وجوبها، وعلم ذلك، ولم يحكم بكفره؛ لأنه ~~معذور. # وإن لم يكن ممن يجهل ذلك، كالناشئ من المسلمين في الأمصار والقرى، لم ~~يعذر، ولم يقبل منه ادعاء الجهل، وحكم بكفره؛ لأن أدلة الوجوب ظاهرة في ~~الكتاب والسنة، والمسلمون يفعلونها على الدوام، فلا يخفى وجوبها على من هذا ~~حاله، فلا يجحدها إلا تكذيبا لله تعالى ولرسوله وإجماع الأمة، وهذا يصير ~~مرتدا عن الإسلام، وحكمه حكم سائر المرتدين، في الاستتابة والقتل، ولا أعلم ~~في هذا خلافا. وإن تركها لمرض، أو عجز عن أركانها وشروطها، قيل له: إن ذلك ~~لا يسقط الصلاة، وإنه يجب عليه أن يصلي على حسب طاقته. # وإن تركها تهاونا أو كسلا، دعي إلى فعلها، وقيل له: إن صليت، وإلا ~~قتلناك. فإن صلى، ms0940 وإلا وجب قتله. ولا يقتل حتى يحبس ثلاثا، ويضيق عليه ~~فيها، ويدعى في وقت كل صلاة إلى فعلها، ويخوف بالقتل، فإن صلى، وإلا قتل ~~بالسيف. وبهذا قال مالك، وحماد بن زيد، ووكيع والشافعي. وقال الزهري: يضرب ~~ويسجن. وبه قال أبو حنيفة، قال: ولا يقتل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد ~~إحصان، أو قتل نفس بغير حق» . متفق عليه. # وهذا لم يصدر منه أحد الثلاثة. فلا يحل دمه. وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» . متفق عليه. ولأنه فرع من فروع ~~الدين. فلا يقتل بتركه كالحج، ولأن القتل لو شرع لشرع زجرا عن ترك الصلاة، ~~ولا يجوز شرع زاجر تحقق المزجور عنه، والقتل يمنع فعل الصلاة دائما، فلا ~~يشرع، ولأن الأصل تحريم الدم، فلا تثبت الإباحة إلا بنص أو معنى نص. # والأصل عدمه. ولنا، قول الله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] إلى ~~قوله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] . # PageV02P329 # فأباح قتلهم، وشرط في تخلية سبيلهم التوبة، وهي الإسلام، وإقام الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، فمتى ترك الصلاة متعمدا لم يأت بشرط تخليته، فيبقى على وجوب ~~القتل، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت ~~منه الذمة» . وهذا يدل على إباحة قتله، وقال - عليه السلام -: «بين العبد ~~وبين الكفر ترك الصلاة» . رواه مسلم. # والكفر مبيح للقتل، وقال - عليه السلام -: «نهيت عن قتل المصلين» . ~~فمفهومه أن غير المصلين يباح قتلهم. ولأنها ركن من أركان الإسلام لا تدخله ~~النيابة بنفس ولا مال، فوجب أن يقتل تاركه كالشهادة، وحديثهم حجة لنا؛ لأن ~~الخبر الذي رويناه يدل على أن تركها كفر، والحديث الآخر استثنى منه «إلا ~~بحقها» . والصلاة من حقها. وعن أنس، قال: قال أبو بكر: إنما قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إذا شهدوا أن لا إله إلا ms0941 الله، وأن محمدا رسول ~~الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة.» رواه الدارقطني. # ثم إن أحاديثنا خاصة، فنخص بها عموم ما ذكروه، ولا يصح قياسها على الحج؛ ~~لأن الحج مختلف في جواز تأخيره، ولا يجب القتل بفعل مختلف فيه. وقولهم: إن ~~هذا يفضي إلى ترك الصلاة بالكلية. قلنا: الظاهر أن من يعلم أنه يقتل إن ترك ~~الصلاة لا يتركها، سيما بعد استتابته ثلاثة أيام، فإن تركها بعد هذا كان ~~ميئوسا من صلاته، فلا فائدة في بقائه، ولا يكون القتل هو المفوت له، ثم لو ~~فات به احتمال الصلاة، لحصل به صلاة ألف إنسان، وتحصيل ذلك بتفويت احتمال ~~صلاة واحدة لا يخالف الأصل. # إذا ثبت هذا فظاهر كلام الخرقي أنه يجب قتله بترك صلاة واحدة، وهي إحدى ~~الروايتين عن أحمد؛ لأنه تارك للصلاة، فلزم قتله، كتارك ثلاث، ولأن الأخبار ~~تتناول تارك صلاة واحدة، لكن لا يثبت الوجوب حتى يضيق وقت التي بعدها؛ لأن ~~الأولى لا يعلم تركها إلا بفوات وقتها، فتصير فائتة لا يجب القتل بفواتها، ~~فإذا ضاق وقتها علم أنه يريد تركها، فوجب قتله. # والثانية: لا يجب قتله حتى يترك ثلاث صلوات، ويضيق وقت الرابعة عن فعلها؛ ~~لأنه قد يترك الصلاة والصلاتين لشبهة، فإذا تكرر ذلك ثلاثا. تحقق أنه تارك ~~لها رغبة عنها، ويعتبر أن يضيق وقت الرابعة عن فعلها؛ لما ذكرنا. وحكى ابن ~~حامد، عن أبي إسحاق بن شاقلا، أنه إن ترك صلاة لا تجمع إلى ما بعدها، كصلاة ~~الفجر والعصر، وجب قتله، وإن ترك الأولى من صلاتي الجمع، لم يجب قتله؛ لأن ~~الوقتين كالوقت الواحد عند بعض العلماء. # وهذا قول حسن. واختلفت الرواية، هل يقتل لكفره، أو حدا؟ فروي أنه يقتل ~~لكفره كالمرتد، فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يدفن بين المسلمين، ولا يرثه أحد، ~~ولا يرث أحدا، اختارها أبو إسحاق بن شاقلا وابن حامد، وهو مذهب الحسن، ~~والنخعي، والشعبي، وأيوب السختياني، والأوزاعي، وابن # PageV02P330 # المبارك وحماد بن زيد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «بين العبد ms0942 وبين الكفر ترك الصلاة» . وفي لفظ عن جابر، ~~قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن بين الرجل وبين ~~الشرك ترك الصلاة» . وعن بريدة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «بيننا وبينهم ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر» رواهن مسلم # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، ~~وآخر ما تفقدون الصلاة» . قال أحمد: كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء. وقال ~~عمر - رضي الله عنه -: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. # وقال علي - رضي الله عنه -: من لم يصل فهو كافر. وقال ابن مسعود: من لم ~~يصل فلا دين له. وقال عبد الله بن شقيق: لم يكن أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يرون شيئا من الأعمال، تركه كفر، غير الصلاة. ولأنها عبادة ~~يدخل بها في الإسلام، فيخرج بتركها منه كالشهادة. والرواية الثانية، يقتل ~~حدا، مع الحكم بإسلامه، كالزاني المحصن، وهذا اختيار أبي عبد الله بن بطة، ~~وأنكر قول من قال: إنه يكفر. وذكر أن المذهب على هذا، لم يجد في المذهب ~~خلافا فيه. # وهذا قول أكثر الفقهاء، وقول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي. # وروي عن حذيفة أنه قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى معهم من الإسلام إلا ~~قول لا إله إلا الله. فقيل له: وما ينفعهم؟ قال: تنجيهم من النار، لا أبا ~~لك. وعن والان، قال: انتهيت إلى داري، فوجدت شاة مذبوحة، فقلت: من ذبحها؟ ~~قالوا: غلامك. قلت: والله إن غلامي لا يصلي، فقال النسوة: نحن علمناه، ~~يسمي، فرجعت إلى ابن مسعود، فسألته عن ذلك، فأمرني بأكلها. # والدليل على هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله حرم على ~~النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» . وعن أبي ذر، قال: ~~أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ما من عبد قال لا إله إلا ~~الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة» . # وعن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله - صلى ms0943 الله عليه وسلم - يقول: ~~«من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ~~ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله ~~الله الجنة على ما كان من عمل» . وعن أنس، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من ~~الخير ما يزن برة» . متفق على هذه الأحاديث كلها، ومثلها كثير. # وعن عبادة بن الصامت، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خمس صلوات ~~كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة، فمن جاء بهن، لم يضيع منهن شيئا ~~استخفافا بحقهن، # PageV02P331 # كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله ~~عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة» . ولو كان كافرا لم يدخله في ~~المشيئة. # وقال الخلال، في " جامعه ": ثنا يحيى، ثنا عبد الوهاب، ثنا هشام بن حسان، ~~عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي شميلة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- خرج إلى قباء فاستقبله رهط من الأنصار يحملون جنازة على باب، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: ما هذا؟ قالوا: مملوك لآل فلان، كان من أمره. قال: ~~أكان يشهد أن لا إله إلا الله؟ قالوا: نعم، ولكنه كان وكان. فقال لهم: أما ~~كان يصلي؟ فقالوا: قد كان يصلي ويدع. فقال لهم: ارجعوا به، فغسلوه، وكفنوه، ~~وصلوا عليه، وادفنوه، والذي نفسي بيده، لقد كادت الملائكة تحول بيني وبينه» ~~. # وروى بإسناده، عن عطاء، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «صلوا على من قال لا إله إلا الله» . # ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإنا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدا من تاركي ~~الصلاة ترك تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثته ~~ميراثه، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فرق بين زوجين لترك الصلاة من أحدهما؛ ~~مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافرا ms0944 لثبتت هذه الأحكام كلها، ولا نعلم بين ~~المسلمين خلافا في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، ولو كان مرتدا لم يجب ~~عليه قضاء صلاة ولا صيام. # وأما الأحاديث المتقدمة فهي على سبيل التغليظ، والتشبيه له بالكفار، لا ~~على الحقيقة، كقوله - عليه السلام -: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» . ~~وقوله: «كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق» . وقوله: «من قال لأخيه يا كافر. ~~فقد باء بها أحدهما» . وقوله: «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها، فقد كفر ~~بما أنزل على محمد» . قال: «ومن قال: مطرنا بنوء الكواكب. فهو كافر بالله، ~~مؤمن بالكواكب» . وقوله: «من حلف بغير الله فقد أشرك» . # وقوله: «شارب الخمر كعابد وثن» . وأشباه هذا مما أريد به التشديد في ~~الوعيد، وهو أصوب القولين، والله أعلم. # PageV02P332 ### | [فصل ترك شرطا مجمعا على صحته أو ركنا كالطهارة والركوع والسجود] # (1491) فصل: ومن ترك شرطا مجمعا على صحته، أو ركنا، كالطهارة والركوع ~~والسجود، فهو كتاركها، حكمه حكمه؛ لأن الصلاة مع ذلك وجودها كعدمها. وإن ~~ترك مختلفا فيه، كإزالة النجاسة، وقراءة الفاتحة، والطمأنينة، والاعتدال ~~بين الركوع والسجود، أو بين السجدتين، معتقدا جواز ذلك، فلا شيء عليه. # وإن تركه معتقدا تحريمه، لزمه إعادة الصلاة. ولا يقتل من أجل ذلك بحال؛ ~~لأنه مختلف فيه، فأشبه المتزوج بغير ولي، وسارق مال له فيه شبهة والله ~~أعلم. # PageV02P333 ### | [كتاب الجنائز] # يستحب للإنسان ذكر الموت والاستعداد له، فإنه روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات، فما ذكر في كثير إلا ~~قلله، ولا في قليل إلا كثره» . روى البخاري أوله. وإذا مرض استحب له أن ~~يصبر، ويكره الأنين؛ لما روي عن طاوس أنه كرهه. # ولا يتمنى الموت لضر نزل به؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولا ~~يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، وليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا ~~لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي» . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ~~ويحسن ظنه بربه تعالى، قال جابر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0945 - ~~«يقول قبل موته بثلاث: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى» . ~~رواه مسلم، وأبو داود. # وقال معتمر عن أبيه، إنه قال له عند موته: حدثني بالرخص. ### | [فصل عيادة المريض] # (1492) فصل: ويستحب عيادة المريض، قال البراء: أمرنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - باتباع الجنائز، وعيادة المريض. رواه البخاري، ومسلم. وعن ~~علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من رجل ~~يعود مريضا ممسيا، إلا خرج معه سبعون ألف ملك، يستغفرون له حتى يصبح، وكان ~~له خريف في الجنة، ومن أتاه مصبحا، خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى ~~يمسي، وكان له خريف في الجنة.» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. # وإذا دخل على المريض دعا له، ورقاه. قال ثابت لأنس: يا أبا حمزة، اشتكيت. ~~قال أنس، أفلا أرقيك برقية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: بلى. ~~قال «اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، شفاء لا يغادر سقما» . ~~وروى أبو سعيد، قال: «أتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ~~محمد، اشتكيت؟ قال: نعم. قال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل ~~نفس وعين حاسدة الله يشفيك» . وقال أبو زرعة: كلا هذين الحديثين صحيح. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دخلتم على المريض فنفسوا ~~له في الأجل؛ فإنه لا يرد من قضاء الله شيئا، وإنه يطيب نفس المريض» . رواه ~~ابن ماجه. ويرغبه في التوبة والوصية؛ لما روى ابن عمر، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، وله شيء يوصي فيه، إلا ~~ووصيته مكتوبة عنده» . متفق عليه # PageV02P334 ### | [فصل يستحب أن يلي المريض مرض الموت أرفق أهله به وأعلمهم بسياسته] # (1493) فصل: ويستحب أن يلي المريض أرفق أهله به، وأعلمهم بسياسته، ~~وأتقاهم لله عز وجل؛ ليذكره الله تعالى، والتوبة من المعاصي، والخروج من ~~المظالم، والوصية. وإذا رآه منزولا به تعهد بل حلقه، بتقطير ماء أو شراب ~~فيه، ويندي شفتيه بقطنة، ms0946 ويستقبل به القبلة؛ لقول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «خير المجالس ما استقبل به القبلة» . ويلقنه قول " لا إله إلا ~~الله "؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لقنوا موتاكم لا إله إلا ~~الله» . رواه مسلم. # وقال الحسن: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ ~~قال: «أن تموت يوم تموت ولسانك رطب من ذكر الله» . رواه سعيد. ويكون ذلك في ~~لطف ومداراة، ولا يكرر عليه، ولا يضجره، إلا أن يتكلم بشيء، فيعيد تلقينه؛ ~~لتكون لا إله إلا الله آخر كلامه نص على هذا أحمد، وروي عن عبد الله بن ~~المبارك، أنه لما حضره الموت جعل رجل يلقنه " لا إله إلا الله " فأكثر ~~عليه؛ فقال له عبد الله: إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم، قال ~~الترمذي: إنما أراد عبد الله ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» . رواه أبو داود، ~~بإسناده. # وروى سعيد، بإسناده، عن معاذ بن جبل أنه لما حضرته الوفاة، قال: أجلسوني. ~~فلما أجلسوه قال: كلمة سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنت ~~أخبؤها، ولولا ما حضرني من الموت ما أخبرتكم بها، سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «من كان آخر كلامه عند الموت أشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، إلا هدمت ما كان قبلها من الخطايا والذنوب، فلقنوها ~~موتاكم فقيل: يا رسول الله، فكيف هي للأحياء؟ قال هي أهدم وأهدم» . # قال أحمد: ويقرءون عند الميت إذا حضر، ليخفف عنه بالقراءة، يقرأ {يس} ~~[يس: 1] ، وأمر بقراءة فاتحة الكتاب. وروى سعيد، حدثنا فرج بن فضالة، عن ~~أسد بن وداعة، قال: لما حضر غضيف بن حارث الموت، حضره إخوانه، فقال: هل ~~فيكم من يقرأ سورة (يس) ؟ قال رجل من القوم: نعم. قال: اقرأ، ورتل، ~~وأنصتوا. فقرأ، ورتل. وأسمع القوم، فلما بلغ {فسبحان الذي بيده ملكوت كل ~~شيء وإليه ترجعون} [يس: 83] . خرجت نفسه. قال ms0947 أسد بن وداعة: فمن حضر منكم ~~الميت، فشدد عليه الموت، فليقرأ عنده سورة (يس) ، فإنه يخفف عنه الموت. ### | [مسألة التوجيه إلى القبلة للمريض مرض الموت] # (1494) مسألة؛ قال أبو القاسم: " (وإذا تيقن الموت، وجه إلى القبلة، ~~وغمضت عيناه، وشد لحياه، لئلا يسترخي فكه، وجعل على بطنه مرآة أو غيرها؛ ~~لئلا يعلو بطنه) # PageV02P335 # قوله: " إذا تيقن الموت " يحتمل أنه أراد حضور الموت؛ لأن التوجيه إلى ~~القبلة يستحب تقديمه على الموت، واستحبه عطاء، والنخعي، ومالك، وأهل ~~المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، وإسحاق، وأنكره سعيد بن المسيب، فإنهم لما ~~أرادوا أن يحولوه إلى القبلة، قال: ما لكم؟ قالوا: نحولك إلى القبلة. # قال: ألم أكن على القبلة إلى يومي هذا؟ والأول أولى؛ لأن حذيفة قال: ~~وجهوني. ولأن فعلهم ذلك بسعيد دليل على أنه كان مشهورا بينهم، يفعله ~~المسلمون كلهم بموتاهم، ولأن خير المجالس ما استقبل به القبلة. ويحتمل أن ~~الخرقي أراد تيقن وجود الموت، لأن سائر ما ذكره إنما يفعل بعد الموت، وهو ~~تغميض الميت، فإنه يسن عقيب الموت؛ لما روي عن أم سلمة، قالت: دخل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: ~~«إن الروح إذا قبض تبعه البصر. فضج الناس من أهله، فقال: لا تدعوا على ~~أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. ثم قال: اللهم اغفر ~~لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين المقربين، واخلفه في عقبه في الغابرين، ~~واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه» . أخرجه ~~مسلم. # وروى شداد بن أوس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~حضرتم موتاكم، فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرا؛ فإنه ~~يؤمن على ما قال أهل الميت» . رواه أحمد، في " المسند ". وروي أن عمر - رضي ~~الله عنه - قال لابنه حين حضرته الوفاة: ادن مني، فإذا رأيت روحي قد بلغت ~~لهاتي، فضع كفك اليمنى على جبهتي، واليسرى تحت ذقني، وأغمضني. # ويستحب شد لحييه بعصابة عريضة، يربطها من فوق رأسه؛ ms0948 لأن الميت إذا كان ~~مفتوح العينين والفم، فلم يغمض حتى يبرد، بقي مفتوحا، فيقبح منظره، ولا ~~يؤمن دخول الهوام فيه، والماء في وقت غسله. وقال بكر بن عبد الله المزني: ~~ويقول الذي يغمضه: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~ويجعل على بطنه شيء من الحديد، كمرآة أو غيرها؛ لئلا ينتفخ بطنه، فإن لم ~~يكن شيء من الحديد فطين مبلول. ويستحب أن يلي ذلك منه أرفق الناس به، بأرفق ~~ما يقدر عليه. # قال أحمد: تغمض المرأة عينيه إذا كانت ذات محرم له. وقال: يكره للحائض ~~والجنب تغميضه، وأن تقرباه. وكره ذلك علقمة. وروي نحوه عن الشافعي. وكره ~~الحسن، وابن سيرين، وعطاء، أن يغسل الحائض والجنب الميت. وبه قال مالك. ~~وقال إسحاق، وابن المنذر: يغسله الجنب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«المؤمن ليس بنجس» . # ولا نعلم بينهم # PageV02P336 # اختلافا في صحة تغسيلهما وتغميضهما له، ولكن الأولى أن يكون المتولي ~~لأموره، في تغميضه وتغسيله، طاهرا لأنه أكمل وأحسن ### | [فصل المسارعة إلى تجهيزه إذا تيقن موته] # (1495) فصل: ويستحب المسارعة إلى تجهيزه إذا تيقن موته؛ لأنه أصوب له، ~~وأحفظ من أن يتغير، وتصعب معافاته. قال أحمد: كرامة الميت تعجيله. # وفيما روى أبو داود، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني لأرى ~~طلحة قد حدث فيه الموت، فآذنوني به، وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن ~~تحبس بين ظهراني أهله» . ولا بأس أن ينتظر بها مقدار ما يجتمع لها جماعة؛ ~~لما يؤمل من الدعاء له إذا صلي عليه، ما لم يخف عليه، أو يشق على الناس. نص ~~عليه أحمد. # وإن اشتبه أمر الميت، اعتبر بظهور أمارات الموت، من استرخاء رجليه، ~~وانفصال كفيه، وميل أنفه، وامتداد جلدة وجهه، وانخساف صدغيه. وإن مات فجأة ~~كالمصعوق، أو خائفا من حرب أو سبع، أو تردى من جبل، انتظر به هذه العلامات، ~~حتى يتيقن موته. قال الحسن في المصعوق: ينتظر به ثلاثا. قال أحمد، - رحمه ~~الله -: إنه ربما تغير في الصيف في اليوم والليلة. قيل: فكيف ms0949 تقول؟ قال: ~~يترك بقدر ما يعلم أنه ميت. # قيل له: من غدوة إلى الليل. قال: نعم. ### | [فصل يسارع في قضاء دين الميت] # (1496) فصل: ويسارع في قضاء دينه؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» . قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن. وإن تعذر إيفاء دينه في الحال، استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل به عنه، ~~كما فعل أبو قتادة لما أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بجنازة، فلم يصل ~~عليها، قال أبو قتادة: صل عليها يا رسول الله، وعلي دينه. فصلى عليه. رواه ~~البخاري. # ويستحب المسارعة إلى تفريق وصيته؛ ليعجل له ثوابها بجريانها على الموصى ~~له. ### | [فصل خلع ثياب الميت] # (1497) فصل: ويستحب خلع ثياب الميت؛ لئلا يخرج منه شيء يفسد به، ويتلوث ~~بها، إذا نزعت عنه، ويسجى بثوب يستر جميعه. قالت عائشة: سجي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بثوب حبرة. متفق عليه. ولا يترك الميت على الأرض؛ ~~لأنه أسرع لفساده، ولكن على سرير أو لوح، ليكون أحفظ له. # PageV02P337 ### | [مسألة تجريد الميت عند غسله وستر عورته بمئزر] # (1498) مسألة؛ قال: (فإذا أخذ في غسله ستر من سرته إلى ركبتيه) وجملته أن ~~المستحب تجريد الميت عند غسله، ويستر عورته بمئزر. هذا ظاهر قول الخرقي، في ~~رواية الأثرم عن أحمد فقال: يغطي ما بين سرته وركبتيه. # وهذا اختيار أبي الخطاب وهو مذهب ابن سيرين ومالك وأبي حنيفة وروى ~~المروذي، عن أحمد، أنه قال: يعجبني أن يغسل الميت وعليه ثوب يدخل يده من ~~تحت الثوب. قال: وكان أبو قلابة إذا غسل ميتا جلله بثوب. # قال القاضي: السنة أن يغسل في قميص رقيق ينزل الماء فيه، ولا يمنع أن يصل ~~إلى بدنه، ويدخل يده في كم القميص، فيمرها على بدنه والماء يصب، فإن كان ~~القميص ضيقا فتق رأس الدخاريص، وأدخل يده منه. وهذا مذهب الشافعي لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - غسل في قميصه. وقال سعد اصنعوا بي كما صنع برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # قال أحمد ms0950 غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - في قميصه، وقد أرادوا خلعه، ~~فنودوا، أن لا تخلعوه، واستروا نبيكم. ولنا، أن تجريده أمكن لتغسيله، وأبلغ ~~في تطهيره، والحي يتجرد إذا اغتسل، فكذا الميت، ولأنه إذا غسل في ثوبه تنجس ~~الثوب بما يخرج، وقد لا يطهر بصب الماء عليه، فيتنجس الميت به. فأما النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فذاك خاص له، ألا ترى أنهم قالوا: نجرده كما نجرد ~~موتانا. كذلك روت عائشة قال ابن عبد البر: روي ذلك عنها من وجه صحيح. # فالظاهر أن تجريد الميت فيما عدا العورة كان مشهورا عندهم، ولم يكن هذا ~~ليخفى على النبي - صلى الله عليه وسلم - بل الظاهر أنه كان بأمره؛ لأنهم ~~كانوا ينتهون إلى رأيه، ويصدرون عن أمره في الشرعيات، واتباع أمره وفعله ~~أولى من اتباع غيره. ولأن ما يخشى من تنجيس قميصه بما يخرج منه كان مأمونا ~~في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه طيب حيا وميتا، بخلاف غيره، ~~وإنما قال سعد الحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. ولو ثبت أنه أراد الغسل فأمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أولى بالاتباع. # وأما ستر ما بين السرة والركبة فلا نعلم فيه خلافا، فإن ذلك عورة، وستر ~~العورة مأمور به، وقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: لا تنظر إلى ~~فخذ حي، ولا ميت» . # قال ابن عبد البر: وروي: " الناظر من الرجال إلى فروج الرجال، كالناظر ~~منهم إلى فروج النساء، والمتكشف ملعون ". # PageV02P338 # (1499) فصل: قال أبو داود: قلت لأحمد الصبي يستر كما يستر الكبير، أعني ~~الصبي الميت في الغسل. قال: أي شيء يستر منه، وليست عورته بعورة ويغسله ~~النساء؟ ### | [مسألة يستحب أن يغسل الميت في بيت ولا يحضره إلا من يعين في أمره] # (1500) مسألة؛ قال: (والاستحباب أن لا يغسل تحت السماء، ولا يحضره إلا من ~~يعين في أمره، ما دام يغسل) وجملة ذلك أن المستحب أن يغسل في بيت. وكان ابن ~~سيرين يستحب أن يكون البيت ms0951 الذي يغسل فيه مظلما. وذكره أحمد فإن لم يكن جعل ~~بينه وبين السماء سترا. # قال ابن المنذر كان النخعي يحب أن يغسل وبينه وبين السماء سترة. وروى أبو ~~داود بإسناده؛ قال: أوصى الضحاك أخاه سالما، قال: إذا غسلتني فاجعل حولي ~~سترا، واجعل بيني وبين السماء سترا. وذكر القاضي، أن عائشة قالت: «أتانا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نغسل ابنته، فجعلنا بينها وبين ~~السقف سترا» . # قال: وإنما استحب ذلك خشية أن يستقبل السماء بعورته، وإنما كره أن يحضره ~~من لا يعين في أمره، لأنه يكره النظر إلى الميت إلا لحاجة. ويستحب للحاضرين ~~غض أبصارهم عنه، إلا من حاجة، وسبب ذلك أنه ربما كان بالميت عيب يكتمه، ~~ويكره أن يطلع عليه بعد موته، وربما حدث منه أمر يكره الحي أن يطلع منه على ~~مثله، وربما ظهر فيه شيء هو في الظاهر منكر فيحدث به، فيكون فضيحة له، ~~وربما بدت عورته فشاهدها، ولهذا أحببنا أن يكون الغاسل ثقة أمينا صالحا؛ ~~ليستر ما يطلع عليه، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«ليغسل موتاكم المأمونون.» رواه ابن ماجه. وروي عنه - عليه السلام - أنه ~~قال: «من غسل ميتا، ثم لم يفش عليه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.» رواه ~~ابن ماجه أيضا. # وفي " المسند " عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من غسل ميتا، فأدى فيه الأمانة، ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك، خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه» . وقال: «ليله أقربكم منه إن كان يعلم، فإن كان لا ~~يعلم فمن ترون أن عنده حظا من ورع وأمانة» . # وقال القاضي: لوليه أن يدخل كيف شاء. وكلام الخرقي عام في المنع، ولعله ~~يقتضي التعميم، والله أعلم. # PageV02P339 ### | [فصل ينبغي للغاسل ولمن حضر إذا رأى من الميت شيئا التحدث به] # (1501) فصل: وينبغي للغاسل، ولمن حضر، إذا رأى من الميت شيئا مما ذكرناه ~~ومما يحب الميت ستره، أن يستره، ولا يحدث به؛ لما رويناه، ولأن النبي - صلى ~~الله عليه ms0952 وسلم - قال: «من ستر عورة مسلم، ستره الله في الدنيا والآخرة» . ~~وإن رأى حسنا مثل أمارات الخير، من وضاءة الوجه، والتبسم، ونحو ذلك، استحب ~~إظهاره، ليكثر الترحم عليه، ويحصل الحث على مثل طريقته، والتشبه بجميل ~~سيرته. # قال ابن عقيل: وإن كان الميت مغموصا عليه في الدين والسنة، مشهورا ~~ببدعته، فلا بأس بإظهار الشر عليه، لتحذر طريقته. وعلى هذا ينبغي أن يكتم ~~ما يرى عليه من أمارات الخير؛ لئلا يغتر مغتر بذلك، فيقتدي به في بدعته. ~~(1502) مسألة؛ قال: (وتلين مفاصله إن سهلت عليه، وإلا تركها) معنى تليين ~~المفاصل هو أن يرد ذراعيه إلى عضديه، وعضديه إلى جنبيه، ثم يردهما، ويرد ~~ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه، إلى بطنه، ثم يردها، ليكون ذلك أبقى للينه، فيكون ~~ذلك أمكن للغاسل، من تكفينه، وتمديده، وخلع ثيابه، وتغسيله. # قال أصحابنا: ويستحب ذلك في موضعين، عقيب موته قبل قسوتها ببرودته، وإذا ~~أخذ في غسله. وإن شق ذلك لقسوة الميت أو غيرها، تركه؛ لأنه لا يؤمن أن ~~تنكسر أعضاؤه، ويصير به ذلك إلى المثلة. ### | [مسألة كيفية غسل الميت] # (1503) مسألة؛ قال (ويلف على يده خرقة، فينقي ما به من نجاسة، ويعصر بطنه ~~عصرا رفيقا) وجملته أنه يستحب أن يغسل الميت على سرير، يترك عليه متوجها ~~إلى القبلة منحدرا نحو رجليه، لينحدر الماء بما يخرج منه، ولا يرجع إلى جهة ~~رأسه، ويبدأ الغاسل، فيحني الميت حنيا رفيقا، لا يبلغ به قريبا من الجلوس، ~~لأن في الجلوس أذية له، ثم يمر يده على بطنه، يعصره عصرا رفيقا؛ ليخرج ما ~~معه من نجاسة، لئلا يخرج بعد ذلك، ويصب عليه الماء حين يمر يده صبا كثيرا، ~~ليخفي ما يخرج منه، ويذهب به الماء، ويستحب أن يكون بقربه مجمر فيه بخور ~~حتى لا يظهر منه ريح. # وقال أحمد - رحمه الله -: لا يعصر بطن الميت في المرة الأولى، ولكن في ~~الثانية. وقال في موضع آخر: يعصر بطنه في الثالثة، يمسح مسحا رفيقا مرة ~~واحدة. وقال أيضا: عصر بطن الميت في الثانية أمكن؛ لأن الميت لا يلين ms0953 حتى ~~يصيبه الماء. # ويلف الغاسل على يده خرقة خشنة، فينجيه بها؛ لئلا يمس عورته، لأن النظر ~~إلى العورة حرام، فاللمس أولى، ويزيل ما على بدنه من نجاسة؛ لأن الحي يبدأ ~~بذلك في اغتساله من الجنابة. ويستحب أن لا يمس بقية بدنه إلا بخرقة. # قال القاضي: يعد الغاسل خرقتين، يغسل بإحداهما # PageV02P340 # السبيلين، وبالأخرى سائر بدنه، فإن كان الميت امرأة حاملا لم يعصر بطنها، ~~لئلا يؤذي الولد، وقد جاء في حديث رواه الخلال، بإسناده عن أم سليم قالت: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا توفيت المرأة، فأرادوا غسلها، ~~فليبدأ ببطنها، فليمسح مسحا رفيقا إن لم تكن حبلى، فإن كانت حبلى فلا ~~يحركها.» ### | [مسألة يوضئ الميت وضوءه للصلاة ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه] # (1504) مسألة؛ قال: (ويوضئه وضوءه للصلاة، ولا يدخل الماء في فيه، ولا في ~~أنفه، وإن كان فيهما أذى أزاله بخرقة) وجملة ذلك أنه إذا أنجاه، وأزال عنه ~~النجاسة، بدأ بعد ذلك فوضأه وضوء الصلاة، فيغسل كفيه، ثم يأخذ خرقة خشنة ~~فيبلها ويجعلها على أصبعه، فيمسح أسنانه وأنفه، حتى ينظفهما، ويكون ذلك في ~~رفق، ثم يغسل وجهه، ويتم وضوءه، لأن الوضوء يبدأ به في غسل الحي، وقد قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للنساء اللاتي غسلن ابنته: «ابدأن ~~بميامنها، ومواضع الوضوء منها» متفق عليه. # وفي حديث أم سليم: «فإذا فرغت من غسل سفلتها غسلا نقيا بماء وسدر، ~~فوضئيها وضوء الصلاة، ثم اغسليها» ولا يدخل الماء فاه، ولا منخريه، في قول ~~أكثر أهل العلم. كذلك قال سعيد بن جبير، والنخعي، والثوري وأبو حنيفة. وقال ~~الشافعي يمضمضه وينشقه كما يفعل الحي. ولنا، أن إدخال الماء فاه وأنفه لا ~~يؤمن معه وصوله إلى جوفه، فيفضي إلى المثلة به، ولا يؤمن خروجه في أكفانه. ### | [مسألة يبدأ في غسل الميت بميامنه ويقلبه على جنبيه ليعم الماء سائر جسمه] # (1505) مسألة؛ قال: (ويصب عليه الماء، فيبدأ بميامنه، ويقلبه على جنبيه، ~~ليعم الماء سائر جسمه) وجملة ذلك أنه إذا وضأه بدأ بغسل رأسه، ثم ms0954 لحيته. نص ~~عليه أحمد. فيضرب السدر فيغسلهما برغوته، ويغسل وجهه، ويغسل اليد اليمنى من ~~المنكب إلى الكفين وصفحة عنقه اليمنى، وشق صدره وجنبيه وفخذه وساقه، يغسل ~~الظاهر من ذلك وهو مستلق، ثم يصنع ذلك بالجانب الأيسر، ثم يرفعه من جانبه ~~الأيمن، ولا يكبه لوجهه، فيغسل الظهر وما هناك من وركه وفخذه وساقه، ثم ~~يعود فيحرفه على جنبه الأيمن، ويغسل شقه الأيسر كذلك. # هكذا ذكره إبراهيم النخعي، والقاضي. وهو أقرب إلى موافقة قوله - عليه ~~السلام - «ابدأن بميامنها» . وهو أشبه بغسل الحي. # PageV02P341 ### | [مسألة الميت يغسل بماء وسدر] # (1506) مسألة؛ قال: (ويكون في كل المياه شيء من السدر، ويضرب السدر فيغسل ~~برغوته رأسه ولحيته) . هذا المنصوص عن أحمد قال صالح: قال أبي: الميت يغسل ~~بماء وسدر، ثلاث غسلات، قلت: فيبقى عليه؟ قال: أي شيء يكون هو أنقى له. ~~وذكر عن عطاء، أن ابن جريج قال له: إنه يبقى عليه السدر إذا غسل به كل مرة. ~~فقال عطاء: هو طهور. # وفي رواية أبي داود عن أحمد، قال: قلت، يعني لأحمد: أفلا تصبون ماء قراحا ~~ينظفه؟ قال: إن صبوا فلا بأس. واحتج أحمد بحديث أم عطية «، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حين توفيت ابنته قال: اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو ~~أكثر من ذلك، إن رأيتن، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا» . متفق عليه. ~~وحديث ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اغسلوه بماء وسدر» ~~. متفق عليه. # وفي حديث أم سليم: «ثم اغسليها بعد ذلك ثلاث مرات بماء وسدر.» وذهب كثير ~~من أصحابنا المتأخرين، إلى أنه لا يترك مع الماء سدرا يغيره، ثم اختلفوا، ~~فقال ابن حامد: يطرح في كل المياه شيء يسير من السدر لا يغيره ليجمع بين ~~العمل بالحديث، ويكون الماء باقيا على طهوريته. # وقال القاضي وأبو الخطاب: يغسل أول مرة بالسدر، ثم يغسل بعد ذلك بالماء ~~القراح، فيكون الجميع غسلة واحدة، ويكون الاعتداد بالآخر دون الأول؛ لأن ~~أحمد، - رحمه الله -، شبه غسله بغسل الجنابة، ولأن السدر إن غير الماء سلبه ms0955 ~~وصف الطهورية، وإن لم يغيره فلا فائدة في ترك يسير لا يؤثر. وظاهر كلام ~~أحمد الأول. ويكون هذا من قوله دالا على أن تغير الماء بالسدر لا يخرجه عن ~~طهوريته. # قال بعض أصحابنا: يتخذ الغاسل ثلاثة أوان؛ آنية كبيرة يجمع فيها الماء ~~الذي يغسل به الميت يكون بالبعد منه، وإناءين صغيرين يطرح من أحدهما على ~~الميت، والثالث يغرف به من الكبير في الصغير الذي يغسل به الميت، ليكون ~~الكبير مصونا، فإذا فسد الماء الذي في الصغير، وطار فيه من رشاش الماء، كان ~~ما بقي في الكبير كافيا، ويضرب السدر، فيغسل برغوته رأسه ولحيته، ويبلغه ~~سائر بدنه، كما يفعل الحي إذا اغتسل. # (1507) فصل: فإن لم يجد السدر غسله بما يقوم مقامه، ويقرب منه، كالخطمي ~~ونحوه؛ لأن المقصود يحصل منه، وإن غسله بذلك مع وجود السدر جاز، لأن الشرع ~~ورد بهذا لمعنى معقول، وهو التنظيف، فيتعدى إلى كل ما وجد فيه المعنى. # PageV02P342 ### | [مسألة الرفق بالميت في تقليبه وعرك أعضائه] # (1508) مسألة؛ قال: (ويستعمل في كل أموره الرفق به) ويستحب الرفق بالميت ~~في تقليبه، وعرك أعضائه، وعصر بطنه، وتليين مفاصله، وسائر أموره، احتراما ~~له؛ فإنه مشبه بالحي في حرمته، ولا يأمن إن عنف به أن ينفصل منه عضو، فيكون ~~مثلة به، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي» ~~. وقال «إن الله يحب الرفق في الأمر كله» . ### | [مسألة الماء الحار والأشنان والخلال يستعمل إن احتيج إليه في غسل الميت] # (1509) مسألة؛ قال (والماء الحار والأشنان، والخلال، يستعمل إن احتيج ~~إليه) هذه الثلاثة تستعمل عند الحاجة إليها، مثل أن يحتاج إلى الماء الحار ~~لشدة البرد، أو لوسخ لا يزول إلا به، وكذا الأشنان يستعمل إذا كان على ~~الميت وسخ. قال أحمد: إذا طال ضنى المريض غسل بالأشنان. يعني أنه يكثر ~~وسخه، فيحتاج إلى الأشنان ليزيله. # والخلال: يحتاج إليه لإخراج شيء، والمستحب أن يكون من شجرة لينة كالصفصاف ~~ونحوه، مما ينقي ولا يجرح، وإن لف على رأسه قطنا، فحسن. ويتتبع ما تحت ~~أظفاره حتى ms0956 ينقيه، فإن لم يحتج إلى شيء من ذلك لم يستحب استعماله. وبهذا ~~قال الشافعي وقال أبو حنيفة المسخن أولى بكل حال؛ لأنه ينقي ما لا ينقي ~~البارد. ولنا، أن البارد يمسكه والمسخن يرخيه، ولهذا يطرح الكافور في الماء ~~ليشده ويبرده، والإنقاء يحصل بالسدر إذا لم يكثر وسخه، فإن كثر ولم يزل إلا ~~بالحار صار مستحبا. ### | [مسألة يغسل الميت المرة الثالثة بماء فيه كافور وسدر] # (1510) مسألة؛ قال: (ويغسل الثالثة بماء فيه كافور وسدر، ولا يكون فيه ~~سدر صحاح) الواجب في غسل الميت مرة واحدة؛ لأنه غسل واجب من غير نجاسة ~~أصابته، فكان مرة واحدة، كغسل الجنابة والحيض، ويستحب أن يغسل ثلاثا، كل ~~غسلة بالماء والسدر، على ما وصفنا، ويجعل في الماء كافور في الغسلة ~~الثالثة؛ ليشده ويبرده ويطيبه، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~للنساء اللاتي غسلن ابنته: «اغسلنها بالسدر وترا ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر ~~من ذلك إن رأيتن، واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورا» . # وفي حديث أم سليم: «فإذا كان في آخر غسلة من الثالثة أو غيرها، فاجعلي ~~ماء فيه شيء من كافور، وشيء من سدر، ثم اجعلي ذلك في جرة جديدة، ثم أفرغيه ~~عليها، وابدئي برأسها حتى يبلغ رجليها» . ولا يجعل في الماء سدر صحيح؛ لأنه ~~لا فائدة فيه، لأن السدر إنما أمر به # PageV02P343 # للتنظيف، والمعد للتنظيف إنما هو المطحون، ولهذا لا يستعمله المغتسل به ~~من الأحياء إلا كذلك. قال أبو داود: قلت لأحمد إنهم يأتون بسبع ورقات من ~~سدر، فيلقونها في الماء في الغسلة الأخيرة. # فأنكر ذلك، ولم يعجبه، وإذا فرغ من الغسلة الثالثة لم يمر يده على بطن ~~الميت، لئلا يخرج منه شيء، ويقع في أكفانه. قال أحمد: ويوضأ الميت مرة ~~واحدة في الغسلة الأولى. وما سمعنا إلا أنه يوضأ أول مرة، وهذا والله أعلم، ~~ما لم يخرج منه شيء، ومتى خرج منه شيء، أعاد وضوءه لأن ذلك ينقض الوضوء من ~~الحي ويوجبه، وإن رأى الغاسل أن يزيد على ثلاث، لكونه لم ينق بها، أو غير ms0957 ~~ذلك، غسله خمسا أو سبعا، ولم يقطع إلا على وتر. # قال أحمد ولا يزاد على سبع والأصل في هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا» لم يزد على ذلك وجعل جميع ما أمر به ~~وترا وقال أيضا: " اغسلنها وترا " وإن لم ينق بسبع فالأولى غسله حتى ينقى، ~~ولا يقطع إلا على وتر؛ لقوله - عليه السلام -: " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو ~~سبعا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ". ولأن الزيادة على الثلاث إنما كانت ~~للإنقاء، وللحاجة إليها، فكذلك فيما بعد السبع. ولم يذكر أصحابنا أنه يزيد ~~على سبع. ### | [مسألة خرجت نجاسة من قبل الميت أو دبره وهو على مغتسله بعد الثلاث] # (1511) مسألة؛ قال: " فإن خرج منه شيء غسله إلى خمس، فإن زاد فإلى سبع " ~~يعني إن خرجت نجاسة من قبله أو دبره، وهو على مغتسله بعد الثلاث، غسله إلى ~~خمس، فإن خرج بعد الخامسة، غسله إلى سبع ويوضئه في الغسلة التي تلي خروج ~~النجاسة. قال صالح: قال أبي: يوضأ الميت مرة واحدة، إلا أن يخرج منه شيء، ~~فيعاد عليه الوضوء، ويغسله إلى سبع. وهو قول ابن سيرين، وإسحاق. # واختار أبو الخطاب أنه يغسل موضع النجاسة، ويوضأ، ولا يجب إعادة غسله. ~~وهو قول الثوري، ومالك، وأبي حنيفة؛ لأن خروج النجاسة من الحي بعد غسله لا ~~يبطله، فكذلك الميت. وعن الشافعي كالمذهبين. ولنا، أن القصد من غسل الميت ~~أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة، ألا ترى أن الموت جرى مجرى زوال العقل ~~في حق الحي، وقد أوجب الغسل في حق الحي، فكذلك هذا، ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا، إن رأيتن ذلك، بماء ~~وسدر» . # (1512) فصل: وإن خرجت منه نجاسة من غير السبيلين. فقال أحمد فيما روى أبو ~~داود: الدم أسهل من الحدث. ومعناه أن الدم الذي يخرج من أنفه أسهل من الحدث ~~في أن لا يعاد له الغسل؛ لأن الحدث ينقض الطهارة بالاتفاق، ويسوى بين كثيره ~~وقليله. ويحتمل أنه أراد ms0958 أن الغسل لا يعاد من يسيره، كما لا ينقض الوضوء، ~~بخلاف الخارج من السبيلين. # PageV02P344 ### | [مسألة إذا خرجت من الميت نجاسة بعد السبع لم يعد إلى الغسل] # (1513) مسألة؛ قال: (فإن زاد حشاه بالقطن، فإن لم يستمسك فبالطين الحر) . ~~وجملة ذلك أنه إذا خرجت منه نجاسة بعد السبع لم يعد إلى الغسل. قال أحمد من ~~غسل ميتا لم يغسله أكثر من سبع، لا يجاوزه، خرج منه شيء أو لم يخرج. قيل ~~له: فنوضئه إذا خرج منه شيء بعد السبع؟ قال: لا؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كذا أمر، ثلاثا أو خمسا أو سبعا، في حديث أم عطية، ولأن زيادة الغسل ~~وتكريره عند كل خارج يرخيه، ويفضي إلى الحرج، لكنه يغسل النجاسة، ويحشو ~~مخرجها بالقطن. # وقيل: يلجم بالقطن كما تفعل المستحاضة، ومن به سلس البول، فإن لم يمسكه ~~ذلك حشي بالطين الحر، وهو الخالص الصلب الذي له قوة تمسك المحل. وقد ذكر ~~أحمد أنه لا يوضأ. ويحتمل أنه يوضأ وضوء الصلاة، كالجنب إذا أحدث بعد غسله، ~~وهذا أحسن. ### | [فصل الحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل] # (1514) فصل: والحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل. قال ابن المنذر: ~~هذا قول من نحفظ عنه من علماء الأمصار. وقال الحسن وسعيد بن المسيب: ما مات ~~ميت إلا جنب. # وقيل عن الحسن: إنه يغسل الجنب للجنابة، والحائض للحيض، ثم يغسلان للموت. ~~والأول أولى؛ لأنهما خرجا من أحكام التكليف، ولم يبق عليهما عبادة واجبة، ~~وإنما الغسل للميت تعبد، وليكون في حال خروجه من الدنيا على أكمل حال من ~~النظافة والنضارة، وهذا يحصل بغسل واحد، ولأن الغسل الواحد يجزئ من وجد في ~~حقه موجبان له، كما لو اجتمع الحيض والجنابة. ### | [فصل الواجب في غسل الميت] # (1515) فصل: والواجب في غسل الميت النية، والتسمية في إحدى الروايتين، ~~وغسله مرة واحدة، لأنه غسل تعبد عن غير نجاسة أصابته شرط لصحة الصلاة، فوجب ~~ذلك فيه كغسل الجنابة، وقد شبه أحمد غسله بغسل الجنابة، ولما تعذرت النية ~~والتسمية من الميت اعتبرت في الغاسل، ms0959 لأنه المخاطب بالغسل. قال عطاء يجزئه ~~غسلة واحدة إن أنقوه. وقال أحمد: لا يعجبني أن يغسل واحدة؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «اغسلنها ثلاثا، أو خمسا» . # وهذا على سبيل الكراهة دون الإجزاء؛ لما ذكرناه، ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال في المحرم الذي وقصته ناقته: «اغسلوه بماء وسدر» . ولم ~~يذكر عددا. وقال ابن عقيل: يحتمل أن لا تعتبر النية، لأن القصد التنظيف، ~~فأشبه غسل النجاسة، ولا يصح هذا؛ لأنه لو كان كذلك لما وجب غسل متنظف، ~~ولجاز غسله بماء الورد وسائر ما يحصل به التنظيف، وإنما هو غسل تعبد، أشبه ~~غسل الجنابة. # PageV02P345 ### | [مسألة إذا فرغ الغاسل من غسل الميت نشفه بثوب] # (1516) مسألة؛ قال: (وينشفه بثوب، ويجمر أكفانه) وجملته أنه إذا فرغ ~~الغاسل من غسل الميت، نشفه بثوب لئلا يبل أكفانه، وفي حديث أم سليم: " فإذا ~~فرغت منها، فألقي عليها ثوبا نظيفا ". وذكر القاضي في حديث ابن عباس، في ~~غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فجففوه بثوب. ومعنى تجمير أكفانه ~~تبخيرها بالعود، وهو أن يترك العود على النار في مجمر، ثم يبخر به الكفن ~~حتى تعبق رائحته، ويطيب، ويكون ذلك بعد أن يرش عليه ماء الورد، لتعلق ~~الرائحة به. # وقد روي عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جمرتم ~~الميت فجمروه ثلاثا» وأوصى أبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس أن تجمر أكفانهم ~~بالعود. وقال أبو هريرة: يجمر الميت. ولأن هذا عادة الحي عند غسله، وتجمير ~~ثيابه، أن يجمر بالطيب والعود، فكذلك الميت. ### | [مسألة يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض] # (1517) مسألة؛ قال: (ويكفن في ثلاثة أثواب بيض، يدرج فيها إدراجا، ويجعل ~~الحنوط فيما بينها) الأفضل عند إمامنا، - رحمه الله -، أن يكفن الرجل في ~~ثلاث لفائف بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة، ولا يزيد عليها ولا ينقص منها. ~~قال الترمذي: والعمل عليها عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وغيرهم. وهو مذهب الشافعي. # ويستحب كون الكفن أبيض؛ لأن النبي - صلى الله ms0960 عليه وسلم - كفن في ثلاثة ~~أثواب بيض. ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البسوا من ثيابكم ~~البيض، فإنه أطهر وأطيب، وكفنوا فيه موتاكم» . رواه النسائي. وحكي عن أبي ~~حنيفة، أن المستحب أن يكفن في إزار ورداء وقميص؛ لما روى ابن المغفل، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: كفن في قميصه. ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ألبس عبد الله بن أبي قميصه، وكفنه به. رواه النسائي. # ولنا، قول عائشة - رضي الله عنها -: «كفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة» . متفق عليه. وهو ~~أصح حديث روي في كفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعائشة أقرب إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعرف بأحواله ولهذا لما ذكر لها قول الناس، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن في برد، قالت: قد أتي بالبرد، ولكنهم ~~لم يكفنوه فيه، فحفظت ما أغفله غيرها. وقالت أيضا: «أدرج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثم نزعت عنه، # PageV02P346 # فرفع عبد الله بن أبي بكر الحلة، وقال: أكفن فيها. ثم قال: لم يكفن فيها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكفن فيها فتصدق بها» . رواه مسلم. # ولأن حال الإحرام أكمل أحوال الحي وهو لا يلبس المخيط، وكذلك حالة الموت ~~أشبه بها. وأما إلباس النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أبي قميصه، ~~فإنما فعل ذلك تكرمة لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي، وإجابة لسؤاله حين ~~سأله ذلك؛ ليتبرك به أبوه، ويندفع عنه العذاب ببركة قميص رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. وقيل: إنما فعل ذلك جزاء لعبد الله بن أبي عن كسوته ~~العباس قميصه يوم بدر. والله أعلم. ### | [فصل الزيادة على ثلاثة أثواب في الكفن] # فصل: والمستحب أن يؤخذ أحسن اللفائف وأوسعها، فيبسط أولا؛ ليكون الظاهر ~~للناس أحسنها، فإن هذا عادة الحي، يجعل الظاهر أفخر ثيابه، ويجعل عليها ~~حنوطا، ثم يبسط الثانية التي تليها في ms0961 الحسن والسعة عليها، ويجعل فوقها ~~حنوطا وكافورا، ثم يبسط فوقهما الثالثة، ويجعل فوقها حنوطا وكافورا، ولا ~~يجعل على وجه العليا، ولا على النعش شيء من الحنوط؛ لأن الصديق - رضي الله ~~عنه - قال: لا تجعلوا على أكفاني حنوطا. # ثم يحمل الميت مستورا بثوب فيوضع فيها مستلقيا؛ لأنه أمكن لإدراجه فيها، ~~ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه، ويجعل من الطيب على وجهه ومواضع ~~سجوده ومغابنه؛ لأن الحي يتطيب هكذا، ويجعل بقية الحنوط والكافور في قطن، ~~ويجعل منه بين أليتيه برفق، ويكثر ذلك ليرد شيئا إن خرج منه حين تحريكه، ~~ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف كالتبان، وهو السراويل بلا أكمام، ويجعل ~~الباقي على منافذ وجهه، في فيه، ومنخريه، وعينيه؛ لئلا يحدث منهن حادث. # وكذلك في الجراح النافذة، ويترك على مواضع السجود منه؛ لأنها أعضاء ~~شريفة، ثم يثني طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الآخر على ~~شقه الأيسر، وإنما استحب ذلك لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه ~~في القبر، ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك، ثم يجمع ما فضل عند رأسه ~~ورجليه، فيرد على وجهه ورجليه، وإن خاف انتشارها عقدها، وإذا وضع في القبر ~~حلها، ولم يخرق الكفن. # PageV02P347 # (1519) فصل: وتكره الزيادة على ثلاثة أثواب في الكفن؛ لما فيه من إضاعة ~~المال، وقد نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحرم ترك شيء مع الميت ~~من ماله لغير حاجة؛ لما ذكرنا، إلا مثل ما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه ترك تحته قطيفة في قبره، فإن ترك نحو ذلك فلا بأس. ### | [مسألة التكفين في القميص والمئزر واللفافة] # (1520) مسألة؛ قال (وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جعل المئزر مما يلي ~~جلده، ولم يزر عليه القميص) . التكفين في القميص والمئزر واللفافة غير ~~مكروه، وإنما الأفضل الأول، وهذا جائز لا كراهة فيه؛ فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات. رواه البخاري. فيؤزر ~~بالمئزر، ويلبس القميص، ثم يلف باللفافة بعد ذلك. # وقال أحمد: ms0962 إن جعلوه قميصا فأحب إلي أن يكون مثل قميص الحي، له كمان ~~ودخاريص وأزرار، ولا يزر عليه القميص. ### | [فصل يتخذ الرجل كفنه يصلي فيه أياما أو يحرم فيه ثم يغسله ويضعه لكفنه] # (1521) فصل: قال أبو داود: قلت لأحمد: يتخذ الرجل كفنه يصلي فيه أياما، ~~أو قلت: يحرم فيه، ثم يغسله ويضعه لكفنه؟ فرآه حسنا. قال: يعجبني أن يكون ~~جديدا أو غسيلا وكره أن يلبسه حتى لا يدنسه. ### | [فصل التكفين في ثوبين] # (1522) فصل: ويجوز التكفين في ثوبين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في المحرم الذي وقصته دابته: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين» . رواه ~~البخاري. وكان سويد بن غفلة يقول: يكفن في ثوبين. وقال الأوزاعي: يجزئ ~~ثوبان، وأقل ما يجزئ ثوب واحد يستر جميعه. «قالت أم عطية: لما فرغنا. يعني ~~من غسل بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألقى إلينا حقوه، فقال: ~~أشعرنها إياه. ولم يزد على ذلك» . رواه البخاري. # وقال: معنى أشعرنها إياه الففنها فيه. قال ابن عقيل: العورة المغلظة ~~يسترها ثوب واحد، فجسد الميت أولى. وقال القاضي: لا يجزئ أقل من ثلاثة ~~أثواب لمن يقدر عليها. ويروى مثل ذلك عن عائشة، واحتج بأنه لو جاز أقل منها ~~لم يجز التكفين بها في حق من له أيتام، احتياطا لهم. # والصحيح الأول، وما ذكره القاضي لا يصح؛ فإنه يجوز التكفين بالحسن مع ~~حصول الإجزاء بما دونه. # PageV02P348 ### | [فصل يكفن الصبي في خرقة] # (1523) فصل: قال أحمد: يكفن الصبي في خرقة، وإن كفن في ثلاثة فلا بأس. ~~وكذلك قال إسحاق ونحوه قال سعيد بن المسيب، والثوري، وأصحاب الرأي، وغيرهم. ~~لا خلاف بينهم في أن ثوبا يجزئه، وإن كفن في ثلاثة فلا بأس، لأنه ذكر فأشبه ~~الرجل. ### | [فصل لم يوجد ثوبا يستر جميع الميت] # (1524) فصل: فإن لم يجد الرجل ثوبا يستر جميعه، ستر رأسه، وجعل على رجليه ~~حشيشا أو ورقا، كما روي عن خباب، «أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم يوجد ~~له شيء يكفن فيه، إلا نمرة. فكنا إذا وضعناها على ms0963 رأسه خرجت رجلاه، وإذا ~~وضعناها على رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نغطي ~~رأسه، ونجعل على رجليه من الإذخر» . رواه البخاري فإن لم يجد إلا ما يستر ~~العورة سترها؛ لأنها أهم في الستر، بدليل حالة الحياة. فإن كثر القتلى، ~~وقلت الأكفان، كفن الرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، كما صنع بقتلى أحد. ~~قال أنس: كثرت قتلى أحد، وقلت الثياب. قال: فكفن الرجل والرجلان والثلاثة ~~في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد. قال الترمذي: حديث أنس حديث حسن ~~غريب. ### | [مسألة يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك] # (1525) مسألة؛ قال: (ويجعل الذريرة في مفاصله، ويجعل الطيب في مواضع ~~السجود والمغابن، ويفعل به كما يفعل بالعروس) الذريرة هي الطيب المسحوق، ~~ويستحب أن يجعل في مفاصل الميت ومغابنه، وهي المواضع التي تنثني من ~~الإنسان، كطي الركبتين، وتحت الإبطين، وأصول الفخذين؛ لأنها مواضع الوسخ، ~~ويتبع بإزالة الوسخ والدرن منها من الحي، ويتبع بالطيب من المسك والكافور ~~مواضع السجود؛ لأنها أعضاء شريفة، ويفعل به كما يفعل بالعروس؛ لأنه يروى عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم» . ~~وكان ابن عمر يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك. # قال أحمد يخلط الكافور بالذريرة. وقيل له: يذر المسك على الميت أو يطلى ~~به؟ قال: لا يبالي، قد روي عن ابن عمر أنه ذر عليه، وروي عنه أنه مسحه ~~بالمسك مسحا، وابن سيرين طلى إنسانا بالمسك من قرنه إلى قدمه. وقال إبراهيم ~~النخعي: يوضع الحنوط على أعظم السجود، الجبهة، والراحتين، والركبتين، وصدور ~~القدمين. # PageV02P349 # (1526) مسألة؛ قال: (ولا يجعل في عينيه كافورا) إنما كره هذا لأنه يفسد ~~العضو ويتلفه، ولا يصنع مثله بالحي. # قال أحمد: ما سمعنا إلا في المساجد. وحكي له عن ابن عمر أنه كان يفعل، ~~فأنكر أن يكون ابن عمر فعله، وكره ذلك. ### | [مسألة خروج شيء يسير منه بعد وضعه في أكفانه] # (1527) مسألة؛ قال: (وإن خرج منه شيء يسير بعد وضعه في أكفانه، لم يعد ~~إلى الغسل، وحمل) لا نعلم بين أهل العلم في هذا ms0964 خلافا. والوجه في ذلك أن ~~إعادة الغسل فيها مشقة شديدة؛ لأنه يحتاج إلى إخراجه، وإعادة غسله وغسل ~~أكفانه، وتجفيفها أو إبدالها، ثم لا يؤمن مثل هذا في المرة الثانية ~~والثالثة، فسقط لذلك، ولا يحتاج أيضا إلى إعادة وضوئه، ولا غسل موضع ~~النجاسة، دفعا لهذه المشقة، ويحمل بحاله. # ويروى عن الشعبي أن ابنة له لما لفت في أكفانها. بدا منها شيء، فقال ~~الشعبي: ارفعوا. فأما إن كان الخارج كثيرا فاحشا فمفهوم كلام الخرقي هاهنا ~~أنه يعاد غسله إن كان قبل تمام السبعة؛ لأن الكثير يتفاحش، ويؤمن مثله في ~~المرة الثانية، لتحفظهم، بالشد والتلجم ونحوه. ورواه إسحاق بن منصور عن ~~أحمد. قال الخلال: وخالفه أصحاب أبي عبد الله، كلهم رووا عنه: لا يعاد إلى ~~الغسل بحال. قال: والعمل على ما اتفق عليه؛ لما ذكرنا من المشقة فيه. # ويحتمل أن تحمل الروايتان على حالتين، فالموضع الذي قال لا يعاد غسله إذا ~~كان يسيرا ويخفى على المشيعين، والموضع الذي أمر بإعادته إذا كان يظهر لهم ~~ويفحش. ### | [مسألة أحب أهل الميت أن يروه] # (1528) مسألة؛ قال: (وإن أحب أهله أن يروه لم يمنعوا) وذلك لما روي عن ~~«جابر قال: لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، والنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لا ينهاني.» وقالت عائشة: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل» . وقالت: أقبل ~~أبو بكر فتيمم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مسجى ببرد حبرة فكشف عن ~~وجهه، ثم أكب عليه فقبله، ثم بكى. فقال: بأبي أنت يا نبي الله، لا يجمع ~~الله عليك موتتين. وهذه أحاديث صحاح. ### | [مسألة تكفن المرأة في خمسة أثواب] # (1529) مسألة؛ قال: (والمرأة تكفن في خمسة أثواب: قميص، ومئزر، ولفافة، ~~ومقنعة، وخامسة تشد بها فخذاها) قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل ~~العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب، وإنما استحب ذلك لأن المرأة تزيد ~~في حال حياتها على الرجل في الستر لزيادة عورتها على عورته، ms0965 فكذلك بعد ~~الموت، ولما كانت تلبس المخيط في إحرامها، وهو أكمل أحوال الحياة، استحب ~~إلباسها إياه بعد # PageV02P350 # موتها، والرجل بخلاف ذلك، فافترقا في اللبس بعد الموت، لافتراقهما فيه في ~~الحياة، واستويا في الغسل بعد الموت لاستوائهما فيه في الحياة. # وقد روى أبو داود، بإسناده عن ليلى بنت قانف الثقفية، قالت: كنت في من ~~غسل أم كلثوم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند وفاتها، فكان أول ~~ما أعطانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحقو، ثم الدرع، ثم الخمار، ~~ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر. قالت: ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عند الباب معه كفنها، يناولناها ثوبا ثوبا. إلا أن الخرقي إنما ~~ذكر لفافة واحدة، فعلى هذا تشد الخرقة على فخذيها أولا، ثم تؤزر بالمئزر، ~~ثم يلبس القميص، ثم تخمر بالمقنعة، ثم تلف بلفافة واحدة. # وقد أشار إليه أحمد، فقال: تخمر، ويترك قدر ذراع، يسدل على وجهها، ويسدل ~~على فخذيها الحقو. # وسئل عن الحقو؟ فقال: هو الإزار. قيل: الخامسة. قال: خرقة تشد على ~~فخذيها. قيل له: قميص المرأة؟ قال: يخيط. قيل: يكف ويزر؟ قال: يكف ولا يزر ~~عليها. والذي عليه أكثر أصحابنا وغيرهم، أن الأثواب الخمسة إزار، ودرع، ~~وخمار، ولفافتان، وهو الصحيح، لحديث ليلى الذي ذكرناه، ولما روت أم عطية، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ناولها إزارا، ودرعا، وخمارا، وثوبين. ### | [فصل في كم تكفن الجارية إذا لم تبلغ] # فصل: قال المروذي: سألت أبا عبد الله: في كم تكفن الجارية إذا لم تبلغ؟ ~~قال: في لفافتين، وقميص، لا خمار فيه. وكفن ابن سيرين بنتا له قد أعصرت في ~~قميص ولفافتين. وروي في بقير ولفافتين. قال أحمد: البقير القميص الذي ليس ~~له كمان. ولأن غير البالغ لا يلزمها ستر رأسها في الصلاة. # واختلفت الرواية عن أحمد في الحد الذي تصير به في حكم المرأة في الكفن، ~~فروي عنه: إذا بلغت. وهو ظاهر كلامه، في رواية المروذي؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة ms0966 حائض إلا بخمار» مفهومه أن غيرها لا ~~تحتاج إلى خمار في صلاتها، فكذلك في كفنها. ولأن ابن سيرين كفن ابنته، وقد ~~أعصرت أي قاربت المحيض بغير خمار. # وروى عن أحمد أكثر أصحابه: إذا كانت بنت تسع يصنع بها ما يصنع بالمرأة. ~~واحتج بحديث عائشة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل بها وهي بنت تسع ~~سنين» . وروي عنها أنها قالت: إذا بلغت الجارية تسعا فهي امرأة. # PageV02P351 ### | [فصل تكفين المرأة بالحرير] # (1531) فصل: قال أحمد لا يعجبني أن تكفن في شيء من الحرير. وكره ذلك ~~الحسن، وابن المبارك، وإسحاق قال ابن المنذر: ولا أحفظ من غيرهم خلافهم. ~~وفي جواز تكفين المرأة بالحرير احتمالان؛ لأن أقيسهما الجواز، لأنه من ~~لباسها في حياتها، لكن كرهناه لها، لأنها خرجت عن كونها محلا للزينة ~~والشهوة، وكذلك يكره تكفينها بالمعصفر، ونحوه؛ لذلك. # قال الأوزاعي: لا يكفن الميت في الثياب المصبغة، إلا ما كان من العصب، ~~يعني ما صنع بالعصب، وهو نبت ينبت باليمن. ### | [مسألة يضفر شعر الميتة ثلاثة قرون ويسدل من خلفها] # (1532) مسألة؛ قال: (ويضفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل من خلفها) وجملة ذلك ~~أن شعر الميتة يغسل، وإن كان معقوصا نقض، ثم غسل، ثم ضفر ثلاثة قرون، ~~قرنيها، وناصيتها، ويلقى من خلفها. وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وابن ~~المنذر. # وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يضفر، ولكن يرسل مع خديها، من بين يديها ~~من الجانبين، ثم يرسل عليه الخمار؛ لأن ضفره يحتاج إلى تسريحها، فينقطع، ~~شعرها وينتف. ولنا، ما روت أم عطية، قالت: «ضفرنا شعرها ثلاثة قرون، ~~وألقيناه خلفها. يعني بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . متفق عليه. ~~ولمسلم: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون؛ قرنيها، وناصيتها. وللبخاري: جعلن رأس ~~بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة قرون، نقضنه، ثم غسلنه، ثم ~~جعلنه ثلاثة قرون. وإنما غسلنه بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتعليمه. # وفي حديث أم سليم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «واضفرن شعرها ثلاثة ~~قرون؛ قصة، وقرنين، ولا تشبهنها بالرجال» . فأما التسريح فكرهه أحمد، وقال: ms0967 ~~قالت عائشة: علام تنصون ميتكم؟ قال: يعني لا تسرحوا رأسه بالمشط. ولأن ذلك ~~يقطع شعره وينتفه. # وقد روي عن أم عطية، قالت: مشطناها ثلاثة قرون. متفق عليه. قال أحمد: ~~إنما ضفرن. وأنكر المشط. فكأنه تأول قولها: مشطناها. على أنها أرادت ~~ضفرناها؛ لما ذكرناه. والله أعلم. ### | [مسألة الإسراع بالجنازة] # (1533) مسألة؛ قال: " والمشي بالجنازة الإسراع " لا خلاف بين الأئمة، - ~~رحمهم الله -، في استحباب الإسراع بالجنازة، وبه ورد النص، وهو قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة فخير تقدمونها ~~إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» . متفق عليه. # وعن أبي هريرة، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تبع ~~الجنازة # PageV02P352 # قال: انبسطوا بها، ولا تدبوا دبيب اليهود بجنائزها» . رواه أحمد، في " ~~المسند ". واختلفوا في الإسراع المستحب، فقال القاضي: المستحب إسراع لا ~~يخرج عن المشي المعتاد. وهو قول الشافعي. وقال أصحاب الرأي: يخب، ويرمل؛ ~~لما روى أبو داود عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه. قال: «كنا في جنازة ~~عثمان بن أبي العاص فكنا نمشي مشيا خفيفا، فلحقنا أبو بكر؛ فرفع سوطه، ~~فقال: لقد رأيتنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نرمل رملا» . # ولنا، ما روى أبو سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه مر عليه ~~بجنازة تمخض مخضا، فقال - عليه السلام -: عليكم بالقصد في جنائزكم» . من " ~~المسند ". وعن ابن مسعود قال: «سألنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن ~~المشي بالجنازة. فقال: ما دون الخبب» رواه أبو داود، والترمذي. وقال: يرويه ~~أبو ماجد، وهو مجهول. # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «انبسطوا بها، ولا تدبوا دبيب ~~اليهود» . يدل على أن المراد إسراع يخرج به عن شبه مشي اليهود بجنائزهم، ~~ولأن الإسراف في الإسراع يمخضها، ويؤذي حامليها ومتبعيها، ولا يؤمن على ~~الميت. وقد قال ابن عباس، في جنازة ميمونة: لا تزلزلوا، وارفقوا، فإنها ~~أمكم. ### | [فصل اتباع الجنائز] # (1534) فصل: واتباع الجنائز سنة. قال البراء: «أمرنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - باتباع الجنائز» . وهو على ثلاثة أضرب: ms0968 أحدها، أن يصلي ~~عليها، ثم ينصرف. قال زيد بن ثابت: إذا صليت فقد قضيت الذي عليك. # وقال أبو داود: رأيت أحمد ما لا أحصي صلى على جنائز، ولم يتبعها إلى ~~القبر، ولم يستأذن. الثاني، أن يتبعها إلى القبر، ثم يقف حتى تدفن؛ لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ~~ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين ~~العظيمين» . متفق عليه. الثالث، أن يقف بعد الدفن، فيستغفر له، ويسأل الله ~~له التثبيت، ويدعو له بالرحمة، فإنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه كان إذا دفن ميتا وقف، وقال: «استغفروا له، واسألوا الله له التثبيت؛ ~~فإنه الآن يسأل» . رواه أبو داود. # وقد روي عن ابن عمر أنه كان يقرأ عنده بعد الدفن أول البقرة وخاتمتها. # PageV02P353 # (1535) فصل: ويستحب لمتبع الجنازة أن يكون متخشعا، متفكرا في مآله، متعظا ~~بالموت، وبما يصير إليه الميت، ولا يتحدث بأحاديث الدنيا، ولا يضحك، قال ~~سعد بن معاذ: ما تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هو مفعول بها. ورأى بعض ~~السلف رجلا يضحك في جنازة، فقال: أتضحك وأنت تتبع الجنازة؟ لا كلمتك أبدا. ### | [مسألة فصل الماشي خلف الجنازة] # (1536) مسألة؛ قال: " والمشي أمامها أفضل " أكثر أهل العلم يرون الفضيلة ~~للماشي أن يكون أمام الجنازة، روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، ~~وأبي هريرة والحسن بن علي، وابن الزبير، وأبي قتادة، وأبي أسيد، وعبيد بن ~~عمير، وشريح، والقاسم بن محمد، وسالم، والزهري، ومالك، والشافعي. # وقال الأوزاعي، وأصحاب الرأي: المشي خلفها أفضل؛ لما روى ابن مسعود، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الجنازة متبوعة، ولا تتبع، ليس ~~منها من تقدمها» . وقال علي - رضي الله عنه -: «فضل الماشي خلف الجنازة على ~~الماشي قدامها، كفضل المكتوبة على التطوع، سمعته من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -» . ولأنها متبوعة فيجب أن تقدم كالإمام في الصلاة، ولهذا قال ~~في الحديث الصحيح: " من تبع جنازة ". ولنا، ما روى ابن ms0969 عمر، قال: رأيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة. رواه أبو ~~داود، والترمذي. وعن أنس نحوه، رواه ابن ماجه. # وقال ابن المنذر: ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر، وعمر، ~~كانوا يمشون أمام الجنازة. وقال أبو صالح: كان أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يمشون أمام الجنازة، ولأنهم شفعاء له، بدليل قوله - عليه ~~السلام -: «ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة، كلهم يشفعون ~~له، إلا شفعوا فيه» . رواه مسلم. والشفيع يتقدم المشفوع له، وحديث ابن ~~مسعود يرويه أبو ماجد، وهو مجهول، قيل ليحيى: من أبو ماجد هذا؟ قال: طائر ~~طار. قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث. والحديث الآخر لم ~~يذكره أصحاب السنن. وقالوا: هو ضعيف. # ثم نحمله على من تقدمها إلى موضع الصلاة أو الدفن، ولم يكن معها. وقياسهم ~~يبطل بسنة الصبح والظهر، فإنها تابعة لهما، وتتقدمهما في الوجود. # PageV02P354 ### | [فصل الركوب في اتباع الجنائز] # (1537) فصل: ويكره الركوب في اتباع الجنائز. قال ثوبان: «خرجنا مع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في جنازة، فرأى ناسا ركبانا، فقال: ألا تستحيون؟ إن ~~ملائكة الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب» . رواه الترمذي. فإن ركب ~~في جنازة فالسنة أن يكون خلفها، قال الخطابي في الراكب: لا أعلمهم اختلفوا ~~في أنه يكون خلفها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الراكب يسير خلف ~~الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها وعن يسارها، قريبا منها» ~~. رواه أبو داود. وروى الترمذي نحوه، ولفظه: «الراكب خلف الجنازة، والماشي ~~حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه» . وقال: هذا حديث صحيح. # ولأن سير الراكب أمامها يؤذي المشاة؛ لأنه موضع مشيهم على ما قدمناه، ~~فأما الركوب في الرجوع منها فلا بأس به. قال جابر بن سمرة: «إن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - اتبع جنازة ابن الدحداح ماشيا، ورجع على فرس» . رواه ~~مسلم. قال الترمذي: هذا حديث حسن. ### | [فصل رفع الصوت عند الجنازة] # (1538) فصل: ويكره رفع الصوت عند الجنازة؛ لنهي النبي ms0970 - صلى الله عليه ~~وسلم - أن تتبع الجنازة بصوت. قال ابن المنذر: روينا عن قيس بن عباد أنه ~~قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكرهون رفع الصوت؛ عند ~~ثلاث؛ عند الجنائز، وعند الذكر، وعند القتال وذكر الحسن، عن أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يستحبون خفض الصوت عند ثلاث. فذكر ~~نحوه. # وكره سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، والنخعي، وإمامنا وإسحاق، ~~قول القائل خلف الجنازة: استغفروا له. وقال الأوزاعي بدعة. وقال عطاء: ~~محدثة. وقال سعيد بن المسيب في مرضه: إياي وحاديهم، هذا الذي يحدو لهم، ~~يقول: استغفروا له، غفر الله لكم. وقال فضيل بن عمرو: بينا ابن عمر في ~~جنازة، إذ سمع قائلا يقول: استغفروا له، غفر الله لكم. فقال ابن عمر: لا ~~غفر الله لك. رواهما سعيد. # قال أحمد ولا يقول خلف الجنازة: سلم رحمك الله. فإنه بدعة. ولكن يقول: ~~بسم الله، وعلى ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ويذكر الله إذا ~~تناول السرير. ### | [فصل مس الجنازة بالأيدي والأكمام والمناديل] # فصل: ومس الجنازة بالأيدي والأكمام والمناديل محدث مكروه، ولا يؤمن معه ~~فساد الميت، وقد # PageV02P355 # منع العلماء مس القبر، فمس الجسد مع خوف الأذى أولى بالمنع. ### | [فصل اتباع الميت بنار] # (1540) فصل: ويكره اتباع الميت بنار، قال ابن المنذر: يكره ذلك كل من ~~يحفظ عنه. روي عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن مغفل، ومعقل بن يسار، ~~وأبي سعيد، وعائشة، وسعيد بن المسيب، أنهم وصوا أن لا يتبعوا بنار. وروى ~~ابن ماجه، أن أبا موسى حين حضره الموت قال: «لا تتبعوني بمجمر. قالوا له: ~~أوسمعت فيه شيئا؟ قال: نعم، من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . # وروى أبو داود، بإسناده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ~~تتبع الجنازة بصوت ولا نار» . فإن دفن ليلا فاحتاجوا إلى ضوء، فلا بأس به، ~~إنما كره المجامر فيها البخور. وفي حديث «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~دخل قبرا ليلا، فأسرج له سراج» . قال ms0971 الترمذي: هذا حديث حسن. ### | [فصل اتباع النساء الجنائز] # (1541) فصل: ويكره اتباع النساء الجنائز؛ لما روي عن أم عطية قالت: ~~«نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا» . متفق عليه. وكره ذلك ابن ~~مسعود، وابن عمر، وأبو أمامة، وعائشة، ومسروق، والحسن، والنخعي، والأوزاعي، ~~وإسحاق. # وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج، فإذا نسوة جلوس، قال ما ~~يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة. قال: هل تغسلن؟ قلن: لا. قال: هل تحملن؟ قلن: ~~لا. قال: هل تدلين في من يدلي؟ قلن: لا. قال فارجعن مأزورات غير مأجورات» . ~~رواه ابن ماجه. # وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي فاطمة، فقال: ما أخرجك يا ~~فاطمة من بيتك؟ . قالت: يا رسول الله، أتيت أهل هذا البيت، فرحمت إليهم ~~ميتهم، أو عزيتهم به. قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فلعلك ~~بلغت معهم الكدى؟ . قالت: معاذ الله، وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر. قال: لو ~~بلغت معهم الكدى. فذكر تشديدا.» رواه أبو داود. # PageV02P356 ### | [فصل كان مع الجنازة منكر يراه أو يسمعه] # (1542) فصل: فإن كان مع الجنازة منكر يراه أو يسمعه، فإن قدر على إنكاره ~~وإزالته، أزاله، وإن لم يقدر على إزالته، ففيه وجهان: أحدهما، ينكره ~~ويتبعها، فيسقط فرضه بالإنكار، ولا يترك حقا لباطل. والثاني، يرجع، لأنه ~~يؤدي إلى استماع محظور ورؤيته، مع قدرته على ترك ذلك. وأصل هذا في الغسل، ~~فإن فيه روايتين، فيخرج في اتباعها وجهان. ### | [مسألة حمل الميت] # (1543) مسألة؛ قال: (والتربيع أن يوضع على الكتف اليمنى إلى الرجل، ثم ~~الكتف اليسرى إلى الرجل) التربيع هو الأخذ بجوانب السرير الأربع، وهو سنة ~~في حمل الجنازة لقول ابن مسعود: «إذا تبع أحدكم جنازة، فليأخذ بجوانب ~~السرير الأربع، ثم ليتطوع بعد أو ليذر، فإنه من السنة» . رواه سعيد، في " ~~سننه ". وهذا يقتضي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وصفة التربيع المسنون أن يبدأ فيضع قائمة السرير اليسرى على كتفه اليمنى، ~~من عند رأس الميت، ثم يضع القائمة اليسرى من عند الرجل على الكتف اليمنى، ~~ثم يعود أيضا إلى ms0972 القائمة اليمنى من عند رأس الميت فيضعها على كتفه اليسرى، ~~ثم ينتقل إلى اليمنى من عند رجليه. # وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وعن أحمد - رحمه الله -، أنه يدور عليها ~~فيأخذ بعد ياسرة المؤخرة يامنة المؤخرة ثم المقدمة وهو مذهب إسحاق وروي عن ~~ابن مسعود، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وأيوب ولأنه أخف ووجه الأول، أنه أحد ~~الجانبين فينبغي أن يبدأ فيه بمقدمه كالأول. # فأما الحمل بين العمودين، فقال ابن المنذر روينا عن عثمان وسعد بن مالك ~~وابن عمر، وأبي هريرة، وابن الزبير أنهم حملوا بين عمودي السرير. وقال به ~~الشافعي، وأحمد، وأبو ثور وابن المنذر وكرهه النخعي، والحسن، وأبو حنيفة، ~~وإسحاق. والصحيح الأول؛ لأن الصحابة، رحمة الله عليهم، قد فعلوه، وفيهم ~~أسوة حسنة. وقال مالك ليس في حمل الميت توقيت يحمل من حيث شاء. # ونحوه قال الأوزاعي واتباع الصحابة، - رضي الله عنهم -، فيما فعلوه ~~وقالوه، أحسن وأولى ### | [فصل إذا مرت به جنازة لم يستحب له القيام لها] # (1544) فصل: إذا مرت به جنازة لم يستحب له القيام لها؛ لقول علي - رضي ~~الله عنه -: «قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قعد» رواه مسلم وقال ~~إسحاق معنى قول علي يقول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى جنازة ~~قام، ثم ترك ذلك بعد. # قال أحمد: إن قام لم أعبه، وإن قعد فلا بأس وذكر ابن أبي موسى، # PageV02P357 # والقاضي، أن القيام مستحب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ~~رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها، حتى تخلفه» رواه مسلم وقد ذكرنا: أن ~~آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك القيام لها، والأخذ ~~بالآخر من أمره أولى، فقد روي في حديث «أن يهوديا رأى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قام للجنازة، فقال: يا محمد: هكذا نصنع. فترك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - القيام لها» ### | [فصل من يتبع الجنازة استحب له أن لا يجلس حتى توضع] # (1545) فصل: ومن يتبع الجنازة استحب له أن لا يجلس حتى توضع، ممن رأى ms0973 أن ~~لا يجلس حتى توضع عن أعناق الرجال الحسن بن علي وابن عمر، وأبو هريرة، وابن ~~الزبير، والنخعي، والشعبي، والأوزاعي، وإسحاق. # ووجه ذلك ما روى مسلم بإسناده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع» ورأى الشافعي أن ~~هذا منسوخ بحديث علي ولا يصح؛ لأن قول علي يحتمل ما ذكره إسحاق والسبب الذي ~~ذكرناه فيه، وليس في اللفظ عموم، فيعم الأمرين جميعا، فلم يجز النسخ بأمر ~~محتمل، ولأن قول علي: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قعد. يدل ~~على ابتداء فعل القيام، وها هنا إنما وجدت منه الاستدامة، إذا ثبت هذا، ~~فأظهر الروايتين عن أحمد أنه أريد بالوضع وضعها عن أعناق الرجال، وهو قول ~~من ذكرنا من قبل. # وقد روى الثوري الحديث: «إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع بالأرض» ~~ورواه أبو معاوية «حتى توضع في اللحد» وحديث سفيان أصح. فأما من تقدم ~~الجنازة فلا بأس أن يجلس قبل أن تنتهي إليه. قال الترمذي روي عن بعض أهل ~~العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يتقدمون الجنازة، ~~فيجلسون قبل أن تنتهي إليهم، فإذا جاءت الجنازة لم يقوموا لها. لما تقدم. ### | [مسألة أحق الناس بالصلاة على الميت] # (1546) مسألة؛ قال: (وأحق الناس بالصلاة عليه من أوصى له أن يصلي عليه) ~~هذا مذهب أنس، وزيد بن أرقم وأبي برزة، وسعيد بن زيد، وأم سلمة، وابن سيرين ~~وقال الثوري، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي: الولي أحق، لأنها ولاية تترتب ~~بترتب العصبات، فالولي فيها أولى، كولاية النكاح. # ولنا، إجماع الصحابة، - رضي الله عنهم -، روي أن أبا بكر أوصى أن يصلي ~~عليه عمر قاله أحمد قال: # PageV02P358 # وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب وأم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد ~~وأبو بكرة أوصى أن يصلي عليه أبو برزة. # وقال غيره: عائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة وابن مسعود أوصى أن يصلي ~~عليه الزبير، ويونس بن جبير أوصى أن يصلي عليه ms0974 أنس بن مالك # وأبو سريحة أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم فجاء عمرو بن حريث وهو أمير ~~الكوفة ليتقدم فيصلي عليه. فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصلي ~~عليه زيد بن أرقم فقدم زيدا # وهذه قضايا انتشرت، فلم يظهر مخالف، فكان إجماعا، ولأنه حق للميت، فإنها ~~شفاعة له، فتقدم وصيته فيها كتفريق ثلثه، وولاية النكاح يقدم فيها الوصي ~~أيضا، فهي كمسألتنا، وإن سلمت فليست حقا له، إنما هي حق للمولى عليه، ثم ~~الفرق بينهما أن الأمير يقدم في الصلاة، بخلاف ولاية النكاح، ولأن الغرض في ~~الصلاة الدعاء، والشفاعة إلى الله عز وجل، فالميت يختار لذلك من هو أظهر ~~صلاحا، وأقرب إجابة في الظاهر، بخلاف ولاية النكاح # (1547) فصل: فإن كان الوصي فاسقا، أو مبتدعا، لم تقبل الوصية؛ لأن الموصي ~~جهل الشرع فرددنا وصيته، كما لو كان الوصي ذميا، فإن كان الأقرب إليه كذلك ~~لم يقدم، وصلى غيره، كما يمنع من التقديم في الصلوات الخمس ### | [مسألة تقديم الأمير على الأقارب في الصلاة على الميت] # (1548) مسألة قال: " ثم الأمير " أكثر أهل العلم يرون تقديم الأمير على ~~الأقارب في الصلاة على الميت وقال الشافعي في أحد قوليه: يقدم الولي، قياسا ~~على تقديمه في النكاح، بجامع اعتبار ترتيب العصبات، وهو خلاف قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤم الرجل في سلطانه» . # وحكى أبو حازم قال: شهدت حسينا حين مات الحسن، وهو يدفع في قفا سعيد بن ~~العاص، ويقول: تقدم، لولا السنة ما قدمتك وسعيد أمير المدينة وهذا يقتضي ~~سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى الإمام أحمد بإسناده عن عمار مولى ~~بني هاشم قال: شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي، وزيد بن عمر فصلى عليها سعيد ~~بن العاص وكان أمير المدينة وخلفه يومئذ ثمانون من أصحاب محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - فيهم ابن عمر، والحسن # PageV02P359 # والحسين وسمى في موضع آخر زيد بن ثابت، وأبا هريرة. # وقال علي - رضي الله عنه - الإمام أحق من صلى على الجنازة وعن ابن مسعود ~~نحو ذلك. ms0975 وهذا اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعا، ولأنها صلاة شرعت فيها ~~الجماعة، فكان الإمام أحق بالإمامة فيها كسائر الصلوات وقد كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يصلي على الجنائز، مع حضور أقاربها، والخلفاء بعده ولم ~~ينقل إلينا أنهم استأذنوا أولياء الميت في التقدم عليها. # (1549) فصل: والأمير هاهنا الإمام، فإن لم يكن فالأمير من قبله، فإن لم ~~يكن فالنائب من قبله في الإمامة، فإن الحسين قدم سعيد بن العاص، وإنما كان ~~أميرا من قبل معاوية فإن لم يكن فالحاكم ### | [مسألة أولى الناس في الصلاة على الميت] # مسألة؛ قال: (ثم الأب وإن علا، ثم الابن وإن سفل، ثم أقرب العصبة) الصحيح ~~في المذهب ما ذكره الخرقي في أن أولى الناس بعد الأمير الأب، ثم الجد أبو ~~الأب وإن علا، ثم الابن، ثم ابنه وإن نزل، ثم الأخ الذي هو عصبة، ثم ابنه، ~~ثم الأقرب فالأقرب من العصبات، وقال أبو بكر: إذا اجتمع جد وأخ، ففيه قولان ~~وحكي عن مالك أن الابن أحق من الأب؛ لأنه أقوى تعصيبا منه، بدليل الإرث، ~~والأخ أولى من الجد؛ لأنه يدلي بالبنوة والجد يدلي بالأبوة. # ولنا، أنهما استويا في الإدلاء؛ لأن كل واحد منهما يدلي بنفسه، والأب ~~أرأف وأشفق، ودعاؤه لأبنه أقرب إلى الإجابة، فكان أولى، كالقريب مع البعيد، ~~إذ كان المقصود الدعاء للميت والشفاعة له، بخلاف الميراث ### | [فصل اجتمع زوج المرأة الميتة وعصبتها في الصلاة عليها] # (1551) فصل: وإن اجتمع زوج المرأة وعصبتها فظاهر كلام الخرقي تقديم ~~العصبات، وهو أكثر الروايات عن أحمد، وقول سعيد بن المسيب، والزهري، وبكير ~~بن الأشج ومذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي إلا أن أبا حنيفة يقدم زوج ~~المرأة على ابنها منه. # وروي عن أحمد تقديم الزوج على العصبات؛ لأن أبا بكرة صلى على امرأته، ولم ~~يستأذن إخوتها وروي ذلك عن ابن عباس، والشعبي، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، ~~وإسحاق، ولأنه أحق بالغسل، فكان أحق بالصلاة، كمحل الوفاق ولنا، أنه يروى ~~عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لأهل امرأته: أنتم أحق بها ولأن ms0976 الزوج قد ~~زالت زوجيته بالموت فصار أجنبيا، والقرابة لم تزل، فعلى هذه الرواية، إن لم ~~يكن لها عصبات، فالزوج أولى؛ لأن له سببا وشفقة، فكان أولى من الأجنبي # PageV02P360 ### | [فصل اجتمع أخ من الأبوين وأخ من أب في الصلاة على الميت] # (1552) فصل: فإن اجتمع أخ من الأبوين، وأخ من أب ففي تقديم الأخ من ~~الأبوين، أو التسوية، وجهان، أخذا من الروايتين في ولاية النكاح، والحكم في ~~أولادهما، وفي الأعمام وأولادهم، كالحكم فيهما سواء. فإن انقرض العصبة من ~~النسب فالمولى المنعم، ثم أقرب عصباته، ثم الرجل من ذوي أرحامه، الأقرب ~~فالأقرب، ثم الأجانب ### | [فصل استوى وليان في درجة واحدة في الصلاة على الميت] # (1553) فصل: فإن استوى وليان في درجة واحدة فأولاهما أحقهما بالإمامة في ~~المكتوبات لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب ~~الله» قال القاضي: ويحتمل أن يقدم له الأسن؛ لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء، ~~وأعظم عند الله قدرا. وهذا ظاهر مذهب الشافعي. # والأول أولى، وفضيلة السن معارضة بفضيلة العلم، وقد رجحها الشارع في سائر ~~الصلوات، مع أنه يقصد فيها إجابة الدعاء والحظ للمأمومين، وقد روي عنه - ~~عليه السلام - أنه قال: «أئمتكم شفعاؤكم» ولا نسلم أن الأسن الجاهل أعظم ~~قدرا من العالم، ولا أقرب إجابة فإن استووا وتشاحوا، أقرع بينهم، كما في ~~سائر الصلوات ### | [فصل ومن قدمه الولي فهو بمنزلته في الصلاة على الميت] # (1554) فصل: ومن قدمه الولي فهو بمنزلته؛ لأنها ولاية تثبت له، فكانت له ~~الاستنابة فيها، ويقدم نائبه فيها على غيره، كولاية النكاح. ### | [فصل الحر البعيد أولى من العبد القريب في الصلاة على الميت] # (1555) فصل: والحر البعيد أولى من العبد القريب لأن العبد لا ولاية له، ~~ولهذا لا يلي في النكاح ولا المال فإن اجتمع صبي ومملوك ونساء فالمملوك ~~أولى؛ لأنه تصح إمامته بهما. فإن لم يكن إلا نساء وصبيان، فقياس المذهب أنه ~~لا يصح أن يؤم أحد الجنسين الآخر، ويصلي كل نوع لأنفسهم وإمامهم منهم، ~~ويصلي النساء جماعة إمامتهن في وسطهن نص عليه أحمد وبه ms0977 قال أبو حنيفة وقال ~~الشافعي: يصلين مفردات، لا يسبق بعضهن بعضا، وإن صلين جماعة جاز. # ولنا، أنهن من أهل الجماعة، فيصلين جماعة كالرجال، وما ذكروه من كونهن ~~منفردات، لا يسبق بعضهن بعضا، تحكم لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع، وقد صلى ~~أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - على سعد بن أبي وقاص رواه مسلم. # PageV02P361 ### | [فصل اجتمع جنائز فتشاح أولياؤهم في من يتقدم للصلاة عليهم] # (1556) فصل: فإن اجتمع جنائز، فتشاح أولياؤهم في من يتقدم للصلاة عليهم، ~~قدم أولاهم بالإمامة في الفرائض. وقال القاضي: يقدم السابق، يعني من سبق ~~ميته. ولنا، أنهم تساووا فأشبهوا الأولياء إذا تساووا في الدرجة، مع قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» وإن أراد ولي ~~كل ميت إفراد ميته بصلاة جاز. ### | [مسألة كيفية صلاة الجنازة] # (1557) مسألة؛ قال والصلاة عليه، يكبر، ويقرأ الحمد وجملة ذلك أن سنة ~~التكبير على الجنازة أربع، ولا تسن الزيادة عليها، ولا يجوز النقص منها، ~~فيكبر الأولى، ثم يستعيذ، ويقرأ الحمد، ويبدؤها ببسم الله الرحمن الرحيم، ~~ولا يسن الاستفتاح. قال أبو داود سمعت أحمد يسأل عن الرجل يستفتح الصلاة ~~على الجنازة بسبحانك اللهم وبحمدك؟ قال: ما سمعت قال ابن المنذر كان الثوري ~~يستحب أن يستفتح في صلاة الجنازة، ولم نجده في كتب سائر أهل العلم، وقد روي ~~عن أحمد مثل قول الثوري لأن الاستعاذة فيها مشروعة فسن فيها الاستفتاح، ~~كسائر الصلوات. # ولنا، أن صلاة الجنازة شرع فيها التخفيف، ولهذا لا يقرأ فيها بعد الفاتحة ~~بشيء، وليس فيها ركوع ولا سجود، والتعوذ سنة للقراءة مطلقا في الصلاة، ~~وغيرها؛ لقول الله تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم} [النحل: 98] إذا ثبت هذا فإن قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة ~~وبهذا قال الشافعي، وإسحاق. # وروي ذلك عن ابن عباس وقال الثوري، والأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة: لا ~~يقرأ فيها بشيء من القرآن؛ لأن ابن مسعود قال: إن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يوقت فيها قولا ولا قراءة. ولأن ما لا ms0978 ركوع فيه لا قراءة فيه، ~~كسجود التلاوة ولنا، أن ابن عباس صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فقال: ~~إنه من السنة. أو: من تمام السنة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. # وروى ابن ماجه بإسناده عن أم شريك قالت «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب» . # وروى الشافعي، في " مسنده " بإسناده عن جابر أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كبر على الجنازة أربعا، وقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى ثم ~~هو داخل في عموم قوله - عليه السلام - «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن» ~~ولأنها صلاة يجب فيها القيام، فوجبت فيها القراءة، كسائر الصلوات وإن صح ما ~~رووه عن ابن مسعود فإنما قال: لم يوقت. أي لم يقدر. # ولا يدل هذا على نفي أصل القراءة وقد روى ابن المنذر عنه، # PageV02P362 # أنه قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب ثم لا يعارض ما رويناه؛ لأنه نفي يقدم، ~~عليه الإثبات، ويفارق سجود التلاوة فإنه لا قيام فيه، والقراءة إنما محلها ~~القيام ### | [فصل يسر القراءة والدعاء في صلاة الجنازة] # (1558) فصل: ويسر القراءة والدعاء في صلاة الجنازة لا نعلم بين أهل العلم ~~فيه خلافا، ولا يقرأ بعد أم القرآن شيئا. وقد روي عن ابن عباس أنه جهر ~~بفاتحة الكتاب قال أحمد: إنما جهر ليعلمهم ### | [مسألة يكبر الثانية ويصلي على النبي في صلاة الجنازة] # (1559) مسألة؛ قال: (ويكبر الثانية، ويصلي على النبي كما يصلي عليه في ~~التشهد) هكذا وصف أحمد الصلاة على الميت، كما ذكر الخرقي. # وهو مذهب الشافعي وروي عن ابن عباس أنه صلى على جنازة بمكة فكبر، ثم قرأ ~~وجهر وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم دعا لصاحبها فأحسن، ثم ~~انصرف وقال: هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة وروى الشافعي في مسنده ~~عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن السنة في الصلاة على الجنازة، أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب ~~بعد التكبيرة الأولى، يقرأ في نفسه، ثم ms0979 يصلي على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم ~~سرا في نفسه. # وصفة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كصفة الصلاة عليه في ~~التشهد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سألوه: كيف نصلي عليك؟ علمهم ~~ذلك. وإن أتى بها على غير ما ذكر في التشهد، فلا بأس؛ لأن القصد مطلق ~~الصلاة. قال القاضي، يقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين، وأنبيائك ~~المرسلين وأهل طاعتك أجمعين، من أهل السموات وأهل الأرضين، إنك على كل شيء ~~قدير. # لأن أحمد قال، في رواية عبد الله يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ويصلي على الملائكة المقربين ### | [مسألة يكبر الثالثة ويدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين ويدعو للميت] # (1560) مسألة؛ قال: (ويكبر الثالثة، ويدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين ~~ويدعو للميت) . وإن أحب أن يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا ~~وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، إنك ~~على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا ~~فتوفه على الإيمان، اللهم إنه عبدك وابن أمتك، نزل بك وأنت خير منزول به، ~~ولا نعلم إلا خيرا، اللهم إن كان محسنا فجازه بإحسانه، وإن كان مسيئا ~~فتجاوز عنه، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. # والواجب أدنى دعاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا صليتم ~~على الميت فأخلصوا له الدعاء» رواه أبو داود وهذا يحصل بأدنى دعاء، ولأن ~~المقصود الشفاعة للميت، والدعاء فيجب أقل ذلك. # PageV02P363 # ويستحب أن يدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين قال أحمد وليس على الميت دعاء ~~مؤقت. # والذي ذكره الخرقي حسن، يجمع ذلك، وقد روي أكثره في الحديث، فمن ذلك، ما ~~روى أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إذا صلى على الجنازة، قال اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، ~~وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. # وروى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث ms0980 ~~أبي إبراهيم وزاد: " اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته ~~منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده وفي حديث ~~آخر، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «اللهم أنت ربها، وأنت ~~خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضتها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، ~~جئنا شفعاء، فاغفر له» . رواه أبو داود وروى مسلم بإسناده عن عوف بن مالك ~~قال: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازة فحفظت من دعائه، وهو ~~يقول: اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه وأكرم نزله، وأوسع مدخله، ~~واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من ~~الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، ~~وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت.» # (1561) فصل: زاد أبو الخطاب على ما ذكره الخرقي: اللهم جئناك شفعاء له، ~~فشفعنا فيه، وقه فتنة القبر، وعذاب النار، وأكرم مثواه، وأبدله دارا خيرا ~~من داره، وجوارا خيرا من جواره، وافعل بنا ذلك وبجميع المسلمين. # وزاد ابن أبي موسى: الحمد لله الذي أمات وأحيا، الحمد لله الذي يحيي ~~الموتى، له العظمة والكبرياء، والملك والقدرة والثناء، وهو على كل شيء ~~قدير. اللهم إنه عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، أنت خلقته ورزقته، وأنت أمته ~~وأنت تحييه، وأنت تعلم سره جئناك شفعاء له فشفعنا فيه، اللهم إنا نستجير ~~بحبل جوارك له، إنك ذو وفاء وذمة، اللهم وقه من فتنة القبر، ومن عذاب جهنم، ~~اللهم إن كان محسنا فجازه بإحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، اللهم قد نزل ~~بك وأنت خير منزول به، فقيرا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، اللهم ثبت عند ~~المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. # (1562) فصل: وقوله: لا نعلم إلا خيرا إنما يقوله لمن لم يعلم منه شرا، ~~لئلا يكون كاذبا. # وقد روى القاضي حديثا، # PageV02P364 # عن عبد الله بن الحارث عن أبيه، «أن النبي - صلى ms0981 الله عليه وسلم - علمهم ~~الصلاة على الميت: اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وشاهدنا ~~وغائبنا، اللهم إن عبدك وابن عبدك نزل بفنائك فاغفر له وارحمه، ولا نعلم ~~إلا خيرا فقلت، وأنا أصغر الجماعة: يا رسول الله، وإن لم أعلم خيرا؟ قال لا ~~تقل إلا ما تعلم» وإنما شرع هذا للخبر، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما أثني عنده على جنازة بخير، فقال: " وجبت " وأثني على أخرى بشر، فقال: " ~~وجبت " ثم قال «إن بعضكم على بعض شهيد» . رواه أبو داود متفق عليه # وفي حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما من عبد مسلم ~~يموت، يشهد له اثنان من جيرانه الأدنين بخير، إلا قال الله تعالى: قد قبلت ~~شهادة عبادي على ما علموا، وغفرت ما أعلم» . رواه الإمام أحمد، في " المسند ~~" # وفي لفظ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما من مسلم يموت، ~~فيقوم رجلان من جيرانه الأدنين، فيقولان: اللهم لا نعلم إلا خيرا، إلا قال ~~الله تعالى: قد قبلت شهادتهما لعبدي، وغفرت له ما لا يعلمان» أخرجه ~~اللالكائي. # (1563) فصل: وإن كان الميت طفلا، جعل مكان الاستغفار له: اللهم اجعله ~~فرطا لوالديه، وذخرا وسلفا وأجرا، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به ~~أجورهما، اللهم اجعله في كفالة إبراهيم وألحقه بصالح سلف المؤمنين، وأجره ~~برحمتك من عذاب الجحيم، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، ~~اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ومن سبقنا بالإيمان. # ونحو ذلك وبأي شيء دعا مما ذكرنا أو نحوه أجزأه وليس فيه شيء موقت ### | [مسألة يكبر الرابعة ويقف قليلا في صلاة الجنازة] # (1564) مسألة: قال: ويكبر الرابعة، ويقف قليلا ظاهر كلام الخرقي أنه لا ~~يدعو بعد الرابعة شيئا ونقله عن أحمد جماعة من أصحابه. وقال: لا أعلم فيه ~~شيئا؛ لأنه لو كان فيه دعاء مشروع لنقل. # وروي عن أحمد أنه يدعو، ثم يسلم، لأنه قيام في صلاة، فكان فيه ذكر مشروع، ~~كالذي قبل التكبيرة الرابعة. قال ابن أبي موسى وأبو الخطاب يقول: ربنا آتنا ~~في ms0982 الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وقيل يقول: اللهم لا ~~تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. # وهذا الخلاف في استحبابه، ولا خلاف في المذهب أنه غير واجب وأن الوقوف ~~بعد التكبير قليلا مشروع، وقد روى الجوزجاني بإسناده عن زيد بن أرقم أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر أربعا ثم، يقول ما شاء الله، ثم ~~ينصرف. قال الجوزجاني وكنت أحسب # PageV02P365 # أن هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف، فإن الإمام إذا كبر ثم سلم، خفت أن يكون ~~تسليمه قبل أن يكبر آخر الصفوف، فإن كان هكذا فالله عز وجل الموفق له، وإن ~~كان غير ذلك فإني أبرأ إلى الله عز وجل من أن أتأول على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أمرا لم يرده، أو أراد خلافه. ### | [مسألة يرفع يديه في كل تكبيرة في صلاة الجنازة] # (1565) مسألة: قال (ويرفع يديه في كل تكبيرة) . أجمع أهل العلم على أن ~~المصلي على الجنائز يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها، وكان ابن عمر يرفع ~~يديه في كل تكبيرة وبه قال سالم، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وقيس بن أبي ~~حازم، والزهري وإسحاق وابن المنذر، والأوزاعي، والشافعي. وقال مالك، ~~والثوري وأبو حنيفة: لا يرفع يديه إلا في الأولى؛ لأن كل تكبيرة مقام ركعة، ~~ولا ترفع الأيدي في جميع الركعات. # ولنا، ما روي عن ابن عمر قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يرفع يديه في كل تكبيرة» رواه ابن أبي موسى وعن ابن عمر، وأنس أنهما كانا ~~يفعلان ذلك. ولأنها تكبيرة حال الاستقرار أشبهت الأولى، وما ذكروه غير ~~مسلم، فإذا رفع يديه فإنه يحطهما عند انقضاء التكبير، ويضع اليمنى على ~~اليسرى، كما في بقية الصلوات. وفيما روى ابن أبي موسى «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى على جنازة، فوضع يمينه على شماله.» ### | [مسألة يسلم على الجنازة تسليمة واحدة] # (1566) مسألة: قال: ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه. السنة أن يسلم على ~~الجنازة تسليمة واحدة. قال - رحمه الله -: التسليم على الجنازة تسليمة ~~واحدة، ms0983 عن ستة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس فيه اختلاف إلا ~~عن إبراهيم وروي تسليمة واحدة عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وجابر وأبي ~~هريرة، وأنس بن مالك، وابن أبي أوفى، وواثلة بن الأسقع. # وبه قال سعيد بن جبير، والحسن وابن سيرين، وأبو أمامة بن سهل، والقاسم بن ~~محمد، والحارث، وإبراهيم النخعي، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وعبد ~~الرحمن بن مهدي وإسحاق. وقال ابن المبارك: من سلم على الجنازة تسليمتين فهو ~~جاهل جاهل، واختار القاضي أن المستحب تسليمتان، وتسليمة واحدة تجزي. # وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، قياسا على سائر الصلوات. # ولنا، ما روى عطاء بن السائب «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم على ~~الجنازة تسليمة واحدة.» رواه الجوزجاني بإسناده، وأنه قول من سمينا من ~~الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعا قال أحمد: ليس فيه ~~اختلاف إلا عن إبراهيم قال الجوزجاني هذا عندنا لا اختلاف فيه؛ لأن ~~الاختلاف إنما يكون بين الأقران والأشكال، أما إذا أجمع الناس واتفقت ~~الرواية عن الصحابة والتابعين، فشذ عنهم رجل، لم يقل لهذا اختلاف. # واختيار القاضي في هذه المسألة مخالف لقول إمامه # PageV02P366 # وأصحابه وإجماع الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - إذا ثبت هذا فإن ~~المستحب أن يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، وإن سلم تلقاء وجهه فلا بأس قال ~~أحمد: يسلم تسليمة واحدة. وسئل يسلم تلقاء وجهه؟ قال: كل هذا، وأكثر ما روي ~~فيه عن يمينه. قيل: خفية؟ قال: نعم. يعني أن الكل جائز، والتسليم عن يمينه ~~أولى، لأنه أكثر ما روي، وهو أشبه بالتسليم في سائر الصلوات. # قال أحمد يقول: السلام عليكم ورحمة الله. وروى عنه علي بن سعيد أنه قال: ~~إذا قال السلام عليكم. أجزأه. وروى الخلال بإسناده عن علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - أنه صلى على يزيد بن المكفف فسلم واحدة عن يمينه: السلام ~~عليكم. ### | [فصل لا تنقض الصفوف حتى ترفع الجنازة] # (1567) فصل: وروي عن مجاهد أنه قال: إذا صليت فلا تبرح مصلاك حتى ترفع. ~~قال ورأيت ms0984 عبد الله بن عمر لا يبرح مصلاه إذا صلى على جنازة حتى يراها على ~~أيدي الرجال. قال الأوزاعي لا تنقض الصفوف حتى ترفع الجنازة. ### | [فصل الواجب في صلاة الجنازة] # (1568) فصل: والواجب في صلاة الجنازة النية، والتكبيرات، والقيام، وقراءة ~~الفاتحة، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأدنى دعاء للميت، ~~وتسليمة واحدة. ويشترط لها شرائط المكتوبة، إلا الوقت. وتسقط بعض واجباتها ~~عن المسبوق، على ما سنبين، ولا يجوز أن يصلي على الجنائز وهو راكب؛ لأنه ~~يفوت القيام الواجب، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي ثور ولا أعلم فيه ~~خلافا. ### | [فصل يصف في الصلاة على الجنائز ثلاثة صفوف] # (1569) فصل: ويستحب أن يصف في الصلاة على الجنائز ثلاثة صفوف، لما روي عن ~~مالك بن هبيرة - حمصي وكانت له صحبة - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب» قال فكان مالك بن هبيرة إذا ~~استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة أجزاء. رواه الخلال بإسناده. وقال الترمذي: ~~هذا حديث حسن. # قال أحمد: أحب إذا كان فيهم قلة أن يجعلهم ثلاثة صفوف، قالوا: فإن كان ~~وراءه أربعة كيف يجعلهم؟ قال: يجعلهم صفين، في كل صف رجلين، وكره أن يكونوا ~~ثلاثة فيكون في صف رجل واحد. # وذكر ابن عقيل أن عطاء بن أبي رباح روى، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى على جنازة، فكانوا سبعة، فجعل الصف الأول ثلاثة، والثاني # PageV02P367 # اثنين، والثالث واحدا. قال ابن عقيل ويعايا بها، فيقال: أين تجدون فذا ~~انفراده أفضل؟ ولا أحسب هذا الحديث صحيحا، فإني لم أره في غير كتاب ابن ~~عقيل، وأحمد قد صار إلى خلافه، وكره أن يكون الواحد صفا، ولو علم أحمد في ~~هذا حديثا لم يعده إلى غيره. # والصحيح في هذا أن يجعل كل اثنين صفا. ### | [فصل تسوية الصف في الصلاة على الجنازة] # (1570) فصل: ويستحب تسوية الصف في الصلاة على الجنازة نص عليه أحمد وقيل ~~لعطاء: أخذ على الناس أن يصفوا على الجنازة كما يصفون في الصلاة؟ قال: لا، ~~قوم يدعون ms0985 ويستغفرون ولم يعجب أحمد، قول عطاء هذا. وقال يسوون صفوفهم، ~~فإنها صلاة ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى النجاشي في اليوم الذي ~~مات فيه، وخرج إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعا. متفق عليه. وروي عن أبي ~~المليح أنه صلى على جنازة، فالتفت، فقال استووا لتحسن شفاعتكم. ### | [فصل الصلاة على الميت في المسجد] # (1571) فصل: ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد إذا لم يخف تلويثه. ~~وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور وداود وكره ذلك مالك، وأبو حنيفة لأنه ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من صلى على جنازة في المسجد ~~فلا شيء له» من المسند. # ولنا ما روى مسلم وغيره، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما صلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل ابن بيضاء إلا في المسجد. وقال سعيد: ~~حدثنا مالك عن سالم أبي النضر قال: لما مات سعد بن أبي وقاص قالت عائشة: - ~~رضي الله عنها - مروا به علي حتى أدعو له. فأنكر الناس ذلك، فقالت: ما أسرع ~~ما نسي الناس، ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل ابن بيضاء ~~إلا في المسجد. # وقال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: صلي على ~~أبي بكر في المسجد وقال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: صلي على عمر ~~في المسجد وهذا كان بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - فلم ينكر، فكان ~~إجماعا، ولأنها صلاة فلم يمنع منها في المسجد كسائر الصلوات، وحديثهم يرويه ~~صالح مولى التوأمة قال ابن عبد البر: من أهل العلم من لا يقبل من حديثه ~~شيئا لضعفه، لأنه اختلط، ومنهم من يقبل منه ما رواه عن ابن أبي ذئب خاصة، ~~ثم يحمل على من خيف عليه الانفجار، وتلويث المسجد. # PageV02P368 ### | [فصل الصلاة على الجنازة في المقبرة] # (1572) فصل: فأما الصلاة على الجنازة في المقبرة فعن أحمد فيها روايتان. ~~إحداهما: لا بأس بها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر وهو ms0986 في ~~المقبرة. قال ابن المنذر ذكر نافع أنه صلي على عائشة وأم سلمة وسط قبور ~~البقيع صلى على عائشة أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر وفعل ذلك عمر بن عبد ~~العزيز. والرواية الثانية: يكره ذلك. # وروي ذلك عن علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عباس وبه قال عطاء، ~~والنخعي، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «والأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» ولأنه ليس بموضع للصلاة غير ~~صلاة الجنازة فكرهت فيه صلاة الجنازة كالحمام. ### | [مسألة فاته شيء من التكبير في صلاة الجنازة] # (1573) مسألة: قال: ومن فاته شيء من التكبير قضاه متتابعا، فإن سلم مع ~~الإمام ولم يقض، فلا بأس وجملة ذلك أن المسبوق بتكبير الصلاة في الجنازة ~~يسن له قضاء ما فاته منها. وممن قال: يقضي ما فاته سعيد بن المسيب، وعطاء، ~~والنخعي، والزهري، وابن سيرين، وقتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، ~~وأصحاب الرأي فإن سلم قبل القضاء فلا بأس. # هذا قول ابن عمر، والحسن، وأيوب السختياني، والأوزاعي قالوا: لا يقضي ما ~~فات من تكبيرة الجنازة. قال أحمد: إذا لم يقض لم يبال. العمري عن نافع عن ~~ابن عمر أنه لا يقضي. وإن كبر متتابعا فلا بأس. كذلك قال إبراهيم وقال أيضا ~~يبادر بالتكبير قبل أن يرفع وقال أبو الخطاب إن سلم قبل أن يقضيه فهل تصح ~~صلاته؟ على روايتين؛ إحداهما: لا تصح. # وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي؛ لقوله - عليه السلام - «ما أدركتم ~~فصلوا، وما فاتكم فأتموا» وفي لفظ: " فاقضوا " وقياسا على سائر الصلوات. # ولنا، قول ابن عمر ولم يعرف له في الصحابة مخالف، وقد روي عن عائشة أنها ~~قالت: يا رسول الله، إني أصلي على الجنازة، ويخفى علي بعض التكبير؟ قال: ~~«ما سمعت فكبري، وما فاتك فلا قضاء عليك» وهذا صريح. # ولأنها تكبيرات متواليات حال القيام، فلم يجب قضاء ما فاته منها، ~~كتكبيرات العيد، وحديثهم ورد في الصلوات الخمس، بدليل قوله في صدر الحديث: ~~«ولا تأتوها وأنتم تسعون» # PageV02P369 # وروي أنه سعى في جنازة سعد ms0987 حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فعلم، أنه لم يرد ~~بالحديث هذه الصلاة، ثم الحديث الذي رويناه أخص منه، فيجب تقديمه. والقياس ~~على سائر الصلوات لا يصح؛ لأنه لا يقضي في شيء من الصلوات التكبير المنفرد، ~~ثم يبطل بتكبيرات العيد. # إذا ثبت هذا فإنه متى قضى أتى بالتكبير متواليا، لا ذكر معه كذلك قال ~~أحمد وحكاه عن إبراهيم قال: يبادر بالتكبير متتابعا، وإن لم يرفع قضى ما ~~فاته، وإذا أدرك الإمام في الدعاء على الميت تابعه فيه، فإذا سلم الإمام ~~كبر، وقرأ الفاتحة، ثم كبر وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكبر ~~وسلم. # وقال الشافعي: متى دخل المسبوق في الصلاة ابتدأ الفاتحة ثم أتى بالصلاة ~~في الثانية. ووجه الأول أن المسبوق في سائر الصلوات يقرأ فيما يقضيه ~~الفاتحة وسورة، على صفة ما فاته، فينبغي أن يأتي هاهنا بالقراءة على صفة ما ~~فاته. والله أعلم ### | [فصل أدرك الإمام فيما بين تكبيرتين في صلاة الجنازة] # (1574) فصل: وإذا أدرك الإمام فيما بين تكبيرتين فعن أحمد أنه ينتظر ~~الإمام حتى يكبر معه، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وإسحاق؛ لأن التكبيرات ~~كالركعات، ثم لو فاتته ركعة لم يتشاغل بقضائها، وكذلك إذا فاتته تكبيرة. ~~والثانية، يكبر ولا ينتظر. وهو قول الشافعي؛ لأنه في سائر الصلوات متى أدرك ~~الإمام كبر معه، ولم ينتظر، وليس هذا اشتغالا بقضاء ما فاته، وإنما يصلي ~~معه ما أدركه، فيجزئه، كالذي عقيب تكبير الإمام، أو يتأخر عن ذلك قليلا. # وعن مالك كالروايتين. قال ابن المنذر: سهل أحمد في القولين جميعا ومتى ~~أدرك الإمام في التكبيرة الأولى فكبر، وشرع في القراءة، ثم كبر الإمام قبل ~~أن يتمها، فإنه يكبر، ويتابعه، ويقطع القراءة كالمسبوق في بقية الصلوات، ~~إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة. ### | [مسألة يدخل قبره من عند رجليه] # (1575) مسألة: قال: (ويدخل قبره من عند رجليه إن كان أسهل عليهم) الضمير ~~في قوله " رجليه " يعود إلى القبر. أي: من عند موضع الرجلين. وذلك أن ~~المستحب أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر، ثم يسل ms0988 سلا إلى القبر. روي ذلك ~~عن ابن عمر، وأنس، وعبد الله بن يزيد الأنصاري، والنخعي، والشعبي، ~~والشافعي. # وقال أبو حنيفة توضع الجنازة على جانب القبر، مما يلي القبلة، ثم يدخل ~~القبر معترضا؛ لأنه يروى عن علي - رضي الله عنه - ولأن النخعي قال: حدثني ~~من رأى أهل المدينة في الزمن الأول يدخلون موتاهم من قبل القبلة وأن السل ~~شيء أحدثه أهل المدينة. ولنا، ما روى الإمام أحمد، بإسناده عن عبد الله بن ~~يزيد الأنصاري، «أن الحارث أوصى أن يليه عند موته، فصلى عليه، ثم دخل ~~القبر، فأدخله من رجلي القبر، وقال: هذا السنة» . # وهذا يقتضي سنة # PageV02P370 # النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى ابن عمر وابن عباس «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سل من قبل رأسه سلا.» وما ذكر عن النخعي لا يصح؛ لأن ~~مذهبه بخلافه، ولأنه لا يجوز على العدد الكثير أن يغيروا سنة ظاهرة في ~~الدفن إلا بسبب ظاهر، أو سلطان قاهر. # قال: ولم ينقل من ذلك شيء، ولو ثبت فسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مقدمة على فعل أهل المدينة وإن كان الأسهل عليهم أخذه من قبل القبلة، أو من ~~رأس القبر، فلا حرج فيه، لأن استحباب أخذه من رجلي القبر، إنما كان طلبا ~~للسهولة عليهم، والرفق بهم فإذا كان الأسهل غيره كان مستحبا. قال أحمد - ~~رحمه الله -: كل لا بأس به. ### | [فصل يعمق القبر إلى الصدر] # (1576) فصل: قال أحمد - رحمه الله -: يعمق القبر إلى الصدر، الرجل ~~والمرأة في ذلك سواء. كان الحسن، وابن سيرين يستحبان أن يعمق القبر إلى ~~الصدر. وقال سعيد حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر، أن عمر بن عبد ~~العزيز لما مات ابنه، أمرهم أن يحفروا قبره إلى السرة ولا يعمقوا، فإن ما ~~على ظهر الأرض أفضل مما سفل منها. وذكر أبو الخطاب أنه يستحب أن يعمق قدر ~~قامة وبسطة. # وهو قول الشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «احفروا، ~~وأوسعوا، وأعمقوا» رواه أبو داود، ولأن ابن عمر أوصى بذلك في ms0989 قبره، ولأنه ~~أحرى أن لا تناله السباع، وأبعد على من ينبشه. والمنصوص عن أحمد أن المستحب ~~تعميقه إلى الصدر، لأن التعميق قدر قامة وبسطة يشق، ويخرج عن العادة. # وقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - (أعمقوا) ليس فيه بيان لقدر التعميق، ~~ولم يصح عن ابن عمر أنه أوصى بذلك في قبره، ولو صح عند أبي عبد الله لم ~~يعده إلى غيره. إذا ثبت هذا، فإنه يستحب تحسينه وتعميقه وتوسيعه؛ للخبر. ~~وقد روى زيد بن أسلم، قال: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبر، ~~فقال: (اصنعوا كذا، اصنعوا كذا) ، ثم قال: «ما بي أن يكون يغني عنه شيئا، ~~ولكن الله يحب إذا عمل العمل أن يحكم» قال معمر وبلغني أنه قال: " ولكنه ~~أطيب لأنفس أهله " رواه عبد الرزاق في كتاب الجنائز. ### | [فصل السنة أن يلحد قبر الميت] # (1577) فصل: والسنة أن يلحد قبر الميت، كما صنع بقبر النبي. - صلى الله ~~عليه وسلم - قال سعد بن أبي وقاص الحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا، ~~كما صنع برسول الله. - صلى الله عليه وسلم - رواه مسلم ومعنى اللحد، أنه ~~إذا بلغ أرض القبر حفر فيه مما يلي القبلة مكانا يوضع الميت فيه، فإن كانت ~~الأرض رخوة جعل له # PageV02P371 # من الحجارة شبه اللحد. قال أحمد ولا أحب الشق. # لما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللحد لنا، ~~والشق لغيرنا» رواه أبو داود والنسائي، والترمذي وقال: هذا حديث غريب فإن ~~لم يمكن اللحد شق له في الأرض، ومعنى الشق أن يحفر في أرض القبر شقا يضع ~~الميت فيه، ويسقفه عليه بشيء، ويضع الميت في اللحد على جنبه الأيمن، مستقبل ~~القبلة بوجهه، ويضع تحت رأسه لبنة، أو حجرا، أو شيئا مرتفعا، كما يصنع ~~الحي. # وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - قال: إذا جعلتموني في اللحد فأفضوا بخدي ~~إلى الأرض. ويدنى من الحائط لئلا ينكب على وجهه ويسند من ورائه بتراب، لئلا ~~ينقلب. قال أحمد - رحمه الله -: ما أحب أن يجعل في ms0990 القبر مضربة ولا مخدة. ~~وقد جعل في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - قطيفة حمراء، فإن جعلوا قطيفة ~~فلعلة، فإذا فرغوا نصبوا عليه اللبن نصبا. ويسد خلله بالطين لئلا يصل إليه ~~التراب، وإن جعل مكان اللبن قصبا، فحسن. # لأن الشعبي قال: جعل على لحد النبي - صلى الله عليه وسلم - طن قصب، فإني ~~رأيت المهاجرين يستحبون ذلك. # قال الخلال: كان أبو عبد الله يميل إلى اللبن، ويختاره على القصب، ثم ترك ~~ذلك. ومال إلى استحباب القصب على اللبن، وأما الخشب فكرهه على كل حال. # ورخص فيه عند # الضرورة # إذا لم يوجد غيره، وأكثر الروايات عن أبي عبد الله استحباب اللبن، ~~وتقديمه على القصب؛ لقول سعد: انصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله. ~~- صلى الله عليه وسلم - وقول سعد أولى من قول الشعبي فإن الشعبي لم ير، ولم ~~يحضر، وأيهما فعله كان حسنا. قال حنبل: قلت لأبي عبد الله: فإن لم يكن لبن؟ ~~قال ينصب عليه القصب والحشيش، وما أمكن من ذلك، ثم يهال عليه التراب. ### | [فصل أن رسول الله حثى على الميت ثلاث حثيات] # (1578) فصل: روي عن أحمد أنه حضر جنازة، فلما ألقي عليها التراب، قام إلى ~~القبر، فحثى عليه ثلاث حثيات، ثم رجع إلى مكانه وقال: قد جاء عن علي وصح، ~~أنه حثى على قبر ابن مكفف وروي عنه أنه قال: إن فعل فحسن، وإن لم يفعل فلا ~~بأس. ووجه استحبابه ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على ~~جنازة، ثم أتى قبر الميت من قبل رأسه، فحثى عليه ثلاثا.» أخرجه ابن ماجه. # وعن عامر بن ربيعة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على عثمان ~~بن مظعون فكبر عليه أربعا، ثم أتى القبر فحثى عليه ثلاث حثيات وهو قائم عند ~~رأسه.» # PageV02P372 # رواه الدارقطني. # وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حثى ~~على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعا.» أخرجه الشافعي في مسنده. وفعله علي - ~~رضي الله عنه -. # وروي عن ms0991 ابن عباس، أنه لما دفن زيد بن ثابت حثى في قبره ثلاثا، وقال: ~~هكذا يذهب العلم. ### | [فصل ما يقول حين يضعه في قبره] # (1579) فصل: ويقول حين يضعه في قبره ما روى ابن عمر «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذا أدخل الميت القبر، قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وروي وعلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . ~~قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. # وروى ابن ماجه عن سعيد بن المسيب قال: «حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها ~~في اللحد، قال: بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد، قال: اللهم أجرها من ~~الشيطان، ومن عذاب القبر، اللهم جاف الأرض عن جنبيها، وصعد روحها، ولقها ~~منك رضوانا قلت: يا ابن عمر أشيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أم قلته برأيك؟ قال: إني إذا لقادر على القول، بل سمعته من رسول الله. - ~~صلى الله عليه وسلم -» وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان إذا سوي على ~~الميت قال: اللهم أسلمه إليك الأهل والمال والعشيرة، وذنبه عظيم، فاغفر له. ~~رواه ابن المنذر. ### | [فصل إذا مات في سفينة في البحر] # (1580) فصل: إذا مات في سفينة في البحر فقال أحمد - رحمه الله -: ينتظر ~~به إن كانوا يرجون أن يجدوا له موضعا يدفنونه فيه، حبسوه يوما أو يومين، ما ~~لم يخافوا عليه الفساد، فإن لم يجدوا غسل، وكفن، وحنط، ويصلى عليه ويثقل ~~بشيء، ويلقى في الماء. # وهذا قول عطاء، والحسن. قال الحسن: يترك في زنبيل، ويلقى في البحر. وقال ~~الشافعي: يربط بين لوحين؛ ليحمله البحر إلى الساحل فربما وقع إلى قوم ~~يدفنونه، وإن ألقوه في البحر لم يأثموا. والأول أولى؛ لأنه يحصل به الستر ~~المقصود من دفنه، وإلقاؤه بين لوحين تعريض له للتغير والهتك، وربما بقي على ~~الساحل مهتوكا عريانا، وربما وقع إلى قوم من المشركين، فكان ما ذكرناه ~~أولى. ### | [مسألة المرأة ms0992 يخمر قبرها بثوب] # (1581) مسألة: قال: (والمرأة يخمر قبرها بثوب) لا نعلم في استحباب هذا ~~بين أهل العلم خلافا. وقد روى ابن سيرين، أن عمر كان يغطي قبر المرأة. # PageV02P373 # وروي # عن علي أنه مر بقوم قد دفنوا ميتا، وبسطوا على قبره الثوب، فجذبه وقال: ~~إنما يصنع هذا بالنساء. # وشهد أنس بن مالك دفن أبي زيد الأنصاري فخمر القبر بثوب فقال عبد الله بن ~~أنس: ارفعوا الثوب، إنما يخمر قبر النساء، وأنس شاهد على شفير القبر لا ~~ينكر. # ولأن المرأة عورة، ولا يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون، فإن كان ~~الميت رجلا كره ستر قبره. لما ذكرنا. # وكرهه عبد الله بن يزيد ولم يكرهه أصحاب الرأي وأبو ثور والأول أولى؛ لأن ~~فعل علي - رضي الله عنه - وأنس يدل على كراهته، ولأن كشفه أمكن وأبعد من ~~التشبه بالنساء، مع ما فيه من اتباع أصحاب رسول الله. - صلى الله عليه وسلم ~~- ### | [مسألة أولى الناس بإدخال المرأة قبرها] # (1582) مسألة: قال: (ويدخلها محرمها، فإن لم يكن فالنساء، فإن لم يكن ~~فالمشايخ.) لا خلاف بين أهل العلم في أن أولى الناس بإدخال المرأة قبرها ~~محرمها، وهو من كان يحل له النظر إليها في حياتها، ولها السفر معه، وقد روى ~~الخلال بإسناده عن عمر - رضي الله عنه - أنه قام عند منبر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حين توفيت زينب بنت جحش فقال: ألا إني أرسلت إلى النسوة ~~من يدخلها قبرها فأرسلن من كان يحل له الدخول عليها في حياتها. فرأيت أن قد ~~صدقن. ولما توفيت امرأة عمر قال لأهلها: أنتم أحق بها ولأن محرمها أولى ~~الناس بولايتها في الحياة، فكذلك بعد الموت. وظاهر كلام أحمد أن الأقارب ~~يقدمون على الزوج. قال الخلال: استقامت الرواية عن أبي عبد الله أنه إذا ~~حضر الأولياء والزوج، فالأولياء أحب إليه، فإن لم يكن الأولياء فالزوج أحق ~~من الغريب؛ لما ذكرنا من خبر عمر. ولأن الزوج قد زالت زوجيته بموتها، ~~والقرابة باقية. # وقال القاضي: الزوج أحق من الأولياء، لأن أبا بكر ms0993 أدخل امرأته قبرها دون ~~أقاربها، ولأنه أحق بغسلها منهم، فكان أولى بإدخالها قبرها، كمحل الوفاق، ~~وأيهما قدم فالآخر بعده. فإن لم يكن واحد منهما، فقد روي عن أحمد أنه قال: ~~أحب إلي أن يدخلها النساء؛ لأنه مباح لهن النظر إليها، وهن أحق بغسلها. # وعلى هذا يقدم الأقرب منهن فالأقرب، كما في حق الرجل. # وروي عنه أن النساء لا يستطعن أن يدخلن القبر، ولا يدفن. # وهذا أصح وأحسن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ماتت ابنته أمر ~~أبا طلحة فنزل في قبرها. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «أيكم ~~لم يقارف الليلة؟ قال أبو طلحة: أنا. فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فنزل فأدخلها قبرها» رواه البخاري ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~النساء في جنازة، فقال: " هل تحملن؟ " قلن: لا. قال: " هل تدلين في من # PageV02P374 # يدلي؟ " قلن: لا. قال: «فارجعن مأزورات غير مأجورات» . رواه ابن ماجه. # وهذا استفهام إنكار، فدل على أن ذلك غير مشروع لهن بحال وكيف يشرع لهن ~~وقد نهاهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اتباع الجنائز؟ ولأن ذلك لو ~~كان مشروعا لفعل في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو خلفائه، ولنقل عن ~~بعض الأئمة، ولأن الجنازة يحضرها جموع الرجال، وفي نزول النساء في القبر ~~بين أيديهم هتك لهن، مع عجزهن عن الدفن، وضعفهن عن حمل الميتة وتقليبها، ~~فلا يشرع. لكن إن عدم محرمها، استحب ذلك للمشايخ؛ لأنهم أقل شهوة وأبعد من ~~الفتنة، وكذلك من يليهم من فضلاء الناس وأهل الدين، لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر أبا طلحة، فنزل في قبر ابنته دون غيره. ### | [فصل أولى الناس بدفن الرجل أولاهم بالصلاة عليه] # (1583) فصل: فأما الرجل فأولى الناس بدفنه أولاهم بالصلاة عليه من ~~أقاربه؛ لأن القصد طلب الحظ للميت والرفق به. قال علي: - رضي الله عنه - ~~إنما يلي الرجل أهله. ولما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - ألحده ~~العباس، وعلي وأسامة. رواه أبو داود. ولا توقيف في عدد من يدخل القبر ms0994 نص ~~عليه أحمد. فعلى هذا يكون عددهم على حسب حال الميت وحاجته وما هو أسهل في ~~أمره. # وقال القاضي: يستحب أن يكون وترا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ألحده ثلاثة، ولعل هذا كان اتفاقا أو لحاجتهم إليه. وقد روى أبو داود عن ~~أبي مرحب، أن عبد الرحمن بن عوف نزل في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: كأني أنظر إليهم أربعة. وإذا كان المتولي فقيها كان حسنا؛ لأنه محتاج ~~إلى معرفة ما يصنعه في القبر. ### | [مسألة لا يشق الكفن في القبر وتحل العقد] # (1584) مسألة: قال (ولا يشق الكفن في القبر، وتحل العقد.) أما شق الكفن ~~فغير جائز، لأنه إتلاف مستغنى عنه، ولم يرد الشرع به، وقد قال النبي: - صلى ~~الله عليه وسلم - «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» رواه مسلم. وتخريقه ~~يتلفه، ويذهب بحسنه. وأما حل العقد من عند رأسه ورجليه، فمستحب؛ لأن عقدها ~~كان للخوف من انتشارها، وقد أمن ذلك بدفنه، وقد روي «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما أدخل نعيم بن مسعود الأشجعي القبر نزع الأخلة بفيه.» وعن ~~ابن مسعود وسمرة بن جندب نحو ذلك. ### | [مسألة لا يدخل القبر آجرا ولا خشبا ولا شيئا مسته النار] # (1585) مسألة: قال: " ولا يدخل القبر آجرا، ولا خشبا، ولا شيئا مسته ~~النار " # PageV02P375 # قد ذكرنا أن اللبن والقصب مستحب، وكره أحمد الخشب. وقال إبراهيم النخعي ~~كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب. ولا يستحب الدفن في تابوت؛ لأنه لم ~~ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه، وفيه تشبه بأهل الدنيا، ~~والأرض أنشف لفضلاته. ويكره الآجر؛ لأنه من بناء المترفين، وسائر ما مسته ~~النار، تفاؤلا بأن لا تمسه النار. ### | [فصل إذا فرغ من اللحد أهال عليه التراب ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر] # (1586) فصل: وإذا فرغ من اللحد أهال عليه التراب، ويرفع القبر عن الأرض ~~قدر شبر؛ ليعلم أنه قبر، فيتوقى ويترحم على صاحبه. وروى الساجي، عن جابر أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع قبره عن الأرض قدر شبر. وروى ms0995 القاسم بن ~~محمد، قال: قلت لعائشة: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء ~~العرصة الحمراء. رواه أبو داود. # ولا يستحب رفعه بأكثر من ترابه. نص عليه أحمد، وروى بإسناده، عن عقبة بن ~~عامر أنه قال: " لا يجعل في القبر من التراب أكثر مما خرج منه حين حفر. # وروى الخلال بإسناده عن جابر قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يزاد على القبر على حفرته» ولا يستحب رفع القبر إلا شيئا يسيرا، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي، - رضي الله عنه -: «لا تدع تمثالا إلا ~~طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» رواه مسلم وغيره. والمشرف ما رفع كثيرا، ~~بدليل قول القاسم في صفة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه: لا ~~مشرفة، ولا لاطئة. ويستحب أن يرش على القبر ماء ليلتزق ترابه. # قال أبو رافع «سل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعدا ورش على قبره ~~ماء.» رواه ابن ماجه. # وعن جابر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رش على قبره ماء» رواهما ~~الخلال جميعا. ### | [فصل لا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة] # (1587) فصل: ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة. قال أحمد لا بأس أن يعلم ~~الرجل القبر علامة يعرفه بها، وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - قبر ~~عثمان بن مظعون. وروى أبو داود بإسناده عن المطلب قال: «لما مات # PageV02P376 # عثمان بن مظعون أخرج بجنازته، فدفن، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رجلا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فحسر عن ذراعيه، ثم حملها، فوضعها عند رأسه، وقال: أعلم بها قبر أخي، وأدفن ~~إليه من مات من أهله» ورواه ابن ماجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~رواية أنس. ### | [فصل تسنيم القبر أفضل من تسطيحه] # (1588) فصل: وتسنيم القبر أفضل من تسطيحه. وبه قال مالك وأبو حنيفة، ~~والثوري. وقال الشافعي: تسطيحه ms0996 أفضل. قال: وبلغنا أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سطح قبر ابنه إبراهيم. وعن القاسم قال: رأيت قبر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر مسطحة. ولنا ما روى سفيان التمار، أنه قال: ~~رأيت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مسنما. رواه البخاري بإسناده وعن ~~الحسن مثله ولأن التسطيح يشبه أبنية أهل الدنيا، وهو أشبه بشعار أهل البدع، ~~فكان مكروها. # وحديثنا أثبت من حديثهم وأصح، فكان العمل به أولى. ### | [فصل الوقوف على القبر بعدما يدفن يدعو للميت] # (1589) فصل: وسئل أحمد عن الوقوف على القبر بعدما يدفن، يدعو للميت؟ قال: ~~لا بأس به، قد وقف علي والأحنف بن قيس، وروى أبو داود بإسناده عن عثمان، ~~قال «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دفن الرجل وقف عليه، فقال: ~~استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» . # وروى الخلال بإسناده ومسلم والبخاري عن السري قال: لما حضرت عمرو بن ~~العاص الوفاة، قال: اجلسوا عند قبري قدر ما ينحر جزور، ويقسم، فإني أستأنس ~~بكم. ### | [فصل التلقين بعد الدفن] # (1590) فصل: فأما التلقين بعد الدفن فلم أجد فيه عن أحمد شيئا، ولا أعلم ~~فيه للأئمة قولا، سوى ما رواه الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله فهذا الذي ~~يصنعون إذا دفن الميت، يقف الرجل، ويقول: يا فلان بن فلانة، اذكر ما فارقت ~~عليه، شهادة أن لا إله إلا الله؟ فقال: ما رأيت أحدا فعل هذا إلا أهل ~~الشام، حين مات أبو المغيرة جاء إنسان، فقال ذاك. قال: وكان أبو المغيرة ~~يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أشياخهم، أنهم كانوا يفعلونه، وكان ~~ابن عياش يروي فيه، ثم قال فيه: إنما لأثبت عذاب القبر. # قال القاضي، وأبو الخطاب: يستحب ذلك. ورويا فيه عن أبي أمامة الباهلي أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P377 # قال: «إذا مات أحدكم، فسويتم عليه التراب، فليقف أحدكم عند رأس قبره، ثم ~~ليقل: يا فلان بن فلانة فإنه يسمع، ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة ~~الثانية، فيستوي قاعدا، ms0997 ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا ~~يرحمك الله، ولكن لا تسمعون. فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن ~~لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام ~~دينا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا، وبالقرآن إماما. فإن منكرا ~~ونكيرا يتأخر كل واحد منهما فيقول: انطلق، فما يقعدنا عند هذا وقد لقن ~~حجته، ويكون الله تعالى حجته دونهما فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف ~~اسم أمه؟ قال: فلينسبه إلى حواء» رواه ابن شاهين في (كتاب ذكر الموت) ~~بإسناده. ### | [فصل تطيين القبور] # (1591) فصل: سئل أحمد عن تطيين القبور فقال: أرجو أن لا يكون به بأس. ~~ورخص في ذلك الحسن، والشافعي، وروى أحمد بإسناده عن نافع عن ابن عمر أنه ~~كان يتعاهد قبر عاصم بن عمر. قال نافع وتوفي ابن له وهو غائب، فقدم فسألنا ~~عنه، فدللناه عليه، فكان يتعاهد القبر ويأمر بإصلاحه. وروي عن الحسن، عن ~~عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يزال ~~الميت يسمع الأذان ما لم يطين قبره. أو قال: ما لم يطو قبره.» ### | [فصل البناء على القبر وتجصيصه والكتابة عليه] # (1592) فصل: ويكره البناء على القبر، وتجصيصه، والكتابة عليه لما روى ~~مسلم في " صحيحه " قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجصص ~~القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه.» زاد الترمذي وأن يكتب عليه. وقال: ~~هذا حديث حسن صحيح. ولأن ذلك من زينة الدنيا، فلا حاجة بالميت إليه. # وفي هذا الحديث دليل على الرخصة في طين القبر، لتخصيصه التجصيص بالنهي ~~ونهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى على القبر بآجر، وأوصى بذلك. وأوصى الأسود ~~بن يزيد أن لا تجعلوا على قبري آجرا وقال إبراهيم كانوا يكرهون الآجر في ~~قبورهم. وكره أحمد أن يضرب على القبر فسطاط وأوصى أبو هريرة حين حضره الموت ~~أن لا تضربوا علي فسطاطا. ### | [فصل الجلوس على القبر والاتكاء عليه والاستناد إليه والمشي عليه والتغوط بين القبور] ms0998 # (1593) فصل: ويكره الجلوس على القبر، والاتكاء عليه، والاستناد إليه، ~~والمشي عليه، والتغوط بين القبور؛ # PageV02P378 # لما تقدم من حديث جابر وفي حديث أبي مرثد الغنوي: «لا تجلسوا على القبور، ~~ولا تصلوا إليها» صحيح. وذكر لأحمد أن مالكا يتأول حديث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه نهى أن يجلس على القبور أي للخلاء. # فقال: ليس هذا بشيء، ولم يعجبه رأي مالك وروى الخلال بإسناده عن عقبة بن ~~عامر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لأن أطأ على جمرة، أو ~~سيف، أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، ~~أو وسط السوق» رواه ابن ماجه. ### | [فصل اتخاذ السرج على القبور] # (1594) فصل: ولا يجوز اتخاذ السرج على القبور؛ لقول النبي: - صلى الله ~~عليه وسلم - «لعن الله زوارات القبور، المتخذات عليهن المساجد والسرج» رواه ~~أبو داود، والنسائي، ولفظه: لعن رسول الله. - صلى الله عليه وسلم - # ولو أبيح لم يلعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من فعله، ولأن فيه تضييعا ~~للمال في غير فائدة، وإفراطا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام ولا يجوز ~~اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر مثل ما صنعوا. ~~متفق عليه. # وقالت عائشة: إنما لم يبرز قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لئلا ~~يتخذ مسجدا، ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود ~~لها، والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات، ~~باتخاذ صورهم، ومسحها، والصلاة عندها. ### | [فصل الدفن في مقابر المسلمين أعجب من الدفن في البيوت] # (1595) فصل: والدفن في مقابر المسلمين أعجب إلى أبي عبد الله من الدفن في ~~البيوت؛ لأنه أقل ضررا على الأحياء من ورثته، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر ~~للدعاء له، والترحم عليه. ولم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في ~~الصحاري. فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبر في بيته، وقبر صاحباه ~~معه؟ قلنا: قالت عائشة إنما فعل ذلك لئلا يتخذ ms0999 قبره مسجدا. رواه البخاري. ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدفن أصحابه في البقيع، وفعله أولى ~~من فعل غيره، وإنما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك. # ولأنه روي: # PageV02P379 # " يدفن الأنبياء حيث يموتون " وصيانة لهم عن كثرة الطراق، وتمييزا له عن ~~غيره. ### | [فصل الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء] # (1596) فصل: ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء؛ ~~لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة. وقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما ~~«أن موسى - عليه السلام - لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه إلى ~~الأرض المقدسة رمية بحجر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت ثم ~~لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر.» ### | [فصل جمع الأقارب في الدفن] # (1597) فصل: وجمع الأقارب في الدفن حسن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «لما دفن عثمان بن مظعون أدفن إليه من مات من أهله» ولأن ذلك أسهل ~~لزيارتهم، وأكثر للترحم عليهم. ويسن تقديم الأب ثم من يليه في السن ~~والفضيلة، إذا أمكن. ### | [فصل يستحب دفن الشهيد حيث قتل] # (1598) فصل: ويستحب دفن الشهيد حيث قتل قال أحمد: أما القتلى فعلى حديث ~~جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ادفنوا القتلى في مصارعهم» ~~وروى ابن ماجه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتلى أحد أن يردوا ~~إلى مصارعهم. # فأما غيرهم فلا ينقل الميت من بلده إلى بلد آخر إلا لغرض صحيح. وهذا مذهب ~~الأوزاعي، وابن المنذر. قال عبد الله بن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي ~~بكر بالحبشة، فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره ثم قالت: والله ~~لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك ولأن ذلك أخف لمؤنته وأسلم ~~له من التغيير. فأما إن كان فيه غرض صحيح جاز. # وقال أحمد: ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد أخرى بأسا. وسئل ~~الزهري عن ذلك فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، من العقيق إلى ~~المدينة. وقال ابن عيينة مات ابن عمر ms1000 هنا، فأوصى أن لا يدفن هاهنا، وأن ~~يدفن بسرف. ### | [فصل تنازع اثنان من الورثة فقال أحدهما يدفن في المقبرة المسبلة وقال الآخر يدفن في ملكه] # (1599) فصل: وإذا تنازع اثنان من الورثة، فقال أحدهما: يدفن في المقبرة ~~المسبلة. وقال الآخر: يدفن في ملكه # PageV02P380 # دفن في المسبلة؛ لأنه لا منة فيه، وهو أقل ضررا على الوارث. فإن تشاحا في ~~الكفن، قدم قول من قال: نكفنه من ملكه؛ لأن ضرره على الوارث بلحوق المنة، ~~وتكفينه من ماله قليل الضرر. # وسئل أحمد عن الرجل يوصي أن يدفن في داره قال: يدفن في المقابر مع ~~المسلمين، إن دفن في داره أضر بالورثة. وقال: لا بأس أن يشتري الرجل موضع ~~قبره، ويوصي أن يدفن فيه، فعل ذلك عثمان بن عفان، وعائشة، وعمر بن عبد ~~العزيز. - رضي الله عنهم - ### | [فصل إذا تشاح اثنان في الدفن في المقبرة المسبلة] # (1600) فصل: وإذا تشاح اثنان في الدفن في المقبرة المسبلة، قدم أسبقهما، ~~كما لو تنازعا في مقاعد الأسواق، ورحاب المساجد، فإن تساويا أقرع بينهما. ### | [فصل إن تيقن أن الميت قد بلي وصار رميما جاز نبش قبره ودفن غيره فيه] # (1601) فصل: وإن تيقن أن الميت قد بلي وصار رميما، جاز نبش قبره، ودفن ~~غيره فيه وإن شك في ذلك رجع إلى أهل الخبرة. فإن حفر، فوجد فيها عظاما ~~دفنها، وحفر في مكان آخر. نص عليه أحمد، واستدل بأن كسر عظم الميت ككسر عظم ~~الحي. وسئل أحمد عن الميت يخرج من قبره إلى غيره فقال: إذا كان شيء يؤذيه، ~~قد حول طلحة وحولت عائشة وسئل عن قوم دفنوا في بساتين ومواضع رديئة. # فقال: قد نبش معاذ امرأته، وقد كانت كفنت في خلقين فكفنها ولم ير أبو عبد ~~الله بأسا أن يحولوا. ### | [مسألة من فاتته الصلاة على الميت صلى على القبر] # (1602) مسألة: قال: (ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر) . وجملة ذلك ~~أن من فاتته الصلاة على الجنازة، فله أن يصلي عليها، ما لم تدفن، فإن دفنت، ~~فله أن يصلي على القبر إلى ms1001 شهر. هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وغيرهم، روي ذلك عن أبي موسى، وابن عمر، وعائشة - رضي ~~الله عنهم - وإليه ذهب الأوزاعي، والشافعي. وقال النخعي، والثوري، ومالك ~~وأبو حنيفة: لا تعاد الصلاة على الميت، إلا للولي إذا كان غائبا، ولا يصلى ~~على القبر إلا كذلك، ولو جاز ذلك لكان قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلى عليه في جميع الأعصار. # PageV02P381 # ولنا، ما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر رجلا مات، فقال: ~~فدلوني على قبره فأتى قبره، فصلى عليه.» متفق عليه. # وعن ابن عباس «أنه مر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على قبر منبوذ، ~~فأمهم وصلوا خلفه.» قال أحمد - رحمه الله -: ومن شك في الصلاة على القبر ~~يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ستة وجوه كلها حسان ولأنه من أهل ~~الصلاة، فيسن له الصلاة على القبر، كالولي، وقبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يصلى عليه؛ لأنه لا يصلى على القبر بعد شهر. ### | [فصل إذا صلي على الجنازة مرة لم توضع لأحد يصلي عليها] # (1603) فصل: ومن صلى مرة فلا يسن له إعادة الصلاة عليها. وإذا صلي على ~~الجنازة مرة لم توضع لأحد يصلي عليها. قال القاضي: لا يحسن بعد الصلاة ~~عليه، ويبادر بدفنه، فإن رجي مجيء الولي أخر إلى أن يجيء، إلا أن يخاف ~~تغيره. # قال ابن عقيل لا ينتظر به أحد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ~~طلحة بن البراء «اعجلوا به، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني ~~أهله» فأما من أدرك الجنازة ممن لم يصل، فله أن يصلي عليها، فعل ذلك علي، ~~وأنس، وسلمان بن ربيعة، وأبو حمزة ومعمر بن سمير. ### | [فصل يصلى على القبر وتعاد الصلاة عليه قبل الدفن جماعة وفرادى] # (1604) فصل: ويصلى على القبر، وتعاد الصلاة عليه قبل الدفن جماعة وفرادى. ~~نص عليهما أحمد وقال: وما بأس بذلك، قد فعله عدة من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وفي حديث ms1002 ابن عباس قال «انتهى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى قبر رطب، فصفوا خلفه، وكبر أربعا.» متفق عليه. ### | [فصل الصلاة على الغائب] # (1605) فصل: وتجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر بالنية فيستقبل القبلة، ~~ويصلي عليه كصلاته على حاضر، وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن، ~~وسواء كان بين البلدين مسافة القصر أو لم يكن. وبهذا قال الشافعي وقال ~~مالك، وأبو حنيفة: لا يجوز. وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى كقولهما؛ ~~لأن من شرط الصلاة على الجنازة حضورها، بدليل ما لو كان في البلد لم تجز ~~الصلاة عليها مع غيبتها عنه. # ولنا، ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه نعى النجاشي صاحب ~~الحبشة اليوم الذي مات فيه، وصلى بهم بالمصلى، فكبر عليه أربعا.» متفق ~~عليه. فإن قيل: فيحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زويت له الأرض، ~~فأري الجنازة. قلنا: هذا لم ينقل، ولو كان لأخبر به. # ولنا أن نقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يثبت ما يقتضي ~~اختصاصه، ولأن الميت مع البعد لا تجوز الصلاة عليه وإن رئي، ثم لو رآه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لاختصت الصلاة به، وقد صف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فصلى بهم. # فإن قيل: لم يكن بالحبشة من يصلي عليه، قلنا: ليس هذا مذهبكم، فإنكم لا ~~تجيزون الصلاة # PageV02P382 # على الغريق، والأسير، ومن مات بالبوادي، وإن كان لم يصل عليه، ولأن هذا ~~بعيد؛ لأن النجاشي ملك الحبشة، وقد أسلم وظهر إسلامه، فيبعد أن يكون لم ~~يوافقه أحد يصلي عليه. ### | [فصل كان الميت في أحد جانبي البلد لم يصل عليه من في الجانب الآخر] # (1606) فصل: فإن كان الميت في أحد جانبي البلد لم يصل عليه من في الجانب ~~الآخر قال: وهذا اختيار أبي حفص البرمكي لأنه يمكنه الحضور للصلاة عليه، أو ~~على قبره، وصلى أبو عبد الله بن حامد على ميت مات في أحد جانبي بغداد وهو ~~في الجانب الآخر لأنه غائب، فجازت الصلاة عليه، كالغائب في بلد ms1003 آخر، وهذا ~~منتقض بما إذا كان معه في هذا الجانب. ### | [فصل تتوقف الصلاة على الغائب بشهر] # (1607) فصل: وتتوقف الصلاة على الغائب بشهر، كالصلاة على القبر لأنه لا ~~يعلم بقاؤه من غير تلاش أكثر من ذلك. وقال ابن عقيل في أكيل السبع، ~~والمحترق بالنار: يحتمل أن لا يصلى عليه؛ لذهابه بخلاف الضائع والغريق؛ ~~فإنه قد بقي منه ما يصلى عليه، ويصلى عليه إذا غرق قبل الغسل، كالغائب في ~~بلد بعيد؛ لأن الغسل تعذر لمانع، أشبه الحي إذا عجز عن الغسل والتيمم، صلى ~~على حسب حاله. ### | [مسألة إن كبر الإمام خمسا كبر بتكبيره] # (1608) مسألة: قال (وإن كبر الإمام خمسا كبر بتكبيره) لا يختلف المذهب ~~أنه لا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات، ولا أنقص، من أربع والأولى أربع لا ~~يزاد عليها، واختلفت الرواية فيما بين ذلك، فظاهر كلام الخرقي أن الإمام ~~إذا كبر خمسا تابعه المأموم، ولا يتابعه في زيادة عليها. # رواه الأثرم عن أحمد وروى حرب عن أحمد إذا كبر خمسا، لا يكبر معه، ولا ~~يسلم إلا مع الإمام. قال الخلال: وكل من روى عن أبي عبد الله يخالفه. وممن ~~لم ير متابعة الإمام في زيادة على أربع؛ الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، ~~والشافعي، واختارها ابن عقيل؛ لأنها زيادة غير مسنونة للإمام، فلا يتابعه ~~المأموم فيها، كالقنوت في الركعة الأولى. # ولنا: ما روي عن زيد بن أرقم أنه «كبر على جنازة خمسا، وقال: كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يكبرها.» أخرجه مسلم وسعيد بن منصور وغيرهما. وفي ~~رواية سعيد: فسئل عن ذلك، فقال: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال ~~سعيد: ثنا خالد بن عبد الله عن يحيى الجابري عن عيسى مولى لحذيفة، أنه كبر ~~على جنازة خمسا فقيل له فقال: مولاي وولي نعمتي صلى على جنازة وكبر عليها ~~خمسا. وذكر حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك وروى بإسناده أن ~~عليا صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه خمسا. # وكان أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمسا وروى الخلال بإسناده ms1004 عن عمر بن ~~الخطاب قال: كل ذلك قد كان، أربعا وخمسا وأمر الناس بأربع. قال أحمد # PageV02P383 # في إسناد حديث زيد بن أرقم: إسناد جيد رواه شعبة عن عمرو بن مرة، عن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن أرقم ومعلوم أن المصلين معه كانوا يتابعونه. ~~وروى الأثرم عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يكبر على أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - غير أهل بدر خمسا، وعلى سائر الناس أربعا. وهذا أولى ~~مما ذكروه. # فأما إن زاد الإمام عن خمس، فعن أحمد أنه يكبر مع الإمام إلى سبع. قال ~~الخلال: ثبت القول عن أبي عبد الله أنه يكبر مع الإمام إلى سبع، ثم لا يزاد ~~على سبع، ولا يسلم إلا مع الإمام. # وهذا قول بكر بن عبد الله المزني. وقال عبد الله بن مسعود كبر ما كبر ~~إمامك فإنه لا وقت ولا عدد. ووجه ذلك ما روي، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كبر على حمزة سبعا» رواه ابن شاهين. وكبر علي على جنازة أبي قتادة ~~سبعا وعلى سهل بن حنيف ستا، وقال: إنه بدري. وروي أن عمر - رضي الله عنه - ~~جمع الناس فاستشارهم، فقال بعضهم: كبر النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعا. ~~وقال بعضهم: خمسا. وقال بعضهم: أربعا، فجمع عمر الناس على أربع تكبيرات، ~~وقال: هو أطول الصلاة وقال الحكم بن عتيبة: إن عليا - رضي الله عنه - صلى ~~على سهل بن حنيف، فكبر عليه ستا، وكانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا ~~وسبعا. فإن زاد على سبع لم يتابعه. نص عليه أحمد، وقال في رواية أبي داود: ~~إن زاد على سبع ينبغي أن يسبح به، ولا أعلم أحدا قال بالزيادة على سبع إلا ~~عبد الله بن مسعود فإن علقمة روى أن أصحاب عبد الله قالوا له: إن أصحاب ~~معاذ يكبرون على الجنائز خمسا، فلو وقت لنا وقتا فقال: إذا تقدمكم إمامكم ~~فكبروا ما يكبر، فإنه لا وقت ولا عدد. رواه سعيد والأثرم والصحيح # أنه لا يزاد على ms1005 سبع؛ لأنه لم ينقل ذلك من فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا أحد من الصحابة، ولكن لا يسلم حتى يسلم إمامه. # قال ابن عقيل لا يختلف قول أحمد إذا كبر الإمام زيادة على أربع، أنه لا ~~يسلم قبل إمامه، على الروايات الثلاث، بل يتبعه ويقف فيسلم معه. قال الخلال ~~العمل في نص قوله، وما ثبت عنه أنه يكبر ما كبر الإمام إلى سبع وإن زاد على ~~سبع فلا، ولا يسلم إلا مع الإمام. وهو مذهب الشافعي في أنه لا يسلم قبل ~~إمامه. # وقال الثوري، وأبو حنيفة ينصرف، كما لو قام الإمام إلى خامسة، فارقه، ولم ~~ينتظر تسليمه. قال أبو عبد الله: ما أعجب حال الكوفيين، سفيان ينصرف إذا ~~كبر الرابعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - كبر خمسا، وفعله زيد بن أرقم ~~وحذيفة وقال ابن مسعود كبر ما كبر إمامك. ولأن هذه زيادة قول مختلف فيه، ~~فلا يسلم قبل إمامه إذا اشتغل به، كما لو صلى خلف من يقنت # PageV02P384 # في صلاة يخالفه الإمام في القنوت فيها. # ويخالف ما قاسوا عليه من وجهين: أحدهما، أن الركعة الخامسة لا خلاف فيها. ~~والثاني، أنها فعل، والتكبيرة الزائدة بخلافها، وكل تكبيرة قلنا يتابع ~~الإمام فيها فله فعلها، وما لا فلا. (1609) # فصل: والأفضل أن لا يزيد على أربع لأن فيه خروجا من الخلاف، وأكثر أهل ~~العلم يرون التكبير أربعا؛ منهم عمر وابنه وزيد بن ثابت، وجابر، وابن أبي ~~أوفى، والحسن بن علي، والبراء بن عازب، وأبو هريرة وعقبة بن عامر، وابن ~~الحنفية، وعطاء، والأوزاعي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والثوري، والشافعي، ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر على النجاشي أربعا. متفق عليه. وكبر ~~على قبر بعدما دفن أربعا. # وجمع عمر الناس على أربع. ولأن أكثر الفرائض لا تزيد على أربع، ولا يجوز ~~النقصان منها. وروي عن ابن عباس أنه كبر على الجنازة ثلاثا، ولم يعجب ذلك ~~أبا عبد الله وقال: قد كبر أنس ثلاثا ناسيا فأعاد. ولأنه خلاف ما نقل عن ~~النبي - صلى الله ms1006 عليه وسلم - ولأن الصلاة الرباعية إذا نقص منها ركعة ~~بطلت، كذلك هاهنا فإن نقص منها تكبيرة عامدا بطلت، كما لو ترك ركعة عمدا، ~~وإن تركها سهوا احتمل أن يعيدها، كما فعل أنس ويحتمل أن يكبرها، ما لم يطل ~~الفصل، كما لو نسي ركعة، ولا يشرع لها سجود سهو في الموضعين. ### | [فصل كبر على جنازة ثم جيء بأخرى] # (1610) فصل: قال أحمد - رحمه الله -: يكبر على الجنازة فيجيئون بأخرى، ~~يكبر إلى سبع ثم يقطع، ولا يزيد على ذلك حتى ترفع الأربع. # قال أصحابنا: إذا كبر على جنازة، ثم جيء بأخرى، كبر الثانية عليهما، ~~وينويهما فإن جيء بثالثة كبر الثالثة عليهن، ونواهن، فإن جيء برابعة كبر ~~الرابعة عليهن، ونواهن، ثم يكمل التكبير عليهن إلى سبع، ليحصل للرابعة أربع ~~تكبيرات، إذ لا يجوز النقصان منهن، ويحصل للأولى سبع، وهو أكثر ما ينتهي ~~إليه التكبير، فإن جيء بخامسة لم ينوها بالتكبير، وإن نواها لم يجز؛ لأنه ~~دائر بين أن يزيد على سبع أو ينقص في تكبيرها عن أربع، وكلاهما لا يجوز، ~~وهكذا لو جيء بثانية بعد الرابعة، لم يجز أن يكبر عليها الخامسة؛ لما بينا. # فإن أراد أهل الجنازة الأولى رفعها قبل سلام الإمام لم يجز؛ لأن السلام ~~ركن لا تتم الصلاة إلا به. إذا تقرر هذا، فإنه يقرأ في التكبيرة الخامسة ~~الفاتحة، وفي السادسة يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو في ~~السابعة ليكمل لجميع الجنائز القراءة والأذكار كما كمل لهن التكبيرات. وذكر ~~ابن عقيل وجها ثانيا، قال: ويحتمل أن يكبر ما زاد على الأربع متتابعا، كما ~~قلنا في القضاء للمسبوق، ولأن النبي # PageV02P385 # - صلى الله عليه وسلم - كبر سبعا، ومعلوم أنه لم يرو أنه قرأ قراءتين. # والأول أصح؛ لأن الثانية وما بعدها جنائز، فيعتبر في الصلاة عليهن شروط ~~الصلاة وواجباتها، كالأولى. ### | [مسألة موقف الإمام في صلاة الجنازة] # (1611) مسألة: قال: (والإمام يقوم عند صدر الرجل ووسط المرأة) ، لا يختلف ~~المذهب في أن السنة أن يقوم الإمام في صلاة الجنازة حذاء وسط المرأة، وعند ~~صدر ms1007 الرجل أو عند منكبيه، وإن وقف في غير هذا الموقف خالف سنة الموقف، ~~وأجزأه. # وهذا قول إسحاق، ونحوه قول الشافعي إلا أن بعض أصحابه قال: يقوم عند رأس ~~الرجل. وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد؛ لما روي عن أنس «أنه صلى على رجل، فقام ~~عند رأسه، ثم صلى على امرأة فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: ~~هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على الجنازة مقامك منها، ~~ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. فلما فرغ، قال: احفظوا» . قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن. وقال أبو حنيفة: يقوم عند صدر الرجل والمرأة؛ لأنهما سواء، فإذا ~~وقف عند صدر الرجل فكذا المرأة. # وقال مالك: يقف من الرجل عند وسطه؛ لأنه يروى مثل هذا عن ابن مسعود، ويقف ~~من المرأة عند منكبيها؛ لأن الوقوف عند أعاليها أمثل وأسلم. # ولنا، ما روى سمرة، قال: «صليت وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها» . متفق عليه. وحديث أنس الذي ذكرناه، ~~والمرأة تخالف الرجل في الموقف، فجاز أن تخالفه هاهنا. ولأن قيامه عند وسط ~~المرأة أستر لها من الناس، فكان أولى. # فأما قول من قال: يقف عند رأس الرجل فغير مخالف لقول من قال بالوقوف عند ~~الصدر؛ لأنهما متقاربان، فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر، والله أعلم. ### | [فصل اجتمع جنائز رجال ونساء] # (1612) فصل: فإن اجتمع جنائز رجال ونساء، فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما، ~~يسوي بين رءوسهم. وهذا اختيار القاضي، وقول إبراهيم وأهل مكة، ومذهب أبي ~~حنيفة؛ لأنه يروى عن ابن عمر، أنه كان يسوي بين رءوسهم. # وروى سعيد، بإسناده عن الشعبي، أن أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر ~~توفيا جميعا، فأخرجت جنازتاهما، فصلى عليهما أمير المدينة، فسوى بين ~~رءوسهما وأرجلهما حين صلى عليهما # وبإسناده عن حبيب بن أبي ثابت، قال: قدم سعيد بن جبير على أهل مكة، وهم ~~يسوون بين الرجل والمرأة إذا صلي عليهما، فأرادهم على أن يجعلوا رأس المرأة ~~عند وسط الرجل، فأبوا عليه. ms1008 # PageV02P386 # والرواية الثانية، أن يصف الرجال صفا والنساء صفا، ويجعل وسط النساء عند ~~صدور الرجال. وهذا اختيار أبي الخطاب؛ ليكون موقف الإمام عند صدر الرجل ~~ووسط المرأة. وقال سعيد: حدثني خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي. # قال: حدثني أبي، قال: رأيت واثلة بن الأسقع يصلي على جنائز الرجال ~~والنساء إذا اجتمعت، فيصف الرجال صفا، ثم يصف النساء خلف الرجال، رأس أول ~~امرأة يضعها عند ركبة آخر الرجال، ثم يصفهن، ثم يقوم وسط الرجال، وإذا ~~كانوا رجالا كلهم صفهم، ثم قام وسطهم. وهذا يشبه مذهب مالك، وقول سعيد بن ~~جبير. # وما ذكرناه أولى؛ لأنه مدلول عليه بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~حجة في قول أحد خالف فعله أو قوله، والله أعلم. ### | [مسألة لا يصلى على القبر بعد شهر] # مسألة: قال: (ولا يصلى على القبر بعد شهر) . وبهذا قال بعض أصحاب ~~الشافعي. وقال بعضهم: يصلى عليه أبدا واختاره ابن عقيل؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى على شهداء أحد بعد ثماني سنين. حديث صحيح، متفق عليه. ~~وقال بعضهم يصلى عليه ما لم يبل جسده. وقال أبو حنيفة: يصلي عليه الولي إلى ~~ثلاث، ولا يصلي عليه غيره بحال. وقال إسحاق: يصلي عليه الغائب إلى شهر، ~~والحاضر إلى ثلاث. # ولنا، ما روى سعيد بن المسيب «، أن أم سعد ماتت والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - غائب، فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر.» أخرجه الترمذي. # وقال أحمد: أكثر ما سمعنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر ~~أم سعد بن عبادة بعد شهر. ولأنها مدة يغلب على الظن بقاء الميت فيها، فجازت ~~الصلاة عليه فيها، كما قبل الثلاث، وكالغائب، وتجويز الصلاة عليه مطلقا ~~باطل بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يصلى عليه الآن اتفاقا، ~~وكذلك التحديد ببلى الميت، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يبلى، ولا ~~يصلى على قبره. # فإن قيل: فالخبر دل على الجواز بعد شهر، فكيف منعتموه؟ قلنا: تحديده ~~بالشهر دليل على أن صلاة ms1009 النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت عند رأسه، ~~ليكون مقاربا للحد، وتجوز الصلاة بعد الشهر قريبا منه؛ لدلالة الخبر عليه، ~~ولا يجوز بعد ذلك لعدم وروده. ### | [مسألة تشاح الورثة في الكفن] # (1614) مسألة: قال: (وإذا تشاح الورثة في الكفن، جعل بثلاثين درهما، فإن ~~كان موسرا فبخمسين) وجملة ذلك أنه يستحب تحسين كفن الميت، بدليل ما روى ~~مسلم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر رجلا من أصحابه قبض، فكفن في ~~كفن غير طائل، فقال: «إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه» . ويستحب تكفينه في ~~البياض؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البسوا من ثيابكم البياض؛ ~~فإنه أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم» . رواه النسائي. # وكفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب سحولية. # PageV02P387 # وإن تشاح الورثة في الكفن، جعل كفنه بحسب حاله، إن كان موسرا كان كفنه ~~رفيعا حسنا، ويجعل على حسب ما كان يلبس في حال الحياة، وإن كان دون ذلك ~~فعلى حسب حاله. وقول الخرقي: " جعل بثلاثين درهما، وإن كان موسرا فبخمسين " # ليس هو على سبيل التحديد، إذ لم يرد فيه نص، ولا فيه إجماع، والتحديد ~~إنما يكون بأحدهما، وإنما هو تقريب، فلعله كان يحصل الجيد والمتوسط في وقته ~~بالقدر الذي ذكره، وقد روي عن ابن مسعود، أنه أوصى أن يكفن بنحو من ثلاثين ~~درهما. والمستحب أن يكفن في جديد، إلا أن يوصي الميت بغير ذلك، فتمتثل ~~وصيته. # كما روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: كفنوني في ثوبي ~~هذين، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وإنما هما للمهنة والتراب. وذهب ~~ابن عقيل إلى أن التكفين في الخليع أولى لهذا الخبر، والأول أولى لدلالة ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعل أصحابه عليه. ### | [فصل وجوب كفن الميت] # (1615) فصل: ويجب كفن الميت؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به، ~~ولأن سترته واجبة في الحياة، فكذلك بعد الموت ويكون ذلك من رأس ماله مقدما ~~على الدين والوصية والميراث؛ لأن حمزة، ومصعب بن عمير - رضي الله ms1010 عنه - ما ~~لم يوجد لكل واحد منهما إلا ثوب، فكفن فيه، ولأن لباس المفلس مقدم على قضاء ~~دينه، فكذلك كفن الميت. # ولا ينتقل إلى الوارث من مال الميت إلا ما فضل عن حاجته الأصلية، وكذلك ~~مئونة دفنه وتجهيزه، وما لا بد للميت منه، فأما الحنوط والطيب، فليس بواجب. ~~ذكره أبو عبد الله بن حامد ولأنه لا يجب في الحياة، فكذلك بعد الموت. وقال ~~القاضي: يحتمل أنه واجب؛ لأنه مما جرت العادة به وليس بصحيح؛ فإن العادة ~~جرت بتحسين الكفن، وليس بواجب. ### | [فصل كفن المرأة ومئونة دفنها من مالها] # (1616) فصل: وكفن المرأة ومئونة دفنها من مالها إن كان لها مال. وهذا قول ~~الشعبي، وأبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: يجب على الزوج. # واختلفوا عن مالك فيه. واحتجوا بأن كسوتها ونفقتها واجبة عليه فوجب عليه ~~كفنها، كسيد العبد والوالد. ولنا، أن النفقة والكسوة تجب في النكاح للتمكن ~~من الاستمتاع، ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة، وقد انقطع ذلك بالموت، فأشبه ~~ما لو انقطع بالفرقة في الحياة، ولأنها بانت منه بالموت فأشبهت الأجنبية، ~~وفارقت المملوك، فإن نفقته تجب بحق الملك لا بالانتفاع ولهذا تجب نفقة ~~الآبق وفطرته، والولد تجب نفقته بالقرابة، ولا يبطل ذلك بالموت؛ بدليل أن ~~السيد والوالد أحق بدفنه وتوليه. # PageV02P388 # إذا تقرر هذا فإنه إن لم يكن لها مال، فعلى من تلزمه نفقتها من الأقارب، ~~فإن لم يكن ففي بيت المال، كمن لا زوج لها. ### | [مسألة السقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه] # (1617) مسألة: قال: والسقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر، غسل، وصلي عليه. ~~السقط: الولد تضعه المرأة ميتا، أو لغير تمام، فأما إن خرج حيا واستهل، ~~فإنه يغسل ويصلى عليه، بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن ~~الطفل إذا عرفت حياته واستهل صلي عليه. وإن لم يستهل، فقال أحمد: إذا أتى ~~له أربعة أشهر غسل وصلي عليه. # وهذا قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وإسحاق، وصلى ابن عمر على ابن ~~لابنته ولد ميتا. وقال ms1011 الحسن، وإبراهيم، والحكم وحماد، ومالك، والأوزاعي ~~وأصحاب الرأي: لا يصلى عليه حتى يستهل. وللشافعي قولان كالمذهبين؛ لما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ~~ولا يورث، حتى يستهل» رواه الترمذي، ولأنه لم يثبت له حكم الحياة ولا يرث ~~ولا يورث، فلا يصلى عليه، كمن دون أربعة أشهر. # ولنا، ما روى المغيرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والسقط ~~يصلى عليه» رواه أبو داود والترمذي وفي لفظ رواية الترمذي: (والطفل يصلى ~~عليه) وقال: هذا حديث حسن صحيح، # وذكره أحمد واحتج به، وبحديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: ما ~~أحد أحق أن يصلى عليه من الطفل، ولأنه نسمة نفخ فيه الروح فيصلى عليه ~~كالمستهل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر في حديثه الصادق المصدوق، ~~أنه ينفخ فيه الروح لأربعة أشهر. وحديثهم، قال الترمذي: قد اضطرب الناس ~~فيه، فرواه بعضهم موقوفا. قال الترمذي: كأن هذا أصح من المرفوع. # وأما الإرث فلأنه لا تعلم حياته حال موت مورثه، وذلك من شرط الإرث. ~~والصلاة من شرطها أن تصادف من كانت فيه حياة، وقد علم ذلك بما ذكرنا من ~~الحديث، ولأن الصلاة عليه دعاء له ولوالديه، وخير، فلا يحتاج فيها إلى ~~الاحتياط واليقين؛ لوجود الحياة، بخلاف الميراث. فأما من لم يأت له أربعة ~~أشهر، فإنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، ويلف في خرقة، ويدفن. ولا نعلم فيه ~~خلافا، إلا عن ابن سيرين، فإنه قال: يصلى عليه إذا علم أنه نفخ فيه الروح ~~وحديث الصادق المصدوق يدل على أنه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد أربعة أشهر، ~~وقبل ذلك فلا يكون نسمة، فلا يصلى عليه، كالجمادات والدم. ### | [مسألة إن لم يتبين السقط أذكر هو أم أنثى سمي اسما يصلح للذكر والأنثى] # (1618) مسألة: قال: (فإن لم يتبين، أذكر هو أم أنثى، سمي اسما يصلح للذكر ~~والأنثى) هذا على سبيل الاستحباب؛ لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال «سموا أسقاطكم، فإنهم # PageV02P389 # أسلافكم» رواه ابن ms1012 السماك بإسناده قيل: إنهم إنما يسمون ليدعوا يوم ~~القيامة بأسمائهم. فإذا لم يعلم هل السقط ذكر أو أنثى، سمي اسما يصلح لهما ~~جميعا؛ كسلمة، وقتادة، وسعادة، وهند، وعتبة، وهبة الله ونحو ذلك. ### | [مسألة المرأة تغسل زوجها] # (1619) مسألة: قال: وتغسل المرأة زوجها قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم ~~على أن المرأة تغسل زوجها إذا مات. قالت عائشة: لو استقبلنا من أمرنا ما ~~استدبرنا ما غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا نساؤه رواه أبو ~~داود. # وأوصى أبو بكر - رضي الله عنه - أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، وكانت ~~صائمة، فعزم عليها أن تفطر، فلما فرغت من غسله ذكرت يمينه، فقالت: لا أتبعه ~~اليوم حنثا. فدعت بماء فشربت. وغسل أبا موسى امرأته أم عبد الله، وأوصى ~~جابر بن زيد أن تغسله امرأته. قال أحمد ليس فيه اختلاف بين الناس. ### | [مسألة دعت الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته] # (1620) مسألة: قال: وإن دعت # الضرورة # إلى أن يغسل الرجل زوجته، فلا بأس. المشهور عن أحمد أن للزوج غسل امرأته. ~~وهو قول علقمة، وعبد الرحمن بن يزيد بن الأسود، وجابر بن زيد، وسليمان بن ~~يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وقتادة، وحماد، ومالك، والأوزاعي، ~~والشافعي، وإسحاق. وعن أحمد رواية ثانية، ليس للزوج غسلها. وهو قول أبي ~~حنيفة، والثوري؛ لأن الموت فرقة تبيح أختها، وأربعا سواها، فحرمت النظر ~~واللمس، كالطلاق. # ولنا، ما روى ابن المنذر أن عليا - رضي الله عنه - غسل فاطمة - رضي الله ~~عنها - واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكروه، فكان إجماعا ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لعائشة: - رضي الله عنها - «لو مت قبلي لغسلتك ~~وكفنتك» رواه ابن ماجه. والأصل في إضافة الفعل إلى الشخص أن يكون للمباشرة، ~~وحمله على الأمر يبطل فائدة التخصيص. ولأنه أحد الزوجين، فأبيح له غسل ~~صاحبه كالآخر، والمعنى فيه أن كل واحد من الزوجين يسهل عليه إطلاع الآخر ~~على عورته دون غيره، لما كان بينهما في الحياة، ويأتي بالغسل على أكمل ما ~~يمكنه، لما بينهما من المودة والرحمة. ms1013 # وما قاسوا عليه لا يصح، لأنه يمنع الزوجة من النظر، وهذا بخلافه، ولأنه ~~لا فرق بين الزوجين إلا بقاء العدة، ولا أثر لها، بدليل، ما لو مات المطلق ~~ثلاثا، فإنه لا يجوز لها غسله مع العدة ولأن المرأة لو وضعت حملها عقب موته ~~كان لها غسله، ولا عدة عليها. وقول الخرقي وإن دعت # الضرورة # إلى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس " يعني به، أنه يكره له غسلها مع وجود ~~من يغسلها سواه، لما فيه من الخلاف والشبهة، ولم يرد أنه محرم؛ فإن غسلها ~~لو كان محرما لم تبحه الضرورة، كغسل ذوات محارمه والأجنبيات. # PageV02P390 ### | [فصل طلق امرأته ثم مات أحدهما في العدة وكان الطلاق رجعيا لم يبح لأحدهما غسل صاحبه] # (1621) فصل: فإن طلق امرأته، ثم مات أحدهما في العدة، وكان الطلاق رجعيا، ~~فحكمهما حكم الزوجين قبل الطلاق؛ لأنها زوجة تعتد للوفاة، وترثه ويرثها، ~~ويباح له وطؤها. وإن كان بائنا لم يجز لأن اللمس والنظر محرم حال الحياة، ~~فبعد الموت أولى. وإن قلنا: إن الرجعية محرمة لم يبح لأحدهما غسل صاحبه؛ ~~لما ذكرناه. ### | [فصل حكم أم الولد في الجنائز كحكم المرأة] # (1622) فصل: وحكم أم الولد حكم المرأة فيما ذكرنا وقال ابن عقيل: يحتمل ~~أن لا يجوز لها غسل سيدها؛ لأن عتقها حصل بالموت، ولم يبق علقة من ميراث ~~ولا غيره. وهذا قول أبي حنيفة. ولنا، أنها في معنى الزوجة في اللمس والنظر ~~والاستمتاع، فكذلك في الغسل، والميراث ليس من المقتضى، بدليل الزوجين إذا ~~كان أحدهما رقيقا، والاستبراء هاهنا كالعدة. ولأنها إذا ماتت يلزمه كفنها ~~ودفنها ومؤنتها، بخلاف الزوجة. # فأما غير أم الولد من الإماء، فيحتمل أن لا يجوز لها غسل سيدها؛ لأن ~~الملك انتقل فيها إلى غيره، ولم يكن بينهما من الاستمتاع ما تصير به في ~~معنى الزوجات. ولو مات قبل الدخول بامرأته احتمل أن لا يباح لها غسله لذلك. ~~والله أعلم. ### | [فصل إن كانت الزوجة ذمية فليس لها غسل زوجها] # (1623) فصل: وإن كانت الزوجة ذمية، فليس لها غسل زوجها، لأن الكافر ms1014 لا ~~يغسل المسلم، لأن النية واجبة في الغسل، والكافر ليس من أهلها، وليس لزوجها ~~غسلها؛ لأن المسلم لا يغسل الكافر، ولا يتولى دفنه، ولأنه لا ميراث بينهما، ~~ولا موالاة، وقد انقطعت الزوجية بالموت ويتخرج جواز ذلك بناء على جواز غسل ~~المسلم الكافر. ### | [فصل هل يغسل الرجل أخته إذا لم يجد نساء] # (1624) فصل: وليس لغير من ذكرنا من الرجال غسل أحد من النساء، ولا أحد من ~~النساء غسل غير من ذكرنا من الرجال وإن كن ذوات رحم محرم. وهذا قول أكثر ~~أهل العلم، وحكي عن أبي قلابة أنه غسل ابنته. واستعظم أحمد هذا، ولم يعجبه ~~وقال: أليس قد قيل: استأذن على أمك. وذلك لأنها محرمة حال الحياة، فلم يجز ~~غسلها كالأجنبية، وأخته من الرضاع. # فإن دعت # الضرورة # إلى ذلك بأن لا يوجد من يغسل المرأة من النساء، فقال مهنا: سألت أحمد عن ~~الرجل يغسل أخته إذا لم يجد نساء قال: لا. قلت: فكيف يصنع؟ قال: يغسلها ~~وعليها ثيابها، يصب عليها الماء صبا. قلت لأحمد: وكذلك كل ذات محرم تغسل ~~وعليها ثيابها؟ قال: نعم. وقال الحسن ومحمد ومالك: لا بأس # PageV02P391 # بغسل ذات محرم عند الضرورة فأما إن مات رجل بين نسوة أجانب، أو امرأة بين ~~رجال أجانب، أو مات خنثى مشكل، فإنه ييمم. # وهذا قول سعيد بن المسيب، والنخعي، وحماد، ومالك وأصحاب الرأي وابن ~~المنذر. # وحكى أبو الخطاب رواية ثانية، أنه يغسل من فوق القميص، يصب عليه الماء من ~~فوق القميص صبا، ولا يمس. وهو قول الحسن، وإسحاق. ولنا، ما روى تمام الرازي ~~في " فوائده " بإسناده عن مكحول عن واثلة قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إذا ماتت المرأة مع الرجال، ليس بينها وبينهم محرم، تيمم كما ~~ييمم الرجال» . ولأن الغسل من غير مس لا يحصل به التنظيف، ولا إزالة ~~النجاسة، بل ربما كثرت ولا يسلم من النظر، فكان العدول إلى التيمم أولى، ~~كما لو عدم الماء. ### | [فصل المرأة تغسل الصبي الصغير] # (1625) فصل: وللنساء غسل الطفل بغير خلاف. قال ابن ms1015 المنذر: أجمع كل من ~~يحفظ عنه من أهل العلم، على أن المرأة تغسل الصبي الصغير. قال أحمد: لهن ~~غسل من له دون سبع سنين. وقال الحسن: إذا كان فطيما، أو فوقه. وقال ~~الأوزاعي: ابن أربع أو خمس. وقال أصحاب الرأي: الذي لم يتكلم. - ولنا، أن ~~من له دون السبع لم نؤمر بأمره بالصلاة، ولا عورة له، فأشبه ما سلموه، فأما ~~من بلغ السبع ولم يبلغ عشرا، فحكى أبو الخطاب فيه روايتين. # والصحيح أن من بلغ عشرا ليس للنساء غسله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «وفرقوا بينهم في المضاجع» . وأمر بضربهم للصلاة لعشر. ومن دون ~~العشر يحتمل أن يلحق بمن دون السبع، لأنه في معناه، ويحتمل أن لا يلحق به، ~~لأنه يفارقه في أمره بالصلاة، وقربه من المراهقة. فأما الجارية الصغيرة، ~~فلم ير أبو عبد الله أن يغسلها الرجل، وقال: النساء أعجب إلي. وذكر له أن ~~الثوري يقول: تغسل المرأة الصبي، والرجل الصبية. # قال: لا بأس أن تغسل المرأة الصبي، وأما الرجل يغسل الصبية فلا أجترئ ~~عليه، إلا أن يغسل الرجل ابنته الصغيرة، فإنه يروى عن أبي قلابة أنه غسل ~~بنتا له صغيرة. # والحسن قال: لا بأس أن يغسل الرجل ابنته، إذا كانت صغيرة. وكره غسل الرجل ~~الصغيرة سعيد والزهري. قال الخلال: القياس التسوية بين الغلام والجارية، ~~لولا أن التابعين فرقوا بينهما، فكرهه أحمد لذلك. وسوى أبو الخطاب بينهما، ~~فجعل فيهما روايتين، جريا على موجب القياس. # والصحيح ما عليه السلف، من أن الرجل لا يغسل الجارية، والتفرقة بين عورة ~~الغلام والجارية؛ لأن عورة # PageV02P392 # الجارية أفحش، ولأن العادة معاناة المرأة للغلام الصغير، ومباشرة عورته ~~في حال تربيته، ولم تجر العادة بمباشرة الرجل عورة الجارية في الحياة، ~~فكذلك حالة الموت، والله أعلم. # فأما الصبي إذا غسل الميت، فإن كان عاقلا صح غسله صغيرا كان أو كبيرا؛ ~~لأنه يصح طهارته، فصح أن يطهر غيره، كالكبير فصل: ويصح أن يغسل المحرم ~~الحلال، والحلال المحرم؛ لأن كل واحد منهما تصح طهارته وغسله، فكان له ms1016 أن ~~يغسل غيره. ### | [فصل غسل الكافر للمسلم] # (1627) فصل: ولا يصح غسل الكافر للمسلم؛ لأنه عبادة، وليس الكافر من ~~أهلها. # وقال مكحول في امرأة توفيت في سفر، ومعها ذو محرم ونساء نصارى: يغسلها ~~النساء. وقال سفيان في رجل مات مع نساء، ليس معهن رجل، قال: إن وجدوا ~~نصرانيا أو مجوسيا، فلا بأس إذا توضأ أن يغسله، ويصلي عليه النساء. وغسلت ~~امرأة علقمة امرأة نصرانية. ولم يعجب هذا أبا عبد الله. وقال: لا يغسله إلا ~~مسلم، وييمم؛ لأن الكافر نجس، فلا يطهر غسله المسلم. ولأنه ليس من أهل ~~العبادة فلا يصح غسله للمسلم، كالمجنون. # وإن مات كافر مع مسلمين، لم يغسلوه، سواء كان قريبا لهم أو لم يكن، ولا ~~يتولوا دفنه، إلا أن لا يجدوا من يواريه. وهذا قول مالك. وقال أبو حفص ~~العكبري: يجوز له غسل قريبه الكافر، ودفنه. وحكاه قولا لأحمد، وهو مذهب ~~الشافعي لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: «قلت للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إن عمك الشيخ الضال قد مات. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: اذهب فواره» . # ولنا، أنه لا يصلي عليه، ولا يدعو له، فلم يكن له غسله، وتولي أمره، ~~كالأجنبي، والحديث إن صح يدل على مواراته له، وذلك إذا خاف من التعيير به، ~~والضرر ببقائه. قال أحمد، - رحمه الله -، في يهودي أو نصراني مات، وله ولد ~~مسلم: فليركب دابة، وليسر أمام الجنازة، وإذا أراد أن يدفن رجع، مثل قول ~~عمر - رضي الله عنه -. ### | [مسألة الشهيد إذا مات في موضعه لم يغسل ولم يصل عليه] # (1628) مسألة؛ قال: (والشهيد إذا مات في موضعه، لم يغسل، ولم يصل عليه) ~~يعني إذا مات في المعترك، فإنه لا يغسل، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل ~~العلم، ولا نعلم فيه # PageV02P393 # خلافا، إلا عن الحسن، وسعيد بن المسيب، قالا: يغسل الشهيد، ما مات ميت ~~إلا جنبا. والاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في ترك غسلهم ~~أولى. # فأما الصلاة عليه، فالصحيح أنه لا يصلى عليه. وهو قول مالك، والشافعي، ms1017 ~~وإسحاق. وعن أحمد، رواية أخرى، أنه يصلى عليه. اختارها الخلال. وهو قول ~~الثوري، وأبي حنيفة. إلا أن كلام أحمد في هذه الرواية يشير إلى أن الصلاة ~~عليه مستحبة، غير واجبة. قال في موضع: إن صلي عليه فلا بأس به. وفي موضع ~~آخر، قال: يصلى، وأهل الحجاز لا يصلون عليه، وما تضره الصلاة، لا بأس به. # وصرح بذلك في رواية المروذي، فقال: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلوا عليه ~~أجزأ. فكأن الروايتين في استحباب الصلاة، لا في وجوبها، إحداهما يستحب؛ لما ~~روى عقبة، أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوما، فصلى على أهل أحد ~~صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر» . متفق عليه. وعن ابن عباس، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد» . ولنا، ما روى جابر، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلهم، ~~ولم يصل عليهم» . متفق عليه. ولأنه لا يغسل مع إمكان غسله، فلم يصل عليه، ~~كسائر من لم يغسل، وحديث عقبة مخصوص بشهداء أحد، فإنه صلى عليهم في القبور ~~بعد ثماني سنين، وهم لا يصلون على القبر أصلا، ونحن لا نصلي عليه بعد شهر. ~~وحديث ابن عباس يرويه الحسن بن عمارة، وهو ضعيف، وقد أنكر عليه شعبة رواية ~~هذا الحديث. وقال: إن جرير بن حازم يكلمني في أن لا أتكلم في الحسن بن ~~عمارة، وكيف لا أتكلم فيه وهو يروي هذا الحديث # ثم نحمله على الدعاء. إذا ثبت هذا فيحتمل أن ترك غسل الشهيد لما تضمنه ~~الغسل من إزالة أثر العبادة المستحسنة شرعا، فإنه جاء عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «والذي نفسي بيده، لا يكلم أحد في سبيل الله، والله ~~أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة، واللون لون دم، والريح ريح ~~مسك.» رواه البخاري. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس شيء أحب إلى الله عز وجل من ~~قطرتين وأثرين: أما الأثران، فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض ms1018 ~~الله تعالى.» رواه الترمذي، وقال: هو حديث حسن، وقد جاء ذكر هذه العلة في ~~الحديث، فإن عبد الله بن ثعلبة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«زملوهم بدمائهم، فإنه ليس كلم يكلم في سبيل الله إلا يأتي يوم القيامة ~~يدمى، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك.» رواه النسائي. # PageV02P394 # ويحتمل أن الغسل لا يجب إلا من أجل الصلاة، إلا أن الميت لا فعل له، ~~فأمرنا بغسله لنصلي عليه، فمن لم تجب الصلاة عليه لم يجب غسله، كالحي. ~~ويحتمل أن الشهداء في المعركة يكثرون، فيشق غسلهم، وربما يكون فيهم الجراح ~~فيتضررون، فعفي عن غسلهم لذلك. # وأما سقوط الصلاة عليهم، فيحتمل أن تكون علته كونهم أحياء عند ربهم، ~~والصلاة إنما شرعت في حق الموتى. ويحتمل أن ذلك لغناهم عن الشفاعة لهم، فإن ~~الشهيد يشفع في سبعين من أهله، فلا يحتاج إلى شفيع، والصلاة إنما شرعت ~~للشفاعة. ### | [فصل كان الشهيد جنبا] # (1629) فصل: فإن كان الشهيد جنبا غسل، وحكمه في الصلاة عليه حكم غيره من ~~الشهداء. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: لا يغسل؛ لعموم الخبر. وعن الشافعي ~~كالمذهبين. ولنا، ما روي «أن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: ما شأن حنظلة؟ فإني رأيت الملائكة تغسله. فقالوا: ~~إنه جامع، ثم سمع الهيعة فخرج إلى القتال.» رواه ابن إسحاق، في " المغازي ~~". # ولأنه غسل واجب لغير الموت، فلم يسقط بالموت كغسل الجنابة. وحديثهم لا ~~عموم له، فإنه قضية في عين ورد في شهداء أحد، وحديثنا خاص في حنظلة، وهو من ~~شهداء أحد، فيجب تقديمه. إذا ثبت هذا، فمن وجب الغسل عليه بسبب سابق على ~~الموت، كالمرأة تطهر من حيض أو نفاس، ثم تقتل، فهي كالجنب؛ للعلة التي ~~ذكرناها. ولو قتلت في حيضها أو نفاسها، لم يجب الغسل؛ لأن الطهر من الحيض ~~شرط في الغسل، أو في السبب الموجب، فلا يثبت الحكم بدونه. # فأما إن أسلم، ثم استشهد، فلا غسل عليه؛ لأنه روي أن أصيرم بني عبد ~~الأشهل أسلم يوم ms1019 أحد، ثم قتل، فلم يؤمر بغسله. ### | [فصل البالغ وغيره سواء في غسل الشهيد] # (1630) فصل: والبالغ وغيره سواء. وبهذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، ~~وأبو ثور، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ؛ ~~لأنه ليس من أهل القتال. # PageV02P395 # ولنا، أنه مسلم قتل في معترك المشركين بقتالهم، أشبه البالغ، ولأنه أشبه ~~البالغ في الصلاة عليه والغسل إذا لم يقتله المشركون، فيشبهه في سقوط ذلك ~~عنه بالشهادة، وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان، وعمير بن أبي وقاص ~~أخو سعد، وهما صغيران، والحديث عام في الكل. وما ذكره يبطل بالنساء. ### | [مسألة الشهيد يدفن في ثيابه وإن كان عليه شيء من الجلود والسلاح نحي عنه] # (1631) مسألة؛ قال: (ودفن في ثيابه، وإن كان عليه شيء من الجلود والسلاح ~~نحي عنه) أما دفنه بثيابه، فلا نعلم فيه خلافا، وهو ثابت بقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ادفنوهم بثيابهم» . وروى أبو داود، وابن ماجه، عن ابن ~~عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم ~~الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم، بدمائهم.» وليس هذا بحتم، لكنه ~~الأولى. وللولي أن ينزع عنه ثيابه، ويكفنه بغيرها، وقال أبو حنيفة: لا ينزع ~~عنه شيء؛ لظاهر الخبر. ولنا، ما روي، «أن صفية أرسلت إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثوبين؛ ليكفن فيهما حمزة، فكفنه في أحدهما، وكفن في الآخر رجلا ~~آخر.» رواه يعقوب بن شيبة، وقال: هو صالح الإسناد. # فدل على أن الخيار للولي. والحديث الآخر يحمل على الإباحة والاستحباب. ~~إذا ثبت هذا، فإنه ينزع عنه من لباسه ما لم يكن من عامة لباس الناس، من ~~الجلود والفراء والحديد. قال أحمد: لا يترك عليه فرو، ولا خف، ولا جلد. ~~وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة. وقال مالك: لا ينزع عنه فرو ولا خف ولا ~~محشو؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ادفنوهم بثيابهم.» وهذا عام في ~~الكل، وما رويناه أخص، فكان أولى. ### | [مسألة الشهيد إن حمل وبه رمق غسل وصلي عليه] # (1632) مسألة؛ ms1020 قال: (وإن حمل وبه رمق غسل، وصلي عليه) معنى قوله: " رمق " ~~أي حياة مستقرة. فهذا يغسل، ويصلى عليه، وإن كان شهيدا؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «غسل سعد بن معاذ، وصلى عليه، وكان شهيدا، رماه ابن ~~العرقة يوم الخندق بسهم، فقطع أكحله، فحمل إلى المسجد، فلبث فيه أياما، حتى ~~حكم في بني قريظة، ثم انفتح جرحه فمات» . # وظاهر كلام الخرقي أنه متى طالت حياته بعد حمله غسل، وصلي عليه، وإن مات ~~في المعترك، أو عقب حمله، لم يغسل، ولم يصل عليه. ونحو هذا قول مالك، قال: ~~إن أكل، أو شرب، أو بقي يومين # PageV02P396 # أو ثلاثة، غسل. وقال أحمد في موضع: إن تكلم، أو أكل، أو شرب، صلي عليه. ~~وقول أصحاب أبي حنيفة نحو من هذا. وعن أحمد أنه سئل عن المجروح إذا بقي في ~~المعترك يوما إلى الليل، ثم مات، فرأى أن يصلى عليه. # وقال أصحاب الشافعي: إن مات حال الحرب، لم يغسل، ولم يصل عليه، وإلا فلا. ~~والصحيح: التحديد بطول الفصل، أو الأكل؛ لأن الأكل لا يكون إلا من ذي حياة ~~مستقرة، وطول الفصل يدل على ذلك، وقد ثبت اعتباره في كثير من المواضع. وأما ~~الكلام والشرب، وحالة الحرب، فلا يصح التحديد بشيء منها؛ لأنه يروى «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم أحد: من ينظر ما فعل سعد بن الربيع؟ ~~فقال رجل: أنا أنظر لك يا رسول الله. فنظر فوجده جريحا، به رمق، فقال له: ~~إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في ~~الأموات؟ قال: فأنا في الأموات، فأبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عني السلام. وذكر الحديث، قال: ثم لم أبرح أن مات» . # وروي أن أصيرم بني عبد الأشهل وجد صريعا يوم أحد، فقيل له: ما جاء بك؟ ~~قال: أسلمت، ثم جئت. وهما من شهداء أحد، دخلا في عموم قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ادفنوهم بدمائهم وثيابهم» . ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم، وقد ~~تكلما، وماتا بعد ms1021 انقضاء الحرب. # وفي قصة أهل اليمامة، عن ابن عمر، أنه طاف في القتلى، فوجد أبا عقيل ~~الأنيفي قال: فسقيته ماء، وبه أربعة عشر جرحا، كلها قد خلص إلى مقتل، فخرج ~~الماء من جراحاته كلها، فلم يغسل. . # وفي فتوح الشام: أن رجلا قال: أخذت ماء لعلي أسقي ابن عمي إن وجدت به ~~حياة، فوجدت الحارث بن هشام فأردت أن أسقيه، فإذا رجل ينظر إليه، فأومأ لي ~~أن أسقيه، فذهبت إليه لأسقيه، فإذا آخر ينظر إليه، فأومأ لي أن أسقيه، فلم ~~أصل إليه حتى ماتوا كلهم، ولم يفرد أحد منهم بغسل ولا صلاة، وقد ماتوا بعد ~~انقضاء الحرب. # (1633) فصل: فإن كان الشهيد عاد عليه سلاحه فقتله، فهو كالمقتول بأيدي ~~العدو. # وقال القاضي: يغسل، ويصلى عليه؛ لأنه مات بغير أيدي المشركين، أشبه ما لو ~~أصابه ذلك في غير المعترك. ولنا، ما روى أبو داود، عن «رجل من أصحاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: أغرنا على حي من جهينة، فطلب رجل من المسلمين ~~رجلا منهم، فضربه فأخطأه، فأصاب نفسه بالسيف، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أخوكم يا معشر المسلمين. فابتدره الناس، فوجدوه قد مات، فلفه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثيابه ودمائه، وصلى عليه، فقالوا: يا ~~رسول الله، أشهيد هو؟ قال: نعم، # PageV02P397 # وأنا له شهيد.» وعامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر، فذهب يسفل له، فرجع ~~سيفه على نفسه، فكانت فيها نفسه. # فلم يفرد عن الشهداء بحكم. ولأنه شهيد المعركة، فأشبه ما لو قتله الكفار، ~~وبهذا فارق، ما لو كان في غير المعترك، فأما إن سقط من دابته، أو وجد ميتا ~~ولا أثر به، فإنه يغسل. نص عليه أحمد، وتأول الحديث: «ادفنوهم بكلومهم» . ~~فإذا كان به كلم لم يغسل. وهذا قول أبي حنيفة في الذي يوجد ميتا لا أثر به. # وقال الشافعي: لا يغسل بحال؛ لاحتمال أنه مات بسبب من أسباب القتال. ~~ولنا، أن الأصل وجوب الغسل، فلا يسقط بالاحتمال، ولأن سقوط الغسل في محل ~~الوفاق مقرون بمن كلم، فلا ms1022 يجوز حذف ذلك عن درجة الاعتبار. ### | [فصل حكم غسل من قتل من أهل العدل في المعركة] # (1634) فصل: ومن قتل من أهل العدل في المعركة، فحكمه في الغسل والصلاة ~~عليه، حكم من قتل في معركة المشركين؛ لأن عليا لم يغسل من قتل معه، # وعمار أوصى أن لا يغسل، وقال: ادفنوني في ثيابي، فإني مخاصم. # قال أحمد: قد أوصى أصحاب الجمل: إنا مستشهدون غدا، فلا تنزعوا عنا ثوبا، ~~ولا تغسلوا عنا دما. ولأنه شهيد المعركة، أشبه قتيل الكفار. وهذا قول أبي ~~حنيفة. وقال الشافعي، في أحد قوليه: يغسلون؛ لأن أسماء غسلت ابنها عبد الله ~~بن الزبير. والأول أولى؛ لما ذكرناه، وأما عبد الله بن الزبير فإنه أخذ ~~وصلب، فهو كالمقتول ظلما، وليس بشهيد المعركة. # وأما الباغي، فقال الخرقي: من قتل منهم، غسل، وكفن، وصلي عليه. ويحتمل ~~إلحاقه بأهل العدل؛ لأنه لم ينقل إلينا غسل أهل الجمل وصفين من الجانبين، ~~ولأنهم يكثرون في المعترك، فيشق غسلهم، فأشبهوا أهل العدل. فأما الصلاة على ~~أهل العدل، فيحتمل أن لا يصلى عليهم؛ لأننا شبهناهم بشهداء معركة المشركين ~~في الغسل، فكذلك في الصلاة، ويحتمل أن يصلى عليهم؛ لأن عليا - رضي الله عنه ~~- صلى عليهم. # PageV02P398 ### | [فصل حكم غسل من قتل ظلما أو قتل دون ماله أو دون نفسه وأهله] # (1635) فصل: فأما من قتل ظلما، أو قتل دون ماله، أو دون نفسه وأهله، ففيه ~~روايتان: إحداهما، يغسل. اختارها الخلال، وهو قول الحسن، ومذهب الشافعي، ~~ومالك؛ لأن رتبته دون رتبة الشهيد في المعترك، فأشبه المبطون؛ ولأن هذا لا ~~يكثر القتل فيه، فلم يجز إلحاقه بشهداء المعترك. والثانية، لا يغسل، ولا ~~يصلى عليه. # وهو قول الشعبي، والأوزاعي، وإسحاق في الغسل؛ لأنه قتل شهيدا، أشبه شهيد ~~المعترك، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل دون ماله فهو شهيد.» ### | [فصل حكم غسل الشهيد بغير قتل كالمبطون والمطعون] # (1636) فصل: فأما الشهيد بغير قتل، كالمبطون، والمطعون، والغرق، وصاحب ~~الهدم، والنفساء، فإنهم يغسلون، ويصلى عليهم؛ لا نعلم فيه خلافا، إلا ما ~~يحكى عن الحسن: لا ms1023 يصلى على النفساء؛ لأنها شهيدة. ولنا، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها.» متفق عليه. ~~«وصلى على سعد بن معاذ، وهو شهيد» . # وصلى المسلمون على عمر وعلي - رضي الله عنهما -، وهما شهيدان. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، ~~والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله.» قال الترمذي: هذا حديث حسن ~~صحيح، متفق عليه. # وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الشهادة سبع سوى القتل.» ~~وزاد على ما ذكر في هذا الخبر: " صاحب الحريق، وصاحب ذات الجنب، والمرأة ~~تموت بجمع شهيدة ". وكل هؤلاء يغسلون ويصلى عليهم، لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ترك غسل الشهيد في المعركة؛ لما يتضمنه من إزالة الدم المستطاب ~~شرعا، أو لمشقة غسلهم، لكثرتهم، أو لما فيهم من الجراح، ولا يوجد ذلك ~~هاهنا. ### | [فصل إن اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين صلى على جميعهم] # (1637) فصل: فإن اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين، فلم يميزوا، صلى ~~على جميعهم ينوي المسلمين. قال أحمد: ويجعلهم بينه وبين القبلة، ثم يصلي ~~عليهم. وهذا قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كان المسلمون أكثر، ~~صلى عليهم، وإلا فلا؛ لأن الاعتبار بالأكثر، بدليل أن دار المسلمين الظاهر ~~فيها الإسلام؛ لكثرة المسلمين بها، وعكسها دار الحرب، لكثرة من بها من ~~الكفار. # PageV02P399 # ولنا، أنه أمكن الصلاة على المسلمين من غير ضرر، فوجب، كما لو كانوا ~~أكثر، ولأنه إذا جاز أن يقصد بصلاته ودعائه الأكثر، جاز قصد الأقل، ويبطل ~~ما قالوه بما إذا اختلطت أخته بأجنبيات، أو ميتة بمذكيات، ثبت الحكم للأقل، ~~دون الأكثر. ### | [فصل وجد ميت لم يعلم أمسلم هو أم كافر] # (1638) فصل: وإن وجد ميت، فلم يعلم أمسلم هو أم كافر، نظر إلى العلامات، ~~من الختان، والثياب، والخضاب، فإن لم يكن عليه علامة، وكان في دار الإسلام، ~~غسل، وصلي عليه، وإن كان في دار الكفر، لم يغسل، ولم يصل عليه. نص عليه ~~أحمد؛ لأن الأصل أن من كان في دار، فهو من أهلها، يثبت ms1024 له حكمهم ما لم يقم ~~على خلافه دليل. ### | [مسألة المحرم يغسل بماء وسدر] # (1639) مسألة؛ قال: (والمحرم يغسل بماء وسدر، ولا يقرب طيبا، ويكفن في ~~ثوبيه، ولا يغطى رأسه، ولا رجلاه) إنما كان كذلك لأن المحرم لا يبطل حكم ~~إحرامه بموته، فلذلك جنب ما يجنبه المحرم من الطيب، وتغطية الرأس، ولبس ~~المخيط، وقطع الشعر. روي ذلك عن عثمان، وعلي، وابن عباس. وبه قال عطاء، ~~والثوري، والشافعي، وإسحاق. وقال مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة: يبطل إحرامه ~~بالموت، ويصنع به كما يصنع بالحلال. # وروي ذلك عن عائشة، وابن عمر، وطاوس؛ لأنها عبادة شرعية، فبطلت بالموت، ~~كالصلاة والصيام. ولنا، ما روى ابن عباس، «أن رجلا وقصه بعيره، ونحن مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اغسلوه ~~بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه، فإن الله ~~يبعثه يوم القيامة ملبدا.» وفي رواية " ملبيا ". متفق عليه. # فإن قيل: هذا خاص له؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا. قلنا: حكم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في واحد حكمه في مثله، إلا أن يرد تخصيصه، ولهذا ثبت ~~حكمه في شهداء أحد في سائر الشهداء، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة.» قال أبو داود: سمعت أحمد ~~بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن؛ كفنوه في ثوبيه، أي يكفن في ثوبين. ~~وأن يكون في الغسلات كلها سدر، ولا تخمروا رأسه، # PageV02P400 # ولا تقربوه طيبا، ويكون الكفن من جميع المال. وقال أحمد في موضع: يصب ~~عليه الماء صبا، ولا يغسل كما يغسل الحلال. # وإنما كره عرك رأسه، ومواضع الشعر، كي لا يتقطع شعره. واختلف عنه في ~~تغطية رجليه، فروى حنبل عنه: لا تغطى رجلاه. وهو الذي ذكره الخرقي. وقال ~~الخلال: لا أعرف هذا في الأحاديث، ولا رواه أحد عن أبي عبد الله غير حنبل، ~~وهو عندي وهم من حنبل، والعمل على أنه يغطى جميع المحرم، إلا رأسه، لأن ~~إحرام الرجل في رأسه، ولا يمنع ms1025 من تغطية رجليه في حياته، فكذلك في مماته. # واختلفوا عن أحمد في تغطية وجهه، فنقل عنه إسماعيل بن سعيد: لا يغطى ~~وجهه؛ لأن في بعض الحديث: «ولا تخمروا رأسه ولا وجهه» . ونقل عنه سائر ~~أصحابه: لا بأس بتغطية وجهه؛ لحديث ابن عباس الذي رويناه، وهو أصح ما روي ~~فيه، وليس فيه إلا المنع من تغطية الرأس، ولأن إحرام الرجل في رأسه، ولا ~~يمنع من تغطية وجهه في الحياة، فبعد الموت أولى، ولم ير أن يلبس المحرم ~~المخيط بعد موته، كما لا يلبسه في حياته. وإن كان الميت امرأة محرمة، ألبست ~~القميص، وخمرت، كما تفعل ذلك في حياتها، ولم تقرب طيبا؛ لأنه يحرم عليها في ~~حياتها، فكذلك بعد موتها. ### | [مسألة إن سقط من الميت شيء غسل وجعل معه في أكفانه] # (1640) مسألة؛ قال: (وإن سقط من الميت شيء غسل، وجعل معه في أكفانه) ~~وجملته أنه إذا بان من الميت شيء، وهو موجود، غسل، وجعل معه في أكفانه. ~~قاله ابن سيرين، ولا نعلم فيه خلافا، وقد روي عن أسماء، أنها غسلت ابنها، ~~فكانت تنزعه أعضاء، كلما غسلت عضوا طيبته، وجعلته في كفنه. ولأن في ذلك جمع ~~أجزاء الميت في موضع واحد، وهو أولى من تفريقها. ### | [فصل إن لم يوجد إلا بعض الميت يغسل ويصلى عليه] # (1641) فصل: فإن لم يوجد إلا بعض الميت، فالمذهب أنه يغسل، ويصلى عليه. ~~وهو قول الشافعي. ونقل ابن منصور عن أحمد، أنه لا يصلى على الجوارح. قال ~~الخلال: ولعله قول قديم لأبي عبد الله، والذي استقر عليه قول أبي عبد الله ~~أنه يصلى على الأعضاء. وقال أبو حنيفة، ومالك: إن وجد الأكثر # PageV02P401 # صلي عليه، وإلا فلا؛ لأنه بعض لا يزيد على النصف، فلم يصل عليه، كالذي ~~بان في حياة صاحبه، كالشعر والظفر. ولنا، إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - ~~قال أحمد: صلى أبو أيوب على رجل، وصلى عمر على عظام بالشام، وصلى أبو عبيدة ~~على رءوس بالشام. رواهما عبد الله بن أحمد، بإسناده. # وقال الشافعي: ألقى طائر يدا بمكة من ms1026 وقعة الجمل، فعرفت بالخاتم، وكانت ~~يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فصلى عليها أهل مكة. وكان ذلك بمحضر من ~~الصحابة، ولم نعرف من الصحابة مخالفا في ذلك، ولأنه بعض من جملة تجب الصلاة ~~عليها، فيصلى عليه كالأكثر، وفارق ما بان في الحياة؛ لأنه من جملة لا يصلى ~~عليها، والشعر والظفر لا حياة فيه. ### | [فصل وجد جزء الميت بعد دفنه] # (1642) فصل: وإن وجد الجزء بعد دفن الميت، غسل، وصلي عليه، ودفن إلى جانب ~~القبر، أو نبش بعض القبر ودفن فيه، ولا حاجة إلى كشف الميت، لأن ضرر نبش ~~الميت وكشفه أعظم من الضرر بتفرقة أجزائه. ### | [فصل المجدور والمحترق والغريق إذا أمكن غسله غسل] # (1643) فصل: والمجدور، والمحترق، والغريق، إذا أمكن غسله غسل، وإن خيف ~~تقطعه بالغسل صب عليه الماء صبا، ولم يمس، فإن خيف تقطعه بالماء لم يغسل، ~~وييمم إن أمكن، كالحي الذي يؤذيه الماء، وإن تعذر غسل الميت لعدم الماء ~~ييمم، وإن تعذر غسل بعضه دون بعض، غسل ما أمكن غسله، وييمم الباقي، كالحي ~~سواء. ### | [فصل إن مات في بئر ذات نفس] # (1644) فصل: فإن مات في بئر ذات نفس، فأمكن معالجة البئر بالأكسية ~~المبلولة تدار في البئر حتى تجتذب بخاره، ثم ينزل من يطلعه، أو أمكن إخراجه ~~بكلاليب من غير مثلة، لزم ذلك؛ لأنه أمكن غسله من غير ضرر، فلزم، كما لو ~~كان على ظهر الأرض. # وإذا شك في زوال بخاره، أنزل إليه سراج أو نحوه، فإن انطفأ فالبخار باق، ~~وإن لم ينطفئ فقد زال، فإنه يقال: لا تبقى النار إلا فيما يعيش فيه ~~الحيوان. # PageV02P402 # وإن لم يمكن إخراجه إلا بمثلة، ولم يكن إلى البئر حاجة، طمت عليه، فكانت ~~قبره. # وإن كان طمها يضر بالمارة، أخرج بالكلاليب، سواء أفضى إلى المثلة أو لم ~~يفض؛ لأن فيه جمعا بين حقوق كثيرة؛ نفع المارة، وغسل الميت، وربما كانت ~~المثلة في بقائه أعظم؛ لأنه يتقطع وينتن. فإن نزل على البئر قوم، فاحتاجوا ~~إلى الماء، وخافوا على أنفسهم، فلهم إخراجه، وجها واحدا، وإن حصلت ms1027 مثلة؛ ~~لأن ذلك أسهل من تلف نفوس الأحياء، ولهذا لو لم يجد من السترة إلا كفن ~~الميت، واضطر الحي إليه، قدم الحي، ولأن حرمة الحي، وحفظ نفسه، أولى من حفظ ~~الميت عن المثلة. # لأن زوال الدنيا أهون على الله من قتل مسلم، ولأن الميت لو بلع مال غيره ~~شق بطنه لحفظ مال الحي، وحفظ النفس أولى من حفظ المال، والله أعلم. ### | [مسألة إن كان شارب الميت طويلا أخذ وجعل معه] # (1645) مسألة؛ قال: (وإن كان شاربه طويلا أخذ، وجعل معه) وجملته أن شارب ~~الميت إن كان طويلا استحب قصه. وهذا قول الحسن، وبكر بن عبد الله، وسعيد بن ~~جبير، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يؤخذ من الميت شيء لأنه قطع شيء ~~منه فلم يستحب، كالختان. واختلف أصحاب الشافعي كالقولين. ولنا، قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم» . # والعروس يحسن، ويزال عنه ما يستقبح من الشارب وغيره، ولأن تركه يقبح ~~منظره، فشرعت إزالته، كفتح عينيه وفمه شرع ما يزيله، ولأنه فعل مسنون في ~~الحياة لا مضرة فيه، فشرع بعد الموت، كالاغتسال. ويخرج على هذا الختان؛ لما ~~فيه من المضرة. فإذا أخذ الشعر جعل معه في أكفانه؛ لأنه من الميت، فيستحب ~~جعله في أكفانه كأعضائه؛ وكذلك كل ما أخذ من الميت من شعر أو ظفر أو ~~غيرهما، فإنه يغسل ويجعل معه في أكفانه كذلك. (1646) فصل: فأما الأظفار إذا ~~طالت ففيها روايتان: إحداهما، لا تقلم. # قال أحمد: لا تقلم أظفاره، وينقى وسخها. وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لقوله: ~~والخلال يستعمل إن احتيج إليه. والخلال يزال به ما تحت الأظفار؛ لأن الظفر ~~لا يظهر كظهور الشارب، فلا حاجة إلى قصه. والثانية، يقص إذا كان فاحشا. نص ~~عليه؛ لأنه من السنة، ولا مضرة فيه، فيشرع أخذه كالشارب. ويمكن أن تحمل ~~الرواية الأولى على ما إذا لم تكن فاحشة. # وأما العانة فظاهر كلام الخرقي أنها لا تؤخذ؛ لتركه ذكرها. وهو قول ابن ~~سيرين، ومالك، # PageV02P403 # وأبي حنيفة؛ لأنه يحتاج في أخذها إلى كشف العورة، ms1028 ولمسها، وهتك الميت، ~~وذلك محرم لا يفعل لغير واجب، ولأن العورة مستورة يستغنى بسترها عن ~~إزالتها. وروي عن أحمد أن أخذها مسنون. وهو قول الحسن، وبكر بن عبد الله، ~~وسعيد بن جبير، وإسحاق؛ لأن سعد بن أبي وقاص جز عانة ميت. ولأنه شعر إزالته ~~من السنة، فأشبه الشارب. # والأول أولى. ويفارق الشارب العانة؛ لأنه ظاهر يتفاحش لرؤيته، ولا يحتاج ~~في أخذه إلى كشف العورة ولا مسها. فإذا قلنا بأخذها، فإن حنبلا روى أن أحمد ~~سئل: ترى أن تستعمل النورة؟ قال: الموسى، أو مقراض يؤخذ به الشعر من عانته. ~~وقال القاضي: تزال بالنورة؛ لأنه أسهل، ولا يمسها. ووجه قول أحمد أنه فعل ~~سعد، والنورة لا يؤمن أن تتلف جلد الميت. (1647) فصل: فأما الختان فلا ~~يشرع؛ لأنه إبانة جزء من أعضائه. # وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكي عن بعض الناس أنه يختن. حكاه الإمام أحمد. ~~والأول أولى؛ لما ذكرناه. ولا يحلق رأس الميت؛ لأنه ليس من السنة في ~~الحياة، وإنما يراد لزينة أو نسك، ولا يطلب شيء من ذلك هاهنا. ### | [فصل جبر عظمه بعظم فجبر ثم مات] # (1648) فصل: وإن جبر عظمه بعظم فجبر، ثم مات، لم ينزع إن كان طاهرا. وإن ~~كان نجسا فأمكن إزالته من غير مثلة أزيل؛ لأنه نجاسة مقدور على إزالتها من ~~غير مضرة. وإن أفضى إلى المثلة لم يقلع، وصار في حكم الباطن، كما لو كان ~~حيا. وإن كان على الميت جبيرة يفضي نزعها إلى مثلة، مسحت كمسح جبيرة الحي. ~~وإن لم يفض إلى مثلة، نزعت فغسل ما تحتها. قال أحمد، في الميت تكون أسنانه ~~مربوطة بذهب: إن قدر على نزعه من غير أن يسقط بعض أسنانه نزعه، وإن خاف أن ~~يسقط بعضها تركه. # (1649) فصل: ومن كان مشنجا، أو به حدب، أو نحو ذلك، فأمكن تمديده ~~بالتليين والماء الحار، فعل ذلك، وإن لم يكن إلا بعنف، تركه بحاله. فإن كان ~~على صفة لا يمكن تركه على النعش إلا على وجه يشتهر بالمثلة، ترك في تابوت، ~~أو تحت مكبة، ms1029 مثل ما يصنع بالمرأة لأنه أصون له، وأستر لحاله. (1650) فصل: ~~ويستحب أن يترك فوق سرير المرأة شيء من الخشب أو الجريد، مثل القبة، يترك ~~فوقه ثوب؛ # PageV02P404 # ليكون أستر لها. # وقد روي أن فاطمة بنت رسول الله - رضي الله عنها - أول من صنع لها ذلك ~~بأمرها. ### | [مسألة تعزية أهل الميت] # (1651) مسألة؛ قال: (ويستحب تعزية أهل الميت) لا نعلم في هذه المسألة ~~خلافا، إلا أن الثوري قال: لا تستحب التعزية بعد الدفن؛ لأنه خاتمة أمره. ~~ولنا، عموم قوله - عليه السلام -: «من عزى مصابا، فله مثل أجره.» رواه ~~الترمذي. وقال: هو حديث غريب. # وروى ابن ماجه، في " سننه " عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما من ~~مؤمن يعزي أخاه بمصيبة، إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة.» ~~وقال أبو برزة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من عزى ثكلى، كسي ~~بردا في الجنة.» قال الترمذي: هذا ليس إسناده بالقوي. والمقصود بالتعزية ~~تسلية أهل المصيبة، وقضاء حقوقهم، والتقرب إليهم، والحاجة إليها بعد الدفن ~~كالحاجة إليها قبله. ### | [فصل تعزية جميع أهل المصيبة كبارهم وصغارهم] # (1652) فصل: ويستحب تعزية جميع أهل المصيبة، كبارهم وصغارهم، ويخص ~~خيارهم، والمنظور إليه من بينهم؛ ليستن به غيره، وذا الضعف منهم عن تحمل ~~المصيبة، لحاجته إليها، ولا يعزي الرجل الأجنبي شواب النساء؛ مخافة الفتنة. ### | [فصل لا نعلم في التعزية شيئا محدودا] # (1653) فصل: ولا نعلم في التعزية شيئا محدودا، إلا أنه يروى أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «عزى رجلا، فقال: رحمك الله وآجرك.» رواه الإمام ~~أحمد. # وعزى أحمد أبا طالب، فوقف على باب المسجد فقال: أعظم الله أجركم، وأحسن ~~عزاءكم. وقال بعض أصحابنا: إذا عزى مسلما بمسلم قال: أعظم الله أجرك، وأحسن ~~عزاك، ورحم الله ميتك. واستحب بعض أهل العلم أن يقول ما روى جعفر بن محمد، ~~عن أبيه، عن جده، قال: «لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1030 - وجاءت ~~التعزية، سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل ~~هالك، ودركا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم ~~الثواب.» رواه الشافعي، في " مسنده " # وإن عزى مسلما بكافر، قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك. # PageV02P405 ### | [فصل تعزية أهل الذمة] # (1654) فصل: وتوقف أحمد، - رحمه الله -، عن تعزية أهل الذمة، وهي تخرج ~~على عيادتهم، وفيها روايتان: إحداهما، لا نعودهم، فكذلك لا نعزيهم؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبدءوهم بالسلام» . # وهذا في معناه. والثانية، نعودهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أتى ~~غلاما من اليهود كان مرض يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم. فنظر إلى ~~أبيه وهو عند رأسه، فقال له: أطع أبا القاسم. فأسلم، فقام النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار.» رواه البخاري. ~~فعلى هذا نعزيهم فنقول في تعزيتهم بمسلم: أحسن الله عزاءك، وغفر لميتك. وعن ~~كافر: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك. ويقصد زيادة عددهم لتكثر جزيتهم. # وقال أبو عبد الله بن بطة، يقول: أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى ~~أحدا من أهل دينك. فأما الرد من المعزى، فبلغنا عن أحمد بن الحسين، قال: ~~سمعت أبا عبد الله، وهو يعزي في عبثر ابن عمه، وهو يقول: استجاب الله دعاك، ~~ورحمنا وإياك. ### | [فصل الجلوس للتعزية] # (1655) فصل: قال أبو الخطاب: يكره الجلوس للتعزية. وقال ابن عقيل: يكره ~~الاجتماع بعد خروج الروح؛ لأن فيه تهييجا للحزن. وقال أحمد: أكره التعزية ~~عند القبر، إلا لمن لم يعز، فيعزي إذا دفن الميت، أو قبل أن يدفن. وقال: إن ~~شئت أخذت بيد الرجل في التعزية، وإن شئت لم تأخذ. وإذا رأى الرجل قد شق ~~ثوبه على المصيبة عزاه، ولم يترك حقا لباطل، وإن نهاه فحسن. ### | [مسألة البكاء غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة] # (1656) مسألة؛ (قال: والبكاء غير مكروه، إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة) ~~أما البكاء بمجرده فلا يكره في حال. وقال ms1031 الشافعي: يباح إلى أن تخرج الروح، ~~ويكره بعد ذلك؛ لما روى عبد الله بن عتيك قال: «جاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى عبد الله بن ثابت يعوده، فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه، ~~فاسترجع، وقال: غلبنا عليك أبا الربيع. فصاح النسوة، وبكين، فجعل ابن عتيك ~~يسكتهن. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: دعهن، فإذا وجب فلا تبكين ~~باكية.» يعني إذا مات. ولنا، ما روى أنس، قال: «شهدنا بنت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس على القبر، فرأيت ~~عينيه تدمعان» . «وقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن مظعون وهو ~~ميت، ورفع رأسه، وعيناه تهراقان» . وقال أنس: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد ~~الله بن رواحة فأصيب وإن عيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتذرفان» # PageV02P406 # وقالت عائشة: دخل أبو بكر، فكشف عن وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقبله، ثم بكى. وكلها أحاديث صحاح. # وروى الأموي، في " المغازي "، عن عائشة، أن سعد بن معاذ لما مات، جعل أبو ~~بكر وعمر ينتحبان، حتى اختلطت علي أصواتهما. وروي «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - دخل على سعد بن عبادة، وهو في غاشيته، فبكى، وبكى أصحابه، ~~وقال: ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب ~~بهذا، وأشار إلى لسانه. أو يرحم.» وعنه - عليه السلام -، «أنه دخل على ابنه ~~إبراهيم، وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف ~~إنها رحمة. ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول ~~إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.» متفق عليهما. # وحديثهم محمول على رفع الصوت والندب وشبههما، بدليل ما روى جابر، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ ابنه، فوضعه في حجره، فبكى، فقال له ms1032 عبد ~~الرحمن بن عوف: أتبكي؟ أو لم تكن نهيت عن البكاء؟ قال: لا، ولكن نهيت عن ~~صوتين أحمقين فاجرين؛ صوت عند مصيبة، وخمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان.» ~~قال الترمذي: هذا حديث حسن. # وهذا يدل على أنه لم ينه عن مطلق البكاء، وإنما نهى عنه موصوفا بهذه ~~الصفات. وقال عمر - رضي الله عنه -: ما على نساء بني المغيرة أن يبكين على ~~أبي سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة. قال أبو عبيد: اللقلقة: رفع الصوت، ~~والنقع: التراب يوضع على الرأس. ### | [فصل الندب هو تعداد محاسن الميت] # (1657) فصل: وأما الندب فهو تعداد محاسن الميت، وما يلقون بفقده بلفظ ~~النداء؛ إلا أنه يكون بالواو مكان الياء، وربما زيدت فيه الألف والهاء، مثل ~~قولهم: وارجلاه واجبلاه، وانقطاع ظهراه. وأشباه هذا. والنياحة، وخمش ~~الوجوه، وشق الجيوب، وضرب الخدود، والدعاء بالويل والثبور، فقال بعض ~~أصحابنا: هو مكروه. # ونقل حرب عن أحمد كلاما فيه احتمال إباحة النوح والندب. واختاره الخلال ~~وصاحبه؛ لأن واثلة بن الأسقع، وأبا وائل، كانا يستمعان النوح ويبكيان. وقال ~~أحمد: إذا ذكرت المرأة مثل ما حكي عن فاطمة، في مثل الدعاء، لا يكون مثل ~~النوح. يعني لا بأس به. # وروى البخاري بإسناده عن فاطمة - رضي الله عنها - أنها قالت: يا أبتاه، ~~من ربه ما أدناه، يا أبتاه، إلى جبريل أنعاه، يا أبتاه، أجاب ربا دعاه. # وروي عن علي، - رضي الله عنه - أن فاطمة - رضي الله عنها - أخذت قبضة من ~~تراب قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضعتها على عينها، ثم قالت: # PageV02P407 # ماذا على مشتم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا # صبت علي مصيبة لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا # وظاهر الأخبار تدل على تحريم النوح، وهذه الأشياء المذكورة؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى عنها في حديث جابر؛ لقول الله تعالى: {ولا يعصينك ~~في معروف} [الممتحنة: 12] . قال أحمد: هو النوح. # «ولعن النبي - صلى الله عليه وسلم - النائحة والمستمعة» . وقالت أم عطية: ~~«أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1033 - عند البيعة أن لا ننوح» . ~~متفق عليه. وعن أبي موسى، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - برئ من الصالقة، ~~والحالقة، والشاقة. والصالقة: التي ترفع صوتها. وعن ابن مسعود، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى ~~الجاهلية» . متفق عليه. # ولأن ذلك يشبه التظلم والاستغاثة والسخط بقضاء الله، وفي بعض الآثار: إن ~~أهل البيت إذا دعوا بالويل والثبور، وقف ملك الموت في عتبة الباب، وقال: إن ~~كانت صيحتكم علي فإني مأمور، وإن كانت على ميتكم فإنه مقبور، وإن كانت على ~~ربكم فالويل لكم والثبور، وإن لي فيكم عودات ثم عودات. وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا حضرتم الميت، فقولوا خيرا؛ فإن الملائكة يؤمنون على ~~ما تقولون» . ### | [فصل الميت يعذب في قبره بما يناح عليه] # (1658) فصل: وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الميت ~~يعذب في قبره بما يناح عليه» . وفي لفظ: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» ~~. وروى ذلك عمر وابنه، والمغيرة، وهي أحاديث متفق عليها. # واختلف أهل العلم في معناها، فحملها قوم على ظواهرها؛ وقالوا: يتصرف الله ~~في خلقه بما شاء، وأيدوا ذلك بما روى أبو موسى، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «ما من ميت يموت، فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه، واسنداه، ~~ونحو ذلك، إلا وكل الله به ملكين يلهزانه: أهكذا كنت؟» . قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن. # وروى النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة ~~تبكي، وتقول: وا جبلاه، وا كذا وا كذا. تعدد عليه. فقال حين أفاق: ما قلت ~~لي شيئا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ فلما مات لم تبك عليه. أخرجه البخاري. ~~وأنكرت عائشة، - رضي الله عنها - # PageV02P408 # حملها على ظاهرها، ووافقها ابن عباس، قال ابن عباس: ذكرت ذلك لعائشة ~~فقالت: يرحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه» . ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: ms1034 «إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه» . وقالت: حسبكم ~~القرآن: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] . قال ابن عباس عند ذلك: ~~والله أضحك وأبكى. وذكر ذلك ابن عباس لابن عمر حين روى حديثه، فما قال ~~شيئا. رواه مسلم. # وحمله قوم على من كان النوح سنته، ولم ينه أهله؛ لقول الله تعالى: {قوا ~~أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته» . # وحمله آخرون على من أوصى بذلك في حياته، كقول طرفة: # إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد # وقال آخر: # من كان من أمهاتي باكيا أبدا ... فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا # يسمعننيه فإني غير سامعه ... إذا جعلت على الأعناق معروضا # ولا بد من حمل البكاء في هذه الأحاديث على البكاء غير المشروع، وهو الذي ~~معه ندب ونياحة ونحو هذا، بدليل ما قدمناه من الأحاديث في صدر المسألة. ### | [فصل ينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى ويتعزى بعزائه] # (1659) فصل: وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى، ويتعزى بعزائه، ويمتثل ~~أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويتنجز ما وعد الله به الصابرين، حيث ~~يقول سبحانه: {وبشر الصابرين} [البقرة: 155] {الذين إذا أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 156] {أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة: 157] . # وروى مسلم، في " صحيحه "، عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها. إلا أجره ~~الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها» قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت كما ~~أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخلف لي خيرا منه، رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وليحذر أن يتكلم بشيء يحبط أجره، ويسخط ربه، مما يشبه التظلم والاستغاثة، ~~فإن الله عدل لا يجور، وله ما أخذ وله ما أعطى، وهو الفعال لما يريد، فلا ~~يدعو على نفسه، فإن ms1035 النبي - صلى الله عليه وسلم - قال، لما مات أبو سلمة: ~~«لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» . # ويحتسب ثواب الله تعالى ويحمده؛ لما روى أبو موسى، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى # PageV02P409 # لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ ~~فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك، واسترجع. فيقول: ابنوا ~~لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد» . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ### | [مسألة لا بأس أن يصلح لأهل الميت طعاما] # (1660) مسألة؛ قال: (ولا بأس أن يصلح لأهل الميت طعاما، يبعث به إليهم، ~~ولا يصلحون هم طعاما يطعمون الناس) وجملته أنه يستحب إصلاح طعام لأهل ~~الميت، يبعث به إليهم، إعانة لهم، وجبرا لقلوبهم؛ فإنهم ربما اشتغلوا ~~بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم. وقد روى أبو داود، في " ~~سننه "، بإسناده عن عبد الله بن جعفر، قال: لما جاء نعي جعفر، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «اصنعوا لآل جعفر طعاما؛ فإنه قد أتاهم أمر ~~شغلهم» . # وروي عن عبد الله بن أبي بكر، أنه قال: فمازالت السنة فينا، حتى تركها من ~~تركها. فأما صنع أهل الميت طعاما للناس، فمكروه؛ لأن فيه زيادة على ~~مصيبتهم، وشغلا لهم إلى شغلهم، وتشبها بصنع أهل الجاهلية. وروي أن جريرا ~~وفد على عمر، فقال: هل يناح على ميتكم؟ قال: لا. قال: فهل يجتمعون عند أهل ~~الميت، ويجعلون الطعام؟ قال: نعم. قال: ذاك النوح. وإن دعت الحاجة إلى ذلك ~~جاز؛ فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة، ويبيت ~~عندهم، ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه. ### | [مسألة المرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك] # (1661) مسألة؛ قال: (والمرأة إذا ماتت، وفي بطنها ولد يتحرك، فلا يشق ~~بطنها، ويسطو عليه القوابل، فيخرجنه) معنى " يسطو القوابل " أن يدخلن ~~أيديهن في فرجها، فيخرجن الولد من مخرجه. والمذهب أنه لا يشق بطن الميتة ~~لإخراج ولدها، مسلمة كانت أو ذمية، وتخرجه القوابل إن ms1036 علمت حياته بحركة. ~~وإن لم يوجد نساء لم يسط الرجال عليه، وتترك أمه حتى يتيقن موته، ثم تدفن. # ومذهب مالك، وإسحاق قريب من هذا. ويحتمل أن يشق بطن الأم، إن غلب على ~~الظن أن الجنين يحيا، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه إتلاف جزء من الميت لإبقاء ~~حي، فجاز، كما لو خرج بعضه حيا، ولم يمكن خروج بقيته إلا بشق، ولأنه يشق ~~لإخراج المال منه، فلإبقاء الحي أولى. # PageV02P410 # ولنا، أن هذا الولد لا يعيش عادة، ولا يتحقق أنه يحيا، فلا يجوز هتك حرمة ~~متيقنة لأمر موهوم، وقد قال - عليه السلام -: «كسر عظم الميت ككسر عظم ~~الحي» . رواه أبو داود، # وفيه مثلة، وقد «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المثلة» . وفارق ~~الأصل؛ فإن حياته متيقنة، وبقاءه مظنون، فعلى هذا إن خرج بعض الولد حيا، ~~ولم يمكن إخراجه إلا بشق، شق المحل، وأخرج؛ لما ذكرنا. وإن مات على تلك ~~الحال، فأمكن إخراجه، أخرج وغسل. # وإن تعذر غسله ترك، وغسلت الأم، وما ظهر من الولد، وما بقي ففي حكم ~~الباطن لا يحتاج إلى التيمم من أجله؛ لأن الجميع كان في حكم الباطن، فظهر ~~البعض، فتعلق به الحكم، وما بقي فهو على ما كان عليه. ذكر هذا ابن عقيل. ~~وقال: هي حادثة سئلت عنها، فأفتيت فيها. ### | [فصل بلع الميت مالا] # (1662) فصل: وإن بلع الميت مالا، لم يخل من أن يكون له أو لغيره، فإن كان ~~له لم يشق بطنه؛ لأنه استهلكه في حياته، ويحتمل أنه إن كان يسيرا ترك، وإن ~~كثرت قيمته، شق بطنه وأخرج؛ لأن فيه حفظ المال عن الضياع، ونفع الورثة ~~الذين تعلق حقهم بماله بمرضه. وإن كان المال لغيره، وابتلعه بإذنه، فهو ~~كماله؛ لأن صاحبه أذن في إتلافه. # وإن بلعه غصبا ففيه وجهان: أحدهما، لا يشق بطنه، ويغرم من تركته؛ لأنه ~~إذا لم يشق من أجل الولد المرجو حياته، فمن أجل المال أولى. والثاني، يشق ~~إن كان كثيرا؛ لأن فيه دفع الضرر عن المالك برد ماله إليه، وعن الميت ~~بإبراء ذمته، وعن ms1037 الورثة بحفظ التركة لهم. ويفارق الجنين من وجهين: أحدهما، ~~أنه لا يتحقق حياته. والثاني، أنه ما حصل بجنايته. فعلى هذا الوجه الأول ~~إذا بلي جسده، وغلب على الظن ظهور المال، # PageV02P411 # وتخلصه من أعضاء الميت، جاز نبشه وإخراجه. # وقد روى أبو داود، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن هذا قبر ~~أبي رغال، وآية ذلك أن معه غصنا من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه» . ~~فابتدره الناس، فاستخرجوا الغصن. ولو كان في أذن الميت حلق، أو في أصبعه ~~خاتم أخذ. فإن صعب أخذه، برد، وأخذ؛ لأن تركه تضييع للمال. ### | [فصل وقع في القبر ما له قيمة] # (1663) فصل: وإن وقع في القبر ما له قيمة، نبش وأخرج. قال أحمد: إذا نسي ~~الحفار مسحاته في القبر، جاز أن ينبش عنها. وقال في الشيء يسقط في القبر، ~~مثل الفأس والدراهم: ينبش. قال: إذا كان له قيمة. يعني ينبش. قيل: فإن ~~أعطاه أولياء الميت؟ قال: إن أعطوه حقه أي شيء يريد، وقد روي أن المغيرة بن ~~شعبة طرح خاتمه في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: خاتمي. ففتح ~~موضع منه، فأخذ المغيرة خاتمه، فكان يقول: أنا أقربكم عهدا برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. ### | [فصل دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة] # (1664) فصل: وإن دفن من غير غسل، أو إلى غير القبلة، نبش، وغسل، ووجه، ~~إلا أن يخاف عليه أن يتفسخ، فيترك. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور. ~~وقال أبو حنيفة: لا ينبش؛ لأن النبش مثلة، وقد نهي عنها. ولنا، أن الصلاة ~~تجب ولا تسقط بذلك، كإخراج ما له قيمة. وقولهم: إن النبش مثلة. قلنا: إنما ~~هو مثلة في حق من يقبر ولا ينبش. ### | [فصل دفن قبل الصلاة عليه] # (1665) فصل: وإن دفن قبل الصلاة، فعن أحمد أنه ينبش، ويصلى عليه. وعنه ~~أنه إن صلي على القبر جاز. واختار القاضي أنه يصلى على القبر ولا ينبش. وهو ~~مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلى على قبر ms1038 ~~المسكينة ولم ينبشها» . ووجه الأول أنه دفن قبل واجب، فنبش، كما لو دفن من ~~غير غسل، وإنما يصلى على القبر عند الضرورة. # وأما المسكينة فقد كانت صلي عليها، ولم # PageV02P412 # تبق الصلاة عليها واجبة، فلم تنبش لذلك. فأما إن تغير الميت، لم ينبش ~~بحال. ### | [فصل دفن بغير كفن] # (1666) فصل: وإن دفن بغير كفن ففيه وجهان: أحدهما، يترك؛ لأن القصد ~~بالكفن ستره، وقد حصل ستره بالتراب. والثاني، ينبش ويكفن؛ لأن التكفين ~~واجب، فأشبه الغسل. وإن كفن بثوب مغصوب، فقال القاضي: يغرم قيمته من تركته، ~~ولا ينبش؛ لما فيه من هتك حرمته مع إمكان دفع الضرر بدونها. ويحتمل أن ~~ينبش، إذا كان الكفن باقيا بحاله؛ ليرد إلى مالكه عن ماله، وإن كان باليا ~~فقيمته من تركته. # فإن دفن في أرض غصب، أو أرض مشتركة بينه وبين غيره بغير إذن شريكه، نبش ~~وأخرج؛ لأن القبر في الأرض يدوم ضرره، ويكثر، بخلاف الكفن. وإن أذن المالك ~~في الدفن في أرضه، ثم أراد إخراجه، لم يملك ذلك؛ لأن في ذلك ضررا. وإن بلي ~~الميت وعاد ترابا، فلصاحب الأرض أخذها، وكل موضع أجزنا نبشه لحرمة ملك ~~الآدمي، فالمستحب تركه احتراما للميت. ### | [مسألة إذا حضرت الجنازة وصلاة أخرى] # (1667) مسألة؛ قال: (وإذا حضرت الجنازة وصلاة الفجر، بدئ بالجنازة، وإذا ~~حضرت صلاة المغرب بدئ بالمغرب) وجملته أنه متى حضرت الجنازة والمكتوبة، بدئ ~~بالمكتوبة، إلا الفجر والعصر؛ لأن ما بعدهما وقت نهي عن الصلاة فيه. نص ~~عليه أحمد على نحو من هذا، وهو قول ابن سيرين. ويروى عن مجاهد، والحسن، ~~وسعيد بن المسيب، وقتادة، أنهم قالوا: يبدأ بالمكتوبة؛ لأنها أهم وأيسر، ~~والجنازة يتطاول أمرها، والاشتغال بها، فإن قدم جميع أمرها على المكتوبة ~~أفضى إلى تفويتها، وإن صلى عليها ثم انتظر فراغ المكتوبة لم يعد تقديمها ~~شيئا، إلا في الفجر والعصر، فإن تقديم الصلاة عليها بعيد أن يقع في غير وقت ~~النهي عن الصلاة، فيكون أولا. ### | [فصل تكره الصلاة على الميت في ثلاثة أوقات] # (1668) فصل: قال أحمد: تكره الصلاة - يعني على الميت ms1039 - في ثلاثة أوقات: ~~عند طلوع الشمس، ونصف النهار، وعند غروب الشمس. وذكر حديث عقبة بن عامر: ~~«ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن، أو ~~نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة ~~حتى يميل، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب» . رواه مسلم. # ومعنى تتضيف: أي تجنح وتميل للغروب، من قولك: تضيفت فلانا: إذا ملت إليه. ~~قال ابن المبارك: معنى أن نقبر فيهن موتانا، يعني الصلاة على الجنازة. قيل ~~لأحمد: الشمس على الحيطان مصفرة؟ قال: يصلى عليها # PageV02P413 # ما لم تدل للغروب. فلا. وتجوز الصلاة على الميت في غير هذه الأوقات. روي ~~ذلك عن ابن عمر، وعطاء، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب ~~الرأي. # وحكي عن أحمد أن ذلك جائز. وهو قول للشافعي، قياسا على ما بعد الفجر ~~والعصر. والأول أصح؛ لحديث عقبة بن عامر، ولا يصح القياس على الوقتين ~~الآخرين؛ لأن مدتهما تطول، فيخاف على الميت فيهما، ويشق انتظار خروجهما، ~~بخلاف هذه. وكره أحمد أيضا دفن الميت في هذه الأوقات، لحديث عقبة. فأما ~~الصلاة على القبر والغائب، فلا يجوز في شيء من أوقات النهي؛ لأن علة ~~تجويزها على الميت معللة بالخوف عليه، وقد أمن ذلك هاهنا، فيبقى على أصل ~~المنع، والعمل بعموم النهي ### | [فصل حكم الدفن ليلا] # (1669) فصل: فأما الدفن ليلا، فقال أحمد: وما بأس بذلك. وقال: أبو بكر ~~دفن ليلا، وعلي دفن فاطمة ليلا، وحديث عائشة: كنا سمعنا صوت المساحي من آخر ~~الليل في دفن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وممن دفن ليلا: عثمان، وعائشة، وابن مسعود. ورخص فيه عقبة بن عامر، وسعيد ~~بن المسيب، وعطاء، والثوري، والشافعي، وإسحاق. وكرهه الحسن؛ لما روى مسلم، ~~في " صحيحه "، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب يوما، فذكر رجلا من ~~أصحابه قبض، فكفن في كفن غير طائل، ودفن ليلا، فزجر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يقبر الرجل بالليل إلا أن يضطر الإنسان إلى ذلك» . وقد روي عن ~~أحمد أنه قال: إليه أذهب. ms1040 # ولنا، ما روى ابن مسعود، قال: «والله لكأني أسمع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في غزوة تبوك، وهو في قبر ذي النجادين، وأبو بكر وعمر، وهو ~~يقول: أدنيا مني أخاكما حتى أسنده في لحده. ثم قال لما فرغ من دفنه، وقام ~~على قبره مستقبل القبلة: اللهم إني أمسيت عنه راضيا، فارض عنه. وكان ذلك ~~ليلا، قال: فوالله لقد رأيتني ولوددت أني مكانه، ولقد أسلمت قبله بخمس عشرة ~~سنة، وأخذه من قبل القبلة.» رواه الخلال، في " جامعه ". # وروى ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل قبرا ليلا، فأسرج له ~~سراج، فأخذ من قبل القبلة، وقال: رحمك الله، إن كنت لأواها، تلاء للقرآن.» ~~قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «سأل عن ~~رجل، فقال: من هذا؟ قالوا: فلان، دفن البارحة. فصلى عليه» . # PageV02P414 # أخرجه البخاري. فلم ينكر عليهم، ولأنه أحد الآيتين، فجاز الدفن فيه ~~كالنهار، وحديث الزجر محمول على الكراهة والتأديب؛ فإن الدفن نهارا أولى؛ ~~لأنه أسهل على متبعها، وأكثر للمصلين عليها، وأمكن لإتباع السنة في دفنه ~~وإلحاده. ### | [مسألة لا يصلي الإمام على الغال من الغنيمة ولا على من قتل نفسه] # (1670) مسألة؛ قال: (ولا يصلي الإمام على الغال من الغنيمة، ولا على من ~~قتل نفسه) الغال: هو الذي يكتم غنيمته أو بعضها، ليأخذه لنفسه، ويختص به. ~~فهذا لا يصلي عليه الإمام، ولا على من قتل نفسه متعمدا. ويصلي عليهما سائر ~~الناس. نص عليهما أحمد. وقال عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي: لا يصلى على ~~قاتل نفسه بحال؛ لأن من لا يصلي عليه الإمام لا يصلي عليه غيره، كشهيد ~~المعركة. # وقال عطاء، والنخعي، والشافعي: يصلي الإمام وغيره على كل مسلم؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا على من قال لا إله إلا الله» . رواه ~~الخلال بإسناده. ولنا ما روى جابر بن سمرة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- جاءوه برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه» . رواه مسلم. وروى أبو داود ~~«أن رجلا انطلق إلى النبي ms1041 - صلى الله عليه وسلم - فأخبره عن رجل أنه قد ~~مات، قال: وما يدريك؟ قال: رأيته ينحر نفسه بمشاقص، قال: أنت رأيته؟ قال: ~~نعم، قال: إذا لا أصلي عليه» . # وروى زيد بن خالد الجهني، قال: «توفي رجل من جهينة يوم خيبر، فذكر ذلك ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: صلوا على صاحبكم. فتغيرت وجوه ~~القوم، فلما رأى ما بهم قال: إن صاحبكم غل من الغنيمة» . احتج به أحمد. ~~واختص هذا الامتناع بالإمام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما امتنع ~~من الصلاة على الغال، قال: «صلوا على صاحبكم» . وروي أنه أمر بالصلاة على ~~قاتل نفسه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام، فألحق به من ~~ساواه في ذلك، ولا يلزم من ترك صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك صلاة ~~غيره؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في بدء الإسلام لا يصلي على من ~~عليه دين لا وفاء له، ويأمرهم بالصلاة عليه. فإن قيل: هذا خاص للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ لأن صلاته سكن. قلنا: ما ثبت في حق النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثبت في حق غيره، ما لم يقم على اختصاصه دليل. فإن قيل: فقد ترك ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على من عليه دين. قلنا: ثم صلى عليه ~~بعد، فروى أبو هريرة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤتى بالرجل ~~المتوفى عليه الدين، فيقول: هل ترك لدينه من وفاء؟ . فإن حدث أنه ترك وفاء ~~صلى عليه، وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم فلما فتح الله الفتوح قام ~~فقال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين، وترك دينا، علي ~~قضاؤه، # PageV02P415 # ومن ترك مالا فللورثة.» قال الترمذي: هذا حديث صحيح. # ولولا النسخ كان كمسألتنا، وهذه الأحاديث خاصة، فيجب تقديمها على قوله: - ~~صلى الله عليه وسلم - «صلوا على من قال لا إله إلا الله» . على أنه لا ~~تعارض بين الخبرين؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الصلاة على هذين، ~~وأمر بالصلاة عليهما، فلم ms1042 يكن أمره بالصلاة عليهما منافيا لتركه الصلاة ~~عليهما، كذلك أمره بالصلاة على من قال لا إله إلا الله. ### | [فصل لا يصلى على الجهمية ولا الرافضة] # (1671) فصل: قال أحمد: لا أشهد الجهمية ولا الرافضة، ويشهده من شاء، قد ~~ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على أقل من هذا؛ الدين، والغلول، ~~وقاتل نفسه. وقال: لا يصلى على الرافضي. وقال أبو بكر بن عياش: لا أصلي على ~~رافضي، ولا حروري. وقال الفريابي: من شتم أبا بكر فهو كافر، لا يصلى عليه. ~~قيل له: فكيف نصنع به، وهو يقول: لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ~~ارفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته. # وقال أحمد: أهل البدع لا يعادون إن مرضوا، ولا تشهد جنائزهم إن ماتوا. ~~وهذا قول مالك. قال ابن عبد البر: وسائر العلماء يصلون على أهل البدع ~~والخوارج وغيرهم؛ لعموم قوله: - عليه السلام - «صلوا على من قال لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله» ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «ترك الصلاة ~~بأدون من هذا، فأولى أن نترك الصلاة به» ، وروى ابن عمر أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إن لكل أمة مجوسا، وإن مجوس أمتي الذين يقولون لا ~~قدر، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» . رواه الإمام أحمد. ### | [فصل لا يصلى على أطفال المشركين] # (1672) فصل: ولا يصلى على أطفال المشركين؛ لأن لهم حكم آبائهم، إلا من ~~حكمنا بإسلامه، مثل أن يسلم أحد # PageV02P416 # أبويه، أو يموت، أو يسبى منفردا من أبويه، أو من أحدهما، فإنه يصلى عليه. ~~قال أبو ثور من سبي مع أحد أبويه، لا يصلى عليه، حتى يختار الإسلام. ولنا، ~~أنه محكوم له بالإسلام، أشبه ما لو سبي منفردا منهما. ### | [فصل يصلى على سائر المسلمين من أهل الكبائر والمرجوم في الزنا وغيرهم] # (1673) فصل: ويصلى على سائر المسلمين من أهل الكبائر، والمرجوم في الزنا، ~~وغيرهم. قال أحمد: من استقبل قبلتنا، وصلى بصلاتنا، نصلي عليه وندفنه. ~~ويصلى على ولد الزنا، والزانية، والذي يقاد منه بالقصاص، أو يقتل ms1043 في حد. ~~وسئل عمن لا يعطي زكاة ماله، فقال: يصلى عليه، ما يعلم أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ترك الصلاة على أحد، إلا على قاتل نفسه والغال. # وهذا قول عطاء، والنخعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، إلا أن أبا حنيفة، قال: ~~لا يصلى على البغاة، ولا المحاربين؛ لأنهم باينوا أهل الإسلام، وأشبهوا أهل ~~دار الحرب. وقال مالك: لا يصلى على من قتل في حد؛ لأن أبا برزة الأسلمي ~~قال: «لم يصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ماعز بن مالك، ولم ينه ~~عن الصلاة عليه» . رواه أبو داود. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«صلوا على من قال لا إله إلا الله» . رواه الخلال بإسناده # ، وروى الخلال بإسناده، عن أبي شميلة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خرج إلى قباء، فاستقبله رهط من الأنصار، يحملون جنازة على باب، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: ما هذا؟ قالوا: مملوك لآل فلان. قال: أكان يشهد أن ~~لا إله إلا الله؟ قالوا: نعم، ولكنه كان وكان. فقال: أكان يصلي؟ قالوا: قد ~~كان يصلي ويدع. فقال لهم: ارجعوا به، فغسلوه، وكفنوه، وصلوا عليه، وادفنوه، ~~والذي نفسي بيده لقد كادت الملائكة تحول بيني وبينه» . # وأما أهل الحرب فلا يصلى عليهم؛ لأنهم كفار، ولا يقبل فيهم شفاعة، ولا ~~يستجاب فيهم دعاء، وقد نهينا عن الاستغفار لهم، وقال الله تعالى لنبيه - ~~صلى الله عليه وسلم -: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} ~~[التوبة: 84] وقال: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: ~~80] . وأما ترك الصلاة على ماعز فيحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر من يصلي عليه لعذر، بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - «رجم الغامدية، # PageV02P417 # وصلى عليها. فقال له عمر: ترجمها، وتصلي عليها؟ فقال: لقد تابت توبة لو ~~قسمت على أهل المدينة لوسعتهم» . كذلك رواه الأوزاعي. # وروى معمر، وهشام، عن أبان أنه أمرهم بالصلاة عليها. قال ابن عبد البر: ~~وهو الصحيح. ### | [مسألة إذا حضرت جنازة رجل وامرأة ms1044 وصبي] # (1674) مسألة؛ (قال: وإذا حضرت جنازة رجل وامرأة وصبي، جعل الرجل مما يلي ~~الإمام، والمرأة خلفه، والصبي خلفهما) لا خلاف في المذهب أنه إذا اجتمع مع ~~الرجال غيرهم، أنه يجعل الرجال مما يلي الإمام، وهو مذهب أكثر أهل العلم، ~~فإن كان معهم نساء وصبيان، فنقل الخرقي هاهنا، أن المرأة تقدم مما يلي ~~الرجل، ثم يجعل الصبي خلفهما مما يلي القبلة؛ لأن المرأة شخص مكلف، فهي ~~أحوج إلى الشفاعة، ولأنه قد روي عن عمار مولى الحارث بن نوفل، أنه شهد ~~جنازة أم كلثوم وابنها، فجعل الغلام مما يلي القبلة، فأنكرت ذلك، وفي القوم ~~ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة. # والمنصوص عن أحمد، في رواية جماعة من أصحابه، أن الرجال مما يلي الإمام، ~~والصبيان أمامهم، والنساء يلين القبلة. وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ ~~لأنهم يقدمون عليهن في الصف في الصلاة المكتوبة، فكذلك يقدمون عليهن مما ~~يلي الإمام عند اجتماع الجنائز، كالرجال. # وأما حديث عمار، فالصحيح فيه أنه جعلها مما يلي القبلة، وجعل ابنها مما ~~يليه. كذلك رواه سعيد، وعمار مولى بني سليم، عن عمار مولى بني هاشم. وأخرجه ~~كذلك أبو داود، والنسائي، وغيرهما، ولفظه قال: شهدت جنازة صبي وامرأة، فقدم ~~الصبي مما يلي القوم، ووضعت المرأة وراءه وفي القوم أبو سعيد الخدري، وابن ~~عباس، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقلنا لهم، فقالوا: السنة. وأما الحديث ~~الأول فلا يصح؛ فإن زيد بن عمر هو ابن أم كلثوم بنت علي، الذي صلي عليه ~~معها، وكان رجلا له أولاد. كذلك قال الزبير بن بكار. # ولا خلاف في تقديم الرجل على المرأة، ولأن زيدا ضرب في حرب كانت بين عدي ~~في خلافة بعض بني أمية فصرع وحمل، ومات، والتفت صارختان عليه وعلى أمه، ولا ~~يكون إلا رجلا. (1675) فصل: ولا خلاف في تقديم الخنثى على المرأة؛ لأنه ~~يحتمل أن يكون رجلا، وأدنى أحواله أن يكون مساويا لها، ولا في تقديم الحر ~~على العبد؛ لشرفه وتقديمه عليه في الإمامة، ولا في تقديم الكبير ms1045 على الصغير ~~كذلك. # وقد روى الخلال، بإسناده عن علي - رضي الله عنه - في جنازة رجل وامرأة، ~~وحر وعبد، وصغير وكبير، يجعل الرجل مما يلي الإمام، والمرأة أمام ذلك، ~~والكبير مما يلي الإمام، والصغير أمام ذلك، # PageV02P418 # والحر مما يلي الإمام، والمملوك أمام ذلك. فإن اجتمع حر صغير وعبد كبير، ~~قال أحمد، في رواية الحسن بن محمد، في غلام حر وشيخ عبد: يقدم الحر إلى ~~الإمام. هذا اختيار الخلال، وغلط من روى خلاف ذلك، واحتج بقول علي: الحر ~~مما يلي الإمام، والمملوك وراء ذلك. # ونقل أبو الحارث: يقدم أكبرهما إلى الإمام، وهو أصح إن شاء الله تعالى؛ ~~لأنه يقدم في الصف في الصلاة. وقول علي أراد به إذا تساويا في الكبر ~~والصغر، بدليل أنه قال: والكبير مما يلي الإمام، والصغير أمام ذلك. # (1676) فصل: فإن كانوا نوعا واحدا، قدم إلى الإمام أفضلهم؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «كان يوم أحد يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد، ~~ويقدم أكثرهم أخذا للقرآن.» ولأن الأفضل يقدم في صف المكتوبة، فيقدم هاهنا، ~~كالرجال مع المرأة. وقد دل على الأصل قوله عليه السلام: «ليلني منكم أولوا ~~الأحلام والنهى.» وإن تساووا في الفضل، قدم الأكبر فالأكبر. فإن تساووا قدم ~~السابق. وقال القاضي: يقدم السابق وإن كان صبيا، ولا تقدم المرأة وإن كانت ~~سابقة؛ لموضع الذكورية، فإن تساووا قدم الإمام من شاء منهم، فإن تشاح ~~الأولياء في ذلك أقرع بينهم. ### | [فصل الصلاة على الجنائز دفعة واحدة] # فصل: ولا خلاف بين أهل العلم في جواز الصلاة على الجنائز، دفعة واحدة، ~~وإن أفرد كل جنازة بصلاة جاز، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«أنه صلى على حمزة مع غيره» . وقال حنبل: صليت مع أبي عبد الله على جنازة ~~امرأة منفوسة، فصلى أبو إسحاق على الأم، واستأمر أبا عبد الله، وقال: صل ~~على ابنتها المولودة أيضا؟ قال أبو عبد الله: لو أنهما وضعا جميعا كانت ~~صلاتهما واحدة، تصير إذا كانت أنثى عن يمين المرأة، وإذا كان ذكرا عن ~~يسارها. وقال ms1046 بعض أصحابنا: إفراد كل جنازة بصلاة أفضل، ما لم يريدوا ~~المبادرة. # وظاهر كلام أحمد في هذه الرواية التي ذكرناها، أنه أفضل في الإفراد، وهو ~~ظاهر حال السلف؛ فإنه لم ينقل عنهم ذلك. ### | [مسألة دفن الجماعة في القبر] # (1678) مسألة؛ قال: (وإن دفنوا في قبر يكون الرجل ما يلي القبلة، والمرأة ~~خلفه، والصبي خلفهما، ويجعل بين كل اثنين حاجزا من تراب) وجملته أنه إذا ~~دفن الجماعة في القبر، قدم الأفضل منهم إلى القبلة، ثم الذي يليه في ~~الفضيلة، على حسب تقديمهم إلى الإمام في الصلاة سواء، على ما ذكرنا في ~~المسألة قبل هذه؛ لما روى هشام بن عامر، # PageV02P419 # قال: «شكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجراحات يوم أحد، فقال: ~~احفروا وأوسعوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا ~~أكثرهم قرآنا» . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # فإذا ثبت هذا، فإنه يجعل بين كل اثنين حاجزا من التراب، فيجعل كل واحد ~~منهم في مثل القبر المنفرد؛ لأن الكفن حائل غير حصين. قال أحمد: ولو جعل ~~لهم شبه النهر، وجعل رأس أحدهم عند رجل الآخر، وجعل بينهما شيء من التراب، ~~لم يكن به بأس. أو كما قال. # (1679) فصل: ولا يدفن اثنان في قبر واحد، إلا لضرورة. وسئل أحمد عن ~~الاثنين والثلاثة يدفنون في قبر واحد. قال: أما في مصر فلا، وأما في بلاد ~~الروم فتكثر القتلى، فيحفر شبه النهر، رأس هذا عند رجل هذا، ويجعل بينهما ~~حاجزا، لا يلتزق واحد بالآخر. # وهذا قول الشافعي. وذلك لأنه لا يتعذر في الغالب إفراد كل واحد بقبر في ~~المصر، ويتعذر ذلك غالبا في دار الحرب، وفي موضع المعترك. وإن وجدت الضرورة ~~جاز دفن الاثنين والثلاثة وأكثر في القبر الواحد، حيثما كان من مصر أو ~~غيره. فإن مات له أقارب بدأ بمن يخاف تغيره، وإن استووا في ذلك بدأ بأقربهم ~~إليه، على ترتيب النفقات، فإن استووا في القرب قدم أنسبهم وأفضلهم. ### | [مسألة ماتت نصرانية وهي حاملة من مسلم فأين تدفن] # (1680) مسألة؛ قال: (وإن ماتت نصرانية، ms1047 وهي حاملة من مسلم، دفنت بين ~~مقبرة المسلمين ومقبرة النصارى) اختار هذا أحمد؛ لأنها كافرة، لا تدفن في ~~مقبرة المسلمين، فيتأذوا بعذابها، ولا في مقبرة الكفار؛ لأن ولدها مسلم ~~فيتأذى بعذابهم، وتدفن منفردة. مع أنه روي عن واثلة بن الأسقع مثل هذا ~~القول، وروي عن عمر أنها تدفن في مقابر المسلمين. قال ابن المنذر: لا يثبت ~~ذلك. قال أصحابنا: ويجعل ظهرها إلى القبلة على جانبها الأيسر، ليكون وجه ~~الجنين إلى القبلة على جانبه الأيمن، لأن وجه الجنين إلى ظهرها. ### | [مسألة خلع النعال إذا دخل المقابر] # (1681) مسألة: قال: (ويخلع النعال إذا دخل المقابر) . هذا مستحب؛ لما روى ~~بشير ابن الخصاصية، قال: «بينا أنا أماشي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا رجل يمشي في القبور، عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين، ألق ~~سبتيتيك. فنظر الرجل، فلما عرف # PageV02P420 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلعهما، فرمى بهما» . رواه أبو داود. ~~وقال أحمد: إسناد حديث بشير ابن الخصاصية جيد، أذهب إليه، إلا من علة. ~~وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأسا. # قال جرير بن حازم: رأيت الحسن، وابن سيرين، يمشيان بين القبور في ~~نعالهما. # ومنهم من احتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد إذا وضع في ~~قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه يسمع قرع نعالهم» . رواه البخاري. # وقال أبو الخطاب: يشبه أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كره ~~للرجل المشي في نعليه لما فيهما من الخيلاء، فإن نعال السبت من لباس أهل ~~النعيم، قال عنترة: # يحذى نعال السبت ليس بتوأم # ولنا، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخبر الذي تقدم، وأقل أحواله ~~الندب، ولأن خلع النعلين أقرب إلى الخشوع، وزي أهل التواضع، واحترام أموات ~~المسلمين، وإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الميت يسمع قرع نعالهم ~~لا ينفي الكراهة، فإنه يدل على وقوع هذا منهم، ولا نزاع في وقوعه وفعلهم ~~إياه مع كراهيته، فأما إن كان للماشي عذر يمنعه من خلع نعليه، مثل الشوك ~~يخافه على قدميه، أو نجاسة ms1048 تمسهما، لم يكره المشي في النعلين. # قال أحمد، في الرجل يدخل المقابر وفيها شوك يخلع نعليه: هذا يضيق على ~~الناس حتى يمشي الرجل في الشوك، وإن فعله فحسن، هو أحوط، وإن لم يفعله رجل. ~~يعني لا بأس. وذلك لأن العذر يمنع الوجوب في بعض الأحوال، والاستحباب أولى، ~~ولا يدخل في الاستحباب نزع الخفاف؛ لأن نزعها يشق. وقد روي عن أحمد أنه كان ~~إذا أراد أن يخرج إلى الجنازة لبس خفيه، مع أمره بخلع النعال. وذكر القاضي ~~أن الكراهة لا تتعدى النعال إلى الشمشكات ولا غيرها؛ لأن النهي غير معلل، ~~فلا يتعدى محله. ### | [فصل المشي على القبور] # (1682) فصل: ويكره المشي على القبور. وقال الخطابي: ثبت أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «نهى أن توطأ القبور» . وروى ابن ماجه، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «لأن أمشي على جمرة، أو سيف، أو أخصف نعلي ~~برجلي، أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور - كذا قال ~~- قضيت حاجتي، أو وسط السوق» . # ولأنه كره المشي بينها بالنعلين، فالمشي عليها أولى. ### | [فصل الجلوس على القبور والاتكاء عليها] # (1683) فصل: ويكره الجلوس عليها، والاتكاء عليها؛ لما روى أبو يزيد، قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا # PageV02P421 # تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» . وروى أبو هريرة قال: قال رسول ~~الله: «لأن يجلس أحدكم على جمرة، تحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن ~~يجلس على قبر» . رواه مسلم: قال الخطابي: وروي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «رأى رجلا قد اتكأ على قبر، فقال: لا تؤذ صاحب القبر.» ### | [مسألة لا بأس أن يزور الرجل المقابر] # (1684) مسألة: قال: (ولا بأس أن يزور الرجل المقابر) لا نعلم بين أهل ~~العلم خلافا في إباحة زيارة الرجال القبور. وقال علي بن سعيد: سألت أحمد عن ~~زيارة القبور، تركها أفضل عندك أو زيارتها؟ قال: زيارتها. وقد صح عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ ~~فإنها تذكركم الموت» ms1049 . رواه مسلم. والترمذي بلفظ: " فإنها تذكر الآخرة ". # (1685) فصل: وإذا مر بالقبور، أو زارها، استحب أن يقول ما روى مسلم، عن ~~بريدة، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمهم إذا خرجوا إلى ~~المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية.» ~~وفي حديث عائشة: «ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين» . # وفي حديث آخر: «اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» . وإن أراد قال: ~~اللهم اغفر لنا ولهم. كان حسنا. ### | [فصل القراءة عند القبر] # (1686) فصل: قال: ولا بأس بالقراءة عند القبر، وقد روي عن أحمد أنه قال: ~~إذا دخلتم المقابر اقرءوا آية الكرسي وثلاث مرات قل هو الله أحد، ثم قل: ~~اللهم إن فضله لأهل المقابر. وروي عنه أنه قال: القراءة عند القبر بدعة، ~~وروي ذلك عن هشيم، قال أبو بكر: نقل ذلك عن أحمد جماعة، ثم رجع رجوعا أبان ~~به عن نفسه، فروى جماعة أن أحمد نهى ضريرا أن يقرأ عند القبر، وقال له: إن ~~القراءة عند القبر بدعة. فقال له محمد بن قدامة الجوهري: يا أبا عبد الله: ~~ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة. # قال: فأخبرني مبشر، عن أبيه، أنه أوصى إذا دفن يقرأ عنده بفاتحة البقرة ~~وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك. قال أحمد بن حنبل: فارجع فقل ~~للرجل يقرأ. وقال الخلال: حدثني أبو علي الحسن بن الهيثم البزار، شيخنا ~~الثقة المأمون، قال: رأيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور. وقد ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من دخل المقابر فقرأ سورة ~~يس خفف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات» . وروي عنه - عليه السلام ~~- «من زار قبر والديه أو أحدهما، فقرأ عنده # PageV02P422 # أو عندهما يس غفر له» . ### | [فصل أي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت نفعه ذلك] # فصل: وأي قربة فعلها، وجعل ثوابها للميت المسلم، نفعه ذلك، إن شاء الله، ~~أما الدعاء، والاستغفار، والصدقة، وأداء الواجبات، ms1050 فلا أعلم فيه خلافا، إذا ~~كانت الواجبات مما يدخله النيابة، وقد قال الله تعالى: {والذين جاءوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر: 10] ~~. وقال الله تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19] . # «ودعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي سلمة حين مات» ، وللميت الذي ~~صلى عليه في حديث عوف بن مالك، ولكل ميت صلى عليه. ولذي النجادين حتى دفنه. ~~وشرع الله ذلك لكل من صلى على ميت «وسأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» . رواه ~~أبو داود. وروي ذلك عن سعد بن عبادة. # «وجاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن ~~فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، ~~أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: ~~فدين الله أحق أن يقضى.» «وقال للذي سأله: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، ~~أفأصوم عنها؟ قال: نعم» . # وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب؛ لأن الصوم ~~والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، ~~فكذلك ما سواها، مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ يس، وتخفيف الله ~~تعالى عن أهل المقابر بقراءته. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعمرو بن العاص: لو كان أبوك مسلما، ~~فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه، بلغه ذلك» . وهذا عام في حج ~~التطوع وغيره، ولأنه عمل بر وطاعة، فوصل نفعه وثوابه، كالصدقة والصيام ~~والحج الواجب. # وقال الشافعي: ما عدا الواجب والصدقة والدعاء والاستغفار، لا يفعل عن ~~الميت، ولا يصل ثوابه إليه؛ لقول الله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~[النجم: 39] . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات ابن آدم انقطع ~~عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، ms1051 أو ولد صالح يدعو ~~له» . ولأن نفعه لا يتعدى فاعله، # PageV02P423 # فلا يتعدى ثوابه. # وقال بعضهم: إذا قرئ القرآن عند الميت، أو أهدي إليه ثوابه، كان الثواب ~~لقارئه، ويكون الميت كأنه حاضرها، فترجى له الرحمة. ولنا، ما ذكرناه، وأنه ~~إجماع المسلمين؛ فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرءون القرآن، ويهدون ~~ثوابه إلى موتاهم من غير نكير. ولأن الحديث صح عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» . والله أكرم من أن يوصل عقوبة ~~المعصية إليه، ويحجب عنه المثوبة. # ولأن الموصل لثواب ما سلموه، قادر على إيصال ثواب ما منعوه، والآية ~~مخصوصة بما سلموه، وما اختلفنا فيه في معناه، فنقيسه عليه. ولا حجة لهم في ~~الخبر الذي احتجوا به، فإنما دل على انقطاع عمله، فلا دلالة فيه عليه؛ ثم ~~لو دل عليه كان مخصوصا بما سلموه، وفي معناه ما منعوه، فيتخصص به أيضا ~~بالقياس عليه، وما ذكروه من المعنى غير صحيح، فإن تعدي الثواب ليس بفرع ~~لتعدي النفع، ثم هو باطل بالصوم اوالحج، وليس له أصل يعتبر به، والله أعلم. ### | [مسألة زيارة النساء للقبور] # (1688) مسألة: قال: (وتكره للنساء) اختلفت الرواية عن أحمد في زيارة ~~النساء القبور، فروي عنه كراهتها؛ لما روت أم عطية، قالت: # PageV02P424 # «نهينا عن زيارة القبور ولم يعزم علينا.» رواه مسلم. ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لعن الله زوارات القبور» . قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن صحيح. # وهذا خاص في النساء، والنهي المنسوخ كان عاما للرجال والنساء. ويحتمل أنه ~~كان خاصا للرجال. ويحتمل أيضا كون الخبر في لعن زوارات القبور، بعد أمر ~~الرجال بزيارتها، فقد دار بين الحظر والإباحة، فأقل أحواله الكراهة. ولأن ~~المرأة قليلة الصبر، كثيرة الجزع، وفي زيارتها للقبر تهييج لحزنها، وتجديد ~~لذكر مصابها، فلا يؤمن أن يفضي بها ذلك إلى فعل ما لا يجوز، بخلاف الرجل، ~~ولهذا اختصصن بالنوح والتعديد، وخصصن بالنهي عن الحلق والصلق ونحوهما. ~~والرواية الثانية، لا يكره؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «كنت نهيتكم عن ~~زيارة القبور، فزوروها» . # وهذا يدل ms1052 على سبق النهي ونسخه، فيدخل في عمومه الرجال والنساء. وروي عن ~~ابن أبي مليكة، أنه قال لعائشة: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من ~~قبر أخي عبد الرحمن. فقلت لها: قد «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، قد نهى، ثم أمر بزيارتها» ، وروى الترمذي أن ~~عائشة زارت قبر أخيها، وروي عنها أنها قالت: لو شهدته ما زرته. ### | [فصل يكره النعي] # (1689) فصل: ويكره النعي، وهو أن يبعث مناديا ينادي في الناس: إن فلانا ~~قد مات. ليشهدوا جنازته؛ لما روى حذيفة، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «ينهى عن النعي» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. واستحب جماعة من أهل ~~العلم أن لا يعلم الناس بجنائزهم؛ منهم عبد الله بن مسعود، وأصحابه علقمة، ~~والربيع بن خيثم، وعمرو بن شرحبيل. # قال علقمة: لا تؤذنوا بي أحدا. وقال عمرو بن شرحبيل: إذا أنا مت فلا أنعى ~~إلى أحد. وقال كثير من أهل العلم: لا بأس أن يعلم بالرجل إخوانه ومعارفه ~~وذوو الفضل، من غير نداء. قال إبراهيم النخعي: لا بأس إذا مات الرجل أن ~~يؤذن صديقه وأصحابه، وإنما كانوا يكرهون أن يطاف في المجالس: أنعي فلانا. ~~كفعل الجاهلية. وممن رخص في هذا؛ أبو هريرة، وابن عمر، وابن سيرين. وروي عن ~~ابن عمر أنه نعي إليه رافع بن خديج، قال: كيف تريدون أن تصنعوا به؟ قال: ~~نحبسه حتى نرسل إلى قباء، وإلى من قد بات حول المدينة ليشهدوا جنازته. قال: ~~نعم ما رأيتم. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «في الذي دفن ليلا: ألا آذنتموني» . ~~وقد صح عن أبي هريرة، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعى للناس ~~النجاشي، في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم # PageV02P425 # إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات» . متفق عليه. وفي لفظ: «إن ~~أخاكم النجاشي قد مات، فقوموا فصلوا عليه» . وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه قال: لا يموت فيكم أحد إلا آذنتموني به» . أو كما قال. # ولأن في كثرة ms1053 المصلين عليه أجرا لهم، ونفعا للميت، فإنه يحصل لكل مصل ~~منهم قيراط من الأجر. وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما ~~من مسلم يموت، فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين، إلا أوجب» ، وقد ذكرنا ~~هذا. # وروى الإمام أحمد بإسناده عن أبي المليح، أنه صلى على جنازة، فالتفت ~~فقال: استووا. ولتحسن شفاعتكم، ألا وإنه حدثني عبد الله بن سليط، عن إحدى ~~أمهات المؤمنين، وهي ميمونة، وكان أخاها من الرضاعة، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «ما من مسلم يصلي عليه أمة من الناس إلا شفعوا فيه» ~~. فسألت أبا المليح عن الأمة؟ فقال: أربعون. . # PageV02P426 ### | [كتاب الزكاة] ### | [فصل أنكر وجوب الزكاة جهلا به] # قال أبو محمد بن قتيبة: الزكاة من الزكاء والنماء والزيادة؛ سميت بذلك ~~لأنها تثمر المال وتنميه. يقال: زكا الزرع، إذا كثر ريعه. وزكت النفقة، إذا ~~بورك فيها. وهي في الشريعة حق يجب في المال، فعند إطلاق لفظها في موارد ~~الشريعة ينصرف إلى ذلك. والزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وهي واجبة بكتاب ~~الله تعالى، وسنة رسوله، وإجماع أمته؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: {وآتوا ~~الزكاة} [البقرة: 43] . وأما السنة، «فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث ~~معاذا إلى اليمن، فقال: أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، ~~فترد في فقرائهم» . متفق عليه. # في آي وأخبار سوى هذين كثيرة. وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على ~~وجوبها، واتفق الصحابة - رضي الله عنهم - على قتال مانعيها، فروى البخاري ~~بإسناده عن أبي هريرة، قال: لما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ~~أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله؟» فقال: ~~والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو ~~منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1054 - لقاتلتهم ~~على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر ~~للقتال، فعرفت أنه الحق. ورواه أبو داود، وقال: " لو منعوني عقالا ". # قال أبو عبيد: العقال، صدقة العام. قال الشاعر: # سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين # وقيل: كانوا إذا أخذوا الفريضة أخذوا معها عقالها. ومن رواه " عناقا " ~~ففي روايته دليل على أخذ الصغيرة من الصغار. # (1690) فصل: فمن أنكر وجوبها جهلا به، وكان ممن يجهل ذلك إما لحداثة عهده ~~بالإسلام، أو لأنه نشأ # PageV02P427 # ببادية نائية عن الأمصار، عرف وجوبها، ولا يحكم بكفره؛ لأنه معذور، وإن ~~كان مسلما ناشئا ببلاد الإسلام بين أهل العلم فهو مرتد، تجري عليه أحكام ~~المرتدين ويستتاب ثلاثا، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا تكاد تخفى على أحد ممن هذه حاله، فإذا ~~جحدها لا يكون إلا لتكذيبه الكتاب والسنة، وكفره بهما. ### | [فصل منع الزكاة مع اعتقاد وجوبها] # (1691) فصل: وإن منعها معتقدا وجوبها، وقدر الإمام على أخذها منه، أخذها ~~وعزره، ولم يأخذ زيادة عليها، في قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة، ~~ومالك، والشافعي، وأصحابهم. وكذلك إن غل ماله فكتمه حتى لا يأخذ الإمام ~~زكاته، فظهر عليه. # وقال إسحاق بن راهويه وأبو بكر عبد العزيز: يأخذها وشطر ماله؛ لما روى ~~بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ~~يقول: «في كل سائمة الإبل، في كل أربعين بنت لبون، لا تفرق عن حسابها، من ~~أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن أباها فإني آخذها وشطر ماله، عزمة من عزمات ~~ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء» وذكر هذا الحديث لأحمد فقال: ما أدري ما ~~وجهه؟ وسئل عن إسناده، فقال: هو عندي صالح الإسناد. رواه أبو داود، ~~والنسائي، في " سننهما ". # ووجه الأول، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس في المال حق سوى ~~الزكاة» . ولأن منع الزكاة كان في زمن أبي بكر - رضي الله عنه ms1055 - بموت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مع توفر الصحابة - رضي الله عنهم -، فلم ينقل ~~أحد عنهم زيادة، ولا قولا بذلك. واختلف أهل العلم في العذر عن هذا الخبر. ~~فقيل: كان في بدء الإسلام، حيث كانت العقوبات في المال، ثم نسخ بالحديث ~~الذي رويناه. # وحكى الخطابي، عن إبراهيم الحربي أنه يؤخذ منه السن الواجبة عليه من خيار ~~ماله، من غير زيادة في سن ولا عدد، لكن ينتقي من خير ماله ما تزيد به صدقته ~~في القيمة بقدر شطر قيمة الواجب عليه. فيكون المراد ب " ما له " هاهنا ~~الواجب عليه من ماله، فيزاد عليه في القيمة بقدر شطره، والله أعلم. # فأما إن كان مانع الزكاة خارجا عن قبضة الإمام قاتله؛ لأن الصحابة - رضي ~~الله عنهم - قاتلوا مانعيها، وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: لو ~~منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم ~~عليه. فإن ظفر به وبماله، أخذها من غير زيادة أيضا، ولم تسب ذريته؛ لأن ~~الجناية من غيرهم، ولأن المانع لا يسبى، فذريته أولى. وإن ظفر به دون ماله، ~~دعاه إلى أدائها، واستتابه ثلاثا، فإن تاب وأدى، وإلا قتل، ولم يحكم بكفره. # وعن أحمد ما يدل على أنه يكفر بقتاله عليها، فروى الميموني # PageV02P428 # عنه: إذا منعوا الزكاة كما منعوا أبا بكر، وقاتلوا عليها، لم يورثوا، ولم ~~يصل عليهم. قال عبد الله بن مسعود: ما تارك الزكاة بمسلم. ووجه ذلك، ما روي ~~أن أبا بكر - رضي الله عنه - لما قاتلهم، وعضتهم الحرب، قالوا: نؤديها. ~~قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. ولم ينقل ~~إنكار ذلك عن أحد من الصحابة، فدل على كفرهم. # ووجه الأول، أن عمر وغيره من الصحابة امتنعوا من القتال في بدء الأمر، ~~ولو اعتقدوا كفرهم لما توقفوا عنه، ثم اتفقوا على القتال، وبقي الكفر على ~~أصل النفي، ولأن الزكاة فرع من فروع الدين، فلم يكفر تاركه بمجرد تركه؛ ~~كالحج، وإذا لم يكفر بتركه، لم يكفر بالقتال عليه كأهل ms1056 البغي. وأما الذين ~~قال لهم أبو بكر هذا القول، فيحتمل أنهم جحدوا وجوبها، فإنه نقل عنهم أنهم ~~قالوا: إنما كنا نؤدي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن صلاته سكن ~~لنا، وليس صلاة أبي بكر سكنا لنا، فلا نؤدي إليه. # وهذا يدل على أنهم جحدوا وجوب الأداء إلى أبي بكر - رضي الله عنه - ولأن ~~هذه قضية في عين، ولا يتحقق من الذين قال لهم أبو بكر هذا القول، فيحتمل ~~أنهم كانوا مرتدين، ويحتمل أنهم جحدوا وجوب الزكاة، ويحتمل غير ذلك، فلا ~~يجوز الحكم به في محل النزاع، ويحتمل أن أبا بكر قال ذلك لأنهم ارتكبوا ~~كبائر، وماتوا من غير توبة، فحكم لهم بالنار ظاهرا، كما حكم لقتلى ~~المجاهدين بالجنة ظاهرا، والأمر إلى الله تعالى في الجميع، ولم يحكم عليهم ~~بالتخليد، ولا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالتخليد، بعد أن أخبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن قوما من أمته يدخلون النار، ثم يخرجهم الله تعالى ~~منها ويدخلهم الجنة. ### | [مسألة نصاب الإبل] # (1692) مسألة: قال أبو القاسم - رحمه الله تعالى -: (وليس فيما دون خمس ~~من الإبل سائمة صدقة) . بدأ الخرقي، - رحمه الله -، بذكر صدقة الإبل؛ لأنها ~~أهم، فإنها أعظم النعم قيمة وأجساما، وأكثر أموال العرب، فالاهتمام بها ~~أولى، ووجوب زكاتها مما أجمع عليه علماء الإسلام، وصحت فيه السنة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. # ومن أحسن ما روي في ذلك، ما رواه البخاري في " صحيحه "، قال: حدثنا محمد ~~بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا ثمامة بن عبد ~~الله بن أنس، أن أنسا حدثه، أن أبا بكر الصديق، كتب له هذا الكتاب، لما وجه ~~إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - فمن سئلها على وجهها من المسلمين فليعطها، ومن سئل فوقها فلا ~~يعط: " في أربع وعشرين فما دونها من الإبل في كل خمس شاة، فإذا بلغت ms1057 خمسا ~~وعشرين # PageV02P429 # إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس ~~وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين، ففيها حقة ~~طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة، فإذا بلغت ~~ستا وسبعين إلى تسعين، ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ~~ومائة، ففيها حقتان طروقتا الفحل، فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل ~~أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل، ~~فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل، ففيها شاة ". ~~وذكر تمام الحديث نذكره إن شاء الله تعالى في أبوابه، ورواه أبو داود، في " ~~سننه "، وزاد: " وإذا بلغت خمسا وعشرين، ففيها بنت مخاض، إلى أن تبلغ خمسا ~~وثلاثين، فإن لم يكن فيها ابنة مخاض، ففيها ابن لبون ذكر ". وهذا كله مجمع ~~عليه إلى أن يبلغ عشرين ومائة، ذكره ابن المنذر. قال: ولا يصح عن علي - رضي ~~الله عنه - ما روي عنه في خمس وعشرين. يعني ما حكي عنه في خمس وعشرين خمس ~~شياه. وقول الصديق - رضي الله عنه -: التي فرض رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. يعني قدر، والتقدير يسمى فرضا، ومنه فرض الحاكم للمرأة فرضا. ~~وقوله: ومن سئل فوقها فلا يعط. يعني لا يعطي فوق الفرض. وأجمع المسلمون على ~~أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~هذا الحديث: «ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل، فليس عليه فيها صدقة إلا ~~أن يشاء ربها» . وقال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» . متفق عليه. # والسائمة: الراعية، وقد سامت تسوم سوما: إذا رعت، وأسمتها إذا رعيتها، ~~وسومتها: إذا جعلتها سائمة، ومنه قول الله تعالى: {ومنه شجر فيه تسيمون} ~~[النحل: 10] أي ترعون. وفي ذكر السائمة احتراز من المعلوفة والعوامل؛ فإنه ~~لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم. وحكي عن مالك أن في الإبل النواضح ~~والمعلوفة الزكاة؛ لعموم قوله ms1058 - عليه السلام -: «في كل خمس شياه» . # قال أحمد: ليس في العوامل زكاة، وأهل المدينة يرون فيها الزكاة، وليس ~~عندهم في هذا أصل. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في كل سائمة في ~~كل أربعين بنت لبون» . في حديث بهز بن حكيم، فقيده بالسائمة، فدل على أنه ~~لا زكاة في غيرها، وحديثهم مطلق، فيحمل على المقيد، ولأن وصف النماء معتبر ~~في الزكاة، والمعلوفة يستغرق علفها نماءها، إلا أن يعدها للتجارة، فيكون # PageV02P430 # فيها زكاة التجارة. # (1693) مسألة: قال: (فإذا ملك خمسا من الإبل، فأسامها أكثر السنة، ففيها ~~شاة، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه) ~~وهذا كله مجمع عليه، وثابت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما ~~رويناه وغيره، إلا قوله: " فأسامها أكثر السنة ". # فإن مذهب إمامنا ومذهب أبي حنيفة أنها إذا كانت سائمة أكثر السنة ففيها ~~الزكاة. وقال الشافعي: إن لم تكن سائمة في جميع الحول فلا زكاة فيها؛ لأن ~~السوم شرط في الزكاة، فاعتبر في جميع الحول، كالملك وكمال النصاب، ولأن ~~العلف يسقط والسوم يوجب، فإذا اجتمعا غلب الإسقاط، كما لو ملك نصابا بعضه ~~سائمة وبعضه معلوفة. # ولنا عموم النصوص الدالة على وجوب الزكاة في نصب الماشية، واسم السوم لا ~~يزول بالعلف اليسير، فلا يمنع دخولها في الخبر، ولأنه لا يمنع حقه للمؤنة، ~~فأشبهت السائمة في جميع الحول، ولأن العلف اليسير لا يمكن التحرز منه ~~فاعتباره في جميع الحول يسقط الزكاة بالكلية، سيما عند من يسوغ له الفرار ~~من الزكاة، فإنه إذا أراد إسقاط الزكاة علفها يوما فأسقطها، ولأن هذا وصف ~~معتبر في رفع الكلفة فاعتبر فيه الأكثر، كالسقي بما لا كلفة في الزرع ~~والثمار. # وقولهم " السوم شرط " يحتمل أن يمنع. ونقول: بل العلف إذا وجد في نصف ~~الحول فما زاد مانع، كما أن السقي بكلفة مانع من وجوب العشر، ولا يكون ~~مانعا حتى يوجد في النصف فصاعدا، كذا في مسألتنا، وإن سلمنا كونه شرطا ~~فيجوز أن يكون شرط وجوده في أكثر الحول، كالسقي ms1059 بما لا كلفة فيه شرط في ~~وجوب العشر، ويكتفى بوجوده في الأكثر، ويفارق ما إذا كان في بعض النصاب ~~معلوف؛ لأن النصاب سبب للوجوب، فلا بد من وجود الشرط في جميعه، وأما الحول ~~فإنه شرط الوجوب، فجاز أن يعتبر الشرط في أكثره. # (1694) فصل: ولا يجزئ في الغنم المخرجة في الزكاة إلا الجذع من الضأن، ~~والثني من المعز، وكذلك شاة الجبران، وأيهما أخرج أجزأه. ولا يعتبر كونها ~~من جنس غنمه، ولا جنس غنم البلد؛ لأن الشاة مطلقة في الخبر الذي ثبت به ~~وجوبها، وليس غنمه ولا غنم البلد سببا لوجوبها، فلم يتقيد بذلك، كالشاة ~~الواجبة في الفدية، وتكون أنثى، فإن أخرج ذكرا لم يجزئه؛ لأن الغنم الواجبة ~~في نصبها إناث، ويحتمل أن يجزئه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق ~~لفظ الشاة، فدخل فيه الذكر والأنثى، ولأن الشاة إذا تعلقت بالذمة # PageV02P431 # دون العين أجزأ فيها الذكر كالأضحية، فإن لم يكن له غنم لزمه شراء شاة. ~~وقال أبو بكر: يخرج عشرة دراهم، قياسا على شاة الجبران. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على الشاة، فيجب العمل بنصه، ~~ولأن هذا إخراج قيمة فلم يجز، كما لو كانت الشاة واجبة في نصابها، وشاة ~~الجبران مختصة بالبدل بعشرة دراهم، بدليل أنها لا تجوز بدلا عن الشاة ~~الواجبة في سائمة الغنم. ### | [فصل أخرج عن الشاة بعيرا] # (1695) فصل: فإن أخرج عن الشاة بعيرا لم يجزئه، سواء كانت قيمته أكثر من ~~قيمة الشاة أو لم يكن، وحكي ذلك عن مالك وداود. # وقال الشافعي، وأصحاب الرأي: يجزئه البعير عن العشرين فما دونها. ويتخرج ~~لنا مثل ذلك إذا كان المخرج مما يجزئ عن خمس وعشرين؛ لأنه يجزئ عن خمس ~~وعشرين، والعشرون داخلة فيها، ولأن ما أجزأ عن الكثير أجزأ عما دونه، ~~كابنتي لبون عما دون ستة وسبعين. ولنا، أنه أخرج غير المنصوص عليه من غير ~~جنسه، فلم يجزه، كما لو أخرج بعيرا عن أربعين شاة، ولأن النص ورد بالشاة، ~~فلم يجزئ البعير كالأصل، أو كشاة الجبران، ولأنها فريضة ms1060 وجبت فيها شاة فلم ~~يجزئ عنها البعير، كنصاب الغنم، ويفارق ابنتي لبون عن الجذعة؛ لأنها من ~~الجنس. ### | [فصل تكون الشاة المخرجة كحال الإبل في الجودة والرداءة] # (1696) فصل: وتكون الشاة المخرجة كحال الإبل في الجودة والرداءة، فيخرج ~~عن الإبل السمان سمينة، وعن الهزال هزيلة، وعن الكرائم كريمة، وعن اللئام ~~لئيمة، فإن كانت مراضا أخرج شاة صحيحة على قدر المال، فيقال له: لو كانت ~~الإبل صحاحا كم كانت قيمتها وقيمة الشاة؟ فيقال: قيمة الإبل مائة وقيمة ~~الشاة خمسة، فينقص من قيمتها قدر ما نقصت الإبل، فإذا نقصت الإبل خمس ~~قيمتها وجب شاة قيمتها أربعة. وقيل: تجزئه شاة تجزئ في الأضحية، من غير نظر ~~إلى القيمة. # وعلى القولين لا تجزئه مريضة؛ لأن المخرج من غير جنسها، وليس كله مراضا، ~~فينزل منزلة اجتماع الصحاح، والمراض لا تجزئ فيه إلا الصحيحة. ### | [مسألة فإذا صارت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين] # (1697) مسألة: (قال: فإذا صارت خمسا وعشرين، ففيها بنت مخاض، إلى خمس ~~وثلاثين) ، فإن لم يكن فيها بنت مخاض وابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستا وثلاثين ~~ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة ~~الفحل، إلى ستين، فإذا بلغت إحدى # PageV02P432 # وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها ابنتا لبون ~~إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ~~ومائة. # وهذا كله مجمع عليه، والخبر الذي رويناه متناول له. وابنة المخاض: التي ~~لها سنة وقد دخلت في الثانية، سميت بذلك لأن أمها قد حملت غيرها، والماخض ~~الحامل، وليس كون أمها ماخضا شرطا فيها، وإنما ذكر تعريفا لها بغالب حالها، ~~كتعريفه الربيبة بالحجر، وكذلك بنت لبون وبنت المخاض أدنى سن يوجد في ~~الزكاة، ولا تجب إلا في خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين خاصة. # وبنت اللبون: التي تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة، سميت بذلك لأن أمها ~~قد وضعت حملها ولها لبن. # والحقة: التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة؛ لأنها قد استحقت أن يطرقها ms1061 ~~الفحل، ولهذا قال: طروقة الفحل. واستحقت أن يحمل عليها وتركب. والجذعة: ~~التي لها أربع سنين ودخلت في الخامسة، وقيل لها ذلك لأنها تجذع إذا سقطت ~~سنها، وهي أعلى سن تجب في الزكاة، ولا تجب إلا في إحدى وستين إلى خمس ~~وسبعين. # وإن رضي رب المال أن يخرج مكانها ثنية جاز، وهي التي لها خمس سنين ودخلت ~~في السادسة، وسميت ثنية، لأنها قد ألقت ثنيتيها. وهذا الذي ذكرناه في ~~الأسنان ذكره أبو عبيد وحكاه عن الأصمعي، وأبي زيد الأنصاري، وأبي زياد ~~الكلابي وغيرهم. وقول الخرقي: " فإن لم يكن ابنة مخاض " أراد إن لم يكن في ~~إبله ابنة مخاض أجزأه ابن لبون، ولا يجزئه مع وجود ابنة مخاض؛ لقوله - عليه ~~السلام -: «فإن لم يكن فيها ابنة مخاض فابن لبون ذكر» . # في الحديث الذي رويناه شرط في إخراجه عدمها. فإن اشتراها وأخرجها جاز، ~~وإن أراد إخراج ابن لبون بعد شرائها لم تجز؛ لأنه صار في إبله بنت مخاض، ~~فإن لم يكن في إبله ابن لبون، وأراد الشراء، لزمه شراء بنت مخاض. وهذا قول ~~مالك. وقال الشافعي: يجزئه شراء ابن لبون؛ لظاهر الخبر وعمومه. # PageV02P433 # ولنا، أنهما استويا في العدم، فلزمته ابنة مخاض، كما لو استويا في ~~الوجود، والحديث محمول على وجوده؛ لأن ذلك للرفق به، إغناء له عن الشراء، ~~ومع عدمه لا يستغني عن الشراء، فكان شراء الأصل أولى. على أن في بعض ألفاظ ~~الحديث: " فمن لم يكن عنده ابنة مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل ~~منه، وليس معه شيء ". # فشرط في قبوله وجوده وعدمها، وهذا في حديث أبي بكر، وفي بعض الألفاظ: " ~~ومن بلغت عنده صدقة بنت مخاض، وليس عنده إلا ابن لبون ". وهذا يفسد بتعين ~~حمل المطلق عليه، وإن لم يجد إلا ابنة مخاض معينة، فله الانتقال إلى ابن ~~لبون؛ لقوله في الخبر: " فإن لم يكن عنده بنت مخاض، على وجهها " ولأن ~~وجودها كعدمها، لكونها لا يجوز إخراجها، فأشبه الذي لا يجد إلا ما لا يجوز ~~الوضوء به في انتقاله ms1062 إلى التيمم. # وإن وجد ابنة مخاض أعلى من صفة الواجب، لم يجزه ابن لبون؛ لوجود بنت مخاض ~~على وجهها، ويخير بين إخراجها وبين شراء بنت مخاض على صفة الواجب، ولا يخير ~~بعض الذكورية بزيادة سن في غير هذا الموضع، ولا يجزئه أن يخرج عن ابن لبون ~~حقا، ولا عن الحقة جذعا، لعدمهما ولا وجودهما. # وقال القاضي، وابن عقيل: يجوز ذلك مع عدمهما؛ لأنهما أعلى وأفضل، فيثبت ~~الحكم فيهما بطريق التنبيه. ولنا، أنه لا نص فيهما، ولا يصح قياسهما على ~~ابن لبون مكان بنت مخاض؛ لأن زيادة سن ابن لبون على بنت مخاض يمتنع بها من ~~صغار السباع، ويرعى الشجر بنفسه، ويرد الماء، ولا يوجد هذا في الحق مع بنت ~~لبون، لأنهما يشتركان في هذا، فلم يبق إلا مجرد السن فلم يقابل إلا بتوجيه. # وقولهما: إنه يدل على ثبوت الحكم فيهما بطريق التنبيه. قلنا: بل يدل على ~~انتفاء الحكم فيهما بدليل خطابه، فإن تخصيصه بالذكر دونهما دليل على ~~اختصاصه بالحكم دونهما. ### | [فصل أخرج عن الواجب سنا أعلى من جنسه] # (1698) فصل: وإن أخرج عن الواجب سنا أعلى من جنسه، مثل أن يخرج بنت لبون ~~عن بنت مخاض، وحقة عن بنت لبون أو بنت مخاض، أو أخرج عن الجذعة ابنتي لبون ~~أو حقتين، جاز. لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه زاد على الواجب من جنسه ما يجزئ ~~عنه مع غيره، فكان مجزيا عنه على انفراده، كما لو كانت الزيادة في العدد. # وقد روى الإمام أحمد في " مسنده "، وأبو داود، في " سننه "، بإسنادهما عن ~~أبي بن كعب قال: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصدقا، فمررت ~~برجل، فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا بنت # PageV02P434 # مخاض. فقلت له: أد بنت مخاض، فإنها صدقتك. فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ~~ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة، فخذها. فقلت: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر ~~به، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه ~~فتعرض عليه ما ms1063 عرضت علي فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليك رددته. ~~قال: فإني فاعل. فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي، حتى قدمنا على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا نبي الله، أتاني رسولك ليأخذ مني ~~صدقة مالي، وأيم الله، ما قام في مالي رسول الله ولا رسوله قط قبله، فجمعت ~~له مالي، فزعم أن ما علي فيه بنت مخاض، وذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد ~~عرضت عليه ناقة فتية سمينة عظيمة ليأخذها فأبى، وها هي ذه، قد جئتك بها يا ~~رسول الله، خذها. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ذاك الذي وجب ~~عليك، فإن تطوعت بخير أجزل الله فيه، وقبلناه منك. فقال: فها هي ذه يا رسول ~~الله، قد جئتك بها. قال: فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبضها، ~~ودعا له في ماله بالبركة.» وهكذا الحكم إذا أخرج أعلى من الواجب في الصفة ~~مثل أن يخرج السمينة مكان الهزيلة، والصحيحة مكان المريضة، والكريمة مكان ~~اللئيمة، والحامل عن الحوائل، فإنها تقبل منه وتجزئه، وله أجر الزيادة. ### | [فصل يخرج عن ماشيته من جنسها على صفتها] # (1699) فصل: ويخرج عن ماشيته من جنسها على صفتها، فيخرج عن البخاتي ~~بختية، وعن العراب عربية، وعن الكرام كريمة، وعن السمان سمينة، وعن اللئام ~~والهزال لئيمة هزيلة. فإن أخرج عن البخاتي عربية بقيمة البختية، أو أخرج عن ~~السمان هزيلة بقيمة السمينة، جاز؛ لأن القيمة مع اتحاد الجنس هي المقصود. ~~أجاز هذا أبو بكر وحكي عن القاضي وجه آخر: أنه لا يجوز؛ لأن فيه تفويت صفة ~~مقصودة، فلم يجز، كما لو أخرج من جنس آخر. # والصحيح الأول؛ لما ذكرنا، وفارق خلاف الجنس. فإن الجنس مرعي في الزكاة، ~~ولهذا لو أخرج البعير عن الشاة لم يجز، ومع الجنس يجوز إخراج الجيد عن ~~الرديء، بغير خلاف. ### | [مسألة إذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.] # (1700) مسألة: قال: (فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، ms1064 ~~وفي كل خمسين حقة) ظاهر هذا أنها إذا زادت على العشرين والمائة واحدة ففيها ~~ثلاث بنات لبون، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومذهب الأوزاعي، والشافعي، ~~وإسحاق. # والرواية الثانية، لا يتعدى الفرض إلى ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة ~~وبنتا لبون. وهذا مذهب محمد بن إسحاق بن يسار، وأبي عبيد. # PageV02P435 # ولمالك روايتان؛ لأن الفرض لا يتغير بزيادة الواحدة؛ بدليل سائر الفروض. ~~ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي ~~كل أربعين بنت لبون» . والواحدة زيادة، وقد جاء مصرحا به في حديث الصدقات ~~الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عند ال عمر بن الخطاب. ~~رواه أبو داود، والترمذي، وقال: هو حديث حسن. وقال ابن عبد البر: هو أحسن ~~شيء روي في أحاديث الصدقات. وفيه: «فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها ~~ثلاث بنات لبون» . وفي لفظ: «إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففي كل ~~أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة» أخرجه الدارقطني. # وأخرج حديث أنس، من رواية إسحاق بن راهويه، عن النضر بن إسماعيل، عن حماد ~~بن سلمة، قال: أخذنا هذا الكتاب من ثمامة يحدث به عن أنس. وفيه: «فإذا بلغت ~~إحدى وعشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة» . ولأن سائر ~~ما جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - غاية للفرض، إذا زاد عليه واحدة تغير ~~الفرض، كذا هذا. وقولهم: إن الفرض لا يتغير بزيادة الواحدة. قلنا: وهذا ما ~~تغير بالواحدة وحدها، وإنما تغير بها مع ما قبلها، فأشبهت الواحدة الزائدة ~~عن التسعين والستين وغيرهما. # وقال ابن مسعود، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة: إذا زادت الإبل على عشرين ~~ومائة، استؤنفت الفريضة، في كل خمس شاة إلى خمس وأربعين ومائة، فيكون فيها ~~حقتان وبنت مخاض، إلى خمسين ومائة، ففيها ثلاث حقاق. وتستأنف الفريضة في كل ~~خمس شاة؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب لعمرو بن حزم كتابا، ~~ذكر فيه الصدقات والديات، وذكر فيه مثل هذا. # ولنا، أن في حديثي الصدقات الذي ms1065 كتبه أبو بكر لأنس، والذي كان عند آل عمر ~~بن الخطاب مثل مذهبنا، وهما صحيحان، وقد رواه أبو بكر عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقوله: «هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على المسلمين» . وأما كتاب عمرو بن حزم، فقد اختلف في صفته، فرواه ~~الأثرم في " سننه " مثل مذهبنا. # والأخذ بذلك أولى، لموافقته الأحاديث الصحاح، وموافقته القياس، فإن المال ~~إذا وجب فيه من جنسه لم يجب من غير جنسه، كسائر بهيمة الأنعام، ولأنه مال ~~احتمل المواساة من جنسه، فلم يجب من غير جنسه، كالبقر والغنم. # وإنما وجب في الابتداء من غير جنسه، لأنه ما احتمل المواساة من جنسه، فلم ~~يجب من غير جنسه، فعدلنا إلى غير الجنس ضرورة، وقد زال ذلك بزيادة المال ~~وكثرته، ولأنه عندهم ينقل من بنت مخاض إلى حقة، بزيادة خمس من الإبل، وهي ~~زيادة يسيرة لا تقتضي الانتقال إلى حقة، فإنا لم ننقل في محل الوفاق من بنت ~~مخاض إلى حقة، إلا بزيادة إحدى وعشرين، وإن زادت على مائة وعشرين جزءا من ~~بعير، لم يتغير الفرض عند أحد من الناس؛ لأن # PageV02P436 # في بعض الروايات: " فإذا زادت واحدة ". # وهذا يقيد مطلق الزيادة في الرواية الأخرى، ولأن سائر الفروض لا تتغير ~~بزيادة جزء. وعلى كلتا الروايتين متى بلغت الإبل مائة وثلاثين ففيها حقة ~~وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث ~~حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون. ثم كلما زادت عشرا أبدلت مكان بنت ~~لبون حقة، ففي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين حقتان ~~وابنتا لبون، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون. # فإذا بلغت مائتين اجتمع الفرضان؛ لأن فيهما خمسين أربع مرات، وأربعين خمس ~~مرات، فيجب عليه أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أي الفرضين شاء أخرج، وإن كان ~~الآخر أفضل منه. وقد روي عن أحمد أن عليه أربع حقاق. وهذا محمول على أن ~~عليه أربع حقاق بصيغة التخيير، اللهم إلا أن يكون المخرج ms1066 وليا ليتيم أو ~~مجنون، فليس له أن يخرج من ماله إلا أدنى الفرضين. # وقال الشافعي: الخيرة إلى الساعي. ومقتضى قوله أن رب المال إذا أخرج لزمه ~~إخراج أعلى الفرضين، واحتج بقول الله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون} [البقرة: 267] . ولأنه وجد سبب الفرضين، فكانت الخيرة إلى مستحقه ~~أو نائبه، كقتل العمد الموجب للقصاص أو الدية. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتاب الصدقات، الذي كتبه، ~~وكان عند ال عمر بن الخطاب: «فإذا كانت مائتين، ففيها أربع حقاق، أو خمس ~~بنات لبون، أي البنتين وجدت أخذت» . وهذا نص لا يعرج معه على شيء يخالفه، ~~وقوله - عليه السلام - «لمعاذ: إياك وكرائم أموالهم» . # ولأنها زكاة ثبت فيها الخيار، فكان ذلك لرب المال، كالخيرة في الجبران ~~بين مائتين أو عشرين درهما، وبين النزول والصعود، وتعيين المخرج، ولا ~~تتناول الآية ما نحن فيه؛ لأنه إنما يأخذ الفرض بصفة المال، فيأخذ من ~~الكرام كرائم، ومن غيرها من وسطها، فلا يكون خبيثا، لأن الأدنى ليس بخبيث، ~~وكذلك لو لم يوجد إلا سبب وجوبه وجب إخراجه، وقياسهم يبطل بشاة الجبران، ~~وقياسنا أولى منه؛ لأن قياس الزكاة على الزكاة أولى من قياسها على الديات. # إذا ثبت هذا فكان أحد الفرضين في ماله دون الآخر، فهو مخير بين إخراجه أو ~~شراء الآخر، ولا يتعين عليه سوى إخراج الموجود؛ لأن الزكاة لا تجب في عين ~~المال. وقال القاضي: يتعين عليه إخراج الموجود لأن الزكاة لا تجب في عين ~~المال. ولعله أراد إذا لم يقدر على شراء الآخر. ### | [فصل أراد إخراج الفرض من النوعين في زكاة الأبل] # (1701) فصل: فإن أراد إخراج الفرض من النوعين، نظرنا؛ فإن لم يحتج إلى ~~تشقيص، كرجل عنده أربعمائة # PageV02P437 # يخرج منها أربع حقاق وخمس بنات لبون، جاز، وإن احتاج إلى تشقيص، كزكاة ~~المائتين، لم يجز؛ لأنه لا يمكنه ذلك إلا بالتشقيص. وقيل: يحتمل أن يجوز، ~~على قياس قول أصحابنا: ويجوز أن يعتق نصفي عبدين في الكفارة. وهذا غير ~~صحيح؛ فإن الشرع لم يرد بالتشقيص في زكاة ms1067 السائمة إلا من حاجة، ولذلك جعل ~~لها أوقاصا، دفعا للتشقيص عن الواجب فيها، وعدل فيها دون خمس وعشرين من ~~الإبل عن إيجاب الإبل إلى إيجاب الغنم، فلا يجوز القول بتجويزه مع إمكان ~~العدول عنه إلى إيجاب فريضة كاملة. # وإن وجد أحد الفرضين كاملا والآخر ناقصا، لا يمكنه إخراجه إلا بجبران ~~معه، مثل أن يجد في المائتين خمس بنات لبون وثلاث حقاق، تعين أخذ الفريضة ~~الكاملة؛ لأن الجبران بدل يشترط له عدم المبدل. وإن كانت كل واحدة تحتاج ~~إلى جبران، مثل أن يجد أربع بنات لبون وثلاث حقاق، فهو مخير أيهما شاء أخرج ~~مع الجبران، إن شاء أخرج بنات اللبون وحقة وأخذ بالجبران، وإن شاء أخرج ~~الحقاق وبنت اللبون مع جبرانها. فإن قال: خذوا مني حقة وثلاث بنات لبون مع ~~الجبران. لم يجز؛ لأنه يعدل عن الفرض مع وجوده إلى الجبران. # ويحتمل الجواز؛ لأنه لا بد من الجبران. وإن لم يوجد إلا حقة وأربع بنات ~~لبون، أداها وأخذ الجبران، ولم يكن له دفع ثلاث بنات لبون مع الجبران، في ~~أصح الوجهين. وإن كان الفرضان معدومين، أو معيبين، فله العدول عنهما مع ~~الجبران، فإن شاء أخرج أربع جذعات وأخذ ثماني شياه أو ثمانين درهما، وإن ~~شاء دفع خمس بنات مخاض ومعها عشر شياه أو مائة درهم. # وإن أحب أن ينقل عن الحقاق إلى بنات المخاض، أو عن بنات اللبون إلى ~~الجذاع، لم يجز؛ لأن الحقاق وبنات اللبون منصوص عليهن في هذا المال، فلا ~~يصعد إلى الحقاق بجبران، ولا ينزل إلى بنات اللبون بجبران. ### | [مسألة وجبت عليه حقة وليست عنده] # (1702) مسألة: قال: (ومن وجبت عليه حقة وليست عنده، وعنده ابنة لبون، ~~أخذت منه ومعها شاتان أو عشرون درهما، ومن وجبت عليه ابنة لبون، وليست ~~عنده، وعنده حقة، أخذت منه وأعطي الجبران شاتين أو عشرين درهما) المذهب في ~~هذا أنه متى وجبت عليه سن وليست عنده، فله أن يخرج سنا أعلى منها، ويأخذ ~~شاتين أو عشرين درهما، أو سنا أنزل منها ومعها شاتين أو ms1068 عشرين درهما، إلا ~~ابنة مخاض ليس له أن يخرج أنزل منها؛ لأنها أدنى سن تجب في الزكاة، أو ~~جذعة. # فلا يخرج أعلى منها، إلا أن يرضى رب المال بإخراجها لا جبران معها، فتقبل ~~منه. والاختيار في الصعود والنزول، والشياه والدراهم، إلى رب المال. وبهذا ~~قال النخعي، والشافعي، وابن المنذر. واختلف فيه عن إسحاق. وقال الثوري: ~~يخرج شاتين أو عشرة دراهم؛ لأن الشاة في الشرع متقومة بخمسة دراهم، بدليل ~~أن نصابها أربعون، # PageV02P438 # ونصاب الدراهم مائتان. # وقال أصحاب الرأي: يدفع قيمة ما وجب عليه، أو دون السن الواجبة وفضل ما ~~بينهما دراهم. ولنا، قوله - عليه السلام -، في الحديث الذي رويناه من طريق ~~البخاري: «ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده ~~حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين، إن استيسرتا له، أو عشرين ~~درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده، وعنده الجذعة، فإنها تقبل ~~منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقة الحقة ~~وليست عنده إلا بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي شاتين، أو عشرين ~~درهما، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويعطيه ~~المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وليست عنده، وعنده ~~ابنة مخاض، فإنها تقبل منه ابنة مخاض ويعطي معها عشرين درهما، أو شاتين» ~~وهذا نص ثابت صحيح لم يلتفت إلى ما سواه. إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز العدول ~~إلى هذا الجبران مع وجود الأصل؛ لأنه مشروط في الخبر بعدم الأصل، وإن أراد ~~أن يخرج في الجبران شاة، وعشرة دراهم. فقال القاضي: لا يمنع هذا، كما قلنا ~~في الكفارة، فله إخراجها من جنسين؛ لأن الشاة مقام عشرة دراهم، فإذا اختار ~~إخراجها وعشرة جاز. ويحتمل المنع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير ~~بين شاتين وعشرين درهما، وهذا قسم ثالث، فتجويزه يخالف الخبر. والله أعلم ~~بالصواب. ### | [فصل وجبت عليه جذعة فعدمها وعدم الحقة] # (1703) فصل: فإن عدم السن الواجبة والتي تليها، كمن ms1069 وجبت عليه جذعة ~~فعدمها وعدم الحقة، أو وجبت عليه حقة فعدمها وعدم الجذعة وابنة اللبون، ~~فقال القاضي: يجوز أن ينتقل إلى السن الثالث مع الجبران، فيخرج ابنة اللبون ~~في الصورة الأولى، ويخرج معها أربع شياه وأربعين درهما، ويخرج ابنة مخاض في ~~الثانية، ويخرج معها مثل ذلك. # وذكر أن أحمد أومأ إليه وهذا قول الشافعي. وقال أبو الخطاب: لا ينتقل إلى ~~سن تلي الواجب، فأما إن انتقل من حقة إلى بنت مخاض، أو من جذعة إلى بنت ~~لبون، لم يجز؛ لأن النص ورد بالعدول إلى سن واحدة، فيجب الاقتصار عليها، ~~كما اقتصرنا في أخذ الشياه عن الإبل على الموضع الذي ورد به النص. # هذا قول ابن المنذر. ووجه الأول أنه قد جوز الانتقال إلى السن الذي تليه ~~مع الجبران، وجوز العدول عن ذلك أيضا إذا عدم مع الجبران إذا كان هو الفرض، ~~وهاهنا لو كان موجودا أجزأ، فإن عدم جاز العدول إلى ما يليه مع الجبران، ~~والنص إذا عقله عدى وعمل بمعناه، وعلى مقتضى هذا القول يجوز العدول عن ~~الجذعة إلى بنت المخاض مع ست شياه، أو ستين درهما، ويعدل عن ابنة المخاض ~~إلى الجذعة، # PageV02P439 # ويأخذ ست شياه، أو ستين درهما. # وإن أراد أن يخرج عن الأربع شياه شاتين وعشرين درهما، جاز. لأنهما ~~جبرانان، فهما كالكفارتين. وكذلك في الجبران الذي يخرجه عن فرض المائتين من ~~الإبل، إذا أخرج عن خمس بنات لبون خمس بنات مخاض، أو مكان أربع حقاق أربع ~~جذعات، جاز أن يخرج بعض الجبران دراهم، وبعضه شياها. ومتى وجد سنا تلي ~~الواجب لا يجوز العدول إلى سن لا تليه؛ لأن الانتقال عن السن التي تليه إلى ~~السن الأخرى بدل، فلا يجوز مع إمكان الأصل. # فإن عدم الحقة وابنة اللبون، ووجد الجذعة وابنة المخاض، وكان الواجب ~~الحقة، لم يجز العدول إلى بنت المخاض، وإن كان الواجب ابنة لبون، لم يجز ~~إخراج الجذعة. والله أعلم. ### | [فصل كان النصاب كله مراضا وفريضته معدومة] # فصل: فإن كان النصاب كله مراضا، وفريضته معدومة، فله ms1070 أن يعدل إلى السن ~~السفلى مع دفع الجبران، وليس له أن يصعد مع أخذ الجبران، لأن الجبران أكثر ~~من الفضل الذي بين الفرضين، وقد يكون الجبران جبرا من الأصل، فإن قيمة ~~الصحيحتين أكثر من قيمة المريضتين، فكذلك قيمة ما بينهما، فإذا كان كذلك لم ~~يجز في الصعود، وجاز في النزول؛ لأنه متطوع بشيء من ماله، ورب المال يقبل ~~منه الفضل، ولا يجوز للساعي أن يعطي الفضل من المساكين. # فإن كان المخرج ولي اليتيم، لم يجز له أيضا النزول؛ لأنه لا يجوز أن يعطي ~~الفضل من مال اليتيم، فيتعين شراء الفرض من غير المال. ### | [فصل لا يدخل الجبران في غير الإبل] # (1705) فصل: ولا يدخل الجبران في غير الإبل؛ لأن النص فيها ورد، وليس ~~غيرها في معناها، لأنها أكثر قيمة، ولأن الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف ~~سنها، وما بين الفريضتين في البقر يخالف ما بين الفريضتين في الإبل فامتنع ~~القياس. فمن عدم فريضة البقر أو الغنم، ووجد دونها، لم يجز له إخراجها، فإن ~~وجد أعلى منها، فأحب أن يدفعها متطوعا بغير جبران، قبلت منه، وإن لم يفعل ~~كلف شراءها من غير ماله. ### | [فصل تفسير الأوقاص] # (1706) فصل: قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله رحمه الله: تفسير الأوقاص. ~~قال: الأوقاص ما بين الفريضتين. قلت له: كأنه ما بين الثلاثين إلى الأربعين ~~في البقر وما أشبه هذا؟ قال: نعم، والسبق ما دون الفريضة. قلت له: # PageV02P440 # كأنه ما دون الثلاثين من البقر، وما دون الفريضة؟ فقال: نعم. وقال ~~الشعبي: السبق ما بين الفريضتين أيضا. # قال أصحابنا: الزكاة تتعلق بالنصاب دون الوقص. ومعناه: أنه إذا كان عنده ~~أكثر من الفريضة، مثل أن يكون عنده ثلاثون من الإبل، فالزكاة تتعلق بخمسة ~~وعشرين، دون الخمسة الزائدة عليها. فعلى هذا لو وجبت الزكاة فيها، وتلفت ~~الخمس الزائدة قبل التمكن من أدائها، وقلنا: إن تلف النصاب قبل التمكن يسقط ~~الزكاة، لم يسقط هاهنا منها شيء؛ لأن التالف لم تتعلق الزكاة به، وإن تلف ~~منها عشر سقط من الزكاة خمسها؛ لأن الاعتبار ms1071 بتلف جزء من النصاب، وإنما تلف ~~منها من النصاب خمسة. # وأما من قال: لا تأثير لتلف النصاب في إسقاط الزكاة فلا فائدة في الخلاف ~~عنده في هذه المسألة فيما أعلم. والله تعالى أعلم. # PageV02P441 ### | [باب صدقة البقر] # وهي واجبة بالسنة والإجماع؛ أما السنة فما روى أبو ذر - رضي الله عنه - ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم ~~لا يؤدي زكاتها، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمن، تنطحه بقرونها، ~~وتطؤه بأخفافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس» . ~~متفق عليه. # وروى النسائي، والترمذي عن مسروق، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث ~~معاذا إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا، ومن البقر من كل ثلاثين ~~تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة» . # وروى الإمام أحمد، بإسناده عن يحيى بن الحكم، أن معاذا قال: «بعثني رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أصدق أهل اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ~~ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة. قال: فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين ~~والخمسين، وما بين الستين والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت ذلك. ~~وقلت لهم: حتى أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقدمت، فأخبرت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل ~~أربعين مسنة ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين ~~مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ~~ومائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، وأمرني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا آخذ فيها بين ذلك شيئا إلا إن بلغ ~~مسنة أو جذعا. يعني تبيعا. وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها» . # وأما الإجماع فلا أعلم اختلافا في وجوب الزكاة في البقر. وقال أبو عبيد: ~~لا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم. ولأنها أحد أصناف بهيمة الأنعام، فوجبت ~~الزكاة في سائمتها، كالإبل والغنم. ### | [مسألة ليس ms1072 فيما دون ثلاثين من البقر سائمة صدقة] # (1707) مسألة: قال: (وليس فيما دون ثلاثين من البقر سائمة صدقة) وجملة ~~ذلك أنه لا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر في قول جمهور العلماء. وحكي عن ~~سعيد بن # PageV02P442 # المسيب، والزهري أنهما قالا: في كل خمس شاة. ولأنها عدلت بالإبل في الهدي ~~والأضحية، فكذلك في الزكاة. ولنا، ما تقدم من الخبر، ولأن نصب الزكاة إنما ~~ثبتت بالنص والتوقيف، وليس فيما ذكراه نص ولا توقيف، فلا يثبت، وقياسهم ~~فاسد، فإن خمسا وثلاثين من الغنم تعدل خمسا من الإبل في الهدي، ولا زكاة ~~فيها. # إذا ثبت هذا فإنه لا زكاة في غير السائمة من البقر في قول الجمهور. وحكي ~~عن مالك أن في العوامل والمعلوفة صدقة، كقوله في الإبل. وقد تقدم الكلام ~~معه. وروي عن علي - رضي الله عنه - قال الراوي: أحسبه عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في صدقة البقر، قال: " وليس في العوامل شيء ". رواه أبو داود. # وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «ليس في البقر العوامل صدقة» . وهذا مقيد يحمل عليه المطلق. وروي عن ~~علي، ومعاذ، وجابر، أنهم قالوا: لا صدقة في البقر العوامل. ولأن صفة النماء ~~معتبرة في الزكاة، ولا يوجد إلا في السائمة. ### | [مسألة إذا ملك الثلاثين من البقر فأسامها أكثر السنة] # (1708) مسألة: قال: (وإذا ملك الثلاثين من البقر، فأسامها أكثر السنة، ~~ففيها تبيع أو تبيعة، إلى تسع وثلاثين، فإذا بلغت أربعين، ففيها مسنة، إلى ~~تسع وخمسين، فإذا بلغت ستين، ففيها تبيعان، إلى تسع وستين، فإذا بلغت ~~سبعين، ففيها تبيع ومسنة، فإذا زادت، ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين ~~مسنة) التبيع: الذي له سنة، ودخل في الثانية، وقيل له ذلك لأنه يتبع أمه. ~~والمسنة: التي لها سنتان، وهي الثنية. ولا فرض في البقر غيرهما، وبما ذكر ~~الخرقي هاهنا قال أكثر أهل العلم؛ منهم الشعبي، والنخعي، والحسن، ومالك، ~~والليث، والثوري، وابن الماجشون، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو يوسف، ~~ومحمد بن الحسن، ms1073 وأبو ثور، وقال أبو حنيفة، في بعض الروايات عنه، فيما زاد ~~على الأربعين بحسابه، في كل بقرة ربع عشر مسنة. فرارا من جعل الوقص تسعة ~~عشر. وهو مخالف لجميع أوقاصها، فإن جميع أوقاصها عشرة عشرة. # ولنا، حديث يحيى بن الحكم الذي رويناه، وهو صريح في محل النزاع، وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر: «في كل ثلاثين تبيع؛ وفي كل ~~أربعين مسنة» . يدل على أن الاعتبار بهذين العددين، ولأن البقر أحد بهيمة ~~الأنعام، ولا يجوز في زكاتها كسر كسائر الأنواع، ولا ينقل من فرض فيها إلى ~~فرض بغير وقص، كسائر الفروض، ولأن هذه زيادة لا يتم بها أحد العددين، فلا ~~يجب فيها شيء، كما بين الثلاثين والأربعين، وما بين الستين والسبعين، ~~ومخالفة قولهم للأصول أشد من الوجوه التي ذكرناها، وعلى أن أوقاص الإبل ~~والغنم مختلفة، فجاز الاختلاف هاهنا. # PageV02P443 ### | [فصل إذا رضي رب المال بإعطاء المسنة عن التبيع والتبيعين عن المسنة أو أخرج أكثر منها سنا عنها] # (1709) فصل: وإذا رضي رب المال بإعطاء المسنة عن التبيع، والتبيعين عن ~~المسنة، أو أخرج أكثر منها سنا عنها، جاز، ولا مدخل للجبران فيها، كما ~~قدمناه في زكاة الإبل. ### | [فصل لا يخرج الذكر في الزكاة] # (1710) فصل: ولا يخرج الذكر في الزكاة أصلا إلا في البقر، فإن ابن اللبون ~~ليس بأصل، إنما هو بدل عن ابنة مخاض، ولهذا لا يجزئ مع وجودها، وإنما يجزئ ~~الذكر في البقر عن الثلاثين، وما تكرر منها، كالستين والسبعين، وما تركب من ~~الثلاثين وغيرها، كالسبعين، فيها تبيع ومسنة، والمائة فيها مسنة وتبيعان. ~~وإن شاء أخرج مكان الذكور إناثا؛ لأن النص ورد بهما جميعا، فأما الأربعون ~~وما تكرر منها كالثمانين، فلا يجزئ في فرضها إلا الإناث، إلا أن يخرج عن ~~المسنة تبيعين، فيجوز. # وإذا بلغت البقر مائة وعشرين، اتفق الفرضان جميعا، فيخير رب المال بين ~~إخراج ثلاث مسنات، أو أربعة أتبعة، والواجب أحدهما، أيهما شاء على ما نطق ~~به الخبر المذكور، والخيرة في الإخراج إلى رب المال، كما ذكرنا في ms1074 زكاة ~~الإبل. وهذا التفصيل فيما إذا كان فيها إناث، فإن كانت كلها ذكورا، أجزأ ~~الذكر فيها بكل حال؛ لأن الزكاة مواساة، فلا يكلف المواساة من غير ماله. # ويحتمل أنه لا يجزئه إلا إناث في الأربعينيات؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نص على المسنات، فيجب اتباع مورده، فيكلف شراءها، فإذا لم تكن في ~~ماشيته، كما لو لم يجد إلا دونها في السن، والأول أولى؛ لأننا أخرنا الذكر ~~في الغنم، مع أنه لا مدخل له في زكاتها مع وجود الإناث، فالبقر التي للذكر ~~فيها مدخل أولى؛ لأن للذكر فيها مدخلا. ### | [مسألة الجواميس كغيرها من البقر في إخراج الزكاة] # (1711) مسألة: قال: (والجواميس كغيرها من البقر) لا خلاف في هذا نعلمه. ~~وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على هذا، ولأن الجواميس ~~من أنواع البقر، كما أن البخاتي من أنواع الإبل، فإذا اتفق في المال جواميس ~~وصنف آخر من البقر، أو بخاتي وعراب، أو معز وضأن، كمل نصاب أحدهما بالآخر، ~~وأخذ الفرض من أحدهما على قدر المالين. على ما سنذكره، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في بقر الوحش هل فيها زكاة] # فصل: واختلفت الرواية في بقر الوحش، فروي أن فيها الزكاة. اختاره أبو ~~بكر؛ لأن اسم البقر يشملها، # PageV02P444 # فيدخل في مطلق الخبر. وعنه لا زكاة فيها. # وهي أصح، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن اسم البقر عند الإطلاق لا ينصرف ~~إليها، ولا يفهم منه، إذا كانت لا تسمى بقرا بدون الإضافة، فيقال: بقر ~~الوحش. ولأن وجود نصاب منها موصوفا بصفة السوم حولا لا وجود له، ولأنها ~~حيوان لا يجزئ نوعه في الأضحية والهدي، فلا تجب فيه الزكاة، كالظباء، ~~ولأنها ليست من بهيمة الأنعام، فلا تجب فيها الزكاة، كسائر الوحوش، وسر ذلك ~~أن الزكاة إنما وجبت في بهيمة الأنعام دون غيرها، لكثرة النماء فيها من ~~درها ونسلها، وكثرة الانتفاع بها، لكثرتها وخفة مئونتها، وهذا المعنى يختص ~~بها، فاختصت الزكاة بها دون غيرها، ولا تجب الزكاة في الظباء، رواية واحدة؛ ~~لعدم ms1075 تناول اسم الغنم لها. ### | [فصل الزكاة في المتولد بين الوحشي والأهلي] # (1713) فصل: قال أصحابنا: تجب الزكاة في المتولد بين الوحشي والأهلي، ~~سواء كانت الوحشية الفحول أو الأمهات. وقال مالك، وأبو حنيفة: إن كانت ~~الأمهات أهلية وجبت الزكاة فيها، وإلا فلا؛ لأن ولد البهيمة يتبع أمه. وقال ~~الشافعي: لا زكاة فيها؛ لأنها متولدة من وحشي، أشبه المتولد من وحشيين. ~~واحتج أصحابنا بأنها متولدة بين ما تجب فيه الزكاة، وما لا تجب فيه، فوجبت ~~فيها الزكاة، كالمتولدة بين سائمة ومعلوفة. # وزعم بعضهم أن غنم مكة متولدة من الظباء والغنم، وفيها الزكاة بالاتفاق، ~~فعلى هذا القول تضم إلى جنسها من الأهلي في وجوب الزكاة، وتكمل بها نصابه، ~~وتكون كأحد أنواعه، والقول بانتفاء الزكاة فيها أصح؛ لأن الأصل انتفاء ~~الوجوب، وإنما ثبت بنص أو إجماع أو قياس، ولا نص في هذه ولا إجماع، إنما هو ~~في بهيمة الأنعام من الأزواج الثمانية، وليست هذه داخلة في أجناسها، ولا ~~حكمها، ولا حقيقتها، ولا معناها. # فإن المتولد بين شيئين ينفرد باسمه وجنسه وحكمه عنهما، كالبغل المتولد ~~بين الفرس والحمار، والسبع المتولد بين الذئب والضبع، والعسبار المتولد بين ~~الضبعان والذئبة، فكذلك المتولد بين الظباء والمعز ليس بمعز ولا ظبي، ولا ~~يتناوله نصوص الشارع، ولا يمكن قياسه عليها، لتباعد ما بينهما، واختلاف ~~حكمهما، في كونه لا يجزئ في هدي ولا أضحية ولا دية، ولو أسلم في الغنم لم ~~يتناوله العقد، ولو وكل وكيلا في شراء شاة، لم يدخل في الوكالة، ولا يحصل ~~منه ما يحصل من الشياه؛ من الدر، وكثرة النسل، بل الظاهر أنه لا ينسل له ~~أصلا، فإن المتولد بين ثنتين لا نسل له كالبغال، وما لا نسل له لا در فيه، ~~فامتنع # PageV02P445 # القياس، ولم يدخل في نص ولا إجماع، فإيجاب الزكاة فيها تحكم بالرأي. # وإذا قيل: تجب الزكاة احتياطا وتغليبا للإيجاب، كما أثبتنا التحريم فيها ~~في الحرم والإحرام احتياطا. لم يصح؛ لأن الواجبات لا تثبت احتياطا بالشك، ~~ولهذا لا تجب الطهارة على من تيقنها، وشك في الحدث، ms1076 ولا غيرها من الواجبات. ~~وأما السوم والعلف فالاعتبار فيه بما تجب فيه الزكاة، لا بأصله الذي تولد ~~منه، بدليل أنه لو علف المتولد من السائمة لم تجب زكاته، ولو أسام أولاد ~~المعلوفة، لوجبت زكاتها. # وقول من زعم أن غنم مكة متولدة من الغنم والظباء لا يصح؛ لأنها لو كانت ~~كذلك لحرمت في الحرم والإحرام، ووجب فيها الجزاء، كسائر المتولد بين الوحشي ~~والأهلي، ولأنها لو كانت كذلك متولدة من جنسين لما كان لها نسل كالسبع ~~والبغال. # PageV02P446 ### | [باب صدقة الغنم] # وهي واجبة بالسنة، والإجماع؛ أما السنة فما روى أنس، في كتاب أبي بكر، ~~الذي ذكرنا أوله، قال: «وفي صدقة الغنم في سائمتها، إذا كانت أربعين إلى ~~عشرين ومائة، شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين، ففيها شاتان، ~~فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة، ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ~~ثلاثمائة، ففي كل مائة شاة، وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة ~~واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات ~~عوار، ولا تيسا، إلا ما شاء المصدق» . # واختار سوى هذا كثير، وأجمع العلماء على وجوب الزكاة فيها. (1714) مسألة: ~~قال أبو القاسم: (وليس فيما دون أربعين من الغنم سائمة صدقة، فإذا ملك ~~أربعين من الغنم، فأسامها أكثر السنة، ففيها شاة، إلى عشرين ومائة، فإذا ~~زادت واحدة، ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة، ففيها ثلاث شياه) ~~وهذا كله مجمع عليه. قاله ابن المنذر: إلا المعلوفة في أقل من نصف الحول، ~~على ما ذكرنا من الخلاف فيه. وحكي عن معاذ - رضي الله عنه - أن الفرض لا ~~يتغير بعد المائة وإحدى وعشرين، حتى تبلغ مائتين واثنين وأربعين، ليكون ~~مثلي مائة وإحدى وعشرين. ولا يثبت عنه. # وروى سعيد، عن خالد، بن مغيرة، عن الشعبي، عن معاذ، قال: كان إذا بلغت ~~الشياه مائتين لم يغيرها، حتى تبلغ أربعين ومائتين، فيأخذ منها ثلاث شياه، ~~فإذا بلغت ثلاثمائة، لم يغيرها، حتى تبلغ أربعين وثلاثمائة، فيأخذ منها ~~أربعا. ولفظ الحديث الذي ذكرناه ms1077 دليل عليه، والإجماع على خلاف هذا القول ~~دليل على فساده، والشعبي لم يلق معاذا. (1715) مسألة: قال: (فإذا زادت ففي ~~كل مائة شاة شاة) ظاهر هذا القول أن الفرض لا يتغير بعد المائتين وواحدة، ~~حتى يبلغ أربعمائة، فيجب في كل مائة شاة، ويكون الوقص ما بين المائتين ~~وواحدة إلى أربعمائة، وذلك مائة وتسعة وتسعون. وهذا إحدى الروايتين عن ~~أحمد، وقول أكثر الفقهاء. # وعن أحمد رواية أخرى، أنها إذا زادت على ثلاثمائة وواحدة، ففيها أربع ~~شياه، ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمسمائة، فيكون في كل مائة شاة، ويكون ~~الوقص الكبير بين ثلاثمائة وواحدة إلى خمسمائة، وهو أيضا مائة وتسعة ~~وتسعون، وهذا اختيار أبي بكر. وحكي عن النخعي، والحسن بن صالح، لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - جعل الثلاثمائة حدا للوقص، وغاية له، فيجب أن يتعقبه ~~تغير النصاب، كالمائتين. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا زادت، ففي كل مائة شاة» . ~~وهذا يقتضي أن لا يجب في دون المائة شيء، وفي كتاب الصدقات الذي كان عند ال ~~عمر بن الخطاب: " فإذا زادت على ثلاثمائة # PageV02P447 # وواحدة، فليس فيها شيء، حتى تبلغ أربعمائة شاة، ففيها أربع شياه ". وهذا ~~نص لا يجوز خلافه إلا بمثله أو أقوى منه، وتحديد النصاب لاستقرار الفريضة، ~~لا للغاية، والله أعلم. ### | [مسألة لا يؤخذ في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار] # (1716) مسألة: قال: (ولا يؤخذ في الصدقة تيس، ولا هرمة، ولا ذات عوار) ~~ذات العوار: المعيبة. وهذه الثلاث لا تؤخذ لدناءتها، فإن الله تعالى قال: ~~{ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267] . وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا ما شاء ~~المصدق» . وقد قيل: لا يؤخذ تيس الغنم، وهو فحلها لفضيلته. # وكان أبو عبيد يروي الحديث: " إلا ما شاء المصدق ". بفتح الدال. يعني ~~صاحب المال، فعلى هذا يكون الاستثناء في الحديث راجعا إلى التيس وحده. وذكر ~~الخطابي أن جميع الرواة يخالفونه في هذا، فيروونه: " المصدق " بكسر الدال، ~~أي العامل. ms1078 وقال: التيس لا يؤخذ؛ لنقصه، وفساد لحمه، وكونه ذكرا، وعلى هذا ~~لا يأخذ المصدق، وهو الساعي، أحد هذه الثلاثة، إلا أن يرى ذلك، بأن يكون ~~جميع النصاب من جنسه فيكون له أن يأخذ من جنس المال فيأخذ هرمة، وهي ~~الكبيرة من الهرمات، وذات عوار من أمثالها، وتيسا من التيوس. # وقال مالك والشافعي إن رأى المصدق أن أخذ هذه الثلاثة خير له، وأنفع ~~للفقراء، فله أخذه؛ لظاهر الاستثناء. ولا يختلف المذهب أنه ليس له أخذ ~~الذكر في شيء من الزكاة، إذا كان في النصاب إناث، في غير أتبعة البقر وابن ~~اللبون، بدلا عن بنت مخاض إذا عدمها. وقال أبو حنيفة: يجوز إخراج الذكر من ~~الغنم الإناث؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «في أربعين شاة شاة» . ولفظ ~~الشاة يقع على الذكر والأنثى، ولأن الشاة إذا أمر بها مطلقا، أجزأ فيها ~~الذكر، كالأضحية والهدي. # ولنا، أنه حيوان تجب الزكاة في عينه، فكانت الأنوثة معتبرة في فرضه، ~~كالإبل، والمطلق يتقيد بالقياس على سائر النصب، والأضحية غير معتبرة ~~بالمال، بخلاف مسألتنا. فإن قيل: فما فائدة تخصيص التيس بالنهي إذا؟ قلنا: ~~لأنه لا يؤخذ عن الذكور أيضا، فلو ملك أربعين ذكرا وفيها تيس معد للضراب، ~~لم يجز أخذه؛ إما لفضيلته، فإنه لا يعد للضراب إلا أفضل الغنم وأعظمها، ~~وإما لدناءته وفساد لحمه. ويجوز أن يمنع من أخذه للمعنيين جميعا. وإن كان ~~النصاب كله ذكورا، جاز إخراج الذكر في الغنم وجها واحدا، وفي البقر في أصح ~~الوجهين، وفي الإبل وجهان. # والفرق بين النصب الثلاثة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على ~~الأنثى في فرائض الإبل والبقر، وأطلق الشاة الواجبة، وقال في الإبل «من لم ~~يجد بنت مخاض، أخرج ابن لبون ذكرا» . ومن حيث المعنى أن الإبل يتغير فرضها ~~بزيادة السن، فإذا جوزنا إخراج الذكر أفضى إلى التسوية بين الفريضتين؛ لأنه ~~يخرج ابن لبون عن خمس وعشرين، ويخرجه عن ستة وثلاثين، وهذا المعنى يختص ~~الإبل. # فإن قيل: فالبقر أيضا يأخذ منها تبيعا عن ثلاثين، وتبيعا عن أربعين ms1079 إذا ~~كانت أتبعة كلها، وقلنا: تؤخذ الصغيرة # PageV02P448 # عن الصغار. قلنا: هذا يلزم مثله في إخراج الأنثى، فلا فرق، ومن جوز إخراج ~~الذكر في الكل، قال: يأخذ ابن لبون من خمس وعشرين، قيمته دون قيمة ابن لبون ~~يأخذه من ستة وثلاثين، ويكون بينهما في القيمة كما بينهما في العدد، ويكون ~~الفرض بصفة المال، وإذا اعتبرنا القيمة لم يؤد إلى التسوية، كما قلنا في ~~الغنم. ### | [فصل إخراج المعيبة عن الصحاح في صدقة الشياه] # (1717) فصل: ولا يجوز إخراج المعيبة عن الصحاح، وإن كثرت قيمتها؛ للنهي ~~عن أخذها، ولما فيه من الإضرار بالفقراء، ولهذا يستحق ردها في البيع وإن ~~كثرت قيمتها وإن كان في النصاب صحاح ومراض، أخرج صحيحة، قيمتها على قدر ~~قيمة المالين، فإن كان النصاب كله مراضا إلا مقدار الفرض، فهو مخير بين ~~إخراجه، وبين شراء مريضة قليلة القيمة فيخرجها، ولو كانت الصحيحة غير ~~الفريضة بعدد الفريضة، مثل من وجب عليه ابنتا لبون، وعنده حواران صحيحان، ~~كان عليه شراء صحيحتين، فيخرجهما. # وإن وجبت عليه حقتان وعنده ابنتا لبون صحيحتان، خير بين إخراجهما مع ~~الجبران، وبين شراء حقتين صحيحتين على قدر قيمة المال. وإن كان عنده جذعتان ~~صحيحتان، فله إخراجهما مع أخذ الجبران. وإن كانت عليه حقتان ونصف ماله صحيح ~~ونصفه مريض فقال ابن عقيل له إخراج حقة صحيحة، وحقة مريضة؛ لأن النصف الذي ~~يجب فيه إحدى الحقتين مريض كله. # والصحيح في المذهب خلاف هذا؛ لأن في ماله صحيحا ومريضا، فلم يملك إخراج ~~مريضة، كما لو كان نصابا واحدا، ولم يتعين النصف الذي وجبت فيه الحقة في ~~المراض، وكذلك لو كان لشريكين، لم يتعين حق أحدهما في المراض دون الآخر. ~~وإن كان النصاب مراضا كله، فالصحيح في المذهب جواز إخراج الفرض منه، ويكون ~~وسطا في القيمة، ولا اعتبار بقلة العيب وكثرته؛ لأن القيمة تأتي على ذلك. # وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد وقال مالك إن كانت كلها جرباء أخرج ~~جرباء، وإن كانت كلها هتماء كلف شراء صحيحة. وقال أبو بكر لا تجزئ إلا ms1080 ~~صحيحة لأن أحمد قال: لا يؤخذ إلا ما يجوز في الأضاحي، وللنهي عن أخذ ذات ~~العوار، فعلى هذا يكلف شراء صحيحة بقدر قيمة المريضة. ولنا، قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إياك وكرائم أموالهم» وقال «إن الله تعالى لم ~~يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره.» رواه أبو داود، ولأن مبنى الزكاة على ~~المواساة، وتكليف الصحيحة عن المراض إخلال بالمواساة، ولهذا يأخذ من الرديء ~~من الحبوب والثمار من جنسه، ويأخذ من اللئام والهزال من المواشي من جنسه، ~~كذا هاهنا. # PageV02P449 # وقد ذكرنا أن الاستثناء في الحديث يدل على جواز إخراج المعيبة في بعض ~~الأحوال، أو نحمله على ما إذا كان فيه صحيح، فإن الغالب الصحة، وإن كان ~~جميع النصاب مريضا إلا بعض الفريضة، أخرج الصحيحة، وتمم الفريضة من المراض ~~على قدر المال، ولا فرق في هذا بين الإبل والبقر والغنم، والحكم في الهرمة ~~كالحكم في المعيبة سواء. ### | [مسألة ما يجزئ في الصدقة] # (1718) مسألة: قال: (ولا الربى، ولا الماخض، ولا الأكولة) قال أحمد: ~~الربى التي قد وضعت وهي تربي ولدها. يعني قريبة العهد بالولادة. تقول ~~العرب: في ربابها. كما تقول: في نفاسها. قال الشاعر: # حنين أم البو في ربابها # قال أحمد: والماخض التي قد حان ولادها، فإن كان في بطنها ولد لم يحن ~~ولادها، فهي خلفة وهذه الثلاث لا تؤخذ لحق رب المال. قال عمر لساعيه: لا ~~تأخذ الربى ولا الماخض، ولا الأكولة، ولا فحل الغنم. وإن تطوع رب المال ~~بإخراجها جاز أخذها، وله ثواب الفضل، على ما ذكرنا في حديث أبي بن كعب. ~~وإذا ثبت هذا، وأنه منع من أخذ الرديء من أجل الفقراء، ومن أخذ كرائم ~~الأموال من أجل أربابه، ثبت أن الحق في الوسط من المال. قال الزهري إذا جاء ~~المصدق قسم الشياه أثلاثا: ثلث خيار، وثلث أوساط وثلث شرار، وأخذ المصدق من ~~الوسط. وروي نحو هذا عن عمر - رضي الله عنه -، وقاله إمامنا، وذهب إليه. ~~والأحاديث تدل على هذا، فروى أبو داود، والنسائي، بإسنادهما عن سعد بن ~~دليم، «قال: كنت ms1081 في غنم لي، فجاءني رجلان على بعير، فقالا: إنا رسولا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إليك؛ لتؤدي إلينا صدقة غنمك، قلت: وما علي ~~فيها؟ قالا: شاة. فعمد إلى شاة قد عرف مكانها ممتلئة مخضا وشحما، فأخرجها ~~إليهما. فقالا: هذه شافع، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~نأخذ شاة شافعا» . # والشافع: الحامل؛ سميت بذلك لأن ولدها قد شفعها، والمخض: اللبن. «وقال ~~سويد بن غفلة: سرت، أو أخبرني من سار، مع مصدق رسول الله فإذا في عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا نأخذ من راضع لبن. قال: فكان يأتي ~~المياه حين ترد الغنم فيقول: أدوا صدقات أموالكم. قال: فعمد رجل منهم إلى ~~ناقة كوماء، وهي العظيمة # PageV02P450 # السنام، فأبى أن يقبلها» رواه أبو داود، والنسائي. # وروى أبو داود، بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث ~~من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا هو، ~~وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة، ولا ~~الدرنة، ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم ~~يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره.» رافدة: يعني معيبة، والدرنة: الجرباء، ~~والشرط: رذالة المال. ### | [مسألة لا زكاة في السخال حتى يحول عليها الحول] # (1719) مسألة: قال: (وتعد عليهم السخلة، ولا تؤخذ منهم) السخلة، بفتح ~~السين وكسرها: الصغيرة من أولاد المعز. وجملته أنه متى كان عنده نصاب كامل ~~فنتجت منه سخال في أثناء الحول، وجبت الزكاة في الجميع عند تمام حول ~~الأمهات، في قول أكثر أهل العلم. وحكي عن الحسن والنخعي لا زكاة في السخال ~~حتى يحول عليها الحول. # ولقوله - عليه السلام - «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.» ولنا، ما ~~روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لساعيه: اعتد عليهم بالسخلة، يروح بها ~~الراعي على يديه، ولا تأخذها منهم. وهو مذهب علي، ولا نعرف لهما في عصرهما ~~مخالفا، فكان إجماعا، ولأنه نماء نصاب، فيجب أن يضم ms1082 إليه في الحول، كأموال ~~التجارة، والخبر مخصوص بمال التجارة، فنقيس عليه. فأما إن لم يكمل النصاب ~~إلا بالسخال، احتسب الحول من حين كمل النصاب، في الصحيح من المذهب. وهو قول ~~الشافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي. # وعن أحمد رواية أخرى، أنه يعتبر حول الجميع من حين ملك الأمهات. وهو قول ~~مالك لأن الاعتبار بحول الأمهات دون السخال فيما إذا كانت نصابا، وكذلك إذا ~~لم تكن نصابا. ولنا، أنه لم يحل الحول على نصاب، فلم تجب الزكاة فيها، كما ~~لو كملت بغير سخالها، أو كمال التجارة، فإنه لا تختلف الرواية فيه. وإن ~~نتجت السخال بعد الحول، ضمت إلى أمهاتها في الحول الثاني وحده. # والحكم في فصلان الإبل، وعجول البقر، كالحكم في السخال. إذا ثبت هذا فإن ~~السخلة لا تؤخذ في الزكاة، لما قدمنا من قول عمر، ولما سنذكره في المسألة ~~التي تلي هذه، ولا نعلم فيه خلافا، إلا أن يكون النصاب كله صغارا، فيجوز ~~أخذ الصغيرة في الصحيح من المذهب، وإنما يتصور ذلك، بأن يبدل كبارا بصغار ~~في أثناء الحول، أو يكون عنده نصاب من الكبار، فتوالد نصاب # PageV02P451 # من الصغار، ثم تموت الأمهات، ويحول الحول على الصغار. # وقال أبو بكر لا يؤخذ أيضا إلا كبيرة تجزئ في الأضحية. وهو قول مالك؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إنما حقنا في الجذعة» أو الثنية. ولأن ~~زيادة السن في المال لا يزيد به الواجب، كذلك نقصانه لا ينقص به. ولنا، قول ~~الصديق - رضي الله عنه - والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليها. # فدل على أنهم كانوا يؤدون العناق، ولأنه مال تجب فيه الزكاة من غير ~~اعتبار قيمته، فيجب أن يأخذ من عينه، كسائر الأموال، والحديث محمول على ما ~~فيه كبار. وأما زيادة السن فليس تمنع الرفق بالمالك في الموضعين، كما أن ما ~~دون النصاب عفو، وما فوقه عفو، وظاهر قول أصحابنا أن الحكم في الفصلان ~~والعجول، كالحكم في السخال؛ لما ذكرنا في الغنم، ويكون التعديل ms1083 بالقيمة ~~مكان زيادة السن، كما قلنا في إخراج الذكر من الذكور. # ويحتمل أن لا يجوز إخراج الفصلان والعجول، وهو قول الشافعي كي لا يفضي ~~إلى التسوية بين الفروض، فإنه يفضي إلى إخراج ابنة المخاض عن خمس وعشرين، ~~وست وثلاثين، وست وأربعين، وإحدى وستين، ويخرج ابنتي اللبون عن ست وسبعين، ~~وإحدى وتسعين، ومائة وعشرين، ويفضي إلى الانتقال من ابنة اللبون الواحدة من ~~إحدى وستين، إلى اثنتين في ست وسبعين، مع تقارب الوقص بينهما، وبينهما في ~~الأصل أربعون، والخبر ورد في السخال، فيمتنع قياس الفصلان والعجول عليهما؛ ~~لما بينهما من الفرق. ### | [فصل ملك نصابا من الصغار في صدقة الشياه] # (1720) فصل: وإن ملك نصابا من الصغار، انعقد عليه حول الزكاة من حين ~~ملكه. وعن أحمد لا ينعقد عليه الحول حتى يبلغ سنا يجزئ مثله في الزكاة. وهو ~~قول أبي حنيفة وحكي ذلك عن الشعبي لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «ليس في السخال زكاة.» وقال: «لا تأخذ من راضع لبن.» ولأن السن ~~معنى يتغير به الفرض، فكان لنقصانه تأثير في الزكاة، كالعدد. # ولنا، أن السخال تعد مع غيرها، فتعد منفردة، كالأمهات، والخبر يرويه جابر ~~الجعفي، وهو ضعيف، عن الشعبي مرسلا، ثم هو محمول على أنه لا تجب فيها قبل ~~حول الحول، والعدد تزيد الزكاة بزيادته، بخلاف السن، فإذا قلنا بهذه ~~الرواية، فإذا ماتت الأمهات إلا واحدة، لم ينقطع الحول، وإن ماتت كلها، ~~انقطع الحول. ### | [مسألة ما يجزئ في صدقة الغنم] # (1721) مسألة: قال: (ويؤخذ من المعز الثني، ومن الضأن الجذع) وجملته أنه ~~لا يجزئ في صدقة الغنم إلا الجذع من الضأن، وهو ما له ستة أشهر، والثني من ~~المعز، وهو ما له سنة. فإن تطوع المالك بأفضل منهما في السن جاز، فإن كان ~~الفرض في النصاب أخذه، # PageV02P452 # وإن كان كله فوق الفرض خير المالك بين دفع واحدة منه، وبين شراء الفرض ~~فيخرجه. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه: لا يجزئ ~~إلا الثنية منهما جميعا؛ لأنهما نوعا ms1084 جنس، فكان الفرض منهما واحدا، كأنواع ~~الإبل والبقر. وقال مالك تجزئ الجذعة منهما، لذلك، ولقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إنما حقنا في الجذعة والثنية» . # ولنا، على جواز إخراج الجذعة من الضأن مع هذا الخبر، «قول سعد بن دليم: ~~أتاني رجلان على بعير، فقالا: إنا رسولا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إليك؛ لتؤدي صدقة غنمك. قلت: فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناق جذعة أو ثنية.» ~~أخرجه أبو داود. ولنا ما روى مالك عن سويد بن غفلة، قال: «أتانا مصدق رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن، والثنية ~~من المعز» . # وهذا صريح، وفيه بيان المطلق في الحديثين قبله، ولأن جذعة الضأن تجزئ في ~~الأضحية، بخلاف جذعة المعز، بدليل «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ~~بردة بن نيار، في جذعة المعز: تجزئك، ولا تجزئ عن أحد بعدك.» قال إبراهيم ~~الحربي إنما أجزأ الجذع من الضأن، لأنه يلقح، والمعز لا يلقح إلا إذا كان ~~ثنيا. ### | [مسألة ضم أنواع الأجناس بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة] # (1722) مسألة: قال (فإن كانت عشرين ضأنا، وعشرين معزا، أخذ من أحدهما ما ~~يكون قيمته نصف شاة ضأن ونصف معز) لا نعلم خلافا بين أهل العلم في ضم أنواع ~~الأجناس بعضها إلى بعض، في إيجاب الزكاة، وقال ابن المنذر أجمع من نحفظ عنه ~~من أهل العلم، على ضم الضأن إلى المعز. # إذا ثبت هذا فإنه يخرج الزكاة من أي الأنواع أحب، سواء دعت الحاجة إلى ~~ذلك، بأن يكون الواجب واحدا، أو لا يكون أحد النوعين موجبا لواحد، أو لم ~~يدع، بأن يكون كل واحد من النوعين يجب فيه فريضة كاملة. وقال عكرمة ومالك ~~وإسحاق يخرج من أكثر العددين، فإن استويا أخرج من أيهما شاء. وقال الشافعي ~~القياس أن يأخذ من كل نوع ما يخصه. اختاره ابن المنذر لأنها أنواع تجب فيها ~~الزكاة، فتجب زكاة كل نوع منه، كأنواع الثمرة والحبوب. # ولنا، أنهما نوعا جنس من الماشية، فجاز الإخراج من أيهما شاء، كما ms1085 لو ~~استوى العددان، وكالسمان والمهازيل، وما ذكره الشافعي يفضي إلى تشقيص ~~الفرض، وقد عدل إلى غير الجنس فيما دون خمس وعشرين من أجله، فالعدول إلى ~~النوع أولى. فإذا ثبت هذا فإنه يخرج من أحد النوعين ما قيمته كقيمة المخرج ~~من النوعين، فإذا كان النوعان # PageV02P453 # سواء، وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر، وقيمة المخرج من الآخر خمسة عشر، ~~أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف، وإن كان الثلث معزا، والثلثان ~~ضأنا، أخرج ما قيمته أربعة عشر، وإن كان الثلث ضأنا، والثلثان معزا، أخرج ~~ما قيمته ثلاثة عشر. # وهكذا لو كان في إبله عشر بخاتي، وعشر مهرية، وعشر عرابية، وقيمة ابنة ~~المخاض البختية ثلاثون، وقيمة المهرية أربعة وعشرون، وقيمة العرابية اثنا ~~عشر، أخرج ابنة مخاض قيمتها ثلث قيمة ابنة مخاض بختية، وهو عشرة، وثلث قيمة ~~مهرية ثمانية، وثلث قيمة عرابية أربعة، فصار الجميع اثنين وعشرين. وهكذا ~~الحكم في أنواع البقر، وكذلك الحكم في السمان مع المهازيل، والكرام مع ~~اللئام. فأما الصحاح مع المراض، والذكور مع الإناث، والكبار مع الصغار، ~~فيتعين عليه صحيحة كبيرة أنثى، على قدر قيمة المالين، إلا أن يتطوع رب ~~المال بالفضل، وقد ذكر هذا. ### | [فصل أخرج عن النصاب من غير نوعه مما ليس في ماله منه شيء] # (1723) فصل: فإن أخرج عن النصاب من غير نوعه مما ليس في ماله منه شيء، ~~ففيه وجهان: أحدهما، يجزئ؛ لأنه أخرج عنه من جنسه، فجاز، كما لو كان المال ~~نوعين، فأخرج من أحدهما عنهما. والثاني، لا يجزئ؛ لأنه أخرج، من غير نوع ~~ماله، أشبه ما لو أخرج من غير الجنس، وفارق ما إذا أخرج من أحد نوعي ماله؛ ~~لأنه جاز فرارا من تشقيص الفرض، وقد جوز الشارع الإخراج من غير الجنس في ~~قليل الإبل وشاة الجبران لذلك، بخلاف مسألتنا. ### | [مسألة الخلطة في السائمة] # مسألة: قال (وإن اختلط جماعة في خمس من الإبل، أو ثلاثين من البقر، أو ~~أربعين من الغنم، وكان مرعاهم ومسرحهم ومبيتهم ومحلبهم وفحلهم واحدا، أخذت ~~منهم الصدقة) وجملته أن ms1086 الخلطة في السائمة تجعل مال الرجلين كمال الرجل ~~الواحد في الزكاة، سواء كانت خلطة أعيان، وهي أن تكون الماشية مشتركة ~~بينهما، لكل واحد منهما نصيب مشاع، مثل أن يرثا نصابا أو يشترياه، أو يوهب ~~لهما، فيبقياه بحاله، أو خلطة أوصاف، وهي أن يكون مال كل واحد منهما مميزا، ~~فخلطاه، واشتركا في الأوصاف التي نذكرها، وسواء تساويا في الشركة، أو ~~اختلفا، مثل أن يكون لرجل شاة، ولآخر تسعة وثلاثون، أو يكون لأربعين رجلا ~~أربعون شاة، لكل واحد منهم شاة، نص عليهما أحمد وهذا قول عطاء والأوزاعي ~~والشافعي والليث وإسحاق وقال مالك إنما تؤثر الخلطة إذا كان لكل واحد من ~~الشركاء نصاب. وحكي ذلك عن الثوري وأبي ثور واختاره ابن المنذر وقال أبو ~~حنيفة لا أثر لها بحال؛ لأن ملك كل واحد دون النصاب، فلم يجب عليه زكاة، ~~كما لو لم يختلط بغيره. ولأبي حنيفة فيما إذا اختلطا في نصابين، أن كل واحد ~~منهما يملك أربعين من الغنم، فوجبت عليه شاة؛ لقوله - عليه السلام -: «في ~~أربعين شاة شاة» . # PageV02P454 # ولنا ما روى البخاري، في حديث أنس الذي ذكرنا أوله: «لا يجمع بين متفرق، ~~ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة» وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان ~~بينهما بالسوية ". ولا يجيء التراجع إلا على قولنا في خلطة الأوصاف. وقوله: ~~لا يجمع بين متفرق. إنما يكون هذا إذا كان لجماعة، فإن الواحد يضم ماله ~~بعضه إلى بعض، وإن كان في أماكن، وهكذا لا يفرق بين مجتمع. # ولأن للخلطة تأثيرا في تخفيف المؤنة، فجاز أن تؤثر في الزكاة كالسوم ~~والسقي، وقياسهم مع مخالفة النص غير مسموع. إذا ثبت هذا فإن خلطة الأوصاف ~~يعتبر فيها اشتراكهم في خمسة أوصاف: المسرح، والمبيت، والمحلب، والمشرب، ~~والفحل. قال أحمد: الخليطان أن يكون راعيهما واحدا، ومراحهما واحدا، ~~وشربهما واحدا. وقد ذكر أحمد في كلامه شرطا سادسا، وهو الراعي. # قال الخرقي: " وكان مرعاهم ومسرحهم واحدا ". فيحتمل أنه أراد بالمرعى ~~الراعي، ليكون موافقا لقول أحمد، ولكون المرعى هو المسرح. قال ابن حامد: ~~المرعى والمسرح ms1087 شرط واحد، وإنما ذكر أحمد المسرح ليكون فيه راع واحد، ~~والأصل في هذا ما روى الدارقطني، في " سننه "، بإسناده عن سعد بن أبي وقاص، ~~قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يجمع بين متفرق، ولا ~~يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة» والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي ~~" وروي " المرعى ". # وبنحو من هذا قال الشافعي. وقال بعض أصحاب مالك: لا يعتبر في الخلطة إلا ~~شرطان: الراعي، والمرعى؛ لقوله - عليه السلام -: " لا يفرق بين مجتمع ولا ~~يجمع بين متفرق ". والاجتماع يحصل بذلك، ويسمى خلطة، فاكتفي به. ولنا، قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «والخليطان: ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل.» ~~فإن قيل: فلم اعتبرتم زيادة على هذا؟ قلنا: هذا تنبيه على بقية الشرائط، ~~وإلغاء لما ذكروه، ولأن لكل واحد من هذه الأوصاف تأثيرا. فاعتبر كالمرعى. # إذا ثبت هذا فالمبيت معروف، وهو المراح الذي تروح إليه الماشية، قال الله ~~تعالى {حين تريحون وحين تسرحون} [النحل: 6] . والمسرح والمرعى واحد، وهو ~~الذي ترعى فيه الماشية، يقال: سرحت الغنم، إذا مضت إلى المرعى، وسرحتها، أي ~~بالتخفيف والتثقيل، ومنه قوله تعالى: {وحين تسرحون} [النحل: 6] . والمحلب: ~~الموضع الذي تحلب فيه الماشية، يشترط أن يكون واحدا، ولا يفرد كل واحد ~~منهما لحلب ماشيته موضعا، وليس المراد منه خلط اللبن في إناء واحد؛ لأن هذا ~~ليس بمرفق، بل مشقة، لما فيه من الحاجة إلى قسم اللبن. # ومعنى كون الفحل واحدا، أن لا تكون فحولة أحد المالين لا تطرق غيره. ~~وكذلك الراعي، هو أن لا يكون لكل مال راع، ينفرد برعايته دون الآخر. # PageV02P455 # ويشترط أن يكون المختلطان من أهل الزكاة، فإن كان أحدهما ذميا أو مكاتبا ~~لم يعتد بخلطته، ولا تشترط نية الخلطة وحكي عن القاضي، أنه اشترطها. ولنا، ~~قوله - عليه السلام -: «والخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل» . # ولأن النية لا تؤثر في الخلطة، فلا تؤثر في حكمها، ولأن المقصود بالخلطة ~~من الارتفاق يحصل بدونها، فلم يتغير وجودها معه، كما لا تتغير نية السوم في ~~الإسامة، ولا نية ms1088 السقي في الزرع والثمار، ولا نية مضي الحول فيما يشترط ~~الحول فيه. ### | [فصل زكاة خلطة الأنعام] # (1725) فصل: فإن كان بعض مال الرجل مختلطا، وبعضه منفردا، أو مختلطا مع ~~مال لرجل آخر، فقال أصحابنا: يصير ماله كله كالمختلط، بشرط أن يكون مال ~~الخلطة نصابا، فإن كان دون النصاب لم يثبت حكمها، فلو كان لرجل ستون شاة، ~~منها عشرون مختلطة مع عشرين لرجل آخر، وجب عليهما شاة واحدة، ربعها على ~~صاحب العشرين، وباقيها على صاحب الستين؛ لأننا لما ضممنا ملك صاحب الستين ~~صار صاحب العشرين كالمخالط لستين، فيكون الجميع ثمانين، عليها شاة بالحصص. # ولو كان لصاحب الستين ثلاثة خلطاء، كل واحد منهم بعشرين، وجب على الجميع ~~شاة، نصفها على صاحب الستين، ونصفها على الخلطاء، على كل واحد منهم سدس ~~شاة. ولو كان رجلان لكل واحد منهما ستون، فخالط كل واحد منهما صاحبه بعشرين ~~فقط، وجب عليهما شاة واحدة بينهما نصفين. فإن اختلطا في أقل من ذلك، لم ~~يثبت لهما حكم الخلطة، ووجب على كل واحد منهما شاة كاملة. وإن اختلطا في ~~أربعين، لواحد منهما عشرة، وللآخر ثلاثون، ثبت لهما حكم الخلطة لوجودها في ~~نصاب كامل. # (1726) فصل: ويعتبر اختلاطهم في جميع الحول، فإن ثبت لهم حكم الانفراد في ~~بعضه زكوا زكاة المنفردين. وبهذا قال الشافعي في الجديد. وقال مالك لا ~~يعتبر اختلاطهم في أول الحول؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجمع ~~بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع» . يعني في وقت أخذ الزكاة. ولنا، أن هذا ~~مال ثبت له حكم الانفراد، فكانت زكاته زكاة المنفرد، كما لو انفرد في آخر ~~الحول، والحديث محمول على المجتمع في جميع الحول. # إذا تقرر هذا فمتى كان لرجلين ثمانون شاة بينهما نصفين، وكانا منفردين، ~~فاختلطا في أثناء الحول، فعلى كل واحد منهما عند تمام حوله شاة، وفيما بعد ~~ذلك من السنين يزكيان زكاة الخلطة، فإن اتفق # PageV02P456 # حولاهما أخرجا شاة عند تمام كل حول، على كل واحد منهما نصفها وإن اختلف ~~حولاهما فعلى الأول منهما عند تمام ms1089 حوله نصف شاة، فإذا تم حول الثاني، فإن ~~كان الأول أخرجها من غير المال، فعلى الثاني نصف شاة أيضا، وإن أخرجها من ~~النصاب نظرت، فإن أخرج الشاة جميعها عن ملكه، فعلى الثاني أربعون جزءا، من ~~تسعة وسبعين جزءا من شاة، وإن أخرج نصف شاة فعلى الثاني أربعون جزءا، من ~~تسعة وسبعين ونصف جزء من شاة. ### | [فصل إذا كان لأحدهما نصاب وللآخر دون النصاب فاختلطا في أثناء الحول] # (1727) فصل: وإن ثبت لأحدهما حكم الانفراد دون صاحبه، ويتصور ذلك بأن ~~يملك رجلان نصابين فيخلطاهما، ثم يبيع أحدهما نصيبه أجنبيا، أو يكون ~~لأحدهما نصاب منفرد، فيشتري آخر نصابا، ويخلطه به في الحال، إذا قلنا: ~~اليسير معفو عنه. فإنه لا بد أن تكون عقيب ملكها منفردة في جزء، وإن قل، أو ~~يكون لأحدهما نصاب وللآخر دون النصاب، فاختلطا في أثناء الحول، فإذا تم حول ~~الأول فعليه شاة، فإذا تم حول الثاني فعليه زكاة الخلطة، على التفصيل الذي ~~ذكرناه. # ويزكيان فيما بعد ذلك زكاة الخلطة، كلما تم حول أحدهما فعليه من زكاة ~~الجميع بقدر ماله منه، فإذا كان المالان جميعا ثمانين شاة، فأخرج الأول ~~منها شاة، زكاة الأربعين التي يملكها، فعلى الثاني أربعون جزءا، من تسعة ~~وسبعين جزءا. فإن أخرج الشاة كلها من ملكه، وحال الحول الثاني، فعلى الأول ~~نصف شاة، زكاة خلطة. فإن أخرجه وحده، فعلى الثاني تسعة وثلاثون جزءا، من ~~سبعة وسبعين جزءا ونصف جزء من شاة، وإن توالدت شيئا حسب معها. ### | [فصل كان بينهما ثمانون شاة مختلطة مضى عليها بعض الحول فتبايعاها] # (1728) فصل: وإن كان بينهما ثمانون شاة مختلطة، مضى عليها بعض الحول، ~~فتبايعاها، باع كل واحد منهما غنمه صاحبه مختلطة، وبعثاها على الخلطة، لم ~~يقطع حولهما، ولم تزل خلطتهما. وكذلك لو باع بعض غنمه من غير إفراد، قل ~~المبيع أو كثر. فأما إن أفرداها ثم تبايعاها ثم خلطاها، وتطاول زمن ~~الإفراد، بطل حكم الخلطة. وإن خلطاها عقيب البيع، ففيه وجهان: أحدهما، لا ~~ينقطع؛ لأن هذا زمن يسير يعفى والثاني، ينقطع؛ لأن ms1090 الانفراد قد وجد في بعض ~~الحول، فيزكيان زكاة المنفردين. # وإن أفرد كل واحد منهما نصف نصاب وتبايعاه، لم ينقطع حكم الخلطة؛ لأن ملك ~~الإنسان يضم بعضه إلى بعض، فكأن الثمانين مختلطة بحالها. وكذلك إن تبايعا ~~أقل من النصف. وإن تبايعا أكثر من النصف منفردا، بطل حكم الخلطة؛ لأن من ~~شرطها كونها في نصاب، فمتى بقيت فيما دون النصاب صارا منفردين. # PageV02P457 # وقال القاضي: تبطل الخلطة في جميع هذه المسائل في المبيع، ويصير منفردا. # وهذا مذهب الشافعي؛ لأن عنده أن المبيع بجنسه ينقطع حكم الحول فيه. ~~فتنقطع الخلطة ضرورة انقطاع الحول. وسنبين، إن شاء الله، أن حكم الحول لا ~~ينقطع في وجوب الزكاة، فلا تنقطع الخلطة؛ لأن الزكاة إنما تجب في المشترى ~~ببنائه على حول المبيع، فيجب أن يبنى عليه في الصفة التي كان عليها. # فأما إن كان مال كل واحد منهما منفردا، فخلطاه، ثم تبايعاه، فعليهما في ~~الحول زكاة الانفراد؛ لأن الزكاة تجب فيه ببنائه على حول الأول، وهو منفرد ~~فيه. ولو كان لرجل نصاب منفرد، فباعه بنصاب مختلط، زكى كل واحد منهما زكاة ~~الانفراد؛ لأن الزكاة في الثاني تجب ببنائه على الأول، فهما كالمال الواحد ~~الذي حصل الانفراد في أحد طرفيه فإن كان لكل واحد منهما أربعون مختلطة مع ~~مال آخر، فتبايعاها، وبعثاها مختلطة، لم يبطل حكم الخلطة. # وإن اشترى أحدهما بالأربعين المختلطة أربعين منفردة، وخلطها في الحال، ~~احتمل أن يزكي زكاة الخلطة؛ لأنه يبني حولها على حول مختلطة، وزمن الانفراد ~~يسير، فعفي عنه، واحتمل أن يزكي زكاة المنفرد، لوجود الانفراد في بعض ~~الحول. ### | [فصل لرجل أربعون شاة ومضى عليها بعض الحول فباع بعضها مشاعا في بعض الحول] # (1729) فصل: وإذا كان لرجل أربعون شاة، ومضى عليها بعض الحول، فباع بعضها ~~مشاعا في بعض الحول. فقال أبو بكر ينقطع الحول، ويستأنفان حولا من حين ~~البيع؛ لأن النصف المشترى قد انقطع الحول فيه، فكأنه لم يجز في حول الزكاة ~~أصلا، فلزم انقطاع الحول في الآخر. # وقال ابن حامد لا ينقطع الحول فيما ms1091 بقي للبائع؛ لأن حدوث الخلطة لا يمنع ~~ابتداء الحول، فلا يمنع استدامته، ولأنه لو خالط غيره في جميع الحول، وجبت ~~الزكاة، فإذا خالط في بعضه نفسه، وفي بعضه غيره، كان أولى بالإيجاب، وإنما ~~بطل حول المبيعة لانتقال الملك فيها، وإلا فهذه العشرون لم تزل مخالطة لمال ~~جار في الزكاة، وهكذا الحكم فيما إذا علم على بعضها وباعه مختلطا. فأما إن ~~أفرد بعضها وباعه، فخلطه المشتري في الحال بغنم الأول، فقال ابن حامد ينقطع ~~الحول؛ لثبوت حكم الانفراد في البعض. # وقال القاضي: يحتمل أن يكون كما لو باعها مختلطة؛ لأن هذا زمن يسير. ~~وهكذا الحكم فيما إذا كانت الأربعون لرجلين، فباع أحدهما نصيبه أجنبيا، ~~فعلى هذا إذا تم حول الأول فعليه نصف شاة، ثم إذا تم حول الثاني نظرنا في ~~البائع، فإن كان أخرج الزكاة من غير المال فلا شيء على المشتري؛ لأن النصاب ~~نقص في بعض الحول، إلا أن يكون الفقير مخالطا لهما بالنصف الذي صار له، فلا ~~ينقص النصاب إذا، ويخرج الثاني نصف شاة. وإن كان الأول أخرج الزكاة من غير ~~المال، وقلنا: الزكاة تتعلق بالذمة. وجب على المشتري نصف شاة. # وإن قلنا تتعلق بالعين. فقال القاضي: يجب # PageV02P458 # نصف شاة أيضا؛ لأن تعلق الزكاة بالعين، لا بمعنى أن الفقراء ملكوا جزءا ~~من النصاب، بل بمعنى أنه تعلق حقهم به، كتعلق أرش الجناية بالجاني، فلم ~~يمنع وجوب الزكاة. وقال أبو الخطاب لا شيء على المشتري؛ لأن تعلق الزكاة ~~بالعين نقص النصاب. وهذا الصحيح؛ فإن فائدة قولنا: الزكاة تتعلق بالعين ~~إنما تظهر في منع الزكاة، وقد ذكره القاضي في غير هذا الموضع. # وعلى قياس هذا، لو كان لرجلين نصاب خلطة، فباع أحدهما خليطه في بعض ~~الحول، فهي عكس المسألة الأولى في الصورة، ومثلها في المعنى؛ لأنه كان في ~~الأول خليط نفسه، ثم صار خليط أجنبي، وها هنا كان خليط أجنبي، ثم صار خليط ~~نفسه. ومثله لو كان رجلان متوارثان، لهما نصاب خلطة، فمات أحدهما في بعض ~~الحول، فورثه صاحبه، على قياس ms1092 قول أبي بكر لا يجب عليه شيء حتى يتم الحول ~~على المالين، من حين ملكه لهما، إلا أن يكون أحدهما بمفرده يبلغ نصابا. ~~وعلى قياس قول ابن حامد تجب الزكاة في النصف الذي كان له خاصة. ### | [فصل استأجر أجيرا يرعى له بشاة معينة من النصاب فحال الحول ولم يفردها] # (1730) فصل: إذا استأجر أجيرا يرعى له بشاة معينة من النصاب، فحال الحول، ~~ولم يفردها، فهما خليطان تجب عليهما زكاة الخلطة. وإن أفردها قبل الحول، ~~فلا شيء عليهما، لنقصان النصاب. وإن استأجره بشاة موصوفة في الذمة، صح ~~أيضا، فإذا حال الحول، وليس له ما يقتضيه غير النصاب، انبنى على الدين، هل ~~يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة؟ وسنذكره فيما بعد، إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة الساعي يأخذ الفرض من مال أي الخليطين شاء] # (1731) مسألة: قال: (وتراجعوا فيما بينهم بالحصص) قد ذكرنا أن الخلطاء ~~تؤخذ الصدقة من أموالهم، كما تؤخذ من مال الواحد. وظاهر كلام أحمد أن ~~الساعي يأخذ الفرض من مال أي الخليطين شاء، سواء دعت الحاجة إلى ذلك، بأن ~~تكون الفريضة عينا واحدة لا يمكن أخذها من المالين جميعا، أو لا يجد فرضهما ~~جميعا إلا في أحد المالين، مثل أن يكون مال أحدهما صحاحا كبارا، ومال خليطه ~~صغارا أو مراضا، فإنه تجب صحيحة كبيرة، أو لم تدع الحاجة إلى ذلك، بأن يجد ~~فرض كل واحد من المالين فيه. # قال أحمد إنما يجيء المصدق فيجد الماشية، فيصدقها، ليس يجيء فيقول: أي ~~شيء لك؟ وإنما يصدق ما يجده، والخليط قد ينفع وقد يضر. قال الهيثم بن خارجة ~~لأبي عبد الله أنا رأيت مسكينا كان له في غنم شاتان، فجاء المصدق فأخذ ~~إحداهما. والوجه في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «ما كان من ~~خليطين، فإنهما يتراجعان بالسوية.» # PageV02P459 # وقوله: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة.» وهما ~~خشيتان: خشية رب المال من زيادة الصدقة، وخشية الساعي من نقصانها. # فليس لأرباب الأموال أن يجمعوا أموالهم المتفرقة، التي كان الواجب في كل ~~واحد ms1093 منها شاة، ليقل الواجب فيها، ولا أن يفرقوا أموالهم المجتمعة، التي ~~كان فيها باجتماعها فرض، ليسقط عنها بتفرقتها، وليس للساعي أن يفرق بين ~~الخلطاء، لتكثر الزكاة، ولا أن يجمعها إذا كانت متفرقة لتجب الزكاة، ولأن ~~المالين قد صارا كالمال الواحد في وجوب الزكاة، فكذلك في إخراجها. # ومتى أخذ الساعي الفرض من مال أحدهما، رجع على خليطه بقدر قيمة حصته من ~~الفرض، فإذا كان لأحدهما ثلث المال، وللآخر ثلثاه، فأخذ الفرض من مال صاحب ~~الثلث، رجع بثلثي قيمة المخرج على صاحبه. وإن أخذه من الآخر، رجع على صاحب ~~الثلث بثلث قيمة المخرج، والقول قول المرجوع عليه مع يمينه إذا اختلفا، ~~وعدمت البينة؛ لأنه غارم، فكان القول قوله، كالغاصب إذا اختلفا في قيمة ~~المغصوب بعد تلفه. ### | [فصل أخذ الساعي أكثر من الفرض بغير تأويل] # (1732) فصل: إذا أخذ الساعي أكثر من الفرض بغير تأويل، مثل أن يأخذ شاتين ~~مكان شاة، أو يأخذ جذعة مكان حقة، لم يكن للمأخوذ منه الرجوع إلا بقدر ~~الواجب. وإن كان بتأويل سائغ، مثل أن يأخذ الصحيحة عن المراض، والكبيرة عن ~~الصغار، فإنه يرجع بالحصة منها؛ لأن ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإذا أداه ~~اجتهاده إلى أخذه، وجب عليه دفعه إليه، وصار بمنزلة الفرض الواجب. # وكذلك إذا أخذ القيمة، رجع بما يخص شريكه منها؛ لأنه بتأويل. ### | [فصل ملك رجل أربعين شاة في المحرم وأربعين في صفر وأربعين في ربيع] # (1733) فصل: إذا ملك رجل أربعين شاة في المحرم، وأربعين في صفر، وأربعين ~~في ربيع، فعليه في الأول عند تمام حوله شاة، فإذا تم حول الثاني، فعلى ~~وجهين؛ أحدهما، لا زكاة فيه؛ لأن الجميع ملك واحد، فلم يزد فرضه على شاة ~~واحدة، كما لو اتفقت أحواله. والثاني، فيه الزكاة؛ لأن الأول استقل بشاة، ~~فيجب الزكاة في الثاني، وهي نصف شاة؛ لاختلاطها بالأربعين الأولى من حين ~~ملكها. وإذا تم حول الثالث فعلى وجهين؛ أحدهما لا زكاة فيه. والثاني، فيه ~~الزكاة، وهو ثلث شاة؛ لأنه ملكه مختلطا بالثمانين المتقدمة. # PageV02P460 # وذكر أبو الخطاب فيه وجها ms1094 ثالثا، وهو أنه يجب في الثاني شاة كاملة، وفي ~~الثالث شاة كاملة لأنه نصاب كامل وجبت الزكاة فيه بنفسه، فوجبت فيه شاة ~~كاملة، كما لو انفرد. وهذا ضعيف؛ لأنه لو كان المالك للثاني والثالث ~~أجنبيين، ملكاهما مختلطين، لم يكن عليهما إلا زكاة خلطة، فإذا كان لمالك ~~الأول كان أولى، فإن ضم بعض ماله إلى بعض أولى من ضم ملك الخليط إلى خليطه. # وإن ملك في الشهر الثاني ما يغير الفرض، مثل أن ملك مائة شاة، فعليه فيه ~~عند تمام حوله شاة ثانية، على الوجه الأول. وكذلك الثالث؛ لأننا نجعل ملكه ~~في الإيجاب، كملكه للكل في حال واحدة، فيصير كأنه ملك مائتين وأربعين، فيجب ~~عليه ثلاث شياه، عند تمام حول كل مال شاة. # وعلى الوجه الثاني، يجب عليه في الشهر الثاني حصته من فرض المالين معا، ~~وهو شاة وثلاثة أسباع شاة؛ لأنه لو ملك المالين دفعة واحدة، كان عليه فيهما ~~شاتان، حصة المائة منها خمسة أسباعهما، وهو شاة وثلاثة أسباع شاة، وعليه في ~~الثالث شاة وربع؛ لأنه لو ملك الجميع دفعة واحدة، وهو مائتان وأربعون شاة، ~~لكان عليه ثلاث شياه، حصة الثالث منهن ربعهن وسدسهن، وهو شاة وربع. ولو كان ~~المالك للأموال الثلاثة ثلاثة أشخاص، وملك الثاني سائمته مختلطة بسائمة ~~الأول، ثم ملك الثالث سائمته مختلطة بغنمهما، لكان الواجب على الثاني ~~والثالث كالواجب على المالك في الوجه الثاني، لا غير. ### | [فصل ملك عشرين من الإبل في المحرم وخمسا في صفر] # (1734) فصل: فإن ملك عشرين من الإبل في المحرم، وخمسا في صفر، فعليه في ~~العشرين عند تمام حولها، أربع شياه، وفي الخمس عند تمام حولها خمس بنت ~~مخاض. على الوجهين الأولين. وعلى الوجه الثالث، عليه شاة. وإن ملك في ~~المحرم خمسا وعشرين، وفي صفر خمسا، فعليه في الأول عند تمام حوله بنت مخاض، ~~ولا شيء عليه في الخمس في الوجه الأول. وعلى الثاني: عليه سدس بنت مخاض. ~~وعلى الثالث عليه فيها شاة. # فإن ملك مع ذلك في ربيع شيئا، ففي الوجه الأول، ms1095 عليه في الأول عند تمام ~~حوله بنت مخاض، ولا شيء عليه في الخمس حتى يتم حول الست، فيجب فيهما ربع ~~بنت لبون ونصف تسعها. وفي الوجه الثاني، عليه في الخمس سدس بنت مخاض إذا تم ~~حولها، وفي الست سدس بنت لبون عند تمام حولها. وفي الوجه الثالث، عليه في ~~الخمس الثانية شاة عند تمام حولها، وفي الست شاة عند تمام حولها. ### | [فصل كانت سائمة الرجل في بلدان شتى وبينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة] # (1735) فصل: فإن كانت سائمة الرجل في بلدان شتى، وبينهما مسافة لا تقصر ~~فيها الصلاة، أو كانت مجتمعة، ضم بعضها إلى بعض، وكانت زكاتها كزكاة ~~المختلطة، بغير خلاف نعلمه. وإن كان بين البلدان مسافة القصر، فعن أحمد فيه ~~روايتان؛ إحداهما، أن لكل مال حكم نفسه، يعتبر على حدته، إن كان نصابا ففيه ~~الزكاة، وإلا فلا، ولا # PageV02P461 # يضم إلى المال الذي في البلد الآخر. نص عليه. # قال ابن المنذر لا أعلم هذا القول عن غير أحمد واحتج بظاهر قوله - عليه ~~السلام -: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة.» وهذا ~~مفرق فلا يجمع، ولأنه لما أثر اجتماع مالين لرجلين، في كونهما كالمال ~~الواحد، يجب أن يؤثر افتراق مال الرجل الواحد، حتى يجعله كالمالين. # والرواية الثانية، قال في من له مائة شاة في بلدان متفرقة: لا يأخذ ~~المصدق منها شيئا؛ لأنه لا يجمع بين متفرق، وصاحبها إذا ضبط ذلك وعرفه أخرج ~~هو بنفسه، يضعها في الفقراء. روي هذا عن الميموني وحنبل وهذا يدل على أن ~~زكاتها تجب مع اختلاف البلدان، إلا أن الساعي لا يأخذها؛ لكونه لا يجد ~~نصابا كاملا مجتمعا، ولا يعلم حقيقة الحال فيها، فأما المالك العالم بملكه ~~نصابا كاملا، فعليه أداء الزكاة وهذا اختيار أبي الخطاب ومذهب سائر ~~الفقهاء. # قال مالك أحسن ما سمعت في من كان له غنم على راعيين متفرقين ببلدان شتى، ~~أن ذلك يجمع على صاحبه، فيؤدي صدقته. وهذا هو الصحيح، إن شاء الله تعالى؛ ~~لقوله - عليه السلام -: " في أربعين شاة ms1096 شاة ". ولأنه ملك واحد أشبه ما لو ~~كان في بلدان متقاربة، أو غير السائمة. ونحمل كلام أحمد، في الرواية ~~الأولى، على أن المصدق لا يأخذها، وأما رب المال فيخرج. فعلى هذا يخرج ~~الفرض في أحد البلدين شاء، لأنه موضع حاجة. ### | [مسألة اختلطوا في غير السائمة كالذهب والفضة وعروض التجارة والزروع والثمار] # (1736) مسألة: قال: (وإن اختلطوا في غير هذا، أخذ من كل واحد منهم على ~~انفراده، إذا كان ما يخصه تجب فيه الزكاة) ومعناه أنهم إذا اختلطوا في غير ~~السائمة، كالذهب والفضة وعروض التجارة والزروع والثمار، لم تؤثر خلطتهم ~~شيئا، وكان حكمهم حكم المنفردين. وهذا قول أكثر أهل العلم. وعن أحمد رواية ~~أخرى، أن شركة الأعيان تؤثر في غير الماشية، فإذا كان بينهم نصاب يشتركون ~~فيه، فعليهم الزكاة. # وهذا قول إسحاق والأوزاعي في الحب والثمر. والمذهب الأول. قال أبو عبد ~~الله: الأوزاعي يقول في الزرع، إذا كانوا شركاء فخرج لهم خمسة أوسق، يقول: ~~فيه الزكاة. قاسه على الغنم، ولا يعجبني قول الأوزاعي وأما خلطة الأوصاف، ~~فلا مدخل لها في غير الماشية بحال، لأن الاختلاط لا يحصل. وخرج القاضي وجها ~~آخر، أنها تؤثر؛ لأن المئونة تخف إذا كان الملقح واحدا، والصعاد، والناطور، ~~والجرين، وكذلك أموال التجارة؛ الدكان واحد، والمخزن والميزان والبائع، ~~فأشبه الماشية. ومذهب الشافعي على نحو مما حكينا في مذهبنا. والصحيح أن ~~الخلطة لا تؤثر في غير الماشية، لقول النبي # PageV02P462 # - صلى الله عليه وسلم -: «والخليطان ما اشتركا في الحوض والفحل والراعي.» ~~فدل على أن ما لم يوجد فيه ذلك لا يكون خلطة مؤثرة، وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا يجمع بين متفرق، خشية الصدقة» . # إنما يكون في الماشية؛ لأن الزكاة تقل بجمعها تارة، وتكثر أخرى، وسائر ~~الأموال تجب فيها فيما زاد على النصاب بحسابه، فلا أثر لجمعها، ولأن الخلطة ~~في الماشية تؤثر في النفع تارة، وفي الضرر أخرى، ولو اعتبرناها في غير ~~الماشية أثرت ضررا محضا برب المال، فلا يجوز اعتبارها إذا ثبت هذا، فإن كان ~~لجماعة وقف أو حائط ms1097 مشترك بينهم، فيه ثمرة أو زرع، فلا زكاة عليهم، إلا أن ~~يحصل في يد بعضهم نصاب كامل، فيجب عليه، وقد ذكر الخرقي هذا في باب الوقف. # وعلى الرواية الأخرى، إذا كان الخارج نصابا، ففيه الزكاة، وإن كان الوقف ~~نصابا من السائمة، فيحتمل أن عليهم الزكاة؛ لاشتراكهم في ملك نصاب تؤثر ~~الخلطة فيه، وينبغي أن تخرج الزكاة من غيره؛ لأن الوقف لا يجوز نقل الملك ~~فيه. ويحتمل أن لا تجب الزكاة فيه؛ لنقص الملك فيه، وكماله معتبر في إيجاب ~~الزكاة، بدليل مال المكاتب. ### | [فصل لا زكاة في غير بهيمة الأنعام من الماشية] # (1737) فصل: ولا زكاة في غير بهيمة الأنعام من الماشية، في قول أكثر أهل ~~العلم. وقال أبو حنيفة في الخيل الزكاة، إذا كانت ذكورا وإناثا، وإن كانت ~~ذكورا مفردة، أو إناثا مفردة، ففيها روايتان، وزكاتها دينار عن كل فرس، أو ~~ربع عشر قيمتها، والخيرة في ذلك إلى صاحبها، أيهما شاء أخرج؛ لما روى جابر، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «في الخيل السائمة، في كل فرس دينار» ~~. # وروي عن عمر أنه كان يأخذ من الرأس عشرة، ومن الفرس عشرة، ومن البرذون ~~خمسة. ولأنه حيوان يطلب نماؤه من جهة السوم، أشبه النعم. ولنا، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «قال: ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة.» متفق ~~عليه. وفي لفظ: «ليس على الرجل في فرسه ولا في عبده صدقة.» وعن علي، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق.» رواه ~~الترمذي. # وهذا هو الصحيح. وروى أبو عبيد، في " الغريب "، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ليس في الجبهة، ولا في النخة، ولا في الكسعة صدقة.» وفسر الجبهة ~~بالخيل، والنخة بالرقيق، والكسعة بالحمير. وقال الكسائي: النخة: بضم النون: ~~البقر العوامل. # ولأن ما لا زكاة في ذكوره المفردة، وإناثه المفردة، لا زكاة فيهما إذا ~~اجتمعا، كالحمير. ولأن ما لا يخرج زكاته من جنسه من السائمة لا تجب فيه، ~~كسائر الدواب، ولأن الخيل دواب، فلا تجب الزكاة ms1098 فيها، كسائر # PageV02P463 # الدواب، ولأنها ليست من بهيمة الأنعام، فلم تجب زكاتها، كالوحوش. # وحديثهم يرويه غورك السعدي، وهو ضعيف. وأما عمر فإنما أخذ منهم شيئا ~~تبرعوا به، وسألوه أخذه، وعوضهم عنه برزق عبيدهم، فروى الإمام أحمد، ~~بإسناده عن حارثة، قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر فقالوا: إنا قد أصبنا ~~مالا وخيلا ورقيقا، نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور. قال: ما فعله صاحباي ~~قبلي، فأفعله فاستشار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيهم علي ~~فقال: هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها من بعدك. قال أحمد: فكان عمر يأخذ ~~منهم، ثم يرزق عبيدهم،. # فصار حديث عمر حجة عليهم من وجوه؛ أحدها، قوله: ما فعله صاحباي. يعني ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر، ولو كان واجبا لما تركا فعله. ~~الثاني، أن عمر امتنع من أخذها، ولا يجوز له أن يمتنع من الواجب. الثالث، ~~قول علي: هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها من بعدك. # فسمى جزية إن أخذوا بها، وجعل حسنه مشروطا بعدم أخذهم به، فيدل على أن ~~أخذهم بذلك غير جائز. الرابع، استشارة عمر أصحابه في أخذه، ولو كان واجبا ~~لما احتاج إلى الاستشارة. الخامس، أنه لم يشر عليه بأخذه أحد سوى علي بهذا ~~الشرط الذي ذكره، ولو كان واجبا لأشاروا به. السادس، أن عمر عوضهم عنه رزق ~~عبيدهم، والزكاة لا يؤخذ عنها عوض # ولا يصح قياسها على النعم؛ لأنها يكمل نماؤها، وينتفع بدرها ولحمها، ~~ويضحى بجنسها، وتكون هديا، وفدية عن محظورات الإحرام، وتجب الزكاة من ~~عينها، ويعتبر كمال نصابها، ولا يعتبر قيمتها، والخيل بخلاف ذلك. ### | [مسألة الصدقة لا تجب إلا على أحرار المسلمين] # (1738) مسألة: قال: (والصدقة لا تجب إلا على أحرار المسلمين) وفي بعض ~~النسخ: " إلا على الأحرار المسلمين ". ومعناهما واحد، وهو أن الزكاة لا تجب ~~إلا على حر مسلم تام الملك، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافا ~~إلا عن عطاء وأبي ثور فإنهما قالا: على العبد زكاة ماله. ولنا، أن ms1099 العبد ~~ليس بتام الملك، فلم تلزمه زكاة، كالمكاتب. # فأما الكافر فلا خلاف في أنه لا زكاة عليه، ومتى صار أحد هؤلاء من أهل ~~الزكاة، وهو مالك للنصاب، استقبل به حولا ثم زكاه، فأما الحر المسلم إذا ~~ملك نصابا خاليا عن دين، فعليه الزكاة عند تمام حوله، سواء كان كبيرا أو ~~صغيرا، أو عاقلا أو مجنونا. ### | [مسألة وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون] # مسألة: قال: (والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما) # PageV02P464 # وجملة ذلك أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون؛ لوجود الشرائط الثلاث ~~فيهما، روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وعائشة والحسن بن علي وجابر - رضي ~~الله عنهم -. وبه قال جابر بن زيد وابن سيرين وعطاء ومجاهد وربيعة ومالك ~~والحسن بن صالح وابن أبي ليلى والشافعي والعنبري وابن عيينة وإسحاق وأبو ~~عبيد وأبو ثور ويحكى عن ابن مسعود والثوري والأوزاعي أنهم قالوا: تجب ~~الزكاة، ولا تخرج حتى يبلغ الصبي، ويفيق المعتوه. قال ابن مسعود أحصي ما ~~يجب في مال اليتيم من الزكاة، فإذا بلغ أعلمه، فإن شاء زكى، وإن شاء لم ~~يزك. وروي نحو هذا عن إبراهيم وقال الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ~~وأبو وائل والنخعي وأبو حنيفة لا تجب الزكاة في أموالهما. وقال أبو حنيفة ~~يجب العشر في زروعهما وثمرتهما، وتجب صدقة الفطر عليهما. # واحتج في نفي الزكاة بقوله - عليه السلام -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن ~~الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق.» وبأنها عبادة محضة؛ فلا تجب ~~عليهما، كالصلاة والحج. ولنا، ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «من ولي يتيما له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة.» أخرجه ~~الدارقطني. وفي رواته المثنى بن الصباح، وفيه مقال، وروي موقوفا على عمر: " ~~وإنما تأكله الصدقة بإخراجها ". # وإنما يجوز إخراجها إذا كانت واجبة؛ لأنه ليس له أن يتبرع بمال اليتيم، ~~ولأن من وجب العشر في زرعه وجب ربع العشر في ورقه، كالبالغ العاقل، ويخالف ~~الصلاة والصوم، فإنها مختصة بالبدن، وبنية الصبي ضعيفة عنها، والمجنون ms1100 لا ~~يتحقق منه نيتها، والزكاة حق يتعلق بالمال، فأشبه نفقة الأقارب والزوجات، ~~وأروش الجنايات، وقيم المتلفات، والحديث أريد به رفع الإثم والعبادات ~~البدنية، بدليل وجوب العشر وصدقة الفطر والحقوق المالية، ثم هو مخصوص بما ~~ذكرناه، والزكاة في المال في معناه، فنقيسها عليه. # إذا تقرر هذا، فإن الولي يخرجها عنهما من مالهما؛ لأنها زكاة واجبة، فوجب ~~إخراجها، كزكاة البالغ العاقل، والولي يقوم مقامه في أداء ما عليه؛ ولأنها ~~حق واجب على الصبي والمجنون، فكان على الولي أداؤه عنهما، كنفقة أقاربه، ~~وتعتبر نية الولي في الإخراج، كما تعتبر النية من رب المال. ### | [مسألة السيد يزكي عما في يد عبده] # (1740) مسألة: قال: (والسيد يزكي عما في يد عبده؛ لأنه مالكه) يعني أن ~~السيد مالك لما في يد عبده، وقد اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله -، في ~~زكاة مال العبد # PageV02P465 # الذي ملكه إياه، فروي عنه: زكاته على سيده. هذا مذهب سفيان وإسحاق وأصحاب ~~الرأي. # وروي عنه: لا زكاة في ماله؛ لا على العبد ولا على سيده. قال ابن المنذر: ~~وهذا قول ابن عمر وجابر والزهري وقتادة ومالك وأبي عبيد وللشافعي قولان ~~كالمذهبين. قال أبو بكر المسألة مبنية على الروايتين في ملك العبد، إذا ~~ملكه سيده؛ إحداهما، لا يملك. # قال أبو بكر وهو اختياري. وهو ظاهر كلام الخرقي هاهنا؛ لأنه جعل السيد ~~مالكا لمال عبده، ولو كان مملوكا للعبد لم يكن مملوكا لسيده، لأنه لا يتصور ~~اجتماع ملكين كاملين في مال واحد، ووجهه أن العبد مال، فلا يملك المال ~~كالبهائم، فعلى هذا تكون زكاته على سيد العبد، لأنه ملك له في يد عبده، ~~فكانت زكاته عليه، كالمال الذي في يد المضارب والوكيل. والثانية، يملك؛ ~~لأنه آدمي يملك النكاح، فملك المال، كالحر، وذلك لأنه بالآدمية يتمهد ~~للملك، من قبل أن الله تعالى خلق المال لبني آدم ليستعينوا به على القيام ~~بوظائف العبادات، وأعباء التكاليف، فإن الله تعالى: خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا. # فبالآدمية يتمهد للملك ويصلح له، كما يتمهد للتكليف والعبادة، فعلى هذا ~~لا زكاة ms1101 على السيد في مال العبد؛ لأنه لا يملكه، ولا على العبد؛ لأن ملكه ~~ناقص، والزكاة إنما تجب على تام الملك. (1741) فصل: ومن بعضه حر عليه زكاة ~~ماله؛ لأنه يملكه بجزئه الحر، ويورث عنه، وملكه كامل فيه، فكانت زكاته ~~عليه، كالحر الكامل. والمدبر وأم الولد كالقن؛ لأنه لا حرية فيهما. ### | [مسألة لا زكاة على مكاتب] # (1742) مسألة: قال: (ولا زكاة على مكاتب) فإن عجز استقبل سيده بما في يده ~~من المال حولا وزكاة، إن كان نصابا، وإن أدى، وبقي في يده نصاب للزكاة، ~~استقبل به حولا. لا أعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا زكاة على المكاتب؛ ~~ولا على سيده في ماله؛ إلا قول أبي ثور ذكر ابن المنذر نحو هذا. واحتج أبو ~~ثور بأن الحجر من السيد لا يمنع وجوب الزكاة، كالحجر على الصبي والمجنون ~~والمرهون. # وحكي عن أبي حنيفة أنه أوجب العشر في الخارج من أرضه، بناء على أصله في ~~أن العشر مؤنة الأرض، وليس بزكاة. ولنا، ما روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا زكاة في مال المكاتب.» رواه الفقهاء في كتبهم، ولأن الزكاة ~~تجب على طريق المواساة، فلم تجب في مال المكاتب، كنفقة الأقارب، وفارق ~~المحجور عليه، فإنه منع التصرف لنقص تصرفه، لا لنقص ملكه، والمرهون منع من ~~التصرف فيه بعقده، فلم يسقط حق الله تعالى، ومتى كان منع التصرف فيه لدين ~~لا يمكن وفاؤه من غيره، فلا زكاة عليه. # PageV02P466 # إذا ثبت هذا، فمتى عجز ورد في الرق، صار ما كان في يده ملكا لسيده، فإن ~~كانا نصابا، أو يبلغ بضمه إلى ما في يده نصابا، استأنف له حولا من حين ~~ملكه، وزكاه، كالمستفاد سواء. ولا أعلم في هذا خلافا فإن أدى المكاتب نجوم ~~كتابته، وبقي في يده نصاب، فقد صار حرا كامل الملك، فيستأنف الحول من حين ~~عتقه، ويزكيه إذا تم الحول، والله أعلم. ### | [مسألة لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول] # (1743) مسألة: قال: (ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) وروى ms1102 أبو عبد ~~الله بن ماجه، في " السنن " بإسناده عن عمرة عن عائشة، قالت: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . # وهذا اللفظ غير مبقى على عمومه، فإن الأموال الزكاتية خمسة: السائمة من ~~بهيمة الأنعام، والأثمان؛ وهي الذهب والفضة، وقيم عروض التجارة، وهذه ~~الثلاثة الحول شرط في وجوب زكاتها. لا نعلم فيه خلافا، سوى ما سنذكره في ~~المستفاد. والرابع: ما يكال ويدخر من الزروع والثمار، والخامس: المعدن. ~~وهذان لا يعتبر لهما حول. # والفرق بين ما اعتبر له الحول وما لم يعتبر له، أن ما اعتبر له الحول ~~مرصد للنماء، فالماشية مرصدة للدر والنسل، وعروض التجارة مرصدة للربح، وكذا ~~الأثمان، فاعتبر له الحول؛ فإنه مظنة النماء، ليكون إخراج الزكاة من الربح، ~~فإنه أسهل وأيسر، ولأن الزكاة إنما وجبت مواساة، ولم نعتبر حقيقة النماء ~~لكثرة اختلافه، وعدم ضبطه، ولأن ما اعتبرت مظنته لم يلتفت إلى حقيقته، ~~كالحكم مع الأسباب، ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال، فلا بد لها من ضابط، ~~كي لا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن الواحد مرات، فينفد مال المالك. # أما الزروع والثمار، فهي نماء في نفسها، تتكامل عند إخراج الزكاة منها، ~~فتؤخذ الزكاة منها حينئذ، ثم تعود في النقص لا في النماء؛ فلا تجب فيها ~~زكاة ثانية، لعدم إرصادها للنماء، والخارج من المعدن مستفاد خارج من الأرض، ~~بمنزلة الزرع والثمر، إلا أنه إن كان من جنس الأثمان، ففيه الزكاة عند كل ~~حول، لأنه مظنة للنماء، من حيث إن الأثمان قيم الأموال، ورأس مال التجارات، ~~وبهذا تحصل المضاربة والشركة، وهي مخلوقة لذلك، فكانت بأصلها وخلقتها، كمال ~~التجارة المعد لها. # (1744) فصل: فإن استفاد مالا مما يعتبر له الحول، ولا مال له سواه، وكان ~~نصابا، أو كان له مال من جنسه # PageV02P467 # لا يبلغ نصابا، فبلغ بالمستفاد نصابا، انعقد عليه حول الزكاة من حينئذ، ~~فإذا تم حول وجبت الزكاة فيه، وإن كان عنده نصاب، لم يخل المستفاد من ثلاثة ~~أقسام: أحدها، أن يكون المستفاد ms1103 من نمائه كربح مال التجارة ونتاج السائمة، ~~فهذا يجب ضمه إلى ما عنده من أصله، فيعتبر حوله بحوله. # لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه تبع له من جنسه، فأشبه النماء المتصل، وهو زيادة ~~قيمة عروض التجارة، ويشمل العبد والجارية. الثاني، أن يكون المستفاد من غير ~~جنس ما عنده، فهذا له حكم نفسه، لا يضم إلى ما عنده في حول ولا نصاب، بل إن ~~كان نصابا استقبل به حولا وزكاه، وإلا فلا شيء فيه. وهذا قول جمهور ~~العلماء. # وروي عن ابن مسعود وابن عباس ومعاوية أن الزكاة تجب فيه حين استفاده. قال ~~أحمد عن غير واحد: يزكيه حين يستفيده. وروى بإسناده عن ابن مسعود، قال: كان ~~عبد الله يعطينا ويزكيه. وعن الأوزاعي في من باع عبده أو داره، أنه يزكي ~~الثمن حين يقع في يده إلا أن يكون له شهر يعلم، فيؤخره حتى يزكيه مع ماله. ~~وجمهور العلماء على خلاف هذا القول؛ منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي ~~الله عنهم -. # قال ابن عبد البر على هذا جمهور العلماء، والخلاف في ذلك شذوذ، ولم يعرج ~~عليه أحد من العلماء، ولا قال به أحد من أئمة الفتوى. وقد روي عن أحمد في ~~من باع داره بعشرة آلاف درهم إلى سنة، إذا قبض المال يزكيه. وإنما نرى أن ~~أحمد قال ذلك؛ لأنه ملك الدراهم في أول الحول، وصارت دينا له على المشتري، ~~فإذا قبضه زكاه للحول الذي مر عليه في ملكه، كسائر الديون. # وقد صرح بهذا المعنى في رواية بكر بن محمد، عن أبيه، فقال: إذا كرى دارا ~~أو عبدا في سنة بألف، فحصلت له الدراهم وقبضها، زكاها إذا حال عليها الحول، ~~من حين قبضها، وإن كانت على المكتري فمن يوم وجبت له فيها الزكاة. بمنزلة ~~الدين إذا وجب له على صاحبه، زكاة من يوم وجب له. القسم الثالث، أن يستفيد ~~مالا من جنس نصاب عنده، قد انعقد عليه حول الزكاة بسبب مستقل، مثل أن يكون ~~عنده أربعون من الغنم، مضى عليها بعض الحول، ms1104 فيشتري أو يتهب مائة، فهذا لا ~~تجب فيه الزكاة حتى يمضي عليه حول أيضا. # وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يضمه إلى ما عنده في الحول، فيزكيهما ~~جميعا عند تمام حول المال الذي كان عنده، إلا أن يكون عوضا عن مال مزكى؛ ~~لأنه يضم إلى جنسه في النصاب، فوجب ضمه إليه في الحول كالنتاج، ولأنه إذا ~~ضم # PageV02P468 # في النصاب وهو سبب، فضمه إليه في الحول الذي هو شرط أولى. # وبيان ذلك أنه لو كان عنده مائتا درهم، مضى عليها نصف الحول، فوهب له ~~مائة أخرى، فإن الزكاة تجب فيها إذا تم حولها، بغير خلاف، ولولا المائتان ~~ما وجب فيها شيء، فإذا ضمت إلى المائتين في أصل الوجوب فكذلك في وقته، ولأن ~~إفراده بالحول يفضي إلى تشقيص الواجب في السائمة، واختلاف أوقات الواجب، ~~والحاجة إلى ضبط مواقيت التملك، ومعرفة قدر الواجب في كل جزء ملكه، ووجوب ~~القدر اليسير الذي لا يتمكن من إخراجه، ثم يتكرر ذلك في كل حول ووقت، وهذا ~~حرج مدفوع بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] . # وقد اعتبر الشرع ذلك بإيجاب غير الجنس فيما دون خمس وعشرين من الإبل، ~~وجعل الأوقاص في السائمة، وضم الأرباح والنتاج إلى حول أصلها مقرونا بدفع ~~هذه المفسدة، فيدل على أنه علة لذلك، فيجب تعدية الحكم إلى محل النزاع. ~~وقال مالك كقوله في السائمة؛ دفعا للتشقيص في الواجب، وكقولنا في الأثمان؛ ~~لعدم ذلك فيها. ولنا، حديث عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . # وروى الترمذي، عن ابن عمر، أنه قال: من استفاد مالا، فلا زكاة فيه حتى ~~يحول عليه الحول. وروي مرفوعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن ~~الترمذي قال: الموقوف أصح، وإنما رفعه عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم، وهو ~~ضعيف. وقد روي عن أبي بكر الصديق وعلي وابن عمر وعائشة وعطاء وعمر بن عبد ~~العزيز وسالم والنخعي أنه لا زكاة في المستفاد حتى يحول عليه الحول. # ولأنه ms1105 مملوك أصلا، فيعتبر فيه الحول شرطا، كالمستفاد من غير الجنس، ولا ~~تشبه هذه الأموال الزروع والثمار، لأنها تتكامل ثمارها دفعة واحدة، ولهذا ~~لا تتكرر الزكاة فيها، وهذه نماؤها بنقلها، فاحتاجت إلى الحول. # وأما الأرباح والنتاج، فإنما ضمت إلى أصلها؛ لأنها تبع له، ومتولدة منه، ~~ولم يوجد ذلك في مسألتنا، وإن سلمنا أن علة ضمها، ما ذكروه من الحرج، فلا ~~يوجد ذلك في مسألتنا؛ لأن الأرباح تكثر وتتكرر في الأيام والساعات، ويعسر ~~ضبطها، وكذلك النتاج، وقد يوجد ولا يشعر به، فالمشقة فيه أتم، لكثرة تكرره، ~~بخلاف هذه الأسباب المستقلة، فإن الميراث والاغتنام والاتهاب ونحو ذلك يندر ~~ولا يتكرر، فلا يشق ذلك فيه، وإن شق فهو دون المشقة في الأرباح والنتاج، ~~فيمتنع قياسه عليه. # واليسر فيما ذكرنا أكثر؛ لأن الإنسان يتخير بين التأخير والتعجيل، وما ~~ذكروه # PageV02P469 # يتعين عليه التعجيل، ولا شك أن التخيير بين شيئين أيسر من تعيين أحدهما، ~~لأنه مع التخيير، فيختار أيسرهما عليه، وأحبهما إليه، ومع التعيين يفوته ~~ذلك. وأما ضمه إليه في النصاب، فلأن النصاب معتبر لحصول الغنى، وقد حصل ~~الغنى بالنصاب الأول، والحول معتبر، لاستنماء المال؛ ليحصل أداء الزكاة من ~~الربح، ولا يحصل ذلك بمرور الحول على أصله، فوجب أن يعتبر الحول له. # (1745) فصل: ويعتبر وجود النصاب في جميع الحول، فإن نقص الحول نقصا ~~يسيرا، فقال أبو بكر ثبت، أن نقص الحول ساعة أو ساعتين معفو عنه. وظاهر ~~كلام القاضي، أن النقص اليسير في أثناء الحول يمنع؛ لأنه قال في من له ~~أربعون شاة فماتت منها شاة ونتجت أخرى: إذا كان النتاج والموت حصلا في وقت ~~واحد لم تسقط الزكاة؛ لأن النصاب لم ينقص، وكذلك إن تقدم النتاج الموت، وإن ~~تقدم الموت النتاج سقطت الزكاة؛ لأن حكم الحول سقط بنقصان النصاب. # ويحتمل أن كلام أبي بكر أراد به النقص في طرف الحول، ويحتمل أن القاضي ~~أراد بالوقت الواحد الزمن المتقارب، فلا يكون بين القولين اختلاف. وحكي عن ~~أبي حنيفة أن النصاب إذا كمل في طرفي الحول، لم يضر ms1106 نقصه في وسطه. ولنا، أن ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.» ~~يقتضي مرور الحول على جميعه، ولأن ما اعتبر في طرفي الحول اعتبر في وسطه، ~~كالملك والإسلام. # (1746) فصل: وإذا ادعى رب المال أنه ما حال الحول على المال، أو لم يتم ~~النصاب إلا منذ شهر، أو أنه كان في يدي وديعة، وإنما اشتريته من قريب، أو ~~قال: بعته في الحول، ثم اشتريته. أو رد علي ونحو هذا، مما ينفي وجوب ~~الزكاة، فالقول قوله من غير يمين. قال أحمد في رواية صالح: لا يستحلف الناس ~~على صدقاتهم. فظاهر هذا أنه لا يستحلف وجوبا ولا استحبابا؛ وذلك لأن الزكاة ~~عبادة، فالقول قول من تجب عليه بغير يمين، كالصلاة والكفارات. ### | [مسألة تقديم الزكاة] # (1747) مسألة: قال: (ويجوز تقدمة الزكاة) وجملته أنه متى وجد سبب وجوب ~~الزكاة، وهو النصاب الكامل، جاز تقديم الزكاة. وبهذا قال الحسن وسعيد بن ~~جبير والزهري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وحكي عن ~~الحسن أنه لا يجوز. وبه قال ربيعة، ومالك وداود لأنه روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «، أنه قال: # PageV02P470 # لا تؤدى زكاة قبل حلول الحول» . # ولأن الحول أحد شرطي الزكاة، فلم يجز تقديم الزكاة عليه كالنصاب، ولأن ~~للزكاة وقتا، فلم يجز تقديمها عليه، كالصلاة. ولنا، ما روى علي، «أن العباس ~~سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له ~~في ذلك. وفي لفظ: في تعجيل الزكاة، فرخص له في ذلك. رواه أبو داود.» رواه ~~أبو داود. وقال يعقوب بن شيبة: هو أثبتها إسنادا. # وروى الترمذي، عن علي، «عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال لعمر: ~~إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام. وفي لفظ قال: إنا كنا تعجلنا ~~صدقة العباس لعامنا هذا عام أول» . رواه سعيد عن عطاء، وابن أبي مليكة، ~~والحسن بن مسلم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، # ولأنه تعجيل لمال وجد سبب وجوبه قبل وجوبه، فجاز، ms1107 كتعجيل قضاء الدين قبل ~~حلول أجله، وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد ~~الجرح قبل الزهوق، وقد سلم مالك تعجيل الكفارة، وفارق تقديمها على النصاب، ~~لأنه تقديم لها على سببها، فأشبه تقديم الكفارة على اليمين، وكفارة القتل ~~على الجرح، ولأنه قد قدمها على الشرطين، وهاهنا قدمها على أحدهما. # وقولهم: إن للزكاة وقتا. قلنا: الوقت إذا دخل في الشيء رفقا بالإنسان، ~~كان له أن يعجله ويترك الإرفاق بنفسه، كالدين المؤجل، وكمن أدى زكاة مال ~~غائب، وإن لم يكن على يقين من وجوبها، ومن الجائز أن يكون المال تالفا في ~~ذلك الوقت، وأما الصلاة والصيام فتعبد محض، والتوقيت فيهما غير معقول، فيجب ~~أن يقتصر عليه. ### | [فصل تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب] # (1748) فصل: ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب، بغير خلاف علمناه. ~~ولو ملك بعض نصاب، فعجل زكاته، أو زكاة نصاب، لم يجز؛ لأنه تعجل الحكم قبل ~~سببه. وإن ملك نصابا فعجل زكاته وزكاة ما يستفيده، وما ينتج منه، أو يربحه ~~فيه، أجزأه عن النصاب دون الزيادة. # وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجزئه؛ لأنه تابع لما هو مالكه. ولنا، ~~أنه عجل زكاة مال ليس في ملكه، فلم يجز كالنصاب الأول، ولأن الزائد من ~~الزكاة على زكاة النصاب إنما سببها الزائد في الملك، فقد عجل الزكاة قبل ~~وجود سببها، فأشبه ما لو عجل الزكاة قبل ملك النصاب. وقوله: إنه تابع، ~~قلنا: إنما يتبع في الحول، فأما في الإيجاب فإن الوجوب ثبت بالزيادة، لا ~~بالأصل، ولأنه إنما يصير له حكم بعد الوجود، فأما قبل ظهوره فلا حكم له في ~~الزكاة. # PageV02P471 ### | [فصل عجل زكاة نصاب من الماشية فتوالدت نصابا ثم ماتت الأمهات وحال الحول على النتاج] # (1749) فصل: وإن عجل زكاة نصاب من الماشية، فتوالدت نصابا، ثم ماتت ~~الأمهات وحال الحول على النتاج، أجزأ المعجل عنها؛ لأنها دخلت في حول ~~الأمهات، وقامت مقامها، فأجزأت زكاتها عنها. فإذا كان عنده أربعون من ~~الغنم، فعجل عنها شاة، ثم توالدت أربعين سخلة، وماتت الأمهات، وحال ms1108 الحول ~~على السخال، أجزأت المعجلة عنها، لأنها كانت مجزئة عنها وعن أمهاتها لو ~~بقيت، فلأن تجزئ عن إحداهما أولى. # وإن كان عنده ثلاثون من البقر، فعجل عنها تبيعا، ثم توالدت ثلاثين عجلة، ~~وماتت الأمهات، وحال الحول على العجول، احتمل أن يجزئ عنها، لأنها تابعة ~~لها في الحول. واحتمل أن لا يجزئ عنها؛ لأنه لو عجل عنها تبيعا مع بقاء ~~الأمهات لم يجزئ عنها، فلأن لا يجزئ عنها إذا كان التعجيل عن غيرها أولى. ~~وهكذا الحكم في مائة شاة إذا عجل عنها شاة فتوالدت مائة، ثم ماتت الأمهات، ~~وحال الحول على السخال. وإن توالد نصفها، ومات نصف الأمهات، وحال الحول على ~~الصغار ونصف الكبار، فإن قلنا بالوجه الأول، أجزأ المعجل عنهما جميعا. # وإن قلنا بالثاني، فعليه في الخمسين سخلة شاة؛ لأنها نصاب لم تؤد زكاته. ~~وليس عليه في العجول إذا كانت خمسة عشر شيء، لأنها لم تبلغ نصابا، وإنما ~~وجبت الزكاة فيها بناء على أمهاتها التي عجلت زكاتها. وإن ملك ثلاثين من ~~البقر، فعجل مسنة زكاة لها ولنتاجها، فنتجت عشرا، أجزأته عن الثلاثين دون ~~العشر، ووجب عليه في العشر ربع مسنة. ويحتمل أن تجزئه المسنة المعجلة عن ~~الجميع؛ لأن العشر تابعة للثلاثين في الوجوب والحول فإنه لولا ملكه ~~للثلاثين لما وجب عليه في العشر شيء. # فصارت الزيادة على النصاب منقسمة أربعة أقسام: أحدها، ما لا يتبع في وجوب ~~ولا حول، وهو المستفاد من غير الجنس، ولا يجزئ تعجيل زكاته قبل وجوده، ~~وكمال نصابه، بغير خلاف. الثاني، ما يتبع في الوجوب دون الحال، وهو ~~المستفاد من الجنس بسبب مستقل، فلا يجزئ تعجيل زكاته أيضا قبل وجوده، مع ~~الخلاف في ذلك. الثالث، ما يتبع في الحول دون الوجوب، كالنتاج والربح إذا ~~بلغ نصابا، فإنه يتبع أصله في الحول، فلا يجزئ التعجيل عنه قبل وجوده، ~~كالذي قبله. # الرابع، ما يتبع في الوجوب والحول، وهو الربح والنتاج إذا لم يبلغ نصابا، ~~فهذا يحتمل وجهين؛ أحدهما، لا يجزئ تعجيل زكاته قبل وجوده، كالذي قبله. ~~والثاني: يجزئ؛ ms1109 لأنه تابع له في الوجوب والحول، فأشبه الموجود. # PageV02P472 ### | [فصل تعجيل الزكاة لأكثر من حول] # (1750) فصل: إذا عجل الزكاة لأكثر من حول، ففيه روايتان إحداهما، لا ~~يجوز؛ لأن النص لم يرد بتعجيلها لأكثر من حول. والثانية، يجوز. وروي عن ~~الحسن أنه كان لا يرى بأسا أن يخرج الرجل زكاة ماله قبل حلها لثلاث سنين؛ ~~لأنه تعجيل لها بعد وجود النصاب، أشبه تقديمها على الحول الواحد. وما لم ~~يرد به النص يقاس على المنصوص عليه إذا كان في معناه، ولا نعلم له معنى سوى ~~أنه تقديم للمال الذي وجد سبب وجوبه على شرط وجوبه، وهذا متحقق في التقديم ~~في الحولين، كتحققه في الحول الواحد. # فعلى هذا إذا كان عنده أكثر من النصاب، فعجل زكاته لحولين، جاز. وإن كان ~~قدر النصاب مثل من عنده أربعون شاة فعجل شاتين لحولين وكان المعجل من غيره ~~جاز وإن أخرج شاة منه وشاة من غيره جاز عن الحول الأول ولم يجز عن الثاني ~~لأن النصاب نقص فإن كمل بعد ذلك وصار إخراج زكاته وتعجيله لها قبل كمال ~~نصابها وإن أخرج الشاتين جميعا من النصاب لم تجز الزكاة في الحول الأول إذا ~~قلنا ليس له ارتجاع ما عجله لأنه كالتالف فيكون النصاب ناقصا فإن كمل بعد ~~ذلك استؤنف الحول من حين كمل النصاب وكان ما عجله سابقا على كمال النصاب ~~فلم يجز عنه. ### | [فصل عجل زكاة ماله فحال الحول والنصاب ناقص] # (1751) فصل وإن عجل زكاة ماله فحال الحول والنصاب ناقص مقدار ما عجله ~~أجزأت عنه ويكون حكم ما عجله حكم الموجود في ملكه يتم النصاب به فلو زاد ~~ماله حتى بلغ النصاب أو زاد عليه وحال الحول أجزأ المعجل عن زكاته لما ~~ذكرنا. # فإن نقص أكثر مما عجله فقد خرج بذلك من كونه سببا للزكاة، مثل من له ~~أربعون شاة فعجل شاة ثم تلفت أخرى فقد خرج عن كونه سببا للزكاة فإن زاد بعد ~~ذلك إما بنتاج أو شراء ما يتم به النصاب استؤنف الحول من حين كمل ms1110 النصاب ~~ولم يجز ما عجله عنه لما ذكرنا. # وإن زاد بحيث يكون انضمامه إلى ما عجله يتغير به الفرض، مثل من له مائة ~~وعشرون فعجل زكاتها شاة ثم حال الحول وقد أنتجت سخلة فإنه يلزمه إخراج شاة ~~ثانية وبما ذكرناه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ما عجله في حكم التالف فقال ~~في المسألة الأولى لا تجب الزكاة ولا يكون المخرج زكاة. # وقال في هذه المسألة لا يجب عليه زيادة لأن ما عجله زال ملكه عنه فلم ~~يحسب من ماله كما لو تصدق به تطوعا # PageV02P473 # ولنا أن هذا نصاب تجب فيه الزكاة بحول الحول فجاز تعجيلها منه كما لو كان ~~أكثر من أربعين ولأن ما عجله بمنزلة الموجود في إجزائه عن ماله فكان بمنزلة ~~الموجود في تعلق الزكاة به ولأنها لو لم تعجل كان عليه شاتان. # فكذلك إذا عجلت لأن التعجيل إنما كان رفقا بالمساكين فلا يصير سببا لنقص ~~حقوقهم، والتبرع يخرج ما تبرع به عن حكم الموجود في ماله وهذا في حكم ~~الموجود في الإجزاء عن الزكاة (1752) فصل وكل موضع قلنا لا يجزئه ما عجله ~~عن الزكاة فإن كان دفعها إلى الفقراء مطلقا فليس له الرجوع فيها وإن كان ~~دفعها بشرط أنها زكاة معجلة فهل له الرجوع على وجهين يأتي توجيههما ### | [فصل تعجيل العشر من الزرع والثمر] # (1753) فصل فأما تعجيل العشر من الزرع والثمر فظاهر كلام القاضي أنه لا ~~يجوز لأنه قال كل ما تتعلق الزكاة فيه بسببين: حول ونصاب جاز تعجيل زكاته. # فمفهوم هذا أنه لا يجوز تعجيل زكاة غيره لأن الزكاة معلقة بسبب واحد وهو ~~ادراك الزرع والثمرة فإذا قدمها قدمها قبل وجود سببها لكن إن أداها بعد ~~الإدراك وقبل يبس الثمرة وتصفية الحب جاز، وقال أبو الخطاب يجوز إخراجها ~~بعد وجود الطلع والحصرم، ونبات الزرع. # ولا يجوز قبل ذلك؛ لأن وجود الزرع واطلاع النخيل بمنزلة النصاب، والإدراك ~~بمنزلة حلول الحول؛ فجاز تقديمها عليه، وتعلق الزكاة بالإدراك لا يمنع جواز ~~التعجيل بدليل أن زكاة الفطر يتعلق وجوبها بهلال ms1111 شوال، وهو زمن الوجوب. ~~فإذا ثبت هذا فإنه لا يجوز تقديمها قبل ذلك، لأنه يكون قبل وجود سببها. ### | [فصل عجل زكاة ماله ثم مات فأراد الوارث الاحتساب بها عن زكاة حوله] # (1754) فصل: وإن عجل زكاة ماله، ثم مات، فأراد الوارث الاحتساب بها عن ~~زكاة حوله، لم يجز. وذكر القاضي وجها في جوازه، بناء على ما لو عجل زكاة ~~عامين. # ولا يصح؛ لأنه تعجيل للزكاة قبل وجود سببها، أشبه ما لو عجل زكاة نصاب ~~لغيره، ثم اشتراه، وذلك لأن سبب الزكاة ملك النصاب، وملك الوارث حادث، ولا ~~يبني الوارث على حول الموروث، ولأنه لم يخرج الزكاة، وإنما أخرجها غيره عن ~~نفسه، وإخراج الغير عنه من غير ولاية ولا نيابة لا يجزئ ولو نوى، فكيف إذا ~~لم ينو. # وقد قال أصحابنا: لو أخرج زكاته وقال: إن كان مورثي قد مات فهذه زكاة ~~ماله، فبان أنه قد مات، لم يقع الموقع. وهذا أبلغ، ولا يشبه هذا تعجيل زكاة ~~العامين؛ لأنه عجل بعد وجود السبب، وأخرجها بنفسه، بخلاف هذا. # PageV02P474 # فإن قيل: فإنه لما مات المورث قبل الحول، كان للوارث ارتجاعها، فإذا لم ~~يرتجعها احتسب بها كالدين قلنا: فلو أراد أن يحتسب الدين عن زكاته لم يصح، ~~ولو كان له عند رجل شاة من غصب أو قرض، فأراد أن يحسبها عن زكاته، لم تجزه. ### | [مسألة إذا دفع الزكاة المعجلة إلى مستحقها لم يخل من أربعة أقسام] # (1755) مسألة: قال: (ومن قدم زكاة ماله، فأعطاها لمستحقها، فمات المعطى ~~قبل الحول، أو بلغ الحول وهو غني منها، أو من غيرها، أجزأت عنه) . وجملة ~~ذلك أنه إذا دفع الزكاة المعجلة إلى مستحقها، لم يخل من أربعة أقسام: ~~أحدها، أن لا يتغير الحال، فإن المدفوع يقع موقعه، ويجزئ عن المزكي، ولا ~~يلزمه بدله، ولا له استرجاعه، كما لو دفعها بعد وجوبها. # الثاني: أن يتغير حال الآخذ لها، بأن يموت قبل الحول، أو يستغني، أو يرتد ~~قبل الحول. فهذا في حكم القسم الذي قبله، وبهذا قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي لا ms1112 يجزئ؛ لأن ما كان شرطا للزكاة إذا عدم قبل الحول لم يجز، ~~كما لو تلف المال، أو مات ربه. ولنا، أنه أدى الزكاة إلى مستحقها، فلم يمنع ~~الإجزاء تغير حاله، كما لو استغنى بها، ولأنه حق أداه إلى مستحقه، فبرئ ~~منه، كالدين يعجله قبل أجله، وما ذكروه منتقض بما إذا استغنى بها، والحكم ~~في الأصل ممنوع، ثم الفرق بينهما ظاهر، فإن المال إذا تلف تبين عدم الوجوب؛ ~~فأشبه ما لو أدى إلى غريمه دراهم يظنها عليه، فتبين أنها ليست عليه، وكما ~~لو أدى الضامن الدين، فبان أن المضمون عنه قد قضاه، وفي مسألتنا الحق واجب، ~~وقد أخذه مستحقه. # القسم الثالث، أن يتغير حال رب المال قبل الحول بموته أو ردته، أو تلف ~~النصاب، أو نقصه، أو بيعه، فقال أبو بكر: لا يرجع بها على الفقير، سواء ~~أعلمه أنها زكاة معجلة أو لم يعلمه. # وقال القاضي: وهو المذهب عندي؛ لأنها وصلت إلى الفقير فلم يكن له ~~ارتجاعها، كما لو لم يعلمه، ولأنها زكاة دفعت إلى مستحقها، فلم يجز ~~استرجاعها، كما لو تغير حال الفقير وحده. قال أبو عبد الله بن حامد: إن كان ~~الدافع لها الساعي، استرجعها بكل حال، وإن كان الدافع رب المال، وأعلمه ~~أنها زكاة معجلة، رجع بها، وإن أطلق لم يرجع بها. # وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه مال دفعه عما يستحقه القابض في الثاني؛ فإذا طرأ ~~ما يمنع الاستحقاق، وجب رده، كالأجرة إذا انهدمت الدار قبل السكنى، أما إذا ~~لم يعلمه فيحتمل أن يكون تطوعا ويحتمل أن يكون هبة، فلم يقبل قوله في ~~الرجوع، فعلى قول ابن حامد إن كانت العين باقية لم تتغير، أخذها، وإن زادت ~~زيادة متصلة، أخذها بزيادتها؛ لأنها تمنع في الفسوخ، # PageV02P475 # وإن كانت منفصلة، أخذها دون زيادتها؛ لأنها حدثت في ملك الفقير. # وإن كانت ناقصة، رجع على الفقير بالنقص؛ لأن الفقير قد ملكها بالنقص؛ ~~فكان نقصها عليه، كالمبيع إذا نقص في يد المشتري، ثم علم عيبه. وإن كانت ~~تالفة أخذ قيمتها يوم القبض؛ لأن ما ms1113 زاد بعد ذلك أو نقص فإنما هو في ملك ~~الفقير، فلم يضمنه، كالصداق يتلف في يد المرأة. القسم الرابع، أن يتغير ~~حالهما جميعا، فحكمه حكم القسم الذي قبله سواء. ### | [فصل قال رب المال قد أعلمته أنها زكاة معجلة فلي الرجوع فأنكر الآخذ] # (1756) فصل: إذا قال رب المال: قد أعلمته أنها زكاة معجلة، فلي الرجوع. ~~فأنكر الآخذ. فالقول قول الآخذ؛ لأنه منكر والأصل عدم الإعلام، وعليه ~~اليمين. وإن مات الآخذ، واختلف المخرج ووارث الآخذ فالقول قول الوارث، ~~ويحلف أنه لا يعلم أن مورثه أعلم بذلك. فأما من قال بعدم الاسترجاع، فلا ~~يمين ولا غيرها. ### | [فصل تسلف الإمام الزكاة فهلكت في يده] # (1757) فصل: إذا تسلف الإمام الزكاة، فهلكت في يده، فلا ضمان عليه، وكانت ~~من ضمان الفقراء. ولا فرق بين أن يسأله ذلك رب المال أو الفقراء أو لم ~~يسأله أحد؛ لأن يده كيد الفقراء، وقال الشافعي: إن تسلفها من غير سؤال ~~ضمنها؛ لأن الفقراء رشد، لا يولى عليهم، فإذا قبض بغير إذنهم ضمن، كالأب ~~إذا قبض لابنه الكبير. # وإن كان بسؤالهم كان من ضمانهم؛ لأنه وكيلهم. فإذا كان بسؤال أرباب ~~الأموال، لم يجزئهم الدفع، وكان من ضمانهم؛ لأنه وكيلهم. وإن كان بسؤالهم ~~ففيه وجهان، أصحهما، أنه من ضمان الفقراء. ولنا، أن للإمام ولاية على ~~الفقراء، بدليل جواز قبض الصدقة لهم بغير إذنهم سلفا وغيره، فإذا تلفت في ~~يده من غير تفريط، لم يضمن، كولي اليتيم إذا قبض له. # وما ذكروه يبطل بما إذا قبض الصدقة بعد وجوبها، وفارق الأب في حق ولده ~~الكبير؛ فإنه لا يجوز له القبض له؛ لعدم ولايته عليه، ولهذا يضمن ما قبضه ~~له من الحق بعد وجوبه. # (1758) مسألة: قال: (ولا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية) . إلا أن يأخذها ~~الإمام منه قهرا. مذهب عامة الفقهاء أن النية شرط في أداء الزكاة، إلا ما ~~حكي عن الأوزاعي أنه قال: لا تجب لها النية، لأنها دين فلا تجب لها النية، ~~كسائر الديون، ولهذا يخرجها ولي اليتيم، ويأخذها السلطان من الممتنع. ms1114 # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» وأداؤها ~~عمل، ولأنها عبادة تتنوع إلى فرض # PageV02P476 # ونفل، فافتقرت إلى النية كالصلاة، وتفارق قضاء الدين؛ فإنه ليس بعبادة، ~~ولهذا يسقط بإسقاط مستحقه، وولي الصبي والسلطان ينوبان عند الحاجة. فإذا ~~ثبت هذا فإن النية أن يعتقد أنها زكاته، أو زكاة من يخرج عنه. كالصبي ~~والمجنون، ومحلها القلب؛ لأن محل الاعتقادات كلها القلب. # (1759) فصل: ويجوز تقديم النية على الأداء بالزمن اليسير، كسائر ~~العبادات؛ ولأن هذه تجوز النيابة فيها، فاعتبار مقارنة النية للإخراج يؤدي ~~إلى التغرير بماله، فإن دفع الزكاة إلى وكيله، ونوى هو دون الوكيل، جاز إذا ~~لم تتقدم نيته الدفع بزمن طويل. وإن تقدمت بزمن طويل لم يجز، إلا أن يكون ~~قد نوى حال الدفع إلى الوكيل، ونوى الوكيل عند الدفع إلى المستحق، ولو نوى ~~الوكيل ولم ينو الموكل لم يجز؛ لأن الفرض يتعلق به، والإجزاء يقع عنه. # وإن دفعها إلى الإمام ناويا ولم ينو الإمام حال دفعها إلى الفقراء، جاز، ~~وإن طال؛ لأنه وكيل الفقراء. ولو تصدق الإنسان بجميع ماله تطوعا ولم ينو به ~~الزكاة، لم يجزئه. وبهذا قال الشافعي. وقال أصحاب أبي حنيفة: يجزئه ~~استحبابا ولا يصح؛ لأنه لم ينو به الفرض، فلم يجزئه، كما لو تصدق ببعضه، ~~وكما لو صلى مائة ركعة ولم ينو الفرض بها. # (1760) فصل: ولو كان له مال غائب فشك في سلامته، جاز له إخراج الزكاة ~~عنه، وكانت نية الإخراج صحيحة؛ لأن الأصل بقاؤه. فإن نوى إن كان مالي سالما ~~فهذه زكاته، وإن كان تالفا فهي تطوع. فبان سالما، أجزأت نيته؛ لأنه أخلص ~~النية للفرض، ثم رتب عليها النفل، وهذا حكمها كما لو لم يقله، فإذا قاله لم ~~يضر. # ولو قال: هذا زكاة مالي الغائب أو الحاضر. صح؛ لأن التعيين ليس بشرط، ~~بدليل أن من له أربعون دينارا إذا أخرج نصف دينار عنها، صح، وإن كان ذلك ~~يقع عن عشرين غير معينة. وإن قال: هذا زكاة مالي الغائب أو تطوع. لم يجزئه ~~ذكره أبو بكر ms1115 لأنه لم يخلص النية للفرض. # أشبه ما لو قال: أصلي فرضا أو تطوعا. وإن قال: هذا زكاة مالي الغائب إن ~~كان سالما وإلا فهو زكاة مالي الحاضر. أجزأه عن السالم منهما. وإن كانا ~~سالمين فعن أحدهما، لأن التعيين ليس بشرط. وإن قال: زكاة مالي الغائب. ~~وأطلق، فبان تالفا، لم يكن له أن يصرفه إلى زكاة غيره؛ لأنه عينه، فأشبه ما ~~لو أعتق عبدا عن كفارة عينها فلم يقع عنها، لم يكن له صرفه إلى كفارة أخرى. # PageV02P477 # هذا التفريع فيما إذا كانت المعينة مما لا يمنع إخراج زكاته في بلد رب ~~المال؛ إما لقربه، أو لكون البلد لا يوجد فيه أهل السهمان، أو على الرواية ~~التي تقول بإخراجها في بلد بعيد من بلد المال. وإن كان له مورث غائب فقال: ~~إن كان مورثي قد مات، فهذه زكاة ماله الذي ورثته منه، فبان ميتا، لم يجزئه ~~ما أخرج؛ لأنه يبني على غير أصل، فهو كما لو قال ليلة الشك: إن كان غدا من ~~رمضان فهو فرضي، وإن لم يكن فهو نفل. ### | [مسألة نية الزكاة] # (1761) مسألة: قال: (إلا أن يأخذها الإمام منه قهرا) . مقتضى كلام ~~الخرقي، أن الإنسان متى دفع زكاته طوعا لم تجزئه إلا بنية، سواء دفعها إلى ~~الإمام أو غيره، وإن أخذها الإمام منه قهرا، أجزأت من غير نية؛ لأن تعذر ~~النية في حقه أسقط وجوبها عنه كالصغير والمجنون. وقال القاضي: متى أخذها ~~الإمام أجزأت من غير نية، سواء أخذها طوعا أو كرها. # وهذا قول الشافعي؛ لأن أخذ الإمام بمنزلة القسم بين الشركاء، فلم يحتج ~~إلى نية، ولأن للإمام ولاية في أخذها، ولذلك يأخذها من الممتنع اتفاقا ولو ~~لم يجزئه لما أخذها، أو لأخذها ثانيا وثالثا حتى ينفد ماله؛ لأن أخذها إن ~~كان لإجزائها فلا يحصل الإجزاء بدون النية، وإن كان لوجوبها فالوجوب باق ~~بعد أخذها. # واختار أبو الخطاب وابن عقيل: أنها لا تجزئ فيما بينه وبين الله تعالى ~~إلا بنية رب المال؛ لأن الإمام إما وكيله، وإما وكيل الفقراء، أو ms1116 وكيلهما ~~معا، وأي ذلك كان فلا تجزئ نيته عن نية رب المال، ولأن الزكاة عبادة تجب ~~لها النية، فلا تجزئ عمن وجبت عليه بغير نية، إن كان من أهل النية كالصلاة، ~~وإنما أخذت منه مع عدم الإجزاء حراسة للعلم الظاهر كالصلاة يجبر عليها ~~ليأتي بصورتها، ولو صلى بغير نية لم يجزئه عند الله تعالى. # قال ابن عقيل: ومعنى قول الفقهاء: يجزئ عنه. أي في الظاهر، بمعنى أنه لا ~~يطالب بأدائها ثانيا، كما قلنا في الإسلام، فإن المرتد يطالب بالشهادة، ~~فمتى أتى بها حكم بإسلامه ظاهرا، ومتى لم يكن معتقدا صحة ما يلفظ به، لم ~~يصح إسلامه باطنا. قال: وقول أصحابنا: لا تقبل توبة الزنديق. # معناه: لا يسقط عنه القتل الذي توجه عليه؛ لعدم علمنا بحقيقة توبته؛ لأن ~~أكثر ما فيه أنه أظهر إيمانه، وقد كان دهره يظهر إيمانه، ويستر كفره، فأما ~~عند الله عز وجل فإنها تصح إذا علم منه حقيقة الإنابة، وصدق التوبة، ~~واعتقاد الحق ومن نصر قول الخرقي، قال: إن للإمام ولاية على الممتنع، فقامت ~~نيته مقام نيته، كولي اليتيم والمجنون، وفارق الصلاة؛ فإن النيابة فيها لا ~~تصح، فلا بد من نية فاعلها. # وقوله: لا يخلو من كونه وكيلا له، أو وكيلا للفقراء، أو لهما. قلنا: بل ~~هو وال على المالك، وأما # PageV02P478 # إلحاق الزكاة بالقسمة فغير صحيح، فإن القسمة ليست عبادة، ولا يعتبر لها ~~نية، بخلاف الزكاة. ### | [فصل تولى المزكى تفرقة الزكاة] # (1762) فصل: ويستحب للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه؛ ليكون على يقين ~~من وصولها إلى مستحقها، سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة. قال ~~الإمام أحمد: أعجب إلى أن يخرجها، وإن دفعها إلى السلطان. فهو جائز. # وقال الحسن ومكحول وسعيد بن جبير وميمون بن مهران يضعها رب المال في ~~موضعها. وقال الثوري احلف لهم، وأكذبهم، ولا تعطهم شيئا، إذا لم يضعوها ~~مواضعها، وقال لا تعطهم: وقال عطاء: أعطهم. إذا وضعوها مواضعها. فمفهومه ~~أنه لا يعطيهم إذا لم يكونوا كذلك. وقال الشعبي وأبو جعفر إذا رأيت الولاة ~~لا ms1117 يعدلون، فضعها في أهل الحاجة من أهلها: وقال إبراهيم ضعوها في مواضعها، ~~وإن أخذها السلطان أجزأك. وقال سعيد: أنبأنا أبو عوانة، عن مهاجر أبي الحسن ~~قال: أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة وهما على بيت المال، فأخذاها، ثم جئت ~~مرة أخرى، فرأيت أبا وائل وحده. فقال لي: ردها فضعها مواضعها. # وقد روي عن أحمد أنه قال: أما صدقة الأرض فيعجبني دفعها إلى السلطان. ~~وأما زكاة الأموال كالمواشي، فلا بأس أن يضعها في الفقراء والمساكين. فظاهر ~~هذا أنه استحب دفع العشر خاصة إلى الأئمة؛ وذلك لأن العشر قد ذهب قوم إلى ~~أنه مئونة الأرض، فهو كالخراج يتولاه الأئمة، بخلاف سائر الزكاة. والذي ~~رأيت في " الجامع " قال: أما صدقة الفطر، فيعجبني دفعها إلى السلطان. # ثم قال أبو عبد الله قيل لابن عمر إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها ~~الخمور؟ ، قال: ادفعها إليهم. وقال ابن أبي موسى وأبو الخطاب دفع الزكاة ~~إلى الإمام العادل أفضل. وهو قول أصحاب الشافعي. # وممن قال: يدفعها إلى الإمام؛ الشعبي ومحمد بن علي وأبو رزين، والأوزاعي؛ ~~لأن الإمام أعلم بمصارفها، ودفعها إليه يبرئه ظاهرا وباطنا، ودفعها إلى ~~الفقير لا يبرئه باطنا، لاحتمال أن يكون غير مستحق لها، ولأنه يخرج من ~~الخلاف، وتزول عنه التهمة. # وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير، أو نجدة ~~الحروري. وقد روي عن سهيل بن أبي صالح، قال: أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: ~~عندي مال، وأريد أن أخرج زكاته، وهؤلاء القوم على ما ترى، فما تأمرني؟ قال: ~~ادفعها إليهم. فأتيت ابن عمر، فقال مثل ذلك، فأتيت أبا هريرة فقال مثل ذلك، ~~فأتيت أبا سعيد فقال مثل ذلك. ويروى نحوه عن عائشة - رضي الله عنها -. وقال ~~مالك وأبو حنيفة وأبو عبيد: لا يفرق الأموال الظاهرة إلا الإمام؛ لقول الله ~~تعالى # PageV02P479 # {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] . # ولأن أبا بكر، طالبهم بالزكاة، وقاتلهم عليها، وقال: لو منعوني عناقا ~~كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم ms1118 عليها. ~~ووافقه الصحابة على هذا، ولأن ما للإمام قبضه بحكم الولاية، لا يجوز دفعه ~~إلى المولى عليه، كولي اليتيم. وللشافعي قولان كالمذهبين. ولنا، على جواز ~~دفعها بنفسه أنه دفع الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه. # فأجزأه، كما لو دفع الدين إلى غريمه، وكزكاة الأموال الباطنة، ولأنه أحد ~~نوعي الزكاة، فأشبه النوع الآخر، والآية تدل على أن للإمام أخذها. ولا خلاف ~~فيه، ومطالبة أبي بكر لهم بها، لكونهم لم يؤدوها إلى أهلها، ولو أدوها إلى ~~أهلها لم يقاتلهم عليها؛ لأن ذلك مختلف في إجزائه، فلا تجوز المقاتلة من ~~أجله، وإنما يطالب الإمام بحكم الولاية والنيابة عن مستحقيها، فإذا دفعها ~~إليهم جاز؛ لأنهم أهل رشد، فجاز الدفع إليهم، بخلاف اليتيم. # وأما وجه فضيلة دفعها بنفسه، فلأنه إيصال الحق إلى مستحقه، مع توفير أجر ~~العمالة، وصيانة حقهم، عن خطر الخيانة، ومباشرة تفريج كربة مستحقها، ~~وإغنائه بها، مع إعطائها للأولى بها؛ من محاويج أقاربه، وذوي رحمه، وصلة ~~رحمه بها، فكان أفضل، كما لو لم يكن آخذها من أهل العدل. فإن قيل: فالكلام ~~في الإمام العادل، إذ الخيانة مأمونة في حقه. قلنا: الإمام لا يتولى ذلك ~~بنفسه، وإنما يفوضه إلى نوابه، فلا تؤمن منهم الخيانة، ثم ربما لا يصل إلى ~~المستحق الذي قد علمه المالك من أهله وجيرانه شيء منها، وهم أحق الناس ~~بصلته وصدقته ومواساته. # وقولهم: إن أخذ الإمام يبرئه ظاهرا وباطنا. قلنا: يبطل هذا بدفعها إلى ~~غير العادل؛ فإنه يبرئه أيضا، وقد سلموا أنه ليس بأفضل، ثم إن البراءة ~~الظاهرة تكفي. وقولهم: إنه تزول به التهمة. قلنا: متى أظهرها زالت التهمة، ~~سواء أخرجها بنفسه، أو دفعها إلى الإمام، ولا يختلف المذهب أن دفعها إلى ~~الإمام، سواء كان عادلا أو غير عادل، وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو ~~الباطنة، ويبرأ بدفعها سواء تلفت في يد الإمام أو لم تتلف، أو صرفها في ~~مصارفها أو لم يصرفها؛ لما ذكرنا عن الصحابة - رضي الله عنهم -، ولأن ~~الإمام نائب عنهم شرعا فبرئ بدفعها إليه، كولي اليتيم إذا قبضها ms1119 له، ولا ~~يختلف المذهب أيضا في أن صاحب المال يجوز أن يفرقها بنفسه. # PageV02P480 ### | [فصل أخذ الخوارج والبغاة الزكاة] # (1763) فصل: إذا أخذ الخوارج والبغاة الزكاة، أجزأت عن صاحبها. وحكى ابن ~~المنذر عن أحمد والشافعي وأبي ثور، في الخوارج، أنه يجزئ. وكذلك كل من ~~أخذها من السلاطين، أجزأت عن صاحبها، سواء عدل فيها أو جار، وسواء أخذها ~~قهرا أو دفعها إليه اختيارا. قال أبو صالح: سألت سعد بن أبي وقاص وابن عمر ~~وجابرا وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة فقلت: هذا السلطان يصنع ما ترون، ~~أفأدفع إليهم زكاتي؟ فقالوا كلهم: نعم # وقال إبراهيم يجزئ عنك ما أخذ منك العشارون. وعن سلمة بن الأكوع أنه دفع ~~صدقته إلى نجدة. وعن ابن عمر، أنه سئل عن مصدق ابن الزبير، ومصدق نجدة، ~~فقال: إلى أيهما دفعت أجزأ عنك. وبهذا قال أصحاب الرأي فيما غلبوا عليه. ~~وقالوا: إذا مر على الخوارج فعشروه، لا يجزئ عن زكاته. وقال أبو عبيد في ~~الخوارج يأخذون الزكاة: على من أخذوا منه الإعادة؛ لأنهم ليسوا بأئمة، ~~فأشبهوا قطاع الطريق. # ولنا، قول الصحابة - رضي الله عنهم -، من غير خلاف في عصرهم علمناه، ~~فيكون إجماعا ولأنه دفعها إلى أهل الولاية، فأشبه دفعها إلى أهل البغي. ### | [فصل دعاء دافع الزكاة ودعاء الآخذ لها] # (1764) فصل: وإذا دفع الزكاة استحب أن يقول: اللهم اجعلها مغنما ولا ~~تجعلها مغرما، ويحمد الله على التوفيق لأدائها. فقد روى أبو هريرة قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن ~~تقولوا: اللهم اجعلها مغنما، ولا تجعلها مغرما» . أخرجه ابن ماجه. ويستحب ~~للآخذ أن يدعو لصاحبها فيقول آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أنققت، ~~وجعله لك طهورا. # وإن كان الدفع إلى الساعي، أو الإمام شكره ودعا له، قال الله تعالى: {خذ ~~من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: ~~103] . «قال عبد الله بن أبي أوفى: كان أبي من أصحاب الشجرة، وكان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقتهم، ms1120 قال: اللهم صل على آل فلان. ~~فأتاه أبي بصدقته، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى» متفق عليه. # والصلاة هاهنا الدعاء والتبريك وليس هذا بواجب؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حين بعث معاذا إلى اليمن، قال: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم، فترد في فقرائهم.» متفق عليه. فلم يأمره بالدعاء. ولأن ذلك لا ~~يجب على الفقير المدفوع إليه، فالنائب أولى. # PageV02P481 ### | [فصل دفع الزكاة إلى الكبير والصغير] # (1765) فصل: ويجوز دفع الزكاة إلى الكبير والصغير، سواء أكل الطعام أو لم ~~يأكل. قال أحمد يجوز أن يعطي زكاته في أجر رضاع لقيط غيره، هو فقير من ~~الفقراء. وعنه: لا يجوز دفعها إلا إلى من أكل الطعام. قال المروذي: كان أبو ~~عبد الله لا يرى أن يعطى الصغير من الزكاة، إلا أن يطعم الطعام. والأول ~~أصح؛ لأنه فقير، فجاز الدفع إليه، كالذي طعم، ولأنه يحتاج إلى الزكاة لأجر ~~رضاعه وكسوته وسائر حوائجه، فيدخل في عموم النصوص، ويدفع الزكاة إلى وليه؛ ~~لأنه يقبض حقوقه، وهذا من حقوقه. فإن لم يكن له ولي دفعها إلى من يعنى ~~بأمره، ويقوم به من أمه أو غيرها. نص عليه أحمد وكذلك المجنون، قال هارون ~~الحمال: قلت لأحمد فكيف يصنع بالصغار؟ قال: يعطى أولياؤهم. فقلت: ليس لهم ~~ولي، قال: فيعطى من يعنى بأمرهم من الكبار فرخص في ذلك. وقال مهنا: سألت ~~أبا عبد الله يعطى من الزكاة المجنون، والذاهب عقله؟ قال: نعم. قلت: من ~~يقبضها له؟ قال: وليه. قلت: ليس له ولي؟ قال الذي يقوم عليه. وإن دفعها إلى ~~الصبي العاقل، فظاهر كلام أحمد أنه يجزئه. # قال المروذي قلت لأحمد يعطى غلام يتيم من الزكاة؟ قال: نعم. قلت: فإني ~~أخاف أن يضيعه. قال: يدفعه إلى من يقوم بأمره. وقد روى الدارقطني، بإسناده ~~عن أبي جحيفة، قال: «بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فينا ساعيا، ~~فأخذ الصدقة من أغنيائنا فردها في فقرائنا» وكنت غلاما يتيما لا مال لي، ~~فأعطاني قلوصا. ### | [فصل دفع الزكاة إلى من يظنه فقيرا] # (1766) فصل: ms1121 وإذا دفع الزكاة إلى من يظنه فقيرا، لم يحتج إلى إعلامه أنها ~~زكاة. قال الحسن أتريد أن تقرعه، لا تخبره؟ وقال أحمد بن الحسين: قلت ~~لأحمد: يدفع الرجل الزكاة إلى الرجل، فيقول: هذا من الزكاة. أو يسكت؟ قال: ~~ولم يبكته بهذا القول؟ يعطيه ويسكت، وما حاجته إلى أن يقرعه؟ . ### | [مسألة لا يعطى من الصدقة المفروضة للوالدين] # (1767) مسألة: قال: (ولا يعطى من الصدقة المفروضة للوالدين، وإن علوا، ~~ولا للولد، وإن سفل) قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز ~~دفعها إلى الوالدين، في الحال التي يجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم، ~~ولأن دفع زكاته إليهم تغنيهم عن نفقته، وتسقطها عنه، ويعود نفعها إليه، ~~فكأنه دفعها إلى نفسه، فلم تجز، كما لو قضى بها دينه، وقول الخرقي " ~~للوالدين " يعني الأب والأم. # وقوله: " وإن علوا " يعني آباءهما وأمهاتهما، وإن ارتفعت درجتهم من ~~الدافع، كأبوي الأب، وأبوي # PageV02P482 # الأم، وأبوي كل واحد منهم، وإن علت درجتهم، من يرث منهم ومن لا يرث. ~~وقوله: " والولد وإن سفل " يعني وإن نزلت درجته من أولاده البنين والبنات، ~~الوارث وغير الوارث. نص عليه أحمد فقال: لا يعطي الوالدين من الزكاة، ولا ~~الولد ولا ولد الولد، ولا الجد ولا الجدة ولا ولد البنت، قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «إن ابني هذا سيد» يعني الحسن، فجعله ابنه ولأنه من عمودي ~~نسبه، فأشبه الوارث، ولأن بينهما قرابة جزئية وبعضية، بخلاف غيرها. ### | [فصل دفع الزكاة لمن لا يرث من الأقارب] # (1768) فصل: فأما سائر الأقارب، فمن لا يورث منهم يجوز دفع الزكاة إليه، ~~سواء كان انتفاء الإرث لانتفاء سببه، لكونه بعيد القرابة ممن لم يسم الله ~~تعالى ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - له ميراثا، أو كان لمانع، مثل أن ~~يكون محجوبا عن الميراث، كالأخ المحجوب بالابن أو الأب، والعم المحجوب ~~بالأخ وابنه وإن نزل، فيجوز دفع الزكاة؛ إليه لأنه لا قرابة جزئية بينهما ~~ولا ميراث، فأشبها الأجانب. # وإن كان بينهما ميراث كالأخوين اللذين يرث كل واحد منهما الآخر، ففيه ms1122 ~~روايتان؛ إحداهما: يجوز لكل واحد منهما دفع زكاته إلى الآخر، وهي الظاهرة ~~عنه، رواها عنه الجماعة، قال في رواية إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور، ~~وقد سأله: يعطي الأخ والأخت والخالة من الزكاة؟ قال: يعطي كل القرابة إلا ~~الأبوين والولد. وهذا قول أكثر أهل العلم. # قال أبو عبيد هو القول عندي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصدقة ~~على المسكين صدقة، وهي لذي الرحم اثنان؛ صدقة وصلة» فلم يشترط نافلة ولا ~~فريضة، ولم يفرق بين الوارث وغيره. # ولأنه ليس من عمودي نسبه، فأشبه الأجنبي. والرواية الثانية، لا يجوز ~~دفعها إلى الموروث. وهو ظاهر قول الخرقي لقوله: ولا لمن تلزمه مؤنته " وعلى ~~الوارث مؤنة الموروث؛ لأنه يلزمه مؤنته، فيغنيه بزكاته عن مؤنته، ويعود نفع ~~زكاته إليه، فلم يجز، كدفعها إلى والده، أو قضاء دينه بها. # والحديث يحتمل صدقة التطوع، فيحمل عليها. فعلى هذا إن كان أحدهما يرث ~~الآخر، ولا يرثه الآخر، كالعمة مع ابن أخيها، والعتيق مع معتقه، فعلى ~~الوارث منهما نفقة مورثه، وليس له دفع زكاته إليه، وليس على الموروث منهما ~~نفقة وارثه، ولا يمنع من دفع زكاته إليه، لانتفاء المقتضي للمنع. ولو كان ~~الأخوان لأحدهما ابن، والآخر لا ولد له، فعلى أبي الابن نفقة أخيه، وليس له ~~دفع زكاته إليه، وللذي لا ولد له، له دفع زكاته إلى أخيه، ولا يلزمه نفقته؛ ~~لأنه محجوب عن ميراثه. ونحو هذا قول الثوري فأما ذوو الأرحام في الحال التي ~~يرثون فيها، فيجوز دفعها إليهم، في ظاهر المذهب؛ لأن قرابتهم ضعيفة، لا يرث ~~بها مع عصبة، ولا ذي فرض، # PageV02P483 # غير أحد الزوجين، فلم تمنع دفع الزكاة كقرابة سائر المسلمين، فإن ماله ~~يصير إليهم، إذا لم يكن له وارث. ### | [مسألة من لا تعطي لهم الصدقة] # (1769) مسألة: قال: (ولا للزوج، ولا للزوجة) أما الزوجة فلا يجوز دفع ~~الزكاة إليها إجماعا. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي ~~زوجته من الزكاة؛ وذلك لأن نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخذ الزكاة، ~~فلم ms1123 يجز دفعها إليها، كما لو دفعها إليها على سبيل الإنفاق عليها. وأما ~~الزوج، ففيه روايتان: إحداهما، لا يجوز دفعها إليه. # وهو اختيار أبي بكر ومذهب أبي حنيفة لأنه أحد الزوجين، فلم يجز للآخر دفع ~~زكاته إليه كالآخر، ولأنها تنتفع بدفعها إليه؛ لأنه إن كان عاجزا عن ~~الإنفاق عليها، تمكن بأخذ الزكاة من الإنفاق، فيلزمه، وإن لم يكن عاجزا، ~~ولكنه أيسر بها، لزمته نفقة الموسرين، فتنتفع بها في الحالين، فلم يجز لها ~~ذلك، كما لو دفعتها في أجرة دار، أو نفقة رقيقها أو بهائمها. # فإن قيل: فيلزم على هذا الغريم؛ فإنه يجوز له دفع زكاته إلى غريمه، ويلزم ~~الآخذ بذلك وفاء دينه؛ فينتفع الدافع بدفعها إليه. قلنا: الفرق بينهما من ~~وجهين: أحدهما، أن حق الزوجة في النفقة آكد من حق الغريم، بدليل أن نفقة ~~المرأة مقدمة في مال المفلس على أداء دينه، وأنها تملك أخذها من ماله بغير ~~علمه، إذا امتنع من أدائها، والثاني أن المرأة تنبسط في مال زوجها بحكم ~~العادة، ويعد مال كل واحد منهما مالا للآخر، ولهذا قال ابن مسعود في عبد ~~سرق مرآة امرأة سيده: عبدكم سرق مالكم. ولم يقطعه # وروي ذلك عن عمر وكذلك لا تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه، بخلاف الغريم ~~مع غريمه. والرواية الثانية، يجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها. وهو مذهب ~~الشافعي وابن المنذر وطائفة من أهل العلم؛ «لأن زينب امرأة عبد الله بن ~~مسعود قالت يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت ~~أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه هو وولده أحق من تصدقت عليهم. فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم.» ~~رواه البخاري. # وروي «أن امرأة عبد الله سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بني أخ ~~لها أيتام في حجرها، أفتعطيهم زكاتها؟ قال: نعم» # وروى الجوزجاني، بإسناده عن عطاء قال: «أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن علي نذرا أن ms1124 أتصدق بعشرين درهما، وإن لي ~~زوجا فقيرا، أفيجزئ عني أن # PageV02P484 # أعطيه؟ قال: نعم، لك كفلان من الأجر.» ولأنه لا تجب نفقته، فلا يمنع دفع ~~الزكاة إليه، كالأجنبي، ويفارق الزوجة، فإن نفقتها واجبة عليه، ولأن الأصل ~~جواز الدفع لدخول الزوج في عموم الأصناف المسمين في الزكاة، وليس في المنع ~~نص ولا إجماع. # وقياسه على من ثبت المنع في حقه غير صحيح؛ لوضوح الفرق بينهما، فيبقى ~~جواز الدفع ثابتا، والاستدلال بهذا أقوى من الاستدلال بالنصوص، لضعف ~~دلالتها؛ فإن الحديث الأول في صدقة التطوع، لقولها: أردت أن أتصدق بحلي لي. ~~ولا تجب الصدقة بالحلي، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «زوجك وولدك أحق ~~من تصدقت به عليهم.» والولد لا تدفع إليه الزكاة. والحديث الثاني، ليس فيه ~~ذكر الزوج، وذكر الزكاة فيه غير محفوظ. # قال أحمد من ذكر الزكاة فهو عندي غير محفوظ، إنما ذاك صدقة من غير ~~الزكاة، كذا قال الأعمش فأما الحديث الآخر فهو مرسل، وهو في النذر. # (1770) فصل: فإن كان في عائلته من لا يجب عليه الإنفاق عليه كيتيم أجنبي، ~~فظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز له دفع زكاته إليه؛ لأنه ينتفع بدفعها إليه، ~~لإغنائه بها عن مؤنته. والصحيح، إن شاء الله، جواز دفعها إليه؛ لأنه داخل ~~في أصناف المستحقين للزكاة، ولم يرد في منعه نص ولا إجماع ولا قياس صحيح، ~~فلا يجوز إخراجه من عموم النص بغير دليل، وإن توهم أنه ينتفع بدفعها إليه، ~~قلنا: قد لا ينتفع به، فإنه يصرفها في مصالحه التي لا يقوم بها الدافع، وإن ~~قدر الانتفاع فإنه نفع لا يسقط به واجب عليه، ولا يجتلب به مال إليه، فلم ~~يمنع ذلك الدفع، كما لو كان يصله تبرعا من غير أن يكون من عائلته. ### | [فصل ليس لمخرج الزكاة شراؤها ممن صارت إليه] # (1771) فصل: وليس لمخرج الزكاة شراؤها ممن صارت إليه. وروي ذلك عن الحسن ~~وهو قول قتادة ومالك قال أصحاب مالك: فإن اشتراها لم ينقض البيع. وقال ~~الشافعي وغيره: يجوز لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم ms1125 - «لا تحل الصدقة ~~لغني، إلا لخمسة؛ رجل ابتاعها بماله» # وروى سعيد، في " سننه «أن رجلا تصدق على أمه # PageV02P485 # بصدقة ثم ماتت، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: قد قبل الله ~~صدقتك، وردها إليك الميراث.» وهذا في معنى شرائها. ولأن ما صح أن يملك ~~إرثا، صح أن يملك ابتياعا، كسائر الأموال. ولنا، ما روى عمر، «أنه قال: ~~حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، وظننت أنه بائعه برخص، ~~فأردت أن أشتريه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا تبتعه، ~~ولا تعد في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في ~~قيئه» متفق عليه. # فإن قيل: يحتمل أنها كانت حبيسا في سبيل الله فمنعه لذلك. قلنا: لو كانت ~~حبيسا لما باعها الذي هي في يده، ولا هم عمر بشرائها، بل كان ينكر على ~~البائع ويمنعه، فإنه لم يكن يقر على منكر، فكيف يفعله، ويعين عليه. ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أنكر بيعها، إنما أنكر على عمر الشراء، ~~معللا بكونه عائدا في الصدقة. # الثاني، أننا نحتج بعموم اللفظ من غير نظر إلى خصوص السبب، فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تعد في صدقتك» أي بالشراء فإن العائد في ~~صدقته كالعائد في قيئه. والأخذ بعموم اللفظ أولى من التمسك بخصوص السبب. # فإن قيل: فإن اللفظ لا يتناول الشراء فإن العود في الصدقة ارتجاعها بغير ~~عوض، وفسخ للعقد، كالعود في الهبة، والدليل على هذا قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «العائد في هبته كالعائد في قيئه.» ولو وهب إنسانا شيئا، ثم ~~اشتراه منه، جاز. قلنا: النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر ذلك جوابا لعمر ~~حين سأله عن شراء الفرس، فلو لم يكن اللفظ متناولا للشراء المسئول عنه لم ~~يكن مجيبا له، ولا يجوز إخراج خصوص السبب من عموم اللفظ؛ لئلا يخلو السؤال ~~عن الجواب، وقد روي عن جابر أنه قال: إذا جاء المصدق فادفع إليه صدقتك، ولا ~~تشترها، فإنهم كانوا يقولون: ابتعها ms1126 فأقول: إنما هي لله. # وعن ابن عمر أنه قال: لا تشتر طهور مالك. ولأن في شرائه لها وسيلة إلى ~~استرجاع شيء منها؛ لأن الفقير يستحي منه، فلا يماكسه في ثمنها، وربما رخصها ~~له طمعا في أن يدفع إليه صدقة أخرى، وربما علم أنه إن لم يبعه إياها ~~استرجعها منه أو توهم ذلك، وما هذا سبيله ينبغي أن يجتنب، كما لو شرط عليه ~~أن يبيعه إياها. وهو أيضا ذريعة إلى إخراج القيمة، وهو ممنوع من ذلك. # أما حديثهم فنقول به، وأنها ترجع إليه بالميراث وليس هذا محل النزاع. قال ~~ابن عبد البر كل العلماء يقولون: إذا رجعت إليه بالميراث طابت له، إلا ابن ~~عمر والحسن بن حي. وليس البيع في معنى الميراث؛ لأن الملك ثبت بالميراث ~~حكما بغير اختياره، وليس # PageV02P486 # بوسيلة إلى شيء مما ذكرنا، والحديث الآخر مرسل، وهو عام، وحديثنا خاص ~~صحيح، فالعمل به أولى من كل وجه. # (1772) فصل: فإن دعت الحاجة إلى شراء صدقته، مثل أن يكون الفرض جزءا من ~~حيوان لا يمكن الفقير الانتفاع بعينه، ولا يجد من يشتريه سوى المالك ~~لباقيه، ولو اشتراه غيره لتضرر المالك بسوء المشاركة، أو إذا كان الواجب في ~~ثمرة النخل والكرم عنبا ورطبا، فاحتاج الساعي إلى بيعها قبل الجذاذ، فقد ~~ذكر القاضي أنه يجوز بيعها من رب المال في هذا الموضع. وكذلك يجيء في ~~الصورة الأولى، وفي كل موضع دعت الحاجة إلى شرائه لها؛ لأن المنع من الشراء ~~في محل الوفاق إنما كان لدفع الضرر عن الفقير، والضرر عليه في منع البيع ~~هاهنا أعظم، فدفعه بجواز البيع أولى. ### | [فصل دفع الزكاة إلى الغريم] # (1773) فصل: قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دين برهن ~~وليس عنده قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مال يريد أن يفرقها على المساكين، فيدفع ~~إليه رهنه ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك. ويحسبه من زكاة ماله. # قال: لا يجزئه ذلك. فقلت له: فيدفع إليه من زكاته، فإن رده إليه قضاء مما ~~له، أخذه؟ فقال: ms1127 نعم. وقال في موضع آخر، وقيل له: فإن أعطاه، ثم رده إليه؟ ~~قال: إذا كان بحيلة فلا يعجبني. قيل له: فإن استقرض الذي عليه الدين دراهم، ~~فقضاه إياها ثم ردها عليه، وحسبها من الزكاة؟ فقال: إذا أراد بها إحياء ~~ماله فلا يجوز فحصل من كلامه أن دفع الزكاة إلى الغريم جائز، سواء دفعها ~~ابتداء، أو استوفى حقه ثم دفع ما استوفاه إليه، إلا أنه متى قصد بالدفع ~~إحياء ماله، أو استيفاء دينه، لم يجز؛ لأن الزكاة لحق الله تعالى، فلا يجوز ~~صرفها إلى نفعه، ولا يجوز أن يحتسب الدين الذي له من الزكاة قبل قبضه؛ لأنه ~~مأمور بأدائها وإيتائها، وهذا إسقاط، والله أعلم. ### | [مسألة زكاة الأموال لا تعطى لكافر ولا لمملوك] # (1774) مسألة: قال: (ولا لكافر، ولا لمملوك) لا نعلم بين أهل العلم خلافا ~~في أن زكاة الأموال لا تعطى لكافر ولا لمملوك. قال ابن المنذر أجمع كل من ~~نحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا. # «ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة ~~تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم» . فخصهم بصرفها إلى فقرائهم، كما خصهم ~~بوجوبها على أغنيائهم. وأما المملوك فلا يملكها بدفعها إليه، وما يعطاه فهو ~~لسيده، فكأنه دفعها إلى سيده، ولأن العبد يجب على سيده نفقته، فهو غني ~~بغناه. # PageV02P487 ### | [مسألة للعامل أن يأخذ عمالته من الزكاة سواء كان حرا أو عبدا] # (1775) مسألة: قال: (إلا أن يكونوا من العاملين عليها، فيعطون بحق ما ~~عملوا) وجملته أنه يجوز للعامل أن يأخذ عمالته من الزكاة، سواء كان حرا أو ~~عبدا. وظاهر كلام الخرقي أنه يجوز أن يكون كافرا، وهذه إحدى الروايتين عن ~~أحمد لأن الله تعالى قال {والعاملين عليها} [التوبة: 60] وهذا لفظ عام يدخل ~~فيه كل عامل على أي صفة كان. # ولأن ما يأخذ على العمالة أجرة عمله، فلم يمنع من أخذه كسائر الإجارات. ~~والرواية الأخرى، لا يجوز أن يكون العامل كافرا؛ لأن من شرط العامل أن يكون ~~أمينا، والكفر ينافي ms1128 الأمانة. ويجوز أن يكون غنيا، وذا قرابة لرب المال. ~~وقوله: " بحق ما عملوا " يعني يعطيهم بقدر أجرتهم والإمام مخير إذا بعث ~~عاملا؛ إن شاء استأجره إجارة صحيحة، ويدفع إليه ما سمى له، وإن شاء بعثه ~~بغير إجارة، ويدفع إليه أجر مثله. # وهذا كان المعروف على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم ~~يبلغنا أنه قاطع أحدا من العمال على أجر، وقد روى أبو داود، بإسناده عن ابن ~~الساعدي، قال: «استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه، أمر ~~لي بعمالة فقلت، إنما عملت لله وأجري على الله. قال: خذ ما أعطيت، فإني قد ~~عملت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعملني، فقلت مثل قولك، ~~فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأله ~~فكل وتصدق» # (1776) فصل: ويعطي منها أجر الحاسب والكاتب والحاشر والخازن والحافظ ~~والراعي ونحوهم. فكلهم معدودون من العاملين، ويدفع إليهم من حصة العاملين ~~عليها، فأما أجر الوزان والكيال ليقبض الساعي الزكاة فعلى رب المال؛ لأنه ~~من مؤنة دفع الزكاة. ### | [فصل لا يعطى الكافر من الزكاة إلا لكونه مؤلفا] # (1777) فصل: ولا يعطى الكافر من الزكاة، إلا لكونه مؤلفا، على ما سنذكره، ~~ويجوز أن يعطي الإنسان ذا قرابته من الزكاة؛ لكونه غازيا، أو مؤلفا، أو ~~غارما في إصلاح ذات البين، أو عاملا، ولا يعطي لغير ذلك. وقد روى أبو داود ~~بإسناده عن عطاء بن يسار، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ~~تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، ~~أو رجل ابتاعها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى ~~المسكين إلى الغني» # ورواه أيضا عن عطاء، عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # PageV02P488 ### | [فصل اجتمع في واحد أسباب تقتضي أخذ الزكاة بها] # (1778) فصل: وإن اجتمع في واحد أسباب تقتضي الأخذ بها، جاز أن يعطى بها، ~~فالعامل الفقير له أن يأخذ عمالته، فإن لم تغنه ms1129 فله أن يأخذ ما يتم به ~~غناه، فإن كان غازيا فله أخذ ما يكفيه لغزوه، وإن كان غارما أخذ ما يقضي به ~~غرمه؛ لأن كل واحد من هذه الأسباب يثبت حكمه بانفراده، فوجود غيره لا يمنع ~~ثبوت حكمه، كما لم يمنع وجوده، وقد روي عن أحمد أنه قال: إذا كان له مائتان ~~وعليه مثلها، لا يعطى من الزكاة؛ لأن المغني خمسون درهما. # وهذا يدل على أنه يعتبر في الدفع إلى الغارم أن يكون فقيرا فإذا أعطي ~~لأجل الغرم وجب صرفه إلى قضاء الدين، وإن أعطي للفقير جاز أن يقضي به دينه. ### | [مسألة بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة] # مسألة: قال: (ولا لبني هاشم) لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم ~~الصدقة المفروضة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الصدقة لا ~~تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس.» أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة، قال: ~~«أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كخ كخ. ~~ليطرحها، وقال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة.» متفق عليه. ### | [مسألة موالي بني هاشم وهم من أعتقهم هاشمي لا يعطون من الزكاة] # (1780) مسألة: قال: (ولا لمواليهم) يعني أن موالي بني هاشم، وهم من ~~أعتقهم هاشمي، لا يعطون من الزكاة. وقال أكثر العلماء: يجوز؛ لأنهم ليسوا ~~بقرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يمنعوا الصدقة كسائر الناس، ~~ولأنهم لم يعوضوا عنها بخمس الخمس، فإنهم لا يعطون منه، فلم يجز أن يحرموها ~~كسائر الناس. ولنا، ما روى أبو رافع، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها. ~~فقال: لا حتى آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسأله. فانطلق إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله. فقال: إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن ~~موالي القوم منهم» . أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن ~~صحيح. # ولأنهم ممن يرثهم بنو هاشم بالتعصيب، فلم يجز دفع الصدقة إليهم ms1130 كبني ~~هاشم. وقولهم: إنهم ليسوا بقرابة. قلنا: هم بمنزلة القرابة، بدليل قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لحمة كلحمة النسب.» وقوله: «موالي ~~القوم منهم.» وثبت فيهم حكم القرابة من الإرث والعقل والنفقة، فلا يمتنع ~~ثبوت حكم تحريم الصدقة فيهم. # PageV02P489 ### | [فصل بنو المطلب هل لهم الأخذ من الزكاة] # (1781) فصل: فأما بنو المطلب، فهل لهم الأخذ من الزكاة؟ على روايتين: ~~إحداهما ليس لهم ذلك. نقلها عبد الله بن أحمد وغيره؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، إنما نحن وهم ~~شيء واحد» . وفي لفظ رواه الشافعي في " مسنده ":: «إنما بنو هاشم وبنو ~~المطلب شيء واحد» . وشبك بين أصابعه. # ولأنهم يستحقون من خمس الخمس فلم يكن لهم الأخذ كبني هاشم، وقد أكد ما ~~روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل منعهم الصدقة باستغنائهم عنها ~~بخمس الخمس، فقال: «أليس في خمس الخمس ما يغنيكم؟» . والرواية الثانية، لهم ~~الأخذ منها. وهو قول أبي حنيفة لأنهم دخلوا في عموم قوله تعالى {إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] . الآية. # لكن خرج بنو هاشم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الصدقة لا ~~تنبغي لآل محمد» ، فيجب أن يختص المنع بهم، ولا يصح قياس بني المطلب على ~~بني هاشم؛ لأن بني هاشم أقرب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأشرف، وهم ~~آل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس ما ~~استحقوه بمجرد القرابة، بدليل أن بني عبد شمس وبني نوفل يساوونهم في ~~القرابة، ولم يعطوا شيئا، وإنما شاركوهم بالنصرة، أو بهما جميعا، والنصرة ~~لا تقتضي منع الزكاة. # (1782) فصل وروى الخلال، بإسناده عن ابن أبي مليكة، أن خالد بن سعيد بن ~~العاص بعث إلى عائشة سفرة من الصدقة. فردتها، وقالت: إنا آل محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - لا تحل لنا الصدقة. وهذا يدل على تحريمها على أزواج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # (1783) فصل: وظاهر قول الخرقي هاهنا، أن ذوي القربى يمنعون الصدقة، وإن ~~كانوا ms1131 عاملين، وذكر في باب قسم الفيء والصدقة ما يدل على إباحة الأخذ لهم ~~عمالة. وهو قول أكثر أصحابنا؛ لأن ما يأخذونه أجر، فجاز لهم أخذه، كالحمال ~~وصاحب المخزن إذا أجرهم مخزنه. ولنا، حديث أبي رافع وقد ذكرناه، وما روى ~~مسلم بإسناده، «أنه اجتمع ربيعة بن الحارث، # PageV02P490 # والعباس بن عبد المطلب، فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فكلماه، فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما ~~يؤدي الناس، وأصابا ما يصيب الناس؟ فبينما هما في ذلك إذ جاء علي بن أبي ~~طالب، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، قال علي: لا تفعلا. فوالله ما هو بفاعل ~~فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا. ~~قال: فألقى علي رداءه، ثم اضطجع، ثم قال: أنا أبو الحسن. والله لا أريم ~~مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما بخبر ما بعثتما به إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. فذكر الحديث إلى أن قال: فأتيا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالا: يا رسول الله، أنت أبو الناس، وأوصل الناس، وقد بلغنا ~~النكاح، فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ~~ونصيب كما يصيبون. فسكت طويلا ثم قال: إن هذه الصدقة لا تنبغي لآل محمد، ~~إنما هي أوساخ الناس. وفي لفظ أنه قال: إن الصدقة إنما هي أوساخ الناس، ~~وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» . # (1784) فصل: ويجوز لذوي القربى الأخذ من صدقة التطوع. # قال أحمد، في رواية ابن القاسم: إنما لا يعطون من الصدقة المفروضة، فأما ~~التطوع، فلا. وعن أحمد، رواية أخرى: أنهم يمنعون صدقة التطوع أيضا؛ لعموم ~~قوله - عليه السلام -: «إنا لا تحل لنا الصدقة» . والأول أظهر؛ فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «المعروف كله صدقة» . متفق عليه. # وقال الله تعالى {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45] . وقال تعالى ~~{فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة: 280] . ولا ~~خلاف في إباحة المعروف إلى الهاشمي، والعفو عنه وإنظاره. ms1132 وقال إخوة يوسف: ~~{وتصدق علينا} [يوسف: 88] . والخبر أريد به صدقة الفرض؛ لأن الطلب كان لها، ~~والألف واللام تعود إلى المعهود. وروى جعفر بن محمد، عن أبيه أنه كان يشرب ~~من سقايات بين مكة والمدينة. فقلت له: أتشرب من الصدقة؟ فقال: إنما حرمت ~~علينا الصدقة المفروضة. # ويجوز أن يأخذوا من الوصايا للفقراء، ومن النذور؛ لأنهما تطوع، فأشبه ما ~~لو وصى لهم. # PageV02P491 # وفي الكفارة وجهان: أحدهما، يجوز؛ لأنها ليست بزكاة ولا هي أوساخ الناس، ~~فأشبهت صدقة التطوع. والثاني، لا يجوز لأنها واجبة أشبهت الزكاة. # (1785) فصل: وكل من حرم صدقة الفرض من الأغنياء وقرابة المتصدق والكافر ~~وغيرهم، يجوز دفع صدقة التطوع إليهم، ولهم أخذها، قال الله تعالى {ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8] . ولم يكن الأسير يومئذ ~~إلا كافرا، وعن أسماء بنت أبي بكر، - رضي الله عنهما -، قالت: «قدمت على ~~أمي وهي مشركة، فقلت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أمي قدمت علي ~~وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم، صلي أمك» . وكسا عمر أخا له حلة كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أعطاه إياها. # وعن أبي مسعود، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أنفق ~~المسلم على أهله، وهو يحتسبها، فهي له صدقة» . متفق عليه. وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لسعد: «إن نفقتك على أهلك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك صدقة» ~~. متفق عليه. ### | [فصل حرمة الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم] # (1786) فصل: فأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فالظاهر أن الصدقة جميعها ~~كانت محرمة عليه، فرضها ونفلها؛ لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته ~~وعلاماتها، فلم يكن ليخل بذلك، وفي حديث إسلام سلمان الفارسي، أن الذي ~~أخبره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ووصفه، قال: «إنه يأكل الهدية، ولا ~~يأكل الصدقة» . # وقال أبو هريرة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتي بطعام سأل ~~عنه؟ فإن قيل صدقة. قال لأصحابه: كلوا. ولم يأكل، وإن قيل: هدية ضرب بيده، ~~فأكل معهم.» أخرجه البخاري. «وقال النبي - صلى الله عليه ms1133 وسلم - في لحم ~~تصدق به على بريرة: هو عليها صدقة، وهو لنا هدية» ، وقال - عليه السلام -: ~~«إني لأنقلب إلى أهلي، فأجد التمرة ساقطة على فراشي في بيتي، فأرفعها ~~لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة، فألقيها» . رواه مسلم. # وقال: «إنا لا تحل لنا الصدقة» . ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~أشرف الخلق، وكان له من المغانم خمس الخمس والصفي، فحرم نوعي الصدقة فرضها ~~ونفلها، وآله دونه في # PageV02P492 # الشرف، ولهم خمس الخمس وحده، فحرموا أحد نوعيها، وهو الفرض. وقد روي عن ~~أحمد أن صدقة التطوع لم تكن محرمة عليه. # قال الميموني: سمعت أحمد يقول: الصدقة لا تحل للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وأهل بيته؛ صدقة الفطر، وزكاة الأموال، والصدقة يصرفها الرجل على محتاج ~~يريد بها وجه الله تعالى، فأما غير ذلك فلا، أليس يقال: كل معروف صدقة؟ وقد ~~كان يهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - ويستقرض، فليس ذلك من جنس الصدقة ~~على وجه الحاجة. # والصحيح أن هذا لا يدل على إباحة الصدقة له، إنما أراد أن ما ليس من صدقة ~~الأموال على الحقيقة، كالقرض والهدية وفعل المعروف، غير محرم عليه، لكن فيه ~~دلالة على التسوية بينه وبين آله في تحريم صدقة التطوع عليهم، لقوله بأن ~~الصدقة على المحتاج يريد بها وجه الله محرمة عليهما. وهذا هو صدقة التطوع، ~~فصارت الروايتان في تحريم صدقة التطوع على آله. والله أعلم. ### | [مسألة لا يعطى من سهم الفقراء والمساكين غني] # مسألة: قال: (ولا لغني، وهو الذي يملك خمسين درهما، أو قيمتها من الذهب) ~~. يعني لا يعطى من سهم الفقراء والمساكين غني، ولا خلاف في هذا بين أهل ~~العلم؛ وذلك لأن الله تعالى جعلها للفقراء والمساكين، والغني غير داخل ~~فيهم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: «أعلمهم أن عليهم صدقة ~~تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم. وقال: لا حظ فيها لغني، ولا لقوي ~~مكتسب. وقال: لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي» . أخرجه أبو داود، ~~والترمذي، وقال: حديث حسن # ولأن أخذ الغني منها ms1134 يمنع وصولها إلى أهلها، ويخل بحكمة وجوبها، وهو ~~إغناء الفقراء بها. واختلف العلماء في الغنى المانع من أخذها. ونقل عن أحمد ~~فيه روايتان: أظهرهما، أنه ملك خمسين درهما، أو قيمتها من الذهب، أو وجود ~~ما تحصل به الكفاية على الدوام؛ من كسب، أو تجارة، أو عقار، أو نحو ذلك. # ولو ملك من العروض، أو الحبوب أو السائمة، أو العقار، ما لا تحصل به ~~الكفاية، لم يكن غنيا، وإن ملك نصابا، هذا الظاهر من مذهبه، وهو قول الثوري ~~والنخعي وابن المبارك وإسحاق. وروي عن علي وعبد الله، أنهما قالا: لا تحل ~~الصدقة لمن له خمسون درهما، أو عدلها، أو قيمتها من الذهب. # وذلك لما روى عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشا، أو خدوشا، أو # PageV02P493 # كدوحا في وجهه. فقيل: يا رسول الله، ما الغنى؟ قال خمسون درهما، أو ~~قيمتها من الذهب.» رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. فإن قيل: هذا ~~يرويه حكيم بن جبير، وكان شعبة لا يروي عنه، وليس بقوي في الحديث. قلنا: قد ~~قال عبد الله بن عثمان لسفيان: حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير. # فقال سفيان: حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن. وقد قال علي وعبد الله ~~مثل ذلك. والرواية الثانية، أن الغنى ما تحصل به الكفاية، فإذا لم يكن ~~محتاجا حرمت عليه الصدقة، وإن لم يملك شيئا، وإن كان محتاجا حلت له الصدقة، ~~وإن ملك نصابا، والأثمان وغيرها في هذا سواء. # وهذا اختيار أبي الخطاب وابن شهاب العكبري وقول مالك والشافعي، لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال لقبيصة بن المخارق «لا تحل المسألة إلا لأحد ~~ثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: قد أصابت ~~فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من عيش» رواه ~~مسلم. # فمد إباحة المسألة إلى وجود إصابة القوام أو السداد، ولأن الحاجة ms1135 هي ~~الفقر، والغنى ضدها، فمن كان محتاجا فهو فقير يدخل في عموم النص، ومن ~~استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة، والحديث الأول فيه ضعف، ثم يجوز أن ~~تحرم المسألة ولا يحرم أخذ الصدقة إذا جاءته من غير المسألة، فإن المذكور ~~فيه تحريم المسألة، فنقتصر عليه. وقال الحسن وأبو عبيد: الغنى ملك أوقية، ~~وهي أربعون درهما؛ لما روى أبو سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» . وكانت الأوقية على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين درهما. رواه أبو داود. # وقال أصحاب الرأي: الغنى الموجب للزكاة هو المانع من أخذها، وهو ملك نصاب ~~تجب فيه الزكاة، من الأثمان، أو العروض المعدة للتجارة، أو السائمة، أو ~~غيرها «؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة ~~تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم» ، فجعل الأغنياء من تجب عليهم الزكاة، ~~فيدل ذلك على أن من تجب عليه غني، ومن لا تجب عليه ليس بغني، فيكون فقيرا، ~~فتدفع الزكاة إليه؛ لقوله: " فترد في فقرائهم ". # ولأن الموجب للزكاة غنى، والأصل عدم الاشتراك، ولأن من لا نصاب له لا تجب ~~عليه الزكاة فلا يمنع منها، كمن يملك دون الخمسين، ولا له ما يكفيه. فيحصل ~~الخلاف بيننا وبينهم في أمور ثلاثة: أحدها، أن الغنى المانع من الزكاة غير ~~الموجب لها عندنا. ودليل ذلك حديث ابن مسعود، # PageV02P494 # وهو أخص من حديثهم. # فيجب تقديمه، ولأن حديثهم دل على الغنى الموجب، وحديثنا دل على الغنى ~~المانع، ولا تعارض بينهما. فيجب الجمع بينهما. وقولهم: الأصل عدم الاشتراك. ~~قلنا: قد قام دليله بما ذكرناه، فيجب الأخذ به. الثاني، أن من له ما يكفيه ~~من مال غير زكائي، أو من مكسبه، أو أجرة عقارات أو غيره، ليس له الأخذ من ~~الزكاة. # وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو عبيدة وابن المنذر وقال أبو يوسف: إن دفع ~~الزكاة إليه فهو قبيح، وأرجو أن يجزئه. وقال أبو حنيفة وسائر أصحابه: يجوز ~~دفع الزكاة إليه؛ لأنه ms1136 ليس بغني، لما ذكروه في حجتهم. ولنا، ما روى الإمام ~~أحمد، حدثنا يحيي بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي ~~بن الخيار، «عن رجلين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهما أتيا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألاه الصدقة، فصعد فيهما البصر، فرآهما ~~جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» . قال ~~أحمد: ما أجوده من حديث. وقال: هو أحسنها إسنادا وروى عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تحل الصدقة لغني، ~~ولا لذي مرة سوي» . رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. إلا أن أحمد ~~قال: لا أعلم فيه شيئا يصح. قيل: فحديث سالم بن أبي الجعد، عن أبي هريرة؟ ~~قال: سالم لم يسمع من أبي هريرة. # ولأن له ما يغنيه عن الزكاة. فلم يجز الدفع إليه، كمالك النصاب. الثالث، ~~أن من ملك نصابا زكائيا، لا تتم به الكفاية من غير الأثمان، فله الأخذ من ~~الزكاة. قال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله فقلت: قد يكون للرجل الإبل ~~والغنم تجب فيها الزكاة، وهو فقير ويكون له أربعون شاة، وتكون لهم الضيعة ~~لا تكفيه، فيعطى من الصدقة؟ قال: نعم. وذكر قول عمر أعطوهم، وإن راحت عليهم ~~من الإبل كذا وكذا. # قلت: فهذا قدر من العدد أو الوقت؟ قال: لم أسمعه. وقال في رواية محمد بن ~~الحكم: إذا كان له عقار يشغله أو ضيعة تساوي عشرة آلاف أو أقل أو أكثر لا ~~تقيمه، يأخذ من الزكاة. وهذا قول الشافعي. وقال أصحاب الرأي: ليس له أن ~~يأخذ منها إذا ملك نصابا زكائيا؛ لأنه تجب عليه الزكاة، فلم تجب له للخبر. ~~ولنا، أنه لا يملك ما يغنيه، ولا يقدر على كسب ما يكفيه، فجاز له الأخذ من ~~الزكاة كما لو كان ما يملك لا تجب فيه الزكاة، ولأن الفقر عبارة عن الحاجة، ~~قال الله تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} [فاطر: 15] . # أي: ms1137 المحتاجون إليه. وقال الشاعر: # PageV02P495 # فيا رب إني مؤمن بك عابد # مقر بزلاتي إليك فقير # وقال آخر: # وإني إلى معروفها لفقير # وهذا محتاج، فيكون فقيرا غير غني، ولأنه لو كان ما يملكه لا زكاة فيه ~~لكان فقيرا، ولا فرق في دفع الحاجة بين المالين، وقد سمى الله تعالى الذين ~~لهم سفينة في البحر مساكين، فقال تعالى {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون ~~في البحر} [الكهف: 79] # وقد بينا بما ذكرناه من قبل أن الغنى يختلف مسماه، فيقع على ما يوجب ~~الزكاة، وعلى ما يمنع منها، فلا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ~~عدمه عدمه، فمن قال: إن الغنى هو الكفاية. سوى بين الأثمان وغيرها، وجوز ~~الأخذ لكل من لا كفاية له، وإن ملك نصبا من جميع الأموال. # ومن قال بالرواية الأخرى، فرق بين الأثمان وغيرها؛ لخبر ابن مسعود، ولأن ~~الأثمان آلة الإنفاق المعدة له دون غيرها، فجوز الأخذ لمن لا يملك خمسين ~~درهما، أو قيمتها من الذهب، ولا ما تحصل به الكفاية، من مكسب، أو أجرة أو ~~عقار، أو غيره، أو نماء سائمة أو غيرها. # وإن كان له مال معد للإنفاق من غير الأثمان، فينبغي أن تعتبر الكفاية به ~~في حول كامل؛ لأن الحول يتكرر وجوب الزكاة بتكرره، فيأخذ منها كل حول ما ~~يكفيه إلى مثله، ويعتبر وجود الكفاية له ولعائلته ومن يمونه؛ لأن كل واحد ~~منهم مقصود دفع حاجته، فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد. # وإن كان له خمسون درهما، جاز أن يأخذ لعائلته حتى يصير لكل واحد منهم ~~خمسون. قال أحمد، في رواية أبي داود، في من يعطي الزكاة وله عيال: يعطى كل ~~واحد من عياله خمسين خمسين. وهذا لأن الدفع إنما هو إلى العيال؛ وهذا نائب ~~عنهم في الأخذ. # (1788) فصل: وإذا كان للمرأة الفقيرة زوج موسر ينفق عليها، لم يجز دفع ~~الزكاة إليها؛ لأن الكفاية حاصلة لها بما يصلها من نفقتها الواجبة، فأشبهت ~~من له عقار يستغني بأجرته. وإن لم ينفق عليها، وتعذر ذلك، جاز الدفع إليها، ~~كما لو ms1138 تعطلت منفعة العقار. وقد نص أحمد على هذا. ### | [مسألة مصارف الزكاة] # (1789) مسألة: قال: (ولا يعطى إلا في الثمانية الأصناف التي سمى الله ~~تعالى) يعني قول الله تعالى {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين ~~عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل} ~~[التوبة: 60] وقد ذكرهم الخرقي في موضع آخر، فنؤخر شرحهم إليه. # وقد روى زياد بن الحارث الصدائي. قال: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فبايعته. قال: فأتاه رجل فقال: # PageV02P496 # أعطني من الصدقة. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله لم ~~يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، ~~فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» . رواه أبو داود. # وأحكامهم كلها باقية. وبهذا قال الحسن والزهري وأبو جعفر محمد بن علي ~~وقال الشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: انقطع سهم المؤلفة بعد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وقد أعز الله تعالى الإسلام وأغناه عن أن يتألف ~~عليه رجال، فلا يعطى مشرك تالفا بحال. # قالوا: وقد روي هذا عن عمر. ولنا، كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن الله تعالى ~~سمى المؤلفة في الأصناف الذين سمى الصدقة لهم، والنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «إن الله تعالى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء. وكان يعطي المؤلفة ~~كثيرا، في أخبار مشهورة، ولم يزل كذلك حتى مات» ، ولا يجوز ترك كتاب الله ~~وسنة رسوله إلا بنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال. # ثم إن النسخ إنما يكون في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن النسخ ~~إنما يكون بنص، ولا يكون النص بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وانقراض زمن الوحي، ثم إن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن، وليس في القرآن نسخ ~~كذلك ولا في السنة، فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم، أو بقول ~~صحابي أو غيره، على أنهم لا يرون قول الصحابي حجة يترك لها قياس، فكيف ~~يتركون به الكتاب والسنة، قال الزهري: لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة. # على أن ما ذكروه من المعنى ms1139 لا خلاف بينه وبين الكتاب والسنة، فإن الغنى ~~عنهم لا يوجب رفع حكمهم، وإنما يمنع عطيتهم حال الغنى عنهم، فمتى دعت ~~الحاجة إلى إعطائهم أعطوا، فكذلك جميع الأصناف، إذا عدم منهم صنف في بعض ~~الزمان، سقط حكمه في ذلك الزمن خاصة، فإذا وجد عاد حكمه، كذا هنا. ### | [فصل صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله تعالى] # (1790) فصل: ولا يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله تعالى، من بناء ~~المساجد والقناطر والسقايات وإصلاح الطرقات، وسد البثوق، وتكفين الموتى، ~~والتوسعة على الأضياف، وأشباه ذلك من القرب التي لم يذكرها الله تعالى. # وقال أنس والحسن: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية. # PageV02P497 # والأول أصح؛ لقوله سبحانه وتعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} ~~[التوبة: 60] . " وإنما " للحصر والإثبات، تثبت المذكور، وتنفي ما عداه، ~~والخبر المذكور. # قال أبو داود: سمعت أحمد، وسئل: يكفن الميت من الزكاة؟ قال: لا، ولا يقضى ~~من الزكاة دين الميت. وإنما لم يجز دفعها في قضاء دين الميت؛ لأن الغارم هو ~~الميت ولا يمكن الدفع إليه، وإن دفعها إلى غريمه صار الدفع إلى الغريم لا ~~إلى الغارم. وقال أيضا: يقضى من الزكاة دين الحي، ولا يقضى منها دين الميت؛ ~~لأن الميت لا يكون غارما. قيل: فإنما يعطي أهله. # قال: إن كانت على أهله فنعم. ### | [فصل إذا أعطى الزكاة لمن يظنه فقيرا فبان غنيا] # (1791) فصل: وإذا أعطى من يظنه فقيرا فبان غنيا. فعن أحمد فيه روايتان: ~~إحداهما، يجزئه. اختارها أبو بكر. وهذا قول الحسن وأبي عبيد وأبي حنيفة «؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الرجلين الجلدين، وقال: إن شئتما ~~أعطيتكما منها، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» . # وقال للرجل الذي سأله الصدقة «إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» . ولو ~~اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم. وروى أبو هريرة، عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد ~~غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، لعل ms1140 ~~الغني أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله» . متفق عليه. # والرواية الثانية، لا يجزئه؛ لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقه، فلم يخرج ~~من عهدته، كما لو دفعها إلى كافر، أو ذي قرابته، وكديون الآدميين. وهذا قول ~~الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف وابن المنذر وللشافعي قولان كالروايتين. # فأما إن بان الآخذ عبدا، أو كافرا، أو هاشميا، أو قرابة للمعطي ممن لا ~~يجوز الدفع إليه، لم يجزه، رواية واحدة؛ لأنه ليس بمستحق، ولا تخفى حاله ~~غالبا، فلم يجزه الدفع إليه، كديون الآدميين، وفارق من بان غنيا؛ بأن الفقر ~~والغنى مما يعسر الاطلاع عليه والمعرفة بحقيقته، قال الله تعالى: {يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم} [البقرة: 273] . # فاكتفى بظهور الفقر، ودعواه بخلاف غيره. ### | [مسألة الرجل إذا تولى إخراج زكاته بنفسه سقط حق العامل منها] # (1792) مسألة: قال: (إلا أن يتولى الرجل إخراجها بنفسه، فيسقط العامل) ~~وجملته أن الرجل إذا تولى إخراج زكاته بنفسه، سقط حق العامل منها؛ لأنه ~~إنما يأخذ أجرا لعمله، فإذا لم يعمل فيها شيئا فلا حق له، فيسقط، وتبقى ~~سبعة أصناف، إن وجد جميعهم أعطاهم، وإن وجد بعضهم اكتفى بعطيته، وإن أعطى ~~البعض مع إمكان عطية الجميع، جاز أيضا. . ### | [مسألة أعطى الزكاة كلها في صنف واحد] # (1793) مسألة: قال: (وإن أعطاها كلها في صنف واحد، أجزأه إذا لم يخرجه ~~إلى الغنى) # PageV02P498 # وجملته أنه يجوز أن يقتصر على صنف واحد من الأصناف الثمانية، ويجوز أن ~~يعطيها شخصا واحدا. # وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير والحسن والنخعي ~~وعطاء، وإليه ذهب الثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي. وروي عن النخعي أنه قال: ~~إن كان المال كثيرا يحتمل الأصناف، قسمه عليهم، وإن كان قليلا، جاز وضعه في ~~صنف واحد. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى # وقال عكرمة والشافعي: يجب أن يقسم زكاة كل صنف من ماله، على الموجود من ~~الأصناف الستة الذين سهمانهم ثابتة، قسمة على السواء، ثم حصة كل صنف منهم، ~~لا تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم، ms1141 إن وجد منهم ثلاثة أو أكثر فإن لم يجد إلا ~~واحدا، صرف حصة ذلك الصنف إليه. # وروى الأثرم عن أحمد كذلك. وهو اختيار أبي بكر؛ لأن الله تعالى جعل ~~الصدقة لجميعهم، وشرك بينهم فيها، فلا يجوز الاقتصار على بعضهم كأهل الخمس. ~~ولنا «، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة، ~~تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم» . # فأخبر أنه مأمور برد جملتها في الفقراء، وهم صنف واحد، ولم يذكر سواهم، ~~ثم أتاه بعد ذلك مال، فجعله في صنف ثان سوى الفقراء، وهم المؤلفة الأقرع بن ~~حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير قسم فيهم الذهبية التي بعث ~~بها إليه علي من اليمن. وإنما يؤخذ من أهل اليمن الصدقة. ثم أتاه مال آخر؛ ~~فجعله في صنف آخر؛ لقوله لقبيصة بن المخارق حين تحمل حمالة، فأتى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يسأله، فقال: «أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر ~~لك بها» . وفي حديث سلمة بن صخر البياضي، أنه أمر له بصدقة قومه. # ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز دفعها إلى واحد، ولأنها لا يجب ~~صرفها إلى جميع الأصناف إذا أخذها الساعي، فلم يجب دفعها إليهم إذا فرقها ~~المالك، كما لو لم يجد إلا صنفا واحدا، ولأنه لا يجب عليه تعميم أهل كل صنف ~~بها، فجاز الاقتصار على واحد، كما لو وصى لجماعة لا يمكن حصرهم، ويخرج على ~~هذين المعنيين الخمس، فإنه يجب على الإمام تفريقه على جميع مستحقيه، ~~واستيعاب جميعهم به بخلاف الزكاة، والآية أريد بها بيان الأصناف الذين يجوز ~~الدفع إليهم، دون غيرهم. إذا ثبت هذا، فإن المستحب صرفها إلى جميع الأصناف، ~~أو إلى من أمكن منهم؛ لأنه يخرج بذلك عن الخلاف، ويحصل الإجزاء يقينا فكان ~~أولى. # PageV02P499 # (1794) فصل: قول الخرقي: " إذا لم يخرجه إلى الغنى ". يعني به الغنى ~~المانع من أخذ الزكاة، وقد ذكرناه. وظاهر قول الخرقي أنه لا يدفع إليه ما ~~يحصل به الغنى، والمذهب أنه يجوز أن يدفع إليه ما يغنيه من ms1142 غير زيادة. نص ~~عليه أحمد في مواضع وذكره أصحابه، فيتعين حمل كلام الخرقي على أنه لا يدفع ~~إليه زيادة على ما يحصل به الغنى. # وهذا قول الثوري ومالك والشافعي وأبي ثور. وقال أصحاب الرأي: يعطى ألفا ~~وأكثر إذا كان محتاجا إليها، ويكره أن يزاد على المائتين. ولنا، أن الغنى ~~لو كان سابقا منع، فيمنع إذا قارن، كالجمع بين الأختين في النكاح. ### | [فصل دفع الزكاة إلى الأصناف على قدر حاجتهم إليها] # (1795) فصل: وكل صنف من الأصناف يدفع إليه ما تندفع به حاجته، من غير ~~زيادة، فالغارم والمكاتب يعطى كل واحد منهما ما يقضي به دينه وإن كثر، وابن ~~السبيل يعطى ما يبلغه إلى بلده، والغازي يعطى ما يكفيه لغزوه، والعامل يعطى ~~بقدر أجره. قال أبو داود: سمعت أحمد، قيل له: يحمل في السبيل بألف من ~~الزكاة؟ قال: ما أعطى فهو جائز، ولا يعطى أحد من هؤلاء زيادة على ما تندفع ~~به الحاجة؛ لأن الدفع لها، فلا يزاد على ما تقتضيه. . ### | [فصل أربعة أصناف يأخذون أخذا مستقرا من الزكاة] # (1796) فصل: وأربعة أصناف يأخذون أخذا مستقرا، فلا يراعى حالهم بعد ~~الدفع، وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون، والمؤلفة، فمتى أخذوها ملكوها ~~ملكا دائما مستقرا، لا يجب عليهم ردها بحال، وأربعة منهم، وهم الغارمون، ~~وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل؛ فإنهم يأخذون أخذا مراعى، فإن ~~صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها، وإلا استرجع منهم. # والفرق بين هذه الأصناف والتي قبلها، أن هؤلاء أخذوا لمعنى لم يحصل ~~بأخذهم للزكاة، والأولون حصل المقصود بأخذهم، وهو غنى الفقراء والمساكين، ~~وتأليف المؤلفين، وأداء أجر العاملين. وإن قضى هؤلاء حاجتهم بها، وفضل معهم ~~فضل، ردوا الفضل، إلا الغازي، فإن ما فضل له بعد غزوه فهو له. ذكره الخرقي ~~في غير هذا الموضع. # وظاهر قوله في المكاتب أنه لا يرد ما فضل في يده؛ لأنه قال: وإذا عجز ~~المكاتب ورد في الرق، وكان قد تصدق عليه بشيء، فهو لسيده ونص عليه أحمد ~~أيضا في رواية المروذي والكوسج. ونقل عنه حنبل: ms1143 إذا عجز يرد ما في يديه في ~~المكاتبين. # وقال أبو بكر عبد العزيز: إن كان باقيا بعينه استرجع منه لأنه إنما دفع ~~إليه ليعتق به ولم يقع وقال # PageV02P500 # القاضي: كلام الخرقي محمول على أن الذي بقي في يده لم يكن عين الزكاة، ~~وإنما تصرف فيها وحصل عوضها وفائدتها. ولو تلف المال الذي في يد هؤلاء بغير ~~تفريط، لم يرجع عليهم بشيء. ### | [مسألة نقل الصدقة من بلدها إلى بلد تقصر في مثله الصلاة] # مسألة: قال: (ولا يجوز نقل الصدقة من بلدها إلى بلد تقصر في مثله الصلاة) ~~المذهب على أنه لا يجوز نقل الصدقة من بلدها إلى مسافة القصر. قال أبو ~~داود: سمعت أحمد سئل عن الزكاة يبعث بها من بلد إلى بلد؟ قال لا. قيل: وإن ~~كان قرابته بها؟ قال: لا. واستحب أكثر أهل العلم أن لا تنقل من بلدها. # وقال سعيد: حدثنا سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال في كتاب ~~معاذ بن جبل: من أخرج من مخلاف إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره ترد إلى مخلافه. ~~وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه رد زكاة أتي بها من خراسان إلى الشام، إلى ~~خراسان. # وروي عن الحسن والنخعي أنهما كرها نقل الزكاة من بلد إلى بلد، إلا لذي ~~قرابة. وكان أبو العالية يبعث بزكاته إلى المدينة. ولنا، «قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لمعاذ: أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في ~~فقرائهم» . وهذا يختص بفقراء بلدهم. # ولما بعث معاذ الصدقة من اليمن إلى عمر، أنكر عليه ذلك عمر، وقال: لم ~~أبعثك جابيا، ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس، فترد في ~~فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني رواه أبو ~~عبيد في الأموال. وروي أيضا عن إبراهيم بن عطاء مولى عمران بن حصين، أن ~~زيادا، أو بعض الأمراء، بعث عمران على الصدقة، فلما رجع قال: أين المال؟ ~~قال: أللمال بعثتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله ms1144 - صلى ~~الله عليه وسلم - ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ولأن المقصود إغناء الفقراء بها، فإذا أبحنا نقلها أفضى إلى بقاء فقراء ~~ذلك البلد محتاجين. (1798) فصل: فإن خالف ونقلها، أجزأته في قول أكثر أهل ~~العلم. قال القاضي: وظاهر كلام أحمد يقتضي ذلك، ولم أجد عنه نصا في هذه ~~المسألة، وذكر أبو الخطاب فيها روايتين: إحداهما، يجزئه. واختارها؛ لأنه ~~دفع الحق إلى مستحقه، فبرئ منه كالدين، وكما لو فرقها في بلدها. والأخرى، ~~لا تجزئه. # اختارها ابن حامد؛ لأنه دفع الزكاة إلى غير من أمر بدفعها إليه، أشبه ما ~~لو دفعها إلى غير الأصناف. # PageV02P501 ### | [فصل استغنى عن الزكاة فقراء أهل بلدها] # (1799) فصل: فإن استغنى عنها فقراء أهل بلدها، جاز نقلها. نص عليه أحمد، ~~فقال: قد تحمل الصدقة إلى الإمام إذا لم يكن فيها فقراء أو كان فيها فضل عن ~~حاجتهم، وقال أيضا: لا تخرج صدقة قوم عنهم من بلد إلى بلد، إلا أن يكون ~~فيها فضل عنهم؛ لأن الذي كان يجيء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي ~~بكر، وعمر من الصدقة، إنما كان عن فضل منهم، يعطون ما يكفيهم، ويخرج الفضل ~~عنهم. # وروى أبو عبيد، في كتاب " الأموال "، بإسناده عن عمرو بن شعيب، أن معاذ ~~بن جبل لم يزل بالجند، إذ بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قدم على عمر، فرده على ما كان عليه، فبعث ~~إليه معاذ بثلث صدقة الناس، فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيا، ولا آخذ ~~جزية، لكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس، فترد على فقرائهم. فقال معاذ: ما ~~بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني. فلما كان العام الثاني، بعث إليه ~~بشطر الصدقة، فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، ~~فراجعه عمر بمثل ما راجعه، فقال معاذ: ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئا. # وكذلك إذا كان ببادية، ولم يجد من يدفعها إليه، فرقها على فقراء أقرب ms1145 ~~البلاد إليه. ### | [فصل إذا كان المزكي في بلد وماله في بلد] # فصل: قال أحمد، في رواية محمد بن الحكم: إذا كان الرجل في بلد، وماله في ~~بلد، فأحب إلي أن تؤدى حيث كان المال، فإن كان بعضه حيث هو، وبعضه في مصر، ~~يؤدي زكاة كل مال حيث هو. فإن كان غائبا عن مصره وأهله، والمال معه، فأسهل ~~أن يعطي بعضه في هذا البلد، وبعضه في هذا البلد، وبعضه في البلد الآخر. # فأما إذا كان المال في البلد الذي هو فيه حتى يمكث فيه حولا تاما، فلا ~~يبعث بزكاته إلى بلد آخر. فإن كان المال تجارة يسافر به، فقال القاضي: يفرق ~~زكاته حيث حال حوله، في أي موضع كان. ومفهوم كلام أحمد في اعتباره الحول ~~التام، أنه يسهل في أن يفرقها في ذلك البلد، وغيره من البلدان التي أقام ~~بها في ذلك الحول. # وقال في الرجل يغيب عن أهله، فتجب عليه الزكاة: يزكيه في الموضع الذي كثر ~~مقامه فيه. فأما زكاة الفطر فإنه يفرقها في البلد الذي وجبت عليه فيه، سواء ~~كان ماله فيه أو لم يكن؛ لأنه سبب وجوب الزكاة، ففرقت في البلد الذي سببها ~~فيه. ### | [فصل المستحب تفرقة الصدقة في بلدها] # (1801) فصل: والمستحب تفرقة الصدقة في بلدها، ثم الأقرب فالأقرب من القرى ~~والبلدان. قال أحمد في رواية صالح: لا بأس أن يعطي زكاته في القرى التي ~~حوله ما لم تقصر الصلاة في أثنائها، # PageV02P502 # ويبدأ بالأقرب فالأقرب. وإن نقلها إلى البعيد لتحري قرابة، أو من كان أشد ~~حاجة، فلا بأس، ما لم يجاوز مسافة القصر. ### | [فصل أخذ الساعي الصدقة واحتاج إلى بيعها لمصلحة من كلفه في نقلها أو مرضها] # (1802) فصل: وإذا أخذ الساعي الصدقة، واحتاج إلى بيعها لمصلحة من كلفه في ~~نقلها أو مرضها أو نحوهما، فله ذلك؛ لما روى قيس بن أبي حازم، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء، فسأل عنها؟ فقال ~~المصدق: إني ارتجعتها بإبل. فسكت.» رواه أبو عبيد، في " الأموال "، # وقال: ms1146 الرجعة أن يبيعها، ويشتري بثمنها مثلها أو غيرها. فإن لم يكن حاجة ~~إلى بيعها، فقال القاضي: لا يجوز والبيع باطل، وعليه الضمان. ويحتمل ~~الجواز؛ لحديث قيس، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سكت حين أخبره المصدق ~~بارتجاعها، ولم يستفصل. ### | [مسألة باع ماشية قبل الحول بمثلها] # (1803) مسألة: قال: (وإذا باع ماشية قبل الحول بمثلها، زكاها إذا تم حول ~~من وقت ملكه الأول) وجملته أنه إذا باع نصابا للزكاة، مما يعتبر فيه الحول ~~بجنسه، كالإبل بالإبل، أو البقر بالبقر، أو الغنم بالغنم، أو الذهب بالذهب، ~~أو الفضة بالفضة، لم ينقطع الحول، وبنى حول الثاني على حول الأول. وبهذا ~~قال مالك. # وقال الشافعي: لا ينبني حول نصاب على حول غيره بحال؛ لقوله: «لا زكاة في ~~مال حتى يحول عليه الحول» . ولأنه أصل بنفسه، فلم ينبن على حول غيره، كما ~~لو اختلف الجنسان. ووافقنا أبو حنيفة في الأثمان. ووافق الشافعي فيما ~~سواها؛ لأن الزكاة إنما وجبت في الأثمان لكونها ثمنا، وهذا المعنى يشملها، ~~بخلاف غيرها. # ولنا، أنه نصاب يضم إليه نماؤه في الحول، فبني حول بدله من جنسه على ~~حوله، كالعروض، والحديث مخصوص بالنماء والربح والعروض، فنقيس عليه محل ~~النزاع، والجنسان لا يضم أحدهما إلى الآخر مع وجودهما. فأولى أن لا يبنى ~~حول أحدهما على الآخر. # (1804) فصل: قال أحمد بن سعيد: سألت أحمد، عن الرجل يكون عنده غنم سائمة، ~~فيبيعها بضعفها من الغنم، أيزكيها كلها، أم يعطي زكاة الأصل؟ قال: بل ~~يزكيها كلها، على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي؛ لأن نماءها معها. ~~قلت: فإن كانت للتجارة؟ قال: يزكيها كلها على حديث حماس، فأما إن # PageV02P503 # باع النصاب بدون النصاب انقطع الحول، وإن كان عنده مائتان فباعهما بمائة ~~فعليه زكاة مائة وحدها. ### | [مسألة أبدل المزكي نصابا من غير جنسه] # (1805) مسألة: قال: (وكذلك إن أبدل عشرين دينارا بمائتي درهم، أو مائتي ~~درهم بعشرين دينارا، لم تبطل الزكاة بانتقالها) وجملة ذلك أنه متى أبدل ~~نصابا من غير جنسه، انقطع حول الزكاة واستأنف حولا، إلا الذهب بالفضة، ms1147 أو ~~عروض التجارة؛ لكون الذهب والفضة كالمال الواحد، إذ هما أروش الجنايات، ~~وقيم المتلفات، ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة. # وكذلك إذا اشترى عرضا للتجارة بنصاب من الأثمان، أو باع عرضا بنصاب، لم ~~ينقطع الحول؛ لأن الزكاة تجب في قيمة العروض، لا في نفسها، والقيمة هي ~~الأثمان، فكانا جنسا واحدا. وإذا قلنا: إن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى ~~صاحبه، لم يبن حول أحدهما على حول الآخر؛ لأنهما مالان لا يضم أحدهما إلى ~~الآخر، فلم يبن حوله على حوله، كالجنسين من الماشية. وأما عروض التجارة، ~~فإن حولها يبنى على حول الأثمان بكل حال. ### | [مسألة كانت عنده ماشية فباعها قبل الحول بدراهم فرارا من الزكاة] # (1806) مسألة: قال: (ومن كانت عنده ماشية، فباعها قبل الحول بدراهم، ~~فرارا من الزكاة، لم تسقط الزكاة عنه) قد ذكرنا أن إبدال النصاب بغير جنسه ~~يقطع الحول، ويستأنف حولا آخر. فإن فعل هذا فرارا من الزكاة، لم تسقط عنه، ~~سواء كان المبدل ماشية أو غيرها من النصب، وكذلك لو أتلف جزءا من النصاب، ~~قصدا للتنقيص، لتسقط عنه الزكاة، لم تسقط، وتؤخذ الزكاة منه في آخر الحول، ~~إذا كان إبداله وإتلافه عند قرب الوجوب. ولو فعل ذلك في أول الحول، لم تجب ~~الزكاة؛ لأن ذلك ليس بمظنة للفرار. # وبما ذكرناه قال مالك والأوزاعي وابن الماجشون وإسحاق وأبو عبيد وقال أبو ~~حنيفة، والشافعي: تسقط عنه الزكاة؛ لأنه نقص قبل تمام حوله، فلم تجب فيه ~~الزكاة، كما لو أتلفه لحاجته. # ولنا، قول الله تعالى: {إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ~~ليصرمنها مصبحين} [القلم: 17] {ولا يستثنون} [القلم: 18] {فطاف عليها طائف ~~من ربك وهم نائمون} [القلم: 19] {فأصبحت كالصريم} [القلم: 20] . فعاقبهم ~~الله تعالى بذلك، لفرارهم من الصدقة، ولأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب ~~استحقاقه، فلم يسقط، كما لو طلق امرأته في مرض موته، ولأنه لما قصد قصدا ~~فاسدا، اقتضت الحكمة معاقبته بنقيض قصده، كمن قتل موروثه لاستعجال ميراثه، ~~عاقبه الشرع بالحرمان، وإذا أتلفه لحاجته، لم يقصد قصدا فاسدا. # PageV02P504 ### | [فصل إذا ms1148 حال الحول أخرج الزكاة من جنس المال المبيع دون الموجود] # (1807) فصل: وإذا حال الحول أخرج الزكاة من جنس المال المبيع، دون ~~الموجود؛ لأنه الذي وجبت الزكاة بسببه، ولولاه لم تجب في هذا زكاة. ### | [فصل لم يقصد بالبيع ولا بالتنقيص الفرار من الزكاة] # فصل: فإن لم يقصد بالبيع ولا بالتنقيص الفرار، انقطع الحول، واستأنف بما ~~استبدل به حولا، إن كان محلا للزكاة فإن وجد بالثاني عيبا، فرده أو باعه ~~بشرط الخيار، ثم استرده، استأنف أيضا حولا؛ لزوال؛ ملكه بالبيع، قل الزمان ~~أو كثر، وقد ذكر الخرقي هذا في موضع آخر، فقال: والماشية إذا بيعت بالخيار ~~فلم ينقض الخيار حتى ردت، استقبل البائع بها حولا، سواء كان الخيار للبائع ~~أو للمشتري؛ لأنه تجديد ملك. # وإن حال الحول على النصاب الذي اشتراه وجبت فيه الزكاة، فإن وجد به عيبا ~~قبل إخراج زكاته فله الرد، سواء قلنا الزكاة تتعلق بالعين، أو بالذمة؛ لما ~~بينا من أن الزكاة لا تجب في العين بمعنى استحقاق الفقراء جزءا منه، بل ~~بمعنى تعلق حق به، كتعلق الأرش بالجاني، فيرد النصاب، وعليه إخراج زكاته من ~~مال آخر. فإن أخرج الزكاة منه، ثم أراد رده، انبنى على المعيب إذا حدث به ~~عيب آخر عند المشتري، هل له رده؟ على روايتين، وانبنى أيضا على تفريق ~~الصفقة، فإن قلنا: يجوز. # جاز الرد هاهنا، وإلا لم يجز. ومتى رده فعليه عوض الشاة المخرجة، تحسب ~~عليه بالحصة من الثمن، والقول قوله في قيمتها مع يمينه، إذا لم تكن بينة؛ ~~لأنها تلفت في يده، فهو أعرف بقيمتها، ولأن القيمة مدعاة عليه، فهو غارم، ~~والقول في الأصول قول الغارم. وفيه وجه آخر، أن القول قول البائع؛ لأنه ~~يغرم الثمن، فيرده. # والأول أصح؛ لأن الغارم لثمن الشاة المدعاة هو المشتري. فإن أخرج الزكاة ~~من غير النصاب، فله الرد وجها واحدا. (1809) فصل: فإن كان البيع فاسدا، لم ~~ينقطع حول الزكاة في النصاب، وبنى على حوله الأول؛ لأن الملك ما انتقل فيه ~~إلا أن يتعذر رده، فيصير كالمغصوب، على ms1149 ما مضى. ### | [فصل التصرف في النصاب الذي وجبت الزكاة فيه بالبيع والهبة] # (1810) فصل: ويجوز التصرف في النصاب الذي وجبت الزكاة فيه، بالبيع والهبة ~~وأنواع التصرفات، وليس للساعي فسخ البيع. وقال أبو حنيفة تصح، إلا أنه إذا ~~امتنع من أداء الزكاة نقض البيع في قدرها. وقال الشافعي: في صحة البيع ~~قولان؛ أحدهما، لا يصح؛ لأننا إن قلنا إن الزكاة تتعلق بالعين، فقد باع ما ~~لا يملكه، وإن قلنا تتعلق بالذمة، فقدر الزكاة مرتهن بها، وبيع الرهن غير ~~جائز. # PageV02P505 # ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن بيع الثمار حتى يبدو ~~صلاحها.» متفق عليه. ومفهومه صحة بيعها إذا بدا صلاحها، وهو عام فيما وجبت ~~فيه الزكاة وغيره. ونهى عن بيع الحب حتى يشتد، وبيع العنب حتى يسود. وهما ~~مما تجب الزكاة فيه. ولأن الزكاة وجبت في الذمة، والمال خال عنها، فصح ~~بيعه، كما لو باع ماله، وعليه دين آدمي، أو زكاة فطر. # وإن تعلقت بالعين، فهو تعلق لا يمنع التصرف في جزء من النصاب، فلم يمنع ~~بيع جميعه، كأرش الجناية. وقولهم: باع ما لا يملكه. لا يصح؛ فإن الملك لم ~~يثبت للفقراء في النصاب، بدليل أن له أداء الزكاة من غيره، ولا يتمكن ~~الفقراء من إلزامه أداء الزكاة منه، وليس برهن، فإن أحكام الرهن غير ثابتة ~~فيه، فإذا تصرف في النصاب ثم أخرج الزكاة من غيره، وإلا كلف إخراجها، وإن ~~لم يكن له كلف تحصيلها، فإن عجز بقيت الزكاة في ذمته، كسائر الديون، ولا ~~يؤخذ من النصاب. # ويحتمل أن يفسخ البيع في قدر الزكاة، وتؤخذ منه، ويرجع البائع عليه ~~بقدرها؛ لأن على الفقراء ضررا في إتمام البيع، وتفويتا لحقوقهم، فوجب فسخه؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» وهذا أصح. ### | [مسألة الزكاة تجب في الذمة بحلول الحول وإن تلف المال] # (1811) مسألة: قال: (والزكاة تجب في الذمة بحلول الحول وإن تلف المال، ~~فرط أو لم يفرط) هذه المسألة تشتمل على أحكام ثلاثة: أحدها، أن الزكاة تجب ~~في الذمة. وهو ms1150 إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي؛ لأن إخراجها من ~~غير النصاب جائز، فلم تكن واجبة فيه، كزكاة الفطر، ولأنها لو وجبت فيه، ~~لامتنع تصرف المالك فيه، ولتمكن المستحقون من إلزامه أداء الزكاة من عينه، ~~أو ظهر شيء من أحكام ثبوته فيه، ولسقطت الزكاة بتلف النصاب من غير تفريط، ~~كسقوط أرش الجناية بتلف الجاني. والثانية، أنها تجب في العين. # وهذا القول الثاني للشافعي وهذه الرواية هي الظاهرة عند بعض أصحابنا؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «في أربعين شاة شاة. وقوله: فيما سقت ~~السماء العشر، وفيما سقي بدالية أو نضح نصف العشر» . وغير ذلك من الألفاظ ~~الواردة بحرف " في " وهي للظرفية. وإنما جاز الإخراج من غير النصاب رخصة. ~~وفائدة الخلاف أنها إذا كانت في الذمة، فحال على ماله حولان، لم يؤد ~~زكاتهما، وجب عليه أداؤها لما مضى، ولا تنقص عنه الزكاة في الحول الثاني، ~~وكذلك إن كان أكثر من نصاب، لم تنقص الزكاة، # PageV02P506 # وإن مضى عليه أحوال، فلو كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم ~~يؤد زكاتها، وجب عليه ثلاث شياه، وإن كانت مائة دينار، فعليه سبعة دنانير ~~ونصف؛ لأن الزكاة وجبت في ذمته، فلم يؤثر في تنقيص النصاب. # لكن إن لم يكن له مال آخر يؤدي الزكاة منه، احتمل أن تسقط الزكاة في ~~قدرها؛ لأن الدين يمنع وجوب الزكاة. وقال ابن عقيل: لا تسقط الزكاة بهذا ~~بحال؛ لأن الشيء لا يسقط نفسه، وقد يسقط غيره، بدليل أن تغير الماء ~~بالنجاسة في محلها لا يمنع صحة طهارتها وإزالتها به، ويمنع إزالة نجاسة ~~غيرها. والأول أولى؛ لأن الزكاة الثانية غير الأولى. وإن قلنا: الزكاة ~~تتعلق بالعين. وكان النصاب مما تجب الزكاة في عينه، فحالت عليه أحوال لم ~~تؤد زكاتها، تعلقت الزكاة في الحول الأول من النصاب بقدره، فإن كان نصابا ~~لا زيادة عليه، فلا زكاة فيه، فيما بعد الحول الأول؛ لأن النصاب نقص فيه، ~~وإن كان أكثر من نصاب عزل قدر فرض الحول الأول، وعليه زكاة ما بقي. # وهذا ms1151 هو المنصوص عن أحمد، في رواية جماعة. وقال، في رواية محمد بن الحكم: ~~إذا كانت الغنم أربعين، فلم يأته المصدق عامين، فإذا أخذ المصدق شاة، فليس ~~عليه شيء في الباقي، وفيه خلاف. وقال، في رواية صالح: إذا كان عند الرجل ~~مائتا درهم، فلم يزكها حتى حال عليها حول آخر، يزكيها للعام الأول؛ لأن هذه ~~تصير مائتين غير خمسة دراهم. وقال، في رجل له ألف درهم، فلم يزكها سنين: ~~يزكي في أول سنة خمسة وعشرين، ثم في كل سنة بحساب ما بقي. # وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد. فإن كان عنده أربعون من الغنم نتجت ~~سخلة في كل حول، وجب عليه في كل سنة شاة؛ لأن النصاب كمل بالسخلة الحادثة، ~~فإن كان نتاج السخلة بعد وجوب الزكاة عليه بمدة، استؤنف الحول الثاني من ~~حين نتجت؛ لأنه حينئذ كمل. ### | [فصل ملك خمسا من الإبل فلم يؤد زكاتها أحوالا] # فصل: فإن ملك خمسا من الإبل، فلم يؤد زكاتها أحوالا، فعليه في كل سنة ~~شاة. نص عليه في رواية الأثرم. قال في رواية الأثرم: المال غير الإبل إذا ~~أدي من الإبل، لم ينقص، والخمس بحالها، وكذلك ما دون خمس وعشرين من الإبل، ~~لا تنقص زكاتها فيما بعد الحول الأول؛ لأن الفرض يجب من غيرها، فلا يمكن ~~تعلقه بالعين. وللشافعي قولان: أحدهما، أن زكاتها تنقص، كسائر الأموال، ~~فإذا كان عنده خمس من الإبل، فمضى عليها أحوال، لم تجب عليه فيها إلا شاة ~~واحدة؛ لأنها نقصت بوجوب الزكاة فيها في الحول الأول عن خمس كاملة، فلم يجب ~~عليه فيها شيء، كما لو ملك أربعا وجزءا من بعير. # ولنا، أن الواجب من غير النصاب، فلم ينقص به النصاب، كما لو أداه، وفارق ~~سائر المال، فإن الزكاة يتعلق وجوبها بعينه، فينقصه، كما لو أداه من ~~النصاب، فعلى هذا لو ملك خمسا وعشرين، فحالت # PageV02P507 # عليها أحوال، فعليه في الحول الأول بنت مخاض، وعليه لكل حول بعده أربع ~~شياه. وإن بلغت قيمة الشاة الواجبة أكثر من خمس من الإبل. # فإن ms1152 قيل: فإذا لم يكن في خمس وعشرين بنت مخاض، فالواجب فيها من غير ~~عينها، فيجب أن لا تنقص زكاتها أيضا في الأحوال كلها. قلنا: إذا أدى عن خمس ~~وعشرين أكبر من بنت مخاض، جاز فقد أمكن تعلق الزكاة بعينها، لإمكان الأداء ~~منها، بخلاف عشرين من الإبل، فإنه لا يقبل منه واحدة منها، فافترقا. ### | [فصل الزكاة تجب بحلول الحول سواء تمكن من الأداء أو لم يتمكن] # (1813) فصل: الحكم الثاني، أن الزكاة تجب بحلول الحول، سواء تمكن من ~~الأداء أو لم يتمكن. وبهذا قال أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي. وقال في ~~الآخر: التمكن من الأداء شرط، فيشترط للوجوب ثلاثة أشياء: الحول، والنصاب، ~~والتمكن من الأداء. وهذا قول مالك. # حتى لو أتلف الماشية بعد الحول قبل إمكان الأداء لا زكاة عليه، إذا لم ~~يقصد الفرار من الزكاة؛ لأنها عبادة، فيشترط لوجوبها إمكان أدائها كسائر ~~العبادات. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا زكاة في مال حتى ~~يحول عليه الحول» . فمفهومه، وجوبها عليه إذا حال الحول، ولأنه لو لم يتمكن ~~من الأداء حتى حال عليه حولان، وجبت عليه زكاة الحولين، ولا يجوز وجوب ~~فرضين في نصاب واحد في حال واحدة، وقياسهم ينقلب عليهم، فإننا نقول: هذه ~~عبادة، فلا يشترط لوجوبها إمكان أدائها، كسائر العبادات، فإن الصوم يجب على ~~الحائض والمريض العاجز عن أدائه، والصلاة تجب على المغمى عليه والنائم، ومن ~~أدرك من أول الوقت جزءا ثم جن أو حاضت المرأة، والحج يجب على من أيسر في ~~وقت لا يتمكن من الحج فيه، أو منعه من المضي مانع. # ثم الفرق بينهما، أن تلك عبادات بدنية، يكلف فعلها ببدنه، فأسقطها تعذر ~~فعلها، وهذه عبادة مالية، يمكن ثبوت الشركة للمساكين في ماله والوجوب في ~~ذمته مع عجزه عن الأداء، كثبوت الديون في ذمة المفلس وتعلقها بماله ~~بجنايته. ### | [فصل الزكاة لا تسقط بتلف المال فرط أو لم يفرط] # (1814) فصل: الثالث، أن الزكاة لا تسقط بتلف المال، فرط أو لم يفرط. هذا ~~المشهور عن أحمد، وحكى عنه ms1153 الميموني أنه إذا تلف النصاب قبل التمكن من ~~الأداء، سقطت الزكاة عنه، وإن تلف بعده، لم تسقط. وحكاه ابن المنذر مذهبا ~~لأحمد. وهو قول الشافعي، والحسن بن صالح، وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر. وبه ~~قال مالك، إلا في الماشية، فإنه قال: لا شيء فيها حتى يجيء المصدق، فإن ~~هلكت قبل مجيئه # PageV02P508 # فلا شيء عليه. # وقال أبو حنيفة: تسقط الزكاة بتلف النصاب على كل حال إلا أن يكون الإمام ~~قد طالبه بها فمنعها؛ لأنه تلف قبل محل الاستحقاق، فسقطت الزكاة، كما لو ~~تلفت الثمرة قبل الجذاذ، ولأنه حق يتعلق بالعين، فسقط بتلفها، كأرش الجناية ~~في العبد الجاني. ومن اشترط التمكن قال: هذه عبادة يتعلق وجوبها بالمال، ~~فيسقط فرضها بتلفه قبل إمكان أدائها، كالحج. # ومن نصر الأول قال: مال وجب في الذمة، فلم يسقط بتلف النصاب، كالدين، أو ~~لم يشترط في ضمانه إمكان الأداء، كثمن المبيع، والثمرة لا تجب زكاتها في ~~الذمة حتى تحرز؛ لأنها في حكم غير المقبوض، ولهذا لو تلفت بجائحة كانت في ~~ضمان البائع، على ما دل عليه الخبر. وإذا قلنا بوجوب الزكاة في العين، فليس ~~هو بمعنى استحقاق جزء منه، ولهذا لا يمنع التصرف فيه، والحج لا يجب حتى ~~يتمكن من الأداء، فإذا وجب لم يسقط بتلف المال، بخلاف الزكاة، فإن التمكن ~~ليس بشرط لوجوبها، على ما قدمناه. # والصحيح، إن شاء الله، أن الزكاة تسقط بتلف المال، إذا لم يفرط في ~~الأداء؛ لأنها تجب على سبيل المواساة، فلا تجب على وجه يجب أداؤها مع عدم ~~المال وفقر من تجب عليه، ومعنى التفريط، أن يتمكن من إخراجها فلا يخرجها، ~~وإن لم يتمكن من إخراجها، فليس بمفرط، سواء كان ذلك لعدم المستحق، أو لبعد ~~المال عنه، أو لكون الفرض لا يوجد في المال، ويحتاج إلى شرائه، فلم يجد ما ~~يشتريه، أو كان في طلب الشراء، أو نحو ذلك. وإن قلنا بوجوبها بعد تلف ~~المال، فأمكن المالك أداؤها أداها، وإلا أنظر بها إلى ميسرته، وتمكنه من ~~أدائها من غير مضرة عليه؛ ms1154 لأنه إذا لزم إنظاره بدين الآدمي المتعين ~~فبالزكاة التي هي حق الله تعالى أولى. ### | [فصل لا تسقط الزكاة بموت رب المال] # (1815) فصل: ولا تسقط الزكاة بموت رب المال، وتخرج من ماله، وإن لم يوص ~~بها. هذا قول عطاء، والحسن، والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، ~~وأبي ثور، وابن المنذر. وقال الأوزاعي، والليث، تؤخذ من الثلث، مقدمة على ~~الوصايا، ولا يجاوز الثلث. وقال ابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وحماد بن أبي ~~سليمان، وداود بن أبي هند، وحميد الطويل، والمثنى، والثوري: لا تخرج إلا أن ~~يكون أوصى بها. # وكذلك قال أصحاب الرأي، وجعلوها إذا أوصى بها وصية تخرج من الثلث، ويزاحم ~~بها أصحاب الوصايا، وإذا لم يوص بها سقطت؛ لأنها عبادة من شرطها النية، ~~فسقطت بموت من هي عليه، كالصوم. ولنا، أنها حق واجب تصح الوصية به، فلم ~~تسقط بالموت، كدين الآدمي، ولأنها حق مالي واجب فلم يسقط بموت من هو عليه، ~~كالدين، ويفارق الصوم والصلاة، فإنهما عبادتان بدنيتان لا تصح الوصية بهما، ~~ولا النيابة فيهما. اه. # PageV02P509 ### | [فصل وجوب الزكاة على الفور] # (1816) فصل: وتجب الزكاة على الفور، فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة ~~عليه، والتمكن منه، إذا لم يخش ضررا. وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ~~له التأخير ما لم يطالب؛ لأن الأمر بأدائها مطلق، فلا يتعين الزمن الأول ~~لأدائها دون غيره، كما لا يتعين لذلك مكان دون مكان. # ولنا، أن الأمر المطلق يقتضي الفور، على ما يذكر في موضعه، ولذلك يستحق ~~المؤخر للامتثال العقاب، ولذلك أخرج الله تعالى إبليس، وسخط عليه ووبخه، ~~بامتناعه عن السجود، ولو أن رجلا أمر عبده أن يسقيه، فأخر ذلك، استحق ~~العقوبة، ولأن جواز التأخير ينافي الوجوب، لكون الواجب ما يعاقب على تركه، ~~ولو جاز التأخير، لجاز إلى غير غاية، فتنبغي العقوبة بالترك، ولو سلمنا أن ~~مطلق الأمر لا يقتضي الفور، لاقتضاه في مسألتنا، إذ لو جاز التأخير هاهنا ~~لأخره بمقتضى طبعه، ثقة منه بأنه لا يأثم بالتأخير، فيسقط عنه بالموت، أو ~~بتلف ماله، أو بعجزه عن الأداء، فيتضرر ms1155 الفقراء. # ولأن هاهنا قرينة تقتضي الفور، وهو أن الزكاة وجبت # لحاجة # الفقراء، وهي ناجزة، فيجب أن يكون الوجوب، ناجزا ولأنها عبادة تتكرر، فلم ~~يجز تأخيرها إلى وقت وجوب مثلها، كالصلاة والصوم. قال الأثرم: سمعت أبا عبد ~~الله سئل عن الرجل يحول الحول على ماله، فيؤخر عن وقت الزكاة؟ فقال: لا، ~~ولم يؤخر إخراجها؟ وشدد في ذلك. قيل: فابتدأ في إخراجها، فجعل يخرج أولا ~~فأولا. # فقال: لا، بل يخرجها كلها إذا حال الحول. فأما إذا كانت عليه مضرة في ~~تعجيل الإخراج، مثل من يحول حوله قبل مجيء الساعي، ويخشى إن أخرجها بنفسه ~~أخذها الساعي منه مرة أخرى، فله تأخيرها. نص عليه أحمد. وكذلك إن خشي في ~~إخراجها ضررا في نفسه أو مال له سواها، فله تأخيرها؛؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» ولأنه إذا جاز تأخير قضاء دين الآدمي ~~لذلك، فتأخير الزكاة أولى. ### | [فصل أخر الزكاة ليدفعها إلى من هو أحق بها] # (1817) فصل: فإن أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها، من ذي قرابة، أو ذي ~~حاجة شديدة، فإن كان شيئا يسيرا، فلا بأس، وإن كان كثيرا، لم يجز. قال ~~أحمد: لا يجزئ على أقاربه من الزكاة في كل شهر. يعني لا يؤخر إخراجها حتى ~~يدفعها إليهم متفرقة، في كل شهر شيئا، فأما إن عجلها فدفعها إليهم، أو إلى ~~غيرهم متفرقة أو مجموعة، جاز لأنه لم يؤخرها عن وقتها، وكذلك إن كان عنده ~~مالان، أو أموال، زكاتها واحدة، وتختلف أحوالها، مثل أن يكون عنده نصاب، ~~وقد استفاد في أثناء الحول من جنسه دون النصاب، لم يجز تأخير الزكاة ~~ليجمعها كلها؛ لأنه يمكنه جمعها بتعجيلها في أول واجب منها. # PageV02P510 ### | [فصل أخر الزكاة فلم يدفعها إلى الفقير حتى ضاعت] # (1818) فصل: فإن أخر الزكاة، فلم يدفعها إلى الفقير حتى ضاعت، لم تسقط ~~عنه. كذلك قال الزهري، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو عبيد. وبه قال ~~الشافعي، إلا أنه قال: إن لم يكن فرط في إخراج الزكاة، وفي حفظ ذلك المخرج، ~~رجع إلى ms1156 ماله، فإن كان فيما بقي زكاة أخرجها، وإلا فلا. وقال أصحاب الرأي: ~~يزكي ما بقي، إلا أن ينقص عن النصاب فتسقط الزكاة، فرط أو لم يفرط. وقال ~~مالك: أراها تجزئه إذا أخرجها في محلها، وإن أخرجها بعد ذلك ضمنها. # وقال مالك: يزكي ما بقي بقسطه، وإن بقي عشرة دراهم. ولنا، أنه حق متعين ~~على رب المال، تلف قبل وصوله إلى مستحقه، فلم يبرأ منه بذلك، كدين الآدمي. ~~قال أحمد: ولو دفع إلى أحد زكاته خمسة دراهم، فقبل أن يقبضها منه، قال: ~~اشتر لي بها ثوبا أو طعاما. فذهبت الدراهم، أو اشترى بها ما قال فضاع منه، ~~فعليه أن يعطي مكانها؛ لأنه لم يقبضها منه، ولو قبضها منه ثم ردها إليه، ~~وقال: اشتر لي بها. فضاعت، أو ضاع ما اشترى بها، فلا ضمان عليه إذا لم يكن ~~فرط. # وإنما قال ذلك لأن الزكاة لا يملكها الفقير إلا بقبضها، فإذا وكله في ~~الشراء بها كان التوكيل فاسدا، لأنه وكله في الشراء بما ليس له، وبقيت على ~~ملك رب المال، فإذا تلفت كانت في ضمانه. ### | [فصل عزل قدر الزكاة فنوى أنه زكاة فتلف] # فصل: ولو عزل قدر الزكاة، فنوى أنه زكاة، فتلف، فهو في ضمان رب المال، ~~ولا تسقط الزكاة عنه بذلك، سواء قدر على أن يدفعها إليه أو لم يقدر، والحكم ~~فيه كالمسألة التي قبلها. اه. ### | [مسألة رهن ماشية فحال عليها الحول] # (1820) مسألة: قال: (ومن رهن ماشية، فحال عليها الحول، أدى منها إذا لم ~~يكن له ما يؤدي عنها، والباقي رهن) وجملة ذلك أنه إذا رهن ماشية، فحال ~~الحول وهي في يد المرتهن، وجبت زكاتها على الراهن؛ لأن ملكه فيها تام، فإن ~~أمكنه أداؤها من غيرها، وجبت؛ لأن الزكاة من مؤنة الرهن، ومؤنة الرهن تلزم ~~الراهن، كنفقة النصاب، ولا يخرجها من النصاب، لأن حق المرتهن متعلق به ~~تعلقا يمنع تصرف الراهن فيه، والزكاة لا يتعين إخراجها منه، فلم يملك ~~إخراجها منه كزكاة مال سواه. # وإن لم يكن له ما يؤدي منه سوى ms1157 هذا الرهن، فلا يخلو من أن يكون له مال ~~يمكن قضاء الدين منه، ويبقى بعد قضائه نصاب كامل، مثل أن تكون الماشية ~~زائدة على النصاب قدرا يمكن قضاء الدين منه، ويبقى النصاب، فإنه يخرج ~~الزكاة من الماشية، ويقدم حق الزكاة على حق المرتهن، لأن المرتهن يرجع إلى ~~بدل، وهو # PageV02P511 # استيفاء الدين، وحقوق الفقراء في الزكاة لا بدل لها. وإن لم يكن له مال ~~يقضي به الدين، ويبقى بعد قضائه نصاب، ففيه روايتان: إحداهما، تجب الزكاة ~~أيضا. ولا يمنع الدين وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة، وهي المواشي ~~والحبوب. # قاله في رواية الأثرم. قال: لأن المصدق لو جاء فوجد إبلا وغنما، لم يسأل ~~صاحبها أي شيء عليك من الدين، ولكنه يزكيها، والمال ليس كذلك، وهذا ظاهر ~~كلام الخرقي هاهنا؛ لأن كلامه عام في كل ماشية، وذلك لأن وجوب الزكاة في ~~الأموال الظاهرة آكد؛ لظهورها، وتعلق قلوب الفقراء بها، لرؤيتهم. إياها، ~~ولأن الحاجة إلى حفظها أشد، ولأن الساعي يتولى أخذ الزكاة منها ولا يسأل عن ~~دين صاحبها. والرواية الثانية؛ لا تجب الزكاة فيها. ويمنع الدين وجوب ~~الزكاة في الأموال كلها من الظاهرة والباطنة. # قال ابن أبي موسى: الصحيح من مذهبه أن الدين يمنع وجوب الزكاة على كل ~~حال. وهذا مذهب أبي حنيفة. وروي ذلك عن ابن عباس، ومكحول، والثوري. وحكى ~~ذلك ابن المنذر عنهم في الزرع إذا استدان عليه صاحبه؛ لأنه أحد نوعي ~~الزكاة، فيمنع الدين وجوبها، كالنوع الآخر، ولأن المدين محتاج، والصدقة ~~إنما تجب على الأغنياء، بقوله - عليه السلام -: «أمرت أن آخذ الصدقة من ~~أغنيائهم، فأردها في فقرائهم» . «وقوله - عليه السلام -: لا صدقة إلا عن ~~ظهر غنى» . # وروى أبو عبيد، في كتاب " الأموال "، عن السائب بن يزيد، قال: سمعت عثمان ~~بن عفان يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده، حتى تخرجوا زكاة ~~أموالكم، ومن لم يكن عنده زكاة لم تطلب منه، حتى يأتي تطوعا. قال إبراهيم ~~النخعي: أراه يعني شهر رمضان. ### | [فصل أسلم في دار الحرب وأقام بها سنين لم ms1158 يؤد زكاة] # (1821) فصل: ولو أسلم في دار الحرب، وأقام بها سنين لم يؤد زكاة، أو غلب ~~الخوارج على بلدة، فأقام أهله سنين لا يؤدون الزكاة، ثم غلب عليهم الإمام، ~~أدوا الماضي، وهذا مذهب مالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: لا زكاة عليهم ~~لما مضى في المسألتين. # ولنا، أن الزكاة من أركان الإسلام، فلم تسقط عمن هو في غير قبضة الإمام، ~~كالصلاة والصيام. ### | [فصل إذا تولى الرجل إخراج زكاته فليبدأ بالأقرب فالأقرب] # (1822) فصل: إذا تولى الرجل إخراج زكاته، فالمستحب أن يبدأ بأقاربه الذين ~~يجوز دفع الزكاة إليهم؛ «فإن زينب سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أيجزئ عني من الصدقة النفقة على زوجي؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~لها # PageV02P512 # أجران: أجر الصدقة، وأجر القرابة» . رواه البخاري، وابن ماجه. وفي لفظ: ~~أيسعني أن أضع صدقتي في زوجي وبني أخ لي أيتام؟ فقال " نعم، لها أجران: أجر ~~الصدقة وأجر القرابة ". رواه النسائي. «ولما تصدق أبو طلحة بحائطه، قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: اجعله في قرابتك» . رواه أبو داود. ويستحب ~~أن يبدأ بالأقرب فالأقرب، إلا أن يكون منهم من هو أشد حاجة فيقدمه، ولو كان ~~غير القرابة أحوج أعطاه. # قال أحمد: إن كانت القرابة محتاجة أعطاها، وإن كان غيرهم أحوج أعطاهم، ~~ويعطي الجيران. وقال: إن كان قد عود قوما برا فيجعله في ماله، ولا يجعله من ~~الزكاة، ولا يعطي الزكاة من يمون، ولا من تجري عليه نفقته، وإن أعطاهم لم ~~يجز. وهذا - والله أعلم - إذا عودهم برا من غير الزكاة، وإذا أعطى من تجري ~~عليه نفقته شيئا يصرفه في نفقته، فأما إن عودهم دفع زكاته إليهم، أو أعطى ~~من تجري عليه نفقته تطوعا شيئا من الزكاة يصرفه في غير النفقة وحوائجه، فلا ~~بأس. # وقال أبو داود: قلت لأحمد: يعطي أخاه وأخته من الزكاة؟ قال: نعم؛ إذا لم ~~يق به ماله، أو يدفع به مذمة. قيل لأحمد: فإذا استوى فقراء قراباتي ~~والمساكين؟ قال: فهم كذلك أولى، فأما إن كان غيرهم أحوج، فإنما يريد يغنيهم ~~ويدع ms1159 غيرهم، فلا. قيل له: فيعطي امرأة ابنه من الزكاة. قال: إن كان لا يريد ~~به كذا - شيئا ذكره - فلا بأس به. # كأنه أراد منفعة ابنه. قال أحمد: كان العلماء يقولون في الزكاة: لا تدفع ~~بها مذمة، ولا يحابى بها قريب، ولا يبقي بها مالا. وسئل أحمد عن رجل له ~~قرابة يجري عليها من الزكاة؟ قال: إن كان عدها من عياله، فلا يعطيها. قيل ~~له: إنما يجري عليها شيئا معلوما في كل شهر، قال: إذا كفاها ذلك. وفي ~~الجملة، من لا يجب عليه الإنفاق عليه، فله دفع الزكاة إليه، ويقدم الأحوج ~~فالأحوج، فإن شاءوا قدم من هو أقرب إليه، ثم من كان أقرب في الجوار وأكثر ~~دينا. # وكيف فرقها، بعد ما يضعها في الأصناف الذين سماهم الله تعالى، جاز. والله ~~أعلم. # PageV02P513 ### | [باب زكاة الزروع والثمار] # والأصل فيها الكتاب، والسنة؛ أما الكتاب فقول الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] ~~والزكاة تسمى نفقة، بدليل قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] . وقال الله تعالى: {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} [الأنعام: 141] . قال ابن عباس: حقه: الزكاة المفروضة. وقال مرة: ~~العشر، ونصف العشر. . ومن السنة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة» . متفق عليه. # وعن ابن عمر، «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فيما سقت السماء ~~والعيون وكان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» . أخرجه البخاري، ~~وأبو داود، والترمذي. وعن جابر، أنه «سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر» أخرجه ~~مسلم، وأبو داود. وأجمع أهل العلم على أن الصدقة واجبة في الحنطة، والشعير، ~~والتمر، والزبيب. # قاله ابن المنذر، وابن عبد البر ### | [مسألة نصاب زكاة الزروع والثمار] # (1823) مسألة: قال أبو القاسم (وكل ما أخرج الله عز وجل من الأرض مما ~~ييبس ويبقى، مما يكال ويبلغ خمسة أوسق فصاعدا، ففيه العشر، إن كان سقيه من ms1160 ~~السماء والسوح، وإن كان يسقى بالدوالي والنواضح وما فيه الكلف، فنصف العشر) ~~. # هذه المسألة تشتمل على أحكام؛ منها، أن الزكاة تجب فيما جمع هذه الأوصاف: ~~الكيل، والبقاء، واليبس، من الحبوب والثمار، مما ينبته الآدميون، إذا نبت ~~في أرضه، سواء كان قوتا، كالحنطة، والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، ~~والدخن، أو من القطنيات، كالباقلا، والعدس، والماش والحمص، أو من الأبازير، ~~كالكسفرة، والكمون، والكراويا، أو البزور، كبزر # PageV03P003 # الكتان، والقثاء، والخيار، أو حب البقول، كالرشاد، وحب الفجل، والقرطم، ~~والترمس، والسمسم، وسائر الحبوب، وتجب أيضا فيما جمع هذه الأوصاف من ~~الثمار، كالتمر، والزبيب، والمشمش، واللوز، والفستق، والبندق. ولا زكاة في ~~سائر الفواكه، كالخوخ، والإجاص، والكمثرى، والتفاح، والمشمش، والتين، ~~والجوز. ولا في الخضر، كالقثاء، والخيار، والباذنجان.، واللفت، والجزر. # وبهذا قال عطاء في الحبوب كلها، ونحوه قول أبي يوسف ومحمد، فإنهما قالا: ~~لا شيء فيما تخرجه الأرض، إلا ما كانت له ثمرة باقية، يبلغ مكيلها خمسة ~~أوسق. وقال أبو عبد الله بن حامد: لا شيء في الأبازير، ولا البزور، ولا حب ~~البقول. ولعله لا يوجب الزكاة إلا فيما كان قوتا أو أدما؛ لأن ما عداه لا ~~نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه فيبقى على النفي الأصلي. وقال مالك، ~~والشافعي: لا زكاة في ثمر، إلا التمر والزبيب، ولا في حب، إلا ما كان قوتا ~~في حالة الاختيار لذلك، إلا في الزيتون، على اختلاف. # وحكي عن أحمد: إلا في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. وهذا قول ابن ~~عمر، وموسى بن طلحة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والحسن بن صالح وابن أبي ~~ليلى، وابن المبارك، وأبي عبيد. # والسلت: نوع من الشعير. ووافقهم إبراهيم، وزاد الذرة. ووافقهم ابن عباس، ~~وزاد الزيتون؛ لأن ما عدا هذا لا نص فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص ~~عليه، ولا المجمع عليه، فيبقى على الأصل. وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، ~~عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: «إنما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الزكاة في الحنطة والشعير، والتمر والزبيب.» وفي رواية، ms1161 عن أبيه، عن جده، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «والعشر في التمر والزبيب، ~~والحنطة والشعير» . وعن موسى بن طلحة، عن عمر، أنه قال: «إنما سن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، ~~والزبيب.» وعن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ، «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن لا يأخذوا ~~الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب» . رواهن ~~كلهن الدارقطني. # ولأن غير هذه الأربعة لا نص فيها ولا إجماع، ولا هو # PageV03P004 # في معناها في غلبة الاقتيات بها، وكثرة نفعها، ووجودها، فلم يصح قياسه ~~عليها، ولا إلحاقه بها، فيبقى على الأصل. وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في كل ~~ما يقصد بزراعته نماء الأرض، إلا الحطب، والقصب، والحشيش؛ «لقوله - عليه ~~السلام -: فيما سقت السماء العشر» . وهذا عام، ولأن هذا يقصد بزراعته نماء ~~الأرض، فأشبه الحب. # ووجه قول الخرقي، أن عموم قوله - عليه السلام -: «فيما سقت السماء العشر» ~~. وقوله - عليه السلام - لمعاذ: «خذ الحب من الحب» . يقتضي وجوب الزكاة في ~~جميع ما تناوله، خرج منه ما لا يكال، وما ليس بحب، بمفهوم قوله - عليه ~~السلام -: «ليس في حب ولا تمر صدقة، حتى يبلغ خمسة أوسق» . رواه مسلم ~~والنسائي. فدل هذا الحديث على انتفاء الزكاة مما لا، توسيق فيه، وهو مكيال، ~~ففيما هو مكيل يبقى على العموم، والدليل على انتفاء الزكاة مما سوى ذلك ما ~~ذكرنا من اعتبار التوسيق. # وروي عن علي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس في ~~الخضراوات صدقة» . وعن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«ليس فيما أنبتت الأرض من الخضر صدقة» . وعن موسى بن طلحة، عن أبيه، وعن ~~أنس، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله. رواهن الدارقطني. وروى ~~الترمذي، بإسناده عن «معاذ، أنه كتب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يسأله عن الخضراوات، وهي: البقول، فقال: ليس فيها شيء» . وقال: يرويه الحسن ~~بن ms1162 عمارة، وهو ضعيف، والصحيح أنه عن موسى بن طلحة، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مرسل. # وقال موسى بن طلحة: جاء الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~خمسة أشياء: الشعير، والحنطة، والسلت، والزبيب، والتمر، وما سوى ذلك مما ~~أخرجت الأرض فلا عشر فيه. وقال: إن معاذا لم يأخذ من الخضر صدقة. وروى ~~الأثرم، بإسناده، أن عامل عمر كتب إليه في كروم، فيها من الفرسك والرمان ما ~~هو أكثر غلة من الكروم أضعافا فكتب عمر: إنه ليس عليها عشر، هي من العضاه. ### | [فصل لا زكاة فيما ينبت من المباح الذي لا يملك إلا بأخذه] # (1824) فصل: ولا شيء فيما ينبت من المباح الذي لا يملك إلا بأخذه، ~~كالبطم، والعفص، والزعبل وهو شعير الجبل، وبزر قطونا، وبزر البقلة، وحب ~~الثمام، والقت وهو بزر الأشنان إذا أدرك وتناهى نضجه حصلت فيه مرورة ~~وملوحة، وأشباه هذا. ذكره ابن حامد؛ لأنه إنما يملك بحيازته، وأخذ # PageV03P005 # الزكاة إنما تجب فيه إذا بدا صلاحه، وفي تلك الحال لم يكن مملوكا له، فلا ~~يتعلق به الوجوب، كالذي يلتقطه اللقاط من السنبل، فإنه لا زكاة فيه. نص ~~عليه أحمد. # وذكر القاضي في المباح أن فيه الزكاة إذا نبت في أرضه، ولعله بنى هذا على ~~أن ما نبت في أرضه من الكلأ يكون ملكا له، والصحيح خلافه. فأما إن نبت في ~~أرضه ما يزرعه الآدميون، مثل أن سقط في أرض إنسان حب من الحنطة أو الشعير، ~~فنبت ففيه الزكاة؛ لأنه يملكه. # ولو اشترى زرعا بعد بدو الصلاح فيه، أو ثمرة قد بدا صلاحها، أو ملكها ~~بجهة من جهات الملك، لم تجب فيه الزكاة؛ لما ذكرنا. ### | [فصل لا زكاة فيما ليس بحب ولا ثمر] # (1825) فصل: ولا تجب فيما ليس بحب ولا ثمر، سواء وجد فيه الكيل والادخار ~~أو لم يوجد، فلا تجب في ورق مثل ورق السدر والخطمي والأشنان والصعتر والآس ~~ونحوه؛ لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، ومفهوم قوله - عليه ~~السلام -: «لا زكاة في حب ولا ms1163 ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق» . أن الزكاة لا تجب ~~في غيرهما. قال ابن عقيل: في ثمر السدر، فورقه أولى. # ولأن الزكاة لا تجب في الحب المباح، ففي الورق أولى. ولا زكاة في ~~الأزهار، كالزعفران، والعصفر، والقطن؛ لأنه ليس بحب ولا ثمر، ولا هو بمكيل، ~~فلم تجب فيه زكاة، كالخضراوات. قال أحمد: ليس في القطن شيء. وقال: ليس في ~~الزعفران زكاة. وهذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي بكر. وروي عن علي في ~~الفاكهة والبقل والتوابل والزعفران زكاة. وعن عمر أنه قال: إنما سن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. # وكذلك عبد الله بن عمر. وحكي عن أحمد، أن في القطن والزعفران زكاة. وخرج ~~أبو الخطاب في العصفر والورس وجها، قياسا على الزعفران. والأولى ما ذكرناه، ~~وهذا مخالف لأصول أحمد؛ قال: المروي عنه روايتان: إحداهما، أنه لا زكاة إلا ~~في الأربعة. والثانية: أنها إنما تجب في الحنطة والشعير والتمر والزبيب ~~والذرة والسلت والأرز والعدس، وكل شيء يقوم مقام هذه حتى يدخر، ويجري فيه ~~القفيز، مثل: اللوبيا والحمص والسماسم والقطنيات؛ ففيه الزكاة. # وهذا لا يجري فيه القفيز، ولا هو في معنى ما سماه. ### | [فصل اختلف في زكاة الزيتون] # (1826) فصل: واختلفت الرواية في الزيتون. فقال أحمد، في رواية ابنه صالح: ~~فيه العشر إذا بلغ - يعني خمسة أوسق - وإن عصر قوم ثمنه؛ لأن الزيت له ~~بقاء. وهذا قول الزهري، والأوزاعي، ومالك، والليث، والثوري، وأبي ثور، ~~وأصحاب الرأي. وروي عن ابن عباس؛ لقول الله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} ~~[الأنعام: 141] . # PageV03P006 # في سياق قوله: {والزيتون والرمان} [الأنعام: 141] . ولأنه يمكن ادخار ~~غلته، أشبه التمر والزبيب. # وعن أحمد: لا زكاة فيه. وهو اختيار أبي بكر، وظاهر كلام الخرقي. وهذا قول ~~ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وأبي عبيدة، وأحد قولي الشافعي؛ لأنه لا ~~يدخر يابسا، فهو كالخضراوات، والآية لم يرد بها الزكاة، لأنها مكية، ~~والزكاة إنما فرضت بالمدينة، ولهذا ذكر الرمان ولا عشر فيه. وقال مجاهد: ~~إذا حصد زرعه ألقى لهم من السنبل، ms1164 وإذا جذ نخله ألقى لهم من الشماريخ. وقال ~~النخعي وأبو جعفر: هذه الآية منسوخة، على أنها محمولة على ما يتأتى حصاده، ~~بدليل أن الرمان مذكور بعده، ولا زكاة فيه اه. ### | [فصل الحكم الثاني لا زكاة في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق] # (1827) فصل: الحكم الثاني، أن الزكاة لا تجب في شيء من الزروع والثمار ~~حتى تبلغ خمسة أوسق. هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم ابن عمر، وجابر، وأبو ~~أمامة بن سهل، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء، ومكحول، ~~والحكم، والنخعي، ومالك، وأهل المدينة، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، ~~والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وسائر أهل العلم. # لا نعلم أحدا خالفهم، إلا مجاهدا، وأبا حنيفة، ومن تابعه، قالوا: تجب ~~الزكاة في قليل ذلك وكثيره؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «فيما سقت السماء ~~العشر» . ولأنه لا يعتبر له حول فلا يعتبر له نصاب. ولنا، قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» . متفق عليه. # وهذا خاص يجب تقديمه، وتخصيص عموم ما رووه به، كما خصصنا قوله: «في سائمة ~~الإبل الزكاة» بقوله: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» . وقوله: «في الرقة ربع ~~العشر» بقوله: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» . ولأنه مال تجب فيه الصدقة، ~~فلم تجب في يسيره كسائر الأموال الزكائية، وإنما لم يعتبر الحول؛ لأنه يكمل ~~نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره؛ لأنه مظنة لكمال النماء ~~في سائر الأموال، والنصاب اعتبر ليبلغ حدا يحتمل المواساة منه، فلهذا اعتبر ~~فيه، يحققه أن الصدقة إنما تجب على الأغنياء، بما قد ذكرنا فيما تقدم، ولا ~~يحصل الغنى بدون النصاب، كسائر الأموال الزكائية. اه. ### | [فصل تعتبر الخمسة أوسق بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار] # (1828) فصل: وتعتبر خمسة الأوسق بعد التصفية في الحبوب، والجفاف في ~~الثمار، فلو كان له عشرة أوسق عنبا، # PageV03P007 # لا يجيء منه خمسة أوسق زبيبا، لم يجب عليه شيء، لأنه حال وجوب الإخراج ~~منه، فاعتبر النصاب بحاله. وروى الأثرم عنه: أنه يعتبر نصاب ms1165 النخل والكرم ~~عنبا ورطبا، ويؤخذ منه مثل عشر الرطب تمرا. # اختاره أبو بكر. وهذا محمول على أنه أراد يؤخذ عشر ما يجيء به منه من ~~التمر إذا بلغ رطبها خمسة أوسق؛ لأن إيجاب قدر عشر الرطب من التمر إيجاب ~~لأكثر من العشر، وذلك يخالف النص والإجماع، فلا يجوز أن يحمل عليه كلام ~~أحمد، ولا قول إمام اه. ### | [فصل العلس نوع من الحنطة يدخر في قشره] # (1829) فصل: والعلس: نوع من الحنطة يدخر في قشره، ويزعم أهله أنه إذا ~~أخرج من قشره لا يبقى بقاء غيره من الحنطة، ويزعمون أنه يخرج على النصف ~~فيعتبر نصابه في قشره للضرر في إخراجه، فإذا بلغ بقشره عشرة أوسق، ففيه ~~العشر؛ لأن فيه خمسة أوسق، وإن شككنا في بلوغه نصابا، خير صاحبه بين إخراج ~~عشره وبين إخراجه من قشره، ليقدره بخمسة أوسق. كقولنا في مغشوش الذهب ~~والفضة، إذا شككنا في بلوغ ما فيهما نصابا. ولا يجوز تقدير غيره من الحنطة ~~في قشره، ولا إخراجه قبل تصفيته؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى إبقائه في قشره، ~~ولا العادة جارية به ولا يعلم قدر ما يخرج منه. ### | [فصل نصاب الأرز مع قشره] # (1830) فصل: وذكر أبو الخطاب أن نصاب الأرز مع قشره عشرة أوسق؛ لأنه يدخر ~~مع قشره، وإذا أخرج من قشره، لم يبق بقاء ما في القشر، فهو كالعلس سواء ~~فيما ذكرنا. وقال غيره: لا يعتبر نصابه بذلك، إلا أن يقول ثقات من أهل ~~الخبرة إنه يخرج على النصف فيكون كالعلس، ومتى لم يوجد ثقات يخبرون بهذا، ~~أو شككنا في بلوغه نصابا، خيرنا ربه بين إخراج عشره في قشره، وبين تصفيته ~~ليعلم قدره مصفى، فإن بلغ نصابا أخذ منه، وإلا فلا؛ لأن اليقين لا يحصل إلا ~~بذلك، فاعتبرناه كمغشوش الأثمان اه. ### | [فصل نصاب الزيتون] # (1831) فصل: ونصاب الزيتون خمسة أوسق نص عليه أحمد، في رواية صالح. ونصاب ~~الزعفران والقطن وما ألحق بهما من الموزونات، ألف وستمائة رطل بالعراقي؛ ~~لأنه ليس بمكيل، فيقوم وزنه مقام كيله. ذكره القاضي، في " المجرد ". وحكي ms1166 ~~عنه: إذا بلغت قيمته نصابا من أدنى ما تخرجه الأرض مما فيه الزكاة، ففيه ~~الزكاة. وهذا قول أبي يوسف في الزعفران؛ لأنه لم يمكن اعتباره بنفسه فاعتبر ~~بغيره، كالعروض # PageV03P008 # تقوم بأدنى النصابين من الأثمان. وقال أصحاب الشافعي في الزعفران: تجب ~~الزكاة في قليله وكثيره. ولا أعلم لهذه الأقوال دليلا، ولا أصلا يعتمد ~~عليه. # ويردها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» ~~. وإيجاب الزكاة في قليله وكثيره مخالف لجميع أموال الزكاة واعتباره بغيره ~~مخالف لجميع ما يجب عشره، واعتباره بأقل ما فيه الزكاة قيمة لا نظير له ~~أصلا، وقياسه على العروض لا يصح؛ لأن العروض لا تجب الزكاة في عينها، وإنما ~~تجب في قيمتها، تؤدى من القيمة التي اعتبرت بها، والقيمة يرد إليها كل ~~الأموال المتقومات، فلا يلزم من الرد إليها الرد إلى ما لم يرد إليه شيء ~~أصلا، ولا تخرج الزكاة منه، ولأن هذا مال تخرج الزكاة من جنسه، فاعتبر ~~نصابه بنفسه، كالحبوب، ولأنه خارج من الأرض يجب فيه العشر أو نصفه، فأشبه ~~سائر ما يجب فيه ذلك، ولأنه مال تجب فيه الزكاة، فلم يجب في قليله وكثيره، ~~كسائر الأموال، ولأنه لا نص فيما ذكروه ولا إجماع، ولا هو في معناهما. # فوجب أن لا يقال به، لعدم دليله. اه. انتهى ### | [فصل الحكم الثالث العشر يجب فيما سقي بغير مؤنة] # (1832) فصل: الحكم الثالث، أن العشر يجب فيما سقي بغير مؤنة، كالذي يشرب ~~من السماء والأنهار، وما يشرب بعروقه، وهو الذي يغرس في أرض ماؤها قريب من ~~وجهها، فتصل إليه عروق الشجر، فيستغني عن سقي، وكذلك ما كانت عروقه تصل إلى ~~نهر أو ساقية. ونصف العشر فيما سقي بالمؤن، كالدوالي والنواضح؛ لا نعلم في ~~هذا خلافا. وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وغيرهم. # والأصل فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فيما سقت السماء والعيون ~~أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر» . رواه البخاري، قال أبو ~~عبيد العثري: ما تسقيه السماء، وتسميه العامة: العذي. ms1167 وقال القاضي: هو ~~الماء المستنقع في بركة أو نحوها، يصب إليه ماء المطر في سواق تشق له، فإذا ~~اجتمع سقي منه، واشتقاقه من العاثور، وهي الساقية التي يجري فيها الماء، ~~لأنها يعثر بها من يمر بها. وفي رواية مسلم: «وفيما يسقى بالسانية نصف ~~العشر» . والسواني: هي النواضح، وهي الإبل يستقى بها لشرب الأرض. # وعن معاذ، قال: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، ~~فأمرني أن آخذ مما سقت السماء، أو سقي بعلا، العشر، وما سقي بدالية نصف ~~العشر» . قال أبو عبيد: البعل، ما شرب بعروقه من غير سقي. وفي الجملة كل ما ~~سقي بكلفة ومؤنة، من دالية أو سانية أو دولاب أو ناعورة أو غير ذلك، ففيه ~~نصف العشر، وما سقي بغير مؤنة، ففيه العشر؛ لما روينا من الخبر، ولأن ~~للكلفة تأثيرا في إسقاط الزكاة جملة، بدليل المعلوفة، فبأن يؤثر في تخفيفها ~~أولى، ولأن الزكاة إنما تجب في المال النامي، وللكلفة # PageV03P009 # تأثير في تقليل النماء، فأثرت في تقليل الواجب فيها، ولا يؤثر حفر ~~الأنهار والسواقي في نقصان الزكاة؛ لأن المؤنة تقل، لأنها تكون من جملة ~~إحياء الأرض ولا تتكرر كل عام. # وكذلك لا يؤثر احتياجها إلى ساق يسقيها، ويحول الماء في نواحيها، لأن ذلك ~~لا بد منه في كل سقي بكلفة، فهو زيادة على المؤنة في التنقيص، يجري مجرى ~~حرث الأرض وتحسينها. وإن كان الماء يجري من النهر في ساقية إلى الأرض، ~~ويستقر في مكان قريب من وجهها، لا يصعد إلا بغرف أو دولاب، فهو من الكلفة ~~المسقطة لنصف الزكاة، على ما مر؛ لأن مقدار الكلفة وقرب الماء وبعده لا ~~يعتبر، والضابط لذلك هو أن يحتاج في ترقية الماء إلى الأرض بآلة من غرف أو ~~نضح أو دالية ونحو ذلك؛ وقد وجد. اه. ### | [فصل النصاب في ما سقي نصف السنة بكلفة ونصفها بغير كلفة] # (1833) فصل: فإن سقي نصف السنة بكلفة، ونصفها بغير كلفة، ففيه ثلاثة ~~أرباع العشر. وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا؛ ~~لأن ms1168 كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد في نصفها ~~أوجب نصفه، وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما، فوجب مقتضاه، ~~وسقط حكم الآخر. # نص عليه وهو قول عطاء، والثوري، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. وقال ابن ~~حامد: يؤخذ بالقسط. وهو القول الثاني للشافعي؛ لأنهما لو كانا نصفين أخذ ~~بالحصة، فكذلك إذا كان أحدهما أكثر، كما لو كانت الثمرة نوعين. ووجه الأول ~~أن اعتبار مقدار السقي وعدد مراته وقدر ما يشرب في كل سقية يشق ويتعذر، ~~فكان الحكم للأغلب منهما كالسوم في الماشية. وإن جهل المقدار، غلبنا إيجاب ~~العشر احتياطا. # نص عليه أحمد في رواية عبد الله؛ لأن الأصل وجوب العشر، وإنما يسقط بوجود ~~الكلفة، فما لم يتحقق المسقط يبقى على الأصل، ولأن الأصل عدم الكلفة في ~~الأكثر، فلا يثبت وجودها مع الشك فيه، وإن اختلف الساعي ورب المال، في ~~أيهما سقي به أكثر، فالقول، قول رب المال بغير يمين، فإن الناس لا يستحلفون ~~على صدقاتهم. اه. ### | [فصل لرجل حائطان سقى أحدهما بمؤنة والآخر بغير مؤنة] # (1834) فصل: وإذا كان لرجل حائطان، سقى أحدهما بمؤنة، والآخر بغير مؤنة، ~~ضم غلة أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب أو أخرج من الذي سقي بغير مؤنة ~~عشره، ومن الآخر نصف عشره، كما يضم أحد النوعين إلى الآخر، ويخرج من كل ~~واحد منهما ما وجب فيه. ### | [مسألة الوسق ستون صاعا والصاع خمسة أرطال وثلث] # (1835) مسألة: قال: (والوسق ستون صاعا، والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي) ~~أما كون الوسق ستين صاعا، فلا خلاف فيه. قال ابن المنذر هو قول كل من يحفظ ~~عنه من أهل # PageV03P010 # العلم. # وقد روى الأثرم، عن سلمة بن صخر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الوسق ستون صاعا» . وروى أبو سعيد، وجابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- مثل ذلك، رواه ابن ماجه. # وأما كون الصاع خمسة أرطال وثلثا ففيه اختلاف ذكرناه في باب الطهارة، ~~وبينا أنه خمسة أرطال وثلث بالعراقي، فيكون مبلغ الخمسة الأوسق ثلاثمائة ~~صاع، ms1169 وهو ألف وستمائة رطل بالعراقي، والرطل العراقي: مائة وثمانية وعشرون ~~درهما وأربعة أسباع درهم، ووزنه بالمثاقيل سبعون مثقالا، ثم زيد في الرطل ~~مثقال آخر، وهو درهم وثلاثة أسباع فصار إحدى وتسعين مثقالا، وكملت زنته ~~بالدراهم مائة وثلاثين درهما، والاعتبار بالأول قبل الزيادة، فيكون الصاع ~~بالرطل الدمشقي، الذي هو ستمائة درهم، رطلا وسبعا، وذلك أوقية وخمسة أسباع ~~أوقية، ومبلغ الخمسة الأوسق بالرطل الدمشقي ثلاثمائة رطل واثنان وأربعون ~~رطلا وعشر أواق وسبع أوقية، وذلك ستة أسباع رطل. ### | [فصل النصاب معتبر بالكيل] # (1836) فصل: والنصاب معتبر بالكيل، فإن الأوساق مكيلة، وإنما نقلت إلى ~~الوزن لتضبط وتحفظ وتنقل، ولذلك تعلق وجوب الزكاة بالمكيلات دون الموزونات، ~~والمكيلات تختلف في الوزن، فمنها الثقيل، كالحنطة والعدس. ومنها الخفيف، ~~كالشعير والذرة، ومنها المتوسط. وقد نص أحمد على أن الصاع خمسة أرطال وثلث ~~من الحنطة وروى جماعة عنه، أنه قال: الصاع وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثي ~~رطل حنطة. وقال حنبل قال: أحمد أخذت الصاع من أبي النضر، وقال أبو النضر: ~~أخذته من ابن أبي ذئب. وقال: هذا صاع النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ~~يعرف بالمدينة. # قال أبو عبد الله، فأخذنا العدس، فعيرنا به، وهو أصلح ما يكال به، لأنه ~~لا يتجافى عن مواضعه، فكلنا به ووزناه، فإذا هو خمسة أرطال وثلث. وهذا أصح ~~ما وقفنا عليه، وما بين لنا من صاع النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال بعض أهل العلم: أجمع أهل الحرمين على أن مد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رطل وثلث قمحا من أوسط القمح، فمتى بلغ القمح ألفا وستمائة رطل، ~~ففيه الزكاة. وهذا يدل على أنهم قدروا الصاع بالثقيل، فأما الخفيف فتجب ~~الزكاة فيه، إذا قارب هذا وإن لم يبلغه. ومتى شك في وجوب الزكاة فيه، ولم ~~يوجد مكيال يقدر به، فالاحتياط الإخراج، وإن لم يخرج فلا حرج؛ لأن الأصل ~~عدم وجوب الزكاة، فلا تجب بالشك. ### | [فصل متى نقص من النصاب شيئا لم تجب الزكاة] # (1837) فصل: قال القاضي: وهذا النصاب معتبر تحديدا، فمتى نقص شيئا، لم ms1170 ~~تجب الزكاة، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة ~~أوسق صدقة» . والناقص عنها لم يبلغها، إلا أن يكون نقصا يسيرا # PageV03P011 # يدخل في المكاييل، كالأوقية ونحوها، فلا عبرة به؛ لأن مثل ذلك يجوز أن ~~يدخل في المكاييل، فلا ينضبط، فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين. ### | [فصل لا وقص في نصاب الحبوب والثمار] # (1838) فصل: ولا وقص في نصاب الحبوب والثمار بل مهما زاد على النصاب أخرج ~~منه بالحساب، فيخرج عشر جميع ما عنده. فإنه لا ضرر في تبعيضه، بخلاف ~~الماشية، فإن فيها ضررا، على ما تقدم. ### | [فصل إذا وجب عليه عشر مرة لم يجب عليه عشر آخر وإن حال عنده أحوالا] # (1839) فصل: وإذا وجب عليه عشر مرة، لم يجب عليه عشر آخر، وإن حال عنده ~~أحوالا؛ لأن هذه الأموال غير مرصدة للنماء في المستقبل، بل هي إلى النقص ~~أقرب، والزكاة إنما تجب في الأشياء النامية، ليخرج من النماء فيكون أسهل. ~~فإن اشترى شيئا من ذلك للتجارة صار عرضا، تجب فيه زكاة التجارة إذا حال ~~عليه الحول. والله أعلم. ### | [فصل وقت وجوب الزكاة في الحب إذا اشتد وفي الثمرة إذا بدا صلاحها] # (1840) فصل: ووقت وجوب الزكاة في الحب إذا اشتد، وفي الثمرة إذا بدا ~~صلاحها. وقال ابن أبي موسى: تجب زكاة الحب يوم حصاده؛ لقول الله تعالى: ~~{وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] وفائدة الخلاف أنه لو تصرف في الثمرة ~~أو الحب قبل الوجوب، لا شيء عليه؛ لأنه تصرف فيه قبل الوجوب، فأشبه ما لو ~~أكل السائمة أو باعها قبل الحول، وإن تصرف فيها بعد الوجوب لم تسقط الزكاة ~~عنه، كما لو فعل ذلك في السائمة، ولا يستقر الوجوب على كلا القولين حتى ~~تصير الثمرة في الجريب والزرع في البيدر ولو تلف قبل ذلك بغير إتلافه أو ~~تفريط منه فيه، فلا زكاة عليه. # قال أحمد: إذا خرص وترك في رءوس النخل، فعليهم حفظه، فإن أصابته جائحة ~~فذهبت الثمرة، سقط عنهم الخرص، ولم يؤخذوا به ولا نعلم في هذا خلافا. قال ms1171 ~~ابن المنذر: أجمع أهل العلم، على أن الخارص إذا خرص الثمرة، ثم أصابته ~~جائحة، فلا شيء عليه إذا كان قبل الجذاذ، ولأنه قبل الجذاذ في حكم ما لا ~~تثبت اليد عليه، بدليل أنه لو اشترى ثمرة فتلفت بجائحة رجع بها على البائع، ~~وإن تلف بعض الثمرة، فقال القاضي: إن كان الباقي نصابا ففيه الزكاة، وإلا ~~فلا. # وهذا القول يوافق قول من قال: لا تجب الزكاة فيه إلا يوم حصاده؛ لأن وجوب # PageV03P012 # النصاب شرط في الوجوب، فمتى لم يوجد وقت الوجوب لم يجب. وأما من قال: إن ~~الوجوب ثبت إذا بدا الصلاح واشتد الحب، فقياس قوله: إن تلف البعض. إن كان ~~قبل الوجوب، فهو كما قال القاضي، وإن كان بعده، وجب في الباقي بقدره، سواء ~~كان نصابا أو لم يكن نصابا؛ لأن المسقط اختص بالبعض، فاختص السقوط به، كما ~~لو تلف بعض نصاب السائمة بعد وجوب الزكاة فيها. وهذا فيما إذا تلف بغير ~~تفريطه وعدوانه. # فأما إن أتلفها، أو تلفت بتفريطه أو عدوانه بعد الوجوب، لم تسقط عنه ~~الزكاة، وإن كان قبل الوجوب، سقطت، إلا أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة، ~~فيضمنها، ولا تسقط عنه، ومتى ادعى رب المال تلفها بغير تفريطه، قبل قوله من ~~غير يمين، سواء كان ذلك قبل الخرص أو بعده، ويقبل قوله أيضا في قدرها بغير ~~يمين، وكذلك في سائر الدعاوى. # قال أحمد: لا يستحلف الناس على صدقاتهم، وذلك لأنه حق لله تعالى، فلا ~~يستحلف فيه، كالصلاة والحد. ### | [فصل جذها وجعلها في الجرين أو جعل الزرع في البيدر استقر وجوب الزكاة عليه] # (1841) فصل: وإن جذها وجعلها في الجرين، أو جعل الزرع في البيدر، استقر ~~وجوب الزكاة عليه، عند من لم ير التمكن من الأداء شرطا في استقرار الوجوب. ~~فإن تلفت بعد ذلك، لم تسقط الزكاة عنه، وعليه ضمانها، كما لو تلف نصاب ~~السائمة أو الأثمان بعد الحول. وعلى الرواية الأخرى، في كون التمكن من ~~الأداء معتبرا، لا يستقر الوجوب فيها حتى تجف الثمرة، ويصفى الحب، ويتمكن ~~من ms1172 أداء حقه، فلا يفعل، وإن تلف قبل ذلك، فلا شيء عليه، على ما ذكرنا في ~~غير هذا. ### | [فصل تصرف المالك في النصاب قبل الخرص وبعده بالبيع والهبة وغيرهما] # (1842) فصل: ويصح تصرف المالك في النصاب قبل الخرص، وبعده، بالبيع والهبة ~~وغيرهما. فإن باعه أو وهبه بعد بدو صلاحه، فصدقته على البائع والواهب. ~~وبهذا قال الحسن، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وبه قال الليث، إلا أن ~~يشترطها على المبتاع، وإنما وجبت على البائع؛ لأنها كانت واجبة عليه قبل ~~البيع فبقي على ما كان عليه، وعليه إخراج الزكاة من جنس المبيع والموهوب. # وعن أحمد، أنه مخير بين أن يخرج ثمرا أو من الثمن. قال القاضي: والصحيح ~~أن عليه عشر الثمرة؛ فإنه لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، على صحيح ~~المذهب، ولأن عليه القيام بالثمرة حتى يؤدي الواجب منها ثمرا، فلا يسقط ذلك ~~عنه ببيعها ولا هبتها. ويتخرج أن تجب الزكاة على المشتري، على قول من قال: ~~إن الزكاة إنما تجب يوم حصاده، لأن الوجوب إنما تعلق بها في ملك المشتري، ~~فكان عليه. # ولو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، ثم بدا صلاحها في يد المشتري على وجه ~~صحيح، مثل أن يشتري نخلة مثمرة، # PageV03P013 # ويشترط ثمرتها، أو وهبت له ثمرة قبل بدو صلاحها، فبدا صلاحها في يد ~~المشتري أو المتهب، أو وصى له بثمرة فقبلها بعد موت الموصي، ثم بدا صلاحها، ~~فالصدقة عليه؛ لأن سبب الوجوب وجد في ملكه، فكان عليه، كما لو اشترى سائمة ~~أو اتهبها، فحال الحول عليها عنده. اه ### | [فصل اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها فتركها حتى بدا صلاحها] # (1843) فصل: وإذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، فتركها حتى بدا صلاحها، فإن ~~لم يكن شرط القطع، فالبيع باطل، وهي باقية على ملك البائع، وزكاتها عليه، ~~وإن شرط القطع، فقد روي أن البيع باطل أيضا، ويكون الحكم فيها كما لو لم ~~يشترط القطع، وروي أن البيع صحيح، ويشتركان في الزيادة. فعلى هذا يكون على ~~المشتري زكاة حصته منها إن بلغت نصابا، فإن لم يكن المشتري من ms1173 أهل الزكاة، ~~كالمكاتب والذمي، فلا زكاة فيها، وإن عاد البائع فاشتراها بعد بدو الصلاح ~~أو غيره، فلا زكاة فيها، إلا أن يكون قصد ببيعها الفرار من الزكاة، فلا ~~تسقط. ### | [فصل تلف الثمرة قبل بدو الصلاح أو الزرع قبل اشتداد الحب] # (1844) فصل: وإن تلفت الثمرة قبل بدو الصلاح، أو الزرع قبل اشتداد الحب، ~~فلا زكاة فيه. وكذلك إن أتلفه المالك، إلا أن يقصد الفرار من الزكاة، وسواء ~~قطعها للأكل، أو للتخفيف عن النخيل لتحسين بقية الثمرة، أو حفظ الأموال إذا ~~خاف عليها العطش أو ضعف الجمار، فقطع الثمرة أو بعضها، بحيث نقص النصاب، أو ~~قطعها لغير غرض، فلا زكاة عليه؛ لأنها تلفت قبل وجوب الزكاة، وتعلق حق ~~الفقراء بها، فأشبه ما لو هلكت السائمة قبل الحول، وإن قصد بقطعها الفرار ~~من الزكاة، لم تسقط عنه؛ لأنه قصد قطع حق من انعقد سبب استحقاقه، فلم تسقط، ~~كما لو طلق امرأته في مرض موته. ### | [فصل معرفة قدر الثمر وإدراكه بالخرص] # (1845) فصل: وينبغي أن يبعث الإمام ساعيه إذا بدا صلاح الثمار، ليخرصها، ~~ويعرف قدر الزكاة ويعرف المالك ذلك. وممن كان يرى الخرص عمر بن الخطاب، ~~وسهل بن أبي حثمة، ومروان، والقاسم بن محمد، والحسن، وعطاء، والزهري، وعمرو ~~بن دينار، وعبد الكريم بن أبي المخارق، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد وأبو ~~ثور، وأكثر أهل العلم. وحكي عن الشعبي أن الخرص بدعة. # وقال أهل الرأي: الخرص ظن وتخمين، لا يلزم به حكم، وإنما كان الخرص ~~تخويفا للأكرة لئلا يخونوا، فأما أن يلزم به حكم، فلا. # PageV03P014 # ولنا، ما روى الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عتاب بن أسيد، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم» . ~~رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي. وفي لفظ عن عتاب، قال: «أمر رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أن يخرص العنب، كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبا، ~~كما تؤخذ زكاة النخل تمرا» . # وقد عمل به النبي - صلى الله عليه وسلم - فخرص على امرأة بوادي القرى ms1174 ~~حديقة لها، ورواه الإمام أحمد في " مسنده ". وعمل به أبو بكر بعده ~~والخلفاء. وقالت عائشة، وهي تذكر شأن خيبر: «كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود، فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل ~~أن يؤكل منه» . متفق عليه رواه أبو داود. وقولهم: هو ظن. قلنا: بل هو ~~اجتهاد في معرفة قدر الثمر وإدراكه بالخرص، الذي هو نوع من المقادير ~~والمعايير، فهو كتقويم المتلفات. # ووقت الخرص حين يبدو صلاحه، لقول عائشة - رضي الله عنها - يبعث عبد الله ~~بن رواحة، فيخرص عليهم النخل حين يطيب، قبل أن يؤكل منه. ولأن فائدة الخرص ~~معرفة الزكاة، وإطلاق أرباب الثمار في التصرف فيها، والحاجة إنما تدعو إلى ~~ذلك حين يبدو الصلاح، وتجب الزكاة ### | [فصل يجزئ خارص واحد] # (1846) فصل: ويجزئ خارص واحد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث ~~ابن رواحة، فيخرص، ولم يذكر معه غيره، ولأن الخارص يفعل ما يؤديه اجتهاده ~~إليه، فهو كالحاكم والقائف، ويعتبر في الخارص أن يكون أمينا غير متهم. ### | [فصل صفة الخرص تختلف باختلاف الثمرة] # (1847) فصل: وصفة الخرص تختلف باختلاف الثمرة، فإن كان نوعا واحدا، فإنه ~~يطيف بكل نخلة أو شجرة، وينظر كم في الجميع رطبا أو عنبا، ثم يقدر ما يجيء ~~منها تمرا، وإن كان أنواعا خرص كل نوع على حدته؛ لأن الأنواع تختلف، فمنها ~~ما يكثر رطبه ويقل تمره، ومنها ما يكون بالعكس، وهكذا العنب، ولأنه يحتاج ~~إلى معرفة قدر كل نوع، حتى يخرج عشره، فإذا خرص على المالك، وعرفه قدر ~~الزكاة، خيره بين أن يضمن قدر الزكاة، ويتصرف فيها بما شاء من أكل وغيره، ~~وبين حفظها إلى وقت الجداد والجفاف، فإن اختار حفظها ثم أتلفها أو تلفت ~~بتفريطه، فعليه ضمان نصيب الفقراء # PageV03P015 # بالخرص، وإن أتلفها أجنبي، فعليه قيمة ما أتلف. # والفرق بينهما أن رب المال وجب عليه تجفيف هذا الرطب، بخلاف الأجنبي، ~~ولهذا قلنا في من أتلف أضحيته المتعينة: عليه أضحية مكانها. وإن أتلفها ~~أجنبي فعليه قيمتها. وإن تلفت بجائحة من السماء، ms1175 سقط عنهم الخرص. نص عليه ~~أحمد؛ لأنها تلفت قبل استقرار زكاتها، وإن ادعى تلفها بغير تفريطه، فالقول ~~قوله بغير يمين، كما تقدم، وإن حفظها إلى وقت الإخراج، فعليه زكاة الموجود ~~لا غير، سواء اختار الضمان، أو حفظها على سبيل الأمانة، وسواء كانت أكثر ~~مما خرصه الخارص أو أقل. # وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: يلزمه ما قال الخارص، زاد أو نقص، إذا ~~كانت الزكاة متقاربة؛ لأن الحكم انتقل إلى ما قال الساعي، بدليل وجوب ما ~~قال عند تلف المال. ولنا، أن الزكاة أمانة، فلا تصير مضمونة بالشرط ~~كالوديعة، ولا نسلم أن الحكم انتقل إلى ما قال الساعي، وإنما يعمل بقوله ~~إذا تصرف في الثمرة، ولم يعلم قدرها؛ لأن الظاهر إصابته. قال أحمد: إذا خرص ~~على الرجل، فإذا فيه فضل كثير، مثل الضعف، تصدق بالفضل؛ لأنه يخرص بالسوية. ~~وهذه الرواية تدل على مثل قول مالك. وقال: إذا تجافى السلطان عن شيء من ~~العشر، يخرجه فيؤديه. # وقال: إذا حط من الخرص عن الأرض، يتصدق بقدر ما نقصوه من الخرص. وإن أخذ ~~منهم أكثر من الواجب عليهم، فقال أحمد: يحتسب لهم من الزكاة لسنة أخرى ونقل ~~عنه أبو داود لا يحتسب بالزيادة لأن هذا غاصب. وقال أبو بكر: وبهذا أقول. ~~ويحتمل أن يجمع بين الروايتين، فيحتسب به إذا نوى صاحبه به التعجيل، ولا ~~يحتسب به إذا لم ينو ذلك. ### | [فصل ادعى رب المال غلط الخارص] # فصل وإن ادعى رب المال غلط الخارص وكان ما ادعاه محتملا، قبل قوله بغير ~~يمين، وإن لم يكن محتملا، مثل أن يدعي غلط النصف ونحوه، لم يقبل منه؛ لأنه ~~لا يحتمل، فيعلم كذبه. وإن قال: لم يحصل في يدي غير هذا. قبل منه بغير يمين ~~لأنه قد يتلف بعضها بآفة لا نعلمها. ### | [فصل على الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع] # (1849) فصل: وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع، توسعة على ~~أرباب الأموال؛ لأنهم يحتاجون # PageV03P016 # إلى الأكل هم وأضيافهم، ويطعمون جيرانهم وأهلهم وأصدقاءهم وسؤالهم. ويكون ~~في ms1176 الثمرة السقاطة، وينتابها الطير وتأكل منه المارة، فلو استوفى الكل منهم ~~أضر بهم. وبهذا قال إسحاق، ونحوه قال الليث، وأبو عبيد. # والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده، فإن رأي الأكلة كثيرا ترك ~~الثلث، وإن كانوا قليلا ترك الربع؛ لما روى سهل بن أبي حثمة «، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن ~~لم تدعوا الثلث فدعوا الربع» . رواه أبو عبيد، وأبو داود، والنسائي، ~~والترمذي. وروى أبو عبيد، بإسناده عن مكحول، قال: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا بعث الخراص قال: خففوا على الناس، فإن في المال ~~العرية والواطئة والأكلة» . قال أبو عبيد: الواطئة: السابلة سموا بذلك ~~لوطئهم بلاد الثمار مجتازين. والأكلة: أرباب الثمار وأهلوهم، ومن لصق بهم. ~~ومنه حديث سهل في مال سعد بن أبي سعد، حين قال: لولا أني وجدت فيه أربعين ~~عريشا، لخرصته تسعمائة وسق، وكانت تلك العرش لهؤلاء الأكلة. والعرية: ~~النخلة أو النخلات يهب إنسانا ثمرتها. # فجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس في العرايا صدقة» . ~~وروى ابن المنذر، عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لسهل بن أبي حثمة: إذا ~~أتيت على نخل قد حضرها قوم، فدع لهم ما يأكلون. والحكم في العنب كالحكم في ~~النخيل سواء، فإن لم يترك لهم الخارص شيئا، فلهم الأكل بقدر ذلك، ولا يحتسب ~~عليهم به. # نص عليه؛ لأنه حق لهم، فإن لم يخرج الإمام خارصا فاحتاج رب المال إلى ~~التصرف في الثمرة، فأخرج خارصا، جاز أن يأخذ بقدر ذلك. ذكره القاضي. وإن ~~خرص هو وأخذ بقدر ذلك، جاز ويحتاط في أن لا يأخذ أكثر مما له أخذه. ### | [فصل يخرص النخل والكرم] # (1850) فصل: ويخرص النخل والكرم؛ لما روينا من الأثر فيهما، ولم يسمع ~~بالخرص في غيرهما، فلا يخرص الزرع في سنبله. وبهذا قال عطاء، والزهري، ~~ومالك؛ لأن الشرع لم يرد بالخرص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه، لأن ~~ثمرة النخل والكرم تؤكل رطبا، فيخرص على أهله للتوسعة ms1177 عليهم، ليخلي بينهم ~~وبين أكل الثمرة والتصرف فيها، ثم يؤدون الزكاة منها على ما خرص، ولأن ثمرة ~~الكرم والنخل ظاهرة مجتمعة، فخرصها أسهل من خرص غيرها، وما عداهما فلا ~~يخرص. # وإنما على أهله فيه الأمانة إذا صار مصفى يابسا، ولا بأس أن يأكلوا منه ~~ما جرت العادة بأكله، ولا يحتسب عليهم. وسئل أحمد عما يأكل أرباب الزروع من ~~الفريك؟ قال: لا بأس به أن يأكل منه صاحبه ما يحتاج إليه. وذلك لأن العادة ~~جارية به، فأشبه ما يأكله أرباب الثمار من ثمارهم، فإذا صفي الحب # PageV03P017 # أخرج زكاة الموجود كله، ولم يترك منه شيء؛ لأنه إنما ترك لهم في الثمرة ~~شيء لكون النفوس تتوق إلى أكلها رطبة، والعادة جارية به، وفي الزرع إنما ~~يؤكل شيء يسير، لا وقع له. ### | [فصل لا يخرص الزيتون ولا غير النخل والكرم] # (1851) فصل: ولا يخرص الزيتون، ولا غير النخل والكرم؛ لأن حبه متفرق في ~~شجره، مستور بورقه، ولا حاجة بأهله إلى أكله، بخلاف النخل والكرم، فإن ثمرة ~~النخل مجتمعة في عذوقه، والعنب في عناقيده، فيمكن أن يأتي الخرص عليه، ~~والحاجة داعية إلى أكلهما في حال رطوبتهما. وبهذا قال مالك. وقال الزهري، ~~والأوزاعي، والليث: يخرص؛ لأنه ثمر تجب فيه الزكاة، فيخرص كالرطب والعنب. # ولنا: أنه لا نص في خرصه، ولا هو في معنى المنصوص، فيبقى على الأصل. ### | [فصل وقت الإخراج لزكاة الزروع] # (1852) فصل: ووقت الإخراج للزكاة بعد التصفية في الحبوب والجفاف في ~~الثمار؛ لأنه أوان الكمال وحال الادخار. والمؤنة التي تلزم الثمرة إلى حين ~~الإخراج على رب المال؛ لأن الثمرة كالماشية، ومؤنة الماشية وحفظها ورعيها، ~~والقيام عليها إلى حين الإخراج، على ربها، كذا هاهنا. فإن أخذ الساعي ~~الزكاة قبل التجفيف، فقد أساء، ويرده إن كان رطبا بحاله، وإن تلف رد مثله، ~~وإن جففه وكان قدر الزكاة، فقد استوفى الواجب، وإن كان دونه أخذ الباقي، ~~وإن كان زائدا رد الفضل. وإن كان المخرج لها رب المال، لم يجزئه، ولزمه ~~إخراج الفضل بعد التجفيف؛ لأنه أخرج غير الفرض، فلم ms1178 يجزئه، كما لو أخرج ~~الصغيرة من الماشية عن الكبار. ### | [فصل قطع الثمرة قبل كمالها خوفا من العطش أو لضعف الجمار] # (1853) فصل: وإن احتيج إلى قطع الثمرة قبل كمالها، خوفا من العطش، أو ~~لضعف الجمار، جاز قطعها؛ لأن حق الفقراء إنما يجب على طريق المواساة، فلا ~~يكلف الإنسان من ذلك ما يهلك أصل ماله، ولأن حفظ الأصل أحفظ للفقراء من حفظ ~~الثمرة، لأن حقهم يتكرر بحفظها في كل سنة، فهم شركاء في النخل. ثم إن كان ~~يكفي تجفيف الثمرة دون قطع جميعها، جففها، وإن لم يكف إلا قطع جميعها، جاز. ~~وكذلك إن أراد قطع الثمرة لتحسين الباقي منها جاز. # وإذا أراد ذلك، فقال القاضي: يخير الساعي بين أن يقاسم رب المال الثمرة ~~قبل الجداد بالخرص، ويأخذ نصيبهم نخلة مفردة، ويأخذ ثمرتها، وبين أن يجذها، ~~ويقاسمه إياها بالكيل، ويقسم الثمرة في الفقراء، وبين أن يبيعها من رب ~~المال أو من غيره # PageV03P018 # قبل الجداد أو بعده، ويقسم ثمنها في الفقراء. وقال أبو بكر: عليه الزكاة ~~فيه يابسا. وذكر أن أحمد نص عليه. وكذلك الحكم في العنب الذي لا يجيء منه ~~زبيب، كالخمري، والرطب الذي لا يجيء منه تمر جيد، كالبرنبا والهلياث. # فإن قيل: فهلا قلتم لا زكاة فيه؛ لأنه لا يدخر، فهو كالخضراوات، وطلع ~~الفحال. قلنا: لأنه يدخر في الجملة، وإنما لم يدخر هاهنا، لأن أخذه رطبا ~~أنفع، فلم تسقط منه الزكاة بذلك، ولا تجب فيه الزكاة حتى يبلغ حدا يكون منه ~~خمسة أوسق تمرا أو زبيبا، إلا على الرواية الأخرى. وإذا أتلف رب المال هذه ~~الثمرة، فقال القاضي: عليه قيمتها، كما لو أتلفها غير رب المال. # وعلى قول أبي بكر: يجب في ذمته العشر تمرا، أو زبيبا، كما في غير هذه ~~الثمرة. قال: فإن لم يجد التمر، ففيه قولان: أحدهما، يؤخذ منه قيمته. ~~والثاني: يكون في ذمته، وعليه أن يأتي به. ### | [فصل كيفية الإخراج لزكاة الزروع] # (1854) فصل: فأما كيفية الإخراج، فإن كان المال الذي فيه الزكاة نوعا ~~واحدا، أخذ منه جيدا كان ms1179 أو رديئا؛ لأن حق الفقراء يجب على طريق المواساة، ~~فهم بمنزلة الشركاء، لا نعلم في هذا خلافا. وإن كان أنواعا، أخذ من كل نوع ~~ما يخصه. هذا قول أكثر أهل العلم. وقال مالك، والشافعي: يؤخذ من الوسط. ~~وكذلك قال أبو الخطاب، إذا شق عليه إخراج زكاة كل نوع منه. # قال ابن المنذر: وقال غيرهما: يؤخذ عشر ذلك من كل بقدره. وهو أولى؛ لأن ~~الفقراء بمنزلة الشركاء، فينبغي أن يتساووا في كل نوع منه، ولا مشقة في ~~ذلك، بخلاف الماشية إذا كانت أنواعا، فإن إخراج حصة كل نوع منه يفضي إلى ~~تشقيص الواجب، وفيه مشقة بخلاف الثمار، ولهذا وجب في الزائد بحسابه، ولا ~~يجوز إخراج الرديء؛ لقوله تعالى: « {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} ~~[البقرة: 267] قال أبو أمامة سهل بن حنيف في هذه الآية: هو الجعرور ولون ~~الحبيق، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يؤخذ في الصدقة» رواه ~~النسائي، وأبو عبيد. قال: وهما ضربان من التمر. أحدهما إنما يصير قشرا على ~~نوى، والآخر إذا أثمر صار حشفا. ولا يجوز أخذ الجيد عن الرديء؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إياك وكرائم أموالهم» . فإن تطوع رب المال بذلك، ~~جاز، وله ثواب الفضل، على ما ذكرنا في فضل الماشية. ### | [فصل زكاة الزيتون إن كان مما لا زيت له] # (1855) فصل: فأما الزيتون، فإن كان مما لا زيت له، فإنه يخرج منه عشره ~~حبا، إذا بلغ النصاب، لأنه حال كماله وادخاره يخرج منه، كما يخرص الرطب في ~~حال رطوبته، وإن كان له زيت أخرج منه زيتا، إذا بلغ # PageV03P019 # الحب خمسة أوسق. وهذا قول الزهري، والأوزاعي، ومالك، والليث. # قالوا: يخرص الزيتون، ويؤخذ زيتا صافيا. وقال مالك: إذا بلغ خمسة أوسق ~~أخذ العشر من زيته بعد أن يعصر. وقال الثوري، وأبو حنيفة: يخرج من حبه ~~كسائر الثمار، ولأنه الحالة التي تعتبر فيها الأوساق، فكان إخراجه فيها ~~كسائر الثمار. وهذا جائز، والأول أولى؛ لأنه يكفي الفقراء مؤنته، فيكون ~~أفضل، كتجفيف التمر، ولأنه حال كماله وادخاره، فيخرج منه، ms1180 كما يخرص الرطب ~~في حال رطوبته، ويخرج منه إذا يبس. ### | [فصل الصدقة في العسل] # (1856) فصل: ومذهب أحمد أن في العسل العشر. قال الأثرم: سئل أبو عبد ~~الله: أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال: نعم. أذهب إلى أن في العسل ~~زكاة، العشر، قد أخذ عمر منهم الزكاة. قلت: ذلك على أنهم تطوعوا به؟ قال ~~لا. بل أخذه منهم. # ويروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري، وسليمان بن موسى، ~~والأوزاعي، وإسحاق. وقال مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، ~~وابن المنذر: لا زكاة فيه؛ لأنه مائع خارج من حيوان، أشبه اللبن. قال ابن ~~المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت ولا إجماع، فلا زكاة فيه. ~~وقال أبو حنيفة: إن كان في أرض العشر ففيه الزكاة، وإلا فلا زكاة فيه. # ووجه الأول ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده «، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل، من كل عشر قرب قربة من ~~أوسطها.» رواه أبو عبيد، والأثرم، وابن ماجه. وعن سليمان بن موسى «، أن أبا ~~سيارة المتعي قال: قلت يا رسول الله: إن لي نحلا. قال: أد عشرها. قال: فاحم ~~إذا جبلها. فحماه له.» رواه أبو عبيد، وابن ماجه. # وروى الأثرم عن ابن أبي ذباب، عن أبيه عن جده، أن عمر - رضي الله عنه - ~~أمره في العسل بالعشر. أما الابن فإن الزكاة وجبت في أصله وهي السائمة، ~~بخلاف العسل. وقول أبي حنيفة ينبني على أن العشر والخراج لا يجتمعان، ~~وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. ### | [فصل نصاب زكاة العسل] # (1857) فصل: ونصاب العسل عشرة أفراق. وهذا قول الزهري وقال أبو يوسف، ~~ومحمد: خمسة أوساق؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة ~~أوسق صدقة.» وقال أبو حنيفة: تجب في قليله وكثيره، بناء على أصله في الحبوب ~~والثمار. ووجه الأول ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أن ناسا سألوه، ~~فقالوا: إن # PageV03P020 # رسول الله - صلى الله عليه ms1181 وسلم - قطع لنا واديا باليمن، فيه خلايا من ~~نحل، وإنا نجد ناسا يسرقونها. فقال عمر - رضي الله عنه -: إن أديتم صدقتها، ~~من كل عشرة أفراق فرقا، حميناها لكم. . رواه الجوزجاني. # وهذا تقدير من عمر - رضي الله عنه - فيتعين المصير إليه. إذا ثبت هذا فإن ~~الفرق ستة عشر رطلا بالعراقي، فيكون نصابه مائة وستين رطلا. وقال أحمد، في ~~رواية أبي داود: قال الزهري، في عشرة أفراق فرق، والفرق ستة عشر رطلا. # وقال ابن حامد الفرق ستون رطلا، فيكون النصاب ستمائة رطل، فإنه يروي أن ~~الخليل بن أحمد، قال: الفرق، بإسكان الراء: مكيال ضخم من مكاييل أهل ~~العراق. وقيل: هو مائة وعشرون رطلا، ويحتمل أن يكون نصابه ألف رطل، لحديث ~~عمرو بن شعيب، أنه كان يؤخذ في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها. والقربة عند الإطلاق مائة رطل، ~~بدليل أن القلتين خمس قرب، وهي خمسمائة رطل. # وروى سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني عبد الرحمن بن الحارث ~~بن أبي ذباب، عن أبيه، عن جده أنه قال لقومه: إنه لا خير في مال لا زكاة ~~فيه. قال: فأخذت من كل عشر قرب قربة، فجئت بها إلى عمر بن الخطاب، فأخذها، ~~فجعلها في صدقات المسلمين. ووجه الأول قول عمر: من كل عشرة أفراق فرقا ~~والفرق، بتحريك الراء: ستة عشر رطلا. # قال أبو عبيد: لا خلاف بين الناس أعلمه، في أن الفرق ثلاثة آصع «. وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لكعب بن عجرة: أطعم ستة مساكين فرقا من طعام. ~~فقد بين أنه ثلاثة آصع.» وقالت عائشة: «كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من إناء، هو الفرق» . هذا هو المشهور فينصرف الإطلاق ~~إليه. والفرق: هو مكيال ضخم لا يصح حمله عليه؛ لوجوه: أحدها، أنه غير مشهور ~~في كلامهم، فلا يحمل عليه المطلق من كلامهم. # قال ثعلب: قل فرق ولا تقل فرق. قال خداش بن زهير: يأخذون الأرش في إخوتهم ~~فرق ms1182 السمن وشاة في الغنم الثاني، أن عمر، قال: من كل عشرة أفراق فرق، ~~والأفراق جمع فرق، بفتح الراء، وجمع الفرق، بإسكان الراء، فروق، وفي القلة ~~أفرق؛ لأن ما كان على وزن فعل ساكن العين غير معتل، فجمعه في القلة أفعل، ~~وفي الكثرة فعال أو فعول. # والثالث، أن الفرق الذي هو مكيال ضخم من مكاييل أهل العراق لا يحمل عليه ~~كلام عمر - رضي الله عنه - وإنما يحمل كلام عمر، - رضي الله عنه - على ~~مكاييل أهل الحجاز؛ لأنه بها ومن أهلها، ويؤكد ما ذكرنا تفسير الزهري له في ~~نصاب العسل بما قلناه والإمام أحمد ذكره في معرض الاحتجاج به، # PageV03P021 # فيدل على أنه ذهب إليه. والله أعلم. ### | [مسألة الأرض في الخراج قسمان صلح وعنوة] # (1858) مسألة: قال: (والأرض أرضان: صلح، وعنوة) وجملته أن الأرض قسمان: ~~صلح وعنوة، فأما الصلح فهو كل أرض صالح أهلها عليها لتكون لهم، ويؤدون ~~خراجا معلوما، فهذه الأرض ملك لأربابها، وهذا الخراج في حكم الجزية، متى ~~أسلموا سقط عنهم، ولهم بيعها وهبتها ورهنها؛ لأنها ملك لهم، وكذلك إن ~~صالحوا على أداء شيء غير موظف على الأرض، وكذلك كل أرض أسلم عليها أهلها، ~~كأرض المدينة وشبهها، فهذه ملك لأربابها، لا خراج عليها، ولهم التصرف فيها ~~كيف شاءوا. # وأما الثاني، وهو ما فتح عنوة، فهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف، ولم تقسم ~~بين الغانمين، فهذه تصير للمسلمين، يضرب عليها خراج معلوم، يؤخذ منها في كل ~~عام، يكون أجرة لها، وتقر في أيدي أربابها، ما داموا يؤدون خراجها، سواء ~~كانوا مسلمين أو من أهل الذمة. # ولا يسقط خراجها بإسلام أربابها، ولا بانتقالها إلى مسلم؛ لأنه بمنزلة ~~أجرتها، ولم نعلم أن شيئا مما فتح عنوة قسم بين المسلمين إلا خيبر، فإن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم نصفها، فصار ذلك لأهله، لا خراج ~~عليه، وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ومن ~~بعده، كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها، لم يقسم منه شيء، فروى أبو عبيد، في ~~" الأموال " أن ms1183 عمر - رضي الله عنه - قدم الجابية، فأراد قسمة الأرض بين ~~المسلمين، فقال له معاذ: والله إذا ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها اليوم ~~صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد ~~والمرأة، ثم يأتي بعدهم قوم أخر يسدون من الإسلام مسدا وهم لا يجدون شيئا، ~~فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم. فصار عمر إلى قول معاذ # وروى أيضا، قال: قال الماجشون: قال بلال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~في القرى التي افتتحوها عنوة: اقسمها بيننا، وخذ خمسها. فقال عمر: لا، هذا ~~عين المال، ولكني أحبسه فيئا يجري عليهم وعلى المسلمين. فقال بلال وأصحابه ~~لعمر: اقسمها بيننا. فقال عمر: اللهم اكفني بلالا وذويه. قال فما حال الحول ~~ومنهم عين تطرف. # وروى، بإسناده عن سفيان بن وهب الخولاني، قال: لما افتتح عمرو بن العاص ~~مصر، قام ابن الزبير، فقال: يا عمرو بن العاص، اقسمها. فقال عمرو: لا ~~أقسمها. فقال ابن الزبير: لتقسمنها كما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- خيبر. فقال عمرو: لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إلى عمر، ~~فكتب إليه عمر: أن دعها حتى يعروا منها حبل الحبلة. قال القاضي: ولم ينقل ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من الصحابة أنه قسم أرضا عنوة ~~إلا خيبر. ### | [فصل من يقوم على أرض الصلح وأرض العنوة في الخراج] # (1859) فصل: قال أحمد: ومن يقوم على أرض الصلح وأرض العنوة، ومن أين هي، ~~وإلى أين هي؟ وقال: # PageV03P022 # أرض الشام عنوة، إلا حمص وموضعا آخر. وقال: ما دون النهر صلح، وما وراءه ~~عنوة، وقال: فتح المسلمون السواد عنوة، إلا ما كان منه صلح، وهي أرض ~~الحيرة، وأرض مانقيا. وقال: أرض الثري خلطوا في أمرها، فأما ما فتح عنوة من ~~نهاوند إلى طبرستان خراج. # وقال أبو عبيد: أرض الشام عنوة، ما خلا مدنها، فإنها فتحت صلحا، إلا ~~قيسارية، افتتحت عنوة، وأرض السواد والحل ونهاوند والأهواز ومصر والمغرب. ~~قال موسى بن علي بن رباح، عن أبيه: ms1184 المغرب كله عنوة. فأما أرض الصلح فأرض ~~هجر، والبحرين، وأيلة، ودومة الجندل، وأذرح، فهذه القرى التي أدت إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الجزية، ومدن الشام ما خلا أرضها إلا قيسارية ~~وبلاد الجزيرة كلها، وبلاد خراسان كلها أو أكثرها صلح، وكل موضع فتح عنوة ~~فإنه وقف على المسلمين. ### | [فصل حكم خراج ما استأنف المسلمون فتحه] # (1860) فصل: وما استأنف المسلمون فتحه، فإن فتح عنوة ففيه ثلاث روايات: ~~إحداهن، أن الإمام مخير بين قسمتها على الغانمين، وبين وقفيتها على جميع ~~المسلمين؛ لأن كلا الأمرين قد ثبت فيه حجة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم نصف خيبر، ووقف نصفها لنوائبه # ووقف عمر الشام والعراق ومصر وسائر ما فتحه، وأقره على ذلك علماء ~~الصحابة، وأشاروا عليه به، وكذلك فعل من بعده من الخلفاء، ولم يعلم أحد ~~منهم قسم شيئا من الأرض التي افتتحوها. والثانية، أنها تصير وقفا بنفس ~~الاستيلاء عليها؛ لاتفاق الصحابة عليه، وقسمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خيبر كان في بدء الإسلام، وشدة الحاجة، فكانت # المصلحة # فيه، وقد تعينت # المصلحة # فيما بعد ذلك في وقف الأرض، فكان ذلك هو الواجب. والثالثة، أن الواجب ~~قسمتها. # وهو قول مالك، وأبي ثور؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، ~~وفعله أولى من فعل غيره، مع عموم قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء ~~فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] . الآية. يفهم منها أن أربعة أخماسها ~~للغانمين. والرواية الأولى أولى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ~~الأمرين جميعا في خيبر، ولأن عمر قال: لولا آخر الناس لقسمت الأرض كما قسم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر. # فقد وقف الأرض مع علمه بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل على أن ~~فعله # PageV03P023 # ذلك لم يكن متعينا، كيف والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد وقف نصف خيبر، ~~ولو كانت للغانمين لم يكن له وقفها. قال أبو عبيد: تواترت الآثار في افتتاح ~~الأرضين عنوة بهذين الحكمين؛ حكم رسول الله - صلى الله ms1185 عليه وسلم - في خيبر ~~حين قسمها، وبه أشار بلال وأصحابه على عمر في أرض الشام، وأشار به الزبير ~~في أرض مصر، وحكم عمر في أرض السواد وغيره حين وقفه، وبه أشار علي، ومعاذ، ~~على عمر في أرض الشام وليس فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - رادا لفعل ~~عمر؛ لأن كل واحد منهما اتبع آية محكمة، قال الله تعالى: {واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] . وقال: {ما أفاء الله على رسوله ~~من أهل القرى} [الحشر: 7] . الآية. # فكان كل واحد من الأمرين جائزا، والنظر في ذلك إلى الإمام، فما رأى من ~~ذلك فعله. وهذا قول الثوري، وأبي عبيد. إذا ثبت هذا فإن الاختيار المفوض ~~إلى الإمام اختيار مصلحة، لا اختيار تشه فيلزمه فعل ما يرى المصلحة فيه، ~~ولا يجوز له العدول عنه، كالخيرة بين القتل والاسترقاق، والفداء والمن في ~~الأسرى، ولا يحتاج إلى النطق بالوقف، بل تركه له من غير قسمة هو وقفه لها، ~~كما أن قسمها بين الغانمين لا يحتاج معه إلى لفظ؛ وإن عمر وغيره لم ينقل ~~عنهم في وقف الأرض لفظ الوقف، ولأن معنى وقفها هاهنا، أنها باقية لجميع ~~المسلمين، يؤخذ خراجها، ويصرف في مصالحهم، ولا يخص أحد بملك شيء منها، وهذا ~~حاصل بتركها. ### | [فصل ما صالح عليه الكفار من أرضهم على أن الأرض لنا ونقرهم فيها بخراج معلوم] # فصل: فأما ما جلا عنها أهلها خوفا من المسلمين، فهذه تصير وقفا بنفس ~~الظهور عليها؛ لأن ذلك متعين فيها، إذ لم يكن لها غانم، فكان حكمها حكم ~~الفيء يكون للمسلمين كلهم. وقد روي أنها لا تصير وقفا حتى يقفها الإمام، ~~وحكمها حكم العنوة إذا وقفت. وما صالح عليه الكفار من أرضهم، على أن الأرض ~~لنا، ونقرهم فيها بخراج، معلوم، فهو وقف أيضا، حكمه حكم ما ذكرناه؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فتح خيبر، وصالح أهلها على أن يعمروا أرضها، ~~ولهم نصف ثمرتها، فكانت للمسلمين منهم، وصالح بني النضير على أن يجليهم من ~~المدينة، ولهم ما أقلت ms1186 الإبل من الأمتعة والأموال، إلا الحلقة - يعني ~~السلاح - فكانت مما أفاء الله على رسوله. # فأما ما صولحوا عليه، على أن الأرض لهم، ونقرهم فيها بخراج معلوم. فهذا ~~الخراج في حكم الجزية، تسقط بإسلامهم، والأرض لهم لا خراج عليها؛ لأن ~~الخراج الذي ضرب عليهم إنما كان من أجل كفرهم، بمنزلة الجزية # PageV03P024 # المضروبة على رءوسهم، فإذا أسلموا سقط، كما تسقط الجزية، وتبقى الأرض ~~ملكا لهم، لاخراج عليها. ولو انتقلت الأرض إلى مسلم، لم يجب عليها خراج ~~لذلك. ### | [فصل شراء شيء من الأرض الموقوفة أو بيعه] # (1862) فصل: ولا يجوز شراء شيء من الأرض الموقوفة ولا بيعه، في قول أكثر ~~أهل العلم؛ منهم عمر، وعلي، وابن عباس، وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم ~~-. وروي ذلك عن عبد الله بن مغفل، وقبيصة بن ذؤيب، ومسلم بن مسلم، وميمون ~~بن مهران، والأوزاعي، ومالك، وأبي إسحاق الفزاري. وقال الأوزاعي: لم يزل ~~أئمة المسلمين ينهون عن شراء أرض الجزية، ويكرهه علماؤهم. وقال الأوزاعي: ~~أجمع رأي عمر، وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ظهروا على الشام، ~~على إقرار أهل القرى في قراهم، على ما كان بأيديهم من أرضهم، يعمرونها، ~~ويؤدون خراجها إلى المسلمين، ويرون أنه لا يصلح لأحد من المسلمين شراء ما ~~في أيديهم من الأرض طوعا ولا كرها. # وكرهوا ذلك مما كان من اتفاق عمر وأصحابه في الأرضين المحبوسة على آخر ~~هذه الأمة من المسلمين، لا تباع ولا تورث، قوة على جهاد من لم تظهر عليه ~~بعد من المشركين. وقال الثوري: إذا أقر الإمام أهل العنوة في أرضهم، ~~توارثوها وتبايعوها وروي نحو هذا عن ابن سيرين، والقرطبي؛ لما روى عبد ~~الرحمن بن يزيد أن، ابن مسعود اشترى من دهقان أرضا، على أن يكفيه جزيتها. # وروي عنه أنه قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن السفر في ~~الأهل والمال» . ثم قال عبد الله: فكيف بمال بزاذان، وبكذا، وبكذا، وهذا ~~يدل على أن له مالا بزاذان. ولأنها أرض لهم، فجاز بيعها. وقد روي عن أحمد، ~~أنه ms1187 قال: إن كان الشراء أسهل يشتري الرجل ما يكفيه ويغنيه عن الناس، هو رجل ~~من المسلمين. وكره البيع في أرض السواد. وإنما رخص في الشراء - والله أعلم ~~- لأن بعض الصحابة اشترى، ولم يسمع عنهم البيع، ولأن الشراء استخلاص للأرض، ~~فيقوم فيها مقام من كانت في يده، والبيع أخذ عوض عن ما لا يملكه ولا ~~يستحقه، فلا يجوز. # ولنا: إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنه روي عن عمر - رضي الله عنه ~~- أنه قال: لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا أرضهم. وقال الشعبي: اشترى عتبة ~~بن فرقد أرضا على شاطئ الفرات، ليتخذ فيها قصبا، فذكر ذلك لعمر، فقال: ممن ~~اشتريتها؟ قال: من أربابها. فلما اجتمع المهاجرون والأنصار، # PageV03P025 # قال: هؤلاء أربابها، فهل اشتريت منهم شيئا؟ قال: لا. قال: فارددها على من ~~اشتريتها منه، وخذ مالك. # وهذا قول عمر في المهاجرين والأنصار بمحضر سادة الصحابة وأئمتهم، فلم ~~ينكر، فكان إجماعا، ولا سبيل إلى وجود إجماع أقوى من هذا وشبهه، إذ لا سبيل ~~إلى نقل قول جميع الصحابة في مسألة، ولا إلى نقل قول العشرة، ولا يوجد ~~الإجماع إلا القول. المنتشر. # فإن قيل: فقد خالفه ابن مسعود بما ذكرناه عنه. قلنا: لا نسلم المخالفة. ~~وقولهم اشترى. قلنا: المراد به: اكترى. كذلك قال أبو عبيد. والدليل عليه ~~قوله: على أن يكفيه جزيتها. ولا يكون مشتريا لها وجزيتها على غيره. وقد روى ~~عنه القاسم أنه قال: من أقر بالطسق فقد أقر بالصغار والذل. وهذا يدل على أن ~~الشراء هاهنا الاكتراء. وكذلك كل من رويت عنه الرخصة في الشراء فمحمول على ~~ذلك. # وقوله: فكيف بمال بزاذان. فليس فيه ذكر الشراء، ولأن المال أرض، فيحتمل ~~أنه أراد مالا من السائمة أو التجارة أو الزرع. أو غيره، ويحتمل أنه أرض ~~أكتراها، ويحتمل أنه أراد بذلك غيره، وقد يعيب الإنسان الفعل المعيب من ~~غيره. جواب ثان، أنه يتناول الشراء، وبقي قول عمر في النهي عن البيع غير ~~معارض، وأما المعنى فلأنها موقوفة، فلم يجز بيعها، كسائر الأحباس والوقوف، ~~والدليل على وقفها ms1188 النقل والمعنى؛ أما النقل، فما نقل من الأخبار، أن عمر ~~لم يقسم الأرض التي افتتحها، وتركها لتكون مادة لأجناد المسلمين الذين ~~يقاتلون في سبيل الله إلى يوم القيامة، وقد نقلنا بعض ذلك، وهو مشهور تغني ~~شهرته عن نقله. # وأما المعنى، فلأنها لو قسمت لكانت للذين افتتحوها، ثم لورثتهم، أو لمن ~~انتقلت إليه عنهم، ولم تكن مشتركة بين المسلمين، ولأنها لو قسمت، ولم تخف ~~بالكلية. فإن قيل: فليس في هذا ما يلزم منه الوقف؛ لأنه يحتمل أنه تركها ~~للمسلمين عامة، فيكون فيئا للمسلمين، والإمام نائبهم، فيفعل ما يرى فيه ~~المصلحة، من بيع أو غيره، ويحتمل أنه تركها لأربابها، كفعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بمكة. قلنا: أما الأول فلا يصح؛ لأن عمر إنما ترك قسمتها ~~لتكون مادة للمسلمين كلهم، ينتفعون بها، مع بقاء أصلها، وهذا معنى الوقف، ~~ولو جاز تخصيص قوم بأصلها لكان الذين افتتحوها أحق بها، فلا يجوز أن يمنعها ~~أهلها لمفسدة، ثم يخص بها غيرهم مع وجود المفسدة المانعة. # والثاني أظهر فسادا من الأول، فإنه إذا منعها المسلمين المستحقين، كيف ~~يخص بها أهل الذمة المشركين الذين لا حق لهم ولا نصيب؟ . # PageV03P026 ### | [فصل شرط المشترى الخراج على البائع] # (1863) فصل: وإذا قلنا بصحة الشراء، فإنها تكون في يد المشتري على ما ~~كانت في يد البائع، يؤدي خراجها، ويكون معنى الشراء هاهنا نقل اليد من ~~البائع إلى المشتري بعوض. وإن شرط الخراج على البائع كما فعل ابن مسعود، ~~فيكون اكتراء لا شراء، وينبغي أن يشترط بيان مدته، كسائر الإجارات. # (1864) فصل: وإذا بيعت هذه الأرض، فحكم بصحة البيع حاكم، صح؛ لأنه مختلف ~~فيه، فصح بحكم الحاكم، كسائر المجتهدات. وإن باع الإمام شيئا لمصلحة رآها، ~~مثل أن يكون في الأرض ما يحتاج إلى عمارة لا يعمرها إلا من يشتريها، صح ~~أيضا؛ لأن فعل الإمام كحكم الحاكم. # وقد ذكر ابن عائذ، في كتاب فتوح الشام، قال: قال غير واحد من مشيختنا إن ~~الناس سألوا عبد الملك والوليد وسلمان أن يأذنوا لهم في شراء الأرض من ms1189 أهل ~~الذمة، فأذنوا لهم على إدخال أثمانها في بيت المال. # فلما ولي عمر بن عبد العزيز أعرض عن تلك الأشرية؛ لاختلاط الأمور فيها ~~لما وقع فيها من المواريث ومهور النساء وقضاء الديون، ولم يقدر على تخليصه ~~ولا معرفة ذلك وكتب كتابا قرئ على الناس سنة المائة، أن من اشترى شيئا بعد ~~سنة مائة فإن بيعه مردود وسمي سنة مائة سنة المدة، فتناهى الناس عن شرائها، ~~ثم اشتروا أشرية كثيرة كانت بأيدي أهلها تؤدي العشر ولا جزية عليها، فلما ~~أفضى الأمر إلى المنصور رفعت تلك الأشرية إليه، وأن ذلك أضر بالخراج فأراد ~~ردها إلى أهلها فقيل له: قد وقعت في المواريث والمهور، واختلط أمرها فبعث ~~المعدلين، منهم: عبد الله بن يزيد إلى حمص، وإسماعيل بن عياش إلى بعلبك، ~~وهضاب بن طوق، ومحمد بن زريق إلى الغوطة. # وأمرهم أن لا يضعوا على القطائع والأشرية العظيمة القديمة خراجا ووضعوا ~~الخراج على ما بقي بأيدي الأنباط، وعلى الأشرية المحدثة من بعد سنة مائة ~~إلى السنة التي عدل فيها. فينبغي أن يجري ما باعه إمام، أو بيع بإذنه أو ~~تعذر رد بيعه، هذا المجرى، في أن يضرب عليه خراج بقدر ما يحتمل، ويترك في ~~يد مشتريه، أو من انتقل إليه، إلا ما بيع قبل المائة السنة فإنه لا خراج ~~عليه، كما نقل في هذا الخبر. # (1865) فصل: وحكم إقطاع هذه الأرض حكم بيعها في أن ما كان من عمر، أو مما ~~كان قبل مائة سنة، فهو لأهله. وما كان بعدها، ضرب عليه، كما فعل المنصور، ~~إلا أن يكون بغير إذن الإمام، فيكون باطلا، وذكر # PageV03P027 # ابن عائذ، في كتابه، بإسناده عن سليمان بن عتبة، أن أمير المؤمنين عبد ~~الله بن محمد - أظنه المنصور - سأله في مقدمه الشام، سنة ثلاث أو أربع ~~وخمسين، عن سبب الأرضين التي بأيدي أبناء الصحابة، يذكرون أنها قطائع ~~لآبائهم قديمة. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى لما أظهر المسلمين ~~على بلاد الشام، وصالحوا أهل دمشق وأهل حمص، كرهوا أن يدخلوها دون أن ms1190 يتم ~~ظهورهم، وإثخانهم في عدو الله، فعسكروا في مرج بردى، بين المزة إلى مرج ~~شعبان، وجنبتي بردى مروج كانت مباحة فيما بين أهل دمشق وقراها، ليست لأحد ~~منهم، فأقاموا بها حتى أوطأ الله بهم المشركين قهرا وذلا، فأحيا كل قوم ~~محلتهم، وهيئوا بها بناء، فبلغ ذلك عمر، فأمضاه لهم، وأمضاه عثمان من بعده ~~إلى ولاية أمير المؤمنين. قال: وقد أمضيناه لهم. وعن الأحوص بن حكيم، أن ~~المسلمين الذين فتحوا حمص لم يدخلوها، بل عسكروا على نهر الأربد، فأحيوه، ~~فأمضاه لهم عمر وعثمان، وقد كان منهم أناس تعدوا إذ ذاك إلى جسر الأربد، ~~الذي على باب الرستن، فعسكروا في مرجه مسلحة لمن خلفهم من المسلمين فلما ~~بلغهم ما أمضاه عمر للمعسكرين على نهر الأربد، سألوا أن يشركوهم في تلك ~~القطائع، وكتبوا إلى عمر فيه، فكتب أن يعوضوا مثله من المروج التي كانوا ~~عسكروا فيها على باب الرستن، فلم تزل تلك القطائع على شاطئ الأربد، وعلى ~~باب حمص، وعلى باب الرستن، ماضية لأهلها، لا خراج عليها، تؤدي العشر. ~~(1866) فصل: وهذا الذي ذكرناه في الأرض المغلة، أما المساكن فلا بأس ~~بحيازتها وبيعها وشرائها وسكناها. قال أبو عبيد ما علمنا أحدا كره ذلك، وقد ~~اقتسمت الكوفة خططا في زمن عمر - رضي الله عنه - بإذنه، والبصرة، وسكنهما ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك الشام ومصر وغيرهما من ~~البلدان، فما عاب ذلك أحد ولا أنكره. ### | [مسألة العشر في الخارج من هذه الأرض المفتوحة] # (1867) مسألة: قال: (فما كان من الصلح، ففيه الصدقة) يعني ما صولحوا ~~عليه، على أن ملكه لأهله، ولنا عليهم خراج معلوم، فهذا الخراج في حكم ~~الجزية، متى أسلموا سقط عنهم، وإن انتقلت إلى مسلم لم يكن عليهم خراج، وفي ~~مثله جاء عن العلاء بن الحضرمي، قال: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى البحرين وإلى هجر، فكنت آتي الحائط تكون بين الإخوة، يسلم ~~أحدهم، فآخذ من المسلم العشر، ومن المشرك الخراج.» رواه ابن ماجه # ، فهذا في أحد هذين البلدين؛ لأنهما فتحا ms1191 صلحا، وكذلك كل أرض أسلم أهلها ~~عليها، كأرض المدينة، فهي ملك لهم، ليس عليها خراج ولا شيء. أما الزكاة فهي ~~واجبة على كل مسلم، ولا خلاف في وجوب العشر في الخارج من هذه الأرض. قال ~~ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن كل أرض أسلم أهلها ~~عليها قبل قهرهم عليها، أنها لهم، وأن أحكامهم أحكام المسلمين، وأن عليهم ~~فيما زرعوا فيها الزكاة. # PageV03P028 ### | [مسألة ما فتح عنوة ووقف على المسلمين وضرب عليهم خراج معلوم] # (1868) مسألة: قال: (وما كان عنوة أدي عنها الخراج، وزكي ما بقي إذا كان ~~خمسة أوسق، وكان لمسلم) . يعني ما فتح عنوة ووقف على المسلمين، وضرب عليهم ~~خراج معلوم، فإنه يؤدي الخراج من غلته، وينظر في باقيها، فإن كان نصابا ~~ففيه الزكاة إذا كان لمسلم، وإن لم يبلغ نصابا، أو بلغ نصابا ولم يكن ~~لمسلم، فلا زكاة فيه، فإن الزكاة لا تجب على غير المسلمين. وكذلك الحكم في ~~كل أرض خراجية. # وهذا قول عمر بن عبد العزيز، والزهري، ويحيى الأنصاري، وربيعة، ~~والأوزاعي، ومالك، والثوري، ومغيرة، والليث، والحسن بن صالح، وابن أبي ~~ليلى، وابن المبارك، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد. وقال أصحاب الرأي: لا ~~عشر في الأرض الخراجية؛ لقوله - عليه السلام -: «لا يجتمع العشر والخراج في ~~أرض مسلم» . ولأنهما حقان سبباهما متنافيان، فلا يجتمعان، كزكاة السوم ~~والتجارة، والعشر، وزكاة القيمة. وبيان تنافيهما أن الخراج وجب عقوبة؛ لأنه ~~جزية الأرض، والزكاة وجبت طهرة وشكرا، ولنا: قول الله تعالى: {ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض} [البقرة: 267] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «فيما سقت ~~السماء العشر.» وغيره من عمومات الأخبار. # قال ابن المبارك يقول الله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: ~~267] . ثم قال: نترك القرآن لقول أبي حنيفة، ولأنهما حقان يجبان لمستحقين ~~يجوز وجوب كل واحد منهما على المسلم، فجاز اجتماعهما كالكفارة والقيمة في ~~الصيد الحرمي المملوك، وحديثهم يرويه يحيى بن عنبسة، وهو ضعيف، عن أبي ~~حنيفة، ثم نحمله على الخراج الذي هو جزية. # وقول الخرقي: " وكان ms1192 لمسلم " يعني أن الزكاة لا تجب على صاحب الأرض إذا ~~لم يكن مسلما، وليس عليه في أرضه سوى الخراج. قال أحمد، - رحمه الله -: ليس ~~في أرض أهل الذمة صدقة، إنما قال الله تعالى: {صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} ~~[التوبة: 103] . فأي طهرة للمشركين، وقولهم: إن سببيهما يتنافيان. غير ~~صحيح. # فإن الخراج أجرة الأرض، والعشر زكاة الزرع، ولا يتنافيان، كما لو استأجر ~~أرضا فزرعها، ولو كان الخراج عقوبة لما وجب على مسلم، كالجزية. . ### | [فصل كان في غلة الأرض ما لا عشر فيه] # (1869) فصل: فإن كان في غلة الأرض ما لا عشر فيه، كالثمار التي لا زكاة ~~فيها، والخضراوات، وفيها زرع فيه الزكاة، جعل ما لا زكاة فيه في مقابلة ~~الخراج، وزكي ما فيه الزكاة، إذا كان ما لا زكاة فيه وافيا بالخراج. وإن لم ~~يكن لها عليه إلا ما تجب فيه الزكاة، أدي الخراج من غلتها، وزكي ما بقي. # وهذا قول عمر بن عبد العزيز. # PageV03P029 # روى أبو عبيد، عن إبراهيم بن أبي عبلة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ~~عبد الله بن أبي عوف عامله على فلسطين، في من كانت في يده أرض يحرثها من ~~المسلمين، أن يقبض منها جزيتها، ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية. قال ~~ابن أبي عبلة: أنا ابتليت بذلك، ومني أخذوا ذلك لأن الخراج من مؤنة الأرض، ~~فيمنع وجوب الزكاة في قدره، كما قال أحمد: من استدان ما أنفق على زرعه، ~~واستدان ما أنفق على أهله، احتسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله. ~~لأنه من مؤنة الزرع. وبهذا قال ابن عباس. # وقال عبد الله بن عمر: يحتسب بالدينين جميعا، ثم يخرج مما بعدهما. وحكي ~~عن أحمد، أن الدين كله يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة. فعلى هذه الرواية ~~يحسب كل دين عليه، ثم يخرج العشر مما بقي إن بلغ نصابا. # وإن لم يبلغ نصابا فلا عشر فيه؛ وذلك لأن الواجب زكاة، فمنع الدين ~~وجوبها، كزكاة الأموال الباطنة، ولأنه دين، فمنع وجوب العشر، كالخراج، وما ms1193 ~~أنفقه على زرعه. والفرق بينهما على الرواية الأولى، أن ما كان من مؤنة ~~الزرع، فالحاصل في مقابلته يجب صرفه إلى غيره، فكأنه لم يحصل. ### | [فصل استأجر أرضا فزرعها فما حكم زكاتها] # (1870) فصل: ومن استأجر أرضا فزرعها، فالعشر عليه دون مالك الأرض. وبهذا ~~قال مالك، والثوري، وشريك، وابن المبارك، والشافعي، وابن المنذر. وقال أبو ~~حنيفة: هو على مالك الأرض؛ لأنه من مؤنتها، فأشبه الخراج. # ولنا، أنه واجب في الزرع، فكان على مالكه، كزكاة القيمة فيما إذا أعده ~~للتجارة، وكعشر زرعه في ملكه، ولا يصح قولهم: إنه من مؤنة الأرض. لأنه لو ~~كان من مؤنتها لوجب فيها وإن لم تزرع، كالخراج، ولوجب على الذمي كالخراج، ~~ولتقدر بقدر الأرض لا بقدر الزرع، ولوجب صرفه إلى مصارف الفيء دون مصرف ~~الزكاة. ولو استعار أرضا فزرعها، فالزكاة على صاحب الزرع؛ لأنه مالكه. # وإن غصبها فزرعها وأخذ الزرع، فالعشر عليه أيضا؛ لأنه ثبت على ملكه. وإن ~~أخذه مالكها قبل اشتداد حبه، فالعشر عليه. وإن أخذه بعد ذلك، احتمل أن يجب ~~عليه أيضا؛ لأن أخذه إياه استند إلى أول زرعه، فكأنه أخذه من تلك الحال. ~~ويحتمل أن تكون زكاته على الغاصب؛ لأنه كان ملكا له حين وجوب عشره، وهو حين ~~اشتداد حبه. وإن زارع رجلا مزارعة فاسدة، فالعشر على من يجب الزرع له. # وإن كانت صحيحة، فعلى كل واحد منهما عشر حصته. وإن بلغت خمسة أوسق، أو ~~كان له من الزرع ما يبلغ بضمه إليها خمسة أوسق، وإلا فلا عشر عليه. وإن ~~بلغت حصة أحدهما دون صاحبه النصاب، فعلى من بلغت # PageV03P030 # حصته النصاب عشرها، ولا شيء على الآخر؛ لأن الخلطة لا تؤثر في غير ~~السائمة، في الصحيح. # ونقل عن أحمد أنها تؤثر، فيلزمهما العشر إذا بلغ الزرع جميعه خمسة أوسق، ~~ويخرج كل واحد منهما عشر نصيبه، إلا أن يكون أحدهما ممن لا عشر عليه، ~~كالمكاتب والذمي؛ فلا يلزم شريكه عشر إلا أن تبلغ حصته نصابا، وكذلك الحكم ~~في المساقاة. ### | [فصل حكم المسلم الذي يؤاجر أرض الخراج من ms1194 الذمي] # (1871) فصل: ويكره للمسلم بيع أرضه من ذمي وإجارتها منه؛ لإفضائه إلى ~~إسقاط عشر الخارج منها. قال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله، عن المسلم ~~يؤاجر أرض الخراج من الذمي؟ قال: لا يؤاجر من الذمي، إنما عليه الجزية، ~~وهذا ضرر. وقال في موضع آخر: لأنهم لا يؤدون الزكاة. فإن آجرها منه ذمي، أو ~~باع أرضه التي لا خراج عليها ذميا، صح البيع والإجارة. # وهذا مذهب الثوري، والشافعي، وشريك، وأبي عبيد، وليس عليهم فيها عشر ولا ~~خراج. قال حرب: سألت أحمد عن الذمي يشتري أرض العشر؟ قال: لا أعلم عليه ~~شيئا، إنما الصدقة كهيئة مال الرجل، وهذا المشتري ليس عليه. وأهل المدينة ~~يقولون في هذا قولا حسنا، يقولون: لا نترك الذمي يشتري أرض العشر. وأهل ~~البصرة يقولون قولا عجيبا. يقولون: يضاعف عليهم. # وقد روي عن أحمد: أنهم يمنعون من شرائها. اختارها الخلال وصاحبه. وهو قول ~~مالك، وصاحبه. فإن اشتروها ضوعف عليهم العشر، وأخذ منهم الخمس؛ لأن في ~~إسقاط العشر من غلة هذه الأرض إضرارا بالفقراء، وتقليلا لحقهم، فإذا تعرضوا ~~لذلك ضوعف عليهم العشر، كما لو اتجروا بأموالهم إلى غير بلدهم، ضوعفت عليهم ~~الزكاة، فأخذ منهم نصف العشر. # وهذا قول أهل البصرة، وأبي يوسف. ويروى ذلك عن الحسن، وعبيد الله بن ~~الحسن العنبري. وقال محمد بن الحسن: العشر بحاله. وقال أبو حنيفة: تصير أرض ~~خراج. ولنا، أن هذه أرض لا خراج عليها، فلا يلزم فيها الخراج ببيعها، كما ~~لو باعها مسلما، ولأنها مال مسلم يجب الحق فيه للفقراء عليه، فلم يمنع من ~~بيعه للذمي كالسائمة، وإذا ملكها الذمي فلا عشر عليه فيما يخرج منها؛ لأنها ~~زكاة، فلا تجب على الذمي، كزكاة السائمة، وما ذكره يبطل بالسائمة؛ فإن ~~الذمي يصح أن يشتريها، وتسقط الزكاة منها، وما ذكروه من تضعيف العشر، تحكم ~~لا نص فيه، ولا قياس. ### | [مسألة تضم الحنطة إلى الشعير وتزكي إذا كانت خمسة أوسق] # (1872) مسألة: قال: (وتضم الحنطة إلى الشعير، وتزكى إذا كانت خمسة أوسق، ~~وكذلك القطنيات، وكذلك الذهب والفضة) ms1195 ، وعن أبي عبد الله، رواية أخرى، أنها ~~لا تضم، وتخرج من كل صنف إن كان منصبا للزكاة. # PageV03P031 # القطنيات، بكسر القاف: جمع قطنية؛ ويجمع أيضا قطاني. # قال أبو عبيد: هي صنوف الحبوب، من العدس، والحمص، والأرز، والجلبان، ~~والجلجلان - يعني السمسم - وزاد غيره: الدخن، واللوبيا، والفول، والماش. ~~وسميت قطنية، فعلية، من قطن يقطن في البيت، أي يمكث فيه. ولا خلاف بين أهل ~~العلم، في غير الحبوب والثمار، أنه لا يضم جنس إلى جنس آخر في تكميل ~~النصاب. فالماشية ثلاثة أجناس: الإبل، والبقر، والغنم، لا يضم جنس منها إلى ~~آخر. # والثمار لا يضم جنس إلى غيره، فلا يضم التمر إلى الزبيب، ولا إلى اللوز، ~~والفستق، والبندق ولا يضم شيء من هذه إلى غيره، ولا تضم الأثمار إلى شيء من ~~السائمة، ولا من الحبوب والثمار. ولا خلاف بينهم، في أن أنواع الأجناس يضم ~~بعضها إلى بعض في إكمال النصاب. ولا خلاف بينهم أيضا في أن العروض تضم إلى ~~الأثمان، وتضم الأثمان إليها، إلا أن الشافعي لا يضمها إلا إلى جنس ما ~~اشتريت به، لأن نصابها معتبر به. # واختلفوا في ضم الحبوب بعضها إلى بعض، وفي ضم أحد النقدين إلى الآخر، ~~فروي عن أحمد في الحبوب ثلاث روايات؛ إحداهن، لا يضم جنس منها إلى غيره، ~~ويعتبر النصاب في كل جنس منها منفردا هذا قول عطاء، ومكحول، وابن أبي ليلى، ~~والأوزاعي والثوري، والحسن بن صالح، وشريك، والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور ~~وأصحاب الرأي؛ لأنها أجناس، فاعتبر النصاب في كل جنس منها منفردا، كالثمار ~~أيضا والمواشي. والرواية الثانية، أن الحبوب كلها تضم بعضها إلى بعض في ~~تكميل النصاب. # اختارها أبو بكر. وهذا قول عكرمة، وحكاه ابن المنذر عن طاوس. وقال أبو ~~عبيد: لا نعلم أحدا من الماضين جمع بينهما إلا عكرمة. وذلك لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق» ومفهومه ~~وجوب الزكاة فيه إذا بلغ خمسة أوسق. ولأنها تتفق في النصاب وقدر المخرج، ~~والمنبت والحصاد، فوجب ضم ms1196 بعضها إلى بعض، كأنواع الجنس. # وهذا الدليل منتقض بالثمار. والثالثة، أن الحنطة تضم إلى الشعير، وتضم ~~القطنيات بعضها إلى بعض. نقلها أبو الحارث، عن أحمد، وحكاها الخرقي. قال ~~القاضي: وهذا هو الصحيح. وهو مذهب مالك، والليث، إلا أنه زاد، # PageV03P032 # فقال: السلت، والذرة، والدخن، والأرز، والقمح، والشعير، صنف واحد ولعله ~~يحتج بأن هذا كله مقتات، فيضم بعضه إلى بعض، كأنواع الحنطة. وقال الحسن، ~~والزهري: تضم الحنطة إلى الشعير؛ لأنها تتفق في الاقتيات والمنبت والحصاد ~~والمنافع، فوجب ضمها، كما يضم العلس إلى الحنطة، وأنواع الجنس بعضها إلى ~~بعض. # والرواية الأولى أولى، إن شاء الله تعالى؛ لأنها أجناس يجوز التفاضل ~~فيها، فلم يضم بعضها إلى بعض كالثمار. ولا يصح القياس على العلس مع الحنطة؛ ~~لأنه نوع منها، ولا على أنواع الجنس؛ لأن الأنواع كلها جنس واحد يحرم ~~التفاضل فيها، وثبت حكم الجنس في جميعها، بخلاف الأجناس. وإذا انقطع ~~القياس، لم يجز إيجاب الزكاة بالتحكم، ولا بوصف غير معتبر، ثم هو باطل ~~بالثمار، فإنها تتفق فيما ذكروه، ولا يضم بعضها إلى بعض، ولأن الأصل عدم ~~الوجوب، فما لم يرد بالإيجاب نص أو إجماع أو معناهما، لا يثبت إيجابه، ~~والله أعلم. # ولا خلاف فيما نعلمه في ضم الحنطة إلى العلس؛ لأنه نوع منها. وعلى قياسه ~~السلت يضم إلى الشعير؛ لأنه منه. (1873) فصل: ولا تفريع على الروايتين ~~الأوليين؛ لوضوحهما. فأما الثالثة، وهي ضم الحنطة إلى الشعير، والقطنيات ~~بعضها إلى بعض، فإن الذرة تضم إلى الدخن، لتقاربهما في المقصد، فإنهما ~~يتخذان خبزا وأدما، وقد ذكرا من جملة القطنيات أيضا، فيضمان إليها. وأما ~~البزور فلا تضم إلى القطنيات، ولكن الأبازير يضم بعضها إلى بعض؛ لتقاربها ~~في المقصد، فأشبهت القطنيات. # وحبوب البقول لا تضم إلى القطنيات، ولا إلى البزور، فما تقارب منها ضم ~~بعضه إلى بعض، وما لا فلا، وما شككنا فيه لا يضم؛ لأن الأصل عدم الوجوب، ~~فلا يجب بالشك، والله أعلم (1874) فصل: وذكر الخرقي في ضم الذهب إلى الفضة ~~روايتين. وقد ذكرناهما فيما مضى، واختار أبو بكر، ms1197 أنه لا يضم أحدهما إلى ~~الآخر، مع اختياره الضم في الحبوب؛ لاختلاف نصابهما، واتفاق نصاب الحبوب. . # PageV03P033 ### | [فصل الزكاة تؤخذ من كل جنس على قدر ما يخصه ولا يؤخذ من جنس عن غيره] # (1875) فصل: ومتى قلنا بالضم، فإن الزكاة تؤخذ من كل جنس على قدر ما ~~يخصه، ولا يؤخذ من جنس عن غيره، فإننا إذا قلنا في أنواع الجنس: يؤخذ من كل ~~نوع ما يخصه. فأولى أن يعتد ذلك في الأجناس المختلفة، مع تفاوت مقاصدها، ~~إلا الذهب والفضة، فإن في إخراج أحدهما عن الآخر روايتين. ### | [فصل يضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب] # (1876) فصل: ويضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، سواء ~~اتفق وقت زرعه وإدراكه، أو اختلف. ولو كان منه صيفي وربيعي، ضم الصيفي إلى ~~الربيعي. ولو حصدت الذرة والدخن، ثم نبت أصولهما يضم أحدهما إلى الآخر في ~~تكميل النصاب؛ لأن الجميع زرع عام واحد، فضم بعضه إلى بعض، كما لو تقارب ~~زرعه وإدراكه. ### | [فصل تضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب] # (1877) فصل: وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض، سواء اتفق وقت ~~إطلاعها وإدراكها، أو اختلف، فيقدم بعضها على بعض في ذلك. ولو أن الثمرة ~~جذت ثم أطلعت الأخرى وجذت، ضمت إحداهما إلى الأخرى. فإن كان له نخل يحمل في ~~السنة حملين، ضم أحدهما إلى الآخر. وقال القاضي: لا يضم. # وهو قول الشافعي؛ لأنه حمل ينفصل عن الأول، فكان حكمه حكم حمل عام آخر. ~~وإن كان له نخل يحمل مرة، ونخل يحمل مرتين، ضممنا الحمل الأول إلى الحمل ~~المنفرد، ولم يجب في الثاني شيء، إلا أن يبلغ بمفرده نصابا. والصحيح أن أحد ~~الحملين يضم إلى الآخر. ذكره أبو الخطاب وابن عقيل؛ لأنهما ثمرة عام واحد، ~~فيضم بعضها إلى بعض، كزرع العام الواحد، وكالذرة التي تنبت، مرتين، ولأن ~~الحمل الثاني يضم إلى الحمل المنفرد لو لم يكن حمل أول، فكذلك إذا كان، فإن ~~وجود الحمل الأول لا يصلح أن يكون مانعا، ms1198 بدليل حمل الذرة الأول، وما ذكره ~~من الانفصال يبطل بالذرة. # والله أعلم بالصواب. # PageV03P034 ### | [باب زكاة الذهب والفضة] # وهي واجبة بالكتاب، والسنة، والإجماع زكاة. أما الكتاب، فقوله تعالى: ~~{والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} ~~[التوبة: 34] . والآية الأخرى. ولا يتوعد بهذه العقوبة إلا على ترك واجب # وأما السنة، فما روى أبو هريرة، قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم ~~القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه ~~وجبهته وظهره، كلما بردت أعيدت عليه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى ~~يقضي الله بين العباد» أخرجه مسلم. # وروى البخاري وغيره، في كتاب أنس: «وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن إلا ~~تسعين ومائة، فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربها» . والرقة: هي الدراهم ~~المضروبة. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمس أواق ~~صدقة» . متفق عليه. # وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى أن الذهب إذا كان ~~عشرين مثقالا، وقيمته مائتا درهم، أن الزكاة تجب فيه، إلا ما اختلف فيه عن ~~الحسن. ### | [مسألة نصاب الفضة] # (1878) مسألة: قال أبو القاسم: (ولا زكاة فيما دون المائتي درهم، إلا أن ~~يكون في ملكه ذهب أو عروض للتجارة، فيتم به) وجملة ذلك أن نصاب الفضة مائتا ~~درهم، لا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام، وقد بينته السنة التي رويناها ~~بحمد الله، والدراهم التي يعتبر بها النصاب هي الدراهم التي كل عشرة منها ~~وزن سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكل درهم نصف مثقال وخمسه، وهي الدراهم ~~الإسلامية التي تقدر بها نصب الزكاة، ومقدار الجزية، والديات، ونصاب القطع ~~في السرقة، وغير ذلك. # وكانت الدراهم في صدر الإسلام صنفين، سودا، وطبرية، وكانت السود ثمانية ~~دوانيق، والطبرية أربعة دوانيق، فجمعا في الإسلام، وجعلا درهمين متساويين، ~~في كل درهم ستة دوانيق، فعل ذلك بنو أمية، فاجتمعت فيها ثلاثة أوجه: ms1199 # PageV03P035 # أحدها، أن كل عشرة وزن سبعة. والثاني، أنه عدل بين الصغير والكبير. ~~والثالث، أنه موافق لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودرهمه الذي قدر ~~به المقادير الشرعية. ولا فرق في ذلك بين التبر والمضروب. # ومتى نقص النصاب عن ذلك فلا زكاة فيه، سواء كان النقص كثيرا أو يسيرا. ~~هذا ظاهر كلام الخرقي، ومذهب الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر لظاهر قوله - ~~عليه السلام -: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» . والأوقية أربعون درهما. ~~بغير خلاف، فيكون ذلك مائتي درهم. # وقال غير الخرقي من أصحابنا: إن كان النقص يسيرا، كالحبة والحبتين، وجبت ~~الزكاة؛ لأنه لا يضبط غالبا، فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين، وإن كان نقصا ~~بينا، كالدانق والدانقين، فلا زكاة فيه. وعن أحمد. أن نصاب الذهب إذا نقص ~~ثلث مثقال زكاه. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وسفيان. وإن نقص نصفا لا زكاة ~~فيه. # وقال أحمد في موضع آخر: إذا نقص ثمنا لا زكاة فيه. اختاره أبو بكر. وقال ~~مالك: إذا نقصت نقصا يسيرا يجوز جواز الوازنة، وجبت الزكاة، لأنها تجوز ~~جواز الوازنة، أشبهت الوازنة. والأول ظاهر الخبر، فينبغي أن لا يعدل عنه. ~~فأما قوله: " إلا أن يكون في ملكه ذهب أو عروض للتجارة فيتم به ". # فإن عروض التجارة تضم إلى كل واحد من الذهب والفضة، ويكمل به نصابه. لا ~~نعلم فيه اختلافا. قال الخطابي: لا أعلم عامتهم اختلفوا فيه؛ وذلك لأن ~~الزكاة إنما تجب في قيمتها، فتقوم بكل واحد منهما، فتضم إلى كل واحد منهما. ~~ولو كان له ذهب وفضة وعروض، وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب؛ ~~لأن العرض مضموم إلى كل واحد منهما، فيجب ضمهما إليه، وجمع الثلاثة. # فأما إن كان له من كل واحد من الذهب والفضة ما لا يبلغ نصابا بمفرده، أو ~~كان له نصاب من أحدهما وأقل من نصاب من الآخر، فقد توقف أحمد عن ضم أحدهما ~~إلى الآخر، في رواية الأثرم وجماعة، وقطع في رواية حنبل، أنه لا زكاة عليه ~~حتى يبلغ كل ms1200 واحد منهما نصابا. وذكر الخرقي فيه روايتين في الباب قبله، ~~إحداهما لا يضم. # وهو قول ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وشريك، والشافعي، وأبي عبيد، وأبي ~~ثور. واختاره أبو بكر عبد العزيز؛ لقوله - عليه السلام -: «ليس فيما دون ~~خمس أواق صدقة.» ولأنهما مالان يختلف نصابهما، فلا يضم أحدهما إلى الآخر، ~~كأجناس الماشية، والثانية، يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب. وهو قول ~~الحسن وقتادة، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأن أحدهما يضم ~~إلى ما يضم إليه الآخر، فيضم إلى الآخر. # كأنواع الجنس، ولأن نفعهما واحد، والمقصود منهما متحد. فإنهما قيم ~~المتلفات، # PageV03P036 # وأروش الجنايات، وأثمان البياعات، وحلي لمن يريدهما لذلك، فأشبها ~~النوعين، والحديث مخصوص بعرض التجارة، فنقيس عليه. فإذا قلنا بالضم، فإن ~~أحدهما يضم إلى الآخر بالأجزاء، يعني أن كل واحد منهما يحتسب من نصابه، ~~فإذا كملت أجزاؤهما نصابا، وجبت الزكاة، مثل أن يكون عنده نصف نصاب من ~~أحدهما، ونصف نصاب أو أكثر من الآخر، أو ثلث من أحدهما، وثلثان أو أكثر من ~~الآخر. فلو ملك مائة درهم وعشرة دنانير، أو مائة وخمسين درهما وخمسة ~~دنانير، أو مائة وعشرين درهما وثمانية دنانير، وجبت الزكاة فيهما. # وإن نقصت أجزاؤهما عن نصاب فلا زكاة فيهما. سئل أحمد، عن رجل عنده ثمانية ~~دنانير ومائة درهم؟ فقال: إنما قال من قال فيها الزكاة، إذا كان عنده عشرة ~~دنانير ومائة درهم. وهذا قول مالك، وأبي يوسف، ومحمد، والأوزاعي؛ لأن كل ~~واحد منهما لا تعتبر قيمته في وجوب الزكاة إذا كان منفردا، فلا تعتبر إذا ~~كان عنده عشرة دنانير مضمونة كالحبوب والثمار وأنواع الأجناس كلها. # وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد، في رواية المروذي، أنها تضم بالأحوط من ~~الأجزاء والقيمة. ومعناه أنه يقوم الغالي منهما بقيمة الرخيص، فإذا بلغت ~~قيمتهما بالرخيص منهما نصابا وجبت الزكاة فيهما؛ فلو ملك مائة درهم وتسعة ~~دنانير قيمتها مائة درهم، أو عشرة دنانير وتسعين درهما قيمتها عشرة دنانير، ~~وجبت الزكاة فيها. # وهذا قول أبي حنيفة في تقويم الدنانير بالفضة؛ لأن كل نصاب ms1201 وجب فيه ضم ~~الذهب إلى الفضة، ضم بالقيمة، كنصاب القطع في السرقة، ولأن أصل الضم لتحصيل ~~حظ الفقراء، فكذلك صفة الضم. والأول أصح؛ لأن الأثمان تجب الزكاة في ~~أعيانها، فلا تعتبر قيمتها، كما لو انفردت. ويخالف نصاب القطع، فإن نصاب ~~القطع فيه الورق خاصة في إحدى الروايتين، وفي الأخرى أنه لا يجب في الذهب ~~حتى يبلغ ربع دينار. والله أعلم. ### | [مسألة ما دون العشرين من النقدين لا زكاة فيه] # (1879) مسألة: قال: (وكذلك دون العشرين مثقالا) يعني أن ما دون العشرين ~~لا زكاة فيه إلا أن يتم بورق أو عروض تجارة. قال ابن المنذر: أجمع أهل ~~العلم على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالا قيمتها مائتا درهم، أن الزكاة تجب ~~فيها، إلا ما حكي عن الحسن أنه قال: لا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين، وأجمعوا ~~على أنه إذا كان أقل من عشرين مثقالا ولا يبلغ مائتي درهم فلا زكاة فيه. # وقال عامة الفقهاء: نصاب الذهب عشرون مثقالا من غير اعتبار قيمتها، إلا ~~ما حكي عن عطاء، وطاوس، والزهري، وسليمان بن حرب، وأيوب السختياني، أنهم ~~قالوا: هو معتبر بالفضة، فما كان قيمته مائتي درهم، ففيه الزكاة، وإلا فلا؛ ~~لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تقدير في نصابه، فثبت أنه ~~حمله على الفضة. ولنا ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب، # PageV03P037 # ولا في أقل من مائتي درهم صدقة» . رواه أبو عبيد. # وروى ابن ماجه عن ابن عمر، وعائشة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يأخذ من كل عشرين دينارا فصاعدا نصف دينار، ومن الأربعين دينارا دينارا» . ~~وروى سعيد، والأثرم، عن علي: " في كل أربعين دينارا دينارا، وفي كل عشرين ~~دينارا نصف دينار "، ورواه غيرهما مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. # ولأنه مال تجب الزكاة في عينه، فلم يعتبر بغيره، كسائر الأموال الزكوية. ### | [فصل ملك ذهبا أو فضة مغشوشة أو مختلطا ms1202 بغيره] # (1880) فصل: ومن ملك ذهبا، أو فضة مغشوشة، أو مختلطا بغيره، فلا زكاة ~~فيه، حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصابا؛ لقوله - عليه السلام -: «ليس فيما ~~دون خمس أواق من الورق صدقة.» فإن لم يعلم قدر ما فيه منهما، وشك هل بلغ ~~نصابا أو لا، خير بين سبكهما ليعلم قدر ما فيه منهما، وبين أن يستظهر ~~ويخرج، ليسقط الفرض بيقين. فإن أحب أن يخرج استظهارا، فأراد إخراج الزكاة ~~من المغشوشة، نظرت، فإن كان الغش لا يختلف، مثل أن يكون الغش في كل دينار ~~سدسه، وعلم ذلك، جاز أن يخرج منها؛ لأنه يكون مخرجا لربع العشر. # وإن اختلف قدر ما فيها، أو لم يعلم، لم يجزه الإخراج منها، إلا أن ~~يستظهره، بحيث يتيقن أن ما أخرجه من الذهب محيط بقدر الزكاة. وإن أخرج عنها ~~ذهبا لا غش فيه، فهو أفضل، وإن أراد إسقاط الغش، وإخراج الزكاة عن قدر ما ~~فيه من الذهب، كمن معه أربعة وعشرون دينارا، سدسها غش، فأسقط السدس أربعة، ~~وأخرج نصف دينار عن عشرين، جاز؛ لأنه لو سبكها لم يلزمه إلا ذلك، ولأن غشها ~~لا زكاة فيه، إلا أن يكون فضة، وله من الفضة ما يتم به النصاب، أو له نصاب ~~سواه، فيكون عليه زكاة الغش حينئذ. وكذلك إن قلنا بضم أحد النقدين إلى ~~الآخر. وإذا ادعى رب المال أنه يعلم الغش، أو أنه استظهره وأخرج الفرض، قبل ~~منه بغير يمين. # وإن زادت قيمة المغشوش بالغش، فصارت قيمة العشرين تساوي اثنين وعشرين، ~~فعليه إخراج ربع عشرها مما قيمته كقيمتها؛ لأن عليه إخراج زكاة المال الجيد ~~من جنسه، بحيث لا ينقص عن قيمته، والله أعلم. ### | [مسألة مقدار زكاة الذهب والفضة] # مسألة: قال: (فإذا تمت، ففيها ربع العشر) . يعني إذا تمت الفضة مائتين، ~~والدنانير عشرين، فالواجب فيها ربع عشرها. ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في ~~أن زكاة الذهب والفضة ربع عشرها، فقد ثبت ذلك بقوله - عليه السلام -: «في ~~الرقة ربع العشر» وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هاتوا ربع العشور ms1203 من ~~كل أربعين درهما درهما، وليس في تسعين ومائة # PageV03P038 # شيء» قال الترمذي: قال البخاري، في هذا الحديث: هو صحيح عندي. ورواه ~~سعيد، ولفظه: " فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهما ". # وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم وروى ابن عمر، وعائشة، ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ من كل عشرين دينارا فصاعدا نصف ~~دينار، ومن الأربعين دينارا دينارا.» ### | [مسألة لا زكاة في زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين] # (1882) مسألة: قال: (وفي زيادتها وإن قلت) روي هذا عن علي وابن عمر، - ~~رضي الله عنهما -. وبه قال عمر بن عبد العزيز، والنخعي، ومالك، والثوري، ~~وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو عبيد وأبو ثور، وابن ~~المنذر. # وقال سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن، والشعبي، ومكحول، والزهري، ~~وعمرو بن دينار، وأبو حنيفة: لا شيء في زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين، ولا ~~في زيادة الدنانير حتى تبلغ أربعة دنانير؛ لقوله - عليه السلام -: «من كل ~~أربعين درهما درهما» . وعن معاذ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إذا بلغ الورق مائتين، ففيه خمسة دراهم، ثم لا شيء فيه حتى يبلغ إلى ~~أربعين درهما.» وهذا نص. ولأن له عفوا في الابتداء، فكان له عفو بعد ~~النصاب، كالماشية. # ولنا، ما روي عن علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «هاتوا ~~ربع العشر من كل أربعين درهما درهما، وليس عليكم شيء حتى يتم مائتين، فإذا ~~كانت مائتي درهم، ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك.» رواه الأثرم، ~~والدارقطني. ورواه أبو داود، بإسناده عن عاصم بن ضمرة، والحارث، عن علي، ~~إلا أنه قال: أحسبه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وروي ذلك عن علي وابن ~~عمر موقوفا عليهم، ولم نعرف لهما مخالفا من الصحابة، فيكون إجماعا. ولأنه ~~مال متجر، فلم يكن له عفو بعد النصاب كالحبوب. وما احتجوا به من الخبر ~~الأول فهو احتجاج بدليل الخطاب، والمنطوق مقدم عليه. والحديث الآخر يرويه ~~أبو العطوف الجراح بن منهال، وهو متروك الحديث. ms1204 قال الدارقطني، وقال مالك: ~~هو دجال من الدجاجلة. ويرويه عن عبادة بن نسي، عن معاذ، ولم يلق عبادة ~~معاذا، فيكون مرسلا. والماشية يشق تشقيصها، بخلاف الأثمان. # PageV03P039 ### | [فصل يخرج الزكاة من جنس ماله] # (1883) فصل: ويخرج الزكاة من جنس ماله. فإن كان أنواعا متساوية القيم، ~~جاز أن يخرج الزكاة من أحدها، كما تخرج من أحد نوعي الغنم. وإن كانت مختلفة ~~القيم أخذ من كل نوع ما يخصه. وإن أخرج من أوسطها ما يفي بقدر الواجب ~~وقيمته، جاز. وإن أخرج الفرض من أجودها بقدر الواجب، جاز، وله ثواب ~~الزيادة. وإن أخرجه بالقيمة، مثل أن يخرج عن نصف دينار ثلث دينار جيد، لم ~~يجز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على نصف دينار، فلم يجز النقص ~~منه. # وإن أخرج من الأدنى، وزاد في المخرج ما يفي بقيمة الواجب، مثل أن يخرج عن ~~دينار دينارا ونصفا يفي بقيمته، جاز. وكذلك لو أخرج عن الصحاح مكسرة، وزاد ~~بقدر ما بينهما من الفضل، جاز؛ لأنه أدى الواجب عليه قيمة وقدرا. وإن أخرج ~~عن كثير القيمة قليل القيمة، فكذلك. فإن أخرج بهرجا عن الجيد، وزاد بقدر ما ~~يساوي قيمة الجيد، فقال أبو الخطاب: يجوز. وقال القاضي: يلزمه إخراج جيد، ~~ولا يرجع فيما أخرجه من المعيب؛ لأنه أخرج معيبا في حق الله تعالى، فأشبه ~~ما لو أخرج مريضة عن صحاح. # وبهذا قال الشافعي، إلا أن أصحابه قالوا: له الرجوع فيما أخرج من المعيب، ~~في أحد الوجهين. وقال أبو حنيفة: يجوز إخراج الرديئة عن الجيدة، والمكسورة ~~عن الصحيحة، من غير جبران؛ لأن الجودة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا لا ~~قيمة لها. ولنا، أن الجودة متقومة، بدليل ما لو أتلف جيدا، لم يجزئه أن ~~يدفع عنه رديئا، ولأنه إذا لم يجبره بما يتم به قيمة الواجب عليه، دخل في ~~عموم قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267] . # ولأنه أخرج رديئا عن جيد بقدره، فلم يجز، كما في الماشية، ولأن المستحق ~~معلوم القدر والصفة، فلم يجز النقص في الصفة، ms1205 كما لا يجوز في القدر. وأما ~~الربا فلا يجري هاهنا؛ لأن المخرج حق الله تعالى، ولا ربا بين العبد وسيده، ~~ولأن المساواة في المعيار الشرعي إنما اعتبرت في المعاوضات، والقصد من ~~الزكاة المواساة، وإغناء الفقير، وشكر نعمة الله تعالى، فلا يدخل الربا ~~فيها. # فإن قيل: فلو أخرج في الماشية رديئتين عن جيدة، أو أخرج قفيزين رديئين عن ~~قفيز جيد، لم يجز، فلم أجزتم أن يخرج عن الصحيح أكثر منه مكسرا؟ قلنا: يجوز ~~ذلك إذا لم يكن في إخراجه عيب سوى نقص القيمة، وإن سلمناه، فالفرق بينهما ~~أن القصد من الأثمان القيمة لا غير، فإذا تساوى الواجب والمخرج في القيمة ~~والقدر، جاز، وسائر الأموال يقصد الانتفاع بعينها، فلا يلزم من التساوي في ~~الأمرين الإجزاء؛ لجواز أن يفوت بعض المقصود. # PageV03P040 ### | [فصل إخراج أحد النقدين عن الآخر] # (1884) فصل: وهل يجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر؟ فيه روايتان. نص ~~عليهما؛ إحداهما، لا يجوز. وهو اختيار أبي بكر؛ لأن أنواع الجنس لا يجوز ~~إخراج أحدهما عن الآخر إذا كان أقل في المقدار، فمع اختلاف الجنس أولى. # والثانية، يجوز، وهو أصح، إن شاء الله؛ لأن المقصود من أحدهما يحصل ~~بإخراج الآخر، فيجزئ، كأنواع الجنس، وذلك لأن المقصود منهما جميعا الثمنية ~~والتوسل بها إلى المقاصد، وهما يشتركان فيه على السواء، فأشبه إخراج ~~المكسرة عن الصحاح، بخلاف سائر الأجناس والأنواع، مما تجب فيه الزكاة، فإن ~~لكل جنس مقصودا مختصا به، لا يحصل من الجنس الآخر، وكذلك أنواعها، فلا يحصل ~~بإخراج غير الواجب من الحكمة ما يحصل بإخراج الواجب، وها هنا المقصود حاصل، ~~فوجب إجزاؤه، إذ لا فائدة باختصاص الإجزاء بعين، مع مساواة غيرها لها في ~~الحكمة # وكون ذلك أرفق بالمعطي والآخذ، وأنفع لهما، ويندفع به الضرر عنهما، فإنه ~~لو تعين إخراج زكاة الدنانير منها، شق على من يملك أقل من أربعين دينارا ~~إخراج جزء من دينار، ويحتاج إلى التشقيص، ومشاركة الفقير له في دينار من ~~ماله، أو بيع أحدهما نصيبه، فيستضر المالك والفقير، وإذا جاز إخراج الدراهم ~~عنها، ms1206 دفع إلى الفقير من الدراهم بقدر الواجب، فيسهل ذلك عليه، وينتفع ~~الفقير من غير كلفة ولا مضرة. # ولأنه إذا دفع إلى الفقير قطعة من الذهب في موضع لا يتعامل بها فيه، أو ~~قطعة من درهم في مكان لا يتعامل بها فيه، لم يقدر على قضاء حاجته بها، وإن ~~أراد بيعها بحسب ما يتعامل بها احتاج إلى كلفة البيع، وربما لا يقدر عليه، ~~ولا يفيده شيئا، وإن أمكن بيعها احتاج إلى كلفة البيع، والظاهر أنها تنقص ~~عوضها عن قيمتها، فقد دار بين ضررين، وفي جواز إخراج أحدهما عن الآخر نفع ~~محض، ودفع لهذا الضرر، وتحصيل لحكمة الزكاة على التمام والكمال، فلا حاجة ~~ولا وجه لمنعه، وإن توهمت هاهنا منفعة تفوت بذلك، فهي يسيرة مغمورة، فيما ~~يحصل من النفع الظاهر، ويندفع من الضرر والمشقة من الجانبين، فلا يعتبر. # والله أعلم. وعلى هذا لا يجوز الإبدال في موضع يلحق الفقير ضرر، مثل أن ~~يدفع إليه ما لا ينفق عوضا عما ينفق؛ لأنه إذا لم يجز إخراج أحد النوعين عن ~~الآخر مع الضرر، فمع غيره أولى. وإن اختار الدفع من الجنس، واختار الفقير ~~الأخذ من غيره؛ لضرر يلحقه في أخذ الجنس، لم يلزم المالك إجابته؛ لأنه إذا ~~أدى ما فرض عليه، لم يكلف سواه. والله أعلم. ### | [مسألة زكاة حلي المرأة] # (1885) مسألة: قال: (وليس في حلي المرأة زكاة إذا كان مما تلبسه أو ~~تعيره) هذا ظاهر المذهب. وروي ذلك عن ابن عمر، وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء ~~- رضي الله عنهم - وبه قال القاسم، والشعبي، وقتادة، ومحمد بن علي، وعمرة، ~~ومالك، والشافعي، وأبو عبيد، # PageV03P041 # وإسحاق، وأبو ثور. وذكر ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى، أنه فيه ~~الزكاة. وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعبد الله بن شداد، ~~وجابر بن زيد، وابن سيرين، وميمون بن مهران، والزهري، والثوري، وأصحاب ~~الرأي؛ لعموم قوله - عليه السلام - «في الرقة ربع العشر، وليس فيما دون ms1207 خمس ~~أواق صدقة.» مفهومه أن فيها صدقة إذا بلغت خمس أواق. وعن عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده، قال: «أتت امرأة من أهل اليمن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ومعها ابنة لها في يديها مسكتان من ذهب، فقال: هل تعطين زكاة هذا؟ ~~قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار؟» . رواه أبو داود. ~~ولأنه من جنس الأثمان، أشبه التبر. وقال مالك: يزكى عاما واحدا. وقال ~~الحسن، وعبد الله بن عتبة، وقتادة: زكاته عاريته. قال أحمد: خمسة من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: ليس في الحلي زكاة. ويقولون: ~~زكاته عاريته. ووجه الأول، ما روى عافية بن أيوب، عن الليث بن سعد، عن أبي ~~الزبير، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس في الحلي ~~زكاة» . ولأنه مرصد لاستعمال مباح، فلم تجب فيه الزكاة، كالعوامل، وثياب ~~القنية. وأما الأحاديث الصحيحة التي احتجوا بها، فلا تتناول محل النزاع؛ ~~لأن الرقة هي الدراهم المضروبة. قال أبو عبيد: لا نعلم هذا الاسم في الكلام ~~المعقول عند العرب إلا على الدراهم المنقوشة، ذات السكة السائرة في الناس. ~~وكذلك الأواقي ليس معناها إلا الدراهم كل أوقية أربعون درهما. وأما حديث ~~المسكتين، فقال أبو عبيد: لا نعلمه إلا من وجه قد تكلم الناس فيه قديما ~~وحديثا. وقال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شيء. ويحتمل أنه أراد بالزكاة ~~إعارته، كما فسره به بعض العلماء، وذهب إليه جماعة من الصحابة وغيرهم ~~والتبر غير معد للاستعمال، بخلاف الحلي. وقول الخرقي " إذا كان مما تلبسه ~~أو تعيره ". يعني أنه إنما تسقط عنه الزكاة إذا كان كذلك أو معدا له فأما ~~المعد للكرى أو النفقة إذا احتيج إليه، ففيه الزكاة؛ لأنها إنما تسقط عما ~~أعد للاستعمال، لصرفه عن جهة النماء، ففيما عداه يبقى على الأصل، وكذلك ما ~~اتخذ حلية فرارا من الزكاة لا يسقط عنه. ولا فرق بين كون الحلي المباح ~~مملوكا لامرأة تلبسه أو تعيره، أو لرجل يحلي به أهله، أو ms1208 يعيره أو يعده # PageV03P042 # لذلك؛ لأنه مصروف عن جهة النماء إلى استعمال مباح، أشبه حلي المرأة. ### | [فصل قليل الحلي وكثيره في الإباحة والزكاة سواء] # (1886) فصل وقليل الحلي وكثيره سواء في الإباحة والزكاة. وقال ابن حامد ~~يباح ما لم يبلغ ألف مثقال، فإن بلغها حرم، وفيه الزكاة؛ لما روى أبو عبيد، ~~والأثرم، عن عمرو بن دينار؟ قال: سئل جابر عن الحلي، هل فيه زكاة؟ قال: لا. ~~فقيل له: ألف دينار؟ فقال: إن ذلك لكثير. ولأنه يخرج إلى السرف والخيلاء، ~~ولا يحتاج إليه في الاستعمال، والأول أصح؛ لأن الشرع أباح التحلي مطلقا من ~~غير تقييد، فلا يجوز تقييده بالرأي والتحكم، وحديث جابر ليس بصريح في نفي ~~الوجوب. # وإنما يدل على التوقف، ثم قد روي عنه خلافه، فروى الجوزجاني بإسناده عن ~~أبي الزبير، قال: سألت جابر بن عبد الله، عن الحلي فيه زكاة؟ قال: لا. قلت: ~~إن الحلي يكون فيه ألف دينار. قال: وإن كان فيه، يعار ويلبس. ثم إن قول ~~جابر قول صحابي خالفه غيره ممن أباحه مطلقا بغير تقييد، فلا يبقى قوله حجة، ~~والتقييد بالرأي المطلق والتحكم غير جائز. ### | [فصل إذا انكسر الحلي كسرا لا يمنع الاستعمال واللبس فلا زكاة فيه] # (1887) فصل: وإذا انكسر الحلي كسرا لا يمنع الاستعمال واللبس، فهو ~~كالصحيح، لا زكاة فيه، إلا أن ينوي كسره وسبكه، ففيه الزكاة حينئذ، لأنه ~~نوى صرفه عن الاستعمال. وإن كان الكسر يمنع الاستعمال، فقال القاضي: عندي ~~أن فيه الزكاة؛ لأنه كان بمنزلة النقود والتبر. ### | [فصل وإذا كان الحلي للبس فنوت به المرأة التجارة انعقد عليه حول الزكاة من حين نوت] # (1888) فصل: وإذا كان الحلي للبس، فنوت به المرأة التجارة، انعقد عليه ~~حول الزكاة من حين نوت؛ لأن الوجوب هو الأصل، وإنما انصرف عنه لعارض ~~الاستعمال، فعاد إلى الأصل بمجرد النية من غير استعمال، فهو كما لو نوى ~~بعرض التجارة القنية، انصرف إليه من غير استعمال. # PageV03P043 ### | [فصل يعتبر في النصاب في الحلي الذي تجب فيه الزكاة] # (1889) فصل: ويعتبر في النصاب في الحلي الذي ms1209 تجب فيه الزكاة بالوزن، فلو ~~ملك حليا قيمته مائتا درهم، ووزنه دون المائتين، لم يكن عليه زكاة. وإن بلغ ~~مائتين وزنا، ففيه الزكاة، وإن نقص في القيمة؛ لقوله عليه السلام: «ليس ~~فيما دون خمس أواق من الورق صدقة.» . # اللهم إلا أن يكون الحلي للتجارة فيقوم، فإذا بلغت قيمته بالذهب والفضة ~~نصابا، ففيه الزكاة؛ لأن الزكاة متعلقة بالقيمة، وما لم يكن للتجارة ~~فالزكاة في عينه، فيعتبر أن يبلغ بقيمته ووزنه نصابا، وهو مخير بين إخراج ~~ربع عشر حليه مشاعا، أو دفع ما يساوي ربع عشرها من جنسها، وإن زاد في الوزن ~~على ربع العشر؛ لما بينا أن الربا لا يجري هاهنا. ولو أراد كسرها ودفع ربع ~~عشرها لم يكن منه؛ لأنه ينقص قيمتها. # وهذا مذهب الشافعي وقال مالك الاعتبار بالوزن، وإذا كان وزن الحلي عشرين ~~وقيمته ثلاثون، فعليه نصف مثقال، لا تزيد قيمته شيئا؛ لأنه نصاب من جنس ~~الأثمان، فتعلقت الزكاة بوزنه، لا بصفته، كالدراهم المضروبة. ولنا، أن ~~الصناعة صارت صفة للنصاب لها قيمة مقصودة، فوجب اعتبارها كالجودة في سائر ~~أموال الزكاة. ودليلهم نقول به، وأن الزكاة تتعلق بوزنه وصفته جميعا، ~~كالجيد من الذهب والفضة، والمواشي، والحبوب، والثمار، فإنه لا يجزئه إخراج ~~رديء عن جيد، كذلك هاهنا. # وإن أراد إخراج الفضة عن حلي الذهب، أو الذهب عن الفضة، أخرج على ~~الوجهين، كما قدمنا في إخراج أحد النقدين عن الآخر. وذكر ابن عقيل أن ~~الاعتبار في قدر النصاب أيضا بالقيمة، فلو ملك حليا وزنه تسعة عشر، وقيمته ~~عشرون لأجل الصناعة، ففيه الزكاة، وظاهر كلام أحمد اعتبار الوزن، وهو ظاهر ~~نصه، لقوله: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» . ولأنه مال تجب الزكاة في عينه، ~~فلا تعتبر قيمة الدنانير المضروبة، لأن زيادة القيمة بالصناعة، كزيادتها ~~بنفاسة جوهره، فكما لا تجب الزيادة فيما كان نفيس الجوهر، كذلك الآخر. ### | [فصل كان في الحلي جوهر ولآلئ مرصعة] # (1890) فصل: فإن كان في الحلي جوهر ولآلئ مرصعة، فالزكاة في الحلي من ~~الذهب والفضة دون الجوهر، لأنها لا زكاة فيها ms1210 عند أحد من أهل العلم. فإن ~~كان الحلي للتجارة، قومه بما فيه من الجواهر؛ لأن الجواهر لو كانت مفردة ~~وهي للتجارة، لقومت وزكيت، فكذلك إذا كانت في حلي التجارة. ### | [فصل إذا اتخذت المرأة حليا ليس لها اتخاذه] # (1891) فصل: وإذا اتخذت المرأة حليا ليس لها اتخاذه، كما إذا اتخذت حلية ~~الرجال كحلية السيف والمنطقة، فهو محرم، وعليها الزكاة، كما لو اتخذ الرجل ~~حلي المرأة. # PageV03P044 ### | [فصل يباح للنساء من حلي الذهب والفضة والجواهر كل ما جرت عادتهن بلبسه] # (1892) فصل: ويباح للنساء من حلي الذهب والفضة والجواهر كل ما جرت عادتهن ~~بلبسه، مثل السوار والخلخال والقرط والخاتم، وما يلبسنه على وجوههن، وفي ~~أعناقهن، وأيديهن، وأرجلهن، وآذانهن وغيره، فأما ما لم تجر عادتهن بلبسه، ~~كالمنطقة وشبهها من حلي الرجال، فهو محرم، وعليها زكاته، كما لو اتخذ الرجل ~~لنفسه حلي المرأة. ### | [مسألة ليس في حلية سيف الرجل ومنطقته وخاتمه زكاة] # (1893) مسألة: قال: وليس في حلية سيف الرجل ومنطقته وخاتمه زكاة وجملة ~~ذلك أن ما كان مباحا من الحلي، فلا زكاة فيه إذا كان معدا للاستعمال، سواء ~~كان لرجل أو امرأة؛ لأنه مصروف عن جهة النماء إلى استعمال مباح، فأشبه ثياب ~~البذلة وعوامل الماشية، ويباح للرجال من الفضة الخاتم؛ «لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - اتخذ خاتما من ورق.» متفق عليه. # وحلية السيف، بأن تجعل قبيعته فضة أو تحليتها بفضة؛ فإن أنسا قال: «كانت ~~قبيعة سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضة.» وقال هشام بن عروة: كان ~~سيف الزبير محلى بالفضة. رواهما الأثرم بإسناده. والمنطقة تباح تحليتها ~~بالفضة؛ لأنها حلية معتادة للرجل، فهي كالخاتم وقد نقل كراهة ذلك؛ لما فيه ~~من الفخر والخيلاء، فهو كالطوق، والأول أولى؛ لأن الطوق ليس بمعتاد في حق ~~الرجل، بخلاف المنطقة. وعلى قياس المنطقة، الجوشن، والخوذة، والخف، والران، ~~والحمائل. # وتباح الفضة في الإناء وما أشبهها؛ للحاجة، ونعني بالحاجة أنه ينتفع بها ~~في ذلك، وإن قام غيرها مقامها. وفي صحيح البخاري عن، أنس «أن قدح النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - انكسر، ms1211 فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة.» وقال # القاضي: يباح اليسير، وإن لم يكن لحاجة. وإنما كره أحمد الحلقة في ~~الإناء؛ لأنها تستعمل. وأما الذهب، فيباح منه ما دعت الضرورة إليه، كالأنف ~~في حق # PageV03P045 # من قطع أنفه؛ لما روي «عن عبد الرحمن بن طرفة، أن جده عرفجة بن أسعد. قطع ~~أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فاتخذ أنفا من ذهب.» رواه أبو داود. وقال الإمام أحمد: ربط ~~الأسنان بالذهب إذا خشي عليها أن تسقط قد فعله الناس، فلا بأس به عند ~~الضرورة. # وروى الأثرم، عن موسى بن طلحة، وأبي جمرة الضبعي، وأبي رافع، وثابت ~~استرقوا وإسماعيل بن زيد بن ثابت، والمغيرة بن عبد الله، أنهم شدوا أسنانهم ~~بالذهب. وعن الحسن، والزهري، والنخعي، أنهم رخصوا فيه. وما عدا ذلك من ~~الذهب، فقد روي عن أحمد، - رحمه الله -، الرخصة فيه في السيف. # قال الأثرم، قال أحمد: قد روي أنه كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ~~ذهب، قال أبو عبد الله فذاك الآن في السيف. وقال: إنه كان لعمر سيف سبائكه ~~من ذهب. من حديث إسماعيل بن أمية، عن نافع. وروى الترمذي، بإسناده عن مزيدة ~~العصري، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة وعلى سيفه ذهب وفضة» . # وروي عن أحمد رواية أخرى تدل على تحريم ذلك. قال الأثرم: قلت لأبي عبد ~~الله: يخاف عليه أن يسقط يجعل فيه مسمارا من ذهب؟ قال: إنما رخص في ~~الأسنان، وذلك إنما هو على الضرورة، فأما المسمار، فقد روي: «من تحلى ~~بخريصيصة، كوي بها يوم القيامة» . قلت: أي شيء خريصيصة؟ قال: شيء صغير مثل ~~الشعيرة. # وروى الأثرم أيضا، بإسناده عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: ~~«من حلي، أو تحلى بخريصيصة، كوي بها يوم القيامة، مغفورا له أو معذبا» . ~~وحكي عن أبي بكر من أصحابنا، أنه أباح يسير الذهب، ولعله يحتج بما رويناه ~~من الأخبار، وبقياس الذهب على الفضة، ولأنه أحد الثلاثة المحرمة ms1212 على الذكور ~~دون الإناث، فلم يحرم يسيره كسائرها، وكل ما أبيح من الحلي، فلا زكاة فيه، ~~إذا كان معدا للاستعمال. ### | [مسألة المتخذ آنية الذهب والفضة عاص وفيها الزكاة] # (1894) مسألة: قال: (والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص، وفيها الزكاة) ~~وجملته، أن اتخاذ آنية الذهب والفضة حرام على النساء والرجال جميعا، وكذلك ~~استعماله. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يحرم اتخاذها؛ لأن النص إنما ورد ~~في تحريم الاستعمال، فيبقى إباحة الاتخاذ على مقتضى الأصل في الإباحة. # PageV03P046 # ولنا، أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالملاهي، ~~ويستوي في ذلك الرجال، والنساء؛ لأن المعنى المقتضي للتحريم يعمها، وهو ~~الإفضاء إلى السرف والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، فيستويان في التحريم، ~~وإنما أحل للنساء التحلي لحاجتهن إليه للتزين للأزواج، وليس هذا بموجود في ~~الآنية، فيبقى على التحريم. # إذا ثبت هذا، فإن فيها الزكاة، بغير خلاف بين أهل العلم، ولا زكاة فيها ~~حتى تبلغ نصابا بالوزن، أو يكون عنده ما يبلغ نصابا بضمها إليه. وإن زادت ~~قيمته لصناعته، فلا عبرة بها؛ لأنها محرمة فلا قيمة لها في الشرع، وله أن ~~يخرج عنها قدر ربع عشرها بقيمته غير مصوغ. وإن أحب كسرها، أخرج ربع عشرها ~~مكسورا، وإن أخرج ربع عشرها مصوغا، جاز؛ لأن الصناعة لم تنقصها عن قيمة ~~المكسور. # وذكر أبو الخطاب وجها في اعتبار قيمتها. والأول أصح، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل كل ما كان اتخاذه محرما من الأثمان لم تسقط زكاته باتخاذه] # (1895) فصل: وكل ما كان اتخاذه محرما من الأثمان، لم تسقط زكاته باتخاذه؛ ~~لأن الأصل وجوب الزكاة فيها، لكونها مخلوقة للتجارة، والتوسل بها إلى ~~غيرها، ولم يوجد ما يمنع ذلك، فبقيت على أصلها. # قال أحمد: ما كان على سرج أو لجام، ففيه الزكاة. ونص على حلية الثفر ~~والركاب واللجام، أنه محرم. وقال، في رواية الأثرم: أكره رأس المكحلة فضة. ~~ثم قال: وهذا شيء تأولته. وعلى قياس ما ذكره، حلية الدواة، والمقلمة، ~~والسرج، ونحوه مما على الدابة. ولو موه سقفه بذهب أو فضة، فهو محرم، وفيه ms1213 ~~الزكاة. # وقال أصحاب الرأي: يباح؛ لأنه تابع للمباح، فيتبعه في الإباحة. ولنا، أن ~~هذا إسراف، ويفضي فعله إلى الخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، فحرم، كاتخاذ ~~الآنية، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التختم بخاتم الذهب ~~للرجل، فتمويه السقف أولى. # وإن صار التمويه الذي في السقف مستهلكا لا يجتمع منه شيء، لم تحرم ~~استدامته؛ لأنه لا فائدة في إتلافه وإزالته، ولا زكاة فيه؛ لأن ماليته ذهبت ~~وإن لم تذهب ماليته، ولم يكن مستهلكا، حرمت استدامته. وقد بلغنا أن عمر بن ~~عبد العزيز لما ولي، أراد جمع ما في مسجد دمشق مما موه به من الذهب، فقيل ~~له: إنه لا يجتمع منه شيء. فتركه. ولا يجوز تحلية المصاحف ولا المحاريب، ~~ولا اتخاذ قناديل من الذهب والفضة؛ لأنها بمنزلة الآنية. # وإن وقفها على مسجد أو نحوه لم يصح؛ لأنه ليس ببر ولا معروف، ويكون ذلك ~~بمنزلة الصدقة، فيكسر ويصرف في مصلحة المسجد وعمارته. وكذلك إن حبس الرجل ~~فرسا له لجام مفضض. وقد قال أحمد: في الرجل يقف فرسا في سبيل الله، ومعه ~~لجام مفضض: فهو على ما وقفه، وإن بيعت الفضة من السرج واللجام وجعلت في وقف ~~مثله فهو أحب إلي؛ لأن الفضة لا ينتفع بها، ولعله يشتري بذلك سرجا ولجاما، ~~فيكون أنفع للمسلمين. قيل: فتباع الفضة، # PageV03P047 # وينفق على الفرس؟ قال: نعم، وهذا يدل على إباحة حلية السرج واللجام ~~بالفضة، لولا ذلك لما قال: هو على ما وقف. وهذا لأن العادة جارية به، فأشبه ~~حلية المنطقة. # وإذا قلنا بتحريمها فصار بحيث لا يجتمع منه شيء، لم يحرم استدامته، ~~كقولنا في تمويه السقف، وأباح القاضي علاقة المصحف ذهبا أو فضة للنساء ~~خاصة. وليس بجيد؛ لأن حلية المرأة ما لبسته، وتحلت به في بدنها أو ثيابها، ~~وما عداه فحكمه حكم الأواني، لا يباح للنساء منه إلا ما أبيح للرجال. ولو ~~أبيح لها ذلك لأبيح علاقة الأواني والأدراج ونحوهما. ذكره ابن عقيل. # (1896) فصل: وكل ما يحرم اتخاذه، ففيه الزكاة إذا كان نصابا، أو بلغ بضمه ms1214 ~~إلى ما عنده نصابا، على ما ذكرناه. ### | [مسألة زكاة الركاز] # (1897) مسألة: قال: وما كان من الركاز، وهو دفن الجاهلية، قل أو كثر، ~~ففيه الخمس لأهل الصدقات، وباقيه له الدفن، بكسر الدال: المدفون. والركاز: ~~المدفون في الأرض. واشتقاقه من ركز يركز. مثل غرز يغرز: إذا خفي. يقال: ركز ~~الرمح، إذا غرز أسفله في الأرض. ومنه الركز، وهو الصوت الخفي، قال الله ~~تعالى: {أو تسمع لهم ركزا} [مريم: 98] . والأصل في صدقة الركاز، ما روى أبو ~~هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «العجماء جبار، وفي ~~الركاز الخمس.» متفق عليه. وهو أيضا مجمع عليه. # قال ابن المنذر لا نعلم أحدا خالف هذا الحديث، إلا الحسن فإنه فرق بين ما ~~يوجد في أرض الحرب، وأرض العرب، فقال: فيما يوجد في أرض الحرب الخمس، وفيما ~~يوجد في أرض العرب الزكاة. ### | [مسألة زكاة الركاز تشتمل على خمسة فصول] ### | [الفصل الأول الركاز الذي يتعلق به وجوب الخمس] # (1898) فصل: وأوجب الخمس في الجميع الزهري، والشافعي، وأبو حنيفة، ~~وأصحابه، وأبو ثور، وابن المنذر، وغيرهم. وهذه المسألة تشتمل على خمسة ~~فصول: (1899) الفصل الأول، أن الركاز الذي يتعلق به وجوب الخمس ما كان من ~~دفن الجاهلية. هذا قول الحسن، والشعبي، ومالك والشافعي، وأبي ثور. # ويعتبر ذلك بأن ترى عليه علاماتهم، كأسماء ملوكهم، وصورهم وصلبهم، وصور ~~أصنامهم، ونحو ذلك. فإن كان عليه علامة الإسلام، أو اسم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أو أحد من خلفاء المسلمين، أو وال لهم، أو آية من قرآن أونحو ~~ذلك، فهو لقطة؛ لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه. وإن كان على بعضه علامة ~~الإسلام، وعلى بعضه علامة الكفر، فكذلك. نص عليه # PageV03P048 # أحمد، في رواية ابن منصور؛ لأن الظاهر أنه صار إلى مسلم، ولم يعلم زواله ~~عن ملك المسلمين، فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين. ### | [الفصل الثاني في موضع الركاز ولا يخلو من أربعة أقسام] # (1900) الفصل الثاني، في موضعه، ولا يخلو من أربعة أقسام: أحدها، أن يجده ~~في موات، أو ما لا يعلم له ms1215 مالك، مثل الأرض التي يوجد فيها آثار الملك، ~~كالأبنية القديمة، والتلول، وجدران الجاهلية، وقبورهم. فهذا فيه الخمس بغير ~~خلاف، سوى ما ذكرناه. ولو وجده في هذه الأرض على وجهها، أو في طريق غير ~~مسلوك، أو قرية خراب، فهو كذلك في الحكم؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، ~~عن جده، قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة؟ فقال: ما ~~كان في طريق مأتي، أو في قرية عامرة، فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا ~~فلك، وما لم يكن في طريق مأتي، ولا في قرية عامرة، ففيه وفي الركاز الخمس» ~~رواه النسائي. القسم الثاني، أن يجده في ملكه المنتقل إليه، فهو له في أحد ~~الوجهين؛ لأنه مال كافر مظهور عليه في الإسلام، فكان لمن ظهر عليه ~~كالغنائم، ولأن الركاز لا يملك بملك الأرض، لأنه مودع فيها، وإنما يملك ~~بالظهور عليه، وهذا قد ظهر عليه، فوجب أن يملكه. والرواية الثانية، هو ~~للمالك قبله إن اعترف به، وإن لم يعترف به فهو للذي قبله كذلك إلى أول ~~مالك. وهذا مذهب الشافعي لأنه كانت يده على الدار، فكانت على ما فيها. # وإن انتقلت الدار بالميراث، حكم بأنه ميراث، فإن اتفق الورثة على أنه لم ~~يكن لموروثهم، فهو لأول مالك فإن لم يعرف أول مالك، فهو كالمال الضائع الذي ~~لا يعرف له مالك. والأول أصح، إن شاء الله تعالى؛ لأن الركاز لا يملك بملك ~~الدار، لأنه ليس من أجزائها وإنما هو مودع فيها، فينزل منزلة المباحات من ~~الحشيش والحطب والصيد يجده في أرض غيره، فيأخذه، فيكون أحق به، لكن إن ادعى ~~المالك الذي انتقل الملك عنه أنه له، فالقول قوله؛ لأن يده كانت عليه، ~~لكونها على محله، وإن لم يدعه، فهو لواجده. # وإن اختلف الورثة، فأنكر بعضهم أن يكون لمورثهم، ولم ينكره الباقون، فحكم ~~من أنكر في نصيبه حكم المالك الذي لم يعترف به، وحكم المعترفين حكم المالك ~~المعترف. القسم الثالث، أن يجده في ملك آدمي مسلم معصوم أو ذمي، فعن أحمد ~~ما ms1216 يدل على أنه لصاحب الدار؛ فإنه قال، في من استأجر حفارا ليحفر في داره، ~~فأصاب في الدار كنزا عاديا: فهو لصاحب الدار. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن ~~الحسن. # ونقل عن أحمد ما يدل على أنه لواجده؛ لأنه قال في مسألة من استأجر أجيرا ~~ليحفر له في داره، فأصاب في الدار كنزا: فهو للأجير. نقل ذلك عنه محمد بن ~~يحيى الكحال. قال القاضي هو الصحيح. وهذا يدل على أن الركاز لواجده. وهو ~~قول الحسن بن صالح، # PageV03P049 # وأبي ثور. واستحسنه أبو يوسف. وذلك لأن الكنز لا يملك بملك الدار، على ما ~~ذكرنا في القسم الذي قبله، فيكون لمن وجده، لكن إن ادعاه المالك. فالقول ~~قوله؛ لأن يده عليه بكونها على محله. وإن لم يدعه، فهو لواجده. وقال ~~الشافعي: هو لمالك الدار إن اعترف به، وإن لم يعترف به، فهو لأول مالك، ~~لأنه في يده. # ويخرج لنا مثل ذلك، لما ذكرناه من الرواية في القسم الذي قبله. وإن ~~استأجر حفارا ليحفر له طلبا لكنز يجده، فوجده، فلا شيء للأجير، ويكون ~~الواجد له هو المستأجر؛ لأنه استأجره لذلك، فأشبه ما لو استأجره ليحتش له ~~أو يصطاد، فإن الحاصل من ذلك للمستأجر دون الأجير. وإن استأجره لأمر غير ~~طلب الركاز، فالواجد له هو الأجير. وهكذا قال الأوزاعي: إذا استأجرت أجيرا ~~ليحفر لي في داري، فوجد كنزا، فهو له. وإن قلت: استأجرتك لتحفر لي هاهنا. ~~رجاء أن أجد كنزا، فسميت له، فله أجره، ولي ما يوجد. # (1901) فصل: وإن اكترى دارا، فوجد فيها ركازا، فهو لواجده، في أحد ~~الوجهين، والآخر هو للمالك، بناء على الروايتين، في من وجد ركازا في ملك ~~انتقل إليه، وإن اختلفا، فقال كل واحد منهما: هذا لي. فعلى وجهين: أحدهما، ~~القول قول المالك؛ لأن الدفن تابع للأرض. والثاني، القول قول المكتري؛ لأن ~~هذا مودع في الأرض، وليس منها، فكان القول قول من يده عليها، كالقماش. ~~القسم الرابع، أن يجده في أرض الحرب، فإن لم يقدر عليه إلا بجماعة من ~~المسلمين، فهو غنيمة ms1217 لهم، وإن قدر عليه بنفسه، فهو لواجده، حكمه حكم ما لو ~~وجده في موات في أرض المسلمين. # وقال أبو حنيفة، والشافعي: إن عرف مالك الأرض، وكان حربيا، فهو غنيمة ~~أيضا؛ لأنه في حرز مالك معين؛ فأشبه ما لو أخذه من بيت أو خزانة. ولنا، أنه ~~ليس لموضعه مالك محترم، أشبه ما لو لم يعرف مالكه. ويخرج لنا مثل قولهم، ~~بناء على قولنا إن الركاز في دار الإسلام يكون لمالك الأرض. ### | [الفصل الثالث صفة الركاز الذي فيه الخمس] # (1902) الفصل الثالث، في صفة الركاز الذي فيه الخمس، وهو كل ما كان مالا ~~على اختلاف أنواعه، من الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس ~~والآنية وغير ذلك. وهو قول إسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، ~~وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد قولي الشافعي، والقول الآخر: لا تجب إلا في ~~الأثمان. ولنا، عموم قوله - عليه السلام -: «وفي الركاز الخمس» . ولأنه مال ~~مظهور عليه من مال الكفار، # PageV03P050 # فوجب فيه الخمس مع اختلاف أنواعه، كالغنيمة. # إذا ثبت هذا فإن الخمس يجب في قليله وكثيره، في قول إمامنا، ومالك، ~~وإسحاق وأصحاب الرأي، والشافعي في القديم. وقال في الجديد: يعتبر النصاب ~~فيه؛ لأنه حق مال يجب فيما استخرج من الأرض، فاعتبر فيه النصاب، كالمعدن ~~والزرع. ولنا، عموم الحديث، ولأنه مال مخموس، فلا يعتبر له نصاب، كالغنيمة، ~~ولأنه مال كافر مظهور عليه في الإسلام، فأشبه الغنيمة، والمعدن والزرع ~~يحتاج إلى عمل ونوائب، فاعتبر فيه النصاب تخفيفا، بخلاف الركاز، ولأن ~~الواجب فيهما مواساة، فاعتبر النصاب ليبلغ حدا يحتمل المواساة منه، بخلاف ~~مسألتنا. ### | [الفصل الرابع القدر الواجب في الركاز ومصرفه] # (1903) الفصل الرابع، في قدر الواجب في الركاز، ومصرفه، أما قدره فهو ~~الخمس؛ لما قدمناه من الحديث والإجماع، وأما مصرفه فاختلفت الرواية عن أحمد ~~فيه، مع ما فيه من اختلاف أهل العلم. فقال الخرقي: هو لأهل الصدقات. ونص ~~عليه أحمد، في رواية حنبل، فقال: يعطي الخمس من الركاز على مكانه، وإن تصدق ~~به على المساكين أجزأه. # وهذا قول الشافعي؛ لأن علي بن أبي ms1218 طالب، أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على ~~المساكين. حكاه الإمام أحمد، وقال: حدثنا سعيد، حدثنا سفيان، عن عبد الله ~~بن بشر الخثعمي، عن رجل من قومه يقال له: ابن حممة، قال: سقطت علي جرة من ~~دير قديم بالكوفة، عند جبانة بشر، فيها أربعة آلاف درهم، فذهبت بها إلى علي ~~- رضي الله عنه - فقال: اقسمها خمسة أخماس. فقسمتها، فأخذ علي منها خمسا، ~~وأعطاني أربعة أخماس، فلما أدبرت دعاني، فقال: في جيرانك فقراء ومساكين؟ ~~قلت: نعم. قال: فخذها فاقسمها بينهم. # ولأنه مستفاد من الأرض، أشبه المعدن والزرع. والرواية الثانية، مصرفه ~~مصرف الفيء. نقله محمد بن الحكم، عن أحمد. وهذه الرواية أصح، وأقيس على ~~مذهبه. وبه قال أبو حنيفة، والمزني لما روى أبو عبيد، عن هشيم عن مجالد عن ~~الشعبي، أن رجلا وجد ألف دينار مدفونة خارجا من المدينة، فأتى بهما عمر بن ~~الخطاب، فأخذ منها الخمس مائتي دينار، ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل عمر ~~يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين، إلى أن فضل منها فضلة، فقال: أين ~~صاحب الدنانير؟ فقام إليه، فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك. ولو كانت ~~زكاة خص بها أهلها، ولم يرده على واجده، ولأنه يجب على الذمي، والزكاة لا ~~تجب عليه، ولأنه مال مخموس زالت عنه يد الكافر، أشبه خمس الغنيمة. ### | [الفصل الخامس في من يجب عليه الخمس في زكاة الركاز] # (1904) الفصل الخامس، في من يجب عليه الخمس. وهو كل من وجده، من مسلم ~~وذمي، وحر وعبد # PageV03P051 # ومكاتب، وكبير وصغير، وعاقل ومجنون، إلا أن الواجد له إذا كان عبدا فهو ~~لسيده؛ لأنه كسب مال، فأشبه الاحتشاش والاصطياد، وإن كان مكاتبا ملكه، ~~وعليه خمسه؛ لأنه بمنزلة كسبه، وإن كان صبيا أو مجنونا فهو لهما، ويخرج ~~عنهما وليهما. وهذا قول أكثر أهل العلم. # قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن على الذمي في ~~الركاز يجده الخمس. قاله مالك، وأهل المدينة، والثوري، والأوزاعي، وأهل ~~العراق، وأصحاب الرأي، وغيرهم. # وقال الشافعي: لا يجب ms1219 الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنه زكاة. وحكي ~~عنه في الصبي والمرأة أنهما لا يملكان الركاز. وقال الثوري، والأوزاعي، ~~وأبو عبيد: إذا كان الواجد له عبدا، يرضخ له منه، ولا يعطاه كله. ولنا، ~~عموم قوله عليه السلام: «وفي الركاز الخمس» . فإنه يدل بعمومه على وجوب ~~الخمس في كل ركاز يوجد، وبمفهومه على أن باقيه لواجده من كان، ولأنه مال ~~كافر مظهور عليه، فكان فيه الخمس على من وجده وباقيه لواجده، كالغنيمة، ~~ولأنه اكتساب مال، فكان لمكتسبه إن كان حرا، أو لسيده إن كان عبدا، ~~كالاحتشاش، والاصطياد. ويتخرج لنا أن لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه ~~الزكاة، بناء على قولنا إنه زكاة. والأول أصح. (1905) # فصل: ويجوز أن يتولى الإنسان تفرقة الخمس بنفسه. وبه قال أصحاب الرأي، ~~وابن المنذر، لأن عليا أمر واجد الكنز بتفرقته على المساكين. قاله الإمام ~~أحمد. ولأنه أدى الحق إلى مستحقه، فبرئ منه، كما لو فرق الزكاة، أو أدى ~~الدين إلى ربه. ويتخرج أن لا يجوز ذلك؛ لأن الصحيح أنه فيء، فلم يملك ~~تفرقته بنفسه، كخمس الغنيمة. وبهذا قال أبو ثور. # قال: وإن فعل ضمنه الإمام. قال القاضي: وليس للإمام رد خمس الركاز؛ لأنه ~~حق مال، فلم يجز رده على من وجب عليه، كالزكاة، وخمس الغنيمة. # وقال ابن عقيل: يجوز؛ لأنه روي عن عمر أنه رد بعضه على واجده، ولأنه فيء، ~~فجاز رده أو رد بعضه على واجده، كخراج الأرض. وهذا قول أبي حنيفة. ### | [مسألة الكلام في المعدن يشتمل على فصول أربعة] ### | [الفصل الأول في صفة المعدن الذي يتعلق به وجوب الزكاة] # (1906) مسألة: قال: (وإذا أخرج من المعادن من الذهب عشرين مثقالا، أو من ~~الورق مائتي درهم، أو قيمة ذلك من الزئبق والرصاص والصفر أو غير ذلك مما ~~يستخرج من الأرض، فعليه الزكاة من وقته) اشتقاق المعدن من عدن في المكان، ~~يعدن: إذا أقام به. ومنه سميت جنة عدن، لأنها دار إقامة # PageV03P052 # وخلود. قال أحمد: المعادن: هي التي تستنبط، ليس هو شيء دفن. # والكلام ms1220 في هذه المسألة في فصول أربعة: (1907) أحدها، في صفة المعدن الذي ~~يتعلق به وجوب الزكاة. وهو كل ما خرج من الأرض، مما يخلق فيها من غيرها مما ~~له قيمة، كالذي ذكره الخرقي ونحوه من الحديد، والياقوت، والزبرجد، والبلور، ~~والعقيق، والسبج، والكحل، والزاج. والزرنيخ، والمغرة. وكذلك المعادن ~~الجارية، كالقار، والنفط، والكبريت، ونحو ذلك. # وقال مالك، والشافعي: لا تتعلق الزكاة إلا بالذهب والفضة؛ لقول النبي: - ~~صلى الله عليه وسلم - «لا زكاة في حجر.» ولأنه مال يقوم بالذهب والفضة ~~مستفاد من الأرض، أشبه الطين الأحمر. # وقال أبو حنيفة، في إحدى الروايتين عنه: تتعلق الزكاة بكل ما ينطبع، ~~كالرصاص والحديد والنحاس، دون غيره. ولنا، عموم قوله تعالى: {ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض} [البقرة: 267] ولأنه معدن، فتعلقت الزكاة بالخارج منه ~~كالأثمان، ولأنه مال لو غنمه وجب عليه خمسه، فإذا أخرجه من معدن وجبت ~~الزكاة كالذهب. وأما الطين فليس بمعدن؛ لأنه تراب. والمعدن: ما كان في ~~الأرض من غير جنسها. ### | [الفصل الثاني في القدر الواجب من زكاة المعدن وصفته] # (1908) الفصل الثاني، في قدر الواجب وصفته، وقدر الواجب فيه ربع العشر. ~~وصفته أنه زكاة. وهذا قول عمر بن عبد العزيز، ومالك وقال أبو حنيفة: الواجب ~~فيه الخمس، وهو فيء. واختاره أبو عبيد، وقال الشافعي: هو زكاة. واختلف قوله ~~في قدره كالمذهبين. واحتج من أوجب الخمس بقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ما لم يكن في طريق مأتي، ولا في قرية عامرة، ففيه وفي الركاز الخمس» . ~~رواه النسائي، والجوزجاني، وغيرهما. وفي رواية: «ما كان في الخراب، ففيه ~~وفي الركاز الخمس» . # وروى سعيد، والجوزجاني، بإسنادهما عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، ~~عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الركاز هو ~~الذهب الذي ينبت من الأرض» . وفي حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «وفي الركاز الخمس، قيل: يا رسول الله، وما الركاز؟ قال: هو الذهب ~~والفضة المخلوقان في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض» . وهذا نص. وفي ~~حديث عنه عليه السلام، ms1221 أنه قال: «وفي السيوب الخمس» . # قال: والسيوب عروق الذهب والفضة التي تحت الأرض. ولأنه مال مظهور عليه في ~~الإسلام، أشبه الركاز. ولنا، ما روى أبو عبيد، بإسناده عن ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن، عن غير واحد من علمائهم، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية في ناحية الفرع، قال: فتلك ~~المعادن # PageV03P053 # لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم» . وقد أسنده عبد الله بن كثير بن ~~عوف، إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أبيه، عن جده. ورواه الدراوردي، ~~عن ربيعة بن الحارث بن بلال بن الحارث المزني، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أخذ منه زكاة المعادن القبلية.» قال أبو عبيد: القبلية بلاد معروفة ~~بالحجاز. ولأنه حق يحرم على أغنياء ذوي القربى، فكان زكاة، كالواجب في ~~الأثمان التي كانت مملوكة له. وحديثهم الأول لا يتناول محل النزاع؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما ذكر ذلك في جواب سؤاله عن اللقطة، وهذا ~~ليس بلقطة، ولا يتناول اسمها، فلا يكون متناولا لمحل النزاع. # والحديث الثاني يرويه عبد الله بن سعيد، وهو ضعيف. وسائر أحاديثهم لا ~~يعرف صحتها، ولا هي مذكورة في المسانيد والدواوين. ثم هي متروكة الظاهر فإن ~~هذا ليس هو المسمى بالركاز. والسيوب: هو الركاز، لأنه مشتق من السيب، وهو ~~العطاء الجزيل. ### | [الفصل الثالث في نصاب المعادن] # (1909) الفصل الثالث، في نصاب المعادن وهو ما يبلغ من الذهب عشرين ~~مثقالا، ومن الفضة مائتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرهما. وهذا مذهب الشافعي ~~وأوجب أبو حنيفة الخمس في قليله وكثيره، من غير اعتبار نصاب، بناء على أنه ~~ركاز؛ لعموم الأحاديث التي احتجوا بها عليه، ولأنه لا يعتبر له حول، فلم ~~يعتبر له نصاب كالركاز. ولنا، عموم قوله - عليه السلام -: «ليس فيما دون ~~خمس أواق صدقة» . وقوله: «ليس في تسعين ومائة شيء.» وقوله عليه السلام: ~~«ليس عليكم في الذهب شيء، حتى يبلغ عشرين مثقالا» . وقد بينا أن هذا ليس ~~بركاز، وأنه مفارق للركاز من حيث إن ms1222 الركاز مال كافر أخذ في الإسلام، فأشبه ~~الغنيمة. # وهذا وجب مواساة وشكرا لنعمة الغنى، فاعتبر له النصاب كسائر الزكوات. ~~وإنما لم يعتبر له الحول؛ لحصوله دفعة واحدة، فأشبه الزروع والثمار. إذا ~~ثبت هذا فإنه يعتبر إخراج النصاب دفعة واحدة أو دفعات، لا يترك العمل بينهن ~~ترك إهمال، فإن خرج دون النصاب، ثم ترك العمل مهملا له، ثم أخرج دون ~~النصاب، فلا زكاة فيهما وإن بلغا بمجموعهما نصابا. وإن بلغ أحدهما نصابا ~~دون الآخر، زكى النصاب، ولا زكاة في الآخر. وفيما زاد على النصاب بحسابه. # فأما ترك العمل ليلا، أو للاستراحة، أو لعذر من مرض، أو لإصلاح الأداة، ~~أو إباق عبيده ونحوه، فلا يقطع حكم العمل، ويضم ما خرج في العملين بعضه إلى ~~بعض في إكمال النصاب. وكذلك إن كان مشتغلا بالعمل، فخرج بين المعدنين تراب، ~~لا شيء فيه. وإن اشتمل المعدن على أجناس، كمعدن فيه الذهب والفضة. # فذكر القاضي: أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، وأنه يعتبر # PageV03P054 # النصاب في الجنس بانفراده؛ لأنه أجناس، فلا يكمل نصاب أحدهما بالآخر، ~~كغير المعدن. والصواب، إن شاء الله، أنه إن كان المعدن يشتمل على ذهب وفضة ~~ففي ضم أحدهما إلى الآخر وجهان؛ بناء على الروايتين في ضم أحدهما إلى الآخر ~~في غير المعدن، وإن كان فيه أجناس من غير الذهب والفضة، ضم بعضها إلى بعض، ~~لأن الواجب في قيمتها، والقيمة واحدة، فأشبهت عروض التجارة. # وإن كان فيها أحد النقدين، وجنس آخر، ضم أحدهما إلى الآخر، كما تضم ~~العروض إلى الأثمان. وإن استخرج نصابا من معدنين، وجبت الزكاة فيه؛ لأنه ~~مال رجل واحد، فأشبه الزرع في مكانين. ### | [الفصل الرابع في وقت الوجوب لإخراج زكاة المعادن] # (1910) الفصل الرابع، في وقت الوجوب، وتجب الزكاة فيه حين يتناوله ويكمل ~~نصابه، ولا يعتبر له حول. وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال إسحاق، وابن المنذر: لا شيء في المعدن حتى يحول عليه الحول؛ لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا زكاة في مال حتى يحول ms1223 عليه الحول» . ~~ولنا، أنه مال مستفاد من الأرض، فلا يعتبر في وجوب حقه حول، كالزرع والثمار ~~والركاز، ولأن الحول إنما يعتبر في غير هذا لتكميل النماء، وهو يتكامل ~~نماؤه دفعة واحدة، فلا يعتبر له حول كالزروع، والخبر مخصوص بالزرع والثمر، ~~فيخص محل النزاع بالقياس عليه. إذا ثبت هذا فلا يجوز إخراج زكاته إلا بعد ~~سبكه، وتصفيته، كعشر الحب، فإن أخرج ربع عشر ترابه قبل تصفيته، وجب رده إن ~~كان باقيا، أو قيمته إن كان تالفا. # والقول في قدر المقبوض قول الآخذ؛ لأنه غارم، فإن صفاه الآخذ، فكان قدر ~~الزكاة، أجزأ، وإن زاد رد الزيادة، إلا أن يسمح له المخرج. وإن نقص فعلى ~~المخرج. وما أنفقه الآخذ على تصفيته، فهو من ماله، لا يرجع به على المالك ~~ولا يحتسب المالك ما أنفقه على المعدن في استخراجه من المعدن، ولا في ~~تصفيته. # وقال أبو حنيفة: لا تلزمه المؤنة من حقه. وشبهه بالغنيمة، وبناه على أصله ~~في أن هذا ركاز فيه الخمس. وقد مضى الكلام في ذلك. وقد ذكرنا أن الواجب في ~~هذا زكاة، فلا يحتسب بمؤنة استخراجه فتصفيته كالحب، وإن كان ذلك دينا عليه ~~احتسب به، كما يحتسب بما أنفق على الزرع. ### | [فصل لا زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر ونحوه] # (1911) فصل: ولا زكاة في المستخرج من البحر، كاللؤلؤ والمرجان والعنبر ~~ونحوه، في ظاهر قول الخرقي، واختيار أبي بكر. وروي نحو ذلك عن ابن عباس. ~~وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، والحسن ~~بن صالح، والشافعي، وأبو حنيفة، ومحمد، وأبو ثور، وأبو عبيد. # وعن أحمد، رواية أخرى، أن فيه الزكاة؛ لأنه خارج من معدن، فأشبه الخارج ~~من معدن البر. ويحكى عن عمر بن عبد العزيز، أنه أخذ من العنبر الخمس. وهو ~~قول الحسن، والزهري. وزاد الزهري في اللؤلؤ يخرج من البحر. # PageV03P055 # ولنا، أن ابن عباس. قال: ليس في العنبر شيء، إنما هو شيء ألقاه البحر. ~~وعن جابر نحوه. رواهما أبو عبيد. # ولأنه قد كان يخرج ms1224 على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه، ~~فلم يأت فيه سنة عنه، ولا عن أحد من خلفائه من وجه يصح، ولأن الأصل عدم ~~الوجوب فيه، ولا يصح قياسه على معدن البر؛ لأن العنبر إنما يلقيه البحر، ~~فيوجد ملقى في البر على الأرض من غير تعب، فأشبه المباحات المأخوذة من ~~البر، كالمن والزنجبيل، وغيرهما. # وأما السمك فلا شيء فيه بحال، في قول أهل العلم كافة، إلا شيء يروى عن ~~عمر بن عبد العزيز. رواه أبو عبيد عنه. وقال: ليس الناس على هذا، ولا نعلم ~~أحدا يعمل به. وقد روي ذلك عن أحمد أيضا. والصحيح أن هذا لا شيء فيه؛ لأنه ~~صيد، فلم يجب فيه زكاة كصيد البر، ولأنه لا نص ولا إجماع على الوجوب فيه، ~~ولا يصح قياسه على ما فيه الزكاة، فلا وجه لإيجابها فيه. ### | [فصل المعادن الجامدة تملك بملك الأرض التي هي فيها] # (1912) فصل: والمعادن الجامدة تملك بملك الأرض التي هي فيها؛ لأنها جزء ~~من أجزاء الأرض، فهي كالتراب والأحجار الثابتة، بخلاف الركاز، فإنه ليس من ~~أجزاء الأرض، وإنما هو مودع فيها. وقد روى أبو عبيد، بإسناده عن عكرمة مولى ~~بلال بن الحارث المزني، قال: «أقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا ~~أرض كذا، من مكان كذا إلى كذا، وما كان فيها من جبل أو معدن. قال: فباع بنو ~~بلال من عمر بن عبد العزيز أرضا، فخرج فيها معدنان، فقالوا: إنما بعناك أرض ~~حرث، ولم نبعك المعدن. وجاءوا بكتاب القطيعة التي قطعها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لأبيهم في جريدة، قال: فجعل عمر يمسحها على عينيه، وقال ~~لقيمه: انظر ما استخرجت منها، وما أنفقت عليها، فقاصهم بالنفقة، ورد عليهم ~~الفضل.» فعلى هذا ما يجده في ملك أو في موات فهو أحق به، فإن سبق اثنان إلى ~~معدن في موات، فالسابق أولى به ما دام يعمل، فإذا تركه جاز لغيره العمل ~~فيه. وما يجده في مملوك يعرف مالكه، فهو لمالك المكان. # فأما المعادن الجارية، فهي مباحة ms1225 على كل حال. إلا أنه يكره له دخول ملك ~~غيره إلا بإذنه. وقد روي أنها: تملك بملك الأرض التي هي فيها؛ لأنها من ~~نمائها وتوابعها، فكانت لمالك الأرض، كفروع الشجر المملوك وثمرته. ### | [فصل بيع تراب المعدن والصاغة] # (1913) فصل: ويجوز بيع تراب المعدن والصاغة بغير جنسه، ولا يجوز بجنسه إن ~~كان مما يجري فيه الربا؛ لأنه يؤدي إلى الربا. والزكاة على البائع؛ لأنها ~~وجبت في يده، كما لو باع الثمرة بعد بدو صلاحها. وقد روى # PageV03P056 # أبو عبيد في الأموال أن أبا الحارث المزني اشترى تراب معدن بمائة شاة ~~متبع فاستخرج منه ثمن ألف شاة. فقال له البائع: رد علي البيع. فقال: لا ~~أفعل. فقال: لآتين عليا فلآتين عليك - يعني أسعى بك - فأتى علي بن أبي ~~طالب، فقال: إن أبا الحارث أصاب معدنا. فأتاه علي. فقال: أين الركاز الذي ~~أصبت؟ فقال ما أصبت ركازا، إنما أصابه هذا، فاشتريته منه بمائة شاة متبع. ~~فقال له علي ما أرى الخمس إلا عليك. قال: فخمس المائة شاة. إذا ثبت هذا، ~~فالواجب عليه زكاة المعدن، لا زكاة الثمن؛ لأن الزكاة إنما تعلقت بعين ~~المعدن، أو بقيمته إن لم يكن من جنس الأثمان، فأشبه ما لو باع السائمة بعد ~~حولها، أو الزرع أو الثمرة بعد بدو صلاحها. ### | [فصل أجر داره فقبض كراها فلا زكاة عليه فيه حتى يحول عليه الحول] # (1914) فصل: ومن أجر داره، فقبض كراها فلا زكاة عليه فيه حتى يحول عليه ~~الحول، وعن أحمد، أنه يزكيه إذا استفاده. والصحيح الأول؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . ولأنه مال ~~مستفاد بعقد معاوضة، فأشبه ثمن المبيع. وكلام أحمد، في الرواية الأخرى، ~~محمول على من أجر داره سنة، وقبض أجرتها في آخرها، فأوجب عليها زكاتها، ~~لأنه قد ملكها من أول الحول، فصارت كسائر الديون، إذا قبضها بعد حول زكاها ~~حين يقبضها، فإنه قد صرح بذلك في بعض الروايات عنه، فيحمل مطلق كلامه على ~~مقيده. # PageV03P057 ### | [باب زكاة التجارة] # تجب الزكاة في ms1226 قيمة عروض التجارة، في قول أكثر أهل العلم. قال ابن ~~المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة، ~~إذا حال عليها الحول. # روي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس. وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن، ~~وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، وطاوس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، ~~والشافعي، وأبو عبيد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # وحكي عن مالك، وداود، أنه لا زكاة فيها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» . ولنا، ما روى أبو داود، بإسناده ~~عن سمرة بن جندب، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن ~~نخرج الزكاة مما نعده للبيع.» وروى الدارقطني، عن أبي ذر، قال سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، ~~وفي البز صدقته» . قاله بالزاي، ولا خلاف أنها لا تجب في عينه، وثبت أنها ~~تجب في قيمته. وعن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، قال: أمرني عمر، فقال: أد ~~زكاة مالك. فقلت: ما لي مال إلا جعاب وأدم. فقال: قومها ثم أد زكاتها. رواه ~~الإمام أحمد، وأبو عبيد. # وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر، فيكون إجماعا. وخبرهم المراد به زكاة ~~العين، لا زكاة القيمة، بدليل ما ذكرنا، على أن خبرهم عام وخبرنا خاص، فيجب ~~تقديمه. ### | [مسألة العروض إذا كانت لتجارة] # (1915) مسألة: قال: والعروض إذا كانت لتجارة قومها إذا حال عليها الحول، ~~وزكاها العروض: جمع عرض. وهو غير الأثمان من المال، على اختلاف أنواعه، من ~~النبات والحيوان والعقار وسائر المال. فمن ملك عرضا للتجارة، فحال عليه ~~حول، وهو نصاب، قومه في آخر الحول، فما بلغ أخرج زكاته، وهو ربع عشر قيمته. ~~ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اعتبار الحول. # وقد دل عليه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا زكاة في مال حتى ~~يحول عليه الحول» . إذا ثبت هذا فإن الزكاة تجب فيه في كل حول. وبهذا قال ~~الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي. # وقال مالك: لا ms1227 يزكيه إلا لحول واحد، إلا أن يكون مدبرا؛ لأن الحول الثاني ~~لم يكن المال عينا في أحد طرفيه، فلم تجب فيه الزكاة، كالحول الأول إذا لم ~~يكن في أوله عينا. ولنا، أنه مال تجب الزكاة فيه في الحول الأول، لم ينقص ~~عن النصاب، ولم تتبدل صفته، فوجبت زكاته في الحول الثاني، كما لو نقص في ~~أوله. ولا نسلم أنه إذا لم يكن في أوله عينا لا تجب الزكاة فيه. # PageV03P058 # وإذا اشترى عرضا للتجارة، بعرض للقنية، جرى في حول الزكاة من حين اشتراه. ### | [فصل يخرج الزكاة من قيمة العروض دون عينها] # (1916) فصل: ويخرج الزكاة من قيمة العروض دون عينها. وهذا أحد قولي ~~الشافعي. وقال في آخر: هو مخير بين الإخراج من قيمتها، وبين الإخراج من ~~عينها. وهذا قول أبي حنيفة. لأنها مال تجب فيه الزكاة، فجاز إخراجها من ~~عينه، كسائر الأموال. ولنا أن النصاب معتبر بالقيمة؛ فكانت الزكاة منها ~~كالعين في سائر الأموال، ولا نسلم أن الزكاة تجب في المال، وإنما وجبت في ~~قيمته. ### | [فصل لا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين] # فصل: ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين؛ أحدهما أن يملكه بفعله، كالبيع، ~~والنكاح، والخلع، وقبول الهبة، والوصية، والغنيمة، واكتساب المباحات؛ لأن ~~ما لا يثبت له حكم الزكاة بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية، كالصوم. ولا ~~فرق بين أن يملكه بعوض أو بغير عوض. ذكر ذلك أبو الخطاب، وابن عقيل؛ لأنه ~~ملكه بفعله، أشبه الموروث. والثاني، أن ينوي عند تملكه أنه للتجارة فإن لم ~~ينو عند تملكه أنه للتجارة لم يصر للتجارة وإن نواه بعد ذلك. وإن ملكه ~~بإرث، وقصد أنه للتجارة، لم يصر للتجارة لأن الأصل القنية، والتجارة عارض، ~~فلم يصر إليها بمجرد النية، كما لو نوى الحاضر السفر، لم يثبت له حكم السفر ~~بدون الفعل. # وعن أحمد، رواية أخرى، أن العرض يصير للتجارة بمجرد النية؛ «لقول سمرة: ~~أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع.» ، ~~فعلى هذا لا يعتبر أن يملكه بفعله، ولا ms1228 أن يكون في مقابلة عوض، بل متى نوى ~~به التجارة صار للتجارة. ### | [مسألة لا يعتبر الحول ولا ينعقد الحول حتى يبلغ المال نصابا] # (1918) مسألة: قال: (ومن كانت له سلعة للتجارة، ولا يملك غيرها، وقيمتها ~~دون مائتي درهم، فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول، من يوم ساوت مائتي ~~درهم) وجملة ذلك أنه يعتبر الحول في وجوب الزكاة في مال التجارة، ولا ينعقد ~~الحول حتى يبلغ نصابا، فلو ملك سلعة قيمتها دون النصاب، فمضى نصف الحول وهي ~~كذلك، ثم زادت قيمة النماء بها أو تغيرت الأسعار فبلغت نصابا، أو باعها ~~بنصاب، أو ملك في أثناء الحول عرضا آخر، أو أثمانا تم بها النصاب، ابتدأ ~~الحول من حينئذ فلا يحتسب بما مضى. وهذا قول الثوري، وأهل العراق، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، ولو ملك للتجارة ~~نصابا، فنقص عن النصاب في أثناء الحول، ثم زاد حتى بلغ نصابا، استأنف الحول ~~عليه، لكونه انقطع بنقصه في أثنائه. # وقال مالك: ينعقد الحول على ما دون النصاب، فإذا كان في آخره نصابا زكاه. ~~وقال أبو حنيفة: يعتبر في طرفي الحول دون وسطه؛ # PageV03P059 # لأن التقويم يسبق في جميع الحول، فعفي عنه إلا في آخره، فصار الاعتبار ~~به، ولأنه يحتاج إلى أن تعرف قيمته في كل وقت، ليعلم أن قيمته فيه تبلغ ~~نصابا وذلك يشق. ولنا، أنه مال يعتبر له الحول والنصاب، فوجب اعتبار كمال ~~النصاب في جميع الحول كسائر الأموال التي يعتبر لها ذلك. # وقولهم: يشق التقويم لا يصح. فإن غير المقارب للنصاب لا يحتاج إلى تقويم، ~~لظهور معرفته، والمقارب للنصاب إن سهل عليه التقويم، وإلا فله الأداء. ~~والأخذ بالاحتياط، كالمستفاد في أثناء الحول إن سهل عليه ضبط مواقيت ~~التملك، وإلا فله تعجيل زكاته مع الأصل. ### | [فصل ملك نصبا للتجارة في أوقات متفرقة] # (1919) فصل: وإذا ملك نصبا للتجارة في أوقات متفرقة، لم يضم بعضها إلى ~~بعض؛ لما بينا من أن المستفاد لا يضم إلى ما عنده في الحول. وإن كان العرض ~~الأول ليس بنصاب ms1229 وكمل بالثاني نصابا، فحولهما من حين ملك الثاني، ونماؤهما ~~تابع لهما، ولا يضم الثالث إليهما، بل ابتداء الحول من حين ملكه وتجب فيه ~~الزكاة وإن كان دون النصاب؛ لأن قبله نصابا، ولهذا يخرج عنه بالحصة، ونماؤه ~~تابع له ### | [مسألة حال الحول على العروض وقيمتها بالفضة نصاب ولا تبلغ نصابا بالذهب] # (1920) مسألة: قال: وتقوم السلع إذا حال الحول بالأحظ للمساكين، من عين ~~أو ورق، ولا يعتبر ما اشتريت به يعني إذا حال الحول على العروض وقيمتها ~~بالفضة نصاب، ولا تبلغ نصابا بالذهب قومناها بالفضة؛ ليحصل للفقراء منها ~~حظ، ولو كانت قيمتها بالفضة دون النصاب وبالذهب تبلغ نصابا، قومناها ~~بالذهب؛ لتجب الزكاة فيها. ولا فرق بين أن يكون اشتراؤها بذهب أو فضة أو ~~عروض. وبهذا قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: تقوم بما اشتراه من ذهب أو فضة؛ لأن نصاب العروض مبني على ~~ما اشتراه به، فيجب أن تجب الزكاة فيه، وتعتبر به كما لو لم يشتر به شيئا. ~~ولنا أن قيمته بلغت نصابا فتجب الزكاة فيه، كما لو اشتراه بعرض وفي البلد ~~نقدان مستعملان، تبلغ قيمة العروض بأحدهما نصابا، ولأن تقويمه لحظ ~~المساكين، فيعتبر ما لهم فيه الحظ كالأصل. # وأما إذا لم يشتر بالنقد شيئا، فإن الزكاة في عينه، لا في قيمته، بخلاف ~~العرض، إلا أن يكون النقد معدا للتجارة، فينبغي أن تجب الزكاة فيه إذا بلغت ~~قيمته بالنقد الآخر نصابا، وإن لم تبلغ بعينه نصابا؛ لأنه مال تجارة بلغت ~~قيمته نصابا، فوجبت زكاته كالعروض، فأما إذا بلغت قيمة العروض نصابا بكل ~~واحد من الثمنين، قومه بما شاء منهما، وأخرج ربع عشر قيمته من أي النقدين ~~شاء، لكن الأولى أن يخرج من النقد المستعمل في البلد، لأنه أحظ للمساكين، ~~وإن كانا مستعملين أخرج من الغالب في الاستعمال لذلك، فإن تساويا أخرج من ~~أيهما شاء. وإذا باع العروض بنقد، وحال الحول عليه، قوم النقد دون العروض؛ ~~لأنه إنما يقوم ما حال عليه الحول دون غيره. # PageV03P060 ### | [فصل اشترى عرضا للتجارة بنصاب من الأثمان أو ms1230 بما قيمته نصاب من عروض التجارة] # (1921) فصل: وإذا اشترى عرضا للتجارة، بنصاب من الأثمان، أو بما قيمته ~~نصاب من عروض التجارة، بنى حول الثاني على الحول الأول؛ لأن مال التجارة ~~إنما تتعلق الزكاة بقيمته، وقيمته هي: الأثمان نفسها، وكما إذا كانت ظاهرة ~~فخفيت، فأشبه ما لو كان له نصاب فأقرضه، لم ينقطع حوله بذلك. وهكذا الحكم ~~إذا باع العرض بنصاب أو بعرض قيمته نصاب؛ لأن القيمة كانت خفية، فظهرت، أو ~~بقيت على خفائها، فأشبه ما لو كان له قرض فاستوفاه، أو أقرضه إنسانا آخر، ~~ولأن النماء في الغالب في التجارة إنما يحصل بالتقليب، ولو كان ذلك يقطع ~~الحول لكان السبب الذي وجبت فيه الزكاة لأجله يمنعها؛ لأن الزكاة لا تجب ~~إلا في مال نام. وإن قصد بالأثمان غير التجارة لم ينقطع الحول أيضا. # وقال الشافعي: ينقطع قولا واحدا؛ لأنه مال تجب الزكاة في عينه دون قيمته، ~~فانقطع الحول بالبيع به، كالسائمة. ولنا، أنه من جنس القيمة التي تتعلق ~~الزكاة بها، فلم ينقطع الحول ببيعها به، كما لو قصد به التجارة، وفارق ~~السائمة، فإنها من غير جنس القيمة، فأما إن أبدل عرض التجارة بما تجب ~~الزكاة في عينه كالسائمة، ولم ينو به التجارة، لم يبن حول أحدهما على ~~الآخر؛ لأنهما مختلفان. وإن أبدله بعرض للقنية، بطل الحول. # وإن اشترى عرض التجارة بعرض القنية، انعقد عليه الحول من حين ملكه إن كان ~~نصابا؛ لأنه اشتراه بما لا زكاة فيه، فلم يمكن بناء الحول عليه. وإن اشتراه ~~بنصاب من السائمة، لم يبن على حوله؛ لأنهما مختلفان. وإن اشتراه بما دون ~~النصاب من الأثمان، أو من عروض التجارة، انعقد عليه الحول من حين تصير ~~قيمته نصابا؛ لأن مضي الحول على نصاب كامل شرط لوجوب الزكاة. ### | [فصل اشترى للتجارة نصابا من السائمة] # فصل: وإذا اشترى للتجارة نصابا من السائمة، فحال الحول، والسوم ونية ~~التجارة موجودان، زكاه زكاة التجارة. وبهذا قال أبو حنيفة، والثوري. وقال ~~مالك، والشافعي في الجديد: يزكيها زكاة السوم؛ لأنها أقوى، لانعقاد الإجماع ms1231 ~~عليها، واختصاصها بالعين، فكانت أولى. ولنا، أن زكاة التجارة أحظ للمساكين؛ ~~لأنها تجب فيما زاد بالحساب، ولأن الزائد عن النصاب قد وجد سبب وجوب زكاته، ~~فيجب كما لو لم يبلغ بالسوم نصابا، وإن سبق وقت وجوب زكاة السوم وقت وجوب ~~زكاة التجارة، مثل أن يملك أربعين من الغنم قيمتها دون مائتي درهم، ثم صارت ~~قيمتها في نصف الحول مائتي درهم، فقال القاضي: يتأخر وجوب الزكاة حتى يتم ~~حول التجارة؛ لأنه أنفع للفقراء، وإلا يفضي التأخير إلى سقوطها؛ لأن الزكاة ~~تجب فيها إذا تم حول التجارة. # ويحتمل أن تجب زكاة العين عند تمام حولها؛ لوجود مقتضيها من غير معارض. ~~فإذا تم حول التجارة، وجبت زكاة # PageV03P061 # الزائد عن النصاب؛ لوجود مقتضيها، لأن هذا مال للتجارة، حال الحول عليه ~~وهو نصاب، ولا يمكن إيجاب الزكاتين بكمالهما؛ لأنه يفضي إلى إيجاب زكاتين ~~في حول واحد، بسبب واحد، فلم يجز ذلك؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا تثني في الصدقة» . وفارق هذا زكاة التجارة، وزكاة الفطر، فإنهما ~~يجتمعان لأنهما بسببين، فإن زكاة الفطر، تجب عن بدن الإنسان المسلم طهرة ~~له، وزكاة التجارة تجب عن قيمته شكرا لنعمة الغنى ومواساة للفقراء. # فأما إن وجد نصاب السوم دون نصاب التجارة، مثل أن يملك ثلاثين من البقر، ~~قيمتها مائة وخمسون درهما، وحال الحول عليها كذلك، فإن زكاة العين تجب بغير ~~خلاف؛ لأنه لم يوجد لها معارض، فوجبت، كما لو لم تكن للتجارة. ### | [فصل اشترى نخلا أو أرضا للتجارة فزرعت الأرض وأثمرت النخل فاتفق حولاهما] # (1923) فصل: وإن اشترى نخلا أو أرضا للتجارة، فزرعت الأرض وأثمرت النخل، ~~فاتفق حولاهما، بأن يكون بدو الصلاح في الثمرة واشتداد الحب عند تمام ~~الحول، وكانت قيمة الأرض والنخل بمفردها نصابا للتجارة، فإنه يزكي الثمرة ~~والحب زكاة العشر، ويزكي الجميع زكاة القيمة. وهذا قول أبي حنيفة، وأبي ~~ثور. # وقال القاضي وأصحابه: يزكي الجميع زكاة القيمة. وذكر أن أحمد أومأ إليه؛ ~~لأنه مال تجارة، فتجب فيه زكاة التجارة، كالسائمة. ولنا، أن زكاة العشر أحظ ~~للفقراء، ms1232 فإن العشر أحظ من ربع العشر، فيجب تقديم ما فيه الحظ، ولأن ~~الزيادة على ربع العشر قد وجد سبب وجوبها فتجب، وفارق السائمة المعدة ~~للتجارة، فإن زكاة السوم أقل من زكاة التجارة. ### | [مسألة إذا نوى بعرض التجارة القنية] # (1924) مسألة: قال: وإذا اشتراها للتجارة، ثم نواها للاقتناء، ثم نواها ~~للتجارة، فلا زكاة فيها حتى يبيعها، ويستقبل بثمنها حولا. لا يختلف المذهب ~~في أنه إذا نوى بعرض التجارة القنية، أنه يصير للقنية، وتسقط الزكاة منه. ~~وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال مالك في إحدى الروايتين عنه: لا يسقط حكم التجارة بمجرد النية، كما ~~لو نوى بالسائمة العلف. ولنا، أن القنية الأصل، ويكفي في الرد إلى الأصل ~~مجرد النية، كما لو نوى بالحلي التجارة، أو نوى المسافر الإقامة، ولأن نية ~~التجارة شرط لوجوب الزكاة في العروض، فإذا نوى القنية زالت نية التجارة، ~~ففات شرط الوجوب، وفارق السائمة إذا نوى علفها، لأن الشرط فيها الإسامة دون ~~نيتها، فلا ينتفي الوجوب إلا بانتفاء السوم. # وإذا صار العرض للقنية بنيتها، فنوى به التجارة، لم يصر للتجارة بمجرد ~~النية، على ما أسلفناه. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، والثوري ~~وذهب ابن عقيل، وأبو بكر، # PageV03P062 # إلى أنه يصير للتجارة بمجرد النية. وحكوه رواية عن أحمد، لقوله: في من ~~أخرجت أرضه خمسة أوسق، فمكثت عنده سنين لا يريد بها التجارة، فليس عليه ~~زكاة، وإن كان يريد التجارة فأعجب إلي أن يزكيه. # قال بعض أصحابنا: هذا على أصح الروايتين؛ لأن نية القنية بمجردها كافية، ~~فكذلك نية التجارة، بل أولى؛ لأن الإيجاب يغلب على الإسقاط احتياطا، ولأنه ~~أحظ للمساكين، فاعتبر كالتقويم، ولأن سمرة قال: «أمرنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع.» وهذا داخل في عمومه، ~~ولأنه نوى به التجارة، فوجبت فيه الزكاة، كما لو نوى حال البيع. # ولنا، أن كل ما لا يثبت له الحكم بدخوله في ملكه، لا يثبت بمجرد النية، ~~كما لو نوى بالمعلوفة السوم، ولأن القنية الأصل، والتجارة فرع عليها، فلا ~~ينصرف ms1233 إلى الفرع بمجرد النية، كالمقيم ينوي السفر، وبالعكس من ذلك ما لو ~~نوى القنية، فإنه يردها إلى الأصل، فانصرف إليه بمجرد النية، كما لو نوى ~~المسافر الإقامة. فكذلك إذا نوى بمال التجارة القنية، انقطع حوله، ثم إذا ~~نوى به التجارة، فلا شيء فيه حتى يبيعه، ويستقبل بثمنه حولا. ### | [فصل كانت عنده ماشية للتجارة نصف حول فنوى بها الإسامة وقطع نية التجارة] # (1925) فصل: فإن كانت عنده ماشية للتجارة نصف حول، فنوى بها الإسامة، ~~وقطع نية التجارة، انقطع حول التجارة، واستأنف حولا. كذلك قال الثوري، وأبو ~~ثور، وأصحاب الرأي؛ لأن حول التجارة انقطع بنية الاقتناء، وحول السوم لا ~~ينبني على حول التجارة. والأشبه بالدليل أنها متى كانت سائمة من أول الحول، ~~وجبت الزكاة فيها عند تمامه. وهذا يروى نحوه عن إسحاق، لأن السوم سبب لوجوب ~~الزكاة وجد في جميع الحول خاليا عن معارض، فوجبت به الزكاة، كما لو لم ينو ~~التجارة، أو كما لو كانت السائمة لا تبلغ نصابا بالقيمة. ### | [مسألة كان في ملكه نصاب للزكاة فاتجر فيه فنما] # (1926) مسألة: قال: وإذا كان في ملكه نصاب للزكاة، فاتجر فيه، فنما، أدى ~~زكاة الأصل مع النماء، إذا حال الحول وجملته أن حول النماء مبني على حول ~~الأصل؛ لأنه تابع له في الملك، فتبعه في الحول، كالسخال والنتاج. وبهذا قال ~~مالك، وإسحاق وأبو يوسف. وأما أبو حنيفة، فإنه بنى حول كل مستفاد على حول ~~جنسه نماء كان أو غيره. # وقال الشافعي: إن نضت الفائدة قبل الحول لم يبن حولها # PageV03P063 # على حول النصاب، واستأنف لها حولا، لقوله عليه السلام: «لا زكاة في مال ~~حتى يحول عليه الحول.» ولأنها فائدة تامة لم تتولد مما عنده، فلم يبن على ~~حوله، كما لو استفاد من غير الربح. وإن اشترى سلعة بنصاب، فزادت قيمتها عند ~~رأس الحول، فإنه يضم الفائدة، ويزكي عن الجميع، بخلاف ما إذا باع السلعة ~~قبل الحول بأكثر من نصاب، فإنه يزكي عند رأس الحول عن النصاب، ويستأنف ~~للزيادة حولا. # ولنا، أنه نماء جار في الحول، ms1234 تابع لأصله في الملك، فكان مضموما إليه في ~~الحول، كالنتاج، وكما لو لم ينض، ولأنه ثمن عرض تجب زكاة بعضه، ويضم إلى ~~ذلك البعض قبل البيع، فيضم إليه بعده كبعض النصاب، ولأنه لو بقي عرضا زكى ~~جميع القيمة، فإذا نض كان أولى؛ لأنه يصير متحققا، ولأن هذا الربح كان ~~تابعا للأصل في الحول، كما لو لم ينض، فبنضه لا يتغير حوله. والحديث فيه ~~مقال، وهو مخصوص بالنتاج، وبما لم ينض، فنقيس عليه. ### | [فصل اشترى للتجارة ما ليس بنصاب فنما حتى صار نصابا] # (1927) فصل: وإن اشترى للتجارة ما ليس بنصاب، فنما حتى صار نصابا، انعقد ~~عليه الحول من حين صار نصابا. في قول أكثر أهل العلم. وقال مالك: إذا كانت ~~له خمسة دنانير، فاتجر فيها، فحال عليها الحول وقد بلغت ما تجب فيه الزكاة، ~~يزكيها. ولنا، أنه لم يحل الحول على نصاب، فلم تجب فيه الزكاة، كما لو نقص ~~في آخره. ### | [فصل اشترى للتجارة شقصا بألف فحال عليه الحول وهو يساوي ألفين] # (1928) فصل: وإذا اشترى للتجارة شقصا بألف، فحال عليه الحول وهو يساوي ~~ألفين، فعليه زكاة ألفين، فإن جاء الشفيع أخذه بألف، لأن الشفيع إنما يأخذ ~~بالثمن لا بالقيمة، والزكاة على المشتري؛ لأنها وجبت وهو في ملكه. ولو لم ~~يأخذه الشفيع، لكن وجد به عيبا فرده، فإنه يأخذ من البائع ألفا. ولو انعكست ~~المسألة، فاشتراه بألفين، وحال الحول وقيمته ألف، فعليه زكاة ألف، ويأخذه ~~الشفيع إن أخذه، ويرده بالعيب بألفين؛ لأنهما الثمن الذي وقع البيع به. # (1929) فصل: وإن دفع إلى رجل ألفا مضاربة، على أن الربح بينهما نصفان، ~~فحال الحول وقد صار ثلاثة آلاف، فعلى رب المال زكاة ألفين؛ لأن ربح التجارة ~~حوله حول أصله. # وقال الشافعي في أحد قوليه: عليه # PageV03P064 # زكاة الجميع؛ لأن الأصل له، والربح نماء ماله. ولا يصح، لأن حصة المضارب ~~له، وليست ملكا لرب المال، بدليل أن للمضارب المطالبة بها، ولو أراد رب ~~المال دفع حصته إليه من غير هذا المال، لم يلزمه قبوله، ولا تجب على ms1235 ~~الإنسان زكاة ملك غيره، ولأن رب المال يقول: حصتك أيها العامل مترددة بين ~~أن تسلم فتكون لك، أو تتلف فلا تكون لي ولا لك، فكيف يكون علي زكاة ما ليس ~~لي بوجه ما، وقوله: إنه نماء ماله. # قلنا: لكنه لغيره، فلم تجب عليه زكاة، كما لو وهب نتاج سائمته لغيره. إذا ~~ثبت هذا فإنه يخرج الزكاة من المال، لأنه من مؤنته، فكان منه، كمؤنة حمله، ~~ويحسب من الربح؛ لأنه وقاية لرأس المال. وأما العامل فليس عليه زكاة في ~~حصته حتى يقتسما، ويستأنف حولا من حينئذ. نص عليه أحمد، في رواية صالح، ~~وابن منصور. فقال: إذا احتسبا يزكي المضارب إذا حال الحول من حين احتسبه؛ ~~لأنه علم ماله في المال، ولأنه إذا اتضع بعد ذاك كانت الوضيعة على رب ~~المال. يعني إذا اقتسما. لأن القسمة في الغالب تكون عند المحاسبة، ألا تراه ~~يقول: إن اتضع بعد ذلك كانت الوضيعة على رب المال. وإنما يكون هذا بعد ~~القسمة. # وقال أبو الخطاب: يحتسب حوله من حين ظهور الربح. يعني إذا كمل نصابا. إلا ~~على قول من قال: إن الشركة تؤثر في غير الماشية، قال: ولا يجب إخراج زكاته ~~حتى يقبض المال؛ لأن العامل يملك الربح بظهوره، فإذا ملكه جرى في حول ~~الزكاة، ولأن من أصلنا أن في المال الضال والمغصوب والدين على مماطل ~~الزكاة، وإن كان رجوعه إلى ملك يده مظنونا، كذا هاهنا. # ولنا، أن ملك المضارب غير تام، لأنه يعرض أن تنقص قيمة الأصل أو يخسر ~~فيه، وهذا وقاية له، ولهذا منع من الاختصاص به، والتصرف فيه بحق نفسه، فلم ~~يكن فيه زكاة، كمال المكاتب، يؤكد هذا أنه لو كان ملكا تاما لاختص بربحه، ~~فلو كان رأس المال عشرة فاتجر فيه فربح عشرين، ثم اتجر فربح ثلاثين، لكانت ~~الخمسون التي ربحها بينهما نصفين، ولو تم ملكه بمجرد ظهور الربح، لملك من ~~العشرين الأولى عشرة، واختص بربحها، وهي عشرة من الثلاثين، وكانت العشرون ~~الباقية بينهما نصفين، فيملك المضارب ثلاثين، ولرب المال ثلاثون، كما ms1236 لو ~~اقتسما العشرين ثم خلطاها. # وفارق المغصوب والضال، فإن الملك فيه ثابت تام إنما حيل بينه وبينه، ~~بخلاف مسألتنا. ومن أوجب الزكاة على المضارب. فإنما يوجبها عليه إذا حال ~~الحول من حين تبلغ حصته نصابا بمفردها أو بضمها إلى ما عنده من جنس المال، ~~أو من الأثمان، إلا على الرواية التي تقول إن للشركة تأثيرا في غير ~~السائمة. وليس عليه إخراجها قبل القسمة، كالدين لا يجب الإخراج منه قبل ~~قبضه. وإن أراد إخراجها منه قبل القسمة لم يجز؛ لأن الربح وقاية لرأس ~~المال. ويحتمل أن يجوز، لأنهما دخلا على حكم الإسلام، ومن حكمه وجوب ~~الزكاة، وإخراجها من المال. # PageV03P065 ### | [فصل أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في إخراج زكاته] # (1930) فصل: وإذا أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في إخراج زكاته، أو أذن ~~رجلان غير شريكين كل واحد منهما للآخر في إخراج زكاته، فأخرج كل واحد منهما ~~زكاته وزكاة صاحبه معا، في حال واحدة، ضمن كل واحد منهما نصيب صاحبه؛ لأن ~~كل واحد منهما انعزل من طريق الحكم عن الوكالة، لإخراج من عليه الزكاة ~~زكاته بنفسه. ويحتمل أن لا يضمن، إذا لم يعلم بإخراج صاحبه، إذا قلنا إن ~~الوكيل لا ينعزل؛ قبل الحكم بعزل الموكل أو بموته. # ويحتمل أن لا يضمن، وإن قلنا إنه ينعزل؛ لأنه غره بتسليطه على الإخراج، ~~وأمره به، ولم يعلمه بإخراجه، فكان خطر التغرير عليه، كما لو غره بحرية ~~أمة. وهذا أحسن إن شاء الله تعالى. وعلى هذا، إن علم أحدهما دون الآخر، ~~فعلى العالم الضمان دون الآخر. فأما إن أخرجها أحدهما قبل الآخر، فعلى هذا ~~الوجه لا ضمان على واحد منهما إذا لم يعلم، وعلى الأول على الثاني الضمان ~~دون الأول. # PageV03P066 ### | [باب زكاة الدين والصدقة] # الصدقة: هي الصداق، وجمعها صدقات، قال الله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن ~~نحلة} [النساء: 4] . وهي من جملة الديون، وحكمها حكمها وإنما أفردها بالذكر ~~لاشتهارها باسم خاص. (1931) مسألة: قال: وإذا كان معه مائتا درهم، وعليه ~~دين، فلا زكاة عليه وجملة ذلك أن الدين يمنع ms1237 وجوب الزكاة في الأموال ~~الباطنة، رواية واحدة. وهي الأثمان، وعروض التجارة. # وبه قال عطاء، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والحسن، والنخعي، ~~والليث، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وقال ربيعة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي في جديد قوليه: لا يمنع ~~الزكاة؛ لأنه حر مسلم ملك نصابا حولا، فوجبت عليه الزكاة، كمن لا دين عليه. ~~ولنا ما روى أبو عبيد في " الأموال ": حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، ~~عن السائب بن يزيد، قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان ~~عليه دين فليؤده، حتى تخرجوا زكاة أموالكم. وفي رواية: فمن كان عليه دين ~~فليقض دينه، وليزك بقية ماله. . # قال ذلك بمحضر من الصحابة، فلم ينكروه، فدل على اتفاقهم عليه. وروى أصحاب ~~مالك، عن عمير بن عمران، عن شجاع، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان لرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم، فلا زكاة ~~عليه» . وهذا نص. # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن آخذ الصدقة من ~~أغنيائكم، فأردها في فقرائكم.» فدل على أنها إنما تجب على الأغنياء ولا ~~تدفع إلا إلى الفقراء، وهذا ممن يحل له أخذ الزكاة، فيكون فقيرا، فلا تجب ~~عليه الزكاة؛ لأنها لا تجب إلا على الأغنياء، للخبر، ولقوله - عليه السلام ~~-: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» . ويخالف من لا دين له عليه، فإنه غني يملك ~~نصابا، يحقق هذا أن الزكاة إنما وجبت مواساة للفقراء، وشكرا لنعمة الغنى، ~~والمدين محتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير أو أشد، وليس من الحكمة تعطيل ~~حاجة المالك لحاجة غيره، ولا حصل له من الغنى ما يقتضي الشكر بالإخراج، وقد ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول.» ### | [فصل زكاة الدين في الأموال الظاهرة] # (1932) فصل: فأما الأموال الظاهرة وهي السائمة، والحبوب، والثمار، فروي ~~عن أحمد، أن الدين يمنع الزكاة # PageV03P067 # أيضا فيها؛ لما ذكرناه في الأموال الباطنة. # قال أحمد، في رواية إسحاق بن إبراهيم: ms1238 يبتدئ بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما ~~بقي عنده بعد إخراج النفقة، فيزكي ما بقي، ولا يكون على أحد، دينه أكثر من ~~ماله، صدقة في إبل، أو بقر، أو غنم، أو زرع، ولا زكاة. وهذا قول عطاء، ~~والحسن، وسليمان، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والليث، وإسحاق، ~~لعموم ما ذكرنا. # وروي، أنه لا يمنع الزكاة فيها. وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي. وروي ~~عن أحمد أنه قال: قد اختلف ابن عمر وابن عباس، فقال ابن عمر: يخرج ما ~~استدان أو أنفق على ثمرته وأهله، ويزكي ما بقي. وقال الآخر: يخرج ما استدان ~~على ثمرته، ويزكي ما بقي. # وإليه أذهب أن لا يزكي ما أنفق على ثمرته خاصة، ويزكي ما بقي؛ لأن المصدق ~~إذا جاء فوجد إبلا، أو بقرا، أو غنما، لم يسأل أي شيء على صاحبها من الدين، ~~وليس المال هكذا. فعلى هذه الرواية، لا يمنع الدين الزكاة في الأموال ~~الظاهرة، إلا في الزرع والثمار، فيما استدانه للإنفاق عليها خاصة. # وهذا ظاهر قول الخرقي، لأنه قال في الخراج: يخرجه، ثم يزكي ما بقي. جعله ~~كالدين على الزرع. وقال في الماشية المرهونة: (يؤدي منها إذا لم يكن له مال ~~يؤدي عنها) . فأوجب الزكاة فيها مع الدين. # وقال أبو حنيفة: الدين الذي تتوجه فيه المطالبة يمنع في سائر الأموال، ~~إلا الزرع والثمار. بناء منه على أن الواجب فيها ليس بصدقة، والفرق بين ~~الأموال الظاهرة والباطنة أن تعلق الزكاة بالظاهرة آكد، لظهورها وتعلق قلوب ~~الفقراء بها، ولهذا يشرع إرسال من يأخذ صدقتها من أربابها، «وكان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يبعث السعاة، فيأخذون الصدقة من أربابها» وكذلك ~~الخلفاء بعده، وعلى منعها قاتلهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ولم يأت ~~عنه أنهم استكرهوا أحدا على صدقة الصامت، ولا طالبوه بها، إلا أن يأتي بها ~~طوعا، ولأن السعاة يأخذون زكاة ما يجدون، ولا يسألون عما على صاحبها من ~~الدين، فدل على أنه لا يمنع زكاتها، ولأن تعلق أطماع الفقراء بها أكثر، # والحاجة # إلى حفظها أوفر، فتكون الزكاة ms1239 فيها أوكد. ### | [فصل استغراق الدين نصاب الزكاة] # (1933) فصل: وإنما يمنع الدين الزكاة، إذا كان يستغرق النصاب أو ينقصه، ~~ولا يجد ما يقضيه به سوى النصاب، أو ما لا يستغني عنه، مثل أن يكون له ~~عشرون مثقالا، وعليه مثقال أو أكثر أو أقل، مما ينقص به النصاب إذا قضاه ~~به، ولا يجد قضاء له من غير النصاب، فإن كان له ثلاثون مثقالا، وعليه عشرة، ~~فعليه زكاة العشرين وإن كان عليه أكثر من عشرة، فلا زكاة عليه. وإن كان ~~عليه خمسة، فعليه زكاة خمسة وعشرين. ولو أن له مائة من الغنم، وعليه ما ~~يقابل ستين، فعليه زكاة الأربعين. # فإن كان # PageV03P068 # عليه ما يقابل إحدى وستين، فلا زكاة عليه؛ لأنه ينقص النصاب، وإن كان له ~~مالان من جنسين، وعليه دين جعله في مقابلة ما يقضي منه، فلو كان له خمس من ~~الإبل ومائتا درهم، فإن كانت عليه سلما أو دية، ونحو ذلك مما يقضى بالإبل، ~~جعلت الدين في مقابلتها، ووجبت عليه زكاة الدراهم. وإن كان أتلفها أو ~~غصبها، جعلت قيمتها في مقابلة الدراهم؛ لأنها تقضى منها. # وإن كانت قرضا، خرج على الوجهين فيما يقضى منه، فإن كانت، إذا جعلناها في ~~مقابلة أحد المالين، فضلت منها فضلة تنقص النصاب الآخر، وإذا جعلناها في ~~مقابلة الآخر، لم يفضل منها شيء، كرجل له خمس من الإبل ومائتا درهم، وعليه ~~ست من الإبل قيمتها مائتا درهم، فإذا جعلناها في مقابلة المائتين لم يفضل ~~من الدين شيء، نقص نصاب السائمة، وإذا جعلناها في مقابلة الإبل فضل منها ~~بعير، ينقص نصاب الدراهم، أو كانت بالعكس، مثل أن يكون عليه مائتان وخمسون ~~درهما، وله من الإبل خمس أو أكثر تساوي الدين، أو تفضل عليه، جعلنا الدين ~~في مقابلة الإبل هاهنا، وفي مقابلة الدراهم في الصورة الأولى؛ لأن له من ~~المال ما يقضي به الدين سوى النصاب. # وكذلك لو كان عليه مائة درهم، وله مائتا درهم وتسع من الإبل، فإذا ~~جعلناها في مقابلة الإبل لم ينقص نصابها، لكون الأربع الزائدة عنه ms1240 تساوي ~~المائة وأكثر منها. وإن جعلناه في مقابلة الدراهم سقطت الزكاة منها، ~~فجعلناها في مقابلة الإبل، كما ذكرنا في التي قبلها، ولأن ذلك أحظ للفقراء. ~~وذكر القاضي نحو هذا، فإنه # قال: إذا كان النصابان زكويين، جعلت الدين في مقابلة ما الحظ للمساكين في ~~جعله في مقابلته، وإن كان من غير جنس الدين. فإن كان أحد المالين لا زكاة ~~فيه، والآخر فيه الزكاة، كرجل عليه مائتا درهم، وله مائتا درهم، وعروض ~~للقنية تساوي مائتين، فقال القاضي: يجعل الدين في مقابلة العروض. وهذا مذهب ~~مالك، وأبي عبيد، قال أصحاب الشافعي: وهو مقتضى قوله؛ لأنه مالك لمائتين ~~زائدة عن مبلغ دينه، فوجبت عليه زكاتها، كما لو كان جميع ماله جنسا واحدا. # وظاهر كلام أحمد، - رحمه الله -، أنه يجعل الدين في مقابلة ما يقضي منه، ~~فإنه قال في رجل عنده ألف وعليه ألف وله عروض بألف: إن كانت العروض للتجارة ~~زكاها، وإن كانت لغير التجارة فليس عليه شيء. وهذا مذهب أبي حنيفة. ويحكى ~~عن الليث بن سعد، لأن الدين يقضى من جنسه عند التشاح، فجعل الدين في ~~مقابلته أولى، كما لو كان النصابان زكويين. # ويحتمل أن يحمل كلام أحمد هاهنا على ما إذا كان العرض تتعلق به حاجته ~~الأصلية، ولم يكن فاضلا عن حاجته، فلا يلزمه صرفه في وفاء الدين؛ لأن # الحاجة # أهم، ولذلك لم تجب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال، ويكون قول القاضي ~~محمولا على من كان العرض فاضلا عن حاجته، وهذا أحسن؛ لأنه في هذه الحال ~~مالك لنصاب فاضل عن حاجته وقضاء دينه، فلزمته زكاته، كما لو لم يكن عليه ~~دين. فأما إن كان عنده نصابان زكويان، وعليه دين من غير جنسهما، # PageV03P069 # ولا يقضى من أحدهما، فإنك تجعله في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في ~~مقابلته. ### | [فصل هل يمنع دين الله تعالى الزكاة] # (1934) فصل: فأما دين الله تعالى، كالكفارة والنذر، ففيه وجهان؛ أحدهما، ~~يمنع الزكاة كدين الآدمي؛ لأنه دين يجب قضاؤه، فهو كدين الآدمي. يدل عليه ~~قول النبي - صلى الله عليه ms1241 وسلم -: «دين الله أحق أن يقضى» . # والآخر: لا يمنع؛ لأن الزكاة آكد منه لتعلقها بالعين، فهو كأرش الجناية، ~~ويفارق دين الآدمي، لتأكده، وتوجه المطالبة به. فإن نذر الصدقة بمعين، ~~فقال: لله علي أن أتصدق بهذه المائتي درهم إذا حال الحول. فقال ابن عقيل: ~~يخرجها في النذر، ولا زكاة عليه؛ لأن النذر آكد لتعلقه بالعين، والزكاة ~~مختلف فيها. ويحتمل أن تلزمه زكاتها، وتجزئه الصدقة بها، إلا أن ينوي ~~الزكاة بقدرها، ويكون ذلك صدقة تجزئه عن الزكاة والنذر؛ لكون الزكاة صدقة، ~~وسائرها يكون صدقة لنذره وليس بزكاة. # وإن نذر الصدقة ببعضها، وكان ذلك البعض قدر الزكاة أو أكثر، فعلى هذا ~~الاحتمال يخرج المنذور، وينوي الزكاة بقدرها منه. وعلى قول ابن عقيل، يحتمل ~~أن تجب الزكاة عليه؛ لأن النذر إنما تعلق بالبعض بعد وجود سبب الزكاة وتمام ~~شرطه، فلا يمنع الوجوب، لكون المحل متسعا لهما جميعا. وإن كان المنذور أقل ~~من قدر الزكاة، وجب قدر الزكاة، ودخل النذر فيه، في أحد الوجهين، وفي الآخر ~~يجب إخراجهما جميعا. ### | [فصل حجر الحاكم عليه بعد وجوب الزكاة] # (1935) فصل: إذا قلنا: لا يمنع الدين وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة. ~~فحجر الحاكم عليه بعد وجوب الزكاة، لم يملك إخراجها؛ لأنه قد انقطع تصرفه ~~في ماله. وإن أقر بها بعد الحجر، لم يقبل إقراره، وكانت عليه في ذمته كدين ~~الآدمي. ويحتمل أن تسقط إذا حجر عليه قبل إمكان أدائها، كما لو تلف ماله. ~~فإن أقر الغرماء بوجوب الزكاة عليه، أو ثبت ببينة. أو كان قد أقر بها قبل ~~الحجر عليه، وجب إخراجها من المال، فإن لم يخرجوها فعليهم إثمها. ### | [فصل إذا جنى العبد المعد للتجارة جناية] # فصل: وإذا جنى العبد المعد للتجارة جناية تعلق أرشها برقبته، منع وجوب ~~الزكاة فيه، إن كان ينقص النصاب؛ لأنه دين وإن لم ينقص النصاب، منع الزكاة ~~في قدر ما يقابل الأرش. ### | [مسألة إذا كان له دين على مليء فليس عليه زكاة حتى يقبضه] # (1937) مسألة: قال: وإذا كان له دين على مليء فليس عليه ms1242 زكاة حتى يقبضه، ~~فيؤدي لما مضى وجملة ذلك أن الدين على ضربين؛ أحدهما، دين على معترف به ~~باذل له، فعلى صاحبه زكاته، # PageV03P070 # إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه، فيؤدي لما مضى، روي ذلك عن علي. - ~~رضي الله عنه - وبهذا قال الثوري وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وقال عثمان وابن عمر - رضي الله عنهما - وجابر وطاوس والنخعي وجابر بن ~~زيد والحسن، وميمون بن مهران والزهري وقتادة وحماد بن أبي سليمان والشافعي ~~وإسحاق وأبو عبيد عليه إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على ~~أخذه والتصرف فيه، فلزمه إخراج زكاته، كالوديعة. # وقال عكرمة ليس في الدين زكاة. وروي ذلك عن عائشة وابن عمر - رضي الله ~~عنهم -؛ لأنه غير نام، فلم تجب زكاته، كعروض القنية. وروي عن سعيد بن ~~المسيب وعطاء بن أبي رباح وعطاء الخراساني وأبي الزناد: يزكيه إذا قبضه ~~لسنة واحدة. ولنا، أنه دين ثابت في الذمة، فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، كما ~~لو كان على معسر، ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة، وليس من المواساة أن ~~يخرج زكاة مال لا ينتفع به. # وأما الوديعة، فهي بمنزلة ما في يده؛ لأن المستودع نائب عنه في حفظه، ~~ويده كيده، وإنما يزكيه لما مضى؛ لأنه مملوك له يقدر على الانتفاع به، ~~فلزمته زكاته، كسائر أمواله. الضرب الثاني، أن يكون على معسر، أو جاحد، أو ~~مماطل به. فهذا هل تجب فيه الزكاة؟ على روايتين؛ إحداهما، لا تجب، وهو قول ~~قتادة، وإسحاق، وأبي ثور، وأهل العراق؛ لأنه غير مقدور على الانتفاع به، ~~أشبه مال المكاتب. # والرواية الثانية، يزكيه إذا قبضه لما مضى. وهو قول الثوري وأبي عبيد، ~~لما روي عن علي - رضي الله عنه - في الدين المظنون، قال: إن كان صادقا، ~~فليزكه إذا قبضه لما مضى. وروي نحوه عن ابن عباس. رواهما أبو عبيد ولأنه ~~مملوك يجوز التصرف فيه، فوجبت زكاته لما مضى، كالدين على المليء. # وللشافعي قولان كالروايتين، وعن عمر بن عبد العزيز، والحسن، والليث، ~~والأوزاعي، ومالك يزكيه إذا قبضه لعام واحد. ms1243 ولنا، أن هذا المال في جميع ~~الأحوال على حال واحد، فوجب أن يتساوى في وجوب الزكاة أو سقوطها، كسائر ~~الأموال، ولا فرق بين كون الغريم يجحده في الظاهر دون الباطن، أو فيهما. ~~(1938) # فصل: وظاهر كلام أحمد، أنه لا فرق بين الحال والمؤجل؛ لأن البراءة تصح من ~~المؤجل، ولولا أنه مملوك لم تصح البراءة منه، لكن يكون في حكم الدين على ~~المعسر، لأنه لا يمكن قبضه في الحال. # PageV03P071 ### | [فصل الدار المؤجرة إذا حال عليها الحول] # (1939) فصل: ولو أجر داره سنتين بأربعين دينارا، ملك الأجرة من حين ~~العقد، وعليه زكاة جميعها إذا حال عليه الحول؛ لأن ملك المكري عليه تام ~~بدليل جواز التصرف فيها بأنواع التصرفات. ولو كانت جارية كان له وطؤها، ~~وكونها بعرض الرجوع لانفساخ العقد، لا يمنع وجوب الزكاة، كالصداق قبل ~~الدخول. ثم إن كان قد قبض الأجرة أخرج الزكاة منها، وإن كانت دينا فهي ~~كالدين، معجلا كان أو مؤجلا. # وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يزكيها حتى يقبضها، ويحول عليه الحول؛ بناء ~~على أن الأجرة لا تستحق بالعقد، وإنما تستحق بانقضاء مدة الإجارة. وهذا ~~يذكر في موضعه، إن شاء الله تعالى. وعن أحمد، - رحمه الله - رواية أخرى، في ~~من قبض من أجر عقار نصابا، يزكيه في الحال. وقد ذكرناه في غير هذا الموضع، ~~وحملناه على أنه حال عليه الحول قبل قبضه. ### | [فصل اشترى شيئا بعشرين دينارا أو أسلم نصابا في شيء فحال الحول قبل أن يقبض] # (1940) فصل: ولو اشترى شيئا بعشرين دينارا، أو أسلم نصابا في شيء، فحال ~~الحول قبل أن يقبض المشتري المبيع، أو يقبض المسلم فيه والعقد باق، فعلى ~~البائع والمسلم إليه زكاة الثمن؛ لأن ملكه ثابت فيه، فإن انفسخ العقد لتلف ~~المبيع، أو تعذر المسلم فيه، وجب رد الثمن، وزكاته على البائع. ### | [فصل الغنيمة يملك الغانمون أربعة أخماسها بانقضاء الحرب] # (1941) فصل: والغنيمة يملك الغانمون أربعة أخماسها بانقضاء الحرب، فإن ~~كانت جنسا واحدا تجب فيه الزكاة، كالأثمان والسائمة، ونصيب كل واحد منهم ~~منها نصاب، فعليه زكاته إذا انقضى ms1244 الحول، ولا يلزمه إخراج زكاته قبل قبضه؛ ~~لما ذكرنا في الدين على المليء. وإذا كان دون النصاب، فلا زكاة فيه، إلا أن ~~تكون سائمة أربعة أخماسها تبلغ النصاب، فتكون خلطة، ولا تضم إلى الخمس؛ ~~لأنه لا زكاة فيه. # فإن كانت الغنيمة أجناسا، كإبل وبقر وغنم، فلا زكاة على واحد منهم؛ لأن ~~للإمام أن يقسم بينهم قسمة بحكم، فيعطي كل واحد منهم من أي أصناف المال ~~شاء، فما تم ملكه على شيء معين بخلاف الميراث. ### | [مسألة زكاه المال المغصوب] # (1942) مسألة: قال: وإذا غصب مالا، زكاه إذا قبضه لما مضى، في إحدى ~~الروايتين عن أبي عبد الله، والرواية الأخرى، قال: ليس هو كالدين الذي متى ~~قبضه زكاه، وأحب إلي أن يزكيه # PageV03P072 # قوله: إذا غصب مالا. أي إذا غصب الرجل مالا، فالمفعول الأول المرفوع ~~مستتر في الفعل، والمال هو المفعول الثاني، فكذلك نصيبه، وفي بعض النسخ: ~~وإذا غصب ماله. وكلاهما صحيح، والحكم في المغصوب والمسروق والمجحود والضال ~~واحد، وفي جميعه روايتان؛ إحداهما، لا زكاة فيه. # نقلها الأثرم، والميموني. ومتى عاد صار كالمستفاد، يستقبل به حولا. وبهذا ~~قال أبو حنيفة، والشافعي في قديم قوليه؛ لأنه مال خرج عن يده وتصرفه، وصار ~~ممنوعا منه، فلم يلزمه زكاته، كمال المكاتب. والثانية، عليه زكاته؛ لأن ~~ملكه عليه تام، فلزمته زكاته، كما لو نسي عند من أودعه، أو كما لو أسر، أو ~~حبس، وحيل بينه وبين ماله، وعلى كلتا الروايتين لا يلزمه إخراج زكاته قبل ~~قبضه. # وقال مالك: إذا قبضه زكاه لحول واحد؛ لأنه كان في ابتداء الحول في يده، ~~ثم حصل بعد ذلك في يده، فوجب أن لا تسقط الزكاة عن حول واحد. وليس هذا ~~بصحيح؛ لأن المانع من وجوب الزكاة إذا وجد في بعض الحول، يمنع، كنقص ~~النصاب. ### | [فصل كان المغصوب سائمة معلوفة عند صاحبها وغاصبها] # (1943) فصل: وإن كان المغصوب سائمة، معلوفة عند صاحبها وغاصبها، فلا زكاة ~~فيها؛ لفقدان الشرط. وإن كانت سائمة عندهما ففيها الزكاة، على الرواية التي ~~تقول بوجوبها في المغصوب. وإن كانت معلوفة ms1245 عند صاحبها، سائمة عند غاصبها، ~~ففيها وجهان؛ أحدهما، لا زكاة عليه؛ لأن صاحبها لم يرض بإسامتها، فلم تجب ~~عليه الزكاة بفعل الغاصب كما لو رعت من غير أن يسيمها. # والثاني، عليه الزكاة لأن السوم يوجب الزكاة من المالك فأوجبها من الغاصب ~~كما لو كانت سائمة عندهما، وكما لو غصب بذرا فزرعه وجب العشر فيما خرج منه ~~وإن كانت سائمة عند مالكها معلوفة عند غاصبها فلا زكاة فيها؛ لفقدان الشرط، ~~وقال القاضي فيه وجه آخر أن الزكاة تجب فيها لأن العلف محرم فلم يؤثر في ~~الزكاة كما لو غصب أثمانا فصاغها حليا لم تسقط الزكاة عنها بصياغته. # قال أبو الحسن الآمدي: هذا هو الصحيح؛ لأن العلف إنما أسقط الزكاة لما ~~فيه من المؤنة وها هنا لا مؤنة عليه ولنا: أن السوم شرط لوجوب الزكاة ولم ~~يوجد فلم تجب الزكاة، كنقص النصاب والملك وقوله: إن العلف محرم. غير صحيح ~~وإنما المحرم الغصب وإنما العلف تصرف منه في ماله بإطعامها إياه، ولا تحريم ~~فيه، ولهذا لو علفها عند مالكها لم يحرم عليه وما ذكره الآمدي من خفة ~~المؤنة غير صحيح فإن الخفة لا تعتبر بنفسها، وإنما تعتبر بمظنها، وهي السوم ~~ثم يبطل ما ذكراه بما # PageV03P073 # إذا كانت معلوفة عندهما جميعا ويبطل ما ذكره القاضي بما إذا علفها مالكها ~~علفا محرما أو أتلف شاة من النصاب فإنه محرم وتسقط به الزكاة # وأما إذا غصب ذهبا فصاغه حليا، فلا يشبه ما اختلفنا فيه، فإن العلف فات ~~به شرط الوجوب والصياغة لم يفت بها شيء وإنما اختلف في كونها مسقطة بشرط ~~كونها مباحة فإذا كانت محرمة لم يوجد شرط الإسقاط، ولأن المالك لو علفها ~~علفا محرما لسقطت الزكاة ولو صاغها صياغة محرمة لم تسقط فافترقا، ولو غصب ~~حليا مباحا فكسره أو ضربه دراهم أو دنانير وجبت فيه الزكاة، لأن المسقط ~~للزكاة زال. فوجبت الزكاة. # ويحتمل أن لا تجب، كما لو غصب معلوفة فأسامها ولو غصب عروضا فاتجر فيها ~~لم تجب فيها الزكاة لأن نية التجارة شرط، ms1246 ولم توجد من المالك، وسواء كانت ~~للتجارة عند مالكها أو لم تكن؛ لأن بقاء النية شرط ولم ينو التجارة بها عند ~~الغاصب. ويحتمل أن تجب الزكاة إذا كانت للتجارة عند مالكها، واستدام النية؛ ~~لأنها لم تخرج عن ملكه بغصبها وإن نوى بها الغاصب القنية. وكل موضع أوجبنا ~~الزكاة فعلى الغاصب ضمانها لأنه نقص حصل في يده فوجب عليه ضمانه، كتلفه ### | [فصل ضلت واحدة من النصاب أو أكثر أو غصبت فنقص النصاب] # (1944) فصل إذا ضلت واحدة من النصاب أو أكثر، أو غصبت فنقص النصاب فالحكم ~~فيه كما لو ضل جميعه أو غصب لكن إن قلنا بوجوب الزكاة، فعليه الإخراج عن ~~الموجود عنده. وإذا رجع الضال أو المغصوب أخرج عنه، كما لو رجع جميعه. ### | [فصل إن أسر المالك للزكاة] # (1945) فصل وإن أسر المالك لم تسقط عنه الزكاة سواء حيل بينه وبين ماله ~~أو لم يحل لأن تصرفه في ماله نافذ يصح بيعه وهبته وتوكيله فيه ### | [فصل أسلم المرتد وقد حال على ماله الحول] # (1946) فصل: وإن ارتد قبل مضي الحول وحال الحول وهو مرتد فلا زكاة عليه ~~نص عليه لأن الإسلام شرط لوجوب الزكاة فعدمه في بعض الحول يسقط الزكاة ~~كالملك والنصاب وإن رجع إلى الإسلام قبل مضي الحول استأنف حولا؛ لما ذكرنا. # قال أحمد: إذا أسلم المرتد وقد حال على ماله الحول فإن المال له ولا ~~يزكيه حتى يستأنف به الحول لأنه كان ممنوعا منه، فأما إن ارتد بعد الحول لم ~~تسقط الزكاة عنه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة تسقط لأن من شرطها النية ~~فسقطت بالردة كالصلاة # PageV03P074 # ولنا: أنه حق مال فلا يسقط بالردة كالدين وأما الصلاة فلا تسقط أيضا، لكن ~~لا يطالب بفعلها لأنها لا تصح منه ولا تدخلها النيابة فإذا عاد وجبت عليه ~~والزكاة تدخلها النيابة ولا تسقط بالردة كالدين ويأخذها الإمام من الممتنع ~~وكذا هاهنا يأخذها الإمام من ماله كما يأخذها من المسلم الممتنع فإن أسلم ~~بعد أخذها لم يلزمه أداؤها لأنها سقطت عنه بأخذها كما تسقط بأخذها ms1247 من ~~المسلم الممتنع. # ويحتمل أن لا تسقط لأن الزكاة عبادة، فلا تحصل من غير نية وأصل هذا ما لو ~~أخذها الإمام من المسلم الممتنع، وقد ذكر في غير هذا. وإن أخذها غير الإمام ~~أو نائبه، لم تسقط عنه لأنه لا ولاية له عليه فلا يقوم مقامه بخلاف نائب ~~الإمام وإن أداها في حال ردته لم تجزه لأنه كافر فلا تصح منه كالصلاة ### | [مسألة اللقطة إذا صارت بعد الحول كسائر مال الملتقط] # (1947) مسألة: قال: واللقطة إذا صارت بعد الحول كسائر مال الملتقط، ~~استقبل بها حولا ثم زكاها فإن جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ~~ممنوعا منها ظاهر المذهب أن اللقطة تملك بمضي حول التعريف واختار أبو ~~الخطاب أنه لا يملكها حتى يختار. وهو مذهب الشافعي، ويذكر في موضعه إن شاء ~~الله تعالى ومتى ملكها استأنف حولا فإذا مضى وجبت عليه زكاتها وحكى القاضي ~~في موضع أنه إذا ملكها وجب عليه مثلها إن كانت مثلية، أو قيمتها إن لم تكن ~~مثلية. # وهذا مذهب الشافعي. ويذكر في موضعه إن شاء الله تعالى. ومقتضى هذا أن لا ~~تجب عليه زكاتها؛ لأنه دين فمنع الزكاة كسائر الديون وقال ابن عقيل: يحتمل ~~أن لا تجب الزكاة فيها لمعنى آخر، وهو أن ملكه غير مستقر عليها، ولصاحبها ~~أخذها منه متى وجدها. والمذهب ما ذكره الخرقي، وما ذكره القاضي يفضي إلى ~~ثبوت معاوضة في حق من لا ولاية عليه، بغير فعله، ولا اختياره، ويقتضي ذلك ~~أن يمنع الدين الذي عليه الميراث والوصية، كسائر الديون، والأمر بخلافه. # وما ذكره ابن عقيل: يبطل بما وهبه الأب لولده، وبنصف الصداق، فإن لهما ~~استرجاعه، ولا يمنع وجوب الزكاة فأما ربها إذا جاء فأخذها، فذكر الخرقي أنه ~~يزكيها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها، وهو حول التعريف، وقد ذكرنا في ~~الضال روايتين وهذا من جملته. وعلى مقتضى قول الخرقي أن الملتقط لو لم ~~يملكها مثل من لم يعرفها، فإنه لا زكاة على ملتقطها، وإذا جاء ربها زكاها ~~للزمان كله، وإنما تجب عليه ms1248 زكاتها إذا كانت ماشية بشرط كونها سائمة عند ~~الملتقط، فإن علفها فلا زكاة عليه، على ما ذكرنا في المغصوب ### | [مسألة المرأة إذا قبضت صداقها زكته] # (1948) مسألة: قال والمرأة إذا قبضت صداقها زكته لما مضى وجملة ذلك، أن ~~الصداق في الذمة دين للمرأة، حكمه حكم الديون، على ما مضى إن كان على مليء ~~به فالزكاة واجبة فيه، إذا قبضته أدت لما مضى، وإن كان على معسر أو جاحد ~~فعلى الروايتين. واختار # PageV03P075 # الخرقي وجوب الزكاة فيه، ولا فرق بين ما قبل الدخول أو بعده؛ لأنه دين في ~~الذمة، فهو كثمن مبيعها، فإن سقط نصفه بطلاقها قبل الدخول، وأخذت النصف، ~~فعليها زكاة ما قبضته، دون ما لم تقبضه؛ لأنه دين لم تتعوض عنه، ولم تقبضه، ~~فأشبه ما تعذر قبضه لفلس أو جحد. # وكذلك لو سقط كل الصداق قبل قبضه، لانفساخ النكاح بأمر من جهتها، فليس ~~عليها زكاته لما ذكرنا وكذلك القول في كل دين يسقط قبل قبضه من غير إسقاط ~~صاحبه، أو يئس صاحبه من استيفائه والمال الضال إذا يئس منه، فلا زكاة على ~~صاحبه؛ فإن الزكاة مواساة، فلا تلزم المواساة إلا مما حصل له. وإن كان ~~الصداق نصابا، فحال عليه الحول ثم سقط نصفه، وقبضت النصف، فعليها زكاة ~~النصف المقبوض؛ لأن الزكاة وجبت فيه، ثم سقطت من نصفه لمعنى اختص به، فاختص ~~السقوط به. # وإن مضى عليه حول قبل قبضه، ثم قبضته كله، زكته لذلك الحول. وإن مضت عليه ~~أحوال قبل قبضه، ثم قبضته، زكته لما مضى كله، ما لم ينقص عن النصاب. وقال ~~أبو حنيفة: لا تجب عليها الزكاة ما لم تقبضه؛ لأنه بدل عما ليس بمال، فلا ~~تجب الزكاة فيه قبل قبضه، كدين الكتابة. ولنا، أنه دين يستحق قبضه، ويجبر ~~المدين على أدائه فوجبت فيه الزكاة كثمن المبيع. ويفارق دين الكتابة فإنه ~~لا يستحق قبضه، وللمكاتب الامتناع من أدائه، ولا يصح قياسهم عليه، فإنه عوض ~~عن مال. ### | [فصل قبضت صداقها قبل الدخول ومضى عليه حول فزكته ثم طلقها الزوج قبل ms1249 الدخول] # (1949) فصل فإن قبضت صداقها قبل الدخول، ومضى عليه حول، فزكته، ثم طلقها ~~الزوج قبل الدخول، رجع فيها بنصفه، وكانت الزكاة من النصف الباقي لها. وقال ~~الشافعي في أحد أقواله: يرجع الزوج بنصف الموجود ونصف قيمة المخرج؛ لأنه لو ~~تلف الكل رجع عليها بنصف قيمته، فكذلك إذا تلف البعض. ولنا، قول الله ~~تعالى: {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] . # ولأنه يمكنه الرجوع في العين، فلم يكن له الرجوع إلى القيمة، كما لو لم ~~يتلف منه شيء. ويخرج على هذا ما لو تلف كله فإنه ما أمكنه الرجوع في العين. ~~وإن طلقها بعد الحول وقبل الإخراج، لم يكن له الإخراج من النصاب؛ لأن حق ~~الزوج تعلق به على وجه الشركة، والزكاة لم تتعلق به على وجه الشركة، لكن ~~تخرج الزكاة من غيره، أو يقسمانه، ثم تخرج الزكاة من حصتها. فإن طلقها قبل ~~الحول ملك النصف مشاعا، وكان حكم ذلك كما لو باع نصفه قبل الحول مشاعا، وقد ~~بينا حكمه. # PageV03P076 ### | [فصل كان الصداق دينا فأبرأت الزوج منه بعد مضي الحول] # (1950) فصل: فإن كان الصداق دينا، فأبرأت الزوج منه بعد مضي الحول، ففيه ~~روايتان؛ إحداهما، عليها الزكاة؛ لأنها تصرفت فيه، فأشبه ما لو قبضته ~~والرواية الثانية، زكاته على الزوج؛ لأنه ملك ما ملك عليه، فكأنه لم يزل ~~ملكه عنه. والأول أصح، وما ذكرنا لهذه الرواية لا يصح؛ لأن الزوج لم يملك ~~شيئا، وإنما سقط الدين عنه، ثم لو ملك في الحال لم يقتض هذا وجوب زكاة ما ~~مضى. # ويحتمل أن لا تجب الزكاة على واحد منهما؛ لما ذكرنا في الزوج، والمرأة لم ~~تقبض الدين، فلم تلزمها زكاته، كما لو سقط بغير إسقاطها، وهذا إذا كان ~~الدين مما تجب فيه الزكاة إذا قبضته، فأما إن كان مما لا زكاة فيه، فلا ~~زكاة عليها بحال. وكل دين على إنسان أبرأه صاحبه منه بعد مضي الحول عليه ~~فحكمه حكم الصداق فيما ذكرنا قال أحمد: إذا وهبت المرأة مهرها لزوجها، وقد ~~مضى له عشر سنين، فإن زكاته على المرأة؛ ms1250 لأن المال كان لها. # وإذا وهب رجل لرجل مالا، فحال الحول، ثم ارتجعه الواهب، فليس له أن ~~يرتجعه، فإن ارتجعه فالزكاة على الذي كان عنده. وقال في رجل باع شريكه ~~نصيبه من داره، فلم يعطه شيئا، فلما كان بعد سنة، قال: ليس عندي دراهم ~~فأقلني، فأقاله، قال: عليه أن يزكي؛ لأنه قد ملكه حولا. ### | [مسألة زكاة الماشية إذا بيعت بالخيار] # (1951) مسألة: قال والماشية إذا بيعت بالخيار، فلم ينقض الخيار حتى ردت، ~~استقبل بها البائع حولا، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، لأنه تجديد ~~ملك ظاهر المذهب، أن البيع بشرط الخيار ينقل الملك إلى المشتري عقيبه، ولا ~~يقف على انقضاء الخيار، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما. وعن أحمد، أنه لا ~~ينتقل حتى ينقضي الخيار. وهو قول مالك. # وقال أبو حنيفة: لا ينتقل إن كان للبائع، وإن كان للمشتري خرج عن البائع، ~~ولم يدخل في ملك المشتري. وعن الشافعي ثلاثة أقوال قولان كالروايتين، وقول ~~ثالث، أنه مراعى، فإن فسخاه تبينا أنه لم ينتقل، وإن أمضياه تبينا أنه ~~انتقل. ولنا، أنه بيع صحيح فنقل الملك عقيبه، كما لو لم يشترط الخيار. # وإن كان المال زكائيا انقطع الحول ببيعه، لزوال ملكه عنه، فإن استرده أو ~~رد عليه استأنف حولا؛ لأنه ملك متجدد حدث بعد زواله، فوجب أن يستأنف له ~~حولا كما لو كان البيع مطلقا من غير خيار. وهكذا الحكم لو فسخا البيع في ~~مدة المجلس بخياره؛ لا يمنع نقل الملك أيضا، فهو كخيار الشرط. ولو مضى ~~الحول في مدة الخيار، # PageV03P077 # ثم فسخا البيع، كانت زكاته على المشتري؛ لأنه ملكه. # وإن قلنا بالرواية الأخرى، لم ينقطع الحول ببيعه؛ لأن ملك البائع لم يزل ~~عنه. ولو حال الحول عليه في مدة الخيار، كانت زكاته على البائع فإن أخرجها ~~من غيره، فالبيع بحاله، وإن أخرجها منه بطل البيع في المخرج، وهل يبطل في ~~الباقي؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة. # وإن لم يخرجها حتى سلمه إلى المشتري وانقضت مدة الخيار لزم البيع فيه ~~وكان عليه ms1251 الإخراج من غيره، كما لو باع ما وجبت الزكاة فيه. ولو اشترى ~~عبدا، فهل هلال شوال، ففطرته على المشتري، وإن كان في مدة الخيار لأنه ~~ملكه، وعلى الرواية الأخرى، هي على البائع، إن كان في مدة الخيار لأنه ملكه ~~ولأنه في مدة الخيار. # PageV03P078 ### | [باب صدقة الفطر] # قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم، على أن صدقة الفطر ~~فرض. وقال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم. وزعم ابن عبد البر أن بعض ~~المتأخرين من أصحاب مالك وداود، يقولون: هي سنة مؤكدة. وسائر العلماء على ~~أنها واجبة؛ لما روى ابن عمر، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض ~~زكاة الفطر من رمضان على الناس، صاعا من تمر، أو صاعا من أقط أو صاعا من ~~شعير، على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين.» متفق عليه. وللبخاري: ~~«والصغير والكبير من المسلمين.» وعنه «، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» . وعن أبي سعيد ~~الخدري قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من ~~تمر، أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب. متفق عليهما. # قال سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: {قد أفلح من ~~تزكى} [الأعلى: 14] : هو زكاة الفطر. وأضيفت هذه الزكاة إلى الفطر؛ لأنها ~~تجب بالفطر من رمضان. وقال ابن قتيبة: وقيل لها فطرة لأن الفطرة الخلقة، ~~قال الله تعالى: {فطرت الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30] أي جبلته ~~التي جبل الناس عليها، وهذه يراد بها الصدقة عن البدن والنفس كما كانت ~~الأولى صدقة عن المال. # وقال بعض أصحابنا: وهل تسمى فرضا مع القول بوجوبها؟ على روايتين. والصحيح ~~أنها فرض؛ لقول ابن عمر: «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة ~~الفطر» . ولإجماع العلماء على أنها فرض؛ ولأن الفرض إن كان الواجب فهي ~~واجبة، وإن كان الواجب المتأكد فهي متأكدة مجمع عليها. ### | [مسألة زكاة الفطر على كل حر ms1252 وعبد ذكر وأنثى من المسلمين] # (1952) مسألة: قال وزكاة الفطر على كل حر وعبد، ذكر وأنثى، من المسلمين ~~وجملته أن زكاة الفطر تجب على كل مسلم، مع الصغير والكبير، والذكورية ~~والأنوثية، في قول أهل العلم عامة، وتجب على اليتيم، ويخرج عنه وليه من ~~ماله، لا نعلم أحدا خالف في هذا، إلا محمد بن الحسن، قال ليس في مال الصغير ~~من المسلمين صدقة. # وقال الحسن، والشعبي: صدقة الفطر على من صام من الأحرار، وعلى الرقيق. ~~وعموم قوله «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر # PageV03P079 # على كل حر وعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين» يقتضي ~~وجوبها على اليتيم، ولأنه مسلم فوجبت فطرته كما لو كان له أب (1953) فصل ~~ولا تجب على كافر حرا كان أو عبدا. ولا نعلم بينهم خلافا في الحر البالغ ~~وقال إمامنا، ومالك، والشافعي، وأبو ثور: لا تجب على العبد أيضا، ولا على ~~الصغير. # ويروى عن عمر بن عبد العزيز، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والنخعي، ~~والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، أن على السيد المسلم أن يخرج الفطرة عن ~~عبده الذمي وقال. أبو حنيفة: يخرج عن ابنه الصغير إذا ارتد. وروي أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال «أدوا عن كل حر وعبد، صغير أو كبير، يهودي أو ~~نصراني أو مجوسي، نصف صاع من بر» . ولأن كل زكاة وجبت بسبب عبده المسلم، ~~وجبت بسبب عبده الكافر، كزكاة التجارة ولنا، قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في حديث ابن عمر: «من المسلمين» وروى أبو داود، عن ابن عباس، قال ~~«فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو ~~والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها ~~بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» . إسناده حسن وحديثهم لا نعرفه، ولم ~~يذكره أصحاب الدواوين وجامعو السنن. # وهذا قول ابن عباس يخالفه، وهو راوي حديثهم. وزكاة التجارة تجب عن ~~القيمة، ولذلك تجب في سائر الحيوانات وسائر الأموال، وهذه طهرة للبدن، ~~ولهذا اختص بها الآدميون، بخلاف ms1253 زكاة التجارة ### | [فصل لا صدقة على الذمي في عبده المسلم] # (1954) فصل: فإن كان لكافر عبد مسلم، وهل هلال شوال وهو في ملكه فحكي عن ~~أحمد أن على الكافر إخراج صدقة الفطر عنه. واختاره القاضي. وقال ابن عقيل: ~~يحتمل أن لا تجب. وهذا قول أكثرهم. # قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا صدقة على الذمي ~~في عبده المسلم؛ لقوله عليه السلام: «من المسلمين» ولأنه كافر فلا تجب عليه ~~الفطرة كسائر الكفار، ولأن الفطرة زكاة فلا تجب على الكافر، كزكاة المال. ~~ولنا، أن العبد من أهل الطهرة، فوجب أن تؤدى عنه الفطرة، كما لو كان سيده ~~مسلما، وقوله: «من المسلمين» يحتمل أن يراد به المؤدى عنه، بدليل أنه لو ~~كان للمسلم عبد كافر لم يجب فطرته، ولأنه ذكر في الحديث كل عبد وصغير، وهذا ~~يدل على أنه أراد المؤدى عنه، لا المؤدي، ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان ~~كالمذهبين. # PageV03P080 ### | [مسألة مقدار زكاة الفطر] # (1955) مسألة: قال: صاعا بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو خمسة ~~أرطال وثلث وجملته أن الواجب في صدقة الفطر صاع عن كل إنسان، لا يجزئ أقل ~~من ذلك من جميع أجناس المخرج. وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق وروي ذلك عن ~~أبي سعيد الخدري، والحسن، وأبي العالية، وروي عن عثمان بن عفان، وابن ~~الزبير، ومعاوية، أنه يجزئ نصف صاع من البر خاصة. وهو مذهب سعيد بن المسيب، ~~وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن ~~عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، وأصحاب الرأي. واختلفت الرواية عن علي، وابن ~~عباس، والشعبي، فروي صاع، وروي نصف صاع. # وعن أبي حنيفة في الزبيب روايتان؛ إحداهما، صاع، والأخرى نصف صاع. ~~واحتجوا بما روى ثعلبة بن صعير، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «صاع من قمح بين كل اثنين.» رواه أبو داود. وعن عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث مناديا في فجاج مكة: ~~ألا ms1254 إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد صغير أو ~~كبير، مدان من قمح أو سواها صاعا من طعام» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح ~~حسن غريب. # وقال سعيد حدثنا هشيم، عن عبد الخالق الشيباني، قال سمعت سعيد بن المسيب ~~يقول: «كانت الصدقة تدفع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي ~~بكر نصف صاع بر.» وقال هشيم: أخبرني سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن ~~المسيب، قال «خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر صدقة الفطر، فحض ~~عليها وقال: نصف صاع من بر، أو صاع من تمر أو شعير عن كل حر وعبد، ذكر ~~وأنثى» ولنا: ما روى أبو سعيد الخدري، قال: «كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان ~~فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو ~~صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أقط فلم نزل نخرجه حتى قدم ~~معاوية، المدينة، فتكلم فكان مما كلم الناس: أني لأرى، مدين من سمراء الشام ~~تعدل صاعا من تمر. فأخذ الناس بذلك.» قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت ~~أخرجه # وروى ابن عمر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض صدقة الفطر، صاعا من ~~تمر أو صاعا من شعير، قال فعدل الناس إلى نصف صاع، من بر.» متفق عليهما، ~~ولأنه جنس يخرج في صدقة الفطر، فكان قدره صاعا كسائر الأجناس. وأحاديثهم لا ~~تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قاله ابن المنذر وحديث ثعلبة تفرد ~~به النعمان بن راشد. قال البخاري: هو يهم كثيرا، وهو صدوق في الأصل. وقال ~~مهنا: # PageV03P081 # ذكرت لأحمد حديث ثعلبة بن أبي صعير، في صدقة الفطر نصف صاع من بر. فقال: ~~ليس بصحيح، إنما هو مرسل، يرويه معمر بن جريج، عن الزهري مرسلا. قلت من قبل ~~من هذا؟ قال من قبل النعمان بن راشد، ليس هو بقوي في الحديث. وضعف حديث ابن ~~أبي صعير وسألته عن ابن أبي صعير، ms1255 أمعروف هو؟ قال: من يعرف ابن أبي صعير ~~ليس هو بمعروف وذكر أحمد، وعلي بن المديني، ابن أبي صعير فضعفاه جميعا. ~~وقال ابن عبد البر: ليس دون الزهري من يقوم به حجة ورواه أبو إسحاق ~~الجوزجاني: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد، عن النعمان، عن الزهري، ~~عن ثعلبة، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أدوا صدقة ~~الفطر صاعا من قمح أو قال بر، عن كل إنسان صغير أو كبير.» وهذا حجة لنا، ~~وإسناده حسن. # قال الجوزجاني: والنصف صاع، ذكره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وروايته ليس تثبت، ولأن فيما ذكرناه احتياطا للفرض، ومعاضدة للقياس ### | [فصل الصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي] # (1956) فصل وقد دللنا على أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي فيما مضى ~~والأصل فيه الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن ليحفظ وينقل. وقد روى جماعة ~~عن أحمد، أنه قال: الصاع وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثا حنطة. وقال حنبل. # قال أحمد: أخذت الصاع من أبي النضر. وقال أبو النضر: أخذته عن ابن أبي ~~ذؤيب وقال: هذا صاع النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يعرف بالمدينة. قال ~~أبو عبد الله: فأخذنا العدس، فعيرنا به، وهو أصلح ما وقفنا عليه يكال به؛ ~~لأنه لا يتجافى عن موضعه، فكلنا به، ثم وزناه، فإذا هو خمسة أرطال وثلث. # وقال هذا أصلح ما وقفنا عليه، وما تبين لنا من صاع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. وإذا كان الصاع خمسة أرطال وثلثا من البر والعدس، وهما من أثقل ~~الحبوب، فما عداهما من أجناس الفطرة أخف منهما، فإذا أخرج منهما خمسة أرطال ~~وثلثا، فهي أكثر من صاع. # وقال محمد بن الحسن: إن أخرج خمسة أرطال وثلثا برا، لم يجزه. لأن البر ~~يختلف، فيكون فيه الثقيل والخفيف. وقال الطحاوي: يخرج خمسة أرطال مما سواء ~~كيله ووزنه، وهو الزبيب والماش. ومقتضى كلامه أنه إذا أخرج ثمانية أرطال ~~مما هو أثقل منها لم يجزئه، حتى يزيد شيئا، يعلم أنه قد بلغ صاعا. # والأولى لمن أخرج ms1256 من الثقيل بالوزن أن يحتاط، فيزيد شيئا يعلم به أنه لمن ~~أخرج صاعا بالرطل الدمشقي، الذي هو ستمائة درهم مد وسبع، والسبع أوقية ~~وخمسة أسباع أوقية، وقدر ذلك بالدراهم ستمائة درهم ويجزئ إخراج رطل ~~بالدمشقي من جميع الأجناس؛ لأنه أكبر من الصاع، وقد # PageV03P082 # رأيت مدا ذكر لنا أنه مد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقدر المد الدمشقي ~~به، فكان المد الدمشقي قريبا من خمسة أمداد ### | [مسألة زكاة الفطر من غالب قوت البلد] # (1957) مسألة: قال: من كل حبة وثمرة تقتات يعني عند عدم الأجناس المنصوص ~~عليها، يجزئه كل مقتات من الحبوب والثمار. وظاهر هذا أنه لا يجزئه المقتات ~~من غيرها، كاللحم واللبن. # وقال أبو بكر يعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند عدمها. وقال ~~ابن حامد: يجزئه عند عدمها الإخراج مما يقتاته، كالذرة والدخن، ولحوم ~~الحيتان والأنعام، ولا يردون إلى أقرب قوت الأمصار ### | [مسألة وجوب صدقة الفطر على أهل البادية صاعا] # (1958) مسألة: قال وإن أعطى أهل البادية الأقط صاعا، أجزأ إذا كان قوتهم، ~~أكثر أهل العلم يوجبون صدقة الفطر على أهل البادية. روي ذلك عن ابن الزبير، ~~وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب ~~الرأي. # وقال عطاء، والزهري، وربيعة: لا صدقة عليهم. ولنا، عموم الحديث، ولأنها ~~زكاة، فوجبت عليهم كزكاة المال، ولأنهم مسلمون، فيجب عليهم صدقة الفطر ~~كغيرهم. إذا ثبت هذا، فإنه يجزئ أهل البادية إخراج الأقط إذا كان قوتهم. ~~وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه. # فأما من وجد سواه فهل يجزئ؟ على روايتين: إحداهما، يجزئه أيضا؛ لحديث أبي ~~سعيد الذي ذكرناه، وفي بعض ألفاظه قال «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- صدقة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر أو صاعا من ~~أقط.» أخرجه النسائي. والثانية، لا يجزئه؛ لأنه جنس لا تجب الزكاة فيه، فلا ~~يجزئ إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها كاللحم. ويحمل ~~الحديث على من هو قوت له، أو لم يقدر ms1257 على غيره، فإن قدر على غيره مع كونه ~~قوتا له، فظاهر كلام الخرقي جواز إخراجه. # وإن قدر على غيره سواء كان من أهل البادية أو لم يكن؛ لأن الحديث لم ~~يفرق. وقول أبي سعيد: كنا نخرج صاعا من أقط، وهم من أهل الأمصار، وإنما خص ~~أهل البادية بالذكر؛ لأن الغالب أنه لا يقتاته غيرهم. # وقال أبو الخطاب: لا يجزئ إخراج الأقط مع القدرة على ما سواه في إحدى ~~الروايتين. وظاهر الحديث يدل على خلافه. وذكر القاضي أنه إذا عدم الأقط، ~~وقلنا له إخراجه، جاز إخراج اللبن؛ لأنه أكمل من الأقط، لأنه يجيء منه ~~الأقط وغيره. وحكاه أبو ثور، عن الشافعي. # وقال الحسن: إن لم يكن بر ولا شعير أخرج صاعا من لبن. # PageV03P083 # وظاهر قول الخرقي يقتضي أنه لا يجزئ اللبن بحال؛ لقوله: من كل حبة أو ~~ثمرة تقتات. وقد حملنا ذلك على حالة العدم. ولا يصح ما ذكروه؛ لأنه لو كان ~~أكمل من الأقط، لجاز إخراجه مع وجوده، ولأن الأقط أكمل من اللبن من وجه؛ ~~لأنه بلغ حالة الادخار وهو جامد، بخلاف اللبن، لكن يكون حكم اللبن حكم ~~اللحم، يجزئ إخراجه عند عدم الأصناف المنصوص عليها على قول ابن حامد، ومن ~~وافقه. وكذلك الجبن وما أشبهه ### | [مسألة إخراج التمر في صدقة الفطر] # مسألة: قال: واختيار أبي عبد الله إخراج التمر. وبهذا قال مالك. قال ابن ~~المنذر: واستحب مالك إخراج العجوة منه. واختار الشافعي، وأبو عبيد إخراج ~~البر. # وقال بعض أصحاب الشافعي: يحتمل أن يكون الشافعي قال ذلك؛ لأن البر كان ~~أغلى في وقته ومكانه لأن المستحب أن يخرج أغلاها ثمنا وأنفسها، لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن أفضل الرقاب، فقال: «أغلاها ثمنا ~~وأنفسها عند أهلها» وإنما اختار أحمد إخراج التمر اقتداء بأصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - واتباعا له. وروى بإسناده، عن أبي مجلز، قال: قلت ~~لابن عمر: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إن الله قد أوسع، ~~والبر أفضل من التمر» قال: إن ms1258 أصحابي سلكوا طريقا، وأنا أحب أن أسلكه. ~~وظاهر هذا أن جماعة الصحابة كانوا يخرجون التمر فأحب ابن عمر موافقتهم، ~~وسلوك طريقتهم، وأحب أحمد، أيضا الاقتداء بهم واتباعهم. # وروى البخاري، عن ابن عمر، أنه قال: «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- صدقة الفطر، صاعا من تمر أو صاعا من شعير، فعدل الناس به صاعا من بر.» ~~فكان ابن عمر يخرج التمر، فأعوز أهل المدينة من التمر، فأعطى شعيرا. ولأن ~~التمر فيه قوة وحلاوة وهو أقرب تناولا وأقل كلفة، فكان أولى (1960) فصل: ~~والأفضل بعد التمر البر. # وقال بعض أصحابنا: الأفضل بعده الزبيب؛ لأنه أقرب تناولا وأقل كلفة فأشبه ~~التمر. ولنا، أن البر أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير. وكذلك ~~قال أبو مجلز لابن عمر: البر أفضل من التمر. يعني أنفع وأكثر قيمة. ولم ~~ينكره ابن عمر وإنما عدل عنه اتباعا لأصحابه، وسلوكا لطريقتهم. ولهذا عدل ~~نصف صاع منه بصاع من غيره. # وقال معاوية: إني لأرى مدين من سمراء الشام يعدل صاعا من التمر. فأخذ ~~الناس به، وتفضيل التمر إنما كان لاتباع الصحابة، # PageV03P084 # ففيما عداه يبقى على مقتضى الدليل في تفضيل البر. ويحتمل أن يكون الأفضل ~~بعد التمر ما كان أعلى قيمة وأكثر نفعا ### | [مسألة صدقة الفطر أجناسا معدودة لم يجز العدول عنها] # (1961) مسألة: قال: ومن قدر على التمر، أو الزبيب، أو البر، أو الشعير، ~~أو الأقط فأخرج غيره لم يجزه ظاهر المذهب أنه لا يجوز له العدول عن هذه ~~الأصناف، مع القدرة عليها سواء كان المعدول إليه قوت بلده أو لم يكن. # وقال أبو بكر: يتوجه قول آخر أنه يعطي ما قام مقام الخمسة، على ظاهر ~~الحديث، صاعا من طعام والطعام قد يكون البر والشعير وما دخل في الكيل. قال ~~وكلا القولين محتمل، وأقيسهما أنه لا يجوز غير الخمسة، إلا أن يعدمها، ~~فيعطي ما قام مقامها. # وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد. وقال الشافعي: أي قوت كان الأغلب على ~~الرجل، أدى الرجل زكاة الفطر منه واختلف أصحابه؛ فمنهم ms1259 من قال بقول مالك، ~~ومنهم من قال: الاعتبار بغالب قوت المخرج، ثم إن عدل عن الواجب إلى أعلى ~~منه، جاز، وإن عدل إلى دونه، ففيه قولان؛ أحدهما، يجوز؛ لقوله - عليه ~~السلام - «اغنوهم عن الطلب» والغنى يحصل بالقوت والثاني، لا يجوز لأنه عدل ~~عن الواجب إلى أدنى منه، فلم يجزئه، كما لو عدل عن الواجب في زكاة المال ~~إلى أدنى منه. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض صدقة الفطر أجناسا معدودة، ~~فلم يجز العدول عنها، كما لو أخرج القيمة وذلك لأن ذكر الأجناس بعد ذكره ~~الفرض تفسير للمفروض، فما أضيف إلى المفسر يتعلق بالتفسير، فتكون هذه ~~الأجناس مفروضة فيتعين الإخراج منها، ولأنه إذا أخرج غيرها عدل عن المنصوص ~~عليه، فلم يجز، كإخراج القيمة، وكما لو أخرج عن زكاة المال من غير جنسه، ~~والإغناء يحصل بالإخراج من المنصوص عليه، فلا منافاة بين الخبرين؛ لكونهما ~~جميعا يدلان على وجوب الإغناء بأداء أحد الأجناس المفروضة. ### | [فصل إخراج السلت في صدقة الفطر] # (1962) فصل: والسلت نوع من الشعير، فيجوز إخراجه؛ لدخوله في المنصوص ~~عليه، وقد صرح بذكره في بعض ألفاظ حديث ابن عمر، قال «كان الناس يخرجون ~~صدقة الفطر في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من شعير أو صاعا ~~من أقط، أو صاعا من سلت.» وعن أبي سعيد، قال «لم نخرج على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا صاعا من تمر، أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب # PageV03P085 # أو صاعا من دقيق أو صاعا من أقط، أو صاعا من سلت.» قال: ثم شك فيه سفيان ~~بعد، فقال «دقيق أو سلت» . رواهما النسائي. ### | [فصل إخراج الدقيق في صدقة الفطر] # (1963) فصل: ويجوز إخراج الدقيق. نص عليه أحمد وكذلك السويق، قال أحمد: ~~وقد روي عن ابن سيرين سويق أو دقيق. وقال مالك، والشافعي: لا يجزئ ~~إخراجهما؛ لحديث ابن عمر؛ ولأن منافعه نقصت فهو كالخبز. ولنا: حديث أبي ~~سعيد، وقوله فيه: «أو صاعا من دقيق» ولأن الدقيق والسويق أجزاء الحب بحتا ~~يمكن ms1260 كيله وادخاره، فجاز إخراجه، كما قبل الطحن، وذلك لأن الطحن إنما فرق ~~أجزاءه، وكفى الفقير مؤنته، فأشبه ما لو نزع نوى التمر ثم أخرجه. # ويفارق الخبز والهريسة والكبولا؛ لأن مع أجزاء الحب فيها من غيره، وقد ~~خرج عن حال الادخار والكيل، والمأمور به صاع، وهو مكيل، وحديث ابن عمر لم ~~يقتض ما ذكروه، ولم يعملوا به. ### | [فصل إخراج الخبز في صدقة الفطر] # (1964) فصل: ولا يجوز إخراج الخبز؛ لأنه خرج عن الكيل والادخار. ولا ~~الهريسة والكبولا وأشباههما؛ لذلك، ولا الخل ولا الدبس؛ لأنهما ليسا قوتا، ~~ولا يجوز أن يخرج حبا معيبا، كالمسوس والمبلول، ولا قديما تغير طعمه، لقول ~~الله تعالى {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267] ، فإن كان القديم ~~لم يتغير طعمه، إلا أن الحديث أكثر قيمة منه، جاز إخراجه؛ لعدم العيب فيه، ~~والأفضل إخراج الأجود. # قال أحمد: كان ابن سيرين يحب أن ينقي الطعام، وهو أحب إلي ليكون على ~~الكمال، ويسلم مما يخالطه من غيره فإن كان المخالط له يأخذ حظا من المكيال، ~~وكان كثيرا بحيث يعد عيبا فيه، لم يجزئه، وإن لم يكثر، جاز إخراجه إذا زاد ~~على الصاع قدرا يزيد على ما فيه من غيره، حتى يكون المخرج صاعا كاملا ### | [فصل إخراج صدقة الفطر من أي الأصناف المنصوص عليها] # (1965) فصل: ومن أي الأصناف المنصوص عليها أخرج جاز وإن لم يكن قوتا له، ~~وقال مالك: يخرج # PageV03P086 # من غالب قوت البلد وذكرنا قول الشافعي. ولنا: أن خبر الصدقة ورد بحرف ~~التخيير بين هذه الأصناف، فوجب التخيير فيه، ولأنه عدل إلى منصوص عليه، ~~فجاز، كما لو عدل إلى الأعلى، والغنى يحصل بدفع قوت من الأجناس، ويدل على ~~ما ذكرنا أنه خير بين التمر والزبيب والأقط، قوتا لأهل المدينة، فدل على ~~أنه لا يعتبر أن يكون قوتا للمخرج. ### | [مسألة لا تجزئ القيمة في صدقة الفطر] # (1966) مسألة: قال: (ومن أعطى القيمة، لم تجزئه) قال أبو داود قيل لأحمد ~~وأنا أسمع: أعطي دراهم - يعني في صدقة الفطر - قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف ~~سنة ms1261 رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو طالب، قال لي أحمد لا يعطي ~~قيمته، قيل له: قوم يقولون، عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة، قال يدعون ~~قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقولون قال فلان، قال ابن عمر: فرض ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول} [النساء: 59] . وقال قوم يردون السنن: قال فلان، قال فلان. وظاهر ~~مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات. وبه قال مالك، ~~والشافعي وقال الثوري، وأبو حنيفة: يجوز. وقد روي ذلك عن عمر بن عبد ~~العزيز، والحسن، وقد روي عن أحمد مثل قولهم، فيما عدا الفطرة. # وقال أبو داود: سئل أحمد، عن رجل باع ثمرة نخله. قال: عشره على الذي ~~باعه. قيل له: فيخرج ثمرا، أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمرا، وإن شاء أخرج ~~من الثمن. وهذا دليل على جواز إخراج القيم. ووجهه قول معاذ لأهل اليمن: ~~ائتوني بخميص أو لبيس آخذه منكم، فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين ~~بالمدينة. وقال سعيد: حدثنا سفيان عن عمرو، وعن طاوس، قال لما قدم معاذ ~~اليمن، قال: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون ~~عليكم وخير للمهاجرين، بالمدينة. # قال: وحدثنا جرير، عن ليث، عن عطاء، قال كان عمر بن الخطاب يأخذ العروض ~~في الصدقة من الدراهم. ولأن المقصود دفع الحاجة، ولا يختلف ذلك بعد اتحاد ~~قدر المالية باختلاف صور الأموال ولنا، قول ابن عمر: «فرض رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صدقة الفطر صاعا من تمر، وصاعا من شعير» فإذا عدل عن ذلك ~~فقد ترك المفروض. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في أربعين شاة شاة وفي مائتي درهم ~~خمسة دراهم» . وهو وارد بيانا لمجمل قوله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة: ~~43] فتكون # PageV03P087 # الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها، والأمر يقتضي الوجوب. ولأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فرض الصدقة على هذا الوجه، وأمر بها أن تؤدى، ففي ~~كتاب أبي بكر الذي كتبه في الصدقات أنه ms1262 قال: «هذه الصدقة التي فرضها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمر بها أن تؤدى. وكان فيه: في خمس وعشرين ~~من الإبل بنت مخاض، فإن لم تكن بنت مخاض، فابن لبون ذكر» وهذا يدل على أنه ~~أراد عينها لتسميته إياها. وقوله: «فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر.» ~~ولو أراد المالية أو القيمة لم يجز؛ لأن خمسا وعشرين لا تخلو عن مالية بنت ~~مخاض، وكذلك قوله: فابن لبون ذكر فإنه لو أراد المالية للزمه مالية بنت ~~مخاض، دون مالية ابن لبون. # وقد روى أبو داود، وابن ماجه، بإسنادهما، عن «معاذ، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بعثه إلى اليمن، فقال خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، ~~والبعير من الإبل والبقر من البقر.» ولأن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، ~~وشكرا لنعمة المال، والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى ~~الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما ~~أنعم الله عليه به، ولأن مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص، فلم يجزئه، كما لو ~~أخرج الرديء مكان الجيد، وحديث معاذ، الذي رووه في الجزية، بدليل أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أمره بتفريق الصدقة في فقرائهم، ولم يأمره بحملها ~~إلى المدينة. وفي حديثه هذا: فإنه أنفع للمهاجرين بالمدينة. ### | [مسألة المستحب إخراج صدقة الفطر يوم الفطر قبل الصلاة] # (1967) مسألة: قال: ويخرجها إذا خرج إلى المصلى المستحب إخراج صدقة الفطر ~~يوم الفطر قبل الصلاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بها أن تؤدى ~~قبل خروج الناس إلى الصلاة. في حديث ابن عمر، وفي حديث ابن عباس: «من أداها ~~قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» . ~~فإن أخرها عن الصلاة ترك الأفضل، لما ذكرنا من السنة، ولأن المقصود منها ~~الإغناء عن الطواف والطلب في هذا اليوم، فمتى أخرها لم يحصل إغناؤهم في ~~جميعه، لا سيما في وقت الصلاة. ومال إلى هذا القول، عطاء، ومالك، وموسى بن ~~وردان، وإسحاق، وأصحاب ms1263 الرأي. # وقال القاضي: إذا أخرجها في بقية اليوم لم يكن فعل مكروها؛ لحصول الغناء ~~بها في اليوم. قال سعيد: حدثنا أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أمرنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخرج. وذكر الحديث. # قال: فكان يؤمر أن يخرج قبل أن يصلي، فإذا انصرف رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قسمه بينهم، وقال: أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم. وقد ذكرنا من ~~الخبر والمعنى ما يقتضي الكراهة؛ فإن أخرها عن يوم العيد # PageV03P088 # أثم ولزمه القضاء. وحكي عن ابن سيرين، والنخعي، الرخصة في تأخيرها عن يوم ~~العيد وروى محمد بن يحيى الكحال، قال: قلت لأبي عبد الله: فإن أخرج الزكاة، ~~ولم يعطها. قال: نعم، إذا أعدها لقوم. وحكاه ابن المنذر عن أحمد، واتباع ~~السنة أولى. ### | [فصل وقت وجوب زكاة الفطر] # (1968) فصل: فأما وقت الوجوب فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، ~~فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان. فمن تزوج أو ملك عبدا، أو ولد له ~~ولد أو أسلم قبل غروب الشمس، فعليه الفطرة. # وإن كان بعد الغروب، لم تلزمه. ولو كان حين الوجوب معسرا، ثم أيسر في ~~ليلته تلك أو في يومه، لم يجب عليه شيء ولو كان في وقت الوجوب موسرا، ثم ~~أعسر، لم تسقط عنه اعتبارا بحالة الوجوب. ومن مات بعد غروب الشمس ليلة ~~الفطر، فعليه صدقة الفطر. نص عليه أحمد. وبما ذكرنا في وقت الوجوب قال ~~الثوري، وإسحاق، ومالك، في إحدى الروايتين عنه، والشافعي، في أحد قوليه. # وقال الليث، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد. وهو ~~رواية عن مالك؛ لأنها قربة تتعلق بالعيد، فلم يتقدم وجوبها يوم العيد وهو ~~رواية عن مالك كالأضحية. ولنا قول ابن عباس: «إن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث» . ولأنها تضاف إلى ~~الفطر، فكانت واجبة به، كزكاة المال، وذلك لأن الإضافة دليل الاختصاص، ~~والسبب أخص بحكمه من غيره، والأضحية لا تعلق لها بطلوع الفجر ms1264 ولا هي واجبة ~~ولا تشبه ما نحن فيه. # فعلى هذا إذا غربت الشمس، والعبد المبيع في مدة الخيار، أو وهب له عبد ~~فقبله ولم يقبضه، أو اشتراه ولم يقبضه، فالفطرة على المشتري والمتهب؛ لأن ~~الملك له، والفطرة على المالك. ولو أوصى له بعبد ومات الموصي قبل غروب ~~الشمس، فلم يقبل الموصى له حتى غابت، فالفطرة عليه، في أحد الوجهين، والآخر ~~على ورثة الموصي، بناء على الوجهين في الموصى به هل ينتقل بالموت أو من حين ~~القبول؟ ولو مات الموصى له قبل الرد وقبل القبول، فقبل ورثته، وقلنا بصحة ~~قبولهم، فهل تكون فطرته على ورثة الموصي، أو في تركة الموصى له؟ وجهين؛ ~~وقال القاضي: فطرته في تركة الموصى له؛ لأننا حكمنا بانتقال الملك من حين ~~القبول. ولو مات قبل الرد وقبل القبول، فإن كان موته بعد هلال شوال، ففطرة ~~العبد في تركته؛ لأن الورثة إنما قبلوه له. # وإن كان موته قبل هلال شوال، ففطرته على الورثة. ولو أوصى لرجل برقبة ~~عبد، ولآخر بمنفعته، فقبلا، كانت الفطرة على مالك الرقبة؛ لأن الفطرة تجب ~~بالرقبة لا بالمنفعة ولهذا تجب على من لا نفع فيه. ويحتمل أن يكون حكمها ~~حكم نفقته، وفيها ثلاثة أوجه؛ أحدها، أنها على مالك نفعه. والثاني: على ~~مالك رقبته. والثالث: في كسبه. ### | [مسألة تقديم الفطرة قبل العيد بيومين] # (1969) مسألة: قال وإن قدمها قبل ذلك بيوم أو يومين، أجزأه # PageV03P089 # وجملته أنه يجوز تقديم الفطرة قبل العيد بيومين، لا يجوز أكثر من ذلك. ~~وقال ابن عمر: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين وقال بعض أصحابنا: ~~يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر، كما يجوز تعجيل أذان الفجر والدفع من ~~مزدلفة بعد نصف الليل. # وقال أبو حنيفة: ويجوز تعجيلها من أول الحول؛ لأنها زكاة فأشبهت زكاة ~~المال. وقال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان؛ لأن سبب الصدقة الصوم والفطر ~~عنه، فإذا وجد أحد السببين، جاز تعجيلها، كزكاة المال بعد ملك النصاب. ~~ولنا، ما روى الجوزجاني: حدثنا يزيد بن هارون. قال: أخبرنا أبو معشر، ms1265 عن ~~نافع، عن ابن عمر، قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر به، ~~فيقسم - قال يزيد أظن: هذا يوم الفطر - ويقول أغنوهم عن الطواف في هذا ~~اليوم ". والأمر للوجوب، ومتى قدمها بالزمان الكثير لم يحصل إغناؤهم بها ~~يوم العيد، وسبب وجوبها الفطر؛ بدليل إضافتها إليه، وزكاة المال سببها ملك ~~النصاب، والمقصود إغناء الفقير بها في الحول كله فجاز إخراجها في جميعه، ~~وهذه المقصود منها الإغناء في وقت مخصوص فلم يجز تقديمها قبل الوقت. فأما ~~تقديمها بيوم أو يومين فجائز؛ لما روى البخاري، بإسناده عن ابن عمر، قال: ~~«فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر من رمضان. وقال في آخره: ~~وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» # وهذا إشارة إلى جميعهم، فيكون إجماعا، ولأن تعجيلها بهذا القدر لا يخل ~~بالمقصود منها، فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد، فيستغنى بها ~~عن الطواف والطلب فيه، ولأنها زكاة، فجاز تعجيلها قبل وجوبها، كزكاة المال ~~والله أعلم ### | [مسألة فرض صدقة الفطر عن كل صغير وكبير حر وعبد] # (1970) مسألة: قال: ويلزمه أن يخرج عن نفسه، وعن عياله، إذا كان عنده فضل ~~عن قوت يومه وليلته. عيال الإنسان: من يعوله. أي يمونه فتلزمه فطرتهم، كما ~~تلزمه مؤنتهم، إذا وجد ما يؤدي عنهم؛ لحديث ابن عمر، «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فرض صدقة الفطر، عن كل صغير وكبير، حر وعبد، ممن تمونون.» ~~والذي يلزم الإنسان نفقتهم وفطرتهم ثلاثة أصناف: الزوجات، والعبيد، ~~والأقارب. فأما الزوجات فعليه فطرتهن. وبهذا قال مالك والشافعي، وإسحاق. # وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن المنذر: لا تجب عليه فطرة امرأته. وعلى ~~المرأة فطرة نفسها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «صدقة الفطر على كل ~~ذكر وأنثى» . ولأنها زكاة فوجبت عليها، كزكاة مالها. ولنا، الخبر، ولأن ~~النكاح سبب تجب به النفقة، فوجبت به الفطرة، كالملك والقرابة، بخلاف # PageV03P090 # زكاة المال فإنها لا تتحمل بالملك والقرابة، فإن كان لامرأته من يخدمها ~~بأجرة، فليس على الزوج فطرته؛ لأن الواجب الأجر دون ms1266 النفقة. # وإن كان لها نظرت، فإن كانت ممن لا يجب لها خادم، فليس عليه نفقة خادمها، ~~ولا فطرته، وإن كانت ممن يخدم مثلها، فعلى الزوج أن يخدمها، ثم هو مخير بين ~~أن يشتري لها خادما، أو يستأجر أو ينفق على خادمها، فإن اشترى لها خادما أو ~~اختار الإنفاق على خادمها فعليه فطرته، وإن استأجر لها خادما فليس عليه ~~نفقته ولا فطرته، سواء شرط عليه مؤنته أو لم يشرط؛ لأن المؤنة إذا كانت ~~أجرة فهي من مال المستأجر. # وإن تبرع بالإنفاق على من لا تلزمه نفقته، فحكمه حكم من تبرع بالإنفاق ~~على أجنبي، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وإن نشزت المرأة في وقت الوجوب، ~~ففطرتها على نفسها دون زوجها؛ لأن نفقتها لا تلزمه. واختار أبو الخطاب أن ~~عليه فطرتها؛ لأن الزوجية ثابتة عليها فلزمته فطرتها كالمريضة التي لا ~~تحتاج إلى نفقة. والأول: أصح؛ لأن هذه ممن لا تلزمه مؤنته، فلا تلزمه فطرته ~~كالأجنبية، وفارق المريضة؛ لأن عدم الإنفاق عليها لعدم الحاجة، لا لخلل في ~~المقتضى لها، فلا يمنع ذلك من ثبوت تبعها، بخلاف الناشز. وكذلك كل امرأة لا ~~يلزمه نفقتها، كغير المدخول بها إذا لم تسلم إليه، والصغيرة التي لا يمكن ~~الاستمتاع بها، فإنه لا تلزمه نفقتها ولا فطرتها؛ لأنها ليست ممن يمون. ### | [فصل العبيد إن كانوا لغير التجارة فعلى سيدهم فطرتهم] # (1971) فصل: وأما العبيد فإن كانوا لغير التجارة، فعلى سيدهم فطرتهم. لا ~~نعلم فيه خلافا. وإن كانوا للتجارة، فعليه أيضا فطرتهم. وبهذا قال مالك، ~~والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. # وقال عطاء، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي: لا تلزمه فطرتهم؛ لأنها زكاة ~~ولا تجب في مال واحد زكاتان، وقد وجبت فيهم زكاة التجارة، فيمتنع وجوب ~~الزكاة الأخرى، كالسائمة إذا كانت للتجارة. ولنا، عموم الأحاديث وقول ابن ~~عمر: «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر على الحر والعبد» ~~وفي حديث عمرو بن شعيب: «ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو ~~أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير» ms1267 . ولأن نفقتهم واجبة فوجبت فطرتهم، كعبيد ~~القنية. # أو نقول مسلم تجب مؤنته، فوجبت فطرته، كالأصل، وزكاة الفطرة تجب على ~~البدن، ولهذا تجب # PageV03P091 # على الأحرار، وزكاة التجارة تجب عن القيمة، وهي المال بخلاف السوم ~~والتجارة، فإنهما يجبان بسبب مال واحد، متى كان عبيد التجارة في يد المضارب ~~وجبت فطرتهم من مال المضاربة لأن مؤنتهم منها. وحكى ابن المنذر عن الشافعي، ~~أنها على رب المال. ولنا، أن الفطرة تابعة للنفقة، وهي من مال المضاربة، ~~فكذلك الفطرة. ### | [فصل زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر والغائب الذي تعلم حياته] # (1972) فصل: وتجب فطرة العبد الحاضر والغائب الذي تعلم حياته، والآبق، ~~والصغير والكبير، والمرهون، والمغصوب. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم ~~على أن على المرء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر غير المكاتب، والمغصوب، ~~والآبق، وعبيد التجارة. فأما الغائب، فعليه فطرته إذا علم أنه حي، سواء رجا ~~رجعته أو أيس منها، وسواء كان مطلقا أو محبوسا كالأسير وغيره. # قال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون أن تؤدى زكاة الفطر عن الرقيق، ~~غائبهم وحاضرهم. لأنه مالك لهم، فوجبت فطرتهم عليه كالحاضرين. وممن أوجب ~~فطرة الآبق الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. وأوجبها الزهري إذا علم مكانه ~~والأوزاعي إن كان في دار الإسلام. ومالك إن كانت غيبته قريبة. ولم يوجبها ~~عطاء، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنه لا يلزمه الإنفاق عليه، فلا تجب فطرته ~~كالمرأة الناشز. ولنا، أنه مال له، فوجبت زكاته في حال غيبته، كمال ~~التجارة. # ويحتمل أن لا يلزمه إخراج زكاته حتى يرجع إلى يده كزكاة الدين والمغصوب. ~~ذكره ابن عقيل. ووجه القول الأول، أن زكاة الفطر تجب تابعة للنفقة، والنفقة ~~تجب مع الغيبة؛ بدليل أن من رد الآبق رجع بنفقته. وأما من شك في حياته ~~منهم، وانقطعت أخباره، لم تجب فطرته، نص عليه، في رواية صالح؛ لأنه لا يعلم ~~بقاء ملكه عليه، ولو أعتقه في كفارته لم يجزئه، فلم تجب فطرته كالميت. فإن ~~مضت عليه سنون، ثم علم حياته، لزمه الإخراج لما مضى؛ لأنه بان له وجود سبب ~~الوجوب ms1268 في الزمن الماضي، فوجب عليه الإخراج لما مضى، كما لو سمع بهلاك ماله ~~الغائب، ثم بان أنه كان سالما. والحكم في القريب الغائب، كالحكم في البعيد؛ ~~لأنهم ممن تجب فطرتهم مع الحضور، فكذلك مع الغيبة كالعبيد. ويحتمل أن لا ~~تجب فطرتهم مع الغيبة؛ لأنه لا يلزمه بعث نفقتهم إليهم، ولا يرجعون بالنفقة ~~الماضية # PageV03P092 # (1973) فصل: فأما عبيد عبيده؛ فإن قلنا إن العبد لا يملكهم بالتمليك، ~~فالفطرة على السيد، لأنهم ملكه. وهذا ظاهر كلام الخرقي. وقول أبي الزناد، ~~ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي وإن قلنا يملك بالتمليك، فقد قيل: لا تجب ~~فطرتهم على أحد؛ لأن السيد لا يملكهم، وملك العبد ناقص. والصحيح وجوب ~~فطرتهم؛ لأن فطرتهم تتبع النفقة، ونفقتهم واجبة فكذلك فطرتهم ولا يعتبر في ~~وجوبها كمال الملك، بدليل وجوبها على المكاتب عن نفسه وعبيده، مع نقص ملكه. ### | [فصل زوجة العبد فطرتها على نفسها] # (1974) فصل: وأما زوجة العبد فذكر أصحابنا المتأخرون أن فطرتها على نفسها ~~إن كانت حرة، وعلى سيدها إن كانت أمة. وقياس المذهب عندي وجوب فطرتها على ~~سيد العبد؛ لوجوب نفقتها عليه، ألا ترى أنه تجب عليه فطرة خادم امرأته، مع ~~أنه لا يملكها؛ لوجوب نفقتها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أدوا ~~صدقة الفطر عمن تمونون» . وهذه ممن يمونون. وقد ذكر أصحابنا أنه لو تبرع ~~بمؤنة شخص، لزمته فطرته، فمن تجب عليه أولى. وهكذا لو زوج الابن أباه، وكان ~~ممن تجب عليه نفقته ونفقة امرأته، فعليه فطرتهما، والله أعلم ### | [فصل في وجوب الفطرة عليه من تبرع بمؤنة إنسان في شهر رمضان] # (1975) فصل: وإن تبرع بمؤنة إنسان في شهر رمضان، فأكثر أصحابنا يختارون ~~وجوب الفطرة عليه. وقد نص عليه. أحمد، في رواية أبي داود، في من ضم إلى ~~نفسه يتيمة يؤدي عنها؛ وذلك لقوله عليه السلام: «أدوا صدقة الفطر عمن ~~تمونون» . وهذا ممن يمونون، ولأنه شخص ينفق عليه، فلزمته فطرته كعبده ~~واختار أبو الخطاب لا تلزمه فطرته؛ لأنه لا تلزمه مؤنته، فلم تلزمه فطرته، ~~كما لو لم يمنه. وهذا قول ms1269 أكثر أهل العلم، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. # وكلام أحمد في هذا محمول على الاستحباب، لا على الإيجاب، والحديث محمول ~~على من تلزمه مؤنته، لا على حقيقة المؤنة، بدليل أنه تلزمه فطرة الآبق ولم ~~يمنه، ولو ملك عبدا عند غروب الشمس، أو تزوج، أو ولد له ولد، لزمته فطرتهم؛ ~~لوجوب مؤنتهم عليه، وإن لم يمنهم، ولو باع عبده أو طلق امرأته، أو ماتا، أو ~~مات ولده، لم تلزمه فطرتهم، وإن مانهم؛ ولأن قوله: (ممن تمونون) فعل مضارع، ~~فيقتضي الحال أو الاستقبال دون الماضي، ومن مانه في رمضان إنما وجدت مؤنته ~~في الماضي، فلا يدخل في الخبر، ولو دخل فيه لاقتضى وجوب الفطرة على من مانه ~~ليلة واحدة، وليس في الخبر ما يقيده بالشهر ولا بغيره، فالتقييد بمؤنة ~~الشهر تحكم. فعلى هذا القول تكون فطرة هذا # PageV03P093 # المختلف فيه على نفسه، كما لو لم يمنه. وعلى قول أصحابنا المعتبر الإنفاق ~~في جميع الشهر. # وقال ابن عقيل: قياس مذهبنا أنه إذا مانه آخر ليلة، وجبت فطرته، قياسا ~~على من ملك عبدا عند غروب الشمس. وإذا مانه جماعة في الشهر كله، أو مانه ~~إنسان بعض الشهر، فعلى قياس قول ابن عقيل هذا تكون فطرته على من مانه آخر ~~ليلة، وعلى قول غيره يحتمل أن لا تجب فطرته على أحد ممن مانه؛ لأن سبب ~~الوجوب المؤنة في جميع الشهر ولم يوجد. ويحتمل أن تجب على الجميع فطرة ~~واحدة بالحصص؛ لأنهم اشتركوا في سبب الوجوب، فأشبه ما لو اشتركوا في ملك ~~عبد. ### | [مسألة صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها ولا يعتبر في وجوبها نصاب] # (1976) مسألة: قال إذا كان عنده فضل عن قوت يومه وليلته وجملة ذلك أن ~~صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها، ولا يعتبر في وجوبها نصاب. وبهذا قال ~~أبو هريرة وأبو العالية، والشعبي، وعطاء، وابن سيرين، والزهري، ومالك، وابن ~~المبارك، والشافعي، وأبو ثور. # وقال أصحاب الرأي: لا تجب إلا على من يملك مائتي درهم، أو ما قيمته نصاب ~~فاضل عن مسكنه؛ ms1270 لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صدقة إلا عن ~~ظهر غنى» والفقير لا غنى له فلا تجب عليه، ولأنه تحل له الصدقة، فلا تجب ~~عليه، كمن لا يقدر عليها. ولنا ما روى ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أدوا صدقة الفطر صاعا من قمح أو قال: بر ~~عن كل إنسان، صغير أو كبير، حر أو مملوك، غني أو فقير، ذكر أو أنثى أما ~~غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى» . # وفي رواية أبي داود: «صاع من بر أو قمح عن كل اثنين» . ولأنه حق مال لا ~~يزيد بزيادة المال، فلا يعتبر وجوب النصاب فيه. كالكفارة، ولا يمتنع أن ~~يؤخذ منه ويعطى لمن وجب عليه العشر، والذي قاسوا عليه عاجز، فلا يصح القياس ~~عليه، وحديثهم محمول على زكاة المال ### | [فصل لم يفضل إلا صاع ليلة العيد] # (1977) فصل: وإذا لم يفضل إلا صاع أخرجه عن نفسه؛ لقوله - عليه السلام -: ~~«ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ولأن الفطرة تنبني على النفقة، فكما يبدأ بنفسه ~~في النفقة فكذلك في الفطرة. فإن فضل آخر أخرجه عن امرأته؛ لأن نفقتها آكد، ~~فإن نفقتها تجب على سبيل المعاوضة مع اليسار والإعسار ونفقة الأقارب صلة ~~تجب مع اليسار دون الإعسار. فإن فضل آخر أخرجه عن رقيقه؛ لوجوب نفقتهم في ~~الإعسار. # وقال ابن عقيل: يحتمل تقديم الرقيق على الزوجة؛ لأن فطرته متفق عليها، ~~وفطرتها مختلف فيها. فإن فضل آخر أخرجه عن ولده الصغير، لأن نفقته منصوص ~~عليها ومجمع عليها. # وفي الوالد والولد الكبير وجهان؛ # PageV03P094 # أحدهما، يقدم الولد لأنه كبعضه. والثاني الوالد؛ لأنه كبعض والده. وتقدم ~~فطرة الأم على فطرة الأب، لأنها مقدمة في البر، بدليل «قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - للأعرابي لما سأله من أبر؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. ~~قال ثم من قال أمك قال ثم من؟ قال ثم أباك» . ولأنها ضعيفة عن الكسب. # ويحتمل تقديم فطرة الأب لقول النبي - صلى الله ms1271 عليه وسلم -: «أنت ومالك ~~لأبيك» . ثم بالجد، ثم الأقرب فالأقرب، على ترتيب العصبات في الميراث. ~~ويحتمل تقديم فطرة الولد على فطرة المرأة؛ لما روى أبو هريرة، قال: «أمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصدقة، فقام رجل فقال: يا رسول الله: ~~عندي دينار. قال: تصدق به على نفسك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على ولدك. ~~قال عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك. قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ~~خادمك. قال عندي آخر، قال: أنت أبصر.» فقدم الولد في الصدقة عليه، فكذلك في ~~الصدقة عنه. ولأن الولد كبعضه، فيقدم كتقديم نفسه، ولأنه إذا ضيع ولده لم ~~يجد من ينفق عليه، فيضيع، والزوجة إذا لم ينفق عليها فرق بينهما، وكان لها ~~من يمونها، من زوج أو ذي رحم. # ولأن نفقة الزوجة على سبيل المعاوضة، فكانت أضعف في استتباع الفطرة من ~~النفقة الواجبة على سبيل الصلة؛ لأن وجوب العوض المقدر لا يقتضي وجوب زيادة ~~عليه يتصدق بها عمن له العوض ولهذا لم تجب فطرة الأخير المشروط له مؤنته، ~~بخلاف القرابة، فإنها كما اقتضت صلته بالإنفاق عليه، اقتضت صلته بتطهيره ~~بإخراج الفطرة عنه. ### | [فصل لم يفضل إلا بعض صاع ليلة العيد فهل يلزمه إخراجه] # (1978) فصل: فإن لم يفضل إلا بعض صاع فهل يلزمه إخراجه؟ على روايتين؛ ~~إحداهما لا يلزمه. اختارها ابن عقيل؛ لأنها طهرة فلا تجب على من لا يملك ~~جميعها، كالكفارة. والثانية، يلزمه إخراجه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.» ولأنها طهرة، فوجب منها ما قدر ~~عليه، كالطهارة بالماء، ولأن الجزء من الصاع يخرج عن العبد المشترك، فجاز ~~أن يخرج عن غيره كالصاع ### | [فصل أعسر بفطرة زوجته] # (1979) فصل: وإن أعسر بفطرة زوجته، فعليها فطرة نفسها، أو على سيدها إن ~~كانت مملوكة؛ لأنها تتحمل إذا كان ثم متحمل، فإذا لم يكن عاد إليها، ~~كالنفقة. ويحتمل أن لا يجب عليها شيء؛ لأنها لم تجب على من وجد سبب الوجوب ~~في حقه لعسرته، فلم تجب على ms1272 غيره، كفطرة نفسه. وتفارق النفقة، فإن وجوبها # PageV03P095 # آكد؛ لأنها مما لا بد منه، وتجب على المعسر، والعاجز، ويرجع عليها بها ~~عند يساره، والفطرة بخلافها. ### | [فصل من وجبت فطرته على غيره إذا أخرج عن نفسه] # (1980) فصل: ومن وجبت فطرته على غيره، كالمرأة والنسيب الفقير، إذا أخرج ~~عن نفسه بإذن من تجب عليه، صح بغير خلاف نعلمه؛ لأنه نائب عنه. وإن أخرج ~~بغير إذنه، ففيه وجهان؛ أحدهما، يجزئه لأنه أخرج فطرته فأجزأه كالتي وجبت ~~عليه. والثاني: لا يجزئه؛ لأنه أدى ما وجب على غيره بغير إذنه، فلم يصح، ~~كما لو أدى عن غيره. ### | [فصل له دار يحتاج إليها هل عليه زكاة الفطر] # (1981) فصل: ومن له دار يحتاج إليها لسكناها، أو إلى أجرها لنفقته، أو ~~ثياب بذلة له، أو لمن تلزمه مؤنته، أو رقيق يحتاج إلى خدمتهم هو أو من ~~يمونه، أو بهائم يحتاجون إلى ركوبها والانتفاع بها في حوائجهم الأصلية أو ~~سائمة يحتاج إلى نمائها كذلك، أو بضاعة يختل ربحها الذي يحتاج إليه بإخراج ~~الفطرة منها، فلا فطرة عليه كذلك؛ لأن هذا مما تتعلق به حاجته الأصلية، فلم ~~يلزمه بيعه، كمؤنة نفسه. # ومن له كتب يحتاج إليها للنظر فيها والحفظ منها، لا يلزمه بيعها. والمرأة ~~إذا كان لها حلي للبس أو لكراء يحتاج إليه، لم يلزمها بيعه في الفطرة. وما ~~فضل من ذلك عن حوائجه الأصلية، وأمكن بيعه وصرفه في الفطرة وجبت الفطرة به؛ ~~لأنه أمكن أداؤها من غير ضرر أصلي، أشبه ما لو ملك من الطعام ما يؤديه ~~فاضلا عن حاجته. ### | [مسألة لا تجب فطرة المكاتب على سيده] # (1982) مسألة: # قال وليس عليه في مكاتبه زكاة وعلى المكاتب أن يخرج عن نفسه زكاة الفطر، ~~وممن # قال: لا تجب فطرة المكاتب على سيده، أبو سلمة بن عبد الرحمن، والثوري، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. وأوجبها على السيد عطاء، ومالك، وابن المنذر؛ لأنه ~~عبد، فأشبه سائر عبيده. ولنا قوله - عليه السلام -: " ممن تمونون ". وهذا ~~لا يمونه، ولأنه لا تلزمه مؤنته، فلم تلزمه فطرته، كالأجنبي، وبهذا فارق ms1273 ~~سائر عبيده. إذا ثبت هذا، فإن على المكاتب فطرة نفسه، وفطرة من تلزمه مؤنته ~~كزوجته، ورقيقه. # وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا تجب عليه؛ لأنه ناقص الملك، فلم تجب عليه ~~الفطرة، كالقن، ولأنها زكاة فلم تجب عليه كزكاة المال. ولنا، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فرض صدقة الفطر على الحر والعبد، والذكر والأنثى. ~~وهذا # PageV03P096 # عبد ولا يخلو من كونه ذكرا أو أنثى، ولأنه يلزمه نفقة نفسه، فلزمته ~~فطرتها كالحر الموسر ويفارق زكاة المال؛ لأنها يعتبر لها الغنى والنصاب ~~والحول، ولا يحملها أحد عن غيره، بخلاف الفطرة. (1983) فصل: وتلزم المكاتب ~~فطرة من يمونه كالحر؛ لدخولهم في عموم قوله عليه السلام: «أدوا صدقة الفطر ~~عمن تمونون» ### | [مسألة فطرة العبد المشترك واجبة على مواليه] # (1984) مسألة: # قال: وإذا ملك جماعة عبدا أخرج كل واحد منهم صاعا، وعن أبي عبد الله ~~رواية أخرى، صاعا عن الجميع وجملة ذلك أن فطرة العبد المشترك واجبة على ~~مواليه. وبهذا # قال مالك، ومحمد بن سلمة، وعبد الملك، والشافعي، ومحمد بن الحسن، وأبو ~~ثور. # وقال الحسن، وعكرمة، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف: لا فطرة على واحد ~~منهم؛ لأنه ليس عليه لأحد منهم ولاية تامة، أشبه المكاتب. ولنا، عموم ~~الأحاديث، ولأنه عبد مسلم مملوك لمن يقدر على الفطرة، وهو من أهلها فلزمته ~~لمملوك الواحد، وفارق المكاتب، فإنه لا تلزم سيده مؤنته، ولأن المكاتب يخرج ~~عن نفسه زكاة الفطر، بخلاف القن، والولاية غير معتبرة في وجوب الفطرة، ~~بدليل عبد الصبي، ثم إن ولايته للجميع، فتكون فطرته عليهم. # واختلفت الرواية في قدر الواجب على كل واحد منهم، ففي إحداهما على كل ~~واحد صاع؛ لأنها طهرة فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء، ككفارة القتل. ~~والثانية، على الجميع صاع واحد على كل واحد منهم بقدر ملكه فيه. وهذا ~~الظاهر عن أحمد. # قال فوران: رجع أحمد عن هذه المسألة، وقال: يعطي كل واحد منهم نصف صاع. ~~يعني رجع عن إيجاب صاع كامل على كل واحد. وهذا قول سائر من أوجب فطرته على ~~سادته؛ لأن النبي ms1274 - صلى الله عليه وسلم - أوجب صاعا على كل واحد. وهذا عام ~~في المشترك وغيره، ولأن نفقته تقسم عليهم، فكذلك فطرته التابعة لها، ولأنه ~~شخص واحد، فلم تجب عنه صيعان كسائر الناس، ولأنها طهرة فوجبت على سادته ~~بالحصص، كماء الغسل من الجنابة إذا احتيج إليه، وبهذا ينتقض ما ذكرناه ~~للرواية الأولى ### | [فصل من بعضه حر ففطرته عليه وعلى سيده] # (1985) فصل: ومن بعضه حر ففطرته عليه وعلى سيده. وبهذا # قال الشافعي، وأبو ثور، وقال مالك: على الحر بحصته، وليس على العبد شيء. # PageV03P097 # ولنا، أنه عبد مسلم تلزم فطرته شخصين من أهل الفطرة، فكانت فطرته عليهما ~~كالمشترك، ثم هل يلزم كل واحد منهما صاع أو بالحصص؟ ينبني على ما ذكرنا في ~~العبد المشترك، فإن كان أحدهما معسرا فلا شيء عليه، وعلى الآخر بقدر الواجب ~~عليه، ولو كان بين العبد وبين السيد مهايأة أو كان المشتركون في العبد قد ~~تهايئوا عليه، لم تدخل الفطرة في المهايأة لأن المهايأة معاوضة كسب بكسب؛ ~~والفطرة حق لله تعالى، فلا تدخل في ذلك، كالصلاة. # (1986) فصل: ولو ألحقت القافة ولدا برجلين أو أكثر، فالحكم في فطرته ~~كالحكم في العبد المشترك. ولو أن شخصا حرا له قريبان فأكثر عليهم نفقته ~~بينهم، كانت فطرته عليهم، كالعبد المشترك، على ما ذكر فيه. ### | [مسألة يعطي صدقة الفطر لمن يجوز أن يعطي صدقة الأموال] # (1987) مسألة: # قال ويعطي صدقة الفطر لمن يجوز أن يعطي صدقة الأموال إنما كانت كذلك؛ لأن ~~صدقة الفطر زكاة، فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات، ولأنها صدقة، فتدخل في ~~عموم قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] الآية. ~~ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه، ولا يجوز دفعها إلى ~~ذمي. وبهذا # قال مالك، والليث، والشافعي، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: يجوز. # وعن عمرو بن ميمون، وعمرو بن شرحبيل، ومرة الهمداني، أنهم كانوا يعطون ~~منها الرهبان. ولنا، أنها زكاة، فلم يجز دفعها إلى غير المسلمين، كزكاة ~~المال، ولا خلاف في أن زكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير المسلمين. ms1275 # قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن لا يجزئ أن يعطى من زكاة المال ~~أحد من أهل الذمة. (1988) فصل: ويجوز أن يعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه ~~من زكاة ماله، ولا يعطي منها غنيا، ولا ذا قربى، # PageV03P098 # ولا أحدا ممن منع أخذ زكاة المال. ويجوز صرفها في الأصناف الثمانية؛ ~~لأنها صدقة فأشبهت صدقة المال. ### | [فصل أخذ الصدقة ممن له نصاب وردها عليه إذا لم يكن له قدر كفايته] # (1989) فصل: وإن دفعها إلى مستحقها، فأخرجها آخذها إلى دافعها، أو جمعت ~~الصدقة عند الإمام، ففرقها على أهل السهمان، فعادت إلى إنسان صدقته، فاختار ~~القاضي، جواز ذلك. # قال: لأن أحمد قد نص في من له نصاب من الماشية والزرع، أن الصدقة تؤخذ ~~منه، وترد عليه، إذا لم يكن له قدر كفايته. وهو مذهب الشافعي، ولأن قبض ~~الإمام أو المستحق أزال ملك المخرج، وعادت إليه بسبب آخر، فجاز كما لو عادت ~~بميراث. # وقال أبو بكر: مذهب أحمد أنه لا يحل له أخذها؛ لأنها طهرة له، فلم يجز له ~~أخذها كشرائها؛ «ولأن عمر - رضي الله عنه - أراد أن يشتري الفرس الذي حمل ~~عليه في سبيل الله. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تشترها ولا ~~تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه» ، فأما إن اشتراها لم ~~يجز له ذلك؛ للخبر. وإن ورثها فله أخذها؛ لأنها رجعت إليه بغير فعل منه. ### | [مسألة يجوز في الصدقة أن يعطي الواحد ما يلزم الجماعة والجماعة ما يلزم الواحد] # (1990) مسألة: # قال: ويجوز أن يعطي الواحد ما يلزم الجماعة والجماعة ما يلزم الواحد ~~إعطاء الجماعة ما يلزم الواحد لا نعلم فيه خلافا لأنه صرف صدقته إلى ~~مستحقها، فبرئ منها كما لو دفعها إلى واحد؛ وأما إعطاء الواحد صدقة ~~الجماعة، فإن الشافعي ومن وافقه، أوجبوا تفرقة الصدقة على ستة أصناف، ودفع ~~حصة كل صنف إلى ثلاثة منهم، على ما ذكرناه قبل هذا. وقد ذكرنا الدليل عليه، ~~ولأنها صدقة لغير معين، فجاز صرفها إلى واحد كالتطوع. وبهذا ms1276 # قال مالك، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. ### | [مسألة حكم زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه] # (1991) مسألة: # قال: ومن أخرج عن الجنين، فحسن وكان عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يخرج ~~عن الجنين المذهب أن الفطرة غير واجبة على الجنين. وهو قول أكثر أهل العلم. ~~قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار لا يوجبون على الرجل زكاة ~~الفطر عن الجنين في بطن أمه. # وعن أحمد، رواية أخرى أنها تجب عليه؛ لأنه آدمي، تصح الوصية له، وبه ويرث ~~فيدخل في عموم الأخبار، ويقاس على المولود. ولنا أنه جنين فلم تتعلق الزكاة ~~به، كأجنة البهائم ولأنه لم تثبت له أحكام الدنيا إلا في الإرث والوصية، ~~بشرط أن يخرج حيا. إذا ثبت هذا فإنه يستحب إخراجها عنه؛ لأن عثمان كان ~~يخرجها عنه، ولأنها صدقة عمن لا تجب عليه، فكانت مستحبة كسائر صدقات التطوع # PageV03P099 ### | [مسألة كان في يده ما يخرجه عن صدقة الفطر وعليه دين مثله] # (1992) مسألة: # قال: ومن كان في يده ما يخرجه عن صدقة الفطر، وعليه دين مثله، لزمه أن ~~يخرج، إلا أن يكون مطالبا بالدين، فعليه قضاء الدين ولا زكاة عليه إنما لم ~~يمنع الدين الفطرة؛ لأنها آكد وجوبا بدليل وجوبها على الفقير، وشمولها لكل ~~مسلم قدر على إخراجها، ووجوب تحملها عمن وجبت نفقته على غيره، ولا تتعلق ~~بقدر من المال فجرت مجرى النفقة ولأن زكاة المال تجب بالملك، والدين يؤثر ~~في الملك، فأثر فيها، وهذه تجب على البدن، والدين لا يؤثر فيه، وتسقط ~~الفطرة عند المطالبة بالدين، لوجوب أدائه عند المطالبة، وتأكده بكونه حق ~~آدمي معين لا يسقط بالإعسار، وكونه أسبق سببا وأقدم وجوبا يأثم بتأخيره، ~~فإنه يسقط غير الفطرة، وإن لم يطالب به؛ لأن تأثير المطالبة إنما هو في ~~إلزام الأداء وتحريم التأخير. ### | [فصل مات من وجبت عليه الفطرة قبل أدائها] # (1993) فصل: وإن مات من وجبت عليه الفطرة قبل أدائها، أخرجت من تركته فإن ~~كان عليه دين وله مال يفي بهما، قضيا جميعا، وإن لم ms1277 يف بهما، قسم بين الدين ~~والصدقة بالحصص. نص عليه أحمد في زكاة المال، أن التركة تقسم بينهما، وكذا ~~هاهنا. فإن كان عليه زكاة مال وصدقة فطر ودين، فزكاة الفطر والمال كالشيء ~~الواحد لاتحاد مصرفهما، فيحاصان الدين، وأصل هذا أن حق الله سبحانه، وحق ~~الآدمي، إذا تعلقا بمحل واحد، فكانا في الذمة، أو كانا في العين، تساويا في ~~الاستيفاء ### | [فصل إذا مات المفلس وله عبيد ففطرتهم على الورثة] # (1994) فصل: وإذا مات المفلس، وله عبيد، فهل شوال قبل قسمتهم بين ~~الغرماء، ففطرتهم على الورثة؛ لأن الدين لا يمنع نقل التركة، بل غايته أن ~~يكون رهنا بالدين، وفطرة الرهن على مالكه. ### | [فصل مات عبيده أو من يمونه بعد وجوب الفطرة] # (1995) فصل: ولو مات عبيده، أو من يمونه، بعد وجوب الفطرة، لم تسقط، ~~لأنها دين ثبت في ذمته بسبب عبده، فلم تسقط بموته، كما لو استدان العبد ~~بإذنه دينا وجب في ذمته، ولأن زكاة المال لا تسقط بتلفه، فالفطرة أولى، فإن ~~زكاة المال تتعلق بالعين، في إحدى الروايتين، وزكاة الفطر بخلافه. # PageV03P100 ### | [فصول في صدقة التطوع] ### | [فصل صدقة التطوع مستحبة في جميع الأوقات] # : (1996) فصل وهي مستحبة في جميع الأوقات؛ لقوله تعالى: {من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] . وأمر بالصدقة في ~~آيات كثيرة، وحث عليها ورغب فيها. وروى أبو صالح، عن أبي هريرة، قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد ~~إلى الله إلا الطيب، فإن الله تعالى يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما ~~يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل» . متفق عليه. # وصدقة السر أفضل من صدقة العلانية؛ لقول الله تعالى: {إن تبدوا الصدقات ~~فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم} ~~[البقرة: 271] وروى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم رجلا تصدق بصدقة ~~فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ms1278 ما تنفق يمينه» . متفق عليه # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن صدقة السر تطفئ غضب الرب» . ~~ويستحب الإكثار منها في أوقات الحاجات، لقول الله تعالى: {أو إطعام في يوم ~~ذي مسغبة} [البلد: 14] . # وفي شهر رمضان؛ لأن الحسنات تضاعف فيه، ولأن فيه إعانة على أداء الصوم ~~المفروض. ومن فطر صائما كان له مثل أجره وتستحب الصدقة على ذي القرابة؛ ~~لقول الله تعالى: {يتيما ذا مقربة} [البلد: 15] . # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ~~ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة» . وهذا حديث حسن. # PageV03P101 # «وسألت زينب امرأة عبد الله بن مسعود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~هل ينفعها أن تضع صدقتها في زوجها وبني أخ لها يتامى؟ قال: نعم، لها أجران؛ ~~أجر القرابة، وأجر الصدقة.» رواه النسائي. # وتستحب الصدقة على من اشتدت حاجته، لقول الله تعالى: {أو مسكينا ذا ~~متربة} [البلد: 16] ### | [فصل الأولى أن يتصدق من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام] # (1997) فصل: والأولى أن يتصدق من الفاضل عن كفايته، وكفاية من يمونه على ~~الدوام؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خير الصدقة ما كان عن ظهر ~~غنى، وابدأ بمن تعول» متفق عليه،. فإن تصدق بما ينقص عن كفاية من تلزمه ~~مؤنته، ولا كسب له، أثم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء ~~إثما أن يضيع من يمون» . ولأن نفقة من يمونه واجبة، والتطوع نافلة، وتقديم ~~النفل على الفرض غير جائز فإن كان الرجل وحده أو كان لمن يمون كفايتهم ~~فأراد الصدقة بجميع ماله، وكان ذا مكسب، أو كان واثقا من نفسه، يحسن التوكل ~~والصبر على الفقر، والتعفف عن المسألة، فحسن؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «سئل عن أفضل الصدقة، فقال: جهد من مقل إلى فقير في السر» . وروي عن ~~عمر - رضي الله عنه - قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئته ~~بنصف مالي، فقال رسول الله ms1279 - صلى الله عليه وسلم - ما أبقيت لأهلك؟ قلت: ~~أبقيت لهم مثله، فأتاه أبو بكر بكل ما عنده، فقال له: ما أبقيت لأهلك؟ قال: ~~الله ورسوله فقلت: لا أسابقك إلى شيء بعده أبدا» . # فهذا كان فضيلة في حق أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لقوة يقينه، وكمال ~~إيمانه، وكان أيضا تاجرا ذا مكسب، فإنه # قال حين ولي: قد علم الناس أن كسبي لم يكن ليعجز عن مؤنة عيالي. أو كما # قال - رضي الله عنه -. # وإن لم يوجد في المتصدق أحد هذين كره؛ لما روى أبو داود، عن جابر بن عبد ~~الله. # قال: «كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل بمثل بيضة من ~~ذهب، فقال يا رسول الله أصبت هذه من معدن، فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها. ~~فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن، ~~فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر، فقال مثل ذلك، فأعرض ~~عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV03P102 # فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، وقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: يأتي أحدكم بما يملك، ويقول: هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس، ~~خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى.» فقد نبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~المعنى الذي كره من أجله الصدقة بجميع ماله وهو أن يستكف الناس، أي يتعرض ~~لهم للصدقة، أي يأخذها ببطن كفه يقال: تكفف واستكف. # إذا فعل ذلك وروى النسائي، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى رجلا ~~ثوبين من الصدقة، ثم حث على الصدقة، فطرح الرجل أحد ثوبيه، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: ألم تروا إلى هذا، دخل بهيئة بذة فأعطيته ثوبين، ثم ~~قلت: تصدقوا. فطرح أحد ثوبيه، خذ ثوبك. وانتهره» . ولأن الإنسان إذا أخرج ~~جميع ماله، لا يأمن فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه فيندم، ~~فيذهب ماله ويبطل أجره، ms1280 ويصير كلا على الناس. ويكره لمن لا صبر له على ~~الإضافة أن ينقص نفسه من الكفاية التامة والله أعلم. # PageV03P103 ### | [كتاب الصيام] # الصيام في اللغة: الإمساك، يقال: صام النهار. إذا وقف سير الشمس. قال ~~الله تعالى إخبارا عن مريم: {إني نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] . أي صمتا؛ ~~لأنه إمساك عن الكلام، وقال الشاعر: # خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما # يعني بالصائمة: الممسكة عن الصهيل. والصوم في الشرع: عبارة عن الإمساك عن ~~أشياء مخصوصة، في وقت مخصوص، يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وصوم رمضان واجب، والأصل في وجوبه الكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب ~~فقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين ~~من قبلكم} [البقرة: 183] إلى قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: ~~185] . وأما السنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بني الإسلام على ~~خمس» . ذكر منها صوم رمضان، وعن طلحة بن عبيد الله، «أن رجلا جاء إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض ~~الله علي من الصيام؟ قال: شهر رمضان. قال: هل علي غيره؟ قال: لا، إلا أن ~~تطوع شيئا. قال: فأخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام. قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئا، ولا ~~أنقص مما فرض الله علي شيئا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أفلح إن ~~صدق أو دخل الجنة إن صدق.» متفق عليهما. # وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان. (1998) فصل: روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة.» متفق عليه. # وروي عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تقولوا ~~جاء رمضان فإن رمضان اسم من # PageV03P104 # أسماء الله تعالى» . فيتعين حمل هذا على أنه لا يقال ذلك غير مقترن بما ~~يدل على إرادة الشهر، لئلا يخالف الأحاديث الصحيحة. والمستحب مع ذلك أن ~~يقول: شهر رمضان، كما قال الله تعالى: ms1281 {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} ~~[البقرة: 185] . # واختلف في المعنى الذي لأجله سمي رمضان، فروى أنس عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «إنما سمي رمضان؛ لأنه يحرق الذنوب» . فيحتمل أنه ~~أراد أنه شرع صومه دون غيره، ليوافق اسمه معناه. وقيل: هو اسم موضوع لغير ~~معنى، كسائر الشهور، وقيل غير ذلك. فصل والصوم المشروع هو الإمساك عن ~~المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. روي معنى ذلك عن عمر، وابن ~~عباس، وبه قال عطاء، وعوام أهل العلم. وروي عن علي - رضي الله عنه -، أنه ~~لما صلى الفجر قال: الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. # وعن ابن مسعود نحوه. وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، إنما ~~كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق. وهذا قول الأعمش. ولنا قول ~~الله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ~~[البقرة: 187] . يعني بياض النهار من سواد الليل. وهذا يحصل بطلوع الفجر. ~~قال ابن عبد البر، في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن بلالا يؤذن ~~بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم.» دليل على أن الخيط الأبيض هو ~~الصباح، وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر. وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا ~~الأعمش وحده، فشذ ولم يعرج أحد على قوله. والنهار الذي يجب صيامه من طلوع ~~الفجر إلى غروب الشمس. قال: هذا قول جماعة علماء المسلمين. . ### | [مسألة يستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان] # (2000) مسألة: قال أبو القاسم، - رحمه الله -: (وإذا مضى من شعبان تسعة ~~وعشرون يوما، طلبوا # PageV03P105 # الهلال، فإن كانت السماء مصحية لم يصوموا ذلك اليوم) وجملة ذلك أنه يستحب ~~للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وتطلبه ليحتاطوا بذلك لصيامهم، ~~ويسلموا من الاختلاف. وقد روى الترمذي، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «أحصوا هلال شعبان لرمضان» . فإذا رأوه وجب عليهم الصيام ~~إجماعا، وإن لم يروه وكانت السماء مصحية، لم يكن لهم صيام ذلك اليوم، إلا ~~أن يوافق صوما ms1282 كانوا يصومونه، مثل من عادته صوم يوم وإفطار يوم، أو صوم يوم ~~الخميس، أو صوم آخر يوم من الشهر، وشبه ذلك إذا وافق صومه، أو من صام قبل ~~ذلك بأيام، فلا بأس بصومه؛ لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصيام يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل ~~كان يصوم صياما فليصمه» . متفق عليه. # وقال عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله ~~عليه وسلم -» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وكره أهل العلم صوم يوم ~~الشك، واستقبال رمضان باليوم واليومين؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عنه. وحكي عن القاسم بن محمد، أنه سئل عن صيام آخر يوم من شعبان، هل يكره؟ ~~قال: لا، إلا أن يغمى الهلال. # واتباع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى. فأما استقبال الشهر ~~بأكثر من يومين فغير مكروه، فإن مفهوم حديث أبي هريرة أنه غير مكروه؛ ~~لتخصيصه النهي باليوم واليومين. وقد روى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ~~أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان النصف من شعبان، ~~فأمسكوا عن الصيام، حتى يكون رمضان» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. إلا ~~أن أحمد قال: ليس هو بمحفوظ. قال: وسألنا عنه عبد الرحمن بن مهدي، فلم ~~يصححه، ولم يحدثني به، وكان يتوقاه. قال أحمد: والعلاء ثقة لا ينكر من ~~حديثه إلا هذا؛ لأنه خلاف ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ~~يصل شعبان برمضان. ويحمل هذا الحديث على نفي استحباب الصيام في حق من لم ~~يصم قبل نصف الشهر، وحديث عائشة في صلة شعبان برمضان في حق من صام الشهر ~~كله، فإنه قد جاء ذلك في سياق الخبر، فلا تعارض بين الخبرين إذا، وهذا أولى ~~من حملهما على التعارض، ورد أحدهما بصاحبه، والله أعلم # وفي كلام الخرقي اختصار وتقديره: طلبوا الهلال، فإن رأوه صاموا، وإن لم ~~يروه وكانت السماء مصحية لم يصوموا. ms1283 فحذف بعض الكلام للعلم به اختصارا. ~~(2001) # فصل: ويستحب لمن رأى الهلال أن يقول ما روى ابن عمر، قال: «كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إذا # PageV03P106 # رأى الهلال قال: الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة ~~والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله.» رواه الأثرم. ### | [فصل إذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم] # (2002) فصل: وإذا رأى الهلال أهل بلد، لزم جميع البلاد الصوم. وهذا قول ~~الليث، وبعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: إن كان بين البلدين مسافة قريبة، ~~لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة، لزم أهلهما الصوم برؤية الهلال في ~~أحدهما، وإن كان بينهما بعد، كالعراق والحجاز والشام، فلكل أهل بلد رؤيتهم. ~~وروي عن عكرمة، أنه قال: لكل أهل بلد رؤيتهم. # وهو مذهب القاسم، وسالم، وإسحاق؛ لما روى كريب، قال: «قدمت الشام، واستهل ~~علي هلال رمضان، وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة ~~في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ ~~قلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته ليلة الجمعة؟ قلت: نعم، ورآه ~~الناس، وصاموا، وصام معاوية فقال: لكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم ~~حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، ~~هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.» قال الترمذي: هذا حديث حسن ~~صحيح غريب. ولنا قول الله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: ~~185] . «وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي لما قال له: الله أمرك ~~أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: نعم» . # وقوله للآخر لما قال له: ماذا فرض الله علي من الصوم؟ قال: (شهر رمضان. ~~وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان، وقد ثبت أن هذا اليوم من شهر ~~رمضان، بشهادة الثقات، فوجب صومه على جميع المسلمين. ولأن شهر رمضان ما بين ~~الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام، من حلول الدين، ووقوع ~~الطلاق والعتاق، ووجوب النذور، وغير ذلك من الأحكام، فيجب صيامه بالنص ~~والإجماع، ms1284 ولأن البينة العادلة شهدت برؤية الهلال، فيجب الصوم، كما لو ~~تقاربت البلدان. # فأما حديث كريب فإنما دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده، ونحن نقول ~~به، وإنما محل الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول، وليس هو في الحديث. فإن قيل: ~~فقد قلتم إن الناس إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما، ولم يروا الهلال، ~~أفطروا في أحد الوجهين. قلنا: الجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما، أننا إنما ~~قلنا يفطرون إذا صاموا بشهادته، فيكون فطرهم مبنيا على صومهم بشهادته، ~~وهاهنا لم يصوموا بقوله، فلم يوجد ما يجوز بناء الفطر عليه. الثاني، أن ~~الحديث دل على صحة الوجه الآخر. # PageV03P107 ### | [مسألة حال دون منظر الهلال غيم أو قتر] # (2003) مسألة: قال: (وإن حال دون منظره غيم، أو قتر وجب صيامه، وقد أجزأ ~~إذا كان من شهر رمضان) اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - في هذه ~~المسألة، فروي عنه مثل ما نقل الخرقي، اختارها أكثر شيوخ أصحابنا، وهو مذهب ~~عمر، وابنه، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس، ومعاوية، وعائشة، وأسماء ~~بنتي أبي بكر، وبه قال بكر بن عبد الله، وأبو عثمان النهدي، وابن أبي مريم، ~~ومطرف، وميمون بن مهران، وطاوس، ومجاهد. وروي عنه أن الناس تبع للإمام، فإن ~~صام صاموا، وإن أفطر أفطروا. # وهذا قول الحسن، وابن سيرين، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصوم ~~يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون» . قيل معناه أن الصوم ~~والفطر مع الجماعة ومعظم الناس. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وعن أحمد، ~~رواية ثالثة: لا يجب صومه، ولا يجزئه عن رمضان إن صامه. وهو قول أكثر أهل ~~العلم؛ منهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ومن تبعهم؛ لما روى أبو هريرة، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا ~~لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» رواه البخاري. # وعن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صوموا لرؤيته، ~~وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين» . رواه مسلم. وقد صح أن ~~النبي - صلى الله ms1285 عليه وسلم - «نهى عن صوم يوم الشك» . متفق عليه. وهذا يوم ~~شك. ولأن الأصل بقاء شعبان، فلا ينتقل عنه بالشك. ولنا ما روى نافع، عن ابن ~~عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الشهر تسع وعشرون، ~~فلا تصوموا حتى تروا الهلال. ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا ~~له» . قال نافع: كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما، ~~بعث من ينظر له الهلال، فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ~~ولا قتر أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما. رواه أبو ~~داود. # ومعنى اقدروا له: أي ضيقوا له العدد من قوله تعالى: {ومن قدر عليه رزقه} ~~[الطلاق: 7] . أي ضيق عليه. وقوله: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} [الرعد: ~~26] . والتضييق له أن # PageV03P108 # يجعل شعبان تسعة وعشرين يوما. # وقد فسره ابن عمر بفعله، وهو راويه، وأعلم بمعناه، فيجب الرجوع إلى ~~تفسيره، كما رجع إليه في تفسير التفرق في خيار المتبايعين. وروي عن عمر - ~~رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال لرجل: هل صمت من ~~سرر شعبان شيئا؟ قال: لا. وفي لفظ: أصمت من سرر هذا الشهر شيئا؟ قال: لا، ~~قال: فإذا أفطرت فصم يومين» . متفق عليه. # وسرر الشهر: آخره ليال يستتر الهلال فلا يظهر. ولأنه شك في أحد طرفي ~~الشهر لم يظهر فيه أنه من غير رمضان، فوجب الصوم كالطرف الآخر. قال علي، ~~وأبو هريرة، وعائشة: لأن أصم يوما من شعبان، أحب إلي من أن أفطر يوما من ~~رمضان. ولأن الصوم يحتاط له، ولذلك وجب الصوم بخبر واحد، ولم يفطر إلا ~~بشهادة اثنين. فأما خبر أبي هريرة الذي احتجوا به، فإنه يرويه محمد بن ~~زياد، وقد خالفه سعيد بن المسيب، فرواه عن أبي هريرة: " فإن غم عليكم ~~فصوموا ثلاثين " وروايته أولى بالتقديم، لإمامته، واشتهار عدالته، وثقته، ~~وموافقته لرأي أبي هريرة ومذهبه، ولخبر ابن عمر الذي رويناه. # ورواية ابن عمر: " فاقدروا له ثلاثين ms1286 " مخالفة للرواية الصحيحة المتفق ~~عليها، ولمذهب ابن عمر ورأيه. والنهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو، ~~بدليل ما ذكرناه، وفي الجملة لا يجب الصوم إلا برؤية الهلال، أو كمال شعبان ~~ثلاثين يوما، أو يحول دون منظر الهلال غيم أو قتر، على ما ذكرنا من الخلاف ~~فيه. ### | [مسألة لا يصح صوم إلا بنية] # (2004) مسألة: قال: (ولا يجزئه صيام فرض حتى ينويه أي وقت كان من الليل) ~~وجملته أنه لا يصح صوم إلا بنية. إجماعا، فرضا كان أو تطوعا، لأنه عبادة ~~محضة، فافتقر إلى النية، كالصلاة، ثم إن كان فرضا كصيام رمضان في أدائه أو ~~قضائه، والنذر والكفارة، اشترط أن ينويه من الليل عند إمامنا ومالك، ~~والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزئ صيام رمضان وكل صوم متعين بنية من النهار؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي ~~حول المدينة: «من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليصم ~~بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم» . متفق عليه. # وكان صوما واجبا متعينا، ولأنه غير ثابت في الذمة، فهو كالتطوع. # PageV03P109 # ولنا، ما روى ابن جريج، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن ~~الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«من لم يبيت الصيام من الليل، فلا صيام له» . وفي لفظ ابن حزم: «من لم يجمع ~~الصيام قبل الفجر، فلا صيام له.» أخرجه النسائي، وأبو داود، والترمذي. وروى ~~الدارقطني بإسناده، عن عمرة عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» ، وقال: إسناده كلهم ~~ثقات. وقال في حديث حفصة: رفعه عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، وهو من ~~الثقات الرفعاء. # ولأنه صوم فرض، فافتقر إلى النية من الليل، كالقضاء. # فأما صوم عاشوراء، فلم يثبت وجوبه، فإن معاوية قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، ms1287 وأنا ~~صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر» . متفق عليه فلو كان واجبا لم يبح ~~فطره، فإنما سمي الإمساك صياما تجوزا، بدليل قوله: " ومن كان أصبح مفطرا، ~~فليصم بقية يومه. ولم يفرق بين المفطر بالأكل وغيره. وقد روى البخاري، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلا: أن أذن في الناس «أن من كان ~~أكل فليصم بقية يومه» . # وإمساك بقية اليوم بعد الأكل ليس بصيام شرعي، وإنما سماه صياما تجوزا. ثم ~~لو ثبت أنه صيام فالفرق بين ذلك وبين رمضان، أن وجوب الصيام تجدد في أثناء ~~النهار، فأجزأته النية حين تجدد الوجوب، كمن كان صائما تطوعا، فنذر إتمام ~~صوم بقية يومه، فإنه تجزئه نيته عند نذره، بخلاف ما إذا كان النذر متقدما، ~~والفرق بين التطوع والفرض من وجهين: أحدهما، أن التطوع يمكن الإتيان به في ~~بعض النهار، بشرط عدم المفطرات في أوله، بدليل قوله - عليه السلام - في ~~حديث عاشوراء: «فليصم بقية يومه» فإذا نوى صوم التطوع من النهار كان صائما ~~بقية النهار دون أوله، والفرض يكون واجبا في جميع النهار، ولا يكون صائما ~~بغير النية. # والثاني، أن التطوع سومح في نيته من الليل تكثيرا له، فإنه قد يبدو له ~~الصوم في النهار، فاشتراط النية في الليل يمنع ذلك، فسامح الشرع فيها، ~~كمسامحته في ترك القيام في صلاة التطوع، وترك الاستقبال فيه في السفر ~~تكثيرا له، بخلاف الفرض. إذا ثبت هذا ففي أي جزء من الليل نوى أجزأه، وسواء ~~فعل بعد النية ما ينافي الصوم من الأكل والشرب والجماع، أم لم يفعل. واشترط ~~بعض أصحاب الشافعي أن لا يأتي بعد النية بمناف للصوم. # واشترط بعضهم وجود النية في النصف الأخير من الليل، كما اختص أذان الصبح ~~والدفع من مزدلفة به. ولنا مفهوم قوله - عليه السلام -: «لا صيام لمن لم ~~يبيت الصيام من الليل» . # PageV03P110 # من غير تفصيل، ولأنه نوى من الليل، فصح صومه، كما لو نوى في النصف الأخير ~~ولم يفعل ما ينافي الصوم، ولأن تخصيص النية بالنصف الأخير يفضي إلى ms1288 تفويت ~~الصوم؛ لأنه وقت النوم، وكثير من الناس لا ينتبه فيه، ولا يذكر الصوم، ~~والشارع إنما رخص في تقديم النية على ابتدائه، لحرج اعتبارها عنده، فلا ~~يخصها بمحل لا تندفع المشقة بتخصيصها به، ولأن تخصيصها بالنصف الأخير تحكم ~~من غير دليل، ولا يصح اعتبار الصوم بالأذان والدفع من مزدلفة؛ لأنهما ~~يجوزان بعد الفجر، فلا يفضي منعهما في النصف الأول إلى فواتهما، بخلاف نية ~~الصوم، ولأن اختصاصهما بالنصف الأخير بمعنى تجويزهما فيه، واشتراط النية ~~بمعنى الإيجاب والتحتم، وفوات الصوم بفواتها فيه، وهذا فيه مشقة ومضرة، ~~بخلاف التجويز، ولأن منعهما في النصف الأول لا يفضي إلى اختصاصهما بالنصف ~~الأخير، لجوازهما بعد الفجر، والنية بخلافه، فأما إن فسخ النية، مثل إن نوى ~~الفطر بعد نية الصيام، لم تجزئه تلك النية المفسوخة، لأنها زالت حكما ~~وحقيقة. ### | [فصل نوى من النهار صوم الغد] # (2005) فصل: وإن نوى من النهار صوم الغد، لم تجزئه تلك النية، إلا أن ~~يستصحبها إلى جزء من الليل. وقد روى ابن منصور، عن أحمد، من نوى الصوم عن ~~قضاء رمضان بالنهار، ولم ينو من الليل، فلا بأس، إلا أن يكون فسخ النية بعد ~~ذلك. فظاهر هذا حصول الإجزاء بنيته من النهار، إلا أن القاضي قال: هذا ~~محمول على أنه استصحب النية إلى جزء من الليل. وهذا صحيح؛ لظاهر قوله - ~~عليه السلام -: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ". ولأنه لم ينو عند ~~ابتداء العبادة، ولا قريبا منها، فلم يصح، كما لو نوى من الليل صوم بعد غد. ### | [فصل تعتبر النية لكل يوم من رمضان] # (2006) فصل: وتعتبر النية لكل يوم. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وابن ~~المنذر. وعن أحمد أنه تجزئه نية واحدة لجميع الشهر، إذا نوى صوم جميعه. ~~وهذا مذهب مالك، وإسحاق؛ لأنه نوى في زمن يصلح جنسه لنية الصوم، فجاز، كما ~~لو نوى كل يوم في ليلته. ولنا. أنه صوم واجب، فوجب أن ينوي كل يوم من ~~ليلته، كالقضاء. ولأن هذه الأيام عبادات لا يفسد بعضها بفساد بعض، ويتخللها ~~ما ms1289 ينافيها، فأشبهت القضاء، وبهذا فارقت اليوم الأول. وعلى قياس رمضان إذا ~~نذر صوم شهر بعينه، فيخرج فيه مثل ما ذكرناه في رمضان. . # PageV03P111 ### | [فصل متى خطر بقلبه في الليل أن غدا من رمضان وأنه صائم فيه فقد نوى] # فصل: ومعنى النية القصد، وهو اعتقاد القلب فعل شيء، وعزمه عليه، من غير ~~تردد، فمتى خطر بقلبه في الليل أن غدا من رمضان، وأنه صائم فيه، فقد نوى. ~~وإن شك في أنه من رمضان ولم يكن له أصل يبني عليه، مثل أن يكون ليلة ~~الثلاثين من شعبان، ولم يحل دون مطلع الهلال غيم ولا قتر، فعزم أن يصوم غدا ~~من رمضان، لم تصح النية، ولا يجزئه صيام ذلك اليوم، لأن النية قصد تتبع ~~العلم، وما لا يعلمه ولا دليل على وجوده ولا هو على ثقة من اعتقاده لا يصح ~~قصده. وبهذا قال حماد، وربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وابن ~~المنذر. # وقال الثوري، والأوزاعي: يصح إذا نواه من الليل؛ لأنه نوى الصيام من ~~الليل، فصح كاليوم الثاني، وعن الشافعي كالمذهبين. ولنا أنه لم يجزم النية ~~بصومه من رمضان، فلم يصح، كما لو لم يعلم إلا بعد خروجه. وكذلك لو بنى على ~~قول المنجمين وأهل المعرفة بالحساب، فوافق الصواب، لم يصح صومه، وإن كثرت ~~إصابتهم، لأنه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه، ولا العمل به، فكان وجوده ~~كعدمه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» ~~. وفي رواية: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه» . فأما ليلة ~~الثلاثين من رمضان، فتصح نيته، وإن احتمل أن يكون من شوال؛ لأن الأصل بقاء ~~رمضان، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بصومه بقوله: «ولا تفطروا حتى ~~تروه» . # لكن إن قال: إن كان غدا من رمضان، فأنا صائم، وإن كان من شوال فأنا مفطر. ~~فقال ابن عقيل لا يصح صومه: لأنه لم يجزم بنية الصيام، والنية اعتقاد جازم. ~~ويحتمل أن يصح؛ لأن هذا شرط واقع، والأصل بقاء رمضان. . ### | [فصل تعيين النية في ms1290 كل صوم واجب] # (2008) فصل: ويجب تعيين النية في كل صوم واجب، وهو أن يعتقد أنه يصوم غدا ~~من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته، أو نذره. نص عليه أحمد، في رواية ~~الأثرم، فإنه قال: قلت لأبي عبد الله: أسير صام في أرض الروم شهر رمضان، ~~ولا يعلم أنه رمضان، ينوي التطوع؟ قال: لا يجزئه إلا بعزيمة أنه من رمضان. ~~ولا يجزئه في يوم الشك إذا أصبح صائما، وإن كان من رمضان إلا بعزيمة من ~~الليل أنه من رمضان. وبهذا قال مالك، والشافعي. وعن أحمد، رواية أخرى، أنه ~~لا يجب تعيين النية لرمضان. # فإن المروذي روى عن أحمد، أنه قال: يكون يوم الشك يوم غيم إذا أجمعنا على ~~أننا نصبح صياما يجزئنا من رمضان، وإن لم نعتقد أنه من رمضان؟ قال: نعم. ~~قلت فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P112 # : «إنما الأعمال بالنيات» . أليس يريد أن ينوي أنه من رمضان؟ قال: لا، ~~إذا نوى من الليل أنه صائم أجزأه. وحكى أبو حفص العكبري، عن بعض أصحابنا ~~أنه قال: ولو نوى نفلا وقع عنه رمضان وصح صومه وهذا قول أبي حنيفة. # وقال بعض أصحابنا: ولو نوى أن يصوم تطوعا ليلة الثلاثين من رمضان، فوافق ~~رمضان، أجزأه. قال القاضي: وجدت هذا الكلام اختيارا لأبي القاسم، ذكره في " ~~شرحه ". وقال أبو حفص: لا يجزئه، إلا أن يعتقد من الليل بلا شك ولا تلوم. ~~فعلى القول الثاني: لو نوى في رمضان الصوم مطلقا، أو نوى نفلا، وقع عن ~~رمضان، وصح صومه. وهذا قول أبي حنيفة إذا كان مقميا؛ لأنه فرض مستحق في زمن ~~بعينه، فلا يجب تعيين النية له، كطواف الزيارة. # ولنا أنه صوم واجب، فوجب تعيين النية له، كالقضاء وطواف الزيارة، ~~كمسألتنا في افتقاره إلى التعيين، فلو طاف ينوي به الوداع، أو طاف بنية ~~الطواف مطلقا، لم يجزئه عن طواف الزيارة. ثم الحج مخالف للصوم، ولهذا ينعقد ~~مطلقا، وينصرف إلى الفرض. ولو حج عن غيره، ولم يكن حج عن نفسه، وقع عن ~~نفسه. ولو ms1291 نوى الإحرام بمثل ما أحرم به فلان، صح، وينعقد فاسدا، بخلاف ~~الصوم. ### | [فصل نوى ليلة الشك إن كان غدا من رمضان فأنا صائم وإلا فهو نفل] # (2009) فصل: ولو نوى ليلة الشك، إن كان غدا من رمضان فأنا صائم، فرضا، ~~وإلا فهو نفل. لم يجزئه، على الرواية الأولى؛ لأنه لم يعين الصوم من رمضان ~~جزما، ويجزئه على الأخرى؛ لأنه قد نوى الصوم. ولو كان عليه صوم من سنة خمس، ~~فنوى أنه يصوم عن سنة ست، أو نوى الصوم عن يوم الأحد، وكان الاثنين، أو ظن ~~أن غدا الأحد، فنواه، وكان الاثنين، صح صومه؛ لأن نية الصوم لم تختل، وإنما ~~أخطأ في الوقت. ### | [فصل إذا عين النية عن صوم رمضان أو قضائه أو كفارة أو نذر لم يحتج أن ينوي كونه فرضا] # (2010) فصل: وإذا عين النية عن صوم رمضان، أو قضائه أو كفارة، أو نذر، لم ~~يحتج أن ينوي كونه فرضا. وقال ابن حامد: يجب ذلك. وقد مر بيان ذلك في ~~الصلاة. ### | [مسألة صوم التطوع يجوز بنية من النهار] # (2011) مسألة: قال: (ومن نوى صيام التطوع من النهار، ولم يكن طعم، أجزأه) ~~وجملة ذلك أن صوم التطوع يجوز بنية من النهار، عند إمامنا، وأبي حنيفة، ~~والشافعي. وروي ذلك عن أبي الدرداء، وأبي طلحة وابن مسعود، وحذيفة، وسعيد ~~بن المسيب، وسعيد بن جبير، والنخعي، وأصحاب الرأي. وقال مالك، وداود: لا ~~يجوز إلا بنية من الليل؛ لقوله - عليه السلام - # PageV03P113 # : «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» . ولأن الصلاة يتفق وقت النية ~~لفرضها ونفلها، فكذلك الصوم. ولنا، ما روت عائشة - رضي الله عنها - «قالت: ~~دخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، فقال: هل عندكم من شيء؟ ~~قلنا: لا. قال: فإني إذا صائم» أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي. ويدل عليه ~~أيضا حديث عاشوراء. ولأن الصلاة يخفف نفلها عن فرضها، بدليل أنه لا يشترط ~~القيام لنفلها، ويجوز في السفر على الراحلة إلى غير القبلة، فكذا الصيام. ~~وحديثهم نخصه بحديثنا، على أن حديثنا أصح من حديثهم، ms1292 فإنه من رواية ابن ~~لهيعة، ويحيى بن أيوب، قال الميموني: سألت أحمد عنه، فقال: أخبرك ما له ~~عندي ذلك الإسناد، إلا أنه عن ابن عمر وحفصة، إسنادان جيدان. # والصلاة يتفق وقت النية لنفلها وفرضها؛ لأن اشتراط النية في أول الصلاة ~~لا يفضي إلى تقليلها، بخلاف الصوم فإنه يعين له الصوم من النهار، فعفي عنه، ~~كما لو جوزنا التنفل قاعدا وعلى الراحلة، لهذه العلة. # (2012) فصل: وأي وقت من النهار نوى أجزأه سواء في ذلك ما قبل الزوال ~~وبعده. هذا ظاهر كلام أحمد، والخرقي. وهو ظاهر قول ابن مسعود فإنه قال: ~~أحدكم بأخير النظرين، ما لم يأكل أو يشرب. وقال رجل لسعيد بن المسيب: إني ~~لم آكل إلى الظهر، أو إلى العصر، أفأصوم بقية يومي؟ قال: نعم. واختار ~~القاضي، في " المحرر " أنه لا تجزئه النية بعد الزوال. وهذا مذهب أبي ~~حنيفة، والمشهور من قولي الشافعي؛ لأن معظم النهار مضى من غير نية، بخلاف ~~الناوي قبل الزوال، فإنه قد أدرك معظم العبادة، ولهذا تأثير في الأصول، ~~بدليل أن من أدرك الإمام قبل الرفع من الركوع أدرك الركعة؛ لإدراكه معظمها، ~~ولو أدركه بعد الرفع، لم يكن مدركا لها، ولو أدرك مع الإمام من الجمعة ~~ركعة، كان مدركا لها؛ لأنها تزيد بالتشهد، ولو أدرك أقل من ركعة، لم يكن ~~مدركا لها. # ولنا أنه نوى في جزء من النهار، فأشبه ما لو نوى في أوله، ولأن جميع ~~الليل وقت لنية الفرض، فكذا جميع النهار وقت لنية النفل. إذا ثبت هذا فإنه ~~يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية، في المنصوص عن أحمد، فإنه ~~قال: من نوى في التطوع من النهار، كتب له بقية يومه، وإذا أجمع من الليل ~~كان له يومه. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. وقال أبو الخطاب، في " الهداية ~~": يحكم له بذلك من أول النهار. وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأن الصوم لا ~~يتبعض في اليوم، بدليل ما لو أكل في بعضه، لم يجز له صيام باقيه، فإذا وجد ~~في بعض اليوم ms1293 دل على أنه صائم من أوله، ولا يمتنع الحكم بالصوم من غير # PageV03P114 # نية حقيقة، كما لو نسي الصوم بعد نيته، أو غفل عنه، ولأنه لو أدرك بعض ~~الركعة أو بعض الجماعة كان مدركا لجميعها. # ولنا أن ما قبل النية لم ينو صيامه، فلا يكون صائما فيه؛ لقوله - عليه ~~السلام -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» . ولأن الصوم ~~عبادة محضة، فلا توجد بغير نية، كسائر العبادات المحضة. ودعوى أن الصوم لا ~~يتبعض، دعوى محل النزاع، وإنما يشترط لصوم البعض أن لا توجد المفطرات في ~~شيء من اليوم، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عاشوراء ~~«فليصم بقية يومه» . وأما إذا نسي النية بعد وجودها، فإنه يكون مستصحبا ~~لحكمها، بخلاف ما قبلها، فإنها لم توجد حكما، ولا حقيقة، ولهذا لو نوى ~~الفرض من الليل، ونسيه في النهار صح صومه، ولو لم ينو من الليل، لم يصح ~~صومه. # وأما إدراك الركعة والجماعة، فإنما معناه أنه لا يحتاج إلى قضاء ركعة، ~~وينوي أنه مأموم، وليس هذا مستحيلا، أما أن يكون ما صلى الإمام قبله من ~~الركعات محسوبا له، بحيث يجزئه عن فعله فكلا، ولأن مدرك الركوع مدرك لجميع ~~أركان الركعة، لأن القيام وجد حين كبر وفعل سائر الأركان مع الإمام. # وأما الصوم فإن النية شرط أو ركن فيه، فلا يتصور وجوده بدون شرطه وركنه. ~~إذا ثبت هذا فإن من شرطه أن لا يكون طعم قبل النية، ولا فعل ما يفطره، فإن ~~فعل شيئا من ذلك، لم يجزئه الصيام، بغير خلاف نعلمه. ### | [مسألة نوى الصيام من الليل فأغمي عليه قبل طلوع الفجر فلم يفق حتى غربت الشمس] # (2013) مسألة: قال: (ومن نوى من الليل، فأغمي عليه قبل طلوع الفجر، فلم ~~يفق حتى غربت الشمس، لم يجزه صيام ذلك اليوم) وجملة ذلك أنه متى أغمي عليه ~~جميع النهار، فلم يفق في شيء منه، لم يصح صومه، في قول إمامنا والشافعي. # وقال أبو حنيفة: يصح؛ لأن النية قد صحت، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا ms1294 يمنع ~~صحة الصوم، كالنوم. ولنا أن الصوم هو الإمساك مع النية. قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه ~~لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي» متفق عليه. فأضاف ترك الطعام ~~والشراب إليه، وإذا كان مغمى عليه، فلا يضاف الإمساك إليه، فلم يجزئه. ولأن ~~النية أحد ركني الصوم، فلا تجزئ وحدها، كالإمساك وحده، أما النوم فإنه ~~عادة، ولا يزيل الإحساس بالكلية، ومتى نبه انتبه، والإغماء عارض يزيل ~~العقل، فأشبه الجنون. # إذا ثبت هذا، فزوال العقل يحصل بثلاثة أشياء؛ أحدها، الإغماء وقد ذكرناه، ~~ومتى فسد الصوم به فعلى المغمى عليه القضاء، بغير خلاف علمناه؛ # PageV03P115 # لأن مدته لا تتطاول غالبا، ولا تثبت الولاية على صاحبه، فلم يزل به ~~التكليف وقضاء العبادات، كالنوم، ومتى أفاق المغمى عليه في جزء من النهار، ~~صح صومه، سواء كان في أوله أو آخره. وقال الشافعي، في أحد قوليه: تعتبر ~~الإفاقة في أول النهار، ليحصل حكم النية في أوله. ولنا أن الإفاقة حصلت في ~~جزء من النهار، فأجزأ، كما لو وجدت في أوله، وما ذكروه لا يصح؛ فإن النية ~~قد حصلت من الليل، فيستغني عن ذكرها في النهار، كما لو نام أو غفل عن ~~الصوم، ولو كانت النية إنما تحصل بالإفاقة في النهار، لما صح منه صوم الفرض ~~بالإفاقة، لأنه لا يجزئ بنية من النهار. # الثاني، النوم، فلا يؤثر في الصوم، سواء وجد في جميع النهار أو بعضه. ~~الثالث، الجنون، فحكمه حكم الإغماء، إلا أنه إذا وجد في جميع النهار، لم ~~يجب قضاؤه. وقال أبو حنيفة: متى أفاق المجنون في جزء من رمضان، لزمه قضاء ~~ما مضى منه؛ لأنه أدرك جزءا من رمضان وهو عاقل، فلزمه صيامه، كما لو أفاق ~~في جزء من اليوم. وقال الشافعي: إذا وجد الجنون في جزء من النهار أفسد ~~الصوم؛ لأنه معنى يمنع وجوب الصوم، فأفسده وجوده في بعضه، كالحيض. # ولنا أنه معنى يمنع الوجوب إذا وجد في جميع الشهر، فمنعه إذا ms1295 وجد في جميع ~~النهار، كالصبا والكفر، وأما إن أفاق في بعض اليوم فلنا منع في وجوبه، وإن ~~سلمناه فإنه قد أدرك بعض وقت العبادة، فلزمه، كالصبي إذا بلغ، والكافر إذا ~~أسلم في بعض النهار، وكما لو أدرك بعض وقت الصلاة. ولنا على الشافعي أنه ~~زوال عقل في بعض النهار، فلم يمنع صحة الصوم، كالإغماء والنوم، ويفارق ~~الحيض؛ فإن الحيض لا يمنع الوجوب، وإنما يجوز تأخير الصوم، ويحرم فعله، ~~ويوجب الغسل، ويحرم الصلاة والقراءة واللبث في المسجد والوطء، فلا يصح قياس ~~الجنون عليه. ### | [مسألة للمسافر أن يفطر في رمضان وغيره] # (2014) مسألة: قال: (وإذا سافر ما يقصر فيه الصلاة، فلا يفطر حتى يترك ~~البيوت وراء ظهره) وجملته أن للمسافر أن يفطر في رمضان وغيره، بدلالة ~~الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] ، وأما السنة فقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن الله وضع عن المسافر الصوم» . رواه النسائي، ~~والترمذي، وقال: حديث حسن. في أخبار كثيرة سواه. وأجمع المسلمون على إباحة ~~الفطر للمسافر في الجملة، وإنما يباح الفطر في السفر الطويل، الذي يبيح ~~القصر، وقد ذكرنا قدره في الصلاة. ثم لا يخلو المسافر من ثلاثة أحوال: ~~أحدها، أن يدخل عليه شهر رمضان في السفر، فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في ~~إباحة الفطر له. # PageV03P116 # الثاني، أن يسافر في أثناء الشهر ليلا، فله الفطر في صبيحة الليلة التي ~~يخرج فيها، وما بعدها، في قول عامة أهل العلم. وقال عبيدة السلماني، وأبو ~~مجلز، وسويد بن غفلة: لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر؛ لقول الله تعالى: ~~{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] . وهذا قد شهده. # ولنا قول الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] . وروى ابن عباس، قال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عام الفتح في شهر رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأفطر الناس» . ~~متفق عليه. ولأنه مسافر فأبيح له الفطر، ms1296 كما لو سافر قبل الشهر، والآية ~~تناولت الأمر بالصوم لمن شهد الشهر كله، وهذا لم يشهده كله. الثالث، أن ~~يسافر في أثناء يوم من رمضان، فحكمه في اليوم الثاني كمن سافر ليلا، وفي ~~إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه، عن أحمد روايتان؛ إحداهما، له أن يفطر. # وهو قول عمرو بن شرحبيل، والشعبي، وإسحاق، وداود، وابن المنذر؛ لما روى ~~عبيد بن جبير، قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر ~~رمضان، فدفع، ثم قرب غداءه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، ثم قال: ~~اقترب، قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة «أترغب عن سنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؟ فأكل» . رواه أبو داود. ولأن السفر معنى لو وجد ليلا ~~واستمر في النهار لأباح الفطر، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض، ولأنه أحد ~~الأمرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر بهما، فأباحه في أثناء النهار ~~كالآخر. والرواية الثانية، لا يباح له الفطر ذلك اليوم، وهو قول مكحول، ~~والزهري، ويحيى الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن ~~الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر، ~~كالصلاة، والأول أصح؛ للخبر، ولأن الصوم يفارق الصلاة فإن الصلاة يلزم ~~إتمامها بنيته، بخلاف الصوم. # إذا ثبت هذا فإنه لا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره، يعني أنه ~~يجاوزها ويخرج من بين بنيانها. وقال الحسن: يفطر في بيته، إن شاء، يوم يريد ~~أن يخرج. وروي نحوه عن عطاء. # PageV03P117 # قال ابن عبد البر: قول الحسن قول شاذ، وليس الفطر لأحد في الحضر في نظر ~~ولا أثر. وقد روي عن الحسن خلافه. وقد روى محمد بن كعب، قال: «أتيت أنس بن ~~مالك في رمضان، وهو يريد السفر، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا ~~بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة. ثم ركب.» قال الترمذي: هذا حديث حسن. # ولنا قول الله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] . وهذا ~~شاهد، ولا يوصف بكونه مسافرا حتى يخرج من البلد، ومهما كان ms1297 في البلد فله ~~أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة. فأما أنس فيحتمل أنه قد كان برز من ~~البلد خارجا منه، فأتاه محمد بن كعب في منزله ذلك. ### | [فصل نوى المسافر الصوم في سفره ثم بدا له أن يفطر] # (2015) فصل: وإن نوى المسافر الصوم في سفره، ثم بدا له أن يفطر، فله ذلك. ~~واختلف قول الشافعي فيه، فقال مرة: لا يجوز له الفطر، وقال مرة أخرى: إن صح ~~حديث الكديد لم أر به بأسا أن يفطر. وقال مالك: إن أفطر فعليه القضاء ~~والكفارة؛ لأنه أفطر في صوم رمضان، فلزمه ذلك، كما لو كان حاضرا. # ولنا، حديث ابن عباس، وهو حديث صحيح متفق عليه. وروى جابر «أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - خرج عام الفتح، فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام ~~الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون ما ~~فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون، فأفطر بعضهم، وصام ~~بعضهم، فبلغه أن ناسا صاموا، فقال: أولئك العصاة.» رواه مسلم. وهذا نص صريح ~~لا يعرج على من خالفه. إذا ثبت هذا فإن له أن يفطر بما شاء من أكل وشرب ~~وغيرهما، إلا الجماع، هل له أن يفطر به أم لا؟ فإن أفطر بالجماع ففي ~~الكفارة روايتان؛ الصحيح منهما أنه لا كفارة عليه. # وهو مذهب الشافعي. والثانية، يلزمه كفارة؛ لأنه أفطر بجماع فلزمته كفارة؛ ~~كالحاضر. # PageV03P118 # ولنا أنه صوم لا يجب المضي فيه، فلم تجب الكفارة بالجماع فيه، كالتطوع، ~~وفارق الحاضر الصحيح، فإنه يجب عليه المضي في الصوم، وإن كان مريضا يباح له ~~الفطر فهو كالمسافر، ولأنه يفطر بنية الفطر، فيقع الجماع بعد حصول الفطر، ~~فأشبه ما لو أكل ثم جامع. ومتى أفطر المسافر فله فعل جميع ما ينافي الصوم، ~~من الأكل والشرب والجماع وغيره؛ لأن حرمتها بالصوم، فتزول بزواله، كما لو ~~زال بمجيء الليل. ### | [فصل ليس للمسافر أن يصوم في رمضان عن غيره] # (2016) فصل: وليس للمسافر أن يصوم في رمضان عن غيره، كالنذر والقضاء؛ ms1298 لأن ~~الفطر أبيح رخصة وتخفيفا عنه، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه، لزمه أن يأتي ~~بالأصل. فإن نوى صوما غير رمضان، لم يصح صومه، لا عن رمضان، ولا عن ما ~~نواه. هذا الصحيح في المذهب، وهو قول أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة: يقع ما ~~نواه إذا كان واجبا؛ لأنه زمن أبيح له فطره، فكان له صومه عن واجب عليه، ~~كغير شهر رمضان. ولنا أنه أبيح له الفطر للعذر، فلم يجز له أن يصومه عن غير ~~رمضان، كالمريض، وبهذا ينتقض ما ذكروه، وينقض أيضا بصوم التطوع، فإنهم ~~سلموه. قال صالح: قيل لأبي: من صام شهر رمضان، وهو ينوي به تطوعا، يجزئه؟ ~~قال: أويفعل هذا مسلم،. ### | [مسألة مبطلات الصيام وفي هذه المسألة فصول] ### | [فصل الفطر بالأكل والشرب بما يتغذى به] # (2017) مسألة: قال: (ومن أكل أو شرب، أو احتجم، أو استعط، أو أدخل إلى ~~جوفه شيئا من أي موضع كان، أو قبل فأمنى، أو أمذى، أو كرر النظر فأنزل، أي ~~ذلك فعل عامدا، وهو ذاكر لصومه، فعليه القضاء بلا كفارة، إذا كان صوما ~~واجبا) (2018) في هذه المسألة فصول: أحدها، أنه يفطر بالأكل والشرب ~~بالإجماع، وبدلالة الكتاب والسنة، أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] مد الأكل والشرب إلى تبين الفجر، ثم أمر ~~بالصيام عنهما. وأما السنة، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والذي ~~نفسي بيده لخلوف فم الصائم، أطيب عند الله من ريح المسك؛ يترك طعامه وشرابه ~~وشهوته من أجلي» . # وأجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب بما يتغذى به، فأما ما لا يتغذى ~~به، فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل به. وقال الحسن بن صالح: # PageV03P119 # لا يفطر بما ليس بطعام ولا شراب، وحكي عن أبي طلحة الأنصاري، أنه كان ~~يأكل البرد في الصوم، ويقول: ليس بطعام ولا شراب. ولعل من يذهب إلى ذلك ~~يحتج بأن الكتاب والسنة إنما حرما الأكل والشرب، فما عداهما يبقى على أصل ms1299 ~~الإباحة. # ولنا دلالة الكتاب والسنة على تحريم الأكل والشرب على العموم، فيدخل فيه ~~محل النزاع، ولم يثبت عندنا ما نقل عن أبي طلحة، فلا يعد خلافا. ### | [فصل الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم] # (2019) الفصل الثاني، أن الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم. وبه قال ~~إسحاق، وابن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة. وهو قول عطاء، وعبد الرحمن ~~بن مهدي. وكان الحسن، ومسروق، وابن سيرين، لا يرون للصائم أن يحتجم. # وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلا في الصوم، منهم ابن عمر، وابن عباس، ~~وأبو موسى، وأنس بن مالك، ورخص فيها أبو سعيد الخدري، وابن مسعود، وأم ~~سلمة، وحسين بن علي، وعروة، وسعيد بن جبير. وقال مالك، والثوري، وأبو ~~حنيفة، والشافعي: يجوز للصائم أن يحتجم، ولا يفطر؛ لما روى البخاري، عن ابن ~~عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «احتجم وهو صائم» . ولأنه دم خارج ~~من البدن، أشبه الفصد. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفطر ~~الحاجم والمحجوم.» رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد عشر نفسا، قال ~~أحمد: حديث شداد بن أوس من أصح حديث يروى في هذا الباب، وإسناد حديث رافع ~~إسناد جيد. وقال: حديث شداد وثوبان صحيحان، وعن علي بن المديني، أنه قال: ~~أصح شيء في هذا الباب حديث شداد وثوبان. وحديثهم منسوخ بحديثنا، بدليل ما ~~روى ابن عباس، أنه قال: «احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقاحة ~~بقرن وناب، وهو محرم صائم، فوجد لذلك ضعفا شديدا، فنهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يحتجم الصائم» . رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المترجم، # وعن الحكم، قال: «احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم» ~~فضعف، ثم كرهت الحجامة للصائم. وكان ابن عباس وهو راوي حديثهم، يعد الحجام ~~والمحاجم، فإذا غابت الشمس احتجم بالليل. كذلك رواه الجوزجاني. # وهذا يدل على أنه علم نسخ الحديث الذي رواه. ويحتمل أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - احتجم فأفطر، كما روي عنه - عليه السلام - أنه «قاء فأفطر» فإن ~~قيل: فقد روي أن ms1300 النبي - صلى الله عليه وسلم - «رأى الحاجم والمحتجم ~~يغتابان» فقال ذلك، قلنا: لم تثبت # PageV03P120 # صحة هذه الرواية، مع أن اللفظ أعم من السبب، فيجب العمل بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب، على أننا قد ذكرنا الحديث الذي فيه بيان علة النهي عن ~~الحجامة، وهي الخوف من الضعف، فيبطل التعليل بما سواه، أو يكون كل واحد ~~منهما علة مستقلة. على أن الغيبة لا تفطر الصائم إجماعا، فلا يصح حمل ~~الحديث على ما يخالف الإجماع. قال أحمد: لأن يكون الحديث كما جاء عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «أفطر الحاجم والمحجوم» أحب إلينا من أن يكون من ~~الغيبة؛ لأن من أراد أن يمتنع من الحجامة امتنع، وهذا أشد على الناس، من ~~يسلم من الغيبة، فإن قيل: فإذا كانت علة النهي ضعف الصائم بها فلا يقتضي ~~ذلك الفطر، وإنما يقتضي الكراهة، ومعنى قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» أي ~~قربا من الفطر. قلنا: هذا تأويل يحتاج إلى دليل، على أنه لا يصح ذلك في حق ~~الحاجم، فإنه لا ضعف فيه. ### | [فصل يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في جسده] # (2020) الفصل الثالث، أنه يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه، أو مجوف في جسده ~~كدماغه وحلقه، ونحو ذلك مما ينفذ إلى معدته، إذا وصل باختياره، وكان مما ~~يمكن التحرز منه، سواء وصل من الفم على العادة، أو غير العادة كالوجور ~~واللدود، أو من الأنف كالسعوط، أو ما يدخل من الأذن إلى الدماغ، أو ما يدخل ~~من العين إلى الحلق كالكحل، أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة، أو ما ~~يصل من مداواة الجائفة إلى جوفه، أو من دواء المأمومة إلى دماغه، فهذا كله ~~يفطره؛ لأنه واصل إلى جوفه باختياره، فأشبه الأكل، وكذلك لو جرح نفسه، أو ~~جرحه غيره باختياره، فوصل إلى جوفه، سواء استقر في جوفه، أو عاد فخرج منه، ~~وبهذا كله قال الشافعي. وقال مالك: لا يفطر بالسعوط، إلا أن ينزل إلى حلقه، ~~ولا يفطر إذا داوى المأمومة والجائفة. # واختلف عنه في الحقنة، واحتج ms1301 له بأنه لم يصل إلى الحلق منه شيء، أشبه ما ~~لم يصل إلى الدماغ ولا الجوف. ولنا أنه واصل إلى جوف الصائم باختياره، ~~فيفطره، كالواصل إلى الحلق، والدماغ جوف، والواصل إليه يغذيه، فيفطره، كجوف ~~البدن. ### | [فصل إذا وجد الصائم طعم الكحل في حلقه أو علم وصوله إليه] # (2021) فصل: فأما الكحل، فما وجد طعمه في حلقه، أو علم وصوله إليه، فطره، ~~وإلا لم يفطره. نص عليه أحمد. وقال ابن أبي موسى: ما يجد طعمه كالزرور ~~والصبر والقطور، أفطر. وإن اكتحل باليسير من # PageV03P121 # الإثمد غير المطيب، كالميل ونحوه، لم يفطر. نص عليه أحمد. وقال ابن عقيل: ~~إن كان الكحل حادا، فطره، وإلا فلا. ونحو ما ذكرناه قال أصحاب مالك. وعن ~~ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، أن الكحل يفطر الصائم. وقال أبو حنيفة، ~~والشافعي: لا يفطره؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «، أنه اكتحل ~~في رمضان وهو صائم» . # ولأن العين ليست منفذا؛ فلم يفطر بالداخل منها، كما لو دهن رأسه. ولنا ~~أنه أوصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه فأفطر به، كما لو أوصله من ~~أنفه، وما رووه لم يصح، قال الترمذي: لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في باب الكحل للصائم شيء. ثم يحمله على أنه اكتحل بما لا يصل. وقولهم: ~~ليست العين منفذا لا يصح؛ فإنه يوجد طعمه في الحلق، ويكتحل بالإثمد فيتنخعه ~~قال أحمد: حدثني إنسان أنه اكتحل بالليل فتنخعه بالنهار. ثم لا يعتبر في ~~الواصل أن يكون من منفذ، بدليل ما لو جرح نفسه جائفة، فإنه يفطر. ### | [فصل ما لا يمكن التحرز منه كابتلاع الريق لا يفطره] # (2022) فصل: وما لا يمكن التحرز منه، كابتلاع الريق لا يفطره، لأن اتقاء ~~ذلك يشق، فأشبه غبار الطريق، وغربلة الدقيق. فإن جمعه ثم ابتلعه قصدا لم ~~يفطره؛ لأنه يصل إلى جوفه من معدته، أشبه ما إذا لم يجمعه. وفيه وجه آخر، ~~أنه يفطره؛ لأنه أمكنه التحرز منه، أشبه ما لو قصد ابتلاع غبار الطريق. ~~والأول أصح؛ فإن ms1302 الريق لا يفطر إذا لم يجمعه، وإن قصد ابتلاعه، فكذلك إذا ~~جمعه، بخلاف غبار الطريق، فإن خرج ريقه إلى ثوبه، أو بين أصابعه، أو بين ~~شفتيه، ثم عاد فابتلعه، أو بلع ريق غيره، أفطر؛ لأنه ابتلعه من غير فمه، ~~فأشبه ما لو بلع غيره. فإن قيل: فقد روت عائشة، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «كان يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها.» رواه أبو داود. قلنا: قد روي ~~عن أبي داود أنه قال: هذا إسناد ليس بصحيح. # ويجوز أن يكون يقبل في الصوم، ويمص لسانها في غيره. ويجوز أن يمصه، ثم لا ~~يبتلعه، ولأنه لم يتحقق انفصال ما على لسانها من البلل إلى فمه، فأشبه ما ~~لو ترك حصاة مبلولة في فيه، أو لو تمضمض بماء ثم مجه. ولو ترك في فمه حصاة ~~أو درهما، فأخرجه وعليه بلة من الريق، ثم أعاده في فيه، نظرت؛ فإن كان ما ~~عليه من الريق كثيرا فابتلعه أفطر، وإن كان يسيرا لم يفطر بابتلاع ريقه. ~~وقال بعض أصحابنا: يفطر لابتلاعه ذلك البلل الذي كان على الجسم. ولنا أنه ~~لا يتحقق انفصال ذلك البلل، ودخوله إلى حلقه، فلا يفطره، كالمضمضة والتسوك ~~بالسواك الرطب والمبلول. ويقوي ذلك حديث عائشة في مص لسانها. ولو أخرج ~~لسانه وعليه بلة، ثم عاد فأدخله وابتلع ريقه، لم يفطر. # PageV03P122 ### | [فصل ابتلاع الصائم النخامة] # (2023) فصل: وإن ابتلع النخامة ففيها روايتان، إحداهما، يفطر. قال حنبل: ~~سمعت أبا عبد الله يقول: إذا تنخم، ثم ازدرده، فقد أفطر. لأن النخامة من ~~الرأس تنزل، والريق من الفم. ولو تنخع من جوفه، ثم ازدرده، أفطر. وهذا مذهب ~~الشافعي؛ لأنه أمكن التحرز منها، أشبه الدم، ولأنها من غير الفم، أشبه ~~القيء. والرواية الثانية، لا يفطر. قال، في رواية المروذي: ليس عليك قضاء ~~إذا ابتلعت النخامة وأنت صائم. لأنه معتاد في الفم، غير واصل من خارج، أشبه ~~الريق. ### | [فصل سال فم الصائم دما أو خرج إليه قلس أو قيء] # (2024) فصل: فإن سال فمه دما، أو خرج إليه قلس أو قيء، ms1303 فازدرده أفطر، وإن ~~كان يسيرا؛ لأن الفم في حكم الظاهر، والأصل حصول الفطر بكل واصل منه، لكن ~~عفي عن الريق؛ لعدم إمكان التحرز منه، فما عداه يبقى على الأصل، وإن ألقاه ~~من فيه، وبقي فمه نجسا، أو تنجس فمه بشيء من خارج، فابتلع ريقه، فإن كان ~~معه جزء من المنجس أفطر بذلك الجزء، وإلا فلا. ### | [فصل لا يفطر بالمضمضة] # (2025) فصل: ولا يفطر بالمضمضة بغير خلاف، سواء كان في الطهارة أو غيرها، ~~وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن عمر سأله عن القبلة للصائم؟ ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟ ~~قلت: لا بأس. قال: فمه» ؟ . ولأن الفم في حكم الظاهر، فلا يبطل الصوم ~~بالواصل إليه، كالأنف والعين. وإن تمضمض، أو استنشق في الطهارة، فسبق الماء ~~إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف، فلا شيء عليه. وبه قال الأوزاعي، وإسحاق، ~~والشافعي في أحد قوليه. وروي ذلك عن ابن عباس وقال مالك، وأبو حنيفة: يفطر؛ ~~لأنه أوصل الماء إلى جوفه ذاكرا لصومه، فأفطر، كما لو تعمد شربه. # ولنا أنه وصل إلى حلقه من غير إسراف ولا قصد، فأشبه ما لو طارت ذبابة إلى ~~حلقه، وبهذا فارق المتعمد. فأما إن أسرف فزاد على الثلاث، أو بالغ في ~~الاستنشاق، فقد فعل مكروها؛ لقول النبي # PageV03P123 # - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون ~~صائما» . حديث صحيح. ولأنه يتعرض بذلك لإيصال الماء إلى حلقه، فإن وصل إلى ~~حلقه. فقال أحمد: يعجبني أن يعيد الصوم. وهل يفطر بذلك؟ على وجهين: أحدهما، ~~يفطر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المبالغة حفظا للصوم، فدل ~~على أنه يفطر به، ولأنه وصل بفعل منهي عنه، فأشبه التعمد. # والثاني، لا يفطر به؛ لأنه وصل من غير قصد، فأشبه غبار الدقيق إذا نخله. ~~فأما المضمضة لغير الطهارة؛ فإن كانت لحاجة، كغسل فمه عند الحاجة إليه ~~ونحوه فحكمه حكم المضمضة للطهارة، وإن كان عبثا، أو تمضمض من أجل العطش، ms1304 ~~كره. وسئل أحمد عن الصائم يعطش فيتمضمض ثم يمجه. قال: يرش على صدره أحب ~~إلي. فإن فعل، فوصل الماء إلى حلقه، أو ترك الماء في فيه عابثا، أو للتبرد، ~~فالحكم فيه كالحكم في الزائد على الثلاث؛ لأنه مكروه. ولا بأس أن يصب الماء ~~على رأسه من الحر والعطش؛ لما روي عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعرج يصب ~~الماء على رأسه وهو صائم من العطش، أو من الحر» . رواه أبو داود. ### | [فصل لا بأس أن يغتسل الصائم] # (2026) فصل: ولا بأس أن يغتسل الصائم؛ فإن عائشة، وأم سلمة، «قالتا: نشهد ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كان ليصبح جنبا من غير احتلام، ثم ~~يغتسل، ثم يصوم» . متفق عليه. وروى أبو بكر، بإسناده، أن ابن عباس دخل ~~الحمام، وهو صائم هو وأصحاب له في شهر رمضان. فأما الغوص في الماء، فقال ~~أحمد في الصائم ينغمس في الماء: إذا لم يخف أن يدخل في مسامعه. وكره الحسن ~~والشعبي أن ينغمس في الماء، خوفا أن يدخل في مسامعه، فإن دخل في مسامعه، ~~فوصل إلى دماغه من الغسل المشروع، من غير إسراف ولا قصد، فلا شيء عليه، كما ~~لو دخل إلى حلقه من المضمضة في الوضوء، وإن غاص في الماء، أو أسرف، أو كان ~~عابثا، فحكمه حكم الداخل إلى الحلق من المبالغة في المضمضة والاستنشاق ~~والزائد على الثلاث، والله أعلم. # PageV03P124 ### | [فصل الصائم يمضغ العلك] # (2027) فصل: قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: الصائم يمضغ العلك. قال: لا. ~~قال أصحابنا: العلك ضربان؛ أحدهما، ما يتحلل منه أجزاء، وهو الرديء الذي ~~إذا مضغه يتحلل، فلا يجوز مضغه، إلا أن لا يبلع ريقه، فإن فعل فنزل إلى ~~حلقه منه شيء، أفطر به، كما لو تعمد أكله. والثاني، العلك القوي الذي كلما ~~مضغه صلب وقوي، فهذا يكره مضغه ولا يحرم. وممن كرهه الشعبي، والنخعي ومحمد ~~بن علي وقتادة، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنه يحلب الفم، ms1305 ويجمع الريق، ~~ويورث العطش. ورخصت عائشة في مضغه. وبه قال عطاء؛ لأنه لا يصل إلى الجوف، ~~فهو كالحصاة يضعها في فيه، ومتى مضغه ولم يجد طعمه في حلقه، لم يفطر. وإن ~~وجد طعمه في حلقه، لم يفطر. وإن وجد طعمه في حلقه ففيه وجهان؛ أحدهما، ~~يفطره، كالكحل إذا وجد طعمه في حلقه. # والثاني، لا يفطره؛ لأنه لم ينزل منه شيء، ومجرد الطعم لا يفطر، بدليل ~~أنه قد قيل: من لطخ باطن قدمه بالحنظل، وجد طعمه، ولا يفطر، بخلاف الكحل، ~~فإن أجزاءه تصل إلى الحلق، ويشاهد إذا تنخع. قال أحمد: من وضع في فيه درهما ~~أو دينارا وهو صائم، ما لم يجد طعمه في حلقه، فلا بأس به، وما يجد طعمه فلا ~~يعجبني. وقال عبد الله: سألت أبي عن الصائم يفتل الخيوط، قال: يعجبني أن ~~يبزق. ### | [فصل ذوق الطعام للصائم] # (2028) فصل: قال أحمد: أحب إلي أن يجتنب ذوق الطعام، فإن فعل لم يضره، ~~ولا بأس به. قال ابن عباس: لا بأس أن يذوق الطعام والخل والشيء يريد شراءه. ~~والحسن كان يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم. ورخص فيه إبراهيم. قال ابن ~~عقيل: يكره من غير حاجة، ولا بأس به مع الحاجة، فإن فعل فوجد طعمه في حلقه ~~أفطر، وإلا لم يفطر. ### | [فصل لا بأس بالسواك للصائم] # (2029) فصل: قال أحمد: لا بأس بالسواك للصائم. قال عامر بن ربيعة: «رأيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا أحصي، يتسوك وهو صائم» . قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن. وقال زياد بن حدير: ما رأيت أحدا كان أدوم # PageV03P125 # لسواك رطب وهو صائم، من عمر بن الخطاب، ولكنه يكون عودا ذاويا. ولم ير ~~أهل العلم بالسواك أول النهار بأسا، إذا كان العود يابسا. واستحب أحمد ~~وإسحاق ترك السواك بالعشي. قال أحمد: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك الأذفر» لتلك الرائحة لا ~~يعجبني للصائم أن يستاك بالعشي. واختلفت الرواية عنه في التسوك بالعود ~~الرطب، فرويت عنه الكراهة. وهو ms1306 قول قتادة، والشعبي، والحكم، وإسحاق، ومالك ~~في رواية؛ لأنه مغرر بصومه، لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه، فيفطره. ~~وروي عنه لا يكره. وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة. وروي ذلك عن ~~علي، وابن عمر، وعروة، ومجاهد؛ لما رويناه من حديث عمر وغيره من الصحابة. ### | [فصل أصبح الصائم بين أسنانه طعام] # (2030) فصل: ومن أصبح بين أسنانه طعام؛ لم يخل من حالين: أحدهما؛ أن يكون ~~يسيرا لا يمكنه لفظه، فازدرده، فإنه لا يفطر به؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، ~~فأشبه الريق، قال ابن المنذر: أجمع على ذلك أهل العلم. الثاني، أن يكون ~~كثيرا يمكن لفظه، فإن لفظه فلا شيء عليه، وإن ازدرده عامدا، فسد صومه في ~~قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: لا يفطر؛ لأنه لا بد له أن يبقى بين ~~أسنانه شيء مما يأكله، فلا يمكن التحرز منه، فأشبه ما يجري به الريق. ولنا ~~أنه بلع طعاما يمكنه لفظه باختياره، ذاكرا لصومه، فأفطر به، كما لو ابتدأ ~~الأكل، ويخالف ما يجري به الريق، فإنه لا يمكنه لفظه. فإن قيل: يمكنه أن ~~يبصق. قلنا: لا يخرج جميع الريق ببصاقه، وإن منع من ابتلاع ريقه كله لم ~~يمكنه. ### | [فصل قطر الصائم في إحليله دهنا] # (2031) فصل: فإن قطر في إحليله دهنا، لم يفطر به، سواء وصل إلى المثانة، ~~أو لم يصل، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يفطر؛ لأنه أوصل الدهن إلى ~~جوف في جسده، فأفطر، كما لو نوى الجائفة، ولأن المني يخرج من الذكر فيفطره، ~~وما أفطر بالخارج منه جاز أن يفطر بالداخل منه، كالفم. ولنا أنه ليس بين ~~باطن الذكر والجوف منفذ، وإنما يخرج البول رشحا، فالذي يتركه فيه لا يصل ~~إلى الجوف، فلا يفطره، كالذي يتركه في فيه ولم يبتلعه. # PageV03P126 ### | [فصل الصائم إذا قبل فأمنى أو أمذى] # (2032) الفصل الرابع: إذا قبل فأمنى أو أمذى، ولا يخلو المقبل من ثلاثة ~~أحوال؛ أحدها، أن لا ينزل، فلا يفسد صومه بذلك، لا نعلم فيه خلافا؛ لما روت ~~عائشة، أن النبي - صلى الله ms1307 عليه وسلم - «كان يقبل وهو صائم، وكان أملككم ~~لإربه» ، رواه البخاري، ومسلم. ويروى بتحريك الراء وسكونها، قال الخطابي: ~~معناهما واحد وهو حاجة النفس ووطرها، وقيل بالتسكين: العضو. وبالفتح: ~~الحاجة. وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: «هششت فقبلت وأنا ~~صائم، فقلت: يا رسول الله: صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم. فقال: ~~أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به، قال: فمه؟ .» رواه أبو ~~داود. شبه القبلة بالمضمضة من حيث إنها من مقدمات الشهوة، وأن المضمضة إذا ~~لم يكن معها نزول الماء لم يفطر، وإن كان معها نزوله أفطر. إلا أن أحمد ضعف ~~هذا الحديث، وقال: هذا ريح، ليس من هذا شيء. # الحال الثاني، أن يمني فيفطر بغير خلاف نعلمه؛ لما ذكرناه من إيماء ~~الخبرين، ولأنه إنزال بمباشرة، فأشبه الإنزال بالجماع دون الفرج. الحال ~~الثالث، أن يمذي فيفطر عند إمامنا ومالك. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا ~~يفطر. وروي ذلك عن الحسن، والشعبي، والأوزاعي، لأنه خارج لا يوجب الغسل، ~~أشبه البول. ولنا أنه خارج تخلله الشهوة، خرج بالمباشرة، فأفسد الصوم، ~~كالمني، وفارق البول بهذا، واللمس لشهوة كالقبلة في هذا. إذا ثبت هذا، فإن ~~المقبل إذا كان ذا شهوة مفرطة، بحيث يغلب على ظنه أنه إذا قبل أنزل، لم تحل ~~له القبلة؛ لأنها مفسدة لصومه، فحرمت، كالأكل. وإن كان ذا شهوة، لكنه لا ~~يغلب على ظنه ذلك، كره له التقبيل؛ لأنه يعرض صومه للفطر، ولا يأمن عليه ~~الفساد. # وقد روي عن عمر، أنه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~المنام، فأعرض عني، # PageV03P127 # فقلت له: ما لي؟ فقال: " إنك تقبل وأنت صائم ". ولأن العبادة إذا منعت ~~الوطء منعت القبلة، كالإحرام. ولا تحرم القبلة في هذه الحال؛ لما روي «أن ~~رجلا قبل وهو صائم، فأرسل امرأته، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأخبرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يقبل وهو صائم، فقال الرجل: إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس مثلنا، قد غفر ms1308 الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر. فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: إني لأخشاكم لله، ~~وأعلمكم بما أتقي» . رواه مسلم بمعناه. ولأن إفضاءه إلى إفساد الصوم مشكوك ~~فيه، ولا يثبت التحريم بالشك، فأما إن كان ممن لا تحرك القبلة شهوته، ~~كالشيخ الهرم، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يكره له ذلك. # وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقبل وهو صائم لما كان مالكا لإربه، وغير ذي الشهوة في معناه. وقد روى أبو ~~هريرة «أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المباشرة للصائم، فرخص ~~له، فأتاه آخر، فسأله، فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، وإذا الذي نهاه شاب» . ~~أخرجه أبو داود. ولأنها مباشرة لغير شهوة، فأشبهت لمس اليد لحاجة. ~~والثانية، يكره؛ لأنه لا يأمن حدوث الشهوة، ولأن الصوم عبادة تمنع الوطء، ~~فاستوى في القبلة فيها من تحرك شهوته، وغيره، كالإحرام. فأما اللمس لغير ~~شهوة، كلمس يدها ليعرف مرضها، فليس بمكروه بحال؛ لأن ذلك لا يكره في ~~الإحرام، فلا يكره في الصيام، كلمس ثوبها. ### | [فصل استمنى الصائم بيده] # (2033) فصل: ولو استمنى بيده فقد فعل محرما، ولا يفسد صومه به إلا أن ~~ينزل، فإن أنزل فسد صومه؛ لأنه في معنى القبلة في إثارة الشهوة. فأما إن ~~أنزل لغير شهوة، كالذي يخرج منه المني أو المذي لمرض، فلا شيء عليه؛ لأنه ~~خارج لغير شهوة، أشبه البول، ولأنه يخرج من غير اختيار منه، ولا تسبب إليه، ~~فأشبه الاحتلام. ولو احتلم لم يفسد صومه، لأنه عن غير اختيار منه، فأشبه ما ~~لو دخل حلقه شيء وهو نائم. ولو جامع في الليل، فأنزل بعد ما أصبح، لم يفطر؛ ~~لأنه لم يتسبب إليه في النهار، فأشبه ما لو أكل شيئا في الليل، فذرعه القيء ~~في النهار. ### | [فصل كرر الصائم النظر فأنزل] # (2034) الفصل الخامس: إذا كرر النظر فأنزل، ولتكرار النظر أيضا ثلاثة ~~أحوال؛ أحدها، أن لا يقترن به إنزال، فلا يفسد الصوم بغير اختلاف. # PageV03P128 # الثاني، أن يقترن به إنزال المني، ms1309 فيفسد الصوم في قول إمامنا، وعطاء، ~~والحسن البصري، ومالك، والحسن بن صالح. وقال جابر بن زيد، والثوري، وأبو ~~حنيفة، والشافعي، وابن المنذر: لا يفسد؛ لأنه إنزال عن غير مباشرة، أشبه ~~الإنزال بالفكر. # ولنا أنه إنزال بفعل يتلذذ به، ويمكن التحرز منه، فأفسد الصوم، كالإنزال ~~باللمس، والفكر لا يمكن التحرز منه، بخلاف تكرار النظر. الثالث: مذي بتكرار ~~النظر. فظاهر كلام أحمد، أنه لا يفطر به؛ لأنه لا نص في الفطر، ولا يمكن ~~قياسه على إنزال المني، لمخالفته إياه في الأحكام، فيبقى على الأصل. فأما ~~إن نظر فصرف بصره، لم يفسد صومه، سواء أنزل أو لم ينزل. وقال مالك: إن أنزل ~~فسد صومه؛ لأنه أنزل بالنظر، أشبه ما لو كرره. ولنا أن النظرة الأولى لا ~~يمكن التحرز منها، فلا يفسد الصوم ما أفضت إليه، كالفكرة، وعليه يخرج ~~التكرار، فإذا ثبت هذا، فإن تكرار النظر مكروه لمن يحرك شهوته، غير مكروه ~~لمن لا يحرك شهوته، كالقبلة. # ويحتمل أن لا يكره بحال؛ لأن إفضاءه إلى الإنزال المفطر بعيد جدا، بخلاف ~~القبلة، فإن حصول المذي بها ليس ببعيد. ### | [فصل إن فكر فأنزل لم يفسد صومه] # (2035) فصل: فإن فكر فأنزل، لم يفسد صومه. وحكي عن أبي حفص البرمكي، أنه ~~يفسد. واختاره ابن عقيل؛ لأن الفكرة تستحضر، فتدخل تحت الاختيار، بدليل ~~تأثيم صاحبها في مساكنتها، في بدعة وكفر، ومدح الله سبحانه الذين يتفكرون ~~في خلق السموات والأرض ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التفكر في ذات ~~الله، وأمر بالتفكر في آلائه، ولو كانت غير مقدور عليها لم يتعلق ذلك بها، ~~كالاحتلام. فأما إن خطر بقلبه صورة الفعل، فأنزل، لم يفسد صومه؛ لأن الخاطر ~~لا يمكن دفعه. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، ~~وما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم» . ولأنه لا نص في الفطر به ولا ~~إجماع، ولا يمكن قياسه على المباشرة، ولا تكرار النظر، لأنه دونهما في ~~استدعاء الشهوة، وإفضائه إلى الإنزال، ويخالفهما في التحريم إذا تعلق ms1310 ذلك ~~بأجنبية، أو الكراهة إن كان في زوجة، فيبقى على الأصل. # PageV03P129 ### | [فصل المفسد للصوم] # (2036) الفصل السادس: أن المفسد للصوم من هذا كله ما كان عن عمد وقصد، ~~فأما ما حصل منه عن غير قصد، كالغبار الذي يدخل حلقه من الطريق، ونخل ~~الدقيق، والذبابة التي تدخل حلقه، أو يرش عليه الماء فيدخل مسامعه، أو أنفه ~~أو حلقه، أو يلقى في ماء فيصل إلى جوفه، أو يسبق إلى حلقه من ماء المضمضة، ~~أو يصب في حلقه أو أنفه شيء كرها، أو تداوى مأمومته أو جائفته بغير ~~اختياره، أو يحجم كرها، أو تقبله امرأة بغير اختياره فينزل، أو ما أشبه ~~هذا، فلا يفسد صومه، لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه لا فعل له فلا يفطر، ~~كالاحتلام. # وأما إن أكره على شيء من ذلك بالوعيد، ففعله، فقال ابن عقيل: قال ~~أصحابنا: لا يفطر به أيضا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي ~~عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه.» قال: ويحتمل عندي أن يفطر؛ لأنه ~~فعل المفطر لدفع الضرر عن نفسه، فأشبه المريض يفطر لدفع المرض، ومن يشرب ~~لدفع العطش، ويفارق الملجأ؛ لأنه خرج بذلك عن حيز الفعل، ولذلك لا يضاف ~~إليه، ولذلك افترقا فيما لو أكره على قتل آدمي، وألقي عليه. ### | [فصل متى أفطر بشيء من مفطرات الصيام فعليه القضاء] # (2037) الفصل السابع: أنه متى أفطر بشيء من ذلك فعليه القضاء، لا نعلم في ~~ذلك خلافا؛ لأن الصوم كان ثابتا في الذمة، فلا تبرأ منه إلا بأدائه، ولم ~~يؤده، فبقي على ما كان عليه؛ ولا كفارة في شيء مما ذكرناه، في ظاهر المذهب. ~~وهو قول سعيد بن جبير، والنخعي، وابن سيرين، وحماد، والشافعي. وعن أحمد أن ~~الكفارة تجب على من أنزل بلمس أو قبلة أو تكرار نظر؛ لأنه إنزال عن مباشرة، ~~أشبه الإنزال بالجماع. وعنه في المحتجم، إن كان عالما بالنهي، فعليه ~~الكفارة. وقال عطاء في المحتجم: عليه الكفارة. وقال مالك: تجب الكفارة بكل ~~ما كان هتكا للصوم، إلا الردة؛ لأنه إفطار في رمضان أشبه ms1311 الجماع. # وحكي عن عطاء، والحسن، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، أن الفطر ~~بالأكل والشرب يوجب ما يوجبه الجماع. وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه اعتبر ما ~~يتغذى به أو يتداوى به، فلو ابتلع حصاة أو نواة أو فستقة بقشرها، فلا كفارة ~~عليه. واحتجوا بأنه أفطر بأعلى ما في الباب من جنسه، فوجبت عليه الكفارة ~~كالمجامع. ولنا أنه أفطر بغير جماع، فلم توجب الكفارة، كبلع الحصاة أو ~~التراب، أو كالردة عند مالك، ولأنه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا ولا إجماع، ~~ولا يصح قياسه على الجماع، لأن الحاجة إلى الزجر عنه أمس، والحكم في التعدي ~~به آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان محرما، ويختص بإفساد الحج دون سائر ~~محظوراته، ووجوب البدنة، ولأنه في الغالب يفسد صوم اثنين، بخلاف غيره. ### | [فصل الواجب في قضاء رمضان عن كل يوم يوم] # (2038) فصل: والواجب في القضاء عن كل يوم يوم، في قول عامة الفقهاء. وقال ~~أحمد: قال إبراهيم، ووكيع: # PageV03P130 # يصوم ثلاثة آلاف يوم. وعجب أحمد من قولهما. وقال سعيد بن المسيب: من أفطر ~~يوما متعمدا يصوم شهرا. وحكي عن ربيعة أنه قال: يجب مكان كل يوم اثنا عشر ~~يوما؛ لأن رمضان يجزئ عن جميع السنة، وهي اثنا عشر شهرا. # ولنا قول الله تعالى: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] . وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في قصة المجامع: «صم يوما مكانه» . رواه أبو داود. ~~ولأن القضاء يكون على حسب الأداء، بدليل سائر العبادات، ولأن القضاء لا ~~يختلف بالعذر وعدمه، بدليل الصلاة والحج، وما ذكروه تحكم لا دليل عليه، ~~والتقدير لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع، وليس معهم واحد منهما. وقول ربيعة ~~يبطل بالمعذور. وذكر لأحمد حديث أبي هريرة: «من أفطر يوما من رمضان متعمدا، ~~لم يقضه، ولو صام الدهر» ، فقال: ليس يصح هذا الحديث. ### | [مسألة فعل شيئا من مفطرات الصيام ناسيا] # (2039) مسألة: قال: (وإن فعل ذلك ناسيا، فهو على صومه ولا قضاء عليه) ~~وجملته أن جميع ما ذكره الخرقي في هذه المسألة لا يفطر الصائم ms1312 بفعله ناسيا. ~~وروي عن علي - رضي الله عنه -: لا شيء على من أكل ناسيا. وهو قول أبي ~~هريرة، وابن عمر، وعطاء، وطاوس، وابن أبي ذئب، والأوزاعي، والثوري، ~~والشافعي، وأبي حنيفة، وإسحاق، وقال ربيعة، ومالك: يفطر؛ لأن ما لا يصح ~~الصوم مع شيء من جنسه عمدا، لا يجوز مع سهوه، كالجماع، وترك النية، ولنا: ~~ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أكل ~~أحدكم أو شرب ناسيا، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» . متفق عليه وفي ~~لفظ: (من أكل أو شرب ناسيا، فلا يفطر، فإنما هو رزق رزقه الله) . # ولأنها عبادة ذات تحليل وتحريم، فكان في محظوراتها ما يختلف عمده وسهوه، ~~كالصلاة والحج. وأما النية فليس تركها فعلا، ولأنها شرط، والشروط لا تسقط ~~بالسهو، بخلاف المبطلات، والجماع حكمه أغلظ ويمكن التحرز عنه. ### | [فصل فعل شيئا من مفطرات الصيام وهو نائم] # (2040) فصل: وإن فعل شيئا من ذلك، وهو نائم، لم يفسد صومه؛ لأنه لا قصد ~~له، ولا علم بالصوم، فهو أعذر من الناسي. وذكر أبو الخطاب. أن من فعل من ~~هذا شيئا جاهلا بتحريمه، لم يفطر، ولم أره عن غيره. وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أفطر الحاجم والمحجوم» . في حق الرجلين اللذين رآهما يحجم ~~أحدهما صاحبه، مع جهلهما بتحريمه، يدل على أن الجهل لا يعذر به، ولأنه نوع ~~جهل، فلم يمنع الفطر، كالجهل بالوقت في حق من يأكل يظن أن الفجر لم يطلع، ~~وقد كان طلع. ### | [مسألة من استقاء فعليه القضاء] # (2041) مسألة: قال: (ومن استقاء فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا شيء ~~عليه) # PageV03P131 # معنى استقاء: تقيأ مستدعيا للقيء. وذرعه: خروج من غير اختيار منه، فمن ~~استقاء فعليه القضاء؛ لأن صومه يفسد به. ومن ذرعه فلا شيء عليه؛ وهذا قول ~~عامة أهل العلم. قال الخطابي: لا أعلم بين أهل العلم فيه اختلافا. # وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامدا وحكي عن ~~ابن مسعود، وابن عباس، أن القيء لا يفطر. وروي أن النبي ms1313 - صلى الله عليه ~~وسلم - قال «ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة والقيء والاحتلام» . ولأن الفطر ~~بما يدخل لا بما يخرج. ولنا ما روى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عامدا فليقض» . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورواه أبو داود. وحديثهم غير محفوظ، يرويه عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف في الحديث، قاله الترمذي. # والمعنى الذي ذكر لهم يبطل بالحيض والمني. (2042) فصل: وقليل القيء ~~وكثيره سواء، في ظاهر قول الخرقي وهو إحدى الروايات عن أحمد، والرواية ~~الثانية؛ لا يفطر إلا بملء الفم. لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «ولكن دسعة تملأ الفم» . ولأن اليسير لا ينقض الوضوء، فلا يفطر ~~كالبلغم. والثالثة، نصف الفم، لأنه ينقض الوضوء، فأفطر به كالكثير. # والأولى أولى لظاهر الحديث الذي رويناه، ولأن سائر المفطرات لا فرق بين ~~قليلها وكثيرها وحديث الرواية الثانية لا نعرف له أصلا. ولا فرق بين كون ~~القيء طعاما، أو مرارا، أو بلغما، أو دما، أو غيره؛ لأن الجميع داخل تحت ~~عموم الحديث والمعنى، والله تعالى أعلم بالصواب. ### | [مسألة ارتد عن الإسلام وهو صائم] # (2043) مسألة: قال: (ومن ارتد عن الإسلام، فقد أفطر) # PageV03P132 # لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن من ارتد عن الإسلام في أثناء الصوم، ~~أنه يفسد صومه، وعليه قضاء ذلك اليوم، إذا عاد إلى الإسلام. سواء أسلم في ~~أثناء اليوم، أو بعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاده ما يكفر به، أو شكه ~~فيما يكفر بالشك فيه، أو بالنطق بكلمة الكفر، مستهزئا أو غير مستهزئ، قال ~~الله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزئون} [التوبة: 65] {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ~~[التوبة: 66] . وذلك لأن الصوم عبادة من شرطها النية، فأبطلتها الردة، ~~كالصلاة والحج، ولأنه عبادة محضة، فنافاها الكفر، كالصلاة. ### | [مسألة من نوى الإفطار] # (2044) مسألة: قال: (ومن نوى الإفطار فقد أفطر) هذا الظاهر من المذهب. ~~وهو قول الشافعي، وأبي ms1314 ثور، وأصحاب الرأي، إلا أن أصحاب الرأي قالوا: إن ~~عاد فنوى قبل أن ينتصف النهار أجزأه. بناء على أصلهم أن الصوم يجزئ بنية من ~~النهار. # وحكي عن ابن حامد أن الصوم لا يفسد بذلك؛ لأنها عبادة يلزم المضي في ~~فاسدها، فلم تفسد بنية الخروج منها، كالحج. ولنا أنها عبادة من شرطها ~~النية، ففسدت بنية الخروج منها، كالصلاة، ولأن الأصل اعتبار النية في جميع ~~أجزاء العبادة، ولكن لما شق اعتبار حقيقتها اعتبر بقاء حكمها، وهو أن لا ~~ينوي قطعها فإذا نواه زالت حقيقة وحكما، ففسد الصوم لزوال شرطه. وما ذكره ~~ابن حامد لا يطرد في غير رمضان، ولا يصح القياس على الحج، فإنه يصح بالنية ~~المطلقة والمبهمة، وبالنية عن غيره إذا لم يكن حج عن نفسه، فافترقا. ### | [فصل صوم النافلة] # فصل: فأما صوم النافلة، فإن نوى الفطر، ثم لم ينو الصوم بعد ذلك، لم يصح ~~صومه؛ لأن النية انقطعت، ولم توجد نية غيرها فأشبه من لم ينو أصلا. وإن عاد ~~فنوى الصوم، صح صومه، كما لو أصبح غير ناو للصوم؛ لأن نية الفطر إنما أبطلت ~~الفرض لما فيه من قطع النية المشترطة في جميع النهار حكما وخلو بعض أجزاء ~~النهار عنها، والنفل مخالف للفرض في ذلك، فلم تمنع صحته نية الفطر في زمن ~~لا يشترط وجود نية الصوم فيه، ولأن نية الفطر لا تزيد على عدم النية في ذلك ~~الوقت، وعدمها لا يمنع صحة الصوم إذا نوى بعد ذلك، فكذلك إذا نوى الفطر، ثم ~~نوى الصوم بعده، بخلاف الواجب، فإنه لا يصح بنية من النهار. # وقد روي عن أحمد، أنه قال: إذا أصبح صائما، ثم عزم على الفطر، فلم يفطر ~~حتى بدا له، ثم قال: # PageV03P133 # لا، بل أتم صومي من الواجب. لم يجزئه حتى يكون عازما على الصوم يومه كله، ~~ولو كان تطوعا كان أسهل. وظاهر هذا موافق لما ذكرناه. وقد دل على صحته أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يسأل أهله: هل من غداء؟ فإن قالوا: لا. ~~قال: إني ms1315 إذا صائم» . ### | [فصل نوى أنه سيفطر ساعة أخرى] # (2046) فصل: وإن نوى أنه سيفطر ساعة أخرى. فقال ابن عقيل هو كنية الفطر ~~في وقته، وإن تردد في الفطر. فعلى وجهين، كما ذكرنا في الصلاة، وإن نوى ~~أنني إن وجدت طعاما أفطرت، وإن لم أجد أتممت صومي. خرج فيه وجهان؛ أحدهما، ~~يفطر؛ لأنه لم يبق جازما بنية الصوم، وكذلك لا يصح ابتداء النية بمثل هذا. ~~والثاني: لا يفطر؛ لأنه لم ينو الفطر بنية صحيحة، فإن النية لا يصح تعليقها ~~على شرط، ولذلك لا ينعقد الصوم بمثل هذه النية. ### | [مسألة جامع الصائم في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو دون الفرج فأنزل عامدا أو ساهيا] # (2047) مسألة: قال: (ومن جامع في الفرج، فأنزل، أو لم ينزل، أو دون الفرج ~~فأنزل عامدا أو ساهيا، فعليه القضاء والكفارة، إذا كان في شهر رمضان) لا ~~نعلم بين أهل العلم خلافا، في أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل، أو ~~دون الفرج فأنزل، أنه يفسد صومه إذا كان عامدا، وقد دلت الأخبار الصحيحة ~~على ذلك، وهذه المسألة فيها مسائل أربع؛ (2048) إحداها: أن من أفسد صوما ~~واجبا بجماع، فعليه القضاء، سواء كان في رمضان أو غيره، وهذا قول أكثر ~~الفقهاء. وقال الشافعي، في أحد قوليه: من لزمته الكفارة لا قضاء عليه؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر الأعرابي بالقضاء. # وحكي عن الأوزاعي أنه قال: إن كفر بالصيام فلا قضاء عليه؛ لأنه صام شهرين ~~متتابعين. ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمجامع: «وصم يوما ~~مكانه» . رواه أبو داود بإسناده، وابن ماجه، والأثرم. ولأنه أفسد يوما من ~~رمضان، فلزمه قضاؤه، كما لو أفسده بالأكل، أو أفسد صومه الواجب بالجماع، ~~فلزمه قضاؤه، كغير رمضان. # (2049) المسألة الثانية: أن الكفارة تلزم من جامع في الفرج في رمضان ~~عامدا، أنزل أو لم ينزل في قول عامة أهل العلم. وحكي عن الشعبي، والنخعي، ~~وسعيد بن جبير: لا كفارة عليه؛ لأن الصوم عبادة لا تجب الكفارة بإفساد ~~قضائها، فلا تجب في ms1316 أدائها، كالصلاة. # PageV03P134 # ولنا: ما روى الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: بينا نحن ~~جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، ~~هلكت. قال ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم ~~شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا، قال: ~~فمكث النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينا نحن على ذلك أتي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بعرق فيه تمر. والعرق: المكتل، فقال: أين السائل؟ فقال: أنا، ~~قال: خذ هذا، فتصدق به فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما ~~بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك» . متفق عليه. ولا يجوز اعتبار الأداء ~~في ذلك بالقضاء؛ لأن الأداء يتعلق بزمن مخصوص يتعين به، والقضاء محله ~~الذمة، والصلاة لا يدخل في جبرانها المال، بخلاف مسألتنا. # (2050) المسألة الثالثة، أن الجماع دون الفرج، إذا اقترن به الإنزال، فيه ~~عن أحمد روايتان؛ إحداهما، عليه الكفارة، وهذا قول مالك، وعطاء والحسن، ~~وابن المبارك وإسحاق؛ لأنه فطر بجماع، فأوجب الكفارة كالجماع في الفرج، ~~والثانية: لا كفارة فيه. # وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنه فطر بغير جماع تام، فأشبه القبلة، ~~ولأن الأصل عدم وجوب الكفارة، ولا نص في وجوبها ولا إجماع ولا قياس، ولا ~~يصح القياس على الجماع في الفرج؛ لأنه أبلغ، بدليل أنه يوجبها من غير ~~إنزال، ويجب به الحد إذا كان محرما، ويتعلق به اثنا عشر حكما. ولأن العلة ~~في الأصل الجماع بدون الإنزال، والجماع هاهنا غير موجب، فلم يصح اعتباره ~~به. # (2051) المسألة الرابعة، أنه جامع ناسيا، فظاهر المذهب أنه كالعامد. نص ~~عليه أحمد. وهو قول عطاء، وابن الماجشون. وروى أبو داود، عن أحمد، أنه توقف ~~عن الجواب، وقال: أجبن أن أقول فيه شيئا، وأن أقول ليس عليه ms1317 شيء. قال: ~~سمعته غير مرة لا ينفذ له فيه قول. ونقل أحمد بن القاسم عنه: كل أمر غلب ~~عليه الصائم، ليس عليه قضاء ولا غيره. قال أبو الخطاب: هذا يدل على إسقاط ~~القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان. # وهو قول الحسن، ومجاهد، والثوري، # PageV03P135 # والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه معنى حرمه الصوم، فإذا وجد منه مكرها أو ~~ناسيا، لم يفسده؛ كالأكل. وكان مالك، والأوزاعي، والليث، يوجبون القضاء دون ~~الكفارة؛ لأن الكفارة لرفع الإثم، وهو محطوط عن الناسي. ولنا أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أمر الذي قال: وقعت على امرأتي. بالكفارة، ولم يسأله ~~عن العمد، ولو افترق الحال لسأل واستفصل، ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ ~~السائل وهو الوقوع على المرأة في الصوم، ولأن السؤال كالمعاد في الجواب، ~~فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من وقع على أهله في رمضان فليعتق ~~رقبة» . فإن قيل: ففي الحديث ما يدل على العمد، وهو قوله: هلكت. وروي: ~~احترقت. # قلنا: يجوز أن يخبر عن هلكته لما يعتقده في الجماع مع النسيان من إفساد ~~الصوم، وخوفه من غير ذلك، ولأن الصوم عبادة تحرم الوطء، فاستوى فيها عمده ~~وسهوه، كالحج، ولأن إفساد الصوم ووجوب الكفارة حكمان يتعلقان بالجماع، لا ~~تسقطهما الشبهة، فاستوى فيهما العمد والسهو، كسائر أحكامه. (2052) فصل: ولا ~~فرق بين كون الفرج قبلا أو دبرا، من ذكر أو أنثى. وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة، في أشهر الروايتين عنه: لا كفارة في الوطء في الدبر؛ ~~لأنه لا يحصل به الإحلال ولا الإحصان، فلا يوجب الكفارة، كالوطء دون الفرج. ~~ولنا أنه أفسد صوم رمضان بجماع في الفرج، فأوجب الكفارة، كالوطء، وأما ~~الوطء دون الفرج، فلنا فيه منع، وإن سلمنا، فلأن الجماع دون الفرج لا يفسد ~~الصوم بمجرده؛ بخلاف الوطء في الدبر. ### | [فصل وطء الصائم في فرج البهيمة] # (2053) فصل: فأما الوطء في فرج البهيمة. فذكر القاضي، أنه موجب للكفارة؛ ~~لأنه وطء في فرج موجب للغسل، مفسد للصوم، فأشبه وطء الآدمية. وفيه وجه آخر ~~لا تجب به الكفارة. وذكره أبو ms1318 الخطاب؛ لأنه لا نص فيه، ولا هو في معنى ~~المنصوص عليه، فإنه مخالف لوطء الآدمية في إيجاب الحد على إحدى الروايتين، ~~وفي كثير من أحكامه. # ولا فرق بين كون الموطوءة زوجة أو أجنبية، أو كبيرة أو صغيرة؛ لأنه إذا ~~وجب بوطء الزوجة، فبوطء الأجنبية أولى. # PageV03P136 ### | [فصل فساد صوم المرأة بالجماع] # (2054) فصل: ويفسد صوم المرأة بالجماع، بغير خلاف نعلمه في المذهب؛ لأنه ~~نوع من المفطرات، فاستوى فيه الرجل والمرأة، كالأكل وهل يلزمها الكفارة؟ ~~على روايتين؛ إحداهما، يلزمها. وهو اختيار أبي بكر، وقول مالك، وأبي حنيفة، ~~وأبي ثور، وابن المنذر ولأنها هتكت صوم رمضان بالجماع، فوجبت عليها الكفارة ~~كالرجل. # والثانية، لا كفارة عليها. قال أبو داود: سئل أحمد عن من أتى أهله في ~~رمضان، أعليها كفارة؟ قال: ما سمعنا أن على امرأة كفارة. وهذا قول الحسن، ~~وللشافعي قولان كالروايتين. ووجه ذلك، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة. ولم يأمر في المرأة بشيء، مع علمه بوجود ذلك ~~منها، ولأنه حق مال يتعلق بالوطء من بين جنسه، فكان على الرجل كالمهر. ### | [فصل أكرهت المرأة الصائمة على الجماع] # (2055) فصل: وإن أكرهت المرأة على الجماع، فلا كفارة عليها، رواية واحدة، ~~وعليها القضاء. قال مهنا: سألت أحمد عن امرأة غصبها رجل نفسها، فجامعها، ~~أعليها القضاء؟ قال: نعم. قلت: وعليها كفارة؟ قال: لا. وهذا قول الحسن. ~~ونحو ذلك قول الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. وعلى قياس ذلك، إذا وطئها ~~نائمة. # وقال مالك في النائمة: عليها القضاء بلا كفارة، والمكرهة عليها القضاء ~~والكفارة. وقال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: إن كان الإكراه بوعيد حتى ~~فعلت، كقولنا وإن كان إلجاء لم تفطر. وكذلك إن وطئها وهي نائمة. ويخرج من ~~قول أحمد - في رواية ابن القاسم - كل أمر غلب عليه الصائم، ليس عليه قضاء ~~ولا غيره. أنه لا قضاء عليها إذا كانت ملجأة أو نائمة؛ لأنها لم يوجد منها ~~فعل، فلم تفطر، كما لو صب في حلقها ماء بغير اختيارها. # ووجه الأول، أنه جماع في ms1319 الفرج، فأفسد الصوم، كما لو أكرهت بالوعيد، ولأن ~~الصوم عبادة يفسدها الوطء، ففسدت به على كل حال، كالصلاة والحج. ويفارق ~~الأكل، فإنه يعذر فيه بالنسيان، بخلاف الجماع. ### | [فصل تساحقت امرأتان أثناء الصوم فلم ينزلا] # فصل: فإن تساحقت امرأتان، فلم ينزلا، فلا شيء عليهما. وإن أنزلتا، فسد ~~صومهما. وهل يكون حكمهما حكم المجامع دون الفرج إذا أنزل، أو لا يلزمهما ~~كفارة بحال؟ فيه وجهان، مبنيان على أن # PageV03P137 # الجماع من المرأة هل يوجب الكفارة؟ على روايتين، وأصح الوجهين، أنهما لا ~~كفارة عليهما؛ لأن ذلك ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص عليه، فيبقى ~~على الأصل. وإن ساحق المجبوب فأنزل، فحكمه حكم من جامع دون الفرج فأنزل. ### | [فصل جامعت المرأة ناسية للصوم] # (2057) فصل: وإن جامعت المرأة ناسية للصوم. فقال أبو الخطاب: حكم النسيان ~~حكم الإكراه، ولا كفارة عليها فيهما، وعليها القضاء؛ لأن الجماع يحصل به ~~الفطر في حق الرجل مع النسيان، فكذلك في حق المرأة. ويحتمل أن لا يلزمها ~~القضاء؛ لأنه مفسد لا يوجب الكفارة، فأشبه الأكل. ### | [فصل أكره الرجل على الجماع وهو صائم] # (2058) فصل: وإن أكره الرجل على الجماع، فسد صومه؛ لأنه إذا أفسد صوم ~~المرأة فصوم الرجل أولى. وأما الكفارة، فقال القاضي: عليه الكفارة؛ لأن ~~الإكراه على الوطء لا يمكن، لأنه لا يطأ حتى ينتشر، ولا ينتشر إلا عن شهوة، ~~فكان كغير المكره. وقال أبو الخطاب: فيه. روايتان؛ إحداهما، لا كفارة عليه. ~~وهو مذهب الشافعي؛ لأن الكفارة إما أن تكون عقوبة، أو ماحية للذنب، ولا ~~حاجة إليها مع الإكراه، لعدم الإثم فيه، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» ولأن الشرع لم يرد ~~بوجوب الكفارة فيه، ولا يصح قياسه على ما ورد الشرع فيه، لاختلافهما في ~~وجود العذر وعدمه. # فأما إن كان نائما، مثل أن كان عضوه منتشرا في حال نومه، فاستدخلته ~~امرأته. فقال ابن عقيل: لا قضاء عليه ولا كفارة. وكذلك إن كان إلجاء، مثل ~~أن غلبته في حال يقظته على نفسه. وهذا ms1320 مذهب الشافعي؛ لأنه معنى حرمه الصوم ~~حصل بغير اختياره، فلم يفطر به، كما لو أطارت الريح إلى حلقه ذبابة. وظاهر ~~كلام أحمد، أن عليه القضاء؛ لأنه قال في المرأة إذا غصبها رجل نفسها ~~فجامعها: عليها القضاء. فالرجل أولى. # ولأن الصوم عبادة يفسدها الجماع، فاستوى في ذلك حالة الاختيار والإكراه، ~~كالحج، ولا يصح قياس الجماع على غيره في عدم الإفساد لتأكده بإيجاب ~~الكفارة، وإفساده للحج من بين سائر محظوراته، وإيجاب الحد به إذا كان زنا. ### | [فصل لا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان] # (2059) فصل: ولا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان، في قول أهل العلم ~~وجمهور الفقهاء. وقال قتادة: # PageV03P138 # تجب على من وطئ في قضاء رمضان؛ لأنه عبادة تجب الكفارة في أدائها، فوجبت ~~في قضائها، كالحج. # ولنا أنه جامع في غير رمضان، فلم تلزمه كفارة، كما لو جامع في صيام ~~الكفارة، ويفارق القضاء الأداء؛ لأنه متعين بزمان محترم، فالجماع فيه هتك ~~له، بخلاف القضاء. ### | [فصل جامع الصائم في أول النهار ثم مرض أو جن أو كانت امرأة فحاضت أو نفست في أثناء النهار] # (2060) فصل: وإذا جامع في أول النهار، ثم مرض أو جن، أو كانت امرأة فحاضت ~~أو نفست في أثناء النهار، لم تسقط الكفارة. وبه قال مالك، والليث، وابن ~~الماجشون، وإسحاق. # وقال أصحاب الرأي: لا كفارة عليهم. وللشافعي قولان كالمذهبين. واحتجوا ~~بأن صوم هذا اليوم خرج عن كونه مستحقا، فلم يجب بالوطء فيه كفارة، كصوم ~~المسافر، أو كما لو قامت البينة أنه من شوال. # ولنا: أنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة، فلم يسقطها، كالسفر، ولأنه أفسد ~~صوما واجبا في رمضان بجماع تام، فاستقرت الكفارة عليه، كما لو لم يطرأ عذر، ~~والوطء في صوم المسافر ممنوع، وإن سلم فالوطء ثم لم يوجب أصلا، لأنه وطء ~~مباح، في سفر أبيح الفطر فيه، بخلاف مسألتنا، وكذا إذا تبين أنه من شوال، ~~فإن الوطء غير موجب، لأنا تبينا أن الوطء لم يصادف رمضان، والموجب إنما هو ~~الوطء المفسد لصوم رمضان. ### | [فصل طلع الفجر وهو ms1321 مجامع في الصوم] # (2061) فصل: إذا طلع الفجر وهو مجامع، فاستدام الجماع، فعليه القضاء ~~والكفارة. وبه قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجب القضاء دون ~~الكفارة؛ لأن وطأه لم يصادف صوما صحيحا، فلم يوجب الكفارة، كما لو ترك ~~النية وجامع. # ولنا أنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به لحرمة الصوم، فوجبت به الكفارة، كما ~~لو وطئ بعد طلوع الفجر، وعكسه إذا لم ينو، فإنه يتركه لترك النية لا ~~الجماع، ولنا فيه منع أيضا. وأما إن نزع في الحال مع أول طلوع الفجر، فقال ~~ابن حامد. والقاضي: عليه الكفارة أيضا؛ لأن النزع جماع يلتذ به، فتعلق به ~~ما يتعلق بالاستدامة، كالإيلاج. وقال أبو حفص: لا قضاء عليه ولا كفارة. وهو ~~قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه ترك للجماع، فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع، ~~كما لو حلف لا يدخل دارا وهو فيها، فخرج منها، كذلك هاهنا. وقال مالك: يبطل ~~صومه، ولا كفارة عليه؛ لأنه لا يقدر على أكثر مما فعله في ترك الجماع، ~~فأشبه المكره. # وهذه المسألة تقرب من الاستحالة، إذ لا يكاد يعلم أول طلوع الفجر على وجه ~~يتعقبه النزع، من غير أن يكون قبله شيء من الجماع، فلا حاجة إلى فرضها، ~~والكلام فيها. # PageV03P139 ### | [فصل جامع يظن أن الفجر لم يطلع] # (2062) فصل: ومن جامع يظن أن الفجر لم يطلع، فتبين أنه كان قد طلع، فعليه ~~القضاء والكفارة. وقال أصحاب الشافعي: لا كفارة عليه. ولو علم في أثناء ~~الوطء فاستدام، فلا كفارة عليه أيضا؛ لأنه إذا لم يعلم لم يأثم، فلا يجب به ~~كفارة، كوطء الناسي، وإن علم فاستدام فقد حصل الوطء الذي يأثم به في غير ~~صوم. ولنا حديث المجامع، إذ أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتكفير، ~~من غير تفريق ولا تفصيل. ولأنه أفسد صوم رمضان بجماع تام، فوجبت عليه ~~الكفارة، كما لو علم، ووطء الناسي ممنوع. ثم لا يحصل به الفطر على الرواية ~~الأخرى، بخلاف مسألتنا. ### | [مسألة كفارة الجماع في نهار رمضان] # (2063) مسألة: قال: (والكفارة عتق رقبة، فإن لم يمكنه ms1322 فصيام شهرين ~~متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) المشهور من مذهب أبي عبد الله، ~~أن كفارة الوطء في رمضان ككفارة الظهار في الترتيب، يلزمه العتق إن أمكنه، ~~فإن عجز عنه انتقل إلى الصيام، فإن عجز انتقل إلى إطعام ستين مسكينا. وهذا ~~قول جمهور العلماء. وبه يقول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وعن أحمد رواية أخرى، أنها على التخيير بين العتق والصيام والإطعام، ~~وبأيها كفر أجزأه. وهو رواية عن مالك؛ لما روى مالك وابن جريج، عن الزهري، ~~عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، «أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، ~~أو إطعام ستين مسكينا» . رواه مسلم و (أو) حرف تخيير. ولأنها تجب ~~بالمخالفة، فكانت على التخيير، ككفارة اليمين. # وروي عن مالك، أنه قال: الذي نأخذ به في الذي يصيب أهله في نهار رمضان، ~~إطعام ستين مسكينا، أو صيام ذلك اليوم، وليس التحرير والصيام من كفارة ~~رمضان في شيء. وهذا القول ليس بشيء؛ لمخالفته الحديث الصحيح، مع أنه ليس له ~~أصل يعتمد عليه، ولا شيء يستند إليه، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أحق أن تتبع. وأما الدليل على وجوب الترتيب فالحديث الصحيح، رواه معمر، ~~ويونس، والأوزاعي، والليث، وموسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، وعراك بن ~~مالك، وإسماعيل بن أمية، ومحمد بن أبي عتيق، وغيرهم، عن الزهري، عن حميد بن ~~عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال للواقع ~~على أهله: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين ~~متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال:» لا. وذكر سائر ~~الحديث، وهذا # PageV03P140 # لفظ الترتيب، والأخذ بهذا أولى من رواية مالك؛ لأن أصحاب الزهري اتفقوا ~~على روايته هكذا، سوى مالك وابن جريج، فيما علمنا، واحتمال الغلط فيهما ~~أكثر من احتماله في سائر أصحابه. # ولأن الترتيب زيادة، والأخذ بالزيادة متعين. ولأن حديثنا لفظ النبي - صلى ms1323 ~~الله عليه وسلم - وحديثهم لفظ الراوي، ويحتمل أنه رواه ب (أو) لاعتقاده أن ~~معنى اللفظين سواء، ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين، فكانت على ~~الترتيب، ككفارة الظهار والقتل. ### | [فصل دخول الصيام في كفارة الوطء في رمضان] # (2064) فصل: فإذا عدم الرقبة، انتقل إلى صيام شهرين متتابعين، ولا نعلم ~~خلافا في دخول الصيام في كفارة الوطء، إلا شذوذا لا يعرج عليه، لمخالفة ~~السنة الثابتة. ولا خلاف بين من أوجبه أنه شهران متتابعان، للخبر أيضا. فإن ~~لم يشرع في الصيام حتى وجد الرقبة لزمه العتق؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سأل المواقع عما يقدر عليه، حين أخبره بالعتق، ولم يسأله عما كان ~~يقدر عليه حالة المواقعة، وهي حالة الوجوب، ولأنه وجد المبدل قبل التلبس ~~بالبدل، فلزمه، كما لو كان واجدا له حال الوجوب. # وإن شرع في الصوم قبل القدرة على الإعتاق، ثم قدر عليه، لم يلزمه الخروج ~~إليه، إلا أن يشاء العتق فيجزئه، ويكون قد فعل الأولى. وبهذا قال الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: يلزمه الخروج؛ لأنه قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل، ~~فبطل حكم المبدل، كالمتيمم يرى الماء. ولنا أنه شرع في الكفارة الواجبة ~~عليه، فأجزأته، كما لو استمر العجز إلى فراغها، وفارق العتق التيمم لوجهين: ~~أحدهما، أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستره، فإذا وجد الماء ظهر حكمه، ~~بخلاف الصوم، فإنه يرفع حكم الجماع بالكلية. الثاني، أن الصيام تطول مدته، ~~فيشق إلزامه الجمع بينه وبين العتق، بخلاف الوضوء والتيمم. ### | [مسألة دخول الإطعام في كفارة الوطء في رمضان] # (2065) مسألة: قال: (فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد من ~~بر، أو نصف صاع من تمر أو شعير) لا نعلم خلافا بين أهل العلم في دخول ~~الإطعام في كفارة الوطء في رمضان في الجملة، وهو مذكور في الخبر، والواجب ~~فيه إطعام ستين مسكينا، في قول عامتهم، وهو في الخبر أيضا، ولأنه إطعام في ~~كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكان إطعام ستين مسكينا ككفارة الظهار. ~~واختلفوا في قدر ما يطعم كل مسكين، ms1324 فذهب أحمد إلى أن لكل مسكين مد بر، وذلك ~~خمسة عشر صاعا أو نصف صاع من تمر، أو شعير، فيكون الجميع ثلاثين صاعا. # وقال أبو حنيفة # PageV03P141 # من البر لكل مسكين نصف صاع، ومن غيره صاع؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في حديث سلمة بن صخر: «فأطعم وسقا من تمر» . رواه أبو داود. وقال ~~أبو هريرة: يطعم مدا من أي الأنواع شاء. وبهذا قال عطاء، والأوزاعي، ~~والشافعي؛ لما روى أبو هريرة، في حديث المجامع، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أتي بمكتل من تمر، قدره خمسة عشر صاعا، فقال: «خذ هذا، فأطعمه عنك» ~~. رواه أبو داود. ولنا ما روى أحمد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي ~~يزيد المدني قال: «جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - للمظاهر: أطعم هذا، فإن مدي شعير مكان مد بر» . ~~ولأن فدية الأذى نصف صاع من التمر والشعير، بلا خلاف، فكذا هذا. # والمد من البر يقوم مقام نصف صاع من غيره، بدليل حديثنا، ولأن الإجزاء ~~بمد منه قول ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وزيد ولا مخالف لهم في ~~الصحابة. وأما حديث سلمة بن صخر، فقد اختلف فيه، وحديث أصحاب الشافعي يجوز ~~أن يكون الذي أتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - قاصرا عن الواجب، فاجتزئ ~~به لعجز المكفر عما سواه. ### | [فصل أخرج من الدقيق أو السويق كفارة الإفطار في رمضان] # (2066) فصل: فإن أخرج من الدقيق أو السويق أجزأ؛ لما ذكرناه فيما تقدم. ~~وإن غدى المساكين أو عشاهم، لم يجزئه، في أظهر الروايتين عنه. وهو ظاهر ~~كلام الخرقي؛ لأنه قدر ما يجزئ في الدفع بمد أو نصف صاع، وإذا أطعمهم لا ~~يعلم أن كل واحد منهم استوفى الواجب له، ووجه ذلك أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بين قدر ما يطعمه كل مسكين بما ذكرنا من الأحاديث، وهي مقيدة لمطلق ~~الإطعام المذكور، والمطلق يحمل على المقيد، ولا يعلم أن كل مسكين استوفى ما ~~يجب له، ولأن الواجب ms1325 تمليك المسكين طعامه، والإطعام إباحة، وليس بتمليك. # فعلى هذه الرواية؛ إن أفرد لكل مسكين قدر الواجب له، فأطعمه إياه، نظرت؛ ~~فإن قال: هذا لك تتصرف فيه كيف شئت. أجزأه؛ لأنه قد ملكه إياه. وإن لم يقل ~~له شيئا، احتمل أن يجزئه؛ لأنه قد أطعمه ما يجب له، فأشبه ما لو ملكه، ~~واحتمل أن لا يجزئه؛ لأنه لم يملكه إياه. # PageV03P142 # والرواية الثانية، يجزئه أن يجمع ستين مسكينا فيطعمهم. # قال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن امرأة أفطرت رمضان، ثم أدركها رمضان ~~آخر، ثم ماتت. قال: كم أفطرت؟ قال: ثلاثين يوما. قال: فاجمع ثلاثين مسكينا، ~~وأطعمهم مرة واحدة، وأشبعهم. وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~للمجامع: (أطعم ستين مسكينا) . وهذا قد أطعمهم، وقال الله تعالى {فإطعام ~~ستين مسكينا} [المجادلة: 4] . # وقال في كفارة اليمين: {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} ~~[المائدة: 89] . وهذا قد أطعمهم. وروي عن أنس، أنه أفطر في رمضان، فجمع ~~المساكين، ووضع جفانا فأطعمهم. ولأنه أطعم ستين مسكينا فأجزأه، كما لو ملكه ~~إياه. فعلى هذه الرواية، إن أطعمهم قدر الواجب لهم أجزأه، وإن أطعمهم دون ~~ذلك فأشبعهم، فظاهر كلام أحمد أنه يجزئه؛ لأنه قد أطعمهم. ويحتمل أن لا ~~يجزئه؛ لأنه لم يطعمهم ما وجب لهم. ### | [فصل يجزئ في كفارة الفطر في رمضان ما يجزئ في الفطرة] # (2067) فصل: ويجزئ في الكفارة ما يجزئ في الفطرة، من البر والشعير ~~ودقيقهما، والتمر والزبيب، وفي الأقط وجهان، وفي الخبز روايتان، وكذلك يخرج ~~في السويق فإن كان قوته غير ذلك من الحبوب، كالدخن، والذرة، والأرز، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، لا يجزئ. ذكره القاضي؛ لأنه لا يجزئ في الفطرة. والثاني، ~~يجزئ. اختاره أبو الخطاب؛ لقول الله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} ~~[المائدة: 89] ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالإطعام مطلقا، ~~ولم يرد تقييده بشيء من الأجناس، فوجب إبقاؤه على إطلاقه، ولأنه أطعم ~~المسكين من طعامه، فأجزأه، كما لو كان طعامه برا فأطعمه منه، وهذا أظهر. ### | [فصل عجز عن العتق والصيام والإطعام] # (2068) فصل: ms1326 وإن عجز عن العتق والصيام والإطعام، سقطت الكفارة عنه، في ~~إحدى الروايتين، بدليل أن الأعرابي لما دفع إليه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - التمر، وأخبره بحاجته إليه، قال: (أطعمه أهلك) . ولم يأمره بكفارة # PageV03P143 # أخرى. وهذا قول الأوزاعي. وقال الزهري: لا بد من التكفير، وهذا خاص لذلك ~~الأعرابي، لا يتعداه، بدليل أنه أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعساره ~~قبل أن يدفع إليه العرق، ولم يسقطها عنه، ولأنها كفارة واجبة، فلم تسقط ~~بالعجز عنها، كسائر الكفارات. وهذا رواية ثانية عن أحمد، وهو قياس قول أبي ~~حنيفة، والثوري، وأبي ثور. وعن الشافعي كالمذهبين. ولنا الحديث المذكور، ~~ودعوى التخصيص لا تسمع بغير دليل. # وقولهم: إنه أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعجزه فلم يسقطها. قلنا: ~~قد أسقطها عنه بعد ذلك، وهذا آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا يصح القياس على سائر الكفارات؛ لأنه اطراح للنص بالقياس، والنص ~~أولى، والاعتبار بالعجز في حالة الوجوب، وهي حالة الوطء. ### | [مسألة جامع في رمضان فلم يكفر حتى جامع ثانية] # (2069) مسألة: قال: (وإن جامع، فلم يكفر حتى جامع ثانية، فكفارة واحدة) ~~وجملته أنه إذا جامع ثانيا قبل التكفير عن الأول، لم يخل من أن يكون في يوم ~~واحد، أو في يومين، فإن كان في يوم واحد، فكفارة واحدة تجزئه، بغير خلاف ~~بين أهل العلم، وإن كان في يومين من رمضان، ففيه وجهان؛ أحدهما، تجزئه ~~كفارة واحدة. وهو ظاهر إطلاق الخرقي، واختيار أبي بكر، ومذهب الزهري، ~~والأوزاعي، وأصحاب الرأي؛ لأنها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها، ~~فيجب أن تتداخل كالحد. # والثاني: لا تجزئ واحدة، ويلزمه كفارتان. اختاره القاضي، وبعض أصحابنا. ~~وهو قول مالك، والليث، والشافعي، وابن المنذر. وروي ذلك عن عطاء، ومكحول؛ ~~لأن كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل، كرمضانين، ~~وكالحجتين. ### | [مسألة جامع في رمضان ثم كفر ثم جامع ثانية] # (2070) مسألة: قال: (وإن كفر، ثم جامع ثانية، فكفارة ثانية) وجملته أنه ~~إذا كفر، ثم جامع ثانية، لم يخل من أن ms1327 يكون في يوم واحد، أو في يومين، فإن ~~كان في يومين، فعليه كفارة ثانية، بغير خلاف نعلمه، وإن كان في يوم واحد. ~~فعليه كفارة ثانية. نص عليه أحمد. وكذلك يخرج في كل من لزمه الإمساك وحرم ~~عليه الجماع في نهار رمضان. وإن لم يكن صائما، مثل من لم يعلم برؤية الهلال ~~إلا بعد طلوع الفجر، أو نسي النية، أو أكل عامدا، ثم جامع، فإنه يلزمه ~~كفارة. # وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا شيء عليه بذلك الجماع؛ لأنه لم ~~يصادف الصوم، ولم يمنع صحته، فلم يوجب شيئا، كالجماع في الليل. ولنا أن ~~الصوم في رمضان عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها، فتكررت بتكرر الوطء إذا ~~كان # PageV03P144 # بعد التكفير، كالحج، ولأنه وطء محرم لحرمة رمضان، فأوجب الكفارة كالأول، ~~وفارق الوطء في الليل، فإنه غير محرم. فإن قيل: الوطء الأول تضمن هتك ~~الصوم، وهو مؤثر في الإيجاب، فلا يصح إلحاق غيره به. قلنا: هو ملغى بمن طلع ~~عليه الفجر وهو مجامع فاستدام، فإنه تلزمه الكفارة، مع أنه لم يهتك الصوم. ### | [فصل أصبح مفطرا يعتقد أنه من شعبان فقامت البينة بالرؤية] # (2071) فصل: إذا أصبح مفطرا يعتقد أنه من شعبان، فقامت البينة بالرؤية، ~~لزمه الإمساك والقضاء في قول عامة الفقهاء، إلا ما روي عن عطاء أنه قال: ~~يأكل بقية يومه. قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدا قاله غير عطاء. وذكر أبو ~~الخطاب ذلك رواية عن أحمد، ولا أعلم أحدا ذكرها غيره، وأظن هذا غلطا؛ فإن ~~أحمد قد نص على إيجاب الكفارة على من وطئ ثم كفر ثم عاد فوطئ في يومه؛ لأن ~~حرمة اليوم لم تذهب، فإذا أوجب الكفارة على غير الصائم لحرمة اليوم، فكيف ~~يبيح الأكل، ولا يصح قياس هذا على المسافر إذا قدم وهو مفطر وأشباهه؛ لأن ~~المسافر كان له الفطر ظاهرا وباطنا، وهذا لم يكن له الفطر في الباطن مباحا، ~~فأشبه من أكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع. # فإذا تقرر هذا، فإن جامع فيه، فعليه القضاء والكفارة، كالذي أصبح ms1328 لا ينوي ~~الصيام، أو أكل ثم جامع. وإن كان جماعه قبل قيام البينة فحكمه حكم من جامع ~~يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، على ما مضى فيه. ### | [فصل كل من أفطر والصوم لازم له] # (2072) فصل: وكل من أفطر والصوم لازم له، كالمفطر بغير عذر، والمفطر يظن ~~أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، أو يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب، أو الناسي ~~لنية الصوم، ونحوهم، يلزمهم الإمساك. لا نعلم بينهم فيه اختلافا. إلا أنه ~~يخرج على قول عطاء في المعذور في الفطر، إباحة فطر بقية يومه، قياسا على ~~قوله فيما إذا قامت البينة بالرؤية. وهو قول شاذ، لم يعرج عليه أهل العلم. ### | [فصل من يباح له الفطر في أول النهار ظاهرا وباطنا] # (2073) فصل: فأما من يباح له الفطر في أول النهار ظاهرا وباطنا، كالحائض ~~والنفساء والمسافر، والصبي، والمجنون، والكافر، والمريض، إذا زالت أعذارهم ~~في أثناء النهار، فطهرت الحائض والنفساء، وأقام المسافر، وبلغ الصبي، وأفاق ~~المجنون، وأسلم الكافر، وصح المريض المفطر، ففيهم روايتان؛ إحداهما، يلزمهم ~~الإمساك في بقية اليوم. وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، # PageV03P145 # والحسن بن صالح، والعنبري؛ لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا ~~طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك، كقيام البينة بالرؤية. والثانية، لا يلزمهم ~~الإمساك. وهو قول مالك، والشافعي. # وروي ذلك عن جابر بن زيد، وروي عن ابن مسعود أنه قال: من أكل أول النهار ~~فليأكل آخره. ولأنه أبيح له فطر أول النهار ظاهرا وباطنا، فإذا أفطر كان له ~~أن يستديمه إلى آخر النهار، كما لو دام العذر. فإذا جامع أحد هؤلاء، بعد ~~زوال عذره، انبنى على الروايتين في وجوب الإمساك؛ فإن قلنا: يلزمه الإمساك. ~~فحكمه حكم من قامت البينة بالرؤية في حقه إذا جامع. وإن قلنا: لا يلزمه ~~الإمساك. فلا شيء عليه. فإن كان أحد الزوجين من أحد هؤلاء، والآخر لا عذر ~~له، فلكل واحد حكم نفسه، على ما مضى. وإن كانا جميعا معذورين فحكمهما ما ~~ذكرناه، سواء اتفق عذرهما، مثل أن ms1329 يقدما من سفر، أو يصحا من مرض، أو اختلف، ~~مثل أن يقدم الزوج من سفر، وتطهر المرأة من الحيض، فيصيبها. # وقد روي عن جابر بن يزيد أنه قدم من سفر، فوجد امرأته قد طهرت من حيض، ~~فأصابها. فأما إن نوى الصوم في سفره أو مرضه أو صغره، ثم زال عذره في أثناء ~~النهار، لم يجز له الفطر، رواية واحدة، وعليه الكفارة إن وطئ. وقال بعض ~~أصحاب الشافعي، في المسافر خاصة: وجهان؛ أحدهما، له الفطر لأنه أبيح له ~~الفطر في أول النهار ظاهرا وباطنا، فكانت له استدامته، كما لو قدم مفطرا. ~~وليس بصحيح؛ فإن سبب الرخصة زال قبل الترخص، فلم يكن له ذلك، كما لو قدمت ~~به السفينة قبل قصر الصلاة، وكالمريض يبرأ، والصبي يبلغ. وهذا ينقض ما ~~ذكروه. ولو علم الصبي أنه يبلغ في أثناء النهار بالسن، أو علم المسافر أنه ~~يقدم، لم يلزمهما الصيام قبل زوال عذرهما؛ لأن سبب الرخصة موجود، فيثبت ~~حكمها، كما لو لم يعلما ذلك. ### | [فصل يلزم المسافر والحائض والمريض القضاء إذا أفطروا] # (2074) فصل: ويلزم المسافر والحائض والمريض القضاء، إذا أفطروا، بغير ~~خلاف؛ لقول الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] . والتقدير: فأفطر. وقالت عائشة: كنا نحيض على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم. وإن أفاق المجنون، أو بلغ ~~الصبي، أو أسلم الكافر، في أثناء النهار، والصبي مفطر، ففي وجوب القضاء ~~روايتان؛ إحداهما، لا يلزمهم ذلك؛ لأنهم لم يدركوا وقتا يمكنهم التلبس ~~بالعبادة فيه، فأشبه ما لو زال عذرهم بعد خروج الوقت. # PageV03P146 # والثانية: يلزمهم القضاء؛ لأنهم أدركوا بعض وقت العبادة، فلزمهم القضاء، ~~كما لو أدركوا بعض وقت الصلاة. ### | [مسألة أكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع] # مسألة: قال: (وإن أكل يظن أن الفجر لم يطلع، وقد كان طلع، أو أفطر يظن أن ~~الشمس قد غابت، ولم تغب، فعليه القضاء) هذا قول أكثر أهل العلم من الفقهاء ~~وغيرهم. وحكي عن عروة، ومجاهد والحسن، وإسحاق: ms1330 لا قضاء عليهم؛ لما روى زيد ~~بن وهب، قال: كنت جالسا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~رمضان، في زمن عمر بن الخطاب، فأتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة، فشربنا، ~~ونحن نرى أنه من الليل، ثم انكشف السحاب، فإذا الشمس طالعة. قال: فجعل ~~الناس يقولون: نقضي يوما مكانه. فقال عمر: والله لا نقضيه، ما تجانفنا ~~لإثم. ولأنه لم يقصد الأكل في الصوم، فلم يلزمه القضاء، كالناسي. # ولنا أنه أكل مختارا، ذاكرا للصوم، فأفطر، كما لو أكل يوم الشك، ولأنه ~~جهل بوقت الصيام، فلم يعذر به، كالجهل بأول رمضان، ولأنه يمكن التحرز منه، ~~فأشبه أكل العامد، وفارق الناسي، فإنه لا يمكن التحرز منه. وأما الخبر، ~~فرواه الأثرم، أن عمر قال: من أكل فليقض يوما مكانه. ورواه مالك في ~~(الموطأ) ، أن عمر قال: الخطب يسير. يعني خفة القضاء. وروى هشام بن عروة. ~~عن فاطمة امرأته، عن أسماء قالت: «أفطرنا على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في يوم غيم، ثم طلعت الشمس. قيل لهشام: أمروا بالقضاء؟ قال: لا ~~بد من قضاء؟» أخرجه البخاري. ### | [فصل أكل الصائم شاكا في طلوع الفجر] # (2076) فصل: وإن أكل شاكا في طلوع الفجر، ولم يتبين الأمر، فليس عليه ~~قضاء، وله الأكل حتى يتيقن طلوع الفجر. نص عليه أحمد. وهذا قول ابن عباس، ~~وعطاء، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. وروي معنى ذلك عن أبي بكر ~~الصديق، وابن عمر، - رضي الله عنهم -. وقال مالك؛ يجب القضاء؛ # PageV03P147 # لأن الأصل بقاء الصوم في ذمته، فلا يسقط بالشك، ولأنه أكل شاكا في النهار ~~والليل، فلزمه القضاء، كما لو أكل شاكا في غروب الشمس. ولنا قول الله ~~تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر} [البقرة: 187] . # مد الأكل إلى غاية التبين، وقد يكون شاكا قبل التبين، فلو لزمه القضاء ~~لحرم عليه الأكل، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فكلوا، واشربوا، حتى ~~يؤذن ابن أم مكتوم» وكان رجلا أعمى، لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت. ms1331 ~~ولأن الأصل بقاء الليل، فيكون زمان الشك منه ما لم يعلم يقين زواله، بخلاف ~~غروب الشمس، فإن الأصل بقاء النهار، فبنى عليه. ### | [فصل أكل الصائم شاكا في غروب الشمس] # (2077) فصل: وإن أكل شاكا في غروب الشمس، ولم يتبين، فعليه القضاء؛ لأن ~~الأصل بقاء النهار. وإن كان حين الأكل ظانا أن الشمس قد غربت، أو أن الفجر ~~لم يطلع، ثم شك بعد الأكل، ولم يتبين، فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يوجد يقين ~~أزال ذلك الظن الذي بنى عليه، فأشبه ما لو صلى بالاجتهاد، ثم شك في الإصابة ~~بعد صلاته. ### | [مسألة الجنب له أن يؤخر الغسل حتى يصبح ثم يغتسل ويتم صومه] # مسألة: قال: (ومباح لمن جامع بالليل أن لا يغتسل حتى يطلع الفجر، وهو على ~~صومه) وجملته، أن الجنب له أن يؤخر الغسل حتى يصبح، ثم يغتسل، ويتم صومه، ~~في قول عامة أهل العلم، منهم علي، وابن مسعود، وزيد، وأبو الدرداء، وأبو ~~ذر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة - رضي الله عنهم -. وبه قال ~~مالك والشافعي، في أهل الحجاز، وأبو حنيفة، والثوري، في أهل العراق ~~والأوزاعي في أهل الشام، والليث، في أهل مصر، وإسحاق، وأبو عبيدة، في أهل ~~الحديث، وداود، في أهل الظاهر. وكان أبو هريرة يقول: لا صوم له. ويروي ذلك ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع عنه، قال سعيد بن المسيب: رجع أبو ~~هريرة عن فتياه. # وحكي عن الحسن، وسالم بن عبد الله، قالا: يتم صومه ويقضي. وعن النخعي في ~~رواية: يقضي في الفرض دون التطوع. وعن عروة، وطاوس: إن علم بجنابته في ~~رمضان، فلم يغتسل حتى أصبح، فهو مفطر، وإن لم يعلم، فهو صائم. وحجتهم حديث ~~أبي هريرة، الذي رجع عنه. ولنا ما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن ~~هشام، قال: «ذهبت أنا وأبي حتى دخلنا على عائشة، فقالت: أشهد على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إن كان ليصبح جنبا، من جماع، من غير احتلام، ثم # PageV03P148 # يصومه» . ثم دخلنا على أم ms1332 سلمة، فقالت مثل ذلك، ثم أتينا أبا هريرة، ~~فأخبرناه بذلك، فقال: هما أعلم بذلك، إنما حدثنيه الفضل بن عباس. متفق ~~عليه. قال الخطابي: أحسن ما سمعت في خبر أبي هريرة أنه منسوخ؛ لأن الجماع ~~كان محرما على الصائم بعد النوم، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر، ~~جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم. وروت عائشة «أن رجلا قال لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: إني أصبح جنبا، وأنا أريد الصيام. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: وأنا أصبح جنبا، وأنا أريد الصيام، فقال له ~~الرجل: يا رسول الله، إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر. فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: إني لأرجو أن أكون ~~أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي» . رواه مالك، في (موطئه) ومسلم في (صحيحه) . ### | [مسألة المرأة إذا انقطع حيضها من الليل فهي صائمة إذا نوت الصوم قبل طلوع الفجر] # (2079) مسألة: قال: (وكذلك المرأة إذا انقطع حيضها من الليل، فهي صائمة ~~إذا نوت الصوم قبل طلوع الفجر، وتغتسل إذا أصبحت) وجملة ذلك أن الحكم في ~~المرأة إذا انقطع حيضها من الليل، كالحكم في الجنب سواء، ويشترط أن ينقطع ~~حيضها قبل طلوع الفجر؛ لأنه إن وجد جزء منه في النهار أفسد الصوم، ويشترط ~~أن تنوي الصوم أيضا من الليل بعد انقطاعه؛ لأنه لا صيام لمن لم يبيت الصيام ~~من الليل. قال الأوزاعي، والحسن بن حي، وعبد الملك بن الماجشون، والعنبري: ~~تقضي، فرطت في الاغتسال أو لم تفرط؛ لأن حدث الحيض يمنع الصوم، بخلاف ~~الجنابة. # ولنا أنه حدث يوجب الغسل، فتأخير الغسل منه إلى أن يصبح لا يمنع صحة ~~الصوم، كالجنابة، وما ذكروه لا يصح، فإن من طهرت من الحيض ليست حائضا، ~~وإنما عليها حدث موجب للغسل، فهي كالجنب، فإن الجماع الموجب للغسل لو وجد ~~في الصوم أفسده، كالحيض، وبقاء وجوب الغسل منه كبقاء وجوب الغسل من الحيض. ~~وقد استدل بعض أهل العلم بقول الله تعالى: {فالآن باشروهن ms1333 وابتغوا ما كتب ~~الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر} [البقرة: 187] . فلما أباح المباشرة إلى تبين الفجر، علم أن الغسل ~~إنما يكون بعده. ### | [مسألة الحامل إذا خافت على جنينها والمرضع على ولدها من الصوم] # (2080) مسألة: قال: (والحامل إذا خافت على جنينها، والمرضع على ولدها، ~~أفطرتا، وقضتا، وأطعمتا عن كل يوم مسكينا) وجملة ذلك أن الحامل والمرضع، ~~إذا خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر، وعليهما القضاء فحسب. لا نعلم فيه بين ~~أهل العلم اختلافا؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه. وإن خافتا على ~~ولديهما أفطرتا، وعليهما القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم. وهذا يروى عن ابن ~~عمر. وهو المشهور من مذهب # PageV03P149 # الشافعي. # وقال الليث: الكفارة على المرضع دون الحامل. وهو إحدى الروايتين عن مالك، ~~لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها، بخلاف الحامل، ولأن الحمل متصل ~~بالحامل، فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها. وقال عطاء، والزهري، والحسن، ~~وسعيد بن جبير، والنخعي، وأبو حنيفة: لا كفارة عليهما؛ لما روى أنس بن مالك ~~رجل من بني كعب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله وضع عن ~~المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم - أو - الصيام» والله لقد ~~قالهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدهما أو كليهما. رواه النسائي، ~~والترمذي. وقال: هذا حديث حسن. # ولم يأمره بكفارة، ولأنه فطر أبيح لعذر، فلم يجب به كفارة، كالفطر للمرض. ~~ولنا قول الله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] ~~. وهما داخلتان في عموم الآية. قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير، ~~والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم ~~مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما، أفطرتا، وأطعمتا. رواه ~~أبو داود. وروي ذلك عن ابن عمر، ولا مخالف لهما في الصحابة. # ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة عن طريق الخلقة، فوجبت به الكفارة، كالشيخ ~~الهرم، وخبرهم لم يتعرض للكفارة، فكانت موقوفة على الدليل، كالقضاء، فإن ~~الحديث لم يتعرض له، والمريض أخف حالا من هاتين؛ ms1334 لأنه يفطر بسبب نفسه. إذا ~~ثبت هذا، فإن الواجب في إطعام المسكين مد بر، أو نصف صاع من تمر، أو شعير. ~~والخلاف فيه، كالخلاف في إطعام المساكين في كفارة الجماع، إذا ثبت هذا، فإن ~~القضاء لازم لهما. وقال ابن عمر، وابن عباس: لا قضاء عليهما؛ لأن الآية ~~تناولتهما، وليس فيها إلا الإطعام، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم» . ولنا أنهما يطيقان القضاء، ~~فلزمهما، كالحائض والنفساء، والآية أوجبت الإطعام، ولم تتعرض للقضاء، ~~فأخذناه من دليل آخر. والمراد بوضع الصوم وضعه في مدة عذرهما، كما جاء في ~~حديث عمرو بن أمية، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله وضع عن ~~المسافر الصوم» . ولا يشبهان الشيخ الهرم، # PageV03P150 # لأنه عاجز عن القضاء، وهما يقدران عليه. # قال أحمد: أذهب إلى حديث أبي هريرة. يعني ولا أقول بقول ابن عباس وابن ~~عمر في منع القضاء. ### | [مسألة عجز عن الصوم لكبر] # (2081) مسألة: قال: (وإذا عجز عن الصوم لكبر أفطر، وأطعم لكل يوم مسكينا) ~~وجملة ذلك أن الشيخ الكبير، والعجوز، إذا كان يجهدهما الصوم، ويشق عليهما ~~مشقة شديدة، فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكينا. وهذا قول علي، وابن ~~عباس، وأبي هريرة، وأنس، وسعيد بن جبير، وطاوس، وأبي حنيفة، والثوري، ~~والأوزاعي. # وقال مالك: لا يجب عليه شيء؛ لأنه ترك الصوم لعجزه، فلم تجب فدية، كما لو ~~تركه لمرض اتصل به الموت. وللشافعي قولان كالمذهبين. ولنا الآية، وقول ابن ~~عباس في تفسيرها: نزلت رخصة للشيخ الكبير. ولأن الأداء صوم واجب، فجاز أن ~~يسقط إلى الكفارة كالقضاء. # وأما المريض إذا مات، فلا يجب الإطعام؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يجب على ~~الميت ابتداء، بخلاف ما إذا أمكنه الصوم، فلم يفعل حتى مات، لأن وجوب ~~الإطعام يستند إلى حال الحياة، والشيخ الهرم له ذمة صحيحة، فإن كان عاجزا ~~عن الإطعام أيضا فلا شيء عليه، و {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: ~~286] . ### | [فصل المريض الذي لا يرجى برؤه يفطر ويطعم لكل يوم ms1335 مسكينا] # (2082) فصل: والمريض الذي لا يرجى برؤه، يفطر، ويطعم لكل يوم مسكينا؛ ~~لأنه في معنى الشيخ. قال أحمد، - رحمه الله - في من به شهوة الجماع غالبة، ~~لا يملك نفسه، ويخاف أن تنشق أنثياه: أطعم. أباح له الفطر؛ لأنه يخاف على ~~نفسه، فهو كالمريض، ومن يخاف على نفسه الهلاك لعطش أو نحوه، وأوجب الإطعام ~~بدلا عن الصيام، وهذا محمول على من لا يرجو إمكان القضاء، فإن رجا ذلك فلا ~~فدية عليه، والواجب انتظار القضاء وفعله إذا قدر عليه، لقوله تعالى: {فمن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] . # وإنما يصار إلى الفدية عند اليأس من القضاء، فإن أطعم مع يأسه، ثم قدر ~~على الصيام، احتمل أن لا يلزمه؛ لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية التي كانت ~~هي الواجب عليه، فلم يعد إلى الشغل بما برئت منه، ولهذا قال الخرقي: فمن ~~كان مريضا لا يرجى برؤه، أو شيخا لا يستمسك على الراحلة، أقام من يحج عنه ~~ويعتمر، وقد أجزأ عنه، وإن عوفي. # واحتمل أن يلزمه القضاء؛ لأن الإطعام بدل يأس، وقد تبينا ذهاب اليأس، ~~فأشبه من اعتدت بالشهور عند اليأس من الحيض، ثم حاضت. ### | [مسألة حاضت المرأة أو نفست وهي صائمة] # (2083) مسألة: قال: (وإذا حاضت المرأة، أو نفست، أفطرت وقضت؛ فإن صامت، ~~لم يجزئها) # PageV03P151 # أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء لا يحل لهما الصوم، وأنهما يفطران ~~رمضان، ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم، وقد قالت عائشة: «كنا ~~نحيض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا ~~نؤمر بقضاء الصلاة» . متفق عليه. # والأمر إنما هو للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو سعيد: قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم، فذلك من ~~نقصان دينها» . رواه البخاري. والحائض والنفساء سواء؛ لأن دم النفاس هو دم ~~الحيض، وحكمه حكمه. ومتى وجد الحيض في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم، ~~سواء وجد في أوله أو في آخره، ومتى ms1336 نوت الحائض الصوم، وأمسكت، مع علمها ~~بتحريم ذلك، أتمت، ولم يجزئها. ### | [مسألة مات وعليه صيام من رمضان] # (2084) مسألة: قال: (فإن أمكنها القضاء فلم تقض حتى ماتت، أطعم عنها لكل ~~يوم مسكين) وجملة ذلك أن من مات وعليه صيام من رمضان، لم يخل من حالين؛ ~~أحدهما، أن يموت قبل إمكان الصيام، إما لضيق الوقت، أو لعذر من مرض أو سفر، ~~أو عجز عن الصوم، فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن طاوس ~~وقتادة أنهما قالا: يجب الإطعام عنه؛ لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه، فوجب ~~الإطعام عن، كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام، لعجزه عنه. # ولنا أنه حق لله تعالى وجب بالشرع، مات من يجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط ~~إلى غير بدل، كالحج. ويفارق الشيخ الهرم؛ فإنه يجوز ابتداء الوجوب عليه، ~~بخلاف الميت. الحال الثاني، أن يموت بعد إمكان القضاء، فالواجب أن يطعم عنه ~~لكل يوم مسكين. وهذا قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن عائشة، وابن عباس. وبه ~~قال مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، والحسن بن حي، وابن علية، ~~وأبو عبيد، في الصحيح عنهم. # وقال أبو ثور: يصام عنه. وهو قول الشافعي؛ لما روت عائشة، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» . متفق عليه. ~~وروي عن ابن عباس نحوه. ولنا ما روى ابن ماجه، عن ابن عمر، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم ~~مسكينا» . قال الترمذي: الصحيح عن ابن عمر موقوف. # وعن عائشة أيضا، قالت: يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام عنه. وعن ابن ~~عباس، أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر؟ يصوم شهرا، وعليه صوم رمضان. قال: أما ~~رمضان فليطعم عنه، وأما النذر، فيصام عنه. رواه الأثرم في (السنن) . ولأن ~~الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة، فكذلك بعد الوفاة، كالصلاة، # PageV03P152 # فأما حديثهم فهو في النذر؛ لأنه قد جاء مصرحا به في بعض ألفاظه، كذلك ~~رواه البخاري ms1337 عن ابن عباس، قال: «قالت امرأة: يا رسول الله، إن أمي ماتت ~~وعليها صوم نذر، فأقضيه عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه، أكان ~~يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك» . # وقالت عائشة، وابن عباس كقولنا، وهما راويا حديثهم، فدل على ما ذكرناه. ### | [فصل صوم النذر] # (2085) فصل: فأما صوم النذر فيفعله الولي عنه، وهذا قول ابن عباس، ~~والليث، وأبي عبيد، وأبي ثور. وقال سائر من ذكرنا من الفقهاء: يطعم عنه؛ ~~لما ذكرنا في صوم رمضان. ولنا الأحاديث الصحيحة التي رويناها قبل هذا، وسنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق بالاتباع، وفيها غنية عن كل قول، ~~والفرق بين النذر وغيره أن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها، والنذر أخف ~~حكما؛ لكونه لم يجب بأصل الشرع، وإنما أوجبه الناذر على نفسه. # إذا ثبت هذا، فإن الصوم ليس بواجب على الولي؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - شبهه بالدين، ولا يجب على الولي قضاء دين الميت، وإنما يتعلق بتركته ~~إن كانت له تركة، فإن لم يكن له تركة، فلا شيء على وارثه، لكن يستحب أن ~~يقضى عنه، لتفريغ ذمته، وفك رهانه، كذلك هاهنا، ولا يختص ذلك بالولي، بل كل ~~من صام عنه قضى ذلك عنه، وأجزأ؛ لأنه تبرع، فأشبه قضاء الدين عنه. ### | [مسألة لم تمت المفرطة في القضاء حتى أظلها شهر رمضان آخر] # (2086) مسألة: قال: (فإن لم تمت المفرطة حتى أظلها شهر رمضان آخر، صامته، ~~ثم قضت ما كان عليها، ثم أطعمت لكل يوم مسكينا، وكذلك حكم المريض والمسافر ~~في الموت والحياة، إذا فرطا في القضاء) وجملة ذلك، أن من عليه صوما من ~~رمضان، فله تأخيره ما لم يدخل رمضان آخر؛ لما روت عائشة قالت: كان يكون علي ~~الصيام من شهر رمضان، فما أقضيه حتى يجيء شعبان. متفق عليه. # ولا يجوز له تأخير القضاء إلى رمضان آخر من غير عذر؛ لأن عائشة - رضي ~~الله عنها - لم تؤخره إلى ذلك، ولو أمكنها لأخرته، ولأن الصوم عبادة ~~متكررة، فلم يجز تأخير ms1338 الأولى عن الثانية، كالصلوات المفروضة. فإن أخره عن ~~رمضان آخر نظرنا؛ فإن كان لعذر فليس عليه إلا القضاء، وإن كان لغير عذر، ~~فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم. وبهذا قال ابن عباس، وابن عمر، وأبو ~~هريرة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، ~~وإسحاق. # وقال الحسن، # PageV03P153 # والنخعي، وأبو حنيفة: لا فدية عليه؛ لأنه صوم واجب، فلم يجب عليه في ~~تأخيره كفارة، كما لو أخر الأداء والنذر. ولنا ما روي عن ابن عمر، وابن ~~عباس، وأبي هريرة، أنهم قالوا: أطعم عن كل يوم مسكينا. ولم يرو عن غيرهم من ~~الصحابة خلافهم. وروي مسندا من طريق ضعيف، ولأن تأخير صوم رمضان عن وقته ~~إذا لم يوجب القضاء، أوجب الفدية، كالشيخ الهرم. ### | [فصل أخر القضاء لغير عذر حتى أدركه رمضانان أو أكثر] # (2087) فصل: فإن أخره لغير عذر حتى أدركه رمضانان أو أكثر، لم يكن عليه ~~أكثر من فدية مع القضاء؛ لأن كثرة التأخير لا يزداد بها الواجب، كما لو أخر ~~الحج الواجب سنين، لم يكن عليه أكثر من فعله. ### | [فصل مات المفرط بعد أن أدركه رمضان آخر] # (2088) فصل: وإن مات المفرط بعد أن أدركه رمضان آخر، أطعم عنه لكل يوم ~~مسكين واحد. نص عليه أحمد، فيما روى عنه أبو داود، أن رجلا سأله عن امرأة ~~أفطرت رمضان، ثم أدركها رمضان آخر، ثم ماتت؟ قال: يطعم عنها. قال له ~~السائل: كم أطعم؟ قال: كم أفطرت؟ قال: ثلاثين يوما. قال اجمع ثلاثين ~~مسكينا، وأطعمهم مرة واحدة، وأشبعهم. قال: ما أطعمهم؟ قال خبزا ولحما إن ~~قدرت من أوسط طعامكم. وذلك لأنه بإخراج كفارة واحدة، أزال تفريطه بالتأخير، ~~فصار كما لو مات من غير تفريط. # وقال أبو الخطاب: يطعم عنه لكل يوم فقيران؛ لأن الموت بعد التفريط بدون ~~التأخير عن رمضان آخر يوجب كفارة، والتأخير بدون الموت يوجب كفارة، فإذا ~~اجتمعا وجبت كفارتان، كما لو فرط في يومين. ### | [فصل التطوع بالصوم ممن عليه صوم فرض] # (2089) فصل: واختلفت الرواية عن أحمد في جواز التطوع بالصوم، ممن ms1339 عليه ~~صوم فرض، فنقل عنه حنبل أنه قال: لا يجوز له أن يتطوع بالصوم، وعليه صوم من ~~الفرض حتى يقضيه، يبدأ بالفرض، وإن كان عليه نذر صامه يعني بعد الفرض. وروى ~~حنبل، عن أحمد بإسناده عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من صام تطوعا، وعليه من رمضان شيء لم يقضه، فإنه لا يتقبل منه حتى ~~يصومه» . ولأنه عبادة يدخل في جبرانها المال، فلم يصح التطوع بها قبل أداء ~~فرضها، كالحج. وروي عن أحمد، أنه يجوز # PageV03P154 # له التطوع؛ لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع، فجاز التطوع في وقتها قبل ~~فعلها، كالصلاة يتطوع في أول وقتها، وعليه يخرج الحج. # ولأن التطوع بالحج يمنع فعل واجبه المتعين، فأشبه صوم التطوع في رمضان، ~~بخلاف مسألتنا. والحديث يرويه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وفي سياقه ما هو متروك، ~~فإنه قال في آخره: (ومن أدركه رمضان، وعليه من رمضان شيء لم يتقبل منه) . ~~ويخرج في التطوع بالصلاة في حق من عليه القضاء مثل ما ذكرناه في الصوم. ### | [فصل القضاء في عشر ذي الحجة] # (2090) فصل: واختلفت الرواية في كراهة القضاء في عشر ذي الحجة، فروي أنه ~~لا يكره. وهو قول سعيد بن المسيب، والشافعي، وإسحاق؛ لما روي عن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر. ولأنه أيام ~~عبادة، فلم يكره القضاء فيه، كعشر المحرم. والثانية، يكره القضاء فيه. # روي ذلك عن الحسن، والزهري؛ لأنه يروى عن علي - رضي الله عنه - أنه كرهه، ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب ~~إلى الله عز وجل من هذه الأيام يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول الله، ولا ~~الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه ~~وماله، فلم يرجع بشيء» . فاستحب إخلاؤها للتطوع، لينال فضيلتها. ويجعل ~~القضاء في غيرها. # وقال بعض أصحابنا: هاتان الروايتان مبنيتان على الروايتين في إباحة ~~التطوع قبل صوم الفرض وتحريمه، فمن أباحه كره القضاء فيها، ms1340 ليوفرها على ~~التطوع، لينال فضله فيها مع فعل القضاء، ومن حرمه لم يكرهه فيها، بل استحب ~~فعله فيها، لئلا يخلو من العبادة بالكلية. ويقوى عندي أن هاتين الروايتين ~~فرع على إباحة التطوع قبل الفرض، أما على رواية التحريم، فيكون صومها تطوعا ~~قبل الفرض محرما، وذلك أبلغ من الكراهة. والله أعلم. ### | [مسألة المرض المبيح للفطر في رمضان] # (2091) مسألة: قال: (وللمريض أن يفطر إذا كان الصوم يزيد في مرضه، فإن ~~تحمل وصام، كره له ذلك، وأجزأه) أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في ~~الجملة. والأصل فيه قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر} [البقرة: 184] والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم ~~أو يخشى تباطؤ برئه. # قيل لأحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع. قيل: مثل الحمى؟ قال: ~~وأي مرض أشد من الحمى، وحكي عن بعض السلف أنه أباح الفطر بكل مرض، حتى من ~~وجع # PageV03P155 # الإصبع والضرس؛ لعموم الآية فيه، ولأن المسافر يباح له الفطر وإن لم يحتج ~~إليه، فكذلك المريض. ولنا أنه شاهد للشهر، لا يؤذيه الصوم، فلزمه، كالصحيح، ~~والآية مخصوصة في المسافر والمريض جميعا، بدليل أن المسافر لا يباح له ~~الفطر في السفر القصير، والفرق بين المسافر والمريض، أن السفر اعتبرت فيه ~~المظنة، وهو السفر الطويل، حيث لم يمكن اعتبار الحكمة بنفسها، فإن قليل ~~المشقة لا يبيح، وكثيرها لا ضابط له في نفسه، فاعتبرت بمظنتها، وهو السفر ~~الطويل، فدار الحكم مع المظنة وجودا وعدما، والمرض لا ضابط له؛ فإن الأمراض ~~تختلف، منها ما يضر صاحبه الصوم ومنها ما لا أثر للصوم فيه، كوجع الضرس، ~~وجرح في الإصبع، والدمل، والقرحة اليسيرة، والجرب، وأشباه ذلك، فلم يصلح ~~المرض ضابطا، وأمكن اعتبار الحكمة، وهو ما يخاف منه الضرر، فوجب اعتباره. # فإذا ثبت هذا، فإن تحمل المريض وصام مع هذا، فقد فعل مكروها؛ لما يتضمنه ~~من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله تعالى، وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه؛ ~~لأنه عزيمة أبيح تركها رخصة، فإذا تحمله أجزأه، كالمريض ms1341 الذي يباح له ترك ~~الجمعة إذا حضرها، والذي يباح له ترك القيام في الصلاة إذا قام فيها. ~~(2092) فصل: والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام، كالمريض الذي يخاف زيادته في ~~إباحة الفطر؛ لأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفا مما يتجدد بصيامه، من ~~زيادة المرض وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه. # قال أحمد في من به شهوة غالبة للجماع، يخاف أن تنشق أنثياه، فله الفطر. ~~وقال في الجارية: تصوم إذا حاضت، فإن جهدها الصوم فلتفطر، ولتقض. يعني إذا ~~حاضت وهي صغيرة لم تبلغ خمس عشرة سنة. قال القاضي: هذا إذا كانت تخاف المرض ~~بالصيام، أبيح لها الفطر، وإلا فلا. ### | [فصل أبيح له الفطر لشدة شبقه] # (2093) فصل: ومن أبيح له الفطر لشدة شبقه، إن أمكنه استدفاع الشهوة بغير ~~جماع، كالاستمناء بيده، أو بيد امرأته أو جاريته، لم يجز له الجماع؛ لأنه ~~فطر للضرورة، فلم تبح له الزيادة على ما تندفع به الضرورة، كأكل الميتة عند ~~الضرورة. وإن جامع فعليه الكفارة. وكذلك إن أمكنه دفعها بما لا يفسد صوم ~~غيره، كوطء زوجته أو أمته الصغيرة، أو الكتابية، أو مباشرة الكبيرة المسلمة ~~دون الفرج، # PageV03P156 # أو الاستمناء بيدها أو بيده، لم يبح له. إفساد صوم غيره؛ لأن الضرورة إذا ~~اندفعت لم يبح له ما وراءها، كالشبع من الميتة إذا اندفعت الضرورة بسد ~~الرمق. # وإن لم تندفع الضرورة إلا بإفساد صوم غيره، أبيح ذلك؛ لأنه مما تدعو ~~الضرورة إليه، فأبيح كفطره، وكالحامل والمرضع يفطران خوفا على ولديهما. فإن ~~كان له امرأتان؛ حائض، وطاهر صائمة، ودعته الضرورة إلى وطء إحداهما، احتمل ~~وجهين: أحدهما، وطء الصائمة أولى؛ لأن الله تعالى نص على النهي عن وطء ~~الحائض في كتابه، ولأن وطأها فيه أذى لا يزول بالحاجة إلى الوطء. والثاني: ~~يتخير؛ لأن وطء الصائمة يفسد صيامها، فتتعارض المفسدتان، فيتساويان. ### | [مسألة المسافر يباح له الفطر] # (2094) مسألة: قال: (وكذلك المسافر) يعني أن المسافر يباح له الفطر، فإن ~~صام كره له ذلك، وأجزأه. وجواز الفطر للمسافر ثابت بالنص والإجماع، وأكثر ~~أهل العلم على ms1342 أنه إن صام أجزأه. ويروى عن أبي هريرة، أنه لا يصح صوم ~~المسافر قال أحمد: كان عمر وأبو هريرة يأمرانه بالإعادة. وروى الزهري، عن ~~أبي سلمة، عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، أنه قال: الصائم في السفر كالمفطر في ~~الحضر وقال بهذا قوم من أهل الظاهر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ليس من البر الصوم في السفر» متفق عليه «ولأنه - عليه السلام - أفطر في ~~السفر، فلما بلغه أن قوما صاموا، قال: أولئك هم العصاة» . # وروى ابن ماجه، بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«الصائم في رمضان في السفر، كالمفطر في الحضر» . وعامة أهل العلم على خلاف ~~هذا القول، قال ابن عبد البر: هذا قول يروى عن عبد الرحمن بن عوف، هجره ~~الفقهاء كلهم، والسنة ترده، وحجتهم ما روي عن حمزة بن عمرو الأسلمي، أنه ~~قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - «أصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، قال: ~~إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» وفي لفظ رواه النسائي، «أنه قال لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: أجد قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ قال: هي ~~رخصة الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» . وقال أنس: ~~«كنا نسافر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعب الصائم على المفطر، ~~ولا المفطر على الصائم» متفق عليه وكذلك روى أبو سعيد وأحاديثهم محمولة على ~~تفضيل الفطر على الصيام. ### | [فصل الأفضل الفطر في السفر] # (2095) فصل: والأفضل عند إمامنا، - رحمه الله -، الفطر في السفر، وهو ~~مذهب ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن # PageV03P157 # المسيب، والشعبي، والأوزاعي، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: ~~الصوم أفضل لمن قوي عليه. # ويروى ذلك عن أنس، وعثمان بن أبي العاص واحتجوا بما روي عن مسلمة بن ~~المحبق، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «من كانت له حمولة يأوي إلى ~~شبع، فليصم رمضان حيث أدركه» رواه أبو داود، ولأن من خير بين الصوم والفطر، ~~كان الصوم أفضل كالتطوع. # وقال عمر بن ms1343 عبد العزيز، ومجاهد، وقتادة: أفضل الأمرين أيسرهما؛ لقول ~~الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} [البقرة: 185] ولما روى أبو داود، عن ~~حمزة بن عمرو، قال: «قلت يا رسول الله، إني صاحب ظهر، أعالجه وأسافر عليه، ~~وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني رمضان - وأنا أجد القوة، وأنا ~~شاب، وأجدني أن أصم، يا رسول الله، أهون علي من أن أؤخر، فيكون دينا علي، ~~أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري، أم أفطر؟ قال: أي ذلك شئت يا حمزة» ولنا، ~~ما تقدم من الأخبار في الفصل الذي قبله وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «خيركم الذي يفطر في السفر ويقصر» ولأن في الفطر خروجا من ~~الخلاف، فكان أفضل، كالقصر. وقياسهم ينتقض بالمريض وبصوم الأيام المكروه ~~صومها. ### | [مسألة قضاء شهر رمضان متفرقا والتتابع أحسن] # (2096) مسألة: قال (وقضاء شهر رمضان متفرقا يجزئ، والمتتابع أحسن) هذا ~~قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن محيريز، وأبي قلابة، ومجاهد، ~~وأهل المدينة، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ~~وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق وحكي ~~وجوب التتابع عن علي وابن عمر والنخعي، والشعبي وقال داود: يجب، ولا يشترط؛ ~~لما روى ابن المنذر، بإسناده عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «من كان عليه صوم رمضان، فليسرده، ولا يقطعه» ولنا إطلاق قول الله ~~تعالى: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] غير مقيد بالتتابع. فإن قيل: قد ~~روي عن عائشة، أنها قالت: نزلت " فعدة من أيام أخر متتابعات " فسقطت " ~~متتابعات " قلنا: هذا لم يثبت عندنا صحته، ولو صح فقد سقطت اللفظة المحتج ~~بها. # وأيضا قول الصحابة، قال ابن عمر: إن سافر؛ فإن شاء فرق، وإن شاء تابع ~~وروي مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال أبو عبيدة بن الجراح، ~~في قضاء رمضان: إن الله لم يرخص لكم في فطره، وهو يريد أن يشق عليكم في ~~قضائه وروى الأثرم، بإسناده عن محمد بن المنكدر، أنه قال: بلغني ms1344 «أن رسول ~~الله # PageV03P158 # - صلى الله عليه وسلم - سئل عن تقطيع قضاء رمضان؟ فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: لو كان على أحدكم دين، فقضاه من الدرهم والدرهمين، حتى ~~يقضي ما عليه من الدين، هل كان ذلك قاضيا دينه؟ قالوا: نعم، يا رسول الله. ~~قال: فالله أحق بالعفو والتجاوز منكم» ولأنه صوم لا يتعلق بزمان بعينه. # فلم يجب فيه التتابع، كالنذر المطلق، وخبرهم لم يثبت صحته، فإن أهل السنن ~~لم يذكروه، ولو صح حملناه على الاستحباب، فإن المتتابع أحسن؛ لما فيه من ~~موافقة الخبر، والخروج من الخلاف وشبهه بالأداء، والله أعلم. ### | [مسألة من دخل في صيام تطوع فخرج منه فلا قضاء عليه] # (2097) مسألة؛ قال: (ومن دخل في صيام تطوع، فخرج منه، فلا قضاء عليه، وإن ~~قضاه فحسن) وجملة ذلك أن من دخل في صيام تطوع، استحب له إتمامه، ولم يجب، ~~فإن خرج منه، فلا قضاء عليه، روي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما أصبحا ~~صائمين، ثم أفطرا، وقال ابن عمر: لا بأس به، ما لم يكن نذرا أو قضاء رمضان ~~وقال ابن عباس: إذا صام الرجل تطوعا، ثم شاء أن يقطعه قطعه، وإذا دخل في ~~صلاة تطوعا، ثم شاء أن يقطعها قطعها وقال ابن مسعود: متى أصبحت تريد الصوم، ~~فأنت على آخر النظرين، إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت هذا مذهب أحمد، والثوري، ~~والشافعي، وإسحاق # وقد روى حنبل، عن أحمد، إذا أجمع على الصيام، فأوجبه على نفسه، فأفطر من ~~غير عذر، أعاد يوما مكان ذلك اليوم. وهذا محمول على أنه استحب ذلك، أو نذره ~~ليكون موافقا لسائر الروايات عنه. # وقال النخعي، وأبو حنيفة، ومالك: يلزم بالشروع فيه ولا يخرج منه إلا ~~بعذر، فإن خرج قضى. وعن مالك: لا قضاء عليه. # واحتج من أوجب القضاء بما روي عن عائشة، أنها قالت: «أصبحت أنا وحفصة ~~صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا حيس، فأفطرنا، ثم سألنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: اقضيا يوما مكانه» ولأنها عبادة تلزم بالنذر فلزمت ~~بالشروع فيها، كالحج والعمرة. ms1345 ولنا، ما روى مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن ~~عائشة، «قالت دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما، فقال: هل ~~عندكم شيء؟ فقلت: لا. قال: فإني صائم. ثم مر بعد ذلك اليوم، وقد أهدي إلي ~~حيس، فخبأت له منه، وكان يحب الحيس. قلت: يا رسول الله، إنه أهدي لنا # PageV03P159 # حيس، فخبأت لك منه، قال: أدنيه، أما إني قد أصبحت وأنا صائم. فأكل منه، ~~ثم قال لنا: إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة؛ فإن شاء ~~أمضاها، وإن شاء حبسها» هذا لفظ رواية النسائي، وهو أتم من غيره # وروت أم هانئ، «قالت: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتي ~~بشراب، فناولنيه فشربت منه، ثم قلت: يا رسول الله، لقد أفطرت وكنت صائمة. ~~فقال لها: أكنت تقضين شيئا؟ قالت: لا. قال: فلا يضرك إن كان تطوعا» رواه ~~سعيد وأبو داود، والأثرم وفي لفظ قالت: «قلت، إني صائمة. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: إن المتطوع أمير نفسه، فإن شئت فصومي، وإن شئت ~~فأفطري» ولأن كل صوم لو أتمه كان تطوعا إذا خرج منه لم يجب قضاؤه، كما لو ~~اعتقد أنه من رمضان فبان من شعبان أو من شوال. # فأما خبرهم، فقال أبو داود: لا يثبت. وقال الترمذي: فيه مقال. وضعفه ~~الجوزجاني وغيره، ثم هو محمول على الاستحباب. إذا ثبت هذا، فإنه يستحب له ~~إتمامه، وإن خرج منه استحب قضاؤه؛ للخروج من الخلاف، وعملا بالخبر الذي ~~رووه. (2098) # فصل: وسائر النوافل من الأعمال حكمها حكم الصيام، في أنها لا تلزم ~~بالشروع، ولا يجب قضاؤها إذا خرج منها، إلا الحج والعمرة، فإنهما يخالفان ~~سائر العبادات في هذا، لتأكد إحرامهما، ولا يخرج منهما بإفسادهما. ولو ~~اعتقد أنهما واجبان، ولم يكونا واجبين، لم يكن له الخروج منهما. # وقد روي عن أحمد في الصلاة ما يدل على أنها تلزم بالشروع، فإن الأثرم ~~قال: قلت لأبي عبد الله: الرجل يصبح صائما متطوعا، أيكون بالخيار؟ والرجل ~~يدخل في الصلاة أله أن يقطعها؟ فقال: ms1346 الصلاة أشد، أما الصلاة فلا يقطعها. ~~قيل له: فإن قطعها قضاها؟ قال: إن قضاها فليس فيه اختلاف. ومال أبو إسحاق ~~الجوزجاني إلى هذا القول، وقال: الصلاة ذات إحرام وإحلال، فلزمت بالشروع ~~فيها، كالحج. # وأكثر أصحابنا على أنها لا تلزم أيضا. وهو قول ابن عباس؛ لأن ما جاز ترك ~~جميعه جاز ترك بعضه، كالصدقة، والحج والعمرة يخالفان غيرهما. (2099) فصل: ~~ومن دخل في واجب، كقضاء رمضان، أو نذر معين أو مطلق، أو صيام كفارة؛ لم يجز ~~له الخروج منه؛ # PageV03P160 # لأن المتعين وجب عليه الدخول فيه، وغير المتعين تعين بدخوله فيه، فصار ~~بمنزلة الفرض المتعين، وليس في هذا خلاف بحمد الله. ### | [مسألة إذا كان للغلام عشر سنين وأطاق الصيام أخذ به] # (2100) مسألة: قال (وإذا كان للغلام عشر سنين، وأطاق الصيام أخذ به) يعني ~~أنه يلزم الصيام، يؤمر به ويضرب على تركه، ليتمرن عليه، ويتعوده، كما يلزم ~~الصلاة ويؤمر بها، وممن ذهب إلى أنه يؤمر بالصيام إذا أطاقه، عطاء، والحسن، ~~وابن سيرين، والزهري وقتادة، والشافعي وقال الأوزاعي إذا أطاق صوم ثلاثة ~~أيام تباعا، لا يخور فيهن ولا يضعف، حمل صوم شهر رمضان وقال إسحاق: إذا بلغ ~~ثنتي عشرة أحب أن يكلف الصوم للعادة. واعتباره بالعشر أولى؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أمر بالضرب على الصلاة عندها، واعتبار الصوم بالصلاة ~~أحسن لقرب إحداهما من الأخرى، واجتماعهما في أنهما عبادتان بدنيتان من ~~أركان الإسلام، إلا أن الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة، لأنه قد يطيق الصلاة ~~من لا يطيقه. (2101) # فصل: ولا يجب عليه الصوم حتى يبلغ. قال أحمد في غلام احتلم: صام ولم ~~يترك، والجارية إذا حاضت وهذا قول أكثر أهل العلم، وذهب بعض أصحابنا إلى ~~إيجابه على الغلام المطيق له إذا بلغ عشرا؛ لما روى ابن جريج، عن محمد بن ~~عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام، وجب عليه صيام شهر رمضان» ولأنه ~~عبادة بدنية، أشبه الصلاة، وقد أمر النبي - صلى ms1347 الله عليه وسلم - بأن يضرب ~~على الصلاة من بلغ عشرا. والمذهب الأول. # قال القاضي: المذهب عندي، رواية واحدة: أن الصلاة والصوم لا تجب حتى ~~يبلغ، وما قاله أحمد في من ترك الصلاة يقضيها. نحمله على الاستحباب؛ وذلك ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى ~~يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ.» ولأنه عبادة بدنية، ~~فلم تجب على الصبي، كالحج. وحديثهم مرسل، ثم نحمله على الاستحباب، وسماه ~~واجبا، تأكيدا لاستحبابه، كقوله - عليه السلام -: «غسل الجمعة واجب على كل ~~محتلم» (2102) فصل: إذا نوى الصبي الصوم من الليل، فبلغ في أثناء النهار ~~بالاحتلام أو السن، فقال القاضي: يتم صومه، ولا قضاء عليه. لأن نية صوم ~~رمضان حصلت ليلا فيجزئه كالبالغ. # ولا يمتنع أن يكون # PageV03P161 # أول الصوم نفلا وباقيه فرضا، كما لو شرع في صوم يوم تطوعا، ثم نذر ~~إتمامه. واختار أبو الخطاب أنه يلزمه القضاء؛ لأنه عبادة بدنية بلغ في ~~أثنائها بعد مضي بعض أركانها، فلزمته إعادتها، كالصلاة، والحج إذا بلغ بعد ~~الوقوف، وهذا لأنه ببلوغه يلزمه صوم جميعه، والماضي قبل بلوغه نفل، فلم يجز ~~عن الفرض، ولهذا لو نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم والناذر صائم؛ لزمه القضاء، ~~فأما ما مضى من الشهر قبل بلوغه، فلا قضاء عليه، وسواء كان قد صامه أو ~~أفطره، هذا قول عامة أهل العلم. وقال الأوزاعي: يقضيه إن كان أفطره وهو ~~مطيق لصيامه. # ولنا أنه زمن مضى في حال صباه، فلم يلزمه قضاء الصوم فيه، كما لو بلغ بعد ~~انسلاخ رمضان. وإن بلغ الصبي وهو مفطر، فهل يلزمه إمساك ذلك اليوم وقضاؤه؟ ~~على روايتين. ### | [مسألة أسلم الكافر في شهر رمضان] # (2103) مسألة: قال (وإذا أسلم الكافر في شهر رمضان، صام ما يستقبل من ~~بقية شهره) أما صوم ما يستقبله من بقية شهره، فلا خلاف فيه، وأما قضاء ما ~~مضى من الشهر قبل إسلامه، فلا يجب. وبهذا قال الشعبي، وقتادة، ومالك، ~~والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال عطاء: عليه قضاؤه. ms1348 وعن ~~الحسن كالمذهبين. # ولنا، أن ما مضى عبادة خرجت في حال كفره، فلم يلزمه قضاؤه، كالرمضان ~~الماضي. (2104) فصل: فأما اليوم الذي أسلم فيه، فإنه يلزمه إمساكه ويقضيه. ~~هذا المنصوص عن أحمد وبه قال الماجشون، وإسحاق. # وقال مالك، وأبو ثور وابن المنذر: لا قضاء عليه؛ لأنه لم يدرك في زمن ~~العبادة ما يمكنه التلبس بها فيه، فأشبه ما لو أسلم بعد خروج اليوم، وقد ~~روي ذلك عن أحمد. ولنا أنه أدرك جزءا من وقت العبادة فلزمته، كما لو أدرك ~~جزءا من وقت الصلاة. # PageV03P162 # (2105) فصل: فأما المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر، فعليه صوم ما بقي من ~~الأيام، بغير خلاف. وفي قضاء اليوم الذي أفاق فيه وإمساكه روايتان. ولا ~~يلزمه قضاء ما مضى. # وبهذا قال أبو ثور، والشافعي في الجديد. وقال مالك: يقضي، وإن مضى عليه ~~سنون. وعن أحمد مثله، وهو قول الشافعي في القديم؛ لأنه معنى يزيل العقل، ~~فلم يمنع وجوب الصوم، كالإغماء. وقال أبو حنيفة: إن جن جميع الشهر، فلا ~~قضاء عليه، وإن أفاق في أثنائه قضى، ما مضى؛ لأن الجنون لا ينافي الصوم ~~بدليل ما لو جن في أثناء الصوم لم يفسد، فإذا وجد في بعض الشهر، وجب ~~القضاء، كالإغماء. ولنا أنه معنى يزيل التكليف، فلم يجب القضاء في زمانه، ~~كالصغر والكفر. ويخص أبا حنيفة بأنه معنى، لو وجد في جميع الشهر أسقط ~~القضاء، فإذا وجد في بعضه أسقطه، كالصغر والكفر، ويفارق الإغماء في ذلك. ### | [مسألة رأى هلال شهر رمضان وحده] # (2106) مسألة: قال: (وإذا رأى هلال شهر رمضان وحده، صام) المشهور في ~~المذهب أنه متى رأى الهلال واحد لزمه الصيام، عدلا كان أو غير عدل، شهد عند ~~الحاكم أو لم يشهد، قبلت شهادته أو ردت. وهذا قول مالك، والليث، والشافعي، ~~وأصحاب الرأي، وابن المنذر. # وقال عطاء، وإسحاق: لا يصوم. وقد روى حنبل عن أحمد: لا يصوم إلا في جماعة ~~الناس. وروي نحوه عن الحسن وابن سيرين؛ لأنه يوم محكوم به من شعبان، فأشبه ~~التاسع والعشرين. ولنا أنه تيقن أنه ms1349 من رمضان فلزمه صومه، كما لو حكم به ~~الحاكم. وكونه محكوما به من شعبان ظاهر في حق غيره، وأما في الباطن فهو ~~يعلم أنه من رمضان، فلزمه صيامه كالعدل. (2107) فصل: فإن أفطر ذلك اليوم ~~بجماع، فعليه الكفارة. # وقال أبو حنيفة لا تجب؛ لأنها عقوبة، فلا تجب بفعل مختلف فيه، كالحد. ~~ولنا أنه أفطر يوما من رمضان بجماع، فوجبت به عليه الكفارة، كما لو قبلت ~~شهادته، ولا نسلم أن الكفارة عقوبة، ثم قياسهم ينتقض بوجوب الكفارة في ~~السفر القصير، مع وقوع الخلاف فيه. # PageV03P163 ### | [مسألة يقبل في هلال رمضان قول واحد عدل] # (2108) مسألة: قال: (وإن كان عدلا، صوم الناس بقوله) المشهور عن أحمد، ~~أنه يقبل في هلال رمضان قول واحد عدل، ويلزم الناس الصيام بقوله. وهو قول ~~عمر، وعلي، وابن عمر، وابن المبارك، والشافعي في الصحيح عنه. # وروي عن أحمد، أنه قال: اثنين أعجب إلي. قال أبو بكر: إن رآه وحده، ثم ~~قدم المصر، صام الناس بقوله، على ما روي في الحديث، وإن كان الواحد في ~~جماعة الناس، فذكر أنه رآه دونهم، لم يقبل إلا قول اثنين؛ لأنهم يعاينون ما ~~عاين. وقال عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: لا يقبل إلا شهادة اثنين. وهو ~~قول مالك، والليث، والأوزاعي، وإسحاق لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ~~أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه. فقال: إني جالست أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وسألتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا، فإن غم عليكم فأتموا ~~ثلاثين، وإن شهد شاهدان ذوا عدل، فصوموا وأفطروا.» رواه النسائي. ولأن هذه ~~شهادة على رؤية الهلال، فأشبهت الشهادة على هلال شوال، وقال أبو حنيفة في ~~الغيم كقولنا، وفي الصحو: لا يقبل إلا الاستفاضة؛ لأنه لا يجوز أن تنظر ~~الجماعة إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة، والموانع مرتفعة، فيراه واحد دون ~~الباقين. # ولنا ما روى ابن عباس قال: «جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: رأيت الهلال. ms1350 قال، أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؟ ~~قال: نعم. قال: يا بلال أذن في الناس، فليصوموا غدا» رواه أبو داود، ~~والنسائي، والترمذي. وروى ابن عمر، قال «تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته. فصام وأمر الناس بصيامه.» رواه أبو ~~داود. # ولأنه خبر عن وقت الفريضة فيما طريقه المشاهدة، فقبل من واحد، كالخبر ~~بدخول وقت الصلاة، ولأنه خبر ديني يشترك فيه المخبر والمخبر، فقبل من واحد ~~عدل، كالرواية، وخبرهم إنما يدل بمفهومه، وخبرنا أشهر منه، وهو يدل ~~بمنطوقه، فيجب تقديمه، ويفارق الخبر عن هلال شوال، فإنه خروج من العبادة، ~~وهذا دخول فيها، وحديثهم في هلال شوال يخالف مسألتنا، # PageV03P164 # وما ذكره أبو بكر، وأبو حنيفة لا يصح؛ لأنه يجوز انفراد الواحد به مع ~~لطافة المرئي وبعده، ويجوز أن تختلف معرفتهم بالمطلع ومواضع قصدهم وحدة ~~نظرهم، ولهذا لو حكم برؤيته حاكم بشهادة واحد؛ جاز، ولو شهد شاهدان؛ وجب ~~قبول شهادتهما، ولو كان ممتنعا على ما قالوه لم يصح فيه حكم حاكم، ولا يثبت ~~بشهادة اثنين، ومن منع ثبوته بشهادة اثنين، رد عليه الخبر الأول، وقياسه ~~على سائر الحقوق وسائر الشهور، ولو أن جماعة في محفل، فشهد اثنان منه أنه ~~طلق زوجته، أو أعتق عبده؛ قبلت شهادتهما دون من أنكر، ولو أن اثنين من أهل ~~الجمعة شهدا على الخطيب أنه قال على المنبر في الخطبة شيئا، لم يشهد به ~~غيرهما؛ لقبلت شهادتهما، وكذلك لو شهدا عليه بفعل، وإن كان غيرهما يشاركهما ~~في سلامة السمع وصحة البصر، كذا هاهنا. (2109) # فصل: وإن أخبره مخبر برؤية الهلال يثق بقوله؛ لزمه الصوم. وإن لم يثبت ~~ذلك عند الحاكم؛ لأنه خبر بوقت العبادة، يشترك فيه المخبر والمخبر، أشبه ~~الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخبر عن دخول وقت الصلاة. ذكر ~~ذلك ابن عقيل. ومقتضى هذا أنه يلزمه قبول الخبر، وإن رده الحاكم؛ لأن رد ~~الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بحال المخبر، ولا يتعين ذلك في عدم العدالة، ms1351 ~~وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته. (2110) # فصل: فإن كان المخبر امرأة فقياس المذهب قبول قولها. وهو قول أبي حنيفة، ~~وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأنه خبر ديني. فأشبه الرواية، والخبر عن ~~القبلة، ودخول وقت الصلاة، ويحتمل أن لا تقبل؛ لأنه شهادة برؤية الهلال، ~~فلم يقبل فيه قول امرأة، كهلال شوال. ### | [مسألة لا يقبل في هلال شوال إلا شهادة اثنين عدلين] # (2111) مسألة: قال (ولا يفطر إلا بشهادة اثنين) وجملة ذلك أنه لا يقبل في ~~هلال شوال إلا شهادة اثنين عدلين. في قول الفقهاء جميعهم، إلا أبا ثور، ~~فإنه قال: يقبل قول واحد؛ لأنه أحد طرفي شهر رمضان، أشبه الأول، ولأنه خبر ~~يستوي فيه المخبر والمخبر، أشبه الرواية وأخبار الديانات. # PageV03P165 # ولنا خبر عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وعن ابن عمر عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه «أجاز شهادة رجل واحد على رؤية الهلال، وكان لا يجيز على ~~شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين» . ولأنها شهادة على هلال لا يدخل بها في ~~العبادة، فلم تقبل فيه إلا شهادة اثنين كسائر الشهود، وهذا يفارق الخبر؛ ~~لأن الخبر يقبل فيه قول المخبر مع وجود المخبر عنه، وفلان عن فلان، وهذا لا ~~يقبل فيه ذلك، فافترقا. (2112) # فصل: ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة النساء المنفردات وإن ~~كثرن، وكذلك سائر الشهور؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال، ولا يقصد ~~به المال، فأشبه القصاص، وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان، لكن تركناه ~~احتياطا للعبادة. (2113) # فصل: وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوما، ولم يروا هلال شوال،؛ أفطروا ~~وجها واحدا. وإن صاموا بشهادة واحد، فلم يروا الهلال؛ ففيه وجهان: أحدهما: ~~لا يفطرون؛ لقوله - عليه السلام -: «وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا» . ولأنه ~~فطر، فلم يجز أن يستند إلى شهادة واحد، كما لو شهد بهلال شوال. والثاني: ~~يفطرون. وهو منصوص الشافعي، ويحكى عن أبي حنيفة؛ لأن الصوم إذا وجب الفطر ~~لاستكمال العدة، لا بالشهادة، وقد يثبت تبعا ما لا يثبت أصلا، بدليل أن ~~النسب لا يثبت ms1352 بشهادة النساء، وتثبت بها الولادة، فإذا ثبتت الولادة ثبت ~~النسب على وجه التبع للولادة، كذا هاهنا. # وإن صاموا لأجل الغيم؛ لم يفطروا وجها واحدا؛ لأن الصوم إنما كان على وجه ~~الاحتياط، فلا يجوز الخروج منه بمثل ذلك، والله أعلم. ### | [مسألة لا يفطر إذا رأى هلال شوال وحده] # (2114) مسألة: قال: (ولا يفطر إذا رآه وحده) وروي هذا عن مالك، والليث. ~~وقال الشافعي: يحل له أن يأكل حيث لا يراه أحد؛ لأنه يتيقنه من شوال، فجاز ~~له الأكل، كما لو قامت به بينة. ولنا، ما روى أبو رجاء عن أبي قلابة، أن ~~رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صياما. فأتيا عمر. ~~فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر. قال: ما حملك على ~~هذا؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال. وقال للآخر، قال: أنا صائم. # PageV03P166 # قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام. فقال للذي أفطر: ~~لولا مكان هذا لأوجعت رأسك. ثم نودي في الناس: أن اخرجوا. أخرجه سعيد، عن ~~ابن علية عن أيوب، عن أبي رجاء. # وإنما أراد ضربه لإفطاره برؤيته، ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به ~~وبصاحبه. ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه، ولا توعده. وقالت عائشة: إنما ~~يفطر يوم الفطر الإمام وجماعة المسلمين. ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما، ~~فكان إجماعا، ولأنه يوم محكوم به من رمضان، فلم يجز الفطر فيه كاليوم الذي ~~قبله، وفارق ما إذا قامت البينة، فإنه محكوم به من شوال، بخلاف مسألتنا. # وقولهم: إنه يتيقن أنه من شوال. قلنا: لا يثبت اليقين؛ لأنه يحتمل أن ~~يكون الرائي خيل إليه، كما روي أن رجلا في زمن عمر، قال: لقد رأيت الهلال. ~~فقال له: امسح عينك. فمسحها، ثم قال له: تراه؟ قال: لا. قال: لعل شعرة من ~~حاجبك تقوست على عينك، فظننتها هلالا أو ما هذا معناه # فصل: فإن رآه اثنان، ولم يشهدا عند الحاكم جاز لمن سمع شهادتهما الفطر، ~~إذا عرف عدالتهما، ولكل واحد منهما الفطر ms1353 بقولهما؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «وإذا شهد اثنان فصوموا وأفطروا» وإن شهدا عند الحاكم، فرد ~~شهادتهما؛ لجهله بحالهما، فلمن علم عدالتهما الفطر بقولهما؛ لأن رد الحاكم ~~هاهنا ليس بحكم منه، وإنما هو توقف لعدم علمه. فهو كالوقوف عن الحكم ~~انتظارا للبينة، ولهذا لو تثبت عدالتهما بعد ذلك حكم بها، وإن لم يعرف ~~أحدهما عدالة صاحبه؛ لم يجز له الفطر، إلا أن يحكم بذلك الحاكم، لئلا يفطر ~~برؤيته وحده. ### | [مسألة اشتباه شهر الصوم على الأسير] # (2116) مسألة: قال (وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير، فإن صام شهرا يريد به ~~شهر رمضان، فوافقه، أو ما بعده؛ أجزأه، وإن وافق ما قبله، لم يجزه) وجملته ~~أن من كان محبوسا أو مطمورا، أو في بعض النواحي النائية عن الأمصار لا ~~يمكنه تعرف الأشهر بالخبر، فاشتبهت عليه الأشهر، فإنه يتحرى ويجتهد، فإذا ~~غلب على ظنه عن أمارة تقوم في نفسه دخول شهر رمضان صامه، ولا يخلو من أربعة ~~أحوال: أحدها، أن لا ينكشف له الحال، فإن صومه صحيح، ويجزئه؛ لأنه أدى فرضه ~~باجتهاده. فأجزأه، كما لو صلى في يوم الغيم بالاجتهاد. الثاني: أن ينكشف له ~~أنه وافق الشهر أو ما بعده، فإنه يجزئه في قول عامة الفقهاء. # وحكي عن الحسن بن صالح أنه لا يجزئه في هاتين الحالتين؛ لأنه صامه على ~~الشك فلم يجزئه، كما لو صام يوم # PageV03P167 # الشك فبان من رمضان. وليس بصحيح؛ لأنه أدى فرضه بالاجتهاد في محله، فإذا ~~أصاب أو لم يعلم الحال؛ أجزأه كالقبلة إذا اشتبهت، أو الصلاة في يوم الغيم ~~إذا اشتبه وقتها، وفارق يوم الشك، فإنه ليس بمحل الاجتهاد، فإن الشرع أمر ~~بالصوم عند أمارة عينها، فما لم توجد لم يجز الصوم. الحال الثالث: وافق قبل ~~الشهر، فلا يجزئه، في قول عامة الفقهاء. # وقال بعض الشافعية: يجزئه في أحد الوجهين، كما لو اشتبه يوم عرفة فوقفوا ~~قبله. ولنا أنه أتى بالعبادة قبل وقتها، فلم يجزئه، كالصلاة في يوم الغيم. ~~وأما الحج فلا نسلمه إلا فيما إذا أخطأ الناس كلهم، ms1354 لعظم المشقة عليهم، وإن ~~وقع ذلك لنفر منهم لم يجزئهم. ولأن ذلك لا يؤمن مثله في القضاء، بخلاف ~~الصوم. الحال الرابع: أن يوافق بعضه رمضان دون بعض، فما وافق رمضان أو ~~بعده؛ أجزأه وما وافق قبله؛ لم يجزئه. (2117) # فصل: وإذا وافق صومه بعد الشهر، اعتبر أن يكون ما صامه بعدة أيام شهره ~~الذي فاته، سواء وافق ما بين هلالين أو لم يوافق، وسواء كان الشهران تامين ~~أو ناقصين. ولا يجزئه أقل من ذلك. # وقال القاضي: ظاهر كلام الخرقي: أنه إذا وافق شهرا بين هلالين أجزأه، ~~سواء كان الشهران تامين أو ناقصين، أو أحدهما تاما والآخر ناقصا. وليس ~~بصحيح؛ فإن الله تعالى قال: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] . ولأنه فاته ~~شهر رمضان، فوجب أن يكون صيامه بعدة ما فاته، كالمريض والمسافر. وليس في ~~كلام الخرقي تعرض لهذا التفصيل، فلا يجوز حمل كلامه على ما يخالف الكتاب ~~والصواب. # فإن قيل: أليس إذا نذر صوم شهر يجزئه ما بين هلالين؟ قلنا: الإطلاق يحمل ~~على ما تناوله الاسم، والاسم يتناول ما بين الهلالين، وهاهنا يجب قضاء ما ~~ترك، فيجب أن يراعى فيه عدة المتروك، كما أن من نذر صلاة أجزأه ركعتان، ولو ~~ترك صلاة وجب قضاؤها بعدة ركعاتها، كذلك هاهنا الواجب بعدة ما فاته من ~~الأيام، سواء كان ما صامه بين هلالين أو من شهرين، فإن دخل في صيامه يوم ~~عيد لم يعتد به، وإن وافق أيام التشريق، فهل يعتد بها؟ على روايتين: بناء ~~على صحة صومها على الفرض. (2118) # فصل: وإن لم يغلب على ظن الأسير دخول رمضان فصام، لم يجزئه، وإن وافق ~~الشهر؛ لأنه صامه على الشك؛ # PageV03P168 # فلم يجزئه، كما لو نوى ليلة الشك، إن كان غدا من رمضان؛ فهو فرضي. وإن ~~غلب على ظنه من غير أمارة، فقال القاضي: عليه الصيام، ويقضي إذا عرف الشهر، ~~كالذي خفيت عليه دلائل القبلة ويصلي على حسب حاله ويعيد. وذكر أبو بكر في ~~من خفيت عليه دلائل القبلة هل يعيد؟ على وجهين كذلك يخرج على قوله ms1355 هاهنا. ~~وظاهر كلام الخرقي أنه يتحرى، فمتى غلب على ظنه دخول الشهر صح صومه، وإن لم ~~يبن على دليل؛ لأنه ليس في وسعه معرفة الدليل، ولا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها. وقد ذكرنا مثل هذا في القبلة. # (2119) فصل: وإذا صام تطوعا، فوافق شهر رمضان، لم يجزئه. نص عليه أحمد، ~~وبه قال الشافعي. وقال أصحاب الرأي: يجزئه. وهذا ينبني على تعيين النية ~~لرمضان، وقد مضى القول فيه. ### | [مسألة صوم يومي العيدين منهي عنه] # (2120) مسألة: قال: (ولا يصام يوما العيدين، ولا أيام التشريق، لا عن ~~فرض، ولا عن تطوع. فإن قصد لصيامها كان عاصيا، ولم يجزئه عن الفرض) أجمع ~~أهل العلم على أن صوم يومي العيدين منهي عنه، محرم في التطوع والنذر المطلق ~~والقضاء والكفارة. وذلك لما روى أبو عبيد مولى ابن أزهر، قال: شهدت العيد ~~مع عمر بن الخطاب، فجاء فصلى، ثم انصرف، فخطب الناس، فقال: إن هذين يومين ~~نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم، ~~والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم وعن أبي هريرة، «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن صيام يومين؛ يوم فطر، ويوم أضحى» . # وعن أبي سعيد مثله. متفق عليهما. والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وتحريمه. ~~وأما صومهما عن النذر المعين ففيه خلاف. نذكره بعد إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة أيام التشريق منهي عن صيامها] # (2121) مسألة: قال (وفي أيام التشريق عن أبي عبد الله، رحمه الله، رواية ~~أخرى، أنه يصومها عن الفرض) وجملة ذلك أن أيام التشريق منهي عن صيامها ~~أيضا؛ لما روى نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله عز وجل.» متفق عليه # وروي عن عبد الله بن حذافة قال: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أيام منى أنادي: أيها الناس، إنها أيام أكل وشرب # PageV03P169 # وبعال» . إلا أنه من رواية الواقدي، وهو ضعيف. وعن عمرو بن العاص، أنه ~~قال: هذه الأيام التي كان رسول الله - صلى الله ms1356 عليه وسلم - يأمر بإفطارها، ~~وينهى عن صيامها. قال مالك: وهي أيام التشريق. رواه أبو داود ولا يحل ~~صيامها تطوعا، في قول أكثر أهل العلم، وعن ابن الزبير أنه كان يصومها. وروي ~~نحو ذلك عن ابن عمر الأسود بن يزيد وعن أبي طلحة أنه كان لا يفطر إلا يومي ~~العيدين. والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن صيامها، ولو بلغهم لم يعدوه إلى غيره. # وقد روى أبو مرة مولى أم هانئ، أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه ~~عمرو بن العاص، فقرب إليهما طعاما، فقال: كل، فقال: إني صائم. فقال عمرو: ~~كل، فهذه الأيام التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بإفطارها، ~~وينهى عن صيامها. والظاهر أن عبد الله بن عمرو أفطر لما بلغه نهي رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. # وأما صومها للفرض، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز؛ لأنه منهي عن صومها، ~~فأشبهت يومي العيد. والثانية: يصح صومها للفرض؛ لما روي عن ابن عمرو، ~~وعائشة، أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي ~~أي: المتمتع إذا عدم الهدي، وهو حديث صحيح، رواه البخاري ويقاس عليه كل ~~مفروض. ### | [فصل إفراد يوم الجمعة بالصوم] # (2122) فصل: ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم، إلا أن يوافق ذلك صوما كان ~~يصومه، مثل من يصوم يوما ويفطر يوما فيوافق صومه يوم الجمعة، ومن عادته صوم ~~أول يوم من الشهر، أو آخره، أو يوم نصفه، ونحو ذلك. نص عليه أحمد، في رواية ~~الأثرم. قال: قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديث النهي أن ~~يفرد، ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه، وأما أن يفرد فلا. قال: قلت: ~~رجل كان يصوم يوما ويفطر يوما، فوقع فطره يوم الخميس، وصومه يوم الجمعة، ~~وفطره يوم السبت، فصام الجمعة مفردا؟ فقال: هذا الآن لم يتعمد صومه خاصة، ~~إنما كره أن يتعمد الجمعة. # وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يكره إفراد الجمعة؛ لأنه يوم، ms1357 فأشبه سائر ~~الأيام. ولنا ما روى أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، # PageV03P170 # إلا يوما قبله أو بعده» . وقال محمد بن عباد: سألت جابرا، «أنهى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم.» متفق عليهما. # وعن جويرية بنت الحارث، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها يوم ~~الجمعة، وهي صائمة، فقال: «أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: أتريدين أن تصومي غدا؟ ~~قالت: لا. قال: فأفطري» . رواه البخاري. وفيه أحاديث سوى هذه، وسنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع. # وهذا الحديث يدل على أن المكروه إفراده؛ لأن نهيه معلل بكونها لم تصم أمس ~~ولا غدا (2123) # فصل: قال أصحابنا: يكره إفراد يوم السبت بالصوم؛ لما روى عبد الله بن ~~بسر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما ~~افترض عليكم» . أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. # وروي أيضا عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد ~~أحدكم إلا لحاء عنبة، أو عود شجرة، فليمضغه» . أخرجه أبو داود. وقال: اسم ~~أخت عبد الله بن بسر هجيمة، أو جهيمة. # قال الأثرم: قال أبو عبد الله: أما صيام يوم السبت يفرد به فقد جاء فيه ~~حديث الصماء، وكان يحيى بن سعيد يتقيه، أي: أن يحدثني به، وسمعته من أبي ~~عاصم والمكروه إفراده، فإن صام معه غيره؛ لم يكره؛ لحديث أبي هريرة ~~وجويرية. # وإن وافق صوما لإنسان، لم يكره، لما قدمناه. وقال أصحابنا: ويكره إفراد ~~يوم النيروز ويوم المهرجان بالصوم؛ لأنهما يومان يعظمهما الكفار، فيكون ~~تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما، فكره كيوم السبت. ~~وعلى قياس هذا، كل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم. ### | [فصل إفراد رجب بالصوم] # (2124) فصل: ويكره إفراد رجب بالصوم. قال أحمد: وإن صامه رجل، أفطر فيه ~~يوما أو أياما، بقدر ms1358 ما لا يصومه كله. ووجه ذلك، ما روى أحمد، بإسناده عن ~~خرشة بن الحر، قال: رأيت عمر يضرب أكف المترجبين، حتى يضعوها في الطعام. ~~ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية. وبإسناده # PageV03P171 # عن ابن عمر، أنه كان إذا رأى الناس، وما يعدون لرجب، كرهه، وقال: صوموا ~~منه، وأفطروا وعن ابن عباس نحوه، وبإسناده عن أبي بكرة، أنه دخل على أهله، ~~وعندهم سلال جدد وكيزان، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجب نصومه. قال: أجعلتم ~~رجبا رمضان، فأكفأ السلال، وكسر الكيزان قال أحمد: من كان يصوم السنة صامه، ~~وإلا فلا يصومه متواليا، يفطر فيه، ولا يشبهه برمضان. ### | [فصل صيام الدهر] # (2125) فصل: وروى أبو قتادة، قال: «قيل: يا رسول الله، فكيف بمن صام ~~الدهر؟ قال: لا صام ولا أفطر، أو لم يصم ولم يفطر» . قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن. وعن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صام الدهر ~~ضيقت عليه جهنم» . قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فسر مسدد قول أبي موسى: ~~(من صام الدهر ضيقت عليه جهنم) . فلا يدخلها. فضحك وقال: من قال هذا؟ فأين ~~حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كره ذلك، وما فيه ~~من الأحاديث؟ قال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام ~~التشريق؛ لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق رجوت أن لا ~~يكون بذلك بأس. # وروي نحو هذا عن مالك. وهو قول الشافعي؛ لأن جماعة من الصحابة كانوا ~~يسردون الصوم، منهم أبو طلحة. قيل: إنه صام بعد موت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أربعين سنة. والذي يقوى عندي، أن صوم الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه ~~الأيام، فإن صامها قد فعل محرما، وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة، ~~والضعف، وشبه التبتل المنهي عنه؛ بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«قال لعبد الله بن عمرو: إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل؟ فقلت: نعم. قال: إنك ~~إذا فعلت ذلك هجمت له عينك، ونفهت له ms1359 النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ~~ثلاثة أيام صوم الدهر كله قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال: فصم صوم داود، ~~كان يصوم يوما ويفطر يوما، # PageV03P172 # ولا يفر إذا لاقى» . وفي رواية: «وهو أفضل الصيام. فقلت: إني أطيق أفضل ~~من ذلك. قال: لا أفضل من ذلك» . رواه البخاري. ### | [مسألة الهلال إذا رئي نهارا قبل الزوال أو بعده وكان ذلك في آخر رمضان] # (2126) مسألة: قال: (وإذا رئي الهلال نهارا، قبل الزوال أو بعده، فهو ~~لليلة المقبلة) وجملة ذلك أن المشهور عن أحمد، أن الهلال إذا رئي نهارا قبل ~~الزوال أو بعده، وكان ذلك في آخر رمضان، لم يفطروا برؤيته. وهذا قول عمر، ~~وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأوزاعي، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، ~~وأبي حنيفة. # وقال الثوري، وأبو يوسف: إن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإن كان ~~بعده فهو لليلة المقبلة. وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه -. رواه سعيد؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» . وقد ~~رأوه، فيجب الصوم والفطر، ولأن ما قبل الزوال أقرب إلى الماضية. # وحكي هذا رواية عن أحمد. ولنا ما روى أبو وائل، قال: جاءنا كتاب عمر، ~~ونحن بخانقين، أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا ~~تفطروا حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس عشية. ولأنه قول ~~ابن مسعود، وابن عباس، ومن سمينا من الصحابة، وخبرهم محمول على ما إذا رئي ~~عشية، بدليل ما لو رئي بعد الزوال. ثم إن الخبر إنما يقتضي الصوم والفطر من ~~الغد، بدليل ما لو رآه عشية. # فأما إن كانت الرؤية في أول رمضان، فالصحيح أيضا، أنه لليلة المقبلة. وهو ~~قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي. وعن أحمد رواية أخرى، أنه للماضية، فيلزم ~~قضاء ذلك اليوم، وإمساك بقيته احتياطا للعبادة، والأول أصح؛ لأن ما كان ~~لليلة المقبلة في آخره، فهو لها في أوله، كما لو رئي بعد العصر. ### | [مسألة تأخير السحور وتعجيل الفطر] ### | [الفصل الأول في تعجيل السحور] # (2127) مسألة: قال: ms1360 (والاختيار تأخير السحور، وتعجيل الفطر) الكلام في ~~هذه المسألة في فصلين: (2128) أحدهما، في السحور، والكلام فيه في ثلاثة ~~أشياء؛ أحدها، في استحبابه. ولا نعلم فيه بين العلماء خلافا. وقد روى أنس ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة» . متفق ~~عليه. # وعن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فصل ما ~~بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» . أخرجه مسلم، وأبو داود، ~~والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وروى الإمام أحمد، بإسناده عن أبي سعيد، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «السحور بركة، فلا تدعوه، ولو ~~أن يجرع أحدكم جرعة # PageV03P173 # من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» . الثاني: في وقته. قال ~~أحمد يعجبني تأخير السحور؛ لما روى زيد بن ثابت، قال: تسحرنا مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ذلك؟ قال: ~~خمسين آية. متفق عليه. # وروى العرباض بن سارية، قال: «دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى السحور، فقال: هلم إلى الغداء المبارك» . رواه أبو داود، والنسائي. ~~سماه غداء لقرب وقته منه. ولأن المقصود بالسحور التقوي على الصوم، وما كان ~~أقرب إلى الفجر كان أعون على الصوم. قال أبو داود: قال أبو عبد الله: إذا ~~شك في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه. وهذا قول ابن عباس، وعطاء والأوزاعي. # قال أحمد: يقول الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] . وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر ~~المستطير في الأفق» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى أبو قلابة قال: قال ~~أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وهو يتسحر: يا غلام، اخف الباب، لا يفجأنا ~~الصبح وقال رجل لابن عباس: إني أتسحر؛ فإذا شككت أمسكت. فقال ابن عباس: كل ~~ما شككت، حتى لا تشك فأما الجماع فلا يستحب تأخيره؛ لأنه ليس مما يتقوى به، ~~وفيه خطر ms1361 وجوب الكفارة، وحصول الفطر به. # الثالث: فيما يتسحر به. وكل ما حصل من أكل أو شرب حصل به فضيلة السحور؛ ~~لقوله - عليه السلام -: «ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء» . وروى أبو هريرة، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «نعم سحور المؤمن التمر» . رواه أبو ~~داود. ### | [الفصل الثاني في تعجيل الفطر] # (2129) الفصل الثاني، في تعجيل الفطر وفيه أمور ثلاثة؛ أحدها، في ~~استحبابه. وهو قول أكثر أهل العلم؛ لما روى سهل بن سعد الساعدي، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر» . متفق ~~عليه. وعن أبي عطية، قال: «دخلت أنا ومسروق على عائشة، فقال مسروق: رجلان ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدهما يعجل الإفطار ويعجل ~~المغرب، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر المغرب؟ قالت: من الذي يعجل الإفطار ~~ويعجل المغرب؟ قال: عبد الله. قالت: هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصنع. رواه» مسلم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «يقول الله تعالى: أحب عبادي إلي أسرعهم فطرا» . قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن غريب. # وقال أنس: «ما رأيت # PageV03P174 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي حتى يفطر، ولو على شربة من ماء» . ~~رواه ابن عبد البر. الثاني: فيما يفطر عليه يستحب أن يفطر على رطبات، فإن ~~لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن فعلى الماء؛ لما روى أنس، قال: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى ~~تمرات، فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء.» رواه أبو داود، والأثرم، ~~والترمذي، وقال: حديث حسن غريب. # وعن سليمان بن عامر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على الماء، فإنه طهور» . ~~أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ### | [فصل في الوصال] # الثالث: في الوصال، وهو أن لا يفطر بين اليومين بأكل ولا شرب. وهو مكروه ~~في قول ms1362 أكثر أهل العلم. وروي عن ابن الزبير أنه كان يواصل اقتداء برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. ولنا ما روى ابن عمر، قال: «واصل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في رمضان، فواصل الناس، فنهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل. قال: إني لست مثلكم، إني أطعم ~~وأسقى» . متفق عليه. # وهذا يقتضي اختصاصه بذلك، ومنع إلحاق غيره به. وقوله: (إني أطعم وأسقى) . ~~يحتمل أنه يريد أنه يعان على الصيام، ويغنيه الله تعالى عن الشراب والطعام، ~~بمنزلة من طعم وشرب. ويحتمل أنه أراد: إني أطعم حقيقة، وأسقى حقيقة، حملا ~~للفظ على حقيقته. والأول أظهر، لوجهين: أحدهما، أنه لو طعم وشرب حقيقة لم ~~يكن مواصلا، وقد أقرهم على قولهم: إنك تواصل. # والثاني: أنه قد روي أنه قال: (إني أظل يطعمني ربي ويسقيني) . وهذا يقتضي ~~أنه في النهار، ولا يجوز الأكل في النهار له ولا لغيره. إذا ثبت هذا، فإن ~~الوصال غير محرم. وظاهر قول الشافعي أنه محرم، تقريرا لظاهر النهي في ~~التحريم. # ولنا أنه ترك الأكل والشرب المباح، فلم يكن محرما، كما لو تركه في حال ~~الفطر. فإن قيل: فصوم يوم العيد محرم، مع كونه تركا للأكل والشرب المباح. # PageV03P175 # قلنا: ما حرم ترك الأكل والشرب بنفسه؛ وإنما حرم بنية الصوم، ولهذا لو ~~تركه من غير نية الصوم لم يكن محرما. وأما النهي فإنما أتى به رحمة لهم، ~~ورفقا بهم؛ لما فيه من المشقة عليهم. كما نهى عبد الله بن عمرو عن صيام ~~النهار، وقيام الليل، وعن قراءة القرآن في أقل من ثلاث. قالت عائشة: «نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال، رحمة لهم» . # وهذا لا يقتضي التحريم، ولهذا لم يفهم منه أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - التحريم، بدليل أنهم واصلوا بعده، ولو فهموا منه التحريم لما ~~استجازوا فعله. قال أبو هريرة: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الوصال، فلما أبوا أن ينتهوا، واصل بهم يوما ويوما، ثم رأوا الهلال. فقال: ~~لو تأخر ms1363 لزدتكم» . كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. متفق عليه. فإن واصل من ~~سحر إلى سحر جاز؛ لما روى أبو سعيد، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر» أخرجه ~~البخاري. وتعجيل الفطر أفضل، لما قدمناه. ### | [فصل يستحب تفطير الصائم] # (2130) فصل: ويستحب تفطير الصائم؛ لما روى زيد بن خالد الجهني، عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من فطر صائما كان له مثل أجره، من غير أن ~~ينقص من أجر الصائم شيء» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (2131) # فصل: روى ابن عباس، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أفطر، ~~قال: اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا، إنك أنت السميع العليم» ~~. وعن ابن عمر قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أفطر، يقول: ~~ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر، إن شاء الله» . وإسناده حسن، ذكرهما ~~الدارقطني. ### | [مسألة من صام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال] # (2132) مسألة: قال (ومن صام شهر رمضان، وأتبعه بست من شوال، وإن فرقها، ~~فكأنما صام الدهر) وجملة ذلك أن صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من ~~أهل العلم. روي ذلك عن كعب الأحبار، والشعبي، وميمون بن مهران وبه قال ~~الشافعي وكرهه مالك وقال: ما رأيت أحدا من أهل الفقه يصومها، ولم يبلغني ~~ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق ~~برمضان ما ليس منه. # PageV03P176 # ولنا ما روى أبو أيوب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من ~~صام رمضان، وأتبعه ستا من شوال، فكأنما صام الدهر» . رواه أبو داود، ~~والترمذي، وقال: حديث حسن. وقال أحمد: هو من ثلاثة أوجه عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وروى سعيد، بإسناده عن ثوبان، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من صام رمضان، شهر بعشرة أشهر، وصام ستة أيام بعد الفطر، وذلك تمام ~~سنة» . يعني أن الحسنة بعشر أمثالها، فالشهر بعشرة والستة بستين يوما. ms1364 فذلك ~~اثنا عشر شهرا، وهو سنة كاملة، ولا يجري هذا مجرى التقديم لرمضان؛ لأن يوم ~~الفطر فاصل. فإن قيل: فلا دليل في هذا الحديث على فضيلتها؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - شبه صيامها بصيام الدهر، وهو مكروه. قلنا: إنما كره صوم ~~الدهر؛ لما فيه من الضعف والتشبيه بالتبتل، لولا ذلك لكان ذلك فضلا عظيما، ~~لاستغراقه الزمان بالعبادة والطاعة، والمراد بالخبر التشبيه به في حصول ~~العبادة به، على وجه عري عن المشقة، كما قال - عليه السلام - «من صام ثلاثة ~~أيام من كل شهر، كان كمن صام الدهر» . ذكر ذلك حثا على صيامها، وبيان ~~فضلها، ولا خلاف في استحبابها. # ونهى عبد الله بن عمرو عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث. وقال: «من قرأ ~~(قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن» . أراد التشبيه بثلث القرآن في ~~الفضل، لا في كراهة الزيادة عليه. إذا ثبت هذا، فلا فرق بين كونها متتابعة ~~أو مفرقة، في أول الشهر أو في آخره؛ لأن الحديث ورد بها مطلقا من غير ~~تقييد، ولأن فضيلتها لكونها تصير مع الشهر ستة وثلاثين يوما، والحسنة بعشر ~~أمثالها؛ فيكون ذلك كثلاثمائة وستين يوما، وهو السنة كلها، فإذا وجد ذلك في ~~كل سنة صار كصيام الدهر كله، وهذا المعنى يحصل مع التفريق. والله أعلم. ### | [مسألة صيام عاشوراء كفارة سنة ويوم عرفة كفارة سنتين] # (2133) مسألة: قال (وصيام عاشوراء كفارة سنة، ويوم عرفة كفارة سنتين) ~~وجملته أن صيام هذين اليومين مستحب؛ لما روى أبو قتادة، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال «صيام عرفة: إني أحتسب على الله أن يكفر السنة ~~التي قبله والسنة التي بعده» وقال في صيام عاشوراء: «إني أحتسب على الله أن ~~يكفر السنة التي قبله» . أخرجه مسلم. # إذا ثبت هذا فإن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم. وهذا قول سعيد بن ~~المسيب، والحسن؛ # PageV03P177 # لما روى ابن عباس، قال: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصوم يوم ~~عاشوراء العاشر من المحرم» . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وروي ms1365 عن ~~ابن عباس، أنه قال: التاسع وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم ~~التاسع» . أخرجه مسلم بمعناه. وروى عنه عطاء، أنه قال: «صوموا التاسع ~~والعاشر، ولا تشبهوا باليهود» إذا ثبت هذا فإنه يستحب صوم التاسع والعاشر ~~لذلك. نص عليه أحمد. وهو قول إسحاق. # قال أحمد: فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام. وإنما يفعل ذلك ~~ليتيقن صوم التاسع والعاشر. (2134) # فصل: واختلف في صوم عاشوراء، هل كان واجبا؟ فذهب القاضي إلى أنه لم يكن ~~واجبا. وقال: هذا قياس المذهب. واستدل بشيئين؛ أحدهما، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر من لم يأكل» بالصوم، والنية في الليل شرط في الواجب. ~~والثاني: أنه لم يأمر من أكل بالقضاء، ويشهد لهذا ما روى معاوية قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يقول: إن هذا يوم عاشوراء، لم يكتب الله ~~عليكم صيامه، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر» . وهو حديث صحيح. # وروي عن أحمد، أنه كان مفروضا؛ لما روت عائشة، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صامه وأمر بصيامه، فلما افترض رمضان كان هو الفريضة، وترك عاشوراء، ~~فمن شاء صامه ومن شاء تركه» . وهو حديث صحيح. وحديث معاوية محمول على أنه ~~أراد: ليس هو مكتوبا عليكم الآن. # وأما تصحيحه بنية من النهار، وترك الأمر بقضائه، فيحتمل أن نقول: من لم ~~يدرك اليوم بكماله لم يلزمه قضاؤه. كما قلنا في من أسلم وبلغ في أثناء يوم ~~من رمضان. على أنه قد روى أبو داود «أن أسلم أتت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا. قال: فأتموا بقية يومكم، واقضوه» ~~. # (2135) فصل: فأما يوم عرفة: فهو اليوم التاسع من ذي الحجة، سمي بذلك، لأن ~~الوقوف بعرفة فيه. وقيل: سمي يوم عرفة، لأن إبراهيم - عليه السلام - أري في ~~المنام ليلة التروية أنه يؤمر بذبح ابنه، فأصبح يومه # PageV03P178 # يتروى، هل هذا من الله أو حلم؟ فسمي يوم التروية، فلما كانت الليلة ~~الثانية رآه أيضا فأصبح يوم عرفة، فعرف أنه من الله، فسمي ms1366 يوم عرفة. وهو ~~يوم شريف عظيم، وعيد كريم، وفضله كبير. وقد صح عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «أن صيامه يكفر سنتين.» (2136) # فصل: وأيام عشر ذي الحجة كلها شريفة مفضلة يضاعف العمل فيها، ويستحب ~~الاجتهاد في العبادة فيها؛ لما روى ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه ~~الأيام العشر. قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه ~~وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء» . وهو حديث حسن صحيح. # وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من أيام أحب ~~إلى الله عز وجل أن يتعبد له فيها، من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها ~~بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر» . وهذا حديث غريب، أخرجه ~~الترمذي. وروى أبو داود، بإسناده عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم تسع ذي الحجة، ويوم ~~عاشوراء» . ### | [مسألة يستحب الفطر يوم عرفة لمن كان بعرفة] # (2137) مسألة: قال: (ولا يستحب لمن كان بعرفة أن يصوم، ليتقوى على ~~الدعاء) أكثر أهل العلم يستحبون الفطر يوم عرفة بعرفة وكانت عائشة، وابن ~~الزبير، يصومانه. وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء. وقال عطاء: ~~أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف. لأن كراهة صومه إنما هي معللة بالضعف عن ~~الدعاء، فإذا قوي عليه، أو كان في الشتاء، لم يضعف، فتزول الكراهة. # ولنا ما روي عن أم الفضل بنت الحارث، «أن ناسا تماروا بين يديها يوم عرفة ~~في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بعضهم: صائم. وقال بعضهم: ليس ~~بصائم. فأرسلت إليه بقدح من لبن، وهو واقف على بعيره بعرفات، فشربه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -» . متفق عليه. وقال ابن عمر: «حججت مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فلم يصمه ms1367 - يعني يوم عرفة - ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع ~~عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به، ولا أنهى ~~عنه.» أخرجه # PageV03P179 # الترمذي، وقال: حديث حسن. وروى أبو داود، بإسناده عن أبي هريرة، أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة» . # ولأن الصوم يضعفه، ويمنعه الدعاء في هذا اليوم المعظم، الذي يستجاب فيه ~~الدعاء، في ذلك الموقف الشريف، الذي يقصد من كل فج عميق، رجاء فضل الله ~~فيه، وإجابة دعائه به، فكان تركه أفضل. ### | [فصل أفضل الصيام بعد شهر رمضان] # (2138) فصل: روي عن أبي هريرة: قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم» . رواه أبو داود، ~~والترمذي، وقال: حديث حسن (2139) # فصل: وأفضل الصيام أن تصوم يوما وتفطر يوما؛ لما روى عبد الله بن عمرو، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قال له: صم يوما، وأفطر يوما، فذلك صيام ~~داود، وهو أفضل الصيام. فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: لا أفضل من ذلك» . متفق عليه. # فصل: وروى أبو داود، بإسناده عن أسامة بن زيد، أن نبي الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «كان يصوم يوم الاثنين والخميس، فسئل عن ذلك، فقال: إن أعمال ~~الناس تعرض يوم الاثنين والخميس» . . ### | [مسألة صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب] # (2141) مسألة: قال: (وأيام البيض التي حض رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- على صيامها، هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر) وجملة ذلك أن صيام ~~ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، لا نعلم فيه خلافا. وقد روى أبو هريرة، قال: ~~«أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر ~~قبل أن أنام» . وعن عبد الله بن عمرو، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~له: «صم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام ~~الدهر» . متفق عليهما. # ويستحب أن يجعل هذه الثلاثة أيام البيض؛ لما روى أبو ms1368 ذر، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر فصم ثلاث عشرة، ~~وأربع عشرة، وخمس عشرة» . أخرجه # PageV03P180 # الترمذي، وقال: حديث حسن. وروى النسائي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«قال لأعرابي: كل. قال: إني صائم. قال: صوم ماذا؟ قال: صوم ثلاثة أيام من ~~الشهر. قال: إن كنت صائما فعليك بالغر البيض؛ ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس ~~عشرة» . وعن ملحان القيسي، قال: «كان رسول الله - عليه السلام - يأمرنا أن ~~نصوم البيض؛ ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. وقال: هو كهيئة الدهر» . ~~أخرجه أبو داود. وسميت أيام البيض لابيضاض ليلها كله بالقمر، والتقدير: ~~أيام الليالي البيض. وقيل: إن الله تاب على آدم فيها، وبيض صحيفته. ذكره ~~أبو الحسن التميمي. (2142) # فصل: ويجب على الصائم أن ينزه صومه عن الكذب والغيبة والشتم. قال أحمد: ~~ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه، كانوا إذا ~~صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا. ولا يغتاب أحدا، ولا يعمل ~~عملا يجرح به صومه. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يدع قول ~~الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» . وقال أبو ~~هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال الله تعالى: «كل عمل ابن ~~آدم له، إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم ~~أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم. ~~والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم ~~فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه» . متفق عليهما. ### | [فصل في ليلة القدر] # (2143) فصل: في ليلة القدر: وهي ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة، قال الله ~~تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 3] . قيل: معناه العمل فيها ~~خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا ~~غفر ms1369 له ما تقدم من ذنبه» . متفق عليه. وقيل: إنما سميت ليلة القدر؛ لأنه ~~يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من خير ومصيبة، ورزق وبركة. يروى ذلك عن ~~ابن عباس، قال الله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} [الدخان: 4] . وسماها ~~مباركة، فقال تعالى {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين} [الدخان: ~~3] . وهي ليلة القدر؛ بدليل قوله سبحانه: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ~~[القدر: 1] . # PageV03P181 # وقال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة: 185] . يروى أن ~~جبريل نزل به من بيت العزة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل به على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نجوما في ثلاث وعشرين سنة. وهي باقية لم ~~ترفع؛ لما روى أبو ذر قال، «قلت: يا رسول الله، ليلة القدر رفعت مع ~~الأنبياء، أو هي باقية إلى يوم القيامة؟ قال: باقية إلى يوم القيامة. قلت: ~~في رمضان أو في غيره؟ فقال: في رمضان. فقلت: في العشر الأول، أو الثاني، أو ~~الآخر؟ فقال: في العشر الآخر» . وأكثر أهل العلم على أنها في رمضان. وكان ~~ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصبها. يشير إلى أنها في السنة كلها. # وفي كتاب الله تعالى ما يبين أنها في رمضان؛ لأن الله أخبر أنه أنزل ~~القرآن في ليلة القدر، وأنه أنزله في رمضان، فيجب أن تكون ليلة القدر في ~~رمضان؛ لئلا يتناقض الخبران، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنها ~~في رمضان في حديث أبي ذر، وقال: «التمسوها في العشر الأواخر، في كل وتر» . ~~متفق عليه. # وقال أبي بن كعب: والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان، ولكنه كره أن ~~يخبركم، فتتكلوا. إذا ثبت هذا فإنه يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان، وفي ~~العشر الأواخر آكد، وفي ليالي الوتر منه آكد. وقال أحمد: هي في العشر ~~الأواخر، وفي وتر من الليالي، لا يخطئ إن شاء الله، كذا روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال «اطلبوها في العشر الأواخر، في ثلاث بقين، أو سبع ~~بقين، أو تسع ms1370 بقين» . # وروى سالم عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرى ~~رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر، فالتمسوها في العشر الأواخر، ~~في الوتر منها» . متفق عليه. وقالت عائشة «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا دخل العشر الأواخر من رمضان، أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد ~~المئزر» . متفق عليه. قالت: «وكان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في ~~غيرها» . # وقال علي - رضي الله عنه -: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوقظ ~~أهله في العشر الأواخر» . وقالت عائشة «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يجاور في العشر الأواخر من # PageV03P182 # رمضان» . وفي لفظ للبخاري: «تحروا ليلة القدر في الوتر، في العشر الأواخر ~~من رمضان» . وكل هذه الأحاديث صحيحة. (2144) # فصل: واختلف أهل العلم في أرجى هذه الليالي، فقال أبي بن كعب، وعبد الله ~~بن عباس: هي ليلة سبع وعشرين. قال زر بن حبيش قلت لأبي بن كعب: أما علمت ~~أبا المنذر، أنها ليلة سبع وعشرين؟ قال: بلى «أخبرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع. فعددنا، وحفظنا» ، ~~والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكنه كره ~~أن يخبركم، فتتكلوا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وروى أبو ذر في حديث فيه طول، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقم ~~في رمضان حتى بقي سبع، فقام بهم، حتى مضى نحو من ثلث الليل، ثم قام بهم في ~~ليلة خمس وعشرين، حتى مضى نحو من شطر الليل، حتى كانت ليلة سبع وعشرين، ~~فجمع نساءه وأهله، واجتمع الناس، قال: فقام بهم حتى خشينا أن يفوتنا ~~الفلاح» . يعني السحور. متفق عليه. # وحكي عن ابن عباس، أنه قال: سورة القدر ثلاثون كلمة، السابعة والعشرون ~~منها هي) . وروى أبو داود، بإسناده عن معاوية، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في ليلة القدر، «قال ليلة سبع وعشرين» . # وقيل: آكدها ليلة ثلاث وعشرين؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه ms1371 وسلم - ~~«أن عبد الله بن أنيس، سأله، فقال: يا رسول الله، إني أكون ببادية يقال لها ~~الوطأة، وإني بحمد الله أصلي بهم، فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها في ~~المسجد، فأصليها فيه، فقال: انزل ليلة ثلاث وعشرين، فصلها فيه، وإن أحببت ~~أن تستتم آخر هذا الشهر فافعل، وإن أحببت فكف. فكان إذا صلى العصر دخل ~~المسجد، فلم يخرج إلا في حاجة، حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح كانت دابته ~~بباب المسجد» . رواه أبو داود مختصرا. # وقيل: آكدها ليلة أربع وعشرين؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، أنه قال: «ليلة القدر أول ليلة من السبع الأواخر» . وروي عن بعض ~~الصحابة، أنه قال: لم نكن نعد عددكم # PageV03P183 # هذا، وإنما كنا نعد من آخر الشهر. يعني أن السابعة والعشرين هي أول ليلة ~~من السبع الأواخر. وروى أبو ذر، قال: «صمنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - شهر رمضان، فلم يقم بنا حتى كانت ليلة سبع بقيت، فقام بنا نحوا من ~~ثلث الليل، ثم لم يقم ليلة ست، فلما كانت ليلة خمس قام بنا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نحوا من نصف الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا قيام ~~هذه الليلة؟ فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ~~ليلة. فلما كانت ليلة ثلاث، قام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. فقلت: وما ~~الفلاح؟ قال: السحور. وأيقظ في تلك الليلة أهله ونساءه وبناته» . رواه ~~سعيد. # وقيل: آكدها ليلة إحدى وعشرين؛ لما روى أبو سعيد، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «رأيت ليلة القدر، ثم أنسيتها، فالتمسوها في العشر ~~الأواخر، في الوتر، وإني رأيت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين. قال: فجاءت ~~سحابة، فمطرت حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، فأقيمت الصلاة، ~~فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسجد في الماء والطين، حتى رأيت ~~أثر الماء والطين في جبهته» . وفي حديث: (في صبيحة إحدى وعشرين) . متفق ~~عليه. # قال الترمذي: قد روي ms1372 أنها ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة ~~خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين، وآخر ليلة. وقال أبو ~~قلابة: إنها تنتقل في ليالي العشر. قال الشافعي: كان هذا عندي - والله أعلم ~~- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجيب على نحو ما يسأل. فعلى هذا ~~كانت في السنة التي رأى أبو سعيد النبي - صلى الله عليه وسلم - يسجد في ~~الماء والطين ليلة إحدى وعشرين، وفي السنة التي أمر عبد الله بن أنيس ليلة ~~ثلاث وعشرين، وفي السنة التي رأى أبي بن كعب علامتها ليلة سبع وعشرين، وقد ~~ترى علامتها في غير هذه الليالي. قال بعض أهل العلم: أبهم الله تعالى هذه ~~الليلة على الأمة ليجتهدوا في طلبها، ويجدوا في العبادة في الشهر كله طمعا ~~في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، ليكثروا من الدعاء في ~~اليوم كله، وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء ورضاه في الطاعات، ليجتهدوا في ~~جمعها، وأخفى الأجل وقيام الساعة، ليجد الناس في العمل، حذرا منهما (2145) # فصل: فأما علامتها، فالمشهور فيها ما ذكره أبي بن كعب، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن (الشمس تطلع من صبيحتها بيضاء لا شعاع لها) . # وفي بعض الأحاديث: (بيضاء مثل الطست) . وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه # PageV03P184 # قال: بلجة سمحة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها.» ~~(2146) # فصل: ويستحب أن يجتهد فيها في الدعاء، ويدعو فيها بما روي عن عائشة، أنها ~~قالت: يا رسول الله، إن وافقتها بم أدعو؟ قال: قولي: «اللهم إنك عفو تحب ~~العفو، فاعف عني» . # PageV03P185 ### | [كتاب الاعتكاف] # الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، برا كان أو غيره، ومنه ~~قوله تعالى: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} [الأنبياء: 52] . ~~وقال: {يعكفون على أصنام لهم} [الأعراف: 138] . قال الخليل: عكف يعكف ~~ويعكف. وهو في الشرع: الإقامة في المسجد، على صفة نذكرها، وهو قربة وطاعة. # قال الله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين} [البقرة: 125] . ~~وقال: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: ms1373 187] . # وقالت عائشة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر الأواخر» . ~~متفق عليه. وروى ابن ماجه، في (سننه) ، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أنه قال في المعتكف: هو يعكف الذنوب، ويجرى له من الحسنات ~~كعامل الحسنات كلها» . وهذا الحديث ضعيف. # وفي إسناده فرقد السبخي قال أبو داود: قلت لأحمد، - رحمه الله -: تعرف في ~~فضل الاعتكاف شيئا؟ قال: لا، إلا شيئا ضعيفا. ولا نعلم بين العلماء خلافا ~~في أنه مسنون. ### | [مسألة الاعتكاف سنة] # (2147) مسألة: قال أبو القاسم - رحمه الله -: (والاعتكاف سنة، إلا أن ~~يكون نذرا، فيلزم الوفاء به) لا خلاف في هذه الجملة بحمد الله. قال ابن ~~المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضا، إلا أن ~~يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرا، فيجب عليه. ومما يدل على أنه سنة، فعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ومداومته عليه، تقربا إلى الله تعالى، وطلبا ~~لثوابه، واعتكاف أزواجه معه وبعده، ويدل على أنه غير واجب أن أصحابه لم ~~يعتكفوا، ولا أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - به إلا من أراده. # وقال - عليه السلام -: «من أراد أن يعتكف، فليعتكف العشر الأواخر» . ولو ~~كان واجبا لما علقه بالإرادة. وأما إذا نذره، فيلزمه؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» . رواه البخاري. وعن عمر، ~~أنه قال: «يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: أوف بنذرك» . رواه البخاري، ومسلم. ### | [فصل نوى اعتكاف مدة] # (2148) فصل: وإن نوى اعتكاف مدة لم تلزمه، فإن شرع فيها فله إتمامها، وله ~~الخروج منها متى شاء. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: تلزمه بالنية مع ~~الدخول فيه، فإن قطعه لزمه قضاؤه. وقال ابن عبد البر: لا يختلف في ذلك ~~الفقهاء، ويلزمه القضاء عند جميع العلماء. وقال: وإن لم يدخل فيه فالقضاء ~~مستحب. # ومن العلماء من أوجبه وإن لم يدخل فيه، واحتج بما روي عن عائشة - رضي ~~الله عنها -، «أن النبي ms1374 - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P186 # كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، فأمرت ~~ببنائها فضرب، وسألت حفصة أن تستأذن لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ففعلت، فأمرت ببنائها فضرب، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببنائها فضرب، ~~قالت: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح دخل معتكفه، ~~فلما صلى الصبح انصرف، فبصر بالأبنية، فقال: ما هذا؟ ، فقالوا: بناء عائشة، ~~وحفصة، وزينب. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: البر أردتن، ما أنا ~~بمعتكف فرجع. فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال» . متفق على معناه. # ولأنها عبادة تتعلق بالمسجد، فلزمت بالدخول فيها، كالحج. ولم يصنع ابن ~~عبد البر شيئا، وهذا ليس بإجماع، ولا نعرف هذا القول عن أحد سواه، وقد قال ~~الشافعي: كل عمل لك أن لا تدخل فيه، فإذا دخلت فيه فخرجت منه، فليس عليك أن ~~تقضي، إلا الحج والعمرة. ولم يقع الإجماع على لزوم نافلة بالشروع فيها سوى ~~الحج والعمرة. # وإذا كانت العبادات التي لها أصل في الوجوب لا تلزم بالشروع، فما ليس له ~~أصل في الوجوب أولى، وقد انعقد الإجماع على أن الإنسان لو نوى الصدقة بمال ~~مقدر، وشرع في الصدقة به، فأخرج بعضه، لم تلزمه الصدقة بباقيه، وهو نظير ~~الاعتكاف؛ لأنه غير مقدر بالشرع، فأشبه الصدقة. # وما ذكره حجة عليه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك اعتكافه، ولو ~~كان واجبا لما تركه، وأزواجه تركن الاعتكاف بعد نيته وضرب أبنيتهن له، ولم ~~يوجد عذر يمنع فعل الواجب، ولا أمرن بالقضاء، وقضاء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - له لم يكن واجبا عليه، وإنما فعله تطوعا؛ لأنه كان إذا عمل عملا ~~أثبته، وكان فعله لقضائه كفعله لأدائه، على سبيل التطوع به، لا على سبيل ~~الإيجاب، كما قضى السنة التي فاتته بعد الظهر وقبل الفجر، فتركه له دليل ~~على عدم الوجوب، لتحريم ترك الواجب، وفعله للقضاء لا يدل على الوجوب؛ لأن ~~قضاء السنن مشروع. # فإن قيل: إنما جاز تركه، ولم يؤمر تاركه من النساء ms1375 بقضائه، لتركهن إياه ~~قبل الشروع. قلنا: فقد سقط الاحتجاج؛ لاتفاقنا على أنه لا يلزم قبل شروعه ~~فيه، فلم يكن القضاء دليلا على الوجوب، مع الاتفاق على انتفائه. ولا يصح ~~قياسه على الحج والعمرة؛ لأن الوصول إليهما لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة ~~عظيمة، ومشقة شديدة، وإنفاق مال كثير، ففي إبطالهما تضييع لماله، وإبطال ~~لأعماله الكثيرة، وقد نهينا عن إضاعة المال، وإبطال الأعمال، وليس في ترك ~~الاعتكاف بعد الشروع فيه مال يضيع، ولا عمل يبطل، فإن ما مضى من اعتكافه، ~~لا يبطل بترك اعتكاف المستقبل، ولأن النسك يتعلق بالمسجد الحرام على ~~الخصوص، والاعتكاف بخلافه. # PageV03P187 ### | [مسألة الاعتكاف بغير صوم] # (2149) مسألة: قال: (ويجوز بلا صوم، إلا أن يقول في نذره بصوم) المشهور ~~في المذهب أن الاعتكاف يصح بغير صوم. روي ذلك عن علي، وابن مسعود، وسعيد بن ~~المسيب، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وعطاء، وطاوس، والشافعي، وإسحاق. # وعن أحمد، رواية أخرى، أن الصوم شرط في الاعتكاف. قال: إذا اعتكف يجب ~~عليه الصوم. وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة. وبه قال الزهري، ~~ومالك، وأبو حنيفة، والليث، والثوري، والحسن بن يحيى؛ لما روي عن عائشة، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال: لا اعتكاف إلا بصوم» . رواه ~~الدارقطني. # وعن ابن عمر، «أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية، فسأل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: اعتكف، وصم» . رواه أبو داود. ولأنه لبث في مكان ~~مخصوص. فلم يكن بمجرده قربة، كالوقوف. # ولنا، ما روى ابن عمر، عن عمر، «أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت في ~~الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: أوف بنذرك» . رواه البخاري. ولو كان الصوم شرطا لما صح اعتكاف الليل، ~~لأنه لا صيام فيه، ولأنه عبادة تصح في الليل، فلم يشترط له الصيام كالصلاة، ~~ولأنه عبادة تصح في الليل، فأشبه سائر العبادات، ولأن إيجاب الصوم حكم لا ~~يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص، ولا إجماع. # قال سعيد: حدثنا عبد ms1376 العزيز بن محمد، عن أبي سهل، قال: كان على امرأة من ~~أهلي اعتكاف، فسألت عمر بن عبد العزيز. فقال: ليس عليها صيام، إلا أن تجعله ~~على نفسها. فقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم. فقال له عمر عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -؟ قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا. قال: فعن عمر؟ قال: ~~لا. قال: وأظنه قال: فعن عثمان؟ قال: لا. فخرجت من عنده، فلقيت عطاء ~~وطاوسا، فسألتهما، فقال طاوس: كان فلان لا يرى عليها صياما، إلا أن تجعله ~~على نفسها، وأحاديثهم لا تصح. أما حديثهم عن عمر، فتفرد به ابن بديل، وهو ~~ضعيف، قال أبو بكر النيسابوري: هذا حديث منكر. والصحيح ما رويناه، أخرجه ~~البخاري، والنسائي، وغيرهما. وحديث عائشة موقوف عليها، ومن رفعه فقد وهم، ~~ولو صح فالمراد به الاستحباب؛ فإن الصوم فيه أفضل، وقياسهم ينقلب عليهم؛ ~~فإنه لبث في مكان مخصوص، فلم يشترط له الصوم كالوقوف، ثم نقول بموجبه، فإنه ~~لا يكون قربة بمجرده، بل بالنية. إذا ثبت هذا فإنه يستحب أن يصوم؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف وهو صائم، ولأن المعتكف يستحب له ~~التشاغل بالعبادات والقرب، والصوم من أفضلها، ويتفرغ به مما يشغله عن ~~العبادات، ويخرج به من الخلاف. # PageV03P188 # (2150) # فصل: إذا قلنا: إن الصوم شرط. لم يصح اعتكاف ليلة مفردة، ولا بعض يوم؛ ~~ولا ليلة وبعض يوم؛ لأن الصوم المشترط لا يصح في أقل من يوم. ويحتمل أن يصح ~~في بعض اليوم، إذا صام اليوم كله؛ لأن الصوم المشروط وجد في زمن الاعتكاف، ~~ولا يعتبر وجود المشروط في زمن الشرط كله. ### | [مسألة لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه] # (2151) مسألة: قال: (ولا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه) يعني تقام ~~الجماعة فيه. وإنما اشترط ذلك؛ لأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد ~~لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما ~~خروجه إليها، فيتكرر ذلك منه كثيرا مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف ~~للاعتكاف، إذ هو لزوم ms1377 المعتكف والإقامة على طاعة الله فيه. ولا يصح ~~الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلا. # لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا، والأصل في ذلك قول الله تعالى: {ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] . فخصها بذلك، ولو صح ~~الاعتكاف في غيرها، لم يختص تحريم المباشرة فيها؛ فإن المباشرة محرمة في ~~الاعتكاف مطلقا. # وفي حديث عائشة، قالت: «إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدخل ~~علي رأسه، وهو في المسجد، فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان ~~معتكفا.» وروى الدارقطني بإسناده، عن الزهري، عن عروة، وسعيد بن المسيب، عن ~~عائشة، في حديث: «وأن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، ولا ~~اعتكاف إلا في مسجد جماعة» . فذهب أبو عبد الله إلى أن كل مسجد تقام فيه ~~الجماعة يجوز الاعتكاف فيه، ولا يجوز في غيره. وروي عن حذيفة، وعائشة، ~~والزهري، ما يدل على هذا. واعتكف أبو قلابة وسعيد بن جبير في مسجد حيهما. # وروي عن عائشة، والزهري، أنه لا يصح إلا في مساجد الجماعات. وهو قول ~~الشافعي، إذا كان اعتكافه يتخلله جمعة، لئلا يلتزم الخروج من معتكفه، لما ~~يمكنه التحرز من الخروج إليه. وروي عن حذيفة، وسعيد بن المسيب: لا يجوز ~~الاعتكاف إلا في مسجد نبي. وحكي عن حذيفة، أن الاعتكاف لا يصح إلا في أحد ~~المساجد الثلاثة. قال سعيد: حدثنا مغيرة، عن إبراهيم، قال: دخل حذيفة مسجد # PageV03P189 # الكوفة، فإذا هو بأبنية مضروبة، فسأل عنها. فقيل: قوم معتكفون. فانطلق ~~إلى ابن مسعود، فقال: ألا تعجب من قوم يزعمون أنهم معتكفون بين دارك ودار ~~الأشعري؟ فقال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت، وحفظوا ونسيت. فقال حذيفة: ~~لقد علمت ما الاعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ~~ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال مالك: يصح الاعتكاف في كل ~~مسجد؛ لعموم قوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] . وهو ~~قول الشافعي إذا لم يكن اعتكافه يتخلله جمعة. # ولنا، قول عائشة: من السنة للمعتكف، أن لا ms1378 يخرج إلا لحاجة الإنسان، ولا ~~اعتكاف إلا في مسجد جماعة. وقد قيل: إن هذا من قول الزهري. وهو ينصرف إلى ~~سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيفما كان. وروى سعيد: حدثنا هشيم، ~~حدثنا جويبر، عن الضحاك، عن حذيفة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «كل مسجد له إمام ومؤذن، فالاعتكاف فيه يصلح» . ولأن قوله تعالى: ~~{وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] يقتضي إباحة الاعتكاف في كل مسجد، ~~إلا أنه يقيد بما تقام فيه الجماعة بالأخبار، والمعنى الذي ذكرناه، ففيما ~~عداه يبقى على العموم. # وقول الشافعي في اشتراطه موضعا تقام فيه الجمعة، لا يصح؛ للأخبار، ولأن ~~الجمعة لا تتكرر، فلا يضر وجوب الخروج إليها، كما لو اعتكفت المرأة مدة ~~يتخللها أيام حيضها. ولو كان الجامع تقام فيه الجمعة وحدها، ولا يصلى فيه ~~غيرها، لم يجز الاعتكاف فيه. ويصح عند مالك، والشافعي. ومبنى الخلاف على أن ~~الجماعة واجبة عندنا، فيلتزم الخروج من معتكفه إليها، فيفسد اعتكافه، ~~وعندهم ليست واجبة. (2152) # فصل: وإن كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة؛ كليلة أو بعض يوم، جاز في كل ~~مسجد؛ لعدم المانع. وإن كانت تقام فيه في بعض الزمان، جاز الاعتكاف فيه في ~~ذلك الزمان دون غيره. وإن كان المعتكف ممن لا تلزمه الجماعة، كالمريض، ~~والمعذور، ومن هو في قرية لا يصلي فيها سواه، جاز اعتكافه في كل مسجد؛ لأنه ~~لا تلزمه الجماعة، فأشبه المرأة. وإن اعتكف اثنان في مسجد لا تقام فيه ~~جماعة، فأقاما الجماعة فيه، صح اعتكافهما؛ لأنهما أقاما الجماعة، فأشبه ما ~~لو أقامها فيه غيرهما. (2153) # فصل: وللمرأة أن تعتكف في كل مسجد. ولا يشترط إقامة الجماعة فيه؛ لأنها ~~غير واجبة عليها. وبهذا قال الشافعي. وليس لها الاعتكاف في بيتها. وقال أبو ~~حنيفة، والثوري: لها الاعتكاف في مسجد # PageV03P190 # بيتها، وهو المكان الذي جعلته للصلاة منه، واعتكافها فيه أفضل؛ لأن ~~صلاتها فيه أفضل. وحكي عن أبي حنيفة، أنها لا يصح اعتكافها في مسجد ~~الجماعة؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الاعتكاف في المسجد، ms1379 لما ~~رأى أبنية أزواجه فيه، وقال: البر تردن» . ولأن مسجد بيتها موضع فضيلة ~~صلاتها، فكان موضع اعتكافها، كالمسجد في حق الرجل. # ولنا، قوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] . والمراد به ~~المواضع التي بنيت للصلاة فيها، وموضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد؛ لأنه لم ~~يبن للصلاة فيه، وإن سمي مسجدا كان مجازا، فلا يثبت له أحكام المساجد ~~الحقيقية، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدا» . # ولأن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - استأذنه في الاعتكاف في المسجد، ~~فأذن لهن، ولو لم يكن موضعا لاعتكافهن، لما أذن فيه، ولو كان الاعتكاف في ~~غيره أفضل لدلهن عليه، ونبههن عليه، ولأن الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد ~~في حق الرجل، فيشترط في حق المرأة، كالطواف، وحديث عائشة حجة لنا؛ لما ~~ذكرنا، وإنما كره اعتكافهن في تلك الحال، حيث كثرت أبنيتهن، لما رأى من ~~منافستهن، فكرهه منهن، خشية عليهن من فساد نيتهن، وسوء المقصد به، ولذلك ~~قال: (البر تردن،) . منكرا لذلك، أي لم تفعلن ذلك تبررا، ولذلك ترك ~~الاعتكاف، لظنه أنهن يتنافسن في الكون معه، ولو كان للمعنى الذي ذكروه، ~~لأمرهن بالاعتكاف في بيوتهن، ولم يأذن لهن في المسجد. وأما الصلاة فلا يصح ~~اعتبار الاعتكاف بها، فإن صلاة الرجل في بيته أفضل، ولا يصح اعتكافه فيه. ~~(2154) # فصل: ومن سقطت عنه الجماعة من الرجال، كالمريض إذا أحب أن يعتكف في مسجد ~~لا تقام فيه الجماعة، ينبغي أن يجوز له ذلك؛ لأن الجماعة ساقطة عنه، فأشبه ~~المرأة. ويحتمل ألا يجوز له ذلك؛ لأنه من أهل الجماعة، فأشبه من تجب عليه، ~~ولأنه إذا التزم الاعتكاف، وكلفه نفسه، فينبغي أن يجعله في مكان تصلى فيه ~~الجماعة. ولأن من التزم ما لا يلزمه، لا يصح بدون شروطه، كالمتطوع بالصوم ~~والصلاة. (2155) # فصل: وإذا اعتكفت المرأة في المسجد، استحب لها أن تستتر بشيء؛ لأن أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن فضربن في ~~المسجد، ولأن المسجد يحضره الرجال، وخير لهم وللنساء أن لا يرونهن ولا ms1380 ~~يرينهم. وإذا ضربت بناء جعلته في مكان لا يصلي فيه الرجال، لئلا تقطع ~~صفوفهم، ويضيق عليهم. ولا بأس أن يستتر الرجل أيضا؛ فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر ببنائه فضرب، ولأنه أستر له، وأخفى لعمله. وروى ابن ماجه، ~~عن أبي سعيد، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P191 # اعتكف في قبة تركية، على سدتها قطعة حصير. قال: فأخذ الحصير بيده، فنحاها ~~في ناحية القبلة، ثم أطلع رأسه، فكلم الناس» . والله أعلم. ### | [مسألة المعتكف ليس له الخروج من معتكفه] # (2156) مسألة: قال: (ولا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان، أو صلاة الجمعة) ~~وجملة ذلك أن المعتكف ليس له الخروج من معتكفه، إلا لما لا بد له منه، قالت ~~عائشة، - رضي الله عنها -: السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه. ~~رواه أبو داود. وقالت أيضا: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» . متفق ~~عليه. # ولا خلاف في أن له الخروج لما لا بد له منه. قال ابن المنذر: أجمع أهل ~~العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول. ولأن هذا مما لا بد ~~منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فلو بطل الاعتكاف بخروجه إليه، لم يصح لأحد ~~الاعتكاف، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف، وقد علمنا أنه كان ~~يخرج لقضاء حاجته، والمراد بحاجة الإنسان البول والغائط، كنى بذلك عنهما؛ ~~لأن كل إنسان يحتاج إلى فعلهما، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب، ~~إذا لم يكن له من يأتيه به، فله الخروج إليه إذا احتاج إليه، وإن بغته ~~القيء، فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد، وكل ما لا بد له منه، ولا يمكن ~~فعله في المسجد، فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه وهو عليه، ما لم يطل. ~~وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه، مثل من يعتكف في مسجد لا ~~جمعة فيه، فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة، ويلزمه السعي إليها، فله الخروج ms1381 ~~إليها، ولا يبطل اعتكافه. وبهذا قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: لا يعتكف في غير الجامع، إذا كان اعتكافه يتخلله جمعة. فإن ~~نذر اعتكافا متتابعا، فخرج منه لصلاة الجمعة، بطل اعتكافه، وعليه ~~الاستئناف؛ لأنه أمكنه فرضه بحيث لا يخرج منه، فبطل بالخروج، كالمكفر إذا ~~ابتدأ صوم الشهرين المتتابعين في شعبان أو ذي الحجة. # ولنا، أنه خرج لواجب، فلم يبطل اعتكافه، كالمعتدة تخرج لقضاء العدة، ~~وكالخارج لإنقاذ غريق، أو إطفاء حريق، أو أداء شهادة تعينت عليه، ولأنه إذا ~~نذر أياما فيها جمعة، فكأنه استثنى الجمعة بلفظه. ثم تبطل بما إذا نذرت ~~المرأة أياما فيها عادة حيضها، فإنه يصح مع إمكان فرضها في غيرها، والأصل ~~غير مسلم. إذا ثبت هذا، فإنه إذا خرج لواجب، فهو على اعتكافه، ما لم يطل؛ ~~لأنه خروج لما لا بد له منه، أشبه الخروج لحاجة الإنسان. فإن كان خروجه ~~لصلاة الجمعة، فله أن يتعجل. # قال أحمد: أرجو أن له ذلك، لأنه خروج جائز، فجاز تعجيله، كالخروج لحاجة ~~الإنسان. فإذا صلى الجمعة، فإن أحب أن يعتكف # PageV03P192 # في الجامع، فله ذلك؛ لأنه محل للاعتكاف، والمكان لا يتعين للاعتكاف بنذره ~~وتعيينه، فمع عدم ذلك أولى. وكذلك إن دخل في طريقه مسجدا، فأتم اعتكافه ~~فيه، جاز لذلك. # وإن أحب الرجوع إلى معتكفه، فله ذلك؛ لأنه خرج من معتكفه، فكان له الرجوع ~~إليه، كما لو خرج إلى غير جمعة. قال بعض أصحابنا: يستحب له الإسراع إلى ~~معتكفه. وقال أبو داود: قلت لأحمد يركع - أعني المعتكف - يوم الجمعة بعد ~~الصلاة في المسجد؟ قال: نعم، بقدر ما كان يركع. # ويحتمل أن يكون الخيرة إليه في تعجيل الركوع وتأخيره؛ لأنه في مكان يصلح ~~للاعتكاف، فأشبه ما لو نوى الاعتكاف فيه. فأما إن خرج ابتداء إلى مسجد آخر، ~~أو إلى الجامع من غير حاجة، أو كان المسجد أبعد من موضع حاجته فمضى إليه، ~~لم يجز له ذلك؛ لأنه خروج لغير حاجة، أشبه ما لو خرج إلى غير المسجد. فإن ~~كان المسجدان متلاصقين، يخرج من أحدهما فيصير في ms1382 الآخر، فله الانتقال من ~~أحدهما إلى الآخر؛ لأنهما كمسجد واحد، ينتقل من إحدى زاويتيه إلى الأخرى. ~~وإن كان يمشي بينهما في غيرهما، لم يجز له الخروج وإن قرب؛ لأنه خروج من ~~المسجد لغير حاجة واجبة. (2157) # فصل: وإذا خرج لما لا بد منه، فليس عليه أن يستعجل في مشيه، بل يمشي على ~~عادته، لأن عليه مشقة في إلزامه غير ذلك، وليس له الإقامة بعد قضاء حاجته ~~لأكل ولا لغيره. وقال أبو عبد الله بن حامد: يجوز أن يأكل اليسير في بيته، ~~كاللقمة واللقمتين، فأما جميع أكله فلا. وقال القاضي: يتوجه أن له الأكل في ~~بيته، والخروج إليه ابتداء؛ لأن الأكل في المسجد دناءة وترك للمروءة، وقد ~~يخفي جنس قوته على الناس، وقد يكون في المسجد غيره فيستحي أن يأكل دونه، ~~وإن أطعمه معه لم يكفهما. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدخل البيت إلا لحاجة ~~الإنسان، وهذا كناية عن الحدث، ولأنه خروج لما له منه بد، أو لبث في غير ~~معتكفه لما له منه بد، فأبطل الاعتكاف، كمحادثة أهله، وما ذكره القاضي ليس ~~بعذر يبيح الإقامة ولا الخروج، ولو ساغ ذلك لساغ الخروج للنوم وأشباهه. ~~(2158) # فصل: وإن خرج لحاجة الإنسان، وبقرب المسجد سقاية أقرب من منزله لا يحتشم ~~من دخولها، ويمكنه التنظف فيها، لم يكن له المضي إلى منزله، لأن له من ذلك ~~بد. وإن كان يحتشم من دخولها، أو فيه نقيصة عليه، أو مخالفة لعادته، أو لا ~~يمكنه التنظف فيها، فله أن يمضي إلى منزله؛ لما عليه من المشقة في ترك ~~المروءة. وكذلك إن كان له منزلان أحدهما أقرب من الآخر، يمكنه الوضوء في ~~الأقرب بلا ضرر، فليس له المضي إلى الأبعد. # وإن بذل له صديقه أو غيره الوضوء في منزله القريب، لم يلزمه؛ لما عليه من ~~المشقة بترك المروءة والاحتشام من صاحبه. قال المروذي: سألت أبا عبد الله، ~~عن الاعتكاف في المسجد الكبير # PageV03P193 # أعجب إليك أو مسجد الحي؟ قال: المسجد الكبير. وأرخص لي أن أعتكف في ms1383 غيره. ~~قلت: فأين ترى أن أعتكف في هذا الجانب، أو في ذاك الجانب؟ قال: في ذاك ~~الجانب هو أصلح من أجل السقاية. قلت: فمن اعتكف في هذا الجانب ترى أن يخرج ~~إلى الشط يتهيأ؟ قال: إذا كان له حاجة لا بد له من ذلك. قلت: يتوضأ الرجل ~~في المسجد؟ قال: لا يعجبني أن يتوضأ في المسجد. (2159) # فصل: إذا خرج لما له منه بد، بطل اعتكافه وإن قل. وبه قال أبو حنيفة، ~~ومالك، والشافعي. وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: لا يفسد حتى يكون أكثر من ~~نصف يوم؛ لأن اليسير معفو عنه، بدليل أن «صفية أتت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تزوره في معتكفه، فلما قامت لتنقلب خرج معها ليقلبها» . ولأن اليسير ~~معفو عنه، بدليل ما لو تأنى في مشيه. # ولنا، أنه خروج من معتكفه لغير حاجة، فأبطله، كما لو أقام أكثر من نصف ~~يوم، وأما خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - فيحتمل أنه لم يكن له بد؛ ~~لأنه كان ليلا، فلم يأمن عليها، ويحتمل أنه فعل ذلك لكون اعتكافه تطوعا، له ~~ترك جميعه، فكان له ترك بعضه، ولذلك تركه لما أراد نساؤه الاعتكاف معه. ~~وأما المشي فتختلف فيه طباع الناس، وعليه في تغيير مشيه مشقة، ولا كذلك ~~هاهنا، فإنه لا حاجة به إلى الخروج. ### | [مسألة لا يعود المعتكف مريضا ولا يشهد جنازة إلا أن يشترط ذلك] # (2160) مسألة: قال: (ولا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، إلا أن يشترط ذلك) ~~الكلام في هذه المسألة في فصلين (2161) : أحدهما، في الخروج لعيادة المريض ~~وشهود الجنازة، مع عدم الاشتراط. واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك، فروي ~~عنه: ليس له فعله. وهو قول عطاء، وعروة، ومجاهد، والزهري، ومالك، والشافعي، ~~وأصحاب الرأي. # وروى عنه الأثرم، ومحمد بن الحكم، أن له أن يعود المريض، ويشهد الجنازة، ~~ويعود إلى معتكفه. وهو قول علي - رضي الله عنه -. وبه قال سعيد بن جبير، ~~والنخعي، والحسن؛ لما روى عاصم بن ضمرة، عن علي قال: إذا اعتكف الرجل ~~فليشهد الجمعة، وليعد المريض، وليحضر ms1384 الجنازة، وليأت أهله، وليأمرهم ~~بالحاجة وهو قائم. رواه الإمام أحمد، والأثرم. وقال أحمد: عاصم بن ضمرة ~~عندي حجة. # قال أحمد: يشهد الجنازة، ويعود المريض، ولا يجلس، ويقضي الحاجة، ويعود ~~إلى معتكفه. # PageV03P194 # وجه الأول، ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» . متفق ~~عليه. وعنها - رضي الله عنها - أنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود ~~مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا ~~لما لا بد منه. وعنها قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمر بالمريض ~~وهو معتكف، فيمر كما هو، فلا يعرج يسأل عنه» . رواهما أبو داود. ولأن هذا ~~ليس بواجب، فلا يجوز ترك الاعتكاف الواجب من أجله، كالمشي مع أخيه في حاجة ~~ليقضيها له. وإن تعينت عليه صلاة الجنازة، وأمكنه فعلها في المسجد، لم يجز ~~الخروج إليها. وإن لم يمكنه ذلك، فله الخروج إليها. وإن تعين عليه دفن ~~الميت، أو تغسيله، جاز أن يخرج له؛ لأن هذا واجب متعين، فيقدم على ~~الاعتكاف، كصلاة الجمعة، فأما إن كان الاعتكاف تطوعا، وأحب الخروج منه ~~لعيادة مريض، أو شهود جنازة، جاز؛ لأن كل واحد منهما تطوع، فلا يتحتم واحد ~~منهما، لكن الأفضل المقام على اعتكافه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يكن يعرج على المريض ولم يكن واجبا عليه. # فأما إن خرج لما لا بد منه، فسأل عن المريض في طريقه، ولم يعرج، جاز؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك. (2162) الفصل الثاني، إذا اشترط فعل ~~ذلك في اعتكافه، فله فعله، واجبا كان الاعتكاف أو غير واجب. وكذلك ما كان ~~قربة، كزيارة أهله، أو رجل صالح أو عالم، أو شهود جنازة، وكذلك ما كان ~~مباحا مما يحتاج إليه، كالعشاء في منزله، والمبيت فيه، فله فعله. # قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المعتكف يشترط أن يأكل في أهله؟ ~~قال: إذا اشترط فنعم. قيل له: وتجيز الشرط في ms1385 الاعتكاف؟ قال: نعم. قلت له: ~~فيبيت في أهله؟ فقال: إذا كان تطوعا، جاز. وممن أجاز أن يشترط العشاء في ~~أهله الحسن، والعلاء بن زياد، والنخعي، وقتادة. ومنع منه أبو مجلز، ومالك، ~~والأوزاعي. قال مالك: لا يكون في الاعتكاف شرط. # ولنا، أنه يجب بعقده، فكان الشرط إليه فيه كالوقوف، ولأن الاعتكاف لا ~~يختص بقدر، فإذا شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه. وإن قال: متى مرضت ~~أو عرض لي عارض، خرجت. جاز شرطه. (2163) # فصل: وإن شرط الوطء في اعتكافه، أو الفرجة، أو النزهة، أو البيع للتجارة، ~~أو التكسب بالصناعة في المسجد، لم يجز؛ لأن الله تعالى قال: {ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] . فاشتراط ذلك اشتراط لمعصية الله ~~تعالى. والصناعة في المسجد منهي عنها في غير الاعتكاف، ففي الاعتكاف أولى، ~~وسائر ما ذكرناه يشبه ذلك، ولا حاجة إليه، فإن احتاج إليه، فلا يعتكف؛ لأن ~~ترك الاعتكاف أولى من فعل المنهي عنه. قال أبو طالب: سألت أحمد عن المعتكف ~~يعمل عمله من الخياط وغيره؟ قال: # PageV03P195 # ما يعجبني أن يعمل. قلت: إن كان يحتاج؟ قال: إن كان يحتاج لا يعتكف. ~~(2164) # فصل: إذا خرج لما له منه بد عامدا، بطل اعتكافه، إلا أن يكون اشترط. وإن ~~خرج ناسيا، فقال القاضي: لا يفسد اعتكافه؛ لأنه فعل المنهي عنه ناسيا، فلم ~~تفسد العبادة، كالأكل في الصوم. وقال ابن عقيل: يفسد؛ لأنه ترك للاعتكاف، ~~وهو لزوم للمسجد، وترك الشيء عمده وسهوه سواء، كترك النية في الصوم. فإن ~~أخرج بعض جسده، لم يفسد اعتكافه، عمدا كان أو سهوا لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «كان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف إلى عائشة فتغسله وهي ~~حائض» . متفق عليه. (2165) # فصل: ويجوز للمعتكف صعود سطح المسجد؛ لأنه من جملته، ولهذا يمنع الجنب من ~~اللبث فيه. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي. ولا نعلم فيه مخالفا. ~~ويجوز أن يبيت فيه. وظاهر كلام الخرقي أن رحبة المسجد ليست منه، وليس ~~للمعتكف الخروج إليها، لقوله في الحائض: يضرب لها خباء في الرحبة. ms1386 والحائض ~~ممنوعة من المسجد. # وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا. وروى عنه المروذي أن المعتكف يخرج إلى ~~رحبة المسجد، هي من المسجد. قال القاضي: إن كان عليها حائط وباب فهي ~~كالمسجد؛ لأنها معه، وتابعة له، وإن لم تكن محوطة، لم يثبت لها حكم المسجد. ~~فكأنه جمع بين الروايتين، وحملهما على اختلاف الحالين. فإن خرج إلى منارة ~~خارج المسجد للأذان، بطل اعتكافه. قال أبو الخطاب: ويحتمل أن لا يبطل؛ لأن ~~منارة المسجد كالمتصلة به. ### | [مسألة الوطء في الاعتكاف] # (2166) مسألة: قال: (ومن وطئ فقد أفسد اعتكافه، ولا قضاء عليه، إلا أن ~~يكون واجبا) وجملة ذلك أن الوطء في الاعتكاف محرم بالإجماع، والأصل فيه قول ~~الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا ~~تقربوها} [البقرة: 187] . # فإن وطئ في الفرج متعمدا أفسد اعتكافه، بإجماع أهل العلم. حكاه ابن ~~المنذر عنهم. ولأن الوطء إذا حرم في العبادة أفسدها، كالحج والصوم. وإن كان ~~ناسيا، فكذلك عند إمامنا وأبي حنيفة، ومالك. وقال الشافعي: لا يفسد ~~اعتكافه؛ لأنها مباشرة لا تفسد الصوم، فلم تفسد الاعتكاف، كالمباشرة فيما ~~دون الفرج. # ولنا، أن ما حرم في الاعتكاف استوى عمده وسهوه في إفساده، كالخروج من ~~المسجد، ولا نسلم أنها لا تفسد الصوم. ولأن المباشرة دون الفرج لا تفسد ~~الاعتكاف، إلا إذا اقترن بها الإنزال. # PageV03P196 # إذا ثبت هذا، فلا كفارة بالوطء في ظاهر المذهب. وهو ظاهر كلام الخرقي. ~~وقول عطاء، والنخعي، وأهل المدينة، ومالك، وأهل العراق، والثوري، وأهل ~~الشام، والأوزاعي. # ونقل حنبل عن أحمد أن عليه كفارة. وهو قول الحسن، والزهري، واختيار ~~القاضي؛ لأنه عبادة يفسدها الوطء لعينه، فوجبت الكفارة بالوطء فيها، كالحج ~~وصوم رمضان. # ولنا، أنها عبادة لا تجب بأصل الشرع، فلم تجب بإفسادها كفارة، كالنوافل، ~~ولأنها عبادة لا يدخل المال في جبرانها، فلم تجب الكفارة بإفسادها، ~~كالصلاة، ولأن وجوب الكفارة إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع بإيجابها، ~~فتبقى على الأصل. # وما ذكروه ينتقض بالصلاة وصوم غير رمضان. والقياس على الحج لا يصح؛ لأنه ~~مباين ms1387 لسائر العبادات، ولهذا يمضي في فاسده، ويلزم بالشروع فيه، ويجب ~~بالوطء فيه بدنة، بخلاف غيره. ولأنه لو وجبت الكفارة هاهنا بالقياس عليه، ~~للزم أن يكون بدنة؛ لأن الحكم في الفرع يثبت على صفة الحكم في الأصل، إذ ~~كان القياس إنما هو توسعة مجرى الحكم فيصير النص الوارد في الأصل واردا في ~~الفرع، فيثبت فيه الحكم الثابت في الأصل بعينه. وأما القياس على الصوم، فهو ~~دال على نفي الكفارة؛ لأن الصوم كله لا يجب بالوطء فيه كفارة سوى رمضان، ~~والاعتكاف أشبه بغير رمضان؛ لأنه نافلة لا يجب إلا بالنذر، ثم لا يصح قياسه ~~على رمضان أيضا؛ لأن الوطء فيه إنما أوجب الكفارة لحرمة الزمان، ولذلك يجب ~~على كل من لزمه الإمساك، وإن لم يفسد به صوما. # واختلف موجبو الكفارة فيها، فقال القاضي: يجب كفارة الظهار. وهو قول ~~الحسن، والزهري، وظاهر كلام أحمد، في رواية حنبل؛ فإنه روي عن الزهري أنه ~~قال: من أصاب في اعتكافه، فهو كهيئة المظاهر. ثم قال أبو عبد الله: إذا كان ~~نهارا وجبت عليه الكفارة. ويحتمل أن أبا عبد الله إنما أوجب عليه الكفارة ~~إذا فعل ذلك في رمضان؛ لأنه اعتبر ذلك في النهار لأجل الصوم، ولو كان لمجرد ~~الاعتكاف لما اختص الوجوب بالنهار، كما لم يختص الفساد به. # وحكي عن أبي بكر أن عليه كفارة يمين. ولم أر هذا عن أبي بكر في كتاب ~~(الشافي) ، ولعل أبا بكر إنما أوجب عليه كفارة في موضع تضمن الإفساد ~~الإخلال بالنذر، فوجبت لمخالفته نذره، وهي كفارة يمين فأما في غير ذلك فلا؛ ~~لأن الكفارة إنما تجب بنص أو إجماع أو قياس، وليس هاهنا نص ولا إجماع ولا ~~قياس، فإن نظير # PageV03P197 # الاعتكاف الصوم، ولا يجب بإفساده كفارة إذا كان تطوعا ولا منذورا، ما لم ~~يتضمن الإخلال بنذره؛ فيجب به كفارة يمين، كذلك هذا. (2167) # فصل: فأما المباشرة دون الفرج، فإن كانت لغير شهوة، فلا بأس بها، مثل أن ~~تغسل رأسه، أو تفليه، أو تناوله شيئا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ms1388 - ~~كان يدني رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجله. وإن كانت عن شهوة، فهي محرمة؛ ~~لقول الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] . # ولقول عائشة: السنة للمعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس ~~امرأة، ولا يباشرها. رواه أبو داود. ولأنه لا يأمن إفضاءها إلى إفساد ~~الاعتكاف، وما أفضى إلى الحرام كان حراما. فإن فعل، فأنزل، فسد اعتكافه، ~~وإن لم ينزل، لم يفسد. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، في أحد قوليه. # وقال في الآخر: يفسد في الحالين. وهو قول مالك؛ لأنها مباشرة محرمة، ~~فأفسدت الاعتكاف، كما لو أنزل. # ولنا، أنها مباشرة لا تفسد صوما ولا حجا، فلم تفسد الاعتكاف، كالمباشرة ~~لغير شهوة. وفارق التي أنزل بها؛ لأنها تفسد الصوم، ولا كفارة عليه، إلا ~~على رواية حنبل. (2168) # فصل: وإن ارتد، فسد اعتكافه، لقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} ~~[الزمر: 65] . ولأنه خرج بالردة عن كونه من أهل الاعتكاف، وإن شرب ما أسكره ~~فسد اعتكافه، لخروجه عن كونه من أهل المسجد. (2169) # فصل: وكل موضع فسد اعتكافه، فإن كان تطوعا، فلا قضاء عليه؛ لأن التطوع لا ~~يلزم بالشروع فيه في غير الحج والعمرة. وإن كان نذرا نظرنا، فإن كان نذر ~~أياما متتابعة، فسد ما مضى من اعتكافه، واستأنف؛ لأن التتابع وصف في ~~الاعتكاف، وقد أمكنه الوفاء به، فلزمه، وإن كان نذر أياما معينة، كالعشرة ~~الأواخر من شهر رمضان، ففيه وجهان: أحدهما، يبطل ما مضى، ويستأنفه؛ لأنه ~~نذر اعتكافا متتابعا، فبطل بالخروج منه، كما لو قيده بالتتابع بلفظه. # PageV03P198 # والثاني، لا يبطل؛ لأن ما مضى منه قد أدى العبادة فيه أداء صحيحا، فلم ~~يبطل بتركها في غيره، كما لو أفطر في أثناء شهر رمضان، والتتابع هاهنا حصل ~~ضرورة التعيين، والتعيين مصرح به، وإذا لم يكن بد من الإخلال بأحدهما ففيما ~~حصل ضرورة أولى، ولأن وجوب التتابع من حيث الوقت، لا من حيث النذر، فالخروج ~~في بعضه لا يبطل ما مضى منه، كصوم رمضان إذا أفطر فيه، فعلى هذا يقضي ما ~~أفسد فيه حسب. ms1389 وعليه الكفارة على الوجهين جميعا؛ لأنه تارك لبعض ما نذره. # وأصل الوجهين في من نذر صوما معينا، فأفطر في بعضه، فإن فيه روايتين، ~~كالوجهين اللذين ذكرناهما. # فصل: إذا نذر اعتكاف أيام متتابعة بصوم، فأفطر يوما، أفسد تتابعه، ووجب ~~استئناف الاعتكاف، لإخلاله بالإتيان بما نذره على صفته. ### | [مسألة إذا وقعت فتنة خاف منها ترك اعتكافه] # (2171) مسألة: قال: (وإذا وقعت فتنة خاف منها ترك اعتكافه، فإذا أمن بني ~~على ما مضى، إذا كان نذر أياما معلومة، وقضى ما ترك، وكفر كفارة يمين، ~~وكذلك في النفير إذا احتيج إليه) وجملته أنه إذا وقعت فتنة خاف منها على ~~نفسه إن قعد في المسجد، أو على ماله نهبا أو حريقا، فله ترك الاعتكاف ~~والخروج؛ لأن هذا مما أباح الله تعالى لأجله ترك الواجب بأصل الشرع، وهو ~~الجمعة والجماعة، فأولى أن يباح لأجله ترك ما أوجبه على نفسه، وكذلك إن ~~تعذر عليه المقام في المسجد؛ لمرض لا يمكنه المقام معه فيه، كالقيام ~~المتدارك، أو سلس البول، أو الإغماء، أو لا يمكنه المقام إلا بمشقة شديدة، ~~مثل أن يحتاج إلى خدمة وفراش، فله الخروج. # وإن كان المرض خفيفا، كالصداع، ووجع الضرس، ونحوه، فليس له الخروج. فإن ~~خرج بطل اعتكافه. وله الخروج إلى ما يتعين عليه من الواجب، مثل الخروج في ~~النفير إذا عم، أو حضر عدو يخافون كلبه، واحتيج إلى خروج المعتكف، لزمه ~~الخروج؛ لأنه واجب متعين، فلزم الخروج إليه، كالخروج إلى الجمعة. # وإذا خرج ثم زال عذره، نظرنا، فإن كان تطوعا فهو مخير، إن شاء رجع إلى ~~معتكفه، وإن شاء لم يرجع، وإن كان واجبا رجع إلى معتكفه، فبنى على ما مضى ~~من اعتكافه. ثم لا يخلو النذر من ثلاثة أحوال: أحدها، أن يكون نذر اعتكافا ~~في أيام غير متتابعة ولا معينة، فهذا لا يلزمه قضاء، بل يتم # PageV03P199 # ما بقي عليه، لكنه يبتدئ اليوم الذي خرج فيه من أوله، ليكون متتابعا، ولا ~~كفارة عليه؛ لأنه أتى بما نذر على وجهه، فلا يلزمه كفارة كما لو لم ms1390 يخرج. # الثاني، نذر أياما معينة، كشهر رمضان، فعليه قضاء ما ترك، وكفارة يمين، ~~بمنزلة تركه المنذور في وقته. ويحتمل أن لا يلزمه كفارة، على ما سنذكره، إن ~~شاء الله. الثالث، نذر أياما متتابعة، فهو مخير بين البناء والقضاء ~~والتكفير، وبين الابتداء، ولا كفارة عليه؛ لأنه يأتي بالمنذور على وجهه، ~~فلم يلزمه كفارة، كما لو أتى به من غير أن يسبقه الاعتكاف الذي قطعه. # وذكر الخرقي مثل هذا في الصيام، فقال: ومن نذر أن يصوم شهرا متتابعا، ولم ~~يسمه؛ فمرض في بعضه، فإذا عوفي بنى على ما مضى من صيامه، وقضى ما ترك، وكفر ~~كفارة يمين، وإن أحب أتى بشهر متتابع، ولا كفارة عليه. وقال أبو الخطاب في ~~من ترك الصيام المنذور لعذر: فعن أحمد فيه، رواية أخرى، أنه لا كفارة عليه. ~~وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد؛ لأن المنذور كالمشروع ابتداء، ولو أفطر ~~في رمضان لعذر، لم يلزمه شيء، فكذلك المنذور. وقال القاضي: إن خرج لواجب، ~~كالجهاد تعين، أو أداء شهادة واجبة، فلا كفارة عليه؛ لأنه خروج واجب لحق ~~الله تعالى، فلم يجب به شيء، كالمرأة تخرج لحيضها أو نفاسها. # وحمل كلام الخرقي على أنه يبني على ما مضى، دون إيجاب الكفارة. وظاهر ~~كلام الخرقي، أن عليه الكفارة؛ لأن النذر كاليمين، ومن حلف على فعل شيء، ~~فحنث لزمته الكفارة، سواء كان لعذر أو غيره، وسواء كانت المخالفة واجبة أو ~~لم تكن، ويفارق صوم رمضان، فإن الإخلال به والفطر فيه لغير عذر لا يوجب ~~الكفارة، ويفارق الحيض، فإنه يتكرر، ويظن وجوده في زمن النذر، فيصير ~~كالخروج لحاجة الإنسان، وكالمستثنى بلفظه. ### | [مسألة المعتكف لا يتجر ولا يتكسب بالصنعة] # (2172) مسألة: قال: (والمعتكف لا يتجر، ولا يتكسب بالصنعة) وجملته أن ~~المعتكف لا يجوز له أن يبيع ولا يشتري، إلا ما لا بد له منه. قال حنبل: ~~سمعت أبا عبد الله يقول: المعتكف لا يبيع ولا يشتري إلا ما لا بد له منه، ~~طعام أو نحو ذلك، فأما التجارة، والأخذ والعطاء، فلا يجوز شيء من ms1391 ذلك. وقال ~~الشافعي: لا بأس أن يبيع ويشتري، ويخيط، ويتحدث، ما لم يكن مأثما. # ولنا، ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن البيع والشراء في المسجد» . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. ~~ورأى عمران القصير رجلا يبيع في المسجد، فقال: يا هذا، إن هذا سوق الآخرة، ~~فإن أردت البيع فاخرج إلى سوق الدنيا. # PageV03P200 # وإذا منع من البيع والشراء في غير حال الاعتكاف، ففيه أولى. # فأما الصنعة، فظاهر كلام الخرقي، أنه لا يجوز منها ما يكتسب به؛ لأنه ~~بمنزلة التجارة بالبيع والشراء. ويجوز ما يعمله لنفسه، كخياطة قميصه ونحوه. ~~وقد روى المروذي قال: سألت أبا عبد الله، عن المعتكف، ترى له أن يخيط؟ قال: ~~لا ينبغي له أن يعتكف إذا كان يريد أن يفعل. وقال القاضي: لا تجوز الخياطة ~~في المسجد، سواء كان محتاجا إليها أو لم يكن، قل أو كثر؛ لأن ذلك معيشة أو ~~تشغل عن الاعتكاف، فأشبه البيع والشراء فيه. # والأولى أن يباح له ما يحتاج إليه من ذلك، إذا كان يسيرا، مثل أن ينشق ~~قميصه فيخيطه، أو ينحل شيء يحتاج إلى ربط فيربطه؛ لأن هذا يسير تدعو الحاجة ~~إليه، فجرى مجرى لبس قميصه وعمامته وخلعهما. (2173) # فصل: يستحب للمعتكف التشاغل بالصلاة وتلاوة القرآن، وذكر الله تعالى ونحو ~~ذلك من الطاعات المحضة، ويجتنب ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال، ولا يكثر ~~الكلام؛ لأن من كثر كلامه كثر سقطه. # وفي الحديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . ويجتنب الجدال ~~والمراء، والسباب والفحش؛ فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف، ففيه أولى. ولا ~~يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك؛ لأنه لما لم يبطل بمباح الكلام لم يبطل ~~بمحظوره، وعكسه الوطء. # ولا بأس بالكلام لحاجته، ومحادثة غيره، فإن صفية زوجة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتكفا، فأتيته ~~أزوره ليلا، فحدثته، ثم قمت، فانقلبت، فقام معي ليقلبني - وكان مسكنها في ~~دار أسامة بن زيد - فمر رجلان من ms1392 الأنصار، فلما رأيا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أسرعا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: على رسلكما، إنها صفية ~~بنت حيي. فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: إن الشيطان يجري من ~~الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا. أو قال: شيئا» . ~~متفق عليه. # وقال علي - رضي الله عنه -: أيما رجل اعتكف، فلا يساب، ولا يرفث في ~~الحديث، ويأمر أهله بالحاجة - أي وهو يمشي - ولا يجلس عندهم. رواه الإمام ~~أحمد. (2174) # فصل: فأما إقراء القرآن، وتدريس العلم ودرسه، ومناظرة الفقهاء ومجالستهم، ~~وكتابة الحديث، ونحو ذلك مما يتعدى نفعه، فأكثر أصحابنا على أنه لا يستحب. ~~وهو ظاهر كلام أحمد. وقال أبو الحسن الآمدي: في استحباب ذلك روايتان. # واختار أبو الخطاب أنه مستحب، إذا قصد به طاعة الله تعالى، لا المباهاة. ~~وهذا مذهب الشافعي؛ لأن ذلك أفضل العبادات، ونفعه يتعدى، فكان أولى من تركه # PageV03P201 # كالصلاة. واحتج أصحابنا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف، فلم ~~ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به، ولأن الاعتكاف عبادة من شرطها ~~المسجد، فلم يستحب فيها ذلك، كالطواف، وما ذكروه يبطل بعيادة المرضى، وشهود ~~الجنازة، فعلى هذا القول فعله لهذه الأفعال أفضل من الاعتكاف. # قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن رجلا يقرئ في المسجد، وهو يريد أن ~~يعتكف، ولعله أن يختم في كل يوم؟ فقال: إذا فعل هذا كان لنفسه، وإذا قعد في ~~المسجد كان له ولغيره، يقرئ أحب إلي. وسئل: أيما أحب إليك؛ الاعتكاف، أو ~~الخروج إلى عبادان؟ قال: ليس يعدل الجهاد عندي شيء. يعني أن الخروج إلى ~~عبادان أفضل من الاعتكاف. (2175) # فصل: وليس من شريعة الإسلام الصمت عن الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه. # قال قيس بن مسلم: دخل أبو بكر الصديق # PageV03P202 # - رضي الله عنه - على امرأة من أحمس، يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم، ~~فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة. فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا ~~يحل، هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت. رواه البخاري. وروى أبو داود بإسناده عن ~~علي، ms1393 - رضي الله عنه - قال: حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لا صمات يوم إلى الليل» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~«نهى عن صوم الصمت» . فإن نذر ذلك في اعتكافه أو غيره لم يلزمه الوفاء به. ~~وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي وابن المنذر. ولا نعلم فيه مخالفا؛ لما ~~روى ابن عباس، قال: «بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، إذا هو برجل ~~قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا ~~يستظل ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مروه فليتكلم، ~~وليستظل، وليقعد، وليتم صومه.» رواه البخاري. ولأنه نذر فعل منهي عنه، فلم ~~يلزمه، كنذر المباشرة في المسجد. # وإن أراد فعله لم يكن له ذلك، سواء نذره أو لم ينذره. وقال أبو ثور، وابن ~~المنذر: له فعله إذا كان أسلم. # ولنا، النهي عنه، وظاهره التحريم، والأمر بالكلام، ومقتضاه الوجوب، وقول ~~أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: إن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. ~~وهذا صريح، ولم يخالفه أحد من الصحابة فيما علمناه، واتباع ذلك أولى. # فصل: ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلا من الكلام؛ لأنه استعمال له في غير ما ~~هو له، فأشبه استعمال المصحف في التوسد ونحوه، وقد جاء: لا تناظروا بكتاب ~~الله. قيل: معناه لا تتكلم به عند الشيء تراه، كأن ترى رجلا قد جاء في ~~وقته، فتقول: ثم جئت على قدر يا موسى. أو نحوه. ذكر أبو عبيد نحو هذا ~~المعنى. ### | [مسألة لا بأس أن يتزوج المعتكف في المسجد ويشهد النكاح] # (2177) مسألة: قال: (ولا بأس أن يتزوج في المسجد، ويشهد النكاح) وإنما ~~كان كذلك، لأن الاعتكاف عبادة لا تحرم الطيب، فلم تحرم النكاح كالصوم، ولأن ~~النكاح طاعة، وحضوره قربة، ومدته لا تتطاول، فيتشاغل به عن الاعتكاف، فلم ~~يكره فيه، كتشميت العاطس، ورد السلام. ### | [فصل لا بأس للمعتكف أن يتنظف] # (2178) فصل: ولا بأس أن يتنظف بأنواع التنظف؛ «لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان ms1394 يرجل رأسه وهو معتكف. وله أن يتطيب، ويلبس الرفيع من الثياب» ، ~~وليس ذلك بمستحب. قال أحمد: لا يعجبني أن يتطيب؛ وذلك لأن الاعتكاف عبادة ~~تختص مكانا، فكان ترك الطيب فيها مشروعا كالحج. وليس ذلك بمحرم؛ لأنه لا ~~يحرم اللباس ولا النكاح، فأشبه الصوم. ### | [فصل لا بأس أن يأكل المعتكف في المسجد] # (2179) فصل: ولا بأس أن يأكل المعتكف في المسجد، ويضع سفرة، يسقط عليها ~~ما يقع منه، كي لا يلوث المسجد، ويغسل يده في الطست، ليفرغ خارج المسجد، ~~ولا يجوز أن يخرج لغسل يده؛ لأن له من ذلك بدا. وهل يكره تجديد الطهارة في ~~المسجد؟ فيه روايتان: إحداهما، لا يكره؛ لأن أبا العالية قال: حدثني من كان ~~يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أما ما حفظت لكم منه «، أنه كان ~~يتوضأ في المسجد.» وعن ابن عمر، أنه قال: «كان يتوضأ في المسجد الحرام على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجال والنساء» . # وعن ابن سيرين، قال: كان أبو بكر # PageV03P203 # وعمر، والخلفاء يتوضئون في المسجد. وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، ~~وعطاء، وطاوس، وابن جريج. والأخرى، يكره؛ لأنه لا يسلم من أن يبصق في ~~المسجد أو يتمخط، والبصاق في المسجد خطيئة، ويبل من المسجد مكانا يمنع ~~المصلين من الصلاة فيه. وإن خرج عن المسجد للوضوء، وكان تجديدا، بطل لأنه ~~خروج لما له منه بد، وإن كان وضوءا من حدث، لم يبطل؛ لأن الحاجة داعية ~~إليه، سواء كان في وقت الصلاة أو قبلها؛ لأنه لا بد من الوضوء للمحدث، ~~وإنما يتقدم عن وقت الحاجة إليه لمصلحة، وهو كونه على وضوء، وربما يحتاج ~~إلى صلاة النافلة به. ### | [فصل إذا أراد المعتكف أن يبول في المسجد في طست] # (2180) فصل: إذا أراد أن يبول في المسجد في طست، لم يبح له ذلك؛ لأن ~~المساجد لم تبن لهذا، وهو مما يقبح ويفحش ويستخفى به، فوجب صيانة المسجد ~~عنه، كما لو أراد أن يبول في أرضه ثم يغسله، وإن أراد الفصد أو الحجامة ~~فيه، فكذلك. ms1395 ذكره القاضي؛ لأنه إراقة نجاسة في المسجد، فأشبه البول فيه. ~~وإن دعت إليه حاجة كبيرة، خرج من المسجد ففعله، وإن استغنى عنه لم يكن له ~~الخروج إليه، كالمرض الذي يمكن احتماله # وقال ابن عقيل: يحتمل أن يجوز الفصد في المسجد في طست، بدليل أن ~~المستحاضة يجوز لها الاعتكاف، ويكون تحتها شيء يقع فيه الدم، قالت عائشة: ~~«اعتكفت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة من أزواجه مستحاضة، ~~فكانت ترى الحمرة والصفرة، وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي» . رواه ~~البخاري والفرق بينهما أن المستحاضة لا يمكنها التحرز من ذلك، إلا بترك ~~الاعتكاف بخلاف الفصد. ### | [مسألة المتوفي عنها زوجها وهي معتكفة] # (2181) مسألة: قال: (والمتوفى عنها زوجها وهي معتكفة تخرج لقضاء العدة، ~~وتفعل كما فعل الذي خرج لفتنة) وجملته أن المعتكفة إذا توفي زوجها لزمها ~~الخروج لقضاء العدة، وبهذا قال الشافعي. وقال ربيعة، ومالك، وابن المنذر: ~~تمضي في اعتكافها، حتى تفرغ منه، ثم ترجع إلى بيت زوجها فتعتد فيه؛ لأن ~~الاعتكاف المنذور واجب، والاعتداد في البيت واجب، فقد تعارض واجبان فيقدم ~~أسبقهما. # ولنا، أن الاعتداد في بيت زوجها واجب، فلزمها الخروج إليه، كالجمعة في حق ~~الرجل. ودليلهم ينتقض بالخروج إلى الجمعة وسائر الواجبات، وظاهر كلام ~~الخرقي أنها كالذي خرج لفتنة، وأنها تبني وتقضي وتكفر. وقال القاضي: لا ~~كفارة عليها؛ لأن خروجها واجب. وقد مضى القول فيه. # PageV03P204 # (2182) # فصل: وليس للزوجة أن تعتكف إلا بإذن زوجها، ولا للمملوك أن يعتكف إلا ~~بإذن سيده؛ لأن منافعهما مملوكة لغيرهما، والاعتكاف يفوتها، ويمنع ~~استيفاءها، وليس بواجب عليهما بالشرع، فكان لهما المنع منه. وأم الولد ~~والمدبر كالقن في هذا؛ لأن الملك باق فيهما، فإن أذن السيد والزوج لهما، ثم ~~أراد إخراجهما منه بعد شروعهما فيه، فلهما ذلك في التطوع. وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة في العبد كقولنا، وفي الزوجة: ليس لزوجها إخراجها؛ لأنها ~~تملك بالتمليك، فالإذن أسقط حقه من منافعها، وأذن لها في استيفائها، فلم ~~يكن له الرجوع فيها، كما لو أذن لها في الحج فأحرمت به، ms1396 بخلاف العبد؛ فإنه ~~لا يملك بالتمليك. وقال مالك: ليس له تحليلهما؛ لأنهما عقدا على أنفسهما ~~تمليك منافع كانا يملكانها لحق الله تعالى، فلم يجز الرجوع فيها، كما لو ~~أحرما بالحج بإذنهما. # ولنا، أن لهما المنع منه ابتداء، فكان لهما المنع منه دواما، كالعارية، ~~ويخالف الحج؛ لأنه يلزم بالشروع فيه، بخلاف الاعتكاف على ما مضى من الخلاف ~~فيه، فإن كان ما أذنا فيه منذورا، لم يكن لهما تحليلهما منه؛ لأنه يتعين ~~بالشروع فيه، ويجب إتمامه، فيصير كالحج إذا أحرما به. فأما إن نذرا ~~الاعتكاف، فأراد السيد والزوج منعهما الدخول فيه نظرت، فإن كان النذر ~~بإذنهما، وكان معينا، لم يملكا منعهما منه؛ لأنه وجب بإذنهما، وإن كان بغير ~~إذنهما، فلهما منعهما منه؛ لأن نذرهما تضمن تفويت حق غيرهما بغير إذنه، ~~فكان لصاحب الحق المنع منه. # وإن كان النذر المأذون فيه غير معين، فهل لهما منعهما؟ على وجهين؛ ~~أحدهما، لهما منعهما؛ لأن حقهما ثابت في كل زمن، فكان تعيين زمن سقوطه ~~إليهما كالدين. والثاني، ليس لهما ذلك؛ لأنه وجب التزامه بإذنهما، فأشبه ~~المعين. # وأما المعتق بعضه، فإن كان بينه وبين سيده مهايأة، فله أن يعتكف في يومه ~~بغير إذن سيده؛ لأن منافعه غير مملوكة لسيده في هذا اليوم، وحكمه في يوم ~~سيده حكم القن. فإن لم يكن بينهما مهايأة، فلسيده منعه؛ لأن له ملكا في ~~منافعه في كل وقت. (2183) # فصل: وأما المكاتب، فليس لسيده منعه من واجب ولا تطوع؛ لأنه لا يستحق ~~منافعه، وليس له إجباره # PageV03P205 # على الكسب، وإنما له دين في ذمته، فهو كالحر المدين. ### | [مسألة حاضت المرأة وهي معتكفة في المسجد] # (2184) مسألة: قال: (وإذا حاضت المرأة، خرجت من المسجد، وضربت خباء في ~~الرحبة) أما خروجها من المسجد، فلا خلاف فيه؛ لأن الحيض حدث يمنع اللبث في ~~المسجد، فهو كالجنابة، وآكد منه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب» . رواه أبو داود. وإذا ثبت هذا فإن المسجد ~~إن لم يكن له رحبة، رجعت إلى بيتها، فإذا ms1397 طهرت رجعت فأتمت اعتكافها، وقضت ~~ما فاتها، ولا كفارة عليها. نص عليه أحمد؛ لأنه خروج معتاد واجب، أشبه ~~الخروج للجمعة، أو لما لا بد منه. # وإن كانت له رحبة خارجة من المسجد، يمكن أن تضرب فيها خباءها، فقال ~~الخرقي: تضرب خباءها فيها مدة حيضها. وهو قول أبي قلابة. وقال النخعي: تضرب ~~فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الأيام، وإن دخلت بيتا أو سقفا ~~استأنفت. # وقال الزهري، وعمرو بن دينار، وربيعة، ومالك، والشافعي: ترجع إلى منزلها، ~~فإذا طهرت فلترجع؛ لأنه وجب عليها الخروج من المسجد، فلم يلزمها الإقامة في ~~رحبته، كالخارجة لعدة، أو خوف فتنة. ووجه قول الخرقي ما روى المقدام بن ~~شريح، عن عائشة، قالت: «كن المعتكفات إذا حضن أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد، حتى ~~يطهرن» . رواه أبو حفص بإسناده. وفارق المعتدة، فإن خروجها لتقيم في بيتها ~~وتعتد فيه، ولا يحصل ذلك مع الكون في الرحبة، وكذلك الخائفة من الفتنة ~~خروجها لتسلم من الفتنة، فلا تقيم في موضع لا تحصل السلامة بالإقامة فيه. ~~والظاهر أن إقامتها في الرحبة مستحب وليس بواجب. # وإن لم تقم في الرحبة، ورجعت إلى منزلها أو غيره، فلا شيء عليها؛ لأنها ~~خرجت بإذن الشرع. ومتى طهرت رجعت إلى المسجد، فقضت وبنت، ولا كفارة عليها. ~~لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه خروج لعذر معتاد، أشبه الخروج لقضاء الحاجة، وقول ~~إبراهيم تحكم لا دليل عليه. (2185) # فصل: فأما الاستحاضة فلا تمنع الاعتكاف؛ لأنها لا تمنع الصلاة ولا ~~الطواف، وقد قالت عائشة: «اعتكفت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~امرأة من أزواجه مستحاضة، فكانت ترى الحمرة والصفرة، وربما وضعنا الطست ~~تحتها وهي تصلي» . أخرجه البخاري. # PageV03P206 # إذا ثبت هذا فإنها تتحفظ وتتلجم، لئلا تلوث المسجد، فإن لم يمكن صيانته ~~منها خرجت من المسجد؛ لأنه عذر وخروج لحفظ المسجد من نجاستها، فأشبه الخروج ~~لقضاء حاجة الإنسان. (2186) # فصل: الخروج المباح في الاعتكاف الواجب ينقسم أربعة أقسام أحدها، ما لا ~~يوجب قضاء ms1398 ولا كفارة، وهو الخروج لحاجة الإنسان، وشبهه مما لا بد منه. ~~والثاني: ما يوجب قضاء بلا كفارة، وهو الخروج للحيض. والثالث، ما يوجب قضاء ~~وكفارة، وهو الخروج لفتنة، وشبهه مما يخرج لحاجة نفسه. والرابع، ما يوجب ~~قضاء وفي الكفارة وجهان، وهو الخروج لواجب، كالخروج في النفير، أو العدة. ~~ففي قول القاضي، لا كفارة عليه؛ لأنه واجب لحق الله تعالى، أشبه الخروج ~~للحيض. # وظاهر كلام الخرقي وجوبها؛ لأنه خروج غير معتاد، فأوجب الكفارة كالخروج ~~لفتنة. ### | [مسألة نذر أن يعتكف شهرا بعينه] # (2187) مسألة: قال: (ومن نذر أن يعتكف شهرا بعينه، دخل المسجد قبل غروب ~~الشمس) وهذا قول مالك، والشافعي. وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى، ~~أنه يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر من أوله. وهو قول الليث، وزفر «لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح، ثم دخل معتكفه» . ~~متفق عليه. # ولأن الله تعالى قال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] . ولا ~~يلزم الصوم إلا من قبل طلوع الفجر. ولأن الصوم شرط في الاعتكاف، فلم يجز ~~ابتداؤه قبل شرطه. # ولنا، أنه نذر الشهر، وأوله غروب الشمس، ولهذا تحل الديون المعلقة به، ~~ويقع الطلاق والعتاق المعلقان به، ووجب أن يدخل قبل الغروب ليستوفي جميع ~~الشهر، فإنه لا يمكن إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كإمساك ~~جزء من الليل مع النهار في الصوم، وأما الصوم فإن محله النهار، فلا يدخل ~~فيه شيء من الليل في أثنائه ولا ابتدائه، إلا ما حصل ضرورة، بخلاف ~~الاعتكاف. # وأما الحديث فقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به. على أن ~~الخبر إنما هو في التطوع، فمتى شاء دخل، وفي مسألتنا نذر شهرا، فيلزمه ~~اعتكاف شهر كامل، ولا يحصل إلا أن # PageV03P207 # يدخل فيه قبل غروب الشمس من أوله، ويخرج بعد غروبها من آخره، فأشبه ما لو ~~نذر اعتكاف يوم، فإنه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره، ويخرج بعد غروب ~~شمسه. (2188) # فصل: وإن أحب اعتكاف العشر الأواخر ms1399 من رمضان تطوعا، ففيه روايتان: ~~إحداهما، يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين؛ لما روي عن أبي سعيد «، ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان، حتى ~~إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه، ~~قال: من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر» . متفق عليه. # ولأن العشر بغير هاء عدد الليالي، فإنها عدد المؤنث، قال الله تعالى: ~~{وليال عشر} [الفجر: 2] . وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين. والرواية ~~الثانية، يدخل بعد صلاة الصبح. قال حنبل، قال أحمد: أحب إلي أن يدخل قبل ~~الليل، ولكن حديث عائشة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الفجر، ~~ثم يدخل معتكفه» . وبهذا قال الأوزاعي، وإسحاق. ووجهه ما روت عمرة، عن ~~عائشة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه» . ~~متفق عليه. # وإن نذر اعتكاف العشر، ففي وقت دخوله الروايتان جميعا. (2189) # فصل: ومن اعتكف العشر الأواخر من رمضان، استحب أن يبيت ليلة العيد في ~~معتكفه. نص عليه أحمد. وروي عن النخعي، وأبي مجلز، وأبي بكر بن عبد الرحمن، ~~والمطلب بن حنطب، وأبي قلابة، أنهم كانوا يستحبون ذلك. وروى الأثرم، ~~بإسناده عن أيوب، عن أبي قلابة، أنه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر، ثم ~~يغدو كما هو إلى العيد، وكان - يعني في اعتكافه - لا يلقى له حصير ولا مصلى ~~يجلس عليه، كان يجلس كأنه بعض القوم. # قال: فأتيته في يوم الفطر، فإذا في حجره جويرية مزينة ما ظننتها إلا بعض ~~بناته، فإذا هي أمة له، فأعتقها، وغدا كما هو إلى العيد. وقال إبراهيم: ~~كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان، أن يبيت ليلة الفطر في ~~المسجد، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد. # PageV03P208 # (2190) # فصل: وإذا نذر اعتكاف شهر، لزمه شهر بالأهلة، أو ثلاثون يوما. وهل يلزمه. ~~التتابع؟ على وجهين؛ بناء على الروايتين في نذر الصوم. أحدهما، لا يلزمه. ~~وهو مذهب الشافعي؛ لأنه معنى يصح فيه التفريق، فلا يجب فيه التتابع بمطلق ms1400 ~~النذر، كالصيام. والثاني، يلزمه التتابع. وهو قول أبي حنيفة ومالك. # وقال القاضي: يلزمه التتابع قولا واحدا؛ لأنه معنى يحصل في الليل ~~والنهار، فإذا أطلقه اقتضى التتابع، كما لو حلف لا يكلم زيدا شهرا، وكمدة ~~الإيلاء والعنة والعدة. وبهذا فارق الصيام، فإن أتى بشهر بين هلالين، أجزأه ~~ذلك، وإن كان ناقصا. وإن اعتكف ثلاثين يوما من شهرين، جاز، وتدخل فيه ~~الليالي؛ لأن الشهر عبارة عنهما، ولا يجزئه أقل من ذلك. # وإن قال: لله علي أن أعتكف أيام هذا الشهر، أو ليالي هذا الشهر. لزمه ما ~~نذر، ولم يدخل فيه غيره. وكذلك إن قال: شهرا في النهار، أو في الليل. ~~(2191) # فصل: وإن قال: لله علي أن أعتكف ثلاثين يوما. فعلى قول القاضي، يلزمه ~~التتابع. وقال أبو الخطاب: لا يلزمه؛ لأن اللفظ يقتضي ما تناوله، والأيام ~~المطلقة توجد بدون التتابع، فلا يلزمه، كما لو قال: لله علي أن أصوم ثلاثين ~~يوما. # فعلى قول القاضي: يدخل فيه الليالي الداخلة في الأيام المنذورة، كما لو ~~نذر شهرا. ومن لم يوجب التتابع لا يقتضي أن تدخل الليالي فيه، إلا أن ~~ينويه. فإن نوى التتابع، أو شرطه، لزمه، ودخل الليل فيه، ويلزمه ما بين ~~الأيام من الليالي. وبه قال مالك، والشافعي. # وقال أبو حنيفة: يلزمه من الليالي بعدد الأيام، إذا كان على وجه الجمع ~~والتثنية، يدخل فيه مثله من الليالي، والليالي تدخل معها الأيام، بدليل ~~قوله تعالى: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] . وقال في ~~موضع آخر: {ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] . # ولنا، أن اليوم اسم لبياض النهار، والتثنية والجمع تكرار للواحد، وإنما ~~تدخل الليالي تبعا لوجوب التتابع ضمنا، وهذا يحصل بما بين الأيام خاصة، ~~فاكتفي به. وأما الآية فإن الله تعالى نص على الليل في موضع والنهار في ~~موضع، فصار منصوصا عليهما. فإن نذر اعتكاف يومين متتابعين، لزمه يومان ~~وليلة بينهما. # وإن نذر اعتكاف يومين مطلقا، فعلى قول القاضي، هو كما لو نذرهما ~~متتابعين. وكذلك لو نذر ليلتين، لزمه اليوم الذي بينهما، وعلى ms1401 قول أبي ~~الخطاب لا يلزمه التتابع، ولا ما بينهما، إلا بلفظه أو نيته. # PageV03P209 # (2192) # فصل: وإن نذر اعتكاف يوم، لم يجز تفريقه، ويلزمه أن يدخل معتكفه قبل طلوع ~~الفجر، ويخرج منه بعد غروب الشمس. وقال مالك: يدخل معتكفه قبل غروب الشمس ~~من ليلة ذلك اليوم، كقولنا في الشهر؛ لأن الليل يتبع النهار، بدليل ما لو ~~كان متتابعا. # ولنا، أن الليلة ليست من اليوم، وهي من الشهر. قال الخليل: اليوم اسم لما ~~بين طلوع الفجر وغروب الشمس. وإنما دخل الليل في المتتابع ضمنا، ولهذا ~~خصصناه بما بين الأيام. # وإن نذر اعتكاف ليلة، لزمه دخول معتكفه قبل غروب الشمس، ويخرج منه بعد ~~طلوع الفجر، وليس له تفريق الاعتكاف. وقال الشافعي: له تفريقه. هذا ظاهر ~~كلامه، قياسا على تفريق الشهر. # ولنا، أن إطلاق اليوم يفهم منه التتابع، فيلزمه، كما لو قال: متتابعا. ~~وفارق الشهر، فإنه اسم لما بين الهلالين، واسم لثلاثين يوما، واسم لغير ~~ذلك، واليوم لا يقع في الظاهر إلا على ما ذكرنا. # وإن قال في وسط النهار: لله علي أن أعتكف يوما من وقتي هذا. لزمه ~~الاعتكاف من ذلك الوقت إلى مثله، ويدخل فيه الليل؛ لأنه في خلال نذره، فصار ~~كما لو نذر يومين متتابعين، وإنما لزمه بعض يومين لتعيينه ذلك بنذره، ~~فعلمنا أنه أراد ذلك، ولم يرد يوما صحيحا. (2193) # فصل: وإن نذر اعتكافا مطلقا، لزمه ما يسمى به معتكفا، ولو ساعة من ليل أو ~~نهار، إلا على قولنا بوجوب الصوم في الاعتكاف، فيلزمه يوم كامل، فأما ~~اللحظة، وما لا يسمى به معتكفا، فلا يجزئه، على الروايتين جميعا. (2194) # فصل: ولا يتعين شيء من المساجد بنذره الاعتكاف فيه، إلا المساجد الثلاثة، ~~وهي المسجد الحرام، ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمسجد الأقصى؛ ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد: المسجد الحرام،، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» . متفق عليه. # ولو تعين غيرها بتعيينه، لزمه المضي إليه، واحتاج إلى شد الرحال لقضاء ~~نذره فيه، ولأن الله تعالى لم يعين ms1402 لعبادته مكانا، فلم يتعين بتعيين غيره. ~~وإنما تعينت هذه المساجد الثلاثة للخبر الوارد فيها، ولأن العبادة فيها ~~أفضل، فإذا عين ما فيه فضيلة، لزمته، كأنواع العبادة. # وبهذا قال الشافعي في صحيح قوليه. وقال في الآخر: لا يتعين المسجد ~~الأقصى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ~~ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» . رواه مسلم. # وهذا يدل على التسوية، فيما عدا هذين المسجدين. لأن المسجد # PageV03P210 # الأقصى لو فضلت الصلاة فيه على غيره للزم أحد أمرين؛ إما خروجه من عموم ~~هذا الحديث، وإما كون فضيلته بألف مختصا بالمسجد الأقصى. # ولنا، أنه من المساجد التي تشد الرحال إليها، فتعين بالتعيين في النذر، ~~كمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وما ذكروه لا يلزم، فإنه إذا فضل ~~الفاضل بألف، فقد فضل المفضول بها أيضا. (2195) # فصل: وإن نذر الاعتكاف في المسجد الحرام، لم يكن له الاعتكاف فيما سواه؛ ~~لأنه أفضلها، ولأن عمر «نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية، ~~فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: أوف بنذرك» . متفق عليه. # وإن نذر أن يعتكف في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، جاز له أن يعتكف ~~في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل منه، ولم يجز أن يعتكف في المسجد الأقصى؛ لأن ~~مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل منه. وقال قوم: مسجد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أفضل من المسجد الحرام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما دفن في خير البقاع، وقد نقله الله تعالى من مكة إلى المدينة، فدل على ~~أنها أفضل. # ولنا، قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ~~ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» . وروي في خبر، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فيما ~~سواه» . رواه ابن ماجه. فيدخل في عمومه مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فتكون الصلاة فيه أفضل من مائة ألف صلاة فيما سوى مسجد ms1403 النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. فأما إن نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى، جاز له أن يعتكف في ~~المسجدين الآخرين؛ لأنهما أفضل منه. # وقد روى الإمام أحمد، في (مسنده) ، عن رجال من الأنصار، من أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «، أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~الفتح، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في مجلس قريبا من المقام، فسلم على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا نبي الله، إني نذرت لئن فتح الله ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين مكة، لأصلين في بيت المقدس، وإني ~~وجدت رجلا من أهل الشام هاهنا في قريش، مقبلا معي ومدبرا. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: هاهنا فصل. فقال الرجل قوله هذا ثلاث مرات، كل ذلك ~~يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: هاهنا فصل. ثم قال الرابعة مقالته هذه، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اذهب، فصل فيه، فوالذي بعث محمدا بالحق ~~لو صليت هاهنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس» . # ومتى نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد، فانهدم معتكفه، ولم يمكن المقام ~~فيه، لزمه إتمام الاعتكاف في غيره، ولم يبطل اعتكافه. # PageV03P211 # (2196) # فصل: إذا نذر اعتكاف يوم يقدم فلان. صح نذره، فإن ذلك ممكن، فإن قدم في ~~بعض النهار، لزمه اعتكاف الباقي منه، ولم يلزمه قضاء ما فات؛ لأنه فات قبل ~~شرط الوجوب، فلم يجب، كما لو نذر اعتكاف زمن ماض. لكن إذا قلنا: شرط صحة ~~الاعتكاف الصوم. لزمه قضاء يوم كامل؛ لأنه لا يمكنه أن يأتي بالاعتكاف في ~~الصوم فيما بقي من النهار، ولا قضاؤه متميزا مما قبله، فلزمه يوم كامل ~~ضرورة، كما لو نذر صوم يوم يقدم فلان. # ويحتمل أن يجزئه اعتكاف ما بقي منه إذا كان صائما؛ لأنه قد وجد اعتكاف مع ~~الصوم. وإن قدم ليلا، لم يلزمه شيء؛ لأن ما التزمه بالنذر لم يوجد. فإن كان ~~للناذر عذر يمنعه الاعتكاف عند قدوم فلان من حبس، أو مرض، قضى وكفر؛ لفوات ~~النذر في وقته، ويقضي ms1404 بقية اليوم فقط، على حسب ما كان يلزم في الأداء، في ~~الرواية المنصورة، وفي الأخرى، يقضي يوما كاملا، بناء على اشتراط الصوم في ~~الاعتكاف. # PageV03P212 ### | [كتاب الحج] # الحج في اللغة: القصد. وعن الخليل، قال: الحج كثرة القصد إلى من تعظمه. ~~قال الشاعر: # وأشهد من عوف حؤولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا # أي يقصدون. والسب: العمامة. وفي الحج لغتان: الحج والحج، بفتح الحاء ~~وكسرها. والحج في الشرع: اسم لأفعال مخصوصة يأتي ذكرها، إن شاء الله. وهو ~~أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام، والأصل في وجوبه الكتاب والسنة ~~والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] . روي ~~عن ابن عباس: ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب. وقال الله تعالى: {وأتموا ~~الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] . وأما السنة، فقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «بني الإسلام على خمس» . وذكر فيها الحج، وروى مسلم بإسناده عن أبي ~~هريرة، قال: «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا أيها الناس، ~~قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا. فقال رجل أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى ~~قالها ثلاثا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو قلت نعم لوجبت، ~~ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة ~~سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، ~~وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» . في أخبار كثيرة سوى هذين، وأجمعت الأمة على ~~وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة. ### | [مسألة شروط وجوب الحج] # (2197) مسألة: قال: أبو القاسم: (ومن ملك زادا وراحلة، وهو بالغ عاقل، ~~لزمه الحج والعمرة) وجملة ذلك أن الحج إنما يجب بخمس شرائط: الإسلام، ~~والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة. لا نعلم في هذا كله اختلافا. # فأما الصبي والمجنون فليسا بمكلفين، وقد روى علي بن أبي طالب، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، ~~وعن الصبي ms1405 حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل» . رواه أبو داود، وابن ماجه، ~~والترمذي، وقال: حديث حسن. وأما العبد فلا يجب عليه؛ لأنه عبادة تطول ~~مدتها، وتتعلق بقطع مسافة، وتشترط لها # PageV03P213 # الاستطاعة بالزاد والراحلة، ويضيع حقوق سيده المتعلقة به، فلم يجب عليه ~~كالجهاد. # وأما الكافر فغير مخاطب بفروع الدين خطابا يلزمه أداء، ولا يوجب قضاء. ~~وغير المستطيع لا يجب عليه؛ لأن الله تعالى خص المستطيع بالإيجاب عليه، ~~فيختص بالوجوب، وقال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: ~~286] . (2198) # فصل: وهذه الشروط الخمسة تنقسم أقساما ثلاثة؛ منها ما هو شرط للوجوب ~~والصحة، وهو الإسلام والعقل، فلا تجب على كافر ولا مجنون، ولا تصح منهما؛ ~~لأنهما ليسا من أهل العبادات. ومنها ما هو شرط للوجوب والإجزاء، وهو البلوغ ~~والحرية، وليس بشرط للصحة، فلو حج الصبي والعبد صح حجهما، ولم يجزئهما عن ~~حجة الإسلام. ومنها ما هو شرط للوجوب فقط، وهو الاستطاعة، فلو تجشم غير ~~المستطيع المشقة، وسار بغير زاد وراحلة فحج، كان حجه صحيحا مجزئا، كما لو ~~تكلف القيام في الصلاة والصيام من يسقط عنه، أجزأه. (2199) # فصل: واختلفت الرواية في شرطين، وهما؛ تخلية الطريق، وهو أن لا يكون في ~~الطريق مانع من عدو ونحوه. وإمكان المسير، وهو أن تكمل فيه هذه الشرائط ~~والوقت متسع يمكنه الخروج إليه. فروي أنهما من شرائط الوجوب، فلا يجب الحج ~~بدونهما؛ لأن الله تعالى إنما فرض الحج على المستطيع، وهذا غير مستطيع، ~~ولأن هذا يتعذر معه فعل الحج، فكان شرطا، كالزاد والراحلة. # وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي. وروي أنهما ليسا من شرائط الوجوب، وإنما ~~يشترطان للزوم السعي، فلو كملت هذه الشروط الخمسة، ثم مات قبل وجود هذين ~~الشرطين، حج عنه بعد موته، وإن أعسر قبل وجودهما بقي في ذمته. وهذا ظاهر ~~كلام الخرقي، فإنه لم يذكرهما؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~سئل: ما يوجب الحج؟ . قال: (الزاد والراحلة) . قال الترمذي: هذا حديث حسن. # وهذا له زاد وراحلة، ولأن هذا عذر يمنع نفس الأداء، فلم يمنع ms1406 الوجوب ~~كالعضب، ولأن إمكان الأداء ليس بشرط في وجوب العبادات، بدليل ما لو طهرت ~~الحائض، أو بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، ولم يبق من وقت الصلاة ما يمكن ~~أداؤها فيه، والاستطاعة مفسرة بالزاد والراحلة، فيجب المصير إلى تفسيره، ~~والفرق بينهما وبين الزاد والراحلة، أنه يتعذر مع فقدهما الأداء دون ~~القضاء، وفقد الزاد والراحلة يتعذر معه الجميع، فافترقا. # (2200) فصل: وإمكان المسير معتبر بما جرت به العادة، فلو أمكنه المسير ~~بأن يحمل على نفسه ويسير سيرا يجاوز العادة، أو يعجز عن تحصيل آلة السفر، ~~لم يلزمه السعي. وتخلية الطريق هو أن تكون مسلوكة، # PageV03P214 # لا مانع فيها، بعيدة كانت أو قريبة، برا كان أو بحرا، إذا كان الغالب ~~السلامة، فإن لم يكن الغالب السلامة، لم يلزمه سلوكه، فإن كان في الطريق ~~عدو يطلب خفارة، فقال القاضي: لا يلزمه السعي، وإن كانت يسيرة؛ لأنها رشوة، ~~فلا يلزم بذلها في العبادة، كالكبيرة. وقال ابن حامد: إن كان ذلك مما لا ~~يجحف بماله، لزمه الحج؛ لأنها غرامة يقف إمكان الحج على بذلها، فلم يمنع ~~الوجوب مع إمكان بذلها، كثمن الماء وعلف البهائم. (2201) # فصل: والاستطاعة المشترطة ملك الزاد والراحلة. وبه قال الحسن، ومجاهد، ~~وسعيد بن جبير، والشافعي، وإسحاق. قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم. ~~وقال عكرمة: هي الصحة. وقال الضحاك: إن كان شابا فليؤاجر نفسه بأكله وعقبه، ~~حتى يقضي نسكه. # وعن مالك: إن كان يمكنه المشي، وعادته سؤال الناس، لزمه الحج؛ لأن هذه ~~الاستطاعة في حقه، فهو كواجد الزاد والراحلة. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، ~~فوجب الرجوع إلى تفسيره، فروى الدارقطني، بإسناده عن جابر، وعبد الله بن ~~عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وعائشة - رضي الله عنهم - أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «سئل ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة.» وروى ابن ~~عمر قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ~~ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة.» رواه الترمذي. وقال: حديث حسن، وروى ~~الإمام ms1407 أحمد، حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية: ~~{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] «قال رجل: ~~يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة» . ولأنها عبادة تتعلق بقطع ~~مسافة بعيدة، فاشترط لوجوبها الزاد والراحلة، كالجهاد، وما ذكروه ليس ~~باستطاعة، فإنه شاق، وإن كان عادة، والاعتبار بعموم الأحوال دون خصوصها، ~~كما أن رخص السفر تعم من يشق عليه، ومن لا يشق عليه. ### | [فصل لا يلزمه الحج ببذل غيره له] # (2202) فصل: ولا يلزمه الحج ببذل غيره له، ولا يصير مستطيعا بذلك، سواء ~~كان الباذل قريبا أو أجنبيا، وسواء بذل له الركوب والزاد، أو بذل له مالا. ~~وعن الشافعي أنه إذا بذل له ولده ما يتمكن به من الحج، لزمه؛ لأنه أمكنه ~~الحج من غير منة تلزمه، ولا ضرر يلحقه، فلزمه الحج، كما لو ملك الزاد ~~والراحلة. # PageV03P215 # ولنا، أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يوجب الحج (الزاد والراحلة) ، ~~يتعين فيه تقدير ملك ذلك، أو ملك ما يحصل به، بدليل ما لو كان الباذل ~~أجنبيا، ولأنه ليس بمالك للزاد والراحلة، ولا ثمنهما، فلم يلزمه الحج، كما ~~لو بذل له والده، ولا نسلم أنه لا يلزمه منة، ولو سلمناه فيبطل ببذل ~~الوالدة، وبذل من للمبذول عليه أياد كثيرة ونعم. ### | [فصل تكلف الحج ممن لا يلزمه] # (2203) فصل: ومن تكلف الحج ممن لا يلزمه، فإن أمكنه ذلك من غير ضرر يلحق ~~بغيره، مثل أن يمشي ويكتسب بصناعة كالخرز، أو معاونة من ينفق عليه، أو ~~يكتري لزاده، ولا يسأل الناس، استحب له الحج؛ لقول الله تعالى: {يأتوك ~~رجالا وعلى كل ضامر} [الحج: 27] فقدم ذكر الرجال. ولأن في ذلك مبالغة في ~~طاعة الله عز وجل، وخروجا من الخلاف. # وإن كان يسأل الناس، كره له الحج؛ لأنه يضيق على الناس، ويحصل كلا عليهم ~~في التزام ما لا يلزمه. وسئل أحمد عمن يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة؟ ~~فقال: لا أحب له ذلك، هذا يتوكل على أزواد الناس. ### | [فصل يختص اشتراط ms1408 الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر] # (2204) فصل: ويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة ~~القصر، فأما القريب الذي يمكنه المشي، فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه؛ ~~لأنها مسافة قريبة، يمكنه المشي إليها، فلزمه، كالسعي إلى الجمعة. # وإن كان ممن لا يمكنه المشي، اعتبر وجود الحمولة في حقه؛ لأنه عاجز عن ~~المشي، فهو كالبعيد. وأما الزاد فلا بد منه، فإن لم يجد زادا، ولا قدر على ~~كسبه، لم يلزمه الحج. ### | [فصل الزاد الذي تشترط القدرة عليه في الحج] # فصل: والزاد الذي تشترط القدرة عليه، هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه؛ ~~من مأكول ومشروب وكسوة، فإن كان يملكه، أو وجده يباع بثمن المثل في الغلاء ~~والرخص، أو بزيادة يسيرة لا تجحف بماله، لزمه شراؤه، وإن كانت تجحف بماله، ~~لم يلزمه، كما قلنا في شراء الماء للوضوء. وإذا كان يجد الزاد في كل منزلة، ~~لم يلزمه حمله، وإن لم يجده كذلك، لزمه حمله. # وأما الماء وعلف البهائم، فإن كان يوجد في المنازل التي ينزلها على حسب ~~العادة، وإلا لم يلزمه حمله من بلده، ولا من أقرب البلدان إلى مكة، كأطراف ~~الشام ونحوها؛ لأن هذا يشق، ولم تجر العادة به، ولا يتمكن من حمل الماء ~~لبهائمه # PageV03P216 # في جميع الطريق، والطعام بخلاف ذلك، ويعتبر أيضا قدرته على الآلات التي ~~يحتاج إليها، كالغرائر ونحوها، وأوعية الماء وما أشبهها؛ لأنه مما لا ~~يستغنى عنه، فهو كأعلاف البهائم. ### | [فصل الراحلة التي تشترط لمريد الحج] # (2206) فصل: وأما الراحلة، فيشترط أن يجد راحلة تصلح لمثله، إما شراء أو ~~كراء، لذهابه ورجوعه، ويجد ما يحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله، فإن ~~كان ممن يكفيه الرحل والقتب، ولا يخشى السقوط، أجزأ وجود ذلك. # وإن كان ممن لم تجر عادته بذلك، ويخشى السقوط عنهما، اعتبر وجود محمل وما ~~أشبهه، مما لا مشقة في ركوبه، ولا يخشى السقوط عنه؛ لأن اعتبار الراحلة في ~~حق القادر على المشي، إنما كان لدفع المشقة، فيجب أن يعتبر هاهنا ما تندفع ~~به ms1409 المشقة. وإن كان ممن لا يقدر على خدمة نفسه، والقيام بأمره اعتبرت ~~القدرة على من يخدمه؛ لأنه من سبيله. ### | [فصل النفقة في الحج] # (2207) فصل: ويعتبر أن يكون هذا فاضلا عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين ~~تلزمه مئونتهم، في مضيه ورجوعه؛ لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين، وهم ~~أحوج، وحقهم آكد، وقد روى عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت.» رواه أبو داود. وأن يكون ~~فاضلا عما يحتاج هو وأهله إليه، من مسكن وخادم وما لا بد منه، وأن يكون ~~فاضلا عن قضاء دينه؛ لأن قضاء الدين من حوائجه الأصلية، ويتعلق به حقوق ~~الآدميين، فهو آكد، ولذلك منع الزكاة، مع تعلق حقوق الفقراء بها، وحاجتهم ~~إليها، فالحج الذي هو خالص حق الله تعالى أولى، وسواء كان الدين لآدمي ~~معين، أو من حقوق الله تعالى، كزكاة في ذمته، أو كفارات ونحوها. # وإن احتاج إلى النكاح، وخاف على نفسه العنت، قدم التزويج، لأنه واجب ~~عليه، ولا غنى به عنه، فهو كنفقته، وإن لم يخف، قدم الحج؛ لأن النكاح تطوع، ~~فلا يقدم على الحج الواجب. وإن حج من تلزمه هذه الحقوق وضيعها، صح حجه؛ ~~لأنها متعلقة بذمته، فلا تمنع صحة فعله. ### | [فصل له عقار يحتاج إليه لسكناه أو سكنى عياله أيجب عليه الحج] # (2208) فصل: ومن له عقار يحتاج إليه لسكناه، أو سكنى عياله، أو يحتاجه ~~إلى أجرته لنفقة نفسه أو عياله، أو بضاعة متى نقصها اختل ربحها فلم يكفهم، ~~أو سائمة يحتاجون إليها، لم يلزمه الحج، وإن كان له # PageV03P217 # من ذلك شيء فاضل عن حاجته، لزمه بيعه في الحج. فإن كان له مسكن واسع يفضل ~~عن حاجته، وأمكنه بيعه وشراء ما يكفيه، ويفضل قدر ما يحج به، لزمه. # وإن كانت له كتب يحتاج إليها، لم يلزمه بيعها في الحج. وإن كانت مما لا ~~يحتاج إليها، أو كان له بكتاب نسختان، يستغني بأحدهما، باع ما لا يحتاج ~~إليه، فإن كان له دين على مليء ms1410 باذل له يكفيه للحج، لزمه؛ لأنه قادر، وإن ~~كان على معسر، أو تعذر استيفاؤه عليه، لم يلزمه. ### | [فصل وجوب العمرة على من يجب عليه الحج] # (2209) فصل: وتجب العمرة على من يجب عليه الحج، في إحدى الروايتين، روي ~~ذلك عن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن ~~جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي. وبه قال الثوري، ~~وإسحاق، والشافعي في أحد قوليه. والرواية الثانية، ليست واجبة، وروي ذلك عن ~~ابن مسعود وبه قال مالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لما روى جابر، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «سئل عن العمرة، أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمروا فهو ~~أفضل» أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. # وعن طلحة، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الحج جهاد، ~~والعمرة تطوع» . رواه ابن ماجه. ولأنه نسك غير موقت، فلم يكن واجبا، ~~كالطواف المجرد. ولنا، قول الله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: ~~196] . ومقتضى الأمر الوجوب، ثم عطفها على الحج، والأصل التساوي بين ~~المعطوف والمعطوف عليه. قال ابن عباس: إنها لقرينة الحج في كتاب الله. وعن ~~الصبي بن معبد قال: «أتيت عمر فقلت: يا أمير المؤمنين، إني أسلمت، وإني ~~وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما، فقال عمر: هديت لسنة نبيك - ~~صلى الله عليه وسلم -.» رواه أبو داود، والنسائي. وعن أبي رزين، أنه أتى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله: «إن أبي شيخ كبير، لا ~~يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن. قال: حج عن أبيك، واعتمر» . رواه أبو ~~داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وذكره أحمد، ثم قال: وحديث ~~يرويه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ~~جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أوصني. قال: تقيم الصلاة، ~~وتؤتي الزكاة، وتحج، وتعتمر» . # وروى # PageV03P218 # الأثرم، بإسناده عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده، أن ~~رسول الله - صلى الله ms1411 عليه وسلم - «كتب إلى أهل اليمن، وكان في الكتاب: إن ~~العمرة هي الحج الأصغر» . ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم ~~نعلمه، إلا ابن مسعود، على اختلاف عنه. # وأما حديث جابر فقال الترمذي، قال الشافعي: هو ضعيف، لا تقوم بمثله ~~الحجة، وليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوع. وقال ابن عبد البر: روي ذلك ~~بأسانيد لا تصح، ولا تقوم بمثلها الحجة. ثم نحمله على المعهود، وهي العمرة ~~التي قضوها حين أحصروا في الحديبية، أو على العمرة التي اعتمروها مع حجتهم، ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنها لم تكن واجبة على من اعتمر، أو ~~نحمله على ما زاد على العمرة الواحدة، وتفارق العمرة الطواف؛ لأن من شرطها ~~الإحرام، والطواف بخلافه. ### | [فصل ليس على أهل مكة عمرة] # (2210) فصل: وليس على أهل مكة عمرة. نص عليه أحمد. # وقال: كان ابن عباس يرى العمرة واجبة، ويقول: يا أهل مكة: ليس عليكم ~~عمرة، إنما عمرتكم طوافكم بالبيت. وبهذا قال عطاء، وطاوس. قال عطاء: ليس ~~أحد من خلق الله إلا عليه حج وعمرة واجبتان، لا بد منهما لمن استطاع إليهما ~~سبيلا، إلا أهل مكة، فإن عليهم حجة، وليس عليهم عمرة، من أجل طوافهم ~~بالبيت. ووجه ذلك أن ركن العمرة ومعظمها الطواف بالبيت، وهم يفعلونه فأجزأ ~~عنهم. وحمل القاضي كلام أحمد على أنه لا عمرة عليهم مع الحجة؛ لأنه يتقدم ~~منهم فعلها في غير وقت الحج. والأمر على ما قلناه. ### | [فصل عمرة المتمتع وعمرة القارن] # (2211) فصل: وتجزئ عمرة المتمتع، وعمرة القارن، والعمرة من أدنى الحل عن ~~العمرة الواجبة، ولا نعلم في إجزاء عمرة التمتع خلافا. كذلك قال ابن عمر، ~~وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. # وروي عن أحمد أن عمرة القارن لا تجزئ. وهو اختيار أبي بكر. وعن أحمد أن ~~العمرة من أدنى الحل لا تجزئ عن العمرة الواجبة. # وقال: إنما هي من أربعة أميال. واحتج على أن عمرة القارن لا تجزئ أن ~~عائشة حين حاضت أعمرها من التنعيم، فلو كانت عمرتها ms1412 في قرانها أجزأتها لما ~~أعمرها بعدها. ولنا، قول الصبي بن معبد: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين ~~علي، فأهللت بهما. فقال عمر: «هديت لسنة نبيك» . # وهذا يدل على أنه أحرم بهما يعتقد أداء ما كتبه الله عليه منهما، والخروج ~~عن # PageV03P219 # عهدتهما، فصوبه عمر، وقال: هديت لسنة نبيك. وحديث عائشة حين قرنت الحج ~~والعمرة، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين حلت منهما: «قد حللت ~~من حجك وعمرتك» . # وإنما أعمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - من التنعيم قصدا لتطييب ~~قلبها، وإجابة مسألتها، لا لأنها كانت واجبة عليها. ثم إن لم تكن أجزأتها ~~عمرة القران، فقد أجزأتها العمرة من أدنى الحل، وهو أحد ما قصدنا الدلالة ~~عليه. ولأن الواجب عمرة واحدة، وقد أتى بها صحيحة، فتجزئه، كعمرة المتمتع. ~~ولأن عمرة القارن أحد نسكي القران، فأجزأت، كالحج، والحج من مكة يجزئ في حق ~~المتمتع، فالعمرة من أدنى الحل في حق المفرد أولى. وإذا كان الطواف المجرد ~~يجزئ عن العمرة في حق المكي، فلأن تجزئ العمرة المشتملة على الطواف وغيره ~~أولى. ### | [فصل لا بأس أن يعتمر في السنة مرارا] # (2212) فصل: ولا بأس أن يعتمر في السنة مرارا. روي ذلك عن علي، وابن عمر، ~~وابن عباس، وأنس، وعائشة، وعطاء، وطاوس، وعكرمة، والشافعي. وكره العمرة في ~~السنة مرتين الحسن، وابن سيرين، ومالك. # وقال النخعي: ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة. ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يفعله. ولنا، أن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها، ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» . متفق عليه. ~~وقال علي - رضي الله عنه - في كل شهر مرة. # وكان أنس إذا حمم رأسه خرج فاعتمر. رواهما الشافعي، في (مسنده) . وقال ~~عكرمة: يعتمر إذا أمكن الموسى من شعره. وقال عطاء: إن شاء اعتمر في كل شهر ~~مرتين. فأما الإكثار من الاعتمار، والموالاة بينهما، فلا يستحب في ظاهر قول ~~السلف الذي حكيناه. وكذلك قال ms1413 أحمد: إذا اعتمر فلا بد من أن يحلق أو يقصر، ~~وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس. فظاهر هذا أنه لا يستحب أن يعتمر في أقل من ~~عشرة أيام. # وقال في رواية الأثرم: إن شاء اعتمر في كل شهر. وقال بعض أصحابنا: يستحب ~~الإكثار من الاعتمار. وأقوال السلف وأحوالهم تدل على ما قلناه، ولأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم ينقل عنهم الموالاة بينهما، وإنما نقل ~~عنهم إنكار ذلك، والحق في اتباعهم. قال طاوس: الذين يعتمرون من التنعيم، ما ~~أدري يؤجرون عليها أو يعذبون؟ قيل له: فلم يعذبون؟ قال: لأنه يدع الطواف ~~بالبيت، ويخرج إلى أربعة أميال # PageV03P220 # ويجيء، وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت ~~كان أفضل من أن يمشي في غير شيء. # وقد اعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع عمر في أربع سفرات، لم يزد ~~في كل سفرة على عمرة واحدة، ولا أحد ممن معه، ولم يبلغنا أن أحدا منهم جمع ~~بين عمرتين في سفر واحد معه، إلا عائشة حين حاضت فأعمرها من التنعيم؛ لأنها ~~اعتقدت أن عمرة قرانها بطلت، ولهذا قالت: يا رسول الله، يرجع الناس بحج ~~وعمرة، وأرجع أنا بحجة. فأعمرها لذلك. ولو كان في هذا فضل لما اتفقوا على ~~تركه. ### | [فصل عمرة في رمضان تعدل حجة] # (2213) فصل: وروى ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«عمرة في رمضان تعدل حجة» . متفق عليه. قال أحمد: من أدرك يوما من رمضان، ~~فقد أدرك عمرة رمضان. وقال إسحاق: يعني هذا الحديث مثل ما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من قرأ قل هو الله أحد، فقد قرأ ثلث ~~القرآن» . وقال أنس: «حج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة واحدة، واعتمر ~~أربع عمر؛ واحدة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة ~~الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين» . وهذا حديث حسن صحيح متفق عليه. وقال أحمد: ~~حج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع. قال: وروي عن ms1414 مجاهد، أنه قال: ~~حج قبل ذلك حجة أخرى. وما هو يثبت عندي. وروي عن جابر، قال: «حج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ثلاث حجج؛ حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر» . ~~وهذا حديث غريب. # (2214) فصل: وروي عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ~~ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» ~~. قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق، ~~رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» متفق عليه وهو في (الموطأ) . ### | [مسألة وجدت فيه شرائط وجوب الحج وكان عاجزا عنه لمانع مأيوس من زواله] # (2215) مسألة: قال (فإن كان مريضا لا يرجى برؤه، أو شيخا لا يستمسك على ~~الراحلة، # PageV03P221 # أقام من يحج عنه ويعتمر، وقد أجزأ عنه وإن عوفي) وجملة ذلك أن من وجدت ~~فيه شرائط وجوب الحج، وكان عاجزا عنه لمانع مأيوس من زواله، كزمانة، أو مرض ~~لا يرجى زواله، أو كان نضو الخلق، لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا ~~بمشقة غير محتملة، والشيخ الفاني، ومن كان مثله متى وجد من ينوب عنه في ~~الحج، ومالا يستنيبه به، لزمه ذلك. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. # وقال مالك: لا حج عليه، إلا أن يستطيع بنفسه، ولا أرى له ذلك؛ لأن الله ~~تعالى قال: {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] . وهذا غير مستطيع، ولأن ~~هذه عبادة لا تدخلها النيابة مع القدرة، فلا تدخلها مع العجز، كالصوم ~~والصلاة. # ولنا، حديث أبي رزين، وروى ابن عباس، أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول ~~الله، «إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع ~~أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع» . متفق ~~عليه. وفي لفظ لمسلم، قالت: يا رسول الله، «إن أبي شيخ كبير، عليه فريضة ~~الله ms1415 في الحج، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره. فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: فحجي عنه» . وسئل علي، - رضي الله عنه -، عن شيخ لا يجد ~~الاستطاعة، قال. يجهز عنه. ولأن هذه عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فجاز أن ~~يقوم غير فعله فيها مقام فعله، كالصوم إذا عجز عنه افتدى، بخلاف الصلاة. ### | [فصل لم يجد مالا يستنيب به غيره في الحج عنه] # (2216) فصل: فإن لم يجد مالا يستنيب به، فلا حج عليه. بغير خلاف؛ لأن ~~الصحيح لو لم يجد ما يحج به، لم يجب عليه، فالمريض أولى. # وإن وجد مالا، ولم يجد من ينوب عنه، فقياس المذهب أنه ينبني على ~~الروايتين في إمكان المسير، هل هو من شرائط الوجوب، أو من شرائط لزوم ~~السعي؟ فإن قلنا: من شرائط لزوم السعي. ثبت الحج في ذمته، هذا يحج عنه بعد ~~موته. وإن قلنا: من شرائط الوجوب لم يجب عليه شيء. ### | [فصل حج عنه غيره وهو مريض ثم عوفي] # (2217) فصل: ومتى أحج هذا عن نفسه، ثم عوفي، لم يجب عليه حج آخر. وهذا ~~قول إسحاق. # وقال الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر: يلزمه؛ لأن هذا بدل إياس، فإذا ~~برأ، تبينا أنه لم يكن مأيوسا منه، فلزمه # PageV03P222 # الأصل، كالآيسة إذا اعتدت بالشهور، ثم حاضت، لا تجزئها تلك العدة. # ولنا، أنه أتى بما أمر به، فخرج من العهدة، كما لو لم يبرأ، أو نقول: أدى ~~حجة الإسلام بأمر الشارع، فلم يلزمه حج ثان، كما لو حج بنفسه، ولأن هذا ~~يفضي إلى إيجاب حجتين عليه، ولم يوجب الله عليه إلا حجة واحدة. وقولهم: لم ~~يكن مأيوسا من برئه. قلنا: لو لم يكن مأيوسا منه، لما أبيح له أن يستنيب، ~~فإنه شرط لجواز الاستنابة. أما الآيسة إذا اعتدت بالشهور، فلا يتصور عود ~~حيضها، فإن رأت دما، فليس بحيض، ولا يبطل به اعتدادها، ولكن من ارتفع حيضها ~~لا تدري ما رفعه، إذا اعتدت سنة، ثم عاد حيضها، لم يبطل اعتدادها. # فأما إن عوفي قبل فراغ النائب من الحج، فينبغي ms1416 أن لا يجزئه الحج؛ لأنه ~~قدر على الأصل قبل تمام البدل، فلزمه، كالصغيرة ومن ارتفع حيضها، إذا حاضتا ~~قبل إتمام عدتهما بالشهور، وكالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته. ويحتمل أن ~~يجزئه، كالمتمتع إذا شرع في الصيام ثم قدر على الهدي، والمكفر إذا قدر على ~~الأصل بعد الشروع في البدل. وإن برأ قبل إحرام النائب، لم يجزئه بحال. ### | [فصل من يرجى زوال مرضه والمحبوس ونحوه هل ينيب في الحج] # فصل: ومن يرجى زوال مرضه، والمحبوس ونحوه، ليس له أن يستنيب. فإن فعل، لم ~~يجزئه، وإن لم يبرأ. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: له ذلك. ويكون ذلك مراعى، فإن قدر على الحج بنفسه لزمه، ~~وإلا أجزأه ذلك؛ لأنه عاجز عن الحج بنفسه، أشبه الميئوس من برئه. # ولنا، أنه يرجو القدرة على الحج بنفسه، فلم يكن له الاستنابة، ولا تجزئه ~~إن فعل، كالفقير، وفارق المأيوس من برئه؛ لأنه عاجز على الإطلاق، آيس من ~~القدرة على الأصل، فأشبه الميت. ولأن النص إنما ورد في الحج عن الشيخ ~~الكبير، وهو ممن لا يرجى منه الحج بنفسه، فلا يقاس عليه إلا من كان مثله. ~~فعلى هذا إذا استناب من يرجو القدرة على الحج بنفسه، ثم صار مأيوسا من ~~برئه، فعليه أن يحج عن نفسه مرة أخرى؛ لأنه استناب في حال لا تجوز له ~~الاستنابة فيها، فأشبه الصحيح. ### | [فصل لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه] # (2219) فصل: ولا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب ~~إجماعا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام، وهو ~~قادر على أن يحج، لا يجزئ عنه أن يحج غيره عنه، والحج المنذور كحجة ~~الإسلام، في إباحة الاستنابة عند العجز، والمنع منها مع القدرة؛ لأنها حجة ~~واجبة، فأما حج التطوع، فينقسم أقساما ثلاثة: أحدها، أن يكون ممن لم يؤد ~~حجة الإسلام، فلا يصح أن يستنيب في حجة التطوع، لأنه لا يصح أن يفعله ~~بنفسه، فبنائبه أولى. # PageV03P223 # الثاني، أن يكون ممن قد ms1417 أدى حجة الإسلام، وهو عاجز عن الحج بنفسه، فيصح ~~أن يستنيب في التطوع، فإن ما جازت الاستنابة في فرضه، جازت في نفله، ~~كالصدقة. الثالث، أن يكون قد أدى حجة الإسلام، وهو قادر على الحج بنفسه، ~~فهل له أن يستنيب في حج التطوع؟ فيه روايتان؛ إحداهما، يجوز. وهو قول أبي ~~حنيفة؛ لأنها حجة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها، كالمعضوب. ~~والثانية، لا يجوز. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه قادر على الحج بنفسه، فلم يجز ~~أن يستنيب فيه، كالفرض. ### | [فصل العجز عن الحج عجزا مرجو الزوال] # (2220) فصل: فإن كان عاجزا عنه عجزا مرجو الزوال، كالمريض مرضا يرجى ~~برؤه، والمحبوس، جاز له أن يستنيب فيه؛ لأنه حج لا يلزمه، عجز عن فعله ~~بنفسه، فجاز له أن يستنيب فيه، كالشيخ الكبير، والفرق بينه وبين الفرض، أن ~~الفرض عبادة العمر، فلا يفوت بتأخيره عن هذا العام، والتطوع مشروع في كل ~~عام، فيفوت حج هذا العام بتأخيره، ولأن حج الفرض إذا مات قبل فعله، فعل بعد ~~موته، وحج التطوع لا يفعل، فيفوت. ### | [فصل الاستئجار على الحج] # (2221) فصل: وفي الاستئجار على الحج، والأذان وتعليم القرآن والفقه، ~~ونحوه، مما يتعدى نفعه، ويختص فاعله أن يكون من أهل القربة، روايتان: ~~إحداهما، لا يجوز. وهو مذهب أبي حنيفة، وإسحاق. والأخرى، يجوز. وهو مذهب ~~مالك، والشافعي، وابن المنذر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أحق ~~ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» رواه البخاري. وأخذ أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الجعل على الرقية بكتاب الله، وأخبروا بذلك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فصوبهم فيه. # ولأنه يجوز أخذ النفقة عليه، فجاز الاستئجار عليه، كبناء المساجد ~~والقناطر. ووجه الرواية الأولى أن عبادة بن الصامت كان يعلم رجلا القرآن، ~~فأهدى له قوسا، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال له: «إن ~~سرك أن تتقلد قوسا من نار، فتقلدها» وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لعثمان بن أبي العاص: «واتخذ مؤذنا، لا يأخذ على أذانه أجرا» . ولأنها ~~عبادة يختص فاعلها أن يكون ms1418 من أهل القربة، فلم يجز أخذ الأجرة عليها، ~~كالصلاة، # PageV03P224 # والصوم. # وأما الأحاديث التي في أخذ الجعل والأجرة، فإنما كانت في الرقية، وهي ~~قضية في عين، فتختص بها. وأما بناء المساجد، فلا يختص فاعله أن يكون من أهل ~~القربة، ويجوز أن يقع قربة وغير قربة، فإذا وقع بأجرة لم يكن قربة، ولا ~~عبادة، ولا يصح هاهنا أن يكون غير عبادة، ولا يجوز الاشتراك في العبادة، ~~فمتى فعله من أجل الأجرة خرج عن كونه عبادة، فلم يصح، ولا يلزم من جواز أخذ ~~النفقة جواز أخذ الأجرة، بدليل القضاء والشهادة والإمامة، يؤخذ عليها الرزق ~~من بيت المال، وهو نفقة في المعنى، ولا يجوز أخذ الأجرة عليها. # وفائدة الخلاف، أنه متى لم يجز أخذ الأجرة عليها، فلا يكون إلا نائبا ~~محضا، وما يدفع إليه من المال يكون نفقة لطريقه، فلو مات، أو أحصر، أو مرض، ~~أو ضل الطريق، لم يلزمه الضمان لما أنفق. نص عليه أحمد؛ لأنه إنفاق بإذن ~~صاحب المال، فأشبه ما لو أذن له في سد بثق فانبثق ولم ينسد. وإذا ناب عنه ~~آخر، فإنه يحج من حيث بلغ النائب الأول من الطريق، لأنه حصل قطع هذه ~~المسافة بمال المنوب عنه، فلم يكن عليه الإنفاق دفعة أخرى، كما لو خرج ~~بنفسه فمات في بعض الطريق، فإنه يحج عنه من حيث انتهى. # وما فضل معه من المال رده، إلا أن يؤذن له في أخذه، وينفق على نفسه بقدر ~~الحاجة من غير إسراف ولا تقتير، وليس له التبرع بشيء منه، إلا أن يؤذن له ~~في ذلك. قال أحمد، في الذي يأخذ دراهم للحج: لا يمشي، ولا يقتر في النفقة، ~~ولا يسرف. # وقال في رجل أخذ حجة عن ميت، ففضلت معه فضلة: يردها، ولا يناهد أحدا إلا ~~بقدر ما لا يكون سرفا، ولا يدعو إلى طعامه، ولا يتفضل. ثم قال: أما إذا ~~أعطي ألف درهم، أو كذا وكذا، فقيل له: حج بهذه. فله أن يتوسع فيها، وإن فضل ~~شيء فهو له. وإذا قال الميت: حجوا ms1419 عني حجة بألف درهم. فدفعوها إلى رجل، فله ~~أن يتوسع فيها، وما فضل فهو له. # وإن قلنا: يجوز الاستئجار على الحج. جاز أن يقع الدفع إلى النائب من غير ~~استئجار، فيكون الحكم فيه على ما مضى. وإن استأجره ليحج عنه أو عن ميت، ~~اعتبر فيه شروط الإجارة؛ من معرفة الأجرة، وعقد الإجارة، وما يأخذه أجرة له ~~يملكه، ويباح له التصرف فيه، والتوسع به في النفقة وغيرها، وما فضل فهو له، ~~وإن أحصر، أو ضل الطريق، أو ضاعت النفقة منه، فهو في ضمانه، والحج عليه، ~~وإن مات، انفسخت الإجارة؛ لأن المعقود عليه تلف، فانفسخ العقد، كما لو ماتت ~~البهيمة المستأجرة، ويكون الحج أيضا من موضع بلغ إليه النائب، وما لزمه من ~~الدماء فعليه؛ لأن الحج عليه. # PageV03P225 ### | [فصل النائب غير المستأجر في الحج] # فصل: فأما النائب غير المستأجر، فما لزمه من الدماء بفعل محظور، فعليه في ~~ماله؛ لأنه لم يؤذن له في الجناية، فكان موجبا عليه، كما لو لم يكن نائبا، ~~ودم المتعة والقران، إن أذن له في ذلك، على المستنيب؛ لأنه أذن في سببهما، ~~وإن لم يؤذن له، فعليه؛ لأنه كجنايته، ودم الإحصار على المستنيب؛ لأنه ~~للتخلص من مشقة السفر، فهو كنفقة الرجوع. # وإن أفسد حجه، فالقضاء عليه، ويرد ما أخذ؛ لأن الحجة لم تجزئ عن ~~المستنيب؛ لتفريطه وجنايته. وكذلك إن فاته الحج بتفريطه. وإن فات بغير ~~تفريط، احتسب له بالنفقة؛ لأنه لم يفت، بفعله، فلم يكن مخالفا، كما لو مات. ~~وإن قلنا بوجوب القضاء، فهو عليه في نفسه، كما لو دخل في حج ظن أنه عليه، ~~ولم يكن، ففاته. ### | [فصل سلك النائب في الحج طريقا يمكنه سلوك أقرب منه] # (2223) فصل: وإذا سلك النائب طريقا يمكنه سلوك أقرب منه، ففاضل النفقة في ~~ماله. وإن تعجل عجلة يمكنه تركها، فكذلك. وإن. أقام بمكة أكثر من مدة ~~القصر، بعد إمكان السفر للرجوع، أنفق من مال نفسه؛ لأنه غير مأذون له فيه. ~~فأما من لا يمكنه الخروج قبل ذلك، فله النفقة؛ لأنه مأذون له ms1420 فيه، وله نفقة ~~الرجوع، وإن أقام بمكة سنين ما لم يتخذها دارا، فإن اتخذها دارا، ولو ساعة، ~~لم يكن له نفقة رجوعه؛ لأنه صار بنية الإقامة مكيا، فسقطت نفقته، فلم تعد. # وإن مرض في الطريق، فعاد، فله نفقة رجوعه؛ لأنه لا بد له منه، حصل بغير ~~تفريطه، فأشبه ما لو قطع عليه الطريق أو أحصر. وإن قال: خفت أن أمرض فرجعت. ~~فعليه الضمان؛ لأنه متوهم. وعن أحمد، في من مرض في الكوفة، فرجع، يرد ما ~~أخذ. وفي جميع ذلك إذا أذن له في النفقة، فله ذلك؛ لأن المال للمستنيب، ~~فجاز ما أذن فيه. # وإن شرط أحدهما أن الدماء الواجبة عليه على غيره، لم يصح الشرط؛ لأن ذلك ~~من موجبات فعله، أو الحج الواجب عليه، فلم يجز شرطه على غيره، كما لو شرطه ~~على أجنبي. ### | [فصل حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل] # (2224) فصل: يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة، والمرأة عن الرجل ~~والمرأة، في الحج، في قول عامة أهل العلم. لا نعلم فيه مخالفا، إلا الحسن ~~بن صالح، فإنه كره حج المرأة عن الرجل. قال ابن المنذر: هذه غفلة عن ظاهر ~~السنة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المرأة أن تحج عن أبيها، ~~وعليه؛ يعتمد من أجاز حج المرء عن غيره وفي الباب حديث أبي رزين، وأحاديث ~~سواه. ### | [فصل الحج والعمرة عن الحي] # (2225) فصل: ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه، فرضا كان أو تطوعا؛ ~~لأنها عبادة تدخلها النيابة، # PageV03P226 # فلم تجز عن البالغ العاقل إلا بإذنه، كالزكاة، فأما الميت فتجوز عنه بغير ~~إذن، واجبا كان أو تطوعا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالحج عن ~~الميت، وقد علم أنه لا إذن له، وما جاز فرضه جاز نفله، كالصدقة. فعلى هذا ~~كل ما يفعله النائب عن المستنيب، مما لم يؤمر به، مثل أن يؤمر بحج فيعتمر، ~~أو بعمرة فيحج، يقع عن الميت؛ لأنه يصح عنه من غير إذنه، ولا يقع عن الحي؛ ~~لعدم إذنه فيه، ويقع عمن ms1421 فعله؛ لأنه لما تعذر وقوعه عن المنوي عنه، وقع عن ~~نفسه، كما لو استنابه رجلان، فأحرم عنهما جميعا، وعليه رد النفقة؛ لأنه لم ~~يفعل ما أمر به، فأشبه ما لو لم يفعل شيئا. ### | [فصل مخالفة النائب في الحج لأمر المنيب] # فصول في مخالفة النائب: إذا أمره بحج فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات، ~~ثم حج؛ نظرت؛ فإن خرج إلى الميقات فأحرم منه بالحج، جاز، ولا شيء عليه. نص ~~عليه أحمد. وهو مذهب الشافعي. # وإن أحرم بالحج من مكة، فعليه دم؛ لترك ميقاته، ويرد من النفقة بقدر ما ~~ترك من إحرام الحج فيما بين الميقات ومكة. وقال القاضي: لا يقع فعله عن ~~الآمر، ويرد جميع النفقة؛ لأنه أتى بغير ما أمر به. وهو مذهب أبي حنيفة. # ولنا، أنه إذا أحرم من الميقات فقد أتى بالحج صحيحا من ميقاته، وإن أحرم ~~به من مكة، فما أخل إلا بما يجبره الدم، فلم تسقط نفقته، كما لو تجاوز ~~الميقات غير محرم، فأحرم دونه. # وإن أمره بالإفراد فقرن، لم يضمن شيئا. وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: ~~يضمن؛ لأنه مخالف. ولنا، أنه أتى بما أمر به وزيادة، فصح ولم يضمن، كما لو ~~أمره بشراء شاة بدينار، فاشترى به شاتين تساوي إحداهما دينارا. ثم إن كان ~~أمره بالعمرة بعد الحج ففعلها، فلا شيء عليه، وإن لم يفعل، رد من النفقة ~~بقدرها. ### | [فصل أمر النائب في الحج بالتمتع فقرن] # (2227) فصل: وإن أمره بالتمتع فقرن، وقع عن الآمر، لأنه أمر بهما، وإنما ~~خالف في أنه أمره بالإحرام بالحج من مكة، فأحرم به من الميقات. وظاهر كلام ~~أحمد أنه لا يرد شيئا من النفقة. وهو مذهب الشافعي. # وقال القاضي: يرد نصف النفقة؛ لأن غرضه في عمرة مفردة وتحصيل فضيلة ~~التمتع، وقد خالفه في ذلك، وفوته عليه. وإن أفرد وقع عن المستنيب أيضا، ~~ويرد نصف النفقة؛ لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات، وقد أمره به، ~~وإحرامه بالحج من الميقات زيادة لا يستحق به شيئا. ### | [فصل أمر النائب في الحج بالقران ms1422 فأفرد أو تمتع] # (2228) فصل: فإن أمره بالقران فأفرد أو تمتع، صح، ووقع النسكان عن الآمر، ~~ويرد من النفقة بقدر ما ترك # PageV03P227 # من إحرام النسك الذي تركه من الميقات. وفي جميع ذلك، إذا أمره بالنسكين، ~~ففعل أحدهما دون الآخر، رد من النفقة بقدر ما ترك، ووقع المفعول عن الآمر، ~~وللنائب من النفقة بقدره. ### | [فصل استنابه رجل في الحج وآخر في العمرة وأذنا له في القران ففعل] # (2229) فصل: وإن استنابه رجل في الحج، وآخر في العمرة، وأذنا له في ~~القران، ففعل، جاز؛ لأنه نسك مشروع. وإن قرن من غير إذنهما، صح ووقع عنهما، ~~ويرد من نفقة كل واحد منهما نصفها؛ لأنه جعل السفر عنهما بغير إذنهما. # وإن أذن أحدهما دون الآخر، رد على غير الآمر نصف نفقته وحده. وقال ~~القاضي: إذا لم يأذنا له ضمن الجميع؛ لأنه أمر بنسك مفرد، ولم يأت به، فكان ~~مخالفا، كما لو أمر بحج فاعتمر. # ولنا، أنه أتى بما أمر به، وإنما خالف في صفته، لا في أصله، فأشبه من أمر ~~بالتمتع فقرن. ولو أمر بأحد النسكين، فقرن بينه وبين النسك الآخر لنفسه، ~~فالحكم فيه كذلك، ودم القران على النائب إذا لم يؤذن له فيه؛ لعدم الإذن في ~~سببه، وعليهما، إن أذنا؛ لوجود الإذن في سببه. ولو أذن أحدهما دون الآخر، ~~فعلى الآذن نصف الدم، ونصفه على النائب. ### | [فصل أمر بالحج فحج ثم اعتمر لنفسه] # (2230) فصل: وإن أمر بالحج، فحج، ثم اعتمر لنفسه، أو أمره بعمرة، فاعتمر، ~~ثم حج عن نفسه. صح، ولم يرد شيئا من النفقة لأنه أتى بما أمر به على وجهه # وإن أمره بالإحرام من ميقات، فأحرم من غيره، جاز؛ لأنهما سواء في ~~الإجزاء. وإن أمره بالإحرام من بلده، فأحرم من الميقات، جاز؛ لأنه الأفضل. ~~وإن أمره بالإحرام من الميقات، فأحرم من بلده، جاز لأنه زيادة لا تضر. وإن ~~أمره بالحج في سنة، أو بالاعتمار في شهر، ففعله في غيره، جاز؛ لأنه مأذون ~~فيه في الجملة. ### | [فصل استنابه اثنان في نسك فأحرم به عنهما] ms1423 # (2231) فصل: فإن استنابه اثنان في نسك، فأحرم به عنهما، وقع عن نفسه ~~دونهما؛ لأنه لا يمكن وقوعه عنهما، وليس أحدهما بأولى من صاحبه. # وإن أحرم عن نفسه وغيره، وقع عن نفسه؛ لأنه إذا وقع عن نفسه ولم ينوها، ~~فمع نيته أولى. وإن أحرم عن أحدهما غير معين، احتمل أن يقع عن نفسه أيضا؛ ~~لأن أحدهما ليس أولى من الآخر، فأشبه ما لو أحرم عنهما. واحتمل أن يصح؛ لأن ~~الإحرام يصح بالمجهول، فصح عن المجهول، وإلا صرفه إلى من شاء منهما. اختاره ~~أبو الخطاب. فإن لم يفعل حتى طاف شوطا، وقع عن نفسه، ولم يكن له صرفه إلى ~~أحدهما؛ لأن الطواف لا يقع عن غير معين. ### | [مسألة امرأة موسرة لم يكن لها محرم هل يجب عليها الحج] # (2232) مسألة: قال (وحكم المرأة إذا كان لها محرم كحكم الرجل) ظاهر هذا ~~أن الحج لا يجب على المرأة التي لا محرم لها؛ لأنه جعلها بالمحرم كالرجل في ~~وجوب الحج، # PageV03P228 # فمن لا محرم لها لا تكون كالرجل، فلا يجب عليها الحج. وقد نص عليه أحمد، ~~فقال أبو داود: قلت: لأحمد: امرأة موسرة، لم يكن لها محرم، هل يجب عليها ~~الحج؟ قال: لا. # وقال أيضا: المحرم من السبيل. وهذا قول الحسن، والنخعي، وإسحاق، وابن ~~المنذر، وأصحاب الرأي. وعن أحمد، أن المحرم من شرائط لزوم السعي دون ~~الوجوب، فمتى فاتها الحج بعد كمال الشرائط الخمس، بموت، أو مرض لا يرجى ~~برؤه، أخرج عنها حجة؛ لأن شروط الحج المختصة به قد كملت، وإنما المحرم ~~لحفظها، فهو كتخلية الطريق، وإمكان المسير. وعنه رواية ثالثة، أن المحرم ~~ليس بشرط في الحج الواجب. قال الأثرم: سمعت أحمد يسأل: هل يكون الرجل محرما ~~لأم امرأته، يخرجها إلى الحج؟ فقال: أما في حجة الفريضة فأرجو؛ لأنها تخرج ~~إليها مع النساء، ومع كل من أمنته، وأما في غيرها فلا والمذهب الأول، وعليه ~~العمل. # وقال ابن سيرين، ومالك والأوزاعي، والشافعي. ليس المحرم شرطا في حجها ~~بحال. قال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين، لا ms1424 بأس به. # وقال مالك: تخرج مع جماعة النساء. وقال الشافعي: تخرج مع حرة مسلمة ثقة. ~~وقال الأوزاعي: تخرج مع قوم عدول، تتخذ سلما تصعد عليه وتنزل، ولا يقربها ~~رجل، إلا أنه يأخذ رأس البعير، وتضع رجلها على ذراعه. قال ابن المنذر: ~~تركوا القول بظاهر الحديث، واشترط كل واحد منهم شرطا لا حجة معه عليه، ~~واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، ~~وقال لعدي بن حاتم: «يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت، لا جوار ~~معها، لا تخاف إلا الله» . ولأنه سفر واجب، فلم يشترط له المحرم، كالمسلمة ~~إذا تخلصت من أيدي الكفار. # ولنا، ما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم، إلا ومعها ذو محرم» ~~. وعن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا ~~يخلون رجل بامرأة، إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم. ~~فقام رجل فقال: يا رسول الله، إني كنت في غزوة كذا، وانطلقت امرأتي حاجة. ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: انطلق فاحجج مع امرأتك» . متفق عليهما. ~~وروى ابن عمر، وأبو سعيد، نحوا من حديث أبي هريرة. # قال أبو عبد الله: أما أبو هريرة: فيقول: (يوما وليلة) . ويروى عن أبي ~~هريرة: (لا تسافر سفرا) أيضا. # وأما حديث أبي سعيد يقول: (ثلاثة أيام) . قلت: ما تقول أنت؟ قال: لا ~~تسافر سفرا قليلا ولا كثيرا، إلا مع ذي محرم. وروى الدارقطني بإسناده عن # PageV03P229 # ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تحجن امرأة إلا ~~ومعها ذو محرم» . وهذا صريح في الحكم. ولأنها أنشأت سفرا في دار الإسلام؛ ~~فلم يجز بغير محرم، كحج التطوع. # وحديثهم محمول على الرجل، بدليل أنهم اشترطوا خروج غيرها معها، فجعل ذلك ~~الغير المحرم الذي بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديثنا أولى مما ~~اشترطوه بالتحكم من غير دليل. ويحتمل أنه أراد أن الزاد والراحلة يوجب ms1425 ~~الحج، مع كمال بقية الشروط، ولذلك اشترطوا تخلية الطريق، وإمكان المسير، ~~وقضاء الدين، ونفقة العيال، واشترط مالك إمكان الثبوت على الراحلة، وهي غير ~~مذكورة في الحديث. # واشترط كل واحد منهم في محل النزاع شرطا من عند نفسه، لا من كتاب ولا من ~~سنة، فما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بالاشتراط، ولو قدر ~~التعارض، فحديثنا أخص وأصح وأولى بالتقديم، وحديث عدي يدل على وجود السفر، ~~لا على جوازه، ولذلك لم يجز في غير الحج المفروض، ولم يذكر فيه خروج غيرها ~~معها، وقد اشترطوا هاهنا خروج غيرها معها. # وأما الأسيرة إذا تخلصت من أيدي الكفار، فإن سفرها سفر ضرورة، لا يقاس ~~عليه حالة الاختيار، ولذلك تخرج فيه وحدها؛ ولأنها تدفع ضررا متيقنا بتحمل ~~الضرر المتوهم، فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلا. ### | [فصل المحرم للمرأة في الحج] # (2233) فصل: والمحرم زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد، بنسب أو سبب ~~مباح، كأبيها وابنها وأخيها من نسب أو رضاع؛ لما روى أبو سعيد، قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم ~~الآخر، أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا، إلا ومعها أبوها أو ابنها أو ~~زوجها أو ذو محرم منها» . رواه مسلم. قال أحمد: ويكون زوج أم المرأة محرما ~~لها يحج بها، ويسافر الرجل مع أم ولد جده، فإذا كان أخوها من الرضاعة خرجت ~~معه. # وقال في أم امرأته: ويكون محرما لها في حج الفرض، دون غيره. قال الأثرم: ~~كأنه ذهب إلى أنها لم تذكر في قوله: {ولا يبدين زينتهن} [النور: 31] . ~~الآية. فأما من تحل له في حال، كعبدها، وزوج أختها، فليسا بمحرم لها. نص ~~عليه أحمد. لأنهما غير مأمونين عليها، ولا تحرم عليهما على التأبيد، فهما ~~كالأجنبي. # وقد روي عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سفر ~~المرأة مع عبدها ضيعة» . أخرجه سعيد. وقال الشافعي: عبدها محرم لها؛ لأنه ~~يباح له النظر إليها، فكان محرما لها، كذي رحمها. والأول ms1426 أولى. ويفارق ذا ~~الرحم؛ لأنه مأمون عليها، وتحرم عليه على التأبيد، وينتقض ما ذكروه ~~بالقواعد من النساء، وغير أولي الإربة من الرجال. # وأما أم الموطوءة بشبهة، أو المزني بها، أو ابنتهما، فليس بمحرم لهما؛ ~~لأن تحريمهما بسبب # PageV03P230 # غير مباح، فلم يثبت به حكم المحرمية كالتحريم الثابت باللعان، وليس له ~~الخلوة بهما، ولا النظر إليهما لذلك. والكافر ليس بمحرم للمسلمة، وإن كانت ~~ابنته. قال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت ابنته: لا يزوجها، ولا يسافر ~~معها، ليس هو لها بمحرم. # وقال أبو حنيفة، والشافعي: هو محرم لها؛ لأنها محرمة عليه على التأبيد. ~~ولنا، أن إثبات المحرمية يقتضي الخلوة بها، فيجب أن لا تثبت لكافر على ~~مسلمة، كالحضانة للطفل، ولأنه لا يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها كالطفل، ~~وما ذكروه يبطل بأم المزني بها، وابنتها، والمحرمة باللعان، وبالمجوسي مع ~~ابنته، ولا ينبغي أن يكون في المجوسي خلاف؛ فإنه لا يؤمن عليها، ويعتقد ~~حلها. نص عليه أحمد في مواضع. ويشترط في المحرم أن يكون بالغا عاقلا. # قيل لأحمد: فيكون الصبي محرما؟ قال: لا، حتى يحتلم؛ لأنه لا يقوم بنفسه، ~~فكيف يخرج مع امرأة. وذلك لأن المقصود بالمحرم حفظ المرأة، ولا يحصل إلا من ~~البالغ العاقل، فاعتبر ذلك. ### | [فصل نفقة المحرم في الحج على المرأة] # (2234) فصل: ونفقة المحرم في الحج عليها. نص عليه أحمد؛ لأنه من سبيلها، ~~فكان عليها نفقته، كالراحلة. فعلى هذا يعتبر في استطاعتها أن تملك زادا ~~وراحلة لها ولمحرمها؛ فإن امتنع محرمها من الحج معها، مع بذلها له نفقته، ~~فهي كمن لا محرم لها؛ لأنها لا يمكنها الحج بغير محرم. # وهل يلزمه إجابتها إلى ذلك؟ على روايتين. نص عليهما. والصحيح أنه لا ~~يلزمه الحج معها؛ لأن في الحج مشقة شديدة، وكلفة عظيمة، فلا تلزم أحدا لأجل ~~غيره، كما لم يلزمه أن يحج عنها إذا كانت مريضة. ### | [فصل مات محرم المرأة في الطريق] # (2235) فصل: وإذا مات محرم المرأة في الطريق، فقال أحمد: إذا تباعدت مضت، ~~فقضت الحج. قيل له: قدمت من خراسان، ms1427 فمات وليها ببغداد؟ فقال: تمضي إلى ~~الحج، وإذا كان الفرض خاصة فهو آكد. ثم قال: لا بد لها من أن ترجع. # وهذا لأنها لا بد لها من السفر بغير محرم، فمضيها إلى قضاء حجها أولى. ~~لكن إن كان حجها تطوعا، وأمكنها الإقامة في بلد، فهو أولى من سفرها بغير ~~محرم. ### | [فصل ليس للرجل منع امرأته من حجة الإسلام] # (2236) فصل: وليس للرجل منع امرأته من حجة الإسلام. وبهذا قال النخعي، ~~وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وهو الصحيح من قولي الشافعي. وله قول آخر، ~~له منعها منه. بناء على أن الحج على التراخي. # ولنا، أنه فرض، فلم يكن له منعها منه، كصوم رمضان، والصلوات الخمس. ~~ويستحب أن تستأذنه في ذلك. نص عليه أحمد. فإن، أذن، وإلا خرجت بغير إذنه. ~~فأما حج التطوع، فله منعها منه. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من ~~أهل العلم أن له منعها من الخروج إلى الحج التطوع. وذلك # PageV03P231 # لأن حق الزوج واجب، فليس لها تفويته بما ليس بواجب، كالسيد مع عبده. # وليس له منعها من الحج المنذور؛ لأنه واجب عليها، أشبه حجة الإسلام. ### | [فصل لا تخرج إلى الحج في عدة الوفاة] # (2237) فصل: ولا تخرج إلى الحج في عدة الوفاة. نص عليه أحمد. قال: ولها ~~أن تخرج إليه في عدة الطلاق المبتوت. وذلك لأن لزوم المنزل، والمبيت فيه ~~واجب في عدة الوفاة، وقدم على الحج، لأنه يفوت، والطلاق المبتوت لا يجب فيه ~~ذلك. # وأما عدة الرجعية، فالمرأة فيه بمنزلتها في طلب النكاح، لأنها زوجة. وإذا ~~خرجت للحج، فتوفي زوجها، وهي قريبة، رجعت لتعتد في منزلها وإن تباعدت، مضت ~~في سفرها. ذكره الخرقي في موضع آخر. ### | [مسألة هل الحج واجب على الفور أم على التراخي] # (2238) مسألة: قال: (فمن فرط فيه حتى توفي، أخرج عنه من جميع ماله حجة ~~وعمرة) وجملة ذلك أن من وجب عليه الحج، وأمكنه فعله، وجب عليه على الفور، ~~ولم يجز له تأخيره. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك. # وقال الشافعي: يجب الحج وجوبا موسعا، ms1428 وله تأخيره؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر أبا بكر على الحج، وتخلف بالمدينة، لا محاربا، ولا مشغولا ~~بشيء، وتخلف أكثر الناس قادرين على الحج، ولأنه إذا أخره ثم فعله في السنة ~~الأخرى لم يكن قاضيا له، دل على أن وجوبه على التراخي. # ولنا، قول الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} ~~[آل عمران: 97] . وقوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] . والأمر ~~على الفور. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أراد الحج ~~فليتعجل» . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. وفي رواية أحمد، وابن ~~ماجه: «فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة» . قال أحمد: ورواه ~~الثوري، ووكيع، عن أبي إسرائيل، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس، عن أخيه الفضل، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديا ~~أو نصرانيا» . قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال. ~~وروى سعيد بن منصور، بإسناده عن عبد الرحمن # PageV03P232 # بن سابط، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من مات، ولم يحج ~~حجة الإسلام، لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فليمت على ~~أي حال شاء، يهوديا، أو نصرانيا» . وعن عمر نحوه من قوله. # وكذلك عن ابن عمر، وابن عباس - رضي الله عنهم -. ولأنه أحد أركان ~~الإسلام، فكان واجبا على الفور، كالصيام. ولأن وجوبه بصفة التوسع يخرجه عن ~~رتبة الواجبات، لأنه يؤخر إلى غير غاية ولا يأثم بالموت قبل فعله، لكونه ~~فعل ما يجوز له فعله، وليس على الموت أمارة يقدر بعدها على فعله. فأما ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنما فتح مكة سنة ثمان، وإنما أخره سنة تسع، ~~فيحتمل أنه كان له عذر، من عدم الاستطاعة، أو كره رؤية المشركين عراة حول ~~البيت، فأخر الحج حتى ms1429 بعث أبا بكر ينادي: أن «لا يحج بعد العام مشرك، ولا ~~يطوف بالبيت عريان» . # ويحتمل أنه أخره بأمر الله تعالى لتكون حجته حجة الوداع في السنة التي ~~استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ويصادف وقفة ~~الجمعة، ويكمل الله دينه. ويقال: إنه اجتمع يومئذ أعياد أهل كل دين، ولم ~~يجتمع قبله ولا بعده. فأما تسمية فعل الحج قضاء، فإنه يسمى بذلك، قال الله ~~تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] ، وعلى أنه لا يلزم من الوجوب على ~~الفور تسمية القضاء؛ فإن الزكاة تجب على الفور، ولو أخرها لا تسمى قضاء، ~~والقضاء الواجب على الفور إذا أخره لا يسمى قضاء القضاء، ولو غلب على ظنه ~~في الحج أنه لا يعيش إلى سنة أخرى، لم يجز له تأخيره، فلو أخره لا يسمى ~~قضاء. # إذا ثبت هذا عدنا إلى شرح مسألة الكتاب، فنقول: متى توفي من وجب عليه ~~الحج ولم يحج، وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر، سواء ~~فاته بتفريط أو بغير تفريط. وبهذا قال الحسن، وطاوس، والشافعي. # وقال أبو حنيفة، ومالك: يسقط؛ بالموت؛ فإن وصى بها فهي من الثلث. وبهذا ~~قال الشعبي، والنخعي لأنه عبادة بدنية فتسقط بالموت، كالصلاة. # ولنا، ما روى ابن عباس، «أن امرأة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~أبيها، مات ولم يحج؟ قال: حجي عن أبيك» وعنه، «أن امرأة نذرت أن تحج، ~~فماتت، فأتى أخوها النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن ذلك؟ فقال: أرأيت ~~لو كان على أختك دين، أما كنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقضوا دين الله، فهو ~~أحق بالقضاء» . رواهما النسائي. وروى هذا أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن ~~أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~ولأنه حق استقر عليه تدخله النيابة، فلم يسقط بالموت كالدين. ويخرج عليه ~~الصلاة، فإنها لا تدخلها النيابة، والعمرة كالحج في القضاء، فإنها واجبة، ~~وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا رزين أن يحج ms1430 عن أبيه ويعتمر، ~~ويكون ما يحج به ويعتمر من جميع ماله؛ لأنه دين مستقر، فكان من جميع المال، ~~كدين الآدمي. # PageV03P233 ### | [فصل من عليه حجة الإسلام يستأجر من يحج عنه من الميقات] # (2239) فصل: ويستناب من يحج عنه من حيث وجب عليه، إما من بلده أو من ~~الموضع الذي أيسر فيه. وبهذا قال الحسن، وإسحاق، ومالك في النذر. # وقال عطاء في الناذر: إن لم يكن نوى مكانا، فمن ميقاته. واختاره ابن ~~المنذر وقال الشافعي فيمن عليه حجة الإسلام: يستأجر من يحج عنه من الميقات؛ ~~لأن الإحرام لا يجب من دونه. # ولنا، أن الحج واجب على الميت من بلده، فوجب أن ينوب عنه منه؛ لأن القضاء ~~يكون على وفق الأداء، كقضاء الصلاة والصيام، وكذلك الحكم في حج النذر ~~والقضاء، فإن كان له وطنان استنيب من أقربهما. فإن وجب عليه الحج بخراسان ~~ومات ببغداد، أو وجب عليه ببغداد فمات بخراسان، فقال أحمد: يحج عنه من حيث ~~وجب عليه، لا من حيث موته. # ويحتمل أن يحج عنه من أقرب المكانين؛ لأنه لو كان حيا في أقرب المكانين، ~~لم يجب عليه الحج من أبعد منه، فكذلك نائبه. فإن أحج عنه من دون ذلك، فقال ~~القاضي: إن كان دون مسافة القصر أجزأه؛ لأنه في حكم القريب، وإن كان أبعد ~~لم يجزئه؛ لأنه لم يؤد الواجب بكماله. ويحتمل أن يجزئه ويكون مسيئا، كمن ~~وجب عليه الإحرام من الميقات، فأحرم من دونه. ### | [فصل خرج للحج فمات في الطريق] # (2240) فصل: فإن خرج للحج، فمات في الطريق، حج عنه من حيث مات؛ لأنه أسقط ~~بعض ما وجب عليه، فلم يجب ثانيا. وكذلك إن مات نائبه، استنيب من حيث مات ~~لذلك. # ولو أحرم بالحج، ثم مات، صحت النيابة عنه فيما بقي من النسك، سواء كان ~~إحرامه لنفسه أو لغيره. نص عليه؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة، فإذا مات بعد ~~فعل بعضها قضى عنه باقيها، كالزكاة. ### | [فصل أوصى أن يحج عنه ولا تبلغ النفقة] # (2241) فصل: فإن لم يخلف تركة تفي بالحج من بلده، حج ms1431 عنه من حيث تبلغ. ~~وإن كان عليه دين لآدمي تحاصا، ويؤخذ للحج حصته، فيحج بها من حيث تبلغ. # وقال أحمد، في رجل أوصى أن يحج عنه، ولا تبلغ النفقة؟ قال: يحج عنه من ~~حيث تبلغ النفقة للراكب من غير مدينته. وهذا لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . ولأنه قدر على أداء بعض ~~الواجب، فلزمه، كالزكاة. وعن أحمد ما يدل على أن الحج يسقط؛ لأنه قال في ~~رجل أوصى بحجة واجبة، ولم يخلف ما يتم به حجه، هل يحج # PageV03P234 # عنه من المدينة، أو من حيث تتم الحجة؟ فقال: ما يكون الحج عندي إلا من ~~حيث وجب عليه. # وهذا تنبيه على سقوطه عمن عليه دين لا تفي تركته به وبالحج، فإنه إذا ~~أسقطه مع عدم المعارض، فمع المعارض بحق الآدمي المؤكد أولى وأحرى. ويحتمل ~~أن يسقط عمن عليه دين وجها واحدا؛ لأن حق الآدمي المعين أولى بالتقديم ~~لتأكده، وحقه حق الله تعالى، مع أنه لا يمكن أداؤه على الوجه الواجب. ### | [فصل أوصى بحج تطوع فلم يف ثلثه بالحج من بلده] # (2242) فصل: وإن أوصى بحج تطوع فلم يف ثلثه بالحج من بلده، حج به من حيث ~~بلغ، أو يعن به في الحج. نص عليه. # وقال: التطوع ما يبالي من أين كان، ويستناب عن الميت ثقة بأقل ما يوجد، ~~إلا أن يرضى الورثة بزيادة، أو يكون قد أوصى بشيء، فيجوز ما أوصى به ما لم ~~يزد على الثلث. ### | [فصل يستحب أن يحج الإنسان عن أبويه إذا كانا ميتين أو عاجزين] # (2243) فصل: يستحب أن يحج الإنسان عن أبويه، إذا كانا ميتين أو عاجزين؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا رزين، فقال: «حج عن أبيك، ~~واعتمر» . وسألت امرأة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أبيها، مات ولم ~~يحج؟ فقال: «حجي عن أبيك» . ويستحب البداية بالحج عن الأم، إن كان تطوعا أو ~~واجبا عليهما. نص عليه أحمد في التطوع؛ لأن الأم مقدمة في البر، قال أبو ~~هريرة: ms1432 جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «من أحق الناس ~~بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ~~ثم من؟ قال: أبوك» . رواه مسلم، والبخاري. وإن كان الحج واجبا على الأب ~~دونها، بدأ به؛ لأنه واجب، فكان أولى من التطوع. # وروى زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حج ~~الرجل عن والديه يقبل منه ومنهما، واستبشرت أرواحهما في السماء، وكتب عند ~~الله برا» . وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~حج عن أبويه، أو قضى عنهما مغرما، بعث يوم القيامة مع الأبرار» . وعن جابر، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من حج عن أبيه أو أمه، فقد ~~قضى عنه حجته، وكان له فضل عشر حجج» . روى ذلك كله الدارقطني. ### | [مسألة ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن غيره] # (2244) مسألة: قال: (ومن حج عن غيره، ولم يكن حج عن نفسه، رد ما أخذ، ~~وكانت الحجة عن نفسه) وجملة ذلك أنه ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن ~~غيره، فإن فعل وقع إحرامه عن حجة الإسلام. وبهذا قال الأوزاعي، والشافعي، ~~وإسحاق. # وقال أبو بكر عبد العزيز: يقع الحج باطلا، # PageV03P235 # ولا يصح ذلك عنه ولا عن غيره. وروي ذلك عن ابن عباس؛ لأنه لما كان من شرط ~~طواف الزيارة تعيين النية، فمتى نواه لغيره ولم ينو لنفسه، لم يقع لنفسه، ~~كذا الطواف حاملا لغيره لم يقع عن نفسه. # وقال الحسن، وإبراهيم، وأيوب السختياني، وجعفر بن محمد، ومالك وأبو ~~حنيفة: يجوز أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه. وحكي عن أحمد مثل ذلك. وقال ~~الثوري: إن كان يقدر على الحج عن نفسه حج عن نفسه، وإن لم يقدر على الحج عن ~~نفسه حج عن غيره. واحتجوا بأن الحج مما تدخله النيابة، فجاز أن يؤديه عن ~~غيره من لم يسقط فرضه عن نفسه، كالزكاة. # ولنا، ما روى ms1433 ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا ~~يقول: «لبيك عن شبرمة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من شبرمة؟ ~~قال: قريب لي. قال: هل حججت قط؟ قال: لا. قال: فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج ~~عن شبرمة» . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وهذا لفظه. ولأنه حج ~~عن غيره قبل الحج عن نفسه، فلم يقع عن الغير، كما لو كان صبيا. # ويفارق الزكاة فإنه يجوز أن ينوب عن الغير، وقد بقي عليه بعضها، وهاهنا ~~لا يجوز أن يحج عن الغير من شرع في الحج قبل إتمامه، ولا يطوف عن غيره من ~~لم يطف عن نفسه. إذا ثبت هذا، فإن عليه رد ما أخذ من النفقة؛ لأنه لم يقع ~~الحج عنه، فأشبه ما لو لم يحج. ### | [فصل أحرم بتطوع أو نذر من لم يحج حجة الإسلام] # (2245) فصل: وإن أحرم بتطوع أو نذر من لم يحج حجة الإسلام، وقع عن حجة ~~الإسلام. وبهذا قال ابن عمر، وأنس، والشافعي. # وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق، وابن المنذر: يقع ما نواه. وهو ~~رواية أخرى عن أحمد، وقول أبي بكر، لما تقدم. ولنا، أنه أحرم بالحج وعليه ~~فرضه، فوقع عن فرضه كالمطلق. # ولو أحرم بتطوع، وعليه منذورة، وقعت عن المنذورة؛ لأنها واجبة، فهي كحجة ~~الإسلام، والعمرة كالحج فيما ذكرنا؛ لأنها أحد النسكين، فأشبهت الآخر، ~~والنائب كالمنوب عنه في هذا، فمتى أحرم النائب بتطوع، أو نذر عمن لم يحج ~~حجة الإسلام، وقعت عن حجة الإسلام؛ لأن النائب يجري مجرى المنوب عنه. # وإن استناب رجلين في حجة الإسلام، ومنذور أو تطوع، فأيهما سبق بالإحرام، ~~وقعت حجته عن حجة الإسلام، وتقع الأخرى تطوعا، أو عن النذر؛ لأنه لا يقع ~~الإحرام عن غير حجة الإسلام، ممن هي عليه، فكذلك من نائبه. # (2246) فصل: إذا كان الرجل قد أسقط فرض أحد النسكين عنه، دون الآخر، جاز ~~أن ينوب عن غيره، فيما أدى # PageV03P236 # فرضه دون الآخر. وليس للصبي والعبد أن ينوبا في الحج عن غيرهما؛ لأنهما ms1434 ~~لم يسقطا فرض الحج عن أنفسهما، فهما كالحر البالغ في ذلك، وأولى منه. ~~ويحتمل أن لهما النيابة في حج التطوع دون الفرض؛ لأنهما من أهل التطوع دون ~~الفرض، ولا يمكن أن تقع الحجة التي نابا فيها عن فرضهما؛ لكونهما ليسا من ~~أهله، فبقيت لمن فعلت عنه. وعلى هذا لا يلزمهما رد ما أخذا لذلك، كالبالغ ~~الحر الذي قد حج عن نفسه. ### | [فصل أحرم بالمنذورة وعليه حجة الإسلام] # (2247) فصل: إذا أحرم بالمنذورة من عليه حجة الإسلام، فوقعت عن حجة ~~الإسلام، فالمنصوص عن أحمد أن المنذورة لا تسقط عنه. وهو قول ابن عمر وأنس، ~~وعطاء؛ لأنها حجة واحدة، فلا تجزئ عن حجتين، كما لو نذر حجتين، فحج واحدة. ~~ويحتمل أن يجزئ؛ لأنه قد أتى بالحجة ناويا بها نذره، فأجزأته، كما لو كان ~~ممن أسقط فرض الحج عن نفسه. # وقد نقل أبو طالب، عن أحمد، في من نذر أن يحج وعليه حجة مفروضة، فأحرم عن ~~النذر، وقعت عن المفروض، ولا يجب عليه شيء آخر، وهذا مثل ما لو نذر صوم يوم ~~يقدم فلان فقدم في يوم من رمضان، فنواه عن فرضه ونذره، على رواية. # وهذا قول ابن عباس، وعكرمة. وروى سعيد بإسناده عن ابن عباس وعكرمة أنهما ~~قالا، في رجل نذر أن يحج، ولم يكن حج الفريضة، قال: يجزئ لهما جميعا. وسئل ~~عكرمة عن ذلك؟ فقال: يقضي حجة عن نذره، وعن حجة الإسلام، أرأيتم لو أن رجلا ~~نذر أن يصلي أربع ركعات، فصلى العصر، أليس ذلك يجزئه من العصر ومن النذر؟ ~~قال: وذكرت قولي لابن عباس، فقال: أصبت أو أحسنت. ### | [مسألة الصبي إذا حج والعبد إذا حج ثم بلغ الصبي وعتق العبد] # (2248) مسألة: قال: (ومن حج وهو غير بالغ، فبلغ، أو عبد فعتق، فعليه ~~الحج) قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم، إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بقوله ~~خلافا على أن الصبي إذا حج في حال صغره، والعبد إذا حج في حال رقه، ثم بلغ ~~الصبي وعتق العبد، أن عليهما حجة الإسلام، ms1435 إذا وجدا إليهما سبيلا. كذلك قال ~~ابن عباس، وعطاء، والحسن، والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ~~ثور، وأصحاب الرأي. قال الترمذي: وقد أجمع أهل العلم عليه. # وقال الإمام أحمد. عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين عهدا، أيما صبي حج به ~~أهله فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما مملوك حج به أهله، فمات، ~~أجزأت عنه، فإن أعتق، فعليه الحج» . رواه سعيد، في (سننه) ، والشافعي، في ~~(مسنده) ، عن ابن عباس من قوله. ولأن الحج عبادة بدنية، فعلها قبل وقت ~~وجوبها، فلم يمنع ذلك وجوبها عليه في وقتها، كما لو صلى قبل الوقت، وكما لو ~~صلى، ثم بلغ في الوقت. # PageV03P237 ### | [فصل بلغ الصبي أو عتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين فأحرما ووقفا بعرفة وأتما المناسك] # (2249) فصل: فإن بلغ الصبي، أو عتق العبد بعرفة، أو قبلها، غير محرمين، ~~فأحرما ووقفا بعرفة، وأتما المناسك، أجزأهما عن حجة الإسلام. لا نعلم فيه ~~خلافا؛ لأنه لم يفتهما شيء من أركان الحج، ولا فعلا شيئا منها قبل وجوبه. # وإن كان البلوغ والعتق وهما محرمان، أجزأهما أيضا عن حجة الإسلام. كذلك ~~قال ابن عباس. وهو مذهب الشافعي، وإسحاق. وقاله الحسن في العبد. # وقال مالك: لا يجزئهما. واختاره ابن المنذر. وقال أصحاب الرأي: لا يجزئ ~~العبد، فأما الصبي، فإن جدد إحراما بعد أن احتلم قبل الوقوف، أجزأه، وإلا ~~فلا؛ لأن إحرامهما لم ينعقد واجبا، فلا يجزئ عن الواجب، كما لو بقيا على ~~حالهما. # ولنا، أنه أدرك الوقوف حرا بالغا فأجزأه، كما لو أحرم تلك الساعة. قال ~~أحمد: قال طاوس، عن ابن عباس: إذا أعتق العبد بعرفة، أجزأت عنه حجته؛ فإن ~~أعتق بجمع، لم تجزئ عنه. وهؤلاء يقولون: لا تجزئ. ومالك يقوله أيضا، وكيف ~~لا يجزئه، وهو لو أحرم تلك الساعة كان حجه تاما، وما أعلم أحدا قال لا ~~يجزئه إلا هؤلاء. والحكم فيما إذا أعتق العبد وبلغ الصبي بعد خروجهما من ~~عرفة، فعادا ms1436 إليها قبل طلوع الفجر ليلة النحر، كالحكم فيما إذا كان ذلك ~~فيها؛ لأنهما قد أدركا من الوقت ما يجزئ ولو كان لحظة. # وإن لم يعودا، أو كان ذلك قبل طلوع الفجر من يوم النحر، لم يجزئهما عن ~~حجة الإسلام، ويتمان حجهما تطوعا؛ لفوات الوقوف المفروض، ولا دم عليهما؛ ~~لأنهما حجا تطوعا بإحرام صحيح من الميقات، فأشبها البالغ الذي يحج تطوعا. ~~فإن قيل: فلم لا قلتم إن الوقوف الذي فعلاه يصير فرضا، كما قلتم في الإحرام ~~الذي أحرم به قبل البلوغ يصير بعد بلوغه فرضا؟ قلنا: إنما اعتددنا له ~~بإحرامه الموجود بعد بلوغه، وما قبل بلوغه تطوع لم ينقلب فرضا، ولا اعتد له ~~به، فالوقوف مثله، فنظيره أن يبلغ وهو واقف بعرفة، فإنه يعتد له بما أدرك ~~من الوقوف، ويصير فرضا دون ما مضى. ### | [فصل بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف أو في وقته وأمكنهما الإتيان بالحج] # (2250) فصل: وإذا بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف، أو في وقته، ~~وأمكنهما الإتيان بالحج، لزمهما ذلك؛ لأن الحج واجب على الفور، فلا يجوز ~~تأخيره مع إمكانه، كالبالغ الحر. # وإن فاتهما الحج، لزمتهما العمرة؛ لأنها واجبة أمكن فعلها، فأشبهت الحج، ~~ومتى أمكنهما ذلك فلم يفعلا، استقر الوجوب # PageV03P238 # عليهما، سواء كانا موسرين أو معسرين؛ لأن ذلك وجب عليهما بإمكانه في ~~موضعه، فلم يسقط بفوات القدرة بعده. ### | [فصل الحكم في الكافر يسلم والمجنون يفيق في الحج] # (2251) فصل: والحكم في الكافر يسلم، والمجنون يفيق، حكم الصبي يبلغ في ~~جميع ما فصلناه، إلا أن هذين لا يصح منهما إحرام، ولو أحرما لم ينعقد ~~إحرامهما؛ لأنهما من غير أهل العبادات، ويكون حكمهما حكم من لم يحرم. ### | [فصل إحرام العبد بالحج بغير إذن سيده] # (2252) فصل: وقد بقي من أحكام حج العبد أربعة فصول: أحدها، في حكم ~~إحرامه. الثاني، في حكم نذره للحج. الثالث، في حكم ما يلزمه من الجنايات ~~على إحرامه. الرابع، حكم إفساده وفواته. (2253) الفصل الأول في إحرامه: ~~وليس للعبد أن يحرم بغير إذن سيده؛ لأنه يفوت به ms1437 حقوق سيده الواجبة عليه، ~~بالتزام ما ليس بواجب، فإن فعل، انعقد إحرامه صحيحا، لأنها عبادة بدنية فصح ~~من العبد الدخول فيها بغير إذن سيده، كالصلاة والصوم، ولسيده تحليله في ~~إحدى الروايتين؛ لأن في بقائه عليه تفويتا لحقه من منافعه بغير إذنه، فلم ~~يلزم ذلك سيده، كالصوم المضر ببدنه. # وهذا اختيار ابن حامد. وإذا حلله منه كان حكمه حكم المحصر. والثانية، ليس ~~له تحليله. وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه لا يمكنه التحلل من تطوعه، فلم يملك ~~تحليل عبده. والأول أصح؛ لأنه التزم التطوع باختيار نفسه، فنظيره أن يحرم ~~عبده بإذنه، وفي مسألتنا يفوت حقه الواجب بغير اختياره. فأما إن أحرم بإذن ~~سيده، فليس له تحليله. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: له ذلك؛ لأنه ملكه منافع نفسه، فكان له الرجوع فيها، ~~كالمعير يرجع في العارية. ولنا، أنه عقد لازم، عقده بإذن سيده، فلم يكن ~~لسيده منعه منه، كالنكاح، ولا يشبه العارية، لأنها ليست لازمة. # ولو أعاره شيئا ليرهنه، فرهنه، لم يكن له الرجوع فيه. ولو باعه سيده ~~بعدما أحرم فحكم مشتريه في تحليله حكم بائعه سواء؛ لأنه اشتراه مسلوب ~~المنفعة، فأشبه الأمة المزوجة والمستأجرة. فإن علم المشتري بذلك، فلا خيار ~~له؛ لأنه دخل على بصيرة، فأشبه ما لو اشترى معيبا يعلم عيبه. # وإن لم يعلم، فله الفسخ؛ لأنه يتضرر بمضي العبد في حجه، لفوات منافعه، ~~إلا أن يكون إحرامه بغير إذن سيده، ونقول: له تحليله. فلا يملك الفسخ؛ لأنه ~~يمكنه دفع الضرر عنه. # ولو أذن له سيده # PageV03P239 # في الإحرام، ثم رجع قبل أن يحرم، وعلم العبد برجوعه قبل الإحرام، فهو كمن ~~لم يؤذن له. وإن لم يعلم حتى أحرم، فهل يكون حكمه حكم من أحرم بإذن سيده؟ ~~على وجهين، بناء على الوكيل، هل ينعزل بالعزل قبل العلم، على روايتين. ### | [فصل نذر العبد للحج] # (2254) الفصل الثاني: إذا نذر العبد الحج، صح نذره؛ لأنه مكلف، فانعقد ~~نذره كالحر ولسيده منعه من المضي فيه؛ لأن فيه تفويت حق سيده الواجب، فمنع ~~منه، كما لو ms1438 لم ينذر. ذكره القاضي، وابن حامد. # وروي عن أحمد أنه قال: لا يعجبني منعه من الوفاء به. وذلك لما فيه من ~~أداء الواجب، فيحتمل أن ذلك على الكراهة، لا على التحريم؛ لما ذكرنا، ~~ويحتمل التحريم؛ لأنه واجب، فلم يملك منعه منه كسائر الواجبات. والأول ~~أولى. فإن أعتق، لزمه الوفاء به بعد حجة الإسلام. فإن أحرم به أولا انصرف ~~إلى حجة الإسلام، كالحر إذا نذر حجا. ### | [فصل في جنايات العبد في إحرامه] # (2255) الفصل الثالث في جناياته: وما جنى على إحرامه لزمه حكمه. وحكمه ~~فيما يلزمه حكم الحر المعسر فرضه الصيام. # وإن تحلل بحصر عدو، أو حلله سيده، فعليه الصيام، لا يتحلل قبل فعله ~~كالحر، وليس لسيده أن يحول بينه وبين الصوم. نص عليه؛ لأنه صوم واجب، أشبه ~~صوم رمضان. فإن ملكه السيد هديا، وأذن له في إهدائه، وقلنا: إنه يملكه. فهو ~~كالهدي الواجب، لا يتحلل إلا به. # وإن قلنا: لا يملكه. ففرضه الصيام. وإن أذن له سيده في تمتع أو قران، ~~فعليه الصيام بدلا عن الهدي الواجب بهما. وذكر القاضي أن على سيده تحمل ذلك ~~عنه؛ لأنه بإذنه، فكان على من أذن فيه، كما لو فعله النائب بإذن المستنيب. ~~وليس بجيد؛ لأن الحج للعبد، وهذا من موجباته، فيكون عليه، كالمرأة إذا حجت ~~بإذن زوجها. ويفارق من حج عن غيره؛ فإن الحج للمستنيب فموجبه عليه. # وإن تمتع أو قارن بغير إذن سيده، فالصيام عليه بغير خلاف. وإن أفسد حجه، ~~فعليه أن يصوم لذلك؛ لأنه لا مال له، فهو كالمعسر من الأحرار. ### | [فصل إذا وطئ العبد في إحرامه قبل التحلل الأول] # (2256) الفصل الرابع: إذا وطئ العبد في إحرامه قبل التحلل الأول، فسد، ~~ويلزمه المضي في فاسده، كالحر، لكن إن كان الإحرام مأذونا فيه، فليس لسيده ~~إخراجه منه؛ لأنه ليس له منعه من صحيحه، فلم يكن له منعه من فاسده، وإن كان ~~الإحرام بغير إذنه، فله تحليله منه؛ لأنه يملك تحليله من صحيحه، فالفاسد ~~أولى، وعليه القضاء، سواء كان الإحرام مأذونا فيه، أو غير ms1439 مأذون، ويصح ~~القضاء في حال رقه؛ لأنه وجب فيه، فصح منه، كالصلاة والصيام. ثم إن كان ~~الإحرام الذي أفسده مأذونا فيه، فليس له منعه من قضائه؛ لأن إذنه في الحج ~~الأول إذن في موجبه ومقتضاه، ومن موجبه القضاء لما أفسده. فإن كان الأول ~~غير مأذون فيه، احتمل أن لا يملك منعه من قضائه؛ لأنه واجب، وليس للسيد ~~منعه من # PageV03P240 # الواجبات. # واحتمل أن له منعه منه؛ لأنه يملك منعه من الحج الذي شرع فيه بغير إذنه، ~~فكذلك هذا. فإن أعتق قبل القضاء، فليس له فعله قبل حجة الإسلام؛ لأنها آكد. ~~فإن أحرم بالقضاء، انصرف إلى حجة الإسلام، وبقي القضاء في ذمته. # وإن عتق في أثناء الحجة الفاسدة، وأدرك من الوقوف ما يجزئه، أجزأه القضاء ~~عن حجة الإسلام؛ لأن المقضي لو كان صحيحا أجزأه، فكذلك قضاؤه. وإن أعتق بعد ~~ذلك، لم يجزئه القضاء عن حجة الإسلام؛ لأن المقضي لا يجزئه، فكذلك قضاؤه. ~~والمدبر، والمعلق عتقه بصفة، وأم الولد، والمعتق بعضه، حكمه حكم القن فيما ~~ذكرناه. ### | [مسألة الكلام في حج الصبي في فصول أربعة] ### | [الفصل الأول في إحرام الصبي] # (2257) مسألة: قال: (وإذا حج بالصغير، جنب ما يتجنبه الكبير، وما عجز عنه ~~من عمل الحج عمل عنه) وجملة ذلك أن الصبي يصح حجه، فإن كان مميزا أحرم بإذن ~~وليه، وإن كان غير مميز أحرم عنه وليه؛ فيصير محرما بذلك. وبه قال مالك، ~~والشافعي. وروي عن عطاء، والنخعي. # وقال أبو حنيفة: لا ينعقد إحرام الصبي، ولا يصير محرما بإحرام وليه؛ لأن ~~الإحرام سبب يلزم به حكم، فلم يصح من الصبي، كالنذر. ولنا، ما روى ابن ~~عباس، قال: «رفعت امرأة صبيا، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ~~ولك أجر» . رواه مسلم وغيره من الأئمة. وروى البخاري، عن السائب بن يزيد، ~~قال: «حج بي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن سبع سنين.» ولأن أبا ~~حنيفة قال: يجتنب ما يجتنبه المحرم. # ومن اجتنب ما يجتنبه المحرم كان إحرامه صحيحا. والنذر لا يجب به شيء، ms1440 ~~بخلاف مسألتنا. والكلام في حج الصبي في فصول أربعة: في الإحرام عنه، أو ~~منه، وفيما يفعله بنفسه، أو بغيره، وفي حكم جناياته على إحرامه، وفيما ~~يلزمه من القضاء والكفارة (2258) الفصل الأول في الإحرام: إن كان مميزا ~~أحرم بإذن وليه. وإن أحرم بدون إذنه، لم يصح؛ لأن هذا عقد يؤدي إلى لزوم ~~مال، فلم ينعقد من الصبي بنفسه، كالبيع. # وإن كان غير مميز، فأحرم عنه من له ولاية على ماله، كالأب والوصي وأمين ~~الحاكم، صح. ومعنى إحرامه عنه أنه يعقد له الإحرام، فيصح للصبي دون الولي ~~كما يعقد النكاح له. فعلى هذا يصح أن يعقد الإحرام عنه، سواء كان محرما أو ~~حلالا ممن عليه حجة الإسلام، أو كان قد حج عن نفسه. فإن أحرمت أمه عنه، صح؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ولك أجر) . ولا يضاف الأجر إليها إلا ~~لكونه تبعا لها في الإحرام. قال الإمام أحمد، في رواية حنبل: يحرم عنه أبوه ~~أو وليه. واختاره ابن عقيل، وقال: المال الذي يلزم بالإحرام لا يلزم الصبي، ~~وإنما يلزم من أدخله في الإحرام. في أحد الوجهين. # وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه لا يحرم عنه إلا وليه؛ لأنه لا ولاية ~~للأم على ماله، والإحرام يتعلق به إلزام # PageV03P241 # مال، فلا يصح من غير ذي ولاية، كشراء شيء له، فأما غير الأم والولي من ~~الأقارب، كالأخ والعم وابنه، فيخرج فيهم وجهان، بناء على القول في الأم. ~~أما الأجانب، فلا يصح إحرامهم عنه، وجها واحدا. ### | [الفصل الثاني كل ما أمكن الصبي في الحج فعله بنفسه لزمه فعله] # (2259) الفصل الثاني: إن كل ما أمكنه فعله بنفسه، لزمه فعله، ولا ينوب ~~غيره عنه فيه، كالوقوف والمبيت بمزدلفة، ونحوهما، وما عجز عنه عمله الولي ~~عنه. قال جابر: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجاجا، ومعنا ~~النساء والصبيان، فأحرمنا عن الصبيان.» رواه سعيد، في (سننه) . ورواه ابن ~~ماجه، في (سننه) فقال: فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم. ورواه الترمذي، ~~قال: فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان. ms1441 قال ابن المنذر: كل من حفظت ~~عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي، كان ابن عمر ~~يفعل ذلك. # وبه قال عطاء، والزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق. وعن ابن عمر: أنه كان ~~يحج صبيانه وهم صغار، فمن استطاع منهم أن يرمي رمى، ومن لم يستطع أن يرمي ~~رمى عنه. وعن أبي إسحاق، أن أبا بكر - رضي الله عنه - طاف بابن الزبير في ~~خرقة. رواهما الأثرم. # قال الإمام أحمد: يرمي عن الصبي أبواه أو وليه. قال القاضي: إن أمكنه أن ~~يناول النائب الحصى ناوله، وإن لم يمكنه استحب أن يوضع الحصى في يده فيرمي ~~عنه. # وإن وضعها في يد الصغير، ورمى بها، فجعل يده كالآلة، فحسن. ولا يجوز أن ~~يرمي عنه إلا من قد رمى عن نفسه؛ لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض ~~نفسه. وأما الطواف، فإنه إن أمكنه المشي مشى، وإلا طيف به محمولا أو راكبا، ~~فإن أبا بكر طاف بابن الزبير في خرقة. ولأن الطواف بالكبير محمولا لعذر ~~يجوز، فالصغير أولى. # ولا فرق بين أن يكون الحامل له حلالا، أو حراما ممن أسقط الفرض عن نفسه، ~~أو لم يسقطه، لأن الطواف للمحمول لا للحامل، ولذلك صح أن يطوف راكبا على ~~بعير، وتعتبر النية في الطائف به. فإن لم ينو الطواف عن الصبي لم يجزئه؛ ~~لأنه لما لم تعتبر النية من الصبي اعتبرت من غيره، كما في الإحرام. فإن نوى ~~الطواف عن نفسه وعن الصبي احتمل وقوعه عن نفسه، كالحج إذا نوى به عن نفسه ~~وغيره، واحتمل أن يقع عن الصبي، كما لو طاف بكبير ونوى كل واحد منهما عن ~~نفسه، لكون المحمول أولى، واحتمل أن يلغو لعدم التعيين، لكون الطواف لا يقع ~~عن غير معين. # وأما الإحرام فإن الصبي يجرد كما يجرد الكبير، وقد روي عن عائشة - رضي ~~الله عنها - أنها كانت تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم. قال عطاء: يفعل ~~بالصغير كما يفعل بالكبير، ويشهد به المناسك كلها إلا أنه لا ms1442 يصلى عنه. # PageV03P242 ### | [الفصل الثالث في محظورات إحرام الصبي] # (2260) الفصل الثالث، في محظورات الإحرام: وهي قسمان؛ ما يختلف عمده ~~وسهوه، كاللباس والطيب، وما لا يختلف، كالصيد، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار. ~~فالأول، لا فدية على الصبي فيه؛ لأن عمده خطأ. والثاني، عليه فيه الفدية. # وإن وطئ أفسد حجه، ويمضي في فاسده. وفي القضاء عليه وجهان، أحدهما، لا ~~يجب؛ لئلا تجب عبادة بدنية على من ليس من أهل التكليف. والثاني، يجب؛ لأنه ~~إفساد موجب للفدية، فأوجب القضاء، كوطء البالغ، فإن قضى بعد البلوغ بدأ ~~بحجة الإسلام. فإن أحرم بالقضاء قبلها، انصرف إلى حجة الإسلام. وهل تجزئه ~~عن القضاء؟ ينظر، فإن كانت الفاسدة قد أدرك فيها شيئا من الوقوف بعد بلوغه، ~~أجزأ عنهما جميعا، وإلا لم يجزئه، كما قلنا في العبد على ما مضى. ### | [الفصل الرابع في ما يلزم الصبي من الفدية في الحج] # (2261) الفصل الرابع، فيما يلزمه من الفدية: قال ابن المنذر: أجمع أهل ~~العلم على أن جنايات الصبيان لازمة لهم في أموالهم. وذكر أصحابنا في الفدية ~~التي تجب بفعل الصبي وجهين؛ أحدهما في ماله؛ لأنها وجبت بجنايته، أشبهت ~~الجناية على الآدمي. والثاني على الولي، وهو قول مالك؛ لأنه حصل بعقده أو ~~إذنه، فكان عليه، كنفقة حجه. فأما النفقة، فقال القاضي: ما زاد على نفقة ~~الحضر، ففي مال الولي؛ لأنه كلفه ذلك، ولا حاجة به إليه. # وهذا اختيار أبي الخطاب. وحكي عن القاضي أنه ذكر في الخلاف أن النفقة ~~كلها على الصبي؛ لأن الحج له، فنفقته عليه، كالبالغ، ولأن فيه مصلحة له ~~بتحصيل الثواب له، ويتمرن عليه، فصار كأجر المعلم والطبيب. والأول أولى؛ ~~فإن الحج لا يجب في العمر إلا مرة. ويحتمل أن لا يجب، فلا يجوز تكليفه بذل ~~ماله من غير حاجة إليه للتمرن عليه، والله أعلم. ### | [فصل إذا أغمي على بالغ لم يصح أن يحرم عنه رقيقه] # (2262) فصل: إذا أغمي على بالغ، لم يصح أن يحرم عنه رقيقه. وبه قال ~~الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد. # وقال أبو حنيفة: يصح، ويصير محرما بإحرام ms1443 رفيقه عنه استحسانا؛ لأن ذلك ~~معلوم من، قصده، ويلحقه مشقة في تركه، فأجزأ عنه إحرام غيره. # ولنا، أنه بالغ، فلم يصر محرما بإحرام غيره، كالنائم، ولو أنه أذن في ذلك ~~وأجازه، لم يصح، فمع عدم هذا أولى أن لا يصح. ### | [مسألة من طيف به محمولا كان الطواف له دون حامله] # (2263) مسألة: قال: (ومن طيف به محمولا، كان الطواف له دون حامله) أما ~~إذا طيف به محمولا لعذر، فلا يخلو؛ إما أن يقصدا جميعا عن المحمول، فيصح ~~عنه دون الحامل، بغير خلاف نعلمه، أو يقصدا جميعا عن الحامل فيقع عنه أيضا، ~~ولا شيء للمحمول، أو يقصد كل واحد منهما الطواف عن نفسه، فإنه يقع للمحمول ~~دون الحامل. # وهذا أحد قولي الشافعي، والقول # PageV03P243 # الآخر، يقع للحامل؛ لأنه الفاعل. وقال أبو حنيفة: يقع لهما؛ لأن كل واحد ~~منهما طائف بنية صحيحة، فأجزأ الطواف عنه، كما لو لم ينو صاحبه شيئا، ولأنه ~~لو حمله بعرفات، لكان الوقوف عنهما، كذا هاهنا. # وهذا القول حسن. ووجه الأول أنه طواف أجزأه عن المحمول، فلم يقع عن ~~الحامل، كما لو نويا جميعا المحمول، ولأنه طواف واحد، فلا يقع عن شخصين، ~~والراكب لا يقع طوافه إلا عن واحد. # وأما إذا حمله في عرفة، فما حصل الوقوف بالحمل، فإن المقصود الكون في ~~عرفات، وهما كائنان بها، والمقصود هاهنا الفعل، وهو واحد، فلا يقع عن ~~شخصين، ووقوعه عن المحمول أولى؛ لأنه لم ينو بطوافه إلا لنفسه، والحامل لم ~~يخلص قصده بالطواف لنفسه، فإنه لو لم يقصد الطواف بالمحمول لما حمله، فإن ~~تمكنه من الطواف لا يقف على حمله، فصار المحمول مقصودا لهما، ولم يخلص قصد ~~الحامل لنفسه، فلم يقع عنه، لعدم التعيين. # وقال أبو حفص العكبري، في (شرحه) : لا يجزئ الطواف عن واحد منهما؛ لأن ~~فعلا واحدا لا يقع عن اثنين، وليس أحدهما أولى به من الآخر. وقد ذكرنا أن ~~المحمول به أولى، لخلوص نيته لنفسه، وقصد الحامل له، ولا يقع عن الحامل ~~لعدم التعيين. فإن نوى أحدهما نفسه دون الآخر، ms1444 صح الطواف له. # وإن عدمت النية منهما، أو نوى كل واحد منهما الآخر، لم يصح لواحد منهما. # PageV03P244 ### | [مسألة الميقات المكاني للحج] # باب ذكر المواقيت (2264) مسألة: قال أبو القاسم - رحمه الله -: (وميقات ~~أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام ومصر والمغرب من الجحفة، وأهل اليمن ~~من يلملم، وأهل الطائف ونجد من قرن، وأهل المشرق من ذات عرق) وجملة ذلك أن ~~المواقيت المنصوص عليها الخمسة التي ذكرها الخرقي - رحمه الله - وقد أجمع ~~أهل العلم على أربعة منها، وهي: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن، ويلملم. # واتفق أئمة النقل على صحة الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيها، فمن ذلك ما روى ابن عباس، قال: «وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرنا، ولأهل ~~اليمن يلملم، قال: فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن كان يريد ~~الحج والعمرة، فمن كان دونهن مهله من أهله، وكذلك أهل مكة يهلون منها» . ~~وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يهل أهل المدينة من ~~ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن) . قال ابن عمر: وذكر ~~لي ولم أسمعه أنه قال: (وأهل اليمن من يلملم) متفق عليهما. فأما ذات عرق ~~فميقات أهل المشرق، في قول أكثر أهل العلم وهو مذهب مالك، وأبي ثور، وأصحاب ~~الرأي. # وقال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن إحرام العراقي من ذات عرق ~~إحرام من الميقات. وروي عن أنس أنه كان يحرم من العقيق. واستحسنه الشافعي، ~~وابن المنذر، وابن عبد البر. وكان الحسن بن صالح يحرم من الربذة. # وروي ذلك عن خصيف والقاسم بن عبد الرحمن. وقد روى ابن عباس، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «وقت لأهل المشرق العقيق.» قال الترمذي: وهو حديث ~~حسن. قال ابن عبد البر: العقيق أولى وأحوط من ذات عرق، وذات عرق ميقاتهم ~~بإجماع. واختلف أهل العلم في من وقت ذات عرق، فروى أبو داود، والنسائي، ~~وغيرهما، بإسنادهم، عن ms1445 القاسم عن عائشة، «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقت لأهل العراق ذات عرق» . وعن أبي الزبير، أنه سمع جابرا سئل عن ~~المهل؟ قال: سمعته - وأحسبه رفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر من الجحفة، ومهل أهل العراق ~~من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن.» رواه مسلم، في (صحيحه) . وقال قوم ~~آخرون: إنما وقتها عمر - رضي الله عنه - فروى البخاري، بإسناده عن ابن عمر، ~~قال: لما فتح هذان المصران، أتوا عمر، # PageV03P245 # فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حد لأهل ~~نجد، قرنا، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا. قال: فانظروا ~~حذوها من طريقكم. فحد لهم ذات عرق. # ويجوز أن يكون عمر ومن سأله لم يعلموا توقيت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ذات عرق، فقال ذلك برأيه فأصاب، ووافق قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقد كان كثير الإصابة - رضي الله عنه - وإذا ثبت توقيتها عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وعن عمر، فالإحرام منه أولى، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل إذا كان الميقات قرية فانتقلت إلى مكان آخر فموضع الإحرام من الأولى] # (2265) فصل: وإذا كان الميقات قرية فانتقلت إلى مكان آخر، فموضع الإحرام ~~من الأولى، وإن انتقل الاسم إلى الثانية؛ لأن الحكم تعلق بذلك الموضع، فلا ~~يزول بخرابه. # وقد رأى سعيد بن جبير رجلا يريد أن يحرم من ذات عرق، فأخذ بيده حتى خرج ~~به من البيوت، وقطع الوادي، فأتى به المقابر، فقال: هذه ذات عرق الأولى. ### | [مسألة الميقات المكاني لأهل مكة إذا أرادوا الحج أو العمرة] # (2266) مسألة: قال: (وأهل مكة إذا أرادوا العمرة، فمن الحل، وإذا أرادوا ~~الحج، فمن مكة) أهل مكة، من كان بها، سواء كان مقيما بها أو غير مقيم؛ لأن ~~كل من أتى على ميقات كان ميقاتا له، فكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاته للحج؛ ~~وإن أراد العمرة فمن الحل. لا نعلم في هذا خلافا. ولذلك ms1446 «أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم» . متفق ~~عليه. وكانت بمكة يومئذ، والأصل في هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«حتى أهل مكة يهلون منها» يعني للحج. # وقال أيضا: (ومن كان أهله دون الميقات فمن حيث ينشئ، حتى يأتي ذلك على ~~أهل مكة) . وهذا في الحج. فأما في العمرة فميقاتها في حقهم الحل، من أي ~~جوانب الحرم شاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإعمار عائشة من ~~التنعيم، وهو أدنى الحل إلى مكة. # وقال ابن سيرين: بلغني «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل مكة ~~التنعيم» . وقال ابن عباس: يا أهل مكة، من أتى منكم العمرة، فليجعل بينه ~~وبينها بطن محسر. يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة. وإنما لزم الإحرام ~~من الحل، ليجمع في النسك بين الحل والحرم، فإنه لو أحرم من الحرم، لما جمع ~~بينهما فيه، لأن أفعال العمرة كلها في الحرم، بخلاف الحج، فإنه يفتقر إلى ~~الخروج إلى عرفة، فيجتمع له الحل والحرم، والعمرة بخلاف ذلك. ومن أي الحل ~~أحرم جاز. # وإنما أعمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة من التنعيم؛ لأنها أقرب ~~الحل إلى مكة. وقد روي عن أحمد، في المكي، كلما تباعد في العمرة فهو أعظم ~~للأجر، هي على قدر تعبها. # وأما إن أراد # PageV03P246 # المكي الإحرام بالحج، فمن مكة؛ للخبر الذي ذكرنا، ولأن أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما فسخوا الحج، أمرهم فأحرموا من مكة. قال جابر: «أمرنا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حللنا، أن نحرم إذا توجهنا من الأبطح» . ~~رواه مسلم. وهذا يدل على أنه لا فرق بين قاطني مكة وبين غيرهم ممن هو بها، ~~كالمتمتع إذا حل، ومن فسخ حجه بها. # ونقل عن أحمد فيمن اعتمر في أشهر الحج من أهل مكة، أنه يهل بالحج من ~~الميقات، فإن لم يفعل، فعليه دم. والصحيح خلاف هذا؛ لما دلت عليه الأحاديث ~~الصحيحة. ويحتمل أن أحمد إنما أراد أن المتمتع يسقط عنه ms1447 الدم إذا خرج إلى ~~الميقات، ولا يسقط إذا أحرم من مكة. # وهذا في غير المكي، أما المكي فلا يجب عليه دم متعة بحال؛ لقول الله ~~تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196] . وذكر ~~القاضي في من دخل مكة يحج عن غيره، ثم أراد أن يعتمر بعده لنفسه، أو دخل ~~يحج لنفسه، ثم أراد أن يعتمر لغيره، أو دخل بعمرة لنفسه، ثم أراد أن يحج أو ~~يعتمر لغيره، أو دخل بعمرة لغيره، ثم أراد أن يحج أو يعتمر لنفسه، أنه في ~~جميع ذلك يخرج إلى الميقات، فيحرم منه، فإن لم يفعل، فعليه دم. # قال: وقد قال أحمد: في رواية عبد الله: إذا اعتمر عن غيره، ثم أراد الحج ~~لنفسه، يخرج إلى الميقات، أو اعتمر عن نفسه، يخرج إلى الميقات، وإن دخل مكة ~~بغير إحرام، ثم أراد الحج، يخرج إلى الميقات. واحتج له القاضي، بأنه جاوز ~~الميقات مريدا للنسك، غير محرم لنفسه، فلزمه دم إذا أحرم دونه، كمن جاوز ~~الميقات غير محرم. # وعلى هذا لو حج عن شخص واعتمر عن آخر، أو اعتمر عن إنسان ثم حج أو اعتمر ~~عن آخر، فكذلك. وظاهر كلام الخرقي أنه لا يلزمه الخروج إلى الميقات في هذا ~~كله؛ لما ذكرنا من أن كل من كان بمكة كالقاطن بها، وهذا حاصل بمكة على وجه ~~مباح، فأشبه المكي. # وما ذكره القاضي تحكم لا يدل عليه خبر، ولا يشهد له أثر، وما ذكره من ~~المعنى فاسد لوجوه: أحدها، أنه لا يلزم أن يكون مريدا للنسك عن نفسه حال ~~مجاوزة الميقات، فإنه قد يبدو له بعد ذلك. الثاني، أن هذا لا يتناول من ~~أحرم عن غيره. الثالث، أنه لو وجب بهذا الخروج إلى الميقات، للزم المتمتع ~~والمفرد؛ لأنهما تجاوزا الميقات، مريدين لغير النسك الذي أحرما به. الرابع، ~~أن المعنى في الذي يجاوز الميقات غير محرم، أنه فعل ما لا يحل له فعله، ~~وترك الإحرام الواجب عليه في موضعه، فأحرم من دونه. ### | [فصل من أي الحرم أحرم بالحج ms1448 جاز] # (2267) فصل: ومن أي الحرم أحرم بالحج جاز؛ لأن المقصود من الإحرام به ~~الجمع في النسك بين الحل والحرم، # PageV03P247 # وهذا يحصل بالإحرام من أي موضع كان، فجاز، كما يجوز أن يحرم بالعمرة من ~~أي موضع كان من الحل، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه في ~~حجة الوداع: «إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى، فأهلوا من البطحاء» . ولأن ما ~~اعتبر فيه الحرم استوت فيه البلدة وغيرها، كالنحر. ### | [فصل أحرم الحاج من الحل] # (2268) فصل: فإن أحرم من الحل؛ نظرت، فإن أحرم من الحل الذي يلي الموقف ~~فعليه دم؛ لأنه أحرم من دون الميقات. وإن أحرم من الجانب الآخر، ثم سلك ~~الحرم، فلا شيء عليه نص عليه أحمد، في رجل أحرم للحج من التنعيم، فقال: ليس ~~عليه شيء. وذلك لأنه أحرم قبل ميقاته، فكان كالمحرم قبل بقية المواقيت. ولو ~~أحرم من الحل، ولم يسلك الحرم، فعليه دم؛ لأنه لم يجمع بين الحل والحرم. ### | [فصل أحرم بالعمرة من الحرم] # (2269) فصل: وإن أحرم بالعمرة من الحرم، انعقد إحرامه بها، وعليه دم؛ ~~لتركه الإحرام من الميقات. ثم إن خرج إلى الحل قبل الطواف، ثم عاد، أجزأه؛ ~~لأنه قد جمع بين الحل والحرم. # وإن لم يخرج حتى قضى عمرته، صح أيضا؛ لأنه قد أتى بأركانها، وإنما أخل ~~بالإحرام من ميقاتها، وقد جبره، فأشبه من أحرم من دون الميقات بالحج. وهذا ~~قول أبي ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وأحد قولي الشافعي. والقول ~~الثاني، لا تصح عمرته؛ لأنه نسك، فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم، ~~كالحج. فعلى هذا وجود هذا الطواف كعدمه، وهو باق على إحرامه حتى يخرج إلى ~~الحل، ثم يطوف بعد ذلك ويسعى. # وإن حلق قبل ذلك، فعليه دم. وكذلك كل ما فعله من محظورات إحرامه، فعليه ~~فديته. وإن وطئ، أفسد عمرته، ويمضي في فاسدها، وعليه دم لإفسادها، ويقضيها ~~بعمرة من الحل. ثم إن كانت العمرة التي أفسدها عمرة الإسلام، أجزأه قضاؤها ~~عن عمرة الإسلام، وإلا فلا. ### | [مسألة من كان منزله دون الميقات فميقاته ms1449 من موضعه] # (2270) مسألة: قال: (ومن كان منزله دون الميقات، فميقاته من موضعه) يعني ~~إذا كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات، كان ميقاته مسكنه. هذا قول أكثر ~~أهل العلم. وبه يقول مالك، وطاوس، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وعن ~~مجاهد، قال: يهل من مكة. ولا يصح؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ~~حديث ابن عباس: «فمن كان دونهن، مهله من أهله» . وهذا صريح، والعمل به ~~أولى. # (2271) فصل: إذا كان مسكنه قرية، فالأفضل أن يحرم من أبعد جانبيها. وإن ~~أحرم من أقرب جانبيها جاز. وهكذا القول في المواقيت التي وقتها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا كانت قرية، والحلة كالقرية، # PageV03P248 # فيما ذكرنا. وإن كان مسكنه منفردا، فميقاته مسكنه، أو حذوه، وكل ميقات ~~فحذوه بمنزلته. ثم إن كان مسكنه في الحل، فإحرامه منه للحج والعمرة معا، ~~وإن كان في الحرم، فإحرامه للعمرة من الحل، ليجمع في النسك بين الحل ~~والحرم، كالمكي، وأما الحج فينبغي أن يجوز له الإحرام من أي الحرم شاء، ~~كالمكي. ### | [مسألة إذا سلك الحاج طريقا بين ميقاتين] # (2272) مسألة: قال: (ومن لم يكن طريقه على ميقات، فإذا حاذى أقرب ~~المواقيت إليه أحرم) وجملة ذلك أن من سلك طريقا بين ميقاتين، فإنه يجتهد ~~حتى يكون إحرامه بحذو الميقات، الذي هو إلى طريقه أقرب؛ لما روينا أن أهل ~~العراق قالوا لعمر: إن قرنا جور عن طريقنا. فقال: انظروا حذوها من طريقكم ~~فوقت لهم ذات عرق. ولأن هذا مما يعرف بالاجتهاد والتقدير، فإذا اشتبه دخله ~~الاجتهاد، كالقبلة. # (2273) فصل: فإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه، احتاط، فأحرم من ~~بعد، بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرما؛ لأن الإحرام قبل الميقات ~~جائز، وتأخيره عنه لا يجوز، فالاحتياط فعل ما لا شك فيه. ولا يلزمه الإحرام ~~حتى يعلم أنه قد حاذاه؛ لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك. فإن أحرم، ثم ~~علم بعد أنه قد جاوز ما يحاذيه من المواقيت غير محرم، فعليه دم. # وإن شك في أقرب الميقاتين إليه، فالحكم ms1450 في ذلك على ما ذكرنا في المسألة ~~قبلها. وإن كانتا متساويتين في القرب إليه، أحرم من حذو أبعدهما. ### | [مسألة كل من سلك طريقا فيها ميقات فهو ميقاته] # (2274) مسألة: قال: (وهذه المواقيت لأهلها، ولمن مر عليها من غير أهلها ~~ممن أراد حجا أو عمرة) وجملة ذلك أن من سلك طريقا فيها ميقات فهو ميقاته، ~~فإذا حج الشامي من المدينة فمر بذي الحليفة فهي ميقاته، وإن حج من اليمن ~~فميقاته يلملم، وإن حج من العراق فميقاته ذات عرق. وهكذا كل من مر على ~~ميقات غير ميقات بلده صار ميقاتا له. # سئل أحمد عن الشامي يمر بالمدينة يريد الحج، من أين يهل؟ قال: من ذي ~~الحليفة. قيل: فإن بعض الناس يقول يهل من ميقاته من الجحفة. فقال: سبحان ~~الله، أليس يروي ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (هن لهن، ولمن ~~أتى عليهن من غير أهلهن) . وهذا قول الشافعي، وإسحاق. # وقال أبو ثور في الشامي يمر بالمدينة: له أن يحرم من الجحفة. وهو قول ~~أصحاب الرأي. وكانت عائشة، إذا أرادت الحج أحرمت # PageV03P249 # من ذي الحليفة، وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة. ولعلهم يحتجون بأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل الشام الجحفة. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فهن لهن، ولمن أتى عليهن من ~~غير أهلهن» . ولأنه ميقات، فلم يجز تجاوزه بغير إحرام لمن يريد النسك، ~~كسائر المواقيت. وخبرهم أريد به من لم يمر على ميقات آخر، بدليل ما لو مر ~~بميقات غير ذي الحليفة، لم يجز له تجاوزه بغير إحرام، بغير خلاف. وقد روى ~~سعيد، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «وقت لمن ساحل من أهل الشام الجحفة» ولا فرق بين الحج والعمرة في ~~هذا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير ~~أهلهن، ممن كان يريد حجا أو عمرة» . # (2275) فصل: فإن مر من غير طريق ذي الحليفة، فميقاته الجحفة، سواء كان ~~شاميا أو مدنيا؛ ms1451 لما روى أبو الزبير، أنه سمع جابرا يسأل عن المهل، فقال: ~~سمعته - أحسبه رفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مهل أهل ~~المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر من الجحفة» . رواه مسلم. ولأنه مر ~~على أحد المواقيت دون غيره، فلم يلزمه الإحرام قبله، كسائر المواقيت. # ويحتمل أن أبا قتادة حين أحرم أصحابه دونه في قصة صيده للحمار الوحشي، ~~إنما ترك الإحرام لكونه لم يمر على ذي الحليفة، فأخر إحرامه إلى الجحفة. إذ ~~لو مر عليها لم يجز له تجاوزها من غير إحرام. ويمكن حمل حديث عائشة في ~~تأخيرها إحرام العمرة إلى الجحفة على هذا، وأنها لا تمر في طريقها على ذي ~~الحليفة؛ لئلا يكون فعلها مخالفا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولسائر أهل العلم. ### | [مسألة أحرم قبل الميقات] # (2276) مسألة: قال: (والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته، فإن فعل فهو محرم) ~~لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرما، تثبت في حقه أحكام الإحرام. ~~قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم. ولكن ~~الأفضل الإحرام من الميقات، ويكره قبله. روي نحو ذلك عن عمر، وعثمان. - رضي ~~الله عنهما - وبه قال الحسن، وعطاء، ومالك، وإسحاق. # وقال أبو حنيفة: الأفضل الإحرام من بلده. وعن الشافعي كالمذهبين. وكان ~~علقمة، والأسود، وعبد الرحمن، وأبو إسحاق، يحرمون من بيوتهم. واحتجوا بما ~~روت أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد ~~الحرام، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة. شك عبد الله ~~أيتهما قال» . رواه # PageV03P250 # أبو داود. وفي لفظ رواه ابن ماجه: «من أهل بعمرة من بيت المقدس، غفر له» ~~. وأحرم ابن عمر من إيليا. وروى النسائي، وأبو داود، بإسنادهما عن الصبي بن ~~معبد، قال: أهللت بالحج والعمرة، فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة، ~~وزيد بن صوحان، وأنا أهل بهما، فقال ms1452 أحدهما: ما هذا بأفقه من بعيره. فأتيت ~~عمر، فذكرت له ذلك. فقال: «هديت لسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -» . وهذا ~~إحرام به قبل الميقات. وروي عن عمر وعلي - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ~~{وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] . إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة ~~أهلك. # ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أحرموا من الميقات، ولا ~~يفعلون إلا الأفضل. فإن قيل: إنما فعل هذا لتبيين الجواز، قلنا: قد حصل ~~بيان الجواز بقوله، كما في سائر المواقيت. ثم لو كان كذلك لكان أصحاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه يحرمون من بيوتهم، ولما تواطئوا على ترك ~~الأفضل، واختيار الأدنى، وهم أهل التقوى والفضل، وأفضل الخلق، ولهم من ~~الحرص على الفضائل والدرجات ما لهم. # وقد روى أبو يعلى الموصلي، في (مسنده) ، عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «يستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما ~~يعرض له في إحرامه» . # وروى الحسن، أن عمران بن حصين أحرم من مصره، فبلغ ذلك عمر - رضي الله عنه ~~- فغضب، وقال: يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أحرم من مصره. وقال: إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان، فلما قدم ~~على عثمان لامه فيما صنع، وكرهه له. رواهما سعيد، والأثرم، وقال البخاري: ~~كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان. ولأنه أحرم قبل الميقات، فكره، ~~كالإحرام بالحج قبل أشهره. ولأنه تغرير بالإحرام، وتعرض لفعل محظوراته، ~~وفيه مشقة على النفس، فكره، كالوصال في الصوم. # قال عطاء: انظروا هذه المواقيت التي وقتت لكم، فخذوا برخصة الله فيها، ~~فإنه عسى أن يصيب أحدكم ذنبا في إحرامه، فيكون أعظم لوزره، فإن الذنب في ~~الإحرام أعظم من ذلك. فأما حديث الإحرام من بيت المقدس، ففيه ضعف، يرويه ~~ابن أبي فديك، ومحمد بن إسحاق؛ وفيهما مقال. ويحتمل اختصاص هذا ببيت المقدس ~~دون غيره، ليجمع بين الصلاة في المسجدين في إحرام واحد، ولذلك أحرم ابن عمر ~~منه، ولم يكن ms1453 يحرم من غيره إلا من الميقات. # وقول عمر للصبي: هديت لسنة نبيك. يعني في القران، والجمع بين الحج ~~والعمرة، لا في الإحرام من قبل الميقات، فإن سنة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الإحرام من الميقات، بين ذلك بفعله وقوله، وقد بين أنه لم يرد ذلك ~~إنكاره على عمران بن حصين إحرامه من مصره. # وأما قول عمر وعلي، فإنهما قالا: إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك. ومعناه ~~أن تنشئ لها سفرا من بلدك، تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك. قال أحمد: ~~كان سفيان يفسره بهذا. وكذلك فسره به أحمد. ولا يصح أن يفسر بنفس الإحرام، ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P251 # وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم الله بإتمام العمرة، فلو حمل ~~قولهم على ذلك لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه تاركين لأمر ~~الله. # ثم إن عمر وعليا ما كانا يحرمان إلا من الميقات، أفتراهما يريان أن ذلك ~~ليس بإتمام لها ويفعلانه، هذا لا ينبغي أن يتوهمه أحد. ولذلك أنكر عمر على ~~عمران إحرامه من مصره، واشتد عليه، وكره أن يتسامع الناس، مخافة أن يؤخذ ~~به. أفتراه كره إتمام العمرة واشتد عليه أن يأخذ الناس بالأفضل، هذا لا ~~يجوز، فيتعين حمل قولهما في ذلك على ما حمله عليه الأئمة، والله أعلم. ### | [مسألة جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم] # (2277) مسألة: قال: (ومن أراد الإحرام، فجاوز الميقات غير محرم، رجع ~~فأحرم من الميقات، فإن أحرم من مكانه فعليه دم، وإن رجع محرما إلى الميقات) ~~وجملة ذلك أن من جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم، فعليه أن يرجع إليه ~~ليحرم منه، إن أمكنه، سواء تجاوزه عالما به أو جاهلا، علم تحريم ذلك أو ~~جهله. # فإن رجع إليه، فأحرم منه، فلا شيء عليه. لا نعلم في ذلك خلافا. وبه يقول ~~جابر بن زيد، والحسن، وسعيد بن جبير، والثوري، والشافعي، وغيرهم؛ لأنه أحرم ~~من الميقات الذي أمر بالإحرام منه، فلم يلزمه شيء، كما لو لم يتجاوزه. # وإن أحرم من دون الميقات، ms1454 فعليه دم، سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع. ~~وبهذا قال مالك، وابن المبارك. وظاهر مذهب الشافعي أنه إن رجع إلى الميقات، ~~فلا شيء عليه، إلا أن يكون قد تلبس بشيء من أفعال الحج، كالوقوف، وطواف ~~القدوم، فيستقر الدم عليه؛ لأنه حصل محرما في الميقات قبل التلبس بأفعال ~~الحج، فلم يلزمه دم، كما لو أحرم منه. وعن أبي حنيفة: إن رجع إلى الميقات، ~~فلبى، سقط عنه الدم، وإن لم يلب، لم يسقط. وعن عطاء، والحسن، والنخعي: لا ~~شيء على من ترك الميقات. # وعن سعيد بن جبير: لا حج لمن ترك الميقات. ولنا ما روى ابن عباس، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ترك نسكا، فعليه دم» . روي ~~موقوفا ومرفوعا. ولأنه أحرم دون ميقاته، فاستقر عليه الدم، كما لو لم يرجع، ~~أو كما لو طاف عند الشافعي، أو كما لو لم يلب عند أبي حنيفة، ولأنه ترك ~~الإحرام من ميقاته، فلزمه الدم، كما ذكرنا، ولأن الدم وجب لتركه الإحرام من ~~الميقات، ولا يزول هذا برجوعه ولا بتلبيته، وفارق ما إذا رجع قبل إحرامه ~~فأحرم منه، فإنه لم يترك الإحرام منه، ولم يهتكه. ### | [فصل لو أفسد المحرم من دون الميقات حجه لم يسقط عنه الدم] # (2278) فصل: ولو أفسد المحرم من دون الميقات حجه، لم يسقط عنه الدم. وبه ~~قال الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال الثوري، وأصحاب الرأي: ~~يسقط؛ لأن القضاء واجب. # PageV03P252 # ولنا، أنه واجب عليه بموجب هذا الإحرام، فلم يسقط بوجوب القضاء، كبقية ~~المناسك، وكجزاء الصيد. ### | [فصل المجاوز للميقات ممن لا يريد النسك] # (2279) فصل: فأما المجاوز للميقات، ممن لا يريد النسك، فعلى قسمين؛ ~~أحدهما، لا يريد دخول الحرم، بل يريد حاجة فيما سواه، فهذا لا يلزمه ~~الإحرام بغير خلاف، ولا شيء عليه في ترك الإحرام، وقد أتى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه بدرا مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد وغيره، فيمرون بذي ~~الحليفة، فلا يحرمون، ولا يرون بذلك بأسا. ثم متى بدا لهذا الإحرام، وتجدد ~~له العزم عليه، ms1455 أحرم من موضعه، ولا شيء عليه. هذا ظاهر كلام الخرقي. وبه ~~يقول مالك، والثوري، والشافعي، وصاحبا أبي حنيفة. # وحكى ابن المنذر، عن أحمد، في الرجل يخرج لحاجة، وهو لا يريد الحج، فجاوز ~~ذا الحليفة، ثم أراد الحج، يرجع إلى ذي الحليفة، فيحرم. وبه قال إسحاق. ~~ولأنه أحرم من دون الميقات، فلزمه الدم، كالذي يريد دخول الحرم. والأول ~~أصح. وكلام أحمد يحمل على من يجاوز الميقات ممن يجب عليه الإحرام؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن ~~كان يريد حجا أو عمرة» . ولأنه حصل دون الميقات على وجه مباح. فكان له ~~الإحرام منه، كأهل ذلك المكان. # ولأن هذا القول يفضي إلى أن من كان منزله دون الميقات، إذا خرج إلى ~~الميقات، ثم عاد إلى منزله، وأراد الإحرام، لزمه الخروج إلى الميقات، ولا ~~قائل به. وهو مخالف لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ومن كان منزله ~~دون الميقات، فمهله من أهله) . # القسم الثاني، من يريد دخول الحرم، إما إلى مكة أو غيرها، فهم على ثلاثة ~~أضرب؛ أحدها، من يدخلها لقتال مباح، أو من خوف، أو لحاجة متكررة، كالحشاش، ~~والحطاب، وناقل الميرة والفيح، ومن كانت له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها، ~~فهؤلاء لا إحرام عليهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل يوم الفتح ~~مكة حلالا وعلى رأسه المغفر، وكذلك أصحابه، ولم نعلم أحدا منهم أحرم يومئذ، ~~ولو أوجبنا الإحرام على كل من يتكرر دخوله، أفضى إلى أن يكون جميع زمانه ~~محرما، فسقط للحرج. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأحد دخول الحرم بغير إحرام، إلا من كان دون ~~الميقات؛ لأنه يجاوز الميقات مريدا للحرم، فلم يجز بغير إحرام كغيره. # PageV03P253 # ولنا، ما ذكرناه، وقد روى الترمذي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «دخل ~~يوم الفتح مكة وعلى رأسه عمامة سوداء» . وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومتى ~~أراد هذا النسك بعد مجاوزة الميقات أحرم من موضعه كالقسم الذي قبله، وفيه ~~من الخلاف ما ms1456 فيه. النوع الثاني: من لا يكلف الحج كالعبد، والصبي، والكافر ~~إذا أسلم بعد مجاوزة الميقات، أو عتق العبد، وبلغ الصبي، وأرادوا الإحرام، ~~فإنهم يحرمون من موضعهم، ولا دم عليهم. وبهذا قال عطاء، ومالك، والثوري، ~~والأوزاعي، وإسحاق، وهو قول أصحاب الرأي في الكافر يسلم، والصبي يبلغ، ~~وقالوا في العبد: عليه دم وقال الشافعي في جميعهم: على كل واحد منهم دم. # وعن أحمد، في الكافر يسلم، كقوله. ويتخرج في الصبي والعبد كذلك، قياسا ~~على الكافر يسلم؛ لأنهم تجاوزوا الميقات بغير إحرام وأحرموا دونه، فلزمهم ~~الدم، كالمسلم البالغ العاقل. # ولنا، أنهم أحرموا من الموضع الذي وجب عليهم الإحرام منه، فأشبهوا المكي، ~~ومن قريته دون الميقات إذا أحرم منها، وفارق من يجب عليه الإحرام إذا تركه؛ ~~لأنه ترك الواجب عليه. النوع الثالث: المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة ~~متكررة، فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم. وبه قال أبو حنيفة، وبعض ~~أصحاب الشافعي. # وقال بعضهم: لا يجب الإحرام عليه. وعن أحمد ما يدل على ذلك. وقد روي عن ~~ابن عمر أنه دخلها بغير إحرام. ولأنه أحد الحرمين، فلم يلزم الإحرام ~~لدخوله، كحرم المدينة، ولأن الوجوب من الشرع، ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك ~~على كل داخل، فبقي على الأصل. ووجه الأولى أنه لو نذر دخولها، لزمه ~~الإحرام، ولو لم يكن واجبا لم يجب بنذر الدخول، كسائر البلدان. إذا ثبت هذا ~~فمتى أراد هذا الإحرام بعد تجاوز الميقات، رجع فأحرم منه، فإن أحرم من ~~دونه، فعليه دم، كالمريد للنسك. ### | [فصل من دخل الحرم بغير إحرام ممن يجب عليه الإحرام] # (2280) فصل: ومن دخل الحرم بغير إحرام، ممن يجب عليه الإحرام، فلا قضاء ~~عليه. هذا قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجب عليه أن يأتي بحجة أو عمرة، ~~فإن أتى بحجة الإسلام في سنته، أو منذورة، أو عمرة، أجزأه عن عمرة الدخول ~~استحسانا؛ لأن مروره على الميقات مريدا للحرم يوجب الإحرام، فإذا لم يأت به ~~وجب قضاؤه، كالمنذور. # ولنا، أنه مشروع لتحية البقعة، فإذا لم يأت به ms1457 سقط، كتحية المسجد. فإن ~~قيل: تحية المسجد غير واجبة. قلنا: إلا أن النوافل المرتبات تقضى، وإنما ~~سقط القضاء لما ذكرنا، فأما إن تجاوز الميقات ورجع ولم يدخل الحرم، فلا ~~قضاء عليه، بغير خلاف نعلمه، سواء أراد النسك أو لم يرده. # PageV03P254 ### | [فصل من كان منزله دون الميقات خارجا من الحرم] # فصل: ومن كان منزله دون الميقات خارجا من الحرم، فحكمه في مجاوزة قريته ~~إلى ما يلي الحرم، حكم المجاوز للميقات في هذه الأحوال الثلاث؛ لأن موضعه ~~ميقاته، فهو في حقه كالمواقيت الخمسة في حق الآفاقي. ### | [مسألة خشي فوات الحج برجوعه إلى الميقات] # (2282) مسألة: قال: (ومن جاوز الميقات غير محرم، فخشي إن رجع إلى الميقات ~~فاته الحج، أحرم من مكانه، وعليه دم) لا خلاف في أن من خشي فوات الحج ~~برجوعه إلى الميقات، أنه يحرم من موضعه، فيما نعلمه. إلا أنه روي عن سعيد ~~بن جبير: من ترك الميقات، فلا حج له. وما عليه الجمهور أولى؛ فإنه لو كان ~~من أركان الحج، لم يختلف باختلاف الناس والأماكن، كالوقوف والطواف. # وإذا أحرم من دون الميقات عند خوف الفوات، فعليه دم. لا نعلم فيه خلافا ~~عند من أوجب الإحرام من الميقات؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~ترك نسكا، فعليه دم» . وإنما أبحنا له الإحرام من موضعه، مراعاة لإدراك ~~الحج، فإن مراعاة ذلك أولى من مراعاة واجب فيه مع فواته. ومن لم يمكنه ~~الرجوع؛ لعدم الرفقة، أو الخوف من عدو أو لص أو مرض، أو لا يعرف الطريق، ~~ونحو هذا مما يمنع الرجوع، فهو كخائف الفوات، في أنه يحرم من موضعه، وعليه ~~دم. # PageV03P255 ### | [باب ذكر الإحرام] ### | [مسألة من سنن الإحرام الاغتسال] # (2283) مسألة: قال أبو القاسم: (ومن أراد الحج، وقد دخل أشهر الحج، فإذا ~~بلغ الميقات، فالاختيار له أن يغتسل) قوله: (وقد دخل أشهر الحج) . يدل على ~~أنه لا ينبغي أن يحرم بالحج قبل أشهره، وهذا هو الأولى، فإن الإحرام بالحج ~~قبل أشهره مكروه؛ لكونه إحراما به قبل وقته، فأشبه الإحرام به قبل ميقاته، ms1458 ~~ولأن في صحته اختلافا، فإن أحرم به قبل أشهره صح، وإذا بقي على إحرامه إلى ~~وقت الحج، جاز. نص عليه أحمد. وهو قول النخعي، ومالك. والثوري، وأبي حنيفة، ~~وإسحاق. # وقال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والشافعي: يجعله عمرة؛ لقول الله تعالى: {الحج ~~أشهر معلومات} [البقرة: 197] . تقديره وقت الحج أشهر، أو أشهر الحج أشهر ~~معلومات. فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ومتى ثبت أنه وقته، لم يجز ~~تقديم إحرامه عليه، كأوقات الصلوات. # ولنا، قول الله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} ~~[البقرة: 189] . فدل على أن جميع الأشهر ميقات. ولأنه أحد نسكي القران، ~~فجاز الإحرام به في جميع السنة، كالعمرة، أو أحد الميقاتين، فصح الإحرام ~~قبله كميقات المكان، والآية محمولة على أن الإحرام به إنما يستحب فيها. ~~وعلى كل حال، فمن أراد الإحرام، استحب له أن يغتسل قبله، في قول أكثر أهل ~~العلم، منهم طاوس، والنخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لما ~~روى خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أنه «رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~تجرد لإهلاله، واغتسل» . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. # وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عميس، وهي نفساء، أن ~~تغتسل عند الإحرام. وأمر عائشة أن تغتسل عند الإهلال بالحج، وهي حائض. ولأن ~~هذه العبادة يجتمع لها الناس، فسن لها الاغتسال، كالجمعة، وليس ذلك واجبا ~~في قول عامة أهل العلم. # قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإحرام جائز بغير اغتسال، وأنه ~~غير واجب. وحكي عن الحسن أنه قال: إذا نسي الغسل، يغتسل إذا ذكر. وقال ~~الأثرم: سمعت أبا عبد الله قيل له عن بعض أهل المدينة: من ترك الغسل عند ~~الإحرام، فعليه دم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسماء # PageV03P256 # وهي نفساء: (اغتسلي) فكيف الطاهر؟ فأظهر التعجب من هذا القول. وكان ابن ~~عمر يغتسل أحيانا، ويتوضأ أحيانا. وأي ذلك فعل أجزأه، ولا يجب الاغتسال، ~~ولا نقل الأمر به إلا لحائض أو نفساء، ولو كان واجبا لأمر به غيرهما، ولأنه ms1459 ~~لأمر مستقبل، فأشبه غسل الجمعة. # (2284) فصل: فإن لم يجد ماء، لم يسن له التيمم. وقال القاضي: يتيمم؛ لأنه ~~غسل مشروع، فناب عنه التيمم، كالواجب. # ولنا، أنه غسل مسنون، فلم يستحب التيمم عند عدمه، كغسل الجمعة، وما ذكره ~~منتقض بغسل الجمعة ونحوه من الأغسال المسنونة، والفرق بين الواجب والمسنون، ~~أن الواجب يراد لإباحة الصلاة، والتيمم يقوم مقامه في ذلك، والمسنون يراد ~~للتنظيف وقطع الرائحة، والتيمم لا يحصل هذا، بل يزيد شعثا وتغييرا، ولذلك ~~افترقا في الطهارة الصغرى، فلم يشرع تجديد التيمم، ولا تكرار المسح به. ### | [فصل يستحب التنظف للإحرام] # (2285) فصل: ويستحب التنظف بإزالة الشعث، وقطع الرائحة، ونتف الإبط، وقص ~~الشارب، وقلم الأظفار، وحلق العانة؛ لأنه أمر يسن له الاغتسال والطيب، فسن ~~له هذا كالجمعة، ولأن الإحرام يمنع قطع الشعر وقلم الأظفار، فاستحب فعله ~~قبله؛ لئلا يحتاج إليه في إحرامه، فلا يتمكن منه. ### | [مسألة في ملابس الإحرام] # (2286) مسألة: قال: (ويلبس ثوبين نظيفين) يعني إزارا ورداء، فإن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» . ~~قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وثبت أيضا ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا لم يجد إزارا، فليلبس ~~السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين» . ولأن المحرم ممنوع من لبس ~~المخيط في شيء من بدنه، يعني بذلك ما يخاط على قدر الملبوس عليه، كالقميص ~~والسراويل. # ولو لبس إزارا موصلا، أو اتشح بثوب مخيط، جاز. ويستحب أن يكونا نظيفين؛ ~~إما جديدين، وإما غسيلين؛ لأننا أحببنا له التنظف في بدنه، فكذلك في ثيابه، ~~كشاهد الجمعة، والأولى # PageV03P257 # أن يكونا أبيضين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خير ثيابكم ~~البياض، فألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم» . ### | [مسألة يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة] # (2287) مسألة: قال: (ويتطيب) وجملة ذلك أنه يستحب لمن أراد الإحرام أن ~~يتطيب في بدنه خاصة، ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية، أو أثره ~~كالعود والبخور وماء الورد. هذا قول ابن عباس، ms1460 وابن الزبير، وسعد بن أبي ~~وقاص، وعائشة، وأم حبيبة، ومعاوية. # وروي عن محمد بن الحنفية، وأبي سعيد الخدري، وعروة، والقاسم، والشعبي، ~~وابن جريج. وكان عطاء يكره ذلك وهو قول مالك. وروي ذلك عن عمر، وعثمان، ~~وابن عمر - رضي الله عنهم -. واحتج مالك بما روى يعلى بن أمية، أن رجلا أتى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، «كيف ترى في رجل أحرم ~~بعمرة، وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم -. يعني ساعة. ثم ~~قال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك ما ~~تصنع في حجتك» . متفق عليه. ولأنه يمنع من ابتدائه، فمنع استدامته كاللبس. ~~ولنا، قول عائشة: «كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل ~~أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. قالت: وكأني أنظر إلى وبيص الطيب في ~~مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم» . متفق عليه. وفي لفظ ~~لمسلم: «طيبته بأطيب الطيب. وقالت بطيب فيه مسك» . وفي لفظ للنسائي: «كأني ~~أنظر إلى وبيص طيب المسك في مفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.» ~~وحديثهم في بعض ألفاظه: عليه جبة بها أثر خلوق. رواه مسلم. وفي بعضها: وهو ~~متضمخ بالخلوق. وفي بعضها: عليه درع من زعفران. وهذه الألفاظ تدل على أن ~~طيب الرجل كان من الزعفران، وهو منهي عنه للرجال في غير الإحرام، ففيه ~~أولى. # وقد روى البخاري، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى أن يتزعفر الرجل» ~~. ولأن حديثهم في سنة ثمان، وحديثنا في سنة عشر. قال ابن جريج: كان شأن ~~صاحب الجبة قبل حجة # PageV03P258 # الوداع. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والآثار، ~~أن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين، بالجعرانة سنة ثمان، وحديث عائشة في حجة ~~الوداع سنة عشر، فعند ذلك إن قدر التعارض، فحديثنا ناسخ لحديثهم. فإن قيل: ~~فقد روى محمد بن المنتشر، قال: سمعت ابن عمر ينهى عن الطيب عند الإحرام، ~~فقال: لأن أطلى بالقطران أحب إلى ms1461 من ذلك. قلنا تمام الحديث، قال: فذكرت ذلك ~~لعائشة، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، قد «كنت أطيب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فيطوف في نسائه، ثم يصبح ينضح طيبا» . # فإذا صار الخبر حجة على من احتج به، فإن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- حجة على ابن عمر وغيره، وقياسهم يبطل بالنكاح، فإنه يمنع ابتداءه دون ~~استدامته. ### | [فصل إن طيب المحرم ثوبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه] # (2288) فصل: وإن طيب ثوبه، فله استدامة لبسه، ما لم ينزعه، فإن نزعه لم ~~يكن له أن يلبسه، فإن لبسه افتدى؛ لأن الإحرام يمنع ابتداء الطيب، ولبس ~~المطيب دون الاستدامة، وكذلك إن نقل الطيب من موضع من بدنه إلى موضع آخر، ~~افتدى؛ لأنه تطيب في إحرامه، وكذا إن تعمد مسه بيده، أو نحاه من موضعه، ثم ~~رده إليه، فأما إن عرق الطيب، أو ذاب بالشمس، فسال من موضعه إلى موضع آخر، ~~فلا شيء عليه؛ لأنه ليس من فعله، فجرى مجرى الناسي. قالت عائشة: «كنا نخرج ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند ~~الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فلا ينهاها» . رواه أبو داود. ### | [مسألة المستحب أن يحرم عقيب الصلاة إذا حضر وقتها] # (2289) مسألة: قال: (فإن حضر وقت صلاة مكتوبة، وإلا صلى ركعتين) المستحب ~~أن يحرم عقيب الصلاة، فإن حضرت صلاة مكتوبة، أحرم عقيبها، وإلا صلى ركعتين ~~تطوعا وأحرم عقيبهما. استحب ذلك عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعي، والثوري، ~~وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وروي ذلك عن ابن عمر، وابن ~~عباس. # وقد روي عن أحمد أن الإحرام عقيب الصلاة، وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ ~~بالسير، سواء؛ لأن الجميع قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرق ~~صحيحة، قال الأثرم: سألت أبا عبد الله، أيما أحب إليك: الإحرام في دبر ~~الصلاة، أو إذا استوت به راحلته؟ فقال: كل ذلك قد جاء، في دبر الصلاة، وإذا ~~علا البيداء، ms1462 وإذا استوت به ناقته، فوسع في ذلك. كله. قال ابن عباس: «ركب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - راحلته، حتى استوت على البيداء أهل هو ~~وأصحابه» ، وقال أنس: «لما ركب راحلته، واستوت به، أهل.» وقال ابن عمر: ~~«أهل # PageV03P259 # النبي - صلى الله عليه وسلم - حين استوت به راحلته قائمة» . رواهن ~~البخاري، والأولى الإحرام عقيب الصلاة، لما روى سعيد بن جبير قال: ذكرت ~~لابن عباس إهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أوجب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - الإحرام حين فرغ من صلاته، ثم خرج، فلما ركب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - راحلته، واستوت به قائمة، أهل، فأدرك ذلك منه ~~قوم، فقالوا: أهل حين استوت به الراحلة، وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك، ثم ~~سار حتى علا البيداء، فأهل، فأدرك ذلك منه قوم، فقالوا: أهل حين علا ~~البيداء» . رواه أبو داود، والأثرم. وهذا لفظ الأثرم. وهذا فيه بيان وزيادة ~~علم، فيتعين حمل الأمر عليه، ولو لم يقله ابن عباس لتعين حمل الأمر عليه، ~~جمعا بين الأخبار المختلفة، وهذا على سبيل الاستحباب، فكيفما أحرم جاز، لا ~~نعلم أحدا خالف في ذلك. ### | [مسألة الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة تمتع وإفراد وقران] # (2290) مسألة: قال: (فإن أراد التمتع، وهو اختيار أبي عبد الله، فيقول: ~~اللهم إني أريد العمرة) وجملة ذلك أن الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة؛ ~~تمتع، وإفراد، وقران. فالتمتع أن يهل بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج، ~~فإذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه. والإفراد أن يهل بالحج مفردا. والقران ~~أن يجمع بينهما في الإحرام بهما، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل ~~الطواف. فأي ذلك أحرم به جاز. قالت عائشة: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج» ~~متفق عليه. فهذا هو التمتع والإفراد والقران. وأجمع أهل العلم على جواز ~~الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء، واختلفوا في أفضلها، فاختار إمامنا ~~التمتع، ثم الإفراد، ثم القران. ms1463 # وممن روي عنه اختيار التمتع ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، ~~والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، والقاسم وسالم وعكرمة. وهو ~~أحد قولي الشافعي. وروى المروذي عن أحمد: إن ساق الهدي، فالقران أفضل، وإن ~~لم يسقه فالتمتع أفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن حين ساق الهدي ~~ومنع كل من ساق الهدي من الحل حتى ينحر هديه. وذهب الثوري، وأصحاب الرأي ~~إلى اختيار القران؛ لما روى أنس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- «أهل بهما جميعا: لبيك عمرة وحجا، لبيك عمرة وحجا» . متفق عليه. # وحديث الصبي بن معبد، حين لبى بهما، ثم أتى عمر فسأله فقال: «هديت لسنة ~~نبيك - صلى الله عليه وسلم -.» وروي عن مروان بن الحكم، قال: كنت جالسا عند ~~عثمان بن عفان، فسمع عليا يلبي بعمرة وحج، فأرسل إليه، فقال: ألم نكن نهينا ~~عن هذا؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يلبي بهما ~~جميعا، فلم أكن أدع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقولك» . رواه ~~سعيد. ولأن القران مبادرة إلى فعل العبادة، وإحرام بالنسكين من الميقات، ~~وفيه زيادة نسك # PageV03P260 # هو الدم، فكان أولى. # وذهب مالك، وأبو ثور، إلى اختيار الإفراد. وهو ظاهر مذهب الشافعي. وروي ~~ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وجابر، وعائشة، لما روت عائشة، وجابر، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج» . متفق عليهما. وعن ابن عمر وابن ~~عباس مثل ذلك. متفق عليهما. ولأنه يأتي بالحج تاما من غير احتياج إلى جبر، ~~فكان أولى. # قال عثمان: ألا إن الحج التام من أهليكم، والعمرة التامة من أهليكم. وقال ~~إبراهيم: إن أبا بكر، وعمر، وابن مسعود، وعائشة، كانوا يجردون الحج. ولنا، ~~ما روى ابن عباس، وجابر، وأبو موسى، وعائشة، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر أصحابه لما طافوا بالبيت، أن يحلوا، ويجعلوها عمرة» . فنقلهم من ~~الإفراد والقران إلى المتعة، ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل. وهذه الأحاديث ~~متفق عليها # ولم يختلف عن النبي - صلى الله عليه ms1464 وسلم - أنه لما قدم مكة، أمر أصحابه ~~أن يحلوا، إلا من ساق هديا، وثبت على إحرامه، وقال: «لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت، ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» . قال جابر: حججنا مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردا، فقال لهم: ~~«أحلوا من إحرامكم، بطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم أقيموا حلالا، ~~حتى إذا كان يوم التروية، فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة. ~~فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم به، فلولا ~~أني سقت الهدي، لفعلت مثل الذي أمرتكم به» . وفي لفظ: فقام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: «قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم، وأبركم، ولولا ~~هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت. فحللنا، ~~وسمعنا، وأطعنا» ، متفق عليهما فنقلهم إلى التمتع، وتأسف إذ لم يمكنه ذلك، ~~فدل على فضله. ولأن التمتع منصوص عليه في كتاب الله تعالى بقوله: {فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج} [البقرة: 196] دون سائر الأنساك. # ولأن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما، وكمال ~~أفعالهما على وجه اليسر والسهولة، مع زيادة نسك، فكان ذلك أولى، فأما ~~القران فإنما يؤتى فيه بأفعال الحج، وتدخل أفعال العمرة فيه، والمفرد فإنما ~~يأتي بالحج وحده، وإن اعتمر بعده من التنعيم، فقد اختلف في إجزائها عن عمرة ~~الإسلام، وكذلك اختلف في إجزاء عمرة القران، ولا خلاف في إجزاء التمتع عن ~~الحج والعمرة جميعا، فكان أولى. # فأما حجتهم، فإنما احتجوا بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والجواب ~~عنها من أوجه: # PageV03P261 # الأول، أنا نمنع أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - محرما بغير ~~التمتع، ولا يصح الاحتجاج بأحاديثهم لأمور؛ أحدها، أن رواة أحاديثهم قد ~~رووا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمتع بالعمرة إلى الحج، روى ذلك ابن ~~عمر، وجابر، وعائشة، من طرق صحاح، فسقط الاحتجاج بها. الثاني، أن روايتهم ~~اختلفت، فرووا مرة أنه أفرد، ومرة أنه تمتع، ومرة أنه قرن، والقضية واحدة، ~~ولا ms1465 يمكن الجمع بينها، فيجب اطراحها كلها، وأحاديث القران أصحها حديث أنس، ~~وقد أنكره ابن عمر، فقال: يرحم الله أنسا، ذهل أنس. متفق عليه. وفي رواية: ~~كان أنس يتولج على النساء. يعني أنه كان صغيرا. وحديث علي رواه حفص بن أبي ~~داود، وهو ضعيف، عن ابن أبي ليلى، وهو كثير الوهم. قاله الدارقطني. الثالث، ~~أن أكثر الروايات، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متمتعا. روى ذلك ~~عمر، وعلي، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن عمر، ومعاوية، وأبو ~~موسى، وجابر، وعائشة، وحفصة، بأحاديث صحيحة، وإنما منعه من الحل الهدي الذي ~~كان معه، ففي حديث عمر، أنه قال: «إني لا أنهاكم عن المتعة، وإنها لفي كتاب ~~الله، ولقد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.» يعني العمرة في الحج. # وفي حديث علي، أنه اختلف هو وعثمان في المتعة بعسفان، فقال علي: «ما تريد ~~إلى أمر فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنهى عنه» . متفق عليه. ~~وللنسائي، وقال علي لعثمان: «ألم تسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~تمتع؟ قال: بلى» . وعن ابن عمر، قال: «تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج» . وعنه أن حفصة قالت لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: إني ~~لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر» متفق عليهما. # وقال سعد: صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصنعناها معه. وهذه ~~الأحاديث راجحة؛ لأن رواتها أكثر وأعلم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بالمتعة عن نفسه، في حديث حفصة، فلا ~~تعارض بظن غيره. ولأن عائشة كانت متمتعة بغير خلاف، وهي مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا تحرم إلا بأمره، ولم يكن ليأمرها بأمر، ثم يخالف إلى ~~غيره. ولأنه يمكن الجمع بين الأحاديث، بأن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أحرم بالعمرة، ثم لم يحل منها لأجل هديه، حتى أحرم بالحج، فصار قارنا، ~~وسماه ms1466 من سماه مفردا؛ لأنه اشتغل بأفعال الحج وحدها، بعد فراغه من أفعال ~~العمرة، فإن الجمع بين الأحاديث مهما أمكن أولى من حملها على التعارض. # PageV03P262 # الوجه الثاني في الجواب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أصحابه ~~بالانتقال إلى المتعة عن الإفراد والقران، ولا يأمرهم إلا بالانتقال إلى ~~الأفضل، فإنه من المحال أن ينقلهم من الأفضل إلى الأدنى، وهو الداعي إلى ~~الخير، الهادي إلى الفضل، ثم أكد ذلك بتأسفه على فوات ذلك في حقه، وأنه لا ~~يقدر على انتقاله وحله، لسوقه الهدي، وهذا ظاهر الدلالة. الثالث، أن ما ~~ذكرناه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم يحتجون بفعله، وعند التعارض ~~يجب تقديم القول، لاحتمال اختصاصه بفعله دون غيره، كنهيه عن الوصال مع فعله ~~له، ونكاحه بغير ولي ولا شهود، مع قوله: «لا نكاح إلا بولي» . فإن قيل: فقد ~~قال أبو ذر: كانت متعة الحج لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة. رواه ~~مسلم. قلنا: هذا قول صحابي، يخالف الكتاب والسنة والإجماع وقول من هو خير ~~منه وأعلم؛ أما الكتاب فقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} [البقرة: ~~196] وهذا عام. وأجمع المسلمون على إباحة التمتع في جميع الأعصار، وإنما ~~اختلفوا في فضله، وأما السنة فروى سعيد، حدثنا هشيم، أنبأنا حجاج، عن عطاء، ~~عن جابر، «أن سراقة بن مالك سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -، المتعة لنا ~~خاصة، أو هي للأبد؟ فقال: بل هي للأبد» . # وفي لفظ قال: «ألعامنا أو للأبد؟ قال: بل لأبد الأبد، دخلت العمرة في ~~الحج إلى يوم القيامة» . وفي حديث جابر الذي رواه مسلم في صفة حج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نحو هذا، ومعناه، والله أعلم، أن أهل الجاهلية كانوا ~~لا يجيزون التمتع، ويرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فبين النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى قد شرع العمرة في أشهر الحج، وجوز ~~المتعة إلى يوم القيامة. وقال طاوس: كان أهل الجاهلية يرون العمرة في أشهر ~~الحج أفجر الفجور، ويقولون: إذا انفسخ صفر، ms1467 وبرا الدبر، وعفا الأثر، حلت ~~العمرة لمن اعتمر. فلما كان الإسلام أمر الناس أن يعتمروا في أشهر الحج، ~~فدخلت العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة. رواه سعيد. وقد خالف أبا ذر ~~علي، وسعد، وابن عباس، وابن عمر، وعمران بن حصين، وسائر الصحابة، وسائر ~~المسلمين، قال عمران: «تمتعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزل ~~فيه القرآن، ولم ينهنا عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينسخها ~~شيء» ، فقال فيها رجل برأيه ما شاء. متفق عليه. # وقال سعد بن أبي وقاص: «فعلناها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يعني المتعة» - وهذا يومئذ كافر # PageV03P263 # بالعرش. يعني الذي نهى عنها، والعرش: بيوت مكة. وقال أحمد، حين ذكر له ~~حديث أبي ذر: أفيقول بهذا أحد، المتعة في كتاب الله، وقد أجمع المسلمون على ~~جوازها. # فإن قيل: فقد روى أبو داود، بإسناده عن سعيد بن المسيب، «أن رجلا من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى عمر، فشهد عنده أنه سمع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن العمرة قبل الحج» . قلنا: هذا حاله في ~~مخالفة الكتاب والسنة والإجماع، كحال حديث أبي ذر، بل هو أدنى حالا، فإن في ~~إسناده مقالا. # فإن قيل: فقد نهى عنها عمر، وعثمان، ومعاوية. قلنا: فقد أنكر عليهم علماء ~~الصحابة نهيهم عنها، وخالفوهم في فعلها، والحق مع المنكرين عليهم دونهم، ~~وقد ذكرنا إنكار علي على عثمان، واعتراف عثمان له، وقول عمران بن حصين ~~منكرا لنهي من نهى، وقول سعد عائبا على معاوية نهيه عنها، وردهم عليهم بحجج ~~لم يكن لهم جواب عنها، بل قد ذكر بعض من نهى عنها في كلامه، ما يرد نهيه، ~~فقال عمر: والله إني لأنهاكم عنها، وإنها لفي كتاب الله، وقد صنعها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. ولا خلاف في أن من خالف كتاب الله وسنة ~~رسوله، ونهى عما فيهما، حقيق بأن لا يقبل نهيه، ولا يحتج به، مع أنه قد سئل ~~سالم بن عبد الله بن عمر، أنهى ms1468 عمر عن المتعة؟ قال: لا، والله ما نهى عنها ~~عمر، ولكن قد نهى عثمان. وسئل ابن عمر عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل: إنك ~~تخالف أباك. قال: إن عمر لم يقل الذي يقولون. ولما نهى معاوية عن المتعة، ~~أمرت عائشة حشمها ومواليها أن يهلوا بها، فقال معاوية: من هؤلاء؟ فقيل: حشم ~~أو موالي عائشة. فأرسل إليها: ما حملك على ذلك؟ قالت: أحببت أن يعلم أن ~~الذي قلت ليس كما قلت. وقيل لابن عباس: إن فلانا ينهى عن المتعة. قال: ~~انظروا في كتاب الله، فإن وجدتموها فيه، فقد كذب على الله وعلى رسوله، وإن ~~لم تجدوها فقد صدق. فأي الفريقين أحق بالاتباع، وأولى بالصواب، الذين معهم ~~كتاب الله وسنة رسوله، أم الذين خالفوهما؟ ثم قد ثبتت عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الذي قوله حجة على الخلق أجمعين، فكيف يعارض بقول غيره؟ قال ~~سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال: «تمتع النبي - صلى الله عليه وسلم -» فقال ~~عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقولون نهى عنها أبو بكر وعمر. وسئل ابن عمر ~~عن متعة الحج، فأمر بها، فقال: إنك تخالف أباك، فقال: عمر لم يقل الذي ~~يقولون. فلما أكثروا عليه، قال: أفكتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟ . روى ~~الأثرم هذا كله. ### | [فصل الإحرام بعمرة] # (2291) فصل: فمن أراد الإحرام بعمرة، فالمستحب أن يقول: اللهم إني أريد ~~العمرة فيسرها لي، وتقبلها مني، ومحلي حيث تحبسني. فإنه يستحب للإنسان ~~النطق بما أحرم به، ليزول الالتباس، فإن لم ينطق بشيء، # PageV03P264 # واقتصر على مجرد النية، كفاه، في قول إمامنا، ومالك، والشافعي، وقال أبو ~~حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية، حتى تنضاف إليها التلبية، أو سوق الهدي؛ لما ~~روى خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «جاءني جبريل، فقال: يا محمد، مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم ~~بالتلبية» . رواه النسائي، وقال الترمذي: هو حديث حسن صحيح. ولأنها عبادة ms1469 ~~ذات تحريم وتحليل، فكان لها نطق واجب كالصلاة، ولأن الهدي والأضحية لا ~~يجبان بمجرد النية كذلك النسك. # ولنا، أنها عبادة ليس في آخرها نطق واجب، فلم يكن في أولها، كالصيام، ~~والخبر المراد به الاستحباب، فإن منطوقه رفع الصوت، ولا خلاف في أنه غير ~~واجب، فما هو من ضرورته أولى، ولو وجب النطق، لم يلزم كونه شرطا، فإن كثيرا ~~من واجبات الحج غير مشترطة فيه، والصلاة في آخرها نطق واجب، بخلاف الحج ~~والعمرة. # وأما الهدي والأضحية، فإيجاب مال، فأشبه النذر، بخلاف الحج، فإنه عبادة ~~بدنية. فعلى هذا لو نطق بغير ما نواه، نحو أن ينوي العمرة، فيسبق لسانه إلى ~~الحج، أو بالعكس، انعقد ما نواه دون ما لفظ به. قال ابن المنذر: أجمع كل من ~~نحفظ عنه من أهل العلم، على هذا. وذلك لأن الواجب النية، وعليها الاعتماد، ~~واللفظ لا عبرة به، فلم يؤثر، كما لا يؤثر اختلاف النية فيما يعتبر له ~~اللفظ دون النية. ### | [فصل لبى أو ساق الهدي من غير نية] # (2292) فصل: فإن لبى، أو ساق الهدي، من غير نية، لم ينعقد إحرامه؛ لأن ما ~~اعتبرت له النية لم ينعقد بدونها، كالصوم والصلاة، والله أعلم. ### | [مسألة اشتراط المحصر عند الإحرام] # (2293) مسألة: قال: (ويشترط فيقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. فإن ~~حبس حل من الموضع الذي حبس فيه، ولا شيء عليه) يستحب لمن أحرم بنسك، أن ~~يشترط عند إحرامه، فيقول: إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني. ويفيد هذا ~~الشرط شيئين: أحدهما، أنه إذا عاقه عائق من عدو، أو مرض، أو ذهاب نفقة، ~~ونحوه، أن له التحلل. # والثاني، أنه متى حل بذلك، فلا دم عليه ولا صوم. وممن روي عنه أنه رأى ~~الاشتراط عند الإحرام؛ عمر، وعلي، وابن مسعود، وعمار. وذهب إليه عبيدة ~~السلماني، وعلقمة، والأسود، وشريح، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، ~~وعطاء بن يسار، وعكرمة، والشافعي إذ هو # PageV03P265 # بالعراق. وأنكره ابن عمر، وطاوس، وسعيد بن جبير، والزهري، ومالك، وأبو ~~حنيفة. # وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد سقوط ms1470 الدم، فأما التحلل فهو ثابت عنده ~~بكل إحصار. واحتجوا بأن ابن عمر كان ينكر الاشتراط، ويقول: حسبكم سنة نبيكم ~~- صلى الله عليه وسلم -. ولأنها عبادة تجب بأصل الشرع. فلم يفد الاشتراط ~~فيها، كالصوم والصلاة. ولنا، ما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: «دخل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على ضباعة بنت الزبير، فقالت: يا رسول الله، ~~إني أريد الحج، وأنا شاكية. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: حجي، ~~واشترطي أن محلي حيث حبستني» . متفق عليه. # وعن ابن عباس، «أن ضباعة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا ~~رسول الله، إني أريد الحج، فكيف أقول؟ فقال: قولي لبيك اللهم لبيك، ومحلي ~~من الأرض حيث تحبسني. فإن لك على ربك ما استثنيت» رواه مسلم. ولا قول لأحد ~~مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكيف يعارض بقول ابن عمر، ولو لم ~~يكن فيه حديث لكان قول الخليفتين الراشدين مع من قد ذكرنا قوله من فقهاء ~~الصحابة، أولى من قول ابن عمر، وغير هذا اللفظ، مما يؤدي معناه، يقوم ~~مقامه؛ لأن المقصود المعنى، والعبارة إنما تعتبر لتأدية المعنى. # قال إبراهيم: خرجنا مع علقمة، وهو يريد العمرة، فقال: اللهم إني أريد ~~العمرة إن تيسرت، وإلا فلا حرج علي. وكان شريح يشترط: اللهم قد عرفت نيتي، ~~وما أريد، فإن كان أمرا تتمه فهو أحب إلي، وإلا فلا حرج علي. ونحوه عن ~~الأسود. وقالت عائشة لعروة: قل، اللهم إني أريد الحج، وإياه نويت، فإن ~~تيسر، وإلا فعمرة. ونحوه عن عميرة بن زياد. ### | [فصل نوى المحصر الاشتراط ولم يتلفظ به] # (2294) فصل: فإن نوى الاشتراط، ولم يتلفظ به، احتمل أن يصح؛ لأنه تابع ~~لعقد الإحرام، والإحرام ينعقد بالنية، فكذلك تابعه، واحتمل أن يعتبر فيه ~~القول لأنه اشتراط، فاعتبر فيه القول، كالاشتراط في النذر والوقف ~~والاعتكاف، ويدل عليه ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن ~~عباس: (قولي محلي من الأرض حيث تحبسني) . ### | [مسألة إن أراد الإفراد قال اللهم إني أريد الحج ويشترط الإفراد] # (2295) مسألة: ms1471 قال: (وإن أراد الإفراد، قال: اللهم إني أريد الحج. ~~ويشترط) الإفراد: هو الإحرام بالحج مفردا من الميقات، وهو أحد الأنساك ~~الثلاثة، والحكم في إحرامه كالحكم في إحرام العمرة، سواء، فيما يجب ويستحب ~~وحكم الاشتراط. ### | [مسألة إن أراد القران قال اللهم إني أريد العمرة والحج] # (2296) مسألة: قال: (وإن أراد القران، قال: اللهم إني أريد العمرة والحج. ~~ويشترط) # PageV03P266 # معنى القران: الإحرام بالعمرة والحج معا، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها ~~الحج. وهو أحد الأنساك المشروعة، الثابتة بالنص والإجماع. # وقد روي أن معاوية قال لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل تعلمون ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: ~~أما هذا فلا. قال: إنها معهن - يعني مع المنهيات - ولكنكم نسيتم. وهذا مما ~~لم يوافق الصحابة معاوية عليه، مع ما يتضمنه من مخالفة الأحاديث الصحيحة ~~والإجماع، قال الخطابي: ويشبه أن يكون ذهب إلى تأويل قوله - عليه السلام -، ~~حين أمر أصحابه في حجته بالإحلال، وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ~~لما سقت الهدي. وكان قارنا، فحمله معاوية على النهي» . والله أعلم. ### | [فصل يستحب للمحرم أن يعين ما أحرم به] # (2297) فصل: ويستحب أن يعين ما أحرم به، وبه قال مالك. وقال الشافعي، في ~~أحد قوليه: الإطلاق أولى؛ لما روى طاوس، قال: خرج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من المدينة، لا يسمي حجا، ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين ~~الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهل، ولم يكن معه هدي، أن يجعلوها ~~عمرة. ولأن ذلك أحوط؛ لأنه لا يأمن الإحصار، أو تعذر فعل الحج عليه، ~~فيجعلها عمرة، ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بالإحرام ~~بنسك معين، فقال: «من شاء منكم أن يهل بحج وعمرة، فليهل، ومن أراد أن يهل ~~بحج، فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة، فليهل» . # والنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إنما أحرموا بمعين، على ما ذكرنا ~~في الأحاديث الصحيحة، وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين كانوا معه ~~في حجته، يطلعون ms1472 على أحواله، ويقتدون بأفعاله، ويقفون على ظاهر أمره ~~وباطنه، أعلم به من طاوس، وحديثه مرسل، والشافعي لا يحتج بالمراسيل ~~المفردة، فكيف يصير إلى هذا، مع مخالفته للروايات المستفيضة المتفق عليها، ~~والاحتياط ممكن، بأن يجعلها عمرة، فإن شاء كان متمتعا، وإن شاء أدخل الحج ~~عليها، فكان قارنا. ### | [فصل أطلق الإحرام فنوى الإحرام بنسك ولم يعين حجا ولا عمرة] # (2298) فصل: فإن أطلق الإحرام، فنوى الإحرام بنسك، ولم يعين حجا ولا ~~عمرة، صح، وصار محرما؛ لأن الإحرام يصح مع الإبهام، فصح مع الإطلاق. فإذا ~~أحرم مطلقا، فله صرفه إلى أي الأنساك شاء؛ لأن له أن يبتدئ الإحرام بما شاء ~~منها، فكان له صرف المطلق إلى ذلك، والأولى صرفه إلى العمرة؛ لأنه إن كان ~~في غير أشهر الحج، فالإحرام بالحج مكروه أو ممتنع، وإن كان في أشهر الحج ~~فالعمرة # PageV03P267 # أولى؛ لأن التمتع أفضل. # وقد قال أحمد، - رحمه الله -: يجعله عمرة؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر أبا موسى، حين أحرم بما أهل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يجعله عمرة. كذا هاهنا. ### | [فصل إبهام الإحرام] # (2299) فصل: ويصح إبهام الإحرام، وهو أن يحرم بما أحرم به فلان؛ لما روى ~~أبو موسى، قال: قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منيخ ~~بالبطحاء، فقال لي: «بم أهللت؟ . قلت: لبيك بإهلال كإهلال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. قال: أحسنت. فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم ~~قال: حل» . متفق عليه. وروى جابر، وأنس، أن عليا قدم من اليمن على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بم ~~أهللت؟ قال: أهللت بما أهل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.» قال جابر ~~في حديثه، قال: (فاهد، وامكث حراما) . وقال أنس: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: (لولا أن معي هديا لحللت) . متفق عليهما. # ثم لا يخلو من أبهم إحرامه من أحوال أربعة: أحدها، أن يعلم ما أحرم به ~~فلان، فينعقد إحرامه بمثله؛ فإن عليا قال له النبي ms1473 - صلى الله عليه وسلم -: ~~(ماذا قلت حين فرضت الحج؟) قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: فإن معي الهدي، فلا تحل الثاني، أن لا يعلم ما ~~أحرم به فلان، فيكون حكمه حكم الناسي، على ما سنبينه. الثالث، أن لا يكون ~~فلان أحرم، فيكون إحرامه مطلقا، حكمه حكم الفصل الذي قبله. الرابع، أن لا ~~يعلم هل أحرم فلان، أو لا فحكمه حكم من لم يحرم؛ لأن الأصل عدم إحرامه، ~~فيكون إحرامه هاهنا مطلقا، يصرفه إلى ما شاء، فإن صرفه قبل الطواف، فحسن، ~~وإن طاف قبل صرفه، لم يعتد بطوافه؛ لأنه طاف لا في حج ولا عمرة. ### | [فصل أحرم بنسك ثم نسيه قبل الطواف] # (2300) فصل: إذا أحرم بنسك، ثم نسيه قبل الطواف، فله صرفه إلى أي الأنساك ~~شاء، فإنه إن صرفه إلى عمرة، وكان المنسي عمرة، فقد أصاب، وإن كان حجا ~~مفردا أو قرانا فله فسخهما إلى العمرة، على ما سنذكره، وإن صرفه إلى ~~القران، وكان المنسي قرانا، فقد أصاب، وإن كان عمرة، فإدخال الحج على ~~العمرة جائز قبل الطواف، فيصير قارنا، وإن كان مفردا، لغا إحرامه بالعمرة، ~~وصح بالحج، وسقط فرضه، وإن صرفه إلى الإفراد، وكان مفردا، فقد أصاب، وإن ~~كان متمتعا، فقد أدخل الحج على العمرة، وصار قارنا # PageV03P268 # في الحكم، وفيما بينه وبين الله تعالى، وهو يظن أنه مفرد، وإن كان قارنا ~~فكذلك، والمنصوص عن أحمد، أنه يجعله عمرة. # قال القاضي: هذا على سبيل الاستحباب؛ لأنه إذا استحب ذلك في حال العلم، ~~فمع عدمه أولى. # وقال أبو حنيفة: يصرفه إلى القران. وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في ~~القديم: يتحرى، فيبني على غالب ظنه؛ لأنه من شرائط العبادة، فيدخله التحري ~~كالقبلة. ومنشأ الخلاف على فسخ الحج إلى العمرة، فإنه جائز عندنا، وغير ~~جائز عندهم، فعلى هذا إن صرفه إلى المتعة فهو متمتع. عليه دم المتعة، ~~ويجزئه عن الحج والعمرة جميعا. # وإن صرفه إلى إفراد أو قران، لم يجزئه عن العمرة، إذ من ms1474 المحتمل أن يكون ~~المنسي حجا مفردا، وليس له إدخال العمرة على الحج، فتكون صحة العمرة مشكوكا ~~فيها، فلا تسقط من ذمته بالشك، ولا دم عليه لذلك؛ فإنه لم يثبت حكم القران ~~يقينا، ولا يجب الدم مع الشك في سببه. ويحتمل أن يجب. فأما إن شك بعد ~~الطواف، لم يجز صرفه إلا إلى العمرة؛ لأن إدخال الحج على العمرة بعد الطواف ~~غير جائز. # فإن صرفه إلى حج أو قران، فإنه يتحلل بفعل الحج ولا يجزئه عن واحد من ~~النسكين؛ لأنه يحتمل أن يكون المنسي عمرة، فلم يصح إدخال الحج عليها بعد ~~طوافها، ويحتمل أن يكون حجا، وإدخال العمرة عليه غير جائز، فلم يجزئه واحد ~~منهما مع الشك، ولا دم عليه؛ للشك فيما يوجب الدم، ولا قضاء عليه، للشك ~~فيما يوجبه. # وإن شك وهو في الوقوف بعد أن طاف وسعى، جعله عمرة، فقصر، ثم أحرم بالحج، ~~فإنه إن كان المنسي عمرة فقد أصاب وكان متمتعا، وإن كان إفرادا أو قرانا لم ~~ينفسخ بتقصيره، وعليه دم بكل حال، فإنه لا يخلو من أن يكون متمتعا عليه دم ~~المتعة، أو غير متمتع فيلزمه دم لتقصيره، وإن شك، ولم يكن طاف وسعى، جعله ~~قرانا؛ لأنه إن كان قارنا فقد أصاب، وإن كان معتمرا فقد أدخل الحج على ~~العمرة، وصار قارنا، وإن كان مفردا لغا إحرامه بالعمرة، وصح إحرامه بالحج، ~~وإن صرفه إلى الحج جاز أيضا، ولا يجزئه عن العمرة في هذه المواضع؛ لاحتمال ~~أن يكون مفردا، وإدخال العمرة على الحج غير جائز، ولا دم عليه؛ للشك في ~~وجود سببه. ### | [فصل أحرم بحجتين أو عمرتين] # (2301) فصل: وإن أحرم بحجتين أو عمرتين، انعقد بإحداهما، ولغت الأخرى. ~~وبه قال مالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة، ينعقد بهما، وعليه قضاء إحداهما؛ ~~لأنه أحرم بها، ولم يتمها. # ولنا، أنهما عبادتان لا يلزمه المضي فيهما، فلم يصح الإحرام بهما، ~~كالصلاتين، وعلى هذا لو أفسد حجه أو عمرته، لم يلزمه إلا قضاؤها؟ وعند أبي ~~حنيفة يلزمه قضاؤهما معا؛ بناء على صحة إحرامه بهما. ms1475 # PageV03P269 ### | [مسألة التلبية في الإحرام] # (2302) مسألة: قال: (فإذا استوى على راحلته لبى) التلبية في الإحرام ~~مسنونة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها، وأمر برفع الصوت بها، ~~وأقل أحوال ذلك الاستحباب، وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - «أي الحج ~~أفضل؟ قال: العج، والثج» . وهذا حديث غريب. ومعنى العج رفع الصوت بالتلبية، ~~والثج إسالة الدماء بالذبح والنحر. وروى سهل بن سعد، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلم يلبي، إلا لبى ما عن يمينه من حجر أو ~~شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا» . رواه ابن ماجه، وليست ~~واجبة، وبهذا قال الحسن بن حي، والشافعي. وعن أصحاب مالك أنها واجبة، يجب ~~بتركها دم. وعن الثوري، وأبي حنيفة، أنها من شرط الإحرام، لا يصح إلا بها، ~~كالتكبير للصلاة، لأن ابن عباس، قال في قوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} ~~[البقرة: 197] ، قال ابن عباس: الإهلال. وعن عطاء، وطاوس، وعكرمة: هو ~~التلبية. ولأن النسك عبادة ذات إحرام وإحلال، فكان فيها ذكر واجب، كالصلاة. # ولنا، أنها ذكر، فلم تجب في الحج، كسائر الأذكار. وفارق الصلاة، فإن ~~النطق يجب في آخرها؛ فوجب في أولها، والحج بخلافه. ويستحب البداية بها إذا ~~استوى على راحلته؛ لما روى أنس، وابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«لما ركب راحلته، واستوت به، أهل» . رواهما البخاري. # وقال ابن عباس: أوجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإحرام حين فرغ ~~من صلاته، فلما ركب راحلته، واستوت به قائمة، أهل. يعني لبى، ومعنى الإهلال ~~رفع الصوت بالتلبية، من قولهم: استهل الصبي. إذا صاح. والأصل فيه أنهم ~~كانوا إذا رئي الهلال صاحوا. فيقال: استهل الهلال. ثم قيل لكل صائح مستهل، ~~وإنما يرفع الصوت بالتلبية. ### | [فصل رفع الصوت بالتلبية] # (2303) فصل: ويرفع صوته بالتلبية؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال ~~والتلبية» . رواه النسائي، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وقال ~~أنس: سمعتهم يصرخون بهما صراخا. ms1476 # وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يبلغون ~~الروحاء، حتى تبح حلوقهم من التلبية. وقال سالم: كان ابن عمر يرفع صوته ~~بالتلبية، فلا يأتي الروحاء حتى يصحل صوته. ولا يجهد نفسه في رفع الصوت ~~زيادة على الطاقة؛ لئلا ينقطع صوته وتلبيته. # PageV03P270 ### | [مسألة تلبية رسول الله] # (2304) مسألة: قال: (فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن ~~الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) هذه تلبية رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - جاء في الصحيحين عن ابن عمر، أن «تلبية رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك ~~والملك، لا شريك لك» ورواه البخاري، عن عائشة، ومسلم عن جابر. والتلبية ~~مأخوذة من لب بالمكان. إذا لزمه، فكأنه قال: أنا مقيم على طاعتك وأمرك، غير ~~خارج عن ذلك، ولا شارد عليك. هذا أو ما أشبهه، وثنوها وكرروها؛ لأنهم ~~أرادوا إقامة بعد إقامة، كما قالوا: حنانيك. أي رحمة بعد رحمة، أو رحمة مع ~~رحمة، أو ما أشبهه. وقال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة نداء ~~إبراهيم - عليه السلام -، حين نادى بالحج. وروي عن ابن عباس قال: «لما فرغ ~~إبراهيم - عليه السلام - من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج. فقال: ~~رب وما يبلغ صوتي. قال: أذن وعلي البلاغ. فنادى إبراهيم: أيها الناس، كتب ~~عليكم الحج. قال فسمعه ما بين السماء والأرض» . أفلا ترى الناس يجيئون من ~~أقطار الأرض يلبون. ويقولون: لبيك، إن الحمد. بكسر الألف. نص عليه أحمد ~~والفتح جائز، إلا أن الكسر أجود. قال ثعلب: من قال أن بفتحها فقد خص، ومن ~~قال بكسر الألف فقد عم. يعني أن من كسر جعل الحمد لله على كل حال، ومن فتح ~~فمعناه لبيك؛ لأن الحمد لك، أي لهذا السبب. ### | [فصل لا تستحب الزيادة على تلبية رسول الله ولا تكره] # فصل: ولا تستحب الزيادة على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا ~~تكره. ونحو ذلك قال ms1477 الشافعي، وابن المنذر؛ وذلك لقول جابر: فأهل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ~~إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك) . وأهل الناس بهذا الذي يهلون، ~~ولزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلبيته، وكان ابن عمر يلبي بتلبية ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويزيد مع هذا: لبيك، لبيك، لبيك وسعديك، ~~والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل. متفق عليه. وزاد عمر: لبيك ذا النعماء ~~والفضل، لبيك لبيك مرهوبا ومرغوبا إليك، لبيك. هذا معناه. رواه الأثرم. ~~ويروى أن أنسا كان يزيد: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا. # وهذا يدل على أنه لا بأس بالزيادة، ولا تستحب؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لزم تلبيته فكررها، ولم يزد # PageV03P271 # عليها. # وقد روي أن سعدا سمع بعض بني أخيه وهو يلبي: يا ذا المعارج. فقال: إنه ~~لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله. - صلى الله عليه وسلم - ### | [فصل يستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته] # (2306) فصل: ويستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته. قال أحمد: إن شئت لبيت ~~بالحج، وإن شئت لبيت بالحج والعمرة، وإن شئت بعمرة، وإن لبيت بحج وعمرة ~~بدأت بالعمرة، فقلت: لبيك بعمرة وحجة. # وقال أبو الخطاب: لا يستحب ذلك. وهو اختيار ابن عمر، وقول الشافعي؛ لأن ~~جابرا قال: ما سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلبيته حجا، ولا عمرة. ~~وسمع ابن عمر رجلا يقول: لبيك بعمرة. فضرب صدره، وقال: تعلمه ما في نفسك. ~~ولنا ما روى أنس، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لبيك ~~عمرة وحجا» . وقال جابر: «قدمنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن ~~نقول: لبيك بالحج» . وقال ابن عباس: «قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه، وهم يلبون بالحج» . وقال ابن عمر: «بدأ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج» . متفق على هذه الأحاديث. وقال أنس: ~~«سمعتهم يصرخون بهما صراخا» . رواه البخاري. # وقال أبو سعيد: «خرجنا مع ms1478 النبي - صلى الله عليه وسلم - نصرخ بالحج ~~فحللنا، فلما كان يوم التروية لبينا بالحج، وانطلقنا إلى منى.» وهذه ~~الأحاديث أصح وأكثر من حديثهم. وقول ابن عمر يخالفه قول أبيه؛ فإن النسائي ~~روى بإسناده، عن «الصبي بن معبد، أنه أول ما حج لبى بالحج والعمرة جميعا، ~~ثم ذكر ذلك لعمر. فقال: هديت لسنة نبيك» . وإن لم يذكر ذلك في تلبيته، فلا ~~بأس؛ فإن النية محلها القلب، والله أعلم بها. ### | [فصل لا بأس بالحج عن الرجل ولا يسميه] # (2307) فصل: وإن حج عن غيره، كفاه مجرد النية عنه. قال أحمد: لا بأس ~~بالحج عن الرجل، ولا يسميه. # وإن ذكره في التلبية، فحسن. قال أحمد: إذا حج عن رجل يقول أول ما يلبي: ~~عن فلان. ثم لا يبالي أن لا يقول بعد. وذلك لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - للذي سمعه يلبي عن شبرمة: «لب عن نفسك، # PageV03P272 # ثم لب عن شبرمة» . ومتي أتي بهما جميعا. بدأ بذكر العمرة. نص عليه أحمد ~~في مواضع؛ وذلك لقول أنس، إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لبيك ~~بعمرة وحج.» ### | [استدامة التلبية والإكثار منها على كل حال] # (2308) مسألة: قال: (ثم لا يزال يلبي إذا علا نشزا، أو هبط واديا، وإذا ~~التقت الرفاق، وإذا غطى رأسه ناسيا، وفي دبر الصلوات المكتوبة) يستحب ~~استدامة التلبية، والإكثار منها على كل حال؛ لما روى ابن ماجه، عن عبد الله ~~بن عامر بن ربيعة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلم ~~يضحي لله، يلبي حتى تغيب الشمس، إلا غابت بذنوبه، فعاد كما ولدته أمه» . ~~وهي أشد استحبابا في المواضع التي سمى الخرقي؛ لما روى جابر، قال: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبي في حجته إذا لقي راكبا، أو علا ~~أكمة، أو هبط واديا، وفي أدبار الصلوات المكتوبة، ومن آخر الليل» . وقال ~~إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة، وإذا هبط ~~واديا، وإذا علا نشزا، وإذا لقي راكبا، وإذا استوت به راحلته. وبهذا قال ~~الشافعي. # وقد كان ms1479 قبل يقول مثل قول مالك: لا يلبي عند اصطدام الرفاق. وقول النخعي ~~يدل على أن السلف، - رحمهم الله -، كانوا يستحبون ذلك، والحديث يدل عليه ~~أيضا. ### | [فصل يجزئ من التلبية في دبر الصلاة مرة واحدة] # (2309) فصل: ويجزئ من التلبية في دبر الصلاة مرة واحدة. قال الأثرم: قلت ~~لأبي عبد الله: ما شيء يفعله العامة، يلبون في دبر الصلاة ثلاث مرات؟ ~~فتبسم، وقال: ما أدري من أين جاءوا به؟ قلت: أليس يجزئه مرة واحدة؟ قال: ~~بلى. وهذا لأن المروي التلبية مطلقا من غير تقييد، وذلك يحصل بمرة واحدة، ~~وهكذا التكبير في أدبار الصلوات في أيام الأضحى وأيام التشريق. ولا بأس ~~بالزيادة على مرة؛ لأن ذلك زيادة ذكر وخير، وتكراره ثلاثا حسن؛ فإن الله ~~وتر يحب الوتر. ### | [فصل لا يستحب رفع الصوت بالتلبية في الأمصار] # (2310) فصل: ولا يستحب رفع الصوت بالتلبية في الأمصار، ولا في مساجدها، ~~إلا في مكة والمسجد الحرام؛ لما روي عن ابن عباس، أنه سمع رجلا يلبي ~~بالمدينة، فقال: إن هذا لمجنون، إنما التلبية إذا برزت. وهذا قول مالك. ~~وقال الشافعي: يلبي في المساجد كلها، ويرفع صوته، أخذا من عموم الحديث. # ولنا، قول ابن عباس، ولأن المساجد إنما بنيت للصلاة، وجاءت الكراهة لرفع ~~الصوت فيها عاما إلا الإمام خاصة، فوجب إبقاؤها على عمومها. فأما مكة ~~فتستحب التلبية فيها؛ لأنها محل النسك # PageV03P273 # ، وكذلك المسجد الحرام، وسائر مساجد الحرم، كمسجد منى، وفي عرفات أيضا. ### | [فصل لا يلبي بغير العربية] # (2311) فصل: ولا يلبي بغير العربية، إلا أن يعجز عنها؛ لأنه ذكر مشروع، ~~فلا يشرع بغير العربية، كالأذان والأذكار المشروعة في الصلاة. ### | [فصل لا بأس بالتلبية في طواف القدوم] # (2312) فصل: ولا بأس بالتلبية في طواف القدوم. وبه يقول ابن عباس، وعطاء ~~بن السائب، وربيعة بن عبد الرحمن، وابن أبي ليلى، وداود، والشافعي. وروي عن ~~سالم بن عبد الله أنه قال: لا يلبي حول البيت. وقال ابن عيينة: ما رأينا ~~أحدا يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب. وذكر أبو الخطاب، أنه لا ms1480 ~~يلبي. وهو قول للشافعي؛ لأنه مشتغل بذكر يخصه، فكان أولى. # ولنا، أنه زمن التلبية، فلم يكره له، كما لو لم يكن حول البيت، ويمكن ~~الجمع بين التلبية والذكر المشروع في الطواف. ويكره له رفع الصوت بالتلبية، ~~لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم وأذكارهم. وإذا فرغ من التلبية صلى على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ودعا بما أحب من خير الدنيا والآخرة، لما روى ~~الدارقطني، بإسناده عن خزيمة بن ثابت، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«كان إذا فرغ من تلبيته، سأل الله مغفرته ورضوانه، واستعاذه برحمته من ~~النار» . وقال القاسم بن محمد: يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته، أن يصلي على ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -. وجاء في التفسير، في تأويل قوله تعالى: ~~{ورفعنا لك ذكرك} [الشرح: 4] . لا أذكر إلا ذكرت معي. ولأن أكثر المواضع ~~التي شرع فيها ذكر الله تعالى، شرع فيها ذكر نبيه - عليه السلام -، كالأذان ~~والصلاة. ### | [فصل لا بأس أن يلبي الحلال] # (2313) فصل: ولا بأس أن يلبي الحلال. وبه قال الحسن، والنخعي، وعطاء بن ~~السائب، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وكرهه مالك. # ولنا، أنه ذكر يستحب للمحرم، فلم يكره لغيره، كسائر الأذكار. ### | [مسألة المرأة يستحب لها أن تغتسل عند الإحرام] # (2314) مسألة: قال: (والمرأة يستحب لها أن تغتسل عند الإحرام، وإن كانت ~~حائضا أو نفساء؛) (لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عميس ~~وهي نفساء أن تغتسل) وجملة ذلك أن الاغتسال مشروع للنساء عند الإحرام، كما ~~يشرع للرجال؛ لأنه نسك، وهو في حق الحائض والنفساء آكد؛ لورود الخبر فيهما. ~~قال جابر: حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، ~~فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف أصنع؟ قال: # PageV03P274 # «اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي» . رواه مسلم. # وعن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «النفساء والحائض، ~~إذا أتيا على الوقت، يغتسلان، ويحرمان، ويقضيان المناسك كلها، غير الطواف ~~بالبيت» . رواه أبو داود. وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة ms1481 أن ~~تغتسل لإهلال الحج، وهي حائض. # وإن رجت الحائض الطهر قبل الخروج من الميقات، أو النفساء، استحب لها ~~تأخير الاغتسال حتى تطهر؛ ليكون أكمل لها، فإن خشيت الرحيل قبله، اغتسلت، ~~وأحرمت. ### | [مسألة من أحرم وعليه قميص خلعه ولم يشقه] # (2315) مسألة: قال: (ومن أحرم وعليه قميص خلعه، ولم يشقه) هذا قول أكثر ~~أهل العلم. وحكي عن الشعبي، والنخعي، وأبي قلابة، وأبي صالح ذكوان، أنه يشق ~~ثيابه؛ لئلا يتغطى رأسه حين ينزع القميص منه. ولنا، ما روى يعلى بن أمية، ~~أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، «كيف ترى في ~~رجل أحرم بعمرة في جبة، بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ساعة، ثم سكت، فجاءه الوحي، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أما الطيب الذي بك فاغسله، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع ~~في حجك» . متفق عليه. وهذا لفظ مسلم. قال عطاء: كنا قبل أن نسمع هذا الحديث ~~نقول في من أحرم وعليه قميص أو جبة، فليخرقها عنه. فلما بلغنا هذا الحديث، ~~أخذنا به، وتركنا ما كنا نفتي به قبل ذلك. # ولأن في شق الثوب إضاعة ماليته، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~إضاعة المال. (2316) فصل: وإذا نزع في الحال، فلا فدية عليه؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يأمر الرجل بفدية. # وإن استدام اللبس بعد إمكان نزعه، فعليه الفدية؛ لأن استدامة اللبس محرم ~~كابتدائه، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الرجل بنزع جبته، ~~وإنما لم يأمره بفدية لما مضى فيما نرى؛ لأنه كان جاهلا بالتحريم، فجرى ~~مجرى الناسي. ### | [مسألة أشهر الحج] # (2317) مسألة: قال: (وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة) ~~هذا قول ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وعطاء، ومجاهد، ~~والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي. وروي عن عمر، ~~وابنه وابن عباس: أشهر الحج # PageV03P275 # شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. وهو قول مالك؛ لأن أقل الجمع ثلاثة. # وقال الشافعي: ms1482 آخر أشهر الحج ليلة النحر، وليس يوم النحر منها؛ لقوله ~~تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} [البقرة: 197] . ولا يمكن فرضه بعد ليلة النحر. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يوم الحج الأكبر يوم النحر» . ~~رواه أبو داود. فكيف يجوز أن يكون يوم الحج الأكبر ليس من أشهره، وأيضا ~~فإنه قول من سمينا من الصحابة، ولأن يوم النحر فيه ركن الحج، وهو طواف ~~الزيارة، وفيه كثير من أفعال الحج، منها: رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق، ~~والطواف، والسعي، والرجوع إلى منى، وما بعده ليس من أشهره؛ لأنه ليس بوقت ~~لإحرامه، ولا لأركانه، فهو كالمحرم، ولا يمتنع التعبير بلفظ الجمع عن ~~شيئين، وبعض الثالث، فقد قال بعض أهل العربية: عشرون جمع عشر، وإنما هي ~~عشران وبعض الثالث، وقال الله تعالى {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: ~~228] . # والقرء الطهر عنده، ولو طلقها في طهر احتسبت ببقيته. وتقول العرب: ثلاث ~~خلون من ذي الحجة، وهم في الثالثة. وقوله: {فرض فيهن الحج} [البقرة: 197] . ~~أي في أكثرهن، والله أعلم. # PageV03P276 ### | [باب ما يتوقى المحرم وما أبيح له] ### | [مسألة يتوقى في إحرامه ما نهاه الله عنه] # (2318) مسألة: قال أبو القاسم: (ويتوقى في إحرامه ما نهاه الله عنه، من ~~الرفث وهو الجماع، والفسوق، وهو السباب، والجدال، وهو المراء) يعني بقوله ~~(ما نهاه الله عنه) قوله سبحانه: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا ~~رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197] . وهذا صيغته صيغة النفي ~~أريد به النهي، كقوله سبحانه: {لا تضار والدة بولدها} [البقرة: 233] . ~~والرفث: هو الجماع. روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، ~~وعطاء بن يسار، ومجاهد، والحسن، والنخعي، والزهري، وقتادة. وروي عن ابن ~~عباس، أنه قال: الرفث: غشيان النساء، والتقبيل، والغمز، وأن يعرض لها ~~بالفحش من الكلام. وقال أبو عبيدة: الرفث لغا الكلام. وأنشد قول العجاج: عن ~~اللغا ورفث التكلم وقيل: الرفث؛ هو ما يكنى عنه من ذكر الجماع. وروي عن ابن ~~عباس، أنه أنشد بيتا فيه التصريح بما يكنى عنه من الجماع ms1483 وهو محرم، فقيل له ~~في ذلك، فقال: إنما الرفث ما روجع به النساء. وفي لفظ: ما قيل من ذلك عند ~~النساء. وكل ما فسر به الرفث ينبغي للمحرم أن يجتنبه، إلا أنه في الجماع ~~أظهر؛ لما ذكرنا من تفسير الأئمة له بذلك، ولأنه قد جاء في الكتاب في موضع ~~آخر، وأريد به الجماع، قال الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم} [البقرة: 187] فأما الفسوق: فهو السباب؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «سباب المسلم فسوق» . متفق عليه. وقيل: الفسوق المعاصي. روي ~~ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، وإبراهيم. وقالوا أيضا: الجدال المراء. ~~وقال ابن عباس: هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه. والمحرم ممنوع من ذلك كله، ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حج، فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ~~ذنوبه، كيوم ولدته أمه» . متفق عليه. وقال مجاهد، في قوله تعالى: {ولا جدال ~~في الحج} [البقرة: 197] . أي: لا مجادلة، ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة. ~~وقول الجمهور أولى. ### | [مسألة يستحب للمحرم قلة الكلام إلا فيما ينفع] # (2319) مسألة: قال: (ويستحب له قلة الكلام، إلا فيما ينفع، وقد روي عن ~~شريح، أنه كان إذا أحرم كأنه حية صماء) وجملة ذلك أن قلة الكلام فيما لا ~~ينفع مستحبة في كل حال، صيانة لنفسه عن اللغو، والوقوع في الكذب، وما لا ~~يحل، فإن من كثر كلامه كثر سقطه، وفي الحديث، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل ~~خيرا أو ليصمت» . قال # PageV03P277 # الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. متفق عليه. وعنه قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: من «حسن إسلام المرء، تركه ما لا يعنيه» رواه ابن عيينة، ~~عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وروي في (المسند) ، عن الحسين بن ~~علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو داود: أصول السنن أربعة ~~أحاديث، هذا أحدها. # وهذا في حال الإحرام أشد استحبابا؛ لأنه حال عبادة ms1484 واستشعار بطاعة الله ~~عز وجل، فيشبه الاعتكاف، وقد احتج أحمد على ذلك، بأن شريحا، - رحمه الله -، ~~كان إذا أحرم كأنه حية صماء. فيستحب للمحرم أن يشتغل بالتلبية، وذكر الله ~~تعالى، أو قراءة القرآن، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو تعليم لجاهل، ~~أو يأمر بحاجته، أو يسكت، وإن تكلم بما لا مأثم فيه، أو أنشد شعرا لا يقبح، ~~فهو مباح، ولا يكثر، فقد روي عن عمر، - رضي الله عنه - أنه كان على ناقة له ~~وهو محرم، فجعل يقول: # كأن راكبها غصن بمروحة ... إذا تدلت به أو شارب ثمل # الله أكبر، الله أكبر. وهذا يدل على الإباحة، والفضيلة الأول. ### | [مسألة لا يتفلى المحرم ولا يقتل القمل ويحك رأسه وجسده حكا رفيقا] # (2320) مسألة: قال: (ولا يتفلى المحرم، ولا يقتل القمل، ويحك رأسه وجسده ~~حكا رفيقا) اختلفت الرواية عن أحمد، - رحمه الله -، في إباحة قتل القمل؛ ~~فعنه إباحته؛ لأنه من أكثر الهوام أذى، فأبيح قتله، كالبراغيث وسائر ما ~~يؤذي، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خمس فواسق يقتلن في الحل ~~والحرم» . يدل بمعناه على إباحة قتل كل ما يؤذي بني آدم في أنفسهم ~~وأموالهم. وعنه أن قتله محرم. وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه يترفه بإزالته ~~عنه، فحرم كقطع الشعر، ولأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى كعب بن عجرة ~~والقمل يتناثر على وجهه، فقال له: احلق رأسك» . فلو كان قتل القمل أو ~~إزالته مباحا، لم يكن كعب ليتركه حتى يصير كذلك، أو لكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمره بإزالته خاصة. # والصئبان كالقمل في ذلك، ولا فرق بين قتل القمل، أو إزالته بإلقائه على ~~الأرض، أو قتله بالزئبق، فإن قتله لم يحرم لحرمته، لكن لما فيه من الترفه، ~~فعم المنع إزالته كيفما كانت. ولا يتفلى، فإن التفلي عبارة عن إزالة القمل، ~~وهو ممنوع منه. ويجوز له حك رأسه، ويرفق في الحك، كي لا يقطع شعرا، أو يقتل ~~قملة، فإن حك فرأى في يده شعرا، أحببنا أن يفديه احتياطا، ولا يجب # PageV03P278 # عليه حتى ms1485 يستيقن أنه قلعه. قال بعض أصحابنا: إنما اختلفت الرواية في ~~القمل الذي في شعره، فأما ما ألقاه من ظاهر بدنه، فلا فدية فيه. (2321) # فصل: فإن خالف وتفلى، أو قتل قملا، فلا فدية فيه؛ فإن كعب بن عجرة حين ~~حلق رأسه، قد أذهب قملا كثيرا، ولم يجب عليه لذلك شيء، وإنما وجبت الفدية ~~بحلق الشعر، ولأن القمل لا قيمة له، فأشبه البعوض والبراغيث، ولأنه ليس ~~بصيد، ولا هو مأكول، وحكي عن ابن عمر قال: هي أهون مقتول. وسئل ابن عباس، ~~عن محرم ألقى قملة، ثم طلبها فلم يجدها. فقال: تلك ضالة لا تبتغى. وهذا قول ~~طاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبي ثور، وابن المنذر. # وعن أحمد في من قتل قملة، قال: يطعم شيئا. فعلى هذا أي شيء تصدق به ~~أجزاه، سواء قتل كثيرا أو قليلا. وهذا قول أصحاب الرأي. وقال إسحاق: تمرة ~~فما فوقها. وقال مالك: حفنة من طعام. # وروي ذلك عن ابن عمر. وقال عطاء: قبضة من طعام. وهذه الأقوال كلها ترجع ~~إلى ما قلناه، فإنهم لم يريدوا بذلك التقدير، وإنما هو على التقريب لأقل ما ~~يتصدق به. ### | [فصل لا بأس أن يغسل المحرم رأسه وبدنه برفق] # فصل: ولا بأس أن يغسل المحرم رأسه وبدنه برفق، فعل ذلك عمر، وابنه، ورخص ~~فيه علي، وجابر، وسعيد بن جبير، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وكره ~~مالك للمحرم أن يغطس في الماء، ويغيب فيه رأسه. ولعله ذهب إلى أن ذلك ستر ~~له، والصحيح أنه لا بأس بذلك، وليس ذلك بستر، ولهذا لا يقوم مقام السترة في ~~الصلاة، وقد روي عن ابن عباس، قال: ربما قال لي عمر ونحن محرمون بالجحفة: ~~تعال أباقيك أينا أطول نفسا في الماء. وقال: ربما قامست عمر بن الخطاب ~~بالجحفة ونحن محرمون. رواهما سعيد. ولأنه ليس بستر معتاد، أشبه صب الماء ~~عليه، أو وضع يديه عليه. # وقد روى عبد الله بن حنين، قال: «أرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري، ~~فأتيته وهو يغتسل، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: ms1486 أنا عبد الله بن جبير ~~أرسلني إليك عبد الله بن عباس يسألك: كيف كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع # PageV03P279 # أبو أيوب يده على الثوب، فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه ~~الماء: صب. فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: ~~هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل» . متفق عليه. وأجمع أهل ~~العلم على أن المحرم يغتسل من الجنابة. ### | [فصل يكره للمحرم غسل رأسه بالسدر والخطمي ونحوهما] # (2323) فصل: ويكره له غسل رأسه بالسدر والخطمي ونحوهما؛ لما فيه من إزالة ~~الشعث، والتعرض لقلع الشعر. وكرهه جابر بن عبد الله، ومالك، والشافعي، ~~وأصحاب الرأي. فإن فعل فلا فدية عليه. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وابن ~~المنذر. # وعن أحمد: عليه الفدية. وبه قال مالك، وأبو حنيفة. وقال صاحباه: عليه ~~صدقة؛ لأن الخطمي تستلذ رائحته، وتزيل الشعث، وتقتل الهوام، فوجبت به ~~الفدية كالورس. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال، في المحرم الذي وقصه بعيره: ~~«اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه ~~يبعث يوم القيامة ملبيا» . متفق عليه. فأمر بغسله بالسدر، مع إثبات حكم ~~الإحرام في حقه، والخطمي كالسدر. ولأنه ليس بطيب، فلم تجب الفدية باستعماله ~~كالتراب. # وقولهم: تستلذ رائحته. ممنوع، ثم يبطل بالفاكهة وبعض التراب. وإزالة ~~الشعث تحصل بذلك أيضا، وقتل الهوام لا يعلم حصوله، ولا يصح قياسه على ~~الورس؛ لأنه طيب، ولذلك لو استعمله في غير الغسل، أو في ثوب لمنع منه، ~~بخلاف مسألتنا. ### | [مسألة المحرم ممنوع من لبس القمص والعمائم والسراويلات والخفاف والبرانس] # (2324) مسألة: قال: (ولا يلبس القمص، ولا السراويل، ولا البرنس) قال ابن ~~المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القمص، والعمائم، ~~والسراويلات، والخفاف، والبرانس. والأصل في هذا ما روى ابن عمر، «أن رجلا ~~سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يلبس القمص، ms1487 ولا العمائم، ولا ~~السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحدا لا يجد نعلين، فليلبس ~~الخفين، وليقطعهما # PageV03P280 # أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران، ولا الورس» متفق ~~عليه. # نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأشياء، وألحق بها أهل العلم ~~ما في معناها، مثل الجبة، والدراعة، والثياب، وأشباه ذلك. فليس للمحرم ستر ~~بدنه بما عمل على قدره، ولا ستر عضو من أعضائه بما عمل على قدره، كالقميص ~~للبدن، والسراويل لبعض البدن، والقفازين لليدين، والخفين للرجلين، ونحو ~~ذلك، وليس في هذا كله اختلاف. قال ابن عبد البر: لا يجوز لباس شيء من ~~المخيط عند جميع أهل العلم، وأجمعوا على أن المراد بهذا الذكور دون النساء. ### | [مسألة لم يجد المحرم إزارا] # (2325) مسألة: قال: (فإن لم يجد إزارا، لبس السراويل، وإن لم يجد نعلين، ~~لبس الخفين، ولا يقطعهما، ولا فداء عليه) لا نعلم خلافا بين أهل العلم، في ~~أن للمحرم أن يلبس السراويل، إذا لم يجد الإزار، والخفين إذا لم يجد نعلين. ~~وبهذا قال عطاء، وعكرمة، والثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ~~وغيرهم. والأصل فيه ما روى ابن عباس، قال: «سمعت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يخطب بعرفات، يقول: من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد ~~إزارا فليلبس سراويل للمحرم» . متفق عليه. # وروى جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك. أخرجه مسلم. ولا ~~فدية عليه في لبسهما عند ذلك، في قول من سمينا، إلا مالكا وأبا حنيفة قالا: ~~على كل من لبس السراويل الفدية؛ لحديث ابن عمر الذي قدمناه. ولأن ما وجبت ~~الفدية بلبسه مع وجود الإزار، وجبت مع عدمه، كالقميص. # ولنا، خبر ابن عباس، وهو صريح في الإباحة، ظاهر في إسقاط الفدية؛ لأنه ~~أمر بلبسه، ولم يذكر فدية، ولأنه يختص لبسه بحالة عدم غيره، فلم تجب به ~~فدية، كالخفين المقطوعين. وحديث ابن عمر مخصوص بحديث ابن عباس وجابر. فأما ~~القميص فيمكنه أن يتزر به من غير لبس، ويستتر، بخلاف السراويل. ### | [فصل إذا لبس المحرم الخفين] ms1488 # (2326) فصل: وإذا لبس الخفين، لعدم النعلين، لم يلزمه قطعهما، في المشهور ~~عن أحمد، ويروى ذلك عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. وبه قال عطاء. ~~وعكرمة، وسعيد بن سالم القداح. # وعن أحمد، أنه يقطعهما، حتى يكونا أسفل من الكعبين، فإن لبسهما من غير ~~قطع، افتدى. وهذا قول عروة بن الزبير، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، ~~وابن المنذر، وأصحاب الرأي؛ لما روى ابن عمر، عن النبي # PageV03P281 # - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «فمن لم يجد نعلين، فليلبس الخفين، ~~وليقطعهما، حتى يكونا أسفل من الكعبين» . متفق عليه، وهو متضمن لزيادة على ~~حديث ابن عباس، وجابر، والزيادة من الثقة مقبولة. # قال الخطابي: العجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلت ~~سنة لم تبلغه. واحتج أحمد بحديث ابن عباس، وجابر: (من لم يجد نعلين، فليلبس ~~خفين) . مع قول علي - رضي الله عنه -: قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما. ~~مع موافقة القياس، فإنه ملبوس أبيح لعدم غيره، فأشبه السراويل، وقطعه لا ~~يخرجه عن حالة الحظر، فإن لبس المقطوع محرم مع القدرة على النعلين، كلبس ~~الصحيح، وفيه إتلاف ماله، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعته. ~~فأما حديث ابن عمر، فقد قيل إن قوله: (وليقطعهما) من كلام نافع. كذلك ~~رويناه في (أمالي أبي القاسم بن بشران) ، بإسناد صحيح، أن نافعا قال بعد ~~روايته للحديث: وليقطع الخفين أسفل من الكعبين. # وروى ابن أبي موسى، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة - رضي الله عنها - ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص للمحرم أن يلبس الخفين، ولا ~~يقطعهما» ، وكان ابن عمر يفتي بقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع. ~~وروى أبو حفص، في (شرحه) بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف، «أنه طاف وعليه ~~خفان، فقال له عمر: والخفان مع القباء، فقال: قد لبستهما مع من هو خير منك. ~~يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.» ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما ~~منسوخا؛ فإن عمرو بن دينار روى الحديثين جميعا، وقال: انظروا أيهما ms1489 كان ~~قبل؛ قال الدارقطني، قال أبو بكر النيسابوري. حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قد ~~جاء في بعض رواياته، قال: «نادى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~في المسجد، يعني بالمدينة، فكأنه كان قبل الإحرام» . # وفي حديث ابن عباس يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يخطب ~~بعرفات، يقول: من لم يجد نعلين، فليلبس خفين» . فيدل على تأخره عن حديث ابن ~~عمر فيكون ناسخا له، لأنه لو كان القطع واجبا لبينه للناس، إذ لا يجوز ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، والمفهوم من إطلاق لبسهما لبسهما على ~~حالهما من غير قطع. والأولى قطعهما، عملا بالحديث الصحيح، وخروجا من ~~الخلاف، وأخذا بالاحتياط. ### | [فصل لبس المحرم المقطوع مع وجود النعل] # (2327) فصل: فإن لبس المقطوع، مع وجود النعل، فعليه الفدية، وليس له ~~لبسه. نص عليه أحمد. وبهذا قال مالك. # وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه؛ لأنه لو كان لبسه محرما، وفيه فدية، لم ~~يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطعهما، لعدم الفائدة فيه، وعن الشافعي ~~كالمذهبين. # PageV03P282 # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط في إباحة لبسهما عدم النعلين، ~~فدل على أنه لا يجوز مع وجودهما، ولأنه مخيط لعضو على قدره، فوجبت على ~~المحرم الفدية بلبسه، كالقفازين. ### | [فصل لا يلبس المحرم النعل التي لها قيد] # (2328) فصل: فأما اللالكة، والجمجم، ونحوهما، فقياس قول أحمد، أنه لا ~~يلبس ذلك، فإنه قال: لا يلبس النعل التي لها قيد. وهذا أشد من النعل التي ~~لها قيد. # وقد قال في رأس الخف الصغير: لا يلبسه. وذلك لأنه يستر القدم، وقد عمل ~~لها على قدرها، فأشبه الخف فإن عدم النعلين، كان له لبس ذلك، ولا فدية ~~عليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أباح لبس الخف عند ذلك، فما دون ~~الخف أولى. ### | [فصل النعل يباح لبسها للمحرم كيفما كانت] # (2329) فصل: فأما النعل، فيباح لبسها كيفما كانت، ولا يجب قطع شيء منها؛ ~~لأن إباحتها وردت مطلقا. وروي عن أحمد في القيد في النعل: يفتدي؛ لأننا لا ~~نعرف النعال ms1490 هكذا. # وقال: إذا أحرمت فاقطع المحمل الذي على النعال، والعقب الذي يجعل للنعل، ~~فقد كان عطاء يقول: فيه دم. وقال ابن أبي موسى، في (الإرشاد) : في القيد ~~والعقب الفدية، والقيد: هو السير المعترض على الزمام. قال القاضي: إنما ~~كرههما إذا كانا عريضين. # وهذا هو الصحيح؛ فإنه إذا لم يجب قطع الخفين الساترين للقدمين والساقين ~~فقطع سير النعل أولى أن لا يجب. ولأن ذلك معتاد في النعل، فلم تجب إزالته، ~~كسائر سيورها، ولأن قطع القيد والعقب ربما تعذر معه المشي في النعلين؛ ~~لسقوطهما بزوال ذلك، فلم يجب، كقطع القبال. ### | [فصل وجد المحرم نعلا لم يمكنه لبسها] # (2330) فصل: وإن وجد نعلا لم يمكنه لبسها، فله لبس الخف، ولا فدية عليه؛ ~~لأن ما لا يمكن استعماله كالمعدوم، كما لو كانت النعل لغيره، أو صغيرة، ~~وكالماء في التيمم، والرقبة التي لا يمكنه عتقها، ولأن العجز عن لبسها قام ~~مقام العدم، في إباحة لبس الخف، فكذلك في إسقاط الفدية. والمنصوص أن عليه ~~الفدية؛ لقوله: (من لم يجد نعلين، فليلبس الخفين) . وهذا واجد. ### | [فصل ليس للمحرم أن يعقد عليه الرداء ولا غيره إلا الإزار والهميان] # (2331) فصل: وليس للمحرم أن يعقد عليه الرداء، ولا غيره، إلا الإزار ~~والهميان. وليس له أن يجعل # PageV03P283 # لذلك زرا وعروة، ولا يخلله بشوكة ولا إبرة ولا خيط؛ لأنه في حكم المخيط. ~~روى الأثرم، عن مسلم بن جندب، عن ابن عمر، قال: جاء رجل يسأله وأنا معه، ~~أخالف بين طرفي ثوبي من ورائي، ثم أعقده؟ وهو محرم، فقال ابن عمر: لا تعقد ~~عليه شيئا. وعن أبي معبد، مولى ابن عباس، أن ابن عباس قال له: يا أبا معبد، ~~زر علي طيلساني. وهو محرم، فقال له: كنت تكره هذا. قال: إني أريد أن أفتدي. ~~ولا بأس أن يتشح بالقميص، ويرتدي به، ويرتدي برداء موصل، ولا يعقده؛ لأن ~~المنهي عنه المخيط على قدر العضو. ### | [فصل يجوز للمحرم أن يعقد إزاره عليه] # (2332) فصل: ويجوز أن يعقد إزاره عليه؛ لأنه يحتاج إليه لستر العورة ~~فيباح، كاللباس للمرأة. ms1491 وإن شد وسطه بالمنديل، أو بحبل، أو سراويل، جاز إذا ~~لم يعقده. قال أحمد، في محرم حزم عمامة على وسطه: لا تعقدها. ويدخل بعضها ~~في بعض. قال طاوس: رأيت ابن عمر يطوف بالبيت، وعليه عمامة قد شدها على ~~وسطه، فأدخلها هكذا. ولا يجوز أن يشق أسفل إزاره نصفين، ويعقد كل نصف على ~~ساق؛ لأنه يشبه السراويل. ولا يلبس الران؛ لأنه في معناه، ولأنه معمول على ~~قدر العضو الملبوس فيه، فأشبه الخف. ### | [مسألة لبس الهميان مباح للمحرم] # (2333) مسألة: قال: (ويلبس الهميان، ويدخل السيور بعضها في بعض، ولا ~~يعقدها) وجملة ذلك أن لبس الهميان مباح للمحرم، في قول أكثر أهل العلم. روي ~~ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعطاء ومجاهد، وطاوس، ~~والقاسم، والنخعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. # قال ابن عبد البر: أجاز ذلك جماعة فقهاء الأمصار، متقدموهم ومتأخروهم. ~~ومتى أمكنه أن يدخل السيور بعضها في بعض، ويثبت بذلك، لم يعقده؛ لأنه لا ~~حاجة إلى عقده، وإن لم يثبت إلا بعقده عقده. نص عليه أحمد. وهو قول إسحاق. ~~وقال إبراهيم: كانوا يرخصون في عقد الهميان للمحرم، ولا يرخصون في عقد ~~غيره. وقالت عائشة: أوثق عليك نفقتك. # وذكر القاضي، في (الشرح) ، أن ابن عباس قال: «رخص رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - للمحرم في الهميان أن يربطه، إذا كانت فيه نفقته.» وقال ابن ~~عباس: أوثقوا عليكم نفقاتكم. ورخص في الخاتم والهميان للمحرم. # وقال مجاهد، عن ابن عمر، أنه سئل عن المحرم يشد الهميان عليه، فقال: لا ~~بأس به، إذا كانت فيه نفقته، # PageV03P284 # يستوثق من نفقته. ولأنه مما تدعو الحاجة إلى شده، فجاز، كعقد الإزار. فإن ~~لم يكن في الهميان نفقة، لم يجز عقده، لعدم الحاجة إليه، وكذلك المنطقة. # وقد روي عن ابن عمر أنه كره الهميان والمنطقة للمحرم، وكرهه نافع مولاه. ~~وهو محمول على ما ليس فيه نفقة؛ لما تقدم من الرخصة فيما فيه النفقة، وسئل ~~أحمد عن المحرم يلبس المنطقة من وجع الظهر، أو حاجة إليها. قال: يفتدي. ms1492 ~~فقيل له: أفلا تكون مثل الهميان؟ قال: لا. # وعن ابن عمر أنه كره المنطقة للمحرم، وأنه أباح شد الهميان، إذا كانت فيه ~~النفقة، والفرق بينهما أن الهميان تكون فيه النفقة، والمنطقة لا نفقة فيها، ~~فأبيح شد ما فيه النفقة، للحاجة إلى حفظها، ولم يبح شد ما سوى ذلك. فإن ~~كانت فيهما نفقة، أو لم يكن فيهما نفقة، فهما سواء. # وقد قالت عائشة في المنطقة للمحرم: أوثق عليك نفقتك. فرخصت فيها إذا كانت ~~فيها النفقة. ولم يبح أحمد شد المنطقة لوجع الظهر، إلا أن يفتدي؛ لأن ~~المنطقة ليست معدة لذلك، ولأنه فعل لمحظور في الإحرام لدفع الضرر عن نفسه، ~~أشبه من لبس المخيط لدفع البرد، أو حلق رأسه لإزالة أذى القمل، أو تطيب ~~لأجل المرض. ### | [مسألة للمحرم أن يحتجم ولا يقطع شعرا] # (2334) مسألة: قال: (وله أن يحتجم، ولا يقطع شعرا) أما الحجامة إذا لم ~~يقطع شعرا فمباحة من غير فدية، في قول الجمهور؛ لأنه تداو بإخراج دم، فأشبه ~~الفصد، وبط الجرح. # وقال مالك: لا يحتجم إلا من ضرورة، وكان الحسن يرى في الحجامة دما. ولنا، ~~أن ابن عباس روى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم» . متفق ~~عليه. ولم يذكر فدية، ولأنه لا يترفه بذلك، فأشبه شرب الأدوية. وكذلك الحكم ~~في قطع العضو عند الحاجة، والختان كل ذلك مباح من غير فدية. فإن احتاج في ~~الحجامة إلى قطع شعر، فله قطعه؛ لما روى عبد الله بن بحينة، «أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - احتجم بلحي جمل، في طريق مكة وهو محرم، وسط رأسه» . ~~متفق عليه. ومن ضرورة ذلك قطع الشعر. ولأنه يباح حلق الشعر لإزالة أذى ~~القمل، فكذلك هاهنا. وعليه الفدية. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، ~~وأبو ثور، وابن المنذر. # وقال صاحبا أبي حنيفة: يتصدق بشيء. ولنا، قوله تعالى: {فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه ففدية} [البقرة: 196] . الآية، ولأنه حلق شعر ~~لإزالة ضرر غيره، فلزمته الفدية، كما لو حلقه لإزالة قمله. فأما إن قطع ms1493 ~~عضوا عليه شعر، أو جلدة عليها شعر، فلا فدية عليه، لأنه زال تبعا لما لا ~~فدية فيه. # PageV03P285 ### | [مسألة المحرم إذا احتاج إلى تقلد السيف فله ذلك] # (2335) مسألة: قال: (ويتقلد بالسيف عند الضرورة) وجملة ذلك أن المحرم إذا ~~احتاج إلى تقلد السيف، فله ذلك. وبهذا قال مالك. وأباح عطاء، والشافعي، ~~وابن المنذر تقلده. وكرهه الحسن. والأول أولى؛ لما روى أبو داود، بإسناده ~~عن البراء، قال: «لما صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الحديبية، ~~صالحهم على أن لا يدخلوها إلا بجلبان السلاح» . - القراب بما فيه - وهذا ~~ظاهر في إباحة حمله عند الحاجة؛ لأنهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن ينقضوا ~~العهد، ويخفروا الذمة، واشترطوا حمل السلاح في قرابه. فأما من غير خوف، فإن ~~أحمد قال: لا، إلا من ضرورة. # وإنما منع منه؛ لأن ابن عمر قال: لا يحمل المحرم السلاح في الحرم. ~~والقياس إباحته؛ لأن ذلك ليس هو في معنى الملبوس المنصوص على تحريمه، ولذلك ~~لو حمل قربة في عنقه، لا يحرم عليه ذلك، ولا فدية عليه فيه. وسئل أحمد عن ~~المحرم يلقي جرابه في رقبته، كهيئة القربة. قال: أرجو أن لا يكون به بأس. ### | [مسألة إباحة لبس القباء للمحرم ما لم يدخل يديه في كميه] # (2336) مسألة: قال (وإن طرح على كتفيه القباء والدواج، فلا يدخل يديه في ~~الكمين) ظاهر هذا اللفظ إباحة لبس القباء، ما لم يدخل يديه في كميه، وهو ~~قول الحسن، وعطاء، وإبراهيم، وبه قال أبو حنيفة. # وقال القاضي، وأبو الخطاب: إذا أدخل كتفيه في القباء، فعليه الفدية، وإن ~~لم يدخل يديه في كميه. وهو مذهب مالك، والشافعي؛ لأنه مخيط لبسه المحرم على ~~العادة في لبسه، فلزمته الفدية إذا كان عامدا، كالقميص. وروى ابن المنذر، ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس الأقبية» . ووجه قول الخرقي، ~~ما تقدم من حديث عبد الرحمن بن عوف، في مسألة إن لم يجد إزارا لبس ~~السراويل، وإن لم يجد نعلين لبس الخفين. ولأن القباء لا يحيط بالبدن، فلم ~~تلزمه ms1494 الفدية بوضعه على كتفيه، إذا لم يدخل يديه في كميه، كالقميص يتشح به، ~~وقياسهم منقوض بالرداء الموصل، والخبر محمول على لبسه مع إدخال يديه في ~~كميه. ### | [مسألة كراهة الاستظلال في المحمل للمحرم خاصة وما كان في معناه] # (2337) مسألة: قال: (ولا يظلل على رأسه في المحمل، فإن فعل فعليه دم) كره ~~أحمد الاستظلال في المحمل خاصة، وما كان في معناه، كالهودج والعمارية ~~والكبيسة ونحو ذلك على البعير. وكره ذلك ابن عمر، ومالك وعبد الرحمن بن ~~مهدي، وأهل المدينة. وكان سفيان بن عيينة يقول: لا يستظل ألبتة. ورخص فيه ~~ربيعة، والثوري، والشافعي. # وروي ذلك عن عثمان، وعطاء؛ لما روت أم الحصين، قالت: «حججت مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع، # PageV03P286 # فرأيت أسامة وبلالا، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة» . رواه مسلم ~~وغيره. ولأنه يباح له التظلل في البيت والخباء، فجاز في حال الركوب، ~~كالحلال، ولأن ما حل للحلال حل للمحرم، إلا ما قام على تحريمه دليل. واحتج ~~أحمد بقول ابن عمر، روى عطاء قال: رأى ابن عمر على رحل عمر بن عبد الله بن ~~أبي ربيعة عودا يستره من الشمس، فنهاه. وعن نافع، عن ابن عمر، أنه رأى رجلا ~~محرما على رحل، قد رفع ثوبا على عود يستتر به من الشمس، فقال: اضح لمن ~~أحرمت له. أي ابرز للشمس. رواهما الأثرم. ولأنه ستر بما يقصد به الترفه، ~~أشبه ما لو غطاه. والحديث ذهب إليه أحمد، فلم يكره أن يستتر بثوب ونحوه، ~~فإن ذلك لا يقصد للاستدامة، والهودج بخلافه، والخيمة والبيت يرادان لجمع ~~الرحل وحفظه، لا للترفه. وظاهر كلام أحمد، أنه إنما كره ذلك كراهة تنزيه، ~~لوقوع الخلاف فيه، وقول ابن عمر، ولم ير ذلك حراما، ولا موجبا لفدية. قال ~~الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المحرم يستظل على المحمل؟ قال: لا. # وذكر حديث ابن عمر: اضح لمن أحرمت له. قيل له: فإن فعل يهريق دما؟ قال: ms1495 ~~أما الدم فلا. قيل: فإن أهل المدينة يقولون: عليه دم. قال: نعم، أهل ~~المدينة يغلطون فيه. # وقد روي ذلك عن أحمد، وهو اختيار الخرقي؛ لأنه ستر رأسه بما يستدام ~~ويلازمه غالبا، فأشبه ما لو ستره بشيء يلاقيه. ويروى عن الرياشي قال: رأيت ~~أحمد بن المعذل في الموقف، في يوم حر شديد، وقد ضحى للشمس، فقلت له: يا أبا ~~الفضل: هذا أمر قد اختلف فيه، فلو أخذت بالتوسعة. فأنشأ يقول: # ضحيت له كي أستظل بظله ... إذا الظل أضحى في القيامة قالصا # فوا أسفا إن كان سعيك باطلا ... ويا حسرتا إن كان حجك ناقصا ### | [فصل لا بأس أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخباء] # (2338) فصل: ولا بأس أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخباء، وإن نزل ~~تحت شجرة، فلا بأس أن يطرح عليها ثوبا يستظل به، عند جميع أهل العلم. # وقد صح به النقل، فإن جابرا قال في حديث حجة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «وأمر بقبة من شعر، فضربت له بنمرة، فأتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له ~~بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس» . رواه مسلم، وابن ماجه، وغيرهما. ~~ولا بأس أيضا أن ينصب حياله ثوبا يقيه الشمس والبرد، إما أن يمسكه إنسان، ~~أو يرفعه على عود، # PageV03P287 # على نحو ما روي في حديث أم الحصين، «أن بلالا أو أسامة كان رافعا ثوبا ~~يستر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحر» . ولأن ذلك لا يقصد به ~~الاستدامة، فلم يكن به بأس، كالاستظلال بحائط. ### | [مسألة تحريم قتل الصيد واصطياده على المحرم] # (2339) مسألة: قال: (ولا يقتل الصيد، ولا يصيده، ولا يشير إليه، ولا يدل ~~عليه، حلالا ولا حراما) لا خلاف بين أهل العلم، في تحريم قتل الصيد ~~واصطياده على المحرم. وقد نص الله تعالى عليه في كتابه، فقال سبحانه: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] . # وقال تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] . وتحرم ~~عليه الإشارة إلى الصيد، والدلالة عليه؛ فإن في حديث أبي قتادة «لما صاد ~~الحمار ms1496 الوحشي، وأصحابه محرمون، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: ~~هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟» . وفي لفظ متفق عليه: ~~«فأبصروا حمارا وحشيا، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني، وأحبوا لو أني ~~أبصرته» . وهذا يدل على أنهم اعتقدوا تحريم الدلالة عليه. وسؤال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لهم: (هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار ~~إليها؟) يدل على تعلق التحريم بذلك لو وجد منهم. ولأنه تسبب إلى محرم عليه، ~~فحرم، كنصبه الأحبولة. ### | [فصل لا يحل للمحرم الإعانة على الصيد] # (2340) فصل: ولا تحل له الإعانة على الصيد بشيء، فإن في حديث أبي قتادة ~~المتفق عليه: «ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط ~~والرمح، قالوا: والله لا نعينك عليه» . وفي رواية: «فاستعنتهم، فأبوا أن ~~يعينوني» . وهذا يدل على أنهم اعتقدوا تحريم الإعانة، والنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أقرهم على ذلك. ولأنه إعانة على محرم، فحرم، كالإعانة على قتل ~~الآدمي. ### | [فصل دل المحرم حلالا على الصيد فأتلفه] # (2341) فصل: ويضمن الصيد بالدلالة، فإذا دل المحرم حلالا على الصيد ~~فأتلفه، فالجزاء كله على المحرم. روي ذلك عن علي وابن عباس وعطاء ومجاهد ~~وبكر المزني، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # وقال مالك، والشافعي: لا شيء على الدال؛ لأنه يضمن بالجناية، فلا يضمن ~~بالدلالة، كالآدمي. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحاب أبي ~~قتادة: «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟» ولأنه سبب يتوصل ~~به إلى إتلاف الصيد، فتعلق به الضمان، كما لو نصب أحبولة، ولأنه قول علي ~~وابن عباس. ولا نعرف لهما مخالفا في الصحابة. # PageV03P288 ### | [فصل دل المحرم محرما على الصيد فقتله] # (2342) فصل: فإن دل محرما على الصيد، فقتله فالجزاء بينهما. وبه قال ~~عطاء، وحماد بن أبي سليمان. وقال الشعبي، وسعيد بن جبير، والحارث العكلي، ~~وأصحاب الرأي: على كل واحد جزاء؛ لأن كل واحد من الفعلين يستقل بجزاء كامل ~~إذا كان منفردا. فكذلك إذا انضم إليه غيره. # وقال مالك، والشافعي: لا ضمان على الدال. ولنا، أن ms1497 الواجب جزاء المتلف، ~~وهو واحد، فيكون الجزاء واحدا، وعلى قول مالك والشافعي ما سبق، ولا فرق في ~~جميع ذلك بين كون المدلول ظاهرا أو خفيا لا يراه إلا بالدلالة عليه. # ولو دل محرم محرما على صيد، ثم دل الآخر آخر، ثم كذلك إلى عشرة، فقتله ~~العاشر، كان الجزاء على جميعهم. وإن قتله الأول، لم يضمن غيره؛ لأنه لم ~~يدله عليه أحد، فلا يشاركه في ضمانه أحد. # ولو كان المدلول رأى الصيد قبل الدلالة والإشارة، فلا شيء على الدال ~~والمشير؛ لأن ذلك لم يكن سببا في تلفه، ولأن هذه ليست دلالة على الحقيقة، ~~وكذلك إن وجد من المحرم حدث عند رؤية الصيد، من ضحك، أو استشراف إلى الصيد، ~~ففطن له غيره فصاده، فلا شيء على المحرم؛ بدليل ما جاء في حديث أبي قتادة ~~قال: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بالقاحة، ~~ومنا المحرم، ومنا غير المحرم، إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئا، فنظرت، فإذا ~~حمار وحش» . وفي لفظ: «فبينا أنا مع أصحابي يضحك بعضهم، إذ نظرت، فإذا أنا ~~بحمار وحش» . وفي لفظ: «فلما كنا بالصفاح فإذا هم يتراءون. فقلت: أي شيء ~~تنظرون؟ فلم يخبروني» . متفق عليه. ### | [فصل أعار المحرم قاتل الصيد سلاحا] # (2343) فصل: فإن أعار قاتل الصيد سلاحا، فقتله به، فهو كما لو دله عليه، ~~سواء كان المستعار مما لا يتم قتله إلا به، أو أعاره شيئا هو مستغن عنه، ~~مثل أن يعيره رمحا ومعه رمح، وكذلك لو أعانه عليه بمناولته سوطه أو رمحه، ~~أو أمره باصطياده؛ لما ذكرنا من حديث أبي قتادة، وقول أصحابه: والله لا ~~نعينك عليه بشيء. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هل منكم أحد أمره أن ~~يحمل عليها، أو أشار إليها؟» . وكذلك إن أعاره سكينا، فذبحه بها. فإن أعاره ~~آلة ليستعملها في غير الصيد، فاستعملها في الصيد، لم يضمن؛ لأن ذلك غير ~~محرم عليه، فأشبه ما لو ضحك عند رؤية الصيد، ففطن له إنسان، فصاده. ### | [فصل دل الحلال محرما على الصيد فقتله] ms1498 # (2344) فصل: وإن دل الحلال محرما على الصيد، فقتله، فلا شيء على الحلال؛ ~~لأنه لا يضمن الصيد بالإتلاف، # PageV03P289 # فبالدلالة أولى، إلا أن يكون ذلك في الحرم، فيشاركه في الجزاء؛ لأن صيد ~~الحرم حرام على الحلال والحرام. نص عليه أحمد. ### | [فصل صاد المحرم صيدا لم يملكه] # (2345) فصل: وإن صاد المحرم صيدا لم يملكه، فإن تلف في يده، فعليه جزاؤه، ~~وإن أمسكه حتى حل، لزمه إرساله، وليس له ذبحه، فإن فعل، أو تلف الصيد، ~~ضمنه، وحرم أكله؛ لأنه صيد ضمنه بحرمة الإحرام، فلم يبح أكله، كما لو ذبحه ~~حال إحرامه، ولأنها ذكاة منع منها بسبب الإحرام، فأشبهت ما لو كان الإحرام ~~باقيا. واختار أبو الخطاب أن له أكله وعليه ضمانه؛ لأنه ذبحه وهو من أهل ~~ذبح الصيد، فأشبه ما لو صاده بعد الحل. والفرق ظاهر؛ لأن هذا يلزمه ضمانه ~~والذي صاده بعد الحل لا ضمان عليه فيه. ### | [مسألة تحريم الصيد على المحرم إذا صاده أو ذبحه] # (2346) مسألة: قال: (ولا يأكله إذا صاده الحلال لأجله) لا خلاف في تحريم ~~الصيد على المحرم إذا صاده أو ذبحه. وقد قال الله تعالى: {وحرم عليكم صيد ~~البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] . # وإن صاده حلال وذبحه، وكان من المحرم إعانة فيه، أو دلالة عليه، أو إشارة ~~إليه، لم يبح أيضا. وإن صيد من أجله، لم يبح له أيضا أكله. وروي ذلك عن ~~عثمان بن عفان. وهو قول مالك، والشافعي. # وقال أبو حنيفة: له أكله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي ~~قتادة: «هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه بشيء؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما ~~بقي من لحمها» . متفق عليه. فدل على أن التحريم إنما يتعلق بالإشارة والأمر ~~والإعانة، ولأنه صيد مذكى، لم يحصل فيه ولا في سببه صنع منه، فلم يحرم عليه ~~أكله، كما لو لم يصد له. وحكي عن علي، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس، أن لحم ~~الصيد يحرم على المحرم بكل حال، وبه قال طاوس. وكرهه الثوري، وإسحاق؛ لعموم # قوله: {وحرم عليكم صيد ms1499 البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] . وروي عن ابن ~~عباس، عن الصعب بن جثامة الليثي، أنه «أهدى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما في وجهه، قال: ~~إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» . متفق عليه. وفي لفظ: «أهدى الصعب بن جثامة ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل حمار. وفي رواية: عجز حمار.» وفي ~~رواية: شق حمار. روى ذلك كله مسلم. وروى أبو داود، بإسناده عن عبد الله بن ~~الحارث، عن أبيه قال: كان الحارث خليفة عثمان على الطائف، فصنع له طعاما، ~~وصنع فيه من الحجل واليعاقيب # PageV03P290 # ولحم الوحش، فبعث إلى علي بن أبي طالب فجاءه فقال: أطعموه قوما حلالا، ~~فأنا حرم. ثم قال علي: أنشد الله من كان هاهنا من أشجع، أتعلمون «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أهدى إليه رجل حمار وحش، فأبى أن يأكله» ؟ ~~قالوا: نعم. ولأنه لحم صيد فحرم على المحرم، كما لو دل عليه. # ولنا، ما روى جابر، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يصد لكم» . رواه أبو داود، والنسائي، ~~والترمذي، وقال: هو أحسن حديث في الباب. وهذا صريح في الحكم،؛ وفيه جمع بين ~~الأحاديث، وبيان المختلف منها، فإن ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - للأكل ~~مما أهدي إليه، يحتمل أن يكون لعلمه أنه صيد من أجله أو ظنه، ويتعين حمله ~~على ذلك، لما قدمت من حديث أبي قتادة، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أصحابه بأكل الحمار الذي صاده. وعن طلحة، «أنه أهدي له طير، وهو راقد، فأكل ~~بعض أصحابه وهم محرمون، وتورع بعض، فلما استيقظ طلحة وافق من أكله، وقال: ~~أكلناه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . رواه مسلم. # وفي (الموطأ) ، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يريد مكة وهو ~~محرم، حتى إذا كان بالروحاء، إذا ms1500 حمار وحش عقير، فجاء البهزي وهو صاحبه، ~~فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أبا بكر فقسمه بين الرفاق» . وهو حديث صحيح. وأحاديثهم إن لم يكن ~~فيها ذكر أنه صيد من أجلهم، فتعين ضم هذا القيد إليها لحديثنا، وجمعا بين ~~الأحاديث، ودفعا للتناقض عنها، ولأنه صيد للمحرم، فحرم، كما لو أمر أو ~~أعان. ### | [فصل ما حرم على المحرم من الصيد لم يحرم على الحلال] # (2347) فصل: وما حرم على المحرم، لكونه صيد من أجله، أو دل عليه، أو أعان ~~عليه، لم يحرم على الحلال أكله؛ لقول علي، أطعموه حلالا. وقد بينا حمله على ~~أنه صيد من أجلهم، وحديث الصعب بن جثامة، حين رد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الصيد عليه، ولم ينهه عن أكله. ولأنه صيد حلال، فأبيح للحلال أكله، ~~كما لو صيد لهم. وهل يباح أكله لمحرم آخر؟ ظاهر الحديث إباحته له؛ لقوله: ~~«صيد البر لكم حلال، ما لم تصيدوه، أو يصد لكم» . وهو قول عثمان بن عفان - ~~رضي الله عنه -؛ لأنه روي أنه أهدي إليه صيد، وهو محرم، فقال لأصحابه: ~~كلوا. ولم يأكل هو، وقال: إنما صيد من أجلي. ولأنه لم يصد من أجله، فحل له ~~كما لو صاده الحلال لنفسه. # ويحتمل أن يحرم عليه. وهو ظاهر # PageV03P291 # قول علي، - رضي الله عنه -؛ لقوله: أطعموه حلالا، فأنا حرم. ولقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي قتادة: «هل منكم أحد أمره أن يحمل ~~عليها، أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوه» . فمفهومه أن إشارة واحد ~~منهم تحرمه عليهم. ### | [فصل قتل المحرم الصيد ثم أكله] # (2348) فصل: إذا قتل المحرم الصيد، ثم أكله، ضمنه للقتل دون الأكل. وبه ~~قال مالك، والشافعي. وقال عطاء، وأبو حنيفة: يضمنه للأكل أيضا؛ لأنه أكل من ~~صيد محرم عليه، فيضمنه، كما لو أكل مما صيد لأجله. # ولنا، أنه صيد مضمون بالجزاء، فلم يضمن ثانيا، كما لو أتلفه بغير الأكل، ~~وكصيد الحرم إذا قتله الحلال وأكله، وكذلك إن قتله محرم ms1501 آخر، ثم أكل هذا ~~منه، لم يجب عليه الجزاء؛ لما ذكرنا. ولأن تحريمه لكونه ميتة، والميتة لا ~~تضمن بالجزاء. وكذلك إن حرم عليه أكله للدلالة عليه، والإعانة عليه، فأكل ~~منه، لم يضمن؛ لأنه صيد مضمون بالجزاء مرة، فلا يجب به جزاء ثان، كما لو ~~أتلفه. # وإن أكل مما صيد لأجله، ضمنه. وهو قول مالك. وقاله الشافعي في القديم. ~~وقال في الجديد: لا جزاء عليه؛ لأنه أكل للصيد، فلم يجب به الجزاء، كما لو ~~قتله ثم أكله. # ولنا، إنه إتلاف ممنوع منه لحرمة الإحرام، فتعلق به الضمان، كالقتل. أما ~~إذا قتله، ثم أكله، لا يحرم للإتلاف، إنما حرم لكونه ميتة. إذا ثبت هذا ~~فإنه يضمنه بمثله من اللحم؛ لأن أصله مضمون بمثله من النعم، فكذلك أبعاضه ~~تضمن بمثلها، بخلاف حيوان الآدمي، فإنه يضمنه بقيمته، فكذلك أبعاضه. ### | [فصل إذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة] # (2349) فصل: وإذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة، يحرم أكله على جميع الناس. ~~وهذا قول الحسن، والقاسم، وسالم، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ~~وأصحاب الرأي. # وقال الحكم، والثوري، وأبو ثور: لا بأس بأكله. قال ابن المنذر: وهو ~~بمنزلة ذبيحة السارق. وقال عمرو بن دينار، وأيوب السختياني: يأكله الحلال. ~~وحكي عن الشافعي قول قديم، أنه يحل لغيره الأكل منه؛ لأن من أباحت ذكاته ~~غير الصيد أباحت الصيد، كالحلال. # ولنا، أنه حيوان حرم عليه ذبحه لحق الله تعالى، فلم يحل بذبحه كالمجوسي، ~~وبهذا فارق سائر الحيوانات، وفارق غير الصيد، فإنه لا يحرم ذبحه، وكذلك ~~الحكم في صيد الحرم إذا ذبحه الحلال. # PageV03P292 ### | [فصل اضطر المحرم فوجد صيدا وميتة] # (2350) فصل: إذا اضطر المحرم، فوجد صيدا وميتة، أكل الميتة. وبهذا قال ~~الحسن، والثوري، ومالك. # وقال الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر: يأكل الصيد. وهذه المسألة مبنية على ~~أنه إذا ذبح الصيد كان ميتة، فيساوي الميتة في التحريم، ويمتاز بإيجاب ~~الجزاء، وما يتعلق به من هتك حرمة الإحرام، فلذلك كان أكل الميتة أولى، إلا ~~أن لا تطيب نفسه بأكلها، فيأكل الصيد، كما لو لم يجد غيره. ### | [مسألة المحرم ms1502 ممنوع من الطيب] # (2351) مسألة: قال: (ولا يتطيب المحرم) أجمع أهل العلم على أن المحرم ~~ممنوع من الطيب. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في المحرم الذي ~~وقصته راحلته: «لا تمسوه بطيب» . رواه مسلم. وفي لفظ: (لا تحنطوه) . متفق ~~عليه. فلما منع الميت من الطيب لإحرامه، فالحي أولى. ومتى تطيب، فعليه ~~الفدية؛ لأنه استعمل ما حرمه الإحرام، فوجبت عليه الفدية، كاللباس. ومعنى ~~الطيب: ما تطيب رائحته، ويتخذ للشم، كالمسك، والعنبر، والكافور، والغالية، ~~والزعفران، وماء الورد، والأدهان المطيبة، كدهن البنفسج ونحوه. # (2352) فصل: والنبات الذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب: أحدها، ما لا ~~ينبت للطيب، ولا يتخذ منه، كنبات الصحراء، من الشيح والقيصوم والخزامى، ~~والفواكه كلها من الأترج والتفاح والسفرجل وغيره، وما ينبته الآدميون لغير ~~قصد الطيب، كالحناء والعصفر، فمباح شمه، ولا فدية فيه. ولا نعلم فيه خلافا، ~~إلا ما روي عن ابن عمر، أنه كان يكره للمحرم أن يشم شيئا من نبات الأرض، من ~~الشيح والقيصوم وغيرهما. ولا نعلم أحدا أوجب في ذلك شيئا، فإنه لا يقصد ~~للطيب، ولا يتخذ منه طيب، أشبه سائر نبات الأرض. قد روي «أن أزواج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كن يحرمن في المعصفرات» . الثاني، ما ينبته ~~الآدميون للطيب، ولا يتخذ منه طيب، كالريحان الفارسي، والمرزجوش # PageV03P293 # والنرجس، والبرم، ففيه وجهان؛ أحدهما، يباح بغير فدية. # قاله عثمان بن عفان، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وإسحاق. والآخر، يحرم ~~شمه، فإن فعل فعليه الفدية. وهو قول جابر، وابن عمر، والشافعي، وأبي ثور؛ ~~لأنه يتخذ للطيب، فأشبه الورد. وكرهه مالك، وأصحاب الرأي، ولم يوجبوا فيه ~~شيئا. وكلام أحمد فيه محتمل لها؛ فإنه قال في الريحان: ليس من آلة المحرم. ~~ولم يذكر فديته؛ وذلك لأنه لا يتخذ منه طيب، فأشبه العصفر. الثالث، ما ينبت ~~للطيب، ويتخذ منه طيب، كالورد والبنفسج والياسمين والخيري، فهذا إذا ~~استعمله وشمه، ففيه الفدية؛ لأن الفدية تجب فيما يتخذ منه، فكذلك في أصله. # وعن أحمد، رواية أخرى في الورد: لا فدية عليه في شمه؛ لأنه زهر شمه ms1503 على ~~جهته، أشبه زهر سائر الشجر. وذكر أبو الخطاب في هذا والذي قبله روايتين. ~~والأولى تحريمه؛ لأنه ينبت للطيب، ويتخذ منه، أشبه الزعفران والعنبر. قال ~~القاضي: يقال إن العنبر ثمر شجر، وكذلك الكافور. # (2353) فصل: وإن مس من الطيب ما يعلق بيده، كالغالية، وماء الورد، والمسك ~~المسحوق الذي يعلق بأصابعه، فعليه الفدية؛ لأنه مستعمل للطيب. وإن مس ما لا ~~يعلق بيده، كالمسك غير المسحوق، وقطع الكافور، والعنبر، فلا فدية؛ لأنه غير ~~مستعمل للطيب. فإن شمه، فعليه الفدية؛ لأنه يستعمل هكذا. وإن شم العود، فلا ~~فدية عليه؛ لأنه لا يتطيب به هكذا. ### | [مسألة لا يلبس المحرم ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا طيب] # (2354) مسألة: قال: (ولا يلبس ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا طيب) لا نعلم ~~بين أهل العلم خلافا في هذا. وهو قول جابر، وابن عمر، ومالك، والشافعي، ~~وأبي ثور، وأصحاب الرأي. قال ابن عبد البر: لا خلاف في هذا بين العلماء، ~~وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تلبسوا من الثياب شيئا مسه ~~الزعفران، ولا الورس» . متفق عليه. فكل ما صبغ بزعفران أو ورس، أو غمس في ~~ماء ورد، أو بخر بعود، فليس للمحرم لبسه، ولا الجلوس عليه، ولا النوم عليه. ~~نص أحمد عليه. # وذلك لأنه استعمال له، فأشبه لبسه. ومتى لبسه، أو استعمله، فعليه الفدية. ~~وبذلك قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كان رطبا يلي بدنه، أو يابسا ينفض، ~~فعليه الفدية، وإلا فلا؛ لأنه ليس بمتطيب. # ولنا، أنه منهي عنه لأجل الإحرام فلزمته الفدية به، كاستعمال الطيب في ~~بدنه. ولأنه محرم استعمل ثوبا مطيبا، فلزمته الفدية به كالرطب. فإن غسله ~~حتى ذهب ما فيه من ذلك، فلا بأس به عند جميع العلماء. # PageV03P294 ### | [فصل إن انقطعت رائحة ثوب المحرم] # (2355) فصل: وإن انقطعت رائحة الثوب، لطول الزمن عليه، أو لكونه صبغ ~~بغيره، فغلب عليه، بحيث لا يفوح له رائحة إذا رش فيه الماء، فلا بأس ~~باستعماله، لزوال الطيب منه. وبهذا قال سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، ~~والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب ms1504 الرأي. وروي ذلك عن عطاء، وطاوس. وكره ذلك ~~مالك، إلا أن يغسل ويذهب لونه؛ لأن عين الزعفران ونحوه فيه. # ولنا، أنه إنما نهي عنه من أجل رائحته، وقد ذهبت بالكلية. فأما إن لم يكن ~~له رائحة في الحال، لكن كان بحيث إذا رش فيه ماء فاح ريحه، ففيه الفدية؛ ~~لأنه متطيب، بطيب، بدليل أن رائحته تظهر عند رش الماء فيه، والماء لا رائحة ~~له، وإنما هي من الصبغ الذي فيه. فأما إن فرش فوق الثوب ثوبا صفيقا يمنع ~~الرائحة والمباشرة، فلا فدية عليه بالجلوس والنوم عليه. # وإن كان الحائل بينهما ثياب بدنه، ففيه الفدية؛ لأنه يمنع من استعمال ~~الطيب في الثوب الذي عليه، كمنعه من استعماله في بدنه. ### | [مسألة العصفر ليس بطيب ولا بأس باستعماله وشمه ولا بما صبغ به للمحرم] # (2356) مسألة: قال: (ولا بأس بما صبغ بالعصفر) وجملة ذلك أن العصفر ليس ~~بطيب، ولا بأس باستعماله وشمه، ولا بما صبغ به. # وهذا قول جابر، وابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وعقيل بن أبي طالب. وهو ~~مذهب الشافعي. وعن عائشة، وأسماء، وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنهن كن يحرمن في المعصفرات. وكرهه مالك إذا كان ينتفض في بدنه، ولم يوجب ~~فيه فدية. ومنع منه الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وشبهوه بالمورس ~~والمزعفر؛ لأنه صبغ طيب الرائحة، فأشبه ذلك. # ولنا، ما روى أبو داود، بإسناده عن ابن عمر، أنه سمع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس ~~الورس والزعفران من الثياب» ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب، من ~~معصفر، أو خز، أو حلي، أو سراويل، أو قميص، أو خف. وروى الإمام أحمد، في ~~المناسك، بإسناده عن عائشة بنت سعد، قالت: «كنا أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نحرم في المعصفرات» . ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف ~~لهم مخالفا، ولأنه ليس بطيب، فلم يكره ما صبغ به، كالسواد، والمصبوغ ~~بالمغرة، وأما الورس والزعفران فإنه طيب، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل ms1505 لا بأس بلبس الممشق للمحرم] # (2357) فصل: ولا بأس بالممشق، وهو المصبوغ بالمغرة؛ لأنه مصبوغ بطين لا ~~بطيب، وكذلك المصبوغ بسائر # PageV03P295 # الأصباغ، سوى ما ذكرنا؛ لأن الأصل الإباحة، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، ~~وما كان في معناه، وليس هذا كذلك. # وأما المصبوغ بالرياحين، فهو مبني على الرياحين في نفسها، فما منع المحرم ~~من استعماله، منع لبس المصبوغ به، إذا ظهرت رائحته، وإلا فلا. ### | [مسألة المحرم ممنوع من أخذ شعره إلا من عذر] # (2358) مسألة: قال: (ولا يقطع شعرا من رأسه، ولا جسده) أجمع أهل العلم ~~على أن المحرم ممنوع من أخذ شعره، إلا من عذر. والأصل فيه قول الله تعالى ~~{ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] . وروى كعب بن ~~عجرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: «لعلك يؤذيك هوام ~~رأسك؟ قال: نعم، يا رسول الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة» . متفق عليه. # وهذا يدل على أن الحلق كان قبل ذلك محرما، وشعر الرأس والجسد في ذلك ~~سواء. # (2359) فصل: فإن كان له عذر، من مرض، أو وقع في رأسه قمل، أو غير ذلك مما ~~يتضرر بإبقاء الشعر، فله إزالته، للآية والخبر. قال ابن عباس: {فمن كان ~~منكم مريضا} [البقرة: 196] . أي برأسه قروح، {أو به أذى من رأسه} [البقرة: ~~196] . أي قمل. ثم ينظر؛ فإن كان الضرر اللاحق به من نفس الشعر، مثل أن ~~ينبت في عينه، أو طال حاجباه فغطيا عينيه، فله قلع ما في العين، وقطع ما ~~استرسل على عينيه، ولا فدية عليه؛ لأن الشعر آذاه، فكان له دفع أذيته بغير ~~فدية، كالصيد إذا صال عليه، وإن كان الأذى من غير الشعر، لكن لا يتمكن من ~~إزالة الأذى إلا بإزالة الشعر، كالقمل والقروح برأسه، أو صداع برأسه، أو ~~شدة الحر عليه لكثرة شعره، فعليه الفدية؛ لأنه قطع الشعر لإزالة ضرر غيره، ~~فأشبه أكل الصيد للمخمصة. فإن قيل: فالقمل من ضرر الشعر، والحر سببه كثرة ms1506 ~~الشعر. قلنا: ليس القمل من الشعر، وإنما لا يتمكن من المقام في الرأس إلا ~~به، فهو محل له، لا سبب فيه. وكذلك الحر من الزمان، بدليل أن الشعر يوجد في ~~زمن البرد، فلا يتأذى به، والله أعلم. ### | [مسألة المحرم ممنوع من قلم أظفاره إلا من عذر] # (2360) مسألة: قال: (ولا يقطع ظفرا إلا أن ينكسر) أجمع أهل العلم على أن ~~المحرم ممنوع من قلم أظفاره، إلا من عذر؛ لأن قطع الأظفار إزالة جزء يترفه ~~به، فحرم، كإزالة الشعر. فإن انكسر، فله إزالته من غير فدية تلزمه. قال ابن ~~المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه ~~إذا انكسر، ولأن ما انكسر يؤذيه ويؤلمه، # PageV03P296 # فأشبه الشعر النابت في عينه، والصيد الصائل عليه. فإن قص أكثر مما انكسر، ~~فعليه الفدية لذلك الزائد، كما لو قطع من الشعر أكثر مما يحتاج إليه. # وإن احتاج إلى مدواة قرحة، فلم يمكنه إلا بقص أظفاره، فعليه الفدية لذلك. ~~وقال ابن القاسم، صاحب مالك: لا فدية عليه. ولنا، أنه أزال ما منع إزالته ~~لضرر في غيره، فأشبه حلق رأسه دفعا لضرر قمله. وإن وقع في أظفاره مرض، ~~فأزالها لذلك المرض، فلا فدية عليه، لأنه أزالها لإزالة مرضها، فأشبه قصها ~~لكسرها. ### | [مسألة لا ينظر المحرم في المرآة لإصلاح شيء] # (2361) مسألة: قال: (ولا ينظر في المرآة لإصلاح شيء) يعني لا ينظر فيها ~~لإزالة شعث، أو تسوية شعر، أو شيء من الزينة. قال أحمد: لا بأس أن ينظر في ~~المرآة، ولا يصلح شعثا، ولا ينفض عنه غبارا. # وقال أيضا: إذا كان يريد به زينة فلا. قيل: فكيف يريد زينة؟ قال: يرى ~~شعرة فيسويها. وروي نحو ذلك عن عطاء. والوجه في ذلك أنه قد روي في حديث: ~~«إن المحرم الأشعث الأغبر» . # وفي آخر: «إن الله يباهي بأهل عرفة ملائكته، فيقول: يا ملائكتي، انظروا ~~إلى عبادي، قد أتوني شعثا غبرا ضاحين» . أو كما جاء لفظ الحديث. فإن نظر ~~فيها لحاجة، كمداواة جرح، أو إزالة شعر ينبت ms1507 في عينه، ونحو ذلك مما أباح ~~الشرع له فعله، فلا بأس، ولا فدية عليه بالنظر في المرآة على كل حال، وإنما ~~ذلك أدب لا شيء على تاركه. لا نعلم أحدا أوجب في ذلك شيئا. وقد روي عن ابن ~~عمر، وعمر بن عبد العزيز، أنهما كانا ينظران في المرآة، وهما محرمان. ### | [مسألة الزعفران وغيره من الطيب إذا جعل في مأكول أو مشروب لم يبح للمحرم تناوله] # (2362) مسألة: قال: (ولا يأكل من الزعفران ما يجد ريحه) وجملة ذلك أن ~~الزعفران وغيره من الطيب، إذا جعل في مأكول أو مشروب، فلم تذهب رائحته، لم ~~يبح للمحرم تناوله، نيئا كان أو قد مسته النار. وبهذا قال الشافعي. وكان ~~مالك وأصحاب الرأي لا يرون بما مست النار من الطعام بأسا، سواء ذهب لونه ~~وريحه وطعمه، أو بقي ذلك كله؛ لأنه بالطبخ. استحال عن كونه طيبا. # وروي عن ابن عمر، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطاوس، أنهم لم يكونوا ~~يرون بأكل الخشكنانج الأصفر بأسا، وكرهه القاسم بن محمد، وجعفر بن محمد، ~~ولنا، أن الاستمتاع به، والترفه به، حاصل من حيث المباشرة، فأشبه ما لو كان ~~نيئا، ولأن المقصود من الطيب رائحته، وهي باقية، وقول من أباح الخشكنانج ~~الأصفر محمول على ما لم يبق فيه رائحة، فإن ما ذهبت رائحته وطعمه، ولم يبق ~~فيه إلا اللون مما مسته النار، لا بأس بأكله. لا نعلم فيه خلافا، سوى أن # PageV03P297 # القاسم وجعفر بن محمد، كرها الخشكنانج الأصفر. ويمكن حمله على ما بقيت ~~رائحته؛ ليزول الخلاف. فإن لم تمسه النار، لكن ذهبت رائحته وطعمه، فلا بأس ~~به. # وهو قول الشافعي. وكره مالك، والحميدي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، الملح ~~الأصفر، وفرقوا بين ما مسته النار، وما لم تمسه. # ولنا، أن المقصود الرائحة، فإن الطيب إنما كان طيبا لرائحته، لا للونه، ~~فوجب دوران الحكم معها دونه. # (2363) فصل: فإن ذهبت رائحته، وبقي لونه وطعمه، فظاهر كلام الخرقي ~~إباحته؛ لما ذكرنا من أنها المقصود، فيزول المنع بزوالها. وظاهر كلام أحمد، ~~في رواية، صالح تحريمه. وهو ms1508 مذهب الشافعي. قال القاضي: محال أن تنفك ~~الرائحة عن الطعم، فمتى بقي الطعم دل على بقائها، فلذلك وجبت الفدية ~~باستعماله. ### | [مسألة لا يدهن المحرم بما فيه طيب وما لا طيب فيه] # (2364) مسألة: قال: (ولا يدهن بما فيه طيب، وما لا طيب فيه) أما المطيب ~~من الأدهان، كدهن الورد والبنفسج والزنبق والخيري واللينوفر، فليس في تحريم ~~الادهان به خلاف في المذهب. وهو قول الأوزاعي. وكره مالك، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي، الادهان بدهن البنفسج. # وقال الشافعي: ليس بطيب. ولنا، أنه يتخذ للطيب، وتقصد رائحته، فكان طيبا، ~~كماء الورد. فأما ما لا طيب فيه، كالزيت والشيرج والسمن والشحم ودهن البان ~~الساذج، فنقل الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المحرم يدهن بالزيت ~~والشيرج؟ فقال: نعم، يدهن به إذا احتاج إليه. ويتداوى المحرم بما يأكل. قال ~~ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم، على أن للمحرم أن يدهن بدنه بالشحم ~~والزيت والسمن. # ونقل الأثرم جواز ذلك عن ابن عباس، وأبي ذر، والأسود بن يزيد، وعطاء، ~~والضحاك، وغيرهم. ونقل أبو داود، عن أحمد، أنه قال: الزيت الذي يؤكل لا ~~يدهن المحرم به رأسه. فظاهر هذا، أنه لا يدهن رأسه بشيء من الأدهان. وهو ~~قول عطاء، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنه يزيل الشعث، ~~ويسكن الشعر. # فأما دهن سائر البدن، فلا نعلم عن أحمد فيه منعا. وقد ذكرنا إجماع أهل ~~العلم على إباحته في اليدين، وإنما الكراهة في الرأس خاصة؛ لأنه محل الشعر. # وقال القاضي: في إباحته في جميع البدن روايتان؛ فإن فعله فلا فدية فيه، ~~في ظاهر كلام أحمد، سواء دهن رأسه أو غيره، إلا أن يكون مطيبا. # وقد روي عن ابن عمر أنه صدع وهو محرم، فقالوا: ألا ندهنك بالسمن؟ قال: ~~لا. قالوا: أليس تأكله؟ قال: ليس أكله كالادهان به. وعن مجاهد، قال: إن ~~تداوى به فعليه الكفارة. # وقال الذين منعوا من دهن الرأس: فيه الفدية؛ لأنه مزيل للشعث، أشبه ما لو ~~كان مطيبا. # PageV03P298 # ولنا، أن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولا دليل ms1509 فيه من نص ولا إجماع، ولا ~~يصح قياسه على الطيب، فإن الطيب يوجب الفدية، وإن لم يزل شعثا، ويستوي فيه ~~الرأس وغيره، والدهن بخلافه، ولأنه مائع لا تجب الفدية باستعماله في ~~اليدين، فلم تجب باستعماله في الرأس، كالماء. ### | [مسألة لا يتعمد المحرم لشم الطيب] # (2365) مسألة: قال: (ولا يتعمد لشم الطيب) أي لا يقصد شمه من غيره بفعل ~~منه، نحو أن يجلس عند العطارين لذلك، أو يدخل الكعبة حال تجميرها، ليشم ~~طيبها، أو يحمل معه عقدة فيها مسك ليجد ريحها. قال أحمد: سبحان الله، كيف ~~يجوز هذا؟ وأباح الشافعي ذلك، إلا العقدة تكون معه يشمها، فإن أصحابه ~~اختلفوا فيها؛ لأنه يشم الطيب من غيره، أشبه ما لو لم يقصده. # ولنا، أنه شم الطيب قاصدا مبتدئا به في الإحرام، فحرم، كما لو باشره، ~~يحققه أن القصد شمه لا مباشرته، بدليل ما لو مس اليابس الذي لا يعلق بيده ~~لم يكن عليه شيء، ولو رفعه بخرقة وشمه لوجبت عليه الفدية، ولو لم يباشره، ~~فأما شمه من غير قصد، كالجالس عند العطار لحاجته، وداخل السوق، أو داخل ~~الكعبة للتبرك بها، ومن يشتري طيبا لنفسه وللتجارة ولا يمسه، فغير ممنوع ~~منه؛ لأنه لا يمكن التحرز من هذا، فعفي عنه، بخلاف الأول. ### | [مسألة المحرم ممنوع من تخمير رأسه] # (2366) مسألة: قال: (ولا يغطي شيئا من رأسه، والأذنان من الرأس) قال ابن ~~المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من تخمير رأسه. والأصل في ذلك ~~«نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لبس العمائم والبرانس» . وقوله في ~~المحرم الذي وقصته راحلته: «لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» ~~. علل منع تخمير رأسه ببقائه على إحرامه، فعلم أن المحرم ممنوع من ذلك. ~~وكان ابن عمر يقول: إحرام الرجل في رأسه. . وذكر القاضي، في (الشرح) أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في ~~وجهها» . وأنه - عليه السلام - نهى أن يشد المحرم رأسه بالسير. # وقول الخرقي: (والأذنان من الرأس) . فائدته تحريم تغطيتهما. وأباح ms1510 ذلك ~~الشافعي. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الأذنان من ~~الرأس» . # وقد ذكرناه في الطهارة. وإذا ثبت هذا فإنه يمنع من تغطية بعض رأسه، كما ~~يمنع من تغطية جميعه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تخمروا ~~رأسه» . والمنهي عنه يحرم فعل بعضه، ولذلك لما قال تعالى: {ولا تحلقوا ~~رءوسكم} [البقرة: 196] . حرم حلق بعضه. وسواء غطاه بالملبوس المعتاد أو ~~بغيره، مثل أن عصبه بعصابة، # PageV03P299 # أو شده بسير، أو جعل عليه قرطاسا فيه دواء أو لا دواء فيه، أو خضبه ~~بحناء، أو طلاه بطين أو نورة، أو جعل عليه دواء، فإن جميع ذلك ستر له، وهو ~~ممنوع منه. # وسواء كان ذلك لعذر أو غيره؛ فإن العذر لا يسقط الفدية، بدليل قوله ~~تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية} [البقرة: 196] . وقصة ~~كعب بن عجرة. وبهذا كله قال الشافعي. وكان عطاء يرخص في العصابة من ~~الضرورة. والصحيح أنه لا تسقط الفدية عنه بالعذر، كما لو لبس قلنسوة من أجل ~~البرد. ### | [فصل حمل المحرم على رأسه مكتلا أو طبقا أو نحوه] # (2367) فصل: فإن حمل على رأسه مكتلا أو طبقا أو نحوه؛ فلا فدية عليه، ~~وبهذا قال عطاء، ومالك. وقال الشافعي: عليه الفدية؛ لأنه ستره. # ولنا، أن هذا لا يقصد به الستر غالبا، فلم تجب به الفدية، كما لو وضع يده ~~عليه. وسواء قصد به الستر أو لم يقصد؛ لأن ما تجب به الفدية لا يختلف ~~بالقصد وعدمه، فكذلك ما لا تجب به الفدية. واختار ابن عقيل وجوب الفدية ~~عليه إذا قصد به الستر؛ لأن الحيل لا تحيل الحقوق. # وإن ستر رأسه بيديه، فلا شيء عليه، لما ذكرنا، ولأن الستر بما هو متصل به ~~لا يثبت له حكم الستر، ولذلك لو وضع يديه على فرجه، لم تجزئه في الستر، ~~ولأن المحرم مأمور بمسح رأسه، وذلك يكون بوضع يديه أو إحداهما عليه. # وإن طلى رأسه بعسل أو صمغ؛ ليجتمع الشعر ويتلبد، فلا يتخلله الغبار، ولا ~~يصيبه الشعث، ms1511 ولا يقع فيه الدبيب، جاز. وهو التلبيد الذي جاء في حديث ابن ~~عمر: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل ملبدا» . رواه البخاري. ~~وعن حفصة، «أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما شأن الناس، ~~حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى ~~أنحر» متفق عليهما. # وإن كان في رأسه طيب مما جعله فيه قبل الإحرام، فلا بأس؛ لما روي عن ~~عائشة، قالت: «كأني أنظر إلى وبيص الطيب في رأس رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. وكان على رأس ابن عباس مثل الرب من الغالية، وهو محرم.» ### | [فصل تغطية المحرم وجهه] # (2368) فصل: وفي تغطية المحرم وجهه روايتان: # PageV03P300 # إحداهما، يباح. روي ذلك عن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ~~ثابت، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وجابر، والقاسم، وطاوس، والثوري، ~~والشافعي. والثانية، لا يباح. وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك؛ لما روي عن ابن ~~عباس،، «أن رجلا وقع عن راحلته، فأقعصته فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا وجهه ولا رأسه، ~~فإنه يبعث يوم القيامة يلبي» . ولأنه محرم على المرأة، فحرم على الرجل، ~~كالطيب. # ولنا، ما ذكرنا من قول الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم، فيكون ~~إجماعا، ولقوله - عليه السلام -: «إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في ~~وجهها» . وحديث ابن عباس المشهور فيه: (ولا تخمروا رأسه) هذا المتفق عليه. ~~وقوله: (ولا تخمروا وجهه) . فقال شعبة: حدثنيه أبو بشر. ثم سألته عنه بعد ~~عشر سنين، فجاء بالحديث كما كان يحدث، إلا أنه قال «ولا تخمروا وجهه ورأسه» ~~. وهذا يدل على أنه ضعف هذه الزيادة. وقد روي في بعض ألفاظه: (خمروا وجهه، ~~ولا تخمروا رأسه) فتتعارض الروايتان. . وما ذكروه يبطل بلبس القفازين. ### | [مسألة المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها] # (2369) مسألة: قال: (والمرأة إحرامها في وجهها، فإن احتاجت سدلت على ~~وجهها) وجملة ذلك أن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها، كما يحرم ms1512 ~~على الرجل تغطية رأسه. لا نعلم في هذا خلافا، إلا ما روي عن أسماء، أنها ~~كانت تغطي وجهها وهي محرمة. ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة، فلا ~~يكون اختلافا. قال ابن المنذر: وكراهية البرقع ثابتة عن سعد وابن عمر وابن ~~عباس وعائشة، ولا نعلم أحدا خالف فيه. # وقد روى البخاري وغيره، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ولا تنتقب ~~المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين» . فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها، ~~لمرور الرجال قريبا منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها. روي ~~ذلك عن عثمان، وعائشة. وبه قال عطاء ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، ~~ومحمد بن الحسن. # ولا نعلم فيه خلافا؛ وذلك لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان ~~الركبان يمرون بنا، ونحن محرمات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا ~~حاذونا، سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه» . ~~رواه أبو داود، والأثرم. ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها، فلم يحرم عليها ~~ستره على الإطلاق، كالعورة. وذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيا عن وجهها، ~~بحيث لا يصيب البشرة، فإن أصابها، ثم زال أو أزالته بسرعة، فلا شيء عليها، ~~كما لو أطارت الريح الثوب عن عورة المصلي، ثم عاد بسرعة، لا تبطل الصلاة. ~~وإن لم ترفعه مع القدرة؛ افتدت؛ لأنها استدامت الستر. # ولم أر هذا الشرط عن أحمد، ولا هو # PageV03P301 # في الخبر، مع أن الظاهر خلافه، فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة ~~البشرة، فلو كان هذا شرطا لبين، وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ~~ونحوهما، مما يعد لستر الوجه. قال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من ~~فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل. كأنه يقول: إن النقاب من أسفل على ~~وجهها. ### | [فصل يجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه] # (2370) فصل: ويجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس، وتحريم تغطية الوجه. ~~ولا يمكن تغطية جميع الرأس إلا بجزء من الوجه، ولا كشف جميع الوجه إلا بكشف ms1513 ~~جزء من الرأس، فعند ذلك ستر الرأس كله أولى؛ لأنه آكد، إذ هو عورة، لا يختص ~~تحريمه حالة الإحرام، وكشف الوجه بخلافه، وقد أبحنا ستر جملته للحاجة ~~العارضة، فستر جزء منه لستر العورة أولى. ### | [فصل لا بأس أن تطوف المرأة منتقبة إذا كانت غير محرمة] # (2371) فصل: ولا بأس أن تطوف المرأة منتقبة، إذا كانت غير محرمة، وطافت ~~عائشة وهي منتقبة. وكره ذلك عطاء، ثم رجع عنه. وذكر أبو عبد الله حديث ابن ~~جريج، أن عطاء كان يكره لغير المحرمة أن تطوف منتقبة، حتى حدثته عن الحسن ~~بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، أن عائشة طافت وهي منتقبة، فأخذ به. ### | [مسألة الكحل بالإثمد في الإحرام مكروه للمرأة والرجل] # (2372) مسألة: قال: (ولا تكتحل بكحل أسود) الكحل بالإثمد في الإحرام ~~مكروه للمرأة والرجل، وإنما خص المرأة بالذكر لأنها محل الزينة، وهو في ~~حقها أكثر من الرجل. ويروى هذا عن عطاء، والحسن، ومجاهد. قال مجاهد: هو ~~زينة. # وروي عن ابن عمر أنه قال: يكتحل المحرم بكل كحل ليس فيه طيب. قال مالك: ~~لا بأس أن يكتحل المحرم من حر يجده في عينيه بالإثمد وغيره. # وروي عن أحمد، أنه قال: يكتحل المحرم، ما لم يرد به الزينة. قيل له: ~~الرجال والنساء؟ قال: نعم. والدليل على كراهته ما روي عن جابر، «أن عليا ~~قدم من اليمن، فوجد فاطمة ممن حل، فلبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك ~~عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صدقت، ~~صدقت» . رواه مسلم وغيره. # وهذا يدل على أنها كانت ممنوعة من ذلك. وروي عن عائشة أنها قالت لامرأة: ~~اكتحلي بأي كحل شئت، # PageV03P302 # غير الإثمد أو الأسود. إذا ثبت هذا فإن الكحل بالإثمد مكروه، ولا فدية ~~فيه. ولا أعلم فيه خلافا، وروت شميسة، عن عائشة، قالت: اشتكيت عيني وأنا ~~محرمة، فسألت عائشة، فقالت: اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد، أما إنه ليس ~~بحرام، ولكنه زينة، فنحن نكرهه. قال الشافعي: إن فعلا فلا أعلم عليهما فيه ~~فدية بشيء. ### | [فصل الكحل ms1514 بغير الإثمد لا كراهة فيه للمحرم] # (2373) فصل: فأما الكحل بغير الإثمد، فلا كراهة فيه، ما لم يكن فيه طيب؛ ~~لما ذكرنا من حديث عائشة، وقول ابن عمر. وقد روى مسلم، عن نبيه بن وهب، ~~قال: خرجنا مع أبان بن عثمان، حتى إذا كنا بملل، اشتكى عمر بن عبيد الله ~~عينيه، فأرسل إلى أبان بن عثمان، ليسأله، فأرسل إليه: أن اضمدها بالصبر، ~~فإن عثمان حدث «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرجل إذا اشتكى ~~عينيه وهو محرم، ضمدها بالصبر» . ففي هذا دليل على إباحة ما في معناه، مما ~~ليس فيه زينة ولا طيب. وكان إبراهيم لا يرى بالذرور الأحمر بأسا. ### | [مسألة المرأة المحرمة ممنوعة مما منع منه الرجال إلا بعض اللباس] # (2374) مسألة: قال: (وتجتنب كل ما يجتنبه الرجل، إلا في اللباس، وتظليل ~~المحمل) قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه، من أهل العلم، على أن المرأة ~~ممنوعة مما منع منه الرجال، إلا بعض اللباس، وأجمع أهل العلم، على أن ~~للمحرمة لبس القمص والدروع والسراويلات والخمر والخفاف. وإنما كان كذلك، ~~لأن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحرم بأمر، وحكمه عليه، يدخل ~~فيه الرجال والنساء، وإنما استثنى منه اللباس للحاجة إلى ستر المرأة، ~~لكونها عورة، إلا وجهها، فتجردها يفضي إلى انكشافها، فأبيح لها اللباس ~~للستر، كما أبيح للرجل عقد الإزار، كيلا يسقط، فتنكشف العورة، ولم يبح عقد ~~الرداء. # وقد روى ابن عمر، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى النساء ~~في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس ~~بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب، من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل أو قميص ~~أو خف» . # وهذا صريح، والمراد باللباس هاهنا المخيط من القميص والدروع والسراويلات ~~والخفاف، وما يستر الرأس، ونحوه. ### | [فصل يستحب للمرأة المحرمة ما يستحب للرجل] # فصل: ويستحب للمرأة ما يستحب للرجل؛ من الغسل عند الإحرام، والتطيب، ~~والتنظف؛ لما ذكرنا من حديث عائشة، أنها قالت: «كنا نخرج مع رسول ms1515 الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت ~~إحدانا، سال على وجهها، فيراها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينكره # PageV03P303 # عليها» . والشابة والكبيرة في هذا سواء؛ فإن عائشة كانت تفعله في عهد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي شابة. # فإن قيل: أليس قد كره ذلك في الجمعة؟ قلنا: لأنها في الجمعة تقرب من ~~الرجال، فيخاف الافتتان بها، بخلاف مسألتنا. ولهذا يلزم الحج النساء، ولا ~~تلزمهن الجمعة. وكذلك يستحب لها قلة الكلام فيما لا ينفع، والإكثار من ~~التلبية، وذكر الله تعالى. ### | [مسألة لا تلبس المحرمة القفازين ولا الخلخال] # (2376) مسألة: قال: (ولا تلبس القفازين، ولا الخلخال، وما أشبهه) ~~القفازان: شيء يعمل لليدين، تدخلهما فيهما من خرق، تسترهما من الحر، مثل ما ~~يعمل للبرد، فيحرم على المرأة لبسه في يديها في حال إحرامها. # وهذا قول ابن عمر. وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والنخعي، ومالك، وإسحاق. ~~وكان سعد بن أبي وقاص يلبس بناته القفازين وهن محرمات. ورخص فيه علي، ~~وعائشة، وعطاء. وبه قال الثوري، وأبو حنيفة. وللشافعي كالمذهبين. واحتجوا ~~بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إحرام المرأة في وجهها» ~~. وأنه عضو يجوز ستره بغير المخيط، فجاز ستره به كالرجلين. # ولنا، ما روى ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ~~تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين» . رواه البخاري. وروي أيضا أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى النساء في إحرامهن عن القفازين ~~والخلخال» . ولأن الرجل لما وجب عليه كشف رأسه، تعلق حكم إحرامه بغيره، ~~فمنع من لبس المخيط في سائر بدنه، كذلك المرأة لما لزمها كشف وجهها، ينبغي ~~أن يتعلق حكم الإحرام بغير ذلك البعض، وهو اليدان. وحديثهم المراد به ~~الكشف. فأما الستر بغير المخيط، فيجوز للرجل، ولا يجوز بالمخيط. فأما ~~الخلخال، وما أشبهه من الحلي، مثل السوار والدملوج، فظاهر كلام الخرقي أنه ~~لا يجوز لبسه. # وقد قال أحمد: المحرمة، والمتوفى عنها زوجها، يتركان الطيب والزينة، ~~ولهما ما سوى ذلك. وروي عن ms1516 عطاء: أنه كان يكره للمحرمة الحرير والحلي. ~~وكرهه الثوري، وأبو ثور. وروي عن قتادة أنه كان لا يرى بأسا، أن تلبس ~~المرأة الخاتم والقرط وهي محرمة وكره السوارين والدملجين والخلخالين. وظاهر ~~مذهب أحمد الرخصة فيه. وهو قول ابن عمر وعائشة # PageV03P304 # وأصحاب الرأي. قال أحمد، في رواية حنبل: تلبس المحرمة الحلي والمعصفر. # وقال عن نافع: كان نساء ابن عمر وبناته يلبسن الحلي والمعصفر، وهن ~~محرمات، لا ينكر ذلك عبد الله. وروى أحمد في (المناسك) ، عن عائشة، أنها ~~قالت: تلبس المحرمة ما تلبس وهي حلال، من خزها وقزها وحليها. # وقد ذكرنا حديث ابن عمر، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب، من معصفر أو خز، أو حلي» . قال ~~ابن المنذر: لا يجوز المنع منه بغير حجة. ويحمل كلام أحمد والخرقي في المنع ~~على الكراهة؛ لما فيه من الزينة، وشبهه بالكحل بالإثمد، ولا فدية فيه، كما ~~لا فدية في الكحل. # وأما لبس القفازين، ففيه الفدية؛ لأنها لبست ما نهيت عن لبسه في الإحرام، ~~فلزمتها الفدية، كالنقاب. ### | [فصل يحرم على المحرمة شد يديها بخرقة] # فصل: قال القاضي: يحرم عليها شد يديها بخرقة؛ لأنه ستر لبدنها بما يختص ~~بها، أشبه القفازين، وكما لو شد الرجل على جسده شيئا. وإن لفت يديها من غير ~~شد، فلا فدية؛ لأن المحرم هو اللبس، لا تغطيتهما، كبدن الرجل. ### | [مسألة السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها بالتلبية] # (2378) مسألة: قال: (ولا ترفع المرأة صوتها بالتلبية، إلا بمقدار ما تسمع ~~رفيقتها) قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ~~ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها. وبهذا قال عطاء، ومالك، والأوزاعي، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. وروي عن سليمان بن يسار أنه قال: السنة عندهم أن ~~المرأة لا ترفع صوتها بالإهلال. وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها، ~~ولهذا لا يسن لها أذان ولا إقامة، والمسنون لها في التنبيه في الصلاة ~~التصفيق دون التسبيح. ### | [فصل يستحب للمرأة أن ms1517 تختضب بالحناء عند الإحرام] # (2379) فصل: ويستحب للمرأة أن تختضب بالحناء عند الإحرام؛ لما روي عن ابن ~~عمر، أنه قال: من السنة أن تدلك المرأة يديها في حناء. ولأن هذا من زينة ~~النساء، فاستحب عند الإحرام، كالطيب. ولا بأس بالخضاب في حال إحرامها. # وقال القاضي: يكره؛ لكونه من الزينة، فأشبه الكحل بالإثمد. فإن فعلته، ~~ولم تشد يديها بالخرق، فلا فدية. وبهذا قال الشافعي، وابن المنذر. وكان ~~مالك ومحمد بن الحسن، يكرهان الخضاب للمحرمة، وألزماها الفدية. # ولنا، ما روى عكرمة، أنه قال: كانت عائشة، وأزواج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يختضبن بالحناء، وهن حرم. ولأن الأصل الإباحة، وليس هاهنا دليل يمنع ~~من نص ولا إجماع، ولا هي في معنى المنصوص. # PageV03P305 ### | [فصل إذا أحرم الخنثى المشكل لم يلزمه اجتناب المخيط] # (2380) فصل: إذا أحرم الخنثى المشكل، لم يلزمه اجتناب المخيط؛ لأننا لا ~~نتيقن الذكورية الموجبة لذلك. وقال ابن المبارك: يغطي رأسه ويكفر. والصحيح ~~أن الكفارة لا تلزمه؛ لأن الأصل عدمها، فلا نوجبها بالشك. # وإن غطى وجهه وحده، لم يلزمه فدية لذلك. وإن جمع بين تغطية وجهه بنقاب أو ~~برقع، وبين تغطية رأسه أو لبس المخيط على بدنه لزمته الفدية؛ لأنه لا يخلو ~~أن يكون رجلا أو امرأة. ### | [فصل يستحب للمرأة الطواف ليلا] # (2381) فصل: ويستحب للمرأة الطواف ليلا؛ لأنه أستر لها، وأقل للزحام، ~~فيمكنها أن تدنو من البيت، وتستلم الحجر. وقد روى حنبل، في (المناسك) ~~بإسناده عن أبي الزبير، أن عائشة كانت تطوف بعد العشاء أسبوعا أو أسبوعين، ~~وترسل إلى أهل المجالس في المسجد: ارتفعوا إلى أهليكم، فإن لهم عليكم حقا. # وعن محمد بن السائب بن بركة، عن أمه، عن عائشة، أنها أرسلت إلى أصحاب ~~المصابيح، أن يطفئوها، فأطفئوها، فطفت معها في ستر أو حجاب، فكانت كلما ~~فرغت من أسبوع استلمت الركن الأسود، وتعوذت بين الركن والباب، حتى إذا فرغت ~~من ثلاثة أسابيع، ذهبت إلى دبر سقاية زمزم، مما يلي الناس، فصلت ست ركعات، ~~كلما ركعت ركعتين انحرفت إلى النساء، فكلمتهن، تفصل بذلك صلاتها، حتى ms1518 فرغت. ### | [مسألة لا يتزوج المحرم ولا يزوج] # (2382) مسألة: قال: (ولا يتزوج المحرم، ولا يزوج، فإن فعل، فالنكاح باطل) ~~قوله: (لا يتزوج) أي لا يقبل النكاح لنفسه، (ولا يزوج) أي لا يكون وليا في ~~النكاح ولا وكيلا فيه. ولا يجوز تزويج المحرمة أيضا. # روي ذلك عن عمر، وابنه وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - وبه قال سعيد بن ~~المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي. وأجاز ذلك ~~كله ابن عباس. وهو قول أبي حنيفة؛ لما روى ابن عباس، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «تزوج ميمونة وهو محرم» متفق عليه. ولأنه عقد يملك به ~~الاستمتاع، فلا يحرمه الإحرام، كشراء الإماء. # ولنا، ما روى أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب» ~~رواه مسلم. ولأن الإحرام يحرم الطيب، فيحرم # PageV03P306 # النكاح، كالعدة. فأما حديث ابن عباس، فقد روى يزيد بن الأصم، «عن ميمونة، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجها حلالا، وبنى بها حلالا، وماتت ~~بسرف، في الظلة التي بنى بها فيها» . رواه أبو داود، والأثرم. # وعن أبي رافع، قال: «تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو ~~حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما» . قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن. وميمونة أعلم بنفسها، وأبو رافع صاحب القصة، وهو السفير فيها، فهما ~~أعلم بذلك من ابن عباس، وأولى بالتقديم لو كان ابن عباس كبيرا، فكيف وقد ~~كان صغيرا لا يعرف حقائق الأمور، ولا يقف عليها، وقد أنكر عليه هذا القول. # وقال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، وما تزوجها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا حلالا. فكيف يعمل بحديث هذا حاله؟ ويمكن حمل قوله: (وهو محرم) . ~~أي في الشهر الحرام، أو في البلد الحرام، كما قيل: قتلوا ابن عفان الخليفة ~~محرما وقيل: تزوجها حلالا، وأظهر أمر تزويجها وهو محرم. ثم لو صح الحديثان، ~~كان تقديم حديثنا أولى؛ لأنه قول النبي - صلى الله عليه ms1519 وسلم - وذلك فعله، ~~والقول آكد؛ لأنه يحتمل أن يكون مختصا بما فعله. وعقد النكاح يخالف شراء ~~الأمة، فإنه يحرم بالعدة والردة واختلاف الدين، وكون المنكوحة أختا له من ~~الرضاع، ويعتبر له شروط غير معتبرة في الشراء. ### | [فصل تزوج المحرم أو زوج أو زوجت محرمة] # (2383) فصل: ومتى تزوج المحرم، أو زوج، أو زوجت محرمة، فالنكاح باطل، ~~سواء كان الكل محرمين أو بعضهم؛ لأنه منهي عنه، فلم يصح، كنكاح المرأة على ~~عمتها أو خالتها. # وعن أحمد: إن زوج المحرم لم أفسخ النكاح. قال بعض أصحابنا: هذا يدل على ~~أنه إذا كان الولي بمفرده أو الوكيل محرما، لم يفسد النكاح. والمذهب الأول. ~~وكلام أحمد يحمل على أنه لا يفسخه لكونه مختلفا فيه. قال القاضي: ويفرق ~~بينهما بطلقة. وهكذا كل نكاح مختلف فيه. # قال أحمد، في رواية أبي طالب: إذا تزوجت بغير ولي، لم يكن للولي أن ~~يزوجها من غيره حتى يطلق. ولأن تزويجها من غير طلاق يفضي إلى أن يجتمع ~~للمرأة زوجان، كل واحد منهما يعتقد حلها. # PageV03P307 ### | [فصل تكره الخطبة للمحرم وخطبة المحرمة ويكره للمحرم أن يخطب للمحلين] # (2384) فصل: وتكره الخطبة للمحرم، وخطبة المحرمة، ويكره للمحرم أن يخطب ~~للمحلين؛ لأنه قد جاء في بعض ألفاظ حديث عثمان: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ~~ولا يخطب» . رواه مسلم. ولأنه تسبب إلى الحرام، فأشبه الإشارة إلى الصيد. ~~والإحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح، وسائر المحظورات؛ لأن حكمه باق في ~~وجوب ما يجب في الإحرام، فكذلك ما يحرم به. ### | [فصل لا ينعقد النكاح بشهادة المحرمين] # (2385) فصل: ويكره أن يشهد في النكاح؛ لأنه معاونة على النكاح فأشبه ~~الخطبة. وإن شهد أو خطب، لم يفسد النكاح. # وقال بعض أصحاب الشافعي: لا ينعقد النكاح بشهادة المحرمين؛ لأن في بعض ~~الروايات: (ولا يشهد. ولنا، أنه لا مدخل للشاهد في العقد، فأشبه الخطيب، ~~وهذه اللفظة غير معروفة، فلم يثبت بها حكم. ومتى تزوج المحرم، أو زوج، أو ~~زوجت محرمة، لم يجب بذلك فدية؛ لأنه عقد فسد لأجل الإحرام، فلم تجب به ~~فدية، ms1520 كشراء الصيد. ### | [مسألة الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع] # (2386) مسألة: قال: (فإن وطئ المحرم في الفرج فأنزل، أو لم ينزل، فقد فسد ~~حجهما، وعليه بدنة إن كان استكرهها، وإن كانت طاوعته، فعلى كل واحد منهما ~~بدنة) أما فساد الحج بالجماع في الفرج، فليس فيه اختلاف. قال ابن المنذر: ~~أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع. ~~والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر، أن رجلا سأله، فقال: إني وقعت بامرأتي، ~~ونحن محرمان. فقال: أفسدت حجك، انطلق أنت وأهلك مع الناس، فاقضوا ما يقضون، ~~وحل إذا حلوا، فإذا كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك، واهديا هديا، ~~فإن لم تجدا، فصوما ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم. وكذلك قال ابن ~~عباس، وعبد الله بن عمرو. لم نعلم لهم في عصرهم مخالفا. # روى حديثهم الأثرم في (سننه) ، وفي حديث ابن عباس: (ويتفرقان) من حيث ~~يحرمان، حتى يقضيا حجهما. قال ابن المنذر: قول ابن عباس أعلى شيء روي في من ~~وطئ في حجه. وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه -. وبه قال ابن المسيب، وعطاء، ~~والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور وأصحاب الرأي. ولا فرق بين ~~ما قبل الوقوف وبعده. # وقال أبو حنيفة: إن جامع قبل الوقوف فسد حجه، وإن جامع بعده لم يفسد؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحج عرفة» . ولأنه معنى يأمن به ~~الفوات، فأمن به الفساد، كالتحلل. # ولنا، أن قول الصحابة الذين روينا قولهم، مطلق في من واقع محرما، ولأنه ~~جماع صادف إحراما # PageV03P308 # تاما، فأفسده، كما قبل الوقوف. وقوله - عليه السلام -: «الحج عرفة» يعني: ~~معظمه. أو أنه ركن متأكد فيه. ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد، بدليل ~~العمرة. إذا ثبت هذا فإنه يجب على المجامع بدنة. روي ذلك عن ابن عباس، ~~وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور. # وقال الثوري، وإسحاق: عليه بدنة، فإن لم يجد فشاة. وقال أصحاب الرأي: إن ~~جامع قبل الوقوف فسد ms1521 حجه، وعليه شاة، وإن كان بعده فعليه بدنة، وحجه صحيح؛ ~~لأنه قبل الوقوف معنى يوجب القضاء، فلم يجب به بدنة، كالفوات. ولنا، أنه ~~جماع صادف إحراما تاما، فوجبت به البدنة، كبعد الوقوف، ولأنه قول من سمينا ~~من الصحابة، ولم يفرقوا بين قبل الوقوف وبعده. # وأما الفوات فهو مفارق للجماع بالإجماع، ولذلك لا يوجبون فيه الشاة، ~~بخلاف الجماع. وإذا كانت المرأة مكرهة على الجماع، فلا هدي عليها، ولا على ~~الرجل أن يهدي عنها. نص عليه أحمد؛ لأنه جماع يوجب الكفارة، فلم تجب به حال ~~الإكراه أكثر من كفارة واحدة، كما في الصيام. # وهذا قول إسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر. وعن أحمد، رواية أخرى: أن عليه ~~أن يهدي عنها. وهو قول عطاء، ومالك؛ لأن إفساد الحج وجد منه في حقهما، فكان ~~عليه لإفساده حجها هدي، قياسا على حجه، وعنه ما يدل على أن الهدي عليها؛ ~~لأن فساد الحج ثبت بالنسبة إليها، فكان الهدي عليها، كما لو طاوعت. # ويحتمل أنه أراد أن الهدي عليها، يتحمله الزوج عنها، فلا يكون رواية ~~ثالثة. فأما حال المطاوعة، فعلى كل واحد منهما بدنة. هذا قول ابن عباس، ~~وسعيد بن المسيب، والنخعي، والضحاك، ومالك، والحكم، وحماد؛ لأن ابن عباس ~~قال: اهد ناقة، ولتهد ناقة. لأنها أحد المتجامعين من غير إكراه، فلزمتها ~~بدنة كالرجل. # وعن أحمد أنه قال: أرجو أن يجزئهما هدي واحد. وروي ذلك عن عطاء، وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأنه جماع واحد فلم يوجب أكثر من بدنة، كحالة الإكراه، والنائمة ~~كالمكرهة في هذا. # وأما فساد الحج، فلا فرق فيه بين حال الإكراه والمطاوعة. لا نعلم فيه ~~خلافا. ### | [فصل لا فرق بين الوطء في القبل والدبر من آدمي أو بهيمة في الحج] # (2387) فصل: ولا فرق بين الوطء في القبل والدبر، من آدمي أو بهيمة. وبه ~~قال الشافعي، وأبو ثور. ويتخرج في وطء البهيمة أن الحج لا يفسد به. وهو قول ~~مالك، وأبي حنيفة؛ لأنه لا يوجب الحد، فأشبه الوطء دون الفرج. وحكى أبو ثور ~~عن أبي حنيفة أن اللواط ms1522 والوطء في الدبر لا يفسد الحج؛ لأنه لا يثبت # PageV03P309 # به الإحصان، فلم يفسد الحج كالوطء دون الفرج. # ولنا، أنه وطء في فرج يوجب الاغتسال، فأفسد الحج، كوطء الآدمية في القبل. ~~ويفارق الوطء دون الفرج، فإنه ليس من الكبائر في الأجنبية. ولا يوجب مهرا، ~~ولا عدة، ولا حدا، ولا غسلا إلا أن ينزل، فيكون كمسألتنا، في رواية. ### | [فصل تكرر الجماع في الحج] # (2388) فصل: إذا تكرر الجماع، فإن كفر عن الأول، فعليه للثاني كفارة ~~ثانية، كالأول، وإن لم يكن كفر عن الأول، فكفارة واحدة. وعنه أن لكل وطء ~~كفارة؛ لأنه سبب للكفارة، فأوجبها كالأول. والمذهب الأول؛ لأنه جماع موجب ~~للكفارة، فإذا تكرر قبل التكفير عن الأول، لم يوجب كفارة ثانية، كما في ~~الصيام. # وقال أبو حنيفة: عليه للوطء الثاني شاة، سواء كفر عن الأول أو لم يكفر، ~~إلا أن يتكرر الوطء في مجلس واحد، على وجه الرفض للإحرام؛ لأنه وطء صادف ~~إحراما ناقص الحرمة، فأوجب شاة، كالوطء بعد التحلل الأول. # وقال مالك: لا يجب بالثاني شيء. وروي ذلك عن عطاء؛ لأنه لا يفسد الحج، ~~فلا يجب به شيء، كما لو كان قبل التكفير. وقال الشافعي، كقولنا، وقريبا من ~~قول أبي حنيفة. # ولنا، على وجوب البدنة إذا كفر، أنه وطئ في إحرام، ولم يتحلل منه، ولا ~~أمكن تداخل كفارته في غيره، فأشبه الوطء الأول. ولأن الإحرام الفاسد ~~كالصحيح في سائر الكفارات، فكذلك في الوطء، ولأنه إذا لم يكفر عن الأول، ~~فتتداخل كفاراته، كما يتداخل حكم المهر والحد، والتحديد بعدم التكفير أولى ~~من التحديد بالمجلس الواحد؛ لما ذكرنا من المهر والحد والتكفير في اليمين ~~والظهار وغيرهما. ### | [مسألة وطئ المحرم دون الفرج فلم ينزل] # (2389) مسألة: قال: (وإن وطئ دون الفرج، فلم ينزل فعليه دم، وإن أنزل ~~فعليه بدنة، وقد فسد حجه) أما إذا لم ينزل، فإن حجه لا يفسد بذلك. لا نعلم ~~أحدا قال بفساد حجه؛ لأنها مباشرة دون الفرج عريت عن الإنزال، فلم يفسد بها ~~الحج، كاللمس، أو مباشرة لا توجب الاغتسال، أشبهت اللمس، ms1523 وعليه شاة. # وقال الحسن في من ضرب بيده على فرج جاريته: عليه بدنة. وعن سعيد بن جبير: ~~إذا نال منها ما دون الجماع، ذبح بقرة. # ولنا، أنها ملامسة من غير إنزال، فأشبهت لمس غير الفرج. فأما إن أنزل، ~~فعليه بدنة. وبذلك قال الحسن، وسعيد بن جبير، والثوري، وأبو ثور. # وقال الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر: عليه شاة؛ لأنها مباشرة دون ~~الفرج، فأشبه ما لو لم ينزل. # PageV03P310 # ولنا، أنه جماع أوجب الغسل، فأوجب بدنة، كالوطء في الفرج. # وفي فساد حجه بذلك روايتان: إحداهما، يفسد. اختارها الخرقي، وأبو بكر. ~~وهو قول عطاء، والحسن، والقاسم بن محمد، ومالك، وإسحاق؛ لأنها عبادة يفسدها ~~الوطء، فأفسدها الإنزال عن مباشرة، كالصيام. والثانية، لا يفسد الحج. وهو ~~قول الشافعي، وأصحاب الرأي وابن المنذر، وهي الصحيحة إن شاء الله؛ لأنه ~~استمتاع لا يجب بنوعه الحد، فلم يفسد الحج. # كما لو لم ينزل، ولأنه لا نص فيه ولا إجماع ولا هو في معنى المنصوص عليه، ~~لأن الوطء في الفرج يجب بنوعه الحد، ويتعلق به اثنا عشر حكما، ولا يفترق ~~فيه الحال بين الإنزال وعدمه، والصيام يخالف الحج في المفسدات، ولذلك يفسد ~~بتكرار النظر مع الإنزال والمذي وسائر محظوراته، والحج لا يفسد بشيء من ~~محظوراته غير الجماع، فافترقا. والمرأة كالرجل في هذا، إذا كانت ذات شهوة، ~~وإلا فلا شيء عليها، كالرجل إذا لم يكن له شهوة. ### | [مسألة إن المحرم قبل فلم ينزل] # (2390) مسألة: قال: (فإن قبل فلم ينزل، فعليه دم، وإن أنزل فعليه بدنة، ~~وعن أبي عبد الله، رحمه الله، رواية أخرى: إن أنزل فسد حجه) وجملة ذلك أن ~~حكم القبلة حكم المباشرة دون الفرج، سواء، إلا أن الخرقي ذكر في هذه ~~المسألة روايتين في إفساد الحج عند الإنزال، ولم يذكر في إفساد الحج في ~~الوطء دون الفرج إلا رواية واحدة، # وقد ذكرنا أن فيها أيضا روايتين، وذكرنا الخلاف فيه، لكن نشير إلى الفرق ~~توجيها لقول الخرقي فنقول: إنزال بغير وطء فلم يفسد به الحج، كالنظر، ولأن ~~اللذة بالوطء فوق ms1524 اللذة بالقبلة، فكانت فوقها في الواجب؛ لأن مراتب أحكام ~~الاستمتاع على وفق ما يحصل به من اللذة، فالوطء في الفرج أبلغ الاستمتاع، ~~فأفسد الحج مع الإنزال وعدمه، والوطء دون الفرج دونه، فأوجب البدنة وأفسد ~~الحج عند الإنزال، والدم عند عدمه، والقبلة دونهما، فتكون دونهما فيما يجب ~~بها، فيجب بها بدنة عند الإنزال من غير إفساد، وتكرار النظر دون الجميع، ~~فيجب به الدم عند الإنزال، ولا يجب عند عدمه شيء. # ومن جمع بين الوطء دون الفرج والقبلة، قال: كلاهما مباشرة، فاستوى حكمهما ~~في الواجب بهما. وقد روي عن ابن عباس، أنه قال لرجل قبل زوجته: أفسدت حجتك. ~~وروي ذلك عن سعيد بن جبير. # وقال سعيد بن المسيب، وعطاء، وابن سيرين، والزهري، وقتادة، ومالك، ~~والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: عليه دم. وروي ذلك عن الشعبي، ~~وسعيد بن جبير. وروى الأثرم بإسناده عن عبد الرحمن بن الحارث، أن عمر بن ~~عبيد الله قبل عائشة بنت طلحة محرما، فسأل، فأجمع له على أن يهريق دما. ~~والظاهر أنه لم يكن أنزل؛ لأنه لم يذكر. وسواء أمذى أو لم يمذ. # وقال سعيد بن جبير: إن قبل فمذى أو لم يمذ، فعليه دم. وسائر اللمس لشهوة ~~كالقبلة فيما # PageV03P311 # ذكرنا؛ لأنه استمتاع يلتذ به، فهو كالقبلة. قال أحمد، في من قبض على فرج ~~امرأته، وهو محرم: فإنه يهريق دم شاة. وقال عطاء: إذا قبل المحرم، أو لمس، ~~فليهرق دما. ### | [مسألة الحج لا يفسد بتكرار النظر أنزل أو لم ينزل] # (2391) مسألة: قال: (وإن نظر، فصرف بصره، فأمنى، فعليه دم، وإن كرر النظر ~~حتى أمنى، فعليه بدنة) وجملة ذلك، أن الحج لا يفسد بتكرار النظر، أنزل أو ~~لم ينزل. روي ذلك عن ابن عباس. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي. وروي عن ~~الحسن، وعطاء، ومالك، في من ردد النظر حتى أمنى: عليه حج قابل؛ لأنه أنزل ~~بفعل محظور، أشبه الإنزال بالمباشرة. # ولنا، أنه إنزال عن غير مباشرة، فأشبه الإنزال بالفكر والاحتلام، والأصل ~~الذي قاسوا عليه ممنوع. ثم إن المباشرة أبلغ ms1525 في اللذة، وآكد في استدعاء ~~الشهوة، فلا يصح القياس عليه. فأما إن نظر ولم يكرر، فأمنى، فعليه شاة. وإن ~~كرره، فأنزل، ففيه روايتان؛ إحداهما، عليه بدنة. روي ذلك عن ابن عباس. ~~والثانية، عليه شاة. وهو قول سعيد بن جبير، وإسحاق ورواية ثانية عن ابن ~~عباس. # وقال أبو ثور: لا شيء عليه. وحكي ذلك عن أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه ليس ~~بمباشرة، أشبه الفكر. ولنا، أنه إنزال بفعل محظور، فأوجب الفدية، كاللمس. # وقد روى الأثرم، عن ابن عباس، أنه قال له رجل: فعل الله بهذه وفعل، إنها ~~تطيبت لي، فكلمتني، وحدثتني، حتى سبقتني الشهوة. فقال ابن عباس: أتمم حجك، ~~وأهرق دما. وروى حنبل. في (المناسك) ، عن مجاهد، أن محرما نظر إلى امرأته ~~حتى أمذى، فجعل يشتمها. فقال ابن عباس: أهرق دما، ولا تشتمها. ### | [فصل كرر المحرم النظر حتى أمذى] # (2392) فصل: فإن كرر النظر حتى أمذى: فقال أبو الخطاب: عليه دم. وقال ~~القاضي: ذكره الخرقي. قال القاضي: لأنه جزء من المني، ولأنه حصل به التذاذ، ~~فهو كاللمس. وإن لم يقترن بالنظر مني أو مذي، فلا شيء عليه، سواء كرر النظر ~~أو لم يكرره. # وقد روي عن أحمد في من جرد امرأته، ولم يكن منه غير التجريد، أن عليه ~~شاة، وهذا محمول على أنه لمس، فإن التجريد لا يعرى عن اللمس ظاهرا، أو على ~~أنه أمنى أو أمذى، أما مجرد، النظر، فلا شيء فيه، فقد كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ينظر إلى نسائه وهو محرم، وكذلك أصحابه. ### | [فصل فكر المحرم فأنزل] # (2393) فصل: فإن فكر فأنزل، فلا شيء عليه؛ فإن الفكر يعرض للإنسان من غير ~~إرادة ولا اختيار، فلم # PageV03P312 # يتعلق به حكم، كما في الصيام، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به، أو تكلم به» . متفق ~~عليه. ### | [فصل العمد والنسيان في الوطء للمحرم سواء] # (2394) فصل: والعمد والنسيان في الوطء سواء. نص عليه أحمد فقال: إذا جامع ~~أهله بطل حجه؛ لأنه شيء ms1526 لا يقدر على رده، والشعر إذا حلقه، فقد ذهب، لا ~~يقدر على رده، والصيد إذا قتله، فقد ذهب، لا يقدر على رده، فهذه الثلاثة ~~العمد والنسيان فيها سواء. ولم يذكر الخرقي النسيان هاهنا، ولكن ذكره في ~~الصيام، وبين أن الوطء في الفرج أو دون الفرج مع الإنزال يستوي عمده وسهوه، ~~وما عداه من القبلة واللمس والمذي بتكرار النظر يختلف حكم عمده وسهوه، ~~فهاهنا ينبغي أن يكون مثله؛ لأن الوطء لا يكاد يتطرق النسيان إليه دون ~~غيره، ولأن الجماع مفسد للصوم دون غيره، فاستوى عمده وسهوه، كالفوات، بخلاف ~~ما دونه. # والجاهل بالتحريم والمكره في حكم الناسي؛ لأنه معذور. وممن قال: إن عمد ~~الوطء ونسيانه سواء. أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في قديم قوليه. # وقال في الجديد: لا يفسد الحج، ولا يجب عليه شيء مع النسيان والجهل؛ ~~لأنها عبادة يجب بإفسادها الكفارة، فافترق فيها وطء العامد والناسي، ~~كالصوم. # ولنا أنه سبب يتعلق به وجوب القضاء في الحج، فاستوى عمده وسهوه، كالفوات، ~~والصوم ممنوع. ثم إن الصوم لا تجب الكفارة فيه بالإفساد؛ بدليل أن إفساده ~~بكل ما عدا الجماع لا يوجب كفارة، وإنما تجب بخصوص الجماع فافترقا. ### | [مسألة للمحرم أن يتجر ويصنع الصنائع ويرتجع زوجته] # (2395) مسألة: قال: (وللمحرم أن يتجر، ويصنع الصنائع، ويرتجع زوجته) وعن ~~أبي عبد الله، رحمه الله، رواية أخرى في الارتجاع، أن لا يفعل. أما التجارة ~~والصناعة فلا نعلم في إباحتهما اختلافا. # وقد روى ابن عباس، قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، ~~فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم} [البقرة: 198] . في مواسم الحج. فأما الرجعة، فالمشهور ~~إباحتها. وهو قول أكثر أهل العلم. وفيه رواية ثانية، أنها لا تباح؛ لأنها ~~استباحة فرج مقصود بعقد، فلا تباح للمحرم، كالنكاح. # PageV03P313 # ووجه الرواية الصحيحة، أن الرجعية زوجة، والرجعة إمساك، بدليل قوله ~~تعالى: {فأمسكوهن بمعروف} [البقرة: 231] . فأبيح ذلك كالإمساك قبل الطلاق. ~~ولا نسلم أن الرجعة استباحة، فإن الرجعية مباحة، وإن سلمنا أنها استباحة، ~~فتبطل ms1527 بشرى الأمة للشراء، ولأن ما يتعلق به إباحة الزوجة مباح في النكاح، ~~كالتكفير في الظهار. # وأما شراء الإماء فمباح، وسواء قصد به الشراء أو لم يقصد. لا نعلم فيه ~~خلافا، فإنه ليس بموضوع الاستباحة في البضع، فأشبه شراء العبيد والبهائم، ~~ولذلك أبيح شراء من لا يحل وطؤها، فلذلك لم يحرم في حالة يحرم فيها الوطء. ### | [مسألة للمحرم أن يقتل الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور] # (2396) مسألة: قال: (وله أن يقتل الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، ~~والكلب العقور، وكل ما عدا عليه، أو آذاه، ولا فداء عليه) هذا قول أكثر أهل ~~العلم؛ منهم الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وحكي عن النخعي أنه ~~منع قتل الفأرة. والحديث صريح في حل قتلها، فلا يعول على ما خالفه. والمراد ~~بالغراب الأبقع غراب البين. # وقال قوم: لا يباح من الغربان إلا الأبقع خاصة؛ لأنه قد روي: «خمس فواسق، ~~يقتلن في الحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحدأة» ~~. رواه مسلم. وهذا يقيد المطلق في الحديث الآخر، ولا يمكن حمله على العموم؛ ~~بدليل أن المباح من الغربان لا يحل قتله. # ولنا، ما روت عائشة؛ قالت: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل ~~خمس فواسق في الحل والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب ~~العقور» . وعن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «خمس من ~~الدواب، ليس على المحرم جناح في قتلهن» . وذكر مثل حديث عائشة. متفق عليه. # وفي لفظ لمسلم، في حديث ابن عمر: «خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم ~~والإحرام» . وهذا عام في الغراب، وهو أصح من الحديث الآخر. ولأن غراب البين ~~محرم الأكل، # PageV03P314 # يعدو على أموال الناس، فلا وجه لإخراجه من العموم. وفارق ما أبيح أكله، ~~فإنه مباح ليس هو في معنى ما أبيح قتله، فلا يلزم من تخصيصه تخصيص ما ليس ~~في معناه. وقول الخرقي: (وكل ما عدا عليه أو آذاه) . # يحتمل أنه أراد ما يبدأ المحرم، فيعدو عليه في نفسه أو ماله، فهذا لا ~~جناح على قاتله، سواء ms1528 كان من جنس طبعه الأذى، أو لم يكن. قال ابن المنذر: ~~أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم، على أن السبع إذا بدأ المحرم، فقتله، لا ~~شيء عليه. ويحتمل أنه أراد ما كان طبعه الأذى والعدوان، وإن لم يوجد منه ~~أذى في الحال. قال مالك: الكلب العقور، ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل الأسد ~~والنمر والفهد والذئب. فعلى هذا يباح قتل كل ما فيه أذى للناس في أنفسهم أو ~~في أموالهم، مثل سباع البهائم كلها، المحرم أكلها، وجوارح الطير، كالبازي، ~~والعقاب، والصقر، والشاهين، ونحوها، والحشرات المؤذية، والزنبور، والبق، ~~والبعوض، والبراغيث، والذباب. وبهذا قال الشافعي. # وقال أصحاب الرأي: يقتل ما جاء في الخبر، والذئب، قياسا عليه. ولنا، أن ~~الخبر نص من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيها على ما هو أعلى منها، ودلالة ~~على ما كان في معناها، فنصه على الحدأة والغراب تنبيه على البازي ونحوه، ~~وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات، وعلى العقرب تنبيه على الحية، وعلى الكلب ~~العقور تنبيه على السباع التي هي أعلى منه، ولأن ما لا يضمن بمثله، ولا ~~بقيمته، لا يضمن، كالحشرات. ### | [فصل ما لا يؤذي بطبعه ولا يؤكل كالرخم والديدان فلا أثر للحرم ولا للإحرام فيه] # (2397) فصل: وما لا يؤذي بطبعه، ولا يؤكل كالرخم، والديدان، فلا أثر ~~للحرم ولا للإحرام فيه، ولا جزاء فيه إن قتله. وبهذا قال الشافعي وقال ~~مالك: يحرم قتلها، وإن قتلها فداها، وكذلك كل سبع لا يعدو على الناس. وإذا ~~وطئ الذباب والنمل أو الذر، أو قتل الزنبور، تصدق بشيء من الطعام. # ولنا، أن الله تعالى إنما أوجب الجزاء في الصيد، وليس هذا بصيد. قال بعض ~~أهل اللغة: الصيد ما جمع ثلاثة أشياء، فيكون مباحا وحشيا ممتنعا. ولأنه لا ~~مثل له ولا قيمة، والضمان إنما يكون بأحد هذين الشيئين. وروي عن عمر، أنه ~~قرد بعيره بالسقيا وهو محرم. ومعناه أنه نزع القراد عنه، ورماه. # وهذا قول جابر بن زيد، وعطاء. وروي أن ابن عباس قال لعكرمة وهو محرم: قرد ~~البعير. ms1529 فكره ذلك. فقال: قم فانحره. فنحره. فقال له ابن عباس: لا أم لك، كم ~~قتلت فيها من قراد وحلمة وحمنانة؟ يعني كبار القراد. رواه كله سعيد. # PageV03P315 ### | [فصل لا تأثير للإحرام ولا للحرم في تحريم شيء من الحيوان الأهلي] # (2398) فصل: ولا تأثير للإحرام ولا للحرم في تحريم شيء من الحيوان ~~الأهلي، كبهيمة الأنعام ونحوها؛ لأنه ليس بصيد، وإنما حرم الله تعالى ~~الصيد، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذبح البدن في إحرامه في ~~الحرم، يتقرب إلى الله سبحانه بذلك، وقال: «أفضل الحج العج والثج» . يعني ~~إسالة الدماء بالذبح والنحر. وليس في هذا اختلاف. ### | [فصل صيد البحر مباح للمحرم] # (2399) فصل: ويحل للمحرم صيد البحر؛ لقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر ~~وطعامه متاعا لكم وللسيارة} [المائدة: 96] . قال ابن عباس وابن عمر: طعامه ~~ما ألقاه. # وعن ابن عباس: طعامه ملحه. وعن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير: طعامه ~~الملح، وصيده ما اصطدنا. وأجمع أهل العلم على أن صيد البحر مباح للمحرم ~~اصطياده وأكله وبيعه وشراؤه. وصيد البحر: الحيوان الذي يعيش في الماء، ~~ويبيض فيه، ويفرخ فيه، كالسمك والسلحفاة والسرطان، ونحو ذلك. وحكي عن عطاء ~~فيما يعيش في البر، مثل السلحفاة والسرطان، فأشبه طير الماء. # ولنا، أنه يبيض في الماء، ويفرخ فيه، فأشبه السمك. فأما طير الماء، كالبط ~~ونحوه، فهو من صيد البر، في قول عامة أهل العلم. وفيه الجزاء. وحكي عن عطاء ~~أنه قال: حيث يكون أكثر، فهو صيده. وقول عامة أهل العلم أولى؛ لأنه يبيض في ~~البر، ويفرخ فيه، فكان من صيد البر، كسائر طيره، وإنما إقامته في البحر ~~لطلب الرزق، والمعيشة منه، كالصياد. فإن كان جنس من الحيوان، نوع منه في ~~البحر ونوع في البر، كالسلحفاة، فلكل نوع حكم نفسه، كالبقر، منها الوحشي ~~محرم، والأهلي مباح. ### | [مسألة صيد الحرم حرام على الحلال والمحرم] # (2400) مسألة: قال: (وصيد الحرم حرام على الحلال والمحرم) الأصل في تحريم ~~صيد الحرم النص والإجماع؛ أما النص، فما روى ابن عباس، قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه ms1530 وسلم - يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق ~~السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال ~~فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم ~~القيامة، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط ~~لقطتها، إلا من عرفها. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقينهم # PageV03P316 # وبيوتهم. فقال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - إلا الإذخر.» متفق ~~عليه. وأجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم. ### | [فصل جزاء من قتل الصيد في الحرم] # (2401) فصل: وفيه الجزاء على من يقتله، ويجزى بمثل ما يجزى به الصيد في ~~الإحرام. وحكي عن داود، أنه لا جزاء فيه؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولم يرد ~~فيه نص فيبقى بحاله. # ولنا، أن الصحابة - رضي الله عنهم -، قضوا في حمام الحرم بشاة شاة. روي ~~ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس. ولم ينقل عن غيرهم خلافهم، فيكون ~~إجماعا. ولأنه صيد ممنوع منه لحق الله تعالى، أشبه الصيد في حق المحرم. ### | [فصل ما يحرم ويضمن في الإحرام يحرم ويضمن في الحرم] # (2402) فصل: وما يحرم ويضمن في الإحرام يحرم ويضمن في الحرم، وما لا فلا، ~~إلا شيئين؛ أحدهما، القمل. مختلف في قتله في الإحرام، وهو مباح في الحرم ~~بلا اختلاف؛ لأنه حرم في الإحرام للترفه بقتله وإزالته، لا لحرمته، ولا ~~يحرم الترفه في الحل، فأشبه ذلك قص الشعر وتقليم الظفر. الثاني، صيد البحر. ~~مباح في الإحرام بغير خلاف، ولا يحل صيده من آبار الحرم وعيونه. # وكرهه جابر بن عبد الله؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «لا ينفر صيدها.» ~~ولأن الحرمة تثبت للصيد، كحرمة المكان، وهو شامل لكل صيد، ولأنه صيد غير ~~مؤذ، فأشبه الظباء. وعن أحمد، رواية أخرى: أنه مباح؛ لأن الإحرام لا يحرمه، ~~فأشبه السباع والحيوان الأهلي. ### | [فصل ضمان صيد الحرم] # (2403) فصل: ويضمن صيد الحرم في حق المسلم والكافر، والكبير والصغير، ~~والحر والعبد؛ لأن الحرمة تعلقت بمحله بالنسبة ms1531 إلى الجميع، فوجب ضمانه ~~كالآدمي. ### | [فصل ملك صيدا في الحل فأدخله الحرم] # (2404) فصل: ومن ملك صيدا في الحل، فأدخله الحرم، لزمه رفع يده عنه ~~وإرساله، فإن تلف في يده، أو أتلفه، فعليه ضمانه، كصيد الحل في حق المحرم. # وقال عطاء: إن ذبحه، فعليه الجزاء. وروي ذلك عن ابن عمر. وممن كره إدخال ~~الصيد الحرم، ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وعطاء، وطاوس، وإسحاق، وأصحاب ~~الرأي. ورخص فيه جابر بن عبد الله، ورويت عنه الكراهة له. أخرجه سعيد. # وقال هشام # PageV03P317 # بن عروة: كان ابن الزبير تسع سنين يراها في الأقفاص، وأصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يرون به بأسا. ورخص فيه سعيد بن جبير، ومجاهد، ومالك، ~~والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر؛ لأنه ملكه خارجا، وحل له التصرف فيه، ~~فجاز له ذلك في الحرم، كصيد المدينة إذا أدخله حرمها. # ولنا، أن الحرم سبب محرم للصيد، ويوجب ضمانه فحرم استدامة إمساكه ~~كالإحرام، ولأنه صيد ذبحه في الحرم، فلزمه جزاؤه، كما لو صاده منه، وصيد ~~المدينة لا جزاء فيه، بخلاف صيد الحرم. ### | [فصل يضمن صيد الحرم بالدلالة والإشارة] # (2405) فصل: ويضمن صيد الحرم بالدلالة والإشارة، كصيد الإحرام، والواجب ~~عليهما جزاء واحد. نص عليه أحمد. وظاهر كلامه أنه لا فرق بين كون الدال في ~~الحل أو الحرم. # وقال القاضي: لا جزاء على الدال إذا كان في الحل، والجزاء على المدلول ~~وحده، كالحلال إذا دل محرما على صيده. ولنا، أن قتل الصيد الحرمي حرام على ~~الدال، فيضمنه بالدلالة، كما لو كان في الحرم، يحققه أن صيد الحرم محرم على ~~كل أحد؛ لقوله - عليه السلام -: «لا ينفر صيدها» . # وفي لفظ: «لا يصاد صيدها» . وهذا عام في حق كل واحد، ولأن صيد الحرم ~~معصوم بمحله، فحرم قتله عليهما كالملتجئ إلى الحرم. وإذا ثبت تحريمه عليهما ~~فيضمن بالدلالة ممن يحرم عليه قتله، كما يضمن بدلالة المحرم عليه. ### | [فصل رمي الحلال من الحل صيدا في الحرم فقتله] # (2406) فصل: وإذا رمى الحلال من الحل صيدا في الحرم، فقتله، أو أرسل كلبه ~~عليه، ms1532 فقتله، أو قتل صيدا على فرع في الحرم أصله في الحل، ضمنه. وبهذا قال ~~الثوري، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وحكى أبو الخطاب ~~عن أحمد رواية أخرى، لا جزاء عليه في جميع ذلك؛ لأن القاتل حلال في الحل. # وهذا لا يصح؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ينفر صيدها» . ~~ولم يفرق بين من هو في الحل والحرم، وقد أجمع المسلمون على تحريم صيد ~~الحرم، وهذا من صيده، ولأن صيد الحرم معصوم بمحله بحرمة الحرم، فلا يختص ~~تحريمه بمن في الحرم، وكذلك الحكم إن أمسك طائرا في الحل، فهلك فراخه في ~~الحرم، ضمن الفراخ؛ لما ذكرنا، ولا يضمن الأم؛ لأنها من صيد الحل، وهو ~~حلال. وإن انعكست الحال، فرمى من الحرم صيدا في الحل، أو أرسل كلبه عليه، ~~أو قتل صيدا على غصن في الحل أصله في الحرم، أو أمسك حمامة في الحرم، فهلك ~~فراخها في الحل، فلا ضمان عليه، كما في الحل. # قال أحمد، في من أرسل كلبه في الحرم، فصاد في الحل: فلا شيء عليه. وحكي ~~عنه، رواية أخرى، في جميع الصور: يضمن. # وعن الشافعي ما يدل عليه. وذهب الثوري، والشافعي؛ وأبو ثور، وابن المنذر، ~~في من قتل طائرا على غصن في الحل، أصله في الحرم: لا جزاء عليه. وهو ظاهر ~~قول أصحاب الرأي. # وقال ابن الماجشون، وإسحاق: عليه الجزاء؛ لأن الغصن تابع للأصل، وهو في ~~الحرم. # PageV03P318 # ولنا، أن الأصل حل الصيد، فحرم صيد الحرم بقوله - عليه السلام -: «لا ~~ينفر صيدها» . وبالإجماع، فبقي ما عداه على الأصل، ولأنه صيد حل صاده حلال، ~~فلم يحرم، كما لو كانا في الحل، ولأن الجزاء إنما يجب في صيد الحرم، أو صيد ~~المحرم، وليس هذا بواحد منهما. # (2407) فصل: فإن كان الصيد والصائد في الحل، فرمى الصيد بسهمه، أو أرسل ~~عليه كلبه، فدخل الحرم، ثم خرج فقتل الصيد في الحل، فلا جزاء فيه. وبها قال ~~أصحاب الرأي، وأبو ثور، وابن المنذر. وحكى أبو ثور عن الشافعي، أن عليه ~~الجزاء. # ولنا، ms1533 ما ذكرناه. قال القاضي: لا يزيد سهمه على نفسه، ولو عدا بنفسه، ~~فسلك الحرم في طريقه، ثم قتل صيدا في الحل، لم يكن عليه شيء، فسهمه أولى. ### | [فصل رمى من الحل صيدا في الحل فقتل صيدا في الحرم] # (2408) فصل: وإن رمى من الحل صيدا في الحل، فقتل صيدا في الحرم، فعليه ~~جزاؤه. وبهذا قال الثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # وقال أبو ثور: لا جزاء عليه. وليس بصحيح؛ لأنه قتل صيدا حرميا، فلزمه ~~جزاؤه، كما لو رمى حجرا في الحرم فقتل صيدا، يحققه أن الخطأ كالعمد في وجوب ~~الجزاء، وهذا لا يخرج عن كونه واحدا منهما. فأما إن أرسل كلبه على صيد في ~~الحل، فدخل الكلب الحرم، فقتل صيدا آخر، لم يضمنه. # وهذا قول الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنه ~~لم يرسل الكلب على ذلك الصيد، وإنما دخل باختيار نفسه، فهو كما لو استرسل ~~بنفسه من غير إرسال. وإن أرسله على صيد، فدخل الصيد الحرم، ودخل الكلب ~~خلفه، فقتله في الحرم، فكذلك. نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، ~~وابن المنذر. # وقال عطاء، وأبو حنيفة، وصاحباه: عليه الجزاء؛ لأنه قتل صيدا حرميا، ~~بإرسال كلبه عليه، فضمنه، كما لو قتله بسهمه. واختاره أبو بكر عبد العزيز. ~~وحكى صالح، عن أحمد، أنه قال: إن كان الصيد قريبا من الحرم، ضمنه؛ لأنه فرط ~~بإرساله في موضع يظهر أنه يدخل الحرم، وإن كان بعيدا، لم يضمن؛ لعدم ~~التفريط. # وهذا قول مالك. ولنا، أنه أرسل الكلب على صيد مباح، فلم يضمن. كما لو قتل ~~صيدا سواه، وفارق السهم؛ لأن الكلب له قصد واختيار، ولهذا يسترسل بنفسه، ~~ويرسله إلى جهة فيمضي إلى غيرها، والسهم بخلافه. إذا ثبت هذا فإنه لا يأكل ~~الصيد في هذه المواضع كلها، ضمنه أو لم يضمنه؛ لأنه صيد حرمي، قتل في ~~الحرم، فحرم، كما لو ضمنه، ولأننا إذا قطعنا فعل الآدمي، صار كأن الكلب ~~استرسل بنفسه، فقتله. # ولكن لو رمى الحلال من الحل صيدا في الحل، فجرحه، وتحامل الصيد فدخل ms1534 ~~الحرم، فمات فيه، حل أكله، ولا جزاء فيه؛ لأن الذكاة حصلت في الحل، فأشبه ~~ما لو جرح صيدا، ثم أحرم، فمات # PageV03P319 # الصيد بعد إحرامه. ويكره أكله؛ لموته في الحرم. ### | [فصل وقف صيد بعض قوائمه في الحل وبعضها في الحرم فقتله قاتل] # (2409) فصل: وإن وقف صيد، بعض قوائمه في الحل، وبعضها في الحرم، فقتله ~~قاتل، ضمنه تغليبا للحرم. وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. وإن نفر صيدا من ~~الحرم، فأصابه شيء في حال نفوره، ضمنه؛ لأنه تسبب إلى إتلافه، فأشبه ما لو ~~تلف بشركه أو شبكته. وإن سكن من نفوره، ثم أصابه شيء، فلا شيء على من نفره. ~~نص عليه أحمد. # وهو قول الثوري؛ لأنه لم يكن سببا لإتلافه، وقد روي عن عمر، أنه وقعت على ~~ردائه حمامة، فأطارها، فوقعت على واقف فانتهزتها حية، فاستشار في ذلك عثمان ~~ونافع بن عبد الحارث فحكما عليه بشاة. وهذا يدل على أنهم رأوا عليه الضمان ~~بعد سكوته. لكن لو انتقل عن المكان الثاني، فأصابه شيء، فلا ضمان عليه؛ ~~لأنه خرج عن المكان الذي طرد إليه، وقول الثوري وأحمد إنما يدل على هذا؛ ~~لأن سفيان قال: إذا طردت في الحرم شيئا، فأصاب شيئا قبل أن يقع، أو حين ~~وقع، ضمنت، وإن وقع من ذلك المكان إلى مكان آخر، فليس عليك شيء. فقال أحمد: ~~جيد. ### | [مسألة قطع شجر الحرم] # (2410) مسألة: قال: (وكذلك شجره ونباته، إلا الإذخر، وما زرعه الإنسان) ~~أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم، وإباحة أخذ الإذخر، وما أنبته ~~الآدمي من البقول والزروع والرياحين. حكى ذلك ابن المنذر، والأصل فيه ما ~~روينا من حديث ابن عباس. وروى أبو شريح، وأبو هريرة نحوا من حديث ابن عباس، ~~وكلها متفق عليها. # وفي حديث أبي هريرة: «ألا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها، ولا ~~يعضد شجرها» . وفي حديث أبي شريح، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يوم الفتح، قال: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لأحد ~~يؤمن بالله واليوم الآخر ms1535 أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة» . وروى ~~الأثرم حديث أبي هريرة، في (سننه) ، وفيه: «لا يعضد شجرها، ولا يحتش ~~حشيشها، ولا يصاد صيدها» . فأما ما أنبته الآدمي من الشجر، فقال أبو ~~الخطاب، وابن عقيل: له قلعه من غير ضمان، كالزرع. # وقال القاضي: ما نبت في الحل، ثم غرس في الحرم، فلا جزاء فيه، وما نبت ~~أصله في الحرم. ففيه الجزاء بكل حال. وقال الشافعي: في شجر الحرم الجزاء ~~بكل حال، أنبته الآدميون، أو نبت بنفسه؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «لا ~~يعضد شجرها» . ولأنها شجرة نابتة في الحرم، أشبه ما لم ينبته الآدميون. # وقال أبو حنيفة: لا جزاء فيما ينبت الآدميون جنسه، كالجوز واللوز والنخل ~~ونحوه، ولا يجب فيما ينبته الآدمي من غيره، كالدوح والسلم والعضاه؛ لأن ~~الحرم يختص تحريمه ما كان وحشيا من الصيد، كذلك الشجر. وقول # PageV03P320 # الخرقي: (وما زرعه الإنسان) يحتمل اختصاصه بالزرع دون الشجر، فيكون كقول ~~الشافعي. # ويحتمل أن يعم جميع ما يزرع، فيدخل فيه الشجر، ويحتمل أن يريد ما ينبت ~~الآدميون جنسه. والأولى الأخذ بعموم الحديث في تحريم الشجر كله، بقوله - ~~عليه السلام -: «لا يعضد شجرها.» إلا ما أنبته الآدمي من جنس شجرهم، ~~بالقياس على ما أنبتوه من الزرع، والأهلي من الحيوان، فإننا إنما أخرجنا من ~~الصيد ما كان أصله إنسيا، دون ما تأنس من الوحشي، كذا هاهنا. ### | [فصل يحرم على المحرم قطع الشوك والعوسج] # (2411) فصل: ويحرم قطع الشوك، والعوسج. وقال القاضي، وأبو الخطاب: لا ~~يحرم. وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشافعي؛ لأنه يؤذي ~~بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يعضد شجرها» . وفي حديث أبي ~~هريرة: «لا يختلى شوكها» . وهذا صريح. ولأن الغالب في شجر الحرم الشوك، ~~فلما حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع شجرها، والشوك غالبه، كان ظاهرا ~~في تحريمه. ### | [فصل لا بأس للمحرم بقطع اليابس من الشجر والحشيش] # (2412) فصل: ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش؛ لأنه بمنزلة الميت. ~~ولا بقطع ما ms1536 انكسر ولم يبن؛ لأنه قد تلف، فهو بمنزلة الظفر المنكسر. ولا ~~بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي. ولا ~~ما سقط من الورق. نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن الخبر إنما ورد في ~~القطع، وهذا لم يقطع. فأما إن قطعه آدمي، فقال أحمد: لم أسمع، إذا قطع ~~ينتفع به. # وقال في الدوحة تقلع: من شبهه بالصيد، لم ينتفع بحطبها. وذلك لأنه ممنوع ~~من إتلافه؛ لحرمة الحرم، فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه، لم ينتفع به، كالصيد ~~يذبحه المحرم. ويحتمل أن يباح لغير القاطع الانتفاع به؛ لأنه انقطع بغير ~~فعله، فأبيح له الانتفاع به، كما لو قطعه حيوان بهيمي، ويفارق الصيد الذي ~~ذبحه، لأن الذكاة تعتبر لها الأهلية، ولهذا لا يحصل بفعل بهيمة، بخلاف هذا. ### | [فصل لا يأخذ المحرم ورق الشجر] # (2413) فصل: وليس له أخذ ورق الشجر. وقال الشافعي: له أخذه؛ لأنه لا يضر ~~به. وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنى، يستمشي به، ولا ينزع من أصله. ورخص ~~فيه عمرو بن دينار. # PageV03P321 # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يخبط شوكها، ولا يعضد ~~شجرها» ، رواه مسلم. ولأن ما حرم أخذه حرم كل شيء منه، كريش الطائر. ~~وقولهم: لا يضر به. لا يصح فإنه يضعفها، وربما آل إلى تلفها. ### | [فصل قطع حشيش الحرم] # (2414) فصل: ويحرم قطع حشيش الحرم، إلا ما استثناه الشرع من الإذخر، وما ~~أنبته الآدميون، واليابس؛ لقوله - عليه السلام -: «لا يختلى خلاها» . # وفي لفظ: «لا يحتش حشيشها.» وفي استثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الإذخر دليل على تحريم ما عداه، وفي جواز رعيه وجهان؛ أحدهما، لا يجوز، وهو ~~مذهب أبي حنيفة؛ لأن ما حرم إتلافه، لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه، كالصيد. ~~والثاني، يجوز. وهو مذهب عطاء، والشافعي؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم، ~~فتكثر فيه، فلم ينقل أنه كانت تسد أفواهها، ولأن بهم حاجة إلى ذلك، أشبه ~~قطع الإذخر. ### | [فصل أخذ الكمأة من الحرم] # (2415) فصل: ويباح أخذ الكمأة من ms1537 الحرم، وكذلك الفقع؛ لأنه لا أصل له، ~~فأشبه الثمرة. وروى حنبل، قال: يؤكل من شجر الحرم الضغابيس، والعشرق، وما ~~سقط من الشجر، وما أنبت الناس. ### | [فصل الضمان على من أتلف الشجر والحشيش في الحرم] # (2416) فصل: ويجب في إتلاف الشجر والحشيش الضمان. وبه قال الشافعي، ~~وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن ابن عباس، وعطاء. # وقال مالك، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر: لا يضمن؛ لأن المحرم لا يضمنه ~~في الحل، فلا يضمن في الحرم، كالزرع. وقال ابن المنذر: لا أجد دليلا أوجب ~~به في شجر الحرم، فرضا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، وأقول كما قال مالك: ~~نستغفر الله تعالى، ولنا، ما روى أبو هشيمة، قال: رأيت عمر بن الخطاب، أمر ~~بشجر كان في المسجد يضر بأهل الطواف، فقطع، وفدى. قال: وذكر البقرة. رواه ~~حنبل في (المناسك) . وعن ابن عباس، أنه قال: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة ~~شاة. والدوحة: الشجرة العظيمة. والجزلة: الصغيرة. وعن عطاء # PageV03P322 # نحوه. ولأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم، فكان مضمونا كالصيد، ويخالف ~~المحرم، فإنه لا يمتنع من قطع شجر الحل، ولا زرع الحرم. إذا ثبت هذا، فإنه ~~يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما ~~نقص. وبهذا قال الشافعي. وقال أصحاب الرأي: يضمن الكل بقيمته؛ لأنه لا مقدر ~~فيه، فأشبه الحشيش. ولنا، قول ابن عباس وعطاء ولأنه أحد نوعي ما يحرم ~~إتلافه، فكان فيه ما يضمن بمقدر كالصيد. فإن قطع غصنا أو حشيشا، فاستخلف، ~~احتمل سقوط ضمانه، كما إذا جرح صيدا فاندمل، أو قطع شعر آدمي فنبت، واحتمل ~~أن يضمنه؛ لأن الثاني غير الأول. ### | [فصل قلع شجرة من الحرم فغرسها في مكان آخر فيبست] # (2417) فصل: من قلع شجرة من الحرم، فغرسها في مكان آخر، فيبست، ضمنها؛ ~~لأنه أتلفها. وإن غرسها في مكان من الحرم، فنبتت، لم يضمنها؛ لأنه لم ~~يتلفها، ولم يزل حرمتها. وإن غرسها في الحل، فنبتت، فعليه ردها إليه؛ لأنه ~~أزال حرمتها. فإن تعذر ردها، أو ردها فيبست، ضمنها. وإن قلعها غيره من ~~الحل، فقال ms1538 القاضي: الضمان على الثاني؛ لأنه المتلف لها. # فإن قيل: فلم لا يجب على المخرج، كالصيد إذا نفره من الحرم، فقتله إنسان ~~في الحل، فإن الضمان على المنفر؟ قلنا: الشجر لا ينتقل بنفسه، ولا تزول ~~حرمته بإخراجه، ولهذا وجب على قالعه رده، والصيد يكون في الحرم تارة وفي ~~الحل أخرى، فمن نفره فقد فوت حرمته، فلزمه جزاؤه، وهذا لم يفوت حرمته ~~بالإخراج، فكان الجزاء على متلفه، لأنه أتلف شجرا حرميا محرما إتلافه. ### | [فصل إذا كانت شجرة في الحرم وغصنها في الحل فعلى قاطعه الضمان] # (2418) فصل: وإذا كانت شجرة في الحرم، وغصنها في الحل، فعلى قاطعه ~~الضمان؛ لأنه تابع لأصله. وإن كانت في الحل، وغصنها في الحرم، فقطعه، ففيه ~~وجهان: أحدهما: لا ضمان فيه. وهو قول القاضي أبي يعلى لأنه تابع لأصله، ~~كالتي قبلها. والثاني، يضمنه. اختاره ابن أبي موسى؛ لأنه في الحرم. فإن كان ~~بعض الأصل في الحل وبعضه في الحرم، ضمن الغصن بكل حال، سواء كان في الحل أو ~~في الحرم، تغليبا لحرمة الحرم، كما لو وقف صيد بعض قوائمه في الحل، وبعضها ~~في الحرم. ### | [فصل حكم صيد المدينة وشجرها وحشيشها] # (2419) فصل: ويحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي. وقال أبو حنيفة: # PageV03P323 # لا يحرم؛ لأنه لو كان محرما لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بيانا ~~عاما، ولوجب فيه الجزاء، كصيد الحرم. # ولنا، ما روى علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«المدينة حرم، ما بين ثور إلى عير» . متفق عليه. وروى تحريم المدينة أبو ~~هريرة، ورافع، وعبد الله بن زيد. متفق على أحاديثهم. ورواه مسلم، عن سعد، ~~وجابر، وأنس، وهذا يدل على تعميم البيان، وليس هو في الدرجة دون أخبار ~~تحريم الحرم، وقد قبلوه وأثبتوا أحكامه، على أنه ليس بممتنع أن يبينه بيانا ~~خاصا، أو يبينه بيانا عاما، فينقل نقلا خاصا، كصفة الأذان والوتر والإقامة. ### | [فصل حرم المدينة ما بين لابتيها] # (2420) فصل: وحرم المدينة ما بين لابتيها؛ لما روى أبو هريرة قال: قال ~~رسول ms1539 الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين لابتيها حرام. وكان أبو هريرة ~~يقول: لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها» . متفق عليه. واللابة: ~~الحرة، وهي أرض فيها حجارة سود. قال أحمد: ما بين لابتيها حرام. بريد في ~~بريد، كذا فسره مالك بن أنس. وروى أبو هريرة، «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - جعل حول المدينة اثنا عشر ميلا حمى» . رواه مسلم. # فأما قوله: «ما بين ثور إلى عير» . فقال أهل العلم بالمدينة: لا نعرف بها ~~ثورا ولا عيرا. وإنما هما جبلان بمكة، فيحتمل أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أراد قدر ما بين ثور وعير، ويحتمل أنه أراد جبلين بالمدينة، وسماهما ~~ثورا وعيرا، تجوزا. ### | [فصل فعل المحرم شيئا مما حرم عليه] # (2421) فصل: فمن فعل مما حرم عليه شيئا، ففيه روايتان: إحداهما، لا جزاء ~~فيه. وهذا قول أكثر أهل العلم. وهو قول مالك، والشافعي في الجديد؛ لأنه ~~موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فلم يجب فيه جزاء، كصيد وج. # PageV03P324 # والثانية، يجب فيه الجزاء. # وروي ذلك عن ابن أبي ذئب. وهو قول الشافعي في القديم، وابن المنذر؛ لأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني أحرم المدينة، مثلما حرم ~~إبراهيم مكة» . ونهى أن يعضد شجرها، ويؤخذ طيرها، فوجب في هذا الحرم ~~الجزاء، كما وجب في ذلك، إذ لم يظهر بينهما فرق، وجزاؤه إباحة سلب القاتل ~~لمن أخذه؛ لما روى مسلم، بإسناده عن عامر بن سعد، أن سعدا ركب إلى قصره ~~بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا، أو يخبطه، فسلبه، فلما رجع سعد جاء أهل ~~العبد، فكلموه أن يرد على غلامهم، أو عليهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئا ~~نفلنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأبى أن يرد عليهم. وعن سعد، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أخذ أحدا يصيد فيه، فليسلبه» ~~رواه أبو داود. فعلى هذا يباح لمن وجد آخذ الصيد أو قاتله، أو قاطع الشجر ~~سلبه، وهو أخذ ثيابه حتى سراويله. فإن كان على دابة لم يملك ms1540 أخذها؛ لأن ~~الدابة ليست من السلب، وإنما أخذها قاتل الكافر في الجهاد؛ لأنه يستعان بها ~~على الحرب، بخلاف مسألتنا. وإن لم يسلبه أحد، فلا شيء عليه، سوى الاستغفار ~~والتوبة. ### | [فصل يفارق حرم المدينة حرم مكة في شيئين] # (2422) فصل: ويفارق حرم المدينة حرم مكة في شيئين: أحدهما، أنه يجوز أن ~~يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه، للمساند والوسائد والرحل، ~~ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف؛ لما روى الإمام أحمد، عن جابر بن ~~عبد الله، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حرم المدينة، قالوا: يا ~~رسول الله، إنا أصحاب عمل، وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا، ~~فرخص لنا، فقال: القائمتان، والوسادة، والعارضة، والمسند، فأما غير ذلك فلا ~~يعضد، ولا يخبط منها شيء» . قال إسماعيل بن أبي أويس، قال خارجة: المسند ~~مرود البكرة. فاستثنى ذلك، وجعله مباحا، كاستثناء الإذخر بمكة # وعن علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المدينة حرام، ما بين ~~عائر إلى ثور، لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا يصلح أن يقطع منها ~~شجرة، إلا أن يعلف رجل بعيره» وعن جابر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن يهش ~~هشا رفيقا» . رواهما # PageV03P325 # أبو داود. ولأن المدينة يقرب منها شجر وزرع، فلو منعنا من احتشاشها، مع ~~الحاجة، أفضى إلى الضرر، بخلاف مكة، الثاني، أن من صاد صيدا خارج المدينة، ~~ثم أدخله إليها، لم يلزمه إرساله. نص عليه أحمد؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يقول: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» . وهو طائر صغير. فظاهر ~~هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة، إذ لم ينكر ذلك، وحرمة مكة أعظم من حرمة ~~المدينة، بدليل أنه لا يدخلها إلا محرم. ### | [فصل صيد وج وشجره مباح وهو واد بالطائف] # (2423) فصل: صيد وج وشجره مباح؛ وهو واد بالطائف. وقال أصحاب الشافعي: هو ~~محرم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صيد وج وعضاهها محرم» . رواه ms1541 ~~أحمد، في (المسند) . ولنا، أن الأصل الإباحة، والحديث ضعيف، ضعفه أحمد. ~~ذكره أبو بكر الخلال، في كتاب (العلل) . ### | [مسألة المحرم إذا حصره عدو فمنعه الوصول إلى البيت] # (2424) مسألة: قال: (وإن حصر بعدو، نحر ما معه من الهدي، وحل) أجمع أهل ~~العلم على أن المحرم إذا حصره عدو من المشركين، أو غيرهم، فمنعوه الوصول ~~إلى البيت، ولم يجد طريقا آمنا، فله التحلل. وقد نص الله تعالى عليه بقوله: ~~{فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] . وثبت أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر أصحابه يوم حصروا في الحديبية أن ينحروا، ويحلقوا، ~~ويحلوا. # وسواء كان الإحرام بحج أو بعمرة، أو بهما، في قول إمامنا، وأبي حنيفة، ~~والشافعي. وحكي عن مالك أن المعتمر لا يتحلل؛ لأنه لا يخاف الفوات. وليس ~~بصحيح؛ لأن الآية إنما نزلت في حصر الحديبية، وكان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه محرمين بعمرة، فحلوا جميعا. وعلى من تحلل بالإحصار الهدي، ~~في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك، ليس عليه هدي؛ لأنه تحلل أبيح له من ~~غير تفريط، أشبه من أتم حجه. # وليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قال: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ~~[البقرة: 196] . قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت ~~في حصر الحديبية. ولأنه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه، فكان عليه الهدي، ~~كالذي فاته الحج، وبهذا فارق من أتم حجه. ### | [فصل لا فرق بين الحصر العام في حق الحاج كله وبين الخاص في حق شخص واحد] # (2425) فصل: ولا فرق بين الحصر العام في حق الحاج كله، وبين الخاص في حق ~~شخص واحد، مثل أن يحبس بغير حق، أو أخذته اللصوص وحده؛ لعموم النص، ووجود ~~المعنى في الكل. فأما من حبس بحق عليه، يمكنه الخروج منه، لم يكن له ~~التحلل؛ لأنه لا عذر له في الحبس. وإن كان معسرا به عاجزا # PageV03P326 # عن أدائه، فحبسه بغير حق، فله التحلل، كمن ذكرنا. وإن كان عليه دين مؤجل، ~~يحل قبل قدوم الحاج، فمنعه صاحبه من الحج، ms1542 فله التحلل أيضا؛ لأنه معذور. # ولو أحرم العبد بغير إذن سيده أو المرأة للتطوع بغير إذن زوجها، فلهما ~~منعها، وحكمهما حكم المحصر. (2426) فصل: إن أمكن المحصر الوصول من طريق ~~أخرى، لم يبح له التحلل، ولزمه سلوكها، بعدت أو قربت، خشي الفوات أو لم ~~يخشه، فإن كان محرما بعمرة لم يفت، وإن كان بحج ففاته، تحلل بعمرة. وكذا لو ~~لم يتحلل المحصر حتى خلي عنه، لزمه السعي، وإن كان بعد فوات الحج، ليتحلل ~~بعمرة، ثم هل يلزمه القضاء إن فاته الحج؟ فيه روايتان: إحداهما، يلزمه، كمن ~~فاته بخطأ الطريق. والثانية، لا يجب؛ لأن سبب الفوات الحصر، أشبه من لم يجد ~~طريقا أخرى، بخلاف المخطئ. ### | [فصل أحصر فلم يجد طريقا أخرى فتحلل] # (2427) فصل: فأما من لم يجد طريقا أخرى، فتحلل، فلا قضاء عليه، إلا أن ~~يكون واجبا يفعله بالوجوب السابق، في الصحيح من المذهب. وبه قال مالك، ~~والشافعي، وعن أحمد، أن عليه القضاء. روي ذلك عن مجاهد، وعكرمة، والشعبي. ~~وبه قال أبو حنيفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تحلل زمن ~~الحديبية، قضى من قابل، وسميت عمرة القضية، ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه، ~~فلزمه القضاء، كما لو فاته الحج. # ووجه الأولى أنه تطوع جاز التحلل منه، مع صلاح الوقت له، فلم يجب قضاؤه، ~~كما لو دخل في الصوم يعتقد أنه واجب، فلم يكن، فأما الخبر، فإن الذين صدوا ~~كانوا ألفا وأربعمائة، والذين اعتمروا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كانوا نفرا يسيرا، ولم ينقل إلينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~أحدا بالقضاء، وأما تسميتها عمرة القضية، فإنما يعني بها القضية التي ~~اصطلحوا عليها، واتفقوا عليها، ولو أرادوا غير ذلك لقالوا: عمرة القضاء. ~~ويفارق الفوات، فإنه مفرط، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل وإذا قدر المحصر على الهدي فليس له الحل قبل ذبحه] # (2428) فصل: وإذا قدر المحصر على الهدي، فليس له الحل قبل ذبحه. فإن كان ~~معه هدي قد ساقه أجزأه، وإن لم يكن معه لزمه شراؤه إن أمكنه، ويجزئه أدنى ~~الهدي، ms1543 وهو شاة، أو سبع بدنة؛ لقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي} [البقرة: ~~196] . وله نحره في موضع حصره، من حل أو حرم. نص عليه أحمد وهو قول مالك، ~~والشافعي، إلا أن يكون قادرا على أطراف الحرم، ففيه وجهان: أحدهما، يلزمه ~~نحره فيه؛ لأن الحرم كله منحر، وقد قدر عليه. والثاني، ينحره في موضعه؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر هديه في موضعه. # وعن أحمد: ليس # PageV03P327 # للمحصر نحر هديه إلا في الحرم، فيبعثه، ويواطئ رجلا على نحره في وقت ~~يتحلل فيه. وهذا يروى عن ابن مسعود، في من لدغ في الطريق. وروي نحو ذلك عن ~~الحسن، والشعبي، والنخعي، وعطاء. # وهذا، والله أعلم، في من كان حصره خاصا، وأما الحصر العام فلا ينبغي أن ~~يقوله أحد؛ لأن ذلك يفضي إلى تعذر الحل، لتعذر وصول الهدي إلى محله، ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه نحروا هداياهم في الحديبية، وهي من ~~الحل. قال البخاري: قال مالك وغيره: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه حلقوا، وحلوا من كل شيء، قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت. ~~ولم يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدا أن يقضي شيئا، ولا أن ~~يعودوا له. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر هديه عند الشجرة التي كانت ~~تحتها بيعة الرضوان. وهي من الحل باتفاق أهل السيرة والنقل. قال الله ~~تعالى: {والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: 25] . ولأنه موضع حله، فكان ~~موضع نحره، كالحرم، وسائر الهدايا يجوز للمحصر نحرها في موضع تحلله. فإن ~~قيل: فقد قال الله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} ~~[البقرة: 196] . # وقال: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] . ولأنه ذبح يتعلق ~~بالإحرام، فلم يجز في غير الحرم، كدم الطيب واللباس. قلنا: الآية في حق غير ~~المحصر، ولا يمكن قياس المحصر عليه؛ لأن تحلل المحصر في الحل، وتحلل غيره ~~في الحرم، فكل منهما ينحر في موضع تحلله. وقيل في قوله: {حتى يبلغ الهدي ~~محله} [البقرة: 196] . أي حتى يذبح، وذبحه في ms1544 حق المحصر في موضع حله، ~~اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. ### | [فصل متى كان المحصر محرما بعمرة فله التحلل ونحر هديه وقت حصره] # (2429) فصل: ومتى كان المحصر محرما بعمرة، فله التحلل ونحر هديه وقت ~~حصره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه زمن الحديبية، حلوا ونحروا ~~هداياهم بها قبل يوم النحر. وإن كان مفردا أو قارنا، فكذلك في إحدى ~~الروايتين؛ لأن الحج أحد النسكين، فجاز الحل منه ونحر هديه وقت حصره، ~~كالعمرة، ولأن العمرة لا تفوت، وجميع الزمان وقت لها، فإذا جاز الحل منها ~~ونحر هديها من غير خشية فواتها، فالحج الذي يخشى فواته أولى. # والرواية الثانية، لا يحل، ولا ينحر هديه إلى يوم النحر. نص عليه في ~~رواية الأثرم، وحنبل؛ لأن للهدي محل زمان ومحل مكان. فإن عجز محل المكان ~~فسقط، بقي محل الزمان واجبا لإمكانه، وإذا لم يجز له نحر الهدي قبل يوم ~~النحر، لم يجز التحلل؛ لقوله سبحانه: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله} [البقرة: 196] . # PageV03P328 # وإذا قلنا بجواز التحلل قبل يوم النحر، فالمستحب له مع ذلك الإقامة مع ~~إحرامه، رجاء زوال الحصر، فمتى زال قبل تحلله، فعليه المضي لإتمام نسكه، ~~بغير خلاف نعلمه. # قال ابن المنذر: قال كل من أحفظ عنه من أهل العلم: إن من يئس أن يصل إلى ~~البيت، فجاز له أن يحل، فلم يفعل حتى خلي سبيله، إن عليه أن يقضي مناسكه، ~~وإن زال الحصر بعد فوات الحج، تحلل بعمل عمرة، فإن فات الحج قبل زوال ~~الحصر، تحلل بهدي. وقيل: عليه هاهنا هديان؛ هدي للفوات، وهدي للإحصار. ولم ~~يذكر أحمد، في رواية الأثرم، هديا ثانيا في حق من لا يتحلل إلى يوم النحر. ### | [فصل أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة] # (2430) فصل: فإن أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة، فله التحلل؛ لأن الحصر ~~يفيده التحلل من جميعه، فأفاد التحلل من بعضه. وإن كان ما حصر عنه ليس من ~~أركان الحج، كالرمي، وطواف الوداع، والمبيت بمزدلفة أو بمنى في لياليها، ~~فليس له التحلل؛ لأن صحة ms1545 الحج لا تقف على ذلك، ويكون عليه دم؛ لتركه ذلك، ~~وحجه صحيح، كما لو تركه من غير حصر. # وإن أحصر عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة، فليس له أن يتحلل أيضا؛ لأن ~~إحرامه إنما هو عن النساء، والشرع إنما ورد بالتحلل من الإحرام التام، الذي ~~يحرم جميع محظوراته، فلا يثبت بما ليس مثله، ومتى زال الحصر أتى بالطواف، ~~وقد تم حجه. ### | [فصل المحصر إذا تمكن من البيت وصد عن عرفة] # (2431) فصل: فأما من يتمكن من البيت ويصد عن عرفة، فله أن يفسخ نية الحج، ~~ويجعله عمرة، ولا هدي عليه؛ لأننا أبحنا له ذلك من غير حصر، فمع الحصر ~~أولى. فإن كان قد طاف وسعى للقدوم، ثم أحصر، أو مرض حتى فاته الحج، تحلل ~~بطواف وسعي آخر؛ لأن الأول لم يقصد به طواف العمرة، ولا سعيها، وليس عليه ~~أن يجدد إحراما. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور. # وقال الزهري: لا بد أن يقف بعرفة. وقال محمد بن الحسن: لا يكون محصرا ~~بمكة. وروي ذلك عن أحمد. فإن فاته الحج، فحكمه حكم من فاته بغير حصر. وقال ~~مالك: يخرج إلى الحل، ويفعل ما يفعل المعتمر، فإن أحب أن يستنيب من يتمم ~~عنه أفعال الحج، جاز في التطوع؛ لأنه جاز أن يستنيب في جملته، فجاز في ~~بعضه، ولا يجوز في حج الفرض، إلا إن يئس من القدرة عليه في جميع العمر، كما ~~في الحج كله. ### | [فصل تحلل المحصر من الحج فزال الحصر وأمكنه الحج] # (2432) فصل: وإذا تحلل المحصر من الحج، فزال الحصر، وأمكنه الحج لزمه ذلك ~~إن كانت حجة الإسلام، أو قلنا بوجوب القضاء، أو كانت الحجة واجبة في ~~الجملة؛ لأن الحج يجب على الفور. وإن لم تكن الحجة واجبة، ولا قلنا بوجوب ~~القضاء، فلا شيء عليه، كمن لم يحرم. # PageV03P329 ### | [فصل المحصر في حج فاسد] # (2433) فصل: وإن أحصر في حج فاسد، فله التحلل؛ لأنه إذا أبيح له التحلل ~~في الحج الصحيح، فالفاسد أولى. فإن حل، ثم زال الحصر وفي الوقت سعة، فله أن ~~يقضي ms1546 في ذلك العام. وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد الحج فيه في غير ~~هذه المسألة. ### | [مسألة المحصر إذا عجز عن الهدي] # (2434) مسألة: قال: (فإن لم يكن معه هدي، ولا يقدر عليه، صام عشرة أيام، ~~ثم حل) وجملة ذلك أن المحصر، إذا عجز عن الهدي، انتقل إلى صوم عشرة أيام، ~~ثم حل. وبهذا قال الشافعي، في أحد قوليه. # وقال مالك، وأبو حنيفة: ليس له بدل؛ لأنه لم يذكر في القرآن. ولنا، أنه ~~دم واجب للإحرام، فكان له بدل، كدم التمتع والطيب واللباس، وترك النص عليه ~~لا يمنع قياسه على غيره في ذلك، ويتعين الانتقال إلى صيام عشرة أيام، كبدل ~~هدي التمتع، وليس له أن يتحلل إلا بعد الصيام، كما لا يتحلل واجد الهدي إلا ~~بنحره. # وهل يلزمه الحلق أو التقصير مع ذبح الهدي أو الصيام؟ ظاهر كلام الخرقي، ~~أنه لا يلزمه؛ لأنه لم يذكره. وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن الله تعالى ~~ذكر الهدي وحده، ولم يشرط سواه. والثانية، عليه الحلق أو التقصير؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق يوم الحديبية، وفعله في النسك دل على ~~الوجوب. ولعل هذا ينبني على أن الحلاق نسك أو إطلاق من محظور، على ما يذكر ~~في موضعه، إن شاء الله. ### | [فصل لا يتحلل المحصر إلا بالنية] # (2435) فصل: ولا يتحلل إلا بالنية، مع ما ذكرنا، فيحصل الحل بشيئين؛ ~~النحر، أو الصوم والنية، إن قلنا الحلاق ليس بنسك. وإن قلنا: هو نسك. حصل ~~بثلاثة أشياء؛ الحلاق مع ما ذكرنا. فإن قيل: فلم اعتبرتم النية هاهنا، وهي ~~في غير المحصر غير معتبرة؟ قلنا: لأن من أتى بأفعال النسك، فقد أتى بما ~~عليه، فيحل منها بإكمالها، فلم يحتج إلى نية، بخلاف المحصور، فإنه يريد ~~الخروج من العبادة قبل إكمالها، فافتقر إلى قصده، ولأن الذبح قد يكون لغير ~~الحل، فلم يتخصص إلا بقصده، بخلاف الرمي، فإنه لا يكون إلا للنسك، فلم يحتج ~~إلى قصده. ### | [فصل نوى التحلل قبل الهدي أو الصيام لم] # (2436) فصل: فإن نوى التحلل قبل الهدي ms1547 أو الصيام، لم يتحلل، وكان على ~~إحرامه حتى ينحر الهدي أو يصوم؛ لأنهما أقيما مقام أفعال الحج، فلم يحل ~~قبلهما، كما لا يتحلل القادر على أفعال الحج قبلها. وليس عليه في نية الحل ~~فدية؛ لأنها لم تؤثر في العبادة، فإن فعل شيئا من محظورات الإحرام قبل ذلك، ~~فعليه فديته، كما لو فعل القادر ذلك قبل أفعال الحج. # PageV03P330 ### | [فصل كان العدو الذي حصر الحاج مسلمين فأمكن الانصراف كان أولى من قتالهم] # (2437) فصل: وإذا كان العدو الذي حصر الحاج مسلمين، فأمكن الانصراف، كان ~~أولى من قتالهم؛ لأن في قتالهم مخاطرة بالنفس والمال وقتل مسلم، فكان تركه ~~أولى. ويجوز قتالهم؛ لأنهم تعدوا على المسلمين بمنعهم طريقهم، فأشبهوا سائر ~~قطاع الطريق. وإن كانوا مشركين، لم يجب قتالهم؛ لأنه إنما يجب بأحد أمرين؛ ~~إذا بدءوا بالقتال، أو وقع النفير فاحتيج إلى مدد؛ وليس هاهنا واحد منهما. # لكن إن غلب على ظن المسلمين الظفر بهم، استحب قتالهم، لما فيه من الجهاد، ~~وحصول النصر، وإتمام النسك. وإن غلب على ظنهم ظفر الكفار، فالأولى ~~الانصراف؛ لئلا يغرروا بالمسلمين. ومتى احتاجوا في القتال إلى لبس ما تجب ~~فيه الفدية كالدرع والمغفر، فعلوا، وعليهم الفدية؛ لأن لبسهم لأجل أنفسهم، ~~فأشبه ما لو لبسوا للاستدفاء من دفع برد. ### | [فصل أذن العدو للمحصرين في العبور فلم يثقوا بهم] # (2438) فصل: فإن أذن لهم العدو في العبور، فلم يثقوا بهم، فلهم الانصراف؛ ~~لأنهم خائفون على أنفسهم، فكأنهم لم يأمنوهم، وإن وثقوا بأمانهم، وكانوا ~~معروفين بالوفاء، لزمهم المضي على إحرامهم؛ لأنه قد زال حصرهم، وإن طلب ~~العدو خفارة على تخلية الطريق، وكان ممن لا يوثق بأمانه، لم يلزمهم بذله؛ ~~لأن الخوف باق مع البذل، وإن كان موثوقا بأمانه والخفارة كثيرة، لم يجب ~~بذله، بل يكره إن كان العدو كافرا؛ لأن فيه صغارا وتقوية للكفار، وإن كانت ~~يسيرة، فقياس المذهب وجوب بذله، كالزيادة في ثمن الماء للوضوء. # وقال بعض أصحابنا: لا يجب بذل خفارة بحال، وله التحلل، كما أنه في ابتداء ~~الحج لا يلزمه إذا لم ms1548 يجد طريقا آمنا من غير خفارة. ### | [مسألة منع الحاج من الوصول إلى البيت بمرض أو ذهاب نفقة] # (2439) مسألة: قال: (وإن منع من الوصول إلى البيت بمرض، أو ذهاب نفقة، ~~بعث بهدي، إن كان معه، ليذبحه بمكة، وكان على إحرامه حتى يقدر على البيت) ~~المشهور في المذهب أن من يتعذر عليه الوصول إلى البيت بغير حصر العدو، من ~~مرض، أو عرج، أو ذهاب نفقة، ونحوه، أنه لا يجوز له التحلل بذلك. # روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، ومروان. وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق. ~~وعن أحمد، رواية أخرى: له التحلل بذلك. روي نحوه عن ابن مسعود، وهو قول ~~عطاء، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي وأبي ثور؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «من كسر، أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى» . رواه النسائي. # ولأنه محصر يدخل في عموم قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ~~[البقرة: 196] . يحققه # PageV03P331 # أن لفظ الإحصار إنما هو للمرض ونحوه، يقال: أحصره المرض إحصارا، فهو ~~محصر، وحصره العدو، حصرا، فهو محصور. فيكون اللفظ صريحا في محل النزاع، ~~وحصر العدو مقيس عليه. ولأنه مصدود عن البيت، أشبه من صده عدو. # ووجه الأولى أنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله، ولا التخلص من ~~الأذى الذي به، بخلاف حصر العدو. ولأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل ~~على ضباعة بنت الزبير، فقالت: إني أريد الحج، وأنا شاكية. فقال: حجي، ~~واشترطي أن محلي حيث حبستني» . فلو كان المرض يبيح الحل، ما احتاجت إلى ~~شرط. وحديثهم متروك الظاهر، فإن مجرد الكسر والعرج لا يصير به حلالا، فإن ~~حملوه على أنه يبيح التحلل، حملناه على ما إذا اشترط الحل بذلك، على أن في ~~حديثهم كلاما، فإنه يرويه ابن عباس، ومذهبه خلافه. # فإن قلنا: يتحلل. فحكمه حكم من أحصر بعدو على ما مضى. وإن قلنا: لا ~~يتحلل. فإنه يقيم على إحرامه، ويبعث ما معه من الهدي ليذبح بمكة، وليس له ~~نحره في مكانه؛ لأنه لم يتحلل. فإن فاته الحج، تحلل بعمرة، كغير المريض. ms1549 ### | [فصل شرط في ابتداء إحرامه أن يحل متى مرض أو ضاعت نفقته أو نفدت] # (2440) فصل: وإن شرط في ابتداء إحرامه أن يحل متى مرض، أو ضاعت نفقته، أو ~~نفدت، أو نحوه، أو قال إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبسني. فله الحل متى وجد ~~ذلك، ولا شيء عليه، لا هدي، ولا قضاء، ولا غيره، فإن للشرط تأثيرا في ~~العبادات، بدليل أنه لو قال: إن شفى الله مريضي صمت شهرا متتابعا، أو ~~متفرقا. كان على ما شرطه. # وإنما لم يلزمه الهدي والقضاء؛ لأنه إذا شرط شرطا كان إحرامه الذي فعله ~~إلى حين وجود الشرط، فصار بمنزلة من أكمل أفعال الحج، ثم ينظر في صيغة ~~الشرط، فإن قال: إن مرضت فلي أن أحل، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني. فإذا ~~حبس كان بالخيار بين الحل وبين البقاء على الإحرام. وإن قال: إن مرضت فأنا ~~حلال. فمتى وجد الشرط، حل بوجوده. لأنه شرط صحيح، فكان على ما شرط. ### | [مسألة إن قال أنا أرفض إحرامي وأحل فلبس الثياب وذبح الصيد وعمل ما يعمله الحلال] # (2441) مسألة: قال: (فإن قال: أنا أرفض إحرامي وأحل. فلبس الثياب، وذبح ~~الصيد، وعمل ما يعمله الحلال، كان عليه في كل فعل فعله دم، وإن كان وطئ، ~~فعليه للوطء بدنة، مع ما يجب عليه من الدماء.) وجملة ذلك أن التحلل من الحج ~~لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء؛ كمال أفعاله، أو التحلل عند # PageV03P332 # الحصر، أو بالعذر إذا شرط، وما عدا هذا فليس له أن يتحلل به. فإن نوى ~~التحلل لم يحل، ولا يفسد الإحرام برفضه؛ لأنه عبادة لا يخرج منها بالفساد، ~~فلا يخرج منها برفضها، بخلاف سائر العبادات، ويكون الإحرام باقيا في حقه، ~~تلزمه أحكامه، ويلزمه جزاء كل جناية جناها عليه. # وإن وطئ أفسد حجه، وعليه لذلك بدنة، مع ما وجب عليه من الدماء، سواء كان ~~الوطء قبل الجنايات أو بعدها، فإن الجناية على الإحرام الفاسد توجب الجزاء، ~~كالجناية على الصحيح. وليس عليه لرفضه الإحرام شيء؛ لأنه مجرد نية لم تؤثر ~~شيئا. ms1550 ### | [مسألة يمضي في الحج الفاسد ويحج من قابل] # (2442) مسألة: قال: (ويمضي في الحج الفاسد، ويحج من قابل) وجملة ذلك أن ~~الحج لا يفسد إلا بالجماع، فإذا فسد فعليه إتمامه، وليس له الخروج منه. روي ~~ذلك عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس - رضي الله عنهم - وبه قال أبو ~~حنيفة، والشافعي. # وقال الحسن، ومالك: يجعل الحجة عمرة، ولا يقيم على حجة فاسدة. وقال داود: ~~يخرج بالإفساد من الحج والعمرة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» . # ولنا، عموم قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] . ولأنه ~~قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفا، ولأنه معنى يجب به القضاء، ~~فلم يخرج به منه، كالفوات، والخبر لا يلزمنا؛ لأن المضي فيه بأمر الله، ~~وإنما وجب القضاء؛ لأنه لم يأت به على الوجه الذي يلزمه بالإحرام. ونخص ~~مالكا بأنها حجة لا يمكنه الخروج منها بالإخراج، فلا يخرج منها إلى عمرة ~~كالصحيحة. # إذا ثبت هذا فإنه لا يحل من الفاسد، بل يجب عليه أن يفعل بعد الإفساد كل ~~ما يفعله قبله، ولا يسقط عنه توابع الوقوف، من المبيت بمزدلفة، والرمي، ~~ويجتنب بعد الفساد كل ما يجتنبه قبله، من الوطء ثانيا، وقتل الصيد، والطيب، ~~واللباس، ونحوه، وعليه الفدية في الجناية على الإحرام الفاسد، كالفدية في ~~الجناية على الإحرام الصحيح. فأما الحج من قابل، فيلزمه بكل حال، لكن إن ~~كانت الحجة التي أفسدها واجبة بأصل الشرع، أو بالنذر، أو قضاء، كانت الحجة ~~من قابل مجزئة؛ لأن الفاسد إذا انضم إليه القضاء، أجزأه عما يجزئ عنه ~~الأول، لو لم يفسده، وإن كانت الفاسدة تطوعا، وجب قضاؤها؛ لأنه بالدخول في ~~الإحرام صار الحج عليه واجبا، فإذا أفسده، وجب قضاؤه، كالمنذور، ويكون ~~القضاء على الفور. # ولا نعلم فيه مخالفا؛ لأن الحج الأصلي واجب على الفور، فهذا أولى؛ لأنه ~~قد تعين بالدخول فيه، والواجب بأصل الشرع لم يتعين بذلك. ### | [فصل يحرم المحصر القضاء من أبعد الموضعين الميقات أو موضع إحرامه الأول] # (2443) فصل: ms1551 ويحرم بالقضاء من أبعد الموضعين: الميقات، أو موضع إحرامه ~~الأول؛ لأنه إن كان الميقات أبعد، فلا يجوز # PageV03P333 # له تجاوز الميقات بغير إحرام، وإن كان موضع إحرامه أبعد، فعليه الإحرام ~~بالقضاء منه. نص عليه أحمد. وروي ذلك عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، ~~والشافعي، وإسحاق، واختاره ابن المنذر. # وقال النخعي: يحرم من موضع الجماع؛ لأنه موضع الإفساد. ولنا، أنها عبادة ~~فكان قضاؤها على حسب أدائها، كالصلاة. ### | [فصل وقع بامرأته وهما محرمان] # (2444) فصل: وإذا قضيا، تفرقا من موضع الجماع حتى يقضيا حجهما. روي هذا ~~عن عمر، وابن عباس. وروى سعيد، والأثرم، بإسناديهما عن عمر، أنه سئل عن رجل ~~وقع بامرأته، وهما محرمان. فقال: أتما حجكما، فإذا كان عام قابل، فحجا ~~واهديا، حتى إذا بلغتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فتفرقا حتى ~~تحلا. ورويا عن ابن عباس مثل ذلك. وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، ~~والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وروي عن أحمد أنهما يتفرقان من حيث يحرمان حتى يحلا. ورواه مالك في " ~~الموطأ " عن علي - رضي الله عنه - وروي عن ابن عباس. وهو قول مالك؛ لأن ~~التفريق بينهما خوفا من معاودة المحظور، وهو يوجد في جميع إحرامهما. ووجه ~~الأول أن ما قبل موضع الإفساد كان إحرامهما فيه صحيحا، فلم يجب التفرق فيه، ~~كالذي لم يفسد، وإنما اختص التفريق بموضع الجماع، لأنه ربما يذكره برؤية ~~مكانه، فيدعوه ذلك إلى فعله. ومعنى التفرق أن لا يركب معها في محمل، ولا ~~ينزل معها في فسطاط ونحوه. # قال أحمد: يتفرقان في النزول، وفي المحمل والفسطاط، ولكن يكون بقربها. ~~وهل يجب التفريق أو يستحب؟ فيه وجهان: أحدهما، لا يجب. وهو قول أبي حنيفة؛ ~~لأنه لا يجب التفرق في قضاء رمضان إذا أفسداه، كذلك الحج. والثاني: يجب؛ ~~لأنه روي عمن سمينا من الصحابة الأمر به، ولم نعرف لهم مخالفا، ولأن ~~الاجتماع في ذلك الموضع يذكر الجماع، فيكون من دواعيه. والأول أولى؛ لأن ~~حكمة التفريق الصيانة عما يتوهم من معاودة الوقاع عند تذكره برؤية مكانه، ~~وهذا وهم بعيد ms1552 لا يقتضي الإيجاب. ### | [فصل إن كان المعتمر مكيا أحرم بها من الحل] # (2445) فصل: والعمرة فيما ذكرناه كالحج، فإن كان المعتمر مكيا، أحرم بها ~~من الحل، أحرم للقضاء من الحل، وإن كان أحرم بها من الحرم، أحرم للقضاء من ~~الحل، ولا فرق بين المكي ومن حصل بها من المجاورين. # وإن أفسد المتمتع عمرته، ومضى في فاسدها، فأتمها، فقال أحمد: يخرج إلى ~~الميقات، # PageV03P334 # فيحرم منه للحج، فإن خشي الفوات أحرم من مكة، وعليه دم، فإذا فرغ من حجه ~~خرج إلى الميقات فأحرم منه بعمرة مكان التي أفسدها، وعليه هدي يذبحه إذا ~~قدم مكة، لما أفسد من عمرته. # ولو أفسد الحاج حجته، وأتمها، فله الإحرام بالعمرة من أدنى الحل، ~~كالمكيين. (2446) فصل: وإذا أفسد القضاء، لم يجب عليه قضاؤه، وإنما يقضي عن ~~الحج الأول، كما لو أفسد قضاء الصلاة والصيام، وجب القضاء للأصل، دون ~~القضاء، كذا هاهنا؛ وذلك لأن الواجب لا يزداد بفواته، وإنما يبقى ما كان ~~واجبا في الذمة على ما كان عليه، فيؤديه القضاء. # PageV03P335 ### | [باب ذكر الحج ودخول مكة] # يستحب الاغتسال لدخول مكة؛ «لأن عبد الله بن عمر كان يغتسل، ثم يدخل مكة ~~نهارا، ويذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله» متفق عليه. ~~وللبخاري، «أن ابن عمر، كان إذا دخل أدنى الحرم، أمسك عن التلبية، ثم يبيت ~~بذي طوى، ثم يصلي الصبح ويغتسل، ويحدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يفعل ذلك» . # ولأن مكة مجمع أهل النسك، فإذا قصدها استحب له الاغتسال، كالخارج إلى ~~الجمعة. والمرأة كالرجل، وإن كانت حائضا أو نفساء، لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لعائشة وقد حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي ~~بالبيت» . ولأن الغسل يراد للتنظيف، وهذا يحصل مع الحيض، فاستحب لها ذلك. ~~وهذا مذهب الشافعي. وفعله عروة، والأسود بن يزيد، وعمرو بن ميمون، والحارث ~~بن سويد. ### | [فصل يستحب أن يدخل مكة من أعلاها] # (2447) فصل: ويستحب أن يدخل مكة من أعلاها؛ لما روى ابن عمر، «أن رسول ~~الله - صلى الله ms1553 عليه وسلم - دخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج ~~من الثنية السفلى» . وروت عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لما جاء ~~مكة دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها» . متفق عليهما. ولا بأس أن يدخلها ليلا ~~أو نهارا؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة ليلا ونهارا» . ~~رواهما النسائي. ### | [مسألة استحباب دخول المحرم المسجد من باب بني شيبة] # (2448) مسألة: قال: أبو القاسم، - رحمه الله -: (فإذا دخل المسجد، ~~فالاستحباب له أن يدخل من باب بني شيبة، فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر) ~~إنما استحب دخول المسجد من باب بني شيبة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~دخل منه، وفي حديث جابر، الذي رواه مسلم وغيره، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - دخل مكة ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة، ودخل المسجد» ~~. ويستحب رفع اليدين عند رؤية البيت. روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس. وبه ~~قال الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وإسحاق. # وكان مالك لا يرى رفع اليدين؛ لما روي عن المهاجر المكي، قال: سئل جابر ~~بن عبد الله، عن الرجل يرى البيت، أيرفع يديه؟ قال: ما كنت أظن أحدا يفعل ~~هذا إلا اليهود، حججنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن يفعله. ~~رواه النسائي. # ولنا، ما روى أبو بكر بن المنذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، ~~وعلى الصفا والمروة، وعلى الموقفين والجمرتين» . # PageV03P336 # وهذا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وذاك من قول جابر، وخبره عن ~~ظنه وفعله، وقد خالفه ابن عمر، وابن عباس. ولأن الدعاء مستحب عند رؤية ~~البيت، وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء. ### | [فصل يستحب للمحرم أن يدعو عند رؤية البيت] # فصل: ويستحب أن يدعو عند رؤية البيت، فيقول: اللهم أنت السلام، ومنك ~~السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيما، وتشريفا، وتكريما، ~~ومهابة، وبرا، وزد من عظمه وشرفه، ممن حجه واعتمره تعظيما، وتشريفا، ~~وتكريما، ومهابة، وبرا، ms1554 الحمد لله رب العالمين كثيرا، كما هو أهله، وكما ~~ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، الحمد لله الذي بلغني بيته، ورآني لذلك أهلا، ~~والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك، ~~اللهم تقبل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت. قال ~~الشافعي، في (مسنده) : أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: اللهم زد هذا ~~البيت تشريفا، وتكريما، وتعظيما، ومهابة، وبرا، وزد من شرفه، ممن حجه ~~واعتمره تشريفا، وتكريما، وتعظيما، وبرا» . # وروى بإسناده عن سعيد بن المسيب، أنه كان حين ينظر إلى البيت، يقول: ~~(اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام) . قال بعض أصحابنا: ~~يرفع صوته بذلك. ### | [فصل تقديم الصلاة المكتوبة على الطواف] # (2450) فصل: وإذا دخل المسجد، فذكر فريضة أو فائتة، أو أقيمت الصلاة ~~المكتوبة، قدمهما على الطواف؛ لأن ذلك فرض، والطواف تحية، ولأنه لو أقيمت ~~الصلاة في أثناء طوافه، قطعه لأجلها، فلأن يبدأ بها أولى. وإن خاف فوت ~~ركعتي الفجر، أو الوتر، أو أحضرت جنازة، قدمها؛ لأنها سنة يخاف فوتها، ~~والطواف لا يفوت. ### | [مسألة استلام الحجر الأسود] # (2451) مسألة: قال: (ثم أتى الحجر الأسود، إن كان، فاستلمه إن استطاع، ~~وقبله) معنى (استلمه) أي مسحه بيده، مأخوذ من السلام، وهي الحجارة. فإذا ~~مسح الحجر قيل استلم، أي: مس السلام. قاله ابن قتيبة. والمستحب لمن دخل ~~المسجد أن لا يعرج على شيء قبل الطواف # PageV03P337 # بالبيت، اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان يفعل ذلك، ~~قال جابر في حديثه الصحيح: «حتى أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثا، ~~ومشى أربعا» . # وعن عروة بن الزبير، عن عائشة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم ~~مكة، توضأ، ثم طاف بالبيت» . متفق عليه. وروى ذلك عروة عن أبي بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعبد الله بن عمر، ومعاوية، وابن الزبير، والمهاجرين، وعائشة، ~~وأسماء، ابنتي أبي بكر، ولأن الطواف تحية المسجد الحرام، ms1555 فاستحب البداية ~~به، كما استحب لداخل غيره من المساجد أن يصلي ركعتين. ويبتدئ الطواف بالحجر ~~الأسود، فيستلمه، وهو أن يمسحه بيده، ويقبله. قال أسلم: رأيت عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه - قبل الحجر، وقال: إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ~~ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبلك ما قبلتك. متفق ~~عليه. # وروى ابن ماجه. عن ابن عمر، قال: «استقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا، ثم التفت، فإذا هو بعمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه - يبكي، فقال: يا عمر، هاهنا تسكب العبرات» . وقول الخرقي: ~~(إن كان) يعني إن كان الحجر في موضعه لم يذهب به، كما ذهب به القرامطة مرة، ~~حين ظهروا على مكة، فإذا كان ذلك، والعياذ بالله، فإنه يقف مقابلا لمكانه، ~~ويستلم الركن. # وإن كان الحجر موجودا في موضعه، استلمه وقبله. فإن لم يمكنه استلامه ~~وتقبيله، قام حياله، أي بحذائه، واستقبله بوجهه، فكبر، وهلل. وهكذا إن كان ~~راكبا، فقد روى البخاري، عن ابن عباس، قال: «طاف النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على بعير، كلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده، وكبر» . وروي عن ~~«النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعمر: إنك لرجل شديد، تؤذي الضعيف ~~إذا طفت بالبيت، فإذ رأيت خلوة من الحجر فادن منه، وإلا فكبر، ثم امض» . ~~فإن أمكنه استلام الحجر بشيء في يده، كالعصا ونحوها، فعل، فقد روى ابن ~~عباس، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف في حجة الوداع، يستلم ~~الركن بمحجن» . # وهذا كله مستحب. ويقول عند استلام الحجر: «باسم الله، والله أكبر، إيمانا ~~بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -.» رواه عبد الله بن السائب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ### | [فصل يحاذي الحجر الأسود بجميع بدنه] # (2452) فصل: ويحاذي الحجر بجميع بدنه، فإن حاذاه ببعضه، احتمل أن يجزئه؛ ~~لأنه حكم يتعلق بالبدن، فأجزأ فيه بعضه، كالحد، ويحتمل أن لا يجزئه؛ لأن ~~النبي ms1556 - صلى الله عليه وسلم - استقبل الحجر واستلمه، وظاهر هذا أنه استقبله ~~بجميع بدنه، ولأن ما لزمه استقباله، لزمه بجميع بدنه، كالقبلة، فإذا قلنا ~~بوجوب # PageV03P338 # ذلك فلم يفعله، أو بدأ بالطواف من دون الركن، كالباب ونحوه، لم يحتسب له ~~بذلك الشوط، ويحتسب بالشوط الثاني وما بعده، ويصير الثاني أوله؛ لأنه قد ~~حاذى فيه الحجر بجميع بدنه، وأتى على جميعه، فإذا أكمل سبعة أشواط غير ~~الأول، صح طوافه، وإلا لم يصح. # (2453) فصل: والمرأة كالرجل، إلا أنها إذا قدمت مكة نهارا، فأمنت الحيض ~~والنفاس، استحب لها تأخير الطواف إلى الليل، ليكون أستر لها. ولا يستحب لها ~~مزاحمة الرجال لاستلام الحجر، لكن تشير بيدها إليه، كالذي لا يمكنه الوصول ~~إليه، كما روى عطاء، قال: كانت عائشة تطوف حجزة من الرجال، لا تخالطهم، ~~فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين. قالت: انطلقي عنك. وأبت. وإن ~~خافت حيضا أو نفاسا، استحب لها تعجيل الطواف، كي لا يفوتها. ### | [مسألة يستحب الاضطباع في طواف القدوم] # (2454) مسألة: قال: (ويضطبع بردائه) معنى الاضطباع أن يجعل وسط الرداء ~~تحت كتفه اليمنى، ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، ويبقي كتفه اليمنى مكشوفة. ~~وهو مأخوذ من الضبع، وهو عضد الإنسان، افتعال منه، وكان أصله اضتبع، فقلبوا ~~التاء طاء؛ لأن التاء متى وضعت بعد ضاد أو صاد أو طاء ساكنة قلبت طاء. ~~ويستحب الاضطباع في طواف القدوم؛ لما روى أبو داود، وابن ماجه، عن يعلى بن ~~أمية، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «طاف مضطبعا.» ورويا أيضا، عن ابن ~~عباس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، ~~فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى» ~~. وبهذا قال الشافعي، وكثير من أهل العلم. # وقال مالك: ليس الاضطباع بسنة. وقال: لم أسمع أحدا من أهل العلم ببلدنا ~~يذكر أن الاضطباع سنة. وقد ثبت بما روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه فعلوه، وقد أمر الله تعالى باتباعه، وقال: {لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] . # وقد روى أسلم، ms1557 عن عمر بن الخطاب، أنه اضطبع ورمل، وقال: ففيم الرمل، ولم ~~نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ بلى، لن ندع شيئا فعلناه على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه أبو داود. وإذا فرغ من الطواف سوى ~~رداءه؛ لأن الاضطباع غير مستحب في الصلاة. # وقال الأثرم: إذا فرغ من الأشواط التي يرمل فيها، سوى رداءه. والأول ~~أولى؛ لأن قوله: طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - مضطبعا. ينصرف إلى ~~جميعه. ولا يضطبع # PageV03P339 # في غير هذا الطواف، ولا يضطبع في السعي. # وقال الشافعي: يضطبع فيه؛ لأنه أحد الطوافين، فأشبه الطواف بالبيت. ولنا، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يضطبع فيه، والسنة في الاقتداء به. قال ~~أحمد: ما سمعنا فيه شيئا. والقياس لا يصح إلا فيما عقل معناه، وهذا تعبد ~~محض. ### | [مسألة يرمل ثلاثة أشواط ويمشى أربعة] # (2455) مسألة: قال: (ورمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعة، كل ذلك من الحجر ~~الأسود إلى الحجر الأسود) معنى الرمل إسراع المشي مع مقاربة الخطو من غير ~~وثب. وهو سنة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم. ولا نعلم فيه بين ~~أهل العلم خلافا. وقد ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمل ثلاثا، ~~ومشى أربعا» . رواه جابر، وابن عباس، وابن عمر، وأحاديثهم متفق عليها فإن ~~قيل: إنما رمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لإظهار الجلد ~~للمشركين، ولم يبق ذلك المعنى، إذ قد نفى الله المشركين، فلم قلتم: إن ~~الحكم يبقى بعد زوال علته؟ قلنا: قد رمل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه، واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح، فثبت أنها سنة ثابتة. # وقال ابن عباس: «رمل النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمره كلها، وفي ~~حجه» وأبو بكر، وعمر، وعثمان، والخلفاء من بعده. رواه أحمد، في (المسند) . ~~وقد ذكرنا حديث عمر. إذا ثبت هذا، فإن الرمل سنة في الأشواط الثلاثة ~~بكمالها، يرمل من الحجر إلى أن يعود إليه، لا يمشي في شيء منها. روي ذلك عن ~~عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وابن الزبير - رضي الله ms1558 عنهم - وبه قال عروة، ~~والنخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال طاوس، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد ~~الله: يمشي ما بين الركنين؛ لما روى ابن عباس، قال: «قدم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه مكة، وقد وهنتهم الحمى، فقال المشركون: إنه يقدم ~~عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرا. فأطلع الله نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - على ما قالوا، فلما قدموا قعد المشركون مما يلي الحجر، فأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ويمشوا ما ~~بين الركنين، ليرى المشركون جلدهم، فلما رأوهم رملوا، قال المشركون: هؤلاء ~~الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد منا» . قال ابن عباس: ولم ~~يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا الإبقاء عليهم. متفق عليه. # ولنا، ما روى ابن عمر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمل من الحجر ~~إلى الحجر» . وفي مسلم، # PageV03P340 # عن جابر، قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمل من الحجر، حتى ~~انتهى إليه» . وهذا يقدم على حديث ابن عباس؛ لوجوه، منها أن هذا إثبات، ~~ومنها أن رواية ابن عباس إخبار عن عمرة القضية، وهذا إخبار عن فعل في حجة ~~الوداع، فيكون متأخرا، فيجب العمل به وتقديمه، الثالث أن ابن عباس كان في ~~تلك الحال صغيرا، لا يضبط مثل جابر وابن عمر، فإنهما كانا رجلين، يتتبعان ~~أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحرصان على حفظها، فهما أعلم، ولأن ~~جلة الصحابة عملوا بما ذكرنا، ولو علموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ما قال ابن عباس ما عدلوا عنه إلى غيره، ويحتمل أن يكون ما رواه ابن عباس ~~اختص بالذين كانوا في عمرة القضية؛ لضعفهم، والإبقاء عليهم، وما رويناه سنة ~~في سائر الناس. ### | [فصل الدنو من البيت في الطواف] # (2456) فصل: يستحب الدنو من البيت؛ لأنه هو المقصود، فإن كان قرب البيت ~~زحام فظن أنه إذا وقف لم يؤذ أحدا، وتمكن من الرمل، وقف ليجمع بين الرمل ~~والدنو ms1559 من البيت. وإن لم يظن ذلك، وظن أنه إذا كان في حاشية الناس تمكن من ~~الرمل، فعل، وكان أولى من الدنو. # وإن كان لا يتمكن من الرمل أيضا، أو يختلط بالنساء، فالدنو أولى، ويطوف ~~كيفما أمكنه، وإذا وجد فرجة رمل فيها. وإن تباعد من البيت في الطواف أجزأه ~~ما لم يخرج من المسجد، سواء حال بينه وبين البيت حائل، من قبة أو غيره، أو ~~لم يحل؛ لأن الحائل في المسجد لا يضر، كما لو صلى في المسجد مؤتما بالإمام ~~من وراء حائل، وقد روت أم سلمة، قالت: «شكوت إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة. قالت: فطفت ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ يصلي إلى جنب البيت» . متفق عليه. ### | [مسألة الرمل لا يسن في غير الأشواط الثلاثة الأول من أي طواف] # (2457) مسألة: قال: (ولا يرمل في جميع طوافه إلا هذا) وجملة ذلك أن الرمل ~~لا يسن في غير الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم، أو طواف العمرة، فإن ~~ترك الرمل فيها لم يقضه في الأربعة الباقية؛ لأنها هيئة فات موضعها، فسقطت، ~~كالجهر في الركعتين الأولتين، ولأن المشي هيئة في الأربعة، كما أن الرمل ~~هيئة في الثلاثة، فإذا رمل في الأربعة الأخيرة، كان تاركا للهيئة في جميع ~~طوافه، كتارك الجهر في الركعتين الأولتين من العشاء، إذا جهر في الآخرتين. # ولا يسن الرمل والاضطباع في طواف سوى ما ذكرناه؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا في ذلك. وذكر القاضي أن من ترك ~~الرمل والاضطباع في طواف # PageV03P341 # القدوم، أتى بهما في طواف الزيارة؛ لأنهما سنة أمكن قضاؤها، فتقضى كسنن ~~الصلاة. # وهذا لا يصح؛ لما ذكرنا في من تركه في الثلاثة الأول، لا يقضيه في ~~الأربعة، وكذلك من ترك الجهر في صلاة الجهر، لا يقضيه في صلاة الظهر، ولا ~~يقتضي القياس أن تقضى هيئة عبادة في عبادة أخرى. قال القاضي: ولو طاف فرمل ~~واضطبع، ولم يسع بين الصفا والمروة، فإذا ms1560 طاف بعد ذلك للزيارة، رمل في ~~طوافه؛ لأنه يرمل في السعي بعده، وهو تبع للطواف، فلو قلنا: لا يرمل في ~~الطواف، أفضى إلى أن يكون التبع أكمل من المتبوع. # وهذا قول مجاهد، والشافعي. وهذا لا يثبت بمثل هذا الرأي الضعيف؛ فإن ~~المتبوع لا تتغير هيئته تبعا لتبعه، ولو كانا متلازمين، لكان ترك الرمل في ~~السعي تبعا لعدمه في الطواف أولى من الرمل في الطواف تبعا للسعي. ### | [فصل ترك الرمل في شوط من الثلاثة الأول] # (2458) فصل: فإن ترك الرمل في شوط من الثلاثة الأول، أتى به في الاثنين ~~الباقيين. وإن تركه في اثنين أتى به في الثالث. وإن تركه في الثلاثة سقط. ~~كذلك قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لأن تركه للهيئة في بعض محلها ~~لا يسقطها في بقية محلها، كتارك الجهر في إحدى الركعتين الأولتين، لا يسقطه ~~في الثانية. ### | [مسألة ليس على أهل مكة رمل] # (2459) مسألة: قال: (وليس على أهل مكة رمل) وهذا قول ابن عباس، وابن عمر، ~~رحمة الله عليهما. وكان ابن عمر إذا أحرم من مكة لم يرمل. وهذا لأن الرمل ~~إنما شرع في الأصل لإظهار الجلد والقوة لأهل البلد، وهذا المعنى معدوم في ~~أهل البلد، والحكم في من أحرم من مكة حكم أهل مكة؛ لما ذكرنا عن ابن عمر، ~~ولأنه أحرم من مكة، أشبه أهل البلد. والمتمتع إذا أحرم بالحج من مكة، ثم ~~عاد، وقلنا: يشرع في حقه طواف القدوم. لم يرمل فيه. قال أحمد: ليس على أهل ~~مكة رمل عند البيت، ولا بين الصفا والمروة. ### | [مسألة إذا نسي المحرم الرمل فلا إعادة عليه] # (2460) مسألة: قال: (ومن نسي الرمل، فلا إعادة عليه) إنما كان كذلك لأن ~~الرمل هيئة، فلا يجب بتركه إعادة، ولا شيء، كهيئات الصلاة، وكالاضطباع في ~~الطواف. ولو تركه عمدا، لم يلزمه شيء أيضا. وهذا قول عامة الفقهاء، إلا ما ~~حكي عن الحسن، والثوري، وعبد الملك بن الماجشون، أن عليه دما؛ لأنه نسك. # وقد جاء في حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك ms1561 نسكا، فعليه ~~دم» . ولنا، أنه هيئة غير واجبة، فلم يجب بتركها شيء، كالاضطباع، والخبر ~~إنما يصح عن ابن عباس، وقد قال ابن عباس: من ترك الرمل، فلا شيء عليه. ثم ~~هو مخصوص بما ذكرنا؛ ولأن طواف # PageV03P342 # القدوم لا يجب بتركه شيء، فترك صفة فيه أولى أن لا يجب بها؛ لأن ذلك لا ~~يزيد على تركه. ### | [مسألة شروط صحة الطواف] # (2461) مسألة: قال: (ويكون طاهرا في ثياب طاهرة) يعني في الطواف؛ وذلك ~~لأن الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف، في المشهور عن ~~أحمد. وهو قول مالك، والشافعي. # وعن أحمد أن الطهارة ليست شرطا، فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان ~~بمكة، فإن خرج إلى بلده، جبره بدم. وكذلك يخرج في الطهارة من النجس ~~والستارة. وعنه، في من طاف للزيارة، وهو ناس للطهارة: لا شيء عليه. # وقال أبو حنيفة: ليس شيء من ذلك شرطا. واختلف أصحابه، فقال بعضهم: هو ~~واجب. وقال بعضهم: هو سنة؛ لأن الطواف ركن للحج؛ فلم يشترط له الطهارة، ~~كالوقوف. ولنا ما روى ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الطواف بالبيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه» . رواه الترمذي، والأثرم. # وعن أبي هريرة، أن أبا بكر الصديق بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قبل حجة الوداع يوم النحر، يؤذن: (لا يحج بعد ~~العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) . ولأنها عبادة متعلقة بالبيت، فكانت ~~الطهارة والستارة فيها شرطا، كالصلاة وعكس ذلك الوقوف. ### | [فصل قراءة القرآن في الطواف] # (2462) فصل: ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف. وبذلك قال عطاء، ومجاهد، ~~والثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وعن أحمد أنه ~~يكره. وروي ذلك عن عروة، والحسن، ومالك. ولنا، أن عائشة روت، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «كان يقول في طوافه: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] » . وكان عمر وعبد الرحمن بن ~~عوف يقولان ذلك في الطواف، وهو قرآن، ولأن الطواف صلاة، ولا تكره القراءة ms1562 ~~في الصلاة. قال ابن المبارك: ليس شيء أفضل من قراءة القرآن. ويستحب الدعاء ~~في الطواف، والإكثار من ذكر الله تعالى؛ لأن ذلك مستحب في جميع الأحوال، ~~ففي حال تلبسه بهذه العبادة أولى. ويستحب أن يدع الحديث، إلا ذكر الله ~~تعالى، أو قراءة القرآن، أو أمرا بمعروف، أو نهيا عن منكر، أو ما لا بد ~~منه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الطواف بالبيت صلاة، فمن تكلم ~~فلا يتكلم إلا بخير» . ولا بأس بالشرب في الطواف؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - شرب في الطواف. رواه ابن المنذر، وقال: لا أعلم أحدا منع منه. # PageV03P343 ### | [فصل إذا شك في الطهارة وهو في الطواف] # (2463) فصل: إذا شك في الطهارة، وهو في الطواف، لم يصح طوافه ذلك؛ لأنه ~~شك في شرط العبادة قبل الفراغ منها، فأشبه ما لو شك في الطهارة في الصلاة ~~وهو فيها. وإن شك بعد الفراغ منه، لم يلزمه شيء؛ لأن الشك في شرط العبادة ~~بعد فراغها لا يؤثر فيها. وإن شك في عدد الطواف، بنى على اليقين. قال ابن ~~المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك. ولأنها عبادة فمتى شك ~~فيها وهو فيها، بنى على اليقين كالصلاة. # وإن أخبره ثقة عن عدد طوافه، رجع إليه إذا كان عدلا. وإن شك في ذلك بعد ~~فراغه من الطواف، لم يلتفت إليه، كما لو شك في عدد الركعات بعد فراغ ~~الصلاة. قال أحمد: إذا كان رجلان يطوفان، فاختلفا في الطواف، بنيا على ~~اليقين. وهذا محمول على أنهما شكا، فأما إن كان أحدهما تيقن حال نفسه، لم ~~يلتفت إلى قول غيره. ### | [فصل إذا فرغ المتمتع ثم علم أنه كان على غير طهارة في أحد الطوافين] # (2464) فصل: وإذا فرغ المتمتع، ثم علم أنه كان على غير طهارة في أحد ~~الطوافين، لا بعينه، بنى الأمر على الأشد، وهو أنه كان محدثا في طواف ~~العمرة، فلم يصح، ولم يحل منها، فيلزمه دم للحلق، ويكون قد أدخل الحج على ~~العمرة، فيصير قارنا، ويجزئه الطواف ms1563 للحج عن النسكين، ولو قدرناه من الحج ~~لزمه إعادة الطواف، ويلزمه إعادة السعي على التقديرين؛ لأنه وجد بعد طواف ~~غير معتد به. # وإن كان وطئ بعد حله من العمرة، حكمنا بأنه أدخل حجا على عمرة، فأفسده، ~~فلا تصح، ويلغو ما فعله من أفعال الحج، ويتحلل بالطواف الذي قصده للحج من ~~عمرته الفاسدة، وعليه دم للحلق، ودم للوطء في عمرته، ولا يحصل له حج ولا ~~عمرة. ولو قدرناه من الحج، لم يلزمه أكثر من إعادة الطواف والسعي، ويحصل له ~~الحج والعمرة. ### | [مسألة لا يستلم ولا يقبل من الأركان إلا الأسود واليماني] # (2465) مسألة: قال: (ولا يستلم، ولا يقبل من الأركان إلا الأسود ~~واليماني) الركن اليماني قبلة أهل اليمن، ويلي الركن الذي فيه الحجر ~~الأسود، وهو آخر ما يمر عليه من الأركان في طوافه، وذلك أنه يبدأ بالركن ~~الذي فيه الحجر الأسود، وهو قبلة أهل خراسان فيستلمه ويقبله، ثم يأخذ على ~~يمين نفسه، ويجعل البيت على يساره، فإذا انتهى إلى الركن الثاني، وهو ~~العراقي، لم يستلمه، فإذا مر بالثالث، وهو الشامي، لم يستلمه أيضا، وهذان ~~الركنان يليان الحجر، فإذا وصل إلى الرابع، وهو الركن اليماني، استلمه. # قال الخرقي: (ويقبله) . والصحيح عن أحمد أنه لا يقبله. وهو قول أكثر أهل ~~العلم. وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يستلمه. قال ابن عبد البر: جائز عند أهل ~~العلم أن يستلم الركن اليماني، والركن الأسود، لا يختلفون في شيء من ذلك، ~~وإنما الذي فرقوا به بينهما التقبيل، فرأوا تقبيل الأسود، ولم يروا تقبيل ~~اليماني، وأما استلامهما فأمر مجمع عليه. # PageV03P344 # قال: وقد روى مجاهد، عن ابن عباس، قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا استلم الركن قبله، ووضع خده الأيمن عليه» . قال: وهذا لا يصح. ~~وإنما يعرف التقبيل في الحجر الأسود وحده. # وقد روى ابن عمر، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يستلم إلا ~~الحجر، والركن اليماني.» وقال ابن عمر: ما تركت استلام هذين الركنين ~~اليماني والحجر، منذ رأيت رسول الله - صلى الله ms1564 عليه وسلم - يستلمهما، في ~~شدة، ولا رخاء. رواهما مسلم. ولأن الركن اليماني مبني على قواعد إبراهيم، - ~~عليه السلام -، فسن استلامه، كالذي فيه الحجر. # وأما تقبيله فلم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يسن. وأما ~~الركنان اللذان يليان الحجر، فلا يسن استلامهما في قول أكثر أهل العلم. ~~وروي عن معاوية، وجابر، وابن الزبير، والحسن، والحسين، وأنس، وعروة، ~~استلامهما. وقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورا. # ولنا، قول ابن عمر: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان لا يستلم ~~إلا الحجر، والركن اليماني.» وقال: ما أراه - يعني النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتم على ~~قواعد إبراهيم، ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك. # وروي عن ابن عباس، أن معاوية طاف، فجعل يستلم الأركان كلها، فقال له ابن ~~عباس: لم تستلم هذين الركنين، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يستلمهما؟ فقال معاوية ليس شيء من البيت مهجورا. فقال ابن عباس: {لقد كان ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] . فقال معاوية: صدقت. ولأنهما ~~لم يتما على قواعد إبراهيم، فلم يسن استلامهما، كالحائط الذي يلي الحجر. # (2466) فصل: ويستلم الركنين الأسود واليماني في كل طوافه؛ لأن ابن عمر ~~قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يدع أن يستلم الركن اليماني ~~والحجر، في كل طوافه» . قال نافع: وكان ابن عمر يفعله. رواه أبو داود. # وإن لم يتمكن من تقبيل الحجر، استلمه، وقبل يده. وممن رأى تقبيل اليد عند ~~استلامه ابن عمر، وجابر، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وعطاء، وعروة، وأيوب، والثوري، والشافعي، وإسحاق. # وقال مالك: يضع يده على فيه من غير تقبيل. وروي أيضا عن القاسم بن محمد. ~~ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استلمه، وقبل يده» . أخرجه مسلم. ~~وفعله أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتبعهم أهل العلم على ذلك، فلا ~~يعتد بمن خالفهم. # وإن كان في يده شيء يمكن أن يستلم الحجر ms1565 به، استلمه وقبله؛ لما روي عن ~~ابن عباس، قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف # PageV03P345 # بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن» . رواه مسلم. فإن لم ~~يمكنه استلامه، أشار إليه وكبر؛ لما روى البخاري، بإسناده عن ابن عباس، ~~قال: «طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعير، كلما أتى الركن أشار ~~إليه، وكبر.» ### | [فصل يكبر كلما أتى الحجر الأسود أو حاذاه] # (2467) فصل: ويكبر كلما أتى الحجر، أو حاذاه؛ لما رويناه، ويقول بين ~~الركنين: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ~~[البقرة: 201] ؛ لما روى الإمام أحمد في المناسك، عن عبد الله بن السائب، ~~أنه سمع «النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول فيما بين ركن بني جمح والركن ~~الأسود: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ~~[البقرة: 201] .» . وعن أبي هريرة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~وكل به - يعني الركن اليماني - سبعون ألف ملك، فمن قال: اللهم إني أسألك ~~العفو والعافية، في الدنيا والآخرة، {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] قالوا: آمين» . وعن ابن عباس، أنه كان ~~إذا جاء الركن اليماني، قال: اللهم قنعني بما رزقتني، واخلف لي على كل ~~غائبة بخير. ويستحب أن يقول: اللهم اجعله حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا ~~مغفورا، رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم. . وكان عبد ~~الرحمن بن عوف، يقول: رب قني شح نفسي. وعن عروة، قال: كان أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يقولون: لا إله إلا أنت، وأنت تحيي بعد ما أمت. ومهما ~~أتى به من الدعاء والذكر فحسن. قالت عائشة: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ~~ذكر الله» . رواه الأثرم، وابن المنذر. ### | [مسألة يكون الحجر داخلا في طوافه] # (2468) مسألة: قال: (ويكون الحجر داخلا في طوافه؛ لأن الحجر من البيت) ~~إنما كان كذلك لأن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت جميعه، بقوله: {وليطوفوا ~~بالبيت العتيق} ms1566 [الحج: 29] . والحجر منه، فمن لم يطف به، لم يعتد بطوافه. ~~وبهذا قال عطاء، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال أصحاب ~~الرأي: إن كان بمكة، قضى ما بقي، وإن رجع إلى الكوفة، فعليه دم. ونحوه قال ~~الحسن. ولنا، أنه من البيت، بدليل ما روت عائشة،، قالت: «سألت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن الحجر، فقال: هو من البيت» . وعنها، قالت: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ~~ولولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منها، فإن بدا لقومك # PageV03P346 # من بعدي أن يبنوا، فهلمي لأريك ما تركوا منها. فأراها قريبا من سبعة ~~أذرع» رواهما مسلم. وعنها - رضي الله عنه - قالت: «قلت يا رسول الله، إني ~~نذرت أن أصلي في البيت. قال: صلي في الحجر، فإن الحجر من البيت. وفي لفظ، ~~قالت: كنت أحب أن أدخل البيت، فأصلي فيه، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بيدي، فأدخلني الحجر، وقال: صلي في الحجر إن أردت دخول البيت، فإنما ~~هو قطعة من البيت» قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح. فمن ترك الطواف بالحجر ~~لم يطف بجميع البيت، فلم يصح، كما لو ترك الطواف ببعض البناء، ولأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - طاف من وراء الحجر، وقد قال - عليه السلام -: ~~«لتأخذوا عني مناسككم» . (2469) فصل: ولو طاف على جدار الحجر، وشاذروان ~~الكعبة، وهو ما فضل من حائطها، لم يجز؛ لأن ذلك من البيت، فإذا لم يطف به، ~~فلم يطف بكل البيت؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف من وراء ذلك. ### | [فصل نكس الطواف فجعل البيت على يمينه] # (2470) فصل: ولو نكس الطواف، فجعل البيت على يمينه، لم يجزئه. وبه قال ~~مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يعيد ما كان بمكة، فإن رجع جبره بدم؛ لأنه ~~ترك هيئة فلم تمنع الإجزاء، كما لو ترك الرمل والاضطباع. # ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل البيت في الطواف على يساره، ~~وقال - عليه السلام -: لتأخذوا عني مناسككم» . ولأنها عبادة متعلقة بالبيت، ~~فكان ms1567 الترتيب فيها واجبا كالصلاة، وما قاسوا عليه مخالف لما ذكرنا، كما ~~اختلف حكم هيئة الصلاة وترتيبها. ### | [مسألة يسن للطائف أن يصلي بعد فراغه ركعتين خلف المقام] # (2471) مسألة: قال: (ويصلي ركعتين خلف المقام) وجملة ذلك أنه يسن للطائف ~~أن يصلي بعد فراغه ركعتين، ويستحب أن يركعهما خلف المقام؛ لقوله تعالى: ~~{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] . ويستحب أن يقرأ فيهما {قل ~~يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] في الأولى، {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ~~في الثانية، فإن جابرا روى في «صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~حتى أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم نفذ إلى ~~مقام إبراهيم، فقرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] فجعل ~~المقام بينه وبين البيت» . # قال محمد بن علي: ولا أعلمه إلا ذكره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~كان يقرأ في الركعتين {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ، و {قل يا أيها ~~الكافرون} [الكافرون: 1] . وحيث ركعهما ومهما قرأ فيهما، جاز؛ فإن عمر ~~ركعهما بذي طوى. وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأم سلمة: ~~إذا أقيمت صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك والناس يصلون. # PageV03P347 # ففعلت ذلك، فلم تصل حتى خرجت» . # ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة، ويمر بين يديه الطائفون من الرجال ~~والنساء، فإن «النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاهما والطواف بين يديه، ليس ~~بينهما شيء» . وكان ابن الزبير يصلي والطواف بين يديه، فتمر المرأة بين ~~يديه، فينتظرها حتى ترفع رجلها، ثم يسجد. وكذلك سائر الصلوات في مكة، لا ~~يعتبر لها سترة. وقد ذكرنا ذلك. ### | [فصل ركعتا الطواف سنة مؤكدة] # (2472) فصل: وركعتا الطواف سنة مؤكدة غير واجبة. وبه قال مالك. وللشافعي ~~قولان؛ أحدهما، أنهما واجبتان؛ لأنهما تابعتان للطواف، فكانتا واجبتين، ~~كالسعي. # ولنا، قوله - عليه السلام -: «خمس صلوات كتبهن الله على العبد، من حافظ ~~عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة» . وهذه ليست منها «. ولما سأل ~~الأعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفرائض، ذكر الصلوات الخمس، ~~قال: فهل علي ms1568 غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع» . ولأنها صلاة لم تشرع لها ~~جماعة، فلم تكن واجبة، كسائر النوافل، والسعي ما وجب لكونه تابعا، ولا هو ~~مشروع مع كل طواف. # ولو طاف الحاج طوافا كثيرا، لم يجب عليه إلا سعي واحد، فإذا أتى به مع ~~طواف القدوم، لم يأت به بعد ذلك، بخلاف الركعتين، فإنهما يشرعان عقيب كل ~~طواف. ### | [فصل إذا صلى المكتوبة بعد طوافه] # (2473) فصل: وإذا صلى المكتوبة بعد طوافه، أجزأته عن ركعتي الطواف. روي ~~نحو ذلك عن ابن عباس، وعطاء، وجابر بن زيد، والحسن، وسعيد بن جبير، وإسحاق. # وعن أحمد أنه يصلي ركعتي الطواف بعد المكتوبة. قال أبو بكر عبد العزيز: ~~هو أقيس. وبه قال الزهري، ومالك، وأصحاب الرأي؛ لأنه سنة، فلم تجز عنها ~~المكتوبة، كركعتي الفجر. ولنا، أنهما ركعتان شرعتا للنسك، فأجزأت عنهما ~~المكتوبة، كركعتي الإحرام. ### | [فصل الطواف يجري مجرى الصلاة] # (2474) فصل: ولا بأس أن يجمع بين الأسابيع، فإذا فرغ منها ركع لكل أسبوع ~~ركعتين، فعل ذلك عائشة، والمسور بن مخرمة. وبه قال عطاء، وطاوس، وسعيد بن ~~جبير، وإسحاق. وكرهه ابن عمر، والحسن، والزهري، ومالك، وأبو حنيفة؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ولأن تأخير الركعتين عن طوافهما ~~يخل بالموالاة بينهما. # ولنا، أن الطواف يجري مجرى الصلاة، يجوز جمعها ويؤخر ما بينهما، فيصليها ~~بعدها، كذلك هاهنا، وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله لا يوجب ~~كراهة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يطف أسبوعين ولا ثلاثة، # PageV03P348 # وذلك غير مكروه بالاتفاق، والموالاة غير معتبرة بين الطواف والركعتين، ~~بدليل أن عمر صلاهما بذي طوى، وأخرت أم سلمة ركعتي طوافها حين طافت راكبة ~~بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخر عمر بن عبد العزيز ركوع ~~الطواف حتى طلعت الشمس. # وإن ركع لكل أسبوع عقيبه كان أولى، وفيه اقتداء بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وخروج من الخلاف (2475) فصل: وإذا فرغ من الركوع، وأراد الخروج إلى ~~الصفا، استحب أن يعود فيستلم الحجر. نص عليه أحمد؛ لأن النبي - صلى الله ms1569 ~~عليه وسلم - فعل ذلك. ذكره جابر في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وكان ابن عمر يفعله. وبه قال النخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه خلافا. ### | [مسألة يخرج إلي الصفا من بابه فيقف عليه] # مسألة: قال: (ويخرج إلى الصفا من بابه، فيقف عليه، فيكبر الله عز وجل، ~~ويهلله، ويحمده، ويصلي على النبي) - صلى الله عليه وسلم - وجملة ذلك أنه ~~إذا فرغ من طوافه، وصلى ركعتين، واستلم الحجر، فيستحب أن يخرج إلى الصفا من ~~بابه، فيأتي الصفا، فيرقى عليه حتى يرى الكعبة، ثم يستقبلها فيكبر الله عز ~~وجل، ويهلله، ويدعو بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أحب من خير ~~الدنيا والآخرة. # قال جابر «في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ركعتي الطواف: ثم ~~رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ~~{إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] نبدأ بما بدأ الله به. ~~فبدأ بالصفا، فرقى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبر، ~~وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل ~~شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ~~ثم دعا بين ذلك» ، وقال مثل هذا ثلاث مرات. # قال أحمد: ويدعو بدعاء ابن عمر. ورواه عن إسماعيل، حدثنا أيوب، عن نافع، ~~عن ابن عمر، أنه كان يخرج إلى الصفا من الباب الأعظم، فيقوم عليه، فيكبر ~~سبع مرات، ثلاثا ثلاثا يكبر، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، ~~مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. ثم يدعو، ثم يقول: اللهم اعصمني بدينك ~~وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك، ويحب ~~ملائكتك، وأنبياءك، ورسلك، وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك، وإلى ~~ملائكتك، وإلى رسلك، وإلى عبادك الصالحين، اللهم # PageV03P349 # يسرني لليسرى، ms1570 وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من ~~أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين، ~~اللهم قلت وقولك الحق: {ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] وإنك لا تخلف ~~الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه، ولا تنزعه مني، حتى ~~توفاني على الإسلام، اللهم لا تقدمني إلى العذاب، ولا تؤخرني لسوء الفتن. ~~قال: ويدعو دعاء كثيرا، حتى إنه ليملنا وإنا لشباب، وكان إذا أتى على ~~المسعى سعى وكبر. وكل ما دعا به فهو جائز. ### | [فصل إن لم يرق المحرم على الصفا] # (2477) فصل: فإن لم يرق على الصفا، فلا شيء عليه. قال القاضي: لكن يجب ~~عليه أن يستوعب ما بين الصفا والمروة، فيلصق عقيبه بأسفل الصفا، ثم يسعى ~~إلى المروة، فإن لم يصعد عليها، ألصق أصابع رجليه بأسفل المروة، والصعود ~~عليها هو الأولى، اقتداء بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن ترك مما ~~بينهما شيئا، ولو ذراعا، لم يجزئه حتى يأتي به. والمرأة لا يسن لها أن ~~ترقى، لئلا تزاحم الرجال، وترك ذلك أستر لها، ولا ترمل في طواف ولا سعي، ~~والحكم في وجوب استيعابها ما بينهما بالمشي كحكم الرجل. ### | [مسألة ينحدر من الصفا فيمشي حتى يأتي العلم] # (2478) مسألة: قال: (ثم ينحدر من الصفا، فيمشي حتى يأتي العلم الذي في ~~بطن الوادي، فيرمل من العلم إلى العلم، ثم يمشي حتى يأتي المروة، فيقف ~~عليها، ويقول كما قال على الصفا، وما دعا به أجزأه، ثم ينزل ماشيا إلى ~~العلم، ثم يرمل حتى يأتي العلم، يفعل ذلك سبع مرات، يحتسب بالذهاب سعية، ~~وبالرجوع سعية، يفتتح بالصفا ويختتم بالمروة) هذا وصف السعي، وهو أن ينزل ~~من الصفا، فيمشي حتى يأتي العلم. # ومعناه يحاذي العلم، وهو الميل الأخضر المعلق في ركن المسجد، فإذا كان ~~منه نحوا من ستة أذرع، سعى سعيا شديدا، حتى يحاذي العلم الآخر، وهو الميلان ~~الأخضران اللذان بفناء المسجد، وحذاء دار العباس، ثم يترك السعي، ويمشي حتى ~~يأتي المروة، فيستقبل القبلة، ويدعو بمثل دعائه على الصفا. # وما دعا ms1571 به فجائز، وليس في الدعاء شيء مؤقت. ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ~~ويسعى في موضع سعيه، ويكثر من الدعاء والذكر فيما بين ذلك. قال أبو عبد ~~الله: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة، قال: رب اغفر وارحم، واعف ~~عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما ~~جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، لإقامة ذكر الله تعالى» . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. حتى يكمل سبعة أشواط، يحتسب بالذهاب سعية، ~~وبالرجوع سعية. # وحكي عن ابن جرير، وبعض أصحاب الشافعي، أنهم قالوا: ذهابه ورجوعه سعية. ~~وهذا غلط؛ لأن جابرا قال «في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم -: ثم نزل ~~إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه، رمل في بطن الوادي، حتى إذا # PageV03P350 # صعدنا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، فلما كان ~~آخر طوافه على المروة، قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، ~~وجعلتها عمرة» . # وهذا يقتضي أنه آخر طوافه، ولو كان على ما ذكروه، كان آخر طوافه عند ~~الصفا، في الموضع الذي بدأ منه، ولأنه في كل مرة طائف بهما، فينبغي أن ~~يحتسب بذلك مرة، كما أنه إذا طاف بجميع البيت احتسب به مرة. ### | [مسألة يفتتح بالصفا ويختتم بالمروة] # (2479) مسألة: قال: (ويفتتح بالصفا، ويختتم بالمروة) وجملة ذلك أن ~~الترتيب شرط في السعي، وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يعتد بذلك ~~الشوط، فإذا صار على الصفا اعتد بما يأتي به بعد ذلك؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بدأ بالصفا، وقال: (نبدأ بما بدأ الله به) . # وهذا قول الحسن، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. وعن ابن عباس ~~أنه قال: قال الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] ~~. فبدأ بالصفا، وقال: اتبعوا القرآن، فما بدأ الله به، فابدءوا به. ### | [مسألة نسي الرمل في بعض سعيه] # (2480) مسألة: قال: (وإن نسي الرمل في بعض سعيه، فلا شيء عليه) وجملة ذلك ~~أن الرمل في بطن الوادي سنة ms1572 مستحبة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سعى، ~~وسعى أصحابه، فروت صفية بنت شيبة، عن أم ولد شيبة، قالت: «رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يسعى بين الصفا والمروة، وهو يقول: لا يقطع الأبطح ~~إلا شدا» . وليس ذلك بواجب، ولا شيء على تاركه؛ فإن ابن عمر، قال: إن أسعى ~~بين الصفا والمروة، فقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسعى، وإن ~~أمشي، فقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي، وأنا شيخ كبير. ~~رواهما ابن ماجه، وروى هذا أبو داود. ولأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا ~~شيء فيه، فبين الصفا والمروة أولى. ### | [فصل في السعي هل هو ركن أم لا] # (2481) فصل: واختلفت الرواية في السعي، فروي عن أحمد أنه ركن، لا يتم ~~الحج إلا به. وهو قول عائشة، وعروة، ومالك، والشافعي؛ لما روي عن عائشة، ~~قالت: «طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطاف المسلمون - يعني بين ~~الصفا والمروة - فكانت سنة» ، فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا ~~والمروة. رواه مسلم. وعن «حبيبة بنت أبي تجراة، إحدى نساء بني عبد الدار، ~~قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين، ننظر إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو يسعى بين الصفا والمروة، وإن مئزره ليدور في وسطه من ~~شدة سعيه، حتى إني لأقول: إني لأرى ركبتيه. وسمعته يقول: اسعوا، فإن الله ~~كتب عليكم السعي» . رواه ابن ماجه. # ولأنه نسك في الحج والعمرة، فكان ركنا فيهما، # PageV03P351 # كالطواف بالبيت. # وروي عن أحمد أنه سنة، لا يجب بتركه دم. روي ذلك عن ابن عباس، وأنس، وابن ~~الزبير، وابن سيرين؛ لقول الله تعالى: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} ~~[البقرة: 158] . ونفي الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه، فإن هذا رتبة ~~المباح، وإنما ثبت سنيته بقوله: من شعائر الله. # وروي أن في مصحف أبي وابن مسعود: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) . وهذا ~~إن لم يكن قرآنا فلا ينحط عن رتبة الخبر؛ لأنهما يرويانه ms1573 عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولأنه نسك ذو عدد لا يتعلق بالبيت، فلم يكن ركنا كالرمي. ~~وقال القاضي: هو واجب. وليس بركن، إذا تركه وجب عليه دم. وهو مذهب الحسن، ~~وأبي حنيفة، والثوري. وهو أولى؛ لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب، لا ~~على كونه لا يتم الحج إلا به. وقول عائشة في ذلك معارض بقول من خالفها من ~~الصحابة. وحديث بنت أبي تجراة، قال ابن المنذر: يرويه عبد الله بن المؤمل، ~~وقد تكلموا في حديثه. ثم إنه يدل على أنه مكتوب، وهو الواجب. # وأما الآية فإنها نزلت لما تحرج ناس من السعي في الإسلام، لما كانوا ~~يطوفون بينهما في الجاهلية، لأجل صنمين كانا على الصفا والمروة. كذلك قالت ~~عائشة. ### | [فصل السعي تبع للطواف] # (2482) فصل: والسعي تبع للطواف، لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى ~~قبله، لم يصح. وبذلك قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال عطاء: يجزئه. وعن أحمد: يجزئه إن كان ناسيا، وإن كان عمدا لم يجزئه ~~سعيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن التقديم والتأخير في ~~حال الجهل والنسيان، قال: (لا حرج) . ووجه الأول «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما سعى بعد طوافه، وقد قال: لتأخذوا عني مناسككم» . فعلى هذا إن ~~سعى بعد طوافه، ثم علم أنه طاف بغير طهارة لم يعتد بسعيه ذلك. ومتى سعى ~~المفرد والقارن بعد طواف القدوم، لم يلزمهما بعد ذلك سعي، وإن لم يسعيا ~~معه، سعيا مع طواف الزيارة. # ولا تجب الموالاة بين الطواف والسعي. قال أحمد: لا بأس أن يؤخر السعي حتى ~~يستريح أو إلى العشي. وكان عطاء، والحسن لا يريان بأسا لمن طاف بالبيت أول ~~النهار، أن يؤخر الصفا والمروة إلى العشي. وفعله القاسم، وسعيد بن جبير؛ ~~لأن الموالاة إذا لم تجب في نفس السعي، ففيما بينه وبين الطواف أولى. ### | [مسألة إذا فرغ من السعي] # (2483) مسألة: قال: (فإذا فرغ من السعي، فإن كان متمتعا قصر من شعره، ثم ~~قد حل) # PageV03P352 # المتمتع الذي أحرم بالعمرة ms1574 من الميقات، فإذا فرغ من أفعالها، وهي الطواف ~~والسعي، قصر أو حلق، وقد حل به من عمرته، إن لم يكن معه هدي؛ لما روى ابن ~~عمر، قال: «تمتع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى ~~الحج، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة قال للناس: من كان ~~معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه، حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي، ~~فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل» . متفق عليه. ولا نعلم فيه ~~خلافا. ولا يستحب تأخير التحلل. قال أبو داود: سمعت أحمد، سئل عمن دخل مكة ~~معتمرا، فلم يقصر حتى كان يوم التروية، عليه شيء؟ قال: هذا لم يحل بعد، ~~يقصر، ثم يهل بالحج، وليس عليه شيء، وبئس ما صنع. ### | [فصل من معه هدي ليس له أن يتحلل لكن يقيم على إحرامه] # (2484) فصل: فأما من معه هدي، فليس له أن يتحلل، لكن يقيم على إحرامه، ~~ويدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا. نص عليه أحمد. وهو ~~قول أبي حنيفة. وعن أحمد رواية أخرى، أنه يحل له التقصير من شعر رأسه خاصة، ~~ولا يمس من أظفاره وشاربه شيئا. وروي ذلك عن ابن عمر. وهو قول عطاء؛ لما ~~روي عن معاوية، قال: «قصرت من رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص ~~عند المروة» . متفق عليه. وقال مالك، والشافعي في قول: له التحلل، ونحر ~~هديه، ويستحب نحره عند المروة. وكلام الخرقي يحتمله لإطلاقه. ولنا، ما ~~ذكرنا من حديث ابن عمر، وروت عائشة، قالت: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في حجة الوداع، فأهللت بعمرة، ولم أكن سقت الهدي، فقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: من كان معه هدي، فليهل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى ~~يحل منهما جميعا» . وعن «حفصة، أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس، ~~حلوا من العمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، ~~فلا أحل حتى أنحر» . متفق عليه. ms1575 والأحاديث فيه كثيرة. وعن أحمد رواية ~~ثالثة، في من قدم متمتعا في أشهر الحج، وساق الهدي، قال: إن دخلها في ~~العشر، لم ينحر الهدي حتى ينحره يوم النحر، وإن قدم قبل العشر، نحر الهدي. ~~وهذا يدل على أن المتمتع إذا قدم قبل العشر حل، وإن كان معه هدي، وإن قدم ~~في العشر لم يحل. وهذا قول عطاء. رواه حنبل، في (المناسك) . وقال في من لبد ~~أو ضفر: هو بمنزلة من ساق الهدي؛ لحديث حفصة. والرواية الأولى أولى؛ لما ~~فيها من الحديث الصحيح الصريح، وهو أولى بالاتباع. # PageV03P353 ### | [فصل المعتمر غير المتمتع يحل من إحرامه] # (2485) فصل: فأما المعتمر غير المتمتع، فإنه يحل، سواء كان معه هدي أو لم ~~يكن، وسواء كان في أشهر الحج أو في غيرها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- اعتمر ثلاث عمر، سوى العمرة التي مع حجته، بعضهن في ذي القعدة، وقيل: ~~كلهن في ذي القعدة، فكان يحل. فإن كان معه هدي نحره عند المروة. وحيث نحره ~~من الحرم جاز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كل فجاح مكة طريق ~~ومنحر) . رواه أبو داود، وابن ماجه. ### | [فصل المستحب في حق المتمتع عند حله من عمرته] # فصل: وقول الخرقي: (قصر من شعره، ثم قد حل) . يدل على أن المستحب في حق ~~المتمتع عند حله من عمرته التقصير؛ ليكون الحلق للحج. قال أحمد، في رواية ~~أبي داود: ويعجبني إذا دخل متمتعا أن يقصر؛ ليكون الحلق للحج. . ولم يأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه إلا بالتقصير، فقال في حديث جابر: ~~«أحلوا من إحرامكم بطواف بين الصفا والمروة، وقصروا» . وفي صفة حج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: فحل الناس كلهم، وقصروا. وفي حديث ابن عمر، أنه قال: ~~(من لم يكن معه هدي، فليطف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وليقصر، وليحلل) . ~~متفق عليه. وإن حلق جاز؛ لأنه أحد النسكين، فجاز فيه كل واحد منهما. ويدل ~~أيضا على أنه لا يحل إلا بعد التقصير، وهذا ينبني على أن التقصير نسك، وهو ~~المشهور، فلا ms1576 يحل إلا به. وفيه رواية أخرى، أنه إطلاق من محظور، فيحل ~~بالطواف والسعي حسب. وسنذكر ذلك، إن شاء الله تعالى. فإن ترك التقصير أو ~~الحلق، وقلنا: هو نسك. فعليه دم. وإن وطئ قبل التقصير، فعليه دم، وعمرته ~~صحيحة. وبهذا قال مالك، وأصحاب الرأي. وحكي عن الشافعي أن عمرته تفسد؛ لأنه ~~وطىء قبل حله من عمرته. وعن عطاء، قال: يستغفر الله تعالى. ولنا، ما روي عن ~~ابن عباس، أنه سئل عن امرأة معتمرة، وقع بها زوجها قبل أن تقصر. قال: من ~~ترك من مناسكه شيئا، أو نسيه، فليهرق دما. قيل: إنها موسرة. قال: فلتنحر ~~ناقة. ولأن التقصير ليس بركن، فلا يفسد النسك بتركه، ولا بالوطء قبله، ~~كالرمي في الحج. قال أحمد، في من وقع على امرأته قبل تقصيرها من عمرتها: ~~تذبح شاة. قيل: عليه أو عليها؟ قال: عليها هي. وهذا محمول على أنها طاوعته. ~~فإن أكرهها، فالدم عليه. وإن أحرم بالحج قبل التقصير، فقد أدخل الحج على ~~العمرة، فيصير قارنا. # PageV03P354 ### | [فصل يلزم المتمتع التقصير أو الحلق من جميع شعره وكذلك المرأة] # (2487) فصل: يلزم التقصير أو الحلق من جميع شعره، وكذلك المرأة. نص عليه. ~~وبه قال مالك. وعن أحمد، يجزئه البعض. مبنيا على المسح في الطهارة. وكذلك ~~قال ابن حامد. وقال الشافعي: يجزئه التقصير من ثلاث شعرات. واختار ابن ~~المنذر أنه يجزئه ما يقع عليه اسم التقصير؛ لتناول اللفظ له. ولنا، قول ~~الله تعالى: {محلقين رءوسكم} [الفتح: 27] . وهذا عام في جميعه، ولأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - حلق جميع رأسه، تفسيرا لمطلق الأمر به، فيجب الرجوع ~~إليه، ولأنه نسك تعلق بالرأس فوجب استيعابه به، كالمسح. فإن كان الشعر ~~مضفورا، قصر من رءوس ضفائره. كذلك قال مالك: تقصر المرأة من جميع قرونها. ~~ولا يجب التقصير من كل شعرة؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بحلقه. ### | [فصل السنة في الحج الحلق أو التقصير] # (2488) فصل: وأي قدر قصر منه أجزأه؛ لأن الأمر به مطلق فيتناول الأقل. ~~وقال أحمد: يقصر قدر الأنملة. وهو قول ابن عمر، والشافعي، ms1577 وإسحاق، وأبي ~~ثور. وهذا محمول على الاستحباب؛ لقول ابن عمر: وبأي شيء قصر الشعر أجزأه. ~~وكذلك لو نتفه، أو أزاله بنورة؛ لأن القصد إزالته، والأمر به مطلق، ~~فيتناول، ما يقع عليه الاسم، ولكن السنة الحلق أو التقصير، اقتداء برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ويستحب البداية بالشق الأيمن. نص ~~عليه؛ لما روى أنس، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للحلاق: خذ. ~~وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس» . رواه مسلم. ~~«وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيامن في شأنه كله» . متفق ~~عليه. قال أحمد: يبدأ بالشق الأيمن، حتى يجاوز العظمتين. وإن قصر من شعر ~~رأسه ما نزل عن حد الرأس، أو مما يحاذيه، جاز؛ لأن المقصود التقصير، وقد ~~حصل، بخلاف المسح في الوضوء؛ فإن الواجب المسح على الرأس، وهو ما ترأس ~~وعلا. ### | [مسألة طواف النساء وسعيهن] # (2489) مسألة: قال: (وطواف النساء وسعيهن مشي كله) قال ابن المنذر: أجمع ~~أهل العلم، على أنه لا رمل على النساء حول البيت، ولا بين الصفا والمروة، ~~وليس عليهن اضطباع. وذلك لأن الأصل فيهما إظهار الجلد، ولا يقصد ذلك في حق ~~النساء، ولأن النساء يقصد فيهن الستر، وفي الرمل والاضطباع تعرض للتكشف. ### | [مسألة السعي بين الصفا والمروة على غير طهارة] # (2490) مسألة: قال: (ومن سعي بين الصفا والمروة على غير طهارة، كرهنا له ~~ذلك، وأجزأه) أكثر أهل العلم يرون أن لا تشترط الطهارة للسعي بين الصفا ~~والمروة. وممن قال ذلك عطاء، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. ~~وكان الحسن يقول: إن ذكر قبل أن يحل، فليعد الطواف، وإن ذكر بعدما حل، فلا ~~شيء عليه. # PageV03P355 # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة، حين حاضت: «اقضي ما يقضي ~~الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت» . ولأن ذلك عبادة لا تتعلق بالبيت، فأشبهت ~~الوقوف. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: إذا طافت المرأة بالبيت، ثم حاضت، ~~سعت بين الصفا والمروة، ثم نفرت. وروي عن عائشة، وأم سلمة، أنهما قالتا: ~~إذا طافت المرأة بالبيت، ms1578 وصلت ركعتين، ثم حاضت، فلتطف بالصفا والمروة. رواه ~~الأثرم. والمستحب مع ذلك لمن قدر على الطهارة أن لا يسعى إلا متطهرا، وكذلك ~~يستحب أن يكون طاهرا في جميع مناسكه، ولا يشترط أيضا الطهارة من النجاسة ~~والستارة للسعي؛ لأنه إذا لم تشترط الطهارة من الحدث، وهي آكد، فغيرها ~~أولى. وقد ذكر بعض أصحابنا رواية عن أحمد، أن الطهارة في السعي كالطهارة في ~~الطواف. ولا تعويل عليه. ### | [مسألة أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة وهو يطوف أو يسعي] # (2491) مسألة: قال: (وإن أقيمت الصلاة، أو حضرت جنازة وهو يطوف، أو يسعي، ~~فإذا صلى بنى) وجملة ذلك أنه إذا تلبس بالطواف أو بالسعي، ثم أقيمت ~~المكتوبة، فإنه يصلي مع الجماعة، في قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عمر، ~~وسالم، وعطاء، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عنهم في السعي. ~~وقال مالك: يمضي في طوافه، ولا يقطعه، إلا أن يخاف أن يضر بوقت الصلاة؛ لأن ~~الطواف صلاة فلا يقطعه لصلاة أخرى. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة» . والطواف صلاة فيدخل تحت ~~عموم الخبر. إذا ثبت ذلك في الطواف بالبيت، مع تأكده، ففي السعي بين الصفا ~~والمروة أولى، مع أنه قول ابن عمر ومن سميناه من أهل العلم، ولم نعرف لهم ~~في عصرهم مخالفا، وإذا صلى بنى على طوافه وسعيه، في قول من سمينا من أهل ~~العلم. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدا خالف في ذلك، إلا الحسن، فإنه قال: ~~يستأنف. وقول الجمهور أولى؛ لأن هذا فعل مشروع في أثناء الطواف، فلم يقطعه، ~~كاليسير. وكذلك الحكم في الجنازة إذا حضرت، يصلي عليها، ثم يبني على طوافه؛ ~~لأنها تفوت بالتشاغل عنها. قال أحمد: ويكون ابتداؤه من الحجر. يعني أنه ~~يبتدئ الشوط الذي قطعه من الحجر حين يشرع في البناء. ### | [فصل ترك الموالاة في السعي] # (2492) فصل: فإن ترك الموالاة لغير ما ذكرنا، وطال الفصل، ابتدأ الطواف، ~~وإن لم يطل، بنى. ولا فرق بين ترك الموالاة عمدا، أو سهوا، مثل من ms1579 يترك ~~شوطا من الطواف، يحسب أنه قد أتمه. وقال أصحاب الرأي، في من طاف ثلاثة ~~أشواط من طواف الزيارة، ثم رجع إلى بلده: عليه أن يعود، فيطوف ما بقي. ~~ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والى بين طوافه، وقال: «خذوا عني ~~مناسككم» . ولأنه # PageV03P356 # صلاة، فيشترط له الموالاة، كسائر الصلوات، أو نقول عبادة متعلقة بالبيت، ~~فاشترطت لها الموالاة، كالصلاة، ويرجع في طول الفصل وقصره إلى العرف، من ~~غير تحديد. وقد روي عن أبي عبد الله، رحمه الله، رواية أخرى، إذا كان له ~~عذر يشغله، بنى، وإن قطعه من غير عذر، أو لحاجته، استقبل الطواف. وقال: إذا ~~أعيا في الطواف، لا بأس أن يستريح. وقال الحسن غشي عليه، فحمل إلى أهله، ~~فلما أفاق أتمه. قال أبو عبد الله: فإن شاء أتمه، وإن شاء استأنف؛ وذلك ~~لأنه قطعه لعذر، فجاز البناء عليه، كما لو قطعه لصلاة. ### | [فصل الموالاة غير شرط في السعي بين الصفا والمروة] # (2493) فصل: فأما السعي بين الصفا والمروة، فظاهر كلام أحمد أن الموالاة ~~غير مشترطة فيه، فإنه قال في رجل كان بين الصفا والمروة، فلقيه فإذا هو ~~يعرفه، يقف، فيسلم عليه، ويسائله؟ قال: نعم، أمر الصفا سهل، إنما كان يكره ~~الوقوف في الطواف بالبيت، فأما بين الصفا والمروة فلا بأس. وقال القاضي: ~~تشترط الموالاة فيه، قياسا على الطواف. وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد. ~~والأول أصح؛ فإنه نسك لا يتعلق بالبيت، فلم تشترط له الموالاة، كالرمي ~~والحلاق. وقد روى الأثرم، أن سودة بنت عبد الله بن عمر، امرأة عروة بن ~~الزبير، سعت بين الصفا والمروة، فقضت طوافها في ثلاثة أيام، وكانت ضخمة. ~~وكان عطاء لا يرى بأسا أن يستريح بينهما، ولا يصح قياسه على الطواف؛ لأن ~~الطواف يتعلق بالبيت، وهو صلاة تشترط له الطهارة والستارة، فاشترطت له ~~الموالاة، بخلاف السعي. ### | [مسألة أحدث في بعض طوافه] # (2494) مسألة: قال: (وإن أحدث في بعض طوافه، تطهر، وابتدأ الطواف، إذا ~~كان فرضا) أما إذا أحدث عمدا فإنه يبتدئ الطواف؛ لأن الطهارة شرط له، ms1580 فإذا ~~أحدث عمدا أبطله، كالصلاة، وإن سبقه الحدث، ففيه روايتان: إحداهما، يبتدئ ~~أيضا. وهو قول الحسن، ومالك، قياسا على الصلاة. والرواية الثانية، يتوضأ، ~~ويبني. وبها قال الشافعي، وإسحاق. قال حنبل عن أحمد في من طاف ثلاثة أشواط ~~أو أكثر: يتوضأ، فإن شاء بنى، وإن شاء استأنف. قال أبو عبد الله: يبني إذا ~~لم يحدث حدثا إلا الوضوء، فإن عمل عملا غير ذلك، استقبل الطواف؛ وذلك لأن ~~الموالاة تسقط عند العذر في إحدى الروايتين، وهذا معذور، فجاز البناء، وإن ~~اشتغل بغير الوضوء، فقد ترك الموالاة لغير عذر، فلزمه الابتداء إذا كان ~~الطواف فرضا، فأما المسنون، فلا يجب إعادته، كالصلاة المسنونة إذا بطلت. # PageV03P357 ### | [مسألة صحة طواف الراكب] # (2495) مسألة؛ قال: (ومن طاف وسعى محمولا لعلة، أجزأه) لا نعلم بين أهل ~~العلم خلافا في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر، فإن ابن عباس روى، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن ~~بمحجن» . وعن أم سلمة، قالت: «شكوت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة» . متفق عليهما. وقال ~~جابر: «طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على راحلته، بالبيت، وبين الصفا ~~والمروة، ليراه الناس، وليشرف عليهم، ليسألوه، فإن الناس غشوه» . والمحمول ~~كالراكب فيما ذكرناه. # (2496) فصل: فأما الطواف راكبا أو محمولا لغير عذر، فمفهوم كلام الخرقي ~~أنه لا يجزئ. وهو إحدى الروايات عن أحمد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«قال: الطواف بالبيت صلاة» . ولأنها عبادة تتعلق بالبيت، فلم يجز فعلها ~~راكبا لغير عذر، كالصلاة. والثانية، يجزئه، ويجبره بدم. وهو قول مالك. وبه ~~قال أبو حنيفة، إلا أنه قال: يعيد ما كان بمكة، فإن رجع جبره بدم؛ لأنه ترك ~~صفة واجبة في ركن الحج، فأشبه ما لو وقف بعرفة نهارا، ودفع قبل غروب الشمس. ~~والثالثة، يجزئه، ولا شيء عليه. اختارها أبو بكر. وهي مذهب الشافعي، وابن ~~المنذر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف راكبا. قال ابن المنذر: لا ~~قول ms1581 لأحد مع فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأن الله تعالى أمر ~~بالطواف مطلقا، فكيفما أتى به أجزأه، ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل. # ولا خلاف في أن الطواف راجلا أفضل؛ لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- طافوا مشيا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في غير حجة الوداع طاف مشيا، ~~وفي قول أم سلمة: «شكوت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أني أشتكي، فقال: ~~طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة» . دليل على أن الطواف إنما يكون مشيا، ~~وإنما طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - راكبا لعذر، فإن ابن عباس روى «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا ~~محمد. حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب» . رواه مسلم. وكذلك في حديث ~~جابر، فإن الناس غشوه. وروي عن ابن عباس، «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - طاف راكبا؛ لشكاة به» . وبهذا يعتذر من منع الطواف راكبا عن طواف ~~النبي # PageV03P358 # - صلى الله عليه وسلم - والحديث الأول أثبت. فعلى هذا يكون كثرة الناس، ~~وشدة الزحام عذرا. ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد تعليم ~~الناس مناسكهم، فلم يتمكن منه إلا بالركوب، والله أعلم. # (2497) فصل: إذا طاف راكبا، أو محمولا، فلا رمل عليه. وقال القاضي: يخب ~~به بعيره. والأول أصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ولا أمر ~~به، ولأن معنى الرمل لا يتحقق فيه. (2498) فصل: فأما السعي راكبا، فيجزئه ~~لعذر ولغير عذر؛ لأن المعنى الذي منع الطواف راكبا غير موجود فيه. ### | [مسألة من كان مفردا أو قارنا استحب له أن يفسخ النية إذا طاف وسعى] # (2499) مسألة: قال: (ومن كان مفردا، أو قارنا، أحببنا له أن يفسخ إذا طاف ~~وسعى، ويجعلها عمرة، إلا أن يكون معه هدي، فيكون على إحرامه) أما إذا كان ~~معه هدي، فليس له أن يحل من إحرام الحج، ويجعله عمرة، بغير خلاف نعلمه. وقد ms1582 ~~روى ابن عمر، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قدم مكة، قال ~~للناس: من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم منه، حتى يقضي حجه، ومن ~~لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل، ثم ليهل ~~بالحج، وليهد، ومن لم يجد هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ~~إلى أهله» . متفق عليه. # وأما من لا هدي معه، ممن كان مفردا أو قارنا، فيستحب له إذا طاف وسعى أن ~~يفسخ نيته بالحج، وينوي عمرة مفردة، فيقصر، ويحل من إحرامه؛ ليصير متمتعا، ~~إن لم يكن وقف بعرفة. وكان ابن عباس يرى أن من طاف بالبيت، وسعى، فقد حل، ~~وإن لم ينو ذلك. وبما ذكرناه قال الحسن، ومجاهد، وداود، وأكثر أهل العلم، ~~على أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن الحج أحد النسكين، فلم يجز فسخه كالعمرة، فروى ~~ابن ماجه، بإسناده، عن الحارث بن بلال المزني، عن أبيه «، أنه قال: يا رسول ~~الله، فسخ الحج لنا خاصة، أو لمن أتى؟ قال: لنا خاصة» . # وروي أيضا عن المرقع الأسدي، عن أبي ذر قال: «كان ما أذن لنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حين دخلنا مكة، أن نجعلها عمرة، ونحل من كل شيء، أن ~~تلك كانت لنا خاصة، رخصة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون جميع ~~الناس» . # ولنا، أنه قد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر أصحابه في ~~حجة الوداع الذين أفردوا الحج وقرنوا، أن يحلوا كلهم، ويجعلوها عمرة، إلا ~~من كان معه الهدي، وثبت ذلك في أحاديث كثيرة، متفق عليهن، بحيث يقرب من ~~التواتر والقطع، ولم يختلف في صحة ذلك وثبوته عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أحد من أهل العلم علمناه # وذكر أبو حفص، في (شرحه) ، قال: سمعت أبا عبد الله بن بطة يقول: سمعت أبا ~~بكر # PageV03P359 # بن أيوب يقول: سمعت إبراهيم الحربي يقول، وسئل عن فسخ الحج، فقال: قال ~~سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد ms1583 الله، كل شيء منك حسن جميل، إلا ~~خلة واحدة. فقال: وما هي؟ قال تقول بفسخ الحج. فقال أحمد: قد كنت أرى أن لك ~~عقلا، عندي ثمانية عشر حديثا صحاحا جيادا، كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك # وقد روى فسخ الحج ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وأحاديثهم متفق ~~عليها. ورواه غيرهم، وأحاديثهم كلها صحاح. قال أحمد: روي الفسخ عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من حديث جابر، وعائشة، وأسماء، والبراء، وابن عمر، ~~وسبرة الجهني، وفي لفظ حديث جابر، قال: «أهللنا أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالحج خالصا وحده، وليس معه عمرة، فقدم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صبح رابعة مضت من ذي الحجة، فلما قدمنا، أمرنا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن نحل، قال: حلوا، وأصيبوا من النساء. قال: فبلغه عنا أنا ~~نقول: لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس ليال، أمرنا أن نحل إلى نسائنا، ~~فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني. قال: فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم، وأبركم، ولولا هديي لحللت كما ~~تحلون، فحلوا، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت. قال: فحللنا، ~~وسمعنا، وأطعنا. قال فقال سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي: متعتنا هذه يا ~~رسول الله لعامنا هذا، أم للأبد؟ فظنه محمد بن بكر، أنه قال: للأبد» . متفق ~~عليه. فأما حديثهم، فقال أحمد: روى هذا الحديث الحارث بن بلال، فمن الحارث ~~بن بلال؟ يعني أنه مجهول. ولم يروه إلا الدراوردي، وحديث أبي ذر رواه مرقع ~~الأسدي، فمن مرقع الأسدي، شاعر من أهل الكوفة، ولم يلق أبا ذر. فقيل له: ~~أفليس قد روى الأعمش عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر؟ قال: كانت ~~متعة الحج لنا خاصة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: أفيقول ~~بهذا أحد؟ المتعة في كتاب الله، وقد أجمع الناس على أنها جائزة. قال ~~الجوزجاني: مرقع الأسدي ليس بمشهور، ومثل هذه الأحاديث في ضعفها وجهالة ~~رواتها، لا تقبل إذا انفردت، فكيف ms1584 تقبل في رد حكم ثابت بالتواتر، مع أن قول ~~أبي ذر من رأيه، وقد خالفه من هو أعلم منه، وقد شذ به عن الصحابة، - رضي ~~الله عنهم -، فلا يلتفت إلى هذا، وقد اختلف لفظه، ففي أصح الطريقين عنه ~~قوله مخالف لكتاب الله تعالى، وقول رسول الله، وإجماع المسلمين، وسنن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الثابتة الصحيحة، فلا يحل الاحتجاج به. وأما ~~قياسهم في مقابلة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يقبل، على أن ~~قياس الحج على العمرة في هذا لا يصح، فإنه يجوز قلب الحج إلى العمرة في حق ~~من فاته الحج، ومن حصر عن عرفة، والعمرة لا تصير حجا بحال. ولأن فسخ الحج ~~إلى العمرة يصير به متمتعا، فتحصل الفضيلة، وفسخ العمرة إلى الحج يفوت ~~الفضيلة، ولا يلزم من مشروعية ما يحصل به الفضيلة مشروعية تفويتها. # PageV03P360 ### | [فصل إذا فسخ الحج إلى العمرة صار متمتعا] # (2500) فصل: وإذا فسخ الحج إلى العمرة، صار متمتعا، حكمه حكم المتمتعين ~~في وجوب الدم وغيره. وقال القاضي: لا يجب الدم؛ لأن من شرط وجوبه أن ينوي ~~في ابتداء العمرة، أو في أثنائها، أنه متمتع. وهذه دعوى لا دليل عليها، ~~تخالف عموم الكتاب وصريح السنة الثابتة، فإن الله تعالى قال: {فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] . # وفي حديث ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لم يكن منكم ~~أهدى، فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحل، ثم ليهل بالحج وليهد، ~~ومن لم يجد هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» . متفق ~~عليه. ولأن وجوب الدم في المتعة للترفه بسقوط أحد السفرين، وهذا المعنى لا ~~يختلف بالنية وعدمها، فوجب أن لا يختلف وجوب الدم، على أنه لو ثبت أن النية ~~شرط، فقد وجدت، فإنه ما حل حتى نوى أنه يحل، ثم يحرم بالحج. ### | [مسألة يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن] # (2501) مسألة: قال: (ومن كان متمتعا، قطع التلبية إذا وصل إلى البيت) قال ~~أبو عبد ms1585 الله: يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن. وهو معنى قول الخرقي: ~~(إذا وصل إلى البيت) . وبهذا قال ابن عباس، وعطاء، وعمرو بن ميمون، وطاوس، ~~والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال ابن عمر، وعروة، ~~والحسن: يقطعها إذا دخل الحرم. # وقال سعيد بن المسيب: يقطعها حين يرى عرش مكة. وحكي عن مالك، أنه إن أحرم ~~من الميقات، قطع التلبية إذا وصل إلى الحرم، وإن أحرم بها من أدنى الحل، ~~قطع التلبية حين يرى البيت. ولنا، ما روي عن ابن عباس، يرفع الحديث: «كان ~~يمسك عن التلبية في العمرة، إذا استلم الحجر» . قال الترمذي: هذا حديث حسن ~~صحيح. # وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اعتمر ثلاث عمر، ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر» . ولأن التلبية إجابة إلى ~~العبادة، وإشعار للإقامة عليها، وإنما يتركها إذا شرع فيما ينافيها، وهو ~~التحلل منها، والتحلل يحصل بالطواف والسعي، فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في ~~التحلل، فينبغي أن يقطع التلبية، كالحج إذا شرع في رمي جمرة العقبة، لحصول ~~التحلل بها. وأما قبل ذلك، فلم يشرع فيما ينافيها، فلا معنى لقطعها. والله ~~تعالى أعلم. # PageV03P361 ### | [باب صفة الحج] # نذكر في هذا الباب صفة الحج، بعد حل المتمتع من عمرته، ونبدأ بذكر حديث ~~جابر في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - ونقتصر منه على ما يختص بهذا ~~الباب، وقد ذكرنا بعضه مفرقا في الأبواب الماضية، وهو حديث جامع صحيح، رواه ~~مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، ذكر ~~الحديث، قال: «فحل الناس كلهم، وقصروا، إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، ~~وركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر ~~تضرب له بنمرة، فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تشك قريش إلا ~~أنه ms1586 واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له ~~بنمرة، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن ~~الوادي، فخطب الناس، وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في ~~شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ~~ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ~~- كان مسترضعا في بني سعد، فقتلته هذيل - وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا ~~أضع من ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في ~~النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم ~~عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير ~~مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده ~~إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ . قالوا: ~~نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، ~~وينكبها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام ~~فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، ~~وجعل حبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، ~~وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب # PageV03P362 # مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة السكينة كلما أتى ~~حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها ~~المغرب والعشاء، بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى طلع الفجر، فصلى الصبح حين تبين له الصبح، ~~بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى ms1587 المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، ~~فدعا الله وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن ~~تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا حسن الشعر، أبيض، وسيما، فلما ~~دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرت به ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر ~~إليهن، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على وجه الفضل، فحول ~~الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى ~~بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، ~~حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها ~~مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين ~~بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ~~ببضعة فجعلت في قدر، فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني ~~عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن ~~يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلوا، فشرب منه» . قال عطاء: ~~كان منزل النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى بالخيف. ### | [مسألة يوم التروية] # (2502) مسألة: قال: (وإذا كان يوم التروية، أهل بالحج، ومضى إلى منى) يوم ~~التروية: اليوم الثامن من ذي الحجة. سمي بذلك لأنهم كانوا يتروون من الماء ~~فيه، يعدونه ليوم عرفة. وقيل: سمي بذلك؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - رأى ~~ليلتئذ في المنام ذبح ابنه، فأصبح يروي # PageV03P363 # في نفسه أهو حلم أم من الله تعالى؟ فسمي يوم التروية، فلما كانت ليلة ~~عرفة رأى ذلك أيضا، فعرف أنه من الله تعالى، فسمي يوم عرفة، والله أعلم. ~~والمستحب لمن كان بمكة حلالا من المتمتعين الذين حلوا من عمرتهم، أو من كان ~~مقيما بمكة من أهلها، أو من غيرهم، ms1588 أن يحرموا يوم التروية حين يتوجهون إلى ~~منى. # وبهذا قال ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير وإسحاق. وقد ~~روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لأهل مكة: ما لكم يقدم الناس عليكم ~~شعثا، إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج. وهذا مذهب ابن الزبير. وقال مالك: من ~~كان بمكة، فأحب أن يهل من المسجد لهلال ذي الحجة. # ولنا، قول جابر: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج. وفي ~~لفظ عن جابر، قال: «أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حللنا، أن نحرم ~~إذا توجهنا إلى منى، فأهللنا من الأبطح، حتى إذا كان يوم التروية، وجعلنا ~~مكة بظهر، أهللنا بالحج» . رواه مسلم. # وعن عبيد بن جريج، أنه قال لعبد الله بن عمر: رأيتك إذا كنت بمكة، أهل ~~الناس ولم تهل أنت، حتى يكون يوم التروية؟ فقال عبد الله بن عمر: أما ~~الإهلال، فإني لم أر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل حتى تنبعث به ~~راحلته. متفق عليه. ولأنه ميقات للإحرام، فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم، ~~كميقات المكان. # وإن أحرم قبل ذلك، كان جائزا فصل: ومن حيث أحرم من مكة جاز؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في المواقيت: «حتى أهل مكة يهلون منها» . وإن أحرم ~~خارجا منها من الحرم جاز؛ لقول جابر: «فأهللنا من الأبطح. ويستحب أن يفعل ~~عند إحرامه هذا ما يفعله عند الإحرام من الميقات، من الغسل والتنظيف، ~~ويتجرد عن المخيط، ويطوف سبعا، ويصلي ركعتين، ثم يحرم عقيبهما» . وممن ~~استحب ذلك عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير والثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن ~~المنذر. ولا يسن أن يطوف بعد إحرامه. # قال ابن عباس: لا أرى لأهل مكة أن يطوفوا بعد أن يحرموا بالحج، ولا أن ~~يطوفوا بين الصفا والمروة، حتى يرجعوا. وهذا مذهب عطاء، ومالك، وإسحاق. وإن ~~طاف بعد إحرامه، ثم سعى، لم يجزئه عن السعي الواجب. وهو قول مالك. # وقال الشافعي: يجزئه. وفعله ابن الزبير، وأجازه القاسم بن محمد، وابن ~~المنذر؛ لأنه سعى في الحج مرة، ms1589 فأجزأه، كما لو سعى بعد رجوعه من منى. ولنا، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه أن يهلوا بالحج إذا خرجوا إلى ~~منى. وقالت عائشة: # PageV03P364 # خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطاف الذين أهلوا بعمرة ~~بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من ~~منى لحجهم. ولو شرع لهم الطواف قبل الخروج، لم يتفقوا على تركه. ### | [مسألة المبيت بمنى] # (2504) مسألة: قال: (ومضى إلى منى، فصلى بها الظهر إن أمكنه؛ لأنه روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه صلى بمنى خمس صلوات) وجملة ذلك، أن ~~المستحب أن يخرج محرما من مكة يوم التروية، فيصلي الظهر بمنى، ثم يقيم حتى ~~يصلي بها الصلوات الخمس، ويبيت بها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ~~ذلك. كما جاء في حديث جابر، وهذا قول سفيان، ومالك، والشافعي، وإسحاق، ~~وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا. وليس ذلك واجبا في قولهم جميعا. # قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم. وتخلفت عائشة ليلة التروية ~~حتى ذهب ثلثا الليل، وصلى ابن الزبير بمكة. (2505) فصل: فإن صادف يوم ~~التروية يوم جمعة، فمن أقام بمكة حتى تزول الشمس، ممن تجب عليه الجمعة، لم ~~يخرج حتى يصليها؛ لأن الجمعة فرض، والخروج إلى منى في ذلك الوقت غير فرض. ~~فأما قبل الزوال، فإن شاء خرج، وإن شاء أقام حتى يصلي، فقد روي أن ذلك وافق ~~أيام عمر بن عبد العزيز، فخرج إلى منى. # وقال عطاء: كل من أدركت يصنعونه، أدركتهم يجمع بمكة إمامهم ويخطب، ومرة ~~لا يجمع ولا يخطب. فعلى هذا إذا خرج الإمام، أمر بعض من تخلف أن يصلي ~~بالناس الجمعة. # وقال أحمد: إذا كان والي مكة بمكة يوم الجمعة، يجمع بهم. قيل له: يركب من ~~منى، فيجيء إلى مكة، فيجمع بهم؟ قال: لا، إذا كان هو بعد بمكة. ### | [مسألة الوقوف بعرفة] # مسألة: قال: (فإذا طلعت الشمس، دفع إلى عرفة، فأقام بها حتى يصلي الظهر ~~والعصر، بإقامة لكل صلاة، وإن أذن فلا ms1590 بأس، وإن فاته مع الإمام صلى في ~~رحله) وجملة ذلك أن المستحب أن يدفع إلى الموقف من منى إذا طلعت الشمس يوم ~~عرفة، فيقيم، بنمرة، وإن شاء بعرفة، حتى تزول الشمس، ثم يخطب الإمام خطبة، ~~يعلم الناس فيها مناسكهم، من موضع الوقوف ووقته، والدفع من عرفات، ومبيتهم ~~بمزدلفة، وأخذ الحصى لرمي الجمار؛ لما تقدم في حديث جابر، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فعل ذلك، ثم يأمر بالأذان، فينزل فيصلي الظهر والعصر، ~~يجمع بينهما، ويقيم لكل صلاة إقامة.» وقال أبو ثور: يؤذن المؤذن إذا صعد ~~الإمام المنبر فجلس، فإذا فرغ المؤذن، قام الإمام فخطب. # وقيل: يؤذن في آخر خطبة الإمام. وحديث جابر يدل على أنه أذن بعد فراغ ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من خطبته. وكيفما فعل فحسن. وقوله: (وإن أذن ~~فلا بأس) . كأنه ذهب إلى أنه # PageV03P365 # مخير بين أن يؤذن للأولى أو لا يؤذن. وكذا قال أحمد؛ لأن كلا مروي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والأذان أولى. وهو قول الشافعي، وأبي ~~ثور، وأصحاب الرأي. # وقال مالك: يؤذن لكل صلاة. واتباع ما جاء في السنة أولى، وهو مع ذلك ~~موافق للقياس، كما في سائر المجموعات والفوائت. وقول الخرقي: (فإن فاته مع ~~الإمام صلى في رحله) . يعني أن المنفرد يجمع كما يجمع مع الإمام، فعله ابن ~~عمر. وبه قال عطاء، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وصاحبا أبي حنيفة. # وقال النخعي، والثوري، وأبو حنيفة: لا يجمع إلا مع الإمام؛ لأن لكل صلاة ~~وقتا محدودا، وإنما ترك ذلك في الجمع مع الإمام، فإذا لم يكن إمام، رجعنا ~~إلى الأصل. ولنا، أن ابن عمر كان إذا فاته الجمع بين الظهر والعصر، مع ~~الإمام بعرفة، جمع بينهما منفردا. ولأن كل جمع جاز مع الإمام جاز منفردا، ~~كالجمع بين العشاءين بجمع. وقولهم: إنما جاز الجمع في الجماعة. لا يصح؛ ~~لأنهم قد سلموا أن الإمام يجمع وإن كان منفردا. ### | [فصل السنة تعجيل الصلاة لمن بعرفة حين تزول الشمس] # (2507) فصل: والسنة تعجيل الصلاة حين تزول الشمس، ms1591 وأن يقصر الخطبة، ثم ~~يروح إلى الموقف؛ لما روى سالم، أنه قال للحجاج يوم عرفة: إن كنت تريد أن ~~تصيب السنة، فقصر الخطبة، وعجل الصلاة. فقال ابن عمر: صدق. رواه البخاري. ~~ولأن تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف في أول وقت الزوال، والسنة التعجيل ~~في ذلك، فقد روى سالم، أن الحجاج أرسل إلى ابن عمر: أية ساعة كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يروح في هذا اليوم؟ فقال: إذا كان ذلك رحنا. فلما ~~أراد ابن عمر أن يروح، قال: أزاغت الشمس؟ قالوا: لم تزغ. فلما قالوا: قد ~~زاغت. ارتحل. رواه أبو داود. # وقال ابن عمر: غدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منى حين صلى ~~الصبح، صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة، فنزل بنمرة حتى إذا كان عند صلاة ~~الظهر، راح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهجرا، فجمع بين الظهر ~~والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. وقد ذكرنا حديث ~~جابر في هذا. قال ابن عبد البر: هذا كله لا خلاف فيه بين علماء المسلمين. ### | [فصل يجوز الجمع لكل من بعرفة] # فصل: ويجوز الجمع لكل من بعرفة، من مكي وغيره، قال ابن المنذر: أجمع أهل ~~العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذلك من صلى مع الإمام. ~~وذكر أصحابنا أنه لا يجوز الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخا، ~~إلحاقا له بالقصر. وليس بصحيح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع، فجمع ~~معه من حضره من المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع، كما أمرهم بترك ~~القصر حين قال: (أتموا، فإنا # PageV03P366 # سفر) . # ولو حرم الجمع لبينه لهم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا ~~يقر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخطأ. وقد كان عثمان يتم الصلاة؛ ~~لأنه اتخذ أهلا، ولم يترك الجمع. وروي نحو ذلك عن ابن الزبير. قال ابن أبي ~~مليكة: وكان ابن الزبير يعلمنا المناسك. فذكر أنه قال: إذا أفاض، فلا صلاة ~~إلا بجمع. رواه ms1592 الأثرم. وكان عمر بن عبد العزيز والي مكة، فخرج فجمع بين ~~الصلاتين. ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف في الجمع بعرفة ومزدلفة، بل ~~وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره، والحق فيما أجمعوا عليه، فلا يعرج على ~~غيره. ### | [فصل قصر الصلاة لا يجوز لأهل مكة] # (2509) فصل: فأما قصر الصلاة، فلا يجوز لأهل مكة. وبهذا قال عطاء، ~~ومجاهد، والزهري، وابن جريج والثوري، ويحيى القطان، والشافعي، وأصحاب ~~الرأي، وابن المنذر. وقال القاسم بن محمد، وسالم، ومالك، والأوزاعي: لهم ~~القصر؛ لأن لهم الجمع، فكان لهم القصر كغيرهم. # ولنا، أنهم في غير سفر بعيد، فلم يجز لهم القصر كغير من في عرفة ومزدلفة، ~~قيل لأبي عبد الله: فرجل أقام بمكة، ثم خرج إلى الحج؟ قال: إن كان لا يريد ~~أن يقيم بمكة إذا رجع صلى ثم ركعتين. وذكر فعل ابن عمر. قال: لأن خروجه إلى ~~منى وعرفة ابتداء سفر، فإن عزم على أن يرجع، فيقيم بمكة، أتم بمنى وعرفة. ### | [مسألة يستحب أن يغتسل للوقوف بعرفة] # (2510) مسألة: قال: (ثم يصير إلى موقف عرفة عند الجبل، وعرفة كلها موقف، ~~ويرفع عن بطن عرنة، فإنه لا يجزئه الوقوف فيه) يعني إذا صلى الصلاتين، صار ~~إلى الوقوف بعرفة ويستحب أن يغتسل للوقوف، كان ابن مسعود يفعله، وروي عن ~~علي، وبه يقول الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر؛ لأنها مجمع للناس، ~~فاستحب الاغتسال لها، كالعيد والجمعة. وعرفة كلها موقف؛ فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «قد وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف» . رواه أبو داود، ~~وابن ماجه، وعن يزيد بن شيبان، قال: أتانا ابن مربع الأنصاري، ونحن بعرفة ~~في مكان يباعده عمرو عن الإمام، فقال: إني رسول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إليكم، يقول: (كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم ~~إبراهيم) . وحد عرفة من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ~~ما يلي حوائط بني عامر. وليس وادي عرنة من الموقف، ولا يجزئه الوقوف فيه. # قال ابن عبد البر: أجمع العلماء ms1593 على أن من وقف به لا يجزئه. وحكي عن ~~مالك، أنه يهريق دما، وحجه تام. # PageV03P367 # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن ~~عرنة» . رواه ابن ماجه. ولأنه لم يقف بعرفة، فلم يجزئه، كما لو وقف ~~بمزدلفة. والمستحب أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة، ويستقبل القبلة؛ لما ~~جاء في حديث جابر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل بطن ناقته القصواء ~~إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة» . # (2511) فصل: والأفضل، أن يقف راكبا على بعيره، كما فعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فإن ذلك أعون له على الدعاء. قال أحمد، حين سئل عن الوقوف ~~راكبا، فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف على راحلته. وقيل: الراجل ~~أفضل؛ لأنه أخف على الراحلة. ويحتمل التسوية بينهما. (2512) فصل: والوقوف ~~ركن، لا يتم الحج إلا به، إجماعا. # وقد روى الثوري، عن بكير بن عطاء الليثي، عن عبد الرحمن بن نعم الديلي، ~~قال: «أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة، فجاءه نفر من أهل نجد، ~~فقالوا: يا رسول الله، كيف الحج؟ قال: الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ~~ليلة جمع فقد تم حجه» . رواه أبو داود، وابن ماجه. قال محمد بن يحيى: ما ~~أروي للثوري حديثا أشرف منه. ### | [مسألة يستحب الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء يوم عرفة] # (2513) مسألة: قال: (فيكبر، ويهلل، ويجتهد في الدعاء إلى غروب الشمس) ~~يستحب الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء يوم عرفة؛ فإنه يوم ترجى فيه ~~الإجابة، ولذلك أحببنا له الفطر يومئذ، ليتقوى على الدعاء، مع أن صومه بغير ~~عرفة يعدل سنتين. وروى ابن ماجه، في (سننه) ، قال: قالت عائشة - رضي الله ~~عنها -: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ما من يوم أكثر أن يعتق ~~الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، فإنه ليدنو عز وجل، ثم يباهي بكم ~~الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» . رواه مسلم. # ويستحب أن يدعو بالمأثور من الأدعية، مثل ما روي عن علي - رضي ms1594 الله عنه - ~~قال: قال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - «أكثر دعاء الأنبياء قبلي، ~~ودعائي عشية عرفة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، ~~يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير» . وكان ابن عمر يقول: الله أكبر الله ~~أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ~~ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهم ~~اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى. ويرد يديه، ويسكت ~~بقدر ما كان إنسان قارئا فاتحة الكتاب، ثم يعود فيرفع يديه، ويقول مثل ذلك. ~~ولم يزل يفعل مثل ذلك حتى # PageV03P368 # أفاض. # وسئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة؟ فقال: لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. فقيل له: هذا ~~ثناء، وليس بدعاء. فقال: أما سمعت قول الشاعر: # أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك إن شيمتك الحباء # إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء # وروي أن من دعاء النبي - عليه السلام - «بعرفة: اللهم إنك ترى مكاني، ~~وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس ~~الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك ~~مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف ~~الضرير، من خشعت لك رقبته، وذل لك جسده، وفاضت لك عينه، ورغم لك أنفه» . # وروينا عن سفيان الثوري، أنه قال: سمعت أعرابيا، وهو مستلق بعرفة، يقول: ~~إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفا، ومن أولى بالعفو عني ~~منك، وعلمك في سابق، وأمرك بي محيط، أطعتك بإذنك والمنة لك، وعصيتك بعلمك ~~والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتي، وبفقري إليك وغناك عني، أن ~~تغفر لي وترحمني، إلهي لم أحسن حتى أعطيتني، ولم أسئ، حتى قضيت علي، اللهم ~~أطعتك بنعمتك في أحب الأشياء إليك، شهادة أن لا إله إلا الله، ولم أعصك في ~~أبغض الأشياء إليك، ms1595 الشرك بك، فاغفر لي ما بينهما، اللهم أنت أنس المؤنسين ~~لأوليائك، وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم، وتطلع ~~على سرائرهم، وسري اللهم لك مكشوف، وأنا إليك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة ~~آنسني ذكرك، وإذا أصمت علي الهموم لجأت إليك، استجارة بك، علما بأن أزمة ~~الأمور بيدك، ومصدرها عن قضائك. # وكان إبراهيم بن إسحاق الحربي، يقول: اللهم قد آويتني من ضناي، وبصرتني ~~من عماي، وأنقذتني من جهلي وجفاي، أسألك ما يتم به فوزي، وما أؤمل في عاجل ~~دنياي وديني، ومأمول أجلي ومعادي، ثم ما لا أبلغ أداء شكره، ولا أنال ~~إحصاءه وذكره، إلا بتوفيقك وإلهامك، أن هيجت قلبي القاسي، على الشخوص إلى ~~حرمك، وقويت أركاني الضعيفة لزيارة عتيق بيتك، ونقلت بدني، لإشهادي مواقف ~~حرمك، اقتداء بسنة خليلك، واحتذاء على مثال رسولك، واتباعا لآثار خيرتك ~~وأنبيائك وأصفيائك، صلى الله عليهم، وأدعوك في مواقف الأنبياء، - عليهم ~~السلام -، ومناسك السعداء، ومساجد الشهداء، دعاء من أتاك لرحمتك راجيا، وعن ~~وطنه نائيا، ولقضاء نسكه مؤديا، ولفرائضك قاضيا، ولكتابك تاليا، ولربه عز ~~وجل داعيا # PageV03P369 # ملبيا، ولقلبه شاكيا، ولذنبه خاشيا، ولحظه مخطئا، ولرهنه مغلقا، ولنفسه ~~ظالما، وبجرمه عالما، دعاء من جمت عيوبه، وكثرت ذنوبه، وتصرمت أيامه، ~~واشتدت فاقته، وانقطعت مدته، دعاء من ليس لذنبه سواك غافرا، ولا لعيبه غيرك ~~مصلحا، ولا لضعفه غيرك مقويا، ولا لكسره غيرك جابرا، ولا لمأمول خير غيرك ~~معطيا، ولا لما يتخوف من حر ناره غيرك معتقا، اللهم وقد أصبحت في بلد حرام، ~~في يوم حرام في شهر حرام، في قيام من خير الأنام، أسألك أن لا تجعلني أشقى ~~خلقك المذنبين عندك، ولا أخيب الراجين لديك، ولا أحرم الآملين لرحمتك، ~~الزائرين لبيتك، ولا أخسر المنقلبين من بلادك، اللهم وقد كان من تقصيري ما ~~قد عرفت، ومن توبيقي نفسي ما قد علمت، ومن مظالمي ما قد أحصيت، فكم من كرب ~~منه قد نجيت، ومن غم قد جليت، وهم قد فرجت، ودعاء قد استجبت، وشدة قد أزلت، ~~ورخاء قد أنلت، منك النعماء، وحسن القضاء، ومني ms1596 الجفاء، وطول الاستقصاء، ~~والتقصير عن أداء شكرك، لك النعماء يا محمود، فلا يمنعنك يا محمود من ~~إعطائي مسألتي من حاجتي إلى حيث انتهى لها سؤلي، ما تعرف من تقصيري، وما ~~تعلم من ذنوبي وعيوبي، اللهم فأدعوك راغبا، وأنصب لك وجهي طالبا، وأضع خدي ~~مذنبا راهبا، فتقبل دعائي، وارحم ضعفي، وأصلح الفساد من أمري، واقطع من ~~الدنيا همي وحاجتي، واجعل فيما عندك رغبتي، اللهم واقلبني منقلب المدركين ~~لرجائهم، المقبول دعاؤهم، المفلوج حجتهم، المبرور حجتهم، المغفور ذنبهم، ~~المحطوط خطاياهم، الممحو سيئاتهم، المرشود أمرهم، منقلب من لا يعصي لك بعده ~~أمرا، ولا يأتي من بعده مأثما، ولا يركب بعده جهلا، ولا يحمل بعده وزرا، ~~منقلب من عمرت قلبه، بذكرك، ولسانه بشكرك، وطهرت الأدناس من بدنه، واستودعت ~~الهدى قلبه، وشرحت بالإسلام صدره، وأقررت بعفوك قبل الممات عينه، وأغضضت عن ~~المآثم بصره، واستشهدت في سبيلك نفسه، يا أرحم الراحمين، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا، كما تحب ربنا وترضى، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم. # وقول الخرقي: (إلى غروب الشمس) . معناه ويجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس؛ ~~ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وقف بعرفة حتى غابت الشمس في حديث جابر، وفي حديث علي، وأسامة، «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - دفع حين غابت الشمس» . فإن دفع قبل الغروب فحجه ~~صحيح، في قول جماعة الفقهاء، إلا مالكا، فإنه قال: لا حج له. قال ابن عبد ~~البر: لا نعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بقول مالك، وحجته ما روى ابن عمر، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج، ~~ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج، فليحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل» . # PageV03P370 # ولنا، ما روى عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي، قال: «أتيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمزدلفة، حين خرج إلى الصلاة. فقلت: يا ~~رسول الله، إني جئت من جبل طي، أكللت ms1597 راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت ~~من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى يدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو ~~نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # ولأنه وقف في زمن الوقوف، فأجزأه، كالليل. فأما خبره، فإنما خص الليل؛ ~~لأن الفوات يتعلق به إذا كان يوجد بعد النهار، فهو آخر وقت الوقوف، كما قال ~~- عليه السلام -: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدركها، ~~ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من ~~الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها» . # وعلى من دفع قبل الغروب دم، في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء، والثوري، ~~والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ومن تبعهم. وقال ابن جريج: عليه بدنة. ~~وقال الحسن البصري: عليه هدي من الإبل. ولنا، أنه واجب، لا يفسد الحج ~~بفواته، فلم يوجب البدنة، كالإحرام من الميقات. # (2514) فصل: فإن دفع قبل الغروب، ثم عاد نهارا فوقف حتى غربت الشمس، فلا ~~دم عليه. وبهذا قال مالك، والشافعي، وقال الكوفيون، وأبو ثور: عليه دم؛ ~~لأنه بالدفع لزمه الدم، فلم يسقط برجوعه، كما لو عاد بعد غروب الشمس. # ولنا، أنه أتى بالواجب، وهو الجمع بين الوقوف في الليل والنهار، فلم يجب ~~عليه دم، كمن تجاوز الميقات غير محرم، ثم رجع فأحرم منه. فإن لم يعد حتى ~~غربت الشمس، فعليه دم؛ لأن عليه الوقوف حال الغروب، وقد فاته بخروجه، فأشبه ~~من تجاوز الميقات غير محرم، فأحرم دونه، ثم عاد إليه. ومن لم يدرك جزءا من ~~النهار، ولا جاء عرفة، حتى غابت الشمس، فوقف ليلا، فلا شيء عليه، وحجه تام. ~~لا نعلم فيه مخالفا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك عرفات ~~بليل فقد أدرك الحج.» ولأنه لم يدرك جزءا من النهار، فأشبه من منزله دون ~~الميقات إذا أحرم منه. # PageV03P371 ### | [فصل وقت الوقوف يوم ms1598 عرفة] # (2515) فصل: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم ~~النحر. ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر. ~~قال جابر: «لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع» . قال أبو الزبير: ~~فقلت له: أقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك؟ قال: نعم. رواه ~~الأثرم. # وأما أوله فمن طلوع الفجر يوم عرفة، فمن أدرك عرفة في شيء من هذا الوقت ~~وهو عاقل، فقد تم حجه. وقال مالك، والشافعي: أول وقته زوال الشمس من يوم ~~عرفة. واختاره أبو حفص العكبري. وحمل عليه كلام الخرقي. وحكى ابن عبد البر ~~ذلك إجماعا. وظاهر كلام الخرقي ما قلناه، فإنه قال: (لو وقف بعرفة نهارا ~~ودفع قبل الإمام فعليه دم) . # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا ~~حتى ندفع، وقد وقف بعرفة، قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» ، ~~ولأنه من يوم عرفة، فكان وقتا للوقوف، كبعد الزوال، وترك الوقوف لا يمنع ~~كونه وقتا للوقوف، كبعد العشاء. وإنما وقفوا في وقت الفضيلة، ولم يستوعبوا ~~جميع وقت الوقوف. # (2516) فصل: وكيفما حصل بعرفة، وهو عاقل، أجزأه، قائما أو جالسا أو راكبا ~~أو نائما. # وإن مر بها مجتازا، فلم يعلم أنها عرفة، أجزأه أيضا. وبه قال مالك، ~~والشافعي، وأبو حنيفة. وقال أبو ثور: لا يجزئه؛ لأنه لا يكون واقفا إلا ~~بإرادة. # ولنا، عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وقد أتى عرفات، قبل ذلك ليلا ~~أو نهارا» . ولأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف وهو عاقل، فأجزأه كما لو علم، ~~وإن وقف وهو مغمى عليه أو مجنون، ولم يفق حتى خرج منها، لم يجزئه. وهو قول ~~الحسن، والشافعي، وأبي ثور، وإسحاق، وابن المنذر وقال عطاء في المغمى عليه: ~~يجزئه. وهو قول مالك، وأصحاب الرأي. # وقد توقف أحمد - رحمه الله -، في هذه المسألة، وقال: الحسن يقول بطل حجه، ~~وعطاء يرخص فيه. وذلك لأنه لا يعتبر له نية ولا طهارة. ويصح ms1599 من النائم، فصح ~~من المغمى عليه، كالمبيت بمزدلفة. ومن نصر الأول قال: ركنا من أركان الحج. ~~فلم يصح من المغمى عليه، كسائر أركانه. قال ابن عقيل: والسكران كالمغمى ~~عليه؛ لأنه زائل العقل بغير نوم، فأشبة المغمى عليه، وأما النائم فيجزئه ~~الوقوف؛ لأنه في حكم المستيقظ. ### | [فصل لا يشترط للوقوف بعرفة طهارة ولا ستارة ولا استقبال ولا نية] # (2517) فصل: ولا يشترط للوقوف طهارة، ولا ستارة، ولا استقبال، ولا نية. ~~ولا نعلم في ذلك خلافا. قال # PageV03P372 # ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن من أدرك الوقوف ~~بعرفة غير طاهر، مدرك للحج. ولا شيء عليه. # وفي «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: افعلي ما يفعل الحاج غير ~~الطواف بالبيت.» دليل على أن الوقوف بعرفة على غير طهارة جائز، ووقفت ~~عائشة، - رضي الله عنها -، بها حائضا بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~ويستحب أن يكون طاهرا. قال أحمد: يستحب له أن يشهد المناسك كلها على وضوء، ~~كان عطاء يقول: لا يقضي شيئا من المناسك إلا على وضوء. . ### | [مسألة إذا دفع الإمام إلى مزدلفة دفع معه] # (2518) مسألة: قال: (فإذا دفع الإمام، دفع معه إلى مزدلفة) الإمام هاهنا ~~الوالي الذي إليه أمر الحج من قبل الإمام. ولا ينبغي للناس أن يدفعوا حتى ~~يدفع. قال أحمد: ما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام. وسئل عن رجل دفع قبل ~~الإمام بعد غروب الشمس، فقال: ما وجدت عن أحد أنه سهل فيه، كلهم يشدد فيه. ~~فالمستحب أن يقف حتى يدفع الإمام، ثم يسير نحو المزدلفة على سكينة ووقار؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين دفع، وقد شنق لناقته القصواء ~~بالزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: «أيها الناس، ~~السكينة السكينة» . هذا في حديث جابر، وروي عن ابن عباس، أنه دفع مع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وراءه ~~زجرا شديدا وضربا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: «أيها الناس، عليكم ~~السكينة، فإن البر ms1600 ليس بإيضاع الإبل» . رواه البخاري. # وقال عروة: «سئل أسامة، وأنا جالس، كيف كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يسير في حجة الوداع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص» . قال ~~هشام بن عروة: والنص فوق العنق. متفق عليه. ### | [مسألة الإكثار من الذكر بعد الإفاضة من عرفات] # (2519) مسألة: قال: (ويكبر في الطريق، ويذكر الله تعالى) ذكر الله تعالى ~~يستحب في الأوقات كلها، وهو في هذا الوقت أشد تأكيدا؛ لقول الله تعالى: ~~{فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم} ~~[البقرة: 198] . ولأنه زمن الاستشعار بطاعة الله تعالى، والتلبس بعبادته، ~~والسعي إلى شعائره. وتستحب التلبية. وذكر قوم أنه لا يلبي # PageV03P373 # ولنا، ما روى الفضل بن عباس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل ~~يلبي حتى رمى الجمرة» متفق عليه. وعن عبد الرحمن بن يزيد، قال: شهدت ابن ~~مسعود يوم عرفة وهو يلبي، فقال له رجل كلمة. فسمعته زاد في تلبيته شيئا لم ~~أسمعه قبل ذلك قالها: لبيك عدد التراب. # ويستحب أن يمضي على طريق المأزمين؛ لأنه يروى أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سلكها. وإن سلك الطريق الأخرى، جاز. ### | [مسألة السنة لمن دفع من عرفة أن لا يصلي المغرب حتى يصل مزدلفة] # مسألة: قال: (ثم يصلي مع الإمام المغرب وعشاء الآخرة، بإقامة لكل صلاة. ~~فإن جمع بينهما بإقامة واحدة، فلا بأس) وجملة ذلك أن السنة لمن دفع من ~~عرفة، أن لا يصلي المغرب حتى يصل مزدلفة، فيجمع بين المغرب والعشاء. لا ~~خلاف في هذا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم، أن السنة أن ~~يجمع الحاج بين المغرب والعشاء. # والأصل في ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما. رواه جابر، ~~وابن عمر، وأسامة، وأبو أيوب، وغيرهم. وأحاديثهم صحاح. ويقيم لكل صلاة ~~إقامة؛ لما روى أسامة بن زيد، قال: «دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~من عرفة، حتى إذا كان بالشعب نزل، فبال، ثم توضأ، فقلت له: الصلاة يا رسول ~~الله. قال: ms1601 الصلاة أمامك. فركب، فلما جاء مزدلفة نزل، فتوضأ فأسبغ الوضوء، ~~ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت ~~الصلاة فصلى، ولم يصل بينهما» . متفق عليه. وروي هذا القول عن ابن عمر. وبه ~~قال سالم، والقاسم بن محمد، والشافعي، وإسحاق. # وإن جمع بينهما بإقامة الأولى فلا بأس. يروى ذلك عن ابن عمر أيضا. وبه ~~قال الثوري؛ لما روى ابن عمر، قال: «جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين، بإقامة واحدة» ~~. رواه مسلم. وإن أذن للأولى وأقام، ثم أقام للثانية، فحسن؛ فإنه يروى في ~~حديث جابر، وهو متضمن للزيادة، وهو معتبر بسائر الفوائت والمجموعات. وهو ~~قول ابن المنذر، وأبي ثور. والذي اختاره الخرقي إقامة لكل صلاة من غير ~~أذان. # قال ابن المنذر: وهو آخر قولي أحمد؛ لأنه رواية أسامة، وهو أعلم بحال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان رديفه، وقد اتفق هو وجابر في ~~حديثهما على إقامة لكل صلاة، واتفق أسامة وابن عمر على الصلاة بغير أذان، ~~مع أن حديث ابن عمر المتفق عليه قال: بإقامة. قال وإنما لم يؤذن للأولى ~~هاهنا؛ لأنها في غير وقتها، بخلاف المجموعتين بعرفة. وقال مالك: يجمع ~~بينهما بأذان وإقامتين. # وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وابن مسعود. واتباع السنة أولى، قال ابن عبد ~~البر: لا أعلم فيما قاله مالك # PageV03P374 # حديثا مرفوعا بوجه من الوجوه. وقال قوم: إنما أمر عمر بالتأذين للثانية؛ ~~لأن الناس كانوا قد تفرقوا لعشائهم، فأذن لجمعهم، وكذلك ابن مسعود، فإنه ~~يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين. ### | [مسألة إن فاته الجمع مع الإمام بمزدلفة صلى ى وحده] # (2521) مسألة: قال: (وإن فاته مع الإمام، صلى وحده) معناه أنه يجمع ~~منفردا، كما يجمع مع الإمام. ولا خلاف في هذا؛ لأن الثانية منهما تصلى في ~~وقتها، بخلاف العصر مع الظهر. وكذلك إن فرق بينهما، لم يبطل الجمع كذلك، ~~ولما روى أسامة، قال: ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان ~~بعيره ms1602 في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلاها. وروى البخاري، عن عبد الرحمن بن ~~يزيد، قال: حج عبد الله، فأتينا إلى مزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريبا ~~من ذلك، فأمر رجلا، فأذن وأقام، ثم صلى المغرب، ثم صلى بعدها ركعتين، ثم ~~دعا بعشائه، ثم أمر - أرى - فأذن، وأقام، ثم صلى العشاء، ثم قال: رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله. ولأن الجمع متى كان في وقت الثانية لم ~~يضر التفريق شيئا. # (2522) فصل: والسنة التعجيل بالصلاتين، وأن يصلي قبل حط الرحال؛ لما ~~ذكرنا من حديث أسامة، وفي بعض ألفاظه، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أقام للمغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم، ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة، ~~فصلى ثم حلوا» . رواه مسلم. والسنة أن لا تطوع بينهما. قال ابن المنذر: لا ~~أعلمهم يختلفون في ذلك. وقد روي عن ابن مسعود أنه تطوع بينهما، ورواه عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ولنا، حديث أسامة وابن عمر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل ~~بينهما» . وحديثهما أصح، وقد تقدم في ترك التفريق بينهما. (2523) فصل: فإن ~~صلى المغرب قبل أن يأتي مزدلفة ولم يجمع، خالف السنة، وصحت صلاته. وبه قال ~~عطاء، وعروة، والقاسم بن محمد، وسعيد بن جبير، ومالك، والشافعي، وإسحاق، ~~وأبو ثور، وأبو يوسف، وابن المنذر. # وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يجزئه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~جمع بين الصلاتين، فكان نسكا، وقد قال: (خذوا عني مناسككم) . ولنا، أن كل ~~صلاتين جاز الجمع بينهما، جاز التفريق بينهما، كالظهر والعصر بعرفة، وفعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - محمول على أنه الأولى والأفضل، ولئلا ينقطع ~~سيره، ويبطل ما ذكروه بالجمع بعرفة. ### | [مسألة إذا صلى الفجر بمزدلفة وقف عند المشعر الحرام فدعا] # (2524) مسألة: قال: (فإذا صلى الفجر، وقف عند المشعر الحرام، فدعا) # PageV03P375 # يعني أنه يبيت بمزدلفة حتى يطلع الفجر، فيصلي الصبح، والسنة أن يعجلها في ~~أول وقتها، ليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام. # وفي حديث جابر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح ms1603 حين تبين له ~~الصبح» . وفي حديث ابن مسعود، «أنه صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: قد ~~طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع. ثم قال في آخر الحديث: رأيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يفعله» . رواه البخاري. نحو هذا. ثم إذا صلى الفجر، وقف ~~عند المشعر الحرام، وهو قزح، فيرقى عليه إن أمكنه، وإلا وقف عنده، فذكر ~~الله تعالى، ودعاه واجتهد، قال الله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا ~~الله عند المشعر الحرام} [البقرة: 198] . # وفي حديث جابر. «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى المشعر الحرام، ~~فرقى عليه، فدعا الله وهلله وكبره ووحده. ويستحب أن يكون من دعائه: اللهم ~~كما وقفتنا فيه، وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك، كما هديتنا، واغفر لنا، ~~وارحمنا، كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين} ~~[البقرة: 198] {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم} [البقرة: 199] . ويقف حتى يسفر جدا» ؛ لما في حديث جابر؛ «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يزل واقفا حتى أسفر جدا» . # (2525) فصل: وللمزدلفة ثلاثة أسماء: مزدلفة، وجمع، والمشعر الحرام. وحدها ~~من مأزمي عرفة إلى قرن محسر، وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، ففي أي ~~موضع وقف منها أجزأه؛ لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «المزدلفة موقف» ~~. رواه أبو داود، وابن ماجه. # وعن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وقفت هاهنا بجمع، ~~وجمع كلها موقف» . وليس وادي محسر من مزدلفة؛ لقوله: «وارفعوا عن بطن ~~محسر.» ### | [فصل المبيت بمزدلفة واجب ومن تركه فعليه دم] # (2526) فصل: والمبيت بمزدلفة واجب، من تركه فعليه دم. هذا قول عطاء، ~~والزهري، وقتادة، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وقال ~~علقمة، والنخعي، والشعبي: من فاته جمع فاته الحج؛ لقول الله تعالى: {فإذا ~~أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} [البقرة: 198] . وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، ~~وقد ms1604 وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» . # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحج عرفة، فمن جاء قبل ليلة ~~جمع فقد تم حجه» . يعني من جاء عرفة. وما احتجوا به من الآية والخبر، ~~فالمنطوق به فيهما ليس بركن في الحج إجماعا، فإنه لو # PageV03P376 # بات بجمع، ولم يذكر الله تعالى، ولم يشهد الصلاة فيها، صح حجه، فما هو من ~~ضرورة ذلك أولى، ولأن المبيت ليس من ضرورة ذكر الله تعالى بها، وكذلك شهود ~~صلاة الفجر، فإنه لو أفاض من عرفة في آخر ليلة النحر، أمكنه ذلك، فيتعين ~~حمل ذلك على مجرد الإيجاب، أو الفضيلة أو الاستحباب. # (2527) فصل: ومن بات بمزدلفة، لم يجز له الدفع قبل نصف الليل، فإن دفع ~~بعده، فلا شيء عليه. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: إن مر بها ولم ينزل، ~~فعليه دم، فإن نزل، فلا دم عليه متى ما شاء دفع. # ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بات بها، وقال: خذوا عني ~~مناسككم» . وإنما أبيح الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه، فروى ~~ابن عباس، قال: كنت في من قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ضعفة أهله ~~من مزدلفة إلى منى. وعن أسماء، أنها نزلت ليلة جمع عند دار المزدلفة، فقامت ~~تصلي، فصلت، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا. فارتحلنا، ~~ومضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، قلت لها: أي هنتاه، ~~ما أرانا إلا غلسنا. قالت: كلا يا بني، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أذن للظعن. متفق عليهما. # وعن عائشة قالت: «أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأم سلمة ليلة ~~النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت» . رواه أبو داود. فمن دفع من ~~جمع قبل نصف الليل، ولم يعد في الليل، فعليه دم، وإن عاد فيه، فلا دم عليه، ~~كالذي دفع من عرفة نهارا. ومن لم يوافق مزدلفة إلا في النصف الأخير من ~~الليل، فلا شيء عليه؛ لأنه ms1605 لم يدرك جزءا من النصف الأول، فلم يتعلق به ~~حكمه، كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار. والمستحب الاقتداء برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في المبيت إلى أن يصبح، ثم يقف حتى يسفر. ولا بأس ~~بتقديم الضعفة والنساء، وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف، ~~وعائشة. # وبه قال عطاء، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه ~~مخالفا، ولأن فيه رفقا بهم، ودفعا لمشقة الزحام عنهم، واقتداء بفعل نبيهم - ~~صلى الله عليه وسلم -. ### | [مسألة السنة الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس] # (2528) مسألة: قال: (ثم يدفع قبل طلوع الشمس) لا نعلم خلافا في أن السنة ~~الدفع قبل طلوع الشمس وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله. # PageV03P377 # قال عمر: «إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس. ويقولون: أشرق ~~ثبير، كيما نغير. وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالفهم، فأفاض قبل ~~أن تطلع الشمس» . رواه البخاري. والسنة أن يقف حتى يسفر جدا. وبهذا قال ~~الشافعي، وأصحاب الرأي. وكان مالك يرى الدفع قبل الإسفار. # ولنا، ما روى جابر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل واقفا حتى ~~أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس» . وعن نافع، أن ابن الزبير أخر في الوقت ~~حتى كادت الشمس تطلع، فقال له ابن عمر: إني أراه يريد أن يصنع كما صنع أهل ~~الجاهلية، فدفع ودفع الناس معه. وكان ابن مسعود يدفع كانصراف القوم ~~المسفرين من صلاة الغداة. وانصرف ابن عمر حين أسفر وأبصرت الإبل موضع ~~أخفافها. ويستحب أن يسير وعليه السكينة، كما ذكرنا في سيره من عرفات. # قال ابن عباس: ثم أردف النبي - صلى الله عليه وسلم - الفضل بن عباس، ~~«وقال: يا أيها الناس، إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة. ~~فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى.» ### | [مسألة يستحب الإسراع في وادي محسر] # (2529) مسألة: قال: (فإذا بلغ محسرا أسرع، ولم يقف حتى يأتي منى، وهو مع ~~ذلك ملب) يستحب الإسراع في وادي محسر، وهو ما بين جمع ومنى، ms1606 فإن كان ماشيا ~~أسرع، وإن كان راكبا حرك دابته؛ لأن جابرا قال في صفة حج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إنه لما أتى بطن محسر حرك قليلا» . ويروى أن عمر - رضي الله ~~عنه -، لما أتى محسر أسرع، وقال: # إليك تعدو قلقا وضينها ... مخالفا دين النصارى دينها # معترضا في بطنها جنينها # وذلك قدر رمية بحجر، ويكون ملبيا في طريقه، فإن الفضل بن عباس كان رديف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ، وروى «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» متفق عليه. # وفي لفظ عنه، «قال: شهدت الإفاضتين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعليه السكينة، وهو كاف بعيره، ولبى حتى رمى جمرة العقبة» . وعن الأسود، ~~قال: أفاض عمر عشية عرفة، وهو يلبي بثلاث: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك ~~لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك. ولأن التلبية # PageV03P378 # من شعار الحج، فلا يقطع إلا بالشروع في الإحلال، وأوله رمي جمرة العقبة. ### | [مسألة يأخذ حصى الجمار من طريقه أو من مزدلفة] # (2530) مسألة: قال: (ويأخذ حصى الجمار من طريقه، أو من مزدلفة) إنما ~~استحب ذلك لئلا يشتغل عند قدومه بشيء قبل الرمي، فإن الرمي تحية له، كما أن ~~الطواف تحية المسجد، فلا يبدأ بشيء قبله. وكان ابن عمر يأخذ الحصى من جمع، ~~وفعله سعيد بن جبير، وقال: كانوا يتزودون الحصى من جمع. واستحبه الشافعي. # وعن أحمد، قال: خذ الحصى من حيث شئت. وهو قول عطاء، وابن المنذر. وهو ~~أصح، إن شاء الله تعالى؛ لأن ابن عباس قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - غداة العقبة، وهو على ناقته: القط لي حصى. فلقطت له سبع حصيات من ~~حصى الخذف، فجعل يقبضهن في كفه، ويقول: أمثال هؤلاء فارموا» . «ثم قال: ~~أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في ~~الدين» . رواه ابن ماجه. وكان ذلك بمنى، ولا خلاف في أنه يجزئه أخذه من حيث ~~كان، والتقاط الحصى أولى من تكسيره؛ لهذا الخبر، ولأنه ms1607 لا يؤمن في التكسير ~~أن يطير إلى وجهه شيء يؤذيه. # ويستحب أن تكون الحصيات كحصى الخذف؛ لهذا الخبر، ولقول جابر في حديثه: كل ~~حصاة منها مثل حصى الخذف. وروى سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أمه، قالت: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أيها الناس، إذا رأيتم الجمرة ~~فارموا بمثل حصى الخذف» . رواه أبو داود. قال الأثرم: يكون أكبر من الحمص ~~ودون البندق. وكان ابن عمر يرمي بمثل بعر الغنم. فإن رمى بحجر كبير، فقد ~~روي عن أحمد أنه قال: لا يجزئه حتى يأتي بالحصى على ما فعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بهذا القدر، ~~ونهى عن تجاوزه، والأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأن ~~الرمي بالكبير ربما آذى من يصيبه. # وقال بعض أصحابنا: يجزئه مع تركه للسنة؛ لأنه قد رمى بالحجر، وكذلك الحكم ~~في الصغير. ### | [فصل يجزئ الرامي بكل ما يسمى حصى] # (2531) فصل: ويجزئ الرامي بكل ما يسمى حصى، وهي الحجارة الصغار، سواء كان ~~أسود أو أبيض أو أحمر، من المرمر، أو البرام، أو المرو، وهو الصوان، أو ~~الرخام، أو الكذان، أو حجر المسن. وهو قول مالك، والشافعي. # وقال القاضي: لا يجزئ الرخام ولا البرام والكذان. ويقتضي قوله، أن لا ~~يجزئ المرو ولا حجر المسن. وقال أبو حنيفة: يجوز بالطين والمدر، وما كان # PageV03P379 # من جنس الأرض. ونحوه قال الثوري. وروي عن سكينة بنت الحسين، أنها رمت ~~الجمرة ورجل يناولها الحصى، تكبر مع كل حصاة، وسقطت حصاة فرمت بخاتمها. # ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى بالحصى، وأمر بالرمي بمثل ~~حصى الخذف» ، فلا يتناول غير الحصى، ويتناول جميع أنواعه، فلا يجوز تخصيصه ~~بغير دليل، ولا إلحاق غيره به؛ لأنه موضع لا يدخل القياس فيه. (2532) فصل: ~~وإن رمى بحجر أخذ من المرمي لم يجزه. وقال الشافعي: يجزئه؛ لأنه حصى، فيدخل ~~في العموم. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ من غير المرمي. وقال: «خذوا ~~عني مناسككم» . ولأنه ms1608 لو جاز الرمي بما رمي به، لما احتاج أحد إلى أخذ ~~الحصى من غير مكانه، ولا تكسيره، والإجماع على خلافه، ولأن ابن عباس، قال: ~~ما يقبل منها يرفع. وإن رمى بخاتم فضة حجرا، لم يجزه، في أحد الوجهين؛ لأنه ~~تبع، والرمي بالمتبوع لا بالتابع. ### | [مسألة الاستحباب أن يغسل حصى الرمي] # (2533) مسألة: قال: (والاستحباب أن يغسله) اختلف عن أحمد في ذلك، فروي ~~عنه أنه مستحب؛ لأنه روي عن ابن عمر أنه غسله، وكان طاوس يفعله، وكان ابن ~~عمر يتحرى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وعن أحمد: أنه لا يستحب. وقال: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فعله. وهذا الصحيح. وهو قول عطاء، ومالك، وكثير من أهل العلم، فإن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لما لقطت له الحصيات، وهو راكب على بعيره، يقبضهن ~~في يده، لم يغسلهن، ولا أمر بغسلهن، ولا فيه معنى يقتضيه. فإن رمى بحجر نجس ~~أجزأه؛ لأنه حصاة. ويحتمل أن لا يجزئه؛ لأنه يؤدي به العبادة، فاعتبرت ~~طهارته، كحجر الاستجمار وتراب التيمم. # وإن غسله، ورمى به، أجزأه، وجها واحدا. وعدد الحصى سبعون حصاة، يرمي منها ~~بسبع في يوم النحر، وسائرها في أيام منى، والله أعلم. ### | [مسألة جمرة العقبة] # (2534) مسألة: قال: (فإذا وصل إلى منى، رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، يكبر ~~في إثر كل حصاة، ولا يقف عندها) حد منى ما بين جمرة العقبة ووادي محسر، ~~كذلك قال عطاء، والشافعي. وليس محسر والعقبة من منى. ويستحب سلوك الطريق ~~الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سلكها. كذا في حديث جابر. فإذا وصل منى بدأ بجمرة العقبة، وهي آخر الجمرات ~~مما يلي منى، وأولها مما يلي مكة، وهي عند العقبة، وكذلك سميت جمرة العقبة ~~فيرميها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويستبطن الوادي، ويستقبل القبلة، ثم ~~ينصرف ولا يقف. وهذا بجملته قول من علمنا قوله # PageV03P380 # من أهل العلم. # وإن رماها من فوقها جاز؛ لأن عمر - رضي الله عنه - جاء والزحام عند ~~الجمرة، فصعد ms1609 فرماها من فوقها. والأول أفضل؛ لما روى عبد الرحمن بن يزيد، ~~أنه مشى مع «عبد الله، وهو يرمي الجمرة، فلما كان في بطن الوادي أعرضها ~~فرماها، فقيل، له: إن ناسا يرمونها من فوقها. فقال: من هاهنا، والذي لا إله ~~إلا هو، رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة رماها» . متفق عليه. # وفي لفظ: «لما أتى عبد الله جمرة العقبة، استبطن الوادي، واستقبل القبلة، ~~وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن، ثم رمى بسبع حصيات، ثم قال: والله الذي ~~لا إله غيره، من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة» . قال الترمذي: ~~وهذا حديث صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. ولا يسن الوقوف عندها؛ ~~لأن ابن عمر، وابن عباس، رويا «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا رمى جمرة العقبة، انصرف ولم يقف» . رواه ابن ماجه. ويكبر مع كل حصاة؛ ~~لأن جابرا قال: فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة. وإن قال: اللهم اجعله ~~حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وعملا مشكورا. # فحسن؛ فإن ابن مسعود وابن عمر كانا يقولان نحو ذلك. وروى حنبل، في ~~(المناسك) ، بإسناده عن زيد بن أسلم، قال: رأيت سالم بن عبد الله استبطن ~~الوادي، ورمى الجمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة: الله أكبر الله أكبر. ثم ~~قال: اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وعملا مشكورا. فسألته عما صنع؟ ~~فقال: حدثني أبي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى الجمرة من هذا ~~المكان، ويقول كلما رمى حصاة مثلما قلت» . وقال إبراهيم النخعي: كانوا ~~يحبون ذلك. # (2535) فصل: ويرميها راكبا أو راجلا كيفما شاء؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رماها على راحلته. رواه جابر، وابن عمر، وأم أبي الأحوص، ~~وغيرهم. قال جابر: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمي على راحلته يوم ~~النحر، ويقول: لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي ~~هذه.» رواه مسلم. # وقال نافع: كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر. وكان لا ~~يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا، ms1610 ذاهبا وراجعا. وزعم أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان لا يأتيها إلا ماشيا، ذاهبا وراجعا. رواه أحمد، في ~~(المسند) . # وفي هذا بيان للتفريق بين هذه الجمرة وغيرها. ولأن رمي هذه الجمرة مما ~~يستحب البداية به في هذا اليوم عند قدومه، ولا يسن عندها وقوف، ولو سن له ~~المشي إليها لشغله النزول عن البداية بها، والتعجيل إليها، بخلاف سائرها. ### | [فصل لرمي جمرة العقبة وقتان وقت فضيلة ووقت إجزاء] # (2536) فصل: ولرمي هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء، فأما وقت ~~الفضيلة فبعد طلوع الشمس. # PageV03P381 # قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين على أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما رماها ضحى ذلك اليوم. وقال جابر: «رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس» ~~. أخرجه مسلم. وقال ابن عباس: «قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع، فجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: ~~أبني، عبد المطلب لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» . رواه ابن ماجه. وكان ~~رميها بعد طلوع الشمس يجزئ بالإجماع، وكان أولى. وأما وقت الجواز، فأوله ~~نصف الليل من ليلة النحر. وبذلك قال عطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد، ~~والشافعي. وعن أحمد أنه يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس. وهو قول مالك، ~~وأصحاب الرأي وإسحاق، وابن المنذر. وقال مجاهد، والثوري، والنخعي: لا ~~يرميها إلا بعد طلوع الشمس؛ لما روينا من الحديث. ولنا، ما روى أبو داود، ~~عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أمر أم سلمة ~~ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت. وروي أنه أمرها أن ~~تعجل الإفاضة، وتوافي مكة بعد صلاة الصبح» . واحتج به أحمد. وقد ذكرنا في ~~حديث أسماء، أنها رمت، ثم رجعت، فصلت الصبح، وذكرت أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أذن للظعن، ولأنه وقت للدفع من مزدلفة، فكان وقتا للرمي، كبعد ~~طلوع الشمس، والأخبار المتقدمة محمولة على الاستحباب، ms1611 وإن أخر الرمي إلى ~~آخر النهار، جاز. قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم، على أن من رماها يوم ~~النحر قبل المغيب، فقد رماها في وقت لها، وإن لم يكن مستحبا لها. وروى ابن ~~عباس. قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل يوم النحر بمنى، قال ~~رجل: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: لا حرج» . رواه البخاري. فإن أخرها إلى ~~الليل، لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد. وبهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق وقال ~~الشافعي، ومحمد بن المنذر، ويعقوب: يرمي ليلا؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ارم، ولا حرج» . ولنا، أن ابن عمر، قال: من فاته الرمي حتى تغيب ~~الشمس، فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ارم، ولا حرج» . إنما كان في النهار؛ لأنه سأله في يوم النحر، ولا يكون ~~اليوم إلا قبل مغيب الشمس. وقال مالك: يرمي ليلا وعليه دم. ومرة قال: لا دم ~~عليه. ### | [فصل لا يجزئه الرمي إلا أن يقع الحصى في المرمي] # (2537) فصل: ولا يجزئه الرمي إلا أن يقع الحصى في المرمى، فإن وقع دونه، ~~لم يجزئه. في قولهم جميعا؛ لأنه مأمور بالرمي ولم يرم. وإن طرحها طرحا؛ ~~أجزأه؛ لأنه يسمى رميا. وهذا قول أصحاب الرأي وقال ابن # PageV03P382 # القاسم: لا يجزئه. وإن رمى حصاة، فوقعت في غير المرمى، فأطارت حصاة أخرى، ~~فوقعت في المرمى، لم يجزه؛ لأن التي رماها لم تقع في المرمى. وإن رمى حصاة، ~~فالتقمها طائر قبل وصولها، لم يجزه؛ لأنها لم تقع في المرمى. # وإن وقعت على موضع صلب في غير المرمى، ثم تدحرجت على المرمى، أو على ثوب ~~إنسان، ثم طارت فوقعت في المرمى، أجزأته، لأن حصوله بفعله. وإن نفضها ذلك ~~الإنسان عن ثوبه، فوقعت في المرمى، فعن أحمد، - رحمه الله -، أنها تجزئه؛ ~~لأنه انفرد برميها. وقال ابن عقيل: لا يجزئه؛ لأن حصولها في المرمى بفعل ~~الثاني، فأشبه ما لو أخذها بيده فرمى بها. وإن رمى حصاة، فشك: هل وقعت في ~~المرمى أو لا؟ لم ms1612 يجزئه؛ لأن الأصل بقاء الرمي في ذمته، فلا يزول بالشك. ~~وإن كان الظاهر أنها وقعت فيه، أجزأته؛ لأن الظاهر دليل. وإن رمى الحصيات ~~دفعة واحدة، لم يجزه إلا عن واحدة. # نص عليه أحمد. وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال عطاء: يجزئه، ~~ويكبر لكل حصاة. ولنا، أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى سبع رميات، ~~وقال: خذوا عني مناسككم» . قال بعض أصحابنا: ويستحب أن يرفع يديه في الرمي ~~حتى يرى بياض إبطه. ### | [مسألة قطع التلبية عند ابتداء الرمي لجمرة العقبة] # (2538) مسألة: قال: (ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي) وممن قال: يلبي حتى ~~يرمي الجمرة. ابن مسعود، وابن عباس، وميمونة. وبه قال عطاء، وطاوس، وسعيد ~~بن جبير، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وروي عن سعد بن أبي ~~وقاص، وعائشة: يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف. وعن علي، وأم سلمة، أنهما ~~كانا يلبيان حتى تزول الشمس من يوم عرفة. وهذا قريب من قول سعد، وعائشة. ~~وكان الحسن يقول: يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة. وقال مالك: يقطع التلبية ~~إذا راح إلى المسجد. ولنا، أن الفضل بن عباس # روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. ~~وكان رديفه يومئذ، وهو أعلم بحاله من غيره» ، وقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وفعله مقدم على كل من خالفه. واستحب قطع التلبية عند أول حصاة؛ ~~للخبر، وفي بعض ألفاظه: حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة. رواه حنبل، ~~في (المناسك) وهذا بيان يتعين الأخذ به. وفي رواية من روى أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يكبر مع كل حصاة دليل على أنه لم يكن يلبي، ولأنه ~~يتحلل بالرمي، فإذا شرع فيه قطع التلبية، كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في ~~الطواف. ### | [مسألة إذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر] # (2539) مسألة: قال: (ثم ينحر، إن كان معه هدي) وجملة ذلك أنه إذا فرغ من ~~رمي الجمرة يوم النحر، لم يقف، وانصرف، فأول شيء يبدأ به نحر الهدي، إن كان ~~معه هدي، واجبا ms1613 أو تطوعا. فإن لم يكن معه هدي، وعليه هدي، واجب، اشتراه، ~~وإن لم يكن عليه واجب، فأحب أن يضحي، اشترى ما يضحي به، وينحر الإبل، ويذبح ~~ما سواها. والمستحب أن يتولى ذلك بيده، وإن استناب غيره جاز. # هذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، # PageV03P383 # وأصحاب الرأي. وذلك لما روى جابر في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«أنه رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم ~~أعطى عليا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه» . وقال أنس: «نحر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بيده سبع بدنات قياما» . رواه البخاري. ### | [فصل السنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى] # (2540) فصل: والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فيضربها بالحربة ~~في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر. وممن استحب ذلك مالك، والشافعي، ~~وإسحاق، وابن المنذر. واستحب عطاء نحرها باركة. وجوز الثوري وأصحاب الرأي ~~كل ذلك. ولنا، ما روى دينار بن جبير، قال: «رأيت ابن عمر أتى على رجل أناخ ~~بدنته لينحرها، فقال: ابعثها قياما مقيدة، سنة محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-» . متفق عليه. وروى أبو داود، بإسناده، عن عبد الرحمن بن سابط، «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة ~~على ما بقي من قوائمها» . # وفي قول الله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} [الحج: 36] . دليل على أنها تنحر ~~قائمة. ويروى في تفسير قوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} [الحج: ~~36] . أي قياما. وتجزئه كيفما نحر. قال أحمد: ينحر البدن معقولة على ثلاث ~~قوائم، وإن خشي عليها أن تنفر أناخها. ### | [فصل يستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة] # (2541) فصل: ويستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة، ويقول: بسم الله والله ~~أكبر. وإن قال ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فحسن. قال ابن ~~المنذر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ذبح يقول: بسم ~~الله والله أكبر. وكذلك يقول ابن عمر. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «ذبح يوم العيد كبشين، ثم قال حين وجههما: ms1614 وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. بسم الله والله أكبر، ~~اللهم منك ولك، عن محمد وأمته» . رواه أبو داود. وإن اقتصر على التسمية، ~~ووجه الذبيحة إلى غير القبلة، ترك الأفضل، وأجزأه. هذا قول القاسم بن محمد، ~~والنخعي، والثوري، والشافعي، وابن المنذر. وكان ابن عمر، وابن سيرين يكرهان ~~الأكل من الذبيحة توجه لغير القبلة. والصحيح أن ذلك غير واجب، ولم يقم على ~~وجوبه دليل. ### | [فصل وقت نحر الأضحية والهدي] # (2542) فصل: ووقت نحر الأضحية والهدي ثلاثة أيام: يوم النحر، ويومان ~~بعده، نص عليه أحمد، وقال: هو عن غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. ورواه الأثرم، عن ابن عمر، وابن عباس. # PageV03P384 # وبه قال مالك، والثوري. ويروى عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: أيام ~~النحر يوم الضحى، وثلاثة أيام بعده. وبه قال الحسن، وعطاء، والأوزاعي، ~~والشافعي، وابن المنذر. وقال ابن سيرين: يوم واحد. وعن سعيد بن جبير، وجابر ~~بن زيد: في الأمصار يوم واحد، وبمنى ثلاثة. # ولنا «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الأكل من النسك فوق ~~ثلاث» ، وغير جائز أن يكون الذبح مشروعا في وقت يحرم فيه الأكل، ثم نسخ ~~تحريم الأكل، وبقي وقت الذبح بحاله. ولأن اليوم الرابع لا يجب فيه الرمي، ~~فلم يجز فيه الذبح، كالذي بعده، فأما الليالي المتخللة لأيام النحر، فظاهر ~~كلام الخرقي أنه لا يجزئ فيها ذبح الهدي والأضحية؛ لأن الله تعالى قال ~~{ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: ~~28] . فذكر الأيام دون الليالي. وقال غيره من أصحابنا: يجوز ليلتي يومي ~~التشريق الأولتين. وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن هاتين الليلتين داخلتان في ~~مدة الذبح، فجاز الذبح فيهما كالأيام. ### | [فصل إذا نحر الهدي فرقه على المساكين من أهل الحرم] # (2543) فصل: وإذا نحر الهدي، فرقه على المساكين من أهل الحرم، وهو من كان ~~في الحرم. فإن ms1615 أطلقها لهم جاز، كما روى أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- نحر خمس بدنات، ثم قال: «من شاء فليقتطع» . رواه أبو داود. وإن قسمها فهو ~~أحسن وأفضل، ولا يعطي الجازر بأجرته شيئا منها؛ لما روي عن علي - رضي الله ~~عنه - قال: «أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أقوم على بدنه، وأن ~~أقسم بدنه كلها، جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئا، وقال: نحن ~~نعطيه من عندنا» متفق على معناه. ولأنه بقسمها يكون على يقين من إيصالها ~~إلى مستحقها، ويكفي المساكين مؤنة النهب والزحام عليها. وإنما لم يعط ~~الجازر بأجرته منها؛ لأنه ذبحها، فعوضه عليه دون المساكين، ولأن دفع جزء ~~منها عوضا عن الجزارة كبيعه، ولا يجوز بيع شيء منها، وإن كان الجازر فقيرا، ~~فأعطاه لفقره سوى ما يعطيه أجره، جاز؛ لأنه مستحق الأخذ منها لفقره، لا ~~لأجره، فجاز كغيره، ويقسم جلودها وجلالها، كما جاء في الخبر؛ لأنه ساقها ~~لله على تلك الصفة؛ فلا يأخذ شيئا مما جعله، لله. # وقال بعض أصحابنا: لا يلزمه إعطاء جلالها؛ لأنه إنما أهدى الحيوان دون ما ~~عليه (2544) فصل: والسنة النحر بمنى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر ~~بها، وحيث نحر من الحرم أجزأه؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل ~~منى منحر، وكل فجاج مكة منحر وطريق» . رواه أبو داود. # PageV03P385 # (2545) فصل: وليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرم، ولا أن يقفه ~~بعرفة، لكن يستحب ذلك. روي هذا عن ابن عباس، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. وكان ابن عمر لا يرى الهدي إلا ما عرف به، ونحوه عن سعيد بن ~~جبير. وقال مالك: أحب للقارن أن يسوق هديه من حيث يحرم، فإن ابتاعه من دون ~~ذلك، مما يلي مكة بعد أن يقفه بعرفة، جاز. وقال في هدي المجامع: إن لم يكن ~~ساقه، فليشتره من مكة، ثم ليخرجه إلى الحل، وليسقه إلى مكة. ولنا، أن ~~المراد من الهدي نحره، ونفع المساكين بلحمه، بهذا لا يقف على شيء ms1616 مما ~~ذكروه، ولم يرد بما قالوه دليل يوجبه، فيبقى على أصله. ### | [مسألة إذا نحر هديه حلق رأسه أو قصر منه] # (2546) مسألة: قال: (ويحلق أو يقصر) وجملة ذلك أنه إذا نحر هديه، فإنه ~~يحلق رأسه، أو يقصر منه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق رأسه. فروى ~~أنس «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمى جمرة العقبة يوم النحر، ثم ~~رجع إلى منزله بمنى فدعا فذبح، ثم دعا بالحلاق، فأخذ بشق رأسه الأيمن ~~فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر ~~فحلقه، ثم قال: هاهنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة.» رواه أبو داود. # والسنة أن يبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر؛ لهذا الخبر، ولأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه التيامن في شأنه كله. فإن لم يفعل، أجزأه. ~~لا نعلم فيه خلافا. وهو مخير بين الحلق والتقصير. أيهما فعل أجزأه، في قول ~~أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ. يعني ~~في حق من لم يوجد منه معنى يقتضي وجوب الحلق عليه. إلا أنه يروى عن الحسن، ~~أنه كان يوجب الحلق في أول حجة حجها. ولا يصح هذا؛ لأن الله تعالى قال: ~~{محلقين رءوسكم ومقصرين} [الفتح: 27] . ولم يفرق النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: (رحم الله المحلقين والمقصرين) . وقد كان مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من قصر، فلم يعب عليه، ولو لم يكن مجزيا لأنكر عليه، والحلق ~~أفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رحم الله المحلقين. قالوا: ~~يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا ~~رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين والمقصرين» . رواه مسلم. ولأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - حلق. واختلف أهل العلم في من لبد، أو عقص، أو ضفر. ~~فقال أحمد: من فعل ذلك فليحلق. وهو قول النخعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق. ~~وكان ابن عباس يقول: من لبد، أو ضفر، أو عقد، # PageV03P386 # أو فتل، أو عقص، فهو على ما نوى. يعني ms1617 إن نوى الحلق فليحلق، وإلا فلا ~~يلزمه. وقال أصحاب الرأي: هو مخير على كل حال؛ لأن ما ذكرناه يقتضي التخيير ~~على العموم، ولم يثبت في خلاف ذلك دليل. # واحتج من نصر القول الأول، بأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «من لبد فليحلق» . وثبت عن عمر وابنه أنهما أمرا من لبد رأسه أن ~~يحلقه. وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبد رأسه وأنه حلقه. والصحيح ~~أنه مخير، إلا أن يثبت الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقول عمر ~~وابنه قد خالفهما فيه ابن عباس، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - له لا ~~يدل على وجوبه، بعدما بين لهم جواز الأمرين. ### | [فصل الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة] # (2547) فصل: والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة، في ظاهر مذهب أحمد، ~~وقول الخرقي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي. وعن أحمد أنه ليس بنسك، ~~وإنما هو إطلاق من محظور كان محرما عليه بالإحرام، فأطلق فيه عند الحل، ~~كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام. # فعلى هذه الرواية لا شيء على تاركه، ويحصل الحل بدونه. ووجهها أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أمر بالحل من العمرة قبله، فروى «أبو موسى، قال: قدمت ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: بم أهللت؟ . قلت: لبيك ~~بإهلال كإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: أحسنت. فأمرني فطفت ~~بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم قال لي: أحل» . متفق عليه. وعن جابر، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سعى بين الصفا والمروة، قال: من كان منكم ~~ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة» رواه مسلم. وعن سراقة، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا قدمتم فمن تطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ~~فقد حل، إلا من كان معه هدي» . رواه أبو إسحاق الجوزجاني، في (المترجم) . ~~ولأن ما كان محرما في الإحرام، إذا أبيح، كان إطلاقا من محظور، كسائر ~~محرماته، والرواية الأولى أصح، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به، ~~فروى ابن عمر، أن ms1618 النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لم يكن معه هدي، ~~فليطف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وليقصر، وليحلل» . وعن جابر، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا ~~والمروة، وقصروا» . وأمره يقتضي الوجوب. ولأن الله تعالى وصفهم به، بقوله ~~سبحانه: {محلقين رءوسكم ومقصرين} [الفتح: 27] . ولو لم يكن من المناسك لما ~~وصفهم به، كاللبس وقتل الصيد، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترحم على ~~المحلقين ثلاثا، وعلى المقصرين مرة، ولو لم يكن من المناسك، لما دخله ~~التفضيل، كالمباحات، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فعلوه في ~~جميع حجهم وعمرهم، ولم يخلوا به، ولو لم يكن نسكا لما داوموا عليه، بل لم ~~يفعلوه إلا نادرا، لأنه لم يكن من عادتهم، # PageV03P387 # فيفعلوه عادة، ولا فيه فضل، فيفعلوه لفضله. وأما أمره بالحل، فإنما معناه ~~- والله أعلم - الحل بفعله؛ لأن ذلك كان مشهورا عندهم، فاستغني عن ذكره، ~~ولا يمتنع الحل من العبادة بما كان محرما فيها، كالسلام من الصلاة. ### | [فصل تأخير الحلق والتقصير إلى آخر النحر] # (2548) فصل: ويجوز تأخير الحلق والتقصير إلى آخر النحر؛ لأنه إذا جاز ~~تأخير النحر المقدم عليه، فتأخيره أولى، فإن أخره عن ذلك، ففيه روايتان: ~~إحداهما، لا دم عليه. وبه قال عطاء، وأبو يوسف، وأبو ثور. ويشبه مذهب ~~الشافعي؛ لأن الله تعالى بين أول وقته بقوله: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله} [البقرة: 196] . ولم يتبين آخره، فمتى أتى به أجزأه، كطواف ~~الزيارة والسعي. ولأنه نسك أخره إلى وقت جواز فعله، فأشبه السعي. وعن أحمد: ~~عليه دم بتأخيره. # وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه نسك أخره، عن محله، ومن ترك نسكا فعليه دم. ولا ~~فرق في التأخير بين القليل والكثير، والعامد والساهي. وقال مالك، والثوري، ~~وإسحاق، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: من تركه حتى حل فعليه دم؛ لأنه نسك ~~فيأتي به في إحرام الحج، كسائر مناسكه. ولنا، ما تقدم. ### | [فصل الأصلع الذي لا شعر على له يمر الموسى على رأسه عند التحلل من إحرامه] # (2549) فصل: ms1619 والأصلع الذي لا شعر على رأسه، يستحب أن يمر الموسى على ~~رأسه. روي ذلك عن ابن عمر. وبه قال مسروق، وسعيد بن جبير، والنخعي، ومالك، ~~والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن الأصلع يمر ~~الموسى على رأسه. وليس ذلك واجبا. وقال أبو حنيفة: يجب؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . وهذا لو ~~كان ذا شعر وجب عليه إزالته، وإمرار الموسى على رأسه، فإذا سقط أحدهما ~~لتعذره، وجب الآخر. # ولنا، أن الحلق محله الشعر، فسقط بعدمه، كما يسقط وجوب غسل العضو في ~~الوضوء بفقده. ولأنه إمرار لو فعله في الإحرام لم يجب به دم، فلم يجب عند ~~التحلل، كإمراره على الشعر من غير حلق. ### | [فصل يستحب لمن حلق أو قصر بعد التحلل تقليم أظافره والأخذ من شاربه] # (2550) فصل: ويستحب لمن حلق أو قصر تقليم أظافره، والأخذ من شاربه؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله. قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لما حلق رأسه، قلم أظفاره، وكان ابن عمر يأخذ من ~~شاربه وأظفاره. وكان عطاء، وطاوس، والشافعي، يحبون لو أخذ من لحيته شيئا. ~~ويستحب إذا حلق، أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصدغ من الوجه. كان ابن عمر ~~يقول للحالق: ابلغ # PageV03P388 # العظمات، افصل الرأس من اللحية. وكان عطاء يقول: من السنة، إذا حلق رأسه، ~~أن يبلغ العظمات. ### | [مسألة إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق] # (2551) مسألة: قال: (ثم قد حل له كل شيء إلا النساء) وجملة ذلك أن ~~المحرم، إذا رمى جمرة العقبة، ثم حلق، حل له كل ما كان محظورا بالإحرام، ~~إلا النساء. هذا الصحيح من مذهب أحمد - رحمه الله -. # نص عليه، في رواية جماعة، فيبقى ما كان محرما عليه من النساء، من الوطء، ~~والقبلة، واللمس لشهوة، وعقد النكاح، ويحل له ما سواه. هذا قول ابن الزبير، ~~وعائشة، وعلقمة، وسالم، وطاوس، والنخعي، وعبيد الله بن الحسين، وخارجة ms1620 بن ~~زيد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وروي أيضا عن ابن عباس. وعن أحمد، ~~أنه يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج؛ لأنه أغلظ المحرمات، ويفسد النسك، ~~بخلاف غيره. وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يحل له كل شيء، إلا ~~النساء، والطيب. وروي ذلك عن ابن عمر، وعروة بن الزبير، وعباد بن عبد الله ~~بن الزبير؛ لأنه من دواعي الوطء، فأشبه القبلة. وعن عروة، أنه لا يلبس ~~القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب. # وروي في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث ولنا ما، روت عائشة، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم ~~الطيب، والثياب، وكل شيء، إلا النساء» . رواه سعيد. وفي لفظ: «إذا رمى ~~أحدكم جمرة العقبة، وحلق رأسه، فقد حل له كل شيء، إلا النساء» . رواه ~~الأثرم، وأبو داود، إلا أن أبا داود قال: هو ضعيف، رواه الحجاج، عن الزهري، ~~ولم يلقه. والذي أخرجه سعيد رواه الحجاج، عن أبي بكر بن محمد، عن عروة، عن ~~عائشة، قالت: «طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحرمه حين أحرم، ~~ولحله، قبل أن يطوف بالبيت» . متفق عليه. وعن سالم، عن أبيه، قال: قال عمر ~~بن الخطاب: «إذا رميتم الجمرة، وذبحتم، وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء، إلا ~~الطيب، والنساء. فقالت عائشة - رضي الله عنها -: أنا طيبت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. فسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع» . ~~رواه سعيد. وعن أم سلمة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «يوم ~~النحر: إن هذا يوم رخص لكم فيه إذا أنتم رميتم أن تحلوا. يعني من كل ما ~~حرمتم منه. إلا النساء» . رواه أبو داود. وعن عبد الله بن عباس، أنه: قال ~~«إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء إلا، النساء. فقال له رجل: والطيب؟ ~~قال: أما أنا فقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضمخ رأسه بالمسك، ~~أفطيب ذلك أم لا؟» رواه ابن ماجه. وقال مالك: ms1621 لا يحل له النساء، ولا الطيب، ~~ولا قتل الصيد؛ لقول الله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: ~~95] . وهذا حرام. وقد ذكرنا ما يرد هذا القول، ويمنع أنه محرم، وإنما بقي ~~بعض أحكام الإحرام. # PageV03P389 # (2552) فصل: ظاهر كلام الخرقي هاهنا، أن الحل، إنما يحصل بالرمي والحلق ~~معا. # وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقول الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء، إلا النساء» ~~. وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما، ولأنهما نسكان يتعقبهما الحل، ~~فكان حاصلا بهما، كالطواف والسعي في العمرة. وعن أحمد: إذا رمى الجمرة، فقد ~~حل، وإذا وطئ بعد جمرة العقبة، فعليه دم. ولم يذكر الحلق. وهذا يدل على أن ~~الحل بدون الحلق. وهذا قول عطاء، ومالك، وأبي ثور. وهو الصحيح، إن شاء الله ~~تعالى؛ لقوله في حديث أم سلمة: «إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء، إلا ~~النساء» . وكذلك قال ابن عباس. قال بعض أصحابنا: هذا يبنى على الخلاف في ~~الحلق، هل هو نسك أو لا؟ فإن قلنا: نسك. حصل الحل به، وإلا فلا. ### | [مسألة المرأة المحرمة تقصر من شعرها مقدار الأنملة] # (2553) مسألة: قال: (والمرأة تقصر من شعرها مقدار الأنملة) الأنملة: رأس ~~الإصبع من المفصل الأعلى. والمشروع للمرأة التقصير دون الحلق. لا خلاف في ~~ذلك. قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم. وذلك لأن الحلق في حقهن ~~مثله. وقد روى ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس ~~على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» . رواه أبو داود. وعن علي قال: ~~«نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تحلق المرأة رأسها» . رواه ~~الترمذي. # وكان أحمد يقول: تقصر من كل قرن قدر الأنملة. وهو قول ابن عمر، والشافعي، ~~وإسحاق، وأبي ثور. وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن المرأة تقصر من كل ~~رأسها؟ قال: نعم، تجمع شعرها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطراف شعرها قدر ~~أنملة. والرجل الذي يقصر في ذلك كالمرأة، وقد ms1622 ذكرنا في ذلك خلافا فيما مضى. ### | [مسألة طواف الزيارة] # (2554) مسألة: قال: (ثم يزور البيت، فيطوف به سبعا، وهو الطواف الواجب ~~الذي به تمام الحج، ثم يصلي ركعتين، إن كان مفردا أو قارنا) وجملة ذلك أنه ~~إذا رمى ونحر وحلق، أفاض إلى مكة، فطاف طواف الزيارة؛ لأنه يأتي من منى ~~فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، بل يرجع إلى منى، ويسمى طواف الإفاضة؛ لأنه ~~يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، وهو ركن للحج، لا يتم إلا به. # لا نعلم فيه خلافا. ولأن الله عز وجل قال: {وليطوفوا بالبيت العتيق} ~~[الحج: 29] . قال ابن عبد البر: هو من فرائض الحج، لا خلاف # PageV03P390 # في ذلك بين العلماء، وفيه عند جميعهم قال الله تعالى: {وليطوفوا بالبيت ~~العتيق} [الحج: 29] . وعن عائشة، قالت: «حججنا مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله، إنها حائض، قال: أحابستنا ~~هي؟ قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: اخرجوا» متفق ~~عليه. فدل على أن هذا الطواف لا بد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به. ولأن ~~الحج أحد النسكين، فكان الطواف ركنا كالعمرة. ### | [فصل لطواف الزيارة وقتان وقت فضيلة ووقت إجزاء] # (2555) فصل: ولهذا الطواف وقتان، وقت فضيلة، ووقت إجزاء؛ فأما وقت ~~الفضيلة فيوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق؛ لقول جابر في صفة حج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم النحر: فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر. وفي ~~حديث عائشة، الذي ذكرت فيه حيض صفية، قالت: فأفضنا يوم النحر. وقال ابن ~~عمر: أفاض النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر، ثم رجع، فصلى الظهر. ~~متفق عليهما. فإن أخره إلى الليل، فلا بأس، فإن ابن عباس، وعائشة، رويا: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر طواف الزيارة إلى الليل. رواهما أبو ~~داود، والترمذي. وقال في كل واحد منهما: حديث حسن. # وأما وقت الجواز، فأوله من نصف الليل من ليلة النحر. ms1623 وبهذا قال الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: أوله طلوع الفجر من يوم النحر، وآخره آخر أيام النحر. وهذا ~~مبني على أول وقت الرمي؛ وقد مضى الكلام فيه. وأما آخر وقته فاحتج بأنه نسك ~~يفعل في الحج، فكان آخره محدودا، كالوقوف والرمي. والصحيح أن آخر وقته غير ~~محدود؛ فإنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم، فيقول: ~~إنه طاف فيما بعد أيام النحر طوافا صحيحا، فلم يلزمه دم، كما لو طاف أيام ~~النحر، فأما الوقوف والرمي، فإنهما لما كانا موقتين، كان لهما وقت يفوتان ~~بفواته، وليس كذلك الطواف، فإنه متى أتى به صح. ### | [فصل صفة طواف الزيارة] # (2556) فصل: وصفة هذا الطواف كصفة طواف القدوم، سوى أنه ينوي به طواف ~~الزيارة، ويعينه بالنية. ولا رمل فيه، ولا اضطباع. قال ابن عباس: إن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه» . والنية شرط في ~~هذا الطواف. وهذا قول إسحاق، وابن القاسم صاحب مالك، وابن المنذر. وقال ~~الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي: يجزئه، وإن لم ينو الفرض الذي عليه. ولنا ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ~~ما نوى» . ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه صلاة، والصلاة لا تصح ~~إلا بالنيات اتفاقا. # PageV03P391 ### | [مسألة إذا طاف للزيارة بعد الرمي والنحر والحلق] # (2557) مسألة: قال: (ثم قد حل من كل شيء) يعني إذا طاف للزيارة بعد الرمي ~~والنحر والحلق، حل له كل شيء حرمه الإحرام. وقد ذكرنا أنه لم يكن بقي عليه ~~من المحظورات سوى النساء، فهذا الطواف حلل له النساء. قال ابن عمر: «لم يحل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من شيء حرم منه، حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم ~~النحر، فأفاض بالبيت، ثم حل من كل شيء حرمه» . # وعن عائشة مثله. متفق عليهما. ولا نعلم خلافا في حصول الحل بطواف ~~الزيارة، على الترتيب الذي ذكر الخرقي، وأنه كان قد سعى مع طواف القدوم، ~~وإن لم يكن سعى لم يحل حتى يسعى، إن قلنا: ms1624 إن السعي ركن. وإن قلنا: هو سنة. ~~فهل يحل قبله؟ على وجهين، أحدهما، يحل، لأنه لم يبق عليه شيء من واجباته. ~~والثاني، لا يحل، لأنه من أفعال الحج، فيأتي به في إحرام الحج، كالسعي في ~~العمرة. وإنما خص الخرقي المفرد والقارن بهذا، لكونهما سعيا مع طواف ~~القدوم، والمتمتع لم يسع. ### | [مسألة طواف القدوم] # (2558) مسألة: قال: (وإن كان متمتعا، فيطوف بالبيت سبعا، وبالصفا والمروة ~~سبعا، كما فعل للعمرة، ثم يعود فيطوف بالبيت طوافا ينوي به الزيارة، وهو ~~قوله عز وجل: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] .) أما الطواف الأول، ~~الذي ذكره الخرقي هاهنا، فهو طواف القدوم؛ لأن المتمتع لم يأت به قبل ذلك، ~~والطواف الذي طافه في العمرة كان طوافها، ونص أحمد على أنه مسنون للمتمتع، ~~في رواية الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله رحمه الله: فإذا رجع إلى منى أعني ~~المتمتع كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجه، ويطوف طوافا آخر للزيارة. # عاودناه في هذا غير مرة، فثبت عليه. وكذلك الحكم في القارن والمفرد، إذا ~~لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر، ولا طافا للقدوم، فإنهما يبدآن بطواف ~~القدوم قبل طواف الزيارة. نص عليه أحمد أيضا، واحتج بما روت عائشة، قالت: ~~فطاف الذين أهلوا بالعمرة، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، فطافوا طوافا، آخر ~~بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا ~~طوافا واحدا. فحمل أحمد قول عائشة على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم، ~~ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع، فلم يكن تعين طواف الزيارة مسقطا له، ~~كتحية المسجد عند دخوله، قبل التلبس بصلاة الفرض، ولا أعلم أحدا وافق أبا ~~عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي، بل المشروع طواف واحد للزيارة، ~~كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد. # ولأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P392 # ، ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع، ولا أمر به النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أحدا، وحديث عائشة دليل على ms1625 هذا، فإنها قالت: طافوا طوافا ~~آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وهذا هو طواف الزيارة، ولم تذكر طوافا آخر، ~~ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم، لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة، ~~الذي هو ركن الحج، لا يتم الحج إلا به، وذكرت ما يستغنى عنه، وعلى كل حال ~~فما ذكرت إلا طوافا واحدا، فمن أين يستدل به على طوافين؟ وأيضا فإنها لما ~~حاضت، فقرنت الحج إلى العمرة، بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم تكن ~~طافت للقدوم لم تطف للقدوم، ولا أمرها به النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ~~ذكر الخرقي في موضع آخر، في المرأة إذا حاضت فخشيت فوات الحج، أهلت بالحج، ~~وكانت قارنة، ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم. ولأن طواف القدوم لو لم يسقط ~~بالطواف الواجب، لشرع في حق المعتمر طواف للقدوم مع طواف العمرة، لأنه أول ~~قدومه إلى البيت، فهو به أولى من المتمتع، الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته ~~وطوافه به، وفي الجملة إن هذا الطواف المختلف فيه ليس بواجب، وإنما الواجب ~~طواف واحد، وهو طواف الزيارة، وهو في حق المتمتع كهو في حق القارن والمفرد، ~~في أنه ركن الحج، لا يتم إلا به، ولا بد من تعيينه بالنية، فلو نوى به طواف ~~الوداع أو غيره، لم يجزه. ### | [فصل الأطوفة المشروعة في الحج] # (2559) فصل: والأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة: طواف الزيارة، وهو ركن ~~الحج، لا يتم إلا به، بغير خلاف. وطواف القدوم، وهو سنة، لا شيء على تاركه. ~~وطواف الوداع، واجب، ينوب عنه الدم إذا تركه. وبهذا قال أبو حنيفة، ~~وأصحابه، والثوري. وقال مالك: على تارك طواف القدوم دم، ولا شيء على تارك ~~طواف الوداع. وحكي عن الشافعي كقولنا في طواف الوداع، وكقوله في طواف ~~القدوم. وما عدا هذه الأطوفة فهو نفل، ولا يشرع في حقه أكثر من سعي واحد، ~~بغير خلاف علمناه. # قال جابر: لم يطف النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه، بين الصفا ~~والمروة، إلا طوافا واحدا، طوافه الأول. رواه مسلم. ms1626 ولا يكون السعي إلا بعد ~~طواف، فإن سعى مع طواف القدوم، لم يسع بعده، وإن لم يسع معه، سعى مع طواف ~~الزيارة. ### | [فصل يستحب أن يدخل البيت فيكبر في نواحيه ويصلي ركعتين ويدعو الله عز وجل] # (2560) فصل: ويستحب أن يدخل البيت فيكبر في نواحيه، ويصلي ركعتين، ويدعو ~~الله عز وجل. قال ابن عمر: «دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت، ~~وبلال، وأسامة بن زيد، فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول الله # PageV03P393 # - صلى الله عليه وسلم - قال: نعم قلت: أين هو؟ قال: بين العمودين تلقاء ~~وجهه: ونسيت أن أسأله كم صلى؟ وقال ابن عباس: أخبرني أسامة، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما دخل البيت، دعا في نواحيه كلها، ولم يصل فيه حتى خرج» ~~. متفق عليهما. فقدم أهل العلم رواية بلال على رواية أسامة؛ لأنه مثبت، ~~وأسامة ناف، ولأن أسامة كان حديث السن فيجوز أن يكون اشتغل بالنظر إلى ما ~~في الكعبة عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وإن لم يدخل البيت، فلا بأس، فإن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله ~~بن أبي أوفى: أدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت في عمرته؟ قال: لا. ~~متفق عليه. وعن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «خرج من عندها وهو ~~مسرور، ثم رجع وهو كئيب فقال: إني دخلت الكعبة، ولو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي» . رواه أبو داود. ### | [فصل يستحب أن يأتي زمزم فيشرب من مائها] # (2561) فصل: ويستحب أن يأتي زمزم، فيشرب من مائها لما أحب، ويتضلع منه. ~~قال جابر، في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم -: ثم أتى بني عبد المطلب، ~~وهم يسقون، فناولوه دلوا، فشرب منه. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «ماء زمزم لما شرب» . وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: كنت ~~عند ابن عباس جالسا، فجاءه رجل، فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم قال: فشربت ~~منها كما ينبغي؟ ms1627 قال: فكيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل الكعبة، واذكر اسم ~~الله، وتنفس ثلاثا من زمزم، وتضلع منها، فإذا فرغت، فاحمد الله تعالى، فإن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «آية ما بيننا وبين المنافقين، أنهم ~~لا يتضلعون من زمزم.» رواهما ابن ماجه. ويقول عند الشرب: بسم الله، اللهم ~~اجعله لنا علما نافعا، ورزقا واسعا، وريا وشبعا، وشفاء من كل داء، واغسل به ~~قلبي، واملأه من حكمتك. ### | [فصل يسن أن يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يعلم الناس فيها مناسكهم] # (2562) فصل: ويسن أن يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة، يعلم الناس فيها ~~مناسكهم من النحر والإفاضة والرمي. نص عليه أحمد، وهو مذهب الشافعي، وابن ~~المنذر. وذكر بعض أصحابنا أنه لا يخطب يومئذ. وهو مذهب مالك؛ لأنها تسن في ~~اليوم الذي قبله، فلم تسن فيه. # PageV03P394 # ولنا، ما روى ابن عباس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم ~~النحر. يعني بمنى» أخرجه البخاري. وعن «رافع بن عمرو المزني قال: رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس بمنى. حين ارتفع الضحى، على بغلة ~~شهباء وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد، وقال أبو أمامة: سمعت خطبة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى يوم النحر. وقال الهرماس بن زياد ~~الباهلي: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس على ناقته العضباء، ~~يوم الأضحى بمنى» . وقال عبد الرحمن بن معاذ: «خطبنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ونحن بمنى، ففتحت أسماعنا، حتى كنا نسمع ونحن في منازلنا، فطفق ~~يعلمهم مناسكهم، حتى بلغ الجمار» . روى هذه الأحاديث كلها أبو داود، إلا ~~حديث ابن عباس. ولأنه يوم تكثر فيه أفعال الحج، ويحتاج إلى تعليم الناس ~~أحكام ذلك، فاحتيج إلى الخطبة من أجله، كيوم عرفة. ### | [فصل يوم الحج الأكبر يوم النحر] # (2563) فصل: يوم الحج الأكبر يوم النحر؛ فإن «النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال في خطبته يوم النحر: هذا يوم الحج الأكبر» . رواه البخاري. وسمي بذلك ~~لكثرة أفعال الحج فيه؛ من الوقوف بالمشعر، والدفع ms1628 منه إلى منى، والرمي، ~~والنحر، والحلق، وطواف الإفاضة، والرجوع إلى منى ليبيت بها، وليس في غيره ~~مثله، وهو مع ذلك يوم عيد، ويوم يحل فيه من إحرام الحج. ### | [فصل في يوم النحر أربعة أشياء الرمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف] # (2564) فصل: وفي يوم النحر أربعة أشياء: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم ~~الطواف. والسنة ترتيبها هكذا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رتبها، ~~كذلك وصفه جابر في حج النبي - صلى الله عليه وسلم -. وروى أنس، أن «النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - رمى، ثم نحر، ثم حلق» . رواه أبو داود. # فإن أخل بترتيبها، ناسيا أو جاهلا بالسنة فيها، فلا شيء عليه، في قول ~~كثير من أهل العلم، منهم الحسن، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن جرير الطبري. وقال أبو حنيفة: ~~إن قدم الحلق على الرمي، أو على النحر، فعليه دم، فإن كان قارنا فعليه ~~دمان. وقال زفر: عليه ثلاثة دماء، لأنه لم يوجد التحلل الأول، فلزمه الدم، ~~كما لو حلق قبل يوم النحر. ولنا، ما روى عبد الله بن عمرو، قال: قال رجل: ~~يا رسول الله، حلقت قبل أن أذبح. قال: «اذبح، ولا حرج. فقال آخر: ذبحت قبل ~~أن أرمي؟ قال: ارم، ولا حرج» متفق عليه وفي لفظ قال: فجاء رجل، فقال: يا ~~رسول الله، لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح. وذكر الحديث. قال: فما سمعته يسأل ~~يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل، من تقديم بعض الأمور على بعضها، ~~وأشباهها، إلا قال: (افعلوا ولا حرج عليكم) . رواه مسلم. وعن ابن عباس، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قيل له # PageV03P395 # يوم النحر، وهو بمنى، في النحر، والحلق، والرمي، والتقديم، والتأخير، ~~فقال: (لا حرج) متفق عليه، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عيسى ~~بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو، وفيه: فحلقت قبل أن أرمي، وتابعه على ذلك ~~محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن عيسى، عن عبد الله بن ms1629 عمرو، قال: «سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتاه رجل، فقال: يا رسول الله، إني حلقت ~~قبل أن أرمي؟ قال: ارم، ولا حرج. قال: وأتاه آخر، فقال: إني أفضت قبل أن ~~أرمي؟ قال: أرم، ولا حرج» . وعن ابن عباس، «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سئل يوم النحر، عن رجل حلق قبل أن يرمي؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: لا حرج، لا حرج» . رواه الدارقطني كله. وسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أحق أن تتبع. # على أنه لا يلزم من سقوط الدم بفقد الشيء في وقته، سقوطه قبل وقته، فإنه ~~لو حلق في العمرة بعد السعي، لا شيء عليه، وإن كان الحل ما حصل قبله، وكذلك ~~في مسألتنا، إذا قلنا: إن الحل يحصل بالحلق، فقد حلق قبل التحلل، ولا دم ~~عليه. فأما إن فعله عمدا، عالما بمخالفة السنة في ذلك، ففيه روايتان: ~~إحداهما، لا دم عليه. وهو قول عطاء، وإسحاق؛ لإطلاق حديث ابن عباس، وكذلك ~~حديث عبد الله بن عمرو، من رواية سفيان بن عيينة. والثانية، عليه دم. روي ~~نحو ذلك عن سعيد بن جبير، وجابر بن زيد، وقتادة، والنخعي؛ لأن الله تعالى ~~قال: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] . ولأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - رتب، وقال: (خذوا عني مناسككم) . # والحديث المطلق قد جاء مقيدا، فيحمل المطلق على المقيد. قال الأثرم: سمعت ~~أبا عبد الله يسأل عن رجل حلق قبل أن يذبح؟ فقال: إن كان جاهلا، فليس عليه، ~~فأما التعمد فلا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله رجل، فقال: لم ~~أشعر. قيل لأبي عبد الله: سفيان بن عيينة لا يقول: لم أشعر. فقال: نعم، ~~ولكن مالكا والناس عن الزهري: لم أشعر، قيل لأبي عبد الله: وهو في الحديث، ~~وقال مالك: إن قدم الحلق على الرمي فعليه دم، وإن قدمه على النحر أو النحر ~~على الرمي فلا شيء عليه. لأنه بالإجماع ممنوع من حلق شعره قبل التحلل ~~الأول، ولا يحصل إلا برمي ms1630 الجمرة، فأما النحر قبل الرمي فجائز؛ لأن الهدي ~~قد بلغ محله. ولنا، الحديث؛ فإنه لم يفرق بينهما، فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قيل له في الحلق، والنحر، والتقديم، والتأخير، فقال: (لا حرج) ~~. # ولا نعلم خلافا بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن ~~الإجزاء، ولا يمنع وقوعها موقعها، وإنما اختلفوا في وجوب الدم، على ما ~~ذكرنا، والله أعلم. ### | [فصل تقديم الإفاضة على الرمي] # (2565) فصل: فإن قدم الإفاضة على الرمي، أجزأه طوافه. وبهذا قال الشافعي. ~~وقال مالك: لا تجزئه الإفاضة، فليرم، ثم لينحر، ثم ليفض. # PageV03P396 # ولنا، ما روى عطاء، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له رجل: أفضت ~~قبل أن أرمي؟ قال: ارم، ولا حرج. وعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: من قدم شيئا قبل شيء، فلا حرج» . رواهما سعيد. في (سننه) . # وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أتاه آخر، فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟ فقال: ارم ولا حرج. فما ~~سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل، ~~ولا حرج» . رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي. ولأنه أتى بالرمي في وقته. ~~فأجزأه، كما لو رتب. ومقتضى كلام أصحابنا، أنه يحصل له بالإفاضة قبل الرمي ~~التحلل الأول، كمن رمى ولم يفض. فعلى هذا لو واقع أهله قبل الرمي، فعليه ~~دم، ولم يفسد حجه. وكذلك قال الأوزاعي. فإن رجع إلى أهله، ولم يرم فعليه ~~دم؛ لترك الرمي، وحجه صحيح. قال ابن عباس: من نسي، أو ترك شيئا من نسكه، ~~فليهرق لذلك دما. وقال عطاء: من نسي من النسك شيئا، حتى رجع إلى أهله، ~~فليهرق لذلك دما. ### | [مسألة السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى] # (2566) مسألة: (ثم يرجع إلى منى، ولا يبيت بمكة ليالي منى) السنة لمن ~~أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى؛ لما روى ابن عمر، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أفاض يوم النحر، ثم رجع ms1631 فصلى الظهر بمنى» . متفق عليه. وقالت ~~عائشة - رضي الله عنها -: «أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آخر ~~يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق» . رواه ~~أبو داود. وظاهر كلام الخرقي أن المبيت بمنى ليالي منى واجب. وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد، وقال ابن عباس: لا يبيتن أحد من وراء العقبة من منى ~~ليلا. وهو قول عروة، وإبراهيم، ومجاهد، وعطاء. # وروي ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وهو قول مالك، والشافعي. ~~والثانية ليس بواجب. روي ذلك عن الحسن. وروي عن ابن عباس: إذا رميت الجمرة ~~فبت حيث شئت. ولأنه قد حل من حجه، فلم يجب عليه المبيت بموضع معين، كليلة ~~الحصبة. والرواية الأولى أن ابن عمر روى: «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته» . ~~متفق عليه. وتخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره. وعن ~~ابن عباس، قال: «لم يرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد يبيت بمكة، إلا ~~للعباس، من أجل سقايته» رواه ابن ماجه. وروى الأثرم، عن «ابن عمر، قال: لا ~~يبيتن أحد من الحاج إلا بمنى. وكان يبعث رجالا يدعون أحدا يبيت وراء ~~العقبة.» ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله نسكا، وقد قال: (خذوا عني ~~مناسككم) . # PageV03P397 ### | [فصل ترك المبيت بمنى] # (2567) فصل: فإن ترك المبيت بمنى، فعن أحمد: لا شيء عليه، وقد أساء. وهو ~~قول أصحاب الرأي؛ لأن الشرع لم يرد فيه بشيء. وعنه يطعم شيئا. وخففه، ثم ~~قال: قد قال بعضهم: ليس عليه. وقال إبراهيم: عليه دم. وضحك، ثم قال: دم ~~بمرة، ثم شدد بمرة. قلت: ليس إلا أن يطعم شيئا؟ قال: نعم، يطعم شيئا تمرا ~~أو نحوه. فعلى هذا أي شيء تصدق به، أجزأه، ولا فرق بين ليلة وأكثر؛ ولا ~~تقدير فيه. # وعنه: في الليالي الثلاث دم؛ لقول ابن عباس: من ترك من نسكه شيئا، أو ~~نسيه فليهرق دما. وفيما دون ms1632 الثلاث ثلاث روايات، وقال عطاء: في كل حصاة ~~درهم. وهو قول الشافعي. وهذا لا نظير له، فإننا لا نعلم في ترك شيء من ~~المناسك درهما، ولا نصف درهم، فإيجابه بغير نص تحكم لا وجه له. والله أعلم. ### | [مسألة رمى الجمرة الأولى بسبع حصيات] # (2568) مسألة: قال: (فإذا كان من الغد، وزالت الشمس، رمى الجمرة الأولى ~~بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عندها، ويرمي، ويدعو، ثم يرمي الجمرة ~~الوسطى بسبع حصيات، يكبر أيضا، ويدعو، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، ولا ~~يقف عندها) قد ذكرنا أن جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة، سبعة منها ~~يرميها يوم النحر، بعد طلوع الشمس. # وسائرها في أيام التشريق الثلاثة، بعد زوال الشمس، كل يوم إحدى وعشرين ~~حصاة، لثلاث جمرات، يبتدئ بالجمرة الأولى، وهي أبعد الجمرات من مكة، وتلي ~~مسجد الخيف، فيجعلها عن يساره، ويستقبل القبلة، ويرميها بسبع حصيات، كما ~~وصفنا في جمرة العقبة، ثم يتقدم عنها إلى موضع لا يصيبه الحصي، فيقف طويلا ~~يدعو الله تعالى، رافعا يديه، ثم يتقدم إلى الوسطى فيجعلها عن يمينه، ~~ويستقبل القبلة، ويرميها بسبع حصيات، ويفعل من الوقوف والدعاء كما فعل في ~~الأولى، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، ويستبطن الوادي، ويستقبل القبلة، ~~ولا يقف عندها، وبهذا قال الشافعي. # ولا نعلم في جميع ما ذكرنا خلافا، إلا أن مالكا قال: ليس بموضع لرفع ~~اليدين، وقد ذكرنا الخلاف فيه عند رؤية البيت. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد ~~الله يسأل، أيقوم الرجل عند الجمرتين إذا رمى؟ قال: إي لعمري شديدا، ويطيل ~~القيام أيضا. قيل: فإلى أين يتوجه في قيامه؟ قال: إلى القبلة، ويرميها في ~~بطن الوادي. والأصل في هذا ما روت عائشة، قالت: «أفاض رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي ~~أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل ~~حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام، ويتضرع، ويرمي الثالثة، ولا ~~يقف عندها» رواه ms1633 أبو داود. وعن «ابن عمر، أنه كان يرمي الجمرة # PageV03P398 # بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم، ويستهل، ويقوم قياما طويلا، ~~ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ بذات الشمال، فيستهل، ويقوم مستقبل ~~القبلة قياما طويلا، ثم يرفع يديه، ويقوم طويلا، ثم يرمي جمرة العقبة من ~~بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، ويقول: هكذا رأيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يفعله» . رواه البخاري. # وروى أبو داود، أن ابن عمر كان يدعو بدعائه الذي دعا به بعرفة، ويزيد: ~~وأصلح أو أتم لنا مناسكنا. وقال ابن المنذر: كان ابن عمر، وابن مسعود ~~يقولان عند الرمي: اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا. وكان ابن عمر، ~~وابن عباس، يرفعان أيديهما إذا رميا الجمرة، ويطيلان الوقوف. وروي عن عبد ~~الرحمن بن يزيد، قال: «أفضت مع عبد الله، فرمى بسبع حصيات، يكبر مع كل ~~حصاة، واستبطن الوادي، حتى إذا فرغ قال: اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا ~~مغفورا. ثم قال: هكذا رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة صنع» رواه الأثرم. ~~وعن عطاء، قال: كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين، مقدار ما يقرأ الرجل سورة ~~البقرة. رواه الأثرم. ### | [فصل الرمي يوم النفر قبل الزوال وفي أيام التشريق بعد الزوال] # (2569) فصل: ولا يرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال، فإن رمى قبل ~~الزوال أعاد. نص عليه. وروي ذلك عن ابن عمر. وبه قال مالك، والثوري، ~~والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وروي عن الحسن، وعطاء، إلا أن إسحاق ~~وأصحاب الرأي، رخصوا في الرمي يوم النفر قبل الزوال، ولا ينفر إلا بعد ~~الزوال. # وعن أحمد مثله. ورخص عكرمة في ذلك أيضا. وقال طاوس: يرمي قبل الزوال، ~~وينفر قبله. ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما رمى بعد الزوال؛ ~~لقول عائشة: يرمي الجمرة إذا زالت الشمس. وقول جابر، في صفة حج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمي الجمرة ضحى ~~يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس. وقد قال النبي - صلى الله ms1634 عليه ~~وسلم -: «خذوا عني مناسككم» . وقال ابن عمر: كنا نتحين إذا زالت الشمس ~~رمينا. وأي وقت رمى بعد الزوال أجزأه، إلا أن المستحب المبادرة إليها حين ~~الزوال، كما قال ابن عمر. «وقال ابن عباس إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس، قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر» ~~. رواه ابن ماجه. ### | [فصل الترتيب واجب الجمرات] # (2570) فصل: والترتيب في هذه الجمرات واجب، على ما ذكرنا. فإن نكس فبدأ ~~بجمرة العقبة، ثم الثانية، ثم الأولى، أو بدأ بالوسطى، ورمى الثلاث، لم ~~يجزه إلا الأولى، وأعاد الوسطى والقصوى. نص عليه أحمد. وإن رمى القصوى، ثم ~~الأولى، ثم الوسطى، أعاد القصوى وحدها. وبهذا قال مالك، والشافعي. # PageV03P399 # وقال الحسن، وعطاء: لا يجب الترتيب. وهو قول أبي حنيفة؛ فإنه قال: إذا ~~رمى منكسا يعيد، فإن لم يفعل أجزأه. واحتج بعضهم بما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من قدم نسكا بين يدي نسك، فلا حرج» . ولأنها ~~مناسك متكررة، في أمكنة متفرقة، في وقت واحد، ليس بعضها تابعا لبعض، فلم ~~يشترط الترتيب فيها، كالرمي والذبح. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رتبها في الرمي، وقال: (خذوا عني ~~مناسككم) ولأنه نسك متكرر، فاشترط الترتيب فيه، كالسعي. وحديثهم إنما جاء ~~في من يقدم نسكا على نسك، لا في تقديم بعض النسك على بعض. وقياسهم يبطل ~~بالطواف والسعي. فصل: وإن ترك الوقوف عندها والدعاء، ترك السنة، ولا شيء ~~عليه. وبذلك قال الشافعي، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، ولا نعلم فيه ~~مخالفا، إلا الثوري. # قال: يطعم شيئا، وإن أراق دما أحب إلي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فعله، فيكون نسكا. ولنا، أنه دعاء وقوف مشروع له، فلم يجب بتركه شيء، كحالة ~~رؤية البيت، وكسائر الأدعية، ولأنها إحدى الجمرات، فلم يجب الوقوف عندها ~~والدعاء، كالأولى، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل الواجبات ~~والمندوبات، وقد ذكرنا الدليل على أن هذا ندب. ### | [فصل لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات] # (2572) فصل: والأولى ms1635 أن لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - رمى بسبع حصيات. فإن نقص حصاة أو حصاتين، فلا بأس، ولا ~~ينقص أكثر من ذلك. نص عليه. وهو قول مجاهد، وإسحاق. وعنه: إن رمى بست ~~ناسيا: فلا شيء عليه، ولا ينبغي أن يتعمده، فإن تعمد ذلك، تصدق بشيء. وكان ~~ابن عمر يقول: ما أبالي رميت بست أو سبع. وقال ابن عباس: ما أدري رماها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بست أو سبع. # وعن أحمد، أن عدد السبع شرط. ونسبه إلى مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى بسبع. وقال أبو حية: لا بأس بما رمى به ~~الرجل من الحصى. فقال عبد الله بن عمرو: صدق أبو حية. وكان أبو حية بدريا. ~~ووجه الرواية الأولى ما روى ابن أبي نجيح، قال: سئل طاوس عن رجل ترك حصاة؟ ~~قال: يتصدق بتمرة أو لقمة. فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إن أبا عبد الرحمن لم ~~يسمع قول سعد، قال سعد: رجعنا من الحجة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بعضنا يقول: رميت بست وبعضنا يقول: بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض رواه ~~الأثرم، وغيره ومتى أخل بحصاة واجبة من الأولى، لم # PageV03P400 # يصح رمي الثانية حتى يكمل الأولى، فإن لم يدر من أي الجمار تركها، بنى ~~على اليقين وإن أخل بحصاة غير واجبة، لم يؤثر تركها. ### | [مسألة الرمي في اليوم الثاني كالرمي في اليوم الأول في وقته وصفته وهيئته] # (2573) مسألة: قال (ويفعل في اليوم الثاني كما فعل بالأمس، فإن أحب أن ~~يتعجل في يومين، خرج قبل غروب الشمس. فإن غربت الشمس وهو بها، لم يخرج حتى ~~يرمي من غد بعد الزوال، كما رمى بالأمس) وجملته أن الرمي في اليوم الثاني ~~كالرمي في اليوم الأول، في وقته وصفته وهيئته لا نعلم فيه خلافا. فإن أحب ~~التعجل في يومين، خرج قبل الغروب. # وأجمع أهل العلم على أن من أراد الخروج من منى شاخصا عن الحرم، غير مقيم ~~بمكة، ms1636 أن ينفر بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن أحب ~~الإقامة بمكة فقال أحمد: لا يعجبني لمن ينفر النفر الأول أن يقيم بمكة. ~~وكان مالك يقول في أهل مكة: من كان له عذر فله أن يتعجل في يومين، فإن أراد ~~التخفيف عن نفسه من أمر الحج فلا. ويحتج من ذهب إلى هذا بقول عمر - رضي ~~الله عنه - من شاء من الناس كلهم أن ينفر في النفر الأول، إلا آل خزيمة، ~~فلا ينفرون إلا في النفر الآخر. جعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر: إلا آل ~~خزيمة. # أي أنهم أهل حرم. مكة والمذهب جواز النفير في النفر الأول لكل أحد. وهو ~~قول عامة العلماء؛ لقول الله تعالى {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن ~~تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى} [البقرة: 203] . قال عطاء: هي للناس عامة. ~~وروى أبو داود، وابن ماجه، عن عبد الرحمن بن يعمر، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن ~~تأخر فلا إثم عليه» . قال ابن عيينة: هذا أجود حديث رواه سفيان. وقال وكيع: ~~هذا الحديث أم المناسك، وفيه زيادة أنا اختصرته. ولأنه دفع من مكان، فاستوى ~~فيه أهل مكة وغيرهم، كالدفع، من عرفة ومن مزدلفة. وكلام أحمد في هذا أراد ~~به الاستحباب، موافقة لقول عمر، لا غير. فمن أحب التعجيل في النفر الأول ~~خرج قبل غروب الشمس، فإن غربت قبل خروجه من منى لم ينفر، سواء كان ارتحل أو ~~كان مقيما في منزله، لم يجز له الخروج، هذا قول عمر، وجابر بن زيد، وعطاء، ~~وطاوس، ومجاهد، وأبان بن عثمان، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن ~~المنذر. # وقال أبو حنيفة: له أن ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث؛ لأنه لم يدخل ~~وقت رمي اليوم الآخر، فجاز له النفر كما قبل الغروب. ولنا، قوله تعالى {فمن ~~تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] . واليوم اسم للنهار، فمن أدركه ~~الليل فما تعجل في يومين. قال ابن ms1637 المنذر وثبت عن ابن عمر أنه قال: من ~~أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس. وما ~~قاسوا عليه لا يشبه ما نحن فيه؛ فإنه تعجل في اليومين. # PageV03P401 ### | [فصل إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق] # (2574) فصل: إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده، أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام ~~التشريق ترك السنة، ولا شيء عليه، إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم ~~الثاني ثم الثالث. وبذلك قال الشافعي وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: إن ترك ~~حصاة أو حصاتين أو ثلاثا إلى الغد رماها، وعليه لكل حصاة نصف صاع، وإن ترك ~~أربعا رماها، وعليه دم. ولنا، أن أيام التشريق وقت للرمي، فإذا أخره من أول ~~وقته إلى آخره لم يلزمه شيء، كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته، ولأنه ~~وقت يجوز الرمي فيه، فجاز لغيرهم كاليوم الأول. # قال القاضي: ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء؛ لأنه وقت واحد. وإن كان ~~قضاء فالمراد به الفعل، كقوله: (ثم ليقضوا تفثهم) . وقولهم: قضيت الدين. ~~والحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخرها، كالحكم في رمي أيام التشريق، في أنها ~~إذا لم ترم يوم النحر رميت من الغد. وإنما قلنا: يلزمه الترتيب بنيته؛ ~~لأنها عبادات يجب الترتيب فيها، مع فعلها في أيامها، فوجب ترتيبها مجموعة، ~~كالصلاتين المجموعتين والفوائت. ### | [مسألة يستحب الصلاة في مسجد منى مع الإمام] # (2575) مسألة: قال: (ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى مع الإمام) ~~يعني مسجد الخيف؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا يصلون ~~بمنى «قال ابن مسعود: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى ركعتين، ~~ومع أبي بكر وعمر، وعثمان ركعتين صدرا من إمارته» . # وهذا إذا كان الإمام مرضيا، فإن لم يكن مرضيا صلى المرء برفقته في رحله. ~~فصل: ويستحب أن يخطب الإمام، في اليوم الثاني من أيام التشريق خطبة يعلم ~~الناس فيها حكم التعجيل والتأخير، وتوديعهم. وبهذا قال الشافعي، وابن ms1638 ~~المنذر. وقال أبو حنيفة لا يستحب، قياسا على اليومين الآخرين. ولنا، ما روي ~~عن «رجلين من بني بكر، قالا: رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب ~~بين أوساط أيام التشريق، ونحن عند راحلته» رواه أبو داود. وعن سراء بنت ~~نبهان، قالت: «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الرءوس، فقال: ~~أي يوم هذا؟ . قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: أليس أوسط أيام التشريق؟» . ~~روى الدارقطني بإسناده عن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب أوسط أيام التشريق. يعني يوم ~~النفر الأول. ولأن بالناس حاجة إلى أن يعلمهم كيف يتعجلون، وكيف يودعون، ~~بخلاف اليوم الأول.» # PageV03P402 ### | [مسألة مدة التكبير يوم النحر وصفته] # (2577) مسألة: قال: (ويكبر في دبر كل صلاة، من صلاة الظهر، يوم النحر إلى ~~آخر أيام التشريق) إنما خص المحرم بالتكبير من يوم النحر ظهرا؛ لأنه قبل ~~ذلك مشغول بالتلبية، فلا يقطعها إلا عند رمي جمرة العقبة كما بيناه فيما ~~قبل، وليس بعدهما صلاة قبل الظهر، فيكبر حينئذ بعدها كالمحل، ويستوي هو ~~والحلال في آخر مدة التكبير. وصفة التكبير ما ذكرناه في صلاة العيد، وهو أن ~~يقول: " الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد ". ### | [فصل يستحب لمن نفر أن يأتي المحصب] # (2578) فصل: قال بعض أصحابنا: يستحب لمن نفر أن يأتي المحصب، وهو الأبطح، ~~وحده ما بين الجبلين إلى المقبرة، فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ~~ثم يضطجع يسيرا، ثم يدخل مكة. وكان ابن عمر يرى التحصيب سنة، قال ابن عمر ~~يصلي بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء وكان كثير الاتباع لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وكان طاوس يحصب في شعب الجوز. وكان سعيد بن جبير يفعله، ثم تركه. وكان ~~ابن عباس، وعائشة، لا يريان ذلك سنة، قال ابن عباس التحصيب ليس بشيء، إنما ~~هو منزل نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعن عائشة، أن نزول الأبطح ~~ليس بسنة، إنما نزله رسول الله - صلى ms1639 الله عليه وسلم - ليكون أسمح لخروجه ~~إذا خرج. متفق عليهما. # ومن استحب ذلك فلاتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان ينزله، ~~قال نافع: «كان ابن عمر يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع ~~هجعة، ويذكر ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.» متفق عليه. وقال ~~ابن عمر: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان ~~ينزلون الأبطح.» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ولا خلاف في أنه ليس ~~بواجب ولا شيء على تاركه. ### | [مسألة طواف الوداع] # (2579) مسألة: قال (فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت يطوف به سبعا، ~~ويصلي ركعتين إذا فرغ من جميع أموره، حتى يكون آخر عهده بالبيت) وجملة ذلك ~~أن من أتى مكة لا يخلو؛ إما أن يريد الإقامة بها، أو الخروج منها، فإن أقام ~~بها، فلا وداع عليه؛ لأن الوداع من المفارق، لا من الملازم، سواء نوى ~~الإقامة قبل النفر أو بعده. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن نوى ~~الإقامة بعد أن حل له النفر، لم يسقط عنه الطواف ولا يصح، لأنه غير مفارق، ~~فلا يلزمه وداع، كمن نواها قبل حل النفر، وإنما قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ". # وهذا ليس بنافر. فأما الخارج من مكة، فليس له أن يخرج # PageV03P403 # حتى يودع البيت بطواف سبع، وهو واجب، من تركه لزمه دم. وبذلك قال الحسن، ~~والحكم وحماد، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور وقال الشافعي في قول له: لا يجب ~~بتركه شيء؛ لأنه يسقط عن الحائض، فلم يكن واجبا، كطواف القدوم، ولأنه كتحية ~~البيت، أشبه طواف القدوم. ولنا، ما روى ابن عباس، قال: «أمر الناس أن يكون ~~آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» متفق عليه. # ولمسلم، قال: كان الناس ينصرفون كل وجه، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» . وليس في سقوطه عن ~~المعذور ما يجوز سقوطه لغيره، كالصلاة تسقط عن الحائض، ms1640 وتجب على غيرها، بل ~~تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها، إذ لو كان ساقطا عن ~~الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى. وإذا ثبت وجوبه، فإنه ليس بركن، بغير ~~خلاف، ولذلك سقط عن الحائض، ولم يسقط طواف الزيارة، ويسمى طواف الوداع؛ ~~لأنه لتوديع البيت، وطواف الصدر؛ لأنه عند صدور الناس من مكة. ووقته بعد ~~فراغ المرء من جميع أموره؛ ليكون آخر عهده بالبيت، على ما جرت به العادة في ~~توديع المسافر إخوانه وأهله، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~حتى يكون آخر عهده بالبيت ". ### | [فصل لا وداع على من كان منزله في الحرم كالمكي] # (2580) فصل: ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي، لا وداع عليه. ومن كان ~~منزله خارج الحرم، قريبا منه، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يخرج حتى يودع ~~البيت. وهذا قول أبي ثور وقياس قول مالك. ذكره ابن القاسم. وقال أصحاب ~~الرأي، في أهل بستان ابن عامر، وأهل المواقيت: إنهم بمنزلة أهل مكة في طواف ~~الوداع، لأنهم معدودون من حاضري المسجد الحرام، بدليل سقوط دم المتعة عنهم. # ولنا، عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر ~~عهده بالبيت ". ولأنه خارج من مكة، فلزمه التوديع، كالبعيد. ### | [فصل أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج] # (2581) فصل: فإن أخر طواف الزيارة، فطافه عند الخروج، ففيه روايتان: ~~إحداهما، يجزئه عن طواف الوداع، لأنه أمر أن يكون آخر عهده بالبيت، وقد ~~فعل، ولأن ما شرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه، كتحية المسجد ~~بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة. وعنه، لا يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنهما ~~عبادتان واجبتان، فلم تجز إحداهما عن الأخرى، كالصلاتين الواجبتين. ### | [مسألة طاف للوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة] # (2582) مسألة: قال: (فإن ودع واشتغل في تجارة، عاد فودع،) # PageV03P404 # قد ذكرنا أن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه، ليكون آخر عهده بالبيت، ~~فإن طاف للوداع، ثم اشتغل بتجارة أو إقامة فعليه إعادته. وبهذا قال عطاء، ~~ومالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور. # وقال أصحاب الرأي: إذا طاف ms1641 للوداع، أو طاف تطوعا بعدما حل له النفر، ~~أجزأه عن طواف الوداع، وإن أقام شهرا أو أكثر؛ لأنه طاف بعدما حل له النفر، ~~فلم يلزمه إعادته، كما لو نفر عقيبه. ولنا، قوله - عليه السلام -: «لا ~~ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» . ولأنه إذا قام بعده، خرج عن أن يكون ~~وداعا في العادة، فلم يجزه، كما لو طافه قبل حل النفر. فأما إن قضى حاجة في ~~طريقه، أو اشترى زادا أو شيئا لنفسه في طريقه، لم يعده؛ لأن ذلك ليس بإقامة ~~تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت، وبهذا قال مالك، والشافعي، ولا ~~نعلم مخالفا لهما. ### | [مسألة خرج قبل طواف الوداع] # (2583) مسألة؛ قال: (فإن خرج قبل الوداع، رجع إن كان بالقرب، وإن بعد، ~~بعث بدم) هذا قول عطاء، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. والقريب هو ~~الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر. والبعيد من بلغ مسافة القصر. نص عليه ~~أحمد. وهو قول الشافعي. وكان عطاء يرى الطائف قريبا. وقال الثوري حد ذلك ~~الحرم، فمن كان في الحرم فهو قريب، ومن خرج منه فهو بعيد. # ووجه القول الأول، أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر، في أنه لا يقصر ~~ولا يفطر، ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام، وقد روي أن عمر رد رجلا من ~~مر إلى مكة، ليكون آخر عهده بالبيت. رواه سعيد وإن لم يمكنه الرجوع لعذر، ~~فهو كالبعيد. ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع، لم يكن عليه أكثر من ~~دم. # ولا فرق بين تركه عمدا أو خطأ، لعذر أو غيره؛ لأنه من واجبات الحج، ~~فاستوى عمده وخطؤه، والمعذور وغيره، كسائر واجباته. فإن رجع البعيد، فطاف ~~للوداع فقال القاضي: لا يسقط عنه الدم؛ لأنه قد استقر عليه الدم ببلوغه ~~مسافة القصر، فلم تسقط برجوعه، كمن تجاوز الميقات غير محرم، فأحرم دونه، ثم ~~رجع إليه. وإن رجع القريب، فطاف، فلا دم عليه، سواء كان ممن له عذر يسقط ~~عنه الرجوع أو لا؛ لأن الدم لم يستقر عليه، لكونه ms1642 في حكم الحاضر، ويحتمل ~~سقوط الدم عن البعيد برجوعه؛ لأنه واجب أتى به، فلم يجب عليه بدله، ~~كالقريب. # (2584) فصل: إذا رجع البعيد، فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات، إن كان ~~جاوزه، إلا محرما؛ لأنه ليس من أهل # PageV03P405 # الأعذار، فيلزمه طواف لإحرامه بالعمرة والسعي، وطواف لوداعه، وفي سقوط ~~الدم عنه ما ذكرنا من الخلاف. وإن كان دون الميقات، أحرم من، موضعه. فأما ~~إن رجع القريب، فظاهر قول من ذكرنا قوله، أنه لا يلزمه إحرام؛ لأنه رجع ~~لإتمام نسك مأمور به، فأشبه من رجع لطواف الزيارة. فإن ودع وخرج، ثم دخل ~~مكة لحاجة، فقال أحمد أحب إلي ألا يدخل إلا محرما، وأحب إلي إذا خرج أن ~~يودع البيت بالطواف. # وهذا لأنه لم يدخل لإتمام النسك، إنما دخل لحاجة غير متكررة، فأشبه من ~~يدخلها للإقامة بها. ### | [مسألة المرأة إذا حاضت قبل طواف الوداع] # (2585) مسألة: قال: (والمرأة إذا حاضت قبل أن تودع، خرجت، ولا وداع ~~عليها، ولا فدية) هذا قول عامة فقهاء الأمصار. وقد روي عن عمر وابنه أنهما ~~أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع، وكان زيد بن ثابت يقول به، ثم رجع عنه، ~~فروى مسلم، أن زيد بن ثابت خالف ابن عباس في هذا، قال طاوس: كنت مع ابن ~~عباس إذ قال زيد بن ثابت: تفتي أن لا تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها ~~بالبيت، فقال له ابن عباس: إما تسأل فلانة الأنصارية، هل أمرها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بذلك؟ قال: فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما ~~أراك إلا قد صدقت. # وروي عن ابن عمر، أنه رجع إلى قول الجماعة أيضا. وقد ثبت التخفيف عن ~~الحائض بحديث «صفية، حين قالوا: يا رسول الله، إنها حائض. فقال: أحابستنا ~~هي؟ . قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النحر. قال: فلتنفر إذا. ولا ~~أمرها بفدية ولا غيرها» . وفي حديث ابن عباس: إلا أنه خفف عن المرأة ~~الحائض. # والحكم في النفساء كالحكم في الحائض؛ لأن أحكام النفاس أحكام الحيض، فيما ms1643 ~~يوجب ويسقط. ### | [فصل إذا نفرت الحائض بغير وداع فطهرت قبل مفارقة البنيان] # (2586) فصل: وإذا نفرت الحائض بغير وداع، فطهرت قبل مفارقة البنيان، رجعت ~~فاغتسلت وودعت؛ لأنها في حكم الإقامة، بدليل أنها لا تستبيح الرخص. فإن لم ~~يمكنها الإقامة، فمضت، أو مضت لغير عذر، فعليها دم. # وإن فارقت البنيان، لم يجب الرجوع، إذا كانت قريبة، كالخارج من غير عذر. ~~قلنا: هناك ترك واجبا، فلم يسقط بخروجه، حتى يصير إلى مسافة القصر؛ لأنه ~~يكون إنشاء سفر طويل غير الأول، وها هنا لم يكن واجبا، ولا يثبت وجوبه ~~ابتداء إلا في حق من كان مقيما. ### | [فصل يستحب أن يقف المودع في الملتزم] # (2587) فصل: ويستحب أن يقف المودع في الملتزم، وهو ما بين الركن والباب، ~~فيلتزمه، ويلصق به صدره ووجهه، ويدعو الله عز وجل؛ لما روى أبو داود، عن ~~عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: # PageV03P406 # طفت مع عبد الله، فلما جاء دبر الكعبة، قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله ~~من النار. ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه ~~وذراعيه وكفيه هكذا - وبسطها بسطا - وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يفعله. وعن عبد الرحمن بن صفوان، قال: لما فتح رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مكة، انطلقت فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ~~خرج من الكعبة، هو وأصحابه، قد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم، ووضعوا ~~خدودهم على البيت، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسطهم. رواه أبو ~~داود. وقال منصور: سألت مجاهدا: إذا أردت الوداع، كيف أصنع؟ قال: تطوف ~~بالبيت سبعا، وتصلي ركعتين خلف المقام، ثم تأتي زمزم فتشرب من مائها، ثم ~~تأتي الملتزم ما بين الحجر والباب، فتستلمه، ثم تدعو، ثم تسأل حاجتك، ثم ~~تستلم الحجر، وتنصرف. # وقال بعض أصحابنا: ويقول في دعائه: اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن ~~عبدك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك ~~إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت ms1644 رضيت عني، فازدد عني رضا، وإلا ~~فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير ~~مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في ~~بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك أبدا ~~ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. # وعن طاوس قال: رأيت أعرابيا أتى الملتزم، فتعلق بأستار الكعبة، فقال: بك ~~أعوذ، وبك ألوذ، اللهم فاجعل لي في اللهف إلى جودك، والرضا بضمانك، مندوحا ~~عن منع الباخلين، وغنى عما في أيدي المستأثرين، اللهم بفرجك القريب، ~~ومعروفك القديم، وعادتك الحسنة. ثم أضلني في الناس، فلقيته بعرفات قائما، ~~وهو يقول: اللهم إن كنت لم تقبل حجتي وتعبي ونصبي، فلا تحرمني أجر المصاب ~~على مصيبته، فلا أعلم أعظم مصيبة ممن ورد حوضك، وانصرف محروما من وجه ~~رغبتك. # وقال آخر: يا خير موفود إليه، قد ضعفت قوتي، وذهبت منتي، وأتيت إليك ~~بذنوب لا تغسلها البحار، أستجير برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، رب ارحم ~~من شملته الخطايا، وغمرته الذنوب، وظهرت منه العيوب، ارحم أسير ضر، وطريد ~~فقر، أسألك أن تهب لي عظيم جرمي، يا مستزادا من نعمه، ومستعاذا من نقمه، ~~ارحم صوت حزين دعاك بزفير وشهيق، اللهم إن كنت بسطت إليك يدي داعيا، فطالما ~~كفيتني ساهيا، فبنعمتك التي تظاهرت علي عند الغفلة، لا أيأس منها # PageV03P407 # عند التوبة، فلا تقطع رجائي منك لما قدمت من اقتراف، وهب لي الإصلاح في ~~الولد، والأمن في البلد، والعافية في الجسد، إنك سميع مجيب، اللهم إن لك ~~علي حقوقا، فتصدق بها علي، وللناس قبلي تبعات فتحملها عني، وقد أوجبت لكل ~~ضيف قرى، وأنا ضيفك الليلة، فاجعل قراي الجنة، اللهم إني سائلك عند بابك، ~~من ذهبت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تبعته، فارض عنه، وإن لم ~~ترض عنه فاعف عنه، فقد يعفو السيد عن عبده، وهو عنه غير راض. ثم يصلي على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # والمرأة ms1645 إذا كانت حائضا لم تدخل المسجد، ووقفت على بابه، فدعت بذلك. ### | [فصل إذا ودع البيت يقوم عند البيت إذا خرج ويدعو] # (2588) فصل: قال أحمد: إذا ودع البيت، يقوم عند البيت إذا خرج ويدع وإذا ~~ولى لا يقف ولا يلتفت، فإن التفت رجع فودع. وروى حنبل، في " مناسكه " عن ~~المهاجر، قال: قلت لجابر بن عبد الله: الرجل يطوف بالبيت، ويصلي، فإذا ~~انصرف خرج، ثم استقبل القبلة فقام؟ فقال: ما كنت أحسب يصنع هذا إلا اليهود ~~والنصارى قال أبو عبد الله: أكره ذلك. # وقول أبي عبد الله: إن التفت رجع فودع. على سبيل الاستحباب، إذ لا نعلم ~~لإيجاب ذلك عليه دليلا، وقد قال مجاهد: إذا كدت تخرج من باب المسجد فالتفت، ~~ثم انظر إلى الكعبة، ثم قل: اللهم لا تجعله آخر العهد. ### | [مسألة ترك طواف الزيارة] # (2589) مسألة: قال: (ومن ترك طواف الزيارة، رجع من بلده حراما حتى يطوف ~~بالبيت) وجملة ذلك أن طواف الزيارة ركن الحج، لا يتم إلا به. ولا يحل من ~~إحرامه حتى يفعله، فإن رجع إلى بلده قبله، لم ينفك إحرامه، ورجع متى أمكنه ~~محرما، لا يجزئه غير ذلك. وبذلك قال عطاء، والثوري، ومالك، والشافعي، ~~وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي وابن المنذر. # وقال الحسن: يحج من العام المقبل. وحكي نحو ذلك عن عطاء قولا ثانيا. ~~وقال: يأتي عاما قابلا من حج أو عمرة. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حين ذكر له أن صفية حاضت، قال: " أحابستنا هي؟ " قيل: إنها قد أفاضت ~~يوم النحر. قال: " فلتنفر إذا ". يدل على أن هذا الطواف لا بد منه، وأنه ~~حابس لمن لم يأت به. فإن نوى التحلل، ورفض إحرامه، لم يحل بذلك؛ لأن ~~الإحرام لا يخرج منه بنية الخروج، ومتى رجع إلى مكة، فطاف بالبيت، حل ~~بطوافه؛ لأن الطواف لا يفوت وقته، على ما أسلفناه. # (2590) فصل: فإن ترك بعض الطواف، فهو كما لو ترك جميعه، فيما ذكرنا. ~~وسواء ترك شوطا أو أقل أو أكثر. وهذا قول عطاء، ومالك، والشافعي، وإسحاق، ~~وأبي ms1646 ثور. # وقال أصحاب الرأي: من طاف أربعة # PageV03P408 # أشواط من طواف الزيارة، أو طواف العمرة، وسعى بين الصفا والمروة، ثم رجع ~~إلى الكوفة، إن سعيه يجزئه، وعليه دم؛ لما ترك من الطواف بالبيت. ولنا، أن ~~ما أتى به لا يجزئه إذا كان بمكة، فلا يجزئه إذا خرج منها، كما لو طاف دون ~~الأربعة أشواط. # (2591) فصل: وإذا ترك طواف الزيارة، بعد رمي جمرة العقبة، فلم يبق محرما ~~إلا عن النساء خاصة؛ لأنه قد حصل له التحلل الأول برمي جمرة العقبة، فلم ~~يبق محرما إلا عن النساء خاصة. # وإن وطئ لم يفسد حجه، ولم تجب عليه بدنة، لكن عليه دم، ويجدد إحرامه ~~ليطوف في إحرام صحيح. قال أحمد: من طاف للزيارة، أو اخترق الحجر في طوافه، ~~ورجع إلى بغداد، فإنه يرجع؛ لأنه على بقية إحرامه، فإن وطئ النساء، أحرم من ~~التنعيم، على حديث ابن عباس، وعليه دم. # وهذا كما قلنا. (2592) مسألة: قال: (وإن كان طاف للوداع، لم يجزئه لطواف ~~الزيارة) وإنما لم يجزئه عن طواف الزيارة؛ لأن تعيين النية شرط فيه، على ما ~~ذكرنا، فمن طاف للوداع، فلم يعين النية له، فلذلك لم يصح. ### | [مسألة عمل القارن] # (2593) مسألة: قال: (وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، إلا أن ~~عليه دما، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام، آخرها يوم عرفة، وسبعة إذا رجع) ~~المشهور عن أحمد، أن القارن بين الحج والعمرة، لا يلزمه من العمل إلا ما ~~يلزم المفرد، وأنه يجزئه طواف واحد، وسعي واحد، لحجه وعمرته. نص عليه في ~~رواية جماعة من أصحابه. # وهذا قول ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، ~~ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. # وعن أحمد رواية ثانية، أن عليه طوافين وسعيين. ويروى ذلك عن الشعبي، ~~وجابر بن زيد، وعبد الرحمن بن الأسود. وبه قال الثوري، والحسن بن صالح، ~~وأصحاب الرأي. # وقد روي عن علي، ولم يصح عنه. واحتج بعض من اختار ذلك بقول الله تعالى: ~~{وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] . وتمامهما، أن ms1647 يأتي بأفعالهما ~~على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره. وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان» . ولأنهما نسكان، ~~فكان لهما طوافان، كما لو كانا منفردين. ولنا، ما روي عن عائشة، - رضي الله ~~عنها - أنها قالت: «وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا ~~لهما طوافا واحدا» . متفق عليه. وفي مسلم، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال لعائشة، لما # PageV03P409 # قرنت بين الحج والعمرة: يسعك طوافك لحجك وعمرتك» . وعن ابن عمر، قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحرم بالحج والعمرة، أجزأه طواف ~~واحد، وسعي واحد عنهما جميعا» . وعن جابر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قرن بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافا واحدا» . رواهما الترمذي، وقال في ~~كل واحد منهما: حديث حسن. # وروى ليث، عن طاوس، وعطاء، ومجاهد، عن جابر، وابن عمر، وابن عباس، «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يطف بالبيت هو وأصحابه لعمرتهم وحجهم ~~إلا طوافا واحدا» . رواه الأثرم، وابن ماجه. وعن سلمة، قال: حلف طاوس ما ~~طاف أحد من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - للحج والعمرة إلا طوافا ~~واحدا. ولأنه ناسك يكفيه حلق واحد، ورمي واحد، فكفاه طواف واحد، وسعي واحد، ~~كالمفرد، ولأنهما عبادتان من جنس واحد، فإذا اجتمعتا دخلت أفعال الصغرى في ~~الكبرى، كالطهارتين. # وأما الآية، فإن الأفعال إذا وقعت لهما فقد تما. وأما الحديث الذي احتجوا ~~به، فلا نعلم صحته، ورواه الدارقطني من طرق ضعيفة، في بعضها الحسن بن ~~عمارة، وفي بعضها عمر بن يزيد، وفي بعضها حفص بن أبي داود، وكلهم ضعفاء، ~~وكفى به ضعفا معارضته لما روينا من الأحاديث الصحيحة. # وإن صح، فيحتمل أنه أراد: عليه طواف وسعي. فسماهما طوافين، فإن السعي ~~يسمى طوافا؛ قال الله تعالى: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] . ~~ويحتمل أنه أراد: عليه طوافان؛ طواف الزيارة، وطواف الوداع. ### | [فصل قتل القارن صيدا] # (2594) فصل: وإن قتل القارن صيدا، فعليه جزاء واحد. نص عليه أحمد، ms1648 فقال: ~~إذا قتل القارن صيدا، فعليه جزاء واحد. وهؤلاء يقولون: في ذلك جزاءان. ~~فيلزمهم أن يقولوا: في صيد الحرم ثلاثة. لأنهم يقولون: في الحل اثنان. ففي ~~الحرم ينبغي أن يكون ثلاثة. # وهذا قول مالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: عليه جزاءان. قال القاضي: ~~وإذا قلنا عليه طوافان، لزمه جزاءان. ولنا، قول الله تعالى: {ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] . ومن أوجب جزاءين، فقد ~~أوجب مثلين. ولأنه صيد واحد، فلم يجب فيه جزاءان، كما لو قتل المحرم في ~~الحرم صيدا. ولأنه لا يزيد على محرمين قتلا صيدا، وليس عليهما إلا فداء ~~واحد، وكذلك محرم وحلال قتلا صيدا حرميا. # PageV03P410 ### | [فصل أفسد القارن نسكه بالوطء] # (2595) فصل: وإن أفسد القارن نسكه بالوطء، فعليه فداء واحد. وبذلك قال ~~عطاء، وابن جريج، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. ولا يسقط دم القران. # وقال الحكم: عليه هديان. ويتخرج لنا أن يلزمه بدنة وشاة إذا قلنا يلزمه ~~طوافان. وقال أصحاب الرأي: إن وطئ قبل الوقوف، فسد نسكه، وعليه شاتان للحج ~~والعمرة، ويسقط عنه دم القران. # ولنا، أن الصحابة - رضي الله عنهم -، الذين سئلوا عمن أفسد نسكه، لم ~~يأمروه إلا بفداء واحد، ولم يفرقوا. ولأنه أحد الأنساك الثلاثة، فلم يجب في ~~إفساده أكثر من فدية واحدة، كالآخرين، وسائر محظورات الإحرام، من اللبس ~~والطيب وغيرهما، لا يجب في كل واحد منها أكثر من فداء واحد، كما لو كان ~~مفردا. والله أعلم. ### | [مسألة وجوب الدم على القارن] # (2596) مسألة: قال: (إلا أن عليه دما، فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجع) هذا استثناء منقطع، معناه لكن عليه دم، فإن وجوب الدم ~~ليس من الأفعال المنفية بقوله: " وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد ~~". ولا نعلم في وجوب الدم على القارن خلافا، إلا ما حكي عن داود، أنه لا دم ~~عليه. # وروي ذلك عن طاوس. وحكى ابن المنذر، أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن ~~القارن، هل يجب عليه دم؟ فقال: لا. فجر برجله. ms1649 # وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم. ولنا، قول الله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] . والقارن متمتع بالعمرة إلى ~~الحج، بدليل أن عليا - رضي الله عنه - لما سمع عثمان ينهى عن المتعة، أهل ~~بالحج والعمرة، ليعلم الناس أنه ليس بمنهي عنه. وقال ابن عمر: إنما القران ~~لأهل الآفاق. وتلا قوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} ~~[البقرة: 196] . # وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قرن بين حجه وعمرته، ~~فليهرق دما» . ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين، فلزمه دم كالمتمتع. وإذا عدم ~~الدم، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، كالمتمتع سواء. ~~(2597) فصل: ومن شرط وجوب الدم عليه أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، في ~~قول جمهور العلماء. # وقال ابن الماجشون: عليه دم؛ لأن الله تعالى إنما أسقط الدم عن المتمتع، ~~وليس هذا متمتعا. وليس هذا بصحيح؛ فإننا قد ذكرنا أنه متمتع، وإن لم يكن ~~متمتعا فهو فرع عليه، ووجوب الدم على القارن إنما كان بمعنى النص على ~~المتمتع، فلا يجوز أن يخالف الفرع أصله. # PageV03P411 ### | [مسألة اعتمر في أشهر الحج فطاف وسعى ثم أحرم بالحج من عامه] ### | [الفصل الأول وجوب الدم على المتمتع في الجملة] # (2598) مسألة: قال: (ومن اعتمر في أشهر الحج، فطاف وسعى، ثم أحرم بالحج ~~من عامه، ولم يكن خرج من مكة إلى ما تقصر فيه الصلاة، فهو متمتع، عليه دم) ~~(2599) فصل: الكلام في هذه المسألة في فصول: أحدها، وجوب الدم على المتمتع ~~في الجملة. وأجمع أهل العلم عليه. # قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أهل بعمرة في أشهر الحج من أهل ~~الآفاق من الميقات، وقدم مكة ففرغ منها، وأقام بها، وحج من عامه، أنه ~~متمتع، وعليه الهدي إن وجد، وإلا فالصيام. وقد نص الله تعالى عليه بقوله ~~تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} [البقرة: 196] الآية. وقال ابن عمر: ~~«تمتع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج، فلما ~~قدم ms1650 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للناس: من لم يكن منكم أهدى، ~~فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، ثم ليهل بالحج ويهدي، فمن لم يجد ~~هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله» . متفق عليه. ~~وقال جابر: «كنا نتمتع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى ~~الحج، فنذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها.» رواه مسلم. # وعن أبي جمرة، قال: سألت ابن عباس عن المتعة. فأمرني بها، وسألته عن ~~الهدي، فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك من دم. متفق عليه. والدم ~~الواجب شاة، أو سبع بقرة، أو سبع بدنة، فإن نحر بدنة، أو ذبح بقرة، فقد زاد ~~خيرا. وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال مالك: لا يجزئ إلا بدنة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~تمتع، ساق بدنة. وهذا ترك لظاهر قوله تعالى: {فما استيسر من الهدي} ~~[البقرة: 196] واطراح للآثار الثابتة، وما احتجوا به فلا حجة فيه؛ فإن ~~إهداء النبي - صلى الله عليه وسلم - للبدنة لا يمنع إجزاء ما دونها، فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ساق مائة بدنة، ولا خلاف في أن ذلك ليس ~~بواجب، ولا يجب أن تكون البدنة التي يذبحها على صفة بدن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثم إنهم يقولون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مفردا في ~~حجته. وكذلك ذهبوا إلى تفضيل الإفراد، فكيف يكون سوقه للبدن دليلا لهم في ~~التمتع، ولم يكن متمتعا. ### | [الفصل الثاني في شروط الدم على المتمتع] # (2600) الفصل الثاني، في الشروط التي يجب الدم على من اجتمعت فيه، وهي ~~خمسة؛ الأول، أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فإن أحرم بها في غير أشهره، لم ~~يكن متمتعا، سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج، أو في غير أشهره. نص عليه ~~أحمد. # قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، سئل عمن أهل بعمرة في غير أشهر الحج، ثم ~~قدم في شوال، أيحل من عمرته في شوال، أو يكون متمتعا؟ فقال: لا يكون ~~متمتعا. واحتج بحديث ms1651 جابر، وذكر إسناده عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد ~~الله يسأل عن امرأة تجعل على نفسها عمرة في شهر مسمى، ثم تحل إلا ليلة ~~واحدة، ثم تحيض؟ قال: # PageV03P412 # لتخرج، ثم لتهل بعمرة، ثم لتنتظر حتى تطهر، ثم لتطف بالبيت. قال أبو عبد ~~الله: فجعل عمرتها في الشهر الذي أهلت فيه، لا في الشهر الذي حلت فيه. ولا ~~نعلم بين أهل العلم خلافا في أن من اعتمر في غير أشهر الحج عمرة، وحل منها ~~قبل أشهر الحج، أنه لا يكون متمتعا، إلا قولين شاذين، أحدهما عن طاوس، أنه ~~قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج، ثم أقمت حتى الحج، فأنت متمتع. والثاني ~~عن الحسن، أنه قال: من اعتمر بعد النحر، فهي متعة. # قال: ابن المنذر: لا نعلم أحدا قال بواحد من هذين القولين. فأما إن أحرم ~~بالعمرة في غير أشهر الحج، ثم حل منها في أشهر الحج، فذهب أحمد أنه لا يكون ~~متمتعا. ونقل معنى ذلك عن جابر، وأبي عياض. وهو قول إسحاق، وأحد قولي ~~الشافعي. # وقال طاوس: عمرته في الشهر الذي يدخل فيه الحرم. وقال الحسن، والحكم، ~~وابن شبرمة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه: عمرته في الشهر الذي يطوف ~~فيه. # وقال عطاء: عمرته في الشهر الذي يحل فيه. وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: ~~إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج، فليس بمتمتع. وإن طاف الأربعة ~~في أشهر الحج، فهو متمتع؛ لأن العمرة صحت في أشهر الحج؛ بدليل أنه لو وطئ ~~أفسدها، أشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج. # ولنا، ما ذكرنا عن جابر، ولأنه أتى بنسك لا تتم العمرة إلا به في غير ~~أشهر الحج، فلم يكن متمتعا، كما لو طاف. ويخرج عليه ما قاسوا عليه. الثاني، ~~أن يحج من عامه، فإن اعتمر في أشهر الحج، ولم يحج ذلك العام، بل حج من ~~العام القابل، فليس بمتمتع. لا نعلم فيه خلافا، إلا قولا شاذا عن الحسن، في ~~من اعتمر في أشهر الحج، فهو متمتع، حج ms1652 أو لم يحج. والجمهور على خلاف هذا؛ ~~لأن الله تعالى قال: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} ~~[البقرة: 196] # وهذا يقتضي الموالاة بينهما، ولأنهم إذا أجمعوا على أن من اعتمر في غير ~~أشهر الحج، ثم حج من عامه ذلك، فليس بمتمتع، فهذا أولى من التباعد بينهما ~~أكثر. الثالث، أن لا يسافر بين العمرة والحج سفرا بعيدا تقصر في مثله ~~الصلاة. نص عليه. # وروي ذلك عن عطاء، والمغيرة المديني، وإسحاق. وقال الشافعي: إن رجع إلى ~~الميقات، فلا دم عليه. وقال أصحاب الرأي: إن رجع إلى مصره، بطلت متعته، ~~وإلا فلا. وقال مالك: إن رجع إلى مصره، أو إلى غيره أبعد من مصره، بطلت ~~متعته، وإلا فلا. # وقال الحسن: هو متمتع وإن رجع إلى بلده. واختاره ابن المنذر؛ لعموم قوله ~~تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] . ~~ولنا، ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم ~~أقام، فهو متمتع. # PageV03P413 # فإن خرج ورجع، فليس بمتمتع. وعن ابن عمر نحو ذلك. ولأنه إذا رجع إلى ~~الميقات، أو ما دونه، لزمه الإحرام منه، فإن كان بعيدا فقد أنشأ سفرا بعيدا ~~لحجه، فلم يترفه بأحد السفرين، فلم يلزمه دم، كموضع الوفاق. والآية تناولت ~~المتمتع، وهذا ليس بمتمتع؛ بدليل قول عمر. # الرابع، أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج، فإن أدخل الحج على ~~العمرة قبل حله منها، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والذين كان ~~معهم الهدي من أصحابه، فهذا يصير قارنا، ولا يلزمه دم المتعة. قالت عائشة: ~~«خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الوداع، فأهللنا ~~بعمرة، فقدمت مكة وأنا حائض، لم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ~~ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: انقضي رأسك، وامتشطي، ~~وأهلي بالحج، ودعي العمرة. قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج، أرسلني رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت ~~معه، فقال: ms1653 هذه مكان عمرتك. قال عروة: فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في ~~شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة» . متفق عليه. ولكن عليه دم للقران؛ لأنه ~~صار قارنا، وترفه بسقوط أحد السفرين. # وقول عروة: لم يكن في ذلك هدي. يحتمل أنه أراد لم يكن فيه هدي للمتعة، إذ ~~قد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذبح عن نسائه بقرة بينهن. ~~الخامس، أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. ولا خلاف بين أهل العلم، في أن ~~دم المتعة لا يجب على حاضري المسجد الحرام، إذ قد نص الله تعالى في كتابه ~~بقوله سبحانه: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196] . ~~ولأن حاضر المسجد الحرام ميقاته مكة، فلم يحصل له الترفه بأحد السفرين، ~~ولأنه أحرم بالحج من ميقاته، فأشبه المفرد. ### | [فصل حاضروا المسجد الحرام أهل الحرم ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر] # (2601) فصل: (وحاضروا المسجد الحرام) أهل الحرم، ومن بينه وبين مكة دون ~~مسافة القصر. نص عليه أحمد. وروي ذلك عن عطاء. وبه قال الشافعي. # وقال مالك: أهل مكة. وقال مجاهد: أهل الحرم. وروي ذلك عن طاوس. وقال ~~مكحول، وأصحاب الرأي: من دون المواقيت؛ لأنه موضع شرع فيه النسك، فأشبه ~~الحرم. # ولنا، أن حاضر الشيء من دنا منه، ومن دون مسافة القصر قريب في حكم ~~الحاضر؛ بدليل أنه إذا قصده لا يترخص رخص السفر، فيكون من حاضريه. وتحديده ~~بالميقات لا يصح؛ لأنه قد يكون بعيدا، يثبت له حكم السفر البعيد إذا قصده، ~~ولأن ذلك يفضي إلى جعل البعيد من حاضريه، والقريب # PageV03P414 # من غير حاضريه، في المواقيت قريبا وبعيدا. واعتبارنا أولى؛ لأن الشارع حد ~~الحاضر بدون مسافة القصر، بنفي أحكام المسافرين عنه، فالاعتبار به أولى من ~~الاعتبار بالنسك؛ لوجود لفظ الحضور في الآية. ### | [فصل إذا كان للمتمتع قريتان قريبة وبعيدة فهو من حاضري المسجد الحرام] # (2602) فصل: إذا كان للمتمتع قريتان؛ قريبة، وبعيدة، فهو من حاضري المسجد ~~الحرام؛ لأنه إذا كان بعض أهله قريبا فلم يوجد فيه الشرط، ms1654 وهو أن لا يكون ~~من حاضري المسجد الحرام. ولأن له أن يحرم من القريبة، فلم يكن بالتمتع ~~مترفها بترك أحد السفرين. # وقال القاضي: له حكم القرية التي يقيم بها أكثر، فإن استويا فمن التي ~~ماله بها أكثر، فإن استويا فمن التي ينوي الإقامة بها أكثر، فإن استويا حكم ~~للقرية التي أحرم منها. وقد ذكرنا الدليل لما قلناه. ### | [فصل دخل الآفاقي مكة متمتعا ناويا للإقامة بها بعد تمتعه] # (2603) فصل: فإذا دخل الآفاقي مكة، متمتعا ناويا للإقامة بها بعد تمتعه، ~~فعليه دم المتعة. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل ~~العلم. # ولو كان الرجل منشؤه ومولده بمكة، فخرج عنها متنقلا مقيما بغيرها، ثم عاد ~~إليها متمتعا ناويا للإقامة بها، أو غير ناو لذلك، فعليه دم المتعة؛ لأنه ~~خرج بالانتقال عنها عن أن يكون من أهلها. وبذلك قال مالك، والشافعي، ~~وإسحاق؛ وذلك لأن حضور المسجد الحرام إنما يحصل بنية الإقامة وفعلها، وهذا ~~إنما نوى الإقامة إذا فرغ من أفعال الحج؛ لأنه إذا فرغ من عمرته، فهو ناو ~~للخروج إلى الحج، فكأنه إنما نوى أن يقيم بعد أن يجب عليه الدم. # فأما إن خرج المكي مسافرا غير متنقل، ثم عاد فاعتمر من الميقات، أو قصر ~~وحج من عامه، فلا دم عليه؛ لأنه لم يخرج بهذا السفر عن كون أهله من حاضري ~~المسجد الحرام. (2604) فصل: وهذا الشرط لوجوب الدم عليه، وليس بشرط لكونه ~~متمتعا؛ فإن متعة المكي صحيحة؛ لأن التمتع أحد الأنساك الثلاثة، فصح من ~~المكي، كالنسكين الآخرين. ولأن حقيقة التمتع هو أن يعتمر في أشهر الحج، ثم ~~يحج من عامه. وهذا موجود في المكي. # وقد نقل عن أحمد: ليس على أهل مكة متعة. ومعناه ليس عليهم دم متعة؛ لأن ~~المتعة له لا عليه، فيتعين حمله على ما ذكرناه. ### | [فصل ترك الآفاقي الإحرام من الميقات] # (2605) فصل: إذا ترك الآفاقي الإحرام من الميقات، أو أحرم من دونه بعمرة، ~~ثم حل منها، وأحرم بالحج من مكة من عامه، فهو متمتع، عليه دمان؛ ms1655 دم المتعة، ~~ودم لإحرامه من دون ميقاته. قال ابن المنذر، وابن # PageV03P415 # عبد البر: أجمع العلماء على أن من أحرم في أشهر الحج بعمرة، وحل منها، ~~ولم يكن من حاضري المسجد الحرام، ثم أقام بمكة حلالا، ثم حج من عامه، أنه ~~متمتع، عليه دم. # وقال القاضي: إذا تجاوز الميقات، حتى صار بينه وبين مكة أقل من مسافة ~~القصر، فأحرم منه، فلا دم عليه للمتعة؛ لأنه من حاضري المسجد الحرام. وليس ~~هذا بجيد؛ فإن حضور المسجد الحرام إنما يحصل بالإقامة به، وهذا لم يحصل منه ~~الإقامة، ولا نيتها، ولأن الله تعالى قال: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام} [البقرة: 196] . # وهذا يقتضي أن يكون المانع من الدم السكنى به، وهذا ليس بساكن؛ وإن أحرم ~~الآفاقي بعمرة، في غير أشهر الحج، ثم أقام بمكة، فاعتمر من التنعيم في أشهر ~~الحج، وحج من عامه، فهو متمتع، عليه دم. نص عليه أحمد. # وفي تنصيصه على هذه الصورة تنبيه على إيجاب الدم في الصورة الأولى، بطريق ~~الأولى. وذكر القاضي أن من شرط وجوب الدم، أن ينوي في ابتداء العمرة، أو في ~~أثنائها، أنه متمتع. وظاهر النص يدل على أن هذا غير مشترط؛ فإنه لم يذكره، ~~وكذلك الإجماع الذي ذكرناه مخالف لهذا القول. ولأنه قد حصل له الترفه بسقوط ~~أحد السفرين، فلزمه الدم، كمن لم ينو. ### | [الفصل الثالث في وقت وجوب الهدي للمتمتع ووقت ذبحه] # (2606) الفصل الثالث، في وقت وجوب الهدي، ووقت ذبحه. أما وقت وجوبه، فعن ~~أحمد أنه يجب إذا أحرم بالحج. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن الله تعالى ~~قال: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] . # وهذا قد فعل ذلك. ولأن ما جعل غاية، فوجود أوله كاف، كقوله تعالى: {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] . ولأنه متمتع أحرم بالحج من دون ~~الميقات، فلزمه الدم، كما لو وقف أو تحلل. وعنه أنه يجب إذا وقف بعرفة. وهو ~~قول مالك، واختيار القاضي؛ لأن التمتع بالعمرة في الحج إنما يحصل بعد وجود ~~الحج ms1656 منه، ولا يحصل ذلك إلا بالوقوف، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «الحج عرفة» . ولأنه قبل ذلك يعرض الفوات، فلا يحصل التمتع، ولأنه لو ~~أحرم بالحج، ثم أحصر، أو فاته الحج فلم يلزمه دم المتعة، ولا كان متمتعا، ~~ولو وجب الدم لما سقط. # وقال عطاء: يجب إذا رمى الجمرة. ونحوه قول أبي الخطاب، قال: يجب إذا طلع ~~الفجر يوم النحر؛ لأنه وقت ذبحه، فكان وقت وجوبه. فأما وقت إخراجه فيوم ~~النحر. وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه ذبح ~~الأضحية، فلا يجوز فيه ذبح هدي التمتع، كقبل التحلل من العمرة. # وقال أبو طالب: سمعت أحمد، قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي. قال: ~~ينحر بمكة، وإن قدم قبل العشر نحره، لا يضيع أو يموت أو يسرق. وكذلك قال ~~عطاء. # وإن قدم في العشر، لم ينحره حتى ينحره بمنى؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه قدموا في العشر، فلم ينحروا حتى نحروا بمنى. ومن جاء قبل ~~ذلك نحره عن عمرته، وأقام على إحرامه، وكان قارنا. # وقال الشافعي: يجوز نحره بعد الإحرام # PageV03P416 # بالحج. قولا واحدا، وفيما قبل ذلك، بعد حله من العمرة، احتمالان؛ ووجه ~~جوازه أنه دم يتعلق بالإحرام، وينوب عنه الصيام، فجاز قبل يوم النحر، كدم ~~الطيب واللباس، ولأنه يجوز إبداله قبل يوم النحر، فجاز أداؤه قبله، كسائر ~~الفديات. ### | [مسألة المتمتع إذا لم يجد الهدي ينتقل إلى الصيام] # مسألة: قال: (فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام، يكون آخرها يوم عرفة، وسبعة ~~إذا رجع) لا نعلم بين أهل العلم خلافا، في أن المتمتع إذا لم يجد الهدي، ~~ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع تلك عشرة كاملة. وتعتبر ~~القدرة في موضعه، فمتى عدمه في موضعه جاز له الانتقال إلى الصيام، وإن كان ~~قادرا عليه في بلده؛ لأن وجوبه موقت، وما كان وجوبه موقتا اعتبرت القدرة ~~عليه في موضعه، كالماء في الطهارة، إذا عدمه في مكانه انتقل إلى التراب. ### | [فصل ms1657 لكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان وقت جواز ووقت استحباب] # (2608) فصل: ولكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان؛ وقت جواز، ووقت ~~استحباب. فأما وقت الثلاثة، فوقت الاختيار لها أن يصومها ما بين إحرامه ~~بالحج ويوم عرفة، ويكون آخر الثلاثة يوم عرفة. قال طاوس: يصوم ثلاثة أيام، ~~آخرها يوم عرفة. # وروي ذلك عن عطاء، والشعبي، ومجاهد، والحسن، والنخعي، وسعيد بن جبير، ~~وعلقمة، وعمرو بن دينار، وأصحاب الرأي. وروى ابن عمر، وعائشة، أن يصومهن ما ~~بين إهلاله بالحج ويوم عرفة. وظاهر هذا أن يجعل آخرها يوم التروية. وهو قول ~~الشافعي؛ لأن صوم يوم عرفة بعرفة غير مستحب. وكذلك ذكر القاضي، في " المحرر ~~". والمنصوص عن أحمد الذي وقفنا عليه مثل قول الخرقي، أنه يكون آخرها يوم ~~عرفة، وهو قول من سمينا من العلماء، وإنما أحببنا له صوم يوم عرفة هاهنا، ~~لموضع الحاجة. # وعلى هذا القول يستحب له تقديم الإحرام بالحج قبل يوم التروية؛ ليصومها ~~في الحج، وإن صام منها شيئا قبل إحرامه بالحج جاز. نص عليه. وأما وقت جواز ~~صومها فإذا أحرم بالعمرة. وهذا قول أبي حنيفة. وعن أحمد أنه إذا حل من ~~العمرة. # وقال مالك، والشافعي: لا يجوز إلا بعد إحرام الحج. ويروى ذلك عن ابن عمر. ~~وهو قول إسحاق، وابن المنذر؛ لقول الله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} ~~[البقرة: 196] . ولأنه صيام واجب، فلم يجز تقديمه على وقت وجوبه، كسائر ~~الصيام الواجب. ولأن ما قبله وقت لا يجوز فيه المبدل، فلم يجز البدل، كقبل ~~الإحرام بالعمرة. وقال الثوري، والأوزاعي: يصومهن من أول العشر إلى يوم ~~عرفة. # ولنا، أن إحرام العمرة أحد إحرامي التمتع، فجاز الصوم بعده، كإحرام الحج. ~~فأما قوله: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة: 196] . فقيل: معناه في ~~أشهر الحج، فإنه لا بد من إضمار، إذ كان الحج # PageV03P417 # أفعالا لا يصام فيها، إنما يصام في وقتها، أو في أشهرها. فهو في قول الله ~~تعالى: {الحج أشهر} [البقرة: 197] . # وأما تقديمه على وقت الوجوب، فيجوز إذا وجد السبب، كتقديم الكفارة على ms1658 ~~الحنث، وزهوق النفس. وأما كونه بدلا، فلا يقدم على المبدل، فقد ذكرنا رواية ~~في جواز تقديم الهدي على إحرام الحج، فكذلك الصوم. وأما تقديم الصوم على ~~إحرام العمرة، فغير جائز. ولا نعلم قائلا بجوازه، إلا رواية حكاها بعض ~~أصحابنا عن أحمد، وليس بشيء؛ لأنه لا يقدم الصوم على سببه ووجوبه، ويخالف ~~قول أهل العلم. وأحمد ينزه عن هذا. # وأما السبعة، فلها أيضا وقتان؛ وقت اختيار، ووقت جواز. أما وقت الاختيار، ~~فإذا رجع إلى أهله؛ لما روى ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«فمن لم يجد هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» . ~~متفق عليه. # وأما وقت الجواز، فمنذ تمضي أيام التشريق. قال الأثرم: سئل أحمد، هل يصوم ~~في الطريق أو بمكة؟ قال: كيف شاء. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك. وعن عطاء، ~~ومجاهد: يصومها في الطريق. وهو قول إسحاق. # وقال ابن المنذر: يصومها إذا رجع إلى أهله؛ للخبر. ويروى ذلك عن ابن عمر. ~~وهو قول الشافعي. وقيل عنه كقولنا، وكقول إسحاق. # ولنا، أن كل صوم لزمه، وجاز في وطنه، جاز قبل ذلك، كسائر الفروض. وأما ~~الآية، فإن الله تعالى جوز له تأخير الصيام الواجب، فلا يمنع ذلك الإجزاء ~~قبله، كتأخير صوم رمضان في السفر والمرض، بقوله سبحانه: {فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] . ولأن الصوم وجد من أهله بعد وجود سببه، فأجزأه، كصوم ~~المسافر والمريض. (2609) فصل: ولا يجب التتابع، وذلك لا يقتضي جمعا ولا ~~تفريقا. وهذا قول الثوري، وإسحاق، وغيرهما. ولا نعلم فيه مخالفا. ### | [مسألة إن لم يصم المتمتع قبل يوم النحر] # (2610) مسألة: قال: (فإن لم يصم قبل يوم النحر، صام أيام منى، في إحدى ~~الروايتين عن أبي عبد الله، والرواية الأخرى لا يصوم أيام منى، ويصوم بعد ~~ذلك عشرة أيام، وعليه دم) وجملة ذلك أن المتمتع، إذا لم يصم الثلاثة في ~~أيام الحج، فإنه يصومها بعد ذلك. وبهذا قال علي، وابن عمر، وعائشة، وعروة ~~بن الزبير وعبيد بن عمير، والحسن، وعطاء، والزهري، ومالك، والشافعي، ms1659 وأصحاب ~~الرأي. # ويروى عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد: إذا فاته الصوم في ~~العشر وبعده، واستقر الهدي في ذمته؛ لأن الله تعالى قال: {فصيام ثلاثة أيام ~~في الحج وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196] . ولأنه بدل موقت، فيسقط بخروج ~~وقته، كالجمعة. # ولنا، أنه صوم واجب، فلا يسقط بخروج وقته، كصوم رمضان، والآية تدل على ~~وجوبه، لا على # PageV03P418 # سقوطه، والقياس منتقض بصوم الظهار إذا قدم المسيس عليه، والجمعة ليست ~~بدلا، وإنما هي الأصل، وإنما سقطت لأن الوقت جعل شرطا لها كالجماعة. إذا ~~ثبت هذا، فإنه يصوم أيام منى. # وهذا قول ابن عمر، وعائشة، وعروة، وعبيد بن عمير، والزهري، ومالك، ~~والأوزاعي، وإسحاق، والشافعي في القديم؛ لما روى ابن عمر، وعائشة، قالا: ~~«لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» . رواه البخاري. ~~وهذا ينصرف إلى ترخيص النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأن الله تعالى أمر ~~بصيام الثلاثة في الحج، ولم يبق من أيام الحج إلا هذه الأيام، فيتعين الصوم ~~فيها. فإذا صام هذه الأيام، فحكمه حكم من صام قبل يوم النحر. # وعن أحمد رواية أخرى، لا يصوم أيام منى. روي ذلك عن علي، والحسن، وعطاء. ~~وهو قول ابن المنذر لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صوم ستة ~~أيام، ذكر منها أيام التشريق» ، وقال - عليه السلام -: «إنها أيام أكل ~~وشرب» . ولأنها لا يجوز فيها صوم النفل، فلا يصومها عن الهدي، كيوم النحر. ~~فعلى هذه الرواية، يصوم بعد ذلك عشرة أيام. وكذلك الحكم إذا قلنا: يصوم ~~أيام منى فلم يصمها. واختلفت الرواية عن أحمد في وجوب الدم عليه، فعنه عليه ~~دم؛ لأنه أخر الواجب من مناسك الحج عن وقته، فلزمه دم، كرمي الجمار، ولا ~~فرق بين المؤخر لعذر، أو لغيره، لما ذكرنا. # وقال القاضي: إن أخره لعذر، ليس عليه إلا قضاؤه؛ لأن الدم الذي هو ~~المبدل، لو أخره لعذر، لا دم عليه لتأخيره، فالبدل أولى. وروي عن أحمد لا ~~يلزمه مع الصوم دم بحال. وهذا اختيار أبي الخطاب، ومذهب ms1660 الشافعي؛ لأنه صوم ~~واجب، يجب القضاء بفواته، كصوم رمضان. فأما الهدي الواجب، إذا أخره لعذر، ~~مثل أن ضاعت نفقته، فليس عليه إلا قضاؤه، كسائر الهدايا الواجبة. # وإن أخره لغير عذر، ففيه روايتان: إحداهما، ليس عليه إلا قضاؤه، كسائر ~~الهدايا. والأخرى، عليه هدي آخر؛ لأنه نسك مؤقت، فلزم الدم بتأخيره عن ~~وقته، كرمي الجمار. وقال أحمد: من تمتع، فلم يهد إلى قابل، يهدي هديين. كذا ~~قال ابن عباس. ### | [فصل إذا صام عشرة أيام لم يلزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة] # (2611) فصل: وإذا صام عشرة أيام، لم يلزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة. ~~وقال أصحاب الشافعي: عليه التفريق؛ لأنه وجب من حيث الفعل، وما وجب التفريق ~~فيه من حيث الفعل، لم يسقط بفوات وقته، كأفعال الصلاة من الركوع والسجود. # ولنا، أنه صوم واجب، في زمن يصح الصوم فيه، فلم يجب تفريقه، كسائر الصوم. ~~ولا نسلم وجوب التفريق في الأداء، فإنه إذا صام أيام منى، وأتبعها السبعة، ~~فما حصل التفريق. وإن سلمنا وجوب التفريق في الأداء، فإن كان من حيث الوقت، ~~فإذا فات الوقت سقط، كالتفريق بين الصلاتين. # PageV03P419 ### | [فصل وقت وجوب الصوم على المتمتع] # (2612) فصل: ووقت وجوب الصوم وقت وجوب الهدي؛ لأنه بدل، فكان وقت وجوبه ~~وقت وجوب المبدل، كسائر الأبدال. فإن قيل: فكيف جوزتم الانتقال إلى الصوم ~~قبل زمان وجوب المبدل، ولم يتحقق العجز عن المبدل؛ لأنه إنما يتحقق المجوز ~~للانتقال إلى البدل زمن الوجوب، وكيف جوزتم الصوم قبل وجوبه؟ قلنا: إنا ~~جوزنا له الانتقال إلى البدل، بناء على العجز الظاهر، فإن الظاهر من المعسر ~~استمرار إعساره وعجزه، كما جوزنا التكفير بالبدل قبل وجوب المبدل. وأما ~~تجويز الصوم قبل وجوبه، فقد ذكرناه. ### | [مسألة دخل في الصيام ثم قدر على الهدي] # (2613) مسألة: قال: (ومن دخل في الصيام، ثم قدر على الهدي، لم يكن عليه ~~الخروج من الصوم إلى الهدي، إلا أن يشاء) وبهذا قال الحسن، وقتادة، ومالك، ~~والشافعي. # وقال ابن أبي نجيح، وحماد، والثوري: إن أيسر قبل أن تكمل الثلاثة، فعليه ~~الهدي، وإن أكمل الثلاثة ms1661 صام السبعة. وقيل: متى قدر على الهدي قبل يوم ~~النحر، انتقل إليه، صام أو لم يصم. وإن وجده بعد أن مضت أيام النحر أجزأه ~~الصيام، قدر على الهدي أو لم يقدر؛ لأنه قدر على المبدل في زمن وجوبه، فلم ~~يجزئه البدل، كما لو لم يصم. # ولنا، أنه صوم دخل فيه لعدم الهدي، لم يلزمه الخروج إليه، كصوم السبعة، ~~وعلى هذا يخرج الأصل الذي قاسوا عليه، وإنه ما شرع في الصيام. ### | [فصل وجب عليه الصوم فلم يشرع حتى قدر على الهدي] # (2614) فصل: وإن وجب عليه الصوم، فلم يشرع حتى قدر على الهدي، ففيه ~~روايتان: إحداهما، لا يلزمه الانتقال إليه. قال في رواية المروذي: إذا لم ~~يصم في الحج فليصم إذا رجع. ولا يرجع إلى الدم، وقد انتقل فرضه إلى الصيام؛ ~~وذلك لأن الصيام استقر في ذمته، لوجوبه حال وجود السبب المتصل بشرطه، وهو ~~عدم الهدي. والثانية، يلزمه الانتقال إليه. قال يعقوب: سألت أحمد عن ~~المتمتع إذا لم يصم قبل يوم النحر؟ قال: عليه هديان، يبعث بهما إلى مكة. ~~أوجب عليه الهدي الأصلي، وهديا لتأخيره الصوم عن وقته؛ ولأنه قدر على ~~المبدل قبل شروعه في البدل، فلزمه الانتقال إليه، كالمتيمم إذا وجد الماء. ### | [فصل لزمه صوم المتعة فمات قبل أن يأتي به لعذر منعه عن الصوم] # (2615) فصل: ومن لزمه صوم المتعة، فمات قبل أن يأتي به لعذر منعه عن ~~الصوم، فلا شيء عليه. وإن كان لغير عذر، أطعم عنه، كما يطعم عن صوم أيام ~~رمضان. ولأنه صوم وجب بأصل الشرع، أشبه صوم رمضان. # PageV03P420 ### | [مسألة المرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت فخشيت فوات الحج] # (2616) مسألة: قال: (والمرأة إذا دخلت متمتعة، فحاضت، فخشيت فوات الحج، ~~أهلت بالحج، وكانت قارنة، ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم) وجملة ذلك أن ~~المتمتعة إذا حاضت قبل الطواف للعمرة، لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لأن ~~الطواف بالبيت صلاة، ولأنها ممنوعة من دخول المسجد، ولا يمكنها أن تحل من ~~عمرتها ما لم تطف بالبيت. فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج ms1662 مع عمرتها، وتصير ~~قارنة. # وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وكثير من أهل العلم. وقال أبو ~~حنيفة: ترفض العمرة، وتهل بالحج. قال أحمد: قال أبو حنيفة قد رفضت العمرة ~~فصار حجا، وما قال هذا أحد غير أبي حنيفة. واحتج بما روى عروة، عن عائشة، ~~قالت: «أهللنا بعمرة، فقدمت مكة وأنا حائض، لم أطف بالبيت، ولا بين الصفا ~~والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: انقضي ~~رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة. قالت: ففعلت. فلما قضينا الحج ~~أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى ~~التنعيم، فاعتمرت معه. فقال: هذه عمرة مكان عمرتك» . متفق عليه. # وهذا يدل على أنها رفضت عمرتها، وأحرمت بحج من وجوه ثلاثة؛ أحدها، قوله: ~~" دعي عمرتك ". والثاني، قوله: " وامتشطي ". والثالث، قوله: " هذه عمرة ~~مكان عمرتك ". ولنا، ما روى «جابر، قال: أقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كانت ~~بسرف عركت، ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة، فوجدها ~~تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحل، ولم ~~أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال: إن هذا أمر كتبه الله على ~~بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت، ~~طافت بالكعبة، وبالصفا والمروة. ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك. قالت: يا ~~رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. قال: فاذهب بها يا ~~عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم» . # وروى طاوس، عن عائشة، «أنها قالت: أهللت بعمرة، فقدمت ولم أطف حتى حضت، ~~ونسكت المناسك كلها، وقد أهللت بالحج. فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك. فأبت، فبعث معها عبد الرحمن بن أبي ~~بكر، فأعمرها من التنعيم» . رواهما مسلم. وهما يدلان على ما ذكرنا جميعه ~~ولأن إدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من غير خشية الفوات، فمع خشية ~~الفوات أولى. # قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه ms1663 من أهل العلم، أن لمن أهل بعمرة أن ~~يدخل عليها # PageV03P421 # الحج، ما لم يفتتح الطواف بالبيت. وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من كان معه هدي في حجة الوداع، أن يهل بالحج مع العمرة، ومع إمكان الحج مع ~~بقاء العمرة لا يجوز رفضها؛ لقول الله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} ~~[البقرة: 196] . ولأنها متمكنة من إتمام عمرتها بلا ضرر، فلم يجز رفضها، ~~كغير الحائض. فأما حديث عروة، فإن قوله: " انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي ~~العمرة ". انفرد به عروة، وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت، وقد روي ~~عن طاوس، والقاسم، والأسود، وعمرة وعائشة، ولم يذكروا ذلك. وحديث جابر، ~~وطاوس مخالفان لهذه الزيادة. # وقد روى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، حديث حيضها، ~~فقال فيه: حدثني غير واحد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: " ~~دعي العمرة، وانقضي رأسك، وامتشطي ". وذكر تمام الحديث. # وهذا يدل على أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة، وهو مع ما ذكرنا من ~~مخالفته بقية الرواة، يدل على الوهم، مع مخالفتها الكتاب والأصول، إذ ليس ~~لنا موضع آخر يجوز فيه رفض العمرة مع إمكان إتمامها، ويحتمل أن قوله: " دعي ~~العمرة ". أي دعيها بحالها، وأهلي بالحج معها، أو دعي أفعال العمرة، فإنها ~~تدخل في أفعال الحج. # وأما إعمارها من التنعيم، فلم يأمرها به النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وإنما قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني أجد في نفسي أني لم أطف ~~بالبيت حتى حججت. قال: " فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم ". ~~وروى الأثرم، بإسناده عن الأسود، عن عائشة، قلت: اعتمرت بعد الحج؟ قالت: ~~والله ما كانت عمرة، ما كانت إلا زيارة زرت البيت، إنما هي مثل نفقتها. قال ~~أحمد: إنما أعمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة حين ألحت عليه، فقالت: ~~يرجع الناس بنسكين، وأرجع بنسك، فقال: " يا عبد الرحمن، أعمرها ". فنظر إلى ~~أدنى الحرم، فأعمرها منه. # وقول الخرقي: " ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم ms1664 ". وذلك لأن طواف القدوم ~~سنة لا يجب قضاؤها، ولم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة بقضائه، ~~ولا فعلته هي. ### | [فصل كل متمتع خشي فوات الحج يحرم بالحج ويصير قارنا] # (2617) فصل: وكل متمتع خشي فوات الحج، فإنه يحرم بالحج، ويصير قارنا، ~~وكذلك المتمتع الذي معه هدي، فإنه لا يحل من عمرته، بل يهل بالحج معها، ~~فيصير قارنا. ولو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف من غير خوف الفوات، جاز، ~~وكان قارنا، بغير خلاف، وقد فعل ذلك ابن عمر، ورواه عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. فأما بعد الطواف، فليس له ذلك، ولا يصير قارنا. وبهذا قال ~~الشافعي، وأبو ثور. وروي عن عطاء. # وقال مالك: يصير قارنا. وحكي ذلك عن أبي حنيفة؛ لأنه أدخل الحج على إحرام ~~العمرة، فصح، كما قبل الطواف. ولنا، أنه شارع في التحلل من العمرة، فلم يجز ~~له إدخال الحج عليها، كما لو سعى بين الصفا والمروة. # PageV03P422 ### | [فصل إدخال العمرة على الحج] # (2618) فصل: فأما إدخال العمرة على الحج، فغير جائز، فإن فعل لم يصح، ولم ~~يصر قارنا. روي ذلك عن علي. وبه قال مالك، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. ~~وقال أبو حنيفة: يصح، ويصير قارنا؛ لأنه أحد النسكين، فجاز إدخاله على ~~الآخر، قياسا على إدخال الحج على العمرة. # ولنا، ما روى الأثرم، بإسناده عن عبد الرحمن بن نصر، عن أبيه، قال: خرجت ~~أريد الحج، فقدمت المدينة، فإذا علي قد خرج حاجا، فأهللت بالحج، ثم خرجت، ~~فأدركت عليا في الطريق، وهو يهل بعمرة وحجة، فقلت: يا أبا الحسن، إنما خرجت ~~من الكوفة لأقتدي بك، وقد سبقتني، فأهللت بالحج، أفأستطيع أن أدخل معك فيما ~~أنت فيه؟ قال: لا، إنما ذلك لو كنت أهللت بعمرة. ولأن إدخال العمرة على ~~الحج لا يفيده إلا ما أفاده العقد الأول، فلم يصح، كما لو استأجره على عمل، ~~ثم استأجره عليه ثانيا في المدة، وعكسه إدخال الحج على العمرة. ### | [مسألة الوطء قبل رمي جمرة العقبة] # (2619) مسألة: قال: (ومن وطئ قبل رمي جمرة العقبة، فقد ms1665 فسد حجهما، وعليه ~~بدنة إن كان استكرهها، ولا دم عليها) (2620) وفي هذه المسألة ثلاثة فصول: ~~الفصل الأول، أن الوطء قبل جمرة العقبة يفسد الحج، ولا فرق بين ما قبل ~~الوقوف وبعده. وبهذا قال مالك، والشافعي. # وقال أصحاب الرأي: إن وطئ بعد الوقوف لم يفسد حجه؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من أدرك عرفة فقد تم حجه» . ولأنه أمن الفوات، فأمن الفساد، ~~كما بعد التحلل الأول. # ولنا، أن رجلا سأل ابن عباس وعبد الله بن عمرو، فقال: وقعت بأهلي ونحن ~~محرمان. فقالا له: أفسدت حجك. ولم يستفصلوا السائل. رواه الأثرم. ولأنه وطء ~~صادف إحراما تاما فأفسده، كقبل الوقوف، ويخالف ما بعد التحلل الأول، فإن ~~الإحرام غير تام، والمراد من الخبر الأمن من الفوات، ولا يلزم من أمن ~~الفوات أمن الفساد، وبدليل العمرة يأمن فواتها ولا يأمن فسادها. قال أحمد: ~~لا أعلم أحدا قال: إن حجه تام. # غير أبي حنيفة، يقول: الحج عرفات، فمن وقف بها فقد تم حجه. وإنما هذا مثل ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك ~~الصلاة» . أي أدرك فضل الصلاة، ولم تفته، كذلك الحج. إذا ثبت هذا، فإنه ~~يفسد حجهما جميعا؛ لأن الجماع وجد منهما، وسواء في ذلك الناسي والعامد، ~~والمستكرهة والمطاوعة، والمستيقظة، عالما كان الرجل أو جاهلا. وقال ~~الشافعي، في أحد قوليه: لا يفسد حج الناسي؛ لأنه معذور. # PageV03P423 # ولنا، أنه معنى يوجب القضاء، فاستوت فيه الأحوال كلها كالفوات، ولا فرق ~~بين ما بعد يوم النحر أو قبله؛ لأنه وطئ قبل التحلل الأول، ففسد حجه، كما ~~لو وطئ يوم النحر. (2621) الفصل الثاني، أنه يلزمه بدنة. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي. # وقال أبو حنيفة: إن وطئ قبل الوقوف فسد حجه وعليه شاة، وإن وطئ بعده لم ~~يفسد حجه، وعليه بدنة؛ لأن الوطء قبل الوقوف معنى يتعلق به وجوب القضاء، ~~فلم يوجب بدنة، كالفوات. ولنا، أنه قد روي عن عمر وابن عباس مثل قولنا، ~~ولأنه وطء صادف إحراما تاما، فأوجب البدنة، كما بعد الوقوف، ms1666 ولأن ما يفسد ~~الحج الجناية به أعظم، فكفارته يجب أن تكون أغلظ. # وأما الفوات، فإنهم يوجبون به بدنة، فكيف يصح القياس عليه؟ الفصل الثالث، ~~أنه لا دم عليها في حال الإكراه. وهو قول عطاء، ومالك، والشافعي، وإسحاق، ~~وأبي ثور. # وقال أصحاب الرأي: عليها دم آخر؛ لأنه قد فسد حجها، فوجبت البدنة، كما لو ~~طاوعت. ولنا، أنها كفارة تجب بالجماع، فلم تجب على المرأة في حال الإكراه، ~~كما لو وطئ في الصوم. ### | [فصل الوطء قبل التحلل من العمرة] # (2623) فصل: ومن وطئ قبل التحلل من العمرة، فسدت عمرته، وعليه شاة مع ~~القضاء. وقال الشافعي: عليه القضاء وبدنة؛ لأنها عبادة تشتمل على طواف ~~وسعي، فأشبهت الحج. وقال أبو حنيفة إن وطئ قبل أن يطوف أربعة أشواط كقولنا، ~~وإن وطئ بعد ذلك فعليه شاة، ولا تفسد عمرته. # ولنا على الشافعي، أنها عبادة لا وقوف فيها، فلم يجب فيها بدنة، كما لو ~~قرنها بالحج، ولأن العمرة دون الحج، فيجب أن يكون حكمها دون حكمه، وبهذا ~~يخرج الحج. # ولنا على أبي حنيفة، أن الجماع من محظورات الإحرام، فاستوى فيه ما قبل ~~الطواف وبعده، كسائر المحظورات، ولأنه وطء صادف إحراما تاما فأفسده، كما ~~قبل الطواف. ### | [فصل أفسد القارن والمتمتع نسكهما] # (2624) فصل: إذا أفسد القارن والمتمتع نسكهما، لم يسقط الدم عنهما. وبه ~~قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يسقط. وعن أحمد مثله؛ لأنه لم يحصل له ~~الترفه بسقوط أحد السفرين. # ولنا، أن ما وجب في النسك الصحيح وجب في الفاسد، كالأفعال، ولأنه دم وجب ~~عليه، فلا يسقط بالإفساد، كالدم الواجب لترك الميقات. # PageV03P424 ### | [فصل أفسد القارن نسكه ثم قضى مفردا] # (2625) فصل: وإذا أفسد القارن نسكه، ثم قضى مفردا، لم يلزمه في القضاء ~~دم. وقال الشافعي: يلزمه؛ لأنه يجب في القضاء ما يجب في الأداء، وهذا كان ~~واجبا في الأداء. # ولنا، أن الإفراد أفضل من القران مع الدم، فإذا أتى بهما فقد أتى بما هو ~~أولى، فلا يلزمه شيء، كمن لزمته الصلاة بتيمم، فقضى بالوضوء. ### | [مسألة الوطء بعد رمي جمرة ms1667 العقبة] # (2626) مسألة: قال: (وإن وطئ بعد رمي جمرة العقبة، فعليه دم، ويمضي إلى ~~التنعيم فيحرم؛ ليطوف وهو محرم) وفي هذه المسألة ثلاثة فصول (2627) : ~~أحدها، أن الوطء بعد الجمرة لا يفسد الحج. وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ~~وعطاء، والشعبي، وربيعة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # وقال النخعي، والزهري، وحماد: عليه حج من قابل؛ لأن الوطء صادف إحراما من ~~الحج، فأفسده، كالوطء قبل الرمي. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا ~~أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» . ولأنه قول ابن عباس، فإنه قال في رجل ~~أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزورا بينهما، وليس عليه الحج من ~~قابل. ولا نعرف له مخالفا في الصحابة. # ولأن الحج عبادة لها تحللان، فوجود المفسد بعد تحللها الأول لا يفسدها، ~~كبعد التسليمة الأولى في الصلاة، وبهذا فارق ما قبل التحلل الأول. الفصل ~~الثاني، أن الواجب عليه بالوطء شاة. هذا ظاهر كلام الخرقي. ونص عليه أحمد. ~~وقول عكرمة، وربيعة، ومالك، وإسحاق. # وقال القاضي: فيه رواية أخرى، أن عليه بدنة. وهو قول ابن عباس، وعطاء، ~~والشعبي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه وطئ في الحج، فوجبت عليه بدنة، كما ~~قبل رمي جمرة العقبة. # ولنا، أنه وطء لم يفسد، فلم يوجب كالوطء دون الفرج إذا لم ينزل. ولأن حكم ~~الإحرام خف بالتحلل الأول، فينبغي أن يكون موجبه دون موجب الإحرام التام. ~~(2629) الفصل الثالث، أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد رمي الجمرة، ويلزمه أن ~~يحرم من الحل. وبذلك قال عكرمة، وربيعة، وإسحاق. # وقال ابن عباس، وعطاء، والشعبي، والشافعي: حجه صحيح، ولا يلزمه الإحرام؛ ~~لأنه إحرام لا يفسد جميعه، فلم يفسد بعضه، كما لو وطئ بعد التحلل الثاني. # ولنا، أنه وطء صادف إحراما، فأفسده، كالإحرام التام، وإذا فسد إحرامه، ~~فعليه أن يحرم ليأتي بالطواف في إحرام صحيح؛ لأن الطواف ركن، فيجب أن يأتي ~~به في إحرام صحيح، كالوقوف، ويلزمه # PageV03P425 # الإحرام من الحل؛ لأن الإحرام ينبغي أن ms1668 يجمع فيه بين الحل والحرم، فلو ~~أبحنا لهذا الإحرام من الحرم لم يجمع بينهما؛ لأن أفعاله كلها تقع في ~~الحرم، فأشبه المعتمر. وإذا أحرم من الحل، طاف للزيارة، وسعى إن كان لم يسع ~~في حجه. # وإن كان سعى، طاف للزيارة، وتحلل. هذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأن الذي بقي ~~عليه بقية أفعال الحج، وإنما وجب عليه الإحرام ليأتي بها في إحرام صحيح. ~~والمنصوص عن أحمد ومن وافقه من الأئمة، أنه يعتمر، فيحتمل أنهم أرادوا هذا ~~أيضا، وسموه عمرة؛ لأن هذا هو أفعال العمرة؛ ويحتمل أنهم أرادوا عمرة ~~حقيقية، فيلزمه سعي وتقصير. والأول أصح؛ لما ذكرنا. وقول الخرقي: " يحرم من ~~التنعيم ". لم يذكره لتعيين الإحرام منه، بل لأنه حل، فمن أحل وأحرم جاز ~~كالمعتمر. # (2630) فصل: ولا فرق بين من حلق ومن لم يحلق، في أنه لا يفسد حجه بالوطء ~~بعد الرمي، وعليه دم وإحرام من الحل. هذا ظاهر كلام أحمد، والخرقي ومن ~~سميناه من الأئمة، لترتيبهم هذا الحكم على الوطء بعد مجرد الرمي، من غير ~~اعتبار أمر زائد. ### | [فصل طاف للزيارة ولم يرم ثم وطئ] # (2631) فصل: فإن طاف للزيارة، ولم يرم، ثم وطئ، لم يفسد حجه بحال؛ لأن ~~الحج قد تم أركانه كلها، ولا يلزمه إحرام من الحل، فإن الرمي ليس بركن. وهل ~~يلزمه دم؟ يحتمل أنه لا يلزمه شيء؛ لما ذكرنا، ويحتمل أنه يلزمه؛ لأنه وطئ ~~قبل وجود ما يتم به التحلل، فأشبه من وطئ بعد الرمي وقبل الطواف. ### | [فصل فصل القارن إذا وطئ بعد الرمي لم يفسد حجه ولا عمرته] # (2632) فصل: والقارن كالمفرد؛ فإنه إذا وطئ بعد الرمي لم يفسد حجه، ولا ~~عمرته؛ لأن الحكم للحج، ألا ترى أنه لا يحل من عمرته قبل الطواف، ويفعل ذلك ~~إذا كان قارنا، ولأن الترتيب للحج دونها، والحج لا يفسد قبل الطواف، كذلك ~~العمرة. وقال أحمد من وطئ بعد الطواف يوم النحر قبل أن يركع: ما عليه شيء. ~~قال أبو طالب: سألت أحمد عن الرجل يقبل بعد رمي جمرة العقبة، قبل أن يزور ms1669 ~~البيت؟ قال: ليس عليه شيء، قد قضى المناسك. فعلى هذا، ليس عليه فيما دون ~~الوطء في الفرج شيء. ### | [مسألة نسي الرمي إلى الليل] # (2633) مسألة: قال: (ومباح لأهل السقاية والرعاة، أن يرموا بالليل) تروى ~~هذه اللفظة: " الرعاة " بضم الراء وإثبات الهاء، مثل الدعاة والقضاة. ~~والرعاء، بكسر الراء والمد من غير هاء، وهما لغتان صحيحتان. قال الله ~~تعالى: {حتى يصدر الرعاء} [القصص: 23] . وفي بعض الحديث: «أرخص للرعاة أن ~~يرموا يوما، ويدعوا يوما» . وإنما أبيح لهؤلاء الرمي بالليل؛ # PageV03P426 # لأنهم يشتغلون بالنهار برعي المواشي وحفظها، وأهل السقاية هم الذين يسقون ~~من بئر زمزم للحاج، فيشتغلون بسقايتهم نهارا، فأبيح لهم الرمي في وقت ~~فراغهم، تخفيفا عليهم، فيجوز لهم رمي كل يوم في الليلة المستقبلة، فيرمون ~~جمرة العقبة في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق، ورمي اليوم الأول في ~~ليلة الثاني، ورمي الثاني في ليلة الثالث، والثالث إذا أخروه إلى الغروب ~~سقط عنهم، كسقوطه عن غيرهم. قال عطاء: لا يرمي الليل إلا رعاء الإبل، فأما ~~التجار فلا. وكان مالك والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، يقولون: من نسي ~~الرمي إلى الليل، رمى، ولا شيء عليه، من الرعاة ومن غيرهم. ### | [مسألة للرعاة أن يؤخروا الرمي] # (2634) مسألة: قال: (ومباح للرعاة أن يؤخروا الرمي، فيقضوه في الوقت ~~الثاني) وجملة ذلك أنه يجوز للرعاة ترك المبيت بمنى ليالي منى، ويؤخرون رمي ~~اليوم الأول، ويرمون يوم النفر الأول عن الرميين جميعا؛ لما عليهم من ~~المشقة في المبيت والإقامة للرمي. وقد روى مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، ~~عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم، عن أبيه، قال: «رخص رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي ~~يومين بعد يوم النحر، يرمونه في أحدهما.» قال مالك: ظننت أنه في أول يوم ~~منهما، ثم يرمون يوم النفر. رواه ابن ماجه، والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح، ~~رواه ابن عيينة، قال: رخص للرعاء أن يرموا يوما، ويدعوا يوما. وكذلك الحكم ~~في أهل سقاية الحاج. وقد روى ms1670 ابن عمر، «أن العباس استأذن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ليبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته» . متفق عليه. إلا أن ~~الفرق بين الرعاء، وأهل السقاية، أن الرعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس لزمهم ~~البيتوتة، وأهل السقاية بخلاف ذلك؛ لأن الرعاة إنما رعيهم بالنهار، فإذا ~~غربت الشمس فقد انقضى وقت الرعي، وأهل السقاية يشتغلون ليلا ونهارا، ~~فافترقا، وصار الرعاء كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة لمرضه، فإذا حضرها ~~تعينت عليه، والرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعي، فإذا فات وقته وجب ~~المبيت. ### | [فصل المبيت بمني لأهل الأعذار] # (2635) فصل: وأهل الأعذار من غير الرعاء، كالمرضى، ومن له مال يخاف ~~ضياعه، ونحوهم، كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رخص لهؤلاء تنبيها على غيرهم، أو نقول: نص عليه لمعنى وجد في غيرهم، فوجب ~~إلحاقه بهم. ### | [فصل يستنيب من يرمي عنه] # (2636) فصل: إذا كان الرجل مريضا، أو محبوسا، أو له عذر، جاز أن يستنيب ~~من يرمي عنه. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إذا رمي عنه الجمار، يشهد هو ~~ذاك أو يكون في رحله؟ قال: يعجبني أن يشهد ذاك إن قدر حين يرمى عنه. # PageV03P427 # قلت: فإن ضعف عن ذلك، أيكون في رحله ويرمي عنه؟ قال: نعم. # قال القاضي: المستحب أن يضع الحصى في يد النائب، ليكون له عمل في الرمي. ~~وإن أغمي على المستنيب، لم تنقطع النيابة، وللنائب الرمي عنه، كما لو ~~استنابه في الحج ثم أغمي عليه. وبما ذكرنا في هذه المسألة قال الشافعي، ~~ونحوه قال مالك، إلا أنه قال: يتحرى المريض حين رميهم، فيكبر سبع تكبيرات. ### | [فصل ترك الرمي من غير عذر] # (2637) فصل: ومن ترك الرمي من غير عذر، فعليه دم. قال أحمد: أعجب إلي إذا ~~ترك الأيام كلها كان عليه دم. وفي ترك جمرة واحدة دم أيضا. نص عليه أحمد. ~~وبهذا قال عطاء، والشافعي، وأصحاب الرأي. وحكي عن مالك أن عليه في جمرة أو ~~الجمرات كلها بدنة. قال الحسن: من نسي جمرة واحدة يتصدق على مسكين. ولنا، ms1671 ~~قول ابن عباس: من ترك شيئا من مناسكه فعليه دم. ولأنه ترك من مناسكه ما لا ~~يفسد الحج بتركه، فكان الواجب عليه شاة كالمبيت. وإن ترك أقل من جمرة، ~~فالظاهر عن أحمد أنه لا شيء عليه، في حصاة، ولا في حصاتين. وعنه، أنه يجب ~~الرمي بسبع. فإن ترك شيئا من ذلك، تصدق بشيء، أي شيء كان. وعنه، أن في كل ~~حصاة دما. وهو مذهب مالك، والليث؛ لأن ابن عباس، قال: من ترك شيئا من ~~مناسكه فعليه دم. وعنه: في الثلاثة دم. وهو مذهب الشافعي. وفيما دون ذلك، ~~في كل حصاة مد. وعنه: درهم. وعنه، نصف درهم. وقال أبو حنيفة: إن ترك جمرة ~~العقبة أو الجمار كلها فعليه دم، وإن ترك غير ذلك فعليه في كل حصاة نصف ~~صاع، إلى أن يبلغ دما. وقد ذكرنا ذلك. وآخر وقت الرمي آخر أيام التشريق، ~~فمتى خرجت قبل رميه فات وقته، واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي. هذا ~~قول أكثر أهل العلم. وحكي عن عطاء، في من رمى جمرة العقبة، ثم خرج إلى إبله ~~في ليلة أربع عشرة، ثم رمى قبل طلوع الفجر، فإن لم يرم أهرق دما. والأول ~~أولى؛ لأن محل الرمي النهار، فيخرج وقت الرمي بخروج النهار، والله أعلم. # PageV03P428 ### | [باب الفدية وجزاء الصيد] ### | [مسألة المحرم حلق أربع شعرات فصاعدا عامدا أو مخطئا] ### | [فصل على المحرم فدية إذا حلق رأسه] # (2638) مسألة: قال: (ومن حلق أربع شعرات فصاعدا، عامدا أو مخطئا، فعليه ~~صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين، أو ذبح شاة، ~~أي ذلك فعل أجزأه) الكلام في هذه المسألة في ستة فصول: (2639) الفصل الأول، ~~أن على المحرم فدية إذا حلق رأسه. ولا خلاف في ذلك. قال ابن المنذر: أجمع ~~أهل العلم على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة. والأصل في ذلك ~~قوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو ~~به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة ms1672 أو نسك} [البقرة: 196] . «وقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لكعب بن عجرة: لعلك آذاك هوامك؟ قال: نعم يا رسول ~~الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، ~~أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة» . متفق عليه. وفي لفظ: " أو أطعم ستة ~~مساكين لكل مسكين نصف صاع تمر ". ولا فرق في ذلك بين إزالة الشعر بالحلق، ~~أو النورة، أو قصه، أو غير ذلك، لا نعلم فيه خلافا. (2640) الفصل الثاني، ~~أنه لا فرق بين العامد والمخطئ، ومن له عذر ومن لا عذر له، في ظاهر المذهب. ~~وهو قول الشافعي ونحوه عن الثوري. وفيه وجه آخر، لا فدية على الناسي. وهو ~~قول إسحاق، وابن المنذر؛ لقوله - عليه السلام -: «عفي لأمتي عن الخطأ ~~والنسيان» . ولنا، أنه إتلاف، فاستوى عمده وخطؤه، كقتل الصيد، ولأن الله ~~تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى به وهو معذور، فكان ذلك تنبيها على ~~وجوبها على غير المعذور، ودليلا على وجوبها على المعذور بنوع آخر، مثل ~~المحتجم الذي يحلق موضع محاجمه، أو شعرا عن شجته، وفي معنى الناسي النائم ~~الذي يقلع شعره، أو يصوب شعره إلى تنور فيحرق لهب النار شعره، ونحو ذلك. ~~(2641) الفصل الثالث، أن الفدية هي إحدى الثلاثة المذكورة في الآية والخبر، ~~أيها شاء فعل؛ لأنه أمر بها بلفظ التخيير، ولا فرق في ذلك بين المعذور ~~وغيره، والعامد والمخطئ. وهو مذهب مالك، والشافعي. وعن أحمد، أنه إذا حلق ~~لغير عذر فعليه الدم، من غير تخيير. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن الله تعالى ~~خير بشرط العذر، فإذا عدم الشرط وجب زوال التخيير. ولنا، أن الحكم ثبت في ~~غير المعذور بطريق التنبيه تبعا له، والتبع لا يخالف أصله، ولأن كل كفارة # PageV03P429 # ثبت التخيير فيها إذا كان سببها مباحا ثبت كذلك إذا كان محظورا، كجزاء ~~الصيد، ولا فرق بين قتله للضرورة إلى أكله، أو لغير ذلك، وإنما الشرط لجواز ~~الحلق لا للتخيير. ### | [فصل القدر الذي يجب به الدم في حلق شعر الحاج] # (2642) الفصل الرابع، القدر ms1673 الذي يجب به الدم أربع شعرات فصاعدا، وفيه ~~رواية أخرى، يجب في الثلاث ما في حلق الرأس. قال القاضي: هو المذهب. وهو ~~قول الحسن، وعطاء، وابن عيينة، والشافعي، وأبي ثور؛ لأنه شعر آدمي يقع عليه ~~اسم الجمع المطلق، فجاز أن يتعلق به الدم كالربع. وقال أبو حنيفة: لا يجب ~~الدم بدون ربع الرأس؛ لأن الربع يقوم مقام الكل ولهذا إذا رأى رجلا يقول: ~~رأيت فلانا. وإنما رأى إحدى جهاته. وقال مالك: إذا حلق من رأسه ما أماط به ~~الأذى وجب الدم. ووجه كلام الخرقي أن الأربع كثير، فوجب به الدم كالربع ~~فصاعدا أما الثلاثة فهي آخر القلة وآخر الشيء منه، فأشبه الشعرة والشعرتين ~~والاستدلال بأن الربع يقع عليه اسم الكل غير صحيح؛ فإن ذلك لا يتقيد ~~بالربع، وإنما هو مجاز يتناول الكثير والقليل. ### | [فصل شعر الرأس وغيره سواء في وجوب فدية الحج] # (2643) الفصل الخامس أن شعر الرأس وغيره سواء في وجوب الفدية؛ لأن شعر ~~غير الرأس يحصل بحلقه الترفه والتنظف، فأشبه الرأس. فإن حلق من شعر رأسه ~~وبدنه، ففي الجميع فدية واحدة، وإن كثر. وإن حلق من رأسه شعرتين، ومن بدنه ~~شعرتين، فعليه دم واحد. هذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي الخطاب، ومذهب ~~أكثر الفقهاء. # وذكر أبو الخطاب أن فيها روايتين؛ إحداهما كما ذكرنا. والثانية، أنه إذا ~~قلع من شعر رأسه وبدنه ما يجب الدم بكل واحد منهما منفردا ففيهما دمان. وهو ~~الذي ذكره القاضي وابن عقيل؛ لأن الرأس يخالف البدن؛ بحصول التحلل به دون ~~البدن. # ولنا، أن الشعر كله جنس واحد في البدن، فلم تتعدد الفدية فيه، باختلاف، ~~مواضعه، كسائر البدن وكاللباس، ودعوى الاختلاف تبطل باللباس، فإنه يجب كشف ~~الرأس، دون غيره، والجزاء في اللبس فيهما واحد. ### | [فصل مقدار الفدية الواجبة بحلق الشعر في الحج] # (2644) الفصل السادس، أن الفدية الواجبة بحلق الشعر هي المذكورة في حديث ~~كعب بن عجرة، بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «احلق رأسك، وصم ثلاثة ~~أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين، نصف صاع، أو ms1674 انسك شاة» . وفي لفظ: ~~«أو أطعم فرقا بين ستة مساكين» . متفق عليه. وفي لفظ: «أو أطعم ستة مساكين ~~بين كل مسكينين صاع» . وفي لفظ: «فصم ثلاثة أيام وإن شئت فتصدق بثلاثة آصع ~~من تمر. بين ستة مساكين» . رواه كله أبو داود. # وبهذا قال مجاهد، والنخعي، وأبو مجلز، والشافعي، ومالك، وأصحاب الرأي. # وقال الحسن، وعكرمة، ونافع: الصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين. ~~ويروى ذلك عن الثوري، وأصحاب الرأي، # PageV03P430 # قالوا: يجزئ من البر نصف صاع لكل مسكين، ومن التمر والشعير صاع صاع. ~~واتباع السنة أولى. ### | [فصل يجزئ البر والشعير والزبيب في فدية الحج] # (2645) فصل: ويجزئ البر والشعير والزبيب في الفدية؛ لأن كل موضع أجزأ فيه ~~التمر أجزأ فيه ذلك، كالفطرة، وكفارة اليمين. وقد روى أبو داود، في حديث ~~كعب بن عجرة، قال: «فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: احلق ~~رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقا من زبيب. أو انسك شاة.» ~~رواه أبو داود. # ولا يجزئ من هذه الأصناف أقل من ثلاثة آصع، إلا البر، ففيه روايتان: ~~إحداهما، مد من بر لكل مسكين، مكان نصف صاع من غيره، كما في كفارة اليمين. ~~والثانية، لا يجزئ إلا نصف صاع؛ لأن الحكم ثبت فيه بطريق التنبيه أو ~~القياس، والفرع يماثل أصله ولا يخالفه. وبهذا قال مالك، والشافعي. ### | [فصل حلق المحرم مرة ثم كرر الحلق] # (2646) فصل: وإذا حلق ثم حلق، فالواجب فدية واحدة، ما لم يكفر عن الأول ~~قبل فعل الثاني، فإن كفر عن الأول ثم حلق ثانيا، فعليه للثاني كفارة أيضا. ~~وكذلك الحكم فيما إذا لبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، أو كرر من محظورات ~~الإحرام اللاتي لا يزيد الواجب فيها بزيادتها، ولا يتقدر بقدرها، فأما ما ~~يتقدر الواجب بقدره، وهو إتلاف الصيد، ففي كل واحد منها جزاؤه، وسواء فعله ~~مجتمعا أو متفرقا، ولا تداخل فيه، ففعل المحظورات متفرقا كفعلها مجتمعة في ~~الفدية، ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني. # وعن أحمد أنه إن كرره لأسباب، ms1675 مثل أن لبس للبرد، ثم لبس للحر، ثم لبس ~~للمرض، فكفارات، وإن كان لسبب واحد، فكفارة واحدة. وقد روى عنه الأثرم، في ~~من لبس قميصا وجبة وعمامة وغير ذلك، لعلة واحدة، قلت له: فإن اعتل فلبس ~~جبة، ثم برئ، ثم اعتل فلبس جبة؟ فقال: هذا الآن عليه كفارتان. # وعن الشافعي كقولنا. وعنه: لا يتداخل. وقال مالك: تتداخل كفارة الوطء دون ~~غيره. وقال أبو حنيفة: إن كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن كان في ~~مجالس فكفارات؛ لأن حكم المجلس الواحد حكم الفعل الواحد، بخلاف غيره. # ولنا، أن ما يتداخل إذا كان بعضه عقيب بعض يجب أن يتداخل، وإن تفرق ~~كالحدود وكفارة الأيمان، ولأن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة، ~~ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو في دفعات، والقول بأنه لا يتداخل غير صحيح، ~~فإنه إذا حلق رأسه لا يمكن إلا شيئا بعد شيء. # PageV03P431 ### | [فصل جزاء صيد الحرم] # (2647) فصل: فأما جزاء الصيد فلا يتداخل، ويجب في كل صيد جزاؤه، سواء وقع ~~متفرقا أو في حال واحدة. وعن أحمد، أنه يتداخل، قياسا على سائر المحظورات. ~~ولا يصح؛ لأن الله تعالى قال: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] . ~~ومثل الصيدين لا يكون مثل أحدهما، ولأنه لو قتل صيدين دفعة واحدة، وجب ~~جزاؤهما، فإذا تفرقا أولى أن يجب؛ لأن حالة التفريق لا تنقص عن حالة ~~الاجتماع كسائر المحظورات. ### | [فصل حلق المحرم رأس حلال أو قلم أظفاره] # (2648) فصل: إذا حلق المحرم رأس حلال، أو قلم أظفاره، فلا فدية عليه. ~~وبذلك قال عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وقال ~~سعيد بن جبير، في محرم قص شارب حلال: يتصدق بدرهم. وقال أبو حنيفة: يلزمه ~~صدقة؛ لأنه أتلف شعر آدمي، فأشبه شعر المحرم. # ولنا، أنه شعر مباح الإتلاف، فلم يجب بإتلافه شيء، كشعر بهيمة الأنعام. ### | [فصل حلق محرم رأس محرم بإذنه] # (2649) فصل: وإن حلق محرم رأس محرم بإذنه، فالفدية على من حلق رأسه. ~~وكذلك إن حلقه حلال بإذنه؛ لأن الله ms1676 تعالى قال: {ولا تحلقوا رءوسكم} ~~[البقرة: 196] . وقد علم أن غيره هو الذي يحلقه، فأضاف الفعل إليه، وجعل ~~الفدية عليه. # وإن حلقه مكرها أو نائما، فلا فدية على المحلوق رأسه. وبهذا قال إسحاق، ~~وأبو ثور، وابن القاسم صاحب مالك، وابن المنذر. # وقال أبو حنيفة: على المحلوق رأسه الفدية. وعن الشافعي كالمذهبين. ولنا، ~~أنه يحلق رأسه ولم يحلق بإذنه، فأشبه ما لو انقطع الشعر بنفسه. إذا ثبت هذا ~~فإن الفدية على الحالق، حراما كان أو حلالا. # وقال أصحاب الرأي: على الحلال صدقة. وقال عطاء: عليهما الفدية. ولنا، أنه ~~أزال ما منع من إزالته لأجل الإحرام، فكانت عليه فديته، كالمحرم يحلق رأس ~~نفسه. ### | [فصل قلع المحرم جلدة عليها شعر] # (2650) فصل: إذا قلع جلدة عليها شعر، فلا فدية عليه؛ لأنه زال تابعا ~~لغيره، والتابع لا يضمن، كما لو قلع أشفار عيني إنسان، فإنه لا يضمن ~~أهدابهما. ### | [فصل خلل المحرم شعره فسقطت شعرة] # (2651) فصل: وإذا خلل شعره فسقطت شعرة، فإن كانت ميتة فلا فدية فيها، وإن ~~كانت من شعره النابت ففيها الفدية، وإن شك فيها فلا فدية فيها؛ لأن الأصل ~~نفي الضمان إلى أن يحصل يقين. # PageV03P432 ### | [مسألة إذا حلق المحرم دون الأربع] # (2652) مسألة: قال: (وفي كل شعرة من الثلاث مد من طعام) يعني إذا حلق دون ~~الأربع، فعليه في كل شعرة مد من طعام. وهذا قول الحسن، وابن عيينة، ~~والشافعي فيما دون الثلاث. # وعن أحمد، في الشعرة درهم، وفي الشعرتين درهمان. وعنه، في كل شعرة قبضة ~~من طعام. وروي ذلك عن عطاء، ونحوه عن مالك، وأصحاب الرأي. قال مالك عليه ~~فيما قل من الشعر إطعام طعام. # وقال أصحاب الرأي: يتصدق بشيء لأنه لا تقدير فيه، فيجب فيه أقل ما يقع ~~عليه اسم الصدقة. وعن مالك، في من أزال شعرا يسيرا: لا ضمان عليه؛ لأن النص ~~إنما أوجب الفدية في حلق الرأس كله، فألحقنا به ما يقع عليه اسم الرأس. # ولنا، أن ما ضمنت جملته ضمنت أبعاضه، كالصيد، والأولى أن يجب الإطعام؛ ~~لأن الشارع إنما عدل ms1677 عن الحيوان إلى الإطعام في جزاء الصيد، وها هنا أوجب ~~الإطعام مع الحيوان على وجه التخيير، فيجب أن يرجع إليه فيما لا يجب فيه ~~الدم، ويجب مد؛ لأنه أقل ما وجب بالشرع فدية، فكان واجبا في أقل الشعر، ~~والطعام الذي يجزئ فيه إخراجه، وهو ما يجزئ في حلق الرأس ابتداء من البر ~~والشعير والتمر والزبيب، كالذي يجب في الأربع. ### | [فصل من أبيح له حلق رأسه لأذى به فهو مخير في الفدية قبل الحلق وبعده] # (2653) فصل: ومن أبيح له حلق رأسه لأذى به، فهو مخير في الفدية قبل الحلق ~~وبعده. نص عليه أحمد؛ لما روي أن الحسين بن علي اشتكى رأسه، فأتى علي فقيل ~~له: هذا الحسين يشير إلى رأسه. فدعا بجزور فنحرها، ثم حلقه وهو بالسعياء. ~~رواه أبو إسحاق الجوزجاني. ولأنها كفارة، فجاز تقديمها على وجوبها، ككفارة ~~الظهار واليمين. ### | [مسألة المحرم ممنوع من أخذ أظفاره] # (2654) مسألة: قال: (وكذلك الأظفار) قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على ~~أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم. وهو ~~قول حماد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن عطاء ~~وعنه: لا فدية عليه؛ لأن الشرع لم يرد فيه بفدية # ولنا، أنه أزال ما منع إزالته لأجل الترفه، فوجبت عليه الفدية، كحلق ~~الشعر. وعدم النص فيه لا يمنع قياسه عليه، كشعر البدن مع شعر الرأس والحكم ~~في فدية الأظفار كالحكم في فدية الشعر سواء، في أربعة منها دم وعنه في ~~ثلاثة دم. وفي الظفر الواحد مد من طعام، وفي الظفرين مدان، على ما ذكرنا من ~~التفصيل والاختلاف فيه. وقول الشافعي وأبي ثور كذلك. # وقال أبو حنيفة: لا يجب الدم إلا بتقليم أظفار يد كاملة، حتى لو قلم من ~~كل يد أربعة لا يجب عليه الدم؛ لأنه لم يستكمل منفعة اليد، أشبه الظفر ~~والظفرين. # PageV03P433 # ولنا أنه قلم ما يقع عليه اسم الجمع، أشبه ما لو قلم خمسا من يد واحدة، ~~وما قالوه يبطل بما إذا حلق ربع رأسه، فإنه لم ms1678 يستوف منفعة العضو، ويجب به ~~الدم، وقولهم يؤدي إلى أن يجب به الدم في القليل دون الكثير. إذا ثبت هذا ~~فإنه يتخير من قلم ما يجب به الدم بين الثلاثة أشياء، كما قلنا في الشعر؛ ~~لأن الإيجاب في الأظفار بالإلحاق بالشعر، فيكون حكم الفرع حكم أصله، ولا ~~يجب فيما دون الأربعة أو الثلاثة بقسطه من الدم؛ لأن العبادة إذا وجب فيها ~~الحيوان لم يجب فيها جزء منه، كالزكاة (2655) فصل: وفي قص بعض الظفر ما في ~~جميعه، وكذلك في قطع بعض الشعرة مثل ما في قطع جميعها؛ لأن الفدية تجب في ~~الشعرة والظفر، سواء، طال أو قصر، وليس بمقدر بمساحة، فيتقدر الضمان عليه، ~~بل هو كالموضحة يجب في الصغيرة منها مثل ما يجب في الكبيرة. # وخرج ابن عقيل وجها، أنه يجب بحساب المتلف كالإصبع يجب في أنملتها ثلث ~~ديتها، والله أعلم. ### | [مسألة تطيب المحرم عامدا] # (2656) مسألة: قال: (وإن تطيب المحرم عامدا، غسل الطيب، وعليه دم، وكذلك ~~إن لبس المخيط أو الخف عامدا وهو يجد النعل، خلع، وعليه دم) لا خلاف في ~~وجوب الفدية على المحرم، إذا تطيب أو لبس عامدا؛ لأنه ترفه بمحظور في ~~إحرامه، فلزمته الفدية، كما لو ترفه بحلق شعره، أو قلم ظفره والواجب عليه ~~أن يفديه بدم، ويستوي في ذلك قليل الطيب وكثيره، وقليل اللبس وكثيره. وبذلك ~~قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا يجب الدم إلا بتطييب عضو كامل، وفي اللباس بلباس يوم ~~وليلة، ولا شيء فيما دون ذلك؛ لأنه لم يلبس لبسا معتادا فأشبه ما لو اتزر ~~بالقميص. ولنا، أنه متى حصل به الاستمتاع بالمحظورات، فاعتبر مجرد الفعل ~~كالوطء، محظورا، فلا تتقدر فديته بالزمن، كسائر المحظورات، وما ذكروه غير ~~صحيح؛ فإن الناس يختلفون في اللبس في العادة، ولأن ما ذكروه تقدير، ~~والتقديرات بابها التوقيف، وتقديرهم بعضو ويوم وليلة تحكم محض. وأما إذا ~~ائتزر بقميص، فليس ذلك بلبس مخيط، ولهذا لا يحرم عليه، والمختلف فيه محرم. ### | [فصل يلزم المحرم غسل الطيب وخلع اللباس] # (2657) فصل: ويلزمه غسل الطيب، وخلع ms1679 اللباس؛ لأنه فعل محظورا، فيلزمه ~~إزالته وقطع استدامته، كسائر المحظورات. والمستحب أن يستعين في غسل الطيب ~~بحلال؛ لئلا يباشر المحرم الطيب بنفسه، ويجوز أن يليه بنفسه، ولا شيء عليه؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للذي رأى عليه طيبا أو خلوقا: # PageV03P434 # «اغسل عنك الطيب» . ولأنه تارك له، فإن لم يجد ما يغسله به، مسحه بخرقة، ~~أو حكه بتراب أو ورق أو حشيش؛ لأن الذي عليه إزالته بحسب القدرة، وهذا ~~نهاية قدرته. ### | [فصل احتاج المحرم إلى الوضوء وغسل الطيب ومعه ماء لا يكفي إلا أحدهما] # (2658) فصل: إذا احتاج إلى الوضوء وغسل الطيب، ومعه ماء لا يكفي إلا ~~أحدهما قدم غسل الطيب، وتيمم للحدث؛ لأنه لا رخصة في إبقاء الطيب، وفي ترك ~~الوضوء إلى التيمم رخصة. فإن قدر على قطع رائحة الطيب بغير الماء، فعل ~~وتوضأ؛ لأن المقصود من إزالة الطيب قطع رائحته، فلا يتعين الماء، والوضوء ~~بخلافه. ### | [فصل إذا لبس المحرم قميصا وعمامة وسراويل وخفين] # (2659) فصل: إذا لبس قميصا وعمامة وسراويل وخفين، لم يكن عليه إلا فدية ~~واحدة؛ لأنه محظور من جنس واحد، فلم يجب فيه أكثر من فدية واحدة، كالطيب في ~~بدنه ورأسه ورجليه. ### | [فصل فعل المحرم محظورا من أجناس فحلق ولبس وتطيب ووطئ] # (2660) فصل: وإن فعل محظورا من أجناس، فحلق، ولبس، وتطيب، ووطئ، فعليه ~~لكل واحد فدية، سواء فعل ذلك مجتمعا أو متفرقا. # وهذا مذهب الشافعي. وعن أحمد، أن في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة، وإن ~~فعل ذلك واحدا بعد واحد فعليه لكل واحد دم. وهو قول إسحاق. # وقال عطاء، وعمرو بن دينار: إذا حلق، ثم احتاج إلى الطيب، أو إلى قلنسوة ~~أو إليهما، ففعل ذلك، فليس عليه إلا فدية واحدة. وقال الحسن: إن لبس القميص ~~وتعمم وتطيب، فعل ذلك جميعا، فليس عليه إلا كفارة واحدة. ونحو ذلك عن مالك. # ولنا، أنها محظورات مختلفة الأجناس، فلم تتداخل أجزاؤها، كالحدود ~~المختلفة، والأيمان المختلفة. وعكسه ما إذا كان من جنس واحد. ### | [مسألة لبس المحرم أو تطيب ناسيا] # (2661) مسألة: قال: (وإن ms1680 لبس أو تطيب ناسيا، فلا فدية عليه، ويخلع ~~اللباس، ويغسل الطيب، ويفرغ إلى التلبية) المشهور في المذهب أن المتطيب أو ~~اللابس ناسيا أو جاهلا لا فدية عليه. وهو مذهب عطاء، والثوري، وإسحاق، وابن ~~المنذر. # وقال أحمد. قال سفيان: ثلاثة في الجهل والنسيان سواء؛ إذا أتى أهله، وإذا ~~أصاب صيدا، وإذا حلق رأسه. قال أحمد: إذا جامع أهله بطل حجه. لأنه شيء لا ~~يقدر على رده، والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده، والشعر إذا حلقه ~~فقد ذهب، فهذه الثلاثة العمد والخطأ والنسيان فيها سواء، وكل شيء من ~~النسيان بعد الثلاثة فهو يقدر على رده، مثل إذا غطى المحرم رأسه ثم ذكر، ~~ألقاه عن رأسه، وليس عليه شيء، أو لبس خفا، نزعه، وليس عليه شيء. وعنه ~~رواية # PageV03P435 # أخرى، أن عليه الفدية في كل حال. وهو مذهب مالك، والليث، والثوري، وأبي ~~حنيفة؛ لأنه هتك حرمة الإحرام، فاستوى عمده وسهوه، كحلق الشعر، وتقليم ~~الأظفار. # ولنا، عموم قوله - عليه السلام -: «عفي لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما ~~استكرهوا عليه» . وروى يعلى بن أمية، «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو بالجعرانة، وعليه جبة، وعليه أثر خلوق، أو قال: أثر صفرة، فقال ~~يا رسول الله، كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: اخلع عنك هذه الجبة، ~~واغسل عنك أثر هذا الخلوق أو قال: أثر الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في ~~حجك» . متفق عليه. # وفي لفظ، قال: يا رسول الله، «أحرمت بالعمرة، وعلي هذه الجبة» . فلم ~~يأمره بالفدية مع مسألته عما يصنع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز ~~إجماعا، دل على أنه عذره لجهله، والجاهل والناسي واحد، ولأن الحج عبادة يجب ~~بإفسادها الكفارة، فكان من محظوراته أنه ما يفرق بين عمده وسهوه، كالصوم، ~~فأما الحلق وقتل الصيد، فهو إتلاف لا يمكن رد تلافيه، بإزالته. # إذا ثبت هذا، فإن الناسي متى ذكر، فعليه غسل الطيب وخلع اللباس في الحال، ~~فإن أخر ذلك عن زمن الإمكان، فعليه الفدية. فإن قيل: فلم لا يجوز ms1681 له ~~استدامة الطيب هاهنا، كالذي يتطيب قبل إحرامه؟ قلنا: لأن ذلك فعل مندوب ~~إليه، فكان له استدامته، وها هنا هو محرم، وإنما سقط حكمه بالنسيان أو ~~الجهل، فإذا زال ظهر حكمه. # وإن تعذر عليه إزالته، لإكراه أو علة، ولم يجد من يزيله، وما أشبه ذلك، ~~فلا فدية عليه، وجرى مجرى المكره على الطيب ابتداء. وحكم الجاهل إذا علم، ~~حكم الناسي إذا ذكر، وحكم المكره حكم الناسي، فإن ما عفي عنه بالنسيان، عفي ~~عنه بالإكراه؛ لأنهما قرينان في الحديث الدال على العفو عنهما. وقول ~~الخرقي: «يفرغ إلى التلبية» . أي يلبي حين ذكر استذكارا للحج أنه نسيه، ~~واستشعارا بإقامته عليه ورجوعه إليه. وهذا قول يروى عن إبراهيم النخعي. ### | [مسألة وقف بعرفة نهارا أو دفع قبل الإمام] # (2662) مسألة: قال: (ولو وقف بعرفة نهارا، أو دفع قبل الإمام، فعليه دم) ~~وجملة ذلك أن من وقف بعرفة يوم عرفة نهارا وجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس؛ ~~ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف. فإن دفع قبل الغروب، ولم يعد حتى غربت ~~الشمس، فعليه دم. # وقال الشافعي: لا يجب ذلك، ولا دم عليه إن دفع قبل الغروب؛ احتجاجا بحديث ~~عروة بن مضرس، ولأنه أدرك من الوقوف ما أجزأه، أشبه ما لو أدرك الليل ~~منفردا. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف حتى غربت الشمس بغير خلاف، ~~وقد قال: «خذوا عني # PageV03P436 # مناسككم» . فإذا تركه لزمه؛ دم؛ لقول ابن عباس، ولأنه ركن لم يأت به على ~~الوجه المشروع، فلزمه دم، كما لو أحرم من دون الميقات، وحديثهم دل على ~~الإجزاء، والكلام في وجوب الدم. فأما إذا وقف في الليل خاصة، فإنه يجزئه ~~ولا يلزمه دم؛ لأن من أدرك الليل وحده لا يمكنه الوقوف نهارا، فلا يتعين ~~عليه، ولا يجب عليه بتركه دم، بخلاف من أدرك نهارا. # وأما قوله: «أو دفع قبل الإمام» . فظاهره أنه أوجب بذلك دما، وإن دفع قبل ~~الغروب. وقد روى الأثرم، عن أحمد، قال: سمعته يسأل عن رجل دفع قبل الإمام ~~من عرفة بعدما غابت ms1682 الشمس؟ فقال: ما وجدت أحدا سهل فيه، كلهم يشدد فيه. ~~قال: وما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام، وعن عطاء، عليه شاة إذا دفع قبل ~~الإمام. قيل: فيدفع من مزدلفة قبل الإمام؟ فقال: المزدلفة عندي غير عرفة. ~~وذكر حديث ابن عمر، أنه دفع قبل ابن الزبير وغير الخرقي من أصحابنا لم يوجب ~~بذلك شيئا، ولا عد الدفع مع الإمام من الواجبات. وهو الصحيح؛ فإن اتباع ~~الإمام وأفعال النسك معه ليس بواجب، في سائر مناسك الحج، فكذا هاهنا، وإنما ~~وقع دفع الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بحكم العادة، فلا يدل على ~~الوجوب، كالدفع معه من مزدلفة، والإفاضة من منى، وغير ذلك، وليس ذلك فعلا ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فيدخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«خذوا عني مناسككم.» ### | [مسألة المبيت بمزدلفة واجب يجب بتركه دم] # (2663) مسألة: قال: (ومن دفع من مزدلفة قبل نصف الليل، من غير الرعاة ~~وأهل سقاية الحاج، فعليه دم) وجملة ذلك أن المبيت بمزدلفة واجب يجب بتركه ~~دم، سواء تركه عمدا أو خطأ، عالما أو جاهلا؛ لأنه ترك نسكا، وللنسيان أثره ~~في ترك الموجود كالمعدوم، لا في جعل المعدوم كالموجود، إلا أنه رخص لأهل ~~السقاية ورعاة الإبل، في ترك البيتوتة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رخص للرعاة في ترك البيتوتة في حديث عدي، وأرخص للعباس في المبيت لأجل ~~سقايته، ولأن عليهم مشقة في المبيت، لحاجتهم إلى حفظ مواشيهم وسقي الحاج، ~~فكان لهم ترك المبيت فيها، كليالي منى، ولأنها ليلة يرمى في غدها، فكان لهم ~~ترك المبيت فيها، كليالي منى. # وروي عن أحمد، أن المبيت بمزدلفة غير واجب، ولا شيء على تاركه. والأول ~~المذهب. ### | [مسألة وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد] ### | [الفصل الأول في وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد] # (2664) مسألة: قال: (ومن قتل وهو محرم من صيد البر، عامدا أو مخطئا، فداه ~~بنظيره من النعم، إن كان المقتول دابة) في هذه المسألة فصول ستة (2665) ؛ ~~الفصل الأول، في وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد ms1683 في الجملة. # وأجمع أهل العلم على وجوبه، ونص الله تعالى عليه بقوله {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم} [المائدة: 95] . # PageV03P437 # ولا نعلم أحدا خالف في الجزاء في قتل الصيد متعمدا، إلا الحسن ومجاهدا، ~~قالا: إذا قتله متعمدا ذاكرا لإحرامه لا جزاء عليه، وإن كان مخطئا أو ناسيا ~~لإحرامه فعليه الجزاء. # وهذا خلاف النص، فإن الله تعالى قال: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما ~~قتل من النعم} [المائدة: 95] . والذاكر لإحرامه متعمد، وقال في سياق الآية ~~{ليذوق وبال أمره} [المائدة: 95] . والمخطئ والناسي لا عقوبة عليهما. وقتل ~~الصيد نوعان، مباح ومحرم، فالمحرم قتله ابتداء من غير سبب يبيح قتله، ففيه ~~الجزاء. # والمباح ثلاثة أنواع؛ أحدها، أن يضطر إلى أكله، فيباح له ذلك بغير خلاف ~~نعلمه؛ فإن الله تعالى قال {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] ~~. وترك الأكل مع القدرة عند الضرورة إلقاء بيده إلى التهلكة، ومتى قتله ~~ضمنه، سواء وجد غيره أو لم يجد. وقال الأوزاعي: لا يضمنه؛ لأنه مباح، أشبه ~~صيد البحر. # ولنا، عموم الآية، ولأنه قتل من غير معنى يحدث من الصيد يقتضي قتله، ~~فضمنه كغيره، ولأنه أتلفه لدفع الأذى عنه لا لمعنى فيه، أشبه حلق الشعر ~~لأذى برأسه. النوع الثاني، إذا صال عليه صيد فلم يقدر على دفعه إلا بقتله، ~~فله قتله، ولا ضمان عليه. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو بكر: عليه الجزاء. ~~وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه قتله لحاجة نفسه، أشبه قتله لحاجته إلى أكله. # ولنا، أنه حيوان قتله لدفع شره، فلم يضمنه، كالآدمي الصائل، ولأنه التحق ~~بالمؤذيات طبعا، فصار كالكلب العقور، ولا فرق بين أن يخشى منه التلف أو ~~يخشى منه مضرة، كجرحه، أو إتلاف ماله، أو بعض حيواناته. النوع الثالث، إذا ~~خلص صيدا من سبع أو شبكة صياد، أو أخذه ليخلص من رجله خيطا، ونحوه فتلف ~~بذلك، فلا ضمان عليه. وبه قال عطاء. وقيل: عليه الضمان. وهو قول قتادة؛ ~~لعموم الآية، ولأن غاية ما ms1684 فيه أنه عدم القصد إلى قتله، فأشبه قتل الخطأ. # ولنا، أنه فعل أبيح لحاجة الحيوان، فلم يضمن ما تلف به، كما لو داوى ولي ~~الصبي الصبي فمات بذلك، وهذا ليس بمتعمد، فلا تتناوله الآية. ### | [الفصل الثاني لا فرق بين الخطأ والعمد في قتل صيد الحرم في وجوب الجزاء] # (2666) الفصل الثاني، أنه لا فرق بين الخطأ والعمد في قتل الصيد في وجوب ~~الجزاء، على إحدى الروايتين. وبه قال الحسن، وعطاء، والنخعي، ومالك، ~~والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. قال الزهري: على المتعمد بالكتاب، وعلى ~~المخطئ بالسنة. # PageV03P438 # والرواية الثانية، لا كفارة في الخطأ. وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وطاوس، وابن المنذر، وداود؛ لأن الله تعالى قال: {ومن قتله منكم متعمدا} ~~[المائدة: 95] . فدليل خطابه، أنه لا جزاء على الخاطئ؛ لأن الأصل براءة ~~ذمته، فلا يشغلها إلا بدليل، ولأنه محظور للإحرام لا يفسده، فيجب التفريق ~~بين خطئه وعمده، كاللبس والطيب. # ووجه الأولى قول جابر: «جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الضبع ~~يصيده المحرم كبشا.» وقال - عليه السلام - «في بيض النعام يصيبه المحرم: ~~ثمنه» . ولم يفرق. رواهما ابن ماجه. ولأنه ضمان إتلاف فاستوى عمده وخطؤه ~~كمال الآدمي. ### | [الفصل الثالث الجزاء لا يجب إلا على المحرم] # (2667) الفصل الثالث، أن الجزاء لا يجب إلا على المحرم، ولا فرق بين ~~إحرام الحج وإحرام العمرة؛ لعموم النص فيهما. ولا خلاف في ذلك. ولا فرق بين ~~الإحرام بنسك واحد، وبين الإحرام بنسكين، وهو القارن؛ لأن الله تعالى لم ~~يفرق بينهما. ### | [الفصل الرابع الجزاء لا يجب إلا بقتل الصيد] # (2668) الفصل الرابع، أن الجزاء لا يجب إلا بقتل الصيد؛ لأنه الذي ورد به ~~النص بقوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد} [المائدة: 95] . والصيد ما جمع ثلاثة ~~أشياء، وهو أن يكون مباحا أكله، لا مالك له، ممتنعا. فيخرج بالوصف الأول كل ~~ما ليس بمأكول لا جزاء فيه، كسباع البهائم، والمستخبث من الحشرات، والطير، ~~وسائر المحرمات. قال أحمد: إنما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله. # وقال: كل ما يؤذي إذا أصابه المحرم يؤكل لحمه. ms1685 وهذا قول أكثر أهل العلم، ~~إلا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره، كالسبع المتولد من ~~الضبع والذئب، تغليبا لتحريم، قتله، كما علقوا التحريم في أكله. وقال بعض ~~أصحابنا: في أم حبين جدي. وأم حبين: دابة منتفخة البطن. # وهذا خلاف القياس؛ فإن أم حبين لا تؤكل، لكونها مستخبثة عند العرب. حكي ~~أن رجلا من العرب سئل ما تأكلون؟ قال: ما دب ودرج، إلا أم حبين. فقال ~~السائل: ليهن أم حبين العافية. وإنما تبعوا فيها قضية عثمان - رضي الله عنه ~~- فإنه قضى فيها بحلان، وهو الجدي. والصحيح أنه لا شيء فيها. # وفي القمل روايتان، ذكرناهما فيما مضى والصحيح، أنه لا شيء فيه؛ لأنه غير ~~مأكول، وهو من المؤذيات، ولا مثل له ولا قيمة. قال ميمون بن مهران: كنت عند ~~عبد الله بن عباس، فسأله رجل، فقال: أخذت قملة فألقيتها، ثم طلبتها فلم ~~أجدها. فقال ابن عباس: تلك ضالة لا تبتغي. # وقال القاضي: إنما الروايتان فيما أزاله من شعره، فأما ما ألقاه من ظاهر ~~بدنه أو ثوبه، فلا شيء عليه، رواية # PageV03P439 # واحدة. ومن أوجب فيه الجزاء قال: أي شيء تصدق به فهو خير. واختلفت ~~الرواية في الثعلب، فعنه: فيه الجزاء. وبه قال طاوس، وقتادة، ومالك، ~~والشافعي. وقال: هو صيد يؤكل، وفيه الجزاء. # وعن أحمد: لا شيء فيه. وهو قول الزهري، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، ~~وابن المنذر. واختلف فيه عن عطاء؛ لأنه سبع، وقد «نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن كل ذي ناب من السباع» . وإذا أوجبنا فيه الجزاء، ففيه شاة؛ ~~لأنه روي ذلك عن عطاء. واختلفت الرواية في السنور، أهليا كان أو وحشيا ~~والصحيح أنه لا جزاء فيه. وهو اختيار القاضي؛ لأنه سبع، وليس بمأكول. # وقال الثوري، وإسحاق: في الوحشي حكومة، ولا شيء في الأهلي؛ لأن الصيد ما ~~كان وحشيا. واختلفت الرواية في الهدهد والصرد؛ لاختلاف الروايتين في ~~إباحتهما، وكل ما اختلف في إباحته يختلف في جزائه، فأما ما يحرم، فالصحيح ~~أنه لا جزاء فيه؛ لأنه مخالف للقياس، ms1686 ولا نص فيه. الوصف الثاني، أن يكون ~~وحشيا، وما ليس بوحشي لا يحرم على المحرم ذبحه ولا أكله، كبهيمة الأنعام ~~كلها، والخيل، والدجاج، ونحوها. لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافا، ~~والاعتبار في ذلك بالأصل. لا بالحال، فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء، ~~وكذلك وجب الجزاء في الحمام أهليه ووحشيه، اعتبارا بأصله. # ولو توحش الأهلي لم يجب فيه شيء. قال أحمد، في بقرة صارت وحشية: لا شيء ~~فيها؛ لأن الأصل فيها الإنسي. وإن تولد من الوحشي والأهلي ولد، ففيه ~~الجزاء، تغليبا للتحريم، كقولنا في المتولد بين المباح والمحرم. واختلفت ~~الرواية في الدجاج السندي، هل فيه جزاء؟ على روايتين. وروى مهنا، عن أحمد، ~~في البط، يذبحه المحرم إذا لم يكن صيدا. والصحيح أنه يحرم عليه ذبحه، وفيه ~~الجزاء؛ لأن الأصل فيه الوحشي، فهو كالحمام. ### | [الفصل الخامس الجزاء يجب في صيد البر دون صيد البحر] # (2669) الفصل الخامس، أن الجزاء إنما يجب في صيد البر دون صيد البحر، ~~بغير خلاف؛ لقول الله تعالى {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ~~وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] قال ابن عباس: طعامه ما ~~لفظه. ولا فرق بين حيوان البحر الملح وبين ما في الأنهار والعيون، فإن اسم ~~البحر يتناول الكل، قال الله تعالى {وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ ~~شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا} [فاطر: 12] . # ولأن الله تعالى قابله بصيد البر، بقوله {وحرم عليكم صيد البر} [المائدة: ~~96] . فدل على أن ما ليس من صيد البر فهو من صيد البحر، وحيوان البحر ما ~~كان يعيش في الماء، ويفرخ ويبيض فيه، فإن كان مما لا يعيش إلا في الماء ~~كالسمك ونحوه، فهذا مما لا خلاف فيه، وإن كان مما يعيش في البر، كالسلحفاة ~~والسرطان، فهو كالسمك، لا جزاء فيه. # وقال عطاء: فيه الجزاء، وفي الضفدع وكل ما يعيش في البر. # PageV03P440 # ولنا، أنه يفرخ في الماء ويبيض فيه، فكان من حيوانه، كالسمك، فأما طير ~~الماء، ففيه الجزاء في قول ms1687 عامة أهل العلم؛ منهم الأوزاعي، والشافعي، ~~وأصحاب الرأي، وغيرهم. لا نعلم فيه مخالفا، غير ما حكي عن عطاء، أنه قال: ~~حيثما يكون أكثر فهو من صيده. # ولنا، أن هذا إنما يفرخ في البر ويبيض فيه، وإنما يدخل الماء ليعيش فيه ~~ويكتسب منه، فهو كالصياد من الآدميين. واختلفت الرواية في الجراد، فعنه: هو ~~من صيد البحر، لا جزاء فيه. وهو مذهب أبي سعيد. قال ابن المنذر: قال ابن ~~عباس، وكعب: هو من صيد البحر. وقال عروة: هو نثرة حوت. وروي عن أبي هريرة، ~~قال: «أصابنا ضرب من جراد، فكان رجل منا يضرب بسوطه وهو محرم، فقيل: إن هذا ~~لا يصلح، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هذا من صيد البحر» . ~~وعنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الجراد من صيد البحر» . ~~رواهما أبو داود. # وروي عن أحمد، أنه من صيد البر، وفيه الجزاء. وهو قول الأكثرين؛ لما روي ~~أن عمر - رضي الله عنه - قال لكعب في جرادتين: ما جعلت في نفسك؟ قال: ~~درهمان. قال: بخ، درهمان خير من مائة جرادة. رواه الشافعي، في " مسنده ". ~~ولأنه طير يشاهد طيرانه في البر، ويهلكه الماء إذا وقع فيه، فأشبه ~~العصافير. فأما الحديثان اللذان ذكرناهما للرواية الأولى فوهم. قاله أبو ~~داود. فعلى هذا يضمنه بقيمته؛ لأنه لا مثل له. # وهذا قول الشافعي. وعن أحمد، يتصدق بتمرة عن الجرادة. وهذا يروى عن عمر ~~وعبد الله بن عمر. وقال ابن عباس: قبضة من طعام. قال القاضي: هذا محمول على ~~أنه أوجب ذلك على طريق القيمة، والظاهر أنهم لم يريدوا بذلك التقدير، وإنما ~~أرادوا أن فيه أقل شيء. # وإن افترش الجراد في طريقه، فقتله بالمشي عليه، على وجه لم يمكنه التحرز ~~منه، ففيه وجهان؛ أحدهما، وجوب جزائه؛ لأنه أتلفه لنفع نفسه، فضمنه، ~~كالمضطر يقتل صيدا يأكله. والثاني، لا يضمنه؛ لأنه اضطره إلى إتلافه، أشبه ~~ما لو صال عليه. ### | [الفصل السادس جزاء ما كان دابة من الصيد نظيره من النعم] # (2670) الفصل السادس، أن جزاء ما ms1688 كان دابة من الصيد نظيره من النعم. هذا ~~قول أكثر أهل العلم؛ منهم الشافعي. وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة ويجوز ~~فيها المثل؛ لأن الصيد ليس بمثلي. ولنا، قول الله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل ~~من النعم} [المائدة: 95] . وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الضبع ~~كبشا. # وأجمع الصحابة على إيجاب المثل، فقال عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ~~وابن عباس، ومعاوية: في النعامة بدنة. وحكم أبو عبيدة، وابن عباس، في حمار ~~الوحش ببدنة. وحكم # PageV03P441 # عمر فيه ببقرة. وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة. وإذا حكموا بذلك في الأزمنة ~~المختلفة، والبلدان المتفرقة، دل ذلك على أنه ليس على وجه القيمة، ولأنه لو ~~كان على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف بها القيمة، إما برؤية ~~أو إخبار، ولم ينقل عنهم السؤال عن ذلك حال الحكم، ولأنهم حكموا في الحمام ~~بشاة، ولا يبلغ قيمة شاة في الغالب. # إذا ثبت هذا، فليس المراد حقيقة المماثلة، فإنها لا تتحقق بين النعم ~~والصيد، لكن أريدت المماثلة من حيث الصورة. والمتلف من الصيد قسمان؛ ~~أحدهما، قضت فيه الصحابة، فيجب فيه ما قضت. وبهذا قال عطاء، والشافعي، ~~وإسحاق. # وقال مالك: يستأنف الحكم فيه؛ لأن الله تعالى قال {يحكم به ذوا عدل منكم} ~~[المائدة: 95] ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أصحابي كالنجوم، ~~بأيهم اقتديتم اهتديتم» وقال: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر» . ~~ولأنهم أقرب إلى الصواب، وأبصر بالعلم، فكان حكمهم حجة على غيرهم، كالعالم ~~مع العامي، والذي بلغنا قضاؤهم في؛ الضبع كبش. قضى به عمر، وعلي، وجابر، ~~وابن عباس. # وفيه عن جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «جعل في الضبع يصيدها ~~المحرم كبشا» . رواه أبو داود، وابن ماجه. وروي عن جابر، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «، قال: في الضبع كبش، إذا أصاب المحرم، وفي الظبي شاة، ~~وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة» . قال أبو الزبير: الجفرة، التي قد ~~فطمت ورعت. رواه الدارقطني. قال أحمد:: «حكم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في الضبع بكبش.» ms1689 وبه قال عطاء، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. # وقال الأوزاعي إن كان العلماء بالشام يعدونها من السباع ويكرهون أكلها. ~~وهو القياس، إلا أن اتباع السنة والآثار أولى. وفي حمار الوحش بقرة. روي ~~ذلك عن عمر - رضي الله عنه -. وبه قال عروة، ومجاهد، والشافعي. # وعن أحمد: فيه بدنة. روي ذلك عن أبي عبيدة، وابن عباس. وبه قال عطاء، ~~والنخعي. وفي بقرة الوحش بقرة. روي ذلك عن ابن مسعود، وعطاء، وعروة، ~~وقتادة، والشافعي. والأيل فيه بقرة. قاله ابن عباس. قال أصحابنا: في الوعل ~~والثيتل بقرة، كالأيل. والأروى فيها بقرة. قال ذلك ابن عمر. # وقال القاضي: فيها عضب، وهي من أولاد البقر ما بلغ أن يقبض على قرنه، ولم ~~يبلغ أن يكون جذعا. وحكي ذلك عن الأزهري. وفي الظبي شاة. ثبت ذلك عن عمر، # PageV03P442 # وروي عن علي. وبه قال عطاء، وعروة، والشافعي، وابن المنذر، ولا نحفظ عن ~~غيرهم خلافهم. وفي الوبر شاة. روي ذلك عن مجاهد، وعطاء. # وقال القاضي: فيه جفرة؛ لأنه ليس بأكبر منها وكذلك. قال الشافعي: إن كانت ~~العرب تأكله. والجفرة من أولاد المعز ما أتى عليها أربعة أشهر، وفصلت عن ~~أمها، والذكر جفر. # وفي اليربوع جفرة. قال ذلك عمر - رضي الله عنه -. وروي ذلك عن ابن مسعود، ~~وبه قال عطاء، والشافعي، وأبو ثور. وقال النخعي: فيه ثمنه. وقال مالك: ~~قيمته طعاما. وقال عمرو بن دينار: ما سمعنا أن الضب واليربوع يوديان. ~~واتباع الآثار أولى. وفي الضب جدي. قضى به عمر، وأربد، وبه قال الشافعي. # وعن أحمد، فيه شاة؛ لأن جابر بن عبد الله، وعطاء قالا فيه ذلك. وقال ~~مجاهد: حفنة من طعام. وقال قتادة: صاع. وقال مالك: قيمته من الطعام. والأول ~~أولى؛ فإن قضاء عمر أولى من قضاء غيره، والجدي أقرب إليه من الشاة. # وفي الأرنب عناق. قضى به عمر. وبه قال الشافعي. وقال ابن عباس: فيه حمل. ~~وقال عطاء: فيه شاة. وقضاء عمر أولى. والعناق: الأنثى من ولد المعز في أول ~~سنة، والذكر جدي. القسم الثاني، ما لم تقض ms1690 فيه الصحابة، فيرجع إلى قول ~~عدلين من أهل الخبرة؛ لقول الله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: ~~95] . فيحكمان فيه بأشبه الأشياء من النعم، من حيث الخلقة، لا من حيث ~~القيمة، بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة، وليس من شرط الحكم ~~أن يكون فقيها؛ لأن ذلك زيادة على أمر الله تعالى به، وقد أمر عمر أن يحكم ~~في الضب، ولم يسأل أفقيه هو أم لا؟ لكن تعتبر العدالة؛ لأنها منصوص عليها، ~~ولأنها شرط في قبول القول على الغير في سائر الأماكن، وتعتبر الخبرة؛ لأنه ~~لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا من له خبرة، ولأن الخبرة بما يحكم به شرط في ~~سائر الحكام. # ويجوز أن يكون القاتل أحد العدلين. وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وابن ~~المنذر. وقال النخعي: ليس له ذلك؛ لأن الإنسان لا يحكم لنفسه. # ولنا، عموم قوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] . والقاتل ~~مع غيره ذوا عدل منا. وقد روى سعيد في " سننه "، والشافعي، في " مسنده "، ~~عن طارق بن شهاب، قال: خرجنا حجاجا، فأوطأ رجل منا يقال له أربد ضبا، ففزر ~~ظهره، فقدمنا على عمر - رضي الله عنه - فسأله أربد، فقال له: احكم يا أربد ~~فيه. قال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين. قال: إنما أمرتك أن تحكم، ولم ~~آمرك أن تزكيني. فقال أربد: أرى فيه جديا قد جمع الماء والشجر. قال عمر: ~~فذلك فيه. فأمره عمر أن يحكم فيه وهو القاتل، وأمر أيضا كعب الأحبار أن ~~يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم. ولأنه مال يخرج في حق ~~الله تعالى، فجاز أن يكون من وجب عليه أمينا فيه، كالزكاة. # PageV03P443 # (2671) فصل: قال أصحابنا: في كبير الصيد مثله من النعم، وفي الصغير صغير، ~~وفي الذكر ذكر، وفي الأنثى أنثى، وفي الصحيح صحيح، وفي المعيب معيب. وبهذا ~~قال الشافعي. وقال مالك: في الصغير كبير، وفي المعيب صحيح؛ لأن الله تعالى ~~قال: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] . ولا يجزئ في الهدي صغير ولا معيب، ~~ولأنها كفارة متعلقة ms1691 بقتل حيوان، فلم تختلف بصغيره وكبيره، كقتل الآدمي. # ولنا، قول الله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] . ومثل ~~الصغير صغير، ولأن ما ضمن باليد والجناية اختلف ضمانه بالصغر والكبر، ~~كالبهيمة، والهدي في الآية معتبرة بالمثل، وقد أجمع الصحابة على الضمان بما ~~لا يصح هديا، كالجفرة والعناق والجدي. وكفارة الآدمي ليست بدلا عنه، ولا ~~تجري مجرى الضمان، بدليل أنها لا تتبعض في أبعاضه، فإن فدى المعيب بصحيح ~~فهو أفضل، وإن فداه بمعيب مثله جاز. # وإن اختلف العيب، مثل أن فدى الأعرج بأعور، أو الأعور بأعرج، لم يجز، ~~لأنه ليس بمثله. وإن فدى أعور من أحد العينين بأعور من أخرى، أو أعرج من ~~قائمة بأعرج من أخرى جاز؛ لأن هذا اختلاف يسير، ونوع العيب واحد، وإنما ~~اختلف محله. وإن فدى الذكر بأنثى، جاز؛ لأن لحمها أطيب وأرطب. وإن فداها ~~بذكر، جاز، في أحد الوجهين؛ لأن لحمه أوفر فتساويا. والآخر لا يجوز؛ لأن ~~زيادته عليها ليس هي من جنس زيادتها، فأشبه فداء المعيب من نوع بمعيب من ~~نوع آخر. ### | [فصل قتل ماخضا في الحرم] # (2672) فصل: فإن قتل ماخضا، فقال القاضي: يضمنها بقيمة مثلها. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأن قيمته أكثر من قيمة لحمه. # وقال أبو الخطاب: يضمنها بماخض مثلها؛ لأن الله تعالى قال: {فجزاء مثل ما ~~قتل من النعم} [المائدة: 95] . وإيجاب القيمة عدول عن المثل مع إمكانه، فإن ~~فداها بغير ماخض، احتمل الجواز؛ لأن هذه الصفة لا تزيد في لحمها، بل ربما ~~نقصتها، فلا يشترط وجودها في المثل، كاللون والعيب. # وإن جنى على ماخض، فأتلف جنينها، وخرج ميتا، ففيه ما نقصت أمه، كما لو ~~جرحها، وإن خرج حيا لوقت يعيش لمثله ثم مات، ضمنه بمثله، وإن كان لوقت لا ~~يعيش لمثله فهو كالميت، كجنين الآدمية. ### | [فصل أتلف المحرم جزءا من الصيد] # (2673) فصل: وإن أتلف جزءا من الصيد، وجب ضمانه؛ لأن جملته مضمونة، فكان ~~بعضه مضمونا كالآدمي، والأموال، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا ينفر صيدها» . فالجرح أولى بالنهي، والنهي يقتضي ms1692 تحريمه. وما كان محرما ~~من الصيد وجب ضمانه كنفسه، ويضمن بمثله من مثله، في أحد الوجهين؛ لأن ما ~~وجب ضمان جملته بالمثل، وجب في بعضه مثله، كالمكيلات. والآخر يجب قيمة ~~مقداره من مثله؛ لأن # PageV03P444 # الجزاء يشق إخراجه، فيمنع إيجابه، ولهذا عدل الشارع عن إيجاب جزء من بعير ~~في خمس من الإبل إلى إيجاب شاة من غير جنس الإبل. والأول أولى؛ لأن المشقة ~~هاهنا غير ثابتة؛ لوجود الخيرة له في العدول عن المثل إلى عدله من الطعام ~~أو الصيام، فينتفي المانع فيثبت مقتضى الأصل. # وهذا إذا اندمل الصيد ممتنعا، فإن اندمل غير ممتنع، ضمنه جميعه؛ لأنه ~~عطله، فصار كالتالف، ولأنه مفض إلى تلفه، فصار كالجارح له جرحا يتيقن به ~~موته. وهذا مذهب أبي حنيفة. ويتخرج أن يضمنه بما نقص؛ لأنه لا يضمن ما لم ~~يتلف، ولم يتلف جميعه، بدليل ما لو قتله محرم آخر لزمه الجزاء. ومن أصلنا ~~أن على المشتركين جزاء واحدا، وضمانه بجزاء كامل يفضي إلى إيجاب جزاءين. # وإن غاب غير مندمل، ولم يعلم خبره، والجراحة موجبة فعليه ضمان جميعه، كما ~~لو قتله. وإن كانت غير موجبة، فعليه ضمان ما نقص، ولا يضمن جميعه؛ لأننا لا ~~نعلم حصول التلف بفعله، فلم يضمن، كما لو رمى سهما إلى صيد، فلم يعلم أوقع ~~به أم لا، وكذلك إن وجده ميتا، ولم يعلم أمات من الجناية أم من غيرها. ~~ويحتمل أن يلزمه ضمانه هاهنا؛ لأنه وجد سبب إتلافه منه، ولم يعلم له سبب ~~آخر، فوجب إحالته على السبب المعلوم، كما لو وقع في الماء نجاسة، فوجده ~~متغيرا تغيرا يصلح أن يكون منها، فإننا نحكم بنجاسته، وكذلك لو رمى صيدا، ~~فغاب عن عينه، ثم وجده ميتا لا أثر به غير سهمه، حل أكله. # وإن صيرته الجناية غير ممتنع، فلم يعلم أصار ممتنعا أم لا، فعليه ضمان ~~جميعه؛ لأن الأصل عدم الامتناع. ### | [فصل جرح المحرم صيدا فتحامل فوقع في شيء تلف به] # (2674) فصل: وإن جرح صيدا، فتحامل، فوقع في شيء تلف به، ضمنه؛ لأنه ms1693 تلف ~~بسببه. وكذلك إن نفره، فتلف في حال نفوره، ضمنه. فإن سكن في مكان، وأمن من ~~نفوره، ثم تلف، لم يضمنه. وقد ذكرنا وجها آخر، أن يضمنه في المكان الذي ~~انتقل إليه؛ لما روى الشافعي في " مسنده "، عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~دخل دار الندوة، فألقى رداءه على واقف في البيت، فوقع عليه طير من هذا ~~الحمام، فأطاره، فوقع على واقف، فانتهزته حية فقتلته، فقال لعثمان بن عفان، ~~ونافع بن عبد الحارث: إني وجدت في نفسي أني أطرته من منزل كان فيه آمنا إلى ~~موقعة كان فيها حتفه. فقال نافع لعثمان: كيف ترى، في عنز ثنية عفراء، يحكم ~~بها على أمير المؤمنين؟ فقال عثمان: أرى ذلك. فأمر بها عمر - رضي الله عنه ~~-. ### | [فصل كل ما يضمن به الآدمي يضمن به الصيد من مباشرة أو بسبب] # (2675) فصل: وكل ما يضمن به الآدمي، يضمن به الصيد، من مباشرة، أو بسبب، ~~وما جنت عليه دابته بيدها أو فمها من الصيد، فالضمان على راكبها، أو ~~قائدها، أو سائقها، وما جنت برجلها، فلا ضمان عليه؛ لأنه لا يمكن حفظ ~~رجلها. وقال القاضي: يضمن السائق جميع جنايتها؛ لأن يده عليها، ويشاهد ~~رجلها. وقال # PageV03P445 # ابن عقيل: لا ضمان عليه في الرجل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الرجل جبار» . # وإن انقلبت فأتلفت صيدا، لم يضمنه؛ لأنه لا يدل عليها، وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «العجماء جبار» . وكذلك لو أتلفت آدميا، لم يضمنه. ~~ولو نصب المحرم شبكة، أو حفر بئرا، فوقع فيها صيد، ضمنه؛ لأنه بسببه، كما ~~يضمن الآدمي، إلا أن يكون حفر البئر بحق، كحفره في داره، أو في طريق واسع ~~ينتفع بها المسلمون، فينبغي أن لا يضمن ما تلف به، كما لا يضمن الآدمي. وإن ~~نصب شبكة قبل إحرامه، فوقع فيها صيد بعد إحرامه، لم يضمنه؛ لأنه لم يوجد ~~منه بعد إحرامه تسبب إلى إتلافه، أشبه ما لو صاده قبل إحرامه، وتركه في ~~منزله، فتلف بعد إحرامه، أو باعه وهو حلال، فذبحه ms1694 المشتري. ### | [مسألة وجوب ضمان صيد الحرم من الطير] # (2676) مسألة: قال: (وإن كان طائرا فداه بقيمته في موضعه) قوله: " بقيمته ~~في موضعه " يعني يجب قيمته في المكان الذي أتلفه فيه. لا خلاف بين أهل ~~العلم في وجوب ضمان الصيد من الطير، إلا ما حكي عن داود، أنه لا يضمن ما ~~كان أصغر من الحمام؛ لأن الله تعالى قال {فجزاء مثل ما قتل من النعم} ~~[المائدة: 95] . وهذا لا مثل له. # ولنا عموم قوله تعالى {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] . وقيل ~~في قوله تعالى {ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم} [المائدة: 94] : ~~يعني الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفر من صغار الصيد، (ورماحكم) : يعني ~~الكبار. # وقد روي عن عمر، وابن عباس - رضي الله عنهما - أنهما حكما في الجراد ~~بجزاء. ودلالة الآية على وجوب جزاء غيره لا يمنع من وجوب الجزاء في هذا ~~بدليل آخر، وضمان غير الحمام من الطير قيمته؛ لأن الأصل في الضمان أن يضمن ~~بقيمته، أو بما يشتمل عليها، بدليل سائر المضمونات، لكن تركنا هذا الأصل ~~بدليل، ففيما عداه تجب القيمة بقضية الدليل، وتعتبر القيمة في موضع إتلافه، ~~كما لو أتلف مال آدمي في موضع قوم في موضع الإتلاف، كذا هاهنا. ### | [فصل يضمن بيض صيد الحرم بقيمته] # (2677) فصل: ويضمن بيض الصيد بقيمته، أي صيد كان. قال ابن عباس: في بيض ~~النعام قيمته. وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود. وبه قال النخعي، والزهري، ~~والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنه يروى أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال «في بيض النعام قيمته» ، مع أن النعام من ذوات الأمثال، فغيره ~~أولى، ولأن البيض لا مثل له، فيجب قيمته، كصغار الطير. # فإن لم يكن له قيمة، لكونه مذرا، أو لأن فرخه ميت، فلا شيء فيه. قال ~~أصحابنا: إلا بيض النعام، فإن لقشره قيمة. والصحيح أنه لا شيء فيه؛ لأنه ~~إذا لم يكن فيه حيوان، ولا مآله إلى أن يصير منه حيوان صار كالأحجار ~~والخشب، وسائر ما له قيمة من غير الصيد، ألا ms1695 ترى أنه لو نقب بيضة، فأخرج ما ~~فيها، لزمه جزاء جميعها، ثم لو كسرها هو أو غيره، لم يلزمه لذلك شيء. ومن ~~كسر بيضة، فخرج منها فرخ حي، # PageV03P446 # فعاش، فلا شيء فيه، وإن مات ففيه ما في صغار أولاد المتلف بيضه، ففي فرخ ~~الحمام صغير أولاد الغنم، وفي فرخ النعامة حوار، وفيما عداهما قيمته. ولا ~~يحل لمحرم أكل بيض الصيد إذا كسره هو أو محرم سواه، وإن كسره حلال فهو كلحم ~~الصيد، إن كان أخذه لأجل المحرم لم يبح له أكله، وإلا أبيح. # وإن كسر بيض صيد، لم يحرم على الحلال؛ لأن حله لا يقف على كسره، ولا ~~يعتبر له أهلية، بل لو كسره مجوسي أو وثني، أو بغير تسمية، لم يحرم، فأشبه ~~قطع اللحم وطبخه. وقال القاضي: يحرم على الحلال أكله، كما لو ذبح الصيد؛ ~~لأن كسره جرى مجرى الذبح، بدليل حله للمحرم بكسر الحلال له. # وإن نقل بيض صيد فجعله تحت آخر، أو ترك مع بيض الصيد بيضا آخر، أو شيئا ~~نفره عن بيضه حتى فسد، فعليه ضمان؛ لأنه تلف بسببه، وإن صح وفرخ، فلا ضمان ~~عليه. # وإن باض الصيد على فراشه فنقله برفق ففسد، ففيه وجهان، بناء على أن ~~الجراد إذا انفرش في طريقه، وحكم بيض الجراد. وإن احتلب لبن صيد، ففيه ~~قيمة، كما لو حلب لبن حيوان مغصوب. ### | [فصل إذا نتف محرم ريش طائر] # (2678) فصل: إذا نتف محرم ريش طائر، ففيه ما نقص. وبهذا قال الشافعي، ~~وأبو ثور، وأوجب مالك وأبو حنيفة فيه الجزاء جميعه. # ولنا، أنه نقصه نقصا يمكن زواله، فلم يضمنه بكماله، كما لو جرحه. فإن ~~حفظه، فأطعمه، وسقاه، حتى عاد ريشه، فلا ضمان عليه؛ لأن النقص زال، فأشبه ~~ما لو اندمل الجرح. وقيل: عليه قيمة الريش؛ لأن الثاني غير الأول، فإن صار ~~غير ممتنع بنتف ريشه، واندمل غير ممتنع، فعليه جزاء جميعه، كالجرح. فإن غاب ~~غير مندمل، ففيه ما نقص، كالجرح سواء، وقد ذكرنا ثم احتمالا. فهاهنا مثله. ### | [مسألة إن كان صيد الحرم ms1696 طائرا] # (2679) مسألة: قال: (إلا أن تكون نعامة، فيكون فيها بدنة، أو حمامة، وما ~~أشبهها، فيكون في كل واحد منها شاة) هذا متعلق بقوله: " وإن كان طائرا فداه ~~بقيمته في موضعه ". واستثنى النعامة من الطائر؛ لأنها ذات جناحين وتبيض، ~~فهي كالدجاج والإوز. أوجب فيها بدنة؛ لأن عمر، وعليا، وعثمان، وزيد بن ~~ثابت، وابن عباس، ومعاوية - رضي الله عنهم -، حكموا فيها ببدنة. وبه قال ~~عطاء، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وأكثر أهل العلم. # وحكي عن النخعي أن فيها قيمتها. وبه قال أبو حنيفة. وخالفه صاحباه. ~~واتباع النص في قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] . ~~والآثار أولى، ولأن النعامة تشبه البعير في خلقته، فكان مثلا لها، فتدخل في ~~عموم النص. # وفي الحمام شاة. حكم به عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس، ونافع بن عبد ~~الحارث، في حمام الحرم، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وعروة، وقتادة، # PageV03P447 # والشافعي، وإسحاق. # وقال أبو حنيفة، ومالك: فيه قيمته. إلا أن مالكا وافق في حمام الحرم لحكم ~~الصحابة، ففيما عداه يبقى على الأصل. قلنا: روي عن ابن عباس في الحمام حال ~~الإحرام كمذهبنا، ولأنها حمامة مضمونة لحق الله تعالى، فضمنت بشاة، كحمامة ~~الحرم، ولأنها متى كانت الشاة مثلا لها في الحرم، فكذلك في الحل، فيجب ~~ضمانها بها؛ لقول الله تعالى {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] . ~~وقياس الحمام على الحمام أولى من قياسه على غيره. # وقول الخرقي: " وما أشبهها ". يعني ما يشبه الحمامة، في أنه يعب الماء، ~~أي يضع منقاره فيه، فيكرع كما تكرع الشاة، ولا يأخذ قطرة قطرة، كالدجاج، ~~والعصافير. وإنما أوجبوا فيه شاة لشبهه بها في كرع الماء مثلها، ولا يشرب ~~مثل شرب بقية الطيور. قال أحمد، في رواية أبي القاسم وشندي: كل طير يعب ~~الماء، يشرب مثل الحمام، ففيه شاة. فيدخل في هذا الفواخت، والوراشين، ~~والسقايين والقمري، والدبسي، والقطا؛ لأن كل واحد من هذه تسميه العرب ~~حماما، وقد روي عن الكسائي، أنه قال: كل مطوق حمام. وعلى هذا القول، الحجل ~~حمام؛ لأنه مطوق. ms1697 # (2680) فصل: وما كان أكبر من الحمام، كالحبارى، والكركي، والكروان، ~~والحجل والإوز الكبير من طير الماء، ففيه وجهان؛ أحدهما، فيه شاة؛ لأنه روي ~~عن ابن عباس، وجابر، وعطاء، أنهم قالوا: في الحجلة والقطاة والحبارى شاة ~~شاة. وزاد عطاء: في الكركي والكروان وابن الماء ودجاج الحبش والحرب، شاة ~~شاة. والحرب: هو فرخ الحبارى. لأن إيجاب الشاة في الحمام تنبيه على إيجابها ~~فيما هو أكبر منه. والوجه الثاني، فيه قيمته، وهو مذهب الشافعي؛ لأن القياس ~~يقتضي وجوبها في جميع الطير، تركناه في الحمام لإجماع الصحابة - رضي الله ~~عنهم -، ففي غيره يرجع إلى الأصل. ### | [مسألة قاتل صيد الحرم مخير في الجزاء] # (2681) مسألة: قال: (وهو مخير، إن شاء فداه بالنظير، أو قوم النظير ~~بدراهم، ونظر كم يجيء به طعاما، فأطعم كل مسكين مدا، أو صام عن كل مد يوما، ~~معسرا كان أو موسرا) في هذه المسألة أربعة فصول (2682) الفصل الأول، إن ~~قاتل الصيد مخير في الجزاء بأحد هذه الثلاثة، بأيها شاء كفر، موسرا كان أو ~~معسرا. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وعن أحمد رواية ثانية، أنها على الترتيب، فيجب المثل أولا، فإن لم يجد ~~أطعم، فإن لم يجد صام. وروي هذا عن ابن عباس، والثوري؛ لأن هدي المتعة على ~~الترتيب. # وهذا أوكد منه؛ لأنه بفعل محظور. وعنه رواية ثالثة، أنه لا إطعام في ~~الكفارة، وإنما ذكر في الآية ليعدل الصيام؛ لأن من قدر على الإطعام قدر على ~~الذبح. هكذا قال ابن عباس. وهذا قول الشعبي، وأبي عياض. # PageV03P448 # ولنا، قول الله تعالى {هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك ~~صياما} [المائدة: 95] . " وأو " في الأمر للتخيير. روي عن ابن عباس، أنه ~~قال: كل شيء أو أو، فهو مخير. # وأما ما كان فإن لم يوجد، فهو الأول الأول. ولأن عطف هذه الخصال بعضها ~~على بعض بأو، فكان مخيرا بين ثلاثتها كفدية الأداء، وقد سمى الله الطعام ~~كفارة، ولا يكون كفارة ما لم يجب إخراجه، وجعله طعاما للمساكين، وألا يجوز ~~صرفه إليهم لا يكون طعاما ms1698 لهم، وعطف الطعام على الهدي، ثم عطف الصيام عليه، ~~ولو لم يكن خصلة من خصالها لم يجز ذلك فيه. ولأنها كفارة ذكر فيها الطعام، ~~فكان من خصالها، كسائر الكفارات. وقولهم: إنها وجبت بفعل محظور. يبطل بفدية ~~الأذى. على أن لفظ النص صريح في التخيير، فليس ترك مدلوله قياسا على هدي ~~المتعة بأولى من العكس، فلا يجوز قياس هدي المتعة في التخيير على هذا، لما ~~يتضمنه من ترك النص، كذا هاهنا. (2683) # الفصل الثاني إذا اختار المثل، ذبحه، وتصدق به على مساكين الحرم؛ لأن ~~الله تعالى قال: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] . ولا يجزئه أن يتصدق به ~~حيا على المساكين؛ لأن الله تعالى سماه هديا، والهدي يجب ذبحه، وله ذبحه أي ~~وقت شاء، ولا يختص ذلك بأيام النحر (2684) . الفصل الثالث، أنه متى اختار ~~الإطعام، فإنه يقوم المثل بدراهم، والدراهم بطعام، ويتصدق به على المساكين. ~~وبهذا قال الشافعي. # وقال مالك: يقوم الصيد لا المثل؛ لأن التقويم إذا وجب لأجل الإتلاف، قوم ~~المتلف، كالذي لا مثل له. ولنا، أن كل ما تلف وجب فيه المثل إذا قوم لزمت ~~قيمة مثله، كالمثلي من مال الآدمي، ويعتبر قيمة المثل في الحرم؛ لأنه يحل ~~إحرامه، ولا يجزئ إخراج القيمة؛ لأن الله تعالى خير بين ثلاثة أشياء ليست ~~القيمة منها، والطعام المخرج هو الذي يخرج في الفطرة وفدية الأذى، وهو ~~الحنطة والشعير والتمر والزبيب. ويحتمل أن يجزئ كل ما يسمى طعاما؛ لدخوله ~~في إطلاق اللفظ، ويعطي كل مسكين مدا من البر، كما يدفع إليه في كفارة ~~اليمين، فأما بقية الأصناف فنصف صاع لكل مسكين. نص عليه أحمد، فقال في ~~إطعام المساكين في الفدية، وجزاء كفارة اليمين: إن أطعم برا، فمد طعام لكل ~~مسكين. # وإن أطعم تمرا فنصف صاع لكل مسكين. وأطلق الخرقي لكل مسكين، ولم يفرق. ~~والأولى أنه لا يجزئ من غير البر أقل من نصف صاع، إذ لم يرد الشرع في موضع ~~بأقل من ذلك في طعمة المساكين، ولا توقيف فيه، فيرد إلى نظائره. ولا يجزئ ~~إخراج لمساكين ms1699 الحرم؛ لأن قيمة الهدي الواجب لهم فيكون أيضا لهم، كقيمة ~~المثلي من مال الآدمي # (2685) الفصل الرابع في الصيام، فعن أحمد أنه يصوم عن كل مد يوما. وهو ~~ظاهر قول # PageV03P449 # عطاء، ومالك، والشافعي؛ لأنها كفارة دخلها الصيام والإطعام، فكان اليوم ~~في مقابلة المد، ككفارة الظهار. # وعن أحمد، أنه يصوم عن كل نصف صاع يوما. وهو قول ابن عقيل، والحسن، ~~والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي وابن المنذر. # قال القاضي: المسألة رواية، واحدة، واليوم عن مد بر أو نصف صاع من غيره، ~~وكلام أحمد في الروايتين محمول على اختلاف الحالين؛ لأن صوم اليوم مقابل ~~بإطعام المسكين، وإطعام المسكين مد بر أو نصف صاع من غيره، ولأن الله تعالى ~~جعل اليوم في كفارة الظهار في مقابلة إطعام المسكين، فكذا هاهنا وروي عن ~~أبي ثور، أن جزاء الصيد من الطعام والصيام مثل كفارة الأذى. وروي ذلك عن ~~ابن عباس. # ولنا، أنه جزاء عن متلف فاختلف باختلافه، كبدل مال الآدمي، وإذا بقي ما ~~لا يعدل كدون المد، صام يوما كاملا. كذلك قال عطاء، والنخعي، وحماد، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم أحدا خالفهم؛ لأن الصوم لا يتبعض، فيجب ~~تكميله. ولا يجب التتابع في الصيام. وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي؛ فإن ~~الله تعالى أمر به مطلقا، فلا يتقيد بالتتابع من غير دليل. # ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء، ويطعم عن بعض. نص عليه أحمد. وبه قال ~~الشافعي، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وجوزه محمد بن الحسن إذا ~~عجز عن بعض الإطعام. ولا يصح؛ لأنها كفارة واحدة، فلا يؤدي بعضها بالإطعام ~~وبعضها بالصيام، كسائر الكفارات. ### | [فصل ما لا مثل له من صيد الحرم يخير قاتله] # (2686) فصل: وما لا مثل له من الصيد، يخير قاتله بين أن يشتري بقيمته ~~طعاما، فيطعمه للمساكين، وبين أن يصوم. وهل يجوز إخراج القيمة؟ فيه ~~احتمالان؛ أحدهما، لا يجوز. وهو ظاهر قول أحمد، في رواية حنبل، فإنه قال: ~~إذا أصاب المحرم صيدا، ولم يصب له عدلا يحكم به عليه؛ قوم طعاما إن قدر على ms1700 ~~طعام، وإلا صام لكل نصف صاع يوما. هكذا يروى عن ابن عباس. # ولأنه جزاء صيد، فلم يجز إخراج القيمة فيه، كالذي له مثل؛ ولأن الله ~~تعالى خير بين ثلاثة أشياء ليس بها القيمة، وإذا عدم أحد الثلاثة يبقى ~~التخيير بين الشيئين الباقيين، فأما إيجاب شيء غير المنصوص فلا. الثاني، ~~يجوز إخراج القيمة؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قال لكعب: ما جعلت على نفسك؟ ~~قال: درهمين. قال: اجعل ما جعلت على نفسك. وقال عطاء: في العصفور نصف درهم. ~~وظاهره إخراج الدراهم الواجبة. ### | [مسألة كلما قتل المحرم صيدا حكم عليه] # (2687) مسألة: قال: (وكلما قتل صيدا حكم عليه) # PageV03P450 # معناه أنه يجب الجزاء بقتل الصيد الثاني، كما يجب عليه إذا قتله ابتداء. ~~وفي هذه المسألة عن أحمد ثلاث روايات؛ إحداهن، أنه يجب في كل صيد جزاء. # وهذا ظاهر المذهب. قال أبو بكر: هذا أولى القولين بأبي عبد الله. وبه ~~قال، الثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. والثانية، لا ~~يجب إلا في المرة الأولى، وروي ذلك عن ابن عباس. وبه قال شريح، والحسن، ~~وسعيد بن جبير، ومجاهد، والنخعي، وقتادة؛ لأن الله تعالى قال {ومن عاد ~~فينتقم الله منه} [المائدة: 95] . ولم يوجب جزاء. والثالثة، إن كفر عن ~~الأول فعليه للثاني كفارة، وإلا فلا شيء للثاني؛ لأنها كفارة تجب بفعل ~~محظور في الإحرام، فيدخل جزاؤها قبل التكفير، كاللبس والطيب. # ولنا، أنها كفارة عن قتل، فاستوى فيه المبتدئ والعائد، كقتل الآدمي، ~~ولأنها بدل متلف يجب به المثل أو القيمة، فأشبه بدل مال الآدمي. قال أحمد: ~~روي عن عمر وغيره، أنهم حكموا في الخطأ، وفي من قتل، ولم يسألوه: هل كان ~~قتل قبل هذا أو لا؟ وإنما هذا يعني لتخصيص الإحرام ومكانه، والآية اقتضت ~~الجزاء على العائد بعمومها. وذكر العقوبة في الثاني لا يمنع الوجوب، كما ~~قال الله تعالى {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ~~ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 275] . # وقد ثبت أن العائد لو انتهى كان له ms1701 ما سلف، وأمره إلى الله. ولا يصح قياس ~~جزاء الصيد على غيره؛ ولأن جزاءه مقدر به، ويختلف بصغره وكبره، ولو أتلف ~~صيدين معا وجب جزاؤهما، فكذلك إذا تفرقا، بخلاف غيره من المحظورات. ### | [فصل إخراج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل موته] # (2688) فصل: ويجوز إخراج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل موته. نص عليه أحمد؛ ~~لأنها كفارة، فجاز تقديمها على الموت، ككفارة قتل الآدمي، ولأنها كفارة، ~~فأشبهت كفارة الظهار واليمين. ### | [مسألة اشترك جماعة محرمين في قتل صيد] # (2689) مسألة: قال: (ولو اشترك جماعة في قتل صيد، فعليهم جزاء واحد) يروى ~~عن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات؛ إحداهن، أن الواجب جزاء واحد. وهو ~~الصحيح. ويروى هذا عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهم ~~- وبه قال عطاء، والزهري، والنخعي، والشعبي، والشافعي، وإسحاق. # والثانية، على كل واحد جزاء. رواهما ابن أبي موسى. واختارها أبو بكر. وبه ~~قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة. ويروى عن الحسن؛ لأنها كفارة قتل يدخلها ~~الصوم، أشبهت كفارة قتل الآدمي. # PageV03P451 # والثالثة، إن كان صوما صام كل واحد صوما تاما، وإن كان غير ذلك فجزاء ~~واحد، وإن كان أحدهما هدي والآخر صوم، فعلى المهدي بحصته، وعلى الآخر صوم ~~تام؛ لأن الجزاء ليس بكفارة، وإنما هو بدل، بدليل أن الله تعالى عطف عليه ~~الكفارة، فقال الله تعالى {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] . ~~والصوم كفارة، ككفارة قتل الآدمي. # ولنا، قول الله تعالى {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] . ~~والجماعة قد قتلوا صيدا، فيلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل، فلا يجب، ~~ومتى ثبت اتخاذ الجزاء في الهدي، وجب اتخاذه في الصيام؛ لأن الله تعالى قال ~~{أو عدل ذلك صياما} [المائدة: 95] . والاتفاق حاصل أنه معدول بالقيمة، إما ~~قيمة المتلف، وإما قيمة مثله، فإيجاب الزائد على عدل القيمة خلاف النص، ~~وأيضا ما روي عمن سمينا من الصحابة أنهم قالوا كمذهبنا، ولأنه جزاء عن ~~مقتول يختلف باختلافه، فكان واحدا، كالدية، أو كما لو كان القاتل واحدا، أو ~~بدل المحل، فاتحدت باتحاده الدية، وكفارة ms1702 الآدمي لنا فيها منع، ولا يتبعض ~~في أبعاضه، ولا يختلف باختلافه، فلا يتبعض على الجماعة، بخلاف مسألتنا. # (2690) فصل: فإن كان شريك المحرم حلالا أو سبعا، فلا شيء على الحلال، ~~ويحكم على الحرام. ثم إن كان جرح أحدهما قبل صاحبه، والسابق الحلال أو ~~السبع، فعلى المحرم جزاؤه مجروحا، وإن كان السابق المحرم، فعليه جزاء جرحه، ~~على ما مضى، وإن كان جرحهما في حال واحدة، ففيه وجهان؛ أحدهما، على المحرم ~~بقسطه، كما لو كان شريكه محرما؛ لأنه إنما أتلف البعض. والثاني، عليه جزاء ~~جميعه؛ لأنه تعذر إيجاب الجزاء على شريكه، فأشبه ما لو كان أحدهما دالا ~~والآخر مدلولا، أو أحدهما ممسكا والآخر قاتلا، فإن الجزاء على المحرم أيهما ~~كان، لتعذر إيجاب الجزاء على الآخر. # (2691) فصل: وإن اشترك حرام وحلال في صيد حرمي، فالجزاء بينهما نصفين؛ ~~لأن الإتلاف ينسب إلى كل واحد منهما نصفه، ولا يزداد الواجب على المحرم ~~باجتماع حرمة الإحرام والحرم، فيكون الواجب على كل واحد منهما النصف، وهذا ~~الاشتراك الذي هذا حكمه هو الذي يقع به الفعل منهما معا، فإن سبق أحدهما ~~صاحبه، فحكمه ما ذكرناه فيما ما مضى. ### | [فصل أحرم الرجل وفي ملكه صيد] # (2692) فصل: إذا أحرم الرجل، وفي ملكه صيد، لم يزل ملكه عنه، ولا يده ~~الحكمية، مثل أن يكون # PageV03P452 # في بلده، أو في يد نائب له في غير مكانه. ولا شيء عليه إن مات، وله ~~التصرف فيه بالبيع والهبة وغيرهما. ومن غصبه لزمه رده، ويلزمه إزالة يده ~~المشاهدة عنه. ومعناه إذا كان في قبضته، أو رحله، أو خيمته، أو قفص معه، أو ~~مربوطا بحبل معه، لزمه إرساله. وبهذا قال مالك، وأصحاب الرأي. # وقال الثوري: هو ضامن لما في بيته أيضا. وحكي نحو ذلك عن الشافعي. وقال ~~أبو ثور: ليس عليه إرسال ما في يده. وهو أحد قولي الشافعي؛ لأنه في يده، ~~أشبه ما لو كان في يده الحكمية، ولأنه لا يلزم من منع ابتداء الصيد المنع ~~من استدامته؛ بدليل الصيد في الحرم. # ولنا، على أنه لا يلزمه ms1703 إزالة يده الحكمية، أنه لم يفعل في الصيد فعلا، ~~فلم يلزمه شيء، كما لو كان في ملك غيره، وعكس هذا إذا كان في يده المشاهدة، ~~فإنه فعل الإمساك في الصيد، فكان ممنوعا منه، كحالة الابتداء، فإن استدامة ~~الإمساك إمساك؛ بدليل أنه لو حلف لا يمسك شيئا فاستدام إمساكه، حنث. إذا ~~ثبت هذا، فإنه متى أرسله لم يزل ملكه عنه، ومن أخذه رده إذا حل، ومن قتله ~~ضمنه له؛ لأن ملكه كان عليه، وإزالة الأثر لا يزيل الملك، بدليل الغصب ~~والعارية. فإن تلف في يده قبل إرساله بعد إمكانه، ضمنه؛ لأنه تلف تحت اليد ~~العادية، فلزمه الضمان، كمال الآدمي. # وإن كان قبل إمكان الإرسال، فلا ضمان؛ لأنه ليس بمفرط ولا متعد، فإن ~~أرسله إنسان من يده، فلا ضمان عليه؛ لأنه فعل ما يلزمه فعله، ولأن اليد قد ~~زال حكمها وحرمتها، فإن أمسكه حتى حل، فملكه باق عليه؛ لأن ملكه لم يزل ~~بالإحرام، وإنما زال حكم المشاهدة، فصار كالعصير يتخمر ثم يتخلل قبل ~~إراقته. ### | [فصل لا يملك المحرم الصيد] # فصل: ولا يملك المحرم الصيد ابتداء بالبيع، ولا بالهبة، ونحوهما من ~~الأسباب، فإن الصعب بن جثامة «أهدى إلى رسول الله - عليه السلام - حمارا ~~وحشيا، فرده عليه، وقال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» . فإن أخذه بأحد ~~هذه الأسباب، ثم تلف، فعليه جزاؤه. # وإن كان مبيعا، فعليه القيمة أو رده إلى مالكه. فإن أرسله، فعليه ضمانه، ~~كما لو أتلفه، وليس عليه جزاء، وعليه رد المبيع أيضا. ويحتمل أن يلزمه ~~إرساله، كما لو كان مملوكا له؛ لأنه لا يجوز له إثبات يده المشاهدة على ~~الصيد. # وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي. ولا يسترد المحرم الصيد الذي باعه وهو ~~حلال مختار ولا عيب في ثمنه، ولا غيرهما؛ لأنه ابتداء ملك على الصيد، وهو ~~ممنوع منه. # وإن رده المشتري عليه بعيب أو خيار، فله ذلك؛ لأن سبب الرد متحقق، ثم لا ~~يدخل في ملك المحرم، ويلزمه إرساله. ### | [فصل ورث المحرم صيدا] # (2694) فصل: # وإن ورث المحرم صيدا ملكه؛ ms1704 لأن الملك بالإرث ليس بفعل من جهته، وإنما ~~يدخل في ملكه # PageV03P453 # حكما، اختار ذلك أو كرهه؛ ولهذا يدخل في ملك الصبي والمجنون، فيدخل به ~~المسلم في ملك الكافر، فجرى مجرى الاستدامة. # ويحتمل أن لا يملك به؛ لأنه من جهات التملك، فأشبه البيع وغيره، فعلى هذا ~~يكون أحق به من غير ثبوت ملكه عليه، فإذا حل ملكه. ### | [مسألة لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر] # (2695) مسألة؛ قال: (ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر، تحلل ~~بعمرة وذبح، إن كان معه هدي، وحج من قابل، وأتى بدم) الكلام في هذه المسألة ~~في أربعة فصول (2696) الفصل الأول، أن آخر وقت الوقوف آخر ليلة النحر، فمن ~~[لم] يدرك الوقوف حتى طلع الفجر يومئذ فاته الحج. لا نعلم فيه خلافا. # قال جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. قال أبو الزبير، ~~فقلت له: أقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك؟ قال: نعم. رواه ~~الأثرم بإسناده. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحج عرفة، فمن جاء ~~قبل صلاة الفجر ليلة جمع، فقد تم حجه» يدل على فواته بخروج ليلة جمع وروى ~~ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من وقف بعرفات بليل، ~~فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل، فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه ~~الحج من قابل» . رواه الدارقطني، وضعفه. # (2697) الفصل الثاني، أن من فاته الحج يتحلل بطواف وسعي وحلاق. هذا ~~الصحيح من المذهب. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابنه، وزيد بن ثابت، وابن ~~عباس، وابن الزبير، ومروان بن الحكم وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، ~~وأصحاب الرأي. # وقال ابن أبي موسى: في المسألة روايتان؛ إحداهما، كما ذكرنا. والثانية، ~~يمضي في حج فاسد. وهو قول المزني، قال: يلزمه جميع أفعال الحج؛ لأن سقوط ما ~~فات وقته لا يمنع وجوب ما لم يفت. # ولنا، قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفا؛ فكان إجماعا. وروى ~~الشافعي، في " مسنده "، أن عمر قال لأبي أيوب حين فاته ms1705 الحج: اصنع ما يصنع ~~المعتمر، ثم قد حللت، فإن أدركت الحج قابلا فحج وأهد ما استيسر من الهدي. ~~وروي أيضا عن ابن عمر نحو ذلك. # وروى الأثرم، بإسناده، عن سليمان بن يسار، أن هبار بن الأسود حج من ~~الشام، فقدم يوم النحر، فقال له عمر: ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم يوم ~~عرفة، قال: فانطلق إلى البيت، فطف به سبعا، وإن كان معك هدية فانحرها، ثم ~~إذا كان عام قابل فاحجج، فإن وجدت سعة فأهد، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء # PageV03P454 # الله تعالى. # وروى النجاد، بإسناده عن عطاء، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~من فاته الحج فعليه دم، وليجعلها عمرة، وليحج من قابل ". ولأنه يجوز فسخ ~~الحج إلى العمرة من غير فوات، فمع الفوات أولى. إذا ثبت هذا، فإنه يجعل ~~إحرامه بعمرة. # وهذا ظاهر كلام الخرقي، ونص عليه أحمد، واختاره أبو بكر. وهو قول ابن ~~عباس، وابن الزبير، وعطاء، وأصحاب الرأي. # وقال ابن حامد: لا يصير إحرامه بعمرة، بل يتحلل بطواف وسعي وحلق. وهو ~~مذهب مالك، والشافعي؛ لأن إحرامه انعقد بأحد النسكين، فلم ينقلب إلى الآخر، ~~كما لو أحرم بالعمرة، ويحتمل أن من قال: يجعل إحرامه عمرة. أراد به يفعل ما ~~فعل المعتمر، وهو الطواف والسعي، ولا يكون بين القولين خلاف. # ويحتمل أن يصير إحرام الحج إحراما بعمرة، بحيث يجزئه عن عمرة الإسلام إن ~~لم يكن اعتمر، ولو أدخل الحج عليها لصار قارنا، إلا أنه لا يمكنه الحج بذلك ~~الإحرام، إلا أن يصير محرما به في غير أشهره، فيصير كمن أحرم بالحج في غير ~~أشهره، ولأن قلب الحج إلى العمرة يجوز من غير سبب، على ما قررناه في فسخ ~~الحج، فمع الحاجة أولى، ويخرج على هذا قلب العمرة إلى الحج، فإنه لا يجوز، ~~ولأن العمرة لا يفوت وقتها، فلا حاجة إلى انقلاب إحرامها، بخلاف الحج. ~~(2698) # الفصل الثالث، أنه يلزمه القضاء من قابل، سواء كان الفائت واجبا، أو ~~تطوعا. روي ذلك عن ms1706 عمر، وابنه، وزيد، وابن عباس، وابن الزبير، ومروان، وهو ~~قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وعن أحمد لا قضاء عليه، بل إن كانت فرضا فعلها بالوجوب السابق، وإن كانت ~~نفلا سقطت. وروي هذا عن عطاء، وهو إحدى الروايتين عن مالك؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما سئل عن الحج أكثر من مرة، قال: " بل مرة واحدة ". # ولو أوجبنا القضاء، كان أكثر من مرة، ولأنه معذور في ترك إتمام حجه، فلم ~~يلزمه القضاء كالمحصر، ولأنها عبادة تطوع، فلم يجب قضاؤها، كسائر التطوعات. ~~ووجه الرواية الأولى ما ذكرنا من الحديث، وإجماع الصحابة، وروى الدارقطني، ~~بإسناده، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~فاته عرفات فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل» ولأن الحج يلزم ~~بالشروع فيه، فيصير كالمنذور، بخلاف سائر التطوعات. # وأما الحديث، فإنه أراد الواجب بأصل الشرع حجة واحدة وهذه إنما تجب ~~بإيجابه لها بالشروع فيها، فهي كالمنذورة، وأما المحصر فإنه غير منسوب إلى ~~التفريط، بخلاف من فاته الحج، وإذا قضى أجزأه القضاء عن الحجة الواجبة، لا ~~نعلم في هذا خلافا؛ لأن الحجة المقضية لو تمت لأجزأت عن الواجبة عليه، ~~فكذلك قضاؤها؛ لأن القضاء يقوم مقام الأداء. # PageV03P455 # (2699) الفصل الرابع، أن الهدي يلزم من فاته الحج في أصح الروايتين. وهو ~~قول من سمينا من الصحابة، والفقهاء، إلا أصحاب الرأي، فإنهم قالوا: لا هدي ~~عليه. وهي الرواية الثانية عن أحمد؛ لأنه لو كان الفوات سببا لوجوب الهدي، ~~للزم المحرم هديان؛ للفوات والإحصار. # ولنا، حديث عطاء، وإجماع الصحابة، ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه، فلزمه ~~هدي، كالمحرم، لم يفت حجه، فإنه يحل قبل فواته. إذا ثبت هذا فإنه يخرج ~~الهدي في سنة القضاء، إن قلنا بوجوب القضاء، وإلا أخرجه في عامه. وإذا كان ~~معه هدي قد ساقه نحره، ولا يجزئه، إن قلنا بوجوب القضاء، بل عليه في السنة ~~الثانية هدي أيضا. نص عليه أحمد، وذلك لحديث عمر الذي ذكرناه. # والهدي ما استيسر، مثل هدي المتعة؛ لحديث عمر. أيضا. ms1707 والمتمتع، والمفرد، ~~والقارن، والمكي وغيره، سواء فيما ذكرنا؛ لأن الفوات يشمل الجميع. ### | [فصل اختار من فاته الحج البقاء على إحرامه ليحج من قابل] # (2700) فصل: فإن اختار من فاته الحج البقاء على إحرامه ليحج من قابل، فله ~~ذلك. روي ذلك عن مالك؛ لأن تطاول المدة بين الإحرام وفعل النسك لا يمنع ~~إتمامه، كالعمرة، والمحرم بالحج في غير أشهره. ويحتمل أنه ليس له ذلك. وهو ~~قول الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، ورواية عن مالك؛ لظاهر الخبر، ~~وقول الصحابة - رضي الله عنهم -، ولأن إحرام الحج يصير في غير أشهره فصار ~~كالمحرم بالعبادة قبل وقتها. ### | [فصل إذا فات القارن الحج] # (2701) فصل: وإذا فات القارن الحج، حل، وعليه مثل ما أهل به من قابل. نص ~~عليه أحمد. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وإسحاق. ويحتمل أن يجزئه ما ~~فعل عن عمرة الإسلام، ولا يلزمه إلا قضاء الحج؛ لأنه لم يفته غيره. # وقال أصحاب الرأي، والثوري: يطوف ويسعى لعمرته، ثم لا يحل حتى يطوف ويسعى ~~لحجه. إلا أن سفيان قال: ويهرق دما. والوجه الأول أن يجب القضاء على حسب ~~الأداء، في صورته ومعناه، فيجب أن يكون هاهنا كذلك، ويلزمه؛ هديان؛ هدي ~~للقران، وهدي فواته. وبه قال مالك، والشافعي. وقيل: يلزمه هدي ثالث للقضاء. ~~وليس بشيء، فإن القضاء لا يجب له هدي، وإنما يجب الهدي الذي في سنة القضاء ~~للفوات، وكذلك لم يأمره الصحابة بأكثر من هدي واحد. والله أعلم. ### | [فصل إذا أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير ليلة عرفة] # (2702) فصل إذا أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير ليلة عرفة، أجزأهم ذلك؛ ~~لما روى الدارقطني. بإسناده، عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يوم عرفة الذي يعرف فيه ~~الناس. فإن اختلفوا، فأصاب بعض، وأخطأ بعض وقت الوقوف، لم يجزئهم؛ # PageV03P456 # لأنهم غير معذورين في هذا» وروى أبو هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون» رواه الدارقطني وغيره. ### | [مسألة العبد ms1708 لا يلزمه هدي] # (2703) مسألة؛ قال: (وإن كان عبدا، لم يكن له أن يذبح، وكان عليه أن يصوم ~~عن كل مد من قيمة الشاة يوما، ثم يقصر ويحل) يعني أن العبد لا يلزمه هدي؛ ~~لأنه لا مال له، فهو عاجز عن الهدي، فلم يلزمه كالمعسر. وظاهر كلام الخرقي ~~أنه لو أذن له سيده في الهدي لم يكن له أن يهدي، ولا يجزئه إلا الصيام وهذا ~~قول الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. ذكره ابن المنذر عنهم في الصيد. وعلى ~~قياس هذا كل دم لزمه في الإحرام لا يجزئه عنه إلا الصيام. # وقال غير الخرقي: إن ملكه السيد هديا، وأذن له في ذبحه خرج على ~~الروايتين. إن قلنا: إن العبد يملك بالتمليك. لزمه أن يهدي، ويجزئ عنه؛ ~~لأنه قادر على الهدي، مالك له، فلزمه كالحر. # وإن قلنا: لا يملك. لم يجزئه إلا الصيام؛ لأنه ليس بمالك، ولا سبيل له ~~إلى الملك، فصار كالمعسر الذي لا يقدر على غير الصيام. وإذا صام فإنه يصوم ~~عن كل مد من قيمة الشاة يوما. وينبغي أن يخرج فيه من الخلاف ما ذكرناه في ~~الصيد، ومتى بقي من قيمتها أقل من مد صام عنه يوما كاملا؛ لأن الصوم لا ~~يتبعض، فيجب تكميله، كمن نذر أن يصوم يوم يقدم فلان فقدم في بعض النهار، ~~لزمه صوم يوم كامل، والأولى أن يكون الواجب من الصوم عشرة أيام، كصوم ~~المتعة، كما جاء في حديث عمر أنه قال لهبار بن الأسود: فإن وجدت سعة فأهد، ~~فإن لم تجد سعة، فصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعت، إن شاء الله ~~تعالى. # وروى الشافعي، في " مسنده " عن ابن عمر مثل ذلك. وأحمد ذهب إلى حديث عمر، ~~واحتج به؛ لأنه صوم وجب لحله من إحرامه قبل إتمامه، فكان عشرة أيام كصوم ~~المحرم. والمعسر في الصوم كالعبد، ولذلك قال عمر لهبار بن الأسود: إن وجدت ~~سعة فأهد، فإن لم تجد فصم. ويعتبر اليسار والإعسار في زمن الوجوب، وهو في ~~سنة القضاء إن قلنا بوجوبه، أو في ms1709 سنة الفوات إن قلنا لا يجب القضاء. # وقول الخرقي: " ثم يقصر ويحل ". يريد أن العبد لا يحلق هاهنا، ولا في ~~موضع آخر؛ لأن الحلق إزالة الشعر الذي يزيد في قيمته وماليته، وهو ملك ~~لسيده، ولم يتعين إزالته، فلم يكن له إزالته. كغير حالة الإحرام. وإن أذن ~~له السيد في الحلق جاز؛ لأنه إنما منع منه لحقه. ### | [مسألة المرأة إذا أحرمت بالحج الواجب أو العمرة الواجبة] # (2704) مسألة؛ قال: (وإذا أحرمت المرأة لواجب، لم يكن لزوجها منعها) ~~وجملة ذلك أن المرأة إذا أحرمت بالحج الواجب، أو العمرة الواجبة، وهي حجة ~~الإسلام وعمرته، أو المنذور منهما، فليس لزوجها منعها من المضي فيها، ولا ~~تحليلها، في قول أكثر أهل العلم؛ منهم أحمد والنخعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ~~والشافعي في أصح القولين له، وقال في الآخر: له منعها. # PageV03P457 # لأن الحج عنده على التراخي، فلم يتعين في هذا العام. # وليس هذا بصحيح، فإن الحج الواجب يتعين بالشروع فيه، فيصير كالصلاة إذا ~~أحرمت بها في أول وقتها وقضاء رمضان إذا شرعت فيه، ولأن حق الزوج مستمر على ~~الدوام، فلو ملك منعها في هذا العام لملكه في كل عام، فيفضي إلى إسقاط أحد ~~أركان الإسلام، بخلاف العدة، فإنها لا تستمر. فأما إن أحرمت بتطوع، فله ~~تحليلها ومنعها منه، في ظاهر قول الخرقي. # وقال القاضي: ليس له تحليلها؛ لأن الحج يلزم بالشروع فيه، فلا يملك الزوج ~~تحليلها، كالحج المنذور. وحكي عن أحمد، في امرأة تحلف بالصوم أو بالحج، ~~ولها زوج: لها أن تصوم بغير إذن زوجها، ما تصنع، قد ابتليت وابتلي زوجها. # ولنا، أنه تطوع يفوت حق غيرها منها، أحرمت به بغير إذنه، فملك تحليلها ~~منه، كالأمة تحرم بغير إذن سيدها، والمدينة تحرم بغير إذن غريمها على وجه ~~يمنعه إيفاء دينه الحال عليها، ولأن العدة تمنع المضي في الإحرام لحق الله ~~تعالى، فحق الآدمي أولى؛ لأن حقه أضيق، لشحه وحاجته، وكرم الله تعالى ~~وغناه. وكلام أحمد لا يتناول محل النزاع، وهو مخالف له من وجهين؛ أحدهما، ~~أنه في الصوم، وتأثير ms1710 الصوم في منع حق الزوج يسير، فإنه في النهار دون ~~الليل. # ولو حلفت بالحج فله منعها؛ لأن الحج لا يتعين في نذر اللجاج والغضب، بل ~~هو مخير بين فعله والتكفير، فله منعها منه قبل إحرامها بكل حال، بخلاف ~~الصوم. والثاني، أن الصوم إذا وجب صار كالمنذور، بخلاف ما نحن فيه، والشروع ~~هاهنا على وجه غير مشروع، فلم يكن له حرمة بالنسبة إلى صاحب الحق. فأما إن ~~كانت الحجة حجة الإسلام، لكن لم تكمل شروطها لعدم الاستطاعة، فإن له منعها ~~من الخروج إليها والتلبس بها؛ لأنها غير واجبة عليها. # وإن أحرمت بغير إذنه لم يملك تحليلها؛ لأن ما أحرمت به يقع عن حجة ~~الإسلام الواجبة بأصل الشرع، كالمريض إذا تكلف حضور الجمعة. ويحتمل أن له ~~تحليلها؛ لأنه فقد شرط وجوبها، فأشبهت حجة الأمة والصغيرة، فإنه لما فقدت ~~الحرية أو البلوغ، ملك منعها، ولأنها ليست واجبة عليها، فأشبهت سائر ~~التطوع. # (2705) فصل: وأما قبل الإحرام، فليس للزوج منع امرأته من المضي إلى الحج ~~الواجب عليها، إذا كملت شروطه، وكانت مستطيعة، ولها محرم يخرج معها؛ لأنه ~~واجب، وليس له منعها من الواجبات، كما ليس له منعها من الصلاة والصيام. # وإن لم تكمل شروطه، فله منعها من المضي إليه والشروع فيه، ولأنها تفوت ~~حقه بما ليس بواجب عليها، فملك منعها، كمنعها من صيام التطوع. وله منعها من ~~الخروج إلى حج # PageV03P458 # التطوع والإحرام به، بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ قوله من ~~أهل العلم، على أن للرجل منع زوجته من الخروج إلى حج التطوع. ولأنه تطوع ~~يفوت حق زوجها، فكان لزوجها منعها منه، كالاعتكاف. # فإن أذن لها فيه، فله الرجوع ما لم تتلبس بإحرامه، فإن تلبست بالإحرام، ~~أو أذن لها، لم يكن له الرجوع فيه، ولا تحليلها منه؛ لأنه يلزم بالشروع، ~~فصار كالواجب الأصلي. فإن رجع قبل إحرامها، ثم أحرمت به، فهو كمن لم يأذن. ~~وإذا قلنا: بتحليلها. فحكمها حكم المحصر، يلزمها الهدي، فإن لم تجد صامت، ~~ثم حلت. ### | [فصل أحرمت بواجب فحلف ms1711 زوجها بالطلاق الثلاث أن لا تحج العام] # (2706) فصل: وإن أحرمت بواجب، فحلف زوجها بالطلاق الثلاث أن لا تحج ~~العام، فليس لها أن تحل؛ لأن الطلاق مباح، فليس لها ترك فرائض الله خوفا من ~~الوقوع فيه. ونقل مهنا عن أحمد أنه سئل عن هذه المسألة، فقال: قال عطاء: ~~الطلاق هلاك، هي بمنزلة المحصر. وروى عنه ابن منصور، أنه أفتى السائل أنها ~~بمنزلة المحصر. واحتج بقول عطاء، فرواه، والله أعلم. ذهب إلى هذا لأن ضرر ~~الطلاق عظيم؛ لما فيه من خروجها من بيتها، ومفارقة زوجها وولدها، وربما كان ~~ذلك أعظم عندها من ذهاب مالها، وهلاك سائر أهلها، ولذلك سماه عطاء هلاكا. # ولو منعها عدو من الحج إلا أن تدفع إليه مالها، كان ذلك حصرا، فهاهنا ~~أولى. والله أعلم ### | [فصل ليس للوالد منع ولده من الحج الواجب] # (2707) فصل: وليس للوالد منع ولده من الحج الواجب، ولا تحليله من إحرامه، ~~وليس للولد طاعته في تركه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الله تعالى» وله منعه من الخروج إلى التطوع، فإن له منعه ~~من الغزو، وهو من فروض الكفايات، فالتطوع أولى. فإن أحرم بغير إذنه، لم ~~يملك تحليله؛ لأنه واجب بالدخول فيه، فصار كالواجب ابتداء، أو كالمنذور. ### | [مسألة ساق هديا واجبا فعطب دون محله] # مسألة؛ قال: (ومن ساق هديا واجبا، فعطب دون محله، صنع به ما شاء، وعليه ~~مكانه) الواجب من الهدي قسمان؛ أحدهما، وجب بالنذر في ذمته. والثاني، وجب ~~بغيره، كدم التمتع، والقران، والدماء الواجبة بترك واجب، أو فعل محظور. ~~وجميع ذلك ضربان: أحدهما، أن يسوقه ينوي به الواجب الذي عليه، من غير أن ~~يعينه بالقول، فهذا لا يزول ملكه عنه إلا بذبحه، ودفعه إلى أهله، وله ~~التصرف فيه بما شاء من بيع، وهبة، وأكل، وغير ذلك؛ لأنه لم يتعلق حق غيره ~~به، وله نماؤه، وإن عطب تلف من ماله، وإن تعيب لم يجزئه ذبحه، وعليه الهدي ~~الذي كان واجبا، فإن وجوبه في الذمة، فلا يبرأ منه إلا ms1712 بإيصاله إلى مستحقه، ~~بمنزلة من عليه دين فحمله إلى مستحقه، يقصد دفعه إليه فتلف قبل أن يوصله ~~إليه. # PageV03P459 # الضرب الثاني، أن يعين الواجب عليه بالقول، فيقول: هذا الواجب علي. # فإنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة منه؛ لأنه لو أوجب هديا ولا ~~هدي عليه لتعين، فإذا كان واجبا فعينه فكذلك، إلا أنه مضمون عليه، فإن عطب، ~~أو سرق، أو ضل، أو نحو ذلك، لم يجزه، وعاد الوجوب إلى ذمته، كما لو كان ~~لرجل عليه دين، فاشترى به منه مكيلا، فتلف قبل قبضه، انفسخ البيع، وعاد ~~الدين إلى ذمته، ولأن ذمته لم تبرأ من الواجب بتعيينه، وإنما تعلق الوجوب ~~بمحل آخر، فصار كالدين يضمنه ضامن، أو يرهن به رهنا، فإنه يتعلق الحق ~~بالضامن والرهن مع بقائه في ذمة المدين، فمتى تعذر استيفاؤه من الضامن، أو ~~تلف الرهن، بقي الحق في الذمة بحاله. وهذا كله لا نعلم فيه مخالفا. # وإن ذبحه، فسرق، أو عطب، فلا شيء عليه. قال أحمد: إذا نحر فلم يطعمه حتى ~~سرق، لا شيء عليه، فإنه إذا نحر فقد فرغ. وبهذا قال الثوري وابن القاسم ~~صاحب مالك، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: عليه الإعادة؛ لأنه لم يوصل الحق ~~إلى مستحقه، فأشبه ما لو لم يذبحه. # ولنا، أنه أدى الواجب عليه، فبرئ منه، كما لو فرقه. ودليل أنه أدى ~~الواجب، أنه لم يبق إلا التفرقة، وليست واجبة؛ بدليل أنه لو خلى بينه وبين ~~الفقراء أجزأه، ولذلك «لما نحر النبي - صلى الله عليه وسلم - البدنات، قال: ~~من شاء اقتطع» . وإذا عطب هذا المعين، أو تعيب عيبا يمنع الإجزاء، لم يجزه ~~ذبحه عما في الذمة؛ لأن عليه هديا سليما ولم يوجد، وعليه مكانه، ويرجع هذا ~~الهدي إلى ملكه، فيصنع به ما شاء، من أكل، أو بيع وهبة، وصدقة، وغيره. # هذا ظاهر كلام الخرقي وحكاه ابن المنذر عن أحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي ~~ثور، وأصحاب الرأي. ونحوه عن عطاء. وقال مالك: يأكل، ويطعم من أحب من ~~الأغنياء والفقراء، ولا يبيع منه شيئا. # ولنا، ms1713 ما روى سعيد، حدثنا سفيان عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، ~~قال: إذا أهديت هديا تطوعا، فعطب، فانحره، ثم اغمس النعل في دمه، ثم اضرب ~~بها صفحته، فإن أكلت أو أمرت به عرفت، وإذا أهديت هديا واجبا فعطب فانحره، ~~ثم كله إن شئت، وأهده إن شئت، وبعه إن شئت، وتقو به في هدي آخر. ولأنه متى ~~كان له أن يأكل ويطعم الأغنياء، فله أن يبيع؛ لأنه ملكه. # وروي عن أحمد، أنه يذبح المعيب وما في ذمته جميعا، ولا يرجع المعين إلى ~~ملكه؛ لأنه تعلق بحق الفقراء بتعيينه، فلزم ذبحه، كما لو عينه بنذره ~~ابتداء. ### | [فصل ضل الهدي المعين فذبح غيره ثم وجده] # فصل: وإن ضل المعين، فذبح غيره، ثم وجده، أو عين غير الضال بدلا عما في ~~الذمة، ثم وجد الضال، ذبحهما معا. روي ذلك عن عمر، وابنه وابن عباس، وفعلته ~~عائشة. وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق. ويتخرج على قولنا فيما إذا تعيب ~~الهدي، فأبدله فإن له أن يصنع به ما شاء. أو يرجع إلى ملك # PageV03P460 # أحدهما؛ لأنه قد ذبح ما في الذمة، فلم يلزمه شيء آخر، كما لو عطب المعين. # وهذا قول أصحاب الرأي. ووجه الأول ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها أهدت هديين، فأضلتهما، فبعث إليها ابن الزبير هديين، فنحرتهما، ثم عاد ~~الضالان، فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدي رواه الدارقطني. # وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه تعلق حق ~~الله بهما بإيجابهما، أو ذبح أحدهما وإيجاب الآخر. (2710) فصل: وإن عين ~~معيبا عما في ذمته، لم يجزه، ولزمه ذبحه، على قياس قوله في الأضحية، إذا ~~عينها معيبة لزمه ذبحها، ولم يجزه. # وإن عين صحيحا فهلك، أو تعيب بغير تفريطه، لم يلزمه أكثر مما كان واجبا ~~في الذمة؛ لأن الزائد لم يجب في الذمة، وإنما تعلق بالعين، فسقط بتلفها ~~لأصل الهدي، إذا لم يجب بغير التعيين. # وإن أتلفه، أو تلف بتفريطه، لزمه مثل المعين؛ لأن الزائد تعلق به حق الله ~~تعالى، وإذا ms1714 فوته لزمه ضمانه، كالهدي المعين ابتداء. ### | [فصل يحصل الإيجاب بقوله هذا هدي أو بتقليده وإشعاره ناويا به الهدي] # (2711) فصل: ويحصل الإيجاب بقوله: هذا هدي. أو بتقليده وإشعاره ناويا به ~~الهدي وبهذا قال الثوري، وإسحاق. ولا يجب بالشراء مع النية، ولا بالنية ~~المجردة، في قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يجب بالشراء مع النية. # ولنا، أنه إزالة ملك على وجه القربة، فلم يجب بالنية، كالعتق والوقف. ### | [فصل غصب المحرم شاة فذبحها عن الواجب عليه] # (2712) فصل: إذا غصب شاة، فذبحها عن الواجب عليه، لم يجزه، سواء رضي ~~مالكها أو لم يرض، أو عوضه عنها أو لم يعوضه. وقال أبو حنيفة: يجزئه إن رضي ~~مالكها. # ولنا، أن هذا لم يكن قربة في ابتدائه، فلم يصر قربة في أثنائه، كما لو ~~ذبحه للأكل ثم نوى به التقريب، وكما لو أعتق ثم نواه عن كفارته. ### | [مسألة من تطوع بهدي غير واجب لم يخل من حالين] # (2713) مسألة؛ قال: (وإن كان ساقه تطوعا، نحره في موضعه، وخلى بينه وبين ~~المساكين، ولم يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته، ولا بدل عليه) وجملة ذلك ~~أن من تطوع بهدي غير واجب، لم يخل من حالين؛ أحدهما، أن ينويه هديا، ولا ~~يوجب بلسانه ولا بإشعاره وتقليده، فهذا لا يلزمه إمضاؤه، وله أولاده ونماؤه ~~والرجوع فيه متى شاء، ما لم يذبحه؛ لأنه نوى الصدقة بشيء من ماله، فأشبه ما ~~لو نوى الصدقة بدرهم. # PageV03P461 # الثاني، أن يوجبه بلسانه، فيقول: هذا هدي. أو يقلده أو يشعره، ينوي بذلك ~~إهداءه، فيصير واجبا معينا، يتعلق الوجوب بعينه دون ذمة صاحبه، ويصير في ~~يدي صاحبه كالوديعة، يلزمه حفظه وإيصاله إلى محله، فإن تلف بغير تفريط منه، ~~أو سوق، أو ضل، لم يلزمه شيء؛ لأنه لم يجب في الذمة، إنما تعلق الحق ~~بالعين، فسقط بتلفها، كالوديعة. # وقد روى الدارقطني، بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من أهدى تطوعا، ثم ضلت، فليس عليه ~~البدل، إلا أن ms1715 يشاء، فإن كان نذرا، فعليه البدل» . # وفي رواية، قال: «من أهدى تطوعا، ثم عطب فإن شاء أبدل، وإن شاء أكل، وإن ~~كان نذرا فليبدل» . فأما إن أتلفه، أو تلف بتفريطه، فعليه ضمانه؛ لأنه أتلف ~~واجبا لغيره، فضمنه، كالوديعة. # وإن خاف عطبه، أو عجز عن المشي وصحبة الرفاق، نحره موضعه، وخلى بينه وبين ~~المساكين، ولم يبح له أكل شيء منه، ولا لأحد من صحابته، وإن كانوا فقراء، ~~ويستحب له أن يضع نعل الهدي المقلد في عنقه في دمه، ثم يضرب به صفحته، ~~ليعرفه الفقراء، فيعلموا أنه هدي، وليس بميتة، فيأخذوه. وبهذا قال الشافعي، ~~وسعيد بن جبير. وروي عن ابن عمر أنه أكل من هديه الذي عطب، ولم يقض مكانه. # وقال مالك: يباح لرفقته، ولسائر الناس، غير صاحبه أو سائقه، ولا يأمر ~~أحدا يأكل منه، فإن أكل، أو أمر من أكل، أو حز شيئا من لحمه، ضمنه. واحتج ~~ابن عبد البر لذلك، بما روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن ناجية بنت كعب، صاحب ~~بدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يا رسول الله، كيف أصنع ~~بما عطب من الهدي؟ قال: انحره، ثم اغمس قلائده في دمه، ثم اضرب بها صفحة ~~عنقه، ثم خل بينه وبين الناس» . قال: وهذا أصح من حديث ابن عباس، وعليه ~~العمل عند الفقهاء. ويدخل في عموم قوله: " وخل بينه وبين الناس ". رفقته ~~وغيرهم. # ولنا، ما روى ابن عباس، أن ذؤيبا أبا قبيصة حدثه «، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يبعث معه البدن، ثم يقول: إن عطب منها شيء، فخشيت ~~عليها، فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ~~ولا أحد من أهل رفقتك» . رواه مسلم. وفي لفظ رواه الإمام أحمد: «ويخليها ~~والناس، ولا يأكل منها هو ولا أحد من أصحابه» . وقال سعيد حدثنا إسماعيل بن ~~إبراهيم، عن أبي التياح، عن موسى بن سلمة، عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «، أنه بعث بثماني عشرة بدنة مع رجل، وقال: ms1716 إن ازدحف عليك منها شيء، ~~فانحرها، ثم اصبغ نعلها في دمها، # PageV03P462 # ثم اضرب بها في صفحتها، ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك» . # وهذا صحيح متضمن للزيادة، # ومعنى خاص، فيجب تقديمه على عموم ما خالفه. # ولا تصح التسوية بين رفقته وبين سائر الناس؛ لأن الإنسان يشفق على رفقته، ~~ويحب التوسعة عليهم، وربما وسع عليهم من مؤنته. وإنما منع السائق ورفقته من ~~الأكل منها؛ لئلا يقصر في حفظها، فيعطبها ليأكل هو ورفقته منها، فتلحقه ~~التهمة في عطبها لنفسه ورفقته، فحرموها لذلك. فإن أكل منها، أو باع أو أطعم ~~غنيا، أو رفقته، ضمنه بمثله لحما. # وإن أتلفها، أو تلفت بتفريطه، أو خاف عطبها، فلم ينحرها حتى هلكت، فعليه ~~ضمانها بما يوصله إلى فقراء الحرم؛ لأنه لا يتعذر عليه إيصال الضمان إليهم، ~~بخلاف العاطب. وإن أطعم منها فقيرا، أو أمره بالأكل منها، فلا ضمان عليه؛ ~~لأنه أوصله إلى المستحق، فأشبه ما لو أطعم فقيرا بعد بلوغه محله، وإن تعيب ~~ذبحه أجزأه. # وقال أبو حنيفة: لا يجزئه، إلا أن يحدث العيب به بعد إضجاعه للذبح. ولنا، ~~أنه لو عطب لم يلزمه شيء، فالعيب أولى؛ لأن العطب يذهب بجميعه، والعيب ~~ينقصه. ولأنه عيب حدث بعد وجوبه، فأشبه ما لو حدث بعد إضجاعه. # وإن تعيب بفعل آدمي، فعليه ما نقصه من القيمة، يتصدق به. وقال أبو حنيفة: ~~يباع جميعه، ويشترى هدي. وبنى ذلك على أنه لا يجزئ، وقد بينا أنه مجزئ. ### | [فصل إبدال الهدي بخير منه] # فصل: وإذ أوجب هديا فله إبداله بخير منه، وبيعه ليشتري بثمنه خيرا منه. ~~نص عليه أحمد. وهو اختيار أكثر الأصحاب، ومذهب أبي حنيفة وقال أبو الخطاب: ~~يزول ملكه عنه، وليس له بيعه ولا إبداله. وهو قول مالك، والشافعي؛ لأنه حق ~~متعلق بالرقبة، ويسري إلى الولد، فمنع البيع، كالاستيلاء، ولأنه لا يجوز له ~~إبداله بمثله، فلم يجز بخير منه، كسائر ما لا يجوز بيعه. # ووجه الأول، أن النذور محمولة على أصولها في الفرض، وهو الزكاة، يجوز ~~فيها الإبدال، كذلك هذا، ms1717 ولأنه لو زال ملكه لم يعد إليه بالهلاك، كسائر ~~الأملاك إذا زالت. وقياسهم ينتقض بالمدبرة يجوز بيعها، وقد دل على جواز بيع ~~المدبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - باع مدبرا. أما إبدالها بمثلها أو ~~دونها، فلم يجز؛ لعدم الفائدة في ذلك. ### | [فصل إذا ولدت الهدية فولدها بمنزلتها] # (2715) فصل: إذا ولدت الهدية فولدها بمنزلتها إن أمكن سوقه وإلا حمله على ~~ظهرها، وسقاه من لبنها، فإن لم يمكن سوقه ولا حمله، صنع به ما يصنع بالهدي ~~إذا عطب، ولا فرق في ذلك بين ما عينه ابتداء وبين ما عينه بدلا عن الواجب ~~في ذمته. # وقال القاضي، في المعين بدلا عن الواجب: يحتمل أن لا يتبعها # PageV03P463 # ولدها؛ لأن ما في الذمة واحد، فلا يلزمه اثنان. والصحيح أنه يتبع أمه في ~~الوجوب؛ لأنه ولد هدي واجب، فكان واجبا، كالمعين ابتداء. # وقال المغيرة بن حذف: أتى رجل عليا ببقرة قد أولدها، فقال له: لا تشرب من ~~لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم الأضحى ضحيت بها وولدها عن سبعة ~~رواه سعيد، والأثرم. وإن تعينت المعينة عن الواجب في الذمة، وقلنا: يذبحها. ~~ذبح ولدها معها؛ لأنه تبع لها. # وإن قلنا: يبطل تعيينها، وتعود إلى مالكها. احتمل أن يبطل التعيين في ~~ولدها تبعا، كنمائها المتصل بها، واحتمل أن لا يبطل، ويكون للفقراء؛ لأنه ~~تبعها في الوجوب حال اتصاله بها، ولم يتبعها في زواله؛ لأنه منفصل عنها، ~~كولد المبيع المعيب إذا ولد عند المشتري، ثم رده لم يبطل البيع في ولده، ~~والمدبرة إذا قتلت سيدها، فبطل تدبيرها، لا يبطل في ولدها. ### | [فصل شرب لبن الهدي] # (2716) فصل: وللمهدي شرب لبن الهدي؛ لأن بقاءه في الضرع يضر به، فإذا كان ~~ذا ولد، لم يشرب إلا ما فضل عن ولده؛ لما ذكرنا من خبر علي - رضي الله عنه ~~-. فإن شرب ما يضر بالأم، أو ما لا يفضل عن الولد، ضمنه؛ لأنه تعدى بأخذه. # وإن كان صوفها يضر بها بقاؤه، جزه وتصدق به على الفقراء. والفرق بينه ~~وبين اللبن، ms1718 أن الصوف كان موجودا حال إيجابها، فكان واجبا معها، واللبن ~~متجدد فيها شيئا فشيئا، فهو كنفعها وركوبها. (2717) فصل وله ركوبه عند ~~الحاجة، على وجه لا يضر به. قال: أحمد: لا يركبه إلا عند الضرورة. وهو قول ~~الشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي؛ «لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها، حتى تجد ظهرا» رواه أبو داود. ~~ولأنه تعلق بها حق المساكين، فلم يجز ركوبها من غير ضرورة، كملكهم. فأما مع ~~عدم الحاجة، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يجوز؛ لما ذكرنا. والثانية، يجوز؛ ~~لما روى أبو هريرة، وأنس، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا ~~يسوق بدنة، فقال: اركبها. فقال: يا رسول الله، إنها بدنة. فقال: اركبها، ~~ويلك. في الثانية أو في الثالثة» . متفق عليه. ### | [فصل لا يبرأ من الهدي إلا بذبحه أو نحره] # (2718) فصل: ولا يبرأ من الهدي إلا بذبحه أو نحره؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نحر هديه. فإن نحره بنفسه، أو وكل من نحره، أو نحره إنسان بغير ~~إذنه في وقته، أجزأ عنه. # وإن دفعه إلى الفقراء سليما فنحروه، أجزأ # PageV03P464 # عنه؛ لأنه حصل المقصود بفعلهم، فأجزأه، كما لو ذبحه غيرهم، وإن لم ~~ينحروه، فعليه أن يسترده منهم وينحره، فإن لم يفعل أو لم يقدر، فعليه ~~ضمانه؛ لأنه فوته بتفريطه في دفعه إليهم سليما. ### | [فصل يستحب للمهدي أن يتولى نحر الهدي بنفسه] # (2719) فصل: ويستحب للمهدي أن يتولى نحر الهدي بنفسه؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نحر هديه بيده، وروي عن غرفة بن الحارث الكندي، قال: ~~«شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، وأتي بالبدن، فقال: ~~ادع لي أبا الحسن. فدعي له علي، فقال له: خذ بأسفل الحربة. وأخذ رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بأعلاها، ثم طعنا بها البدن» . رواه أبو داود. ~~وإنما فعلا ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرك عليا في بدنه. وقال ~~جابر: «نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم ms1719 ~~أعطى عليا فنحر ما غبر» . وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر خمس ~~بدنات، ثم قال: من شاء اقتطع» . رواه أبو داود. فإن لم يذبح بيده، فالمستحب ~~أن يشهد ذبحها؛ لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة: ~~احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة من دمها» . # ويستحب أن يتولى تفريق اللحم بنفسه؛ لأنه أحوط وأقل للضرر على المساكين، ~~وإن خلى بينه وبين المساكين جاز؛ لقوله - عليه السلام -: «من شاء اقتطع.» ### | [فصل يباح للفقراء الأخذ من الهدي إذا لم يدفعه إليهم] # (2720) فصل: ويباح للفقراء الأخذ من الهدي إذا لم يدفعه إليهم بأحد ~~شيئين؛ أحدهما، الإذن فيه لفظا، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~شاء اقتطع» . والثاني، دلالة على الإذن، كالتخلية بينهم وبينه. # وقال الشافعي، في أحد قوليه: لا يباح إلا باللفظ. وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لسائق البدن: «اصبغ نعلها في دمها، واضرب به صفحتها» . دليل ~~على أن ذلك وشبهه كاف من غير لفظ، ولولا ذلك لم يكن هذا مفيدا. ### | [مسألة لا يأكل من كل واجب إلا من هدي التمتع] # (2721) مسألة؛ قال: (ولا يأكل من كل واجب إلا من هدي التمتع) المذهب أنه ~~يأكل من هدي التمتع والقران دون ما سواهما. نص عليه أحمد. ولعل الخرقي ترك ~~ذكر القران؛ لأنه متعة، واكتفى بذكر المتعة لأنهما سواء في المعنى، فإن ~~سببهما غير محظور، فأشبها هدي التطوع. وهذا قول أصحاب الرأي. # وعن أحمد، أنه لا يأكل من المنذور وجزاء الصيد، ويأكل مما سواهما. وهو ~~قول ابن عمر، وعطاء، والحسن، وإسحاق؛ لأن جزاء الصيد بدل، والنذر جعله لله ~~تعالى بخلاف غيرهما. # وقال ابن أبي موسى: لا يأكل أيضا من الكفارة، ويأكل مما سوى هذه الثلاثة. ~~ونحوه مذهب مالك؛ لأن ما سوى ذلك لم يسمه للمساكين، ولا مدخل للإطعام فيه، ~~فأشبه التطوع. # PageV03P465 # وقال الشافعي: لا يأكل من واجب؛ لأنه هدي وجب بالإحرام، فلم يجز الأكل ~~منه، كدم الكفارة. # ولنا، أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - تمتعن معه في ms1720 حجة الوداع ~~وأدخلت عائشة الحج على العمرة، فصارت قارنة، ثم ذبح عنهن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - البقرة، فأكلن من لحومها. قال أحمد قد أكل من البقرة أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة خاصة. وقالت عائشة: إن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أمر من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت، أن يحل، فدخل ~~علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن أزواجه. # وروى أبو داود، وابن ماجه «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذبح عن ~~آل محمد في حجة الوداع بقرة.» وقال ابن عمر: «تمتع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج، فساق الهدي من ذي الحليفة» . متفق عليه. # وقد ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت ~~في قدر، فأكل هو وعلي من لحمها، وشربا من مرقها» . رواه مسلم ولأنهما دما ~~نسك، فأشبها التطوع، ولا يؤكل من غيرهما؛ لأنه يجب بفعل محظور، فأشبه جزاء ~~الصيد. # (2722) فصل: فأما هدي التطوع، وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء، من غير أن ~~يكون عن واجب في ذمته، وما نحره تطوعا من غير أن يوجبه، فيستحب أن يأكل ~~منه؛ لقول الله تعالى: (فكلوا منها) . وأقل أحوال الأمر الاستحباب. ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل من بدنه. # وقال جابر «كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث فرخص لنا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: كلوا وتزودوا. فأكلنا وتزودنا» . رواه البخاري. وإن لم ~~يأكل فلا بأس؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نحر البدنات الخمس. ~~قال: «من شاء اقتطع» . ولم يأكل منهن شيئا. # والمستحب، أن يأكل اليسير منها، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وله الأكل كثيرا والتزود، كما جاء في حديث جابر. وتجزئه الصدقة باليسير ~~منها، كما في الأضحية، فإن أكلها ضمن المشروع للصدقة منها، كما في الأضحية. # (2723) فصل: وإن أكل منها ما منع من أكله، ضمنه بمثله لحما؛ لأن الجميع ~~مضمون عليه ms1721 بمثله حيوانا، فكذلك أبعاضه. وكذلك إن أعطى الجازر منها شيئا ~~ضمنه بمثله. وإن أطعم غنيا منها، على سبيل الهدية، جاز، كما يجوز له ذلك في ~~الأضحية؛ لأن ما ملك أكله ملك هديته. # وإن باع شيئا منها، أو أتلفه، ضمنه بمثله؛ لأنه ممنوع من ذلك، فأشبه ~~عطيته للجازر. وإن أتلف أجنبي منه شيئا، ضمنه بقيمته؛ لأن المتلف من غير ~~ذوات الأمثال، فلزمته قيمته، كما لو أتلف لحما لآدمي معين. # PageV03P466 ### | [فصل الهدي الواجب بغير النذر ينقسم قسمين] # (2724) فصل: والهدي الواجب بغير النذر ينقسم قسمين؛ منصوص عليه، ومقيس ~~على المنصوص. فأما المنصوص عليه فأربعة، اثنان على الترتيب، والواجب فيهما ~~ما استيسر من الهدي، وأقله شاة، أو سبع بدنة، أحدهما دم المتعة، قال الله ~~تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ~~ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196] . والثاني، دم الإحصار، ~~قال الله تعالى {فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] . وهو على الترتيب ~~أيضا، إن لم يجده انتقل إلى صيام عشرة أيام. # وإنما وجب ترتيبه؛ لأن الله تعالى أمر به معينا من غير تخيير، فاقتضى ~~تعيينه الوجوب، وأن لا ينتقل عنه إلا عند العجز، كسائر الواجبات المعينة، ~~فإن لم يجده، انتقل إلى صيام عشرة أيام بالقياس على دم المتعة، إلا أنه لا ~~يحل حتى يصومها. وهذا قول الشافعي. # وقال مالك، وأبو حنيفة لا بدل له؛ لأنه لم يذكر في القرآن. وهذا لا يلزم، ~~فإن عدم ذكره لا يمنع قياسه على نظيره. واثنان مخيران؛ أحدهما، فدية الأذى، ~~قال الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو ~~صدقة أو نسك} [البقرة: 196] . الثاني، جزاء الصيد، وهو على التخيير أيضا ~~بقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا ~~عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} ~~[المائدة: 95] . # القسم الثاني، ما ليس بمنصوص عليه، فيقاس على أشبه المنصوص عليه به، فهدي ~~المتعة وجب ms1722 للترفه بترك أحد السفرين، وقضائه النسكين في سفر واحد، ويقاس ~~عليه أيضا دم الفوات فيجب عليه مثل دم المتعة. وبدله مثل بدله، وهو صيام ~~عشرة أيام، إلا أنه لا يمكن أن يكون ثلاثة قبل يوم النحر، لأن الفوات إنما ~~يكون بفوات ليلة النحر، لأنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالتارك لأحد ~~السفرين. فإن قيل: فهلا ألحقتموه بهدي الإحصار، فإنه أشبه به، إذ هو حلال ~~من إحرامه قبل إتمامه؟ قلنا: أما الهدي فهما فيه سواء، وأما البدل فإن ~~الإحصار ليس بمنصوص على البدل فيه، وإنما يثبت قياسا، فقياس هذا على الأصل ~~المنصوص عليه أولى من قياسه على فرعه، على أن الصيام هاهنا مثل الصيام عن ~~دم الإحصار، وهو عشرة أيام أيضا، إلا أن صيام الإحصار يجب أن يكون قبل حله، ~~وهذا يجوز فعله قبل حله وبعده، وهو أيضا مقارن لصوم المتعة؛ لأن الثلاثة في ~~المتعة يستحب أن يكون آخرها يوم عرفة، وهذا يكون بعد فوات عرفة. # والخرقي إنما جعل الصوم عن هدي الفوات مثل # PageV03P467 # الصوم عن جزاء الصيد عن كل مد يوما. والمروي عن عمر وابنه مثل ما ذكرنا. ~~ويقاس عليه أيضا كل دم وجب لترك واجب، كدم القران، وترك الإحرام من ~~الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي، والمبيت ~~ليالي منى بها، وطواف الوداع، فالواجب فيه ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد ~~فصيام عشرة أيام. # وأما من أفسد حجه بالجماع فالواجب فيه بدنة؛ بقول الصحابة المنتشر الذي ~~لم يظهر خلافه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، كصيام ~~المتعة. كذلك قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو. ~~رواه عنهم الأثرم. ولم يظهر في الصحابة خلافهم، فيكون إجماعا، فيكون بدله ~~مقيسا على بدل دم المتعة. # وقال أصحابنا: يقوم البدنة بدراهم، ثم يشتري بها طعاما فيطعم كل مسكين ~~مدا، ويصوم عن كل مد يوما، فتكون ملحقة بالبدنة الواجبة في جزاء الصيد. # ويقاس على فدية الأذى ما وجب بفعل ms1723 محظور يترفه به، كتقليم الأظافر، ~~واللبس، والطيب. وكل استمتاع من النساء يوجب شاة كالوطء في العمرة أو في ~~الحج بعد رمي الجمرة، فإنه في معنى فدية الأذى من الوجه الذي ذكرناه، فيقاس ~~عليه، ويلحق به، فقد قال ابن عباس لامرأة وقع عليها زوجها قبل أن تقصر: ~~عليك فدية من صيام أو صدقة أو نسك رواه الأثرم. ### | [مسألة فدية الأذى تجوز في الموضع الذي حلق فيه] # (2725) مسألة؛ قال: (وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم، إن قدر على ~~إيصاله إليهم، إلا من أصابه أذى من رأسه، فيفرقه على المساكين في الموضع ~~الذي حلق فيه) أما فدية الأذى، فتجوز في الموضع الذي حلق فيه. نص عليه ~~أحمد. وقال الشافعي: لا تجوز إلا في الحرم؛ لقوله تعالى: {ثم محلها إلى ~~البيت العتيق} [الحج: 33] . # ولنا «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر كعب بن عجرة بالفدية ~~بالحديبية، ولم يأمر ببعثه إلى الحرم» . وروى الأثرم وإسحاق والجوزجاني، في ~~" كتابيهما " عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر، قال: كنت مع عثمان، ~~وعلي، وحسين بن علي - رضي الله عنهم -، حجاجا، فاشتكى حسين بن علي بالسقيا، ~~فأومأ بيده إلى رأسه، فحلقه علي، ونحر عنه جزورا بالسقيا. هذا لفظ رواية ~~الأثرم. ولم يعرف لهم مخالف. والآية وردت في الهدي، وظاهر كلام الخرقي ~~اختصاص ذلك بفدية الشعر، وما عداه من الدماء فبمكة. # وقال القاضي، في الدماء الواجبة بفعل محظور، كاللباس والطيب: هي كدم ~~الحلق. وفي الجميع روايتان؛ إحداهما، يفدي حيث وجد سببه. # PageV03P468 # والثانية، محل الجميع الحرم. # وأما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم. نص عليه أحمد، فقال: أما ما كان ~~بمكة، أو كان من الصيد، فكل بمكة؛ لأن الله تعالى قال: {هديا بالغ الكعبة} ~~[المائدة: 95] . وما كان من فدية الرأس فحيث حلقه. وذكر القاضي في قتل ~~الصيد رواية أخرى، أنه يفدي حيث قتله. # وهذا يخالف نص الكتاب، ونص الإمام أحمد في التفرقة بينه وبين حلق الرأس، ~~فلا يعول عليه. وما وجب لترك نسك أو فوات، فهو لمساكين الحرم دون غيرهم؛ ms1724 ~~لأنه هدي وجب لترك نسك، فأشبه هدي القرآن. وإن فعل المحظور لغير سبب يبيحه، ~~فذكر ابن عقيل أنه يختص ذبحه وتفرقة لحمه بالحرم، كسائر الهدي. ### | [فصل ما وجب نحره بالحرم وجب تفرقة لحمه به] # (2726) فصل: وما وجب نحره بالحرم، وجب تفرقة لحمه به. وبهذا قال الشافعي. ~~وقال مالك، وأبو حنيفة: إذا ذبحها في الحرم، جاز تفرقة لحمها في الحل. # ولنا، أنه أحد مقصودي النسك، فلم يجز في الحل، كالذبح، ولأن المعقول من ~~ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه، وهذا لا يحصل بإعطاء غيرهم، ولأنه نسك ~~يختص بالحرم، فكان جميعه مختصا به، كالطواف، وسائر المناسك. # (2727) فصل: والطعام كالهدي، يختص بمساكين الحرم فيما يختص الهدي به. ~~وقال عطاء، والنخعي: ما كان من هدي فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء. # وهذا يقتضيه مذهب مالك، وأبي حنيفة ولنا، قول ابن عباس: الهدي والطعام ~~بمكة، والصوم حيث شاء. ولأنه نسك يتعدى نفعه إلى المساكين فاختص بالحرم، ~~كالهدي. ### | [فصل مساكين أهل الحرم] # (2728) فصل: ومساكين أهل الحرم من كان فيه من أهله، أو وارد إليه من ~~الحاج وغيرهم وهم الذين يجوز دفع الزكاة إليهم. ولو دفع إلى من ظاهره ~~الفقر، فبان غنيا، خرج فيه وجهان كالزكاة. وللشافعي فيه قولان. وما جاز ~~تفريقه بغير الحرم، لم يجز دفعه إلى فقراء أهل الذمة. وبهذا قال الشافعي، ~~وأبو ثور. وجوزه أصحاب الرأي. ولنا، أنه كافر، فلم يجز الدفع إليه، ~~كالحربي. ### | [فصل إذا نذر هديا وأطلق] # (2729) فصل: وإذا نذر هديا وأطلق، فأقل ما يجزئه شاة، أو سبع بدنة أو ~~بقرة؛ لأن المطلق في النذر يجب حمله على المعهود شرعا، والهدي الواجب في ~~الشرع إنما هو من النعم، وأقله ما ذكرناه، فحمل عليه، # PageV03P469 # ولهذا لما قال الله تعالى في المتعة: {فما استيسر من الهدي} [البقرة: ~~196] . حمل على ما قلنا. فإن اختار إخراج بدنة كاملة، فهو أفضل، وهل تكون ~~كلها واجبة؟ على وجهين؛ أحدهما تكون واجبة. اختاره ابن عقيل؛ لأنه اختار ~~الأعلى لأداء فرضه، فكان كله واجبا، كما لو اختار الأعلى من ms1725 خصال كفارة ~~اليمين أو كفارة الوطء في الحيض. # والثاني، يكون سبعها واجبا، والباقي تطوعا، له أكله وهديته؛ لأن الزائد ~~على السبع يجوز تركه من غير شرط ولا بدل، فأشبه ما لو ذبح شاتين. فإن عين ~~الهدي بشيء، لزمه ما عينه، وأجزأه، سواء كان من بهيمة الأنعام أو من غيرها، ~~وسواء كان حيوانا أو غيره، مما ينقل أو مما لا ينقل؛ فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من راح يعني إلى الجمعة في الساعة الرابعة، فكأنما قرب ~~دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة» . فذكر الدجاجة ~~والبيضة في الهدي. وعليه إيصاله إلى فقراء الحرم؛ لأنه سماه هديا، وأطلق، ~~فيحمل على محل الهدي المشروع، وقد قال الله تعالى: {ثم محلها إلى البيت ~~العتيق} [الحج: 33] . فإن كان مما لا ينقل، كالعقار، باعه، وبعث ثمنه إلى ~~الحرم، فيتصدق به فيه. # (2730) فصل: وإن نذر هديا مطلقا أو معينا، وأطلق مكانه، وجب عليه إيصاله ~~إلى مساكين الحرم. وجوز أبو حنيفة ذبحه حيث شاء، كما لو نذر الصدقة بشاة. # ولنا، قوله تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] . ولأن النذر ~~يحمل على المعهود شرعا، والمعهود في الهدي الواجب بالشرع، كهدي المتعة ~~والقران وأشباههما، أن ذبحها يكون في الحرم، كذا هاهنا. # وإن عين نذره بموضع غير الحرم، لزمه ذبحه به، وتفرقة لحمه على مساكين ~~الحرم وإطلاقه لما روي «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~إني نذرت أن أنحر ببوانة. قال: أبها صنم؟ قال: لا. قال: أوف بنذرك» . رواه ~~أبو داود. وإن نذر الذبح بموضع به صنم، أو شيء من أمر الكفر أو المعاصي، ~~كبيوت النار، أو الكنائس والبيع، وأشباه ذلك، لم يصح نذره، بمفهوم هذا ~~الحديث، ولأنه نذر معصية، فلا يوفى به؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا نذر في معصية الله # PageV03P470 # تعالى، ولا فيما لا يملك ابن آدم» . # وقوله: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» . (2731) فصل: وقول الخرقي: " إن ~~قدر على إيصاله إليهم ". يدل على أن العاجز عن إيصاله ms1726 لا يلزمه إيصاله، فإن ~~الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. فإن منع الناذر الوصول بنفسه، وأمكنه تنفيذه، ~~لزمه. قال ابن عقيل إذا حصر عن الخروج خرج في ذبح هذا الهدي المنذور في ~~موضع حصره روايتان، كدماء الحج واختار أن الصحيح جواز ذبحه في موضع حصره؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر هديه بالحديبية. والثانية، إن أمكن ~~إرساله مع غيره، فلا يجوز له ذبحه في موضعه؛ لأنه أمكنه إيصال المنذور إلى ~~محله، فلزمه، كغير المحصور. ### | [مسألة مكان صيام التمتع] # (2732) مسألة؛ قال: (وأما الصيام فيجزئه بكل مكان) لا نعلم في هذا خلافا. ~~كذلك قال ابن عباس، وعطاء، والنخعي، وغيرهم؛ وذلك لأن الصيام لا يتعدى نفعه ~~إلى أحد، فلا معنى لتخصيصه بمكان، بخلاف الهدي والإطعام، فإن نفعه يتعدى ~~إلى من يعطاه. ### | [فصل تقليد الهدي] # (2733) فصل: ويسن تقليد الهدي، وهو أن يجعل في أعناقها النعال، وآذان ~~القرب، وعراها، أو علاقة إداوة. وسواء كانت إبلا، أو بقرا، أو غنما. وقال ~~مالك، وأبو حنيفة: لا يسن تقليد الغنم؛ لأنه لو كان سنة لنقل كما نقل في ~~الإبل. # ولنا، أن عائشة قالت: «كنت أفتل القلائد للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيقلد الغنم، ويقيم في أهله حلالا.» وفي لفظ: «كنت أفتل قلائد الغنم للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم -.» رواه البخاري. ولأنه هدي، فيسن تقليده كالإبل، ~~ولأنه إذا سن تقليد الإبل مع إمكان تعريفها بالأشعار، فالغنم، أولى، وليس ~~التساوي في النقل شرطا لصحة الحديث، ولأنه كان يهدي الإبل أكثر، فكثر نقله. # PageV03P471 ### | [فصل يسن في الهدي إشعار الإبل والبقر] # (2734) فصل: ويسن إشعار الإبل والبقر، وهو أن يشق صفحة سنامها الأيمن حتى ~~يدميها، في قول عامة أهل العلم. وقال أبو حنيفة: هذا مثلة غير جائز؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تعذيب الحيوان، ولأنه إيلام، فهو كقطع ~~عضو منه. وقال مالك: إن كانت البقرة ذات سنام، فلا بأس بإشعارها، وإلا فلا. # ولنا، ما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: «فتلت قلائد هدي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم ms1727 أشعرها وقلدها» . متفق عليه. رواه ابن عباس، وغيره، ~~وفعله الصحابة، فيجب تقديمه على عموم ما احتجوا به، ولأنه إيلام لغرض صحيح ~~فجاز، كالكي، والوسم، والفصد، والحجامة. والغرض أن لا تختلط بغيرها، وأن ~~يتوقاها اللص، ولا يحصل ذلك بالتقليد؛ لأنه يحتمل أن ينحل ويذهب. وقياسهم ~~منتقض بالكي والوسم. وتشعر البقرة؛ لأنها من البدن، فتشعر كذات السنام. ~~وأما الغنم فلا يسن إشعارها؛ لأنها ضعيفة، وصوفها وشعرها يستر موضع ~~إشعارها. إذا ثبت هذا فالسنة الإشعار في صفحتها اليمنى. وبهذا قال الشافعي، ~~وأبو ثور. # وقال مالك، وأبو يوسف: بل تشعر في صفحتها اليسرى. وعن أحمد مثله؛ لأن ابن ~~عمر فعله. ولنا، ما روى ابن عباس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها ~~بيده.» رواه مسلم. وأما ابن عمر فقد روي عنه كمذهبنا. رواه البخاري ثم فعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى من قول ابن عمر وفعله بلا خلاف، ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يعجبه التيمن في شأنه كله» . وإذا ساق ~~الهدي من قبل الميقات، استحب إشعاره وتقليده من الميقات لحديث ابن عباس. # وإن ترك الإشعار والتقليد، فلا بأس؛ لأن ذلك غير واجب. ### | [فصل لا يسن الهدي إلا من بهيمة الأنعام] # (2735) فصل: ولا يسن الهدي إلا من بهيمة الأنعام؛ لقول الله تعالى: ~~{ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا ~~منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] . وأفضله الإبل، ثم البقر، ثم ~~الغنم؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة ~~الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ~~ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة ~~فكأنما قرب بيضة» . متفق عليه. # وقال ابن عباس لامرأة # PageV03P472 # أصابها زوجها في العمرة: عليك فدية من صيام، أو صدقة، أو ms1728 نسك. قالت: أي ~~النسك أفضل؟ قال: إن شئت فناقة، وإن شئت فبقرة. قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: ~~انحري ناقة. رواه الأثرم. ولأن ما كان أكثر لحما كان أنفع للفقراء، ولذلك ~~أجزأت البدنة مكان سبع من الغنم، والشاة أفضل من سبع بدنة؛ لأن لحمها أطيب، ~~والضأن أفضل من المعز لذلك. ### | [فصل الذكر والأنثى في الهدي سواء] # (2736) فصل: والذكر والأنثى في الهدي سواء. وممن أجاز ذكران الإبل ابن ~~المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، وعطاء، والشافعي. وعن ابن عمر، أنه ~~قال: ما رأيت أحدا فاعلا ذلك، وأن أنحر أنثى أحب إلي. والأول أولى؛ لأن ~~الله تعالى قال: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} [الحج: 36] . ولم يذكر ~~ذكرا ولا أنثى، وقد ثبت أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى جملا لأبي ~~جهل، في أنفه برة من فضة» . رواه أبو داود، وابن ماجه. # ولأنه يجوز من سائر أنواع بهيمة الأنعام، ولذلك قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " فكأنما قرب كبشا أقرن ". فكذلك من الإبل، ولأن القصد اللحم، ~~ولحم الذكر أوفر، ولحم الأنثى أرطب، فيتساويان. قال أحمد: الخصي أحب إلينا ~~من النعجة. وذلك لأن لحمه أوفر وأطيب. ### | [مسألة وجبت عليه بدنة فذبح سبعا من الغنم] # (2737) مسألة؛ قال: (ومن وجبت عليه بدنة، فذبح سبعا من الغنم، أجزأه) ~~وظاهر هذا أن سبعا من الغنم يجزئ عن البدنة مع القدرة عليها. سواء كانت ~~البدنة واجبة بنذر، أو جزاء صيد، أو كفارة وطء. # وقال ابن عقيل: إنما يجزئ ذلك عنها عند عدمها، في ظاهر كلام أحمد لأن ذلك ~~بدل عنها، فلا يصار إليه مع وجودها، كسائر الأبدال. فأما مع عدمها فيجوز؛ ~~لما روى ابن عباس، قال: «أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: إن ~~علي بدنة، وأنا موسر لها، ولا أجدها فأشتريها فأمره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن.» رواه ابن ماجه. ولنا، أن الشاة معدولة ~~بسبع بدنة، وهي أطيب لحما، فإذا عدل عن الأدنى إلى الأعلى جاز، كما لو ذبح ~~بدنة مكان شاة. ms1729 # (2738) فصل: ومن وجب عليه سبع من الغنم في جزاء الصيد، لم يجزئه بدنة في ~~الظاهر؛ لأن سبعا من الغنم أطيب لحما، فلا يعدل عن الأعلى إلى الأدنى، وإن ~~كان ذلك في كفارة محظور، أجزأه بدنة؛ لأن الدم # PageV03P473 # الواجب فيه ما استيسر من الهدي، وهو شاة، أو سبع بدنة، وقد كان أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يتمتعون، فيذبحون البقرة عن سبعة، قال جابر: ~~«كنا نتمتع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنذبح البقرة عن سبعة، ~~نشترك فيها» . # وفي لفظ «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشترك في الإبل ~~والبقر، كل سبعة منا في بدنة» رواه مسلم. # (2739) فصل: ومن وجبت عليه بقرة، أجزأته بدنة: لأنها أكثر لحما وأوفر. ~~ويجزئه سبع من الغنم؛ لأنها تجزئ عن البدنة، فعن البقرة أولى. ومن لزمه ~~بدنة، في غير النذر وجزاء الصيد، أجزأته بقرة؛ لما روى أبو الزبير، عن ~~جابر، قال: كنا ننحر البدنة عن سبعة. فقيل له: والبقرة؟ فقال: وهل هي إلا ~~من البدن، فأما في النذر فقال ابن عقيل: يلزمه ما نواه: فإن أطلق فعنه ~~روايتان؛ إحداهما، تجزئه البقرة؛ لما ذكرنا من الخبر. والأخرى، لا تجزئه ~~إلا أن يعدم البدنة. # وهذا قول الشافعي؛ لأنها بدل، فاشترط عدم المبدل. والأولى أولى؛ للخبر، ~~ولأن ما أجزأ عن سبعة في الهدايا ودم المتعة، أجزأ في النذر بلفظ البدنة، ~~كالجزور. ### | [فصل الاشتراك في الهدي] # (2740) فصل: ويجوز أن يشترك السبعة في البدنة والبقرة، سواء كان واجبا أو ~~تطوعا، وسواء أراد جميعهم القربة، أو بعضهم، وأراد الباقون اللحم. وقال ~~مالك: لا يجوز الاشتراك في الهدي. وقال أبو حنيفة: يجوز إذا كانوا متفرقين ~~كلهم، ولا يجوز إذا لم يرد بعضهم القربة. وحديث جابر يرد قول مالك. # ولنا على أبي حنيفة، أن الجزء المجزي لا ينقص بإرادة الشريك غير القربة، ~~فجاز، كما لو اختلفت جهات القرب، فأراد بعضهم المتعة والآخر القران، ويجوز ~~أن يقتسموا اللحم؛ لأن القسمة إفراز حق، وليست بيعا. ### | [مسألة ما لزم من الدماء لا يجزئ فيه ms1730 إلا الجذع من الضأن والثني من غيره] # (2741) مسألة؛ قال: (وما لزم من الدماء، فلا يجزئ إلا الجذع من الضأن ~~والثني من غيره) هذا في غير جزاء الصيد، فأما جزاء الصيد، فمنه جفرة وعناق ~~وجدي وصحيح ومعيب، وأما في غيره، مثل هدي المتعة وغيره، فلا يجزئ إلا الجذع ~~من الضأن، وهو الذي له ستة أشهر، والثني من غيره، وثني المعز ما له سنة، ~~وثني البقر ما له سنتان، وثني الإبل ما له خمس سنين. وبهذا قال مالك، ~~والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال ابن عمر، والزهري: ~~لا يجزئ إلا الثني من كل شيء. وقال عطاء، والأوزاعي: يجزئ الجذع من الكل، ~~إلا المعز. # PageV03P474 # ولنا على الزهري، ما روي عن أم بلال بنت هلال، عن أبيها أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يجوز إلا الجذع من الضأن أضحية» . وعن عاصم ~~بن كليب، قال: «كنا مع رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقال ~~له مجاشع، من بني سليم، فعزت الغنم، فأمر مناديا فنادى: إن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يقول: إن الجذع يوفي ما توفي منه الثنية» . وعن جابر، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن ~~يعسر عليكم فتذبحوا جذعا من الضأن» . رواهن ابن ماجه. وروى حديث جابر مسلم ~~وأبو داود. وهذا حجة على عطاء، والأوزاعي. وحديث أبي بردة بن نيار، حين ~~«قال: يا رسول الله، إن عندي عناقا جذعا، هي خير من شاتي لحم. فقال: تجزئك، ~~ولا تجزئ عن أحد بعدك» . أخرجه أبو داود، والنسائي. # وفي لفظ: إن عندي داجنا جذعة من المعز. قال أبو عبيد الهروي، قال إبراهيم ~~الحربي: إنما يجزئ الجذع من الضأن في الأضاحي؛ لأنه ينزو فيلقح، فإذا كان ~~من المعز لم يلقح حتى يصير ثنيا. ### | [فصل يمنع من العيوب في الهدي ما يمنع في الأضحية] # فصل: ويمنع من العيوب في الهدي ما يمنع في الأضحية. قال البراء بن عازب: ~~«قام فينا رسول ms1731 الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أربع لا تجوز في ~~الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ~~ظلعها، والكسيرة التي لا تنقى. قال: قلت: إني أكره أن يكون في السن نقص. ~~قال: ما كرهت فدعه، ولا تحرمه على أحد» رواه أبو داود، والنسائي. وبهذا قال ~~عطاء، قال: أما الذي سمعناه فالأربع، وكل شيء سواهن جائز. # ومعنى قوله: " البين عورها ". أي انخسفت عينها وذهبت، فإن ذلك ينقصها؛ ~~لأن شحمة العين عضو مستطاب، فلو كان على عينها بياض ولم تذهب العين، جازت ~~التضحية بها؛ لأن ذلك لا ينقصها في اللحم. والعرجاء البين عرجها: التي ~~عرجها متفاحش يمنعها السير مع الغنم، ومشاركتهن في العلف، ويهزلها. والتي ~~لا تنقى: التي لا مخ فيها لهزالها. والمريضة: قيل هي الجرباء؛ لأن الجرب ~~يفسد اللحم. # وظاهر الحديث أن كل مريضة مرضا يؤثر في هزالها، أو في فساد لحمها، يمنع ~~التضحية بها، وهذا أولى، لتناول اللفظ له والمعنى. فهذه الأربع لا نعلم بين ~~أهل العلم خلافا في منعها. ويثبت الحكم فيما نقص أكثر من هذه العيوب بطريق ~~التنبيه، فلا تجوز العمياء؛ لأن العمى أكثر من العور، ولا يعتبر مع العمى ~~انخساف العين؛ لأنه يخل بالمشي مع الغنم، والمشاركة في العلف أكثر # PageV03P475 # من إخلال العرج. ولا يجوز ما قطع منها عضو مستطاب، كالألية؛ لأن ذلك أبلغ ~~في الإخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين. # فأما العضباء، وهي ما ذهب نصف أذنها أو قرنها، فلا تجزئ. وبه قال أبو ~~يوسف ومحمد في عضباء الأذن. وعن أحمد: لا تجزئ ما ذهب ثلث أذنها. وبه قال ~~أبو حنيفة. # وروي عن علي، وعمار، وسعيد بن المسيب، والحسن، تجزئ المكسورة القرن؛ لأن ~~ذهاب ذلك لا يؤثر في اللحم، فأجزأت، كالجماء. وقال مالك: إن كان يدمى، لم ~~يجز، وإلا جاز. # ولنا، ما روى علي - رضي الله عنه - قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يضحى بأعضب الأذن والقرن» . رواه النسائي وابن ماجه قال قتادة: ~~فسألت سعيد بن المسيب، فقال: نعم، العضب النصف ms1732 فأكثر من ذلك. ويحمل قول علي ~~- رضي الله عنه - ومن وافقه، على أن كسر ما دون النصف لا يمنع. ### | [فصل يجزئ الخصي في الأضحية] # (2743) فصل: ويجزئ الخصي، سواء كان مما قطعت خصيتاه أو مسلولا، وهو الذي ~~سلت بيضتاه، أو موجوءا، وهو الذي رضت بيضتاه؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ضحى بكبشين أملحين موجوءين. والمرضوض كالمقطوع. ولأن ذلك العضو غير ~~مستطاب، وذهابه يؤثر في سمنه، وكثرة اللحم وطيبه، وهو المقصود. ولا نعلم في ~~هذا خلافا. وتجزئ الجماء، وهي التي لم يخلق لها قرن. # وحكي عن ابن حامد أنها لا تجزئ؛ لأن عدم القرن أكثر من ذهاب نصفه. ~~والأولى أنها تجزئ؛ لأن القرن ليس بمقصود، ولا ورد النهي عم عدم فيه. وتجزئ ~~الصمعاء، وهي التي لم يخلق لها أذن، أو خلقت لها أذن صغيرة كذلك. وتجزئ ~~البتراء، وهي المقطوعة الذنب كذلك. ### | [فصل يكره أن يضحي بمشقوقة الأذن] # (2744) فصل: ويكره أن يضحي بمشقوقة الأذن، أو ما قطع منها شيء، أو ما ~~فيها عيب من هذه العيوب التي لا تمنع الإجزاء؛ لقول علي - رضي الله عنه -: ~~أمرنا أن نستشرف العين والأذن. ولا يضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ~~ولا شرقاء قال زهير: قلت لأبي إسحاق: ما المقابلة؟ قال: يقطع طرف الأذن. ~~قلت: فما المدابرة؟ قال: يقطع مؤخر الأذن. قلت: فما الخرقاء؟ قال: يشق ~~الأذن. قلت: فما الشرقاء؟ قال: يشق أذنها للسمة. رواه أبو داود والنسائي. # قال القاضي: الخرقاء التي انثقبت أذنها. والشرقاء التي تشق أذنها وتبقى ~~كالشاختين. وهذا نهي تنزيه. ويحصل الإجزاء بها، لا نعلم في هذا خلافا. # PageV03P476 ### | [فصل يستحب لمن أتى مكة أن يطوف بالبيت] # (2745) فصل: يستحب لمن أتى مكة أن يطوف بالبيت؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، ~~والطواف أفضل من الصلاة، والصلاة بعد ذلك. يروى عن ابن عباس، قال: الطواف ~~لكم يا أهل العراق، والصلاة لأهل مكة. # وقال عطاء: الطواف للغرباء، والصلاة لأهل البلد. قال: ومن الناس من يقول: ~~يزور البيت كل يوم من أيام منى. ومنهم من يختار الإقامة بمنى؛ لأنها ms1733 أيام ~~منى. واحتج أبو عبد الله بحديث أبي حسان، عن ابن عباس «، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يفيض كل ليلة.» ### | [فصل يستحب لمن حج أن يدخل البيت ويصلي فيه ركعتين] # (2746) فصل: ويستحب لمن حج أن يدخل البيت، ويصلي فيه ركعتين، كما فعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يدخل البيت بنعليه، ولا خفيه، ولا الحجر ~~أيضا؛ لأن الحجر من البيت. ولا يدخل الكعبة بسلاح. قال: وثياب الكعبة إذا ~~نزعت يتصدق بها. وقال: إذا أراد أن يستشفي بشيء من طيب الكعبة، فليأت بطيب ~~من عنده، فليلزقه على البيت، ثم يأخذه، ولا يأخذ من طيب البيت شيئا، ولا ~~يخرج من تراب الحرم، ولا يدخل فيه من الحل. كذلك قال عمر، وابن عباس - رضي ~~الله عنهما -، ولا يخرج من حجارة مكة وترابها إلى الحل، والخروج أشد إلا أن ~~ماء زمزم أخرجه كعب. ### | [فصل الجوار بمكة لمن هاجر منها] # (2747) فصل: قال أحمد كيف لنا بالجوار بمكة، قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إنك لأحب البقاع إلى الله عز وجل، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» . ~~وإنما كره الجوار بمكة لمن هاجر منها، وجابر بن عبد الله جاور بمكة، وجميع ~~أهل البلاد ومن كان من أهل اليمين ليس بمنزلة من يخرج ويهاجر. أي لا بأس ~~به. وابن عمر كان يقيم بمكة. قال: والمقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة ~~لمن قوي عليه؛ لأنها مهاجر المسلمين. . # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا ~~كنت له شفيعا يوم القيامة.» ### | [فصل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم] # (2748) فصل: ويستحب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لما روى ~~الدارقطني، بإسناده عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من حج، فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي» . وفي رواية: «من ~~زار قبري وجبت له شفاعتي» . رواه باللفظ الأول سعيد. حدثنا حفص بن سليمان، ~~عن ليث عن مجاهد، عن ابن عمر. وقال أحمد، في رواية ms1734 عبد الله، عن يزيد بن ~~قسيط، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P477 # قال: «ما من أحد يسلم علي عند قبري، إلا رد الله علي روحي، حتى أرد عليه ~~السلام» : وإذا حج الذي لم يحج قط - يعني من غير طريق الشام - لا يأخذ على ~~طريق المدينة، لأني أخاف أن يحدث به حدث، فينبغي أن يقصد مكة من أقصر ~~الطرق، ولا يتشاغل بغيره. ويروى عن العتبي، قال: كنت جالسا عند قبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت ~~الله يقول: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم ~~الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 64] . # وقد جئتك مستغفرا لذنبي، مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول: # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم # نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم # ثم انصرف الأعرابي، فحملتني عيني، فنمت، فرأيت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في النوم، فقال: يا عتبي، الحق الأعرابي، فبشره أن الله قد غفر له. # ويستحب لمن دخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى، ثم يقول: «بسم الله، والصلاة ~~والسلام على رسول الله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، واغفر لي، وافتح ~~لي أبواب رحمتك. وإذا خرج، قال مثل ذلك. وقال: وافتح لي أبواب فضلك» # لما روي عن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنها ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمها أن تقول ذلك، إذا دخلت المسجد. ~~ثم تأتي القبر فتولي ظهرك القبلة، وتستقبل وسطه، وتقول: السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله، وخيرته من خلقه ~~وعباده، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فصلى الله عليك ~~كثيرا، كما يحب ربنا ويرضى، اللهم اجز عنا ms1735 نبينا أفضل ما جزيت أحدا من ~~النبيين والمرسلين، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، يغبطه به الأولون ~~والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل ~~إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم إنك قلت وقولك الحق: {ولو أنهم ~~إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ~~توابا رحيما} [النساء: 64] . وقد أتيتك مستغفرا من ذنوبي، # PageV03P478 # مستشفعا بك إلى ربي، فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن ~~أتاه في حياته، اللهم اجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الآخرين ~~والأولين، برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم يدعو لوالديه ولإخوانه وللمسلمين ~~أجمعين، ثم يتقدم قليلا، ويقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام ~~عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وضجيعيه ووزيريه ورحمة الله وبركاته، اللهم اجزهما عن نبيهما وعن ~~الإسلام خيرا: (سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار) . اللهم لا تجعله ~~آخر العهد من قبر نبيك - صلى الله عليه وسلم - ومن حرم مسجدك يا أرحم ~~الراحمين. ### | [فصل التمسح بحائط قبر النبي وتقبيله] # (2749) فصل: ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا تقبيله، قال أحمد: ما أعرف هذا. قال الأثرم: رأيت أهل العلم من أهل ~~المدينة لا يمسون قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يقومون من ناحية ~~فيسلمون. قال أبو عبد الله: وهكذا كان ابن عمر يفعل. قال: أما المنبر فقد ~~جاء فيه. يعني ما رواه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد القارئ، أنه نظر إلى ~~ابن عمر، وهو يضع يده على مقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من المنبر ثم ~~يضعها على وجهه. ### | [فصل يستحب لمن رجع من الحج أن يقول] # (2750) فصل: ويستحب لمن رجع من الحج أن يقول ما روى البخاري، عن عبد الله ~~بن عمر «، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قفل من غزو أو حج ms1736 ~~أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون، لربنا ~~حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.» # PageV03P479 ### | [كتاب البيوع] # البيع: مبادلة المال بالمال، تمليكا، وتملكا. واشتقاقه: من الباع؛ لأن كل ~~واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء. ويحتمل أن كل واحد منهما كان ~~يبايع صاحبه، أي يصافحه عند البيع؛ ولذلك سمي البيع صفقة. وقال بعض ~~أصحابنا: هو الإيجاب والقبول، إذا تضمن عينين للتمليك. وهو حد قاصر؛ لخروج ~~بيع المعاطاة منه، ودخول عقود سوى البيع فيه. والبيع جائز بالكتاب والسنة ~~والإجماع. أما الكتاب، فقول الله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] . # وقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] وقوله تعالى: {إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] . وقوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: 198] . وروى البخاري، عن ابن عباس، قال: ~~كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام ~~تأثموا فيه، فأنزلت: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: ~~198] . يعني في مواسم الحج. وعن الزبير نحوه. # وأما السنة، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «البيعان بالخيار ما لم ~~يتفرقا» . متفق عليه. وروى رفاعة، أنه خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: «يا معشر التجار. فاستجابوا لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن ~~التجار يبعثون يوم القيامة فجارا، إلا من بر وصدق» . قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن صحيح. وروى أبو سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» . قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن. في أحاديث كثيرة # سوى هذه. وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة، والحكمة تقتضيه؛ لأن ~~حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع ~~البيع وتجويزه شرع طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه، ms1737 ودفع حاجته. ### | [فصل البيع على ضربين أحدهما الإيجاب والقبول] # (2751) فصل: والبيع على ضربين؛ أحدهما، الإيجاب والقبول. فالإيجاب، أن ~~يقول: بعتك أو ملكتك، أو لفظ يدل عليهما. والقبول، أن يقول: اشتريت، أو ~~قبلت، ونحوهما. فإن تقدم القبول على الإيجاب بلفظ الماضي، فقال: ابتعت منك. ~~فقال: بعتك. صح؛ لأن لفظ الإيجاب والقبول وجد منهما على وجه تحصل منه # PageV03P480 # الدلالة على تراضيهما به، فصح، كما لو تقدم الإيجاب. # وإن تقدم بلفظ الطلب، فقال: بعني ثوبك. فقال: بعتك. ففيه روايتان، ~~إحداهما، يصح كذلك. وهو قول مالك، والشافعي. والثانية، لا يصح. وهو قول أبي ~~حنيفة؛ لأنه لو تأخر عن الإيجاب، لم يصح به البيع، فلم يصح إذا تقدم، كلفظ ~~الاستفهام، ولأنه عقد عري عن القبول، فلم ينعقد، كما لو لم يطلب. # وحكى أبو الخطاب فيما إذا تقدم بلفظ الماضي، روايتين أيضا، فأما إن تقدم ~~بلفظ الاستفهام، مثل أن يقول: أتبيعني ثوبك بكذا؟ فيقول: بعتك. لم يصح ~~بحال. نص عليه أحمد وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي. ولا نعلم عن غيرهم ~~خلافهم؛ لأن ذلك ليس بقبول ولا استدعاء. الضرب الثاني، المعاطاة، مثل أن ~~يقول: أعطني بهذا الدينار خبزا. فيعطيه ما يرضيه، أو يقول: خذ هذا الثوب ~~بدينار. فيأخذه، فهذا بيع صحيح. # نص عليه أحمد، في من قال لخباز: كيف تبيع الخبز؟ قال: كذا بدرهم. قال: ~~زنه، وتصدق به. فإذا وزنه فهو عليه. وقول مالك نحو من هذا، فإنه قال: يقع ~~البيع بما يعتقده الناس بيعا. وقال بعض الحنفية: يصح في خسائس الأشياء. # وحكي عن القاضي مثل هذا، قال: يصح في الأشياء اليسيرة دون الكبيرة. ومذهب ~~الشافعي، - رحمه الله -، أن البيع لا يصح إلا بالإيجاب، والقبول. وذهب بعض ~~أصحابه إلى مثل قولنا. # ولنا، أن الله أحل البيع، ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، ~~كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم ~~على ذلك، ولأن البيع كان موجودا بينهم، معلوما عندهم، وإنما علق الشرع عليه ~~أحكاما، وأبقاه على ما كان، فلا يجوز تغييره بالرأي ms1738 والتحكم، ولم ينقل عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه، مع كثرة وقوع البيع بينهم، ~~استعمال الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلا شائعا، ~~ولو كان ذلك شرطا، لوجب نقله، ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله، ولأن ~~البيع مما تعم به البلوى، فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبينه - صلى الله ~~عليه وسلم - بيانا عاما، ولم يخف حكمه؛ لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة ~~كثيرا، وأكلهم المال بالباطل، ولم ينقل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه، ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم ~~بالمعاطاة في كل عصر، ولم ينقل إنكاره من قبل مخالفينا، فكان ذلك إجماعا، ~~وكذلك الحكم في الإيجاب والقبول، في الهبة، والهدية، والصدقة، ولم ينقل عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه استعمال ذلك فيه، وقد ~~أهدي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحبشة وغيرها، وكان الناس ~~يتحرون بهداياهم يوم عائشة. متفق عليه. وروى البخاري، عن أبي هريرة - رضي ~~الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتي بطعام سأل ~~عنه: أهدية أم صدقة؟ . فإن قيل: صدقة. قال # PageV03P481 # لأصحابه: كلوا. ولم يأكل، وإن قيل: هدية. ضرب بيده، وأكل معهم.» وفي حديث ~~سلمان، حين جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر، فقال: هذا شيء من ~~الصدقة، رأيتك أنت وأصحابك أحق الناس به. «فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لأصحابه: كلوا. ولم يأكل» ثم أتاه ثانية بتمر، فقال: رأيتك لا تأكل ~~الصدقة، وهذا شيء أهديته لك. «فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بسم ~~الله. وأكل.» ولم ينقل قبول ولا أمر بإيجاب. وإنما سأل ليعلم، هل هو صدقة، ~~أو هدية، وفي أكثر الأخبار لم ينقل إيجاب ولا قبول، وليس إلا المعاطاة، ~~والتفرق عن تراض يدل على صحته، ولو كان الإيجاب والقبول شرطا في هذه العقود ~~لشق ذلك، ولكانت أكثر عقود المسلمين فاسدة، وأكثر أموالهم محرمة. ولأن ~~الإيجاب والقبول إنما يرادان للدلالة ms1739 على التراضي، فإذا وجد ما يدل عليه، ~~من المساومة والتعاطي، قام مقامهما، وأجزأ عنهما؛ لعدم التعبد فيه. ### | [باب خيار المتبايعين] ### | [مسألة كل واحد من المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما] ### | [فصل لكل من المتبايعين الخيار في فسخ البيع] # (خيار المتبايعين) أي باب خيار المتبايعين، فحذف اختصارا. (2752) مسألة؛ ~~قال أبو القاسم - رحمه الله -: (والمتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم ~~يتفرقا بأبدانهما) في هذه المسألة ثلاثة فصول: # (2753) فصل: أحدها أن البيع يقع جائزا، ولكل من المتبايعين الخيار في فسخ ~~البيع، ما داما مجتمعين، لم يتفرقا، وهو قول أكثر أهل العلم، يروى ذلك عن ~~عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي برزة، وبه قال سعيد بن المسيب، ~~وشريح، والشعبي، وعطاء، وطاوس، والزهري والأوزاعي، وابن أبي ذئب، والشافعي، ~~وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور. # وقال مالك وأصحاب الرأي: يلزم العقد بالإيجاب والقبول، ولا خيار لهما؛ ~~لأنه روي عن عمر - رضي الله عنه -: البيع صفقة أو خيار. ولأنه عقد معاوضة، ~~فلزم بمجرده، كالنكاح والخلع. # ولنا، ما روى ابن عمر، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا، وكانا جميعا، أو ~~يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، ~~وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحدهما البيع، فقد وجب البيع» . متفق ~~عليه. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» . رواه ~~الأئمة كلهم. ورواه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وحكيم بن حزام، ~~وأبو برزة الأسلمي. واتفق على حديث ابن عمر، وحكيم، ورواه عن نافع، عن ابن ~~عمر، مالك، وأيوب، وعبيد الله بن عمر، وابن جريج، والليث بن سعد، ويحيى بن ~~سعيد، وغيرهم. وهو صريح في حكم المسألة. وعاب كثير من أهل العلم على مالك # PageV03P482 # مخالفته للحديث، مع روايته له، وثبوته عنده، وقال الشافعي، - رحمه الله ~~-: لا أدري هل اتهم مالك نفسه أو نافعا؟ وأعظم أن أقول: عبد الله بن عمر. ~~وقال ابن أبي ms1740 ذئب: يستتاب مالك في تركه لهذا الحديث. # فإن قيل: المراد بالتفرق هاهنا التفرق بالأقوال، كما قال الله تعالى: ~~{وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} [البينة: 4] . # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» ~~. أي بالأقوال والاعتقادات. قلنا: هذا باطل لوجوه: منها، أن اللفظ لا يحتمل ~~ما قالوه؛ إذ ليس بين المتبايعين تفرق بلفظ ولا اعتقاد، إنما بينهما اتفاق ~~على الثمن والمبيع بعد الاختلاف فيه. الثاني، أن هذا يبطل فائدة الحديث؛ إذ ~~قد علم أنهما بالخيار قبل العقد في إنشائه وإتمامه، أو تركه. الثالث، أنه ~~قال في الحديث: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار» . # فجعل لهما الخيار بعد تبايعهما، وقال: «وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم ~~يترك أحدهما البيع، فقد وجب البيع» . الرابع، أنه يرده تفسير ابن عمر ~~للحديث بفعله، فإنه كان إذا بايع رجلا مشى خطوات؛ ليلزم البيع، وتفسير أبي ~~برزة له، بقوله على مثل قولنا، وهما راويا الحديث، وأعلم بمعناه، وقول عمر: ~~البيع صفقة أو خيار. معناه، أن البيع ينقسم إلى بيع شرط فيه الخيار، وبيع ~~لم يشترط فيه، سماه صفقة لقصر مدة الخيار فيه، فإنه قد روى عنه أبو إسحاق ~~الجوزجاني مثل مذهبنا، ولو أراد ما قالوه، لم يجز أن يعارض به قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فلا حجة في قول أحد مع قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - # وقد كان عمر إذا بلغه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع عن قوله، ~~فكيف يعارض قوله بقوله؟ على أن قول عمر ليس بحجة إذا خالفه بعض الصحابة، ~~وقد خالفه ابنه، وأبو برزة، وغيرهما، ولا يصح قياس البيع على النكاح؛ لأن ~~النكاح لا يقع غالبا إلا بعد روية ونظر وتمكث، فلا يحتاج إلى الخيار بعده، ~~ولأن في ثبوت الخيار فيه مضرة، لما يلزم من رد المرأة بعد ابتذالها بالعقد، ~~وذهاب حرمتها بالرد، وإلحاقها بالسلع المبيعة، فلم يثبت فيه خيار لذلك، ~~ولهذا لم يثبت فيه خيار الشرط، ولا خيار الرؤية، والحكم في هذه المسألة ~~ظاهر؛ ms1741 لظهور دليله، ووهاء ما ذكره المخالف في مقابلته، والله أعلم. ### | [فصل خيار المجلس] # (2754) الفصل الثاني، أن البيع يلزم بتفرقهما؛ لدلالة الحديث عليه، ولا ~~خلاف في لزومه بعد # PageV03P483 # التفرق، والمرجع في التفرق إلى عرف الناس وعادتهم، فيما يعدونه تفرقا؛ ~~لأن الشارع علق عليه حكما، ولم يبينه، فدل ذلك على أنه أراد ما يعرفه ~~الناس، كالقبض، والإحراز، فإن كانا في فضاء واسع، كالمسجد الكبير، ~~والصحراء، فبأن يمشي أحدهما مستدبرا لصاحبه خطوات، وقيل: هو أن يبعد منه ~~بحيث لا يسمع كلامه الذي يتكلم به في العادة. # قال أبو الحارث: سئل أحمد عن تفرقة الأبدان؟ فقال: إذا أخذ هذا كذا، وهذا ~~كذا، فقد تفرقا. وروى مسلم، عن نافع، قال: فكان ابن عمر إذا بايع، فأراد أن ~~لا يقيله، مشى هنيهة، ثم رجع. وإن كانا في دار كبيرة، ذات مجالس وبيوت، ~~فالمفارقة أن يفارقه من بيت إلى بيت، أو إلى مجلس، أو صفة، أو من مجلس إلى ~~بيت، أو نحو ذلك. فإن كانا في دار صغيرة، فإذا صعد أحدهما السطح، أو خرج ~~منها، فقد فارقه. # وإن كانا في سفينة صغيرة، خرج أحدهما منها ومشى، وإن كانت كبيرة صعد ~~أحدهما على أعلاها، ونزل الآخر في أسفلها. وهذا كله مذهب الشافعي فإن كان ~~المشتري هو البائع، مثل أن يشتري لنفسه من مال ولده، أو اشترى لولده من مال ~~نفسه، لم يثبت فيه خيار المجلس؛ لأنه تولى طرفي العقد، فلم يثبت له خيار، ~~كالشفيع، ويحتمل أن يثبت فيه، ويعتبر مفارقة مجلس العقد للزومه؛ لأن ~~الافتراق لا يمكن هاهنا، لكون البائع هو المشتري، ومتى حصل التفرق لزم ~~العقد، قصدا ذلك أو لم يقصداه، علماه أو جهلاه؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - علق الخيار على التفرق، وقد وجد. # ولو هرب أحدهما من صاحبه، لزم العقد؛ لأنه فارقه باختياره، ولا يقف لزوم ~~العقد على رضاهما، ولهذا كان ابن عمر يفارق صاحبه ليلزم البيع. ولو أقاما ~~في المجلس، وسدلا بينهما سترا، أو بنيا بينهما حاجزا، أو ناما، أو قاما ~~فمضيا جميعا ms1742 ولم يتفرقا، فالخيار بحاله، وإن طالت المدة لعدم التفرق. # وروى أبو داود، والأثرم، بإسنادهما عن أبي الوضيء، قال: غزونا غزوة لنا، ~~فنزلنا منزلا، فباع صاحب لنا فرسا بغلام، ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما، ~~فلما أصبحا من الغد، وحضر الرحيل، قام إلى فرسه يسرجه، فندم، فأتى الرجل، ~~وأخذه بالبيع، فأبى الرجل أن يدفعه إليه، فقال: بيني وبينك أبو برزة صاحب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر، فقالا ~~له هذه القصة. فقال: أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البيعان بالخيار ما ~~لم يتفرقا.» ما أراكما افترقتما. فإن فارق أحدهما الآخر مكرها، احتمل بطلان ~~الخيار؛ لوجود غايته، وهو التفرق، ولأنه لا يعتبر رضاه في مفارقة صاحبه له، ~~فكذلك في مفارقته لصاحبه. # وقال القاضي: لا ينقطع الخيار؛ لأنه حكم علق على التفرق، فلم يثبت مع ~~الإكراه، كما لو علق عليه الطلاق. ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين. فعلى قول ~~من لا يرى انقطاع الخيار، إن أكره أحدهما على فرقة صاحبه، انقطع خيار ~~صاحبه، كما لو هرب منه، وفارقه بغير رضاه، ويكون الخيار للمكره منهما # PageV03P484 # في المجلس الذي يزول عنه فيه الإكراه، حتى يفارقه. # وإن أكرها جميعا انقطع خيارهما؛ لأن كل واحد منهما ينقطع خياره بفرقة ~~الآخر له، فأشبه ما لو أكره صاحبه دونه. وذكر ابن عقيل من صور الإكراه، ما ~~لو رأيا سبعا أو ظالما خشياه، فهربا فزعا منه، أو حملهما سيل أو فرقت ريح ~~بينهما. # (2755) فصل: وإن خرس أحدهما، قامت إشارته مقام لفظه، فإن لم تفهم إشارته، ~~أو جن، أو أغمي عليه، قام وليه من الأب، أو وصيه، أو الحاكم، مقامه، وهذا ~~مذهب الشافعي. وإن مات أحدهما بطل خياره؛ لأنه قد تعذر منه الخيار، والخيار ~~لا يورث. وأما الباقي منهما فيبطل خياره أيضا؛ لأنه يبطل بالتفرق، والتفرق ~~بالموت أعظم، ويحتمل أن لا يبطل؛ لأن التفرق بالأبدان لم يحصل. فإن حمل ~~الميت بطل الخيار؛ لأن الفرقة حصلت بالبدن ms1743 والروح معا. # (2756) فصل: وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة ~~خيار، فلا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله» . رواه النسائي، ~~والأثرم، والترمذي، وقال: حديث حسن. وقوله: " إلا أن تكون صفقة خيار ". ~~يحتمل أنه أراد البيع المشروط فيه الخيار، فإنه لا يلزم بتفرقهما، ولا يكون ~~تفرقهما غاية للخيار فيه؛ لكونه ثابتا بعد تفرقهما. ويحتمل أنه أراد البيع ~~الذي شرطا فيه أن لا يكون بينهما فيه خيار، فيلزم بمجرد العقد من غير تفرق. ~~وظاهر الحديث تحريم مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه خشية من فسخ البيع، وهذا ~~ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم، فإنه ذكر له فعل ابن عمر، وحديث عمرو بن ~~شعيب، فقال: هذا الآن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا اختيار أبي ~~بكر. # وذكر القاضي، أن ظاهر كلام أحمد، جواز ذلك؛ لأن ابن عمر كان إذا اشترى ~~شيئا يعجبه فارق صاحبه. متفق عليه. والأول أصح؛ لأن قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقدم على فعل ابن عمر. والظاهر أن ابن عمر لم يبلغه هذا، ولو ~~علمه لما خالفه. # (2757) الفصل الثالث: أن ظاهر كلام الخرقي أن الخيار يمتد إلى التفرق، ~~ولا يبطل بالتخاير قبل العقد ولا بعده، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن ~~أكثر الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البيعان بالخيار ما لم ~~يتفرقا» . من غير تقييد، ولا تخصيص، هكذا رواه حكيم بن حزام، وأبو برزة، ~~وأكثر الروايات عن عبد الله بن عمر والرواية الثانية أن الخيار يبطل ~~بالتخاير. اختارها الشريف بن أبي موسى، وهذا مذهب الشافعي، وهو أصح؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر: «فإن خير أحدهما صاحبه، # PageV03P485 # فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع» . يعني لزم. وفي لفظ: «المتبايعان ~~بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يكون البيع كان عن خيار، فإن كان البيع عن ~~خيار فقد وجب البيع» . متفق عليه. # والأخذ بالزيادة أولى. والتخاير في ms1744 ابتداء العقد وبعده في المجلس واحد، ~~فالتخاير في ابتدائه أن يقول: بعتك ولا خيار بيننا. ويقبل الآخر على ذلك، ~~فلا يكون لهما خيار. والتخاير بعده أن يقول كل واحد منهما بعد العقد: اخترت ~~إمضاء العقد، أو إلزامه، أو اخترت العقد، أو أسقطت خياري. فيلزم العقد من ~~الطرفين، وإن اختار أحدهما دون الآخر، لزم في حقه وحده، كما لو كان خيار ~~الشرط لهما، فأسقط أحدهما خياره دون الآخر. وقال أصحاب الشافعي: في التخاير ~~في ابتداء العقد قولان، أظهرهما لا يقطع الخيار؛ لأنه إسقاط للحق قبل سببه، ~~فلم يجز، كخيار الشفعة. # فعلى هذا، هل يبطل العقد بهذا الشرط؟ على وجهين، بناء على الشروط ~~الفاسدة. ولنا، قوله - عليه السلام -: «فإن خير أحدهما صاحبه، فتبايعا على ~~ذلك، فقد وجب البيع» . وقوله: «إلا أن يكون البيع كان عن خيار، فإن كان ~~البيع عن خيار وجب البيع» . # وهذا صريح في الحكم، فلا يعول على ما خالفه. ولأن ما أثر في الخيار في ~~المجلس، أثر فيه مقارنا للعقد، كاشتراط الخيار. ولأنه أحد الخيارين في ~~البيع، فجاز إخلاؤه عنه، كخيار الشرط. وقولهم: إنه إسقاط للخيار قبل سببه. ~~ليس كذلك، فإن سبب الخيار البيع المطلق، فأما البيع مع التخاير فليس بسبب ~~له. ثم لو ثبت أنه سبب الخيار، لكن المانع مقارن له، فلم يثبت حكمه، وأما ~~الشفيع، فإنه أجنبي من العقد، فلم يصح اشتراط إسقاط خياره في العقد، بخلاف ~~مسألتنا. فإن قال أحدهما لصاحبه: اختر. ولم يقل الآخر شيئا، فالساكت منهما ~~على خياره؛ لأنه لم يوجد منه ما يبطل خياره. # وأما القائل، فيحتمل أن يبطل خياره؛ لما روى ابن عمر أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: ~~اختر» . رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، ولأنه جعل لصاحبه ما ملكه من ~~الخيار، فسقط خياره، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. ويحتمل أن لا يبطل خياره؛ ~~لأنه خيره، فلم يختر، فلم يؤثر فيه، كما لو جعل لزوجته الخيار، فلم تختر، ~~شيئا، ويحمل الحديث على أنه ms1745 خيره فاختار، والأول أولى؛ لظاهر الحديث. ولأنه ~~جعل الخيار لغيره، ويفارق الزوجة؛ لأنه ملكها ما لا تملك، فإذا لم تقبل، ~~سقط، وها هنا كل واحد منهما يملك الخيار، فلم يكن قوله تمليكا، إنما كان ~~إسقاطا، فسقط. ### | [مسألة تلفت السلعة أو كان عبدا فأعتقه المشتري أو مات] # (2758) مسألة؛ قال: (فإن تلفت السلعة، أو كان عبدا فأعتقه المشتري، أو ~~مات، بطل الخيار) أما إذا تلفت السلعة في مدة الخيار، فلا يخلو، إما أن ~~تكون قبل القبض، أو بعده، فإن كان قبل القبض، وكان مكيلا، أو موزونا، انفسخ ~~البيع، وكان من مال البائع، ولا أعلم في هذا خلافا، إلا أن يتلفه المشتري، ~~فيكون من ضمانه، ويبطل خياره. وفي خيار البائع روايتان. # وإن كان المبيع غير # PageV03P486 # المكيل والموزون، ولم يمنع البائع المشتري من قبضه، فظاهر المذهب أنه من ~~ضمان المشتري، ويكون كتلفه بعد القبض. وأما إن تلف المبيع بعد القبض في مدة ~~الخيار، فهو من ضمان المشتري، ويبطل خياره. # وفي خيار البائع روايتان؛ إحداهما، يبطل، وهو اختيار الخرقي، وأبي بكر؛ ~~لأنه خيار فسخ، فبطل بتلف المبيع، كخيار الرد بالعيب إذا تلف المعيب. ~~والرواية الثانية، لا يبطل، وللبائع أن يفسخ ويطالب المشتري بقيمته، وهذا ~~اختيار القاضي وابن عقيل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البيعان ~~بالخيار ما لم يتفرقا» . ولأنه خيار فسخ، فلم يبطل بتلف المبيع، كما لو ~~اشترى ثوبا بثوب، فتلف أحدهما، ووجد الآخر بالثوب عيبا، فإنه يرده، ويرجع ~~بقيمة ثوبه، كذا هاهنا. # وأما إذا أعتقه المشتري، فإن خياره يبطل؛ لأنه أتلفه، وفي بطلان خيار ~~البائع روايتان، كما لو تلف المبيع. وخيار المجلس، وخيار الشرط في هذا كله ~~سواء. ### | [فصل تصرف المشتري في المبيع في مدة الخيار] # (2759) فصل: ومتى تصرف المشتري في المبيع في مدة الخيار تصرفا يختص ~~الملك، بطل خياره، كإعتاق العبد، وكتابته، وبيعه، وهبته، ووطء الجارية، أو ~~مباشرتها، أو لمسها لشهوة، ووقف المبيع، وركوب الدابة لحاجته، أو سفر، أو ~~حمله عليها، أو سكنى الدار، ورمها، وحصاد الزرع، وقصل منه، فما وجد من ms1746 هذا ~~فهو رضاء بالمبيع، ويبطل به خياره؛ لأن الخيار يبطل بالتصريح بالرضاء، ~~وبدلالته، ولذلك يبطل خيار المعتقة بتمكينها الزوج من وطئها، «وقال لها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن وطئك فلا خيار لك» . # وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي. فأما ركوب الدابة لينظر سيرها، والطحن ~~على الرحى ليعلم قدر طحنها، وحلب الشاة ليعلم قدر لبنها، ونحو ذلك، فليس ~~برضا بالبيع، ولا يبطل خياره؛ لأن ذلك هو المقصود بالخيار، وهو اختبار ~~المبيع، وذكر أبو الخطاب وجها في أن تصرف المشتري لا يبطل خياره، ولا يبطل ~~إلا بالتصريح بالرضا. # ولا يصح؛ لأن هذا يتضمن إجازة البيع، ويدل على الرضا به، فبطل به الخيار ~~كصريح القول. ولأن التصريح إنما أبطل الخيار لدلالته على الرضا به، فما دل ~~على الرضا به يقوم مقامه، ككنايات الطلاق، تقوم مقام صريحه. # وإن عرضه على البيع، أو باعه بيعا فاسدا، أو عرضه على الرهن، أو غيره من ~~التصرفات، أو وهبه، فلم يقبل الموهوب له، بطل خياره؛ لأن ذلك يدل على الرضا ~~به. قال أحمد: إذا اشترط الخيار، فباعه قبل ذلك بربح، فالربح للمبتاع؛ لأنه ~~وجب عليه حين عرضه. # وإن استخدم المشتري المبيع، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يبطل خياره، وقال ~~أبو الصقر: قلت لأحمد: رجل اشترى جارية، وله الخيار فيها يومين، فانطلق ~~بها، فغسلت رأسه، أو غمزت رجله، أو طحنت له، أو خبزت، هل يستوجبها بذلك؟ # PageV03P487 # قال: لا، حتى يبلغ منها ما لا يحل لغيره. قلت: فإن مشطها، أو خضبها، أو ~~حفها، هل يستوجبها بذلك؟ قال: قد بطل خياره؛ لأنه وضع يده عليها. وذلك لأن ~~الاستخدام لا يختص الملك، ويراد لتجربة المبيع، فأشبه ركوب الدابة ليعلم ~~سيرها. ونقل حرب، عن أحمد، أنه يبطل خياره؛ لأنه انتفاع بالمبيع، أشبه ~~لمسها لشهوة. ويمكن أن يقال: ما قصد به من الاستخدام، تجربة المبيع، لا ~~يبطل الخيار، كركوب الدابة ليعلم سيرها، وما لا يقصد به ذلك يبطل الخيار، ~~كركوب الدابة لحاجته، وإن قبلت الجارية المشتري لم يبطل خياره، وهذا مذهب ~~الشافعي. # وقال أبو ms1747 الخطاب: يحتمل أن يبطل خياره إذا لم يمنعها؛ لأن إقراره لها على ~~ذلك يجري مجرى استمتاعه بها. وقال أبو حنيفة: إن قبلته لشهوة بطل خياره، ~~لأنه استمتاع يختص الملك، فأبطل خياره، كقبلته لها. ولنا: أنها قبلة لأحد ~~المتعاقدين، فلم يبطل خياره، كما لو قبلت البائع. ولأن الخيار له، لا لها، ~~فلو ألزمناه بفعلها لألزمناه بغير رضاه، ولا دلالة عليه، وفارق ما إذا ~~قبلها؛ فإنه وجد منه ما يدل على الرضا بها. ومتى بطل خيار المشتري بتصرفه، ~~فخيار البائع باق بحاله؛ لأن خياره لا يبطل برضا غيره، إلا أن يكون تصرف ~~المشتري بإذن البائع، فإنه يبطل خيارهما معا؛ لوجود الرضا منهما بإبطاله. # وإن تصرف البائع في المبيع بما يفتقر إلى الملك، كان فسخا للبيع، وهذا ~~مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لما ذكرناه في المشتري. ولأنه أحد المتعاقدين، ~~فتصرفه في المبيع اختيار له، كالمشتري. وعن أحمد رواية أخرى، أنه لا ينفسخ ~~البيع بذلك؛ لأن الملك انتقل عنه، فلم يكن تصرفه فيه استرجاعا له، كمن وجد ~~ماله عند مفلس، فتصرف فيه. ### | [فصل ينتقل الملك إلى المشتري في بيع الخيار بنفس العقد] # (2760) فصل: وينتقل الملك إلى المشتري في بيع الخيار بنفس العقد في ظاهر ~~المذهب، ولا فرق بين كون الخيار لهما، أو لأحدهما، أيهما كان، وهذا أحد ~~أقوال الشافعي. # وعن أحمد: أن الملك لا ينتقل حتى ينقضي الخيار، وهو قول مالك، والقول ~~الثاني للشافعي، وبه قال أبو حنيفة إذا كان الخيار لهما وللبائع، وإن كان ~~للمشتري خرج عن ملك البائع، فلم يدخل في ملك المشتري؛ لأن البيع الذي فيه ~~الخيار عقد قاصر، فلم ينقل الملك، كالهبة قبل القبض. والقول الثالث ~~للشافعي: أن الملك موقوف مراعى، فإن أمضيا البيع تبينا أن الملك للمشتري، ~~وإلا تبينا أنه لم ينتقل عن البائع. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من باع عبدا وله مال، فماله ~~للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» . رواه مسلم، وقوله: «من باع نخلا بعد أن ~~تؤبر فثمرته للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» . متفق عليه. فجعله ms1748 للمبتاع ~~بمجرد اشتراطه، وهو عام في كل بيع. ولأنه بيع صحيح، فنقل الملك عقيبه، ~~كالذي لا خيار له. ولأن البيع تمليك، بدليل قوله: ملكتك. فيثبت به الملك، ~~كسائر البيع. يحققه # PageV03P488 # أن التمليك يدل على نقل الملك إلى المشتري، ويقتضيه لفظه، والشرع قد ~~اعتبره وقضى بصحته، فيجب أن يعتبره فيما يقتضيه ويدل عليه لفظه، وثبوت ~~الخيار فيه لا ينافيه، كما لو باع عرضا بعرض، فوجد كل واحد منهما بما ~~اشتراه عيبا. # وقولهم: إنه قاصر. غير صحيح، وجواز فسخه لا يوجب قصوره، ولا يمنع نقل ~~الملك كبيع المعيب، وامتناع التصرف إنما كان لأجل حق الغير، فلا يمنع ثبوت ~~الملك، كالمرهون، والمبيع قبل القبض. وقولهم: إنه يخرج من ملك البائع، ولا ~~يدخل في ملك المشتري. لا يصح؛ لأنه يفضي إلى وجود ملك لا مالك له، وهو ~~محال، ويفضي أيضا إلى ثبوت الملك للبائع في الثمن من غير حصول عوضه ~~للمشتري، أو إلى نقل ملكه عن المبيع من غير ثبوته في عوضه، وكون العقد ~~معاوضة يأبى ذلك. # وقول أصحاب الشافعي: إن الملك موقوف، إن أمضيا البيع تبينا أنه انتقل، ~~وإلا فلا. غير صحيح أيضا؛ فإن انتقال الملك إنما ينبني على سببه الناقل له، ~~وهو البيع، وذلك لا يختلف بإمضائه وفسخه، فإن إمضاءه ليس من المقتضي ولا ~~شرطا فيه، إذ لو كان كذلك لما ثبت الملك قبله، والفسخ ليس بمانع؛ فإن المنع ~~لا يتقدم المانع، كما أن الحكم لا يسبق سببه ولا شرطه. ولأن البيع مع ~~الخيار سبب يثبت الملك عقيبه فيما إذا لم يفسخ، فوجب أن يثبته وإن فسخ، ~~كبيع المعيب، وهذا ظاهر إن شاء الله. ### | [فصل ما يحصل من غلات المبيع ونمائه المنفصل في مدة الخيار] # (2761) فصل: وما يحصل من غلات المبيع؛ ونمائه المنفصل في مدة الخيار، فهو ~~للمشتري، أمضيا العقد، أو فسخاه، قال أحمد في من اشترى عبدا، فوهب له مال ~~قبل التفرق، ثم اختار البائع العبد: فالمال للمشتري. وقال الشافعي: إن ~~أمضيا العقد، وقلنا: الملك للمشتري، أو موقوف. فالنماء المنفصل له، ms1749 وإن ~~قلنا: الملك للبائع. فالنماء له. # وإن فسخا العقد، وقلنا: الملك للبائع، أو موقوف. فالنماء له، وإلا فهو ~~للمشتري. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخراج بالضمان» . قال ~~الترمذي: هذا حديث صحيح. # وهذا من ضمان المشتري، فيجب أن يكون خراجه له. ولأن الملك ينتقل بالبيع ~~على ما ذكرنا، فيجب أن يكون نماؤه له، كما بعد انقضاء الخيار. ويتخرج أن ~~يكون النماء المنفصل للبائع إذا فسخا العقد، بناء على الرواية التي قلنا: ~~إن الملك لا ينتقل. فأما النماء المتصل فهو تابع للمبيع، أمضيا العقد، أو ~~فسخاه، كما يتبعه في الرد بالعيب والمقايلة. ### | [فصل ضمان المبيع على المشتري إذا قبضه] # (2762) فصل: وضمان المبيع على المشتري إذا قبضه، ولم يكن مكيلا، ولا ~~موزونا. فإن تلف، أو نقص، أو حدث به عيب في مدة الخيار، فهو من ضمانه؛ لأنه ~~ملكه، وغلته له، فكان من ضمانه، كما بعد انقضاء الخيار، # PageV03P489 # ومؤنته عليه. # وإن كان عبدا، فهل هلال شوال، ففطرته عليه لذلك. فإن اشترى حاملا، فولدت ~~عنده في مدة الخيار، ثم ردها على البائع، لزمه رد ولدها؛ لأنه مبيع حدثت ~~فيه بزيادة متصلة، فلزمه رده بزيادته، كما لو اشترى عبدين، فسمن أحدهما ~~عنده. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يرد الولد؛ لأن الحمل لا حكم له؛ لأنه ~~جزء متصل بالأم، فلم يأخذ قسطا من الثمن، كأطرافها. ولنا، أن كل ما يقسط ~~عليه الثمن إذا كان منفصلا، يقسط عليه إذا كان متصلا، كاللبن. وما قالوه ~~يبطل بالجزء المشاع، كالثلث، والربع، والحكم في الأصل ممنوع، ثم يفارق ~~الحمل الأطراف؛ لأنه يئول إلى الانفصال، وينتفع به منفصلا، ويصح إفراده ~~بالعتق، والوصية به، وله، ويرث إن كان من أهل الميراث، ويفرد بالدية، ~~ويرثها ورثته. ولا يصح قولهم: إنه لا حكم للحمل. لهذه الأحكام وغيرها مما ~~ذكرناه في غير هذا الموضع. ### | [فصل تصرف أحد المتبايعين في مدة الخيار في المبيع] # (2763) فصل: وإن تصرف أحد المتبايعين في مدة الخيار في المبيع تصرفا ينقل ~~المبيع، كالبيع، والهبة، والوقف، أو يشغله، كالإجارة، والتزويج، ms1750 والرهن، ~~والكتابة، ونحوها، لم يصح تصرفه، إلا العتق، سواء وجد من البائع، أو ~~المشتري؛ لأن البائع تصرف في غير ملكه، والمشتري يسقط حق البائع من الخيار، ~~واسترجاع المبيع، فلم يصح تصرفه فيه، كالتصرف في الرهن، إلا أن يكون الخيار ~~للمشتري وحده، فينفذ تصرفه، ويبطل خياره؛ لأنه لا حق لغيره فيه، وثبوت ~~الخيار له لا يمنع تصرفه فيه، كالمعيب. قال أحمد: إذا اشترط الخيار، فباعه ~~قبل ذلك بربح، فالربح للمبتاع؛ لأنه قد وجب عليه حين عرضه. يعني بطل خياره، ~~ولزمه. # وهذا والله أعلم فيما إذا شرط الخيار له وحده، وكذلك إذا قلنا: إن البيع ~~لا ينقل الملك، وكان الخيار لهما، أو للبائع وحده، فتصرف فيه البائع، نفذ ~~تصرفه، وصح؛ لأنه ملكه، وله إبطال خيار غيره، وقال ابن أبي موسى: في تصرف ~~المشتري في المبيع قبل التفرق ببيع أو هبة روايتان؛ إحداهما، لا يصح؛ لأن ~~في صحته إسقاط حق البائع من الخيار. والثانية، هو موقوف؛ فإن تفرقا قبل ~~الفسخ صح، وإن اختار البائع الفسخ بطل بيع المشتري. قال أحمد في رواية أبي ~~طالب: إذا اشترى ثوبا بشرط، فباعه بربح قبل انقضاء الشرط، يرده إلى صاحبه ~~إن طلبه، فإن لم يقدر على رده، فللبائع قيمة الثوب؛ لأنه استهلك ثوبه، أو ~~يصالحه. فقوله: يرده إن طلبه. يدل على أن وجوب رده مشروط بطلبه. وقد # روى البخاري، عن «ابن عمر، أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في سفر، فكان على بكر صعب، وكان يتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P490 # فيقول له أبوه: لا يتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد. فقال له ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: بعنيه. فقال عمر: هو لك يا رسول الله. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: هو لك يا عبد الله بن عمر، فاصنع به ما شئت» ~~. # وهذا يدل على أن التصرف قبل التفرق جائز، وذكر أصحابنا في صحة تصرف ~~المشتري بالوقف وجها آخر؛ لأنه تصرف يبطل الشفعة، فأشبه العتق، والصحيح أنه ~~لا يصح شيء من هذه ms1751 التصرفات؛ لأن المبيع يتعلق به حق البائع تعلقا يمنع ~~جواز التصرف، فمنع صحته، كالرهن. ويفارق الوقف العتق؛ لأن العتق مبني على ~~التغليب والسراية، بخلاف الوقف. # وأما حديث ابن عمر، فليس فيه تصريح بالبيع، فإن قول عمر: هو لك. يحتمل ~~أنه أراد هبة، وهو الظاهر، فإنه لم يذكر ثمنا، والهبة لا يثبت فيها الخيار. ~~وقال الشافعي: تصرف البائع في المبيع بالبيع والهبة ونحوهما صحيح؛ لأنه إما ~~أن يكون على ملكه فيملك بالعقد عليه، وإما أن يكون للمشتري، والبائع يملك ~~فسخه، فجعل البيع والهبة فسخا. # وأما تصرف المشتري، فلا يصح إذا قلنا: الملك لغيره. وإن قلنا: الملك له. ~~ففي صحة تصرفه وجهان. ولنا، على إبطال تصرف البائع، أنه تصرف في ملك غيره ~~بغير ولاية شرعية، ولا نيابة عرفية، فلم يصح، كما بعد الخيار. وقولهم: يملك ~~الفسخ. قلنا: إلا أن ابتداء التصرف لم يصادف ملكه، فلم يصح، كتصرف الأب ~~فيما وهب لولده قبل استرجاعه، وتصرف الشفيع في الشقص المشفوع قبل أخذه. ### | [فصل تصرف المشتري بإذن البائع أو البائع بوكالة المشتري] # (2764) فصل: وإن تصرف المشتري بإذن البائع، أو البائع بوكالة المشتري، صح ~~التصرف، وانقطع خيارهما؛ لأن ذلك يدل على تراضيهما بإمضاء البيع، فيقطع به ~~خيارهما، كما لو تخايرا، ويصح تصرفهما؛ لأن قطع الخيار حصل بالإذن في ~~البيع، فيقع البيع بعد انقطاع الخيار. # وإن تصرف البائع بإذن المشتري، احتمل أن يقع صحيحا؛ لأن ذلك دليل على فسخ ~~البيع، أو استرجاع المبيع، فيقع تصرفه بعد استرجاعه، ويحتمل أن لا يصح؛ لأن ~~البائع لا يحتاج إلى إذن المشتري في استرجاع المبيع، فيصير كتصرفه بغير إذن ~~المشتري، وقد ذكرنا أنه لا يصح، كذا هاهنا. وكل موضع قلنا: إن تصرف البائع ~~لا ينفذ، ولكن ينفسخ به البيع. فإنه متى أعاد ذلك التصرف، أو تصرف تصرفا ~~سواه، صح؛ لأنه بفسخ البيع عاد إليه الملك، فصح تصرفه فيه، كما لو فسخ ~~البيع بصريح قوله، ثم تصرف فيه، وكذلك إن تقدم تصرفه ما ينفسخ به البيع، صح ~~تصرفه؛ لما ذكرنا. # (2765) فصل: وإن ms1752 تصرف أحدهما بالعتق، نفذ عتق من حكمنا بالملك له، وظاهر ~~المذهب أن الملك للمشتري، فينفذ عتقه، سواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما؛ ~~لأنه عتق من مالك جائز التصرف، فنفذ، كما بعد المدة. وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا عتق فيما لا يملك ابن آدم» . يدل بمفهومه على أنه ينفذ في ~~الملك، # PageV03P491 # وملك البائع للفسخ لا يمنع نفوذ العتق، كما لو باع عبدا بجارية معينة، ~~فإن مشتري العبد ينفذ عتقه، مع أن للبائع الفسخ. # ولو وهب رجل ابنه عبدا، فأعتقه، نفذ عتقه، مع ملك الأب لاسترجاعه. ولا ~~ينفذ عتق البائع في ظاهر المذهب. وقال أبو حنيفة، والشافعي، ومالك ينفذ ~~عتقه؛ لأنه ملكه، وإن كان الملك انتقل فإنه يسترجعه بالعتق. ولنا، أنه ~~إعتاق من غير مالك، فلم ينفذ، كعتق الأب عبد ابنه الذي وهبه إياه، وقد ~~دللنا على أن الملك انتقل إلى المشتري. # وإن قلنا بالرواية الأخرى، وأن الملك لم ينتقل إلى المشتري، نفذ عتق ~~البائع دون المشتري. وإن أعتق البائع والمشتري جميعا، فإن تقدم عتق ~~المشتري، فالحكم على ما ذكرنا، وإن تقدم عتق البائع، فينبغي أن لا ينفذ عتق ~~واحد منهما؛ لأن البائع لم ينفذ عتقه؛ لكونه أعتق غير مملوكه، ولكن حصل ~~بإعتاقه فسخ البيع، واسترجاع العبد، فلم ينفذ عتق المشتري. ومتى أعاد ~~البائع الإعتاق مرة ثانية، نفذ إعتاقه؛ لأنه عاد العبد إليه، فأشبه ما لو ~~استرجعه بصريح قوله. # ولو اشترى من يعتق عليه، جرى مجرى إعتاقه بصريح قوله، وقد ذكرنا حكمه. ~~وإن باع عبدا بجارية، بشرط الخيار، فأعتقهما، نفذ عتق الأمة دون العبد. # وإن أعتق أحدهما، ثم أعتق الآخر، نظرت، فإن أعتق الأمة أولا، نفذ عتقها، ~~وبطل خياره، ولم ينفذ عتق العبد، وإن أعتق العبد أولا، انفسخ البيع، ورجع ~~إليه العبد، ولم ينفذ إعتاقه، ولا ينفذ عتق الأمة؛ لأنها خرجت بالفسخ عن ~~ملكه، وعادت إلى سيدها البائع لها. ### | [فصل قال لعبده إذا بعتك فأنت حر ثم باعه] # (2766) فصل: إذا قال لعبده: إذا بعتك فأنت حر. ثم باعه، صار حرا، ms1753 نص عليه ~~أحمد، وبه قال الحسن، وابن أبي ليلى، ومالك، والشافعي. وسواء شرطا الخيار ~~أو لم يشرطاه، وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يعتق؛ لأنه إذا تم بيعه زال ~~ملكه عنه. فلم ينفذ إعتاقه له. ولنا، أن زمن انتقال الملك زمن الحرية؛ لأن ~~البيع سبب لنقل الملك، وشرط للحرية. فيجب تغليب الحرية، كما لو قال لعبده: ~~إذا مت فأنت حر، ولأنه علق حريته على فعله للبيع. والصادر منه في البيع ~~إنما هو الإيجاب، فمتى قال للمشتري: بعتك. فقد وجد شرط الحرية، فيعتق قبل ~~قبول المشتري، وعلله القاضي بأن الخيار ثابت في كل بيع، فلا ينقطع تصرفه ~~فيه. # فعلى هذا لو تخايرا ثم باعه لم يعتق، ولا يصح هذا التعليل على مذهبنا. ~~فإننا ذكرنا أن البائع لو أعتق في مدة الخيار لم ينفذ إعتاقه. ### | [فصل وطء الجارية في مدة الخيار] # (2767) فصل: ولا يجوز للمشتري وطء الجارية في مدة الخيار إذا كان الخيار ~~لهما أو للبائع وحده؛ لأنه يتعلق بها حق البائع، فلم يبح له وطؤها ~~كالمرهونة، ولا نعلم في هذا اختلافا، فإن وطئها فلا حد عليه؛ لأن الحد يدرأ ~~بشبهة الملك فبحقيقته أولى، ولا مهر لها؛ لأنها مملوكته، وإن علقت منه، ~~فالولد حر يلحقه # PageV03P492 # نسبه؛ لأنه من أمته، ولا يلزمه قيمته، وتصير أم ولد له، وإن فسخ البائع ~~البيع رجع بقيمتها؛ لأنه تعذر الفسخ فيها، ولا يرجع بقيمة ولدها؛ لأنه حدث ~~في ملك المشتري. # وإن قلنا: إن الملك لا ينتقل إلى المشتري، فلا حد عليه أيضا؛ لأن له فيها ~~شبهة لوجود سبب نقل الملك إليه، واختلاف أهل العلم في ثبوت الملك له، والحد ~~يدرأ بالشبهات، وعليه المهر، وقيمة الولد يكون حكمها حكم نمائها، وإن علم ~~التحريم، وأن ملكه غير ثابت، فولده رقيق. # وأما البائع فلا يحل له الوطء قبل فسخ البيع. وقال بعض أصحاب الشافعي: له ~~وطؤها؛ لأن البيع ينفسخ بوطئه، فإن كان الملك انتقل رجعت إليه، وإن لم يكن ~~انتقل انقطع حق المشتري منها، فيكون واطئا لمملوكته التي لا حق لغيره ms1754 فيها. ~~ولنا أن الملك انتقل عنه فلم يحل له وطؤها؛ لقول الله تعالى: {إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] {فمن ابتغى ~~وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] ، ولأن ابتداء الوطء يقع في غير ~~ملكه، فيكون حراما. # ولو انفسخ البيع قبل وطئه، لم تحل له حتى يستبرئها، ولا يلزمه حد. وبهذا ~~قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وقال بعض أصحابنا: إن علم التحريم، وأن ~~ملكه قد زال، ولا ينفسخ بالوطء، فعليه الحد. وذكر أن أحمد نص عليه؛ لأن ~~وطأه لم يصادف ملكا ولا شبهة ملك. ولنا، أن ملكه يحصل بابتداء وطئه، فيحصل ~~تمام الوطء في ملكه، مع اختلاف العلماء في كون الملك له، وحل الوطء له، ولا ~~يجب الحد مع واحدة من هذه الشبهات، فكيف إذا اجتمعت، مع أنه يحتمل أن يحصل ~~الفسخ بالملامسة قبل الوطء، فيكون الملك قد رجع إليه قبل وطئه، ولهذا قال ~~أحمد في المشتري: إنها قد وجبت عليه حين وضع يده عليها. فيما إذا مشطها، أو ~~خضبها، أو حفها، فبوضع يده عليها للجماع ولمس فرجها بفرجه أولى. فعلى هذا ~~يكون ولده منها حرا، ونسبه لاحق به، ولا يلزمه قيمته، ولا مهر عليه، وتصير ~~الأمة أم ولده. # وقال أصحابنا: إن علم التحريم فولده رقيق، ولا يلحقه نسبه. فإن لم يعلم ~~لحقه النسب، وولده حر، وعليه قيمته يوم الولادة، وعليه المهر، ولا تصير ~~الأمة أم ولده، لأنه وطئها في غير ملكه. ### | [فصل نقد الثمن وقبض المبيع في مدة الخيار] # (2768) فصل: ولا بأس بنقد الثمن وقبض المبيع في مدة الخيار. وهو قول أبي ~~حنيفة، والشافعي وكرهه مالك. قال: لأنه في معنى بيع وسلف إذا أقبضه الثمن ~~ثم تفاسخا البيع، صار كأنه أقرضه إياه. ولنا، أن هذا حكم من أحكام البيع، ~~فجاز في مدة الخيار، كالإجارة، وما ذكره لا يصح؛ لأننا لم نجز له التصرف ~~فيه # PageV03P493 # (2769) فصل: قول الخرقي: " أو مات " الظاهر أنه أراد العبد، ورد الضمير ~~إليه، وهو في معنى قوله: " أو تلفت السلعة ". ويحتمل أنه ms1755 رد الضمير إلى ~~المشتري، وأراد إذا مات المشتري بطل الخيار؛ لأن موت العبد قد تناوله ~~بقوله: " أو تلفت السلعة ". والحكم في موت البائع والمشتري واحد. والمذهب ~~أن خيار الميت منهما يبطل بموته، ويبقى خيار الآخر بحاله، إلا أن يكون ~~الميت قد طالب بالفسخ قبل موته فيه، فيكون لورثته. وهو قول الثوري، وأبي ~~حنيفة. ويتخرج أن الخيار لا يبطل، وينتقل إلى ورثته؛ لأنه حق مالي، فينتقل ~~إلى الوارث، كالأجل وخيار الرد بالعيب، ولأنه حق فسخ للبيع، فينتقل إلى ~~الوارث، كالرد بالعيب، والفسخ بالتحالف، وهذا قول مالك، والشافعي ولنا، أنه ~~حق فسخ لا يجوز الاعتياض عنه؛ فلم يورث كخيار الرجوع في الهبة. ### | [مسألة إذا تفرقا من غير فسخ لم يكن لأحدهما رده إلا بعيب أو خيار] # (2770) مسألة؛ قال: (وإذا تفرقا من غير فسخ لم يكن لأحدهما رده إلا بعيب ~~أو خيار) لا خلاف في أن البيع يلزم بعد التفرق، ما لم يكن سبب يقتضي جوازه، ~~وقد دل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وإن تفرقا بعد أن تبايعا ~~ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع» ، وقوله: «البيعان بالخيار حتى ~~يتفرقا» . جعل التفرق غاية للخيار. وما بعد الغاية يجب أن يكون مخالفا لما ~~قبلها، إلا أن يجد بالسلعة عيبا فيردها به، أو يكون قد شرط الخيار لنفسه ~~مدة معلومة، فيملك الرد أيضا. ولا خلاف بين أهل العلم في ثبوت الرد بهذين ~~الأمرين. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «المؤمنون على شروطهم» . استشهد به ~~البخاري. وفي معنى العيب أن يدلس المبيع بما يختلف به الثمن، أو يشترط في ~~المبيع صفة يختلف بها الثمن، فيتبين بخلافه، فيثبت له الخيار أيضا. ويقرب ~~منه ما لو أخبره في المرابحة في الثمن أنه حال، فبان مؤجلا، ونحو هذا، ~~ونذكر هذا في مواضعه. # (2771) فصل: ولو ألحقا في العقد خيارا بعد لزومه لم يلحقه. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلحقه؛ لأن لهما فسخ العقد، فكان لهما ~~إلحاق الخيار به كحالة المجلس. ولنا، أنه عقد لازم فلم ms1756 يصر جائزا بقولهما، ~~كالنكاح. وفارق حال المجلس؛ لأنه جائز. ### | [فصل بيوع الأعيان المرئية] # (2772) فصل: وكلام الخرقي يحتمل أن يريد به بيوع الأعيان المرئية، فلا ~~يكون فيه تعرض لبيع الغائب، ويحتمل أنه أراد كل ما يسمى خيارا، فيدخل فيه ~~خيار الرؤية وغيره. وفي بيع الغائب روايتان؛ أظهرهما، أن الغائب الذي لم ~~يوصف، ولم تتقدم رؤيته لا يصح بيعه. وبهذا قال الشعبي، والنخعي، والحسن، # PageV03P494 # والأوزاعي، ومالك، وإسحاق. وهو أحد قولي الشافعي. وفي رواية أخرى، أنه ~~يصح. وهو مذهب أبي حنيفة، والقول الثاني للشافعي. وهل يثبت للمشتري خيار ~~الرؤية؟ على روايتين؛ أشهرهما ثبوته. وهو قول أبي حنيفة. # واحتج من أجازه بعموم قول الله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] . ~~وروي عن عثمان، وطلحة، أنهما تبايعا داريهما بالكوفة، والأخرى بالمدينة، ~~فقيل لعثمان: إنك قد غبنت، فقال: ما أبالي؛ لأني بعت ما لم أره. وقيل ~~لطلحة، فقال: لي الخيار؛ لأنني اشتريت ما لم أره. فتحاكما إلى جبير، فجعل ~~الخيار لطلحة. وهذا اتفاق منهم على صحة البيع، ولأنه عقد معاوضة، فلم تفتقر ~~صحته إلى رؤية المعقود عليه، كالنكاح. # ولنا، ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه «نهى عن بيع الغرر» . ~~رواه مسلم ولأنه باع ما لم يره ولم يوصف له، فلم يصح، كبيع النوى في التمر، ~~ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع، كالسلم، والآية مخصوصة بالأصل ~~الذي ذكرناه. # وأما حديث عثمان وطلحة، فيحتمل أنهما تبايعا بالصفة، على أنه قول صحابي، ~~وفي كونه حجة خلاف، ولا يعارض به حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والنكاح لا يقصد منه المعاوضة، ولا يفسد بفساد العوض، ولا يترك ذكره، ولا ~~يدخله شيء من الخيارات. # وفي اشتراط الرؤية مشقة على المخدرات وإضرار بهن. على أن الصفات التي ~~تعلم بالرؤية ليست هي المقصودة بالنكاح، فلا يضر الجهل بها بخلاف البيع. ~~فإن قيل: فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من اشترى ما ~~لم يره فهو بالخيار إذا رآه» . والخيار لا يثبت إلا في عقد ms1757 صحيح. قلنا: هذا ~~يرويه عمر بن إبراهيم الكردي، وهو متروك الحديث. ويحتمل أنه بالخيار بين ~~العقد عليه وتركه. إذا ثبت هذا، فإنه يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع، كداخل ~~الثوب، وشعر الجارية، ونحوهما. فلو باع ثوبا مطويا، أو عينا حاضرة، لا ~~يشاهد منها ما يختلف الثمن لأجله، كان كبيع الغائب. # وإن حكمنا بالصحة، فللمشتري الخيار عند رؤية المبيع في الفسخ والإمضاء، ~~ويكون على الفور، فإن اختار الفسخ فله ذلك، وإن لم يفسخ لزم العقد؛ لأن ~~الخيار خيار الرؤية، فوجب أن يكون عندها. وقيل: يتقيد بالمجلس الذي وجدت ~~الرؤية فيه؛ لأنه خيار ثبت بمقتضى العقد من غير شرط، فتقيد بالمجلس كخيار ~~المجلس. وإن اختار الفسخ قبل الرؤية انفسخ؛ لأن العقد غير لازم في حقه، ~~فملك الفسخ، كحالة الرؤية. # وإن اختار إمضاء العقد، لم يلزم؛ لأن الخيار يتعلق بالرؤية، ولأنه يؤدي ~~إلى إلزام العقد على المجهول، فيفضي إلى الضرر، وكذلك لو تبايعا بشرط أن لا ~~يثبت الخيار للمشتري، لم يصح الشرط لذلك. وهل يفسد البيع بهذا الشرط؟ على ~~وجهين، بناء على الشروط الفاسدة في البيع. ### | [فصل الخيار عند الرؤية] # (2773) فصل: ويعتبر لصحة العقد الرؤية من البائع والمشتري جميعا، وإن ~~قلنا بصحة البيع مع عدم الرؤية، # PageV03P495 # فباع ما لم يره، فله الخيار عند الرؤية، وإن لم يره المشتري أيضا، فلكل ~~واحد منهما الخيار. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ليس له الخيار؛ ~~لحديث عثمان وطلحة، ولأننا لو جعلنا له الخيار لثبت لتوهم الزيادة، ~~والزيادة في المبيع لا تثبت الخيار. وكذلك لو باع شيئا على أنه معيب، فبان ~~غير معيب، لم يثبت له الخيار. # ولنا، أنه جاهل بصفة المعقود عليه فأشبه المشتري، فأما الخبر، فإنه قول ~~جبير وطلحة، وقد خالفهما عثمان، وقوله أولى؛ لأن البيع يعتبر فيه الرضى ~~منهما، فتعتبر الرؤية التي هي مظنة الرضى منهما. ### | [فصل إذا وصف المبيع للمشتري فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلم] # (2774) فصل: وإذا وصف المبيع للمشتري، فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة ~~السلم، ms1758 صح بيعه في ظاهر المذهب. وهو قول أكثر أهل العلم. وعن أحمد، لا يصح ~~حتى يراه؛ لأن الصفة لا تحصل بها معرفة المبيع، فلم يصح البيع بها كالذي لا ~~يصح السلم فيه. # ولنا، أنه بيع بالصفة، فصح كالسلم، ولا نسلم أنه لا تحصل به معرفة ~~المبيع، فإنها تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهرا، وهذا ~~يكفي؛ بدليل أنه يكفي في السلم، وأنه لا يعتبر في الرؤية الاطلاع على ~~الصفات الخفية، وأما ما لا يصح السلم فيه، فلا يصح بيعه بالصفة؛ لأنه لا ~~يمكن ضبطه بها. # إذا ثبت هذا، فإنه متى وجده على الصفة، لم يكن له الفسخ. وبهذا قال محمد ~~بن سيرين، وأيوب، ومالك، والعنبري، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال ~~الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: له الخيار بكل حال؛ لأنه يسمى بيع خيار ~~الرؤية، ولأن الرؤية من تمام العقد، فأشبه غير الموصوف. # ولأصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين. ولنا، أنه سلم له المعقود عليه بصفاته، ~~فلم يكن له الخيار كالمسلم فيه، ولأنه مبيع موصوف، فلم يكن للعاقد فيه ~~الخيار في جميع الأحوال، كالسلم. وقولهم: إنه يسمى بيع خيار الرؤية. لا ~~نعرف صحته، فإن ثبت، فيحتمل أن يسميه من يرى ثبوت الخيار، ولا يحتج به على ~~غيره، فأما إن وجده بخلاف الصفة فله الخيار، ويسمى خيار الخلف في الصفة؛ ~~لأنه وجد الموصوف بخلاف الصفة، فلم يلزمه كالسلم. # وإن اختلفا، فقال البائع: لم تختلف الصفة. وقال المشتري: قد اختلفت. ~~فالقول قول المشتري؛ لأن الأصل براءة ذمته من الثمن، فلا يلزمه، ما لم يقر ~~به، أو يثبت ببينة أو ما يقوم مقامها. ### | [فصل البيع بالصفة نوعان] # (2775) فصل: والبيع بالصفة نوعان؛ أحدهما، بيع عين معينة، مثل أن يقول: ~~بعتك عبدي التركي. ويذكر سائر صفاته، فهذا ينفسخ # PageV03P496 # العقد عليه برده على البائع، وتلفه قبل قبضه؛ لكون المعقود عليه معينا، ~~فيزول العقد بزوال محله، ويجوز التفرق قبل قبض ثمنه، وقبضه، كبيع الحاضر. # الثاني، بيع موصوف غير معين، مثل أن يقول: بعتك عبدا تركيا، ثم يستقصي ~~صفات السلم، ms1759 فهذا في معنى السلم، فمتى سلم إليه عبدا، على غير ما وصف، ~~فرده، أو على ما وصف، فأبدله، لم يفسد العقد؛ لأن العقد لم يقع على غير ~~هذا، فلم ينفسخ العقد برده، كما لو سلم إليه في السلم غير ما وصف له، فرده. ~~ولا يجوز التفرق عن مجلس العقد قبل قبض المبيع، أو قبض ثمنه. # وهذا قول الشافعي؛ لأنه بيع في الذمة، فلم يجز التفرق فيه قبل قبض أحد ~~العوضين، كالسلم. وقال القاضي: يجوز التفرق فيه قبل القبض؛ لأنه بيع حال، ~~فجاز التفرق فيه قبل القبض، كبيع العين. ### | [فصل إذا رأيا المبيع ثم عقدا البيع بعد ذلك بزمن لا تتغير العين فيه] # (2776) فصل: إذا رأيا المبيع، ثم عقدا البيع بعد ذلك بزمن لا تتغير العين ~~فيه، جاز في قول أكثر أهل العلم. وحكي عن أحمد رواية أخرى، لا يجوز حتى ~~يرياها حالة العقد. وحكي ذلك عن الحكم، وحماد؛ لأن ما كان شرطا في صحة ~~العقد، يجب أن يكون موجودا حال العقد، كالشهادة في النكاح. # ولنا، أنه معلوم عندهما، أشبه ما لو شاهداه حال العقد، والشرط إنما هو ~~العلم، وإنما الرؤية طريق للعلم، ولهذا اكتفي بالصفة المحصلة للعلم، ~~والشهادة في النكاح تراد لحل العقد والاستيثاق عليه، فلهذا اشترطت حال ~~العقد. ويقرر ما ذكرناه ما لو رأيا دارا، ووقفا في بيت منها، أو أرضا، ~~ووقفا في طريقها، وتبايعاها، صح بلا خلاف مع عدم المشاهدة للكل في الحال. # ولو كانت الرؤية المشروطة للبيع مشروطة حال العقد لاشترط رؤية جميعه، ~~ومتى وجد المبيع بحاله، لم يتغير، لزم البيع، وإن كان ناقصا ثبت له الخيار؛ ~~لأن ذلك كحدوث العيب. # وإن اختلفا في التغير، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه يلزمه الثمن، ~~فلا يلزمه ما لم يعترف به. فأما إن عقد البيع بعد رؤية المبيع بمدة يتحقق ~~فيها فساد المبيع، لم يصح البيع؛ لأنه مما لا يصح بيعه، وإن لم يتغير فيها، ~~لم يصح بيعه؛ لأنه مجهول. وكذلك إن كان الظاهر تغيره. فأما إن كان يحتمل ms1760 ~~التغير وعدمه، وليس الظاهر تغيره، صح بيعه؛ لأن الأصل السلامة، ولم يعارضه ~~ظاهر، فصح بيعه، كما لو كانت الغيبة يسيرة، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. ### | [فصل يثبت الخيار في البيع للغبن] # (2777) فصل: ويثبت الخيار في البيع للغبن في مواضع: أحدها، تلقي الركبان، ~~إذا تلقاهم فاشترى منهم وباعهم وغبنهم. الثاني: بيع النجش. ويذكران في ~~مواضعهما. الثالث: المسترسل إذا غبن غبنا يخرج عن العادة، فله الخيار بين ~~الفسخ والإمضاء. وبهذا قال مالك، وقال ابن أبي موسى، وقد قيل: قد لزمه # PageV03P497 # البيع وليس له فسخه. # وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن نقصان قيمة السلعة مع سلامتها لا ~~يمنع لزوم العقد، كبيع غير المسترسل، وكالغبن اليسير. ولنا، أنه غبن حصل ~~لجهله بالمبيع، فأثبت الخيار، كالغبن في تلقي الركبان، فأما غير المسترسل، ~~فإنه دخل على بصيرة بالغبن، فهو كالعالم بالعيب، وكذا لو استعجل، فجهل ما ~~لو تثبت لعلمه، لم يكن له خيار؛ لأنه انبنى على تقصيره وتفريطه. والمسترسل ~~هو الجاهل بقيمة السلعة، ولا يحسن المبايعة. # قال أحمد: المسترسل، الذي لا يحسن أن يماكس. وفي لفظ، الذي لا يماكس. ~~فكأنه استرسل إلى البائع، فأخذ ما أعطاه من غير مماكسة، ولا معرفة بغبنه. ~~فأما العالم بذلك، والذي لو توقف لعرف، إذا استعجل في الحال فغبن، فلا خيار ~~لهما. ولا تحديد للغبن في المنصوص عن أحمد، وحده أبو بكر في " التنبيه "، ~~وابن أبي موسى في " الإرشاد " بالثلث. وهو قول مالك؛ لأن الثلث كثير؛ بدليل ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والثلث كثير» . وقيل: بالسدس، وقيل: ما ~~لا يتغابن الناس به في العادة؛ لأن ما لا يرد الشرع بتحديده يرجع فيه إلى ~~العرف. ### | [فصل إذا وقع البيع على غير معين] # (2778) فصل: وإذا وقع البيع على غير معين، كقفيز من صبرة، ورطل زيت من ~~دن، فمقتضى قول الخرقي، إذا تفرقا من غير فسخ، لم يكن لأحدهما رده، إلا ~~بعيب أو خيار؛ لأن البيع هاهنا يلزم بالتفرق، سواء تقابضا أو لم يتقابضا. ~~وقال القاضي: البيع لا يلزم إلا بالقبض، كالمكيل والموزون. # وهذا ms1761 تصريح بأنه لا يلزم قبل قبضه. وذكر في موضع آخر، من اشترى قفيزين من ~~صبرتين، فتلفت إحداهما قبل القبض، بطل العقد في التالف دون الباقي، رواية ~~واحدة، ولا خيار للبائع. وهذا يدل على اللزوم في حق البائع قبل القبض، فإنه ~~لو كان جائزا كان له الخيار، سواء تلفت إحداهما أو لم تتلف، ووجه الجواز، ~~أنه مبيع لا يملك بيعه، ولا التصرف فيه، فكان البيع فيه جائزا كما قبل ~~التفرق، ولأنه لو تلف لكان من ضمان البائع. ووجه الأول، قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحدهما البيع، فقد ~~وجب البيع» . # وما ذكرناه للقول الآخر ينتقض ببيع ما تقدمت رؤيته، وبيع الموصوف، ~~والسلم، فإن ذلك لازم مع ما ذكرناه، وكذلك سائر المبيع على إحدى الروايتين. ### | [مسألة الخيار يجوز أكثر من ثلاث يعني ثلاث ليال بأيامها] # (2779) مسألة؛ قال: (والخيار يجوز أكثر من ثلاث) يعني ثلاث ليال بأيامها. ~~وإنما ذكر الليالي؛ لأن التاريخ يغلب فيه التأنيث، قال الله تعالى: ~~{وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة} ~~[الأعراف: 142] . وقال تعالى: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: ~~234] . # وفي حديث حبان: «ولك الخيار ثلاثا» . ويجوز اشتراط الخيار ما يتفقان عليه ~~من المدة المعلومة، قلت مدته أو كثرت، وبذلك قال أبو يوسف، ومحمد، # PageV03P498 # وابن المنذر. وحكي ذلك عن الحسن بن صالح، والعنبري، وابن أبي ليلى، ~~وإسحاق، وأبي ثور، وأجازه مالك فيما زاد على الثلاث بقدر الحاجة، مثل قرية ~~لا يصل إليها في أقل من أربعة أيام؛ لأن الخيار لحاجته، فيقدر بها. # وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يجوز أكثر من ثلاث؛ لما روي عن عمر - رضي ~~الله عنه - أنه قال: ما أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لحبان، جعل له الخيار ثلاثة أيام، إن رضي أخذ، وإن سخط ترك. ولأن ~~الخيار ينافي مقتضى البيع؛ لأنه يمنع الملك واللزوم وإطلاق التصرف، وإنما ~~جاز لموضع الحاجة، فجاز القليل منه، وآخر حد القلة ثلاث، قال الله ms1762 تعالى: ~~{فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} [هود: 65] بعد قوله: {فيأخذكم عذاب ~~قريب} [هود: 64] . # ولنا، أنه حق يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى مشترطه، كالأجل، أو نقول: ~~مدة ملحقة بالعقد، فكانت إلى تقدير المتعاقدين كالأجل. ولا يثبت عندنا ما ~~روي عن عمر - رضي الله عنه - وقد روي عن أنس خلافه. وتقدير مالك بالحاجة لا ~~يصح؛ فإن الحاجة لا يمكن ربط الحكم بها، لخفائها واختلافها، وإنما يربط ~~بمظنتها، وهو الإقدام، فإنه يصلح أن يكون ضابطا، وربط الحكم به فيما دون ~~الثلاث وفي السلم والأجل. وقول الآخرين: إنه ينافي مقتضى البيع. لا يصح؛ ~~فإن مقتضى البيع نقل الملك، والخيار لا ينافيه، وإن سلمنا ذلك، لكن متى ~~خولف الأصل لمعنى في محل وجب تعدية الحكم؛ لتعدي ذلك المعنى. ### | [فصل يجوز شرط الخيار لكل واحد من المتعاقدين] # (2780) فصل: ويجوز شرط الخيار لكل واحد من المتعاقدين، ويجوز لأحدهما دون ~~الآخر، ويجوز أن يشرطا لأحدهما مدة وللآخر دونها؛ لأن ذلك حقهما، وإنما جوز ~~رفقا بهما، فكيفما تراضيا به جاز. # ولو اشترى شيئين وشرط الخيار في أحدهما بعينه دون الآخر، صح؛ لأن أكثر ما ~~فيه أنه جمع بين مبيع فيه الخيار، ومبيع لا خيار فيه، وذلك جائز، بالقياس ~~على شراء ما فيه شفعة، وما لا شفعة فيه، فإنه يصح، ويحصل كل واحد منهما ~~مبيعا بقسطه من الثمن. فإن فسخ البيع مما فيه الخيار، رجع بقسطه من الثمن، ~~كما لو وجد أحدهما معيبا فرده، وإن شرط الخيار في أحدهما لا بعينه، أو شرط ~~الخيار لأحد المتعاقدين لا بعينه، لم يصح؛ لأنه مجهول، فأشبه ما لو اشترى ~~واحدا من عبدين لا بعينه. ولأنه يفضي إلى التنازع، وربما طلب كل واحد من ~~المتعاقدين ضد ما يطلبه الآخر، ويدعي أنني المستحق للخيار، أو يطلب من له ~~الخيار رد أحد المبيعين، ويقول الآخر: ليس هذا الذي شرطت لك الخيار فيه. ~~ويحتمل أن لا يصح شرط الخيار في أحد المبيعين بعينه، كما لا يصح بيعه بقسطه ~~من الثمن، وهذا الفصل كله مذهب الشافعي. ms1763 # PageV03P499 ### | [فصل شرط الخيار لأجنبي] # (2781) فصل: وإن شرط الخيار لأجنبي، صح، وكان اشتراطا لنفسه، وتوكيلا ~~لغيره، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك. وللشافعي فيه قولان؛ أحدهما، لا يصح، ~~وكذلك قال القاضي: إذا أطلق الخيار لفلان، أو قال لفلان دوني. لم يصح؛ لأن ~~الخيار شرط لتحصيل الحظ لكل واحد من المتعاقدين بنظره، فلا يكون لمن لا حظ ~~له فيه. # وإن جعل الأجنبي وكيلا، صح. ولنا، أن الخيار يعتمد شرطهما، ويفوض إليهما، ~~وقد أمكن تصحيح شرطهما، وتنفيذ تصرفهما على الوجه الذي ذكرناه، فلا يجوز ~~إلغاؤه مع إمكان تصحيحه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون على ~~شروطهم» . فعلى هذا، يكون لكل واحد من المشترط ووكيله الذي شرط الخيار له ~~الفسخ. # ولو كان المبيع عبدا، فشرط الخيار له، صح، سواء شرطه له البائع، أو ~~المشتري؛ لأنه بمنزلة الأجنبي. وإن كان العاقد وكيلا، فشرط الخيار لنفسه، ~~صح، فإن النظر في تحصيل الحظ مفوض إليه. وإن شرطه للمالك، صح؛ لأنه هو ~~المالك، والحظ له. وإن شرطه لأجنبي، لم يصح؛ لأنه ليس له أن يوكل غيره، ~~ويحتمل الجواز، بناء على الرواية التي تقول: للوكيل التوكيل. ### | [فصل قال بعتك على أن أستأمر فلانا] # (2782) فصل: ولو قال: بعتك على أن أستأمر فلانا. وحدد ذلك بوقت معلوم، ~~فهو خيار، صحيح، وله الفسخ قبل أن يستأمره؛ لأنا جعلنا ذلك كناية على ~~الخيار، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. وإن لم يضبطه بمدة معلومة، فهو خيار ~~مجهول، حكمه حكمه. ### | [فصل شرط الخيار يوما أو ساعات معلومة] # (2783) فصل: وإن شرط الخيار يوما أو ساعات معلومة، اعتبر ابتداء مدة ~~الخيار من حين العقد في أحد الوجهين. والآخر، من حين التفرق؛ لأن الخيار ~~ثابت في المجلس حكما، فلا حاجة إلى إثباته بالشرط. ولأن حالة المجلس كحالة ~~العقد، لأن لهما فيه الزيادة والنقصان، فكان كحالة العقد في ابتداء مدة ~~الخيار بعد انقضائه. والأول أصح؛ لأنها مدة ملحقة بالعقد، فكان ابتداؤها ~~منه، كالأجل. # ولأن الاشتراط سبب ثبوت الخيار، فيجب أن يتعقبه حكمه، كالملك في البيع. ~~ولأننا لو جعلنا ابتداءه ms1764 من حين التفرق، أدى إلى جهالته؛ لأننا لا نعلم متى ~~يتفرقان، فلا نعلم متى ابتداؤه، ولا متى انتهاؤه. ولا يمنع ثبوت الحكم ~~بسببين، كتحريم الوطء بالصيام والإحرام والظهار، وعلى هذا، لو شرطا ابتداءه ~~من حين التفرق، لم يصح لذلك، إلا # PageV03P500 # على الرواية التي تقول بصحة الخيار المجهول. # وإن قلنا: ابتداؤه من حين التفرق. فشرطا ثبوته من حين العقد، صح؛ لأنه ~~معلوم الابتداء والانتهاء. ويحتمل أن لا يصح؛ لأن الخيار في المجلس يغني عن ~~خيار آخر، فيمنع ثبوته، والأول أولى. ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كما ~~ذكرنا. ### | [فصل شرطا الخيار إلى الليل أو الغد] # (2784) فصل: وإن شرطا الخيار إلى الليل أو الغد، لم يدخل الليل والغد في ~~مدة الخيار. وهذا مذهب الشافعي ويتخرج أن يدخل، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن " ~~إلى " تستعمل بمعنى " مع "، كقوله تعالى {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: ~~6] ، {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2] ، والخيار ثابت بيقين، ~~فلا نزيله بالشك. # ولنا، أن موضوع " إلى " لانتهاء الغاية، فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها، ~~كقوله سبحانه: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] . وكالأجل. ولو ~~قال: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث. أو: له علي من درهم إلى عشرة. لم يدخل ~~الدرهم العاشر، والطلقة الثالثة، وليس هاهنا شك؛ فإن الأصل حمل اللفظ على ~~موضوعه، فكأن الواضع قال: متى سمعتم هذه اللفظة، فافهموا منها انتهاء ~~الغاية. # وفي المواضع التي استشهدوا بها، حملت على معنى " مع " بدليل، أو لتعذر ~~حملها على موضوعها، كما تصرف سائر حروف الصلات عن موضوعها لدليل، والأصل ~~حملها على موضوعها. ولأن الأصل لزوم العقد، وإنما خولف فيما اقتضاه الشرط، ~~فيثبت ما يتيقن منه، وما شككنا فيه رددناه إلى الأصل. ### | [فصل شرط الخيار إلى طلوع الشمس أو إلى غروبها] # (2785) فصل: وإن شرط الخيار إلى طلوع الشمس، أو إلى غروبها، صح. وقال بعض ~~أهل العلم: لا يصح توقيته بطلوعها؛ لأنها قد تتغيم، فلا يعلم وقت طلوعها. ~~ولنا، أنه تعليق للخيار بأمر ظاهر معلوم، فصح، كتعليقه بغروبها. وطلوع ~~الشمس، بروزها من الأفق، ms1765 كما أن غروبها سقوط القرص. ولذلك لو علق طلاق ~~امرأته، أو عتق عبده، بطلوع الشمس، وقع ببروزها من الأفق. وإن عرض غيم يمنع ~~المعرفة بطلوعها، فالخيار ثابت حتى يتيقن طلوعها، كما لو علقه بغروبها، ~~فمنع الغيم المعرفة بوقته. # ولو جعل الخيار إلى طلوع الشمس من تحت السحاب، أو إلى غيبتها تحته، كان ~~خيارا مجهولا، لا يصح في الصحيح من المذهب. ### | [فصل شرطا الخيار أبدا أو متى شئنا] # (2786) فصل: وإذا شرطا الخيار أبدا، أو متى شئنا، أو قال أحدهما: ولي ~~الخيار. ولم يذكر مدته، أو شرطاه إلى مدة مجهولة، كقدوم زيد، أو هبوب ريح، ~~أو نزول مطر، أو مشاورة إنسان، ونحو ذلك، لم # PageV03P501 # يصح في الصحيح من المذهب. وهذا اختيار القاضي، وابن عقيل، ومذهب الشافعي. # وعن أحمد، أنه يصح، وهما على خيارهما أبدا، أو يقطعاه، أو تنتهي مدته إن ~~كان مشروطا إلى مدة. وهو قول ابن شبرمة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «المسلمون على شروطهم» . وقال مالك يصح، وتضرب لهما مدة يختبر المبيع في ~~مثلها في العادة؛ لأن ذلك مقدر في العادة، فإذا أطلقا، حمل عليه. # وقال أبو حنيفة: إن أسقطا الشرط قبل مضي الثلاث، أو حذفا الزائد عليها ~~وبينا مدته، صح لأنهما حذفا المفسد قبل اتصاله بالعقد، فوجب أن يصح، كما لو ~~لم يشرطاه. ولنا، أنها مدة ملحقة بالعقد، فلا تجوز مع الجهالة، كالأجل. ~~ولأن اشتراط الخيار أبدا يقتضي المنع من التصرف على الأبد، وذلك ينافي ~~مقتضى العقد، فلم يصح، كما لو قال: بعتك بشرط أن لا تتصرف. وقول مالك: إنه ~~يرد إلى العادة. لا يصح، فإنه لا عادة في الخيار يرجع إليها. واشتراطه مع ~~الجهالة نادر. # وقول أبي حنيفة لا يصح، فإن المفسد هو الشرط، وهو مقترن بالعقد. ولأن ~~العقد لا يخلو من أن يكون صحيحا، أو فاسدا، فإن كان صحيحا مع الشرط، لم ~~يفسد بوجود ما شرطاه فيه، وإن كان فاسدا، لم ينقلب صحيحا، كما لو باع درهما ~~بدرهمين، ثم حذف أحدهما. وعلى قولنا: الشرط فاسد. هل ms1766 يفسد به البيع؟ على ~~روايتين: إحداهما، يفسد، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه عقد قارنه شرط فاسد، ~~فأفسده، كنكاح الشغار، والمحلل. ولأن البائع إنما رضي ببذله بهذا الثمن، مع ~~الخيار في استرجاعه، والمشتري إنما رضي ببذل هذا الثمن فيه، مع الخيار في ~~فسخه، فلو صححناه لأزلنا ملك كل واحد منهما عنه بغير رضاه، وألزمناه ما لم ~~يرض به. # ولأن الشرط يأخذ قسطا من الثمن، فإذا حذفناه وجب رد ما سقط من الثمن من ~~أجله، وذلك مجهول، فيكون الثمن مجهولا، فيفسد العقد. والثانية، لا يفسد ~~العقد به، وهو قول ابن أبي ليلى؛ لحديث بريرة. ولأن العقد قد تم بأركانه، ~~والشرط زائد، فإذا فسد وزال، سقط الفاسد، وبقي العقد بركنيه، كما لو لم ~~يشترط. ### | [فصل شرط الخيار إلى الحصاد أو الجذاذ] # (2787) فصل: وإن شرطه إلى الحصاد، أو الجذاذ، احتمل أن يكون كتعليقه على ~~قدوم زيد؛ لأن ذلك يختلف، ويتقدم، ويتأخر، فكان مجهولا. واحتمل أن يصح؛ لأن ~~ذلك يتقارب في العادة، ولا يكثر تفاوته. # وإن شرطه إلى العطاء، وأراد وقت العطاء، وكان معلوما، صح، كما لو شرطه ~~إلى يوم معلوم. وإن أراد نفس العطاء، فهو مجهول؛ لأنه يختلف. ### | [فصل شرط الخيار شهرا] # (2788) فصل: وإن شرط الخيار شهرا، يوم يثبت، ويوم لا يثبت. فقال ابن ~~عقيل: يصح في اليوم الأول؛ لإمكانه، # PageV03P502 # ويبطل فيما بعده؛ لأنه إذا لزم في اليوم الثاني لم يعد إلى الجواز. ~~ويحتمل بطلان الشرط كله؛ لأنه شرط واحد، تناول الخيار في أيام، فإذا فسد في ~~بعضه، فسد جميعه، كما لو شرط إلى الحصاد. ### | [فصل يجوز لمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه ولا رضاه] # (2789) فصل: ويجوز لمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه ولا رضاه. ~~وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، وزفر. وقال أبو حنيفة: ليس له الفسخ ~~إلا بحضرة صاحبه؛ لأن العقد تعلق به حق كل واحد من المتعاقدين، فلم يملك ~~أحدهما فسخه بغير حضور صاحبه، كالوديعة. # ولنا، أنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلم يفتقر إلى حضوره، ms1767 ~~كالطلاق. وما قالوه ينتقض بالطلاق، الوديعة لا حق للمودع فيها، ويصح فسخها ~~مع غيبته. ### | [فصل انقضت مدة الخيار ولم يفسخ أحدهما] # (2790) فصل: وإذا انقضت مدة الخيار، ولم يفسخ أحدهما، بطل الخيار، ولزم ~~العقد. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي. وقال القاضي: لا يلزم بمضي المدة. ~~وهو قول مالك؛ لأن مدة الخيار ضربت لحق له، لا لحق عليه، فلم يلزم الحكم ~~بنفس مرور الزمان، كمضي الأجل في حق المولي. # ولنا، أنها مدة ملحقة بالعقد، فبطلت بانقضائها كالأجل. ولأن الحكم ~~ببقائها يفضي إلى بقاء الخيار في غير المدة التي شرطاه فيها. والشرط سبب ~~الخيار، فلا يجوز أن يثبت به ما لم يتناوله، ولأنه حكم مؤقت، ففات بفوات ~~وقته، كسائر المؤقتات، ولأن البيع يقتضي اللزوم، وإنما تخلف موجبه بالشرط، ~~ففيما لم يتناوله الشرط يجب أن يثبت موجبه؛ لزوال المعارض، كما لو أمضوه. # وأما المولي، فإن المدة إنما ضربت لاستحقاق المطالبة، وهي تستحق بمضي ~~المدة. والحكم في هذه المسألة ظاهر. ### | [فصل قال أحد المتعاقدين عند العقد لا خلابة] # (2791) فصل: فإن قال أحد المتعاقدين عند العقد: لا خلابة فقال أحمد: أرى ~~ذلك جائزا، وله الخيار إن كان خلبه، وإن لم يكن خلبه فليس له خيار. وذلك ~~«لأن رجلا ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يخدع في البيوع، فقال: إذا ~~بايعت فقل لا خلابة» . متفق عليه. ولمسلم: «من بايعت فقل لا خلابة» . «فكان ~~إذا بايع يقول: لا خلابة» . ويحتمل أن لا يكون له الخيار. # ويكون هذا الخبر خاصا لحبان؛ لأنه روي أنه عاش إلى زمن عثمان - رضي الله ~~عنه - فكان يبايع الناس، ثم يخاصمهم، فيمر بهم بعض الصحابة، فيقول لمن ~~يخاصمه: ويحك، إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل له الخيار ثلاثا. وهذا ~~يدل على اختصاصه بهذا؛ لأنه لو كان للناس عامة لقال لمن يخاصمه: إن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV03P503 # جعل الخيار لمن قال: لا خلابة. وقال بعض أصحاب الشافعي: إن كانا عالمين ~~أن ذلك عبارة عن خيار الثلاث، ثبت، وإن علم أحدهما دون الآخر، ms1768 فعلى وجهين؛ ~~لأنه روي أن حبان بن منقذ بن عمرو، كان لا يزال يغبن، فأتى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فقال له: «إذا أنت بايعت فقل: لا خلابة، ثم ~~أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال، فإن رضيت أمسكت، وإن سخطت ~~فارددها على صاحبها» . # وما ثبت في حق واحد من الصحابة يثبت في حق سائر الناس، ما لم يقم على ~~تخصيصه دليل. ولنا، أن هذا اللفظ لا يقتضي الخيار مطلقا، ولا يقتضي تقييده ~~بثلاث، والأصل اعتبار اللفظ فيما يقتضيه، والخبر على الوجه الذي احتجوا به ~~إنما رواه ابن ماجه مرسلا، وهم لا يرون المرسل حجة، ثم لم يقولوا بالحديث ~~على وجهه، إنما قالوا به في حق من يعلم أن مقتضاه ثبوت الخيار ثلاثا، ولا ~~يعلم ذلك أحد؛ لأن اللفظ لا يقتضيه، فكيف يعلم أن مقتضاه ما ليس بمقتضاه، ~~وعلى أنه إنما كان خاصا لحبان؛ بدليل ما رويناه، ولأنه كان يثبت له الرد ~~على من لم يعلم مقتضاه. ### | [فصل شرط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض] # (2792) فصل: إذا شرط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض، ليأخذ غلة المبيع ~~ونفعه في مدة انتفاع المقترض بالثمن، ثم يرد المبيع بالخيار عند رد الثمن، ~~فلا خير فيه؛ لأنه من الحيل. ولا يحل لآخذ الثمن الانتفاع به في مدة ~~الخيار، ولا التصرف فيه. # قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يشتري من الرجل الشيء، ~~ويقول: لك الخيار إلى كذا وكذا مثل العقار؟ قال: هو جائز إذا لم يكن حيلة؛ ~~أراد أن يقرضه، فيأخذ منه العقار، فيستغله، ويجعل له فيه الخيار، ليربح ~~فيما أقرضه بهذه الحيلة. فإن لم يكن أراد هذا، فلا بأس. # قيل لأبي عبد الله: فإن أراد إرفاقه، أراد أن يقرضه مالا يخاف أن يذهب، ~~فاشترى منه شيئا، وجعل له الخيار، ولم يرد الحيلة؟ فقال أبو عبد الله: هذا ~~جائز، إلا أنه إذا مات انقطع الخيار، لم يكن لورثته. وقول أحمد بالجواز في ~~هذه المسألة محمول على المبيع الذي لا ms1769 ينتفع به إلا بإتلافه، أو على أن ~~المشتري لا ينتفع بالمبيع في مدة الخيار؛ لئلا يفضي إلى أن القرض جر منفعة. ### | [فصل قال بعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث أو مدة معلومة وإلا فلا بيع بيننا] # (2793) فصل: فإن قال: بعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث، أو مدة معلومة، ~~وإلا فلا بيع بيننا. فالبيع صحيح. نص عليه. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ~~وإسحاق، ومحمد بن الحسن. وبه قال أبو ثور، إذا كان الشرط إلى ثلاث. وحكي ~~مثل قوله عن ابن عمر. # وقال مالك: يجوز في اليومين والثلاثة ونحوها، وإن كان عشرين ليلة فسخ ~~البيع. وقال الشافعي، وزفر: البيع فاسد؛ لأنه علق فسخ البيع على غرر، فلم ~~يصح، كما لو علقه بقدوم زيد. # PageV03P504 # ولنا، أن هذا يروى عن عمر - رضي الله عنه - ولأنه علق رفع العقد بأمر ~~يحدث في مدة الخيار، فجاز، كما لو شرط الخيار، ولأنه نوع بيع، فجاز أن ~~ينفسخ بتأخير القبض، كالصرف، ولأن هذا بمعنى شرط الخيار؛ لأنه كما يحتاج ~~إلى التروي في البيع، هل يوافقه أو لا؟ يحتاج إلى التروي في الثمن، هل يصير ~~منقودا أو لا؟ فهما سيان في المعنى، متغايران في الصورة، إلا أنه في الخيار ~~يحتاج إلى الفسخ، وها هنا ينفسخ إذا لم ينقد؛ لأنه جعله كذلك. ### | [فصل أنواع العقود التي يدخل فيها الخيار] # (2794) فصل: والعقود على أربعة أضرب: أحدها، عقد لازم، يقصد منه العوض، ~~وهو البيع وما في معناه، وهو نوعان؛ أحدهما، يثبت فيه الخياران: خيار ~~المجلس، وخيار الشرط، وهو البيع فيما لا يشترط فيه القبض في المجلس، والصلح ~~بمعنى البيع، والهبة بعوض على إحدى الروايتين، والإجارة في الذمة، نحو أن ~~يقول أستأجرتك لتخيط لي هذا الثوب ونحوه، فهذا يثبت فيه الخيار، لأن الخيار ~~ورد في البيع، وهذا في معناه. فأما الإجارة المعينة، فإن كانت مدتها من حين ~~العقد، دخلها خيار المجلس دون خيار الشرط؛ لأن دخوله يفضي إلى فوت بعض ~~المنافع المعقود عليها، أو إلى استيفائها في مدة الخيار، وكلاهما لا ms1770 يجوز. # وهذا مذهب الشافعي. وذكره القاضي مرة مثل هذا، ومرة قال: يثبت فيها ~~الخياران قياسا على البيع. وقد ذكرنا ما يقتضي الفرق بينهما. # وأما الشفعة، فلا خيار فيها؛ لأن المشتري يؤخذ منه المبيع قهرا، والشفيع ~~يستقل بانتزاع المبيع من غير رضا صاحبه، فأشبه فسخ البيع بالرد بالعيب، ~~ونحوه. ويحتمل أن يثبت للشفيع خيار المجلس؛ لأنه قبل المبيع بثمنه، فأشبه ~~المشتري. النوع الثاني، ما يشترط فيه القبض في المجلس، كالصرف، والسلم، ~~وبيع مال الربا بجنسه، فلا يدخله خيار الشرط، رواية واحدة؛ لأن موضوعها على ~~أن لا يبقى بينها علقة بعد التفرق، بدليل اشتراط القبض، وثبوت الخيار يبقي ~~بينهما علقة، ويثبت فيها خيار المجلس في الصحيح من المذهب؛ لعموم الخبر، ~~ولأن موضوعه للنظر في الحظ في المعاوضة، وهو موجود فيها. # وعنه لا يثبت فيها الخيار إلحاقا بخيار الشرط. الضرب الثاني، لازم، لا ~~يقصد به العوض، كالنكاح والخلع. فلا يثبت فيهما خيار؛ لأن الخيار إنما يثبت ~~لمعرفة الحظ في كون العوض جائزا، لما يذهب من ماله. والعوض هاهنا ليس هو ~~المقصود، وكذلك الوقف والهبة، ولأن في ثبوت الخيار في النكاح ضررا ذكرناه ~~قبل هذا. # الضرب الثالث، لازم من أحد طرفيه دون الآخر، كالرهن، لازم في حق الراهن، ~~جائز في حق المرتهن، فلا يثبت فيه خيار؛ لأن المرتهن يستغني بالجواز في حقه ~~عن ثبوت خيار آخر، والراهن يستغني # PageV03P505 # بثبوت الخيار له إلى أن يقبض، وكذلك الضامن والكفيل، لا خيار لهما؛ ~~لأنهما دخلا متطوعين راضيين بالغبن، وكذلك المكاتب. الضرب الرابع، عقد جائز ~~من الطرفين، كالشركة، والمضاربة، والجعالة، والوكالة، الوديعة، والوصية، ~~فهذه لا يثبت فيها خيار، استغناء بجوازها، والتمكن من فسخها بأصل وضعها. ~~الضرب الخامس، وهو متردد بين الجواز واللزوم، كالمساقاة، والمزارعة، ~~والظاهر أنهما جائزان، فلا يدخلهما خيار. # وقد قيل: هما لازمان، ففي ثبوت الخيار فيهما وجهان، والسبق والرمي، ~~والظاهر أنهما جعالة، فلا يثبت فيهما خيار. وقيل: هما إجارة، وقد مضى ~~ذكرها. الضرب السادس، لازم يستقل به أحد المتعاقدين، كالحوالة، والأخذ ~~بالشفعة، فلا خيار فيهما؛ لأن ms1771 من لا يعتبر رضاه لا خيار له. وإذا لم يثبت ~~في أحد طرفيه لم يثبت في الآخر، كسائر العقود. ويحتمل أن يثبت الخيار ~~للمحيل والشفيع؛ لأنها معاوضة يقصد فيها العوض، فأشبهت سائر البيع. # PageV03P506 ### | [باب الربا والصرف] # الربا في اللغة: هو الزيادة. قال الله تعالى: {فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت} [الحج: 5] . وقال: {أن تكون أمة هي أربى من أمة} [النحل: 92] . ~~أي أكثر عددا، يقال: أربى فلان على فلان، إذا زاد عليه. وهو في الشرع: ~~الزيادة في أشياء مخصوصة. # وهو محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى {وحرم ~~الربا} [البقرة: 275] . وما بعدها من الآيات. # وأما السنة، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اجتنبوا ~~السبع الموبقات. قيل: يا رسول الله ما هي؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم ~~الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» . وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه. متفق عليهما في أخبار ~~سوى هذين كثيرة، وأجمعت الأمة على أن الربا محرم. ### | [فصل الربا على ضربين] # (2795) فصل: والربا على ضربين: ربا الفضل، وربا النسيئة. وأجمع أهل العلم ~~على تحريمهما. وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة؛ فحكي عن ابن عباس، ~~وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير، أنهم قالوا: إنما الربا في ~~النسيئة. لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ربا إلا في النسيئة» . ~~رواه البخاري. والمشهور من ذلك قول ابن عباس، ثم إنه رجع إلى قول الجماعة، ~~روى ذلك الأثرم بإسناده، وقاله الترمذي، وابن المنذر، وغيرهم. وقال سعيد ~~بإسناده، عن أبي صالح، قال: صحبت ابن عباس حتى مات، فوالله ما رجع عن ~~الصرف. وعن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن ~~الصرف؟ فلم ير به بأسا، وكان يأمر به. والصحيح قول الجمهور؛ لحديث أبي سعيد ~~الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «، قال: لا تبيعوا الذهب ~~بالذهب إلا ms1772 مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق ~~إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائبا بناجز» . # PageV04P003 # وروى أبو سعيد أيضا، قال: «جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بتمر برني، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أين هذا يا بلال؟ . ~~قال: كان عندنا تمر رديء، فبعت صاعين بصاع، ليطعم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أوه، عين الربا، عين الربا، لا ~~تفعل، ولكن إن أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به» . متفق ~~عليهما، قال الترمذي على حديث أبي سعيد العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وغيرهم. # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ربا إلا في النسيئة» محمول على ~~الجنسين. ### | [مسألة ما لا يجوز التفاضل فيه من الأشياء] # (2796) مسألة؛ قال أبو القاسم، - رحمه الله -: (وكل ما كيل أو وزن من ~~سائر الأشياء، فلا يجوز التفاضل فيه إذا كان جنسا واحدا) قوله: " من سائر ~~الأشياء ". يعني من جميعها. وضع سائر موضع جميع تجوزا، وموضوعها الأصلي ~~لباقي الشيء، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الربا أحاديث ~~كثيرة، ومن أتمها ما روى عبادة بن الصامت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر ~~مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير ~~بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف ~~شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر ~~كيف شئتم يدا بيد» . رواه مسلم. فهذه الأعيان المنصوص عليها يثبت الربا ~~فيها بالنص والإجماع. # واختلف أهل العلم فيما سواها، فحكي عن طاوس وقتادة أنهما قصرا الربا ~~عليها، وقالا: لا يجري في غيرها. وبه قال داود ونفاة القياس، وقالوا: ما ~~عداها على أصل الإباحة؛ لقول الله تعالى {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] . ~~واتفق القائلون بالقياس على أن ثبوت ms1773 الربا فيها بعلة، وأنه يثبت في كل ما ~~وجدت فيه علتها؛ لأن القياس دليل شرعي، فيجب استخراج علة هذا الحكم، ~~وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه. # وقول الله تعالى: {وحرم الربا} [البقرة: 275] . يقتضي تحريم كل زيادة، إذ ~~الربا في اللغة الزيادة، إلا ما أجمعنا على تخصيصه. وهذا يعارض ما ذكروه. ~~ثم اتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد، إلا سعيد ~~بن جبير، فإنه قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما ~~بالآخر متفاضلا، كالحنطة بالشعير، والتمر بالزبيب، # PageV04P004 # والذرة بالدخن؛ لأنهما يتقارب نفعهما، فجريا مجرى نوعي جنس واحد. # وهذا يخالف قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بيعوا الذهب بالفضة كيف ~~شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم» . فلا يعول عليه. ثم يبطل ~~بالذهب بالفضة، فإنه يجوز التفاضل فيهما مع تقاربهما. واتفق المعللون على ~~أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة ~~كل واحد منهما؛ فروي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات، أشهرهن أن علة الربا في ~~الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس. نقلها عن ~~أحمد الجماعة، وذكرها الخرقي، وابن أبي موسى، وأكثر الأصحاب. وهو قول ~~النخعي، والزهري، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل، أو موزون بجنسه، مطعوما كان أو ~~غير مطعوم، كالحبوب، والأشنان، والنورة، والقطن، والصوف، والكتان، والورس، ~~والحناء، والعصفر، والحديد، والنحاس، ونحو ذلك. ولا يجري في مطعوم لا يكال ~~ولا يوزن؛ لما روى ابن عمر قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، ~~فإني أخاف عليكم الرماء. وهو الربا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، ~~أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس إذا كان ~~يدا بيد» . رواه الإمام أحمد في المسند، عن ابن حبان، عن أبيه، عن ابن عمر. ~~وعن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما وزن مثلا ms1774 بمثل إذا كان ~~نوعا واحدا، وما كيل مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا.» رواه الدارقطني، ورواه ~~عن ابن صاعد، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن ~~أبي بكر بن عياش، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن عبادة، وأنس، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وقال: لم يروه عن أبي بكر هكذا غير محمد بن أحمد بن ~~أيوب، وخالفه غيره فرواه بلفظ آخر. وعن عمار أنه قال: «العبد خير من ~~العبدين، والثوب خير من الثوبين. فما كان يدا بيد فلا بأس به، إنما الربا ~~في النساء، إلا ما كيل أو وزن.» ولأن قضية البيع المساواة، والمؤثر في ~~تحقيقها الكيل، والوزن، والجنس، فإن الوزن أو الكيل يسوي بينهما صورة، ~~والجنس يسوي بينهما معنى، فكانا علة، ووجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون ~~الزيادة في الطعم؛ بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساويا في ~~الكيل. والرواية الثانية، أن العلة في الأثمان الثمنية، وفيما عداها كونه ~~مطعوم جنس، فيختص بالمطعومات، ويخرج منه ما عداها، قال أبو بكر: روى ذلك عن ~~أحمد جماعة، ونحو هذا قال الشافعي، فإنه قال: العلة الطعم، والجنس شرط. # والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالبا، فيختص بالذهب والفضة؛ لما ~~روى معمر بن عبد الله، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام ~~بالطعام إلا مثلا بمثل» . # PageV04P005 # رواه مسلم. ولأن الطعم وصف شرف، إذ به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف، ~~إذ بها قوام الأموال، فيقتضي التعليل بهما، ولأنه لو كانت العلة في الأثمان ~~الوزن لم يجز إسلامهما في الموزونات؛ لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في ~~تحريم النساء. والرواية الثالثة؛ العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم ~~جنس مكيلا أو موزونا، فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن، كالتفاح ~~والرمان، والخوخ، والبطيخ، والكمثرى، والأترج، والسفرجل، والإجاص، والخيار، ~~والجوز، والبيض، ولا فيما ليس بمطعوم، كالزعفران، والأشنان، والحديد، ~~والرصاص، ونحوه. # ويروى ذلك عن سعيد بن المسيب، وهو قديم قولي الشافعي؛ ms1775 لما روي عن سعيد بن ~~المسيب، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ربا إلا فيما ~~كيل أو وزن، مما يؤكل أو يشرب» . أخرجه الدارقطني، وقال: الصحيح أنه من قول ~~سعيد، ومن رفعه فقد وهم. ولأن لكل واحد من هذه الأوصاف أثرا، والحكم مقرون ~~بجميعها في المنصوص عليه، فلا يجوز حذفه. ولأن الكيل والوزن والجنس لا ~~يقتضي وجوب المماثلة، وإنما أثره في تحقيقها في العلة ما يقتضي ثبوت الحكم ~~لا ما تحقق شرطه، والطعم بمجرده لا تتحقق المماثلة به؛ لعدم المعيار الشرعي ~~فيه. # وإنما تجب المماثلة في المعيار الشرعي وهو الكيل، والوزن، ولهذا وجبت ~~المساواة في المكيل كيلا، وفي الموزون وزنا، فوجب أن يكون الطعم معتبرا في ~~المكيل والموزون، دون غيرهما. والأحاديث الواردة في هذا الباب يجب الجمع ~~بينها، وتقييد كل واحد منها بالآخر، فنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~بيع الطعام إلا مثلا بمثل يتقيد بما فيه معيار شرعي، وهو الكيل والوزن، ~~ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه. # وقال مالك: العلة القوت، أو: ما يصلح به القوت من جنس واحد من المدخرات. ~~وقال ربيعة: يجري الربا فيما تجب فيه الزكاة دون غيره. وقال ابن سيرين: ~~الجنس الواحد علة. # وهذا القول لا يصح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيع الفرس ~~بالأفراس، والنجيبة بالإبل: «لا بأس به إذا كان يدا بيد» . وروي «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ابتاع عبدا بعبدين» . رواه أبو داود، والترمذي، ~~وقال: هو حديث حسن صحيح. # وقول مالك ينتقض بالحطب والإدام يستصلح به القوت ولا ربا فيه عنده، ~~وتعليل ربيعة ينعكس بالملح، والعكس لازم عند اتحاد العلة. والحاصل أن ما ~~اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم، من جنس واحد، ففيه الربا رواية واحدة، # PageV04P006 # كالأرز، والدخن، والذرة، والقطنيات، والدهن، والخل، واللبن، واللحم، ~~ونحوه. # وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: هذا قول علماء الأمصار في ~~القديم والحديث، سوى قتادة، فإنه بلغني أنه شذ عن جماعة الناس، فقصر ms1776 تحريم ~~التفاضل على الستة الأشياء. # وما انعدم فيه الكيل، والوزن، والطعم، واختلف جنسه، فلا ربا فيه، رواية ~~واحدة. وهو قول أكثر أهل العلم، كالتين، والنوى، والقت، والماء، والطين ~~الأرمني، فإنه يؤكل دواء، فيكون موزونا مأكولا، فهو إذا من القسم الأول، ~~وما عداه إنما يؤكل سفها، فجرى مجرى الرمل والحصى. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعائشة: «لا تأكلي ~~الطين، فإنه يصفر اللون» . وما وجد فيه الطعم وحده، أو الكيل أو الوزن، من ~~جنس واحد، ففيه روايتان، واختلف أهل العلم فيه، والأولى إن شاء الله تعالى ~~حله؛ إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به، ولا معنى يقوي التمسك به، وهي مع ~~ضعفها يعارض بعضها بعضا، فوجب اطراحها، أو الجمع بينها، والرجوع إلى أصل ~~الحل الذي يقتضيه الكتاب، والسنة، والاعتبار. # ولا فرق في المطعومات بين ما يؤكل قوتا، كالأرز، والذرة، والدخن، أو أدما ~~كالقطنيات، واللبن، واللحم، أو تفكها كالثمار، أو تداويا كالإهليلج، ~~والسقمونيا، فإن الكل في باب الربا واحد. ### | [فصل ما جرى الربا في كثيره جرى في قليله] # (2797) فصل، وقوله: ما كيل، أو وزن. أي: ما كان جنسه مكيلا، أو موزونا، ~~وإن لم يتأت فيه كيل، ولا وزن، إما لقلته كالحبة والحبتين، والحفنة ~~والحفنتين، وما دون الأرزة من الذهب والفضة، أو لكثرته كالزبرة العظيمة، ~~فإنه لا يجوز بيع بعضه ببعض، إلا مثلا بمثل، ويحرم التفاضل فيه. وبهذا قال ~~الثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. # ورخص أبو حنيفة في بيع الحفنة بالحفنتين، والحبة بالحبتين، وسائر المكيل ~~الذي لا يتأتى كيله، ووافق في الموزون، واحتج بأن العلة الكيل، ولم يوجد في ~~اليسير. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «التمر بالتمر مثلا بمثل، والبر ~~بالبر مثلا بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى» . ولأن ما جرى الربا في كثيره ~~جرى في قليله، كالموزون. (2798) فصل: ولا يجوز بيع تمرة بتمرة، ولا حفنة ~~بحفنة. # وهذا قول الثوري، ولا أعلمه منصوصا عليه، ولكنه قياس قولهم؛ لأن ما أصله ~~الكيل لا تجري المماثلة في غيره ms1777 (2799) فصل: فأما ما لا وزن للصناعة فيه، ~~كمعمول الحديد، والرصاص، والنحاس، والقطن، والكتان، # PageV04P007 # والصوف، والإبريسم، فالمنصوص عن أحمد في الثياب والأكسية أنه لا يجري ~~فيها الربا، فإنه قال: لا بأس بالثوب بالثوبين، والكساء بالكساءين. # وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال: لا يباع الفلس بالفلسين، ولا السكين ~~بالسكينين، ولا إبرة بإبرتين، أصله الوزن. ونقل القاضي حكم إحدى المسألتين ~~إلى الأخرى، فجعل فيهما جميعا روايتين؛ إحداهما، لا يجري في الجميع. وهو ~~قول الثوري، وأبي حنيفة، وأكثر أهل العلم؛ لأنه ليس بموزون ولا مكيل، وهذا ~~هو الصحيح. إذ لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة، وعدم النص والإجماع ~~فيه. والثانية، يجري الربا في الجميع. اختارها ابن عقيل؛ لأن أصله الوزن، ~~فلا يخرج بالصناعة عنه كالخبز، وذكر أن اختيار القاضي؛ أن ما كان يقصد وزنه ~~بعد عمله كالأسطال ففيه الربا، ومالا فلا. # (2800) فصل: ويجري الربا في لحم الطير، وعن أبي يوسف: لا يجري فيه؛ لأنه ~~يباع بغير وزن. ولنا، أنه لحم فجرى فيه الربا، كسائر اللحمان. وقوله: لا ~~يوزن. قلنا: هو من جنس ما يوزن، ويقصد ثقله، وتختلف قيمته بثقله وخفته، ~~فأشبه ما يباع من الخبز بالعدد. ### | [فصل جواز البيع مع التماثل وتحريمه مع التفاضل] # (2801) فصل: والجيد والرديء، والتبر والمضروب، والصحيح والمكسور، سواء في ~~جواز البيع مع التماثل، وتحريمه مع التفاضل. وهذا قول أكثر أهل العلم، ~~منهم؛ أبو حنيفة، والشافعي. وحكي عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه، ~~وأنكر أصحابه ذلك، ونفوه عنه. وحكى بعض أصحابنا عن أحمد رواية، لا يجوز بيع ~~الصحاح بالمكسرة. ولأن للصناعة قيمة؛ بدليل حالة الإتلاف، فيصير كأنه ضم ~~قيمة الصناعة إلى الذهب. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب ~~بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل» . وعن عبادة، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة ~~تبرها وعينها» رواه أبو داود. # وروى مسلم، عن أبي الأشعث، أن معاوية أمر ببيع آنية من فضة في أعطيات ~~الناس، فبلغ عبادة فقال: «إني سمعت ms1778 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى ~~عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح ~~بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى» . # وروى الأثرم، عن عطاء بن يسار، أن معاوية # PageV04P008 # باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: «سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل» . ثم قدم أبو ~~الدرداء على عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى ~~معاوية، لا تبع ذلك إلا مثلا بمثل، وزنا بوزن. ولأنهما تساويا في الوزن، ~~فلا يؤثر اختلافهما في القيمة، كالجيد والرديء. # فأما إن قال لصائغ: صغ لي خاتما وزنه درهم، وأعطيك مثل وزنه، وأجرتك ~~درهما. فليس ذلك ببيع درهم بدرهمين. وقال أصحابنا: للصائغ أخذ الدرهمين؛ ~~أحدهما في مقابلة الخاتم، والثاني أجرة له. ### | [كل ما حرم فيه التفاضل حرم فيه النساء] # (2802) فصل: وكل ما حرم فيه التفاضل حرم فيه النساء، بغير خلاف نعلمه. ~~ويحرم التفرق قبل القبض؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عينا بعين» . ~~وقوله: «يدا بيد» . ولأن تحريم النساء آكد، ولذلك جرى في الجنسين ~~المختلفين، فإذا حرم التفاضل، فالنساء أولى بالتحريم. ### | [مسألة التفاضل في الجنسين] # قال (2803) مسألة: (وما كان من جنسين فجائز التفاضل فيه يدا بيد، ولا ~~يجوز نسيئة) لا خلاف في جواز التفاضل في الجنسين نعلمه، إلا عن سعيد بن ~~جبير أنه قال: ما يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز التفاضل فيهما. # وهذا يرده قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بيعوا الذهب بالفضة كيف ~~شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر ~~كيف شئتم يدا بيد» . وفي لفظ: «إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا ~~كان يدا بيد» . رواه مسلم، وأبو داود. ولأنهما جنسان، فجاز التفاضل فيهما، ~~كما لو تباعدت منافعهما. ولا خلاف في إباحة التفاضل في الذهب بالفضة، مع ~~تقارب منافعهما. # فأما النساء؛ فكل جنسين يجري فيهما الربا بعلة واحدة، كالمكيل بالمكيل، ms1779 ~~والموزون بالموزون، والمطعوم بالمطعوم، عند من يعلل به، فإنه يحرم بيع ~~أحدهما بالأخر نساء، بغير خلاف نعلمه؛ وذلك لقوله - عليه السلام -: «فإذا ~~اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» . وفي لفظ: «لا بأس ببيع ~~الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يدا بيد، وأما نسيئة فلا، ولا بأس ببيع البر ~~بالشعير والشعير أكثرهما يدا بيد، وأما النسيئة فلا» . رواه أبو داود. # إلا أن يكون أحد العوضين ثمنا، والآخر مثمنا، فإنه يجوز النساء بينهما ~~بغير خلاف؛ لأن الشرع أرخص في السلم، والأصل في رأس المال الدراهم ~~والدنانير، فلو حرم النساء هاهنا لانسد باب السلم في الموزونات في الغالب. # فأما إن اختلفت علتهما كالمكيل بالموزون، مثل بيع اللحم بالبر، ففيهما ~~روايتان؛ إحداهما، يحرم النساء فيهما، وهو الذي ذكره الخرقي هاهنا؛ لأنهما ~~مالان من أموال الربا، فحرم النساء فيهما، كالمكيل بالمكيل. # PageV04P009 # والثانية، يجوز النساء فيهما. وهو قول النخعي؛ لأنهما لم يجتمعا في أحد ~~وصفي علة ربا الفضل، فجاز النساء فيهما، كالثياب بالحيوان. ### | [فصل بيع شيئا من مال الربا بغير جنسه] # (2804) فصل: وإذا باع شيئا من مال الربا بغير جنسه، وعلة ربا الفضل فيهما ~~واحدة، لم يجز التفرق قبل القبض، فإن فعلا بطل العقد، وبهذا قال الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: لا يشترط التقابض فيهما كغير أموال الربا، وكبيع ذلك بأحد ~~النقدين. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، ~~والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، ~~سواء بسواء، يدا بيد» . رواه مسلم. وقال - عليه السلام -: «فإذا اختلفت هذه ~~الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» . وروى مالك بن أوس بن الحدثان، أنه ~~التمس صرفا بمائة دينار. قال: فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف ~~مني، فأخذ الذهب يقلبها في يديه، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة. وعمر ~~يسمع ذلك، فقال: لا والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا ~~هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا ms1780 إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء ~~وهاء» متفق عليه. والمراد به القبض؛ بدليل أن المراد به ذلك في الذهب ~~والفضة؛ ولهذا فسره عمر به، ولأنهما مالان من أموال الربا علتهما واحدة، ~~فحرم التفرق فيهما قبل القبض كالذهب بالفضة. # فأما إن اختلفت علتهما، كالمكيل بالموزون عند من يعلل بهما، فقال أبو ~~الخطاب: يجوز التفرق فيهما قبل القبض رواية واحدة؛ لأن علتهما مختلفة، فجاز ~~التفرق قبل القبض، كالثمن بالمثمن. وبهذا قال الشافعي، إلا أنه لا يتصور ~~عنده ذلك إلا في بيع الأثمان بغيرها، ويحتمل كلام الخرقي وجوب التقابض على ~~كل حال؛ لقوله: «يدا بيد» . ### | [مسألة تحريم النساء في غير المكيل والموزون] # (2805) مسألة؛ قال: (وما كان مما لا يكال ولا يوزن فجائز التفاضل فيه يدا ~~بيد، ولا يجوز نسيئة) اختلفت الرواية في تحريم النساء في غير المكيل ~~والموزون، على أربع روايات؛ إحداهن، لا يحرم النساء في شيء من ذلك، سواء ~~بيع بجنسه أو بغيره، متساويا أو متفاضلا، إلا على قولنا: إن العلة الطعم. ~~فيحرم النساء في المطعوم، ولا يحرم في غيره. # وهذا مذهب الشافعي. واختار القاضي هذه الرواية؛ لما روى أبو داود، عن عبد ~~الله بن عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أمره أن يجهز # PageV04P010 # جيشا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير ~~بالبعيرين إلى إبل الصدقة» . رواه أبو داود " وروى سعيد في سننه، عن أبي ~~معشر، عن صالح بن كيسان، عن الحسن بن محمد: أن عليا باع بعيرا له يقال له: ~~عصيفير، بأربعة أبعرة إلى أجل. ولأنهما مالان لا يجري فيهما ربا الفضل، ~~فجاز النساء فيهما كالعرض بالدينار، ولأن النساء أحد نوعي الربا، فلم يجز ~~في الأنواع كلها، كالنوع الآخر. والرواية الثانية، يحرم النساء في كل مال ~~بيع بجنسه، كالحيوان بالحيوان، والثياب بالثياب، ولا يحرم في غير ذلك. # وهذا مذهب أبي حنيفة. وممن كره بيع الحيوان بالحيوان نساء ابن الحنفية، ~~وعبد الله بن عمير، وعطاء، وعكرمة بن خالد، وابن سيرين، والثوري. # وروي ذلك عن ms1781 عمار، وابن عمر؛ لما روى سمرة: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.» قال الترمذي: هذا حديث حسن ~~صحيح، ولأن الجنس أحد وصفي علة ربا الفضل، فحرم النساء، كالكيل والوزن. ~~والثالثة، لا يحرم النساء إلا فيما بيع بجنسه متفاضلا، فأما مع التماثل ~~فلا؛ لما روى جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحيوان اثنان ~~بواحد لا يصلح نساء، ولا بأس به يدا بيد» ، قال الترمذي: هذا حديث حسن. ~~وروى ابن عمر: «أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس ~~بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس إذا كان يدا بيد» . من المسند. # وهذا يدل على إباحة النساء مع التماثل بمفهومه. والرابعة، يحرم النساء في ~~كل مال بيع بمال آخر، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه. وهذا ظاهر كلام ~~الخرقي. ويحتمل أنه أراد الرواية الثالثة؛ لأنه بيع عرض بعرض، فحرم النساء ~~بينهما كالجنسين من أموال الربا، قال القاضي: فعلى هذا لو باع عرضا بعرض، ~~ومع أحدهما دراهم، العروض نقدا والدراهم نسيئة، جاز، وإن كانت الدراهم نقدا ~~والعروض نسيئة، لم يجز؛ لأنه يفضي إلى النسيئة في العروض. وهذه الرواية ~~ضعيفة جدا؛ لأنه إثبات حكم يخالف الأصل بغير نص ولا إجماع ولا قياس صحيح، ~~فإن في المحل المجمع عليه أو المنصوص عليه أوصافا لها أثر في تحريم الفضل، ~~فلا يجوز حذفها عن درجة الاعتبار، وما هذا سبيله لا يجوز إثبات الحكم فيه، ~~وإن لم يخالف أصلا، فكيف يثبت مع مخالفة الأصل في حل البيع، # PageV04P011 # وأصح الروايات هي الأولى؛ لموافقتها الأصل. # والأحاديث المخالفة لها، قال أبو عبد الله: ليس فيها حديث يعتمد عليه، ~~ويعجبني أن يتوقاه. وذكر له حديث ابن عباس وابن عمر في هذا، فقال: هما ~~مرسلان. وحديث سمرة يرويه الحسن عن سمرة، قال الأثرم، قال أبو عبد الله: لا ~~يصح سماع الحسن من سمرة. وحديث جابر، قال أبو عبد الله: هذا حجاج زاد فيه: ~~" نساء "، وليث بن سعد سمعه من أبي الزبير، ولا ms1782 يذكر فيه: " نساء "، وحجاج ~~هذا هو حجاج بن أرطاة، قال يعقوب بن شيبة: هو واهي الحديث، وهو صدوق. # وإن كان أحد المبيعين مما لا ربا فيه، والآخر فيه ربا كالمكيل بالمعدود، ~~ففيهما روايتان، إحداهما: يحرم النساء فيهما. والثانية: لا يحرم، كما لو ~~باع معدودا بمعدود من غير جنسه. ### | [مسألة لا يباع شيء من الرطب بيابس من جنسه إلا العرايا] # مسألة؛ قال: (ولا يباع شيء من الرطب بيابس من جنسه إلا العرايا) أراد ~~الرطب مما يجري فيه الربا، كالرطب بالتمر، والعنب بالزبيب، واللبن بالجبن، ~~والحنطة المبلولة أو الرطبة باليابسة، أو المقلية بالنيئة، ونحو ذلك. وبه ~~قال سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، والليث، ومالك، والشافعي، وإسحاق، ~~وأبو يوسف، ومحمد. # وقال ابن عبد البر: جمهور علماء المسلمين على أن بيع الرطب بالتمر لا ~~يجوز بحال من الأحوال، وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك؛ لأنه لا يخلو، إما أن ~~يكون من جنسه، فيجوز؛ لقوله - عليه السلام -: «التمر بالتمر مثلا بمثل» . ~~أو من غير جنسه، فيجوز؛ لقوله - عليه السلام -: «فإذا اختلفت هذه الأصناف ~~فبيعوا كيف شئتم» . ولنا، قوله - عليه السلام -: «لا تبيعوا التمر بالتمر» ~~. وفي لفظ، «نهى عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرية أن تباع بخرصها ~~يأكلها أهلها رطبا» . متفق عليه. # وعن سعد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «سئل عن بيع الرطب بالتمر ~~فقال: أينقص الرطب إذا يبس قالوا: نعم. فنهى عن ذلك.» . رواه مالك، وأبو ~~داود، والأثرم، وابن ماجه. ولفظ رواية الأثرم، قال: «فلا إذن» . # PageV04P012 # نهى وعلل بأنه ينقص إذا يبس. وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن المزابنة» . والمزابنة بيع الرطب ~~بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا؛ ولأنه جنس فيه الربا بيع بعضه ببعض ~~على وجه ينفرد أحدهما بالنقصان، فلم يجز، كبيع المقلية بالنيئة، ولا يلزم ~~الحديث بالعتيق؛ لأن التفاوت يسير. قال الخطابي: وقد تكلم بعض الناس في ~~إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في بيع الرطب بالتمر. # وقال: زيد أبو ms1783 عياش راويه ضعيف. وليس الأمر على ما توهمه، وأبو عياش مولى ~~بني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في " الموطأ "، وهو لا يروي عن متروك ~~الحديث. ### | [فصل بيع الرطب بالرطب والعنب بالعنب] # (2807) فصل: فأما بيع الرطب بالرطب، والعنب بالعنب ونحوه من الرطب بمثله، ~~فيجوز مع التماثل في قول أكثر أهل العلم، ومنع منه الشافعي فيما ييبس. أما ~~ما لا ييبس كالقثاء، والخيار، ونحوه، فعلى قولين؛ لأنه لا يعلم تساويهما ~~حالة الادخار، فأشبه الرطب بالتمر. # وذهب أبو حفص العكبري من أصحابنا إلى هذا، وحمل كلام الخرقي عليه؛ لقوله ~~في اللحم: لا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا، ويجوز إذا تناهى جفافه مثلا بمثل. ~~ومفهوم كلام الخرقي هاهنا: إباحة ذلك؛ لأن مفهوم نهيه - عليه السلام - عن ~~بيع التمر بالتمر إباحة بيع كل واحد منهما بمثله، ولأنهما تساويا في الحال ~~على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان، فجاز، كبيع اللبن باللبن، والتمر ~~بالتمر، ولأن قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] عام خرج منه ~~المنصوص عليه، وهو بيع التمر بالتمر، وليس هذا في معناه، فبقي على العموم، ~~وما ذكره لا يصح، فإن التفاوت كثير، وينفرد أحدهما بالنقصان، بخلاف ~~مسألتنا. ولا بأس ببيع الحديث بالعتيق؛ لأن التفاوت في ذلك يسير، ولا يمكن ~~ضبطه، فعفي عنه. ### | [مسألة المماثلة في بيع الأموال التي يحرم التفاضل فيها] # (2808) مسألة؛ قال: (ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزنا، ولا ما ~~أصله الوزن كيلا) لا خلاف بين أهل العلم في وجوب المماثلة في بيع الأموال ~~التي يحرم التفاضل فيها، وأن المساواة المرعية هي المساواة في المكيل كيلا ~~وفي الموزون وزنا، ومتى تحققت هذه المساواة، لم يضر اختلافهما فيما سواها. # وإن لم يوجد، لم يصح البيع، وإن تساويا في غيرها، وهذا قول أبي حنيفة، ~~والشافعي، وجمهور أهل العلم، لا نعلم أحدا خالفهم إلا مالكا قال: يجوز بيع ~~الموزونات بعضها ببعض جزافا. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الذهب بالذهب وزنا بوزن، والفضة بالفضة وزنا بوزن، والبر بالبر كيلا بكيل، ~~والشعير بالشعير كيلا ms1784 بكيل» . رواه الأثرم في حديث # PageV04P013 # عبادة، ورواه أبو داود، ولفظه: «البر بالبر مدي بمدي، والشعير بالشعير ~~مدي بمدي، والملح بالملح مدي بمدي، فمن زاد أو ازداد فقد أربى» . فأمر ~~بالمساواة في الموزونات المذكورة في الوزن، كما أمر بالمساواة في المكيلات ~~في الكيل، وما عدا الذهب والفضة من الموزونات مقيس عليهما ومشبه بهما؛ ~~ولأنه جنس يجري فيه الربا، فلم يجز بيع بعضه ببعض جزافا كالمكيل، ولأنه ~~موزون من أموال الربا، فأشبه الذهب والفضة، ولأن حقيقة الفضل مبطلة للبيع، ~~ولا نعلم عدم ذلك إلا بالوزن، فوجب ذلك، كما في المكيل والأثمان. # إذا ثبت هذا، فإنه لا يجوز بيع المكيل بالمكيل وزنا، ولا بيع الموزون ~~بالموزون كيلا؛ لأن التماثل في الكيل مشترط في المكيل، وفي الوزن في ~~الموزون، فمتى باع رطلا من المكيل برطل حصل في الرطل من الخفيف أكثر مما ~~يحصل من الثقيل، فيختلفان في الكيل، وإن لم يعلم الفضل، لكن يجهل التساوي، ~~فلا يصح، كما لو باع بعضه ببعض جزافا، وكذلك لو باع الموزون بالموزون ~~بالكيل، فلا يتحقق التماثل في الوزن، فلم يصح، كما ذكرنا في المكيل. ### | [فصل بيع الشيء بمثله جزافا] # (2809) فصل: ولو باع بعضه ببعض جزافا أو كان جزافا من أحد الطرفين، لم ~~يجز. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن ذلك غير جائز إذا كانا من صنف ~~واحد؛ وذلك لما روى مسلم، عن جابر، قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن بيع الصبرة من التمر، لا يعلم مكيلها، بالكيل المسمى من التمر» . # وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب وزنا بوزن» إلى ~~تمام الحديث، دليل على أنه لا يجوز بيعه إلا كذلك، ولأن التماثل شرط، ~~والجهل به يبطل البيع، كحقيقة التفاضل (2810) فصل: وما لا يشترط التماثل ~~فيه كالجنسين، وما لا ربا فيه، يجوز بيع بعضه ببعض كيلا ووزنا وجزافا، وهذا ~~ظاهر كلام الخرقي؛ لتخصيصه ما يكال بمنع بيعه بشيء من جنسه وزنا، وما يوزن ~~بمنع بيعه من جنسه كيلا. # وهذا قول أكثر أهل ms1785 العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع ~~الصبرة من الطعام بالصبرة، لا يدرى كم كيل هذه، ولا كيل هذه، من صنف واحد، ~~غير جائز، ولا بأس به من صنفين؛ استدلالا بقوله - عليه السلام -: «فإذا ~~اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» . وذهب جماعة من أصحابنا إلى منع بيع ~~المكيل بالمكيل جزافا، وبيع الموزون بالموزون جزافا. # PageV04P014 # وقال أحمد، في رواية محمد بن الحكم: أكره ذلك. قال ابن أبي موسى: لا خير ~~فيما يكال بما يكال جزافا، ولا فيما يوزن بما يوزن جزافا، اتفقت الأجناس أو ~~اختلفت، ولا بأس ببيع المكيل بالموزون جزافا، وقال ذلك القاضي والشريف أبو ~~جعفر، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الطعام بالطعام ~~مجازفة» . ولأنه بيع مكيل بمكيل، أشبه الجنس الواحد. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا اختلفت هذه الأصناف ~~فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» . ولأن قول الله تعالى {وأحل الله البيع} ~~[البقرة: 275] . عام خصصناه في الجنس الواحد الذي يجب التماثل فيه، ففيما ~~عداه يجب البقاء على العموم، ولأنه يجوز التفاضل فيه، فجاز جزافا من ~~الطرفين كالمكيل بالموزون، يحققه أنه إذا كان حقيقة الفضل لا يمنع، ~~فاحتماله أولى أن لا يكون مانعا، وحديثهم أراد به الجنس الواحد؛ ولهذا جاء ~~في بعض ألفاظه: «نهى أن تباع الصبرة لا يعلم مكيلها من التمر، بالصبرة لا ~~يعلم مكيلها من التمر» . # ثم هو مخصوص بالمكيل والموزون، فنقيس عليه محل النزاع، وما ذكر من القياس ~~غير صحيح؛ لأن المكيل من جنس واحد، يجب التماثل فيه، فمنع من بيعه مجازفة؛ ~~لفوات المماثلة المشروطة، وفي الجنسين لا يشترط التماثل، ولا يمنع حقيقة ~~التفاضل، فاحتماله أولى أن لا يكون مانعا. (2811) فصل: ولو قال: بعتك هذه ~~الصبرة بهذه الصبرة. وهما من جنس واحد، ولا يعلمان كيلهما، لم يصح؛ لما ~~ذكرنا. # وإن علما كيلهما وتساويهما، صح البيع؛ لوجود التماثل المشترط. وإن قال: ~~بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة، مثلا بمثل. فكيلتا فكانتا سواء، صح البيع، ~~وإلا فلا. # وإن باع صبرة بصبرة من ms1786 غير جنسها، صح عند من يجوز بيع المكيل بالمكيل ~~جزافا. وإن قال: بعتك هذه الصبرة بهذه، مثلا بمثل. فكيلتا فكانتا سواء، صح ~~البيع، وإن زادت إحداهما فرضي صاحب الناقصة بها مع نقصها، أو رضي صاحب ~~الزائدة برد الفضل على صاحبه، جاز، وإن امتنعا فسخ البيع بينهما. ذكر هذا ~~الفصل القاضي، وهو مذهب الشافعي. # (2812) فصل: ويجوز قسم المكيل وزنا، وقسم الموزون كيلا، وقسم الثمار ~~خرصا، وقسم ما لا يجوز بيع بعضه ببعض؛ لأن القسمة إفراز حق، وليست بيعا. ~~ونقل عن ابن بطة ما يدل على أنها بيع، فيثبت فيها أحكام البيع، ويمنع فيها ~~ما ذكرناه؛ لأن كل جزء من ذلك مشترك بينهما، فإذا تعين لكل واحد منهما حق، ~~فقد اشترى نصيب شريكه مما تعين له بنصيبه فيما تعين لشريكه. # وللشافعي قولان، كالمذهبين. والظاهر أنها إفراز حق؛ بدليل اعتبار تعديل ~~السهام، ودخول القرعة فيها، ولزومها بها، والإجبار عليها، وأنها لا تفتقر ~~إلى لفظ بيع ولا تمليك، ولا يدخلها خيار، ولا تجوز إلا بقدر # PageV04P015 # الحقين، ولا يثبت فيها شفعة، وتختص باسم. وتغاير الأحكام والأسماء دليل ~~على اختلافهما. # وروي عن ابن عباس، أنه قال: قسمت الصحابة - رضي الله عنهم - الغنائم ~~بالحجف. وذلك كيل الأثمان بمحضر من جماعة كثيرة منهم، وانتشر في بقيتهم فلم ~~ينكر، فصار إجماعا على ما قلناه. ### | [فصل المرجع إلى العرف في معرفة المكيل والموزون] # (2813) فصل: في معرفة المكيل والموزون، والمرجع في ذلك إلى العرف بالحجاز ~~في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبهذا قال الشافعي. وحكي عن أبي ~~حنيفة: أن الاعتبار في كل بلد بعادته. # ولنا، ما روى عبد الله بن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة» . والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما يحمل كلامه على بيان الأحكام؛ لأن ما كان مكيلا بالحجاز في زمن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - انصرف التحريم في تفاضل الكيل إليه، فلا يجوز ~~أن يتغير بعد ذلك، وهكذا الموزون، وما لا عرف له بالحجاز يحتمل وجهين؛ ~~أحدهما، ms1787 يرد إلى أقرب الأشياء شبها به بالحجاز، كما أن الحوادث ترد إلى ~~أشبه المنصوص عليه بها، وهو القياس. # والثاني، يعتبر عرفه في موضعه، فإن لم يكن له في الشرع حد كان المرجع فيه ~~إلى العرف، كالقبض، والإحراز، والتفرق، وهذا قول أبي حنيفة. وعلى هذا إن ~~اختلفت البلاد، فالاعتبار بالغالب، فإن لم يكن غالب بطل هذا الوجه، وتعين ~~الأول. ومذهب الشافعي على هذين الوجهين، فالبر، والشعير مكيلان منصوص ~~عليهما بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البر بالبر كيلا بكيل، والشعير ~~بالشعير كيلا بكيل» . # وكذلك سائر الحبوب، والأبازير، والأشنان، والجص، والنورة، وما أشبهها. ~~والتمر مكيل، وهو من المنصوص عليه، وكذلك سائر تمر النخل من الرطب والبسر ~~وغيرهما، وسائر ما تجب فيه الزكاة من الثمار، مثل الزبيب، والفستق، ~~والبندق، والعناب، والمشمش، والبطم، والزيتون، واللوز. والملح مكيل، وهو من ~~المنصوص عليه بقوله - عليه السلام -: «الملح بالملح مدي بمدي» . والذهب ~~والفضة موزونان. # ثبت ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب وزنا بوزن، ~~والفضة بالفضة وزنا بوزن» وكذلك ما أشبههما من جواهر الأرض كالحديد، ~~والنحاس، والصفر، والرصاص، والزجاج، والزئبق. ومنه الإبريسم، والقطن، ~~والكتان، والصوف، # PageV04P016 # وغزل ذلك، وما أشبهه. ومنه الخبز، واللحم، والشحم، والجبن، والزبد، ~~والشمع، وما أشبهه، وكذلك الزعفران، والعصفر، والورس، وما أشبه ذلك. # (2814) فصل: والدقيق والسويق مكيلان؛ لأن أصلهما مكيل، ولم يوجد ما ~~ينقلهما عنه، ولأنهما يشبهان ما يكال، وذكر القاضي في الدقيق، أنه يجوز بيع ~~بعضه ببعض بالوزن، ولا يمتنع أن يكون أصله مكيلا وهو موزون، كالخبز. # ولنا، ما ذكرناه، ولأنه يقدر بالصاع، بدليل أنه يخرج في الفطرة صاع من ~~دقيق، وقد جاء في الحديث. والصاع إنما يقدر به المكيلات، وعلى هذا يكون ~~الأقط مكيلا؛ لأن في حديث صدقة الفطر: «صاع من أقط» . (2815) فصل: فأما ~~اللبن، وغيره من المائعات، كالأدهان من الزيت، والشيرج، والعسل، والخل، ~~والدبس، ونحو ذلك، فالظاهر أنها مكيلة. قال القاضي في الأدهان: هي مكيلة. # وفي اللبن: يصح السلم فيه كيلا. وقال أصحاب الشافعي: لا يباع اللبن بعضه ~~ببعض إلا ms1788 كيلا. وقد روي عن أحمد، أنه سئل عن السلف في اللبن؟ فقال: نعم ~~كيلا، أو وزنا. وذلك لأن الماء مقدر بالصاع، ولذلك «كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، ويغتسل هو وبعض نسائه من الفرق» . ~~وهذه مكاييل قدر بها الماء، وكذلك سائر المائعات. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن بيع ما في ضروع ~~الأنعام إلا بالكيل.» رواه ابن ماجه. وأما غير المكيل، والموزون، فما لم ~~يكن له أصل بالحجاز في كيل ولا وزن، ولا يشبه ما جرى فيه العرف بذلك، ~~كالثياب، والحيوان، والمعدودات من الجوز، والبيض، والرمان، والقثاء، ~~والخيار، وسائر الخضراوات، والبقول، والسفرجل، والتفاح، والكمثرى، والخوخ، ~~ونحوها، فهذه المعدودات إذا اعتبرنا التماثل فيها، فإنه يعتبر التماثل في ~~الوزن؛ لأنه أخصر. ذكره القاضي في الفواكه الرطبة، وهو أحد الوجهين لأصحاب ~~الشافعي، والآخر، قالوا: يعتبر ما أمكن كيله بالكيل؛ لأن الأصل الأعيان ~~الأربعة، وهي مكيلة، ومن شأن الفرع أن يرد إلى أصله. بحكمه، والأصل حكمه ~~تحريم التفاضل بالكيل، فكذلك يكون حكم فروعها. # PageV04P017 # ولنا، أن الوزن أخصر، فوجب اعتباره في غير المكيل والموزون، كالذي لا ~~يمكن كيله، وإنما اعتبر الكيل في المنصوص عليه؛ لأنه يقدر به في العادة، ~~وهذا بخلافه. ### | [مسألة كل شيئين اتفقا في الجنس ثبت فيهما حكم الشرع بتحريم التفاضل] # (2816) مسألة؛ قال: (والتمور كلها جنس واحد، وإن اختلفت أنواعها) الجنس: ~~هو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها. والنوع: الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها. ~~وقد يكون النوع جنسا بالنسبة إلى ما تحته، نوعا بالنسبة إلى ما فوقه، ~~والمراد هنا؛ الجنس الأخص، والنوع الأخص. فكل نوعين اجتمعا في اسم خاص، ~~فهما جنس، كأنواع التمر، وأنواع الحنطة. فالتمور كلها جنس واحد؛ لأن الاسم ~~الخاص يجمعها، وهو التمر، وإن كثرت أنواعه، كالبرني، والمعقلي، ~~والإبراهيمي، والخاستوي، وغيرها. وكل شيئين اتفقا في الجنس ثبت فيهما حكم ~~الشرع بتحريم التفاضل، وإن اختلفت الأنواع. # لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «التمر بالتمر مثلا بمثل، والبر ~~بالبر مثلا بمثل» . الحديث بتمامه. فاعتبر المساواة في جنس التمر ms1789 بالتمر، ~~والبر بالبر، ثم قال: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم» . # وفي لفظ: «فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» . وفي لفظ: «إلا ما ~~اختلفت ألوانه» . ولا خلاف بين أهل العلم علمناه في وجوب المساواة في التمر ~~بالتمر، وسائر ما ذكر في الخبر، مع اتفاق الأنواع، واختلافها. ### | [فصل إذا كان المشتركان في الاسم الخاص من أصلين مختلفين فهما جنسان في الربا] # (2817) فصل: فإن كان المشتركان في الاسم الخاص من أصلين مختلفين، فهما ~~جنسان؛ كالأدقة، والأخباز، والخلول، والأدهان، وعصير الأشياء المختلفة، ~~كلها أجناس مختلفة باختلاف أصولها. وحكي عن أحمد، أن خل التمر، وخل العنب، ~~جنس. وحكي ذلك عن مالك؛ لأن الاسم الخاص يجمعهما. والصحيح أنهما جنسان؛ ~~لأنهما من أصلين مختلفين، فكانا جنسين، كدقيق الحنطة، ودقيق الشعير. وما ~~ذكر للرواية الأخرى منتقض بسائر فروع الأصول التي ذكرناها. # وكل نوع مبني على أصله، فإذا كان شيئان من أصلين فهما جنسان، فزيت ~~الزيتون، وزيت البطم، وزيت الفجل، أجناس. ودهن السمك والشيرج، ودهن الجوز، ~~ودهن اللوز والبزر أجناس. وعسل النحل، وعسل القصب، جنسان. وتمر النخل، وتمر ~~الهند جنسان. وكل شيئين أصلهما واحد فهما جنس واحد، وإن اختلفت مقاصدهما؛ ~~فدهن الورد، والبنفسج، والزئبق، ودهن الياسمين، إذا كانت من دهن واحد، فهي ~~جنس واحد. # وهذا الصحيح من مذهب الشافعي، وله قول آخر: لا يجري الربا فيها؛ لأنها لا ~~تقصد للأكل. وقال أبو حنيفة: هي أجناس؛ لأن مقاصدها مختلفة. # ولنا، أنها كلها شيرج، وإنما طيبت بهذه الرياحين، فنسبت إليها، فلم تصر ~~أجناسا، كما لو طيب # PageV04P018 # سائر أنواع الأجناس. وقولهم: لا تقصد الرياحين للأكل. قلنا: هي صالحة ~~للأكل، وإنما تعد لما هو أعلى منه، فلا تخرج عن كونها مأكولة بصلاحها ~~لغيره. وقولهم: إنها أجناس. لا يصح؛ لأنها من أصل واحد، ويشملها اسم واحد، ~~فكانت جنسا، كأنواع التمر، والحنطة. # (2818) فصل: وقد يكون الجنس الواحد مشتملا على جنسين، كالتمر، يشتمل على ~~النوى وغيره، وهما جنسان، واللبن، يشتمل على المخيض والزبد، وهما جنسان، ~~فما داما متصلين اتصال الخلقة فهما جنس واحد، فإذا ms1790 ميز أحدهما من الآخر، ~~صارا جنسين، حكمهما حكم الجنسين الأصليين. ### | [فصل بيع التمر بالتمر] # (2819) فصل: في بيع التمر بالتمر وفروعه، يجوز بيع التمر بالتمر كيلا ~~بكيل بغير خلاف، وسواء تساويا في الجودة والرداءة، وفي كونهما ينكبسان في ~~المكيال، أو اختلفا في ذلك، قيل لأحمد: صاع تمر بصاع تمر، وأحد التمرين ~~يدخل في المكيال منه أكثر؟ فقال: إنما هو صاع بصاع. وذلك لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «التمر بالتمر مدي بمدي ثم قال: من زاد، أو ازداد، فقد ~~أربى» . فإن كان في كل واحد منهما نواه، جاز بيعه متساويا بغير خلاف لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم أن التمر يكون فيه النوى. # وإن نزع من كل واحد منهما نواه، جاز أيضا. وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز ~~في أحد الوجهين؛ لأنهما لم يتساويا في حال الكمال. ولأنه يتجافى في ~~المكيال. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «التمر بالتمر مدي بمدي» . ~~ولأنهما تساويا في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان، فجاز، كما لو ~~كان في كل واحد منهما نواه. ويجوز بيع النوى بالنوى كيلا لذلك. وإذا باع ~~تمرا منزوع النوى بتمر نواه فيه، لم يجز؛ لاشتمال أحدهما على ما ليس من ~~جنسه دون الآخر. # وإن نزع النوى، ثم باع النوى والتمر بنوى وتمر، لم يجز؛ لأنه زالت ~~التبعية بنزعه، فصار كبيع تمر وحنطة بتمر وحنطة. وإن باع النوى بتمر منزوع ~~النوى، جاز متفاضلا، ومتساويا؛ لأنهما جنسان. # وإن باع النوى بتمر نواه فيه، فعلى روايتين؛ منع منه في رواية مهنا، ~~وأحمد بن القاسم؛ لأن التمر نوى، فيصير كمد عجوة، وكما لو باع تمرا فيه ~~نواه، بتمر منزوع النوى. وأجاز ذلك في رواية ابن منصور؛ لأن النوى في التمر ~~غير مقصود، ولذلك جاز بيع التمر بالتمر في كل واحد منهما نواه، وصار هذا ~~كبيع دار مموه سقفها بالذهب بذهب فعلى هذا يجوز بيعه متفاضلا ومتساويا؛ لأن ~~النوى الذي في التمر لا عبرة به، فصار كبيع النوى بمنزوع النوى. # (2820) فصل: ويصنع ms1791 من التمر الدبس، والخل، والناطف، والقطارة. ولا يجوز ~~بيع التمر بشيء منها؛ لأن مع بعضها من غير جنسه، وبعضها مائع، والتمر جامد. ~~ولا يجوز بيع الناطف بعضه ببعض، ولا # PageV04P019 # بغيره من المصنوع من التمر؛ لأن معها شيئا مقصودا من غير جنسهما، فينزل ~~منزلة مد عجوة. ويجوز بيع القطارة، والدبس، والخل، كل نوع بعضه ببعض ~~متساويا. # قال أحمد في رواية مهنا، في خل الدقل: يجوز بيع بعضه ببعض متساويا. وذلك ~~لأن الماء في كل واحد منهما غير مقصود، وهو من مصلحته، فلم يمنع جواز ~~البيع، كالخبز بالخبز، والتمر بالتمر، في كل واحد منهما نواه. ولا يباع نوع ~~بنوع آخر؛ لأن في كل واحد منهما من غير جنسه يقل ويكثر، فيفضي إلى التفاضل. ### | [فصل بيع خل الزبيب بعضه ببعض] # (2821) فصل: والعنب كالتمر فيما ذكرناه، إلا أنه لا يباع خل العنب بخل ~~الزبيب؛ لانفراد كل واحد منهما بما ليس من جنسه. ويجوز بيع خل الزبيب بعضه ~~ببعض، كما يجوز بيع خل التمر بعضه ببعض. ### | [مسألة البر والشعير جنسان] # (2822) مسألة؛ قال: (والبر والشعير جنسان) هذا هو المذهب، وبه يقول ~~الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وعن أحمد، أنهما جنس واحد. وحكي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن ~~الأسود بن عبد يغوث، وابن معيقيب الدوسي، والحكم، وحماد، ومالك، والليث؛ ~~لما روي عن معمر بن عبد الله، أنه أرسل غلامه بصاع قمح، فقال: بعه، ثم اشتر ~~به شعيرا. فذهب الغلام، فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرا، أخبره ~~بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده، ولا تأخذن إلا مثلا بمثل، ~~فإن «النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا ~~بمثل» ، وكان طعامنا يومئذ الشعير. قيل: فإنه ليس بمثله. قال: إني أخاف أن ~~يضارع. أخرجه مسلم. ولأن أحدهما يغش بالآخر، فكانا كنوعي الجنس # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بيعوا البر بالشعير كيف شئتم ~~يدا بيد» . وفي لفظ: «لا بأس ببيع البر بالشعير، والشعير أكثرهما، ms1792 يدا بيد، ~~وأما نسيئة فلا» ، وفي لفظ: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم» . ~~وهذا صريح صحيح، لا يجوز تركه بغير معارض مثله، ولأنهما لم يشتركا في الاسم ~~الخاص، فلم يكونا جنسا واحدا، كالتمر، والحنطة، ولأنهما مسميان في الأصناف ~~الستة، فكانا جنسين، كسائرها. وحديث معمر لا بد فيه من إضمار الجنس، بدليل ~~سائر أجناس الطعام، ويحتمل أنه أراد الطعام المعهود عندهم، وهو الشعير، ~~فإنه قال في الخبر: وكان طعامنا يومئذ الشعير، ثم لو كان عاما لوجب تقديم ~~الخاص الصريح عليه، وفعل معمر وقوله لا يعارض به قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقياسهم ينتقض بالذهب والفضة. ### | [فصل بيع الحنطة بشيء من فروعها] # (2823) فصل: في الحنطة وفروعها، وفروعها نوعان، أحدهما، ما ليس فيه غيره، ~~كالدقيق، والسويق. # PageV04P020 # والثاني، ما فيه غيره، كالخبز، والهريسة، والفالوذج، والنشاء، وأشباهها. ~~ولا يجوز بيع الحنطة بشيء من فروعها وهي ثلاثة أقسام: أحدها السويق، فلا ~~يجوز بيعه بالحنطة، وبهذا قال الشافعي، وحكي عن مالك، وأبي ثور جواز ذلك، ~~متماثلا، ومتفاضلا. # ولنا، أنه بيع الحنطة ببعض أجزائها متفاضلا، فلم يجز، كبيع مكوك حنطة ~~بمكوكي دقيق، ولا سبيل إلى التماثل؛ لأن النار قد أخذت من أحدهما دون ~~الآخر، فأشبهت المقلية. القسم الثاني، ما معه غيره، فلا يجوز بيعها به ~~أيضا. وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز ذلك، بناء على مسألة مد عجوة. وسنذكر ~~الدليل على ذلك إن شاء الله تعالى. القسم الثالث، الدقيق، فلا يجوز بيعها ~~به في الصحيح. وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن، والحكم، وحماد، والثوري، ~~وأبي حنيفة، ومكحول. وهو المشهور عن الشافعي. # وعن أحمد رواية أخرى، أنه جائز. وبهذا قال ربيعة، ومالك. وحكي ذلك عن ~~النخعي، وقتادة، وابن شبرمة، وإسحاق، وأبي ثور؛ لأن الدقيق نفس الحنطة، ~~وإنما تكسرت أجزاؤها، فجاز بيع بعضها ببعض، كالحنطة المكسرة بالصحاح، فعلى ~~هذا إنما تباع الحنطة بالدقيق وزنا؛ لأنها قد تفرقت أجزاؤها بالطحن ~~وانتشرت، فتأخذ من المكيال مكانا كبيرا، والحنطة تأخذ مكانا صغيرا، والوزن ~~يسوي بينهما. وبهذا قال إسحاق. # ولنا، أن بيع الحنطة ms1793 بالدقيق بيع للحنطة بجنسها متفاضلا، فحرم، كبيع ~~مكيلة بمكيلتين؛ وذلك لأن الطحن قد فرق أجزاءها، فيحصل في مكيالها دون ما ~~يحصل في مكيال الحنطة، وإن لم يتحقق التفاضل، فقد جهل التماثل، والجهل ~~بالتماثل كالعلم بالتفاضل فيما يشترط التماثل فيه، ولذلك لم يجز بيع بعضها ~~ببعض جزافا، وتساويهما في الوزن لا يلزم منه التساوي في الكيل، والحنطة ~~والدقيق مكيلان؛ لأن الأصل الكيل، ولم يوجد ما ينقل عنه، ولأن الدقيق يشبه ~~المكيلات، فكان مكيلا، كالحنطة، ثم لو كان موزونا، لم يتحقق التساوي بين ~~المكيل والموزون؛ لأن المكيل لا يقدر بالوزن، كما لا يقدر الموزون بالكيل. ### | [فصل بيع كل من الدقيق والسويق بنوعه متساويا] # (2824) فصل: فأما بيع بعض فروعها ببعض، فيجوز بيع كل واحد من الدقيق ~~والسويق بنوعه متساويا، وبه قال أبو حنيفة. والمشهور عن الشافعي المنع من ~~ذلك؛ لأنه يعتبر تساويهما حالة الكمال، وهو حال كونها حنطة، وقد فات ذلك؛ ~~لأن أحد الدقيقين قد يكون من حنطة رزينة، والآخر من حنطة خفيفة، فيستويان ~~دقيقا، ولا يستويان حنطة. # PageV04P021 # ولنا، أنهما تساويا حال العقد على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان، فجاز، ~~كبيع التمر بالتمر. إذا ثبت هذا، فإنما يباع بعضه ببعض كيلا؛ لأن الحنطة ~~مكيلة، ولم يوجد في الدقيق والسويق ما ينقلهما عن ذلك. ويشترط أن يتساويا ~~في النعومة. ذكره أبو بكر، وغيره من أصحابنا. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنهما ~~إذا تفاوتا في النعومة تفاوتا في ثاني الحال، فيصير كبيع الحنطة بالدقيق. ~~وذكر القاضي أن الدقيق يباع بالدقيق وزنا. ولا وجه له، وقد سلم في السويق ~~أنه يباع بالكيل، والدقيق مثله. فأما بيع الدقيق بالسويق، فالصحيح أنه لا ~~يجوز. وهو مذهب الشافعي. # وروي عن أحمد، أنه يجوز؛ لأن كل واحد منهما أجزاء حنطة ليس معه غيره، ~~فأشبه الدقيق بالدقيق، والسويق بالسويق. ولنا، أن النار قد أخذت من أحدهما، ~~فلم يجز بيع بعضه ببعض، كالمقلية بالنيئة. # وروي عن مالك، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور، أنه لا بأس ببيع الدقيق ~~بالسويق متفاضلا؛ لأنهما جنسان. ولنا، أنهما ms1794 أجزاء جنس واحد، فلم يجز ~~التفاضل بينهما، كالدقيق مع الدقيق، والسويق بالسويق. ### | [فصل بيع ما فيه غيره كالخبز والنشاء] # (2825) فصل: فأما ما فيه غيره، كالخبز، وغيره، فهو نوعان؛ أحدهما، أن ~~يكون ما فيه من غيره غير مقصود في نفسه، إنما جعل فيه لمصلحته، كالخبز ~~والنشاء، فيجوز بيع كل واحد منهما بنوعه، إذا تساويا في النشافة والرطوبة. ~~ويعتبر التساوي في الوزن؛ لأنه يقدر به في العادة، ولا يمكن كيله. # وقال مالك: إذا تحرى أن يكون مثلا بمثل، فلا بأس به، وإن لم يوزن. وبه ~~قال الأوزاعي، وأبو ثور. وحكي عن أبي حنيفة: لا بأس به قرصا بقرصين. # وقال الشافعي: لا يجوز بيع بعضه ببعض بحال، إلا أن ييبس، ويدق دقا ناعما، ~~ويباع بالكيل، ففيه قولان؛ لأنه مكيل يجب التساوي فيه، ولا يمكن كيله، ~~فتعذرت المساواة فيه، ولأن في كل واحد منهما من غير جنسه، فلم يجز بيعه به، ~~كالمغشوش من الذهب والفضة، وغيرهما. # ولنا، على وجوب التساوي، أنه مطعوم موزون، فحرم التفاضل فيهما، كاللحم، ~~واللبن، ومتى وجب التساوي، وجبت معرفة حقيقة التساوي في المعيار الشرعي، ~~كالحنطة بالحنطة، والدقيق بالدقيق. ولنا على الشافعي، أن معظم نفعه في حال ~~رطوبته، فجاز بيعه به، كاللبن باللبن. ولا يمتنع أن يكون موزونا، أصله غير ~~موزون، كاللحم، والأدهان. # ولا يجوز بيع الرطب باليابس؛ لانفراد أحدهما بالنقص في ثاني الحال، فأشبه ~~الرطب بالتمر. ولا يمنع زيادة أخذ النار من أحدهما أكثر من الآخر حال ~~رطوبتهما إذا لم يكثر؛ لأن ذلك يسير، ولا يمكن التحرز منه، أشبه بيع ~~الحديثة بالعتيقة. ولا يلزم ما فيه من الملح والماء؛ لأن ذلك ليس بمقصود ~~فيه، ويراد لمصلحته، فهو كالملح في الشيرج. # وإن يبس # PageV04P022 # الخبز، فدق، وجعل فتيتا، بيع بمثله كيلا؛ لأنه أمكن كيله، فرد إلى أصله. ~~وقال ابن عقيل: فيه وجه آخر، أنه يباع بالوزن؛ لأنه انتقل إليه. النوع ~~الثاني، ما فيه غيره مما هو مقصود، كالهريسة، والخزيرة، والفالوذج، وخبز ~~الأبازير، والخشكنانج، والسنبوسك، ونحوه، فلا يجوز بيع بعضه ببعض، ولا بيع ms1795 ~~نوع بنوع آخر؛ لأن كل واحد منهما يشتمل على ما ليس من جنسه، وهو مقصود، ~~كاللحم في الهريسة، والعسل في الفالوذج والماء، والدهن في الخزيرة. ويكثر ~~التفاوت في ذلك، فلا يتحقق التماثل فيه. وإذا لم يمكن التماثل في النوع ~~الواحد، ففي النوعين أولى. ### | [فصل الحكم في الشعير وسائر الحبوب كالحكم في الحنطة] # فصل: والحكم في الشعير وسائر الحبوب كالحكم في الحنطة. ويجوز بيع الحنطة ~~والمصنوع منها بغيرها من الحبوب والمصنوع منها؛ لعدم اشتراط المماثلة ~~بينهما. والله أعلم. ### | [مسألة اللحم كله جنس واحد] # (2827) مسألة؛ قال: (وسائر اللحمان جنس واحد) أراد جميع اللحم، وجمعه - ~~وهو اسم جنس - لاختلاف أنواعه. ظاهر كلام الخرقي، أن اللحم كله جنس واحد، ~~وذكره أبو الخطاب، وابن عقيل، رواية عن أحمد. وهو قول أبي ثور، وأحد قولي ~~الشافعي. # وأنكر القاضي أبو يعلى كون هذا رواية عن أحمد، وقال: الأنعام، والوحوش، ~~والطير، ودواب الماء، أجناس يجوز التفاضل فيها رواية واحدة، وإنما في اللحم ~~روايتان؛ إحداهما، أنه أربعة أجناس، كما ذكرنا. وهو مذهب مالك، إلا أنه ~~يجعل الأنعام، والوحش جنسا واحدا، فيكون عنده ثلاثه أصناف. والثانية، أنه ~~أجناس باختلاف أصوله، وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وهي أصح؛ ~~لأنها فروع أصول هي أجناس، فكانت أجناسا، كالأدقة، والأخباز. # وهذا اختيار ابن عقيل. واختيار القاضي أنها أربعة أجناس. وحمل كلام ~~الخرقي عليها، واحتج بأن لحم هذه الحيوانات تختلف المنفعة بها، والقصد إلى ~~أكلها، فكانت أجناسا. # وهذا ضعيف جدا؛ لأن كونها أجناسا لا يوجب حصرها في أربعة أجناس، ولا نظير ~~لهذا، فيقاس عليه. ولا يصح حمل كلام الخرقي عليه؛ لعدم احتمال لفظه له، ~~وتصريحه في الأيمان بأنه إذا حلف لا يأكل لحما فأكل من لحم الأنعام، أو ~~الطائر، أو السمك، حنث. فيتعين حمل كلامه على عمومه في أن جميع اللحم جنس؛ ~~لأنه اشترك في الاسم الواحد حال حدوث الربا فيه، فكان جنسا واحدا، كالطلع، ~~والصحيح أنه أجناس باختلاف أصوله. # وهذا الدليل ينتقض بالتمر الهندي والتمر # PageV04P023 # البرني، وعسل القصب وعسل النحل، وغير ذلك. ms1796 فعلى هذا، لحم الإبل كله صنف، ~~بخاتيها وعرابها، والبقر عرابها وجواميسها صنف، والغنم ضأنها ومعزها صنف. ~~ويحتمل أن يكونا صنفين؛ لأن الله تعالى سماها في الأزواج الثمانية فقال: ~~{ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} [الأنعام: 143] ففرق ~~بينهما، كما فرق بين الإبل والبقر، فقال {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} ~~[الأنعام: 144] . والوحش أصناف؛ بقرها صنف، وغنمها صنف، وظباؤها صنف، وكل ~~ماله اسم يخصه فهو صنف. # والطيور أصناف، كل ما انفرد باسم وصفة فهو صنف، فيباع لحم صنف بلحم صنف ~~آخر، متفاضلا ومتماثلا، ويباع بصفة متماثلا، ومن جعلها صنفا واحدا لم يجز ~~عنده بيع لحم بلحم، إلا متماثلا. ### | [مسألة بيع اللحم باللحم] # (2828) مسألة؛ قال: (لا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا. ويجوز إذا تناهى جفافه ~~مثلا بمثل) اختار الخرقي أنه لا يباع بعضه ببعض، إلا في حال جفافه وذهاب ~~رطوبته كلها. وهو مذهب الشافعي. وذهب أبو حفص في " شرحه " إلى هذا. # قال القاضي: والمذهب: جواز بيعه، ونص عليه. وقوله، في الرطب بالرطب بجواز ~~البيع ينبه على إباحة بيع اللحم باللحم، من حيث كان اللحم، حال كماله ومعظم ~~نفعه، في حال رطوبته دون حال يبسه، فجرى مجرى اللبن بخلاف الرطب؛ فإن حال ~~كماله ومعظم نفعه في حال يبسه، فإذا جاز فيه البيع، ففي اللحم أولى، ولأنه ~~وجد التماثل فيهما في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقص، فجاز كبيع ~~اللبن باللبن. # فأما بيع رطبه بيابسه، أو نيئه بمطبوخه أو مشويه، فغير جائز؛ لانفراد ~~أحدهما بالنقص في الثاني، فلم يجز، كالرطب بالتمر. (2829) فصل: قال القاضي: ~~ولا يجوز بيع بعضه ببعض إلا منزوع العظام، كما لا يجوز بيع العسل بالعسل ~~إلا بعد التصفية. # وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وكلام أحمد، - رحمه الله -، يقتضي ~~الإباحة من غير نزع عظامه ولا جفافه، قال في رواية حنبل: إذا صار إلى الوزن ~~مثلا بمثل، رطلا برطل. فأطلق ولم يشترط شيئا؛ وذلك لأن العظم تابع للحم ~~بأصل الخلقة، فلم يشترط نزعه، كالنوى في التمر. وفارق العسل، من حيث إن ms1797 ~~اختلاط الشمع بالعسل من فعل النحل، لا من أصل الخلقة. ### | [فصل بيع كل صنف بصنف آخر متفاضلا] # (2830) فصل: واللحم والشحم جنسان. والكبد صنف. والطحال صنف. والقلب صنف، ~~والمخ صنف. ويجوز بيع كل صنف بصنف آخر متفاضلا. # وقال القاضي: لا يجوز بيع اللحم بالشحم. # PageV04P024 # وكره مالك ذلك، إلا أن يتماثلا. وظاهر المذهب، إباحة البيع فيهما متماثلا ~~ومتفاضلا، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنهما جنسان، فجاز التفاضل فيهما ~~كالذهب والفضة. # وإن منع منه لكون اللحم لا يخلو من شحم لم يصح؛ لأن الشحم لا يظهر، وإن ~~كان فيه شيء فهو غير مقصود، فلا يمنع البيع، ولو منع لذلك، لم يجز بيع لحم ~~بلحم؛ لاشتمال كل واحد منهما على ما ليس من جنسه. ثم لا يصح هذا عند ~~القاضي؛ لأن السمين الذي يكون مع اللحم لحم عنده، فلا يتصور اشتمال اللحم ~~على الشحم. وذكر القاضي أن اللحم الأبيض الذي على ظاهر اللحم الأحمر، هو ~~والأحمر جنس واحد، وأن الألية والشحم جنسان. # وظاهر كلام الخرقي خلاف هذا؛ لقوله: إن اللحم لا يخلو من شحم، ولو لم يكن ~~هذا شحما لم يختلط لحم بشحم، فعلى قوله، كل أبيض في الحيوان يذوب بالإذابة ~~ويصير دهنا، فهو جنس واحد. وهذا أصح؛ لقوله تعالى: {حرمنا عليهم شحومهما ~~إلا ما حملت ظهورهما} [الأنعام: 146] . فاستثنى ما حملت الظهور من الشحم، ~~ولأنه يشبه الشحم في ذوبه ولونه ومقصده، فكان شحما، كالذي في البطن. ### | [فصل بيع اللبن بغير جنسه متفاضلا] # (2831) فصل: وفي اللبن روايتان؛ إحداهما، هو جنس واحد؛ لما ذكرنا في ~~اللحم. والثانية، هو أجناس باختلاف أصوله كاللحم. وهذا مذهب الشافعي. وبه ~~قال مالك؛ لأن الأنعام كلها جنس واحد. # وقال ابن عقيل: لبن البقر الأهلية والوحشية جنس واحد على الروايات كلها؛ ~~لأن اسم البقر يشملهما. وليس بصحيح؛ لأن لحمهما جنسان، فكان لبنهما جنسين، ~~كالإبل والبقر. ويجوز بيع اللبن بغير جنسه، متفاضلا، وكيف شاء، يدا بيد، ~~وبجنسه متماثلا كيلا. قال القاضي: هو مكيل لا يباع إلا بالكيل؛ لأنه العادة ~~فيه. # ولا فرق بين ms1798 أن يكونا حليبين أو حامضين، أو أحدهما حليب، والآخر حامض؛ ~~لأن تغيير الصفة لا يمنع جواز البيع، كالجودة والرداءة. وإن شيب أحدهما ~~بماء، أو غيره، لم يجز بيعه بخالص ولا بمشوب من جنسه؛ لأن معه من غير جنسه ~~لغير مصلحته. ### | [فصل بيع اللبن بالزبد] # فصل: ويتفرع من اللبن قسمان؛ ما ليس فيه غيره كالزبد، والسمن، والمخيض، ~~واللبأ. وما فيه غيره. وكلاهما لا يجوز بيعه باللبن؛ لأنه مستخرج من اللبن، ~~فلم يجز بيعه بأصله الذي فيه منه، كالحيوان باللحم، والسمسم بالشيرج. وهذا ~~مذهب الشافعي. # وعن أحمد، أنه يجوز بيع اللبن بالزبد، إذا كان الزبد المنفرد أكثر من ~~الزبد الذي في اللبن. وهذا يقتضي جواز بيعه به متفاضلا، ومنع جوازه ~~متماثلا. قال القاضي: وهذه الرواية لا تخرج على المذهب؛ لأن الشيئين إذا ~~دخلهما الربا، لم يجز بيع أحدهما بالآخر، ومعه من غير جنسه، كمد عجوة ودرهم ~~بمدين. والصحيح أن هذه الرواية # PageV04P025 # دالة على جواز البيع في مسألة مد عجوة، وكونها مخالفة لروايات أخر لا ~~يمنع كونها رواية، كسائر الروايات المخالفة لغيرها، لكنها مخالفة لظاهر ~~المذهب. والحكم في السمن كالحكم في الزبد. # وأما اللبن بالمخيض الذي فيه زبده، فلا يجوز. نص عليه أحمد، فقال: اللبن ~~بالمخيض لا خير فيه. ويتخرج الجواز كالتي قبلها، وأما اللبن باللبأ فإن كان ~~قبل أن تمسه النار، جاز متماثلا؛ لأنه لبن بلبن. # وإن مسته النار لم يجز. وذكر القاضي وجها، أنه يجوز، وليس بصحيح؛ لأن ~~النار عقدت أجزاء أحدهما، وذهبت ببعض رطوبته، فلم يجز بيعه بما لم تمسه ~~النار، كالخبز بالعجين، والمقلية بالنيئة. # وهذا مذهب الشافعي. وأما بيع النوع من فروع اللبن بنوعه، فما فيه خلط من ~~غير اللبن، كالكشك والكامخ، ونحوهما، لا يجوز بيعه بنوعه ولا بغيره؛ لأنه ~~مختلط بغيره، فهو كمسألة مد عجوة، وما ليس فيه غيره، أو فيه غيره، إلا أن ~~ذلك الغير لمصلحته، فيجوز بيع كل نوع منه بعضه ببعض إذا تساويا في النشافة ~~والرطوبة، فيبيع المخيض بالمخيض، واللبأ باللبأ، والجبن بالجبن، والمصل ~~بالمصل، ms1799 والأقط بالأقط، والزبد بالزبد، والسمن بالسمن، متساويا. # ويعتبر التساوي بين الأقط بالأقط بالكيل؛ لأنه قدر بالصاع في صدقة الفطر، ~~وهو يشبه المكيلات، وكذلك المصل والمخيض. ويباع الخبز بالخبز بالوزن؛ لأنه ~~موزون ولا يمكن كيله، فأشبه الخبز. وكذلك الزبد والسمن. ويتخرج أن يباع ~~السمن بالكيل. ولا يباع ناشف من ذلك برطب، كما لا يباع الرطب بالتمر ويحتمل ~~كلام الخرقي أن لا يباع رطب من ذلك برطب كاللحم. # وأما بيع ما نزع من اللبن بنوع آخر، كالزبد، والسمن، والمخيض، فظاهر ~~المذهب، أنه يجوز بيع الزبد والسمن بالمخيض، متماثلا ومتفاضلا؛ لأنهما ~~جنسان، وذلك؛ لأنهما شيئان من أصل واحد، أشبها اللحم بالشحم. وممن أجاز بيع ~~الزبد بالمخيض الثوري، والشافعي، وإسحاق. ولأن اللبن الذي في الزبد غير ~~مقصود، وهو يسير، فأشبه الملح في الشيرج. وبيع السمن بالمخيض أولى بالجواز؛ ~~لخلو السمن من المخيض. # ولا يجوز بيع الزبد بالسمن؛ لأن في الزبد لبنا يسيرا، ولا شيء في السمن، ~~فيختل التماثل، ولأنه مستخرج من الزبد، فلم يجز بيعه به، كالزيتون بالزيت. ~~وهذا مذهب الشافعي. # وقال القاضي: عندي يجوز؛ لأن اللبن في الزبد غير مقصود، فوجوده كعدمه، ~~ولذلك جاز بيعه بالمخيض وبزبد مثله. وهذا لا يصح؛ لأن التماثل واجب بينهما، ~~وانفراد أحدهما بوجود اللبن فيه، يخل بالتماثل، فلم يجز بيعه به، كتمر ~~منزوع النوى بتمر فيه نواه، ولأن أحدهما ينفرد برطوبة لا توجد في الآخر، ~~فأشبه الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب، وكل # PageV04P026 # رطب بيابس من جنسه. ولا يجوز بيع شيء من الزبد والسمن والمخيض بشيء من ~~أنواع اللبن، كالجبن واللبأ ونحوهما؛ لأن هذه الأنواع لم ينتزع منها شيء، ~~فيكون حكمها حكم اللبن الذي فيه زبده، فلم يجز بيعها، كبيع اللبن بها. # وأما بيع الجبن بالأقط، فلا يجوز مع رطوبتهما، أو رطوبة أحدهما، كما لا ~~يجوز بيع الرطب بالتمر. وإن كانا يابسين احتمل أن لا يجوز أيضا؛ لأن الجبن ~~موزون والأقط مكيل، فلم يجز بيع أحدهما بالآخر، كالخبز بالدقيق، ويحتمل ~~الجواز، إذا تماثلا، كبيع الخبز بالخبز. ### | [مسألة بيع اللحم بالحيوان] ms1800 # (2833) مسألة؛ قال: (ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان) لا يختلف المذهب أنه ~~لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه. وهو مذهب مالك، والشافعي، وقول فقهاء ~~المدينة السبعة. وحكي عن مالك، أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان معد للحم، ~~ويجوز بغيره. # وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقا؛ لأنه باع مال الربا بما لا ربا فيه، أشبه ~~بيع اللحم بالدراهم، أو بلحم من غير جنسه. ولنا، ما روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «نهى عن بيع اللحم بالحيوان» . رواه مالك في الموطأ، عن ~~زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن ~~عبد البر: هذا أحسن أسانيده. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~«نهى أن يباع حي بميت» . ذكره الإمام أحمد. وروي عن ابن عباس، أن جزورا ~~نحرت، فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني جزءا بهذا العناق. فقال أبو بكر: لا ~~يصلح هذا. قال الشافعي: لا أعلم مخالفا لأبي بكر في ذلك. # وقال أبو الزناد: وكل من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان. ولأن اللحم ~~نوع فيه الربا بيع بأصله الذي فيه منه، فلم يجز، كبيع السمسم بالشيرج. ~~وبهذا فارق ما قاسوا عليه. # وأما بيع اللحم بحيوان من غير جنسه، فظاهر كلام أحمد والخرقي، أنه لا ~~يجوز، فإن أحمد سئل عن بيع الشاة باللحم، فقال: لا يصح؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «نهى أن يباع حي بميت» . واختار القاضي جوازه وللشافعي ~~فيه قولان. واحتج من منعه بعموم الأخبار، وبأن اللحم كله جنس واحد. ومن ~~أجازه قال: مال الربا بيع بغير أصله ولا جنسه، فجاز، كما لو باعه بالأثمان. ~~وإن باعه بحيوان غير مأكول اللحم، جاز، في ظاهر قول أصحابنا. وهو قول عامة ~~الفقهاء. ### | [فصل بيع شيء من مال الربا بأصله الذي فيه] # (2834) فصل: ولا يجوز بيع شيء من مال الربا بأصله الذي فيه منه، كالسمسم ~~بالشيرج، والزيتون بالزيت، وسائر الأدهان بأصولها، والعصير بأصله، كعصير ~~العنب، والرمان، والتفاح، والسفرجل، وقصب السكر، لا يباع شيء منها بأصله. ms1801 ~~وبه قال الشافعي وابن المنذر. # وقال أبو ثور: يجوز؛ لأن الأصل مختلف، والمعنى # PageV04P027 # مختلف. وقال أبو حنيفة يجوز إذا علم يقينا أن ما في الأصل من الدهن ~~والعصير أقل من المنفرد، وإن لم يعلم، لم يجز. # ولنا، أنه مال ربا بيع بأصله الذي فيه منه، فلم يجز، كبيع اللحم ~~بالحيوان، وقد أثبتنا ذلك بالنص. (2835) فصل: فأما بيع شيء من هذه ~~المعتصرات بجنسه، فيجوز متماثلا. ويجوز بيعه بغير جنسه متفاضلا، وكيف شاء؛ ~~لأنهما جنسان، ويعتبر التساوي فيهما بالكيل؛ لأنه يقدر به ويباع به عادة، ~~وهذا مذهب الشافعي، وسواء كانا مطبوخين أو نيئين. # وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز بيع المطبوخ بجنسه؛ لأن النار تعقد ~~أجزاءهما، فيختلف ويؤدي إلى التفاضل. ولنا، أنهما متساويان في الحال، على ~~وجه لا ينفرد أحدهما بالنقص. فأشبه النيء بالنيء. فأما بيع النيء بالمطبوخ ~~من جنس واحد، فلا يجوز؛ لأن أحدهما ينفرد بالنقص في ثاني الحال، فلم يجز ~~بيعه به، كالرطب بالتمر. # وإن باع عصير شيء من ذلك بثفله. فإن كانت فيه بقية من المستخرج منه، لم ~~يجز بيعه به، فلا يجوز بيع الشيرج بالكسب، ولا الزيت بثفله الذي فيه بقية ~~من الزيت، إلا على الرواية التي يجوز فيها مسألة مد عجوة. فإن لم يبق فيه ~~شيء من عصيره، جاز بيعه به متفاضلا، ومتماثلا؛ لأنهما جنسان. ### | [فصل بيع شيء فيه الربا بعضه ببعض] # (2836) فصل: وإن باع شيئا فيه الربا، بعضه ببعض، ومعهما، أو مع أحدهما من ~~غير جنسه، كمد ودرهم بمد ودرهم، أو بمدين، أو بدرهمين. أو باع شيئا محلى ~~بجنس حليته، فهذه المسألة تسمى مسألة مد عجوة. والمذهب أنه لا يجوز ذلك. نص ~~على ذلك أحمد، في مواضع كثيرة، وذكره قدماء الأصحاب، قال ابن أبي موسى في ~~السيف المحلى والمنطقة والمراكب المحلاة بجنس ما عليها: لا يجوز، قولا ~~واحدا. # وروي هذا عن سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وشريح، وابن سيرين وبه ~~قال الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وعن أحمد، رواية أخرى، تدل على أنه يجوز ~~بشرط أن ms1802 يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من ~~غير جنسه، فإن مهنا نقل عن أحمد في بيع الزبد باللبن، يجوز، إذا كان الزبد ~~المنفرد أكثر من الزبد الذي في اللبن. # وروى حرب، قال: قلت لأحمد: دفعت دينارا كوفيا ودرهما، وأخذت دينارا ~~شاميا، وزنهما سواء، لكن الكوفي أوضع؟ قال: لا يجوز، إلا أن ينقص الدينار، ~~فيعطيه بحسابه فضة. وكذلك روى عنه محمد بن أبي حرب الجرجرائي. وروى ~~الميموني أنه سأله: لا يشتري السيف والمنطقة حتى يفصلها؟ فقال: لا يشتريها ~~حتى يفصلها. إلا أن هذا أهون من ذلك؛ لأنه قد يشتري أحد النوعين بالآخر ~~يفصله وفيه غير النوع الذي # PageV04P028 # يشتري به، فإذا كان من فضل الثمن، إلا أن من ذهب إلى ظاهر القلادة لا ~~يشتريه حتى يفصله. قيل له: فما تقول أنت؟ قال: هذا موضع نظر. # وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الدراهم المسيبية، بعضها صفر وبعضها ~~فضة، بالدراهم؟ قال: لا أقول فيه شيئا، قال أبو بكر: روى هذه المسألة عن ~~أبي عبد الله خمسة عشر نفسا. كلهم اتفقوا على أنه لا يجوز حتى يفصل، إلا ~~الميموني. ونقل مهنا كلاما آخر. # وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: يجوز. هذا كله إذا كان المفرد أكثر ~~من الذي معه غيره، أو كان مع كل واحد منهما من غير جنسه. # وقال الحسن: لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بالدراهم. وبه قال الشعبي، ~~والنخعي، واحتج من أجاز ذلك بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة، لم يحمل ~~على الفساد؛ لأنه لو اشترى لحما من قصاب، جاز مع احتمال كونه ميتة. ولكن ~~وجب حمله على أنه مذكى، تصحيحا للعقد. ولو اشترى من إنسان شيئا، جاز، مع ~~احتمال كونه غير ملكه، ولا إذن له في بيعه، تصحيحا للعقد أيضا. # وقد أمكن التصحيح هاهنا، بجعل الجنس في مقابلة غير الجنس، أو جعل غير ~~الجنس في مقابلة الزائد على المثل. ولنا، ما روى فضالة بن عبيد، قال: «أتي ~~النبي - صلى الله عليه ms1803 وسلم - بقلادة فيها ذهب وخرز، ابتاعها رجل بتسعة ~~دنانير أو سبعة دنانير، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا، حتى تميز ~~بينهما» . قال: فرده حتى ميز بينهما. رواه أبو داود. وفي لفظ رواه مسلم. ~~قال: فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذهب الذي في القلادة فنزع ~~وحده ثم قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب وزنا ~~بوزن» . # ولأن العقد إذا جمع عوضين مختلفي الجنس، وجب أن ينقسم أحدهما على الآخر، ~~على قدر قيمة الآخر في نفسه، فإذا اختلفت القيمة اختلف ما يأخذه من العوض. ~~بيانه أنه إذا اشترى عبدين، قيمة أحدهما مثل نصف قيمة الآخر بعشرة، كان ثمن ~~أحدهما ثلثي العشرة، والآخر ثلثها، فلو رد أحدهما بعيب، رده بقسطه من ~~الثمن، ولذلك إذا اشترى شقصا وسيفا بثمن أخذ الشفيع الشقص بقسطه من الثمن، ~~فإذا فعلنا هذا في من باع درهما ومدا قيمته درهمان، بمدين قيمتهما ثلاثة، ~~حصل الدرهم في مقابلة ثلثي مد. # والمد الذي مع الدرهم في مقابلة مد وثلث، فهذا إذا تفاوتت القيم، ومع ~~التساوي يجهل ذلك؛ لأن التقويم ظن وتخمين، والجهل بالتساوي كالعلم بعدمه في ~~باب الربا، ولذلك لم يجز بيع صبرة بصبرة، بالظن والخرص. وقولهم: يجب تصحيح ~~العقد. ليس كذلك، بل يحمل على ما يقتضيه من صحة وفساد. ولذلك لو باع بثمن ~~وأطلق، وفي البلاد نقود بطل، ولم يحمل على نقد أقرب البلاد إليه، # PageV04P029 # أما إذا اشترى من إنسان شيئا فإنه يصح؛ لأن الظاهر أنه ملكه؛ لأن اليد ~~دليل الملك. وإذا باع لحما فالظاهر أنه مذكى؛ لأن المسلم، في الظاهر، لا ~~يبيع الميتة. ### | [فصل بيع نوعين مختلفي القيمة من جنس وبنوع واحد من ذلك الجنس] # (2837) فصل: فأما إن باع نوعين مختلفي القيمة من جنس، وبنوع واحد من ذلك ~~الجنس، كدينار مغربي ودينار سابوري، بدينارين مغربيين، أو دينار صحيح ~~ودينار قراضة، بدينارين صحيحين، أو قراضتين، أو حنطة حمراء وسمراء ببيضاء، ~~أو تمرا برنيا ومعقليا بإبراهيمي، فإنه يصح. قال أبو بكر: وأومأ إليه أحمد. ~~واختار ms1804 القاضي أبو يعلى أن الحكم فيها كالتي قبلها. وهو مذهب مالك والشافعي ~~لأن العقد يقتضي انقسام الثمن على عوضه على حسب اختلافه في قيمته كما ~~ذكرنا. وروي عن أحمد منع ذلك في النقد، وتجويزه في الثمن. نقله أحمد بن ~~القاسم؛ لأن الأنواع في غير الأثمان يكثر اختلاطها، ويشق تمييزها، فعفي ~~عنها بخلاف الأثمان. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة ~~بالفضة مثلا بمثل» . الحديث، وهذا يدل على إباحة البيع عند وجود المماثلة ~~المراعاة، وهي المماثلة في الموزون وزنا وفي المكيل كيلا، ولأن الجودة ~~ساقطة في باب الربويات، فيما قوبل بجنسه، فيما لو اتحد النوع في كل واحد من ~~الطرفين، فكذلك إذا اختلفا، واختلاف القيمة ينبني على الجودة والرداءة؛ ~~لأنه باع ذهبا بذهب متساويا في الوزن، فصح، كما لو اتفق النوع؛ وإنما يقسم ~~العوض على المعوض فيما يشتمل على جنسين، أو في غير الربويات، بدليل ما لو ~~باع نوعا بنوع يشتمل على جيد ورديء. ### | [فصل باع ما فيه الربا بغير جنسه ومعه من جنس ما بيع به] # (2838) فصل: وإن باع ما فيه الربا بغير جنسه، ومعه من جنس ما بيع به، إلا ~~أنه غير مقصود، كدار مموه سقفها بالذهب، جاز. لا أعلم فيه خلافا. وكذلك لو ~~باع دارا بدار مموه سقف كل واحدة منها بذهب أو فضة، جاز؛ لأن ما فيه الربا ~~غير مقصود بالبيع. فوجوده كعدمه. # وكذلك لو اشترى عبدا له مال، فاشترط ماله وهو من جنس الثمن، جاز إذا كان ~~المال غير مقصود، ولو اشترى عبدا بعبد، واشترط كل واحد منهما مال العبد ~~الذي اشتراه، جاز إذا لم يكن ماله مقصودا؛ لأنه غير مقصود بالبيع، فأشبه ~~التمويه في السقف، ولذلك لا تشترط رؤيته في صحة البيع ولا لزومه، وإن باع ~~شاة ذات لبن بلبن، أو عليها صوف بصوف، أو باع لبونا بلبون، وذات صوف ~~بمثلها، ففيه وجهان؛ أحدهما، الجواز، اختاره ابن حامد، وهو قول أبي حنيفة، ~~وسواء كانت الشاة حية أو مذكاة؛ لأن ما ms1805 فيه الربا غير مقصود، فلم يمنع، ~~كالدار المموه سقفها. # PageV04P030 # الثاني، المنع، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه باع مال الربا بأصله الذي فيه ~~منه، أشبه الحيوان باللحم، والفرق بينهما، أن اللحم في الحيوان مقصود بخلاف ~~اللبن، ولو كانت الشاة محلوبة اللبن، جاز بيعها بمثلها وباللبن وجها واحدا؛ ~~لأن اللبن لا أثر له، ولا يقابله شيء من الثمن، فأشبه الملح في الشيرج ~~والخبز والجبن، وحبات الشعير في الحنطة، ولا نعلم فيه أيضا خلافا، وكذلك لو ~~كان اللبن المنفرد من غير جنس لبن الشاة، جاز بكل حال. # ولو باع نخلة عليها تمر بتمر، أو بنخلة عليها تمر، ففيه أيضا وجهان؛ ~~أحدهما، الجواز. اختاره أبو بكر؛ لأن التمر غير مقصود بالبيع. والثاني، لا ~~يجوز. ووجه الوجهين ما ذكرناه في المسألة قبلها. واختار القاضي أنه لا ~~يجوز، وفرق بينهما وبين الشاة ذات اللبن، بكون الثمرة يصح إفرادها بالبيع ~~وهي معلومة، بخلاف اللبن في الشاة، وهذا الفرق غير مؤثر، فإن ما يمنع إذا ~~جاز إفراده يمنع، وإن لم يجز إفراده، كالسيف المحلى يباع بجنس حليته، وما ~~لا يمنع لا يمنع، وإن جاز إفراده، كمال العبد. ### | [فصل بيع جنس فيه الربا بجنسه] # (2839) فصل: وإن باع جنسا فيه الربا بجنسه، ومع كل واحد من غير جنسه غير ~~مقصود، فذلك ينقسم أقساما؛ أحدها، أن يكون غير المقصود يسيرا، لا يؤثر في ~~كيل ولا وزن، كالملح فيما يعمل فيه، وحبات الشعير في الحنطة، فلا يمنع؛ ~~لأنه يسير لا يخل بالتماثل، وكذلك لو وجد في أحدهما دون الآخر، لم يمنع ~~لذلك، ولو باع ذلك بجنس غير المقصود الذي معه، مثل أن يبيع الخبز بالملح، ~~جاز؛ لأن وجود ذلك كعدمه. الثاني، أن يكون غير المقصود كثيرا، إلا أنه ~~لمصلحة المقصود، كالماء في خل التمر، والزبيب، ودبس التمر، فهذا يجوز بيع ~~الشيء منه بمثله، وينزل خلطه منزلة رطوبته؛ لكونه من مصلحته، فلا يمنع من ~~بيعه بما يماثله، كالرطب بالرطب، ولا يجوز بيعه بما ليس فيه خلط، كبيع خل ~~العنب بخل الزبيب؛ لإفضائه إلى التفاضل، ms1806 فجرى مجرى بيع التمر بالرطب، ومنع ~~الشافعي ذلك كله إلا بيع الشيرج بالشيرج؛ لكون الماء لا يظهر في الشيرج. # الثالث، أن يكون غير المقصود كثيرا، وليس من مصلحته، كاللبن المشوب ~~بالماء، والأثمان المغشوشة بغيرها، فلا يجوز بيع بعضها ببعض؛ لأن خلطه ليس ~~من مصلحته، وهو يخل بالتماثل المقصود فيه، وإن باعه بجنس غير المقصود، كبيع ~~الدينار المغشوش بالفضة بالدراهم، احتمل الجواز؛ لأنه يبيعه بجنس غير مقصود ~~فيه، فأشبه بيع اللبن بشاة فيها لبن، ويحتمل المنع بناء على الوجه الآخر في ~~الأصل. # وإن باع دينارا # PageV04P031 # مغشوشا بمثله والغش فيهما متفاوت، أو غير معلوم المقدار، لم يجز؛ لأنه ~~يخل بالتماثل المقصود. وإن علم التساوي في الذهب والغش الذي فيهما، خرج على ~~الوجهين، أولاهما الجواز؛ لأنهما تماثلا في المقصود وفي غيره، ولا يفضي إلى ~~التفاضل بالتوزيع بالقيمة؛ لكون الغش غير مقصود، فكأنه لا قيمة له. # (2840) فصل: ولو دفع إليه درهما، فقال: أعطني بنصف هذا الدرهم نصف درهم، ~~وبنصفه فلوسا، أو حاجة أخرى. جاز؛ لأنه اشترى نصفا بنصف، وهما متساويان، ~~فصح، كما لو دفع إليه درهمين، وقال: بعني بهذا الدرهم فلوسا، وأعطني بالآخر ~~نصفين. # وإن قال: أعطني بهذا الدرهم نصفا وفلوسا. جاز أيضا؛ لأن معناه ذلك، ولأن ~~ذلك لا يفضي إلى التفاضل بالتوزيع بالقيمة؛ فإن قيمة النصف الذي في الدرهم، ~~كقيمة النصف الذي مع الفلوس يقينا، وقيمة الفلوس، كقيمة النصف الآخر، سواء. ### | [فصل بيع ما كان مشتملا على جنسين بأصل الخلقة] # (2841) فصل وما كان مشتملا على جنسين بأصل الخلقة، كالتمر الذي اشتمل على ~~النوى وما عليه، والحيوان المشتمل على لحم وشحم وغيره، وأشباه ذلك، فهذا ~~إذا قوبل بمثله، جاز بيعه به، ولا نظر إلى ما فيه، فإن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أجاز بيع التمر بالتمر، والحيوان بالحيوان» . # وقد علم اشتمالهما على ما فيهما، ولو باع ذلك بنوع غير مقصود فيه، كبيع ~~التمر الذي فيه النوى بالنوى، ففيه عن أحمد روايتان، قد ذكرناهما فيما مضى، ~~فأما العسل قبل تصفيته، فقال أصحابنا: لا يجوز بيع ms1807 بعضه ببعض؛ لاشتماله على ~~عسل وشمع، وذلك بفعل النحل فأشبه السيف المحلى. ### | [فصل الربا في دار الحرب] # (2842) فصل: ويحرم الربا في دار الحرب، كتحريمه في دار الإسلام. وبه قال ~~مالك، والأوزاعي، وأبو يوسف، والشافعي، وإسحاق. وقال أبو حنيفة: لا يجري ~~الربا بين مسلم وحربي في دار الحرب. # وعنه في مسلمين أسلما في دار الحرب، لا ربا بينهما. لما روى مكحول، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في ~~دار الحرب» . ولأن أموالهم مباحة، وإنما حظرها الأمان في دار الإسلام، فما ~~لم يكن كذلك كان مباحا. ولنا، قول الله تعالى: {وحرم الربا} [البقرة: 275] ~~. وقوله: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس} [البقرة: 275] . # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} ~~[البقرة: 278] . وعموم الأخبار يقتضي تحريم التفاضل. وقوله: «من زاد أو ~~ازداد فقد أربى» . عام، وكذلك سائر الأحاديث. ولأن ما كان محرما في دار ~~الإسلام كان محرما في دار الحرب، كالربا بين المسلمين، وخبرهم مرسل لا نعرف ~~صحته، ويحتمل أنه أراد النهي عن ذلك، ولا يجوز ترك ما ورد # PageV04P032 # بتحريمه القرآن، وتظاهرت به السنة، وانعقد الإجماع على تحريمه، بخبر ~~مجهول، لم يرد في صحيح، ولا مسند، ولا كتاب موثوق به، وهو مع ذلك مرسل ~~محتمل. ويحتمل أن المراد بقوله: (لا ربا. النهي عن الربا، كقوله: {فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197] ، وما ذكروه من الإباحة منتقض ~~بالحربي إذا دخل دار الإسلام، فإن ماله مباح، إلا فيما حظره الأمان، ويمكن ~~حمله بين المسلمين على هيئة التفاضل، وهو محرم بالإجماع، فكذا هاهنا. ### | [مسألة اشترى ذهبا بورق عينا بعين فوجد أحدهما فيما اشتراه عيبا] # مسألة؛ قال: (وإذا اشترى ذهبا بورق عينا بعين، فوجد أحدهما فيما اشتراه، ~~عيبا، فله الخيار بين أن يرد أو يقبل، إذا كان بصرف يومه، وكان العيب يدخل ~~عليه من غير جنسه) معنى قوله: " عينا بعين " هو أن يقول بعتك هذا ms1808 الدينار ~~بهذه الدراهم. ويشير إليهما، وهما حاضران، وبغير عينه، أن يوقع العقد على ~~موصوف غير مشار إليه، فيقول: بعتك دينارا مصريا بعشرة دراهم ناصرية. # وإن وقع القبض في المجلس، وقد يكون أحد العوضين معينا دون الآخر، وكل ذلك ~~جائز. والمشهور في المذهب، أن النقود تتعين بالتعيين في العقود، فيثبت ~~الملك في أعيانها، فعلى هذا إذا تبايعا ذهبا بفضة مع التعيين فيهما، ثم ~~تقابضا، فوجد أحدهما بما قبضه عيبا، لم يخل من قسمين: أحدهما، أن يكون ~~العيب غشا من غير جنس المبيع، مثل أن يجد الدراهم رصاصا، أو نحاسا، أو فيه ~~شيء من ذلك، أو الدينار مسحا، فالصرف باطل. نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي، ~~وذكر أبو بكر فيها ثلاث روايات؛ إحداهن، البيع باطل. والثانية، البيع صحيح؛ ~~لأن البيع وقع على عينه، وللمشتري الخيار بين الإمساك، أو الرد، وأخذ ~~البدل. والثالثة، يلزمه العقد، وليس له رده، ولا بدله. # ولنا أنه باعه غير ما سمى له، فلم يصح، كما لو قال: بعتك هذه البغلة. ~~فإذا هو حمار، أو هذا الثوب القز فوجده كتانا. وأما القول بأنه يلزمه ~~المبيع، فغير صحيح. فإن اشترى معيبا لم يعلم عيبه، فلم يلزمه ذلك بغير أرش، ~~كسائر المبيعات. ثم إن أبا بكر يقول فيمن دلس العيب: لا يصح بيعه مع وجود ~~ذات المسمى في البيع. فهاهنا مع اختلاف الذات أولى. القسم الثاني، أن يكون ~~العيب من جنسه، مثل كون الفضة سوداء، أو خشنة تتفطر عند الضرب، أو سكتها ~~مخالفة لسكة السلطان، فالعقد صحيح، والمشتري مخير بين الإمساك وبين فسخ ~~العقد والرد؛ وليس له البدل؛ لأن العقد واقع على عينه، فإذا أخذ غيره، أخذ ~~ما لم يشتره، وإن قلنا: إن النقد لا يتعين بالتعيين في العقد. فله أخذ ~~البدل، ولا يبطل العقد؛ لأن الذي قبضه ليس هو المعقود # PageV04P033 # عليه، فأشبه السلم إذا قبضه، فوجد به عيبا. وإن كان العيب في بعضه. # فله رد الكل أو إمساكه. وهل له رد المعيب، وإمساك الصحيح؟ على وجهين، ~~بناء على تفريق الصفقة، ms1809 والحكم فيما إذا كان العوضان من جنس واحد، كالحكم ~~في الجنسين، على ما ذكرنا. لكن يتخرج على قول من منع بيع النوعين بنوع واحد ~~من ذلك الجنس، أنه إذا وجد بعض العوض معيبا، أن يبطل العقد في الجميع؛ لأن ~~الذي يقابل المعيب أقل من الذي يقابل الصحيح، فيصير كمسألة مد عجوة. ومذهب ~~الشافعي مثل ما ذكرنا في هذا الفصل، سواء. (2844) ### | [فصل أراد أخذ أرش العيب والعوضان في الصرف من جنس واحد] # فصل: ولو أراد أخذ أرش العيب، والعوضان في الصرف من جنس واحد، لم يجز؛ ~~لحصول الزيادة في أحد العوضين، وفوات المماثلة المشترطة في الجنس الواحد، ~~وخرج القاضي وجها بجواز أخذ الأرش في المجلس؛ لأن الزيادة طرأت بعد العقد، ~~وليس لهذا الوجه وجه. فإن أرش العيب من العوض، يجبر به في المرابحة، ويأخذ ~~به الشفيع، ويرد به، إذا رد المبيع بفسخ، أو إقالة، ولو لم يكن من العوض، ~~فبأي شيء استحقه المشتري؟ فإنه ليس بهبة، على أن الزيادة في المجلس من ~~العوض، ولو لم يكن أرشا، فالأرش أولى. # وإن كان الصرف بغير جنسه، فله أخذ الأرش في المجلس؛ لأن المماثلة غير ~~معتبرة، وتخلف قبض بعض العوض عن بعض ما داما في المجلس لا يضر فجاز، كما في ~~سائر البيع، وإن كان بعد التفرق، لم يجز؛ لأنه يفضي إلى حصول التفرق قبل ~~القبض لأحد العوضين، إلا أن يجعلا الأرش من غير جنس الثمن، كأنه أخذ أرش ~~عيب الفضة قفيز حنطة فيجوز، وكذلك الحكم في سائر أموال الربا فيما بيع ~~بجنسه، أو بغير جنسه، مما يشترط فيه القبض، فإذا كان الأرش مما لا يشترط ~~قبضه، كمن باع قفيز حنطة بقفيزي شعير، فوجد أحدهما عيبا فأخذ أرشه درهما ~~جاز، وإن كان بعد التفرق؛ لأنه لم يحصل التفرق قبل قبض ما شرط فيه القبض. # (2845) فصل: قول الخرقي: " إذا كان بصرف يومه ". يعني الرد جائز، ما لم ~~ينقص قيمة ما أخذه من النقد عن قيمته يوم اصطرفا، فإن نقصت قيمته، كأن أخذ ~~عشرة بدينار، فصارت ms1810 أحد عشر بدينار، فظاهر كلام أحمد والخرقي، أنه لا يملك ~~الرد؛ لأن المبيع تعيب في يده؛ لنقص قيمته، وإن كانت قيمته قد زادت، مثل أن ~~صارت تسعة بدينار، لم يمنع الرد؛ لأنه زيادة، وليس بعيب. والصحيح أن هذا لا ~~يمنع الرد؛ لأن تغير السعر ليس بعيب، ولهذا لا يضمن في الغصب، ولا يمنع من ~~الرد بالعيب في القرض. ولو كان عيبا، فإن ظاهر المذهب أنه إذا تعيب المبيع ~~عند المشتري، ثم ظهر على عيب قديم، فله رده، ورد أرش العيب الحادث عنده، ~~وأخذ الثمن. ### | [فصل تلف العوض في الصرف بعد القبض ثم علم عيبه] # (2846) فصل: وإن تلف العوض في الصرف بعد القبض، ثم علم عيبه، فسخ العقد، ~~ورد الموجود، # PageV04P034 # وتبقى قيمة العيب في ذمة من تلف في يده، فيرد مثلها، أو عوضها إن اتفقا ~~على ذلك، سواء كان الصرف بجنسه أو بغير جنسه. ذكره ابن عقيل، وهو قول ~~الشافعي. قال ابن عقيل: وقد روي عن أحمد جواز أخذ الأرش، والأول أولى، إلا ~~أن يكونا في المجلس، والعوضان من جنسين. ### | [فصل إذا علم المصطرفان قدر العوضين] # (2847) فصل: إذا علم المصطرفان قدر العوضين، جاز أن يتبايعا بغير وزن. ~~وكذلك لو أخبر أحدهما الآخر بوزن ما معه، فصدقه، فإذا باع دينارا بدينار ~~كذلك، وافترقا، فوجد أحدهما ما قبضه ناقصا، بطل الصرف؛ لأنهما تبايعا ذهبا ~~بذهب متفاضلا، فإن وجد أحدهما فيما قبضه زيادة على الدينار نظرت في العقد، ~~فإن كان قال: بعتك هذا الدينار بهذا. فالعقد باطل؛ لأنه باع ذهبا بذهب ~~متفاضلا، # وإن قال: بعتك دينارا بدينار. ثم تقابضا، كان الزائد في يد القابض مشاعا ~~مضمونا لمالكه؛ لأنه قبضه على أنه عوض، ولم يفسد العقد؛ لأنه إنما باع ~~دينارا بمثله، وإنما وقع القبض للزيادة على المعقود عليه، فإن أراد دفع عوض ~~الزائد، جاز سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه؛ لأنه معاوضة مبتدأة، وإن ~~أراد أحدهما الفسخ، فله ذلك؛ لأن آخذ الزائد وجد المبيع مختلطا بغيره معيبا ~~بعيب الشركة، ودافعه لا يلزمه أخذ ms1811 عوضه، إلا أن يكون في المجلس، فيرد ~~الزائد، ويدفع بدله. ولو كان لرجل على رجل عشرة دنانير، فوفاه عشرة عددا، ~~فوجدها أحد عشر، كان هذا الدينار الزائد في يد القابض مشاعا مضمونا لمالكه؛ ~~لأنه قبضه على أنه عوض عن ماله، فكان مضمونا بهذا القبض، ولمالكه التصرف ~~فيه كيف شاء. ### | [فصل الدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في النقد] # (2848) فصل: والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في النقد، بمعنى أنه يثبت ~~الملك بالعقد فيما عيناه، ويتعين عوضا فيه، فلا يجوز إبداله، وإن خرج ~~مغصوبا بطل العقد. وبهذا قال مالك والشافعي. # وعن أحمد، أنها لا تتعين بالعقد، فيجوز إبدالها، ولا يبطل العقد بخروجها ~~مغصوبة. وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأنه يجوز إطلاقها في العقد، فلا تتعين ~~بالتعيين فيه، كالمكيال والصنجة ولنا، أنه عوض في عقد، فيتعين بالتعيين ~~كسائر الأعواض، ولأنه أحد العوضين فيتعين بالتعيين كالآخر، ويفارق ما ذكروه ~~فإنه ليس بعوض، وإنما يراد لتقدير العقود عليه، وتعريف قدره، ولا يثبت فيها ~~الملك بحال، بخلاف مسألتنا. ### | [مسألة إذا تبايعا المصطرفان ذلك بغير عينه فوجد أحدهما فيما اشتراه عيبا] # (2849) مسألة؛ قال: (وإذا تبايعا ذلك بغير عينه، فوجد أحدهما فيما اشتراه ~~عيبا، فله البدل، إذا كان العيب ليس بدخيل عليه من غير جنسه، كالوضوح في ~~الذهب والسواد في الفضة) يعني اصطرفا في الذمة، نحو أن يقول: بعتك دينارا ~~مصريا بعشرة دراهم. فيقول الآخر: قبلت. فيصح البيع، سواء كانت الدراهم ~~والدنانير عندهما، أو لم يكونا، إذا تقابضا قبل الافتراق، بأن يستقرضا أو ~~غير ذلك. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. وحكي عن مالك، لا يجوز الصرف، إلا ~~أن تكون # PageV04P035 # العينان حاضرتين. # وعنه، لا يجوز حتى تظهر إحدى العينين وتعين. وعن زفر مثله؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تبيعوا غائبا منها بناجز» . ولأنه إذا لم ~~يعين أحد العوضين، كان بيع دين بدين، وهو غير جائز ولنا، أنهما تقابضا في ~~المجلس، فصح كما لو كانا حاضرين. والحديث يراد به أن لا يباع عاجل بآجل، أو ~~مقبوض بغير مقبوض؛ بدليل ما لو ms1812 عين أحدهما فإنه يصح، وإن كان الآخر غائبا، ~~والقبض في المجلس يجري مجرى القبض حالة العقد، ألا ترى إلى قوله: «عينا ~~بعين» . «يدا بيد» . والقبض يجري في المجلس، كذا التعين. # فإذا ثبت هذا، فلا بد من تعيينهما بالتقابض في المجلس، ومتى تقابضا، فوجد ~~أحدهما بما قبضه عيبا قبل التفرق، فله المطالبة بالبدل، سواء كان العيب من ~~جنسه، أو من غير جنسه؛ لأن العقد وقع على مطلق، لا عيب فيه، فله المطالبة ~~بما وقع عليه العقد، كالمسلم فيه. وإن رضيه بعيبه، والعيب من جنسه جاز، كما ~~لو رضي بالمسلم فيه معيبا، وإن اختار أخذ الأرش، فإن كان العوضان من جنس ~~واحد، لم يجز؛ لإفضائه إلى التفاضل فيما يشترط فيه التماثل، وإن كانا من ~~جنسين جاز. # فأما إن تقابضا وافترقا، ثم وجد العيب من جنسه، فله إبداله في إحدى ~~الروايتين. اختارها الخلال، والخرقي. وروي ذلك عن الحسن، وقتادة. وبه قال ~~أبو يوسف ومحمد، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأن ما جاز إبداله قبل التفرق، جاز ~~بعده، كالمسلم فيه. والرواية الثانية، ليس له ذلك وهو قول أبي بكر، ومذهب ~~أبي حنيفة، والقول الثاني للشافعي؛ لأنه يقبضه بعد التفرق، ولا يجوز ذلك في ~~الصرف، ومن صار إلى الرواية الأولى قال: قبض الأول صح به العقد، وقبض ~~الثاني يدل على الأول. ويشترط أن يأخذ البدل في مجلس الرد، فإن تفرقا من ~~غير قبض بطل العقد، وإن وجد البعض رديئا فرده، فعلى الرواية الأولى له ~~البدل، وعلى الثانية يبطل في المردود. وهل يصح فيما لم يرد؟ على وجهين، ~~بناء على تفريق الصفقة، ولا فرق بين كون المبيع من جنس أو من جنسين. # وقال مالك: إن وجد درهما زيفا فرضي به، جاز، وإن رده، انتقض الصرف في ~~دينار، وإن رد أحد عشر درهما، انتقض الصرف في دينارين، وكلما زاد على ~~دينار، انتقض الصرف في دينار آخر. ولنا أن ما لا عيب فيه لم يرد، فلم ينتقض ~~الصرف فيما يقابله، كسائر العوض. وإن اختار واجد العيب الفسخ، فعلى قولنا ms1813 ~~له البدل، ليس له الفسخ إذا أبدل له؛ لأنه يمكنه أخذ حقه غير معيب، وعلى ~~الرواية الأخرى، له الفسخ، أو الإمساك في الجميع؛ لأنه تعذر عليه الوصول ~~إلى ما عقد عليه مع # PageV04P036 # إبقاء العقد. # فإن اختار أخذ أرش العيب بعد التفرق، لم يكن له ذلك؛ لأنه عوض يقبضه بعد ~~التفرق عن الصرف، إلا على الرواية الأخرى. ### | [فصل من شرط المصارفة في الذمة أن يكون العوضان معلومين] # (2850) فصل: ومن شرط المصارفة في الذمة، أن يكون العوضان معلومين، إما ~~بصفة يتميزان بها، وإما أن يكون للبلد نقد معلوم أو غالب، فينصرف الإطلاق ~~إليه، ولو قال: بعتك دينارا مصريا بعشرين درهما من نقد عشرة بدينار لم يصح، ~~إلا أن لا يكون في البلد نقد عشرة بدينار، إلا نوع واحد، فتنصرف تلك الصفة ~~إليه. وكذلك الحكم في البيع. ### | [فصل لرجل في ذمة رجل ذهب وللآخر عليه دراهم فاصطرفا بما في ذمتهما] # (2851) فصل: إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر عليه دراهم، فاصطرفا ~~بما في ذمتهما، لم يصح، وبهذا قال الليث، والشافعي. وحكى ابن عبد البر عن ~~مالك وأبي حنيفة؛ جوازه؛ لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة؛ ولذلك جاز أن ~~يشتري الدراهم بدنانير من غير تعيين. # ولنا، أنه بيع دين بدين، ولا يجوز ذلك بالإجماع. قال ابن المنذر: أجمع ~~أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز. وقال أحمد: إنما هو إجماع. وقد ~~روى أبو عبيد في الغريب، ( «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ~~الكالئ بالكالئ» . وفسره بالدين بالدين. إلا أن الأثرم روى عن أحمد، أنه ~~سئل: أيصح في هذا حديث؟ قال: لا. وإنما صح الصرف بغير تعيين، بشرط أن ~~يتقابضا في المجلس، فجرى القبض والتعيين في المجلس مجرى وجوده حالة العقد. ~~ولو كان لرجل على رجل دنانير، فقضاه دراهم شيئا بعد شيء نظرت، فإن كان ~~يعطيه كل درهم بحسابه من الدينار، صح. نص عليه أحمد. # وإن لم يفعل ذلك، ثم تحاسبا بعد ذلك فصارفه بها وقت المحاسبة، لم يجز. نص ms1814 ~~عليه أيضا؛ لأن الدنانير دين، والدراهم صارت دينا، فيصير بيع دين بدين. وإن ~~قبض أحدهما من الآخر ماله عليه، ثم صارفه بعين وذمة، صح. وإذا أعطاه ~~الدراهم شيئا بعد شيء، ولم يقضه ذلك وقت دفعها إليه، ثم أحضرها، وقوماها، ~~فإنه يحتسب بقيمتها يوم القضاء، لا يوم دفعها إليه؛ لأنها قبل ذلك لم تصر ~~في ملكه، إنما هي وديعة في يده، فإن تلفت، أو نقصت، فهي من ضمان مالكها، ~~ويحتمل أن تكون من ضمان القابض لها إذا قبضها بنية الاستيفاء؛ لأنها مقبوضة ~~على أنها عوض ووفاء، والمقبوض في عقد فاسد كالمقبوض في العقد الصحيح، فيما ~~يرجع إلى الضمان وعدمه. ولو كان لرجل عند صيرفي دنانير، فأخذ منه دراهم ~~إدرارا؛ لتكون هذه بهذه، لم يكن كذلك، بل كل واحد منهما في ذمة من قبضه، ~~فإذا أراد التصارف أحضرا أحدهما، واصطرفا بعين وذمة. # (2852) فصل: ويجوز اقتضاء أحد النقدين من الأخر، ويكون صرفا بعين وذمة، ~~في قول # PageV04P037 # أكثر أهل العلم، ومنع منه ابن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن ~~شبرمة، وروي ذلك عن ابن مسعود؛ لأن القبض شرط وقد تخلف. ولنا، ما روى أبو ~~داود، والأثرم، في " سننهما "، عن ابن عمر، قال: «كنت أبيع الإبل بالبقيع، ~~فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من ~~هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت حفصة، ~~فقلت: يا رسول الله، رويدك، أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع ~~بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، ~~وأعطي هذه من هذه؟ فقال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - لا بأس أن ~~تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء» . # قال أحمد: إنما يقضيه إياها بالسعر. لم يختلفوا أنه يقضيه إياها بالسعر، ~~إلا ما قال أصحاب الرأي، إنه يقضيه مكانها ذهبا على التراضي؛ لأنه بيع في ~~الحال، فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس، كما لو كان العوض عرضا. ووجه ~~الأول قول النبي: - صلى الله عليه وسلم - " لا ms1815 بأس أن تأخذها بسعر يومها ". # وروي عن ابن عمر: أن بكر بن عبد الله المزني، ومسروقا العجلي، سألاه عن ~~كري لهما، له عليهما دراهم، وليس معهما إلا دنانير؟ فقال ابن عمر: أعطوه ~~بسعر السوق. ولأن هذا جرى مجرى القضاء، فيقيد بالمثل، كما لو قضاه من ~~الجنس، والتماثل هاهنا من حيث القيمة؛ لتعذر التماثل من حيث الصورة. قيل ~~لأبي عبد الله: فإن أهل السوق يتغابنون بينهم بالدانق في الدينار وما ~~أشبهه؟ فقال: إذا كان مما يتغابن الناس به فسهل فيه، ما لم يكن حيلة، ويزاد ~~شيئا كثيرا. # (2853) فصل: فإن كان المقضي الذي في الذمة مؤجلا، فقد توقف أحمد فيه. ~~وقال القاضي: يحتمل وجهين؛ أحدهما المنع وهو قول مالك، ومشهور قولي ~~الشافعي؛ لأن ما في الذمة لا يستحق قبضه، فكان القبض ناجزا في أحدهما، ~~والناجز يأخذ قسطا من الثمن والآخر الجواز، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه ثابت ~~في الذمة بمنزلة المقبوض، فكأنه رضي بتعجيل المؤجل. والصحيح الجواز، إذا ~~قضاه بسعر يومها، ولم يجعل للمقضي فضلا لأجل تأجيل ما في الذمة؛ لأنه إذا ~~لم ينقصه عن سعرها شيئا، فقد رضي بتعجيل ما في الذمة بغير عوض، فأشبه ما لو ~~قضاه من جنس الدين، ولم يستفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عمر حين ~~سأله، ولو افترق الحال لسأل واستفصل. (2854) # فصل: قال أحمد: ولو كان لرجل على رجل عشرة دراهم، فدفع إليه دينارا، ~~فقال: # PageV04P038 # استوف حقك منه. فاستوفاه بعد يومين، جاز. ولو كان عليه دنانير، فوكل ~~غريمه في بيع داره، واستيفاء حقه من ثمنها، فباعها بدراهم، لم يجز أن يأخذ ~~منها قدر حقه؛ لأنه لم يأذن له في مصارفة نفسه، ولأنه متهم. ولو باع جارية ~~بدنانير، فأخذ بها دراهم، فردت الجارية بعيب أو إقالة، لم يكن للمشتري إلا ~~الدنانير؛ لأنه الثمن الذي وقع عليه العقد، وإنما أخذ الدراهم بعقد صرف ~~مستأنف. نص أحمد على هذه المسائل. ### | [فصل عليه دين مؤجل فقال لغريمه ضع عني بعضه وأعجل لك بقيته] # (2855) فصل: إذا كان عليه دين مؤجل، ms1816 فقال لغريمه: ضع عني بعضه، وأعجل لك ~~بقيته. لم يجز. كرهه زيد بن ثابت، وابن عمر، والمقداد، وسعيد بن المسيب، ~~وسالم، والحسن، وحماد، والحكم، والشافعي، ومالك، والثوري، وهشيم، وابن ~~علية، وإسحاق، وأبو حنيفة. وقال المقداد لرجلين فعلا ذلك: كلاكما قد آذن ~~بحرب من الله ورسوله. وروي عن ابن عباس: أنه لم ير به بأسا. وروي ذلك عن ~~النخعي، وأبي ثور؛ لأنه آخذ لبعض حقه، تارك لبعضه، فجاز، كما لو كان الدين ~~حالا. # وقال الخرقي: لا بأس أن يعجل المكاتب لسيده، ويضع عنه بعض كتابته. ولنا ~~أنه بيع الحلول، فلم يجز، كما لو زاده الذي له الدين، فقال له: أعطيك عشرة ~~دراهم وتعجل لي المائة التي عليك. فأما المكاتب فإن معاملته مع سيده، وهو ~~يبيع بعض ماله ببعض، فدخلت المسامحة فيه. ولأنه سبب للعتق، فسومح فيه، ~~بخلاف غيره. ### | [مسألة إن كان العيب دخيلا عليه من غير جنسه كان الصرف فيه فاسدا] # (2856) مسألة؛ قال (فإن كان العيب دخيلا عليه من غير جنسه، كان الصرف فيه ~~فاسدا) يعني إذا وجد أحدهما ما قبضه مغشوشا بغش من غير جنسه، فينظر فيه؛ ~~فإن كان الصرف عينا بعين، فهو فاسد؛ لما أسلفناه. وإن كان بغير عين، وعلم ~~ذلك في المجلس، فرده، وأخذ بدله، فالصرف صحيح؛ لأنه عين المعقود عليه، وإن ~~افترقا قبل رده، فالصرف فيه فاسد أيضا؛ لأنهما تفرقا قبل قبض المعقود عليه، ~~ولم يقبض ما يصلح عوضا عن المعقود عليه. وهذا ظاهر كلام الخرقي. # وقيل عن أحمد: إنه إذا أخذ البدل في مجلس الرد، لم يبطل، كما لو كان ~~العيب من جنسه. وهذا فيما إذا لم يكن مشتري المعيب عالما بعيبه، فأما إن ~~علم بعيبه، فاشتراه على ذلك، والعيب من جنسه، جاز، ولا خيار له، ولا بدل. ~~وإن كان من غير جنسه، وكان الصرف ذهبا بذهب، أو فضة بمثلها، فالصرف فيه ~~فاسد؛ لأنه يخل بالتماثل، إلا أن يبيع ذهبا أو فضة مغشوشا بمثل غشه، كبيعه ~~دينارا صوريا بمثله، مع علمه بتساوي غشهما، وقد ذكرنا أن ms1817 الظاهر جوازه. # وإن باع مغشوشا بغير مغشوش، لم يجز، إلا أن يكون للغش قيمة، فيخرج على ~~مسألة مد عجوة. وإن كان الصرف في جنسين، كذهب بفضة، انبنى على إنفاق ~~المغشوشة. ### | [فصل إنفاق المغشوش من النقود] # (2857) فصل: وفي إنفاق المغشوش من النقود روايتان؛ # PageV04P039 # أظهرهما، الجواز، نقل صالح عنه في دراهم يقال لها المسيبية، عامتها نحاس ~~إلا شيئا فيها فضة، فقال: إذا كان شيئا اصطلحوا عليه مثل الفلوس، اصطلحوا ~~عليها، فأرجو ألا يكون بها بأس. والثانية التحريم، نقل حنبل في دراهم يخلط ~~فيها مش ونحاس يشترى بها ويباع، فلا يجوز أن يبتاع بها أحد. كل ما وقع عليه ~~اسم الغش فالشراء به والبيع حرام. # وقال أصحاب الشافعي: إن كان الغش مما لا قيمة له، جاز الشراء بها، وإن ~~كان مما له قيمة، ففي جواز إنفاقها وجهان، واحتج من منع إنفاق المغشوشة ~~بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من غشنا فليس منا» . وبأن عمر - رضي ~~الله عنه - نهى عن بيع نفاية بيت المال. ولأن المقصود فيه مجهول، أشبه تراب ~~الصاغة، والأولى أن يحمل كلام أحمد في الجواز على الخصوص فيما ظهر غشه، ~~واصطلح عليه، فإن المعاملة به جائزة، إذ ليس فيه أكثر من اشتماله على جنسين ~~لا غرر فيهما، فلا يمنع من بيعهما، كما لو كانا متميزين. ولأن هذا مستفيض ~~في الأعصار، جار بينهم من غير نكير، وفي تحريمه مشقة وضرر، وليس شراؤه بها ~~غشا للمسلمين، ولا تغريرا لهم، والمقصود منها ظاهر مرئي معلوم، بخلاف تراب ~~الصاغة. # ورواية المنع محمولة على ما يخفى غشه، ويقع اللبس به، فإن ذلك يفضي إلى ~~التغرير بالمسلمين، وقد أشار أحمد إلى هذا في رجل اجتمعت عنده دراهم زيوف، ~~ما يصنع بها؟ قال: يسبكها. قيل له: فيبيعها بدنانير؟ قال: لا. قيل: يبيعها ~~بفلوس؟ قال: لا. قيل فبسلعة؟ قال: لا، إني أخاف أن يغر بها مسلما. قيل لأبي ~~عبد الله: أيتصدق بها؟ قال: إني أخاف أن يغر بها مسلما. وقال: ما ينبغي له؛ ~~لأنه يغر بها المسلمين، ولا أقول ms1818 إنه حرام؛ لأنه على تأويل، وذلك إنما ~~كرهته؛ لأنه يغر بها مسلما. فقد صرح بأنه إنما كرهه لما فيه من التغرير ~~بالمسلمين، وعلى هذا يحمل منع عمر نفاية بيت المال؛ لما فيه من التغرير ~~بالمسلمين، فإن مشتريها ربما خلطها بدراهم جيدة، واشترى بها ممن لا يعرف ~~حالها، ولو كانت مما اصطلح على إنفاقه، لم يكن نفاية. # فإن قيل: فقد روي عن عمر أنه قال: من زافت عليه دراهمه فليخرج بها إلى ~~البقيع، فليشتر بها سحق الثياب. وهذا دليل على جواز إنفاق المغشوشة التي لم ~~يصطلح عليها. قلنا: قد قال أحمد: معنى زافت عليه دراهمه. أي نفيت، ليس أنها ~~زيوف فيتعين حمله على هذا جمعا بين الروايتين عنه. ويحتمل أنه أراد ما ظهر ~~غشه، وبان زيفه، بحيث لا يخفى على أحد، ولا يحصل بها تغرير. وإن تعذر ~~تأويلها، تعارضت الروايتان عنه، ويرجع إلى ما ذكرنا من المعنى، ولا فرق بين ~~ما كان غشه ذا بقاء وثبات، كالرصاص، والنحاس، وما لا ثبات له، كالزرنيخية، ~~والأندرانية، وهو زرنيخ ونورة يطلى عليه فضة، فإذا دخل النار استهلك الغش، ~~وذهب. ### | [مسألة متى انصرف المتصارفان قبل التقابض فلا بيع بينهما] # (2858) مسألة؛ قال: (ومتى انصرف المتصارفان قبل التقابض، فلا بيع بينهما) # PageV04P040 # الصرف: بيع الأثمان بعضها ببعض. والقبض في المجلس شرط لصحته بغير خلاف. ~~قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا ~~افترقا قبل أن يتقابضا، أن الصرف فاسد. والأصل فيه قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء.» وقوله - عليه السلام - ~~«بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد» . «ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عن بيع الذهب بالورق دينا، ونهى أن يباع غائب منها بناجز» كلها أحاديث ~~صحاح. # ويجزئ القبض في المجلس، وإن طال، ولو تماشيا مصطحبين إلى منزل أحدهما، أو ~~إلى الصراف، فتقابضا عنده، جاز. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: لا خير في ~~ذلك؛ لأنهما فارقا مجلسهما. # ولنا أنهما لم يفترقا قبل التقابض، فأشبه ما ms1819 لو كانا في سفينة تسير بهما، ~~أو راكبين على دابة واحدة تمشي بهما. وقد دل على ذلك حديث أبي برزة الأسلمي ~~في قوله للذين مشيا إليه من جانب العسكر: وما أراكما افترقتما. وإن تفرقا ~~قبل التقابض بطل الصرف؛ لفوات شرطه. # وإن قبض البعض، ثم افترقا، بطل فيما لم يقبض، وفيما يقابله من العوض. وهل ~~يصح في المقبوض؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة. ولو وكل أحدهما وكيلا ~~في القبض، فقبض الوكيل قبل تفرقهما، جاز، وقام قبض وكيله مقام قبضه، سواء ~~فارق الوكيل المجلس قبل القبض، أو لم يفارقه. وإن افترقا قبل قبض الوكيل، ~~بطل لأن القبض في المجلس شرط، وقد فات. وإن تخايرا قبل القبض في المجلس، لم ~~يبطل العقد بذلك؛ لأنهما لم يفترقا قبل القبض. # ويحتمل أن يبطل إذا قلنا بلزوم العقد، وهو مذهب الشافعي؛ لأن العقد لم ~~يبق فيه خيار قبل القبض، أشبه ما لو افترقا. والصحيح الأول، فإن الشرط ~~التقابض في المجلس، وقد وجد، واشتراط التقابض قبل اللزوم تحكم بغير دليل. ~~ثم يبطل بما إذا تخايرا قبل الصرف، ثم اصطرفا، فإن الصرف يقع لازما صحيحا ~~قبل القبض، ثم يشترط القبض في المجلس. ### | [فصل صارف رجلا دينارا بعشرة دراهم وليس معه إلا خمسة دراهم] # (2859) فصل: ولو صارف رجلا دينارا بعشرة دراهم، وليس معه إلا خمسة دراهم، ~~لم يجز أن يتفرقا قبل قبض العشرة كلها، فإن قبض الخمسة وافترقا، بطل الصرف ~~في نصف الدينار. وهل يبطل فيما يقابل الخمسة المقبوضة؟ على وجهين، بناء على ~~تفريق الصفقة. وإن أراد التخلص، فسخا الصرف في النصف الذي ليس معه عوضه، أو ~~يفسخان العقد كله، ثم يشترى منه نصف الدينار بخمسة، ويدفعها إليه، ثم يأخذ ~~الدينار كله، فيكون ما اشتراه منه له، وما بقي أمانة في يده، ثم يفترقان، ~~ثم إذا صارفه بعد ذلك بالباقي له من الدينار، أو اشترى به منه شيئا، أو ~~جعله سلما في شيء أو وهبه له، جاز، وكذلك إن وكله فيه. # ولو اشترى فضة بدينار ونصف، ودفع إلى ms1820 البائع دينارين، وقال: أنت وكيلي في ~~نصف الدينار الزائد، صح. ولو صارفه عشرة دراهم بدينار، فأعطاه أكثر من ~~دينار ليزن له حقه في وقت آخر، جاز، # PageV04P041 # وإن طال، ويكون الزائد أمانة في يده، لا شيء عليه في تلفه. نص أحمد على ~~أكثر هذه المسائل. فإن لم يكن مع أحدهما إلا خمسة دراهم، فاشترى بها نصف ~~دينار، وقبض دينارا كاملا، ودفع إليه الدراهم، ثم اقترضها منه، فاشترى بها ~~النصف الباقي، أو اشترى الدينار منه بعشرة ابتداء، ودفع إليه الخمسة، ثم ~~اقترضها منه، ودفعها إليه عوضا عن النصف الآخر على غير وجه الحيلة، فلا ~~بأس. ### | [فصل باع مدي تمر رديء بدرهم ثم اشترى بالدرهم تمرا جنيبا] # (2860) فصل: وإذا باع مدي تمر رديء بدرهم، ثم اشترى بالدرهم تمرا جنيبا، ~~أو اشترى من رجل دينارا صحيحا بدراهم، وتقابضاها، ثم اشترى منه بالدراهم ~~قراضة من غير مواطأة، ولا حيلة، فلا بأس به. # وقال ابن أبي موسى: لا يجوز، إلا أن يمضي إلى غيره ليبتاع منه، فلا ~~يستقيم له، فيجوز أن يرجع إلى البائع، فيبتاع منه. وقال أحمد في رواية ~~الأثرم: يبيعها من غيره أحب إلي. قلت له: قال لم يعلمه أنه يريد أن يبيعها ~~منه؟ فقال: يبيعها من غيره، فهو أطيب لنفسه وأحرى أن يستوفي الذهب منه، ~~فإنه إذا ردها إليه لعله أن لا يوفيه الذهب، ولا يحكم الوزن، ولا يستقصي، ~~يقول: هي ترجع إليه. # قيل لأبي عبد الله: فذهب ليشتري الدراهم بالذهب الذي أخذها منه من غيره، ~~فلم يجدها، فرجع إليه؟ فقال: إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره، فنعم. ~~فظاهر أن هذا على وجه الاستحباب، لا الإيجاب. ولعل أحمد إنما أراد اجتناب ~~المواطأة على هذا، ولهذا قال: إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره، ~~فنعم. # وقال مالك: إن فعل ذلك مرة، جاز، وإن فعله أكثر من مرة، لم يجز؛ لأنه ~~يضارع الربا. ولنا ما روى أبو سعيد، قال: «جاء بلال إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بتمر برني، فقال ms1821 له النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أين هذا؟ ~~. قال بلال: كان عندنا تمر رديء، فبعت صاعين بصاع؛ ليطعم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أوه، عين الربا، لا ~~تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري، فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به.» وروى أيضا ~~أبو سعيد، وأبو هريرة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا ~~على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ . قال: لا والله. إنا ~~لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: لا تفعل، بع التمر بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبا.» ~~متفق عليهما. ولم يأمره أن يبيعه من غير من يشتري منه، ولو كان ذلك محرما ~~لبينه له، وعرفه إياه. # ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من ~~غيره. ولأن ما جاز من البياعات مرة، جاز على الإطلاق، كسائر البياعات. فأما ~~إن تواطآ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة، ~~والشافعي: يجوز، ما لم يكن مشروطا في العقد. # PageV04P042 # ولنا أنه إذا كان عن مواطأة كان حيلة، والحيل محرمة على ما سنذكره. ### | [فصل الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين] # (2861) فصل: والحيل كلها محرمة، غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر ~~عقدا مباحا يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرم الله، واستباحة ~~محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق، ونحو ذلك. قال أيوب السختياني: إنهم ~~ليخادعون الله، كأنما يخادعون صبيا، لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان ~~أسهل علي. فمن ذلك؛ ما لو كان مع رجل عشرة صحاح، ومع الآخر خمسة عشر مكسرة، ~~فاقترض كل واحد منهما ما مع صاحبه، ثم تباريا، توصلا إلى بيع الصحاح ~~بالمكسرة متفاضلا، أو باعه الصحاح بمثلها من المكسرة، ثم وهبه الخمسة ~~الزائدة، أو اشترى منه بها أوقية صابون، أو نحوها ما يأخذه بأقل من قيمته، ~~أو اشترى منه ms1822 بعشرة إلا حبة من الصحيح مثلها من المكسرة، ثم اشترى منه ~~بالحبة الباقية ثوبا قيمته خمسة دنانير. وهكذا لو أقرضه شيئا، أو باعه سلعة ~~بأكثر من قيمتها، أو اشترى منه سلعة بأقل من قيمتها توصلا إلى أخذ عوض عن ~~القرض، فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم. وبهذا قال مالك. # وقال أبو حنيفة، والشافعي: ذلك كله وأشباهه جائز، إذا لم يكن مشروطا في ~~العقد. وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره أن يدخلا في البيع على ذلك لأن كل ما ~~لا يجوز شرطه في العقد يكره أن يدخلا عليه. ولنا، أن الله تعالى عذب أمة ~~بحيلة احتالوها، فمسخهم قردة، وسماهم معتدين، وجعل ذلك نكالا وموعظة ~~للمتقين؛ ليتعظوا بهم، ويمتنعوا من مثل أفعالهم. وقال بعض المفسرين في قوله ~~تعالى {وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] . أي لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-. # فروي أنهم كانوا ينصبون شباكهم للحيتان يوم الجمعة، ويتركونها إلى يوم ~~الأحد، ومنهم من كان يحفر حفائر، ويجعل إليها مجاري، فيفتحها يوم الجمعة، ~~فإذا جاء السمك يوم السبت، جرى مع الماء في المجاري، فيقع في الحفائر، ~~فيدعها إلى يوم الأحد، ثم يأخذها، ويقول: ما اصطدت يوم السبت، ولا اعتديت ~~فيه. فهذه حيلة. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أدخل فرسا بين ~~فرسين، وقد أمن أن يسبق، فهو قمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين، وهو لا يأمن ~~أن يسبق، فليس بقمار.» رواه أبو داود، وغيره. فجعله قمارا مع إدخاله الفرس ~~الثالث؛ لكونه لا يمنع معنى القمار، وهو كون كل واحد من المتسابقين لا ينفك ~~عن كونه آخذا، أو مأخوذا منه، وإنما دخل صورة، تحيلا على إباحة المحرم، ~~وسائر الحيل مثل ذلك. # ولأن الله تعالى إنما حرم هذه المحرمات لمفسدتها، والضرر الحاصل منها. ~~ولا تزول مفسدتها مع إبقاء معناها، بإظهارهما صورة غير صورتها، فوجب أن لا ~~يزول التحريم، كما لو سمى الخمر بغير اسمها، لم يبح ذلك شربها، # PageV04P043 # وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليستحلن قوم من ms1823 أمتي ~~الخمر يسمونها بغير اسمها» . # ومن الحيل في غير الربا، أنهم يتوصلون إلى بيع الشيء المنهي عنه، أن ~~يستأجر بياض أرض البستان بأمثال أجرته، ثم يساقيه على ثمر شجره بجزء من ألف ~~جزء للمالك، وتسعمائة وتسعة وتسعون للعامل، ولا يأخذ منه المالك شيئا، ولا ~~يريد ذلك، وإنما قصد بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بما سماه أجرة، والعامل لا ~~يقصد أيضا سوى ذلك، وربما لا ينتفع بالأرض التي سمى الأجرة في مقابلتها، ~~ومتى لم يخرج الثمر، أو أصابته جائحة، جاء المستأجر يطلب الجائحة، ويعتقد ~~أنه إنما بذل ماله في مقابلة الثمرة لا غير، ورب الأرض يعلم ذلك. ### | [فصل اشترى شيئا بمكسرة] # (2862) فصل: ولو اشترى شيئا بمكسرة، لم يجز أن يعطيه صحيحا أقل منها. قال ~~أحمد: هذا هو الربا المحض؛ وذلك لأنه يأخذ عوض الفضة أقل منها، فيحصل ~~التفاضل بينهما. ولو اشتراه بصحيح، لم يجز أن يعطيه مكسرة أكثر منها كذلك. ~~فإن تفاسخا البيع، ثم عقدا بالصحاح، أو بالمكسرة جاز. # ولو اشترى ثوبا بنصف دينار، لزمه نصف دينار شق، فإن عاد فاشترى شيئا آخر ~~بنصف آخر لزمه نصف شق أيضا، فإن وفاه دينارا صحيحا، بطل العقد الثاني؛ لأنه ~~تضمن اشتراط زيادة ثمن العقد الأول، وإن كان ذلك قبل لزوم العقد الأول، بطل ~~أيضا؛ لأنه وجد ما يفسده قبل انبرامه. وإن كان بعد تفرقهما فلزومه، لم يؤثر ~~ذلك فيه، ولا يلزمه أكثر من ثمنه الذي عقد البيع به. ومذهب الشافعي في هذا ~~كما ذكرنا. ### | [فصل له عند رجل دينار وديعة فصارفه به وهو معلوم بقاؤه أو مظنون] # (2863) فصل: إذا كان له عند رجل دينار وديعة، فصارفه به، وهو معلوم ~~بقاؤه، أو مظنون، صح الصرف. وإن ظن أنه غير موجود، لم يصح الصرف؛ لأن حكمه ~~حكم المعدوم. وإن شك فيه فقال ابن عقيل: يصح. وهو قول بعض الشافعية. وقال ~~القاضي: لا يصح؛ لأنه غير معلوم البقاء. وهو منصوص الشافعي. # ووجه الأول، أن الأصل بقاؤه، فصح البناء عليه عند الشك، فإن الشك لا يزيل ~~اليقين؛ ms1824 ولذلك صح بيع الحيوان الغائب المشكوك في حياته، فإن تبين أنه كان ~~تالفا حين العقد، تبينا أن العقد وقع باطلا. ### | [فصل بيع تراب الصاغة والمعدن بشيء من جنسه] # (2864) فصل: ولا يجوز بيع تراب الصاغة والمعدن بشيء من جنسه؛ لأنه مال ~~ربا بيع بجنسه على وجه لا تعلم المماثلة بينهما، فلم يصح، كبيع الصبرة ~~بالصبرة. وإن بيع بغير جنسه، فحكى ابن # PageV04P044 # المنذر عن أحمد، كراهة بيع تراب المعادن. وهو قول عطاء، والشافعي، ~~والشعبي، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق؛ لأنه مجهول. # وقال ابن أبي موسى في (الإرشاد) : يجوز ذلك. وهو قول مالك. وروي ذلك عن ~~الحسن، والنخعي، وربيعة، والليث، قالوا: فإن اختلط، أو أشكل فليبعه بعرض، ~~ولا يبعه بعين ولا ورق؛ لأنه باعه بما لا ربا فيه فجاز، كما لو اشترى ثوبا ~~بدينار ودرهم. ### | [مسألة بيع العرايا] # (2865) مسألة؛ قال (والعرايا التي أرخص فيها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ هو أن يوهب للإنسان من النخل ما ليس فيه خمسة أوسق، فيبيعها بخرصها ~~من التمر لمن يأكلها رطبا) في هذه المسألة فصول خمسة: (2866) فصل أولها، في ~~إباحة بيع العرايا في الجملة. وهو قول أكثر أهل العلم. منهم مالك، وأهل ~~المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. # وقال أبو حنيفة: لا يحل بيعها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن ~~بيع المزابنة، والمزابنة، بيع الثمر بالثمر» . متفق عليه. ولأنه يبيع الرطب ~~بالتمر من غير كيل في أحدهما، فلم يحز، كما لو كان على وجه الأرض، أو فيما ~~زاد على خمسة أوسق. # ولنا، ما روى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «رخص في ~~العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق» . متفق عليه، ورواه زيد بن ثابت، ~~وسهل بن أبي حثمة، وغيرهما. وخرجه أئمة الحديث في كتبهم. وحديثهم في سياقه: ~~(إلا العرايا كذلك في المتفق عليه. وهذه زيادة يجب الأخذ بها. ولو قدر ~~تعارض الحديثين، وجب تقديم حديثنا لخصوصه، جمعا بين الحديثين، وعملا بكلا ~~النصين. # وقال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة هو ms1825 الذي أرخص في العرايا، وطاعة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى. والقياس لا يصار إليه مع النص مع ~~أن في الحديث، أنه أرخص في العرايا. والرخصة استباحة المحظور، مع وجود ~~السبب الحاظر، فلو منع وجود السبب من الاستباحة، لم يبق لنا رخصة بحال. ~~(2867) # الفصل الثاني، أنها لا تجوز في زيادة على خمسة أوسق، بغير خلاف نعلمه، ~~وتجوز فيما دون خمسة أوسق، بغير خلاف بين القائلين بجوازها. فأما في خمسة ~~أوسق، فلا يجوز عند إمامنا - رحمه الله -. وبه قال ابن المنذر، والشافعي في ~~أحد قوليه. وقال مالك، والشافعي في قول: يجوز. ورواه إسماعيل بن سعيد عن ~~أحمد؛ لأن في حديث زيد وسهل أنه رخص في العرية، مطلقا، ثم استثنى ما زاد ~~على الخمسة في حديث أبي هريرة، وشك في الخمسة فاستثنى اليقين، وبقي المشكوك ~~فيه على مقتضى الإباحة. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن المزابنة.» والمزابنة: ~~بيع الرطب بالتمر، ثم أرخص في العرية فيما دون خمسة أوسق، وشك في الخمسة، ~~فيبقى على العموم في التحريم. ولأن العرية رخصة بنيت على خلاف النص والقياس ~~يقينا فيما دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها مع # PageV04P045 # الشك وروى ابن المنذر، بإسناده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «رخص في ~~بيع العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة.» والتخصيص بهذا يدل على ~~أنه لا تجوز الزيادة في العدد عليه، كما اتفقنا على أنه لا تجوز الزيادة ~~على الخمسة؛ لتخصيصه إياها بالذكر. # وروى مسلم عن سهل، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع ~~العرية؛ النخلة والنخلتين.» ولأن خمسة الأوسق في حكم ما زاد عليها؛ بدليل ~~وجوب الزكاة فيها دون ما نقص عنها، ولأنها قدر تجب الزكاة فيه، فلم يجز ~~بيعه عرية، كالزائد عليها. فأما قولهم: أرخص في العرية مطلقا، فلم يثبت أن ~~الرخصة المطلقة سابقة على الرخصة المقيدة، ولا متأخرة عنها، بل الرخصة ~~واحدة، رواها بعضهم مطلقة وبعضهم مقيدة، فيجب حمل المطلق على المقيد، ويصير ~~القيد المذكور في أحد ms1826 الحديثين كأنه مذكور في الآخر، ولذلك يقيد فيما زاد ~~على الخمسة، اتفاقا. ### | [فصل لا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق فيما زاد على صفقة] # (2868) فصل: ولا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق، فيما زاد على صفقة، ~~سواء اشتراها من واحد أو من جماعة. وقال الشافعي: يجوز للإنسان بيع جميع ~~ثمر حائطه عرايا، من رجل واحد، ومن رجال، في عقود متكررة؛ لعموم حديث زيد ~~وسهل، ولأن كل عقد جاز مرة، جاز أن يتكرر، كسائر البيوع. # ولنا، عموم النهي عن المزابنة، استثنى منه العرية فيما دون خمسة أوسق، ~~فما زاد يبقى على العموم في التحريم. ولأن ما لا يجوز عليه العقد مرة إذا ~~كان نوعا واحدا، لا يجوز في عقدين، كالذي على وجه الأرض، وكالجمع بين ~~الأختين، فأما حديث سهل فإنه مقيد بالنخلة والنخلتين؛ بدليل ما روينا، فيدل ~~على تحريم الزيادة عليهما، ثم إن المطلق يحمل على المقيد كما في العقد ~~الواحد. فأما إن باع رجل عريتين من رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز. # وقال أبو بكر والقاضي: لا يجوز؛ لما ذكرنا في المشتري. ولنا أن المغلب في ~~التجويز حاجة المشتري؛ بدليل ما روى محمود بن لبيد قال: «قلت لزيد بن ثابت: ~~ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالا محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله أن ~~الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه، وعندهم فضول من ~~التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم ~~يأكلونه رطبا.» وإذا كان سبب الرخصة حاجة المشتري، لم تعتبر حاجة البائع ~~إلى البيع، فلا يتقيد في حقه بخمسة أوسق. # ولأننا لو اعتبرنا الحاجة من المشتري وحاجة البائع إلى البيع، أفضى إلى ~~أن لا يحصل الإرفاق، إذ لا يكاد يتفق وجود الحاجتين، # PageV04P046 # فتسقط الرخصة. فإن قلنا: لا يجوز ذلك، بطل العقد الثاني. فإن اشترى ~~عريتين أو باعهما، وفيهما أقل من خمسة أوسق، جاز، وجها واحدا. (2869) الفصل ~~الثالث، أنه لا يشترط في بيع العرية أن تكون موهوبة لبائعها. هذا ظاهر كلام ms1827 ~~أصحابنا. وبه قال الشافعي. وظاهر قول الخرقي، أنه شرط. # وقد روى الأثرم، قال: سمعت أحمد سئل عن تفسير العرايا. فقال: العرايا أن ~~يعري الرجل الجار أو القرابة للحاجة أو المسكنة، فللمعري أن يبيعها ممن ~~شاء. وقال مالك: بيع العرايا الجائز هو أن يعري الرجل الرجل نخلات من ~~حائطه، ثم يكره صاحب الحائط دخول الرجل المعري؛ لأنه ربما كان مع أهله في ~~الحائط، فيؤذيه دخول صاحبه عليه، فيجوز أن يشتريها منه. واحتجوا بأن العرية ~~في اللغة هبة ثمرة النخيل عاما. قال أبو عبيد: الإعراء، أن يجعل الرجل ~~للرجل ثمرة نخله عامها ذلك. قال الشاعر الأنصاري يصف النخل: # ليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح # يقول: إنا نعريها الناس. فتعين صرف اللفظ إلى موضوعه لغة ومقتضاه في ~~العربية، ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك. # ولنا، حديث زيد بن ثابت، وهو حجة على مالك، في تصريحه بجواز بيعها من غير ~~الواهب، ولأنه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق، لعدم اختصاص ~~الحاجة بها. ولم يجز بيعها بالتمر؛ لأن الظاهر من حال صاحب الحائط الذي له ~~النخيل الكثير يعريه الناس، أنه لا يعجز عن أداء ثمن العرية، وفيه حجة على ~~من اشترط كونها موهوبة لبائعها؛ لأن علة الرخصة حاجة المشتري إلى أكل ~~الرطب، ولا ثمن معه سوى التمر، فمتى وجد ذلك، جاز البيع. # ولأن اشتراط كونها موهوبة مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطبا، ولا ~~ثمن معه، يفضي إلى سقوط الرخصة، إذ لا يكاد يتفق ذلك. ولأن ما جاز بيعه إذا ~~كان موهوبا، جاز وإن لم يكن موهوبا، كسائر الأموال، وما جاز بيعه لواهبه، ~~جاز لغيره، كسائر الأموال، وإنما سمي عرية لتعريه عن غيره، وإفراده بالبيع. # (2870) الفصل الرابع: أنه إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر، لا أقل منه ~~ولا أكثر ويجب # PageV04P047 # أن يكون التمر الذي يشتري به معلوما بالكيل، ولا يجوز جزافا. لا نعلم في ~~هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافا؛ لما روى زيد بن ثابت، «أن رسول الله ms1828 ~~- صلى الله عليه وسلم - أرخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا.» متفق عليه ~~ولمسلم، أن تؤخذ بمثل خرصها تمرا يأكلها أهلها رطبا. ولأن الأصل اعتبار ~~الكيل من الطرفين، سقط في أحدهما للتعذر، فيجب في الآخر بقضية الأصل. ولأن ~~ترك الكيل من الطرفين يكثر الغرر، وفي تركه من أحدهما يقلل الغرر، ولا يلزم ~~من صحته مع قلة الغرر، صحته مع كثرته. # ومعنى خرصها بمثلها من التمر، أن يطيف الخارص بالعرية، فينظر كم يجيء ~~منها تمرا، فيشتريها المشتري بمثلها تمرا. وبهذا قال الشافعي. ونقل حنبل عن ~~أحمد، أنه قال: يخرصها رطبا، ويعطي تمرا رخصة. وهذا يحتمل الأول، ويحتمل ~~أنه يشتريها بتمر مثل الرطب الذي عليها؛ لأنه بيع اشترطت المماثلة فيه، ~~فاعتبرت حال البيع كسائر البيوع. ولأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال، وأن ~~لا يباع الرطب بالتمر. خولف الأصل في بيع الرطب بالتمر، فيبقى فيما عداه ~~على قضية الدليل. # وقال القاضي: الأول أصح؛ لأنه يبنى على خرص الثمار في العشر والصحيح، ثم ~~خرصه تمرا. ولأن المماثلة في بيع التمر بالتمر معتبرة حالة الادخار، وبيع ~~الرطب بمثله تمرا يفضي إلى فوات ذلك. فأما إن اشتراها بخرصها رطبا، لم يجز. ~~وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي. والثاني يجوز. والثالث، لا يجوز مع اتفاق ~~النوع، ويجوز مع اختلافه. # ووجه جوازه، ما روى الجوزجاني، عن أبي صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن ~~سالم، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو التمر، ولم يرخص في غير ذلك.» ~~ولأنه إذا جاز بيع الرطب بالتمر مع اختصاص أحدهما بالنقص في ثاني الحال، ~~فلأن يجوز مع عدم ذلك أولى. ولنا، ما روى مسلم بإسناده عن زيد بن ثابت، «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص في العرايا أن تؤخذ بمثل خرصها ~~تمرا.» وعن سهل بن أبي حثمة، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~بيع الثمر بالتمر، وقال: ذلك الربا، تلك المزابنة. ms1829 إلا أنه رخص في العرية، ~~النخلة والنخلتين، يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا، يأكلونها رطبا.» # ولأنه مبيع يجب فيه مثله تمرا، فلم يجز بيعه بمثله رطبا، كالتمر الجاف. ~~ولأن من له رطب فهو مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده، وبيع العرايا يشترط ~~فيه حاجة المشتري، على ما أسلفناه. # وحديث ابن عمر شك في الرطب والتمر، فلا يجوز العمل به مع الشك، سيما وهذه ~~الأحاديث تبينه، وتزيل الشك. ### | [فصل يشترط في بيع العرايا التقابض في المجلس] # (2871) فصل: ويشترط في بيع العرايا التقابض في المجلس. وهذا قول الشافعي، ~~ولا نعلم فيه مخالفا؛ لأنه بيع تمر بتمر، فاعتبر فيه شروطه، إلا ما استثناه ~~الشرع مما لا يمكن اعتباره في بيع العرايا. # PageV04P048 # والقبض في كل واحد منهما على حسبه، ففي التمر اكتياله أو نقله، وفي ~~الثمرة التخلية. وليس من شروطه حضور التمر عند النخيل، بل لو تبايعا بعد ~~معرفة التمر والثمرة، ثم مضيا جميعا إلى النخلة، فسلمها إلى مشتريها، ثم ~~مشيا إلى التمر فتسلمه من مشتريها، أو تسلم التمر ثم مضيا إلى النخلة جميعا ~~فسلمها إلى مشتريها، أو سلم النخلة، ثم مضيا إلى التمر فتسلمه، جاز؛ لأن ~~التفرق لا يحصل قبل القبض. # إذا ثبت هذا، فإن بيع العرية يقع على وجهين؛ أحدهما، أن يقول: بعتك ثمرة ~~هذه النخلة بكذا وكذا من التمر. ويصفه. والثاني، أن يكيل من التمر بقدر ~~خرصها، ثم يقول: بعتك هذا بهذا، أو يقول: بعتك ثمرة هذه النخلة بهذا التمر، ~~ونحو هذا. # وإن باعه بمعين فقبضه بنقله وأخذه، وإن باع بموصوف فقبضه باكتياله. ~~(2872) الفصل الخامس: أنه لا يجوز بيعها إلا لمحتاج إلى أكلها رطبا، ولا ~~يجوز بيعها لغني. وهذا أحد قولي الشافعي، وأباحها في القول الآخر مطلقا لكل ~~أحد؛ لأن كل بيع جاز للمحتاج، جاز للغني، كسائر البياعات، ولأن حديث أبي ~~هريرة وسهل مطلقان. # ولنا حديث «زيد بن ثابت، حين سأله، محمود بن لبيد ما عراياكم هذه؟ فسمى ~~رجالا محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ms1830 ~~الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه، وعندهم فضول من ~~التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر يأكلونه رطبا.» ومتى ~~خولف الأصل بشرط، لم تجز مخالفته بدون ذلك الشرط. # ولأن ما أبيح للحاجة، لم يبح مع عدمها، كالزكاة للمساكين، والترخص في ~~السفر. فعلى هذا، متى كان صاحبها غير محتاج إلى أكل الرطب، أو كان محتاجا، ~~ومعه من الثمن ما يشتري به العرية، لم يجز له شراؤها بالتمر، وسواء باعها ~~لواهبها تحرزا من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك، أو لغيره، فإنه لا ~~يجوز. # وقال ابن عقيل يباح. ويحتمله كلام أحمد؛ لأن الحاجة وجدت من الجانبين، ~~فجاز. كما لو كان المشتري محتاجا إلى أكلها. ولنا، حديث زيد الذي ذكرناه، ~~والرخصة لمعنى خاص لا تثبت مع عدمه، ولأن في حديث زيد وسهل: «يأكلها أهلها ~~رطبا» . ولو جاز لتخليص المعري لما شرط ذلك. فيشترط إذا في بيع العرية شروط ~~خمسة، أن يكون فيما دون خمسة أوسق، وبيعها بخرصها من التمر، وقبض ثمنها قبل ~~التفرق، وحاجة المشتري إلى أكل الرطب، وأن لا يكون معه ما يشتري به سوى ~~التمر. واشترط القاضي وأبو بكر شرطا سادسا، وهو حاجة البائع إلى البيع. # واشترط الخرقي، كونها موهوبة لبائعها. واشترط أصحابنا لبقاء العقد، بأن ~~يأكلها أهلها رطبا. فإن تركها حتى تصير تمرا بطل العقد. وسنذكر ذلك إن شاء ~~الله تعالى. # PageV04P049 ### | [مسألة ترك المشتري المبيع حتى يتمر] # (2873) مسألة؛ قال: فإن تركه المشتري حتى يتمر بطل العقد يعني إن لم ~~يأخذها المشتري رطبا بطل العقد، خلافا للشافعي في قوله: لا يبطل. وعن أحمد ~~مثله؛ لأن كل ثمرة جاز بيعها رطبا، لا يبطل العقد إذا صارت تمرا، كغير ~~العرية. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يأكلها أهلها رطبا» . ~~ولأن شراءها إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب، فإذا أتمرت تبينا عدم الحاجة، ~~فيبطل العقد. ثم لا فرق بين تركه لغناه عنها، أو مع حاجته إليها، أو تركها ~~لعذر، أو لغير عذر؛ للخبر. ولو أخذها رطبا فتركها عنده ms1831 فأتمرت، أو شمسها، ~~حتى صارت تمرا، جاز؛ لأنه قد أخذها. # ونقل عن أحمد رواية أخرى في من اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، ثم تركها حتى ~~بدا صلاحها، لا يبطل البيع. فيخرج هاهنا مثله. فإن أخذ بعضها رطبا، وترك ~~باقيها حتى أتمر، فهل يبطل البيع في الباقي؟ على وجهين. ### | [فصل بيع العرية في غير النخيل] # (2874) فصل: ولا يجوز بيع العرية في غير النخيل، وهو اختيار ابن حامد، ~~وقول الليث بن سعد. إلا أن يكون مما ثمرته لا يجري فيها الربا، فيجوز بيع ~~رطبها بيابسها؛ لعدم جريان الربا فيها. ويحتمل أن يجوز في العنب والرطب دون ~~غيرهما. وهو قول الشافعي؛ لأن العنب كالرطب في وجوب الزكاة فيهما، وجواز ~~خرصهما، وتوسيقهما، وكثرة تيبيسهما، واقتياتهما في بعض البلدان والحاجة إلى ~~أكل رطبهما، والتنصيص على الشيء يوجب ثبوت الحكم في مثله. ولا يجوز في ~~غيرهما؛ لاختلافهما في أكثر هذه المعاني، فإنه لا يمكن خرصها؛ لتفرقها في ~~الأغصان، واستتارها بالأوراق، ولا يقتات يابسها، فلا يحتاج إلى الشراء به. # وقال القاضي: يجوز في سائر الثمار. وهو قول مالك والأوزاعي قياسا على ~~ثمرة النخيل. ولنا، ما روى الترمذي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى ~~عن المزابنة، الثمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع ~~العنب بالزبيب، وكل ثمرة بخرصها.» وهذا حديث حسن. وهذا يدل على تخصيص ~~العرية بالتمر. # وعن زيد بن ثابت، «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رخص بعد ذلك ~~في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك» . وعن ابن عمر قال: ~~«نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة» ، والمزابنة: بيع ثمر ~~النخل بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا، وعن كل ثمرة بخرصه. ولأن ~~الأصل يقتضي تحريم بيع العرية، وإنما جازت في ثمرة النخيل رخصة، ولا يصح ~~قياس غيرها عليها لوجهين؛ # PageV04P050 # أحدهما، أن غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات بها، وسهولة خرصها، وكون ~~الرخصة في الأصل لأهل المدينة، وإنما كانت حاجتهم إلى الرطب دون غيره. # الثاني، ms1832 أن القياس لا يعمل به إذا خالف نصا، وقياسهم يخالف نصوصا غير ~~مخصوصة، وإنما يجوز التخصيص بالقياس على المحل المخصوص، «ونهي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن بيع العنب بالزبيب» لم يدخله تخصيص فيقاس عليه، وكذلك ~~سائر الثمار. والله أعلم. ### | [باب بيع الأصول والثمار] ### | [مسألة ومن باع نخلا مؤبرا] ### | [الفصل الأول البيع متى وقع على نخل مثمر ولم يشترط الثمرة وكانت مؤبرة] # باب بيع الأصول والثمار (2875) مسألة: قال أبو القاسم، - رحمه الله -: ~~(ومن باع نخلا مؤبرا، وهو ما قد تشقق طلعه، فالثمرة للبائع متروكة في النخل ~~إلى الجزاز إلا أن يشترطها المبتاع) . أصل # الإبار عند أهل العلم: التلقيح. قال ابن عبد البر: إلا أنه لا يكون حتى ~~يتشقق الطلع، وتظهر الثمرة، فعبر به عن ظهور الثمرة؛ للزومه منه. والحكم ~~متعلق بالظهور، دون نفس التلقيح، بغير اختلاف بين العلماء، يقال: أبرت ~~النخلة بالتخفيف والتشديد، فهي مؤبرة ومأبورة. ومنه قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «خير المال سكة مأبورة.» والسكة: النخل المصفوف. وأبرت النخلة ~~آبرها أبرا، وإبارا، وأبرتها تأبيرا، وتأبرت النخلة، وائتبرت، ومنه قول ~~الشاعر: # تأبري يا خيرة الفسيل # وفسر الخرقي المؤبر بما قد تشقق طلعه؛ لتعلق الحكم بذلك، دون نفس ~~التأبير. قال القاضي: وقد يتشقق الطلع بنفسه فيظهر، وقد يشقه الصعاد فيظهر. ~~وأيهما كان فهو التأبير المراد هاهنا. # وفي هذه المسألة فصول ثلاثة: (2876) الفصل الأول: أن البيع متى وقع على ~~نخل مثمر، ولم يشترط الثمرة، وكانت الثمرة مؤبرة، فهي للبائع. وإن كانت غير ~~مؤبرة، فهي للمشتري. وبهذا قال مالك، والليث، والشافعي. وقال ابن أبي ليلى: ~~هي للمشتري في الحالين؛ لأنها متصلة بالأصل اتصال خلقة، فكانت تابعة له، ~~كالأغصان. # وقال أبو حنيفة، والأوزاعي: هي للبائع في الحالين؛ لأن هذا نماء له حد، ~~فلم يتبع أصله في البيع، كالزرع في الأرض. ولنا قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للذي باعها، إلا أن يشترط ~~المبتاع» . متفق عليه. وهذا صريح في رد قول ابن أبي ليلى، وحجة على ms1833 أبي ~~حنيفة والأوزاعي # PageV04P051 # بمفهومه؛ لأنه جعل التأبير حدا لملك البائع للثمرة، فيكون ما قبله ~~للمشتري، وإلا لم يكن حدا، ولا كان ذكر التأبير مفيدا. ولأنه نماء كامن ~~لظهوره غاية، فكان تابعا لأصله قبل ظهوره، وغير تابع له بعد ظهوره، كالحمل ~~في الحيوان. # فأما الأغصان، فإنها تدخل في اسم النخل، وليس لانفصالها غاية، والزرع ليس ~~من نماء الأرض، وإنما هو مودع فيها. ### | [الفصل الثاني متى اشترط الثمرة أحد المتبايعين فهي له مؤبرة كانت أو غير مؤبرة] # (2877) الفصل الثاني: أنه متى اشترطها أحد المتبايعين، فهي له مؤبرة كانت ~~أو غير مؤبرة، البائع فيه والمشتري سواء. وقال مالك: إن اشترطها المشتري ~~بعد التأبير، جاز؛ لأنه بمنزلة شرائها مع أصلها، وإن اشترطها البائع قبل ~~التأبير، لم يجز؛ لأن اشتراطه لها بمنزلة شرائه لها قبل بدو صلاحها بشرط ~~تركها. ولنا، أنه استثنى بعض ما وقع عليه العقد وهو معلوم، فصح، كما لو باع ~~حائطا، واستثنى نخلة بعينها، «ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~الثنيا، إلا أن تعلم» . ولأنه أحد المتبايعين، فصح اشتراطه للثمرة، ~~كالمشتري، وقد ثبت الأصل بالاتفاق عليه، وبقوله - عليه السلام -: «إلا أن ~~يشترطها المبتاع» . # ولو اشترط أحدهما جزءا من الثمرة معلوما، كان ذلك كاشتراط جميعها في ~~الجواز في قول جمهور الفقهاء، وقول أشهب من أصحاب مالك. وقال ابن القاسم: ~~لا يجوز اشتراط بعضها؛ لأن الخبر إنما ورد باشتراط جميعها. ولنا، أن ما جاز ~~اشتراط جميعه، جاز اشتراط بعضه، كمدة الخيار، وكذلك القول في مال العبد إذا ~~اشترط بعضه. ### | [الفصل الثالث الثمرة إذا بقيت للبائع فله تركها في الشجر إلى أوان الجزاز] # (2878) الفصل الثالث: إن الثمرة إذا بقيت للبائع، فله تركها في الشجر إلى ~~أوان الجزاز، سواء استحقها بشرطه أو بظهورها. وبه قال مالك، والشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: يلزمه قطعها، وتفريغ النخل منها؛ لأنه مبيع مشغول بملك البائع، ~~فلزم نقله وتفريغه، كما لو باع دارا فيها طعام، أو قماش له. ولنا، أن النقل ~~والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة، كما لو باع ms1834 دارا فيها طعام، لم يجب ~~نقله إلا على حسب العادة في ذلك، وهو أن ينقله نهارا، شيئا بعد شيء، ولا ~~يلزمه النقل ليلا، ولا جمع دواب البلد لنقله. كذلك هاهنا، يفرغ النخل من ~~الثمرة في أوان تفريغها، وهو أوان جزازها، وقياسه حجة لنا؛ لما بيناه. # إذا تقرر هذا، فالمرجع في جزه إلى ما جرت به العادة، فإذا كان المبيع ~~نخلا، فحين تتناهى حلاوة ثمره، إلا أن يكون مما بسره خير من رطبه، أو ما ~~جرت العادة بأخذه بسرا، فإنه يجزه حين تستحكم حلاوة بسره؛ لأن هذا هو ~~العادة، # PageV04P052 # فإذا استحكمت حلاوته، فعليه نقله. وإن قيل: بقاؤه في شجره خير له وأبقى؛ ~~فعليه النقل؛ لأن العادة في النقل قد حصلت، وليس له إبقاؤه بعد ذلك. # وإن كان المبيع عنبا، أو فاكهة سواه، فأخذه حين يتناهى إدراكه، وتستحكم ~~حلاوته، ويجز مثله. وهذا قول مالك، والشافعي. (2879) فصل: فإن أبر بعضه دون ~~بعض، فالمنصوص عن أحمد، أن ما أبر للبائع، وما لم يؤبر للمشتري. وهو قول ~~أبي بكر للخبر الذي عليه مبنى هذه المسألة، فإن صريحه، أن ما أبر للبائع، ~~ومفهومه، أن ما لم يؤبر للمشتري. # وقال ابن حامد: الكل للبائع. وهو مذهب الشافعي؛ لأنا إذا لم نجعل الكل ~~للبائع، أدى إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان، فيجب أن يجعل ما لم ~~يؤبر تبعا لما أبر، كثمر النخلة الواحدة، فإنه لا خلاف في أن تأبير بعض ~~النخلة يجعل جميعها للبائع، وقد يتبع الباطن الظاهر منه، كأساسات الحيطان ~~تتبع الظاهر منه. ولأن البستان إذا بدا صلاح ثمرة منه جاز بيع جميعها بغير ~~شرط القطع، كذا هاهنا، وهذا من النوع الواحد؛ لأن الظاهر أن النوع الواحد ~~يتقارب يتلاحق، فأما إن أبر، لم يتبعه النوع الآخر. # ولم يفرق أبو الخطاب بين النوع والجنس كله، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنه ~~يفضي إلى سوء المشاركة، واختلاف الأيدي، كما في النوع الواحد. ولنا، أن ~~النوعين يتباعدان، ويتميز أحدهما من الآخر، ولا يخشى اختلاطهما واشتباههما. ~~فأشبها الجنسين. وما ذكره يبطل بالجنسين. ms1835 ولا يصح القياس على النوع الواحد؛ ~~لافتراقهما فيما ذكرناه. # ولو باع حائطين قد أبر أحدهما، لم يتبعه الآخر؛ لأنه يفضي إلى سوء ~~المشاركة، واختلاف الأيدي؛ لانفراد كل واحد منهما عن صاحبه. ولو أبر بعض ~~الحائط، فأفرد بالبيع ما لم يؤبر، فللمبيع حكم نفسه، ولا يتبع غيره. وخرج ~~القاضي وجها في أنه يتبع غير المبيع، ويكون للبائع؛ لأنه قد ثبت للحائط كله ~~حكم التأبير. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. ولا يصح؛ هذا لأن المبيع لم ~~يؤبر منه شيء، فوجب أن يكون للمشتري، بمفهوم الخبر، وكما لو كان منفردا في ~~بستان وحده. ولأنه لا يفضي إلى سوء المشاركة، ولا اختلاف الأيدي، ولا إلى ~~ضرر، فبقي على حكم الأصل. # فإن بيعت النخلة وقد أبرت كلها، أو بعضها، فأطلعت بعد ذلك، فالطلع ~~للمشتري؛ لأنه حدث في ملكه، فكان له، كما لو حدث بعد جزاز الثمرة. ولأن ما ~~أطلع بعد تأبير غيره لا يكاد يشتبه به؛ لتباعد ما بينهما. (2880) فصل: وطلع ~~الفحال كطلع الإناث. وهو ظاهر كلام الشافعي ويحتمل أن يكون طلع الفحال ~~للبائع قبل ظهوره؛ لأنه يؤخذ للأكل قبل ظهوره، فهو كثمرة لا تخلق إلا ~~ظاهرة، كالتين، ويكون ظهور طلعه كظهور ثمرة غيره. # PageV04P053 # ولنا، أنها ثمرة نخل إذا تركت ظهرت، فهي كالإناث، أو يدخل في عموم الخبر. ~~وما ذكر للوجه الآخر لا يصح؛ فإن أكله ليس هو المقصود منه، وإنما يراد ~~للتلقيح به، وهو يكون بعد ظهوره، فأشبه طلع الإناث. # فإن باع نخلا فيه فحال وإناث لم يتشقق منه شيء، فالكل للمشتري، إلا على ~~الوجه الآخر، فإن طلع الفحال يكون للبائع. وإن كان قد تشقق طلع أحد النوعين ~~دون الآخر، فما تشقق فهو للبائع، وما لم يتشقق للمشتري، إلا عند من سوى بين ~~الأنواع كلها. وإن تشقق طلع بعض الإناث أو بعض الفحال، فالذي قد ظهر ~~للبائع، وما لم يظهر على ما ذكرنا من الاختلاف فيه. # (2881) فصل: وكل عقد معاوضة يجري مجرى البيع، في أن الثمرة المؤبرة تكون ~~لمن انتقل عنه الأصل، وغير المؤبرة ms1836 لمن انتقل إليه، مثل أن يصدق المرأة ~~نخلا، أو يخلعها به، أو يجعله عوضا في إجارة، أو عقد صلح؛ لأنه عقد معاوضة، ~~فجرى مجرى البيع. وإن انتقل بغير معاوضة كالهبة، والرهن، أو فسخ لأجل ~~العيب، أو فلس المشتري، أو رجوع الأب في هبته لولده، أو تقايلا المبيع، أو ~~كان صداقا فرجع إلى الزوج لفسخ المرأة النكاح، أو نصفه لطلاق الزوج، فإنه ~~في الفسخ يتبع الأصل، سواء أبر، أو لم يؤبر؛ لأنه نماء متصل، فأشبه السمن، ~~وفي الهبة والرهن حكمهما حكم البيع، في أنه يتبع قبل التأبير، ولا يتبع ~~فيما بعده؛ لأن الملك زال عن الأصل بغير فسخ، فكان الحكم فيه ما ذكرناه، ~~كالبيع. وأما رجوع البائع لفلس المشتري، أو الزوج لانفساخ النكاح، فيذكران ~~في بابيهما. ### | [مسألة بيع الشجر إذا كان فيه ثمر باد] # (2882) مسألة: قال (وكذلك بيع الشجر إذا كان فيه ثمر باد) وجملة ذلك، أن ~~الشجر على خمسة أضرب: أحدها، ما يكون ثمره في أكمامه، ثم تتفتح الأكمام، ~~فيظهر، كالنخل الذي وردت السنة فيه، وبينا حكمه، وهو الأصل، وما عداه مقيس ~~عليه، وملحق به. ومن هذا الضرب؛ القطن، وما يقصد نوره؛ كالورد، والياسمين، ~~والنرجس، والبنفسج، فإنه تظهر أكمامه ثم تتفتح، فيظهر، فهو كالطلع إن تفتح ~~صجنبذه، فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري. الثاني، ما تظهر ثمرته بارزة لا قشر ~~عليها ولا نور، كالتين، والتوت، والجميز، فهن للبائع؛ لأن ظهورها من شجرها ~~بمنزلة ظهور الطلع من قشره. الثالث، ما يظهر في قشره، ثم يبقى فيه إلى حين ~~الأكل، كالرمان، والموز، فهو للبائع أيضا بنفس الظهور؛ لأن قشره من مصلحته، ~~ويبقى فيه إلى حين الأكل، فهو كالتين. # ولأن قشره ينزل منزلة أجزائه؛ للزومه إياه، وكونه من مصلحته. # PageV04P054 # الضرب الرابع، ما يظهر في قشرين، كالجوز، واللوز، فهو للبائع أيضا بنفس ~~الظهور؛ لأن قشره لا يزول عنه غالبا، إلا بعد جزازه، فأشبه الضرب الذي ~~قبله. ولأن قشر اللوز يؤكل معه، فأشبه التين. # وقال القاضي: إن تشقق القشر الأعلى فهو للبائع، وإن لم يتشقق فهو ms1837 ~~للمشتري، كالطلع. ولو اعتبر هذا لم يكن للبائع إلا نادرا، ولا يصح قياسه ~~على الطلع؛ لأن الطلع لا بد من تشققه، وتشققه من مصلحته، وهذا بخلافه، فإنه ~~لا يتشقق على شجره، وتشققه قبل كماله يفسده. الخامس، ما يظهر نوره، ثم ~~يتناثر، فتظهر الثمرة، كالتفاح، والمشمش، والإجاص، والخوخ. فإذا تفتح نوره، ~~وظهرت الثمرة فيه، فهي للبائع، وإن لم تظهر، فهي للمشتري. وقيل: ما تناثر ~~نوره، فهو للبائع، وما لا فهو للمشتري؛ لأن الثمرة لا تظهر حتى يتناثر ~~النور. # وقال القاضي: يحتمل أن تكون للبائع بظهور نوره؛ لأن الطلع إذا تشقق كان ~~كنور الشجر، فإن العقد التي في جوف الطلع ليست عين الثمرة، وإنما هي أوعية ~~لها، تكبر الثمرة في جوفها، وتظهر، فتصير العقدة في طرفها، وهي قمع الرطبة. ~~وقول الخرقي يقتضي ما قلناه؛ لأنه علق استحقاق البائع لها بكون الثمر باديا ~~لا يبدو نوره. ولا يبدو الثمر حتى يتفتح نوره. وقد يبدو إذا كبر قبل أن ~~ينثر النور، فتعلق ذلك بظهوره. # والعنب بمنزلة ما له نور؛ لأنه يبدو في قطوفه شيء صغار كحب الدخن، ثم ~~يتفتح، ويتناثر كتناثر النور، فيكون من هذا القسم. والله أعلم. وهذا يفارق ~~الطلع؛ لأن الذي في الطلع عين الثمرة ينمو ويتغير، والنور في هذه الثمار ~~يتساقط، ويذهب، وتظهر الثمرة. ومذهب الشافعي في هذا الفصل جميعه كما ذكرنا ~~هاهنا، أو قريبا منه، وبينهما اختلاف على حسب ما ذكرنا من الخلاف، أو قريبا ~~منه. ### | [فصل الأغصان والورق وسائر أجزاء الشجر للمشتري بكل حال] # (2883) فصل: فأما الأغصان، والورق، وسائر أجزاء الشجر، فهو للمشتري بكل ~~حال؛ لأنه من أجزائها خلق لمصلحتها، فهو كأجزاء سائر المبيع. ويحتمل أن ~~يكون ورق التوت الذي يقصد أخذه لتربية دود القز إن تفتح، فهو للبائع، وإلا ~~فهو للمشتري؛ لأنه بمنزلة الجنبذ الذي يتفتح، فيظهر نوره من الورد وغيره، ~~وهذا في المواضع التي عادتهم أخذ الورق، وإن لم تكن عادتهم ذلك، فهو ~~للمشتري، كسائر ورق الشجر. والله أعلم. ### | [فصل كانت الثمرة للبائع مبقاة في شجر المشتري ms1838 فاحتاجت إلى سقي] # (2884) فصل: وإذا كانت الثمرة للبائع مبقاة في شجر المشتري، فاحتاجت إلى ~~سقي، لم يكن للمشتري منعه منه؛ لأنه يبقى به، فلزمه تمكينه منه، كتركه على ~~الأصول، وإن أراد سقيها من غير حاجة، فللمشتري منعه منه؛ لأنه بسقيه يتضمن ~~التصرف في ملك غيره، ولأن الأصل منعه من التصرف في ملك # PageV04P055 # غيره، وإنما أباحته الحاجة، فإن لم توجد الحاجة يبقى على أصل المنع، فإن ~~احتاجت إلى السقي، وفيه ضرر على الشجر، أو احتاج الشجر إلى سقي يضر ~~بالثمرة، فقال القاضي: أيهما طلب السقي لحاجته أجبر الآخر عليه؛ لأنه دخل ~~في العقد على ذلك، فإن المشتري اقتضى عقده تبقية الثمرة، والسقي من ~~تبقيتها، والعقد اقتضى تمكين المشتري من حفظ الأصول، وتسليمها، فلزم كل ~~واحد منهما ما أوجبه العقد للآخر، وإن أضر به. وإنما له أن يسقي بقدر ~~حاجته، فإن اختلفا في قدر الحاجة، رجع إلى أهل الخبرة. وأيهما التمس السقي ~~فالمؤنة عليه؛ لأنه لحاجته. ### | [فصل خيف على الأصول الضرر بتبقية الثمرة عليها لعطش أو غيره] # (2885) فصل: فإن خيف على الأصول الضرر بتبقية الثمرة عليها لعطش أو غيره، ~~والضرر يسير، لم يجبر على قطعها؛ لأنها مستحقة للبقاء، فلم يجبر على ~~إزالتها لدفع ضرر يسير عن غيره. وإن كان كثيرا، فخيف على الأصول الجفاف أو ~~نقص حملها، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يجبر أيضا لذلك. الثاني، يجبر على ~~القطع؛ لأن الضرر يلحقها وإن لم تقطع، والأصول تسلم بالقطع، فكان القطع ~~أولى. وللشافعي قولان كالوجهين. ### | [فصل باع شجرا فيه ثمر للبائع فحدثت ثمرة أخرى] # (2886) فصل: وإذا باع شجرا فيه ثمر للبائع، فحدثت ثمرة أخرى، أو اشترى ~~ثمرة في شجرها، فحدثت ثمرة أخرى، فإن تميزتا، فلكل واحد ثمرته، وإن لم ~~تتميز إحداهما من الأخرى، فهما شريكان فيهما، كل واحد بقدر ثمرته. فإن لم ~~يعلم قدر كل واحدة منهما، اصطلحا عليها، ولا يبطل العقد؛ لأن المبيع لم ~~يتعذر تسليمه، وإنما اختلط بغيره، فهو كما لو اشترى طعاما في مكان، فانثال ~~عليه طعام للبائع، أو انثال هو ms1839 على طعام للبائع، ولم يعرف قدر كل واحد ~~منهما. ويفارق هذا ما لو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، فتركها حتى بدا ~~صلاحها، أو اشترى عرية، فتركها حتى أثمرت، فإن العقد يبطل في إحدى ~~الروايتين؛ لكون اختلاط المبيع بغيره حصل بارتكاب النهي، وكونه يتخذ حيلة ~~على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، أو شراء الرطب بالتمر من غير كيل من غير ~~حاجة إلى أكله رطبا، وها هنا ما ارتكب نهيا، ولا يجعل هذا طريقا إلى فعل ~~المحرم. # وجمع أبو الخطاب بينهما، فقال: في الجميع روايتان؛ إحداهما، يبطل العقد. ~~والأخرى، لا يبطل. وقال القاضي: إن كانت الثمرة للبائع، فحدثت ثمرة أخرى، ~~قيل لكل واحد: اسمح بنصيبك لصاحبك. فإن فعله أحدهما، أقررنا العقد وأجبرنا ~~الآخر على القبول؛ لأنه يزول به النزاع. وإن امتنعا، فسخنا العقد؛ لتعذر ~~وصول كل واحد منهما إلى قدر حقه. وإن اشترى ثمرة، فحدثت ثمرة أخرى، لم نقل ~~للمشتري: اسمح بنصيبك؛ لأن الثمرة كل المبيع، فلا يؤمر بتخليته كله، ونقول ~~للبائع ذلك، فإن سمح بنصيبه للمشتري أجبرناه على القبول، وإلا فسخ البيع ~~بينهما، وهذا مذهب الشافعي. # قال ابن عقيل: لعل هذا قول لبعض أصحابنا، فإنني # PageV04P056 # لم أجده معزيا إلى أحمد. والظاهر أن هذا اختيار القاضي، وليس بمذهب ~~لأحمد. ولو اشترى حنطة، فانثالت عليها أخرى، لم ينفسخ البيع، والحكم فيه ~~كالحكم في الثمرة تحدث معها أخرى. والله أعلم. ### | [فصل باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة فاشترطه للمشتري] # (2887) فصل: إذا باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة، كالحنطة، والشعير، ~~والقطاني، وما المقصود منه مستتر، كالجزر، والفجل، والبصل، والثوم، ~~وأشباهها، فاشترطه للمشتري، فهو له، قصيلا كان أو ذا حب، مستترا أو ظاهرا، ~~معلوما أو مجهولا؛ لكونه دخل في البيع تبعا للأرض، فلم يضر جهله وعدم ~~كماله، كما لو اشترى شجرة، فاشترط ثمرتها بعد تأبيرها. وإن أطلق البيع، فهو ~~للبائع؛ لأنه مودع في الأرض، فهو كالكنز، والقماش. ولأنه يراد للنقل، فأشبه ~~الثمرة المؤبرة. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي. ولا أعلم فيه مخالفا. ms1840 ويكون ~~للبائع مبقى في الأرض إلى حين الحصاد بغير أجرة؛ لأن المنفعة حصلت مستثناة ~~له، وعليه حصاده في أول وقت حصاده. # وإن كان بقاؤه أنفع له، كقولنا في الثمرة. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: عليه نقله عقيب البيع. كقوله في الثمرة، وقد مضى الكلام فيها. وهكذا ~~قال الحكم في القصب الفارسي؛ لأن له وقتا يقطع فيه، إلا أن العروق تكون ~~للمشتري؛ لأنها تترك في الأرض للبقاء فيها. والقصب نفسه كالثمرة، وإن لم ~~يظهر منه شيء فهو للمشتري. # وأما قصب السكر، فإنه يؤخذ مرة واحدة، فهو كالزرع. فإن حصده قبل أوان ~~الحصاد لينتفع بالأرض في غيره، لم يملك الانتفاع بها؛ لأن منفعتها إنما ~~حصلت مستثناة عن مقتضى العقد، ضرورة بقاء الزرع، فتقدر ببقائه، كالثمرة على ~~الشجرة، وكما لو كان المبيع طعاما لا ينقل مثله عادة إلا في شهر، لم يكلف ~~إلا ذلك، فإن تكلف نقله في يوم واحد، لينتفع بالدار في غيره، لم يجز، كذلك ~~هاهنا. # ومتى حصد الزرع، وبقيت له عروق تستضر بها الأرض، كعروق القطن والذرة، ~~فعلى البائع إزالتها. وإن تحفرت الأرض، فعليه تسوية حفرها؛ لأنه استصلاح ~~لملكه، فصار كما لو باع دارا فيها خابية كبيرة، لا تخرج إلا بهدم باب ~~الدار، فهدمها، كان عليه الضمان، وكذلك كل نقص دخل على ملك شخص لاستصلاح ~~ملك الآخر من غير إذن الأول، ولا فعل صدر عنه النقص، واستند إليه، كان ~~الضمان على مدخل النقص. ### | [فصل باع أرضا وفيها زرع يجز مرة بعد أخرى] # (2888) فصل: وإن باع أرضا وفيها زرع يجز مرة بعد أخرى، فالأصول للمشتري، # PageV04P057 # والجزة الظاهرة عند البيع للبائع، سواء كان مما يبقى سنة، كالهندبا، ~~والبقول، أو أكثر، كالرطبة، وعلى البائع قطع ما يستحقه منه في الحال، فإنه ~~ليس لذلك حد ينتهي إليه. ولأن ذلك يطول، ويخرج غير ما كان ظاهرا، والزيادة ~~من الأصول التي هي ملك للمشتري. وكذلك إن كان الزرع مما تكرر ثمرته، ~~كالقثاء، والخيار، والبطيخ، والباذنجان، وشبهه، فهو للمشتري، والثمرة ~~الظاهرة عند البيع للبائع؛ لأن ذلك ms1841 مما تتكرر الثمرة فيه، فأشبه الشجر. # ولو كان مما تؤخذ زهرته، وتبقى عروقه في الأرض، كالبنفسج، والنرجس، ~~فالأصول للمشتري؛ لأنه جعل في الأرض للبقاء فيها، فهو كالرطبة، وكذلك ~~أوراقه وغصونه؛ لأنه لا يقصد أخذه، فهو كورق الشجر وأغصانه، وأما زهرته، ~~فإن كانت قد تفتحت، فهي للبائع، وإلا فهي للمشتري، على ما ذكرناه فيما مضى. ~~واختار ابن عقيل في هذا كله أن البائع إن قال: بعتك هذه الأرض بحقوقها. دخل ~~فيها، وإن لم يقل: بحقوقها. فهل يدخل؟ على وجهين، كالشجر. ### | [فصل اشترى أرضا فيها بذر فاستحق المشتري أصله] # (2889) فصل: وإذا اشترى أرضا فيها بذر، فاستحق المشتري أصله، كالرطبة، ~~والنعناع، والبقول التي تجز مرة بعد أخرى، فهو له؛ لأنه ترك في الأرض ~~للتبقية، فهو كأصول الشجر. ولأنه لو كان ظاهرا كان له، فالمستتر أولى، سواء ~~علقت عروقه في الأرض، أو لا. فإن كان بذرا لما يستحقه البائع، فهو له، إلا ~~أن يشترطه المبتاع، فيكون له. وقال الشافعي: البيع باطل؛ لأن البذر مجهول، ~~وهو مقصود. # ولنا، أن البذر يدخل تبعا في البيع، فلم يضر جهله، كما لو اشترى عبدا، ~~فاشترط ماله. ويجوز في التابع من الغرر ما لا يجوز في المتبوع، كبيع اللبن ~~في الضرع مع الشاة، والحمل مع الأم، والسقوف في الدار، وأساسات الحيطان، ~~تدخل تبعا في البيع، ولا تضر جهالتها، ولا تجوز مفردة. وإن لم يعلم المشتري ~~بذلك، فله الخيار في فسخ البيع وإمضائه؛ لأنه يفوت عليه منفعة الأرض عاما. ~~فإن رضي البائع بتركه للمشتري، أو قال: أنا أحوله. وأمكنه ذلك في زمن يسير ~~لا يضر بمنافع الأرض فلا خيار للمشتري؛ لأنه أزال العيب بالنقل، أو زاده ~~خيرا بالترك، فلزمه قبوله؛ لأن فيه تصحيحا للعقد، وهذا مذهب الشافعي. # وكذلك لو اشترى نخيلا فيه طلع، فبان أنه مؤبر، فله الخيار؛ لأنه يفوت ~~المشتري ثمرة عامه، ويضر بقاؤها بنخله. فإن تركها له البائع، لم يكن له ~~خيار. فإن قال: أنا أقطعها الآن. لم يسقط خياره بذلك؛ لأن ثمرة العام تفوت، ~~سواء قطعها، أو ms1842 تركها. وإن اشترى أرضا فيها زرع للبائع، أو شجرا فيه ثمر ~~للبائع، والمشتري جاهل بذلك، يظن أن الزرع والثمر له، فله الخيار أيضا، كما ~~لو جهل وجوده؛ لأنه إنما رضي ببذل ماله عوضا عن الأرض والشجر بما فيهما، ~~فإذا بان خلاف ذلك ينبغي أن يثبت له الخيار، كالمشتري # PageV04P058 # للمعيب يظنه صحيحا. # وإن اختلفا في جهله لذلك، فالقول قول المشتري إذا كان ممن يجهل ذلك، ~~لكونه عاميا، فإن هذا مما يجهله كثير من الناس. وإن كان ممن يعلم ذلك، لم ~~يقبل قوله؛ لأن الظاهر أنه لا يجهله. ### | [فصل باعه أرضا بحقوقها] # (2890) فصل: إذا باعه أرضا بحقوقها، دخل ما فيها من غراس وبناء في البيع. ~~وكذلك إذا قال: رهنتك هذه الأرض بحقوقها. دخل في الرهن غراسها وبناؤها. وإن ~~لم يقل: بحقوقها. فهل يدخل الغراس والبناء فيهما؟ على وجهين. ونص الشافعي ~~على أنهما يدخلان في البيع دون الرهن، واختلف أصحابه في ذلك؛ فمنهم من قال: ~~فيهما جميعا قولان. # ومنهم من فرق بينهما بكون البيع أقوى، فيستتبع البناء والشجر، بخلاف ~~الرهن، ومنهم من قال: إنهما سواء؛ لأن ما تبع في البيع تبع في الرهن، ~~كالطرق والمنافع، وفيهما جميعا وجهان؛ أحدهما، يدخل البناء والشجر؛ لأنهما ~~من حقوق الأرض، ولذلك يدخلان إذا قال: بحقوقها. وما كان من حقوقها يدخل ~~فيها بالإطلاق، كطرقها ومنافعها. والثاني، لا يدخلان؛ لأنهما ليسا من حقوق ~~الأرض، فلا يدخلان في بيعها ورهنها، كالثمرة المؤبرة. ومن نصر الأول فرق ~~بينهما؛ بكون الثمرة تراد للنقل، وليست من حقوقها، بخلاف الشجر والبناء. ~~فإن قال: بعتك هذا البستان. دخل فيه الشجر؛ لأن البستان اسم للأرض، والشجر، ~~والحائط؛ ولذلك لا تسمى الأرض المكشوفة بستانا. قال ابن عقيل: ويدخل فيه ~~البناء؛ لأن ما دخل فيه الشجر دخل فيه البناء، ويحتمل أن لا يدخل. ### | [فصل باعه شجرا لم تدخل الأرض في البيع] # (2891) فصل: وإن باعه شجرا، لم تدخل الأرض في البيع. ذكره أبو إسحاق بن ~~شاقلا؛ لأن الاسم لا يتناولها، ولا هي تبع للمبيع. ### | [فصل إن قال بعتك هذه ms1843 القرية فلا بد من وجود قرينة] # (2892) فصل: وإن قال: بعتك هذه القرية. فإن كانت في اللفظ قرينة، مثل ~~المساومة على أرضها، أو ذكر الزرع والغرس فيها، وذكر حدودها، أو بذل ثمن لا ~~يصلح إلا فيها وفي أرضها، دخل في البيع؛ لأن الاسم يجوز أن يطلق عليها مع ~~أرضها، والقرينة صارفة إليه ودالة عليه، فأشبه ما لو صرح به، وإن لم يكن ~~قرينة تصرف إلى ذلك، فالبيع يتناول البيوت، والحصن الدائر عليها، فإن ~~القرية اسم لذلك، وهو مأخوذ من الجمع؛ لأنه يجمع الناس، وسواء قال: ~~بحقوقها. أو لم يقل. # وأما الغراس بين بنيانها، فحكمه حكم الغراس في الأرض، إن قال: بحقوقها. ~~دخل، وإن لم يقل، فعلى وجهين. ### | [فصل باعه دارا بحقوقها] # (2893) فصل: وإن باعه دارا بحقوقها، تناول البيع أرضها، وبناءها، وما هو ~~متصل بها، مما هو من مصلحتها، كالأبواب المنصوبة، والخوابي المدفونة، ~~والرفوف المسمرة، والأوتاد المغروزة، والحجر المنصوب من الرحا، وأشباه ذلك. ~~ولا يدخل في البيع ما ليس من مصالحها، كالكنز، والأحجار # PageV04P059 # المدفونة؛ لأن ذلك مودع فيها للنقل عنها، فأشبه الفرش، والستور، ولا ما ~~كان منفصلا عنها يختص بمصلحتها، كالفرش، والستور، والطعام، والرفوف ~~الموضوعة على الأوتاد بغير تسمير، ولا غرز في الحائط، والحبل، والدلو، ~~والبكرة، والقفل، وحجر الرحى، إذا لم يكن واحد منهما منصوبا، والخوابي ~~الموضوعة من غير أن يطين عليها، ونحوه؛ لأنه منفصل عنها، لا يختص بمصلحتها، ~~فأشبه الثياب. # وأما ما كان من مصالحها، لكنه منفصل عنها، كالمفتاح، والحجر الفوقاني من ~~الرحا إذا كان السفلاني منصوبا، فيحتمل وجهين؛ أحدهما، يدخل في البيع؛ لأنه ~~لمصلحتها، فأشبه المنصوب فيها. والثاني، لا يدخل؛ لأنه منفصل عنها، فأشبه ~~السفلاني إذا لم يكن منصوبا، والقفل، والدلو، ونحوهما. ومذهب الشافعي في ~~هذا كمذهبنا سواء. # (2894) فصل: وما كان في الأرض من الحجارة المخلوقة فيها، أو مبني فيها، ~~كأساسات الحيطان المتهدمة فهي للمشتري بالبيع؛ لأنه من أجزائها، فهي ~~كحيطانها، وترابها، والمعادن الجامدة فيها، والآجر كالحجارة في هذا. وإذا ~~كان المشتري عالما بذلك، فلا خيار له. وإن لم يكن ms1844 عالما به، وكان ذلك يضر ~~بالأرض، وينقصها، كالصخر المضر بعروق الشجر، فهو عيب، وللمشتري الخيار بين ~~الفسخ وأخذ الثمن، أو الإمساك وأخذ أرش العيب، كما في سائر المبيع. # فأما إن كانت الحجارة أو الآجر مودعا فيها للنقل عنها، فهي للبائع، ~~كالكنز، وعليه نقلها، وتسوية الأرض إذا نقلها، وإصلاح الحفر؛ لأنه ضرر لحق ~~لاستصلاح ملكه، فكان عليه إزالته. وإن كان قلعها يضر بالأرض، أو تتطاول ~~مدته، ولم يكن المشتري عالما، فله الخيار كما ذكرنا؛ لأنه عيب. # وإن لم يكن في نقلها ضرر، ويمكن نقلها في أيام يسيرة، كالثلاثة فما دون، ~~فلا خيار له، وله مطالبة البائع بنقلها في الحال؛ لأنه لا عرف في تبقيتها، ~~بخلاف الزرع. وإن كان عالما بالحال، فلا خيار له، ولا أجرة في الزمان الذي ~~نقلت فيه؛ لأنه علم بذلك ورضي، فأشبه ما لو اشترى أرضا فيها زرع. # وإن لم يعلم، واختار إمساك المبيع، فهل له أجرة لزمان النقل؟ على وجهين؛ ~~أحدهما، له ذلك؛ لأن المنافع مضمونة على المتلف، فكان عليه بدلها، ~~كالأجزاء. والثاني، لا يجب؛ لأنه لما رضي بإمساك المبيع رضي بتلف المنفعة ~~في زمان النقل، فإن لم يختر الإمساك، فقال البائع: أنا أدع ذلك لك. وكان ~~مما لا ضرر في بقائه، لم يكن له خيار؛ لأن الضرر زال عنه. ### | [فصل إذا كان في الأرض معادن جامدة دخلت في البيع] # (2895) فصل: فإن كان في الأرض معادن جامدة، كمعادن الذهب، والفضة، ~~والحديد، والنحاس، والرصاص، ونحوها، دخلت في البيع، وملكت بملك الأرض التي ~~هي فيها؛ لأنها من أجزائها، فهي # PageV04P060 # كترابها وأحجارها، ولكن لا يباع معدن الذهب بذهب، ولا معدن الفضة بفضة، ~~ويجوز بيعها بغير جنسها. وإن ظهر في الأرض معدن لم يعلم البائع به، فله ~~الخيار؛ لأنه زيادة لم يعلم بها، فأشبه ما لو باعه ثوبا على أنه عشرة، فبان ~~أحد عشر. هذا إذا كان قد ملك الأرض بإحياء أو إقطاع. # وقد روي أن ولد بلال بن الحارث باعوا عمر بن عبد العزيز أرضا، فظهر فيها ~~معدن، فقالوا: إنما ms1845 بعنا الأرض، ولم نبع المعدن. وأتوا عمر بن عبد العزيز ~~بالكتاب الذي فيه قطيعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبيهم، فأخذه عمر ~~فقبله، ورد عليهم المعدن. وإن كان البائع ملك الأرض بالبيع، احتمل أن لا ~~يكون له خيار؛ لأن الحق لغيره، وهو المالك الأول. واحتمل أن يكون له ~~الخيار، كما لو اشترى معيبا ثم باعه ولم يعلم عيبه، فإنه يستحق الرد عليه، ~~وإن كان قد باعه مثلما اشتراه. # وقد روى أبو طالب عن أحمد، أنه إذا ظهر المعدن في ملكه ملكه. وظاهر هذا ~~أنه لم يجعله للبائع، ولا جعل له خيارا؛ لأنه من أجزاء الأرض، فأشبه ما لو ~~ظهر فيها حجارة لها قيمة كبيرة. ### | [فصل إذا كان في الأرض بئر أو عين مستنبطة فنفس البئر وأرض العين مملوكة لمالك الأرض] # فصل: وإذا كان في الأرض بئر أو عين مستنبطة، فنفس البئر وأرض العين ~~مملوكة لمالك الأرض، والماء الذي فيها غير مملوك؛ لأنه يجري من تحت الأرض ~~إلى ملكه، فأشبه الماء الجاري في النهر إلى ملكه، وهذا أحد الوجهين لأصحاب ~~الشافعي. والوجه الآخر، يدخل في الملك؛ لأنه نماء الملك. وقد روي عن أحمد ~~ما يدل على أنه يملك؛ فإنه قال في رجل له أرض ولآخر ماء، فيشترك صاحب الأرض ~~وصاحب الماء في الزرع، ويكون بينهما؟ فقال: لا بأس. اختاره أبو بكر. وهذا ~~يدل على أن الماء مملوك لصاحبه، وفي معنى الماء، المعادن الجارية في ~~الأملاك، كالقار، والنفط، والمومياء، والملح. # وكذلك الحكم في النابت في أرضه من الكلأ والشوك، ففي كل ذلك يخرج على ~~الروايتين في الماء. والصحيح أن الماء لا يملك، فكذلك هذه. قال أحمد: لا ~~يعجبني بيع الماء ألبتة. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن قوم بينهم ~~نهر تشرب منه أرضوهم، لهذا يوم، ولهذا يومان، يتفقون عليه بالحصص، فجاء ~~يومي ولا أحتاج إليه، أكريه بدراهم؟ قال: ما أدري، أما النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «فنهى عن بيع الماء.» قيل: إنه ليس يبيعه، إنما يكريه. قال: ~~إنما احتالوا بهذا ms1846 ليحسنوه، فأي شيء هذا إلا البيع، وروى الأثرم، بإسناده ~~عن جابر، وإياس بن عبد الله المزني، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى ~~أن يباع الماء» . وروي أيضا عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والنار والكلأ» . رواه أبو عبيد، ~~في كتاب " الأموال "، فإذا قلنا: لا يملك. فصاحب الأرض أحق به من غيره؛ ~~لكونه في ملكه، فإن دخل غيره بغير إذنه، فأخذه ملكه؛ لأنه مباح في الأصل، ~~فأشبه ما لو عشش في أرضه طائر، أو دخل فيها ظبي، أو نضبت # PageV04P061 # عن سمك، فدخل إليه داخل فأخذه، وأما ما يحوزه من الماء في إنائه، أو ~~يأخذه من الكلأ في حبله، أو يحوزه في رحله، أو يأخذه من المعادن، فإنه ~~يملكه بذلك، وله بيعه بلا خلاف بين أهل العلم؛ فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لأن يأخذ أحدكم حبلا، فيأخذ حزمة من حطب، فيبيع، فيكف الله به ~~وجهه، خير له من أن يسأل الناس، أعطي أو منع» . رواه البخاري. وروى أبو ~~عبيد في " الأموال "، عن المشيخة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن ~~بيع الماء إلا ما حمل منه.» وعلى ذلك مضت العادة في الأمصار ببيع الماء في ~~الروايا، والحطب، والكلأ، من غير نكير، وليس لأحد أن يشرب منه، ولا يتوضأ، ~~ولا يأخذ إلا بإذن مالكه. # وكذلك لو وقف على بئره، أو بئر مباح فاستقى بدلوه، أو بدولاب أو نحوه، ~~فما يرقيه من الماء، فهو ملكه، وله بيعه؛ لأنه ملكه بأخذه في إنائه. قال ~~أحمد: إنما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره. ويجوز بيع البئر ~~نفسها، والعين، ومشتريها أحق بمائها. # وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من يشتري بئر رومة يوسع ~~بها على المسلمين وله الجنة» ، أو كما قال. فاشتراها عثمان بن عفان - رضي ~~الله عنه - من يهودي، بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وسبلها للمسلمين، ~~وكان اليهودي يبيع ماءها. وروي أن عثمان اشترى منه ms1847 نصفها باثني عشر ألفا، ~~ثم قال اليهودي: اختر، إما أن تأخذها يوما وآخذها أنا يوما، وإما أن ننصب ~~لك عليها دلوا، وأنصب عليها دلوا. فاختار يوما ويوما، فكان الناس يستقون ~~منها في يوم عثمان لليومين، فقال اليهودي: أفسدت علي بئري، فاشتر باقيها. ~~فاشتراه بثمانية آلاف. # وفي هذا دليل على صحة بيعها، وتسبيلها، وصحة بيع ما يستقيه منها، وجواز ~~قسمة مائها بالمهايأة، وكون مالكها أحق بمائها، وجواز قسمة ما فيه حق وليس ~~بمملوك. # فأما المياه الجارية، فما كان نابعا في غير ملك، كالأنهار الكبار، ~~وغيرها، لم تملك بحال، ولو دخل إلى أرض رجل، لم يملكه بذلك، كالطير يدخل ~~إلى أرضه، ولكل أحد أخذه. ولا يملكه، إلا أن يجعل له في أرضه مستقرا، ~~كالبركة، والقرار، أو يحتفر ساقية، يأخذ فيها من ماء النهر الكبير، فيكون ~~أحق بذلك الماء من غيره، كنقع البئر، وإن كان ما يستقر في البركة لا يخرج ~~منها، فالأولى أنه يملكه بذلك على ما سنذكره في مياه الأمطار. وما كان ~~نابعا أو مستنبطا كالقنى، فهو كنقع البئر، وفيه من الخلاف ما فيه، فأما ~~المصانع المتخذة لمياه الأمطار تجمع فيها، ونحوها من البرك وغيرها، فالأولى ~~أنه يملك ماءها، ويصح بيعه إذا كان # PageV04P062 # معلوما؛ لأنه مباح حصله بشيء معد له، فملكه، كالصيد يحصل في شبكته، ~~والسمك في بركة معدة له، ولا يجوز أخذ شيء منه إلا بإذن مالكه. ### | [مسألة لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام] # (2897) مسألة؛ قال: وإذا اشترى الثمرة دون الأصل، ولم يبد صلاحها على ~~الترك إلى الجزاز، لم يجز. وإن اشتراها على القطع، جاز. لا يخلو بيع الثمرة ~~قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام؛ أحدها، أن يشتريها بشرط التبقية، فلا يصح ~~البيع إجماعا؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى ~~يبدو صلاحها. نهى البائع والمبتاع.» متفق عليه. النهي يقتضي فساد المنهي ~~عنه. # قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث. القسم ~~الثاني، أن يبيعها بشرط القطع في الحال، ms1848 فيصح بالإجماع؛ لأن المنع إنما كان ~~خوفا من تلف الثمرة، وحدوث العاهة عليها قبل أخذها؛ بدليل ما روى أنس، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تزهو. قال: أرأيت إذا ~~منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟» . رواه البخاري. وهذا مأمون ~~فيما يقطع، فصح بيعه كما لو بدا صلاحه. # القسم الثالث، أن يبيعها مطلقا، ولم يشترط قطعا ولا تبقية، فالبيع باطل. ~~وبه قال مالك، والشافعي. وأجازه أبو حنيفة؛ لأن إطلاق العقد يقتضي القطع، ~~فهو كما لو اشترطه، قال: ومعنى النهي، أن يبيعها مدركة قبل إدراكها، بدلالة ~~قوله: " أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ". فلفظة المنع ~~تدل على أن العقد يتناول معنى، وهو مفقود في الحال حتى يتصور المنع. ولنا، ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق النهي عن بيع الثمرة قبل بدو ~~صلاحها.» فيدخل فيه محل النزاع، واستدلالهم بسياق الحديث يدل على هدم ~~قاعدتهم التي قرروها، في أن إطلاق العقد يقتضي القطع، ويقرر ما قلنا، من أن ~~إطلاق العقد يقتضي التبقية، فيصير العقد المطلق كالذي شرطت فيه التبقية، ~~يتناولهما النهي جميعا، ويصح تعليلهما بالعلة التي علل بها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من منع الثمرة وهلاكها. ### | [فصل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع] # (2898) فصل: وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع على ثلاثة ~~أضرب: أحدها، أن يبيعها مفردة لغير مالك الأصل، فهذا الضرب الذي ذكرنا ~~حكمه، وبينا بطلانه. الثاني، أن يبيعها مع الأصل، فيجوز بالإجماع؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للذي ~~باعها، إلا أن يشترط المبتاع» . ولأنه إذا باعها مع الأصل حصلت تبعا في ~~البيع، فلم يضر احتمال الغرر فيها، كما احتملت الجهالة في بيع اللبن في ~~الضرع مع بيع الشاة، والنوى في التمر مع التمر، وأساسات الحيطان في بيع ~~الدار. # PageV04P063 # الثالث، أن يبيعها مفردة لمالك الأصل، نحو أن تكون للبائع ولا يشترطها ~~المبتاع، فيبيعها له بعد ذلك، ms1849 أو يوصي لرجل بثمرة نخلته، فيبيعها لورثة ~~الموصي، ففيه وجهان؛ أحدهما، يصح البيع، وهو المشهور من قول مالك، وأحد ~~الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأنه يجتمع الأصل والثمرة للمشتري، فيصح، كما لو ~~اشتراهما معا. ولأنه إذا باعها لمالك الأصل حصل التسليم إلى المشتري على ~~الكمال؛ لكونه مالكا لأصولها وقرارها، فصح، كبيعها مع أصلها. والثاني، لا ~~يصح. # وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن العقد يتناول الثمرة خاصة، والغرر ~~فيما يتناوله العقد أصلا يمنع الصحة، كما لو كانت الأصول لأجنبي، ولأنها ~~تدخل في عموم النهي، بخلاف ما إذا باعهما معا، فإنه مستثنى بالخبر المروي ~~فيه، ولأن الغرر فيما يتناوله العقد أصلا يمنع الصحة، وفيما إذا باعهما معا ~~تدخل الثمرة تبعا، ويجوز في التابع من الغرر ما لا يجوز في المتبوع، كما ~~يجوز بيع اللبن في الضرع، والحمل مع الشاة، وغيرهما. وإن باعه الثمر، بشرط ~~القطع في الحال، صح، وجها واحدا، ولا يلزم المشتري الوفاء بالشرط؛ لأن ~~الأصل له. ### | [فصل بيع الزرع الأخضر في الأرض] # (2899) فصل: ولا يجوز بيع الزرع الأخضر في الأرض إلا بشرط القطع في ~~الحال، كما ذكرنا في الثمرة على الأصول؛ لما روى مسلم، عن ابن عمر، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع النخل حتى يزهي، وعن بيع السنبل ~~حتى يبيض ويأمن العاهة. نهى البائع والمشتري.» قال ابن المنذر: لا أعلم ~~أحدا يعدل عن القول به. وهو قول مالك، وأهل المدينة، وأهل البصرة، وأصحاب ~~الحديث، وأصحاب الرأي. # فإن باعه مع الأرض، جاز، كبيع الثمرة مع الأصل، وإن باعه لمالك الأرض، ~~ففيه وجهان، على ما ذكرنا في الثمرة تباع من مالك الأصل. وقال أبو الخطاب: ~~يجوز. وإن باعه إياه بشرط القطع، جاز، وجها واحدا، ولم يلزم المشتري الوفاء ~~بالشرط؛ لأن الأصل له، فهو كبيع الثمرة من مالك الأصل بشرط القطع. # وإذا اشتد حب الزرع، جاز بيعه مطلقا، وبشرط التبقية، لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الحديث: حتى يبيض. فجعل ذلك غاية المنع من بيعه، فيدل ~~على الجواز بعده. وفي ms1850 رواية، «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد» . ولأنه إذا اشتد حبه بدا صلاحه، ~~فصار كالثمرة إذا بدا صلاحها. وإذا اشتد شيء من حبه، جاز بيع جميع ما في ~~البستان من نوعه، كالشجرة إذا بدا الصلاح في شيء منها. ### | [فصل اعترف لرجل بزرع ثم صالحه منه بعوض] # (2900) فصل: ذكره القاضي في الصلح قال: وإذا اعترف لرجل بزرع ثم صالحه ~~منه بعوض، صح فيما يصح في البيع، وبطل فيما يبطل فيه. ولو ادعى اثنان زرعا ~~في يد آخر، فأقر لهما به، فالزرع بينهما نصفان، فإن صالح أحدهما عن حقه منه ~~قبل اشتداد حبه، لم يجز، سواء شرط القطع، أو أطلق؛ # PageV04P064 # لأنه إن أطلق بطل، للنهي عن بيع المخاضرة، وإن شرط القطع لم يمكنه قطع ~~نصيبه إلا بقطع الزرع كله. # وإن كانت الأرض للمقر، احتمل أن يصح، واحتمل أن لا يصح، بناء على الوجهين ~~فيما إذا اشترى زرعا أخضر في أرض مملوكة له، ولو كانت الأرض لرجل، والزرع ~~لآخر، فقال أحدهما: صالحني من نصف أرضي على نصف زرعك، فيكون الزرع والأرض ~~بيننا نصفين. فإن كان بعد اشتداد حبه جاز؛ لأنه يجوز بيعه، وإن كان قبل ~~ذلك، فهل يجوز؟ على وجهين؛ بناء على بيع الزرع من مالك الأرض، وذلك لأنه ~~يبيع نصف الزرع لمالك الأرض، ويشتري منه نصف الأرض التي له فيها الزرع، وإن ~~شرطا في البيع أن يقطعا الزرع جميعه، ويسلم الأرض فارغة، ففيه وجهان أيضا؛ ~~أحدهما، يصح؛ لاشتراطهما قطع كل الزرع وتفريغ الأرض منه، واحتمل أن يبطل؛ ~~لأن صاحب الأرض باعه نصف الأرض بشرط قطع زرع غيره؛ ليسلم إليه أرضه. وإن ~~قلنا: يصح. لم يلزم الوفاء بالشرط؛ لأن كل واحد منهما حصل زرعه في أرضه، ~~فلم يلزمه قطعه. ### | [فصل اشترى رجل نصف الثمرة قبل بدو صلاحها أو نصف الزرع قبل اشتداد حبه مشاعا] # (2901) فصل: وإذا اشترى رجل نصف الثمرة قبل بدو صلاحها، أو نصف الزرع قبل ~~اشتداد حبه مشاعا، لم يجز، سواء ms1851 اشتراه من رجل، أو من أكثر منه، وسواء شرط ~~القطع، أو لم يشرطه؛ لأنه لا يمكنه قطعه إلا بقطع ما لا يملكه، فلم يصح ~~اشتراطه. ### | [فصل القطن ضربان] # (2902) فصل: والقطن ضربان؛ أحدهما، ما له أصل يبقى في الأرض أعواما، ~~كالشجر تتكرر ثمرته، فهذا حكمه حكم الشجر، في أنه يصح إفراده بالبيع، وإذا ~~بيعت الأرض بحقوقها دخل في البيع، وثمره كالطلع إن تفتح فهو للبائع، وإلا ~~فهو للمشتري. والثاني، ما يتكرر زرعه كل عام، فحكمه حكم الزرع، ومتى كان ~~جوزه ضعيفا رطبا، لم يقو ما فيه، لم يجز بيعه إلا بشرط القطع، كالزرع ~~الأخضر، وإن قوي جوزه واشتد، جاز بيعه بشرط التبقية، كالزرع الذي اشتد حبه، ~~وإذا بيعت الأرض لم يدخل في البيع إلا أن يشترطه المبتاع. والباذنجان ~~نوعان؛ أحدهما، ما له شجر تبقى أصوله وتتكرر ثمرته، فهو كالشجر. والثاني، ~~ما يتكرر زرعه كل عام، فهو كالحنطة والشعير. ### | [مسألة اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها فتركها حتى بدا صلاحها] # (2903) مسألة؛ قال: فإن تركها حتى يبدو صلاحها، بطل البيع اختلفت الرواية ~~عن أحمد، - رحمه الله -، في من اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، فتركها حتى بدا ~~صلاحها، فنقل عنه حنبل، وأبو طالب: أن البيع يبطل. قال القاضي: هي أصح. ~~فعلى هذا يرد المشتري الثمرة إلى البائع، ويأخذ الثمن. # ونقل أحمد بن سعيد، أن البيع لا يبطل. وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن # PageV04P065 # أكثر ما فيه أن المبيع اختلط بغيره، فأشبه ما لو اشترى ثمرة، فحدثت ثمرة ~~أخرى، ولم تتميز، أو حنطة فانثالت عليها أخرى، أو ثوبا، فاختلط بغيره. ونقل ~~عنه أبو داود، في من اشترى قصيلا، فمرض، أو توانى حتى صار شعيرا. قال: إن ~~أراد به حيلة فسد البيع، وإلا لم يفسد. والظاهر: أن هذه ترجع إلى ما نقله ~~ابن سعيد، فإنه يتعين حمل ما نقله أحمد بن سعيد في صحة البيع على من لم يرد ~~حيلة، فإن أراد الحيلة، وقصد بشرطه القطع الحيلة على إبقائه، لم يصح بحال، ~~إذ قد ثبت من مذهب أحمد ms1852 أن الحيل كلها باطلة. # ووجه الرواية الأولى، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ~~الثمرة قبل بدو صلاحها.» فاستثنى منه ما اشتراه بشرط القطع، فقطعه ~~بالإجماع، فيبقى ما عداه على أصل التحريم، ولأن التبقية معنى حرم الشرع ~~اشتراطه لحق الله تعالى، فأبطل العقد وجوده. كالنسيئة فيما يحرم فيه ~~النساء، وترك التقابض فيما يشترط فيه القبض، أو الفضل فيما يجب التساوي ~~فيه، ولأن صحة البيع تجعل ذلك ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، ~~وتركها حتى يبدو صلاحها، ووسائل الحرام حرام، كبيع العينة. ومتى حكمنا ~~بفساد البيع، فالثمرة كلها للبائع. # وعنه، أنهما يتصدقان بالزيادة. قال القاضي: هذا مستحب لوقوع الخلاف في ~~مستحق الثمرة، فاستحبت الصدقة بها، وإلا فالحق أنها للبائع تبعا للأصل، ~~كسائر نماء المبيع المتصل إذا رد على البائع بفسخ أو بطلان. ونقل ابن أبي ~~موسى في " الإرشاد "، أن البائع والمشتري يكونان شريكين في الزيادة. # وأما إن حكمنا بصحة العقد، فقد روي أنهما يشتركان في الزيادة؛ لحصولها في ~~ملكهما، فإن ملك المشتري الثمرة، وملك البائع الأصل، وهو سبب الزيادة. قال ~~القاضي: الزيادة للمشتري كالعبد إذا سمن. وحمل قول أحمد: " يشتركان " على ~~الاستحباب. والأول أظهر؛ لما ذكرنا، فإن الزيادة حصلت من أصل البائع من غير ~~استحقاق تركها، فكان فيها حق له، بخلاف العبد إذا سمن، فإنه لا يتحقق فيه ~~هذا المعنى، ولا يشبهه، ولا يصح حمل قول أحمد على الاستحباب؛ فإنه لا يستحب ~~للبائع أن يأخذ من المشتري ما ليس بحق له، بل ذلك حرام عليه، فكيف يكون ~~مستحبا، وعن أحمد، أنهما يتصدقان بالزيادة، وهو قول الثوري، ومحمد بن ~~الحسن؛ لأن عين المبيع زاد بجهة محظورة، قال الثوري: إذا اشترى قصيلا يأخذ ~~رأس ماله، ويتصدق بالباقي. ولأن الأمر اشتبه في هذه الزيادة وفي مستحقها، ~~فكان الأولى الصدقة بها، ويشبه أن يكون هذا استحبابا؛ لأن الصدقة بالشبهات ~~مستحبة. # وإن أبيا الصدقة بها، اشتركا فيها، والزيادة هي ما بين قيمتها حين ~~الشراء، وقيمتها يوم أخذها. قال القاضي: ويحتمل أنها ما بين ms1853 قيمتها قبل بدو ~~صلاحها وقيمتها بعده؛ لأن الثمرة قبل بدو صلاحها، # PageV04P066 # كانت للمشتري بتمامها، لا حق للبائع فيها. وقال الثوري: يأخذ المشتري رأس ~~ماله، ويتصدق بالباقي. وكذلك الحكم في الرطبة إذا طالت، والزرع الأخضر إذا ~~أدجن. وهذا فيما إذا لم يقصد وقت الشراء تأخيره، ولم يجعل شراؤه بشرط القطع ~~حيلة، على المنهي عنه من شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، ليتركها حتى يبدو ~~صلاحها، فأما إن قصد ذلك، فالبيع باطل من أصله؛ لأنه حيلة محرمة. # وعند أبي حنيفة، والشافعي، لا حكم لقصده، والبيع صحيح، قصد أو لم يقصد، ~~وأصل هذا، الخلاف في تحريم الحيل، وقد سبق الكلام في هذا. ### | [مسألة اشترى الثمرة بعد أن بدا صلاحها على الترك إلى الجزاز] # (2904) مسألة؛ قال: فإن اشتراها بعد أن بدا صلاحها على الترك إلى الجزاز، ~~جاز وجملة ذلك، أنه إذا بدا الصلاح في الثمرة، جاز بيعها مطلقا، وبشرط ~~التبقية إلى حال الجزاز، وبشرط القطع. وبذلك قال مالك، والشافعي. وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه: لا يجوز بشرط التبقية. إلا أن محمدا قال: إذا تناهى عظمها، ~~جاز. واحتجوا بأن هذا شرط الانتفاع بملك البائع على وجه لا يقتضيه العقد، ~~فلم يجز، كما لو شرط تبقية الطعام في كندوجه. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو ~~صلاحها.» فمفهومه إباحة بيعها بعد بدو صلاحها، والمنهي عنه قبل بدو الصلاح ~~عندهم البيع بشرط التبقية، فيجب أن يكون ذلك جائزا بعد بدو الصلاح، وإلا لم ~~يكن بدو الصلاح غاية، ولا فائدة في ذكره. «ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وتأمن العاهة.» وتعليله بأمن العاهة ~~يدل على التبقية؛ لأن ما يقطع في الحال لا يخاف العاهة عليه، وإذا بدا ~~الصلاح فقد أمنت العاهة، فيجب أن يجوز بيعه مبقى لزوال علة المنع، ولأن ~~النقل والتحويل يجب في المبيع بحكم العرف، فإذا شرطه جاز، كما لو شرط نقل ~~الطعام من ملك البائع حسب الإمكان. وفي هذا انفصال عما ذكروه. ### | [فصل بدو ms1854 الصلاح في بعض ثمرة النخلة أو الشجرة صلاح لجميعها] # (2905) فصل: ولا يختلف المذهب أن بدو الصلاح في بعض ثمرة النخلة، أو ~~الشجرة صلاح لجميعها، أعني أنه يباح بيع جميعها بذلك. ولا أعلم فيه ~~اختلافا، وهل يجوز بيع سائر ما في البستان من ذلك النوع؟ فيه روايتان؛ ~~أظهرهما جوازه. وهو قول الشافعي، ومحمد بن الحسن. وعنه: لا يجوز إلا بيع ما ~~بدا صلاحه؛ لأن ما لم يبد صلاحه داخل في عموم النهي، ولأنه لم يبد صلاحه، ~~فلم يجز بيعه من غير شرط القطع، كالجنس الآخر، وكالذي في البستان الآخر. # ووجه الأولى أنه بدا الصلاح في نوعه من البستان الذي هو فيه، فجاز بيع ~~جميعه، كالشجرة الواحدة، ولأن اعتبار بدو الصلاح في الجميع يشق، ويؤدي إلى ~~الاشتراك واختلاف الأيدي، فوجب أن يتبع ما لم يبد صلاحه من نوعه لما بدا، ~~على # PageV04P067 # ما ذكرنا فيما أبر بعضه دون بعض. فأما نوع آخر من ذلك الجنس، فقال ~~القاضي: لا يتبعه. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وقال محمد بن الحسن: ما ~~كان متقارب الإدراك، فبدو صلاح بعضه يجوز به بيع جميعه، وإن كان يتأخر ~~إدراك البعض تأخيرا كثيرا، فالبيع جائز فيما أدرك، ولا يجوز في الباقي. # وقال أبو الخطاب: يجوز بيع ما في البستان من ذلك الجنس. وهو الوجه الثاني ~~لأصحاب الشافعي؛ لأن الجنس الواحد يضم بعضه إلى بعض في إكمال النصاب في ~~الزكاة، فيتبعه في جواز البيع، كالنوع الواحد. والأول أولى؛ لأن النوعين قد ~~يتباعد إدراكهما، فلم يتبع أحدهما الآخر في بدو الصلاح، كالجنسين. # ويخالف الزكاة؛ فإن القصد هو الغنى من جنس ذلك المال، لتقارب منفعته، ~~وقيام كل نوع مقام النوع الآخر في المقصود. والمعنى هاهنا؛ هو تقارب إدراك ~~أحدهما من الآخر، ودفع الضرر الحاصل بالاشتراك واختلاف الأيدي، ولا يحصل ~~ذلك في النوعين، فصار في هذا كالجنسين. ### | [فصل النوع الواحد من بستانين لا يتبع أحدهما الآخر في جواز البيع حتى يبدو الصلاح] # (2906) فصل: فأما النوع الواحد من بستانين، فلا يتبع أحدهما الآخر في ~~جواز ms1855 البيع حتى يبدو الصلاح في أحدهما، متجاورين كانا أو متباعدين، وهذا ~~مذهب الشافعي. وحكي عن أحمد رواية أخرى؛ أن بدو الصلاح في شجرة من القراح ~~صلاح له، ولما قاربه. وبهذا قال مالك؛ لأنهما يتقاربان في الصلاح، فأشبها ~~القراح الواحد. ولأن المقصود الأمن من العاهة، وقد وجد. والمذهب الأول؛ ~~لأنه إنما جعل ما لم يبد صلاحه بمنزلة ما بدا، وتابعا له، دفعا لضرر ~~الاشتراك، واختلاف الأيدي، وإلا فالأصل اعتبار كل شيء بنفسه. # وما في قراح آخر لا يوجد فيه هذا الضرر، فوجب أن لا يتبع الآخر، كما لو ~~تباعدا. وما ذكروه ينتقض بما لم يجاوره من ذلك النوع. ولو بدا صلاح بعض ~~النوع الواحد، فأفرد بالبيع ما لم يبد صلاحه من بقية النوع من ذلك البستان، ~~لم يجز؛ لدخوله تحت عموم النهي. ويقدر قياسه على الصورة المخصوصة من ~~العموم، وهي ما إذا باعه مع ما بدا صلاحه لأنه دخل في جواز البيع تبعا، ~~دفعا لمضرة الاشتراك، واختلاف الأيدي. ولا يوجد ذلك هاهنا، ولأنه قد يدخل ~~في البيع تبعا ما يجوز إفراده، كالثمرة تباع مع الأصل، والزرع مع الأرض، ~~واللبن في الضرع مع الشاة. # ويحتمل الجواز؛ لأن الكل في حكم ما بدا صلاحه، ولأنه يجوز بيعه مع غيره، ~~فجاز بيعه مفردا، كالذي بدا صلاحه. ### | [فصل إذا احتاجت الثمرة إلى سقي لزم البائع ذلك] # (2907) فصل: وإذا احتاجت الثمرة إلى سقي لزم البائع ذلك، لأنه يجب عليه ~~تسليم الثمرة كاملة، وذلك يكون بالسقي. فإن قيل: فلم قلتم إنه إذا باع ~~الأصل، وعليه ثمرة للبائع، لا يلزم المشتري سقيها؟ # PageV04P068 # قلنا: لأن المشتري لا يجب عليه تسليم الثمرة؛ لأنه لم يملكها من جهته، ~~وإنما بقي ملكه عليها، بخلاف مسألتنا، فإن امتنع البائع من السقي، لضرر ~~يلحق بالأصل، أجبر عليه؛ لأنه دخل على ذلك. ### | [فصل بيع الثمرة في شجرها] # (2908) فصل: ويجوز لمشتري الثمرة بيعها في شجرها. روي ذلك عن الزبير بن ~~العوام، وزيد بن ثابت، والحسن بن أبي الحسن البصري، وأبي حنيفة، والشافعي، ~~وابن المنذر. وكرهه ابن ms1856 عباس، وعكرمة، وأبو سلمة؛ لأنه بيع له قبل قبضه، ~~فلم يجز، كما لو كان على وجه الأرض، فلم يقبضه. ولنا، أنه يجوز له التصرف ~~فيه، فجاز له بيعه، كما لو جزه. وقولهم: لم يقبضه. لا يصح، فإن قبض كل شيء ~~بحسبه، وهذا قبضه التخلية، وقد وجدت. ### | [مسألة ثمرة النخل بدو صلاحها أن تظهر فيها الحمرة أو الصفرة] # (2909) مسألة؛ قال: فإن كانت ثمرة نخل، فبدو صلاحها أن تظهر فيها الحمرة ~~أو الصفرة. وإن كانت ثمرة كرم فصلاحها أن تتموه، وصلاح ما سوى النخل والكرم ~~أن يبدو فيها النضج وجملة ذلك، أن ما كان من الثمرة يتغير لونه عند صلاحه، ~~كثمرة النخل، والعنب الأسود، والإجاص، فبدو صلاحه بذلك. وإن كان العنب ~~أبيض، فصلاحه بتموهه؛ وهو أن يبدو فيه الماء الحلو، ويلين، ويصفر لونه. وإن ~~كان مما لا يتلون، كالتفاح ونحوه، فبأن يحلو، أو يطيب. # وإن كان بطيخا، أو نحوه، فبأن يبدو فيه النضج. وإن كان مما لا يتغير ~~لونه، ويؤكل طيبا، صغارا وكبارا، كالقثاء والخيار، فصلاحه بلوغه أن يؤكل ~~عادة. وقال القاضي، وأصحاب الشافعي: بلوغه أن يتناهى عظمه. وما قلناه أشبه ~~بصلاحه مما قالوه؛ فإن بدو صلاح الشيء ابتداؤه، وتناهي عظمه آخر صلاحه. ~~ولأن بدو الصلاح في الثمر يسبق حال الجزاز، فلا يجوز أن يجعل بدو الصلاح ~~فيما يقاس عليه بسبقه قطعه عادة؛ إلا أن يريدوا بتناهي عظمه انتهاءه إلى ~~الحال التي جرت العادة بأخذه فيها، فيكون كما ذكرنا. وما قلنا في هذا الفصل ~~فهو قول مالك، والشافعي، وكثير من أهل العلم، أو مقارب له. وقال عطاء: لا ~~يباع حتى يؤكل من التمر قليل، أو كثير. # وروي نحوه عن ابن عمر، وابن عباس. ولعلهم أرادوا صلاحه للأكل، فيرجع ~~معناه إلى ما قلنا؛ فإن ابن عباس قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن بيع النخل حتى يأكل منه، أو يؤكل.» متفق عليه. وإن أرادوا حقيقة الأكل ~~كان ما ذكرنا أولى؛ لأن ما رووه يحتمل صلاحه للأكل، فيحمل على ذلك، موافقة ~~لأكثر ms1857 الأخبار، وهو ما روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن ~~بيع الثمرة حتى تطيب» . متفق عليه. ونهى أن تباع الثمرة حتى تزهو. قيل: وما ~~تزهو؟ قال: (تحمار أو تصفار) . رواه البخاري. «ونهى عن بيع العنب حتى ~~يسود.» رواه # PageV04P069 # الترمذي، وابن ماجه. والأحاديث في هذا كثيرة، كلها تدل على هذا المعنى. ### | [مسألة بيع القثاء والخيار والباذنجان وما أشبهه] # (2910) مسألة؛ قال: ولا يجوز بيع القثاء، والخيار، والباذنجان، وما ~~أشبهه، إلا لقطة لقطة وجملة ذلك؛ أنه إذا باع ثمرة شيء من هذه البقول لم ~~يجز إلا بيع الموجود منها، دون المعدوم. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. ~~وقال مالك: يجوز بيع الجميع؛ لأن ذلك يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر تبعا لما ~~ظهر، كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا. ولنا، أنها ثمرة لم تخلق، فلم ~~يجز بيعها، كما لو باعها قبل ظهور شيء منها، والحاجة تندفع ببيع أصوله، ~~ولأن ما لم يبد صلاحه يجوز إفراده بالبيع، بخلاف ما لم يخلق. # ولأن ما لم يخلق من ثمرة النخل لا يجوز بيعه تبعا لما خلق، وإن كان ما لم ~~يبد صلاحه تبعا لما بدا. إذا تقرر هذا، فإن باعها قبل بدو صلاحها، لم يجز ~~إلا بشرط القطع، فإن كان بعد بدو صلاحها جاز مطلقا، وبشرط القطع، والتبقية، ~~على ما ذكرنا في ثمرة الأشجار. وقد بينا بماذا يكون بدو صلاحه. ### | [فصل بيع أصول البقول التي تتكرر ثمرتها من غير شرط القطع] # (2911) فصل: قال القاضي: ويصح بيع أصول هذه البقول التي تتكرر ثمرتها من ~~غير شرط القطع. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي. ولا فرق بين كون الأصول ~~صغارا أو كبارا، مثمرة أو غير مثمرة، لأنه أصل تكرر فيه الثمرة، فأشبه ~~الشجر. # فإن باع المثمر منه، فثمرته الظاهرة للبائع، متروكة إلى حين بلوغها، إلا ~~أن يشترطها المبتاع. فإن حدثت ثمرة أخرى فهي للمشتري. فإن اختلطت بثمرة ~~البائع، ولم تتميز، كان الحكم فيها كثمرة الشجرة إذا اختلطت بثمرة أخرى، ~~على ما مر حكمه. ### | [فصل ms1858 بيع ما المقصود منه مستور في الأرض كالجزر وغيره] # (2912) فصل: ولا يجوز بيع ما المقصود منه مستور في الأرض، كالجزر، ~~والفجل، والبصل، والثوم حتى يقلع، ويشاهد. وهذا قول الشافعي، وابن المنذر، ~~وأصحاب الرأي. وأباحه مالك، والأوزاعي، وإسحاق؛ لأن الحاجة داعية إليه، ~~فأشبه بيع ما لم يبد صلاحه تبعا لما بدا. # ولنا أنه مبيع مجهول، لم يره، ولم يوصف له، فأشبه بيع الحمل. ولأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الغرر.» رواه مسلم. وهذا غرر. وأما بيع ~~ما لم يبد صلاحه، فإنما جاز بيعه لأن الظاهر أنه يتلاحق في الصلاح، ويتبع ~~بعضه بعضا، فإن كان مما تقصد فروعه وأصوله، كالبصل المبيع أخضر، والكراث، ~~والفجل، أو كان المقصود فروعه، فالأولى جواز بيعه؛ لأن المقصود منه ظاهر، ~~فأشبه الشجر، والحيطان التي لها أساسات مدفونة. # ويدخل ما لم يظهر في البيع تبعا، فلا تضر جهالته، كالحمل في البطن، ~~واللبن في الضرع مع الحيوان، وإن كان معظم المقصود منه أصوله، لم يجز بيعه ~~في الأرض؛ لأن الحكم للأغلب. فإن تساويا لم يجز؛ لأن الأصل اعتبار الشرط في ~~الجميع، وإنما سقط اعتباره فيما كان معظم المقصود منه ظاهرا تبعا، ففيما ~~عداه يبقى على الأصل. # PageV04P070 ### | [فصل بيع الجوز واللوز والباقلا الأخضر في قشرته مقطوعا] # (2913) فصل: ويجوز بيع الجوز واللوز والباقلا الأخضر في قشرته مقطوعا، ~~وفي شجره، وبيع الحب المشتد في سنبله، وبيع الطلع قبل تشققه، مقطوعا على ~~وجه الأرض، وفي شجره. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك. وقال الشافعي: لا يجوز، ~~حتى ينزع عنه قشره الأعلى، إلا في الطلع والسنبل. في أحد القولين. واحتج ~~بأنه مستور بما لا يدخر عليه، ولا مصلحة فيه، فلم يجز بيعه، كتراب الصاغة ~~والمعادن، وبيع الحيوان المذبوح في سلخه. # ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو ~~صلاحها، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة.» فمفهومه إباحة بيعه إذا ~~بدا صلاحه وابيض سنبله، ولأنه مستور بحائل من أصل خلقته، فجاز بيعه ~~كالرمان، والبيض، والقشر الأسفل. ولا ms1859 يصح قولهم: ليس من مصلحته. فإنه لا ~~قوام له في شجره إلا به، والباقلا يؤكل رطبا، وقشره يحفظ رطوبته. ولأن ~~الباقلا يباع في أسواق المسلمين من غير نكير، فكان ذلك إجماعا. وكذلك ~~الجوز، واللوز في شجرهما. # والحيوان المذبوح يجوز بيعه في سلخه، فإنه إذا جاز بيعه قبل ذبحه، وهو ~~يراد للذبح، فكذلك إذا ذبح. كما أن الرمانة إذا جاز بيعها قبل كسرها، فكذلك ~~إذا كسرت. وأما تراب الصاغة والمعدن، فلنا فيهما منع، وإن سلم، فليس ذلك من ~~أصل الخلقة في تراب الصاغة، ولا بقاؤه فيه من مصلحته، بخلاف مسألتنا. ### | [مسألة بيع الرطبة وما أشبهها] # (2914) مسألة؛ قال: وكذلك الرطبة كل جزة. # وجملة ذلك أن الرطبة وما أشبهها مما تثبت أصوله في الأرض، ويؤخذ ما ظهر ~~منه بالقطع، دفعة بعد دفعة، كالنعناع، والهندبا، وشبههما، لا يجوز بيعه إلا ~~أن يبيع الظاهر منه، بشرط القطع في الحال. وبذلك قال الشافعي. وروي ذلك عن ~~الحسن وعطاء. ورخص مالك في أن يشتري جزتين، وثلاثا. ولا يصح؛ لأن ما في ~~الأرض منه مستور، وما يحدث منه معدوم، فلا يجوز بيعه، كما لا يجوز بيع ما ~~يحدث من الثمرة. # فإذا ثبت هذا، فمتى اشتراها قبل، لم يجز له إبقاؤها؛ لأن ما لم يظهر منها ~~أعيان لم يتناولها البيع، فيكون ذلك للبائع إذا ظهر، فيفضي إلى اختلاط ~~المبيع بغيره، والثمرة بخلاف ذلك. فإن أخرها حتى طالت، فالحكم فيها كالثمرة ~~إذا اشتراها قبل بدو صلاحها، ثم تركها حتى بدا صلاحها. ### | [فصل اشترى قصيلا من شعير ونحوه فقطعه ثم عاد فنبت] # (2915) فصل: وإن اشترى قصيلا من شعير، ونحوه، فقطعه، ثم عاد فنبت، فهو ~~لصاحب الأرض؛ لأن المشتري ترك الأصل على سبيل الرفض لها، فسقط حقه منها، ~~كما يسقط حق صاحب الزرع من السنابل التي يخلفها، ولذلك أبيح لكل أحد ~~التقاطها. ولو سقط من الزرع حب، ثم نبت من العام المقبل، فهو لصاحب الأرض. ~~نص أحمد على هاتين المسألتين. # ومما يؤكد ما قلنا؛ أن البائع لو أراد # PageV04P071 # التصرف في أرضه، بعد ms1860 فصل الزرع، بما يفسد الأصول ويقلعها، كان له ذلك، ~~ولم يملك المشتري منعه منه. ولو كان الباقي مستحقا له، لملك منعه منه. ### | [مسألة الحصاد على المشتري فإن شرطه على البائع بطل البيع] # (2916) مسألة: قال: والحصاد على المشتري. فإن شرطه على البائع بطل البيع ~~الكلام في هذه المسألة في فصلين: # (2917) الفصل الأول، أن من اشترى زرعا، أو جزة من الرطبة ونحوها، أو ثمرة ~~في أصولها، فإن حصاد الزرع، وجذ الرطبة، وجزاز الثمرة، وقطعها، على ~~المشتري؛ لأن نقل المبيع، وتفريغ ملك البائع منه على المشتري، كنقل الطعام ~~المبيع من دار البائع. ويفارق الكيل، والوزن، فإنهما على البائع؛ لأنهما من ~~مؤنة التسليم إلى المشتري، والتسليم على البائع، وها هنا حصل التسليم ~~بالتخلية بدون القطع، بدليل جواز بيعها، والتصرف فيها. وهذا مذهب أبي ~~حنيفة، والشافعي. ولا أعلم فيه مخالفا. # (2918) الفصل الثاني، إذا شرطه على البائع، فاختلف أصحابنا؛ فقال الخرقي: ~~يبطل البيع. وقال ابن أبي موسى: لا يجوز. وقيل: يجوز. فإن قلنا: لا يجوز. ~~فهل يبطل البيع لبطلان الشرط؟ على روايتين. وقال القاضي: المذهب جواز ~~الشرط. ذكره ابن حامد، وأبو بكر. ولم أجد هذا الذي ذكره الخرقي رواية في ~~المذهب. # واختلف أصحاب الشافعي أيضا؛ فقال بعضهم: إذا شرط الحصاد على البائع فسد ~~البيع، قولا واحدا. وقال بعضهم: يكون على قولين. فمن أفسد قال: لا يصح ~~لثلاثة معان؛ أحدها، أنه شرط العمل في الزرع قبل أن يملكه. والثاني، أنه ~~شرط ما لا يقتضيه العقد. والثالث، أنه شرط تأخير التسليم؛ لأن معنى ذلك ~~تسليمه مقطوعا. ومن أجازه قال: هذا بيع، وإجارة؛ لأنه باعه الزرع، وآجره ~~نفسه على حصاده، وكل واحد منهما يصح إفراده بالعقد، فإذا جمعهما جاز، ~~كالعينين. # وقولهم: شرط العمل فيما لا يملكه. يبطل بشرط رهن المبيع على الثمن في ~~البيع. والثاني، يبطل بشرط الرهن، والكفيل، والخيار. والثالث، ليس بتأخير؛ ~~لأنه يمكنه تسليمه قائما، ولأن الشرط من المتسلم، فليس ذلك بتأخير التسليم. ~~فإذا فسدت هذه المعاني صح؛ لما ذكرناه. فإن قيل: فالبيع يخالف حكمه حكم ~~الإجارة؛ ms1861 لأن الضمان ينتقل في البيع بتسليم العين، بخلاف الإجارة، فكيف يصح ~~الجمع بينهما؟ قلنا: كما يصح بيع الشقص، والسيف، وحكمهما مختلف؛ فإن الشفعة ~~تثبت في الشقص دون السيف، ويجوز الجمع بينهما. وقول الخرقي: إن العقد هاهنا ~~يبطل. يحتمل أن يختص بهذه المسألة وشبهها، مما يفضي الشرط فيه إلى التنازع، ~~فإن البائع ربما أراد قطعها من أعلاها، ليبقى له منها بقية، والمشتري يريد ~~الاستقصاء # PageV04P072 # عليها، ليزيد له ما يأخذه، فيفضي إلى التنازع، وهو مفسدة، فيبطل البيع من ~~أجله. # ويحتمل أن يقاس عليه ما أشبهه، من اشتراط منفعة البائع في المبيع؛ لما ~~ذكرنا في صدر المسألة. والأول أولى لوجهين؛ أحدهما، أنه قال في موضع آخر: ~~ولا يبطل البيع بشرط واحد. والثاني، أن المذهب، أنه يصح اشتراط منفعة ~~البائع في المبيع، مثل أن يشتري ثوبا، ويشترط على بائعه خياطته قميصا، أو ~~قلعة، ويشترط حذوها نعلا، أو جرزة حطب، ويشترط حملها إلى موضع معلوم. نص ~~عليه أحمد، في رواية مهنا، وغيره. حتى قال القاضي: لم أجد بما قال الخرقي ~~رواية في أنه لا يصح. # واحتج أحمد بأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة حطب، وشارطه على حملها. ~~وبه قال إسحاق، وأبو عبيد. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يشتري قلعة، ويشترط على ~~البائع تشريكها. وحكي عن أبي ثور، والثوري أنهما أبطلا العقد بهذا الشرط؛ ~~لأنه شرط فاسد، فأشبه سائر الشروط الفاسدة، وروي «عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه نهى عن بيع، وشرط» . ولنا، ما تقدم، ولم يصح أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن بيع، وشرط. # إنما الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن شرطين في بيع.» كذا ~~ذكره الترمذي. وهذا دال بمفهومه على جواز الشرط الواحد. قال أحمد: إنما ~~النهي عن شرطين في بيع، أما الشرط الواحد فلا بأس به. ### | [فصل لا بد من كون المنفعة معلومة للمتبايعين ليصح اشتراطها] # (2919) فصل: ولا بد من كون المنفعة معلومة لهما، ليصح اشتراطها، لأننا ~~نزلنا ذلك منزلة الإجارة. فلو اشترط حمل الحطب ms1862 إلى منزله، والبائع لا يعرف ~~منزله، لم يصح. ولو اشترط حذوها نعلا، فلا بد من معرفة صفتها، كما لو ~~استأجره على ذلك ابتداء. قال أحمد، في الرجل يشتري النعل، على أن يحذوها: ~~جائز إذا أراد الشراك. # وإن تعذر العمل بتلف المبيع قبله، أو بموت البائع انفسخت الإجارة، ورجع ~~المشتري عليه بعوض ذلك. وإن تعذر بمرض أقيم مقامه من يعمل العمل، والأجرة ~~عليه، كقولنا في الإجارة. ### | [فصل يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة] # فصل: ويصح أن يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة، مثل أن يبيع دارا، ~~ويستثني سكناها شهرا، أو جملا، ويشترط ظهره إلى مكان معلوم، أو عبدا، ~~ويستثني خدمته سنة. نص على هذا أحمد. وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، ~~وابن المنذر، وقال الشافعي، وأصحاب الرأي: # PageV04P073 # لا يصح الشرط؛ «لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع وشرط» ، ولأنه ~~ينافي مقتضى البيع، فأشبه ما لو شرط أن لا يسلمه، وذلك؛ لأنه شرط تأخير ~~تسليم المبيع إلى أن يستوفي البائع منفعته، ولأن مقتضى البيع ملك المبيع ~~ومنافعه، وهذا شرط ينافيه، وقال ابن عقيل: فيه رواية ثانية، أنه يبطل البيع ~~والشرط، نقلها عبد الله بن محمد الفقيه، في الرجل يشتري من الرجل جارية، ~~ويشترط أن تخدمه، فالبيع باطل. # وهذه الرواية لا تدل على محل النزاع في هذه المسألة، فإن اشتراط خدمة ~~الجارية باطل لوجهين؛ أحدهما، أنها مجهولة، وإطلاقها يقتضي خدمتها أبدا، ~~وهذا لا خلاف في بطلانه، إنما الخلاف في اشتراط منفعة معلومة. الثاني، أن ~~يشترط خدمتها بعد زوال ملكه عنها، فيفضي إلى الخلوة بها، والخطر برؤيتها، ~~وصحبتها، ولا يوجد هذا في غيرها، ولذلك منع إعارة الجارية الشابة لغير ~~محرمها. # وقال مالك: إذا اشترط ركوبا إلى مكان قريب، جاز، وإن كان إلى مكان بعيد ~~كره؛ لأن اليسير تدخله المسامحة. ولنا، ما روى جابر: «أنه باع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - جملا، واشترط ظهره إلى المدينة» . وفي لفظ قال: «فبعته ~~بأوقية، واستثنيت حملانه إلى أهلي.» متفق عليه. وفي لفظ «قال: فبعته منه ~~بخمس أواق، ms1863 قال: قلت: على أن لي ظهره إلى المدينة. قال: ولك ظهره إلى ~~المدينة» . ورواه مسلم. «ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن الثنيا ~~إلا أن تعلم.» وهذه معلومة، ولأن المنفعة قد تقع مستثناة بالشرع على ~~المشتري فيما إذا اشترى نخلة مؤبرة، أو أرضا مزروعة، أو دارا مؤجرة، أو أمة ~~مزوجة، فجاز أن يستثنيها، كما لو اشترط البائع الثمرة قبل التأبير، ولم يصح ~~«نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع وشرط. وإنما نهى عن شرطين في ~~بيع» # ، فمفهومه إباحة الشرط الواحد، وقياسهم ينتقض باشتراط الخيار والتأجيل في ~~الثمن. ### | [فصل باعه أمة واستثنى وطأها مدة معلومة] # (2921) فصل: وإن باعه أمة، واستثنى وطأها مدة معلومة، لم يجز؛ لأن الوطء ~~لا يباح في غير ملك أو نكاح؛ لقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} ~~[المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} ~~[المؤمنون: 6] {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] ، ~~وفارق اشتراط وطء المكاتبة حيث نبيحه؛ لأن المكاتبة مملوكة، فيستباح وطؤها ~~بالشرط في المحل المملوك. واختار ابن عقيل، أنه لا يباح وطؤها أيضا. وهو ~~قول أكثر الفقهاء. ### | [فصل باع المشتري العين المستثناة منفعتها] # (2922) فصل: وإن باع المشتري العين المستثناة منفعتها، صح البيع، وتكون ~~في يد المشتري الثاني مستثناة أيضا، فإن كان عالما بذلك، فلا خيار له؛ لأنه ~~دخل على بصيرة، فلم يثبت له خيار، كما لو اشترى # PageV04P074 # معيبا يعلم عيبه، فإن لم يعلم، فله خيار الفسخ؛ لأنه عيب، فهو كما لو ~~اشترى أمة مزوجة، أو دارا مؤجرة. # وإن أتلف المشتري العين، فعليه أجرة المثل؛ لتفويت المنفعة المستحقة ~~لغيره، وثمن المبيع، وإن تلفت العين بتفريطه، فهو كتلفها بفعله. نص عليه ~~أحمد. وقال: يرجع البائع على المبتاع بأجرة المثل. قال القاضي: معناه عندي، ~~القدر الذي نقصه البائع لأجل الشرط. وظاهر كلام أحمد خلاف هذا؛ لأنه يضمن ~~ما فات بتفريطه، فضمنه بعوضه، وهو أجرة المثل، فأما إن تلفت بغير فعله، ولا ~~بتفريطه، لم يضمن. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فعلى المشتري ms1864 أن يحمله ~~على غيره؛ لأنه كان له حملان؟ قال: لا. إنما شرط هذا عليه بعينه. # ولأنه لم يملكها البائع من جهته، فلم يلزمه عوضها، كما لو تلفت النخلة ~~المؤبرة، بثمرتها أو غير المؤبرة إذ اشترط البائع ثمرتها، وكما لو باع ~~حائطا، واستثنى منه شجرة بعينها فتلفت. وقال القاضي: عليه ضمانها، أخذا من ~~عموم كلام أحمد. وإذا تلفت العين، رجع البائع على المبتاع بأجرة المثل، وهو ~~محمول على حالة التفريط على ما ذكرنا. # (2923) فصل: وإذا اشترط البائع منفعة المبيع، وأراد المشتري أن يعطيه ما ~~يقوم مقام المبيع في المنفعة، أو يعوضه عنها لم يلزمه قبوله، وله استيفاء ~~المنفعة من غير المبيع. نص عليه أحمد؛ لأن حقه تعلق بها، فأشبه ما لو ~~استأجر عينا، فبذل له الآخر مثلها، ولأن البائع قد يكون له غرض في استيفاء ~~منافع تلك العين، فلا يجبر على قبول عوضها. فإن تراضيا على ذلك، جاز؛ لأن ~~الحق لهما، ولا يخرج عنهما، وإن أراد البائع إعارة العين، أو إجارتها لمن ~~يقوم مقامه، فله ذلك في قياس المذهب؛ لأنها منافع مستحقة له، فملك ذلك ~~فيها، كمنافع الدار المستأجرة والموصى بمنافعها، ولا يجوز إجارتها إلا ~~لمثله في الانتفاع، فإن أراد إجارتها أو إعارتها لمن يضر بالعين بانتفاعه، ~~لم يجز ذلك. كما لا يجوز له إجارة العين المستأجرة لمن لا يقوم مقامه. ذكر ~~ذلك ابن عقيل. ### | [فصل اشترط المشتري منفعة البائع في المبيع فأقام البائع مقامه من يعمل العمل] # (2924) فصل: إذا اشترط المشتري منفعة البائع في المبيع، فأقام البائع ~~مقامه من يعمل العمل، فله ذلك؛ لأنه هاهنا بمنزلة الأجير المشترك، يجوز أن ~~يعمل العمل بنفسه، وبمن يقوم مقامه. وإن أراد بذل العوض عن ذلك، لم يلزم ~~المشتري قبوله، وإن أراد المشتري أخذ العوض عنه، لم يلزم البائع بدله؛ لأن ~~المعاوضة عقد تراض، فلم يجبر عليه أحد. # وإن تراضيا عليه، احتمل الجواز؛ لأنها منفعة يجوز أخذ العوض عنها، لو لم ~~يشترطها، فإذا ملكها المشتري، جاز له أخذ العوض عنها، كما لو استأجرها، ~~وكما ms1865 يجوز أن يؤجر المنافع الموصى بها من ورثة الموصي، ويحتمل أن لا يجوز؛ ~~لأنه مشترط بحكم العادة والاستحسان لأجل الحاجة، فلم يجز أخذ العوض عنه، ~~كالقرض، فإنه يجوز أن يرد في الخبز والخمير أقل أو أكثر. ولو أراد أن يأخذ ~~بقدر خبزه وكسره بقدر الزيادة الجائزة، لم يجز. ولأنه أخذ عوض عن مرفق ~~معتاد # PageV04P075 # جرت العادة بالعفو عنه دون أخذ العوض، فأشبه المنافع المستثناة شرعا، وهو ~~ما لو باع أرضا فيها زرع للبائع، واستحق تبقيته إلى حين الحصاد، فلو أخذه ~~قصيلا لينتفع بالأرض إلى وقت الحصاد، لم يكن له ذلك. ### | [فصل قال بعتك هذه الدار وأجرتكها شهرا] # (2925) فصل: ولو قال: بعتك هذه الدار وأجرتكها شهرا. لم يصح؛ لأنه إذا ~~باعه فقد ملك المشتري المنافع، فإذا أجره إياها، فقد شرط أن يكون له بدل في ~~مقابلة ما ملكه المشتري فلم يصح. قال ابن عقيل: وقد «نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن قفيز الطحان.» ومعناه أن يستأجر طحانا، ليطحن له كراء بقفيز ~~منه، فيصير كأنه شرط عمله في القفيز عوضا عن عمله في باقي الكراء المطحون. ~~ويحتمل الجواز بناء على اشتراط منفعة البائع في المبيع. ### | [فصل لا شرطان في بيع] # (2926) فصل: وإن شرط في المبيع إن هو باعه فالبائع أحق به بالثمن. فروى ~~المروذي عنه أنه قال: في معنى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~شرطان في بيع» . يعني أنه فاسد؛ لأنه شرط أن يبيعه إياه، وأن يعطيه إياه ~~بالثمن الأول، فهما شرطان في بيع نهي عنهما، ولأنه ينافي مقتضى العقد؛ لأنه ~~شرط أن لا يبيعه لغيره إذا أعطاه ثمنه، فهو كما لو شرط أن لا يبيعه إلا من ~~فلان، أو أن لا يبيعه أصلا، وروى عنه إسماعيل بن سعيد: البيع جائز؛ لما روي ~~عن ابن مسعود، أنه قال: ابتعت من امرأتي زينب الثقفية جارية، وشرطت لها إن ~~بعتها، فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به، فذكرت ذلك لعمر، فقال: لا تقربها ~~ولأحد فيها شرط. قال إسماعيل: فذكرت لأحمد الحديث، فقال: ms1866 البيع جائز، و " ~~لا تقربها "؛ لأنه كان فيها شرط واحد للمرأة. # ولم يقل عمر في ذلك البيع: فاسد. فحمل الحديث على ظاهره، وأخذ به. وقد ~~اتفق عمر وابن مسعود على صحته، والقياس يقتضي فساده. ويحتمل أن يحمل كلام ~~أحمد في رواية المروذي على فساد الشرط؛ وفي رواية إسماعيل بن سعيد على جواز ~~البيع، فيكون البيع صحيحا، والشرط فاسدا، كما لو اشتراها بشرط أن لا ~~يبيعها. وقول أحمد: " لا تقربها ". قد روي مثله في من اشترط في الأمة أن لا ~~يبيعها ولا يهبها، أو شرط عليه ولاءها، ولا يقربها. والبيع جائز. واحتج ~~بحديث عمر: " لا تقربها ولأحد فيها مثنوية ". قال القاضي: وهذا على الكراهة ~~لا على التحريم. قال ابن عقيل: عندي أنه إنما منع من الوطء؛ لمكان الخلاف ~~في العقد؛ لكونه يفسد بفساد الشرط في بعض المذاهب. والله أعلم. ### | [مسألة باع حائطا واستثنى منه صاعا] ### | [الفصل الأول باع ثمرة بستان واستثنى صاعا] # (2927) مسألة؛ قال: وإذا باع حائطا واستثنى منه صاعا، لم يجز. وإن استثنى ~~منه نخلة أو شجرة بعينها، جاز. الكلام في هذه المسألة في فصلين؛ (2928) ~~الفصل الأول، أنه إذا باع ثمرة بستان، واستثنى صاعا، أو آصعا، أو مدا، أو ~~أمدادا، أو باع صبرة # PageV04P076 # واستثنى منها مثل ذلك، لم يجز. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن، ~~والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وقال أبو الخطاب: ~~فيه رواية أخرى، أنه يجوز، وهو قول ابن سيرين، وسالم بن عبد الله، ومالك؛ ~~«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن بيع الثنيا إلا أن تعلم.» رواه ~~الترمذي وقال: هو حديث حسن صحيح، وهذه ثنيا معلومة، ولأنه استثنى معلوما ~~أشبه ما إذا استثنى منها جزءا. # ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن الثنيا.» رواه البخاري. ~~ولأن المبيع معلوم بالمشاهدة لا بالقدر، والاستثناء يغير حكم المشاهدة؛ ~~لأنه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة، فلم يجز، ويخالف الجزء؛ فإنه لا ~~يغير حكم المشاهدة، ولا يمنع المعرفة بها. ### | [فصل باع شجرة أو نخلة ms1867 واستثنى أرطالا معلومة] # (2929) فصل: وإن باع شجرة، أو نخلة، واستثنى أرطالا معلومة، فالحكم فيه ~~كما لو باع حائطا واستثنى آصعا. وقال القاضي في " شرحه ": يصح؛ لأن ~~الصحابة، - رضي الله عنهم - أجازوا استثناء سواقط الشاة. والصحيح، ما ~~ذكرناه. وهذا أشبه بمسألة الصاع من الحائط وإليها أقرب، والمعنى الذي ~~ذكرناه فيها متحقق هاهنا، فلا يصح. والله أعلم. ### | [الفصل الثاني استثنى من المبيع نخلة أو شجرة بعينها] # (2930) الفصل الثاني، أنه إذا استثنى نخلة، أو شجرة بعينها، جاز. ولا ~~نعلم في ذلك خلافا؛ وذلك لأن المستثنى معلوم، ولا يؤدي إلى جهالة المستثنى ~~منه. وإن استثنى شجرة غير معينة، لم يجز؛ لأن الاستثناء غير معلوم، فصار ~~المبيع والمستثنى مجهولين. # وروي عن ابن عمر، أنه باع ثمرته بأربعة آلاف، واستثنى طعام القيان. وهذا ~~يحتمل أنه استثنى نخلا معينا بقدر طعام القيان؛ لأنه لو حمل على غير ذلك ~~لكان مخالفا «لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الثنيا إلا أن تعلم.» ~~ولأن المستثنى متى كان مجهولا لزم أن يكون الباقي بعده مجهولا، فلا يصح ~~بيعه، كما لو قال: بعتك من هذه الثمرة طعام القيان. ### | [فصل استثنى جزءا معلوما من الصبرة أو الحائط مشاعا] # (2931) فصل: وإن استثنى جزءا معلوما من الصبرة أو الحائط مشاعا، كثلث، أو ~~ربع، أو أجزاء، كسبعين، أو ثلاثة أثمان، صح البيع والاستثناء. ذكره ~~أصحابنا. وهو مذهب الشافعي. وقال أبو بكر، وابن أبي موسى: لا يجوز. ولنا ~~أنه لا يؤدي إلى جهالة المستثنى ولا المستثنى منه، فصح، كما لو اشترى شجرة ~~بعينها؛ وذلك لأن معنى: بعتك هذه الصبرة إلا ثلثها. أي بعتك ثلثيها. وقوله: ~~إلا ربعها معناه: بعتك ثلاثة أرباعها. ولو باع حيوانا، واستثنى ثلثه، جاز، ~~وكان معناه بعتك ثلثيه. ومنع منه القاضي أبو يعلى قياسا على استثناء الشحم. # ولا يصح؛ لأن الشحم مجهول لا يصح إفراده بالبيع، وهذا معلوم؛ ويصح إفراده ~~بالبيع، # PageV04P077 # فصح استثناؤه، كالشجرة المعينة، وقياس المعلوم على المجهول في الفساد لا ~~يصح، فعلى هذا يصيران شريكين فيه، للمشتري ثلثاه وللبائع ثلثه. ### | [فصل ms1868 قال بعتك قفيزا من هذه الصبرة إلا مكوكا] # (2932) فصل: فإن قال: بعتك قفيزا من هذه الصبرة إلا مكوكا. جاز؛ لأن ~~القفيز معلوم، والمكوك معلوم، فلا يفضي إلى الجهالة، ولو قال: بعتك هذه ~~الثمرة بأربعة دراهم، إلا بقدر درهم. صح؛ لأن قدره معلوم من المبيع وهو ~~الربع، فكأنه قال: بعتك ثلاثة أرباع هذه الثمرة بأربعة دراهم. ولو قال: إلا ~~ما يساوي درهما. لم يصح؛ لأن ما يساوي الدرهم قد يكون الربع، أو أكثر أو ~~أقل، فيكون مجهولا، فيبطل. ### | [فصل باع قطيعا واستثنى منه شاة بعينها] # (2933) فصل: وإن باع قطيعا، واستثنى منه شاة بعينها، صح. وإن استثنى شاة ~~غير معينة، لم يصح. نص عليه. وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال مالك: يصح أن ~~يبيع مائة شاة إلا شاة يختارها، أو يبيع ثمرة حائطه، ويستثني ثمرة نخلات ~~يعدها. # ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن الثنيا إلا أن تعلم. ~~ونهى عن بيع الغرر.» ولأنه مبيع مجهول، والمستثنى منه مجهول، فلم يصح، كما ~~لو قال: إلا شاة مطلقة. ولأنه مبيع مجهول، فلم يصح، كما لو قال: بعتك شاة ~~تختارها من القطيع. وضابط هذا الباب، أنه لا يصح استثناء ما لا يصح بيعه ~~مفردا أو بيع ما عداه منفردا عن المستثنى، ونحو هذا مذهب أبي حنيفة، ~~والشافعي، إلا أن أصحابنا استثنوا من هذا سواقط الشاة، وجلدها؛ للأثر ~~الوارد فيه. والحمل على رواية الجواز؛ لفعل ابن عمر، وما عدا هذا فيبقى على ~~الأصل. ### | [فصل باع حيوانا مأكولا واستثنى رأسه وجلده وأطرافه وسواقطه] # (2934) فصل: وإن باع حيوانا مأكولا، واستثنى رأسه وجلده وأطرافه وسواقطه، ~~صح. نص عليه أحمد. وقال مالك: يصح في السفر دون الحضر؛ لأن المسافر لا ~~يمكنه الانتفاع بالجلد والسواقط. فجوز له شراء اللحم دونها. وقال أبو ~~حنيفة، والشافعي: لا يجوز؛ لأنه لا يجوز إفراده بالعقد، فلم يجز استثناؤه ~~كالحمل. # ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم.» ~~وهذه معلومة، وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر ms1869 إلى المدينة، ~~ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة، مروا براعي غنم، فذهب أبو بكر وعامر فاشتريا ~~منه شاة، وشرطا له سلبها.» وروى أبو بكر، في " الشافي " بإسناده عن جابر، ~~عن الشعبي قال: قضى زيد بن ثابت، وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في بقرة باعها رجل واشترط رأسها، فقضى بالشروى. يعني أن يعطي رأسا مثل رأس. ~~ولأن المستثنى # PageV04P078 # والمستثنى منه معلومان، فصح، كما لو باع حائطا، واستثنى منه نخلة معينة. ~~وكونه لا يجوز إفراده بالبيع يبطل بالثمرة قبل التأبير لا يجوز إفرادها ~~بالبيع بشرط التبقية، ويجوز استثناؤها، والحمل مجهول. # ولنا فيه منع، فإن امتنع المشتري من ذبحها لم يجبر عليه، ويلزمه قيمة ذلك ~~على التقريب. نص عليه؛ لما روي عن علي، - رضي الله عنه - أنه قضى في رجل ~~اشترى ناقة وشرط ثنياها. فقال: اذهبوا إلى السوق، فإذا بلغت أقصى ثمنها، ~~فأعطوه حساب ثنياها من ثمنها. ### | [فصل استثنى من البيع شحم الحيوان] # (2935) فصل: فإن استثنى شحم الحيوان، لم يصح. نص عليه أحمد. قال أبو بكر: ~~لا يختلفون عن أبي عبد الله، أنه لا يجوز ذلك؛ «لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم.» ولأنه مجهول لا يصح إفراده بالبيع، فلم ~~يصح استثناؤه، كفخذها، وإن استثنى الحمل، لم يصح استثناؤه لذلك. وهذا قول ~~أبي حنيفة، ومالك، والثوري، والشافعي. # وقد نقل عن أحمد صحته، وبه قال الحسن، والنخعي، وإسحاق، وأبو ثور. لما ~~روى نافع عن ابن عمر، أنه باع جارية، واستثنى ما في بطنها. ولأنه يصح ~~استثناؤه في العتق، فصح في البيع قياسا عليه. # ولنا، ما تقدم. والصحيح من حديث ابن عمر أنه أعتق جارية واستثنى ما في ~~بطنها. لأن الثقات الحفاظ حدثوا الحديث، فقالوا: أعتق جارية. والإسناد ~~واحد، قاله أبو بكر. ولا يلزم من الصحة في العتق الصحة في البيع؛ لأن العتق ~~لا تمنعه الجهالة ولا العجز عن التسليم، ولا يعتبر فيه شروط البيع. ### | [فصل في من باع جارية حاملا بحر] # (2936) فصل: وإن باع جارية حاملا بحر. ms1870 فقال القاضي: لا يصح. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأنه لا يدخل في البيع، فكأنه مستثنى. والأولى صحته؛ لأن المبيع ~~معلوم، وجهالة الحمل لا تضر من حيث إنه ليس بمبيع ولا مستثنى باللفظ، وقد ~~يستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه باللفظ، كما لو باع أمة مزوجة صح، ووقعت ~~منفعة البضع مستثناة بالشرع. # ولو استثناها باللفظ لم يجز. ولو باع أرضا فيها زرع للبائع، أو نخلة ~~مؤبرة، لوقعت منفعتها مستثناة بالشرع مدة بقاء الزرع والثمرة، ولو استثناها ~~بقوله، لم يجز. ### | [فصل باع دارا إلا ذراعا وهما يعلمان ذرعان الدار] # (2937) فصل: ولو باع دارا إلا ذراعا، وهما يعلمان ذرعان الدار، جاز، وكان ~~مستثنيا جزءا مشاعا منها، لأنه جزء معلوم يصح إفراده بالبيع، فجاز ~~استثناؤه، كثلثها وربعها، وإن لم يعلما، لم يجز؛ لأنه مجهول لا يجوز إفراده ~~بالبيع، ولأنه استثنى معلوم المقدار من مبيع معلوم بالمشاهدة، فلم يجز ~~كاستثناء الصاع من ثمرة الحائط، والقفيز من الصبرة. وهكذا الحكم إذا باعه ~~ضيعة إلا جريبا، فمتى علم جربان الضيعة صح، وإلا فلا. # PageV04P079 ### | [فصل باع سمسما واستثنى الكسب] # (2938) فصل: وإذا باع سمسما واستثنى الكسب، لم يجز؛ لأنه قد باعه الشيرج ~~في الحقيقة. وهو غير معلوم، فإنه غير معين ولا موصوف، «ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم.» وكذا لو باعه قطنا واستثنى ~~الحب، لم يجز؛ لجهالة ذلك، ولأن المستثنى غير معلوم ولو باعه السمسم ~~واستثنى الشيرج، لم يجز كذلك. ### | [فصل باعه بدينار إلا درهما أو إلا قفيزا من حنطة أو شعير] # (2939) فصل: ولو باعه بدينار إلا درهما، أو إلا قفيزا من حنطة أو شعير، ~~لم يصح البيع؛ لأنه قصد رفع قدر المستثنى من المستثنى منه. وقدر ذلك مجهول، ~~فيصير الثمن مجهولا. ### | [مسألة اشترى الثمرة دون الأصل فتلفت بجائحة من السماء] # (2940) مسألة؛ قال: وإذا اشترى الثمرة دون الأصل، فتلفت بجائحة من ~~السماء، رجع بها على البائع الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة: (2941) ~~الفصل الأول، أن ما تهلكه الجائحة من الثمار من ضمان البائع. ms1871 وبهذا قال ~~أكثر أهل المدينة منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وأبو عبيد، وجماعة من ~~أهل الحديث. وبه قال الشافعي في القديم. # وقال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: هو من ضمان المشتري؛ لما روي، «أن ~~امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من ~~فلان، فأذهبتها الجائحة، فسألته أن يضع عنه، فتألى أن لا يفعل. فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: تألى فلان أن لا يفعل خيرا.» متفق عليه ولو كان ~~واجبا لأجبره عليه؛ لأن التخلية يتعلق بها جواز التصرف، فتعلق بها الضمان، ~~كالنقل والتحويل، ولأنه لا يضمنه إذا أتلفه آدمي، كذلك لا يضمنه بإتلاف ~~غيره. # ولنا ما روى مسلم، في " صحيحه " عن جابر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أمر بوضع الجوائح.» وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~بعت من أخيك ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، لم تأخذ ~~مال أخيك بغير حق؟» رواه مسلم وأبو داود، ولفظه: «من باع ثمرا، فأصابته ~~جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئا، على ما يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم؟» . # وهذا صريح في الحكم فلا يعدل عنه. قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت لم أعده، ولو كنت ~~قائلا بوضعها لوضعتها في القليل والكثير. قلنا: الحديث ثابت. رواه الأئمة، ~~منهم: الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن حرب، وغيرهم عن ابن عيينة، عن ~~حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر. ورواه مسلم في " صحيحه " وأبو ~~داود في " سننه "، وابن ماجه وغيرهم. ولا حجة لهم في حديثهم، فإن فعل ~~الواجب خير، فإذا تألى أن لا يفعل الواجب، فقد تألى ألا يفعل خيرا. # فأما الإجبار، فلا يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بمجرد قول المدعي ~~من # PageV04P080 # غير إقرار من البائع، ولا حضور. ولأن التخلية ليست بقبض تام، بدليل ما لو ~~تلفت بعطش عند بعضهم. ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض، بدليل ms1872 المنافع ~~في الإجارة يباح التصرف فيها، ولو تلفت كانت من ضمان المؤجر، كذلك الثمرة، ~~فإنها في شجرها، كالمنافع قبل استيفائها، توجد حالا فحالا، وقياسهم يبطل ~~بالتخلية في الإجارة. # (2942) الفصل الثاني: أن الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها، كالريح، ~~والبرد، والجراد، والعطش؛ لما روى الساجي بإسناده، عن جابر، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قضى في الجائحة.» والجائحة تكون في البرد، والجراد، ~~وفي الحبق، والسيل، وفي الريح. وهذا تفسير من الراوي لكلام النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيجب الرجوع إليه. # وأما ما كان بفعل آدمي، فقال القاضي: المشتري بالخيار بين فسخ العقد، ~~ومطالبة البائع بالثمن، وبين البقاء عليه، ومطالبة الجاني بالقيمة؛ لأنه ~~أمكن الرجوع ببدله، بخلاف التالف بالجائحة. (2943) الفصل الثالث: أن ظاهر ~~المذهب، أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أن ما جرت العادة بتلف ~~مثله، كالشيء اليسير الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه. قال أحمد: إني لا أقول ~~في عشر ثمرات، ولا عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث، ولكن إذا كانت جائحة ~~تعرف؛ الثلث، أو الربع، أو الخمس، توضع. وفيه رواية أخرى، أن ما كان يعد ~~دون الثلث فهو من ضمان المشتري وهو مذهب مالك، والشافعي في القديم؛ لأنه لا ~~بد أن يأكل الطير منها، وتنثر الريح، ويسقط منها، فلم يكن بد من ضابط واحد ~~فاصل بين ذلك وبين الجائحة، والثلث قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع: منها؛ ~~الوصية، وعطايا المريض، وتساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى الثلث. # قال الأثرم: قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة. ولأن ~~الثلث في حد الكثرة، وما دونه في حد القلة، بدليل قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في الوصية: (الثلث، والثلث كثير) . فيدل هذا على أنه آخر حد ~~الكثرة، فلهذا قدر به. # ووجه الأول، عموم الأحاديث، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع ~~الجوائح. وما دون الثلث داخل فيه، فيجب وضعه. ولأن هذه الثمرة لم يتم ~~قبضها، فكان ما تلف منها من مال البائع، وإن كان قليلا، كالتي ms1873 على وجه ~~الأرض، وما أكله الطير أو سقط لا يؤثر في العادة، ولا يسمى جائحة، فلا يدخل ~~في الخبر، ولا يمكن التحرز منه، فهو معلوم الوجود بحكم العادة، فكأنه ~~مشروط. إذا ثبت هذا، فإنه إذا تلف شيء له قدر خارج عن العادة، وضع من الثمن ~~بقدر الذاهب. فإن تلف # PageV04P081 # الجميع، بطل العقد، ويرجع المشتري بجميع الثمن. # وأما على الرواية الأخرى، فإنه يعتبر ثلث المبلغ، وقيل: ثلث القيمة. فإن ~~تلف الجميع، أو أكثر من الثلث، رجع بقيمة التالف كله من الثمن، وإذا اختلفا ~~في الجائحة، أو قدر ما أتلف فالقول قول البائع؛ لأن الأصل السلامة. ولأنه ~~غارم، والقول في الأصول قول الغارم. ### | [فصل اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع فلم يقطعها حتى تلفت] # (2944) فصل: فإن بلغت الثمرة أوان الجزاز، فلم يجزها حتى اجتيحت، فقال ~~القاضي: عندي لا يوضع عنه؛ لأنه مفرط بترك النقل في وقته مع قدرته، فكان ~~الضمان عليه. ولو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فأمكنه قطعها، فلم ~~يقطعها حتى تلفت، فهي من ضمانه؛ لأن تلفها بتفريطه. وإن تلفت قبل إمكان ~~قطعها، فهي من ضمان بائعها، كالمسألة فيها. ### | [فصل استأجر أرضا فزرعها فتلف الزرع] # (2945) فصل: إذا استأجر أرضا، فزرعها، فتلف الزرع، فلا شيء على المؤجر، ~~نص عليه أحمد. ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن المعقود عليه منافع الأرض، ولم ~~تتلف، وإنما تلف مال المستأجر فيها، فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابا، ~~فتلفت الثياب فيها. ### | [مسألة وقع البيع على مكيل أو على موزون أو معدود فتلف قبل قبضه] # (2946) مسألة؛ قال: (وإذا وقع البيع على مكيل، أو على موزون، أو معدود، ~~فتلف قبل قبضه، فهو من مال البائع) . ظاهر كلام الخرقي أن المكيل، ~~والموزون، والمعدود، لا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه، سواء كان متعينا، ~~كالصبرة، أو غير متعين، كقفيز منها. وهو ظاهر كلام أحمد. ونحوه قول إسحاق. # وروي عن عثمان بن عفان، وسعيد بن المسيب، والحسن، والحكم، وحماد بن أبي ~~سليمان، أن كل ما بيع على الكيل والوزن لا ms1874 يجوز بيعه قبل قبضه، وما ليس ~~بمكيل ولا موزون يجوز بيعه قبل قبضه. وقال القاضي وأصحابه: المراد بالمكيل، ~~والموزون، والمعدود، ما ليس بمتعين منه، كالقفيز من صبرة، والرطل من زبرة، ~~ومكيلة زيت من دن، فأما المتعين، فيدخل في ضمان المشتري، كالصبرة يبيعها من ~~غير تسمية كيل. # وقد نقل عن أحمد ما يدل على قولهم، فإنه قال في رواية أبي الحارث، في رجل ~~اشترى طعاما، فطلب من يحمله، فرجع وقد احترق الطعام، فهو من مال المشتري، ~~واستدل بحديث ابن عمر: ما أدركت الصفقة حيا مجموعا، فهو من مال المشتري. ~~وذكر الجوزجاني عنه في من اشترى ما في السفينة صبرة، ولم يسم كيلا، فلا بأس ~~أن يشرك فيها، ويبيع ما شاء، إلا أن يكون بينهما كيل، فلا يولي حتى # PageV04P082 # يكال عليه. # ونحو هذا قال مالك، فإنه قال: ما بيع من الطعام مكايلة، أو موازنة، لم ~~يجز بيعه قبل قبضه، وما بيع مجازفة، أو بيع من غير الطعام مكايلة، أو ~~موازنة، جاز بيعه قبل قبضه. ووجه ذلك، ما روى الأوزاعي، عن الزهري، عن حمزة ~~بن عبد الله بن عمر، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: «مضت السنة أن ما ~~أدركته الصفقة حيا مجموعا، فهو من مال المبتاع» . رواه البخاري، عن ابن عمر ~~من قوله تعليقا. # وقول الصحابي مضت السنة. يقتضي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأن ~~المبيع المعين لا يتعلق به حق توفية، فكان من مال المشتري، كغير المكيل ~~والموزون. ونقل عن أحمد، أن المطعوم لا يجوز بيعه قبل قبضه، سواء كان ~~مكيلا، أو موزونا، أو لم يكن. وهذا يقتضي أن الطعام خاصة لا يدخل في ضمان ~~المشتري حتى يقبضه، فإن الترمذي روى عن أحمد، أنه أرخص في بيع ما لا يكال ~~ولا يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب قبل قبضه. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله ~~عن # قوله: نهى عن ربح ما لم يضمن. قال: هذا في الطعام وما أشبهه من مأكول أو ~~مشروب، فلا يبيعه حتى يقبضه. قال ابن ms1875 عبد البر: الأصح عن أحمد بن حنبل أن ~~الذي يمنع من بيعه قبل قبضه هو الطعام، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن بيع الطعام قبل قبضه. فمفهومه إباحة بيع ما سواه قبل قبضه. ~~وروى ابن عمر، قال: «رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم» . وهذا نص في ~~بيع المعين. وعموم قوله - عليه السلام -: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى ~~يستوفيه» . متفق عليهما. ولمسلم عن ابن عمر قال: «كنا نشتري الطعام من ~~الركبان جزافا، فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى ~~ننقله من مكانه» . # وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاما فليس له أن يبيعه ~~حتى يستوفيه، ولو دخل في ضمان المشتري، جاز له بيعه والتصرف فيه، كما بعد ~~القبض. # وهذا يدل على تعميم المنع في كل طعام، مع تنصيصه على المبيع مجازفة ~~بالمنع، وهو خلاف قول القاضي وأصحابه، ويدل بمفهومه على أن ما عدا الطعام ~~يخالفه في ذلك. ووجه قول الخرقي أن الطعام المنهي عن بيعه قبل قبضه لا يكاد ~~يخلو من كونه مكيلا، أو موزونا، أو معدودا، فتعلق الحكم بذلك كتعلق ربا ~~الفضل به، ويحتمل أنه أراد المكيل، والموزون، والمعدود من الطعام الذي ورد ~~النص بمنع بيعه، وهذا أظهر دليلا وأحسن. # إذا ثبت هذا، فإنه إن تلف المبيع من ذلك قبل قبضه بآفة سماوية، بطل ~~العقد، ورجع المشتري بالثمن. وإن تلف بفعل المشتري، استقر الثمن عليه، وكان ~~كالقبض؛ لأنه تصرف فيه. وإن أتلفه أجنبي، لم يبطل العقد، على قياس قوله في ~~الجائحة، ويثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن؛ لأن التلف حصل في ~~يد البائع، فهو كحدوث العيب في يده، وبين البقاء على العقد، ومطالبة المتلف ~~بالمثل إن كان مثليا. # PageV04P083 # وبهذا قال الشافعي، ولا أعلم فيه مخالفا. وإن أتلفه البائع، فقال ~~أصحابنا: الحكم فيه كما لو أتلفه أجنبي؛ لأنه أتلفه من يلزمه ضمانه، فأشبه ~~ما لو ms1876 أتلفه أجنبي. # وقال الشافعي: ينفسخ العقد، ويرجع المشتري بالثمن لا غير؛ لأنه تلف يضمنه ~~به البائع، فكان الرجوع عليه بالثمن كالتلف بفعل الله تعالى. وفرق أصحابنا ~~بينهما بكونه إذا تلف بفعل الله تعالى، لم يوجد مقتض للضمان سوى حكم العقد، ~~بخلاف ما إذا أتلفه، فإن إتلافه يقتضي الضمان بالمثل، وحكم العقد يقتضي ~~الضمان بالثمن، فكانت الخيرة إلى المشتري في التضمين بأيهما شاء. ### | [فصل تعيب في يد البائع أو تلف بعضه بأمر سماوي] # (2947) فصل: ولو تعيب في يد البائع، أو تلف بعضه بأمر سماوي، فالمشتري ~~مخير بين قبوله ناقصا، ولا شيء له، وبين فسخ العقد والرجوع بالثمن؛ لأنه إن ~~رضيه معيبا، فكأنه اشترى معيبا وهو عالم بعيبه، ولا يستحق شيئا من أجل ~~العيب. وإن فسخ العقد، لم يكن له أكثر من الثمن؛ لأنه لو تلف المبيع كله، ~~لم يكن له أكثر من الثمن، فإذا تعيب، أو تلف بعضه، كان أولى. وإن تعيب بفعل ~~المشتري، أو تلف بعضه، لم يكن له فسخ لذلك؛ لأنه أتلف ملكه، فلم يرجع على ~~غيره. وإن كان ذلك بفعل البائع، فقياس قول أصحابنا، أن المشتري مخير بين ~~الفسخ والرجوع بالثمن، وبين أخذه، والرجوع على البائع بعوض ما أتلف أو عيب. ~~وقياس قول الشافعي، أن يكون بمنزلة ما لو تلف بفعل الله تعالى. # وإن كان بفعل أجنبي، فله الخيار بين الفسخ، والمطالبة بالثمن، وبين أخذ ~~المبيع، ومطالبة المتلف بعوض ما أتلف. ### | [فصل باع شاة بشعير فأكلته قبل قبضه] # (2948) فصل: ولو باع شاة بشعير، فأكلته قبل قبضه، فإن كانت في يد ~~المشتري، فهو كما لو أتلفه، وإن كانت في يد البائع، فهو بمنزلة إتلافه له، ~~وكذلك إن كانت في يد أجنبي، فهو كإتلافه. فإن لم تكن في يد أحد، انفسخ ~~البيع؛ لأن المبيع هلك قبل القبض بأمر لا ينسب إلى آدمي، فهو كتلفه بفعل ~~الله تعالى. # (2949) فصل: ولو اشترى شاة أو عبدا أو شقصا بطعام، فقبض الشاة أو العبد، ~~أو باعهما، أو أخذ الشقص بالشفعة ثم تلف الطعام قبل ms1877 قبضه، انفسخ العقد ~~الأول دون الثاني، ولا يبطل الأخذ بالشفعة؛ لأنه كمل قبل فسخ العقد، ويرجع ~~مشتري الطعام على مشتري الشاة والعبد والشقص بقيمة ذلك؛ لتعذر رده، وعلى ~~الشفيع مثل الطعام؛ لأنه عوض الشقص. ### | [مسألة ما عدا المكيل والموزون والمعدود يدخل في ضمان المشتري قبل قبضه] # (2950) مسألة؛ قال: (وما عداه فلا يحتاج فيه إلى قبض، وإن تلف فهو من مال ~~المشتري) يعني ما عدا المكيل، والموزون، والمعدود، فإنه يدخل في ضمان ~~المشتري قبل قبضه. وقال أبو حنيفة: كل مبيع تلف قبل قبضه من ضمان البائع، ~~إلا العقار. # وقال الشافعي: كل مبيع من ضمان البائع حتى يقبضه المشتري. وحكى أبو ~~الخطاب عن أحمد رواية أخرى كقوله؛ لأن ابن عباس قال: أرى كل شيء بمنزلة ~~الطعام. ولأن التسليم واجب على البائع؛ لأنه في يده، فإذا تعذر بتلفه، ~~انفسخ العقد، كالمكيل، والموزون، والمعدود. # PageV04P084 # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخراج بالضمان» . وهذا المبيع ~~نماؤه للمشتري، فضمانه عليه. وقول ابن عمر: مضت السنة أن ما أدركته الصفقة ~~حيا مجموعا فهو من مال المبتاع. ولأنه لا يتعلق به حق توفية، وهو من ضمانه ~~بعد قبضه، فكان من ضمانه قبله، كالميراث. وتخصيص النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه دليل على مخالفة غيره له. ### | [فصل المبيع بصفة أو رؤية متقدمة من ضمان البائع حتى يقبضه المبتاع] # (2951) فصل: والمبيع بصفة، أو رؤية، متقدمة، من ضمان البائع حتى يقبضه ~~المبتاع؛ لأنه؛ يتعلق به حق توفية، فجرى مجرى المكيل، والموزون. قال أحمد: ~~لو اشترى من رجل عبدا بعينه، فمات في يد البائع، فهو من مال المشتري، إلا ~~أن يطلبه، فيمنعه البائع، فهو ضامن لقيمته حين عطب. ولو حبسه ببقية الثمن، ~~فهو غاصب، ولا يكون رهنا، إلا أن يكون قد اشترط عليه في نفس الرهن. ### | [فصل قبض كل شيء بحسبه مكيلا أو موزونا] # (2952) فصل: وقبض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلا، أو موزونا، بيع كيلا، أو ~~وزنا، فقبضه بكيله ووزنه. وبهذا قال الشافعي، وقال أبو ms1878 حنيفة: التخلية في ~~ذلك قبض. وقد روى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى، أن القبض في كل شيء ~~بالتخلية مع التمييز؛ لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل، فكان قبضا ~~له، كالعقار. # ولنا، ما روى أبو هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ~~بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل» رواه البخاري. وعن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع، وصاع المشتري» ~~. رواه ابن ماجه، وهذا فيما بيع كيلا. وإن بيع جزافا، فقبضه نقله؛ لأن ابن ~~عمر قال: كانوا «يضربون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~اشتروا طعاما جزافا، أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه» . وفي لفظ: «كنا نبتاع ~~الطعام جزافا، فبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه الذي ابتعناه إلى ~~مكان سواه قبل أن نبيعه» . وفي لفظ: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، ~~فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى ننقله» . رواهن ~~مسلم. وهذا يبين أن الكيل إنما وجب فيما بيع بالكيل، وقد دل على ذلك أيضا ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سميت الكيل فكل» . رواه الأثرم. ~~وإن كان المبيع دراهم أو دنانير، فقبضها باليد. وإن كان ثيابا، فقبضها ~~نقلها. # وإن كان حيوانا، فقبضه تمشيته من مكانه. وإن كان مما لا ينقل ويحول، ~~فقبضه التخلية بينه وبين مشتريه لا حائل دونه. وقد ذكره الخرقي في باب ~~الرهن، فقال: إن كان مما ينقل، فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولا، وإن كان ~~مما لا ينقل، فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه. ولأن القبض ~~مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف، كالإحراز، والتفرق. والعادة في ~~قبض هذه الأشياء ما ذكرنا. # PageV04P085 ### | [فصل أجرة الكيال والوزان في المكيل والموزون على البائع] # (2953) فصل وأجرة الكيال والوزان في المكيل والموزون على البائع؛ لأن ~~عليه تقبيض المبيع للمشتري، والقبض لا يحصل إلا بذلك، فكان على البائع، كما ~~أن على بائع الثمرة سقيها، وكذلك أجرة ms1879 الذي يعد المعدودات. وأما نقل ~~المنقولات، وما أشبهه، فهو على المشتري؛ لأنه لا يتعلق به حق توفية. نص ~~عليه أحمد. ### | [فصل القبض قبل نقد الثمن وبعده باختيار البائع وبغير اختياره] # فصل: ويصح القبض قبل نقد الثمن وبعده باختيار البائع، وبغير اختياره؛ ~~لأنه ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن، لأن التسليم من مقتضيات العقد، ~~فمتى وجد بعده وقع موقعه، كقبض الثمن. ### | [مسألة اشترى ما يحتاج إلى قبضه] # (2955) مسألة؛ قال: (ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه، لم يجز بيعه حتى ~~يقبضه) قد ذكرنا الذي لا يحتاج إلى قبض، والخلاف فيه. وكل ما يحتاج إلى قبض ~~إذا اشتراه لم يجز بيعه حتى يقبضه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يستوفيه» . متفق عليه. ولأنه من ضمان بائعه، فلم ~~يجز بيعه، كالسلم، ولم أعلم بين أهل العلم خلافا، إلا ما حكي عن البتي، أنه ~~قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه. وقال ابن عبد البر: وهذا قول مردود ~~بالسنة والحجة المجمعة على الطعام، وأظنه لم يبلغه هذا الحديث، ومثل هذا لا ~~يلتفت إليه. # وأما غير ذلك، فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين، ويروى مثل هذا عن ~~عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وسعيد بن المسيب، والحكم، وحماد، ~~والأوزاعي، وإسحاق. وعن أحمد رواية أخرى، لا يجوز بيع شيء قبل قبضه. ~~اختارها ابن عقيل. وروي ذلك عن ابن عباس. # وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، إلا أن أبا حنيفة أجاز بيع العقار قبل ~~قبضه، واحتجوا بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطعام قبل قبضه، ~~وبما روى أبو داود، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع السلع ~~حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.» وروى ابن ماجه «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن شراء الصدقات حتى تقبض.» وروي «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة، قال: انههم عن بيع ما لم ~~يقبضوه، وعن ربح ما لم يضمنوه» . ولأنه ms1880 لم يتم الملك عليه، فلم يجز بيعه، ~~كغير المتعين، أو كالمكيل، والموزون. # ولنا، ما روى ابن عمر، قال: «كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم، فنأخذ بدل ~~الدراهم الدنانير، ونبيعها بالدنانير، فنأخذ بدلها الدراهم، فسألنا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: لا بأس، إذا تفرقتما وليس بينكما شيء» ~~. وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه، وهو أحد العوضين. # وروى ابن عمر «أنه كان # PageV04P086 # على بكر صعب - يعنى لعمر - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: ~~بعنيه. فقال: هو لك يا رسول الله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هو ~~لك يا عبد الله بن عمر، فاصنع به ما شئت» . وهذا ظاهره التصرف في المبيع ~~بالهبة قبل قبضه. واشترى من جابر جمله، ونقده ثمنه، ثم وهبه إياه قبل قبضه. ~~ولأنه أحد نوعي المعقود عليه، فجاز التصرف فيه قبل قبضه. كالمنافع في ~~الإجارة، فإنه يجوز له إجارة العين المستأجرة قبل قبض المنافع. # ولأنه مبيع لا يتعلق به حق توفية، فصح بيعه، كالمال في يد مودعه، أو ~~مضاربه. فأما أحاديثهم، فقد قيل: لم يصح منها إلا حديث الطعام، وهو حجة لنا ~~بمفهومه، فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه، يدل على إباحة ذلك ~~فيما سواه. وقولهم: لم يتم الملك عليه، ممنوع، فإن السبب المقتضي للملك ~~متحقق، وأكثر ما فيه تخلف القبض، واليد ليست شرطا في صحة البيع، بدليل جواز ~~بيع المال المودع، والموروث، والتصرف في الصداق، وعوض الخلع عند أبي حنيفة. # (2956) فصل: وما لا يجوز بيعه قبل قبضه، لا يجوز بيعه لبائعه؛ لعموم ~~الخبر فيه. قال القاضي: ولو ابتاع شيئا مما يحتاج إلى قبض، فلقيه ببلد آخر، ~~لم يكن له مطالبته، ولا أخذ بدله، وإن تراضيا؛ لأنه مبيع لم يقبض. فإن كان ~~مما لا يحتاج إلى قبض، جاز أخذ البدل عنه. وإن كان في سلم لم يجز أخذ البدل ~~عنه؛ لأنه أيضا لا يجوز بيعه. ### | [فصل كل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض لم يجز التصرف فيه قبل قبضه] # (2957) فصل: وكل عوض ms1881 ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض، لم يجز التصرف فيه ~~قبل قبضه، كالذي ذكرنا. والأجرة، وبدل الصلح، إذا كانا من المكيل، أو ~~الموزون، أو المعدود، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه، جاز التصرف فيه قبل قبضه، ~~كعوض الخلع، والعتق على مال، وبدل الصلح عن دم العمد، وأرش الجناية، وقيمة ~~المتلف؛ لأن المطلق للتصرف الملك، وقد وجد. لكن ما يتوهم فيه غرر الانفساخ ~~بهلاك المعقود عليه، لم يجز بناء عقد آخر عليه؛ تحرزا من الغرر. وما لا ~~يتوهم فيه ذلك الغرر، انتفى المانع، فجاز العقد عليه، وهذا قول أبي حنيفة. ~~والمهر كذلك عند القاضي، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه. # وقال الشافعي: لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه. ووافقه أبو الخطاب في غير ~~المتعين: لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول، أو انفساخه بسبب ~~من جهة المرأة، أو نصفه بالطلاق، أو انفساخه بسبب من غير جهتها. وكذلك قال ~~الشافعي في عوض الخلع. وهذا التعليل باطل بما بعد القبض، فإن قبضه لا يمنع ~~الرجوع فيه قبل الدخول. # وأما ما ملك بإرث، أو وصية، أو غنيمة، وتعين ملكه فيه، فإنه يجوز له ~~التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه؛ لأنه غير مضمون # PageV04P087 # بعقد معاوضة، فهو كالمبيع المقبوض، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ولا ~~أعلم عن غيرهم خلافهم. وإن كان لإنسان في يد غيره وديعة، أو عارية، أو ~~مضاربة، أو جعله وكيلا فيه، جاز له بيعه ممن هو في يده، ومن غيره؛ لأنه عين ~~مال مقدور على تسليمها، لا يخشى انفساخ الملك فيها، فجاز بيعها، كالتي في ~~يده. وإن كان غصبا، جاز بيعه ممن هو في يده؛ لأنه مقبوض معه، فأشبه بيع ~~العارية ممن هي في يده؛ وأما بيعه لغيره، فإن كان عاجزا عن استنقاذه، أو ظن ~~أنه عاجز، لم يصح شراؤه له؛ لأنه معجوز عن تسليمه إليه، فأشبه بيع الآبق ~~والشارد. # وإن ظن أنه قادر على استنقاذه ممن هو في يده، صح البيع؛ لإمكان قبضه. فإن ~~عجز عن استنقاذه، فله الخيار ms1882 بين الفسخ، والإمضاء؛ لأن العقد صح لكونه ~~مظنون القدرة على قبضه. ويثبت له الفسخ؛ للعجز عن القبض، فأشبه ما لو باعه ~~فرسا، فشردت قبل تسليمها، أو غائبا بالصفة، فعجز عن تسليمه. # (2958) فصل: وإن كان لزيد على رجل طعام من سلم، وعليه لعمرو مثل ذلك ~~الطعام سلما، فقال زيد لعمرو: اذهب فاقبض الطعام الذي لي من غريمي لنفسك. ~~ففعل، لم يصح؛ لأنه لا يجوز أن يقبضه قبل أن يقبضه. وهل يصح لزيد؟ على ~~روايتين؛ إحداهما، يصح؛ لأنه أذن له في القبض، فأشبه قبض وكيله. والثانية، ~~لا يصح؛ لأنه لم يجعله نائبا له في القبض، فلم يقع له، بخلاف الوكيل. فعلى ~~الوجه الأول، يصير ملكا لزيد، وعلى الثاني، يكون باقيا على ملك المسلم ~~إليه. # ولو قال زيد لعمرو: احضر اكتيالي منه لأقبضه لك. ففعل، لم يصح. وهل يكون ~~قابضا لنفسه؟ على وجهين؛ أولاهما، أنه يكون قابضا لنفسه؛ لأن قبض المسلم ~~فيه قد وجد من مستحقه، فصح القبض له، كما لو نوى القبض لنفسه. فعلى هذا، ~~إذا قبضه لعمرو، صح. وإن قال: خذه بهذا الكيل الذي قد شاهدته فأخذه به، صح؛ ~~لأنه قد شاهد كيله، وعلمه، فلا معنى لاعتبار كيله مرة ثانية. وعنه لا يجزئ. ~~وهو مذهب الشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام حتى ~~يجري فيه الصاعان. وهذا داخل فيه. # ولأنه قبضه بغير كيل، أشبه ما لو قبضه جزافا. ولو قال زيد لعمرو: احضرنا ~~حتى أكتاله لنفسي، ثم تكتاله أنت. وفعلا، صح بغير إشكال. وإن اكتاله زيد ~~لنفسه، ثم أخذه عمرو بذلك الكيل الذي شاهده، فعلى روايتين. وإن تركه زيد في ~~المكيال، ودفعه إلى عمرو ليفرغه لنفسه، صح، وكان ذلك قبضا صحيحا؛ لأن ~~استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه، ولا معنى لابتداء الكيل هاهنا، إذ لا يحصل ~~به زيادة علم. # وقال أصحاب الشافعي: لا يصح؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~الطعام حتى يجري فيه الصاعان. وهذا يمكن القول بموجبه، وقبض المشتري له في ~~المكيال جري لصاعيه فيه. ms1883 ولو دفع زيد إلى عمرو دراهم، فقال: اشتر لك بها ~~مثل الطعام الذي لك علي. ففعل، لم # PageV04P088 # يصح؛ لأن دراهم زيد لا يكون عوضها لعمرو. فإن اشترى الطعام بعينها، أو في ~~ذمته، فهو كتصرف الفضولي على ما تبين. # وإن قال: اشتر لي بها طعاما، ثم أقبضه لنفسك، ففعل، صح الشراء، ولم يصح ~~القبض لنفسه، على ما تقدم في مثل هذه الصورة. وإن قال: اقبضه لنفسك ففعل، ~~جاز. نص أحمد على نظير ذلك، وهكذا جميع المسائل التي تقدمت، إذا حصل الطعام ~~في يد عمرو لزيد، فأذن له أن يقبض من نفسه. وقال أصحاب الشافعي: لا يصح؛ ~~لأنه لا يجوز أن يكون قابضا لنفسه من نفسه. ولنا، أنه يجوز أن يشتري لنفسه ~~من مال ولده، ويقبض لنفسه من نفسه، وكذلك لو وهب لولده الصغير شيئا، جاز أن ~~يقبل له من نفسه، ويقبض منها، فكذا هاهنا. ### | [فصل اشترى اثنان طعاما فقبضاه ثم باع أحدهما للآخر نصيبه قبل أن يقتسماه] # (2959) فصل: وإن اشترى اثنان طعاما، فقبضاه، ثم باع أحدهما للآخر نصيبه ~~قبل أن يقتسماه، احتمل أن لا يجوز ذلك. وهو قول الحسن، وابن سيرين، كرها أن ~~يبيع الرجل من شريكه شيئا مما يكال أو يوزن، قبل أن يقتسماه. لأنه لم يقبض ~~نصيبه منفردا، فأشبه غير المقبوض. # ويحتمل الجواز؛ لأنه مقبوض لهما، يجوز بيعه لأجنبي، فجاز بيعه لشريكه، ~~كسائر الأموال. فإن تقاسماه، وتفرقا، ثم باع أحدهما نصيبه بذلك الكيل الذي ~~كاله، لم يجز. كما لو اشترى من رجل طعاما، فاكتاله، وتفرقا، ثم باعه إياه ~~بذلك الكيل. وإن لم يتفرقا، خرج على الروايتين اللتين تقدمتا. ### | [مسألة ما يحتاج إلى القبض لا تجوز الشركة فيه ولا توليته ولا الحوالة به قبل قبضه] # (2960) مسألة؛ قال: (والشركة فيه والتولية والحوالة به كالبيع) . وجملته، ~~أن ما يحتاج إلى القبض لا تجوز الشركة فيه، ولا توليته، ولا الحوالة به قبل ~~قبضه. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: يجوز هذا كله في الطعام ~~قبل قبضه؛ لأنها تختص بمثل الثمن، الأول، فجازت ms1884 قبل القبض، كالإقالة. # ولنا، أن هذه أنواع بيع، فتدخل في عموم النهي عن بيع الطعام قبل أن ~~يستوفيه، فإن الشركة بيع بعض المبيع بقسطه من ثمنه، والتولية بيع جميعه ~~بمثل ثمنه. ولأنه تمليك لغير من هو في ذمته، فأشبه البيع. وفارق الإقالة، ~~فإنها فسخ للبيع، فأشبهت الرد بالعيب. وكذلك لا تصح هبته ولا رهنه ولا دفعه ~~أجرة، ولا ما أشبه ذلك من التصرفات المفتقرة إلى القبض؛ لأنه غير مقبوض، ~~فلا سبيل إلى إقباضه. # (2961) فصل: وأما التولية والشركة فيما يجوز بيعه فجائزان؛ لأنهما نوعان ~~من أنواع البيع، وإنما اختصا بأسماء، كما اختص بيع المرابحة والمواضعة ~~بأسماء. فإذا اشترى شيئا فقال له رجل: أشركني في نصفه بنصف الثمن. فقال: ~~أشركتك. صح، وصار مشتركا بينهما. # وإن قال: ولني ما اشتريته بالثمن فقال: وليتك. صح، إذا كان الثمن معلوما ~~لهما. فإن جهله أحدهما، لم يصح، كما لو باعه بالرقم. # PageV04P089 # ولو قال: أشركني فيه. أو قال: الشركة فيه. فقال: أشركتك. أو قال: ولني ما ~~اشتريت. ولم يذكر الثمن، صح إذا كان الثمن معلوما؛ لأن الشركة تقتضي ابتياع ~~جزء منه بقسطه من الثمن، والتولية ابتياعه بمثل الثمن، فإذا أطلق اسمه ~~انصرف إليه، كما لو قال: أقلني. فقال: أقلتك. وفي حديث عن زهرة بن معبد، ~~«أنه كان يخرج به عبد الله بن هشام إلى السوق، فيشتري الطعام، فيلقاه ابن ~~عمر وابن الزبير، فيقولان له: أشركنا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~دعا لك بالبركة. فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي، فيبعث بها إلى ~~المنزل.» ذكره البخاري. # ولو اشترى شيئا، فقال له رجل: أشركني فأشركه انصرف إلى نصفه؛ لأنها ~~بإطلاقها تقتضي التسوية. فإن اشترى اثنان عبدا فاشتركا فيه، فقال لهما رجل: ~~أشركاني فيه. فقالا: أشركناك. احتمل أن يكون له النصف؛ لأن اشتراكهما لو ~~كان من كل واحد منهما منفردا كان له النصف، فكذلك حال الاجتماع. ويحتمل أن ~~يكون له الثلث؛ لأن الاشتراك يفيد التساوي، ولا يحصل التساوي إلا بجعله ~~بينهم أثلاثا. وهذا أصح؛ لأن إشراك الواحد إنما اقتضى ms1885 النصف؛ لحصول التسوية ~~به. # وإن شركه كل واحد منهما منفردا، كان له النصف، ولكل واحد منهما الربع. ~~وإن قال: أشركاني فيه. فشركه أحدهما، فعلى الوجه الأول يكون له نصف حصة ~~الذي شركه وهو الربع، وعلى الآخر له السدس؛ لأن طلب الشركة منهما يقتضي طلب ~~ثلث ما في يد كل واحد منهما؛ ليكون مساويا لهما. فإذا أجابه أحدهما ثبت له ~~الملك فيما طلب منه. وإن قال له أحدهما: أشركناك. انبنى على تصرف الفضولي. ~~فإن قلنا: يقف على الإجازة من صاحبه. فأجازه، فهل يثبت له الملك في نصفه أو ~~في ثلثه؟ على الوجهين # ولو قال لأحدهما: أشركني في نصف هذا العبد فأشركه، فإن قلنا: يقف على ~~الإجازة من صاحبه، فأجازه. فله نصف العبد، ولهما نصفه، وإلا فله نصف حصة ~~الذي شركه. وإن اشترى عبدا فلقيه رجل، فقال: أشركني في هذا العبد. فقال: قد ~~أشركتك. فله نصفه. فإن لقيه آخر فقال: أشركني في هذا العبد. وكان عالما ~~بشركة الأول، فله ربع العبد، وهو نصف حصة الذي شركه؛ لأن طلبه للإشراك رجع ~~إلى ما ملكه المشارك. وهو النصف، فيكون بينهما. # وإن لم يعلم بشركة الأول، فهو طالب لنصف العبد؛ لاعتقاده أن العبد كله ~~لهذا الذي طلب منه المشاركة. فإذا قال له: أشركتك فيه. احتمل ثلاثة أوجه: # PageV04P090 # أحدها، أن يصير له نصف العبد كله، ولا يبقى للذي شركه شيء؛ لأنه طلب منه ~~نصف العبد، فأجابه إلى ذلك. فصار كأنه قال له: بعني نصف هذا العبد، فقال: ~~بعتك. وهذا قول القاضي. الثاني، أن ينصرف قوله: أشركتك فيه. إلى نصف نصيبه، ~~ونصف نصيب شريكه، فينفذ في نصف نصيبه، ويقف في الزائد على إجازة صاحبه على ~~إحدى الروايتين؛ لأن لفظ الشركة يقتضي بيع بعض نصيبه، ومساواة المشتري له. # فلو باع جميع نصيبه، لم يكن شركة، ولا يستحق فيه ما طلب منه. والثالث: أن ~~لا يكون للثاني إلا الربع بكل حال؛ لأن الشركة إنما تثبت بقول البائع: ~~أشركتك. لأن ذلك هو الإيجاب الناقل للملك، وهو عالم أنه ليس له ms1886 إلا نصف ~~العبد، فينصرف إيجابه إلى نصف ملكه. وعلى هذين الوجهين، لطالب الشركة ~~الخيار؛ لأنه إنما طلب النصف، فلم يحصل له جميعه، إلا أن نقول بوقوفه على ~~الإجازة. في الوجه الثاني، فيجيزه الآخر. ويحتمل أن لا تصح الشركة أصلا؛ ~~لأنه طلب شراء النصف، فأجيب في الربع، فصار بمنزلة ما لو قال: بعني نصف هذا ~~العبد، قال: بعتك ربعه. ### | [فصل اشترى قفيزا من الطعام فقبض نصفه فقال له رجل بعني نصف هذا القفيز فباعه] # (2962) فصل: ولو اشترى قفيزا من الطعام، فقبض نصفه، فقال له رجل: بعني ~~نصف هذا القفيز. فباعه، انصرف إلى النصف المقبوض كله؛ لأن البيع ينصرف إلى ~~ما يجوز له بيعه وهو النصف المقبوض. وإن قال: أشركني في هذا القفيز بنصف ~~الثمن، ففعل، لم تصح الشركة، إلا فيما قبض منه، فيكون النصف المقبوض بينهما ~~لكل واحد منهما ربعه بقسطه من الثمن؛ لأن الشركة تقتضي التسوية. هكذا ذكره ~~القاضي. والصحيح، إن شاء الله تعالى، أنه تنصرف الشركة إلى النصف كله، ~~فيكون تابعا لما يصح بيعه وما لا يصح، فيكون ذلك من صور تفريق الصفقة، فلا ~~يصح في الربع الذي ليس بمقبوض. وهل يصح في المقبوض؟ على وجهين. # (2963) فصل: فأما الحوالة، فمعناه أن يكون على مشتري الطعام طعام من سلم ~~أو من قرض مثل الذي اشتراه، فيقول لغريمه: اذهب فاقبض الطعام الذي اشتريته ~~لنفسك. فلا يجوز ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يقبضه قبل قبضه له. وقد ذكرنا تفريع ~~هذا في الفصل الذي قبل هذه المسألة. ### | [فصل إذا كان لرجل في ذمة آخر طعام من قرض لم يجز بيعه من غيره قبل قبضه] # (2964) فصل: إذا كان لرجل في ذمة آخر طعام من قرض، لم يجز أن يبيعه من ~~غيره قبل قبضه؛ لأنه غير قادر على تسليمه. ويجوز بيعه ممن هو في ذمته، في ~~الصحيح من المذهب؛ لحديث ابن عمر: كنا نبيع الأبعرة بالبقيع بالدراهم، ~~فنأخذ مكانها الدنانير. وهذا مذهب الشافعي. وروي أنه لا يصح، كما لا يصح في ~~السلم. والأول أولى. فإن ms1887 اشتراه منه بموصوف في الذمة من غير جنسه، جاز، ولا ~~يتفرقا قبل القبض؛ لأنه يكون بيع دين بدين. # فإن أعطاه معينا مما يشترط فيه التقابض، مثل # PageV04P091 # أن أعطاه بدل الحنطة شعيرا، جاز. ولم يجز التفرق قبل القبض وإن أعطاه ~~معينا، لا يشترط فيه التقابض، جاز التفرق قبل القبض، كما لو قال: بعتك هذا ~~الشعير بمائة درهم في ذمتك. ويحتمل أن لا يجوز؛ لأن المبيع في الذمة، فلم ~~يجز التفرق قبل القبض، كالسلم. ### | [فصل الشروط الفاسدة في البيع هل تبطله] # (2965) فصل: وإذا قال رجل لغريمه: بعني هذا على أن أقضيك دينك منه. ففعل، ~~فالشرط باطل؛ لأنه شرط أن لا يتصرف فيه بغير القضاء، وهل يبطل البيع؟ ينبني ~~على الشروط الفاسدة في البيع، هل تبطله؟ على روايتين، وإن قال: اقضني حقي ~~على أن أبيعك كذا وكذا. فالشرط باطل والقضاء صحيح؛ لأنه قبضه حقه. وإن قال: ~~اقضني أجود من مالي، على أن أبيعك كذا وكذا. فالقضاء والشرط باطلان، وعليه ~~رد ما قبضه والمطالبة بماله. ### | [مسألة الإقالة بيع] # (2966) مسألة؛ قال: (وليس كذلك الإقالة؛ لأنها فسخ، وعن أبي عبد الله، ~~الإقالة بيع) اختلفت الرواية في الإقالة. فعنه أنها فسخ. وهو الصحيح، ~~واختيار أبي بكر، وهو مذهب الشافعي. والثانية، أنها بيع. وهي مذهب مالك؛ ~~لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه، فلما كان الأول ~~بيعا كذلك الثاني، ولأنه نقل الملك بعوض، على وجه التراضي، فكان بيعا، ~~كالأول. # وحكي عن أبي حنيفة، أنها فسخ في حق المتعاقدين. بيع في حق غيرهما. فلا ~~تثبت أحكام البيع في حقهما، بل تجوز في السلم، وفي المبيع قبل قبضه، ويثبت ~~حكم البيع في حق الشفيع، حتى يجوز له أخذ الشقص الذي تقايلا فيه بالشفعة. ~~ولنا، أن الإقالة هي الدفع والإزالة. يقال: أقالك الله عثرتك. أي أزالها. ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أقال نادما بيعته، أقاله الله عثرته ~~يوم القيامة» . # قال ابن المنذر: وفي إجماعهم «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن بيع الطعام ms1888 قبل قبضه» ، مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع ~~المسلم فيه، دليل على أن الإقالة ليست بيعا، ولأنها تجوز في المسلم فيه قبل ~~قبضه، فلم تكن بيعا كالإسقاط، ولأنها تتقدر بالثمن الأول. ولو كانت بيعا لم ~~تتقدر به، ولأنه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع، فكان فسخا، كالرد ~~بالعيب. # ويدل على أبي حنيفة بأن ما كان فسخا في حق المتعاقدين، كان فسخا في حق ~~غيرهما، كالرد بالبيع والفسخ بالخيار، ولأن حقيقة الفسخ لا تختلف بالنسبة ~~إلى شخص دون شخص، والأصل اعتبار الحقائق. (2967) فصل: فإن قلنا: هي فسخ ~~جازت قبل القبض وبعده. # وقال أبو بكر: لا بد فيها من كيل ثان، ويقوم الفسخ مقام البيع في إيجاب ~~كيل ثان، كقيام فسخ النكاح مقام الطلاق في العدة. ولنا أنه فسخ للبيع، فجاز ~~قبل القبض، كالرد بالعيب، والتدليس، والفسخ بالخيار، أو اختلاف # PageV04P092 # المتبايعين. وفارق العدة، فإنها اعتبرت للاستبراء، # والحاجة # داعية إليه في كل فرقة بعد الدخول، بخلاف مسألتنا. فإن قلنا: هي بيع. لم ~~يجز قبل القبض، فيما يعتبر فيه القبض؛ لأن بيعه من بائعه قبل قبضه لا يجوز، ~~كما لا يجوز من غيره. ولا يستحق بها الشفعة إن كانت فسخا؛ لأنها رفع للعقد، ~~وإزالة له، وليست بمعاوضة، فأشبهت سائر الفسوخ. # ومن حلف لا يبيع فأقال، لم يحنث. ولو كانت بيعا، استحقت بها الشفعة، وحنث ~~الحالف على ترك البيع بفعلها، كسائر أنواع البيع. ولا يجوز إلا بمثل الثمن، ~~سواء قلنا: هي فسخ أو بيع؛ لأنها خصت بمثل الثمن، كالتولية. وفيه وجه آخر، ~~أنها تجوز بأكثر من الثمن الأول. وأقل منه إذا قلنا: إنها بيع كسائر ~~البياعات. فإن قلنا: لا تجوز إلا بمثل الثمن الأول، فأقال بأقل منه أو ~~أكثر، لم تصح الإقالة، وكان الملك باقيا للمشتري. وبهذا قال الشافعي. # وحكي عن أبي حنيفة، أنها تصح بالثمن الأول، ويبطل الشرط؛ لأن لفظ الإقالة ~~اقتضى مثل الثمن، والشرط ينافيه، فبطل، وبقي الفسخ على مقتضاه، كسائر ~~الفسوخ. ولنا، أنه شرط التفاضل فيما يعتبر ms1889 فيه التماثل، فبطل، كبيع درهم ~~بدرهمين. ولأن القصد بالإقالة رد كل حق إلى صاحبه، فإذا شرط زيادة أو ~~نقصانا، أخرج العقد عن مقصوده، فبطل، كما لو باعه بشرط أن لا يسلم إليه. ~~ويفارق سائر الفسوخ؛ لأنه لا يعتبر فيه الرضا منهما، بل يستقل به أحدهما، ~~فإذا شرط عليه شيء، لم يلزمه؛ لتمكنه من الفسخ بدونه. # وإن شرط لنفسه شيئا، لم يلزمه أيضا؛ لأنه لا يستحق أكثر من الفسخ. وفي ~~مسألتنا لا تجوز الإقالة إلا برضاهما، وإنما رضي بها أحدهما مع الزيادة أو ~~النقص، فإذا أبطلنا شرطه فات رضاه، فتبطل الإقالة؛ لعدم رضاه بها. ### | [مسألة بيع الصبرة جزافا مع جهل البائع والمشتري بقدرها] # (2968) مسألة؛ قال: (ومن اشترى صبرة طعام، لم يبعها حتى ينقلها) هذه ~~المسألة تدل على حكمين؛ أحدهما؛ إباحة بيع الصبرة جزافا مع جهل البائع ~~والمشتري بقدرها، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. ولا نعلم فيه خلافا. وقد ~~نص عليه أحمد. # ودل عليه قول ابن عمر: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» . متفق عليه، ~~ولأنه معلوم بالرؤية، فصح بيعه، كالثياب والحيوان. ولا يضر عدم مشاهدة باطن ~~الصبرة، فإن ذلك يشق؛ لكون الحب بعضه على بعض، ولا يمكن بسطها حبة حبة، ~~ولأن الحب تتساوى أجزاؤه في الظاهر، فاكتفي برؤية ظاهره، بخلاف الثوب، فإن ~~نشره لا يشق، ولم تختلف أجزاؤه، ولا يحتاج إلى معرفة قدرها مع المشاهدة؛ ~~لأنه علم ما اشترى بأبلغ الطرق، وهو الرؤية. # وكذلك لو قال: بعتك نصف هذه # PageV04P093 # الصبرة، أو ثلثها، أو جزءا منها معلوما. جاز؛ لأن ما جاز بيع جملته، جاز ~~بيع بعضه، كالحيوان. ولأن جملتها معلومة بالمشاهدة، فكذلك جزؤها. قال ابن ~~عقيل: ولا يصح هذا إلا أن تكون الصبرة متساوية الأجزاء، فإن كانت مختلفة، ~~مثل صبرة بقال القرية، لم يصح. # ويحتمل أن يصح؛ لأنه يشتري منها جزءا مشاعا، فيستحق من جيدها ورديئها ~~بقسطه. ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافا. وقال مالك: لا ms1890 ~~يجوز في الأثمان لأن لها خطرا ولا يشق وزنها ولا عددها، فأشبه الرقيق ~~والثياب. # ولنا، أنه معلوم بالمشاهدة، فأشبه المثمنات والنقرة والحلي. ويبطل بذلك ~~ما قاله. أما الرقيق، فإنه يجوز بيعهم إذا شاهدهم ولم يعدهم، وكذلك الثياب ~~إذا نشرها ورأى جميع أجزائها. الحكم الثاني، أنه إذا اشترى الصبرة جزافا، ~~لم يجز له بيعها حتى ينقلها. نص عليه أحمد في رواية الأثرم، وعنه رواية ~~أخرى، له بيعها قبل نقلها. اختارها القاضي. وهو مذهب مالك؛ لأنه مبيع متعين ~~لا يحتاج إلى حق توفية، فأشبه الثوب الحاضر. # ولنا، قول ابن عمر: «إن كنا لنشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه.» وعموم قوله - ~~عليه السلام -: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه» مع ما ذكرنا من ~~الأخبار، وروى الأثرم بإسناده عن عبيد بن حنين، قال: «قدم زيت من الشام، ~~فاشتريت منه أبعرة، وفرغت من شرائها، فقام إلي رجل فأربحني فيها ربحا، ~~فبسطت يدي لأبايعه، فإذا رجل يأخذني من خلفي، فنظرت فإذا زيد بن ثابت، ~~فقال: لا تبعه حتى تنقله إلى رحلك، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أمرنا بذلك» . # فإذا تقرر هذا فإن قبضها نقلها. كما جاء في الخبر، ولأن القبض لو لم يعين ~~في الشرع لوجب رده إلى العرف، كما قلنا في الإحياء والإحراز، والعادة في ~~قبض الصبرة النقل (2969) فصل: ولا يحل لبائع الصبرة أن يغشها؛ بأن يجعلها ~~على دكة، أو ربوة، أو حجر ينقصها، أو يجعل الرديء في باطنها أو المبلول، ~~ونحو ذلك؛ لما روى أبو هريرة، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على ~~صبرة من طعام، فأدخل يده، فنالت أصابعه بللا. فقال: يا صاحب الطعام، ما ~~هذا؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى ~~يراه الناس؟ ثم قال: من غشنا فليس منا» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ~~فإذا وجد ذلك، ولم يكن # PageV04P094 # المشتري علم به، فله الخيار بين الفسخ، وأخذ تفاوت ms1891 ما بينهما؛ لأنه عيب. # وإن بان تحتها حفرة أو بان باطنها خيرا من ظاهرها، فلا خيار للمشتري؛ ~~لأنه زيادة له. وإن علم البائع ذلك، فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة به. ~~وإن لم يكن علم، فله الفسخ، كما لو باع بعشرين درهما فوزنها بصنجة ثم وجد ~~الصنجة زائدة، كان له الرجوع. وكذلك لو باع بمكيال، ثم وجده زائدا. ويحتمل ~~أنه لا خيار له؛ لأن الظاهر أنه باع ما يعلم، فلا يثبت له الفسخ بالاحتمال. ### | [مسألة من عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرة] # (2970) مسألة؛ قال: (ومن عرف مبلغ شيء، لم يبعه صبرة) نص أحمد على هذا، ~~في مواضع. وكرهه عطاء، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة. وبه قال مالك، وإسحاق. ~~وروي ذلك عن طاوس. قال مالك: لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك. # وعن أحمد، أن هذا مكروه غير محرم، فإن بكر بن محمد روى عن أبيه، أنه سأله ~~عن الرجل يبيع الطعام جزافا، وقد عرف كيله، وقلت له: إن مالكا يقول: إذا ~~باع الطعام ولم يعلم المشتري، فإن أحب أن يرد رده. قال: هذا تغليظ شديد، ~~ولكن لا يعجبني إذا عرف كيله، إلا أن يخبره، فإن باعه، فهو جائز عليه، وقد ~~أساء. # ولم ير أبو حنيفة والشافعي، بذلك بأسا؛ لأنه إذا جاز البيع مع جهلهما ~~بمقداره، فمع العلم من أحدهما أولى. ووجه الأول، ما روى الأوزاعي، أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «من عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافا حتى يبينه» . ~~قال القاضي: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «، أنه نهى عن بيع ~~الطعام مجازفة، وهو يعلم كيله.» والنهي يقتضي التحريم، وأيضا الإجماع الذي ~~نقله مالك ولأن الظاهر أن البائع لا يعدل إلى البيع جزافا مع علمه بقدر ~~الكيل، إلا للتغرير بالمشتري والغش له، ولذلك أثر في عدم لزوم العقد، وقد ~~قال - عليه السلام -: «من غشنا فليس منا» . فصار كما لو دلس العيب. # فإن باع ما علم كيله صبرة، فظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم، أن ms1892 ~~البيع صحيح لازم. وهو قول مالك والشافعي؛ لأن المبيع معلوم لهما، ولا تغرير ~~من أحدهما، فأشبه ما لو علما كيله أو جهلاه، ولم يثبت ما روي من النهي فيه، ~~وإنما كرهه أحمد كراهة تنزيه؛ لاختلاف العلماء فيه. ولأن استواءهما في ~~العلم والجهل أبعد من التغرير. # وقال القاضي وأصحابه: هذا بمنزلة التدليس والغش إن علم به المشتري، فلا ~~خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة، فهو كما لو اشترى مصراة يعلم تصريتها. وإن لم ~~يعلم أن البائع كان عالما بذلك، فله الخيار في الفسخ، والإمضاء. وهذا قول ~~مالك؛ لأنه غش، وغدر من البائع، فصح # PageV04P095 # العقد معه، ويثبت للمشتري الخيار. وذهب قوم من أصحابنا إلى أن البيع ~~فاسد؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد. ### | [فصل أخبره البائع بكيله ثم باعه بذلك الكيل] # (2971) فصل: وإن أخبره البائع بكيله، ثم باعه بذلك الكيل، فالبيع صحيح. ~~فإن قبضه باكتياله، تم البيع والقبض، وإن قبضه بغير كيل، كان بمنزلة قبضه ~~جزافا. فإن كان المبيع باقيا، كاله عليه، فإن كان قدر حقه الذي أخبره به، ~~فقد استوفاه، وإن كان زائدا رد الفضل، وإن كان ناقصا أخذ النقص، وإن كان قد ~~تلف فالقول قول القابض في قدره مع يمينه، سواء كان النقص قليلا أو كثيرا؛ ~~لأن الأصل عدم القبض، وبقاء الحق، وليس للمشتري التصرف في الجميع قبل كيله؛ ~~لأن للبائع فيه علقة، فإنه لو زاد كانت الزيادة له، ولا يتصرف في أقل من ~~حقه، بغير كيل لأن ذلك يمنعه من معرفة كيله. # وإن تصرف فيما يتحقق أنه مستحق له، مثل أن يكون حقه قفيزا، فتصرف في ذلك، ~~أو في أقل منه، بالكيل، ففيه وجهان؛ أحدهما له ذلك؛ لأنه تصرف في حقه بعد ~~قبضه، فجاز، كما لو كيل له. والثاني، لا يجوز؛ لأنه لا يجوز له التصرف في ~~الجميع فلم يجز له التصرف في البعض، كما قبل القبض. وإن قبضه بالوزن، فهو ~~كما لو قبضه جزافا. فأما إن أعلمه بكيله، ثم باعه إياه مجازفة، على أنه له ~~بذلك الثمن، سواء ms1893 كان زائدا أو ناقصا، لم يجز؛ لما روى الأثرم بإسناده، عن ~~الحكم، قال: «قدم طعام لعثمان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: اذهبوا بنا إلى عثمان، نعينه على طعامه. فقام إلى جنبه فقال عثمان: ~~في هذه الغرارة كذا وكذا، وابتعتها بكذا وكذا. فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا سميت الكيل فكل» . # قال أحمد: إذا أخبره البائع أن في كل قارورة منا، فأخذ بذلك، ولا يكتاله، ~~فلا يعجبني؛ لقوله لعثمان: " إذا سميت الكيل فكل " قيل له: إنهم يقولون: ~~إذا فتح فسد. قال: فلم لا تفتحون واحدا وتزنون الباقي؟ (2972) فصل: ولو كال ~~طعاما، وآخر ينظر إليه، فهل لمن شاهد الكيل شراؤه بغير كيل ثان؟ على ~~روايتين، نص عليهما. إحداهما، لا يحتاج إلى كيل؛ لأنه شاهد كيله، فأشبه ما ~~لو كيل له. والثانية، يحتاج إلى كيل؛ لأنه بيع، فاحتاج إلى كيل؛ للأخبار، ~~والقياس على البيع الأول. ولو كاله البائع للمشتري، ثم اشتراه منه، فكذلك؛ ~~لما ذكرنا في التي قبلها. # ولو اشترى اثنان طعاما، # PageV04P096 # فاكتالاه، ثم ابتاع أحدهما حصة شريكه قبل تفرقهما، فقال أحمد، في رواية ~~حرب: إذا اشتريا غلة أو نحوها، وحضراها جميعا، وعرفا كيلها، فقال أحدهما ~~لشريكه: بعني نصيبك، وأربحك، فهو جائز. وإن لم يحضر هذا المشتري الكيل، فلا ~~يجوز إلا بكيل. قال ابن أبي موسى: وفيه رواية أخرى، لا بد من كيله. ووجهها ~~ما تقدم. قال القاضي: ومعنى الكيل في هذه المسائل، أنه يرجع في قدره إلى ~~قول القابض، إذا كان النقص يسيرا يقع مثله في الكيل، فالقول قوله مع يمينه، ~~وإن كان لا يقع مثله في الكيل لم يقبل قوله؛ لأنا نتحقق كذبه، بخلاف مسائل ~~الفصل الذي قبله؛ لأنه لم يكل بحضرته. والظاهر. أنه أراد بالكيل حقيقته دون ~~ما ذكره القاضي. وفائدة اعتبار الكيل، ما ذكره القاضي، وأنه لا يجوز ~~للمشتري التصرف فيه، إلا ما ذكرنا في الفصل الذي قبله. # وإن باعه للثاني في هذه المواضع على أنه صبرة، جاز، ولم يفتقر إلى كيل ~~ثان، ms1894 والقبض فيه بنقله، كسائر الصبر. # (2973) فصل: قال أحمد، في رجل يشتري الجوز، فيعد في مكتل ألف جوزة، ثم ~~يأخذ الجوز كله على ذلك المعيار، قال: لا يجوز. وقال في رجل ابتاع أعكاما ~~كيلا، وقال للبائع: كل لي عكما منها واحدا واحدا ما بقي على هذا الكيل. ~~أكره هذا، حتى يكيلها كلها. وقال الثوري: كان أصحابنا يكرهون هذا؛ وذلك لأن ~~ما في العكوم يختلف، فيكون في بعضها أكثر من بعض فلا يعلم ما في بعضها بكيل ~~البعض، والجوز يختلف عدده، فيكون في أحد المكتلين أكثر من الآخر، فلا يصح ~~تقديره بالكيل، كما لا يصح تقدير المكيل بالوزن، ولا الموزون بالكيل. ### | [مسألة اشترى صبرة على أن كل مكيلة منها بشيء معلوم] # (2974) مسألة؛ قال: (واذا اشترى صبرة على أن كل مكيلة منها بشيء معلوم ~~جاز) وجملة ذلك، أنه إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم. صح، وإن ~~لم يعلما مقدار ذلك حال العقد. وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد ~~وقال أبو حنيفة: يصح في قفيز واحد، ويبطل فيما سواه لأن جملة الثمن مجهولة، ~~فلم يصح كبيع المبتاع برقمه. # ولنا، أن المبيع معلوم بالمشاهدة، والثمن معلوم؛ لإشارته إلى ما يعرف ~~مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين، وهو أن تكال الصبرة، ويقسط الثمن على قدر ~~قفزانها، فيعلم مبلغه، فجاز، كما لو باع ما رأس ماله اثنان وسبعون مرابحة، ~~لكل ثلاثة عشر درهما درهم، فإنه لا يعلم في الحال، وإنما يعلم بالحساب، كذا ~~هاهنا. ولأن المبيع معلوم بالمشاهدة، والثمن معلوم قدر ما يقابل كل جزء من ~~المبيع، فصح كالأصل # PageV04P097 # المذكور. وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أنه آجر نفسه كل دلو بتمرة، ~~وجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتمر. ### | [فصل قال بعتك من هذه الصبرة قفيزا أو قال عشرة أقفزة وهما يعلمان أنهما أكثر من ذلك] # (2975) فصل: ولو قال: بعتك من هذه الصبرة قفيزا. أو قال: عشرة أقفزة. ~~وهما يعلمان أنهما أكثر من ذلك، صح. وحكي عن داود، أنه لا يصح؛ لأنه غير ms1895 ~~مشاهد، ولا موصوف. ولنا، أن المبيع مقدر معلوم من جملة يصح بيعها أشبه إذا ~~باع نصفها، وما ذكره قياس، وهو لا يحتج بالقياس، ثم لا يصح، فإنه إذا شاهد ~~الجملة، فقد شاهد المبيع؛ لأنه بعضها. ### | [فصل قال بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم] # (2976) فصل: وإن قال: بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، لم يصح؛ لأن " ~~من " للتبعيض، و " كل " للعدد، فيكون ذلك العدد منها مجهولا. ويحتمل أن يصح ~~البيع، كما يصح في الإجارة، كل دلو بتمرة، وإن قال: بعتك هذه الصبرة الأخرى ~~بعشرة دراهم. على أن أزيدك قفيزا، أو أنقصك قفيزا. لم يصح؛ لأنه لا يدري ~~أيزيده أم ينقصه، ولو قال: على أن أزيدك قفيزا. لم يجز؛ لأن القفيز مجهول. # ولو قال: أزيدك قفيزا من هذه الصبرة الأخرى. أو وصفه بصفة يعلم بها، صح؛ ~~لأن معناه، بعتك هذه، وقفيزا من هذه الأخرى بعشرة دراهم. وإن قال: على أن ~~أنقصك قفيزا. لم يصح؛ لأن معناه، بعتك هذه الصبرة، إلا قفيزا، كل قفيز ~~بدرهم، وشيء مجهول. ولو قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، على أن أزيدك ~~قفيزا من هذه الصبرة لأخرى. لم يصح؛ لإفضائه إلى جهالة الثمن في التفصيل؛ ~~لأنه يصير قفيزا وشيئا بدرهم، والشيء لا يعرفانه؛ لعدم معرفتهما بكمية ما ~~في الصبرة من القفزان. # ولو قصد أني أحط ثمن قفيز من الصبرة لا أحتسب به، لم يصح؛ للجهالة التي ~~ذكرناها. وإن كانت الصبرة معلوما قدر قفزانها لهما، أو قال: هذه عشرة أقفزة ~~بعتكها كل قفيز بدرهم، على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة. أو وصفه بصفة ~~يعلم بها صح لأن معناه بعتك كل قفير وعشر قفيز بدرهم. وإن لم يعلم القفيز، ~~أو جعله هبة، لم يصح. وإن أراد أني لا أحسب عليك بثمن قفيز منها، صح أيضا؛ ~~لأنهما لما علما جملة الصبرة علما ما ينقص من الثمن. # ولو قال: على أن أنقصك قفيزا. صح؛ لأن معناه، بعتك تسعة أقفزة بعشرة ~~دراهم، وكل قفيز بدرهم وتسع. وحكي عن أبي ms1896 بكر، أنه يصح في جميع المسائل، ~~على قياس قول أحمد؛ لأنه يجيز الشرط الواحد. ولا يصح هذا؛ لأن المبيع ~~مجهول، فلا يصح بيعه، بخلاف الشرط الذي لا يفضي إلى الجهالة. ### | [فصل بيع ما لا تتساوي أجزاؤه] # (2977) فصل: ولو باع ما لا تتساوى أجزاؤه، كالأرض والثوب والقطيع من ~~الغنم، ففيه نحو من مسائل الصبر. وإن قال: بعتك هذه الأرض، أو هذه الدار، ~~أو هذا الثوب، أو هذا القطيع، بألف. صح إذا كان مشاهدا. أو قال: بعتك نصفه، ~~أو ثلثه، أو ربعه، بكذا. صح أيضا. فإن قال: # PageV04P098 # بعتكه كل ذراع بدرهم، أو كل شاة بدرهم. صح، وإن لم يعلما قدر ذلك حال ~~العقد لما ذكرنا في الصبرة، وإن قال: بعتك من الثوب كل ذراع بدرهم، أو من ~~القطيع كل شاة بدرهم. لم يصح؛ لأنه مجهول. # وإن باعه شاة من القطيع. لم يصح؛ لأن شياه القطيع غير متساوية القيم، ~~فيفضي ذلك إلي التنازع، بخلاف القفيز من الصبرة، فإنه يصح؛ لأن أجزاءها ~~متساوية. وإن باعه ذراعا من الدار، أو عشرة أذرع منها، يريدان بذلك قدرا ~~غير مشاع، لم يصح؛ كذلك. وإن أرادا مشاعا منها، وهما يعلمان عدد ذرعانها ~~صح. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: لا يصح؛ لأن الذراع عبارة عن بقعة ~~بعينها، وموضعه مجهول. ولنا أن عشرة من مائة عشرها، ولو قال: بعتك عشرها. ~~صح. فكذلك إذا قال: بعتك عشرة من مائة. # وما ذكروه غير مسلم، بل هو عبارة عن قدر، كما أن المكيال عبارة عن قدر، ~~فإذا أضافه إلى جملة كان ذلك جزءا منها. وإن اتفقا على أنهما أرادا قدرا ~~منها غير مشاع، لم يصح البيع. وإن كانا لا يعلمان ذرعان الدار، لم يصح؛ لأن ~~الجملة غير معلومة، وأجزاء الأرض مختلفة فلا يمكن أن تكون معينة ولا مشاعة. ~~وإن قال: بعتك من الدار من هاهنا إلى هاهنا جاز؛ لأنه معلوم. # وإن قال: عشرة أذرع، ابتداؤها من هاهنا إلى هاهنا إلى حيث ينتهي الذراع. ~~لم يصح؛ لأن الذرع يختلف، والموضع الذي ينتهي إليه ms1897 لا يعلم حال العقد. ولو ~~قال: بعتك نصيبي من هذه الدار. ولا يعلم قدر نصيبه منها، أو قال: نصيبا ~~منها أو سهما. لم يصح؛ لأنه مجهول. # وإن علما ذلك صح. وإن قال: بعتك نصف داري مما يلي دارك. لم يصح، نص عليه؛ ~~لأنه لا يدري إلى أين ينتهي، فيكون مجهولا. ### | [فصل باعه عبدا من عبدين أو أكثر] # (2978) فصل: ولو باعه عبدا من عبدين أو أكثر، لم يصح. وبه قال الشافعي ~~وقال أبو حنيفة: إذا باعه عبدا من عيدين أو من ثلاثة بشرط الخيار له. صح؛ ~~لأن الحاجة تدعو إليه، وإن كانوا أكثر، لم يصح؛ لأنه يكثر الغرر. # ولنا أن ما تختلف أجزاؤه وقيمته لا يجوز شراء بعضه غير معين ولا مشاعا، ~~كالأربعة، وما لا يصح بغير شرط الخيار، لا يصح بشرطه، كالأربعة، ولا حاجة ~~إلى هذا، فإن الاختيار يمكن قبل العقد، ثم ما قالوه يبطل بالأربعة. ### | [فصل قال بعتك من هذا الثوب من هذا الموضع إلى هذا الموضع] # (2979) فصل: وحكم الثوب حكم الأرض، إلا أنه إذا قال: بعتك من هذا الثوب، ~~من هذا الموضع إلى هذا الموضع. صح. فإن كان مما لا ينقصه القطع، قطعاه، وإن ~~كان مما ينقصه القطع، وشرط البائع أن يقطعه له، أو رضي بقطعه هو والمشتري، ~~جاز. وإن تشاحا في ذلك كانا شريكين فيه، كما يشتركان # PageV04P099 # في الأرض، وقال القاضي: لا يصح. لأنه لا يقدر على التسليم إلا بضرر، ~~فأشبه ما لو باعه نصفا معينا من الحيوان. # ولنا، أن التسليم ممكن، ولحوق الضرر لا يمنع التسليم إذا رضيه البائع، ~~كما لو باعه نصفا من الحيوان مشاعا، وفارق نصف الحيوان المعين فإنه لا ~~يمكنه تسليمه مفردا، إلا بإتلافه وإخراجه عن المالية. ### | [فصل قال بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب على أنه عشرة أذرع فبان أحد عشر] # (2980) فصل: إذا قال: بعتك هذه الأرض، أو هذا الثوب على أنه عشرة أذرع. ~~فبان أحد عشر، ففيه روايتان؛ إحداهما، البيع باطل؛ لأنه لا يمكن إجبار ~~البائع على تسليم الزيادة، وإنما باع ms1898 عشرة، ولا المشتري على أخذ البعض، ~~وإنما اشترى الكل، وعليه ضرر في الشركة أيضا. والثانية، البيع صحيح ~~والزيادة للبائع لأن ذلك نقص على المشتري، فلا يمنع صحة البيع، كالعيب، ثم ~~يخير البائع بين تسليم المبيع زائدا وبين تسليم العشرة، فإن رضي بتسليم ~~الجميع، فلا خيار للمشتري؛ لأنه زاده خيرا، وإن أبى تسليمه زائدا، فللمشتري ~~الخيار بين الفسخ والأخذ بجميع الثمن المسمى وقسط الزائد، فإن رضي بالأخذ ~~أخذ العشرة، والبائع شريك له بالذراع. # وهل للبائع خيار الفسخ؟ على وجهين؛ أحدهما، له الفسخ؛ لأن عليه ضررا في ~~المشاركة. والثاني، لا خيار له؛ لأنه رضي ببيع الجميع بهذا الثمن. فإذا وصل ~~إليه الثمن مع بقاء جزء له فيه كان زيادة، فلا يستحق بها الفسخ، ولأن هذا ~~الضرر حصل بتغريره وإخباره، بخلاف غيره، فلا ينبغي أن يتسلط به على فسخ عقد ~~المشتري. فإن بذلها البائع للمشتري بثمن، أو طلبها المشتري بثمن، لم يلزم ~~الآخر القبول؛ لأنها معاوضة يعتبر فيها التراضي منهما، فلا يجبر واحد منهما ~~عليه وإن تراضيا على ذلك، جاز، فإن بان تسعة، ففيه روايتان؛ إحداهما، يبطل ~~البيع؛ لما تقدم. والثانية، البيع صحيح، والمشتري بالخيار بين الفسخ ~~والإمساك بتسعة أعشار الثمن. # وقال أصحاب الشافعي: ليس له إمساكه إلا بكل الثمن، أو الفسخ. بناء على ~~قولهم: إن المعيب ليس لمشتريه إلا الفسخ أو إمساكه بكل الثمن. ولنا أنه وجد ~~المبيع ناقصا في القدر، فكان له إمساكه بقسطه من الثمن، كالصبرة إذا ~~اشتراها على أنها مائة فبانت خمسين، وسنبين أن المعيب له إمساكه، وأخذ ~~أرشه، فإن أخذها بقسطها من الثمن، فللبائع الخيار بين الرضا بذلك وبين ~~الفسخ؛ لأنه إنما رضي ببيعها بهذا الثمن كله، وإذا لم يصل # PageV04P100 # إليه كان له الفسخ. # فإن بذل له المشتري جميع الثمن لم يملك الفسخ؛ لأنه وصل إليه الثمن الذي ~~رضيه، فأشبه ما لو اشترى معيبا فرضيه بجميع الثمن. (2981) فصل: وإن اشترى ~~صبرة على أنها عشرة أقفزة، فبانت أحد عشر، رد الزائد، ولا خيار له هاهنا؛ ~~لأنه لا ضرر في ms1899 الزيادة، وإن بانت تسعة أخذها بقسطها من الثمن، وقد ذكرنا ~~فيما تقدم أنه متى سمى الكيل في الصبرة لا يكون قبضها إلا بالكيل، فإذا ~~كالها فوجدها قدر حقه، أخذها، وإن كانت زائدة رد الزيادة وإن كانت ناقصة، ~~أخذها بقسطها من الثمن، وهل له الفسخ إذا وجدها ناقصة؟ على وجهين؛ أحدهما، ~~له الخيار. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه وجد المبيع ناقصا، فكان له الفسخ، كغير ~~الصبرة، وكنقصان الصفة. الثاني، لا خيار له؛ لأن نقصان القدر ليس بعيب في ~~الباقي من الكيل، بخلاف غيره. ### | [فصل باع الأدهان في ظرفها جملة وقد شاهدها] # (2982) فصل: إذا باع الأدهان في ظرفها جملة، وقد شاهدها، جاز؛ لأن ~~أجزاءها لا تختلف، فهو كالصبرة. وكذلك الحكم في العسل، والدبس، والخل، ~~وسائر المائعات التي لا تختلف. وإن باعه كل رطل بدرهم، أو باعه رطلا منها، ~~أو أرطالا معلومة يعلم أن فيها أكثر منها أو باعة جزءا مشاعا، أو أجزاء، أو ~~باعه إياه مع الظرف بعشرة دراهم، أو بثمن معلوم، جاز. # وإن باعه السمن والظرف، كل رطل بدرهم، وهما يعلمان مبلغ كل واحد منهما، ~~صح؛ لأنه قد علم المبيع والثمن. فإن لم يعلما ذلك، جاز أيضا؛ لأنه قد رضي ~~أن يشتري الظرف، كل رطل بدرهم، وما فيه كذلك، فأشبه ما لو اشترى ظرفين في ~~أحدهما سمن في الآخر زيت، كل رطل بدرهم. # وقال القاضي: لا يصح؛ لأن وزن الظرف يزيد وينقص، فيدخل على غرر. والأول ~~أصح؛ لأن بيع كل واحد منهما متفردا يصح لذلك. فكذلك إذا جمعهما، كالأرض ~~المختلفة الأجزاء، والثياب وغيرها. وأما إن باعه كل رطل بدرهم، على أن يزن ~~الظرف، فيحتسب عليه بوزنه، ولا يكون مبيعا، وهما يعلمان زنة كل واحد منهما، ~~صح؛ لأنه إذا علم أن الدهن عشرة والظرف رطلا، كان معناه: بعتك عشرة أرطال ~~باثني عشر درهما. وإن كانا لا يعلمان زنة الظرف والدهن، لم يصح؛ لأنه يؤدي ~~إلى جهالة الثمن في الحال. وسواء جهلا زنتهما جميعا، أو زنة أحدهما؛ لذلك. ### | [فصل في من وجد في ظرف ms1900 السمن ربا] # (2983) فصل: وإن وجد في ظرف السمن ربا، فقال ابن المنذر: قال أحمد ~~وإسحاق: إن كان سمانا، وعنده سمن أعطاه بوزنه سمنا، وإن لم يكن عنده سمن، ~~أعطاه بقدر الرب من الثمن. وألزمه شريح # PageV04P101 # بقدر الرب سمنا بكل حال. وقال الثوري: إن شاء أخذ الذي وجده، لا يكلف أن ~~يعطيه بقدر الرب سمنا. ولنا، أنه وجد المبيع المكيل ناقصا، فأشبه ما لو ~~اشترى صبرة، فوجد تحتها ربوة، أو اشتراها على أنها عشرة أقفزة، فبانت تسعة، ~~وقد بينا أنه يأخذ الموجود بقسطه من الثمن، كذا هاهنا. فعلى هذا إنما يأخذ ~~الموجود من السمن بقسطه من الثمن، ولا يلزم البائع أن يعطيه سمنا، سواء كان ~~موجودا عنده، أو لم يكن، فإن تراضيا على إعطائه سمنا، جاز، والله أعلم. ### | [باب بيع المصراة] # باب المصراة، وغير ذلك. التصرية: جمع اللبن في الضرع. يقال: صرى الشاة، ~~وصرى اللبن في ضرع الشاة، بالتشديد والتخفيف. ويقال: صرى الماء في الحوض، ~~وصرى الطعام في فيه، وصرى الماء في ظهره. # إذا ترك الجماع. وأنشد أبو عبيدة: # رأت غلاما قد صرى في فقرته ... ماء الشباب عنفوان شرته # وماء صرى، وصر، إذا طال استنقاعه. قال البخاري: أصل التصرية حبس الماء، ~~يقال: صريت الماء. # ويقال للمصراة: المحفلة. وهو من الجمع أيضا، ومنه سميت مجامع الناس محافل ~~والتصرية حرام إذا أراد بذلك التدليس على المشتري لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا تصروا» . وقوله: «من غشنا فليس منا» وروى ابن ماجه، في ~~سننه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «بيع المحفلات خلابة، ولا ~~تحل الخلابة لمسلم.» رواه ابن عبد البر،: «ولا يحل خلابة لمسلم.» # (2984) مسألة؛ قال: (وإذا اشترى مصراة وهو لا يعلم، فهو بالخيار بين أن ~~يقبلها أو يردها وصاعا من تمر) . الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة ~~(2985) ، الأول، أن من اشترى مصراة من بهيمة الأنعام، لم يعلم تصريتها، ثم ~~علم. فله الخيار في الرد والإمساك. # روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وأنس وإليه ذهب مالك ms1901 وابن أبي ~~ليلى والشافعي وإسحاق وأبو يوسف، وعامة أهل العلم، وذهب أبو حنيفة ومحمد ~~إلى أنه # PageV04P102 # لا خيار له؛ لأن ذلك ليس بعيب؛ بدليل أنه لو لم تكن مصراة، فوجدها أقل ~~لبنا من أمثالها لم يملك ردها، والتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار، كما ~~لو علفها فانتفخ بطنها، فظن المشتري أنها حامل. # ولنا، ما روى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «لا ~~تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن ~~شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعا من تمر» متفق عليه، وروى ابن عمر، عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام، ~~إن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا» . رواه أبو داود. ولأن هذا تدليس ~~بما يختلف الثمن باختلافه، فوجب به الرد، كما لو كانت شمطاء، فسود شعرها. # وقياسهم يبطل بتسويد الشعر، فإن بياضه ليس بعيب كالكبر، وإذا دلسه ثبت له ~~الخيار، وأما انتفاخ البطن، فقد يكون من الأكل والشرب، فلا معنى لحمله على ~~الحمل، وعلى أن هذا القياس يخالف النص، واتباع قول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أولى. إذا تقرر هذا، فإنما يثبت الخيار بشرط أن لا يكون ~~المشتري عالما بالتصرية، فإن كان عالما، لم يثبت له الخيار. # وقال أصحاب الشافعي يثبت له الخيار في وجه؛ للخبر، ولأن انقطاع اللبن لم ~~يوجد، وقد يبقى على حاله، فلم يجعل ذلك رضى، كما لو تزوجت عنينا، ثم طلبت ~~الفسخ. ولنا، أنه اشتراها عالما بالتدليس، فلم يكن له خيار، كما لو اشترى ~~من سود شعرها عالما بذلك، ولأنه دخل على بصيرة فلم يثبت له الرد، كما لو ~~اشترى معيبا يعلم عيبه، وبقاء اللبن على حاله نادر بعيد، لا يعلق عليه حكم، ~~والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع. ولو اشترى مصراة فصار لبنها عادة، واستمر ~~على كثرته، لم يكن له الرد. # وقال أصحاب الشافعي له الرد، في أحد الوجهين؛ للخبر، ولأن التدليس كان ~~موجودا حال ms1902 العقد، فأثبت الرد، كما لو نقص اللبن. ولنا، أن الرد جعل لدفع ~~الضرر بنقص اللبن، ولم يوجد، فامتنع الرد، ولأن العيب لم يوجد، ولم تختلف ~~صفة المبيع عن حالة العقد، فلم يثبت التدليس، ولأن الخيار ثبت لدفع الضرر، ~~ولم يوجد ضرر. # (2986) الفصل الثاني، أنه إذا رد، لزمه رد، بدل اللبن. وهذا قول كل من ~~جوز ردها، وهو مقدر في # PageV04P103 # الشرع بصاع من تمر، كما في الحديث الصحيح الذي أوردناه، وهذا قول الليث ~~وإسحاق والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وذهب مالك، وبعض الشافعية، إلى أن ~~الواجب صاع من غالب قوت البلد، لأن في بعض الحديث: " ورد معها صاعا من طعام ~~". # وفي بعضها: " ورد معها مثلي أو ميلي لبنها قمحا " فجمع بين الأحاديث، ~~وجعل تنصيصه على التمر؛ لأنه غالب قوت البلد في المدينة، ونص على القمح؛ ~~لأنه غالب قوت بلد آخر. وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن؛ لأنه ضمان متلف، ~~فكان مقدرا بقيمته، كسائر المتلفات، وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى وحكي عن زفر ~~أنه يرد صاعا من تمر، أو نصف صاع من بر بناء على قولهم في الفطرة والكفارة. ~~ولنا، الحديث الصحيح الذي أوردناه، وهو المعتمد عليه في هذه المسألة. # وقد نص فيه على التمر فقال: «إن شاء ردها وصاعا من تمر» . وفي لفظ ~~للبخاري: «من اشترى غنما مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي ~~حلبتها صاع من تمر» وفي لفظ لمسلم، رواه ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «ورد صاعا من تمر لا سمراء» وفي لفظ له: «طعاما لا ~~سمراء» يعني لا يرد قمحا. # والمراد بالطعام هاهنا التمر؛ لأنه مطلق في أحد الحديثين، مقيد في الآخر، ~~في قضية واحدة والمطلق فيما هذا سبيله يحمل على المقيد. وحديث ابن عمر مطرح ~~الظاهر بالاتفاق؛ إذ لا قائل بإيجاب مثل لبنها أو مثلي لبنها قمحا، ثم قد ~~شك فيه الراوي، وخالفته الأحاديث الصحاح، فلا يعول عليه. وقياس أبي يوسف ~~مخالف للنص، فلا يلتفت إليه ولا يبعد أن ms1903 يقدر الشرع، بدل هذا المتلف، قطعا ~~للخصومة، ودفعا للتنازع، كما قدر بدل الآدمي ودية أطرافه، ولا يمكن حمل ~~الحديث على أن الصاع كان قيمة اللبن، فلذلك أوجبه، لوجوه ثلاثة: أحدها، أن ~~القيمة هي الأثمان لا التمر. الثاني، أنه أوجب في المصراة من الإبل والغنم ~~جميعا صاعا من تمر، مع اختلاف لبنها. # الثالث، أن لفظه للعموم، فيتناول كل مصراة، ولا يتفق أن تكون قيمة لبن كل ~~مصراة صاعا، وإن أمكن أن يكون كذلك، فيتعين إيجاب الصاع؛ لأنه القيمة التي ~~عين الشارع إيجابها؛ فلا يجوز أن يعدل عنها، وإذ قد ثبت هذا، فإنه يجب أن ~~يكون الصاع من التمر جيدا، غير معيب؛ لأنه واجب بإطلاق الشارع، فينصرف إلى ~~ما ذكرناه، كالصاع الواجب في الفطرة. ولا يحب أن يكون من الأجود، بل يجوز ~~أن يكن من أدني ما يقع عليه اسم الجيد. # ولا فرق بين أن تكون قيمة التمر مثل قيمة الشاة، أو أقل، أو أكثر، نص ~~عليه أحمد. وليس هذا جمعا بين البدل والمبدل؛ لأن التمر بدل اللبن، قدره ~~الشرع به، كما قدر في يدي العبد قيمته، وفي يديه ورجليه قيمته مرتين، مع ~~بقاء العبد على ملك سيده. # PageV04P104 # وإن عدم التمر في موضعه، فعليه قيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد؛ ~~لأنه بمثابة عين أتلفها، فيجب عليه قيمتها. # (2987) فصل: وإن علم بالتصرية قبل حلبها، مثل أن أقر به البائع، أو شهد ~~به من تقبل شهادته، فله ردها، ولا شيء معها؛ لأن التمر إنما وجب بدلا للبن ~~المحتلب، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من اشترى غنما ~~مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها، ففي حلبتها صاع من تمر» . ~~ولم يأخذ لها لبنا هاهنا، فلم يلزمه رد شيء معها. وهذا قول مالك. # قال ابن عبد البر: هذا ما لا خلاف فيه. وأما لو احتلبها وترك اللبن بحاله ~~ثم ردها، رد لبنها، ولا يلزمه أيضا بشيء؛ لأن المبيع إذا كان موجودا فرده، ~~لم يلزمه بدله. فإن أبى البائع قبوله، وطلب التمر، لم ms1904 يكن له ذلك، إذا كان ~~بحاله لم يتغير. وقيل: لا يلزمه قبوله؛ لظاهر الخبر، ولأنه قد نقص بالحلب، ~~وكونه في الضرع أحفظ له. ولنا، أنه قدر على رد المبدل، فلم يلزمه البدل، ~~كسائر المبدلات مع أبدالها. والحديث المراد به رد التمر حالة عدم اللبن؛ ~~لقوله: «ففي حلبتها صاع من تمر» . ولما ذكرنا من المعنى. # وقولهم إن الضرع أحفظ له. لا يصح؛ لأنه لا يمكن إبقاؤه في الضرع على ~~الدوام، وبقاؤه يضر بالحيوان. وإن كان اللبن قد تغير، ففيه وجهان؛ أحدهما، ~~لا يلزمه قبوله. وهذا قول مالك؛ للخبر، ولأنه قد نقص بالحموضة، أشبه ما لو ~~أتلفه. والثاني، يلزمه قبوله لأن النقص حصل بإسلام المبيع، وبتغرير البائع، ~~وتسليطه على حلبه، فلم يمنع الرد، كلبن غير المصراة. ### | [فصل إذا رضي بالتصرية فأمسكها ثم وجد بها عيبا آخر] # (2988) فصل: وإذا رضي بالتصرية فأمسكها، ثم وجد بها عيبا آخر، ردها به؛ ~~لأن رضاه بعيب لا يمنع الرد بعيب آخر، كما لو اشترى أعرج، فرضي بعيبه، ثم ~~أصاب به برصا. وإذا رد لزمه صاع من تمر عوض اللبن؛ لأنه قد جعل عوضا له ~~فيما إذا ردها بالتصرية، فيكون عوضا له مطلقا. # (2989) فصل: ولو اشترى شاة غير مصراة فاحتلبها، ثم وجد بها عيبا، فله ~~الرد، ثم إن لم يكن # PageV04P105 # في ضرعها لبن حال العقد، فلا شيء عليه؛ لأن ما حدث من اللبن بعد العقد ~~يحدث على ملك المشتري، وإن كان فيه لبن حال العقد، إلا أنه شيء لا يخلو ~~الضرع من مثله في العادة، فلا شيء فيه؛ لأن مثل هذا لا عبرة به، ولا قيمة ~~له في العادة، فهو تابع لما حدث، وإن كان كثيرا، وكان قائما بحاله، فهل له ~~رده؟ يبنى على رد لبن التصرية، وقد سبق. # فإن قلنا: ليس له رده، كان بقاؤه كتلفه. وهل له أن يرد المبيع؟ يخرج على ~~الروايتين فيما إذا اشترى شيئا فتلف منه جزء أو تعيب. والأشهر في المذهب ~~أنه يرده، فعلى هذا يلزمه رد مثل اللبن؛ لأنه من ذوات ms1905 الأمثال. والأصل ضمان ~~ما كان من المثليات بمثله، إلا أنه خولف في لبن التصرية بالنص، ففيما عداه ~~يبقى على الأصل، ولأصحاب الشافعي، في هذا الفصل، نحو مما ذكرنا. ### | [فصل متي علم التصرية ثبت له الخيار في الأيام الثلاثة إلى تمامها] # (2990) الفصل الثالث في الخيار: اختلف أصحابنا في مدته. فقال القاضي: هو ~~مقدر بثلاثة أيام، ليس له الرد قبل مضيها، ولا إمساكها بعدها، فإن أمسكها ~~بعد ذلك، لم يكن له الرد. قال: وهو ظاهر كلام أحمد وهو قول بعض أصحاب ~~الشافعي؛ لأن أبا هريرة روى، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~اشترى مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ~~ورد معها صاعا من تمر» رواه مسلم. قالوا: فهذه الثلاثة قدرها الشارع لمعرفة ~~التصرية فإنها لا تعرف قبل مضيها؛ لأنها في اليوم الأول لبنها لبن التصرية، ~~وفي الثاني يجوز أن يكون لبنها نقص؛ لتغير المكان واختلاف العلف، وكذلك في ~~الثالث، فإذا مضت الثلاثة استبانت التصرية، وثبت الخيار على الفور، ولا ~~يثبت قبل انقضائها. # وقال أبو الخطاب: عندي متى ثبتت التصرية، جاز له الرد، قبل الثلاثة ~~وبعدها؛ لأنه تدليس يثبت الخيار، فملك الرد به إذا تبينه، كسائر التدليس. ~~وهذا قول بعض المدنيين. فعلى هذا يكون فائدة التقدير في الخبر بالثلاثة؛ ~~لأن الظاهر أنه لا يحصل العلم إلا بها، فاعتبرها لحصول العلم ظاهرا، فإن ~~حصل العلم بها، أو لم يحصل بها فالاعتبار به دونها، كما في سائر التدليس. ~~وظاهر قول ابن أبي موسى، أنه متى علم التصرية، ثبت له الخيار في الأيام ~~الثلاثة إلى تمامها. وهذا قول ابن المنذر وأبي حامد من أصحاب الشافعي، ~~وحكاه عن الشافعي نصا؛ لظاهر حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه ~~يقتضي ثبوت الخيار في الأيام الثلاثة كلها. وعلى قول القاضي لا يثبت الخيار ~~في شيء منها، وإنما يثبت عقيبها. # وقول أبي الخطاب يسوي بين الأيام الثلاثة وبين غيرها، والعمل بالخبر ~~أولى، والقياس ما قال أبو الخطاب؛ لأن الحكم كذلك في ms1906 العيوب، وسائر ~~التدليس. ### | [مسألة لا فرق في التصرية بين الشاة والناقة والبقرة] # (2991) مسألة؛ قال: (وسواء كان المشترى ناقة أو بقرة أو شاة) جمهور أهل ~~العلم، على أنه لا فرق في التصرية بين الشاة والناقة والبقرة، وشذ داود، ~~فقال: لا يثبت # PageV04P106 # الخيار بتصرية البقرة؛ لأن الحديث: «لا تصروا الإبل والغنم» . فدل على أن ~~ما عداهما بخلافهما، ولأن الحكم ثبت فيهما بالنص، والقياس لا تثبت به ~~الأحكام. ولنا عموم قوله: «من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام» . # وفي حديث ابن عمر «من ابتاع محفلة» . ولم يفصل، ولأنه تصرية بلبن من ~~بهيمة الأنعام، أشبه الإبل والغنم، والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر؛ لأن ~~لبنها أغزر وأكثر نفعا. وقولهم: إن الأحكام لا تثبت بالقياس. ممنوع. ثم هو ~~هاهنا ثبت بالتنبيه، وهو حجة عند الجميع. ### | [فصل اشترى مصراتين أو أكثر في عقد واحد فردهن] # (2992) فصل: إذا اشترى مصراتين أو أكثر في عقد واحد، فردهن، رد مع كل ~~مصراة صاعا. وبهذا قال الشافعي، وبعض أصحاب مالك. وقال بعضهم: في الجميع ~~صاع واحد؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من اشترى غنما مصراة ~~فاحتلبها فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر» . ولنا، عموم ~~قوله: «من اشترى مصراة ومن اشترى محفلة» . وهذا يتناول الواحدة. ولأن ما ~~جعل عوضا عن الشيء في صفقتين، وجب إذا كان في صفقة واحدة، كأرش العيب، وأما ~~الحديث فإن الضمير يعود إلى الواحدة. ### | [فصل اشترى مصراة من غير بهيمة الأنعام] # (2993) فصل: فإن اشترى مصراة من غير بهيمة الأنعام، كالأمة والأتان ~~والفرس، ففيه وجهان، أحدهما، يثبت له الخيار، اختاره ابن عقيل، وهو ظاهر ~~مذهب الشافعي؛ لعموم قوله: «من اشترى مصراة ومن اشترى محفلة» . ولأنه تصرية ~~بما يختلف الثمن به، فأثبت الخيار، كتصرية بهيمة الأنعام، وذلك أن لبن ~~الآدمية يراد للرضاع، ويرغب فيها ظئرا ويحسن ثديها، ولذلك لو اشترط كثرة ~~لبنها، فبان بخلافه، ملك الفسخ، ولو لم يكن مقصودا لما ثبت باشتراطه، ولا ~~ملك الفسخ بعدمه. ولأن الأتان والفرس يرادان لولدهما. ms1907 # والثاني: لا يثبت به الخيار؛ لأن لبنها لا يعتاض عنه في العادة، ولا يقصد ~~قصد لبن بهيمة الأنعام، والخبر ورد في بهيمة الأنعام، ولا يصح القياس عليه؛ ~~لأن قصد لبن بهيمة الأنعام أكثر، واللفظ العام أريد به الخاص؛ بدليل أنه ~~أمر في ردها بصاع من تمر، ولا يجب في لبن غيرها، ولأنه ورد عاما وخاصا في ~~قضية واحدة، فيحمل العام على الخاص، ويكون المراد بالعام في أحد الحديثين ~~الخاص في الحديث الآخر. وعلى الوجه الأول، إذا ردها لم يلزم بدل لبنها، ولا ~~يرد معها شيئا؛ لأن هذا اللبن لا يباع عادة، ولا يعاوض عنه. # PageV04P107 ### | [فصل التدليس في البيع] # (2994) فصل: وكل تدليس يختلف الثمن لأجله، مثل أن يسود شعر الجارية، أو ~~يجعده، أو يحمر وجهها، أو يضمر الماء على الرحا، ويرسله عند عرضها على ~~المشتري، يثبت الخيار؛ لأنه تدليس بما يختلف الثمن باختلافه فأثبت الخيار، ~~كالتصرية، وبهذا قال الشافعي. ووافق أبو حنيفة في تسويد الشعر. وقال في ~~تجعيده: لا يثبت به الخيار؛ لأنه تدليس بما ليس بعيب، أشبه ما لو سود أنامل ~~العبد، ليظنه كاتبا أو حدادا. # ولنا، أنه تدليس بما يختلف به الثمن، أشبه تسويد الشعر، وأما تسويد ~~الأنامل، فليس بمختص بكونه كاتبا؛ لأنه يحتمل أن يكون قد ولغ بالدواة، أو ~~كان غلاما لكاتب يصلح له الدواة، فظنه كاتبا، طمع لا يستحق به فسخا، فإن ~~حصل هذا من غير تدليس، مثل أن يجتمع اللبن في الضرع من غير قصد، أو احمر ~~وجه الجارية لخجل أو تعب، أو تسود شعرها بشيء وقع عليه، فقال القاضي: له ~~الرد أيضا؛ لدفع الضرر اللاحق بالمشتري، والضرر واجب الدفع، سواء قصد أو لم ~~يقصد، فأشبه العيب. ويحتمل أن لا يثبت الخيار لحمرة وجهها بخجل أو تعب؛ ~~لأنه يحتمل ذلك، فيتعين ظنه من خلقته الأصلية طمعا، فأشبه سواد أنامل ~~العبد. ### | [فصل علف الشاة فملأ خواصرها وظن المشتري أنها حامل] # فصل: فإن علف الشاة فملأ خواصرها، وظن المشتري أنها حامل، أو سود أنامل ~~العبد أو ثوبه، يوهم ms1908 أنه كاتب أو حداد، أو كانت الشاة عظيمة الضرع خلقة، ~~فظن أنها كثيرة اللبن، لم يكن له خيار؛ لأن هذا لا يتعين للجهة التي ظنها؛ ~~فإن امتلاء البطن قد يكون لأكل أو شرب أو غيرهما، وسواد أنامل العبد قد ~~يكون لولغ بالدواة، أو لكونه شارعا في الكتابة، أو غلاما لكاتب، فحمله على ~~أنه كاتب من باب الطمع، فلا يثبت خيارا. ### | [فصل إذا أراد إمساك المدلس وأخذ الأرش] # (2996) فصل: وإذا أراد إمساك المدلس، وأخذ الأرش، لم يكن له أرش؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل له في المصراة أرشا، وإنما خيره في ~~شيئين، قال: «إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعا من تمر» . ولأن المدلس ليس ~~بعيب، فلم يستحق من أجله عوضا. وإن تعذر عليه الرد بتلف، فعليه الثمن؛ لأنه ~~تعذر عليه الرد فيما لا أرش له، فأشبه غير المدلس. # وإن تعيب عنده قبل العلم بالتدليس، فله رده ورد أرش العيب عنده، وأخذ ~~الثمن. وإن شاء أمسك، ولا شيء له. وإن علم التدليس، فتصرف في المبيع، بطل ~~رده، كما لو تصرف في المبيع المعيب. وإن أخر الرد من غير تصرف، فحكمه حكم ~~تأخر رد المعيب، على ما سنذكره، إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة اشترى أمة ثيبا فأصابها أو استغلها ثم ظهر على عيب] # (2997) مسألة؛ قال: (وإذا اشترى أمة ثيبا، فأصابها، أو استغلها، ثم ظهر ~~على عيب، كان مخيرا بين أن يردها ويأخذ الثمن كاملا؛ لأن الخراج بالضمان، ~~والوطء كالخدمة، وبين أن يأخذ ما بين الصحة والعيب) # PageV04P108 # في هذه المسألة فصول خمسة: (2998) الفصل الأول، أن من علم بسلعته عيبا، ~~لم يجز بيعها، حتى يبينه للمشتري. فإن لم يبينه فهو آثم عاص. نص عليه أحمد؛ ~~لما روى حكيم بن حزام، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «البيعان ~~بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما، وإن كذبا وكتما محق بركة ~~بيعهما» متفق عليه. # وقال - عليه السلام -: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه ~~بيعا إلا بينه ms1909 له» . وقال: «من باع عيبا لم يبينه، لم يزل في مقت الله، ولم ~~تزل الملائكة تلعنه» . رواهما ابن ماجه. وروى الترمذي أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من غشنا فليس منا» . وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل ~~عليه عند أهل العلم، كرهوا الغش، وقالوا: هو حرام. فإن باعه، ولم يبينه، ~~فالبيع صحيح في قول أكثر أهل العلم، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي وحكي ~~عن أبي بكر عبد العزيز، أن البيع باطل؛ لأنه منهي عنه. والنهي يقتضي ~~الفساد. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التصرية، وصحح البيع. وقد ~~روي عن أبي بكر أنه قيل له: ما تقول في المصراة؟ فلم يذكر جوابا. ### | [فصل علم بالمبيع عيبا لم يكن عالما به] # (2999) الفصل الثاني، أنه متى علم بالمبيع عيبا، لم يكن عالما به، فله ~~الخيار بين الإمساك والفسخ، سواء كان البائع علم العيب وكتمه، أو لم يعلم. ~~لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافا. وإثبات النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الخيار بالتصرية تنبيه على ثبوته بالعيب. ولأن مطلق العقد يقتضي السلامة من ~~العيب؛ بدليل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه اشترى مملوكا ~~فكتب: هذا ما اشترى محمد بن عبد الله من العداء بن خالد، اشترى منه عبدا، ~~أو أمة، لا داء به، ولا غائلة، بيع المسلم المسلم» . فثبت أن بيع المسلم ~~اقتضى السلامة. ولأن الأصل السلامة، والعيب حادث أو مخالف للظاهر، فعند ~~الإطلاق يحمل عليها، فمتى فاتت فات بعض مقتضى العقد، فلم يلزمه أخذه ~~بالعوض، وكان له الرد، وأخذ الثمن كاملا. ### | [فصل خيار الرد بالعيب على التراخي] # (3000) فصل: خيار الرد بالعيب على التراخي، فمتى علم العيب، فأخر الرد، ~~لم يبطل خياره، حتى يوجد منه ما يدل على الرضا. ذكره أبو الخطاب. وذكر ~~القاضي شيئا يدل على أن فيه روايتين؛ إحداهما، هو على التراخي. والثانية، ~~هو على الفور. وهو مذهب الشافعي، فمتى علم العيب، فأخر رده مع إمكانه، بطل ~~خياره؛ لأنه يدل على الرضا به، فأسقط ms1910 خياره، كالتصرف فيه. # ولنا، أنه خيار لدفع ضرر متحقق، فكان على التراخي، كالقصاص، ولا نسلم ~~دلالة الإمساك على الرضا به. # PageV04P109 # (3001) الفصل الثالث، أنه لا يخلو المبيع من أن يكون بحاله، فإنه يرده ~~ويأخذ رأس ماله، أو يكون قد زاد بعد العقد، أو جعلت له فائدة، فذلك قسمان: ~~أحدهما، أن تكون الزيادة متصلة، كالسمن، والكبر، والتعلم، والحمل قبل ~~الوضع، والثمرة قبل التأبير، فإنه يردها بنمائها؛ لأنه يتبع في العقود ~~والفسوخ. القسم الثاني، أن تكون الزيادة منفصلة، وهي نوعان؛ أحدهما، أن ~~تكون الزيادة من غير عين المبيع، كالكسب، وهو معنى قوله: " أو استغلها ". ~~يعني أخذ غلتها، وهي منافعها الحاصلة من جهتها، كالخدمة، والأجرة، والكسب، ~~وكذلك ما يوهب أو يوصى له به، فكل ذلك للمشتري في مقابلة ضمانه؛ لأن العبد ~~لو هلك هلك من مال المشتري، وهو معنى قوله - عليه السلام -: «الخراج ~~بالضمان» . ولا نعلم في هذا خلافا. وقد روى ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن ~~مسلم بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - «، أن ~~رجلا اشترى عبدا، فاستغله ما شاء الله، ثم وجد به عيبا فرده، فقال: يا رسول ~~الله إنه استغل غلامي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الخراج ~~بالضمان» . ورواه أبو داود والشافعي، ورواه سعيد في " سننه " عن مسلم، بهذا ~~الإسناد، وقال فيه: «الغلة بالضمان» . وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، ~~والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. # النوع الثاني، أن تكون الزيادة من عين المبيع، كالولد، والثمرة، واللبن، ~~فهي للمشتري أيضا، ويرد الأصل دونها. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: إن كان ~~النماء ثمرة لم يردها، وإن كان ولدا رده معها؛ لأن الرد حكم، فسرى إلى ~~ولدها كالكتابة. وقال أبو حنيفة: النماء الحادث في يد المشتري يمنع الرد؛ ~~لأنه لا يمكن رد الأصل بدونه، لأنه من موجبه، فلا يرفع العقد مع بقاء ~~موجبه، ولا يمكن رده معه؛ لأنه لم يتناوله العقد. # ولنا، أنه حادث في ملك المشتري، فلم يمنع الرد، كما لو كان في ms1911 يد البائع، ~~وكالكسب. ولأنه نماء منفصل، فجاز رد الأصل بدونه، كالكسب والثمرة عند مالك. ~~وقولهم: إن النماء موجب العقد. غير صحيح، إنما موجبه الملك، ولو كان موجبا ~~للعقد لعاد إلى البائع بالفسخ. وقول مالك لا يصح؛ لأن الولد ليس بمبيع، فلا ~~يمكن رده بحكم رد الأم. ويبطل ما ذكره بنقل الملك بالهبة، والبيع، وغيرهما، ~~فإنه لا يسري إلى الولد بوجوده في الأم وإن كان قد نقص، فهذا نذكر حكمه، إن ~~شاء الله تعالى. ### | [فصل كان المبيع جارية ثيبا فوطئها المشتري قبل علمه بالعيب] # الفصل الرابع، إن كان المبيع جارية ثيبا فوطئها المشتري قبل علمه بالعيب، ~~فله ردها، وليس معها شيء. وروي ذلك عن زيد بن ثابت. وبه قال مالك، ~~والشافعي، وأبو ثور، وعثمان البتي. وعن أحمد # PageV04P110 # رواية أخرى؛ أنه يمنع الرد. ويروى ذلك عن علي - رضي الله عنه -. وبه قال ~~الزهري، والثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق؛ لأن الوطء يجري مجرى الجناية، لأنه ~~لا يخلو في ملك الغير من عقوبة، أو مال، فوجب أن يمنع الرد، كما لو كانت ~~بكرا. # وقال شريح، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى: يردها، ~~ومعها أرش. واختلفوا فيه؛ فقال شريح والنخعي: نصف عشر ثمنها. وقال الشعبي: ~~حكومة. وقال ابن المسيب: عشرة دنانير. وقال ابن أبي ليلى: مهر مثلها. وحكي ~~نحو قوله عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وذكره ابن أبي موسى رواية عن ~~أحمد؛ لأنه إذا فسخ صار واطئا في ملك الغير، لكون الفسخ رفعا للعقد من ~~أصله. # ولنا، أنه معنى لا ينقص عينها، ولا قيمتها، ولا يتضمن الرضا بالعيب، فلا ~~يمنع الرد، كالاستخدام، وكوطء الزوج. وما قالوه يبطل بوطء الزوج، ووطء ~~البكر ينقص ثمنها. وقولهم: يكون واطئا في ملك الغير. ليس بصحيح؛ لأن الفسخ ~~رفع للعقد من حينه، لا من أصله، بدليل أنه لا يبطل الشفعة، ولا يوجب رد ~~الكسب، فيكون وطؤه في ملكه. ### | [فصل اشترى مزوجة فوطئها الزوج] # (3003) فصل: ولو اشترى مزوجة، فوطئها الزوج، لم يمنع ذلك الرد. بغير خلاف ~~نعلمه. فإن ms1912 زوجها المشتري، فوطئها الزوج، ثم أراد ردها بالعيب، فإن كان ذلك ~~النكاح باقيا فهو عيب حادث، وإن كان قد زال، فحكمه حكم وطء السيد. وقد ~~استحسن أحمد - رحمه الله - أنه يمنع الرد. وهو محمول على الرواية الأخرى؛ ~~إذ لا فرق بين هذا، وبين وطء السيد. وإن زنت في يد المشتري، ولم يكن عرف ~~ذلك منها، فهو عيب حادث، حكمه حكم العيوب الحادثة، ويحتمل أن يكون عيبا بكل ~~حال؛ لأنه لزمها حكم الزنى في يد المشتري. ### | [فصل اختار المشتري إمساك المعيب وأخذ الأرش] # (3004) الفصل الخامس؛ أنه إذا اختار المشتري إمساك المعيب، وأخذ الأرش، ~~فله ذلك. وهذا قول إسحاق. وقال أبو حنيفة، والشافعي: ليس له إلا الإمساك، ~~أو الرد، وليس له أرش، إلا أن يتعذر رد المبيع، لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - جعل لمشتري المصراة الخيار بين الإمساك من غير أرش، أو الرد. ولأنه ~~يملك الرد، فلم يملك أخذ جزء من الثمن، كالذي له الخيار. # ولنا، أنه ظهر على عيب لم يعلم به، فكان له الأرش، كما لو تعيب عنده. ~~ولأنه فات عليه جزء من المبيع، فكانت له المطالبة بعوضه، كما لو اشترى عشرة ~~أقفزة، فبانت تسعة، أو كما لو أتلفه بعد البيع؛ فأما المصراة فليس فيها ~~عيب، وإنما ملك الخيار بالتدليس، لا لفوات جزء، ولذلك لا يستحق أرشا إذا ~~امتنع الرد عليه. إذا ثبت هذا، فمعنى أرش العيب أن يقوم المبيع صحيحا، ثم ~~يقوم معيبا، فيؤخذ قسط ما بينهما # PageV04P111 # من الثمن، فنسبته إلى الثمن نسبة النقصان بالعيب من القيمة، مثاله أن ~~يقوم المعيب صحيحا بعشرة، ومعيبا بتسعة، والثمن خمسة عشر، فقد نقصه العيب ~~عشر قيمته، فيرجع على البائع بعشر الثمن، وهو درهم ونصف. وعلة ذلك أن ~~المبيع المضمون على المشتري بثمنه، ففوات جزء منه يسقط عنه ضمان ما قابله ~~من الثمن أيضا. # ولأننا لو ضمناه نقص القيمة، أفضى إلى اجتماع الثمن والمثمن للمشتري، ~~فيما إذا اشترى شيئا بنصف قيمته، فوجد به عيبا ينقصه نصف قيمته، مثل أن ~~يشتريه بعشرة وقيمته ms1913 عشرون، فوجد به عيبا ينقصه عشرة، فأخذها، حصل له ~~المبيع، ورجع بثمنه. وهذا معنى قول الخرقي: " أو يأخذ ما بين الصحة والعيب ~~". وقد نص أحمد على ما ذكرناه. وذكره الحسن البصري، فقال: يرجع بقيمة العيب ~~في الثمن يوم اشتراه. قال أحمد: هذا أحسن ما سمعت. ### | [مسألة الأمة البكر إذا وطئها المشتري ثم ظهر على عيب فردها] # (3005) مسألة؛ قال: (وإن كانت بكرا، فأراد ردها، كان عليه ما نقصها) يعني ~~الأمة البكر إذا وطئها المشتري، ثم ظهر على عيب فردها، كان عليه أن يرد ~~معها أرش النقص. وعن أحمد في جواز ردها روايتان؛ إحداهما، لا يردها، ويأخذ ~~أرش العيب. وبه قال ابن سيرين، والزهري، والثوري، والشافعي، وأبو حنيفة، ~~وإسحاق. قال ابن أبي موسى: وهو الصحيح عن أحمد. والرواية الثانية، يردها، ~~ويرد معها شيئا. # وبه قال شريح، وسعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، ومالك، وابن أبي ليلى، ~~وأبو ثور. والواجب رد ما نقص قيمتها بالوطء، فإذا كانت قيمتها بكرا عشرة، ~~وثيبا ثمانية، رد دينارين؛ لأنه بفسخ العقد يصير مضمونا عليه بقيمته، بخلاف ~~أرش العيب الذي يأخذه المشتري. وهذا قول مالك، وأبي ثور. وقال شريح، ~~والنخعي: يرد عشر ثمنها. # وقال سعيد بن المسيب: يرد عشرة دنانير. وما قلناه أولى، إن شاء الله ~~تعالى. واحتج من منع ردها بأن الوطء نقص عينها وقيمتها، فلم يملك ردها، كما ~~[إذا] اشترى عبدا فخصاه، فنقصت قيمته. ولنا، أنه عيب حدث عند أحد ~~المتبايعين لا لاستعلام، فأثبت الخيار، كالعيب الحادث عند البائع قبل ~~القبض. ### | [فصل كل مبيع كان معيبا ثم حدث به عند المشتري عيب آخر قبل علمه بالأول] # (3006) فصل: وكل مبيع كان معيبا، ثم حدث به عند المشتري عيب آخر، قبل ~~علمه بالأول، فعن أحمد - رحمه الله - فيه روايتان؛ إحداهما، ليس له الرد، ~~وله أرش العيب القديم. وبه قال الثوري، وابن شبرمة، والشافعي، وأصحاب ~~الرأي. وروي ذلك عن ابن سيرين، والزهري، والشعبي؛ لأن الرد ثبت لإزالة ~~الضرر، وفي الرد على البائع إضرار به، ولا يزال الضرر بالضرر. # PageV04P112 # والثانية، له ms1914 الرد، يرد أرش العيب الحادث عنده، ويأخذ الثمن. وإن شاء ~~أمسكه، وله الأرش. وبهذا قال مالك وإسحاق. # وقال النخعي، وحماد بن أبي سليمان: يرده ونقصان العيب. وقال الحكم: يرده. ~~ولم يذكر معه شيئا. ولنا، حديث المصراة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر بردها بعد حلبها، ورد عوض لبنها. واحتج أحمد بأن عثمان بن عفان - رضي ~~الله عنه - قضى في الثوب، إذا كان به عوار، برده وإن كان قد لبسه. ولأنه ~~عيب حدث عند المشتري، فكان له الخيار بين رد المبيع وأرشه، وبين أخذ أرش ~~العيب القديم، كما لو كان حدوثه لاستعلام المبيع. # ولأن العيبين قد استويا، والبائع قد دلس به، والمشتري لم يدلس، فكان ~~رعاية جانبه أولى. ولأن الرد كان جائزا قبل حدوث العيب الثاني، فلا يزول ~~إلا بدليل، وليس في المسألة إجماع ولا نص، والقياس إنما يكون على أصل، وليس ~~لما ذكروه أصل، فيبقى الجواز بحاله. إذا ثبت هذا، فإنه يرد أرش العيب ~~الحادث عنده؛ لأن المبيع بجملته مضمون عليه، فكذلك أجزاؤه. وإن زال العيب ~~الحادث عند المشتري، رده ولا أرش معه، على كلتا الروايتين. وبه قال ~~الشافعي؛ لأنه زال المانع، مع قيام السبب المقتضي للرد، فثبت حكمه. # ولو اشترى أمة، فحملت عنده، ثم أصاب بها عيبا، فالحمل عيب في الآدميات ~~دون غيرهن؛ لأنه يمنع الوطء ويخاف منه التلف. فإن ولدت، فالولد للمشتري. ~~وإن نقصتها الولادة، فذلك عيب أيضا. وإن لم تنقصها الولادة ومات الولد، جاز ~~ردها؛ لأنه زال العيب، وإن كان ولدها باقيا، لم يكن له ردها دون ولدها؛ لأن ~~ذلك تفريق بينهما، وهو محرم. وقال الشريف أبو جعفر، وأبو الخطاب في " ~~مسائلهما ": له الفسخ فيها، دون ولدها. وهو قول أكثر أصحاب الشافعي. ولأنه ~~موضع حاجة، فأشبه ما لو ولدت حرا، فإنه يجوز بيعها دون ولدها. # ولنا، عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من فرق بين والدة وولدها، ~~فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» . ولأنه أمكن دفع الضرر بأخذ الأرش، ~~أو برد ولدها معها، فلم ms1915 يجز ارتكاب منهي الشرع بالتفريق بينهما، كما لو ~~أراد الإقالة فيها دون ولدها. وقولهم: إن الحاجة داعية إليه. قلنا: قد ~~اندفعت الحاجة بأخذ الأرش، أما إذا ولدت حرا، فلا سبيل إلى بيعه معها بحال. ~~ولو كان المبيع حيوانا غير الآدمي، فحدث به حمل عند المشتري، لم يمنع الرد ~~بالعيب؛ لأنه زيادة. # وإن علم بالعيب بعد الوضع، ولم تنقصه الولادة، فله إمساك الولد ورد الأم؛ ~~لأن التفريق بينهما جائز. ولا فرق بين حملها قبل القبض، أو بعده. ولو ~~اشتراها حاملا، فولدت عنده، ثم اطلع على العيب فردها، رد الولد معها؛ # PageV04P113 # لأنه من جملة المبيع، والزيادة فيه نماء متصل بالمبيع، فأشبه ما لو سمنت ~~الشاة. فإن تلف الولد، فهو كتعيب المبيع عنده. فإن قلنا: له الرد. فعليه ~~قيمته، إن اختار رد الأم، وعند أحمد؛ أنه لا قيمة عليه للولد. وحمله القاضي ~~على أن البائع دلس العيب. وإن نقصت الأم بالولادة، فهو عيب حادث، حكمه حكم ~~العيوب الحادثة. # ويمكن حمل كلام أحمد على أن الحمل لا حكم له. وهذا أحد القولين للشافعي. ~~فعلى هذا يكون الولد حينئذ للمشتري، فلا يلزمه رده إن كان باقيا، ولا قيمته ~~إن كان تالفا. والأول هو الصحيح، وعليه العمل، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل كان المبيع كاتبا أو صانعا فنسي ذلك عند المشتري ثم وجد به عيبا] # (3007) فصل: وإن كان المبيع كاتبا أو صانعا، فنسي ذلك عند المشتري، ثم ~~وجد به عيبا، فذلك عيب حادث عند المشتري، حكمه حكم غيره من العيوب. وعن ~~أحمد، يرده، ولا يرد، معه شيئا. وعلله القاضي بأنه ليس بنقص في العين، ~~ويمكن عوده بالتذكر. قال: وعلى هذا لو كان سمينا فهزل. والقياس ما ذكرناه؛ ~~فإن الصياغة والكتابة متقومة تضمن في الغصب، وتلزم بشرطها في البيع، فأشبهت ~~الأعيان والمنافع، من السمع والبصر، والعقل، وإمكان العود منتقض بالسن، ~~والبصر، والحمل. ولعل ما روي عن أحمد أراد به، إذا دلس البائع العيب. ### | [فصل تعيب المبيع في يد البائع بعد العقد] # (3008) فصل: وإذا تعيب المبيع في يد ms1916 البائع بعد العقد؛ فإن كان المبيع من ~~ضمانه، فحكمه حكم العيب القديم، وإن كان من ضمان المشتري، فحكمه حكم العيب ~~الحادث بعد القبض. فأما الحادث بعد القبض، فهو من ضمان المشتري، ولا يثبت ~~به خيار. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك: عهدة الرقيق ثلاثة ~~أيام، فما أصابه فيها فهو من ضمان البائع، إلا في الجنون، والجذام، والبرص، ~~فإن ظهر إلى سنة ثبت الخيار؛ لما روى الحسن، عن عقبة «؛ أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - جعل عهدة الرقيق ثلاثة أيام» . وأنه إجماع أهل المدينة. ~~ولأن الحيوان يكون فيه العيب، ثم يظهر. # ولنا، أنه ظهر في يد المشتري، ويجوز أن يكون حادثا، فلم يثبت به الخيار، ~~كسائر المبيع، أو ما بعد الثلاثة والسنة، وحديثهم لا يثبت؛ قال الإمام ~~أحمد: ليس فيه حديث صحيح. وقال ابن المنذر: لا يثبت في العهدة حديث صحيح، ~~والحسن لم يلق عقبة. وإجماع أهل المدينة ليس بحجة. والداء الكامن لا عبرة ~~به، وإنما النقص بما ظهر لا بما كمن. ### | [مسألة اشترى عبدا فأبق من يده وأقام البينة أن إباقه كان موجودا في يد البائع] # (3009) مسألة؛ قال: (إلا أن يكون البائع دلس العيب، فيلزمه رد الثمن، ~~كاملا. وكذلك سائر المبيع) معنى دلس العيب: أي كتمه عن المشتري، مع علمه ~~به. أو: غطاه عنه، بما يوهم المشتري عدمه. مشتق من الدلسة، وهي الظلمة. ~~فكأن البائع يستر العيب. وكتمانه جعله في ظلمة، فخفي عن المشتري، فلم # PageV04P114 # يره، ولم يعلم به. وسواء في هذا ما علم به فكتمه، وما ستر، فكلاهما تدليس ~~حرام، على ما بيناه. فإذا فعله البائع، فلم يعلم به المشتري حتى تعيب ~~المبيع في يده، فله رد المبيع، وأخذ ثمنه كاملا، ولا أرش عليه، سواء كان ~~الحادث بفعل المشتري، كوطء البكر، وقطع الثوب، أو بفعل آدمي آخر، مثل أن ~~يجني عليه جان، أو بفعل العبد كالسرقة والإباق، أو بفعل الله تعالى بالمرض ~~ونحوه، سواء كان ناقصا للمبيع، أو مذهبا لجميعه. # قال أحمد، في رجل اشترى عبدا، فأبق من ms1917 يده، وأقام البينة أن إباقه كان ~~موجودا في يد البائع: يرجع به على البائع، بجميع الثمن الذي أخذه منه؛ لأنه ~~غر المشتري، ويتبع البائع عبده حيث كان. وهذا يحكى عن الحكم، ومالك؛ لأنه ~~غره فيرجع عليه، كما لو غره بحرية أمة. وظاهر حديث المصراة يدل على أن ما ~~حدث في يد المشتري مضمون عليه، سواء دلس البائع العيب، أو لم يدلسه، فإن ~~التصرية تدليس، ولم يسقط عن المشتري ضمان اللبن، بل ضمنه بصاع من التمر، مع ~~كونه قد نهى عن التصرية، وقال: «بيع المحفلات خلابة، ولا تحل الخلابة ~~لمسلم» . # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخراج بالضمان» . يدل على أن من له ~~الخراج فعليه الضمان؛ لكونه جعل الضمان علة لوجوب الخراج له. فلو كان ضمانه ~~على البائع لكان الخراج له؛ لوجود علته، ولأن وجوب الضمان على البائع لا ~~يثبت إلا بنص، أو إجماع، أو قياس، ولا نعلم في هذا نصا ولا إجماعا، والقياس ~~إنما يكون على أصل، ولا نعلم لهذا أصلا. ولا يشبه هذا التغرير بحرية الأمة ~~في النكاح؛ لأنه يرجع على من غره، وإن لم يكن سيد الأمة، وهاهنا لو كان ~~التدليس من وكيل البائع لم يرجع عليه بشيء. ### | [فصل النقائص الموجبة لنقص المالية في عادات التجار] # (3010) فصل: في معرفة العيوب؛ وهي النقائص الموجبة لنقص المالية في عادات ~~التجار؛ لأن المبيع إنما صار محلا للعقد باعتبار صفة المالية، فما يوجب ~~نقصا فيها يكون عيبا، والمرجع في ذلك إلى العادة في عرف أهل هذا الشأن، وهم ~~التجار. فالعيوب في الخلقة؛ كالجنون، والجذام، والبرص، والعمى، والعور، ~~والعرج، والعفل، والقرن، والعتق، والرتق، والقرع، والصمم، والطرش، والخرس، ~~وسائر المرض، والأصبع الزائدة والناقصة، والحول، # PageV04P115 # والخوص، والسبل، وهو زيادة في الأجفان، والتخنيث، وكونه خنثى، والخصاء، ~~والتزوج في الأمة، والبخر فيها. # وهذا كله قول أبي حنيفة والشافعي. ولا أعلم فيه خلافا. قال ابن المنذر: ~~أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم في الجارية تشترى ولها زوج أنه عيب. ~~وكذلك الدين في رقبة العبد إذا كان ms1918 السيد معسرا، والجناية الموجبة للقود؛ ~~لأن الرقبة صارت كالمستحقة لوجوب الدفع في الجناية والبيع في الدين، ~~ومستحقة للإتلاف بالقصاص، والزنى والبخر عيب في العبد والأمة جميعا. وبهذا ~~قال الشافعي وقال أبو حنيفة: ليس ذلك بعيب في العبد؛ لأنه لا يراد للفراش ~~والاستمتاع به، بخلاف الأمة. # ولنا، أن ذلك ينقص قيمته وماليته، فإنه بالزنى يتعرض لإقامة الحد عليه ~~والتعزير، ولا يأمنه سيده على عائلته وحريمه، والبخر يؤذي سيده، ومن جالسه ~~وخاطبه أو ساره. وأما السرقة، والإباق، والبول في الفراش، فهي عيوب في ~~الكبير الذي جاوز العشر. وقال أصحاب أبي حنيفة: في الذي يأكل وحده ويشرب ~~وحده. # وقال الثوري وإسحاق: ليس بعيب فيه حتى يحتلم؛ لأن الأحكام تتعلق به، من ~~التكليف، ووجوب الحدود، ببلوغه، فكذلك هذا. ولنا، أن الصبي العاقل يتحرز من ~~هذا عادة، كتحرز الكبير، فوجوده منه في تلك الحال يدل على أن البول لداء في ~~باطنه، والسرقة والإباق لخبث في طبعه، وحد ذلك بالعشر لأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بتأديب الصبي على ترك الصلاة عندها، والتفريق بينهم في ~~المضاجع لبلوغها. # فأما من دون ذلك فتكون هذه الأمور منه لضعف عقله، وعدم تثبته. وكذلك إن ~~كان العبد يشرب الخمر، أو يسكر من النبيذ. نص عليه أحمد؛ لأنه يوجب عليه ~~الحد، فهو كالزنى. وكذلك الحمق الشديد، والاستطالة على الناس؛ لأنه يحتاج ~~إلى التأديب، وربما تكرر فأفضى إلى تلفه، ولا يكون عيبا إلا في الكبير دون ~~الصغير؛ لأنه منسوب إلى فعله. وعدم الختان ليس بعيب في الصغير؛ لأنه لم يفت ~~وقته، ولا في الأمة الكبيرة. وبهذا قال الشافعي. # وقال أصحاب أبي حنيفة: هو عيب فيها؛ لأنه زيادة ألم، فأشبهت العبد. ولنا، ~~أنه ليس بواجب في حقها، والألم فيه يسير لا يخشى منه التلف، بخلاف العبد ~~الكبير. فأما العبد الكبير، فإن كان مجلوبا من الكفار، فليس ذلك بعيب فيه؛ ~~لأن العادة أنهم لا يختتنون، فصار # PageV04P116 # ذلك معلوما عند المشتري، فهو كدينهم. وإن كان مسلما مولدا؛ فهو عيب فيه؛ ~~لأنه يخشى عليه منه، وهو ms1919 خلاف العادة. # (3011) فصل: والثيوبة ليست عيبا؛ لأن الغالب على الجواري الثيوبة، ~~فالإطلاق لا يقتضي خلافها، وكونها محرمة على المشتري بنسب أو رضاع، ليس ~~بعيب، إذ ليس في المحل ما يوجب خللا في المالية، ولا نقصا، وإنما التحريم ~~مختص به. وكذلك الإحرام والصيام؛ لأنهما يزولان قريبا. وبهذا قال أبو ~~حنيفة، والشافعي. ولا نعلم لهما مخالفا. وكذلك عدة البائن. # وأما عدة الرجعية فهي عيب؛ لأن الرجعية زوجة، ولا يؤمن ارتجاعه لها. ~~ومعرفة الغناء والحجامة ليست بعيب. وحكي عن مالك، في الجارية المغنية، أن ~~ذلك عيب فيها؛ لأن الغناء محرم. ولنا أن هذا ليس بنقص في عينها، ولا ~~قيمتها، فلم يكن عيبا كالصناعة، ولا نسلم أن الغناء محرم، وإن سلمناه، ~~فالمحرم استعماله، لا معرفته، والعسر ليس بعيب، وكان شريح يرد به. # ولنا، أنه ليس بنقص، وعمله بإحدى يديه يقوم مقام عمله بالأخرى، والكفر ~~ليس بعيب. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: هو عيب؛ لأنه نقص؛ بدليل قول ~~الله تعالى {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} [البقرة: 221] . # ولنا، أن العبيد يكون فيهم المسلم والكافر والأصل فيهم الكفر، فالإطلاق ~~لا يقتضي خلاف ذلك، وكون المؤمن خيرا من الكافر لا يقتضي كون الكفر عيبا، ~~كما أن المتقي خير من غيره، قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ~~[الحجرات: 13] . وليس عدم ذلك عيبا. وكونه ولد زنا ليس بعيب. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: هو عيب في الجارية؛ لأنها تراد للافتراش، بخلاف ~~العبد. ولنا أن النسب في الرقيق غير مقصود، بدليل أنهم يشترون مجلوبين، غير ~~معروفي النسب. وكون الجارية لا تحسن الطبخ أو الخبز أو نحو هذا ليس بعيب؛ ~~لأن هذه حرفة، فلم يكن فواتها عيبا، كسائر الصنائع، وكونها لا تحيض، ليس ~~بعيب. # وقال الشافعي: هو عيب إذا كان لكبر؛ لأن من لا تحيض لا تحمل. ولنا، أن ~~الإطلاق لا يقتضي الحيض، ولا عدمه، فلم يكن فواته عيبا، كما لو كان لغير ~~الكبر. ### | [فصل اشترط المشتري في البيع صفة مقصودة مما لا يعد فقده عيبا] ms1920 # (3012) فصل: وإذا اشترط المشتري في البيع صفة مقصودة مما لا يعد فقده ~~عيبا، صح اشتراطه، وصارت مستحقة، يثبت له خيار الفسخ عند عدمها، مثل أن ~~يشترط مسلما، فيبين كافرا، أو يشترط الأمة بكرا أو جعدة أو طباخة، أو ذات ~~صنعة، أو لبن، أو أنها تحيض، أو يشترط في الدابة أنها # PageV04P117 # هملاجة، أو في الفهد أنه صيود، وما أشبه هذا. فمتى بان خلاف ما اشترطه، ~~فله الخيار في الفسخ، والرجوع بالثمن، أو الرضا به، ولا شيء له. لا نعلم ~~بينهم في هذا خلافا؛ لأنه شرط وصفا مرغوبا فيه، فصار بالشرط مستحقا. # فأما إن شرط صفة غير مقصودة، فبانت بخلافها، مثل أن يشترطها سبطة فبانت ~~جعدة، أو جاهلة، فبانت عالمة، فلا خيار له؛ لأنه زاده خيرا. وإن شرطها ~~كافرة فبانت مسلمة، أو ثيبا، فبانت بكرا، فله الخيار؛ لأن فيه قصدا صحيحا، ~~وهو أن طالب الكافرة أكثر؛ لصلاحيتها للمسلمين وغيرها، أو ليستريح من ~~تكليفها العبادات. وقد يشترط الثيب؛ لعجزه عن البكر، أو ليبيعها لعاجز عن ~~البكر. فقد فات قصده. # وقيل: لا خيار له؛ لأن هذين زيادة، وهو قول الشافعي في البكر، واختيار ~~القاضي. واستبعد كونه يقصد الثيوبة، لعجزه عن البكر، وليس هذا ببعيد، فإنه ~~ممكن، والاشتراط يدل عليه، فيصير بالدليل قريبا. وإن شرط الشاة لبونا، صح، ~~وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصح؛ لأنه لا يجوز بيع اللبن في ~~الضرع، فلم يجز شرطه. # ولنا، أنه أمر مقصود يتحقق في الحيوان، ويأخذ قسطا من الثمن، فصح ~~اشتراطه، كالصناعة في الأمة، والهملجة في الدابة. وإنما لم يحز بيعه مفردا؛ ~~للجهالة، والجهالة تسقط فيما كان بيعا، وكذلك لو اشتراها بغير شرط، صح ~~بيعها معه، وكذلك يصح بيع أساسات الحيطان والنوى في التمر معه، وإن لم يجز ~~بيعهما مفردين. وإن شرط أنها تحلب كل يوم قدرا معلوما، لم يصح؛ لتعذر ~~الوفاء به؛ لأن اللبن يختلف، ولا يمكن ضبطه. # وإن شرطها غزيرة اللبن صح؛ لأنه يمكن الوفاء به. وإن شرطها حاملا صح. ~~وقال القاضي: قياس المذهب أنه ms1921 لا يصح. لأن الحمل لا حكم له؛ ولهذا لا يصح ~~اللعان على الحمل، ويحتمل أنه ريح. # ولنا، أنه صفة مقصودة يمكن الوفاء بها، فصح شرطه، كالصناعة، وكونها ~~لبونا، وقد بينا فيما قبل أن للحمل حكما، ولذلك حكم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الدية بأربعين خلفة في بطونها أولادها. ومنع أخذ الحوامل في ~~الزكاة، ومنع وطء الحبالى المسبيات، وجعل الله تعالى عدة الحامل وضع حملها، ~~وأرخص لها الفطر في رمضان إذا خافت على ولدها، ومنع من الاقتصاص منها، ~~وإقامة الحد عليها من أجل حملها. وظاهر الحديث المروي في اللعان، يدل على ~~أنه لاعنها في حال حملها، فانتفى عنه ولدها، وإن شرط أنها تضع الولد في وقت ~~بعينه، لم يصح وجها واحدا؛ لأنه لا يمكن الوفاء به، وإن # PageV04P118 # شرط أنها لا تحمل، لم يصح الشرط؛ لأنه لا يمكن الوفاء به. وقال مالك: لا ~~يصح في المرتفعات. ويصح في غيرهن. # ولنا، أنه باعها بشرط البراءة من الحمل، فلم يصح كالمرتفعات. وإن شرطها ~~حائلا، فبانت حاملا، فإن كان ذلك في الأمة، فهو عيب يثبت الفسخ به، وإن كان ~~في غيرها، فهو زيادة لا يستحق به فسخا، ويحتمل أن يستحق؛ لأنه قد يريدها ~~لسفر، أو لحمل شيء لا يتمكن منه مع الحمل. وإن شرط البيض في الدجاجة، فقد ~~قيل: لا يصح؛ لأنه لا علم عليه، يعرف به، ولم يثبت له في الشرع حكم، ~~والأولى أنه يصح؛ لأنه يعرف بالعادة، فأشبه اشتراط الشاة لبونا. # وإن اشترط الهزار أو القمري مصوتا، فقال بعض أصحابنا: لا يصح. وبه قال ~~أبو حنيفة لأن صياح الطير يجوز أن يوجد. ويجوز أن لا يوجد. والأولى جوازه؛ ~~لأن فيه مقصدا صحيحا، وهو عادة له وخلقة فيه، فأشبه الهملجة في الدابة، ~~والصيد في الفهد. وإن شرط في الحمام أنه يجيء من مسافة ذكرها. فقال القاضي: ~~لا يصح. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن فيه تعذيبا للحيوان، والقصد منه غير صحيح. # وقال أبو الخطاب: يصح؛ لأن هذه عادة مستمرة، وفيه قصد صحيح لتبليغ ~~الأخبار ms1922 وحمل الكتب، فجرى مجرى الصيد في الفهد، والهملجة في الدابة، وإن ~~شرط في الجارية أنها مغنية، لم يصح؛ لأن الغناء مذموم في الشرع، فلم يصح ~~اشتراطه، كالزنى. وإن شرط في الكبش كونه نطاحا، وفي الديك كونه مقاتلا، لم ~~يصح الشرط؛ لأنه منهي عنه في الشرع، فجرى مجرى الغناء في الجارية. وإن شرط ~~في الديك أنه يوقظه للصلاة، لم يصح، لأنه لا يمكنه الوفاء به، وإن شرط كونه ~~يصيح في أوقات معلومة، جرى مجرى اشتراط التصويت في القمري، على ما ذكرنا. ### | [فصل لا يفتقر الرد بالعيب إلى رضى البائع ولا حضوره ولا حكم حاكم قبل القبض ولا بعده] # (3013) فصل: ولا يفتقر الرد بالعيب إلى رضى البائع، ولا حضوره، ولا حكم ~~حاكم، قبل القبض ولا بعده. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كان قبل ~~القبض، افتقر إلى حضور صاحبه دون رضاه، وإن كان بعده، افتقر إلى رضا صاحبه، ~~أو حكم حاكم؛ لأن ملكه قد تم على الثمن، فلا يزول إلا برضاه. ولنا، أنه رفع ~~عقد مستحق له، فلم يفتقر إلى رضا صاحبه، ولا حضوره كالطلاق؛ ولأنه مستحق ~~الرد بالعيب، فلا يفتقر إلى رضا صاحبه، كقبل القبض. ### | [مسألة اشترى معيبا فباعه ثم ظهر على عيب] ### | [الفصل الأول اشترى معيبا فباعه] # (3014) مسألة؛ قال: (ولو باع المشتري بعضها، ثم ظهر على عيب، كان مخيرا ~~بين أن يرد ملكه منها بمقداره من الثمن، أو يأخذ أرش العيب بقدر ملكه فيها) ~~الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة: (3015) الفصل الأول، أنه إذا اشترى ~~معيبا فباعه، سقط رده؛ لأنه قد زال ملكه عنه. فإن عاد إليه، فأراد رده # PageV04P119 # بالعيب الأول، نظرنا، فإن كان باعه عالما بالعيب، أو وجد منه ما يدل على ~~رضاه به، فليس له رده؛ لأن تصرفه رضا بالعيب، وإن لم يكن علم بالعيب، فله ~~رده على بائعه. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: ليس له رده، إلا أن يكون ~~المشتري فسخ بحكم الحاكم؛ لأنه سقط حقه من الرد ببيعه، فأشبه ما لو علم ~~بعيبه. ms1923 # ولنا، أنه أمكنه استدراك ظلامته برده، فملك ذلك، كما لو فسخ الثاني بحكم ~~حاكم، أو كما لو لم يزل ملكه عنه، ولا نسلم سقوط حقه، وإنما امتنع لعجزه عن ~~رده، فإذا عاد إليه زال المانع، فظهر جواز الرد، كما لو امتنع الرد لغيبة ~~البائع، أو لمعنى سواه. وسواء رجع إلى المشتري الأول بالعيب الأول، أو ~~بإقالة، أو هبة، أو شراء ثان، أو ميراث، في ظاهر كلام القاضي. # وقال أصحاب الشافعي: إن رجع بغير الفسخ بالعيب الأول، ففيه وجهان، ~~أحدهما، ليس له رده؛ لأنه استدرك ظلامته ببيعه، ولم يزل بفسخه. ولنا، أن ~~سبب استحقاق الرد قائم، وإنما امتنع لتعذره بزوال ملكه، فإذا زال المانع ~~وجب أن يجوز الرد عليه بالعيب. فعلى هذا إذا باعها المشتري لبائعها الأول، ~~فوجد بها عيبا كان موجودا حال العقد الأول، فله الرد على البائع الثاني، ثم ~~للثاني رده. وفائدة الرد هاهنا، اختلاف الثمنين، فإنه قد يكون الثمن الثاني ~~أكثر. ### | [الفصل الثاني باع المعيب ثم أراد أخذ أرشه] # (3016) الفصل الثاني، أنه إذا باع المعيب، ثم أراد أخذ أرشه. فظاهر كلام ~~الخرقي، أنه لا أرش له سواء باعه عالما بعيبه، أو غير عالم. وهذا مذهب أبي ~~حنيفة، والشافعي؛ لأن امتناع الرد كان بفعله، فأشبه ما لو أتلف المبيع، ~~ولأنه قد استدرك ظلامته ببيعه، فلم يكن له أرش، كما لو زال العيب. # وقال القاضي: إن باعه مع علمه بالعيب، فلا أرش له؛ لرضاه به معيبا، وإن ~~باعه غير عالم بالعيب، فله الأرش. نص عليه أحمد؛ لأن البائع لم يوفه ما ~~أوجبه له العقد، ولم يوجد منه الرضا به ناقصا، فكان له الرجوع عليه، كما لو ~~أعتقه. وقياس المذهب، أن له الأرش بكل حال، سواء باعه عالما بعيبه أو جاهلا ~~به؛ لأننا خيرناه ابتداء بين رده، وإمساكه وأخذ الأرش، فبيعه والتصرف فيه ~~بمنزلة إمساكه، ولأن الأرش عوض الجزء الفائت من المبيع، فلم يسقط ببيعه، ~~ولا رضاه، كما لو باعه عشرة أقفزة، وسلم إليه تسعة، فباعها المشتري. ~~وقولهم: إنه استدرك ظلامته. ms1924 لا يصح، فإن ظلامته من البائع، ولم يستدركها ~~منه، وإنما ظلم المشتري، فلم يسقط حقه بذلك من الظالم له، وهذا هو الصحيح ~~من قول مالك، وذكر أبو الخطاب عن أحمد، في رجوع بائع المعيب بالأرش، ~~روايتين، من غير تفريق بين علم البائع بالعيب وجهله به. # وعلى قول من قال لا يستحق الأرش، فإذا علم به المشتري الثاني فرده به، أو ~~أخذ أرشه منه، فللأول أخذ أرشه. # PageV04P120 # وهو قول الشافعي إذا امتنع على المشتري الثاني رده بعيب حدث عنده؛ لأنه ~~لم يستدرك ظلامته، وكل واحد من المشتريين يرجع بحصة العيب من الثمن الذي ~~اشتراه به، على ما ذكرناه فيما تقدم. ### | [الفصل الثالث باع المشتري بعض المبيع ثم ظهر على عيب فله الأرش] # (3017) الفصل الثالث، إذا باع المشتري بعض المبيع، ثم ظهر على عيب، فله ~~الأرش، لما بقي في يده من المبيع، وفي الأرش لما باعه ما ذكرنا من الخلاف ~~فيما إذا باع الجميع، وإن أراد رد الباقي بحصته من الثمن، فالذي ذكره ~~الخرقي هاهنا أن له ذلك. وقد نص عليه أحمد، والصحيح أنه إن كان المبيع عينا ~~واحدة، أو عينين ينقصهما التفريق، كمصراعي باب، وزوجي خف، أنه لا يملك ~~الرد؛ لما فيه من الضرر على البائع بنقص القيمة، أو ضرر الشركة، وامتناع ~~الانتفاع بها على الكمال، كإباحة الوطء والاستخدام. # وبها قال شريح، والشعبي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقد ذكر ~~أصحابنا في غير هذا الموضع، فيما إذا كان المبيع عينين ينقصهما التفريق، ~~أنه لا يجوز رد إحداهما دون الأخرى؛ لما فيه من الضرر؛ وفيما لو اشترى ~~معيبا فتعيب عنده، أنه لا يملك رده، إلا أن يرد أرش العيب الحادث عنده، فلا ~~يجوز أن يرده في مسألتنا معيبا بعيب الشركة، أو نقص القيمة، بغير شيء، إلا ~~أن يكون الخرقي أراد ما إذا دلس البائع العيب، فإن ذلك عنده لا يسقط عن ~~المشتري ضمان ما حدث عنده من العيب، على ما ذكرنا فيما مضى. # وإن كان المبيع عينين لا ينقصهما التفريق، فباع إحداهما، ms1925 ثم وجد بالأخرى ~~عيبا، أو علم أنهما كانتا معيبتين، فهل له رد الباقية في ملكه؟ يخرج على ~~الروايتين في تفريق الصفقة. وقال القاضي: المسألة مبنية على تفريق الصفقة ~~سواء كان المبيع عينا واحدة أو عينين. والتفصيل الذي ذكرنا أولى. # (3018) فصل: وإن اشترى عينين، فوجد بإحداهما عيبا، وكانا مما لا ينقصهما ~~التفريق، أو مما لا يجوز التفريق بينهما، كالولد مع أمه، فليس له إلا ردهما ~~جميعا، أو إمساكهما وأخذ الأرش، وإن لم يكونا كذلك، ففيهما روايتان، ~~إحداهما، ليس له إلا ردهما، أو أخذ الأرش مع إمساكهما. وهو ظاهر قول ~~الشافعي وقول أبي حنيفة فيما قبل القبض؛ لأن الرد يبعض الصفقة من المشتري، ~~فلم يكن له ذلك، كما لو كانا مما ينقصه التفريق. والثانية، له رد المعيب، ~~وإمساك الصحيح. وهذا قول الحارث العكلي، والأوزاعي، وإسحاق. وهو قول أبي ~~حنيفة فيما بعد القبض؛ لأنه رد المعيب على وجه لا ضرر فيه على البائع، فجاز ~~كما لو رد الجميع. # وفارق ما ينقص بالتفريق، فإن فيه ضررا. وإن تلف أحد المبيعين، أو تعيب، ~~أو وجد بالآخر أو بهما عيبا، فأراد رده، فالحكم فيه على ما ذكرنا من ~~التفصيل والخلاف. وإن اختلفا في قيمة التالف، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ ~~لأنه منكر لما يدعيه البائع من زيادة قيمته؛ ولأنه بمنزلة الغارم، لأن قيمة ~~التالف إذا زادت، زاد قدر ما يغرمه، فهو بمنزلة المستعير والغاصب. # فأما إن كان المبيعان باقيين # PageV04P121 # معيبين، لم يوجد في أحدهما ما يمنع رده، فأراد رد أحدهما دون الآخر. فقال ~~القاضي: ليس له ذلك. ولم يذكر فيه سوى المنع من رد أحدهما. والقياس، أنها ~~كالتي قبلها، إذ لو كان إمساك أحدهما مانعا من الرد فيما إذا كانا معيبين، ~~لمنع منه إذا كان صحيحا. ### | [فصل اشترى اثنان شيئا فوجداه معيبا أو اشترطا الخيار فرضي أحدهما] # (3019) فصل: إذا اشترى اثنان شيئا فوجداه معيبا، أو اشترطا الخيار فرضي ~~أحدهما. ففيه روايتان عن أحمد، حكاهما أبو بكر، وابن أبي موسى. إحداهما، ~~لمن لم يرض الفسخ. وبه قال ms1926 ابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وهو ~~إحدى الروايتين عن مالك. والأخرى، لا يجوز له رده. وهو قول أبي حنيفة، وأبي ~~ثور؛ لأن المبيع خرج عن ملكه دفعة واحدة غير متشقص، فإذا رده مشتركا، رده ~~ناقصا، أشبه ما لو تعيب عنده. # ووجه الأولى، أنه رد جميع ما ملكه بالعقد، فجاز، كما لو انفرد بشرائه، ~~والشركة إنما حصلت بإيجاب البائع؛ لأنه باع كل واحد منهما نصفها، فخرجت عن ~~ملك البائع مشقصة، بخلاف العيب الحادث. ### | [فصل ورث اثنان عن أبيهما خيار عيب فرضي أحدهما] # (3020) فصل: وإذا ورث اثنان عن أبيهما خيار عيب، فرضي أحدهما، سقط حق ~~الآخر من الرد؛ لأنه لو رد وحده، تشقصت السلعة على البائع، فتضرر بذلك، ~~وإنما أخرجها عن ملكه إلى واحد غير مشقصة، فلا يجوز رد بعضها إليه مشقصا، ~~بخلاف المسألة التي قبلها، فإن عقد الواحد مع الاثنين عقدان، فكأنه باع كل ~~واحد منهما نصفها منفردا، فرد عليه أحدهما جميع ما باعه إياه، وهاهنا ~~بخلافه. ### | [فصل اشترى رجل من رجلين شيئا فوجده معيبا] # (3021) فصل: ولو اشترى رجل من رجلين شيئا فوجده معيبا، فله رده عليهما. ~~فإن كان أحدهما غائبا، رد على الحاضر حصته بقسطها من الثمن، ويبقى نصيب ~~الغائب في يده حتى يقدم. ولو كان أحدهما باع العين كلها بوكالة الآخر، ~~فالحكم كذلك، سواء كان الحاضر الوكيل أو الموكل. نص أحمد على قريب من هذا. # فإن أراد رد نصيب أحدهما، وإمساك نصيب الآخر، جاز؛ لأنه يرد على البائع ~~جميع ما باعه، ولا يحصل برده تشقيص؛ لأن المبيع كان مشقصا قبل البيع. ### | [فصل اشترى حلي فضة بوزنه دراهم فوجده معيبا] # (3022) فصل: فإن اشترى حلي فضة بوزنه دراهم، فوجده معيبا، فله رده، وليس ~~له أخذ الأرش؛ لإفضائه إلى التفاضل فيما يجب التماثل فيه. فإن حدث به عيب ~~عند المشتري، فعلى إحدى الروايتين يرده؛ ويرد، أرش العيب الحادث عنده، يأخذ ~~ثمنه، وقال القاضي: لا يجوز له رده؛ لإفضائه إلى التفاضل، فلا يصح؛ لأن ~~الرد فسخ للعقد، ورفع له، فلا تبقى ms1927 المعاوضة، وإنما يدفع الأرش عوضا عن ~~العيب الحادث عنده، بمنزلة ما لو جنى عليه في ملك صاحبه من غير بيع، وكما ~~لو فسخ الحاكم عليه. # PageV04P122 # وعلى الرواية الأخرى، يفسخ الحاكم البيع، ويرد البائع الثمن، ويطالب ~~بقيمة الحلي؛ لأنه لم يمكن إهمال العيب، ولا أخذ الأرش. ولأصحاب الشافعي ~~وجهان، كهاتين الروايتين. وإن تلف الحلي، فإنه يفسخ العقد ويرد قيمته، ~~ويسترجع الثمن؛ فإن تلف المبيع لا يمنع جواز الفسخ. # وعندي، أن الحاكم إذا فسخ، وجب رد الحلي وأرش نقصه، كما قلنا فيما إذا ~~فسخ المشتري على الرواية الأخرى، وإنما يرجع إلى قيمته عند تعذر رده بتلف ~~أو عجز، وليس في رده ورد أرشه تفاضل؛ لأن المعاوضة زالت بالفسخ، فلم يبق له ~~مقابل، وإنما هذا الأرش بمنزلة أرش الجناية عليه؛ ولأن قيمته إذا زادت على ~~وزنه أو نقصت عنه، أفضى إلى التفاضل؛ لأن قيمته عوض عنه، فلا يجوز ذلك، إلا ~~أن يأخذ قيمته من غير جنسه، ولو باع قفيزا مما فيه الربا بمثله، فوجد ~~أحدهما بما أخذه عيبا ينقص قيمته دون كيله، لم يملك أخذ أرشه، لئلا يفضي ~~إلى التفاضل. والحكم فيه على ما ذكرناه في الحلي بالدراهم. ### | [مسألة ظهر على عيب بعد إعتاقه لها أو موتها في ملكه] # (3023) مسألة؛ قال: (وإن ظهر على عيب بعد إعتاقه لها أو موتها في ملكه، ~~فله الأرش) وجملته، أنه إذا زال ملك المشتري عن المبيع بعتق، أو وقف، أو ~~موت، أو قتل، أو تعذر الرد، لاستيلاد ونحوه قبل علمه بالعيب، فله الأرش. ~~وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، إلا أن أبا حنيفة قال في المقتول ~~خاصة: لا أرش له؛ لأنه زال ملكه بفعل مضمون، أشبه البيع. # ولنا، أنه عيب لم يرض به، ولم يستدرك ظلامته فيه، فكان له الأرش كما لو ~~أعتقه، والبيع لنا فيه منع، ومع تسليمه فإنه استدرك ظلامته فيه. وأما ~~الهبة، فعن أحمد فيها روايتان؛ إحداهما، أنها كالبيع؛ لأنه لم ييأس من ~~إمكان الرد؛ لاحتمال رجوع الموهوب إليه. والثانية له الأرش وهي أولى. ms1928 ولم ~~يذكر القاضي غيرها؛ لأنه ما استدرك ظلامته، فأشبه ما لو وقفه، وإمكان الرد ~~ليس بمانع من أخذ الأرش عندنا؛ بدليل ما قبل الهبة. # وإن أكل الطعام أو لبس الثوب، فأتلفه، رجع بأرشه. وبهذا قال أبو يوسف، ~~ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يرجع بشيء؛ لأنه أهلك العين، فأشبه ما لو قتل ~~العبد. ولنا أنه ما استدرك ظلامته، ولا رضي بالعيب، فلم يسقط حقه من الأرش، ~~كما لو تلف بفعل الله تعالى. # (3024) فصل: وإن فعل شيئا مما ذكرناه بعد علمه بالعيب، فمفهوم كلام ~~الخرقي: أنه لا أرش له. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي. وهو قياس قول ~~القاضي؛ لقوله في من باع المعيب عالما بعيبه: ليس له أرش؛ لأنه رضي به ~~معيبا بتصرفه فيه مع علمه بعيبه. وقياس المذهب، أن له الأرش؛ لأن له إمساك ~~المبيع، والمطالبة بأرشه، وهذا يتنزل منزلة إمساكه مع العلم بعيبه. # ولأن البائع لم يوفه ما أوجبه العقد، # PageV04P123 # فكان له الرجوع بأرشه، كما لو أعتقه قبل علمه بعيبه. ولأن الأرش عوض ~~الجزء الفائت بالعيب، فلم يسقط بتصرفه فيما سواه؛ كما لو باعه عشرة أقفزة، ~~فأقبضه تسعة، فتصرف فيها. ### | [فصل تصرف في المبيع تصرفا دالا على الرضا به قبل علمه بالعيب] # (3025) فصل: فإن استغل المبيع، أو عرضه على البيع، أو تصرف فيه تصرفا ~~دالا على الرضا به، قبل علمه بالعيب، لم يسقط خياره؛ لأن ذلك لا يدل على ~~الرضا به معيبا. وإن فعله بعد علمه بعيبه، بطل خياره في قول عامة أهل ~~العلم. قال ابن المنذر: وكان الحسن، وشريح، وعبد الله بن الحسن، وابن أبي ~~ليلى، والثوري، وأصحاب الرأي، يقولون: إذا اشترى سلعة، فعرضها على البيع، ~~لزمته. وهذا قول الشافعي. ولا أعلم فيه خلافا، فأما الأرش، فقال ابن أبي ~~موسى: لا يستحقه أيضا. # وقد ذكرنا أن قياس المذهب استحقاق الأرش. قال أحمد: أنا أقول: إذا استخدم ~~العبد، وأراد نقصان العيب، فله ذلك، فأما إن احتلب اللبن الحادث بعد العقد، ~~لم يسقط رده؛ لأن اللبن له، فملك استيفاءه من المبيع ms1929 الذي يريد رده. وكذلك ~~إن ركب الدابة لينظر سيرها، أو ليسقيها، أو ليردها على بائعها. وإن استخدم ~~الأمة ليختبرها، أو لبس القميص ليعرف قدره، لم يسقط خياره؛ لأن ذلك ليس ~~برضا بالمبيع، ولهذا لا يسقط به خيار الشرط. # وإن استخدمها لغير ذلك استخداما كثيرا، بطل رده، فإن كانت يسيرة لا تختص ~~الملك، لم يبطل الخيار. قيل لأحمد: إن هؤلاء يقولون: إذا اشترى عبدا، فوجده ~~معيبا فاستخدمه بأن يقول: ناولني هذا الثوب. يعني بطل خياره. فأنكر ذلك، ~~وقال: من قال هذا؟ أو من أين أخذوا هذا؟ ليس هذا برضى حتى يكون شيء يبين. ~~وقد نقل عنه في بطلان الخيار بالاستخدام روايتان. وكذلك يخرج هاهنا. ### | [فصل أبق العبد ثم علم عيبه] # (3026) فصل: وإن أبق العبد، ثم علم عيبه، فله أخذ أرشه. فإن أخذه ثم قدر ~~على العبد، فإن لم يكن معروف الإباق قبل البيع، فقد تعيب عند المشتري، فهل ~~يملك رده ورد أرش العيب الحادث عنده والأرش الذي أخذه؟ على روايتين. وإن ~~كان آبقا، فله رده ورد ما أخذه من الأرش وأخذ ثمنه. # وقال الثوري والشافعي: ليس للمشتري أخذ أرشه، سواء قدر على رده أو عجز ~~عنه، إلا أن يهلك؛ لأنه لم ييأس من رده، فهو كما لو باعه. ولنا، أنه معيب ~~لم يرض به، ولم يستدرك ظلامته فيه، فكان له أرشه، كما لو أعتقه، وفي البيع ~~استدرك ظلامته، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل اشترى عبدا فأعتقه ثم علم به عيبا فأخذ أرشه] # (3027) فصل: وإذا اشترى عبدا فأعتقه، ثم علم به عيبا فأخذ أرشه، فهو له. ~~وعن أحمد رواية أخرى، أنه يجعله في الرقاب. وهو قول الشافعي؛ لأنه من جملة ~~الرقبة التي جعلها الله، فلا يرجع إليه شيء من بدلها. # PageV04P124 # ولنا، أن العتق إنما صادف الرقبة المعيبة، والجزء الذي أخذ بدله ما ~~تناوله عتق، ولا كان موجودا، ولأن الأرش ليس بدلا عن العبد، إنما هو جزء من ~~الثمن، جعل مقابلا للجزء الفائت، فلما لم يحصل ذلك الجزء من المبيع، رجع ~~بقدره من الثمن، فكأنه ms1930 لم يصح العقد فيه، ولهذا رجع بقدره من الثمن، لا من ~~قيمة العبد. # وكلام أحمد، في الرواية الأخرى، يحمل على استحباب ذلك، لا على وجوبه. قال ~~القاضي: إنما الروايتان فيما إذا أعتقه عن كفارته؛ لأنه إذا أعتقه عن ~~الكفارة، لا يجوز أن يرجع إليه بشيء من بدلها، كالمكاتب إذا أدى من كتابته ~~شيئا. ولنا، أنه أرش عبد أعتقه، فكان له، كما لو تبرع بعتقه. ### | [مسألة المتبايعين إذا اختلفا في العيب] # (3028) مسألة؛ قال: (فإن ظهر على عيب يمكن حدوثه قبل الشراء، أو بعده، ~~حلف المشتري، وكان له الرد أو الأرش) وجملة ذلك، أن المتبايعين إذا اختلفا ~~في العيب، هل كان في المبيع قبل العقد، أو حدث عند المشتري؟ لم يخل من ~~قسمين؛ أحدهما، أن لا يحتمل إلا قول أحدهما، كالإصبع الزائدة، والشجة ~~المندملة، التي لا يمكن حدوث مثلها، والجرح الطري الذي لا يحتمل كونه ~~قديما. فالقول قول من يدعي ذلك، بغير يمين؛ لأننا نعلم صدقه، وكذب خصمه، ~~فلا حاجة إلى استحلافه. والثاني، أن يحتمل قول كل واحد منهما، كالخرق في ~~الثوب والرفو، ونحوهما، ففيه روايتان؛ إحداهما، القول قول المشتري، فيحلف ~~بالله أنه اشتراه وبه هذا العيب، أو أنه ما حدث عنده ويكون له الخيار؛ لأن ~~الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، واستحقاق ما يقابله من الثمن، ولزوم ~~العقد في حقه، فكان القول قول من ينفي ذلك، كما لو اختلفا في قبض المبيع. # والثانية، القول قول البائع مع يمينه، فيحلف على حسب جوابه، إن أجاب إنني ~~بعته بريئا من العيب، حلف على ذلك، وإن أجاب بأنه لا يستحق، على ما يدعيه ~~من الرد، حلف على ذلك، ويمينه على البت لا على نفي العلم؛ لأن الأيمان كلها ~~على البت، لا على نفي فعل الغير. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي؛ لأن الأصل ~~سلامة المبيع، وصحة العقد، ولأن المشتري يدعي عليه استحقاق فسخ البيع، وهو ~~ينكره، والقول قول المنكر. ### | [فصل باع الوكيل ثم ظهر المشتري على عيب كان به] # (3029) فصل: وإذا باع الوكيل، ثم ظهر ms1931 المشتري على عيب كان به، فله رده ~~على الموكل؛ لأن المبيع يرد بالعيب، على من كان له، فإن كان العيب مما يمكن ~~حدوثه، فأقر به الوكيل، وأنكره الموكل، فقال أبو الخطاب: يقبل إقراره على ~~موكله بالعيب؛ لأنه أمر يستحق به الرد، فيقبل إقرار الوكيل به # PageV04P125 # على موكله، كخيار الشرط. وقال أصحاب أبي حنيفة والشافعي: لا يقبل إقرار ~~الوكيل بذلك. وهو أصح؛ لأنه إقرار على الغير، فلم يقبل، كالأجنبي، فإذا رده ~~المشتري على الوكيل، لم يملك الوكيل رده على الموكل؛ لأنه رده بإقراره، وهو ~~غير مقبول على غيره. ذكره القاضي. # فإن أنكره الوكيل فتوجهت اليمين عليه، فنكل عنها، فرد عليه بنكوله، فهل ~~له رده على الموكل؟ على وجهين؛ أحدهما، ليس له رده؛ لأن ذلك يجري مجرى ~~إقراره. والثاني، له رده؛ لأنه يرجع إليه بغير اختياره، أشبه ما لو قامت به ~~بينة. ### | [فصل اشترى جارية على أنها بكر ثم قال المشتري إنما هي ثيب] # (3030) فصل: ولو اشترى جارية على أنها بكر، ثم قال المشتري: إنما هي ثيب. ~~أريت النساء الثقات، ويقبل قول امرأة ثقة. فإن وطئها المشتري، وقال: ما ~~أصبتها بكرا. خرج فيه وجهان، بناء على الروايتين فيما إذا اختلفا في العيب ~~الحادث. ### | [فصل رد المشتري السلعة بعيب فيها فأنكر البائع كونها سلعته] # (3031) فصل: وإن رد المشتري السلعة بعيب فيها، فأنكر البائع كونها سلعته، ~~فالقول قول البائع مع يمينه. وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. ونحوه قال ~~الأوزاعي، فإنه قال في من صرف دراهم بدنانير، ثم رجع بدرهم، فقال الصيرفي: ~~ليس هذا درهمي يحلف الصيرفي: بالله لقد وفيتكه، ويبرأ؛ لأن البائع منكر كون ~~هذه سلعته، ومنكر لاستحقاق الفسخ، والقول قول المنكر. فأما إن جاء ليرد ~~السلعة بخيار، فأنكر البائع أنها سلعته، فحكى ابن المنذر عن أحمد، أن القول ~~قول المشتري. وهو قول الثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي؛ لأنهما اتفقا على ~~استحقاق فسخ العقد، والرد بالعيب بخلافه. ### | [مسألة اشترى شيئا مأكوله في جوفه فكسره فوجده فاسدا] # (3032) مسألة؛ قال: (وإذا اشترى شيئا، مأكوله في جوفه، ms1932 فكسره، فوجده ~~فاسدا، فإن لم يكن لمكسوره قيمة، كبيض الدجاج، رجع بالثمن على البائع، وإن ~~كان لمكسوره قيمة، كجوز الهند، فهو مخير في الرد وأخذ الثمن، وعليه أرش ~~الكسر، أو يأخذ ما بين صحيحه ومعيبه) وجملة ذلك، أنه إذا اشترى ما لا يطلع ~~على عيبه إلا بكسره، كالبطيخ، والرمان، والجوز، والبيض، فكسره فبان عيبه، ~~ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يرجع على البائع بشيء، وهو مذهب مالك؛ لأنه ليس ~~من البائع تدليس، ولا تفريط؛ لعدم معرفته بعيبه، وكونه لا يمكنه الوقوف ~~عليه إلا بكسره، فجرى مجرى البراءة من العيوب. # والثانية، يرجع عليه. وهي ظاهر المذهب، وقول أبي حنيفة والشافعي؛ لأن عقد ~~البيع اقتضى السلامة من عيب لم يطلع عليه المشتري، فإذا بان معيبا، ثبت له ~~الخيار، ولأن البائع إنما يستحق ثمن المعيب، # PageV04P126 # دون الصحيح؛ لأنه لم يملكه صحيحا، فلا معنى لإيجاب الثمن كله، وكونه لم ~~يفرط لا يقتضي أن يجب له ثمن ما لم يسلمه؛ بدليل العيب الذي لم يعلمه في ~~العبد. إذا ثبت هذا، فإن المبيع إن كان مما لا قيمة له مكسورا، كبيض الدجاج ~~الفاسد، والرمان الأسود، والجوز الخرب، والبطيخ التالف، رجع بالثمن كله؛ ~~لأن هذا تبين به فساد العقد من أصله؛ لكونه وقع على ما لا نفع فيه، ولا يصح ~~بيع ما لا نفع فيه، كالحشرات والميتات، وليس عليه أن يرد المبيع إلى ~~البائع؛ لأنه لا فائدة فيه. # الثاني، أن يكون مما لمعيبه قيمة، كجوز الهند، وبيض النعام، والبطيخ الذي ~~فيه نفع، ونحوه، فإذا كسره نظرت، فإن كان كسرا لا يمكن استعلام المبيع ~~بدونه، فالمشتري مخير بين رده ورد أرش الكسر وأخذ الثمن، وبين أخذ أرش ~~عيبه، وهو قسط ما بين صحيحه ومعيبه، وهذا ظاهر كلام الخرقي. وقال القاضي: ~~عندي لا أرش عليه لكسره؛ لأن ذلك حصل بطريق استعلام العيب، والبائع سلطه ~~عليه، حيث علم أنه لا تعلم له صحته من فساده بغير ذلك. وهذا قول الشافعي. # ووجه قول الخرقي. أنه نقص لم يمنع الرد، فلزم رد أرشه، كلبن ms1933 المصراة إذا ~~حلبها، والبكر إذا وطئها، وبهذين الأصلين يبطل ما ذكره، فإنه لاستعلام ~~العيب، والبائع سلطه عليه، بل هاهنا أولى؛ لأنه تدليس من البائع، والتصرية ~~حصلت بتدليسه، وإن كان كسرا يمكن استعلام المبيع بدونه، إلا أنه لا يتلف ~~المبيع بالكلية، فالحكم فيه كالذي قبله في قول الخرقي وهو قول القاضي أيضا. ~~والمشتري مخير بين رده وأرش الكسر وأخذ الثمن، بين أخذ أرش العيب. وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد. # والرواية الثانية، ليس له رده، وله أرش العيب. وهذا قول أبي حنيفة ~~والشافعي، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. وإن كسره كسرا لا يبقي له قيمة، فله ~~أرش العيب، لا غير؛ لأنه أتلفه، وقدر أرش العيب قسط ما بين الصحيح والمعيب ~~من الثمن، فيقوم المبيع صحيحا، ثم يقوم معيبا غير مكسور، فيكون للمشتري قدر ~~ما بينهما من الثمن. على ما مضى شرحه. ### | [فصل اشترى ثوبا فنشره فوجده معيبا] # (3033) فصل: ولو اشترى ثوبا فنشره فوجده معيبا، فإن كان مما لا ينقصه ~~النشر، رده، وإن كان ينقصه النشر، كالهسنجاني، الذي يطوى طاقين ملتصقين، ~~جرى ذلك مجرى جوز الهند، على التفصيل المذكور، فيما إذا لم يزد على ما يحصل ~~به استعلام المبيع، أو زاد، كنشر من لا يعرف. وإن أحب أخذ أرشه، فله ذلك ~~بكل حال. ### | [فصل اشترى ثوبا فصبغه ثم ظهر على عيب] # (3034) فصل: وإذا اشترى ثوبا فصبغه، ثم ظهر على عيب، فله أرشه لا غير، ~~وبهذا قال أبو حنيفة. وعن أحمد، أن له رده. وأخذ زيادته بالصبغ؛ لأنها ~~زيادة، فلا تمنع الرد، كالسمن # PageV04P127 # والكسب. والأول أولى؛ لأن هذا معاوضة، فلا يجبر البائع على قبولها، كسائر ~~المعاوضات. وفارق السمن والكسب، فإنه لا يأخذ عن السمن عوضا، والكسب ~~للمشتري لا يرده، ولا يعاوض عنه. وإن قال البائع: أنا آخذه، وأعطي قيمة ~~الصبغ. لم يلزم المشتري ذلك. # وقال الشافعي: ليس للمشتري إلا رده؛ لأنه أمكنه رده، فلم يملك أخذ الأرش، ~~كما لو سمن عبده، أو كسب. ولنا، أنه لا يمكنه رده، إلا برد شيء من ماله ~~معه، ms1934 فلم يسقط حقه من الأرش بامتناعه من رده، كما لو تعيب عنده، فطلب ~~البائع أخذه مع أرش العيب الحادث. والأصل لا نسلمه، فإنه يستحق أخذ الأرش ~~إذا أراده بكل حال. ### | [فصل بيع العبد الجاني] # (3035) فصل: يصح بيع العبد الجاني، سواء كانت الجناية، عمدا أو خطأ، على ~~النفس وما دونها، موجبة للقصاص أو غير موجبة له. وبهذا قال أبو حنيفة، ~~والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر: لا يصح بيعه؛ لأنه تعلق برقبته حق ~~آدمي، فمنع صحة بيعه، كالرهن، بل حق الجناية آكد؛ لأنها تقدم على حق ~~المرتهن. ولنا، أنه حق غير مستقر في الجاني، يملك أداءه من غيره، فلم يمنع ~~البيع، كالزكاة، أو حق يثبت بغير رضا سيده، فلم يمنع بيعه، كالدين في ذمته، ~~أو تصرف في الجاني، فجاز، كالعتق. وإن كان الحق قصاصا، فهو ترجى سلامته ~~ويخشى تلفه، فأشبه المريض. # أما الرهن، فإن الحق متعين فيه، لا يملك سيده إبداله، ثبت الحق فيه ~~برضاه، وثيقة للدين، فلو أبطله بالبيع، سقط حق الوثيقة الذي التزمه برضاه ~~واختياره. إذا ثبت هذا فمتى باعه، وكانت الجناية موجبة للمال، أو القود، ~~فعفي عنه إلى مال، فعلى السيد فداؤه بأقل الأمرين من قيمته، أو أرش جنايته، ~~ويزول الحق عن رقبة العبد ببيعه؛ لأن للسيد الخيرة، بين تسليمه وفدائه. فإن ~~باعه تعين عليه فداؤه؛ لإخراج العبد من ملكه. ولا خيار للمشتري؛ لعدم الضرر ~~عليه، إذ الرجوع على غيره، هذا إذا كان السيد موسرا. # وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يلزم السيد فداؤه؛ لأن أكثر ما فيه أنه التزم ~~فداءه، فلا يلزمه ذلك، كما لو قال الراهن: أنا أقضي الدين من الرهن. ولنا، ~~أنه زال ملكه عن الجاني، فلزمه فداؤه، كما لو قتله، بخلاف الرهن، وبهذا قال ~~أبو حنيفة. وإن كان البائع معسرا، لم يسقط حق المجني عليه من رقبة الجاني؛ ~~لأن البائع إنما يملك نقل حقه عن رقبته بفدائه أو ما يقوم مقامه، ولا يحصل ~~ذلك في ذمة المعسر، فيبقى الحق في رقبته بحاله مقدما على ms1935 حق المشتري. ~~وللمشتري خيار الفسخ، إن كان غير عالم ببقاء الحق في رقبته، فإن فسخ رجع ~~بالثمن، وإن لم يفسخ، وكانت الجناية مستوعبة لرقبة العبد، فأخذ بها، رجع ~~المشتري بالثمن أيضا، لأن أرش مثل هذا جميع ثمنه، وإن كانت غير مستوعبة ~~لرقبته، رجع بقدر أرشه. # وإن كان عالما بعيبه، راضيا بتعلق الحق # PageV04P128 # به، لم يرجع بشيء؛ لأنه اشترى معيبا عالما بعيبه. فإن اختار المشتري ~~فداءه، فله ذلك، والبيع بحاله؛ لأنه يقوم مقام البائع في الخيرة بين تسليمه ~~وفدائه، وحكمه في الرجوع بما فداه به على البائع حكم قضاء الدين عنه. فإن ~~كانت الجناية موجبة للقصاص، فللمشتري الخيار، بين الرد وأخذ الأرش، فإن ~~اقتص منه تعين الأرش، وهو قسط قيمته ما بينه جانيا وغير جان، ولا يبطل ~~البيع من أصله. وبهذا قال أصحاب الشافعي. # وقال أبو حنيفة، والشافعي: يرجع بجميع الثمن؛ لأن تلفه كان بمعنى استحق ~~عند البائع، فجرى مجرى إتلافه إياه. ولنا، أنه تلف عند المشتري بالعيب الذي ~~كان فيه، فلم يوجب الرجوع بجميع الثمن، كما لو كان مريضا، فمات بدائه، أو ~~مرتدا، فقتل بردته، وما ذكروه منتقض بما ذكرناه، ولا يصح قياسهم على ~~إتلافه؛ لأنه لم يتلفه، فما اشتركا في المقتضي. # ولو كانت الجناية موجبة لقطع يده، فقطعت عند المشتري، فقد تعيب في يده؛ ~~لأن استحقاق القطع دون حقيقته، فهل يمنع ذلك رده بعيبه؟ على روايتين. ومتى ~~اشتراه عالما بعيبه، لم يكن له رده؛ ولا أرش، كسائر المعيبات، وهذا قول ~~الشافعي. (3036) فصل: وحكم المرتد حكم القاتل، في صحة بيعه، وسائر أحكامه ~~المذكورة فيه، فإن قتله غير متحتم؛ لاحتمال رجوعه إلى الإسلام. وكذلك ~~القاتل في المحاربة إذا تاب قبل القدرة عليه، فإن لم يتب حتى قدر عليه، ~~فقال أبو الخطاب: هو كالقاتل في غير محاربة؛ لأنه عبد قن، يصح إعتاقه، ~~ويملك استخدامه، فصح بيعه، كغير القاتل، ولأنه يمكنه الانتفاع به إلى حال ~~قتله، ويعتقه فينجر به ولاء أولاده، فجاز بيعه، كالمريض المأيوس من برئه. # وقال القاضي: لا يصح بيعه؛ لأنه ms1936 تحتم قتله وإتلافه وإذهاب ماليته، وحرم ~~إبقاؤه، فصار بمنزلة ما لا نفع فيه من الحشرات والميتات، وهذه المنفعة ~~اليسيرة مفضية به إلى قتله لا يتمهد بها محلا للبيع، كالمنفعة الحاصلة من ~~الميتة؛ لسد بثق، أو إطعام كلب، والأول أصح، فإنه كان محلا للبيع، والأصل ~~بقاء ذلك فيه، وانحتام إتلافه لا يجعله تالفا؛ بدليل أن أحكام الحياة، من ~~التكليف وغيره، لا تسقط عنه، ولا تثبت أحكام الموتى له، من إرث ماله، ونفوذ ~~وصيته وغيرها، ولأن خروجه عن حكم الأصل، لا يثبت إلا بدليل، ولا نص في هذا ~~ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الحشرات والميتات؛ لأن تلك لم تكن فيها ~~منفعة، فيما مضى، ولا في الحال، وعلى أن هذا التحتم يمكن زواله؛ لزوال ما ~~ثبت به من الرجوع عن الإقرار، وإن كان ثبت به، أو رجوع البينة، ولو لم يمكن ~~زواله، فأكثر ما فيه تحقق تلفه، وذلك يجعله كالمريض المأيوس من برئه، وبيعه ~~جائز. ### | [مسألة باع عبده أو جاريته وله مال ملكه إياه مولاه أو خصه به] # (3037) مسألة؛ قال: (ومن باع عبدا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه ~~المبتاع، إذا كان قصده للعبد لا للمال) # PageV04P129 # وجملة ذلك، أن السيد إذا باع عبده، أو جاريته، وله مال ملكه إياه مولاه، ~~أو خصه به، فهو للبائع؛ لما روى ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «من باع عبدا، وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع.» ~~رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. ولأن العبد وماله للبائع، فإذا باع العبد ~~اختص البيع به دون غيره، كما لو كان له عبدان فباع أحدهما. # وإن اشترطه المبتاع كان له؛ للخبر، وروى ذلك نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - وقضى به شريح، وبه قال عطاء، وطاوس، ومالك، ~~والشافعي، وإسحاق. قال الخرقي: إذا كان قصده للعبد لا للمال. هذا منصوص ~~أحمد، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وعثمان البتي. ومعناه، أنه لا يقصد ~~بالبيع شراء مال العبد، إنما يقصد بقاء ms1937 المال لعبده، وإقراره في يده، فمتى ~~كان كذلك، صح اشتراطه، ودخل في البيع به، سواء كان المال معلوما أو مجهولا، ~~من جنس الثمن أو من غيره، عينا كان أو دينا، وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو ~~أكثر. # قال البتي: إذا باع عبدا بألف درهم، ومعه ألف درهم، فالبيع جائز إذا كانت ~~رغبة المبتاع في العبد لا في الدراهم؛ وذلك لأنه دخل في البيع تبعا غير ~~مقصود، فأشبه أساسات الحيطان، والتمويه بالذهب في السقوف، فأما إن كان ~~المال مقصودا بالشراء، جاز اشتراطه إذا وجدت فيه شرائط البيع، من العلم به، ~~وأن لا يكون بينه وبين الثمن ربا، كما يعتبر ذلك في العينين المبيعتين؛ ~~لأنه مبيع مقصود، فأشبه ما لو ضم إلى العبد عينا أخرى وباعهما. # وقال القاضي: هذا ينبني على كون العبد يملك أو لا يملك، فإن قلنا: لا ~~يملك. فاشترط المشتري ماله صار مبيعا معه، فاشترط فيه ما يشترط في سائر ~~المبيعات. وهذا مذهب أبي حنيفة. وإن قلنا: يملك. احتملت فيه الجهالة وغيرها ~~مما ذكرنا من قبل؛ لأنه تبع في البيع لا أصل، فأشبه طي الآبار. وهذا خلاف ~~نص أحمد وقول الخرقي؛ لأنهما جعلا الشرط الذي يختلف الحكم به قصد المشتري ~~دون غيره، وهو أصح إن شاء الله تعالى، واحتمال الجهالة فيه لكونه غير ~~مقصود، كما ذكرنا، كاللبن في ضرع الشاة المبيعة، والحمل في بطنها، والصوف ~~على ظهرها، وأشباه ذلك، فإنه مبيع، ويحتمل فيه الجهالة وغيرها، لما ذكرنا. # وقد قيل: إن المال ليس بمبيع هاهنا، وإنما استبقاء المشتري على ملك العبد ~~لا يزول عنه إلى البائع. وهو قريب من الأول. ### | [فصل اشترى عبدا واشترط ماله ثم رد العبد بعيب أو خيار أو إقالة] # (3038) فصل: وإذا اشترى عبدا، واشترط ماله، ثم رد العبد بعيب أو خيار أو ~~إقالة، رد ماله معه. وقال داود: يرد العبد دون ماله؛ لأن ماله لم يدخل في ~~البيع، فأشبه النماء الحادث عنده. ولنا أنه عين مال أخذها المشتري، لا تحصل ~~بدون البيع، فيردها بالفسخ، كالعبد، ms1938 ولأن العبد إذا كان ذا مال كانت قيمته ~~أكثر، فأخذ ماله ينقص قيمته، فلم يملك رده حتى يدفع ما يزيل نقصه. # PageV04P130 # فإن تلف ماله، ثم أراد رده، فهو بمنزلة العيب الحادث عند المشتري، هل ~~يمنع الرد؟ على روايتين، فإن قلنا: يرده. فعليه قيمة ما أتلف. # قال أحمد: في رجل اشترى أمة معها قناع، فاشترطه، وظهر على عيب، وقد تلف ~~القناع: غرم قيمته بحصته من الثمن. (3039) فصل: وما كان على العبد أو ~~الجارية من الحلي، فهو بمنزلة ماله، على ما ذكرنا. فأما الثياب فقال أحمد: ~~ما كان يلبسه عند البائع، فهو للمشتري، وإن كانت ثيابا يلبسها فوق ثيابه، ~~أو شيئا يزينه به، فهو للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع. يعني أن الثياب التي ~~يلبسها عادة للخدمة والبذلة، تدخل في البيع، دون الثياب التي يتجمل بها؛ ~~لأن ثياب البذلة جرت العادة ببيعها معه، ولأنها تتعلق بها مصلحته وحاجته، ~~إذ لا غناء له عنها، فجرت مجرى مفاتيح الدار، بخلاف ثياب الجمال، فإنها ~~زيادة على العادة، ولا تتعلق بها حاجة العبد، وإنما يلبسها إياه لينفقه ~~بها، وهذه حاجة السيد، لا حاجة العبد، ولم تجر العادة بالمسامحة فيها، فجرت ~~مجرى الستور في الدار والدابة التي يركبه عليها، مع دخولها في الخبر، ~~وبقائها على الأصل. وقال ابن عمر: من باع وليدة، زينها بثياب، فللذي ~~اشتراها ما عليها، إلا أن يشترطه الذي باعها. # وبه قال الحسن، والنخعي ولنا، الخبر الذي رواه ابن عمر. ولأن الثياب لم ~~يتناولها لفظ البيع، ولا جرت العادة ببيعها معه، أشبه سائر مال البائع. ~~ولأنه زينة للمبيع، فأشبه ما لو زين الدار ببساط أو ستر. ### | [فصل لا يملك العبد شيئا إذا لم يملكه سيده] # (3040) فصل: ولا يملك العبد شيئا، إذا لم يملكه سيده. في قول عامة أهل ~~العلم. وقال أهل الظاهر: يملك؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: {خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا} [البقرة: 29] . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من باع ~~عبدا وله مال» . فأضاف المال إليه فاللام التمليك. # ولنا، قوله تعالى {ضرب ms1939 الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: ~~75] . ولأن سيده يملك عينه ومنافعه، فما حصل بذلك يجب أن يكون لسيده، ~~كبهيمته. فأما إن ملكه سيده شيئا، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يملكه. وهو ~~ظاهر قول الخرقي؛ فإنه قال: والسيد يزكي عما في يد عبده؛ لأنه مالكه. وقال: ~~والعبد لا يرث، ولا مال له فيورث عنه. وهو اختيار أبي بكر، وقول أبي حنيفة، ~~والثوري، وإسحاق، والشافعي في الجديد؛ لأنه مملوك، فلم يملك، كالبهيمة. # والثاني، يملك. وهي أصح عندي. وهو قول مالك، والشافعي في القديم؛ للآية ~~والخبر، ولأنه آدمي حي، فملك كالحر، ولأنه يملك في النكاح، فملك في المال ~~كالحر، ولأنه يصح الإقرار له، فأشبه الحر، وما ذكروه تعليل بالمانع، ولا ~~يثبت اعتباره إلا أن يوجد المقتضي في الأصل، ولم يوجد # PageV04P131 # في البهيمة ما يقتضي ثبوت الملك لها، وإنما انتفى ملكها لعدم المقتضي له، ~~لا لكونها مملوكة، وكونها مملوكة عديم الأثر، فإن سائر البهائم التي ليست ~~مملوكة من الصيود والوحوش، لا تملك، وكذلك الجمادات، وإذا بطل كون ما ذكروه ~~مانعا، وقد تحقق المقتضي، لزم ثبوت حكمه. والله أعلم. ### | [مسألة باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقدا] # مسألة قال ومن باع سلعة بنسيئة، لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به ~~وجملة ذلك أن من باع سلعة بثمن مؤجل، ثم اشتراها بأقل منه نقدا لم يجز في ~~قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن ابن عباس، وعائشة، والحسن، وابن سيرين، ~~والشعبي، والنخعي وبه قال أبو الزناد، وربيعة وعبد العزيز بن أبي سلمة، ~~والثوري والأوزاعي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي. وأجازه الشافعي لأنه ثمن ~~يجوز بيعها به من غير بائعها فجاز من بائعها، كما لو باعها بمثل ثمنها. # ولنا، ما روى غندر عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية بنت ~~أيفع بن شرحبيل أنها قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة ~~- رضي الله عنها -، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلاما من زيد بن ~~أرقم ms1940 بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها: ~~بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم: أنه قد أبطل جهاده مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب. رواه الإمام أحمد، وسعيد بن ~~منصور. # والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه، إلا بتوقيف سمعته من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجرى مجرى روايتها ذلك عنه، ولأن ذلك ~~ذريعة إلى الربا، فإنه يدخل السلعة، ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل ~~معلوم. وكذلك روي عن ابن عباس في مثل هذه المسألة أنه قال: أرى مائة بخمسين ~~بينهما حريرة. يعني خرقة حرير جعلاها في بيعهما. # والذرائع معتبرة لما قدمناه فأما بيعها بمثل الثمن أو أكثر، فيجوز لأنه ~~لا يكون ذريعة. وهذا إذا كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع، فإن نقصت، مثل ~~إن هزل العبد، أو نسي صناعة، أو تخرق الثوب، أو بلي جاز له شراؤها بما شاء ~~لأن نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا. وإن نقص سعرها، أو زاد ~~لذلك أو لمعنى حدث فيها، لم يجز بيعها بأقل من ثمنها، كما لو كانت بحالها. ~~نص أحمد على هذا كله. (3042) فصل وإن اشتراها بعرض، أو كان بيعها الأول ~~بعرض، فاشتراها بنقد جاز وبه قال أبو حنيفة. ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن ~~التحريم إنما كان لشبهة الربا، ولا ربا بين الأثمان والعروض. فأما إن باعها ~~بنقد ثم اشتراها بنقد آخر مثل أن يبيعها بمائتي درهم، ثم اشتراها بعشرة ~~دنانير، فقال أصحابنا: يجوز؛ لأنهما جنسان لا يحرم التفاضل بينهما. فجاز، ~~كما لو اشتراها بعرض، أو بمثل الثمن # PageV04P132 # وقال أبو حنيفة: لا يجوز استحسانا لأنهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية، ~~ولأن ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا، فأشبه ما لو باعها بجنس الثمن الأول. وهذا ~~أصح. إن شاء الله تعالى. (3043) # فصل وهذه المسألة تسمى مسألة العينة. قال الشاعر # أندان أم نعتان أم ينبري لنا ... فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه # فقوله: نعتان. أي نشتري عينة ms1941 مثلما وصفنا. وقد روى أبو داود، بإسناده عن ~~ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إذا تبايعتم ~~بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ~~ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» . وهذا وعيد يدل على التحريم. # وقد روي عن أحمد أنه قال العينة أن يكون عند الرجل المتاع، فلا يبيعه إلا ~~بنسيئة، فإن باعه بنقد ونسيئة فلا بأس. وقال: أكره للرجل أن لا يكون له ~~تجارة غير العينة لا يبيع بنقد. وقال ابن عقيل إنما كره النسيئة لمضارعتها ~~الربا، فإن الغالب أن البائع بنسيئة يقصد الزيادة بالأجل. # ويجوز أن تكون العينة اسما لهذه المسألة وللبيع بنسيئة جميعا، لكن البيع ~~بنسيئة ليس بمحرم اتفاقا، ولا يكره إلا أن لا يكون له تجارة غيره. . ### | [فصل باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة] # (3044) فصل وإن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة، فقال أحمد، ~~في رواية حرب: لا يجوز ذلك إلا أن يغير السلعة؛ لأن ذلك يتخذه وسيلة إلى ~~الربا، فأشبه مسألة العينة فإن اشتراها بنقد آخر، أو بسلعة أخرى، أو بأقل ~~من ثمنها نسيئة، جاز؛ لما ذكرناه في مسألة العينة. ويحتمل أن يجوز له ~~شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه، إلا أن يكون ذلك عن مواطأة، أو حيلة، فلا ~~يجوز. وإن # PageV04P133 # وقع ذلك اتفاقا من غير قصد، جاز؛ لأن الأصل حل البيع، وإنما حرم في مسألة ~~العينة بالأثر الوارد فيه، وليس هذا في معناه، ولأن التوسل بذلك أكثر، فلا ~~يلتحق به ما دونه. والله أعلم # (3045) فصل: وفي كل موضع قلنا: لا يجوز له أن يشتري. لا يجوز ذلك لوكيله؛ ~~لأنه قائم مقامه، ويجوز لغيره من الناس، سواء كان أباه، أو ابنه، أو ~~غيرهما؛ لأنه غير البائع ويشتري لنفسه، فأشبه الأجنبي ### | [فصل باع طعاما إلى أجل فلما حل أخذ منه بالثمن الذي في ذمته طعاما قبل قبضه] # (3046) فصل ومن باع طعاما إلى أجل فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن الذي في ~~ذمته طعاما قبل ms1942 قبضه، لم يجز. روي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وطاوس، ~~وبه قال مالك وإسحاق وأجازه جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلي بن حسين ~~والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، قال علي بن حسين: إذا لم يكن لك في ~~ذلك رأي وروي عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم أنه قال: بعت تمرا من ~~التمارين، كل سبعة آصع بدرهم، ثم وجدت عند رجل منهم تمرا يبيعه أربعة آصع ~~بدرهم، فاشتريت منه، فسألت عكرمة عن ذلك؟ فقال: لا بأس، أخذت أنقص مما بعت. ~~ثم سألت سعيد بن المسيب عن ذلك، وأخبرته بقول عكرمة فقال: كذب، قال عبد ~~الله بن عباس ما بعت من شيء مما يكال بمكيال، فلا تأخذ منه شيئا مما يكال ~~بمكيال، إلا ورقا أو ذهبا، فإذا أخذت ورقك، فابتع ممن شئت منه، أو من غيره ~~فرجعت، فإذا عكرمة قد طلبني، فقال: الذي قلت لك هو حلال هو حرام. فقلت ~~لسعيد بن المسيب: إن فضل لي عنده فضل؟ قال: فأعطه أنت الكسر، وخذ منه ~~الدرهم ووجه ذلك، أنه ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة، فحرم كمسألة ~~العينة، فعلى هذا، كل شيئين حرم النساء فيهما، لا يجوز أن يؤخذ أحدهما عوضا ~~عن الآخر قبل قبض ثمنه، إذا كان البيع نساء. نص أحمد على ما يدل على هذا. # وكذلك قال سعيد بن المسيب، فيما حكينا عنه. والذي يقوى عندي جواز ذلك إذا ~~لم يفعله حيلة ولا قصد ذلك في ابتداء العقد، كما قال علي بن الحسين، فيما ~~يروي عنه عبد الله بن زيد قال قدمت على علي بن الحسين، فقلت له: إني أجذ ~~نخلي، وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل، فيقدمون بالحنطة، وقد حل ذلك الأجل، ~~فيوقفونها بالسوق، فأبتاع منهم وأقاصهم. قال: لا بأس بذلك، إذا لم يكن منك ~~على رأي وذلك لأنه اشترى الطعام بالدراهم التي في الذمة بعد انبرام العقد ~~أول لزومه، فصح، كما لو كان المبيع الأول حيوانا أو ثيابا، ولما ذكرنا في ~~الفصل الذي قبل ms1943 هذا، فإنه لم يأخذ بالثمن طعاما، ولكن اشترى # PageV04P134 # من المشتري طعاما بدراهم، وسلمها إليه، ثم أخذها منه وفاء، أو لم يسلمها ~~إليه، لكن قاصه بها، كما في حديث علي بن الحسين. ### | [مسألة باع حيوانا أو غيره بالبراءة من كل عيب] # (3047) مسألة؛ قال: ومن باع حيوانا، أو غيره بالبراءة من كل عيب، لم ~~يبرأ، سواء علم به البائع أو لم يعلم اختلفت الرواية عن أحمد في البراءة من ~~العيوب، فروي عنه: أنه لا يبرأ، إلا أن يعلم المشتري بالعيب. وهو قول ~~الشافعي وقال إبراهيم والحكم وحماد: لا يبرأ إلا مما سمى. وقال شريح: لا ~~يبرأ إلا مما أراه أو وضع يده عليه. وروي نحو ذلك عن عطاء، والحسن، وإسحاق. # لأنه مرفق في البيع، لا يثبت إلا بالشرط، فلا يثبت مع الجهل، كالخيار. ~~والرواية الثانية: أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيب علمه، ~~ويروى ذلك عن عثمان ونحوه عن زيد بن ثابت. وهو قول مالك. # وقول الشافعي في الحيوان خاصة؛ لما روي أن عبد الله بن عمر باع زيد بن ~~ثابت عبدا بشرط البراءة من العيب، بثمانمائة درهم، فأصاب به زيد عيبا، ~~فأراد رده على ابن عمر، فلم يقبله، فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لابن ~~عمر: تحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا. فرده عليه فباعه ابن عمر بألف ~~درهم. وهذه قضية اشتهرت، فلم تنكر، فكانت إجماعا. وروي عن أحمد أنه أجاز ~~البراءة من المجهول فيخرج من هذا صحة البراءة من كل عيب وروي هذا عن ابن ~~عمر وهو قول أصحاب الرأي، وقول الشافعي؛ لما روت أم سلمة، «أن رجلين اختصما ~~في مواريث درست إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - استهما، وتوخيا، وليحلل كل واحد منكما صاحبه» فدل هذا على ~~أن البراءة من المجهول جائزة، ولأنه إسقاط حق لا تسليم فيه، فصح من ~~المجهول، كالعتاق والطلاق، ولا فرق بين الحيوان وغيره، فما ثبت في أحدهما ~~ثبت في الآخر، وقول ms1944 عثمان قد خالفه ابن عمر، وقول الصحابي المخالف لا يبقى ~~حجة. (3048) # فصل فإن قلنا: لا يصح شرط البراءة من العيوب. فشرطه لم يفسد البيع في ~~ظاهر المذهب. وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لأن ابن عمر باع بشرط البراءة، ~~فأجمعوا على صحته، ولم ينكره منكر. فعلى هذا لا يمنع الرد بوجود الشرط، ~~ويكون وجوده كعدمه. # وعن أحمد في الشروط الفاسدة روايتان؛ إحداهما، أنها تفسد العقد، فيدخل ~~فيها هذا البيع؛ لأن البائع إنما رضي بهذا الثمن عوضا عنه بهذا الشرط، فإذا ~~فسد الشرط فات الرضى به، فيفسد البيع لعدم التراضي به. # PageV04P135 ### | [مسألة بيع المرابحة] # (3049) مسألة؛ قال: ومن باع شيئا مرابحة، فعلم أنه زاد في رأس ماله، رجع ~~عليه بالزيادة وحطها من الربح معنى بيع المرابحة، هو البيع برأس المال وربح ~~معلوم، ويشترط علمهما برأس المال فيقول: رأس مالي فيه أو هو علي بمائة بعتك ~~بها، وربح عشرة، فهذا جائز لا خلاف في صحته، ولا نعلم فيه عند أحد كراهة. ~~وإن قال: بعتك برأس مالي فيه وهو مائة، وأربح في كل عشرة درهما، أو قال: ده ~~يازده. أو ده داوزده. فقد كرهه أحمد، وقد رويت كراهته عن ابن عمر، وابن ~~عباس، ومسروق، والحسن وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء بن يسار. # وقال إسحاق لا يجوز. لأن الثمن مجهول حال العقد، فلم يجز، كما لو باعه ~~بما يخرج به في الحساب. ورخص فيه سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وشريح، ~~والنخعي، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي وابن المنذر. ولأن رأس المال ~~معلوم والربح معلوم فأشبه ما لو قال: وربح عشرة دراهم. # ووجه الكراهة أن ابن عمر وابن عباس كرهاه، ولم نعلم لهما في الصحابة ~~مخالفا، ولأن فيه نوعا من الجهالة، والتحرز عنها أولى. وهذه كراهة تنزيه، ~~والبيع صحيح؛ لما ذكرنا، والجهالة يمكن إزالتها بالحساب، فلم تضر، كما لو ~~باعه صبرة كل قفيز بدرهم، وأما ما يخرج به في الحساب، فمجهول في الجملة ~~والتفصيل. إذا ثبت هذا عدنا إلى مسألة الكتاب، فنقول: متى باع شيئا برأس ~~ماله، وربح عشرة، ms1945 ثم علم بتنبيه أو إقرار أن رأس ماله تسعون، فالبيع صحيح؛ ~~لأنه زيادة في الثمن فلم يمنع صحة العقد، كالعيب وللمشتري الرجوع على ~~البائع بما زاد في رأس المال، وهو عشرة، وحطها من الربح، وهو درهم، فيبقى ~~على المشتري بتسعة وتسعين درهما. # وبهذا قال الثوري، وابن أبي ليلى. وهو أحد قولي الشافعي وقال أبو حنيفة: ~~هو مخير بين الأخذ بكل الثمن، أو يترك قياسا على المعيب. ولنا، أنه باعه ~~برأس ماله وما قدره من الربح، فإذا بان رأس ماله قدرا مبيعا به وبالزيادة ~~التي اتفقا عليها، والمعيب كذلك عندنا، فإن له أخذ الأرش، ثم المعيب لم يرض ~~به، إلا بالثمن المذكور، وهاهنا رضي فيه برأس المال والربح المقرر. وهل ~~للمشتري خيار؟ فالمنصوص عن أحمد أن المشتري مخير بين أخذ المبيع برأس ماله ~~وحصته من الربح، وبين تركه. # نقله حنبل، وحكي ذلك قولا للشافعي؛ لأن المشتري لا يأمن الجناية في هذا ~~الثمن أيضا، ولأنه ربما كان له غرض في الشراء بذلك الثمن بعينه؛ لكونه ~~حالفا، أو وكيلا، أو غير ذلك. وظاهر كلام الخرقي، أنه لا خيار له؛ لأنه لم ~~يذكره. وحكي ذلك قولا للشافعي؛ لأنه رضيه بمائة وعشرة، فإذا حصل له بتسعة ~~وتسعين، فقد زاده خيرا، فلم يكن له خيار، كما لو اشتراه على أنه معيب، فبان ~~صحيحا، أو أمي، فبان صانعا أو كاتبا أو وكل في شراء معين بمائة، # PageV04P136 # فاشتراه بتسعين. # وأما البائع، فلا خيار له؛ لأنه باعه برأس ماله وحصته من الربح، وقد حصل ~~له ذلك. (3050) فصل وإذا أراد الإخبار بثمن السلعة، فإن كانت بحالها، لم ~~تتغير، أخبر بثمنها، وإن حط البائع بعض الثمن عن المشتري، أو اشتراه بعد ~~لزوم العقد، لم يجزئه، ويخبر بالثمن الأول، لا غير. ولأن ذلك هبة من أحدهما ~~للآخر، لا يكون عوضا. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يلحق بالعقد، ويخبر به في المرابحة، وهذه مسألة يأتي ~~ذكرها إن شاء الله تعالى. وإن كان ذلك في مدة الخيار لحق بالعقد، وأخبر به ~~في الثمن. ms1946 وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم. فإن تغير ~~سعرها دونها، فإن غلت، لم يلزمه الإخبار بذلك؛ لأنه زيادة فيها وإن رخصت، ~~فنص أحمد على أنه لا يلزمه الإخبار بذلك؛ لأنه صادق بدون الإخبار به. # ويحتمل أن يلزمه الإخبار بالحال؛ فإن المشتري لو علم ذلك، لم يرضها بذلك ~~الثمن، فكتمانه تغرير به. فإن أخبر بدون ثمنها، ولم يتبين الحال، لم يجز؛ ~~لأنه يجمع بين الكذب والتغرير. فصل: فأما إن تغيرت السلعة فذلك على ضربين: ~~أحدهما، أن تتغير بزيادة، وهي نوعان؛ أحدهما، أن تزيد لنمائها، كالسمن، ~~وتعلم صنعة، أو يحصل منها نماء منفصل، كالولد والثمرة، والكسب، فهذا إذا ~~أراد أن يبيعها مرابحة، أخبر بالثمن من غير زيادة؛ لأنه القدر الذي اشتراها ~~به. # وإن أخذ النماء المنفصل، أو استخدم الأمة، أو وطئ الثيب، أخبر برأس ~~المال، ولم يلزمه تبيين الحال. وروى ابن المنذر عن أحمد أنه يلزمه تبيين ~~ذلك كله وهو قول إسحاق وقال أصحاب الرأي في الغلة يأخذها: لا بأس أن يبيع ~~مرابحة، وفي الولد والثمرة لا يبيع مرابحة حتى يبين، ولأنه من موجب العقد. # ولنا أنه صادق فيما أخبر به من غير تغرير بالمشتري، فجاز، كما لو لم يزد ~~ولأن الولد والثمرة نماء منفصل، فلم يمنع من بيع المرابحة بدون ذكره، ~~كالغلة. وقد بينا من قبل أنه ليس من موجبات العقد. النوع الثاني، أن يعمل ~~فيها عملا، مثل أن يقصرها، أو يرفوها، أو يجملها أو يخيطها، فهذه متى أراد ~~أن يبيعها مرابحة أخبر بالحال على وجهه، سواء عمل ذلك بنفسه أو استأجر من ~~عمله. هذا ظاهر كلام أحمد؛ فإنه قال: يبين ما اشتراه وما لزمه، ولا يجوز أن ~~يقول: تحصلت علي بكذا. وبه قال الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب وطاوس، ~~والنخعي، والأوزاعي، وأبو ثور. # ويحتمل أن يجوز فيما استأجر عليه أن يضم الأجرة إلى الثمن، ويقول: تحصلت ~~علي بكذا. لأنه صادق. وبه قال الشعبي، والحكم، والشافعي. # PageV04P137 # ولنا أنه تغرير بالمشتري، فإنه عسى أن لو علم أن ms1947 بعض ما تحصلت به لأجل ~~الصناعة، لا يرغب فيه؛ لعدم رغبته في ذلك، فأشبه ما ينقص الحيوان في مؤنته، ~~وكسوته، وعلى المبتاع في خزنه. الضرب الثاني، أن يتغير بنقص، كنقصه بمرض، ~~أو جناية عليه، أو تلف بعضه، أو بولادة، أو عيب، أو يأخذ المشتري بعضه، ~~كالصوف واللبن الموجود ونحوه، فإنه يخبر بالحال على وجهه، لا نعلم فيه ~~خلافا. # وإن أخذ أرش العيب، أو الجناية أخبر بذلك على وجهه. ذكره القاضي. وقال ~~أبو الخطاب يحط أرش العيب من الثمن، ويخبر بالباقي، لأن أرش العيب عوض ما ~~فات به، فكان ثمن الموجود هو ما بقي. وفي أرش الجناية وجهان؛ أحدهما، يحطه ~~من الثمن، كأرش العيب. والثاني، لا يحطه كالنماء. # وقال الشافعي: يحطهما من الثمن، ويقول: تقوم علي بكذا؛ لأنه صادق فيما ~~أخبر به، فأشبه ما لو أخبر بالحال على وجهه. ولنا، أن الإخبار بالحال على ~~وجهه أبلغ في الصدق، وأقرب إلى البيان ونفي التغرير بالمشتري والتدليس ~~عليه، فلزمه ذلك، كما لو اشترى شيئين بثمن واحد، وقسط الثمن عليهما. وقياس ~~أرش الجناية عليه على النماء والكسب غير صحيح؛ لأن الأرش عوض نقصه الحاصل ~~بالجناية عليه، فهو بمنزلة ثمن جزء منه باعه، وكقيمة أحد الثوبين إذا تلف ~~أحدهما، والنماء والكسب زيادة لم ينقص بها المبيع ولا هي عوض عن شيء منه، ~~فأما إن جنى المبيع، ففداه المشتري، لم يلحق ذلك بالثمن، ولم يخبر به في ~~المرابحة، بغير خلاف نعلمه، لأن هذا الأرش لم يزد به المبيع قيمة ولا ذاتا، ~~وإنما هو مزيل لنقصه بالجناية والعيب الحاصل بتعلقها برقبته، فأشبه الدواء ~~المزيل لمرضه الحادث عند المشتري. # فأما الأدوية، والمؤنة، والكسوة، وعمله في السلعة بنفسه، أو عمل غيره له ~~بغير أجرة، فإنه لا يخبر بذلك في الثمن، وجها واحدا، وإن أخبر بالحال على ~~وجهه، فحسن. ### | [فصل اشترى شيئين صفقة واحدة ثم أراد بيع أحدهما مرابحة] # فصل وإن اشترى شيئين صفقة واحدة، ثم أراد بيع أحدهما مرابحة، أو اشترى ~~اثنان شيئا، فتقاسماه، وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة، ms1948 بالثمن الذي أداه ~~فيه، فذلك قسمان: أحدهما، أن يكون البيع من المتقومات التي لا ينقسم الثمن ~~عليها بالأجزاء كالثياب والحيوان والشجرة المثمرة، وأشباه هذا، فهذا لا ~~يجوز بيع بعضه مرابحة، حتى يخبر بالحال على وجهه. نص عليه أحمد. فقال: كل ~~بيع اشتراه جماعة، ثم اقتسموه، لا يبيع أحدهم مرابحة، إلا أن يقول: ~~اشتريناه جماعة، ثم اقتسمناه. # وهذا مذهب الثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي يجوز بيعه بحصته ~~من الثمن؛ لأن الثمن ينقسم على المبيع على قدر قيمته؛ بدليل ما لو كان ~~المبيع شقصا وسيفا، أخذ الشفيع الشقص # PageV04P138 # بحصته من الثمن. # ولو اشترى شيئين، فوجد أحدهما معيبا رده بحصته من الثمن. وذكر ابن أبي ~~موسى، فيما اشتراه اثنان فتقاسماه رواية أخرى عن أحمد، أنه يجوز بيعه ~~مرابحة بما اشتراه؛ لأن ذلك ثمنه، فهو صادق فيما أخبر به. ولنا، أن قسمة ~~الثمن على المبيع طريقه الظن والتخمين، واحتمال الخطأ فيه كثير وبيع ~~المرابحة أمانة، فلم يجز هذا فيه، فصار هذا كالخرص الحاصل بالظن، لا يجوز ~~أن يباع به ما يجب التماثل فيه، وإنما أخذ الشفيع بالقيمة للحاجة الداعية ~~إليه، وكونه لا طريق له سوى التقويم، ولأنه لو لم يأخذ بالشفعة لاتخذه ~~الناس طريقا لإسقاطها، فيؤدي إلى تفويتها بالكلية، وهاهنا له طريق، وهو ~~الإخبار بالحال على وجهه، أو بيعه مساومة. # القسم الثاني، أن يكون المبيع من المتماثلات التي ينقسم الثمن عليها ~~بالأجزاء، كالبر والشعير المتساوي، فيجوز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن. ~~وبهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن ثمن الجزء معلوم ~~يقينا، ولذلك جاز بيع قفيز من الصبرة. وإن أسلم في ثوبين بصفة واحدة، ~~فأخذهما على الصفة، وأراد بيع أحدهما مرابحة بحصته من الثمن، فالقياس ~~جوازه؛ لأن الثمن ينقسم عليهما نصفين، لا باعتبار القيمة. وكذلك لو أقاله ~~في أحدهما، أو تعذر تسليمه، كان له نصف الثمن، من غير اعتبار قيمة المأخوذ ~~منهما، فكأنه أخذ كل واحد منهما منفردا. # ولأن الثمن وقع عليهما متساويا لتساوي صفتهما في الذمة، فهما ms1949 كقفيزين من ~~صبرة. وإن حصل في أحدهما زيادة على الصفة، جرت مجرى الحادث بعد البيع. ### | [فصل اشترى شيئا بثمن مؤجل لم يجز بيعه مرابحة] # (3053) فصل: وإن اشترى شيئا بثمن مؤجل، لم يجز بيعه مرابحة، حتى يبين ذلك ~~وإن اشتراه من أبيه، أو ابنه، أو ممن لا تقبل شهادته له، لم يجز بيعه ~~مرابحة، حتى يبين أمره. وبهذا قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد يجوز من غير بيان؛ لأنه أخبر بما اشتراه ~~عقدا صحيحا، فأشبه ما لو اشتراه من أجنبي ولنا، أنه متهم في الشراء منهم؛ ~~لكونه يحابيهم ويسمح لهم، فلم يجز أن يخبر بما اشتراه منهم مطلقا كما لو ~~اشترى من مكاتبه، وفارق الأجنبي؛ فإنه لا يتهم في حقه. وقياسهم يبطل ~~بالشراء من مكاتبه؛ فإنه لا يجوز له بيع ما اشتراه من مكاتبه مرابحة، حتى ~~يبين أمره، ولا نعلم فيه خلافا. # وإن اشتراه من غلام دكانه الحر، فقال القاضي: إذا باعه سلعة ثم اشتراها ~~منه بأكثر من ذلك لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره، ولا نعلم فيه خلافا. ~~ولأنه متهم في حقه فأشبه من لا تقبل شهادته له. # وقال أبو الخطاب إن فعل ذلك حيلة لم يجز. وظاهره الجواز إذا لم يكن حيلة. # PageV04P139 # وهذا أصح؛ لأنه أجنبي، لكن لا يختص هذا بغلام دكانه، بل متى فعل هذا على ~~وجه الحيلة لم يجز، وكان حراما وتدليسا، على ما ذكرنا من قبل. ### | [فصل اشترى ثوبا بعشرة ثم باعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة] # (3054) فصل: فإن اشترى ثوبا بعشرة ثم باعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة ~~استحب أن يخبر بالحال على وجهه، فإن أخبر أنه اشتراه بعشرة ولم يبين، جاز ~~وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد لأنه صادق فيما أخبر به، وليس فيه تهمة، ~~ولا تغرير بالمشتري فأشبه ما لو لم يربح فيه، وروي عن ابن سيرين أنه يطرح ~~الربح من الثمن ويخبر أن رأس ماله عليه خمسة. وأعجب أحمد قول ابن سيرين ~~قال: فإن باعه على ما اشتراه، يبين ms1950 أمره. يعني يخبر أنه ربح فيه مرة ثم ~~اشتراه. وهذا محمول على الاستحباب لما ذكرناه. # وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعه مرابحة إلا أن يبين أمره، أو يخبر أن رأس ~~ماله عليه خمسة. وهذا قول القاضي وأصحابه؛ لأن المرابحة تضم فيها العقود ~~فيخبر بما تقوم عليه، كما تضم أجرة الخياط والقصار. # وقد استفاد بهذا العقد الثاني تقرير الربح في العقد الأول لأنه أمن أن ~~يرده عليه، ولأن الربح أحد نوعي النماء، فوجب أن يخبر به في المرابحة ~~كالولد والثمرة. فعلى هذا ينبغي أنه إذا طرح الربح من الثمن الثاني يقول: ~~تقوم على بخمسة. # ولا يجوز أن يقول: اشتريته بخمسة لأن ذلك كذب، والكذب حرام ويصير كما لو ~~ضم أجرة القصارة والخياطة إلى الثمن وأخبر به. ولنا، ما ذكرناه فيما تقدم ~~وما ذكروه من ضم القصارة والخياطة والولد والثمرة فشيء بنوه على أصلهم لا ~~نسلمه، ثم لا يشبه هذا ما ذكره؛ لأن المؤنة والنماء لزماه في هذا البيع ~~الذي يلي المرابحة وهذا الربح في عقد آخر قبل هذا الشراء فأشبه الخسارة ~~فيه، وأما تقرير الربح، فغير صحيح؛ فإن العقد الأول قد لزم، ولم يظهر ~~العيب، ولم يتعلق به حكمه ثم قد ذكرنا في مثل هذه المسألة أن للمشتري أن ~~يرده على البائع إذا ظهر على عيب قديم وإذا لم يلزمه طرح النماء والغلة، ~~فهاهنا أولى، ويجيء على هذا القول، أنه لو اشتراه بعشرة ثم باعه بعشرين ثم ~~اشتراه بعشرة فإنه يخبر أنها حصلت بغير شيء، وإن اشتراها بعشرة ثم باعها ~~بثلاثة عشر ثم اشتراها بخمسة أخبر أنها تقومت عليه بدرهمين. # وإن اشتراها بخمسة عشر، أخبر أنها تقومت عليه باثني عشر. نص أحمد على ~~نظير هذا. وعلى هذا يطرح الربح من الثمن الثاني كيفما كان، فإن لم يربح، ~~ولكن اشتراها ثانية بخمسة أخبر بها؛ لأنها ثمن العقد الذي يلي المرابحة. ~~ولو خسر فيها، مثل إن اشتراها بخمسة عشر، ثم باعها بعشرة ثم اشتراها بأي ~~ثمن كان، أخبر به ولم يجز أن يضم ms1951 الخسارة إلى الثمن الثاني فيخبر به في ~~المرابحة، بغير خلاف نعلمه. وهذا يدل على صحة ما ذكرناه، والله أعلم # PageV04P140 # (3055) فصل: وكل ما قلنا: إنه يلزمه أن يخبر به في المرابحة ويبينه. فلم ~~يفعل، فإن البيع لا يفسد به، ويثبت للمشتري الخيار بين الأخذ به وبين الرد، ~~إلا في الخبر بزيادة على رأس ماله، على ما قدمناه من القول فيه. وإن اشتراه ~~بثمن مؤجل ولم يبين أمره، فعن أحمد أنه مخير بين أخذه بالثمن الذي وقع عليه ~~العقد حالا وبين الفسخ. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لأن البائع لم يرض ~~بذمة المشتري، وقد تكون ذمته دون ذمة البائع، فلا يلزمه الرضى بذلك وحكى ~~ابن المنذر عن أحمد أنه إن كان المبيع قائما، كان له ذلك إلى الأجل يعني ~~وإن شاء فسخ وإن كان قد استهلك، حبس المشتري الثمن بقدر الأجل. # وهذا قول شريح؛ لأنه كذلك وقع على البائع فيجب أن يكون للمشتري أخذه بذلك ~~على صفته، كما لو أخبر بزيادة على الثمن، وكونه لم يرض بذمة المشتري لا ~~يمنع نفوذ البيع بذلك كما أنه إذا أخبر بزيادة لم يرض ببيعه إلا بما أخبر ~~به، ولم يلتفت إلى رضاه، بل وجب الرجوع إلى ما وقع به البيع الأول. كذا ~~هاهنا (3056) فصل: فإن ابتاعه بدنانير، فأخبر أنه اشتراه بدراهم أو كان ~~بالعكس، أو اشتراه بعرض فأخبر أنه اشتراه بثمن، أو بثمن، فأخبر أنه اشتراه ~~بعرض، وأشباه هذا، فللمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن، وبين الرضى ~~به بالثمن الذي تبايعا به، كسائر المواضع التي ثبت فيها ذلك. # (3057) فصل وإن ابتاع اثنان ثوبا بعشرين، وبذل لهما فيه اثنان وعشرون، ~~فاشترى أحدهما نصيب صاحبه فيه بذلك السعر فإنه يخبر في المرابحة بأحد ~~وعشرين. نص عليه أحمد وهذا قول النخعي وقال الشعبي يبيعه على اثنين وعشرين ~~لأن ذلك الدرهم الذي كان أعطيه قد كان أحرزه. ثم رجع بعد ذلك إلى قول ~~إبراهيم ولا نعلم أحدا خالف ذلك؛ لأنه اشترى نصفه الأول بعشرة، ثم اشترى ~~نصفه الثاني بأحد ms1952 عشر، فصار مجموعهما أحدا وعشرين. ### | [فصل في من يبيع بالرقم] # (3058) فصل: قال أحمد ولا بأس أن يبيع. بالرقم ومعناه أن يقول: بعتك هذا ~~الثوب برقمه وهو الثمن المكتوب عليه إذا كان معلوما لهما حال العقد، وهذا ~~قول عامة الفقهاء، وكرهه طاوس. ولنا أنه بيع بثمن معلوم فأشبه ما لو ذكر ~~مقداره، أو ما لو قال: بعتك هذا بما اشتريته به وقد علما قدره، فإن لم يكن ~~معلوما لهما، أو لأحدهما، لم يصح لأن الثمن مجهول. # قال أحمد والمساومة عندي أسهل من بيع المرابحة، وذلك لأن بيع المرابحة ~~تعتريه أمانة واسترسال من المشتري ويحتاج فيه إلى تبيين الحال على وجهه في ~~المواضع التي ذكرناها، ولا يؤمن هوى النفس في نوع تأويل أو غلط فيكون على ~~خطر وغرر وتجنب ذلك أسلم وأولى. ### | [فصل بيع التولية] # فصل (3059) وبيع التولية هو البيع بمثل ثمنه من غير نقص ولا زيادة وحكمه ~~في الإخبار # PageV04P141 # بثمنه وتبيين ما يلزمه تبيينه حكم المرابحة في ذلك كله، ويصح بلفظ البيع، ~~ولفظ التولية. ### | [مسألة قال في المرابحة رأس مالي فيه مائة وأربح عشرة ثم عاد فقال غلطت رأس مالي فيه مائة وعشرة] # (3060) مسألة؛ قال وإن أخبر بنقصان من رأس ماله، كان على المشتري رده، أو ~~إعطاؤه ما غلط به، وله أن يحلفه أن وقت ما باعها لم يعلم أن شراءها بأكثر. ~~وجملة ذلك أنه إذا قال في المرابحة: رأس مالي فيه مائة، وأربح عشرة. ثم عاد ~~فقال: غلطت، رأس مالي فيه مائة وعشرة لم يقبل قوله في الغلط إلا ببينة تشهد ~~أن رأس ماله عليه ما قاله ثانيا. وذكره ابن المنذر عن أحمد وإسحاق # وروى أبو طالب عن أحمد إذا كان البائع معروفا بالصدق، قبل قوله، وإن لم ~~يكن صدوقا، جاز البيع. قال القاضي: وظاهر كلام الخرقي أن القول قول البائع ~~مع يمينه، لأنه لما دخل معه في المرابحة فقد ائتمنه، والقول قول الأمين مع ~~يمينه، كالوكيل والمضارب. والظاهر أن الخرقي لم يترك ذكر ما يلزم البائع في ~~إثبات دعواه؛ ms1953 لكونه يقبل مجرد دعواه، بل لأنه عطفه على المسألة قبلها، وقد ~~ذكر فيها، فعلم أنه زاد في رأس المال، ولم يتعرض لما يحصل به العلم، لكن قد ~~علمنا أن العلم إنما يحصل ببينة أو إقرار، كذلك علم غلطه هاهنا يحصل ببينة ~~أو إقرار من المشتري، وكون البائع مؤتمنا لا يوجب قبول دعواه في الغلط، ~~كالمضارب والوكيل إذا أقرا بربح ثم قالا: غلطنا أو نسينا. واليمين التي ~~ذكرها الخرقي هاهنا، إنما هي على نفي علمه بغلط نفسه وقت البيع، لا على ~~إثبات غلطه. # وعن أحمد رواية ثالثة أنه لا يقبل قول البائع، وإن أقام به بينة حتى ~~يصدقه المشتري وهو قول الثوري والشافعي لأنه أقر بالثمن وتعلق به حق الغير. ~~فلا يقبل رجوعه ولا بينته؛ لإقراره بكذبها ولنا أنها بينة عادلة، شهدت بما ~~يحتمل الصدق، فتقبل، كسائر البينات. ولا يسلم أنه أقر بخلافها؛ فإن الإقرار ~~يكون لغير المقر وحالة إخباره بثمنها لم يكن عليه حق لغيره، فلم يكن إقرار. ~~فإن لم تكن بينة أو كانت له بينة، وقلنا: لا تقبل بينته، فادعى أن المشتري ~~يعلم غلطه فأنكر المشتري، فالقول قوله، وإن طلب يمينه، فقال القاضي: لا ~~يمين عليه لأنه مدع، واليمين على المدعى عليه. ولأنه قد أقر له فيستغني ~~بالإقرار عن اليمين. والصحيح أن عليه اليمين أنه لا يعلم ذلك لأنه ادعى ~~عليه ما يلزمه به رد السلعة أو زيادة في ثمنها فلزمته اليمين، كموضع ~~الوفاق. وليس هو هاهنا مدعيا، إنما هو مدعى عليه العلم بمقدار الثمن الأول، ~~ثم قال الخرقي له أن يحلفه أن وقت ما باعها لم يعلم أن شراءها أكثر. وهذا ~~صحيح، فإنه لو باعها بهذا الثمن عالما بأن ثمنها عليه أكثر، لزمه البيع بما ~~عقد عليه؛ لأنه تعاطى شيئا عالما بالحال، فلزمه، كمشتري المعيب عالما ~~بعيبه، وإذا كان البيع يلزمه بالعلم فادعى عليه، لزمته اليمين. فإن نكل قضي ~~عليه. # وإن حلف خير المشتري بين قبوله بالثمن والزيادة التي غلط بها وحطها من # PageV04P142 # الربح، وبين فسخ العقد ويحتمل ms1954 أنه إذا باعه بمائة وربح عشرة، ثم إنه غلط ~~بعشرة، لا يلزمه حط العشرة من الربح لأن البائع رضي بربح عشرة في هذا ~~المبيع، فلا يكون له أكثر منها. وكذلك إن تبين له أنه زاد في رأس ماله، لا ~~ينقص الربح من عشرة لأن البائع لم يبعه إلا بربح عشرة، فأما إن قال: وأربح ~~في كل عشرة درهما. أو قال: ده يازده. لزمه حط العشرة من الربح في الغلط ~~والزيادة على الثمن في الصورتين. وإنما أثبتنا له الخيار لأنه دخل على أن ~~الثمن مائة وعشرة، فإذا بان أكثر كان عليه ضرر في التزامه فلم يلزمه، ~~كالمعيب. # وإن اختار أخذها بمائة وأحد وعشرين، لم يكن للبائع خيار؛ لأنه قد زاده ~~خيرا، فلم يكن له خيار كبائع المعيب إذا رضيه المشتري. وإن اختار البائع ~~إسقاط الزيادة عن المشتري، فلا خيار له أيضا؛ لأنه قد بذلها بالثمن الذي ~~وقع عليه العقد، وتراضيا به. ### | [فصل بيع المواضعة] # (3061) فصل: ويجوز بيع المواضعة وهو أن يخبر برأس ماله ثم يقول: بعتك هذا ~~به وأضع عنك كذا فإن قال: بوضيعة درهم من كل عشرة كره لما ذكرنا في ~~المرابحة وصح ويطرح من كل عشرة درهما. فإن كان الثمن مائة لزمه تسعون، ~~ويكون الحط عشرة. # وقال قوم: يكون الحط من كل أحد عشر درهما، فيكون ذلك تسعة دراهم وجزءا من ~~أحد عشر جزءا من درهم، وتبقى تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من درهم. ~~وهذا غلط؛ لأن هذا يكون حطا من كل أحد عشر، وهو غير ما قاله. فأما إن قال ~~بوضيعة درهم لكل عشرة، كان الوضيعة من كل أحد عشر درهما، ويكون الباقي ~~تسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من درهم. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، ~~وحكي عن أبي ثور أنه قال: الحط هاهنا عشرة مثل الأولى. وليس بصحيح؛ فإنه ~~إذا قال: لكل عشرة درهما يكون الدرهم من غيرها. فكأنه قال: من كل أحد عشر ~~درهما درهما، وإذا قال: من كل عشرة درهما. كان الدرهم ms1955 من العشرة؛ لأن من ~~للتبعيض، فكأنه قال: آخذ من العشرة تسعة، وأحط منها درهما. ### | [فصل اشترى رجل نصف سلعة بعشرة واشترى آخر نصفها بعشرين ثم باعاها مساومة بثمن واحد] # (3062) فصل إذا اشترى رجل نصف سلعة بعشرة، واشترى آخر نصفها بعشرين، ثم ~~باعاها مساومة بثمن واحد فهو بينهما نصفان لا نعلم فيه خلافا؛ لأن الثمن ~~عوض عنها، فيكون بينهما على حسب ملكيهما فيها. وإن باعاها مرابحة أو مواضعة ~~أو تولية، فكذلك، نص عليه أحمد وهو قول ابن سيرين والحكم. # قال الأثرم قال أبو عبد الله رحمه الله: إذا باعها، فالثمن بينهما نصفان ~~قلت: أعطى أحدهما أكثر مما أعطى الآخر؟ فقال: وإن ألبس الثوب بينهما الساعة ~~سواء فالثمن بينهما لأن كل واحد منهما يملك مثل الذي يملك صاحبه. وحكى أبو ~~بكر، عن أحمد. رواية أخرى أن الثمن بينهما على قدر رءوس أموالهما؛ لأن بيع ~~المرابحة يقتضي أن يكون الثمن في مقابلة رأس المال، # PageV04P143 # فيكون مقسوما بينهما على حسب رءوس أموالهما. ولم أجد عن أحمد رواية بما ~~قال أبو بكر. وقيل: هذا وجه خرجه أبو بكر وليس برواية والمذهب الأول لأن ~~الثمن عوض المبيع وملكهما متساو فيه فكان ملكهما كعوضه متساويا. كما لو ~~باعاه مساواة. # (3063) فصل: ومتى باعاه السلعة برقمها، ولا يعلمانه أو جهلا رأس المال في ~~المرابحة، أو المواضعة أو التولية أو جهل ذلك أحدهما أو جهل قدر الربح أو ~~قدر الوضيعة فالبيع باطل؛ لأن العلم بالثمن شرط لصحة البيع، فلا يثبت ~~بدونه. ولو باعه بمائة ذهبا وفضة لم يصح البيع. وبهذا قال الشافعي وقال أبو ~~حنيفة يصح ويكون نصفين لأن الإطلاق يقتضي التسوية، كالإقرار. # ولنا أن قدر كل واحد منهما مجهول، فلم يصح، كما لو قال: بمائة بعضها ذهب ~~وقوله: إنه يقتضي التسوية. لا يصح؛ فإنه لو فسره بغير ذلك، صح وكذلك لو أقر ~~له بمائة ذهبا وفضة فالقول قوله في قدر كل واحد منهما. ### | [مسألة باع شيئا واختلفا في ثمنه] # (3064) مسألة قال وإذا باع شيئا واختلفا في ثمنه، تحالفا، فإن ms1956 شاء ~~المشتري أخذه بعد ذلك بما قال البائع وإلا انفسخ البيع بينهما، والمبتدئ ~~باليمين البائع. والكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة. (3065) الفصل الأول ~~أنه إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فقال البائع: بعتك بعشرين وقال ~~المشتري: بل بعشرة ولأحدهما بينة، حكم بها. وإن لم يكن لهما بينة تحالفا. ~~وبهذا قال شريح وأبو حنيفة والشافعي ومالك في رواية. وعنه القول قول ~~المشتري مع يمينه. وبه قال أبو ثور وزفر لأن البائع يدعي عشرة زائدة، ~~ينكرها المشتري، والقول قول المنكر. # وقال الشعبي القول قول البائع، أو يترادان البيع. وحكاه ابن المنذر عن ~~إمامنا، - رحمه الله -، وروى ابن مسعود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال «إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع أو ~~يترادان البيع» رواه سعيد وابن ماجه وغيرهما، والمشهور في المذهب الأول. # ويحتمل أن يكون معنى القولين واحدا، وأن القول قول البائع مع يمينه فإذا ~~حلف فرضي المشتري بذلك أخذ به وإن أبى حلف أيضا وفسخ البيع بينهما، لأن في ~~بعض ألفاظ حديث ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إذا اختلف ~~المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما، تحالفا ولأن كل واحد منهما مدع ~~ومدعى عليه، فإن البائع يدعي عقدا بعشرين، ينكره المشتري والمشتري يدعي ~~عقدا بعشرة ينكره البائع، والعقد بعشرة غير العقد بعشرين فشرعت اليمين في ~~حقهما، وهذا الجواب عما ذكروه. (3066) # الفصل الثاني أن المبتدئ باليمين البائع، فيحلف ما بعته بعشرة، وإنما ~~بعته بعشرين. فإن شاء # PageV04P144 # المشتري أخذه بما قال البائع، وإلا يحلف ما اشتريته بعشرين وإنما اشتريته ~~بعشرة. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يبتدئ بيمين المشتري لأنه منكر ~~واليمين في جنبته أقوى ولأنه يقضى بنكوله وينفصل الحكم، وما كان أقرب إلى ~~فصل الخصومة كان أولى ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «فالقول ما ~~قال البائع» وفي لفظ «فالقول ما قال البائع والمشتري بالخيار» رواه الإمام ~~أحمد ومعناه: إن شاء أخذ، وإن شاء حلف ولأن البائع أقوى جنبة لأنهما إذا ms1957 ~~تحالفا عاد المبيع إليه، فكان أقوى، كصاحب اليد، وقد بينا أن كل واحد منهما ~~منكر، فيتساويان من هذا الوجه. والبائع إذا نكل فهو بمنزلة نكول المشتري، ~~يحلف الآخر، ويقضى له، فهما سواء. (3067) # الفصل الثالث أنه إذا حلف البائع فنكل المشتري عن اليمين، قضي عليه. وإن ~~نكل البائع، حلف المشتري، وقضي له. وإن حلفا جميعا، لم ينفسخ البيع بنفس ~~التحالف لأنه عقد صحيح، فتنازعهما، وتعارضهما لا يفسخه كما لو أقام كل واحد ~~منهما بينة بما ادعاه، لكن إن رضي أحدهما بما قال صاحبه أقر العقد بينهما، ~~وإن لم يرضيا، فلكل واحد منهما الفسخ. هذا ظاهر كلام أحمد، ويحتمل أن يقف ~~الفسخ على الحاكم. وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن العقد صحيح وأحدهما ظالم، ~~وإنما يفسخه الحاكم لتعذر إمضائه في الحكم، فأشبه نكاح المرأة إذا زوجها ~~الوليان، وجهل السابق منهما. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «أو يترادان البيع» وظاهره ~~استقلالهما بذلك، وفي القصة، أن ابن مسعود - رضي الله عنه - باع الأشعث بن ~~قيس رقيقا من رقيق الإمارة، فقال عبد الله بعتك بعشرين ألفا. قال الأشعث ~~اشتريت منك بعشرة آلاف فقال عبد الله سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول «إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة، والمبيع قائم بعينه، فالقول ~~قول البائع أو يترادان البيع» قال: فإني أرد البيع رواه سعيد عن هشيم عن ~~ابن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابن مسعود، وروى أيضا حديثا عن ~~عبد الملك بن عبيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا اختلف ~~المتبايعان استحلف البائع ثم كان المشتري بالخيار، إن شاء أخذ، وإن شاء ~~ترك» وهذا ظاهر في أنه يفسخ من غير حاكم لأنه جعل الخيار إليه، فأشبه من له ~~خيار الشرط أو الرد بالعيب ولأنه فسخ لاستدراك # PageV04P145 # الظلامة، فأشبه الرد بالعيب ولا يشبه النكاح؛ لأن لكل واحد من الزوجين ~~الاستقلال بالطلاق وإذا فسخ العقد، فقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أن الفسخ ~~ينفذ ظاهرا وباطنا؛ لأنه فسخ لاستدراك الظلامة، فهو ms1958 كالرد بالعيب أو فسخ ~~عقد بالتحالف فوقع في الظاهر والباطن، كالفسخ باللعان، وقال أبو الخطاب إن ~~كان البائع ظالما لم ينفسخ العقد في الباطن لأنه كان يمكنه إمضاء العقد، ~~واستيفاء حقه، فلا ينفسخ العقد في الباطن ولا يباح له التصرف في المبيع؛ ~~لأنه غاصب، فإن كان المشتري ظالما، انفسخ البيع ظاهرا وباطنا؛ لعجز البائع ~~عن استيفاء حقه، فكان له الفسخ، كما لو أفلس المشتري. # ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين ولهم وجه ثالث أنه لا ينفسخ في الباطن بحال. ~~وهذا فاسد؛ لأنه لو علم أنه لم ينفسخ في الباطن بحال، لما أمكن فسخه في ~~الظاهر فإنه لا يباح لكل واحد منهما التصرف فيما رجع إليه بالفسخ ومتى علم ~~أن ذلك محرم منع منه. ولأن الشارع جعل للمظلوم منهما الفسخ ظاهرا وباطنا، ~~فانفسخ بفسخه في الباطن، كالرد بالعيب ويقوى عندي أنه إن فسخه الصادق ~~منهما، انفسخ ظاهرا وباطنا؛ لذلك. # وإن فسخه الكاذب عالما بكذبه، لم ينفسخ بالنسبة إليه؛ لأنه لا يحل له ~~الفسخ، فلم يثبت حكمه بالنسبة إليه ويثبت بالنسبة إلى صاحبه فيباح له ~~التصرف فيما رجع إليه؛ لأنه رجع إليه بحكم الشرع من غير عدوان منه، فأشبه ~~ما لو رد عليه المبيع بدعوى العيب، ولا عيب فيه. ### | [مسألة اختلفا في صفة السلعة] # (3068) مسألة؛ قال فإن كانت السلعة تالفة تحالفا ورجعا إلى قيمة مثلها ~~إلا أن يشاء المشتري أن يعطي الثمن على ما قال البائع. فإن اختلفا في الصفة ~~فالقول قول المشتري، مع يمينه في الصفة وجملته؛ أنهما إذا اختلفا في ثمن ~~السلعة بعد تلفها فعن أحمد فيها روايتان إحداهما يتحالفان، مثل ما لو كانت ~~قائمة. وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك والأخرى، القول قول ~~المشتري مع يمينه. اختارها أبو بكر وهذا قول النخعي والثوري والأوزاعي وأبي ~~حنيفة لقوله - عليه السلام - في الحديث «والسلعة قائمة» فمفهومه أنه لا ~~يشرع التحالف عند تلفها ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري، ~~واستحقاق عشرة في ثمنها، واختلفا في عشرة زائدة البائع يدعيها والمشتري ~~ينكرها، والقول ms1959 قول المنكر. # وتركنا هذا القياس حال قيام السلعة للحديث الوارد فيه، ففيما عداه يبقى ~~على القياس. ووجه الرواية الأولى عموم قوله: «إذا اختلف المتبايعان فالقول ~~قول البائع والمشتري بالخيار» وقال أحمد ولم يقل فيه: والمبيع قائم إلا ~~يزيد بن هارون قال أبو عبد الله وقد أخطأ رواة الحلف عن المسعودي لم يقولوا ~~هذه الكلمة، ولكنها في حديث معن ولأن كل واحد منهما مدع ومنكر فيشرع ~~اليمين، كحال قيام السلعة، وما ذكروه من المعنى يبطل بحال قيام السلعة، فإن ~~ذلك لا يختلف بقيام السلعة وتلفها وقولهم: تركناه للحديث قلنا: ليس في ~~الحديث تحالفا، # PageV04P146 # وليس ذلك بثابت في شيء من الأخبار. # قال ابن المنذر وليس في هذا الباب حديث يعتمد عليه. وعلى أنه إذا خولف ~~الأصل لمعنى، وجب تعدية الحكم بتعدي ذلك المعنى، فنقيس عليه بل يثبت الحكم ~~بالبينة فإن التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة مع أنه يمكن معرفة ثمنها ~~للمعرفة بقيمتها، فإن الظاهر أن الثمن يكون بالقيمة، فمع تعذر ذلك أولى. # فإذا تحالفا، فإن رضي أحدهما بما قال الآخر، لم يفسخ العقد؛ لعدم الحاجة ~~إلى فسخه، وإن لم يرضيا، فلكل واحد منهما فسخه، كما له ذلك في حال بقاء ~~السلعة، ويرد الثمن الذي قبضه البائع إلى المشتري، ويدفع المشتري قيمة ~~السلعة إلى البائع، فإن كان من جنس واحد، وتساويا بعد التقابض، تقاصا. # وينبغي أن لا يشرع التحالف ولا الفسخ، فيما إذا كانت قيمة السلعة مساوية ~~للثمن الذي ادعاه المشتري، ويكون القول قول المشتري مع يمينه لأنه لا فائدة ~~في يمين البائع ولا فسخ البيع؛ لأن الحاصل بذلك الرجوع إلى ما ادعاه ~~المشتري وإن كانت القيمة أقل، فلا فائدة للبائع في الفسخ، فيحتمل أن لا ~~يشرع له اليمين ولا الفسخ؛ لأن ذلك ضرر عليه من غير فائدة، ويحتمل أن يشرع ~~لتحصيل الفائدة للمشتري. ومتى اختلفا في قيمة السلعة، رجعا إلى قيمة مثلها، ~~موصوفا بصفاتها، فإن اختلفا في الصفة، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه ~~غارم، والقول قول الغارم. ### | [فصل تقايلا المبيع ms1960 أو رد بعيب بعد قبض البائع الثمن ثم اختلفا في قدره] # (3069) فصل: وإن تقايلا المبيع، أو رد بعيب بعد قبض البائع الثمن، ثم ~~اختلفا في قدره، فالقول قول البائع؛ لأنه منكر لما يدعيه المشتري بعد ~~انفساخ العقد، فأشبه ما لو اختلفا في القبض. ### | [فصل قال بعتك هذا العبد بألف فقال بل هو والعبد الآخر بألف] # (3070) فصل: وإن قال: بعتك هذا العبد بألف. فقال: بل هو والعبد الآخر ~~بألف. فالقول قول البائع مع يمينه، وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي: ~~يتحالفان؛ لأنهما اختلفا في أصل عوضي العقد، فيتحالفان، كما لو اختلفا في ~~الثمن. ولنا، أن البائع ينكر بيع العبد الزائد، فكان القول قوله بيمينه، ~~كما لو ادعى شراءه منفردا. ### | [فصل اختلفا في عين المبيع] # (3071) فصل وإن اختلفا في عين المبيع، فقال: بعتك هذا العبد. قال: بل ~~بعتني هذه الجارية. فالقول قول كل واحد منهما فيما ينكره، مع يمينه؛ لأن كل ~~واحد منهما يدعي عقدا على عين ينكرها المدعى عليه، والقول قول المنكر. فإن ~~حلف البائع: ما بعتك هذه الجارية. أقرت في يده، إن كانت في يده، وردت عليه ~~إن كان مدعيها قد قبضها. وأما العبد، فإن كان في يد البائع، أقر في يده، ~~ولم يكن للمشتري طلبه؛ لأنه لا يدعيه، وعلى البائع رد الثمن إليه؛ لأنه لم ~~يصل إليه المعقود عليه. وإن كان في يد المشتري، فعليه رده إلى البائع؛ لأنه ~~لم يعترف أنه لم يشتره، وليس للبائع طلبه إذا بذل له ثمنه، لاعترافه ببيعه، ~~وإن لم يعطه ثمنه، فله فسخ البيع واسترجاعه؛ لأنه تعذر عليه الوصول # PageV04P147 # إلى ثمنه، فملك الفسخ، كما لو أفلس المشتري. # وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه، ثبت العقدان؛ لأنهما لا يتنافيان، ~~فأشبه ما لو ادعى أحدهما البيع فيهما جميعا وأنكره الآخر وإن أقام أحدهما ~~بينة بدعواه دون الآخر ثبت ما قامت عليه البينة دون ما لم تقم عليه. ### | [فصل اختلفا المتبايعان في صفة الثمن] # (3072) فصل وإن اختلفا في صفة الثمن رجع إلى نقد البلد، نص ms1961 عليه في رواية ~~الأثرم؛ لأن الظاهر أنهما لا يعقدان إلا به. وإن كان في البلد نقود، رجع ~~إلى أوسطها. نص عليه في رواية جماعة فيحتمل أنه أراد إذا كان هو الأغلب، ~~والمعاملة به أكثر؛ لأن الظاهر وقوع المعاملة به، فهو كما لو كان في البلد ~~نقد واحد. ويحتمل أنه ردهما إليه مع التسوي؛ لأن فيه توسطا بينهما، وتسوية ~~بين حقيهما، وفي العدول إلى غيره ميل على أحدهما، فكان التوسط أولى، وعلى ~~مدعي ذلك اليمين؛ لأن ما قاله خصمه محتمل، فتجب اليمين لنفي ذلك الاحتمال، ~~كوجوبها على المنكر. # وإذا لم يكن في البلد إلا نقدان متساويان، فينبغي أن يتحالفا؛ لأنهما ~~اختلفا في الثمن على وجه لم يترجح قول أحدهما، فيتحالفان، كما لو اختلفا في ~~قدره. ### | [فصل اختلفا المتبايعان في أجل أو رهن أو في قدرهما أو في شرط خيار أو ضمين أو غير ذلك] # (3073) فصل: وإن اختلفا في أجل أو رهن، أو في قدرهما، أو في شرط خيار، أو ~~ضمين؛ أو غير ذلك من الشروط الصحيحة، ففيه روايتان؛ إحداهما، يتحالفان. وهو ~~قول الشافعي؛ لأنهما اختلفا في صفة العقد، فوجب أن يتحالفا، قياسا على ~~الاختلاف في الثمن. والثانية، القول قول من ينفي ذلك مع يمينه. وهو قول أبي ~~حنيفة لأن الأصل عدمه، فالقول قول من ينفيه، كأصل العقد، لأنه منكر، والقول ~~قول المنكر. ### | [فصل اختلفا المتبايعان فيما يفسد العقد أو شرط فاسد] # (3074) فصل: وإن اختلفا فيما يفسد العقد، أو شرط فاسد، فقال: بعتك بخمر، ~~أو خيار مجهول. فقال: بل بعتني بنقد معلوم، أو خيار ثلاث. فالقول قول من ~~يدعي الصحة مع يمينه؛ لأن ظهور تعاطي المسلم الصحيح أكثر من تعاطيه للفاسد. ~~وإن قال: بعتك مكرها. فأنكره، فالقول قول المشتري؛ لأن الأصل عدم الإكراه، ~~وصحة البيع. وإن قال: بعتك وأنا صبي. فالقول قول المشتري. نص عليه، وهو قول ~~الثوري وإسحاق لأنهما اتفقا على العقد، واختلفا فيما يفسده، فكان القول قول ~~من يدعي الصحة، كالتي قبلها. # ويحتمل أن يقبل قول من يدعي الصغر؛ لأنه ms1962 الأصل. وهو قول بعض أصحاب ~~الشافعي. ويفارق ما إذا اختلفا في شرط فاسد أو إكراه لوجهين؛ أحدهما أن ~~الأصل عدمه. وها هنا الأصل بقاؤه. والثاني أن الظاهر من المكلف أنه لا ~~يتعاطى إلا الصحيح. وها هنا ما ثبت أنه كان مكلفا. # PageV04P148 # وإن قال: بعتك وأنا مجنون. فإن لم يعلم له حال جنون، فالقول قول المشتري؛ ~~لأن الأصل عدمه. وإن ثبت أنه كان مجنونا، فهو كالصبي. ولو قال العبد: بعتك، ~~وأنا غير مأذون لي في التجارة. فالقول قول المشتري. نص عليه، في رواية ~~مهنا؛ لأنه مكلف، والظاهر أنه لا يعقد إلا عقدا صحيحا. ### | [فصل مات المتبايعان] # (3075) فصل: وإن مات المتبايعان، فورثتهما بمنزلتهما في جميع ما ذكرناه؛ ~~لأنهم يقومون مقامهما، في أخذ مالهما، وإرث حقوقهما، فكذلك ما يلزمهما، أو ~~يصير لهما. ### | [فصل اختلفا المتبايعان في التسليم] # (3076) فصل: وإن اختلفا في التسليم، فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى ~~أقبض الثمن. وقال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع. والثمن في ~~الذمة، أجبر البائع على تسليم المبيع، ثم أجبر المشتري على تسليم الثمن. ~~فإن كان عينا، أو عرضا بعرض، جعل بينهما عدل، فيقبض منهما، ثم يسلم إليهما. ~~وهذا قول الثوري وأحد قولي الشافعي. # وعن أحمد ما يدل على أن البائع يجبر على تسليم المبيع على الإطلاق. وهو ~~قول ثان للشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يجبر المشتري على تسليم الثمن لأن ~~للبائع حبس المبيع على تسليم الثمن، ومن استحق ذلك لم يكن عليه التسليم قبل ~~الاستيفاء، كالمرتهن. ولنا، أن تسليم المبيع يتعلق به استقرار البيع ~~وتمامه، فكان تقديمه أولى، سيما مع تعلق الحكم بعينه، وتعلق حق البائع ~~بالذمة، وتقديم ما تعلق بالعين أولى؛ لتأكده، ولذلك يقدم الدين الذي به ~~الرهن في ثمنه على ما تعلق بالذمة، ويخالف الرهن؛ فإنه لا تتعلق به مصلحة ~~عقد الرهن، والتسليم هاهنا يتعلق به مصلحة عقد البيع. # وأما إذا كان الثمن عينا، فقد تعلق الحق بعينه أيضا، كالمبيع، فاستويا، ~~وقد وجب لكل واحد منهما على صاحبه حق، قد استحق قبضه، ms1963 فأجبر كل واحد منهما ~~على إيفاء صاحبه حقه. ووجه الرواية الأخرى؛ أن الذي يتعلق به استقرار البيع ~~وتمامه هو المبيع، فوجب تقديمه. ولأن الثمن لا يتعين بالتعيين، فأشبه غير ~~المعين. # إذا ثبت هذا، وأوجبنا التسليم على البائع، فسلمه، فلا يخلو المشتري من أن ~~يكون موسرا، أو معسرا، فإن كان موسرا والثمن معه، أجبر على تسليمه، وإن كان ~~غائبا قريبا في بيته أو بلده، حجر عليه في المبيع وسائر ماله، حتى يسلم ~~الثمن، خوفا من أن يتصرف في ماله تصرفا يضر بالبائع، وإن كان غائبا عن ~~البلد في مسافة القصر، فالبائع مخير بين أن يصبر إلى أن يوجد، وبين فسخ ~~العقد؛ لأنه قد تعذر عليه الثمن، فهو كالمفلس، وإن كان دون مسافة القصر، ~~فله الخيار في أحد الوجهين؛ لأن فيه ضررا عليه. والثاني، لا خيار له؛ لأن ~~ما دون مسافة القصر بمنزلة الحاضر. # وإن كان المشتري معسرا، فللبائع الفسخ في الحال، والرجوع في المبيع. وهذا ~~كله مذهب الشافعي ويقوى عندي أنه لا يجب عليه تسليم المبيع، حتى # PageV04P149 # يحضر الثمن، ويتمكن المشتري من تسليمه؛ لأن البائع إنما رضي ببذل المبيع ~~بالثمن، فلا يلزمه دفعه قبل حصول عوضه، ولأن المتعاقدين سواء في المعاوضة، ~~فيستويان في التسليم، وإنما يؤثر ما ذكر من الترجيح في تقديم التسليم مع ~~حضور العوض الآخر؛ لعدم الضرر فيه، وأما مع الخطر المحوج إلى الحجر، أو ~~المحجوز للفسخ، فلا ينبغي أن يثبت. ولأن شرع الحجر لا يندفع به الضرر. ~~ولأنه يقف على الحاكم، ويتعذر ذلك في الغالب. # ولأن ما أثبت الحجر والفسخ بعد التسليم، فهو أولى أن يمنع التسليم؛ لأن ~~المنع أسهل من الرفع، والمنع قبل التسليم أسهل من المنع بعده، ولذلك ملكت ~~المرأة منع نفسها قبل قبض صداقها، قبل تسليم نفسها، ولم تملكه بعد التسليم. ~~ولأن للبائع منع المبيع قبل قبض ثمنه، أو كونه بمنزلة المقبوض؛ لإمكان ~~تقبيضه، وإلا فلا، وكل موضع قلنا: له الفسخ. فله ذلك بغير حكم حاكم؛ لأنه ~~فسخ للبيع للإعسار بثمنه، فملكه البائع، كالفسخ في ms1964 عين ماله إذا أفلس ~~المشتري. وكل موضع قلنا: يحجر عليه. فذلك إلى الحاكم؛ لأن ولاية الحجر ~~إليه. ### | [فصل هرب المشتري قبل وزن الثمن وهو معسر] # (3077) فصل: فإن هرب المشتري قبل وزن الثمن، وهو معسر، فللبائع الفسخ في ~~الحال؛ لأنه إذا ملك الفسخ مع حضوره، فمع هربه أولى. وإن كان موسرا أثبت ~~البائع ذلك عند الحاكم، ثم إن وجد الحاكم له مالا قضاه، وإلا باع المبيع، ~~وقضى ثمنه منه، وما فضل فهو للمشتري، وإن أعوز ففي ذمته. ويقوى عندي أن ~~للبائع الفسخ بكل حال؛ لأننا أبحنا له الفسخ مع حضوره، إذا كان الثمن بعيدا ~~عن البلد، لما عليه من ضرر التأخير، فهاهنا مع العجز عن الاستيفاء بكل حال ~~أولى. # ولا يندفع الضرر برفع الأمر إلى الحاكم؛ لعجز البائع عن إثباته عند ~~الحاكم، وقد يكون البيع في مكان لا حاكم فيه، والغالب أنه لا يحضره من يقبل ~~الحاكم شهادته، فإحالته على هذا تضييع لماله. وهذه الفروع تقوي ما ذكرته، ~~من أن للبائع منع المشتري من قبض المبيع قبل إحضار ثمنه؛ لما في ذلك من ~~الضرر. ### | [فصل الامتناع من تسليم المبيع بعد قبض الثمن لأجل الاستبراء] # (3078) فصل: وليس للبائع الامتناع من تسليم المبيع بعد قبض الثمن لأجل ~~الاستبراء. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك في القبيحة. وقال في ~~الجميلة: يضعها على يدي عدل حتى تستبرأ؛ لأن التهمة تلحقه فيها، فمنع منها. # ولنا، أنه بيع عين لا خيار فيها، قد قبض ثمنها، فوجب تسليمها، كسائر ~~المبيعات، وما ذكروه من التهمة لا يمكنه من التسلط على منعه من قبض ~~مملوكته، كالقبيحة. ولأنه إذا كان استبرأها قبل بيعها، فاحتمال وجود الحمل ~~فيها بعيد نادر، وإن كان لم يستبرئها، فهو ترك التحفظ لنفسه. ولو طالب ~~المشتري البائع بكفيل، لئلا تظهر حاملا، لم يكن له ذلك؛ لأنه ترك التحفظ ~~لنفسه حال العقد، فلم يكن له كفيل، كما لو طلب كفيلا بالثمن المؤجل. # PageV04P150 ### | [مسألة بيع العبد الآبق] # (3079) مسألة؛ قال: ولا يجوز بيع الآبق. وجملته؛ أن بيع العبد ms1965 الآبق لا ~~يصح، سواء علم مكانه، أو جهله. وكذلك ما في معناه من الجمل الشارد، والفرس ~~العائر، وشبههما. وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب ~~الرأي. وروي عن ابن عمر أنه اشترى من بعض ولده بعيرا شاردا. وعن ابن سيرين ~~لا بأس ببيع الآبق، إذا كان علمهما فيه واحدا. وعن شريح مثله. # ولنا، ما روى أبو هريرة، قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~بيع الحصاة وعن بيع الغرر.» رواه مسلم. وهذا بيع غرر. ولأنه غير مقدور على ~~تسليمه، فلم يجز بيعه، كالطير في الهواء، فإن حصل في يد إنسان، جاز بيعه؛ ~~لإمكان تسليمه. ### | [مسألة بيع الطير في الهواء والسمك في الماء] # (3080) مسألة؛ قال: ولا الطائر قبل أن يصاد وجملة ذلك؛ أنه إذا باع طائرا ~~في الهواء، لم يصح، مملوكا أو غير مملوك؛ أما المملوك؛ فلأنه غير مقدور ~~عليه، وغير المملوك، لا يجوز لعلتين؛ إحداهما، العجز عن تسليمه، والثانية، ~~أنه غير مملوك له. والأصل في هذا «نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~الغرر.» وقيل في تفسيره: هو بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء. ولا ~~نعلم في هذا خلافا. # ولا فرق بين كون الطائر يألف الرجوع، أو لا يألفه؛ لأنه لا يقدر على ~~تسليمه الآن، وإنما يقدر عليه إذا عاد. فإن قيل: فالغائب في مكان بعيد، لا ~~يقدر على تسليمه في الحال، قلنا: الغائب يقدر على استحضاره، والطير لا يقدر ~~صاحبه على رده، إلا أن يرجع هو بنفسه، ولا يستقل مالكه برده، فيكون عاجزا ~~عن تسليمه، لعجزه عن الواسطة التي يحصل بها تسليمه، بخلاف الغائب. # وإن باعه الطير في البرج، نظرت؛ فإن كان البرج مفتوحا، لم يجز؛ لأن الطير ~~إذا قدر على الطيران لم يمكن تسليمه، فإن كان مغلقا ويمكن أخذه، جاز بيعه. ~~وقال القاضي: إن لم يمكن أخذه إلا بتعب ومشقة، لم يجز بيعه؛ لعدم القدرة ~~على تسليمه. وهذا مذهب الشافعي وهو ملغى بالبعيد الذي لا يمكن إحضاره إلا ~~بتعب ومشقة. وفرقوا بينهما، ms1966 بأن البعيد تعلم الكلفة التي يحتاج إليها في ~~إحضاره بالعادة، وتأخير التسليم مدته معلومة، ولا كذلك في إمساك الطائر. ~~والصحيح، إن شاء الله تعالى، أن تفاوت المدة في إحضار البعيد، واختلاف ~~المشقة أكثر من التفاوت والاختلاف في إمساك طائر من البرج، والعادة تكون في ~~هذا، كالعادة في ذاك، فإذا صح في البعيد مع كثرة التفاوت، وشدة اختلاف ~~المشقة، فهذا أولى. ### | [مسألة بيع السمك في الآجام] # (3081) مسألة؛ قال: ولا السمك في الآجام # PageV04P151 # هذا قول أكثر أهل العلم. روي عن ابن مسعود أنه نهى عنه، قال: إنه غرر. ~~وكره ذلك الحسن والنخعي ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور ولا ~~نعلم لهم مخالفا؛ لما ذكرنا من الحديث. والمعنى لا يجوز بيعه في الماء إلا ~~أن يجتمع ثلاثة شروط؛ أحدها، أن يكون مملوكا. الثاني، أن يكون الماء رقيقا، ~~لا يمنع مشاهدته ومعرفته. الثالث، أن يمكن اصطياده وإمساكه. فإن اجتمعت هذه ~~الشروط، جاز بيعه؛ لأنه مملوك معلوم مقدور على تسليمه؛ فجاز بيعه، كالموضوع ~~في الطست. # وإن اختل شرط مما ذكرنا، لم يجز بيعه؛ لذلك. وإن اختلت الثلاثة، لم يجز ~~بيعه؛ لثلاث علل. وإن اختل اثنان منها، لم يجز بيعه؛ لعلتين. وروي عن عمر ~~بن عبد العزيز وابن أبي ليلى في من له أجمة يحبس السمك فيها، يجوز بيعه؛ ~~لأنه يقدر على تسليمه ظاهرا، أشبه ما يحتاج إلى مؤنة في كيله ووزنه ونقله. ~~ولنا، ما روي عن ابن عمر وابن مسعود أنهما قالا: لا تشتروا السمك في الماء، ~~فإنه غرر. ولأن النبي: - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الغرر» ، وهذا ~~منه. ولأنه لا يقدر على تسليمه إلا بعد اصطياده، أشبه الطير في الهواء، ~~والعبد الآبق؛ لأنه مجهول، فلم يصح بيعه، كاللبن في الضرع، والنوى في ~~التمر، ويفارق ما ذكروه؛ لأن ذلك من مؤنة القبض، وهذا يحتاج إلى مؤنة ليمكن ~~قبضه، فأما إن كانت له بركة فيها سمك له يمكن اصطياده بغير كلفة، والماء ~~رقيق لا يمنع مشاهدته، صح بيعه، وإن لم يمكن إلا ms1967 بمشقة، وكلفة يسيرة، ~~بمنزلة كلفة اصطياده الطائر من البرج، فالقول فيه كالقول في بيع الطائر في ~~البرج، على ما ذكرنا فيه من الخلاف. # وإن كانت كثيرة، وتتطاول المدة فيه، لم يجز بيعه؛ للعجز عن تسليمه، ~~والجهل لوقت إمكان التسليم. ### | [فصل إذا أعد بركة أو مصفاة ليصطاد فيها السمك فحصل فيها سمك] # (3082) فصل: إذا أعد بركة، أو مصفاة؛ ليصطاد فيها السمك، فحصل فيها سمك ~~ملكه؛ لأنه آلة معدة للاصطياد، فأشبه الشبكة. ولو استأجر البركة، أو ~~الشبكة، أو استعارهما للاصطياد، جاز، وما حصل فيهما ملكه. وإن كانت البركة ~~غير معدة للاصطياد، لم يملك ما حصل فيها من السمك؛ لأنها غير معدة له، ~~فأشبهت أرضه إذا دخل فيها صيد، أو حصل فيها سمك. ومتى نصب شبكة، أو شركا، ~~أو فخا، أو أحبولة، ملك ما وقع فيها من الصيد؛ لأنه بمنزلة يده. وكذلك لو ~~نصب المناجل للصيد، وسمى فقتلت صيدا حل له أكله، وكان كذبحه. # ولو وقع في شبكته أو شبهها شيء كان مضمونا عليه، فعلم بذلك، أنه كيده. ~~ولو أعد لمياه الأمطار مصانع، أو بركا، أو أواني؛ ليحصل فيها الماء، ملكه ~~بحصوله فيها؛ لأنها في باب الإعداد، كالشباك للاصطياد. ولو أعد سفينة # PageV04P152 # للاصطياد، كالتي يجعل فيها الضوء ويضرب صواني الصفر؛ ليثب السمك فيها، ~~كان حصوله فيها كحصوله في شبكته؛ لكونها صارت من الآلات المعدة له، ولو لم ~~يعدها لذلك، لم يملك ما وقع فيها. ومن سبق إليه فأخذه ملكه، كالأرض التي لم ~~تعد للاصطياد، مثل أرض الزرع إذا دخلها ماء فيه سمك، ثم نضب عنه، أو دخل ~~فيها ظبي، أو عشش فيها طائر، أو سقط فيها جراد، أو حصل فيها ملح، لم يملكه ~~صاحبها؛ لأنه ليس من نماء الأرض، ولا مما هي معدة له، لكنه يكون أحق به، إذ ~~ليس لغيره التخطي في أرضه، ولا الانتفاع بها، فإن تخطى وأخذه، أخطأ وملكه. # قال أحمد في ورشان على نخلة قوم، صاده إنسان: هو للصائد. وقال في طيرة ~~لقوم أفرخت في دار جيرانهم: إن الفرخ ms1968 يتبع الأم، يرد فراخها على أصحاب ~~الطيرة. واختار ابن عقيل في المأخوذ من أملاك الناس، من صيد وكلأ وشبهه، ~~أنه لا يملكه بأخذه؛ لأنه سبب منهي عنه، فلم يفد الملك، كالبيع المنهي عنه، ~~إذ السبب لا يختلف بين كونه بيعا، أو غيره؛ لقوله - عليه السلام - «من عمل ~~عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد.» والصحيح الأول. # ولا نسلم أن السبب منهي عنه، فإن السبب الأخذ، وليس بمنهي عنه، إنما نهي ~~عن الدخول، وهو غير السبب، بخلاف البيع، ولأن النهي هاهنا لحق آدمي، فلا ~~يمنع الملك، كبيع المصراة، والمعيب، وتلقي الركبان، والنجش، وبيعه على بيع ~~أخيه. ولو أعد أرضه للملح، فجعلها ملاحة؛ ليحصل فيها الماء، فيصير ملحا، ~~كالأرض التي على ساحل البحر، يجعل إليها طريقا للماء، فإذا امتلأت قطعه ~~عنها، أو تكون أرضه سبخة، يفتح إليها الماء من عين، أو يجمع فيها ماء ~~المطر، فيصير ملحا، ملكه بذلك؛ لأنها معدة له، فأشبهت البركة المعدة للصيد. ~~وإن لم يكن أعدها لذلك، لم يملك ما حصل فيها، كما قدمنا في مثلها. # فإن قيل: فقد روي عن أحمد في إنسان رمى طيرا ببندق، فوقع في دار قوم، فهو ~~لهم دونه. وهذا يدل على أنهم ملكوه بحصوله في دارهم. # PageV04P153 # قلنا: هذا محمول على أنه وقع ممتنعا، فصاده أهل الدار، فملكوه باصطيادهم. ~~كذلك قال ابن عقيل ويتعين حمله على هذا؛ لأنهم إذا لم يملكوا ما حصل في ~~دارهم بفعل الله تعالى، فما حصل بفعل آدمي أولى. ولأنه وقع في الدار بعد ~~الضربة المثبتة له، التي يملك بها الصيد فأشبه ما لو أطارت الريح ثوب ~~إنسان، فألقته في دارهم. # ولو كانت آلة الصيد، كالشبكة والشرك، والمناجل، غير منصوبة للصيد، ولا ~~قصد بها الاصطياد، فتعلق بها صيد لم يملكه صاحبها بذلك؛ لأنها غير معدة ~~للصيد في هذه الحال، فأشبهت الأرض التي ليست معدة له. ### | [فصل ما حصل من الصيد في كلب إنسان أو صقره أو فهده وكان استرسل بإرسال صاحبه] # (3083) فصل: وما حصل من الصيد في كلب إنسان أو ms1969 صقره أو فهده، وكان استرسل ~~بإرسال صاحبه، فهو له؛ لأنه آكد من الشبكة؛ لأنه حيوان يحصل بفعله، وقصده، ~~وإرسال صاحبه، فهو كسهمه، ولأن الله تعالى قال: {فكلوا مما أمسكن عليكم} ~~[المائدة: 4] وإن استرسل بنفسه، فحكمه حكم الصيد الحاصل في أرض إنسان، في ~~أنه لا يملكه، وليس لغيره أخذه، فإن أخذه غيره ملكه، كالكلأ. وكذلك ما يحصل ~~في بهيمة إنسان من الحشيش في المرعى. ### | [مسألة الوكيل إذا خالف موكله] # (3084) مسألة؛ قال: والوكيل إذا خالف فهو ضامن، إلا أن يرضى الآمر، ~~فيلزمه. وجملة ذلك، أن الوكيل إذا خالف موكله، فاشترى غير ما أمره بشرائه، ~~أو باع ما لم يؤذن له في بيعه، أو اشترى غير ما عين له، فعليه ضمان ما فوت ~~على المالك، أو تلف؛ لأنه خرج عن حال الأمانة، وصار بمنزلة الغاصب، فأما ~~قوله: إلا أن يرضى الآمر، فيلزمه. يعني إذا اشترى غير ما أمر بشرائه، بثمن ~~في ذمته، فإن الشراء صحيح، ويقف على إجازة الموكل، فإن أجازه لزمه، وعليه ~~الثمن، وإن لم يقبل، لزم الوكيل، ويتعين حمله على هذه الصورة؛ لأنه قد بين ~~في موضع آخر. فقال: إلا أن يكون اشتراه بعين المال، فيبطل الشراء. وذكره في ~~كتاب العتق أيضا، فلذلك تعين حمل هذه المسألة على ما قلنا. # وإنما صح الشراء؛ لأنه متصرف في ذمته، لا في مال غيره، وسواء نقد الثمن ~~من مال الموكل، أم لا؛ لأن الثمن هو الذي في الذمة، والذي نقده عوضه، ولذلك ~~قلنا: إنه إذا اشترى في الذمة، ونقده الثمن بعد ذلك، كان له البدل. وإن خرج ~~مغصوبا، لم يبطل العقد، وإنما وقف على إجازة الآمر؛ لأنه قصد الشراء له، ~~فإن أجازه لزمه، وعليه الثمن، وإن لم يقبله، لزم من اشتراه. # (3085) فصل: وإن اشترى بعين مال الآمر أو باع بغير إذنه، أو اشترى لغير ~~موكله شيئا بعين ماله، أو باع ماله بغير إذنه، ففيه روايتان إحداهما، البيع ~~باطل، ويجب رده. وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وابن المنذر والثانية، البيع ~~والشراء صحيحان، ويقف على إجازة ms1970 المالك، فإن أجازه نفذ، ولزم البيع، وإن # PageV04P154 # لم يجزه، بطل، وهذا مذهب مالك وإسحاق وقول أبي حنيفة في البيع، فأما ~~الشراء، فعنده يقع للمشتري بكل حال. ووجه هذه الرواية، ما روى عروة بن ~~الجعد البارقي - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه ~~دينارا ليشتري به شاة، فاشترى شاتين، ثم باع إحداهما بدينار في الطريق، ~~قال: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدينار والشاة، فأخبرته، فقال: ~~بارك الله في صفقة يمينك.» رواه الأثرم وابن ماجه. ولأنه عقد مجيز حال ~~وقوعه، فيجب أن يقف على إجازته، كالوصية. # ووجه الرواية الأولى، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام: ~~«لا تبع ما ليس عندك.» رواه ابن ماجه، والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. يعني ~~ما لا تملك؛ لأنه ذكره جوابا له حين سأله، أنه يبيع الشيء، ثم يمضي فيشتريه ~~ويسلمه. ولاتفاقنا على صحة بيع ماله الغائب، ولأنه باع ما لا يقدر على ~~تسليمه، فأشبه الطير في الهواء، والوصية يتأخر فيها القبول عن الإيجاب، ولا ~~يعتبر أن يكون لها مجيز حال وقوع العقد، ويجوز فيها من الغرر، ما لا يجوز ~~في البيع، فأما حديث عروة فنحمله على أن وكالته كانت مطلقة؛ بدليل أنه سلم ~~وتسلم، وليس ذلك لغير المالك باتفاقنا. ### | [فصل يبيع عينا لا يملكها ليمضي ويشتريها ويسلمها] # (3086) فصل: ولا يجوز أن يبيع عينا لا يملكها، ليمضي ويشتريها، ويسلمها، ~~رواية واحدة. وهو قول الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا؛ «لأن حكيم بن حزام قال ~~للنبي: - صلى الله عليه وسلم - إن الرجل يأتيني، فيلتمس من البيع ما عندي، ~~فأمضي إلى السوق فأشتريه، ثم أبيعه منه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لا تبع ما ليس عندك» . ### | [فصل باع سلعة وصاحبها حاضر ساكت] # (3087) فصل: ولو باع سلعة، وصاحبها حاضر ساكت، فحكمه حكم ما لو باعها من ~~غير علمه، في قول أكثر أهل العلم، منهم: أبو حنيفة وأبو ثور والشافعي. وقال ~~ابن أبي ليلى سكوته إقرار؛ لأنه دليل على الرضى، فأشبه سكوت البكر في الإذن ms1971 ~~في نكاحها. ولنا أن السكوت محتمل، فلم يكن إذنا، كسكوت الثيب، وفارق سكوت ~~البكر؛ لوجود الحياء المانع من الكلام في حقها، وليس ذلك بموجود هاهنا. ### | [فصل وكل رجلين في بيع سلعته فباع كل واحد منهما السلعة من رجل بثمن مسمى] # (3088) فصل: وإذا وكل رجلين في بيع سلعته، فباع كل واحد منهما السلعة من ~~رجل، بثمن مسمى، فالبيع للأول منهما، روي هذا عن شريح وابن سيرين والشافعي ~~وابن المنذر وحكي عن ربيعة ومالك أنهما قالا: هي للذي بدأ بالقبض. ولنا، ~~أنه قد روي في حديث: «إذا باع المجيزان فهو للأول.» رواه ابن ماجه، ولأن # PageV04P155 # الوكيل الثاني زالت وكالته بانتقال ملك الموكل عن السلعة، فصار بائعا ملك ~~غيره بغير إذنه، فلم يصح، كما لو قبض الأول، أو كما لو زوج أحد الوليين بعد ~~الأول. ### | [مسألة بيع الملامسة والمنابذة] # (3089) مسألة؛ قال: وبيع الملامسة والمنابذة غير جائز. لا نعلم بين أهل ~~العلم خلافا في فساد هذين البيعين، وقد صح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- نهى عن الملامسة والمنابذة.» ، متفق عليه. والملامسة، أن يبيعه شيئا، ولا ~~يشاهده، على أنه متى لمسه وقع البيع. والمنابذة، أن يقول: أي ثوب نبذته إلي ~~فقد اشتريته بكذا. هذا ظاهر كلام أحمد ونحوه قال مالك والأوزاعي وفيما روى ~~البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن المنابذة» وهي طرح ~~الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل، قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن ~~الملامسة، لمس الثوب لا ينظر إليه. وروى مسلم، في صحيحه عن أبي هريرة في ~~تفسيرها قال: هو لمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل. والمنابذة، أن ~~ينبذ كل واحد ثوبه، ولم ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه. وعلى ما فسرناه ~~به لا يصح البيع فيهما؛ لعلتين؛ إحداهما، الجهالة. # والثانية، كونه معلقا على شرط، وهو نبذ الثوب إليه، أو لمسه له. وإن عقد ~~البيع قبل نبذه، فقال: بعتك ما تلمسه من هذه الثياب. أو ما أنبذه إليك. فهو ~~غير معين ولا موصوف، فأشبه ما ms1972 لو قال: بعتك واحدا منها. ### | [فصل بيع الحصاة] # (3090) فصل: ومن البيوع المنهي عنها، بيع الحصاة فإن أبا هريرة روى، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحصاة.» رواه مسلم. واختلف في ~~تفسيره، فقيل: هو أن يقول: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم. ~~وقيل: هو أن يقول: بعتك من هذه الأرض مقدار ما تبلغ هذه الحصاة، إذا ~~رميتها، بكذا. وقيل: هو أن يقول: بعتك هذا بكذا، على أني متى رميت هذه ~~الحصاة، وجب البيع. وكل هذه البيوع فاسدة؛ لما فيها من الغرر والجهل. ولا ~~نعلم فيه خلافا. ### | [فصل بيع المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة] # (3091) فصل: وروى أنس قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~المحاقلة، والمخاضرة والملامسة، والمنابذة.» أخرجه البخاري. والمخاضرة، بيع ~~الزرع الأخضر، والثمرة قبل بدو صلاحها، بغير شرط القطع. والمحاقلة، بيع ~~الزرع بحب من جنسه. قال جابر المحاقلة، أن يبيع الزرع بمائة فرق حنطة. قال ~~الأزهري الحقل، القراح المزروع، والحواقل المزارع. وفسر أبو سعيد المحاقلة، ~~باستكراء الأرض بالحنطة. # PageV04P156 ### | [مسألة بيع الحمل في البطن دون الأم] # (3092) مسألة؛ قال: وكذا بيع الحمل غير أمه، واللبن في الضرع. معناه، بيع ~~الحمل في البطن، دون الأم. ولا خلاف في فساده. قال ابن المنذر وقد أجمعوا ~~على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز، وإنما لم يجز بيع الحمل في البطن؛ ~~لوجهين؛ أحدهما، جهالته، فإنه لا تعلم صفته ولا حياته. # والثاني، أنه غير مقدور على تسليمه، بخلاف الغائب، فإنه يقدر على الشروع ~~في تسليمه. وقد روى سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن بيع المضامين، والملاقيح.» قال أبو عبيد: الملاقيح، ما ~~في البطون، وهي الأجنة. والمضامين، ما في أصلاب الفحول. فكانوا يبيعون ~~الجنين في بطن الناقة، وما يضربه الفحل في عامه، أو في أعوام. وأنشد: # إن المضامين التي في الصلب ... ماء الفحول في الظهور الحدب # وروى ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع المجر» . # قال ابن الأعرابي: ms1973 المجر ما في بطن الناقة. والمجر الربا. والمجر القمار. ~~والمجر المحاقلة والمزابنة. ### | [فصل بيع حبل الحبلة] # (3093) فصل: وقد روى ابن عمر «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى ~~عن بيع حبل الحبلة.» متفق عليه. معناه نتاج النتاج. قاله أبو عبيدة، وعن ~~ابن عمر قال: «كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة. وحبل ~~الحبلة أن تنتج الناقة، ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -» رواه مسلم وكلا البيعين فاسد؛ أما الأول فلأنه بيع معدوم، وإذا لم ~~يجز بيع الحمل، فبيع حمله أولى. وأما الثاني، فلأنه بيع إلى أجل مجهول. ### | [فصل بيع اللبن في الضرع] # (3094) فصل: ولا يجوز بيع اللبن في الضرع. وبه قال الشافعي وإسحاق وأصحاب ~~الرأي. ونهى عنه ابن عباس، وأبو هريرة. وكرهه طاوس ومجاهد وحكي عن مالك أنه ~~يجوز أياما معلومة، إذا عرفا حلابها، لسقي الصبي، كلبن الظئر. وأجازه الحسن ~~وسعيد بن جبير ومحمد بن مسلمة ولنا ما روى ابن عباس «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع» رواه الخلال ~~بإسناده ولأنه مجهول الصفة والمقدار، فأشبه الحمل؛ لأنه بيع عين لم تخلق، ~~فلم يجز، كبيع ما تحمل الناقة، والعادة في ذلك تختلف. وأما لبن الظئر فإنما ~~جاز للحضانة؛ لأنه موضع حاجة. ### | [فصل بيع الصوف على الظهر] # (3095) فصل: واختلفت الرواية في بيع الصوف على الظهر؛ فروي أنه لا يجوز ~~بيعه لما ذكرنا # PageV04P157 # من الحديث ولأنه متصل بالحيوان، فلم يجز إفراده بالعقد، كأعضائه. وروي ~~عنه أنه يجوز بشرط جزه في الحال؛ لأنه معلوم يمكن تسليمه، فجاز بيعه، ~~كالرطبة. وفارق الأعضاء، فإنه لا يمكن تسليمها مع سلامة الحيوان. والخلاف ~~فيه كالخلاف في اللبن في الضرع، فإن اشتراه بشرط القطع، فتركه حتى طال، ~~فحكمه حكم الرطبة إذا اشتراها، فتركها حتى طالت. ### | [فصل بيع ما تجهل صفته] # (3096) فصل: ولا يجوز بيع ما تجهل صفته كالمسك في الفأر، وهو الوعاء الذي ~~يكون فيه. قال الشاعر # إذا التاجر الهندي جاء ms1974 بفأرة ... من المسك راحت في مفارقهم تجري # فإن فتح وشاهد ما فيه، جاز بيعه، وإن لم يشاهده، لم يجز بيعه؛ للجهالة. ~~وقد قال بعض الشافعية: يجوز لأن بقاءه في فأره مصلحة له، فإنه يحفظ رطوبته ~~وذكاء رائحته، فأشبه ما مأكوله في جوفه. # ولنا، أنه يبقى خارج وعائه من غير ضرر وتبقى رائحته، فلم يجز بيعه ~~مستورا، كالدر في الصدف وأما ما مأكوله في جوفه، فإخراجه يفضي إلى تلفه. ~~والتفصيل في بيعه مع وعائه، كالتفصيل في بيع السمن في ظرفه. ومن ذلك البيض ~~في الدجاج، والنوى في التمر، لا يجوز بيعهما؛ للجهل بهما. ولا نعلم في هذا ~~خلافا نذكره. ### | [فصل بيع الأعمى وشراؤه] # (3097) فصل: فأما بيع الأعمى وشراؤه فإن أمكنه معرفة المبيع، بالذوق إن ~~كان مطعوما، أو بالشم إن كان مشموما، صح بيعه وشراؤه. وإن لم يمكن، جاز ~~بيعه، كالبصير، وله خيار الخلف في الصفة. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأثبت ~~أبو حنيفة له الخيار، إلى معرفته بالمبيع، إما بحسه أو ذوقه أو وصفه، وقال ~~عبيد الله بن الحسن شراؤه جائز، وإذا أمر إنسانا بالنظر إليه، لزمه. وقال ~~الشافعي لا يجوز إلا على الوجه الذي يجوز فيه بيع المجهول، أو يكون قد رآه ~~بصيرا، ثم اشتراه قبل مضي زمن يتغير المبيع فيه؛ لأنه مجهول الصفة عند ~~العاقد، فلم يصح كبيع البيض في الدجاج، والنوى في التمر. # PageV04P158 # ولنا، أنه يمكن الاطلاع على المقصود ومعرفته، فأشبه بيع البصير، ولأن ~~إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه، فكذلك شم الأعمى وذوقه، وأما البيض والنوى، ~~فلا يمكن الاطلاع عليه، ولا وصفه، بخلاف مسألتنا. ### | [مسألة بيع عسب الفحل] # (3098) مسألة؛ قال (وبيع عسب الفحل غير جائز) . عسب الفحل ضرابه. وبيعه ~~أخذ عوضه وتسمى الأجرة عسب الفحل مجازا. وإجارة الفحل للضراب حرام، والعقد ~~فاسد. وبه قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك جوازه قال ابن عقيل ويحتمل ~~عندي الجواز؛ لأنه عقد على منافع الفحل ونزوه، وهذه منفعة مقصودة، والماء ~~تابع، والغالب حصوله عقيب نزوه، فيكون كالعقد على الظئر؛ ليحصل اللبن ms1975 في ~~بطن الصبي. # ولنا ما روى ابن عمر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع عسب ~~الفحل» رواه البخاري وعن جابر قال «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن بيع ضراب الجمل» رواه مسلم ولأنه مما لا يقدر على تسليمه، فأشبه إجارة ~~الآبق. ولأن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته. ولأن المقصود هو الماء، وهو ~~مما لا يجوز إفراده بالعقد، وهو مجهول. وإجارة الظئر خولف فيه الأصل # لمصلحة # بقاء الآدمي، فلا يقاس عليه ما ليس مثله. فعلى هذا إذا أعطى أجرة لعسب ~~الفحل، فهو حرام على الآخذ لما ذكرناه. # ولا يحرم على المعطي لأنه بذل ماله لتحصيل مباح يحتاج إليه، ولا تمتنع ~~هذا كما في كسب الحجام، فإنه خبيث، وقد أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الذي حجمه. وكذلك أجرة الكسح والصحابة أباحوا شراء المصاحف، وكرهوا بيعها. ~~وإن أعطى صاحب الفحل هدية، أو أكرمه من غير إجارة، جاز. وبه قال الشافعي؛ ~~لما روى أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إذا كان إكراما فلا ~~بأس» ولأنه سبب مباح، فجاز أخذ الهدية عليه، كالحجامة. # وقال أحمد في رواية ابن القاسم لا يأخذ. فقيل له: ألا يكون مثل الحجام ~~يعطى، وإن كان منهيا عنه؟ فقال: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أعطى في مثل هذا شيئا كما بلغنا في الحجام. ووجهه أن ما منع أخذ الأجرة ~~عليه منع قبول الهدية، كمهر البغي، وحلوان الكاهن. قال القاضي: # PageV04P159 # هذا مقتضى النظر، لكن ترك مقتضاه في الحجام، فيبقى فيما عداه على مقتضى ~~القياس. والذي ذكرناه أرفق بالناس، وأوفق للقياس، وكلام أحمد يحمل على ~~الورع، لا على التحريم. ### | [مسألة النهي عن النجش] # (3099) مسألة؛ قال (والنجش منهي عنه وهو أن يزيد في السلعة، وليس هو ~~مشتريا لها) النجش: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ليقتدي به ~~المستام، فيظن أنه لم يزد فيها هذا القدر إلا وهي تساويه، فيغتر بذلك، فهذا ~~حرام وخداع قال البخاري الناجش آكل ربا خائن، وهو ms1976 خداع باطل لا يحل. وروى ~~ابن عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النجش» وعن أبي هريرة ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم ~~على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد» متفق عليهما ولأن في ذلك ~~تغريرا بالمشتري، وخديعة له، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«الخديعة في النار» فإن اشترى مع النجش، فالشراء صحيح، في قول أكثر أهل ~~العلم، منهم الشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أن البيع باطل. اختاره أبو بكر ~~وهو قول مالك؛ لأن النهي يقتضي الفساد. # ولنا، أن النهي عاد إلى الناجش، لا إلى العاقد، فلم يؤثر في البيع. ولأن ~~النهي لحق الآدمي، فلم يفسد العقد، كتلقي الركبان، وبيع المعيب، والمدلس، ~~وفارق ما كان لحق الله تعالى؛ لأن حق الآدمي يمكن جبره بالخيار، أو زيادة ~~في الثمن، لكن إن كان في البيع غبن لم تجر العادة بمثله فللمشتري الخيار ~~بين الفسخ والإمضاء، كما في تلقي الركبان، وإن كان يتغابن بمثله، فلا خيار ~~له. وسواء كان النجش بمواطأة من البائع، أو لم يكن. وقال أصحاب الشافعي: إن ~~لم يكن ذلك بمواطأة البائع وعلمه، فلا خيار له. واختلفوا فيما إذا كان ~~بمواطأة منه. فقال بعضهم: لا خيار للمشتري؛ لأن التفريط منه، حيث اشترى ما ~~لا يعرف قيمته. # ولنا، أنه تغرير بالعاقد، فإذا كان مغبونا ثبت له الخيار، كما في تلقي ~~الركبان، ويبطل ما ذكره بتلقي الركبان. ### | [فصل قال البائع أعطيت بهذه السلعة كذا وكذا فصدقه المشتري واشتراها بذلك ثم بان كاذبا] # (3100) فصل ولو قال البائع أعطيت بهذه السلعة كذا وكذا. فصدقه المشتري ~~واشتراها بذلك، ثم بان كاذبا فالبيع صحيح، وللمشتري الخيار أيضا؛ لأنه في ~~معنى النجش. ### | [فصل بيع الرجل على بيع أخيه] # (3101) فصل وقوله - عليه السلام - «لا يبع بعضكم على بيع بعض.» معناه أن ~~الرجلين إذا تبايعا، فجاء آخر إلى المشتري في مدة الخيار فقال: أنا أبيعك ~~مثل هذه السلعة بدون هذا الثمن، أو أبيعك خيرا ms1977 منها بثمنها، أو دونه أو عرض ~~عليه سلعة رغب فيها المشتري، ففسخ البيع، واشترى هذه، فهذا غير جائز # PageV04P160 # ؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه، ولما فيه من الإضرار بالمسلم، ~~والإفساد عليه. وكذلك إن اشترى على شراء أخيه، وهو أن يجيء إلى البائع قبل ~~لزوم العقد، فيدفع في المبيع أكثر من الثمن الذي اشتري به، فهو محرم أيضا؛ ~~لأنه في معنى المنهي عنه، ولأن الشراء يسمى بيعا، فيدخل في النهي، ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يخطب على خطبة أخيه. وهو في معنى ~~الخاطب. # فإن خالف وعقد، فالبيع باطل؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد. ويحتمل ~~أنه صحيح؛ لأن المحرم هو عرض سلعته على المشتري، أو قوله الذي فسخ البيع من ~~أجله، وذلك سابق على البيع، ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر، فالبيع ~~المحصل للمصلحة أولى، ولأن النهي لحق آدمي، فأشبه بيع النجش. وهذا مذهب ~~الشافعي. ### | [فصل لا يسم الرجل على سوم أخيه] # (3102) فصل وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال «لا يسم الرجل على سوم أخيه» ولا يخلو من أربعة أقسام: أحدها، أن يوجد ~~من البائع تصريح بالرضا بالبيع، فهذا يحرم السوم على غير ذلك المشتري، وهو ~~الذي تناوله النهي. الثاني، أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا فلا يحرم ~~السوم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - باع في من يزيد فروى أنس: «أن ~~رجلا من الأنصار شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الشدة والجهد، فقال ~~له: أما بقي لك شيء؟ فقال بلى، قدح وحلس، قال: فأتني بهما فأتاه بهما، فقال ~~من يبتاعهما؟ فقال رجل: أخذتهما بدرهم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من يزيد على درهم؟ من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه.» . ~~رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وهذا أيضا إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم ~~بالمزايدة. # الثالث، أن لا يوجد منه ما يدل على الرضا ولا على عدمه، فلا يجوز له ~~السوم أيضا، ولا ms1978 الزيادة؛ استدلالا بحديث «فاطمة بنت قيس، حين ذكرت للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن معاوية وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة وقد ~~نهى عن الخطبة على خطبة أخيه، كما نهى عن السوم على سوم أخيه،» فما أبيح في ~~أحدهما أبيح في الآخر. # PageV04P161 # الرابع، أن يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح، فقال القاضي: لا ~~تحرم المساومة. وذكر أن أحمد نص عليه في الخطبة، استدلالا بحديث فاطمة. # ولأن الأصل إباحة السوم والخطبة، فحرم منع ما وجد فيه التصريح بالرضا، ~~وما عداه يبقى على الأصل. ولو قيل بالتحريم هاهنا، لكان وجها حسنا، فإن ~~النهي عام خرجت منه الصور المخصوصة بأدلتها، فتبقى هذه الصورة على مقتضى ~~العموم. ولأنه وجد منه دليل الرضا، أشبه ما لو صرح به، ولا يضر اختلاف ~~الدليل بعد التساوي في الدلالة، وليس في حديث فاطمة ما يدل على الرضا؛ ~~لأنها جاءت مستشيرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس ذلك دليلا على ~~الرضا، فكيف ترضى وقد نهاها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لا ~~تفوتينا بنفسك.» فلم تكن تفعل شيئا قبل مراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- والحكم في الفساد كالحكم في البيع على بيع أخيه، في الموضع الذي حكمنا ~~بالتحريم فيه. . ### | [فصل بيع التلجئة] # (3103) فصل بيع التلجئة باطل. وبه قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة ~~والشافعي: هو صحيح؛ لأن البيع تم بأركانه وشروطه، خاليا عن مقارنة مفسد، ~~فصح، كما لو اتفقا على شرط فاسد، ثم عقدا البيع بغير شرط. ولنا، أنهما ما ~~قصدا البيع، فلم يصح منهما كالهازلين، ومعنى بيع التلجئة، أن يخاف أن يأخذ ~~السلطان أو غيره ملكه فيواطئ رجلا على أن يظهرا أنه اشتراه منه، ليحتمي ~~بذلك، ولا يريدان بيعا حقيقيا. ### | [مسألة لا يبع حاضر لباد] # (3104) مسألة؛ قال: (فإن باع حاضر لباد، فالبيع باطل) وهو أن يخرج الحضري ~~إلى البادي، وقد جلب السلعة، فيعرفه السعر، ويقول: أنا أبيع لك. فنهى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم ms1979 من بعض» ~~والبادي هاهنا، من يدخل البلدة من غير أهلها، سواء كان بدويا، أو من قرية، ~~أو بلدة أخرى نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - الحاضر أن يبيع له، قال ابن ~~عباس «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر ~~لباد، قال فقلت لابن عباس ما قوله حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارا» متفق ~~عليه، وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يبع حاضر ~~لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» رواه مسلم وابن عمر وأبو هريرة، ~~وأنس والمعنى في ذلك، أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته، اشتراها الناس برخص، ~~ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها، وامتنع من بيعها، إلا بسعر ~~البلد. ضاق على أهل البلد. # وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعليله إلى هذا المعنى. وممن ~~كره بيع الحاضر للبادي طلحة بن عبيد الله، وابن عمر وأبو هريرة وأنس وعمر ~~بن عبد العزيز ومالك والليث والشافعي ونقل أبو إسحاق بن شاقلا في جملة ~~سماعاته، أن الحسن بن علي المصري سأل # PageV04P162 # أحمد عن بيع حاضر لباد، فقال: لا بأس به. فقال له: فالخبر الذي جاء ~~بالنهي. قال: كان ذلك مرة. فظاهر هذا صحة البيع، وأن النهي اختص بأول ~~الإسلام؛ لما كان عليهم من الضيق في ذلك. # وهذا قول مجاهد وأبي حنيفة، وأصحابه. والمذهب الأول لعموم النهي، وما ~~يثبت في حقهم يثبت في حقنا، ما لم يقم على اختصاصهم به دليل. وظاهر كلام ~~الخرقي أنه يحرم بثلاثة شروط؛ أحدها، أن يكون الحاضر قصد البادي؛ ليتولى ~~البيع له. والثاني، أن يكون البادي جاهلا بالسعر؛ لقوله: " فيعرفه السعر "، ~~ولا يكون التعريف، إلا لجاهل، وقد قال أحمد، في رواية أبي طالب: إذا كان ~~البادي عارفا بالسعر، لم يحرم. والثالث، أن يكون قد جلب السلع للبيع؛ ~~لقوله: " وقد جلب السلع ". والجالب هو الذي يأتي بالسلع ليبيعها. # وذكر القاضي شرطين آخرين؛ أحدهما، أن يكون مريدا لبيعها بسعر يومها. ~~والثاني، أن يكون بالناس حاجة ms1980 إلى متاعه، وضيق في تأخير بيعه. وقال أصحاب ~~الشافعي إنما يحرم بشروط أربعة؛ وهي ما ذكرنا إلا حاجة الناس إلى متاعه، ~~فمتى اختل منها شرط، لم يحرم البيع، وإن اجتمعت هذه الشروط، فالبيع حرام، ~~وقد صرح الخرقي ببطلانه. ونص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد قال: سألت ~~أحمد عن الرجل الحضري يبيع للبدوي؟ فقال: أكره ذلك، وأرد البيع في ذلك. # وعن أحمد رواية أخرى، أن البيع صحيح. وهو مذهب الشافعي؛ لكون النهي لمعنى ~~في غير المنهي عنه. ولنا أنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. ### | [فصل شراء الحاضر للبادى] # (3105) فصل: فأما الشراء لهم، فيصح عند أحمد، وهو قول الحسن. وكرهت طائفة ~~الشراء لهم، كما كرهت البيع. يروى عن أنس قال، كان يقال: هي كلمة جامعة، ~~يقول: لا تبيعن له شيئا، ولا تبتاعن له شيئا. # وعن مالك في ذلك روايتان؛ ووجه القول الأول، أن النهي غير متناول للشراء ~~بلفظه، ولا هو في معناه، فإن النهي عن البيع للرفق بأهل الحضر، ليتسع عليهم ~~السعر، ويزول عنهم الضرر، وليس ذلك في الشراء لهم، إذ لا يتضررون، لعدم ~~الغبن للبادين، بل هو دفع الضرر عنهم، والخلق في نظر الشارع على السواء، ~~فكما شرع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر، لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر. ~~وأما إن أشار الحاضر على البادي من غير أن يباشر البيع له، فقد رخص فيه ~~طلحة بن عبيد الله والأوزاعي وابن المنذر، وكرهه مالك والليث وقول الصحابي ~~حجة، ما لم يثبت خلافه. # PageV04P163 ### | [فصل في التسعير] # (3106) فصل: قال ابن حامد ليس للإمام أن يسعر على الناس، بل يبيع الناس، ~~أموالهم على ما يختارون. وهذا مذهب الشافعي. وكان مالك يقول: يقال لمن يريد ~~أن يبيع أقل مما يبيع الناس به: بع كما يبيع الناس، وإلا فاخرج عنا واحتج ~~له بما روى الشافعي، وسعيد بن منصور، عن داود بن صالح التمار، عن القاسم بن ~~محمد، عن عمر، أنه مر بحاطب في سوق المصلى، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، ~~فسأله ms1981 عن سعرهما، فسعر له مدين بكل درهم، فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة ~~من الطائف تحمل زبيبا، وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن ~~تدخل زبيبك فتبيعه كيف شئت ولأن في ذلك إضرارا بالناس إذا زاد تبعه أصحاب ~~المتاع، وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع. # ولنا، ما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن أنس قال: «غلا السعر على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر ~~فسعر لنا. فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، إني لأرجو أن ~~ألقى الله تعالى وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال» قال الترمذي هذا ~~حديث حسن صحيح، وعن أبي سعيد مثله. فوجه الدلالة من وجهين؛ أحدهما، أنه لم ~~يسعر، وقد سألوه ذلك، ولو جاز لأجابهم إليه. الثاني، أنه علل بكونه مظلمة، ~~والظلم حرام، ولأنه ماله، فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان، ~~كما اتفق الجماعة عليه. # قال بعض أصحابنا: التسعير سبب الغلاء، لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك، لم ~~يقدموا بسلعهم بلدا يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعة ~~يمتنع من بيعها، ويكتمها، ويطلبها أهل الحاجة إليها، فلا يجدونها إلا ~~قليلا، فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها، فتغلوا الأسعار، ويحصل الإضرار ~~بالجانبين، جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من ~~الوصول إلى غرضه، فيكون حراما. فأما حديث عمر، فقد روى فيه سعيد والشافعي، ~~أن عمر لما رجع حاسب نفسه، ثم أتى حاطبا في داره، فقال: إن الذي قلت لك ليس ~~بعزيمة مني ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع ~~كيف شئت. وهذا رجوع إلى ما قلنا. وما ذكروه من الضرر موجود فيما إذا باع في ~~بيته، ولا يمنع منه. ### | [مسألة النهي عن تلقي الركبان] # (3107) مسألة؛ قال (ونهي عن تلقي الركبان) فإن تلقوا، واشتري منهم، فهم ~~بالخيار إذا دخلوا السوق، وعرفوا أنهم قد غبنوا إن أحبوا أن # PageV04P164 # يفسخوا البيع فسخوا. ms1982 روي أنهم كانوا يتلقون الأجلاب، فيشترون منهم ~~الأمتعة قبل أن تهبط الأسواق، فربما غبنوهم غبنا بينا، فيضرونهم، وربما ~~أضروا بأهل البلد؛ لأن الركبان إذا وصلوا باعوا أمتعتهم، والذين يتلقونهم ~~لا يبيعونها سريعا، ويتربصون بها السعر، فهو في معنى بيع الحاضر للبادي، ~~فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. # وروى طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم ~~- «لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد» وعن أبي هريرة مثله، متفق عليهما، ~~وكرهه أكثر أهل العلم، منهم عمر بن عبد العزيز ومالك والليث والأوزاعي ~~والشافعي وإسحاق. # وحكي عن أبي حنيفة أنه لم ير بذلك بأسا. وسنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أحق أن تتبع. فإن خالف، وتلقى الركبان، واشترى منهم، فالبيع صحيح في ~~قول الجميع. وقاله ابن عبد البر. وحكي عن أحمد رواية أخرى، أن البيع فاسد ~~لظاهر النهي. # والأول أصح؛ لأن أبا هريرة روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ~~«لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه، واشترى منه، فإذا أتى السوق فهو بالخيار» ، ~~رواه مسلم، والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح، ولأن النهي لا لمعنى في ~~البيع، بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكها بإثبات الخيار، فأشبه ~~بيع المصراة، وفارق بيع الحاضر للبادي، فإنه لا يمكن استدراكه بالخيار، إذ ~~ليس الضرر عليه، إنما هو على المسلمين. فإذا تقرر هذا، فللبائع الخيار إذا ~~علم أنه قد غبن. وقال أصحاب الرأي: لا خيار له. # وقد روينا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا، ولا قول لأحد مع ~~قوله. وظاهر المذهب أنه لا خيار له إلا مع الغبن؛ لأنه إنما ثبت لأجل ~~الخديعة ودفع الضرر، ولا ضرر مع عدم الغبن. وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ويحمل ~~إطلاق الحديث في إثبات الخيار على هذا؛ لعلمنا بمعناه ومراده؛ لأنه معنى ~~يتعلق الخيار بمثله، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل له الخيار إذا ~~أتى السوق، فيفهم منه أنه أشار إلى معرفته بالغبن في السوق، ms1983 ولولا ذلك لكان ~~الخيار له من حين البيع. ولم يقدر الخرقي الغبن المثبت للخيار، وينبغي أن ~~يتقيد بما يخرج عن العادة؛ لأن ما دون ذلك لا ينضبط. # وقال أصحاب مالك: إنما نهي عن تلقي الركبان لما يفوت به من الرفق لأهل ~~السوق، لئلا يقطع عنهم ما له جلسوا من ابتغاء فضل الله تعالى. قال ابن ~~القاسم فإن تلقاها متلق، فاشتراها، عرضت على أهل السوق، فيشتركون فيها. ~~وقال الليث بن سعد: تباع في السوق. وهذا مخالف لمدلول الحديث؛ فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - جعل الخيار للبائع إذا دخل السوق، ولم يجعلوا له ~~خيارا، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيار له يدل على أن النهي عن ~~تلقي الركبان لحقه، لا لحق غيره. ولأن الجالس في السوق كالمتلقي، في أن كل ~~واحد منهما مبتغ لفضل الله تعالى، فلا يليق بالحكمة فسخ عقد أحدهما، وإلحاق ~~الضرر به، دفعا للضرر # PageV04P165 # عن مثله، وليس رعاية حق الجالس أولى من رعاية حق المتلقي ولا يمكن اشتراك ~~أهل السوق كلهم في سلعته، فلا يعرج على مثل هذا. والله أعلم. ### | [فصل تلقى الركبان فباعهم شيئا] # (3108) فصل: فإن تلقى الركبان، فباعهم شيئا، فهو بمنزلة الشراء منهم، ~~ولهم الخيار إذا غبنهم غبنا يخرج عن العادة. وهذا أحد الوجهين لأصحاب ~~الشافعي. وقالوا في الآخر: النهي عن الشراء دون البيع، فلا يدخل البيع فيه. ~~وهذا مقتضى قول أصحاب مالك؛ لأنهم عللوا ذلك بما ذكرنا عنهم، ولا يتحقق ذلك ~~في البيع لهم. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تلقوا ~~الركبان.» والبائع داخل في هذا. ولأن النهي عنه لما فيه من خديعتهم وغبنهم، ~~وهذا في البيع كهو في الشراء، والحديث قد جاء مطلقا، ولو كان مختصا بالشراء ~~لألحق به ما في معناه، وهذا في معناه. ### | [فصل خرج لغير قصد التلقي فلقي ركبا فباع له] # (3109) فصل: فإن خرج لغير قصد التلقي، فلقي ركبا، فقال القاضي: ليس له ~~الابتياع منهم، ولا الشراء. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. ويحتمل أن لا ~~يحرم عليه ذلك. ms1984 وهو قول الليث بن سعد. والوجه الثاني لأصحاب الشافعي؛ لأنه ~~لم يقصد التلقي، فلم يتناوله النهي ووجه الأول، أنه إنما نهى عن التلقي ~~دفعا للخديعة والغبن عنهم، وهذا متحقق، سواء قصد التلقي، أو لم يقصده، فوجب ~~المنع منه، كما لو قصد. ### | [فصل تلقى الجلب في أعلى الأسواق] # (3110) فصل: وإن تلقى الجلب في أعلى الأسواق، فلا بأس فإن ابن عمر روى ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تتلقى السلع حتى يهبط بها ~~الأسواق» . رواه البخاري. ولأنه إذا صار في السوق، فقد صار في محل البيع ~~والشراء، فلم يدخل في النهي، كالذي وصل إلى وسطها. ### | [فصل في الاحتكار] # (3111) فصل: والاحتكار حرام لما روي عن الأثرم، عن أبي أمامة، قال: «نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحتكر الطعام» وروي أيضا، بإسناده عن ~~سعيد بن المسيب، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من احتكر فهو ~~خاطئ» . وروي «أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج مع أصحابه، فرأى ~~طعاما كثيرا قد ألقي على باب مكة، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: جلب إلينا. ~~فقال: بارك الله فيه، وفي من جلبه. فقيل له: فأنه قد احتكر. قال: ومن ~~احتكره؟ قالوا: فلان مولى عثمان، وفلان مولاك. فأرسل إليهما. فقال: ما ~~حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: نشتري بأموالنا ونبيع. قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من احتكر على المسلمين طعامهم، لم ~~يمت حتى يضربه الله بالجذام أو الإفلاس» قال الراوي: فأما مولى عثمان ~~فباعه، وقال: والله لا أحتكره أبدا وأما مولى عمر فلم يبعه، فرأيته # PageV04P166 # مجذوما. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الجالب مرزوق والمحتكر ~~ملعون.» ### | [فصل الاحتكار المحرم] # فصل: والاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط؛ أحدها، أن يشتري، فلو ~~جلب شيئا، أو أدخل من غلته شيئا، فادخره، لم يكن محتكرا. روي [عن] الحسن ~~ومالك وقال الأوزاعي الجالب ليس بمحتكر؛ لقوله: «الجالب مرزوق، والمحتكر ~~ملعون» ولأن الجالب لا يضيق على أحد، ولا يضر به، ms1985 بل ينفع، فإن الناس إذا ~~علموا عنده طعاما معدا للبيع، كان ذلك أطيب لقلوبهم من عدمه. الثاني، أن ~~يكون المشترى قوتا. # فأما الإدام، والحلواء، والعسل، والزيت، وأعلاف البهائم، فليس فيها ~~احتكار محرم. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل، عن أي شيء الاحتكار؟ ~~قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره. وهذا قول عبد الله بن عمرو. وكان ~~سعيد بن المسيب وهو راوي حديث الاحتكار - يحتكر الزيت. قال أبو داود: كان ~~يحتكر النوى، والخيط، والبزر ولأن هذه الأشياء مما لا تعم الحاجة إليها، ~~فأشبهت الثياب، والحيوانات. الثالث، أن يضيق على الناس بشرائه. ولا يحصل ~~ذلك إلا بأمرين؛ أحدهما، يكون في بلد يضيق بأهله الاحتكار، كالحرمين، ~~والثغور. قال أحمد: الاحتكار في مثل مكة والمدينة، والثغور. # فظاهر هذا أن البلاد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب كبغداد، والبصرة ~~ومصر، لا يحرم فيها الاحتكار؛ لأن ذلك لا يؤثر فيها غالبا. الثاني، أن يكون ~~في حال الضيق، بأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذوو الأموال فيشترونها، ~~ويضيقون على الناس. فأما إن اشتراه في حال الاتساع والرخص، على وجه لا يضيق ~~على أحد فليس بمحرم. ### | [مسألة بيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا] # (3113) مسألة؛ قال: (وبيع العصير ممن يتخذه خمرا باطل) وجملة ذلك؛ أن بيع ~~العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا محرم. وكرهه الشافعي، وذكر بعض أصحابه أن ~~البائع إذا اعتقد أنه يعصرها خمرا، فهو محرم، وأنما يكره إذا شك فيه. وحكى ~~ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري أنه لا بأس ببيع التمر لمن يتخذه مسكرا. ~~قال الثوري بع الحلال ممن شئت. واحتج لهم بقول الله تعالى: {وأحل الله ~~البيع} [البقرة: 275] ولأن البيع تم بأركانه وشروطه. ولنا، قول الله تعالى ~~{ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] وهذا نهي يقتضي التحريم ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لعن في الخمر عشرة. # فروى ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاه جبريل فقال: يا ~~محمد إن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، ~~وشاربها # PageV04P167 # وبائعها، ms1986 ومبتاعها، وساقيها» . وأشار إلى كل معاون عليها، ومساعد فيها ~~أخرج هذا الحديث الترمذي، من حديث أنس وقال: قد روي هذا الحديث عن ابن ~~عباس، وابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى ابن بطة في تحريم ~~النبيذ، بإسناده، عن محمد بن سيرين أن قيما كان لسعد بن أبي وقاص في أرض ~~له، فأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيبا، ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره، ~~فأمر بقلعه، وقال: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر ولأنه يعقد عليها لمن يعلم ~~أنه يريدها للمعصية، فأشبه إجارة أمته لمن يعلم أنه يستأجرها ليزني بها. ~~والآية مخصوصة بصور كثيرة، فيخص منها محل النزاع بدليلنا. # وقولهم: تم البيع بشروطه وأركانه. قلنا: لكن وجد المانع منه. إذا ثبت ~~هذا، فإنما يحرم البيع ويبطل، إذا علم البائع قصد المشتري ذلك، إما بقوله، ~~وإما بقرائن مختصة به، تدل على ذلك. فأما إن كان الأمر محتملا، مثل أن ~~يشتريها من لا يعلم، أو من يعمل الخل والخمر معا، ولم يلفظ بما يدل على ~~إرادة الخمر، فالبيع جائز. وإذا ثبت التحريم، فالبيع باطل، ويحتمل أن يصح، ~~وهو مذهب الشافعي؛ لأن المحرم في ذلك اعتقاده بالعقد دونه، فلم يمنع صحة ~~العقد، كما لو دلس العيب. # ولنا، أنه عقد على عين لمعصية الله بها، فلم يصح، كإجارة الأمة للزنى ~~والغناء. وأما التدليس، فهو المحرم، دون العقد. ولأن التحريم هاهنا لحق ~~الله تعالى، فأفسد العقد، كبيع درهم بدرهمين، ويفارق التدليس، فإنه لحق ~~آدمي. ### | [فصل بيع ما يقصد به الحرام] # (3114) فصل: وهكذا الحكم في كل ما يقصد به الحرام، كبيع السلاح لأهل ~~الحرب، أو لقطاع الطريق، أو في الفتنة، وبيع الأمة للغناء، أو إجارتها ~~كذلك، أو إجارة داره لبيع الخمر فيها، أو لتتخذ كنيسة، أو بيت نار، وأشباه ~~ذلك. فهذا حرام، والعقد باطل؛ لما قدمنا. قال ابن عقيل: وقد نص أحمد رحمه ~~الله على مسائل، نبه بها على ذلك، فقال في القصاب والخباز: إذا علم أن من ~~يشتري منه، يدعو عليه من ms1987 يشرب المسكر، لا يبيعه، ومن يخترط الأقداح لا ~~يبيعها ممن يشرب فيها. ونهى عن بيع الديباج للرجال، ولا بأس بيعه للنساء. # وروي عنه؛ لا يبيع الجوز من الصبيان للقمار. وعلى قياسه البيض، فيكون بيع ~~ذلك كله باطلا. ### | [رجل مات وخلف جارية مغنية وولدا يتيما وقد احتاج إلى بيعها] # (3115) فصل: قيل لأحمد: رجل مات، وخلف جارية مغنية، وولدا يتيما، وقد ~~احتاج إلى بيعها قال: يبيعها على أنها ساذجة. فقيل له: فإنها تساوي ثلاثين ~~ألف درهم، فإذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا. قال: لا تباع إلا على أنها ~~ساذجة. ووجه ذلك ما روى أبو أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أنه ~~قال: «لا يجوز بيع المغنيات، ولا أثمانهن، ولا كسبهن.» قال الترمذي: # PageV04P168 # هذا لا نعرفه إلا من حديث علي بن يزيد، وقد تكلم فيه أهل العلم. ورواه ~~ابن ماجه وهذا يحمل على بيعهن لأجل الغناء، فأما ماليتهن الحاصلة بغير ~~الغناء فلا تبطل، كما أن العصير لا يحرم بيعه لغير الخمر، لصلاحيته للخمر. ### | [فصل بيع الخمر أو التوكيل في بيعه أوشراؤه] # (3116) فصل: ولا يجوز بيع الخمر، ولا التوكيل في بيعه، ولا شراؤه. قال ~~ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع الخمر غير جائز. وقال أبو حنيفة: ~~يجوز للمسلم أن يوكل ذميا في بيعها وشرائها. وهو غير صحيح؛ فإن عائشة روت ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «حرمت. التجارة في الخمر» . وعن ~~جابر، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، وهو بمكة، يقول «إن ~~الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله ~~أرأيت شحوم الميتة، فإنه تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها ~~الناس؟ فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل ~~الله اليهود، إن الله تعالى حرم عليهم شحومها، فجملوه، ثم باعوه، وأكلوا ~~ثمنه» متفق عليه. ومن وكل في بيع الخمر، وأكل ثمنه، فقد أشبههم في ذلك. # ولأن الخمر نجسة محرمة، يحرم بيعها، والتوكيل في بيعها، كالميتة ~~والخنزير، ms1988 ولأنه يحرم عليه بيعه، فحرم عليه التوكيل في بيعه، كالخنزير. ### | [مسألة النهي عن الشرطين في البيع] # مسألة؛ قال: (ويبطل البيع إذا كان فيه شرطان، ولا يبطله شرط واحد) ثبت عن ~~أحمد - رحمه الله -، أنه قال: الشرط الواحد لا بأس به، إنما نهي عن الشرطين ~~في البيع، ذهب أحمد إلى ما روى عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تبع ما ليس عندك» ~~أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح قال الأثرم: قيل لأبي عبد ~~الله: إن هؤلاء يكرهون الشرط في البيع. فنفض يده، وقال: الشرط الواحد لا ~~بأس به في البيع، إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شرطين في ~~البيع. وحديث جابر يدل على إباحة الشرط حين باعه جمله، وشرط ظهره إلى ~~المدينة. واختلف في تفسير الشرطين المنهي عنهما، فروي عن أحمد؛ أنهما شرطان ~~صحيحان، ليسا من مصلحة العقد. # فحكى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق في من اشترى ثوبا، واشترط على البائع ~~خياطته وقصارته، أو طعاما، واشترط طحنه وحمله: إن اشترط أحد هذه الأشياء ~~فالبيع جائز، وإن اشترط شرطين، فالبيع باطل. وكذلك فسر القاضي في " شرحه " ~~الشرطين المبطلين بنحو من هذا التفسير. وروى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين؛ ~~أن يشتريها على أنه لا يبيعها من أحد، وأنه لا يطؤها. ففسره بشرطين فاسدين. ~~وروى عنه إسماعيل بن سعيد في الشرطين في البيع، أن يقول: إذا بعتكها فأنا ~~أحق بها بالثمن، وأن تخدمني سنة. وظاهر كلام أحمد أن الشرطين المنهي عنهما ~~ما كان من هذا النحو. # فأما إن شرط شرطين، أو أكثر، من # PageV04P169 # مقتضى العقد، أو مصلحته، مثل أن يبيعه بشرط الخيار، والتأجيل، والرهن، ~~والضمين، أو بشرط أن يسلم إليه المبيع أو الثمن. فهذا لا يؤثر في العقد وإن ~~كثر. وقال القاضي في " المجرد ": ظاهر كلام أحمد أنه متى شرط في العقد ~~شرطين، بطل، سواء كانا صحيحين، أو فاسدين، لمصلحة العقد، أو لغير مصلحته. ms1989 ~~أخذا من ظاهر الحديث، وعملا بعمومه. ولم يفرق الشافعي وأصحاب الرأي بين ~~الشرطين، ورووا «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط» . # ولأن الصحيح لا يؤثر في البيع وإن كثر، والفاسد يؤثر فيه وإن اتحد. ~~والحديث الذي رويناه يدل على الفرق. ولأن الغرر اليسير إذا احتمل في العقد، ~~لا يلزم منه احتمال الكثير. وحديثهم لم يصح وليس له أصل، وقد أنكره أحمد، ~~ولا نعرفه مرويا في مسند، ولا يعول عليه. وقول القاضي: إن النهي يبقي على ~~عمومه في كل شرطين. بعيد أيضا؛ فإن شرط ما يقتضيه العقد لا يؤثر فيه بغير ~~خلاف، وشرط ما هو من مصلحة العقد، كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، وشرط ~~صفة في المبيع، كالكتابة، والصناعة، فيه مصلحة العقد، فلا ينبغي أن يؤثر ~~أيضا في بطلانه، قلت أو كثرت. ولم يذكر أحمد في هذه المسألة شيئا من هذا ~~القسم، فالظاهر أنه غير مراد له. ### | [فصل الشروط في البيع تنقسم إلى أربعة أقسام] # (3118) فصل: والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام أحدها، ما هو من مقتضى العقد، ~~كاشتراط التسليم وخيار المجلس، والتقابض في الحال. فهذا وجوده كعدمه، لا ~~يفيد حكما، ولا يؤثر في العقد. الثاني، تتعلق به مصلحة العاقدين، كالأجل، ~~والخيار، والرهن، والضمين، والشهادة، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع، ~~كالصناعة والكتابة، ونحوها. فهذا شرط جائز يلزم الوفاء به. ولا نعلم في صحة ~~هذين القسمين خلافا. الثالث، ما ليس من مقتضاه، ولا من مصلحته، ولا ينافي ~~مقتضاه، وهو نوعان؛ أحدهما، اشتراط منفعة البائع في المبيع، فهذا قد مضى ~~ذكره. # الثاني، أن يشترط عقدا في عقد، نحو أن يبيعه شيئا بشرط أن يبيعه شيئا ~~آخر، أو يشتري منه، أو يؤجره، أو يزوجه، أو يسلفه، أو يصرف له الثمن أو ~~غيره، فهذا شرط فاسد يفسد به البيع، سواء اشترطه البائع أو المشتري، ~~وسنذكره إن شاء الله تعالى. الرابع، اشتراط ما ينافي مقتضى البيع، وهو على ~~ضربين؛ أحدهما، اشتراط ما بني على التغليب والسراية، مثل أن يشترط البائع ~~على المشتري عتق العبد، ms1990 فهل يصح؟ على روايتين؛ # PageV04P170 # إحداهما، يصح. وهو مذهب مالك وظاهر مذهب الشافعي «لأن عائشة. - رضي الله ~~عنها - اشترت بريرة وشرط أهلها عليها عتقها وولاءها، فأنكر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - شرط الولاء، دون العتق» والثانية، الشرط فاسد. وهو مذهب ~~أبي حنيفة؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، أشبه إذا شرط أن لا يبيعه لأنه شرط ~~عليه إزالة ملكه عنه، أشبه ما لو شرط أن يبيعه. وليس في حديث عائشة أنها ~~شرطت لهم العتق، وإنما أخبرتهم بإرادتها لذلك من غير شرط، فاشترطوا الولاء، ~~فإذا حكمنا بفساده، فحكمه حكم سائر الشروط الفاسدة التي يأتي ذكرها. # وإن حكمنا بصحته، فأعتقه المشتري، فقد وفى بما شرط عليه، وإن لم يعتقه، ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، يجبر؛ لأن شرط العتق إذا صح، تعلق بعينه، فيجبر عليه، ~~كما لو نذر عتقه. والثاني، لا يحبر؛ لأن الشرط لا يوجب فعل المشروط، بدليل ~~ما لو شرط الرهن، والضمين، فعلى هذا يثبت للبائع خيار الفسخ، لأنه لم يسلم ~~له ما شرطه له، أشبه ما لو شرط عليه رهنا. # وإن تعيب المبيع، أو كان أمة، فأحبلها، أعتقه، وأجزأه؛ لأن الرق باق فيه. ~~وإن استغله، أو أخذ من كسبه شيئا، فهو له. وإن مات المبيع، رجع البائع على ~~المشتري بما نقصه شرط العتق، فيقال: كم قيمته لو بيع مطلقا؟ وكم يساوي إذا ~~بيع بشرط العتق؟ فيرجع بقسط ذلك من ثمنه، في أحد الوجهين وفي الآخر يضمن ما ~~نقص من قيمته. الضرب الثاني، أن يشترط غير العتق؛ مثل أن يشترط أن لا يبيع، ~~ولا يهب، ولا يعتق، ولا يطأ. أو يشترط عليه أن يبيعه، أو يقفه، أو متى نفق ~~المبيع وإلا رده، أو إن غصبه غاصب رجع عليه بالثمن، وإن أعتقه فالولاء له. ~~فهذه وما أشبهها شروط فاسدة. وهل يفسد بها البيع؟ على روايتين؛ قال القاضي: ~~المنصوص عن أحمد أن البيع صحيح. وهو ظاهر كلام الخرقي هاهنا. وهو قول ~~الحسن، والشعبي والنخعي والحكم وابن أبي ليلى، وأبي ثور. # والثانية، البيع فاسد. وهو مذهب أبي حنيفة ms1991 والشافعي لأن «النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط» ولأنه شرط فاسد، فأفسد البيع، كما لو ~~شرط فيه عقدا آخر. ولأن الشرط إذا فسد، وجب الرجوع بما نقصه الشرط من ~~الثمن، وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولا. ولأن البائع إنما رضي بزوال ملكه عن ~~المبيع بشرطه، والمشتري كذلك إذا كان الشرط له، فلو صح البيع بدونه، لزال ~~ملكه بغير رضاه، والبيع من شرطه التراضي. ولنا، ما روت عائشة، قالت: ~~«جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل # PageV04P171 # عام أوقية، فأعينيني. فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، ويكون ~~لي ولاؤك فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من ~~عندهم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، فقالت: إني عرضت عليهم، ~~فأبوا، إلا أن يكون الولاء لهم. فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرت ~~عائشة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: خذيها، واشترطي الولاء، فإنما ~~الولاء لمن أعتق ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال يشترطون شروطا ~~ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة ~~شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق» متفق عليه. ~~فأبطل الشرط، ولم يبطل العقد. # قال ابن المنذر: خبر بريرة ثابت. ولا نعلم خبرا يعارضه، فالقول به يجب. ~~فإن قيل: المراد بقوله: " اشترطي لهم الولاء ". أي عليهم. بدليل أنه أمرها ~~به، ولا يأمرها بفاسد. قلنا: لا يصح هذا التأويل بوجهين؛ أحدهما، أن الولاء ~~لها بإعتاقها فلا حاجة إلى اشتراطه. الثاني، أنهم أبوا البيع، إلا أن يشترط ~~الولاء لهم، فكيف يأمرها بما يعلم أنهم لا يقبلونه منها؟ وأما أمره بذلك ~~فليس هو أمرا على الحقيقة، وإنما هو صيغة الأمر بمعنى التسوية بين الاشتراط ~~وتركه، كقوله تعالى {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} [التوبة: 80] وقوله ~~{فاصبروا أو لا تصبروا} [الطور: 16] والتقدير: واشترطي ms1992 لهم الولاء، أو لا ~~تشترطي. ولهذا قال عقيبه: «فإنما الولاء لمن أعتق» . وحديثهم لا أصل له على ~~ما ذكرنا، وما ذكروه من المعنى في مقابلة النص غير مقبول. # (3119) فصل: فإن حكمنا بصحة البيع، فللبائع الرجوع بما نقصه الشرط من ~~الثمن. ذكره القاضي. وللمشتري الرجوع بزيادة الثمن إن كان هو المشترط؛ لأن ~~البائع إنما سمح ببيعها بهذا الثمن، لما يحصل له من الغرض بالشرط، والمشتري ~~إنما سمح بزيادة الثمن من أجل شرطه، فإذا لم يحصل غرضه، ينبغي أن يرجع بما ~~سمح به، كما لو وجده معيبا. (3120) فصل: فإن حكمنا بفساد العقد، لم يحصل به ~~ملك، سواء اتصل به القبض، أو لم يتصل. ولا ينفذ تصرف المشتري فيه ببيع، ولا ~~هبة، ولا عتق، ولا غيره. وبهذا قال الشافعي. وذهب أبو حنيفة إلى أن الملك ~~يثبت فيه إذا اتصل به القبض، وللبائع الرجوع فيه، فيأخذه مع الزيادة ~~المنفصلة، إلا أن يتصرف فيه المشتري تصرفا يمنع الرجوع فيه، فيأخذ قيمته ~~واحتج بحديث بريرة؛ فإن # PageV04P172 # عائشة اشترتها بشرط الولاء، فأعتقتها، فأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- العتق، والبيع فاسد. # ولأن المشتري على صفة يملك المبيع ابتداء بعقد، وقد حصل عليه الضمان ~~للبدل عن عقد فيه تسليط، فوجب أن يملكه، كما لو كان العقد صحيحا. ولنا، أنه ~~مقبوض بعقد فاسد، فلم يملكه، كما لو كان الثمن ميتة، أو دما فأما حديث ~~بريرة فإنما يدل على صحة العقد، لا على ما ذكروه. وليس في الحديث أن عائشة ~~اشترتها بهذا الشرط، بل الظاهر أن أهل بريرة حين بلغهم إنكار النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - هذا الشرط تركوه، ويحتمل أن الشرط كان سابقا للعقد، فلم ~~يؤثر فيه. # (3121) فصل: وعليه رد المبيع، مع نمائه المتصل والمنفصل، وأجرة مثله مدة ~~بقائه في يده، وإن نقص ضمن نقصه؛ لأنها جملة مضمونة، فأجزاؤها تكون مضمونة ~~أيضا. فإن تلف المبيع في يد المشتري، فعليه ضمانه بقيمته يوم التلف. قاله ~~القاضي. ولأن أحمد نص عليه في الغصب، ولأنه قبضه بإذن مالكه، فأشبه ~~العارية، وذكر الخرقي ms1993 في الغصب، أنه يلزمه قيمته أكثر ما كانت، فيخرج هاهنا ~~كذلك، وهو أولى؛ لأن العين كانت على ملك صاحبها في حال زيادتها، وعليه ضمان ~~نقصها مع زيادتها، فكذلك في حال تلفها، كما لو أتلفها بالجناية، ولأصحاب ~~الشافعي وجهان كهذين. ### | [فصل كان المبيع أمة فوطئها المشتري] # (3122) فصل: فإن كان المبيع أمة، فوطئها المشتري، فلا حد عليه؛ لاعتقاده ~~أنها ملكه، ولأن في الملك اختلافا. وعليه مهر مثلها؛ لأن الحد إذا سقط ~~للشبهة، وجب المهر. ولأن الوطء في ملك الغير يوجب المهر. وعليه أرش ~~البكارة، إن كانت بكرا. فإن قيل: أليس إذا تزوج امرأة ترويجا فاسدا، ~~فوطئها، فأزال بكارتها، لا يضمن البكارة؟ قلنا: لأن النكاح تضمن الإذن في ~~الوطء المذهب للبكارة؛ لأنه معقود على الوطء، ولا كذلك البيع، فإنه ليس ~~بمعقود على الوطء؛ بدليل أنه يجوز شراء من لا يحل وطؤها، ولا يحل نكاحها. # فإن قيل: فإذا أوجبتم مهر بكر، فكيف توجبون ضمان البكارة، وقد دخل ضمانها ~~في المهر؟ وإذا أوجبتم ضمان البكارة، فكيف توجبون مهر بكر، وقد أدى عوض ~~البكارة بضمانه لها، فجرى مجرى من أزال بكارتها بأصبعه، ثم وطئها؟ قلنا: ~~لأن مهر البكر ضمان المنفعة، وأرش البكارة ضمان جزء، فلذلك اجتمعا، وأما ~~الثاني فإنه إذا وطئها بكرا، فقد استوفى نفع هذا الجزء، فوجبت قيمته بما ~~استوفى من نفعه، فإذا أتلفه وجب ضمان عينه، ولا يجوز أن تضمن العين، ويسقط ~~ضمان المنفعة، كما لو غصب عينا ذات منفعة، # PageV04P173 # فاستوفى منفعتها، ثم أتلفها، أو غصب ثوبا، فلبسه حتى أبلاه وأتلفه، فإنه ~~يضمن القيمة والمنفعة كذا هاهنا. # (3123) فصل: وإن ولدت كان ولدها حرا؛ لأنه وطئها بشبهة. ويلحق به النسب ~~لذلك، ولا ولاء عليه؛ لأنه حر الأصل وعلى الواطئ قيمته يوم وضعه؛ لأنه يوم ~~الحيلولة بينه وبين صاحبه، فإن سقط ميتا، لم يضمن؛ لأنه إنما يضمنه حين ~~وضعه، ولا قيمة له حينئذ. فإن قيل: فلو ضرب بطنها فألقت جنينا ميتا، وجب ~~ضمانه. قلنا: الضارب يجب عليه غرة، وهاهنا يضمنه بقيمته، ولا قيمة له، ولأن ~~الجاني ms1994 أتلفه، وقطع نماءه، وهاهنا يضمنه بالحيلولة بينه وبين سيده، ووقت ~~الحيلولة وقت السقوط، وكان ميتا، فلم يجب ضمانه، وعليه ضمان نقص الولادة. # وإن ضرب بطنها أجنبي فألقت جنينا ميتا، فعلى الضارب غرة، عبد أو أمة ~~للسيد منها أقل الأمرين من أرش الجنين، أو قيمته يوم سقط؛ لأن ضمان الضارب ~~له قام مقام خروجه حيا، ولذلك ضمنه البائع. وإنما كان للسيد أقل الأمرين؛ ~~لأن الغرة إن كانت أكثر من القيمة، فالباقي منها لورثته؛ لأنه حصل بالحرية، ~~فلا يستحق السيد منها شيئا. وإن كانت أقل، لم يكن على الضارب أكثر منها؛ ~~لأنه بسبب ذلك ضمن. وإن ضرب الواطئ بطنها، فألقت الجنين ميتا، فعليه الغرة ~~أيضا، ولا يرث منها شيئا، وللسيد أقل الأمرين كما ذكرنا. # وإن سلم الجارية المبيعة إلى البائع حاملا، فولدت عنده، ضمن نقص الولادة، ~~وإن تلفت بذلك ضمنها؛ لأن تلفها بسبب منه. وإن ملكها الواطئ، لم تصر بذلك ~~أم ولد، على الصحيح من المذهب؛ لأنها علقت منه في غير ملكه، فأشبه الزوجة. ~~وهكذا كل موضع حبلت في ملك غيره، ولا تصير له أم ولد بهذا. ### | [فصل باع المشتري المبيع الفاسد] # (3124) فصل: إذا باع المشتري المبيع الفاسد، لم يصح؛ لأنه باع ملك غيره ~~بغير إذنه، وعلى المشتري رده على البائع الأول؛ لأنه مالك، ولبائعه أخذه ~~حيث وجد، ويرجع المشتري الثاني بالثمن على الذي باعه، ويرجع الأول على ~~بائعه، فإن تلف في يد الثاني، فللبائع مطالبة من شاء منهما؛ لأن الأول ~~ضامن، والثاني قبضه من يد ضامنه بغير إذن صاحبه، فكان ضامنا. فإن كانت ~~قيمته أكثر من ثمنه، فضمن الثاني، لم يرجع بالفضل على الأول؛ لأن التلف في ~~يده، فاستقر الضمان عليه. فإن ضمن الأول، رجع بالفضل على الثاني. ### | [فصل زاد المبيع في يد المشتري بسمن أو نحوه ثم نقص حتى عاد إلى ما كان عليه] # (3125) فصل: وإن زاد المبيع في يد المشتري، بسمن، أو نحوه، ثم نقص حتى ~~عاد إلى ما كان # PageV04P174 # عليه، أو ولدت الأمة في يد المشتري، ثم مات ms1995 ولدها، احتمل أن يضمن تلك ~~الزيادة؛ لأنها زيادة في عين مضمونة، أشبهت الزيادة في المغصوب، واحتمل أن ~~لا يضمنها؛ لأنه دخل على أن لا يكون في مقابلة الزيادة عوض، فعلى هذا تكون ~~الزيادة أمانة في يده، فإن تلفت بتفريطه، أو عدوانه، ضمنها، وإلا فلا، وإن ~~تلفت العين بعد زيادتها أسقط تلك الزيادة من القيمة، وضمنها بما بقي من ~~القيمة، حين التلف. قال القاضي: وهذا ظاهر كلام أحمد. ### | [فصل باع بيعا فاسدا وتقابضا ثم أتلف البائع الثمن ثم أفلس] # (3126) فصل: إذا باع بيعا فاسدا وتقابضا ثم أتلف البائع الثمن ثم أفلس ~~فله الرجوع في المبيع وللمشتري أسوة الغرماء وبهذا قال الشافعي، وقال أبو ~~حنيفة المشتري أحق بالمبيع من سائر الغرماء لأنه في يده فكان أحق به ~~كالمرتهن. ولنا أنه لم يقبضه وثيقة فلم يكن أحق به كما لو كان وديعة عنده ~~بخلاف المرتهن فإنه قبضه على أنه وثيقة بحقه. ### | [فصل قال بع عبدك من فلان على أن علي خمسمائة فباعه بهذا الشرط] # (3127) فصل: إذا قال: بع عبدك من فلان على أن علي خمسمائة فباعه بهذا ~~الشرط فالبيع فاسد لأن الثمن يجب أن يكون جميعه على المشتري فإذا شرط كون ~~بعضه على غيره، لم يصح؛ لأنه لا يملك المنع، والثمن على غيره، ولا يشبه هذا ~~ما لو قال: أعتق عبدك، أو طلق امرأتك وعلي خمسمائة لكون هذا عوضا في مقابلة ~~فك الزوجية ورقبة العبد، ولذلك لم يجز في النكاح أما في مسألتنا فإنه ~~معاوضة في مقابلة نقل الملك، فلا يثبت لمن العوض على غيره، وإن كان هذا ~~القول على وجه الضمان صح البيع ولزم الضمان. ### | [فصل في بيع العربون] # (3128) فصل والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهما ~~أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك ~~للبائع يقال عربون وأربون وعربان وأربان، قال أحمد لا بأس به وفعله عمر - ~~رضي الله عنه - وعن ابن عمر أنه أجازه، وقال ابن سيرين لا بأس ms1996 به، وقال ~~سعيد بن المسيب وابن سيرين لا بأس إذا كره السلعة أن يردها يرد معها شيئا ~~وقال أحمد هذا في معناه، واختار أبو الخطاب أنه لا يصح وهو قول مالك ~~والشافعي وأصحاب الرأي يروى ذلك عن ابن عباس والحسن لأن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن بيع العربون» رواه ابن ماجه، ولأنه شرط للبائع شيئا ~~بغير عوض فلم يصح كما لو شرطه لأجنبي ولأنه بمنزلة الخيار المجهول فإنه ~~اشترط أن له رد البيع من غير ذكر مدة فلم يصح كما لو قال ولي الخيار متى ~~شئت رددت السلعة ومعها درهما، وهذا هو القياس وإنما صار أحمد فيه إلى ما ~~روي فيه عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية ~~فإن رضي عمر # PageV04P175 # وإلا فله كذا وكذا. قال الأثرم قلت لأحمد تذهب إليه؟ قال أي شيء أقل؟ هذا ~~عمر - رضي الله عنه - # وضعف الحديث المروي روى هذه القصة الأثرم بإسناده، فأما إن دفع إليه قبل ~~البيع درهما وقال لا تبع هذه السلع لغيري وإن لم أشترها منك فهذا الدرهم ~~لك. ثم اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدئ وحسب الدرهم من الثمن صح لأن البيع ~~خلا عند الشرط المفسد، ويحتمل أن الشراء الذي اشتري لعمر كان على هذا الوجه ~~فيحتمل عليه جمعا بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس والأئمة القائلين ~~بفساد العربون وإن لم يشتر السلعة في هذه الصورة لم يستحق البائع الدرهم ~~لأنه يأخذه بغير عوض ولصاحبه الرجوع فيه ولا يصح جعله عوضا عن انتظاره ~~وتأخذ بيعه من أجله لأنه لو كان عوضا عن ذلك لما جاز جعله من الثمن في حال ~~الشراء، ولأن الانتظار بالبيع لا تجوز المعاوضة عنه ولو جازت توجب أن يكن ~~معلوم المقدار كما في الإجارة. ### | [مسألة النهي عن بيعتان في بيعة] # (3129) مسألة قال وإذا قال بعتك بكذا على أن آخذ منك الدينار بكذا لم ~~ينعقد البيع وكذلك إن باعه بذهب على أن يأخذ منه دراهم بصرف ذكراه. # وجملته ms1997 أن البيع بهذه الصفة باطل لأنه شرط في العقد أن يصارفه بالثمن ~~الذي وقع العقد به، والمصارفة عقد بيع فيكون بيعتان في بيعة قال أحمد هذا ~~معناه، وقد روى أبو هريرة قال «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~بيعتين في بيعة» ، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروي أيضا عن عبد الله ~~بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهكذا كل ما كان في معنى هذا مثل ~~أن يقول بعتك داري هذه على أن أبيعك داري الأخرى بكذا أو على أن تبيعني ~~دارك أو على أن أؤجرك أو على أن تؤجرني كذا أو على أن تزوجني ابنتك أو على ~~أن أزوجك ابنتي ونحو هذا فهذا كله لا يصح. قال ابن مسعود الصفقتان في صفقة ~~ربا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور العلماء، وجوزه مالك وقال لا ألتفت ~~إلى اللفظ الفاسد إذا كان معلوما حلالا فكأنه باع السلعة بالدراهم التي ذكر ~~أنه يأخذها بالدنانير. # ولنا الخبر وأن النهي يقتضي الفساد ولأن العقد لا يجب بالشرط لكونه لا ~~يثبت في الذمة فيسقط فيفسد العقد لأن البائع لم يرض به إلا بذلك الشرط فإذا ~~فات فات الرضا به، ولأنه شرط عقدا في عقد. لم يصح كنكاح الشغار، وقوله لا ~~ألتفت إلى اللفظ لا يصح لأن البيع هو # PageV04P176 # اللفظ فإذا كان فاسدا فكيف يكن صحيحا؟ ويتخرج أن يصح البيع ويفسد الشرط ~~بناء على ما لو شرط ما ينافي مقتضى العقد كما سبق والله أعلم. # (3130) فصل وقد روي في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر وهو أن يقول بعتك ~~هذا العبد بعشرة نقدا أو بخمسة عشر نسيئة أو بعشرة مكسرة، أو تسعة صحاحا. # هكذا فسره مالك، والثوري، وإسحاق وهو أيضا باطل وهو قول الجمهور لأنه لم ~~يجزم له ببيع واحد فأشبه ما لو قال بعتك هذا أو هذا، ولأن الثمن مجهول فلم ~~يصح كالبيع بالرقم المجهول ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم فلم يصح ~~كما لو قال بعتك أحد عبيدي وقد ms1998 روي عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا لا بأس ~~أن يقول أبعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا فيذهب على أحدهما وهذا محمول على ~~أنه جرى بينهما بعدما يجري في العقد فكأن المشتري قال أنا آخذه بالنسيئة ~~بكذا فقال: خذه أو قد رضيت ونحو ذلك فيكون عقدا كافيا وإن لم يوجد ما يقوم ~~مقام الإيجاب أو يدل عليه، لم يصح؛ لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكون ~~إيجابا لما ذكرناه، وقد روي عن أحمد في من قال وإن خطته اليوم فلك درهم وإن ~~خطته غدا فلك نصف درهم أنه يصح فيحتمل أن يلحق به هذا البيع فيخرج وجها في ~~الصحة، ويحتمل أن يفرق بينهما من حيث إن العقد ثم يمكن أن يصح لكونه جعالة ~~يحتمل فيها الجهالة بخلاف البيع. # ولأن العمل الذي يستحق به الأجرة لا يمكن وقوعه إلا على إحدى الصفقتين، ~~فتتعين الأجرة المسماة عوضا له فلا يفضي إلى التنازع وهاهنا بخلافه. ### | [فصل النهي عن بيع وسلف] # (3131) فصل: ولو باعه بشرط أن يسلفه أو بقرضه، أو شرط المشتري ذلك عليه، ~~فهو محرم والبيع باطل. وهذا مذهب مالك والشافعي ولا أعلم فيه خلافا، إلا أن ~~مالكا قال: إن ترك مشترط السلف السلف صح البيع ولنا ما روى عبد الله بن ~~عمرو «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ربح ما لم يضمن، وعن بيع ما ~~لم يقبض، وعن بيعتين في بيعة، وعن شرطين في بيع وعن بيع وسلف» أخرجه أبو ~~داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي لفظ «لا يحل بيع وسلف» ولأنه اشترط ~~عقدا في عقد فاسد كبيعتين في بيعة، ولأنه إذا اشترط القرض زاد في الثمن ~~لأجله فتصير الزيادة في الثمن. عوضا عن القرض وريحا له وذلك ربا محرم ففسد ~~كما لو صرح به. # ولأنه بيع فاسد، فلا يعود صحيحا كما لو باع درهما بدرهمين، ثم ترك ~~أحدهما. ### | [فصل النهي عن الجمع بين عقدين مختلفي القيمة بعوض] # (3132) فصل وإذا جمع بين عقدين مختلفي القيمة بعوض واحد كالصرف ms1999 وبيع ما ~~يجوز التفرق فيه قبل القبض والبيع والنكاح أو الإجارة نحو أن يقول بعتك هذا ~~الدينار وهذا # PageV04P177 # الثوب بعشرين درهما أو بعتك هذه الدار وأجرتك الأخرى بألف. أو باعه سيفا ~~محلى بالذهب بفضة أو زوجتك ابنتي وبعتك عبدها بألف صح العقد فيهما؛ لأنهما ~~عينان يجوز أخذ العوض عن كل واحدة منهما منفردة فجاز أخذ العوض عنهما ~~مجتمعتين كالعبدين، وهذا أحد قولي الشافعي، وقال أبو الخطاب: في ذلك وجه ~~آخر أنه لا يصح. وهو القول الثاني للشافعي لأن حكمهما مختلف فإن المبيع ~~يضمن بمجرد البيع والإجارة بخلافه، والأول أصح، وما ذكروه يبطل بما إذا باع ~~شقصا وسيفا فإنه يصح مع اختلاف حكمهما بوجوب الشفعة في أحدهما دون الآخر، ~~فأما إن جمع بين الكتابة والبيع فقال كاتبتك وبعتك عبدي هذا بألف في كل شهر ~~مائة. لم يصح لأن المكاتب قبل تمام الكتابة عبد قن فلا يصح أن يشتري من ~~سيده شيئا ولا يثبت لسيده في ذمته ثمن، وإذا بطل البيع فهل يصح في الكتابة ~~بقسطها؟ فيه روايتان نذكرهما في تفريق الصفقة، وسوى أبو الخطاب بين هذه ~~الصورة وبين الصور التي قبلها فقال: في الكل وجهان والذي ذكرناه إن شاء ~~الله تعالى أولى. ### | [فصل بيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز صفقة واحدة بثمن واحد] # (3133) فصل في تفريق الصفقة. ومعناه أن يبيع ما يجوز بيعه، وما لا يجوز، ~~صفقة واحدة، بثمن واحد وهو على ثلاثة أقسام؛ أحدها أن يبيع معلوما ومجهولا ~~كقول بعتك هذه الفرس، وما في بطن هذه الفرس الأخرى بألف. فهذا البيع باطل ~~بكل حال ولا أعلم في بطلانه خلافا لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته ~~والمعلوم مجهول الثمن ولا سبيل إلى معرفته لأن معرفته إنما تكون بتقسيط ~~الثمن عليهما والمجهول لا يمكن تقويمه فيتعذر التقسيط. الثاني، أن يكن ~~المبيعان مما ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء كعبد مشترك بينه وبين غيره باعه ~~كله بغير إذن شريكه وكقفيزين من صبرة واحدة باعهما من لا يملك إلا بعضهما ~~ففيه وجهان أحدهما يصح في ms2000 ملكه بقسطه من الثمن ويفسد فيما لا يملكه. # والثاني، لا يصح فيهما، وأصل الوجهين أن أحمد نص فيمن تزوج حرة وأمة على ~~روايتين إحداهما يفسد فيهما والثانية يصح في الحرة، والأولى أنه يصح فيما ~~يملكه، وهو قول مالك وأبي حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر: لا ~~يصح وهو قول أبي ثور لأن الصفقة جمعت حلالا وحراما فغلب التحريم ولأن ~~الصفقة إذا لم يكن تصحيحها في جميع المعقود عليه بطلت في الكل كالجمع بين ~~الأختين وبيع درهم بدرهمين ولنا أن كل واحد منهما له حكم لو كان منفردا ~~فإذا جمع بينهما ثبت لكل واحد منهما حكمه، # PageV04P178 # كما لو باع شقصا وسيفا، ولأن ما يجوز له بيعه قد صدر فيه البيع من أهله ~~في محله بشرطه فصح كما لو انفرد، ولأن البيع سبب اقتضى الحكم في محلين ~~وامتنع حكمه في أحد المحلين لنبوته عن قبول فيصح في الآخر كما لو أوصى بشيء ~~لآدمي وبهيمة، وأما الدرهمان والأختان، فليس واحد منهما أولى بالفساد من ~~الآخر فلذلك فسد فيهما، وهاهنا بخلافه. # القسم الثالث، أن يكون المبيعان معلومين، مما لا ينقسم عليهما الثمن ~~بالأجزاء كعبد وحر، وخل وخمر، [وعبده] وعبد غيره وعبد حاضر وآبق، فهذا يبطل ~~البيع فيما لا يصح بيعه وفي الآخر روايتان، نقل صالح عن أبيه في من اشترى ~~عبدين فوجد أحدهما حرا رجع بقيمته من الثمن، ونقل عنه مهنا في من تزوج ~~امرأة على عبدين فوجد أحدهما حرا، فلها قيمة العبدين فأبطل الصداق فيهما ~~جميعا وللشافعي قولان كالروايتين وأبطل مالك العقد فيهما إلا أن يبيع ملكه ~~وملك غيره فيصح في ملكه ويقف في ملك غيره على الإجازة، ونحوه قول أبي حنيفة ~~فإنه قال إن كان أحدهما لا يصح بيعه بنص أو إجماع كالحر والخمر لم يصح ~~العقد فيهما، وإن لم يثبت ذلك كملكه وملك غيره صح فيما يملكه؛ لأن ما اختلف ~~فيه يمكن أن يلحقه حكم الإجازة، بحكم حاكم، بصحة بيعه. # وقال أبو ثور: لا يصح بيعه؛ لما تقدم في ms2001 القسم الثاني، ولأن الثمن مجهول ~~لأنه إنما يتبين بالتقسيط للثمن على القيمة، وذلك مجهول في الحال، فلم يصح ~~البيع به، كما لو قال: بعتك هذه السلعة برقمها، أو بحصة من رأس المال ولأنه ~~لو صرح به، فقال بعتك هذا بقسطه من الثمن لم يصح. فكذلك إذا لم يصرح. وقال ~~من نصر الرواية الأولى إنه متى سمى ثمنا في مبيع يسقط بعضه لا يوجب ذلك ~~جهالة تمنع الصحة، كما لو وجد بعض المبيع معيبا فأخذ أرشه، والقول بالفساد ~~في هذا القسم أظهر إن شاء الله، والحكم في الرهن والهبة وسائر العقود إذا ~~جمعت ما يجوز وما لا يجوز كالحكم في البيع إلا أن الظاهر فيها الصحة؛ لأنها ~~ليست عقود معاوضة، فلا توجد جهالة العوض فيها. (3134) فصل: وإن وقع العقد ~~على مكيل، أو موزون، فتلف بعضه قبل قبضه لم ينفسخ العقد في الباقي. رواية ~~واحدة. # يأخذ المشتري الباقي بحصته من الثمن لأن العقد وقع صحيحا فذهاب بعضه لا ~~يفسخه، كما بعد القبض وكما لو وجد أحد المبيعين معيبا فرده أو أقال أحد ~~المتبايعين الآخر في بعض المبيع. فصل: وإن كان لرجلين عبدان، لكل واحد عبد ~~فباعاهما صفقة واحدة بثمن واحد أو وكل أحدهما صاحبه فباعهما بثمن واحد ففيه ~~وجهان؛ أحدهما يصح فيهما، ويتقسط العوض على قدر قيمتهما. وهو قول مالك وأبي ~~حنيفة، وأحد # PageV04P179 # قولي الشافعي لأن جملة الثمن معلومة فصح كما لو كانا لرجل واحد، وكما لو ~~باعا عبدا واحدا لهما، أو قفيزين من صبرة واحدة والثاني لا يصح لأن كل واحد ~~منهما مبيع بقسطه من الثمن، وهو مجهول على ما قدمنا، وفارق ما إذا كانا ~~لرجل واحد فإن جملة البيع مقابلة بجملة الثمن من غير تقسيط والعبد المشترك ~~والقفيزان ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، فلا جهالة فيه. # (3136) فصل: ومتى حكمنا بالصحة في تفريق الصفقة وكان المشتري عالما ~~بالحال فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة، وإن لم يعلم مثل إن اشترى عبدا ~~يظنه كله للبائع فبان أنه لا يملك إلا نصفه أو ms2002 عبدين فتبين أنه لا يملك إلا ~~أحدهما، فله الخيار بين الفسخ والإمساك لأن الصفقة تبعضت عليه، وأما البائع ~~فلا خيار له لأنه رضي بزوال ملكه عما يجوز بيعه بقسطه ولو وقع العقد على ~~شيئين يفتقر إلى القبض فيهما، فتلف أحدها قبل قبضه فقال القاضي للمشتري ~~الخيار بين إمساك الباقي بحصته وبين الفسخ لأن حكم ما قبل القبض في كون ~~المبيع من ضمان البائع حكم ما قبل العقد بدليل أنه لو تعيب قبل قبضه لملك ~~المشتري الفسخ به. ### | [مسألة لولي اليتيم أن يضارب بماله وأن يدفعه إلى من يضارب له به] # (3137) مسألة؛ قال ويتجر الوصي بمال اليتيم ولا ضمان عليه والربح كله ~~لليتيم فإن أعطاه لمن يضارب له به فللمضارب من الربح ما وافقه الوصي عليه. ~~وجملته أن لولي اليتيم أن يضارب بماله وأن يدفعه إلى من يضارب له به، ويجعل ~~له نصيبا من الربح، أيا كان، أو وصيا، أو حاكما، أو أمين حاكم، وهو أولى من ~~تركه. # وممن رأى ذلك ابن عمر والنخعي والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأبو ثور ~~وأصحاب الرأي يروى إباحة التجارة به عن عمر وعائشة والضحاك ولا نعلم أحدا ~~كرهه إلا ما روي عن الحسن، ولعله أراد اجتناب المخاطرة به، ولأن خزنه أحفظ ~~له، والذي عليه الجمهور أولى لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال «من ولي يتيما له مال فليتجر ولا يتركه حتى تأكله ~~الصدقة» وروي ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو أصح من المرفوع. ~~ولأن ذلك أحظ للمولى عليه لتكون نفقته من فاضله وربحه كما يفعله البالغون ~~في أموالهم وأموال من يعز عليهم من أولادهم إلا أنه لا يتجر إلا في المواضع ~~الآمنة، ولا يدفعه إلا لأمين ولا يغرر بماله وقد روي عن عائشة - رضي الله ~~عنها - أنها أبضعت مال محمد بن أبي بكر في البحر فيحتمل # PageV04P180 # أنه كان في موضع مأمون قريب من الساحل، ويحتمل أنها جعلته من ضمانه عليها ~~إن هلك غرمته ms2003 فمتى اتجر في المال بنفسه فالربح كله لليتيم وأجاز الحسن بن ~~صالح وإسحاق أن يأخذه الوصي مضاربة لنفسه لأنه جاز أن يدفعه بذلك إلى غيره ~~فجاز أن يأخذ ذلك لنفسه والصحيح ما قلنا لأن الربح نماء مال اليتيم فلا ~~يستحقه غيره إلا بعقد، ولا يجوز أن يعقد الولي المضاربة مع نفسه، فأما إن ~~دفعه إلى غيره فللمضارب ما جعله له الولي ووافقه عليه، أي اتفقا عليه في ~~قولهم جميعا لأن الوصي نائب عن اليتيم فيما فيه مصلحته، وهذا فيه مصلحته ~~فصار تصرفه فيه كتصرف المالك في ماله. ### | [فصل يجوز لولي اليتيم أبضاع ماله] # (3138) فصل: ويجوز لولي اليتيم إبضاع ماله ومعناه؛ دفعه إلى من يتجر به ~~والربح كله لليتيم وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها أبضعت مال محمد ~~بن أبي بكر ولأنه إذا جاز دفعه بجزء من ربحه فدفعه إلى من يوفر الربح أولى ~~ويجوز أن يشتري له العقار لأنه مصلحة له؛ فإنه يحصل منه الفضل ويبقى الأصل ~~والغرر فيه أقل من التجارة لأن أصله محفوظ ويجوز أن يبني له عقارا لأنه في ~~معنى الشراء إلا أن يكن الشراء أحظ وهو ممكن فيتعين تقديمه وإذا أراد ~~البناء بناه بما يرى الحظ في البناء به، وقال أصحابنا يبنيه بالآجر والطين ~~ولا يبني باللبن لأنه إذا هدم لا مرجوع له ولا بجص لأنه يلتصق بالآجر فلا ~~يتخلص منه، فإذا هدم فسد الآجر لأن تخليصه منه يفضي إلى كسره، وهذا مذهب ~~الشافعي، والذي قلناه أولى إن شاء الله تعالى فإنه إذا كان الحظ له في ~~البناء بغيره فتركه ضيع حظه وماله ولا يجوز تضييع الحظ العاجل وتحمل الضرر ~~الناجز المتيقن لتوهم مصلحة بقاء الآجر عند هدم البناء ولعل ذلك لا يكون في ~~حياته ولا يحتاج إليه مع أن كثيرا من البلدان لا يوجد فيها الآجر وكثير ~~منها لم تجر عادتهم بالبناء به، فلو كلفوا البناء به لاحتاجوا إلى غرامة ~~كثيرة لا يحصل منها طائل وقول أصحابنا يختص من عادتهم البناء بالآجر ~~كالعراق ms2004 ونحوها فلا يصح في حق غيرهم. ### | [فصل لا يجوز لولي اليتيم بيع عقاره لغير حاجة] # (3139) فصل: ولا يجوز بيع عقاره لغير حاجة؛ لأننا نأمره بالشراء لما فيه ~~من الحظ، فيكون بيعه تفويتا للحظ فإن احتيج إلى بيعه جاز، نقل أبو داود عن ~~أحمد يجوز للوصي بيع الدور على الصغار، إذا كان نظرا لهم. # وبه قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وإسحاق قالوا يبيع إذا رأى الصلاح ~~قال القاضي لا يجوز إلا في موضعين أحدهما أن يكون به ضرورة إلى كسوة، أو ~~نفقة، أو قضاء دين، أو ما لا بد منه، وليس له ما تندفع به حاجته، # PageV04P181 # الثاني أن يكون في بيعه غبطة؛ وهو أن يدفع فيه زيادة كثيرة على ثمن ~~المثل، قال أبو الخطاب كالثلث ونحوه أو يخاف عليه الهلاك بغرق أو خراب أو ~~نحوه، وهذا مذهب الشافعي. # وكلام أحمد يقتضي إباحة البيع في كل موضع يكون نظرا لهم، ولا يختص بما ~~ذكروه. وقد يرى الولي الحظ في غير هذا، مثل أن يكون في مكان لا ينتفع به، ~~أو نفعه قليل، فيبيعه ويشتري له في مكان يكثر نفعه، أو يرى شيئا في شرائه ~~غبطة ولا يمكنه شراؤه إلا ببيع عقاره. وقد تكون داره في مكان يتضرر الغلام ~~بالمقام فيها، لسوء الجوار أو غيره فيبيعها ويشتري له بثمنها دارا يصلح له ~~المقام بها، وأشباه هذا مما لا ينحصر. وقد لا يكون له حظ في بيع عقاره وإن ~~دفع فيه مثلا ثمنه إما لحاجته إليه، وإما لأنه لا يمكن صرف ثمنه في مثله ~~فيضيع الثمن ولا يبارك فيه. فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «من ~~باع دارا أو عقارا، ولم يصرف ثمنه في مثله لم يبارك له فيه» فلا يجوز بيعه ~~إذا فلا معنى لتقييده بما ذكروه في الجواز، ولا في المنع، بل متى كان بيعه ~~أحظ له جاز بيعه وإلا فلا. ### | [فصل لولي اليتيم كتابة رقيق اليتيم وإعتاقه على مال] # (3140) فصل: ويجوز لولي اليتيم كتابة رقيق اليتيم وإعتاقه على مال، ms2005 إذا ~~كان الحظ فيه، مثل أن تكون قيمته ألفا، فيكاتبه بألفين أو يعتقه بألفين فإن ~~لم يكن فيها حظ، لم يصح. وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجوز إعتاقه؛ لأن ~~الإعتاق بمال تعليق له على شرط، فلم يملكه ولي اليتيم، كالتعليق على دخول ~~الدار. وقال الشافعي: لا تجوز كتابته، ولا إعتاقه؛ لأن المقصود منهما ~~العتق، دون المعاوضة، فلم تجز، كالإعتاق بغير عوض. # ولنا، إنها معاوضة لليتيم فيها حظ، فملكها وليه، كبيعه، ولا عبرة بنفع ~~العقد، ولا يضره كونه تعليقا، فإنه إذا حصل الحظ لليتيم، لا يضره نفع غيره، ~~ولا كون العتق حصل بالتعليق، وفارق ما قاسوا عليه؛ فإنه لا نفع فيه، فمنع ~~منه، لعدم الحظ وانتفاء المقتضي، لا لما ذكروه. ولو قدر أن يكون في العتق ~~بغير مال نفع، كان نادرا. ويتوجه أن يصح. قال أبو بكر: يتوجه العتق بغير ~~عوض للحظ، مثل أن يكون لليتيم جارية وابنتها، يساويان مائة مجتمعتين، ولو ~~أفردت إحداهما ساوت مائتين، ولا يمكن إفرادها بالبيع، فيعتق الأخرى، لتكثر ~~قيمة الباقية، فتصير ضعف قيمتها. ### | [فصل للوصي أن يشتري لليتيم أضحية] # (3141) فصل: قال أحمد ويجوز للوصي أن يشتري لليتيم أضحية، إذا كان له ~~مال. يعني مالا كثيرا لا يتضرر بشراء الأضحية، فيكون ذلك، وعلى وجه التوسعة ~~في النفقة في هذا اليوم، الذي # PageV04P182 # هو عيد، ويوم فرح، وفيه جبر قلبه وتطييبه، وإلحاقه بمن له أب فينزل منزلة ~~الثياب الحسنة وشراء اللحم، سيما مع استحباب التوسعة في هذا اليوم، وجري ~~العادة بها بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إنها أيام أكل، وشرب، ~~وذكر لله عز وجل» رواه مسلم ومتى كان خلط مال اليتيم أرفق به، وألين في ~~الخبز، وأمكن في حصول الأدم، فهو أولى. # وإن كان إفراده أرفق به أفرده؛ لقول الله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل ~~إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء ~~الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم} [البقرة: 220] . أي ضيق عليكم وشدد، من ~~قولهم: أعنت فلان فلانا إذا ضيق عليه ms2006 وشدد. وعنتت الرجل، إذا ظلعت، ويجوز ~~للوصي ترك الصبي في المكتب بغير إذن الحاكم. وحكي لأحمد قول سفيان: لا يسلم ~~الوصي الصبي إلا بإذن. الحاكم. فأنكر ذلك؛ وذلك لأن المكتب من مصالحه، فجرى ~~مجرى نفقته، ولمأكوله، ومشروبه، وملبوسه. وكذلك يجوز له إسلامه في صناعة، ~~إذا كانت مصلحته في ذلك؛ لما ذكرنا. ### | [فصل إذا كان الولي موسرا فلا يأكل من مال اليتيم شيئا إذا لم يكن أبا] # (3142) فصل: وإذا كان الولي موسرا، فلا يأكل من مال اليتيم شيئا إذا لم ~~يكن أبا؛ لقوله تعالى: {ومن كان غنيا فليستعفف} [النساء: 6] وإن كان فقيرا، ~~فله أقل الأمرين؛ من أجرته، أو قدر كفايته؛ لأنه يستحقه بالعمل والحاجة ~~جميعا، فلم يجز أن يأخذ إلا ما وجدا فيه. فإذا أكل منه ذلك القدر، ثم أيسر؛ ~~فإن كان أبا لم يلزمه عوضه، رواية واحدة؛ لأن للأب أن يأخذ من مال ولده ما ~~شاء مع الحاجة وعدمها. وإن كان غير الأب، فهل يلزمه عوض ذلك؟ على روايتين؛ ~~إحداهما، لا يلزمه. وهو قول الحسن والنخعي وأحد قولي الشافعي لأن الله ~~تعالى أمر بالأكل من غير ذكر عوض، فأشبه سائر ما أمر بأكله، ولأنه عوض من ~~عمله فلم يلزمه بدله، كالأجير والمضارب. والثانية، يلزمه عوضه. # وهو قول عبيدة السلماني وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية لأنه ~~استباحه بالحاجة من مال غيره، فلزمه قضاؤه، كالمضطر إلى طعام غيره. والأول ~~أصح؛ لأنه لو وجب عليه إذا أيسر، لكان واجبا في الذمة قبل اليسار، فإن ~~اليسار ليس بسبب للوجوب، فإذا لم يجب بالسبب، الذي هو الأكل، لم يجب بعده. ~~وفارق المضطر؛ فإن العوض واجب عليه في ذمته، ولأنه لم يأكله عوضا عن شيء، ~~وهذا بخلافه. ### | [فصل قرض مال اليتيم] # (3143) فصل: فأما قرض مال اليتيم؛ فإذا لم يكن فيه حظ له، لم يجز قرضه، ~~فمتى أمكن الولي التجارة به، أو تحصيل عقار له فيه الحظ، لم يقرضه؛ لأن ذلك ~~يفوت الحظ على اليتيم، وإن لم يمكن # PageV04P183 # ذلك، وكان قرضه حظا لليتيم، جاز. قال ms2007 أحمد: لا يقرض مال اليتيم لأحد يريد ~~مكافأته، ومودته، ويقرض على النظر، والشفقة، كما صنع ابن عمر. # وقيل لأحمد: إن عمر استقرض مال اليتيم. قال: إنما استقرض نظرا لليتيم، ~~واحتياطا، إن أصابه بشيء غرمه. قال القاضي: ومعنى الحظ أن يكون لليتيم مال ~~في بلده، فيريد نقله إلى بلد آخر، فيقرضه من رجل في ذلك البلد، ليقضيه بدله ~~في بلده، يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله، أو يخاف عليه الهلاك من نهب، أو ~~غرق، أو نحوهما، أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو حديثه خير من قديمه، ~~كالحنطة ونحوها، فيقرضه خوفا أن يسوس، أو تنقص قيمته، وأشباه هذا، فيجوز ~~القرض؛ لأنه مما لليتيم فيه حظ فجاز، كالتجارة به. # وإن لم يكن فيه حظ، وإنما قصد إرفاق المقترض، وقضاء حاجته، فهذا غير ~~جائز؛ لأنه تبرع بمال اليتيم، فلم يحز كهبته. وإن أراد الولي السفر، لم يكن ~~له المسافرة بماله، وقرضه لثقة أمين أولى من إيداعه؛ لأن الوديعة لا تضمن ~~إذا تلفت، فإن لم يجد من يستقرضه على هذه الصفة، فله إيداعه؛ لأنه موضع ~~حاجة. ولو أودعه مع إمكان قرضه، جاز، ولا ضمان عليه، فإنه ربما رأى الإيداع ~~أحظ له من القرض، فلا يكون مفرطا. وكل موضع قلنا: له قرضه. فلا يجوز إلا ~~لمليء أمين، ليأمن جحوده، وتعذر الإيفاء، وينبغي أن يأخذ رهنا إن أمكنه، ~~وإن تعذر عليه أخذ الرهن، جاز تركه، في ظاهر كلام أحمد؛ لأن الظاهر ممن ~~يستقرضه من أجل حظ اليتيم، أنه لا يبذل رهنا، فاشتراط الرهن يفوت هذا الحظ. # وقال أبو الخطاب: يقرضه إذا أخذ بالقرض رهنا. فظاهر هذا أنه لا يقرضه إلا ~~برهن؛ لأن فيه احتياطا للمال، وحفظا له عن الجحد، والمطل. وإن أمكنه أخذ ~~الرهن، فالأولى له أخذه، احتياطا على المال، وحفظا له، فإن تركه احتمل أن ~~يضمن إن ضاع المال؛ لتقريطه، واحتمل أن لا يضمن؛ لأن الظاهر سلامته. وهذا ~~ظاهر كلام أحمد؛ لكونه لم يذكر الرهن. ### | [فصل هل يجوز للوصي أن يستنيب فيما يتولى مثله ms2008 بنفسه] # (3144) فصل: قال أبو بكر: وهل يجوز للوصي أن يستنيب فيما يتولى مثله ~~بنفسه؟ على روايتين؛ لأنه متصرف بالإذن في مال غيره، فأشبه الوكيل. وقال ~~القاضي: يجوز ذلك للوصي، وفي الوكيل روايتان. وفرق بينهما بأن الوكيل يمكنه ~~الاستئذان، والوصي بخلافه. ### | [فصل ادعى الولي الإنفاق على الصبي أو على ماله أو عقاره بالمعروف من ماله] # (3145) فصل: وإذا ادعى الولي الإنفاق على الصبي، أو على ماله، أو عقاره، ~~بالمعروف من ماله، أو ادعى أنه باع عقاره لحظه، أو بناء لمصلحته، أو أنه ~~تلف، قبل قوله. وقال أصحاب الشافعي: لا يمضي الحاكم بيع الأمين والوصي حتى ~~يثبت عنده الحظ ببينة، ولا يقبل قولهما في ذلك، ويقبل قول الأب والجد. ولنا ~~أن من جاز له بيع العقار، وشراؤه لليتيم، يجب أن يقبل قوله في الحظ، كالأب ~~والجد، # PageV04P184 # ولأنه يقبل قوله في عدم التفريط فيما تصرف فيه من غير العقار، فيقبل قوله ~~في العقار، كالأب. # وإذا بلغ الصبي، فادعى أنه لاحظ له في البيع، لم يقبل إلا ببينة، فإن لم ~~تكن بينة، فالقول قول الولي مع يمينه. وإن قال الولي: أنفقت عليك منذ ثلاث ~~سنين. وقال الغلام: ما مات أبي إلا منذ سنتين. فالقول قول الغلام. ذكره ~~القاضي؛ لأن الأصل حياة والده، واختلافهما في أمر ليس الوصي أمينا فيه، ~~فكان القول قول من يوافق قوله الأصل. ### | [فصل للوصي البيع على الغائب البالغ إذا كان من طريق النظر] # (3146) فصل: قال أحمد: يجوز للوصي البيع على الغائب البالغ، إذا كان من ~~طريق النظر. وقال أصحابنا: يجوز للوصي البيع على الصغار والكبار، إذا كانت ~~حقوقهم مشتركة في عقار في قسمه إضرار، وبالصغار حاجة إلى البيع، إما لقضاء ~~دين، أو مؤنة لهم. وقال أبو حنيفة، وابن أبي ليلى: يجوز البيع، على الصغار ~~والكبار فيما لا بد منه. ولعلهما أرادا هذه الصورة؛ لأن في ذلك نظرا ~~للصغار، واحتياطا للميت في قضاء دينه. وقال الشافعي: لا يصح بيعه على ~~الكبار؛ لأنه تصرف في مال غيره من غير وكالة، ولا ولاية، فلم ms2009 يصح، كبيع ~~ماله المفرد، أو ما لا تضر قسمته. وهذا هو الصحيح، وما ذكروه لا أصل له ~~يقاس عليه، ويعارضه أن فيه ضررا على الكبار، ببيع ما لهم بغير إذنهم. # ولأنه لا يجوز له بيع غير العقار، فلم يحز له بيع غير العقار، كالأجنبي. ### | [فصل تصرف الصبي المميز بالبيع والشراء فيما أذن له الولي فيه] # (3147) فصل: ويصح تصرف الصبي المميز بالبيع والشراء، فيما أذن له الولي ~~فيه. في إحدى الروايتين. وهو قول أبي حنيفة. والثانية، لا يصح حتى يبلغ. ~~وهو قول الشافعي؛ لأنه غير مكلف، أشبه غير المميز. ولأن العقل لا يمكن ~~الوقوف منه على الحد الذي يصلح به التصرف؛ لخفائه، وتزايده تزايدا خفي ~~التدريج، فجعل الشارع له ضابطا، وهو البلوغ، فلا يثبت له أحكام العقلاء قبل ~~وجود المظنة. # ولنا، قول الله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم ~~منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] . ومعناه؛ اختبروهم لتعلموا ~~رشدهم. وإنما يتحقق اختيارهم بتفويض التصرف إليهم من البيع والشراء؛ ليعلم ~~هل يغبن أو لا. ولأنه عاقل مميز، محجور عليه، فصح تصرفه بإذن وليه، كالعبد. ~~وفارق غير المميز، فإنه لا تحصل المصلحة بتصرفه؛ لعدم تمييزه ومعرفته، ولا ~~حاجة إلى اختياره؛ لأنه قد علم حاله. # وقولهم: إن العقل لا يمكن الاطلاع عليه. قلنا: يعلم ذلك بآثار وجريان ~~تصرفاته على وفق المصلحة، كما يعلم في حق البالغ، فإن معرفة رشده، شرط دفع ~~ماله إليه، وصحة تصرفه، كذا هاهنا. فأما إن تصرف بغير إذن وليه، لم يصح ~~تصرفه. # ويحتمل أن يصح، ويقف على إجازة الولي. وهو قول أبي حنيفة. ومبنى ذلك على ~~ما إذا تصرف في مال غيره بغير إذنه، # PageV04P185 # وقد ذكرناها فيما مضى. وأما غير المميز، فلا يصح تصرفه، وإن أذن له الولي ~~فيه، إلا في الشيء اليسير، كما روي عن أبي الدرداء، أنه اشترى من صبي ~~عصفورا، فأرسله. ذكره ابن أبي موسى. ### | [مسألة ما استدانه العبد فهو في رقبته] ### | [الفصل الأول في استدانة العبد يعني أخذه بالدين] # (3148) مسألة؛ قال: (وما استدان ms2010 العبد، فهو في رقبته يفديه سيده، أو ~~يسلمه، فإن جاوز ما استدان قيمته، لم يكن على سيده أكثر من قيمته، إلا أن ~~يكون مأذونا له في التجارة، فيلزم مولاه جميع ما استدان) في هذه المسألة ~~أربعة فصول: (3149) الفصل الأول، في استدانة العبد، يعني أخذه بالدين، ~~يقال: أدان واستدان وتدين. قال الشاعر: # يؤنبني في الدين قومي وإنما ... تدينت فيما سوف يكسبهم حمدا # والعبيد قسمان، محجور عليه، فما لزمه من الدين بغير رضا سيده، مثل أن ~~يقترض، أو يشتري شيئا في ذمته، ففيه روايتان؛ إحداهما، يتعلق برقبته. ~~اختارها الخرقي، وأبو بكر؛ لأنه دين لزمه بغير إذن سيده، فتعلق برقبته، ~~كأرش جنايته. والثانية، يتعلق بذمته يتبعه الغريم به إذا أعتق وأيسر. وهذا ~~مذهب الشافعي؛ لأنه متصرف في ذمته بغير إذن سيده. فتعلق بذمته، كعوض الخلع ~~من الأمة، وكالحر. # القسم الثاني، المأذون له في التصرف، أو في الاستدانة، فما يلزمه من ~~الدين هل يتعلق بذمة السيد، أو برقبته؟ على روايتين. وقال مالك، والشافعي: ~~إن كان في يده مال، قضيت ديونه منه، وإن لم يكن في يده شيء، تعلق بذمته، ~~يتبع به إذا عتق وأيسر؛ لأنه دين ثبت برضى من له الدين، أشبه غير المأذون ~~له، فوجب أن لا يتعلق برقبته، كما لو استقرض بغير إذن سيده. # وقال أبو حنيفة: يباع إذا طالب الغرماء بيعه. وهذا معناه، أنه تعلق ~~برقبته؛ لأنه دين ثبت برضى من له الدين، فيباع فيه، كما لو رهنه. ولنا، أنه ~~إذا أذن له في التجارة، فقد أغرى الناس بمعاملته، وأذن فيها، فصار ضامنا، ~~كما لو قال لهم: داينوه، أو أذن في استدانة، تزيد على قيمته، ولا فرق بين ~~الدين الذي لزمه في التجارة المأذون فيها، أو فيما لم يؤذن له فيه، مثل إن ~~أذن له في التجارة في البر، فاتجر في غيره، فإنه لا ينفك عن التغرير، إذ ~~يظن الناس أنه مأذون له في ذلك أيضا. ### | [الفصل الثاني فيما لزم العبد من الدين من أروش جناياته أو قيم متلفاته] # (3150) الفصل الثاني، ms2011 فيما لزمه من الدين من أروش جناياته، أو قيم ~~متلفاته، فهذا يتعلق برقبة العبد، على كل حال، مأذونا، أو غير مأذون، رواية ~~واحدة، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي. وكل ما يتعلق # PageV04P186 # برقبته فإن السيد يتخير بين تسليمه للبيع وبين فدائه، فإن سلمه فبيع، ~~وكان ثمنه أقل من أرش جنايته، فليس للمجني عليه إلا ذلك؛ لأن العبد هو ~~الجاني، فلا يجب على غيره شيء، وإن كان ثمنه أكثر، فالفضل لسيده. وذكر ~~القاضي أن ظاهر كلام أحمد، أن السيد لا يرجع بالفضل. ولعله يذهب إلى أنه ~~دفعه إليه عوضا عن الجناية، فلم يبق لسيده فيه شيء، كما لو ملكه إياه عوضا ~~عن الجناية. وهذا ليس بصحيح. # فإن المجني عليه لا يستحق أكثر من قدر أرش الجناية عليه، كما لو جنى عليه ~~حر، والجاني لا يجب عليه أكثر من قدر جنايته، ولأن الحق تعلق بعينه، فكان ~~الفضل من ثمنه لسيده، كالرهن. ولا يصح قولهم: إنه دفعه عوضا. لأنه لو كان ~~عوضا. لملكه المجني عليه، ولم يبع في الجناية، وإنما دفعه ليباع، فيؤخذ منه ~~عوض الجناية، ويرد إليه الباقي، ولذلك لو أتلف درهما، لم يبطل حق سيده منه ~~بذلك؛ لعجزه عن أداء الدرهم من غير ثمنه. وإن اختار السيد فداءه لزمه أقل ~~الأمرين؛ من قيمته، أو أرش جنايته؛ لأن أرش الجناية إن كان أكثر، فلا يتعلق ~~بغير العبد الجاني؛ لعدم الجناية من غيره، وإنما تجب قيمته، وإن كان أقل، ~~فلم يجب بالجناية إلا هو. # وعن أحمد رواية أخرى، أنه يلزمه أرش جنايته، بالغا ما بلغ؛ لأنه يجوز أن ~~يرغب فيه راغب، فيشتريه بأكثر من ثمنه، فإذا منع بيعه لزمه جميع الأرش؛ ~~لتفويته ذلك. وللشافعي قولان، كالروايتين. ### | [الفصل الثالث في تصرفات العبد غير المأذون له] # (3151) الفصل الثالث، في تصرفاته؛ أما غير المأذون، فلا يصح بيعه، ولا ~~شراؤه بعين المال؛ لأنه تصرف من المحجور فيما حجر عليه فيه، فأشبه المفلس. ~~ولأنه تصرف في ملك غيره بغير إذنه، فهو كتصرف الفضولي. ويتخرج أن يصح ويقف ~~على إجازة ms2012 السيد كذلك. # وأما شراؤه بثمن في ذمته واقتراضه، فيحتمل أن لا يصح؛ لأنه محجور عليه، ~~أشبه السفيه، ويحتمل أن يصح؛ لأن الحجر لحق غيره، أشبه المفلس والمريض. ~~ويتفرع عن هذين الوجهين، أن التصرف وإن كان فاسدا، فللبائع والمقرض أخذ ~~ماله، إن كان باقيا، سواء كان في يد العبد أو السيد، وإن كان تالفا، فله ~~قيمته أو مثله، إن كان مثليا، فإن تلف في يد السيد رجع بذلك عليه؛ لأن عين ~~ماله تلف في يده، وإن شاء كان ذلك متعلقا برقبة العبد؛ لأنه الذي أخذه منه، ~~وإن تلف في يد العبد، فالرجوع عليه. وهل يتعلق برقبته، أو ذمته؟ على ~~روايتين. وإن قلنا: التصرف صحيح. # والمبيع في يد العبد، فللبائع فسخ البيع، وللمقرض الرجوع فيما أقرض؛ لأنه ~~قد تحقق إعسار المشتري والمقترض، فهو أسوأ حالا من الحر المعسر. وإن كان ~~السيد قد انتزعه من يد العبد، ملكه بذلك، وله ذلك؛ لأنه أخذ من عبده مالا ~~في يده، بحق، فهو كالصيد. فإذا ملكه السيد، كان كهلاكه في يد العبد، ولا ~~يملك البائع والمقرض انتزاعه من السيد، بحال. وإن كان قد تلف، استقر ثمنه ~~في رقبة العبد أو في ذمته، سواء تلف في يد العبد أو السيد. # PageV04P187 # وأما العبد المأذون له، فيصح تصرفه في قدر ما أذن له فيه. لا نعلم فيه ~~خلافا، ولا يصح فيما زاد. نص عليه أحمد. وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: إذا أذن له في نوع، انفك الحجر عنه، وجاز له التصرف ~~مطلقا؛ لأن الحجر لا يتجزأ، فإذا زال بعضه، زال كله. ولنا، أنه متصرف ~~بالإذن، فاختص تصرفه بمحل الإذن، كالوكيل، وقولهم: إن الحجر لا يتجزأ. لا ~~يصح، فإنه لو صرح بالإذن له في بيع عين، ونهيه عن بيع أخرى، صح. وكذلك في ~~الشراء، كالوكيل. # وإن أذن له السيد في ضمان، أو كفالة، ففعل، صح. وهل يتعلق بذمة السيد، أو ~~رقبة العبد؟ على وجهين. وإن رأى السيد عبده يتجر، فلم ينهه، لم يصر بذلك ~~مأذونا له. ### | [الفصل الرابع في ms2013 تصرفات العبد إن كان مأذونا له في التجارة] # (3152) الفصل الرابع، في تصرفاته، إن كان مأذونا له في التجارة، قبل ~~إقراره في قدر ما أذن له، ولم يقبل فيما زاد. ولا يقبل إقرار غير المأذون ~~له بالمال. فإن أقر بعين في يده أو دين يتعلق برقبته، لم يقبل على سيده؛ ~~لأنه يقر بحق على غيره، فلم يقبل، كما لو أقر أن سيده باعه، ويثبت في ذمته ~~يتبع به بعد العتق. # وإن أقر بجنايته، استوى في ذلك المأذون له وغيره. وينقسم ذلك أقساما ~~أربعة؛ أحدها، جناية موجبها المال، كإتلافه، أو جناية خطأ، أو شبه عمد، أو ~~جناية عمد فيما لا قصاص فيه، كالجائفة، ونحوها، فلا يقبل إقراره بها؛ لأنه ~~إقرار بالمال، فلم يقبل، كما لو أقر بدراهم، أو دنانير. # القسم الثاني، جناية موجبها حد سوى السرقة، أو قصاص فيما دون النفس، ~~فيقبل إقراره بذلك. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. وقال له زفر، ~~وداود، والمزني، وجرير: لا يقبل؛ لأنه يسقط به حق السيد، فلا يقبل، ~~كالإقرار بجناية الخطإ. ولنا، ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قطع يد ~~عبد بإقراره بالسرقة، وجلد عبدا أقر عنده بالزنا نصف الحد. # ولا مخالف له في الصحابة، فكان إجماعا. ولأن ما لا يقبل إقرار السيد فيه ~~على العبد، يقبل فيه إقرار العبد، كالطلاق. ولأن العبد غير متهم فيه؛ لأن ~~ضرره به أخص، وهو بألمه أمس، فقبل إقراره، كما لو أقرت به الزوجة. # وخرج على هذين المعنيين جناية الخطإ؛ فإن إقرار السيد بها مقبول، ولا ~~يتضرر العبد بها. القسم الثالث، إقراره بالسرقة، يقبل في الحد، فيقطع، ولا ~~يقبل في المال، سواء كانت العين تالفة، أو باقية في يد السيد، أو في يد ~~العبد. وبهذا قال الشافعي. ويحتمل أن لا يقطع إذا أقر بسرقة عين موجودة في ~~يده. وبهذا قال أبو حنيفة؛ لأن العين محكوم بها لسيده، فلا يقطع بسرقة عين ~~لسيده، # PageV04P188 # ولأن المطالبة بالمسروق شرط في القطع، وهذه لا يملك غير السيد المطالبة ~~بها، ولأن هذا ms2014 شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. # ولنا، خبر علي - رضي الله عنه - ولأنه مقر بسرقة عين تبلغ نصابا، فوجب ~~قطعه، كما لو أقر حر بسرقة عين في يد غيره، وما ذكروه يبطل بهذه الصورة، ~~وإنما لم ترد العين إلى المسروق منه لحق السيد، وأما في حق العبد، فقد يثبت ~~للمقر له، ولهذا لو عتق وعادت العين إلى يده، لزمه ردها إلى المقر له. ~~القسم الرابع، الإقرار بما يوجب القصاص في النفس. فروي عن أحمد، أنه لا ~~يقبل. وعموم قول الخرقي، إن أقر المحجور عليه بما يوجب حدا، أو قصاصا، أو ~~طلق زوجته، لزمه ذلك. يقتضي قبول إقراره، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ~~والشافعي؛ لأنه أقر بما يوجب قصاصا، فقبل، كإقراره بقطع اليد، ولأنه أحد ~~نوعي القصاص، فقبل إقراره به، كالآخر، ولأنه لا يقبل إقرار سيده عليه به. ~~فقبل إقراره به، كالحد. # واحتج أصحابنا، بأن مقتضى القياس أن لا يقبل إقراره بالقصاص أصلا؛ لأنه ~~إقرار على مال سيده، ولأنه متهم، إذ يحتمل أن يكون عن مواطأة بينهما، ليعفو ~~على مال، فيستحق رقبة العبد، ولذلك لم تحمل العاقلة اعترافا، فتركنا موجب ~~القياس؛ لخبر علي - رضي الله عنه - ففيما عداه يبقى على موجب القياس. ~~ويفارق القصاص في النفس القصاص في الطرف؛ لأنه قد يحتمل أنه أراد التخلص من ~~سيده، ولو بفوات نفسه. # وكل موضع حكمنا بقبول إقراره بالقصاص، فحكمه حكم الثابت بالبينة، فلولي ~~الجناية العفو، والاستيفاء، والعفو على مال، فإن عفا، تعلق الأرش برقبة ~~العبد، على ما مر بيانه. ويحتمل أن لا يملك العفو على مال؛ لئلا يتخذ ذلك ~~وسيلة إلى الإقرار بمال. ### | [مسألة بيع الكلب] # (3153) مسألة؛ قال: (وبيع الكلب باطل، وإن كان معلما) لا يختلف المذهب في ~~أن بيع الكلب باطل، أي كلب كان. وبه قال الحسن، وربيعة، وحماد، والأوزاعي، ~~والشافعي، وداود. وكره أبو هريرة ثمن الكلب. ورخص في ثمن كلب الصيد خاصة ~~جابر بن عبد الله، وعطاء، والنخعي. وجوز أبو حنيفة بيع الكلاب كلها، وأخذ ~~ثمنها، وعنه رواية في الكلب العقور، أنه لا ms2015 يجوز بيعه. # واختلف أصحاب مالك، فمنهم من قال: لا يجوز. ومنهم من قال: الكلب المأذون ~~في إمساكه، يجوز بيعه، ويكره. واحتج من أجاز بيعه بما روي عن جابر، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب الصيد» . ~~ولأنه يباح الانتفاع به، ويصح نقل اليد فيه، والوصية به، فصح بيعه، ~~كالحمار. # ولنا، ما روى أبو مسعود الأنصاري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن» . متفق عليه وعن رافع بن ~~خديج قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV04P189 # : «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث» . متفق عليهما. # وروي عن ابن عباس أنه قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن ~~الكلب، فإن جاء يطلبه فاملئوا كفه ترابا» . رواه أبو داود. ولأنه حيوان نهي ~~عن اقتنائه في غير حال الحاجة إليه، أشبه الخنزير، أو حيوان نجس العين، ~~أشبه الخنزير. فأما حديثهم، فقال أحمد: هذا من الحسن بن أبي جعفر، وهو ~~ضعيف. وقال الدارقطني: الصحيح أنه موقوف على جابر، وقال الترمذي: لا يصح ~~إسناد هذا الحديث. وقد روي عن أبي هريرة، # ولا يصح أيضا. ويحتمل أنه أراد، ولا كلب صيد، وقد جاءت اللغة بمثل ذلك، ~~قال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان # أي والفرقدان. ثم هذا الحديث حجة على من أباح بيع غير كلب الصيد. ### | [فصل إجارة الكلب] # (3154) فصل: ولا تجوز إجارته. نص عليه أحمد. وهو قول بعض أصحاب الشافعي. ~~وقال بعضهم: يجوز؛ لأنها منفعة مباحة، فجازت المعاوضة عنها، كنفع الحمير. ~~ولنا، أنه حيوان محرم بيعه؛ لخبثه، فحرمت إجارته، كالخنزير. وقياسهم ينتقض ~~بضراب الفحل، فإنها منفعة مباحة، ولا يجوز إجارتها، ولأن إباحة الانتفاع لم ~~تبح بيعه، فكذلك إجارته، ولأن منفعته لا تضمن في الغصب، فإنه لو غصبه غاصب ~~مدة، لم يلزمه لذلك عوض، فلم يجز أخذ العوض عنها في الإجارة، كنفع الخنزير. ### | [فصل الوصية بالكلب الذي يباح اقتناؤه] # (3155) فصل: وتصح الوصية بالكلب الذي ms2016 يباح اقتناؤه؛ لأنها نقل لليد فيه ~~من غير عوض. وتصح هبته؛ لذلك. وقال القاضي: لا تصح؛ لأنها تمليك في الحياة، ~~أشبهت البيع. والأول أصح. ويفارق البيع؛ لأنه يؤخذ عوضه، وهو محرم. ولأصحاب ~~الشافعي وجهان، كهذين. ### | [مسألة قتل الكلب المعلم] # (3156) مسألة؛ قال: (ومن قتله وهو معلم، فقد أساء، ولا غرم عليه) أما قتل ~~المعلم فحرام، وفاعله مسيء ظالم، وكذلك كل كلب مباح إمساكه؛ لأنه محل منتفع ~~به يباح اقتناؤه، فحرم إتلافه، كالشاة. ولا نعلم في هذا خلافا. ولا غرم على ~~قاتله. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك وعطاء: عليه الغرم؛ لما ذكرنا في ~~تحريم إتلافه. # PageV04P190 # ولنا، أنه محل يحرم أخذ عوضه لخبثه، فلم يجب غرمه بإتلافه، كالخنزير، ~~وإنما يحرم إتلافه؛ لما فيه من الإضرار. وقد نهى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الضرر والإضرار. ### | [فصل قتل الكلب الأسود البهيم] # فصل: فأما قتل ما لا يباح إمساكه، فإن الكلب الأسود البهيم يباح قتله؛ ~~لأنه شيطان. قال عبد الله بن الصامت: سألت أبا ذر فقلت: «ما بال الأسود من ~~الأحمر من الأبيض؟ فقال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ~~سألتني، فقال: الكلب الأسود شيطان» . رواه مسلم، وروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا ~~منها كل أسود بهيم» . ويباح قتل الكلب العقور؛ لما روت عائشة - رضي الله ~~عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «خمس من الدواب كلهن ~~فاسق، يقتلن في الحل والحرم؛ الغراب، والحدأة، والعقرب والفأرة، والكلب ~~العقور» . متفق عليه، ويقتل كل واحد من هذين، وإن كان معلما؛ للخبرين. وعلى ~~قياس الكلب العقور، كل ما آذى الناس، وضرهم في أنفسهم. وأموالهم، يباح ~~قتله؛ لأنه يؤذي بلا نفع، أشبه الذئب، وما لا مضرة فيه، لا يباح قتله؛ لما ~~ذكرنا من الخبر. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «أمر بقتل الكلاب، حتى إن ~~المرأة تقدم من البادية بكلبها فتقتله، ثم نهى عن قتلها، وقال: عليكم ~~بالأسود البهيم ذي الطفيتين، ms2017 فإنه شيطان» رواه مسلم. ### | [فصل اقتناء الكلب] # (3158) فصل: ولا يجوز اقتناء الكلب، إلا كلب الصيد، أو كلب ماشية، أو ~~حرث؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ~~اتخذ كلبا إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع، نقص من أجره كل يوم قيراط» . وعن ~~ابن عمر قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من اقتنى كلبا إلا ~~كلب صيد أو ماشية، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان» . قال سالم: وكان أبو ~~هريرة يقول: أو كلب حرث. متفق عليه. # وإن اقتناه لحفظ البيوت، لم يجز؛ للخبر. ويحتمل الإباحة. وهو قول أصحاب ~~الشافعي؛ لأنه في معنى الثلاثة، فيقاس عليها. والأول أصح؛ لأن قياس غير ~~الثلاثة عليها، يبيح ما يتناول الخبر تحريمه. قال القاضي: وليس هو في ~~معناها، فقد يحتال اللص لإخراجه بشيء يطعمه إياه، ثم يسرق المتاع. وأما ~~الذئب، فلا يحتمل هذا في حقه، ولأن اقتناءه في البيوت يؤذي المارة، بخلاف ~~الصحراء. ### | [فصل تربية الجرو الصغير] # (3159) فصل: فأما تربية الجرو الصغير لأحد الأمور الثلاثة، فيجوز في أقوى ~~الوجهين؛ # PageV04P191 # لأنه قصده لذلك، فيأخذ حكمه. كما يجوز بيع العبد الصغير، والجحش الصغير، ~~الذي لا نفع فيه في الحال؛ لماله إلى الانتفاع. ولأنه لو لم يتخذ الصغير، ~~ما أمكن جعل الكلب للصيد، إذا لا يصير معلما إلا بالتعليم، ولا يمكن تعليمه ~~إلا بتربيته، واقتنائه مدة يعلمه فيها. قال الله تعالى: {وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله} [المائدة: 4] . ولا يوجد كلب معلم ~~بغير تعليم. والوجه الثاني، لا يجوز؛ لأنه ليس من الثلاثة. ### | [فصل اقتنى كلبا للصيد ثم ترك الصيد مدة وهو يريد العود إليه] # (3160) فصل: ومن اقتنى كلبا للصيد، ثم ترك الصيد مدة، وهو يريد العود ~~إليه، لم يحرم اقتناؤه في مدة تركه؛ لأن ذلك لا يمكن التحرز منه. وكذلك لو ~~حصد صاحب الزرع زرعه، أبيح له إمساك الكلب، إلى أن يزرع زرعا آخر. ولو هلكت ~~ماشيته، فأراد شراء غيرها، فله إمساك كلبها؛ لينتفع به ms2018 في التي يشتريها. ~~فأما إن اقتنى كلب الصيد من لا يصيد به، احتمل الجواز؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - استثنى كلب الصيد مطلقا. واحتمل المنع؛ لأنه اقتناه لغير ~~حاجة، أشبه غيره من الكلاب. ومعنى كلب الصيد، أي كلب يصيد به. # وهكذا الاحتمال؛ لأن في من اقتنى كلبا؛ ليحفظ له حرثا، أو ماشية، إن ~~حصلت، أو يصيد به إن احتاج إلى الصيد، وليس له في الحال حرث، ولا ماشية، ~~يحتمل الجواز؛ لقصده ذلك، كما لو حصد الزرع، وأراد أن يزرع غيره. ### | [فصل حكم بيع الخنزير والميتة والدم] # (3161) فصل: ولا يجوز بيع الخنزير، ولا الميتة، ولا الدم. . قال ابن ~~المنذر: أجمع أهل العلم على القول به. وأجمعوا على تحريم الميتة والخمر، ~~وعلى أن بيع الخنزير، وشراءه، حرام؛ وذلك لما روى جابر قال: سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة يقول: «إن الله ورسوله حرما بيع الخمر، ~~والميتة، والخنزير، والأصنام.» متفق عليه. # ولا يجوز بيع ما لا منفعة فيه، كالحشرات كلها، وسباع البهائم التي لا ~~تصلح للاصطياد، كالأسد والذئب، وما لا يؤكل ولا يصاد به من الطير، كالرخم، ~~والحدأة، والغراب الأبقع، وغراب البين وبيضها، فكل هذا لا يجوز بيعه؛ لأنه ~~لا نفع فيه، فأخذ ثمنه أكل مال بالباطل. ### | [فصل بيع السرجين النجس] # (3162) فصل: ولا يجوز بيع السرجين النجس. وبهذا قال مالك، والشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: يجوز؛ لأن أهل الأمصار يتبايعونه لزروعهم من غير نكير، فكان ~~إجماعا. ولنا، أنه مجمع على نجاسته؛ فلم يجز بيعه، كالميتة. # وما ذكروه فليس بإجماع، فإن الإجماع اتفاق أهل العلم، ولم يوجد، ولأنه ~~رجيع نجس، فلم يجز بيعه، كرجيع الآدمي. # PageV04P192 ### | [فصل حكم بيع الحر وما ليس بمملوك] # (3163) فصل: ولا يجوز بيع الحر، ولا ما ليس بمملوك، كالمباحات قبل ~~حيازتها وملكها. ولا نعلم في ذلك خلافا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة؛ رجل أعطي بي ثم غدر، ~~ورجل باع حرا، فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا، فاستوفى منه ms2019 ولم يوفه أجره» . ~~رواه البخاري. ### | [مسألة بيع الفهد والصقر المعلم والهر وكل ما فيه المنفعة] # (3164) مسألة؛ قال: (وبيع الفهد، والصقر المعلم، جائز، وكذلك بيع الهر، ~~وكل ما فيه المنفعة) وجملة ذلك، أن كل مملوك أبيح الانتفاع به، يجوز بيعه، ~~إلا ما استثناه الشرع، من الكلب وأم الولد، والوقف. وفي المدبر، والمكاتب، ~~والزيت النجس اختلاف، نذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى؛ لأن الملك سبب ~~لإطلاق التصرف، والمنفعة المباحة يباح له استيفاؤها، فجاز له أخذ عوضها، ~~وأبيح لغيره بذل ماله فيها، توصلا إليها، ودفعا لحاجته بها، كسائر ما أبيح ~~بيعه، وسواء في هذا ما كان طاهرا، كالثياب، والعقار، وبهيمة الأنعام، ~~والخيل، والصيود، أو مختلفا في نجاسته، كالبغل، والحمار، وسباع البهائم، ~~وجوارح الطير، التي تصلح للصيد، التي كالفهد، والصقر، والبازي، والشاهين، ~~والعقاب، والطير المقصود صوته، كالهزاز، والبلبل، والببغاء، وأشباه ذلك، ~~فكله يجوز بيعه. # وبهذا قال الشافعي. وقال أبو بكر عبد العزيز، وابن أبي موسى: لا يجوز بيع ~~الفهد، والصقر، ونحوهما؛ لأنها نجسة، فلم يجز بيعها، كالكلب. ولنا، أنه ~~حيوان أبيح اقتناؤه، وفيه نفع مباح، من غير وعيد في حبسه، فأبيح بيعه ~~كالبغل، وما ذكراه يبطل بالبغل، والحمار، فإنه لا خلاف في إباحة بيعهما، ~~وحكمها حكم سباع البهائم في الطهارة، والنجاسة وإباحة الاقتناء، والانتفاع. # وأما الكلب فإن الشرع توعد على اقتنائه وحرمه، إلا في حال الحاجة، فصارت ~~إباحته ثابتة، بطريق الضرورة، بخلاف غيره، ولأن الأصل الإباحة؛ بدليل قوله ~~تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] . ولما ذكرنا من المعنى خرج منه ما ~~استثناه الشرع؛ لمعان غير موجودة في هذا، فبقي على أصل الإباحة. وأما الهر، ~~فقال الخرقي: يجوز بيعها. # وبه قال ابن عباس، والحسن، وابن سيرين، والحكم، وحماد، والثوري، ومالك، ~~والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # وعن أحمد أنه كره ثمنها. وروي ذلك عن أبي هريرة، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن ~~زيد. واختاره أبو بكر؛ لما روى مسلم عن جابر، أنه «سئل عن ثمن السنور، ~~فقال: زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك» . وفي لفظ رواه أبو ms2020 داود ~~عن جابر «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن السنور.» قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن، وفي إسناده اضطراب. # ولنا، ما ذكرنا فيما يصاد به من السباع، ويحمل الحديث على غير المملوك ~~منها، أو ما لا نفع فيه منها؛ بدليل ما ذكرنا، ولأن البيع شرع طريقا للتوصل ~~إلى قضاء الحاجة، واستيفاء المنفعة المباحة؛ ليصل # PageV04P193 # كل واحد إلى الانتفاع بما في يد صاحبه، مما يباح الانتفاع به، فينبغي أن ~~يشرع ذلك فيه؛ ليصل كل واحد إلى الانتفاع بما في يد صاحبه، فما يباح ~~الانتفاع به، ينبغي أن يجوز بيعه. # (3165) فصل: فإن كان الفهد والصقر ونحوهما، مما ليس بمعلم، ولا يقبل ~~التعليم، لم يجز بيعه؛ لعدم النفع به. وإن كان مما يمكن تعليمه، جاز بيعه؛ ~~لأن مآله إلى الانتفاع، فأشبه الجحش الصغير. (3166) فصل: فأما ما يصاد ~~عليه، كالبومة التي يجعلها شباكا، لتجمع الطير إليها، فيصيده الصياد، ~~فيحتمل جواز بيعها، للنفع الحاصل منها، ويحتمل المنع؛ لأن ذلك مكروه؛ لما ~~فيه من تعذيب الحيوان. وكذلك اللقلق ونحوه. ### | [فصل بيع بيض ما لا يؤكل لحمه من الطير] # (3167) فصل: فأما بيض ما لا يؤكل لحمه من الطير، فإن كان مما لا نفع فيه، ~~لم يجز بيعه، طاهرا كان أو نجسا. وإن كان ينتفع به، بأن يصير فرخا، وكان ~~طاهرا، جاز بيعه؛ لأنه طاهر منتفع به؛ أشبه أصله، وإن كان نجسا، كبيض ~~البازي، والصقر، ونحوه، فحكمه حكم فرخه. # وقال القاضي: لا يجوز بيعه؛ لأنه نجس، لا ينتفع به في الحال. وهذا ملغى ~~بفرخه، وبالجحش الصغير. ### | [فصل بيع القرد] # (3168) فصل: قال أحمد: أكره بيع القرد. قال ابن عقيل: هذا محمول على بيعه ~~للإطافة به، واللعب، فأما بيعه لمن ينتفع به، كحفظ المتاع والدكان ونحوه، ~~فيجوز؛ لأنه كالصقر والبازي. وهذا مذهب الشافعي. # وقياس قول أبي بكر وابن أبي موسى المنع من بيعه مطلقا. ### | [فصل بيع العلق التي ينتفع بها] # (3169) فصل: وفي بيع العلق التي ينتفع بها، مثل التي تعلق على وجه صاحب ~~الكلف، فتمص الدم، والديدان التي ms2021 تترك في الشص، فيصاد بها السمك، وجهان؛ ~~أصحهما جواز بيعها؛ لحصول نفعها، فهي كالسمك والثاني، لا يجوز؛ لأنها لا ~~ينتفع بها، إلا نادرا، فأشبهت ما لا نفع فيه. ### | [فصل بيع دود القز وبزره] # (3170) فصل: ويجوز بيع دود القز، وبزره. وقال أبو حنيفة، في رواية عنه: ~~إن كان مع دود القز قز، جاز بيعه، وإلا فلا؛ لأنه لا ينتفع بعينه، فهو ~~كالحشرات. وقيل: لا يجوز بيع بزره. ولنا أن الدود حيوان طاهر يجوز اقتناؤه؛ ~~لتملك ما يخرج منه، أشبه البهائم، ولأن الدود وبزره # PageV04P194 # طاهر، منتفع به، فجاز بيعه، كالثوب. # وقوله: لا ينتفع بعينه، يبطل بالبهائم التي لا يحصل منها نفع، سوى ~~النتاج، ويفارق الحشرات، التي لا نفع فيها أصلا، فإن نفع هذه كثير؛ لأن ~~الحرير الذي هو أشرف ملابس الدنيا، إنما يحصل منها. ### | [فصل بيع النحل] # (3171) فصل: ويجوز بيع النحل إذا شاهدها محبوسة، بحيث لا يمكنها أن ~~تمتنع. وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيعها منفردة؛ لما ذكر في دود القز. ولنا، ~~أنه حيوان طاهر، يخرج من بطونها شراب فيه منافع للناس، فجاز بيعه، كبهيمة ~~الأنعام. واختلف أصحابنا في بيعها في كواراتها، فقال القاضي: لا يجوز؛ لأنه ~~لا يمكن مشاهدة جميعها، ولأنها لا تخلو من عسل يكون مبيعا معها، وهو مجهول. # وقال أبو الخطاب: يجوز بيعها في كواراتها، ومنفردة عنها، فإنه يمكن ~~مشاهدتها في كواراتها إذا فتح رأسها، ويعرف كثرته من قلته، وخفاء بعضه لا ~~يمنع صحة، بيعه، كالصبرة، وكما لو كان في وعاء، فإن بعضه يكون على بعض، فلا ~~يشاهد إلا ظاهره، والعسل يدخل في البيع تبعا، فلا تضر جهالته، كأساسات ~~الحيطان. فإن لم يمكن مشاهدة النحل؛ لكونه مستورا بأقراصه، ولم يعرف، لم ~~يجز بيعه لجهالته. ### | [فصل بيع الترياق] # (3172) فصل: ذكر الخرقي، أن الترياق لا يؤكل لأنه يقع فيه لحوم الحيات، ~~فعلى هذا، لا يجوز بيعه؛ لأن نفعه إنما يحصل بالأكل، وهو محرم، فخلا من نفع ~~مباح، فلم يجز بيعه، كالميتة، ولا يجوز التداوي به، ولا بسم الأفاعي. فأما ~~السم من ms2022 الحشائش والنبات، فإن كان لا ينتفع به، أو كان يقتل قليله، لم يجز ~~بيعه؛ لعدم نفعه، وإن انتفع به، وأمكن التداوي بيسيره، كالسقمونيا، جاز ~~بيعه؛ لأنه طاهر منتفع به، فأشبه بقية المأكولات. ### | [فصل بيع جلد الميتة قبل الدبغ] # (3173) فصل: ولا يجوز بيع جلد الميتة، قبل الدبغ، قولا واحدا، قاله ابن ~~أبي موسى وفي بيعه بعد الدبغ عنه خلاف. # وقد روى حرب عن أحمد، أنه قال: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~ثمن الكلب» . وأما غير ذلك، نحو ريش الطير التي لها مخلب، أو بعض جلود ~~السباع التي لها أنياب، # PageV04P195 # فإن بيعها أسهل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن أكل ~~لحومها. والصحيح عنه، أنه لا يجوز. وهذا ينبني على الحكم بنجاسة جلود ~~الميتة، وأنها لا تطهر بالدباغ، وقد ذكرنا ذلك في بابه. . ### | [فصل بيع لبن الآدميات] # فصل: فأما بيع لبن الآدميات، فقال أحمد: أكرهه. واختلف أصحابنا في جوازه. ~~فظاهر كلام الخرقي جوازه؛ لقوله: " وكل ما فيه المنفعة ". وهذا قول ابن ~~حامد، ومذهب الشافعي. وذهب جماعة من أصحابنا إلى تحريم بيعه، وهو مذهب أبي ~~حنيفة ومالك؛ لأنه مائع خارج من آدمية، فلم يجز بيعه، كالعرق، ولأنه من ~~آدمي، فأشبه سائر أجزائه. # والأول أصح؛ لأنه لبن طاهر منتفع به، فجاز بيعه، كلبن الشاه، ولأنه يجوز ~~أخذ العوض عنه في إجارة الظئر فأشبه المنافع، ويفارق العرق، فإنه لا نفع ~~فيه، ولذلك لا يباع عرق الشاة، ويباع لبنها. وسائر أجزاء الآدمي يجوز ~~بيعها، فإنه يجوز بيع العبد، والأمة، وإنما حرم بيع الحر؛ لأنه ليس بمملوك، ~~وحرم بيع العضو المقطوع؛ لأنه لا نفع فيه. ### | [فصل في بيع رباع مكة وإجارة دورها] # (3175) فصل: واختلفت الرواية في بيع رباع مكة وإجارة دورها، فروي أن ذلك ~~غير جائز. وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري وأبي عبيد. وكره إسحاق؛ لما روى ~~عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«في مكة: لا تباع رباعها، ولا تكرى بيوتها» . رواه ms2023 الأثرم بإسناده. وعن ~~مجاهد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «: مكة حرام بيع رباعها، ~~حرام إجارتها.» وهذا نص رواه سعيد بن منصور، في " سننه ". وروي أنها كانت ~~تدعى السوائب، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكره مسدد في " ~~مسنده "، ولأنها فتحت عنوة، ولم تقسم، فكانت موقوفة، فلم يجز بيعها، كسائر ~~الأرض التي فتحها المسلمون عنوة، ولم يقسموها، والدليل على أنها فتحت عنوة، ~~قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط ~~عليها رسوله والمؤمنين، وأنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما ~~أحلت لي ساعة من نهار.» متفق عليه وروت أم هانئ قالت: «أجرت حموين لي، ~~فأراد علي أخي قتلهما، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا ~~رسول الله إني أجرت حموين لي، فزعم ابن أمي علي أنه قاتلهما. فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: قد أجرنا من أجرت، أو أمنا من أمنت يا أم هانئ.» ~~متفق عليه، ولذلك «أمر النبي # PageV04P196 # - صلى الله عليه وسلم -: بقتل أربعة فقتل منهم ابن خطل، ومقيس بن صبابة» ~~، وهذا يدل على أنها فتحت عنوة. والرواية الثانية، أنه يجوز بيع رباعها، ~~وإجارة بيوتها. # وروي ذلك عن طاوس وعمرو بن دينار. وهذا قول الشافعي وابن المنذر. وهو ~~أظهر في الحجة؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له: أين ننزل ~~غدا؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟» متفق عليه. يعني أن عقيلا باع رباع ~~أبي طالب؛ لأنه ورثه دون إخوته؛ لكونه كان على دينه دونهما، فلو كانت غير ~~مملوكة، لما أثر بيع عقيل، شيئا، ولأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كانت لهم دور بمكة لأبي بكر والزبير وحكيم بن حزام وأبي سفيان، وسائر أهل ~~مكة، فمنهم من باع، ومنهم من ترك داره، فهي في يد أعقابهم. # وقد باع حكيم بن حزام دار الندوة، فقال ابن الزبير: بعت مكرمة قريش. ~~فقال: يا ابن أخي، ذهبت المكارم إلا التقوى. أو كما قال. ms2024 واشترى معاوية ~~دارين. واشترى عمر دار السجن من صفوان بن أمية، بأربعة آلاف. # ولم يزل أهل مكة يتصرفون في دورهم تصرف الملاك، بالبيع وغيره، ولم ينكره ~~منكر، فكان إجماعا، وقد قرره النبي - صلى الله عليه وسلم - بنسبة دورهم ~~إليهم، فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن» ~~. وأقرهم في دورهم ورباعهم، ولم ينقل أحدا عن داره، ولا وجد منه ما يدل على ~~زوال أملاكهم، وكذلك من بعده من الخلفاء، حتى إن عمر - رضي الله عنه - مع ~~شدته في الحق، لما احتاج إلى دار السجن، لم يأخذها إلا بالبيع. ولأنها أرض ~~حية لم يرد عليها صدقة محرمة؛ فجاز بيعها كسائر الأرض، وما روي من الأحاديث ~~في خلاف هذا، فهو ضعيف. # وأما كونها فتحت عنوة، فهو الصحيح، الذي لا يمكن دفعه، إلا أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أقر أهلها فيها على أملاكهم ورباعهم، فيدل ذلك على ~~أنه تركها لهم، كما ترك لهوازن نساءهم وأبناءهم. وعلى القول الأول، من كان ~~ساكن دار أو منزل فهو أحق به، يسكنه ويسكنه، وليس له بيعه، ولا أخذ أجرته، ~~ومن احتاج إلى مسكن، فله بذل الأجرة فيه، وإن احتاج إلى الشراء فله ذلك، ~~كما فعل عمر - رضي الله عنه -. وكان أبو عبد الله إذا سكن أعطاهم أجرتها. ~~فإن سكن بأجرة فأمكنه أن لا يدفع إليهم الأجرة، جاز له ذلك؛ لأنهم لا ~~يستحقونها، وقد روي أن سفيان سكن في بعض رباع مكة، وهرب، ولم يعطهم أجرة، ~~فأدركوه، فأخذوها منه. وذكر لأحمد فعل سفيان، فتبسم، فظاهر هذا، أنه أعجبه. # قال ابن عقيل: والخلاف في غير مواضع المناسك، أما بقاع المناسك كموضع ~~السعي والرمي، فحكمه حكم المساجد، بغير خلاف. ### | [فصل من بني بناء بمكة بآلة مجلوبة من غير أرض مكة جاز بيعها] # (3176) فصل: ومن بنى بناء بمكة، بآلة مجلوبة من غير أرض مكة، جاز بيعها، ~~كما يجوز بيع # PageV04P197 # أبنية الوقوف وأنقاضها. وإن كانت من تراب الحرم وحجارته، انبنى جواز ~~بيعها على الروايتين في ms2025 بيع رباع مكة؛ لأنها تابعة لمكة، وهكذا تراب كل وقف ~~وأنقاضه. قال أحمد: وأما البناء بمكة فإني أكرهه. قال إسحاق: البناء بمكة ~~على وجه الاستخلاص لنفسه، لا يحل. # وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قيل له: ألا تبني لك بمنى ~~بيتا؟ قال: منى مناخ لمن سبق» . ### | [فصل بيع المصاحف] # (3177) فصل: قال أحمد: لا أعلم في بيع المصاحف رخصة. ورخص في شرائها. ~~وقال: الشراء أهون. وكره بيعها ابن عمر وابن عباس وأبو موسى، وسعيد بن جبير ~~وإسحاق وقال ابن عمر: وددت أن الأيدي تقطع في بيعها. وقال أبو الخطاب: يجوز ~~بيع المصحف، مع الكراهة. # وهل يكره شراؤه وإبداله؟ على روايتين. ورخص في بيعها الحسن والحكم وعكرمة ~~والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن البيع يقع على الجلد، والورق، وبيع ذلك مباح. ~~ولنا، قول الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم نعلم لهم مخالفا في عصرهم، ولأنه ~~يشتمل على كلام الله تعالى، فتجب صيانته عن البيع والابتذال، وأما الشراء ~~فهو أسهل؛ لأنه استنقاذ للمصحف وبذل لماله فيه، فجاز، كما أجاز شراء رباع ~~مكة، واستئجار دورها، من لا يرى بيعها، ولا أخذ أجرتها. وكذلك أرض السواد ~~ونحوها. وكذلك دفع الأجرة إلى الحجام، لا يكره، مع كراهة كسبه. # وإن اشترى الكافر مصحفا، فالبيع باطل. به قال الشافعي وأجازه أصحاب ~~الرأي، وقالوا: يجبر على بيعه؛ لأنه أهل للشراء، والمصحف محل له. ولنا، أنه ~~يمنع من استدامة الملك عليه، فمنع من ابتدائه، كسائر ما يحرم بيعه، وقد نهى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن ~~تناله أيديهم. فلا يجوز تمكينهم من التوصل إلى نيل أيديهم إياه. # PageV04P198 ### | [فصل شراء الكافر مسلما] # فصل: ولا يصح شراء الكافر مسلما. وهذا قول مالك في إحدى الروايتين عنه، ~~والشافعي في أحد القولين. وقال أبو حنيفة: يصح ويجبر على إزالة ملكه؛ لأنه ~~يملك المسلم بالإرث، ويبقى ملكه عليه إذا أسلم في يده، فصح شراؤه له، ~~كالمسلم. ولنا، أنه يمنع استدامة ملكه عليه، فمنع ابتداءه، كالنكاح، ولأنه ~~عقد يثبت الملك ms2026 على المسلم للكافر، فلم يصح، كالنكاح، والملك بالإرث. ~~الاستدامة أقوى من ابتداء الملك بالفعل والاختيار، بدليل ثبوته بهما للمحرم ~~في الصيد، مع منعه من ابتدائه، فلا يلزم من ثبوت الأقوى ثبوت ما دونه، مع ~~أننا نقطع الاستدامة عليه بمنعه منها، وإجباره على إزالتها. ### | [فصل وكل كافر مسلما في شراء مسلم] # (3179) فصل: ولو وكل كافر مسلما في شراء مسلم، لم يصح الشراء؛ لأن الملك ~~يقع للموكل، ولأن الموكل ليس بأهل لشرائه، فلم يصح أن يشتري له، كما لو وكل ~~مسلم ذميا في شراء خمر. وإن وكل المسلم كافرا يشتري له مسلما، فاشتراه، ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، يصح لأن المنع منه إنما كان لما فيه من ثبوت ملك ~~الكافر على المسلم، والملك يثبت للمسلم هاهنا، فلم يتحقق المانع. والثاني، ~~لا يصح؛ لأن ما منع من شرائه منع التوكيل فيه، كالمحرم في شراء الصيد، ~~والكافر في نكاح المسلمة، والمسلم لا يجوز أن يكون وكيلا لذمي في شراء خمر. ### | [فصل اشترى الكافر مسلما] # (3180) فصل: وإن اشترى الكافر مسلما يعتق عليه بالقرابة، كأبيه وأخيه، صح ~~الشراء، وعتق عليه، في قول بعض أصحابنا. وحكى فيه أبو الخطاب روايتين؛ ~~إحداهما، لا يصح. وهو قول بعض الأصحاب؛ لأنه شراء يملك به المسلم، فلم يصح، ~~كالذي لا يعتق عليه. ولأن ما منع من شرائه، لم يبح له شراؤه وإن زال ملكه ~~عقيب الشراء، كشراء المحرم الصيد. والثانية يصح شراؤه؛ لأن المنع إنما ثبت ~~لما فيه من إهانة المسلم بملك الكافر له، والملك هاهنا يزول عقيب الشراء ~~بالكلية، ويحصل من نفع الحرية أضعاف ما حصل من الإهانة بالملك في لحظة ~~يسيرة. ويفارق من لا يعتق عليه؛ فإن ملكه لا يزول إلا بإزالته، وكذلك شراء ~~المحرم للصيد، فإنه لو ملكه، لثبت ملكه عليه، ولم يزل. # ولو قال كافر لمسلم: أعتق عبدك عني، وعلي ثمنه. ففعل، صح؛ لأن إعتاقه ليس ~~بتمليك، وإنما هو إبطال للرق فيه، وإنما حصل الملك فيه حكما، فجاز، كما ~~يملكه بالإرث حكما. ولأن ما يحصل له بالحرية من النفع ms2027 ينغمر فيه ما يحصل من ~~الضرر بالملك، فيصير كالمعدوم. وفيه وجه آخر؛ أنه لا يصح؛ بناء على شراء ~~قريبه المسلم. # PageV04P199 ### | [فصل أجر مسلم نفسه لذمي لعمل في ذمته] # (3181) فصل: ولو أجر مسلم نفسه لذمي، لعمل في ذمته، صح؛ «لأن عليا، - رضي ~~الله عنه - أجر نفسه من يهودي، يستقي له كل دلو بتمرة، وأتى بذلك النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فأكله.» وفعل ذلك رجل من الأنصار، وأتى به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فلم ينكره. ولأنه لا صغار عليه في ذلك. وإن استأجره ~~في مدة، كيوم، أو شهر ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يصح؛ لأن فيه استيلاء عليه، ~~وصغارا، أشبه الشراء. # والثاني، يصح. وهو أولى؛ لأن ذلك عمل في مقابلة عوض، أشبه العمل في ذمته، ~~ولا يشبه الملك؛ لأن الملك يقتضي سلطانا، واستدامة، وتصرفا بأنواع التصرفات ~~في رقبته، بخلاف الإجارة. ### | [فصل البيع بين كل ذي رحم محرم] # (3182) فصل: ولا يجوز أن يفرق في البيع بين كل ذي رحم محرم. وبه قال أبو ~~حنيفة. وقال مالك: لا يحرم التفريق إلا بين الأم وولدها؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من فرق بين الوالدة وولدها، فرق الله بينه وبين ~~أحبته يوم القيامة» . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وقال: «لا توله والدة ~~عن ولدها» . فخصها بذلك، فدل على الإباحة فيما سواه. وقال الشافعي: يحرم ~~بين الوالدين والمولودين وإن سفلوا، ولا يحرم بين من عداهم؛ لأن القرابة ~~التي بينهم لا تمنع القصاص، ولا شهادة بعضهم لبعض، فلم تمنع التفريق في ~~البيع، كابني العم. # ولنا، ما روى أحمد، في " المسند "، حدثنا غندر، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، ~~عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي - رضي الله عنه - قال: «أمرني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما، ففرقت ~~بينهما، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أدركهما فارتجعهما، ~~ولا تبعهما إلا جميعا» . وروي عن أبي موسى، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «لعن الله من فرق بين الوالدة ms2028 وولدها، والأخ وأخيه» . ولأن بينهما ~~رحما محرما، فلم يجز التفريق بينهما، كالولد مع أمه. ويفارق ابني العم فإنه ~~ليس بينهما رحم محرم. (3183) فصل: فإن فرق بينهما قبل البلوغ، فالبيع باطل. ~~وبه قال الشافعي فيما دون السبع. # وقال أبو حنيفة: البيع صحيح؛ لأن النهي، لمعنى في غير البيع، وهو الضرر ~~اللاحق بالتفريق، فلم يمنع صحة البيع، كالبيع في وقت النداء. ولنا حديث ~~علي، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بردهما، ولو لزم البيع لما ~~أمكن ردهما. وروى أبو داود في " سننه "، «أن عليا فرق بين الأم وولدها، ~~فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فرد المبيع» . ولأنه بيع محرم، لمعنى ~~فيه، ففسد، كبيع الخمر. ولا يصح ما قاله؛ فإن ضرر التفريق حاصل بالبيع، # PageV04P200 # فكان لمعنى فيه. # فأما تحديده بالسبع؛ فإن عموم اللفظ يمنع ذلك، ولا يجوز تخصيصه بغير ~~دليل، وإن كان فرق بينهما بعد البلوغ جاز. وقال أبو الخطاب: فيه روايتان؛ ~~إحداهما، لا يجوز؛ لعموم النهي. والثانية، يجوز. وهي الصحيحة؛ لما روي أن ~~«سلمة بن الأكوع أتى أبا بكر بامرأة وابنتها، فنفله أبو بكر ابنتها، ~~فاستوهبها منه النبي - صلى الله عليه وسلم - فوهبها له. وأهدي إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مارية، وأختها سيرين، فأعطى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سيرين لحسان بن ثابت، وترك مارية له» . # ولأنه بعد البلوغ يصير مستقلا بنفسه، والعادة التفريق بين الأحرار، فإن ~~المرأة تزوج ابنتها، ويفرق بين الحرة وولدها إذا افترق الأبوان. ### | [فصل اشترى ممن في ماله حرام وحلال] # (3184) فصل: وإذا اشترى ممن في ماله حرام وحلال، كالسلطان الظالم، ~~والمرابي؛ فإن علم أن المبيع من حلال ماله، فهو حلال، وإن علم أنه حرام، ~~فهو حرام، ولا يقبل قول المشتري عليه في الحكم؛ لأن الظاهر أن ما في يد ~~الإنسان ملكه، فإن لم يعلم من أيهما هو، كرهناه لاحتمال التحريم فيه، ولم ~~يبطل البيع؛ لإمكان الحلال، قل الحرام أو كثر. وهذا هو الشبهة، وبقدر قلة ~~الحرام وكثرته، تكون كثرة الشبهة وقلتها. # قال أحمد: لا يعجبني أن ms2029 يأكل منه؛ لما روى النعمان بن بشير أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، ~~لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في ~~الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه. ألا وإن لكل ~~ملك حمى، وحمى الله محارمه» . متفق عليه. وهذا لفظ رواية مسلم. وفي لفظ ~~رواية البخاري: «فمن ترك ما اشتبه عليه، كان لما استبان أترك، ومن اجترأ ~~على ما يشك فيه من المأثم، أوشك أن يواقع ما استبان.» وروى الحسن بن علي، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.» ~~وهذا مذهب الشافعي. فصل: والمشكوك فيه على ثلاثة أضرب؛ الأول، ما أصله ~~الحظر، كالذبيحة في بلد فيها مجوس وعبدة أوثان يذبحون، فلا يجوز شراؤها وإن ~~أمكن أن يكون ذابحها مسلما؛ لأن الأصل التحريم، فلا يزول إلا بيقين أو ~~ظاهر. # وكذلك إن كان فيها أخلاط من المسلمين والمجوس، لم يجز شراؤها لذلك. ~~والأصل فيه حديث عدي بن حاتم، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إذا أرسلت كلبك، فخالط أكلبا # PageV04P201 # لم يسم عليها، فلا تأكل، فإنك لا تدري أيها قتله» . متفق عليه. فأما إن ~~كان ذلك في بلد الإسلام، فالظاهر إباحتها لأن المسلمين لا يقرون في بلدهم ~~بيع ما لا يحل بيعه ظاهرا. والثاني، ما أصله الإباحة، كالماء يجده متغيرا، ~~لا يعلم أبنجاسة تغير أم بغيرها؟ فهو طاهر في الحكم؛ لأن الأصل الطهارة، ~~فلا نزول عنها إلا بيقين أو ظاهر، ولم يوجد واحد منهما. والأصل في ذلك حديث ~~عبد الله بن زيد، قال: «شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل يخيل ~~إليه في الصلاة أنه يجد الشيء، قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا.» ~~متفق عليه. والثالث، ما لا يعرف له أصل، كرجل في ماله حلال وحرام، فهذا هو ~~الشبهة، التي الأولى تركها، على ما ذكرنا، وعملا بما روي عن النبي - صلى ms2030 ~~الله عليه وسلم - «أنه وجد تمرة ساقطة، فقال: لولا أني أخشى أنها من الصدقة ~~لأكلتها» . وهو من باب الورع. ### | [فصل حكم قبول جوائز السلطان] # (3186) فصل: وكان أحمد - رحمه الله -، لا يقبل جوائز السلطان، وينكر على ~~ولده وعمه قبولها، ويشدد في ذلك، وممن كان لا يقبلها سعيد بن المسيب، ~~والقاسم، وبشر بن سعيد، ومحمد بن واسع، والثوري، وابن المبارك، وكان هذا ~~منهم على سبيل الورع والتوقي، لا على أنها حرام، فإن أحمد قال: جوائز ~~السلطان أحب إلي من الصدقة. # وقال: ليس أحد من المسلمين إلا وله في هذه الدراهم نصيب فكيف أقول: إنها ~~سحت؟ وممن كان يقبل جوائزهم ابن عمر، وابن عباس، وعائشة وغيرهم من الصحابة، ~~مثل الحسن، والحسين وعبد الله بن جعفر. ورخص فيه الحسن البصري ومكحول، ~~والزهري والشافعي. واحتج بعضهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «اشترى من ~~يهودي طعاما، ومات ودرعه مرهونة عنده» . «وأجاب يهوديا دعاه، وأكل من ~~طعامه.» وقد أخبر الله تعالى أنهم أكالون للسحت وروي عن علي، - رضي الله ~~عنه -، أنه قال: لا بأس بجوائز السلطان، فإن ما يعطيكم من الحلال أكثر مما ~~يعطيكم من الحرام. وقال: لا تسأل السلطان شيئا، وإن أعطى فخذ، فإن ما في ~~بيت المال من الحلال أكثر مما فيه من الحرام. # فصل: قال أحمد - رحمه الله -، في من معه ثلاثة دراهم حرام: يتصدق ~~بالثلاثة، وإن كان معه مائتا درهم، فيها عشرة حرام، يتصدق بالعشرة؛ لأن هذا ~~كثير، وذاك قليل. فقيل له: قال سفيان: ما كان دون العشرة يتصدق به، وما كان ~~أكثر يخرج. قال: نعم، لا يجحف به. قال القاضي: وليس هذا على سبيل التحديد، ~~وإنما هو على طريق الاختيار؛ لأنه كلما كثر الحلال بعد تناول الحرام، وشق ~~التورع عن الجميع، بخلاف القليل فإنه يسهل إخراج الكل. # والواجب في الموضعين إخراج قدر الحرام، والباقي مباح له؛ وهذا لأن تحريمه ~~لم يكن لتحريم عينه، وإنما حرم لتعلق حق غيره به، فإذا أخرج عوضه زال ~~التحريم عنه، كما # PageV04P202 # لو كان صاحبه حاضرا فرضي ms2031 بعوضه، وسواء كان قليلا أو كثيرا. والورع إخراج ~~ما يتيقن به إخراج عين الحرام، ولا يحصل ذلك إلا بإخراج الجميع، لكن لما شق ~~ذلك في الكثير، ترك لأجل المشقة فيه، واقتصر على الواجب. ثم يختلف هذا ~~باختلاف الناس؛ فمنهم من لا يكون له إلا الدراهم اليسيرة، فيشق إخراجها؛ ~~لحاجته إليها، ومنهم من يكون له مال كثير، فيستغني عنها، فيسهل إخراجها. ### | [فصل بيع كل ماء عد كمياه العيون] # (3187) فصل: قد ذكرنا أن الظاهر من المذهب، لا يجوز بيع كل ماء عد كمياه ~~العيون، ونقع البئر في أماكنه قبل إحرازه في إنائه، ولا الكلأ في مواضعه ~~قبل حيازته. فعلى هذا؛ متى باع الأرض وفيها كلأ أو ماء، فلا حق للبائع فيه. ~~وقد ذكرنا رواية أخرى؛ أن ذلك مملوك وأنه يجوز بيعه. # فعلى هذه الرواية، إن باع الأرض، فذكر الماء والكلأ في البيع، دخل فيه، ~~وإن لم يذكره، كان الماء الموجود والكلأ للبائع؛ لأنه بمنزلة الزرع في ~~الأرض. والماء أصل بنفسه، فهو كالطعام في الدار، فما يتجدد بعد البيع، فهو ~~للمشتري. وعلى هذه الرواية، إذا باع من هذا الماء آصعا معلومة، جاز؛ لأنه ~~كالصبرة، وإن باع كل ماء البئر، لم يجز؛ لأنه يختلط بغيره. ولو باع من ~~النهر الجاري آصعا، لم يجز؛ لأن ذلك الماء يذهب، ويأتي غيره. (3188) فصل: ~~وعلى كلتا الروايتين؛ متى كان الماء النابع في ملكه، أو الكلأ أو المعادن، ~~وفق كفايته، لشربه، وشرب ماشيته، لم يجب عليه بذله. نص عليه؛ لأنه في ملكه، ~~فإذا تساوى هو وغيره في الحاجة، كان أحق به، كالطعام، وإنما توعد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - على منع فضل الماء، ولا فضل في هذا. ولأن عليه في ~~بذله ضررا، ولا يلزمه نفع غيره بمضرة نفسه. # وإن كان فيه فضل عن شربه، وشرب ماشيته وزرعه، واحتاجت إليه ماشية غيره، ~~لزمه بذله بغير عوض، ولكل واحد أن يتقدم إلى الماء ويشرب، ويسقي ماشيته، ~~وليس لصاحبه المنع من ذلك؛ لما روى إياس بن عبد الله المزني، أن رسول الله ms2032 ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «من منع فضل الماء، ليمنع به فضل الكلأ، منعه ~~الله فضل رحمته» . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «نهى أن تسأل المرأة طلاق أختها ونهى أن يمنع الماء مخافة أن ~~يرعى الكلأ» . # يعني إذا كان في مكان كلأ، وليس يمكنه الإقامة لرعيه إلا بالسقي من هذا ~~الماء فيمنعهم السقي، ليتوفر الكلأ عليه. وروى أبو عبيدة بإسناده، عن عمر، ~~أنه قال: ابن السبيل أحق بالماء من الباني عليه. وعن أبي هريرة، قال: ابن ~~السبيل أول شارب. وعن بهيسة، قالت: «قال أبي: يا رسول الله، ما الشيء الذي ~~لا يحل منعه؟ قال: الماء. قال: يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ ~~قال: الملح» . # وليس عليه بذل آلة البئر من الحبل، والدلو، والبكرة؛ لأنه يخلق ولا ~~يستخلف غيره، بخلاف الماء. وهذا كله هو # PageV04P203 # الظاهر من مذهب الشافعي ولا فرق فيما ذكرنا بين البنيان والصحاري. وعن ~~أحمد، أنه قال: إنما هذا في الصحاري والبرية، دون البنيان. يعني أن البنيان ~~إذا كان فيه الماء فليس لأحد الدخول إليه إلا بإذن صاحبه. ### | [فصل بذل فضل مائه لزرع غيره] # (3189) فصل: وهل يلزمه بذل فضل مائه لزرع غيره؟ فيه روايتان؛ إحداهما، لا ~~يلزمه. وهو مذهب الشافعي؛ لأن الزرع لا حرمة له في نفسه، ولهذا لا يجب على ~~صاحبه سقيه، بخلاف الماشية. والثانية يلزمه بذله لذلك؛ لما روي عن عبد الله ~~بن عمرو، «أن قيم أرضه بالوهط كتب إليه، يخبره أنه قد سقى أرضه، وفضل له من ~~الماء فضل يطلب بثلاثين ألفا. فكتب إليه عبد الله بن عمرو؛ أقم قلدك، ثم ~~اسق الأدنى فالأدنى، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن ~~بيع فضل الماء» . قال أبو عبيد: القلد يوم الشرب. وفي " المسند "، حدثنا ~~حسن، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «نهى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن بيع فضل الماء» . وروى إياس بن عبد الله، قال: ms2033 ~~«نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمنع فضل الماء.» رواه الترمذي، ~~وقال: حديث حسن صحيح. وفي لفظ: «نهى عن بيع الماء.» ولأن في منعه فضل الماء ~~إهلاكه، فحرم منعه كالماشية. وقولهم: لا حرمة له. قلنا: فلصاحبه حرمة، فلا ~~يجوز التسبب إلى إهلاك ماله. # ويحتمل أن يمنع نفي الحرمة عنه، فإن إضاعة المال منهي عنها، وإتلافه ~~محرم، وذلك دليل على حرمته. ### | [فصل اشترى عبدا بمائة فقضاها عنه غيره] # (3190) فصل: وإذا اشترى عبدا بمائة فقضاها عنه غيره، صح، سواء قضاه بأمره ~~أو غير أمره. فإن بان العبد مستحقا، لزم رد المائة إلى دافعها؛ لأننا تبينا ~~أنه قبض غير مستحق، فكأن المائة لم تخرج من يد دافعها. وإن بان العبد ~~معيبا، فرده بالعيب، أو بإقالة، أو أصدق امرأة إنسان شيئا، فطلقها الزوج ~~قبل دخوله بها، أو ارتدت، فهل يلزم رد المائة إلى دافعها أو على المشتري ~~والزوج؟ يحتمل وجهين؛ أحدهما، على الدافع؛ لأن القبض حصل منه، فالرد عليه، ~~كالتي قبلها. # والثاني، على الزوج والمشتري؛ لأن قضاءه بمنزلة الهبة لهما، بدليل براءة ~~ذمتها منه، والهبة المقبوضة لا يجوز الرجوع فيها. وإن كان الدفع بإذن ~~المشتري والزوج، احتمل أن يكون الحكم فيه كما لو قضاه بغير إذنه، إذا كان ~~فعل ذلك على سبيل التبرع عليه، واحتمل أن يكون رده على الزوج # PageV04P204 # والمشتري، إذا كان عقدهما صحيحا بكل حال؛ لأن إذنهما في تسليمه إلى من له ~~الدين عليهما إذا اتصل به القبض، جرى مجرى قبوله وقبضه، بخلاف ما إذا لم ~~يأذن وإن أذنا في دفع ذلك عنهما قرضا، فإن الرد يكون عليهما، والمقرض يرجع ~~عليهما بعوضه. ### | [فصل قال العبد لرجل ابتعني من سيدي ففعل فبان العبد معتقا] # (3191) فصل إذا قال العبد لرجل: ابتعني من سيدي. ففعل، فبان العبد معتقا، ~~فالضمان على السيد. نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة إن كان السيد حاضرا حين ~~غره العبد، وإن كان غائبا فالضمان على العبد؛ لأن الغرور منه. ولنا، أن ~~السيد قبض الثمن بغير استحقاق، وضمن العهدة، ms2034 فكان الضمان عليه، كما لو كان ~~حاضرا. وإن بان العبد مغصوبا، أو به عيب، فرده، فالضمان على السيد؛ لما ~~ذكرنا. ### | [فصل اشترى اثنان عبدا فغاب أحدهما وجاء الآخر يطلب نصيبه منه] # (3192) فصل: وإن اشترى اثنان عبدا، فغاب أحدهما، وجاء الآخر يطلب نصيبه ~~منه، فله ذلك. وقال أبو حنيفة ليس له ذلك؛ لأنه لا يمكنه تسليمه إلا بتسليم ~~نصيب الغائب، وليس له تسليمه بغير إذنه. ولنا، أنه طلب حصته، فكان له ذلك، ~~كما لو أوجب لكل واحد منهما منفردا. وما ذكروه يبطل بهذه الصورة. وإن قال ~~الحاضر: أنا أدفع جميع الثمن، ويدفع إلى جميع العبد. لم يكن له ذلك. # وقال أبو حنيفة: له ذلك. ولنا، أن شريكه لم يأذن للحاضر في قبض نصيبه، ~~ولا للبائع في دفعه إليه، فلم يكن لهما ذلك، كما لو كانا حاضرين. فإن سلم ~~إليه، فتلف العبد، فللغائب تضمين أيهما شاء؛ لأن الدافع فرط بدفع ماله بغير ~~إذنه، والشريك قبض مال غيره بغير إذنه فإن ضمن الشريك، لم يرجع على أحد؛ ~~لأن التلف حصل في يده، فاستقر الضمان عليه. # وإن ضمن الدافع رجع على القابض لذلك. ويقوى عندي أنه إذا لم يمكن تسليم ~~نصيب أحد المشتريين إليه إلا بتسليم نصيب صاحبه، أنه لا يجوز التسليم إليه؛ ~~لما ذكرنا هاهنا. ### | [فصل الإشهاد في البيع] # (3193) فصل: ويستحب الإشهاد في البيع؛ لقول الله تعالى: {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم} [البقرة: 282] وأقل أحوال الأمر الاستحباب. ولأنه أقطع للنزاع، ~~وأبعد من التجاحد، فكان أولى، ويختص ذلك بما له خطر، فأما الأشياء القليلة ~~الخطر، كحوائج البقال، والعطار، وشبههما، فلا يستحب ذلك فيها؛ لأن العقود ~~فيها تكثر، فيشق الإشهاد عليها، وتقبح إقامة البينة عليها، والترافع إلى ~~الحاكم من أجلها، بخلاف الكثير. وليس الإشهاد بواجب في واحد منهما، ولا ~~شرطا له. روي ذلك عن أبي سعيد الخدري وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي، ~~وإسحاق وأبي أيوب وقالت طائفة: ذلك فرض # PageV04P205 # لا يجوز تركه. # وروي ذلك عن ابن عباس. وممن رأى الإشهاد على البيع عطاء وجابر بن زيد، ~~والنخعي؛ ms2035 لظاهر الأمر، ولأنه عقد معاوضة فيجب الإشهاد عليه كالنكاح. ولنا، ~~قول الله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: ~~283] . وقال أبو سعيد: صار الأمر إلى الأمانة. وتلا هذه الآية، ولأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «اشترى من يهودي طعاما، ورهنه درعه» «واشترى من رجل ~~سراويل» ، «ومن أعرابي فرسا، فجحده الأعرابي حتى شهد له خزيمة بن ثابت» ولم ~~ينقل أنه أشهد في شيء من ذلك. # وكان الصحابة يتبايعون في عصره في الأسواق، فلم يأمرهم بالإشهاد، ولا نقل ~~عنهم فعله، ولم ينكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كانوا يشهدون ~~في كل بياعاتهم لما أخل بنقله. «وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عروة ~~بن الجعد أن يشتري له أضحية. ولم يأمره بالإشهاد، وأخبره عروة أنه اشترى ~~شاتين فباع إحداهما، ولم ينكر عليه ترك الإشهاد.» ولأن المبايعة تكثر بين ~~الناس في أسواقهم وغيرها، فلو وجب الإشهاد في كل ما يتبايعونه، أفضى إلى ~~الحرج المحطوط عنا بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: ~~78] . # والآية المراد بها الإرشاد إلى حفظ الأموال والتعليم، كما أمر بالرهن ~~والكاتب، وليس بواجب، وهذا ظاهر. ### | [فصل البيع والشراء في المسجد] # (3194) فصل: ويكره البيع والشراء في المسجد. وبه قال إسحاق؛ لما روى أبو ~~هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا رأيتم من يبيع أو ~~يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة في ~~المسجد، فقولوا: لا ردها الله عليك» . أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب، ~~ولأن المساجد لم تبن لهذا. ورأى عمران القصير رجلا يبيع في المسجد، فقال: ~~هذه سوق الآخرة، فإن أردت التجارة فاخرج إلى سوق الدنيا. # فإن باع فالبيع صحيح؛ لأن البيع تم بأركانه، وشروطه، ولم يثبت وجود مفسد ~~له، وكراهة ذلك لا توجب الفساد، كالغش في البيع والتدليس والتصرية. وفي قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: " قولوا: لا أربح الله تجارتك ". من غير ~~إخبار بفساد البيع، دليل على صحته، والله أعلم. # PageV04P206 ### | [باب ms2036 السلف المضمون إلى أجل مسمى] # باب السلم وهو أن يسلم عوضا حاضرا، في عوض موصوف في الذمة إلى أجل، ويسمى ~~سلما، وسلفا. يقال: أسلم، وأسلف، وسلف. وهو نوع من البيع، ينعقد بما ينعقد ~~به البيع، وبلفظ السلم والسلف، ويعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في البيع، ~~وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] ، وروى ~~سعيد بإسناده عن ابن عباس، أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد ~~أحله الله في كتابه، وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية. ولأن هذا اللفظ يصلح ~~للسلم. ويشمله بعمومه. # وأما السنة، فروى ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه قدم ~~المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: من أسلف في شيء ~~فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم.» متفق عليه، وروى البخاري ~~عن محمد بن أبي المجالد، قال: «أرسلني أبو بردة وعبد الله بن شداد إلى عبد ~~الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى، فسألتهما عن السلف، فقالا: كنا نصيب ~~المغانم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان يأتينا أنباط من أنباط ~~الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب. فقلت: أكان لهم زرع أم لم يكن ~~لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.» # وأما الإجماع، فقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن ~~السلم جائز، ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد، فجاز أن يثبت في الذمة، ~~كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات ~~يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها؛ لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فجوز لهم ~~السلم؛ ليرتفقوا، ويرتفق المسلم بالاسترخاص. ### | [مسألة كل ما ضبط بصفة فالسلم فيه جائز] # (3195) مسألة؛ قال أبو القاسم - رحمه الله -: (وكل ما ضبط بصفة، فالسلم ~~فيه جائز) وجملة ذلك، أن السلم، لا يصح إلا بشروط ستة: أحدها، أن يكون ~~المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن ms2037 باختلافها ظاهرا، فيصح في ~~الحبوب والثمار، والدقيق، والثياب، والإبريسم، والقطن، والكتان، والصوف، ~~والشعر، والكاغد، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، والأدوية، والطيب، ~~والخلول، والأدهان، والشحوم، والألبان، والزئبق، والشب، والكبريت، والكحل، ~~وكل مكيل، أو موزون، أو مزروع، وقد جاء الحديث في # PageV04P207 # الثمار، وحديث ابن أبي أوفى في الحنطة، والشعير، والزبيب، والزيت. # وأجمع أهل العلم على أن السلم في الطعام جائز، قاله ابن المنذر. وأجمعوا ~~على جواز السلم في الثياب. ولا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفة، كالجوهر من ~~اللؤلؤ، والياقوت، والفيروزج، والزبرجد، والعقيق، والبلور؛ لأن أثمانها ~~تختلف اختلافا متباينا بالصغر، والكبر، وحسن التدوير، وزيادة ضوئها، ~~وصفائها، ولا يمكن تقديرها ببيض العصفور، ونحوه؛ لأن ذلك يختلف؛ ولا بشيء ~~معين، لأن ذلك يتلف. وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي. وحكي عن مالك صحة ~~السلم فيها، إذا اشترط منها شيئا معلوما وإن كان وزنا، فبوزن معروف. والذي ~~قلناه أولى؛ لما ذكرنا. # ولا يصح فيما يجمع أخلاطا مقصودة غير متميزة، كالغالية، والند، والمعاجين ~~التي يتداوى بها؛ للجهل بها، ولا في الحوامل من الحيوان؛ لأن الولد مجهول ~~غير متحقق، ولا في الأواني المختلفة الرءوس والأوساط؛ لأن الصفة لا تأتي ~~عليه. وفيه وجه آخر، أنه يصح السلم فيه إذا ضبط بارتفاع حائطه، ودور أعلاه ~~وأسفله؛ لأن التفاوت في ذلك يسير، ولا يصح في القسي المشتملة على الخشب، ~~والقرن، والعضب، والتوز، إذ لا يمكن ضبط مقادير ذلك، وتمييز ما فيه منها. # وقيل: يجوز السلم فيها، والأولى ما ذكرنا. قال القاضي: والذي يجمع أخلاطا ~~على أربعة أضرب؛ أحدها، مختلط مقصود متميز، كالثياب المنسوجة من قطن وكتان، ~~أو قطن وإبريسم، فيصح السلم فيها، لأن ضبطها ممكن الثاني، ما خلطه لمصلحته، ~~وليس بمقصود في نفسه، كالإنفحة في الجبن، والملح في العجين والخبز، والماء ~~في خل التمر والزبيب، فيصح السلم فيه؛ لأنه يسير لمصلحته. الثالث، أخلاط ~~مقصودة غير متميزة، كالغالية والند والمعاجين، فلا يصح السلم فيها؛ لأن ~~الصفة لا تأتي عليها. # الرابع، ما خلطه غير مقصود، ولا مصلحة فيه كاللبن المشوب بالماء، فلا يصح ~~السلم ms2038 فيه. ### | [فصل السلم في الخبز واللبأ وما أمكن ضبطه مما مسته النار] # (3196) فصل: ويصح السلم في الخبز، واللبأ، وما أمكن ضبطه مما مسته النار. ~~وقال الشافعي: لا يصح السلم في كل معمول بالنار؛ لأن النار تختلف، ويختلف، ~~عملها، ويختلف الثمن بذلك. # PageV04P208 # ولنا: قوله - عليه السلام - «من أسلم فليسلم في كيل معلوم، أو وزن ~~معلوم.» فظاهر هذا إباحة السلم في كل مكيل وموزون ومعدود، ولأن عمل النار ~~فيه معلوم بالعادة، ممكن ضبطه بالنشافة، والرطوبة، فصح السلم فيه، كالمجفف ~~بالشمس. # فأما اللحم المطبوخ، والشواء، فقال القاضي: لا يصح السلم فيه. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأن ذلك يتفاوت كثيرا، وعادات الناس فيه مختلفة، فلم يمكن ضبطه. ~~وقال بعض أصحابنا: يصح السلم فيه؛ لما ذكرنا في الخبز واللبأ. ### | [فصل السلم في النشاب والنبل] # (3197) فصل: ويصح السلم في النشاب والنبل. وقال القاضي: لا يصح السلم ~~فيهما. وهو مذهب الشافعي لأنه يجمع أخلاطا من خشب، وعقب وريش، ونصل، فجرى ~~مجرى أخلاط الصيادلة، ولأن فيه ريشا نجسا؛ لأن ريشه من جوارح الطير. # ولنا، أنه مما يصح بيعه، ويمكن ضبطه بالصفات التي لا يتفاوت الثمن معها ~~غالبا، فصح السلم فيه، كالخشب والقصب، وما فيه من غيره متميز، يمكن ضبطه ~~والإحاطة به، ولا يتفاوت كثيرا، فلا يمنع، كالثياب المنسوجة من جنسين، وقد ~~يكون الريش طاهرا، وإن كان نجسا لكن يصح بيعه، فلم يمنع السلم فيه، كنجاسة ~~البغل والحمار. ### | [فصل السلم في الحيوان] # (3198) فصل: واختلفت الرواية في السلم في الحيوان فروي، لا يصح السلم ~~فيه. وهو قول الثوري وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن عمر وابن مسعود وحذيفة، ~~وسعيد بن جبير، والشعبي، والجوزجاني؛ لما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - أنه قال: إن من الربا أبوابا لا تخفى، وإن منها السلم في السن. ولأن ~~الحيوان يختلف اختلافا متباينا، فلا يمكن ضبطه. وإن استقصى صفاته التي ~~يختلف بها الثمن، مثل: أزج الحاجبين، أكحل العينين، أقنى الأنف، أشم ~~العرنين، أهدب الأشفار، ألمى الشفة، بديع الصفة. تعذر تسليمه؛ لندرة وجوده ~~على تلك الصفة. ms2039 # وظاهر المذهب، صحة السلم فيه. نص عليه، في رواية الأثرم. قال ابن المنذر: ~~وممن روينا عنه أنه لا بأس بالسلم في الحيوان ابن مسعود، وابن عباس، وابن ~~عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وحكاه الجوزجاني عن عطاء، والحكم. لأن أبا ~~رافع # PageV04P209 # قال: «استسلف النبي - صلى الله عليه وسلم - من رجل بكرا» . رواه مسلم. ~~وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن أبتع البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى مجيء الصدقة» . وقد ذكرنا ~~هذا الحديث في باب الربا. ولأنه ثبت في الذمة صداقا، فثبت في السلم ~~كالثياب، فأما حديث عمر، فلم يذكره أصحاب الاختلاف، ثم هو محمول على أنهم ~~يشترطون من ضراب فحل بني فلان. # قال الشعبي: إنما كره ابن مسعود السلف في الحيوان؛ لأنهم اشترطوا نتاج ~~فحل معلوم. رواه سعيد. وقد روي عن علي؛ أنه باع جملا له يدعى عصيفير، ~~بعشرين بعيرا، إلى أجل. ولو ثبت قول عمر في تحريم السلم في الحيوان، فقد ~~عارضه قول من سمينا ممن وافقنا. ### | [فصل السلم في غير الحيوان مما لا يكال ولا يوزن ولا يزرع] # (3199) فصل: واختلفت الرواية في السلم في غير الحيوان، مما لا يكال ولا ~~يوزن ولا يزرع، فنقل إسحاق بن إبراهيم، عن أحمد، أنه قال: لا أرى السلم إلا ~~فيما يكال أو يوزن أو يوقف عليه. قال أبو الخطاب: معناه يوقف عليه بحد ~~معلوم لا يختلف، كالزرع، فأما الرمان والبيض، فلا أرى السلم فيه. وحكى ابن ~~المنذر عنه وعن إسحاق، أنه لا خير في السلم في الرمان، والسفرجل، والبطيخ، ~~والقثاء، والخيار؛ لأنه لا يكال ولا يوزن، ومنه الصغير والكبير. # فعلى هذه الرواية، لا يصح السلم في كل معدود مختلف، كالذي سميناه، ~~وكالبقول؛ لأنه يختلف، ولا يمكن تقدير البقل بالحزم؛ لأن الحزم يمكن في ~~الصغير والكبير، فلم يصح السلم فيه، كالجواهر. ونقل إسماعيل بن سعيد وابن ~~منصور، جواز السلم في الفواكه، والسفرجل، والرمان، والموز، والخضراوات، ~~ونحوها؛ لأن كثيرا ms2040 من ذلك مما يتقارب وينضبط بالصغر والكبر، وما لا يتقارب ~~ينضبط بالوزن، كالبقول ونحوها، فصح السلم فيه، كالمزروع. # وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، والأوزاعي. وحكى ابن المنذر عن الشافعي ~~المنع من السلم في البيض والجوز. ولعل هذا قول آخر، فيكون له في ذلك قولان. ### | [فصل السلم في الرءوس والأطراف] # (3200) فصل: فأما السلم في الرءوس والأطراف، فيخرج في صحة السلم فيها ~~الخلاف الذي ذكرنا. وللشافعي فيها قولان أيضا، كالروايتين؛ أحدهما: يجوز. ~~وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي ثور؛ لأنه لحم فيه عظم يجوز شراؤه، فجاز ~~السلم فيه، كبقية اللحم. والآخر، لا يجوز. # وهو قول أبي حنيفة؛ لأن أكثره العظام والمشافر، واللحم فيه قليل، وليس ~~بموزون، بخلاف اللحم. فإن كان مطبوخا، أو مشويا، فقال الشافعي: لا يصح ~~السلم فيه. وهو # PageV04P210 # قياس قول القاضي؛ لأنه يتناثر ويختلف. وعلى قول غير القاضي من أصحابنا، ~~حكم ما مسته النار من ذلك حكم غيره. وبه قال مالك، والأوزاعي، وأبو ثور. # والعقد يقتضيه سليما من التأثر، والعادة في طبخه تتفاوت، فأشبه غيره. ### | [فصل السلم في الجلود] # (3201) فصل: وفي الجلود من الخلاف مثل ما في الرءوس والأطراف. وقال ~~الشافعي: لا يصح السلم فيها؛ لأنها تختلف، فالورك ثخين قوي، والصدر ثخين ~~رخو، والبطن رقيق ضعيف، والظهر أقوى، فيحتاج إلى وصف كل موضع منه، ولا يمكن ~~ذرعه؛ لاختلاف أطرافه. ولنا، أن التفاوت في ذلك معلوم، فلم يمنع صحة السلم ~~فيه، كالحيوان؛ فإنه يشتمل على الرأس والجلد والأطراف واللحم والشحم وما في ~~البطن، وكذلك الرأس يشتمل على لحم الخدين والأذنين والعينين، ويختلف ذلك، ~~ولم يمنع صحة السلم فيه، كذا هاهنا. ### | [فصل السلم في اللحم] # (3202) فصل: ويصح السلم في اللحم. وبه قال مالك، والشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: لا يجوز؛ لأنه يختلف. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~أسلم فليسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم» . وظاهره إباحة السلم في كل ~~موزون. ولأننا قد بينا جواز السلم في الحيوان، فاللحم أولى. # الشرط الثاني، أن يضبطه بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرا # فإن ms2041 المسلم فيه عوض في الذمة، فلا بد من كونه معلوما بالوصف كالثمن، ولأن ~~العلم شرط في المبيع، وطريقه إما الرؤية وإما الوصف. والرؤية ممتنعة هاهنا، ~~فتعين الوصف. والأوصاف على ضربين: متفق على اشتراطها، ومختلف فيها فالمتفق ~~عليها ثلاثة أوصاف؛ الجنس، والنوع، والجودة والرداءة. فهذه لا بد منها في ~~كل مسلم فيه. ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اشتراطها. وبه يقول أبو ~~حنيفة، ومالك، والشافعي. # الضرب الثاني، ما يختلف الثمن باختلافه مما عدا هذه الثلاثة الأوصاف، ~~وهذه تختلف باختلاف المسلم فيه، ونذكرها عند ذكره. وذكرها شرط في السلم عند ~~إمامنا والشافعي. وقال أبو حنيفة: يكفي ذكر الأوصاف الثلاثة لأنها تشتمل ~~على ما وراءها من الصفات. ولنا، أنه يبقى من الأوصاف، من اللون والبلد ~~ونحوهما، ما يختلف الثمن والغرض لأجله، فوجب، ذكره، كالنوع. ولا يجب ~~استقصاء كل الصفات؛ لأن ذلك يتعذر، وقد ينتهي الحال فيها إلى أمر يتعذر ~~تسليم المسلم فيه، إذ يبعد وجود المسلم فيه عند المحل بتلك الصفات كلها، ~~فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة التي # PageV04P211 # يختلف الثمن بها ظاهرا. # ولو استقصى الصفات حتى انتهى إلى حال يندر وجود المسلم فيه بتلك الأوصاف، ~~بطل السلم؛ لأن من شرط السلم أن يكون المسلم فيه عام الوجود عند المحل، ~~واستقصاء الصفات يمنع منه. ولو شرط الأجود، لم يصح أيضا؛ لأنه لا يقدر على ~~الأجود. وإن قدر عليه كان نادرا. وإن شرط الأردأ احتمل أن لا يصح لذلك، ~~واحتمل أن يصح؛ لأنه يقدر على تسليم ما هو خير منه، فإنه لا يسلم شيئا إلا ~~كان خيرا مما شرطه، فلا يعجز إذا عن تسليم ما يجب قبوله، بخلاف التي قبلها. ~~ولو أسلم في جارية وابنتها، لم يصح؛ لأنه لا بد أن يضبط كل واحدة منهما ~~بصفات، ويتعذر وجود تلك الصفات في جارية وابنتها. # وكذلك إن أسلم في جارية وأختها أو عمتها أو خالتها أو ابنة عمها؛ لما ~~ذكرنا. ولو أسلم في ثوب على صفة خرقة أحضرها، لم يجز؛ لجواز أن تهلك ~~الخرقة، وهذا غرر، ولا ms2042 حاجة إليه، فمنع الصحة، كما لو شرط مكيالا بعينه، أو ~~صنجة بعينها. ### | [فصل الجنس والجودة أو ما يقوم مقامهما شرطان في كل مسلم فيه] # (3203) فصل: والجنس، والجودة، أو ما يقوم مقامهما، شرطان في كل مسلم فيه، ~~فلا حاجة إلى تكرير ذكرهما في كل مسلم فيه، ويذكر ما سواهما، فيصف التمر ~~بأربعة أوصاف؛ النوع، برني أو معقلي، والبلد، إن كان يختلف، فيقول بغدادي، ~~أو بصري؛ فإن البغدادي أحلى وأقل بقاء لعذوبة الماء، والبصري بخلاف ذلك. ~~والقدر، كبار أو صغار، وحديث أو عتيق. فإن أطلق العتيق، فأي عتيق أعطى جاز، ~~ما لم يكن مسوسا ولا حشفا ولا متغيرا. # وإن قال: عتيق عام أو عامين فهو على ما قال. فأما اللون، فإن كان النوع ~~الواحد مختلفا، كالطبرز يكون أحمر، ويكون أسود. ذكره، وإلا فلا. والرطب ~~كالتمر في هذه الأوصاف، إلا الحديث والعتيق، ولا يأخذ من الرطب إلا ما أرطب ~~كله. ولا يأخذ منه مشدخا، ولا قديما قارب أن يتمر. وهكذا ما جرى مجراه، من ~~العنب والفواكه. ### | [فصل يوصف البر في السلم بأربعة أوصاف] # (3204) فصل: ويصف البر بأربعة أوصاف؛ النوع، فيقول: سبيلة أو سلموني. ~~والبلد، فيقول: حوراني أو بلقاوي أو سمالي. وصغار الحب أو كباره، وحديث أو ~~عتيق. وإن كان النوع الواحد يختلف لونه. ذكره، ولا يسلم فيه إلا مصفى، ~~وكذلك الحكم في الشعير والقطنيات وسائر الحبوب. ### | [فصل يوصف العسل في السلم بثلاثة أوصاف] # (3205) فصل: ويصف العسل بثلاثة أوصاف البلدي، فيجي أو نحوه. ويجزئ ذلك عن ~~النوع. والزمان؛ ربيعي أو خريفي، أو صيفي. واللون؛ أبيض أو أحمر، وليس له ~~إلا مصفى من الشمع. # PageV04P212 ### | [فصل ذكر النوع والسن والذكورية والأنوثية في السلم في الحيوان] # (3206) فصل: ولا بد في الحيوان كله من ذكر النوع، والسن، والذكورية، ~~والأنوثية، ويذكر اللون إذا كان النوع الواحد يختلف، ويرجع في سن الغلام ~~إليه إن كان بالغا، وإن كان صغيرا فالقول قول سيده، وإن لم يعلم رجع في ~~قوله إلى أهل الخبرة، على ما يغلب على ظنونهم تقريبا. وإذا ذكر النوع ms2043 في ~~الرقيق وكان مختلفا، مثل التركي؛ منهم الجكلي والخزري، فهل يحتاج إلى ذكره، ~~أو يكفي ذكر النوع؟ يحتمل وجهين. ولا يحتاج في الجارية إلى ذكر البكارة ~~والثيوبة ولا الجعودة والسبوطة؛ لأن ذلك لا يختلف به الثمن اختلافا بينا، ~~ومثل ذلك لا يراعى، كما في صفات الحسن والملاحة، فإن ذكر شيئا من ذلك، ~~لزمه. ويذكر الثيوبة والبكارة؛ لأن الثمن يختلف بذلك ويتعلق به الغرض. # ويذكر القد؛ خماسي أو سداسي، يعني خمسة أشبار أو ستة أشبار. قال أحمد، ~~يقول: خماسي سداسي، أسود أبيض، أعجمي أو فصيح. فأما الإبل فيضبطها بأربعة ~~أوصاف، فيقول: من نتاج بني فلان. والسن، بنت مخاض أو بنت لبون. واللون، ~~بيضاء أو حمراء أو ورقاء، وذكر أو أنثى، فإن كان نتاج يختلف فيه مهرية ~~وأرحبية، فهل يحتاج إلى ضبط ذلك؟ يحتمل وجهين؛ وما زاد على هذه الأوصاف لا ~~يفتقر إلى ذكره، وإن ذكر بعضه كان تأكيدا ولزمه. وأوصاف الخيل، كأوصاف ~~الإبل. وأما البغال والحمير، فلا نتاج لها، فيجعل مكان ذلك نسبتها إلى ~~بلدها. # وأما البقر والغنم، فإن عرف لها نتاج، فهي كالإبل، وإلا فهي كالحمر، ولا ~~بد من ذكر النوع في هذه الحيوانات، فيقول في الإبل: بختية أو عربية، وفي ~~الخيل، عربية أو هجين أو برذون. وفي الغنم، ضأن أو معز، إلا الحمر والبغال، ~~فلا نوع فيهما. # (3207) فصل: ويذكر في اللحم السن، والذكورية، والأنوثية، والسمن، ~~والهزال، وراعيا أو معلوفا، ونوع الحيوان، وموضع اللحم منه. ويزيد في ~~الذكر، فحلا أو خصيا. وإن كان من صيد، لم يحتج إلى ذكر العلف والخصاء. ~~ويذكر الآلة التي يصاد بها، من جارحة أو أحبولة. وفي الجارحة يذكر صيد فهد، ~~أو كلب، أو صقر، فإن الأحبولة يؤخذ الصيد منها سليما. وصيد الكلب خير من ~~صيد الفهد؛ لكون الكلب أطيب الحيوان نكهة. # قيل: هو أطيب الحيوان نكهة؛ لكونه مفتوح الفم في أكثر الأوقات، والصحيح ~~إن شاء الله تعالى أن هذا ليس بشرط؛ لأن التفاوت فيه يسير، ولا يكاد الثمن ~~يتباين باختلافه، ولا يعرفه إلا القليل من ms2044 الناس. وإذا لم يحتج في الرقيق ~~إلى ذكر البكارة والثيوبة، والسمن، # PageV04P213 # والهزال، وأشباهها مما يتباين بها الثمن وتختلف الرغبات بها، ويعرفها ~~الناس، فهذا أولى. ويلزم قبول اللحم بعظامه؛ لأنه هكذا يقطع، فهو كالنوى في ~~التمر، وإن كان السلم في لحم طير، لم يحتج إلى ذكر الذكورية والأنوثية، إلا ~~أن يختلف بذلك، كلحم الدجاج، ولا إلى ذكر موضع اللحم، إلا أن يكون كثيرا ~~يأخذ منه بعضه، ولا يلزمه قبول الرأس والساقين؛ لأنه لا لحم عليها. # وفي السمك يذكر النوع؛ بردي أو غيره، والكبر والصغر، والسمن والهزال، ~~والطري والملح، ولا يقبل الرأس والذنب، وله ما بينهما، وإن كان كثيرا يأخذ ~~بعضه، ذكر موضع اللحم منه. ### | [فصل ضبط السمن في السلم] # (3208) فصل: ويضبط السمن بالنوع من ضأن أو معز أو بقر، واللون، أبيض أو ~~أصفر. قال القاضي: ويذكر المرعي، ولا يحتاج إلى ذكر حديث أو عتيق؛ لأن ~~إطلاقه يقتضي الحديث، ولا يصح السلم في عتيقه؛ لأنه عيب، ولا ينتهي إلى حد ~~يضبط به. ويصف الزبد بأوصاف السمن، ويزيد، زبد يومه أو أمسه. ولا يلزمه ~~قبول متغير في السمن أو الزبد، ولا رقيق، إلا أن تكون رقته للحر. ويصف ~~اللبن بالنوع والمرعى، ولا يحتاج إلى اللون، ولا حلبة يومه؛ لأن إطلاقه ~~يقتضي ذلك، ولا يلزمه قبول متغير. # قال أحمد: ويصح السلم في المخيض. وقال الشافعي: لا يصح السلم فيه؛ لأن ~~فيه ما ليس من مصلحته، وهو الماء، فصار المقصود مجهولا. ولنا أن الماء ~~يسير، يترك لأجل المصلحة، جرت العادة به، فلم يمنع صحة السلم فيه، كالماء ~~في الشيرج، والملح والإنفحة في الجبن، والماء في خل التمر، ويصف الجبن ~~بالنوع والمرعى، ورطب أو يابس، ويصف اللبأ بصفات اللبن، ويزيد اللون، ويذكر ~~الطبخ أو ليس بمطبوخ. ### | [فصل ضبط الثياب في السلم بستة أوصاف] # (3209) فصل: وتضبط الثياب بستة أوصاف؛ النوع، كتان أو قطن. والبلد. ~~والطول. والعرض. والصفاقة والرقة. والغلظ والدقة. والنعومة والخشونة. ولا ~~يذكر الوزن، فإن ذكره، لم يصح لتعذر الجمع بين صفاته المشترطة، وكونه على ~~وزن ms2045 معلوم، فيكون فيه تغرير؛ لتعذر اتفاقه. وإن ذكر خاما أو مقصورا، فله ما ~~شرط، وإن لم يذكره، جاز، وله خام؛ لأنه الأصل. وإن ذكر مغسولا أو لبيسا. لم ~~يجز؛ لأن اللبس يختلف، ولا ينضبط. فإن أسلم في مصبوغ، وكان مما يصبغ غزله، ~~جاز؛ لأن ذلك من جملة صفات الثوب، وإن كان مما يصبغ بعد نسجه، لم يجز؛ لأن ~~صبغ الثوب يمنع الوقوف على نعومته وخشونته، ولأن الصبغ غير معلوم. وإن أسلم ~~في ثوب مختلف الغزول؛ كقطن وإبريسم، أو قطن وكتان، أو صوف، وكانت الغزول ~~مضبوطة بأن يقول: السدى إبريسم، واللحمة كتان أو نحوه، جاز. ولهذا جاز ~~السلم في الخز، وهو من غزلين مختلفين. وإن # PageV04P214 # أسلم في ثوب موشي، وكان الوشي من تمام نسجه، جاز. وإن كان زيادة، لم يجز؛ ~~لأنه لا ينضبط. ### | [فصل وصف غزل القطن والكتان في السلم] # (3210) فصل: ويصف غزل القطن والكتان، بالبلد واللون، والغلظ والدقة، ~~والنعومة والخشونة ويصف القطن بذلك، ويجعل مكان الغلظ والدقة الطول والقصر. ~~وإن شرط في القطن منزوع الحب، جاز. وإن أطلق كان له بحبه، كالتمر بنواه. ~~يصف الإبريسم بالبلد واللون، والغلظ والدقة، يصف الصوف بالبلد واللون، ~~والطول والقصر، والزمان، خريفي أو ربيعي؛ لأن صوف الخريف أنظف. قال القاضي: ~~ويصفه بالذكورية والأنوثية؛ لأن صوف الإناث أنعم. # ويحتمل أن لا يحتاج إلى هذه الصفة؛ لأن التفاوت في هذا يسير. وعليه ~~تسليمه نقيا من الشوك والبعر، وإن لم يشترطه. وإن اشترطه، جاز، وكان ~~تأكيدا. والشعر والوبر، كالصوف. ويصح السلم في الكاغد؛ لأنه يمكن ضبطه، ~~ويصفه بالطول والعرض، والدقة والغلظ، واستواء الصنعة، وما يختلف به الثمن. ### | [فصل ضبط النحاس والرصاص والحديد في السلم بالنوع] # (3211) فصل: ويضبط النحاس، والرصاص، والحديد بالنوع، فيقول في الرصاص: ~~قلعي أو أسرب. والنعومة والخشونة، واللون إن كان يختلف. ويزيد في الحديد ~~ذكرا أو أنثى، فإن الذكر أحد وأمضى. وإن أسلم في الأواني التي يمكن ضبط ~~قدرها وطولها وسمكها ودورها، كالأسطال القائمة الحيطان، والطسوت، جاز. ~~ويضبطها بذلك كله. وإن أسلم في قصاع وأقداح من ms2046 الخشب، جاز، ويذكر نوع خشبها ~~من جوز، أو توت، وقدرها في الصغر والكبر، والعمق والضيق، والثخانة والرقة ~~وأي عمل. وإن أسلم في سيف، ضبطه بنوع حديده، وطوله وعرضه، ورقته وغلظه، ~~وبلده، وقديم الطبع أو محدث، ماض أو غيره، ويصف قبضته وجفنه. ### | [فصل الخشب في السلم على أضرب] # (3212) فصل: والخشب على أضرب؛ منه ما يراد للبناء، فيذكر نوعه، ويبسه ~~ورطوبته، وطوله، ودوره، أو سمكه، وعرضه. ويلزمه أن يدفع إليه من طرفه إلى ~~طرفه بذلك العرض والدور. فإن كان أحد طرفيه أغلظ مما وصف، فقد زاده خيرا، ~~وإن كان أدق، لم يلزمه قبوله. وإن ذكر الوزن أو سمحا، جاز، وإن لم يذكره، ~~جاز، وله سمح خال من العقد؛ لأن ذلك، عيب. وإن كان # PageV04P215 # للقسي ذكر هذه الأوصاف، وزاد سهليا، أو جبليا، أو خوطا أو فلقة؛ فإن ~~الجبلي أقوى من السهلي؛ والخوط أقوى من الفلقة. ويذكر فيما للوقود الغلظة، ~~واليبس، والرطوبة، والوزن # ويذكر فيما للنصب النوع، والغلظ، وسائر ما يحتاج إلى معرفته، ويخرجه من ~~الجهالة. وإن أسلم في النشاب والنبل، ضبطه بنوع جنسه، وطوله وقصره، ودقته ~~وغلظه، ولونه، ونصله، وريشه. # (3213) فصل: والحجارة منها ما هو للأرحية، فيضبطها بالدور، والثخانة، ~~والبلد، والنوع إن كان يختلف. ومنها ما هو للبناء، فيذكر النوع، واللون، ~~والقدر والوزن. ويذكر في حجارة الآنية اللون، والنوع، والقدر، واللين، ~~والوزن. ويصف البلور بأوصافه. يصف الآجر واللبن بموضع التربة، واللون، ~~والدور، والثخانة، وإن أسلم في الجص، والنورة، ذكر اللون، والوزن. # ولا يقبل ما أصابه الماء فجف، ولا ما قدم قدما يؤثر فيه. ويضبط التراب ~~بمثل ذلك، ويقبل الطين الذي قد جف إذا كان لا يتأثر بذلك. ### | [فصل ضبط العنبر في السلم باللون والبلد] # (3214) فصل: ويضبط العنبر بلونه والبلد، وإن شرط قطعة أو قطعتين، جاز، ~~وإن لم يشترط، فله أن يعطيه صغارا أو كبارا، وقد قيل: إن العنبر نبات يخلقه ~~الله تعالى في جنبات البحر. ويضبط العود الهندي ببلده، وما يعرف به. ويضبط ~~المصطكى، واللبان، والغراء العربي، وصمغ الشجر، والمسك، وسائر ما يجوز ms2047 ~~السلم فيه، بما يختلف به. ### | [مسألة معرفة مقدار المسلم فيه] # (3215) مسألة قال: # (إذا كان بكيل معلوم، أو وزن معلوم، أو عدد معلوم) هذا الشرط الثالث. وهو ~~معرفة مقدار المسلم فيه بالكيل إن كان مكيلا، وبالوزن إن كان موزونا، ~~وبالعدد إن كان معدودا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلف في ~~شيء فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم» . ولأنه عوض غير ~~مشاهد يثبت في الذمة، فاشترط معرفة قدره، كالثمن. # ولا نعلم في اعتبار معرفة المقدار خلافا. ويجب أن يقدره بمكيال، أو أرطال ~~معلومة عند العامة. فإن قدره بإناء معلوم، أو صنجة معينة، غير معلومة، لم ~~يصح؛ لأنه يهلك، فيتعذر معرفة قدر المسلم فيه، وهذا غرر لا يحتاج إليه ~~العقد. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المسلم ~~في الطعام لا يجوز بقفيز لا يعلم عياره، ولا في ثوب بذرع فلان؛ لأن المعيار ~~لو تلف، أو مات فلان، بطل السلم. منهم؛ الثوري، والشافعي، وأبو حنيفة ~~وأصحابه، # PageV04P216 # وأبو ثور. # وإن عين مكيال رجل أو ميزانه، وكانا معروفين عند العامة، جاز. ولم يختص ~~بهما. وإن لم يعرفا، لم يجز. ### | [فصل أسلم فيما يكال وزنا أو فيما يوزن كيلا] # (3216) فصل: وإن أسلم فيما يكال وزنا، أو فيما يوزن كيلا، فنقل الأثرم، ~~أنه سأل أحمد عن السلم في التمر وزنا؟ فقال: لا إلا كيلا. قلت: إن الناس ~~هاهنا لا يعرفون الكيل. قال: وإن كانوا لا يعرفون الكيل. فيحتمل هذا أنه لا ~~يجوز في المكيل إلا كيلا، ولا في الموزون إلا وزنا. # وهكذا ذكره القاضي، وابن أبي موسى؛ لأنه مبيع يشترط معرفة قدره، فلم يجز ~~بغير ما هو مقدر به في الأصل، كبيع الرطوبات بعضها ببعض. ولأنه قدر المسلم ~~بغير ما هو مقدر به في الأصل، فلم يجز، كما لو أسلم في المذروع وزنا. ونقل ~~المروذي عن أحمد، أنه يجوز السلم في اللبن إذا كان كيلا أو وزنا. وهذا يدل ~~على إباحة السلم في المكيل وزنا، ms2048 وفي الموزون كيلا؛ لأن اللبن لا يخلو من ~~كونه مكيلا أو موزونا، وقد أجاز السلم فيه بكل واحد منهما. وهذا قول ~~الشافعي وابن المنذر وقال مالك: ذلك جائز إذا كان الناس يتبايعون التمر ~~وزنا. # وهذا أصح، إن شاء الله تعالى؛ لأن الغرض معرفة قدره، وخروجه من الجهالة، ~~وإمكان تسليمه من غير تنازع، فبأي قدر قدره جاز. ويفارق بيع الربويات؛ فإن ~~التماثل فيها في المكيل كيلا وفي الموزون وزنا شرط، ولا نعلم هذا الشرط إذا ~~قدرها بغير مقدارها الأصلي. إذا ثبت هذا، فإن الحبوب كلها مكيلة، وكذلك ~~التمر والزبيب والفستق والبندق والملح. قال القاضي: وكذلك الأدهان. وقال في ~~السمن واللبن والزبد: يجوز السلم فيها كيلا ووزنا. ولا يسلم في اللبأ إلا ~~وزنا؛ لأنه يجمد عقيب حلبه فلا يتحقق الكيل فيه. ### | [فصل المسلم فيه مما لا يمكنه وزنه بالميزان] # (3217) فصل: فإن كان المسلم فيه مما لا يمكنه وزنه بالميزان لثقله، ~~كالأرحية والحجارة الكبار، يوزن بالسفينة، فتترك السفينة في الماء، ثم يترك ~~ذلك فيها فينظر إلى أي موضع تغوص، فيعلمه، ثم يرفع ويترك مكانه رمل أو ~~حجارة صغار، إلى أن يبلغ الماء الموضع الذي كان بلغه، ثم يوزن بميزان. فما ~~بلغ فهو زنة ذلك الشيء الذي أريد معرفة وزنه. ### | [فصل تقدير المذروع بالذرع] # (3218) فصل: ولا بد من تقدير المذروع بالذرع، بغير خلاف نعلمه. قال ابن ~~المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن السلم جائز في الثياب ~~بذرع معلوم. # PageV04P217 ### | [فصل ما عدا المكيل والموزون والحيوان والمذروع في السلم على ضربين] # (3219) فصل: وما عدا المكيل والموزون والحيوان والمذروع، فعلى ضربين: ~~معدود، وغيره فالمعدود نوعان؛ أحدهما، لا يتباين كثيرا، كالجوز والبيض ~~ونحوهما، فيسلم فيه عددا. وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي. وقال الشافعي: يسلم ~~فيهما كيلا أو وزنا، ولا يجوز عددا؛ لأن ذلك يتباين ويختلف، فلم يجز عددا، ~~كالبطيخ. # ولنا أن التفاوت يسير، ويذهب ذلك باشتراط الكبر أو الصغر أو الوسط، فيذهب ~~التفاوت، وإن بقي شيء يسير عفي عنه، كسائر التفاوت في المكيل ms2049 والموزون ~~المعفو عنه، ويفارق البطيخ؛ فإنه ليس بمعدود، والتفاوت فيه كثير لا ينضبط. ~~النوع الثاني، ما يتفاوت؛ كالرمان والسفرجل والقثاء والخيار، فهذا حكمه حكم ~~ما ليس بمعدود من البطيخ والبقول، ففيه وجهان؛ أحدهما، يسلم فيه عددا، ~~ويضبطه بالصغر والكبر؛ لأنه يباع هكذا. # الثاني، لا يسلم فيه إلا وزنا. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي؛ لأنه لا ~~يمكن تقديره بالعدد، لأنه يختلف كثيرا، ويتباين جدا، ولا بالكيل؛ لأنه ~~يتجافى في المكيال، ولا يمكن تقدير البقول بالحزم؛ لأنه يختلف، ويمكن حزم ~~الكبيرة والصغيرة، فلم يمكن تقديره بغير الوزن، فتعين تقديره به. ### | [مسألة كون السلم مؤجلا أجلا معلوما] ### | [الفصل الأول يشترط لصحة السلم كونه مؤجلا] # (3220) مسألة؛ قال: # (إلى أجل معلوم بالأهلة) وهذا الشرط الرابع، وهو أن يكون مؤجلا أجلا ~~معلوما. وفي هذه المسألة فصول ثلاثة: # (3221) أحدها: أنه يشترط لصحة السلم كونه مؤجلا، ولا يصح السلم الحال. ~~قال أحمد، في رواية المروذي: لا يصح حتى يشترط الأجل. وبهذا قال أبو حنيفة، ~~ومالك، والأوزاعي. # وقال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: يجوز السلم حالا؛ لأنه عقد يصح ~~مؤجلا، فصح حالا، كبيوع الأعيان، ولأنه إذا جاز مؤجلا فحالا أجوز، ومن ~~الغرر أبعد. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلف في شيء، ~~فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم» . فأمر بالأجل، وأمره ~~يقتضي الوجوب. ولأنه أمر بهذه الأمور تبيينا لشروط السلم، ومنعا منه ~~بدونها، ولذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن، فكذلك الأجل. ولأن السلم ~~إنما جاز رخصة للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى ~~الرفق، فلا يصح، كالكتابة. # ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه، أما الاسم فلأنه يسمى سلما وسلفا؛ ~~لتعجل أحد العوضين وتأخر الآخر، ومعناه ما ذكرناه في أول الباب، من أن ~~الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية # PageV04P218 # إليه، ومع حضور ما يبيعه حالا لا حاجة إلى السلم، فلا يثبت. # ويفارق تنوع الأعيان، فإنها لم تثبت على خلاف الأصل لمعنى يختص بالتأجيل. ~~وما ذكروه من التنبيه غير صحيح؛ لأن ذلك ms2050 إنما يجزئ فيما إذا كان المعنى ~~المقتضي موجودا في الفرع بصفة التأكيد، وليس كذلك هاهنا؛ فإن البعد من ~~الضرر ليس هو المقتضي لصحة السلم المؤجل، وإنما المصحح له شيء آخر، لم نذكر ~~اجتماعهما فيه، وقد بينا افتراقهما. إذا ثبت هذا، فإنه إن باعه ما يصح ~~السلم فيه حالا في الذمة، صح، ومعناه معنى السلم، وإنما افترقا في اللفظ. ### | [الفصل الثاني كون الأجل معلوما في السلم الحال] # (3222) الفصل الثاني، أنه لا بد من السلم كون الأجل معلوما السلم؛ لقوله ~~تعالى: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] . وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " إلى أجل معلوم ". ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة ~~اختلافا فأما كيفيته فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه لا يختلف، ولا يصح أن ~~يؤجله بالحصاد والجزاز وما أشبهه. # وكذلك قال ابن عباس، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن المنذر. وعن أحمد، رواية ~~أخرى، أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وبه قال مالك وأبو ثور وعن ابن ~~عمر: أنه كان يبتاع إلى العطاء. وبه قال ابن أبي ليلى. وقال أحمد: إن كان ~~شيء يعرف فأرجو، وكذلك إن قال: إلى قدوم الغزاة. وهذا محمول على أنه أراد ~~وقت العطاء؛ لأن ذلك معلوم فأما نفس العطاء فهو في نفسه مجهول يختلف ويتقدم ~~ويتأخر. ويحتمل أنه أراد نفس العطاء؛ لكونه يتفاوت أيضا، فأشبه الحصاد. # واحتج من أجاز ذلك، بأنه أجل يتعلق بوقت من الزمن، يعرف في العادة، لا ~~يتفاوت فيه تفاوتا كثيرا، فأشبه إذا قال: إلى رأس السنة. ولنا ما روي عن ~~ابن عباس، أنه قال: لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا إلى ~~شهر معلوم. ولأن ذلك يختلف ويقرب ويبعد، فلا يجوز أن يكون أجلا كقدوم زيد. ~~فإن قيل: فقد روي عن عائشة أنها قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«بعث إلى يهودي، أن ابعث إلي بثوبين إلى الميسرة» . قلنا: قال ابن المنذر: ~~رواه حرمي بن عمارة. قال أحمد: فيه غفلة، وهو صدوق. قال ابن المنذر: فأخاف ms2051 ~~أن يكون من غفلاته، إذ لم يتابع عليه، ثم لا خلاف في أنه لو جعل الأجل إلى ~~الميسرة لم يصح. ### | [فصل جعل الأجل إلى شهر في السلم] # (3223) فصل: إذا جعل الأجل إلى شهر تعلق بأوله. وإن جعل الأجل اسما ~~يتناول شيئين كجمادى وربيع ويوم النفر، تعلق بأولهما. وإن قال: إلى ثلاثة ~~أشهر كان إلى انقضائها؛ لأنه إذا # PageV04P219 # ذكر ثلاثة أشهر مبهمة، وجب أن يكون ابتداؤها من حين لفظه بها. وكذلك لو ~~قال: إلى شهر. كان آخره. وينصرف ذلك إلى الأشهر الهلالية، بدليل قوله ~~تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والأرض منها أربعة حرم} [التوبة: 36] . وأراد الهلالية. وإن كان ~~في أثناء شهر كملنا شهرين بالهلال وشهرا بالعدد ثلاثين يوما. # وقيل: تكون الثلاثة كلها عددية. وقد ذكرنا هذا في غير هذا الموضع. وإن ~~قال: محله شهر كذا أو يوم كذا. صح، وتعلق بأوله. وقيل: لا يصح؛ لأنه جعل ~~ذلك ظرفا، فيحتمل أوله وآخره. والصحيح الأول؛ فإنه لو قال لامرأته: أنت ~~طالق في شهر كذا. تعلق بأوله، وهو نظير مسألتنا. # فإن قيل: الطلاق يتعلق بالإخطار والإغرار، ويجوز تعليقه على مجهول، كنزول ~~المطر، وقدوم زيد، بخلاف مسألتنا. قلنا: إلا أنه إذا جعل محله في شهر تعلق ~~بأوله، فلا يكون مجهولا، وكذا السلم. ### | [فصل شرط الأجل في السلم] # (3224) فصل: ومن شرط الأجل أن يكون مدة لها وقع في الثمن، كالشهر وما ~~قاربه. وقال أصحاب أبي حنيفة: لو قدره بنصف يوم، جاز. وقدره بعضهم بثلاثة ~~أيام، وهو قول الأوزاعي؛ لأنها مدة يجوز فيها خيار الشرط، ولأنها آخر حد ~~القلة، ويتعلق بها عندهم إباحة رخص السفر. وقال الآخرون: إنما اعتبر ~~التأجيل لأن المسلم فيه معدوم في الأصل، لكون السلم إنما ثبت رخصة في حق ~~المفاليس، فلا بد من الأجل ليحصل ويسلم؛ وهذا يتحقق بأقل مدة يتصور تحصيله ~~فيها ولنا أن الأجل إنما اعتبر ليتحقق المرفق الذي شرع من أجله السلم، ولا ~~يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها ms2052 في الثمن، ولا يصح اعتباره بمدة الخيار؛ ~~لأن الخيار يجوز ساعة، وهذا لا يجوز، والأجل يجوز أن يكون أعواما، وهم لا ~~يجيزون الخيار أكثر من ثلاث، وكونها آخر حد القلة، لا يقتضي التقدير بها. # وقولهم: إن المقصود يحصل بأقل مدة. غير صحيح؛ فإن السلم إنما يكون لحاجة ~~المفاليس الذين لهم ثمار أو زروع أو تجارات ينتظرون حصولها، ولا تحصل هذه ~~في المدة اليسيرة. ### | [الفصل الثالث كون الأجل في السلم معلوما بالأهلة] # (3225) الفصل الثالث، في كون الأجل معلوما بالأهلة، وهو أن يسلم إلى وقت ~~يعلم بالهلال، نحو أول الشهر، أو أوسطه، أو آخره، أو يوم معلوم منه؛ لقول ~~الله تعالى {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة: 189] . ~~ولا خلاف في صحة التأجيل بذلك. # ولو أسلم إلى عيد الفطر، أو النحر، أو يوم عرفة، أو عاشوراء، أو نحوها، ~~جاز؛ لأنه معلوم بالأهلة. وإن جعل الأجل مقدرا بغير الشهور الهلالية، فذلك ~~قسمان: # PageV04P220 # أحدهما، ما يعرفه المسلمون، وهو بينهم مشهور ككانون وشباط، أو عيد لا ~~يختلف كالنيروز والمهرجان عند من يعرفهما، فظاهر كلام الخرقي وابن أبي ~~موسى، أنه لا يصح؛ لأنه أسلم إلى غير الشهور الهلالية. أشبه إذا أسلم إلى ~~الشعانين وعيد الفطير، ولأن هذه لا يعرفها كثير من المسلمين، أشبه ما ~~ذكرنا. # وقال القاضي: يصح. وهو قول الأوزاعي، والشافعي. قال الأوزاعي: إذا أسلم ~~إلى فصح النصارى وصومهم، جاز؛ لأنه معلوم لا يختلف، أشبه أعياد المسلمين. ~~وفارق ما يختلف؛ فإنه لا يعلمه المسلمون. القسم الثاني، ما لا يعرفه ~~المسلمون، كعيد الشعانين وعيد الفطير ونحوهما، فهذا لا يجوز السلم إليه؛ ~~لأن المسلمين لا يعرفونه، ولا يجوز تقليد أهل الذمة فيه؛ لأن قولهم غير ~~مقبول، ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم لا يعرفه المسلمون. وإن أسلم ~~إلى ما لا يختلف، مثل كانون الأول، ولا يعرفه المتعاقدان أو أحدهما، لم ~~يصح؛ لأنه مجهول عنده. ### | [مسألة كون المسلم فيه عام الوجود في محله] # مسألة؛ قال: # (موجودا عند محله) هذا الشرط الخامس، وهو كون المسلم فيه عام ms2053 الوجود في ~~محله، ولا نعلم فيه خلافا. وذلك لأنه إذا كان كذلك، أمكن تسليمه عند وجوب ~~تسليمه. وإذا لم يكن عام الوجود، لم يكن موجودا عند المحل بحكم الظاهر، فلم ~~يمكن تسليمه، فلم يصح بيعه، كبيع الآبق، بل أولى؛ فإن السلم احتمل فيه ~~أنواع من الغرر للحاجة، فلا يحتمل فيه غرر آخر، لئلا يكثر الغرر فيه، فلا ~~يجوز أن يسلم في العنب والرطب إلى شباط أو آذار، ولا إلى محل لا يعلم وجوده ~~فيه، كزمان أول العنب أو آخره الذي لا يوجد فيه إلا نادرا، فلا يؤمن ~~انقطاعه. ### | [فصل أسلم في ثمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة] # (3227) فصل: ولا يجوز أن يسلم في ثمرة بستان بعينه، ولا قرية صغيرة؛ ~~لكونه لا يؤمن تلفه وانقطاعه. قال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم في ~~ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم، وممن حفظنا عنه ذلك؛ الثوري، ~~ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وإسحاق. # قال: وروينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «، أنه أسلف إليه رجل من ~~اليهود دنانير في تمر مسمى، فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى ~~إلى أجل مسمى» . رواه ابن ماجه وغيره، ورواه أبو إسحاق الجوزجاني، في " ~~المترجم ". وقال: أجمع # PageV04P221 # الناس على الكراهة لهذا البيع. ولأنه إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، لم ~~يؤمن انقطاعه وتلفه، فلم يصح، كما لو أسلم في شيء قدره بمكيال معين، أو ~~صنجة معينة، أو أحضر خرقة، وقال: أسلمت إليك في مثل هذه. ### | [فصل كون المسلم فيه موجودا حال السلم] # (3228) فصل: ولا يشترط كون المسلم فيه موجودا حال السلم، بل يجوز أن يسلم ~~في الرطب في أوان الشتاء، وفي كل معدوم إذا كان موجودا في المحل. وهذا قول ~~مالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وقال الثوري، والأوزاعي، وأصحاب ~~الرأي: لا يجوز حتى يكون جنسه موجودا حال العقد إلى حين المحل؛ لأن كل زمن ~~يجوز أن يكون محلا للمسلم فيه لموت المسلم ms2054 إليه، فاعتبر وجوده فيه كالمحل ~~ولنا «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار ~~السنة والسنتين، فقال: من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل ~~معلوم» . ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطا لذكره، ولنهاهم عن السلف سنتين؛ ~~لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة، ولأنه يثبت في الذمة، ويوجد ~~في محله غالبا، فجاز السلم فيه، كالموجود، ولا نسلم أن الدين يحل بالموت، ~~وإن سلمنا فلا يلزم أن يشترط ذلك الوجود، إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون آجال ~~السلم مجهولة، والمحل ما جعله المتعاقدان محلا، وها هنا لم يجعلاه. ### | [فصل تعذر تسليم المسلم فيه عند المحل] # (3229) فصل: إذا تعذر تسليم المسلم فيه عند المحل، إما لغيبة المسلم فيه ~~أو عجزه عن التسليم، حتى عدم المسلم فيه، أو لم تحمل الثمار تلك السنة، ~~فالمسلم بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد فيطالب به، وبين أن يفسخ العقد ~~ويرجع بالثمن إن كان موجودا، أو بمثله إن كان مثليا، وإلا قيمته. وبه قال ~~الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. # وفيه وجه آخر، أنه ينفسخ العقد بنفس التعذر؛ لكون المسلم فيه من ثمرة ~~العام بدليل وجوب التسليم منها، فإذا هلكت انفسخ العقد، كما لو باعه قفيزا ~~من صبرة فهلكت. والأول الصحيح؛ فإن العقد قد صح، وإنما تعذر التسليم، فهو ~~كما لو اشترى عبدا فأبق قبل القبض. # ولا يصح دعوى التعيين في هذا العام؛ فإنهما لو تراضيا على دفع المسلم فيه ~~من غيرها، جاز، وإنما أجبر على دفعه من ثمرة العام، لتمكينه من دفع ما هو ~~بصفة حقه، ولذلك يجب عليه الدفع من ثمرة نفسه إذا وجدها ولم يجد غيرها، ~~وليست متعينة. وإن تعذر البعض، فللمشتري الخيار بين الفسخ في الكل، والرجوع ~~بالثمن، وبين أن يصبر إلى حين الإمكان، ويطالب بحقه. # فإن أحب الفسخ في المفقود دون الموجود، فله ذلك؛ لأن الفساد طرأ بعد صحة ~~العقد، فلا يوجب الفساد في الكل، كما لو باعه صبرتين فتلفت إحداهما. وفيه ~~وجه آخر: ms2055 ليس له الفسخ إلا في الكل، أو يصبر، على ما ذكرنا من الخلاف في # PageV04P222 # الإقالة في بعض المسلم فيه. # وإن قلنا: إن الفسخ يثبت بنفس التعذر. انفسخ في المفقود دون الموجود؛ لما ~~ذكرنا من أن الفساد الطارئ على بعض المعقود عليه لا يوجب فساد الجميع، ~~ويثبت للمشتري خيار الفسخ في الموجود، كما ذكرنا في الوجه الأول. ### | [فصل أسلم نصراني إلى نصراني في خمر ثم أسلم أحدهما] # (3230) فصل: إذا أسلم نصراني إلى نصراني في خمر، ثم أسلم أحدهما. فقال ~~ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المسلم يأخذ دراهمه. ~~كذلك قال الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وبه نقول؛ لأنه إن كان ~~المسلم المسلم فليس له استيفاء الخمر، فقد تعذر استيفاء المعقود عليه، وإن ~~كان المسلم إليه فقد تعذر عليه إيفاؤها، فصار الأمر إلى رأس ماله. ### | [مسألة قبض الثمن كاملا وقت السلم قبل التفرق] # (3231) مسألة: قال: (ويقبض الثمن كاملا وقت السلم قبل التفرق) هذا الشرط ~~السادس، وهو أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل ~~العقد. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين ~~وثلاثة وأكثر، ما لم يكن ذلك شرطا؛ لأنه معاوضة لا يخرج بتأخير قبضه من أن ~~يكون سلما، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس. # ولنا، أنه عقد معاوضة، لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق، فلا يجوز ~~التفرق فيه قبل القبض، كالصرف ويفارق المجلس ما بعده، بدليل الصرف. وإن قبض ~~بعده، ثم تفرقا، فكلام الخرقي يقتضي أن لا يصح؛ لقوله: " كاملا ". وحكي ذلك ~~عن ابن شبرمة والثوري. وقال أبو الخطاب: هل يصح في غير المقبوض؟ على وجهين، ~~بناء على تفريق الصفقة. # وهذا الذي يقتضيه مذهب الشافعي. وقد نص أحمد في رواية ابن منصور، إذا ~~أسلم ثلاثمائة درهم في أصناف شتى؛ مائة في حنطة ومائة في شعير، ومائة في ~~شيء آخر، فخرج فيها زيوف، رد على الأصناف الثلاثة، على كل صنف بقدر ما وجد ~~من ms2056 الزيوف، فصح العقد في الباقي بحصته من الثمن. # وقال الشريف أبو جعفر، في من أسلم ألفا إلى رجل، فقبضه نصفه، وأحاله ~~بنصفه، أو كان له دين على المسلم إليه بقدر نصفه، فحسبه عليه من الألف: ~~فإنه يصح السلم في النصف المقبوض، ويبطل في الباقي. فأبطل السلم فيما لم ~~يقبض، وصححه فيما قبض. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يبطل في الحوالة في ~~الكل. وفي المسألة الأخرى: يبطل فيما لم يقبض، ويصح فيما قبض بقسطه؛ بناء ~~على تفريق الصفقة. ### | [فصل قبض الثمن في السلم فوجده رديئا فرده والثمن معين] # فصل: وإن قبض الثمن فوجده رديئا، فرده والثمن معين، بطل العقد برده، ~~ويبتدئان عقدا آخر إن أحبا. وإن كان في الذمة، فله إبداله في المجلس، ولا ~~يبطل العقد برده؛ لأن العقد إنما وقع على # PageV04P223 # ثمن سليم، فإذا دفع إليه ما ليس بسليم، كان له المطالبة بالسليم، ولا ~~يؤثر قبض المعيب في العقد. وإن تفرقا، ثم علم عيبه فرده، ففيه وجهان: ~~أحدهما، يبطل العقد برده، لوقوع القبض بعد التفرق، ولا يجوز ذلك في السلم. # والثاني، لا يبطل؛ لأن القبض الأول كان صحيحا؛ بدليل ما لو أمسكه ولم ~~يرده، وهذا يدل على المقبوض. وهذا قول أبي يوسف ومحمد. وهو أحد قولي ~~الشافعي. واختيار المزني، لكن من شرطه أن يقبض البدل في مجلس الرد، فإن ~~تفرقا عن مجلس الرد قبل قبض البدل لم يصح، وجها واحدا؛ لخلو العقد عن قبض ~~الثمن بعد تفرقهما. # وإن وجد بعض الثمن رديئا فرده، فعلى المردود التفصيل الذي ذكرناه. وهل ~~يصح في غير الرديء إذا قلنا بفساده في الرديء؟ على وجهين، بناء على تفريق ~~الصفقة. ### | [فصل خرجت الدراهم في السلم مستحقة والثمن معين] # (3233) فصل: وإن خرجت الدراهم مستحقة والثمن معين، لم يصح العقد. قال ~~أحمد: إذا خرجت الدراهم مسروقة، فليس بينهما بيع؛ وذلك لأن الثمن إذا كان ~~معينا فقد اشترى بعين مال غيره بغير إذنه، وإن كان غير معين فله المطالبة ~~ببدله في المجلس. # وإن قبضه ثم تفرقا بطل العقد؛ ms2057 لأن المقبوض لا يصلح عوضا، فقد تفرقا قبل ~~أخذ الثمن، إلا على الرواية التي تقل بصحة تصرف الفضولي، أو أن النقود لا ~~تتعين بالتعيين. وإن وجد بعضه مستحقا، بطل في ذلك البعض، وفي الباقي وجهان، ~~بناء على تفريق الصفقة. ### | [فصل له في ذمة رجل دينار فجعله سلما في طعام إلى أجل] # (3234) فصل: إذا كان له في ذمة رجل دينار، فجعله سلما في طعام إلى أجل، ~~لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، منهم ~~مالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي. وعن ابن ~~عمر أنه قال: لا يصلح ذلك. وذلك لأن المسلم فيه دين، فإذا جعل الثمن دينا ~~كان بيع دين بدين، ولا يصح ذلك بالإجماع. # ولو قال أسلمت إليك مائة درهم في كر طعام. وشرطا أن يعجل له منها خمسين ~~وخمسين إلى أجل، لم يصح العقد في الكل، على قول الخرقي، ويخرج [في] صحته في ~~قدر المقبوض وجهان، بناء على تفريق الصفقة؛ أحدهما، يصح. وهو قول أبي ~~حنيفة. والثاني، لا يصح. وهو قول الشافعي. وهو أصح؛ لأن للمعجل فضلا على ~~المؤجل، فيقتضي أن يكون في مقابلته أكثر مما في مقابلة المؤجل، والزيادة ~~مجهولة، فلا يصح. ### | [مسألة معرفة صفة الثمن المعين في السلم] # (3235) مسألة؛ قال: (ومتى عدم شيء من هذه الأوصاف، بطل) وجملة ذلك، أن ~~هذه الأوصاف الستة التي ذكرناها، لا يصح السلم إلا بها، وقد دللنا على ذلك. ~~واختلفت الرواية في شرطين آخرين: # PageV04P224 # أحدهما، معرفة صفة الثمن المعين. ولا خلاف في اشتراط معرفة صفته، إذا كان ~~في الذمة؛ لأنه أحد عوضي السلم، فإذا لم يكن معينا اشترط معرفة صفته، ~~كالمسلم فيه، إلا أنه إذا أطلق وفي البلد نقد معين، انصرف الإطلاق إليه، ~~وقام مقام وصفه، فأما إن كان الثمن معينا، فقال القاضي وأبو الخطاب: لا بد ~~من معرفة وصفه، واحتجا بقول أحمد: يقول: أسلمت إليك كذا وكذا درهما. ويصف ~~الثمن. فاعتبر ضبط صفته. # وهذا قول مالك وأبي حنيفة؛ لأنه عقد لا ms2058 يملك إتمامه في الحال، ولا تسليم ~~المعقود عليه، ولا يؤمن انفساخه، فوجب معرفة رأس المسلم فيه، ليرد بدله، ~~كالقرض والشركة. ولأنه لا يؤمن أن يظهر بعض الثمن مستحقا، فينفسخ العقد في ~~قدره، فلا يدري في كم بقي وكم انفسخ؟ فإن قيل: هذا موهوم، والموهومات لا ~~تعتبر. قلنا: التوهم معتبر هاهنا؛ لأن الأصل عدم الجواز، وإنما جوز إذا وقع ~~الأمن من الغرر، ولم يوجد هاهنا، بدليل ما إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، ~~أو قدر المسلم فيه بصنجة أو مكيال معين، فإنه لا يصح. # وظاهر كلام الخرقي، أنه لا يشترط؛ لأنه ذكر شرائط السلم ولم يذكره. وهو ~~أحد قولي الشافعي؛ لأنه عوض مشاهد، فلم يحتج إلى معرفة قدره، كبيوع ~~الأعيان. وكلام أحمد إنما تناول غير المعين، ولا خلاف في اعتبار أوصافه. # ودليلهم ينتقض بعقد الإجارة، وأنه ينفسخ بتلف العين المستأجرة، ولا يحتاج ~~مع اليقين إلى معرفة الأوصاف. ولأن رد مثل الثمن إنما يستحق عند فسخ العقد، ~~لا من جهة عقده، وجهالة ذلك لا تؤثر، كما لو باع المكيل، أو الموزون. ولأن ~~العقد تمت شرائطه. فلا يبطل بأمر موهوم، فعلى القول الذي يعتبر صفاته، لا ~~يجوز أن يجعل رأس مال السلم ما لا يمكن ضبط صفاته، كالجواهر وسائر ما لا ~~يجوز السلم فيه، فإن جعلاه سلما بطل العقد، ويجب رده إن كان موجودا، وقيمته ~~إن عرفت إذا كان معدوما. # فإن اختلفا، فالقول قول المسلم إليه؛ لأنه غارم. وهكذا إن حكمنا بصحة ~~العقد ثم انفسخ. وإن اختلفا في المسلم فيه، فقال أحدهما: في مائة مدي حنطة. ~~وقال الآخر: في مائة مدي شعير. تحالفا، وتفاسخا به. قال الشافعي، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي: كما لو اختلفا في ثمن المبيع. ### | [فصل منع بيع العروض بعضها ببعض نساء] # (3236) فصل: وكل مالين حرم النساء فيهما، لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر؛ ~~لأن السلم من شرطه النساء والتأجيل. والخرقي منع بيع العروض بعضها ببعض ~~نساء. فعلى قوله لا يجوز إسلام بعضها في بعض. وقال ابن أبي موسى: لا يجوز ms2059 ~~أن يكون رأس مال السلم إلا عينا أو ورقا. # وقال القاضي: وهو ظاهر كلام أحمد هاهنا. قال ابن المنذر. قيل لأحمد: يسلم ~~ما يوزن فيما يكال، وما يكال فيما يوزن؟ فلم يعجبه. وعلى هذا لا يجوز أن ~~يكون المسلم فيه ثمنا. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنها # PageV04P225 # لا تثبت في الذمة إلا ثمنا، فلا تكون مثمنة. وعلى الرواية التي تقول ~~بجواز النساء في العروض، يجوز أن يكون رأس مال السلم عرضا، كالثمن سواء، ~~ويجوز إسلامها في الأثمان. # قال الشريف أبو جعفر: يجوز السلم في الدراهم والدنانير. وهذا مذهب مالك ~~والشافعي؛ لأنها تثبت في الذمة صداقا، فتثبت سلما، كالعروض. ولأنه لا ربا ~~بينهما من حيث التفاضل ولا النساء، فصح إسلام أحدهما في الآخر، كالعرض في ~~العرض، ولا يصح ما قاله أبو حنيفة؛ فإنه لو باع دراهم بدنانير صح، ولا بد ~~أن يكون أحدهما مثمنا. فعلى هذا إذا أسلم عرضا في عرض موصوف بصفاته، فجاءه ~~عند الحلول بذلك العرض بعينه، لزمه قبوله، على أحد الوجهين؛ لأنه أتاه ~~بالمسلم فيه على صفته، فلزمه قبوله، كما لو كان غيره. # والثاني، لا يلزمه؛ لأنه يفضي إلى كون الثمن هو المثمن، ومن نصر الأول ~~قال: هذا لا يصح؛ لأن الثمن إنما هو في الذمة. وهذا عوض عنه. وهكذا لو أسلم ~~جارية صغيرة في كبيرة فحل المحل وهي على صفة المسلم فيه، فأحضرها، فعلى ~~احتمالين أيضا؛ أحدهما، لا يصح؛ لما ذكرنا، ولأنه يفضي إلى أن يكون قد ~~استمتع بها وردها خالية عن عقر. والثاني، يجوز؛ لأنه أحضر المسلم فيه على ~~صفته. ويبطل الأول بما إذا وجد بها عيبا فردها. واختلف أصحاب الشافعي في ~~هاتين المسألتين على هذين الوجهين. # وإن فعل ذلك حيلة؛ لينتفع بالعين، أو ليطأ الجارية ثم يردها بغير عوض، لم ~~يجز، وجها واحدا؛ لأن الحيل كلها باطلة. # الشرط الثاني المختلف فيه، تعين مكان الإيفاء. قال القاضي: ليس بشرط. ~~وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وطائفة من أهل الحديث. وبه قال أبو يوسف ~~ومحمد. وهو أحد قولي ms2060 الشافعي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم ~~فليسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم» . ولم يذكر مكان ~~الإيفاء، فدل على أنه لا يشترط. # وفي الحديث الذي فيه «، أن اليهودي أسلم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل ~~مسمى، إلى أجل مسمى» . ولم يذكر مكان الإيفاء. ولأنه عقد معاوضة، فلا يشترط ~~فيه ذكر مكان الإيفاء، كبيوع الأعيان، وقال الثوري: يشترط ذكر مكان ~~الإيفاء. وهو القول الثاني للشافعي وقال الأوزاعي: هو مكروه لأن القبض يجب ~~بحلوله، ولا يعلم موضعه حينئذ، فيجب شرطه لئلا يكون مجهولا. وقال أبو ~~حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي: إن كان لحمله مؤنة، وجب شرطه، وإلا فلا يجب؛ ~~لأنه إذا كان لحمله مؤنة اختلف فيه الغرض، بخلاف ما لا مؤنة فيه. # وقال ابن أبي موسى: إن كانا في برية لزم ذكر مكان الإيفاء، وإن لم يكونا ~~في برية، فذكر مكان الإيفاء حسن، وإن لم يذكراه كان الإيفاء في مكان العقد؛ ~~لأنه متى كانا في برية لم يمكن التسليم # PageV04P226 # في مكان العقد فإذا ترك ذكره كان مجهولا، وإن لم يكونا في برية اقتضى ~~العقد التسليم في مكانه، فاكتفى بذلك عن ذكره، فإن ذكره كان تأكيدا، فكان ~~حسنا فإن شرط الإيفاء في مكان سواء، صح؛ لأنه عقد بيع فصح شرط ذكر الإيفاء ~~في غير مكانه، كبيوع الأعيان. ولأنه شرط ذكر مكان الإيفاء، فصح، كما لو ~~ذكره في مكان العقد. # وذكر ابن أبي موسى رواية أخرى، أنه لا يصح لأنه شرط خلاف ما اقتضاه ~~العقد، لأن العقد يقتضي الإيفاء في مكانه. وقال القاضي، وأبو الخطاب: متى ~~ذكر مكان الإيفاء، ففيه روايتان، سواء شرطه في مكان العقد أو في غيره؛ لأن ~~فيه غررا، لأنه ربما تعذر تسليمه في ذلك المكان، فأشبه تعيين المكيال. ~~واختاره أبو بكر. وهذا لا يصح؛ فإن في تعيين المكان غرضا ومصلحة لهما، ~~فأشبه تعيين الزمان. # وما ذكروه من احتمال تعذر التسليم فيه ms2061 يبطل بتعيين الزمان، ثم لا يخلو ~~إما أن يكون مقتضى العقد التسليم في مكانه، فإذا شرطه فقد شرط مقتضى العقد، ~~أو لا يكون ذلك مقتضى العقد فيتعين ذكر مكان الإيفاء، نفيا للجهالة عنه، ~~وقطعا للتنازع، فالغرر في تركه لا في ذكره. وفارق تعيين المكيال، فإنه لا ~~حاجة إليه، ويفوت به علم المقدار المشترط لصحة العقد، ويفضي إلى التنازع، ~~وفي مسألتنا لا يفوت به شرط، ويقطع التنازع، فالمعنى المانع من التقدير ~~بمكيال بعينه مجهول هو المقتضي لشرط مكان الإيفاء، فكيف يصح قياسهم عليه. ### | [مسألة بيع المسلم فيه قبل قبضه] # (3237) مسألة؛ قال: (وبيع المسلم فيه من بائعه، أو من غيره، قبل قبضه، ~~فاسد. وكذلك الشركة فيه، والتولية، والحوالة به، طعاما كان أو غيره) أما ~~بيع المسلم فيه قبل قبضه، فلا نعلم في تحريمه خلافا، وقد «نهى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن بيع الطعام قبل قبضه» ، وعن ربح ما لم يضمن. ولأنه ~~مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه، كالطعام قبل قبضه. # وأما الشركة فيه والتولية، فلا تجوز أيضا؛ لأنهما بيع على ما ذكرنا من ~~قبل. وبهذا قال أكثر أهل العلم. وحكي عن مالك جواز الشركة والتولية؛ لما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، ~~وأرخص في الشركة والتولية» . # ولنا، أنها معاوضة في المسلم فيه قبل القبض، فلم يجز، كما لو كانت بلفظ ~~البيع. ولأنهما نوعا بيع، فلم يجوزا في المسلم قبل قبضه، كالنوع الآخر، ~~والخبر لا نعرفه، وهو حجة لنا؛ لأنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، والشركة ~~والتولية بيع فيدخلان في النهي. ويحمل قوله: وأرخص في الشركة والتولية. على ~~أنه أرخص فيهما في الجملة، لا في هذا الموضع. وأما الإقالة فإنها فسخ وليست ~~بيعا. وأما الحوالة به فغير جائزة، لأن الحوالة إنما تجوز على دين مستقر، ~~والسلم بغرض الفسخ، فليس # PageV04P227 # بمستقر. # ولأنه نقل للملك في المسلم فيه على غير وجه الفسخ، فلم يجز كالبيع. ومعنى ~~الحوالة به، أن يكون لرجل طعام من ms2062 سلم، وعليه مثله من قرض أو سلم آخر أو ~~بيع فيحيل بما عليه من الطعام على الذي له عنده السلم، فلا يجوز. وإن أحال ~~المسلم إليه المسلم بالطعام الذي عليه لم يصح أيضا؛ لأنه معاوضة بالمسلم ~~فيه قبل قبضه، فلم يجز، كالبيع. وأما بيع المسلم فيه من بائعه، فهو أن يأخذ ~~غير ما أسلم فيه عوضا عن المسلم فيه. فهذا حرام، سواء كان المسلم فيه ~~موجودا أو معدوما، سواء كان العوض مثل المسلم فيه في القيمة، أو أقل، أو ~~أكثر. # وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. وذكر ابن أبي موسى، عن أحمد، رواية أخرى ~~في من أسلم في بر، فعدمه عند المحل، فرضي المسلم بأخذ الشعير مكان البر، ~~جاز. ولم يجز أكثر من ذلك. وهذا يحمل على الرواية التي فيها أن البر ~~والشعير جنس واحد، والصحيح في المذهب خلافه. وقال مالك: يجوز أن يأخذ غير ~~المسلم فيه مكانه، يتعجله ولا يؤخره إلى الطعام. قال ابن المنذر: وقد ثبت ~~أن ابن عباس قال: إذا أسلم في شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ ~~عوضا أنقص منه، ولا تربح مرتين رواه سعيد في " سننه ". ولنا قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم في شيء، فلا يصرفه إلى غيره» . رواه أبو ~~داود، وابن ماجه. ولأن أخذ العوض عن المسلم فيه بيع، فلم يجز، كبيعه من ~~غيره. فأما إن أعطاه من جنس ما أسلم فيه خيرا منه، أو دونه في الصفات، جاز؛ ~~لأن ذلك ليس ببيع، إنما هو قضاء للحق، مع تفضل من أحدهما. ### | [فصل الإقالة في المسلم فيه] # (3238) فصل فأما. الإقالة في المسلم فيه، فجائزة، لأنها فسخ. قال ابن ~~المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن الإقالة في جميع ما أسلم ~~فيه جائزة؛ لأن الإقالة فسخ للعقد، ورفع له من أصله، وليست بيعا. قال ~~القاضي: ولو قال: لي عندك هذا الطعام، صالحني منه على ثمنه. جاز، وكانت ~~إقالة صحيحة. # فأما الإقالة في بعض المسلم فيه، فاختلف ms2063 عن أحمد فيها؛ فروي عنه أنها لا ~~تجوز. ورويت كراهتها عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، ~~والنخعي، وسعيد بن جبير، وربيعة، وابن أبي ليلى، وإسحاق. وروى حنبل، عن ~~أحمد. أنه قال: لا بأس بها. وروي ذلك عن ابن عباس، وعطاء، وطاووس، ومحمد بن ~~علي وحميد بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار، والحكم، والثوري، # PageV04P228 # والشافعي، والنعمان وأصحابه، وابن المنذر. ولأن الإقالة مندوب إليها، وكل ~~معروف جاز في الجميع جاز في البعض، كالإبراء والإنظار. # ووجه الرواية الأولى، أن السلف في الغالب يزاد فيه في الثمن من أجل ~~التأجيل، فإذا أقاله في البعض، بقي البعض بالباقي من الثمن وبمنفعة الجزء ~~الذي حصلت الإقالة فيه، فلم يجز، كما لو اشترط ذلك في ابتداء العقد. ويخرج ~~عليه الإبراء والإنظار؛ فإنه لا يتعلق به شيء من ذلك. # (3239) فصل: إذا أقاله، رد الثمن إن كان باقيا، أو مثله إن كان مثليا، أو ~~قيمته إن لم يكن مثليا. فإن أراد أن يعطيه عوضا عنه، فقال الشريف أبو جعفر: ~~ليس له صرف ذلك الثمن في عقد آخر حتى يقبضه. وبه قال أبو حنيفة؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» . ولأن هذا ~~مضمون على المسلم إليه بعقد السلم، فلم يجز التصرف فيه قبل قبضه، كما لو ~~كان في يد المشتري. # وقال القاضي أبو يعلى: يجوز أخذ العوض عنه. وهو قول الشافعي؛ لأنه عوض ~~مستقر في الذمة، فجاز أخذ العوض عنه، كما لو كان قرضا. ولأنه مال عاد إليه ~~بفسخ العقد، فجاز أخذ العوض عنه، كالثمن في المبيع إذا فسخ، والمسلم فيه ~~مضمون بالعقد، وهذا مضمون بعد فسخه، والخبر أراد به المسلم فيه، فلم يتناول ~~هذا. فإن قلنا بهذا، فحكمه حكم ما لو كان قرضا أو ثمنا في بيوع الأعيان، لا ~~يجوز جعله سلما في شيء آخر؛ لأنه يكون بيع دين بدين، ويجوز فيه ما يجوز في ~~القرض وأثمان البياعات إذا فسخت. ### | [مسألة أسلم في جنسين ثمنا واحدا] # (3240) مسألة؛ قال: ms2064 (وإذا أسلم في جنسين ثمنا واحدا، لم يجز، حتى يبين ~~ثمن كل جنس) صورة ذلك أن يسلم دينارا واحدا في قفيز حنطة وقفيز شعير، ولا ~~يبين ثمن الحنطة من الدينار، ولا ثمن الشعير، فلا يصح ذلك. وجوزه مالك ~~وللشافعي قولان كالمذهبين. واحتجوا بأن كل عقد جاز على جنسين في عقدين، جاز ~~عليهما في عقد واحد، كبيوع الأعيان، وكما لو بين ثمن أحدهما. # ولنا، أن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهول، فلم يصح، كما لو عقد عليه ~~مفردا بثمن مجهول. ولأن فيه غررا لأننا لا نأمن الفسخ بتعذر أحدهما، فلا ~~يعرف بم يرجع؟ وهذا غرر أثر مثله في السلم. وبمثل هذا عللنا معرفة صفة ~~الثمن وقدره. وقد ذكرنا ثم وجها آخر، أنه لا يشترط، فيخرج هاهنا مثله؛ لأنه ~~في معناه. ولأنه لما جاز أن يسلم في شيء واحد إلى أجلين، ولا يبين ثمن كل ~~واحد منهما، كذا هاهنا. قال ابن أبي موسى: ولا يجوز أن يسلم خمسة دنانير ~~وخمسين درهما في كر حنطة، حتى يبين حصة ما لكل واحد منهما من الثمن. # والأولى صحة هذا؛ لأنه إذا تعذر بعض المسلم فيه، رجع بقسطه منهما؛ إن ~~تعذر النصف رجع بنصفهما، وإن تعذر الخمس رجع بدينار وعشرة دراهم. # PageV04P229 ### | [مسألة أسلم في شيء واحد على أن يقبضه في أوقات متفرقة أجزاء معلومة] # (3241) مسألة؛ قال: (وإذا أسلم في شيء واحد، على أن يقبضه في أوقات ~~متفرقة أجزاء معلومة، فجائز) قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: الرجل يدفع ~~إلى الرجل الدراهم في الشيء يؤكل، فيأخذ منه كل يوم من تلك السلعة شيئا؟ ~~فقال: على معنى السلم إذا؟ فقلت: نعم. قال: لا بأس. ثم قال: مثل الرجل ~~القصاب، يعطيه الدينار على أن يأخذ منه كل يوم رطلا من لحم قد وصفه. وبهذا ~~قال مالك. وقال الشافعي: إذا أسلم في جنس واحد إلى أجلين، ففيه قولان: ~~أحدهما: لا يصح؛ لأن ما يقابل أبعدهما أجلا أقل مما يقابل الآخر، وذلك ~~مجهول، فلم يجز. # ولنا، أن كل بيع جاز ms2065 في أجل واحد، جاز في أجلين وآجال، كبيوع الأعيان، ~~فإذا قبض البعض وتعذر قبض الباقي، ففسخ العقد، رجع بقسطه من الثمن، ولا ~~يجعل للباقي فضلا عن المقبوض؛ لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء، فيقسط الثمن ~~على أجزائه بالسوية، كما لو اتفق أجله. ### | [مسألة أحضر المسلم فيه على الصفة المشروطة] # (3242) مسألة؛ قال: # (وإذا لم يكن السلم فيه، كالحديد # PageV04P230 # والرصاص، وما لا يفسد، ولا يختلف قديمه وحديثه، لم يكن عليه قبضه قبل ~~محله) يعني بالسلم: المسلم فيه، باسم المصدر، كما يسمى المسروق سرقة ~~والمرهون رهنا. قال إبراهيم: خذ سلمك أو دون سلمك، ولا تأخذ فوق سلمك. ومتى ~~أحضر المسلم فيه على الصفة المشروطة، لم يخل من ثلاثة أحوال: أحدها، أن ~~يحضره في محله، فيلزمه قبوله؛ لأنه أتاه بحقه في محله، فلزمه قبوله، ~~كالمبيع المعين، وسواء كان عليه في قبضه ضرر، أو لم يكن. # فإن أبى، قيل له: إما أن تقبض حقك، وإما أن تبرئ منه. فإن امتنع قبضه ~~الحاكم من المسلم إليه للمسلم، وبرئت ذمته منه؛ لأن الحاكم يقوم مقام ~~الممتنع بولايته، وليس له أن يبرئ؛ لأنه لا يملك الإبراء. # الحال الثاني، أن يأتي به قبل محله، فينظر فيه، فإن كان مما في قبضه قبل ~~محله ضرر، إما لكونه مما يتغير، كالفاكهة والأطعمة كلها، أو كان قديمه دون ~~حديثه، كالحبوب ونحوها، لم يلزم المسلم قبوله؛ لأن له غرضا في تأخيره، بأن ~~يحتاج إلى أكله أو إطعامه في ذلك الوقت، وكذلك الحيوان؛ لأنه لا يأمن تلفه، ~~ويحتاج إلى الإنفاق عليه إلى ذلك الوقت، وربما يحتاج إليه في ذلك الوقت دون ~~ما قبله. # وهكذا إن كان مما يحتاج في حفظه إلى مؤنة، كالقطن ونحوه، أو كان الوقت ~~مخوفا يخشى نهب ما يقبضه، فلا يلزمه الأخذ في هذه الأحوال كلها؛ لأن عليه ~~ضررا في قبضه، ولم يأت محل استحقاقه له، فجرى مجرى نقص صفة فيه. وإن كان ~~مما لا ضرر في قبضه، بأن يكون لا يتغير، كالحديد والرصاص والنحاس، فإنه ~~يستوي قديمه وحديثه، ونحو ذلك الزيت ms2066 والعسل، ولا في قبضه ضرر الخوف، ولا ~~تحمل مؤنة، فعليه قبضه؛ لأن غرضه حاصل مع زيادة تعجيل المنفعة، فجرى مجرى ~~زيادة الصفة وتعجيل الدين المؤجل. الحال الثالث، أن يحضره بعد محل الوجوب، ~~فحكمه حكم ما لو أحضر المبيع بعد تفرقهما. ### | [فصل أحضر المسلم فيه على صفته] # (3243) فصل: ولا يخلو إما أن يحضر المسلم فيه على صفته، أو دونها، أو ~~أجود منها. فإن أحضره على صفته، لزم قبوله؛ لأنه حقه. وإن أتى به دون صفته، ~~لم يلزمه قبوله؛ لأن فيه إسقاط حقه، فإن تراضيا على ذلك وكان من جنسه، جاز، ~~وإن كان من غير جنسه، لم يجز؛ لما تقدم. وإن اتفقا على أن يعطيه دون حقه، ~~ويزيده شيئا، لم يجز؛ لأنه أفرد صفة الجودة بالبيع، وذلك لا يجوز، ولأن بيع ~~المسلم فيه قبل قبضه غير جائز، فبيع وصفه أولى. # الثالث، أن يحضره أجود من الموصوف، فينظر فيه؛ فإن أتاه به من نوعه، لزمه ~~قبوله؛ لأنه أتى بما تناوله العقد وزيادة تابعة له، فينفعه ولا يضره، إذ لا ~~يفوته غرض. فإن أتاه به من نوع آخر، لم يلزمه قبوله؛ لأن العقد تناول ما ~~وصفاه على الصفة التي شرطاها، وقد فات بعض الصفات، فإن النوع صفة، وقد فات، ~~فأشبه ما لو فات غيره من الصفات. وقال القاضي: يلزمه قبوله؛ لأنهما جنس ~~واحد يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، فأشبه الزيادة في الصفة مع اتفاق ~~النوع. # والأول أجود؛ لأن أحدهما يصلح لما لا يصلح له الآخر، فإذا فوته عليه، فوت ~~عليه الغرض المتعلق به، فلم يلزمه قبوله، كما لو فوت عليه صفة الجودة. وهذا ~~مذهب الشافعي. فإن تراضيا على أخذ النوع بدلا عن النوع الآخر، جاز؛ لأنهما ~~جنس واحد لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، ويضم أحدهما إلى الآخر في ~~الزكاة، فجاز أخذ أحدهما عن الآخر، كالنوع الواحد. وقال بعض أصحاب الشافعي: ~~لا يجوز له أخذه؛ للمعنى الذي منع لزوم أخذه. وقال إبراهيم: لا تأخذ فوق ~~سلمك في كيل ولا صفة. # ولنا، أنهما تراضيا ms2067 على دفع المسلم فيه من جنسه، فجاز، كما لو تراضيا على ~~دفع الرديء مكان الجيد، أو الجيد مكان الرديء، وبهذا ينتقض ما ذكروه؛ فإنه ~~لا يلزم أخذ الرديء، ويجوز أخذه. ولأن المسلم أسقط حقه من النوع، فلم يبق ~~بينهما إلا صفة الجودة، وقد سمح بها صاحبها. ### | [فصل جاءه بالأجود فقال خذه وزدني درهما] # (3244) فصل: إذا جاءه بالأجود، فقال: خذه، وزدني درهما. لم يصح. وقال أبو ~~حنيفة: يصح كما لو أسلم في عشرة فجاءه بأحد عشر. ولنا، أن الجودة صفة، فلا ~~يجوز إفرادها بالعقد، كما لو كان مكيلا أو موزونا، فإن جاءه بزيادة في ~~القدر، فقال: خذه، وزدني درهما. ففعلا، صح؛ لأن الزيادة هاهنا يجوز إفرادها ~~بالعقد. # PageV04P231 ### | [فصل سلم إليه ما تناوله عقد السلم] # (3245) فصل: وليس له إلا أقل ما تقع عليه الصفة؛ لأنه إذا أسلم إليه ذلك، ~~فقد سلم إليه ما تناوله العقد، فبرئت ذمته منه. وعليه أن يسلم إليه الحنطة ~~نقية من التبن والقصل والشعير ونحوه، مما لا يتناوله اسم الحنطة. وإن كان ~~فيه تراب كثير يأخذ موضعا من المكيال، لم يجز. # وإن كان يسيرا لا يؤثر في المكيال ولا يعيبها، لزمه أخذه. ولا يلزمه أخذ ~~التمر إلا جافا. ولا يلزم أن يتناهى جفافه؛ لأنه يقع عليه الاسم. ولا يلزمه ~~أن يقبل معيبا بحال، ومتى قبض المسلم فيه فوجده معيبا، فله المطالبة بالبدل ~~أو الأرش، كالمبيع سواء. ### | [فصل لا يقبض المكيل إلا بالكيل ولا الموزون إلا بالوزن] # (3246) فصل: ولا يقبض المكيل إلا بالكيل، ولا الموزون إلا بالوزن، ولا ~~يقبضه جزافا، ولا بغير ما يقدر به؛ لأن الكيل والوزن يختلفان، فإن قبضه ~~بذلك، فهو كقبضه جزافا، فيقدره بما أسلم فيه، ويأخذ قدر حقه، ويرد الباقي، ~~ويطالب بالعوض. وهل له أن يتصرف في قدر حقه منه قبل أن يعتبره؟ على وجهين، ~~مضى ذكرهما في بيوع الأعيان. وإن اختلفا في قدره، فالقول قول القابض مع ~~يمينه. # قال القاضي: ويسلم إليه ملء المكيال وما يحمله، ولا يكون ممسوحا، ولا يدق ~~ولا يهز؛ لأن ms2068 قوله: أسلمت إليك في قفيز. يقتضي ما يسعه المكيال وما يحمله، ~~وهو ما ذكرنا. ### | [مسألة الرهن والضمين في السلم] # (3247) مسألة؛ قال: # (ولا يجوز أن يأخذ رهنا، ولا كفيلا من المسلم إليه) واختلفت الرواية في ~~الرهن والضمين في السلم، فروى المروزي، وابن القاسم وأبو طالب، منع ذلك، ~~وهو اختيار الخرقي وأبو بكر. ورويت كراهة ذلك عن علي، وابن عمر، وابن عباس، ~~والحسن، وسعيد بن جبير، والأوزاعي. # وروى حنبل جوازه. ورخص فيه عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والحكم، ومالك، ~~والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لقول الله تعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} [البقرة: 282] . # إلى قوله {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] . # وقد روي عن ابن عباس وابن عمر، أن المراد به السلم. ولأن اللفظ عام، ~~فيدخل السلم في عمومه. ولأنه أحد نوعي البيع، فجاز أخذ الرهن بما في الذمة ~~منه، كبيوع الأعيان. # ووجه الأول، أن الراهن والضمين إن أخذا برأس مال السلم، فقد أخذا بما ليس ~~بواجب ولا مآله إلى الوجوب؛ لأن ذلك قد ملكه المسلم إليه، وإن أخذا بالمسلم ~~فيه، فالرهن إنما يجوز بشيء يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن، والمسلم فيه لا ~~يمكن استيفاؤه من الرهن، ولا من ذمة الضامن. ولأنه لا يأمن هلاك الرهن في ~~يده بعدوان فيصير مستوفيا لحقه من غير المسلم فيه، وقد قال النبي # PageV04P232 # - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» رواه أبو ~~داود. ولأنه يقيم ما في ذمة الضامن مقام ما في ذمة المضمون عنه، فيكون في ~~حكم أخذ العوض والبدل عنه، وهذا لا يجوز. ### | [فصل أخذ رهنا أو ضمينا بالمسلم فيه] # (3248) فصل: فإن أخذ رهنا أو ضمينا بالمسلم فيه، ثم تقايلا السلم، أو فسخ ~~العقد لتعذر المسلم فيه، بطل الرهن؛ لزوال الدين الذي به الرهن، وبرئ ~~الضامن، وعلى المسلم إليه رد رأس مال السلم في الحال. ولا يشترط قبضه في ~~المجلس؛ لأنه ليس بعوض. ولو أقرضه ألفا، وأخذ به رهنا، ثم صالحه من الألف ~~على طعام معلوم في ذمته، صح، ms2069 وزال الرهن، لزوال دينه من الذمة، وبقي الطعام ~~في الذمة، ويشترط قبضه في المجلس، كي لا يكون بيع دين بدين. # فإن تفرقا قبل القبض، بطل الصلح، ورجع الألف إلى ذمته برهنه؛ لأنه يعود ~~على ما كان عليه، كالعصير إذا تخمر ثم عاد خلا. وهكذا لو صالحه عن الدراهم ~~بدنانير في ذمته، فالحكم مثل ما بينا في هذه المسألة. ### | [فصل ضمان السلم] # (3249) فصل: وإذا حكمنا بصحة ضمان السلم، فلصاحب الحق مطالبة من شاء ~~منهما، وأيهما قضاه برئت ذمتهما منه. فإن سلم المسلم إليه المسلم فيه إلى ~~الضامن ليدفعه إلى المسلم، جاز، وكان وكيلا. وإن قال: خذه عن الذي ضمنت ~~عني. لم يصح، وكان قبضا فاسدا مضمونا عليه؛ لأنه إنما استحق الأخذ بعد ~~الوفاء، فإن أوصله إلى المسلم، برئ بذلك؛ لأنه سلم إليه ما سلطه المسلم ~~إليه في التصرف فيه. وإن أتلفه فعليه ضمانه؛ لأنه قبضه على ذلك. وإن صالح ~~المسلم الضامن عن المسلم فيه بثمنه، لم يصح؛ لأن هذا إقالة، فلا يصح من غير ~~المسلم إليه. وإن صالحه المسلم إليه بثمنه صح، وبرئت ذمته وذمة الضامن؛ لأن ~~هذا إقالة، وإن صالحه على غير ثمنه، لم يصح؛ لأنه بيع المسلم فيه قبل ~~القبض. ### | [فصل ما يصح أخذ الرهن به في السلم] # (3250) فصل: والذي يصح أخذ الرهن به، كل دين ثابت في الذمة يصح استيفاؤه ~~من الرهن، كأثمان البياعات، والأجرة في الإجارات، والمهر، وعوض الخلع، ~~والقرض، وأرش الجنايات، وقيم المتلفات. ولا يجوز أخذ الرهن بما ليس بواجب، ~~ولا مآله إلى الوجوب، كالدية على العاقلة قبل الحول؛ لأنها لم تجب بعد، ولا ~~يعلم إفضاؤها إلى الوجوب، فإنهم لو جنوا أو افتقروا أو ماتوا، لم تجب ~~عليهم، فلم يصح أخذ الرهن بها. # فأما بعد الحول، فيجوز أخذ الرهن بها؛ لأنها قد استقرت في ذمتهم. ويحتمل ~~جواز أخذ الرهن بها قبل الحول؛ لأن الأصل بقاء الحياة واليسار والعقل. ولا ~~يجوز أخذ الرهن بالجعل في الجعالة قبل العمل؛ لأنه لم يجب، ولا يعلم إفضاؤه ~~إلى الوجوب. وقال ms2070 القاضي: يحتمل أخذ الرهن به؛ لأن مآله إلى الوجوب ~~واللزوم، فأشبهت أثمان البياعات. والأولى أولى؛ لأن # PageV04P233 # إفضاءها إلى الوجوب محتمل؛ فأشبهت الدية قبل الحول. # ويجوز أخذ الرهن به بعد العمل؛ لأنه قد وجب. ولا يجوز أخذ الرهن بمال ~~الكتابة؛ لأنه غير لازم؛ فإن للعبد تعجيز نفسه، ولا يمكن استيفاء دينه من ~~الرهن، لأنه لو عجز صار الرهن للسيد، لأنه من جملة مال المكاتب. # وقال أبو حنيفة: يجوز: ولنا، أنها وثيقة لا يمكن استيفاء الحق منها، فلم ~~يصح، كضمان الخمر، ولا يجوز أخذ الرهن بعوض المسابقة؛ لأنها جعلة، ولم يعلم ~~إفضاؤها إلى الوجوب، لأن الوجوب، إنما يثبت بسبق غير المخرج، وهذا غير ~~معلوم ولا مظنون. وقال بعض أصحابنا: فيها وجهان، هل هي إجارة أو جعالة؟ فإن ~~قلنا: هي إجارة. جاز أخذ الرهن بعوضها. وقال القاضي: إن لم يكن فيها محلل ~~فهي جعالة، وإن كان فيها محلل فعلى وجهين. وهذا كله بعيد؛ لأن الجعل ليس هو ~~في مقابلة العمل، بدليل أنه لا يستحقه إذا كان مسبوقا. وقد عمل العمل، ~~وإنما هو عوض عن السبق، ولا تعلم القدرة عليه. # ولأنه لا فائدة للجاعل فيه، ولا هو مراد له، وإذا لم تكن إجارة مع عدم ~~المحلل، فمع وجوده أولى، لأن مستحق الجعل هو السابق، وهو غير معين، ولا ~~يجوز استئجار رجل غير معين، ثم لو كانت إجارة لكان عوضها غير واجب في ~~الحال، ولا يعلم إفضاؤه إلى الوجوب ولا يظن، فلم يجز أخذ الرهن به كالجعل ~~في رد الآبق واللقط، ولا يجوز أخذ الرهن بعوض غير ثابت في الذمة، كالثمن ~~المعين، والأجرة المعينة في الإجارة، والمعقود عليه في الإجارة إذا كان ~~منافع معينة، مثل إجارة الدار، والعبد المعين، والجمل المعين، مدة معلومة، ~~أو لحمل شيء معين إلى مكان معلوم؛ لأن هذا حق تعلق بالعين لا بالذمة، ولا ~~يمكن استيفاؤه من الرهن؛ لأن منفعة العين لا يمكن استيفاؤها من غيرها، ~~وتبطل الإجارة بتلف العين. # وإن وقعت الإجارة على منفعة في الذمة، كخياطة ثوب، وبناء دار، ms2071 جاز أخذ ~~الرهن به؛ لأنه ثابت في الذمة، ويمكن استيفاؤه من الرهن، بأن يستأجر من ~~ثمنه من يعمل ذلك العمل، فجاز أخذ الرهن به، كالدين. ومذهب الشافعي في هذا ~~كله كما قلنا. ### | [فصل الأعيان المضمونة] # (3251) فصل: فأما الأعيان المضمونة، كالمغصوب، والعواري، والمقبوض ببيع ~~فاسد، والمقبوض على وجه السوم، ففيها وجهان؛ أحدهما، لا يصح الرهن بها. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأن الحق غير ثابت في الذمة، فأشبه ما ذكرنا، ولأنه إن رهنه ~~على قيمتها إذا تلفت، فهو رهن على ما ليس بواجب، ولا يعلم إفضاؤه إلى ~~الوجوب. وإن أخذ الرهن على عينها لم يصح؛ لأنه لا يمكن استيفاء عينها من ~~الرهن، فأشبه أثمان البياعات المتعينة. # والثاني يصح أخذ الرهن بها. وهو مذهب أبي حنيفة، وقال: كل عين كانت ~~مضمونة بنفسها، # PageV04P234 # جاز أخذ الرهن بها. يريد ما يضمن بمثله أو قيمته كالمبيع يجوز أخذ الرهن ~~به؛ لأنه مضمون بفساد العقد، لأن مقصود الرهن الوثيقة بالحق، وهذا حاصل، ~~فإن الرهن بهذه الأعيان يحمل الراهن على أدائها. وإن تعذر أداؤها، استوفى ~~بدلها من ثمن الرهن، فأشبهت الدين في الذمة. ### | [فصل ما جاز أخذ الرهن به جاز أخذ الضمين به] # (3252) فصل قال القاضي: كل ما جاز أخذ الرهن به، جاز أخذ الضمين به، وما ~~لم يجز الرهن به، لم يجز أخذ الضمين به، إلا ثلاثة أشياء؛ عهدة المبيع يصح ~~ضمانها ولا يصح الرهن بها، والكتابة لا يصح الرهن بدينها، وفي ضمانها ~~روايتان، وما لم يجب لا يصح الرهن به ويصح ضمانه، والفرق بينهما من وجهين. ~~أحدهما، أن الرهن بهذه الأشياء يبطل الإرفاق، فإنه إذا باع عبده بألف، ودفع ~~رهنا يساوي ألفا، فكأنه ما قبض الثمن، ولا ارتفق به، والمكاتب إذا دفع ما ~~يساوي كتابته، فما ارتفق بالأجل؛ لأنه كان يمكنه بيع الرهن أو بقاء ~~الكتابة، ويستريح من تعطيل منافع عبده، والضمان بخلاف هذا. الثاني أن ضرر ~~الرهن يعم؛ لأنه يدوم بقاؤه عند المشتري فيمنع. # البائع التصرف فيه، والضمان بخلافه. ### | [فصل اختلف المسلم والمسلم إليه في حلول ms2072 الأجل] # (3253) فصل: إذا اختلف المسلم والمسلم إليه، في حلول الأجل، فالقول قول ~~المسلم إليه؛ لأنه منكر. وإن اختلفا في أداء المسلم فيه، فالقول قول ~~المسلم؛ لذلك. وإن اختلفا في قبض الثمن، فالقول قول المسلم إليه؛ لذلك. وإن ~~اتفقا عليه، وقال أحدهما: كان في المجلس قبل التفرق. وقال الآخر: بعده. ~~فالقول قول من يدعي القبض في المجلس؛ لأن معه سلامة العقد، وإن أقام كل ~~واحد منهما بينة بموجب دعواه، قدمت أيضا بينته؛ لأنها مثبتة والأخرى نافية. ### | [باب القرض] # والقرض نوع من السلف، وهو جائز بالسنة والإجماع أما السنة، فروى أبو ~~رافع، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف من رجل بكرا، فقدمت على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل ~~بكره. فرجع إليه أبو رافع، فقال يا رسول الله، لم أجد فيها إلا خيارا ~~رباعيا. فقال: أعطه، فإن خير الناس أحسنهم قضاء.» رواه مسلم. وعن ابن ~~مسعود، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من مسلم يقرض مسلما قرضا ~~مرتين. إلا كان كصدقة مرة» # PageV04P235 # وعن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأيت ليلة أسري بي ~~على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر. فقلت: يا ~~جبريل، ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ . قال: لأن السائل يسأل وعنده، ~~والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة.» رواهما ابن ماجه.، وأجمع المسلمون على ~~جواز القرض. ### | [فصل القرض مندوب إليه في حق المقرض مباح للمقترض] # (3254) فصل: # والقرض مندوب إليه في حق المقرض، مباح للمقترض؛ لما روينا من الأحاديث، ~~ولما روى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كشف عن مسلم ~~كربة من كرب الدنيا، كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون ~~العبد ما دام العبد في عون أخيه» . # وعن أبي الدرداء، أنه قال: " لأن أقرض دينارين ثم يردان، ثم أقرضهما، أحب ~~إلي من أن أتصدق بهما. ولأن فيه تفريجا عن أخيه المسلم، وقضاء لحاجته، ~~وعونا له، فكان ms2073 مندوبا إليه، كالصدقة عليه وليس بواجب. قال أحمد لا إثم على ~~من سئل القرض فلم يقرض. وذلك لأنه من المعروف، فأشبه صدقة التطوع. وليس ~~بمكروه في حق المقرض. قال أحمد: ليس القرض من المسألة. يعني ليس بمكروه؛ ~~وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستقرض، بدليل حديث أبي رافع، ~~ولو كان مكروها، كان أبعد الناس منه. ولأنه إنما يأخذه بعوضه، فأشبه الشراء ~~بدين في ذمته. قال ابن أبي موسى: لا أحب أن يتحمل بأمانته ما ليس عنده. ~~يعني ما لا يقدر على وفائه. ومن أراد أن يستقرض، فليعلم من يسأله القرض ~~بحاله، ولا يغره من نفسه، إلا أن يكون الشيء اليسير الذي لا يتعذر رد مثله. # قال أحمد: إذا اقترض لغيره ولم يعلمه بحاله، لم يعجبني. وقال: ما أحب أن ~~يقترض بجاهه لإخوانه. قال القاضي: يعنى إذا كان من يقترض له غير معروف ~~بالوفاء؛ لكونه تغريرا بمال المقرض، وإضرارا به، أما إذا كان معروفا ~~بالوفاء، لم يكره؛ لكونه إعانة له، وتفريجا لكربته. ### | [فصل القرض لا يصح إلا من جائز التصرف] # (3255) فصل: ولا يصح إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقد على المال، فلم يصح ~~إلا من جائز التصرف كالبيع. وحكمه في الإيجاب والقبول حكم البيع، على ما ~~مضى. ويصح بلفظ السلف والقرض؛ لورود الشرع بهما، وبكل لفظ يؤدي معناهما، ~~مثل أن يقول: ملكتك هذا، على أن ترد على بدله. أو توجد قرينة دالة على ~~إرادة القرض. فإن قال: ملكتك. # ولم يذكر البدل، ولا وجد ما يدل عليه، فهو هبة. فإن اختلفا، فالقول قول ~~الموهوب له؛ لأن الظاهر معه، لأن التمليك من غير عوض هبة. ### | [فصل القرض لا يثبت فيه خيار] # (3256) فصل: ولا يثبت فيه خيار ما؛ لأن المقرض دخل على بصيرة أن الحظ ~~لغيره، فأشبه الهبة، والمقترض متى شاء رده، فيستغني بذلك عن ثبوت الخيار ~~له. ويثبت الملك في القرض بالقبض. # PageV04P236 # وهو عقد لازم في حق المقرض، جائز في حق المقترض، فلو أراد المقرض الرجوع ~~في عين ماله، لم يملك ms2074 ذلك. # وقال الشافعي: له ذلك؛ لأن كل ما يملك المطالبة بمثله ملك أخذه إذا كان ~~موجودا، كالمغصوب والعارية. ولنا، أنه أزال ملكه بعوض من غير خيار، فلم يكن ~~له الرجوع فيه كالمبيع، ويفارق المغصوب، والعارية، فإنه لم يزل ملكه عنهما، ~~ولأنه لا يملك المطالبة بمثلهما مع وجودهما، وفي مسألتنا بخلافه. فأما ~~المقترض، فله رد ما اقترضه على المقرض، إذا كان على صفته لم ينقص، ولم يحدث ~~به عيب؛ لأنه على صفة حقه، فلزمه قبوله كالمسلم فيه، وكما لو أعطاه غيره. # ويحتمل أن لا يلزم المقترض قبول ما ليس بمثلي؛ لأن القرض فيه يوجب رد ~~القيمة على أحد الوجهين، فإذا رده بعينه لم يرد الواجب عليه، فلم يجب قبوله ~~كالمبيع. ### | [فصل للمقرض المطالبة ببدله في الحال] # (3257) فصل: وللمقرض المطالبة ببدله في الحال؛ لأنه سبب يوجب رد المثل في ~~المثليات، فأوجبه حالا كالإتلاف. ولو أقرضه تفاريق، ثم طالبه بها جملة؛ فله ~~ذلك؛ لأن الجميع حال، فأشبه ما لو باعه بيوعا حالة، ثم طالبه بثمنها جملة. ~~وإن أجل القرض، لم يتأجل، وكان حالا. وكل دين حل أجله، لم يصر مؤجلا ~~بتأجيله. وبهذا قال الحارث العكلي، والأوزاعي، وابن المنذر، والشافعي، وقال ~~مالك والليث: يتأجل الجميع بالتأجيل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«المؤمنون عند شروطهم» . # ولأن المتعاقدين يملكان التصرف في هذا العقد بالإقالة والإمضاء؛ فملكا ~~الزيادة فيه، كخيار المجلس. وقال أبو حنيفة في القرض وبدل المتلف كقولنا، ~~وفي ثمن المبيع والأجرة والصداق وعوض الخلع كقولهما؛ لأن الأجل يقتضي جزءا ~~من العوض، والقرض لا يحتمل الزيادة والنقص في عوضه، وبدل المتلف الواجب فيه ~~المثل من غير زيادة ولا نقص؛ فلذلك لم يتأجل، وبقية الأعواض يجوز الزيادة ~~فيها، فجاز تأجيلها. # ولنا، أن الحق يثبت، حالا، والتأجيل تبرع منه ووعد، فلا يلزم الوفاء به، ~~كما لو أعاره شيئا، وهذا لا يقع عليه اسم الشرط، ولو سمي، فالخبر مخصوص ~~بالعارية، فيلحق به مما اختلفا فيه لأنه مثله ولنا، على أبي حنيفة، أنها ~~زيادة بعد استقرار العقد، فأشبه القرض، ms2075 وأما الإقالة: فهي فسخ، وابتداء عقد ~~آخر، بخلاف مسألتنا، وأما خيار المجلس، فهو بمنزلة ابتداء العقد، بدليل أنه ~~يجزئ فيه القبض لما يشترط قبضه، والتعين لما في الذمة. ### | [فصل قرض المكيل والموزون] # (3258) فصل: ويجوز قرض المكيل والموزون بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمع ~~كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن استقراض ماله مثل من المكيل والموزون ~~والأطعمة جائز. ويجوز قرض # PageV04P237 # كل ما يثبت في الذمة سلما، سوى بني آدم. وبهذا قال الشافعي وقال أبو ~~حنيفة لا يجوز قرض غير المكيل والموزون؛ لأنه لا مثل له، أشبه الجواهر. ~~ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف بكرا، وليس بمكيل ولا ~~موزون» . # ولأن ما يثبت سلما، يملك بالبيع ويضبط بالوصف، فجاز قرضه، كالمكيل ~~والموزون. وقولهم: لا مثل له. خلاف أصلهم، فإن عند أبي حنيفة، لو أتلف على ~~رجل ثوبا، ثبت في ذمته مثله، ويجوز الصلح عنه بأكثر من قيمته. فأما ما لا ~~يثبت في الذمة سلما، كالجواهر وشبهها، فقال القاضي: يجوز فيها قرضها، ويرد ~~المستقرض القيمة؛ لأن ما لا مثل له يضمن بالقيمة، والجواهر كغيرها في ~~القيم. # وقال أبو الخطاب: لا يجوز قرضها، لأن القرض يقتضي رد المثل، وهذه لا مثل ~~لها. ولأنه لم ينقل قرضها، ولا هي في معنى ما نقل القرض فيه، لكونها ليست ~~من المرافق، ولا يثبت في الذمة سلما، فوجب إبقاؤها على المنع. ويمكن بناء ~~هذا الخلاف على الوجهين في الواجب في بدل غير المكيل والموزون، فإذا قلنا: ~~الواجب رد المثل. لم يجز قرض الجواهر وما لا يثبت في الذمة سلما، لتعذر رد ~~مثلها. وإن قلنا: الواجب رد القيمة. جاز قرضه؛ لإمكان رد القيمة. ولأصحاب ~~الشافعي وجهان كهذين. ### | [فصل قرض بنى آدم مكروه] # (3259) فصل: فأما بنو آدم، فقال أحمد: أكره قرضهم. فيحتمل كراهية تنزيه، ~~ويصح قرضهم، وهو قول ابن جريج، والمزني؛ لأنه مال يثبت في الذمة سلما، فصح ~~قرضه، كسائر الحيوان. ويحتمل أنه أراد كراهة التحريم، فلا يصح قرضهم. ~~اختاره القاضي؛ لأنه لم ينقل قرضهم، ولا ms2076 هو من المرافق. ويحتمل صحة قرض ~~العبيد دون الإماء. وهو قول مالك والشافعي، إلا أن يقرضهن من ذوي محارمهن، ~~لأن الملك بالقرض ضعيف، فإنه لا يمنعه من ردها على المقرض، فلا يستباح به ~~الوطء، كالملك في مدة الخيار، وإذا لم يبح الوطء لم يصح القرض، لعدم القائل ~~بالفرق، ولأن الأبضاع مما يحتاط لها، ولو أبحنا قرضهن، أفضى إلى أن الرجل ~~يستقرض أمة، فيطؤها ثم يردها من يومه، ومتى احتاج إلى وطئها، استقرضها ~~فوطئها ثم ردها، كما يستعير المتاع، فينتفع به ثم يرده. # ولنا، أنه عقد ناقل للملك فاستوى فيه العبيد والإماء كسائر العقود ولا ~~نسلم ضعف الملك؛ فإنه مطلق لسائر التصرفات، بخلاف الملك في مدة الخيار. ~~وقولهم: متى شاء المقترض ردها. ممنوع؛ فإننا إذا قلنا: الواجب رد القيمة. ~~لم يملك المقترض رد الأمة، وإنما يرد قيمتها، وإن سلمنا ذلك، لكن متى قصد ~~المقترض هذا لم يحل له فعله، ولا يصح اقتراضه، كما لو اشترى أمة ليطأها ثم ~~يردها بالمقابلة أو بعيب فيها، وإن وقع هذا بحكم الاتفاق، لم يمنع الصحة، ~~كما لو وقع ذلك في البيع، وكما لو أسلم جارية في أخرى موصوفة بصفاتها، ثم ~~ردها بعينها عند حلول الأجل. # ولو ثبت أن القرض ضعيف لا يبيح # PageV04P238 # الوطء، لم يمنع منه في الجواري، كالبيع في مدة الخيار. وعدم القائل ~~بالفرق ليس بشيء، على ما عرف في مواضعه. وعدم نقله ليس بحجة؛ فإن أكثر ~~الحيوانات لم ينقل قرضها، وهو جائز. ### | [فصل اقترض دراهم أو دنانير غير معروفة الوزن] # (3260) فصل: وإذا اقترض دراهم أو دنانير غير معروفة الوزن، لم يجز؛ لأن ~~القرض فيها يوجب رد المثل، فإذا لم يعرف المثل لم يمكن القضاء. وكذلك لو ~~اقترض مكيلا أو موزونا جزافا، لم يجز؛ لذلك. ولو قدره بمكيال بعينه، أو ~~صنجة بعينها، غير معروفين عند العامة، لم يجز؛ لأنه لا يأمن تلف ذلك، ~~فيتعذر رد المثل، فأشبه السلم في مثل ذلك. # وقال الإمام أحمد، في ماء بين قوم، لهم نوب في أيام مسماة، فاحتاج ms2077 بعضهم ~~إلى أن يستقي في غير نوبته، فاستقرض من نوبة غيره، ليرد عليه بدله في يوم ~~نوبته: فلا بأس، وإن كان غير محدود كرهته. فكرهه إذا لم يكن محدودا؛ لأنه ~~لا يمكنه رد مثله. وإن كانت الدراهم يتعامل بها عددا، فاستقرض عددا، رد ~~عددا. وإن استقرض وزنا. رد وزنا. وهذا قول الحسن، وابن سيرين، والأوزاعي. ~~واستقرض أيوب من حماد بن زيد دراهم بمكة عددا، وأعطاه بالبصرة عددا، لأنه ~~وفاه مثلما اقترض فيما يتعامل به الناس، فأشبه ما لو كانوا يتعاملون بها ~~وزنا. فرد وزنا. ### | [فصل رد المثل في المكيل والموزون] # (3261) فصل: ويجب رد المثل في المكيل والموزون. لا نعلم فيه خلافا. قال ~~ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن من أسلف سلفا، مما ~~يجوز أن يسلف، فرد عليه مثله، أن ذلك جائز وأن للمسلف أخذ ذلك. ولأن المكيل ~~والموزون يضمن في الغصب والإتلاف بمثله. فكذا هاهنا. فأما غير المكيل ~~والموزون، ففيه وجهان؛ أحدهما، يجب رد قيمته يوم القرض؛ لأنه لا مثل له، ~~فيضمنه بقيمته، كحال الإتلاف والغصب. # والثاني، يجب رد مثله؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف من رجل ~~بكرا، فرد مثله.» ويخالف الإتلاف؛ فإنه لا مسامحة فيه، فوجبت القيمة، لأنها ~~أحصر، والقرض أسهل، ولهذا جازت النسيئة فيه فيما فيه الربا، ويعتبر مثل ~~صفاته تقريبا، فإن حقيقة المثل إنما توجد في المكيل والموزون. فإن تعذر ~~المثل، فعليه قيمته يوم تعذر المثل، لأن القيمة ثبتت في ذمته حينئذ. وإذا ~~قلنا: تجب القيمة. وجبت حين القرض. لأنها حينئذ ثبتت في ذمته. ### | [فصل قرض الخبز] # (3262) فصل: ويجوز قرض الخبز. ورخص فيه أبو قلابة ومالك. ومنع منه أبو ~~حنيفة. ولنا، أنه موزون، فجاز قرضه، كسائر الموزونات. وإذا أقرضه بالوزن، ~~ورد مثله بالوزن، جاز. وإن أخذه عددا، فرده عددا، فقال الشريف أبو جعفر: ~~فيه روايتان؛ إحداهما، لا يجوز؛ لأنه موزون، أشبه سائر الموزونات. # PageV04P239 # والثانية، يجوز. قال ابن أبي موسى: إذا كان يتحرى أن يكون مثلا بمثل، فلا ~~يحتاج إلى ms2078 الوزن، والوزن أحب إلي. ووجه الجواز، ما روت عائشة - رضي الله ~~عنها - قالت: «قلت: يا رسول الله، إن الجيران يستقرضون الخبز والخمير، ~~ويردون زيادة ونقصانا. فقال: لا بأس، إن ذلك من مرافق الناس، لا يراد به ~~الفضل» . ذكره أبو بكر في " الشافي " بإسناده. وفيه أيضا، بإسناده عن معاذ ~~بن جبل، «أنه سئل عن استقراض الخبز والخمير، فقال: سبحان الله، إنما هذا من ~~مكارم الأخلاق، فخذ الكبير وأعط الصغير، وخذ الصغير وأعط الكبير، خيركم ~~أحسنكم قضاء. سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك» . ولأن هذا ~~مما تدعو الحاجة إليه، ويشق اعتبار الوزن فيه، وتدخله المسامحة، فجاز، ~~كدخول الحمام من غير تقدير أجرة، والركوب في سفينة الملاح، وأشباه هذا. # فإن شرط أن يعطيه أكثر مما أقرضه أو أجود، أو أعطاه مثل ما أخذ وزاده ~~كسرة، كان ذلك حراما. وكذلك إن أقرضه صغيرا، قصد أن يعطيه كبيرا؛ لأن الأصل ~~تحريم ذلك، وإنما أبيح لمشقة إمكان التحرز منه، فإذا قصد أو شرط أو أفردت ~~الزيادة، فقد أمكن التحرز منه، فحرم بحكم الأصل، كما لو فعل ذلك في غيره. ### | [فصل في قرض شرط فيه أن يزيده] # (3263) فصل: وكل قرض شرط فيه أن يزيده، فهو حرام، بغير خلاف. قال ابن ~~المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية، فأسلف ~~على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا. وقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس، ~~وابن مسعود، أنهم نهوا عن قرض جر منفعة. ولأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط ~~فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه. ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة، ~~مثل أن يقرضه مكسرة، ليعطيه صحاحا، أو نقدا، ليعطيه خيرا منه. وإن شرط أن ~~يعطيه إياه في بلد آخر، وكان لحمله مؤنة، لم يجز؛ لأنه زيادة. وإن لم يكن ~~لحمله مؤنة، جاز. # وحكاه ابن المنذر عن علي، وابن عباس، والحسن بن علي، وابن الزبير، وابن ~~سيرين، وعبد الرحمن بن الأسود، وأيوب السختياني، والثوري، وأحمد، وإسحاق. ~~وكرهه الحسن ms2079 البصري، وميمون بن أبي شبيب، وعبدة بن أبي لبابة، ومالك، ~~والأوزاعي، والشافعي؛ لأنه قد يكون في ذلك زيادة. وقد نص أحمد على أن من ~~شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يجز، ومعناه: اشتراط القضاء في بلد آخر، وروي ~~عنه جوازها؛ لكونها مصلحة لهما جميعا. وقال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من ~~قوم بمكة دراهم، ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فيأخذونها ~~منه. فسئل عن ذلك ابن عباس، فلم ير به بأسا، وروي عن علي - رضي الله عنه - ~~أنه سئل عن مثل هذا، فلم ير به بأسا. وممن لم ير به بأسا ابن سيرين، ~~والنخعي. رواه كله سعيد. # وذكر القاضي أن للوصي قرض مال اليتيم في بلد أخرى ليربح خطر الطريق. # PageV04P240 # والصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لا يرد ~~بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها. ولأن هذا ليس بمنصوص على ~~تحريمه، ولا في معنى المنصوص، فوجب إبقاؤه على الإباحة. وإن شرط في القرض ~~أن يؤجره داره، أو يبيعه شيئا، أو أن يقرضه المقترض مرة أخرى، لم يجز؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وسلف. # ولأنه شرط عقدا في عقد، فلم يجز، كما لو باعه داره بشرط أن يبيعه الآخر ~~داره. وإن شرط أن يؤجره داره بأقل من أجرتها، أو على أن يستأجر دار المقرض ~~بأكثر من أجرتها، أو على أن يهدي له هدية، أو يعمل له عملا، كان أبلغ في ~~التحريم. وإن فعل ذلك من غير شرط قبل الوفاء، لم يقبله، ولم يجز قبوله، إلا ~~أن يكافئه، أو يحسبه من دينه، إلا أن يكون شيئا جرت العادة به بينهما قبل ~~القرض؛ لما روى الأثرم أن رجلا كان له على سماك عشرون درهما فجعل يهدي إليه ~~السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهما، فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة ~~دراهم. # وعن ابن سيرين، أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم، فأهدى إليه أبي ~~بن كعب من ms2080 ثمرة أرضه، فردها عليه، ولم يقبلها، فأتاه أبي فقال: لقد علم أهل ~~المدينة أني من أطيبهم ثمرة، وأنه لا حاجة لنا فيم منعت هديتنا، ثم أهدى ~~إليه بعد ذلك فقبل. وعن زر بن حبيش، قال: قلت لأبي بن كعب: إني أريد أن ~~أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق. فقال: إنك تأتي أرضا فاش فيها الربا، فإن ~~أقرضت رجلا قرضا، فأتاك بقرضك ومعه هدية، فاقبض قرضك، واردد عليه هديته. ~~رواهما الأثرم. وروى البخاري، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قدمت ~~المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام. وذكر حديثا. وفيه: ثم قال لي: إنك بأرض ~~فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل دين، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل ~~شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه، فإنه ربا. قال ابن أبي موسى: ولو أقرضه قرضا، ~~ثم استعمله عملا، لم يكن ليستعمله مثله قبل القرض، كان قرضا جر منفعة. ولو ~~استضاف غريمه، ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك، حسب له ما أكله؛ لما روى ~~ابن ماجه، في " سننه "، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إذا أقرض أحدكم قرضا، فأهدى إليه، أو حمله على الدابة، فلا يركبها، ولا ~~يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك» . وهذا كله في مدة القرض، فأما ~~بعد الوفاء، فهو كالزيادة من غير شرط، على ما سنذكره، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل أقرضه مطلقا من غير شرط فقضاه خيرا منه في القدر أو الصفة أو دونه برضاهما] # (3264) فصل: فإن أقرضه مطلقا من غير شرط، فقضاه خيرا منه في القدر، أو ~~الصفة، أو دونه، برضاهما، # PageV04P241 # جاز. وكذلك إن كتب له بها سفتجة، أو قضاه في بلد آخر، جاز. ورخص في ذلك ~~ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والشعبي، والزهري، ومكحول، ~~وقتادة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وقال أبو الخطاب: إن قضاه خيرا منه، أو ~~زاده زيادة بعد الوفاء من غير مواطأة، فعلى روايتين. # وروي عن أبي بن كعب، وابن عباس، وابن عمر، أنه يأخذ مثل ms2081 قرضه، ولا يأخذ ~~فضلا؛ لأنه إذا أخذ فضلا كان قرضا جر منفعة. ولنا، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - استسلف بكرا، فرد خيرا منه. وقال: «خيركم أحسنكم قضاء.» متفق ~~عليه. وللبخاري: «أفضلكم أحسنكم قضاء» . ولأنه لم يجعل تلك الزيادة عوضا في ~~القرض، ولا وسيلة إليه، ولا إلى استيفاء دينه، فحلت، كما لو لم يكن قرض. # وقال ابن أبي موسى: إذا زاده بعد الوفاء، فعاد المستقرض بعد ذلك يلتمس ~~منه قرضا ثانيا، ففعل، لم يأخذ منه إلا مثل ما أعطاه، فإن أخذ زيادة، أو ~~أجود مما أعطاه، كان حراما، قولا واحدا. وإن كان الرجل معروفا بحسن القضاء، ~~لم يكره إقراضه. وقال القاضي: فيه وجه آخر، أنه يكره؛ لأنه يطمع في حسن ~~عادته. وهذا غير صحيح؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معروفا بحسن ~~القضاء، فهل يسوغ لأحد أن يقول: إن إقراضه مكروه، # ولأن المعروف بحسن القضاء خير الناس وأفضلهم، وهو أولى الناس بقضاء ~~حاجته، وإجابة مسألته، وتفريج كربته، فلا يجوز أن يكون ذلك مكروها، وإنما ~~يمنع من الزيادة المشروطة. ولو أقرضه مكسرة، فجاءه مكانها بصحاح بغير شرط، ~~جاز. وإن جاءه بصحاح أقل منها، فأخذها بجميع حقه، لم يجز، قولا واحدا؛ لأن ~~ذلك معاوضة للنقد بأقل منه، فكان ربا. ### | [فصل شرط في القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه وكان ذلك مما يجري فيه الربا] # فصل: وإن شرط في القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه، وكان ذلك مما يجري فيه ~~الربا، لم يجز؛ لإفضائه إلى فوات المماثلة فيما هي شرط فيه. وإن كان في ~~غيره، لم يجز أيضا. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وفي الوجه الآخر، ~~يجوز؛ لأن القرض جعل للرفق بالمستقرض، وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه، ~~بخلاف الزيادة. ولنا، أن القرض يقتضي المثل، فشرط النقصان يخالف مقتضاه. ~~فلم يجز، كشرط الزيادة. ### | [فصل اقترض من رجل نصف دينار فدفع إليه دينارا صحيحا وقال نصفه قضاء ونصفه وديعة عندك] # (3266) فصل: ولو اقترض من رجل نصف دينار، فدفع إليه دينارا صحيحا، وقال: ~~نصفه ms2082 قضاء، ونصفه وديعة عندك، أو سلما في شيء، صح. وإن امتنع المقرض من ~~قبوله، فله ذلك؛ لأن عليه في الشركة # PageV04P242 # ضررا. ولو اشترى بالنصف الثاني من الدينار سلعة، جاز، إلا أن يكون ذلك عن ~~مشارطة، فقال: أقضيك صحيحا بشرط أني آخذ منك بنصفه الباقي قميصا. فإنه لا ~~يجوز؛ لأنه لم يدفع إليه صحيحا إلا ليعطيه بالنصف الباقي فضل ما بين الصحيح ~~والمكسور من النصف المقضي. ولو لم يكن شرطا، جاز. # فإن ترك النصف الآخر عنده وديعة، جاز، وكانا شريكين فيه. وإن اتفقا على ~~كسره، كسراه. فإن اختلفا، لم يجبر أحدهما على كسره؛ لأنه ينقص قيمته. ### | [فصل أفلس غريمه فأقرضه ألفا ليوفيه كل شهر شيئا معلوما] # (3267) فصل: ولو أفلس غريمه، فأقرضه ألفا، ليوفيه كل شهر شيئا معلوما، ~~جاز؛ لأنه إنما انتفع باستيفاء ما هو مستحق له. ولو كان له عليه حنطة. ~~فأقرضه ما يشتري به حنطة يوفيه إياها، لم يكن محرما؛ لذلك. ولو أراد رجل أن ~~يبعث إلى عياله نفقة، فأقرضها رجلا، على أن يدفعها إلى عياله. فلا بأس، إذا ~~لم يأخذ عليها شيئا. ولو أقرض أكاره ما يشتري به بقرا يعمل عليها في أرضه، ~~أو بذرا يبذره فيها، فإن شرط ذلك في القرض، لم يجز؛ لأنه شرط ما ينتفع به، ~~فأشبه شرط الزيادة. # وإن لم يكن شرطا، فقال ابن أبي موسى: لا يجوز؛ لأنه قرض جر منفعة. قال: ~~ولو قال: أقرضني ألفا، وادفع إلى أرضك أزرعها بالثلث. كان خبيثا. والأولى ~~جواز ذلك، إذا لم يكن مشروطا؛ لأن الحاجة داعية إليه، والمستقرض إنما يقصد ~~نفع نفسه، وإنما يحصل انتفاع المقرض ضمنا، فأشبه أخذ السفتجة به، وإيفاءه ~~في بلد آخر، ولأنه مصلحة لهما جميعا، فأشبه ما ذكرنا. ### | [فصل اقترض من رجل دراهم وابتاع بها منه شيئا فخرجت زيوفا] # (3268) فصل: قال أحمد، في من اقترض من رجل دراهم، وابتاع بها منه شيئا، ~~فخرجت زيوفا: فالبيع جائز، ولا يرجع عليه بشيء. يعني لا يرجع البائع على ~~المشتري ببدل الثمن؛ لأنها دراهمه، فعيبها عليه، وإنما ms2083 له على المشتري بدل ~~ما أقرضه إياه بصفته زيوفا. وهذا يحتمل أنه أراد فيما إذا باعه السلعة بها ~~وهو يعلم عيبها؛ فأما إن باعه في ذمته بدراهم، ثم قبض هذه بدلا عنها غير ~~عالم بها، فينبغي أن يجب له دراهم خالية من العيب، ويرد هذه عليه، وللمشتري ~~ردها على البائع، وفاء عن القرض، ويبقى الثمن في ذمته. # وإن حسبها على البائع وفاء عن القرض، ووفاه الثمن جيدا، جاز. قال: ولو ~~أقرض رجلا دراهم، وقال: إذا مت فأنت في حل. كانت وصية. وإن قال: إن مت فأنت ~~في حل. لم يصح؛ وذلك لأن هذا إبراء معلق على شرط، ولا يصح تعليقه على ~~الشروط، والأول وصية؛ لأنه علق ذلك على موت نفسه، والوصية جائزة. قال: ولو ~~أقرضه تسعين دينارا بمائة عددا والوزن واحد، وكانت لا تنفق في مكان إلا ~~بالوزن، جاز. وإن كانت تنفق برءوسها، فلا؛ وذلك لأنها إذا كانت تنفق في ~~مكان برءوسها، كان ذلك زيادة، لأن التسعين من المائة تقوم مقام التسعين ~~التي أقرضه إياها، ويستفضل عشرة، ولا يجوز اشتراط الزيادة، وإذا كانت لا ~~تنفق إلا بالوزن، فلا زيادة فيها وإن كثر عددها. قال: ولو قال: # PageV04P243 # اقترض لي من فلان مائة، ولك عشرة. فلا بأس، ولو قال: اكفل عني ولك ألف. ~~لم يجز؛ وذلك لأن قوله: اقترض لي ولك عشرة. جعالة على فعل مباح، فجازت، كما ~~لو قال: ابن لي هذا الحائط ولك عشرة. # وأما الكفالة، فإن الكفيل يلزمه الدين، فإذا أداه وجب له على المكفول ~~عنه، فصار كالقرض، فإذا أخذ عوضا صار القرض جارا للمنفعة، فلم يجز. ### | [فصل كان القرض فلوسا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها] # (3269) فصل قد ذكرنا أن المستقرض يرد المثل في المثليات، سواء رخص سعره ~~أو غلا، أو كان بحاله. ولو كان ما أقرضه موجودا بعينه، فرده من غير عيب ~~يحدث فيه، لزم قبوله، سواء تغير سعره أو لم يتغير. وإن حدث به عيب، لم ~~يلزمه قبوله. # وإن كان القرض فلوسا أو مكسرة، فحرمها ms2084 السلطان، وتركت المعاملة بها، كان ~~للمقرض قيمتها، ولم يلزمه قبولها، سواء كانت قائمة في يده أو استهلكها؛ ~~لأنها تعيبت في ملكه. نص عليه أحمد في الدراهم المكسرة، وقال: يقومها كم ~~تساوي يوم أخذها؟ ثم يعطيه، وسواء نقصت قيمتها قليلا أو كثيرا. # قال القاضي: هذا إذا اتفق الناس على تركها، فأما إن تعاملوا بها مع تحريم ~~السلطان لها، لزم أخذها. وقال مالك، والليث بن سعد، والشافعي: ليس له إلا ~~مثل ما أقرضه؛ لأن ذلك ليس بعيب حدث فيها، فجرى مجرى نقص سعرها. # ولنا أن تحريم السلطان لها منع إنفاقها، وإبطال ماليتها، فأشبه كسرها، أو ~~تلف أجزائها، وأما رخص السعر فلا يمنع ردها، سواء كان كثيرا، مثل إن كانت ~~عشرة بدانق، فصارت عشرين بدانق، أو قليلا؛ لأنه لم يحدث فيها شيء، إنما ~~تغير السعر، فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت. ### | [فصل أقرضه ما لحمله مؤنة ثم طالبه بمثله ببلد آخر] # (3270) فصل وإذا أقرضه ما لحمله مؤنة، ثم طالبه بمثله ببلد آخر، لم ~~يلزمه؛ لأنه لا يلزمه حمله له إلى ذلك البلد. فإن طالبه بالقيمة لزمه؛ لأنه ~~لا مؤنة لحملها. فإن تبرع المستقرض بدفع المثل، وأبى المقرض قبوله، فله ~~ذلك، لأن عليه ضررا في قبضه، لأنه ربما احتاج إلى حمله إلى المكان الذي ~~أقرضه فيه، وله المطالبة بقيمة ذلك في البلد الذي أقرضه فيه؛ لأنه المكان ~~الذي يجب التسليم فيه، وإن كان القرض أثمانا، أو ما لا مؤنة في حمله، ~~وطالبه بها، وهما ببلد آخر، لزمه دفعه إليه؛ لأن تسليمه إليه في هذا البلد ~~وغيره واحد. ### | [فصل أقرض ذمي ذميا خمرا ثم أسلما أو أحدهما] # (3271) فصل: وإن أقرض ذمي ذميا خمرا، ثم أسلما أو أحدهما. بطل القرض. ولم ~~يجب على المقترض شيء، سواء كان هو المسلم أو الآخر؛ لأنه إذا أسلم لم يجز ~~أن يجب عليه خمر، لعدم ماليتها، ولا يجب بدلها؛ لأنها لا قيمة لها، ولذلك ~~لا يضمنها إذا أتلفها. وإن كان المسلم الآخر لم يجب له شيء، لذلك. # PageV04P244 ### | [كتاب الرهن] # الرهن ms2085 في اللغة: الثبوت والدوام. يقال: ماء راهن. أي راكد. ونعمة راهنة. ~~أي ثابتة دائمة. وقيل: هو من الحبس. قال الله تعالى: {كل امرئ بما كسب ~~رهين} [الطور: 21] وقال: {كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 38] . وقال ~~الشاعر: # وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا # شبه لزوم قلبه لها، واحتباسه عندها، لشدة وجده بها، بالرهن الذي يلزمه ~~المرتهن، فيبقيه عنده، ولا يفارقه. وغلق الرهن: استحقاق المرتهن إياه، لعجز ~~الراهن عن فكاكه. والرهن في الشرع: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى ~~من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه. وهو جائز. بالكتاب والسنة والإجماع، ~~أما الكتاب فقول الله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان ~~مقبوضة} [البقرة: 283] . وتقرأ: فرهان. والرهان: جمع رهن، والرهن: جمع ~~الجمع. قاله الفراء. وقال الزجاج: يحتمل أن يكون جمع رهن، مثل سقف وسقف. # وأما السنة، فروت عائشة - رضي الله عنها - «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - اشترى من يهودي طعاما، ورهنه درعه» . متفق عليه. وروى أبو هريرة - ~~رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الظهر يركب ~~بنفقته، إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته، إذا كان مرهونا، وعلى الذي ~~يركب ويشرب النفقة» . رواه البخاري. وعن أبي هريرة. - رضي الله عنه - أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يغلق الرهن» . وأما الإجماع، ~~فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة. ### | [فصل الرهن في الحضر] # (3272) فصل: ويجوز الرهن في الحضر، كما يجوز في السفر. قال ابن المنذر: ~~لا نعلم أحدا خالف في ذلك، إلا مجاهدا، قال: ليس الرهن إلا في السفر؛ لأن ~~الله تعالى شرط السفر في الرهن بقوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا ~~كاتبا فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] . # PageV04P245 # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «اشترى من يهودي طعاما، ورهنه ~~درعه، وكانا بالمدينة.» ولأنها وثيقة تجوز في السفر، فجازت في الحضر، ~~كالضمان. فأما ذكر السفر، فإنه خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب يعدم في السفر ~~غالبا، ولهذا لم ms2086 يشترط عدم الكاتب، وهو مذكور معه أيضا. ### | [فصل الرهن غير واجب] # (3273) فصل: والرهن غير واجب. لا نعلم فيه مخالفا؛ لأنه وثيقة بالدين، ~~فلم يجب، كالضمان والكتابة. وقول الله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] ~~. إرشاد لنا لا إيجاب علينا، بدليل قول الله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا ~~فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] . ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة، ~~والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها. ### | [فصل لا يخلو الرهن من ثلاثة أحوال] # (3274) فصل: ولا يخلو الرهن من ثلاثة أحوال، أحدها، أن يقع بعد الحق، ~~فيصح بالإجماع؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها ~~به كالضمان، ولأن الله تعالى قال: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان ~~مقبوضة} [البقرة: 283] . فجعله بدلا عن الكتابة، فيكون في محلها، ومحلها ~~بعد وجوب الحق، وفي الآية ما يدل على ذلك، وهو قوله: {إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] . فجعله جزاء للمداينة مذكورا بعدها بفاء ~~التعقيب # الحال الثاني، أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدين، فيقول: بعتك ثوبي هذا ~~بعشرة إلى شهر، ترهنني بها عبدك سعدا. فيقول: قبلت ذلك. فيصح أيضا. وبه قال ~~مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن الحاجة داعية إلى ثبوته، فإنه لو لم ~~يعقده مع ثبوت الحق، ويشترط فيه، لم يتمكن من إلزام المشتري عقده، وكانت ~~الخيرة إلى المشتري، والظاهر أنه لا يبذله، فتفوت الوثيقة بالحق. # الحال الثالث، أن يرهنه قبل الحق، فيقول: رهنتك عبدي هذا بعشرة تقرضنيها. ~~فلا يصح في ظاهر المذهب. وهو اختيار أبي بكر والقاضي. وذكر القاضي: أن أحمد ~~نص عليه، في رواية ابن منصور. وهو مذهب الشافعي. واختار أبو الخطاب أنه ~~يصح. # فمتى قال: رهنتك ثوبي هذا بعشرة تقرضنيها غدا. وسلمه إليه، ثم أقرضه ~~الدراهم، لزم الرهن. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة؛ لأنه وثيقة بحق، فجاز عقدها ~~قبل وجوبه، كالضمان، أو فجاز انعقادها على شيء يحدث في المستقبل، كضمان ~~الدرك. # ولنا، أنه وثيقة بحق لا يلزم قبله، فلم تصح قبله كالشهادة، ولأن الرهن ~~تابع للحق، فلا يسبقه، ms2087 كالشهادة، والثمن لا يتقدم البيع. وأما الضمان ~~فيحتمل أن يمنع صحته، وإن سلمنا فالفرق بينهما أن الضمان التزام مال تبرعا ~~بالقول، فجاز من غير حق ثابت، كالنذر، بخلاف الرهن. # PageV04P246 ### | [فصل لا يلزم الرهن إلا بالقبض] # (3275) مسألة قال (ولا يصح الرهن إلا أن يكون مقبوضا من جائز الأمر) يعني ~~لا يلزم الرهن إلا بالقبض. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. وقال بعض ~~أصحابنا: ما كان مكيلا أو موزونا، لا يلزم رهنه إلا بالقبض، وفيما عداهما ~~روايتان؛ إحداهما، لا يلزم إلا بالقبض. # والأخرى، يلزم بمجرد العقد، كالبيع. وقد نص أحمد على هذا، في رواية ~~الميموني. وحمل القاضي كلام الخرقي على المكيل والموزون خاصة. وليس بصحيح؛ ~~فإن كلام الخرقي مع عمومه، قد أتبعه بما يدل على إرادة التعميم، وهو قوله: ~~فإن كان مما ينقل، فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولا، وإن كان مما لا ينقل، ~~كالدور والأرضين، فقبضه بتخلية راهنه بينه وبينه. # وقد وقال أحمد في الدار والجارية إذا ردها إلى الراهن: لم يكن رهنا في ~~الحال. وهذا كقول الخرقي. وقال مالك: يلتزم الرهن بمجرد العقد قبل القبض؛ ~~لأنه عقد يلزم بالقبض، فلزم قبله، كالبيع. # ولنا، قول الله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] . وصفها بكونها ~~مقبوضة، ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، فافتقر إلى القبض، كالقرض، ~~ولأنه رهن لم يقبض، فلا يلزم إقباضه، كما لو مات الراهن، ولا يشبه البيع، ~~فإنه معاوضة، وليس بإرفاق. وقول الخرقي: " من جائز الأمر ". يعني أن الراهن ~~الذي يرهن ويقبض، يكون جائز التصرف في ماله، وهو الحر المكلف الرشيد، ولا ~~يكون محجورا عليه، لصغر أو جنون أو سفه أو فلس، ويعتبر ذلك في حال رهنه ~~وإقباضه؛ لأن العقد والتسليم ليس بواجب، وإنما هو إلى اختيار الراهن، فإذا ~~لم يكن له اختيار صحيح، لم يصح، ولأنه نوع تصرف في المال، فلم يصح من ~~المحجور عليه من غير إذن، كالبيع. # فإن جن أحد المتراهنين قبل القبض، أو مات، لم يبطل الرهن؛ لأنه عقد يئول ~~إلى اللزوم، فلم يبطل بجنون أحد المتعاقدين أو ms2088 موته، كالبيع الذي فيه ~~الخيار، ويقوم ولي المجنون مقامه، فإن كان المجنون الراهن، وكان الحظ في ~~التقبيض، مثل أن يكون شرطا في بيع يستضر بفسخه ونحوه أقبضه. وإن كان الحظ ~~في تركه، لم يجز له تقبيضه. وإن كان المجنون المرتهن، قبضه وليه إن اختار ~~الراهن، وإن امتنع لم يجبر. # وإذا مات، قام وارثه مقامه في القبض. فإن مات الراهن، لم يلزم ورثته ~~تقبيضه؛ لأنهم يقومون مقام الراهن، ولم يلزمه ذلك. فإن لم يكن على الميت ~~دين سوى هذا الدين، فأحب الورثة تقبيض الرهن، جاز. وإن كان عليه دين سواه ~~فظاهر المذهب أنه ليس للوارث تخصيص المرتهن بالرهن. نص عليه أحمد، في رواية ~~علي بن سعيد. وهو مذهب الشافعي. وذكر القاضي فيه رواية أخرى، أن لهم ذلك، ~~أخذا مما نقل ابن منصور وأبو طالب عن أحمد، أنه قال: إذا مات الراهن أو ~~أفلس، فالمرتهن أحق به من الغرماء # ولم يعتبر وجود القبض بعد الموت أو قبله. وهذا لا يعارض ما نقله علي بن ~~سعيد؛ لأنه خاص وهذا عام، والاستدلال به على هذه الصورة # PageV04P247 # يضعف جدا لندرتها، فكيف يعارض به الخاص، لكن يجوز أن يكون هذا الحكم ~~مبنيا على الرواية التي لا يعتبر فيها القبض في غير المكيل والموزون، فيكون ~~الرهن قد لزم قبل القبض، ووجب تقبيضه على الراهن، فكذلك على وارثه. # ويختص هذا بما عدا المكيل والموزون، وأما ما لم يلزم الرهن فيه، فليس ~~للورثة تقبيضه؛ لأن الغرماء تعلقت ديونهم بالتركة قبل لزوم حقه في الرهن، ~~فلم يجز تخصيصه به بغير رضاهم، كما لو أفلس الراهن، إلا إذا قلنا: إن ~~للورثة التصرف في التركة، ووفاء الدين من أموالهم. فإن قيل: فما الفائدة في ~~القول بصحة الرهن إذا لم يختص به المرتهن؟ قلنا: فائدته أنه يحتمل أن يرضى ~~الغرماء بتسليمه إليه، فيتم الرهن. ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين ما قبل ~~الإذن في القبض وما بعده؛ لكون الإذن يبطل بالجنون والموت والإغماء والحجر. ### | [فصل حجر على الراهن لفلس قبل التسليم] # (3276) فصل ms2089 ولو حجر على الراهن لفلس قبل التسليم لم يكن له تسليمه؛ لأن ~~فيه تخصيصا للمرتهن بثمنه، وليس له تخصيص بعض غرمائه. وإن حجر عليه لسفه، ~~فحكمه حكم ما لو زال عقله بجنون، على ما أسلفناه. وإن أغمي عليه، لم يكن ~~للمرتهن قبض الرهن، وليس لأحد تقبيضه؛ لأن المغمى عليه لا ولاية عليه. وإن ~~أغمي على المرتهن، لم يكن لأحد أن يقوم مقامه في قبض الرهن أيضا. # وانتظر إفاقته، وإن خرس، وكانت له كتابة مفهومة، أو إشارة معلومة، فحكمه ~~حكم المتكلمين، إن أذن في القبض جاز، وإلا فلا. وإن لم تفهم إشارته ولا ~~كتابته، لم يجز القبض. وإن كان أحد هؤلاء قد أذن في القبض، فحكمه حكم من لم ~~يأذن؛ لأن إذنهم يبطل بما عرض لهم. وجميع هذا تناوله قول الخرقي: من جائز ~~الأمر ". وليس أحد من هؤلاء جائز الأمر. ### | [فصل تصرف الراهن في الرهن قبل القبض بهبة أو بيع أو عتق] # (3277) فصل إذا تصرف الراهن في الرهن قبل القبض، بهبة أو بيع أو عتق، أو ~~جعله صداقا، أو رهنه ثانيا، بطل الرهن الأول، سواء قبض الهبة والمبيع ~~والرهن الثاني أو لم يقبضه؛ لأنه أخرجه عن إمكان استيفاء الدين من ثمنه، أو ~~فعل ما يدل على قصده ذلك، وإن دبر العبد، أو أجره، أو زوج الأمة، لم يبطل ~~الرهن؛ لأن هذا التصرف لا يمنع البيع، فلا يمنع صحة الرهن. # ولأنه لا يمنع ابتداء الرهن، فلا يقطع استدامته كاستخدامه. وإن كاتب ~~العبد، انبنى على صحة رهن المكاتب، فإن قلنا: يجوز رهنه. لم يبطل رهنه. وإن ~~قلنا: لا يجوز رهنه. بطل رهنه، كما لو أعتقه. ### | [فصل استدامة القبض شرط للزوم الرهن] # فصل: واستدامة القبض شرط للزوم الرهن. فإذا أخرجه المرتهن عن يده ~~باختياره، # PageV04P248 # زال لزوم الرهن، وبقي العقد، كأنه لم يوجد فيه قبض، سواء أخرجه بإجارة أو ~~إعارة أو إيداع أو غير ذلك. فإذا عاد فرده إليه، عاد اللزوم بحكم العقد ~~السابق. قال أحمد، في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارا، ثم أكراها ms2090 صاحبها، ~~خرجت من الرهن، فإذا رجعت إليه، صارت رهنا. # وقال في من رهن جارية، ثم سأل المرتهن أن يبعثها إليه لتخبز لهم، فبعث ~~بها، فوطئها: انتقلت من الرهن، فإن لم يكن وطئها، فلا شيء. قال أبو بكر: لا ~~يكون رهنا في تلك الحال، فإذا ردها رجعت إلى الرهن. وممن أوجب استدامة ~~القبض مالك وأبو حنيفة. وهذا على القول الصحيح، فأما على قول من قال: ~~ابتداء القبض ليس بشرط. فأولى أن يقول: الاستدامة غير مشترطة؛ لأن كل شرط ~~يعتبر في الاستدامة، يعتبر في الابتداء، وقد يعتبر في الابتداء ما لا يعتبر ~~في الاستدامة. # قال أبو الخطاب: إذا قلنا: القبض شرط في الابتداء. كان شرطا في ~~الاستدامة. وقال الشافعي استدامة القبض ليست شرطا؛ لأنه عقد يعتبر القبض في ~~ابتدائه، فلم يشترط استدامته كالهبة. ولنا، قول الله تعالى: {فرهان مقبوضة} ~~[البقرة: 283] . لأنها إحدى حالتي الرهن، فكان القبض فيها شرطا، كالابتداء. ~~ويفارق الهبة؛ لأن القبض في ابتدائها يثبت الملك، فإذا ثبت استغني عن القبض ~~ثانيا، والرهن يراد للوثيقة من بيعه، واستيفاء دينه من ثمنه، فإذا لم يكن ~~في يده، لم يتمكن من بيعه، ولم تحصل وثيقة. وإن أزيلت يد المرتهن لغير حق، ~~كغصب، أو سرقة، أو إباق العبد، أو ضياع المتاع، ونحو ذلك، لم يزل لزوم ~~الرهن؛ لأن يده ثابتة حكما، فكأنها لم تزل. ### | [فصل ليس للمرتهن قبض الرهن إلا بإذن الراهن] # (3279) فصل: وليس للمرتهن قبض الرهن إلا بإذن الراهن؛ لأنه لا يلزمه ~~تقبيضه، فاعتبر إذنه في قبضه، كالواهب. فإن تعدى المرتهن، فقبضه بغير إذن، ~~لم يثبت حكمه، وكان بمنزلة من لم يقبض. وإن أذن الراهن في القبض، ثم رجع عن ~~الإذن قبله، زال حكم الإذن. # وإن رجع عن الإذن بعد قبضه، لم يؤثر رجوعه؛ لأن الرهن قد لزم لاتصال ~~القبض به. وكل موضع زال لزوم الرهن لزوال القبض، اعتبر الإذن في القبض ~~الثاني؛ لأنه قبض يلزم به الرهن، أشبه الأول، ويقوم ما يدل على الإذن ~~مقامه، مثل إرساله العبد إلى مرتهنه، ورده لما ms2091 أخذه من المرتهن إلى يده، ~~ونحو ذلك؛ لأن ذلك دليل على الإذن، فاكتفي به، كدعاء الناس إلى الطعام، ~~وتقديمه بين أيديهم، يجري مجرى الإذن في أكله. ### | [مسألة القبض في الرهن] # (3280) مسألة؛ قال: (والقبض فيه من وجهين؛ فإن كان مما ينقل، فقبض ~~المرتهن له أخذه إياه من راهنه منقولا، وإن كان مما لا ينقل، كالدور ~~والأرضين، فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه، لا حائل دونه) وجملة ذلك أن ~~القبض في الرهن كالقبض في البيع والهبة، فإن كان منقولا فقبضه نقله أو ~~تناوله، # PageV04P249 # وإن كان أثمانا، أو شيئا خفيفا يمكن قبضه باليد، فقبضه تناوله بها، وإن ~~كان مكيلا، رهنه بالكيل، أو موزونا، رهنه بالوزن، فقبضه اكتياله أو اتزانه؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سميت الكيل فكل» . وإن ارتهن ~~الصبرة جزافا، أو كان ثيابا أو حيوانا فقبضه نقله؛ لقول ابن عمر: «كنا ~~نشتري الطعام من الركبان جزافا. فنهانا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~نبيعه حتى ننقله من مكانه.» متفق عليه. وإن كان الرهن غير منقول، كالعقار ~~والثمرة على الشجرة، فقبضه التخلية بين مرتهنه وبينه من غير حائل، بأن يفتح ~~له باب الدار، أو يسلم إليه مفتاحها. وإن خلى بينه وبينها وفيها قماش ~~للراهن، صح التسليم؛ لأن اتصالها بملك الراهن، لا يمنع صحة التسليم، ~~كالثمرة في الشجرة. # وكذلك لو رهنه دابة عليها حمل للراهن، فسلمها إليه، صح التسليم. ولو رهن ~~الحمل وهو على الدابة، وسلمها إليه بحملها، صح القبض؛ لأن القبض حصل فيهما ~~جميعا، فيكون موجودا في الرهن منهما. ### | [فصل رهنه سهما مشاعا مما لا ينقل] # (3281) فصل: وإن رهنه سهما مشاعا مما لا ينقل. خلى بينه وبينه، سواء حضر ~~الشريك أو لم يحضر وإن كان منقولا كالجوهرة يرهن نصفها، فقبضها تناولها، ~~ولا يمكن تناولها إلا برضا الشريك، فإن رضي الشريك، تناولها، وإن امتنع ~~الشريك، فرضي المرتهن والراهن بكونها في يد الشريك، جاز، وناب عنه في ~~القبض، وإن تنازع الشريك والمرتهن، نصب الحاكم عدلا تكون في يده لهما وإن ~~ناولها الراهن للمرتهن ms2092 بغير رضا الشريك فتناولها، فإن قلنا: استدامة القبض ~~شرط. # لم يكفه ذلك التناول. وإن قلنا: ليس بشرط. فقد حصل القبض؛ لأن الرهن حصل ~~في يده مع التعدي في غيره، فأشبه ما لو رهنه ثوبا فسلمه إليه مع ثوب لغيره، ~~فتناولهما معا. ولو رهنه ثوبا، فاشتبه عليه بغيره، فسلم إليه أحدهما، لم ~~يثبت القبض؛ لأنه لا يعلم أنه أقبضه الرهن، فإن تبين أنه الرهن، تبين صحة ~~التسليم. وإن سلم إليه الثوبين معا، حصل القبض؛ لأنه قد تسلم الرهن يقينا. ### | [فصل رهنه دارا فخلى بينه وبينها وهما فيها ثم خرج الراهن] # (3282) فصل: ولو رهنه دارا، فخلى بينه وبينها وهما فيها، ثم خرج الراهن، ~~صح القبض. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يخلي بينه وبينها ~~بعد خروجه منها؛ لأنه ما كان في الدار فيده عليها، فما حصلت التخلية. ولنا، ~~أن التخلية تصح بقوله مع التمكن منها وعدم المانع، فأشبه ما لو كانا خارجين ~~عنها، ولا يصح ما ذكره، ألا ترى أن خروج المرتهن منها لا يزيل يده عنها، ~~ودخوله إلى دار غيره لا يثبت يده عليها، ولأنه بخروجه عنها محقق لقوله، فلا ~~معنى لإعادة التخلية. ### | [فصل رهنه مالا له في يد المرتهن عارية أو وديعة أو غصبا أو نحوه] # (3283) فصل: وإن رهنه مالا له في يد المرتهن؛ عارية أو وديعة أو غصبا أو ~~نحوه، صح # PageV04P250 # الرهن؛ لأنه مالك له يمكن قبضه، فصح رهنه، كما لو كان في يده. وظاهر كلام ~~أحمد لزوم الرهن بنفس العقد، من غير احتياج إلى أمر زائد، فإنه قال: إذا ~~حصلت الوديعة في يده بعد الرهن، فهو رهن. فلم يعتبر أمرا زائدا؛ وذلك لأن ~~اليد ثابتة، والقبض حاصل. # وإنما يتغير الحكم لا غير، ويمكن تغير الحكم مع استدامة القبض. كما لو ~~طولب الوديعة فجحدها لتغير الحكم، وصارت مضمونة عليه من غير أمر زائد. ولو ~~عاد الجاحد، فأقر بها، وقال لصاحبها: خذ وديعتك. فقال: دعها عندك وديعة كما ~~كانت، ولا ضمان عليك فيها. لتغير الحكم من غير ms2093 حدوث أمر زائد. وقال القاضي ~~وأصحاب الشافعي: لا يصير رهنا حتى تمضي مدة يتأتى قبضه فيها، فإن كان ~~منقولا فبمضي مدة يمكن نقله فيها، وإن كان مكيلا فبمضي مدة يمكن اكتياله ~~فيها، وإن كان غير منقول فبمضي مدة التخلية، وإن كان غائبا عن المرتهن لم ~~يصر مقبوضا حتى يوافيه هو أو وكيله، ثم تمضي مدة يمكن قبضه فيها؛ لأن العقد ~~يفتقر إلى القبض، والقبض إنما يحصل بفعله أو بإمكانه، ويكفي ذلك، ولا يحتاج ~~إلى وجود حقيقة القبض، لأنه مقبوض حقيقة. # فإن تلف قبل مضي مدة يتأتى قبضه فيها، فهو كتلف الرهن قبل قبضه. ثم هل ~~يفتقر إلى الإذن من الراهن في القبض؟ يحتمل وجهين: أحدهما، يفتقر، لأنه قبض ~~يلزم به عقد غير لازم، فلم يحصل بغير إذن، كما لو كان في يد الراهن، ~~وإقراره في يده لا يكفي، كما لو أقر المغصوب في يد غاصبه مع إمكان أخذه ~~منه. # والثاني، لا يفتقر إلى إذن في القبض؛ لأن إقراره له في يده بمنزلة إذنه ~~في القبض. فإن أذن له في القبض، ثم رجع عنه قبل مضي مدة يتأتى القبض فيها، ~~لم يلزم الرهن. حتى يعود فيأذن، ثم تمضي مدة يقبضه في مثلها. ### | [فصل رهنه المضمون كالمغصوب والعارية والمقبوض في بيع فاسد أو على توجه السوم] # (3284) فصل: وإذا رهنه المضمون، كالمغصوب والعارية والمقبوض في بيع فاسد، ~~أو على توجه السوم. صح، وزال الضمان. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وقال ~~الشافعي: لا يزول الضمان، ويثبت فيه حكم الرهن، والحكم الذي كان ثابتا فيه ~~يبقى بحاله؛ لأنه لا تنافي بينهما، بدليل أنه لو تعدى في الرهن صار مضمونا ~~ضمان الغصب. وهو رهن كما كان، فكذلك ابتداؤه، لأنه أحد الرهن. # ولنا، أنه مأذون له في إمساكه رهنا لم يتجدد منه فيه عدوان، فلم يضمنه، ~~كما لو قبضه منه ثم أقبضه إياه، أو أبرأه من ضمانه. وقولهم: لا تنافي ~~بينهما. ممنوع؛ فإن الغاصب يده عادية يجب عليه إزالتها، ويد المرتهن محقة ~~جعلها الشرع له، ويد المرتهن ms2094 يد أمانة. ويد الغاصب والمستعير ونحوهما يد ~~ضامنة، وهذان متنافيان. ولأن السبب المقتضي للضمان زال، فزال الضمان ~~لزواله، كما لو رده إلى مالكه، وذلك لأن سبب الضمان الغصب والعارية ~~ونحوهما، وهذا لم يبق غاصبا ولا مستعيرا، # PageV04P251 # ولا يبقى الحكم مع زوال سببه وحدوث سبب يخالف حكمه حكمه، وأما إذا تعدى ~~في الرهن، فإنه يلزمه الضمان، لعدوانه، لا لكونه غاصبا ولا مستعيرا، وها ~~هنا قد زال سبب الضمان، ولم يحدث ما يوجبه، فلم يثبت. ### | [فصل وكل المرتهن الراهن في قبض الرهن له من نفسه] # (3285) فصل: ويجوز أن يوكل في قبض الرهن، ويقوم قبض وكيله مقام قبضه، في ~~لزوم الرهن وسائر أحكامه. وإن وكل المرتهن الراهن في قبض الرهن له من نفسه، ~~لم يصح، ولم يكن ذلك قبضا؛ لأن الرهن وثيقة ليستوفي الحق منه عند تعذر ~~استيفائه من الراهن، فإذا كان في يد الراهن لم يحصل معنى الوثيقة وقد ذكرنا ~~في البيع، أن المشتري لو دفع إلى البائع غرارة، وقال: كل حقي في هذه. ففعل، ~~كان ذلك قبضا. فيخرج هاهنا كذلك. ### | [فصل أقر الراهن بتقبيض الرهن أو أقر المرتهن بقبضه] # (3286) فصل: وإذا أقر الراهن بتقبيض الرهن، أو أقر المرتهن بقبضه، كان ~~ذلك مقبولا فيما يمكن صدقهما فيه. وإن أقر الراهن بالتقبيض، ثم أنكره، ~~وقال: أقررت بذلك ولم أكن قبضت شيئا. أو أقر المرتهن بالقبض، ثم أنكر، ~~فالقول قول المقر له، فإن طلب المنكر يمينه، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يلزمه ~~يمين؛ لأن الإقرار أقوى من البينة، ولو قامت البينة بذلك وطلب المشهود عليه ~~يمين خصمه لم يقبل منه، فكذلك الإقرار. # والثاني، يلزمه اليمين. وهو قول الشافعي في منصوصه؛ لأن العادة جارية بأن ~~الإنسان يشهد على نفسه بالقبض قبله، فتسمع دعواه، ويلزم خصمه اليمين، لما ~~ذكرنا من حكم العادة، وهذا أجود. ويفارق البينة، فإنها لا تشهد بالحق قبله، ~~ولو فعلت ذلك لم تكن بينة عادلة. وقال القاضي: إن كان المقر غائبا، فقال: ~~أقررت لأن وكيلي كتب إلي بذلك، ثم بان لي خلافه. سمعنا قوله، ms2095 وأحلفنا خصمه. ~~وإن أقر أنه باشر ذلك بنفسه، ثم عاد فأكذب نفسه، لم يحلف خصمه. # وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، فأما إن اختلفا في القبض، فقال المرتهن: ~~قبضته. وأنكر الراهن، فالقول قول من هو في يده؛ لأنه إن كان في يد الراهن ~~فالأصل معه، وهو عدم الإقباض، ولم يوجد ما يدل على خلافه، وإن كان في يد ~~المرتهن، فقد وجد القبض، لكونه لا يحصل في يده إلا بعد قبضه. وإن اختلفا في ~~الإذن، فقال الراهن: أخذته بغير إذني. قال: بل بإذنك. وهو في يد المرتهن، ~~فالقول قوله؛ لأن الظاهر معه، فإن العقد قد وجد، ويده تدل على أنه بحق. ~~ويحتمل أن يكون القول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الإذن. وهذا مذهب الشافعي. ~~وذكر القاضي هذين الوجهين. ### | [فصل رهنه عينين فتلفت إحداهما قبل قبضها] # (3287) فصل: وإذا رهنه عينين، فتلفت إحداهما قبل قبضها، انفسخ العقد فيها ~~دون الباقية؛ # PageV04P252 # لأن العقد كان صحيحا فيهما، وإنما طرأ انفساخ العقد في إحداهما، فلم ~~يؤثر، كما لو اشترى شيئين، ثم رد أحدهما بعيب أو خيار أو إقالة، والراهن ~~مخير بين إقباض الباقية وبين منعها. # وإن كان التلف بعد قبض الأخرى، فقد لزم الرهن فيها، فإن كان الرهن مشروطا ~~في بيع ثبت للبائع الخيار؛ لتعذر الرهن بكماله، فإن رضي لم يكن له المطالبة ~~ببدل التالفة؛ لأن الرهن لم يلزم فيها، وتكون المقبوضة رهنا بجميع الثمن. ~~ولو تلفت إحدى العينين بعد القبض، فلا خيار للبائع؛ لأن الرهن لو تلف كله ~~لم يكن له خيار، فإذا تلف بعضه أولى. # ثم إن كان تلفها بعد قبض العين الأخرى، فقد لزم الرهن فيها، وإن كان قبل ~~قبض الأخرى، فالراهن مخير بين إقباضها وبين تركه، فإن امتنع من تقبيضها، ~~ثبت للبائع الخيار، كما لو لم تتلف الأخرى. ### | [فصل رهنه دارا فانهدمت قبل قبضها] # (3288) فصل: وإن رهنه دارا فانهدمت قبل قبضها، لم ينفسخ عقد الرهن؛ لأن ~~ماليتها لم تذهب بالكلية، فإن عرصتها وأنقاضها باقية، ويثبت للمرتهن الخيار ~~إن كان الرهن مشروطا في بيع؛ ms2096 لأنها تعيبت ونقصت قيمتها. فإن قيل: فلم لا ~~ينفسخ عقد الرهن كما تنفسخ الإجارة؟ قلنا: الإجارة عقد على منفعة السكنى، ~~وقد تعذرت وعدمت، فبطل العقد لعدم المعقود عليه، والرهن عقد استيثاق يتعلق ~~بالأعيان التي فيها المالية، وهي باقية. # فعلى هذا تكون العرصة والأنقاض من الأخشاب والأحجار ونحوهما من الرهن؛ ~~لأن العقد ورد على جميع الأعيان والأنقاض منها، وما دخل في العقد استقر ~~بالقبض. ### | [فصل كل عين جاز بيعها جاز رهنها] # (3289) فصل: وكل عين جاز بيعها جاز رهنها؛ لأن مقصود الرهن الاستيثاق ~~بالدين للتوصل إلى استيفائه من ثمن الرهن إن تعذر استيفاؤه من ذمة الراهن، ~~وهذا يتحقق في كل عين جاز بيعها، ولأن ما كان محلا للبيع كان محلا لحكمة ~~الرهن، ومحل الشيء محل حكمته، إلا أن يمنع مانع من ثبوته، أو يفوت شرط، ~~فينتفي الحكم لانتفائه، فيصح رهن المشاع لذلك. # وبه قال ابن أبي ليلى، ومالك، والبتي، والأوزاعي، وسوار، والعنبري، ~~والشافعي، وأبو ثور. وقال أصحاب الرأي: لا يصح رهنه، إلا أن يرهنه من ~~شريكه، أو يرهنها الشريكان من رجل واحد، أو يرهن رجلا داره من رجلين، ~~فيقبضانها معا؛ لأنه عقد تخلف عنه مقصوده لمعنى اتصل به، فلم يصح، كما لو ~~تزوج أخته من الرضاع، بيانه أن مقصوده الحبس الدائم، والمشاع لا يمكن ~~المرتهن حبسه، لأن شريكه ينتزعه يوم # PageV04P253 # نوبته، ولأن استدامة القبض شرط، وهذا يستحق زوال اليد عنه لمعنى قارن ~~العقد، فلم يصح رهنه كالمغصوب. ولنا، أنها عين يجوز بيعها في محل الحق، ~~فيصح رهنها كالمفرزة. # ولا نسلم أن مقصوده الحبس، بل مقصوده استيفاء الدين من ثمنه عند تعذره من ~~غيره، والمشاع قابل لذلك، ثم يبطل ما ذكروه برهن القاتل والمرتد والمغصوب، ~~ورهن ملك غيره بغير إذنه من غير ولاية، فإنه يصح عندهم. ### | [فصل رهن بعض نصيبه من المشاع] # (3290) فصل: ويصح أن يرهن بعض نصيبه من المشاع، كما يصح أن يرهن جميعه، ~~سواء رهنه مشاعا في نصيبه، مثل أن يرهن نصف نصيبه، أو يرهن نصيبه من معين، ~~مثل أن يكون ms2097 له نصف دار فيرهن نصيبه من بيت منها بعينه. # وقال القاضي: يحتمل أن لا يصح رهن حصته من معين من شيء تمكن قسمته، ~~لاحتمال أن يقتسم الشريكان، فيحصل الرهن في حصة شريكه. ولنا، أنه يصح بيعه، ~~فصح رهنه كغيره، وما ذكره لا يصح؛ لأن الراهن ممنوع من التصرف في الرهن بما ~~يضر بالمرتهن، فيمنع من القسمة المضرة، كما يمنع من بيعه. ### | [فصل رهن المرتد والقاتل في المحاربة والجاني] # (3291) فصل: ويصح رهن المرتد والقاتل في المحاربة والجاني، سواء كانت ~~جنايته عمدا أو خطأ على النفس وما دونها. وقال القاضي: لا يصح رهن القاتل ~~في المحاربة، واختار أبو بكر أنه لا يصح رهن الجاني. وهو مذهب الشافعي، ~~ومبنى الخلاف في هذا على الخلاف في بيعه، وقد سبق الكلام فيه في موضعه. # ثم إن كان المرتهن عالما بحاله، فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة، فأشبه ~~المشتري إذا علم العيب، وإن لم يكن عالما، ثم علم بعد إسلام المرتد وفداء ~~الجاني، فكذلك؛ لأن العيب زال، فهو كما لو زال عيب المبيع. وإن علم قبل ~~ذلك، فله رده وفسخ البيع إن كان مشروطا في عقد بيع؛ لأن الشرط اقتضاه ~~سليما، فإذا سلم إليه معيبا، ملك الفسخ، كالبيع، وإن اختار إمساكه، فليس له ~~أرش ولا شيء؛ لأن الرهن بجملته لو تلف قبل قبضه، لم يملك بدله، فبعضه أولى. ~~وكذلك لو لم يعلم حتى قتل العبد بالردة أو القصاص، أو أخذ في الجناية، فلا ~~أرش للمرتهن. وذكر القاضي أن قياس المذهب أن له الأرش في هذه المواضع، ~~قياسا على البيع. # وليس الأمر كذلك؛ فإن المبيع عوض عن الثمن، فإذا فات بعضه، رجع بما ~~يقابله من الثمن، ولو فات كله، مثل أن يتلف المبيع قبل قبضه، رجع بالثمن ~~كله، والرهن ليس بعوض، ولو تلف كله قبل القبض، لما استحق الرجوع بشيء، فكيف ~~يستحق الرجوع ببدل عينه أو فوات بعضه؟ وإن امتنع السيد من فداء الجاني، لم ~~يجبر، ويباع في الجناية؛ لأن حق المجني عليه مقدم على الرهن، ms2098 فأشبه ما لو ~~حدثت الجناية بعد الرهن. # فعلى هذا إن استغرق # PageV04P254 # الأرش قيمته، بيع وبطل الرهن، وإن لم يستغرقها، بيع منه بقدر الأرش، ~~والباقي رهن. ### | [فصل رهن المدبر] # (3292) فصل: ويصح رهن المدبر، في ظاهر المذهب. بناء على جواز بيعه. ومنع ~~منه أبو حنيفة والشافعي؛ لأنه علق عتقه بصفة، أشبه ما لو علق عتقه بصفة ~~توجد قبل حلول الحق. # ولنا، أنه عقد يقصد منه استيفاء الحق من العين، أشبه الإجارة. ولأنه علق ~~عتقه بصفة لا تمنع استيفاء الحق، أشبه ما لو علقه بصفة توجد بعد حلول الحق. ~~وما ذكروه ينتقض بهذا الأصل، ويفارق التدبير التعليق بصفة تحل قبل حلول ~~الدين؛ لأن الرهن لا يمنع عتقه بالصفة، فإذا عتق تعذر استيفاء الدين منه، ~~فلا يحصل المقصود، والدين في المدبر يمنع عتقه بالتدبير، ويقدم عليه، فلا ~~يمنع حصول المقصود. # والحكم فيما إذا علم التدبير أو لم يعلم، كالحكم في العبد الجاني، على ما ~~فصل فيه. ومتى مات السيد قبل الوفاء، فعتق المدبر، بطل الرهن، وإن عتق ~~بعضه، بقي الرهن فيما بقي. وإن لم يكن للسيد مال يفضل عن وفاء الدين، بيع ~~المدبر في الدين، وبطل التدبير؛ لأن الدين مقدم على التدبير، ولا يبطل ~~الرهن. وإن كان الدين لا يستغرقه، بيع منه بقدر الدين، وعتق منه ثلث ~~الباقي، وما بقي للورثة. ### | [فصل رهن المكاتب] # (3293) فصل: فأما المكاتب، فالصحيح أنه لا يصح رهنه. وهو مذهب الشافعي؛ ~~لأن استدامة القبض في الرهن شرط في الصحيح، ولا يمكن ذلك في المكاتب. وقال ~~القاضي: قياس المذهب صحة رهنه. وهو مذهب مالك؛ لأنه يجوز بيعه وإيفاء الدين ~~من ثمنه. # فعلى هذا يكون ما يؤديه من نجوم كتابته رهنا معه، فإن عجز ثبت الرهن فيه ~~وفي اكتسابه، وإن عتق كان ما أداه من نجومه رهنا، بمنزلة ما لو كسب العبد ~~القن، ثم مات. # (3294) فصل: وأما من علق عتقه بصفة تحل قبل حلول الحق، كمن علق عتقه ~~بهلال رمضان، ومحل الحق آخره، لم يصح رهنه؛ لكونه لا يمكن بيعه عند حلول ms2099 ~~الحق، ولا استيفاء الدين من ثمنه. وإن كان الدين يحل قبلها، مثل أن يعلق ~~عتقه بآخر رمضان، والحق يحل في أوله، صح رهنه؛ لإمكان استيفاء الدين من ~~ثمنه، فإن كانت تحتمل الأمرين، كقدوم زيد، فقياس المذهب صحة رهنه؛ لأنه في ~~الحال محل للرهن يمكن أن يبقى حتى يستوفي الدين من ثمنه، فصح رهنه، كالمريض ~~والمدبر. وهذا مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -. ويحتمل أن لا يصح رهنه؛ ~~لأن فيه غررا، إذ يحتمل أن يعتق قبل حلول الحق، ولأصحاب الشافعي فيه اختلاف ~~على نحو ما ذكرنا. ### | [فصل رهن الجارية] # (3295) فصل: ويحوز رهن الجارية دون ولدها، ورهن ولدها دونها؛ لأن الرهن ~~لا يزيل الملك، فلا يحصل بذلك تفرقة، ولأنه يمكن تسليم الولد مع أمه، والأم ~~مع ولدها، فإن دعت الحاجة إلى بيعها في الدين، بيع ولدها معها؛ لأن الجمع ~~في العقد ممكن، والتفريق بينهما حرام، فوجب بيعه # PageV04P255 # معها. فإذا بيعا معا، تعلق حق المرتهن من ذلك بقدر قيمة الجارية من ~~الثمن، فإذا كانت قيمتها مائة، مع أنها ذات ولد، وقيمة الولد خمسون، فحصتها ~~ثلثا الثمن. # وإن لم يعلم المرتهن بالولد، ثم علم، فله الخيار في الرد والإمساك؛ لأن ~~الولد عيب فيها، لكونه لا يمكن بيعها بدونه، فإن أمسك، فهو كما لو علم حال ~~العقد، ولا شيء له غيرها، وإن ردها فله فسخ البيع، إن كانت مشروطة فيه. ### | [فصل رهن ما يسرع إليه الفساد] # (3296) فصل: ويصح رهن ما يسرع إليه الفساد، سواء كان مما يمكن إصلاحه ~~بالتجفيف، كالعنب والرطب، أو لا يمكن، كالبطيخ والطبيخ. ثم إن كان مما ~~يجفف، فعلى الراهن تجفيفه؛ لأنه من مؤنة حفظه وتبقيته، فلزم الراهن، كنفقة ~~الحيوان. وإن كان مما لا يجفف، فإنه يباع، ويقضي الدين من ثمنه، إن كان ~~حالا، أو يحل قبل فساده، وإن كان لا يحل قبل فساده، جعل ثمنه مكانه رهنا، ~~سواء شرط في الرهن بيعه أو أطلق. # وقال أصحاب الشافعي: إن كان مما يفسد قبل محل الدين، فشرط المرتهن على ~~الراهن بيعه وجعل ثمنه ms2100 مكانه، صح. وإن أطلق، فعلى قولين: أحدهما، لا يصح؛ ~~لأن بيع الرهن قبل حلول الحق لا يقتضيه عقد الرهن، فلم يجب، ولم يصح رهنه، ~~كما لو شرط أن لا يبيعه. وذكر القاضي فيه وجهين، كالقولين. # ولنا، أن العرف يقتضي ذلك؛ لأن المالك لا يعرض ملكه للتلف والهلاك، فإذا ~~تعين حفظه في بيعه، حمل عليه مطلق العقد، كتجفيف ما يجف، والإنفاق على ~~الحيوان، وحرز ما يحتاج إلى حرز. وأما إذا شرط أن لا يباع، فلا يصح؛ لأنه ~~شرط ما يتضمن فساده، وفوات المقصود، فأشبه ما لو شرط أن لا يجفف ما يجف، أو ~~لا ينفق على الحيوان. وإذا ثبت ما ذكرناه، فإنه إن شرط للمرتهن بيعه، أو ~~أذن له في بيعه بعد العقد، أو اتفقا على أن يبيعه الراهن أو غيره، باعه. # وإن لم يمكن ذلك، باعه الحاكم، وجعل ثمنه رهنا، ولا يقضي الدين من ثمنه؛ ~~لأنه ليس له تعجيل وفاء الدين قبل حلوله. وكذلك الحكم إن رهنه ثيابا فخاف ~~تلفها، أو حيوانا وخاف موته. قال أحمد، في من رهن ثيابا يخاف فسادها، ~~كالصوف: أتى السلطان، فأمره ببيعها. ### | [فصل رهن العصير] # (3297) فصل: ويصح رهن العصير؛ لأنه يجوز بيعه، وتعرضه للخروج عن المالية ~~لا يمنع صحة رهنه، كالمريض والجاني. ثم إن استحال إلى حال لا يخرج فيها عن ~~المالية، كالخل، فالرهن بحاله، وإن صار خمرا زال لزوم العقد، ووجبت إراقته، ~~فإن أريق بطل العقد فيه، ولا خيار للمرتهن؛ لأن التلف حصل في يده. وإن عاد ~~خلا، عاد اللزوم، بحكم العقد السابق، كما لو زالت يد المرتهن عن الرهن ثم ~~عادت إليه. وإن استحال خمرا قبل قبض المرتهن له، بطل الرهن، ولم يعد بعوده ~~خلا؛ لأنه عقد ضعيف لعدم القبض فيه، فأشبه إسلام أحد الزوجين قبل الدخول. ~~وذكر القاضي # PageV04P256 # أن العصير إذا استحال خمرا بعد القبض، بطل الرهن، ثم إذا عاد خلا، عاد ~~ملكا لصاحبه، مرهونا بالعقد السابق؛ لأنه يعود مملوكا بحكم الملك الأول، ~~فيعود حكم الرهن أيضا؛ لأنه زال بزوال الملك، فيعود ms2101 بعوده. # وهذا مذهب الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة: هو رهن بحاله؛ لأنه كانت له ~~قيمة حالة كونه عصيرا، ويجوز أن يصير له قيمة، فلا يزول الملك عنه، كما لو ~~ارتد الجاني، ولأن اليد لم تزل عنه حكما، ولهذا لو غصبه غاصب، فتخلل في ~~يده، كان ملكا للمغصوب منه، ولو زالت يده، لكان ملكا للغاصب، كما لو أراقه ~~فجمعه إنسان، فتخلل في يده، كان له، دون من أراقه. وهذا القول هو قولنا ~~الأول في المعنى، إلا أن يقولوا ببقاء اللزوم فيه حال كونه خمرا. # ولم يظهر لي فائدة الخلاف بعد اتفاقهم على عوده رهنا باستحالته خلا، وأرى ~~القول ببقائه رهنا أقرب إلى الصحة؛ لأن العقد لو بطل لما عاد صحيحا من غير ~~ابتداء عقد. فإن قالوا: يمكن عوده صحيحا لعود المعنى الذي بطل بزواله، كما ~~أن زوجة الكافر إذا أسلمت خرجت من حكم العقد، لاختلاف دينهما، فإذا أسلم ~~الزوج في العدة، عادت الزوجية بالعقد الأول، لزوال الاختلاف في الدين. # قلنا: هناك ما زالت الزوجية، ولا بطل العقد، ولو بطل بانقضاء العدة لما ~~عاد إلا بعقد جديد، وإنما العقد كان موقوفا مراعى، فإذا أسلم في العدة ~~تبينا أنه لم يبطل، وإن لم يسلم تبينا أنه كان قد بطل، وها هنا قد جزمتم ~~ببطلانه. ### | [فصل رهن الثمرة قبل بدو صلاحها] # (3298) فصل: وهل يصح رهن الثمرة قبل بدو صلاحها، من غير شرط القطع أو ~~الزرع الأخضر؟ فيه وجهان؛ أحدهما، يجوز. وهو اختيار القاضي؛ لأن الغرر يقل ~~فيه، فإن الثمرة متى تلفت، عاد إلى حقه في ذمة الراهن، ولأنه يجوز بيعه، ~~فجاز رهنه، ومتى حل الحق بيع، وإن اختار المرتهن تأخير بيعه، فله ذلك. # والثاني، لا يصح. وهو منصوص الشافعي؛ لأنه لا يجوز بيعه، فلا يصح رهنه، ~~كسائر ما لا يجوز بيعه. وذكر القاضي أنه يجوز رهن المبيع الذي يشترط، قبضه، ~~كالمكيل والموزون قبل قبضه لأن قبضه مستحق، فيمكن المشتري قبضه، ثم يقبضه. ~~أما البيع فإنه يفضي إلى أن يربح فيما لم يضمن، وهو منهي ms2102 عنه. ويحتمل أن لا ~~يصح رهنه؛ لأنه لا يصح بيعه. ### | [فصل رهن المصحف] # (3299) فصل: وفي رهن المصحف روايتان؛ # PageV04P257 # إحداهما، لا يصح رهنه. نقل الجماعة عنه: أرخص في رهن المصحف. وذلك لأن ~~المقصود من الرهن استيفاء الدين من ثمنه، ولا يحصل ذلك إلا ببيعه، وبيعه ~~غير جائز. # والثانية، يصح رهنه. فإنه قال: إذا رهن مصحفا لا يقرأ فيه إلا بإذنه. ~~فظاهر هذا صحة رهنه. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، بناء ~~على أنه يصح بيعه فصح رهنه، كغيره. ### | [فصل استعار من رجل شيئا يرهنه] # (3300) فصل: ويجوز أن يستعير شيئا يرهنه. قال ابن المنذر: أجمع كل من ~~نحفظ عنه من أهل العلم، على أن الرجل إذا استعار من الرجل شيئا يرهنه على ~~دنانير معلومة، عند رجل سماه، إلى وقت معلوم، ففعل، أن ذلك جائز. وينبغي أن ~~يذكر المرتهن، والقدر الذي يرهنه به، وجنسه، ومدة الرهن؛ لأن الضرر يختلف ~~بذلك، فاحتيج إلى ذكره، كأصل الرهن، ومتى شرط شيئا من ذلك، فخالف، ورهنه ~~بغيره، لم يصح الرهن؛ لأنه لم يؤذن له في هذا الرهن، فأشبه من لم يأذن في ~~أصل الرهن، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على ذلك. وإن أذن له في رهنه ~~بقدر من المال، فنقص عنه، مثل أن يأذن له في رهنه بمائة، فيرهنه بخمسين، ~~صح؛ لأن من أذن في مائة، فقد أذن في خمسين. # وإن رهنه بأكثر، مثل أن رهنه بمائة وخمسين، احتمل أن يبطل في الكل؛ لأنه ~~خالف المنصوص عليه، فبطل، كما لو قال: ارهنه بدنانير. فرهنه بدراهم أو بحال ~~فرهنه بمؤجل أو بمؤجل. فرهنه بحال، فإنه لا يصح. كذلك هاهنا. وهذا منصوص ~~الشافعي. # والوجه الثاني، أنه يصح في المائة، ويبطل في الزائد عليها؛ لأن العقد ~~تناول ما يجوز وما لا يجوز، فجاز فيما دون غيره، كتفريق الصفقة. ويفارق ما ~~ذكرنا من الأصول؛ فإن العقد لم يتناول مأذونا فيه بحال، وكل واحد من هذه ~~الأمور يتعلق به غرض لا يوجد في الآخر، فإن الراهن قد يقدر على ms2103 فكاكه في ~~الحال، ولا يقدر على ذلك عند الأجل وبالعكس. وقد يقدر على فكاكه بأحد ~~النقدين دون الآخر، فيفوت الغرض بالمخالفة، وفي مسألتنا إذا صح في المائة ~~المأذون فيها لم يختلف الغرض، فإن أطلق الرهن في الإذن من غير تعيين، فقال ~~القاضي: يصح، وله رهنه بما شاء. وهو قول أصحاب الرأي، وأحد قولي الشافعي. # والآخر: لا يجوز حتى يبين قدر الذي يرهنه به، وصفته، وحلوله، وتأجيله؛ ~~لأن هذا بمنزلة الضمان، لأن منفعة العبد لسيده، والعارية ما أفادت المنفعة، ~~إنما حصلت له نفعا يكون الرهن وثيقة عنه، فهو بمنزلة الضمان في ذمته، وضمان ~~المجهول لا يصح. ولنا، أنها عارية، فلم يشترط لصحتها ذكر ذلك، كالعارية ~~لغير الرهن، والدليل على أنه عارية أنه قبض ملك غيره لمنفعة نفسه، منفردا ~~بها من غير عوض، فكان عارية، كقبضه للخدمة. وقولهم: # PageV04P258 # إنه ضمان. غير صحيح؛ لأن الضمان يثبت في الذمة، ولهذا ثبت في الرقبة، ~~ولأن الضمان لازم في حق الضامن، وهذا له الرجوع في العبد قبل الرهن، وإلزام ~~المستعير بفكاكه بعده. # وقولهم: إن المنافع للسيد. قلنا: المنافع مختلفة، فيجوز أن يستعيره ~~لتحصيل منفعة واحدة وسائر المنافع للسيد، كما لو استعاره لحفظ متاع وهو مع ~~ذلك يخيط لسيده. أو يعمل له شيئا، أو استعاره ليخيط له، ويحفظ المتاع ~~لسيده. فإن قيل: لو كان عارية لما صح رهنه؛ لأن العارية لا تلزم، والرهن ~~لازم. # قلنا: العارية غير لازمة من جهة المستعير؛ فإن لصاحب العبد المطالبة ~~بفكاكه قبل حلول الدين. ولأن العارية قد تكون لازمة، بدليل ما لو أعاره ~~حائطا ليبني عليه، أو أرضا ليدفن فيها، أو ليزرع فيها ما لا يحصد قصيلا. إذ ~~ثبت هذا، فإنه يصح رهنه بما شاء، إلى أي وقت شاء، ممن شاء؛ لأن الإذن ~~يتناول الكل بإطلاقه، وللسيد مطالبة الراهن بفكاك الرهن، حالا كان أو ~~مؤجلا، في محل الحق وقبل محله؛ لأن العارية لا تلزم. # ومتى حل الحق فلم يقبضه، فللمرتهن بيع الرهن. واستيفاء الدين من ثمنه، ~~ويرجع المعير على الراهن بالضمان، وهو ms2104 قيمة العين المستعارة، أو مثلها إن ~~كانت من ذوات الأمثال، ولا يرجع بما بيعت به، سواء بيعت بأقل من القيمة أو ~~أكثر، في أحد الوجهين. والصحيح أنها إن بيعت بأقل من قيمتها، رجع بالقيمة؛ ~~لأن العارية مضمونة، فيضمن نقص ثمنها، وإن بيعت بأكثر، رجع بما بيعت به؛ ~~لأن العبد ملك للمعير، فيكون ثمنه كله له. وكذلك لو أسقط المرتهن حقه عن ~~الراهن، رجع الثمن كله إلى صاحبه. فإذا قضى به دين الراهن، رجع به عليه، ~~ولا يلزم من وجوب ضمان النقص أن لا تكون الزيادة لصاحب العبد، كما لو كان ~~باقيا بعينه، وإن تلف الرهن ضمنه الراهن بقيمته، سواء تلف بتفريط أو غير ~~تفريط. نص على هذا أحمد. وذلك لأن العارية مضمونة. ### | [فصل فك المعير الرهن وأدى الدين الذي عليه بإذن الراهن] # (3301) فصل: وإن فك المعير الرهن، وأدى الدين الذي عليه بإذن الراهن، رجع ~~عليه. وإن قضاه متبرعا، لم يرجع بشيء. وإن قضاه بغير إذنه محتسبا بالرجوع ~~بغير إذنه، فهل يرجع؟ على روايتين، بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه، ~~ويترجح الرجوع هاهنا؛ لأن له المطالبة بفكاك عبده، وأداء دينه فكاكه. وإن ~~اختلفا في الإذن، فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأنه منكر. # وإن شهد المرتهن للمعير، قبلت شهادته؛ لأنه لا يجر بها نفعا، ولا يدفع ~~بها ضررا، وإن قال: أذنت لي في رهنه بعشرة. قال: بل بخمسة. فالقول قول ~~المالك؛ لأنه منكر للزيادة. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # PageV04P259 # وإن كان الدين مؤجلا، فقضاه حالا بإذنه، رجع به حالا، وإن قضاه بغير ~~إذنه، فقال القاضي: يرجع به حالا أيضا؛ لأنه له المطالبة بفكاك عبده في ~~الحال. ### | [فصل استعار من رجل عبدا ليرهنه بمائة فرهنه عند رجلين] # (3302) فصل: ولو استعار من رجل عبدا ليرهنه بمائة، فرهنه عند رجلين، صح؛ ~~لأن تعيين ما يرهن به ليس بشرط، فكذلك من يرهن عنده، ولأن رهنه من رجلين ~~أقل ضررا من رهنه عند رجل واحد؛ لأنه ينفك منه بعضه بقضاء بعض الدين، بخلاف ms2105 ~~ما لو كان رهنا عند واحد. فعلى هذا، إذا قضى أحدهما ما عليه من الدين، خرج ~~نصيبه من الرهن؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين عقدان في الحقيقة. # ولو استعار عبدا من رجلين، فرهنه عند واحد بمائة، فقضاه نصفها عن أحد ~~النصيبين، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا ينفك من الرهن شيء؛ لأنه عقد واحد، من ~~راهن واحد، مع مرتهن واحد، فأشبه ما لو كان العبد لواحد. والثاني، ينفك نصف ~~العبد؛ لأن كل واحد منهما إنما أذن في رهن نصيبه بخمسين، فلا يكون رهنا ~~بأكثر منها، كما لو صرح له بذلك، فقال: ارهن نصيبي بخمسين، لا تزد عليها. # فعلى هذا الوجه، إن كان المرتهن عالما بذلك، فلا خيار له، وإن لم يكن ~~عالما بذلك، والرهن مشروط في بيع، احتمل أن يكون له الخيار؛ لأنه دخل على ~~أن كل جزء من الرهن وثيقة بجميع الدين، وقد فاته ذلك، واحتمل أن لا يكون له ~~خيار؛ لأن الرهن سلم له كله بالدين كله، وهو دخل على ذلك ولو كان رهن هذا ~~العبد عند رجلين، فقضى أحدهما، انفك نصيب كل واحد من المعيرين من نصفه. # وإن قضى نصف دين أحدهما انفك في نصيب أحدهما، على أحد الوجهين، وفي ~~الآخر، ينفك نصف نصيب كل واحد منهما. والله أعلم. ### | [فصل كان لرجلين عبدان فأذن كل واحد منهما لشريكه في رهن نصيبه] # (3303) فصل: ولو كان لرجلين عبدان، فأذن كل واحد منهما لشريكه في رهن ~~نصيبه من أحد العبدين، فرهناهما عند رجل مطلقا، صح، فإن شرط أحدهما أنني ~~متى قضيت ما علي من الدين، انفك الرهن في العبد الذي رهنته، وفي العبد ~~الآخر، أو في قدر نصيبي من العبد الآخر. فهذا شرط فاسد؛ لأنه شرط أن ينفك ~~بقضاء الدين رهن على دين آخر، ويفسد الرهن؛ لأن في هذا الشرط نقصا على ~~المرتهن، وكل شرط فاسد ينقص حق المرتهن، يفسد الرهن. فأما إن شرط أنه لا ~~ينفك شيء من العبد حتى يقضي جميع الدين، فهو فاسد، أيضا؛ لأنه شرط أن يبقى ~~الرهن ms2106 محبوسا بغير الدين الذي هو رهن به، لكنه لا ينقص حق المرتهن، فهل ~~يفسد الرهن بذلك؟ على وجهين. ### | [فصل رهن ما لا يصح بيعه] # (3304) فصل: ولا يصح رهن ما لا يصح بيعه، كأم الولد، والوقف، والعين ~~المرهونة؛ لأن مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه، وما لا يجوز بيعه لا ~~يمكن ذلك فيه. ولو رهن العين المرهونة عند المرتهن، لم يجز. فلو قال الراهن ~~للمرتهن: زدني ما لا يكون الرهن الذي عندك رهنا به وبالدين الأول. # PageV04P260 # لم يجز. # وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد وهو أحد قولي الشافعي وقال مالك وأبو يوسف ~~وأبو ثور والمزني وابن المنذر يجوز ذلك؛ لأنه لو زاده رهنا جاز، فكذلك إذا ~~زاد في دين الرهن، ولأنه لو فدى المرتهن العبد الجاني بإذن الراهن، ليكون ~~رهنا بالمال الأول وبما فداه به، جاز، فكذلك هاهنا، ولأنها وثيقة محضة، ~~فجازت الزيادة فيها كالضمان # ولنا، أنها عين مرهونة، فلم يجز رهنها بدين آخر، كما لو رهنها عند غير ~~المرتهن، فأما الزيادة في الرهن فيجوز؛ لأنه زيادة استيثاق، بخلاف مسألتنا، ~~وأما العبد الجاني فيصح فداؤه، ليكون رهنا بالفداء والمال الأول، لكون ~~الرهن لا يمنع تعلق الأرش بالجاني، لكون الجناية أقوى، ولأن لولي الجناية ~~المطالبة ببيع الرهن وإخراجه من الرهن، فصار بمنزلة الرهن الجائز قبل قبضه، ~~ويجوز أن يزيده في الرهن الجائز حقا قبل لزومه، فكذلك إذا صار جائزا ~~بالجناية، ويفارق الرهن الضمان؛ فإنه يجوز أن يضمن لغيره # إذا ثبت هذا، فرهنه بحق ثان كان رهنا بالأول خاصة، فإن شهد بذلك شاهدان ~~يعتقدان فساده، لم يكن لهما أن يشهدا به، وإن اعتقدا صحته لم يكن لهما أن ~~يشهدا أنه رهنه بالحقين مطلقا، بل يشهدان بكيفية الحال، ليرى الحاكم فيه ~~رأيه. ### | [فصل رهن سواد العراق والأرض الموقوفة] # (3305) فصل: وأما رهن سواد العراق، والأرض الموقوفة على المسلمين، ~~فالصحيح في المذهب أنه لا يجوز بيعها، فكذلك رهنها. وهذا منصوص الشافعي وما ~~كان فيها من بنائها، فحكمه حكمها، وما كان فيها من غير ترابها أو من الشجر ms2107 ~~المجدد فيها، إن أفرده بالبيع والرهن، فهل يصح؟ على روايتين، نص عليهما في ~~البيع؛ إحداهما: يصح؛ لأنه طلق. # والثانية، لا يجوز؛ لأنه تابع لما لا يجوز بيعه ولا رهنه، فهو كأساسات ~~الحيطان. وإن رهنه مع الأرض، بطل في الأرض، وهل يجوز في الأشجار والبناء ~~على الرواية التي يجوز رهنها منفردة؟ يخرج على الروايتين في تفريق الصفقة. ~~وهذا مذهب الشافعي. - رضي الله عنه - ### | [فصل رهن المجهول] # (3306) فصل: ولا يصح رهن المجهول؛ لأنه لا يصح بيعه، فلو قال: رهنتك هذا ~~الجراب أو البيت أو الخريطة بما فيها. لا يصح؛ لأنه مجهول. وإن لم يقل: بما ~~فيها. صح رهنها؛ للعلم بها، إلا أن يكون ذلك مما لا قيمة له، كالجراب الخلق ~~ونحوه. ولو قال: رهنتك أحد هذين العبدين. لم يصح؛ لعدم التعيين. # وفي الجملة أنه يعتبر للعلم في الرهن ما يعتبر في البيع، وكذلك القدرة ~~على التسليم، فلا يصح رهن الآبق ولا الجمل الشارد، ولا غير مملوك. ### | [فصل رهن عبدا أو باعه يعتقده مغصوبا فبان ملكه] # (3307) فصل: ولو رهن عبدا، أو باعه، يعتقده مغصوبا، فبان ملكه، مثل إن ~~رهن عبد أبيه، # PageV04P261 # فبان أن أباه قد مات، وصار العبد ملكه بالميراث، أو وكل إنسانا يشتري له ~~عبدا من سيده، ثم إن الموكل باع العبد أو رهنه، يعتقده لسيده الأول، فبان ~~أن تصرفه بعد شراء الوكيل له، ونحو ذلك، صح تصرفه؛ لأنه تصرف صدر من أهله، ~~وصادف ملكه، فصح كما لو علم. ويحتمل أن لا يصح؛ لأنه اعتقده باطلا. ### | [فصل رهن المبيع في مدة الخيار] # (3308) فصل: ولو رهن المبيع في مدة الخيار، لم يصح، إلا أن يرهنه المشتري ~~والخيار له وحده، فيصح تصرفه، ويبطل خياره. ذكره أبو بكر وهو مذهب الشافعي ~~وكذلك بيعه وتصرفاته. ولو أفلس المشتري، فرهن البائع عين ماله التي له ~~الرجوع فيها قبل الرجوع فيها لم يصح؛ لأنه رهن مالا يملكه. # وكذلك لو رهن الأب العين التي وهبها لابنه قبل رجوعه فيها، لم يصح؛ لما ~~ذكرناه، وللشافعي في ذلك وجهان؛ أحدهما، يصح؛ ms2108 لأن له استرجاع العين، فتصرفه ~~فيها يدل على رجوعه فيها. ولنا، أنه رهن ما لا يملكه. بغير إذن المالك، ولا ~~ولاية عليه، فلم يصح، كما لو رهن الزوج نصف الصداق قبل الدخول. ### | [فصل رهن ثمرة شجر يحمل في السنة حملين] # (3309) فصل: ولو رهن ثمرة شجر يحمل في السنة حملين، لا يتميز أحدهما من ~~الآخر، فرهن الثمرة الأولى إلى محل تحدث الثانية على وجه لا يتميز، فالرهن ~~باطل؛ لأنه مجهول حين حلول الحق، فلا يمكن استيفاء الدين منه، فلم يصح، كما ~~لو كان مجهولا حين العقد، وكما لو رهنه إياها بعد اشتباهها. فإن شرط قطع ~~الأولى إذا خيف اختلاطها بالثانية، صح. # فإن كان الحمل المرهون بحق حالا، وكانت الثمرة الثانية تتميز من الأولى ~~إذا حدثت، فالرهن صحيح. فإن وقع التواني في قطع الأولى حتى اختلطت ~~بالثانية، وتعذر التميز، لم يبطل الرهن؛ لأنه وقع صحيحا، وقد اختلط بغيره ~~على وجه لا يمكن فصله. فعلى هذا إن سمح الراهن بكون الثمرة رهنا، أو اتفقا ~~على قدر المرهون منهما، فحسن، وإن اختلفا، فالقول قول الراهن مع يمينه في ~~قدر الرهن؛ لأنه منكر للقدر الزائد، والقول قول المنكر. ### | [فصل رهن منافع دار شهرا] # (3310) فصل: ولو رهنه منافع داره شهرا، لم يصح؛ لأن مقصود الرهن استيفاء ~~الدين من ثمنه، والمنافع تهلك إلى حلول الحق. وإن رهنه أجرة داره شهرا، لم ~~يصح؛ لأنها مجهولة وغير مملوكة. ### | [فصل رهن المكاتب من يعتق عليه] # (3311) فصل: ولو رهن المكاتب من يعتق عليه، لم يصح؛ لأنه لا يملك بيعه. ~~وأجازه أبو حنيفة لأنهم لا يدخلون معه في الكتابة. ولو رهن العبد المأذون ~~من يعتق على السيد، لم يصح؛ لأن ما في يده ملك لسيده. فقد صار حرا بشرائه ~~إياه. ### | [فصل رهن الوارث تركة الميت أو باعها وعلى الميت دين] # (3312) فصل: ولو رهن الوارث تركة الميت، أو باعها، وعلى الميت دين، صح في ~~أحد # PageV04P262 # الوجهين. وقال أصحاب الشافعي: لا يصح، في أحد الوجهين، إذا كان على الميت ~~دين يستغرق التركة؛ لأنه تعلق ms2109 به حق آدمي، فلم يصح رهنه، كالمرهون. ولنا، ~~أنه تصرف صادف ملكه، ولم يعلق به حقا، فصح، كما لو رهن المرتد. # وفارق المرهون؛ لأن الحق تعلق به باختياره، فأما في مسألتنا فالحق تعلق ~~به بغير اختياره، فلم يمنع تصرفه. وهكذا كل حق ثبت من غير إثباته، كالزكاة ~~والجناية، فلا يمنع رهنه، فإذا رهنه، ثم قضى الحق من غيره، فالرهن بحاله، ~~وإن لم يقض الحق، فللغرماء انتزاعه؛ لأن حقهم أسبق، والحكم فيه كالحكم في ~~الجاني. وهكذا الحكم لو تصرف في التركة، ثم رد عليه مبيع باعه الميت بعيب ~~ظهر فيه، أو حق تجدد تعلقه بالتركة، مثل إن وقع إنسان أو بهيمة في بئر حفره ~~في غير ملكه بعد موته، فالحكم واحد، وهو أن تصرفه صحيح غير نافذ، فإن قضى ~~الحق من غيره نفذ، وإلا فسخ البيع والرهن. ### | [فصل رهن العبد المسلم لكافر] # (3313) فصل: قال القاضي: لا يصح رهن العبد المسلم لكافر. واختار أبو ~~الخطاب صحة رهنه، إذا شرطا كونه على يد مسلم، ويبيعه الحاكم إذا امتنع ~~مالكه. وهذا أولى؛ لأن مقصود الرهن يحصل من غير ضرر. ### | [مسألة قبض الرهن من تشارطا أن الرهن يكون على يده] # (3314) مسألة: قال: وإذا قبض الرهن من تشارطا أن الرهن يكون على يده، صار ~~مقبوضا وجملته أن المتراهنين إذا شرطا كون الرهن على يدي رجل رضياه، واتفقا ~~عليه، جاز، وكان وكيلا للمرتهن نائبا عنه في القبض، فمتى قبضه صح قبضه، في ~~قول جماعة الفقهاء، منهم عطاء، وعمرو بن دينار، والثوري وابن المبارك ~~والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي. # وقال الحكم والحارث العكلي، وقتادة، وابن أبي ليلى: لا يكون مقبوضا بذلك؛ ~~لأن القبض من تمام العقد، فتعلق بأحد المتعاقدين، كالإيجاب والقبول # ولنا، أنه قبض في عقد، فجاز فيه التوكيل، كسائر القبوض، وفارق القبول؛ ~~لأن الإيجاب إذا كان لشخص كان القبول منه، لأنه يخاطب به، ولو وكل في ~~الإيجاب والقبول قبل أن يوجب له، صح أيضا، وما ذكروه ينتقض بالقبض في ~~البيع، فيما يعتبر القبض فيه. إذا ثبت ms2110 هذا، فإنه يجوز أن يجعلا الرهن على ~~يدي من يجوز توكيله، وهو الجائز التصرف، مسلما كان أو كافرا، عدلا أو ~~فاسقا، ذكرا أو أنثى، ولا يجوز أن يكون صبيا؛ لأنه غير جائز التصرف مطلقا، ~~فإن فعلا كان قبضه وعدم القبض واحدا، ولا عبدا بغير إذن سيده؛ لأن منافع ~~العبد لسيده، فلا يجوز تضييعها في الحفظ بغير إذنه، فإن أذن له السيد، جاز # وأما المكاتب، فإن كان # PageV04P263 # بجعل، جاز؛ لأن له الكسب، وبذل منافعه بغير إذن السيد، وإن كان بغير جعل، ~~لم يجز؛ لأنه ليس له التبرع بمنافعه. ### | [فصل جعل الراهن والمرتهن الرهن في يد اثنين] # (3315) فصل: فإن: جعلا الرهن في يد عدلين، جاز، ولهما إمساكه، ولا يجوز ~~لأحدهما الانفراد بحفظه. وإن سلمه أحدهما إلى الآخر، فعليه ضمان النصف؛ ~~لأنه القدر الذي تعدى فيه. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وفي الآخر، ~~إذا رضي أحدهما بإمساك الآخر، جاز. وبهذا قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو ~~حنيفة إن كان مما ينقسم، اقتسماه، وإلا فلكل واحد منهما إمساك جميعه؛ لأن ~~اجتماعهما على حفظه يشق عليهما، فحمل الأمر على أن لكل واحد منهما الحفظ. # ولنا، أن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما فلم يجز لأحدهما الانفراد ~~بذلك، كالوصيين لا ينفرد أحدهما بالتصرف. وقولهم: إن الاجتماع على الحفظ ~~يشق. ليس كذلك؛ فإنه يمكن جعله في مخزن لكل واحد منهما عليه قفل. # (3316) فصل: وما دام العدل بحاله، لم يتغير عن الأمانة، ولا حدثت بينه ~~وبين أحدهما عداوة، فليس لأحدهما، ولا للحاكم، نقل الرهن عن يده؛ لأنهما ~~رضيا به في الابتداء. وإن اتفقا على نقله، جاز؛ لأن الحق لهما لم يعدهما. ~~وكذلك لو كان الرهن في يد المرتهن، فلم يتغير حاله، لم يكن للراهن ولا ~~للحاكم نقله عن يده. وإن تغيرت حال العدل بفسق، أو ضعف عن الحفظ، أو حدثت ~~عداوة بينه وبينهما، أو بين أحدهما، فلمن طلب نقله عن يده ذلك، ويضعانه في ~~يد من يتفقان عليه، فإن اختلفا، وضعه الحاكم على يد عدل، وإن اختلفا في ~~تغير ms2111 حاله، بحث الحاكم، وعمل بما يظهر له. وهكذا لو كان في يد المرتهن، ~~فتغيرت حاله في الثقة والحفظ، فللراهن رفعه عن يده إلى الحاكم، ليضعه في يد ~~عدل # وإذا ادعى الراهن تغير حال المرتهن، فأنكر، بحث الحاكم عن ذلك، وعمل بما ~~بان له. وإن مات العدل أو المرتهن، لم يكن لورثتهما إمساكه إلا بتراضيهما، ~~فإن اتفقا على ذلك، جاز. وإن اتفقا على عدل يضعانه على يده، فلهما ذلك؛ لأن ~~الحق لهما، فيفوض أمره إليهما. فإن اختلف الراهن والمرتهن عند موت العدل، ~~أو اختلف الراهن وورثة المرتهن، رفعا الأمر إلى الحاكم، ليضعه على يد عدل # وإن كان الرهن في يد اثنين، فمات أحدهما، أو تغيرت حاله، بفسق، أو ضعف عن ~~الحفظ، أو عداوة بين أحد المتراهنين، أقيم مقامه عدل ينضم إلى العدل الآخر، ~~فيحفظان معا. ### | [فصل أراد العدل رد الرهن على من أودعه] # (3317) فصل: ولو أراد العدل رده عليهما، فله ذلك، وعليهما قبوله. وبهذا ~~قال الشافعي؛ لأنه أمين متطوع بالحفظ، فلا يلزمه المقام عليه. فإن امتنعا، ~~أجبرهما الحاكم. فإن تغيبا، نصب الحاكم أمينا يقبضه لهما؛ لأن للحاكم ولاية ~~على الممتنع من الحق الذي عليه. ولو دفعه إلى الأمين من غير # PageV04P264 # امتناعهما، ضمن، وضمن الحاكم؛ لأنه لا ولاية له على غير الممتنع. وكذا لو ~~تركه العدل عند آخر مع وجودهما، ضمن، وضمن القابض. # وإن امتنعا، ولم يجد حاكما، فتركه عند عدل آخر، لم يضمن. وإن امتنع ~~أحدهما، لم يكن له دفعه إلى الآخر، فإن فعل ضمن، والفرق بينهما أن أحدهما ~~يمسكه لنفسه، والعدل يمسكه لهما، هذا فيما إذا كان حاضرين، فأما إذا كانا ~~غائبين، نظرت، فإن كان للعدل عذر من مرض أو سفر أو نحوه، رفعه إلى الحاكم، ~~فقبضه منه، أو نصب له عدلا يقبضه لهما، فإن لم يجد حاكما، أودعه عند نفسه، ~~وليس له دفعه إلى ثقة يودعه عنده، مع وجود الحاكم، فإن فعل ضمن # فإن لم يكن له عذر، وكانت الغيبة بعيدة إلى مسافة القصر، قبضه الحاكم ~~منه، فإن لم ms2112 يجد حاكما، دفعه إلى عدل. وإن كانت الغيبة دون مسافة القصر، ~~فهو كما لو كانا حاضرين؛ لأن ما دون مسافة القصر في حكم الإقامة. وإن كانا ~~أحدهما حاضرا والآخر غائبا، فحكمهما حكم الغائبين، وليس له دفعه إلى الحاضر ~~منهما. وفي جميع هذه الأقسام، متى دفعه إلى أحدهما لزمه رده إلى يده، وإن ~~لم يفعل، فعليه ضمان حق الآخر. ### | [فصل كان الرهن على يدي عدل وشرطا له أن يبيعه عند حلول الحق] # (3318) فصل: إذا كان الرهن على يدي عدل، وشرطا له أن يبيعه عند حلول ~~الحق، صح، ويصح بيعه. وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي فإن عزل الراهن ~~العدل عن البيع، صح عزله، ولم يملك البيع. وبهذا قال الشافعي وقال أبو ~~حنيفة ومالك لا ينعزل؛ لأن وكالته صارت من حقوق الرهن، فلم يكن للراهن ~~إسقاطه، كسائر حقوقه. # وقال ابن أبي موسى ويتوجه لنا مثل ذلك؛ فإن أحمد قد منع الحيلة في غير ~~موضع من كتبه، وهذا يفتح باب الحيلة للراهن، فإنه يشترط ذلك للمرتهن، ~~ليجيبه إليه، ثم يعزله # والأول هو المنصوص عنه؛ لأن الوكالة عقد جائز، فلم يلزم المقام عليها، ~~كسائر الوكالات، وكونه من حقوق الراهن لا يمنع من جوازه، كما لو شرطا الرهن ~~في البيع، فإنه لا يصير لازما، وكذلك لو مات الراهن بعد الإذن، انفسخت ~~الوكالة، وقياس المذهب أنه متى عزله عن البيع، فللمرتهن فسخ البيع الذي حصل ~~الرهن بثمنه، كما لو امتنع الراهن من تسليم الرهن المشروط في البيع، فأما ~~إن عزله المرتهن، فلا ينعزل؛ لأن العدل وكيل الراهن، إذ الرهن ملكه، ولو ~~انفرد بتوكيله صح، فلم ينعزل بعزل غيره، لكن لا يجوز بيعه بغير إذنه. وهكذا ~~لو لم يعزلاه، فحل الحق، لم يبعه حتى يستأذن المرتهن؛ لأن البيع لحقه، فلم ~~يجز حتى يأذن فيه، ولا يحتاج إلى تجديد إذن من الراهن، في ظاهر كلام أحمد ~~لأن الإذن قد وجد مرة، فيكفي، كما في الوكالة في سائر الحقوق # وذكر القاضي وجها آخر، أنه يحتاج إلى تجديد إذن؛ لأنه ms2113 يكون له غرض في ~~قضاء الحق من غيره. والأول أولى؛ فإن الإذن كاف ما لم يغير، والغرض لا ~~اعتبار به # PageV04P265 # مع صريح الإذن بخلافه، بدليل ما لو جدد الإذن له، بخلاف المرتهن؛ فإن ~~المبيع يفتقر إلى مطالبته بالحق، ومذهب الشافعي نحو من هذا. ### | [فصل أتلف الرهن في يد العدل أجنبي] # (3319) فصل: ولو أتلف الرهن في يد العدل أجنبي، فعلى الجاني قيمته، تكون ~~رهنا في يده، وله المطالبة بها؛ لأنها بدل الرهن، وقائمة مقامه، وله إمساك ~~الرهن وحفظه. فإن كان المتراهنان أذنا له في بيع الرهن، فقال القاضي: قياس ~~المذهب أن له بيع قيمته؛ لأن له بيع نماء الرهن تبعا للأصل، فالقيمة أولى. # وقال أصحاب الشافعي: ليس له ذلك؛ لأنه متصرف بالإذن، فلا يملك بيع ما لم ~~يؤذن له في بيعه، والمأذون في بيعه قد تلف، وقيمته غيره. وللقاضي أن يقول: ~~إنه قد أذن له في بيع الرهن، والقيمة رهن، يثبت لها حكم الأصل، من كونه ~~يملك المطالبة بها، وإمساكها، واستيفاء دينه من ثمنها، فكذلك بيعها، فإن ~~كانت القيمة من جنس الدين، وقد أذن له في وفائه من ثمن الرهن، ملك إيفاءه ~~من القيمة؛ لأنها بدل الرهن من جنس الدين، فأشبهت ثمن البيع. ### | [فصل أذن الراهن والمرتهن للعدل في البيع وعينا له نقدا] # (3320) فصل: وإذا أذنا للعدل في البيع، وعينا له نقدا # ، لم يجز له أن يخالفهما. وإن اختلفا، فقال أحدهما: بعه بدراهم. وقال ~~الآخر: بدنانير. لم يقبل قول واحد منهما، لأن لكل واحد منهما فيه حقا، ~~للراهن ملك اليمين، وللمرتهن حق الوثيقة واستيفاء حقه، ويرفع الأمر إلى ~~الحاكم، فيأمر من يبيعه بنقد البلد، سواء كان من جنس الحق أو من غير جنسه، ~~وافق قول أحدهما أو لم يوافق؛ لأن الحظ في ذلك، والأولى أن يبيعه بما يرى ~~الحظ فيه، فإن كان في البلد نقدان باعه بأغلبهما، فإن تساويا، فقال القاضي: ~~يبيع بما يؤديه اجتهاده إليه. # وهو قول الشافعي لأنه الأحظ، والغرض تحصيل الحظ، فإن تساويا، باع بجنس ~~الدين، فإن لم ms2114 يكن فيها جنس الدين، عين له الحاكم ما يبيعه به، وحكمه حكم ~~الوكيل في وجوب الاحتياط، والمنع من البيع بدون ثمن المثل، ومن البيع نساء، ~~متى خالف لزمه ما يلزم الوكيل المخالف # وذكر في البيع نساء رواية أخرى، أنه يجوز بناء على الوكيل. ولا يصح؛ لأن ~~البيع هاهنا لإيفاء دين حال يجب تعجيله، والبيع نساء يمنع ذلك. وكذا نقول ~~في الوكيل، متى وجدت في حقه قرينة دالة على منع البيع نساء لم يجز له ذلك، ~~وإنما الروايتان فيه عند انتفاء القرائن. وكل موضع حكمنا بأن البيع باطل، ~~وجب رد المبيع إن كان باقيا، فإن تعذر، فللمرتهن تضمين من شاء من العدل ~~والمشتري بأقل الأمرين من قيمة الرهن أو قدر الدين؛ لأنه يقبض قيمة الرهن ~~مستوفيا لحقه، لا رهنا، فلذلك لم يكن له أن يقبض أكثر من دينه، وما بقي من ~~قيمة الرهن للراهن، يرجع به على من شاء منهما # وإن استوفى دينه من الرهن، رجع الراهن بقيمته على من شاء منهما. ومتى ضمن ~~المشتري لم يرجع على أحد. لأن العين تلفت في يده، وإن ضمن العدل رجع على ~~المشتري. # PageV04P266 ### | [فصل قدر الراهن والمرتهن للعدل الذي في يده الرهن ثمنا] # (3321) فصل: ومتى قدرا له ثمنا لم يجز له بيعه بدونه، وإن أطلقا، فله ~~بيعه بثمن مثله، أو زيادة عليه. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة له بيعه ~~ولو بدراهم والكلام معه في الوكالة. فإن أطلقا، فباع بأقل من ثمن المثل، ~~مما يتغابن الناس به، صح، ولا ضمان عليه؛ لأن ذلك لا يضبط غالبا. وإن كان ~~النقص مما لا يتغابن الناس به، أو باع بأنقص مما قررا له، صح البيع، وضمن ~~النقص كله. ذكره أصحابنا. # والأولى أنه لا يصح البيع؛ لأنه بيع لم يؤذن له فيه، فأشبه ما لو خالف في ~~النقد. ### | [فصل باع العدل الرهن بإذنهما وقبض الثمن فتلف في يده] # (3322) فصل: وإذا باع العدل الرهن بإذنهما، وقبض الثمن، فتلف في يده من ~~غير تعد، فلا ضمان عليه؛ لأنه أمين، فهو ms2115 كالوكيل. ولا نعلم في هذا خلافا. ~~ويكون من ضمان الراهن. # وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك من ضمان المرتهن؛ لأن البيع ~~لأجله. ولنا، أنه وكيل الراهن في البيع، والثمن ملكه، وهو أمين له في قبضه، ~~فإذا تلف، كان من ضمان موكله، كسائر الأمناء. وإن ادعى التلف، فالقول قوله ~~مع يمينه؛ لأنه أمين، ويتعذر عليه إقامة البينة على ذلك، وإن كلفناه ~~البينة، شق عليه، وربما أدى إلى أن لا يدخل الناس في الأمانات # فإن خالفاه في قبض الثمن، فقالا: ما قبضه من المشتري. وادعى ذلك، ففيه ~~وجهان: أحدهما، القول قوله، لأنه أمين. والآخر: لا يقبل؛ لأن هذا إبراء ~~للمشتري من الثمن، فلا يقبل قوله فيه، كما لو أبرأه من غير الثمن. وإن خرج ~~المبيع مستحقا، فالعهدة على الراهن دون العدل، إذا كان قد أعلم المشتري أنه ~~وكيل. وكذلك كل وكيل باع مال غيره. وهذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة ~~العهدة على الوكيل. والكلام معه في الوكالة # فإن علم المشتري بعد تلف الثمن في يد العدل، رجع على الراهن، ولا شيء على ~~العدل. فإن قيل: فلم لا يرجع المشتري على العدل، لأنه قبض الثمن بغير حق؟ ~~قلنا: لأنه سلمه إليه على أنه أمين في قبضه، يسلمه إلى المرتهن. فلذلك لم ~~يجب الضمان عليه، فأما المرتهن، فقد بان له أن عقد الرهن كان فاسدا، فإن ~~كان مشروطا في بيع، ثبت له الخيار فيه، وإلا سقط حقه، فإن كان الراهن ~~مفلسا، حيا أو ميتا، كان المرتهن والمشتري أسوة الغرماء؛ لأنهم متساوون في ~~ثبوت حقهم في الذمة، فاستووا في قسمة ماله بينهم # فأما إن خرج مستحقا بعد ما دفع الثمن إلى المرتهن، رجع المشتري على ~~المرتهن. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يرجع على العدل، ويرجع العدل ~~على أيهما شاء من الراهن والمرتهن. ولنا، أن عين ماله صار إلى المرتهن بغير ~~حق، فكان رجوعه عليه كما لو قبضه منه، فأما إن كان المشتري رده بعيب، لم ~~يرجع على المرتهن؛ لأنه قبض الثمن بحق، ولا ms2116 على العدل؛ لأنه أمين ووكيل، ~~ويرجع على الراهن # وإن كان العدل حين باعه لم يعلم المشتري أنه وكيل، كان للمشتري الرجوع ~~عليه، # PageV04P267 # ويرجع هو على الراهن، إن أقر بذلك، أو قامت به بينة، وإن أنكر ذلك، ~~فالقول قول العدل مع يمينه، فإن نكل عن اليمين، فقضي عليه بالنكول، أو ردت ~~اليمين على المشتري، فحلف، ورجع على العدل، لم يرجع العدل على الراهن؛ لأنه ~~يقر أنه ظلمه # وعلى قول الخرقي القول في حدوث العيب قول المشتري مع يمينه. وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد فإذا حلف المشتري، رجع على العدل، ورجع العدل على ~~الراهن. وإن تلف العبد المبيع في يد المشتري، ثم بان مستحقا قبل وزن ثمنه، ~~فللمغصوب منه تضمين من شاء من الغاصب والعدل والمرتهن، ويستقر الضمان على ~~المشتري؛ لأن التلف في يده، هذا إذا علم بالغصب، وإن لم يكن عالما، فهل ~~يستقر الضمان عليه، أو على الغاصب؟ على روايتين. ### | [فصل ادعى العدل المأذون له في البيع دفع الثمن إلى المرتهن فأنكر] # (3323) فصل: فإن ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن، فأنكر، فقال القاضي ~~وأبو الخطاب يقبل قوله في حق الراهن، ولا يقبل في حق المرتهن. وهو مذهب ~~الشافعي لأن العدل وكيل الراهن في دفع الدين إلى المرتهن، وليس بوكيل ~~للمرتهن في ذلك، إنما هو وكيله في الحفظ فقط، فلم يقبل قوله عليه فيما ليس ~~بوكيل له فيه، كما لو وكل رجلا في قضاء دين، فادعى أنه سلمه إلى صاحب ~~الدين. # وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب في رءوس مسائلهما: يقبل قوله على ~~المرتهن في إسقاط الضمان عن نفسه، ولا يقبل في إيجاب الضمان على غيره. وهذا ~~مذهب أبي حنيفة لأنه أمين، فقبل قوله في إسقاط الضمان عن نفسه، كالمودع ~~يدعي رد الوديعة. فعلى هذا، إذا حلف العدل له، سقط الضمان عنه، ولم يثبت عن ~~المرتهن أنه قبضه. وعلى القول الأول يحلف المرتهن، ويرجع على من شاء منهما، ~~فإن رجع على العدل، لم يرجع العدل على الراهن؛ لأنه يقول: ظلمني وأخذ مني ms2117 ~~بغير حق # فلم يرجع على الراهن، كما لو غصبه مالا آخر، فإن رجع على الراهن، فهل ~~يرجع الراهن على العدل؟ نظرت؛ فإن كان دفعه إلى المرتهن بحضرة الراهن أو ~~ببينة، فماتت أو غابت، لم يرجع عليه؛ لأنه أمين ولم يفرط في القضاء، وإن ~~دفعه إليه بغير بينة في غيبة الراهن، ففيه روايتان: إحداهما، يرجع الراهن ~~عليه؛ لأنه مفرط في القضاء بغير بينة، فلزمه الضمان، كما لو تلف الرهن ~~بتفريطه، ويحتمل أن يكون هذا معنى قول الخرقي ومن أمر رجلا أن يدفع إلى رجل ~~مالا، وادعى أنه دفعه إليه، لم يقبل قوله على الآمر إلا ببينة # والرواية الثانية، لا يرجع الراهن عليه؛ لأنه أمين في حقه، سواء صدقه في ~~القضاء أو كذبه، إلا أنه إن كذبه فله عليه اليمين. ### | [فصل غصب المرتهن الرهن من العدل ثم رده إليه] # (3324) فصل: إذا غصب المرتهن الرهن من العدل، ثم رده إليه، زال عنه ~~الضمان. ولو كان # PageV04P268 # الرهن في يد المرتهن، فتعدى فيه، ثم أزال التعدي، أو سافر به ثم رده، لم ~~يزل عنه الضمان، لأن استئمانه زال بذلك، فلم يفسد بفعله مع بقائه في يده، ~~بخلاف التي قبلها، فإن رده إلى يد نائب مالكها، فأشبه ما لو ردها إلى يد ~~مالكها. ### | [فصل استقرض ذمي من مسلم مالا ورهنه خمرا] # (3325) فصل: وإذا استقرض ذمي من مسلم مالا، ورهنه خمرا، لم يصح، سواء ~~جعله على يد ذمي أو غيره، فإن باعها الراهن، أو نائبه الذمي، وجاء المقرض ~~بثمنها، لزمه قبوله. فإن أبى، قيل له: إما أن تقبض، وإما أن تبرئ؛ لأن أهل ~~الذمة إذا تقابضوا في العقود الفاسدة، جرت مجرى الصحيحة. # قال عمر - رضي الله عنه - في أهل الذمة، معهم الخمر: ولوهم بيعها، وخذوا ~~من أثمانها. وإن جعلها على يد مسلم. فباعها، لم يجبر المرتهن على قبول ~~الثمن؛ لأن ذلك البيع فاسد، لا يقران عليه، ولا حكم له. ### | [مسألة لا يرهن مال من أوصى إليه بحفظ ماله إلا من ثقة] # (3326) مسألة قال: ولا يرهن مال من ms2118 أوصى إليه بحفظ ماله إلا من ثقة ~~وجملته أن ولي اليتيم ليس له رهن ماله، إلا عند ثقة يودع ماله عنده، لئلا ~~يجحده أو يفرط فيه فيضيع. قال القاضي: ليس لوليه رهن ماله إلا بشرطين: ~~أحدهما، أن يكون عند ثقة. # الثاني، أن يكون له فيه حظ، وهو أن يكون به حاجة إلى نفقة، أو كسوة، أو ~~إنفاق على عقاره المتهدم، أو أرضه، أو بهائمه، ونحو ذلك، وماله غائب يتوقع ~~وروده، أو ثمرة ينتظرها، أو له دين مؤجل يحل، أو متاع كاسد يرجو نفاقه؛ ~~فيجوز لوليه الاقتراض ورهن ماله # وإن لم يكن له شيء ينتظره، فلا حظ له في الاقتراض، فيبيع شيئا من أصول ~~ماله، ويصرفه في نفقته. وإن لم يجد من يقرضه، ووجد من يبيعه نسيئة، وكان ~~أحظ من بيع أصله، جاز أن يشتريه نسيئة ويرهن به شيئا من ماله، والوصي ~~والحاكم وأمينه في هذا سواء، وكذلك الأب، إلا أن للأب أن يرهن من نفسه ~~لولده ولنفسه من ولده، ومن عداه بخلافه، على إحدى الروايتين. ### | [فصل أخذ الرهن بمال اليتيم] # (3327) فصل: فأما أخذ الرهن بمال اليتيم، فيكون في بيع أو قرض، وقد ذكرنا ~~القرض في باب المصراة وفي البيع ثلاث مسائل: إحداهن، أن يبيع ما يساوي مائة ~~نقدا بمائة أو دونها نسيئة، ويأخذها رهنا، فهذا بيع فاسد؛ لأن بيعه نقدا ~~أحوط، وكذلك لو جعل بعض الثمن نسيئة. الثانية، أن يبيعه بمائة نقدا وعشرين ~~نسيئة، يأخذ بها رهنا، فهذا جائز؛ لأنه لو باعه بمائة نقدا جاز، فإذا زاد ~~عليها، فقد زاده خيرا، سواء قلت الزيادة أو كثرت. # PageV04P269 # الثالثة، باعه بمائة وعشرين نسيئة، وأخذ بها رهنا، فهذا جائز أيضا. ذكره ~~القاضي. وهو قول بعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: لا يجوز؛ لأنه تغرير ~~بماله، وبيع النقد أحوط له # ولنا، أن هذا عادة التجار، وقد أمرناه بالتجارة وطلب الربح، وهذا من ~~جهاته، والتغرير يزول بالرهن # (3328) فصل: وحكم المكاتب فيما ذكرناه حكم ولي اليتيم، لأن له أن يتصرف ~~فيما في يديه فيما له فيه الحظ، ms2119 فأما المأذون، فإن دفع له سيده مالا يتجر ~~فيه، أو لم يدفع إليه، فقال القاضي: ليس له التصرف بالنسيئة؛ لأن ديونه ~~تتعلق بذمة السيد، فيتضرر بذلك، لأن الدين غرر بخلاف المكاتب. ### | [فصل كان مال اليتيم رهنا فاستعاده الوصي لليتيم] # (3329) فصل: ولو كان مال اليتيم رهنا، فاستعاده الوصي لليتيم، جاز. وإن ~~استعاده لنفسه، لم يجز؛ لأنه لا يملك التصرف في مال اليتيم لنفسه، وعليه ~~الضمان؛ لأنه قبضه على وجه ليس له قبضه. وإن فكه بمال اليتيم، وأطلق، فهو ~~لليتيم. وإن فكه بمال نفسه، وأطلق، فالظاهر أنه استعاده لنفسه. فإن قال: ~~استعدته لليتيم. قبل قوله، وإن تلف قبل ذلك ضمنه وإن قال استعدته لليتيم ~~بعد هلاكه أو هلاك بعضه. لم يقبل قوله، لأننا حكمنا بالضمان ظاهرا، فلا ~~يزول بقوله. والأولى أن يقبل قوله؛ لأنه أمين؛ وهو أعلم بنيته، فيقبل قوله ~~فيها، كما قبل التلف. ### | [فصل رهن الوصي أو الحاكم مال اليتيم عند مكاتبه أو ولده] # (3330) فصل: ولو رهن الوصي أو الحاكم مال اليتيم عند مكاتبه، أو ولده ~~الكبير، صح؛ لأنه لا ولاية له عليهما. ### | [فصل أوصى إلى رجل بقضاء دينه فرهن شيئا من تركته] # (3331) فصل: ولو أوصى إلى رجل بقضاء دينه. فرهن شيئا من تركته عند ~~الغريم، أو غيره، ضمن؛ لأنه لم يؤذن له في رهنها، فضمن، كما لو لم يوص إليه ~~بقضاء دينه. ### | [مسألة رهن شيئا بمال فأدى بعض المال] # (3332) مسألة قال: وإذا قضاه بعض الحق، كان الرهن بحاله على ما بقي وجملة ~~ذلك أن حق الوثيقة يتعلق بالرهن جميعه، فيصير محبوسا بكل الحق، وبكل جزء ~~منه، لا ينفك منه شيء حتى يقضي جميع الدين، سواء كان مما يمكن قسمته أو لا ~~يمكن. # قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، على أن من رهن شيئا ~~بمال، فأدى بعض المال، وأراد إخراج بعض الرهن، أن ذلك ليس له، ولا يخرج شيء ~~حتى يوفيه آخر حقه، أو يبرئه من ذلك. كذلك قال مالك والثوري والشافعي ~~وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب ms2120 الرأي؛ لأن الرهن وثيقة بحق، فلا يزول إلا بزوال ~~جميعه، كالضمان والشهادة. ### | [مسألة أعتق الراهن عبده المرهون] # (3333) مسألة قال: وإذا أعتق الراهن عبده المرهون، فقد صار حرا، ويؤخذ إن ~~كان له مال بقيمة المعتق، فيكون رهنا # PageV04P270 # وجملة ذلك أنه ليس للراهن عتق الرهن؛ لأنه يبطل حق المرتهن من الوثيقة، ~~فإن أعتق، نفذ عتقه موسرا كان أو معسرا. # نص عليه أحمد وبه قال {شريك} ، والحسن بن صالح وأصحاب الرأي، والشافعي في ~~أحد أقواله، إلا أن أبا حنيفة قال: يستسعي العبد في قيمته إن كان المعتق ~~معسرا. وعن أحمد رواية أخرى: لا ينفذ عتق المعسر. ذكرها الشريف أبو جعفر ~~وهو قول مالك والقول الثاني للشافعي لأن عتقه يسقط حق المرتهن من الوثيقة، ~~من عين الرهن وبدلها، فلم ينفذ، لما فيه من الإضرار بالمرتهن، ولأنه عتق ~~يبطل حق غير المالك، فنفذ من الموسر دون المعسر، كعتق شرك له من عبد # وقال عطاء والبتي وأبو ثور لا ينفذ عتق الراهن موسرا كان أو معسرا. وهو ~~القول الثالث للشافعي لأنه معنى يبطل حد الوثيقة من الرهن، فلم ينفذ ~~كالبيع. ولنا، أنه إعتاق من مالك جائز التصرف تام الملك، فنفذ، كعتق ~~المستأجر، ولأن الرهن عين محبوسة لاستيفاء الحق، فنفذ فيها عتق المالك، ~~كالمبيع في يد البائع، والعتق يخالف البيع، فإنه مبني على التغليب ~~والسراية، وينفذ في ملك الغير، ويجوز عتق المبيع قبل قبضه، والآبق، ~~والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، ويجوز تعليقه على الشروط، بخلاف البيع # إذا ثبت هذا فإنه إن كان موسرا أخذت من قيمته، فجعلت مكانه رهنا؛ لأنه ~~أبطل حق الوثيقة بغير إذن المرتهن، فلزمته قيمته، كما لو أبطلها أجنبي، أو ~~كما لو أتلفه، وتكون القيمة رهنا؛ لأنها نائبة عن العين، وبدل عنها، وإن ~~كان معسرا فالقيمة في ذمته، فإن أيسر قبل حلول الحق، أخذت منه القيمة فجعلت ~~رهنا، إلا أن يختار تعجيل الحق، فيقضيه، ولا يحتاج إلى رهن، وإن أيسر بعد ~~حلول الحق، طولب بالدين خاصة؛ لأن ذمته تبرأ به من الحقين معا، ms2121 والاعتبار ~~بقيمة العبد حال الإعتاق، لأنه حال الإتلاف. وبهذا قال الشافعي وقال أبو ~~حنيفة في المعسر: يستسعي العبد في قيمته، ثم يرجع على الراهن. وفيه إيجاب ~~الكسب على العبد، ولا صنع له، ولا جناية منه، وإلزام الغرم لمن وجد منه ~~الإتلاف أولى، كحال اليسار، وكسائر الإتلاف. ### | [فصل أعتق الراهن عبده المرهون بإذن المرتهن] # (3334) فصل: وإن أعتقه بإذن المرتهن، فلا نعلم خلافا في نفوذ عتقه على كل ~~حال؛ لأن المنع كان لحق المرتهن، وقد أذن، فيسقط حقه من الوثيقة موسرا كان ~~المعتق أو معسرا، لأنه أذن فيما ينافي حقه، فإذا وجد، زال حقه، وقد رضي به ~~لرضاه بما ينافيه، وإذنه فيه، فلم يكن له بدل. فإن رجع عن الإذن قبل العتق، ~~وعلم الراهن برجوعه، كان كمن لم يأذن، فإن علم الراهن برجوعه، فأعتق، ففيه ~~وجهان، بناء على عزل الوكيل بدون علمه. وإن رجع بعد العتق، لم ينفع رجوعه، ~~والقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإذن. # ولو اختلف الراهن وورثة المرتهن، فالقول قول ورثة المرتهن أيضا، # PageV04P271 # إلا أن أيمانهم على نفي العلم، لأنها على فعل الغير. وإن اختلف المرتهن ~~وورثة الراهن، فالقول قول المرتهن مع يمينه، وإن لم يحلف، قضي عليه ~~بالنكول. ### | [فصل تصرف الراهن في المرهون بغير العتق] # (3335) فصل: وإن تصرف الراهن بغير العتق، كالبيع، والإجارة، والهبة، ~~والوقف، والرهن، وغيره، فتصرفه باطل؛ لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من ~~الوثيقة، غير مبني على التغليب والسراية، فلم يصح بغير إذن المرتهن، كفسخ ~~الرهن. فإن أذن فيه المرتهن، صح، وبطل الرهن؛ لأنه أذن فيما ينافي حقه، ~~فيبطل بفعله، كالعتق. وإن زوج الأمة المرهونة، لم يصح. # وهذا اختيار أبي الخطاب وقول مالك والشافعي، وقال القاضي وجماعة من ~~أصحابنا: يصح، وللمرتهن منع الزوج من وطئها، ومهرها رهن معها. وهذا مذهب ~~أبي حنيفة لأن محل النكاح غير محل عقد الرهن، ولذلك صح رهن الأمة المزوجة، ~~ولأن الرهن لا يزيل الملك، فلا يمنع التزويج، كالإجارة # ولنا، أنه تصرف في الرهن بما ينقص ثمنه، ويستغل بعض منافعه، ms2122 فلم يملكه ~~الراهن بغير رضا المرتهن، كالإجارة، ولا يخفي تنقيصه لثمنها، فإنه يعطل ~~منافع بعضها، ويمنع مشتريها من وطئها وحلها، ويوجب عليه تمكين زوجها من ~~استمتاعها في الليل، ويعرضها بوطئه للحمل الذي يخاف منه تلفها، ويشغلها عن ~~خدمته بتربية ولدها، فتذهب الرغبة فيها، وتنقص نقصا كثيرا، وربما منع بيعها ~~بالكلية # وقولهم: إن محل عقد النكاح غير محل الرهن. غير صحيح؛ فإن محل الرهن محل ~~البيع، والبيع يتناول جملتها، ولهذا يباح لمشتريها استمتاعها، وإنما صح رهن ~~المزوجة لبقاء معظم المنفعة فيها، وبقائها محلا للبيع، كما يصح رهن ~~المستأجرة، ويفارق الرهن الإجارة؛ فإن التزويج لا يؤثر في مقصود الإجارة، ~~ولا يمنع المستأجر من استيفاء المنافع المستحقة له، ويؤثر في مقصود الرهن، ~~وهو استيفاء الدين من ثمنها، فإن تزويجها يمنع بيعها، أو ينقص ثمنها، فلا ~~يمكن استيفاء الدين بكماله. ### | [فصل وطء أمته المرهونة] # (3336) فصل: ولا يجوز للراهن وطء أمته المرهونة، في قول أكثر أهل العلم. ~~وقال بعض أصحاب الشافعي - رضي الله عنه - له وطء الآيسة والصغيرة؛ لأنه لا ~~ضرر فيه؛ فإن علة المنع الخوف من الحمل، مخافة أن تلد منه، فتخرج بذلك عن ~~الرهن، أو تتعرض للتلف، وهذا معدوم فيهما. وأهل العلم على خلاف هذا. # قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمرتهن منع الراهن من وطء أمته ~~المرهونة. ولأن سائر من يحرم وطؤها لا فرق فيه بين الآيسة والصغيرة ~~وغيرهما، كالمعتدة والمستبرأة والأجنبية، ولأن الذي تحبل فيه يختلف، ولا ~~ينحزر، فمنع من الوطء جملة، كما حرم الخمر للسكر، وحرم منه اليسير الذي لا ~~يسكر، لكون السكر يختلف. وإن وطئ فلا حد عليه؛ لأنها ملكه، وإنما حرمت عليه ~~لعارض، كالمحرمة والصائمة، ولا مهر عليه؛ لأن المرتهن لا حق له في منفعتها، # PageV04P272 # ووطؤها لا ينقص قيمتها، فأشبه ما لو استخدمها # وإن تلف جزء منها أو نقصها، مثل إن افتض البكر أو أفضاها، فعليه قيمة ما ~~أتلف، فإن شاء جعل رهنا معها، وإن شاء جعله قضاء من الحق، إن لم يكن حل. ~~فإن كان ms2123 الحق قد حل، جعله قضاء لا غير؛ فإنه لا فائدة في جعله رهنا. ولا ~~فرق بين الكبيرة والصغيرة فيما ذكرناه. ### | [مسألة وطئ أمته المرهونة فأولدها] # (3337) مسألة قال: وإن كانت جارية، فأولدها الراهن، خرجت أيضا من الرهن، ~~وأخذ منه قيمتها، فتكون رهنا وجملته أن الراهن إذا وطئ أمته المرهونة، ~~فأولدها، خرجت من الرهن، وعليه قيمتها حين أحبلها، كما لو جرح العبد كانت ~~عليه قيمته حين جرحه، ولا فرق بين الموسر والمعسر، إلا أن الموسر يؤخذ منه ~~قيمتها، والمعسر يكون في ذمته قيمتها، على حسب ما ذكرنا في العتق. وهذا قول ~~أصحاب الرأي. وقول الشافعي هاهنا كقوله في العتق، إلا أنه إذا قال له: لا ~~ينفذ الإحبال. فإنما هو في حق المرتهن، فأما في حق الراهن، فهو ثابت لا ~~يجوز له أن يهبها للمرتهن. # ولو حل الحق وهي حامل، لم يجز بيعها؛ لأنها حامل بحر، فإذا ولدت، لم يجز ~~بيعها حتى تسقي ولدها اللبأ، فإن وجد من يرضعه بيعت، وإلا تركت حتى ترضعه، ~~ثم يباع منها بقدر الدين خاصة، ويثبت للباقي حكم الاستيلاد، فإذا مات ~~الراهن عتق # وإن رجع هذا المبيع إلى الراهن بإرث أو بيع أو هبة أو غير ذلك، أو بيع ~~جميعها، ثم رجعت إليه، ثبت لها حكم الاستيلاد # وقال مالك إن كانت الأمة تخرج إلى الراهن وتأتيه، خرجت من الرهن، وإن ~~تسور عليها، أخذ ولدها، وبيعت. ولنا أن هذه أم ولد، فلم يثبت فيها حكم ~~الرهن، كما لو كان الوطء سابقا على الرهن، أو نقول: معنى ينافي الرهن في ~~ابتدائه، فنافاه في دوامه، كالحرية. ### | [فصل وطئ أمته المرهونة بإذن المرتهن] # (3338) فصل: فإن كان الوطء بإذن المرتهن، خرجت من الرهن، ولا شيء ~~للمرتهن، لأنه أذن في سبب ما ينافي حقه، فكان إذنا فيه. ولا نعلم في هذا ~~خلافا. وإن لم تحبل، فهي رهن بحالها. # فإن قيل: إنما أذن في الوطء، ولم يأذن في الإحبال. قلنا: الوطء هو المفضي ~~إلى الإحبال، ولا يقف ذلك على اختياره، فالإذن في سببه إذن فيه، ms2124 فإن أذن ثم ~~رجع، فهو كمن لم يأذن. وإن اختلفا في الإذن، فالقول قول من ينكره، وإن أقر ~~المرتهن بالإذن، وأنكر كون الولد من الوطء المأذون فيه، أو قال: هو من زوج ~~أو زنا. فالقول قول الراهن، بأربعة شروط؛ أحدها، أن يعترف المرتهن بالإذن # والثاني، أن يعترف بالوطء. والثالث، أن يعترف بالولادة. والرابع، أن ~~يعترف بمضي مدة بعد # PageV04P273 # الوطء يمكن أن تلد فيها، فحينئذ لا يلتفت إلى إنكاره، ويكون القول قول ~~الراهن بغير يمين؛ لأننا لم نلحقه به بدعواه، بل بالشرع. فإن أنكر شرطا من ~~هذه الشروط، فقال: لم آذن. أو قال: أذنت فما وطئت. أو قال: لم تمض مدة تضع ~~فيها الحمل منذ وطئت. أو قال: ليس هذا ولدها، وإنما استعارته. فالقول قوله؛ ~~لأن الأصل عدم ذلك كله، وبقاء الوثيقة صحيحة حتى تقوم البينة. وهذا مذهب ~~الشافعي. ### | [فصل أذن في ضرب أمته المرهونة فضربها فتلفت] # (3339) فصل: ولو أذن في ضربها، فضربها فتلفت، فلا ضمان عليه؛ لأن ذلك ~~تولد من المأذون فيه، كتولد الإحبال من الوطء. ### | [فصل أقر الراهن بوطء أمته المرهونة] # (3340) فصل: إذا أقر الراهن بالوطء لم يخل من ثلاثة أحوال؛ أحدها، أن يقر ~~به حال العقد، أو قبل لزومه، فحكم هذين واحد، ولا يمنع ذلك صحة العقد؛ لأن ~~الأصل عدم الحمل، فإن بانت حائلا، أو حاملا بولد لا يلحق بالراهن، فالرهن ~~بحاله، وكذلك إن كان يلحق به، لكن لا تصير به أم ولد، مثل إن وطئها وهي ~~زوجته، ثم ملكها ورهنها. # وإن بانت حاملا بولد تصير به أم ولد، بطل الرهن، ولا خيار للمرتهن، وإن ~~كان مشروطا في بيع؛ لأنه دخل مع العلم بأنها قد لا تكون رهنا، فإذا خرجت من ~~الرهن بذلك السبب الذي علمه، لم يكن له خيار، كالمريض إذا مات، والجاني إذا ~~اقتص منه. وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: له الخيار؛ لأن الوطء ~~نفسه لا يثبت الخيار، فلم يكن رضاه به رضى بالحمل الذي يحدث منه، بخلاف ~~الجناية والمرض # ولنا، أن إذنه في ms2125 الوطء إذن فيما يئول إليه، كذلك رضاه به رضى بما يئوله ~~إليه. الحال الثالث، أقر بالوطء بعد لزوم الرهن، فإنه يقبل في حقه، ولا ~~يقبل في حق المرتهن؛ لأنه أقر بما يفسخ عقدا لازما لغيره، فلم يقبل، كما لو ~~أقر بذلك بعد بيعها. ويحتمل أن يقبل؛ لأنه أقر في ملكه بما لا تهمة فيه، ~~لأنه يستضر بذلك أكثر من نفعه بخروجها من الرهن # والأول أصح؛ لأن إقرار الإنسان على غيره لا يقبل. وهكذا الحكم فيما إذا ~~أقر بأنه غصبها، أو أنها كانت جنت جناية تعلق أرشها برقبتها. وللشافعي في ~~ذلك قولان، وإن أقر أنه أعتقها، صح إقراره، وخرجت من الرهن. وبهذا قال أبو ~~حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يقبل. بناء على أنه لا يصح إعتاقه ~~للرهن # ولنا، أنه لو أعتقه لنفذ عتقه، فقبل إقراره بعتقه، كغير الرهن، ولأن ~~إقراره بعتقه يجري # PageV04P274 # مجرى عتقه، فأشبه ما لو قال: أنت حر. ويتخرج أن لا ينفذ إقرار المعسر، ~~بناء على أنه لا ينفذ إعتاقه. وكل موضع قلنا: القول قول الراهن. فقال ~~القاضي: ذلك مع يمينه؛ لأن كذبه محتمل. ويحتمل أن لا يستحلف، لأنه لو رجع ~~عن إقراره، لم يقبل، فلا فائدة في استحلافه. واختلف أصحاب الشافعي في ~~استحلافه، على نحو الوجهين. والصحيح عندي أنه إذا أقر بالعتق لم يستحلف؛ ~~لأن ذلك جرى مجرى قوله: أنت حر. فلم يحتج إلى يمين، كما لو صرح به # وإن أقر بالغصب والجناية، فإنه إن لم يدع ذلك المغصوب منه والمجني عليه، ~~لم يلتفت إلى قول الراهن، وجها واحدا، وإن ادعياه، فاليمين عليهما؛ لأن ~~الحق لهما، ورجوعهما عنه مقبول، فكانت اليمين عليهما، كسائر الدعاوى. وإن ~~أقر باستيلاد أمته، فعليه اليمين؛ لأن نفعها عائد إليه من حل استمتاعها، ~~وملك خدمتها، فكانت اليمين عليه، بخلاف ما قبلها # وإن قلنا: القول قول المرتهن. فعليه اليمين بكل حال؛ لأنه لو اعترف ثبت ~~الحق في الرهن، ويمينه على نفي العلم، لأنها على نفي فعل الغير، فإذا حلف، ~~سقطت الدعوى بالنسبة إليه، ms2126 وبقي حكمها في حق الراهن، بحيث لو عاد إليه ~~الرهن ظهر فيه حكم إقراره، وإن أراد المجني عليه، أو المغصوب منه، أن ~~يغرماه في الحال، فلهما ذلك؛ لأنه منع من استيفاء الجناية بتصرفه، فلزمه ~~أرشها، كما لو قتله. ### | [فصل وطء المرتهن الجارية المرهونة] # (3341) فصل: ولا يحل للمرتهن وطء الجارية المرهونة إجماعا؛ لقول الله ~~تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] . وليست هذه ~~زوجة ولا ملك يمين. فإن وطئها، عالما بالتحريم، فعليه الحد؛ لأنه لا شبهة ~~له فيه، فإن الرهن استيثاق بالدين، ولا مدخل لذلك في إباحة الوطء، لأن وطء ~~المستأجرة يوجب الحد مع ملكه لنفعها، فالرهن أولى. # فإن ادعى الجهل بالتحريم، واحتمل صدقه لكونه ممن نشأ ببادية، أو حديث عهد ~~بالإسلام، فلا حد عليه، وولده حر؛ لأنه وطئها معتقدا إباحة وطئها، فهو كما ~~لو وطئها يظنها أمته، وعليه قيمة ولدها يوم الولادة؛ لأن اعتقاده الحل منع ~~انخلاق الولد رقيقا، ففوت رق الولد على سيدها، فلزمته قيمته، كالمغرور ~~بحرية أمة # وإن لم يحتمل صدقه، كالناشئ ببلاد الإسلام، مختلطا بهم من أهل العلم، لم ~~تقبل دعواه، لأنه لا يخلو ممن يسمع منه ما يعلم به تحريم ذلك، فيكون كمن لم ~~يدع الجهل، وولده رقيق للراهن؛ لأنه من زنا. ولا فرق في جميع ما ذكرنا بين ~~أن يكون الوطء بإذن الراهن، أو بغير إذنه. وهذا المنصوص عن الشافعي ويحتمل ~~أن لا تجب قيمة الولد مع الإذن في الوطء. وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأن ~~الإذن في الوطء. إذن فيما يحدث منه، بدليل أنه لو أذن المرتهن للراهن في ~~الوطء، فحملت منه، سقط حقه من الرهن # ولو أذن في قطع إصبع، فسرت إلى أخرى، لم يضمنها. ووجه الأول أن وجوب ~~الضمان يمنع انخلاق الولد رقيقا، وسببه اعتقاد الحل، وما حصل ذلك بإذنه، # PageV04P275 # بخلاف الوطء، فإن خروجها من الرهن بالحمل الذي الوطء المأذون فيه سبب له. ~~وأما المهر، فإن كان الوطء بإذن الراهن، فلا مهر له. وقال أبو حنيفة يجب ~~له؛ لأنه يجب ms2127 لها ابتداء، فلا يسقط بإذن غيرها. وعن الشافعي كالمذهبين # ولنا، أنه أذن في سببه، وهو حقه، فلم يجب، كما لو أذن في قتلها، ولأن ~~المالك أذن في استيفاء المنفعة، فلم يجب عوضها، كالحرة المطاوعة. وإن كان ~~بغير إذن، فالمهر واجب، سواء أكرهها أو طاوعته. وقال الشافعي لا يجب المهر ~~مع المطاوعة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن مهر البغي. ولأن ~~الحد إذا وجب على الموطوءة لم يجب المهر، كالحرة # ولنا، أن المهر يجب للسيد، فلا يسقط بمطاوعة الأمة وإذنها، كما لو أذنت ~~في قطع يدها، ولأنه استوفى هذه المنفعة المملوكة للسيد بغير إذنه، فكان ~~عليه عوضها، كما لو أكرهها، وكأرش بكارتها لو كانت بكرا، والحديث مخصوص ~~بالمكرهة على البغاء؛ فإن الله تعالى سماها بذلك، مع كونها مكرهة عليه، ~~فقال: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} [النور: 33] # وقولهم: لا يجب الحد والمهر. قلنا: لا يجب المهر لها، وفي مسألتنا لا يجب ~~لها، وإنما يجب لسيدها، ويفارق الحرة، فإن المهر لو وجب لوجب لها، وقد ~~أسقطت حقها بإذنها، وهاهنا المستحق لم يأذن، ولأن الوجوب في حق الحرة ~~بإكراهها، وسقوطه بمطاوعتها، فكذلك السيد هاهنا، لما تعلق السقوط بإذنه، ~~ينبغي أن يثبت عند عدمه، وسواء وطئها معتقدا للحل، أو غير معتقد له، أو ~~ادعى شبهة، أو لم يدعها؛ لأن المهر حق آدمي، فلا يسقط بالشبهات، ولا تصير ~~هذه الأمة أم ولد للمرتهن بحال، سواء ملكها بعد الوضع أو قبله، وسواء حكمنا ~~برق الولد أو حريته؛ لأنه أحبلها في غير ملكه. ### | [مسألة العبد المرهون إذا جنى] # (3342) مسألة: قال: وإذا جنى العبد المرهون، فالمجني عليه أحق برقبته من ~~مرتهنه، حتى يستوفي حقه، فإن اختار سيده أن يفديه وفعل، فهو رهن بحاله ~~وجملته أن العبد المرهون إذا جنى على إنسان، أو على ماله، تعلقت الجناية ~~برقبته، فكانت مقدمة على حق المرتهن. لا نعلم في هذا خلافا؛ وذلك لأن ~~الجناية مقدمة على حق المالك، والملك أقوى من الرهن، فأولى أن يقدم على ~~الرهن. # فإن ms2128 قيل: فحق المرتهن أيضا يقدم على حق المالك. قلنا: حق المرتهن ثبت من ~~جهة المالك بعقده، وحق الجناية ثبت بغير اختياره مقدما على حقه، فيقدم على ~~ما ثبت بعقده، ولأن حق الجناية مختص بالعين، يسقط بفواتها، وحق المرتهن لا ~~يسقط بفوات العين، ولا يختص بها، فكان تعلقه بها أخف وأدنى، فإن كانت ~~جنايته موجبة للقصاص، فلولي الجناية استيفاؤه، فإن اقتص سقط الرهن، كما لو ~~تلف، وإن عفا على مال تعلق برقبة العبد، # PageV04P276 # وصار كالجناية الموجبة للمال، فيقال للسيد: أنت مخير بين فدائه وبين ~~تسليمه للبيع # فإن اختار فداءه، فبكم يفديه؟ على روايتين؛ إحداهما، بأقل الأمرين من ~~قيمته أو أرش جنايته؛ لأنه إن كان الأرش أقل، فالمجني عليه لا يستحق أكثر ~~من أرش جنايته، وإن كانت القيمة أقل، فلا يلزمه أكثر منها، لأن ما يدفعه ~~عوض عن العبد، فلا يلزم أكثر من قيمته، كما لو أتلفه # والثانية، يفديه بأرش جنايته بالغا ما بلغ؛ لأنه ربما يرغب فيه راغب، ~~فيشتريه بأكثر من قيمته، فإذا فداه فهو رهن بحاله؛ لأن حق المرتهن قائم ~~لوجود سببه، وإنما قدم حق المجني عليه لقوته، فإذا زال ظهر حكم الرهن، كحق ~~من لا رهن له مع حق المرتهن في تركة مفلس، إذا أسقط المرتهن حقه ظهر حكم ~~الآخر، فإن امتنع قيل للمرتهن: أنت مخير بين فدائه وبين تسليمه # فإن اختار فداءه، فبكم يفديه؟ على الروايتين. فإن فداه بإذن الراهن، رجع ~~به عليه؛ لأنه أدى الحق عنه بإذنه، فرجع به، كما لو قضى دينه بإذنه، وإن ~~فداه متبرعا، لم يرجع بشيء. وإن نوى الرجوع، فهل يرجع بذلك؟ على وجهين، ~~بناء على ما لو قضى دينه بغير إذنه. وإن زاد في الفداء على الواجب، لم يرجع ~~به، وجها واحدا. ومذهب الشافعي كما ذكرنا في هذا الفصل، إلا أنه لا يرجع ~~بما فداه به بغير إذنه، قولا واحدا # وإن شرط له الراهن الرجوع، رجع، قولا واحدا. وإن قضاه بإذنه من غير شرط ~~الرجوع، ففيه وجهان، وهذا أصل يذكر في غير ms2129 هذا الموضع. فإن فداه، وشرط أن ~~يكن رهنا بالفداء مع الدين الأول، فقال القاضي: يجوز ذلك؛ لأن المجني عليه ~~يملك بيع العبد، وإبطال الرهن، فصار بمنزلة الرهن الجائز قبل قبضه، ~~والزيادة في دين الرهن قبل لزومه جائزة، ولأن أرش الجناية متعلق به، وإنما ~~ينتقل من الجناية إلى الرهن. ويحتمل أن لا يصح؛ لأن العبد رهن بدين، فلا ~~يجوز رهنه ثانيا بدين سواه، كما لو رهنه بدين سوى هذا # وذهب أبو حنيفة إلى أن ضمان جناية الرهن على المرتهن، فإن فداه لم يرجع ~~بالفداء، وإن فداه الراهن أو بيع في الجناية سقط دين الرهن، إن كان بقدر ~~الفداء. وبناء على أصله في أن الرهن من ضمان المرتهن. وهذا يأتي الكلام ~~عليه، إن شاء الله تعالى. وإذا لم يفد الجاني. فبيع في الجناية التي تستغرق ~~قيمته، بطل الرهن، وإن لم تستغرقها، بيع منه بقدر أرش الجناية، وباقيه رهن، ~~إلا أن يتعذر بيع بعضه، فيباع الكل، ويجعل بقية الثمن رهنا # وقال أبو الخطاب: هل يباع منه بقدر الجناية، أم يباع جميعه، ويكون الفاضل ~~من ثمنه عن أرش جنايته رهنا؟ على وجهين. ### | [فصل العبد المرهون إذا جنى على سيد العبد] # (3343) فصل: وإن كانت الجناية على سيد العبد، فلا يخلو من حالين؛ # PageV04P277 # أحدهما، أن تكون الجناية غير موجبة للقود، كجناية الخطأ، أو شبه العمد، ~~أو إتلاف مال، فيكون هدرا، لأن العبد مال لسيده فلا يثبت له مال في ماله. # الثاني، أن تكون موجبة للقود، فلا يخلو من أن تكون على النفس أو على ما ~~دونها، فإن كانت على ما دون النفس، فالحق للسيد، فإن عفا على مال سقط ~~القصاص، ولم يجب المال؛ لما ذكرنا. وكذلك إن عفا على غير مال. وإن أحب أن ~~يقتص فله ذلك؛ لأن السيد لا يملك الجناية على عبده، فيثبت له ذلك بجنايته ~~عليه، ولأن القصاص يجب للزجر، والحاجة تدعو إلى زجره عن سيده. فإن اقتص، ~~فعليه قيمته، تكون رهنا مكانه، وقضاء عن الدين؛ لأنه يخرجه عن كونه رهنا ~~باختياره، فكان ms2130 عليه بدله، كما لو أعتقه # وإن كانت الجناية على النفس، فللورثة استيفاء القصاص، وليس لهم العفو على ~~مال. وذكر القاضي وجها آخر، أن لهم ذلك؛ لأن الجناية حصلت في ملك غيرهم، ~~فكان لهم العفو على مال، كما لو جنى على أجنبي. وللشافعي قولان، كالمذهبين. ~~فإن عفا بعض الورثة، سقط القصاص، وهل يثبت لغير العافي نصيبه من الدية؟ على ~~الوجهين. ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله على نحو ما ذكرناه. ### | [فصل جنى العبد المرهون على عبد لسيده] # (3344) فصل: وإن جنى العبد المرهون على عبد لسيده، لم يخل من حالين؛ ~~أحدهما، أن لا يكون مرهونا، فحكمه حكم الجناية على طرف سيده، له القصاص إن ~~كانت جنايته موجبة له، وإن عفا على مال أو غيره، أو كانت الجناية لا توجب ~~القصاص، ذهبت هدرا، وسواء كان المجني عليه قنا أو مدبرا أو أم ولد. الحال ~~الثاني، أن يكون رهنا، فلا يخلو إما أن يكون رهنا عند مرتهن القاتل، أو عند ~~غيره، فإن كان عند مرتهن القاتل والجناية موجبة للقصاص، فلسيده القصاص. # فإن اقتص، بطل الرهن في المجني عليه، وعليه قيمته للمقتص منه، فإن عفا ~~على مال، أو كانت الجناية موجبة للمال، وكانا رهنا بحق واحد فجنايته، هدر؛ ~~لأن الحق يتعلق بكل واحد منهما، فإذا قتل أحدهما، بقي الحق متعلقا بالآخر، ~~وإن كان كل واحد منهما مرهونا بحق مفرد، ففيه أربع مسائل؛ # (3345) المسألة الأولى، أن يكون الحقان سواء، وقيمتهما سواء، فتكون ~~الجناية هدرا، سواء كان الحقان من جنسين، مثل أن يكون أحدهما بمائة دينار ~~والآخر ألف درهم قيمتها مائة دينار، أو من جنس واحد؛ لأنه لا فائدة في ~~اعتبار الجناية. # (3346) المسألة الثانية، أن يختلف الحقان وتتفق القيمتان، مثل أن يكون ~~دين أحدهما مائة ودين الآخر مائتين، وقيمة كل واحد منهما مائة، فإن كان دين ~~القاتل أكثر، لم ينقل إلى دين المقتول، لعدم # PageV04P278 # الغرض فيه، وإن كان دين المقتول أكثر، نقل إلى القاتل، لأن للمرتهن، غرضا ~~في ذلك. وهل يباع القاتل، وتجعل قيمته رهنا مكان المقتول، ms2131 أو ينقل بحاله؟ ~~على وجهين؛ أحدهما، لا يباع؛ لأنه لا فائدة فيه # والثاني، يباع؛ لأنه ربما زاد فيه مزايد، فبلغه أكثر من ثمنه، فإن عرض ~~للبيع فلم يزد فيه، لم يبع، لعدم ذلك # (3347) المسألة الثالثة؛ أن يتفق الدينان وتختلف القيمتان، بأن يكون دين ~~كل واحد منهما مائة، وقيمة أحدهما مائة، والآخر مائتين، فإن كانت قيمة ~~المقتول أكثر، فلا غرض في النقل، فيبقى بحاله، وإن كانت قيمة الجاني أكثر، ~~بيع منه بقدر جنايته، يكون رهنا بدين المجني عليه، والباقي رهن بدينه، وإن ~~اتفقا على تبقيته ونقل الدين إليه، صار مرهونا بهما، فإن حل أحد الدينين، ~~بيع بكل حال؛ لأنه إن كان دينه المعجل بيع ليستوفى من ثمنه، وما بقي منه ~~رهن بالدين الآخر، فإن كان المعجل الآخر بيع ليستوفى بقدره، والباقي رهن ~~بدينه # (3348) المسألة الرابعة، أن يختلف الدينان والقيمتان، مثل أن يكون أحد ~~الدينين خمسين والآخر ثمانين، وقيمة أحدهما مائة والآخر مائتين، فإن كان ~~دين المقتول أكثر، نقل إليه، وإلا فلا. وأما إن كان المجني عليه رهنا عند ~~غير مرتهن القاتل، فللسيد القصاص؛ لأنه مقدم على حق المرتهن، بدليل أن ~~الجناية الموجبة للمال مقدمة عليه، فالقصاص أولى، فإن اقتص، بطل الرهن في ~~المجني عليه؛ لأن الجناية عليه لم توجب مالا يجعل رهنا مكانه، وعليه قيمة ~~المقتص منه، وتكون رهنا، لأنه أبطل حق الوثيقة فيه باختياره، وللسيد العفو ~~على مال، فتصير الجناية كالجناية الموجبة للمال، فيثبت المال في رقبة ~~العبد؛ لأن السيد لو جنى على العبد، لوجب أرش جنايته لحق المرتهن، فلأن ~~يثبت على عبده أولى # فإن كان الأرش لا يستغرق قيمته، بعنا منه بقدر أرش الجناية، يكون رهنا ~~عند مرتهن المجني عليه، وباقيه باق عند مرتهنه، وإن لم يمكن بيع بعضه، بيع ~~جميعه، وقسم ثمنه بينهما على حسب ذلك، يكون رهنا. وإن كانت الجناية تستغرق ~~قيمته، نقل الجاني، فجعل رهنا عند الآخر. ويحتمل أن يباع، لاحتمال أن يرغب ~~فيه راغب أكثر من ثمنه، فيفضل من قيمته شيء يكن رهنا عند مرتهنه. ms2132 وهذا كله ~~قول الشافعي. ### | [فصل جنى العبد المرهون على موروث سيده] # (3349) فصل: فإن كانت الجناية على موروث سيده فيما دون النفس، كأطرافه أو ~~ماله، فهي كالجناية على أجنبي، وله القصاص إن كانت موجبة له، والعفو على ~~مال غيره، وإن كانت موجبة للمال ابتداء، ثبت، فإن انتقل ذلك إلى السيد بموت ~~المستحق، فله ما لمورثه من القصاص والعفو على مال، لأن الاستدامة أقوى من ~~الابتداء، فجاز أن يثبت بها ما لا يثبت في الابتداء، وإن # PageV04P279 # كانت الجناية على نفسه بالقتل، ثبت الحكم لسيده، وله أن يقتص فيما يوجب ~~القصاص. # وإن عفا على مال، أو كانت الجناية موجبة للمال ابتداء، فهل يثبت للسيد؟ ~~فيه وجهان؛ أحدهما، يثبت. وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأن الجناية على ~~غيره، فأشبهت الجناية على ما دون النفس. والثاني، لا يثبت له ماله في عبده، ~~ولا له العفو عليه. وهو قول أبي ثور؛ لأنه حق ثبت للسيد ابتداء، فلم يكن له ~~ذلك، كما لو كانت الجناية عليه. وأصل الوجهين، وجوب الحق في ابتدائه هل ~~يثبت للقتيل ثم ينتقل إلى وارثه، أو يثبت للوارث ابتداء؟ على وجهين # وكل موضع يثبت له المال في رقبة عبده، فإنه يقدم على الرهن؛ لأنه يثبت ~~للموروث كذلك، فينتقل إلى وارثه كذلك، وإن اقتص في هذه الصورة لم يلزمه بدل ~~الرهن؛ لأنه إذا قدم المال على حق المرتهن، فالقصاص أولى، ولأن القصاص يثبت ~~للموروث مقدما على حق المرتهن، فكذلك في حق وارثه. ### | [فصل جنى العبد المرهون على مكاتب السيد] # (3350) فصل: وإن كانت الجناية على مكاتب السيد، فهي كالجناية على ولده، ~~وتعجيزه كموت ولده، فيما ذكرنا. والله أعلم. ### | [فصل جنى العبد المرهون بإذن سيده] # (3351) فصل: فإن جنى العبد المرهون بإذن سيده، وكان ممن يعلم تحريم ~~الجناية، وأنه لا يجب عليه قبول ذلك من سيده، فهي كالجناية بغير إذنه، وإن ~~كان أعجميا، أو صبيا لا يعلم ذلك، فالسيد هو القاتل، والقصاص والدية ~~متعلقان به، لا يباع العبد فيها، موسرا كان السيد أو معسرا كما لو باشر ms2133 ~~السيد القتل. # وذكر القاضي وجها آخر، أن العبد يباع إذا كان السيد معسرا؛ لأنه باشر ~~الجناية. والصحيح الأول؛ لأن العبد آلة، فلو تعلقت الجناية به بيع فيها وإن ~~كان السيد موسرا، وحكم إقرار العبد بالجناية، حكم إقرار العبد غير المرهون، ~~على ما مضى بيانه في موضعه. ### | [مسألة جرح العبد المرهون أو قتل] # (3352) مسألة قال: وإن جرح العبد المرهون، أو قتل، فالخصم في ذلك سيده، ~~وما قبض بسبب ذلك من شيء فهو رهن وجملته أنه إذا جني على الرهن، فالخصم في ~~ذلك سيده؛ لأنه مالكه، والأرش الواجب بالجناية ملكه، وإنما للمرتهن فيه حق ~~الوثيقة، فصار كالعبد المستأجر والمودع، وبهذا قال الشافعي وغيره. فإن ترك ~~المطالبة، أو أخرها، أو كان غائبا، أو له عذر يمنعه منها، فللمرتهن ~~المطالبة بها؛ لأن حقه متعلق بموجبها، فكان له الطلب به، كما لو كان الجاني ~~سيده. # ثم إن كانت الجناية موجبة للقصاص، فللسيد القصاص؛ لأنه حق له، وإنما يثبت ~~ليستوفى، فإن اقتص، أخذت منه قيمة أقلهما قيمة، فجعلت مكانه رهنا. نص عليه ~~أحمد في رواية ابن منصور وهذا قول إسحاق ويتخرج أن لا يجب عليه # PageV04P280 # شيء. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه لم يجب بالجناية مال، ولا استحق بحال، وليس ~~على الراهن أن يسعى للمرتهن في اكتساب مال # ولنا، أنه أتلف مالا استحق بسبب إتلاف الرهن، فغرم قيمته، كما لو كانت ~~الجناية موجبة للمال، وهكذا الحكم فيما إذا ثبت القصاص للسيد في عبده ~~المرهون، وإنما أوجبنا أقل القيمتين، لأن حق المرتهن إنما يتعلق بالمالية، ~~والواجب من المال هو أقل القيمتين، لأن الرهن إن كان أقل لم يجب أكثر من ~~قيمته، وإن كان الجاني أقل لم يجب أكثر من قيمته، وإن عفا على مال صح عفوه، ~~ووجب أقل القيمتين، لما ذكرنا # هذا إذا كان القصاص قتلا، وإن كان جرحا أو قلع سن ونحوه، فالواجب بالعفو ~~أقل الأمرين؛ من أرش الجرح، أو قيمة الجاني. وإن عفا مطلقا، أو على غير ~~مال، انبني ذلك على موجب العمد ما هو؟ فإن قلنا: ms2134 موجبه أحد شيئين. ثبت ~~المال # وإن قلنا: موجبه القصاص عينا، فحكمه حكم ما لو اقتص؛ إن قلنا ثم: يجب ~~قيمته على الراهن. وجب هاهنا. وهو اختيار أبي الخطاب؛ لأنه فوت بدل الرهن ~~بفعله، أشبه ما لو اقتص. وإن قلنا: لا يجب على الراهن شيء ثم. لم يجب هاهنا ~~شيء. وهو قول القاضي، ومذهب الشافعي لأنه اكتساب مال، فلا يجبر عليه # وأما إن كانت الجناية موجبة للمال، أو ثبت المال بالعفو عن الجناية ~~الموجبة للقصاص، فإنه يتعلق به حق الراهن والمرتهن، ويكون من غالب نقد ~~البلد، كقيم المتلفات، فلو أراد الراهن أن يصالح عنها، أو يأخذ حيوانا ~~عنها، لم يجز إلا بإذن المرتهن، فإن أذن فيه جاز؛ لأن الحق لهما لا يخرج ~~عنهما، وما قبض من شيء فهو رهن، بدلا عن الأول، نائبا عنه، وقائما مقامه، ~~فإن عفا الراهن عن المال، فقال القاضي: يسقط حق الراهن دون حق المرتهن، ~~فتؤخذ القيمة تكن رهنا، فإذا زال الرهن رجع الأرش إلى الجاني، كما لو أقر ~~أن الرهن مغصوب أو جان # وإن استوفى الدين من الأرش، احتمل أن يرجع الجاني على العافي؛ لأن ماله ~~ذهب في قضاء دينه، فلزمته غرامته، كما لو غصبه أو استعاره فرهنه، واحتمل أن ~~لا يرجع عليه؛ لأنه لم يوجد منه في حق الجاني ما يقتضي وجوب الضمان، وإنما ~~استوفي بسبب كان منه حال ملكه، فأشبه ما لو جنى إنسان على عبده. ثم وهبه ~~لغيره، فتلف بالجناية السابقة # وقال أبو الخطاب: يصح العفو مطلقا، ويؤخذ من الراهن قيمته تكون رهنا؛ ~~لأنه أسقط دينه عن غريمه، فصح، كسائر ديونه. قال: ولا يمكن كونه رهنا مع ~~عدم حق الراهن فيه، فلزمته القيمة، لتفويته حق المرتهن، فأشبه ما لو تلف ~~بدل الرهن # وقال الشافعي لا يصح العفو أصلا؛ لأن حق المرتهن متعلق به، فلم يصح عفو ~~الراهن عنه كالرهن نفسه، وكما لو وهب الرهن أو غصب، فعفي عن غاصبه. وهذا ~~أصح في النظر، وإن قال المرتهن: أسقطت حقي من ذلك. سقط؛ لأنه ينفع ms2135 الراهن # PageV04P281 # ولا يضره. وإن قال: أسقطت الأرش. أو: أبرأت منه. لم يسقط؛ لأنه ملك ~~للراهن، فلا يسقط بإسقاط غيره # وهل يسقط حقه؟ فيه وجهان؛ أحدهما، يسقط. وهو قول القاضي؛ لأن ذلك يتضمن ~~إسقاط حقه، فإذا لم يسقط حق غيره سقط حقه، كما لو قال: أسقطت حقي وحق ~~الراهن. والثاني: لا يسقط؛ لأن العفو والإبراء منه لا يصح. فلم يصح ما ~~تضمنه. ### | [فصل أقر رجل بالجناية على الرهن فكذبه الراهن والمرتهن] # (3353) فصل: وإذا أقر رجل بالجناية على الرهن، فكذباه، فلا شيء لهما. وإن ~~كذبه المرتهن، وصدقه الراهن، فله الأرش، ولا حق للمرتهن فيه، فإن صدقه ~~المرتهن وحده، تعلق حقه بالأرش، وله قبضه. فإذا قضى الراهن الحق، أو أبرأه ~~المرتهن، رجع الأرش إلى الجاني، ولا شيء للراهن فيه. وإن استوفى حقه من ~~الأرش، لم يملك الجاني مطالبة الراهن بشيء؛ لأنه مقر له باستحقاقه. ### | [فصل كان الرهن أمة حاملا فضرب بطنها أجنبي] # (3354) فصل: ولو كان الرهن أمة حاملا، فضرب بطنها أجنبي، فألقت جنينا ~~ميتا، ففيه عشر قيمة أمه. وإن ألقته حيا ثم مات لوقت يعيش مثله، ففيه ~~قيمته. ولا يجب ضمان نقص الولادة؛ لأنه لا يتميز نقصها عما وجب ضمانه من ~~ولدها. ويحتمل أن يضمن نقصها بالولادة؛ لأنه حصل بفعله، فلزمه ضمانه، كما ~~لو غصبها ثم جنى عليها. ويحتمل أن يجب أكثر الأمرين؛ من نقصها، أو ضمان ~~جنينها؛ لأن سبب ضمانها وجد، فإذا لم يجتمع ضمانهما، وجب ضمان أكثرهما. وإن ~~ضرب بطن بهيمة، فألقت ولدها ميتا، ففيه ما نقصتها الجناية لا غير، وما وجب ~~من ذلك كله فهو رهن مع الأم. # وقال الشافعي ما وجب لنقص الأم، أو لنقص البهيمة، فهو رهن معها، وكذلك ما ~~وجب في ولدها، وما وجب في جنين الأمة فليس برهن؛ لأن نماء الرهن ليس برهن. ~~ولنا أن هذا ضمان يجب بسبب الجناية على الرهن، فكان من الرهن، كالواجب لنقص ~~الولادة وضمان ولد البهيمة. وقولهم: إن نماء الرهن لا يدخل في الرهن غير ~~مسلم. ### | [مسألة اشترى منه سلعة على ms2136 أن يرهنه بها أو على أن يعطيه بالثمن] # (3355) مسألة قال: وإذا اشترى منه سلعة، على أن يرهنه بها شيئا من ماله ~~يعرفانه، أو على أن يعطيه بالثمن حميلا يعرفانه، فالبيع جائز. فإن أبى ~~تسليم الرهن، أو أبى الحميل أن يتحمل، فالبائع مخير في فسخ البيع، وفي ~~إقامته بلا رهن ولا حميل الحميل: الضمين. وهو فعيل بمعنى فاعل، يقال: ضمين، ~~وحميل، وقبيل، وكفيل، وزعيم، وصبير، بمعنى واحد. # وجملة ذلك أن البيع بشرط الرهن أو الضمين صحيح، والشرط صحيح أيضا؛ لأنه ~~من مصلحة العقد، غير مناف لمقتضاه، ولا نعلم في صحته خلافا إذا كان معلوما، ~~ولذلك قال الخرقي يعرفانه في الرهن والضمين معا # ومعرفة الرهن تحصل بأحد شيئين؛ المشاهدة، أو الصفة التي يعلم بها ~~الموصوف، # PageV04P282 # كما في السلم. ويتعين بالقبض. وأما الضمين فيعلم بالإشارة إليه، أو ~~تعريفه بالاسم والنسب، ولا يصح بالصفة بأن يقول: رجل غني. من غير تعيين؛ ~~لأن الصفة لا تأتي عليه. ولو قال: بشرط رهن أو ضمين. كان فاسدا؛ لأن ذلك ~~يختلف، وليس له عرف ينصرف إليه بإطلاق. ولو قال: بشرط رهن أحد هذين ~~العبدين. أو: يضمنني أحد هذين الرجلين. لم يصح؛ لأن الغرض يختلف. فلم يصح ~~مع عدم التعيين، كالبيع. وهذا مذهب الشافعي. وحكي عن مالك وأبي ثور أنه يصح ~~شرط الرهن المجهول، ويلزمه أن يدفع إليه رهنا بقدر الدين؛ لأنه وثيقة، فجاز ~~شرطها مطلقا، كالشهادة # وقال أبو حنيفة إذا قال: على أن أرهنك أحد هذين العبدين. جاز؛ لأن بيعه ~~جائز عنده. ولنا، أنه شرط رهنا مجهولا، فلم يصح، كما لو شرط رهن ما في كمه، ~~ولأنه عقد يختلف فيه المعقود عليه، فلم يصح مع الجهل، كالبيع، وفارق ~~الشهادة، فإن لها عرفا في الشرع حملت عليه، والكلام مع أبي حنيفة قد مضى في ~~البيع، فإن الخلاف فيهما واحد. إذا ثبت هذا فإن المشتري إن وفى بالشرط، ~~فسلم الرهن، أو حمل عنه الحميل، لزم البيع، وإن أبى تسليم الرهن، أو أبى ~~الحميل أن يتحمل عنه، فللبائع الخيار بين فسخ ms2137 البيع وبين إمضائه والرضا به ~~بلا رهن ولا حميل، فإن رضي به لزمه البيع. وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي. ~~ولا يلزم المشتري تسليم الرهن # وقال مالك وأبو ثور: يلزم الرهن إذا كان مشروطا في عقد البيع. ويجبر عليه ~~المشتري. وإن وجده الحاكم دفعه إلى البائع؛ لأن عقد البيع وقع عليه، فأشبه ~~الخيار # وقال القاضي: ما عدا المكيل والموزون يلزم فيه الرهن بمجرد العقد. وقد ~~مضى الكلام معه في أول الباب. ولأنه رهن، فلم يلزم قبل القبض، كما لو لم ~~يكن مشروطا في البيع، أو كغير المكيل والموزون، وإنما لزم الخيار والأجل ~~بالشرط، لأنه من توابع البيع، لا ينفرد بنفسه، والرهن عقد منفرد بنفسه ليس ~~من التوابع، ولأن الخيار والأجل يثبت بالقول، ولا يفتقر إلى تسليم، فاكتفي ~~في ثبوته بمجرد القول، بخلاف الرهن. وأما الضمين، فلا خلاف في أنه لا يلزمه ~~الضمان، إذ لا يلزمه شغل ذمته وأداء دين غيره باشتراط غيره # ولو وعده بأنه يضمن، ثم لم يفعل، لم يلزم في الحكم، كما لو وعده أنه ~~يبيعه، ثم أبى ذلك. ومتى لم يف المشتري للبائع بشرطه، كان له الفسخ، كما لو ~~شرط صفة في الثمن، فلم يف بها، ولأنه أحد المتعاقدين، فإذا لم يف بما شرط ~~في العقد، ثبت الخيار لصاحبه، كالبائع إذا شرط المبيع على صفة، فبان ~~بخلافها. ### | [فصل شرط البائع رهنا أو ضمينا معينا فجاء بغيرهما] # (3356) فصل: ولو شرط رهنا، أو ضمينا معينا، فجاء بغيرهما، لم يلزم البائع ~~قبوله، وإن كان ما أتى به خيرا من المشروط، مثل أن يأتي بأكثر قيمة من ~~المشروط، وحميل أوثق من المعين؛ لأنه عقد على معين، فلم يلزمه قبول غيره، ~~كالبيع، ولأن الغرض يختلف بالأعيان، فمنها ما يسهل بيعه # PageV04P283 # والاستيفاء من ثمنه، ومنها ما هو أقل مؤنة وأسهل حفظا، وبعض الذمم أملأ ~~من بعض، وأسهل إيفاء، فلا يلزمه قبول غير ما عينه، كسائر العقود. ### | [فصل تعيب الرهن أو استحال العصير خمرا قبل قبضه] # (3357) فصل: وإن تعيب الرهن، أو استحال العصير خمرا قبل ms2138 قبضه، فللبائع ~~الخيار بين قبضه معيبا، ورضاه بلا رهن فيما إذا تخمر العصير، وبين فسخ ~~البيع ورد الرهن. وإن علم بالعيب بعد قبضه، فكذلك. وليس له مع إمساكه أرش ~~من أجل العيب؛ لأن الرهن إنما لزم فيما حصل قبضه، وهو الموجود، والجزء ~~الفائت لم يلزم تسليمه، فلم يلزم الأرش بدلا عنه، بخلاف المبيع. # وإن تلف أو تعيب بعد القبض، فلا خيار للبائع. وإن اختلفا في زمن حدوث ~~العيب، وهو مما لا يحتمل إلا قول أحدهما، فالقول قوله من غير يمين؛ لأن ~~اليمين إنما تراد لدفع الاحتمال، وهذا لا يحتمل. وإن احتمل قوليهما معا، ~~انبنى على اختلاف المتبايعين في حدوث العيب في المبيع، وفيه روايتان، فيكون ~~فيه هاهنا وجهان؛ أحدهما، القول قول الراهن. وهو قول أبي حنيفة والشافعي ~~لأن الأصل صحة العقد ولزومه # والآخر، القول قول المرتهن، وهو قياس قول الخرقي لقوله مثل ذلك في البيع، ~~لأنهما اختلفا في قبض المرتهن للجزء الفائت، فكان القول قوله، كما لو ~~اختلفا في قبض جزء منفصل منه. وإن اختلفا في زمن التلف، فقال الراهن: بعد ~~القبض. وقال المرتهن: قبله. فالقول قوله؛ لأنه منكر للقبض # وإن كان الرهن عصيرا فاستحال خمرا، واختلفا في زمن استحالته، فالقول قول ~~الراهن. نص عليه أحمد. وقال القاضي: يخرج فيه رواية أخرى، أن القول قول ~~المرتهن، كالاختلاف في البيع. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الأصل عدم القبض، كما ~~لو اختلفا في زمن التلف # ولنا، أنهما اتفقا على العقد والقبض، واختلفا فيما يفسد به، فكان القول ~~قول من ينفيه، كما لو اختلفا في شرط فاسد، ويفارق اختلافهما في حدوث العيب ~~من وجهين؛ أحدهما، أنهما اتفقا على القبض هاهنا، وثم اختلفا في قبض الجزء ~~الفائت # الثاني، أنهما اختلفا هنا فيما يفسد العقد، والعيب بخلافه. ### | [فصل وجد بالرهن عيبا] # (3358) فصل: ولو وجد بالرهن عيبا بعد أن حدث عنده عيب آخر، فله رده وفسخ ~~البيع؛ لأن العيب الحادث في ملك الراهن لا يلزم المرتهن ضمانه، بخلاف ~~المبيع. وخرجه القاضي على روايتين، بناء على البيع، ms2139 فعلى قوله: لا يملك ~~الرد. لا يملك الفسخ. والصحيح ما ذكرناه. # وإن هلك الرهن في يد المرتهن، ثم علم أنه كان معيبا، لم يملك فسخ البيع؛ ~~لأنه تعذر عليه رده. فإن قيل: فالرهن غير مضمون، ولهذا لا يمنع رده بحدوث ~~العيب فيه، قلنا: إنما تضمن قيمته، لأن العقد لم يقع على ملكه، # PageV04P284 # وإنما وقع على الوثيقة، فهو مضمون بالوثيقة، أما إذا تعيب فقد رده، ~~فيستحق بدل ما رده، وهاهنا لم يرد شيئا، فلو أوجبنا له بدله، لأوجبنا على ~~الراهن غير ما شرط على نفسه. ### | [فصل لم يشترطا رهنا في البيع فتطوع المشتري برهن] # (3359) فصل: ولو لم يشترطا رهنا في البيع، فتطوع المشتري برهن، وقبضه ~~البائع، كان حكمه حكم الرهن المشروط في البيع، ولا ينفك شيء منه حتى يقضي ~~جميع الدين، ولا يملك الراهن انتزاعه، ولا التصرف فيه، إلا بإذن المرتهن، ~~إلا أنه إذا رده بعيب أو غيره، لم يملك فسخ البيع. ### | [فصل تبايعا بشرط أن يكون المبيع رهنا على ثمنه] # (3360) فصل: وإذا تبايعا بشرط أن يكون المبيع رهنا على ثمنه، لم يصح قاله ~~ابن حامد وهو قول الشافعي لأن المبيع حين شرط رهنه لم يكن ملكا له، وسواء ~~شرط أنه يقبضه ثم يرهنه، أو شرط رهنه قبل قبضه، وروي عن أحمد، أنه قال: إذا ~~حبس المبيع ببقية الثمن، فهو غاصب، ولا يكون رهنا إلا أن يكون شرطا عليه في ~~نفس البيع. وهذا يدل على صحة الشرط؛ لأنه يجوز بيعه، فجاز رهنه. # وقال القاضي: معنى هذه الرواية، أنه شرط عليه في نفس البيع رهنا غير ~~المبيع، فيكون له حبس المبيع حتى يقبض الرهن، وإن لم يف به فسخ البيع. فأما ~~شرط رهن المبيع بعينه على ثمنه، فلا يصح؛ لوجوه، منها أنه غير مملوك له. ~~ومنها أن البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير المبيع والرهن يقتضي الوفاء منه. ~~ومنها أن البيع يقتضي تسليم المبيع أولا، ورهن المبيع يقتضي أن لا يسلمه ~~حتى يقبض الثمن. ومنها أن البيع يقتضي أن يكون إمساك المبيع ms2140 مضمونا، والرهن ~~يقتضي أن لا يكون مضمونا، وهذا يوجب تناقض أحكامهما. # وظاهر الرواية صحة رهنه. وقولهم: إنه غير مملوك. قلنا إنما شرط رهنه بعد ~~ملكه. وقولهم البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير المبيع. غير صحيح، إنما يقتضي ~~وفاء الثمن مطلقا، ولو تعذر وفاء الثمن من غير المبيع لاستوفي من ثمنه. # وقولهم: البيع يقتضي تسليم المبيع قبل تسليم الثمن. ممنوع. وإن سلم فلا ~~يمتنع أن يثبت بالشرط خلافه. كما أن مقتضى البيع حلول الثمن ووجوب تسليمه ~~في الحال، ولو شرط التأجيل جاز، وكذلك مقتضى البيع ثبوت الملك في المبيع، ~~والتمكين من التصرف فيه، وينتفي بشرط الخيار، وهذا هو الجواب عن الوجه ~~الثالث والرابع. # فأما إن لم يشترط ذلك في البيع، لكن رهنه عنده بعد البيع، فإن كان بعد ~~لزوم البيع، فالأولى صحته؛ لأنه يصح رهنه عند غيره، فصح عنده كغيره، ولأنه ~~يصح رهنه على غير ثمنه، فصح رهنه على ثمنه. وإن كان قبل لزوم البيع، انبنى ~~على جواز التصرف في المبيع، ففي كل موضع جاز التصرف فيه جاز رهنه، وما لا ~~فلا؛ لأنه نوع تصرف، فأشبه بيعه. ### | [فصل شرط في البيع رهنا فاسدا] # (3361) فصل: وإذا شرط في البيع رهنا فاسدا كالمحرم، والمجهول، والمعدوم، ~~وما لا يقدر على تسليمه، أو غير المعين، أو شرط رهن المبيع على ثمنه، ففي ~~فساد البيع روايتان، مضى توجيههما # PageV04P285 # في الشروط الفاسدة في البيع. واختار أبو الخطاب هاهنا فساد البيع. وهو ~~قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي وقد مضى ذكر ذلك. ### | [فصل الشروط في الرهن] # (3362) فصل: والشروط في الرهن تنقسم قسمين؛ صحيحا وفاسدا، فالصحيح مثل أن ~~يشترط كونه على يد عدل عينه، أو عدلين، أو أكثر، أو أن يبيعه العدل عند ~~حلول الحق. ولا نعلم في صحة هذا خلافا، وإن شرط أن يبيعه المرتهن، صح. وبه ~~قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي: لا يصح؛ لأنه توكيل فيما يتنافى فيه ~~الغرضان، فلم يصح، كما لو وكله في بيعه من نفسه. # ووجه التنافي أن الراهن يريد الصبر على المبيع، ms2141 والاحتياط في توفير ~~الثمن، والمرتهن يريد تعجيل الحق، وإنجاز البيع. ولنا، أن ما جاز توكيل غير ~~المرتهن فيه، جاز توكيل المرتهن فيه، كبيع عين أخرى، ولأن من جاز أن يشترط ~~له الإمساك، جاز اشتراط البيع له، كالعدل، ولا يضر اختلاف الغرضين، إذا كان ~~غرض المرتهن مستحقا له، وهو استيفاء الثمن عند حلول الحق، وإنجاز البيع؛ ~~وعلى أن الراهن إذا وكله مع العلم بغرضه، فقد سمح له بذلك، والحق له، فلا ~~يمنع من السماحة به، كما لو وكل فاسقا في بيع ماله وقبض ثمنه. # ولا نسلم أنه لا يجوز توكيله في بيع شيء من نفسه، وإن سلمنا، فلأن الشخص ~~الواحد يكون بائعا مشتريا، وموجبا، قابلا، وقابضا من نفسه لنفسه بخلاف ~~مسألتنا. ### | [فصل رهنه أمة فشرط كونها عند امرأة أو ذي محرم لها] # (3363) فصل: وإذا رهنه أمة، فشرط كونها عند امرأة، أو ذي محرم لها، أو ~~كونها في يد المرتهن، أو أجنبي على وجه لا يفضي إلى الخلوة بها، مثل أن ~~يكون لهما زوجات، أو سراري، أو نساء من محارمهما معهما في دارهما، جاز؛ ~~لأنه لا يفضي إلى محرم. وإن لم يكن كذلك، فسد الشرط؛ لأنه يفضي إلى الخلوة ~~المحرمة، ولا يؤمن عليها. ولا يفسد الرهن؛ لأنه لا يعود إلى نقص، ولا ضرر ~~في حق المتعاقدين، ويكون الحكم فيه كما لو رهنها من غير شرط، يصح الرهن، ~~ويجعلها الحاكم على يد من يجوز أن تكون عنده. # وإن كان الرهن عبدا، فشرط موضعه، جاز، وإن لم يشترط موضعه، صح أيضا، ~~كالأمة. ويحتمل أن لا يصح؛ لأن للأمة عرفا، بخلاف العبد. والأول أصح، فإن ~~الأمة إذا كان المرتهن ممن يجوز وضعها عنده كالعبد، وإذا كان مرتهن العبد ~~امرأة لا زوج لها، فشرطت كونه عندها على وجه يفضي إلى خلوته بها، لم يجز ~~أيضا، فاستويا. ### | [فصل والقسم الثاني الشروط الفاسدة في الرهن] # (3364) فصل: والقسم الثاني، الشروط الفاسدة، مثل أن يشترط ما ينافي مقتضى ~~الرهن نحو أن يشترط ألا يباع الرهن عند حلول الحق، أو لا ms2142 يستوفى الدين من ~~ثمنه، أو لا يباع ما خيف تلفه، أو بيع الرهن بأي ثمن كان، أو أن لا يبيعه ~~إلا بما يرضيه. فهذه شروط فاسدة؛ لمنافاتها مقتضى العقد، فإن # PageV04P286 # المقصود مع الوفاء بهذه الشروط مفقود وكذلك إن شرط الخيار للراهن، أو أن ~~لا يكون العقد لازما في حقه، أو توقيت الرهن، أو أن يكون رهنا يوما ويوما ~~لا، أو كون الرهن في يد الراهن، أو أن ينتفع به، أو ينتفع به المرتهن، أو ~~كونه مضمونا على المرتهن أو العدل، فهذه كلها فاسدة، لأن منها ما ينافي ~~مقتضى العقد، ومنها ما لا يقتضيه العقد، ولا هو من مصلحته. # وإن شرطا شيئا منها في عقد الرهن، فقال القاضي: يحتمل أن يفسد الرهن بها ~~بكل حال؛ لأن العاقد إنما بذل ملكه بهذا الشرط، فإذا لم يسلم له، لم يصح ~~العقد، لعدم الرضى به بدونه. وقيل: إن شرط الرهن مؤقتا، أو رهنه يوما ويوما ~~لا، فسد الرهن. وهل يفسد بسائرها؟ على وجهين، بناء على الشروط الفاسدة في ~~البيع. # ونصر أبو الخطاب في " رءوس المسائل " صحته، وبه قال أبو حنيفة، لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال «لا يغلق الرهن» وهو مشروط فيه شرط فاسد. ولم ~~يحكم بفساده. وقيل: ما ينقص حق المرتهن يبطله، وجها واحدا، وما لا فعلى ~~وجهين، وهذا مذهب الشافعي؛ لأن المرتهن شرطت له زيادة لم تصح له، فإذا فسدت ~~الزيادة لم يبطل أصل الرهن. ### | [فصل رهن الدين] # (3365) فصل: وإن شرط أنه متى حل الحق ولم يوفني فالرهن لي بالدين أو: فهو ~~مبيع لي بالدين الذي عليك. فهو شرط فاسد. روي ذلك عن ابن عمر وشريح ~~والنخعي، ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. ولا نعلم أحدا خالفهم. ~~والأصل في ذلك ما روى معاوية بن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يغلق الرهن» رواه الأثرم. قال الأثرم قلت: لأحمد ما ~~معنى قوله: «لا يغلق الرهن» ؟ قال: لا يدفع رهنا إلى رجل، ويقول: إن جئتك ~~بالدراهم إلى ms2143 كذا وكذا، وإلا فالرهن لك. # قال ابن المنذر: هذا معنى قوله: «لا يغلق الرهن» عند مالك والثوري وأحمد ~~وفي حديث معاوية بن عبد الله بن جعفر أن رجلا رهن دارا بالمدينة إلى أجل ~~مسمى، فمضى الأجل، فقال الذي ارتهن: منزلي. فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «لا يغلق الرهن» ولأنه علق البيع على شرط، فإنه جعله مبيعا بشرط أن ~~لا يوفيه الحق في محله، والبيع المعلق بشرط لا يصح، وإذا شرط هذا الشرط فسد ~~الرهن. # ويتخرج أن لا يفسد، لما ذكرنا في سائر الشروط الفاسدة، وهذا ظاهر قول أبي ~~الخطاب في " رءوس المسائل " واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا ~~يغلق الرهن» فنفى غلقه دون أصله، فيدل على صحته، ولأن الراهن قد رضي برهنه ~~مع هذا الشرط، فمع بطلانه أولى أن يرضى به. ولنا، أنه رهن بشرط فاسد، فكان ~~فاسدا، كما لو شرط توفيته، وليس في الخبر أنه شرط ذلك في ابتداء العقد، فلا ~~يكون فيه حجة. ### | [فصل الرهن بشرط الزيادة في الأجل] # (3366) فصل: ولو قال الغريم: رهنتك عبدي هذا، على أن تزيدني في الأجل. ~~كان باطلا؛ # PageV04P287 # لأن الأجل لا يثبت في الدين، إلا أن يكون مشروطا في عقد وجب به، فإذا لم ~~يثبت الأجل، لم يصح الرهن، لأنه جعله في مقابلته، ولأن ذلك يضاهي ربا ~~الجاهلية، كانوا يزيدون في الدين ليزدادوا في الأجل. ### | [فصل شرط عقد الرهن بالألف على مرتهن بألفين] # (3367) فصل: إذا كان له على رجل ألف، فقال: أقرضني ألفا، بشرط أن أرهنك ~~عبدي هذا بالألفين فنقل حنبل عن أحمد، أن القرض باطل. وهو مذهب الشافعي؛ ~~لأنه قرض يجر منفعة، وهو الاستيثاق بالألف الأول. وإذا بطل القرض بطل ~~الرهن. فإذا قيل: أليس لو شرط أنه يعطيه رهنا بما يقترضه جاز؟ قلنا: ليس ~~هذا قرضا جر منفعة؛ لأن غاية ما حصل له تأكيد الاستيفاء لبدل ما أقرضه، وهو ~~مثله، والقرض يقتضي وجوب الوفاء، وفي مسألتنا شرط في هذا القرض الاستيثاق ~~لدينه الأول، فقد شرط استيثاقا لغير موجب القرض. ms2144 # ونقل مهنا أن القرض صحيح. ولعل أحمد حكم بصحة القرض مع فساد الشرط، كي لا ~~يفضي إلى جر المنفعة بالقرض، أو حكم بفساد الرهن في الألف الأول وحده، ~~وصححه فيما عداه. ولو كان مكان القرض بيع، فقال: بعني عبدك هذا بألف، على ~~أن أرهنك عبدي به وبالألف الآخر الذي على. فالبيع باطل، رواية واحدة؛ لأن ~~الثمن مجهول، فإنه جعل الثمن ألفا ومنفعة هي وثيقة بالألف الأول، وتلك ~~المنفعة مجهولة، ولأنه شرط عقد الرهن بالألف الأول، فلم يصح، كما لو أفرده، ~~أو كما لو باعه داره بشرط أن يبيعه الآخر داره. ### | [فصل فسد الرهن وقبضه المرتهن] # (3368) فصل: وإذا فسد الرهن، وقبضه المرتهن، لم يكن عليه ضمانه؛ لأنه ~~قبضه بحكم أنه رهن، وكل عقد كان صحيحه غير مضمون أو مضمونا، ففاسده كذلك. ~~فإن كان مؤقتا، أو شرط أنه يصير للمرتهن بعد انقضاء مدته، صار بعد ذلك ~~مضمونا؛ لأنه مقبوض بحكم بيع فاسد، وحكم الفاسد من العقود حكم الصحيح في ~~الضمان. # فإن كان أرضا فغرسها قبل انقضاء الأجل، فهو كغرس الغاصب؛ لأنه غرس بغير ~~إذن، وإن غرس بعد الأجل، وكان قد شرط أن الرهن يصير له، فقد غرس بإذن؛ لأن ~~البيع وإن كان فاسدا، فقد تضمن الإذن في التصرف، فيكون الراهن مخيرا بين ~~ثلاثة أشياء، بين أن يقر غرسه له، وبين أخذه بقيمته، وبين أن يجبره على ~~قلعه، ويضمن له ما نقص. ### | [مسألة لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء] # (3369) مسألة؛ قال: (ولا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء، إلا ما كان مركوبا ~~أو محلوبا، فيركب ويحلب بقدر العلف) الكلام في هذه المسألة في حالين؛ ~~أحدهما ما لا يحتاج إلى مؤنة، كالدار والمتاع ونحوه، فلا يجوز # PageV04P288 # للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال. لا نعلم في هذا خلافا؛ لأن ~~الرهن ملك الراهن، فكذلك نماؤه ومنافعه، فليس لغيره أخذها بغير إذنه، فإن ~~أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض، وكان دين الرهن من قرض، لم يجز؛ ~~لأنه يحصل قرضا يجر منفعة، وذلك حرام. # قال أحمد: أكره ms2145 قرض، الدور، وهو الربا المحض. يعني: إذا كانت الدار رهنا ~~في قرض ينتفع بها المرتهن. وإن كان الرهن بثمن مبيع، أو أجر دار، أو دين ~~غير القرض، فأذن له الراهن في الانتفاع، جاز ذلك. روي ذلك عن الحسن وابن ~~سيرين، وبه قال إسحاق. فأما إن كان الانتفاع بعوض، مثل إن استأجر المرتهن ~~الدار من الراهن بأجرة مثلها، من غير محاباة، جاز في القرض وغيره، لكونه ما ~~انتفع بالقرض، بل بالإجارة، وإن حاباه في ذلك فحكمه حكم الانتفاع، بغير ~~عوض، لا يجوز في القرض، ويجوز في غيره. # ومتى استأجرها المرتهن، أو استعارها، فظاهر كلام أحمد أنها تخرج عن كونها ~~رهنا، فمتى انقضت الإجارة، أو العارية، عاد الرهن بحاله. قال أحمد، في ~~رواية الحسن بن ثواب عن أحمد إذا كان الرهن دارا، فقال المرتهن: اسكنها ~~بكرائها، وهي وثيقة بحقي ينتقل فيصير دينا، ويتحول عن الرهن. # وكذلك إن أكراها للراهن، قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارا، ~~ثم أكراها لصاحبها، خرجت من الرهن، فإذا رجعت إليه صارت رهنا. والأولى أنها ~~لا تخرج عن الرهن، إذا استأجرها المرتهن، أو استعارها؛ لأن القبض مستدام، ~~ولا تنافي بين العقدين، وكلام أحمد في رواية الحسن بن ثواب محمول على أنه ~~أذن للراهن في سكناها، كما في رواية ابن منصور؛ لأنها خرجت عن يد المرتهن، ~~فزال اللزوم لزوال اليد، بخلاف ما إذا سكنها المرتهن. # ومتى استعار المرتهن الرهن صار مضمونا عليه. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: لا ضمان عليه. ومبنى ذلك على العارية، فإنها عندنا مضمونة وعنده غير ~~مضمونة. ### | [فصل شرط في الرهن أن ينتفع به المرتهن] # (3370) فصل: فإن شرط في الرهن أن ينتفع به المرتهن فالشرط فاسد؛ لأنه ~~ينافي مقتضى الرهن. وعن أحمد أنه يجوز في المبيع، قال القاضي: معناه أن ~~يقول: بعتك هذا الثوب بدينار، بشرط أن ترهنني عبدك يخدمني شهرا. فيكون بيعا ~~وإجارة، فهو صحيح. # وإن أطلق، فالشرط باطل؛ لجهالة ثمنه. وقال مالك: لا بأس أن يشترط في ~~البيع منفعة الرهن إلى ms2146 أجل في الدور والأرضين، وكرهه في الحيوان والثياب، ~~وكرهه في القرض. ولنا، أنه شرط في الرهن ما ينافيه، فلم يصح، كما لو شرطه ~~في القرض. ### | [فصل الانتفاع بالرهن الذي يحتاج إلى مؤنة] # (3371) فصل: الحال الثاني ما يحتاج فيه إلى مؤنة، فحكم المرتهن في ~~الانتفاع به، بعوض أو بغير عوض، بإذن الراهن، كالقسم الذي قبله. وإن أذن له ~~في الإنفاق والانتفاع بقدره، جاز؛ # PageV04P289 # لأنه نوع معاوضة. وأما مع عدم الإذن، فإن الرهن ينقسم قسمين؛ محلوبا ~~ومركوبا، وغيرهما، فأما المحلوب والمركوب، فللمرتهن أن ينفق عليه، ويركب، ~~ويحلب، بقدر نفقته، متحريا للعدل في ذلك. ونص عليه أحمد، في رواية محمد بن ~~الحكم، وأحمد بن القاسم واختاره الخرقي، وهو قول إسحاق. وسواء أنفق مع تعذر ~~النفقة من الراهن، لغيبته، أو امتناعه من الإنفاق، أو مع القدرة على أخذ ~~النفقة من الراهن، واستئذانه. وعن أحمد رواية أخرى، لا يحتسب له بما أنفق، ~~وهو متطوع بها، ولا ينتفع من الرهن بشيء. وهذا قول أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الرهن من راهنه، له غنمه، ~~وعليه غرمه» . # ولأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به، ولا الإنفاق عليه. فلم يكن له ~~ذلك، كغير الرهن. ولنا، ما روى البخاري، وأبو داود، والترمذي، عن أبي هريرة ~~- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الظهر يركب ~~بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا» ، وعلى الذي ~~يركب ويشرب النفقة. فجعل منفعته بنفقته، وهذا محل النزاع، فإن قيل: المراد ~~به أن الراهن ينفق وينتفع. قلنا: لا يصح لوجهين؛ أحدهما، أنه قد روي في بعض ~~الألفاظ: " إذا كانت الدابة مرهونة، فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، ~~وعلى الذي يشرب ويركب نفقته ". فجعل المنفق المرتهن، فيكون هو المنتفع. ~~والثاني، أن قوله: # (بنفقته) يشير إلى أن الانتفاع عوض النفقة، وإنما ذلك حق المرتهن، أما ~~الراهن فإنفاقه وانتفاعه لا بطريق المعاوضة لأحدهما بالآخر، ولأن نفقة ~~الحيوان واجبة، وللمرتهن حق قد أمكنه استيفاء حقه ms2147 من نماء الرهن، والنيابة ~~عن المالك فيما وجب عليه واستيفاء ذلك من منافعه، فجاز ذلك كما، يجوز ~~للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه، والنيابة عنه في ~~الإنفاق عليها، والحديث نقول به: والنماء للراهن، ولكن للمرتهن ولاية صرفها ~~إلى نفقته، لثبوت يده عليه وولايته، وهذا فيمن أنفق محتسبا بالرجوع، فأما ~~إن أنفق متبرعا بغير نية الرجوع، لم ينتفع به، رواية واحدة. ### | [فصل مؤنة الرهن غير المحلوب والمركوب] # (3372) فصل: وأما غير المحلوب والمركوب، فيتنوع نوعين؛ حيوان، وغيره، ~~فأما الحيوان كالعبد والأمة ونحوهما، فهل للمرتهن أن ينفق ويستخدمه بقدر ~~نفقته؟ ظاهر المذهب أنه لا يجوز. ذكرها الخرقي، ونص عليه أحمد في رواية ~~الأثرم. قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يرهن العبد، فيستخدمه فقال: ~~الرهن لا ينتفع منه بشيء، إلا حديث أبي هريرة خاصة في الذي يركب ويحلب ~~ويعلف. قلت له: فإن كان اللبن والركوب أكثر؟ قال: لا إلا بقدر. ونقل حنبل، ~~عن أحمد، أن له استخدام العبد أيضا - وبه قال أبو ثور - إذا امتنع المالك ~~من الإنفاق # PageV04P290 # عليه. قال أبو بكر: خالف حنبل الجماعة، والعمل على أنه لا ينتفع من الرهن ~~بشيء، إلا ما خصه الشرع به، فإن القياس يقتضي أن لا ينتفع بشيء منه، تركناه ~~في المركوب والمحلوب للأثر، ففيما عداه يبقي على مقتضى القياس. النوع ~~الثاني، غير الحيوان، كدار استهدمت، فعمرها المرتهن، لم يرجع بشيء. رواية ~~واحدة. وليس له الانتفاع بها بقدر نفقته، فإن عمارتها غير واجبة على ~~الراهن، فليس لغيره أن ينوب عنه فيما لا يلزمه، فإن فعل كان متبرعا، بخلاف ~~الحيوان، فإنه يجب على مالكه الإنفاق عليه، لحرمته في نفسه. ### | [فصل مؤنة رهن الحيوان إذا أنفق عليه متبرعا] # (3373) فصل: فأما الحيوان، إذا أنفق عليه متبرعا لم يرجع بشيء؛ لأنه تصدق ~~به، فلم يرجع بعوضه، كما لو تصدق على مسكين. وإن نوى الرجوع على مالكه، ~~وكان ذلك بإذن المالك، رجع عليه؛ لأنه ناب عنه في الإنفاق بإذنه، فكانت ~~النفقة على المالك، كما لو وكله ms2148 في ذلك، وإن كان بغير إذنه، فهل يرجع عليه؟ ~~يخرج على روايتين، بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه؛ لأنه ناب عنه فيما ~~يلزمه. وقال أبو الخطاب: إن قدر على استئذانه فلم يستأذنه، فهو متبرع، لم ~~يرجع بشيء، وإن عجز عن استئذانه، فعلى روايتين، وكذلك الحكم فيما إذا مات ~~العبد المرهون فكفنه. والأول أقيس في المذهب؛ إذ لا يعتبر في قضاء الدين ~~العجز عن استئذان الغريم. ### | [فصل انتفع المرتهن بالرهن باستخدام أو ركوب] # (3374) فصل: وإذا انتفع المرتهن بالرهن، باستخدام، أو ركوب أو لبس، أو ~~استرضاع، أو استغلال، أو سكنى، أو غيره، حسب من دينه بقدر ذلك. قال أحمد: ~~يوضع عن الراهن بقدر ذلك؛ لأن المنافع ملك الراهن، فإذا استوفاها فعليه ~~قيمتها في ذمته للراهن، فيتقاص القيمة وقدرها من الدين، ويتساقطان. ### | [مسألة ثمرة الشجرة المرهونة] # (3375) مسألة؛ قال: (وغلة الدار، وخدمة العبد، وحمل الشاة وغيرها، وثمرة ~~الشجرة المرهونة، من الرهن) أراد بغلة الدار أجرها. وكذلك خدمة العبد. ~~وجملة ذلك أن نماء الرهن جميعه وغلاته تكون رهنا في يد من الرهن في يده ~~كالأصل. وإذا احتيج إلى بيعه في وفاء الدين، بيع مع الأصل، سواء في ذلك ~~المتصل، كالسمن والتعلم، والمنفصل كالكسب والأجرة والولد والثمرة واللبن ~~والصوف والشعر. وبنحو هذا قال النخعي والشعبي، وقال الثوري وأصحاب الرأي: ~~في النماء يتبع، وفي الكسب لا يتبع؛ لأن الكسب في حكم الكتابة والاستيلاد ~~والتدبير، فلا يتبع في الرهن، كأعيان مال الراهن. وقال مالك: يتبع الولد في ~~الرهن خاصة، دون سائر النماء؛ لأن الولد # PageV04P291 # يتبع الأصل في الحقوق الثابتة، كولد أم الولد. وقال الشافعي، وأبو ثور ~~وابن المنذر: لا يدخل في الرهن شيء من النماء المنفصل، ولا من الكسب؛ لأنه ~~حق تعلق بالأصل، يستوفى من ثمنه، فلا يسري إلى غيره، كحق الجناية. قال ~~الشافعي: ولو رهنه ماشيا مخاضا، فنتجت، فالنتاج خارج من الرهن. وخالفه أبو ~~ثور وابن المنذر. ومن حجتهم أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الرهن ~~من راهنه، له غنمه، وعليه غرمه» والنماء غنم، ms2149 فيكون للراهن. ولأنها عين من ~~أعيان ملك الراهن، لم يعقد عليها عقد رهن فلم تكن رهنا، كسائر ماله. ولنا، ~~أنه حكم يثبت في العين بعقد المالك، فيدخل فيه النماء والمنافع، كالملك ~~بالبيع وغيره، ولأن، النماء نماء حادث من عين الرهن، فيدخل فيه، كالمتصل، ~~ولأنه حق مستقر في الأم، ثبت برضى المالك، فيسري إلى الولد، كالتدبير ~~والاستيلاد. لنا على مالك أنه نماء حادث من عين الرهن، فسرى إليه حكم الرهن ~~كالولد. وعلى أبي حنيفة؛ أنه عقد يستتبع النماء، فاستتبع الكسب كالشراء. ~~فأما الحديث. فنقول به، وأن غنمه ونماءه وكسبه للراهن، لكن يتعلق به حق ~~الرهن، كالأصل، فإنه للراهن، والحق متعلق به، والفرق بينه وبين سائر مال ~~الراهن، أنه تبع، فثبت له حكم أصله. وأما حق الجناية، فإنه ثبت بغير رضى ~~المالك، فلم يتعد ما ثبت فيه، ولأنه جزاء عدوان، فاختص الجاني كالقصاص، ~~ولأن السراية في الرهن لا تفضي إلى استيفاء أكثر من دينه، فلا يكثر الضرر ~~فيه. ### | [فصل هل يدخل الشجر في رهن الأرض] # (3376) فصل: وإذا ارتهن أرضا، أو دارا، أو غيرهما، تبعه في الرهن ما يتبع ~~في البيع فإن كان في الأرض شجر، فقال: رهنتك هذه الأرض بحقوقها. أو ذكر ما ~~يدل على أن الشجر في الرهن، دخل فيه، وإن لم يذكر ذلك، فهل يدخل الشجر في ~~الرهن؟ على وجهين، بناء على دخوله في البيع. وإن رهنه شجرا مثمرا، وفيه ~~ثمرة ظاهرة، لم تدخل في الرهن، كما لا تدخل في البيع، وإن لم تكن ظاهرة ~~دخلت. وقال الشافعي: لا تدخل الثمرة في الرهن بحال. وقال أبو حنيفة: تدخل ~~بكل حال؛ لأن الرهن عنده لا يصح على الأصول دون الثمرة، وقد قصد إلى عقد ~~صحيح، فتدخل الثمرة ضرورة الصحة. ولنا، أن الثمرة المؤبرة لا تدخل في ~~البيع، مع قوته، وإزالته لملك البائع، فالرهن مع ضعفه أولى، وعلى الشافعي، ~~أنه عقد على الشجرة فاستتبع الثمرة غير المؤبرة، كالبيع، ويدخل في الرهن ~~الصوف واللبن الموجودان، كما يدخل في البيع، وكذلك الحمل وسائر ما ms2150 بيع في ~~البيع؛ لأنه عقد وارد على العين، فدخلت فيه هذه التوابع كالبيع، ولو كان ~~الرهن دارا فخربت، كانت أنقاضها رهنا؛ # PageV04P292 # لأنها من أجزائها، ولو كانت مرهونة قبل خرابها، ولو رهنه أرضا، فنبت فيها ~~شجر، فهو من الرهن، سواء نبت بفعل الراهن، أو بفعل غيره؛ لأنه من نمائها. ### | [فصل انتفاع الراهن بالرهن] # (3377) فصل وليس للراهن الانتفاع بالرهن، باستخدام، ولا وطء، ولا سكنى، ~~ولا غير ذلك ولا يملك التصرف فيه، بإجارة، ولا إعارة، ولا غيرهما، بغير رضا ~~المرتهن. وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي. وقال مالك وابن أبي ليلى ~~والشافعي، وابن المنذر: للراهن إجارته وإعارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن ~~حلول الدين. وهل له أن يسكن بنفسه؟ على اختلاف بينهم فيه. وإن كان الرهن ~~عبدا، فله استيفاء منافعه بغيره. وهل له ذلك بنفسه؟ على الخلاف. وليس له ~~إجارة الثوب ولا ما ينقص بالانتفاع. وبنوه على أن المنافع للراهن، لا تدخل ~~في الرهن، ولا يتعلق بها حقه. وقد سبق الكلام في هذا. ولأنها عين محبوسة، ~~فلم يكن للمالك الانتفاع بها، كالبيع المحبوس عند البائع على استيفاء ثمنه. ~~أو نقول: نوع انتفاع، فلا يملكه الراهن، كالذي ينقص قيمة الرهن. إذا ثبت ~~هذا فإن المتراهنين إذا لم يتفقا على الانتفاع بها، لم يجز الانتفاع بها، ~~وكانت منافعها معطلة، فإن كانت دارا أغلقت، وإن كان عبدا أو غيره تعطلت ~~منافعه حتى يفك الرهن. وإن اتفقا على إجارة الرهن، أو إعارته، جاز ذلك. هذا ~~ظاهر كلام الخرقي لأنه جعل غلة الدار وخدمة العبد رهنا، ولو عطلت منافعهما ~~لم يكن لهما غلة. وقال ابن أبي موسى: إن أذن الراهن للمرتهن في إعارته، أو ~~إجارته، جاز والأجرة رهن، وإن أجره الراهن بإذن المرتهن، خرج من الرهن، في ~~أحد الوجهين، والآخر لا يخرج، كما لو أجره المرتهن. وقال أبو الخطاب، في ~~المشاع: يؤجره الحاكم لهما. وذكر أبو بكر في الخلاف، أن منافع الرهن تعطل ~~مطلقا، ولا يؤجراه. وهذا قول الثوري، وأصحاب الرأي. وقالوا: إذا أجر الراهن ~~الرهن بإذن المرتهن، كان ms2151 إخراجا من الرهن؛ لأن الرهن يقتضي حبسه عند ~~المرتهن أو نائبه على الدوام، فمتى وجد عقد يستحق به زوال الحبس زال الرهن. ~~ولنا، أن مقصود الرهن الاستيثاق بالدين، واستيفاؤه من ثمنه عند تعذر ~~استيفائه من ذمة الراهن، وهذا لا ينافي الانتفاع به، ولا إجارته، ولا ~~إعارته، فجاز اجتماعهما، كانتفاع المرتهن به، ولأن تعطيل منفعته تضييع ~~للمال، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال، ولأنه عين ~~تعلق بها حق الوثيقة، فلم يمنع إجارتها، كالعبد إذا ضمن بإذن سيده، ولا ~~نسلم أن مقتضى الرهن الحبس، وإنما مقتضاه تعلق الحق به على وجه تحصل به ~~الوثيقة، وذلك غير مناف للانتفاع به، ولو سلمنا أن مقتضاه الحبس، فلا يمنع ~~أن يكون المستأجر نائبا عنه في إمساكه وحبسه، ومستوفيا لمنفعته لنفسه. ### | [فصل إصلاح الرهن ودفع الفساد عنه ومداواته] # (3378) فصل: ولا يمنع الراهن من إصلاح الرهن، ودفع الفساد عنه، ومداواته ~~إن احتاج # PageV04P293 # إليها، فإذا كان الرهن ماشية فاحتاجت إلى إطراق الفحل، فللراهن ذلك؛ لأن ~~فيه مصلحة للرهن، وزيادته، وذلك زيادة، في حق المرتهن من غير ضرر، وإن كانت ~~فحولا لم يكن للراهن إطراقها بغير رضا المرتهن؛ لأنه انتفاع لا مصلحة للرهن ~~فيه، فهو كالاستخدام، إلا أن يصير إلى حال يتضرر بترك الإطراق، فيجوز؛ لأنه ~~كالمداواة له. ### | [مسألة مؤنة الرهن] # (3379) مسألة؛ قال: (ومؤنة الرهن على الراهن وإن كان عبدا فمات، فعليه ~~كفنه، وإن كان مما يخزن، فعليه كراء مخزنه) وجملته أن مؤنة الرهن من طعامه، ~~وكسوته، ومسكنه، وحافظه، وحرزه، ومخزنه، وغير ذلك على الراهن. وبهذا قال ~~مالك والشافعي، والعنبري، وإسحاق: وقال أبو حنيفة: أجر المسكن والحافظ على ~~المرتهن؛ لأنه من مؤنة إمساكه وارتهانه. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه» ولأنه نوع إنفاق، فكان على ~~الراهن، كالطعام، ولأن الرهن ملك للراهن، فكان عليه مسكنه وحافظه، كغير ~~الرهن. وإن أبق العبد فأجرة من يرده على الراهن، وقال أبو حنيفة: يكون بقدر ~~الأمانة على الراهن، وبقدر الضمان على المرتهن. ms2152 وإن احتيج إلى مداواته لمرض ~~أو جرح فذلك على الراهن. وعند أبي حنيفة، هو كأجر من يرده من إباقه. وبنى ~~ذلك على أصله في أن يد المرتهن يد ضمان، بقدر دينه فيه، وما زاد فهو أمانة ~~عنده. والكلام على ذلك في غير هذا الموضع. وإن مات العبد كانت مؤنته، ~~كتجهيزه، وتكفينه، ودفنه على الراهن؛ لأن ذلك تابع لمؤنته، فإن كل من لزمته ~~مؤنة شخص كانت مؤنته كتجهيزه ودفنه عليه، كسائر العبيد والإماء والأقارب من ~~الأحرار. ### | [فصل كان الرهن ثمرة فاحتاجت إلى سقي وتسوية وجذاذ] # (3380) فصل: وإن كان الرهن ثمرة فاحتاجت إلى سقي وتسوية وجذاذ، فذلك على ~~الراهن، وإن احتاجت إلى تجفيف، والحق مؤجل، فعليه التجفيف؛ لأنه يحتاج إلى ~~أن يستبقيها رهنا حتى يحل الحق. وإن كان حالا، بيعت ولم يحتج إلى تجفيفها. ~~وإن اتفقا على بيعها وجعل ثمنها رهنا بالحق المؤجل، جاز، وإن اختلفا في ~~ذلك، قدم قول من يستبقيها بعينها؛ لأن العقد يقتضي ذلك، إلا أن يكون مما ~~تقل قيمته بالتجفيف، وقد جرت العادة ببيعه رطبا، فإنه يباع، ويجعل ثمنه ~~مكانه. وإن اتفقا على قطع الثمرة في وقت، فلهما ذلك، سواء كان الحق حالا أو ~~مؤجلا، وسواء كان الأصلح القطع أو الترك؛ لأن الحق لا يخرج عنهما، وإن ~~اختلفا قدمنا قول من طلب الأصلح، إن كان ذلك قبل حلول الحق. وإن كان الحق ~~حالا قدم قول من طلب القطع، لأنه إن كان المرتهن، فهو طالب لاستيفاء حقه ~~الحال، فلزم إجابته، وإن كان الراهن، فهو يطلب تبرئة ذمته، وتخليص عين ملكه ~~من الرهن، والقطع أحوط من جهة أن في تبقيته غررا. ذكر القاضي هذا في ~~المفلس، وهو قول أكثر # PageV04P294 # أصحاب الشافعي، وهذا في معناه. ويحتمل أن ينظر في الثمرة، فإن كانت تنقص ~~بالقطع نقصا كثيرا، لم يجبر الممتنع من قطعها عليه؛ لأن ذلك إتلاف، فلا ~~يجبر عليه؛ كما لا يجبر على نقض داره ليبيع أنقاضها، ولا على ذبح فرسه ~~ليبيع لحمها، وإن كانت الثمرة مما لا ينتفع بها قبل كمالها، ms2153 لم يجز قطعها ~~قبله، ولم يجبر عليه بحال. ### | [فصل كان الرهن ماشية تحتاج إلى إطراق الفحل] # (3381) فصل: وإن كان الرهن ماشية تحتاج إلى إطراق الفحل، لم يجبر الراهن ~~عليه؛ لأنه ليس عليه ما يتضمن زيادة في الرهن، وليس ذلك مما يحتاج إليه ~~لبقائها، ولا يمنع من ذلك؛ لكونها زيادة لهما، لا ضرر على المرتهن فيه. وإن ~~احتاجت إلى رعي، فعلى الراهن أن يقيم لها راعيا؛ لأن ذلك يجري مجرى علفها. ~~وإن أراد الراهن السفر بها ليرعاها في مكان آخر، وكان لها في مكانها مرعى ~~تتماسك به، فللمرتهن منعه من ذلك؛ لأن في السفر بها إخراجها عن نظره ويده. ~~وإن أجدب مكانها، فلم يجد ما تتماسك به فللراهن السفر بها؛ لأنه موضع ~~ضرورة، لأنها تهلك إذا لم يسافر بها، إلا أنها تكون في يد عدل يرضيان به، ~~أو ينصبه الحاكم، ولا ينفرد الراهن بها، فإن امتنع الراهن من السفر بها، ~~فللمرتهن نقلها؛ لأن في بقائها هلاكها، وضياع حقه من الرهن. فإن أرادا ~~جميعا السفر بها، واختلفا في مكانها، قدمنا قول من يعين الأصلح، فإن ~~استويا، قدمنا قول المرتهن. وقال الشافعي: يقدم قول الراهن، وإن كان الأصلح ~~غيره؛ لأنه أملك بها، إلا أن يكون مأواها إلى يد عدل. ولنا، أن اليد ~~للمرتهن، فكان أولى، كما لو كانا في بلد واحد، وأيهما أراد نقلها عن البلد ~~مع خصبه لم يكن له، سواء أراد نقلها إلى مثله، أو أخصب منه، إذ لا معنى ~~للمسافرة بالرهن مع إمكان ترك السفر به. وإن اتفقا على نقلها، جاز أيضا، ~~سواء كان أنفع لها أو لا؛ لأن الحق لهما، لا يخرج عنهما. ### | [فصل مرض المرهون فاحتاج إلى دواء] # (3382) فصل: وإن كان عبدا يحتاج إلى ختان، والدين حال، أو أجله قبل برئه، ~~منع منه؛ لأنه ينقص ثمنه، وفيه ضرر، وإن كان يبرأ قبل محل الحق، والزمان ~~معتدل لا يخاف عليه فيه، فله ذلك؛ لأنه من الواجبات، ويزيد به الثمن، ولا ~~يضر المرتهن، ومؤنته على الراهن. فإن مرض، فاحتاج إلى ms2154 دواء، لم يجبر الراهن ~~عليه؛ لأنه يتحقق أنه سبب لبقائه، وقد يبرأ بغير علاج، بخلاف النفقة، وإن ~~أراد الراهن مداواته بما لا ضرر فيه، لم يمنع منه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ~~ضرر بواحد منهما. وإن كان الدواء مما يخاف غائلته، كالسموم، فللمرتهن منعه ~~منه؛ لأنه لا يأمن تلفه. وإن احتاج إلى فصد، أو احتاجت الدابة إلى توديج، ~~ومعناه فتح الودجين حتى يسيل الدم، وهما عرقان عريضان غليظان # PageV04P295 # من جانبي ثغرة النحر، أو تبزيغ، وهو فتح الرهصة، فللراهن فعل ذلك، ما لم ~~يخف منه ضررا. وإن احتيج إلى قطع شيء من بدنه بدواء لا يخاف منه، جاز، وإن ~~خيف منه، فأيهما امتنعا منه لم يجبر. وإن كانت به آكلة كان له قطعها؛ لأنه ~~يخاف من تركها لا من قطعها، لأنه لا يحس بلحم ميت. وإن كانت به خبيثة، فقال ~~أهل الخبرة: الأحوط قطعها. وهو أنفع من بقائها، فللراهن ذلك، وإلا فليس له ~~فعله. وإن تساوى الخوف عليه في الحالين لم يكن له قطعها؛ لأنه يحدث جرحا ~~فيه لم يترجح إحداثه. وإن كانت به سلعة أو إصبع زائدة، لم يملك الراهن ~~قطعها؛ لأن قطعها يخاف منه، وتركها لا يخاف منه. وإن كانت الماشية جربة، ~~فأراد الراهن دهنها بما يرجى نفعه، ولا يخاف ضرره، كالقطران والزيت اليسير، ~~لم يمنع. وإن خيف ضرره، كالكثير، فللمرتهن منعه. وقال القاضي: له ذلك بغير ~~إذن المرتهن؛ لأن له معالجة ملكه، وإن امتنع من ذلك، لم يجبر عليه. ولو ~~أراد المرتهن مداواتها بما ينفعها، ولا يخشى ضرره، لم يمنع؛ لأن فيه إصلاح ~~حقه بما لا يضر بغيره، وإن خيف منه الضرر لم يمكن منه؛ لأن فيه خطرا بحق ~~غيره. ### | [فصل كان الرهن نخلا فاحتاج إلى تأبير] # (3383) فصل: فإن كان الرهن نخلا، فاحتاج إلى تأبير، فهو على الراهن، وليس ~~للمرتهن منعه؛ لأن فيه مصلحة بغير مضرة. وما يسقط من ليف أو سعف أو عراجين، ~~فهو من الرهن؛ لأنه من أجزائه، أو من نمائه. وقال أصحاب الشافعي ليس من ms2155 ~~الرهن. بناء منهم على أن النماء ليس منه. ولا يصح ذلك هاهنا؛ لأن السعف من ~~جملة الأعيان التي ورد عليها عقد الرهن، فكانت منه، كالأصول وأنقاض الدار. ~~وإن كان الرهن كرما فله زباره، لأنه لمصلحته، ولا ضرر فيه. والزرجون من ~~الرهن. ولو كان الشجر مزدحما، وفي قطع بعضه صلاح لما يبقي، فله ذلك. وإن ~~أراد تحويله كله لم يملك ذلك. وإن قيل: هو الأولى؛ لأنه قد لا يعلق فيفوت ~~الرهن. وإن امتنع الراهن من فعل هذا كله، لم يجبر عليه؛ لأنه لا يلزمه فعل ~~ما فيه زيادة من الرهن. ### | [فصل حكم الزيادة في الرهن] # (3384) فصل: وكل زيادة تلزم الراهن إذا امتنع، أجبره الحاكم عليها، وإن ~~لم يفعل اكترى له الحاكم من ماله، فإن لم يكن له مال اكترى من الرهن. فإن ~~بذلها المرتهن متطوعا لم يرجع بشيء. وإن أنفق بإذن الراهن، أو إذن الحاكم ~~عند تعذر إذن الراهن، محتسبا، رجع به. وإن تعذر إذنهما، أشهد على أنه أنفق، ~~ليرجع بالنفقة. وله الرجوع بها، وإن أنفق من غير استئذان الحاكم مع إمكانه، ~~أو من غير إشهاد بالرجوع عند تعذر استئذانه ليرجع به، فهل يرجع به؟ على ~~روايتين. وإن أنفق بإذن الراهن؛ ليكون الرهن رهنا بالنفقة والدين الأول، لم ~~يصح، ولم يصر رهنا بالنفقة لما ذكرنا. وإن قال الراهن: أنفقت متبرعا. وقال ~~المرتهن: بل أنفقت محتسبا بالرجوع. فالقول قول المرتهن؛ # PageV04P296 # لأن الخلاف في نيته، وهو أعلم بها، ولا اطلاع لغيره من الناس عليها، ~~وعليه اليمين؛ لأن ما قاله الراهن محتمل. وكل مؤنة لا تلزم الراهن، كنفقة ~~المداواة والتأبير وأشباههما، لا يرجع بها المرتهن إذا أنفقها محتسبا أو ~~متبرعا. ### | [مسألة الرهن إذا تلف بغير جناية من المرتهن] # (3385) مسألة؛ قال: (والرهن إذا تلف بغير جناية من المرتهن، رجع المرتهن ~~بحقه عند محله، وكانت المصيبة فيه من راهنه، وإن كان بتعدي المرتهن، أو لم ~~يحرزه، ضمن) أما إذا تعدى المرتهن في الرهن، أو فرط في الحفظ للرهن الذي ~~عنده حتى تلف، فإنه يضمن. لا نعلم ms2156 في وجوب الضمان عليه خلافا؛ ولأنه أمانة ~~في يده، فلزمه إذا تلف بتعديه أو تفريطه، كالوديعة. وأما إن تلف من غير تعد ~~منه ولا تفريط، فلا ضمان عليه، وهو من مال الراهن. يروى ذلك عن علي - رضي ~~الله عنه - وبه قال عطاء، والزهري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن ~~المنذر. ويروى عن شريح والنخعي والحسن أن الرهن يضمن بجميع الدين، وإن كان ~~أكثر من قيمته؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الرهن ~~بما فيه» # وقال. مالك إن كان تلفه بأمر ظاهر، كالموت والحريق، فمن ضمان الراهن، وإن ~~ادعى تلفه بأمر خفي، لم يقبل قوله، وضمن. وقال الثوري، وأصحاب الرأي: يضمنه ~~المرتهن بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الدين ويروي ذلك عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - واحتجوا بما روى عطاء، أن رجلا رهن فرسا، فنفق عند المرتهن، ~~فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك، فقال: «ذهب حقك» . ~~ولأنها عين مقبوضة للاستيفاء، فيضمنها من قبضها لذلك، أو من قبضها نائبه، ~~كحقيقة المستوفى، ولأنه محبوس بدين، فكان مضمونا، كالمبيع إذا حبس لاستيفاء ~~ثمنه. ولنا، ما روى ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه، وعليه غرمه» ~~رواه الأثرم عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن ابن أبي ذئب ورواه الشافعي عن ~~ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، ولفظه: «الرهن من صاحبه الذي رهنه» وباقيه ~~سواء. قال: ووصله ابن المسيب عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- مثله أو مثل معناه من حديث أبي أنيسة. ولأنه وثيقة بالدين، فلا يضمن، ~~كالزيادة على قدر الدين، وكالكفيل والشاهد، ولأنه مقبوض بعقد واحد بعضه ~~أمانة، فكان جميعه أمانة، كالوديعة. وعند مالك: أن ما لا يضمن به العقار، ~~لا يضمن به الذهب. كالوديعة، فأما حديث عطاء فهو مرسل، وقول عطاء يخالفه، ~~قال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن أمية، وكان كذابا، وقيل: يرويه مصعب بن ~~ثابت ms2157 وكان ضعيفا. ويحتمل أنه أراد، ذهب حقك من الوثيقة، بدليل أنه لم يسأل ~~عن قدر الدين # PageV04P297 # وقيمة الفرس، وحديث أنس إن صح، فيحتمل أنه محبوس بما فيه، وأما المستوفى ~~فإنه صار ملكا للمستوفي، وله نماؤه وغنمه، فكان عليه ضمانه وغرمه، بخلاف ~~الرهن، والبيع قبل القبض ممنوع. ### | [فصل قضى الراهن المرتهن جميع الحق] # (3386) فصل: وإذا قضاه جميع الحق، أو أبرأه من الدين، بقي الرهن أمانة في ~~يده، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا قضاه كان مضمونا، وإذا أبرأه ~~أو وهبه لم يكن مضمونا استحسانا. وهذا مناقضة؛ لأن القبض مضمون منه، لم ~~يزل، ولم يبرئه منه. وعندنا أنه كان أمانة، وبقي على ما كان عليه، وليس ~~عليه رده؛ لأنه أمسكه بإذن مالكه، ولا يختص بنفعه، فهو كالوديعة، بخلاف ~~العارية فإنه يختص بنفعها، وبخلاف ما لو أطارت الريح إلى داره ثوبا، لزمه ~~رده إلى مالكه؛ لأن مالكه لم يأذن في إمساكه، فأما إن سأل مالكه في هذه ~~الحال دفعه إليه، لزم من هو في يده، من المرتهن أو العدل دفعه إليه، إذا ~~أمكنه، فإن لم يفعل، صار ضامنا، كالمودع إذا امتنع من رد الوديعة عند ~~طلبها. وإن كان امتناعه لعذر، مثل أن يكون بينه وبينه طريق مخيف، أو باب ~~مغلق لا يمكنه فتحه، أو كان يخاف فوت جمعة أو جماعة، أو فوت صلاة، أو به ~~مرض، أو جوع شديد، وما أشبهه، فأخر التسليم لذلك، فتلف، فلا ضمان عليه؛ ~~لأنه لا تفريط منه، فأشبه المودع. ### | [فصل قبض المرتهن الرهن فوجده مستحقا] # (3387) فصل: وإذا قبض المرتهن الرهن، فوجده مستحقا، لزمه رده على مالكه، ~~والرهن باطل من أصله فإن أمسكه، مع علمه بالغصب، حتى تلف في يده، استقر ~~عليه الضمان، وللمالك تضمين أيهما شاء، فإن ضمن المرتهن، لم يرجع على أحد ~~لذلك، وإن ضمن الراهن، رجع عليه. وإن لم يعلم بالغصب حتى تلف بتفريطه، ~~فالحكم كذلك؛ لأن الضمان يستقر عليه، وإن تلف بغير تفريطه، ففيه ثلاثة ~~أوجه؛ أحدها يضمن، ويستقر الضمان عليه؛ لأن مال غيره ms2158 تلف تحت يده العادية، ~~فاستقر الضمان عليه، كما لو علم. والثاني، لا ضمان عليه؛ لأنه قبضه على أنه ~~أمانة من غير علمه، فلم يضمنه، كالوديعة. فعلى هذا يرجع المالك على الغاصب ~~لا غير. والوجه الثالث، أن للمالك تضمين أيهما شاء، ويستقر الضمان على ~~الغاصب، فإن ضمن الغاصب لم يرجع على أحد، وإن ضمن المرتهن رجع على الغاصب؛ ~~لأنه غره، فرجع عليه، كالمغرور بحرية أمة. ### | [مسألة اختلفا في قيمة الرهن] # (3388) مسألة: قال: (وإن اختلفا في القيمة، فالقول قول المرتهن مع يمينه، ~~وإن اختلفا في قدر الحق، فالقول قول الراهن مع يمينه، إذا لم يكن لواحد ~~منهما بما قال بينة) . # PageV04P298 # يعني: إذا اختلفا في قيمة الرهن، إذا تلف في الحال التي يلزم المرتهن ~~ضمانه، وهي إذا تعدى، أو لم يحرز، فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأنه غارم، ~~ولأنه منكر لوجوب الزيادة على ما أقر به، والقول قول المنكر. وبهذا قال ~~الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا، وإن اختلفا في قدر الحق، نحو أن يقول ~~الراهن: رهنتك عبدي هذا بألف. فقال المرتهن: بل بألفين. فالقول قول الراهن. ~~وبهذا قال النخعي والثوري، والشافعي والبتي، وأبو ثور وأصحاب الرأي. وحكي ~~عن الحسن وقتادة، أن القول قول المرتهن، ما لم يجاوز ثمن الرهن، أو قيمته، ~~ونحوه قول مالك؛ لأن الظاهر أن الرهن يكون بقدر الحق. ولنا، أن الراهن منكر ~~للزيادة التي يدعيها المرتهن، والقول قول المنكر؛ لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ~~ولكن اليمين على المدعى عليه» رواه مسلم # ولأن الأصل براءة الذمة من هذه الألف، فالقول قول من ينفيها، كما لو ~~اختلفا في أصل الدين، وما ذكره من الظاهر غير مسلم؛ فإن العادة رهن الشيء ~~بأقل من قيمته، إذا ثبت هذا، فالقول قول الراهن في قدر ما رهنه به، سواء ~~اتفقا على أنه رهنه بجميع الدين أو اختلفا، فلو اتفقا على أن الدين ألفان، ~~وقال الراهن: إنما رهنتك بأحد الألفين. وقال المرتهن: بل رهنته بهما. ~~فالقول ms2159 قول الراهن مع يمينه، لأنه ينكر تعلق حق المرتهن في أحد الألفين ~~بعبده، والقول قول المنكر. وإن اتفقا على أنه رهن بأحد الألفين، وقال ~~الراهن: هو رهن بالمؤجل. وقال المرتهن: بل بالحال. فالقول قول الراهن مع ~~يمينه، لأنه منكر، ولأن القول قوله في أصل الرهن، فكذلك في صفته، وهذا إذا ~~لم يكن بينة، فإن كان لأحدهما بينة، حكم بها، بغير خلاف في جميع هذه ~~المسائل. ### | [فصل اختلفا في قدر الرهن] # (3389) فصل: وإن اختلفا في قدر الرهن، فقال: رهنتك هذا العبد. قال: بل هو ~~والعبد الآخر. فالقول قول الراهن؛ لأنه منكر. ولا نعلم في هذا خلافا. وإن ~~قال: رهنتك هذا العبد. قال: بل هذه الجارية. خرج العبد من الرهن، لاعتراف ~~المرتهن بأنه لم يرهنه، وحلف الراهن على أنه ما رهنه الجارية، وخرجت من ~~الرهن أيضا. وإن اختلفا في رد الرهن إلى الراهن، فالقول قوله أيضا؛ لأنه ~~منكر، والأصل معه. وكذلك الحكم في المستأجر، إذا ادعى رد العين المستأجرة. ~~وقال أبو الخطاب: يتخرج فيهما وجه آخر، أن القول قول المرتهن والمستأجر في ~~الرد، بناء على المضارب والوكيل بجعل، إذا ادعيا الرد، فإن فيهما وجهين، ~~والفرق بينهما وبين المرتهن، أن المرتهن قبض العين لينتفع بها، وكذلك ~~المستأجر والوكيل، قبض العين لينتفع بالجعل لا بالعين، والمضارب قبضها ~~لينتفع بربحها # PageV04P299 # لا بها، وإن اختلفا في تلف العين، فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن يده ~~يد أمانة، ويتعذر عليه إقامة البينة على التلف، فقبل قوله فيه، كالمودع. ### | [فصل قال بعتك هذا الثوب على أن ترهنني بثمنه عبديك هذين قال بل على أن أرهنك هذا وحده] # (3390) فصل: فإن قال: بعتك هذا الثوب، على أن ترهنني بثمنه عبديك هذين. ~~قال: بل على أن أرهنك هذا وحده. ففيها روايتان، حكاهما القاضي، إحداهما، ~~يتحالفان، لأنه اختلاف في البيع، فهو كالاختلاف في الثمن. والثانية، القول ~~قول الراهن؛ لأنه منكر لشرط رهن العبد الذي اختلفا فيه، والقول قول المنكر، ~~وهذا أصح. # (3391) فصل: وإن قال: أرسلت وكيلك، فرهنني عبدك، على عشرين قبضها. قال: ms2160 ~~ما أمرته برهنه إلا بعشرة، ولا قبضت إلا عشرة سئل الرسول، فإن صدق الراهن، ~~فعليه اليمين أنه ما رهنه إلا بعشرة، ولا قبض إلا عشرة، ولا يمين على ~~الراهن، لأن الدعوى على غيره، فإذا حلف الوكيل برئا جميعا، وإن نكل، فعليه ~~العشرة المختلف فيها، ولا يرجع بها على أحد؛ لأنه يصدق الراهن في أنه ما ~~أخذها، ولا أمره بأخذها، وإنما المرتهن ظلمه. وإن صدق الوكيل المرتهن، ~~وادعى أنه سلم العشرين إلى الراهن، فالقول قول الراهن مع يمينه. فإن نكل، ~~قضي عليه بالعشرة، ويدفع إلى المرتهن، وإن حلف برئ، وعلى الرسول غرامة ~~العشرة للمرتهن؛ لأنه يزعم أنها حق له وإنما الراهن ظلمه. وإن عدم الرسول، ~~أو تعذر إحلافه، فعلى الراهن اليمين أنه ما أذن في رهنه إلا بعشرة، ولا قبض ~~أكثر منها، ويبقى الرهن بالعشرة الأخرى. # (3392) فصل: إذا كان على رجل ألفان، أحدهما برهن، والآخر بغير رهن، فقضى ~~ألفا، وقال: قضيت دين الرهن. وقال المرتهن: بل قضيت الدين الآخر. فالقول ~~قول الراهن مع يمينه، سواء اختلفا في نية الراهن بذلك أو في لفظه؛ لأنه ~~أعلم بنيته وصفة، دفعه، ولأنه يقول: إن الدين الباقي بلا رهن، والقول قوله ~~في أصل الرهن، فكذلك في صفته، وإن أطلق القضاء، ولم ينو شيئا، فقال أبو ~~بكر: له صرفها إلى أيهما شاء، كما لو كان له مال حاضر وغائب، فأدى قدر زكاة ~~أحدهما، كان له أن يعين عن أي المالين شاء. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، ~~وقال بعضهم: يقع الدفع عن الدينين معا، عن كل واحد منهما نصفه؛ لأنهما ~~تساويا في القضاء، فتساويا في وقوعه عنهما، فأما إن أبرأه المرتهن من أحد ~~الدينين، واختلفا، فالقول قول المرتهن، على التفصيل الذي ذكرناه في الراهن، ~~ذكره أبو بكر. ### | [فصل اتفق المتراهنان على قبض العدل للرهن] # (3393) فصل: وإذا اتفق المتراهنان على قبض العدل للرهن لزم الرهن في ~~حقهما، ولم يضر إنكاره؛ لأن الحق لهما، وإن قال أحدهما: قبضه العدل. فأنكر ~~الآخر، فالقول قول المنكر، كما # PageV04P300 # لو اختلفا في قبض ms2161 المرتهن له. ولو شهد العدل بالقبض، لم تقبل شهادته؛ ~~لأنها شهادة الوكيل لموكله. ### | [فصل قال رهنتني عبدك هذا بألف فقال بل قد غصبته أو استعرته] # (3394) فصل: إذا كان في يد رجل عبد، فقال: رهنتني عبدك هذا بألف فقال: بل ~~قد غصبته، أو استعرته. فالقول قول السيد، سواء اعترف بالدين أو جحده؛ لأن ~~الأصل عدم الرهن. وإن قال السيد: بعتك عبدي هذا بألف قال: بل رهنته عندي ~~بها. فالقول قول كل واحد منهما في العقد الذي ينكره، ويأخذ السيد عبده. ~~وهكذا لو قال: رهنتكه بألف أقرضتنيه. قال: بل بعتنيه بألف قبضته مني ثمنا. ~~فكذلك، ويرد صاحب العبد الألف، ويأخذ عبده. ### | [فصل ادعى على رجلين فقال رهنتماني عبدكما بديني عليكما فأنكراه] # (3395) فصل: وإذا ادعى على رجلين، فقال: رهنتماني عبدكما بديني عليكما. ~~فأنكراه. فالقول قولهما، فإن شهد كل واحد منهما على صاحبه، قبلت شهادته إذا ~~كان عدلا، وللمرتهن أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير جميعه رهنا، أو يحلف مع ~~أحدهما ويصير نصيب الآخر رهنا، وإن أقر أحدهما، ثبت في حقه وحده. وإن شهد ~~المقر على المنكر، قبلت شهادته إن كان عدلا؛ لأنه لا يجلب لنفسه نفعا، ولا ~~يدفع عنها ضررا. وبهذا قال أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: إذا أنكرا جميعا في ~~شهادتهما نظر؛ لأن المشهود له يدعي أن كل واحد منهما ظالم له بجحوده حقه من ~~الرهن، فإذا طعن المشهود له في شهوده، لم تقبل شهادتهم له. قلنا: لا يصح ~~هذا؛ فإن إنكار الدعوى لا يثبت به فسق المدعى عليه. وإن كان الحق عليه، ~~لجواز أن ينسى، أو تلحقه شبهة فيما يدعيه أو ينكره. وكذلك لو تداعى رجلان ~~شيئا، وتخاصما فيه، ثم شهدا عند الحاكم بشيء، لم ترد شهادتهما، وإن كان ~~أحدهما كاذبا في مخالفته لصاحبه، ولو ثبت الفسق بذلك، لم يجز قبول شهادتهما ~~جميعا، مع تحقق الجرح في أحدهما. ### | [فصل رهن عينا عند رجلين] # فصل: وإذا رهن عينا عند رجلين، فنصفها رهن عند كل واحد منهما بدينه، ومتى ~~وفى أحدهما، خرجت حصته ms2162 من الرهن؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة عقدين، ~~فكأنه رهن كل واحد منهما النصف مفردا، فإن أراد مقاسمة المرتهن، وأخذ نصيب ~~من وفاه، وكان الرهن مما لا تنقصه القسمة، كالمكيل والموزون، لزم ذلك، وإن ~~كان مما تنقصه القسمة، لم تجب قسمته؛ لأن على المرتهن ضررا في قسمته، ويقر ~~في يد المرتهن، نصفه رهن، ونصفه وديعة، وإن رهن اثنان عبدهما عند رجل، ~~فوفاه أحدهما، انفك الرهن في نصيبه. وقد قال أحمد في رواية مهنا، في رجلين ~~رهنا دارا لهما عند رجل، على ألف، فقضاه أحدهما، ولم يقض الآخر: فالدار رهن ~~على ما بقي، وقال أبو الخطاب في رجل رهن عبده عند رجلين، فوفى أحدهما، ~~فجميعه رهن عند الآخر، حتى يوفيه، وهذا من كلام أحمد وأبي الخطاب محمول على ~~أنه ليس للراهن مقاسمة المرتهن، لما عليه من الضرر، لا بمعنى أن العين كلها ~~تكون رهنا، إذ لا يجوز أن يقال: إنه رهن نصف العبد عند رجل، فصار جميعه ~~رهنا. ولو رهن # PageV04P301 # اثنان عبدا لهما عند اثنين بألف، فهذه أربعة عقود، ويصير كل ربع من العبد ~~رهنا بمائتين وخمسين، فمتى قضاها من هي عليه، انفك من الرهن ذلك القدر. ~~قاله القاضي، وهو الصحيح. ### | [فصل ادعى رجلان على رجل أنه رهنهما عبده فأنكرهما جميعا] # (3397) فصل: ولو ادعى رجلان على رجل أنه رهنهما عبده وقال كل واحد منهما: ~~رهنه عندي دون صاحبي. فأنكرهما جميعا فالقول قوله مع يمينه. وإن أنكر ~~أحدهما، وصدق الآخر، سلم إلى من صدقه، وحلف الآخر. وإن قال: لا أعلم عين ~~المرتهن منهما. حلف على ذلك، والقول قول من هو في يده منهما مع يمينه. وإن ~~كان في أيديهما، حلف كل واحد منهما على نصفه، وصار رهنا عنده. وإن كان في ~~يد غيرهما، أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه، حلف وأخذه، كما لو ادعيا ملكه. ولو ~~قال: رهنته عند أحدهما، ثم رهنته للآخر، ولا أعلم السابق منهما. فكذلك، وإن ~~قال: هذا هو السابق بالعقد والقبض. سلم إليه، وحلف للآخر، وإن نكل والعبد ms2163 ~~في يد الأول، أو يد غيره، فعليه قيمته للثاني، كما لو قال: هذا العبد لزيد، ~~وغصبته من عمرو. فإنه يسلم إلى زيد، ويغرم قيمته لعمرو. وإن نكل والعبد في ~~يد الثاني، أقر في يده، وغرم قيمته للأول؛ لأنه أقر له بعد ما فعل ما حال ~~بينه وبين من أقر له، فلزمته قيمته، كما قلنا. وقال القاضي: إذا اعترف به ~~لغير من هو في يده، فهل يرجع صاحب اليد أو المقر له؟ على وجهين. ولو اعترف ~~لأحدهما وهو في يديهما. ثبتت يد المقر له في النصف، وفي النصف الآخر وجهان. ### | [فصل أذن للراهن في بيع الرهن بعد حلول الحق] # (3398) فصل: إذا أذن للراهن في بيع الرهن بعد حلول الحق، جاز، وتعلق حقه ~~بثمنه. وإن أذن له قبل حلوله مطلقا، فباعه، بطل الرهن، ولم يكن عليه عوضه؛ ~~لأنه أذن له فيما ينافي حقه، فأشبه ما لو أذن في عتقه، وللمالك أخذ ثمنه. ~~وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومحمد: يكون الثمن رهنا؛ لأن الراهن باع ~~الرهن بإذن المرتهن فوجب أن يثبت حقه فيه، كما لو حل الدين. قال الطحاوي: ~~حق المرتهن متعلق بعين الرهن، والثمن بدله، فوجب أن يتعلق به، كما لو ~~أتلفه، متلف. ولنا أنه تصرف يبطل حق المرتهن من عين الرهن لا يملكه ~~المرتهن، فإذا أذن فيه، أسقط حقه، كالعتق، ويخالف ما بعد الحلول، لأن ~~المرتهن يستحق البيع، ويخالف الإتلاف، لأنه غير مأذون فيه من جهة المرتهن. ~~فإن قال: إنما أردت بإطلاق الإذن أن يكون ثمنه رهنا. لم يلتفت إلى دعواه؛ ~~لأن إطلاق الإذن يقتضي بيعا بفسخ الرهن، وبهذا قال الشافعي، وإن أذن فيه ~~بشرط أن يجعل ثمنه مكانه رهنا، أو يعجل له دينه من ثمنه، جاز، ولزم ذلك، ~~وإن اختلفا في الإذن، فالقول قول المرتهن؛ لأنه منكر. وإن أذن في البيع، ~~واختلفا في شرط جعل ثمنه رهنا، أو تعجيل دينه منه، فالقول قول الراهن؛ لأن ~~الأصل عدم الشرط. ويحتمل أن يكون القول قول المرتهن؛ لأن الأصل بقاء ~~الوثيقة. وإن ms2164 أذن الراهن في البيع، # PageV04P302 # ثم رجع قبل البيع، فباعه المرتهن بعد العلم بالرجوع، لم يصح بيعه، وإن ~~باعه بعد الرجوع، وقبل العلم، احتمل وجهين، بناء على عزل الوكيل قبل علمه. ~~فإن اختلفا في الرجوع قبل البيع، فقال القاضي: القول قول المرتهن أيضا؛ لأن ~~الأصل عدم الرجوع، وعدم البيع قبل الرجوع، فتعارض الأصلان، وبقيت العين ~~رهنا على ما كانت. وبهذا كله قال الشافعي. وهذا فيما لا يحتاج إلى بيعه، ~~فأما ما دعت الحاجة إلى بيعه، كالذي خيف تلفه، إذا أذن في بيعه مطلقا، تعلق ~~الحق بثمنه، لأن بيعه مستحق، فأشبه ما بيع بعد حلول الدين. ### | [فصل إذا حل الحق لزم الراهن الإيفاء] # (3399) فصل: إذا حل الحق، لزم الراهن الإيفاء؛ لأنه دين حال، فلزم ~~إيفاؤه، كالذي لا رهن به، فإن لم يوف، وكان قد أذن للمرتهن أو للعدل في بيع ~~الرهن، باعه، ووفى الحق من ثمنه، وما فضل من ثمنه فلمالكه، وإن فضل من ~~الدين شيء فعلى الراهن. وإن لم يكن أذن لهما في بيعه، أو كان قد أذن لهما ~~ثم عزلهما، طولب بالوفاء وبيع الرهن، فإن فعل، وإلا فعل الحاكم ما يرى من ~~حبسه وتعزيره لبيعه، أو يبيعه بنفسه أو أمينه. وبهذا قال الشافعي، وقال أبو ~~حنيفة: لا يبيعه الحاكم، لأن ولاية الحاكم على من عليه الحق، لا على ماله، ~~فلم ينفذ بيعه بغير إذنه. ولنا، أنه حق تعين عليه، فإذا امتنع من أدائه، ~~قام الحاكم مقامه في أدائه كالإيفاء من جنس الدين، وإن وفى الدين من غير ~~الرهن، انفك الرهن. ### | [مسألة المرتهن أحق بثمن الرهن من جميع الغرماء] # (3400) مسألة؛ قال: (والمرتهن أحق بثمن الرهن من جميع الغرماء، حتى ~~يستوفي حقه، حيا كان الراهن أو ميتا) وجملته أنه إذا ضاق مال الراهن عن ~~ديونه، وطالب الغرماء بديونهم، أو حجر عليه لفلسه، وأريد قسمة ماله بين ~~غرمائه، فأول من يقدم من له أرش جناية يتعلق برقبة بعض عبيد المفلس، لما ~~ذكرنا من قبل، ثم من له رهن؛ فإنه يخص بثمنه عن سائر ms2165 الغرماء؛ لأن حقه ~~متعلق بعين الرهن وذمة الراهن معا، وسائرهم يتعلق حقه بالذمة دون العين، ~~فكان حقه أقوى، وهذا من أكثر فوائد الرهن، وهو تقديمه بحقه عند فرض مزاحمة ~~الغرماء، ولا نعلم في هذا خلافا. وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي وغيرهم، ~~فيباع الرهن، فإن كان ثمنه وفق حقه أخذه، وإن كان فيه فضل عن دينه رد ~~الباقي على الغرماء، وإن فضل من دينه شيء أخذ ثمنه، وضرب مع الغرماء ببقية ~~دينه، ثم من بعد ذلك من وجد عين ماله فهو أحق بها، ثم يقسم الباقي بين ~~الغرماء، على قدر ديونهم، ولو كان فيهم من دينه ثابت بجناية المفلس، لم ~~يقدم، وكان أسوة الغرماء؛ لأن أرش جنايته يتعلق بذمته دون ماله، فهو كبقية ~~الديون، بخلاف أرش جناية العبد، فإنها تتعلق برقبة العبد، فلذلك كان أحق به ~~ممن تعلق # PageV04P303 # حقه بمجرد الذمة، ولا فرق في استحقاق ثمن الرهن والاختصاص به بين كون ~~الرهن حيا أو ميتا؛ لأن تقديم حقه من حيث كان حقه متعلقا بعين المال، وهذا ~~المعنى لا يختلف بالحياة والموت، فكذلك ما ثبت به، كأرش الجناية. ### | [فصل باع العدل الرهن وقبض الثمن فتلف وتعذر رده وخرجت السلعة مستحقة] # (3401) فصل: ولو باع شيئا أو باعه وكيله وقبض الثمن، أو باع العدل الرهن ~~وقبض الثمن فتلف، وتعذر رده، وخرجت السلعة مستحقة، ساوى المشتري الغرماء؛ ~~لأن حقه لم يتعلق بعين المال، فهو بمنزلة أرش جناية المفلس. وذكر القاضي ~~احتمالا آخر، أنه يقدم على الغرماء؛ لأنه لم يرض بمجرد الذمة، فكان أولى ~~كالمرتهن، ولأنه لو لم يقدم على الغرماء، لامتنع الناس عن شراء مال المفلس، ~~خوفا من ضياع أموالهم، فتقل الرغبات فيه، ويقل ثمنه، فكان تقديم المشتري ~~بذلك على الغرماء أنفع لهم. وهذا وجه لأصحاب الشافعي، ولنا، أن هذا حق لم ~~يتعلق بعين المال، فلم يقدم، كالذي جنى عليه المفلس، وفارق المرتهن، فإن ~~حقه تعلق بالعين، وما ذكروه من المعنى الأول منتقض بأرش جناية المفلس، ~~والثاني مصلحة لا أصل لها، فلا يثبت الحكم بها. ms2166 فأما إن كان الثمن موجودا، ~~يمكن رده، وجب رده، وينفرد به صاحبه؛ لأن عين ماله لم يتعلق به حق أحد من ~~الناس، وكذلك صاحب السلعة المستحقة يأخذها، ومتى باع العدل مال المفلس، أو ~~باع الرهن وخرجت السلعة مستحقة، فالعهدة، على المفلس، فلا شيء على العدل؛ ~~لأنه أمين. ### | [فصل استأجر دارا أو بعيرا بعينه ثم أفلس المؤجر] # (3402) فصل: ومن استأجر دارا أو بعيرا بعينه، أو شيئا غيرهما بعينه، ثم ~~أفلس المؤجر فالمستأجر أحق بالعين التي استأجرها من الغرماء، حتى يستوفي ~~حقه؛ لأن حقه متعلق بعين المال، والمنفعة مملوكة له في هذه المدة، فكان أحق ~~بها، كما لو اشترى منه شيئا. فإن هلك البعير، أو انهدمت الدار، قبل انقضاء ~~المدة، انفسخت الإجارة، ويضرب مع الغرماء ببقية الأجرة. وإن استأجر جملا في ~~الذمة أو غيره، ثم أفلس المؤجر، فالمستأجر أسوة الغرماء؛ لأن حقه لم يتعلق ~~بالعين. وهذا مذهب الشافعي، ولا نعلم فيه خلافا. فإن آجر دارا ثم أفلس، ~~فاتفق الغرماء والمفلس على البيع قبل انقضاء مدة الإجارة، فلهم ذلك، ~~ويبيعونها مستأجرة، وإن اختلفوا، قدم قول من طلب البيع في الحال؛ لأنه أحوط ~~من التأخير، فإذا استوفى المستأجر يسلم المشتري. وإن اتفقوا على تأخير ~~البيع حتى تنقضي مدة الإجارة، فلهم ذلك؛ لأن الحق لهم، لا يخرج عنهم. ### | [فصل باع سلعة ثم أفلس قبل تقبيضها] # (3403) فصل: ولو باع سلعة، ثم أفلس قبل تقبيضها، فالمشتري أحق بها من ~~الغرماء، سواء كانت من المكيل والموزون أو غيرهما؛ لأن المشتري قد ملكها، ~~وثبت ملكه فيها، فكان أحق # PageV04P304 # بها، كما لو قبضها، ولا فرق بين ما قبل قبض الثمن وما بعده. وإن كان عليه ~~سلم فوجد المسلم الثمن قائما. فهو أحق به؛ لأنه وجد عين ماله، وإن لم يجده، ~~فله أسوة الغرماء؛ لأنه لم يتعلق حقه بعين مال، ولا ثبت ملكه فيه، ويضرب مع ~~الغرماء بالمسلم فيه الذي يستحقه دون الثمن، فيعزل له قدر حقه، فإن كان في ~~المال جنس حقه، أخذ منه بقدر ما يستحقه، وإن لم يكن ms2167 فيه جنس حقه، عزل له ~~بقدر حقه، فيشتري به المسلم فيه، فيأخذه، وليس له أن يأخذ المعزول بعينه؛ ~~لئلا يكون بدلا عما في الذمة من المسلم فيه. ولا يجوز أخذ البدل عن المسلم ~~فيه. وإن أمكن أن يشتري بالمعزول أكثر مما قدر له، لرخص المسلم فيه، اشتري ~~له بقدر حقه، ورد الباقي على الغرماء. مثاله، رجل أفلس وله دينار، وعليه ~~لرجل دينار، ولآخر قفيز حنطة من سلم قيمته دينار. فإنه يقسم دينار المفلس ~~نصفين، لصاحب الدينار نصفه، ويعزل نصفه للمسلم، فإن رخصت الحنطة، فصار قيمة ~~القفيز نصف دينار، تبينا أن حقه مثل نصف حق صاحب الدينار، فلا يستحق من ~~دينار المفلس إلا ثلثه، يشتري له به ثلثا قفيز، فيدفع إليه، ويرد سدس ~~الدينار على الغريم الآخر، فإن غلا المسلم فيه، فصار قيمة القفيز دينارين، ~~تبينا أنه يستحق مثلي ما يستحقه صاحب الدينار، فيكون له من دينار المفلس ~~ثلثاه فيشتري له بالنصف المعزول، ويرجع على الغريم بسدس دينار، يشتري له به ~~أيضا؛ لأن المعزول ملك المفلس، وإنما للمسلم قدر حقه، فإن زاد فللمفلس، وإن ~~نقص فعليه. ### | [فصل رجل عنده رهون كثيرة لا يعرف أصحابها ولا من رهن عنده] # (3404) فصل: قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن رجل عنده رهون كثيرة، لا ~~يعرف أصحابها، ولا من رهن عنده قال: إذا أيست من معرفتهم، ومعرفة ورثتهم، ~~فأرى أن تباع ويتصدق بثمنها، فإن عرف بعد أربابها، خيرهم بين الأجر أو يغرم ~~لهم، هذا الذي أذهب إليه. وقال أبو الحارث عن أحمد في الرهن يكون عنده ~~السنين الكثيرة، يأيس من صاحبه: يبيعه، ويتصدق بالفضل، فظاهر هذا أنه ~~يستوفي حقه. ونقل أبو طالب: لا يستوفي حقه من ثمنه. ولكن إن جاء صاحبها ~~فطلبه، أعطاه إياه، وطلب منه حقه، وأما إن رفع أمره إلى الحاكم، فباعه ~~ووفاه منه حقه، جاز ذلك. # PageV04P305 ### | [كتاب المفلس] # المفلس هو الذي لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته، ولهذا لما قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «أتدرون من المفلس؟ ms2168 قالوا: يا رسول الله، ~~المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من ~~يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، ولطم هذا، وأخذ ~~من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شيء أخذ من ~~سيئاتهم، فرد عليه، ثم صك له صك إلى النار» أخرجه مسلم بمعناه فقولهم ذلك ~~إخبار عن حقيقة المفلس، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - # " ليس ذلك المفلس " تجوز لم يرد به نفي الحقيقة، بل أراد أن فلس الآخرة ~~أشد وأعظم؛ بحيث يصير مفلس الدنيا بالنسبة إليه كالغني. ونحو هذا قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - «ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يغلب نفسه عند ~~الغضب» وقوله: «ليس السابق من سبق بعيره، وإنما السابق من غفر له» وقوله ~~«ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس» ومنه قول الشاعر # ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء # وإنما سمي هذا مفلسا؛ لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال. ~~والمفلس في عرف الفقهاء: من دينه أكثر من ماله، وخرجه أكثر من دخله. وسموه ~~مفلسا وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم. وقد ~~دل عليه تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - مفلس الآخرة، فإنه أخبر أن له ~~حسنات أمثال الجبال، لكنها كانت دون ما عليه، فقسمت بين الغرماء، وبقي لا ~~شيء له. ويجوز أن يكون سمي بذلك لما يئول إليه من عدم ماله بعد وفاء دينه، ~~ويجوز أن يكون سمي بذلك، لأنه يمنع من التصرف في ماله، إلا الشيء التافه ~~الذي لا يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها. ### | [مسألة الأحكام المتعلقة بالمحجور عليه] # (3405) فصل: ومتى لزم الإنسان ديون حالة، لا يفي ماله بها، فسأل غرماؤه ~~الحاكم الحجر عليه، لزمته إجابتهم، ويستحب أن يظهر الحجر عليه لتجتنب ~~معاملته، فإذا حجر عليه ثبت بذلك أربعة أحكام؛ أحدها، تعلق حقوق الغرماء ~~بعين ماله. والثاني، منع تصرفه في عين ماله. ms2169 والثالث، أن من وجد عين ماله ~~عنده فهو أحق بها من سائر الغرماء إذا وجدت الشروط. الرابع، أن للحاكم بيع # PageV04P306 # ماله وإيفاء الغرماء. والأصل في هذا ما روى كعب بن مالك، «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حجر على معاذ بن جبل، وباع ماله.» رواه الخلال ~~بإسناده وعن عبد الرحمن بن كعب، قال: كان معاذ بن جبل من أفضل شباب قومه، ~~ولم يكن يمسك شيئا، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله في الدين، فكلم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - غرماؤه، فلو ترك أحد من أجل أحد لتركوا معاذا من أجل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فباع لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ماله، حتى قام معاذ بغير شيء. قال بعض أهل العلم: إنما لم يترك الغرماء ~~لمعاذ حين كلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنهم كانوا يهودا. ### | [مسألة فلس الحاكم رجلا فأصاب أحد الغرماء عين ماله] # (3406) مسألة؛ قال: (وإذا فلس الحاكم رجلا، فأصاب أحد الغرماء عين ماله، ~~فهو أحق به، إلا أن يشاء تركه، ويكون أسوة الغرماء) وجملته أن المفلس متى ~~حجر عليه، فوجد بعض غرمائه سلعته التي باعه إياها بعينها، بالشروط التي ~~يذكرها، ملك فسخ البيع، وأخذ سلعته. وروي ذلك عن عثمان وعلي، وأبي هريرة. ~~وبه قال عروة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، والعنبري وإسحاق، وأبو ثور وابن ~~المنذر. وقال الحسن والنخعي، وابن شبرمة، وأبو حنيفة: هو أسوة الغرماء؛ لأن ~~البائع كان له حق الإمساك لقبض الثمن، فلما سلمه أسقط حقه من الإمساك، فلم ~~يكن له أن يرجع في ذلك بالإفلاس، كالمرتهن إذا سلم الرهن إلى الراهن. ولأنه ~~ساوى الغرماء في سبب الاستحقاق، فيساويهم في الاستحقاق، كسائرهم. ولنا ما ~~روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أدرك متاعه بعينه ~~عند إنسان قد أفلس فهو أحق به» . متفق عليه. # قال أحمد: لو أن حاكما حكم أنه أسوة الغرماء، ثم رفع إلى رجل يرى العمل ~~بالحديث، جاز له نقض حكمه، ولأن هذا العقد يلحقه الفسخ ms2170 بالإقالة، فجاز فيه ~~الفسخ؛ لتعذر العوض، كالمسلم فيه إذا تعذر. ولأنه إذا شرط في البيع رهنا، ~~فعجز عن تسليمه، استحق الفسخ، وهو وثيقة بالثمن، فالعجز عن تسليم الثمن ~~بنفسه أولى. ويفارق المبيع الرهن؛ فإن إمساك الرهن إمساك مجرد على سبيل ~~الوثيقة، وليس ببدل، والثمن هاهنا بدل عن العين، فإذا تعذر استيفاؤه، رجع ~~إلى المبدل. وقولهم: تساووا في سبب الاستحقاق. قلنا: لكن اختلفوا في الشرط، ~~فإن بقاء العين شرط لملك الفسخ، وهي موجودة في حق من وجد متاعه دون من لم ~~يجده. إذا ثبت هذا، فإن البائع بالخيار، إن شاء رجع في السلعة، وإن شاء لم ~~يرجع، وكان أسوة الغرماء، وسواء كانت السلعة مساوية لثمنها أو أقل أو أكثر؛ ~~لأن الإعسار سبب يثبت جواز الفسخ، فلا يوجبه، كالعيب والخيار، # PageV04P307 # ولا يفتقر الفسخ إلى حكم حاكم لأنه فسخ ثبت بالنص، فلم يفتقر إلى حكم ~~حاكم، كفسخ النكاح لعتق الأمة. ### | [فصل خيار الرجوع على الفور أو على التراخي] # (3407) فصل: وهل خيار الرجوع على الفور، أو على التراخي؟ على وجهين، بناء ~~على خيار الرد بالعيب، وفي ذلك روايتان؛ إحداهما، هو على التراخي؛ لأنه حق ~~رجوع يسقط إلى عوض، فكان على التراخي، كالرجوع في الهبة. والثاني، هو على ~~الفور؛ لأنه خيار يثبت في البيع لنقص في العوض، فكان على الفور، كالرد ~~بالعيب. ولأن جواز تأخيره يفضي إلى الضرر بالغرماء، لإفضائه إلى تأخير ~~حقوقهم، فأشبه خيار الأخذ بالشفعة. ونصر القاضي هذا الوجه، ولأصحاب الشافعي ~~وجهان كهذين. ### | [فصل بذل الغرماء الثمن لصاحب السلعة ليتركها] # (3408) فصل: فإن بذل الغرماء الثمن لصاحب السلعة ليتركها، لم يلزمه ~~قبوله. نص عليه أحمد، وبه قال الشافعي، وقال مالك: ليس له الرجوع؛ لأن ~~الرجوع إنما يجوز لدفع ما يلحقه من النقص في الثمن، فإذا بذل بكماله، لم ~~يكن له الرجوع، كما لو زال العيب من المعيب. ولنا، الخبر الذي رويناه، ~~ولأنه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه، فلم يجبر صاحب الحق على قبضه، كما ~~لو أعسر الزوج بالنفقة، فبذلها غيره، أو ms2171 عجز المكاتب، فبذل غيره ما عليه ~~لسيده، وبهذا ينتقض ما ذكروه، وسواء بذلوه من أموالهم أو خصوه بثمنه من ~~التركة، وفي هذا القسم ضرر آخر؛ لأنه لا يأمن تجدد ثبوت دين آخر، فيرجع ~~عليه، وإن دفعوا إلى المفلس الثمن، فبذله للبائع، لم يكن له الفسخ؛ لأنه ~~زال العجز عن تسليم الثمن، فزال ملك الفسخ، كما لو أسقط سائر الغرماء ~~حقوقهم عنه، فملك أداء الثمن. ولو أسقط الغرماء حقوقهم عنه، فتمكن من ~~الأداء، أو وهب له مال. فأمكنه الأداء منه، أو غلت أعيان ماله، فصارت ~~قيمتها وافية بحقوق الغرماء، بحيث يمكنه أداء الثمن كله، لم يكن للبائع ~~الفسخ؛ لزوال سببه، ولأنه أمكنه الوصول إلى ثمن سلعته من المشتري، فلم يكن ~~له الفسخ، كما لو لم يفلس. ### | [فصل اشترى المفلس سلعة بعد الحجر عليه] # (3409) فصل: فإن اشترى المفلس من إنسان سلعة بعد ثبوت الحجر عليه في ~~ذمته، لم يكن له الفسخ؛ لتعذر الاستيفاء، سواء علم أو لم يعلم. ولأنه لا ~~يستحق المطالبة بثمنها، فلا يستحق الفسخ لتعذره، كما لو كان ثمنها مؤجلا. ~~ولأن العالم بالعيب دخل على بصيرة بخراب الذمة، فأشبه من اشترى معيبا يعلم ~~عيبه. وفيه وجه آخر، أن له الخيار؛ لعموم الخبر، ولأنه عقد عليه وقت الفسخ، ~~فلم يسقط حقه من الفسخ، كما لو تزوجت امرأة فقيرا معسرا بنفقتها # وفيه وجه ثالث، إن باعه عالما بفلسه فلا فسخ له، وإن لم يعلم فله الفسخ، ~~كمشتري المعيب. ويفارق المعسر بالنفقة؛ لكون النفقة يتجدد # PageV04P308 # وجوبها كل يوم، فالرضى بالمعسر بها رضى بعيب ما لم يجب، بخلاف مسألتنا، ~~وإنما يشبه هذا إذا تزوجته معسرا بالصداق وسلمت نفسها إليه، ثم أرادت ~~الفسخ. ### | [فصل استأجر أرضا ليزرعها فأفلس] # (3410) فصل: ومن استأجر أرضا ليزرعها، فأفلس قبل مضي شيء من المدة ~~فللمؤجر فسخ الإجارة؛ لأنه وجد عين ماله، وإن كان بعد انقضاء المدة، فهو ~~غريم بالأجرة. وإن كان بعد مضي بعضها، لم يملك الفسخ في قياس قولنا في ~~المبيع إذا تلف بعضه، فإن المدة هاهنا كالمبيع، ومضي ms2172 بعضها كتلف بعضه، لكن ~~يعتبر مضي مدة لمثلها أجرة؛ لأنه لا يمكن التحرز عن مضي جزء منها بحال # وقال القاضي، في موضع آخر: من اكترى أرضا فزرعها، ثم أفلس، ففسخ صاحب ~~الأرض، فعليه تبقية زرع المفلس إلى حين الحصاد بأجر مثله؛ لأن المعقود عليه ~~المنفعة، فإذا فسخ العقد، فسخه فيما ملك عليه بالعقد، وقد تعذر ردها عليه، ~~فكان عليه عوضها، كما لو فسخ البيع بعد أن أتلف المبيع، فله قيمته، ويضرب ~~بذلك مع الغرماء، كذا هاهنا، ويضرب مع الغرماء بأجر المثل دون المسمى # وهذا مذهب الشافعي، وهذا لا يقتضيه مذهبنا، ولا يشهد لصحته الخبر، ولا ~~يصح في النظر؛ أما الخبر، فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال: «من ~~أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به» . وهذا ما أدرك متاعه ~~بعينه، ولا هو أحق به بالإجماع، فإنهم وافقوا على وجوب تبقيتها، وعدم ~~الرجوع في عينها، ولأن معنى قوله: # (من أدرك متاعه بعينه) # أي على وجه يمكنه أخذه، لا يتعلق حقه بعينه، وليس هذا كذلك. وأما النظر ~~فلأن البائع إنما كان أحق بعين ماله؛ لتعلق حقه بالعين، وإمكان رد ماله ~~إليه بعينه، فيرجع على من تعلق حقه بمجرد الذمة، وهذا لم يتعلق حقه بالعين، ~~ولا أمكن ردها إليه، وإنما صار فائدة الرجوع الضرب بالقيمة دون المسمى، ~~وليس هذا هو المقتضى في محل النص، ولا هو في معناه، فإثبات الحكم به تحكم ~~بغير دليل # ولو اكترى رجلا يحمل له متاعا إلى بلد، ثم أفلس المكتري قبل حمل شيء، ~~فللمكتري الفسخ. وإن حمل البعض، أو بعض المسافة فقياس المذهب ليس له الفسخ، ~~وقياس قول القاضي: له ذلك. فإذا فسخ سقط عنه حمل ما بقي، وضرب مع الغرماء ~~بقسط ما حمل من الأجر المسمى # وعلى قياس قول القاضي: ينفسخ العقد في الجميع، ويضرب بقسط ما حمل من أجر ~~المثل؛ لما ذكرنا من قوله في المسألة التي حكينا قوله فيها. ### | [فصل أقرض رجلا مالا ثم أفلس المقترض] # (3411) فصل: فإن أقرض رجلا مالا، ms2173 ثم أفلس المقترض، وعين المال قائم، فله ~~الرجوع فيها؛ لقوله - عليه السلام -: «من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد ~~أفلس، فهو أحق به» . # ولأنه غريم وجد عين ماله، فكان له أخذها، كالبائع. وإن أصدق امرأة له ~~عينا، ثم انفسخ نكاحها بسبب من جهتها # PageV04P309 # يسقط صداقها، أو طلقها قبل دخوله بها، فاستحق الرجوع في نصفه، وقد أفلست ~~ووجد عين ماله، فهو أحق بها؛ لما ذكرنا. ### | [مسألة البائع يستحق الرجوع في السلعة بخمس شرائط] # (3412) مسألة؛ قال: (فإن كانت السلعة قد تلف بعضها، أو مزيدة بما لا ~~تنفصل زيادتها، أو نقد بعض ثمنها، كان البائع فيها كأسوة الغرماء) وجملة ~~ذلك أن البائع إنما يستحق الرجوع في السلعة بخمس شرائط؛ أحدها، أن تكون ~~السلعة باقية بعينها، لم يتلف بعضها، فإن تلف جزء منها كبعض أطراف العبد، ~~أو ذهبت عينه، أو تلف بعض الثوب، أو انهدم بعض الدار، أو اشترى شجرا مثمرا ~~لم تظهر ثمرته، فتلفت الثمرة، أو نحو هذا، لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوة ~~الغرماء # وبهذا قال إسحاق. وقال مالك، والأوزاعي والشافعي، والعنبري: له الرجوع في ~~الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف؛ لأنها عين يملك الرجوع في جميعها، ~~فملك الرجوع في بعضها، كالذي له الخيار، وكالأب فيما وهب لولده # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك متاعه بعينه عند إنسان ~~قد أفلس، فهو أحق به» . فشرط أن يجده بعينه، ولم يجده بعينه. ولأنه إذا ~~أدركه بعينه، حصل له بالرجوع فصل الخصومة، وانقطاع ما بينهما من المعاملة، ~~بخلاف ما إذا وجد بعضه. ولا فرق بين أن يرضى بالموجود بجميع الثمن، أو ~~يأخذه بقسطه من الثمن؛ لأنه فات شرط الرجوع # وإن كان المبيع عينين، كعبدين، أو ثوبين تلف أحدهما، أو بعض أحدهما، ففي ~~جواز الرجوع في الباقي منهما روايتان؛ إحداهما، لا يرجع. نقلها أبو طالب، ~~عن أحمد، قال: لا يرجع ببقية العين، ويكون أسوة الغرماء؛ لأنه لم يجد ~~المبيع بعينه، فأشبه ما لو كان عينا واحدة. ولأن بعض المبيع تالف، فلم يملك ~~الرجوع، ms2174 كما لو قطعت يد العبد # ونقل الحسن بن ثواب عن أحمد، إن كان ثوبا واحدا، فتلف بعضه، فهو أسوة ~~الغرماء، وإن كان رزما، فتلف بعضها، فإنه يأخذ بقيمتها إذا كان بعينه؛ لأن ~~السالم من المبيع وجده البائع بعينه، فيدخل في عموم قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس. فهو أحق به» . # ولأنه مبيع، وجده بعينه، فكان للبائع الرجوع فيه، كما لو كان جميع ~~المبيع. ### | [فصل باع بعض المبيع أو وهبه أو وقفه] # (3413) فصل: وإن باع بعض المبيع، أو وهبه، أو وقفه، فهو بمنزلة تلفه؛ لأن ~~البائع ما أدرك ماله بعينه. ### | [فصل نقصت مالية المبيع لذهاب صفة مع بقاء عينه] # (3414) فصل: وإن نقصت مالية المبيع، لذهاب صفة مع بقاء عينه، كعبد هزل، ~~أو نسي صناعة أو كتابة، أو كبر، أو مرض، أو تغير عقله، أو كان ثوبا فخلق، ~~لم يمنع الرجوع؛ لأن فقد # PageV04P310 # الصفة لا يخرجه عن كونه عين ماله، لكنه يتخير بين أخذه ناقصا بجميع حقه، ~~وبين أن يضرب مع الغرماء بكمال؛ ثمنه؛ لأن الثمن لا يتقسط على صفة السلعة ~~من سمن، أو هزال، أو علم، أو نحوه، فيصير كنقصه لتغير الأسعار # ولو كان المبيع أمة ثيبا، فوطئها المشتري، ولم تحمل، فله الرجوع فيها؛ ~~لما ذكرنا، فإنها لم تنقص في ذات ولا في صفات. وإن كانت بكرا، فقال القاضي: ~~له الرجوع؛ لأنه فقد صفة، فإنه لم يذهب منها جزء، وإنما هو كالجراح. وقال ~~أبو بكر: ليس له الرجوع؛ لأنه أذهب منها جزءا، فأشبه ما لو فقأ عينها. وإن ~~وجد الوطء من غير المفلس، فهو كوطء المفلس، فيما ذكرنا. ### | [فصل جرح العبد المبيع أو شج] # (3415) فصل: وإن جرح العبد أو شج، فعلى قول أبي بكر: لا يرجع؛ لأنه ذهب ~~جزء ينقص به الثمن، فأشبه ما لو فقئت عين العبد؛ لأنه ذهب من العين جزء له ~~بدل فمنع الرجوع، كما لو قطعت يد العبد، ولأنه لو نقص صفة مجردة، لم يكن ~~للبائع من الرجوع فيها شيء ms2175 سواه، كما ذكرنا في هزال العبد، ونسيان الصنعة، ~~وهاهنا بخلافه، ولأن الرجوع في المحل المنصوص عليه يقطع النزاع، ويزيل ~~المعاملة بينهما، فلا يثبت في محل لا يحصل به هذا المقصود # وقال القاضي: قياس المذهب أن له الرجوع؛ لأنه فقد صفة، فأشبه نسيان ~~الصنعة، واستخلاق الثوب. فإذا رجع، نظرنا في الجرح، فإن كان مما لا أرش له، ~~كالحاصل بفعل الله تعالى، أو فعل بهيمة، أو جناية المفلس، أو جناية عبده، ~~أو جناية العبد على نفسه، فليس له مع الرجوع أرش. وإن كان الجرح موجبا لأرش ~~كجناية الأجنبي، فللبائع إذا رجع أن يضرب مع الغرماء بحصة ما نقص من الثمن، ~~فينظر كم نقص من قيمته، فيرجع بقسط ذلك من الثمن؛ لأنه مضمون على المشتري ~~للبائع بالثمن # فإن قيل: فهلا جعلتم له الأرش الذي وجب على الأجنبي؛ لأنه لو لم يجب به ~~أرش لم يرجع بشيء، فلا يجوز أن يرجع بأكثر من الأرش. قلنا: لما أتلفه ~~الأجنبي، صار مضمونا بإتلافه للمفلس، فكان بالأرش له وهو مضمون على المفلس ~~للبائع بالثمن، فلا يجوز أن يضمنه بالأرش، وإذا لم يتلفه أجنبي، فلم يكن ~~مضمونا، فلم يجب بفواته شيء. فإن قيل: فهلا كان هذا الأرش للمشتري ككسبه، ~~لا يضمنه للبائع # قلنا: الكسب بدل منافعه، ومنافعه مملوكة للمشتري بغير عوض، وهذا بدل جزء ~~من العين، والعين جميعها مضمونة بالعوض، فلهذا ضمن ذلك للمشتري. ### | [فصل اشترى زيتا فخلطه بزيت آخر أو قمحا فخلطه بما لا يمكن منه] # (3416) فصل: فإن اشترى زيتا، فخلطه بزيت آخر، أو قمحا، فخلطه بما لا يمكن ~~تمييزه منه، سقط حق الرجوع. وقال مالك: يأخذ زيته. وقال الشافعي: إن خلطه ~~بمثله أو دونه، لم يسقط الرجوع، وله أن يأخذ متاعه بالكيل أو الوزن، وإن ~~خلطه بأجود منه، ففيه قولان؛ # PageV04P311 # أحدهما، يسقط حقه من العين # قال الشافعي: وبه أقول. واحتجوا بأن عين ماله موجودة من طريق الحكم، فكان ~~له الرجوع كما لو كانت منفردة، ولأنه ليس فيه أكثر من اختلاط ماله بغيره، ~~فلم يمنع الرجوع، كما ms2176 لو اشترى ثوبا فصبغه، أو سويقا فلته # ولنا، أنه لم يجد عين ماله، فلم يكن له الرجوع، كما لو تلفت، ولأن ما ~~يأخذه من غير عين ماله، إنما يأخذه عوضا عن ماله، فلم يختص به دون الغرماء، ~~كما لو تلف ماله. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك متاعه ~~بعينه» . # أي من قدر عليه، وتمكن من أخذه من المفلس؛ بدليل ما لو وجده بعد زوال ملك ~~المفلس، أو كانت مسامير قد سمر بها بابا، أو حجرا قد بني عليه، أو خشبا في ~~سقفه، أو أمة استولدها، وهذا إذا أخذ كيله أو قيمته إنما يأخذ عوض ماله، ~~فهو كالثمن والقيمة. وفارق المصبوغ، فإن عينه يمكنه أخذها، والسويق كذلك، ~~فاختلفا. ### | [فصل اشترى شيئا فعمل به ما أزال اسمه] # (3417) فصل: وإن اشترى حنطة فطحنها أو زرعها، أو دقيقا فخبزه، أو زيتا ~~فعمله صابونا، أو ثوبا فقطعه قميصا، أو غزلا فنسجه ثوبا، أو خشبا فنجره ~~أبوابا، أو شريطا فعمله إبرا، أو شيئا فعمل به ما أزال اسمه، سقط حق ~~الرجوع. وقال الشافعي: فيه قولان؛ أحدهما، به أقول، يأخذ عين ماله، ويعطي ~~قيمة عمل المفلس فيها؛ لأن عين ماله موجودة، وإنما تغير اسمها، فأشبه ما لو ~~كان المبيع حملا فصار كبشا، أو وديا فصار نخلا # ولنا، أنه لم يجد متاعه بعينه، فلم يكن له الرجوع، كما لو تلف، ولأنه غير ~~اسمه وصفته، فلم يملك الرجوع، كما لو كان نوى فنبت شجرا. والأصل الذي قاسوا ~~عليه ممنوع، وإن سلم، فإنه لم يتغير اسمه، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل اشترى حبا فصار زرعا أو زرعا فصار حبا] # (3418) فصل: وإن كان حبا فصار زرعا، أو زرعا فصار حبا، أو نوى فنبت شجرا، ~~أو بيضا فصار فراخا # ، سقط حق الرجوع. وقال القاضي: لا يسقط. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي ~~المنصوص عليه منهما؛ لأن الزرع نفس الحب، والفرخ نفس البيضة # ولنا، أنه لم يجد عين ماله، فلم يرجع، كما لو أتلفه متلف فأخذ قيمته. ~~ولأن الحب أعيان ابتدأها الله تعالى، لم ms2177 تكن موجودة عند البيع، وكذلك أعيان ~~الزرع والفرخ. ولو استأجر أرضا، واشترى بذرا وماء، فزرع، وسقى، واستحصد، ~~وأفلس، فالمؤجر وبائع البذر والماء غرماء، لا حق لهم # PageV04P312 # في الرجوع؛ لأنهم لم يجدوا أعيان أموالهم. وعلى قول من قال: له الرجوع في ~~الزرع. يكون عليه غرامة الأجرة وثمن الماء، أو قيمة ذلك. ### | [فصل اشترى ثوبا فصبغه أو سويقا فلته بزيت] # (3419) فصل: وإن اشترى ثوبا فصبغه، أو سويقا فلته بزيت، فقال أصحابنا: ~~لبائع الثوب والسويق الرجوع في أعيان أموالهما # وهو مذهب الشافعي؛ لأن عين مالهما قائمة مشاهدة، ما تغير اسمها، ويكون ~~المفلس شريكا لصاحب الثوب والسويق بما زاد عن قيمتهما. فإن حصل زيادة، فهي ~~له، وإن حصل نقص، فعليه. وإن نقصت قيمة الثوب أو السويق، فإن شاء البائع ~~أخذهما ناقصين، ولا شيء له، وإن شاء تركهما، وله أسوة الغرماء؛ لأن هذا نقص ~~صفة، فهو كالهزال. ويحتمل أن لا يكون له الرجوع إذا زادت القيمة؛ لأنه اتصل ~~بالمبيع زيادة للمفلس، فمنعت الرجوع، كما لو سمن العبد، ولأن الرجوع هاهنا ~~لا يتخلص به البائع من المفلس، ولا يحصل به المقصود من قطع المنازعة، ~~وإزالة المعاملة، بل يحصل به ضرر الشركة، فلم يكن في معنى المنصوص عليه، ~~فلا يمكن إلحاقه به. ### | [فصل اشترى صبغا فصبغ به ثوبا أو زيتا فلت به سويقا] # (3420) فصل: وإن اشترى صبغا فصبغ به ثوبا، أو زيتا فلت به سويقا، ~~فبائعهما أسوة الغرماء. وقال أصحاب الشافعي: له الرجوع؛ لأنه وجد عين ماله. ~~قالوا: ولو اشترى ثوبا وصبغا، وصبغ الثوب بالصبغ، رجع بائع كل شيء في عين ~~ماله، وكان بائع الصبغ شريكا لبائع الثوب. وإن حصل نقص، فهو من صاحب الصبغ؛ ~~لأنه الذي يتفرق وينقص والثوب بحاله، فإذا كانت قيمة الثوب عشرة، وقيمة ~~الصبغ خمسة، فصارت قيمتهما اثنا عشر، كان لصاحب الثوب خمسة أسداسه، وللآخر ~~سدسه، ويضرب مع الغرماء بما نقص، وذلك ثلاثة دراهم # وذكر القاضي مثل هذا في موضع. ولنا، أنه لم يجد عين ماله، فلم يكن له ~~الرجوع، كما لو تلف، ms2178 ولأن المشتري شغله بغيره على وجه البيع، فلم يملك ~~بائعه الرجوع فيه، كما لو كان حجرا بني عليه، أو مسامير سمر بها بابا. ولو ~~اشترى ثوبا وصبغا من واحد، فصبغه به، فقال أصحابنا: لا فرق بين ذلك وبين ~~كون الصبغ من غير بائع الثوب. فعلى قولهم يرجع في الثوب وحده، ويكون المفلس ~~شريكا له بزيادة الصبغ، ويضرب مع الغرماء بثمن الصبغ # ويحتمل أن يرجع فيهما هاهنا؛ لأنه وجد عين ماله متميزا عن غيره، فكان له ~~الرجوع فيه، للخبر، ولأن المعنى في المحل الذي يثبت فيه الرجوع موجود ~~هاهنا، فيملك الرجوع به، كما يملكه ثم، ولو أنه اشترى رفوفا ومسامير من رجل ~~واحد، فسمرها بها، رجع بائعهما فيهما كذلك، وكذلك ما أشبهه. ### | [فصل اشترى ثوبا فقصره] # (3421) فصل: إذا اشترى ثوبا فقصره، لم يخل من حالين؛ # PageV04P313 # أحدهما، أن لا تزيد قيمته بذلك، فللبائع الرجوع فيه؛ لأن عين ماله قائمة ~~لم يزل اسمها، ولم يتلف بعضها ولا اتصلت بغيرها، فكان له الرجوع فيها، كما ~~لو علم العبد صناعة لم تزد قيمته بها. وسواء نقصت قيمته بذلك أو لم تنقص؛ ~~لأن ذلك النقص نقص صفة، فلا يمنع الرجوع، كنسيان صناعة، وهزال العبد، ولا ~~شيء له مع الرجوع # الثاني، أن تزيد قيمته بذلك، فليس للبائع الرجوع، على قياس قول الخرقي؛ ~~لأن الثوب زاد زيادة لا تتميز فلم يملك البائع الرجوع فيه، كما لو سمن ~~العبد، ولأنه لم يجد عين ماله متميزة عن غيرها، فلم يملك الرجوع، كبائع ~~الصبغ إذا صبغ به، والزيت إذا لت به سويق. وقال القاضي وأصحابه. له الرجوع ~~فيها، لأنه أدرك متاعه بعينه، ولأنه وجد عين ماله لم يتغير اسمها ولا ذهبت ~~عينها، فملك الرجوع فيها، كما لو صبغها # فعلى قولهم إن كانت القصارة بعمل المفلس، أو بأجرة وفاها، فهما شريكان في ~~الثوب، فإذا كانت قيمة الثوب خمسة، فصار يساوي ستة، فللمفلس سدسه، ولبائعه ~~خمسة أسداسه، فإن اختار البائع دفع قيمة الزيادة إلى المفلس، لزمه قبولها؛ ~~لأنه يتخلص بذلك من ضرر الشركة ms2179 من غير مضرة تلحقه، فأشبه ما لو دفع الشفيع ~~قيمة البناء إلى المشتري. وإن لم يختر بيع الثوب، وأخذ كل واحد منهما بقدر ~~حقه. وإن كان العمل من صانع لم يستوف أجره، فله حبس الثوب على استيفاء أجره # فإن كانت الزيادة بقدر الأجر، دفعت إليه، وإن كانت أقل، فله حبس الثوب ~~على استيفاء قدر الزيادة، ويضرب مع الغرماء بما بقي، وإن كانت أكثر، مثل أن ~~تكون الزيادة درهمين، والآخر درهم، فله قدر أجره، وما فضل للغرماء. ### | [فصل المبيع زاد زيادة متصلة] # (3422) فصل: الشرط الثاني، أن لا يكون المبيع زاد زيادة متصلة، كالسمن، ~~والكبر، وتعلم الصناعة أو الكتابة أو القرآن. # ونحو ذلك. واختلف المذهب في هذا، فذهب الخرقي إلى أنها تمنع الرجوع. وروى ~~الميموني، عن أحمد، أنها لا تمنع. وهو مذهب مالك، والشافعي، إلا أن مالكا ~~يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة أو ثمنها الذي باعها به. واحتجوا بالخبر، ~~وبأنه فسخ لا تمنع منه الزيادة المنفصلة، فلا تمنعه المتصلة، كالرد بالعيب، ~~وفارق الطلاق، فإنه ليس بفسخ، ولأن الزوج يمكنه الرجوع في قيمة العين، فيصل ~~إلى حقه تاما. وهاهنا لا يمكنه الرجوع في الثمن # ولنا، أنه فسخ بسبب حادث، فلم يملك به الرجوع في عين المال الزائدة زيادة ~~متصلة، كفسخ النكاح بالإعسار أو الرضاع، ولأنها زيادة في ملك المفلس، فلم ~~يستحق البائع أخذها، كالمنفصلة، وكالحاصلة بفعله، ولأن النماء لم يصل إليه ~~من البائع، فلم يستحق أخذه منه، كغيره من أمواله، وفارق الرد بالعيب ~~لوجهين؛ # PageV04P314 # أحدهما، أن الفسخ فيه من المشتري، فهو راض بإسقاط حقه من الزيادة، وتركها ~~للبائع، بخلاف مسألتنا # والثاني، أن الفسخ ثم لمعنى قارن العقد، وهو العيب القديم، والفسخ هاهنا ~~لسبب حادث، فهو أشبه بفسخ النكاح الذي لا يستحق به استرجاع العين الزائدة. ~~وقولهم: إن الزوج إنما لم يرجع في العين لكونه يندفع عنه الضرر بالقيمة - ~~لا يصح؛ فإن اندفاع الضرر عنه بطريق آخر لا يمنعه من أخذ حقه من العين، ولو ~~كان مستحقا للزيادة لم يسقط حقه منها بالقدرة ms2180 على أخذ القيمة، كمشتري ~~المعيب # ثم كان ينبغي أن يأخذ قيمة العين زائدة؛ لكون الزيادة مستحقة، فلما لم ~~يكن كذلك، علم أن المانع من الرجوع كون الزيادة للمرأة، وأنه لا يمكن ~~فصلها، فكذلك هاهنا، بل أولى؛ فإن الزيادة يتعلق بها حق المفلس والغرماء، ~~فمنع المشتري من أخذ زيادة ليست له، أولى من تفويتها على الغرماء الذين لم ~~يصلوا إلى تمام ديونهم، والمفلس المحتاج إلى تبرئة ذمته عند اشتداد حاجته # (3423) فصل: وأما الخبر فمحمول على من وجد متاعه على صفته، ليس بزائد، ~~ولم يتعلق به حق آخر، وهاهنا قد تعلقت به حقوق الغرماء، لما فيه من ~~الزيادة، لما ذكرنا من الدليل، يحققه أنه إذا كان تلف بعض المبيع مانعا من ~~الرجوع من غير ضرر يلحق بالمفلس، ولا بالغرماء، فلأن يمنع الزيادة فيه مع ~~تفويتها بالرجوع عليهم أولى، ولأنه إذا رجع في الناقص، فما رجع إلا فيما ~~باعه وخرج منه، وإذا رجع في الزائد، أخذ ما لم يبعه، واسترجع ما لم يخرج ~~عنه، فكان بالمنع أحق. ### | [فصل المبيع زاد زيادة منفصلة] # (3424) فصل: فأما الزيادة المنفصلة، كالولد والثمرة والكسب # ، فلا تمنع الرجوع. بغير خلاف بين أصحابنا، وهو قول مالك، والشافعي. ~~وسواء نقص بها المبيع أو لم ينقص، إذا كان نقص صفة، والزيادة للمفلس. هذا ~~ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه منع الرجوع بالزيادة المتصلة، لكونها للمفلس، ~~فالمنفصلة أولى. وهذا قول ابن حامد والقاضي، ومذهب الشافعي، وهو الصحيح إن ~~شاء الله تعالى # وقال أبو بكر: الزيادة للبائع. وهو مذهب مالك. ونقل حنبل عن أحمد، في ولد ~~الجارية، ونتاج الدابة: هو للبائع؛ لأنها زيادة، فكانت للبائع كالمتصلة. ~~ولنا، أنها زيادة انفصلت في ملك المشتري فكانت له، كما لو رده بعيب، ولأنه ~~فسخ استحق به استرجاع العين، فلم يستحق أخذ الزيادة المنفصلة، كفسخ البيع ~~بالعيب أو الخيار أو الإقالة، وفسخ النكاح بسبب من أسباب الفسخ، وقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «الخراج بالضمان» . يدل على أن النماء والغلة ~~للمشتري لكون الضمان عليه، وأما الزيادة المتصلة، فقد دللنا على ms2181 أنها ~~للمفلس أيضا، وفي ذلك تنبيه على كون المنفصلة له # ثم لو سلمنا ثم، فالفرق ظاهر، فإن المتصلة تتبع في الفسوخ والرد بالعيب، ~~بخلاف المنفصلة، ولا ينبغي أن يقع في هذا اختلاف لظهوره، وكلام أحمد، في ~~رواية حنبل، # PageV04P315 # يحمل على أنه باعهما في حال حملهما، فيكونان مبيعين، ولهذا خص هذين ~~بالذكر دون بقية النماء. ### | [فصل اشترى أمة حاملا ثم أفلس] # (3425) فصل: ولو اشترى أمة حاملا، ثم أفلس وهي حامل، فله الرجوع فيها، ~~إلا أن يكون الحمل قد زاد بكبره، وكثرت قيمتها من أجله، فيكون من قبيل ~~الزائد زيادة متصلة، على ما مضى. وإن أفلس بعد وضعها، فقال القاضي: له ~~الرجوع فيهما بكل حال، من غير تفصيل. والصحيح أننا إن قلنا: إن الحمل لا ~~حكم له. فالولد زيادة منفصلة، فعلى قول أبي بكر، لا يمنع الرجوع فيهما، ~~وعلى قول غيره، يكون الولد للمفلس، فيحتمل أن يمنع الرجوع في الأم؛ لئلا ~~يفضي إلى التفريق بين الأم وولدها، ويحتمل أن يرجع في الأم، ويدفع قيمة ~~الولد؛ ليكونا جميعا. له، وإن لم يفعل، بيعت الأم وولدها جميعا، وقسم الثمن ~~على قدر قيمتهما، فما خص الأم فهو للبائع، وما خص الولد كان للمفلس # وإن قلنا إن للولد حكما. وهو الصحيح؛ لما ذكرناه فيما تقدم، فإن كانت ~~الأم والولد قد زادا بالوضع، فحكمهما حكم المبيع الزائد زيادة متصلة. وإن ~~لم يزيدا، جاز الرجوع فيهما. وإن زاد أحدهما دون الآخر، خرج على الروايتين ~~فيما إذا كان المبيع عينين فتلف بعض أحدهما، فهل يمنع ذلك الرجوع في الأخرى ~~كذلك؟ يخرج هاهنا وجهان؛ أحدهما، أنه له الرجوع فيما لم يزد، دون ما زاد، ~~فيكون حكمه كحكم الرجوع في الأم دون الولد، على ما فصلناه # الثاني، ليس له الرجوع في شيء منهما؛ لأنه لم يجد المبيع إلا زائدا، ~~فامتنع عليه الرجوع، كالعين الواحدة. وإن كان المبيع حيوانا غير الأمة، ~~فحكمه حكمها، إلا في أن التفريق بينها وبين ولدها جائز، والأمة بخلاف ذلك. ### | [فصل اشترى حائلا فحملت ثم أفلس وهي حامل ms2182 فزادت قيمتها به] # (3426) فصل: وإن اشترى حائلا، فحملت، ثم أفلس وهي حامل، فزادت قيمتها به، ~~فهي زيادة متصلة تمنع الرجوع، على قول الخرقي، ولا تمنعه، على رواية ~~الميموني، وإن أفلس بعد وضعها، فهي زيادة منفصلة، فتكون للمفلس، على ~~الصحيح. ويمتنع الرجوع في الأم دون ولدها؛ لما فيه من التفريق بينهما. وهذا ~~أحد قولي الشافعي. ويحتمل أن يرجع في الأم، على ما ذكرنا في التي قبلها # وعلى قول أبي بكر، الزيادة للبائع، فيكون له الرجوع فيهما. وقال القاضي: ~~إذا وجدنا حاملا، انبنى على أن الحمل هل له حكم أو لا؟ فإن قلنا: لا حكم ~~له. جرى مجرى الزيادة المتصلة. وإن قلنا: له حكم. فالولد في حكم المنفصل، ~~يتربص به حتى تضع، ويكون الحكم فيه كما لو وجده بعد وضعه. وإن كان الحمل في ~~غير الآدمية، جاز التفريق بينهما، كما تقدم. # PageV04P316 ### | [فصل كان المبيع نخلا أو شجرا فأفلس المشتري] # (3427) فصل: إذا كان المبيع نخلا أو شجرا، فأفلس المشتري، لم يخل من ~~أربعة أحوال: أحدها، أن يفلس وهي بحالها، لم تزد ولم تثمر ولم يتلف بعضها، ~~فله الرجوع فيها. الثاني، أن يكون فيها ثمر ظاهر، أو طلع مؤبر، ويشترطه ~~المشتري، فيأكله، أو يتصرف فيه، أو يذهب بجائحة، ثم يفلس، فهذا في حكم ما ~~لو اشترى عينين فتلفت إحداهما، ثم أفلس، فهل للبائع الرجوع في الأصول، ~~ويضرب مع الغرماء بحصة التالف من الثمر؟ على روايتين # وإن تلف بعضها، فهو كتلف جميعها. وإن زادت، أو بدا صلاحها، فهذه زيادة ~~متصلة في إحدى العينين، وقد ذكرنا بيان حكمها. الحال الثالث، أن يبيعه نخلا ~~قد أطلعت ولم تؤبر، أو شجرا فيها ثمرة لم تظهر، فهذه الثمرة تدخل في البيع ~~المطلق، فإن أفلس بعد تلف الثمرة، أو تلف بعضها، أو الزيادة فيها، أو بدو ~~صلاح، فحكم ذلك حكم تلف بعض المبيع وزيادته المتصلة؛ لأن المبيع كان بمنزلة ~~العين الواحدة، ولهذا دخل الثمر في مطلق البيع، بخلاف التي قبلها # الحال الرابع، باعه نخلا حائلا فأثمر، أو شجرا فأثمر، فذلك ms2183 على أربعة ~~أضرب؛ أحدها، أن يفلس قبل تأبيرها، فالطلع زيادة متصلة، تمنع الرجوع، على ~~قول الخرقي، كالسمن والكبر. ويحتمل أن يرجع في النخل دون الطلع، لأنه يمكن ~~فصله، ويصح إفراده بالبيع، فهو كالمؤبر، بخلاف السمن والكبر. وهذا قول ابن ~~حامد. وعلى رواية الميموني، لا يمنع، بل يرجع، ويكون الطلع للبائع، كما لو ~~فسخ بعيب. وهو أحد قولي الشافعي # والقول الثاني، يرجع في الأصل دون الطلع، وكذلك عندهم الرد بالعيب، ~~والأخذ بالشفعة. الضرب الثاني، أفلس بعد التأبير وظهور الثمرة، فلا يمنع ~~الرجوع. بغير خلاف، والطلع للمشتري، إلا على قول أبي بكر. والصحيح الأول، ~~لأن الثمرة لا تتبع في البيع الذي ثبت بتراضيهما، ففي الفسخ الحاصل بغير ~~رضا المشتري أولى. ولو باعه أرضا فارغة فزرعها المشتري، ثم أفلس، فإنه يرجع ~~في الأرض دون الزرع، وجها واحدا؛ لأن ذلك من فعل المشتري # الضرب الثالث، أفلس والطلع غير مؤبر، فلم يرجع حتى أبر، لم يكن له ~~الرجوع، كما لو أفلس بعد تأبيرها؛ لأن العين لا تنتقل إلا باختياره لها، ~~وهذا لم يخترها إلا بعد تأبيرها. فإن ادعى البائع الرجوع قبل التأبير، ~~وأنكره المفلس، فالقول قول المفلس مع يمينه، لأن الأصل بقاء ملكه، وعدم ~~زواله. وإن قال له البائع: بعت بعد التأبير، وقال المفلس: بل قبله. فالقول ~~قول البائع؛ # PageV04P317 # لهذه العلة. فإن شهد الغرماء للمفلس، لم تسمع شهادتهم؛ لأنهم يجرون إلى ~~أنفسهم نفعا. وإن شهدوا للبائع، وهم عدول، قبلت شهادتهم؛ لعدم التهمة # الضرب الرابع، أفلس بعد أخذ الثمرة، أو ذهبت بجائحة، أو غيرها، رجع ~~البائع في الأصل، والثمرة للمشتري، إلا على قول أبي بكر. وكل موضع لا يتبع ~~الثمر الشجر إذا رجع البائع فيه، فليس له مطالبة المفلس بقطع الثمرة قبل ~~أوان الجذاذ. وكذلك إذا رجع في الأرض، وفيها زرع للمفلس، فليس له المطالبة ~~بأخذه قبل أوان الحصاد؛ لأن المشتري زرع في أرضه بحق، وطلعه على الشجر بحق، ~~فلم يلزمه أخذه، قبل كماله كما لو باع الأصل وعليه الثمرة أو الزرع، وليس ~~على صاحب الزرع ms2184 أجر؛ لأنه زرع في أرضه زرعا تجب تبقيته، فكأنه استوفى منفعة ~~الأرض، فلم يكن عليه ضمان ذلك # إذا ثبت هذا، فإن اتفق المفلس والغرماء على التبقية، أو القطع، فلهم ذلك، ~~وإن اختلفوا فطلب بعضهم قطعه، وبعضهم تبقيته، نظرنا؛ فإن كان مما لا قيمة ~~له مقطوعا، أو قيمته يسيرة، لم يقطع؛ لأن قطعه سفه. وتضييع للمال، وقد نهى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعته، وإن كانت قيمته كثيرة، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، يقدم قول من طلب القطع؛ لأنه أحوط، فإن في تبقيته غررا، ~~ولأن طالب القطع إن كان المفلس فهو يقصد تبرئة ذمته، وإن كان الغرماء فهم ~~يطلبون تعجيل حقوقهم، وذلك حق لهم # وهذا قول القاضي، وأكثر أصحاب الشافعي. والثاني، ينظر إلى ما فيه الحظ ~~فيعمل به؛ لأن ذلك أنفع لجميعهم، والظاهر سلامته، ولهذا يجوز أن يزرع ~~للمولى عليه. وفيه وجه آخر أنه. إن كان الطالب للقطع الغرماء، وجبت ~~إجابتهم؛ لأن حقوقهم حالة، فلا يلزمهم تأخيرها مع إمكان إيفائها، وإن كان ~~الطالب له المفلس دونهم، وكان التأخير أحظ له، لم يقطع؛ لأنهم رضوا بتأخير ~~حقوقهم لحظ يحصل لهم وللمفلس، والمفلس يطلب ما فيه ضرر بنفسه، ومنع للغرماء ~~من استيفاء القدر الذي يحصل من الزيادة بالتأخير، فلا يلزم الغرماء إجابته ~~إلى ذلك. ### | [فصل أقر الغرماء بأن الزرع أو الطلع للبائع] # (3428) فصل: إذا أقر الغرماء بأن الزرع أو الطلع للبائع، ولم يشهدوا به، ~~أو شهدوا به ولم يكونوا عدولا، أو لم يحكم بشهادتهم. حلف المفلس، وثبت ~~الطلع له ينفرد به دونهم؛ لأنهم يقرون أنهم لا حق لهم فيه # فإن أراد دفعه إلى أحدهم وتخصيصه بثمنه، فله ذلك؛ لإقرار باقيهم بعدم ~~حقهم فيه، فإن امتنع ذلك الغريم من قبوله، أجبر على قبوله، أو الإبراء من ~~قدره من دينه، فيقال له: إما أن تقبضه، وإما أن تبرئ من قدر ذلك من دينك، ~~وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه محكوم به على المفلس، فكان له أن يقضي دينه منه، ~~كما لو أدى المكاتب إلى سيده نجوم كتابته، فقال ms2185 سيده: هذا حرام. وأنكر # PageV04P318 # المكاتب. وإن أراد قسمته على الغرماء، لزمهم قبوله، أو الإبراء؛ لذلك. ~~فإن قبضوا الثمرة بعينها، لزمهم رد ما حصل لهم إلى البائع؛ لأنهم يقرون له ~~بها، فلزمهم دفعها إليه، كما لو أقروا بعتق عبد في ملك غيرهم، ثم اشتروه ~~منه # وإن باع الثمرة، وفرق ثمنها فيهم، أو دفعه إلى بعضهم، لم يلزمهم رد ما ~~أخذوا من ثمنها؛ لأنهم إنما اعترفوا بالعين، لا بثمنها. وإن شهد بعض ~~الغرماء دون بعض، أو أقر بعضهم دون بعض، لزم الشاهد أو المقر الحكم الذي ~~ذكرناه، دون غيره. وإن عرض عليهم المفلس الثمرة بعينها، فأبوا أخذها، لم ~~يلزمهم ذلك؛ لأنه إنما يلزمهم الاستيفاء من جنس ديونهم، إلا أن يكون فيهم ~~من له جنس من الثمر أو الزرع، كالمقرض أو المسلم، فيلزمه أخذ ما عرض عليه، ~~إذا كان بصفة حقه # ولو أقر الغرماء بأن المفلس أعتق عبدا له قبل فلسه، فأنكر ذلك، لم يقبل ~~قولهم، إلا أن يشهد منهم عدلان، ويكون حكمهم في قبض العبد أو أخذ ثمنه إن ~~عرضه عليهم، حكم ما لو أقروا بالثمن للبائع، وكذلك إن أقروا بعين مما في ~~يديه أنها غصب أو عارية أو نحو ذلك، فالحكم كما ذكرنا سواء # وإن أقروا بأنه أعتق عبده بعد فلسه، انبنى على صحة عتق المفلس، فإن قلنا: ~~لا يصح عتقه. فلا أثر لإقرارهم، وإن قلنا بصحته، فهو كإقرارهم بعتقه قبل ~~فلسه، وإن حكم الحاكم بصحته، أو بفساده، نفذ حكمه على كل حال؛ لأنه فعل ~~مجتهد فيه، فيلزم ما حكم به الحاكم، ولا يجوز نقضه ولا تغييره. ### | [فصل صدق المفلس البائع في الرجوع قبل التأبير وكذبه الغرماء] # (3429) فصل: وإن صدق المفلس البائع في الرجوع قبل التأبير، وكذبه ~~الغرماء، لم يقبل إقراره؛ لأن حقوقهم تعلقت بالثمرة ظاهرا، فلم يقبل ~~إقراره، كما لو أقر بالنخيل، وعلى الغرماء اليمين، أنهم لا يعلمون أن ~~البائع رجع قبل التأبير؛ ولأن هذه اليمين لا ينوبون فيها عن المفلس، بل هي ~~ثابتة في حقهم ابتداء، بخلاف ما لو ms2186 ادعى حقا وأقام شاهدا فلم يحلف، لم يكن ~~للغرماء أن يحلفوا معه؛ لأن اليمين ثم على المفلس، فلو حلفوا حلفوا ليثبتوا ~~حقا لغيرهم، ولا يحلف الإنسان ليثبت لغيره حقا، ولا يجوز أن يكون نائبا ~~فيها؛ لأن الأيمان لا تدخلها النيابة، وفي مسألتنا الأصل أن هذا الطلع قد ~~تعلقت حقوقهم به، لكونه في يد غريمهم، ومتصل بنخله، والبائع يدعي ما يزيل ~~حقوقهم عنه، فأشبه سائر أعيان ماله، ويحلفون على نفي العلم؛ لأنه يمين على ~~نفي الدين عن الميت # ولو أقر المفلس بعين من أعيان ماله لأجنبي، أو لبعض غرمائه، فأنكره ~~الغرماء، فالقول قولهم، وعليهم اليمين أنهم لا يعلمون ذلك. وكذلك لو أقر ~~بغريم آخر يستحق مشاركتهم، فأنكروه، فعليهم اليمين أيضا، ويكون على نفي ~~العلم لذلك. وإن أقر أنه، أعتق عبده، انبنى ذلك على صحة عتق المفلس # فإن قلنا: يصح عتقه صح إقراره، وعتق؛ لأن من ملك شيئا ملك الإقرار به، ~~ولأن الإقرار بالعتق يحصل به العتق، فكأنه أعتقه في الحال. وإن قلنا: لا ~~يصح عتقه. لم يقبل إقراره، وكان على الغرماء اليمين أنهم لا يعلمون ذلك. # PageV04P319 # وكل موضع قلنا على الغرماء اليمين، فهو على جميعهم، فإن حلفوا أخذوا، وإن ~~نكلوا قضي للمدعي بما ادعاه، إلا أن نقول برد اليمين، فترد على المدعي، ~~فيحلف ويستحق، وإن حلف بعضهم دون بعض، أخذ الحالف نصيبه، وحكم الناكل ما ~~ذكرناه. ### | [فصل أقر المفلس أنه أعتق عبده وأنكر الغرماء] # (3430) فصل: وإن أقر المفلس أنه أعتق عبده منذ شهر، وكان العبد قد اكتسب ~~بعد ذلك مالا، وأنكر الغرماء، فإن قلنا: لا يقبل إقراره. حلفوا، واستحقوا ~~العبد وكسبه. وإن قلنا: يقبل إقراره. لم يقبل في كسبه، وكان للغرماء أن ~~يحلفوا أنهم لا يعلمون أنه أعتقه قبل الكسب، ويأخذون كسبه؛ لأن إقراره إنما ~~قبل في العتق دون غيره لصحته منه، ولبنائه على التغليب والسراية، فلا يقبل ~~في المال، لعدم ذلك فيه، ولأننا نزلنا إقراره منزلة إعتاقه في الحال، فلا ~~تثبت له الحرية فيما مضى، فيكون كسبه محكوما به لسيده، ms2187 كما لو أقر بعتقه، ~~ثم أقر له بعين في يده. ### | [فصل كان المبيع أرضا فبناها المشتري ثم أفلس فأراد البائع الرجوع] # (3431) فصل: فإن كان المبيع أرضا فبناها المشتري، أو غرسها، ثم أفلس، ~~فأراد البائع الرجوع في الأرض، نظرت؛ فإن اتفق المفلس والغرماء على قلع ~~الغراس والبناء، فلهم ذلك؛ لأن الحق لهم، لا يخرج عنهم، فإذا قلعوه، ~~فللبائع الرجوع في أرضه؛ لأنه وجد متاعه بعينه # قال أصحابنا، ويستحق الرجوع قبل القلع، وهو مذهب الشافعي ويحتمل أن لا ~~يستحقه حتى يوجد القلع؛ لأنه قبل القلع لم يدرك متاعه إلا مشغولا بملك ~~المشتري، فأشبه ما لو كانت مسامير في باب المشتري. فإن قلنا: له الرجوع قبل ~~القلع. فقلعوه، لزمهم تسوية الأرض من الحفر، وأرش نقص الأرض الحاصل به؛ لأن ~~ذلك نقص حصل لتخليص ملك المفلس، فكان عليه، كما لو دخل فصيله دار إنسان ~~وكبر، فأراد صاحبه إخراجه، فلم يمكن إلا بهدم بابها، فإن الباب يهدم ليخرج، ~~ويضمن صاحبه ما نقص، بخلاف ما إذا وجد البائع عين ماله ناقصة. فرجع فيها، ~~فإنه لا يرجع في النقص لأن النقص كان في ملك المفلس، وهنا حدث بعد رجوعه في ~~العين، فلهذا ضمنوه، ويضرب بالنقص مع الغرماء # وإن قلنا: ليس له الرجوع قبل القلع. لم يلزمهم تسوية الحفر، ولا أرش ~~النقص؛ لأنهم فعلوا ذلك في أرض المفلس قبل رجوع البائع فيها، فلم يضمنوا ~~النقص، كما لو قلعه المفلس قبل فلسه، فأما إن امتنع المفلس والغرماء من ~~القلع، فلهم ذلك، ولا يجبرون عليه؛ لأنه غرس بحق. ومفهوم قوله - عليه ~~السلام -: «ليس لعرق ظالم حق» . أنه إذا لم يكن ظالما فله حق # فإن بذل البائع قيمة الغراس والبناء، ليكون له الكل. أو قال: أنا أقلع، ~~وأضمن ما نقص فإن قلنا: له الرجوع قبل القلع. فله ذلك؛ لأن البناء والغراس ~~حصل في ملكه لغيره بحق، فكان له أخذه بقيمته، أو قلعه وضمان نقصه، كالشفيع ~~إذا أخذ الأرض وفيها غراس وبناء للمشتري، والمعير إذا رجع في أرضه بعد غرس ~~المستعير # وإن ms2188 قلنا: ليس له الرجوع # PageV04P320 # قبل القلع. لم يكن له ذلك؛ لأن بناء المفلس وغرسه في ملكه، فلم يجبر على ~~بيعه لهذا البائع، ولا على قلعه، كما لو لم يرجع في الأرض. فأما إن امتنع ~~البائع من بذل ذلك، سقط حق الرجوع. وهذا قول ابن حامد، وأحد الوجهين لأصحاب ~~الشافعي. وقال القاضي: يحتمل أن له الرجوع. وهو القول الثاني للشافعي؛ لأنه ~~أدرك متاعه بعينه، وفيه مال المشتري على وجه التبع، فلم يمنعه ذلك الرجوع، ~~كالثوب إذا صبغه المشتري # ولنا، أنه لم يدرك متاعه على وجه يمكنه أخذه منفردا عن غيره، فلم يكن له ~~أخذه، كالحجر في البناء، والمسامير في الباب، ولأن في ذلك ضررا على المشتري ~~والغرماء، ولا يزال الضرر، ولأنه لا يحصل بالرجوع هاهنا انقطاع النزاع ~~والخصومة، بخلاف ما إذا وجدها غير مشغولة بشيء. وأما الثوب إذا صبغه، فلا ~~نسلم له الرجوع، فهو كمسألتنا، فالفرق بينهما من وجهين؛ أحدهما، أن الصبغ ~~تقرر في الثوب، فصار كالصفة فيه، بخلاف البناء والغرس، فإنه أعيان متميزة، ~~وأصل في نفسه. والثاني، أن الثوب لا يراد للبقاء، بخلاف الأرض والبناء، ~~فإذا قلنا: لا يرجع. فلا كلام. وإن قلنا: يرجع. فرجع، واتفق الجميع على ~~بيعهما، بيعا لهما، وأخذ كل واحد بقدر حقه # وإن امتنع أحدهما من البيع، احتمل أن يجبر عليه، كما لو كان المبيع ثوبا، ~~فصبغه المشتري، فإن الثوب يباع لهما، كذا هاهنا. ويحتمل أن لا يجبر؛ لأنه ~~أمكن طالب البيع أن يبيع ملكه مفردا، بخلاف الثوب المصبوغ، فإن بيعا لهما، ~~قسما الثمن على قدر القيمتين، فتقوم الأرض غير ذات شجر ولا بناء، ثم تقوم ~~وهما فيها، فما كان قيمة الأرض بغير غراس ولا بناء، فللبائع قسطه من الثمن، ~~وما زاد فهو للمفلس والغرماء. وإن قلنا: لا يجبر الممتنع على البيع. أو لم ~~يطلب أحدهما البيع # فاتفقا على كيفية كونهما بينهما، جاز ما اتفقا عليه، وإن اختلفا، كانت ~~الأرض للبائع، والغراس والبناء للمفلس والغرماء، ولهم دخول الأرض لسقي ~~الشجر وأخذ الثمرة، وليس لهم دخولها للتفرج ms2189 ولغير حاجة، وللبائع دخولها ~~للزرع، ولما شاء؛ لأن الأرض له وملكه. وإن باعوا الشجر والبناء لإنسان، ~~فحكمه في ذلك حكمهم. ولو بذل المفلس والغرماء، أو المشتري منهم، قيمة الأرض ~~للبائع، ليدفعها لهم، لم يلزمه ذلك؛ لأن الأرض أصل، فلا يجبر على بيعها، ~~بخلاف ما فيها من الغرس والبناء. ### | [فصل اشترى غراسا فغرسه في أرضه ثم أفلس] # (3432) فصل: إذا اشترى غراسا، فغرسه في أرضه، ثم أفلس، ولم يزد الغراس، ~~فله الرجوع فيه؛ لأنه أدرك متاعه بعينه. وإذا أخذه، فعليه تسوية الأرض، ~~وأرش نقصها الحاصل بقلعه؛ لأنه نقص حصل لتخليص ملكه من ملك غيره. وإن بذل ~~المفلس والغرماء له قيمته، ليملكوه بذلك، # PageV04P321 # لم يجبر على قبولها؛ لأنه إذا اختار أخذ ماله، وتفريغ ملكهم، وإزالة ضرره ~~عنهم، فلم يكن لهم منعه، كالمشتري إذا غرس في الأرض المشفوعة. وإن امتنع من ~~القلع، فبذلوا له القيمة ليملكه المفلس، أو أرادوا قلعه وضمان النقص، فلهم ~~ذلك. وكذلك إذا أرادوا قلعه من غير ضمان النقص؛ لأن المفلس إنما ابتاعه ~~مقلوعا، فلم يجب عليه إبقاؤه في أرضه # وقيل: ليس لهم قلعه من غير ضمان النقص؛ لأنه غرس بحق، فأشبه غرس المفلس ~~في الأرض التي ابتاعها إذا رجع بائعها فيها. والفرق بينهما ظاهر؛ فإن إبقاء ~~الغراس في هذه الصورة حق عليه، فلم يجب عليه بفعله، وفي التي قبلها إبقاؤه ~~حق له فوجب له بغراسه في ملكه. فإن اختار بعضهم القلع، وبعضهم التبقية، قدم ~~قول من طلب القلع، سواء كان المفلس أو الغرماء، أو بعض الغرماء؛ لأن ~~الإبقاء ضرر غير واجب، فلم يلزم الممتنع منه الإجابة إليه # وإن زاد الغراس في الأرض، فهي زيادة متصلة، تمنع الرجوع على قول الخرقي، ~~ولا تمنعه على رواية الميموني. ### | [فصل اشترى أرضا من رجل وغراسا من آخر فغرسه فيها ثم أفلس] # (3433) فصل: وإن اشترى أرضا من رجل، وغراسا من آخر، فغرسه فيها، ثم أفلس ~~ولم يزد الشجر، فلكل واحد منهما الرجوع في عين ماله، ولصاحب الأرض قلع ~~الغراس من غير ضمان نقصه بالقلع، على ms2190 ما ذكرنا، لأن البائع إنما باعه ~~مقلوعا، فلا يستحقه إلا كذلك # وإن أراد بائعه قلعه من الأرض، فقلعه، فعليه تسوية الحفر، وضمان نقصها ~~الحاصل به؛ لما تقدم. وإن بذل صاحب الغراس قيمة الأرض لصاحبها ليملكه، لم ~~يجبر على ذلك؛ لأن الأرض أصل، فلا يجبر على بيعها تبعا. وإن بذل صاحب الأرض ~~قيمة الغراس ليملكه إذا امتنع من القلع، فله ذلك؛ لأن غرسه حصل في ملك غيره ~~بحق، فأشبه غرس المفلس في أرض البائع. ويحتمل أن لا يملك ذلك؛ لأنه لا يجبر ~~على إبقائه إذا امتنع من دفع قيمته، أو أرش نقصه، فلا يكون له أن يتملكه ~~بالقيمة، بخلاف التي قبلها والأولى أولى. وهذا ينتقض بغرس الغاصب. ### | [فصل قبض بائع الأرض بعض ثمنها] # (3434) فصل: الشرط الثالث، أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئا. # فإن كان قد قبض بعض ثمنها، سقط حق الرجوع. وبهذا قال إسحاق، والشافعي في ~~القديم، وقال في الجديد: له أن يرجع في قدر ما بقي من الثمن؛ لأنه سبب ترجع ~~به العين كلها إلى العاقد، فجاز أن يرجع به بعضها، كالفرقة قبل الدخول في ~~النكاح # وقال مالك: هو مخير، إن شاء رد ما قبضه ورجع في جميع العين، وإن شاء حاص ~~الغرماء ولم يرجع. ولنا، ما روى أبو بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته ~~بعينها عند رجل قد أفلس، ولم يكن قد قبض من ثمنها # PageV04P322 # شيئا، فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئا فهو أسوة الغرماء» . رواه ~~أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني. ولأن في الرجوع في قسط ما بقي تبعيضا ~~للصفقة على المشتري، وإضرارا به، وليس ذلك للبائع. فإن قيل: لا ضرر عليه في ~~ذلك؛ لأن ماله يباع، ولا يبقى له، فيزول عنه الضرر # قلنا: لا يندفع الضرر بالبيع؛ فإن قيمته تنقص بالتشقيص، ولا يرغب فيه ~~مشقصا، فيتضرر المفلس والغرماء بنقص القيمة. ولأنه سبب يفسخ به البيع، فلم ~~يجز تشقيصه، ms2191 كالرد بالعيب والخيار، وقياس البيع على البيع أولى من قياسه ~~على النكاح. ولا فرق بين كون المبيع عينا واحدة، أو عينين، لما ذكرنا من ~~الحديث والمعنى # فإن قيل: حديثكم يرويه أبو بكر بن عبد الرحمن، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مرسلا، ولا حجة في المراسيل. قلنا: قد رواه مالك وموسى بن عقبة عن ~~الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، كذلك ذكره ابن عبد البر، ~~وأخرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني في " سننهم " متصلا، فلا يضر إرسال ~~من أرسله، فإن راوي المسند معه زيادة لا يعارضها ترك مرسل الحديث لها، وعلى ~~أن المرسل حجة، فلا يضر إرساله. ### | [فصل تعلق حق الغير بالمبيع] # (3435) فصل: الشرط الرابع، أن لا يكون تعلق بها حق الغير. # فإن رهنها المشتري، ثم أفلس أو وهبها، لم يملك البائع الرجوع، كما لو ~~باعها أو أعتقها، ولأن في الرجوع إضرارا بالمرتهن، ولا يزال الضرر بالضرر، ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من وجد متاعه بعينه عند رجل قد ~~أفلس، فهو أحق به» . # وهذا لم يجده عند المفلس. ولا نعلم في هذا خلافا # فإن كان دين المرتهن دون قيمة الرهن، بيع كله، فقضي منه دين المرتهن، ~~والباقي يرد على سائر مال المفلس، ويشترك الغرماء فيه، وإن بيع بعضه، ~~فباقيه بينهم يباع لهم أيضا، ولا يرجع به البائع. قال القاضي: له الرجوع ~~به. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه عين ماله، لم يتعلق به حق غيره. ولنا، أنه لم ~~يجد متاعه بعينه، فلم يكن له أخذه، كما لو كان الدين مستغرقا له. وما ذكره ~~القاضي لا يخرج على المذهب؛ لأن تلف بعض المبيع يمنع الرجوع، فكذلك ذهاب ~~بعضها بالبيع # ولو رهن بعض العبد لم يكن للبائع الرجوع في باقيه؛ لما ذكرنا. وإن كان ~~المبيع عينين، فرهن إحداهما، فهل يملك البائع الرجوع في الأخرى؟ على وجهين، ~~بناء على الروايتين فيما إذا تلفت إحدى العينين. وإن فك الرهن قبل فلس ~~المشتري. أو أبرئ من دينه، فللبائع الرجوع؛ أنه أدرك ms2192 متاعه بعينه عند ~~المشتري. وإن أفلس وهو رهن، فأبرأ المرتهن المشتري من دينه، أو قضى الدين ~~من غيره، فللبائع الرجوع أيضا كذلك. ### | [فصل كان المبيع عبدا فأفلس المشتري بعد تعلق أرش الجناية برقبته] # (3436) فصل: وإن كان عبدا، فأفلس المشتري بعد تعلق أرش الجناية برقبته # ، ففيه وجهان؛ # PageV04P323 # أحدهما، ليس للبائع الرجوع؛ لأن تعلق الرهن به يمنع الرجوع، وأرش الجناية ~~يقدم على حق المرتهن، فأولى أن لا يرجع. ذكره أبو الخطاب. والثاني، لا يمنع ~~الرجوع فيه؛ لأنه حق لا يمنع تصرف المشتري فيه، فلم يمنع الرجوع، كالدين في ~~ذمته. وفارق الرهن؛ فإنه يمنع تصرف المشتري فيه. فإن قلنا: لا يرجع. فحكمه ~~حكم الرهن. وإن قلنا: له الرجوع. فهو مخير؛ إن شاء رجع فيه ناقصا بأرش ~~الجناية، وإن شاء ضرب بثمنه مع الغرماء # وإن أبرأ الغريم من الجناية، فللبائع الرجوع فيه؛ لأنه وجد متاعه بعينه ~~خاليا من تعلق حق غيره به. ### | [فصل أفلس المشترى بعد خروج المبيع من ملكه] # (3437) فصل: وإن أفلس بعد خروج المبيع من ملكه # ؛ ببيع، أو هبة، أو وقف، أو عتق، أو غير ذلك، لم يكن للبائع الرجوع؛ لأنه ~~لم يدرك متاعه بعينه عند المفلس، سواء كان المشتري يمكنه استرجاعه بخيار ~~له، أو عيب في ثمنه، أو رجوعه في هبة ولده، أو غير ذلك؛ لما ذكرنا # وخروج بعضه كخروج جميعه؛ لما تقدم. فإن أفلس بعد رجوع ذلك إلى ملكه، ففيه ~~ثلاثة أوجه: أحدها، له الرجوع؛ للخبر، ولأنه وجد عين ماله خاليا عن حق ~~غيره، أشبه ما لو لم يبعه. والثاني، لا يرجع؛ لأن هذا الملك لم ينتقل إليه ~~منه، فلم يملك فسخه. ذكر أصحابنا هذين الوجهين. ولأصحاب الشافعي مثل ذلك. ~~والثالث، أنه إن عاد إليه بسبب جديد، كبيع، أو هبة، أو إرث، أو وصية، أو ~~نحو ذلك. لم يكن للبائع الرجوع؛ لأنه لم يصر إليه من جهته. وإن عاد إليه ~~بفسخ، كالإقالة، والرد بعيب أو خيار، ونحو ذلك، فللبائع الرجوع؛ لأن هذا ~~الملك استند إلى السبب الأول، فإن فسخ العقد ms2193 الثاني لا يقتضي ثبوت الملك، ~~وإنما أزال السبب المزيل لملك البائع، فثبت الملك بالسبب الأول، فملك ~~استرجاع ما ثبت الملك فيه ببيعه. ### | [فصل كان المبيع شقصا مشفوعا وأفلس المشترى] # (3438) فصل وإن كان المبيع شقصا مشفوعا، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: البائع ~~أحق به. هذا قول ابن حامد؛ للخبر، ولأنه إذا رجع فيه عاد الشقص إليه، فزال ~~الضرر عن الشفيع، لأنه عاد كما كان قبل البيع، ولم تتجدد شركة غيره. ~~والثاني، أن الشفيع أحق. ذكره أبو الخطاب لأن حقه أسبق فكان أولى، بيانه أن ~~حق البائع ثبت بالحجر، وحق الشفيع ثبت بالبيع، ولأن حقه آكد؛ لأنه يستحق ~~انتزاع الشقص من المشتري، وممن نقله إليه، وحق البائع إنما يتعلق بالعين، ~~ما دامت في يد المشتري، ولا يزول الضرر عنه برده إلى البائع، بدليل ما لو ~~باعه المشتري لبائعه، أو وهبه إياه، أو أقاله، لم يسقط حق الشفيع، ولأن ~~البائع إنما يستحق الرجوع في عين لم يتعلق بها حق الغير، وهذه قد تعلق بها ~~حق الشفيع # PageV04P324 # الوجه الثالث، أن الشفيع إن كان طالب بالشفعة، فهو أحق؛ لأن حقه تأكد هنا ~~بالمطالبة، وإن كان لم يطالب بها، فالبائع أولى. ولأصحاب الشافعي وجهان، ~~كالأولين، ولهم وجه ثالث، أن الثمن يؤخذ من الشفيع، فيختص به البائع، جمعا ~~بين الحقين، فإن غرض الشفيع في عين الشقص المشفوع، وغرض البائع في ثمنه، ~~فيحصل ذلك بما ذكرنا. وليس هذا جيدا؛ لأن حق البائع إنما ثبت في العين، ~~فإذا صار الأمر إلى وجوب الثمن، تعلق بذمته، فساوى الغرماء فيه. ### | [فصل كان المبيع صيدا فأفلس المشتري والبائع محرم.] # (3439) فصل: وإن كان المبيع صيدا، فأفلس المشتري والبائع محرم، لم يرجع ~~فيه؛ لأنه تملك الصيد، فلم يجز مع الإحرام، كشراء الصيد. وإن كان البائع ~~حلالا في الحرم، والصيد في الحل، فأفلس المشتري، فللبائع الرجوع فيه؛ لأن ~~الحرم إنما يحرم الصيد الذي فيه، وهذا ليس من صيده، فلا يحرم، ولو أفلس ~~المحرم، وفي ملكه صيد، بائعه حلال، فله أخذه؛ لأن المانع غير موجود في حقه. ms2194 ### | [فصل أفلس المشترى وفي يده عين مال دين بائعها مؤجل] # (3440) فصل: وإذا أفلس، وفي يده عين مال، دين بائعها مؤجل، وقلنا: لا يحل ~~الدين بالفلس. # فقال أحمد في رواية الحسن بن ثواب: يكون ماله موقوفا إلى أن يحل دينه، ~~فيختار البائع الفسخ أو الترك. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. والمنصوص عن ~~الشافعي، أنه يباع في الديون الحالة. ويتخرج لنا مثل ذلك؛ لأنها حقوق حالة، ~~فقدمت على الدين المؤجل، كدين من لم يجد عين ماله. وللأول الخبر، ولأن حق ~~هذا البائع تعلق بالعين، فقدم على غيره، وإن كان مؤجلا. كالمرتهن، والمجني ~~عليه. ### | [فصل ابتاع طعاما نسيئة ونظر إليه وقلبه وقال أقبضه غدا فمات البائع وعليه دين] # (3441) فصل: قال أحمد، في رجل ابتاع طعاما نسيئة، ونظر إليه وقلبه، وقال: ~~أقبضه غدا. فمات البائع وعليه دين، فالطعام للمشتري، ويتبعه الغرماء في ~~الثمن، وإن كان رخيصا. وكذلك قال الثوري، وإسحاق، لأن الملك ثبت للمشتري ~~فيه بالشراء، وزال ملك البائع عنه، فلم يشاركه غرماء البائع فيه، كما لو ~~قبضه. الشرط الخامس، أن يكون المفلس حيا. ويأتي شرح ذلك في آخر الباب، إن ~~شاء الله تعالى. ### | [فصل رجوع البائع في المبيع] # (3442) فصل: ورجوع البائع في المبيع فسخ للبيع، لا يحتاج إلى معرفة ~~المبيع، ولا القدرة على تسليمه، ولا اشتباه المبيع بغيره، فلو رجع في ~~المبيع الغائب بعد مضي مدة يتغير فيها، ثم وجده على حاله لم يتلف شيء منه، ~~صح رجوعه. وإن رجع في العبد بعد إباقه، أو الجمل بعد شروده، أو الفرس ~~العاثر، صح، وصار ذلك له، فإن قدر عليه أخذه، وإن ذهب كان من ماله # وإن تبين أنه كان تالفا حين # PageV04P325 # استرجاعه، لم يصح استرجاعه، وكان له أن يضرب مع الغرماء في الموجود من ~~ماله. وإن رجع في المبيع، واشتبه بغيره، فقال البائع: هذا هو المبيع. وقال ~~المفلس: بل هذا. فالقول قول المفلس؛ لأنه منكر لاستحقاق ما ادعاه البائع، ~~والأصل معه. ### | [مسألة وجب له حق بشاهد فلم يحلف] # مسألة؛ قال: ومن وجب له حق ms2195 بشاهد، فلم يحلف، لم يكن للغرماء أن يحلفوا ~~معه، ويستحقوا. وجملة ذلك أن المفلس في الدعوى كغيره، فإذا ادعى حقا له به ~~شاهد عدل، وحلف مع شاهده، ثبت المال، وتعلقت به حقوق الغرماء. وإن امتنع لم ~~يجبر؛ لأننا لا نعلم صدق الشاهد، ولو ثبت الحق بشهادته لم يحتج إلى يمين ~~معه، فلا يجبر على الحلف على ما لا يعلم صدقه كغيره. فإن قال الغرماء: نحن ~~نحلف مع الشاهد. لم يكن لهم ذلك # وبهذا قال الشافعي في الجديد، وقال في القديم: يحلفون معه؛ لأن حقوقهم ~~تعلقت بالمال، فكان لهم أن يحلفوا، كالورثة يحلفون على مال موروثهم. ولنا، ~~أنهم يثبتون ملكا لغيرهم؛ لتعلق حقوقهم به بعد ثبوته، فلم يجز لهم ذلك، ~~كالمرأة تحلف لإثبات ملك لزوجها؛ لتعلق نفقتها به، وكالورثة قبل موت ~~موروثهم. وفارق ما بعد الموت، فإن المال انتقل إليهم، وهم يثبتون بأيمانهم ~~ملكا لأنفسهم. ### | [مسألة كان على المفلس دين مؤجل] # (3444) مسألة؛ قال: وإذا كان على المفلس دين مؤجل، لم يحل بالتفليس، ~~وكذلك في الدين الذي على الميت، إذا وثق الورثة وجملته أن الدين المؤجل يحل ~~بفلس من هو عليه، رواية واحدة. قاله القاضي. وذكر أبو الخطاب فيه رواية ~~أخرى، أنه يحل. وبه قال مالك. وعن الشافعي كالمذهبين. واحتجوا بأن الإفلاس ~~يتعلق به الدين بالمال، فأسقط الأجل كالموت. ولنا، أن الأجل حق للمفلس، فلا ~~يسقط بفلسه، كسائر حقوقه، ولأنه لا يوجب حلول ماله، فلا يوجب حلول ما عليه، ~~كالجنون والإغماء، ولأنه دين مؤجل على حي، فلم يحل قبل أجله، كغير المفلس، ~~ولا نسلم أن الدين يحل بالموت، فهو كمسألتنا، وإن سلمنا، فالفرق بينهما أن ~~ذمته خربت وبطلت بخلاف المفلس # إذا ثبت هذا، فإنه إذا حجر على المفلس، فقال أصحابنا لا يشارك أصحاب ~~الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة، بل يقسم المال الموجود بين أصحاب ~~الديون الحالة، ويبقى المؤجل في الذمة إلى وقت حلوله، فإن لم يقتسم الغرماء ~~حتى حل الدين، شارك الغرماء، كما لو تجدد على المفلس دين بجنايته، وإن أدرك ~~بعض ms2196 المال قبل قسمه، شاركهم فيه، ويضرب فيه بجميع دينه، ويضرب سائر الغرماء ~~ببقية ديونهم. وإن قلنا: إن الدين يحل. فإنه يضرب مع الغرماء بدينه، كغيره ~~من أرباب الديون الحالة. # PageV04P326 # فأما إن مات وعليه ديون مؤجلة، فهل تحل بالموت؟ فيه روايتان؛ إحداهما، لا ~~تحل إذا وثق الورثة # وهو قول ابن سيرين وعبد الله بن الحسن، وإسحاق، وأبي عبيد. وقال طاوس، ~~وأبو بكر بن محمد، والزهري، وسعد بن إبراهيم: الدين إلى أجله. وحكي ذلك عن ~~الحسن. والرواية الأخرى، أنه يحل بالموت. وبه قال الشعبي، والنخعي، وسوار، ~~ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه لا يخلو إما أن يبقى في ذمة ~~الميت، أو الورثة، أو يتعلق بالمال، لا يجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها، ~~وتعذر مطالبته بها، ولا ذمة الورثة؛ لأنهم لم يلتزموها، ولا رضي صاحب الدين ~~بذممهم، وهي مختلفة متباينة، ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله؛ لأنه ~~ضرر بالميت وصاحب الدين، ولا نفع للورثة فيه؛ أما الميت فلأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «الميت مرتهن بدينه، حتى يقضى عنه» . وأما صاحبه ~~فيتأخر حقه، وقد تتلف العين فيسقط حقه # وأما الورثة، فإنهم لا ينتفعون بالأعيان، ولا يتصرفون فيها، وإن حصلت لهم ~~منفعة، فلا يسقط حظ الميت وصاحب الدين لمنفعة لهم. ولنا، ما ذكرنا في ~~المفلس، ولأن الموت ما جعل مبطلا للحقوق، وإنما هو ميقات للخلافة، وعلامة ~~على الوراثة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك حقا أو مالا ~~فلورثته» # وما ذكروه إثبات حكم بالمصلحة المرسلة، ولا يشهد لها شاهد الشرع باعتبار، ~~ولا خلاف في فساد هذا، فعلى هذا يبقى الدين في ذمة الميت كما كان، ويتعلق ~~بعين ماله كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه. فإن أحب الورثة ~~أداء الدين، والتزامه للغريم، ويتصرفون في المال، لم يكن لهم ذلك، إلا أن ~~يرضى الغريم أو يوثقوا الحق بضمين مليء، أو رهن يثق به لوفاء حقه، فإنهم قد ~~لا يكونون أملياء، ولم يرض بهم الغريم، فيؤدي إلى فوات الحق # وذكر القاضي أن ms2197 الحق ينتقل إلى ذمم الورثة بموت مورثهم، من غير أن يشترط ~~التزامهم له. ولا ينبغي أن يلزم الإنسان دين لم يلتزمه، ولم يتعاط سببه، ~~ولو لزمهم ذلك لموت مورثهم للزمهم وإن لم يخلف وفاء، وإن قلنا: إن الدين ~~يحل بالموت. فأحب الورثة القضاء من غير التركة، واستخلاص التركة، فلهم ذلك، ~~وإن قضوا منها، فلهم ذلك، وإن امتنعوا من القضاء، باع الحاكم من التركة ما ~~يقضي به الدين # وإن مات مفلس وله غرماء، بعض ديونهم مؤجل، وبعضها حال، وقلنا: المؤجل يحل ~~بالموت. تساووا في التركة، فاقتسموها على قدر # PageV04P327 # ديونهم. وإن قلنا: لا يحل بالموت. نظرنا؛ فإن وثق الورثة لصاحب المؤجل، ~~اختص أصحاب الحال بالتركة، وإن امتنع الورثة من التوثيق، حل دينه، وشارك ~~أصحاب الحال، لئلا يفضي إلى إسقاط دينه بالكلية. ### | [فصل مات وعليه دين] # (3445) فصل: حكى بعض أصحابنا فيمن مات وعليه دين، هل يمنع الدين نقل ~~التركة إلى الورثة؟ روايتين؛ إحداهما، لا يمنعه؛ للخبر، ولأن تعلق الدين ~~بالمال لا يزيل الملك في حق الجاني والراهن والمفلس، فلم يمنع نقله. فإن ~~تصرف الورثة في التركة ببيع أو غيره، صح تصرفهم، ولزمهم أداء الدين، فإن ~~تعذر وفاؤه، فسخ تصرفهم، كما لو باع السيد عبده الجاني، أو النصاب الذي ~~وجبت فيه الزكاة. والرواية الثانية، يمنع نقل التركة إليهم، لقول الله ~~تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] . فجعل التركة للوارث ~~من بعد الدين والوصية، فلا يثبت لهم الملك قبلهما # فعلى هذا، لو تصرف الورثة، لم يصح تصرفهم؛ لأنهم تصرفوا في غير ملكهم، ~~إلا أن يأذن الغرماء لهم، وإن تصرف الغرماء، لم يصح إلا بإذن الورثة. ### | [مسألة ما فعله المفلس في ماله قبل أن يقفه الحاكم] # مسألة؛ قال: وكل ما فعله المفلس في ماله قبل أن يقفه الحاكم، فجائز يعني ~~قبل أن يحجر عليه الحاكم. فنبدأ بذكر سبب الحجر، فنقول: إذا رفع إلى الحاكم ~~رجل عليه دين، فسأل غرماؤه # PageV04P328 # الحاكم الحجر عليه، لم يجبهم حتى تثبت ديونهم باعترافه أو ببينة، فإذا ~~ثبتت، نظر ms2198 في ماله، فإن كان وافيا بدينه، لم يحجر عليه، وأمره بقضاء دينه، ~~فإن أبى حبسه، فإن لم يقضه، وصبر على الحبس قضى الحاكم دينه من ماله، وإن ~~احتاج إلى بيع ماله في قضاء دينه باعه، وإن كان ماله دون دينه، وديونه ~~مؤجلة، لم يحجر عليه؛ لأنه لا تستحق مطالبته بها، فلا يحجر عليه من أجلها # وإن كان بعضها مؤجلا، وبعضها حالا، وماله يفي بالحال، لم يحجر عليه أيضا ~~كذلك. وقال بعض أصحاب الشافعي: إن ظهرت أمارات الفلس، لكون ماله بإزاء ~~دينه، ولا نفقة له إلا من ماله، ففيه وجهان؛ أحدهما، يحجر عليه؛ لأن الظاهر ~~أن ماله يعجز عن ديونه، فهو كما لو كان ماله ناقصا. ولنا: أن ماله واف بما ~~يلزمه أداؤه، فلم يحجر عليه، كما لو لم تظهر أمارات الفلس، ولأن الغرماء لا ~~يمكنهم طلب حقوقهم في الحال، فلا حاجة إلى الحجر. وأما إن كانت ديونه حالة، ~~يعجز ماله عن أدائها، فسأل غرماؤه الحجر عليه، لزمته إجابتهم # ولا يجوز الحجر عليه بغير سؤال غرمائه؛ لأنه لا ولاية له في ذلك، وإنما ~~يفعله لحق الغرماء، فاعتبر رضاهم به. وإن اختلفوا، فطلب بعضهم دون بعض، ~~أجيب من طلب؛ لأنه حق له. وبهذا قال مالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة: ليس ~~للحاكم الحجر عليه، فإذا أدى اجتهاده إلى الحجر عليه ثبت؛ لأنه فصل مجتهد ~~فيه، وليس له التصرف في ماله؛ لأنه لا ولاية عليه، إلا أن الحاكم يجبره على ~~البيع إذا لم يمكن الإيفاء بدونه، فإن امتنع لم يبعه، وكذلك إن امتنع ~~الموسر من وفاء الدين، لا يبيع ماله، وإنما يحبسه ليبيع بنفسه، إلا أن يكون ~~عليه أحد النقدين، وماله من النقد الآخر، فيدفع الدراهم عن الدنانير، ~~والدنانير عن الدراهم؛ لأنه رشيد لا ولاية عليه، فلم يجز للحاكم بيع ماله ~~بغير إذنه، كالذي لا دين عليه، وخالفه صاحباه في ذلك # ولنا، ما روى كعب بن مالك، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حجر على ~~معاذ، وباع ماله في دينه. رواه الخلال بإسناده وروي ms2199 عن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - أنه خطب الناس، وقال: ألا إن أسيفع جهينة قد رضي من دينه ~~وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، فادان معرضا، فأصبح وقد رين به، فمن كان له ~~عليه مال فليحضر غدا، فإنا بائعو ماله، وقاسموه بين غرمائه # ولأنه محجور عليه، محتاج إلى قضاء دينه، فجاز بيع ماله بغير رضاه، ~~كالصغير والسفيه، ولأنه نوع مال، فجاز بيعه في قضاء دينه، كالأثمان. ~~وقياسهم يبطل ببيع الدراهم بالدنانير. إذا ثبت هذا عدنا إلى مسألة الكتاب، ~~فنقول: ما فعله المفلس قبل حجر الحاكم عليه، من بيع، أو هبة، أو إقرار، أو ~~قضاء بعض الغرماء، أو غير ذلك، فهو جائز نافذ # وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. ولا نعلم أحدا خالفهم. ولأنه رشيد ~~غير محجور عليه، فنفذ تصرفه كغيره، ولأن سبب المنع الحجر، فلا يتقدم سببه، ~~ولأنه من أهل التصرف، ولم يحجر عليه، فأشبه المليء، وإن أكرى جملا بعينه، ~~أو دارا، لم تنفسخ إجارته بالفلس، وكان المكتري أحق به، حتى تنقضي مدته. # PageV04P329 ### | [فصل المفلس إذا حجر عليه] # (3447) فصل: ومتى حجر عليه، لم ينفذ تصرفه في شيء من ماله، فإن تصرف ~~ببيع، أو هبة، أو وقف، أو أصدق امرأة مالا له، أو نحو ذلك، لم يصح. وبهذا ~~قال مالك، والشافعي في قول، وقال في آخر: يقف تصرفه، فإن كان فيما بقي من ~~ماله وفاء الغرماء نفذ، وإلا بطل # ولنا، أنه محجور عليه بحكم حاكم، فلم يصح تصرفه، كالسفيه، ولأن حقوق ~~الغرماء تعلقت بأعيان ماله، فلم يصح تصرفه فيها، كالمرهونة. فأما إن تصرف ~~في ذمته، فاشترى، أو اقترض، أو تكفل، صح تصرفه؛ لأنه أهل للتصرف، وإنما وجد ~~في حقه الحجر، والحجر إنما يتعلق بماله لا بذمته، ولكن لا يشارك أصحاب هذه ~~الديون الغرماء؛ لأنهم رضوا بذلك، إذا علموا أنه مفلس وعاملوه، ومن لم يعلم ~~فقد فرط في ذلك، فإن هذا في مظنة الشهرة، ويتبع بها بعد فك الحجر عنه # وإن أقر بدين، لزمه بعد فك الحجر عنه. نص عليه أحمد، وهو ms2200 قول مالك، ومحمد ~~بن الحسن، والثوري، والشافعي في قول، وقال في الآخر: يشاركهم، واختاره ابن ~~المنذر؛ لأنه دين ثابت مضاف إلى ما قبل الحجر، فيشارك صاحبه الغرماء، كما ~~لو ثبت ببينة. ولنا، أنه محجور عليه، فلم يصح إقراره فيما حجر عليه فيه، ~~كالسفيه، أو كالراهن يقر على الرهن، ولأنه إقرار يبطل ثبوته حق غير المقر، ~~فلم يقبل، أو إقرار على الغرماء، فلم يقبل، كإقرار الراهن، ولأنه متهم في ~~إقراره، فهو كالإقرار على غيره، وفارق البينة، فإنه لا تهمة في حقها # ولو كان المفلس صانعا، كالقصار، والحائك، في يديه متاع، فأقر به لأربابه، ~~لم يقبل إقراره، والقول فيها كالتي قبلها، وتباع العين التي في يديه، وتقسم ~~بين الغرماء، وتكون قيمتها واجبة على المفلس إذا قدر عليها؛ لأنها صرفت في ~~دينه بسبب من جهته، فكانت قيمتها عليه، كما لو أذن في ذلك. وإن توجهت على ~~المفلس يمين، فنكل عنها، فقضي عليه، فحكمه حكم إقراره، يلزم في حقه، ولا ~~يحاص الغرماء. ### | [فصل أعتق المفلس بعض رقيقه] # (3448) فصل: وإن أعتق المفلس بعض رقيقه، فهل يصح؟ على روايتين؛ إحداهما، ~~يصح وينفذ. وهو قول أبي يوسف، وإسحاق؛ لأنه عتق من مالك رشيد، فنفذ، كما ~~قبل الحجر، ويفارق سائر التصرفات؛ لأن للعتق تغليبا وسراية، ولهذا يسري إلى ~~ملك الغير، ويسري واقفه، بخلاف غيره. والرواية الأخرى، لا ينفذ عتقه # وبهذا قال مالك، وابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، واختاره # PageV04P330 # أبو الخطاب، في " رءوس المسائل "؛ لأنه ممنوع من التبرع لحق الغرماء، فلم ~~ينفذ عتقه كالمريض الذي يستغرق دينه ماله، ولأن المفلس محجور عليه، فلم ~~ينفذ عتقه كالسفيه، وفارق المطلق # وأما سرايته إلى ملك الغير، فمن شرطه أن يكون موسرا، يؤخذ منه قيمة نصيب ~~شريكه، فلا يتضرر، ولو كان معسرا، لم ينفذ عتقه إلا فيما يملك، صيانة لحق ~~الغير، وحفظا له عن الضياع، كذا هاهنا. وهذا أصح، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل إظهار الحجر على المفلس] # (3449) فصل: ويستحب إظهار الحجر عليه، لتجتنب معاملته، كي لا يستضر الناس ~~بضياع أموالهم عليه، والإشهاد ms2201 عليه، لينتشر ذلك عنه، وربما عزل الحاكم أو ~~مات، فيثبت الحجر عند الآخر، فيمضيه، ولا يحتاج إلى ابتداء حجر ثان. ### | [فصل المفلس ثبت عليه حق ببينة] # (3450) فصل: وإن ثبت عليه حق ببينة شارك صاحبه الغرماء؛ لأنه دين ثابت ~~قبل الحجر عليه، فأشبه ما لو قامت البينة به قبل الحجر. ولو جنى المفلس بعد ~~الحجر جناية أوجبت مالا، شارك المجني عليه الغرماء؛ لأن حق المجني عليه ثبت ~~بغير اختياره # ولو كانت الجناية موجبة للقصاص، فعفا صاحبها عنها إلى مال، أو صالحه ~~المفلس على مال، شارك الغرماء؛ لأن سببه ثبت بغير اختيار صاحبه، فأشبه ما ~~لو أوجبت المال. فإن قيل: ألا قدمتم حقه على الغرماء، كما قدمتم حق من جنى ~~عليه بعض عبيد المفلس؟ قلنا: لأن الحق في العبد الجاني تعلق بعينه، فقدم ~~لذلك، وحق هذا تعلق بالذمة، كغيره من الديون، فاستويا. ### | [فصل قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه ثم ظهر غريم آخر] # (3451) فصل: ولو قسم الحاكم ماله بين غرمائه، ثم ظهر غريم آخر، رجع على ~~الغرماء بقسطه، وبهذا قال الشافعي، وحكي ذلك عن مالك، وحكي عنه: لا يحاصهم؛ ~~لأنه نقض لحكم الحاكم # ولنا، أنه غريم لو كان حاضرا قاسمهم، فإذا ظهر بعد ذلك، قاسمهم، كغريم ~~الميت يظهر بعد قسم ماله، وليس قسم الحاكم ماله حكما، إنما هو قسمة بان ~~الخطأ فيها، فأشبه ما لو قسم مال الميت بين غرمائه ثم ظهر غريم آخر. أو قسم ~~أرضا بين شركاء، ثم ظهر شريك آخر. أو قسم الميراث بين ورثة، ثم ظهر وارث ~~سواه، أو وصية، ثم ظهر موصى له آخر. ### | [فصل أفلس وله دار مستأجرة فانهدمت بعد قبض المفلس الأجرة] # (3452) فصل: ولو أفلس وله دار مستأجرة، فانهدمت بعد قبض المفلس الأجرة، ~~انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة، وسقط من الأجرة بقدر ذلك، ثم إن وجد عين ~~ماله، أخذ بقدر ذلك، وإن لم يجده، ضرب مع الغرماء بقدره. وإن كان ذلك بعد ~~قسم ماله، رجع على الغرماء بحصته؛ لأنه سبب وجوبه قبل الحجر، ولذلك ms2202 يشاركهم ~~إذا وجب قبل القسمة # ولو باع سلعة، وقبض ثمنها، ثم أفلس فوجد بها المشتري عيبا، فردها به، أو ~~ردها بخيار، أو اختلاف في الثمن، ونحوه، ووجد عين ماله، # PageV04P331 # أخذها؛ لأن البيع لما انفسخ، زال ملك المفلس عن الثمن، كزوال ملك المشتري ~~عن المبيع، وإن كان بعد تصرفه فيه، شارك المشتري الغرماء. ### | [مسألة ينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته] # (3453) مسألة؛ قال: وينفق على المفلس، وعلى من تلزمه مؤنته بالمعروف من ~~ماله، إلى أن يفرغ من قسمته بين غرمائه وجملة ذلك أنه إذا حجر على المفلس، ~~وكان ذا كسب يفي بنفقته، ونفقة من تلزمه نفقته، فنفقته في كسبه، فإنه لا ~~حاجة إلى إخراج ماله مع غناه بكسبه، فلم يجز أخذ ماله، كالزيادة على ~~النفقة، وإن كان كسبه دون نفقته، كملناها من ماله، وإن لم يكن ذا كسب، أنفق ~~عليه من ماله مدة الحجر، وإن طالت؛ لأن ملكه باق، وقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» . # ومعلوم أن فيمن يعوله من تجب نفقته عليه، ويكون دينا عليه، وهي الزوجة، ~~فإذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة، فكذلك على حق الغرماء، ولأن الحي آكد ~~حرمة من الميت، لأنه مضمون بالإتلاف، وتقديم تجهيز الميت، ومؤنة دفنه على ~~دينه، متفق عليه. فنفقته أولى # وتقدم أيضا نفقة من تلزمه نفقته من أقاربه، مثل الوالدين، والمولودين، ~~وغيرهم، ممن تحب نفقتهم؛ لأنهم يجرون مجرى نفسه، لأن ذوي رحمه منهم يعتقون ~~إذا ملكهم، كما يعتق إذا ملك نفسه، فكانت نفقتهم كنفقته، وكذلك زوجته تقدم ~~نفقتها لأن نفقتها آكد من نفقة الأقارب؛ لأنها تجب من طريق المعاوضة، وفيها ~~معنى الإحياء، كما في الأقارب، وممن أوجب الإنفاق على المفلس وزوجته ~~وأولاده الصغار من ماله، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي # ولا نعلم أحدا خالفهم. وتجب كسوتهم أيضا؛ لأن ذلك مما لا بد منه، ولا ~~تقوم النفس بدونه، والواجب من النفقة والكسوة أدنى ما ينفق على مثله ~~بالمعروف، وأدنى ما يكتسي مثله، إن كان من جنس الطعام أو ms2203 متوسطه، وكذلك ~~كسوته من جنس ما يكتسبه مثله، وكسوة امرأته ونفقتها مثل ما يفترض على مثله # وأقل ما يكفيه من اللباس قميص، وسراويل، وشيء يلبسه على رأسه، إما عمامة ~~وإما قلنسوة أو غيرهما، مما جرت به عادته، ولرجله حذاء، إن كان يعتاده. وإن ~~احتاج إلى جبة، أو فروة لدفع البرد، دفع إليه ذلك. وإن كانت له ثياب لا ~~يلبس مثله مثلها، بيعت، واشتري له كسوة مثلها، ورد الفضل على الغرماء، فإن ~~كانت إذا بيعت، واشتري له كسوة، لا يفضل منها شيء تركت؛ فإنه لا فائدة في ~~بيعها. ### | [فصل كفن المفلس من ماله] # (3454) فصل: وإن مات المفلس، كفن من ماله؛ لأن نفقته كانت واجبة من ماله ~~في حال حياته، فوجب تجهيزه منه بعد الموت، كغيره. وكذلك يجب كفن من يمونه؛ ~~لأنهم بمنزلته، ولا يلزم تكفين الزوجة؛ لأن النفقة تجب في مقابلة ~~الاستمتاع، وقد فات بالموت، فسقطت النفقة. ويفارق # PageV04P332 # الأقارب؛ لأن قرابتهم باقية. وإن مات من عبيده واحد، وجب تكفينه وتجهيزه؛ ~~لأن نفقته ليست في مقابلة الانتفاع به، ولذلك تجب نفقة الصغير والمبيع قبل ~~التسليم، ويكفن في ثلاثة أثواب، كما كان يلبس في حياته ثلاثة، ويحتمل أن ~~يكفن في ثوب واحد يستره، لأن ذلك يكفيه، فلا حاجة إلى الزيادة، وفارق حالة ~~الحياة؛ لأنه لا بد له من تغطية رأسه، وكشف ذلك يؤذيه، بخلاف الميت # ويمتد الإنفاق على المفلس إلى حين فراغه من القسمة بين الغرماء؛ لأنه لا ~~يزول ملكه إلا بذلك. ومذهب الشافعي في هذا الفصل قريب مما ذكرنا. ### | [مسألة حكم بيع دار المفلس التي لا غنى له عن سكناها] # (3455) مسألة؛ قال: ولا تباع داره التي لا غنى له عن سكناها. وجملته أن ~~المفلس إذا حجر عليه، باع الحاكم ماله، ويستحب أن يحضر المفلس البيع، لمعان ~~أربعة؛ أحدها، ليحصي ثمنه، ويضبطه. الثاني، أنه أعرف بثمن متاعه، وجيده ~~ورديئه، فإذا حضر تكلم عليه، وعرف الغبن من غيره. الثالث، أن تكثر الرغبة ~~فيه، فإن شراءه من صاحبه أحب إلى المشتري # الرابع، أن ذلك أطيب ms2204 لنفسه، وأسكن لقلبه. ويستحب إحضار الغرماء أيضا، ~~لأمور أربعة؛ أحدها، أنه يباع لهم. الثاني، أنهم ربما رغبوا في شراء شيء ~~منه، فزادوا في ثمنه، فيكون أصلح لهم وللمفلس. الثالث، أنه أطيب لقلوبهم، ~~وأبعد من التهمة. الرابع، أنه ربما كان فيهم من يجد عين ماله، فيأخذها # فإن لم يفعل، وباعه من غير حضورهم كلهم، جاز؛ لأن ذلك موكول إليه، ومفوض ~~إلى اجتهاده، وربما أداه اجتهاده إلى خلاف ذلك، وبانت له المصلحة في ~~المبادرة إلى البيع قبل إحضارهم. ويأمرهم الحاكم أن يقيموا مناديا ينادي ~~لهم على المتاع، فإن تراضوا برجل ثقة، أمضاه الحاكم، وإن اتفقوا على غير ~~ثقة رده. فإن قيل: فلم يرده وأصحاب الحق قد اتفقوا عليه، فأشبه ما لو اتفق ~~الراهن والمرتهن على أن يبيع الرهن غير ثقة لم يكن للحاكم الاعتراض؟ قلنا: ~~لأن للحاكم هاهنا نظرا واجتهادا؛ فإنه قد يظهر غريم آخر، فيتعلق حقه به، ~~فلهذا نظر فيه، بخلاف الرهن، فإنه لا نظر للحاكم فيه # فإن اختار المفلس رجلا، واختار الغرماء آخر، أقر الحاكم الثقة منهما، فإن ~~كانا ثقتين، قدم المتطوع منهما؛ لأنه أوفر، فإن كانا متطوعين، ضم أحدهما ~~إلى الآخر، وإن كانا بجعل، قدم أعرفهما وأوثقهما، فإن تساويا قدم من يرى ~~منهما. فإن وجد متطوعا بالنداء، وإلا دفعت الأجرة من مال المفلس؛ لأن البيع ~~حق عليه، لكونه طريق وفاء دينه # وقيل يدفع من بيت المال؛ لأنه من المصالح، وكذلك الحكم في أجر من يحفظ ~~المتاع والثمن، وأجر الحمالين، ونحوهم. ويستحب بيع كل شيء في سوقه؛ البز في ~~البزازين، والكتب في سوقها، ونحو ذلك؛ لأنه أحوط وأكثر لطلابه، ومعرفة ~~قيمته. فإن باع في غير سوقه بثمن مثله، جاز؛ لأن الغرض تحصيل الثمن، وربما ~~أدى الاجتهاد إلى أن ذلك أصلح، ولذلك لو قال: بع ثوبي في سوق كذا بكذا. ~~فباعه بذلك في سوق آخر، جاز # PageV04P333 # ويبيع بنقد البلد؛ لأنه أوفر. فإن كان في البلد نقود باع بغالبها، فإن ~~تساوت باع بجنس الدين، وإن زاد في السلعة زائد في مدة الخيار، ms2205 ألزم الأمين ~~الفسخ؛ لأنه أمكنه بيعه بثمن، فلم يجز بيعه بدونه، كما لو زيد فيه قبل ~~العقد # وإن زاد بعد لزوم العقد، استحب للأمين سؤال المشتري الإقالة، واستحب ~~للمشتري الإجابة إلى ذلك؛ لتعليقه بمصلحة المفلس، وقضاء دينه، فيبدأ ببيع ~~العبد الجاني، فيدفع إلى المجني عليه أقل الأمرين من ثمنه أو أرش جنايته، ~~وما فضل منه رده إلى الغرماء، ثم يبيع الرهن، فيدفع إلى المرتهن قدر دينه، ~~وما فضل من ثمنه رده إلى الغرماء، وإن بقيت من دينه بقية، ضرب بها مع ~~الغرماء، ثم يبيع ما يسرع إليه الفساد من الطعام الرطب؛ لأن بقاءه يتلفه ~~بيقين، ثم يبيع الحيوان، لأنه معرض للتلف، ويحتاج إلى مؤنة في بقائه، ثم ~~يبيع السلع والأثاث، لأنه يخاف عليه، وتناله الأيدي، ثم العقار آخرا؛ لأنه ~~لا يخاف تلفه، وبقاؤه أشهر له وأكثر لطلابه # ومتى باع شيئا من ماله، وكان الدين لواحد وحده، دفعه إليه؛ لأنه لا حاجة ~~إلى تأخيره، وإن كان له غرماء، فأمكن قسمته عليهم، قسم ولم يؤخر، وإن لم ~~يمكن قسمته، أودع عند ثقة، إلى أن يجتمع، ويمكن قسمته فيقسم. وإن احتاج في ~~حفظه إلى غرامة، دفع ذلك إلى من يحفظه. إذا ثبت هذا عدنا إلى مسألة الكتاب، ~~فنقول: لا تباع داره التي لا غنى له عن سكناها # وبهذا قال أبو حنيفة وإسحاق. وقال شريح ومالك والشافعي: تباع، ويكتري له ~~بدلها. واختاره ابن المنذر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي ~~أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال لغرمائه «خذوا ما وجدتم» . # وهذا مما وجدوه، ولأنه عين مال المفلس فوجب صرفه في دينه، كسائر ماله # ولنا، أن هذا مما لا غنى للمفلس عنه، فلم يصرف في دينه، كثيابه وقوته، ~~والحديث قضية في عين، ويحتمل أنه لم يكن له عقار، ولا خادم، ويحتمل أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # (خذوا ما وجدتم) مما تصدق به عليه، فإن المذكور قبل ذلك، كذلك روي أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تصدقوا عليه. فتصدقوا ms2206 عليه، فلم يبلغ ~~ذلك وفاء دينه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - خذوا ما وجدتم» . # أي مما تصدق به عليه، والظاهر أنه لم يتصدق عليه بدار وهو محتاج إلى ~~سكناها ولا خادم وهو محتاج إلى خدمته، ولأن الحديث مخصوص بثياب المفلس ~~وقوته، فنقيس عليه محل النزاع، وقياسهم منتقض بذلك أيضا، وبأجر المسكن، ~~وسائر ماله يستغنى عنه، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل كان للمفلس داران يستغني بسكني إحداهما] # (3456) فصل: وإن كان له داران يستغني بسكنى إحداهما، بيعت الأخرى؛ لأن به ~~غنى عن سكناها. وإن كان مسكنه واسعا، لا يسكن مثله في مثله، بيع، واشتري له ~~مسكن مثله، ورد الفضل على الغرماء، كالثياب التي له إذا كانت رفيعة لا يلبس ~~مثله مثلها. # ولو كان المسكن والخادم اللذين # PageV04P334 # لا يستغني عنهما عين مال بعض الغرماء، أو كان جميع ماله أعيان أموال أفلس ~~بأثمانها، ووجدها أصحابها، فلهم أخذها، بالشرائط التي ذكرناها؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق ~~به» . # ولأن حقه تعلق بالعين، فكان أقوى سببا من المفلس، ولأن الإعسار بالثمن ~~سبب يستحق به الفسخ، فلم يمنعه منه تعلق حاجة المشتري، كما قبل القبض، ~~وكالعيب والخيار. ولأن منعهم من أخذ أعيان أموالهم يفتح باب الحيل، بأن ~~يجيء من لا مال له، فيشتري في ذمته ثيابا يلبسها، ودارا يسكنها، وخادما ~~يخدمه، وفرسا يركبها، وطعاما له ولعائلته ويمتنع على أربابها أخذها؛ لتعلق ~~حاجته بها، فتضيع أموالهم ويستغني هو بها. # فعلى هذا يؤخذ ذلك. ولا يترك له شيء منه؛ لأنه أعيان أموال الناس، فكانوا ~~أحق بها منه، كما لو كانت في أيديهم، أو أخذها منهم غصبا. ### | [فصل كان المفلس ذا صنعة] # (3457) فصل: ولو كان المفلس ذا صنعة، يكسب ما يمونه ويمون من تلزمه ~~مؤنته، أو كان يقدر على أن يكسب ذلك بأن يؤجر نفسه، أو يتوكل لإنسان، أو ~~يكتسب من المباحات ما يكفيه، لم يترك له من ماله شيء. وإن لم يقدر على شيء ~~مما ذكرناه، ترك له من ماله ms2207 قدر ما يكفيه. # قال الإمام أحمد، - رحمه الله تعالى -، في رواية أبي داود: ويترك له قوت ~~يتقوت به، وإن كان له عيال ترك له قوام. # وقال، في رواية الميموني: يترك له قدر ما يقوم به معاشه، ويباع الباقي. ~~وهذا في حق الشيخ الكبير، وذوي الهيئات الذين لا يمكنهم التصرف بأبدانهم. ~~وينبغي أن يجعل ذلك مما لا يتعلق به حق بعضهم بعينه؛ لأن من تعلق حقه ~~بالعين أقوى سببا من غيره. ### | [فصل تلف شيء من مال المفلس تحت يد الأمين] # (3458) فصل: وإذا تلف شيء من مال المفلس تحت يد الأمين، أو بيع شيء من ~~ماله وأودع ثمنه فتلف عند المودع، فهو من ضمان المفلس. وبهذا قال الشافعي ~~وقال مالك العروض من ماله، والدراهم والدنانير من مال الغرماء. وقال ~~المغيرة: الدنانير من مال أصحاب الدنانير، والدراهم من مال أصحاب الدراهم. ~~ولنا، أنه من مال المفلس، ونماؤه له، فكان تلفه في ماله، كالعروض. ### | [فصل إذا اجتمع مال المفلس] # (3459) فصل: وإذا اجتمع مال المفلس قسم بين غرمائه، فإن كانت ديونهم من ~~جنس الأثمان، أخذوها، وإن كان فيهم من دينه من غير جنس الأثمان كالقرض بغير ~~الأثمان، فرضي أن يأخذ عوض حقه من الأثمان، جاز، وإن امتنع. وطلب جنس حقه، ~~ابتيع له بحصته من جنس دينه. ولو أراد الغريم الأخذ من المال المجموع، وقال ~~المفلس: لا أوفيك إلا من جنس دينك. قدم قوله؛ لأن هذا على سبيل المعاوضة، ~~فلا يجوز إلا بتراضيهما عليه. # وإن كان فيهم من له دين من سلم، لم يجز أن يأخذ إلا من جنس # PageV04P335 # حقه، وإن تراضيا على دفع عوضه؛ لأن ما في الذمة من السلم لا يجوز أخذ ~~البدل عنه، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من أسلم في شيء، فلا يصرفه إلى ~~غيره.» ### | [فصل هل يجبر الحاكم المفلس على إيجار نفسه ليقضي دينه] # (3460) فصل: وإذا فرق مال المفلس، وبقيت عليه بقية، وله صنعة، فهل يجبره ~~الحاكم على إيجار نفسه، ليقضي دينه؟ على روايتين؛ إحداهما، لا يجبره، وهو ~~قول مالك والشافعي ms2208 لقول الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} ~~[البقرة: 280] . # ولما روى أبو سعيد، «أن رجلا أصيب في ثمار ابتاعها، وكثر دينه، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - تصدقوا عليه. فتصدقوا عليه، فلم يبلغ وفاء ~~دينه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ~~ذلك.» رواه مسلم. # ولأن هذا تكسب للمال، فلم يجبره عليه، كقبول الهبة والصدقة، وكما لا تجبر ~~المرأة على التزويج لتأخذ المهر. # والثانية، يجبر على الكسب. وهو قول عمر بن عبد العزيز وسوار والعنبري ~~وإسحاق؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - باع سرقا في دينه، وكان سرق رجلا ~~دخل المدينة، وذكر أن وراءه مالا، فداينه الناس، فركبته ديون، ولم يكن ~~وراءه مال، فسماه سرقا، وباعه بخمسة أبعرة. والحر لا يباع، ثبت أنه باع ~~منافعه. ولأن المنافع تجري مجرى الأعيان، في صحة العقد عليها وتحريم أخذ ~~الزكاة، وثبوت الغنى بها، فكذلك في وفاء الدين منها. # ولأن الإجارة عقد معاوضة، فجاز إجباره عليها، كبيع ماله في وفاء الدين ~~منها. ولأنها إجارة لما يملك إجارته، فيجبر عليها في وفاء دينه، كإجارة أم ~~ولده. ولأنه قادر على وفاء دينه، فلزمه. كمالك ما يقدر على الوفاء منه. فإن ~~قيل: حديث سرق منسوخ، بدليل أن الحر لا يباع، والبيع وقع على رقبته، بدليل ~~أن في الحديث أن الغرماء قالوا لمشتريه: ما تصنع به؟ قال أعتقه. قالوا: ~~لسنا بأزهد منك في إعتاقه. فأعتقوه. # قلنا: هذا إثبات النسخ بالاحتمال، ولا يجوز، ولم يثبت أن بيع الحر كان ~~جائزا في شريعتنا، وحمل لفظ بيعه على بيع منافعه أسهل من حمله على بيع ~~رقبته المحرم، فإن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه سائغ كثير في ~~القرآن، وفي كلام العرب، كقوله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: ~~93] # {ولكن البر من آمن بالله} [البقرة: 177] # {واسأل القرية} [يوسف: 82] # وغير ذلك. وكذلك قوله: " أعتقه ". أي من حقي عليه. # وكذلك قال: " فأعتقوه " يعني الغرماء، وهم لا يملكون إلا الدين الذي ~~عليه. وأما قوله تعالى: {وإن كان ذو ms2209 عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] # فيتوجه منع كونه داخلا تحت عمومها؛ فإن هذا في حكم الأغنياء، في حرمان ~~الزكاة، وسقوط نفقته عن قريبه، ووجوب نفقة قريبه عليه، وحديثهم قضية عين، ~~لا يثبت حكمها إلا في مثلها، ولم # PageV04P336 # يثبت أن لذلك الغريم كسبا يفضل عن قدر نفقته. وأما قبول الهبة والصدقة، ~~ففيه منة ومعرة تأباها قلوب ذوي المروءات، بخلاف مسألتنا. إذا ثبت هذا، فلا ~~يجبر على الكسب إلا من في كسبه فضلة عن نفقته، ونفقة من يمونه، على ما تقدم ~~ذكره. ### | [فصل لا يجبر المفلس على قبول هدية] # (3461) فصل: ولا يجبر على قبول هدية، ولا صدقة، ولا وصية ولا قرض، ولا ~~تجبر المرأة على التزوج، ليأخذ مهرها، لأن في ذلك ضررا للحوق المنة في ~~الهدية والصدقة والوصية، والعوض في القرض، وملك الزوج للمرأة في النكاح، ~~ووجوب حقوقه عليها. ولو باع بشرط الخيار، ثم أفلس، فالخيار بحاله، ولا يجبر ~~على ما فيه الحظ من الرد والإمضاء؛ لأن الفلس يمنعه من إحداث عقد، أما من ~~إمضائه وتنفيذ عقوده فلا. # وإن جني على المفلس جناية توجب المال، ثبت المال، وتعلقت حقوق الغرماء ~~به، ولا يصح منه العفو عنه. وإن كانت موجبة للقصاص، فهو مخير بين القصاص ~~والعفو، ولا يجبر على العفو على مال؛ لأن ذلك يفوت القصاص الذي يجب ~~لمصلحته، فإن اقتص، لم يجب للغرماء شيء. وإن عفا على مال، ثبت، وتعلقت حقوق ~~الغرماء به. # وإن عفا مطلقا، انبنى على الروايتين، في موجب العمد، إن قلنا: القصاص ~~خاصة. لم يثبت شيء، وسقط القصاص. وإن قلنا: أحد أمرين. ثبتت له الدية، ~~وتعلقت بها حقوق الغرماء. وإن عفا على غير مال، فعلى الروايتين أيضا. فإن ~~قلنا: القصاص عينا. لم يثبت شيء. وإن قلنا: أحد الأمرين. تثبت الدية، ولم ~~يصح إسقاطه، لأن عفوه عن القصاص يثبت له الدية، ولا يصح إسقاطها. وإن وهب ~~هبة بشرط الثواب، ثم أفلس، فبذل له الثواب، لزمه قبوله، ولم يكن له إسقاطه؛ ~~لأنه أخذه على سبيل العوض عن الموهوب، فلزمه قبوله، كالثمن ms2210 في البيع. # وليس له إسقاط شيء من ثمن مبيع، أو أجرة في إجارة، ولا قبضه رديئا، ولا ~~قبض المسلم فيه دون صفاته، إلا بإذن غرمائه. ومذهب الشافعي في هذا الفصل ~~كله كمذهبنا. ### | [فصل إذا فرق مال المفلس فهل ينفك عنه الحجر بذلك] # (3462) فصل إذا فرق مال المفلس، فهل ينفك عنه الحجر بذلك، أو يحتاج إلى ~~فك الحجر عنه؟ فيه وجهان؛ أحدهما، يزول بقسمة ماله؛ لأنه حجر عليه لأجله، ~~فإذا زال ملكه عنه، زال سبب الحجر، فزال الحجر، كزوال حجر المجنون، لزوال ~~جنونه. # والثاني، لا يزول إلا بحكم الحاكم؛ لأنه ثبت بحكمه، فلا يزول إلا بحكمه، ~~كالمحجور عليه لسفه. وفارق الجنون، فإنه يثبت بنفسه، فزال بزواله. # ولأن فراغ ماله يحتاج إلى معرفة وبحث، فوقف ذلك على الحاكم، بخلاف ~~المجنون. # PageV04P337 ### | [فصل المفلس إذا ثبت إعساره عند الحاكم] # (3463) فصل: ومتى ثبت إعساره عند الحاكم، لم يكن لأحد مطالبته وملازمته. ~~وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: لغرمائه ملازمته من غير أن يمنعوه من ~~الكسب، فإذا رجع إلى بيته، فأذن لهم في الدخول، دخلوا معه، وإلا منعوه من ~~الدخول، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لصاحب الحق اليد واللسان» . # ولنا، أن من ليس لصاحب الحق مطالبته، لم يكن له ملازمته، كما لو كان دينه ~~مؤجلا، وقول الله تعالى {فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] . # ومن وجب إنظاره، حرمت ملازمته، كمن دينه مؤجل. والحديث فيه مقال. قاله. ~~ابن المنذر ثم نحمله على الموسر، بدليل ما ذكرنا، فقد ثبت أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لغرماء الذي أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه: «خذوا ~~ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك.» رواه مسلم، والترمذي. # وإن فك الحجر عنه لم يكن لأحد مطالبته، ولا ملازمته، حتى يملك مالا، فإن ~~جاء الغرماء عقيب فك الحجر عنه، فادعوا أن له مالا، لم يلتفت إلى قولهم، ~~حتى يثبتوا سببه، فإن جاءوا بعد مدة، فادعوا أن في يده مالا، أو ادعوا ذلك ~~عقيب فك الحجر، وبينوا سببه أحضره الحاكم وسأله، فإن أنكر، فالقول قوله ms2211 مع ~~يمينه؛ لأنه ما فك الحجر عنه حتى لم يبق له شيء، وإن أقر، وقال: هو لفلان، ~~وأنا وكيله أو مضاربه. # وكان المقر له حاضرا، سأله الحاكم، فإن صدقه فهو له، ويستحلفه الحاكم، ~~لجواز أن يكونا تواطأ على ذلك. ليدفع المطالبة عن المفلس. وإن قال: ما هو ~~لي. عرفنا كذب المفلس، فيصير كأنه قال: المال لي. فيعاد الحجر عليه إن طلب ~~الغرماء ذلك. وإن أقر لغائب، أقر في يديه حتى يحضر الغائب، ثم يسأل، كما ~~حكمنا في الحاضر. # ومتى أعيد الحجر عليه لديون تجددت عليه، شارك غرماء الحجر الأول غرماء ~~الحجر الثاني إلا أن الأولين يضربون ببقية ديونهم، والآخرين يضربون ~~بجميعها. وبهذا قال الشافعي وقال مالك لا يدخل غرماء الحجر الأول على هؤلاء ~~الذين تجددت حقوقهم، حتى يستوفوا، إلا أن تكون له فائدة من ميراث، أو يجنى ~~عليه جناية، فيتحاص الغرماء فيه. # ولنا، أنهم تساووا في ثبوت حقوقهم في ذمته، فتساووا في الاستحقاق، كالذين ~~تثبت حقوقهم في حجر واحد، وكتساويهم في الميراث وأرش الجناية، ولأن مكسبه ~~مال له، فتساووا فيه، كالميراث. ### | [مسألة وجب عليه حق فذكر أنه معسر به] # (3464) مسألة؛ قال: (ومن وجب عليه حق، فذكر أنه معسر به، حبس إلى أن يأتي ~~ببينة تشهد بعسرته) وجملته أن من وجب عليه دين حال، فطولب به، ولم يؤده، ~~نظر الحاكم؛ فإن كان في يده مال ظاهر أمره بالقضاء، فإن ذكر أنه لغيره، فقد ~~ذكرنا حكمه في الفصل الذي قبل هذا، وإن لم يجد له مالا ظاهرا، فادعى ~~الإعسار، فصدقه غريمه، لم يحبس، ووجب إنظاره، ولم تجز ملازمته، لقول الله ~~تعالى # PageV04P338 # {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] . ولقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لغرماء الذي كثر دينه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ~~ذلك.» ولأن الحبس إما أن يكون لإثبات عسرته أو لقضاء دينه، وعسرته ثابتة، ~~والقضاء متعذر، فلا فائدة في الحبس. # وإن كذبه غريمه فلا يخلو، إما أن يكون عرف له مال أو لم يعرف، فإن عرف له ~~مال ms2212 لكون الدين ثبت عن معاوضة، كالقرض والبيع، أو عرف له أصل مال سوى هذا، ~~فالقول قول غريمه مع يمينه. فإذا حلف أنه ذو مال، حبس حتى تشهد البينة ~~بإعساره. قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم، يرون ~~الحبس في الدين، منهم مالك والشافعي وأبو عبيد والنعمان وسوار وعبيد الله ~~بن الحسن وروي عن شريح، والشعبي. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يقسم ماله ~~بين الغرماء، ولا يحبس. # وبه قال عبد الله بن جعفر، والليث بن سعد ولنا أن الظاهر قول الغريم، ~~فكان القول قوله، كسائر الدعاوى. فإن شهدت البينة بتلف ماله، قبلت شهادتهم، ~~سواء كانت من أهل الخبرة الباطنة أو لم تكن؛ لأن التلف يطلع عليه أهل ~~الخبرة وغيرهم. وإن طلب الغريم إحلافه على ذلك، لم يجب إليه؛ لأن ذلك تكذيب ~~للبينة، وإن شهدت مع ذلك بالإعسار اكتفي بشهادتها، وثبتت عسرته، وإن لم ~~تشهد بعسرته، وإنما شهدت بالتلف لا غير، وطلب الغريم يمينه على عسره، وأنه ~~ليس له مال آخر، استحلف على ذلك؛ لأنه غير ما شهدت به البينة. # وإن لم تشهد بالتلف، وإنما شهدت بالإعسار، لم تقبل الشهادة إلا من ذي ~~خبرة باطنة، ومعرفة متقادمة لأن هذا من الأمور الباطنة، لا يطلع عليه في ~~الغالب إلا أهل الخبرة والمخالطة. وهذا مذهب الشافعي وحكي عن مالك أنه قال: ~~لا تسمع البينة على الإعسار؛ لأنها شهادة على النفي، فلم تسمع، كالشهادة ~~على أنه لا دين عليه. # ولنا، ما روى قبيصة بن المخارق، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: ~~«يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت ~~المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة، فاجتاحت ماله، فحلت له ~~المسألة، حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة، ~~حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة. فحلت له ~~المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال: سدادا من عيش.» رواه مسلم وأبو ms2213 ~~داود. وقولهم: إن الشهادة على النفي لا تقبل. قلنا: لا ترد مطلقا، فإنه لو ~~شهدت البينة أن هذا وارث الميت، لا وارث له سواه قبلت، ولأن هذه وإن كانت ~~تتضمن النفي، فهي تثبت حالة تظهر، ويوقف عليها بالمشاهدة، بخلاف ما إذا ~~شهدت أنه لا حق له، فإن هذا مما لا يوقف عليه، # PageV04P339 # ولا يشهد به حال يتوصل بها إلى معرفته به، بخلاف مسألتنا. # وتسمع البينة في الحال، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: لا تسمع في ~~الحال، ويحبس شهرا، وروي ثلاثة أشهر، وروي أربعة أشهر، حتى يغلب على ظن ~~الحاكم أنه لو كان له مال لأظهره. # ولنا، أن كل بينة جاز سماعها بعد مدة، جاز سماعها في الحال، كسائر ~~البينات، وما ذكروه لو كان صحيحا لأغنى عن البينة. فإن قال الغريم: أحلفوه ~~لي مع يمينه أنه لا مال له، لم يستحلف في ظاهر كلام أحمد لأنه قال، في ~~رواية إسحاق بن إبراهيم في رجل جاء بشهود على حق، فقال الغريم استحلفوه: لا ~~يستحلف؛ لأن ظاهر الحديث: " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ". قال ~~القاضي: سواء شهدت البينة بتلف المال أو بالإعسار وهذا أحد قولي الشافعي؛ ~~لأنها بينة مقبولة، فلم يستحلف معها، كما لو شهدت بأن هذا عبده، أو هذه ~~داره. # ويحتمل أن يستحلف. وهذا القول الثاني للشافعي لأنه يحتمل أن له مالا خفي ~~على البينة. ويصح عندي إلزامه اليمين على الإعسار، فيما إذا شهدت البينة ~~بتلف المال، وسقوطها عنه فيما إذا شهدت بالإعسار، لأنها إذا شهدت بالتلف، ~~صار كمن لم يثبت له أصل مال أو بمنزلة من أقر له غريمه بتلف ذلك المال، ~~وادعى أن له مالا سواه، أو أنه استحدث مالا بعد تلفه. # ولو لم تقم البينة، وأقر له غريمه بتلف ماله وادعى أن له مالا سواه، ~~لزمته اليمين، فكذلك إذا قامت به البينة، فإنها لا تزيد على الإقرار. وإن ~~كان الحق يثبت عليه في غير مقابلة مال أخذه، كأرش جناية، وقيمة متلف، ومهر ~~أو ضمان أو كفالة، ms2214 أو عوض خلع، إن كان امرأة، وإن لم يعرف له مال، حلف أنه ~~لا مال له، وخلى سبيله، ولم يحبس. وهذا قول الشافعي وابن المنذر فإن شهدت ~~البينة بإعساره، قبلت، ولم يستحلف معها؛ لما تقدم. # وإن شهدت أنه كان له مال، فتلف، لم يستغن بذلك عن يمينه؛ لما ذكرناه. ~~وكذلك لو أقر له به غريمه، وإنما اكتفينا بيمينه؛ لأن الأصل عدم المال، لما ~~روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحبة وسواء ابني خالد بن سواء: ~~«لا تيئسا من الرزق ما اهتزت رءوسكما، فإن ابن آدم يخلق وليس له إلا ~~قشرتاه، ثم يرزقه الله تعالى.» قال ابن المنذر: الحبس عقوبة، ولا نعلم له ~~ذنبا يعاقب به. والأصل عدم ماله، بخلاف المسألة الأولى، فإن # PageV04P340 # الأصل ثبوت ماله، فيحبس حتى يعلم ذهابه. والخرقي لم يفرق بين الحالين، ~~لكنه يحمل كلامه على ما ذكرنا، لقيام الدليل على الفرق. ### | [فصل امتناع الموسر من قضاء الدين] # (3465) فصل: إذا امتنع الموسر من قضاء الدين، فلغريمه ملازمته، ومطالبته، ~~والإغلاظ له بالقول، فيقول: يا ظالم، يا معتد. ونحو ذلك؛ لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لي الواجد، يحل عقوبته وعرضه» . فعقوبته حبسه، ~~وعرضه أي يحل القول في عرضه بالإغلاظ له. وقال: النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «مطل الغني ظلم» . وقال: «إن لصاحب الحق مقالا.» ### | [مسألة مات فتبين أنه كان مفلسا] # (3466) مسألة؛ قال: (وإذا مات، فتبين أنه كان مفلسا، لم يكن لأحد من ~~الغرماء أن يأخذ عين ماله) هذا الشرط الخامس لاستحقاق استرجاع عين المال من ~~المفلس، وهو أن يكون حيا، فإن مات، فالبائع أسوة الغرماء، سواء علم بفلسه ~~قبل الموت، فحجر عليه ثم مات، أو مات فتبين فلسه. وبهذا قال مالك وإسحاق ~~وقال الشافعي: له الفسخ واسترجاع العين؛ لما روى ابن خلدة الزرقي، قاضي ~~المدينة قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس، فقال أبو هريرة: هذا ~~الذي قضى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما رجل مات، أو أفلس، ~~فصاحب المتاع أحق بمتاعه ms2215 إذا وجده بعينه.» رواه أبو داود، وابن ماجه. ~~واحتجوا بعموم قوله: - عليه السلام - «من أدرك متاعه بعينه عند رجل، أو ~~إنسان، قد أفلس، فهو أحق به» . # ولأن هذا العقد يلحقه الفسخ بالإقالة، فجاز فسخه لتعذر العوض، كما لو ~~تعذر المسلم فيه، ولأن الفلس سبب لاستحقاق الفسخ، فجاز الفسخ به بعد الموت ~~كالعيب. # ولنا، ما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث المفلس: «فإن مات فصاحب المتاع أسوة ~~الغرماء.» رواه أبو داود. وروى أبو اليمان، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي ~~سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرئ ~~مات، وعنده مال امرئ بعينه، اقتضى من ثمنه شيئا، أو لم يقتض، فهو أسوة ~~الغرماء.» رواه ابن ماجه. . # ولأنه تعلق به حق غير المفلس والغرماء، وهم الورثة فأشبه المرهون. ~~وحديثهم مجهول الإسناد، قال ابن المنذر: قال ابن عبد البر يرويه أبو ~~المعتمر، عن الزرقي، # PageV04P341 # وأبو المعتمر غير معروف بحمل العلم. # ثم هو غير معمول به إجماعا؛ فإنه جعل المتاع لصاحبه بمجرد موت المشتري، ~~من غير شرط فلسه، ولا تعذر وفائه، ولا عدم قبض ثمنه، والأمر بخلاف ذلك عند ~~جميع العلماء، إلا ما حكي عن الإصطخري من أصحاب الشافعي، أنه قال: لصاحب ~~السلعة أن يرجع فيها إذا مات المشتري، وإن خلف وفاء. وهذا شذوذ عن أقوال ~~أهل العلم، وخلاف للسنة لا يعرج على مثله. # وأما الحديث الآخر، فنقول به، وإن صاحب المتاع أحق به إذا وجده عند ~~المفلس، وما وجده في مسألتنا عنده، إنما وجده عند ورثته، فلا يتناوله ~~الخبر، وإنما يدل بمفهومه على أنه لا يستحق الرجوع فيه، ثم هو مطلق وحديثنا ~~يقيده، وفيه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة. # وتفارق حالة الحياة حال الموت لأمرين؛ أحدهما، أن الملك في الحياة ~~للمفلس، وها هنا لغيره. والثاني، أن ذمة المفلس خربت هاهنا خرابا لا يعود، ~~فاختصاص هذا بالعين يستضر به الغرماء كثيرا، بخلاف حالة ms2216 الحياة. ### | [مسألة أراد سفرا وعليه حق يستحق قبل مدة سفره] # (3467) مسألة؛ قال: (ومن أراد سفرا وعليه حق يستحق قبل مدة سفره فلصاحب ~~الحق منعه) وجملة ذلك أن من عليه دين إذا أراد السفر، وأراد غريمه منعه، ~~نظرنا؛ فإن كان محل الدين قبل محل قدومه من السفر، مثل أن يكون سفره إلى ~~الحج لا يقدم إلا في صفر، ودينه يحل في المحرم أو ذي الحجة، فله منعه من ~~السفر؛ لأن عليه ضررا في تأخير حقه عن محله. # فإن أقام ضمينا مليئا، أو دفع رهنا يفي بالدين عند المحل، فله السفر؛ لأن ~~الضرر يزول بذلك. وأما إن كان الدين لا يحل إلا بعد محل السفر، مثل أن يكون ~~محله في ربيع، وقدومه في صفر، نظرنا؛ فإن كان سفره إلى الجهاد، فله منعه ~~إلا بضمين أو رهن؛ لأنه سفر يتعرض فيه للشهادة، وذهاب النفس، فلا يأمن فوات ~~الحق. # وإن كان السفر لغير الجهاد فظاهر كلام الخرقي أنه ليس له منعه، وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد لأن هذا السفر ليس بأمارة على منع الحق في محله، فلم ~~يملك منعه منه، كالسفر القصير، وكالسعي إلى الجمعة. # وقال الشافعي ليس له منعه من السفر، ولا المطالبة بكفيل إذا كان الدين ~~مؤجلا بحال، سواء كان الدين يحل قبل محل سفره أو بعده، أو إلى الجهاد أو ~~إلى غيره؛ لأنه لا يملك المطالبة بالدين، فلم يملك منعه من السفر، ولا ~~المطالبة بكفيل، كالسفر الآمن القصير. # ولنا، أنه سفر يمنع استيفاء الدين في محله، فملك منعه منه، إن لم يوثقه ~~بكفيل، أو رهن، كالسفر بعد حلول الحق، ولأنه لا يملك تأخير الدين عن محله، ~~وفي السفر المختلف فيه تأخيره عن محله، فلم يملكه، كجحده. # PageV04P342 ### | [كتاب الحجر] # الحجر؛ في اللغة: المنع والتضييق. ومنه سمي الحرام حجرا، قال تعالى: ~~{ويقولون حجرا محجورا} [الفرقان: 22] # أي حراما محرما، ويسمى العقل حجرا، قال الله تعالى {هل في ذلك قسم لذي ~~حجر} [الفجر: 5] . أي عقل. سمي حجرا؛ لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح، ~~وتضر ms2217 عاقبته، وهو في الشريعة: منع الإنسان من التصرف في ماله، والحجر على ~~ضربين، حجر على الإنسان لحق نفسه، وحجر عليه لحق غيره، فالحجر عليه لحق ~~غيره، كالحجر على المفلس، لحق غرمائه، وعلى المريض في التبرع بزيادة على ~~الثلث، أو التبرع بشيء لوارث لحق ورثته، وعلى المكاتب والعبد لحق سيدهما، ~~والراهن يحجر عليه في الرهن لحق المرتهن، ولهؤلاء أبواب يذكرون فيها. وأما ~~المحجور عليه لحق نفسه، فثلاثة؛ الصبي، والمجنون، والسفيه، وهذا الباب مختص ~~بهؤلاء الثلاثة. والحجر عليهم حجر عام؛ لأنهم يمنعون التصرف في أموالهم ~~وذممهم. والأصل في الحجر عليهم قول الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ~~التي جعل الله لكم قياما} [النساء: 5] والآية التي بعدها. قال سعيد بن جبير ~~وعكرمة هو مال اليتيم عندك، لا تؤته إياه، وأنفق عليه. وإنما أضاف الأموال ~~إلى الأولياء وهي لغيرهم؛ لأنهم قوامها ومدبروها، وقوله تعالى: {وابتلوا ~~اليتامى} [النساء: 6] يعني، اختبروهم في حفظهم لأموالهم. {حتى إذا بلغوا ~~النكاح} [النساء: 6] أي مبلغ الرجال والنساء. {فإن آنستم منهم رشدا} ~~[النساء: 6] أي أبصرتم وعلمتم منهم حفظا لأموالهم، وصلاحا في تدبير ~~معايشهم. ### | [مسألة أونس منه رشد] ### | [الفصل الأول دفع المال إلى المحجور عليه إذا رشد وبلغ] # (3468) مسألة؛ قال أبو القاسم - رحمه الله -: (ومن أونس منه رشد، دفع ~~إليه ماله، إذا كان قد بلغ) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة: # (3469) أحدها، في وجوب دفع المال إلى المحجور عليه إذا رشد وبلغ، وليس ~~فيه اختلاف بحمد الله تعالى. قال ابن المنذر: اتفقوا على ذلك، وقد أمر الله ~~تعالى به في نص كتابه، بقوله سبحانه: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا ~~النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] ولأن الحجر ~~عليه إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله على وجه المصلحة، حفظا لماله عليه، ~~وبهذين المعنيين يقدر على التصرف، ويحفظ ماله، فيزول الحجر، لزوال سببه. # ولا يعتبر في زوال الحجر عن المجنون إذا عقل حكم حاكم، بغير خلاف، ولا ~~يعتبر ذلك في الصبي إذا رشد وبلغ. وبهذا قال الشافعي وقال مالك ms2218 لا يزول إلا ~~بحاكم. وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأنه موضع اجتهاد ونظر، فإنه يحتاج في ~~معرفة البلوغ والرشد إلى اجتهاد، فيوقف ذلك على حكم الحاكم، كزوال الحجر عن ~~السفيه. # ولنا، أن الله تعالى أمر بدفع أموالهم إليهم عند البلوغ وإيناس الرشد، ~~فاشتراط حكم الحاكم زيادة # PageV04P343 # تمنع الدفع عند وجوب ذلك بدون حكم الحاكم، وهذا خلاف النص، ولأنه حجر ~~بغير حكم حاكم فيزول بغير حكمه، كالحجر على المجنون، وبهذا فارق السفيه. # وقد ذكر أبو الخطاب أن الحجر على السفيه يزول بزوال السفه. والأول أولى. ~~فصار الحجر منقسما إلى ثلاثة أقسام، قسم يزول بغير حكم حاكم، وهو حجر ~~المجنون، وقسم لا يزول إلا بحاكم، وهو حجر السفيه، وقسم فيه الخلاف، وهو ~~حجر الصبي. ### | [الفصل الثاني اليتيم لا يدفع إليه ماله قبل وجود أمرين] # (3470) الفصل الثاني، أنه لا يدفع إليه ماله قبل وجود الأمرين، البلوغ ~~والرشد ولو صار شيخا. وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أكثر علماء ~~الأمصار من أهل الحجاز، والعراق، والشام،، ومصر، يرون الحجر على كل مضيع ~~لماله، صغيرا كان أو كبيرا. # وهذا قول القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وبه قال مالك والشافعي وأبو ~~يوسف ومحمد. وروى الجوزجاني، في " كتابه "، قال: كان القاسم بن محمد يلي ~~أمر شيخ من قريش ذي أهل ومال، فلا يجوز له أمر في ماله دونه؛ لضعف عقله. ~~قال ابن إسحاق: رأيته شيخا يخضب، وقد جاء إلى القاسم بن محمد، فقال: يا أبا ~~محمد، ادفع إلي مالي، فإنه لا يولى على مثلي فقال: إنك فاسد. فقال: امرأته ~~طالق ألبتة، وكل مملوك له حر، إن لم تدفع إلي مالي. فقال له القاسم بن محمد ~~وما يحل لنا أن ندفع إليك مالك على حالك هذه. فبعث إلى امرأته، وقال: هي ~~حرة مسلمة، وما كنت لأحبسها عليك وقد فهت بطلاقها. فأرسل إليها فأخبرها ~~ذلك، وقال: أما رقيقك فلا عتق لك، ولا كرامة. فحبس رقيقه. قال ابن إسحاق: ~~ما كان يعاب على الرجل إلا سفهه. # وقال ms2219 أبو حنيفة: لا يدفع ماله إليه قبل خمس وعشرين سنة، وإن تصرف نفذ ~~تصرفه، فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة، فك عنه الحجر. # ودفع إليه ماله؛ لقول الله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن حتى يبلغ أشده} [الإسراء: 34] وهذا قد بلغ أشده، ويصلح أن يكون جدا، ~~ولأنه حر بالغ عاقل مكلف، فلا يحجر عليه، كالرشيد. # ولنا، قول الله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم ~~منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] . علق الدفع على شرطين، ~~والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما، وقال الله تعالى: {ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم} [النساء: 5] . يعني أموالهم، وقول الله تعالى: {فإن كان ~~الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} ~~[البقرة: 282] فأثبت الولاية على السفيه، ولأنه مبذر لماله، فلا يجوز دفعه ~~إليه، كمن له دون ذلك. # وأما الآية التي احتج بها، فإنما يدل بدليل خطابها، وهو لا يقول به، ثم ~~هي مخصصة فيما قبل خمس وعشرين سنة بالإجماع، لعلة السفه، وهو موجود بخمس ~~وعشرين، فيجب أن تخص به أيضا، كما أنها لما خصصت في حق المجنون لأجل جنونه ~~قبل # PageV04P344 # خمس وعشرين، خصت أيضا بخمس وعشرين، وما ذكرناه من المنطوق أولى مما استدل ~~به من المفهوم المخصص، وما ذكروه من كونه جدا ليس تحته معنى يقضي الحكم، ~~ولا له أصل يشهد له في الشرع، فهو إثبات للحكم بالتحكم. # ثم هو متصور في من له دون هذه السن، فإن المرأة تكون جدة لإحدى وعشرين ~~سنة، وقياسهم منتقض بمن له دون خمس وعشرين سنة، وما أوجب الحجر قبل خمس ~~وعشرين يوجبه بعدها. # إذا ثبت هذا فإنه لا يصح تصرفه، ولا إقراره. وقال أبو حنيفة: يصح بيعه ~~وإقراره. وإنما لا يسلم إليه ماله؛ لأن البالغ عنده لا يحجر عليه، وإنما ~~منع تسليم ماله إليه للآية. وقال أصحابنا في إقراره: يلزمه بعد فك الحجر ~~عنه، إذا كان بالغا. # ولنا، أنه لا يدفع إليه ماله لعدم رشده، فلا يصح تصرفه ms2220 وإقراره، كالصبي، ~~والمجنون، ولأنه إذا نفذ تصرفه وإقراره تلف ماله، ولم يفد منعه من ماله ~~شيئا، ولأن تصرفه لو كان نافذا، لسلم إليه ماله، كالرشيد، فإنه إنما يمنع ~~ماله حفظا له، فإذا لم يحفظ بالمنع، وجب تسليمه إليه بحكم الأصل. ### | [الفصل الثالث البلوغ في حق الغلام والجارية] # (3471) الفصل الثالث، في البلوغ، ويحصل في حق الغلام والجارية بأحد ثلاثة ~~أشياء، وفي حق الجارية بشيئين يختصان بها، أما الثلاثة المشتركة بين الذكر ~~والأنثى، فأولها خروج المني من قبله، وهو الماء الدافق الذي يخلق منه ~~الولد، فكيفما خرج في يقظة أو منام، بجماع، أو احتلام، أو غير ذلك، حصل به ~~البلوغ. لا نعلم في ذلك اختلافا؛ لقول الله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم ~~الحلم فليستأذنوا} [النور: 59] وقوله {والذين لم يبلغوا الحلم منكم} ~~[النور: 58] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاث؛ عن ~~الصبي حتى يحتلم.» وقوله - عليه السلام - لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارا» . ~~رواهما أبو داود. # وقال ابن المنذر وأجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم ~~العاقل، وعلى المرأة بظهور الحيض منها. # وأما الإنبات فهو أن ينبت الشعر الخشن حول ذكر الرجل، أو فرج المرأة، ~~الذي استحق أخذه بالموسى، وأما الزغب الضعيف، فلا اعتبار به، فإنه يثبت في ~~حق الصغير. وبهذا قال مالك والشافعي في قول، وقال في الآخر: هو بلوغ في حق ~~المشركين، وهل هو بلوغ في حق المسلمين؟ فيه قولان. # وقال أبو حنيفة لا اعتبار به؛ لأنه نبات شعر، فأشبه نبات شعر سائر البدن. ~~ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، ~~حكم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وأمر أن يكشف عن مؤازرتهم، فمن ~~أنبت، فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت، ألحقوه بالذرية. # وقال عطية القرظي: عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم قريظة، ~~فشكوا في، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينظر إلي، هل أنبت بعد، ~~فنظروا إلي، فلم يجدوني أنبت بعد، فألحقوني بالذرية. # متعلق على ms2221 معناه. وكتب عمر - رضي الله عنه - إلى عامله، # PageV04P345 # أن لا تأخذ الجزية إلا من من جرت عليه المواسي. وروى محمد بن يحيى بن ~~حبان، أن غلاما من الأنصار شبب بامرأة في شعره، فرفع إلى عمر، فلم يجده ~~أنبت، فقال: لو أنبت الشعر لحددتك. # ولأنه خارج يلازمه البلوغ غالبا، ويستوي فيه الذكر والأنثى، فكان علما ~~على البلوغ، كالاحتلام، ولأن الخارج ضربان، متصل، ومنفصل، فلما كان من ~~المنفصل ما يثبت به البلوغ، كان كذلك المتصل. # وما كان بلوغا في حق المشركين، كان بلوغا في حق المسلمين، كالاحتلام، ~~والسن. وأما السن، فإن البلوغ به في الغلام والجارية بخمس عشرة سنة. وبهذا ~~قال الأوزاعي، والشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال داود: لا حد للبلوغ من السن، ~~لقوله - عليه السلام -: «رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم» . وإثبات ~~البلوغ بغيره يخالف الخبر. وهذا قول مالك وقال أصحابه: سبع عشرة، أو ثماني ~~عشرة. # وروي عن أبي حنيفة في الغلام روايتان. إحداهما، سبع عشرة، والثانية، ~~ثماني عشرة. والجارية سبع عشرة بكل حال؛ لأن الحد لا يثبت إلا بتوقيف، أو ~~اتفاق، ولا توقيف في ما دون هذا، ولا اتفاق. # ولنا، أن ابن عمر قال: «عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ~~ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني في القتال، وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة، ~~فأجازني» . متفق عليه. وفي لفظ: عرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة ~~فردني، ولم يرني بلغت، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني. ~~فأخبر بهذا عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى عماله: أن لا تفرضوا إلا لمن بلغ ~~خمس عشرة. رواه الشافعي في " مسنده "، ورواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ~~وروي عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا استكمل المولود خمس ~~عشرة سنة كتب ما له وما عليه، وأخذت منه الحدود» . # ولأن السن معنى يحصل به البلوغ، يشترك فيه الغلام والجارية، فاستويا فيه، ~~كالإنزال. # وما ذكره أصحاب أبي حنيفة، ففيما رويناه جواب عنه، وما احتج ms2222 به داود لا ~~يمنع إنبات البلوغ بغير الاحتلام إذا ثبت بالدليل، ولهذا كان إنبات الشعر ~~علما. # وأما الحيض فهو علم على البلوغ، لا نعلم فيه خلافا، وقد قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» . رواه الترمذي ~~وقال: حديث حسن. وأما الحمل فهو علم على البلوغ؛ لأن الله تعالى أجرى ~~العادة أن الولد لا يخلق إلا من ماء الرجل وماء المرأة. # قال الله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق} [الطارق: 5] {خلق من ماء دافق} ~~[الطارق: 6] {يخرج من بين الصلب والترائب} [الطارق: 7] وأخبر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بذلك في الأحاديث، فمتى حملت، حكم ببلوغها في الوقت الذي ~~حملت فيه. # PageV04P346 ### | [فصل من علامات البلوغ خروج المني من ذكر الخنثى المشكل] # (3472) فصل: وإذا وجد خروج المني من ذكر الخنثى المشكل، فهو علم على ~~بلوغه، وكونه رجلا، وإن خرج من فرجه، أو حاض، فهو علم على بلوغه، وكونه ~~امرأة. وقال القاضي: ليس واحد منهما علما على البلوغ، فإن اجتمعا، فقد بلغ. ~~وهذا مذهب الشافعي؛ لجواز أن يكون الفرج الذي خرج منه ذلك خلقة زائدة. # ولنا، أن خروج البول من أحد الفرجين دليل على كونه رجلا أو امرأة، فخروج ~~المني والحيض أولى، وإذا ثبت كونه رجلا خرج المني من ذكره، أو امرأة خرج ~~الحيض من فرجها، لزم وجود البلوغ، ولأن خروج مني الرجل من المرأة، والحيض ~~من الرجل، مستحيل، فكان دليلا على التعيين، فإذا ثبت التعيين لزم كونه ~~دليلا على البلوغ، كما لو تعين قبل خروجه، ولأنه مني خارج من ذكر، أو حيض ~~خارج من فرج، فكان علما على البلوغ كالمني الخارج من الغلام، والحيض الخارج ~~من الجارية، ولأنهم سلموا أن خروجهما معا دليل على البلوغ، فخروج أحدهما ~~منفردا أولى؛ لأن خروجهما معا يقتضي تعارضهما، وإسقاط دلالتهما، إذ لا ~~يتصور أن يجتمع حيض صحيح ومني رجل، فيلزم أن يكون أحدهما فضلة خارجة من غير ~~محلها، وليس أحدهما بذلك أولى من الآخر، فتبطل دلالتهما، كالبينتين إذا ~~تعارضتا، وكالبول إذا خرج من ms2223 المخرجين جميعا، بخلاف ما إذا وجد أحدهما ~~منفردا، فإن الله تعالى أجرى العادة بأن الحيض يخرج من فرج المرأة عند ~~بلوغها، ومني الرجل يخرج من ذكره عند بلوغه، فإذا وجد ذلك من غير معارض وجب ~~أن يثبت حكمه، ويقضي بثبوت دلالته، كالحكم بكونه رجلا، بخروج البول من ~~ذكره، وبكونه امرأة، بخروجه من فرجها، والحكم للغلام بالبلوغ بخروج المني ~~من ذكره، وللجارية بخروج الحيض من فرجها، فعلى هذا إن خرجا جميعا لم يثبت ~~كونه رجلا ولا امرأة؛ لأن الدليلين تعارضا، فأشبه ما لو خرج البول من ~~الفرجين. # وهل يثبت البلوغ بذلك؟ فيه وجهان؛ أحدهما، يثبت. وهو اختيار القاضي، ~~ومذهب الشافعي لأنه إن كان رجلا، فقد خرج المني من ذكره، وإن كانت امرأة، ~~فقد حاضت. # والثاني، لا يثبت؛ لأنه يجوز أن لا يكون هذا حيضا ولا منيا، فلا يكون فيه ~~دلالة، وقد دل تعارضهما على ذلك، فانتفت دلالتهما على البلوغ، كانتفاء ~~دلالتهما على الذكورية والأنوثية، والله أعلم. ### | [مسألة الجارية إذا بلغت وأونس رشدها بعد بلوغها] # (3473) مسألة؛ قال: (وكذلك الجارية، وإن لم تنكح) يعني أن الجارية إذا ~~بلغت، وأونس رشدها بعد بلوغها، دفع إليها مالها، وزال الحجر عنها، وإن لم ~~تتزوج. وبهذا قال عطاء، والثوري، وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور، وابن ~~المنذر. # ونقل أبو طالب، عن أحمد لا يدفع إلى الجارية مالها بعد بلوغها، حتى تتزوج ~~وتلد، أو يمضي عليها سنة في بيت # PageV04P347 # الزوج. روي ذلك عن عمر، وبه قال شريح، والشعبي، وإسحاق؛ لما روي عن شريح ~~أنه قال: عهد إلي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن لا أجيز لجارية عطية ~~حتى تحول في بيت زوجها حولا، أو تلد ولدا. رواه سعيد في سننه، ولا يعرف له ~~مخالف، فصار إجماعا. وقال مالك: لا يدفع إليها مالها حتى تتزوج، ويدخل ~~عليها زوجها؛ لأن كل حالة جاز للأب تزويجها من غير إذنها، لم ينفك عنها ~~الحجر، كالصغيرة. # ولنا، عموم قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم ~~منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} ms2224 [النساء: 6] . ولأنها يتيم بلغ وأونس منه ~~الرشد؛ فيدفع إليه ماله كالرجل، ولأنها بالغة رشيدة، فجاز لها التصرف في ~~مالها، كالتي دخل بها الزوج، وحديث عمر إن صح، فلم يعلم انتشاره في ~~الصحابة، ولا يترك به الكتاب والقياس، على أن حديث عمر مختص بمنع العطية، ~~فلا يلزم منه المنع من تسليم مالها إليها، ومنعها من سائر التصرفات، ومالك ~~لم يعمل به، وإنما اعتمد على إجبار الأب لها على النكاح، ولنا أن نمنع ذلك، ~~وإن سلمناه، فإنما أجبرها على النكاح لأن اختيارها للنكاح ومصالحه لا يعلم ~~إلا بمباشرته، والبيع والشراء والمعاملات ممكنة قبل النكاح، وعلى هذه ~~الرواية، إذا لم تتزوج أصلا احتمل أن يدوم الحجر عليها، عملا بعموم حديث ~~عمر، ولأنه لم يوجد شرط دفع مالها إليها، فلم يجز دفعه إليها، كما لو لم ~~ترشد. # وقال القاضي: عندي أنه يدفع إليها مالها إذا عنست وبرزت للرجال، يعني ~~كبرت. ### | [فصل تصرف المرأة الرشيدة في مالها] # (3474) فصل: وظاهر كلام الخرقي، أن للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله، ~~بالتبرع، والمعاوضة. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد. وهو مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي وابن المنذر. وعن أحمد رواية أخرى، ليس لها أن تتصرف في مالها ~~بزيادة على الثلث بغير عوض، إلا بإذن زوجها. وبه قال مالك. # وحكي عنه في امرأة حلفت أن تعتق جارية لها ليس لها غيرها، فحنثت، ولها ~~زوج، فرد ذلك عليها زوجها، قال: له أن يرد عليها، وليس لها عتق؛ لما روي أن ~~امرأة كعب بن مالك أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - بحلي لها، فقال لها ~~النبي: - صلى الله عليه وسلم - «لا يجوز للمرأة عطية حتى يأذن زوجها، فهل ~~استأذنت كعبا؟ فقالت: نعم. فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كعب، ~~فقال: هل أذن لها أن تتصدق بحليها؟ . قال: نعم. فقبله رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -» . رواه ابن ماجه. وروي أيضا عن عمرو بن شعيب. عن أبيه، عن ~~جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبة خطبها: «لا يجوز ms2225 ~~لامرأة عطية من مالها إلا بإذن زوجها؛ إذ هو مالك عصمتها.» رواه أبو داود ~~بلفظه، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # PageV04P348 # «لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها» . # ولأن حق الزوج معلق بمالها، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " تنكح ~~المرأة لمالها وجمالها ودينها ". والعادة أن الزوج يزيد في مهرها من أجل ~~مالها، ويتبسط فيه، وينتفع به، فإذا أعسر بالنفقة أنظرته، فجرى ذلك مجرى ~~حقوق الورثة المعلقة بمال المريض. # ولنا، قوله تعالى: {فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: ~~6] . وهو ظاهر في فك الحجر عنهم، وإطلاقهم في التصرف، وقد ثبت أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال «يا معشر النساء تصدقن، ولو من حليكن» «. وأنهن ~~تصدقن فقبل صدقتهن ولم يسأل ولم يستفصل» «. وأتته زينب امرأة عبد الله ~~وامرأة أخرى اسمها زينب فسألته عن الصدقة، هل يجزيهن أن يتصدقن على ~~أزواجهن، وأيتام لهن؟ فقال: نعم» ولم يذكر لهن هذا الشرط، ولأن من وجب دفع ~~ماله إليه لرشد، جاز له التصرف فيه من غير إذن كالغلام، ولأن المرأة من أهل ~~التصرف، ولا حق لزوجها في مالها. فلم يملك الحجر عليها في التصرف بجميعه، ~~كأختها. # وحديثهم ضعيف وشعيب لم يدرك عبد الله بن عمرو، فهو مرسل. وعلى أنه محمول ~~على أنه لا يجوز عطيتها لماله بغير إذنه، بدليل أنه يجوز عطيتها ما دون ~~الثلث من مالها، وليس معهم حديث يدل على تحديد المنع بالثلث، فالتحديد بذلك ~~تحكم ليس فيه توقيف، ولا عليه دليل. # وقياسهم على المريض غير صحيح، لوجوه؛ أحدها، أن المرض سبب يفضي إلى وصول ~~المال إليهم بالميراث، والزوجية إنما تجعله من أهل الميراث، فهي أحد وصفي ~~العلة، فلا يثبت الحكم بمجردها، كما لا يثبت للمرأة الحجر على زوجها، ولا ~~لسائر الوراث بدون المرض. الثاني: أن تبرع المريض موقوف، فإن برئ من مرضه، ~~صح تبرعه، وها هنا أبطلوه على كل حال، والفرع لا يزيد على أصله. الثالث، أن ~~ما ذكروه منتقض بالمرأة، فإنها ms2226 تنتفع بمال زوجها وتتبسط فيه عادة، ولها ~~النفقة منه، وانتفاعها بماله أكثر من انتفاعه بمالها، وليس لها الحجر عليه، ~~وعلى أن هذا المعنى ليس بموجود في الأصل، ومن شرط صحة القياس وجود المعنى ~~المثبت للحكم في الأصل والفرع جميعا. ### | [فصل الصدقة من مال زوجها بغير إذنه] # فصل: وهل يجوز للمرأة الصدقة من مال زوجها بالشيء اليسير، بغير إذنه؟ على ~~روايتين؛ إحداهما، الجواز؛ لأن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ما أنفقت المرأة من بيت زوجها، غير مفسدة، كان لها أجرها، وله ~~مثله بما كسب، ولها بما أنفقت، وللخازن مثل ذلك، من غير أن ينتقص من أجورهم ~~شيء» . ولم يذكر إذنا. وعن أسماء، أنها جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV04P349 # فقالت: يا رسول الله ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل علي جناح أن ~~أرضخ مما يدخل علي؟ فقال: «ارضخي ما اسطعت، ولا توعي، فيوعى عليك» . متفق ~~عليهما وروي أن «امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول ~~الله إنا كل على أزواجنا وآبائنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: الرطب ~~تأكلينه، وتهدينه» . # ولأن العادة السماح بذلك، وطيب النفس، فجرى مجرى صريح الإذن، كما أن ~~تقديم الطعام بين يدي الأكلة قام مقام صريح الإذن في أكله. والرواية ~~الثانية، لا يجوز؛ لما روى أبو أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «لا تنفق المرأة شيئا من بيتها إلا بإذن زوجها. ~~قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ . قال: ذاك أفضل أموالنا» . رواه سعيد في " ~~سننه ". وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن ~~طيب نفس منه» . وقال «إن الله حرم بينكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا، ~~في شهركم هذا، في بلدكم هذا» . # ولأنه تبرع بمال غيره بغير إذنه، فلم يجز، كغير الزوجة. والأول أصح؛ لأن ~~الأحاديث فيها خاصة صحيحة، والخاص يقدم على العام ويبينه، ويعرف أن المراد ~~بالعام غير هذه الصورة المخصوصة، والحديث الخاص لهذه الرواية ضعيف، ms2227 ولا يصح ~~قياس المرأة على غيرها؛ لأنها بحكم العادة تتصرف في مال زوجها، وتتبسط فيه، ~~وتتصدق منه، لحضورها وغيبته، والإذن العرفي يقوم مقام الإذن الحقيقي، فصار ~~كأنه قال لها: افعلي هذا. فإن منعها ذلك، وقال: لا تتصدقي بشيء، ولا تتبرعي ~~من مالي بقليل، ولا كثير. لم يجز لها ذلك؛ لأن المنع الصريح نفي للإذن ~~العرفي ولو كان في بيت الرجل من يقوم مقام امرأته # كجاريته، أو أخته. أو غلامه المتصرف في بيت سيده وطعامه، جرى مجرى الزوجة ~~فيما ذكرنا؛ لوجود المعنى فيه. ولو كانت امرأته ممنوعة من التصرف في بيت ~~زوجها، كالتي يطعمها بالفرض، ولا يمكنها من طعامه، ولا من التصرف في شيء من ~~ماله، لم يجز لها الصدقة بشيء من ماله؛ لعدم المعنى فيها، والله أعلم. ### | [مسألة الرشد الصلاح في المال] # (3476) مسألة؛ قال: (والرشد الصلاح في المال) هذا قول أكثر أهل العلم، ~~منهم؛ مالك وأبو حنيفة. وقال الحسن والشافعي، وابن المنذر الرشد صلاحه في ~~دينه وماله؛ لأن الفاسق غير رشيد، ولأن إفساده لدينه يمنع الثقة به في حفظ ~~ماله، كما يمنع قبول قوله، وثبوت الولاية على غيره، وإن لم يعرف منه كذب ~~ولا تبذير. # PageV04P350 # ولنا قول الله تعالى {فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} ~~[النساء: 6] . # قال ابن عباس: يعني صلاحا في أموالهم. وقال مجاهد: إذا كان عاقلا. # ولأن هذا إثبات في نكرة، ومن كان مصلحا لماله فقد وجد منه رشد، ولأن ~~العدالة لا تعتبر في الرشد في الدوام، فلا تعتبر في الابتداء، كالزهد في ~~الدنيا، ولأن هذا مصلح لماله، فأشبه العدل، يحققه أن الحجر عليه إنما كان ~~لحفظ ماله عليه، فالمؤثر فيه ما أثر في تضييع المال، أو حفظه. # وقولهم: إن الفاسق غير رشيد. قلنا: هو غير رشيد في دينه، أما في ماله ~~وحفظه فهو رشيد، ثم هو منتقض بالكافر، فإنه غير رشيد ولا يحجر عليه لذلك، ~~وكذلك لو طرأ الفسق على المسلم بعد دفع ماله إليه، لم يزل رشده، ولم يحجر ~~عليه من أجله، ولو كانت العدالة ms2228 شرطا في الرشد، لزال بزوالها، كحفظ المال، ~~ولا يلزم من منع قبول القول منع دفع ماله إليه، فإن من يعرف بكثرة الغلط ~~والغفلة والنسيان، أو من يأكل في السوق، ويمد رجليه في مجامع الناس، ~~وأشباههم. لا تقبل شهادتهم، وتدفع إليهم أموالهم. # إذا ثبت هذا، فإن الفاسق إن كان ينفق ماله في المعاصي، كشراء الخمر، ~~وآلات اللهو، أو يتوصل به إلى الفساد، فهو غير رشيد؛ لتبذيره لماله، ~~وتضييعه إياه في غير فائدة. وإن كان فسقه لغير ذلك، كالكذب، ومنع الزكاة، ~~وإضاعة الصلاة، مع حفظه لماله، دفع ماله إليه؛ لأن المقصود بالحجر حفظ ~~المال، وماله محفوظ بدون الحجر، ولذلك لو طرأ الفسق بعد دفع ماله إليه، لم ~~ينزع منه. ### | [فصل يعرف رشد اليتيم بأخباره] # (3477) فصل: وإنما يعرف رشده باختباره؛ لقول الله تعالى {وابتلوا اليتامى ~~حتى إذا بلغوا النكاح} [النساء: 6] . يعني اختبروهم. كقوله تعالى: {ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] أي يختبركم. واختباره بتفويض التصرفات التي ~~يتصرف فيها أمثاله إليه؛ فإن كان من أولاد التجار فوض إليه البيع، والشراء، ~~فإذا تكررت منه، فلم يغبن، ولم يضيع ما في يديه، فهو رشيد. # وإن كان من أولاد الدهاقين، والكبراء الذين يصان أمثالهم عن الأسواق، ~~رفعت إليه نفقة مدة، لينفقها في مصالحه، فإن كان قيما بذلك، يصرفها في ~~مواقعها، ويستوفي على وكيله، ويستقصي عليه، فهو رشيد. والمرأة يفوض إليها ~~ما يفوض إلى ربة البيت، من استئجار الغزالات، وتوكيلها في شراء الكتان، ~~وأشباه ذلك. فإن وجدت ضابطة لما في يديها، مستوفية من وكيلها، فهي رشيدة. ~~ووقت الاختبار قبل البلوغ، في إحدى الروايتين، وهو أحد الوجهين لأصحاب ~~الشافعي؛ لأن الله تعالى قال: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] . # فظاهر الآية أن ابتلاءهم قبل البلوغ، لوجهين؛ أحدهما، أنه سماهم يتامى، ~~وإنما يكونون يتامى قبل البلوغ. والثاني، أنه مد اختبارهم إلى البلوغ ~~بلفظة: # (حتى) ، فدل على أن الاختبار قبله، ولأن تأخير الاختبار إلى البلوغ مؤد ~~إلى الحجر على البالغ الرشيد؛ لأن الحجر يمتد ms2229 إلى أن يختبر ويعلم رشده، ~~واختباره # PageV04P351 # قبل البلوغ يمنع ذلك، فكان أولى. لكن لا يختبر إلا المراهق المميز، الذي ~~يعرف البيع والشراء. والمصلحة من المفسدة. ومتى أذن له وليه فتصرف، صح ~~تصرفه، على ما ذكرنا فيما مضى. # وقد أومأ أحمد في موضع إلى اختباره بعد البلوغ؛ لأن تصرفه قبل ذلك تصرف ~~ممن لم يوجد فيه مظنة العقل. وقد اختلف أصحاب الشافعي في وقت الاختبار على ~~نحو ما ذكرنا فيما مضى من الروايتين. ### | [مسألة المحجور عليه إذا فك عنه الحجر ثم عاد إلى السفه] # (3478) مسألة؛ قال: (فإن عاود السفه، حجر عليه) وجملته، أن المحجور عليه ~~إذا فك عنه الحجر لرشده وبلوغه، ودفع إليه ماله، ثم عاد إلى السفه، أعيد ~~عليه الحجر. وبهذا قال القاسم بن محمد ومالك والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، ~~وأبو ثور وأبو عبيد، وأبو يوسف، ومحمد وقال أبو حنيفة لا يبتدأ الحجر على ~~بالغ عاقل، وتصرفه نافذ. # وروي ذلك عن ابن سيرين والنخعي؛ لأنه حر مكلف، فلا يحجر عليه كالرشيد. ~~ولنا. # إجماع # الصحابة، وروى عروة بن الزبير، أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعا، فقال علي ~~- رضي الله عنه - لآتين عثمان ليحجر عليك. فأتى عبد الله بن جعفر الزبير، ~~فقال: قد ابتاع بيعا، وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان، فيسأله ~~الحجر علي. فقال الزبير: أنا شريكك في البيع. فأتى علي عثمان، فقال إن ابن ~~جعفر قد ابتاع بيع كذا، فاحجر عليه. فقال الزبير: أنا شريكه في البيع. فقال ~~عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير. # قال أحمد: لم أسمع هذا إلا من أبي يوسف القاضي. وهذه قصة يشتهر مثلها، ~~ولم يخالفها أحد في عصرهم، فتكون إجماعا. ولأن هذا سفيه، فيحجر عليه، كما ~~لو بلغ سفيها؛ فإن العلة التي اقتضت الحجر عليه إذا بلغ سفيها سفهه، وهو ~~موجود، ولأن السفه لو قارن البلوغ منع دفع ماله إليه، فإذا حدث، أوجب ~~انتزاع المال كالجنون. وفارق الرشيد؛ فإن رشده لو قارن البلوغ لم يمنع دفع ~~ماله إليه. ### | [فصل لا يحجر على ms2230 السفيه إلا الحاكم] # (3479) فصل: ولا يحجر عليه إلا الحاكم، وبهذا قال الشافعي. وقال محمد ~~يصير محجورا عليه بمجرد تبذيره؛ لأن ذلك سبب الحجر، فأشبه الجنون. ولنا: أن ~~التبذير يختلف، ويختلف فيه، ويحتاج إلى الاجتهاد، فإذا افتقر السبب إلى ~~الاجتهاد، لم يثبت إلا بحكم الحاكم، كابتداء مدة العنة، ولأنه حجر مختلف ~~فيه، فلم يثبت إلا بحكم الحاكم، كالحجر على المفلس، وفارق الجنون؛ فإنه لا ~~يفتقر إلى الاجتهاد، ولا خلاف فيه، ومتى حجر عليه، ثم عاد فرشد، فك الحجر ~~عنه. ولا يزول إلا بحكم الحاكم. وبه قال الشافعي وقال أبو الخطاب: يزول ~~السفه؛ لأنه سبب الحجر، فيزول بزواله، كما في حق الصبي والمجنون. # PageV04P352 # ولنا، أنه حجر ثبت بحكم الحاكم، فلا يزول إلا به، كحجر المفلس، ولأن ~~الرشد يحتاج إلى تأمل واجتهاد في معرفته، وزوال تبذيره، فكان كابتداء الحجر ~~عليه. وفارق الصبي والمجنون؛ فإن الحجر عليهما بغير حكم حاكم، فيزول بغير ~~حكمه. # ولأننا لو وقفنا تصرف الناس على الحاكم، كان أكثر الناس محجورا عليه. قال ~~أحمد: والشيخ الكبير ينكر عقله، يحجر عليه. يعني: إذا كبر، واختل عقله، حجر ~~عليه، بمنزلة المجنون؛ لأنه يعجز بذلك عن التصرف في ماله على وجه المصلحة، ~~وحفظه، فأشبه الصبي والسفيه. ### | [مسألة الحاكم إذا حجر على السفيه فمن عامله بعد ذلك فهو المتلف لماله] # (3480) مسألة؛ قال: (فمن عامله بعد ذلك، فهو المتلف لماله) وجملته أن ~~الحاكم إذا حجر على السفيه، استحب أن يشهد عليه، ليظهر أمره، فتجتنب ~~معاملته. وإن رأى أن يأمر مناديا ينادي بذلك، ليعرفه الناس، فعل. # ولا يشترط الإشهاد عليه؛ لأنه قد ينتشر أمره بشهرته، وحديث الناس به. ~~فإذا حجر عليه. فباع واشترى، كان ذلك فاسدا، واسترجع الحاكم ما باع من ~~ماله، ورد الثمن إن كان باقيا. وإن أتلفه السفيه، أو تلف في يده، فهو من ~~ضمان المشتري، ولا شيء على السفيه. # وكذلك ما أخذ من أموال الناس برضا أصحابها، كالذي يأخذه بقرض أو شراء أو ~~غير ذلك، رده الحاكم إن كان باقيا، وإن كان تالفا، فهو ms2231 من ضمان صاحبه، علم ~~بالحجر عليه أو لم يعلم؛ لأنه إن علم فقد فرط، بدفع ماله إلى من حجر عليه، ~~وإن لم يعلم، فهو مفرط إذا كان في مظنة الشهرة، هذا إذا كان صاحبه قد سلطه ~~عليه، فأما إن حصل في يده باختيار صاحبه من غير تسليط، كالوديعة والعارية، ~~فاختار القاضي أنه يلزمه الضمان إن أتلفه، أو تلف بتفريطه؛ لأنه أتلفه بغير ~~اختيار صاحبه، فأشبه ما لو كان القبض بغير اختياره، ويحتمل أنه لا يضمن، ~~لأنه عرضها لإتلافه، وسلطه عليها، فأشبه المبيع. # وأما ما أخذه بغير اختيار صاحبه، أو أتلفه، كالغصب والجناية، فعليه ~~ضمانه؛ لأنه لا تفريط من المالك، لأن الصبي والمجنون لو فعلا ذلك، لزمهما ~~الضمان، فالسفيه أولى. ومذهب الشافعي في هذا كله كذلك. ### | [فصل الحجر في الصبي والمجنون] # (3481) فصل: والحكم في الصبي والمجنون، كالحكم في السفيه، في وجوب الضمان ~~عليهما فيما أتلفاه من مال غيرهما بغير إذنه أو غصباه فتلف في أيديهما، ~~وانتفاء الضمان عنهما فيما حصل في أيديهما باختيار صاحبه وتسليطه، كالثمن ~~والمبيع والقرض والاستدانة. وأما الوديعة والعارية، فلا ضمان عليهما فيما ~~تلف بتفريطهما، وإن أتلفاه ففي ضمانه وجهان. " ### | [فصل لا ينظر في مال الصبي والمجنون ما داما في الحجر] # (3482) فصل: ولا ينظر في مال الصبي والمجنون، ما داما في الحجر، إلا ~~الأب، أو وصيه بعده، أو الحاكم عند عدمهما. وأما السفيه، فإن كان محجورا ~~عليه صغيرا، واستديم الحجر عليه لسفهه، فالولي # PageV04P353 # فيه من ذكرناه. وإن جدد الحجر عليه بعد بلوغه، لم ينظر في ماله إلا ~~الحاكم؛ لأن الحجر يفتقر إلى حكم حاكم، وزواله يفتقر إلى ذلك فكذلك النظر ~~في ماله. ### | [مسألة أقر المحجور عليه بما يوجب حدا أو قصاصا] # (3483) مسألة؛ قال: (وأن أقر المحجور عليه بما يوجب حدا أو قصاصا، أو طلق ~~زوجته، لزمه ذلك) وجملته أن المحجور عليه، لفلس، أو سفه، إذا أقر بما يوجب ~~حدا أو قصاصا، كالزنا، والسرقة، والشرب، والقذف، والقتل العمد، أو قطع ~~اليد، وما أشبهها، فإن ذلك مقبول، ويلزمه حكم ذلك ms2232 في الحال. لا نعلم في هذا ~~خلافا. # قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرار المحجور ~~عليه على نفسه جائز، إذا كان إقراره بزنا، أو سرقة، أو شرب خمر، أو قذف، أو ~~قتل، وأن الحدود تقام عليه. وهذا قول الشافعي وأبي ثور، وأصحاب الرأي، ولا ~~أحفظ عن غيرهم خلافهم. وذلك لأنه غير متهم في حق نفسه، والحجر إنما تعلق ~~بماله، فقبل إقراره على نفسه بما لا يتعلق بالمال. وإن طلق زوجته، نفذ ~~طلاقه، في قول أكثر أهل العلم. # وقال ابن أبي ليلى: لا يقع طلاقه؛ لأن البضع يجري مجرى المال بدليل أنه ~~يملكه بمال، ويصح أن يزول ملكه عنه بمال، فلم يملك التصرف فيه كالمال. ~~ولنا، أن الطلاق ليس بتصرف في المال، ولا يجري مجراه، فلا يمنع منه. ~~كالإقرار بالحد والقصاص. ودليل أنه لا يجري مجرى المال، أنه يصح من العبد ~~بغير إذن سيده، مع منعه من التصرف في المال، ولا يملك بالميراث، ولأنه مكلف ~~طلق امرأته مختارا، فوقع طلاقه، كالعبد والمكاتب. ### | [فصل إذا أقر بما يوجب القصاص فعفا المقر له على مال] # فصل: وإذا أقر بما يوجب القصاص، فعفا المقر له على مال، احتمل أن يجب ~~المال؛ لأنه عفو عن قصاص ثابت، فصح، كما لو ثبت بالبينة. واحتمل أن لا يصح؛ ~~لئلا يتخذ ذلك وسيلة إلى الإقرار بالمال، بأن يتواطأ المحجور عليه والمقر ~~له على الإقرار بالقصاص، والعفو عنه على مال. ولأنه وجوب مال، مستنده ~~إقراره، فلم يثبت، كالإقرار به ابتداء. فعلى هذا القول يسقط وجوب القصاص، ~~ولا يجب المال في الحال. ### | [فصل خلع المحجور عليه] # (3485) فصل: وإن خالع، صح خلعه؛ لأنه إذا صح الطلاق، ولا يحصل منه شيء، ~~فالخلع الذي يحصل به المال أولى، إلا أن العوض لا يدفع إليه، وإن دفع إليه، ~~لم يصح قبضه، وإن أتلفه، لم يضمنه، ولم تبرأ المرأة بدفعه إليه، وهو من ~~ضمانها إن أتلفه أو تلف في يده؛ لأنها سلطته على إتلافه. ### | [فصل عتق المحجور عليه] ms2233 # (3486) فصل: وإن أعتق، لم يصح عتقه، وهذا قول القاسم بن محمد، والشافعي، ~~وحكى # PageV04P354 # أبو الخطاب، عن أحمد، رواية أخرى: أنه يصح؛ لأنه عتق من مكلف مالك تام ~~الملك، فصح، كعتق الراهن والمفلس. ولنا، أنه تصرف في ماله، فلم يصح، كسائر ~~تصرفاته، ولأنه تبرع فأشبه هبته ووقفه، ولأنه محجور عليه لحفظ ماله عليه، ~~فلم يصح عتقه، كالصبي والمجنون. وفارق المفلس والراهن؛ فإن الحجر عليهما ~~لحق غيرهما.، ### | [فصل تزوج المحجور عليه] # (3487) فصل: وإن تزوج، صح النكاح بإذن وليه، وبغير إذنه، وبهذا قال أبو ~~حنيفة. وقال: أبو الخطاب لا يصح بغير إذن وليه، وهو قول الشافعي، وأبي ثور؛ ~~لأنه تصرف يجب به مال، فلم يصح بغير إذن وليه، كالشراء. # ولنا، أنه عقد غير مالي، فصح منه، كخلعه وطلاقه، وإن لزم منه المال، ~~فحصوله بطريق الضمن، فلا يمنع من العقد، كما لو لزم ذلك من الطلاق. ### | [فصل تدبير ووصية المحجور عليه] # (3488) فصل: ويصح تدبيره ووصيته؛ لأن ذلك محض مصلحته لأنه تقرب إلى الله ~~تعالى بماله بعد غناه عنه. ويصح استيلاده، وتعتق الأمة المستولدة بموته؛ ~~لأنه إذا صح ذلك من المجنون، فمن السفيه أولى. وله المطالبة بالقصاص؛ لأنه ~~موضوع للتشفي والانتقام، وهو من أهله. وله العفو على مال؛ لأنه تحصيل ~~للمال، لا تضييع له. # وإن عفا على غير مال نظرت؛ فإن قلنا: الواجب القصاص عينا. صح عفوه لأنه ~~لم يتضمن تضييع المال. وإن قلنا: أحد الشيئين. لم يصح عفوه عن المال، ووجب ~~المال، كما لو سقط القصاص بعفو أحد الشريكين. وإن أحرم بالحج، صح إحرامه؛ ~~لأنه مكلف أحرم بالحج، أشبه غيره، ولأن ذلك عبادة، فصحت منه، كسائر ~~عباداته. ثم إن كان أحرم بفرض، دفع إليه النفقة من ماله ليسقط الفرض عن ~~نفسه، وإن كان تطوعا فكانت نفقته في السفر كنفقته في الحضر، دفعت إليه، ~~لأنه لا ضرر في إحرامه. # وإن كانت نفقة السفر أكثر، فقال: أنا أكتسب تمام نفقتي، دفعت إليه أيضا، ~~لأنه لا يضر بماله. وإن لم يكن له كسب، فلوليه تحليله؛ لما فيه ms2234 من تضييع ~~ماله، ويتحلل بالصيام كالمعسر؛ لأنه ممنوع من التصرف في ماله. ويحتمل أن لا ~~يملك وليه تحليله، بناء على العبد إذا أحرم بغير إذن سيده. وإن حنث في ~~يمينه، أو عاد في ظهاره، أو لزمته كفارة بالقتل أو الوطء في نهار رمضان، ~~كفر بالصيام لذلك. # وإن أعتق أو أطعم عن ذلك، لم يجزه. وبهذا قال الشافعي؛ لأنه ممنوع من ~~ماله، أشبه المفلس. ويتخرج أن يجزئه العتق، بناء على قولنا بصحته منه. وإن ~~نذر عبادة بدنية، لزمه فعلها؛ لأنه غير محجور عليه في بدنه. وإن نذر صدقة ~~المال، # PageV04P355 # لم يصح منه، وكفر بالصيام. وإن فك الحجر عنه قبل تكفيره في هذه المواضع ~~كلها، لزمه العتق، إن قدر عليه. ومقتضى قول أصحابنا أنه يلزمه الوفاء ~~بنذره، بناء على قولهم في من أقر قبل فك الحجر عنه، ثم فك عنه، فإنه يلزمه ~~أداؤه، وإن فك بعد تكفيره، لم يلزمه شيء، كما لو كفر عن يمينه بالصيام ثم ~~فك الحجر عنه. ### | [فصل أقر المحجور عليه بنسب ولد] # (3489) فصل: وإن أقر بنسب ولد، قبل منه؛ لأنه ليس بإقرار بمال، ولا تصرف ~~فيه، فقبل، كإقراره بالحد والطلاق. وإذا ثبت النسب، لزمته أحكامه، من ~~النفقة وغيرها؛ لأن ذلك حصل ضمنا لما صح منه، فأشبه نفقة الزوجة. ### | [مسألة أقر السفيه بدين] # (3490) مسألة؛ قال: (وإن أقر بدين، لم يلزمه في حال حجره) وجملته أن ~~السفيه إذا أقر بمال، كالدين، أو بما يوجبه، كجناية الخطإ وشبه العمد، ~~وإتلاف المال، وغصبه، وسرقته، لم يقبل إقراره به؛ لأنه محجور عليه لحظه، ~~فلم يصح إقراره بالمال، كالصبي والمجنون. ولأنا لو قبلنا إقراره في ماله، ~~لزال معنى الحجر؛ لأنه يتصرف في ماله، ثم يقر به، فيأخذه المقر له. # ولأنه أقر بما هو ممنوع من التصرف فيه، فلم ينفذ كإقرار الراهن على ~~الرهن، والمفلس على المال. ومقتضى قول الخرقي، أنه يلزمه ما أقر به بعد فك ~~الحجر عنه. وهو الظاهر من قول أصحابنا، وقول أبي ثور؛ لأنه مكلف أقر بما لا ~~يلزمه في الحال ms2235 فلزمه بعد فك الحجر عنه، كالعبد يقر بدين والراهن يقر على ~~الرهن، والمفلس على المال. ويحتمل أن لا يصح إقراره، ولا يؤخذ به في الحكم ~~بحال، وهذا مذهب الشافعي لأنه محجور عليه، لعدم رشده، فلم يلزمه حكم إقراره ~~بعد فك الحجر عنه، كالصبي والمجنون. # ولأن المنع من نفوذ إقراره في الحال، إنما ثبت لحفظ ماله عليه، ودفع ~~الضرر عنه، فلو نفذ بعد فك الحجر، لم يفد إلا تأخير الضرر عليه إلى أكمل ~~حالتيه. وفارق المحجور عليه لحق غيره، فإن المانع تعلق حق الغير بماله، ~~فيزول المانع بزوال الحق عن ماله، فيثبت مقتضى إقراره. وفي مسألتنا انتفى ~~الحكم لخلل في الإقرار. فلم يثبت كونه سببا، وبزوال الحجر لم يكمل السبب، ~~فلا يثبت الحكم مع اختلاف السبب، كما لم يثبت قبل فك الحجر. # ولأن الحجر لحق الغير لم يمنع تصرفهم في ذممهم فأمكن تصحيح إقرارهم في ~~ذممهم على وجه لا يضر بغيرهم، بأن يلزمهم بعد زوال حق غيرهم والحجر هاهنا ~~لحظ نفسه، من أجل ضعف عقله، وسوء تصرفه، ولا يندفع الضرر إلا بإبطال إقراره ~~بالكلية، كالصبي والمجنون. # فأما صحته فيما بينه وبين الله تعالى، فإن علم صحة ما أقر به، كدين لزمه ~~من جناية، أو دين لزمه قبل الحجر عليه، فعليه أداؤه؛ لأنه علم أن عليه حقا، ~~فلزمه أداؤه، كما لو لم يقر به. وإن علم فساد إقراره، مثل أن علم أنه أقر ~~بدين ولا دين عليه، أو بجناية لم توجد منه، أو أقر بما # PageV04P356 # لا يلزمه، مثل إن أتلف مال من دفعه إليه بقرض أو بيع، لم يلزمه أداؤه؛ ~~لأنه يعلم أنه لا دين عليه، فلم يلزمه شيء، كما لو لم يقر به. ### | [فصل أذن ولي السفيه له في البيع والشراء] # (3491) فصل: إذا أذن ولي السفيه له في البيع والشراء، فهل يصح منه؟ على ~~وجهين؛ أحدهما، يصح لأنه عقد معاوضة، فملكه بالإذن، كالنكاح. # ولأنه عاقل محجور عليه، فصح تصرفه بالإذن فيه كالصبي. يحقق هذا أن الحجر ~~على الصبي أعلى من الحجر ms2236 عليه ثم، يصح تصرفه بالإذن، فهاهنا أولى. ولأنا لو ~~منعنا تصرفه بالإذن، لم يكن لنا طريق إلى معرفة رشده واختباره. والثاني، لا ~~يصح، لأن الحجر عليه لتبذيره وسوء تصرفه، فإذا أذن له، فقد أذن فيما لا ~~مصلحة فيه، فلم يصح، كما لو أذن في بيع ما يساوي عشرة بخمسة. وللشافعي ~~وجهان كهذين. والله أعلم. ### | [كتاب الصلح] # الصلح معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين، ويتنوع أنواعا؛ صلح ~~بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين ~~إذا خيف الشقاق بينهما، قال الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] ، وقال تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير} ~~[النساء: 128] . وروى أبو هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الصلح بين المسلمين جائز، إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما» . أخرجه ~~الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وروي عن عمر، أنه كتب إلى أبي موسى بمثل ~~ذلك، وأجمعت الأمة على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرناها، ولكل واحد ~~منها باب يفرد له، يذكر فيه أحكامه. وهذا الباب للصلح بين المتخاصمين في ~~الأموال، وهو نوعان؛ صلح على إقرار، وصلح على إنكار. ولم يسم الخرقي الصلح ~~إلا في الإنكار خاصة. ### | [مسألة الصلح الجائز] ### | [الصلح على الإنكار] # (3492) مسألة؛ قال: (والصلح الذي يجوز هو أن يكون للمدعي حق لا يعلمه ~~المدعى عليه، فيصطلحان على بعضه، فإن كان يعلم ما عليه، فجحده، فالصلح ~~باطل) وجملة ذلك، أن الصلح على الإنكار صحيح. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، ~~وقال الشافعي: لا يصح؛ لأنه عاوض على ما لم يثبت له، فلم تصح المعاوضة كما ~~لو باع مال غيره، ولأنه عقد معاوضة خلا عن العوض في أحد جانبيه، فبطل، ~~كالصلح على حد القذف. # ولنا، عموم قوله: - عليه السلام - «الصلح بين المسلمين جائز» . فيدخل هذا ~~في عموم قوله. # PageV04P357 # فإن قالوا: فقد قال: «إلا صلحا أحل حراما» . وهذا داخل فيه؛ لأنه لم يكن ~~له ms2237 أن يأخذ من مال المدعى عليه، فحل بالصلح. قلنا: لا نسلم دخوله فيه، ولا ~~يصح حمل الحديث على ما ذكروه لوجهين؛ أحدهما، أن هذا يوجد في الصلح بمعنى ~~البيع، فإنه يحل لكل واحد منهما ما كان محرما عليه قبله، وكذلك الصلح بمعنى ~~الهبة، فإنه يحل للموهوب له ما كان حراما عليه، الإسقاط يحل له ترك أداء ما ~~كان واجبا عليه. # الثاني، أنه لو حل به المحرم، لكان الصلح صحيحا، فإن الصلح الفاسد لا يحل ~~الحرام، وإنما معناه ما يتوصل به إلى تناول المحرم مع بقائه على تحريمه، ~~كما لو صالحه على استرقاق حر، أو إحلال بضع محرم، أو صالحه بخمر أو خنزير. ~~وليس ما نحن فيه كذلك. # وعلى أنهم لا يقولون بهذا، فإنهم يبيحون لمن له حق يجحده غريمه، أن يأخذ ~~من ماله بقدره أو دونه، فإذا حل له ذلك من غير اختياره ولا علمه، فلأن يحل ~~برضاه وبذله أولى، وكذلك إذا حل مع اعتراف الغريم، فلأن يحل مع جحده وعجزه ~~عن الوصول إلى حقه إلا بذلك أولى، ولأن المدعي هاهنا يأخذ عوض حقه الثابت ~~له، والمدعى عليه يدفعه لدفع الشر عنه، وقطع الخصومة، ولم يرد الشرع بتحريم ~~ذلك في موضع، ولأنه صلح يصح مع الأجنبي، فصح مع الخصم كالصلح مع الإقرار. ~~يحققه أنه إذا صح مع الأجنبي مع غناه عنه، فلأن يصح مع الخصم مع حاجته إليه ~~أولى. # وقولهم: إنه معاوضة. قلنا: في حقهما أم في حق أحدهما؟ الأول ممنوع، ~~والثاني مسلم؛ وهذا لأن المدعي يأخذ عوض حقه من المنكر لعلمه بثبوت حقه ~~عنده، فهو معاوضة في حقه، والمنكر يعتقد أنه يدفع المال لدفع الخصومة ~~واليمين عنه، ويخلصه من شر المدعي، فهو أبرأ في حقه، وغير ممتنع ثبوت ~~المعاوضة في حق أحد المتعاقدين دون الآخر، كما لو اشترى عبدا شهد بحريته، ~~فإنه يصح، ويكون معاوضة في حق البائع واستنقاذا له من الرق في حق المشتري، ~~كذا هاهنا. # إذا ثبت هذا، فلا يصح هذا الصلح، إلا أن يكون المدعي معتقدا ms2238 أن ما ادعاه ~~حق، والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه، فيدفع إلى المدعي شيئا افتداء ~~ليمينه، وقطعا للخصومة، وصيانة لنفسه عن التبذل، وحضور مجلس الحاكم، فإن ~~ذوي النفوس الشريفة والمروءة يصعب عليهم ذلك، ويرون دفع ضررها عنهم من أعظم ~~مصالحهم، والشرع لا يمنعهم من وقاية أنفسهم وصيانتها، ودفع الشر عنهم ببذل ~~أموالهم، والمدعي يأخذ ذلك عوضا عن حقه الثابت له، فلا يمنعه الشرع من ذلك ~~أيضا، سواء كان المأخوذ من جنس حقه، أو من غير جنسه، بقدر حقه أو دونه، فإن ~~أخذ من جنس حقه بقدره فهو # PageV04P358 # مستوف له، وإن أخذ دونه، فقد استوفى بعضه وترك بعضه، وإن أخذ من غير جنس ~~حقه فقد أخذ عوضه. # ولا يجوز أن يأخذ من جنس حقه أكثر مما ادعاه؛ لأن الزائد لا مقابل له، ~~فيكون ظالما بأخذه. وإن أخذ من غير جنسه جاز، ويكون بيعا في حق المدعي؛ ~~لاعتقاده أخذه عوضا، فيلزمه حكم إقراره. فإن كان المأخوذ شقصا في دار أو ~~عقار، وجبت فيه الشفعة، وإن وجد به عيبا فله رده، والرجوع في دعواه، ويكون ~~في حق المنكر بمنزلة الإبراء، لأنه دفع المال افتداء ليمينه، ودفعا للضرر ~~عنه، لا عوضا عن حق يعتقده فيلزمه أيضا حكم إقراره. فإن وجد بالمصالح عنه ~~عيبا، لم يرجع به على المدعي؛ لاعتقاده أنه ما أخذ عوضا. وإن كان شقصا لم ~~تثبت فيه الشفعة؛ لأنه يعتقده على ملكه، لم يزل، وما ملكه بالصلح. # ولو دفع المدعى عليه إلى المدعي ما ادعاه أو بعضه، لم يثبت فيه حكم البيع ~~ولا تثبت فيه الشفعة؛ لأن المدعي يعتقد أنه استوفى بعض حقه، وأخذ عين ماله، ~~مسترجعا لها ممن هي عنده، فلم يكن بيعا، كاسترجاع العين المغصوبة، فأما إن ~~كان أحدهما كاذبا، مثل أن يدعي المدعي شيئا يعلم أنه ليس له، وينكر المنكر ~~حقا يعلم أنه عليه، فالصلح باطل في الباطن؛ لأن المدعي إذا كان كاذبا، فما ~~يأخذه أكل مال بالباطل، أخذه بشره وظلمه ودعواه الباطلة، لا عوضا عن حق له، ms2239 ~~فيكون حراما عليه، كمن خوف رجلا بالقتل حتى أخذ ماله، وإن كان صادقا، ~~والمدعى عليه يعلم صدقه وثبوت حقه، فجحده لينتقص حقه، أو يرضيه عنه بشيء ~~فهو هضم للحق، وأكل مال بالباطل، فيكون ذلك حراما، والصلح باطل، ولا يحل له ~~مال المدعي بذلك. # وقد ذكره الخرقي في قوله " وإن كان يعلم ما عليه فجحده، فالصلح باطل ". ~~يعني في الحقيقة، وأما الظاهر لنا فهو الصحة؛ لأننا لا نعلم باطن الحال، ~~وإنما ينبني الأمر على الظواهر، والظاهر، من المسلم السلامة. ### | [فصل ادعى على رجل وديعة أو قرضا] # (3493) فصل: ولو ادعى على رجل وديعة، أو قرضا، أو تفريطا في وديعة أو ~~مضاربة، فأنكره واصطلحا، صح لما ذكرناه. ### | [فصل صالح عن المنكر أجنبي] # (3494) فصل: وإن صالح عن المنكر أجنبي، صح، سواء اعترف للمدعي بصحة دعواه ~~أو لم يعترف، وسواء كان بإذنه أو غير إذنه. وقال أصحاب الشافعي: إنما يصح ~~إذا اعترف للمدعي بصدقه، وهذا مبني على صلح المنكر، وقد ذكرناه. # ثم لا يخلو الصلح، إما أن يكون عن دين أو عين، فإن كان عن دين، صح سواء ~~كان بإذن المنكر، أو بغير إذنه، لأن قضاء الدين عن غيره جائز بإذنه وبغير ~~إذنه، فإن «عليا وأبا قتادة - رضي الله عنهما - قضيا عن الميت، فأجازه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -» وإن كان الصلح عن عين بإذن المنكر، فهو ~~كالصلح منه؛ لأن الوكيل يقوم مقام الموكل. وإن كان بغير إذنه، فهو افتداء ~~للمنكر من الخصومة، وإبراء له من الدعوى، وذلك جائز. وفي الموضعين، إذا ~~صالح # PageV04P359 # عنه بغير إذنه، لم يرجع عليه بشيء لأنه أدى عنه مالا يلزمه أداؤه. # وخرجه القاضي وأبو الخطاب على الروايتين. فيما إذا قضى دينه الثابت بغير ~~إذنه، وليس هذا بجيد؛ لأن هذا لم يثبت وجوبه على المنكر، ولا يلزمه أداؤه ~~إلى المدعي، فكيف يلزمه أداؤه إلى غيره، ولأنه أدى عنه ما لا يجب عليه، ~~فكان متبرعا، كما لو تصدق عنه. # ومن قال برجوعه، فإنه يجعله كالمدعي في الدعوى على المنكر لا غير، أما ms2240 أن ~~يجب له الرجوع بما أداه حتما، فلا وجه له أصلا؛ لأن أكثر ما يجب لمن قضى ~~دين غيره أن يقوم مقام صاحب الدين، وصاحب الدين هاهنا لم يجب له حق، ولا ~~لزم الأداء إليه، ولا يثبت له أكثر من جواز الدعوى، فكذلك هذا. ويشترط في ~~جواز الدعوى أن يعلم صدق المدعي، فأما إن لم يعلم، لم يحل له دعوى بشيء لا ~~يعلم ثبوته، وأما ما إذا صالح عنه بإذنه، فهو وكيله، والتوكيل في ذلك جائز. # ثم إن أدى عنه بإذنه، رجع إليه، وهذا قول الشافعي. وإن أدى عنه بغير إذنه ~~متبرعا، لم يرجع بشيء وإن قضاه محتسبا بالرجوع، خرج على الروايتين في من ~~قضى دين غيره بغير إذنه؛ لأنه قد وجب عليه أداؤه بعقد الصلح، بخلاف ما إذا ~~صالح وقضى بغير إذنه، فإنه قضى ما لا يجب على المنكر قضاؤه. ### | [فصل صالح الأجنبي المدعي لنفسه] # (3495) فصل: وإن صالح الأجنبي المدعي لنفسه؛ لتكون المطالبة له، فلا يخلو ~~من أن يعترف للمدعي بصحة دعواه، أو لا يعترف له، فإن لم يعترف له، كان ~~الصلح باطلا؛ لأنه يشتري منه ما لم يثبت له، ولم تتوجه إليه خصومة يفتدي ~~منها، فأشبه ما لو اشترى منه ملك غيره. وإن اعترف له بصحة دعواه، وكان ~~المدعى دينا، لم يصح؛ لأنه اشترى ما لا يقدر البائع على تسليمه، ولأنه بيع ~~للدين من غير من هو في ذمته. ومن أصحابنا من قال: يصح. وليس بجيد؛ لأن بيع ~~الدين المقر به من غير من هو في ذمته لا يصح، فبيع دين في ذمة منكر معجوز ~~عن قبضه أولى. # وإن كان المدعى عينا، فقال الأجنبي للمدعي: أنا أعلم أنك صادق، فصالحني ~~عنها، فإني قادر على استنقاذها من المنكر. فقال أصحابنا: يصح الصلح. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأنه اشترى منه ملكه الذي يقدر على تسليمه. ثم إن قدر على ~~انتزاعه، استقر الصلح، وإن عجز، كان له الفسخ؛ لأنه لم يسلم له المعقود ~~عليه، فكان له الرجوع إلى بدله. # ويحتمل أنه إن ms2241 تبين أنه لا يقدر على تسليمه، تبين أن الصلح كان فاسدا؛ ~~لأن الشرط الذي هو القدرة على قبضه معدوم حال العقد، فكان فاسدا، كما لو ~~اشترى عبده، فتبين أنه آبق أو ميت. ولو اعترف له بصحة دعواه، ولا يمكنه ~~استيفاؤه، لم يصح الصلح لأنه اشترى ما لا يمكنه قبضه منه، فأشبه شراء العبد ~~الآبق، والجمل الشارد. # فإن اشتراه وهو يظن أنه عاجز عن قبضه، فتبين أن قبضه ممكن، صح البيع؛ لأن ~~البيع تناول ما يمكن قبضه، فصح، كما لو علما ذلك. ويحتمل أن لا يصح؛ لأنه ~~ظن # PageV04P360 # عدم الشرط فأشبه ما لو باع عبدا يظن أنه حر، أو أنه عبد غيره، فتبين أنه ~~عبده. # ويحتمل أن يفرق بين من يعلم أن البيع يفسد بالعجز عن تسليم المبيع، وبين ~~من لا يعلم ذلك؛ لأن من يعلم ذلك يعتقد فساد البيع والشراء، فكان بيعه ~~فاسدا؛ لكونه متلاعبا بقوله: معتقدا فساده، ومن لا يعلم يعتقده صحيحا، وقد ~~تبين اجتماع شروطه، فصح، كما لو علمه مقدورا على تسليمه. ### | [فصل قال الأجنبي للمدعي أنا وكيل المدعى عليه في مصالحتك عن هذه العين] # (3496) فصل: فإن قال الأجنبي للمدعي: أنا وكيل المدعى عليه في مصالحتك عن ~~هذه العين، وهو مقر لك بها، وإنما يجحدها في الظاهر. فظاهر كلام الخرقي أن ~~الصلح لا يصح؛ لأنه يجحدها في الظاهر لينتقص المدعي بعض حقه، أو يشتريه ~~بأقل من ثمنه، فهو هاضم للحق، يتوصل إلى أخذ المصالح عنه بالظلم والعدوان، ~~فهو بمنزلة ما لو شافهه بذلك، فقال: أنا أعلم صحة دعواك، وأن هذا لك، ولكن ~~لا أسلمه إليك، ولا أقر لك به عند الحاكم حتى تصالحني منه على بعضه، أو عوض ~~عنه. وقال القاضي: يصح. وهذا مذهب. الشافعي. # قالوا: ثم ينظر إلى المدعى عليه، فإن صدقه على ذلك، ملك العين، ورجع على ~~الأجنبي وعليه بما أدى عنه، إن كان أذن له في الدفع، وإن أنكر الإذن في ~~الدفع، فالقول قوله مع يمينه، ويكون حكمه حكم من قضى دينه بغير إذنه. وإن ms2242 ~~أنكر الوكالة، فالقول قوله مع يمينه، وليس للأجنبي الرجوع عليه، ولا يحكم ~~له بملكها. # فأما حكم ملكها في الباطن، فإن كان وكل الأجنبي في الشراء، فقد ملكها؛ ~~لأنه اشتراها بإذنه، فلا يقدح إنكاره في ملكها؛ لأن ملكه ثبت قبل إنكاره، ~~وإنما هو ظالم بالإنكار للأجنبي، وإن كان لم يوكله، لم يملكها؛ لأنه اشترى ~~له عينا بغير إذنه، ويحتمل أن يقف على إجازته، كما قلنا في من اشترى لغيره ~~شيئا بغير إذنه بثمن في ذمته، فإن أجازه، لزم في حقه، وإن لم يجزه لزم من ~~اشتراه. # وإن قال الأجنبي للمدعي: قد عرف المدعى عليه صحة دعواك، وهو يسألك أن ~~تصالحه عنه، وقد وكلني في المصالحة عنه. فصالحه صح، وكان الحكم كما ذكرنا؛ ~~لأنه هاهنا لم يمتنع من أدائه، بل اعترف به، وصالحه عليه، مع بذله له، ~~فأشبه ما لو لم يجحده. ### | [مسألة اعترف بحق فصالح على بعضه] # (3497) مسألة؛ قال: (ومن اعترف بحق، فصالح على بعضه، لم يكن ذلك صلحا؛ ~~لأنه هضم للحق) وجملته أن من اعترف بحق وامتنع من أدائه حتى صولح على بعضه، ~~فالصلح باطل؛ لأنه صالح عن بعض ماله ببعض، وهذا محال، وسواء كان بلفظ ~~الصلح، أو بلفظ الإبراء أو بلفظ الهبة المقرون بشرط، مثل أن يقول: أبرأتك ~~عن خمسمائة، أو وهبت لك خمسمائة، بشرط أن تعطيني ما بقي. ولو لم يشترط، إلا ~~أنه لم يعط بعض حقه إلا بإسقاطه بعضه، فهو حرام أيضا؛ لأنه هضمه حقه. # قال ابن أبي إسحاق: الصلح على الإقرار هضم للحق، فمتى ألزم المقر له ترك ~~بعض حقه، فتركه عن غير طيب # PageV04P361 # نفسه، لم يطب الأخذ. وإن تطوع المقر له بإسقاط بعض حقه بطيب من نفسه، ~~جاز، غير أن ذلك ليس بصلح، ولا من باب الصلح بسبيل، ولم يسم الخرقي الصلح ~~إلا في الإنكار، على الوجه الذي قدمنا ذكره، فأما في الاعتراف، فإذا اعترف ~~بشيء وقضاه من جنسه، فهو وفاء، وإن قضاه من غير جنسه، فهي معاوضة، وإن ~~أبرأه من بعضه اختيارا منه، واستوفى ms2243 الباقي، فهو إبراء، وإن وهب له بعض ~~العين وأخذ باقيها بطيب نفس، فهي هبة، فلا يسمي ذلك صلحا. # ونحو ذلك قال ابن أبي موسى وسماه القاضي وأصحابه صلحا. وهو قول الشافعي ~~وغيره؛ والخلاف في التسمية، أما المعنى فمتفق عليه، وهو فعل ما عدا وفاء ~~الحق، وإسقاطه على وجه يصح، وذلك ثلاثة أقسام؛ معاوضة، وإبراء، وهبة. # فأما المعاوضة، فهو أن يعترف له بعين في يده، أو دين في ذمته، ثم يتفقان ~~على تعويضه عن ذلك بما يجوز تعويضه به، وهذا ثلاثة أضرب أحدها، أن يعترف له ~~بأحد النقدين، فيصالحه الآخر، نحو أن يعترف له بمائة درهم، فيصالحه منها ~~بعشرة دنانير، أو يعترف له بعشرة دنانير، فيصالحه على مائة درهم، فهذا صرف، ~~يشترط له شروط الصرف، من التقابض في المجلس ونحوه. الثاني، أن يعترف له ~~بعروض، فيصالحه على أثمان، أو بأثمان فيصالحه على عروض، فهذا بيع يثبت فيه ~~أحكام البيع. # وإن اعترف له بدين، فصالحه على موصوف في الذمة، لم يجز التفرق قبل القبض؛ ~~لأنه بيع دين بدين. الثالث. أن يصالحه على سكنى دار أو، خدمة عبد، ونحوه، ~~أو على أن يعمل له عملا معلوما، فيكون ذلك إجارة لها حكم سائر الإجارات، ~~وإذا أتلف الدار أو العبد قبل استيفاء شيء من المنفعة، انفسخت الإجارة، ~~ورجع بما صالح عنه. # وإن تلفت بعد استيفاء شيء من المنفعة، انفسخت فيما بقي من المدة، ورجع ~~بقسط ما بقي. ولو صالحه على أن يزوجه جاريته، وهو ممن يجوز له نكاح الإماء، ~~صح. وكان المصالح عنه صداقها، فإن انفسخ النكاح قبل الدخول بأمر يسقط ~~الصداق، رجع الزوج بما صالح عنه، وإن طلقها قبل الدخول، رجع بنصفها، وإن ~~كان المعترف امرأة، فصالحت المدعي على أن تزوجه نفسها، جاز ولو كان المعترف ~~به عيبا في مبيعها، فصالحته على نكاحها صح. فإن زال العيب، رجعت بأرشه؛ لأن ~~ذلك صداقها، فرجعت به، لا بمهر مثلها. وإن لم يزل العيب، لكن انفسخ نكاحها ~~بما يسقط صداقها، رجع عليها بأرشه. # القسم الثاني، الإبراء، وهو ms2244 أن يعترف له بدين في ذمته، فيقول: قد أبرأتك ~~من نصفه أو جزء معين منه، فأعطني ما بقي. فيصح إذا كانت البراءة مطلقة من ~~غير شرط. قال أحمد: إذا كان للرجل على # PageV04P362 # الرجل الدين، ليس عنده وفاء فوضع عنه بعض حقه، وأخذ منه الباقي، كان ذلك ~~جائزا لهما، ولو فعل ذلك قاض، لم يكن عليه في ذلك إثم؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كلم غرماء جابر ليضعوا عنه، فوضعوا عنه، الشطر. # وفي الذي أصيب في حديقته فمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ملزوم، ~~فأشار إلى غرمائه بالنصف، فأخذوه منه. فإن فعل ذلك قاض اليوم، جاز إذا كان ~~على وجه الصلح والنظر لهما. # وروى يونس، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب، عن أبيه، أنه تقاضى ابن أبي ~~حدرد دينا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فخرج إليهما، ثم نادى: «يا كعب. قال: لبيك يا رسول ~~الله. فأشار إليه، أن ضع الشطر من دينك. قال: قد فعلت يا رسول الله. قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قم فأعطه» . فإن قال: على أن توفيني ما ~~بقي بطل؛ لأنه ما أبرأه عن بعض الحق إلا ليوفيه بقيته، فكأنه عاوض بعض حقه ~~ببعض. # القسم الثالث، الهبة. وهو أن يكون له في يده عين، فيقول قد وهبتك نصفها، ~~فأعطني بقيتها. فيصح، ويعتبر له شروط الهبة. وإن أخرجه مخرج الشرط، لم يصح. ~~وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه إذا شرط في الهبة الوفاء جعل الهبة عوضا عن الوفاء ~~به، فكأنه عاوض بعض حقه ببعض. # وإن أبرأه من بعض الدين، أو وهب له بعض العين بلفظ الصلح، مثل أن يقول: ~~صالحني بنصف دينك علي، أو بنصف دارك هذه. فيقول: صالحتك بذلك. لم يصح، ذكره ~~القاضي وابن عقيل. وهو قول بعض أصحاب الشافعي. وقال أكثرهم: يجوز الصلح؛ ~~لأنه إذا لم يجز بلفظه خرج عن أن يكون صلحا، ولا يبقى له تعلق به، فلا يسمى ~~صلحا، أما إذا ms2245 كان بلفظ الصلح سمي صلحا؛ لوجود اللفظ، وإن تخلف المعنى، ~~كالهبة بشرط الثواب، وإنما يقتضي لفظ الصلح المعاوضة إذا كان ثم عوض، أما ~~مع عدمه فلا. # وإنما معنى الصلح الاتفاق، والرضى، وقد يحصل هذا من غير عوض، كالتمليك ~~إذا كان بعوض سمي بيعا، وإن خلا عن العوض سمي هبة. ولنا أن لفظ الصلح يقتضي ~~المعاوضة؛ لأنه إذا قال: صالحني بهبة كذا، أو على نصف هذه العين، ونحو هذا. ~~فقد أضاف إليه بالمقابلة، فصار كقوله: بعني بألف. # وإن أضاف إليه " على " جرى مجرى الشرط. كقوله تعالى: {فهل نجعل لك خرجا ~~على أن تجعل بيننا وبينهم سدا} [الكهف: 94] . وكلاهما لا يجوز؛ بدليل ما لو ~~صرح بلفظ الشرط أو بلفظ المعاوضة. وقولهم: أنه يسمى صلحا. ممنوع، وإن سمي ~~صلحا فمجاز؛ لتضمنه قطع النزاع وإزالة الخصومة. وقولهم: إن الصلح لا يقتضي ~~المعاوضة. قلنا: لا نسلم. # وإن سلمنا لكن المعاوضة حصلت من اقتران حرف الباء، أو على، أو نحوهما به، ~~فإن لفظة الصلح تحتاج إلى حرف تعدى به، وذلك يقتضي المعاوضة، على ما بيناه. # PageV04P363 ### | [فصل ادعى على رجل بيتا فصالحه على بعضه] # (3498) فصل: وإن ادعى على رجل بيتا، فصالحه على بعضه، أو على بناء غرفة ~~فوقه، أو على أن يسكنه سنة، لم يصح؛ لأنه يصالحه من ملكه على ملكه أو ~~منفعته. وإن أسكنه كان تبرعا منه، متى شاء أخرجه منها. وإن أعطاه بعض داره ~~بناء على هذا، فمتى شاء انتزعه منه؛ لأنه أعطاه إياه عوضا عما لا يصلح عوضا ~~عنه. # وإن فعل ذلك على سبيل المصالحة، معتقدا أن ذلك وجب عليه بالصلح، رجع عليه ~~بأجر ما سكن وأجر ما كان في يده من الدار؛ لأنه أخذه بعقد فاسد، فأشبه ~~المبيع المأخوذ بعقد فاسد، وسكنى الدار بإجارة فاسدة. وإن بنى فوق البيت ~~غرفة، أجبر على نقضها، وإذا آجر السطح مدة مقامه في يديه، فله أخذ آلته. ~~ولو اتفقا على أن يصالحه صاحب البيت عن بنائه بعوض، جاز. وإن بنى الغرفة ~~بتراب من أرض صاحب البيت وآلاته، ms2246 فليس له أخذ بنائه؛ لأنه ملك لصاحب البيت. ~~وإن أراد نقض البناء، لم يكن له ذلك، إذا أبرأه المالك من ضمان ما يتلف به. # ويحتمل أن يملك نقضه، كقولنا في الغاصب. ### | [فصل صالحه بخدمة عبده سنة] # (3499) فصل: وإذا صالحه بخدمة عبده سنة، صح. وكانت إجارة. وقد ذكرنا ذلك. ~~فإن باع العبد في السنة صح البيع، ويكون للمشتري مسلوب المنفعة بقية السنة، ~~وللمستأجر استيفاء منفعته إلى انقضاء مدته، كما لو زوج أمته ثم باعها. # وإن لم يعلم المشتري بذلك، فله الفسخ؛ لأنه عيب. وإن أعتق العبد في أثناء ~~المدة، نفذ عتقه؛ لأنه مملوكه يصح بيعه، فصح عتقه لغيره، وللمصالح أن ~~يستوفي نفعه في المدة، لأنه أعتقه بعد أن ملك منفعته لغيره، فأشبه ما لو ~~أعتق الأمة المزوجة لحر. ولا يرجع العبد على سيده بشيء؛ لأنه ما زال ملكه ~~بالعتق إلا عن الرقبة، والمنافع حينئذ مملوكة لغيره، فلم تتلف منافعه ~~بالعتق، فلم يرجع بشيء، وإن أعتقه مسلوب المنفعة، فلم يرجع بشيء، كما لو ~~أعتق زمنا أو مقطوع اليدين، أو أعتق أمة مزوجة، وذكر القاضي وابن عقيل وجها ~~آخر، أنه يرجع على سيده بأجر مثله. # وهو قول الشافعي لأن العتق اقتضى إزالة ملكه عن الرقبة والمنفعة جميعا، ~~فلما لم تحصل المنفعة للعبد هاهنا، فكأنه حال بينه وبين منفعته. ولنا، أن ~~إعتاقه لم يصادف للمعتق سوى ملك الرقبة، فلم يؤثر إلا فيه، كما لو وصى لرجل ~~برقبة عبد ولآخر بنفعه، فأعتق صاحب الرقبة، وكما لو أعتق أمة مزوجة. ~~وقولهم: إنه اقتضى زوال الملك عن المنفعة. قلنا: إنما يقتضي ذلك إذا كانت ~~مملوكة له، أما إذا كانت مملوكة لغيره فلا يقتضي إعتاقه إزالة ما ليس ~~بموجود وإن تبين أن العبد مستحق، تبين بطلان الصلح لفساد العوض، ورجع ~~المدعي فيما أقر له به. # وإن وجد العبد معيبا عيبا تنقص به المنفعة، فله رده وفسخ الصلح. وإن صالح ~~على العبد بعينه، صح الصلح، ويكون بيعا. والحكم فيما إذا خرج مستحقا أو ظهر ~~به عيب، كما ذكرنا. # PageV04P364 ### | [فصل ms2247 ادعى زرعا في يد رجل] # (3500) فصل: إذا ادعى زرعا في يد رجل، فأقر له به، ثم صالحه منه على ~~دراهم، جاز على الوجه الذي يجوز به بيع الزرع. وقد ذكرنا ذلك في البيع. وإن ~~كان الزرع في يد رجلين، فأقر له أحدهما بنصفه، ثم صالحه عليه قبل اشتداد ~~حبه، لم يجز؛ لأنه إن صالحه عليه بشرط التبقية، أو من غير شرط القطع لم يجز ~~لأنه لا يجوز بيعه كذلك. وإن شرط القطع لم يجز لأنه؛ لا يمكنه قطعه إلا ~~بقطع زرع الآخر. # ولو كان الزرع لواحد، فأقر للمدعي بنصفه، ثم صالحه عنه بنصف الأرض ليصير ~~الزرع كله للمقر، والأرض بينهما نصفين، فإن شرط القطع جاز؛ لأن الزرع كله ~~للمقر، فجاز شرط قطعه. ويحتمل أن لا يجوز؛ لأن في الزرع ما ليس بمبيع، وهو ~~النصف الذي لم يقر به، وهو في النصف الباقي له، فلا يصح اشتراط قطعه، كما ~~لو شرط قطع زرع آخر في أرض أخرى. وإن صالحه منه بجميع الأرض بشرط القطع ~~ليسلم الأرض إليه فارغة، صح؛ لأن قطع جميع الزرع مستحق نصفه بحكم الصلح، ~~والباقي لتفريغ الأرض، فأمكن القطع. # وإن كان إقراره بجميع الزرع، فصالحه من نصفه على نصف الأرض، ليكون الأرض ~~والزرع بينهما نصفين وشرط القطع في الجميع، احتمل الجواز؛ لأنهما قد شرطا ~~قطع كل الزرع وتسليم الأرض فارغة، واحتمل المنع؛ لأن باقي الزرع ليس بمبيع، ~~فلا يصح شرط قطعه في العقد. ### | [فصل حصلت أغصان شجرته في هواء ملك غيره] # (3501) فصل: إذا حصلت أغصان شجرته في هواء ملك غيره، أو هواء جدار له فيه ~~شركة، أو على نفس الجدار، لزم مالك الشجرة إزالة تلك الأغصان، إما بردها ~~إلى ناحية أخرى، وإما بالقطع؛ لأن الهواء ملك لصاحب القرار، فوجب إزالة ما ~~يشغله من ملك غيره كالقرار. فإن امتنع المالك من إزالته، لم يجبر؛ لأنه من ~~غير فعله، فلم يجبر على إزالته، كما إذا لم يكن مالكا له. # وإن تلف بها شيء، لم يضمنه كذلك. ويحتمل أن يجبر على ms2248 إزالته، ويضمن ما ~~تلف به، إذا أمر بإزالته فلم يفعل، بناء على ما إذا مال حائطه إلى ملك ~~غيره، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وعلى كلا الوجهين، إذا امتنع من ~~إزالته كان لصاحب الهواء إزالته بأحد الأمرين؛ لأنه بمنزلة البهيمة التي ~~تدخل داره، له إخراجها، كذا هاهنا. وهذا مذهب الشافعي. # فإن أمكنه إزالتها بلا إتلاف ولا قطع، من غير مشقة تلزمه ولا غرامة، لم ~~يجز له إتلافها، كما أنه إذا أمكنه إخراج البهيمة من غير إتلاف لم يجز له ~~إتلافها. فإن أتلفها في هذه الحال غرمها، وإن لم يمكنه إزالتها إلا ~~بالإتلاف، فله ذلك، ولا شيء عليه؛ فإنه لا يلزمه إقرار مال غيره في ملكه. # فإن صالحه على إقرارها بعوض معلوم، فاختلف أصحابنا. فقال ابن حامد وابن ~~عقيل: يجوز ذلك رطبا كان الغصن أو يابسا؛ لأن الجهالة في المصالح عنه لا ~~تمنع الصحة، لكونها لا تمنع التسليم، بخلاف العوض، فإنه يفتقر إلى العلم؛ ~~لوجوب تسليمه، ولأن الحاجة داعية إلى الصلح عنه، لكون ذلك # PageV04P365 # يكثر في الأملاك المتجاورة، وفي القطع إتلاف وضرر. والزيادة المتجددة ~~يعفى عنها، كالسمن الحادث في المستأجر للركوب، والمستأجر للغرفة يتجدد له ~~الأولاد، والغراس الذي يستأجر له الأرض يعظم ويجفو. # وقال أبو الخطاب: لا تصح المصالحة عنه بحال، رطبا كان أو يابسا؛ لأن ~~الرطب يزيد ويتغير واليابس ينقص، وربما ذهب كله. وقال القاضي: إن كان يابسا ~~معتمدا على نفس الجدار، صحت المصالحة عنه؛ لأن الزيادة مأمونة فيه، ولا يصح ~~الصلح على غير ذلك؛ لأن الرطب يزيد في كل وقت، وما لا يعتمد على الجدار، لا ~~يصح الصلح عليه؛ لأنه تبع الهواء. وهذا مذهب الشافعي. # واللائق بمذهب أحمد صحته؛ لأن الجهالة في المصالح عنه لا تمنع الصحة إذا ~~لم يكن إلى العلم به سبيل، وذلك لدعاء الحاجة إليه، وكونه لا يحتاج إلى ~~تسليم، وهذا كذلك. والهواء كالقرار في كونه مملوكا لصاحبه، فجاز الصلح على ~~ما فيه، كالذي في القرار. ### | [فصل صالحه على أرض بجزء معلوم من ثمرها] ms2249 # (3502) فصل: وإن صالحه على إقرارها بجزء معلوم من ثمرها، أو بثمرها كله، ~~فقد نقل المروذي وإسحاق بن إبراهيم، عن أحمد، أنه سئل عن ذلك، فقال: لا ~~أدري. فيحتمل أن يصح. ونحوه. # وقال مكحول، فإنه نقل عنه أنه قال: أيما شجرة ظللت على قوم، فهم بالخيار ~~بين قطع ما ظلل، أو أكل ثمرها. ويحتمل أن لا يصح. وهو قول الأكثرين. وإليه ~~ذهب الشافعي؛ لأن العوض مجهول، فإن الثمرة مجهولة، وجزؤها مجهول، ومن شرط ~~الصلح العلم بالعوض، ولأن المصالح عليه أيضا مجهول؛ لأنه يزيد ويتغير على ~~ما أسلفنا. # ووجه الأول، أن هذا مما يكثر في الأملاك، وتدعو الحاجة إليه، وفي القطع ~~إتلاف، فجاز مع الجهالة، كالصلح على مجرى مياه الأمطار، والصلح على ~~المواريث الدارسة، والحقوق المجهولة التي لا سبيل إلى علمها، ويقوى عندي أن ~~الصلح هاهنا يصح، بمعنى أن كل واحد منهما يبيح صاحبه ما بذل له، فصاحب ~~الهواء يبيح صاحب الشجرة إبقاءها، ويمتنع من قطعها وإزالتها، وصاحب الشجرة ~~يبيحه ما بذل له من ثمرتها، ولا يكون هذا بمعنى البيع؛ لأن البيع لا يصح ~~بمعدوم ولا مجهول، والثمرة في حال الصلح معدومة مجهولة، ولا هو لازم، بل ~~لكل واحد منهما الرجوع عما بذله، والعود فيما قاله؛ لأنه مجرد إباحة من كل ~~واحد منهما لصاحبه، فجرى مجرى قول كل واحد منهما لصاحبه: اسكن داري، وأسكن ~~دارك. من غير تقدير مدة، ولا ذكر شروط الإجارة، أو قوله: أبحتك الأكل من ~~ثمرة بستاني، فأبحني الأكل من ثمرة بستانك. # وكذلك قوله: دعني أجري في أرضك ماء، ولك أن تسقي به ما شئت، وتشرب منه. ~~ونحو ذلك، فهذا مثله بل أولى، فإن هذا مما تدعو الحاجة إليه كثيرا، وفي ~~إلزام القطع ضرر كبير، وإتلاف أموال كثيرة، وفي الترك من غير نفع يصل إلى ~~صاحب الهواء ضرر عليه، وفيما ذكرناه جمع بين # PageV04P366 # الأمرين، ونظر للفريقين، وهو على وفق الأصول، فكان أولى. ### | [فصل ما امتد من عروق شجرة إنسان إلى أرض جاره] # (3503) فصل: وكذلك الحكم في كل ما امتد ms2250 من عروق شجرة إنسان إلى أرض جاره، ~~سواء أثرت ضررا مثل تأثيرها في المصانع، وطي الآبار، وأساس الحيطان أو ~~منعها من ثبات شجر لصاحب الأرض أو زرع، أو لم يؤثر؛ فإن الحكم في قطعه ~~والصلح عليه كالحكم في الفروع، إلا أن العروق لا ثمر لها، فإن اتفقا على أن ~~ما نبت من عروقها لصاحب الأرض، أو جزء معلوم منه، فهو كالصلح على الثمر ~~فيما ذكرنا، فعلى قولنا، إذا اصطلحا على ذلك، فمضت مدة، ثم أبى صاحب الشجرة ~~دفع نباتها إلى صاحب الأرض، فعليه أجر المثل؛ لأنه إنما تركه في أرضه لهذا، ~~فلما لم يسلمه له، رجع بأجر المثل، كما لو بذلها بعوض فلم يسلم له. # وكذلك الحكم في من مال حائطه إلى هواء ملك غيره، أو ذلق من أخشابه إلى ~~ملك غيره، فالحكم فيه على ما ذكرناه. ### | [فصل صالحه على المؤجل ببعضه حالا] # (3504) فصل: وإذا صالحه على المؤجل ببعضه حالا، لم يجز، كرهه زيد بن ثابت ~~وابن عمر - وقال: نهى عمر أن تباع العين بالدين وسعيد بن المسيب والقاسم ~~وسالم، والحسن، والشعبي، ومالك، والشافعي، والثوري، وابن عيينة، وهشيم، ~~وأبو حنيفة، وإسحاق. # وروي عن ابن عباس، والنخعي، وابن سيرين، أنه لا بأس به. وعن الحسن وابن ~~سيرين، أنهما كانا لا يريان بأسا بالعروض أن يأخذها من حقه قبل محله؛ ~~لأنهما تبايعا العروض بما في الذمة، فصح كما لو اشتراها بثمن مثلها. ولعل ~~ابن سيرين يحتج بأن التعجيل جائز والإسقاط وحده جائز، فجاز الجمع بينهما، ~~كما لو فعلا ذلك من غير مواطأة عليه. # ولنا، أنه يبذل القدر الذي يحطه عوضا عن تعجيل ما في ذمته، وبيع الحلول ~~والتأجيل لا يجوز، كما لا يجوز أن يعطيه عشرة حالة بعشرين مؤجلة. ولأنه ~~يبيعه عشرة بعشرين، فلم يجز، كما لو كانت معيبة، ويفارق ما إذا كان من غير ~~مواطأة ولا عقد؛ لأن كل واحد منهما متبرع ببذل حقه من غير عوض. ولا يلزم من ~~جواز ذلك جوازه في العقد، أو مع الشركة كبيع درهم بدرهمين. ms2251 # ويفارق ما إذا اشترى العروض بثمن مثلها؛ لأنه لم يأخذ عن الحلول عوضا، ~~فأما إن صالحه عن ألف حالة بنصفها مؤجلا، فإن فعل ذلك اختيارا منه، وتبرعا ~~به، صح الإسقاط، ولم يلزم التأجيل؛ لأن الحال لا يتأجل بالتأجيل، على ما ~~ذكرنا فيما مضى، والإسقاط صحيح. وإن فعله لمنعه من حقه بدونه، أو شرط ذلك ~~في الوفاء، لم يسقط شيء أيضا. على ما ذكرنا في أول الباب. # وذكر أبو الخطاب في هذا روايتين، أصحهما لا يصح. وما ذكرنا من التفصيل ~~أولى، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل الصلح عن المجهول] # (3505) فصل: ويصح الصلح عن المجهول، سواء كان عينا أو دينا، إذا كان مما ~~لا سبيل إلى # PageV04P367 # معرفته. قال أحمد في الرجل يصالح على الشيء، فإن علم أنه أكثر منه، لم ~~يجز إلا أن يوقفه عليه، إلا أن يكون مجهولا لا يدري ما هو، ونقل عنه عبد ~~الله، إذا اختلط قفيز حنطة بقفيز شعير، وطحنا، فإن عرف قيمة دقيق الحنطة ~~ودقيق الشعير، بيع هذا، وأعطي كل واحد منهما قيمة ماله، إلا أن يصطلحا على ~~شيء ويتحالا. # وقال ابن أبي موسى: الصلح الجائز هو صلح الزوجة من صداقها الذي لا بينة ~~لها به، ولا علم لها، ولا للورثة بمبلغه، وكذلك الرجلان يكون بينهما ~~المعاملة والحساب الذي قد مضى عليه الزمان الطويل، لا علم لكل واحد منهما ~~بما عليه لصاحبه، فيجوز الصلح، بينهما، وكذلك من عليه حق لا علم له بقدره، ~~جاز أن يصالح عليه، وسواء كان صاحب الحق يعلم قدر حقه ولا بينة له، أو لا ~~علم له. ويقول القابض: إن كان لي عليك حق فأنت في حل منه. ويقول الدافع: إن ~~كنت أخذت مني أكثر من حقك فأنت منه في حل. # وقال الشافعي: لا يصح الصلح على مجهول؛ لأنه فرع البيع، ولا يصح البيع ~~على مجهول. ولنا، ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في رجلين ~~اختصما في مواريث درست: «استهما، وتوخيا، وليحلل أحدكما صاحبه» . وهذا صلح ~~على المجهول. # ولأنه ms2252 إسقاط حق، فصح في المجهول، كالعتاق والطلاق، ولأنه إذا صح الصلح مع ~~العلم، وإمكان أداء الحق بعينه، فلأن يصح مع الجهل أولى، وذلك لأنه إذا كان ~~معلوما فلهما طريق إلى التخلص وبراءة أحدهما من صاحبه بدونه، ومع الجهل لا ~~يمكن ذلك، فلو لم يجز الصلح أفضى إلى ضياع المال، على تقدير أن يكون بينهما ~~مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه. ولا نسلم كونه بيعا، ولا فرع بيع، ~~وإنما هو إبراء. # وإن سلمنا كونه بيعا، فإنه يصح في المجهول عند الحاجة بدليل بيع أساسات ~~الحيطان، وطي الآبار، وما مأكوله في جوفه، ولو أتلف رجل صبرة طعام لا يعلم ~~قدرها، فقال صاحب الطعام لمتلفه: بعتك الطعام الذي في ذمتك بهذه الدراهم، ~~أو بهذا الثوب. صح. إذا ثبت هذا، فإن كان العوض في الصلح مما لا يحتاج إلى ~~تسليمه، ولا سبيل إلى معرفته، كالمختصمين في مواريث دارسة، وحقوق سالفة، أو ~~عين من المال لا يعلم كل واحد منهما قدر حقه منها، صح الصلح مع الجهالة من ~~الجانبين؛ لما ذكرناه من الخبر والمعنى. # وإن كان مما يحتاج إلى تسليمه، لم يجز مع الجهالة، ولا بد من كونه ~~معلوما؛ لأن تسليمه واجب، والجهالة تمنع التسليم، وتفضي إلى التنازع، فلا ~~يحصل مقصود الصلح # (3506) فصل: فأما ما يمكنهما معرفته، كتركة موجودة، أو يعلمه الذي هو ~~عليه، ويجهله صاحبه، فلا يصح الصلح عليه مع الجهل. قال أحمد: إن صولحت ~~امرأة من ثمنها، لم يصح. واحتج بقول شريح: أيما امرأة صولحت من ثمنها، لم ~~يتبين لها ما ترك زوجها، فهي الريبة كلها. # قال: وإن ورث قوم مالا # PageV04P368 # ودورا وغير ذلك، فقالوا لبعضهم: نخرجك من الميراث بألف درهم. أكره ذلك، ~~ولا يشترى منها شيء، وهي لا تعلم لعلها تظن أنه قليل، وهو يعلم أنه كثير ~~ولا يشتري حتى تعرفه وتعلم ما هو، وإنما يصالح الرجل الرجل على الشيء لا ~~يعرفه، ولا يدري ما هو حساب بينهما، فيصالحه، أو يكون رجل يعلم ماله على ~~رجل، والآخر لا يعلمه ms2253 فيصالحه، فأما إذا علم فلم يصالحه إنما يريد أن يهضم ~~حقه ويذهب به. وذلك لأن الصلح إنما جاز مع الجهالة، للحاجة إليه لإبراء ~~الذمم، وإزالة الخصام، فمع إمكان العلم لا حاجة إلى الصلح مع الجهالة، فلم ~~يصح كالبيع. ### | [فصل الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه] # (3507) فصل: ويصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه سواء كان مما يجوز ~~بيعه أو لا يجوز، فيصح عن دم العمد، وسكنى الدار، وعيب المبيع. ومتى صالح ~~عما يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقل، جاز. وقد روي أن الحسن والحسين ~~وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات، فأبى ~~أن يقبلها. ولأن المال غير متعين، فلا يقع العوض في مقابلته. # فأما إن صالح عن قتل الخطأ بأكثر من ديته من جنسها، لم يجز. وكذلك لو ~~أتلف عبدا أو شيئا غيره، فصالح عنه بأكثر من قيمته من جنسها، لم يجز. وبهذا ~~قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يجوز لأنه يأخذ عوضا عن المتلف، فجاز أن يأخذ ~~أكثر من قيمته، كما لو باعه بذلك. ولنا، أن الدية والقيمة ثبتت في الذمة ~~مقدرة، فلم يجز أن يصالح عنها بأكثر منها من جنسها، كالثابتة عن قرض أو ثمن ~~مبيع، ولأنه إذا أخذ أكثر منها فقد أخذ حقه وزيادة لا مقابل لها، فيكون أكل ~~مال بالباطل. فأما إن صالحه على غير جنسها، بأكثر قيمة منها، جاز؛ لأنه ~~بيع، ويجوز أن يشتري الشيء بأكثر من قيمته أو أقل. ### | [فصل صالح عن المائة الثابتة في الذمة بالإتلاف] # (3508) فصل: ولو صالح عن المائة الثابتة في الذمة بالإتلاف، بمائة مؤجلة، ~~لم يجز، وكانت حالة. وبهذا قال الشافعي. وعن أحمد يجوز. وهو قول أبي حنيفة؛ ~~لأنه عاوض عن المتلف بمائة مؤجلة فجاز كما لو باعه إياه. ولنا، أنه إنما ~~يستحق عليه قيمة المتلف وهو مائة حالة، الحال لا يتأجل بالتأجيل، وإن ~~جعلناه بيعا فهو بيع دين بدين، وبيع الدين بالدين غير جائز. ### | [فصل صالح عن القصاص ms2254 بعبد فخرج مستحقا] # (3509) فصل: ولو صالح عن القصاص بعبد، فخرج مستحقا، رجع بقيمته في قولهم ~~جميعا. وإن خرج حرا فكذلك. وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة: يرجع ~~بالدية؛ لأن الصلح فاسد، فيرجع ببذل ما صالح عنه، وهو الدية. ولنا، أنه ~~تعذر تسليم ما جعله عوضا، فرجع في قيمته، كما لو خرج مستحقا. # PageV04P369 ### | [فصل صالح عن دار أو عبد بعوض] # (3510) فصل: ولو صالح عن دار أو عبد بعوض، فوجد العوض مستحقا أو حرا، رجع ~~في الدار وما صالح عنه، أو بقيمته إن كان تالفا؛ لأن الصلح هاهنا بيع في ~~الحقيقة، فإذا تبين أن العوض كان مستحقا أو حرا كان البيع فاسدا، فرجع فيما ~~كان له، بخلاف الصلح عن القصاص، فإنه ليس ببيع وإنما يأخذ عوضا عن إسقاط ~~القصاص. # ولو اشترى شيئا فوجده معيبا، فصالحه عنه بعبد، فبان مستحقا أو حرا، رجع ~~بأرش العيب. ولو كان البائع امرأة، فزوجته نفسها عوضا عن أرش العيب، فزال ~~العيب رجعت بأرشه، لا بمهر المثل لأنها رضيت ذلك مهرا لها. ### | [فصل صالحه عن القصاص بحر يعلمان حريته] # (3511) فصل: ولو صالحه عن القصاص بحر يعلمان حريته أو عبد يعلمان أنه ~~مستحق، أو تصالحا بذلك عن غير القصاص، رجع بالدية وبما صالح عنه؛ لأن الصلح ~~هاهنا باطل يعلمان بطلانه، فكان وجوده كعدمه. ### | [فصل صالح رجلا على موضع قناة من أرضه يجري فيها ماء] # (3512) فصل: إذا صالح رجلا على موضع قناة من أرضه يجري فيها ماء، بينا ~~موضعها وعرضها وطولها، جاز؛ لأن ذلك بيع لموضع من أرضه، ولا حاجة إلى بيان ~~عمقه؛ لأنه إذا ملك الموضع كان له إلى تخومه، فله أن يترك فيه ما شاء. وإن ~~صالحه على إجراء الماء في ساقية من أرض رب الأرض، مع بقاء ملكه عليها، فهذا ~~إجارة للأرض، فيشترط تقدير المدة؛ لأن هذا شأن الإجارة. فإن كانت الأرض في ~~يد رجل بإجارة، جاز له أن يصالح رجلا على إجراء الماء فيها في ساقية محفورة ~~مدة لا تجاوز مدة إجارته. وإن لم ms2255 تكن الساقية محفورة لم يجز أن يصالحه على ~~ذلك؛ لأنه لا يجوز إحداث ساقية في أرض في يده بإجارة. # فأما إن كانت الأرض في يده وقفا عليه، فقال القاضي: هو كالمستأجر، له أن ~~يصالح إجراء الماء في ساقية محفورة في مدة معلومة، وليس له أن يحفر فيها ~~ساقية؛ لأنه لا يملكها، إنما يستوفي منفعتها، كالأرض المستأجرة سواء. وهذا ~~كله مذهب الشافعي والأولى أنه يجوز له حفر الساقية؛ لأن الأرض له، وله ~~التصرف فيها كيفما شاء، ما لم ينقل الملك فيها إلى غيره، بخلاف المستأجر، ~~فإنه إنما يتصرف فيها بما أذن له فيه، فكان الموقوف عليه بمنزلة المستأجر ~~إذا أذن له في الحفر، فإن مات الموقوف عليه في أثناء المدة، فهل لمن انتقل ~~إليه فسخ الصلح فيما بقي من المدة؟ على وجهين، بناء على ما إذا آجره مدة، ~~فمات في أثنائها. فإن قلنا: له فسخ الصلح. ففسخه، رجع المصالح على ورثة ~~الذي صالحه بقسط ما بقي من المدة. وإن قلنا: ليس له الفسخ. رجع من انتقل ~~إليه الوقف على الورثة. ### | [فصل صالح رجلا على إجراء ماء سطحه من المطر على سطحه] # (3513) فصل: وإن صالح رجلا على إجراء ماء سطحه من المطر على سطحه أو في ~~أرضه عن سطحه، أو في أرضه عن أرضه، جاز، إذا كان ما يجري ماء معلوما، إما ~~بالمشاهدة، وإما بمعرفة المساحة؛ لأن الماء يختلف بصغر السطح وكبره. ولا ~~يمكن ضبطه بغير ذلك. ويشترط معرفة الموضع الذي يجري # PageV04P370 # منه الماء إلى السطح؛ لأن ذلك يختلف. # ولا يفتقر إلى ذكر مدة؛ لأن الحاجة تدعو إلى هذا، ويجوز العقد على ~~المنفعة في موضع الحاجة غير مقدر، كما في النكاح، ولا يملك صاحب الماء ~~مجراه؛ لأن هذا لا يستوفي به منافع المجرى دائما، ولا في أكثر المدة، بخلاف ~~الساقية، ويختلفان أيضا في أن الماء الذي في الساقية لا يحتاج إلى ما يقدر ~~به؛ لأن تقدير ذلك حصل بتقدير الساقية، فإنه لا يملك أن يجري فيها أكثر من ~~مائها، والماء الذي على ms2256 السطح يحتاج إلى معرفة مقدار السطح؛ لأنه يجري منه ~~القليل والكثير. # وإن كان السطح الذي يجري عليه الماء مستأجرا، أو عارية مع إنسان، لم يجز ~~أن يصالح على إجراء الماء عليه؛ لأنه يتضرر بذلك، ولم يؤذن له فيه، فلم يكن ~~له أن يتصرف به بخلاف الماء في الساقية المحفورة، فإن الأرض لا تتضرر به. ~~وإن كان ماء السطح يجري على أرض، احتمل أن لا يجوز له الصلح على ذلك؛ لأنه ~~إن احتاج إلى حفر لم يجز له أن يحفر أرض غيره، ولأنه يجعل لغير صاحب الأرض ~~رسما، فربما ادعى استحقاق ذلك على صاحبها. واحتمل الجواز إذا لم يحتج إلى ~~حفر، ولم تكن فيه مضرة؛ لأنه بمنزلة إجراء الماء في ساقية محفورة، ولا يجوز ~~إلا مدة لا تزيد على مدة إجارته، كما قلنا في إجراء الماء في الساقية. ~~والله أعلم. ### | [فصل أراد أن يجري ماء في أرض غيره لغير ضرورة] # (3514) فصل: وإذا أراد أن يجري ماء في أرض غيره لغير ضرورة، لم يجز إلا ~~بإذنه، وإن كان لضرورة، مثل أن يكون له أرض للزراعة، لها ماء لا طريق له ~~إلا أرض جاره، فهل له ذلك؟ على روايتين، إحداهما، لا يجوز؛ لأنه تصرف في ~~أرض غيره بغير إذنه، فلم يجز، كما لو لم تدع إليه ضرورة، ولأن مثل هذه ~~الحاجة لا تبيح مال غيره، بدليل أنه لا يباح له الزرع في أرض غيره، ولا ~~البناء فيها، ولا الانتفاع بشيء من منافعها المحرمة عليه قبل هذه الحاجة. # والأخرى يجوز؛ لما روي أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا من العريض، فأراد أن ~~يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى، فقال له الضحاك: لم تمنعني وهو منفعة ~~لك، تشربه أولا وآخرا، ولا يضرك؟ فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر، فدعا ~~محمد بن مسلمة، وأمره أن يخلي سبيله. فقال محمد: لا والله. فقال له عمر: لم ~~تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع، تشربه أولا وآخرا؟ فقال محمد: لا والله. ~~فقال عمر: والله ليمرن به ms2257 ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمر به، ففعله. رواه ~~مالك في " موطئه "، وسعيد في " سننه ". والأول أقيس، وقول عمر يخالفه قول ~~محمد بن مسلمة، وهو موافق للأصول، فكان أولى. ### | [فصل صالح رجلا على أن يسقي أرضه من نهر الرجل يوما أو يومين] # (3515) فصل: وإن صالح رجلا على أن يسقي أرضه من نهر الرجل يوما أو يومين، ~~أو من عينه، وقدره بشيء يعلم به، فقال القاضي: لا يجوز؛ لأن الماء ليس ~~بمملوك، ولا يجوز؛ بيعه، فلا يجوز # PageV04P371 # الصلح عليه، ولأنه مجهول. قال: وإن صالحه على سهم من العين أو النهر ~~كالثلث أو الربع، جاز، وكان بيعا للقرار، والماء تابع له. # ويحتمل أن يجوز الصلح على السقي من نهره وقناته؛ لأن الحاجة تدعو إلى ~~ذلك، والماء مما يجوز أخذ العوض عنه في الجملة، بدليل ما لو أخذه في قربته ~~أو إنائه، ويجوز الصلح على ما لا يجوز بيعه؛ بدليل الصلح عن دم العمد ~~وأشباهه، والصلح على المجهول. ### | [فصل الصلح على ما لا يجوز أخذ العوض عنه] # (3516) فصل: ولا يصح الصلح على ما لا يجوز أخذ العوض عنه، مثل أن يصالح ~~امرأة لتقر له بالزوجية؛ لأنه صلح يحل حراما، ولأنها لو أرادت بذل نفسها ~~بعوض لم يجز. وإن دفعت إليه عوضا عن هذه الدعوى ليكف عنها، ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، لا يجوز؛ لأن الصلح في الإنكار إنما يكون في حق المنكر لافتداء ~~اليمين، وهذه لا يمين عليها، وفي حق المدعي بأخذ العوض في مقابلة حقه الذي ~~يدعيه، وخروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له، وإنما أجيز الخلع للحاجة إلى ~~افتداء نفسها. # والثاني، يصح. ذكره أبو الخطاب وابن عقيل؛ لأن المدعي يأخذ عوضا عن حقه ~~من النكاح، فجاز كعوض الخلع والمرأة تبذله لقطع خصومته وإزالة شره، وربما ~~توجهت اليمين عليها لكون الحاكم يرى ذلك، أولأنها مشروعة في حقها في إحدى ~~الروايتين، ومتى صالحته على ذلك، ثبتت الزوجية بإقرارها أو ببينة، فإن ~~قلنا: الصلح باطل. فالنكاح باق بحاله؛ لأنه لم يوجد من الزوج طلاق ms2258 ولا خلع. ~~وإن قلنا: هو صحيح. احتمل ذلك أيضا؛ ولذلك احتمل أن تبين منه بأخذ العوض؛ ~~لأنه أخذ العوض عما يستحقه من نكاحها، فكان خلعا، كما لو أقرت له بالزوجية ~~فخالعها. # ولو ادعت أن زوجها طلقها ثلاثا، فصالحها على مال لتنزل عن دعواها، لم ~~يجز؛ لأنه لا يجوز لها بذل نفسها لمطلقها بعوض ولا بغيره. وإن دفعت إليه ~~مالا ليقر بطلاقها، لم يجز، في أحد الوجهين، وفي الآخر يجوز، كما لو بذلت ~~له عوضا ليطلقها ثلاثا. ### | [فصل ادعى على رجل أنه عبده فأنكره] # (3517) فصل: وإن ادعى على رجل أنه عبده، فأنكره، فصالحه على مال ليقر له ~~بالعبودية، لم يجز؛ لأنه يحل حراما، فإن إرقاق الحر نفسه لا يحل بعوض ولا ~~بغيره. وإن دفع إليه المدعى عليه مالا صلحا عن دعواه، صح؛ لأنه يجوز أن ~~يعتق عبده بمال، ويشرع للدافع لدفع اليمين الواجبة عليه، والخصومة المتوجهة ~~إليه. # ولو ادعى على رجل ألفا، فأنكره فدفع إليه شيئا ليقر له بالألف، لم يصح. ~~فإن أقر لزمه ما أقر به، ويرد ما أخذه؛ لأنه تبين بإقراره كذبه في إنكاره، ~~وأن الألف عليه، فيلزمه أداؤه بغير عوض ولا يحل له أخذ العوض عن أداء ~~الواجب عليه. وإن دفع إليه المنكر مالا صلحا عن دعواه، صح. وقد مضى ذكره. # PageV04P372 ### | [فصل صالح شاهدا على أن لا يشهد عليه] # (3518) فصل: ولو صالح شاهدا على أن لا يشهد عليه، لم يصح لأنه لا يخلو من ~~ثلاثة أحوال: أحدها، أن يصالحه على أن لا يشهد عليه بحق تلزم الشهادة به، ~~كدين آدمي، أو حق لله تعالى لا يسقط بالشبهة، كالزكاة ونحوها، فلا يجوز ~~كتمانه، ولا يجوز أخذ العوض عن ذلك، كما لا يجوز أخذ العوض على شرب الخمر ~~وترك الصلاة. الثاني، أن يصالحه على أن لا يشهد عليه بالزور. فهذا يجب عليه ~~ترك ذلك، ويحرم عليه فعله، فلا يجوز أخذ العوض عنه، كما لا يجوز أن يصالحه ~~على أن لا يقتله ولا يغصب ماله. الثالث، أن يصالحه على أن لا ms2259 يشهد عليه بما ~~يوجب حدا، كالزنا والسرقة، فلا يجوز أخذ العوض عنه؛ لأن ذلك ليس بحق له، ~~فلم يجز له أخذ عوضه، كسائر ما ليس بحق له. # ولو صالح السارق والزاني والشارب بمال، على أن لا يرفعه إلى السلطان، لم ~~يصح الصلح لذلك، ولم يجز له أخذ العوض. وإن صالحه عن حد القذف، لم يصح ~~الصلح؛ لأنه إن كان لله تعالى، لم يكن له أن يأخذ عوضه، لكونه ليس بحق له، ~~فأشبه حد الزنى والسرقة، وإن كان حقا له، لم يجز الاعتياض عنه، لكونه حقا ~~ليس بمالي، ولهذا لا يسقط إلى بدل، بخلاف القصاص، ولأنه شرع لتنزيه العرض، ~~فلا يجوز أن يعتاض عن عرضه بمال. # وهل يسقط الحد بالصلح؟ فيه وجهان، مبنيان على الخلاف في كونه حقا لله ~~تعالى، أو حقا لآدمي؛ فإن كان حقا لله تعالى، لم يسقط بصلح الآدمي ولا ~~إسقاطه، كحد الزنى والسرقة، وإن كان حقا لآدمي سقط بصلحه وإسقاطه، مثل ~~القصاص. وإن صالح عن حق الشفعة، لم يصح الصلح؛ لأنه حق شرع على خلاف الأصل ~~لدفع ضرر الشركة، فإذا رضي بالتزام الضرر، سقط الحق من غير بدل، كحد القذف، ~~إلا أنه يسقط هاهنا وجها واحدا؛ لكونه حقا لآدمي. ### | [فصل لا يشرع إلى طريق نافذ جناحا] # (3519) فصل: ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحا؛ وهو الروشن يكون على ~~أطراف خشبة مدفونة في الحائط، وأطرافها خارجة في الطريق، سواء كان ذلك يضر ~~في العادة بالمارة أو لا يضر. ولا يجوز أن يجعل عليها. ساباطا بطريق ~~الأولى، وهو المستوفي لهواء الطريق كله على حائطين، سواء كان الحائطان ملكه ~~أو لم يكونا، وسواء أذن الإمام في ذلك أو لم يأذن. # وقال ابن عقيل: إن لم يكن فيه ضرر جاز بإذن الإمام؛ لأنه نائبهم، فجرى ~~إذنه مجرى إذن المشتركين في الدرب الذي ليس # PageV04P373 # بنافد. وقال أبو حنيفة: يجوز من ذلك ما لا ضرر فيه، وإن عارضه رجل من ~~المسلمين وجب قلعه. وقال مالك، والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو يوسف، ~~ومحمد: يجوز ms2260 ذلك إذا لم يضر بالمارة، ولا يملك أحد منعه؛ لأنه ارتفق بما لم ~~يتعين ملك أحد فيه من غير مضرة، فكان جائزا، كالمشي في الطريق والجلوس ~~فيها. واختلفوا فيما لا يضر، فقال بعضهم: إن كان في شارع تمر فيه الجيوش ~~والأحمال، فيكون بحيث إذا سار فيه الفارس ورمحه منصوب لا يبلغه. # وقال أكثرهم: لا يقدر بذلك، بل يكون بحيث لا يضر بالعماريات والمحامل. ~~ولنا، أنه بناء في ملك غيره بغير إذنه، فلم يجز، كبناء الدكة أو بناء ذلك ~~في درب غير نافذ بغير إذن أهله، ويفارق المرور في الطريق، فإنها جعلت لذلك، ~~ولا مضرة فيه، والجلوس لا يدوم، ولا يمكن التحرز منه، ولا نسلم أنه لا مضرة ~~فيه، فإنه يظلم الطريق، ويسد الضوء، وربما سقط على المارة، أو سقط منه شيء، ~~وقد تعلو الأرض بمرور الزمان، فيصدم رءوس الناس، ويمنع مرور الدواب ~~بالأحمال، ويقطع الطريق إلا على الماشي، وقد رأينا مثل هذا كثيرا، وما يفضي ~~إلى الضرر في ثاني الحال، يجب المنع منه في ابتدائه، كما لو أراد بناء حائط ~~مائل إلى الطريق يخشى وقوعه على من يمر فيها. # وعلى أبي حنيفة: أنه بناء في حق مشترك، لو منع منه بعض أهله لم يجز، فلم ~~يجز بغير إذنهم، كما لو أخرجه إلى هواء دار مشتركة، وذلك لأن حق الآدمي لا ~~يجوز لغيره التصرف فيه بغير إذنه، وإن كان ساكنا، كما لا يجوز إذا منع منه. ### | [فصل لا يبني في الطريق دكانا] # (3520) فصل: ولا يجوز أن يبني في الطريق دكانا، بغير خلاف نعلمه، سواء ~~كان الطريق واسعا أو غير واسع، سواء أذن الإمام فيه أو لم يأذن؛ لأنه بناء ~~في ملك غيره بغير إذنه، ولأنه يؤذي المارة ويضيق عليهم، ويعثر به العاثر، ~~فلم يجز، كما لو كان الطريق ضيقا. ### | [فصل لا يبني دكانا ولا يخرج روشنا ولا ساباطا على درب غير نافذ] # (3521) فصل: ولا يجوز أن يبني دكانا، ولا يخرج روشنا ولا ساباطا على درب ~~غير نافذ، إلا بإذن أهله. وبهذا ms2261 قال الشافعي، إذا لم يكن له في الدرب باب، ~~وإن كان له في الدرب باب، فقد اختلف أصحابه، فمنهم من منعه أيضا، ومنهم من ~~أجاز له إخراج الجناح والساباط؛ لأن له في الدرب استطراقا، فملك ذلك، كما ~~يملكه في الدرب النافذ. # ولنا، أنه بناء في هواء ملك قوم معينين، أشبه ما لو لم يكن له فيه باب، ~~ولا نسلم الأصل الذي قاسوا عليه. فأما إن أذن أهل الدرب فيه، جاز؛ لأن الحق ~~لهم، فجاز بإذنهم، كما لو كان المالك واحدا. وإن صالح أهل الدرب من ذلك على ~~عوض معلوم، جاز. وقال القاضي، وأصحاب الشافعي: لا يجوز؛ لأنه بيع للهواء ~~دون القرار. # PageV04P374 # ولنا أنه يبني فيه بإذنهم، فجاز، كما لو أذنوا له بغير عوض، ولأنه ملك ~~لهم، فجاز لهم أخذ عوضه، كالقرار. # إذا ثبت هذا، فإنما يجوز بشرط كون ما يخرجه معلوم المقدار في الخروج ~~والعلو، وهكذا الحكم فيما إذا أخرجه إلى ملك إنسان معين، لا يجوز بغير ~~إذنه، ويجوز بإذنه، بعوض وبغيره، إذا كان معلوم المقدار. والله أعلم. ### | [فصل: لا يحفر في الطريق النافذة بئرا لنفسه] # (3522) فصل: ولا يجوز أن يحفر في الطريق النافذة بئرا لنفسه، سواء جعلها ~~لماء المطر، أو ليستخرج منها ما ينتفع به، ولا غير ذلك؛ لما ذكرنا من قبل. ~~وإن أراد حفرها للمسلمين ونفعهم أو لنفع الطريق، مثل أن يحفرها ليستقي ~~الناس من مائها، ويشرب منه المارة، أو لينزل فيها ماء المطر عن الطريق، ~~نظرنا، فإن كان الطريق ضيقا، أو يحفرها في ممر الناس بحيث يخاف سقوط إنسان ~~فيها أو دابة، أو يضيق عليهم ممرهم، لم يجز ذلك؛ لأن ضررها أكثر من نفعها، ~~وإن حفرها في زاوية في طريق واسع، وجعل عليها ما يمنع الوقوع فيها، جاز؛ ~~لأن ذلك نفع بلا ضرر، فجاز كتمهيدها، وبناء رصيف فيها، فأما ما فعله في درب ~~غير نافذ، فلا يجوز إلا بإذن أهله؛ لأن هذا ملك لقوم معينين، فلم يجز فعل ~~ذلك بغير إذنهم. # كما لو فعله في بستان إنسان. ms2262 ولو صالح أهل الدرب عن ذلك بعوض، جاز، سواء ~~حفرها لنفسه لينزل فيها ماء المطر عن داره، أو ليستقي منها ماء لنفسه، أو ~~حفرها للسبيل ونفع الطريق. وكذلك إن فعل ذلك في ملك إنسان معين. ### | [فصل إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم] # (3523) فصل: ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم. ولا يجوز ~~إخراجها إلى درب نافذ إلا بإذن أهله. وقال أبو حنيفة ومالك، والشافعي: يجوز ~~إخراجه إلى الطريق الأعظم لأن عمر - رضي الله عنه - اجتاز على دار العباس ~~وقد نصب ميزابا على الطريق، فقلعه، فقال العباس: تقلعه وقد نصبه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بيده؟ فقال: والله لا نصبته إلا على ظهري، وانحنى ~~حتى صعد على ظهره، فنصبه. # وما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلغيره فعله، ما لم يقم دليل ~~على اختصاصه به. ولأن # الحاجة # تدعو إلى ذلك، ولا يمكنه رد مائه إلى الدار. ولأن الناس يعملون ذلك في ~~جميع بلاد الإسلام من غير نكير. # ولنا، أن هذا تصرف في هواء مشترك بينه وبين غيره بغير إذنه، فلم يجز، كما ~~لو كان الطريق غير نافذ ولأنه يضر بالطريق وأهلها، فلم يجز كبناء دكة فيها ~~أو جناح يضر بأهلها. ولا يخفى ما فيه من الضرر، فإن ماءه يقع على المارة، ~~وربما جرى فيه البول أو ماء نجس فينجسهم، ويزلق الطريق، ويجعل فيها الطين، ~~والحديث قضية في عين، فيحتمل أنه كان في درب غير نافذ، أو تجددت الطريق بعد # PageV04P375 # نصبه، ويحتمل أن يجوز ذلك؛ لأن # الحاجة # داعية إليه، والعادة جارية به، مع ما فيه من الخبر المذكور. ### | [فصل لا يفتح في الحائط المشترك طاقا ولا بابا] # فصل: ولا يجوز أن يفتح في الحائط المشترك طاقا ولا بابا، إلا بإذن شريكه؛ ~~لأن ذلك انتفاع بملك غيره، وتصرف فيه بما يضر به. ولا يجوز أن يغرز فيه ~~وتدا، ولا يحدث عليه حائطا ولا يستره، ولا يتصرف فيه نوع تصرف لأنه تصرف في ~~الحائط بما يضربه، فلم يجز، كنقضه. ولا يجوز له فعل ms2263 شيء من ذلك في حائط ~~جاره بطريق الأولى لأنه؛ إذا لم يجز فيما له فيه حق، ففيما لا حق له فيه ~~أولى. وإن صالحه عن ذلك بعوض، جاز. # وأما الاستناد إليه، وإسناد شيء لا يضره إليه، فلا بأس به؛ لأنه لا مضرة ~~فيه، ولا يمكن التحرز منه أشبه الاستظلال به. ### | [فصل وضع خشبة على حائط غيره] # (3525) فصل: فأما وضع خشبة عليه، فإن كان يضر بالحائط لضعفه عن حمله، لم ~~يجز، بغير خلاف نعلمه؛ لا ذكرنا، ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا ضرر ولا ضرار.» وإن كان لا يضر به، إلا أن به غنية عن وضع خشبه عليه، ~~لإمكان وضعه على غيره، فقال أكثر أصحابنا: لا يجوز أيضا. وهو قول الشافعي ~~وأبي ثور. لأنه انتفاع بملك غيره بغير إذنه من غير حاجة، فلم يجز كبناء ~~حائط عليه. وأشار ابن عقيل إلى جوازه؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره.» ~~متفق عليه. ولأن ما أبيح للحاجة العامة لم يعتبر فيه حقيقة الحاجة، كأخذ ~~الشقص بالشفعة من المشتري، والفسخ بالخيار أو بالعيب، اتخاذ الكلب للصيد، ~~وإباحة السلم، ورخص السفر، وغير ذلك. فأما إن دعت الحاجة إلى وضعه على حائط ~~جاره، أو الحائط المشترك، بحيث لا يمكنه التسقيف بدونه، فإنه يجوز له وضعه ~~بغير إذن الشريك. وبهذا قال الشافعي في القديم. وقال في الجديد: ليس له ~~وضعه. # وهو قول أبي حنيفة، ومالك؛ لأنه انتفاع بملك غيره من غير ضرورة، فلم يجز، ~~كزراعته. ولنا، الخبر ولأنه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضر به، أشبه ~~الاستناد إليه والاستظلال به، ويفارق الزرع، فإنه يضر، ولم تدع إليه حاجة. ~~إذا ثبت هذا، فاشترط القاضي وأبو الخطاب للجواز أن يكون له ثلاثة حيطان، ~~ولجاره حائط واحد، وليس هذا في كلام أحمد، إنما قال، في رواية أبي داود: لا ~~يمنعه إذا لم يكن ضرر، وكان الحائط يبقى. ولأنه قد يمتنع التسقيف على ~~حائطين ms2264 إذا كانا غير متقابلين، أو كان البيت واسعا يحتاج إلى أن يجعل عليه ~~جسرا ثم يضع الخشب على ذلك الجسر. # والأولى اعتباره بما ذكرنا من اعتبار التسقيف بدونه. ولا فرق فيما ذكرنا ~~بين البالغ واليتيم والمجنون والعاقل؛ لما ذكرنا. والله أعلم. ### | [فصل وضعه في جدار المسجد خشب الحائط] # (3526) فصل: فأما وضعه في جدار المسجد، إذا وجد الشرطان، فعن أحمد فيه ~~روايتان: # PageV04P376 # إحداهما، الجواز؛ لأنه إذا جاز في ملك الجار، مع أن حقه مبني على الشح ~~والضيق، ففي حقوق الله تعالى المبنية على المسامحة والمساهلة أولى. ~~والثانية، لا يجوز. نقلها أبو طالب؛ لأن القياس يقتضي المنع في حق الكل، ~~ترك في حق الجار للخبر الوارد فيه، فوجب البقاء في غيره على مقتضى القياس. ~~وهذا اختيار أبي بكر. # وخرج أبو الخطاب من هذه الرواية وجها للمنع من وضع الخشب في ملك الجار؛ ~~لأنه إذا منع من وضع الخشب في الجدار المشترك بين المسلمين وللواضع فيه حق ~~فلأن يمنع من المختص بغيره أولى. ولأنه إذا منع في حق لله تعالى مع أن حقه ~~على المسامحة والمساهلة؛ لغنى الله تعالى وكرمه، فلأن يمنع في حق آدمي مع ~~شحه وضيقه أولى. # والمذهب الأول. فإن قيل: فلم لا تجيزون فتح الطاق والباب في الحائط، ~~بالقياس على وضع الخشب؟ قلنا لأن الخشب يمسك الحائط وينفعه، بخلاف الطاق ~~والباب، فإنه يضعف الحائط، لأنه يبقى مفتوحا في الحائط، والذي يفتحه للخشبة ~~يسده بها، ولأن وضع الخشب تدعو الحاجة إليه، بخلاف غيره. ### | [فصل ملك وضع خشبه على حائط فزال بسقوطه أو قلعه أو سقوط الحائط ثم أعيد] # (3527) فصل: ومن ملك وضع خشبه على حائط، فزال بسقوطه، أو قلعه أو سقوط ~~الحائط، ثم أعيد، فله إعادة خشبه، لأن السبب المجوز لوضعه مستمر، فاستمر ~~استحقاق ذلك. # وإن زال السبب، مثل أن يخشى على الحائط من وضعه عليه، أو استغني عن وضعه، ~~لم تجز إعادته؛ لزوال السبب المبيح. وإن خيف سقوط الحائط بعد وضعه عليه، أو ~~استغني عن وضعه، لزم إزالته؛ لأنه يضر ms2265 بالمالك، ويزول الخشب. وإن لم يخف ~~عليه، لكن استغني عن إبقائه عليه، لم يلزم إزالته؛ لأن في إزالته ضررا ~~بصاحبه، ولا ضرر على صاحب الحائط في إبقائه، بخلاف ما لو خشي سقوطه. ### | [فصل كان له وضع خشبه على جدار غيره] # (3528) فصل: ولو كان له وضع خشبه على جدار غيره، لم يملك إعارته ولا ~~إجارته؛ لأنه إنما كان له ذلك لحاجته الماسة إلى وضع خشبه، ولا حاجة له إلى ~~وضع خشب غيره، فلم يملكه. وكذلك لا يملك بيع حقه من وضع خشبه، ولا المصالحة ~~عنه للمالك ولا لغيره؛ لأنه أبيح له من حق غيره لحاجته، فلم يجز له ذلك ~~فيه، كطعام غيره إذا أبيح له من أجل الضرورة، ولو أراد صاحب الحائط إعارة ~~الحائط، أو إجارته على وجه يمنع هذا المستحق من وضع خشبه، لم يملك ذلك؛ ~~لأنه وسيلة إلى منع ذي الحق من حقه، فلم يملكه، كمنعه. # ولو أراد هدم الحائط لغير حاجة، لم يملك ذلك؛ لما فيه من تفويت الحق. وإن ~~احتاج إلى هدمه للخوف من انهدامه، أو لتحويله إلى مكان آخر أو لغرض صحيح ~~ملك ذلك؛ لأن # PageV04P377 # صاحب الخشب إنما يثبت حقه للإرفاق به، مشروطا بعدم الضرر لصاحب الحائط، ~~فمتى أفضى إلى الضرر زال الاستحقاق؛ لزوال شرطه. ### | [فصل أذن صاحب الحائط لجاره في البناء على حائطه] # (3529) فصل: وإذا أذن صاحب الحائط لجاره في البناء على حائطه، أو وضع ~~سترة عليه، أو وضع خشبه عليه في الموضع الذي لا يستحق وضعه، جاز، فإذا فعل ~~ما أذن له فيه، صارت العارية لازمة، فإذا رجع المعير فيها، لم يكن له ذلك، ~~ولم يلزم المستعير إزالة ما فعله؛ لأن إذنه اقتضى البقاء والدوام، وفي ~~القلع إضرار به، فلا يملك ذلك المعير، كما لو أعاره أرضا للدفن والغراس، لم ~~يملك المطالبة بنقل الميت والغراس بغير ضمان. # وإن أراد هدم الحائط لغير حاجة، لم يكن له ذلك؛ لأن المستعير قد استحق ~~تبقية الخشب عليه، ولا ضرر في تبقيته. وإن كان مستهدما، فله نقضه. وعلى ms2266 ~~صاحب البناء والخشب إزالته. وإذا أعيد الحائط لم يملك المستعير رد بنائه ~~وخشبه إلا بإذن جديد، سواء بناه بآلته أو غيرها. وهكذا لو قلع المستعير ~~خشبا، أو سقط بنفسه، لم يكن له رده إلا بإذن مستأنف؛ لأن المنع من القلع ~~إنما كان لما فيه من الضرر، وها هنا قد حصل القلع بغير فعله، فأشبه ما لو ~~كان في الأرض شجر فانقلع. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وقالوا في ~~الآخر: ذلك لأنه قد استحق بقاء ذلك على التأبيد. وليس كذلك؛ فإنه إنما ~~استحق الإبقاء ضرورة دفع ضرر القلع، وقد حصل القلع هاهنا، فلا يبقى ~~الاستحقاق. # وإن قلع صاحب الحائط ذلك عدوانا، كان للآخر إعادته؛ لأنه أزيل بغير حق، ~~تعديا ممن عليه الحق، فلم يسقط الحق عنه بعدوانه. وإن أزاله أجنبي، لم يملك ~~صاحبه إعادته بغير إذن المالك؛ لأنه زال بغير عدوان، منه، فأشبه ما لو سقط ~~بنفسه. ### | [فصل أذن له في وضع خشبه أو البناء على جداره بعوض] # (3530) فصل: وإن أذن له في وضع خشبه، أو البناء على جداره بعوض، جاز سواء ~~كان إجارة في مدة معلومة، أو صلحا على وضعه على التأبيد. ومتى زال فله ~~إعادته، سواء زال لسقوطه، أو سقوط الحائط، أو غير ذلك؛ لأنه استحق إبقاءه ~~بعوض، ويحتاج إلى أن يكون البناء معلوم العرض والطول، والسمك، والآلات من ~~الطين واللبن، والآجر وما أشبه ذلك؛ لأن هذا كله يختلف فيحتاج إلى معرفته. ~~وإذا سقط الحائط الذي عليه البناء أو الخشب، في أثناء مدة الإجارة، سقوطا ~~لا يعود، انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة، ورجع من الأجرة بقسط ما بقي من ~~المدة. # وإن أعيد رجع من الأجرة بقدر المدة التي سقط البناء والخشب عنه. وإن ~~صالحه مالك الحائط على رفع بنائه أو خشبه بشيء معلوم، جاز كما يجوز الصلح ~~على وضعه، سواء كان ما صالحه به مثل العوض الذي صولح به على وضعه، أو أقل ~~أو أكثر؛ لأن هذا عوض عن المنفعة المستحقة له. وكذلك لو كان له مسيل ماء ms2267 في ~~أرض غيره، أو # PageV04P378 # ميزاب، أو غيره فصالح صاحب الأرض مستحق ذلك بعوض، ليزيله عنه، جاز. # وإن كان الخشب أو الحائط قد سقط، فصالحه بشيء على أن لا يعيده، جاز؛ لأنه ~~لما جاز أن يبيع ذلك منه، جاز أن يصالح عنه؛ لأن الصلح بيع. ### | [فصل وجد بناؤه أو خشبه على حائط مشترك أو حائط جاره ولم يعلم سببه] # فصل: وإذا وجد بناؤه أو خشبه على حائط مشترك، أو حائط جاره، ولم يعلم ~~سببه، فمتى زال فله إعادته؛ لأن الظاهر أن هذا الوضع بحق من صلح أو غيره، ~~فلا يزول هذا الظاهر حتى يعلم خلافه. وكذلك لو وجد مسيل مائه في أرض غيره، ~~أو مجرى ماء سطحه على سطح غيره، وما أشبه هذا، فهو له؛ لأن الظاهر أنه له ~~بحق فجرى ذلك مجرى اليد الثابتة. وإذا اختلفا في ذلك، هل هو بحق أو بعدوان؟ ~~فالقول قول صاحب الخشب والبناء والمسيل مع يمينه؛ لأن الظاهر معه. ### | [فصل ادعى رجل دارا في يد أخوين فأنكره أحدهما] # (3532) فصل: إذا ادعى رجل دارا في يد أخوين، فأنكره أحدهما، وأقر له ~~الآخر، ثم صالحه عما أقر له بعوض، صح الصلح، ولأخيه الأخذ بالشفعة. ويحتمل ~~أن يفرق بين ما إذا كان الإنكار مطلقا، وبين ما إذا قال: هذه لنا ورثناها ~~جميعا عن أبينا أو أخينا. فيقال: إذا كان الإنكار مطلقا، كان له الأخذ ~~بالشفعة، وإن قال: ورثناها عن أبينا. فلا شفعة له؛ لأن المنكر يزعم أن ~~الملك لأخيه المقر لم يزل، وأن الصلح باطل، فيؤاخذ بذلك ولا يستحق به شفعة. # ووجه الأول، أن الملك ثبت للمدعي حكما؛ وقد رجع إلى المقر بالبيع، وهو ~~معترف بأنه بيع صحيح فتثبت فيه الشفعة، كما لو كان الإنكار مطلقا. ويجوز أن ~~يكون انتقل نصيب المقر إلى المدعي ببيع أو هبة أو سبب من الأسباب، فلا ~~يتنافى إنكار المنكر وإقرار المقر، كحالة إطلاق الإنكار وهذا أصح. ### | [مسألة تداعى نفسان جدارا معقودا ببناء كل واحد منهما] # (3533) مسألة: قال: (وإذا تداعى نفسان جدارا معقودا ms2268 ببناء كل واحد منهما، ~~تحالفا، وكان بينهما. وكذلك إن كان محلولا من بنائهما. وإن كان معقودا ~~ببناء أحدهما، كان له مع يمينه) . # وجملة ذلك أن الرجلين إذا تداعيا حائطا بين ملكيهما، وتساويا في كونه ~~معقودا ببنائهما معا، وهو أن يكون متصلا بهما اتصالا لا يمكن إحداثه بعد ~~بناء الحائط، مثل اتصال البناء بالطين، كهذه الفطائر التي لا يمكن إحداث ~~اتصال بعضها ببعض، أو تساويا في كونه محلولا من بنائهما، أي غير متصل ~~ببنائهما الاتصال المذكور، بل بينهما شق مستطيل، كما يكون بين الحائطين ~~اللذين ألصق أحدهما بالآخر. # فهما سواء في الدعوى، فإن لم يكن لواحد منهما بينة تحالفا، فيحلف كل واحد ~~منهما على نصف الحائط، أنه له، ويجعل بينهما نصفين؛ لأن كل واحد منهما يده ~~على نصف الحائط؛ لكون الحائط في أيديهما. وإن حلف كل واحد منهما على جميع ~~الحائط، أنه له، وما هو لصاحبه، جاز، وهو بينهما. وبهذا قال # PageV04P379 # أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. ولا أعلم فيه مخالفا؛ وذلك ~~لأن المختلفين في العين، إذا لم يكن لواحد منهما بينة، فالقول قول من هي في ~~يده مع يمينه. # فإذا كانت في أيديهما، كانت يد كل واحد منهما على نصفها، فيكون القول ~~قوله في نصفها مع يمينه. وإن كان لأحدهما بينة، حكم له بها، وإن كان لكل ~~واحد منهما بينة، تعارضتا، وصارا كمن لا بينة لهما. فإن لم يكن لهما بينة، ~~ونكلا عن اليمين، كان الحائط في أيديهما على ما كان. وإن حلف أحدهما، ونكل ~~الآخر، قضي على الناكل، فكان الكل للآخر. # وإن كان الحائط متصلا ببناء أحدهما دون الآخر، فهو له مع يمينه. وبهذا ~~قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال أبو ثور: لا يرجح بالعقد، ولا ينظر إليه. # ولنا، أن الظاهر أن هذا البناء بني كله بناء واحدا، فإذا كان بعضه لرجل، ~~كان بقيته له، والبناء الآخر المحلول، الظاهر أنه بني وحده، فإنه لو بني مع ~~هذا، كان متصلا به، فالظاهر أنه لغير صاحب هذا الحائط المختلف فيه، فوجب ms2269 أن ~~يرجح بهذا، كاليد والأزج. فإن قيل: فلم لم تجعلوه له بغير يمين لذلك؟ قلنا: ~~لأن ذلك ظاهر، وليس بيقين، إذ يحتمل أن يكون أحدهما بنى الحائط لصاحبه ~~تبرعا مع حائطه، أو كان له فوهبه إياه، أو بناه بأجرة، فشرعت اليمين من أجل ~~الاحتمال، كما شرعت في حق صاحب اليد وسائر من وجبت عليه اليمين. # فأما إن كان معقودا ببناء أحدهما عقدا يمكن إحداثه، مثل البناء باللبن ~~والآجر، فإنه يمكن أن ينزع من الحائط المبني نصف لبنة أو آجرة، أو يجعل ~~مكانها لبنة صحيحة أو آجرة صحيحة تعقد بين الحائطين، فقال القاضي: لا يرجح ~~بهذا؛ لاحتمال أن يكون صاحب الحائط فعل هذا ليتملك الحائط المشترك. # وظاهر كلام الخرقي أنه يرجح بهذا الاتصال، كما يرجح بالاتصال الذي لا ~~يمكن إحداثه؛ لأن الظاهر أن صاحب الحائط لا يدع غيره يتصرف فيه، بنزع آجره، ~~وتغيير بنائه، وفعل ما يدل على ملكه، فوجب أن يرجح بهذا، كما يرجح باليد، ~~فإنه يمكن أن تكون يدا عادية، حدثت بالغصب أو بالسرقة أو العارية أو ~~الإجارة، فلم يمنع ذلك الترجيح بها. ### | [فصل كان لأحدهما بناء كحائط مبني عليه] # (3534) فصل: فإن كان لأحدهما عليه بناء، كحائط مبني عليه، أو عقد معتمد ~~عليه، أو قبة ونحوها فهو له. وبهذا قال الشافعي؛ لأن وضع بنائه عليه بمنزلة ~~اليد الثابتة عليه، لكونه منتفعا به، # PageV04P380 # فجرى مجرى كون حمله على البهيمة وزرعه في الأرض، ولأن الظاهر أن الإنسان ~~لا يترك غيره يبني على حائطه. # وكذلك إن كانت له عليه سترة، ولو كان في أصل الحائط خشبة طرفها تحت حائط ~~ينفرد به أحدهما، أو له عليها أزج معقود، فالحائط المختلف فيه له؛ لأن ~~الظاهر أن الخشبة لمن ينفرد بوضع بنائه عليها، فيكون الظاهر أن ما عليها من ~~البناء له. # (3535) فصل: فإن كان لأحدهما خشب موضوع، فقال أصحابنا: لا ترجح دعواه ~~بذلك. وهو قول الشافعي؛ لأن هذا مما يسمح به الجار. وقد ورد الخبر بالنهي ~~عن المنع منه. وعندنا إنه حق يجب التمكين منه. ms2270 فلم ترجح به الدعوى، كإسناد ~~متاعه إليه، وتجصيصه وتزويقه. # ويحتمل أن ترجح به الدعوى. وهو قول مالك؛ لأنه منتفع به بوضع ماله عليه، ~~فأشبه الباني عليه والزارع في الأرض، وورود الشرع بالنهي عن المنع منه، لا ~~يمنع كونه دليلا على الاستحقاق، بدليل أنا استدللنا بوضعه على كون الوضع ~~مستحقا على الدوام، حتى متى زال جازت إعادته، ولأن كونه مستحقا تشترط له ~~الحاجة إلى وضعه، ففيما لا حاجة إليه له منعه من وضعه. # وأما السماح به، فإن أكثر الناس لا يتسامحون به، ولهذا لما روى أبو هريرة ~~الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «، طأطئوا رءوسهم، كراهة لذلك، ~~فقال: مالي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم» . وأكثر ~~الفقهاء لا يوجبون التمكين من هذا، ويحملون الحديث على كراهة المنع لا على ~~تحريمه. ولأن الحائط يبني لذلك، فيرجح به، كالأزج. وقال أصحاب أبي حنيفة: ~~لا ترجح الدعوى بالجذع الواحد؛ لأن الحائط لا يبني له، ويرجح بالجذعين؛ لأن ~~الحائط يبني لهما ولنا، أنه موضوع على الحائط، فاستوى في ترجيح الدعوى به ~~قليله وكثيره، كالبناء. # (3536) فصل: ولا ترجح الدعوى بكون الدواخل إلى أحدهما والخوارج ووجوه ~~الآجر والحجارة، ولا كون الآجرة الصحيحة مما يلي ملك أحدهما وأقطاع الآجر ~~إلى ملك الآخر، ولا بمعاقد القمط في الخص، يعني عقد الخيوط التي يشد بها ~~الخص. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال أبو يوسف، ومحمد: يحكم به لمن ~~إليه وجه الحائط ومعاقد القمط؛ لما روى نمر بن حارثة التميمي، عن أبيه «، ~~أن قوما اختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في خص، فبعث حذيفة بن ~~اليمان ليحكم بينهم، فحكم به لمن يليه معاقد القمط، ثم رجع إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأخبره، فقال: # PageV04P381 # أصبت، وأحسنت» . رواه ابن ماجه. وروي نحوه عن علي. # ولأن العرف جار بأن من بنى حائطا جعل وجه الحائط إليه. ولنا، عموم قوله - ~~عليه السلام -: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» . ولأن وجه ~~الحائط ومعاقد القمط إذا كانا شريكين فيه لا بد ms2271 من أن يكون إلى أحدهما، إذ ~~لا يمكن كونه إليهما جميعا، فبطلت دلالته كالتزويق، ولأنه يراد للزينة، ~~فأشبه التزويق. وحديثهم لا يثبته أهل النقل، وإسناده مجهول. قاله ابن ~~المنذر. # قال الشالنجي: ذكرت هذا الحديث لأحمد، فلم يقنعه، وذكرته لإسحاق بن ~~راهويه، فقال: ليس هذا حديثا. ولم يصححه. وحديث علي فيه مقال، وما ذكروه من ~~العرف ليس بصحيح؛ فإن العادة جعل وجه الحائط إلى خارج ليراه الناس، كما ~~يلبس الرجل أحسن أثوابه، أعلاها الظاهر للناس، ليروه، فيتزين به، فلا دليل ~~فيه. # (3537) . فصل: ولا ترجح الدعوى بالتزويق والتحسين، ولا يكون أحدهما له ~~على الآجر سترة غير مبنية عليه؛ لأنه مما يتسامح به، ويمكن إحداثه. ### | [فصل تنازع صاحب العلو والسفل في حوائط البيت السفلاني] # (3538) فصل: وإن تنازع صاحب العلو والسفل، في حوائط البيت السفلاني، فهي ~~لصاحب السفل؛ لأنه المنتفع بها، وهي من جملة البيت، فكانت لصاحبه. وإن ~~تنازعا حوائط العلو، فهي لصاحب العلو؛ لذلك. وإن تنازعا السقف، تحالفا، ~~وكان بينهما. وبهذا قال الإمام الشافعي: وقال أبو حنيفة: هو لصاحب السفل؛ ~~لأن السقف على ملكه، فكان القول قوله، كما لو تنازعا سرجا على دابة أحدهما، ~~كان القول قول صاحبها، وحكي عن مالك، أنه لصاحب السفل. # وحكي عنه، أنه لصاحب العلو؛ لأنه يجلس عليه، ويتصرف فيه، ولا يمكنه ~~السكنى إلا به. ولنا، أنه حاجز بين ملكيهما، ينتفعان به، غير متصل ببناء ~~أحدهما اتصال البنيان، فكان بينهما، كالحائط بين الملكين. وقولهم: هو على ~~ملك صاحب السفل. يبطل بحيطان العلو، ولا يشبه السرج على الدابة؛ لأنه لا ~~ينتفع به غير صاحبها، ولا يراد إلا لها، فكان في يده. وهذا السقف ينتفع به ~~كل واحد منهما؛ لأنه سماء صاحب السفل يظله، وأرض صاحب العلو تقله، فاستويا ~~فيه. ### | [فصل تنازع صاحب العلو والسفل في الدرجة التي يصعد منها] # (3539) فصل: وإن تنازع صاحب العلو والسفل في الدرجة التي يصعد منها، فإن ~~لم يكن تحتها مرفق لصاحب السفل، كسلم مسمرا، أو دكة، فهي لصاحب العلو وحده؛ ~~لأن له اليد والتصرف وحده؛ ms2272 لأنها مصعد صاحب العلو لا غير. والعرصة التي ~~عليها الدرجة له أيضا؛ لانتفاعه بها وحده، وإن كان تحتها بنيت لأجله، لتكون ~~مدرجا للعلو، فهي بينهما؛ لأن يديهما عليها، ولأنها سقف للسفلاني، وموطئ ~~للفوقاني، فهي كالسقف الذي بينهما. وإن كان تحتها طاق صغير لم تبن # PageV04P382 # الدرجة لأجله، وإنما جعل مرفقا يجعل فيه جب الماء ونحوه، فهي لصاحب ~~العلو؛ لأنها بنيت لأجله وحده. ويحتمل أن تكون بينهما؛ لأن يدهما عليها، ~~وانتفاعهما حاصل بها، فهي كالسقف. ### | [فصل تنازعا مسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر] # (3540) فصل: ولو تنازعا مسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر، تحالفا، وكانت ~~بينهما؛ لأنها حاجز بين ملكيهما، فهي كالحائط بين الملكين. ### | [فصل كان بينهما حائط مشترك فانهدم] # (3541) فصل: إذا كان بينهما حائط فطلب أحدهما إعادته فأبى الآخر مشترك، ~~فانهدم، فطلب أحدهما إعادته، فأبى الآخر، فهل يجبر الممتنع على إعادته؟ قال ~~القاضي: فيه روايتان: إحداهما، يجبر. نقلها ابن القاسم، وحرب، وسندي. قال ~~القاضي: هي أصح. وقال ابن عقيل: وعلى ذلك أصحابنا. وبه قال مالك، في إحدى ~~روايتيه، والشافعي في قديم قوليه. واختاره بعض أصحابه، وصححه؛ لأن في ترك ~~بنائه إضرارا، فيجبر عليه، كما يجبر على القسمة إذا طلبها أحدهما، وعلى ~~النقض إذا خيف سقوطه عليهما، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ~~ولا إضرار» . وهذا وشريكه يتضرران في ترك بنائه. والرواية الثانية، لا ~~يجبر. # نقل عن أحمد ما يدل على ذلك، وهو أقوى دليلا، ومذهب أبي حنيفة؛ لأنه ملك ~~لا حرمة له في نفسه، فلم يجبر مالكه على الإنفاق عليه، كما لو انفرد به، ~~ولأنه بناء حائط، فلم يجبر عليه، كالابتداء، ولأنه لا يخلو، إما أن يجبر ~~على بنائه لحق نفسه، أو لحق جاره، أو لحقيهما جميعا، لا يجوز أن يجبر عليه ~~لحق نفسه، بدليل ما لو انفرد به، ولا لحق غيره، كما لو انفرد به جاره، فإذا ~~لم يكن كل واحد منهما موجبا عليه، فكذلك إذا اجتمعا. وفارق القسمة، فإنها ~~دفع للضرر عنهما بما لا ضرر فيه، والبناء فيه ms2273 مضرة، لما فيه من الغرامة ~~وإنفاق ماله، ولا يلزم من إجباره على إزالة الضرر بما لا ضرر فيه، إجباره ~~على إزالته بما فيه ضرر، بدليل قسمة ما في قسمته ضرر. # ويفارق هدم الحائط إذا خيف سقوطه؛ لأنه يخاف سقوط حائطه على ما يتلفه، ~~فيجبر على ما يزيل ذلك، ولهذا يجبر عليه، وإن انفرد بالحائط، بخلاف ~~مسألتنا. # ولا نسلم أن في تركه إضرارا، فإن الضرر إنما حصل بانهدامه، وإنما ترك ~~البناء ترك لما يحصل النفع به، وهذا لا يمنع الإنسان منه، بدليل حالة ~~الابتداء، وإن سلمنا أنه إضرار، لكن في الإجبار إضرار، ولا يزال الضرر ~~بالضرر، وقد يكون الممتنع لا نفع له في الحائط، أو يكون الضرر عليه أكثر من ~~النفع، أو يكون معسرا ليس معه ما يبني به، فيكلف الغرامة مع عجزه عنها، ~~فعلى هذه الرواية إذا امتنع أحدهما لم يجبر، فإن أراد شريكه البناء فليس له ~~منعه منه؛ لأن له حقا في الحمل ورسما، فلا يجوز منعه منه، وله بناؤه ~~بأنقاضه إن شاء، # PageV04P383 # وبناؤه بآلة من عنده، فإن بناه بآلته وأنقاضه، فالحائط بينهما على ~~الشركة، كما كان؛ لأن المنفق عليه إنما أنفق على التالف وذلك أثر لا عين ~~يملكها. # وإن بناه بآلة من عنده، فالحائط ملكه خاصة، وله منع شريكه من الانتفاع ~~به، ووضع خشبه ورسومه عليه؛ لأن الحائط له. وإذا أراد نقضه، فإن كان بناه ~~بآلته لم يملك نقضه؛ لأنه ملكهما، فلم يكن له التصرف فيه [بما] فيه مضرة ~~عليهما. وإن بناه بآلة من عنده، فله نقضه؛ لأنه ملكه خاصة. فإن قال شريكه: ~~أنا أدفع إليك نصف قيمة البناء ولا تنقضه. لم يجبر؛ لأنه لما لم يجبر على ~~البناء لم يجبر على الإبقاء. # وإن أراد غير الباني نقضه، أو إجبار بانيه على نقضه، لم يكن له ذلك، على ~~الروايتين جميعا؛ لأنه إذا لم يملك منعه من بنائه، فلأن لا يملك إجباره على ~~نقضه أولى، فإن كان له على الحائط رسم انتفاع، ووضع خشب، قال له: إما أن ~~تأخذ ms2274 مني نصف قيمته، وتمكنني من انتفاعي ووضع خشبي، وإما أن تقلع حائطك، ~~لنعيد البناء بيننا. فيلزم الآخر إجابته؛ لأنه لا يملك إبطال رسومه ~~وانتفاعه ببنائه. # وإن لم يرد الانتفاع به، فطالبه الباني بالغرامة أو القيمة، لم يلزمه ~~ذلك؛ لأنه إذا لم يجبر على البناء، فأولى أن لا يجبر على الغرامة، إلا أن ~~يكون قد أذن في البناء والإنفاق، فيلزمه ما أذن فيه، فأما على الرواية ~~الأولى، فمتى امتنع أجبره الحاكم على ذلك، فإن لم يفعل، أخذ الحاكم من ماله ~~وأنفق عليه، وإن لم يكن له مال، فأنفق عليه الشريك بإذن الحاكم، أو إذن ~~الشريك، رجع عليه متى قدر. وإن أراد بناءه، لم يملك الشريك منعه، وما أنفق؛ ~~إن تبرع به لم يكن له الرجوع به، وإن نوى الرجوع به، فهل له الرجوع بذلك؟ ~~يحتمل وجهين، بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه. # وإن بناه لنفسه بآلته، فهو بينهما. وإن بناه بآلة من عنده، فهو له خاصة. ~~فإن أراد نقضه، فله ذلك، إلا أن يدفع إليه شريكه نصف قيمته، فلا يكون له ~~نقضه؛ لأنه إذا أجبر على بنائه، فأولى أن يجبر على إبقائه. ### | [فصل لم يكن بين ملكيهما حائط قديم فطلب أحدهما من الآخر مباناته حائطا يحجز بين ملكيهما] # (3542) فصل: فإن لم يكن بين ملكيهما حائط قديم، فطلب أحدهما من الآخر ~~مباناته حائطا يحجز بين ملكيهما، فامتنع، لم يجبر عليه. رواية واحدة. وإن ~~أراد البناء وحده، لم يكن له البناء إلا في ملكه خاصة لأنه لا يملك التصرف ~~في ملك جاره المختص به، ولا في الملك المشترك بغير ما له فيه رسم، وهذا لا ~~رسم له. ولا أعلم في هذا خلافا. ### | [فصل كان السفل لرجل والعلو لآخر فانهدم السقف الذي بينهما] # (3543) فصل: فإن كان السفل لرجل، والعلو لآخر، فانهدم السقف الذي بينهما، ~~فطلب أحدهما المباناة من الآخر، فامتنع، فهل يجبر الممتنع على ذلك؟ على ~~روايتين، كالحائط بين البيتين. وللشافعي قولان كالروايتين. وإن انهدمت ~~حيطان السفل، فطالبه صاحب العلو بإعادتها، فعلى ms2275 روايتين: # PageV04P384 # إحداهما، يجبر. وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحد قولي الشافعي، فعلى هذه ~~الرواية، يجبر على البناء وحده؛ لأنه ملكه خاصة. والثانية، لا يجبر. # وهو قول أبي حنيفة، وإن أراد صاحب العلو بناءه لم يمنع من ذلك. على ~~الروايتين جميعا. فإن بناه بآلته، فهو على ما كان، وإن بناه بآلة من عنده، ~~فقد روي عن أحمد: لا ينتفع به صاحب السفل. يعني حتى يؤدي القيمة، فيحتمل أن ~~لا يسكن، وهو قول أبي حنيفة، لأن البيت إنما يبني للسكنى، فلم يملكه كغيره، ~~ويحتمل أنه أراد الانتفاع بالحيطان خاصة، من طرح الخشب، وسمر الوتد، وفتح ~~الطاق، ويكون له السكنى من غير تصرف في ملك غيره، وهذا مذهب الشافعي؛ لأن ~~السكنى إنما هي إقامته في فناء الحيطان، من غير تصرف فيها، فأشبه الاستظلال ~~بها من خارج. # فأما إن طالب صاحب السفل بالبناء، وأبى صاحب العلو، ففيه روايتان: ~~إحداهما، لا يجبر على بنائه، ولا مساعدته. وهو قول الشافعي؛ لأن الحائط ملك ~~صاحب السفل مختص به، فلم يجبر غيره على بنائه، ولا المساعدة فيه، كما لو لم ~~يكن عليه علو. والثانية، يجبر على مساعدته والبناء معه، وهو قول أبي ~~الدرداء؛ لأنه حائط يشتركان في الانتفاع به، أشبه الحائط بين الدارين. ### | [فصل كان بين البيتين حائط لأحدهما فانهدم] # (3544) فصل: فإن كان بين البيتين حائط لأحدهما، فانهدم، فطلب أحدهما من ~~الآخر بناءه. أو المساعدة في بنائه، فامتنع، لم يجبر؛ لأنه إن كان الممتنع ~~مالكه لم يجبر على بناء ملكه المختص به، كحائط الآخر، وإن كان الممتنع ~~الآخر لم يجبر على بناء ملك غيره، ولا المساعدة فيه. ولا يلزم على هذا حائط ~~السفل، حيث يجبر صاحبه على بنائه، مع اختصاصه بملكه؛ لأن الظاهر أن صاحب ~~العلو ملكه مستحقا لإبقائه على حيطان السفل دائما، فلزم صاحب السفل تمكينه ~~مما يستحقه، وطريقه البناء، فلذلك وجب، بخلاف مسألتنا. # وإن أراد صاحب الحائط بناءه، أو نقضه بعد بنائه، لم يكن لجاره منعه؛ لأنه ~~ملكه خاصة. وإن أراد جاره بناءه، أو نقضه أو ms2276 التصرف فيه، لم يملك ذلك؛ لأنه ~~لا حق له فيه. ### | [فصل هدم أحد الشريكين الحائط المشترك] # (3545) فصل: ومتى هدم أحد الشريكين الحائط المشترك، أو السقف الذي ~~بينهما، نظرت، فإن خيف سقوطه، ووجب هدمه، فلا شيء على هادمه، ويكون كما لو ~~انهدم بنفسه؛ لأنه فعل الواجب، وأزال الضرر الحاصل بسقوطه، وإن هدمه لغير ~~ذلك، فعليه إعادته سواء هدمه لحاجة أو غيرها، وسواء التزم إعادته أو لم ~~يلتزم؛ لأن الضرر حصل بفعله، فلزمه إعادته. ### | [فصل اتفقا على بناء الحائط المشترك بينهما نصفين] # (3546) فصل: فإن اتفقا على بناء الحائط المشترك بينهما نصفين. وملكه ~~بينهما الثلث والثلثان، لم يصح؛ لأنه يصالح على بعض ملكه ببعض، فلم يصح، ~~كما لو أقر له بدار فصالحه على سكناها. # PageV04P385 # ولو اتفقا على أن يحمله كل واحد منهما ما شاء، لم يجز؛ لجهالة الحمل فإنه ~~يحمله من الأثقال ما لا طاقة له بحمله. وإن اتفقا على أن يكون بينهما نصفين ~~جاز. ### | [فصل كان بينهما نهر أو قناة أو دولاب فاحتاج إلى عمارة] # (3547) فصل: فإن كان بينهما نهر أو قناة أو دولاب، أو ناعورة، أو عين، ~~فاحتاج إلى عمارة، ففي إجبار الممتنع منهما روايتان. وحكي عن أبي حنيفة، ~~أنه يجبر هاهنا على الإنفاق؛ لأنه لا يتمكن شريكه من مقاسمته، فيضر به، ~~بخلاف الحائط؛ فإنه يمكنهما قسمة العرصة. والأولى التسوية؛ لأن في قسمة ~~العرصة إضرارا بهما والإنفاق أرفق بهما، فكانا سواء. والحكم في الدولاب ~~والناعورة، كالحكم في الحائط، على ما ذكرناه. # وأما البئر والنهر، فلكل واحد منهما الإنقاق عليه، وإذا أنفق عليه، لم ~~يكن له منع الآخر من نصيبه من الماء؛ لأن الماء ينبع من ملكيهما، وإنما أثر ~~أحدهما في نقل الطين منه، وليس له فيه عين مال، فأشبه الحائط إذا بناه ~~بآلته، والحكم في الرجوع بالنفقة، كحكم الرجوع في النفقة على الحائط، على ~~ما مضى. ### | [فصل كان لرجلين بابان في زقاق غير نافذ] # (3548) فصل: إذا كان لرجلين بابان في زقاق غير نافذ، أحدهما قريب من باب ~~الزقاق والآخر في داخله. ms2277 فللقريب من الباب نقل بابه إلى ما يلي باب الزقاق؛ ~~لأن له الاستطراق إلى بابه القديم، فقد نقص من استطراقه، ومتى أراد رد بابه ~~إلى موضعه الأول، كان له؛ لأن حقه لم يسقط، وإن أراد نقل بابه تلقاء صدر ~~الزقاق، لم يكن له ذلك. نص عليه أحمد؛ لأنه يقدم بابه إلى موضع لا استطراق ~~له فيه. # ويحتمل جواز ذلك؛ لأنه كان له أن يجعل بابه في أول البناء، في أي موضع ~~شاء، فتركه في موضع لا يسقط حقه، كما أن تحويله بعد فتحه لا يسقط، ولأن له ~~أن يرفع حائطه كله، فلا يمنع من رفع موضع الباب وحده. فأما صاحب الباب ~~الثاني، فإن كان في داخل الدرب باب لآخر، فحكمه في التقديم والتأخير حكم ~~صاحب الباب الأول سواء، وإن لم يكن له ثم باب آخر، كان له تحويل بابه حيث ~~شاء؛ لأنه على الأول، لا منازع له فيما تجاوز الباب الأول، وعلى الاحتمال ~~الذي ذكرناه، لكل واحد منهما ذلك. # ولو أراد كل واحد منهما أن يفتح في داره بابا آخر، أو يجعل داره دارين، ~~يفتح لكل واحدة منهما بابا، جاز، إذا وضع البابين في موضع استطراقه. وإن ~~كان ظهر دار أحدهما إلى شارع نافذ، أو زقاق نافذ، ففتح في حائطه بابا إليه، ~~جاز؛ لأنه يرتفق بما لم يتعين ملك أحد عليه. فإن قيل: في هذا إضرار بأهل ~~الدرب؛ لأنه بجعله نافذا يستطرق إليه من الشارع قلنا: لا يصير الدرب نافذا، ~~وإنما تصير داره نافذة، وليس لأحد استطراق داره. # فأما إن كان بابه في الشارع، وظهر داره إلى الزقاق الذي لا ينفذ، فأراد ~~أن يفتح بابا إلى الزقاق للاستطراق، لم يكن له ذلك؛ لأنه ليس له حق في ~~الدرب الذي قد تعين عليه ملك أربابه. ويحتمل الجواز، كما ذكرنا في الوجه # PageV04P386 # الذي قد تقدم، وإن أراد أن يفتح فيه بابا لغير الاستطراق، أو يجعل له ~~بابا يسمره، أو شباكا، جاز؛ لأنه لما كان له رفع الحائط بجملته، فبعضه ~~أولى. قال ابن ms2278 عقيل: ويحتمل عندي أنه لا يجوز؛ لأن شكل الباب مع تقادم ~~العهد ربما استدل به على حق الاستطراق، فيضر بأهل الدرب، بخلاف رفع الحائط؛ ~~فإنه لا يدل على شيء. ### | [فصل لرجل داران متلاصقتان ظهر كل واحدة منهما إلى ظهر الأخرى] # (3549) فصل: وإذا كان لرجل داران متلاصقتان، ظهر كل واحدة منهما إلى ظهر ~~الأخرى، وباب كل واحدة منهما في زقاق غير نافذ، فرفع الحاجز بينهما، ~~وجعلهما دارا واحدة، جاز. وإن فتح من كل واحدة منهما بابا إلى الأخرى، ~~ليتمكن من التطرق من كل واحدة منهما إلى كلا الدارين، لم يجز. ذكره القاضي؛ ~~لأن ذلك يثبت الاستطراق في الدرب الذي لا ينفذ من دار لم يكن لها فيه طريق، ~~ولأن ذلك ربما أدى إلى إثبات الشفعة في قول من يثبتها بالطريق لكل واحدة من ~~الدارين في زقاق الأخرى. ويحتمل جواز ذلك؛ لأن له رفع الحاجز جميعه، فبعضه ~~أولى، وهذا أشبه، وما ذكرناه للمنع منتقض بما إذا رفع الحائط جميعه. وفي كل ~~موضع قلنا: ليس له فعله. إذا صالحه أهل الدرب بعوض معلوم، أو أذنوا له بغير ~~عوض، جاز. ### | [فصل تنازع صاحب البابين في الدرب وتداعياه] # (3550) فصل: إذا تنازع صاحب البابين في الدرب، وتداعياه، ولم يكن فيه باب ~~لغيرهما. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها، أنه يحكم بالدرب من أوله إلى الباب الذي ~~يلي أوله بينهما؛ لأن لهما الاستطراق فيه جميعا، وما بعده إلى صدر الدرب ~~للأخر؛ لأن الاستطراق في ذلك له وحده، فله اليد والتصرف. والوجه الثاني، أن ~~من أوله إلى أقصى حائط الأول بينهما؛ لأن ما يقابل ذلك لهما التصرف فيه، ~~بناء على أن للأول أن يفتح بابه فيما شاء من حائطه، وما بعد ذلك للثاني؛ ~~لأنه ليس بفناء للأول، ولا له فيه استطراق. # والثالث، يكون بينهما؛ لأن لهما جميعا يدا وتصرفا. وهكذا الحكم فيما إذا ~~كان لرجل علو خان، ولآخر سفله، ولصاحب العلو درجة في أثناء صحن الخان، ~~فاختلفا في الصحن، فما كان من الدرجة إلى باب الخان بينهما، وما وراء ذلك ms2279 ~~إلى صدر الخان على الوجهين، أحدهما هو لصاحب السفل. والثاني هو بينهما. # فإن كانت الدرجة في صدر الصحن، فالصحن بينهما؛ لوجود اليد والتصرف منهما ~~جميعا. فعلى الوجه الذي يقول: إن صدر الدرب مختص بصاحب الباب الصدراني. له ~~أن يستبدل بما يختص به منه، بأن يجعله دهليزا لنفسه، أو يدخله في داره على ~~وجه لا يضر بجاره، ولا يضع على حائطه شيئا؛ لأن ذلك ملك له ينفرد به. # PageV04P387 ### | [فصل التصرف في ملكه تصرفا يضر بجاره] # (3551) فصل: وليس للرجل التصرف في ملكه تصرفا يضر بجاره، نحو أن يبني فيه ~~حماما بين الدور، أو يفتح خبازا بين العطارين، أو يجعله دكان قصارة يهز ~~الحيطان ويخربها، أو يحفر بئرا إلى جانب بئر جاره يجتذب ماءها. وبهذا قال ~~بعض أصحاب أبي حنيفة. وعن أحمد رواية أخرى: لا يمنع. وبه قال الشافعي، وبعض ~~أصحاب أبي حنيفة لأنه تصرف في ملكه المختص به، ولم يتعلق به حق غيره، فلم ~~يمنع منه، كما لو طبخ في داره أو خبز فيها، وسلموا أنه يمنع من الدق الذي ~~يهدم الحيطان وينثرها. # ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» . ولأن هذا ~~إضرار بجيرانه، فمنع منه، كالدق الذي يهز الحيطان وينثرها، وكسقي الأرض ~~الذي يتعدى إلى هدم حيطان جاره، أو إشعال نار تتعدى إلى إحراقها. قالوا: ~~هاهنا تعدت النار التي أضرمها، والماء الذي أرسله، فكان مرسلا لذلك في ملك ~~غيره، فأشبه ما لو أرسله إليها قصدا. قلنا: والدخان هو أجزاء الحريق الذي ~~أحرقه، فكان مرسلا له في ملك جاره، فهو كأجزاء النار والماء. وأما دخان ~~الخبز والطبيخ، فإن ضرره يسير، ولا يمكن التحرز منه، وتدخله المسامحة. ### | [فصل كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر] # (3552) فصل: وإن كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر، فليس لصاحب الأعلى ~~الصعود على سطحه على وجه يشرف على سطح جاره، إلا أن يبني سترة تستره. وقال ~~الشافعي: لا يلزمه عمل سترة؛ لأن هذا حاجز بين ملكيهما، فلا يجبر أحدهما ~~عليه، كالأسفل. # ولنا، أنه ms2280 إضرار بجاره، فمنع منه، كدق يهز الحيطان، وذلك لأنه يكشف جاره، ~~ويطلع على حرمه، فأشبه ما لو اطلع عليه من صير بابه أو خصاصه. وقد دل على ~~المنع من ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو أن رجلا اطلع إليك، ~~فحذفته بحصاة، ففقأت عينه لم يكن عليك جناح» . ويفارق الأسفل؛ فإن تصرفه لا ~~يضر بالأعلى، ولا يكشف داره. ### | [فصل كانت بينهما عرصة حائط فاتفقا على قسمها طولا] # (3553) فصل: إذا كانت بينهما عرصة حائط، فاتفقا على قسمها طولا، جاز ذلك، ~~سواء اتفقا على قسمها طولا أو عرضا؛ لأنها ملكهما، ولا تخرج عنهما. وإن ~~اختلفا، فطلب أحدهما قسمها طولا وهو أن يجعل له نصف الطول في جميع العرض، ~~وللآخر مثله، فقال أصحابنا: يجبر الممتنع على القسمة. وهو مذهب الشافعي؛ ~~لأن ذلك لا يضر. فإذا اقتسما اقترعا، فكان لكل واحد منهما ما تخرج به ~~القرعة، فإن كان مبنيا فلا كلام، وإن كان غير مبني، كان لكل واحد منهما أن ~~يبني في نصيبه، وإن أحب أن يدخل بعض # PageV04P388 # عرصته في داره فعل، وإن أحب أن يزيد في حائطه من عرصته فعل. # ويحتمل أن لا يجبر على القسمة؛ لأنها توجب اختصاص كل واحد منهما ببعض ~~الحائط المقابل لملك شريكه، وزوال ملك شريكه، فيتضرر؛ لأنه لا يقدر على ~~حائط يستر ملكه، وربما اختار أحدهما أن لا يبني حائطه، فيبقى ملك كل واحد ~~منهما مكشوفا، أو يبنيه ويمنع جاره من وضع خشبه عليه، وهذا ضرر لا يرد ~~الشرع بالإجبار عليه. فإن قيل: فإذا كان مشتركا تمكن أيضا من منع شريكه وضع ~~خشبه عليه. قلنا: إذا كان له عليه رسم وضع خشبه، أو انتفاع به، لم يملك ~~منعه من رسمه، وها هنا يملك منعه بالكلية. # وأما إن طلب قسمها عرضا، وهو أن يجعل لكل واحد منهما نصف العرض في كمال ~~الطول، نظرنا، فإن كانت العرصة لا تتسع لحائطين، لم يجبر الممتنع من قسمها. ~~واختار ابن عقيل أنه يجبر. وهو ظاهر كلام الشافعي؛ لأنها عرصة، فأجبر على ~~قسمها، ms2281 كعرصة الدار. ولنا، أن في قسمها ضررا، فلم يجبر الممتنع من قسمها ~~عليه، كالدار الصغيرة، وما ذكروه ينتقض بذلك. # وإن كانت تتسع لحائطين، بحيث يحصل لكل واحد منهما ما يبني فيه حائطا، ففي ~~إجبار الممتنع وجهان: أحدهما: يجبر. قاله أبو الخطاب؛ لأنه لا ضرر في ~~القسمة؛ لكون كل واحد منهما يحصل له ما يندفع به حاجته، فأشبه عرصة الدار ~~التي يحصل لكل واحد منهما ما يبني فيه دارا. والثاني، لا يجبر. ذكره ~~القاضي؛ لأن هذه القسمة لا تقع فيها قرعة؛ لأننا لو أقرعنا بينهما، لم نأمن ~~أن تخرج قرعة كل واحد منهما على ما يلي ملك جاره، فلا ينتفع به، فلو ~~أجبرناه على القسمة لأجبرناه على أخذ ما يلي داره من غير قرعة، وهذا لا ~~نظير له. ولأصحاب الشافعي وجهان، كهذين. ومتى اقتسما العرصة طولا، فبنى كل ~~واحد منهما لنفسه حائطا، وبقيت بينهما فرجة، لم يجبر أحدهما على سدها، ولم ~~يمنع من سدها؛ لأن ذلك يجري مجرى بناء الحائط في عرصته. ### | [فصل كان بينهما حائط فاتفقا على قسمته طولا] # (3554) فصل: وإن كان بينهما حائط، فاتفقا على قسمته طولا، جاز، ويعلم بين ~~نصيبهما بعلامة. وإن اتفقا على قسمته عرضا، فقال أصحابنا: يجوز القسمة؛ لأن ~~الحق لهما، لا يخرج عنهما، فأشبه العرصة. # ويحتمل أن لا تجوز القسمة؛ لأنها لا تكون إلا بتمييز نصيب أحدهما من ~~الآخر، بحيث يمكنه الانتفاع بنصيبه دون نصيب صاحبه، وها هنا لا يتميز، ولا ~~يمكن انتفاع أحدهما بنصيبه منفردا؛ لأن إن وضع خشبه على أحد جانبي الحائط، ~~كان ثقله على الحائط كله، وإن فتح فيه طاقا يضعفه، ضعف كله، وإن وقع بعضه، ~~تضرر النصيب الآخر. وإن طلب أحدهما قسمه وأبى الآخر، فذكر القاضي، أن الحكم ~~في الحائط # PageV04P389 # كالحكم في عرصته، سواء، ولا يجبر على قسم الحائط، إلا أن يطلب أحدهما ~~قسمه طولا ويحتمل أن لا يجبر على قسمه أيضا، وهو أحد الوجهين لأصحاب ~~الشافعي؛ لأنهما إن قطعاه بينهما، فقد أتلفا جزءا من الحائط، ولا يجبر ~~الممتنع من ذلك، ms2282 كما لو كان بينهما ثوب، فطلب أحدهما قطعه. # وإن لم يقطع وعلما علامة على نصفه، كان انتفاع أحدهما بنصيبه انتفاعا ~~بنصيب الآخر. ووجه الأول، أنه يجبر على قسم الدار وقسم حائطها المحيط بها، ~~وكذلك قسم البستان وحائطه، ولا يجبر على القطع المضر، بل يعلمه بخط بين ~~نصيبهما، ولا يلزم من ذلك انتفاع أحدهما بنصيب الآخر وإن اتصل به، بدليل ~~الحائط المتصل في دارين. والله أعلم. ### | [كتاب الحوالة] # والضمان الحوالة ثابتة بالسنة، والإجماع. أما السنة، فما روى أبو هريرة، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ~~مليء فليتبع» . متفق عليه وفي لفظ «من أحيل بحقه على مليء فليحتل» وأجمع ~~أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة، واشتقاقها من تحويل الحق من ذمة إلى ~~ذمة، وقد قيل: إنها بيع، فإن المحيل يشتري ما في ذمته بماله في ذمة المحال ~~عليه، وجاز تأخير القبض رخصة؛ لأنه موضوع على الرفق، فيدخلها خيار المجلس ~~لذلك. # والصحيح أنها عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس بمحمول على غيره؛ لأنها لو كانت ~~بيعا لما جازت، لكونها بيع دين بدين ولما جاز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع ~~مال الربا بجنسه. ولجازت بلفظ البيع، ولجازت بين جنسين، كالبيع كله. # ولأن لفظها يشعر بالتحول لا بالبيع، فعلى هذا لا يدخلها خيار، وتلزم ~~بمجرد العقد، وهذا أشبه بكلام أحمد وأصوله. ولا بد فيها من محيل ومحتال ~~ومحال عليه. ويشترط في صحتها رضى المحيل، بلا خلاف؛ فإن الحق عليه، ولا ~~يتعين عليه جهة قضائه. وأما المحتال والمحال عليه، فلا يعتبر رضاهما، على ~~ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة أحيل بحقه على من عليه مثل ذلك الحق] # (3555) مسألة؛ قال: (ومن أحيل بحقه على من عليه مثل ذلك الحق، فرضي، فقد ~~برئ المحيل أبدا) . من شرط صحة الحوالة شروط أربعة: أحدها، تماثل الحقين؛ ~~لأنها تحويل للحق ونقل له، فينقل على صفته، ويعتبر تماثلهما في أمور ثلاثة: ~~أحدها، الجنس. فيحيل من عليه ذهب بذهب، ومن عليه فضة بفضة. # ولو ms2283 أحال من عليه ذهب بفضة، أو من عليه فضة بذهب، لم يصح. الثاني، الصفة. ~~فلو أحال من عليه صحاح بمكسرة، أو من عليه مصرية بأميرية، لم يصح. # PageV04P390 # الثالث، الحلول والتأجيل. ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين، فإن كان أحدهما ~~حالا والآخر مؤجلا، أو أجل أحدهما إلى شهر والآخر إلى شهرين، لم تصح ~~الحوالة. ولو كان الحقان حالين، فشرط على المحتال أن يقبض حقه أو بعضه بعد ~~شهر لم تصح الحوالة؛ لأن الحال لا يتأجل، ولأنه شرط ما لو كان ثابتا في نفس ~~الأمر لم تصح الحوالة؛ فكذلك إذا شرطه. وإذا اجتمعت هذه الأمور، وصحت ~~الحوالة، وتراضيا بأن يدفع المحال عليه خيرا من حقه، أو رضي المحتال بدون ~~الصفة، أو رضي من عليه المؤجل بتعجيله، أو رضي من له الحال بإنظاره، جاز؛ ~~لأن ذلك يجوز في القرض، ففي الحوالة أولى. # وإن مات المحيل، أو المحال، فالأجل بحاله. وإن مات المحال عليه، ففي حلول ~~الحق روايتان، مضى ذكرهما. الشرط الثاني، أن تكون على دين مستقر. ولا يعتبر ~~أن يحيل بدين [غير] مستقر، إلا أن السلم لا تصح الحوالة به ولا عليه، لأن ~~دين السلم ليس بمستقر لكونه بعرض الفسخ، لانقطاع المسلم فيه. # ولا تصح الحوالة به؛ لأنها لم تصح إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه، والسلم ~~لا يجوز أخذ العوض عنه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم في ~~شيء، فلا يصرفه إلى غيره» . ولا تصح الحوالة على المكاتب بمال الكتابة؛ ~~لأنه غير مستقر، فإن له أن يمتنع من أدائه، ويسقط بعجزه. وتصح الحوالة عليه ~~بدين غير دين الكتابة؛ لأن حكمه حكم الأحرار في المداينات. وإن أحال ~~المكاتب سيده بنجم قد حل عليه، صح، وبرئت ذمة المكاتب بالحوالة، ويكون ذلك ~~بمنزلة القبض. # وإن أحالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول، لم يصح؛ لأنه غير مستقر. ~~وإن أحالها الزوج به، صح؛ لأنه له تسليمه إليها، وحوالته به تقوم مقام ~~تسليمه. وإن أحالت به بعد الدخول، صح؛ لأنه مستقر. وإن أحال البائع بالثمن ~~على المشتري ms2284 في مدة الخيار، لم يصح، في قياس ما ذكرنا. وإن أحاله المشتري ~~به، صح؛ لأنه بمنزلة الوفاء، وله الوفاء قبل الاستقرار. # وإن أحال البائع بالثمن على المشتري، ثم ظهر على عيب، لم يتبين أن ~~الحوالة كانت باطلة؛ لأن الثمن كان ثابتا مستقرا، والبيع كان لازما، وإنما ~~ثبت الجواز عند العلم بالعيب بالنسبة إلى المشتري. ويحتمل أن تبطل الحوالة؛ ~~لأن سبب الجواز عيب المبيع، وقد كان موجودا وقت الحوالة. # وكل موضع أحال من عليه دين غير مستقر به، ثم سقط الدين، كالزوجة ينفسخ ~~نكاحها بسبب من جهتها، أو المشتري يفسخ البيع ويرد المبيع، فإن كان ذلك قبل ~~القبض من المحال عليه، ففيه وجهان: أحدهما، تبطل الحوالة؛ لعدم الفائدة في ~~بقائها، ويرجع المحيل بدينه على المحال عليه. # والثاني، لا تبطل؛ لأن الحق انتقل عن المحيل، فلم يعد إليه، وثبت للمحتال ~~فلم يزل عنه، ولأن الحوالة بمنزلة القبض، فكأن المحيل أقبض المحتال دينه، ~~فيرجع عليه به، ويأخذ المحتال من المحال عليه. # PageV04P391 # وسواء تعذر القبض من المحال عليه أو لم يتعذر. وإن كان بعد القبض، لم ~~يبطل، وجها واحدا، ويرجع المحيل على المحتال به. # (3556) فصل: وإن أحال من لا دين له عليه رجلا على آخر له عليه دين فليس ~~ذلك بحوالة، بل هي وكالة تثبت فيها أحكامها؛ لأن الحوالة مأخوذة من تحول ~~الحق وانتقاله، ولا حق هاهنا ينتقل ويتحول، وإنما جازت الوكالة بلفظ ~~الحوالة، لاشتراكهما في المعنى؛ وهو استحقاق الوكيل مطالبة من عليه الدين، ~~كاستحقاق المحتال مطالبة المحال عليه، وتحول ذلك إلى الوكيل كتحوله إلى ~~المحيل. # وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه، فليست حوالة أيضا. نص عليه ~~أحمد. فلا يلزمه المحال عليه الأداء، ولا المحتال قبول ذلك؛ لأن الحوالة ~~معاوضة، ولا معاوضة هاهنا، وإنما هو اقتراض. فإن قبض المحتال منه الدين، ~~رجع على المحيل؛ لأنه قرض. وإن أبرأه ولم يقبض منه شيئا، لم تصح البراءة؛ ~~لأنها براءة لمن لا دين عليه. وإن قبض منه الدين، ثم وهبه إياه، رجع المحال ms2285 ~~عليه على المحيل به؛ لأنه قد غرم عنه، وإنما عاد إليه المال بعقد مستأنف. # ويحتمل أن لا يرجع عليه، لكونه ما غرم عنه شيئا. وإن أحال من لا دين عليه ~~فهي وكالة في اقتراض وليست حوالة، لأن الحوالة إنما تكون بدين على دين، ولم ~~يوجد واحد منهما. # (3557) فصل: الشرط الثالث، أن تكون بمال معلوم؛ لأنها إن كانت بيعا فلا ~~تصح في مجهول، وإن كانت تحول الحق فيعتبر فيها التسليم، والجهالة تمنع منه، ~~فتصح بكل ما يثبت مثله في الذمة بالإتلاف من الأثمان والحبوب والأدهان، ولا ~~تصح فيما لا يصح السلم فيه؛ لأنه لا يثبت في الذمة، ومن شرط الحوالة تساوي ~~الدينين، فأما ما يثبت في الذمة سلما غير المثليات، كالمذروع والمعدود، ففي ~~صحة الحوالة به وجهان: أحدهما: لا تصح؛ لأن المثل فيه لا يتحرر، ولهذا لا ~~يضمنه بمثله في الإتلاف، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. # والثاني: تصح. ذكره القاضي؛ لأنه حق ثابت في الذمة، فأشبه ماله مثل. ~~ويحتمل أن يخرج هذان الوجهان على الخلاف فيما يقتضي به قرض هذه الأموال، ~~فإن كان عليه إبل من الدية وله على آخر مثلها في السن، فقال القاضي: تصح؛ ~~لأنها تختص بأقل ما يقع عليه الاسم في السن والقيمة وسائر الصفات. # وقال أبو الخطاب: لا تصح في أحد الوجهين؛ لأنها مجهولة، ولأن الإبل ليست ~~من المثليات التي تضمن بمثلها في الإتلاف، ولا تثبت في الذمة سلما. في ~~رواية وإن كان عليه إبل من دية، وله على آخر مثلها قرضا، فأحاله عليه، فإن ~~قلنا: يرد في القرض قيمتها. لم تصح الحوالة؛ لاختلاف الجنس. وإن # PageV04P392 # قلنا: يرد مثلها. اقتضى قول القاضي صحة الحوالة؛ لأنه أمكن استيفاء الحق ~~على صفته من المحال عليه، ولأن الخيرة في التسليم إلى من عليه الدين، وقد ~~رضي بتسليم ما له في ذمة المقترض. # وإن كانت بالعكس، فاحتال المقرض بإبل الدية، لم تصح؛ لأننا إن قلنا: تجب ~~القيمة في القرض. فقد اختلف الجنس. وإن قلنا: يجب المثل. فللمقرض مثل ما ~~أقرض في صفاته ms2286 وقيمته، والذي عليه الدية لا يلزمه ذلك. # (3558) فصل: الشرط الرابع، أن يحيل برضائه؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه ~~أداؤه من جهة الدين الذي على المحال عليه، ولا خلاف في هذا فإذا اجتمعت ~~شروط الحوالة وصحت، برئت ذمة المحيل، في قول عامة الفقهاء إلا ما يروى عن ~~الحسن، أنه كان لا يرى الحوالة براءة إلا أن يبرئه. # وعن زفر أنه قال: لا تنقل الحق. وأجراها مجرى الضمان، وليس بصحيح؛ لأن ~~الحوالة مشتقة من تحويل الحق، بخلاف الضمان، فإنه مشتق من ضم ذمة إلى ذمة. ~~فعلق على كل واحد مقتضاه، وما دل عليه لفظه. إذا ثبت أن الحق انتقل، فمتى ~~رضي بها المحتال، ولم يشترط اليسار، لم يعد الحق إلى المحيل أبدا، سواء ~~أمكن استيفاء الحق، أو تعذر لمطل أو فلس أو موت أو غير ذلك. # هذا ظاهر كلام الخرقي، وبه قال الليث، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر. ~~وعن أحمد ما يدل على أنه إذا كان المحال عليه مفلسا، ولم يعلم المحتال ~~بذلك، فله الرجوع، إلا أن يرضى بعد العلم. وبه قال جماعة من أصحابنا، ونحوه ~~قول مالك؛ لأن الفلس عيب في المحال عليه، فكان له الرجوع، كما لو اشترى ~~سلعة فوجدها معيبة، ولأن المحيل غره، فكان له الرجوع، كما لو دلس المبيع. # وقال شريح، والشعبي، والنخعي: متي أفلس أو مات، رجع على صاحبه، وقال أبو ~~حنيفة: يرجع عليه في حالين؛ إذا مات المحال عليه مفلسا، وإذا جحده وحلف ~~عليه عند الحاكم، وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع عليه في هاتين الحالتين، وإذا ~~حجر عليه لفلس؛ لأنه روي عن عثمان، أنه سئل عن رجل أحيل بحقه، فمات المحال ~~عليه مفلسا فقال: يرجع بحقه، لا توى على مال امرئ مسلم. # ولأنه عقد معاوضة لم يسلم العوض فيه لأحد المتعاوضين، فكان له الفسخ، كما ~~لو اعتاض بثوب فلم يسلم إليه. ولنا، أن حزنا جد سعيد بن المسيب، كان له على ~~علي - رضي الله عنه - دين، فأحاله به، فمات المحال عليه، فأخبره، فقال: ~~اخترت علينا، أبعدك ms2287 الله. فأبعده بمجرد احتياله، ولم يخبره أن له الرجوع. # ولأنها براءة من دين ليس فيها قبض ممن عليه، ولا ممن يدفع عنه، فلم يكن ~~فيها رجوع، كما لو أبرأه من الدين، وحديث عثمان لم يصح، يرويه خالد بن جعفر ~~عن معاوية بن قرة عن عثمان، ولم يصح سماعه # PageV04P393 # منه، وقد روي أنه قال: في حوالة أو كفالة. وهذا يوجب التوقف، ولا يصح، ~~ولو صح كان قول علي مخالفا له. وقولهم: إنه معاوضة. لا يصح؛ لأنه يفضي إلى ~~بيع الدين، بالدين، وهو منهي عنه، ويفارق المعاوضة بالثوب؛ لأن في ذلك قبضا ~~يقف استقرار العقد عليه، وها هنا الحوالة بمنزلة القبض، وإلا كان بيع دين ~~بدين. ### | [فصل شرط ملاءة المحال عليه فبان معسرا] # (3559) فصل: فإن شرط ملاءة المحال عليه، فبان معسرا، رجع على المحيل. وبه ~~قال بعض الشافعية. وقال بعضهم: لا يرجع؛ لأن الحوالة لا ترد بالإعسار إذا ~~لم يشترط الملاءة، فلا ترد به، وإن شرط، كما لو اشترط كونه مسلما، ويفارق ~~البيع؛ فإن الفسخ يثبت بالإعسار فيه من غير شرط، بخلاف الحوالة. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون على شروطهم» . ولأنه ~~شرط ما فيه مصلحة العقد في عقد معاوضة، فيثبت الفسخ بفواته، كما لو شرط صفة ~~في المبيع، وقد يثبت بالشرط ما لا يثبت بإطلاق العقد، بدليل اشتراط صفة في ~~المبيع. ### | [فصل لم يرض المحتال بالحوالة] # (3560) فصل: ولو لم يرض المحتال بالحوالة، ثم بان المحال عليه مفلسا أو ~~ميتا، رجع على المحيل، بلا خلاف؛ فإنه لا يلزمه الاحتيال على غير مليء لما ~~عليه فيه من الضرر، وإنما «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبول الحوالة ~~إذا أحيل على مليء» ولو أحاله على مليء فلم يقبل حتى أعسر، فله الرجوع ~~أيضا، على ظاهر قول الخرقي؛ لكونه اشترط في براءة المحيل إبداء رضى ~~المحتال. ### | [مسألة أحيل بحقه على مليء] # (3561) مسألة؛ قال: (ومن أحيل بحقه على مليء، فواجب عليه أن يحتال) ~~المليء: هو القادر على الوفاء. جاء في الحديث، عن النبي - صلى ms2288 الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «إن الله تعالى يقول: من يقرض المليء غير المعدم.» وقال ~~الشاعر: # تطيلين لياني وأنت مليئة ... وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا # يعني قادرة على وفائي. والظاهر أن الخرقي أراد بالمليء هاهنا القادر على ~~الوفاء غير الجاحد ولا المماطل. قال أحمد في تفسير المليء، كأن المليء ~~عنده، أن يكون مليا بماله وقوله وبدنه ونحو هذا. # فإذا أحيل على من هذه صفته لزم المحتال والمحال عليه القبول، ولم يعتبر ~~رضاهما. وقال أبو حنيفة: يعتبر رضاهما؛ لأنها معاوضة، فيعتبر الرضا من ~~المتعاقدين. وقال مالك والشافعي: يعتبر رضى المحتال؛ لأن حقه في ذمة ~~المحيل، فلا يجوز نقله إلى غيرها بغير رضاه، كما لا يجوز أن يجبره على أن ~~يأخذ بالدين عرضا. # PageV04P394 # فأما المحال عليه، فقال مالك: لا يعتبر رضاه، إلا أن يكون المحتال عدوه. ~~وللشافعي في اعتبار رضائه قولان؛ أحدهما: يعتبر. وهو يحكي عن الزهري؛ لأنه ~~أحد من تتم به الحوالة، فأشبه المحيل. والثاني: لا يعتبر؛ لأنه أقامه في ~~القبض مقام نفسه، فلم يفتقر إلى رضى من عليه الحق كالتوكيل. ولنا، قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» . ولأن ~~للمحيل أن يوفي الحق الذي عليه بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحال عليه مقام ~~نفسه في التقبيض فلزم المحال القبول، كما لو وكل رجلا في إبقائه، وفارق ما ~~إذا أراد أن يعطيه عما في ذمته عرضا؛ لأنه يعطيه غير ما وجب له، فلم يلزمه ~~قبوله. ### | [فصل أحال رجلا على زيد بألف فأحاله زيد بها على عمرو] # (3562) فصل: إذا أحال رجلا على زيد بألف، فأحاله زيد بها على عمر ~~فالحوالة صحيحة؛ لأن حق الثاني ثابت مستقر في الذمة، فصح أن يحيل به، ~~كالأول. وهكذا لو أحال الرجل عمرا على زيد بما يثبت له في ذمته، صح أيضا؛ ~~لما ذكرنا. وتكرر المحتال والمحيل لا يضر. ### | [فصل اشترى عبدا فأحال المشتري البائع بالثمن] # (3563) فصل: إذا اشترى عبدا، فأحال المشتري البائع بالثمن، ثم ظهر العبد ~~حرا أو مستحقا، فالبيع باطل، والحوالة ms2289 باطلة؛ لأننا تبينا أنه لا ثمن على ~~المشتري، وإنما تثبت حريته ببينة أو اتفاقهم، فإن اتفق المحيل والمحال عليه ~~على حريته، وكذبهما المحتال، ولا بينة بذلك، لم يقبل قولهما عليه؛ لأنهما ~~يبطلان حقه، أشبه ما لو باع المشتري العبد، ثم اعترف هو وبائعه أنه كان ~~حرا، لم يقبل قولهما على المشتري الثاني، وإن أقاما بينة، لم تسمع؛ لأنهما ~~كذباها بدخولهما في التبايع. وإن أقام العبد بينة بحريته، قبلت، وبطلت ~~الحوالة. # وإن صدقهما المحتال، وادعى أن الحوالة بغير ثمن العبد، فالقول قوله مع ~~يمينه؛ لأن الأصل صحة الحوالة، وهما يدعيان بطلانها، فكانت جنبته أقوى. فإن ~~أقاما البينة أن الحوالة كانت بالثمن، قبلت؛ لأنهما لم يكذباها. وإن اتفق ~~المحيل والمحتال على حرية العبد، وكذبهما المحال عليه، لم يقبل قولهما عليه ~~في حرية العبد؛ لأنه إقرار على غيرهما، وتبطل الحوالة؛ لاتفاق المرجوع عليه ~~بالدين والراجع به على استحقاق الرجوع، والمحال عليه يعترف للمحتال بدين لا ~~يصدقه فيه، فلا يأخذ منه شيئا. # وإن اعترف المحتال والمحال عليه بحرية العبد عتق؛ لإقرار من هو في يده ~~بحريته، وبطلت الحوالة بالنسبة إليهما، ولم يكن للمحتال الرجوع على المحيل؛ ~~لأن دخوله معه في الحوالة اعتراف ببراءته، فلم يكن له الرجوع عليه. ### | [فصل اشترى عبدا فأحال المشتري البائع بالثمن على آخر] # (3564) فصل: وإن اشترى عبدا، فأحال المشتري البائع بالثمن على آخر، فقبضه ~~من المحال عليه، ثم رد المشتري العبد بعيب، أو مقايلة، أو اختلاف في ثمن، ~~فقد برئ المحال عليه؛ لأنه قبض منه بإذنه، ويرجع المشتري على البائع. وإن ~~رده قبل القبض، فقال القاضي: تبطل الحوالة، ويعود المشتري إلى ذمة # PageV04P395 # المحال عليه، ويبرأ البائع، فلا يبقى له دين ولا عليه؛ لأن الحوالة ~~بالثمن، وقد سقط بالفسخ، فيجب أن تبطل الحوالة لذهاب حقه من المال المحال ~~به. # وقال أبو الخطاب: لا تبطل الحوالة في أحد الوجهين؛ لأن المشتري عوض ~~البائع عما في ذمته ماله في ذمة المحال عليه، ونقل حقه إليه نقلا صحيحا، ~~وبرئ من الثمن، وبرئ المحال عليه ms2290 من دين المشتري، فلم يبطل ذلك بفسخ العقد ~~الأول، كما لو أعطاه بالثمن ثوبا وسلمه إليه، فسخ العقد، لم يرجع بالثوب، ~~كذا هاهنا. # فإن قلنا ببطلان الحوالة، رجع المحيل على المحال عليه بدينه، ولم يبق ~~بينهما وبين البائع معاملة. وإن قلنا: لا تبطل. رجع المشتري على البائع ~~بالثمن، ويأخذه البائع من المحال عليه. فإن عاد البائع فأحال المشتري ~~بالثمن على من أحاله المشتري عليه، صح وبرئ البائع، وعاد المشتري إلى غريمه ~~وإن كانت المسألة بحالها، لكن أحال البائع أجنبيا على المشتري، ثم رد العبد ~~المبيع، ففي الحوالة وجهان: أحدهما، لا تبطل؛ لأن ذمة المشتري برئت ~~بالحوالة من حق البائع، وصار الحق عليه للأجنبي المحتال، فأشبه ما لو دفعه ~~المشتري إلى المحيل، فعلى هذا يرجع المشتري على البائع بالثمن، ويسلم إلى ~~المحتال ما أحاله به. # والثاني، تبطل الحوالة إن كان الرد قبل القبض، لسقوط الثمن الذي كانت ~~الحوالة به، ولأنه لا فائدة في بقاء الحوالة هاهنا، فيعود البائع بدينه، ~~ويبرأ المشتري منهما، كالمسألة قبلها، وإذا قلنا: لا تبطل. فأحال المشتري ~~المحال عليه بالثمن على البائع، صح، وبرئ المشتري منها. ### | [فصل رجل له على آخر دين فأذن لآخر في قبضه ثم اختلفا] # (3565) فصل: إذا كان لرجل على آخر دين، فأذن لآخر في قبضه، ثم اختلف هو ~~والمأذون له، فقال: وكلتك في قبض ديني بلفظ التوكيل. فقال: بل أحلتني بلفظ ~~الحوالة. أو كانت بالعكس، فقال: أحلتك بدينك. فقال: بل وكلتني. فالقول قول ~~مدعي الوكالة منهما مع يمينه؛ لأنه يدعي بقاء الحق على ما كان، وينكر ~~انتقاله، والأصل معه، فإن كان لأحدهما بينة حكم بها؛ لأن اختلافهما في ~~اللفظ، وهو مما يمكن إقامة البينة عليه. وإن اتفقا على أنه قال: أحلتك ~~بالمال الذي لي قبل زيد. # ثم اختلفا، فقال المحيل: إنما وكلتك في القبض لي. وقال الآخر: بل أحلتني ~~بديني عليك. فالقول قول مدعي الحوالة، في أحد الوجهين؛ لأن الظاهر معه فإن ~~اللفظ حقيقة في الحوالة دون الوكالة، فيجب حمل اللفظ على ظاهره، كما ms2291 لو ~~اختلفا في دار في يد أحدهما. # PageV04P396 # والثاني، القول قول المحيل؛ لأن الأصل بقاء حق المحيل على المحال عليه، ~~والمحتال يدعي نقله، والمحيل ينكره، والقول قول المنكر. فعلى الوجه الأول، ~~يحلف المحتال ويثبت حقه في ذمة المحال عليه، ويستحق مطالبته، ويسقط عن ~~المحيل. # وعلى الوجه الثاني، يحلف المحيل، ويبقى حقه في ذمة المحال عليه. وعلى كلا ~~الوجهين: إن كان المحتال قد قبض الحق من المحال عليه، وتلف في يده، فقد برئ ~~كل واحد منهما من صاحبه، ولا ضمان عليه، سواء تلف بتفريطه أو غيره؛ لأنه إن ~~تلف بتفريط، وكان المحتال محقا، فقد أتلف ماله، وإن كان مبطلا، ثبت لكل ~~واحد منهما في ذمة الآخر مثل ما في ذمته له، فيتقاصان، ويسقطان. # وإن تلف بغير تفريط، فالمحال قد قبض حقه، وتلف في يده، وبرئ منه المحيل ~~بالحوالة، والمحال عليه بتسلمه، والمحيل يقول: قد تلف المال في يد وكيلي ~~بغير تفريط. فلا ضمان عليه. وإن لم يتلف، احتمل أن لا يملك المحيل طلبه؛ ~~لأنه معترف أن له عليه من الدين مثل ما له في يده، وهو مستحق لقبضه، فلا ~~فائدة في أن يقبضه منه ثم يسلمه إليه. # ويحتمل أن يملك أخذه منه، ويملك المحتال مطالبته بدينه. وقيل: يملك ~~المحيل أخذه منه، ولا يملك المحتال المطالبة بدينه؛ لاعترافه ببراءة المحيل ~~منه بالحوالة. وليس بصحيح؛ لأن المحتال إن اعترف بذلك، فهو يدعي أنه قبض ~~هذا المال منه بغير حق، وأنه يستحق المطالبة به، فعلى كلا الحالين، هو ~~مستحق للمطالبة بمثل هذا المال المقبوض منه، في قولهما جميعا، فلا وجه ~~لإسقاطه، ولا موضع للبينة في هذه المسألة؛ لأنهما لا يختلفان في لفظ يسمع، ~~ولا فعل يرى، وإنما يدعي المحيل بينة، وهذا لا تشهد به البينة نفيا ولا ~~إثباتا. (3566) # فصل: وإن كانت المسألة بالعكس، فقال: أحلتك بدينك. فقال: بل وكلتني. ~~ففيها الوجهان أيضا؛ لما قدمناه. فإن قلنا: القول قول المحيل. فحلف، برئ من ~~حق المحتال، وللمحتال قبض المال من المحال عليه لنفسه؛ لأنه يجوز له ذلك ms2292 ~~بقولهما معا، فإذا قبضه كان له بحقه. وإن قلنا: القول قول المحتال، فحلف ~~كان له مطالبة المحيل بحقه، ومطالبة المحتال عليه؛ لأنه إما وكيل وإما ~~محتال. # فإن قبض منه قبل أخذه من المحيل، فله أخذ ما قبض لنفسه؛ لأن المحيل يقول: ~~هو لك. والمحتال يقول: هو أمانة في يدي، ولي مثله على صاحبه، وقد أذن له في ~~أخذه ضمنا. فإذا أخذه لنفسه حصل غرضه، ولم يأخذ من المحيل شيئا. وإن استوفى ~~من المحيل، رجع على المحال في أحد الوجهين؛ لأنه قد تثبتت الوكالة بيمين ~~المحتال، وبقي الحق في ذمة المحال عليه للمحيل. والثاني، لا يرجع عليه؛ ~~لأنه يعترف أنه قد برئ من حقه، وإنما المحتال ظلمه بأخذ ما كان عليه. قال ~~القاضي: والأول أصح. # وإن كان قد قبض الحوالة، فتلفت في يده بتفريط، أو أتلفها، سقط حقه على ~~الوجهين؛ لأنه إن كان محقا فقد أتلف حقه، وإن كان مبطلا فقد # PageV04P397 # أتلف مثل دينه، فيثبت في ذمته ويتقاصان. وإن تلفت بغير تفريطه، فعلى ~~الوجه الأول، يسقط حقه أيضا؛ لأن ماله تلف تحت يده. وعلى الثاني، له أن ~~يرجع على المحيل بحقه، وليس للمحيل الرجوع على المحال عليه؛ لأنه يعترف ~~ببراءته. # (3567) فصل: وإن اتفقا على أن المحيل قال: أحلتك بدينك. ثم اختلفا، فقال ~~أحدهما: هي حوالة بلفظها. وقال الآخر: هي وكالة بلفظ الحوالة. فالقول قول ~~مدعي الحوالة، وجها واحدا؛ لأن الحوالة بدينه لا تحتمل الوكالة، فلم يقبل ~~قول مدعيها. # وسواء اعترف المحيل بدين المحتال، أو قال: لا دين لك علي؛ لأن قوله: ~~أحلتك بدينك. اعتراف بدينه، فلا يقبل جحده له بعد ذلك. فأما إن لم يقل ~~بدينك، بل قال: أحلتك. ثم قال: ليس لك علي دين، وإنما عنيت التوكيل بلفظ ~~الحوالة. أو قال: أردت أن أقول، وكلتك، فسبق لساني فقلت: أحلتك. وادعى ~~المحتال أنها حوالة بدينه، وأن دينه كان ثابتا على المحيل، فهل ذلك اعتراف ~~بالدين أو لا؟ فيه وجهان، سبق توجيههما. ### | [فصل لرجل دين على آخر فطالبه به فقال قد أحلت ms2293 به علي فلانا الغائب] # (3568) فصل: وإذا كان لرجل دين على آخر، فطالبه به، فقال: قد أحلت به علي ~~فلانا الغائب. وأنكر صاحب الدين، فالقول قول مع يمينه. وإن كان لمن عليه ~~الدين بينة بدعواه، سمعت بينته، لإسقاط حق المحيل عليه. وإن ادعى رجل أن ~~فلانا الغائب أحالني عليك، فأنكر المدعى عليه، فالقول قوله. فإن أقام ~~المدعي بينة، ثبتت في حقه وحق الغائب؛ لأن البينة يقضى بها على الغائب، ~~ولزم الدفع إلى المحتال. # وإن لم يكن له بينة، فأنكر المدعى عليه، فهل تلزمه اليمين؟ فيه وجهان، ~~بناء على ما لو اعترف له هل يلزمه الدفع؟ على وجهين؛ أحدهما، يلزمه الدفع ~~إليه؛ لأنه مقر بدينه عليه، ووجوب دفعه إليه، فلزمه الدفع إليه، كما لو ~~كانت بينة. والثاني لا يلزمه الدفع إليه؛ لأنه لا يأمن من إنكار المحيل ~~ورجوعه عليه، فكان له الاحتياط لنفسه، كما لو ادعى عليه أني وكيل فلان في ~~قبض دينه منك، فصدقه، وقال: لا أدفعه إليك. فإذا قلنا: يلزمه الدفع مع ~~الإقرار. لزمه اليمين مع الإنكار. فإذا حلف، برئ، ولم يكن للمحتال الرجوع ~~على المحيل؛ لاعترافه ببراءته. # وكذلك إن قلنا: لا تلزمه اليمين. فليس للمحتال الرجوع على المحيل، ثم ~~ينظر في المحيل، فإن صدق المدعي في أنه أحاله، ثبتت الحوالة له؛ لأن رضى ~~المحال عليه لا يعتبر. وإن أنكر الحوالة، حلف، وسقط حكم الحوالة. وإن نكل ~~المحال عليه عن اليمين، فقضي عليه بالنكول واستوفي الحق منه، ثم إن المحيل ~~صدق المدعي، فلا كلام. # وإن أنكر الحوالة، فالقول قوله، وله أن يستوفي من المحال عليه؛ لأنه ~~معترف له بالحق ويدعي أن المحتال ظلمه، ويبقى دين المحتال على المحيل. وإن ~~كان # PageV04P398 # المحيل ينكر أن له عليه دينا، فالقول قوله بغير يمين؛ لأن المحتال يقر ~~ببراءته منه، لاستيفائه من المحال عليه. # وإن كان المحيل يعترف به، لم يكن للمحتال المطالبة به؛ لأنه يقر بأنه قد ~~برئ منه بالحوالة، والمحيل يصدق المحال عليه في كون المحتال قد ظلمه، ~~واستوفى منه بغير حق، والمحتال ms2294 يزعم أن المحيل قد أخذ منه أيضا بغير حق، ~~وإنه يجب عليه أن يرد ما أخذه منه إليه، فينبغي أن يقبضها المحتال، ويسلمها ~~إلى المحال عليه، أو يأذن للمحيل في دفعها إلى المحال عليه. وإن صدق المحال ~~عليه المحتال في الحوالة، ودفع إليه، فأنكر المحيل الحوالة، حلف، ورجع على ~~المحال عليه. # والحكم في الرجوع بما على المحيل من الدين على ما ذكرنا في التي قبلها. ### | [فصل كان عليه ألف ضمنه رجل فأحال الضامن صاحب الدين به] # (3569) فصل: فإن كان عليه ألف ضمنه رجل، فأحال الضامن صاحب الدين به، ~~برئت ذمته وذمة المضمون عنه؛ لأن الحوالة كالتسليم، ويكون الحكم هاهنا ~~كالحكم فيما لو قضى عنه الدين. فإن كان الألف على رجلين، على كل واحد منهما ~~خمسمائة، وكل واحد كفيل عن الآخر بذلك، فأحاله أحدهما بالألف، برئت ذمتهما ~~معا، كما لو قضاها. وإن أحال صاحب الألف رجلا على أحدهما بعينه بالألف، صحت ~~الحوالة؛ لأن الدين على كل واحد منهما مستقر. # وإن أحال عليهما جميعا، ليستوفي منهما، أو من أيهما شاء صحت الحوالة أيضا ~~عند القاضي؛ لأنه لا فضل هاهنا في نوع ولا أجل ولا عدد، وإنما هو زيادة ~~استيثاق، فلم يمنع ذلك صحة الحوالة، كحوالة المعسر على المليء. وقال بعض ~~أصحاب الشافعي: لا تصح الحوالة؛ لأن الفضل قد دخلها، فإن المحتال ارتفق ~~بالتخيير بالاستيفاء منهما، أو من أيهما شاء، فأشبه ما لو أحاله على رجلين ~~له على كل واحد منهما ألف ليستوفي من أيهما شاء. # والأول أصح. والفرق بين هذه المسألة، وبين ما إذا أحاله بألفين، أنه لا ~~فضل بينهما في العدد هاهنا، وثم تفاضلا فيه، ولأن الحوالة هاهنا بألف معين، ~~وثم الحوالة بأحدهما من غير تعيين، وأنه إذا قضاه أحدهما الألف فقد قضى ~~جميع الدين، وثم إذا قضى أحدهما بقي ما على الآخر، ولو لم يكن كل واحد من ~~الرجلين ضامنا عن صاحبه، فأحال عليهما، صحت الحوالة بغير إشكال؛ لأنه لما ~~كان له أن يستوفي الألف من واحد، كان له أن ms2295 يستوفي من اثنين، كالوكيلين. ### | [باب الضمان] ### | [مسألة ضمن عنه حق بعد وجوبه] # باب الضمان (3570) مسألة؛ قال: (ومن ضمن عنه حق بعد وجوبه، أو قال: ما ~~أعطيته فهو علي. فقد لزمه ما صح أنه أعطاه) . الضمان: ضم ذمة الضامن إلى ~~ذمة المضمون عنه في التزام الحق. فيثبت في ذمتهما جميعا، ولصاحب الحق ~~مطالبة من شاء منهما، واشتقاقه من الضم. وقال القاضي: هو مشتق من التضمين؛ ~~لأن ذمة الضامن تتضمن الحق. # PageV04P399 # والأصل في جوازه، الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: ~~{ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] . وقال ابن عباس: الزعيم ~~الكفيل. وأما السنة فما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«الزعيم غارم» رواه أبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن، وروى البخاري، عن ~~سلمة بن الأكوع، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي برجل ليصلي عليه، ~~فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران. قال: هل ترك لهما وفاء؟ قالوا: ~~لا، فتأخر، فقيل: لم لا تصل عليه؟ : فقال: ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة؟ ~~ألا إن قام أحدكم فضمنه. فقام أبو قتادة، فقال: هما علي يا رسول الله، فصلى ~~عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -» . وأجمع المسلمون على جواز الضمان في ~~الجملة. # وإنما اختلفوا في فروع نذكرها إن شاء الله تعالى. إذا ثبت هذا، فإنه ~~يقال: ضمين، وكفيل، وقبيل، وحميل، وزعيم، وصبير، بمعني واحد. ولا بد في ~~الضمان من ضامن، ومضمون عنه، ومضمون له. ولا بد من رضى الضامن، فإن أكره ~~على الضمان لم يصح، ولا يعتبر رضى المضمون عنه. لا نعلم فيه خلافا. لأنه لو ~~قضي الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح، فكذلك إذا ضمن عنه. ولا يعتبر رضى ~~المضمون له. # وقال أبو حنيفة ومحمد: يعتبر؛ لأنه إثبات مال لآدمي، فلم يثبت إلا برضاه ~~أو رضى من ينوب عنه، كالبيع والشراء. وعن أصحاب الشافعي كالمذهبين. ولنا، ~~أن أبا قتادة ضمن من غير رضى المضمون عنه، فأجازه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وكذلك روي عن علي. - رضي ms2296 الله عنه - ولأنهما وثيقة لا يعتبر فيها ~~قبض، فأشبهت الشهادة، ولأنه ضمان دين، فأشبه ضمان بعض الورثة دين الميت ~~للغائب، وقد سلموه. # (3571) فصل: ولا يعتبر أن يعرفهما الضامن. وقال القاضي: يعتبر معرفتهما، ~~ليعلم هل المضمون عنه أهل لاصطناع المعروف إليه أولا؟ وليعرف المضمون له، ~~فيؤدي إليه. وذكر وجها آخر، أنه تعتبر معرفة المضمون له لذلك. ولا تعتبر ~~معرفة المضمون عنه؛ لأنه لا معاملة بينه وبينه. ولأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه ~~نحو هذه. ولنا، حديث علي وأبي قتادة، فإنهما ضمنا لمن لم يعرفاه عمن لم ~~يعرفاه. ولأنه تبرع بالتزام مال، فلم يعتبر معرفة من يتبرع له به، كالنذر. ### | [فصل ضمان المجهول] # فصل: وقد دلت مسألة الخرقي على أحكام؛ منها، صحة ضمان المجهول؛ لقوله: ما ~~أعطيته فهو علي. وهذا مجهول فمتى قال: أنا ضامن لك مالك على فلان، أو ما ~~يقضى به عليه، أو ما تقوم به البينة، أو يقر به لك، أو ما يخرج في روز ~~مانحك. # PageV04P400 # صح الضمان. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك. وقال الثوري، والليث، وابن أبي ~~ليلى، والشافعي، وابن المنذر: لا يصح؛ لأنه التزام مال، فلم يصح مجهولا، ~~كالثمن في المبيع. # ولنا، قول الله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] ، ~~وحمل البعير غير معلوم؛ لأن حمل البعير يختلف باختلافه، وعموم قوله - عليه ~~السلام -: «الزعيم غارم» ، ولأنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة، فصح في ~~المجهول، كالنذر والإقرار، ولأنه يصح تعليقه بضرر وخطر، وهو ضمان العهدة. ~~وإذا قال: ألق متاعك في البحر، وعلي ضمانه. أو قال: ادفع ثيابك إلى هذا ~~الرفاء، وعلي ضمانها. فصح المجهول، كالعتق والطلاق. # ومنها صحة ضمان ما لم يجب، فإن معنى قوله: " ما أعطيته "، أي ما يعطيه في ~~المستقبل، بدليل أنه عطفه على من ضمن عنه حق بعد وجوبه عليه، فيدل على أنه ~~غيره، ولو كان " ما أعطيته " في الماضي، كان معنى المسألتين سواء، أو ~~إحداهما داخلة في الأخرى. والخلاف في هذه المسألة ودليل القولين، كالتي ~~قبلها، إلا أنهم قالوا: الضمان ms2297 ضم ذمة إلى ذمة في التزام الدين، فإذا لم ~~يكن على المضمون عنه شيء، فلا ضم فيه، فلا يكون ضمانا. قلنا: قد ضم ذمته ~~إلى ذمة المضمون عنه في أنه يلزمه ما يلزمه، وأن ما ثبت في ذمة مضمونه يثبت ~~في ذمته. وهذا كاف. # وقد سلموا ضمان ما يلقيه في البحر قبل وجوبه بقوله: ألق متاعك في البحر، ~~وعلي ضمانه. وسلم أصحاب الشافعي في أحد الوجهين ضمان الجعل في الجعالة قبل ~~العمل، وما وجب شيء بعد. # ومنها، أن الضمان إذا صح لزم الضامن من أداء ما ضمنه، وكان للمضمون له ~~مطالبته. ولا نعلم في هذا خلافا. وهو فائدة الضمان، وقد دل قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «والزعيم غارم» . واشتقاق اللفظ. # ومنها صحة الضمان عن كل وجب عليه حق، حيا كان أو ميتا، مليئا أو مفلسا؛ ~~لعموم لفظه فيه. وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: لا يصح ضمان دين ~~الميت، إلا أن يخلف وفاء، فإن خلف بعض الوفاء، صح ضمانه بقدر ما خلف؛ لأنه ~~دين ساقط، فلم يصح ضمانه، كما لو سقط بالأبراء، ولأن ذمته قد خربت خرابا لا ~~تعمر بعده، فلم يبق فيها دين، والضمان: ضم ذمة إلى ذمة في التزامه. ولنا، ~~حديث أبي قتادة وعلي، فإنهما ضمنا دين ميت لم يخلف وفاء. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - حضهم على ضمانه في حديث أبي قتادة، بقوله: ~~«ألا قام أحدكم فضمنه؟» وهذا صريح في المسألة، ولأنه دين ثابت، فصح ضمانه، ~~كما لو خلف وفاء، ودليل ثبوته أنه لو تبرع رجل بقضاء دينه، جاز لصاحب الدين ~~اقتضاؤه، ولو ضمنه حيا ثم مات، لم تبرأ ذمة الضامن، ولو برئت ذمة المضمون ~~عنه برئت ذمة الضامن، وفي هذا انفصال عما ذكروه. # PageV04P401 # ومنها، صحة الضمان في كل حق، أعني من الحقوق المالية الواجبة، أو التي ~~تئول إلى الوجوب، كثمن المبيع في مدة الخيار وبعده، والأجرة والمهر قبل ~~الدخول أو بعده؛ لأن هذه الحقوق لازمة، وجواز سقوطها لا يمنع ضمانها، ~~كالثمن في المبيع ms2298 بعد انقضاء الخيار، ويجوز أن يسقط برد بعيب أو مقايلة. ~~وبهذا كله قال الشافعي. ### | [فصل ما يصح ضمانه] # (3573) فصل: فيما يصح ضمانه: ويصح ضمان الجعل في الجعالة، وفي المسابقة ~~والمناضلة. وقال أصحاب الشافعي، في أحد الوجهين: لا يصح ضمانه؛ لأنه لا ~~يئول إلى اللزوم، فلم يصح ضمانه، كما في الكتابة. ولنا، قول الله تعالى: ~~{ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] . ولأنه يئول إلى اللزوم ~~إذا عمل العمل، وإنما الذي لا يلزم العمل، والمال يلزم بوجوده، والضمان ~~للمال دون العمل. # ويصح ضمان أرش الجناية، سواء كانت نقودا كقيم المتلفات، أو حيوانا ~~كالديات. وقال أصحاب الشافعي: لا يصح ضمان الحيوان الواجب فيها؛ لأنه ~~مجهول. وقد مضى الدليل على صحة ضمان المجهول، ولأن الإبل الواجبة في الذمة ~~معلومة الأسنان والعدد، وجهالة اللون أو غيره من الصفات الباقية لا تضر؛ ~~لأنه إنما يلزمه أدنى لون أو صفة فتحصل معلومة، وكذلك غيرها من الحيوان، ~~ولأن جهل ذلك لم يمنع وجوبه بالإتلاف، فلم يمنع وجوبه بالالتزام. # ويصح ضمان نفقة الزوجة، سواء كانت نفقة يومها أو مستقبلة؛ لأن نفقة اليوم ~~واجبة، والمستقبلة مآلها إلى اللزوم، ويلزمه ما يلزم الزوج في قياس المذهب. ~~وقال القاضي: إذا ضمن نفقة المستقبل، لم تلزمه إلا نفقة المعسر؛ لأن ~~الزيادة على ذلك تسقط بالإعسار. # وهذا مذهب الشافعي على القول الذي قال فيه: يصح ضمانها. ولنا، أنه يصح ~~ضمان ما لم يجب، واحتمال عدم وجوب الزيادة لا يمنع صحة ضمانها، بدليل الجعل ~~في الجعالة، والصداق قبل الدخول، والمبيع في مدة الخيار. فأما النفقة في ~~الماضي، فإن كانت واجبة، إما بحكم الحاكم بها، أو قلنا: بوجوبها بدون حكمه، ~~صح ضمانها، وإلا فلا. # ويصح ضمان مال السلم، في إحدى الروايتين. والأخرى لا يصح؛ لأنه يؤدي إلى ~~استيفاء المسلم فيه من غير المسلم إليه، فلم يجز، كالحوالة به. والأول أصح؛ ~~لأنه دين لازم فصح ضمانه، كالأجرة وثمن المبيع. ولا يصح ضمان مال الكتابة، ~~في إحدى الروايتين. وهو قول الشافعي وأكثر أهل العلم. والأخرى: ms2299 يصح؛ لأنه ~~دين على المكاتب، فصح ضمانه، كسائر الديون عليه. # والأولى أصح؛ لأنه ليس بلازم. ولا مآله إلى اللزوم، فإن للمكاتب تعجيز ~~نفسه، والامتناع عن أدائه، فإذا لم يلزم الأصيل، فالضمين أولى. ويصح ضمان ~~الأعيان المضمونة، كالمغصوب والعارية. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد ~~القولين، وقال في # PageV04P402 # الآخر: لا يصح؛ لأن الأعيان غير ثابتة في الذمة، وإنما يضمن ما ثبت في ~~الذمة، ووصفنا لها بالضمان إنما معناه أنه يلزمه قيمتها إن تلفت، والقيمة ~~مجهولة. # ولنا، أنها مضمونة على من هي في يده، فصح ضمانها، كالحقوق الثابتة في ~~الذمة. وقولهم: إن الأعيان لا تثبت في الذمة. قلنا: الضمان في الحقيقة إنما ~~هو ضمان استنقاذها وردها، والتزام تحصيلها أو قيمتها عند تلفها. # وهذا مما يصح ضمانه، كعهدة المبيع، فإن ضمانها يصح، وهو في الحقيقة ~~التزام رد الثمن أو عوضه، إن ظهر بالبيع عيب، أو خرج مستحقا، فأما ~~الأمانات، كالوديعة، والعين المؤجرة، والشركة، والمضاربة، والعين التي ~~يدفعها إلى القصار والخياط، فهذه إن ضمنها من غير تعد فيها، لم يصح ضمانها؛ ~~لأنها غير مضمونة على من هي في يده، فكذلك على ضامنه. وإن ضمنها إن تعدى ~~فيها، فظاهر كلام أحمد - رحمه الله -، يدل على صحة الضمان؛ فإنه قال في ~~رواية الأثرم، في رجل يتقبل من الناس الثياب، فقال له رجل: ادفع إليه ~~ثيابك، وأنا ضامن. # فقال له: هو ضامن لما دفعه إليه. يعني إذا تعدى أو تلف بفعله. فعلى هذا ~~إن تلف بغير تفريط منه ولا فعله، لم يلزم الضامن شيء، لما ذكرنا، وإن تلف ~~بفعله أو تفريط لزم ضمانها ولزم ضامنه ذلك؛ لأنها مضمونة على من هي في يده، ~~فلزم ضامنه، كالغصوب والعواري. وهذا في الحقيقة ضمان ما لم يجب، وقد بينا ~~جوازه. # ويصح ضمان عهدة المبيع عن البائع للمشتري، وعن المشتري للبائع، فضمانه ~~على المشتري هو أن يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسليمه، وإن ظهر فيه عيب ~~أو استحق، رجع بذلك على الضامن، وضمانه عن البائع للمشتري هو أن يضمن عن ms2300 ~~البائع الثمن متى خرج المبيع مستحقا، أو رد بعيب، أو أرش العيب. فضمان ~~العهدة في الموضعين هو ضمان الثمن أو جزء منه عن أحدهما للآخر. وحقيقة ~~العهدة الكتاب الذي يكتب فيه وثيقة البيع، ويذكر فيه الثمن، فعبر به عن ~~الثمن الذي يضمنه. # وممن أجاز ضمان العهدة في الجملة أبو حنيفة ومالك والشافعي. ومنع منه بعض ~~الشافعية؛ لكونه ضمان ما لم يجب، وضمان مجهول، وضمان عين. وقد بينا جواز ~~الضمان في ذلك كله. ولأن الحاجة تدعو إلى الوثيقة على البائع، والوثائق ~~ثلاثة؛ الشهادة، والرهن، والضمان. فأما الشهادة فلا يستوفى منها الحق، وأما ~~الرهن فلا يجوز في ذلك بالإجماع؛ لأنه يؤدي إلى أن يبقى أبدا مرهونا، فلم ~~يبق إلا الضمان. # ولأنه لا يضمن إلا ما كان واجبا حال العقد؛ لأنه إنما يتعلق بالضمان حكم ~~إذا خرج مستحقا أو معيبا حال العقد، ومتى كان كذلك، فقد ضمن ما وجب حين ~~العقد، والجهالة منتفية؛ لأنه ضمن الجملة، فإذا خرج بعضه مستحقا، لزمه بعض ~~ما ضمنه. إذا ثبت هذا، فإنه يصح ضمان العهدة عن البائع للمشتري قبل قبض ~~الثمن وبعده. وقال الشافعي: # PageV04P403 # إنما يصح بعد القبض؛ لأنه قبل القبض لو خرج مستحقا لم يجب على البائع ~~شيء. # وهذا ينبني على ضمان ما لم يجب إذا كان مفضيا إلى الوجوب، كالجعالة. ~~وألفاظ ضمان العهدة أن يقول: ضمنت عهدته أو ثمنه أو دركه. أو يقول للمشتري: ~~ضمنت خلاصك منه. أو يقول: متى خرج المبيع مستحقا فقد ضمنت لك الثمن. وحكي ~~عن أبي يوسف، أنه قال: ضمنت عهدته، أو ضمنت لك العهدة. والعهدة في الحقيقة: ~~هي الصك المكتوب فيه الابتياع. # هكذا فسره به أهل اللغة، فلا يصح ضمانه للمشتري؛ لأنه ملكه، وليس بصحيح؛ ~~لأن العهدة صارت في العرف عبارة عن الدرك وضمان الثمن، والكلام المطلق يحمل ~~على الأسماء العرفية دون اللغوية، كالراوية، تحمل عند إطلاقها على المزادة، ~~لا على الجمل، وإن كان هو الموضوع. فأما إن ضمن له خلاص المبيع، فقال أبو ~~بكر: هو باطل؛ لأنه إذا خرج ms2301 حرا أو مستحقا، لا يستطيع تخليصه، ولا يحل. # وقد قال أحمد، في رجل باع عبدا أو أمة، وضمن له الخلاص، فقال: كيف يستطيع ~~الخلاص إذا خرج حرا؟ فإن ضمن عهدة المبيع وخلاصه، بطل في الخلاص. وهل يصح ~~في العهدة؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة. إذا ثبت صحة ضمان العهدة، ~~فالكلام فيما يلزم الضامن، فنقول: إن استحقاق رجوع المشتري بالثمن لا يخلو، ~~إما أن يكون بسبب حادث بعد العقد، أو مقارن له، فأما الحادث فمثل تلف ~~المبيع من المكيل والموزون في يد البائع أو بغصب من يده أو يتقايلان، فإن ~~المشتري يرجع على البائع دون الضامن؛ لأن هذا الاستحقاق لم يكن موجودا حال ~~العقد، وإنما ضمن الاستحقاق الموجود حال العقد. # ويحتمل أن يرجع به على الضامن؛ لأن ضمان ما لم يجب جائز، وهذا منه. وأما ~~إن كان بسبب مقارن، نظرنا؛ فإن كان بسبب لا تفريط من البائع فيه، كأخذه ~~بالشفعة، فإن المشتري يأخذ الثمن من الشفيع ولا يرجع على البائع ولا ~~الضامن. ومتى لم يجب على المضمون عنه شيء، لم يجب على الضامن بطريق الأولى. # وأما إن زال ملكه عن المبيع بسبب مقارن لتفريط من البائع، باستحقاق أو ~~حرية أو رد بعيب قديم، فله الرجوع إلى الضامن، وهذا ضمان العهدة، وإن أراد ~~أخذ أرش العيب، رجع على الضامن أيضا؛ لأنه إذا لزمه كل الثمن، لزمه بعضه ~~إذا استحق ذلك على المضمون عنه، وسواء ظهر كل المبيع مستحقا أو بعضه؛ لأنه ~~إذا ظهر بعضه مستحقا، بطل العقد في الجميع، في إحدى الروايتين، فقد خرجت ~~العين كلها من يده بسبب الاستحقاق، وعلى الرواية الأخرى: لا يبطل العقد في ~~الجميع، ولكن استحق ردها، فإن ردها كلها فالحكم كذلك، وإن أمسك المملوك ~~منها، فله المطالبة بالأرش، كما لو وجد بها عيبا. # ولو باعه عينا أو أقرضه شيئا بشرط أن يرهن عنده عينها، فتكفل رجل بتسليم ~~الرهن، لم تصح الكفالة؛ لأنه لا يلزم الراهن إقباضه وتسليمه، فلا يلزم ~~الكفيل ما لا يلزم الأصل. وإن ضمن ms2302 للمشتري قيمة ما يحدث # PageV04P404 # في المبيع، من بناء أو غراس، صح، سواء ضمنه البائع أو أجنبي، فإذا بنى أو ~~غرس واستحق المبيع، رجع المشتري على الضامن بقيمة ما تلف أو نقص. وبهذا قال ~~أبو حنيفة. # وقال الشافعي: لا يصح؛ لأنه ضمان مجهول، وضمان ما لم يجب. وقد بينا جواز ~~ذلك. ### | [فصل من يصح ضمانه ومن لا يصح] # (3574) فصل: في من يصح ضمانه، ومن لا يصح، يصح ضمان كل جائز التصرف في ~~ماله، سواء كان رجلا أو امرأة؛ لأنه عقد يقصد به المال، فصح من المرأة ~~كالبيع، ولا يصح من المجنون والمبرسم، ولا من صبي غير مميز، بغير خلاف؛ ~~لأنه إيجاب مال بعقد، فلم يصح منهم، كالنذر. ولا يصح من السفيه المحجور ~~عليه. # ذكره أبو الخطاب، وهو قول الشافعي. وقال القاضي: يصح، ويتبع به بعد فك ~~الحجر عنه؛ لأن من أصلنا أن إقراره صحيح يتبع به من بعد فك الحجر عنه، صح، ~~فكذلك ضمانه. والأول أولى؛ لأنه إيجاب مال بعقد، فلم يصح منه، كالبيع ~~والشراء، ولا يشبه الإقرار؛ لأنه إخبار بحق سابق. # وأما الصبي المميز، فلا يصح ضمانه، في الصحيح من الوجهين. وهو قول ~~الشافعي. وخرجه أصحابنا على الروايتين في صحة إقراره وتصرفاته بإذن وليه، ~~ولا يصح هذا الجمع؛ لأن هذا التزام مال لا فائدة له فيه، فلم يصح منه، ~~كالتبرع والنذر، بخلاف البيع. وإن اختلفا في وقت الضمان بعد بلوغه، فقال ~~الصبي: قبل بلوغي. # وقال المضمون له: بعد البلوغ. فقال القاضي: قياس قول أحمد أن القول قول ~~المضمون له؛ لأن معه سلامة العقد، فكان القول قوله، كما لو اختلفا في شرط ~~فاسد. ويحتمل أن القول قول الضامن؛ لأن الأصل عدم البلوغ، وعدم وجوب الحق ~~عليه. وهذا قول الشافعي. ولا يشبه هذا ما إذا اختلفا في شرط فاسد؛ لأن ~~المختلفين ثم متفقان على أهلية التصرف، والظاهر أنهما لا يتصرفان إلا تصرفا ~~صحيحا، فكان قول مدعي الصحة هو الظاهر، وهاهنا اختلفا في أهلية التصرف، ~~وليس مع من يدعي الأهلية ظاهر يستند إليه، ms2303 ولا أصل يرجع إليه، فلا ترجح ~~دعواه. # والحكم في من عرف له حال جنون، كالحكم في الصبي، وإن لم يعرف له حال ~~جنون، فالقول قول المضمون له؛ لأن الأصل عدمه، فأما المحجور عليه لفلس، ~~فيصح ضمانه، ويتبع به بعد فك الحجر عنه؛ لأنه من أهل التصرف، والحجر عليه ~~في ماله، لا في ذمته، فأشبه الراهن، فصح تصرفه فيما عدا الرهن، فهو كما لو ~~اقترض أو أقر أو اشترى في ذمته. ولا يصح ضمان العبد بغير إذن سيده، سواء ~~كان مأذونا له في التجارة أو غير مأذون له. وبهذا قال ابن أبي ليلى والثوري ~~وأبو حنيفة. # ويحتمل أن يصح، ويتبع به بعد العتق. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ ~~لأنه من أهل التصرف، فصح تصرفه بما لا ضرر على السيد فيه، كالإقرار ~~بالإتلاف. # PageV04P405 # ووجه الأول، أنه عقد تضمن إيجاب مال، فلم يصح بغير إذن، كالنكاح. وقال ~~أبو ثور: إن كان من جهة التجارة جاز، وإن كان من غير ذلك لم يجز. فإن ضمن ~~بإذن سيده، صح؛ لأن سيده لو أذن له في التصرف صح. # قال القاضي: وقياس المذهب تعلق المال برقبته. وقال ابن عقيل: ظاهر المذهب ~~وقياسه أنه يتعلق بذمة السيد. وقال أبو الخطاب: هل يتعلق برقبته أو بذمة ~~سيده؟ على روايتين، كاستدانته بإذن سيده. # وقد سبق الكلام فيها. فإن أذن له سيده في الضمان ليكون القضاء من المال ~~الذي في يده، صح، ويكون ما في ذمته متعلقا بالمال الذي في يد العبد، كتعلق ~~حق الجناية برقبة الجاني، كما لو قال الحر: ضمنت لك الدين، على أن تأخذ من ~~مالي هذا. صح. وأما المكاتب فلا يصح ضمانه بغير إذن سيده، كالعبد القن؛ ~~لأنه تبرع بالتزام مال، فأشبه نذر الصدقة بغير مال. # ويحتمل أن يصح، ويتبع به بعد عتقه، كقولنا في العبد. وإن ضمن بإذنه، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، لا يصح أيضا؛ لأنه ربما أدى إلى تفويت الحرية. والثاني، ~~يصح؛ لأن الحق لهما، لا يخرج عنهما. فأما المريض، فإن كان مرضه غير مخوف، ~~أو ms2304 غير مرض الموت، فحكمه حكم الصحيح. وإن كان مرض الموت المخوف، فحكم ضمانه ~~حكم تبرعه، يحسب من ثلثه؛ لأنه تبرع بالتزام مال لا يلزمه، ولم يأخذ عنه ~~عوضا، فأشبه الهبة. # وإذا فهمت إشارة الأخرس، صح ضمانه؛ لأنه يصح بيعه وإقراره وتبرعه، فصح ~~ضمانه، كالناطق، ولا يثبت الضمان بكتابة منفردة عن إشارة يفهم بها أنه قصد ~~الضمان؛ لأنه قد يكتب عبثا أو تجربة، فلم يثبت الضمان به مع الاحتمال. ومن ~~لا تفهم إشارته لا يصح منه الضمان؛ لأنه لا يدري بضمانه، ولأنه لا يصح سائر ~~تصرفاته، فكذلك ضمانه. ### | [فصل ضمن الدين الحال مؤجلا] # (3575) فصل: إذا ضمن الدين الحال مؤجلا، صح، ويكون حالا على المضمون عنه ~~مؤجلا على الضامن، يملك مطالبة المضمون عنه دون الضامن. وبهذا قال الشافعي. ~~قال أحمد، في رجل ضمن ما على فلان أن يؤديه في ثلاث سنين: فهو عليه، ويؤديه ~~كما ضمن. # ووجه ذلك: ما روى ابن عباس «، أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير، على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما عندي شيء أعطيكه. فقال: ~~والله لا أفارقنك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل، فجره إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: كم تستنظره؟ قال: شهرا. ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فأنا أحمل. فجاء به في الوقت الذي ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~من أين أصبت هذا؟ قال: من معدن. قال: لا خير فيها. وقضاها عنه» . # رواه ابن ماجه، في " سننه ". ولأنه ضمن مالا بعقد مؤجل، فكان مؤجلا ~~كالبيع. # PageV04P406 # فإن قيل: فعندكم الدين الحال لا يتأجل، فكيف يتأجل على الضامن؟ أم كيف ~~يثبت في ذمة الضامن على غير الوصف الذي يتصف به في ذمة المضمون عنه؟ قلنا: ~~الحق يتأجل في ابتداء ثبوته، إذا كان بعقد، وهذا ابتداء ثبوته في حق ~~الضامن، فإنه لم يكن ثابتا عليه حالا، ويجوز أن يخالف ما في ذمة الضامن ما ~~في ذمة المضمون عنه، ms2305 بدليل ما لو مات المضمون عنه والدين مؤجل. # إذا ثبت هذا، وكان الدين مؤجلا إلى شهر، فضمنه إلى شهرين، لم يكن له ~~مطالبة الضامن إلى شهرين، فإن قضاه قبل الأجل، فله الرجوع به في الحال، على ~~الرواية التي تقول: إنه إذا قضى دينه بغير إذن رجع به؛ لأن أكثر ما فيه ~~هاهنا، أنه قضى بغير إذن. وعلى الرواية الأخرى، لا يرجع به قبل الأجل؛ لأنه ~~لم يأذن له في القضاء قبل ذلك. # وإن كان الدين مؤجلا فضمنه حالا، لم يصر حالا، ولا يلزمه أداؤه قبل أجله؛ ~~لأن الضامن فرع للمضمون عنه، فلا يلزمه ما لا يلزم المضمون عنه، ولأن ~~المضمون عنه لو ألزم نفسه تعجيل هذا الدين، لم يلزمه تعجيله، فبأن لا يلزم ~~الضامن أولى، ولأن الضمان التزام دين في الذمة، فلا يجوز أن يلتزم ما لا ~~يلزم المضمون عنه. # فعلى هذا، إن قضاه حالا، لم يرجع به قبل أجله؛ لأن ضمانه لم يغيره عن ~~تأجيله. والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، أن الدين الحال ثابت في ~~الذمة، مستحق القضاء في جميع الزمان، فإذا ضمنه مؤجلا فقد التزم بعض ما يجب ~~على المضمون عنه، فصح، كما لو كان الدين عشرة، فضمن خمسة، وأما الدين ~~المؤجل، فلا يستحق قضاؤه إلا عند أجله، فإذا ضمنه حالا التزم ما لم يجب على ~~المضمون، فأشبه ما لو كان الدين عشرة فضمن عشرين. وقيل: يحتمل أن يصح ضمان ~~الدين المؤجل حالا، كما يصح ضمان الحال مؤجلا، قياسا لإحداهما على الأخرى. ~~وقد فرقنا بينهما بما يمنع القياس، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل ضمن دينا مؤجلا عن إنسان] # (3576) فصل: وإذا ضمن دينا مؤجلا عن إنسان، فمات أحداهما، إما الضامن ~~وإما المضمون عنه، فهل يحل الدين على الميت منهما؟ على روايتين، تقدم ~~ذكرهما. فإن قلنا: يحل على الميت، لم يحل على الآخر؛ لأن الدين لا يحل على ~~شخص بموت غيره، فإن كان الميت المضمون عنه، لم يستحق مطالبة الضامن قبل ~~الأجل، فإن قضاه قبل الأجل، كان متبرعا بتعجيل ms2306 القضاء، وهل له مطالبة ~~المضمون عنه قبل الأجل؟ يخرج على الروايتين فيمن قضى بغير إذن من هو عليه. # وإن كان الميت الضامن، فاستوفى الغريم الدين من تركته، لم يكن لورثته ~~مطالبة المضمون عنه حتى يحل الحق؛ لأنه مؤجل عليه، فلا يستحق مطالبته به ~~قبل أجله. وهذا مذهب الشافعي. وحكي عن زفر أن لهم مطالبته؛ لأنه أدخله في ~~ذلك مع علمه أنه يحل بموته. # PageV04P407 # ولنا، أنه دين مؤجل، فلا تجوز مطالبته به قبل الأجل، كما لو لم يمت. # وقوله: أدخله فيه. قلنا: إنما أدخله في المؤجل، وحلوله بسبب من جهته، فهو ~~كما لو قضى قبل الأجل. ### | [مسألة لا يبرأ المضمون عنه إلا بأداء الضامن] # مسألة؛ قال: (ولا يبرأ المضمون عنه إلا بأداء الضامن) يعني أن المضمون ~~عنه لا يبرأ بنفس الضمان، كما يبرأ المحيل بنفس الحوالة قبل القبض، بل يثبت ~~الحق في ذمة الضامن، مع بقائه في ذمة المضمون عنه، ولصاحب الحق مطالبة من ~~شاء منهما في الحياة وبعد الموت. وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأبو ~~عبيد، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: الكفالة والحوالة سواء، وكلاهما ينقل ~~الحق عن ذمة المضمون عنه والمحيل. # وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود، واحتجوا بما روى أبو سعيد ~~الخدري قال: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنازة، فلما وضعت، ~~قال: هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم، درهمان فقال: صلوا على صاحبكم. ~~فقال علي: هما علي يا رسول الله، وأنا لهما ضامن. فقام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فصلى عليه، ثم أقبل على علي: فقال: جزاك الله خيرا عن ~~الإسلام، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك. فقيل: يا رسول الله، هذا لعلي ~~خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: للناس عامة» . رواه الدارقطني. فدل على أن ~~المضمون عنه برئ بالضمان. # وروى الإمام أحمد في " المسند "، عن جابر، قال: «توفي صاحب لنا، فأتينا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه، فخطا خطوة، ثم قال: أعليه دين؟ ~~قلنا: ديناران. فانصرف، فتحملهما أبو قتادة. ms2307 فقال: الديناران علي. فقال. ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وجب حق الغريم، وبرئ الميت منهما؟ قال: ~~نعم. فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك: ما فعل الديناران؟ قال: إنما مات أمس. ~~قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: الآن بردت جلدته» . وهذا صريح في براءة المضمون عنه لقوله: " وبرئ ~~الميت منهما ". # ولأنه دين واحد، فإذا صار في ذمة ثانية برئت الأولى منه، كالمحال به؛ ~~وذلك لأن الدين الواحد لا يحل في محلين. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» . وقوله في خبر أبي قتادة: ~~" الآن بردت جلده ". حين أخبره أنه قضى دينه، ولأنها وثيقة، فلا تنقل الحق، ~~كالشهادة. وأما صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على المضمون عنه، فلأنه ~~بالضمان صار له وفاء، وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمتنع من ~~الصلاة على مدين لم يخلف وفاء. # وأما قوله لعلي: «فك الله رهانك، كما فككت رهان أخيك» . فإنه كان بحال لا ~~يصلي عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما ضمنه فكه من ذلك، أو مما في ~~معناه. وقوله: " برئ الميت منهما " أي صرت أنت المطالب بهما. وهذا على سبيل ~~التأكيد؛ # PageV04P408 # لثبوت الحق في ذمته، ووجوب الأداء عليه، بدليل قوله في سياق الحديث، حين ~~أخبره بالقضاء: " الآن بردت عليه جلده ". ويفارق الضمان الحوالة؛ فإن ~~الضمان مشتق من الضم، فيقتضي الضم بين الذمتين في تعلق الحق بهما وثبوته ~~فيهما. # والحوالة من التحول، فتقتضي تحول الحق من محله إلى ذمة المحال عليه. ~~وقولهم: إن الدين الواحد لا يحل في محلين. قلنا: يجوز تعلقه بمحلين على ~~سبيل الاستيثاق، كتعلق دين الرهن به وبذمة الراهن. وقال أبو بكر عبد ~~العزيز: أما الحي فلا يبرأ بمجرد الضمان، رواية واحدة، وأما الميت ففي ~~براءته بمجرد الضمان، روايتان؛ إحداهما، يبرأ بمجرد الضمان. # نص عليه أحمد، في رواية يوسف بن موسى؛ لما ذكرنا من الخبرين، ولأن فائدة ~~الضمان في حقه تبرئة ذمته؛ فينبغي ms2308 أن تحصل هذه الفائدة بمجرد الضمان، بخلاف ~~الحي، فإن المقصود من الضمان في حقه الاستيثاق، وثبوته في الذمتين آكد في ~~الاستيثاق. والثانية، لا يبرأ إلا بالأداء؛ لما ذكرناه، ولأنه ضمان، فلا ~~يبرأ به المضمون عنه كالحي. # (3578) فصل: ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما. وحكي عن مالك في إحدى ~~الروايتين عنه، أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه؛ لأنه ~~وثيقة، فلا يستوفى الحق منها إلا عند تعذر استيفائه من الأصل، كالرهن. # ولنا، أن الحق ثابت في ذمة الضامن، فملك مطالبته، كالأصيل، ولأن الحق ~~ثابت في ذمتهما، فملك مطالبة من شاء منهما، كالضامنين إذا تعذرت مطالبة ~~المضمون عنه. ولا يشبه الرهن؛ لأنه مال من عليه الحق، وليس بذي ذمة يطالب، ~~إنما يطالب من عليه الدين، ليقضي منه أو من غيره. ### | [فصل أبرأ صاحب الدين المضمون عنه] # (3579) فصل: وإن أبرأ صاحب الدين المضمون عنه، برئت ذمة الضامن. لا نعلم ~~فيه خلافا؛ لأنه تبع، ولأنه وثيقة، فإذا برئ الأصل زالت الوثيقة، كالرهن. ~~وإن أبرأ الضامن لم تبرأ ذمة المضمون عنه؛ لأنه أصل، فلا يبرأ بإبراء ~~التبع؛ ولأنه وثيقة انحلت من غير استيفاء الدين منها، فلم تبرأ ذمة الأصيل، ~~كالرهن إذا انفسخ من غير استيفائه. # وأيهما قضى الحق برئا جميعا من المضمون له؛ لأنه حق واحد، فإذا استوفي ~~مرة زال تعلقه بهما، كما لو استوفي الحق الذي به رهن، وإن أحال الغريم برئا ~~جميعا، لأنه حق واحد، فإذا استوفي مرة زال تعلقه بهما كما لو استوفي دين ~~الرهن. وإن أحال أحدهما الغريم برئا جميعا؛ لأن الحوالة كالقضاء. ### | [فصل ضمن الضامن ضامن آخر] # (3580) فصل: وإن ضمن الضامن ضامن آخر صح؛ لأنه دين لازم في ذمته، فصح ~~ضمانه، كسائر الديون، ويثبت الحق في ذمم ثلاثة، أيهم قضاه برئت ذممهم كلها؛ ~~لأنه حق واحد، فإذا قضي مرة لم يجب قضاؤه مرة أخرى. وإن أبرأ الغريم ~~المضمون عنه، برئ الضامنان؛ لأنهما فرع. وإن أبرأ الضامن الأول برئ ~~الضامنان كذلك، ولم يبرأ المضمون عنه؛ لما تقدم. وإن ms2309 أبرأ الضامن الأول، ~~برئ الضامنان كذلك، ولم يبرأ المضمون عنه؛ لما تقدم. # وإن أبرأ الضامن الثاني برئ # PageV04P409 # وحده. ومتى حصلت براءة الذمة بالإبراء، فلا رجوع فيها بحال، لأن الرجوع ~~مع الغرم، وليس في الإبراء غرم. والكفالة كالضمان في هذا المعنى جميعه، ~~وتزيد بأنه إذا مات المكفول عنه برئ كفيلاه، وإن مات الكفيل الأول برئ ~~الثاني دون المكفول عنه؛ لأن الوثيقة انحلت من غير استيفاء، فأشبه الرهن، ~~وإن مات الكفيل الثاني برئ وحده. ### | [فصل ضمن المضمون عنه الضامن أو تكفل المكفول عنه الكفيل] # (3581) فصل: وإن ضمن المضمون عنه الضامن، أو تكفل المكفول عنه الكفيل، لم ~~يصح؛ لأن الضمان يقتضي إلزامه الحق في ذمته، والحق لازم له، فلا يتصور ~~إلزامه ثانيا، ولأنه أصل في هذا الدين، فلا يجوز أن يصير فرعا فيه. وإن ضمن ~~عنه دينا آخر، أو كفل به في حق آخر، جاز؛ لعدم ما ذكرناه فيه. " ### | [فصل ضمن الحق عن الرجل الواحد اثنان وأكثر] # (3582) فصل: ويجوز أن يضمن الحق عن الرجل الواحد اثنان وأكثر، سواء ضمن ~~كل واحد منهم جميعه أو جزءا منه، فإن ضمن كل واحد منهم جميعه، برئ، كل واحد ~~منهم بأداء أحدهم، وإن أبرأ المضمون عنه، برئ الجميع؛ لأنهم فروع له. وإن ~~أبرئ أحد الضمان، برئ وحده، ولم يبرأ غيره؛ لأنهم غير فروع له، فلم يبرءوا ~~ببراءته، كالمضمون عنه. # وإن ضمن أحدهم صاحبه لم يجز؛ لأن الحق ثبت في ذمته بضمانه الأصلي، فلا ~~يجوز أن يثبت ثانيا، ولأنه أصل فيه بالضمان، فلا يجوز أن يصير فيه فرعا. ~~ولو تكفل بالرجل الواحد رجلان، جاز. ويجوز أن يتكفل كل واحد من الكفيلين ~~صاحبه؛ لأن الكفالة ببدنه، لا بما في ذمته. وأي الكفيلين أحضر المكفول به ~~برئ وبرئ صاحبه من الكفالة؛ لأنه فرعه، ولم يبرأ من إحضار المكفول به؛ لأنه ~~أصل في ذلك. وإن كفل المكفول الكفيل، لم يجز؛ لأنه أصل له في الكفالة، فلم ~~يجز أن يصير فرعا له فيما كفل به. # وإن كفل به في غير هذا الحق، ms2310 جاز؛ لأنه ليس بفرع له في ذلك. ### | [مسألة أدى الدين محتسبا بالرجوع على المضمون عنه] # (3583) مسألة؛ قال: (فمتى أدى رجع عليه، سواء قال له: اضمن عني، أو لم ~~يقل) . يعني إذا أدى الدين محتسبا بالرجوع على المضمون عنه، فأما إن قضى ~~الدين متبرعا به، غير ناو للرجوع به، فلا يرجع بشيء؛ لأنه يتطوع بذلك، أشبه ~~الصدقة. وسواء ضمن بأمره أو بغير أمره، فأما إذا أداه بنية الرجوع به، لم ~~يخل من أربعة أحوال: أحدها، أن يضمن بأمر المضمون عنه، ويؤدي بأمره، فإنه ~~يرجع عليه، سواء قال له: اضمن عني. أو: أد عني. أو أطلق. # وبهذا قال مالك، والشافعي وأبو يوسف. وقال أبو حنيفة ومحمد: إن قال: اضمن ~~عني، وانقد عني. رجع عليه. وإن قال: انقد هذا. لم يرجع، إلا أن يكون مخالطا ~~له، يستقرض منه، ويودع عنده؛ لأن قوله: اضمن عني، وانقد عني. إقرار منه ~~بالحق، وإذا أطلق ذلك صار كأنه قال: هب # PageV04P410 # لهذا، أو تطوع عليه. وإذا كان مخالطا له رجع استحسانا؛ لأنه قد يأمر ~~مخالطه بالنقد عنه. ولنا، أنه ضمن ودفع بأمره، فأشبه إذا كان مخالطا له، أو ~~قال: اضمن عني. # وما ذكراه ليس بصحيح؛ لأنه إذا أمره بالضمان لا يكون إلا لما هو عليه، ~~وأمره بالنقد بعد ذلك ينصرف إلى ما ضمنه، بدليل المخالط له، فيجب عليه أداء ~~ما أدى عنه، كما لو صرح به. الحال الثاني، ضمن بأمره، وقضى بغير أمره، فله ~~الرجوع أيضا. وبه قال مالك والشافعي في أحد الوجوه عنه. # والوجه الثاني: لا يرجع به؛ لأنه دفع بغير أمره، أشبه ما لو تبرع به. ~~الثالث، أنه إن تعذر الرجوع على المضمون عنه، فدفع ما عليه، رجع، وإلا فلا؛ ~~لأنه تبرع بالدفع. ولنا، أنه إذا أذن في الضمان، تضمن ذلك إذنه في الأداء؛ ~~لأن الضمان يوجب عليه الأداء، فيرجع عليه، كما لو أذن في الأداء صريحا. ~~الحال الثالث، ضمن بغير أمره، وقضى بأمره، فله الرجوع أيضا. وظاهر مذهب # الشافعي أنه لا يرجع؛ لأن أمره بالقضاء ms2311 انصرف إلى ما وجب بضمانه. ولنا: ~~أنه أدى دينه بأمره، فرجع عليه، كما لو لم يكن ضامنا، أو كما لو ضمن بأمره. ~~وقولهم: إن إذنه في القضاء انصرف إلى ما وجب بضمانه. # قلنا: الواجب بضمانه إنما هو أداء دينه، وليس هو شيئا آخر، فمتى أداه عنه ~~بإذنه لزمه إعطاؤه بدله. الحال الرابع، ضمن بغير أمره، وقضى بغير أمره، ~~ففيه روايتان؛ إحداهما، يرجع بما أدى. وهو قول مالك، وعبد الله بن الحسن ~~وإسحاق. والثانية، لا يرجع بشيء. # وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وابن المنذر، بدليل حديث علي وأبي قتادة، ~~فإنهما لو كانا يستحقان الرجوع على الميت، صار الدين لهما، فكانت ذمة الميت ~~مشغولة بدينهما، كاشتغالها بدين المضمون عنه، ولم يصل عليه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولأنه تبرع بذلك، أشبه ما لو علف دوابه وأطعم عبيده بغير ~~أمره. ووجه الأولى، أنه قضاء مبرئ من دين واجب، فكان من ضمان من هو عليه، ~~كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه. # فأما علي وأبو قتادة، فإنهما تبرعا بالقضاء والضمان، فإنهما قضيا دينه ~~قصدا لتبرئة ذمته، ليصلي عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع علمهما ~~بأنه لم يترك وفاء، والمتبرع لا يرجع بشيء، وإنما الخلاف في المحتسب ~~بالرجوع. ### | [فصل يرجع الضامن على المضمون عنه بأقل الأمرين مما قضى أو قدر الدين] # (3584) فصل: ويرجع الضامن على المضمون عنه بأقل الأمرين مما قضى أو قدر ~~الدين؛ لأنه إن كان الأقل الدين، فالزائد لم يكن واجبا، فهو متبرع بأدائه، ~~وإن كان المقضي أقل، فإنما يرجع بما غرم، # PageV04P411 # ولهذا لو أبرأه غريمه لم يرجع بشيء. وإن دفع عن الدين عرضا، رجع بأقل ~~الأمرين من قيمته أو قدر الدين لذلك، وإن قضى المؤجل قبل أجله، لم يرجع به ~~قبل أجله؛ لأنه لا يجب له أكثر مما كان للغريم. # فإن أحاله، كانت الحوالة بمنزلة تقبيضه، ويرجع بالأقل مما أحال به أو قدر ~~الدين، سواء قبض الغريم من المحال عليه أو أبرأه، أو تعذر عليه الاستيفاء، ~~لفلس أو مطل؛ لأن نفس ms2312 الحوالة كالإقباض. ### | [فصل كان على رجلين مائة على كل منهما نصفها] # (3585) فصل: ولو كان على رجلين مائة، على كل منهما نصفها، وكل واحد ضامن ~~عن صاحبه ما عليه، فضمن آخر عن أحدهما المائة بأمره وقضاها، سقط الحق عن ~~الجميع، وله الرجوع بها على الذي ضمن عنه، ولم يكن له أن يرجع على الآخر ~~بشيء، في إحدى الروايتين؛ لأنه لم يضمن عنه، ولا أذن له في القضاء، فإذا ~~رجع على الذي ضمن عنه، رجع على الآخر بنصفها، إن كان ضمن عنه بإذنه؛ لأنه ~~ضمنها عنه بإذنه، وقضاها ضامنه. والرواية الثانية، له الرجوع على الآخر ~~بالمائة؛ لأنها وجبت له على من أداها عنه، فملك الرجوع بها عليه كالأصل. " ### | [فصل ضمن عن رجل بأذنه فطولب الضامن] # (3586) فصل: إذا ضمن عن رجل بإذنه، فطولب الضامن، فله مطالبة المضمون عنه ~~بتخليصه؛ لأنه لزمه الأداء عنه بأمره، فكانت له المطالبة بتبرئة ذمته. وإن ~~لم يطالب الضامن، لم يملك مطالبة المضمون عنه؛ لأنه لما لم يكن له الرجوع ~~بالدين قبل غرامته، لم يكن له المطالبة به قبل طلبه منه. وفيه وجه آخر، أن ~~له المطالبة؛ لأنه شغل ذمته بإذنه، فكانت له المطالبة بتفريغها، كما لو ~~استعار عبدا فرهنه، كان للسيد مطالبته بفكاكه وتفريغه من الرهن. والأول ~~أولى. # ويفارق الضمان العارية؛ لأن السيد يتضرر بتعويق منافع عبده المستعار، ~~فملك المطالبة بما يزيل الضرر عنه، والضامن لا يبطل بالضمان شيء من منافعه. ~~فأما إن ضمن عنه بغير أمره، لم يملك مطالبة المضمون عنه قبل الأداء بحال؛ ~~لأنه لا حق له يطالب به، ولا شغل ذمته بأمره، فأشبه الأجنبي. وقيل: إن هذا ~~ينبني على الروايتين في رجوعه على المضمون عنه بما أدى عنه، فإن قلنا: لا ~~يرجع. فلا مطالبة له بحال. وإن قلنا: يرجع. فحكمه حكم من ضمن عنه بأمره، ~~على ما مضى تفصيله. ### | [فصل ضمن الضامن ضامن آخر فقضى أحدهم الدين] # (3587) فصل: فإن ضمن الضامن ضامن آخر، فقضى أحدهم الدين، برئوا جميعا. ~~فإن قضاه المضمون عنه، لم يرجع على ms2313 أحد. وإن قضاه الضامن الأول رجع على ~~المضمون عنه دون الضامن عنه، وإن قضاه الثاني رجع على الأول، ثم رجع الأول ~~على المضمون عنه، إذا كان كل واحد منهما قد أذن لصاحبه، فإن لم يكن أذن له، ~~ففي الرجوع روايتان. وإن أذن الأول للثاني، ولم يأذن المضمون عنه، أو أذن ~~المضمون عنه لضامنه، ولم يأذن الضامن لضامنه، رجع المأذون له على من أذن ~~له، ولم يرجع الآخر على إحدى # PageV04P412 # الروايتين، فإن أذن المضمون عنه للضامن الثاني في الضمان، ولم يأذن له ~~الضامن الأول، رجع على المضمون عنه، ولم يرجع على الضامن؛ لأنه إنما يرجع ~~على من أذن له دون غيره. ### | [فصل له ألف على رجلين على كل واحد منهما نصفه] # (3588) فصل: إذا كان له ألف على رجلين، على كل واحد منهما نصفه، وكل واحد ~~منهما ضامن عن صاحبه، فأبرأ الغريم أحدهما من الألف، برئ منه، وبرئ صاحبه ~~من ضمانه، وبقي عليه خمسمائة. وإن قضاه أحدهما خمسمائة، أو أبرأه الغريم ~~منها، وعين القضاء بلفظه أو ببينة عن الأصل والضمان، انصرف إليه. # وإن أطلق، احتمل أن له صرفها إلى ما شاء منهما، كمن أخرج زكاة نصاب وله ~~نصابان غائب وحاضر، كان له صرفها إلى ما شاء منهما، واحتمل أن يكون نصفها ~~عن الأصل، ونصفها عن الضمان؛ لأن إطلاق القضاء والإبراء ينصرف إلى جملة ما ~~في ذمته، فيكون بينهما، والمعتبر في القضاء لفظ القاضي ونيته، وفي الإبراء ~~لفظ المبرئ ونيته، ومتى اختلفوا في ذلك، فالقول قول من المعتبر لفظه ونيته. ### | [فصل ادعى ألفا على حاضر وغائب] # (3589) فصل: ولو ادعى ألفا على حاضر وغائب، وأن كل واحد منهما ضامن عن ~~صاحبه، فاعترف الحاضر بذلك، فله أخذ الألف منه، فإذا قدم الغائب فاعترف، ~~رجع عليه صاحبه بنصفه، وإن أنكر، فالقول قوله مع يمينه، وإن أنكر الحاضر، ~~فالقول قوله مع يمينه، فإن قامت عليه بينة فاستوفى الألف منه، لم يرجع على ~~الغائب بشيء؛ لأنه بإنكاره معترف أنه لا حق له عليه، وإنما المدعي ظلمه. ~~وإن اعترف ms2314 الغائب وعاد الحاضر عن إنكاره، فله أن يستوفي منه؛ لأنه يدعي ~~عليه حقا يعترف له به، فكان له أخذه منه. # وإن لم يقم على الحاضر بينة، حلف وبرئ، فإذا قدم الغائب فأنكر أيضا وحلف، ~~برئ، وإن اعترف، لزمه دفع الألف. وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يلزمه إلا خمس ~~المائة الأصلية دون المضمونة؛ لأنها سقطت عن المضمون عنه بيمينه، فتسقط عن ~~ضامنه. ولنا، أنه يعترف بها وغريمه يدعيها، واليمين إنما أسقطت المطالبة ~~عنه في الظاهر، ولم تسقط عنه الحق الذي في ذمته، ولهذا لو قامت عليه بينة ~~بعد يمينه، لزمه، ولزم الضامن. ### | [فصل ادعى الضامن أنه قضى الدين] # (3590) فصل: وإذا ادعى الضامن أنه قضى الدين، فأنكر المضمون له، ولا بينة ~~له، فالقول قول المضمون له؛ لأنه ادعى تسليم المال إلى من لم يأمنه، فكان ~~القول قول المنكر، وله مطالبة من شاء منهما، فإن رجع على المضمون عنه، فهل ~~يرجع الضامن بما قضاه عنه؟ نظرنا؛ فإن لم يعترف له بالقضاء، لم يرجع عليه، ~~وإن اعترف له بالقضاء، وكان قد قضى بغير بينة في غيبة المضمون عنه، لم يرجع ~~بشيء، سواء صدقه المضمون عنه أو كذبه؛ لأنه أذن له في قضاء مبرئ ولم يوجد، ~~وإن قضاه ببينة، ثبت بها الحق، لكن إن كانت ميتة أو غائبة فللضامن الرجوع ~~على المضمون عنه؛ لأنه معترف أنه ما قصر # PageV04P413 # ولا فرط. # وإن قضاه ببينة مردودة بأمر ظاهر، كالكفر والفسق الظاهر، لم يرجع الضامن ~~لتفريطه؛ لأن هذه البينة كعدمها، وإن ردت بأمر خفي، كالفسق الباطن، أو كانت ~~الشهادة مختلفا فيها، مثل أن أشهد عبدين، أو شاهدا واحدا، فردت لذلك، أو ~~كان ميتا أو غائبا، احتمل أن يرجع؛ لأنه قضى ببينة شرعية، والجرح والتعديل ~~ليس إليه. واحتمل أن لا يرجع؛ لأنه أشهد من لا يثبت الحق بشهادته. # وإن قضى بغير بينة بحضرة المضمون عنه، ففيه وجهان؛ أحدهما، يرجع. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأنه إذا كان حاضرا كان الاحتياط إليه، فإذا ترك التحفظ وهو ~~حاضر، فهو المفرط دون الضامن. والثاني، ms2315 لا يرجع؛ لأنه قضى قضاء لا يبرئ، ~~فأشبه ما لو قضى في غيبته. فأما إن رجع المضمون له على الضامن، فاستوفي منه ~~مرة ثانية، رجع على المضمون عنه بما قضاه ثانيا؛ لأنه أبرأ به ذمته ظاهرا. ~~قال القاضي: ويحتمل أن له الرجوع بما قضاه أولا دون الثاني؛ لأن البراءة ~~حصلت به في الباطن. ولأصحاب الشافعي كهذين الوجهين وجه ثالث، أنه لا يرجع ~~بشيء بحال؛ لأن الأول ما أبرأه ظاهرا، والثاني ما أبرأه باطنا. # ولنا، أن الضامن أدى عن المضمون عنه بإذنه إذا أبرأه ظاهرا وباطنا فرجع ~~به، كما لو قامت به البينة. والوجه الأول أرجح؛ لأن القضاء المبرئ في ~~الباطن ما أوجب الرجوع، فيجب أن يجب بالباقي المبرئ في الظاهر. # وإن اعترف المضمون له بالقضاء، وأنكر المضمون عنه، لم يلتفت إلى إنكاره؛ ~~لأن ما في ذمته حق للمضمون له، فإذا اعترف بالقبض من الضامن، فقد اعترف بأن ~~الحق الذي له صار للضامن، فيجب أن يقبل إقراره، لكونه إقرارا في حق نفسه. ~~ويحتمل أن لا يقبل؛ لأن الضامن مدع لما يستحق به الرجوع على المضمون عنه، ~~فقول المضمون له شهادة على فعل نفسه، فلا يقبل. والصحيح الأول، وشهادة ~~الإنسان على فعل نفسه صحيحة، كشهادة المرضعة بالرضاع، وقد ثبت ذلك بخبر ~~عقبة بن الحارث. ### | [فصل لا يدخل الضمان والكفالة خيار] # (3591) فصل: ولا يدخل الضمان والكفالة خيار؛ لأن الخيار جعل ليعرف ما فيه ~~الحظ، والضمين والكفيل على بصيرة أنه لا حظ لهما، ولأنه عقد لا يفتقر إلى ~~القبول، فلم يدخله خيار، كالنذر. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. ولا نعلم ~~عن أحد خلافهم. فإن شرط الخيار فيهما، فقال القاضي: عندي أن الكفالة تبطل، ~~وهو مذهب الشافعي؛ لأنه شرط ما ينافي مقتضاها، ففسدت، كما لو شرط أن لا ~~يؤدي ما على المكفول به، وذلك لأن مقتضى الضمان والكفالة لزوم ما ضمنه أو ~~كفل به، والخيار ينافي ذلك. # ويحتمل أن يبطل الشرط وتصح الكفالة، كما قلنا في الشروط الفاسدة في ~~البيع. ولو أقر بأنه # PageV04P414 # كفل بشرط ms2316 الخيار، لزمته الكفالة، وبطل الشرط؛ لأنه وصل بإقراره ما يبطله، ~~فأشبه استثناء الكل. ### | [فصل ضمن رجلان عن رجل ألفا] # (3592) فصل: وإذا ضمن رجلان عن رجل ألفا، ضمان اشتراط فقالا: ضمنا لك ~~الألف الذي على زيد. فكل واحد منهما ضامن لنصفه. وإن كانوا ثلاثة، فكل واحد ~~منهم ضامن ثلثه. فإن قال واحد منهم: أنا وهذان ضامنون لك الألف. فسكت ~~الآخران، فعليه ثلث الألف، ولا شيء عليهما. وإن قال كل واحد منهم: كل واحد ~~منا ضامن لك الألف. # فهذا ضمان اشتراك وانفراد، وله مطالبة كل واحد منهم بالألف كله إن شاء. ~~وإن أدى أحدهم الألف كله، أو حصته. لم يرجع إلا على المضمون عنه؛ لأن كل ~~واحد منهم ضامن أصلي، وليس بضامن عن الضامن الآخر. ### | [مسألة من كفل بنفس لزمه ما عليها إن لم يسلمها] # (3593) مسألة؛ قال. (ومن كفل بنفس لزمه ما عليها إن لم يسلمها) وجملة ذلك ~~أن الكفالة بالنفس صحيحة، في قول أكثر أهل العلم. هذا مذهب شريح ومالك ~~والثوري والليث وأبي حنيفة. وقال الشافعي في بعض أقواله: الكفالة بالبدن ~~ضعيفة. واختلف أصحابه، فمنهم من قال: هي صحيحة قولا واحدا. # وإنما أراد أنها ضعيفة في القياس، وإن كانت ثابتة بالإجماع والأثر. ومنهم ~~من قال: فيها قولان؛ أحدهما، أنها غير صحيحة؛ لأنها كفالة بعين، فلم تصح، ~~كالكفالة بالوجه وبدن الشاهدين. ولنا، قول الله تعالى {قال لن أرسله معكم ~~حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم} [يوسف: 66] ولأن ما ~~وجب تسليمه بعقد وجب تسليمه بعقد الكفالة، كالمال. إذا ثبت هذا، فإنه متى ~~تعذر على الكفيل إحضار المكفول به مع حياته، أو امتنع من إحضاره، لزمه ما ~~عليه. وقال أكثرهم: لا يغرم. # ولنا عموم قوله - عليه السلام -: «الزعيم غارم» . ولأنها أحد نوعي ~~الكفالة، فوجب بها الغرم، كالكفالة بالمال. ### | [فصل قال أنا كفيل بفلان أو بنفسه أو ببدنه] # (3594) فصل: وإذا قال: أنا كفيل بفلان، أو بنفسه، أو ببدنه، أو بوجهه، ~~كان كفيلا به. وإن كفل برأسه أو كبده، أو جزء ms2317 لا تبقى الحياة بدونه، أو ~~بجزء شائع منه، كثلثه أو ربعه، صحت الكفالة؛ لأنه لا يمكنه إحضار ذلك إلا ~~بإحضاره كله. # وإن تكفل بعضو تبقى الحياة بعد زواله، كيده ورجله، ففيه وجهان؛ أحدهما، ~~تصح الكفالة. وهو قول أبي الخطاب، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأنه لا ~~يمكنه # PageV04P415 # إحضار هذه الأعضاء على صفتها إلا بإحضار البدن كله، فأشبه الكفالة بوجهه ~~ورأسه، ولأنه حكم يتعلق بالجملة فيثبت حكمه إذا أضيف إلى البعض، كالطلاق ~~والعتاق. والثاني، لا يصح؛ لأنه يمكن إحضاره بدون الجملة مع بقائها. وقال ~~القاضي: لا تصح الكفالة ببعض البدن، ولا تصح إلا في جميعه؛ لأن ما لا يسري ~~لا يصح إذا خص به عضو، كالبيع والإجارة. ### | [فصل الكفالة ببدن كل من يلزم حضوره في مجلس الحكم بدين لازم] # (3595) فصل: وتصح الكفالة ببدن كل من يلزم حضوره في مجلس الحكم بدين ~~لازم، سواء كان الدين معلوما أو مجهولا؛ وقال بعض أصحاب الشافعية: لا تصح ~~بمن عليه دين مجهول؛ لأنه قد يتعذر إحضار المكفول به، فيلزمه الدين، ولا ~~يمكن طلبه منه لجهله. # ولنا، أن الكفالة بالبدن لا بالدين، والبدن معلوم، فلا تبطل الكفالة ~~لاحتمال عارض، ولأنا قد تبينا أن ضمان المجهول يصح، وهو التزام المال ~~ابتداء، فالكفالة التي لا تتعلق بالمال ابتداء أولى. وتصح الكفالة بالصبي ~~والمجنون؛ لأنهما قد يجب إحضارهما مجلس الحكم للشهادة عليهما بالإتلاف، ~~وإذن وليهما يقوم مقام إذنهما. # وتصح الكفالة ببدن المحبوس والغائب. وقال أبو حنيفة: لا تصح. ولنا، أن كل ~~وثيقة صحت مع الحضور صحت مع الغيبة والحبس، كالرهن والضمان، ولأن الحبس لا ~~يمنع من التسليم، لكون المحبوس يمكن تسليمه بأمر الحاكم، أو أمر من حبسه، ~~ثم يعيده إلى الحبس بالحقين جميعا، والغائب يمضي إليه فيحضره إن كانت ~~الغيبة غير منقطعة، وهو أن يعلم خبره، وإن لم يعلم خبره، لزمه ما عليه: ~~قاله القاضي. # وقال في موضع آخر: لا يلزمه ما عليه حتى تمضي مدة يمكنه الرد فيها، فلا ~~يفعل. ### | [فصل الكفالة ببدن من عليه حد] # (3596) فصل: ولا تصح ms2318 الكفالة ببدن من عليه حد، سواء كان حقا لله تعالى، ~~كحد الزنى والسرقة، أو لآدمي كحد القذف والقصاص. وهذا قول أكثر أهل العلم؛ ~~منهم شريح والحسن. وبه قال إسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وبه ~~قال الشافعي في حدود الله تعالى، واختلف قوله في حدود الآدمي، فقال في ~~موضع: لا كفالة في حدود الآدمي ولا لعان. وقال في موضع: تجوز الكفالة بمن ~~عليه حق أو حد؛ لأنه حق لآدمي، فصحت الكفالة به، كسائر حقوق الآدميين. # ولنا، ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «لا كفالة في حد» . ولأنه حد، فلم تصح الكفالة فيه ~~كحدود الله تعالى، ولأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الإسقاط ~~والدرء بالشبهات، فلا يدخل فيها الاستيثاق، ولأنه حق # PageV04P416 # لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه، إحضار المكفول به، فلم تصح ~~الكفالة بمن هو عليه، كحد الزنى. ### | [فصل الكفالة بالمكاتب من أجل دين الكتابة] # (3597) فصل: ولا تجوز الكفالة بالمكاتب من أجل دين الكتابة؛ لأن الحضور ~~لا يلزمه. فلا تجوز الكفالة به، كدين الكتابة. ### | [فصل الكفالة حالة ومؤجلة] # (3598) فصل: وتصح الكفالة حالة ومؤجلة، كما يصح الضمان حالا ومؤجلا، وإذا ~~أطلق كانت حالة؛ لأن كل عقد يدخله الحلول اقتضى إطلاقه الحلول، كالثمن ~~والضمان، فإذا تكفل حالا كان له مطالبته بإحضاره، فإن أحضره وهناك يد حائلة ~~ظالمة لم يبرأ منه، ولم يلزم المكفول له تسلمه؛ لأنه لا يحصل له غرضه. وإن ~~لم يكن يد حائلة، لزمه قبوله، فإن قبله برئ من الكفالة. # وقال ابن أبي موسى: لا يبرأ حتى يقول: قد برئت إليك منه. أو قد سلمته ~~إليك. أو قد أخرجت نفسي من كفالته. والصحيح الأول؛ لأنه عقد على عمل، فبرئ ~~منه بالعمل المعقود عليه، كالإجارة، فإن امتنع من تسلمه برئ، لأنه أحضر ما ~~يجب تسليمه عند غريمه وطلب منه تسلمه على وجه لا ضرر في قبضه، فبرئ منه ~~كالمسلم فيه. وقال بعض أصحابنا: إذا امتنع من تسلمه، ms2319 أشهد على امتناعه ~~رجلين، وبرئ؛ لأنه فعل ما وقع العقد على فعله، فبرئ منه. وقال القاضي: ~~يرفعه إلى الحاكم فيسلمه إليه؛ فإن لم يجد حاكما أشهد شاهدين على إحضاره ~~وامتناع المكفول له من قبوله. # والأول أصح؛ فإن مع وجود صاحب الحق لا يلزمه دفعه إلى نائبه، كحاكم أو ~~غيره. وإن كانت الكفالة مؤجلة، لم يلزم إحضاره قبل الأجل، كالدين المؤجل، ~~فإذا حل الأجل فأحضره وسلمه برئ. وإن كان غائبا أو مرتدا لحق بدار الحرب، ~~لم يؤخذ بالحق حتى يمضي زمن يمكن المضي إليه وإعادته. # وقال ابن شبرمة: يحبس في الحال؛ لأن الحق قد توجه عليه. ولنا، أن الحق ~~يعتبر في وجوب أدائه إمكان التسليم. وإن كان حالا كالدين، فإذا مضت مدة ~~يمكن إحضاره فيها ولم يحضره، أو كانت الغيبة منقطعة لا يعلم خبره، أو امتنع ~~من إحضاره مع إمكانه، أخذ بما عليه. وقال أصحاب الشافعي: إن كانت الغيبة ~~منقطعة لا يعلم مكانه، لم يطالب الكفيل بإحضاره، ولم يلزمه شيء، وإن امتنع ~~من إحضاره مع إمكانه حبس. وقد دللنا على وجوب الغرم فيما مضى. وإن أحضر ~~المكفول به قبل الأجل، ولا ضرر في تسليمه، لزمه. # وإن كان فيه ضرر، مثل أن تكون حجة الغريم غائبة، أو لم يكن يوم مجلس ~~الحاكم، أو الدين مؤجل عليه لا يمكن اقتضاؤه منه، أو قد وعده بالإنظار في ~~تلك المدة، لم يلزمه قبوله، كما نقول في من دفع الدين المؤجل قبل حلوله ### | [فصل عين في الكفالة تسليمه في مكان ثم أحضره في غيره] # (3599) فصل: وإذا عين في الكفالة تسليمه في مكان، فأحضره في غيره، لم ~~يبرأ من الكفالة. # PageV04P417 # وبه قال أبو يوسف ومحمد. # وقال القاضي: إن أحضره بمكان آخر من البلد وسلمه، برئ من الكفالة. وقال ~~بعض أصحابنا: متى أحضره في أي مكان كان، وفي ذلك الموضع سلطان، برئ من ~~الكفالة؛ لكونه لا يمكنه الامتناع من مجلس الحاكم، ويمكن إثبات الحجة فيه. ~~وقيل: إن كان عليه ضرر في إحضاره بمكان آخر، لم يبرأ الكفيل بإحضاره ms2320 فيه، ~~وإلا برئ، كقولنا فيما إذا أحضره قبل الأجل. ولأصحاب الشافعي اختلاف على ~~نحو ما ذكرنا. # ولنا، أنه سلم ما شرط تسليمه في مكان في غيره، فلم يبرأ، كما لو أحضر ~~المسلم فيه في غير هذا الموضع الذي شرطه، ولأنه قد سلم في موضع لا يقدر على ~~إثبات الحجة فيه، لغيبة شهوده، أو غير ذلك، وقد يهرب منه، ولا يقدر على ~~إمساكه، يفارق ما إذا أحضره قبل الأجل، فإنه عجل الحق قبل أجله، فزاده ~~خيرا، فإذا لم يكن فيه ضرر وجب قبوله. وإن وقعت الكفالة مطلقة، وجب تسليمه ~~في مكان العقد، كالسلم. فإن سلمه في غيره، فهو كتسليمه في غير المكان الذي ~~عينه. # وإن كان المكفول به محبوسا عند غير الحاكم، لم يلزمه تسليمه محبوسا؛ لأن ~~ذلك الحبس يمنعه استيفاء حقه. وإن كان محبوسا عند الحاكم، فسلمه إليه ~~محبوسا لزمه تسليمه؛ لأن حبس الحاكم لا يمنعه استيفاء حقه. وإذا طالب ~~الحاكم بإحضاره، أحضره مجلسه، وحكم بينهما، ثم يرده إلى الحبس. فإن توجه ~~عليه حق للمكفول له، حبسه بالحق الأول أو حق المكفول له. ### | [فصل كفل إلى أجل مجهول] # (3600) فصل: وإن كفل إلى أجل مجهول، لم تصح الكفالة. وبهذا قال الشافعي؛ ~~لأنه ليس له وقت يستحق مطالبته فيه، وهكذا الضمان. وإن جعله إلى الحصاد ~~والجزاز والعطاء، خرج على الوجهين، كالأجل في البيع. والأولى صحتها هنا، ~~لأنه تبرع من غير عوض، جعل له أجلا لا يمنع من حصول المقصود منه، فصح، ~~كالنذر. # وهكذا كل مجهول لا يمنع مقصود الكفالة. وقد روى مهنا عن أحمد، في رجل كفل ~~رجلا آخر، فقال: إن جئت به في وقت كذا، # PageV04P418 # وإلا فما عليه على. فقال: لا أدري، ولكن إن قال: ساعة كذا. لزمه. فنص على ~~تعيين الساعة وتوقف عن تعيين الوقت، ولعله أراد وقتا متسعا، أو وقت شيء ~~يحدث، مثل وقت الحصاد ونحوه. فأما إن قال: وقت طلوع الشمس، ونحو ذلك، صح. ~~وإن قال: إلى الغد أو شهر كذا. تعلق بأوله، على ما ذكرنا في السلم. ms2321 ### | [فصل تكفل برجل إلى أجل] # فصل: وإذا تكفل برجل إلى أجل، إن جاء به فيه، وإلا لزمه ما عليه، صح. وبه ~~قال أبو حنيفة وأبو يوسف: وقال محمد بن الحسن والشافعي: لا تصح الكفالة، ~~ولا يلزمه ما عليه؛ لأن هذا تعليق الضمان بخطر فلم يصح، كما لو علقه بقدوم ~~زيد. ولنا، أن هذا موجب الكفالة ومقتضاها، فصح اشتراطه، كما لو قال: إن جئت ~~به في وقت كذا، وإلا فلك حبسي. # ومبنى الخلاف هاهنا على الخلاف في أن هذا مقتضى الكفالة، وقد دللنا عليه. ~~وأما إن قال: إن جئت به في وقت كذا، وإلا فأنا كفيل ببدن فلان، أو فأنا ~~ضامن لك مالك على فلان. أو قال: إذا جاء زيد فأنا ضامن لك ما عليه. أو إذا ~~قدم الحاج فأنا كفيل بفلان. أو قال: أنا كفيل بفلان شهرا. فقال القاضي: لا ~~تصح الكفالة. # وهو مذهب الشافعي ومحمد بن الحسن؛ لأن ذلك خطر فلم يجز تعليق الضمان ~~والكفالة به، كمجيء المطر وهبوب الريح، ولأنه إثبات حق لآدمي معين، فلم يجز ~~تعليقه على شرط، ولا توقيته، كالهبة. وقال الشريف أبو جعفر، وأبو الخطاب: ~~تصح، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنه أضاف الضمان إلى سبب الوجود، فيجب ~~أن يصح، كضمان الدرك. والأول أقيس. فإن قال: كفلت بفلان إن جئت به في وقت ~~كذا. وإلا فأنا كفيل بفلان، أو ضامن المال الذي على فلان. لم يصح فيهما عند ~~القاضي؛ لأن الأول مؤقت، والثاني معلق على شرط. # وقال أبو الخطاب: يصح فيهما. فأما إن قال: كفلت بأحد هذين الرجلين. لم ~~يصح في قولهم جميعا؛ لأنه غير معلوم في الحال ولا في المآل. ### | [فصل قال كفلت ببدن فلان على أن يبرأ فلان الكفيل أو على أن تبرئه من الكفالة] # (3602) فصل: فإن قال: كفلت ببدن فلان، على أن يبرأ فلان الكفيل. أو على ~~أن تبرئه من الكفالة؛ لم يصح؛ لأنه شرط شرطا لا يلزم الوفاء به، فيكون ~~فاسدا وتفسد الكفالة به. ويحتمل أن تصح الكفالة؛ لأنه شرط ms2322 تحويل الوثيقة ~~التي على الكفيل إليه. فعلى هذا لا تلزمه الكفالة، إلا أن يبرئ المكفول له ~~الكفيل الأول؛ لأنه إنما كفل بهذا الشرط، فلا تثبت كفالته بدون شرطه. وإن ~~قال: كفلت لك بهذا الغريم، على أن تبرئني من الكفالة بفلان. # أو ضمنت لك هذا الدين، بشرط أن تبرئني من ضمان الدين الآخر، أو على أن ~~تبرئني من الكفالة بفلان. خرج فيه الوجهان، والأولى أنه لا يصح؛ لأنه شرط ~~فسخ عقد في عقد، فلم يصح، كالبيع بشرط فسخ بيع آخر. وكذلك لو شرط في ~~الكفالة أو الضمان أن يتكفل المكفول له أو المكفول به بآخر، أو يضمن دينا ~~عليه، أو يبيعه شيئا عينه، أو يؤجره داره، لم يصح؛ لما ذكرنا. ### | [فصل تكفل اثنان بواحد] # (3603) فصل: ولو تكفل اثنان بواحد، صح. وأيهم قضى الدين برئ الآخران؛ لما ~~ذكرنا في الضمان. وإن سلم المكفول به نفسه، برئ كفيلاه؛ لأنه أتى بما يلزم ~~الكفيلين، وهو إحضار نفسه، فبرئت ذمتهما، كما لو قضى الدين. وإن أحضر أحد ~~الكفيلين، لم يبرأ الآخر؛ لأن إحدى الوثيقتين انحلت من غير استيفاء، فلم ~~تنحل الأخرى، كما لو أبرأ أحدهما، أو انفك أحد الرهنين من قضاء الحق. وفارق ~~ما إذا سلم المكفول به نفسه؛ لأنه أصل لهما، فإذا برئ الأصل مما تكفل به ~~عنه، برئ فرعاه، # PageV04P419 # وكل واحد من الكفيلين ليس بفرع للآخر، فلم يبرأ ببراءته. # ولذلك لو أبرأ المكفول به برئ كفيلاه. ولو أبرئ أحد الكفيلين برئ وحده، ~~دون صاحبه. ### | [فصل تكفل واحد لاثنين فأبرأه أحدهما] # (3604) فصل: ولو تكفل واحد لاثنين، فأبرأه أحدهما، أو أحضره عند أحدهما، ~~لم يبرأ من الآخر؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين، فقد التزم ~~إحضاره عند كل واحد منهما، فإذا أحضره عند واحد، برئ منه، وبقي حق الآخر، ~~كما لو كان في عقدين، وكما لو ضمن دينا لرجلين، فوفى أحدهما حقه. " ### | [فصل تفتقر صحة الكفالة إلى رضى الكفيل] # (3605) فصل: وتفتقر صحة الكفالة إلى رضى الكفيل؛ لأنه لا يلزمه الحق ~~ابتداء إلا برضاه، ولا ms2323 يعتبر رضى المكفول له؛ لأنها وثيقة له لا قبض فيها، ~~فصحت من غير رضاه فيها، كالشهادة، ولأنها التزام حق له من غير عوض، فلم ~~يعتبر رضاه فيها، كالنذر، فأما رضى المكفول له ففيه وجهان؛ أحدهما، لا ~~يعتبر، كالضمان. # والثاني، يعتبر. وهو مذهب الشافعي؛ لأن مقصودها إحضاره، وإن تكفل بغير ~~إذنه، لم يلزمه الحضور معه، ولأنه يجعل لنفسه حقا عليه، وهو الحضور معه من ~~غير رضاه، فلم يجز، كما لو ألزمه الدين، وفارق الضمان، فإن الضامن يقضي ~~الحق، ولا يحتاج إلى المضمون عنه. # وعلى كلا الوجهين، متى كانت الكفالة بإذنه، فأراد الكفيل إحضاره، لزمه ~~الحضور معه؛ لأنه شغل ذمته من أجله بإذنه، فكان عليه تخليصها، كما لو ~~استعار عبده فرهنه بإذنه، كان عليه تخليصه إذا طلبه سيده. وإن كانت الكفالة ~~بغير إذنه نظرنا؛ فإن طلبه المكفول له منه، لزمه أن يحضر معه؛ لأن حضوره حق ~~للمكفول له، وقد استناب الكفيل في طلبه. # وإن لم يطلبه المكفول له، لم يلزمه أن يحضر معه؛ لأنه لم يشغل ذمته، ~~وإنما الكفيل شغلها باختيار نفسه، فلم يجز أن يثبت له بذلك حق على غيره. ~~وإن قال المكفول له: أحضر كفيلك. كان توكيلا في إحضاره، ولزمه أن يحضر معه، ~~كما لو وكل أجنبيا. وإن قال: اخرج من كفالتك. احتمل أن يكون توكيلا في ~~إحضاره، كاللفظ الأول، ويحتمل أن تكون مطالبة بالدين الذي عليه، فلا يكون ~~توكيلا، فلا يلزمه الحضور معه. ### | [فصل قال رجل لآخر اضمن عن فلان أو اكفل بفلان] # (3606) فصل: وإذا قال رجل لآخر: اضمن عن فلان، أو اكفل بفلان. ففعل، كان ~~الضمان والكفالة لازمين للمباشر دون الآمر؛ لأنه كفل باختيار نفسه، وإنما ~~الأمر إرشاد وحث على فعل خير، فلم يلزمه به بشيء. ### | [مسألة موت المكفول به] # (3607) مسألة؛ قال: (فإن مات، برئ المتكفل) وجملته أنه إذا مات المكفول ~~به، سقطت الكفالة، ولم يلزم الكفيل شيء. وبهذا قال شريح # PageV04P420 # والشعبي وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، والشافعي. # وقال الحكم ومالك والليث: يجب على الكفيل غرم ما ms2324 عليه. وحكي ذلك عن ابن ~~شريح؛ لأن الكفيل وثيقة بحق، فإذا تعذرت من جهة من عليه الدين استوفى من ~~الوثيقة كالرهن، ولأنه تعذر إحضاره، فلزم كفيله ما عليه، كما لو غاب. ولنا، ~~أن الحضور سقط عن المكفول به، فبرئ الكفيل، كما لو برئ من الدين. ولأن ما ~~التزمه من أجله سقط عن الأصل، فبرئ الفرع، كالضامن إذا قضى المضمون عنه ~~الدين، أو أبرئ منه، وفارق ما إذا غاب، فإن الحضور لم يسقط عنه، ويفارق ~~الرهن؛ فإنه علق به المال، فاستوفي منه. ### | [فصل قال الكفيل قد برئ المكفول به من الدين] # (3608) فصل: إذا قال الكفيل: قد برئ المكفول به من الدين، وسقطت الكفالة. ~~أو قال: لم يكن عليه دين حين كفلته. فأنكر المكفول له، فالقول قوله؛ لأن ~~الأصل صحة الكفالة وبقاء الدين، وعليه اليمين، فإن نكل، قضي عليه. # ويحتمل أن لا يستحلف فيما إذا ادعى الكفيل أنه تكفل بمن لا دين عليه؛ لأن ~~الكفيل مكذب لنفسه فيما ادعاه، فإن من كفل بشخص معترف بدينه في الظاهر. ~~والأول أولى؛ لأن ما ادعاه محتمل. ### | [فصل قال المكفول له للكفيل أبرأتك من الكفالة] # (3609) فصل: وإذا قال المكفول له للكفيل: أبرأتك من الكفالة. برئ؛ لأنه ~~حقه، فيسقط بإسقاطه، كالدين. وإن قال: قد برئت إلى منه. أو قد رددته إلى. ~~برئ أيضا؛ لأنه معترف بوفاء الحق، فهو كما لو اعترف بذلك في الضمان. وكذلك ~~إذا قال: برئت من الدين الذي كفلت به. يبرأ الكفيل في هذه المواضع دون ~~المكفول به. ولا يكون إقرارا بقبض الحق. وهذا قول محمد بن الحسن. وقيل: ~~يكون إقرارا بقبض الحق، فيما إذا قال: برئت من الدين الذي كفلت به. # والأول أصح؛ لأنه يمكن براءته بدون قبض الحق، بإبراء المستحق، أو موت ~~المكفول به. فأما إن قال للمكفول به: أبرأتك عما لي قبلك من الحق. أو برئت ~~من الدين الذي قبلك. فإنه يبرأ من الحق، وتزول الكفالة؛ لأنه لفظ يقتضي ~~العموم في كل ما قبله. وإن قال: برئت من الدين الذي كفل ms2325 به فلان. برئ، وبرئ ~~كفيله. ### | [فصل كان لذمي على ذمي خمر] # (3610) فصل: وإذا كان لذمي على ذمي خمر، فكفل به ذمي آخر، ثم أسلم ~~المكفول له أو المكفول عنه، برئ الكفيل والمكفول عنه. وقال أبو حنيفة: إذا ~~أسلم المكفول عنه، لم يبرأ واحد منهما، ويلزمهما قيمة الخمر؛ لأنه كان ~~واجبا، ولم يوجد إسقاط ولا استيفاء، ولا وجد من المكفول له ما يسقط حقه، ~~فبقي بحاله. ولنا، أن المكفول به مسلم، فلم يجب عليه الخمر، كما لو كان ~~مسلما قبل الكفالة. وإذا برئ المكفول به، برئ كفيله. كما لو أدى الدين أو ~~أبرئ منه، ولأنه لو أسلم المكفول له، برئا جميعا، وكذلك # PageV04P421 # إذا أسلم المكفول به. وإن أسلم الكفيل وحده، برئ من الكفالة؛ لأنه لا ~~يجوز وجوب الخمر عليه وهو مسلم. ### | [فصل قال أعط فلانا ألفا ففعل] # (3611) فصل: فإذا قال: أعط فلانا ألفا. ففعل، لم يرجع على الآمر، ولم يكن ~~له ذلك كفالة، ولا ضمانا إلا أن يقول: أعطه عني. وقال أبو حنيفة: يرجع عليه ~~إذا كان خليطا له؛ لأن العادة أن يستقرض من خليطه. ولنا، أنه لم يقل: أعطه ~~عني. فلم يلزمه الضمان، كما لو لم يكن خليطا. ولا يلزم إذا كان له عليه ~~مال، فقال: أعطه فلانا. حيث يلزمه؛ لأنه لا يلزمه لأجل هذا القول، بل لأن ~~عليه حقا يلزمه؛ أداؤه. # (3612) فصل: إذا كانت السفينة في البحر، وفيها متاع، فخيف غرقها، فألقى ~~بعض من فيها متاعه في البحر لتخف، لم يرجع به على أحد، سواء ألقاه محتسبا ~~بالرجوع أو متبرعا؛ لأنه أتلف مال نفسه باختياره من غير ضمان. فإن قال له ~~بعضهم: ألق متاعك. فألقاه فكذلك؛ لأنه لا يكرهه على إلقائه، ولا ضمن له. # وإن قال: ألقه، وعلي ضمانه. فألقاه، فعلى القائل ضمانه. ذكره أبو بكر؛ ~~لأن ضمان ما لم يجب صحيح. وإن قال: ألقه، وأنا وركبان السفينة ضمناء له. ~~ففعل. فقال أبو بكر يضمنه القائل وحده، إلا أن يتطوع بقيتهم. قال القاضي: ~~إن كان ضمان اشتراك، فليس عليه ms2326 إلا ضمان حصته؛ لأنه لم يضمن الجميع، إنما ~~يضمن حصته، وأخبر عن سائر ركبان السفينة بضمان سائره، فلزمته حصته، ولم ~~يقبل قوله في حق الباقين، وإن كان ضمان اشتراك وانفراد، بأن يقول: كل واحد ~~منا ضامن لك متاعك أو قيمته. # لزم القائل ضمان الجميع، وسواء قال هذا والباقون يسمعون فسكتوا، أو ~~قالوا: لا نفعل. أو لم يسمعوا؛ لأن سكوتهم لا يلزمهم به حق. ### | [فصل له على رجل ألف درهم فأقام بها كفيلين] # (3613) فصل: قال مهنا: سألت أحمد، عن رجل له على رجل ألف درهم، فأقام بها ~~كفيلين، كل واحد منهما كفيل ضامن، فأيهما شاء أخذه بحقه، فأحال رب المال ~~عليه رجلا بحقه؟ فقال: يبرأ الكفيلان. قلت: فإن مات الذي أحاله عليه بالحق ~~ولم يترك شيئا؟ قال: لا شيء له، ويذهب الألف. # PageV04P422 ### | [كتاب الشركة] ### | [الشركة على ضربين شركة أملاك وشركة عقود] # الشركة: هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف. # وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله تعالى: {فهم ~~شركاء في الثلث} [النساء: 12] . وقال الله تعالى: {وإن كثيرا من الخلطاء ~~ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} [ص: 24] ~~. والخلطاء. هم الشركاء. # ومن السنة، ما روي «أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين، فاشتريا ~~فضة بنقد ونسيئة، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهما أن ما كان ~~بنقد فأجيزوه، وما كان نسيئة فردوه.» وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «يقول الله: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان ~~أحدهما صاحبه، خرجت من بينهما» . رواه أبو داود. وروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «، أنه قال: يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا» . وأجمع ~~المسلمون على جواز الشركة في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها نبينها ~~إن شاء الله تعالى. والشركة على ضربين: شركة أملاك، وشركة عقود. وهذا الباب ~~لشركة العقود. وهي أنواع خمسة؛ شركة العنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة، ~~والمفاوضة. ولا يصح شيء منها إلا من جائز التصرف؛ لأنه ms2327 عقد على التصرف في ~~المال فلم يصح من غير جائز التصرف في المال، كالبيع. # (3614) فصل قال أحمد: يشارك اليهودي والنصراني، ولكن لا يخلو اليهودي ~~والنصراني بالمال دونه ويكون هو الذي يليه؛ لأنه يعمل بالربا. وبهذا قال ~~الحسن والثوري وكره الشافعي مشاركتهم مطلقا؛ لأنه روي عن عبد الله بن عباس، ~~أنه قال: أكره أن يشارك المسلم اليهودي. # ولا يعرف له مخالف في الصحابة، ولأن مال اليهودي والنصراني ليس بطيب، ~~فإنهم يبيعون الخمر، ويتعاملون بالربا، فكرهت معاملتهم. ولنا، ما روى ~~الخلال بإسناده، عن عطاء قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~مشاركة اليهودي والنصراني، إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم» . ولأن ~~العلة في كراهة ما خلوا به، معاملتهم بالربا، وبيع الخمر والخنزير، وهذا ~~منتف فيما حضره المسلم أو وليه. # وقول ابن # PageV05P003 # عباس محمول على هذا، فإنه علل بكونهم يربون. كذلك رواه الأثرم، عن أبي ~~حمزة عن ابن عباس، أنه قال: لا تشاركن يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا؛ ~~لأنهم يربون، وأن الربا لا يحل. وهو قول واحد من الصحابة لم يثبت انتشاره ~~بينهم، وهم لا يحتجون به. وقولهم: إن أموالهم غير طيبة. # لا يصح؛ فإن «النبي، قد عاملهم، ورهن درعه عند يهودي على شعير أخذه ~~لأهله، وأرسل إلى آخر يطلب منه ثوبين إلى الميسرة، وأضافه - صلى الله عليه ~~وسلم - يهودي بخبز وإهالة سنخة. ولا يأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ~~ليس بطيب» ، وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم، فثمنه حلال، ~~لاعتقادهم حله، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ولوهم بيعها ~~وخذوا أثمانها. # فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة، فإنه يقع ~~فاسدا، وعليه الضمان؛ لأن عقد الوكيل يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على ~~الخمر والخنزير، فأشبه ما لو اشترى به ميتة، أو عامل بالربا، وما خفي أمره ~~فلم يعلم، فالأصل إباحته وحله، فأما المجوسي، فإن أحمد كره مشاركته ~~ومعاملته، قال: ما أحب مخالطته ومعاملته؛ لأنه يستحل ما لا يستحل هذا. ms2328 قال ~~حنبل: قال عمي: لا تشاركه ولا تضاربه. # وهذا والله أعلم على سبيل الاستحباب، لترك معاملته والكراهة لمشاركته، ~~وإن فعل صح؛ لأن تصرفه صحيح. ### | [مسألة شركة الأبدان] # (3615) مسألة؛ قال: (وشركة الأبدان جائزة) . معنى شركة الأبدان، أن يشترك ~~اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصناع يشتركون على أن يعملوا في ~~صناعتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم. # وإن اشتركوا فيما يكتسبون من المباح، كالحطب، والحشيش، والثمار المأخوذة ~~من الجبال، والمعادن، والتلصص على دار الحرب، فهذا جائز. نص عليه أحمد، في ~~رواية أبي طالب، فقال: لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم، وليس لهم مال، مثل ~~الصيادين والنقالين والحمالين. قد «أشرك النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ~~عمار وسعد وابن مسعود، فجاء سعد بأسيرين، ولم يجيئا بشيء» . # وفسر أحمد صفة الشركة في الغنيمة، فقال: يشتركان فيما يصيبان من سلب ~~المقتول؛ لأن القاتل يختص به دون الغانمين. وبهذا قال مالك. وقال أبو ~~حنيفة: يصح في الصناعة، ولا يصح في اكتساب المباح، كالاحتشاش والاغتنام؛ ~~لأن الشركة مقتضاها الوكالة ولا تصح الوكالة # PageV05P004 # في هذه الأشياء؛ لأن من أخذها ملكها. # وقال الشافعي شركة الأبدان كلها فاسدة؛ لأنها شركة على غير مال. فلم تصح. ~~كما لو اختلفت الصناعات. ولنا، ما روى أبو داود والأثرم بإسنادهما، عن أبي ~~عبيدة، عن عبد الله، قال: اشتركنا أنا وسعد وعمار يوم بدر، فلم أجئ أنا ~~وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين. ومثل هذا لا يخفى على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد أقرهم عليه، وقال أحمد: أشرك بينهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. فإن قيل: فالمغانم مشتركة بين الغانمين بحكم الله تعالى، فكيف يصح ~~اختصاص هؤلاء بالشركة فيها؟ وقال بعض الشافعية: غنائم بدر كانت لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وكان له أن يدفعها إلى من شاء. # فيحتمل أن يكون فعل ذلك لهذا. قلنا: أما الأول، فالجواب عنه أن غنائم بدر ~~كانت لمن أخذها من قبل أن يشرك الله تعالى بينهم، ولهذا نقل أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من أخذ ms2329 شيئا فهو له» . فكان ذلك من قبيل المباحات؛ ~~من سبق إلى أخذ شيء فهو له. # ويجوز أن يكون شرك بينهم فيما يصيبونه من الأسلاب والنفل، إلا أن الأول ~~أصح لقوله: جاء سعد بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشيء. وأما الثاني، فإن ~~الله تعالى إنما جعل الغنيمة لنبيه - عليه السلام - بعد أن غنموا واختلفوا ~~في الغنائم، فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول} [الأنفال: 1] . والشركة كانت قبل ذلك. # ويدل على صحة هذا، أنها لو كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يخل؛ إما أن يكون قد أباحهم أخذها، فصارت كالمباحات، أو لم يبحها لهم، فكيف ~~يشتركون في شيء لغيرهم؟ . وفي هذا الخبر حجة على أبي حنيفة أيضا؛ لأنهم ~~اشتركوا في مباح، وفيما ليس بصناعة، وهو يمنع ذلك، ولأن العمل أحد جهتي ~~المضاربة، فصحت الشركة عليه كالمال، وعلى أبي حنيفة، أنهما اشتركا في مكسب ~~مباح فصح، كما لو اشتركا في الخياطة والقصارة، ولا نسلم أن الوكالة لا تصح ~~في المباحات؛ فإنه يصح أن يستنيب في تحصيلها بأجرة، فكذلك يصح بغير عوض إذا ~~تبرع أحدهما بذلك، كالتوكيل في بيع ماله. # (3616) فصل: وتصح شركة الأبدان مع اتفاق الصنائع. # فأما مع اختلافها، فقال أبو الخطاب: لا تصح. # PageV05P005 # وهو قول مالك؛ لأن مقتضاها أن ما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمه، ~~ويلزم صاحبه، ويطالب به كل واحد منهما، فإذا تقبل أحدهما شيئا مع اختلاف ~~صنائعهما، لم يمكن الآخر أن يقوم به، فكيف يلزمه عمله، أم كيف يطالب بما لا ~~قدرة له عليه، وقال القاضي: تصح الشركة؛ لأنهما اشتركا في مكسب مباح، فصح، ~~كما لو اتفقت الصنائع، ولأن الصنائع المتفقة قد يكون أحد الرجلين أحذق فيها ~~من الآخر، فربما يتقبل أحدهما ما لا يمكن الآخر عمله، ولم يمنع ذلك صحتها، ~~فكذلك إذا اختلفت الصناعتان. # وقولهم: يلزم كل واحد منهما ما يتقبله صاحبه. قال القاضي: يحتمل أن لا ~~يلزمه ذلك؛ لأنهما كالوكيلين؛ بدليل صحتهما في المباح، ولا ضمان فيها. وإن ~~قلنا: يلزمه. أمكنه ms2330 تحصيل ذلك بالأجرة، أو بمن يتبرع له بعمله. ويدل على ~~صحة هذا، أنه لو قال أحدهما: أنا أتقبل وأنت تعمل. صحت الشركة، وعمل كل ~~واحد منهما غير عمل صاحبه. ### | [فصل قال أحدهما أنا أتقبل وأنت تعمل والأجرة بيني وبينك] # (3617) فصل: وإذا قال أحدهما: أنا أتقبل، وأنت تعمل، والأجرة بيني وبينك. ~~صحت الشركة. وقال زفر: لا تصح، ولا يستحق العامل المسمى، وإنما له أجرة ~~المثل. ولنا، أن الضمان يستحق به الربح، بدليل شركة الأبدان، وتقبل العمل ~~يوجب الضمان على المتقبل، ويستحق به الربح، فصار كتقبله المال في المضاربة، ~~والعمل يستحق به العامل الربح كعمل المضارب، فينزل بمنزلة المضاربة. ### | [فصل الربح في شركة الأبدان] # (3618) فصل والربح، في شركة الأبدان على ما اتفقوا عليه، من مساواة أو ~~تفاضل؛ لأن العمل يستحق به الربح، ويجوز تفاضلهما في العمل، فجاز تفاضلهما ~~في الربح الحاصل به، ولكل واحد منهما المطالبة بالأجرة، وللمستأجر دفعها ~~إلى كل واحد منهما، وإلى أيهما دفعها برئ منها. وإن تلفت في يد أحدهما من ~~غير تفريط، فهي من ضمانهما معا؛ لأنهما كالوكلين في المطالبة، وما يتقبله ~~كل واحد منهما من الأعمال فهو من ضمانهما، يطالب به كل واحد منهما، ويلزمه ~~عمله؛ لأن هذه الشركة لا تنعقد إلا على الضمان، ولا شيء فيها تنعقد عليه ~~الشركة حال الضمان، فكأن الشركة تضمنت ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما ~~يلزمه. # وقال القاضي: يحتمل أن لا يلزم أحدهما ما لزم الآخر؛ لما ذكرنا من قبل. ~~وما يتلف بتعدي أحدهما أو تفريطه أو تحت يده، على وجه يوجب الضمان عليه، ~~فذلك عليه وحده. وإن أقر أحدهما بما في يده، قبل عليه وعلى شريكه؛ لأن اليد ~~له، فيقبل إقراره بما فيها، ولا يقبل إقراره بما في يد شريكه، ولا بدين ~~عليه؛ لأنه لا يد له على ذلك # PageV05P006 # (3619) فصل: وإن عمل أحدهما دون صاحبه، فالكسب بينهما. قال ابن عقيل: نص ~~عليه أحمد، في رواية إسحاق بن هانئ. وقد سئل عن الرجلين يشتركان في عمل ~~الأبدان، فيأتي أحدهما بشيء، ms2331 ولا يأتي الآخر بشيء؟ قال: نعم، هذا بمنزلة ~~حديث سعد وابن مسعود. يعني حيث اشتركوا فجاء سعد بأسيرين وأخفق الآخران. # ولأن العمل مضمون عليهما معا، وبضمانهما له وجبت الأجرة، فيكون لهما كما ~~كان الضمان عليهما، ويكون العامل عونا لصاحبه في حصته. ولا يمنع ذلك ~~استحقاقه، كمن استأجر رجلا ليقصر له ثوبا، فاستعان القصار بإنسان. فقصر ~~معه، كانت الأجرة للقصار المستأجر. كذا هاهنا. # وسواء ترك العمل لمرض أو غيره، فإن طالب أحدهما الآخر أن يعمل معه أو ~~يقيم مقامه من يعمل، فله ذلك. فإن امتنع، فللآخر الفسخ. ويحتمل أنه متى ترك ~~العمل من غير عذر، أن لا يشارك صاحبه في أجرة ما عمله دونه؛ لأنه إنما ~~شاركه ليعملا جميعا، فإذا ترك أحدهما العمل، فما وفى بما شرط على نفسه، فلم ~~يستحق ما جعل له في مقابلته. وإنما احتمل ذلك فيما إذا ترك أحدهما العمل ~~لعذر؛ لأنه لا يمكن التحرز منه. ### | [فصل اشترك رجلان لكل واحد منهما دابة على أن يؤجراهما فما رزقهما الله من شيء فهو بينهما] # (3620) فصل: فإن اشترك رجلان، لكل واحد منهما دابة، على أن يؤجراهما، فما ~~رزقهما الله من شيء فهو بينهما، صح. فإذا تقبلا حمل شيء معلوم إلى مكان ~~معلوم في ذمتهما، ثم حملاه على البهيمين أو غيرهما، صح، والأجرة بينهما على ~~ما شرطاه؛ لأن تقبلهما الحمل أثبت الضمان، في ذمتهما، ولهما أن يحملاه بأي ~~ظهر كان، والشركة تنعقد على الضمان، كشركة الوجوه. # وإن أجراهما بأعيانهما على حمل شيء بأجرة معلومة، لم تصح الشركة، ولكل ~~واحد منهما أجر دابته؛ لأنه لم يجب ضمان الحمل في ذممهما، وإنما استحق ~~المكتري منفعة البهيمة التي استأجرها، ولهذا تنفسخ الإجارة بموت الدابة ~~التي اكتراها، ولأن الشركة إما أن تنعقد على الضمان في ذممهما، أو على ~~عملهما. وليس هذا بواحد منهما، فإنه لم يثبت في ذممهما ضمان، ولا عملا ~~بأبدانهما ما يجب الأجر في مقابلته، ولأن الشركة تتضمن الوكالة، والوكالة ~~على هذا الوجه لا تصح، ولهذا لو قال: آجره عبدك، وتكون أجرته ms2332 بيني وبينك. # لم تصح. كما لو قال: بع عبدك وثمنه بيننا. لم يصح. ويحتمل أن تصح الشركة، ~~كما لو اشتركا فيما يكتسبان من المباح بأبدانهما. فإن أعان أحدهما صاحبه في ~~التحميل والنقل، كان له أجر مثله؛ لأنها منافع وفاها بشبهة عقد. ### | [فصل كان لقصار أداة ولآخر بيت فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا] # (3621) فصل: فإن كان لقصار أداة، ولآخر بيت، فاشتركا على أن يعملا بأداة ~~هذا في بيت هذا، # PageV05P007 # والكسب بينهما، جاز، والأجر على ما شرطاه؛ لأن الشركة وقعت على عملهما، ~~والعمل يستحق به الربح في الشركة، والآلة والبيت لا يستحق بهما شيء؛ لأنهما ~~يستعملان في العمل المشترك، فصارا كالدابتين اللتين أجراهما لحمل الشيء ~~الذي تقبلا حمله. # وإن فسدت الشركة، قسم ما حصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والآلة. ~~وإن كانت لأحدهما آلة وليس للآخر شيء، أو لأحدهما بيت وليس للآخر شيء، ~~فاتفقا على أن يعملا بالآلة أو في البيت والأجرة بينهما، جاز؛ لما ذكرنا. ### | [فصل دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثا أو كيفما شرطا] # فصل: وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها، وما يرزق الله بينهما نصفين ~~أو أثلاثا أو كيفما شرطا، صح، نص عليه في رواية الأثرم ومحمد بن أبي حرب ~~وأحمد بن سعيد. ونقل عن الأوزاعي ما يدل على هذا. وكره ذلك الحسن، والنخعي ~~وقال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر وأصحاب الرأي: لا يصح، والربح كله لرب ~~الدابة؛ لأن الحمل الذي يستحق به العوض منها. # وللعامل أجر مثله؛ لأن هذا ليس من أقسام الشركة، إلا أن تكون المضاربة، ~~ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأن المضاربة تكون بالتجارة في الأعيان وهذه لا ~~يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها. وقال القاضي: يتخرج أن لا يصح، بناء ~~على أن المضاربة بالعروض لا تصح، فعلى هذا إن كان أجر الدابة بعينها فالأجر ~~لمالكها، وإن تقبل حمل شيء فحمله، أو حمل عليها شيئا مباحا فباعه، فالأجرة ~~والثمن له، ms2333 وعليه أجرة مثلها لمالكها. # ولنا، أنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها، كالدراهم ~~والدنانير، وكالشجر في المساقاة، والأرض في المزارعة. وقولهم: إنه ليس من ~~أقسام الشركة، ولا هو مضاربة. قلنا: نعم، لكنه يشبه المساقاة والمزارعة، ~~فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها. # وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعروض فاسد؛ فإن المضاربة إنما ~~تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه. وذكر القاضي، في موضع ~~آخر، في من استأجر دابة؛ ليعمل عليها بنصف ما يرزقه الله تعالى أو ثلثه، ~~جاز. ولا أرى لهذا وجها؛ فإن الإجارة يشترط لصحتها العلم بالعوض، وتقدير ~~المدة أو العمل، ولم يوجد، ولأن هذا عقد غير منصوص عليه، ولا هو في معنى ~~المنصوص، فهو كسائر العقود الفاسدة، إلا أن يريد بالإجارة المعاملة على ~~الوجه الذي تقدم. # وقد أشار أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة، فقال: لا بأس ~~بالثوب يدفع بالثلث والربع؛ لحديث جابر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أعطى خيبر على الشطر.» وهذا يدل على أنه قد صار في هذا ومثله إلى الجواز؛ ~~لشبهه بالمساقاة والمزارعة، لا إلى المضاربة، ولا إلى الإجارة. ونقل أبو ~~داود، عن أحمد، في من يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: # PageV05P008 # أرجو أن لا يكون به بأس. # قال إسحاق بن إبراهيم: قال أبو عبد الله: إذا كان على النصف والربع، فهو ~~جائز. وبه قال الأوزاعي. ونقل أحمد بن سعيد، عن أحمد، في من دفع عبده إلى ~~رجل ليكسب عليه، ويكون له ثلث ذلك أو ربعه، فجائز، والوجه فيه ما ذكرناه في ~~مسألة الدابة. وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قمصانا يبيعها، وله نصف ربحها ~~بحق عمله، جاز. نص عليه في رواية حرب، وإن دفع غزلا إلى رجل ينسجه ثوبا ~~بثلث ثمنه أو ربعه، جاز. نص عليه. # ولم يجز مالك وأبو حنيفة والشافعي شيئا من ذلك؛ لأنه عوض مجهول وعمل ~~مجهول. وقد ذكرنا وجه جوازه. وإن جعل له مع ذلك ms2334 دراهم معلومة، لم يجز. نص ~~عليه. وعنه الجواز. والصحيح الأول. وقال أبو بكر: هذا قول قديم، وما روي ~~غير هذا فعليه المعتمد. # قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع. ~~وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم ودرهمين؟ قال: أكرهه؛ لأن هذا شيء ~~لا يعرف. والثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزا؛ لحديث جابر، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أعطى خيبر على الشطر. قيل لأبي عبد الله: فإن كان ~~النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهما؟ قال: فليجعل له ثلثا وعشري ثلث ~~ونصف عشر وما أشبه. # وروى الأثرم، عن ابن سيرين، والنخعي، والزهري، وأيوب، ويعلى بن حكيم، ~~أنهم أجازوا ذلك. وقال ابن المنذر: كره هذا كله الحسن وقال أبو ثور وأصحاب ~~الرأي: هذا كله فاسد. # واختاره ابن المنذر وابن عقيل، وقالوا: لو دفع شبكته إلى الصياد ليصيد ~~بها السمك بينهما نصفين، فالصيد كله للصياد، ولصاحب الشبكة أجر مثلها. ~~وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة، وما رزق الله بينهما على ما شرطاه؛ لأنها ~~عين تنمى بالعمل فيها، فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض. # (3623) فصل: قال ابن عقيل: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~قفيز الطحان» . وهو أن يعطي الطحان أقفزة معلومة يطحنها بقفيز دقيق منها. ~~وعلة المنع أنه جعل له بعض معموله أجرا لعمله، فيصير الطحن مستحقا له عليه. ~~وهذا الحديث لا نعرفه، ولا يثبت عندنا صحته، وقياس قول أحمد جوازه؛ لما ~~ذكرناه عنه من المسائل. # (3624) فصل: فإن كان لرجل دابة، ولآخر إكاف وجوالقات، فاشتركا على أن ~~يؤجراهما والأجرة بينهما نصفان، فهو فاسد، لأن هذه أعيان لا يصح الاشتراك ~~فيها، فكذلك في منافعها، إذ تقديره: # PageV05P009 # آجر دابتك لتكون أجرتها بيننا، وأؤجر جوالقاتي لتكون أجرتها بيننا. وتكون ~~الأجرة كلها لصاحب البهيمة؛ لأنه مالك الأصل، وللآخر أجر مثله على صاحب ~~البهيمة؛ لأنه استوفى منافع ملكه بعقد فاسد، هذا إذا أجر الدابة بما عليها ~~من الإكاف والجوالقات في عقد واحد. # فأما لو أجر كل ms2335 واحد منهما ملكه منفردا، فلكل واحد منهما أجر ملكه. وهكذا ~~لو قال رجل لصاحبه: آجر عبدي، والأجر بيننا. كان الأجر لصاحبه، وللآخر أجر ~~مثله. وكذلك في جميع الأعيان. # (3625) فصل فإن اشترك ثلاثة؛ من أحدهم دابة، ومن آخر راوية، ومن آخر ~~العمل، على أن ما رزق الله تعالى فهو بينهم، صح، في قياس قول أحمد؛ فإنه نص ~~في الدابة يدفعها إلى آخر يعمل عليها، على أن لهما الأجرة على الصحة. # وهذا مثله؛ لأنه دفع دابته إلى آخر يعمل عليها، والراوية عين تنمى بالعمل ~~عليها، فهي كالبهيمة، فعلى هذا يكون ما رزق الله بينهم على ما اتفقوا عليه. ~~وهذا قول الشافعي لأنهما وكلا العامل في كسب مباح بآلة دفعاها إليه، فأشبه ~~ما لو دفع إليه أرضه ليزرعها. # وهكذا لو اشترك أربعة من أحدهم دكان ومن آخر رحى، ومن آخر بغل، ومن آخر ~~العمل، على أن يطحنوا بذلك، فما رزق الله تعالى فهو بينهم، صح، وكان بينهم ~~على ما شرطوه وقال القاضي: العقد فاسد في المسألتين جميعا. وهو ظاهر قول ~~الشافعي؛ لأن هذا لا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة، لكونه لا يجوز أن ~~يكون رأس مالهما العروض، ولأن من شروطهما عود رأس المال سليما، بمعنى أنه ~~لا يستحق شيء من الربح حتى يستوفى رأس المال بكماله. # والراوية هاهنا تخلق وتنقص، ولا إجارة؛ لأنها تفتقر إلى مدة معلومة وأجر ~~معلوم، فتكون فاسدة. فعلى هذا يكون الأجر كله في المسألة الأولى للسقاء؛ ~~لأنه لما غرف الماء في الإناء ملكه، فإذا باعه فثمنه له، لأنه عوض ملكه، ~~وعليه لصاحبيه أجر المثل، لأنه استعمل ملكهما بعوض لم يسلم لهما، فكان لهما ~~أجر المثل، كسائر الإجارات الفاسدة. وأما في المسألة الثانية، فإنهم إذا ~~طحنوا لرجل طعاما بأجرة، نظرت في عقد الإجارة، فإن كان من واحد منهم، ولم ~~يذكر أصحابه، ولا نواهم، فالأجر كله له، وعليه لأصحابه أجر المثل، وإن نوى ~~أصحابه، أو ذكرهم، كان كما لو عقد مع كل واحد منهم منفردا، أو استأجر من ~~جميعهم، فقال: ms2336 استأجرتكم لتطحنوا لي هذا الطعام بكذا. فالأجر بينهم أرباعا؛ ~~لأن كل واحد منهم قد لزمه طحن ربعه بربع الأجر، ويرجع كل واحد منهم على ~~أصحابه بربع أجر مثله. # وإن كان قال: استأجرت هذا الدكان والبغل والرحى، وهذا الرجل بكذا وكذا، ~~لطحن كذا وكذا من الطعام. صح، والأجر بينهم على قدر أجر مثلهم، لكل واحد # PageV05P010 # من المسمى بقدر حصته، في أحد الوجهين، وفي الآخر، يكون بينهم أرباعا، ~~بناء على ما إذا تزوج أربعا بمهر واحد، أو كاتب أربعة أعبد بعوض واحد. وهل ~~يكون العوض أرباعا، أو على قدر قيمتهم؟ على وجهين. ### | [مسألة اشترك بدنان بمال أحدهما أو بدنان بمال غيرهما] # (3626) مسألة؛ قال: (وإن اشترك بدنان بمال أحدهما، أو بدنان بمال غيرهما، ~~أو بدن ومال، أو مالان وبدن صاحب أحدهما، أو بدنان بماليهما، تساوى المال ~~أو اختلف، فكل ذلك جائز.) ذكر أصحابنا الشركة الجائزة أربعا، وقد ذكرنا ~~نوعا منها؛ وهو شركة الأبدان، وبقي ثلاثة أنواع، ذكرها الخرقي في خمسة ~~أقسام، ثلاثة منها المضاربة، وهي إذا اشترك بدنان بمال أحدهما، أو بدن ~~ومال، أو مالان وبدن صاحب أحدهما. # وقسم منها شركة الوجوه، وهو إذا اشترك بدنان بمال غيرهما. وقال القاضي: ~~معنى هذا القسم، أن يدفع واحد ماله إلى اثنين مضاربة، فيكون المضاربان ~~شريكين في الربح بمال غيرهما؛ لأنهما إذا أخذا المال بجاههما فلا يكونان ~~مشتركين بمال غيرهما، وهذا محتمل. # والذي قلنا له وجه؛ لكونهما اشتركا فيما يأخذان من مال غيرهما، واخترنا ~~هذا التفسير؛ لأن كلام الخرقي بهذا التقدير يكون جامعا لأنواع الشركة ~~الصحيحة، وعلى تفسير القاضي يكون مخلا بنوع منها، وهي شركة الوجوه، ويكون ~~هذا المذكور نوعا من المضاربة، ولأن الخرقي ذكر الشركة بين اثنين، وهو صحيح ~~على تفسيرنا، وعلى تفسير القاضي تكون الشركة بين ثلاثة، وهو خلاف ظاهر قول ~~الخرقي. والقسم الخامس إذا اشترك بدنان بماليهما، وهذه شركة العنان، وهي ~~شركة متفق عليها. # فأما شركة الوجوه، فهو أن يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما، وثقة التجار ~~بهما، من غير أن يكون لهما رأس ms2337 مال، على أن ما اشتريا بينهما نصفين أو ~~أثلاثا أو أرباعا أو نحو ذلك، ويبيعان ذلك، فما قسم الله تعالى فهو بينهما، ~~فهي جائزة، سواء عين أحدهما لصاحبه ما يشتريه، أو قدره، أو وقته، أو ذكر ~~صنف المال، أو لم يعين شيئا من ذلك، بل قال: ما اشتريت من شيء فهو بيننا. # وقال أحمد، في رواية ابن منصور: في رجلين اشتركا بغير رءوس أموالهما، على ~~أن ما يشتريه كل واحد منهما بينهما، فهو جائز. وبهذا قال الثوري، ومحمد بن ~~الحسن، وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يذكر الوقت أو المال، أو ~~صنفا من الثياب. وقال مالك والشافعي: يشترط ذكر شرائط الوكالة؛ لأن شرائط ~~الوكالة معتبرة في ذلك، من تعين الجنس وغيره من شرائط الوكالة. ولنا، أنهما ~~اشتركا في الابتياع، وأذن كل واحد منهما للآخر فيه، فصح، وكان ما يتبايعانه ~~بينهما، كما لو ذكر شرائط الوكالة. # وقولهم: إن الوكالة لا تصح حتى يذكر قدر الثمن والنوع. ممنوع على رواية ~~لنا، وإن سلمنا ذلك فإنما يعتبر في الوكالة المفردة، أما الوكالة الداخلة ~~في ضمن الشركة فلا يعتبر # PageV05P011 # فيها ذلك، بدليل المضاربة وشركة العنان، فإن في ضمنهما توكيلا، ولا يعتبر ~~فيها شيء من هذا، كذا هاهنا. فعلى هذا إذا قال لرجل: ما اشتريت اليوم من ~~شيء، فهو بيني وبينك نصفان. # أو أطلق الوقت، فقال: نعم. أو قال: ما اشتريت أنا من شيء، فهو بيني وبينك ~~نصفان. جاز، وكانت شركة صحيحة؛ لأنه أذن له في التجارة على أن يكون المبيع ~~بينهما، وهذا معنى الشركة، ويكون توكيلا له في شراء نصف المتاع بنصف الثمن، ~~فيستحق الربح في مقابلة ملكه الحاصل في المبيع، سواء خص ذلك بنوع من المتاع ~~أو أطلق. وكذلك إذا قالا: ما اشتريناه أو ما اشتراه أحدنا من تجارة فهو ~~بيننا. فهو شركة صحيحة، وهما في تصرفاتهما، وما يجب لهما وعليهما، وفي ~~إقرارهما، وخصومتهما، وغير ذلك، بمنزلة شريكي العنان، على ما سنذكره إن شاء ~~الله تعالى. # وأيهما عزل صاحبه عن التصرف، ms2338 انعزل؛ لأنه وكيله. وسميت هذه شركة الوجوه، ~~لأنهما يشتركان فيما يشتريان بجاههما، والجاه والوجه واحد، يقال: فلان ~~وجيه. إذا كان ذا جاه، قال الله تعالى في موسى - عليه السلام -: {وكان عند ~~الله وجيها} [الأحزاب: 69] . وفي بعض الآثار، أن موسى - عليه السلام -، قال ~~يا رب، إن كان قد خلق جاهي عندك، فأسألك بحق النبي الأمي الذي تبعثه في آخر ~~الزمان. فأوحى الله تعالى إليه: ما خلق جاهك عندي، وإنك عندي لوجيه. ### | [فصل شركة العنان] # (3627) فصل: القسم الثاني، أن يشترك بدنان بماليهما. وهذا النوع الثالث ~~من أنواع الشركة، وهي شركة العنان. ومعناها: أن يشترك رجلان بماليهما على ~~أن يعملا فيهما، بأبدانهما، والربح بينهما. وهي جائزة بالإجماع. ذكره ابن ~~المنذر وإنما اختلف في بعض شروطها، واختلف في علة تسميتها شركة العنان، ~~فقيل: سميت بذلك لأنهما يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا سويا بين ~~فرسيهما، وتساويا في السير، فإن عنانيهما يكونان سواء. # وقال الفراء: هي مشتقة من عن الشيء إذا عرض، يقال: عنت لي حاجة. إذا ~~عرضت، فسميت الشركة بذلك؛ لأن كل واحد منهما عن له أن يشارك صاحبه. وقيل: ~~هي مشتقة من المعاننة، وهي المعارضة، يقال: عاننت فلانا. إذا عارضته بمثل ~~ماله وأفعاله. فكل واحد من الشريكين معارض لصاحبه بماله وفعاله. # وهذا يرجع إلى قول الفراء. # (3628) فصل: ولا خلاف في أنه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير، ~~فإنهما قيم الأموال وأثمان البياعات، # PageV05P012 # والناس يشتركون بها من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى زمننا من ~~غير نكير. فأما العروض، فلا تجوز الشركة فيها، في ظاهر المذهب. # نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب وحرب. وحكاه عنه ابن المنذر. # وكره ذلك ابن سيرين، ويحيى بن أبي كثير والثوري، والشافعي وإسحاق، وأبو ~~ثور، وأصحاب الرأي؛ لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو ~~أثمانها، لا يجوز وقوعها على أعيانها؛ لأن الشركة تقتضي الرجوع عند ~~المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها، فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة ~~جنس أحدهما دون الآخر، ms2339 فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص ~~قيمته، فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح، ولا على ~~قيمتها؛ لأن القيمة غير متحققة القدر، فيفضي إلى التنازع، وقد يقوم الشيء ~~بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه، فيشاركه الآخر في ~~العين المملوكة له، ولا يجوز وقوعها على أثمانها؛ لأنها معدومة حال العقد ~~ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به، فقد خرج عن ملكه وصار ~~للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به، فإنها تصير شركة معلقة على شرط، ~~وهو بيع الأعيان، ولا يجوز ذلك. # وعن أحمد رواية أخرى، أن الشركة والمضاربة تجوز بالعروض، وتجعل قيمتها ~~وقت العقد رأس المال. قال أحمد: إذا اشتركا في العروض، يقسم الربح على ما ~~اشترطا. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة بالمتاع؟ فقال: ~~جائز. فظاهر هذا صحة الشركة بها. # اختار هذا أبو بكر، وأبو الخطاب. وهو قول مالك، وابن أبي ليلى. وبه قال ~~في المضاربة طاوس، والأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان؛ لأن مقصود الشركة جواز ~~تصرفها في المالين جميعا، وكون ربح المالين بينهما، وهذا يحصل في العروض ~~كحصوله في الأثمان، فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها، كالأثمان. ويرجع كل ~~واحد منهما عند المفاصلة بقيمة ماله عند العقد، كما أننا جعلنا نصاب زكاتها ~~قيمتها. وقال الشافعي: إن كانت العروض من ذوات الأمثال؛ كالحبوب والأدهان، ~~جازت الشركة بها، في أحد الوجهين؛ لأنها من ذوات الأمثال، أشبهت النقود، ~~ويرجع عند المفاصلة بمثلها. # وإن لم تكن من ذوات الأمثال، لم يجز، وجها واحدا؛ لأنه لا يمكن الرجوع ~~بمثلها. ولنا، أنه نوع شركة، فاستوى فيها ماله مثل من العروض وما لا مثل ~~له، كالمضاربة، وقد سلم أن المضاربة لا تجوز بشيء من العروض، ولأنها ليست ~~بنقد، فلم تصح الشركة بها، كالذي لا مثل له. # (3629) فصل: والحكم في النقرة كالحكم في العروض؛ لأن قيمتها تزيد وتنقص، ~~فهي كالعروض. # PageV05P013 # وكذلك الحكم في المغشوش من الأثمان، قل الغش أو كثر. ms2340 # وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة إن كان الغش أقل من النصف، جاز، وإن ~~كثر، لم يجز؛ لأن الاعتبار بالغالب في كثير من الأصول. ولنا، أنها مغشوشة، ~~فأشبه ما لو كان الغش أكثر، ولأن قيمتها تزيد وتنقص، أشبهت العروض. وقولهم: ~~الاعتبار بالغالب. ليس بصحيح؛ فإن الفضة إذا كانت أقل، لم يسقط حكمها في ~~الزكاة، وكذلك الذهب، اللهم إلا أن يكون الغش قليلا جدا لمصلحة النقد، ~~كيسير الفضة في الدينار، مثل الحبة ونحوها، فلا اعتبار به، لأنه لا يمكن ~~التحرز منه، ولا يؤثر في الربا، ولا في غيره. ### | [فصل الشركة بالفلوس] # (3630) فصل: ولا تصح الشركة بالفلوس. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، ~~وابن القاسم صاحب مالك. ويتخرج الجواز إذا كانت نافقة؛ فإن أحمد قال: لا ~~أرى السلم في الفلوس؛ لأنه يشبه الصرف. وهذا قول محمد بن الحسن، وأبي ثور؛ ~~لأنها ثمن، فجازت الشركة بها، كالدراهم والدنانير. # ويحتمل جواز الشركة بها على كل حال، نافقة كانت أو غير نافقة، بناء على ~~جواز الشركة بالعروض. ووجه الأول، أنها تنفق مرة وتكسد أخرى، فأشبهت ~~العروض، فإذا قلنا بصحة الشركة بها، فإنها إن كانت نافقة كان رأس المال ~~مثلها، وإن كانت كاسدة، كانت قيمتها كالعروض. ### | [فصل لا يجوز أن يكون رأس مال الشركة مجهولا] # (3631) فصل: ولا يجوز أن يكون رأس مال الشركة مجهولا، ولا جزافا؛ لأنه لا ~~بد من الرجوع به عند المفاصلة، ولا يمكن مع الجهل والجزاف. ولا يجوز بمال ~~غائب، ولا دين؛ لأنه لا يمكن التصرف فيه في الحال، وهو مقصود الشركة. # (3632) فصل: ولا يشترط لصحتها اتفاق المالين في الجنس، بل يجوز أن يخرج ~~أحدهما دراهم والآخر دنانير. نص عليه أحمد. وبه قال الحسن، وابن سيرين وقال ~~الشافعي: لا تصح الشركة إلا أن يتفقا في مال واحد، بناء على أن خلط المالين ~~شرط، ولا يمكن إلا في المال الواحد. ونحن لا نشترط ذلك، ولأنهما من جنس ~~الأثمان، فصحت الشركة فيهما، كالجنس الواحد، ومتى تفاصلا، رجع هذا ~~بدنانيره، وهذا بدراهمه، ثم اقتسما الفضل. # نص عليه ms2341 أحمد، فقال: يرجع هذا بدنانيره، وهذا بدراهمه. وقال: # PageV05P014 # كذا يقول محمد والحسن، وقال القاضي: إذا أرادا المفاصلة، قوما المتاع ~~بنقد البلد، وقوما مال الآخر به، ويكون التقويم حين صرفا الثمن فيه. ولنا ~~أن هذه شركة صحيحة، رأس المال فيها الأثمان، فيكون الرجوع بجنس رأس المال، ~~كما لو كان الجنس واحدا. # (3633) فصل: ولا يشترط تساوي المالين في القدر. وبه قال الحسن، والشعبي، ~~والنخعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال بعض أصحاب الشافعي: يشترط ~~ذلك. ولنا، أنهما مالان من جنس الأثمان، فجاز عقد الشركة عليهما، كما لو ~~تساويا. # (3634) فصل: ولا يشترط اختلاط المالين، إذا عيناهما وأحضراهما. وبهذا قال ~~أبو حنيفة ومالك، إلا أن مالكا شرط أن تكون أيديهما عليه، بأن يجعلاه في ~~حانوت لهما، أو في يد وكيلهما. # وقال الشافعي: لا يصح حتى يخلطا المالين؛ لأنهما إذا لم يخلطاهما فمال كل ~~واحد منهما يتلف منه دون صاحبه، أو يزيد له دون صاحبه، فلم تنعقد الشركة، ~~كما لو كان من المكيل. ولنا، أنه عقد يقصد به الربح، فلم يشترط فيه خلط ~~المال، كالمضاربة، ولأنه عقد على التصرف، فلم يكن من شرطه الخلط كالوكالة. ~~وعلى مالك، فلم يكن من شرطه أن تكون أيديهما عليه، كالوكالة. # وقولهم: إنه يتلف من مال صاحبه، أو يزيد على ملك صاحبه. ممنوع، بل ما ~~يتلف من مالهما وزيادته لهما؛ لأن الشركة اقتضت ثبوت الملك لكل واحد منهما ~~في نصف مال صاحبه، فيكون تلفه منهما، وزيادته لهما. وقال أبو حنيفة: متى ~~تلف أحد المالين، فهو من ضمان صاحبه. ولنا، أن الوضيعة والضمان أحد موجبي ~~الشركة، فتعلق بالشريكين، كالربح، وكما لو اختلطا. ### | [فصل في الشركة الفاسدة] # فصل: ومتى وقعت الشركة فاسدة، فإنهما يقتسمان الربح على قدر رءوس ~~أموالهما، ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجر عمله. نص عليه أحمد في ~~المضاربة. واختاره القاضي. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لأن المسمى يسقط ~~في العقد الفاسد، كالبيع الفاسد إذا تلف المبيع في يد المشتري، إلا أن يكون ~~مال كل واحد منهما متميزا وربحه معلوما، ms2342 فيكون له ربح ماله. ولو ربح في جزء ~~منه ربحا متميزا وباقيه مختلط، كان له ما تميز من ربح ماله، وله بحصته باقي ~~ماله من الربح. # واختار الشريف أبو جعفر أنهما يقتسمان الربح على ما شرطاه، ولا يستحق ~~أحدهما على الآخر أجر عمله. وأجراها مجرى الصحيحة في جميع أحكامها. قال: ~~لأن أحمد قال: إذا اشتركا في العروض، قسم الربح على ما اشترطاه. واحتج بأنه # PageV05P015 # عقد يصح مع الجهالة، فيثبت المسمى في فاسده، كالنكاح. والمذهب الأول. # قاله القاضي وكلام أحمد محمول على الرواية الأخرى في تصحيح المضاربة ~~بالعروض، لأن الأصل كون ربح مال كل واحد لمالكه؛ لأنه نماؤه، وإنما ترك ذلك ~~بالعقد الصحيح، فإذا لم يكن العقد صحيحا، بقي الحكم على مقتضى الأصل، كما ~~أن البيع إذا كان فاسدا لم ينقل ملك كل واحد من المتبايعين عن ماله. ### | [فصل شركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة] # (3636) فصل: وشركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة؛ لأن كل واحد منهما ~~يدفع المال إلى صاحبه أمنة، وبإذنه له في التصرف وكله. ومن شرط صحتها أن ~~يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف، فإن أذن له مطلقا في جميع التجارات، ~~تصرف فيها، وإن عين له جنسا أو نوعا أو بلدا، تصرف فيه دون غيره؛ لأنه ~~متصرف بالإذن، فوقف عليه، كالوكيل. # ويجوز لكل واحد منهما أن يبيع ويشتري مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة، ~~وكيف رأى المصلحة؛ لأن هذا عادة التجار. وله أن يقبض المبيع والثمن، ~~ويقبضهما، ويخاصم في الدين، ويطالب به، ويحيل، ويحتال، ويرد بالعيب فيما ~~وليه هو، وفيما ولي صاحبه. وله أن يستأجر من رأس مال الشركة ويؤجر؛ لأن ~~المنافع أجريت مجرى الأعيان، فصار كالشراء والبيع، والمطالبة بالأجر لهما ~~وعليهما؛ لأن حقوق العقد لا تختص العاقد. # (3637) فصل: وليس له أن يكاتب الرقيق، ولا يعتق على مال ولا غيره، ولا ~~يزوج الرقيق؛ لأن الشركة تنعقد على التجارة، وليست هذه الأنواع تجارة، سيما ~~تزويج العبد، فإنه محض ضرر. وليس له أن يقرض ولا يحابي؛ لأنه تبرع. وليس له ~~التبرع. وليس ms2343 له أن يشارك بمال الشركة، ولا يدفعه مضاربة؛ لأن ذلك يثبت في ~~المال حقوقا، ويستحق ربحه لغيره، وليس ذلك له. # وليس له أن يخلط مال الشركة بماله، ولا مال غيره؛ لأنه يتضمن إيجاب حقوق ~~في المال، وليس هو من التجارة المأذون فيها. ولا يأخذ بالمال سفتجة؛ ولا ~~يعطي به سفتجة؛ لأن في ذلك خطرا لم يؤذن فيه. وليس له أن يستدين على مال ~~الشركة، فإن فعل فذلك له، وله ربحه وعليه وضيعته. قال أحمد، في رواية صالح، ~~في من استدان في المال بوجهه ألفا: فهو له، وربحه له والوضيعة عليه. # وقال القاضي: إذا استقرض شيئا، لزمهما، وربحه لهما؛ لأنه تمليك مال بمال، ~~فهو كالصرف. ونص أحمد يخالف هذا. ولأنه أدخل في الشركة أكثر مما رضي الشريك ~~بالمشاركة فيه، فلم يجز، كما لو ضم إليها ألفا من ماله. ويفارق الصرف؛ لأنه ~~بيع وإبدال عين بعين، فهو كبيع الثياب بالدراهم. وليس له أن يقر على مال ~~الشركة، فإن فعل لزم في حقه دون صاحبه، سواء أقر بعين أو دين؛ # PageV05P016 # لأن شريكه إنما أذن في التجارة، وليس الإقرار داخلا فيها. # وإن أقر بعيب في عين باعها، قبل إقراره، وكذلك يقبل إقرار الوكيل على ~~موكله بالعيب. نص عليه أحمد وكذلك إن أقر ببقية ثمن المبيع، أو بجميعه، أو ~~بأجر المنادي أو الحمال، وأشباه هذا، ينبغي أن يقبل؛ لأن هذا من توابع ~~التجارة، فكان له ذلك، كتسليم المبيع وأداء ثمنه. وإن ردت السلعة عليه ~~بعيب، فله أن يقبلها. وله أن يعطي أرش العيب، أو يحط من ثمنه، أو يؤخر ثمنه ~~لأجل العيب؛ لأن ذلك قد يكون أحظ من الرد، وإن حط من الثمن ابتداء، أو أسقط ~~دينا لهما عن غريمهما، لزم في حقه، وبطل في حق شريكه؛ لأنه تبرع، والتبرع ~~يجوز في حق نفسه دون شريكه. # وإن كان لهما دين حال، فأخر أحدهما حصته من الدين، جاز. وبه قال أبو يوسف ~~ومحمد وقال أبو حنيفة: لا يجوز. ولنا، أنه أسقط حقه من المطالبة، فصح أن ms2344 ~~ينفرد أحدهما به، كالإبراء. # (3638) فصل: وهل لأحدهما أن يبيع نساء؟ يخرج على روايتين، بناء على ~~الوكيل والمضارب. وسنذكر ذلك. # وإن اشترى نساء بنقد عنده مثله، أو نقد من غير جنسه، أو اشترى بشيء من ~~ذوات الأمثال وعنده مثله، جاز؛ لأنه إذا اشترى بجنس ما عنده، فهو يؤدي مما ~~في يديه، فلا يفضي إلى الزيادة في الشركة. وإن لم يكن في يده نقد ولا مثلي ~~من جنس ما اشترى به، أو كان عنده عرض فاستدان عرضا، فالشراء له خاصة، وربحه ~~له، وضمانه عليه؛ لأنه استدانه على مال الشركة، وليس له ذلك، على ما ~~أسلفناه. # والأولى أنه متى كان عنده من مال الشركة ما يمكنه من أداء الثمن منه ~~ببيعه، أنه يجوز؛ لأنه أمكنه أداء الثمن من مال الشركة، فأشبه ما لو كان ~~عنده نقد، ولأن هذا عادة التجار ولا يمكن التحرز منه. وهل له أن يبضع أو ~~يودع؟ على روايتين؛ إحداهما، له ذلك؛ لأنه عادة التجار، وقد تدعو الحاجة ~~إلى الإيداع. والثانية، لا يجوز؛ لأنه ليس من الشركة، وفيه غرر. # والصحيح أن الإيداع يجوز عند الحاجة إليه؛ لأنه من ضرورة الشركة، أشبه ~~دفع المتاع إلى الحمال. وفي التوكيل فيما يتولى مثله بنفسه وجهان، بناء على ~~الوكيل. وقيل: يجوز للشريك التوكيل، بخلاف الوكيل؛ لأنه لو جاز للوكيل ~~التوكيل، لاستفاد بحكم العقد مثل العقد، والشريك يستفيد بعقد الشركة ما هو ~~أخص منه ودونه؛ لأن التوكيل أخص من عقد الشركة. فإن وكل أحدهما، ملك الآخر ~~عزله؛ لأن لكل واحد منهما التصرف في حق صاحبه بالتوكيل، فكذلك بالعزل. # وهل لأحدهما أن يرهن بالدين الذي عليهما، أو يرتهن بالدين الذي لهما؟ على ~~وجهين، # PageV05P017 # أصحهما، أن له ذلك عند الحاجة؛ لأن الرهن يراد للإيفاء، والارتهان يراد ~~للاستيفاء، وهو يملك الإيفاء والاستيفاء، فملك ما يراد لهما. والثاني، ليس ~~له ذلك؛ لأن فيه خطرا. ولا فرق بين أن يكون ممن ولي العقد، أو من غيره، ~~لكون القبض من حقوق العقد، وحقوق العقد لا تختص العاقد، فكذلك ما يراد له. ms2345 ~~وهل له السفر بالمال؟ فيه وجهان، نذكرهما في المضاربة. # فأما الإقالة، فالأولى أنه يملكها؛ لأنها إن كانت بيعا فهو يملك البيع، ~~وإن كانت فسخا فهو يملك الفسخ بالرد بالعيب، إذا رأى المصلحة فيه، فكذلك ~~يملك الفسخ بالإقالة إذا كان الحظ فيه، فإنه قد يشتري ما يرى أنه قد غبن ~~فيه. ويحتمل أن لا يملكها إذا قلنا: هي فسخ، لأن الفسخ ليس من التجارة. # وإن قال له: اعمل برأيك. جاز له أن يعمل كل ما يقع في التجارة، من ~~الإبضاع، والمضاربة بالمال، والمشاركة به، وخلطه بماله، والسفر به، ~~والإيداع، والبيع نساء، والرهن، والارتهان، والإقالة، ونحو ذلك؛ لأنه فوض ~~إليه الرأي في التصرف الذي تقتضيه الشركة، فجاز له كل ما هو من التجارة. # فأما ما كان تمسكا بغير عوض، كالهبة، والحطيطة لغير فائدة، والقرض، ~~والعتق، ومكاتبة الرقيق، وتزويجهم، ونحوه، فليس له فعله؛ لأنه إنما فوض ~~إليه العمل برأيه في التجارة، وليس هذا منها. ### | [فصل أخذ أحد الشريكين مالا مضاربة] # (3639) فصل: وإن أخذ أحدهما مالا مضاربة، فربحه له، ووضيعته عليه، دون ~~صاحبه؛ لأنه يستحق ذلك في مقابلة عمله، وليس ذلك من المال الذي اشتركا فيه. ~~وقد قال أصحابنا في المضاربة: إذا ضارب لرجل آخر، رد ما حصل من الربح في ~~شركة الأول، إذا كان فيه ضرر على الأول. فيجيء هاهنا مثله. ### | [فصل الشركة من العقود الجائزة] # (3640) فصل: والشركة من العقود الجائزة، تبطل بموت أحد الشريكين، وجنونه، ~~والحجر عليه للسفه، وبالفسخ من أحدهما؛ لأنها عقد جائز، فبطلت بذلك، ~~كالوكالة، وإن عزل أحدهما صاحبه، انعزل المعزول فلم يكن له أن يتصرف إلا في ~~قدر نصيبه، وللعازل التصرف في الجميع؛ لأن المعزول لم يرجع عن إذنه. # هذا إذا كان المال ناضا، وإن كان عرضا، فذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد، ~~أنه لا ينعزل بالعزل، وله التصرف حتى ينض المال، كالمضارب إذا عزله رب ~~المال، وينبغي أن يكون له التصرف بالبيع دون المعاوضة بسلعة أخرى، أو ~~التصرف بغير ما ينض به المال. وذكر أبو الخطاب أنه ينعزل ms2346 مطلقا. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأنه عقد جائز، فأشبه # PageV05P018 # الوكالة. # فعلى هذا إن اتفقا على البيع أو القسمة، فعلا. وإن طلب أحدهما القسمة ~~والآخر البيع. أجيب طالب القسمة دون طالب البيع. فإن قيل: أليس إذا فسخ رب ~~المال المضاربة، فطلب العامل البيع، أجيب إليه؟ فالجواب: أن حق العامل في ~~الربح، ولا يظهر الربح إلا بالبيع، فاستحقه العامل لوقوف حصول حقه عليه، ~~وفي مسألتنا، ما يحصل من الربح يستدركه كل واحد منهما في نصيبه من المتاع، ~~فلم يجبر على البيع. ### | [فصل مات أحد الشريكين وله وارث رشيد] # (3641) فصل: فإن مات أحد الشريكين، وله وارث رشيد، فله أن يقيم على ~~الشركة، ويأذن له الشريك في التصرف. وله المطالبة بالقسمة، فإن كان موليا ~~عليه قام وليه مقامه في ذلك؛ لأنه لا يفعل إلا ما فيه المصلحة للمولى عليه. ~~فإن كان الميت قد وصى بمال الشركة، أو ببعضه، لمعين، فالموصى له كالوارث ~~فيما ذكرنا. وإن وصى به لغير معين، كالفقراء، لم يجز للوصي الإذن في ~~التصرف؛ لأنه قد وجب دفعه إليهم، فيعزل نصيبهم، ويفرقه بينهم. وإن كان على ~~الميت دين تعلق بتركته، فليس للوارث إمضاء الشركة حتى يقضي دينه، فإن قضاه ~~من غير مال الشركة، فله الإتمام، وإن قضاه منه، بطلت الشركة في قدر ما قضى. ### | [فصل في شركة المضاربة] # (3642) فصل: القسم الثالث، أن يشترك بدن ومال. وهذه المضاربة، وتسمى ~~قراضا أيضا، ومعناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه، على أن ما حصل ~~من الربح بينهما حسب ما يشترطانه، فأهل العراق يسمونه مضاربة، مأخوذ من ~~الضرب في الأرض، وهو السفر فيها للتجارة، قال الله تعالى {وآخرون يضربون في ~~الأرض يبتغون من فضل الله} [المزمل: 20] . # ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما في الربح بسهم. ويسميه أهل الحجاز ~~القراض. فقيل: هو مشتق من القطع. يقال: قرض الفأر الثوب. إذا قطعه. فكأن ~~صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل، واقتطع له قطعة من ~~الربح. وقيل: اشتقاقه من المساواة والموازنة. يقال: تقارض ms2347 الشاعران. إذا ~~وازن كل واحد منهما الآخر بشعره. وهاهنا من العامل العمل، ومن الآخر المال، ~~فتوازنا. # وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة. ذكره ابن المنذر وروي عن ~~حميد بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم ~~مضاربة يعمل به في العراق،. وروى مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عبد ~~الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -، خرجا في جيش إلى ~~العراق، فتسلفا من أبي موسى مالا، وابتاعا به متاعا. وقدما به إلى المدينة، ~~فباعاه، وربحا فيه، فأراد عمر أخذ رأس المال والربح كله. فقالا: لو تلف كان ~~ضمانه علينا، فلم لا يكون ربحه لنا؟ # PageV05P019 # فقال رجل: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضا؟ قال: قد جعلته. وأخذ منهما ~~نصف الربح. # وهذا يدل على جواز القراض. وعن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، ~~عن جده، أن عثمان قارضه. # وعن قتادة، عن الحسن، أن عليا قال: إذا خالف المضارب فلا ضمان، هما على ~~ما شرطا. وعن ابن مسعود، وحكيم بن حزام، أنهما قارضا. ولا مخالف لهم في ~~الصحابة فحصل إجماعا. ولأن بالناس حاجة إلى المضاربة، فإن الدراهم ~~والدنانير لا تنمى إلا بالتقلب والتجارة، وليس كل من يملكها يحسن التجارة، ~~ولا كل من يحسن التجارة له رأس مال، فاحتيج إليها من الجانبين، فشرعها الله ~~تعالى لدفع الحاجتين. # إذا ثبت هذا، فإنها تنعقد بلفظ المضاربة والقراض؛ لأنهما لفظان موضوعان ~~لها أو بما يؤدي معناها؛ لأن المقصود المعنى، فجاز بما دل عليه، كلفظ ~~التمليك في البيع. ### | [فصل حكم شركة المضاربة] # (3643) فصل: وحكمها حكم شركة العنان، في أن كل ما جاز للشريك عمله جاز ~~للمضارب عمله، وما منع منه الشريك منع منه المضارب، وما اختلف فيه ثم، ~~فهاهنا مثله، وما جاز أن يكون رأس مال الشركة، جاز أن يكون رأس مال ~~المضاربة. وما لا يجوز ثم لا يجوز هاهنا، على ما فصلناه. ### | [فصل أن يشترك مالان وبدن] # (3644) فصل: القسم الرابع، أن يشترك ms2348 مالان وبدن صاحب أحدهما. فهذا يجمع ~~شركة ومضاربة، وهو صحيح. فلو كان بين رجلين ثلاثة آلاف درهم، لأحدهما ألف، ~~وللآخر ألفان، فأذن صاحب الألفين لصاحب الألف أن يتصرف فيها على أن يكون ~~الربح بينهما نصفين، صح، ويكون لصاحب الألف ثلث الربح بحق ماله، والباقي ~~وهو ثلثا الربح بينهما، لصاحب الألفين ثلاثة أرباعه، وللعامل ربعه، وذلك ~~لأنه جعل له نصف الربح، فجعلناه ستة أسهم، منها ثلاثة للعامل، حصة ماله ~~سهمان، وسهم يستحقه بعمله في مال شريكه، وحصة مال شريكه أربعة أسهم، للعامل ~~سهم وهو الربع. # فإن قيل: فكيف تجوز المضاربة ورأس المال مشاع؟ قلنا: إنما تمنع الإشاعة ~~الجواز إذا كانت مع غير العامل؛ لأنها تمنعه من التصرف، بخلاف ما إذا كانت ~~مع العامل، فإنها لا تمنعه من التصرف، فلا تمنع من صحة المضاربة. فإن شرط ~~للعامل ثلث الربح فقط، فمال صاحبه بضاعة في يده، وليست بمضاربة؛ لأن ~~المضاربة إنما تحصل إذا كان الربح بينهما. # فأما إذا قال: ربح مالك لك، وربح مالي لي. فقبل الآخر، كان إبضاعا لا ~~غير. وبهذا كله قال الشافعي وقال مالك: لا يجوز أن يضم إلى القراض شركة، ~~كما لا يجوز أن يضم إليه عقد إجارة. # PageV05P020 # ولنا، أنهما لم يجعلا أحد العقدين شرطا للآخر، فلم نمنع من جمعهما، كما ~~لو كان المال متميزا. ### | [فصل دفع إليه ألفا مضاربة] # (3645) فصل: إذا دفع إليه ألفا مضاربة، وقال: أضف إليه ألفا من عندك، ~~واتجر بهما، والربح بيننا، لك ثلثاه، ولي ثلثه. جاز؛ وكان شركة وقراضا. ~~وقال أصحاب الشافعي: لا يصح؛ لأن الشركة إذا وقعت على المال كان الربح ~~تابعا له، دون العمل. ولنا، أنهما تساويا في المال، وانفرد أحدهما بالعمل، ~~فجاز أن ينفرد بزيادة الربح، كما لو لم يكن له مال. # وقولهم: إن الربح تابع للمال وحده. ممنوع، بل هو تابع لهما، كما أنه حاصل ~~بهما. فإن شرط غير العامل لنفسه ثلثي الربح، لم يجز. وقال القاضي: يجوز، ~~بناء على جواز تفاضلهما في شركة العنان. ولنا، أنه اشترط لنفسه جزءا ms2349 من ~~الربح لا مقابل له، فلم يصح، كما لو شرط ربح مال العامل المنفرد، وفارق ~~شركة العنان؛ لأن فيها عملا منهما، فجاز أن يتفاضلا في الربح لتفاضلهما في ~~العمل، بخلاف مسألتنا. # وإن جعلا الربح بينهما نصفين، ولم يقولا مضاربة، جاز، وكان إبضاعا كما ~~تقدم. وإن قالا: مضاربة. فسد العقد؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى. ### | [فصل أن يشترك بدنان بمال أحدهما] # (3646) فصل: القسم الخامس، أن يشترك بدنان بمال أحدهما. وهو أن يكون ~~المال من أحدهما والعمل منهما، مثل أن يخرج أحدهما ألفا، ويعملان فيه معا، ~~والربح بينهما. فهذا جائز. ونص عليه أحمد، في رواية أبي الحارث. وتكون ~~مضاربة؛ لأن غير صاحب المال يستحق المشروط له من الربح بعمله في مال غيره، ~~وهذا هو حقيقة المضاربة. # وقال أبو عبد الله بن حامد، والقاضي، وأبو الخطاب: إذا شرط أن يعمل معه ~~رب المال، لم يصح. وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، ~~وأبي ثور، وابن المنذر. قال: ولا تصح المضاربة حتى يسلم المال إلى العامل، ~~ويخلي بينه وبينه؛ لأن المضاربة تقتضي تسليم المال إلى المضارب، فإذا شرط ~~عليه العمل فلم يسلمه لأن يده عليه، فيخالف موضوعها. # وتأول القاضي كلام أحمد والخرقي، على أن رب المال عمل من غير اشتراط. ~~ولنا، أن العمل أحد ركني المضاربة، فجاز أن ينفرد به أحدهما مع وجود ~~الأمرين من الآخر، كالمال. # وقولهم: إن المضاربة تقتضي تسليم المال إلى العامل. ممنوع، إنما تقتضي ~~إطلاق التصرف في مال غيره بجزء مشاع من ربحه، وهذا حاصل مع اشتراكهما في ~~العمل، ولهذا لو دفع ماله إلى اثنين مضاربة صح، ولم يحصل تسليم المال إلى ~~أحدهما. # PageV05P021 # (3647) فصل: وإن شرط أن يعمل معه غلام رب المال، صح. # وهذا ظاهر كلام الشافعي، وقول أكثر أصحابه. ومنعه بعضهم. وهو قول القاضي؛ ~~لأن يد الغلام كيد سيده. وقال أبو الخطاب: فيه وجهان؛ أحدهما، الجواز؛ لأن ~~عمل الغلام مال لسيده، فصح ضمه إليه، كما يصح أن يضم إليه بهيمة يحمل ~~عليها. ### | [فصل شركة المفاوضة] # (3648) فصل: وأما شركة ms2350 المفاوضة فنوعان؛ أحدهما، أن يشتركا في جميع أنواع ~~الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان والوجوه والأبدان، فيصح ذلك، لأن كل ~~نوع منها يصح على انفراده، فصح مع غيره. والثاني، أن يدخلا بينهما في ~~الشركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث، أو يجده من ركاز أو ~~لقطة، ويلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر من أرش جناية، وضمان غصب، وقيمة ~~متلف، وغرامة الضمان، أو كفالة، فهذا فاسد. # وبهذا قال الشافعي وأجازه الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة وحكي ذلك عن ~~مالك. وشرط أبو حنيفة لها شروطا، وهي أن يكونا حرين مسلمين، وأن يكون ~~مالهما في الشركة سواء، وأن يخرجا جميع ما يملكانه من جنس الشركة، وهو ~~الدراهم والدنانير. واحتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة» . ولأنها نوع شركة يختص باسم، فكان ~~فيها صحيح كشركة العنان. # ولنا: أنه عقد لا يصح بين الكافرين، ولا بين كافر ومسلم، فلم يصح بين ~~المسلمين، كسائر العقود الفاسدة، ولأنه عقد لم يرد الشرع بمثله، فلم يصح، ~~كما ذكرنا، ولأن فيه غررا، فلم يصح، كبيع الغرر، وبيان غرره أنه يلزم كل ~~واحد ما لزم الآخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به، وقد أدخلا فيه ~~الأكساب النادرة، والخبر لا نعرفه، ولا رواه أصحاب السنن، ثم ليس فيه ما ~~يدل على أنه أراد هذا العقد، فيحتمل أنه أراد المفاوضة في الحديث ولهذا روي ~~فيه: «ولا تجادلوا، فإن المجادلة من الشيطان» . # وأما القياس: فلا يصح. فإن اختصاصها باسم لا يقتضي الصحة، كبيع المنابذة ~~والملامسة وسائر البيوع الفاسدة، وشركة العنان تصح من الكافرين والكافر ~~والمسلم، بخلاف هذا. # PageV05P022 ### | [مسألة الربح على ما اصطلحا عليه في جميع أقسام الشركة] # (3649) مسألة؛ قال: (والربح على ما اصطلحا عليه) يعني في جميع أقسام ~~الشركة. ولا خلاف في ذلك في المضاربة المحضة. قال ابن المنذر: أجمع أهل ~~العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح، أو نصفه، أو ما ~~يجمعان عليه، بعد أن ms2351 يكون ذلك معلوما جزءا من أجزاء. # ولأن استحقاق المضارب الربح بعمله، فجاز ما يتفقان عليه من قليل وكثير، ~~كالأجرة في الإجارة، وكالجزء من الثمرة في المساقاة والمزارعة. وأما شركة ~~العنان، وهو أن يشترك بدنان بماليهما، فيجوز أن يجعلا الربح على قدر ~~المالين، ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا فيه مع ~~تساويهما في المال. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال مالك والشافعي: من شرط صحتها ~~كون الربح والخسران على قدر المالين؛ لأن الربح في هذه الشركة تبع للمال، ~~بدليل أنه يصح عقد الشركة، وإطلاق الربح، فلا يجوز تغييره بالشرط، ~~كالوضيعة. # ولنا، أن العمل مما يستحق به الربح، فجاز أن يتفاضلا في الربح مع وجود ~~العمل منهما، كالمضاربين لرجل واحد، وذلك لأن أحدهما قد يكون أبصر بالتجارة ~~من الآخر، وأقوى على العمل، فجاز له أن يشترط زيادة في الربح في مقابلة ~~عمله، كما يشترط الربح في مقابلة عمل المضارب. # يحققه أن هذه الشركة معقودة على المال والعمل جميعا، ولكل واحد منهما حصة ~~من الربح إذا كان مفردا، فكذلك إذا اجتمعا، وأما حالة الإطلاق، فإنه لما لم ~~يكن بينهما شرط يقسم الربح عليه، ويتقدر به، قدرناه بالمال، لعدم الشرط، ~~فإذا وجد الشرط، فهو الأصل، فيصير إليه، كالمضاربة يصار إلى الشرط، فإذا ~~عدم، وقالا: الربح بيننا. كان بينهما نصفين، وفارق الوضيعة؛ فإنها لا تتعلق ~~إلا بالمال، بدليل المضاربة. # وأما شركة الأبدان، فهي معقودة على العمل المجرد، وهما يتفاضلان فيه مرة، ~~ويتساويان أخرى، فجاز ما اتفقا عليه من مساواة أو تفاضل، كما ذكرنا في شركة ~~العنان، بل هذه أولى؛ لانعقادها على العمل المجرد. # وأما شركة الوجوه، فكلام الخرقي بعمومه يقتضي جواز ما يتفقان عليه من ~~مساواة أو تفاضل. وهو قياس المذهب؛ لأن سائر الشركات الربح فيها على ما ~~يتفقان عليه، فكذلك هذه، ولأنها تنعقد على العمل وغيره، فجاز ما اتفقا ~~عليه، كشركة العنان. وقال القاضي: الربح بينهما على قدر ملكيهما في ~~المشترى؛ لأن الربح يستحق بالضمان، إذ الشركة وقعت عليه خاصة إذ لا ms2352 مال ~~عندهما، فيشتركان على العمل، والضمان لا تفاضل فيه، فلا يجوز التفاضل في ~~الربح. # PageV05P023 # ولنا، أنها شركة فيها عمل، فجاز ما اتفقا عليه في الربح، كسائر الشركات. ~~وقول القاضي: لا مال لهما يعملان فيه. قلنا: إنما يشتركان ليعملا في ~~المستقبل فيما يأخذانه بجاههما، كما أن سائر الشركات إنما يكون العمل فيها ~~فيما يأتي، فكذا هاهنا. وأما المضاربة التي فيها شركة وهي أن يشترك مالان ~~وبدن صاحب أحدهما، مثل أن يخرج كل واحد منهما ألفا، ويأذن أحدهما للآخر في ~~التجارة بهما، فمهما شرطا للعامل من الربح إذا زاد على النصف، جاز؛ لأنه ~~مضارب لصاحبه في ألف، ولعامل المضاربة ما اتفقا عليه بغير خلاف. # وإن شرطا له دون نصف الربح، لم يجز؛ لأن الربح يستحق بمال وعمل، وهذا ~~الجزء الزائد على النصف المشروط لغير العامل لا مقابل له، فبطل شرطه. وإن ~~جعلا الربح بينهما نصفين، فليس هذا شركة، ولا مضاربة؛ لأن شركة العنان ~~تقتضي أن يشتركا في المال والعمل، والمضاربة تقتضي أن للعامل نصيبا من ~~الربح في مقابلة عمله، ولم يجعلا له هاهنا في مقابلة عمله شيئا. # وإنما جعلا الربح على قدر المالين، وعمله في نصيب صاحبه تبرع، فيكون ذلك ~~إبضاعا، وهو جائز إن لم يكن ذلك عوضا عن قرض، فإن كان العامل اقترض الألف ~~أو بعضها من صاحبه، لم يجز؛ لأنه جعل عمله في مال صاحبه عوضا عن قرضه، وذلك ~~غير جائز. وأما إذا اشترك بدنان بمال أحدهما، مثل أن يخرج أحدهما ألفا ~~ويعملان جميعا فيه، فإن للعامل الذي لا مال له من الربح ما اتفقا عليه؛ ~~لأنه مضارب محض، فأشبه ما لو لم يعمل معه رب المال، فحصل مما ذكرنا أن ~~الربح بينهما على ما اصطلحا عليه في جميع أنواع الشركة، سواء ما ذكرنا في ~~المضاربة التي فيها شركة على ما شرحنا. ### | [فصل من شرط صحة المضاربة تقدير نصيب العامل] # فصل: ومن شرط صحة المضاربة تقدير نصيب العامل؛ لأنه يستحقه بالشرط، فلم ~~يقدر إلا به. ولو قال: خذ هذا المال ms2353 مضاربة. ولم يسم للعامل شيئا من الربح، ~~فالربح كله لرب المال، والوضيعة عليه، وللعامل أجر مثله. نص عليه أحمد. وهو ~~قول الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وقال الحسن، وابن ~~سيرين، والأوزاعي: الربح بينهما نصفين، لأنه لو قال: والربح بيننا. # لكان بينهما نصفين، فكذلك إذا لم يذكر شيئا. ولنا، أن المضارب إنما يستحق ~~بالشرط، ولم يوجد. وقوله: مضاربة. اقتضى أن له جزءا من الربح مجهولا، فلم ~~تصح المضاربة، كما لو قال: ولك جزء من الربح. فأما إذا قال: والربح بيننا. ~~فإن المضاربة تصح، ويكون بينهما نصفين؛ لأنه أضافه إليهما إضافة واحدة، لم ~~يترجح فيها أحدهما على الآخر، فاقتضى التسوية، كما لو قال: هذه الدار بيني ~~وبينك. # وإن قدر نصيب العامل، فقال: ولك ثلث الربح، أو # PageV05P024 # ربعه، أو جزء معلوم، أي جزء كان. فالباقي لرب المال؛ لأنه يستحق الربح ~~بماله، لكونه نماءه وفرعه، والعامل يأخذ بالشرط، فما شرط له استحقه، وما ~~بقي فلرب المال بحكم الأصل. وإن قدر نصيب رب المال، مثل أن يقول: ولي ثلث ~~الربح. # ولم يذكر نصيب العامل، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يصح؛ لأن العامل إنما ~~يستحق بالشرط، ولم يشترط له شيء، فتكون المضاربة فاسدة. والثاني، يصح، ~~ويكون الباقي للعامل. وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأن الربح لهما لا ~~يستحقه غيرهما، فإذا قدر نصيب أحدهما منه فالباقي للآخر من مفهوم اللفظ، ~~كما علم ذلك من قوله تعالى: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} ~~[النساء: 11] . ولم يذكر نصيب الأب، فعلم أن الباقي له. ولأنه لو قال: ~~أوصيت بهذه المائة لزيد وعمرو. # ونصيب زيد منها ثلاثون، كان الباقي لعمرو. كذا هاهنا. وإن قال: لي النصف ~~ولك الثلث. وسكت عن السدس، صح. وكان لرب المال؛ لأنه لو سكت عن جميع الباقي ~~بعد جزء العامل كان لرب المال؛ فكذلك إذا ذكر بعضه وترك بعضه. # وإن قال: خذه مضاربة على الثلث أو النصف. أو قال: بالثلث أو الربع. صح، ~~وكان تقدير النصيب للعامل؛ لأن الشرط يراد لأجله، فإن ms2354 رب المال يستحق بماله ~~لا بالشرط، والعامل يستحق بالعمل والعمل يكثر ويقل، وإنما تتقدر حصته ~~بالشرط، فكان الشرط له، ومتى شرطا لأحدهما شيئا، واختلفا في الجزء المشروط ~~لمن هو؟ فهو للعامل، قليلا كان أو كثيرا؛ لذلك. وإن قال: خذه مضاربة، ولك ~~ثلث الربح، وثلث ما بقي. # صح، وكان له خمسة أتساع؛ لأن هذا معناه. وإن قال: لك ثلث الربح، وربع ما ~~بقي. فله النصف. وإن قال: لك ربع الربح، وربع ما بقي، فله ثلاثة أثمان ونصف ~~ثمن. وسواء عرفا الحساب أو جهلاه؛ لأن ذلك أجزاء معلومة مقدرة، فأشبه ما لو ~~شرط الخمسين. ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كمذهبنا. ### | [فصل قال خذه مضاربة ولك جزء من الربح] # (3651) فصل: وإن قال: خذه مضاربة، ولك جزء من الربح، أو شركة في الربح، ~~أو شيء من الربح، أو نصيب أو حظ. لم يصح؛ لأنه مجهول، ولا تصح المضاربة إلا ~~على قدر معلوم. وإن قال: خذه، ولك مثل ما شرط لفلان. وهما يعلمان ذلك. # صح؛ لأنهما أشارا إلى معلوم عندهما. وإن كانا لا يعلمانه، أو لا يعلمه ~~أحدهما، فسدت المضاربة؛ لأنه مجهول. # (3652) فصل: وإن قال: خذ هذا المال فاتجر به. وربحه كله لك. كان قرضا لا ~~قراضا؛ لأن قوله: خذه # PageV05P025 # فاتجر به. يصلح لهما، وقد قرن به حكم القرض، فانصرف إليه. # وإن قال مع ذلك: ولا ضمان عليك. فهذا قرض شرط فيه نفي الضمان، فلا ينتفي ~~بشرطه، كما لو صرح به، فقال: خذ هذا قرضا ولا ضمان عليك. وإن قال: خذه ~~فاتجر به، والربح كله لي. كان إبضاعا؛ لأنه قرن به حكم الإبضاع فانصرف ~~إليه. فإن قال مع ذلك: وعليك ضمانه. لم يضمنه؛ لأن العقد يقتضي كونه أمانة ~~غير مضمونة، فلا يزول ذلك بشرطه. وإن قال: خذه مضاربة، والربح كله لك، أو ~~كله لي. فهو عقد فاسد. # وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: إذا قال: والربح كله لي كان إبضاعا ~~صحيحا؛ لأنه أثبت له حكم الإبضاع فانصرف إليه، كالتي قبلها. وقال مالك: ~~يكون مضاربة ms2355 صحيحة في الصورتين؛ لأنهما دخلا في القراض، فإذا شرط لأحدهما، ~~فكأنه وهب الآخر نصيبه، فلم يمنع صحة العقد. ولنا، أن المضاربة تقتضي كون ~~الربح بينهما، فإذا شرط اختصاص أحدهما. بالربح، فقد شرط ما ينافي مقتضى ~~العقد، ففسد، كما لو شرط الربح كله في شركة العنان لأحدهما. # ويفارق ما إذا لم يقل مضاربة؛ لأن اللفظ يصلح لما أثبت حكمه من الإبضاع ~~والقراض، بخلاف ما إذا صرح بالمضاربة. وما ذكره مالك لا يصح؛ لأن الهبة لا ~~تصح قبل وجود الموهوب. ### | [فصل دفع مالا إلى اثنين مضاربة في عقد واحد] # (3653) فصل: ويجوز أن يدفع مالا إلى اثنين مضاربة في عقد واحد، فإن شرط ~~لهما جزءا من الربح بينهما نصفين، جاز. وإن قال: لكما كذا وكذا من الربح. ~~ولم يبين كيف هو، بينهما نصفان؛ لأن إطلاق قوله بينهما يقتضي التسوية، كما ~~لو قال لعامله: والربح بيننا. وإن شرط لأحدهما ثلث الربح، وللآخر ربعه، ~~وجعل الباقي له، جاز. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك: لا يجوز؛ ~~لأنهما شريكان في العمل بأبدانهما، فلا يجوز تفاضلهما في الربح كشريكي ~~الأبدان. # ولنا، أن عقد الواحد مع الاثنين عقدان، فجاز أن يشترط في أحدهما أكثر من ~~الآخر، كما لو انفرد. ولأنهما يستحقان بالعمل وهما يتفاضلان فيه، فجاز ~~تفاضلهما في العوض، كالأجيرين. ولا نسلم وجوب التساوي في شركة الأبدان، بل ~~هي كمسألتنا في جواز تفاضلهما. ثم الفرق بينهما أن ذلك عقد واحد، وهذان ~~عقدان. ### | [فصل قارض اثنان واحدا بألف لهما] # (3654) فصل: وإن قارض اثنان واحدا بألف لهما، جاز. وإذا شرطا له ربحا ~~متساويا منهما، جاز. وإن شرط أحدهما له النصف، والآخر الثلث، جاز، ويكون ~~باقي ربح مال كل واحد منهما لصاحبه. وإن شرطا كون الباقي من الربح بينهما ~~نصفين، لم يجز. وهذا مذهب الشافعي وكلام القاضي يقتضي جوازه. وحكي ذلك عن ~~أبي حنيفة وأبي ثور # PageV05P026 # ولنا، أن أحدهما يبقى له من ربح ماله النصف، والآخر يبقى له الثلثان. ~~فإذا اشترطا التساوي فقد شرط أحدهما للآخر جزءا من ربح ماله ms2356 بغير عمل، فلم ~~يجز. كما لو شرط ربح ماله المنفرد. ### | [فصل شرطا في المضاربة جزءا من الربح لغير العامل] # (3655) فصل: وإذا شرطا جزءا من الربح لغير العامل نظرت؛ فإن شرطاه لعبد ~~أحدهما أو لعبديهما، صح، وكان ذلك مشروطا لسيده. فإذا جعلا الربح بينهما ~~وبين عبديهما أثلاثا، كان لصاحب العبد الثلثان، وللآخر الثلث. وإن شرطاه ~~لأجنبي، أو لولد أحدهما أو امرأته، أو قريبه وشرطا عليه عملا مع العامل، ~~صح، وكانا عاملين. # وإن لم يشترطا عليه عملا، لم تصح المضاربة. وبهذا قال الشافعي. وحكي عن ~~أصحاب الرأي أنه يصح، والجزء المشروط له لرب المال، سواء شرط لقريب العامل، ~~أو لقريب رب المال، أو لأجنبي؛ لأن العامل لا يستحق إلا ما شرط له، ورب ~~المال يستحق الربح بحكم الأصل، والأجنبي لا يستحق شيئا؛ لأنه إنما يستحق ~~الربح بمال أو عمل، وليس هذا واحدا منهما، فما شرط لا يستحقه، فيرجع إلى رب ~~المال، كما لو ترك ذكره. # ولنا، أنه شرط فاسد يعود إلى الربح، ففسد به العقد، كما لو شرط دراهم ~~معلومة. وإن قال: لك الثلثان، على أن تعطي امرأتك نصفه. فكذلك؛ لأنه شرط في ~~الربح شرطا لا يلزم، فكان فاسدا. والحكم في الشركة كالحكم في المضاربة، ~~فيما ذكرناه. ### | [فصل الحكم في الشركة كالحكم في المضاربة] # (3656) فصل: والحكم في الشركة كالحكم في المضاربة، في وجوب معرفة قدر ما ~~لكل واحد منهما من الربح، إلا أنهما إذا أطلقاها ولم يذكرا الربح، كان ~~بينهما على قدر المالين، وفي شركة الوجوه، يكون على قدر ملكيهما في ~~المشترى؛ لأن لهما أصلا يرجعان إليه، ويتقدر الربح به، بخلاف المضاربة، ~~فإنه لا يمكن تقدير الربح فيها بالمال والعمل، لكون أحدهما من غير جنس ~~الآخر، فلا يعلم قدره منه. وأما شركة الأبدان، فلا مال فيها يقدر الربح به، ~~فيحتمل أن يتقدر بالعمل؛ لأن عمل أحدهما من جنس عمل الآخر، فقد تساويا في ~~أصل العمل، فيكون ذلك أصلا يرجع إليه. # ويحتمل ألا يقدر به؛ لأن العمل يقل ويكثر ويتفاضل، ولا يوقف على ms2357 مقداره، ~~بخلاف المال، فيعتبر ذكر الربح والمعرفة به، كما في المضاربة. ### | [مسألة الخسران في الشركة على قدر المال] # (3657) مسألة؛ قال: (والوضيعة على قدر المال) . يعني الخسران في الشركة ~~على كل واحد منهما بقدر ماله، فإن كان مالهما متساويا في القدر، فالخسران # PageV05P027 # بينهما نصفين، وإن كان أثلاثا، فالوضيعة أثلاثا. لا نعلم في هذا خلافا ~~بين أهل العلم. وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي وغيرهما. # وفي شركة الوجوه تكون الوضيعة على قدر ملكيهما في المشترى، سواء كان ~~الربح بينهما كذلك أو لم يكن، وسواء كانت الوضيعة لتلف، أو نقصان في الثمن ~~عما اشتريا به، أو غير ذلك. والوضيعة في المضاربة على المال خاصة، ليس على ~~العامل منها شيء؛ لأن الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مختص بملك ~~ربه، لا شيء للعامل فيه، فيكون نقصه من ماله دون غيره؛ وإنما يشتركان فيما ~~يحصل من النماء، فأشبه المساقاة والمزارعة، فإن رب الأرض والشجر يشارك ~~العامل فيما يحدث من الزرع والتمر. # وإن تلف الشجر، أو هلك شيء من الأرض بغرق أو غيره، لم يكن على العامل ~~شيء. ### | [مسألة جعل فضل دراهم لأحد من الشركاء] # (3658) مسألة؛ قال: (ولا يجوز أن يجعل لأحد من الشركاء فضل دراهم) وجملته ~~أنه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة، أو جعل مع نصيبه دراهم، مثل أن ~~يشترط لنفسه جزءا وعشرة دراهم، بطلت الشركة. # قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا ~~شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة. # وممن حفظنا ذلك عنه مالك والأوزاعي والشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي، ~~والجواب فيما لو قال: لك نصف الربح إلا عشرة دراهم، أو نصف الربح وعشرة ~~دراهم، كالجواب فيما إذا شرط دراهم مفردة. # وإنما لم يصح ذلك لمعنيين؛: أحدهما، أنه إذا شرط دراهم معلومة، احتمل أن ~~لا يربح غيرها، فيحصل على جميع الربح، واحتمل أن لا يربحها، فيأخذ من رأس ~~المال جزءا. # وقد يربح كثيرا، فيستضر من شرطت له الدراهم. # والثاني، أن حصة العامل ينبغي أن ms2358 تكون معلومة بالأجزاء، لما تعذر كونها ~~معلومة بالقدر، فإذا جهلت الأجزاء، فسدت، كما لو جهل القدر فيما يشترط أن ~~يكون معلوما به. # ولأن العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة، ربما توانى في طلب الربح؛ لعدم ~~فائدته فيه وحصول نفعه لغيره، بخلاف ما إذا كان له جزء من الربح. ### | [فصل دفع إليه ألفين مضاربة على أن لكل واحد منهما ربح ألف] # (3659) فصل: وإن دفع إليه ألفين مضاربة، على أن لكل واحد منهما ربح ألف، ~~أو على أن لأحدهما ربح أحد الثوبين، أو ربح إحدى السفرتين، أو ربح تجارته ~~في شهر أو عام بعينه، ونحو ذلك، فسد الشرط والمضاربة؛ لأنه قد يربح في ذلك ~~المعين دون غيره، وقد يربح في غيره دونه، فيختص أحدهما بالربح، وذلك يخالف ~~موضوع الشركة ولا نعلم في هذا خلافا. # وإن دفع إليه ألفا، وقال لك ربح نصفه. لم يجز. # وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة، وأبو ثور: يجوز؛ لأن نصف ربحه هو ربح ~~نصفه، فجاز شرطه، كما لو عبر عنه بعبارته الأخرى. # PageV05P028 # ولنا، أنه شرط لأحدهما ربح بعض المال دون بعض، وكذلك جعل الآخر، فلم يجز. ~~كما لو قال: لك ربح هذه الخمسمائة. ولأنه يمكن أن يفرد نصف المال، فيربح ~~فيه دون النصف الآخر، بخلاف نصف الربح؛ فإنه لا يؤدي إلى انفراده بربح شيء ~~من المال. ### | [مسألة المضارب إذا باع بنسيئة بغير أمر ضمن] # (3660) مسألة؛ قال (والمضارب إذا باع بنسيئة بغير أمر، ضمن، في إحدى ~~الروايتين، والأخرى لا يضمن) وجملته أن المضارب وغيره من الشركاء، إذا نص ~~له على التصرف، فقال: نقدا أو نسيئة أو قال: بنقد البلد. أو ذكر نقدا غيره، ~~جاز، ولم تجز مخالفته؛ لأنه متصرف بالإذن، فلا يتصرف في غير ما أذن له فيه، ~~كالوكيل، ولأن ذلك لا يمنع مقصود المضاربة. وقد يطلب بذلك الفائدة في ~~العادة. # وإن أطلق، فلا خلاف في جواز البيع حالا، وفي البيع نسيئة روايتان: ~~إحداهما، ليس له ذلك. وهو قول مالك، وابن أبي ليلى والشافعي؛ لأنه نائب في ~~البيع، ms2359 فلم يجز له البيع نسيئة بغير إذن صريح فيه، كالوكيل، وذلك لأن ~~النائب لا يجوز له التصرف إلا على وجه الحظ والاحتياط، وفي النسيئة تغرير ~~بالمال، وقرينة الحال تقيد مطلق الكلام، فيصير كأنه قال: بعه حالا. # والثانية: أنه، يجوز له البيع نساء. وهو قول أبي حنيفة، واختيار ابن ~~عقيل؛ لأن إذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة، وهذا ~~عادة التجار، ولأنه يقصد به الربح، والربح في النساء أكثر. ويفارق الوكالة ~~المطلقة؛ فإنها لا تختص بقصد الربح، وإنما المقصود تحصيل الثمن فحسب، فإذا ~~أمكن تحصيله من غير خطر، كان أولى، ولأن الوكالة المطلقة في البيع تدل على ~~أن حاجة الموكل إلى الثمن ناجزة، فلم يجز تأخيره، بخلاف المضاربة. # وإن قال له اعمل برأيك. فله البيع نساء. وكذلك إذا قال له: تصرف كيف شئت، ~~وقال الشافعي: ليس له البيع نساء في الموضعين؛ لأن فيه غررا، فلم يجز، كما ~~لو لم يقل له ذلك. # ولنا، أنه داخل في عموم لفظه، وقرينة حاله تدل على رضائه برأيه في صفات ~~البيع، وفي أنواع التجارة، وهذا منها. # فإذا قلنا: له البيع نساء. فالبيع صحيح، ومهما فات من الثمن لا يلزمه ~~ضمانه، إلا أن يفرط ببيع من لا يوثق به، أو من لا يعرفه، فيلزمه ضمان الثمن ~~الذي انكسر على المشتري. # وإن قلنا: ليس له البيع نساء، فالبيع باطل؛ لأنه فعل ما لم يؤذن له فيه ~~فأشبه البيع من الأجنبي، إلا على الرواية التي تقول: يقف بيع الأجنبي على ~~الإجازة. فهاهنا مثله. # ويحتمل قول الخرقي صحة؛ البيع؛ فإنه إنما ذكر الضمان؛ ولم يذكر فساد ~~البيع. # وعلى كل حال يلزم العامل الضمان؛ لأن ذهاب الثمن حصل بتفريطه. # فإن قلنا بفساد البيع، ضمن المبيع بقيمته إذا تعذر عليه استرجاعه، إما ~~لتلف المبيع أو امتناع المشتري من رده إليه. # وإن قلنا بصحته، احتمل أن يضمنه بقيمته أيضا؛ لأنه لم يفت بالبيع أكثر ~~منها، ولا يتحفظ # PageV05P029 # بتركه سواها، وزيادة، الثمن حصلت بتفريطه، فلا يضمنها. واحتمل أن يضمن ~~الثمن؛ لأنه وجب ms2360 بالبيع، وفات بتفريط البائع. # وإن نقص عن القيمة، فقد انتقل، الوجوب إليه بدليل أنه لو حصل الثمن لم ~~يضمن شيئا. ### | [فصل سفر الشريك بالمال] # (3661) فصل: وليس له السفر بالمال، في أحد الوجهين، وهو مذهب الشافعي؛ ~~لأن في السفر تغريرا بالمال وخطرا، ولهذا يروى: " إن المسافر وماله لعلى ~~خطر " قلت، إلا ما وقى الله تعالى: أي هلاك، ولا يجوز له التغرير بالمال ~~بغير إذن مالكه. # والوجه الثاني، له السفر به إذا لم يكن مخوفا. قال القاضي: قياس المذهب ~~جوازه، بناء على السفر الوديعة. وهذا قول مالك. ويحكى ذلك عن أبي حنيفة؛ ~~لأن الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة، والعادة جارية بالتجارة سفرا ~~وحضرا،. ولأن المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض، فملك ذلك بمطلقها، وهذان ~~الوجهان في المطلق. # فأما إن أذن في السفر، أو نهي عنه، أو وجدت قرينة دالة على أحد الأمرين، ~~تعين ذلك، وثبت ما أمر به. وحرم ما نهي عنه. وليس له السفر في موضع مخوف، ~~على الوجهين جميعا. # وكذلك لو أذن له في السفر مطلقا، لم يكن له السفر في طريق مخوف، ولا إلى ~~بلد مخوف، فإن فعل، فهو ضامن لما يتلف؛ لأنه متعد بفعل ما ليس له فعله. وإن ~~سافر في طريق آمن جاز، ونفقته في مال نفسه. # وبهذا قال ابن سيرين، وحماد بن أبي سليمان. ظاهر مذهب الشافعي. # وقال الحسن، والنخعي، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: ~~ينفق من المال بالمعروف، إذا شخص به عن البلد؛ لأن سفره لأجل المال، فكانت ~~نفقته منه كأجر الحمال. # ولنا، أن نفقته تخصه، فكانت عليه، كنفقة الحضر، وأجر الطبيب، وثمن الطب، ~~ولأنه دخل على أنه يستحق من الربح الجزء المسمى، فلا يكون له غيره، ولأنه ~~لو استحق النفقة أفضى إلى أن يختص بالربح إذا لم يربح سوى ما أنفقه. # فأما إن اشترط له النفقة، فله ذلك، وله ما قدر له من مأكول وملبوس ومركوب ~~وغيره. # قال أحمد، في رواية الأثرم: أحب إلي أن يشترط نفقة محدودة، وإن ms2361 أطلق صح. ~~نص عليه. # وله نفقته من المأكول، ولا كسوة له. قال أحمد: إذا قال: له نفقته. فإنه ~~ينفق. قيل له: فيكتسي؟ قال: لا، إنما له النفقة. وإن كان سفره طويلا، يحتاج ~~إلى تجديد كسوة، فظاهر كلام أحمد جوازها؛ لأنه قيل له: فلم يشترط الكسوة، ~~إلا أنه في بلد بعيد، وله مقام طويل، يحتاج فيه إلى كسوة. فقال: إذا أذن له ~~في النفقة فعل، ما لم يحمل على مال الرجل، ولم يكن ذلك قصده. هذا معناه. # وقال القاضي وأبو الخطاب: إذا شرط له النفقة، فله جميع نفقته، من مأكول ~~أو ملبوس # PageV05P030 # بالمعروف # وقال أحمد: ينفق على معنى ما كان ينفق على نفسه، غير متعد بالنفقة، ولا ~~مضر بالمال لم يذهب أحمد إلى تقدير النفقة؛ لأن الأسعار تختلف، وقد تقل، ~~وقد تكثر. فإن اختلفا في قدر النفقة، فقال أبو الخطاب: يرجع في القوت إلى ~~الإطعام في الكفارة، وفي الكسوة إلى أقل ملبوس مثله. # فإن كان معه مال لنفسه مع مال المضاربة، أو كان معه مضاربة أخرى، أو ~~بضاعة لآخر، فالنفقة على قدر المالين، لأن النفقة إنما كانت لأجل السفر، ~~والسفر للمالين، فيجب أن تكون النفقة مقسومة على قدرهما، إلا أن يكون رب ~~المال قد شرط له النفقة مع علمه بذلك. # ولو أذن له في السفر إلى موضع معين، أو غير معين، ثم لقيه رب المال في ~~السفر، إما بذلك الموضع، أو في غيره، وقد نض المال، فأخذ ماله، فطالبه ~~العامل بنفقة الرجوع إلى بلده، لم يكن له؛ لأنه إنما يستحق النفقة ما داما ~~في القراض، وقد زال، فزالت النفقة، ولذلك لو مات لم يجب تكفينه. وقد قيل: ~~له ذلك؛ لأنه كان شرط له نفقة ذهابه ورجوعه وغيره، بتسفيره إلى الموضع الذي ~~أذن له فيه، معتقدا أنه مستحق للنفقة ذاهبا وراجعا، فإذا قطع عنه النفقة، ~~تضرر بذلك. ### | [فصل حكم المضارب] # (3662) فصل: وحكم المضارب حكم الوكيل، في أنه ليس له أن يبيع بأقل من ثمن ~~المثل، ولا يشتري بأكثر منه، مما لا يتغابن ms2362 الناس بمثله فإن فعل، فقد روي ~~عن أحمد، أن البيع يصح، ويضمن النقص؛ لأن الضرر ينجبر بضمان النقص. # والقياس أن البيع باطل، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه بيع لم يؤذن له فيه، ~~فأشبه بيع الأجنبي. # فعلى هذا، إن تعذر رد المبيع، ضمن النقص أيضا، وإن أمكن رده، وجب رده إن ~~كان باقيا؛ أو قيمته إن كان تالفا، ولرب المال مطالبة من شاء من العامل أو ~~المشتري، فإن أخذ من المشتري قيمته رجع المشتري على العامل بالثمن، وإن رجع ~~على العامل بقيمته رجع العامل على المشتري بها. # ورد عليه الثمن؛ لأن التلف حصل في يده. وأما ما يتغابن الناس بمثله، فغير ~~ممنوع منه؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، وأما إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل ~~بعين المال، فهو كالبيع. وإن اشترى في الذمة، لزم العامل دون رب المال، إلا ~~أن يجيزه، فيكون له. هذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي: إن أطلق الشراء ولم ~~يذكر رب المال، فكذلك، وإن صرح للبائع إنني اشتريته لفلان، فالبيع باطل ~~أيضا. ### | [فصل بيع الشريك وشراؤه بغير نقد البلد] # فصل: وهل له أن يبيع ويشتري بغير نقد البلد؟ على روايتين: الأولى، جوازه ~~إذا رأى المصلحة فيه والربح حاصل به، كما يجوز أن يبيع عرضا بعرض ويشتريه ~~به. فإذا قلنا: لا يملك ذلك. ففعله، فحكمه حكم ما لو اشترى أو باع بغير ثمن ~~المثل. # وإن قال له: اعمل # PageV05P031 # برأيك فله ذلك. وهل له الزراعة؟ يحتمل أن لا يملك ذلك؛ لأن المضاربة لا ~~يفهم من إطلاقها المزارعة. وقد روي عن أحمد - رحمه الله -، في من دفع إلى ~~رجل ألفا، وقال: اتجر فيها بما شئت فزرع زرعا، فربح فيه، فالمضاربة جائزة، ~~والربح بينهما. # قال القاضي: ظاهر هذا أن قوله: اتجر بما شئت دخلت فيه المزارعة؛ لأنها من ~~الوجوه التي يبتغى بها النماء، وعلى هذا لو نوى المال كله في المزارعة، لم ~~يلزمه ضمانه. ### | [فصل للشريك شراء المعيب إذا رأى المصلحة] # (3664) فصل: وله أن يشتري المعيب، إذا رأى المصلحة فيه؛ لأن المقصود ms2363 ~~الربح، وقد يكون الربح في المعيب. فإن اشتراه يظنه سليما، فبان معيبا، فله ~~فعل ما يرى المصلحة فيه، من رده بالعيب، أو إمساكه وأخذ أرش العيب. فإن ~~اختلف العامل ورب المال في الرد، فطالبه أحدهما، وأباه الآخر، فعل ما فيه ~~النظر والحظ؛ لأن المقصود تحصيل الحظ فيحتمل الأمر على ما فيه الحظ. # وأما الشريكان إذا اختلفا في رد المعيب، فلطالب الرد رد نصيبه، وللآخر ~~إمساك نصيبه، إلا أن يكون البائع لم يعلم أن الشراء لهما جميعا، فلا يلزمه ~~قبول رد بعضه؛ لأن ظاهر الحال أن العقد لمن وليه، فلم يجز إدخال الضرر على ~~البائع بتبعيض الصفقة عليه. # ولو أراد الذي ولي العقد رد بعض المبيع وإمساك البعض، كان حكمه حكم ما لو ~~أراد شريكه ذلك، على ما فصلناه. ### | [فصل شراء المضارب من يعتق على رب المال بغير إذنه] # (3665) فصل: وليس له أن يشتري من يعتق على رب المال بغير إذنه؛ لأن عليه ~~فيه ضررا. فإن اشتراه بإذن رب المال، صح؛ لأنه يجوز أن يشتريه بنفسه، فإذا ~~أذن لغيره فيه، جاز، ويعتق عليه، وتنفسخ المضاربة في قدر ثمنه؛ لأنه قد ~~تلف، ويكون محسوبا على رب المال. # فإن كان ثمنه كل المال، انفسخت المضاربة. وإن كان في المال ربح رجع ~~العامل بحصته منه، وإن كان بغير إذن رب المال، احتمل أن لا يصح الشراء إذا ~~كان الثمن عينا؛ لأن العامل اشترى ما ليس له أن يشتريه، فكان بمنزلة ما لو ~~اشترى شيئا بأكثر من ثمنه، ولأن الإذن في المضاربة إنما ينصرف إلى ما يمكن ~~بيعه والربح فيه، فلا يتناول غير ذلك. # وإن كان اشتراه في الذمة، وقع الشراء للعاقد، وليس له دفع الثمن من مال ~~المضاربة، فإن فعل ضمن. # وبهذا قال الشافعي وأكثر الفقهاء. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد صحة ~~الشراء؛ لأنه مال متقوم قابل للعقود، فصح شراؤه، كما لو اشترى من نذر رب ~~المال إعتاقه، ويعتق على رب المال، وتنفسخ المضاربة فيه. # ويلزم العامل ضمانه، على ظاهر كلام أحمد، علم بذلك ms2364 أو جهل؛ لأن مال ~~المضاربة تلف بسببه، ولا فرق في الإتلاف الموجب للضمان بين العلم والجهل. # وفيما يضمنه وجهان: أحدهما، قيمته؛ لأن الملك ثبت فيه ثم تلف، فأشبه، ما ~~لو أتلفه بفعله. والثاني، الثمن الذي اشتراه به؛ لأن التفريط منه حصل ~~بالشراء، وبذل الثمن فيما يتلف بالشراء، # PageV05P032 # فكان عليه ضمان ما فرط فيه. # ومتى ظهر في المال ربح فللعامل حصته منه. # وقال أبو بكر: إن لم يكن العامل عالما بأنه يعتق على رب المال، لم يضمن؛ ~~لأن التلف حصل لمعنى في المبيع لم يعلم به المشتري، فلم يضمن، كما لو اشترى ~~معيبا لم يعلم بعيبه، فتلف به. قال: ويتوجه أن لا يضمن، وإن علم. ### | [فصل اشترى المضارب زوج ربة المال] # (3666) فصل: وإن اشترى امرأة رب المال، صح الشراء، وانفسخ النكاح. فإن ~~كان قبل الدخول، فهل يلزم الزوج نصف الصداق؟ فيه وجهان ذكرناهما في غير هذا ~~الموضع. فإن قلنا: يلزمه. رجع به على العامل؛ لأنه سبب تقريره عليه، فرجع ~~عليه، كما لو أفسدت امرأة نكاحه بالرضاع. وإن اشترى زوج ربة المال، صح ~~الشراء، وانفسخ النكاح؛ لأنها ملكت زوجها. # وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يصح الشراء إذا كان بغير إذنها؛ ~~لأن الإذن إنما يتناول شراء ما لها فيه حظ، وشراء زوجها يضر بها؛ لأنه يفسخ ~~نكاحها، ويضر بها، ويسقط حقها من النفقة والكسوة، فلم يصح كشراء ابنها. # ولنا، أنه اشترى ما يمكن طلب الربح فيه، فجاز، كما لو اشترى أجنبيا. ولا ~~ضمان على العامل فيما يفوت من المهر ويسقط من النفقة؛ لأن ذلك لا يعود إلى ~~المضاربة، وإنما هو بسبب آخر. # ولا فرق بين شرائه في الذمة أو بعين المال. ### | [فصل اشترى المأذون له من يعتق على رب المال بإذنه] # (3667) فصل: وإن اشترى المأذون له من يعتق على رب المال بإذنه، صح وعتق ~~فإن كان على المأذون له دين يستغرق قيمته وما في يده، وقلنا: يتعلق الدين ~~برقبته. فعليه دفع قيمة العبد الذي عتق إلى الغرماء؛ لأنه الذي أتلف عليهم ms2365 ~~بالعتق. وإن نهاه عن الشراء، فالشراء باطل؛ لأنه يملكه بالإذن، وقد زال ~~بالنهي. وإن أطلق الإذن، فقال أبو الخطاب: يصح شراؤه؛ لأن من صح أن يشتريه ~~السيد، صح شراء المأذون له، كالأجنبي. # وهذا قول أبي حنيفة إذا أذن له في التجارة ولم يدفع إليه مالا. وقال ~~القاضي: لا يصح؛ لأن فيه إتلافا على السيد، فإن إذنه يتناول ما فيه حظ، فلا ~~يدخل فيه الإتلاف. وفارق عامل المضاربة؛ لأنه يضمن القيمة، فيزول الضرر. ~~وللشافعي قولان، كالوجهين. وإن اشترى امرأة رب المال، أو زوج ربة المال، ~~فهل يصح؟ على وجهين أيضا، كشراء من يعتق بالشراء. ### | [فصل اشترى المضارب من يعتق عليه] # (3668) فصل: وإن اشترى المضارب من يعتق عليه صح الشراء، فإن لم يكن ظهر ~~في المال ربح، لم يعتق منه شيء، وإن ظهر فيه ربح، ففيه وجهان، مبنيان على ~~العامل متى يملك الربح؟ فإن قلنا: يملكه بالقسمة. لم يعتق منه شيء؛ لأنه ما ~~ملكه. وإن قلنا: يملكه بالظهور. ففيه وجهان: # PageV05P033 # أحدهما، لا يعتق. وهو قول أبي بكر؛ لأنه لم يتم ملكه عليه، لأن الربح ~~وقاية لرأس المال، فلم يعتق لذلك. والثاني، يعتق بقدر حصته من الربح، إن ~~كان معسرا، ويقوم عليه باقيه إن كان موسرا؛ لأنه ملكه بفعله فيعتق عليه، ~~كما لو اشتراه بماله. # وهذا قول القاضي، ومذهب أصحاب أبي حنيفة، لكن عندهم يستسعى في بقيته إن ~~كان معسرا. ولنا رواية كقولهم. وإن اشتراه ولم يظهر ربح، ثم ظهر بعد ذلك، ~~والعبد باق في التجارة، فهو كما لو كان الربح ظاهرا وقت الشراء. # وقال الشافعي إن اشتراه بعد ظهور الربح، لم يصح، في أحد الوجهين؛ لأنه ~~يؤدي إلى أن ينجز العامل حقه قبل رب المال. ولنا أنهما شريكان، فصح شراء كل ~~واحد منهما من يعتق عليه، كشريكي العنان. ### | [فصل شراء المضارب بأكثر من رأس المال] # (3669) فصل: وليس له أن يشتري بأكثر من رأس المال لأن الإذن ما تناول ~~أكثر منه. فإن كان رأس المال ألفا، فاشترى عبدا بألف، ثم اشترى عبدا آخر ms2366 ~~بعين الألف، فالشراء فاسد؛ لأنه اشتراه بمال يستحق تسليمه في البيع الأول. ~~وإن اشتراه في ذمته، صح الشراء، والعبد له؛ لأنه اشترى في ذمته لغيره ما لم ~~يأذن له في شرائه، فوقع له. # وهل يقف على إجازة رب المال؟ على روايتين. ومذهب الشافعي كنحو ما ذكرنا. ### | [فصل المضارب لا يطأ أمة من المضاربة] # (3670) فصل: وليس للمضارب وطء أمة من المضاربة، سواء ظهر في المال ربح أو ~~لم يظهر، فإن فعل، فعليه المهر والتعزير. وإن علقت منه ولم يظهر في المال ~~ربح، فولده رقيق؛ لأنها علقت منه في غير ملك ولا شبهة ملك، ولا تصير أم ولد ~~له؛ وكذلك وإن ظهر في المال ربح، فالولد حر، وتصير أم ولد له، وعليه ~~قيمتها. ونحو هذا قال سفيان وإسحاق وقال القاضي: إن لم يظهر ربح، فعليه ~~الحد؛ لأنه وطئ في غير ملك ولا شبهة ملك. والمنصوص عن أحمد، أن عليه ~~التعزير؛ لأن ظهور الربح ينبني على التقويم، والتقويم غير متحقق، لأنه ~~يحتمل أن السلع تساوي أكثر مما قومت به فيكون ذلك شبهة في درء، الحد، لأنه ~~يدرأ بالشبهات. (3671) فصل: وليس لرب المال وطء الأمة أيضا؛ لأنه ينقصها إن ~~كانت بكرا، ويعرضها للخروج من المضاربة والتلف، فإن فعل، فلا حد عليه؛ ~~لأنها مملوكته. وإن علقت منه، صارت أم ولده، وولده حر كذلك # PageV05P034 # وتخرج من المضاربة، وتحسب قيمتها، ويضاف إليها بقية المال فإن كان فيه ~~ربح فللعامل حصته منه. ### | [فصل أذن رب المال للمضارب في الشراء من مال المضاربة] # (3672) فصل: وإذا أذن رب المال للمضارب في الشراء من مال المضاربة، ~~فاشترى جارية ليتسرى بها، خرج ثمنها من المضاربة، وصار قرضا في ذمته؛ لأن ~~استباحة البضع لا تحصل إلا بملكه؛ لقول الله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] . # (3673) فصل: وليس لواحد منهما تزويج الأمة؛ لأنه ينقصها، ولا مكاتبة ~~العبد لذلك. فإن اتفقا على ذلك، جاز؛ لأن الحق لهما لا يخرج عنهما. ### | [فصل المضارب لا يدفع المال إلى آخر مضاربة] # (3674) فصل: وليس للمضارب دفع ms2367 المال إلى آخر مضاربة. نص عليه أحمد، في ~~رواية الأثرم، وحرب، وعبد الله، قال: إن أذن له رب المال، وإلا فلا. وخرج ~~القاضي وجها في جواز ذلك، بناء على توكيل الوكيل من غير إذن الموكل. ولا ~~يصح هذا التخريج، وقياسه على الوكيل ممتنع لوجهين؛ أحدهما، أنه إنما دفع ~~إليه المال هاهنا ليضارب به، وبدفعه إلى غيره مضاربة يخرج عن كونه مضاربا ~~به، بخلاف الوكيل. الثاني، أن هذا يوجب في المال حقا لغيره، ولا يجوز إيجاب ~~حق في مال إنسان بغير إذنه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا أعرف عن غيرهم ~~خلافهم. فإن فعل، فلم يتلف المال، ولا ظهر فيه ربح، رده إلى مالكه، ولا شيء ~~له ولا عليه # وإن تلف، أو ربح فيه، فقال الشريف أبو جعفر: هو في الضمان والتصرف ~~كالغاصب، ولرب المال مطالبة من شاء منهما برد المال إن كان باقيا، وبرد ~~بدله إن كان تالفا، أو تعذر رده، فإن طالب الأول، وضمنه قيمة التالف، ولم ~~يكن الثاني علم بالحال، لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه دفعه إليه على وجه ~~الأمانة. وإن علم بالحال، رجع عليه؛ لأنه قبض مال غيره على سبيل العدوان، ~~وتلف تحت يده، فاستقر ضمانه عليه وإن ضمن الثاني مع علمه بالحال، لم يرجع ~~على الأول. # وإن لم يعلم، فهل يرجع على الأول؟ على وجهين؛: أحدهما، يرجع عليه؛ لأنه ~~غره، فأشبه ما لو غره بحرية أمة. والثاني: لا يرجع؛ لأن التلف كان في يده، ~~فاستقر الضمان عليه. وإن ربح في المال، فالربح لمالكه، ولا شيء للمضارب ~~الأول؛ لأنه لم يوجد منه مال ولا عمل. # وهل للثاني أجر مثله؟ على روايتين: إحداهما، له ذلك؛ لأنه عمل في مال ~~غيره بعوض لم يسلم له، فكان له أجر مثله، كالمضاربة الفاسدة. # PageV05P035 # والثانية: لا شيء له؛ لأنه عمل في مال غيره بغير إذنه، فلم يستحق لذلك ~~عوضا، كالغاصب. وفارق المضاربة؛ لأنه عمل في ماله بإذنه. وسواء اشترى بعين ~~المال أو في الذمة. ويحتمل أنه إذا اشترى في الذمة يكون الربح ms2368 له، لأنه ربح ~~فيما اشتراه في ذمته مما لم يقع في الشراء فيه لغيره فأشبه ما لو لم ينقد ~~الثمن من مال رب المال. # قال الشريف أبو جعفر: هذا قول أكثرهم. يعني قول مالك والشافعي، وأبي ~~حنيفة ويحتمل أنه إن كان عالما بالحال، فلا شيء للعامل، كالغاصب، وإن جهل ~~الحال، فله أجر مثله، يرجع به على المضارب الأول؛ لأنه غره، واستعمله بعوض ~~لم يحصل له، فوجب أجره عليه، كما لو استعمله في مال نفسه. وقال القاضي: إن ~~اشترى بعين المال، فالشراء باطل. وإن كان اشترى في الذمة، ثم نقد المال، ~~وكان قد شرط رب المال للمضارب النصف، فدفعه المضارب إلى آخر، على أن يكون ~~لرب المال النصف، والنصف الآخر بينهما؛ فهو على ما اتفقوا عليه؛ لأن رب ~~المال رضي بنصف الربح فلا يدفع إليه أكثر منه، والعاملان على ما اتفقا ~~عليه. # وهذا قول قديم للشافعي وليس هذا موافقا لأصول المذهب، ولا لنص أحمد فإن ~~أحمد قال: لا يطيب الربح للمضارب. ولأن المضارب الأول ليس له عمل ولا مال، ~~ولا يستحق الربح في المضاربة إلا بواحد منهما، والعامل الثاني عمل في مال ~~غيره بغير إذنه ولا شرطه، فلم يستحق ما شرطه له غيره كما لو دفعه إليه ~~الغاصب مضاربة، ولأنه إذا لم يستحق ما شرطه له رب المال في المضاربة ~~الفاسدة، فما شرطه له غيره بغير إذنه أولى. ### | [فصل أذن رب المال في دفع المال مضاربة] # (3675) فصل: وإن أذن رب المال في دفع المال مضاربة، جاز ذلك. نص عليه ~~أحمد ولا نعلم فيه خلافا. ويكون العامل الأول وكيلا لرب المال في ذلك. فإذا ~~دفعه إلى آخر، ولم يشرط لنفسه شيئا من الربح، كان صحيحا. وإن شرط لنفسه ~~شيئا من الربح، لم يصح؛ لأنه ليس من جهته مال ولا عمل، والربح إنما يستحق ~~بواحد منهما. # وإن قال: اعمل برأيك، أو بما أراك الله. جاز له دفعه مضاربة. نص عليه؛ ~~لأنه قد يرى أن يدفعه إلى أبصر منه. ويحتمل أن لا يجوز له ms2369 ذلك؛ لأن قوله: ~~اعمل برأيك. يعني في كيفية المضاربة والبيع والشراء وأنواع التجارة، وهذا ~~يخرج به عن المضاربة، فلا يتناوله إذنه. ### | [فصل المضارب لا يخلط مال المضاربة بماله] # (3676) فصل: وليس له أن يخلط مال المضاربة بماله، فإن فعل ولم يتميز، ~~ضمنه؛ لأنه أمانة فهو كالوديعة. فإن قال له: اعمل برأيك جاز له ذلك. وهو ~~قول مالك، والثوري وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: ليس له ذلك. وعليه الضمان ~~إن فعله؛ لأن ذلك ليس من التجارة. # PageV05P036 # ولنا، أنه قد يرى الخلط أصلح له، فيدخل في قوله: اعمل برأيك. # وهكذا القول في المشاركة به ليس له فعلها، إلا أن يقول: اعمل برأيك. ~~فيملكها. ### | [فصل المضارب لا يشتري خمرا ولا خنزيرا] # (3677) فصل: وليس له أن يشتري خمرا ولا خنزيرا، سواء كانا مسلمين أو كان ~~أحدهما مسلما والآخر ذميا، فإن فعل، فعليه الضمان. وبهذا قال الشافعي وقال ~~أبو حنيفة: إن كان العامل ذميا صح شراؤه للخمر، وبيعه إياها؛ لأن الملك ~~عنده ينتقل إلى الوكيل، وحقوق العقد تتعلق به. وقال أبو يوسف ومحمد: يصح ~~شراؤه إياها؛ لأن الملك فيها ينتقل إلى الوكيل، ولا يصح بيعه؛ لأنه يبيع ما ~~ليس بملك له، ولا لموكله. # ولنا إنه إن كان العامل مسلما فقد اشترى خمرا، ولا يصح أن يشتري خمرا ولا ~~يبيعه، وإن كان ذميا، فقد اشترى للمسلم ما لا يصح أن يملكه ابتداء، فلا ~~يصح، كما لو اشترى الخنزير، ولأن الخمر محرمة فلا يصح شراؤها له، كالخنزير ~~والميتة، ولأن ما لا يجوز بيعه لا يجوز شراؤه، كالميتة والدم. وكل ما جاز ~~في الشركة، جاز في المضاربة، وما جاز في المضاربة، جاز في الشركة، وما منع ~~منه في إحداهما منع منه في الأخرى؛ لأن المضاربة شركة، ومبنى كل واحدة ~~منهما على الوكالة والأمانة. ### | [مسألة إذا ضارب لرجل لم يجز أن يضارب لآخر] # (3678) مسألة؛ قال: (وإذا ضارب لرجل، لم يجز أن يضارب لآخر، إذا كان فيه ~~ضرر على الأول. فإن فعل، وربح، رده في شركة الأول) . # وجملة ذلك أنه إذا أخذ ms2370 من إنسان مضاربة إحداها ثم أراد أخذ مضاربة أخرى ~~من آخر، فأذن له الأول، جاز. وإن لم يأذن له، ولم يكن عليه ضرر، جاز أيضا، ~~بغير خلاف، وإن كان فيه ضرر على رب المال الأول ولم يأذن، مثل أن يكون ~~المال الثاني كثيرا يحتاج إلى أن يقطع زمانه، ويشغله عن التجارة في الأول، ~~ويكون المال الأول كثيرا متى اشتغل عنه بغيره انقطع عن بعض تصرفاته، لم يجز ~~له ذلك. # وقال أكثر الفقهاء: يجوز؛ لأنه عقد لا يملك به منافعه كلها، فلم يمنع من ~~المضاربة، كما لو لم يكن فيه ضرر، وكالأجير المشترك. ولنا، أن المضاربة على ~~الحظ والنماء، فإذا فعل ما يمنعه، لم يكن له، كما لو أراد التصرف بالعين، ~~وفارق ما لا ضرر فيه. فعلى هذا إذا فعل وربح، رد الربح في شركة الأول، ~~ويقتسمانه، فلينظر ما ربح في المضاربة الثانية، فيدفع إلى رب المال منها ~~نصيبه، ويأخذ المضارب نصيبه من الربح، فيضمه إلى ربح المضاربة الأولى، ~~ويقاسمه لرب المضاربة الأولى؛ لأنه استحق حصته من الربح بالمنفعة التي ~~استحقت بالعقد الأول، فكان بينهما، كربح المال. الأول. # فأما حصة رب المال الثاني من الربح، فتدفع إليه؛ لأن # PageV05P037 # العدوان من المضارب لا يسقط حق رب المال الثاني، ولأنا لو رددنا ربح ~~الثاني كله في الشركة الأولى، لاختص الضرر برب المال الثاني، ولم يلحق ~~المضارب شيء من الضرر، والعدوان منه، بل ربما انتفع إذا كان قد شرط الأول ~~النصف والثاني الثلث، ولأنه لا يخلو إما أن يحكم بفساد المضاربة الثانية، ~~أو بصحتها، فإن كانت فاسدة، فالربح كله لرب المال، وللمضارب أجر مثله، وإن ~~حكمنا بصحتها، وجب صرف حصة رب المال إليه بمقتضى العقد وموجب الشرط. والنظر ~~يقتضي أن لا يستحق رب المضاربة الأولى من رب الثانية شيئا؛ لأنه إنما يستحق ~~بمال أو عمل، وليس له في المضاربة الثانية مال ولا عمل. وتعدي المضارب إنما ~~كان بترك العمل، واشتغاله عن المال الأول، وهذا لا يوجب عوضا، كما لو اشتغل ~~بالعمل في مال نفسه، ms2371 أو آجر نفسه، أو ترك التجارة للعب، أو اشتغال بعلم أو ~~غير ذلك. ولو أوجب عوضا، لأوجب شيئا مقدرا، لا يختلف ولا يتقدر بربحه في ~~الثاني. والله أعلم. ### | [فصل دفع إليه مضاربة واشترط النفقة] # (3679) فصل: وإن دفع إليه مضاربة، واشترط النفقة، فكلمه رجل في أن يأخذ ~~له بضاعة أو مضاربة، ولا ضرر فيها. فقال: أحمد إذا اشترط النفقة، صار أجيرا ~~له، فلا يأخذ. من أحد بضاعة، فإنها، تشغله عن المال الذي يضارب به. # قيل: فإن كانت لا تشغله؟ فقال: ما يعجبني أن يكون إلا بإذن صاحب ~~المضاربة، فإنه لا بد من شغل. وهذا، والله أعلم، على سبيل الاستحباب. وإن ~~فعل، فلا شيء عليه؛ لأنه لا ضرر على رب المضاربة فيه. # (3680) فصل: وإن أخذ من رجل مضاربة، ثم أخذ من آخر بضاعة، أو عمل في مال ~~نفسه، أو اتجر فيه، فربحه في مال البضاعة لصاحبها، وفي مال نفسه لنفسه. # (3681) فصل: إذا أخذ من رجل مائة قراضا، ثم أخذ من آخر مثلها، واشترى بكل ~~مائة عبدا، فاختلط العبدان، ولم يتميزا، فإنهما يصطلحان عليهما. كما لو ~~كانت لرجل حنطة، فانثالت عليه أخرى. # وذكر القاضي في ذلك وجهين: أحدهما، يكونان شريكين فيهما، كما لو اشتركا ~~في عقد البيع، فيباعان، ويقسم بينهما، فإن كان فيهما ربح دفع إلى العامل ~~حصته، والباقي بينهما نصفين. # PageV05P038 # والثاني: يكونان للعامل، وعليه أداء رأس المال، والربح له والخسران عليه. ~~وللشافعي قولان، كالوجهين. والأول أولى؛ لأن ملك كل واحد منهما ثابت في أحد ~~العبدين، فلا يزول بالاشتباه عن جميعه، ولا عن بعضه، بغير رضاه، كما لو لم ~~يكونا في يد المضارب، ولأننا لو جعلناهما للمضارب، أدى إلى أن يكون تفريطه ~~سببا لانفراده بالربح، وحرمان المتعدى عليه، وعكس ذلك أولى، وإن جعلناهما ~~شريكين، أدى إلى أن يأخذ أحدهما ربح مال الآخر بغير رضاه؛ وليس له فيه مال ~~ولا عمل. ### | [فصل تعدى المضارب وفعل ما ليس له فعله] # (3682) فصل: إذا تعدى المضارب، وفعل ما ليس له فعله، أو اشترى شيئا نهي ~~عن شرائه، ms2372 فهو ضامن للمال، في قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن أبي هريرة، ~~وحكيم بن حزام، وأبي قلابة، ونافع، وإياس، والشعبي، والنخعي، والحكم، ~~وحماد، ومالك والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وعن علي - رضي الله عنه -: ~~لا ضمان على من شورك في الربح. # وروي معنى ذلك عن الحسن والزهري ولنا أنه، متصرف في مال غيره بغير إذنه ~~فلزمه الضمان، كالغاصب. ولا نقول بمشاركته في الربح، فلا يتناوله قول علي - ~~رضي الله عنه - ومتى اشترى ما لم يؤذن فيه، فربح فيه، فالربح لرب المال، نص ~~عليه أحمد. وبه قال أبو قلابة، ونافع وعن أحمد، أنهما يتصدقان بالربح. وبه ~~قال الشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد. # قال القاضي: قول أحمد: يتصدقان بالربح. على سبيل الورع، وهو لرب المال في ~~القضاء. وهذا قول الأوزاعي. وقال إياس بن معاوية، ومالك: الربح على ما ~~شرطاه؛ لأنه نوع تعد، فلا يمنع كون الربح بينهما على ما شرطاه، كما لو لبس ~~الثوب، وركب دابة ليس له ركوبها. # وقال القاضي: إذا اشترى في الذمة، ثم نقد المال، فالربح لرب المال. وإن ~~اشترى بعين المال، فالشراء باطل، في إحدى الروايتين. والأخرى هو موقوف على ~~إجازة المالك، فإن أجازه، صح، وإلا بطل. والمذهب الأول، نص عليه أحمد، في ~~رواية الأثرم. وقال أبو بكر: لم يرو أنه يتصدق بالربح إلا حنبل. واحتج أحمد ~~بحديث عروة البارقي، وهو ما روى أبو لبيد، عن عروة بن الجعد، قال: «عرض ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - جلب، فأعطاني دينارا، فقال: عروة، ائت الجلب، ~~فاشتر لنا شاة. فأتيت الجلب، فساومت صاحبه، فاشتريت شاتين بدينار، فجئت ~~أسوقهما أو أقودهما، فلقيني رجل بالطريق، فساومني، فبعت منهما شاة ~~بالدينار، فجئت بالدينار وبالشاة، فقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم، وهذه ~~شاتكم. قال: وكيف صنعت؟ فحدثته الحديث، فقال: اللهم بارك له في صفقة ~~يمينه.» # PageV05P039 # رواه الأثرم. # ولأنه نماء مال غيره، بغير إذن مالكه، فكان لمالكه، كما لو غصب حنطة ~~فزرعها. فأما المضارب، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا شيء له؛ لأنه عقد عقدا لم ~~يؤذن له فيه، ms2373 فلم يكن له شيء، كالغاصب. # وهذا اختيار أبي بكر. والثانية، له أجر؛ لأن رب المال رضي بالبيع، وأخذ ~~الربح، فاستحق العامل عوضا، كما لو عقده بإذن. # وفي قدر الأجر روايتان؛ إحداهما، أجر، مثله، ما لم يحط بالربح؛ لأنه عمل ~~ما يستحق به العوض، ولم يسلم له المسمى، فكان له أجر مثله، كالمضاربة. ~~الفاسدة، والثانية، له الأقل من المسمى أو أجر المثل؛ لأنه إن كان الأقل ~~المسمى، فقد رضي به، فلم يستحق أكثر منه، وإن كان الأقل أجر المثل، لم ~~يستحق أكثر منه؛ لأنه لم يعمل ما رضي به. وإن قصد الشراء لنفسه، فلا أجر ~~له، رواية واحدة. # وقال القاضي وأبو الخطاب: إن اشترى في ذمته، ثم نقد المال، فلا أجر له، ~~رواية واحدة، وإن اشترى بعين المال، فعلى روايتين. ### | [فصل العامل يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه] # (3683) فصل: وعلى العامل أن يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه ~~المضارب بنفسه؛ من نشر الثوب، وطيه، وعرضه على المشتري، ومساومته، وعقد ~~البيع معه، وأخذ الثمن، وانتقاده، وشد الكيس، وختمه، وإحرازه في الصندوق، ~~ونحو ذلك. ولا أجر له عليه؛ لأنه مستحق للربح في مقابلته. فإن استأجر من ~~يفعل ذلك، فالأجر عليه خاصة؛ لأن العمل عليه. # فأما ما لا يليه العامل في العادة؛ مثل النداء على المتاع، ونقله إلى ~~الخان، فليس على العامل عمله، وله أن يكتري من يعمله. نص عليه أحمد لأن ~~العمل في المضاربة غير مشروط، لمشقة اشتراطه، فرجع فيه إلى العرف. فإن فعل ~~العامل ما لا يلزمه فعله متبرعا، فلا أجر له. وإن فعله ليأخذ عليه أجرا، ~~فلا شيء له أيضا، في المنصوص عن أحمد. وخرج أصحابنا وجها، إن له الأجر، ~~بناء على الشريك إذا انفرد بعمل لا يلزمه، هل له أجر لذلك؟ على روايتين. ~~وهذا مثله. # والصحيح أنه لا شيء له في الموضعين؛ لأنه عمل في مال غيره عملا لم يجعل ~~له في مقابلته شيء، فلم يستحق شيئا، كالأجنبي. ### | [فصل سرق مال المضاربة أو غصب] ms2374 # (3684) فصل: وإذا سرق مال المضاربة أو غصب، فعلى المضارب طلبه، والمخاصمة ~~فيه، في أحد الوجهين، وفي الآخر، ليس عليه ذلك؛ لأن المضاربة عقد على ~~التجارة، فلا تدخل فيه الخصومة. والأول أولى؛ لأنه # PageV05P040 # يقتضي حفظ المال، ولا يتم ذلك إلا بالخصومة والمطالبة، سيما إذا كان ~~غائبا عن رب المال، إما لسفر المضارب، أو رب المال، فإنه لا يطالب به إلا ~~المضارب، فإن تركه ضاع. فعلى هذا إن ترك الخصومة والطلب به في هذه الحال، ~~غرمه؛ لأنه ضيعه وفرط فيه. # وإن كان رب المال حاضرا، وعلم الحال، لم يلزم العامل طلبه، ولا يضمنه إذا ~~تركه؛ لأن رب المال أولى بذلك من وكيله. ### | [فصل اشترى للمضاربة عبدا فقتله عبد لغيره] # (3685) فصل: وإذا اشترى للمضاربة عبدا، فقتله عبد لغيره، ولم يكن ظهر في ~~المال ربح، فالأمر إلى رب المال، إن شاء اقتص، وإن شاء عفا على غير مال، ~~وتبطل المضاربة فيه؛ لذهاب رأس المال. وإن شاء عفا على مال، فإن عفا على ~~مال مثل رأس المال، أو أقل، أو أكثر، فالمضاربة بحالها، والربح بينهما على ~~شرطهما؛ لأنه وجد بدل عن رأس المال، فهو كما لو وجد بدله بالبيع # وإن كان في العبد ربح، فالقصاص إليهما، والمصالحة كذلك؛ لكونهما شريكين ~~فيه. والحكم في انفساخ المضاربة وبقائها على ما تقدم. ### | [مسألة لا ربح للمضاربة حتى يستوفي رأس المال] # (3686) مسألة؛ قال: (وليس للمضارب ربح حتى يستوفي رأس المال) # يعني أنه لا يستحق أخذ شيء من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى ~~كان في المال خسران، وربح، جبرت الوضيعة من الربح، سواء كان الخسران والربح ~~في مرة واحدة، أو الخسران في صفقة والربح في أخرى، أو أحدهما في سفرة ~~والآخر في أخرى؛ لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس ~~بربح. ولا نعلم في هذا خلافا، وأما ملك العامل لنصيبه من الربح بمجرد ~~الظهور قبل القسمة، فظاهر المذهب أنه يثبت. # هذا الذي ذكره القاضي مذهبا. وبه قال أبو حنيفة وحكى أبو الخطاب ms2375 رواية ~~أخرى، أنه لا يملكه إلا بالقسمة. وهو مذهب مالك وللشافعي قولان، كالمذهبين. ~~واحتج من لم يملكه بأنه لو ملكه لاختص بربحه، ولوجب أن يكون شريكا لرب ~~المال، كشريكي العنان. # ولنا، أن الشرط صحيح، فيثبت مقتضاه، وهو أن يكون له جزء من الربح، فإذا ~~وجد يجب أن يملكه بحكم الشرط، كما يملك المساقي حصته من الثمرة لظهورها، ~~وقياسا على كل شرط صحيح في عقد، ولأن هذا الربح مملوك، فلا بد له من مالك، ~~ورب المال لا يملكه اتفاقا، ولا تثبت أحكام الملك في حقه، فلزم أن يكون ~~للمضارب، ولأنه يملك المطالبة بالقسمة؛ فكان مالكا كأحد شريكي العنان. # ولا يمنع أن يملكه، ويكون وقاية لرأس المال، كنصيب رب المال من الربح، ~~وبهذا امتنع اختصاصه بربحه، ولأنه لو اختص بربح نصيبه لاستحق من الربح أكثر ~~مما شرط له، ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه. قال أحمد إذا وطئ المضارب ~~جارية من المضاربة، فإن لم يكن ظهر في المال ربح، لم تكن أم ولده، وإن ظهر ~~فيه ربح، فهي أم ولده. وهذا يدل على أنه يملك الربح بالظهور. # PageV05P041 ### | [فصل دفع إلى رجل مائة مضاربة فخسر عشرة ثم أخذ رب المال منها عشرة] # (3687) فصل: وإذا دفع إلى رجل مائة مضاربة، فخسر عشرة، ثم أخذ رب المال ~~منها عشرة، فإن الخسران لا ينقص به رأس المال؛ لأنه قد يربح فيجبر الخسران، ~~لكنه ينقص بما أخذه رب المال، وهي العشرة، وقسطها من الخسران، وهو درهم ~~وتسع درهم، ويبقى رأس المال ثمانين وثمانية دراهم وثمانية أتساع درهم. وإن ~~كان أخذ نصف التسعين الباقية، وبقي رأس المال خمسين؛ لأنه أخذ نصف المال، ~~فسقط نصف الخسران. # وإن كان أخذ خمسين، بقي أربعة وأربعون وأربعة أتساع. وكذلك إذا ربح ~~المال، ثم أخذ رب المال بعضه، كان ما أخذه من الربح ورأس المال، فلو كان ~~رأس المال مائة فربح عشرين، فأخذها رب المال، لبقي رأس المال ثلاثة وثمانين ~~وثلثا؛ لأنه أخذ سدس المال، فنقص رأس المال سدسه، وهو ستة عشر وثلثان، ms2376 ~~وحظها من الربح ثلاثة وثلث. ولو كان أخذ ستين، بقي رأس المال خمسين؛ لأنه ~~أخذ نصف المال، فبقي نصف المال. وإن أخذ خمسين، بقي ثمانية وخمسين وثلثا؛ ~~لأنه أخذ ربع المال وسدسه، فبقي ثلثه وربعه، وهو ما ذكرنا. # وإن أخذ منه ستين، ثم خسر في الباقي فصار أربعين، فردها، كان له على رب ~~المال خمسة؛ لأن ما أخذه رب المال انفسخت فيه المضاربة، فلا يجبر بربحه ~~خسران ما بقي في يده، لمفارقته إياه، وقد أخذ من الربح عشرة، لأن سدس ما ~~أخذه ربح، فكانت العشرة بينهما. # وإن لم يرد الأربعين كلها، بل رد منها إلى رب المال عشرين، بقي، رأس ~~المال خمسة وعشرين. ### | [فصل اشترى رب المال من مال المضاربة شيئا لنفسه] # (3688) فصل: إذا اشترى رب المال من مال المضاربة شيئا لنفسه، لم يصح في ~~إحدى الروايتين. وهو قول الشافعي ويصح في الأخرى. وبه قال مالك، والأوزاعي، ~~وأبو حنيفة لأنه قد تعلق حق المضارب به فجاز له شراؤه، وكما لو اشترى من ~~مكاتبه أو من عبده المأذون الذي عليه دين. # ولنا، أنه ملكه، فلم يصح شراؤه له، كشرائه من وكيله وعبده المأذون الذي ~~لا دين عليه. وفارق المكاتب؛ فإن السيد لا يملك ما في يده، ولهذا لا يزكيه، ~~وله أخذ ما فيه شفعة بها. فأما المأذون له، فلا يصح شراء سيده منه بحال. ~~ويحتمل أن يصح إذا استغرقته الديون؛ لأن الغرماء يأخذون ما في يده. والصحيح ~~الأول؛ لأن ملك السيد لم يزل عنه، وإن استحق أخذه، كمال المفلس. ### | [فصل اشترى المضارب لنفسه من مال المضاربة ولم يظهر في المال ربح] # (3689) فصل: وإن اشترى المضارب لنفسه من مال المضاربة، ولم يظهر في المال ~~ربح، صح. نص عليه أحمد وبه قال # PageV05P042 # مالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وحكي ذلك عن أبي حنيفة. وقال أبو ثور: ~~البيع باطل؛ لأنه شريك. ولنا، أنه ملك لغيره، فصح شراؤه له، كما لو اشترى ~~الوكيل من موكله، وإنما يكون شريكا إذا ظهر ربح؛ لأنه إنما يشارك رب المال ~~في ms2377 الربح، لا في أصل المال، ومتى ظهر في المال ربح كان شراؤه كشراء أحد ~~الشريكين، على ما سنذكره. ### | [فصل اشترى أحد الشريكين من مال الشركة شيئا] # فصل: وإن اشترى أحد الشريكين من مال الشركة شيئا، بطل في قدر حقه؛ لأنه ~~ملكه، وهل يصح في حصة شريكه؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة. وتتخرج ~~الصحة في الجميع، بناء على أن لرب المال أن يشتري من مال المضاربة لنفسه. ~~وإن اشترى أحد الشريكين حصة شريكه منه، جاز؛ لأنه يشتري ملك غيره. وقال ~~أحمد في الشريكين في الطعام، يريد أحدهما بيع حصته من صاحبه: إن لم يكونا ~~يعلمان كيله فلا بأس، وإن علما كيله فلا بد من كيله، يعني أن من علم مبلغ ~~شيء لم يبعه صبرة، وإن باعه إياه بالكيل والوزن، جاز. ### | [فصل استأجر أحد الشريكين من صاحبه دارا ليحرز فيها مال الشركة أو غرائر] # (3691) فصل: ولو استأجر أحد الشريكين من صاحبه دارا، ليحرز فيها مال ~~الشركة أو غرائر، جاز نص عليه أحمد، في رواية صالح. # وإن استأجره لنقل الطعام، أو غلامه، أو دابته، ففيه روايتان؛ إحداهما، ~~الجواز؛ لأن ما جاز أن يستأجر له غير الحيوان، جاز أن يستأجر له الحيوان، ~~كمال الأجنبي. والأخرى، لا يجوز؛ لأن هذا لا تجب الأجرة فيه إلا بالعمل، ~~ولا يمكن إيفاء العمل في المشترك؛ لأن نصيب المستأجر غير متميز من نصيب ~~المؤجر، فإذا لا تجب الأجرة، والدار والغرائز لا يعتبر فيهما إيقاع العمل، ~~إنما تجب بوضع العين في الدار، فيمكن تسليم المعقود عليه. ### | [مسألة اشترى المضارب سلعتين فربح في إحداهما وخسر في الأخرى] # (3692) مسألة؛ قال: (وإذا اشترى سلعتين، فربح في إحداهما، وخسر في ~~الأخرى، جبرت الوضيعة من الربح) # وجملته أنه إذا دفع إلى المضارب ألفين، فاشترى بكل ألف عبدا، فربح في ~~أحدهما، وخسر في الآخر، أو تلف، وجب جبر الخسران من الربح، ولا يستحق ~~المضارب شيئا إلا بعد كمال الألفين. # وبهذا قال الشافعي إلا فيما إذا تلف أحد العبدين، فإن أصحابه ذكروا فيه ~~وجها ثانيا، أن ms2378 التالف من رأس المال؛ لأنه بدل أحد الألفين، ولو تلف أحد ~~الألفين، كان رأس المال، فكذلك بدله. # ولنا أنه تلف بعد أن دار في القراض، وتصرف في المال بالتجارة، فكان تلفه ~~من الربح، كما لو كان رأس المال دينارا واحدا، فاشترى به سلعتين، ولأنهما ~~سلعتان تجبر خسارة إحداهما بربح الأخرى، # PageV05P043 # فجبر تلفها به، كما لو كان رأس المال دينارا، ولأنه رأس مال، واحد، فلا ~~يستحق المضارب فيه ربحا حتى يكمل رأس المال، كالذي ذكرنا. # فأما إن تلف أحد الألفين قبل الشراء به والتصرف فيه، أو تلف بعضه، انفسخت ~~المضاربة فيما تلف، وكان رأس المال الباقي خاصة وقال بعض الشافعية: مذهب ~~الشافعي أن التالف من الربح ورأس المال الألفان معا؛ لأن المال إنما يصير ~~قراضا بالقبض، فلا فرق بين هلاكه قبل التصرف وبعده. # ولنا، أنه مال هلك على جهته قبل التصرف فيه، فكان رأس المال الباقي، كما ~~لو تلف قبل القبض وفارق ما بعد التصرف؛ لأنه دار في التجارة، وشرع فيما قصد ~~بالعقد من التصرفات المؤدية إلى الربح. # فصل: وإذا دفع إليه ألفا مضاربة، ثم دفع إليه ألفا آخر مضاربة، وأذن له ~~في ضم أحدهما إلى الآخر قبل التصرف في الأول، جاز، وصارا مضاربة واحدة، كما ~~لو دفعهما إليه مرة واحدة. وإن كان بعد التصرف في الأول في شراء المتاع، لم ~~يجز؛ لأن حكم الأول استقر، فكان ربحه وخسرانه مختصا به، فضم الثاني إليه ~~يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر، فإذا شرط ذلك في الثاني فسد. فإن نض، ~~الأول، جاز ضم الثاني إليه لزوال هذا المعنى. # وإن لم يأذن له في ضم الثاني إلى الأول، لم يجز له ذلك. نص عليه أحمد. ~~وقال إسحاق له ذلك قبل أن يتصرف في الأول. ولنا، أنه أفرد كل واحد بعقد، ~~فكانا عقدين لكل عقد حكم نفسه، ولا تجبر وضيعة أحدهما بربح الآخر، كما لو ~~نهاه عن ذلك. # (3694) فصل: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضارب بربح، ويضع ~~مرارا. فقال: يرد الوضيعة على ms2379 الربح، إلا أن يقبض المال صاحبه، ثم يرده ~~إليه، فيقول: اعمل به ثانية. # فما ربح بعد ذلك لا تجبر به وضيعة الأول، فهذا ليس في نفسي منه شيء، وأما ~~ما لم يدفع إليه، فحتى يحتسبا حسابا كالقبض، كما قال ابن سيرين قيل: وكيف ~~يكون حسابا كالقبض؟ قال: يظهر المال. يعني ينض ويجيء، فيحتسبان عليه، فإن ~~شاء صاحب المال قبضه. قيل له: فيحتسبان على المتاع؟ فقال: لا يحتسبان إلا ~~على الناض؛ لأن المتاع قد ينحط سعره ويرتفع. قال أبو طالب: قيل لأحمد رجل ~~دفع إلى رجل عشرة آلاف درهم مضاربة، فوضع، فبقيت ألف، فحاسبه صاحبها، ثم ~~قال له: اذهب فاعمل بها. فربح؟ قال: يقاسمه ما فوق الألف. يعني إذا كانت ~~الألف ناضة حاضرة، إن شاء صاحبها قبضها. # فهذا الحساب الذي كالقبض، فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال ابتداء ~~مضاربة ثانية، كما لو قبضها منه ثم ردها إليه. فأما قبل # PageV05P044 # ذلك، فلا شيء للمضارب حتى يكمل عشرة آلاف، ولو أن رب المال والمضارب ~~اقتسما الربح، أو أخذ أحدهما منه شيئا بإذن صاحبه، والمضاربة بحالها، ثم ~~سافر المضارب به، فخسر، كان على المضارب رد ما أخذه من الربح؛ لأننا تبينا ~~أنه ليس بربح، ما لم تنجبر الخسارة. ### | [فصل قارض المضارب في مرضه] # (3695) فصل: وإذا قارض في مرضه، صح؛ لأنه عقد يبتغي به الفضل، فأشبه ~~البيع والشراء. وللعامل ما شرط له من الربح، وإن زاد على شرط، مثله، وإلا ~~يحتسب به من ثلثه؛ لأن ذلك غير مستحق من مال رب المال، وإنما حصل بعمل ~~المضارب في المال، فما يوجد من الربح المشروط يحدث على ملك العامل، بخلاف ~~ما لو حابى الأجير في الأجر، فإنه يحتسب بما حاباه من ثلثه؛ لأن الأجر يؤخذ ~~من ماله. # ولو شرط في المساقاة والمزارعة أكثر من أجر المثل، احتمل أن لا يحتسب به ~~من ثلثه؛ لأن الثمرة تخرج على ملكيهما، كالربح في المضاربة، واحتمل أن يكون ~~من ثلثه؛ لأن الثمرة زيادة في ملكه، خارجة عن عينه، والربح لا ms2380 يخرج من عين ~~المال، إنما يحصل بالتقليب. ### | [فصل موت رب المال] # فصل: وإذا مات رب المال، قدمنا حصة العامل على غرمائه، ولم يأخذوا شيئا ~~من نصيبه؛ لأنه يملك الربح بالظهور، فكان شريكا فيه، وليس لرب المال شيء من ~~نصيبه، فهو كالشريك بماله، ولأن حقه متعلق بعين المال دون الذمة، فكان ~~مقدما، كحق الجناية، ولأنه متعلق بالمال قبل الموت، فكان أسبق، كحق الرهن. ### | [فصل مات المضارب ولم يعرف مال المضاربة بعينه] # (3697) فصل: وإن مات المضارب ولم يعرف مال المضاربة بعينه، صار دينا في ~~ذمته، ولصاحبه أسوة الغرماء. وقال الشافعي: ليس على المضارب شيء؛ لأنه لم ~~يكن له في ذمته وهو حي شيء، ولم يعلم حدوث ذلك بالموت، فإنه يحتمل أن يكون ~~المال قد هلك. ولنا أن الأصل بقاء المال في يده، واختلاطه بجملة التركة، ~~ولا سبيل إلى معرفة عينه، فكان دينا كالوديعة إذا لم تعرف عينها، ولأنه لا ~~سبيل إلى إسقاط حق رب المال؛ لأن الأصل بقاؤه، ولم يوجد ما يعارض ذلك ~~ويخالفه، ولا سبيل إلى إعطائه عينا من هذا المال؛ لأنه يحتمل أن يكون من ~~غير مال المضاربة، فلم يبق إلا تعلقه بالذمة. ### | [مسألة تبين للمضارب أن في يده فضلا] # (3698) مسألة: قال (وإذا تبين للمضارب أن في يده فضلا، لم يكن له أخذ شيء ~~منه إلا بإذن رب المال) . # PageV05P045 # وجملته أن الربح إذا ظهر في المضاربة، لم يجز للمضارب أخذ شيء منه بغير ~~إذن رب المال. لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا. وإنما لم يملك ذلك ~~لأمور ثلاثة: أحدها، إن الربح وقاية لرأس المال، فلا يأمن الخسران الذي ~~يكون هذا الربح جابرا له، فيخرج بذلك عن أن يكون ربحا. والثاني، إن رب ~~المال شريكه، فلم يكن له مقاسمة نفسه. # الثالث، أن ملكه عليه غير مستقر؛ لأنه بعرض أن يخرج عن يده بجبران خسارة ~~المال. وإن أذن رب المال في أخذ شيء، جاز؛ لأن الحق لهما، لا يخرج عنهما. ### | [فصل طلب أحدهما قسمة الربح دون رأس المال وأبى الآخر ms2381 في الشركة] # (3699) فصل: وإن طلب أحدهما قسمة الربح دون رأس المال، وأبى الآخر، قدم ~~قول الممتنع؛ لأنه إن كان رب المال، فلأنه لا يأمن الخسران في رأس المال، ~~فيجبره بالربح، وإن كان العامل فإنه لا يأمن أن يلزمه رد ما أخذ في وقت لا ~~يقدر عليه. # وإن تراضيا على ذلك، جاز؛ لأن الحق لهما، وسواء اتفقا على قسمة جميعه أو ~~بعضه، أو على أن يأخذ كل واحد منهما شيئا معلوما ينفقه. ثم متى ظهر في ~~المال خسران، أو تلف كله، لزم العامل رد أقل الأمرين مما أخذه، أو نصف ~~خسران المال، إذا اقتسما الربح نصفين وبهذا قال الثوري والشافعي، وإسحاق، ~~وقال أبو حنيفة: لا تجوز القسمة حتى يستوفي رب المال ماله. قال ابن المنذر ~~إذا اقتسما الربح، ولم يقبض رب المال رأس ماله، فأكثر أهل العلم يقولون: ~~يرد العامل الربح حتى يستوفي رب المال ماله. ولنا، على جواز القسمة، أن ~~المال لهما، فجاز لهما أن يقتسما بعضه، كالشريكين. أو نقول: إنهما شريكان، ~~فجاز لهما قسمة الربح قبل المفاضلة، كشريكي العنان. ### | [فصل المضاربة من العقود الجائزة] # فصل: والمضاربة من العقود الجائزة، تنفسخ بفسخ أحدهما، أيهما كان، ~~وبموته، وجنونه، والحجر عليه لسفه؛ لأنه متصرف في مال غيره بإذنه، فهو ~~كالوكيل. ولا فرق بين ما قبل التصرف وبعده. فإذا انفسخت والمال ناض لا ربح ~~فيه، أخذه ربه، وإن كان فيه ربح، قسما الربح على ما شرطاه. وإن انفسخت ~~والمال عرض، فاتفقا على بيعه أو قسمه، جاز؛ لأن الحق لهما، لا يعدوهما. وإن ~~طلب العامل البيع، وأبى، رب المال، وقد ظهر في المال ربح، أجبر رب المال ~~على البيع. وهو قول إسحاق والثوري لأن حق العامل في الربح، ولا يظهر إلا ~~بالبيع. # وإن لم يظهر ربح، لم يجبر؛ لأنه لا حق له فيه، وقد رضيه مالكه كذلك فلم ~~يجبر على بيعه. وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وقال بعضهم: فيه وجه # PageV05P046 # آخر، أنه يجبر على البيع؛ لأنه ربما زاد فيه زائد، أو رغب فيه راغب، فزاد ms2382 ~~على ثمن المثل، فيكون للعامل في البيع حظ. # ولنا، أن المضارب إنما استحق الربح إلى حين الفسخ، وذلك لا يعلم إلا ~~بالتقويم، ألا ترى أن المستعير إذا غرس أو بنى، أو المشتري، كان للمعير ~~والشفيع أن يدفعا قيمة ذلك، لأنه مستحق للأرض، فهاهنا أولى. # وما ذكروه من احتمال الزيادة، بزيادة مزايد أو راغب على قيمته، فإنما حدث ~~ذلك بعد فسخ العقد، فلا يستحقها العامل. وإن طلب رب المال البيع، وأبى ~~العامل، ففيه وجهان: أحدهما، يجبر العامل على البيع. وهو قول الشافعي؛ لأن ~~عليه رد المال ناضا كما أخذه. والثاني، لا يجبر إذا لم يكن في المال ربح، ~~أو أسقط حقه من الربح؛ لأنه بالفسخ زال تصرفه، وصار أجنبيا من المال، فأشبه ~~الوكيل إذا اشترى ما يستحق رده، فزالت وكالته قبل رده. # ولو كان رأس المال دنانير، فصار دراهم، أو دراهم، فصار دنانير، فهو كما ~~لو كان عرضا، على ما شرح. وإذا نض رأس المال جميعه، لم يلزم العامل أن ينض ~~له الباقي؛ لأنه شركة بينهما، ولا يلزم الشريك أن ينض مال شريكه، ولأنه ~~إنما لزمه أن ينض رأس المال، ليرد إليه رأس ماله على صفته، ولا يوجد هذا ~~المعنى في الربح. ### | [فصل انفسخ القراض والمال دين] # (3701) فصل: وإن انفسخ القراض، والمال دين، لزم العامل تقاضيه، سواء ظهر ~~في المال ربح أو لم يظهر. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن ظهر ربح، ~~لزمه تقاضيه، وإن لم يظهر ربح، لم يلزمه تقاضيه، لأنه لا غرض له في العمل، ~~فهو كالوكيل. ولنا، أن المضاربة تقتضي رد رأس المال على صفته، والديون لا ~~تجري مجرى الناض، فلزمه أن ينضه، كما لو ظهر في المال ربح، وكما لو كان رأس ~~المال عرضا # ويفارق الوكيل؛ فإنه لا يلزمه رد المال كما قبضه، ولهذا لا يلزمه بيع ~~العروض. ولا فرق بين كون الفسخ من العامل أو رب المال، فإن اقتضى منه قدر ~~رأس المال، أو كان الدين قدر الربح، أو دونه، لزم العامل تقاضيه أيضا؛ لأنه ms2383 ~~إنما يستحق نصيبه من الربح عند وصوله إليهما على وجه يمكن قسمته، ووصول كل ~~واحد منهما إلى حقه منه، ولا يحصل ذلك إلا بعد تقاضيه. ### | [فصل أي المتقارضين مات أو جن انفسخ القراض] # فصل: (3702) وأي المتقارضين مات أو جن، انفسخ القراض؛ لأنه عقد جائز، ~~فانفسخ بموت أحدهما وجنونه، كالتوكيل. فإن كان الموت أو الجنون برب المال، ~~فأراد الوارث أو وليه إتمامه، والمال ناض، # PageV05P047 # جاز، ويكون رأس المال وحصته من الربح رأس المال، وحصة العامل من الربح ~~شركة له مشاعة. وهذه الإشاعة لا تمنع؛ لأن الشريك هو العامل، وذلك لا يمنع ~~التصرف. وإن كان المال عرضا وأرادوا إتمامه، فظاهر كلام أحمد جوازه؛ لأنه ~~قال، في رواية علي بن سعيد: إذا مات رب المال، لم يجز للعامل أن يبيع ولا ~~يشتري إلا بإذن الورثة. # فظاهر هذا بقاء العامل على قراضه، وهو منصوص الشافعي؛ لأن هذا إتمام ~~للقراض لا ابتداء له، ولأن القراض إنما منع منه في العروض؛ لأنه يحتاج عند ~~المفاصلة إلى رد مثلها أو قيمتها، ويختلف ذلك باختلاف الأوقات، وهذا غير ~~موجود هاهنا؛ لأن رأس المال غير العروض، وحكمه باق، ألا ترى أن للعامل أن ~~يبيعه ليسلم رأس المال ويقسم الباقي وذكر القاضي وجها آخر، أنه لا يجوز؛ ~~لأن القراض قد بطل بالموت، وهذا ابتداء قراض على عروض. # وهذا الوجه أقيس؛ لأن المال لو كان ناضا كان ابتداء قراض، وكانت حصة ~~العامل من الربح شركة له يختص بها دون رب المال. وإن كان المال ناضا بخسارة ~~أو تلف، كان رأس المال الموجود منه حال ابتداء القراض، فلو جوزنا ابتداء ~~القراض هاهنا وبناءهما على القراض، لصارت حصة العامل من الربح غير مختصة ~~به، وحصتها من الربح مشتركة بينهما، وحسبت عليه العروض بأكثر من قيمتهما، ~~فيما إذا كان المال ناقصا، وهذا لا يجوز في القراض بلا خلاف. وكلام أحمد ~~يحمل على أنه يبيع ويشتري بإذن الورثة كبيعه وشرائه بعد انفساخ القراض. # فأما إن مات العامل أو جن، وأراد ابتداء القراض مع وارثه أو ms2384 وليه، فإن ~~كان ناضا، جاز، كما قلنا فيما إذا مات رب المال وإن كان عرضا، لم يجز ~~ابتداء القراض إلا على الوجه الذي يجوز ابتداء القراض على العروض، بأن تقوم ~~العروض، ويجعل رأس المال قيمتها يوم العقد؛ لأن الذي كان منه العمل قد مات، ~~أو جن، وذهب عمله، ولم يخلف أصلا يبني عليه وارثه، بخلاف ما إذا مات رب ~~المال، فإن المال المقارض عليه موجود، ومنافعه موجودة، فأمكن استدامة ~~العقد، وبناء الوارث عليه. # وإن كان المال ناضا، جاز ابتداء القراض فيه إذا اختار ذلك، فإن لم ~~يبتدئاه، لم يكن للوارث شراء ولا بيع؛ لأن رب المال إنما رضي باجتهاد ~~مورثه، فإذا لم يرض ببيعه، رفعه إلى الحاكم ليبيعه. فأما إن كان الميت رب ~~المال، فليس للعامل الشراء؛ لأن القراض انفسخ. # فأما البيع، فإن الحكم فيه وفي التقويم واقتضاء الدين، على ما ذكرناه إذا ~~فسخت المضاربة ورب المال حي. ### | [فصل تلف المال قبل الشراء في المضاربة] # (3703) فصل: إذا تلف المال قبل الشراء انفسخت المضاربة؛ لزوال المال الذي ~~تعلق العقد به، وما اشتراه بعد ذلك للمضاربة، فهو لازم له، والثمن عليه ~~سواء علم بتلف المال قبل نقد الثمن أو جهل ذلك وهل يقف على إجازة رب المال؟ ~~على روايتين؛ # PageV05P048 # إحداهما، إن أجازه، فالثمن عليه، والمضاربة بحالها. وإن لم يجزه، لزم ~~العامل. والثانية: هو للعامل على كل حال. # فإن اشترى للمضاربة شيئا، فتلف المال قبل نقده، فالشراء للمضاربة، وعقدها ~~باق، ويلزم رب المال الثمن، ويصير رأس المال الثمن دون التالف؛ لأن الأول ~~تلف قبل التصرف فيه. وهذا قول بعض الشافعية. ومنهم من قال: رأس المال هذا ~~والتالف. وحكي ذلك عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن. # ولنا، أن التالف تلف قبل التصرف فيه، فلم يكن من رأس المال، كما لو تلف ~~قبل الشراء. # ولو اشترى عبدين بمال المضاربة، فتلف أحد العبدين، كان تلفه من الربح، ~~ولم ينقص رأس المال بتلفه؛ لأنه تلف بعد التصرف فيه. وإن تلف العبدان ~~كلاهما، انفسخت المضاربة؛ لزوال مالها كله. ms2385 فإن دفع إليه رب المال بعد ذلك ~~ألفا، كان الألف رأس المال، ولم يضم إلى المضاربة الأولى؛ لأنها انفسخت ~~لذهاب مالها. ### | [مسألة اتفق رب المال والمضارب على أن الربح بينهما والوضيعة عليهما] # (3704) مسألة؛ قال: (وإذا اتفق رب المال والمضارب على أن الربح بينهما، ~~والوضيعة عليهما، كان الربح بينهما والوضيعة على المال) # وجملته أنه متى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهما من الوضيعة، فالشرط ~~باطل. لا نعلم فيه خلافا والعقد صحيح. نص عليه أحمد. # وهو قول أبي حنيفة، ومالك وروي عن أحمد أن العقد يفسد به. وحكي ذلك عن ~~الشافعي؛ لأنه شرط فاسد، فأفسد المضاربة، كما لو شرط لأحدهما فضل دراهم. ~~والمذهب الأول. # ولنا، أنه شرط لا يؤثر في جهالة الربح، فلم يفسد به، كما لو شرط لزوم ~~المضاربة. ويفارق شرط الدراهم؛ لأنه إذا فسد الشرط ثبتت حصة كل واحد منهما ~~في الربح مجهولة. ### | [فصل الشروط في المضاربة تنقسم قسمين] # (3705) فصل: والشروط في المضاربة تنقسم قسمين؛ صحيح، وفاسد، فالصحيح مثل ~~أن يشترط على العامل أن لا يسافر بالمال، أو أن يسافر به، أو لا يتجر إلا ~~في بلد بعينه، أو نوع بعينه، أو لا يشتري إلا من رجل بعينه. فهذا كله صحيح، ~~سواء كان النوع مما يعم وجوده، أو لا يعم، والرجل ممن يكثر عنده المتاع أو ~~يقل. وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك، والشافعي: إذا شرط أن لا يشتري إلا من ~~رجل بعينه، أو سلعة بعينها، أو ما لا يعم وجوده، كالياقوت الأحمر، والخيل ~~البلق، لم يصح؛ لأنه يمنع مقصود المضاربة، وهو التقليب وطلب الربح، فلم ~~يصح، كما لو اشترط أن لا يبيع ويشتري إلا من فلان، أو أن لا يبيع إلا بمثل ~~ما اشترى به. # PageV05P049 # ولنا، أنها مضاربة خاصة، لا تمنع الربح بالكلية، فصحت، كما لو شرط أن لا ~~يتجر إلا في نوع يعم وجوده، ولأنه عقد يصح تخصيصه بنوع، فصح تخصيصه في رجل ~~بعينه، وسلعة بعينها، كالوكالة. # وقولهم: إنه يمنع المقصود. ممنوع، وإنما يقلله، وتقليله لا يمنع ms2386 الصحة، ~~كتخصيصه بالنوع. ويفارق ما إذا شرط أن لا يبيع إلا برأس المال، فإنه يمنع ~~الربح بالكلية. وكذلك إذا قال: لا تبع إلا من فلان، ولا تشتر إلا من فلان. ~~فإنه يمنع الربح أيضا؛ لأنه لا يشتري ما باعه إلا بدون ثمنه الذي باعه به. ~~ولهذا لو قال: لا تبع إلا ممن اشتريت منه. لم يصح؛ لذلك. ### | [فصل تأقيت المضاربة] # (3706) فصل: ويصح تأقيت المضاربة، مثل أن يقول: ضاربتك على هذه الدراهم ~~سنة، فإذا انقضت فلا تبع، ولا تشتر. قال مهنا: سألت أحمد عن رجل أعطى رجلا ~~ألفا مضاربة شهرا، قال: إذا مضى شهر يكون قرضا. قال: لا بأس به. قلت: فإن ~~جاء الشهر وهي متاع؟ قال: إذا باع المتاع يكون قرضا. # وقال أبو الخطاب: في صحة شرط التأقيت روايتان؛ إحداهما، هو صحيح. وهو قول ~~أبي حنيفة والثانية، لا يصح. وهو قول الشافعي، ومالك. واختيار أبي حفص ~~العكبري، لثلاثة معان: أحدها، أنه عقد يقع مطلقا، فإذا شرط قطعه لم يصح، ~~كالنكاح. الثاني، أن هذا ليس من مقتضى العقد، ولا له فيه مصلحة، فأشبه ما ~~لو شرط أن لا يبيع، وبيان أنه ليس من مقتضى العقد، أنه يقتضي أن يكون رأس ~~المال ناضا، فإذا منعه البيع لم ينض. الثالث، إن هذا يؤدي إلى ضرر بالعامل؛ ~~لأنه قد يكون الربح والحظ في تبقية المتاع، وبيعه بعد السنة. فيمتنع ذلك ~~بمضيها. # ولنا، أنه تصرف يتوقت بنوع من المتاع فجاز توقيته في الزمان، كالوكالة. ~~والمعنى الأول الذي ذكروه يبطل بالوكالة الوديعة، والمعنى الثاني والثالث ~~يبطل تخصيصه بنوع من المتاع، ولأن لرب المال منعه من البيع والشراء في كل ~~وقت إذا رضي أن يأخذ بماله عرضا، فإذا شرط ذلك، فقد شرط ما هو من مقتضى ~~العقد، فصح، كما لو قال: إذا انقضت السنة فلا تشتر شيئا. وقد سلموا صحة ~~ذلك. ### | [فصل اشتراط المضارب نفقة نفسه] # (3707) فصل: وإذا اشترط المضارب نفقة نفسه، صح، سواء كان في الحضر أو ~~السفر. وقال الشافعي لا يصح في الحضر. # PageV05P050 # ولنا أن ms2387 التجارة في الحضر إحدى حالتي المضاربة، فصح اشتراط النفقة فيها، ~~كالسفر، ولأنه شرط النفقة في مقابلة عمله، فصح، كما لو اشترطها في الوكالة. ### | [فصل الشروط الفاسدة في المضاربة تنقسم إلى ثلاثة أقسام] # (3708) فصل: والشروط الفاسدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدهما، ما ينافي ~~مقتضى العقد، مثل أن يشترط لزوم المضاربة، أو لا يعزله مدة بعينها، أو لا ~~يبيع إلا برأس المال أو أقل، أو لا يبيع إلا ممن اشترى منه، أو شرط أن لا ~~يشتري، أو لا يبيع، أو أن يوليه ما يختاره من السلع، أو نحو ذلك، فهذه شروط ~~فاسدة؛ لأنها تفوت المقصود من المضاربة، وهو الربح، أو تمنع الفسخ الجائز ~~بحكم الأصل. # القسم الثاني: ما يعود بجهالة الربح مثل أن يشترط للمضارب جزءا من الربح ~~مجهولا، أو ربح أحد الكسبين، أو أحد الألفين، أو أحد العبدين، أو ربح إحدى ~~السفرتين، أو ما يربح في هذا الشهر، أو أن حق أحدهما في عبد يشتريه، أو ~~يشترط لأحدهما دراهم معلومة بجميع حقه أو ببعضه، أو يشترط جزءا من الربح ~~لأجنبي، فهذه شروط فاسدة؛ لأنها تفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح، ~~أو إلى فواته بالكلية، ومن شرط المضاربة كون الربح معلوما. # القسم الثالث، اشتراط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه، مثل أن يشترط ~~على المضارب المضاربة له في مال آخر، أو يأخذه بضاعة أو قرضا، أو أن يخدمه ~~في شيء بعينه، أو يرتفق ببعض السلع، مثل أن يلبس الثوب، ويستخدم العبد، ~~ويركب الدابة، أو يشترط على المضارب ضمان المال أو سهما من الوضيعة، أو أنه ~~متى باع السلعة فهو أحق بها بالثمن، أو شرط المضارب على رب المال شيئا من ~~ذلك. فهذه كلها شروط فاسدة. # وقد ذكرنا كثيرا منها في غير هذا الموضع معللا. ومتى اشترط شرطا فاسدا ~~يعود بجهالة الربح، فسدت المضاربة؛ لأن الفساد لمعنى في العوض المعقود ~~عليه، فأفسد العقد، كما لو جعل رأس المال خمرا أو خنزيرا، ولأن الجهالة ~~تمنع من التسليم، فتفضي إلى التنازع ms2388 والاختلاف، ولا يعلم ما يدفعه إلى ~~المضارب. وما عدا ذلك من الشروط الفاسدة، فالمنصوص عن أحمد، في أظهر ~~الروايتين عنه، أن العقد صحيح ذكره عنه الأثرم وغيره؛ لأنه عقد يصح على ~~مجهول، فلم تبطله الشروط الفاسدة، كالنكاح والعتاق والطلاق. # وذكر القاضي، وأبو الخطاب، رواية أخرى، أنها تفسد العقد؛ لأنه شرط فاسد، ~~فأفسد العقد، كشرط دراهم معلومة، أو شرط أن يأخذ له بضاعة، والحكم في ~~الشركة كالحكم في المضاربة سواء. # PageV05P051 ### | [فصل المضاربة الفاسدة] # (3709) فصل: وفي المضاربة الفاسدة فصول ثلاثة: (3710) الفصل الأول: أنه ~~إذا تصرف نفذ تصرفه؛ لأنه أذن له فيه فإذا بطل العقد بقي الإذن فملك به ~~التصرف، كالوكيل. فإن قيل: فلو اشترى الرجل شراء فاسدا، ثم تصرف فيه، لم ~~ينفذ تصرفه، مع أن البائع قد أذن له في التصرف. # قلنا: لأن المشتري يتصرف من جهة الملك لا بالإذن، فإن أذن له البائع كان ~~على أنه ملك المأذون له فإذا لم يملك، لم يصح، وها هنا أذن له رب المال في ~~التصرف في ملك نفسه، وما شرطه من الشرط الفاسد فليس بمشروط في مقابلة ~~الإذن؛ لأنه أذن له في تصرف يقع له. # (3711) الفصل الثاني: أن الربح جميعه لرب المال؛ لأنه نماء ماله، وإنما ~~يستحق العامل بالشرط، فإذا فسدت المضاربة فسد الشرط، فلم يستحق منه شيئا، ~~ولكن له أجر مثله. نص عليه أحمد. # وهو مذهب الشافعي. واختار الشريف أبو جعفر أن الربح بينهما على ما شرطاه، ~~واحتج بما روي عن أحمد أنه قال: إذا اشتركا في العروض، قسم الربح على ما ~~شرطاه. قال: وهذه الشركة فاسدة. واحتج بأنه عقد يصح مع الجهالة، فيثبت ~~المسمى في فاسده، كالنكاح. قال: ولا أجر له. وجعل أحكامها كلها كأحكام ~~الصحيحة. وقد ذكرنا هذا. # قال القاضي أبو يعلى: والمذهب ما حكينا، وكلام أحمد محمول على أنه صحح ~~الشركة بالعروض. وحكي عن مالك أنه يرجع إلى قراض المثل. وحكي عنه: إن لم ~~يربح فلا أجر له. ومقتضى هذا أنه إن ربح، فله الأقل مما شرط له أو أجر ms2389 ~~مثله. # ويحتمل أن يثبت عندنا مثل هذا؛ لأنه إذا كان الأقل ما شرط له فقد رضي به، ~~فلا يستحق أكثر منه، كما لو تبرع بالعمل الزائد، ولنا أن تسمية الربح من ~~توابع المضاربة، أو ركن من أركانها، فإذا فسدت فسدت أركانها وتوابعها، ~~كالصلاة ولا نسلم في النكاح وجوب المسمى إذا كان العقد فاسدا، وإذا لم يجب ~~له المسمى، وجب أجر المثل؛ لأنه إنما عمل ليأخذ المسمى، فإذا لم يحصل له ~~المسمى وجب رد عمله إليه، وذلك متعذر، فتجب قيمته، وهو أجر مثله، كما لو ~~تبايعا بيعا فاسدا، وتقابضا، وتلف أحد العوضين في يد القابض له، وجب رد ~~قيمته. # فعلى هذا سواء ظهر في المال ربح أو لم يظهر، فأما إن رضي المضارب بالعمل ~~بغير عوض، مثل أن يقول: قارضتك والربح كله لي. فالصحيح أنه لا شيء للمضارب ~~هاهنا؛ لأنه تبرع بعمله، فأشبه ما لو أعانه في شيء، أو توكل له بغير جعل، ~~أو أخذ له بضاعة. # PageV05P052 # الفصل الثالث، في الضمان، ولا ضمان عليه فيما يتلف بغير تعديه وتفريطه؛ ~~لأن ما كان القبض في صحيحه مضمونا، كان مضمونا في فاسده، وما لم يكن مضمونا ~~في صحيحه، لم يضمن في فاسده. # وبهذا قال الشافعي. وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن. ولنا، أنه عقد لا يضمن ما ~~قبضه في صحيحه، فلم يضمنه في فاسده، كالوكالة، ولأنها إذا فسدت صارت إجارة، ~~والأجير لا يضمن سكنى ما تلف بغير تعديه ولا فعله، فكذا هاهنا. وأما الشركة ~~إذا فسدت، فقد ذكرناها قبل هذا. ### | [مسألة قال لمن عليه دين ضارب بالدين الذي عليك] # (3713) . مسألة: قال: (ولا يجوز أن يقال لمن عليه دين: ضارب بالدين الذي ~~عليك) # نص أحمد على هذا، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه مخالفا. قال ابن ~~المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أنه لا يجوز أن يجعل الرجل دينا ~~له على رجل مضاربة، وممن حفظنا ذلك عنه: عطاء، والحكم، وحماد، ومالك، ~~والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وبه قال الشافعي. ms2390 وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تصح المضاربة؛ لأنه إذا ~~اشترى شيئا للمضاربة، فقد اشتراه بإذن رب المال، ودفع الدين إلى من أذن له ~~في دفعه إليه، فتبرأ ذمته منه، ويصير كما لو دفع إليه عرضا، وقال: بعه، ~~وضارب بثمنه. وجعل أصحاب الشافعي مكان هذا الاحتمال أن الشراء لرب المال، ~~وللمضارب أجر مثله؛ لأنه علقه بشرط، ولا يصح عندهم تعليق القراض بشرط. ~~والمذهب هو الأول؛ لأن المال الذي في يدي من عليه الدين له، وإنما يصير ~~لغريمه بقبضه، ولم يوجد القبض هاهنا. # وإن قال له: اعزل المال الذي لي عليك، وقد قارضتك عليه. ففعل، واشترى ~~بعين ذلك المال شيئا للمضاربة، وقع الشراء للمشتري؛ لأنه يشتري لغيره بمال ~~نفسه، فحصل الشراء له وإن اشترى في ذمته فكذلك؛ لأنه عقد القراض على ما لا ~~يملكه، وعلقه على شرط لا يملك به المال. ### | [فصل قال لرجل اقبض المال الذي على فلان واعمل به مضاربة] # (3714) فصل: وإن قال لرجل: اقبض المال الذي على فلان، واعمل به مضاربة. ~~فقبضه، وعمل به، جاز في قولهم جميعا. ويكون وكيلا في قبضه، مؤتمنا عليه؛ ~~لأنه قبضه بإذن مالكه من غيره، فجاز أن يجعله مضاربة، كما لو قال: اقبض ~~المال من غلامي، وضارب به. # قال مهنا: سألت أحمد عن رجل قال: أقرضني ألفا شهرا، ثم هو بعد الشهر ~~مضاربة؟ قال: لا يصلح؛ وذلك؛ لأنه إذا أقرضه صار دينا عليه، وقد ذكرنا أنه ~~لا يجوز أن يضارب بالدين الذي عليه. ولو قال: ضارب به شهرا، ثم خذه قرضا. ~~جاز؛ لما ذكرنا فيما تقدم. # PageV05P053 ### | [فصل من شرط المضاربة أن يكون رأس المال معلوم المقدار] # (3715) فصل: ومن شرط المضاربة أن يكون رأس المال معلوم المقدار ولا يجوز ~~أن يكون مجهولا ولا جزافا، ولو شاهداه. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو ثور، ~~وأصحاب الرأي: يصح إذا شاهداه، والقول قول العامل مع يمينه في قدره؛ لأنه ~~أمين رب المال، والقول قوله فيما في يديه، فقام ذلك مقام المعرفة به. # ولنا، أنه مجهول، فلم تصح المضاربة به، ms2391 كما لو لم يشاهداه؛ وذلك لأنه لا ~~يدري بكم يرجع عند المفاصلة، ولأنه يفضي إلى المنازعة والاختلاف في مقداره، ~~فلم يصح، كما لو كان في الكيس. وما ذكروه يبطل بالسلم، وبما إذا لم ~~يشاهداه. ### | [فصل أحضر كيسين في كل واحد منهما مال معلوم المقدار وقال قارضتك على أحدهما] # (3716) فصل: ولو أحضر كيسين، في كل واحد منهما مال معلوم المقدار، وقال: ~~قارضتك على أحدهما. لم يصح، سواء تساوى ما فيهما أو اختلف؛ لأنه عقد يمنع ~~صحته الجهالة، فلم يجز على غير معين، كالبيع. ### | [مسألة إذا كان في يده وديعة جاز له أن يقول ضارب بها] # (3717) مسألة؛ قال: (وإن كان في يده وديعة، جاز له أن يقول: ضارب بها) ~~وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال الحسن: لا يجوز حتى ~~يقبضها منه، قياسا على الدين. # ولنا، أن الوديعة ملك رب المال، فجاز أن يضاربه عليها، كما لو كانت ~~حاضرة. فقال: قارضتك على هذا الألف. وأشار إليه في زاوية البيت. وفارق ~~الدين؛ فإنه لا يصير عين المال ملكا للغريم إلا بقبضه. ولو كانت الوديعة قد ~~تلفت بتفريطه، وصارت في الذمة، لم يجز أن يضاربه عليها؛ لأنها صارت دينا. ### | [فصل كان له في يد غيره مال مغصوب فضارب الغاصب به] # (3718) فصل: ولو كان له في يد غيره مال مغصوب، فضارب الغاصب به، صح أيضا؛ ~~لأنه مال لرب المال، يباح له بيعه من غاصبه، ومن يقدر على أخذه منه، فأشبه ~~الوديعة. وإن تلف، وصار في الذمة، لم تجز المضاربة به؛ لأنه صار دينا. ومتى ~~ضاربه بالمال المغصوب، زال ضمان الغصب، بمجرد عقد المضاربة. وبهذا قال أبو ~~حنيفة. # وقال القاضي: لا يزول ضمان الغصب إلا بدفعه ثمنا. وهو مذهب الشافعي؛ لأن ~~القراض لا ينافي الضمان، بدليل ما لو تعدى فيه. ولنا، أنه ممسك للمال بإذن ~~مالكه، لا يختص بنفعه، ولم يتعد فيه، فأشبه ما لو قبضه إياه. # PageV05P054 ### | [فصل العامل أمين في مال المضاربة] # (3719) فصل: والعامل أمين في مال المضاربة؛ لأنه متصرف في مال غيره ~~بإذنه، ms2392 لا يختص بنفعه، فكان أمينا، كالوكيل. وفارق المستعير؛ فإنه قبضه ~~لمنفعته خاصة، وها هنا المنفعة بينهما. فعلى هذا القول قوله في قدر رأس ~~المال. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنهم من أهل العلم أن القول قول ~~العامل في قدر رأس المال. # كذا قال الثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وبه نقول. ولأنه يدعي عليه قبض ~~شيء، وهو ينكره، والقول قول المنكر. وكذلك القول قوله فيما يدعيه من تلف ~~المال أو خسارة فيه، وما يدعى عليه من خيانة وتفريط، وفيما يدعي أنه اشتراه ~~لنفسه أو للمضاربة؛ لأن الاختلاف هاهنا في نيته، وهو أعلم بما نواه، لا ~~يطلع على ذلك أحد سواه، فكان القول قوله فيما نواه، كما لو اختلف الزوجان ~~في نية الزوج بكناية الطلاق. # ولأنه أمين في الشراء، فكان القول قوله، كالوكيل. ولو اشترى عبدا، فقال ~~رب المال: كنت نهيتك عن شرائه. فأنكر العامل، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم ~~النهي. وهذا كله لا نعلم فيه خلافا. # (3720) فصل: وإن قال: أذنت لي في البيع نسيئة وفي الشراء بعشرة. قال: بل ~~أذنت لك في البيع نقدا، وفي الشراء بخمسة. # فالقول قول العامل. نص عليه أحمد. وبه قال أبو حنيفة. ويحتمل أن القول ~~قول رب المال. وهو قول الشافعي؛ لأن الأصل عدم الإذن. ولأن القول قول رب ~~المال في أصل الإذن، فكذلك في صفته. # ولنا، أنهما اتفقا على الإذن، واختلفا في صفته، فكان القول قول العامل، ~~كما لو قال: قد نهيتك عن شراء عبد فأنكر النهي. ### | [فصل قال المضارب شرطت لي نصف الربح فقال بل ثلثه] # (3721) فصل: وإن قال: شرطت لي نصف الربح. فقال: بل ثلثه. فعن أحمد فيه ~~روايتان؛ إحداهما: القول قول رب المال. نص عليه، في رواية ابن المنصور ~~وسندي. وبه قال الثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وابن المبارك، ~~وابن المنذر؛ لأن رب المال ينكر السدس الزائد واشتراطه له، والقول قول ~~المنكر. والثانية، أن العامل إذا ادعى أجر المثل، وزيادة يتغابن الناس ~~بمثلها، فالقول قوله، وإن ادعى أكثر، فالقول قوله ms2393 فيما وافق أجر المثل. # وقال الشافعي: يتحالفان؛ لأنهما اختلفا في عوض عقد، فيتحالفان، ~~كالمتبايعين. # PageV05P055 # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن اليمين على المدعى عليه» ~~ولأن الاختلاف في المضاربة، فلم يتحالفا، كسائر ما قدمنا اختلافهما فيه، ~~والمتبايعان يرجعان إلى رءوس أموالهما، بخلاف ما نحن فيه. ### | [فصل ادعى العامل رد المال فأنكر رب المال] # (3722) فصل: وإن ادعى العامل رد المال، فأنكر رب المال؛ فالقول قول رب ~~المال مع يمينه. نص عليه أحمد. ولأصحاب الشافعي وجهان؛ أحدهما كقولنا. ~~والآخر: يقبل قوله؛ لأنه أمين، ولأن معظم النفع لرب المال، فالعامل ~~كالمودع. ولنا، أنه قبض المال لنفع نفسه، فلم يقبل قوله في الرد، ~~كالمستعير، ولأن رب المال منكر، والقول قول المنكر. # وفارق المودع؛ فإنه لا نفع له في الوديعة. وقولهم: إن معظم النفع لرب ~~المال. يمنعه، وإن سلم إلا أن المضارب لم يقبضه إلا لنفع نفسه، ولم يأخذه ~~لنفع رب المال. ### | [فصل قال المضارب ربحت ألفا ثم قال خسرت ذلك] # (3723) فصل: وإن قال: ربحت ألفا. ثم قال: خسرت ذلك. قبل قوله؛ لأنه أمين ~~يقبل قوله في التلف، فقبل قوله في الخسارة، كالوكيل. وإن قال: غلطت أو ~~نسيت. لم يقبل قوله؛ لأنه مقر بحق لآدمي، فلم يقبل قوله في الرجوع، كما لو ~~أقر بأن رأس المال ألف ثم رجع. # ولو أن العامل خسر، فقال لرجل: أقرضني ما أتمم به رأس المال لأعرضه على ~~ربه، فإنني أخشى أن ينزعه مني إن علم بالخسارة. فأقرضه، فعرضه على رب ~~المال، وقال: هذا رأس مالك. فأخذه، فله ذلك. ولا يقبل رجوع العامل عن ~~إقراره إن رجع. ولا تقبل شهادة المقرض له؛ لأنه يجر إلى نفسه نفعا. # وليس له مطالبة رب المال؛ لأن العامل ملكه بالقرض، ثم سلمه إلى رب المال، ~~ولكن يرجع المقرض على العامل لا غير. # (3724) فصل: وإذا دفع رجل إلى رجلين مالا قراضا على النصف، فنض المال، ~~وهو ثلاثة آلاف، فقال رب المال: رأس المال ألفان، فصدقه أحدهما، وقال ~~الآخر: بل هو ألف. فالقول قول المنكر ms2394 مع يمينه. # فإذا حلف أن رأس المال ألف والربح ألفان، فنصيبه منهما خمسمائة، يبقى ~~ألفان وخمسمائة، يأخذ رب المال ألفين؛ لأن الآخر يصدقه، ويبقى خمسمائة ربحا ~~بين رب المال والعامل الآخر، يقتسمانها أثلاثا، لرب المال ثلثاها، وللعامل ~~ثلثها مائة وستة وستون وثلثان، ولرب المال ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث؛ ~~لأن نصيب رب المال من الربح نصفه، ونصيب هذا العامل ربعه، فيقسم بينهما ~~باقي الربح على ثلاثة، وما أخذه # PageV05P056 # الحالف فيما زاد على قدر نصيبه كالتالف منهما، والتالف يحسب في المضاربة ~~من الربح. وهذا قول الشافعي. # (3725) فصل: وإن دفع إلى رجل ألفا يتجر فيه، فربح، فقال العامل: كان قرضا ~~لي ربحه كله. وقال رب المال: كان قراضا فربحه بيننا. فالقول قول رب المال؛ ~~لأنه ملكه، فالقول قوله في صفة خروجه عن يده. فإذا حلف قسمنا الربح بينهما # ويحتمل أن يتحالفا، ويكون للعامل أكثر الأمرين مما شرطه له من الربح أو ~~أجر مثله؛ لأنه إن كان الأكثر نصيبه من الربح، فرب المال معترف له به، وهو ~~يدعي الربح كله، وإن كان أجر مثله أكثر، فالقول قوله في عمله مع يمينه. # كما أن القول قول رب المال في ربح ماله، فإذا حلف قبل قوله في أنه ما عمل ~~بهذا الشرط، وإنما عمل لغرض لم يسلم له، فيكون له أجر المثل. وإن أقام كل ~~واحد منهما بينة بدعواه، فنص، أحمد في رواية مهنا، أنهما يتعارضان، ويقسم ~~الربح بينهما نصفين. وإن قال رب المال: كان بضاعة. وقال العامل: بل كان ~~قراضا. احتمل أن يكون القول قول العامل؛ لأنه عمله له، فيكون القول قوله ~~فيه. # ويحتمل أن يتحالفا، ويكون للعامل أقل الأمرين من نصيبه من الربح أو أجر ~~مثله؛ لأنه لا يدعي أكثر من نصيبه من الربح، فلا يستحق زيادة عليه. وإن كان ~~الأقل أجر مثله، فلم يثبت كونه قراضا، فيكون له أجر عمله. وإن قال رب ~~المال: كان بضاعة. وقال العامل: كان قرضا. حلف كل واحد منهما على إنكار ما ~~ادعاه خصمه، وكان له أجر عمله ms2395 لا غير. # وإن خسر المال أو تلف، فقال رب المال: كان قرضا. وقال العامل: كان قراضا ~~أو بضاعة. فالقول قول رب المال. ### | [فصل اشترط المضارب النفقة ثم ادعى أنه إنما أنفق من ماله وأراد الرجوع] # (3726) فصل: وإذا اشترط المضارب النفقة، ثم ادعى أنه إنما أنفق من ماله، ~~وأراد الرجوع، فله ذلك، سواء كان المال باقيا في يديه، أو قد رجع إلى ~~مالكه. وبه قال أبو حنيفة إذا كان المال باقيا في يديه، وليس له ذلك إذا ~~كان بعد رده. ولنا، أنه أمين، فكان القول قوله في ذلك، كما لو كان باقيا في ~~يده، وكالوصي إذا ادعى النفقة على اليتيم. # (3727) فصل: إذا كان عبد بين رجلين، فباعه أحدهما بأمر الآخر بألف، وقال: ~~لم أقبض ثمنه. وادعى المشتري أنه قبضه، وصدقه الذي لم يبع، برئ المشتري من ~~نصف ثمنه؛ لاعتراف شريك البائع بقبض وكيله حقه، # PageV05P057 # فبرئ المشتري منه، كما لو أقر أنه قبضه بنفسه، وتبقى الخصومة بين البائع ~~وشريكه والمشتري. # فإن خاصمه شريكه، وادعى عليه إنك قبضته نصيبي من الثمن. فأنكر، فالقول ~~قوله مع يمينه إن لم يكن للمدعي بينة، وإن كانت له بينة قضي بها عليه، ولا ~~تقبل شهادة المشتري له؛ لأنه يجر بها إلى نفسه نفعا. وإن خاصم البائع ~~المشتري، فادعى المشتري أنه دفع إليه الثمن، وأنكر البائع، فالقول قوله مع ~~يمينه؛ لأنه منكر. فإذا حلف، أخذ من المشتري نصف الثمن، ولا يشاركه فيه ~~شريكه؛ لأنه معترف أنه يأخذه ظلما، فلا يستحق مشاركته فيه. # وإن كانت للمشتري بينة، حكم بها، ولا تقبل شهادة شريكه عليه؛ لأنه يجر ~~بها إلى نفسه نفعا، ومن شهد بشهادة تجر إلى نفسه نفعا بطلت شهادته في الكل، ~~ولا فرق بين مخاصمة الشريك قبل مخاصمة المشتري أو بعدها. وإن ادعى المشتري ~~أن شريك البائع قبض الثمن منه، فصدقه البائع، نظرت، فإن كان البائع أذن ~~لشريكه في القبض، فهي كالتي قبلها، وإن لم يأذن له في القبض، لم تبرأ ذمة ~~المشتري من شيء من الثمن؛ لأن البائع ms2396 لم يوكله في القبض، فقبضه له لا ~~يلزمه، ولا يبرأ المشتري منه، كما لو دفعه إلى أجنبي. # ولا يقبل قول المشتري على شريك البائع؛ لأنه ينكره، وللبائع المطالبة ~~بقدر نصيبه لا غير؛ لأنه مقر أن شريكه قبض حقه. ويلزم المشتري دفع نصيبه ~~إليه، ولا يحتاج إلى أمين؛ لأن المشتري مقر ببقاء حقه. وإن دفعه إلى شريكه، ~~لم تبرأ ذمته، فإذا قبض حقه، فلشريكه مشاركته فيما قبض؛ لأن الدين لهما ~~ثابت بسبب واحد، فما قبض منه يكون بينهما، كما لو كان ميراثا. # وله أن لا يشاركه، ويطالب المشتري بحقه كله. ويحتمل أن لا يملك الشريك ~~مشاركته فيما قبض؛ لأن كل واحد منهما يستحق ثمن نصيبه الذي ينفرد به، فلم ~~يكن لشريكه مشاركته فيما قبض من ثمنه، كما لو باع كل واحد منهما نصيبه في ~~صفقة. ويخالف الميراث؛ لأن سبب استحقاق الورثة لا يتبعض، فلم يكن للورثة ~~تبعيضه، وها هنا يتبعض؛ لأنه إذا كان البائع اثنين كان بمنزلة عقدين، ولأن ~~الوارث نائب عن الموروث، فكان ما يقبضه للموروث يشترك فيه جميع الورثة، ~~بخلاف. مسألتنا، فإن ما يقبضه لنفسه. # فإن قلنا: له مشاركته فيما قبض. فعليه اليمين أنه لم يستوف حقه من ~~المشتري، ويأخذ من القابض نصف ما قبضه، ويطالب المشتري ببقية حقه، إذا حلف ~~له أيضا أنه ما قبض منه شيئا. وليس للمقبوض منه أن يرجع على المشتري بعوض ~~ما أخذ منه؛ لأنه مقر أن المشتري قد برئت ذمته في حق شريكه، وإنما أخذ منه ~~ظلما، فلا يرجع بما ظلمه هذا على غيره. # وإن خاصم المشتري شريك البائع، فادعى عليه أنه قبض الثمن منه، فكانت له ~~بينة، حكم بها. وتقبل شهادة البائع له إذا كان عدلا؛ لأنه لا يجر إلى نفسه ~~نفعا، ولا يدفع عنها ضررا؛ لأنه إذا ثبت أن شريكه قبض الثمن، لم يملك ~~مطالبته بشيء، لأنه ليس بوكيل له في القبض، فلا يقع قبضه له. هكذا ذكره بعض ~~أصحابنا، وعندي لا تقبل شهادته له؛ لأنه يدفع عن نفسه ضرر مشاركة ms2397 شريكه له ~~فيما يقبضه من المشتري. # وإذا لم تكن بينة، فحلف، أخذ من المشتري نصف الثمن، وإن نكل، أخذ المشتري ~~منه نصفه. # PageV05P058 ### | [فصل كان العبد بين اثنين فغصب رجل نصيب أحدهما] # (3728) فصل: وإذا كان العبد بين اثنين، فغصب رجل نصيب أحدهما، بأن يستولي ~~على العبد، ويمنع أحدهما الانتفاع دون الآخر، ثم إن مالك نصفه والغاصب باعا ~~العبد صفقة واحدة، صح في نصيب المالك، وبطل في نصيب الغاصب. وإن وكل الشريك ~~الغاصب، أو وكل الغاصب الشريك في البيع، فباع العبد كله صفقة واحدة، بطل في ~~نصيب الغاصب، في الصحيح. وهل يصح في نصيب الشريك؟ على روايتين، بناء على ~~تفريق الصفقة؛ لأن الصفقة هاهنا وقعت واحدة، وقد بطل البيع في بعضها، فبطل ~~في سائرها. بخلاف ما إذا باع المالك والغاصب، فإنهما عقدان؛ لأن عقد الواحد ~~مع الاثنين عقدان. # ولو أن الغاصب ذكر للمشتري أنه وكل في نصفه، لصلح في نصيب الآذن؛ لكونه ~~كالعقد المنفرد. ### | [فصل كان لرجلين دين لسبب واحد] # (3729) فصل: وإذا كان لرجلين دين لسبب واحد؛ إما عقد أو ميراث أو استهلاك ~~أو غيره، فقبض أحدهما منه شيئا، فللآخر مشاركته فيه. هذا ظاهر المذهب. وقد ~~روي عن أحمد ما يدل على أن لأحدهما أن يأخذ حقه دون صاحبه، ولا يشاركه ~~الآخر فيما أخذه. وهو قول أبي العالية، وأبي قلابة، وابن سيرين، وأبي عبيد ~~قيل لأحمد: بعت أنا وصاحبي متاعا بيني وبينه، فأعطاني حقي، وقال: هذا حقك ~~خاصة، وأنا أعطي شريكك بعد. قال: لا يجوز. قيل له: فإن أخره أو أبرأه من ~~حقه دون صاحبه؟ قال: يجوز. قيل: فقد قال أبو عبيد: له أن يأخذ دون صاحبه ~~إذا كان له أن يؤخر، ويبرئه دون صاحبه؟ ففكر فيها، ثم قال: هذا يشبه ~~الميراث إذا أخذ منه بعض الورثة دون بعض، وقد قال ابن سيرين وأبو قلابة ~~وأبو العالية: من أخذ شيئا فهو من نصيبه. # قال: فرأيته قد احتج له وأجازه. قال أبو بكر: العمل عندي على ما رواه حرب ~~وحنبل، أنه لا يجوز ms2398 وهو الصحيح. وقد صرح به أحمد في أول هذه الرواية، ولم ~~يصرح بالرجوع عما قاله؛ وذلك لأنه لا يجوز أن يكون نصيب القابض ما أخذه، ~~لما في ذلك من قسمة الدين في الذمة من غير رضى الشريك، فيكون المأخوذ ~~والباقي جميعا مشتركا، ولغير القابض الرجوع على القابض بنصفه، سواء كان ~~باقيا في يده، أو أخرجه عنها برهن أو قضاء دين أو غيره، وله أن يرجع على ~~الغريم؛ لأن الحق يثبت في ذمته لهما على وجه سواء، فليس له تسليم حق أحدهما ~~إلى الآخر، فإن أخذ من الغريم لم يرجع على الشريك بشيء؛ لأن حقه يثبت في ~~أحد المحلين، فإذا اختار أحدهما سقط حقه من الآخر، وليس للقابض منعه من ~~الرجوع على الغريم، بأن يقول: أنا أعطيك نصف ما قبضت. # بل الخيرة إليه من أيهما شاء قبض، فإن قبض من شريكه شيئا، رجع الشريك على ~~الغريم بمثله، وإن هلك المقبوض في يد القابض، تعين حقه فيه، ولم يضمنه ~~للشريك؛ لأنه قدر حقه فيما # PageV05P059 # تعدى بالقبض، وإنما كان لشريكه مشاركته لثبوته في الأصل مشتركا. وإن أبرأ ~~أحد الشريكين من حقه، برئ منه؛ لأنه بمنزلة تلفه، ولا يرجع عليه غريمه ~~بشيء. # وإن أبرأ أحدهما من عشر الدين، ثم قبضا من الدين شيئا، اقتسماه على قدر ~~حقهما في الباقي؛ للمبرئ أربعة أتساعه، ولشريكه خمسة أتساعه. وإن قبضا نصف ~~الدين، ثم أبرأ أحدهما من عشر الدين كله، نفذت براءته في خمس الباقي، وما ~~بقي بينهما على ثمانية؛ للمبرئ ثلاثة أثمانه، وللآخر خمسة أثمانه، فما ~~قبضاه بعد ذلك اقتسماه على هذا. وإن اشترى أحدهما بنصيبه من الدين ثوبا، ~~فللآخر إبطال الشراء فإن بذل له المشتري نصف الثوب، ولا يبطل البيع، لم ~~يلزمه ذلك. وإن أجاز البيع ليملك نصف الثوب، انبنى على بيع الفضولي، هل يقف ~~على الإجازة أو لا؟ وإن أخر أحدهما حقه من الدين، جاز؛ فإنه لو أسقط حقه ~~جاز، فتأخيره أولى. # فإن قبض الشريك بعد ذلك شيئا، لم يكن لشريكه الرجوع عليه بشيء. ذكره ms2399 ~~القاضي. والأولى أن له الرجوع؛ لأن الدين الحال لا يتأجل بالتأجيل؛ فوجود ~~التأجيل كعدمه. فأما إن قلنا بالرواية الأخرى، وأن ما يقبضه أحدهما له دون ~~صاحبه، فوجهها أن ما في الذمة لا ينتقل إلى العين إلا بتسليمه إلى غريمه أو ~~وكيله، وما قبضه أحدهما فليس لشريكه فيه قبض، ولا لوكيله، فلا يثبت له فيه ~~حق، وكان لقابضه؛ لثبوت يده عليه بحق، فأشبه ما لو كان الدين بسببين. # وليس هذا قسمة الدين في الذمة، وإنما تعين حقه بقبضه، فأشبه تعيينه ~~بالإبراء، ولأنه لو كان لغير القابض حق في المقبوض، لم يسقط بتلفه، كسائر ~~الحقوق، ولأن هذا القبض لا يخلو إما أن يكون بحق أو بغير حق، فإن كان بحق، ~~لم يشاركه غيره فيه، كما لو كان الدين بسببين، وإن كان بغير حق، لم يكن له ~~مطالبته؛ لأن حقه في الذمة لا في العين، فأشبه ما لو أخذ غاصب منه مالا، ~~فعلى هذا ما قبضه القابض يختص به دون شريكه، وليس لشريكه الرجوع عليه. وإن ~~اشترى بنصيبه ثوبا، صح، ولم يكن لشريكه إبطال الشراء. # وإن قبض أكثر من حقه بغير إذن شريكه، لم يبرأ الغريم مما زاد على حقه. ### | [فصل قسمة الدين في الذمم] # (3730) فصل: واختلفت الرواية عن أحمد، في قسمة الدين في الذمم، فنقل حنبل ~~منع ذلك. وهو الصحيح؛ لأن الذمم لا تتكافأ ولا تتعادل، والقسمة تقتضي ~~التعديل. وأما القسمة من غير تعديل فهي بيع، ولا يجوز بيع الدين بالدين. ~~فعلى هذا لو تقاسما، ثم توي بعض المال، رجع من توي ماله على من لم يتو. ~~وبهذا قال ابن سيرين، والنخعي. ونقل حرب جواز ذلك؛ لأن الاختلاف لا يمنع ~~القسمة، كما لو اختلفت الأعيان. وبه قال الحسن، وإسحاق. فعلى هذا لا يرجع ~~من توي ماله على من لم يتو، إذا أبرأ كل واحد صاحبه. # PageV05P060 # وهذا إذا كان في ذمم، فأما في ذمة واحدة، فلا تمكن القسمة؛ لأن معنى ~~القسمة إفراز الحق، ولا يتصور ذلك في ذمة واحدة. ### | [فصول العبد المأذون له] ms2400 # (3731) فصول في العبد المأذون له: يجوز أن يأذن السيد لعبده في التجارة ~~بغير خلاف نعلمه؛ لأن الحجر عليه إنما كان لحق سيده، فجاز له التصرف بإذنه. ~~وينفك عنه الحجر في قدر ما أذن له فيه؛ لأن تصرفه إنما جاز بإذن سيده، فزال ~~الحجر في قدر ما أذن فيه، كالوكيل. فإن دفع إليه مالا يتجر به كان له أن ~~يبيع ويشتري ويتجر فيه. # وإن أذن له أن يشتري في ذمته، جاز. وإن عين له نوعا من المال يتجر فيه، ~~جاز، ولم يكن له التجارة في غيره. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز ~~أن يتجر في غيره، وينفك عنه الحجر مطلقا؛ لأن إذنه إطلاق من الحجر وفك له، ~~والإطلاق لا يتبعض، كبلوغ الصبي. # ولنا، أنه متصرف بالإذن من جهة الآدمي، فوجب أن يختص ما أذن له فيه، ~~كالوكيل والمضارب. وما قاله ينقض بما إذا أذن له في شراء ثوب ليلبسه، أو ~~طعام ليأكله، ويخالف البلوغ؛ فإنه يزول به المعنى الموجب للحجر، فإن البلوغ ~~مظنة كمال العقل، الذي يتمكن به من التصرف على وجه المصلحة، وها هنا الرق ~~سبب الحجر، وهو موجود، فنظير البلوغ في الصبي العتق للعبد، وإنما يتصرف ~~العبد بالإذن، ألا ترى أن الصبي يستفيد بالبلوغ قبول النكاح، بخلاف العبد، # (3732) فصل: وإذا أذن له في التجارة، لم يجز له أن يؤجر نفسه، ولا يتوكل ~~لإنسان. وبه قال الشافعي. وأباحهما أبو حنيفة؛ لأنه يتصرف لنفسه، فملك ذلك ~~كالمكاتب. # ولنا، أنه عقد على نفسه، فلا يملكه بالإذن في التجارة، كبيع نفسه وتزوجه. ~~وقولهم: إنه يتصرف لنفسه. ممنوع، بل يتصرف لسيده، وبهذا فارق المكاتب فإن ~~المكاتب يتصرف لنفسه، ولهذا كان له أن يبيع من سيده. ### | [فصل رأى السيد عبده يتجر فلم ينهه] # (3733) فصل: وإذا رأى السيد عبده يتجر، فلم ينهه. لم يصر مأذونا له. ~~وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يصير مأذونا له؛ لأنه سكت عن حقه، فكان ~~مسقطا له، كالشفيع إذا سكت عن طلب الشفعة. # ولنا، أنه تصرف يفتقر إلى الإذن، فلم ms2401 يقم السكوت مقام الإذن، كما لو باع ~~الراهن الرهن والمرتهن ساكت، أو باعه المرتهن والراهن ساكت، وكتصرفات ~~الأجانب. ويخالف الشفعة؛ فإنها تسقط بمضي الزمان إذا علم بها؛ لأنها على ~~الفور. # PageV05P061 # (3734) فصل: ولا يبطل الإذن بالإباق. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ~~يبطل؛ لأنه يزيل به ولاية السيد عنه في التجارة، بدليل أنه لا يجوز بيعه ~~ولا هبته ولا رهنه، فأشبه ما لو باعه. ولنا، أن الإباق لا يمنع ابتداء ~~الإذن له في التجارة، فلم يمنع استدامته، كما لو غصبه غاصب أو حبس بدين ~~عليه أو على غيره. # وما ذكروه غير صحيح؛ فإن سبب الولاية باق وهو الرق، ويجوز بيعه وإجارته ~~ممن يقدر عليه، ويبطل بالمغصوب. ### | [فصل المأذون لا يتبرع بهبة الدراهم] # (3735) فصل: ولا يجوز للمأذون التبرع بهبة الدراهم، ولا كسوة الثياب. ~~وتجوز هبته المأكول، وإعارة دابته، واتخاذ الدعوة، ما لم يكن إسرافا. # وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز شيء من ذلك بغير إذن سيده؛ ~~لأنه تبرع بمال مولاه، فلم يجز، كهبة دراهمه. ولنا، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يجيب دعوة المملوك. وروى أبو سعيد مولى أبي أسيد، أنه ~~تزوج، فحضر دعوته أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ منهم: ~~عبد الله بن مسعود، وحذيفة، وأبو ذر، فأمهم وهو يومئذ عبد. رواه صالح في ~~مسائله بإسناده ولأن العادة جارية بهذا بين التجار، فجاز، كما جاز للمرأة ~~الصدقة بكسرة الخبز من بيت زوجها. # PageV05P062 ### | [كتاب الوكالة] # وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله تعالى: {إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها} [التوبة: 60] . فجوز العمل ~~عليها، وذلك بحكم النيابة عن المستحقين، وأيضا قوله تعالى: {فابعثوا أحدكم ~~بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه} [الكهف: ~~19] . وهذه وكالة. # وأما السنة، فروى أبو داود، والأثرم، وابن ماجه، عن الزبير بن الخريت، عن ~~أبي لبيد لمازة بن زبار، عن عروة بن الجعد قال: «عرض للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - جلب، فأعطاني دينارا، فقال: يا عروة، ائت الجلب، ms2402 فاشتر لنا شاة. ~~قال: فأتيت الجلب، فساومت صاحبه، فاشتريت شاتين بدينار، فجئت أسوقهما، أو ~~أقودهما، فلقيني رجل بالطريق، فساومني، فبعت منه شاة بدينار، فأتيت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بالدينار وبالشاة. فقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم، ~~وهذه شاتكم. قال: وصنعت كيف؟ . قال: فحدثته الحديث. قال: اللهم بارك له في ~~صفقة يمينه» . هذا لفظ رواية الأثرم. # وروى أبو داود، بإسناده «عن جابر بن عبد الله، قال: أردت الخروج إلى ~~خيبر، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت له: إني أردت الخروج ~~إلى خيبر. فقال: ائت وكيلي، فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية، فضع ~~يدك على ترقوته» . # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - «، أنه وكل عمرو بن أمية الضمري، في ~~قبول نكاح أم حبيبة، وأبا رافع في قبول نكاح ميمونة.» وأجمعت الأمة على ~~جواز الوكالة في الجملة. ولأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ فإنه لا يمكن كل واحد ~~فعل ما يحتاج إليه، فدعت الحاجة إليها. ### | [فصل كل من صح تصرفه في شيء بنفسه وكان مما تدخله النيابة صح أن يوكل فيه] # (3736) فصل: وكل من صح تصرفه في شيء بنفسه، وكان مما تدخله النيابة، صح ~~أن يوكل فيه رجلا كان أو امرأة، حرا أو عبدا، مسلما كان أو كافرا. وأما من ~~يتصرف بالإذن، كالعبد المأذون له، والوكيل، والمضارب، فلا يدخلون في هذا. ~~لكن يصح من العبد التوكيل فيما يملكه دون سيده، كالطلاق والخلع. وكذلك ~~الحكم في المحجور عليه لسفه، لا يوكل إلا فيما له فعله، من الطلاق والخلع، ~~وطلب القصاص، ونحوه. # وكل ما يصح أن يستوفيه بنفسه، وتدخله النيابة، صح أن يتوكل لغيره فيه، ~~إلا الفاسق، فإنه يصح أن يقبل النكاح لنفسه. وذكر القاضي أنه لا يصح أن ~~يقبله لغيره. وكلام أبي الخطاب يقتضي جواز ذلك. وهو القياس. ولأصحاب ~~الشافعي في ذلك وجهان، كهذين. فأما توكيله في الإيجاب، فلا يجوز إلا على ~~الرواية التي تثبت الولاية له. وذكر أصحاب الشافعي في ذلك وجهين؛ أحدهما: ~~يجوز توكيله؛ لأنه ليس بولي. ms2403 # PageV05P063 # ووجه الوجه الآخر، أنه موجب للنكاح، أشبه الولي. ولأنه لا يجوز أن يتولى ~~ذلك بنفسه، فلم يجز أن يتوكل فيه، كالمرأة. # ويصح توكيل المرأة في طلاق نفسها، وطلاق غيرها. ويصح توكيل العبد في قبول ~~النكاح؛ لأنه ممن يجوز أن يقبله لنفسه؛ وإنما يقف ذلك على إذن سيده، ليرضي ~~بتعلق الحقوق به. ومن لا يملك التصرف في شيء لنفسه، لا يصح أن يتوكل فيه، ~~كالمرأة في عقد النكاح وقبوله، والكافر في تزويج مسلمة، والطفل والمجنون في ~~الحقوق كلها. ### | [فصل للمكاتب أن يوكل فيما يتصرف فيه بنفسه] # فصل: وللمكاتب أن يوكل فيما يتصرف فيه بنفسه. وله أن يتوكل بجعل، لأنه من ~~اكتساب المال. ولا يمنع المكاتب من الاكتساب، وليس له أن يتوكل لغيره بغير ~~جعل، إلا بإذن سيده؛ لأن منافعه كأعيان ماله، وليس له بذل عين ماله بغير ~~عوض. وللعبد أن يتوكل بإذن سيده، وليس له التوكيل بغير إذن سيده، وإن كان ~~مأذونا له في التجارة؛ لأن الإذن في التجارة لا يتناول التوكيل. وتصح وكالة ~~الصبي المراهق، إذا أذن له الولي؛ لأنه ممن يصح تصرفه. ### | [مسألة التوكيل في الشراء والبيع ومطالبة الحقوق والعتق والطلاق] # (3738) مسألة: قال: (ويجوز التوكيل في الشراء والبيع، ومطالبة الحقوق، ~~والعتق والطلاق، حاضرا كان الموكل أو غائبا) . لا نعلم خلافا في جواز ~~التوكيل في البيع والشراء. وقد ذكرنا الدليل عليه من الآية والخبر، ولأن ~~الحاجة داعية إلى التوكيل فيه؛ لأنه قد يكون ممن لا يحسن البيع والشراء، أو ~~لا يمكنه الخروج إلى السوق. وقد يكون له مال ولا يحسن التجارة فيه، وقد ~~يحسن ولا يتفرغ، وقد لا تليق به التجارة لكونه امرأة، أو ممن يتعير بها، ~~ويحط ذلك من منزلته، فأباحها الشرع دفعا للحاجة، وتحصيلا # لمصلحة # الآدمي المخلوق لعبادة الله سبحانه. # ويجوز التوكيل في الحوالة، والرهن، والضمان، والكفالة، والشركة، الوديعة، ~~والمضاربة، والجعالة، والمساقاة، والإجارة، والقرض، والصلح، والوصية، ~~والهبة، والوقف، والصدقة، والفسخ، والإبراء؛ لأنها في معنى البيع في الحاجة ~~إلى التوكيل فيها، فيثبت فيها حكمه. ولا نعلم في شيء من ms2404 ذلك اختلافا. ويجوز ~~التوكيل في عقد النكاح في الإيجاب والقبول؛ لأن «النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وكل عمرو بن أمية، وأبا رافع، في قبول النكاح له» . ولأن الحاجة ~~تدعو إليه، فإنه ربما احتاج إلى التزوج من مكان بعيد، لا يمكنه السفر إليه، ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج أم حبيبة، وهي يومئذ بأرض الحبشة. # ويجوز التوكيل في الطلاق، والخلع، والرجعة، والعتاق؛ لأن الحاجة تدعو ~~إليه، كدعائها إلى التوكيل في البيع والنكاح. ويجوز التوكيل في تحصيل ~~المباحات، # PageV05P064 # كإحياء الموات، وإسقاء الماء، والاصطياد، والاحتشاش؛ لأنها تملك مال بسبب ~~لا يتعين عليه، فجاز التوكيل فيه، كالابتياع والاتهاب. ويجوز التوكيل في ~~إثبات القصاص، وحد القذف، واستيفائهما، في حضرة الموكل وغيبته؛ لأنهما من ~~حقوق الآدميين، وتدعو الحاجة إلى التوكيل فيهما، لأن من له حق قد لا يحسن ~~الاستيفاء، أو لا يحب أن يتولاه بنفسه. ### | [فصل التوكيل في مطالبة الحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها] # (3739) فصل: ويجوز التوكيل في مطالبة الحقوق، وإثباتها، والمحاكمة فيها، ~~حاضرا كان الموكل أو غائبا، صحيحا أو مريضا. وبه قال مالك، وابن أبي ليلى، ~~وأبو يوسف، ومحمد، والشافعي. وقال أبو حنيفة: للخصم أن يمنع من محاكمة ~~الوكيل إذا كان الموكل حاضرا؛ لأن حضوره مجلس الحكم، ومخاصمته حق لخصمه ~~عليه، فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضاء خصمه، كالدين عليه. # ولنا، أنه حق تجوز النيابة فيه، فكان لصاحبه الاستنابة بغير رضاء خصمه، ~~كحال غيبته ومرضه، وكدفع المال الذي عليه، ولأنه إجماع الصحابة، - رضي الله ~~عنهم -، فإن عليا - رضي الله عنه - وكل عقيلا عند أبي بكر - رضي الله عنه - ~~وقال: ما قضي له فلي، وما قضي عليه فعلي. ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان، ~~وقال: إن للخصومة قحما، وإن الشيطان ليحضرها، وإني لأكره أن أحضرها. # قال أبو زياد: القحم المهالك. وهذه قصص انتشرت، لأنها في مظنة الشهرة، ~~فلم ينقل إنكارها، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإنه قد يكون له حق، أو يدعى ~~عليه، ولا يحسن الخصومة، أو لا يحب أن يتولاها بنفسه. ويجوز ms2405 التوكيل في ~~الإقرار. ولأصحاب الشافعي وجهان؛ أحدهما، لا يجوز التوكيل فيه؛ لأنه إخبار ~~بحق، فلم يجز التوكيل فيه، كالشهادة # ولنا، أنه إثبات حق في الذمة بالقول، فجاز التوكيل فيه، كالبيع، وفارق ~~الشهادة، فإنها لا تثبت الحق، وإنما هو إخبار بثبوته على غيره. ### | [فصل التوكيل في الشهادة] # (3740) فصل: ولا يصح التوكيل في الشهادة؛ لأنها تتعلق بعين الشاهد لكونها ~~خبرا عما رآه أو سمعه، ولا يتحقق هذا المعنى في نائبه. فإن استناب فيها، ~~كان النائب شاهدا على شهادته، لكونه يؤدي ما سمعه من شاهد الأصل، وليس ~~بوكيل. ولا يصح في الأيمان والنذور لأنها تتعلق بعين الحالف والناذر، ~~فأشبهت العبادات البدنية والحدود. # PageV05P065 # ولا يصح في الإيلاء والقسامة واللعان؛ لأنها أيمان. ولا في القسم بين ~~الزوجات؛ لأنه يتعلق ببدن الزوج لأمر لا يوجد من غيره. ولا في الرضاع؛ لأنه ~~يختص بالمرضعة والمرتضع، لأمر يختص بإثبات لحم المرتضع، وإنشاز عظمه بلبن ~~المرضعة. ولا في الظهار؛ لأنه قول منكر وزور، فلا يجوز فعله، ولا الاستنابة ~~فيه. ولا يصح في الغصب؛ لأنه محرم. ولا في الجنايات؛ لذلك. ولا في كل محرم؛ ~~لأنه لا يجوز له فعله، فلم يجز لنائبه. ### | [فصل الوكالة في حقوق الله تعالى] # (3741) فصل: فأما حقوق الله تعالى فما كان منها حدا كحد الزنى والسرقة، ~~جاز التوكيل في استيفائه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اغد يا ~~أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. فغدا عليها أنيس، فاعترفت، فأمر ~~بها فرجمت» . متفق عليه. «وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - برجم ماعز، ~~فرجموه» . ووكل عثمان عليا في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة. ووكل علي ~~الحسن في ذلك، فأبى الحسن، فوكل عبد الله بن جعفر، فأقامه، وعلي يعد. رواه ~~مسلم. # ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ لأن الإمام لا يمكنه تولي ذلك بنفسه. ويجوز ~~التوكيل في إثباتها. وقال أبو الخطاب: لا يجوز في إثباتها. وهو قول ~~الشافعي؛ لأنها تسقط بالشبهات، وقد أمرنا بدرئها بها، والتوكيل يوصل إلى ~~الإيجاب. # ولنا، حديث أنيس؛ «فإن النبي - صلى الله ms2406 عليه وسلم - وكله في إثباته ~~واستيفائه جميعا، فإنه قال: فإن اعترفت فارجمها» . وهذا يدل على أنه لم يكن ~~ثبت، وقد وكله في إثباته واستيفائه جميعا. ولأن الحاكم إذا استناب، دخل في ~~ذلك الحدود، فإذا دخلت في التوكيل بطريق العموم، وجب أن تدخل بالتخصيص بها ~~أولى، والوكيل يقوم مقام الموكل في درئها بالشبهات. # وأما العبادات، فما كان منها له تعلق بالمال، كالزكاة والصدقات ~~والمنذورات والكفارات، جاز التوكيل في قبضها وتفريقها، ويجوز للمخرج ~~التوكيل في إخراجها ودفعها إلى مستحقها. ويجوز أن يقول لغيره: أخرج زكاة ~~مالي من مالك؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عماله لقبض الصدقات ~~وتفريقها، وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، ~~واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» . متفق عليه. # ويجوز التوكيل في الحج إذا أيس المحجوج عنه من الحج بنفسه، وكذلك العمرة. ~~ويجوز أن يستناب من يحج عنه بعد الموت. # PageV05P066 # وأما العبادات البدنية المحضة، كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث، فلا ~~يجوز التوكيل فيها؛ لأنها تتعلق ببدن من هي عليه، فلا يقوم غيره مقامه ~~فيها، إلا أن الصيام المنذور يفعل عن الميت، وليس ذلك بتوكيل؛ لأنه لم يوكل ~~في ذلك، ولا وكل فيه غيره. ولا يجوز في الصلاة إلا في ركعتي الطواف تبعا ~~للحج. وفي فعل الصلاة المنذورة، وفي الاعتكاف المنذور عن الميت روايتان. # ولا تجوز الاستنابة في الطهارة، إلا في صب الماء، وإيصال الماء للأعضاء، ~~وفي تطهير النجاسة عن البدن والثوب وغيرهما. ### | [فصل كل ما جاز التوكيل فيه جاز استيفاؤه في حضرة الموكل وغيبته] # (3742) فصل: وكل ما جاز التوكيل فيه، جاز استيفاؤه في حضرة الموكل ~~وغيبته. ونص عليه أحمد. وهذا مذهب مالك. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز استيفاء ~~القصاص وحد القذف في غيبة الموكل. أومأ إليه أحمد. وهو قول أبي حنيفة وبعض ~~الشافعية؛ لأنه يحتمل أن يعفو الموكل في حالة غيبته، فيسقط؛ وهذا الاحتمال ~~شبهة تمنع الاستيفاء. ولأن ms2407 العفو مندوب إليه، فإذا حضر، احتمل أن يرحمه ~~فيعفو. # والأول ظاهر المذهب؛ لأن ما جاز استيفاؤه في حضرة الموكل، جاز في غيبته، ~~كالحدود وسائر الحقوق، واحتمال العفو بعيد. والظاهر أنه لو عفا لبعث وأعلم ~~وكيله بعفوه، والأصل عدمه، فلا يؤثر، ألا ترى أن قضاة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كانوا يحكمون في البلاد، ويقيمون الحدود التي تدرأ بالشبهات، ~~مع احتمال النسخ؟ وكذلك لا يحتاط في استيفاء الحدود بإحضار الشهود، مع ~~احتمال رجوعهم عن الشهادة، أو تغير اجتهاد الحاكم. ### | [فصل لا تصح الوكالة إلا بالإيجاب والقبول] # (3743) فصل: ولا تصح الوكالة إلا بالإيجاب والقبول؛ لأنه عقد تعلق به حق ~~كل واحد منهما، فافتقر إلى الإيجاب والقبول، كالبيع. ويجوز الإيجاب بكل لفظ ~~دل على الإذن، نحو أن يأمره بفعل شيء، أو يقول: أذنت لك في فعله «. فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل عروة بن الجعد في شراء شاة» بلفظ الشراء، ~~وقال الله تعالى، مخبرا عن أهل الكهف أنهم قالوا: {فابعثوا أحدكم بورقكم ~~هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه} [الكهف: 19] . # ولأنه لفظ دال على الإذن، فجرى مجرى قوله: وكلتك. ويجوز القبول بقوله: ~~قبلت. وكل لفظ دل عليه. ويجوز بكل فعل دل على القبول، نحو أن يفعل ما أمره ~~بفعله؛ لأن الذين وكلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينقل عنهم سوى ~~امتثال أمره. ولأنه إذن في التصرف، فجاز القبول فيه بالفعل، كأكل الطعام. # PageV05P067 # ويجوز القبول على الفور والتراخي، نحو أن يبلغه أن رجلا وكله في بيع شيء ~~منذ سنة، فيبيعه. أو يقول: قبلت. أو يأمره بفعل شيء، فيفعله بعد مدة طويلة؛ ~~لأن قبول وكلاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لوكالته كان بفعلهم، وكان ~~متراخيا عن توكيله إياهم. ولأنه إذن في التصرف، والإذن قائم، ما لم يرجع ~~عنه، فأشبه الإباحة. وهذا كله مذهب الشافعي. ### | [فصل تعليق الوكالة على شرط] # (3744) فصل: ويجوز تعليقها على شرط، نحو قوله: إذا قدم الحاج فبع هذا ~~الطعام. وإذا جاء الشتاء فاشتر لنا فحما. وإذا ms2408 جاء الأضحى فاشتر لنا أضحية. ~~وإذا طلب منك أهلي شيئا فادفعه إليهم. وإذا دخل رمضان فقد وكلتك في هذا، أو ~~فأنت وكيلي. وبهذا قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: لا يصح، لكن إن تصرف صح تصرفه؛ لوجود الإذن، وإن كان وكيلا ~~بجعل فسد المسمى، وله أجر المثل؛ لأنه عقد يملك به التصرف في الحياة، فأشبه ~~البيع. ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أميركم زيد، فإن قتل ~~فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة» . وهذا في معناه. # ولأنه عقد اعتبر في حق الوكيل حكمه، وهو إباحة التصرف وصحته، فكان صحيحا، ~~كما لو قال: أنت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج. ولأنه لو قال: وكلتك في ~~شراء كذا، في وقت كذا. صح بلا خلاف، ومحل النزاع في معناه. ولأنه إذن في ~~التصرف، أشبه الوصية والتأمير. ولأنه عقد يصح بغير جعل، ولا يختص فاعله ~~بكونه من أهل القربة، فصح بالجعل، كالتوكيل الناجز. ### | [فصل التوكيل بجعل وغير جعل] # (3745) فصل: ويجوز التوكيل بجعل وغير جعل؛ فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وكل أنيسا في إقامة الحد، وعروة في شراء شاة، وعمرا وأبا رافع في ~~قبول النكاح بغير جعل. وكان يبعث عماله لقبض الصدقات، ويجعل لهم عمالة. ~~ولهذا قال له ابنا عمه: لو بعثتنا على هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي ~~الناس، ونصيب ما يصيبه الناس يعنيان العمالة. فإن كانت بجعل، استحق الوكيل ~~الجعل بتسليم ما وكل فيه إلى الموكل، إن كان مما يمكن تسليمه، كثوب ينسجه ~~أو يقصره أو يخيطه، فمتى سلمه إلى الموكل معمولا فله الأجر. # وإن كان الخياط في دار الموكل، فكلما عمل شيئا وقع مقبوضا، فيستحق الوكيل ~~الجعل إذا فرغ الخياط من الخياطة. وإن وكل في بيع أو شراء أو حج، استحق ~~الأجر إذا عمله. وإن لم يقبض الثمن في البيع. وإن قال: إذا # PageV05P068 # بعت الثوب، وقبضت ثمنه، وسلمته إلي، فلك الأجر. لم يستحق منها شيئا حتى ~~يسلمه إليه، فإن فاته التسليم لم يستحق شيئا؛ لفوات الشرط. ### | [فصل لا تصح ms2409 الوكالة إلا في تصرف معلوم] # (3746) فصل: ولا تصح الوكالة إلا في تصرف معلوم. فإن قال: وكلتك في كل ~~شيء. أو في كل قليل وكثير. أو في كل تصرف يجوز لي. أو في كل مالي التصرف ~~فيه. لم يصح. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال ابن أبي ليلى: يصح، ~~ويملك به كل ما تناوله لفظه؛ لأنه لفظ عام، فصح فيما يتناوله، كما لو قال: ~~بع مالي كله. # ولنا، أن في هذا غررا عظيما، وخطرا كبيرا؛ لأنه تدخل فيه هبة ماله، وطلاق ~~نسائه، وإعتاق رقيقه، وتزوج نساء كثيرة. ويلزمه المهور الكثيرة، والأثمان ~~العظيمة، فيعظم الضرر. وإن قال: اشتر لي ما شئت. لم يصح؛ لأنه قد يشتري ما ~~لا يقدر على ثمنه. وقد روي عن أحمد، ما يدل على صحته؛ لقوله في رجلين، قال ~~كل واحد منهما لصاحبه: ما اشتريت من شيء فهو بيننا: إنه جائز. وأعجبه. # ولأن الشريك والمضارب وكيلان في شراء ما شاء. فعلى هذا ليس له أن يشتري ~~إلا بثمن المثل فما دون، ولا يشتري ما لا يقدر الموكل على ثمنه، ولا ما لا ~~يرى المصلحة له في شرائه. وإن قال: بع مالي كله، واقبض ديوني كلها. صح؛ ~~لأنه قد يعرف ماله وديونه. وإن قال: بع ما شئت من مالي، واقبض ما شئت من ~~ديوني. جاز؛ لأنه إذا جاز التوكيل في الجميع، ففي بعضه أولى. # وإن قال: اقبض ديني كله، وما يتجدد في المستقبل. صح. وقال أصحاب الشافعي: ~~إذا قال: بع ما شئت من مالي. لم يجز. وإن قال: من عبيدي. جاز؛ لأنه محصور ~~بالجنس. ولنا، أن ما جاز التوكيل في جميعه، جاز في بعضه، كعبده. وإن قال: ~~اشتر لي عبدا، تركيا، أو ثوبا هرويا. صح. # وإن قال: اشتر لي عبدا، أو قال ثوبا ولم يذكر جنسه، صح أيضا. وقال أبو ~~الخطاب: لا يصح. وهو مذهب الشافعي، لأنه مجهول. ولنا، أنه توكيل في شراء ~~عبده، فلم يشترط ذكر نوعه، كالقراض. ولا يشترط ذكر قدر الثمن. ذكره القاضي. ~~وقال أبو الخطاب: ms2410 لا يصح حتى يذكر قدر الثمن. # وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن العبيد تتفاوت من الجنس الواحد، ~~وإنما تتميز بالثمن. ولنا، أنه إذا ذكر نوعا، فقد أذن في أغلاه ثمنا، فيقل ~~الغرر، ولأن تقدير الثمن يضر، فإنه قد لا يجد بقدر الثمن. ومن اعتبر ذكر ~~الثمن، جوز أن يذكر له أكثر الثمن وأقله. # PageV05P069 ### | [فصل وكل وكيلين في تصرف وجعل لكل واحد الانفراد بالتصرف] # (3747) فصل: وإذا وكل وكيلين في تصرف، وجعل لكل واحد الانفراد بالتصرف، ~~فله ذلك؛ لأنه مأذون له فيه. فإن لم يجعل له ذلك، فليس لأحدهما الانفراد ~~به؛ لأنه لم يأذن له في ذلك، وإنما يجوز له ما أذن فيه موكله. وبهذا قال ~~الشافعي وأصحاب الرأي. وإن وكلهما في حفظ ماله، حفظاه معا في حرز لهما؛ لأن ~~قوله: افعلا كذا. يقتضي اجتماعهما على فعله، وهو مما يمكن، فتعلق بهما. # وفارق هذا قوله: بعتكما. حيث كان منقسما بينهما؛ لأنه لا يمكن كون الملك ~~لهما على الاجتماع، فانقسم بينهما. فإن غاب أحد الوكيلين، لم يكن للآخر أن ~~يتصرف، ولا للحاكم ضم أمين إليه ليتصرفا؛ لأن الموكل رشيد جائز التصرف، لا ~~ولاية للحاكم عليه، فلا يضم الحاكم وكيلا له بغير أمره. وفارق ما لو مات ~~أحد الوصيين، حيث يضيف الحاكم إلى الوصي أمينا ليتصرف؛ لكون الحاكم له ~~النظر في حق الميت واليتيم، ولهذا لو لم يوص إلى أحد، أقام الحاكم أمينا في ~~النظر لليتيم. # وإن حضر الحاكم أحد الوكيلين، والآخر غائب، وادعى الوكالة لهما، وأقام ~~بينة سمعها الحاكم، وحكم بثبوت الوكالة لهما، ولم يملك الحاضر التصرف وحده، ~~فإذا حضر الآخر تصرفا معا، ولا يحتاج إلى إعادة البينة؛ لأن الحاكم سمعها ~~لهما مرة. فإن قيل: هذا حكم للغائب. قلنا: يجوز تبعا لحق الحاضر، كما يجوز ~~أن يحكم بالوقف الذي يثبت لمن لم يخلق لأجل من يستحقه في الحال، كذا هاهنا. ~~وإن جحد الغائب الوكالة، أو عزل نفسه، لم يكن للآخر أن يتصرف. # وبما ذكرناه قال أبو حنيفة، والشافعي. ولا نعلم فيه خلافا. وجميع ms2411 ~~التصرفات في هذا سواء. وقال أبو حنيفة: إذا وكلهما في خصومة، فلكل واحد ~~منهما الانفراد بها. ولنا، أنه لم يرض بتصرف أحدهما، أشبه البيع والشراء. ### | [مسألة ليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه إلا أن يجعل ذلك إليه] # (3748) مسألة؛ قال: (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه، إلا أن يجعل ذلك ~~إليه) لا يخلو التوكيل من ثلاثة أحوال: أحدها، أن ينهى الموكل وكيله عن ~~التوكيل، فلا يجوز له ذلك بغير خلاف، لأن ما نهاه عنه غير داخل في إذنه. ~~فلم يجز، كما لو لم يوكله. # الثاني، أذن له في التوكيل، فيجوز له ذلك؛ لأنه عقد أذن له فيه، فكان له ~~فعله، كالتصرف المأذون فيه. ولا نعلم في هذين خلافا. وإن قال له: وكلتك ~~فاصنع ما شئت. فله أن يوكل. وقال أصحاب الشافعي: ليس له التوكيل في أحد ~~الوجهين؛ لأن التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه، وقوله: اصنع ما شئت. يرجع ~~إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرفه بنفسه. # PageV05P070 # ولنا، أن لفظه عام فيما شاء، فيدخل في عمومه التوكيل. الثالث، أطلق ~~الوكالة، فلا يخلو من أقسام ثلاثة؛ أحدها، أن يكون العمل مما يرتفع الوكيل ~~عن مثله، كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها في العادة، ~~أو يعجز عن عمله لكونه لا يحسنه، أو غير ذلك، فإنه يجوز له التوكيل فيه؛ ~~لأنه إذا كان مما لا يعمله الوكيل عادة، انصرف الإذن إلى ما جرت به العادة ~~من الاستنابة فيه. القسم الثاني، أن يكون مما يعمله بنفسه، إلا أنه يعجز عن ~~عمله كله؛ لكثرته وانتشاره، فيجوز له التوكيل في عمله أيضا؛ لأن الوكالة ~~اقتضت جواز التوكيل، فجاز التوكيل في فعل جميعه، كما لو أذن في التوكيل ~~بلفظه. # وقال القاضي: عندي أنه إنما له التوكيل فيما زاد على ما يتمكن من عمله ~~بنفسه؛ لأن التوكيل إنما جاز للحاجة، فاختص ما دعت إليه الحاجة بخلاف وجود ~~إذنه، فإنه مطلق. ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين. القسم الثالث: ما عدا هذين ~~القسمين، وهو ما يمكنه عمله بنفسه، ولا ms2412 يترفع عنه، فهل يجوز له التوكيل ~~فيه؟ على روايتين؛ إحداهما، لا يجوز. نقلها ابن منصور. # وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، والشافعي؛ لأنه لم يأذن له في التوكيل، ~~ولا تضمنه إذنه، فلم يجز، كما لو نهاه، ولأنه استئمان فيما يمكنه النهوض ~~فيه، فلم يكن له أن يوليه لمن لم يأمنه عليه، كالوديعة والأخرى، يجوز. ~~نقلها حنبل. وبه قال ابن أبي ليلى، إذا مرض أو غاب؛ لأن الوكيل له أن يتصرف ~~بنفسه، فملكه نيابة كالمالك. والأول أولى. # ولا يشبه الوكيل المالك؛ فإن المالك يتصرف بنفسه في ملكه كيف شاء، بخلاف ~~الوكيل. ### | [فصل كل وكيل جاز له التوكيل] # (3749) فصل: وكل وكيل جاز له التوكيل، فليس له أن يوكل إلا أمينا؛ لأنه ~~لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين، فيقيد جواز التوكيل بما فيه الحظ ~~والنظر، كما أن الإذن في البيع يتقيد بالبيع بثمن المثل، إلا أن يعين له ~~الموكل من يوكله، فيجوز توكيله، وإن لم يكن أمينا؛ لأنه قطع نظره بتعيينه. ~~وإن وكل أمينا، وصار خائنا، فعليه عزله؛ لأن تركه يتصرف مع الخيانة تضييع ~~وتفريط، والوكالة تقتضي استئمان أمين، وهذا ليس بأمين، فوجب عزله. ### | [فصل الوصي يوكل فيما أوصي به إليه] # (3750) فصل: والحكم في الوصي يوكل فيما أوصي به إليه، وفي الحاكم يولي ~~القضاء في ناحية يستنيب غيره، حكم الوكيل فيما ذكرنا من التفصيل، إلا أن ~~المنصوص عن أحمد، في رواية مهنا، جواز ذلك. وهو قول # PageV05P071 # الشافعي في الوصي؛ لأن الوصي يتصرف بولاية، بدليل أنه يتصرف فيما لم ينص ~~له على التصرف فيه، والوكيل لا يتصرف إلا فيما نص له عليه. والجمع بينهما ~~أولى؛ لأنه متصرف في مال غيره بالإذن، فأشبه الوكيل، وإنما يتصرف فيما ~~اقتضته الوصية، كالوكيل إنما يتصرف فيما اقتضته الوكالة. ### | [فصل الولي في النكاح له التوكيل في تزويج موليته بغير إذنها] # (3751) فصل: فأما الولي في النكاح، فله التوكيل في تزويج موليته بغير ~~إذنها، أبا كان أو غيره. وقال القاضي في من ولايته غير ولاية الإجبار: هو ~~كالوكيل، يخرج ms2413 على الروايتين المنصوص عليهما في الوكيل. # ولأصحاب الشافعي فيه وجهان؛ أحدهما، لا يملك التوكيل إلا بإذنها؛ لأنه لا ~~يملك التزويج إلا بإذنها، أشبه الوكيل، ولنا، أن ولايته من غير جهتها، فلم ~~يعتبر إذنها في توكيله فيها، كالأب، بخلاف الوكيل، ولأنه متصرف بحكم ~~الولاية الشرعية، أشبه الحاكم، ولأن الحاكم يملك تفويض عقود الأنكحة إلى ~~غيره بغير إذن النساء، فكذلك الولي. وما ذكروه يبطل بالحاكم. والذي يعتبر ~~إذنها فيه هو غير ما يوكل فيه، بدليل أن الوكيل لا يستغني عن إذنها له في ~~التزويج أيضا، فهو كالموكل في ذلك. ### | [فصل أذن الموكل في التوكيل فوكل] # (3752) فصل: إذا أذن الموكل في التوكيل، فوكل، كان الوكيل الثاني وكيلا ~~للموكل، لأنه لا ينعزل بموت الوكيل الأول، ولا عزله، ولا يملك الأول عزل ~~الثاني؛ لأنه ليس بوكيله. وإن أذن له أن يوكل لنفسه، جاز، وكان وكيلا ~~للموكل ينعزل بموته وعزله إياه، وإن مات الموكل، أو عزل الأول، انعزلا ~~جميعا؛ لأنهما فرعان له، لكن أحدهما فرع للآخر، فذهب حكمهما بذهاب أصلهما. # وإن وكل من غير أن يؤذن له في التوكيل نطقا، بل وجد عرفا، أو على الرواية ~~التي أجزنا له التوكيل من غير إذن، فالثاني وكيل الوكيل الأول، حكمه حكم ما ~~لو أذن له أن يوكل لنفسه. ### | [فصل التوكيل في الخصومة] # (3753) فصل: إذا وكل رجلا في الخصومة، لم يقبل إقراره على موكله بقبض ~~الحق ولا غيره. وبه قال مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة ~~ومحمد: يقبل إقراره في مجلس الحكم، فيما عدا الحدود والقصاص. وقال أبو ~~يوسف: يقبل إقراره في مجلس الحكم وغيره؛ لأن الإقرار أحد جوابي الدعوى، فصح ~~من الوكيل، كالإنكار. # ولنا، أن الإقرار معنى يقطع الخصومة وينافيها، فلا يملكه الوكيل فيها، ~~كالإبراء. وفارق الإنكار؛ فإنه لا يقطع الخصومة، ويملكه في الحدود والقصاص، ~~وفي غير مجلس الحاكم. ولأن الوكيل # PageV05P072 # لا يملك الإنكار على وجه يمنع الموكل من الإقرار، فلو ملك الإقرار، ~~لامتنع على الموكل الإنكار، فافترقا، ولا يملك المصالحة عن الحق، ولا ~~الإبراء منه، ms2414 بغير خلاف نعلمه؛ لأن الإذن في الخصومة لا يقتضي شيئا من ذلك. ~~وإن أذن له في تثبيت حق، لم يملك قبضه. وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: ~~يملك قبضه؛ لأن المقصود من التثبيت قبضه وتحصيله. ولنا، أن القبض لا ~~يتناوله الإذن نطقا ولا عرفا، إذ ليس كل من يرضاه لتثبيت الحق يرضاه لقبضه. ~~وإن وكله في قبض حق، فجحد من عليه الحق، كان وكيلا في تثبيته عليه، في أحد ~~الوجهين. وبه قال أبو حنيفة. # والآخر: ليس له ذلك، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأنهما معنيان ~~مختلفان، فالوكيل في أحدهما لا يكون وكيلا في الآخر، كما لا يكون وكيلا في ~~القبض بالتوكيل في الخصومة. ووجه الأول، أنه لا يتوصل إلى القبض إلا ~~بالتثبيت؛ فكان إذنا فيه عرفا، ولأن القبض لا يتم إلا به، فملكه، كما لو ~~وكل في شراء شيء ملك وزن ثمنه، أو في بيع شيء ملك تسليمه. ويحتمل أنه إن ~~كان الموكل عالما بجحد من عليه الحق أو مطله، كان توكيلا في تثبيته ~~والخصومة فيه، لعلمه بوقوف القبض عليه. وإن لم يعلم ذلك، لم يكن توكيلا ~~فيه؛ لعدم علمه بتوقف القبض عليه. ولا فرق بين كون الحق عينا أو دينا. وقال ~~بعض أصحاب أبي حنيفة: إن وكله في قبض عين لم يملك تثبيتها؛ لأنه وكيل في ~~نقلها، أشبه الوكيل في نقل الزوجة. # ولنا، أنه وكيل في قبض حق، فأشبه الوكيل في قبض الدين. وما ذكروه يبطل ~~بالتوكيل في قبض الدين؛ فإنه وكيل في قبضه ونقله إليه. ### | [فصل وكل في بيع شيء] # (3754) فصل: وإن وكله في بيع شيء، ملك تسليمه؛ لأن إطلاق التوكيل في ~~البيع يقتضي التسليم، لكونه من تمامه، ولم يملك الإبراء من ثمنه. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: يملكه. ولنا، أن الإبراء ليس من البيع، ولا من ~~تتمته، فلا يكون التوكيل في البيع توكيلا فيه، كالإبراء من غير ثمنه. # وأما قبض الثمن، فقال القاضي وأبو الخطاب: لا يمكن. وهو أحد الوجهين ~~لأصحاب الشافعي؛ لأنه قد يوكل في ms2415 البيع من لا يأمنه على قبض الثمن. فعلى ~~هذا إن تعذر قبض الثمن من المشتري، لم يلزم الوكيل شيء. ويحتمل أن يملك قبض ~~الثمن؛ لأنه من موجب البيع، فملكه الوكيل فيه، كتسليم المبيع. فعلى هذا ليس ~~له تسليم المبيع إلا بقبض الثمن أو حضوره. وإن سلمه قبل قبض ثمنه ضمنه. ~~والأولى أن ينظر فيه، فإن دلت قرينة الحال على قبض الثمن، مثل توكيله في ~~بيع ثوب في سوق غائب عن الموكل، أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له، ~~كان إذنا في قبضه. # ومتى ترك قبضه كان # PageV05P073 # ضامنا له؛ لأن ظاهر حال الموكل أنه إنما أمره بالبيع لتحصيل ثمنه، فلا ~~يرضى بتضييعه، ولهذا يعد من فعل ذلك مضيعا مفرطا. وإن لم تدل القرينة على ~~ذلك، لم يكن له قبضه. ### | [فصل وكل في بيع شيء أو طلب الشفعة أو قسم شيء] # (3755) فصل: وإن وكله في بيع شيء، أو طلب الشفعة، أو قسم شيء، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، يملك تثبيته. وهو قول أبي حنيفة في القسمة وطلب الشفعة؛ ~~لأنه لا يتوصل إلى ما وكله فيه إلا بالتثبيت. والثاني، لا يملكه. وهو قول ~~بعض أصحاب الشافعي؛ لأنه يمكن أحدهما دون الآخر، فلم يتضمن الإذن في أحدهما ~~الإذن في الآخر. ### | [فصل وكل في شراء شيء] # (3756) فصل: وإن وكله في شراء شيء، ملك تسليم ثمنه؛ لأنه من تتمته ~~وحقوقه، فهو كتسليم المبيع. في البيع. والحكم في قبض المبيع كالحكم في قبض ~~الثمن في المبيع، على ما مضى من القول فيه. فإن اشترى عبدا، ونقد ثمنه، ~~فخرج العبد مستحقا؛ فهل يملك أن يخاصم البائع في الثمن؟ على وجهين. # فإن اشترى شيئا، وقبضه، وأخر تسليم الثمن لغير عذر، فهلك في يده، فهو ~~ضامن له. وإن كان له عذر، مثل أن ذهب لينقده فهلك، أو نحو ذلك، فلا ضمان ~~عليه. نص عليه أحمد؛ لأنه مفرط في إمساكه كما في الصورة الأولى دون ~~الثانية، فلذلك لزمه الضمان، بخلاف ما إذا لم يفرط. ### | [فصل وكل في قبض دين من رجل فمات] ms2416 # (3757) فصل: وإذا وكله في قبض دين من رجل، فمات؛ نظرت في لفظه؛ فإن قال: ~~اقبض حقي من فلان. لم يكن له قبضه من وارثه؛ لأنه لم يؤمر بذلك. وإن قال: ~~اقبض حقي الذي قبل فلان. أو على فلان. فله مطالبة وارثه والقبض؛ لأن قبضه ~~من الوارث قبض للحق الذي على موروثه. فإن قيل: فلو قال: اقبض حقي من زيد. ~~فوكل زيد إنسانا في الدفع إليه، كان له القبض منه، والوارث نائب الموروث، ~~فهو كوكيله. # قلنا: إن الوكيل إذا دفع عنه بإذنه جرى مجرى تسليمه؛ لأنه أقامه مقام ~~نفسه، وليس كذلك هاهنا، فإن الحق انتقل إلى الورثة فاستحقت المطالبة عليهم، ~~لا بطريق النيابة عن الموروث، ولهذا لو حلف لا يفعل شيئا، حنث بفعل وكيله ~~له، ولا يحنث بفعل وارثه. ### | [مسألة باع الوكيل ثم ادعى تلف الثمن من غير تعد] # (3758) مسألة؛ قال: (وإذا باع الوكيل، ثم ادعى تلف الثمن من غير تعد، فلا ~~ضمان عليه. فإن اتهم، حلف) # PageV05P074 # إذا اختلف الوكيل والموكل، لم يخل من ستة أحوال: أحدها، أن يختلفا في ~~التلف، فيقول الوكيل تلف مالك في يدي، أو الثمن الذي قبضته ثمن متاعك تلف ~~في يدي. فيكذبه الموكل. فالقول قول الوكيل مع يمينه؛ لأنه أمين، وهذا مما ~~يتعذر إقامة البينة عليه، فلا يكلف ذلك كالمودع. # وكذلك كل من كان في يده شيء لغيره على سبيل الأمانة، كالأب، والوصي، ~~وأمين الحاكم، والمودع، والشريك، والمضارب، والمرتهن، والمستأجر، والأجير ~~المشترك، وإنما كان كذلك، لأنه لو كلف ذلك مع تعذره عليه، لامتنع الناس من ~~الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها، فيلحقهم الضرر. # قال القاضي: إلا أن يدعي التلف بأمر ظاهر، كالحريق والنهب وشبههما، فعليه ~~إقامة البينة على وجود هذا الأمر في تلك الناحية، ثم يكون القول قوله في ~~تلفها بذلك. وهذا قول الشافعي؛ لأن وجود الأمر الظاهر مما لا يخفى، فلا ~~تتعذر إقامة البينة عليه. # الحالة الثانية، أن يختلفا في تعدي الوكيل أو تفريطه في الحفظ، ومخالفته ~~أمر موكله، مثل أن يدعي عليه أنك حملت ms2417 على الدابة فوق طاقتها، أو حملت ~~عليها شيئا لنفسك، أو فرطت في حفظها، أو لبست الثوب، أو أمرتك برد المال ~~فلم تفعل. ونحو ذلك، فالقول قول الوكيل أيضا مع يمينه؛ لما ذكرنا في الذي ~~قبله، ولأنه منكر لما يدعى عليه، والقول قول المنكر. # ومتى ثبت التلف في يده من غير تعديه، إما لقبول قوله، وإما بإقرار موكله ~~أو بينة، فلا ضمان عليه، سواء تلف المتاع الذي أمر ببيعه، أو باعه وقبض ~~ثمنه فتلف الثمن، وسواء كان بجعل أو بغير جعل؛ لأنه نائب المالك في اليد ~~والتصرف، فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، وجرى مجرى المودع ~~والمضارب وشبههما. وإن تعدى أو فرط، ضمن. وكذلك سائر الأمناء. ولو باع ~~الوكيل سلعة وقبض ثمنها، فتلف من غير تعد، واستحق المبيع، رجع المشتري ~~بالثمن على الموكل دون الوكيل؛ لأن المبيع له، فالرجوع بالعهدة عليه، كما ~~لو باع بنفسه. # الحال الثالثة، أن يختلفا في التصرف، فيقول الوكيل: بعت الثوب وقبضت ~~الثمن، فتلف. فيقول الموكل: لم تبع ولم تقبض. أو يقول: بعت ولم تقبض شيئا. ~~فالقول قول الوكيل. ذكره ابن حامد. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنه يملك البيع ~~والقبض، فيقبل قوله فيهما، كما يقبل قول ولي المرأة المجبرة على النكاح في ~~تزويجها. ويحتمل أن لا يقبل قوله. # وهو أحد القولين لأصحاب الشافعي؛ لأنه يقر بحق لغيره على موكله، فلم ~~يقبل، كما لو أقر بدين عليه. وإن وكل في شراء عبد، فاشتراه، واختلفا في قدر ~~ما اشتراه به، فقال: اشتريته بألف. وقال: بل اشتريته بخمسمائة. فالقول قول ~~الوكيل؛ لما ذكرناه. وقال القاضي: القول قول الموكل، إلا أن يكون عين له ~~الشراء بما ادعاه، فقال: اشتر لي عبدا بألف. # PageV05P075 # فادعى الوكيل أنه اشتراه بذلك، فالقول قول الوكيل إذا، وإلا فالقول قول ~~الموكل؛ لأن من كان القول قوله في أصل شيء، كان القول قوله في صفته. # وللشافعي قولان كهذين الوجهين. وقال أبو حنيفة: إن كان الشراء في الذمة، ~~فالقول قول الموكل؛ لأنه غارم مطالب بالثمن. وإن اشترى ms2418 بعين المال، فالقول ~~قول الوكيل؛ لكونه الغارم؛ فإنه يطالبه برد ما زاد على خمس المائة. ولنا، ~~أنهما اختلفا في تصرف الوكيل، فكان القول قوله، كما لو اختلفا في البيع، ~~ولأنه أمين في الشراء، فكان القول قوله في قدر ثمن المشتري، كالمضارب، وكما ~~لو قال له: اشتر بألف عند القاضي. # الحال الرابعة، أن يختلفا في الرد، فيدعيه الوكيل، فينكره الموكل، فإن ~~كان بغير جعل، فالقول قول الوكيل؛ لأنه قبض المال لنفع مالكه، فكان القول ~~قوله، كالمودع، وإن كان بجعل، ففيه وجهان؛ أحدهما، أن القول قوله؛ لأنه ~~وكيل، فكان القول قوله، كالأول. والثاني، لا يقبل قوله؛ لأنه قبض المال ~~لنفع نفسه، فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير وسواء اختلفا في رد العين، أو ~~رد ثمنها. وجملة الأمناء على ضربين؛ أحدهما، من قبض المال لنفع مالكه لا ~~غير، كالمودع والوكيل بغير جعل، فيقبل قولهم في الرد؛ لأنه لو لم يقبل ~~قولهم لامتنع الناس من قبول هذه الأمانات، فيلحق الناس الضرر. الثاني، من ~~ينتفع بقبض الأمانة، كالوكيل بجعل، والمضارب، والأجير المشترك، والمستأجر، ~~والمرتهن، ففيهم وجهان. ذكرهما أبو الخطاب. # وقال القاضي: لا يقبل قول المرتهن والمستأجر والمضارب في الرد؛ لأن أحمد ~~نص عليه في المضارب، في رواية ابن منصور، ولأن من قبض المال لنفع نفسه، لا ~~يقبل قوله في الرد. ولو أنكر الوكيل قبض المال، ثم ثبت ذلك ببينة، أو ~~اعتراف، فادعى الرد أو التلف، لم يقبل قوله؛ لأن خيانته قد ثبتت بجحده. فإن ~~أقام بينة بما ادعاه من الرد أو التلف، فهل تقبل بينته؟ على وجهين؛ أحدهما، ~~لا تقبل؛ لأنه كذبها بجحده، فإن قوله: ما قبضت. يتضمن أنه لم يرد شيئا. # والثاني: تقبل؛ لأنه يدعي الرد والتلف قبل وجود خيانته. وإن كان جحوده ~~أنك لا تستحق علي شيئا، أو ما لك عندي شيء، سمع قوله مع يمينه؛ لأن جوابه ~~لا يكذب ذلك، فإنه إذا كان قد تلف # PageV05P076 # أو رد، فليس له عنده شيء. فلا تنافي بين القولين، إلا أن يدعي أنه رده أو ~~تلف ms2419 بعد قوله: ما لك عندي شيء. فلا يسمع قوله أيضا؛ لثبوت كذبه وخيانته. # الحالة الخامسة، إذا اختلفا في أصل الوكالة، فقال: وكلتني. فأنكر الموكل، ~~فالقول قول الموكل؛ لأن الأصل عدم الوكالة، فلم يثبت أنه أمينه ليقبل قوله ~~عليه. # ولو قال: وكلتك، ودفعت إليك مالا. فأنكر الوكيل ذلك كله، أو اعترف ~~بالتوكيل، وأنكر دفع المال إليه، فالقول قوله؛ لذلك. ولو قال رجل لآخر: ~~وكلتني أن أتزوج لك فلانة، بصداق كذا، ففعلت. وادعت المرأة ذلك، فأنكر ~~الموكل، فالقول قوله. نص عليه أحمد، فقال: إن أقام البينة، وإلا لم يلزم ~~الآخر عقد النكاح. قال أحمد: ولا يستحلف. # قال القاضي: لأن الوكيل يدعي حقا لغيره. فأما إن ادعته المرأة، فينبغي أن ~~يستحلف؛ لأنها تدعي الصداق في ذمته، فإذا حلف لم يلزمه الصداق، ولم يلزم ~~الوكيل منه شيء؛ لأن دعوى المرأة على الموكل، وحقوق العقد لا تتعلق ~~بالوكيل. ونقل إسحاق بن إبراهيم عن أحمد، أن الوكيل يلزمه نصف الصداق؛ لأن ~~الوكيل في الشراء ضامن للثمن، وللبائع مطالبته به، كذا هاهنا. والأول أولى؛ ~~لما ذكرناه. # ويفارق الشراء؛ لأن الثمن مقصود البائع، والعادة تعجيله وأخذه من المتولي ~~للشراء، والنكاح يخالفه في هذا كله، ولكن إن كان الوكيل ضمن المهر، فلها ~~الرجوع عليه بنصفه؛ لأنه ضمنه عن الموكل، وهو مقر بأنه في ذمته. وبهذا قال ~~أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي. # وقال محمد بن الحسن: يلزم الوكيل جميع الصداق؛ لأن الفرقة لم تقع ~~بإنكاره، فيكون ثابتا في الباطن، فيجب جميع الصداق. ولنا، أنه يملك الطلاق، ~~فإذا أنكر فقد أقر بتحريمها عليه، فصار بمنزلة إيقاعه لها تحرم به. قال ~~أحمد: ولا تتزوج المرأة حتى يطلق، لعله يكون كاذبا في إنكاره. وظاهر هذا ~~تحريم نكاحها قبل طلاقها؛ لأنها معترفة بأنها زوجة له، فيؤخذ بإقرارها، ~~وإنكاره ليس بطلاق. # وهل يلزم الموكل طلاقها؟ يحتمل أن لا يلزمه؛ لأنه لم يثبت في حقه نكاح، ~~ولو ثبت لم يكلف الطلاق. ويحتمل أن يكلفه، لإزالة الاحتمال، وإزالة الضرر ~~عنها بما لا ضرر عليه فيه. فأشبه النكاح ms2420 الفاسد. ولو ادعى أن فلانا الغائب ~~وكله في تزوج امرأة، فتزوجها له، ثم مات الغائب، لم ترثه المرأة، إلا أن ~~يصدقه الورثة، أو يثبت ببينة. وإن أقر الموكل بالتوكيل في التزويج، وأنكر ~~أن يكون الوكيل تزوج له، فهاهنا الاختلاف في تصرف الوكيل، والقول قول ~~الوكيل فيه، فيثبت التزويج هاهنا. # وقال القاضي: لا يثبت. وهو قول أبي حنيفة، لأنه لا تتعذر إقامة البينة ~~عليه، لكونه لا ينعقد إلا بها. وذكر أن أحمد نص عليه. وأشار إلى نصه فيما ~~إذا أنكر الموكل الوكالة من أصلها. # PageV05P077 # ولنا، أنهما اختلفا في فعل الوكيل ما أمر به، فكان القول قوله، كما لو ~~وكله في بيع ثوب فادعى أنه باعه، أو في شراء عبد بألف فادعى أنه اشتراه به. # وما ذكره القاضي من نص أحمد فيما إذا أنكر الموكل الوكالة، فليس بنص ~~هاهنا؛ لاختلاف أحكام الصورتين وتباينهما، فلا يكون النص في إحداهما نصا في ~~الأخرى. وما ذكره من المعنى لا أصل له، فلا يعول عليه. ولو غاب رجل، فجاء ~~رجل آخر إلى امرأته، فذكر أن زوجها طلقها وأبانها، ووكله في تجديد نكاحها ~~بألف. فأذنت له في نكاحها، فعقد عليها، وضمن الوكيل الألف، ثم جاء زوجها ~~فأنكر هذا كله، فالقول قوله، والنكاح الأول بحاله. # وقياس ما ذكرناه أن المرأة إن صدقت الوكيل، لزمه الألف، إلا أن يبينها ~~زوجها قبل دخوله بها. وحكي ذلك عن مالك، وزفر. وحكي عن أبي حنيفة، ~~والشافعي، أنه لا يلزم الضامن شيء؛ لأنه فرع عن المضمون عنه، ولم يلزم ~~المضمون عنه شيء، فكذلك فرعه. # ولنا، أن الوكيل مقر بأن الحق في ذمة المضمون عنه، وأنه ضامن عنه، فلزمه ~~ما أقر به، كما لو ادعى على رجل أنه ضمن له ألفا على أجنبي، فأقر الضامن ~~بالضمان وصحته وثبوت الحق في ذمة المضمون عنه، وكما لو ادعى شفعة على إنسان ~~في شقص اشتراه، فأقر البائع بالبيع، وأنكره المشتري، فإن الشفيع يستحق ~~الشفعة في أصح الوجهين. وإن لم تدع المرأة صحة ما ذكره الوكيل، فلا شيء ms2421 ~~عليه. # ويحتمل أن من أسقط عنه الضمان أسقطه في هذه الصورة، ومن أوجبه أوجبه في ~~الصورة الأخرى، فلا يكون فيها اختلاف. والله أعلم. # الحال السادسة، أن يختلفا في صفة الوكالة، فيقول: وكلتك في بيع هذا ~~العبد. قال: بل وكلتني في بيع هذه الجارية. أو قال: وكلتك في البيع بألفين. ~~قال: بل بألف. أو قال: وكلتك في بيعه نقدا. قال بل نسيئة. أو قال: وكلتك في ~~شراء عبد. قال: بل في شراء أمة. أو قال: وكلتك في الشراء بخمسة. قال: بل ~~بعشرة. فقال القاضي: القول قول الموكل. # وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر وقال أبو الخطاب: إذا قال: ~~أذنت لك في البيع نقدا، في الشراء بخمسة. قال: بل أذنت لي في البيع نسيئة، ~~وفي الشراء بعشرة. فالقول قول الوكيل. نص عليه أحمد في المضاربة؛ لأنه أمين ~~في التصرف، فكان القول قوله في صفته، كالخياط إذا قال: أذنت لي في تفصيله ~~قباء. قال: بل قميصا. # وحكي عن مالك، إن أدركت السلعة، فالقول قول الموكل، وإن فاتت، فالقول قول ~~الوكيل؛ لأنها إذا فاتت لزم الوكيل الضمان، والأصل عدمه، بخلاف ما إذا كانت ~~موجودة. والقول الأول أصح، لوجهين: أحدهما أنهما اختلفا في التوكيل الذي ~~يدعيه الوكيل، والأصل عدمه، فكان القول قول من ينفيه، كما لو لم يقر الموكل ~~بتوكيله في غيره # PageV05P078 # والثاني، أنهما اختلفا في صفة قول الموكل، فكان القول قوله في صفة كلامه، ~~كما لو اختلف الزوجان في صفة الطلاق. # فعلى هذا إذا قال: اشتريت لك هذه الجارية بإذنك. قال: ما أذنت لك إلا في ~~شراء غيرها. أو قال: اشتريتها لك بألفين. فقال: ما أذنت لك في شرائها إلا ~~بألف. فالقول قول الموكل، وعليه اليمين. # فإذا حلف برئ من الشراء، ثم لا يخلو إما أن يكون الشراء بعين المال، أو ~~في الذمة، فإن كان بعين المال، فالبيع باطل، وترد الجارية على البائع إن ~~اعترف بذلك، وإن كذبه في أن الشراء لغيره أو بمال غيره بغير إذنه، فالقول ~~قول البائع؛ لأن الظاهر أن ms2422 ما في يد الإنسان له فإن ادعى الوكيل علمه بذلك، ~~حلفه إنه لا يعلم أنه اشتراه بمال موكله؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره فكانت ~~يمينه على نفي العلم، فإذا حلف، أمضى البيع، وعلى الوكيل غرامة الثمن ~~لموكله، ودفع الثمن إلى البائع، وتبقى الجارية في يده، ولا تحل له؛ لأنه لا ~~يخلو من أن يكون صادقا، فتكون للموكل، أو كاذبا فتكون للبائع، فإذا أراد ~~استحلالها، اشتراها ممن هي له في الباطن، فإن امتنع من بيعه إياها، رفع ~~الأمر إلى الحاكم، ليرفق به ليبيعه إياها، ليثبت الملك له ظاهرا وباطنا، ~~ويصير ما ثبت له في ذمته ثمنا قصاصا بالذي أخذ منه الآخر ظلما، فإن امتنع ~~الآخر من البيع، لم يجبر عليه؛ لأنه عقد مراضاة. # وإن قال: إن كانت الجارية لي فقد بعتكها. أو قال الموكل: إن كنت أذنت لك ~~في شرائها بألفين، فقد بعتكها. ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يصح. وهو قول القاضي ~~وبعض الشافعية؛ لأنه بيع معلق على شرط. والثاني، يصح؛ لأن هذا أمر واقع ~~يعلمان، وجوده، فلا يضر جعله شرطا، كما لو قال: إن كانت هذه الجارية ~~جاريتي، فقد بعتكها. وكذلك كل شرط علما وجوده، فإنه لا يوجب وقوف البيع ولا ~~شكا فيه. # فأما إن كان الوكيل اشترى في الذمة ثم نقد الثمن، صح الشراء، ولزم الوكيل ~~في الظاهر، فأما في الباطن، فإن كان الوكيل كاذبا في دعواه، فالجارية له؛ ~~لأنه اشتراها في ذمته بغير أمر غيره، وإن كان صادقا، فالجارية لموكله. فإذا ~~أراد إحلالها له، توصل إلى شرائها منه، كما ذكرنا. وكل موضع كانت للموكل في ~~الباطن فامتنع من بيعها للوكيل، فقد حصلت في يد الوكيل، وهي للموكل، وفي ~~ذمته للوكيل ثمنها. # فأقرب الوجوه أن يأذن للحاكم في بيعها، وتوفية حقه من ثمنها، فإن كانت ~~للوكيل، فقد أذن في بيعها، وإن كانت للموكل، فقد باعها الحاكم في إيفاء دين ~~امتنع المدين من وفائه. وقد قيل غير ما ذكرنا. وهذا أقرب، إن شاء الله ~~تعالى. وإن اشتراها الوكيل من الحاكم ms2423 بماله على الموكل، جاز؛ لأنه قائم ~~مقام الموكل في هذا، فأشبه ما لو اشترى منه. ### | [فصل وكله في بيع عبد فباعه نسيئة فقال الموكل ما أذنت في بيعه إلا نقدا] # (3759) فصل: ولو وكله في بيع عبد، فباعه نسيئة، فقال الموكل: ما أذنت في ~~بيعه إلا نقدا. وصدقه الوكيل والمشتري، فسد البيع، وله مطالبة من شاء منهما ~~بالعبد، إن كان باقيا، أو بقيمته إن كان تالفا. # فإن أخذ # PageV05P079 # القيمة من الوكيل، رجع على المشتري بها؛ لأن التلف في يده، فاستقر الضمان ~~عليه، وإن أخذها من المشتري، لم يرجع على أحد. وإن كذباه، وادعيا أنه أذن ~~في البيع نسيئة، فعلى قول القاضي: يحلف الموكل، ويرجع في العين إن كانت ~~قائمة، وإن كانت تالفة، رجع بقيمتها على من شاء منهما، فإن رجع على ~~المشتري، رجع على الوكيل بالثمن الذي أخذه منه لا غير؛ لأنه لم يسلم له ~~المبيع، وإن ضمن الوكيل، لم يرجع على المشتري في الحال؛ لأنه يقر بصحة ~~البيع وتأجيل الثمن، وإن البائع ظلمه بالرجوع عليه، وأنه إنما يستحق ~~المطالبة بالثمن بعد الأجل، فإذا حل الأجل، رجع الوكيل على المشتري بأقل ~~الأمرين من القيمة أو الثمن المسمى؛ لأن القيمة إن كانت أقل، فما غرم أكثر ~~منها، فلا يرجع بأكثر مما غرم، وإن كان الثمن أقل، فالوكيل معترف للمشتري ~~أنه لا يستحق عليه أكثر منه، وأن الموكل ظلمه بأخذ الزائد على الثمن، فلا ~~يرجع على المشتري بما ظلمه به الموكل. # وإن كذبه أحدهما دون الآخر، فله الرجوع على المصدق بغير يمين، ويحلف على ~~المكذب، ويرجع على حسب ما ذكرنا. هذا إن اعترف المشتري بأن الوكيل وكيل في ~~البيع، وإن أنكر ذلك، وقال: إنما بعتني ملكك، فالقول قوله مع يمينه أنه لا ~~يعلم كونه وكيلا، ولا يرجع عليه بشيء. ### | [فصل قبض الوكيل ثمن المبيع] # (3760) فصل: وإذا قبض الوكيل ثمن المبيع، فهو أمانة في يده، لا يلزمه ~~تسليمه قبل طلبه ولا يضمنه بتأخيره؛ لأنه رضي بكونه في يده، ولم يرجع عن ~~ذلك. فإن طلبه ms2424 فأخر رده مع إمكانه، فتلف، ضمنه. # وإن وعده برده، ثم ادعى أنني كنت رددته قبل طلبه، أو أنه كان تلف، لم ~~يقبل قوله؛ لأنه مكذب لنفسه بوعده برده. فإن صدقه الموكل، برئ، وإن كذبه، ~~فالقول قول الموكل. فإن أقام الوكيل بينة بذلك، فهل يقبل، على وجهين؛ ~~أحدهما، يقبل؛ لأنه لو صدقه الموكل برئ، فكذلك إذا قامت له بينة، ولأن ~~البينة إحدى الحجتين، فبرئ بها كالإقرار. والثاني: لا يقبل؛ لأنه كذبه ~~بوعده بالدفع. أما إذا صدقه، فقد أقر ببراءته، فلم يبق له منازع. # وإن لم يعده برده، لكن منعه أو مطله برده مع إمكانه، ثم ادعى التلف أو ~~الرد، لم يقبل قوله؛ لأنه ضامن بالمنع، خارج عن حال الأمانة. وإن أقام بما ~~ادعاه من الرد أو التلف بينة، سمعت؛ لأنه لم يكذبها. ### | [فصل له على آخر دراهم فبعث إليه رسولا يقبضها فبعث إليه مع الرسول دينارا فضاع مع الرسول] # (3761) فصل: قال أحمد في رواية أبي الحارث، في رجل له على آخر دراهم، ~~فبعث إليه رسولا يقبضها، فبعث إليه # PageV05P080 # مع الرسول دينارا، فضاع مع الرسول، فهو من مال الباعث؛ لأنه لم يأمره ~~بمصارفته، إنما كان من ضمان الباعث؛ لأنه دفع إلى الرسول غير ما أمره به ~~المرسل، فإن المرسل إنما أمره بقبض ما له في ذمته، وهي الدراهم، ولم ~~يدفعها، وإنما دفع دينارا عوضا عن عشرة دراهم، وهذا صرف يفتقر إلى رضى صاحب ~~الدين وإذنه، ولم يأذن، فصار الرسول وكيلا للباعث في تأديته إلى صاحب الدين ~~ومصارفته به، فإذا تلف في يد وكيله. كان من ضمانه، اللهم إلا أن يخبر ~~الرسول الغريم أن رب الدين أذن له في قبض الدينار عن الدراهم. فيكون حينئذ ~~من ضمان الرسول؛ لأنه غره وأخذ الدينار على أنه وكيل للمرسل. # وإن قبض منه الدراهم التي أمر بقبضها، فضاعت من الرسول، فهي من ضمان صاحب ~~الدين؛ لأنها تلفت من يد وكيله. وقال أحمد في رواية مهنا، في رجل له عند ~~آخر دنانير وثياب، فبعث إليه رسولا، وقال: خذ ms2425 دينارا وثوبا. فأخذ دينارين ~~وثوبين، فضاعت، فالضمان على الباعث. يعني الذي أعطاه الدينارين والثوبين، ~~ويرجع به على الرسول. # يعني عليه ضمان الدينار والثوب الزائدين؛ إنما جعل عليه الضمان؛ لأنه ~~دفعهما إلى من لم يؤمر بدفعهما إليه، ورجع بهما على الرسول؛ لأنه غره، وحصل ~~التلف في يده، فاستقر عليه الضمان. وللموكل تضمين الوكيل؛ لأنه تعدى بقبض ~~ما لم يؤمر بقبضه. فإذا ضمنه، لم يرجع على أحد؛ لأن التلف حصل في يده، ~~فاستقر الضمان عليه. وقال أحمد في رجل وكل وكيلا في اقتضاء دينه، وغاب، ~~فأخذ الوكيل به رهنا، فتلف الرهن في يد الوكيل، فقال: أساء الوكيل في أخذ ~~الرهن، ولا ضمان عليه. إنما لم يضمنه؛ لأنه رهن فاسد، والقبض في العقد ~~الفاسد، كالقبض في الصحيح، فما كان القبض في صحيحه مضمونا، كان مضمونا في ~~فاسده، وما كان غير مضمون في صحيحه، كان غير مضمون في فاسده. # ونقل البغوي، عن أحمد في رجل أعطى آخر دراهم يشتري له بها شاة، فخلطها مع ~~دراهمه، فضاعا، فلا شيء عليه. وإن ضاع أحدهما، أيهما ضاع غرمه قال القاضي: ~~هذا محمول على أنه خلطها بما تميز منها. ويحتمل أنه أذن له في خلطها. أما ~~إن خلطها بما لا تتميز منه بغير إذنه، ضمنها، كالوديعة. وإنما لزمه الضمان ~~إذا ضاع أحدهما، لأنه لا يعلم أن الضائع دراهم الموكل، والأصل بقاؤها. ~~ومعنى الضمان هاهنا، أنه يحسب الضائع من دراهم نفسه # فأما على المحمل الآخر، وهو إذا خلطها بما تتميز منه، فإذا ضاعت دراهم ~~الموكل وحدها فلا ضمان عليه؛ لأنها ضاعت من غير تعد منه. ### | [مسألة أمره أن يدفع إلى رجل مالا فادعى أنه دفعه إليه] # (3762) مسألة؛ قال: (ولو أمره أن يدفع إلى رجل مالا، فادعى أنه دفعه ~~إليه، لم يقبل قوله على الآمر إلا ببينة) # وجملته أن الرجل إذا وكل وكيلا في قضاء دينه، ودفع إليه مالا ليدفعه ~~إليه، فادعى الوكيل قضاء الدين ودفع المال إلى الغريم، لم يقبل قوله على ~~الغريم إلا ببينة؛ لأنه ليس بأمينه، فلم ms2426 يقبل قوله عليه في الدفع إليه، كما ~~لو ادعى الموكل ذلك. فإذا حلف الغريم، فله مطالبة الموكل؛ لأن ذمته لا تبرأ ~~بدفع المال إلى # PageV05P081 # وكيله. # فإذا دفعه فهل للموكل الرجوع على وكيله؟ ينظر، فإن ادعى أنه قضى الدين ~~بغير بينة، فللموكل الرجوع عليه إذا قضاه في غيبة الموكل. قال القاضي: سواء ~~صدقه أنه قضى الحق أو كذبه وهذا قول الشافعي لأنه أذن له في قضاء يبرئه، ~~ولم يوجد. وعن أحمد رواية أخرى: لا يرجع عليه بشيء، إلا أن يكون أمره ~~بالإشهاد فلم يفعل. فعلى هذه الرواية، إن صدقه الموكل في الدفع، لم يرجع ~~عليه بشيء، وإن كذبه، فالقول قول الوكيل مع يمينه. وهذا قول أبي حنيفة ووجه ~~لأصحاب الشافعي؛ لأنه ادعى فعل ما أمر به موكله، فكان القول قوله، كما لو ~~أمره ببيع ثوبه، فادعى أنه باعه. # ووجه الأول أنه مفرط بترك الإشهاد، فضمن كما لو فرط في البيع بدون ثمن ~~المثل. فإن قيل: فلم يأمره بالإشهاد؟ قلنا إطلاق الأمر بالقضاء يقتضي ذلك؛ ~~لأنه لا يثبت إلا به، فيصير كأمره بالبيع والشراء، يقتضي ذلك العرف لا ~~العموم. كذا هاهنا. وقياس القول الآخر يمكن القول بموجبه. وأن قوله مقبول ~~في القضاء، لكن لزمه الضمان لتفريطه، لا لرد قوله وعلى هذا، لو كان القضاء ~~بحضرة الموكل، لم يضمن الوكيل شيئا؛ لأن تركه الإشهاد والاحتياط رضى منه ~~بما فعل وكيله. # وكذلك لو أذن له في القضاء بغير إشهاد، فلا ضمان على الوكيل؛ لأن صريح ~~قوله يقدم على ما تقتضيه دلالة الحال. وكذلك إن أشهد على القضاء عدولا ~~فماتوا أو غابوا، فلا ضمان عليه؛ لعدم تفريطه. # وإن أشهد من يختلف في ثبوت الحق بشهادته، كشاهد واحد، أو رجل وامرأتين، ~~فهل يبرأ من الضمان؟ يخرج على روايتين. وإن اختلف الوكيل والموكل فقال: ~~قضيت الدين بحضرتك. قال: بل في غيبتي، أو قال: أذنت لي في قضائه بغير بينة. ~~فأنكر الإذن أو قال: أشهدت على القضاء شهودا فماتوا. فأنكره الموكل، فالقول ~~قول الموكل؛ لأن الأصل معه. ### | [فصل ms2427 وكله في إيداع ماله فأودعه ولم يشهد] # (3763) فصل: وإن وكله في إيداع ماله، فأودعه ولم يشهد، فقال أصحابنا: لا ~~يضمن إذا أنكر المودع. وكلام الخرقي بعمومه يقتضي أن لا يقبل قوله على ~~الأمر. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن الوديعة لا تثبت إلا بالبينة، ~~فهي كالدين. وقال أصحابنا: لا يصح القياس على الدين؛ لأن قول المودع يقبل ~~في الرد والهلاك، فلا فائدة في الاستيثاق، بخلاف الدين. فإن قال الوكيل: ~~دفعت المال إلى المودع. فقال: لم تدفعه. فالقول قول الوكيل؛ لأنهما اختلفا ~~في تصرفه، وفيما وكل فيه، فكان القول قوله فيه. ### | [فصل كان على رجل دين وعنده وديعة فجاءه إنسان فادعى أنه وكيل في قبضهما وأقام بينة] # (3764) فصل: وإذا كان على رجل دين وعنده وديعة، فجاءه إنسان فادعى أنه ~~وكيل صاحب الدين الوديعة في # PageV05P082 # قبضهما، وأقام بذلك بينة، وجب الدفع إليه. وإن لم يقم بينة، لم يلزمه ~~دفعها إليه، سواء صدقه في أنه وكيله أو كذبه. وبهذا قال الشافعي وقال أبو ~~حنيفة: إن صدقه، لزمه وفاء الدين. # وفي دفع العين إليه روايتان؛ أشهرهما، لا يجب تسليمها. واحتج بأنه أقر له ~~بحق الاستيفاء، فلزمه، إيفاؤها، كما لو أقر له أنه وارثه. ولنا، أنه تسليم ~~لا يبرئه، فلا يجب، كما لو كان الحق عينا، وكما لو أقر بأن هذا وصي الصغير. ~~وفارق الإقرار بكونه وارثه؛ لأنه يتضمن براءته؛ فإنه أقر بأنه لا حق لسواه. ~~فأما إن أنكر وكالته، لم يستحلف. وقال أبو حنيفة: يستحلف. ومبنى الخلاف على ~~الخلاف في وجوب الدفع مع التصديق، فمن أوجب عليه الدفع مع التصديق، ألزمه ~~اليمين عند التكذيب، كسائر الحقوق، ومن لم يوجب عليه الدفع مع التصديق، ~~قال: لا يلزمه اليمين عند التكذيب؛ لعدم فائدتها. # فإن دفع إليه مع التصديق أو مع عدمه، فحضر الموكل، وصدق الوكيل، برئ ~~الدافع، وإن كذبه، فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف، وكان الحق عينا قائمة ~~في يد الوكيل، فله أخذها، وله مطالبة من شاء بردها؛ لأن الدافع دفعها إلى ~~غير مستحقها، والوكيل ms2428 عين ماله في يده. فإن طالب الدافع، فللدافع مطالبة ~~الوكيل بها، وأخذها من يده، ليسلمها إلى صاحبها. # وإن تلفت العين، أو تعذر ردها، فلصاحبها الرجوع ببدلها على من شاء منهما؛ ~~لأن الدافع ضمنها بالدفع، والمدفوع إليه قبض ما لا يستحق قبضه. وأيهما ضمن ~~لم يرجع على الآخر؛ لأن كل واحد منهما يدعي أن ما يأخذه المالك ظلم، ويقر ~~بأنه لم يوجد من صاحبه تعد، فلا يرجع على صاحبه بظلم غيره إلا أن يكون ~~الدافع دفعها إلى الوكيل من غير تصديقه فيما ادعاه من الوكالة. فإن ضمن رجع ~~على الوكيل؛ لكونه لم يقر بوكالته، ولا ثبتت ببينة. # وإن ضمن الوكيل، لم يرجع عليه. وإن صدقه لكن الوكيل تعدى فيها أو فرط، ~~استقر الضمان عليه. فإن ضمن، لم يرجع على أحد، وإن ضمن الدافع، رجع عليه؛ ~~لأنه وإن كان يقر أنه قبضه قبضا صحيحا، لكن لزمه الضمان بتفريطه وتعديه، ~~فالدافع يقول: ظلمني المالك بالرجوع علي. وله على الوكيل حق يعترف به ~~الوكيل، فبأخذه يستوفي حقه منه. فأما إن كان المدفوع دينا، لم يرجع إلا على ~~الدافع وحده؛ لأن حقه في ذمة الدافع لم يبرأ منه بتسليمه إلى غير وكيل صاحب ~~الحق، والذي أخذه الوكيل عين مال الدافع في زعم صاحب الحق، والوكيل والدافع ~~يزعمان أنه صار ملكا لصاحب الحق، وأنه ظالم للدافع بالأخذ منه، فيرجع ~~الدافع فيما أخذ منه الوكيل، ويكون قصاصا مما أخذ منه صاحب الحق. # وإن كان قد تلف في يد الوكيل، لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه مقر بأنه أمين لا ~~ضمان عليه، إلا أن يتلف بتعديه وتفريطه، فيرجع عليه. # PageV05P083 ### | [فصل جاء رجل فقال أنا وارث صاحب الحق] # (3765) فصل: فإن جاء رجل، فقال: أنا وارث صاحب الحق. فإن أنكره، لزمته ~~اليمين أنه لا يعلم صحة ما قال؛ لأن اليمين هاهنا على نفي فعل الغير، فكانت ~~على نفي العلم؛ لأنه لو صدقه لزمه الدفع إليه، فلما لزمه الدفع مع الإقرار، ~~لزمته اليمين مع الإنكار. # وإن صدقه في أنه وارث صاحب الحق، ms2429 لا وارث له سواه، لزمه الدفع إليه. بغير ~~خلاف نعلمه؛ لأنه مقر له بالحق، وإنه يبرأ بهذا الدفع، فلزمه، كما لو جاء ~~صاحب الحق. فأما إن جاء رجل، فقال: قد أحالني عليك صاحب الحق. فصدقه، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما: لا يلزمه الدفع إليه؛ لأن الدفع إليه غير مبرئ، ولاحتمال أن ~~يجيء المحيل فينكر الحوالة أو يضمنه، فأشبه المدعي للوكالة. والثاني، يلزمه ~~الدفع إليه؛ لأنه معترف بأن الحق له لا لغيره، فأشبه الوارث. فإن قلنا: ~~يلزمه الدفع مع الإقرار. لزمته اليمين مع الإنكار. وإن قلنا: لا يلزمه ~~الدفع مع الإقرار. لم تلزمه اليمين مع الإنكار؛ لعدم الفائدة فيها. ومثل ~~هذا مذهب الشافعي. ### | [فصل طلب منه حق فامتنع من دفعه حتى يشهد القابض على نفسه بالقبض] # (3766) فصل: ومن طلب منه حق، فامتنع من دفعه حتى يشهد القابض على نفسه ~~بالقبض، نظرت؛ فإن كان الحق عليه بغير بينة، لم يلزمه القاضي بالإشهاد لأنه ~~لا ضرر عليه في ذلك، فإنه متى ادعى الحق على الدافع بعد ذلك، قال: لا يستحق ~~علي شيء. والقول قوله مع يمينه. وإن كان الحق ثبت ببينة، وكان من عليه الحق ~~يقبل قوله في الرد، كالمودع والوكيل بغير جعل، فكذلك؛ لأنه متى ادعي عليه ~~حق، أو قامت به بينة، فالقول قوله في الرد. # وإن كان ممن لا يقبل قوله في الرد، أو يختلف في قبول قوله، كالغاصب ~~والمستعير والمرتهن، لم يلزمه تسليم ما قبله إلا بالإشهاد، لئلا ينكر ~~القابض القبض. ولا يقبل قول الدافع في الرد. وإن قال: لا يستحق علي شيئا. ~~قامت عليه البينة. أو إذا أشهد على نفسه بالقبض، لم يلزمه تسليم الوثيقة ~~بالحق إلى من عليه الحق؛ لأن بينة القبض تسقط البينة الأولى، والكتاب ملكه، ~~فلا يلزمه تسليمه إلى غيره. ### | [مسألة شراء الوكيل من نفسه] # (3767) مسألة؛ قال: (وشراء الوكيل من نفسه غير جائز. وكذلك الوصي) وجملة ~~ذلك أن من وكل في بيع شيء، لم يجز له أن يشتريه من نفسه، في إحدى ~~الروايتين. نقلها. مهنا. وهو مذهب الشافعي ms2430 وأصحاب الرأي. وكذلك الوصي، لا ~~يجوز أن يشتري من مال اليتيم شيئا لنفسه، في إحدى الروايتين. وهو مذهب ~~الشافعي. وحكي عن مالك، والأوزاعي جواز ذلك فيهما. # PageV05P084 # والرواية الثانية عن أحمد: يجوز لهما أن يشتريا بشرطين؛ أحدهما، أن يزيدا ~~على مبلغ ثمنه في النداء. والثاني، أن يتولى النداء غيره. قال القاضي: ~~يحتمل أن يكون اشتراط تولي غيره النداء واجبا، ويحتمل أن يكون مستحبا، ~~والأول أشبه بظاهر كلامه. # وقال أبو الخطاب: الشرط الثاني، أن يولي من يبيع، ويكون هو أحد المشترين. ~~فإن قيل: فكيف يجوز له دفعها إلى غيره ليبيعها، وهذا توكيل وليس للوكيل ~~التوكيل؟ قلنا: يجوز التوكيل فيما لا يتولى مثله بنفسه، والنداء مما لم تجر ~~العادة أن يتولاه أكثر الناس بنفوسهم. وإن وكل إنسانا يشتري له، وباعه هو، ~~جاز على هذه الرواية؛ لأنه امتثل أمر موكله في البيع، وحصل غرضه من الثمن، ~~فجاز، كما لو اشتراها أجنبي. وقال أبو حنيفة: - رضي الله عنه - يجوز للوصي ~~الشراء دون الوكيل؛ لأن الله تعالى قال: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ~~هي أحسن} [الأنعام: 152] . # وإذا اشترى مال اليتيم بأكثر من ثمن مثله، فقد قربه بالتي هي أحسن. ولأنه ~~نائب عن الأب، وذلك جائز للأب، فكذلك لنائبه. ووجه الرواية الأولى، أن ~~العرف في البيع بيع الرجل من غيره، فحملت الوكالة عليه، كما لو صرح به، ~~فقال: بعه غيرك. # ولأنه تلحقه التهمة، ويتنافى الغرضان في بيعه نفسه، فلم يجز، كما لو ~~نهاه. والوصي كالوكيل، لا يلي بيع مال غيره بتوليه، فأشبه الوكيل، بل ~~التهمة في الوصي آكد من الوكيل؛ لأن الوكيل يتهم في ترك الاستقصاء في الثمن ~~لا غير، والوصي يتهم في ذلك، وفي أنه يشتري من مال اليتيم ما لا حظ لليتيم ~~في بيعه، فكان أولى بالمنع، وعند ذلك لا يكون أخذه لماله قربا له بالتي هي ~~أحسن. وقد روي عن ابن مسعود أنه قال في رجل أوصى إلى رجل بتركته، وقد ترك ~~فرسا، فقال الوصي: اشتره؟ قال: لا. . # (3768) فصل: والحكم في الحاكم وأمينه، ms2431 كالحكم في الوكيل، والحكم في بيع ~~أحد هؤلاء لوكيله، أو ولده الصغير، أو الطفل يلي عليه، أو لوكيله، أو عبده ~~المأذون، كالحكم في بيعه لنفسه، كل ذلك يخرج على روايتين، بناء على بيعه ~~لنفسه، أما بيعه لولده الكبير، أو والده، أو مكاتبه، فذكرهم أصحابنا أيضا ~~في جملة ما يخرج على روايتين. ولأصحاب الشافعي فيهم وجهان. # وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه لولده الكبير؛ لأنه امتثل أمر موكله، ووافق ~~العرف في بيع غيره، فصح، كما لو باعه لأخيه، وفارق البيع لوكيله؛ لأن ~~الشراء إنما يقع لنفسه، وكذلك بيع عبده المأذون، وبيع طفل يلي عليه، بيع ~~لنفسه؛ لأنه هو المشتري # PageV05P085 # له، ووجه الجمع بينهم، أنه يتهم في حقهم، ويميل إلى ترك الاستقصاء عليهم ~~في الثمن، كتهمته في حق نفسه، وكذلك لا تقبل شهادته. والحكم فيما أراد أن ~~يشتري لموكله، كالحكم في بيعه لماله لأنهما سواء في المعنى. ### | [فصل وكل رجلا يتزوج له امرأة] # (3769) فصل: وإن وكل رجلا يتزوج له امرأة، فهل له أن يزوجه ابنته؟ ويخرج ~~على ما ذكرنا في الوكيل في البيع، هل يبيع لولده؟ وقال أبو يوسف ومحمد: ~~يجوز. ووجه القولين ما تقدم في التي قبلها. وإن أذنت له وليته في تزويجها، ~~خرج في تزويجها لنفسه أو لولده وجهان، بناء على ما ذكر في البيع. # وكذلك إن وكله رجل في تزويج ابنته، خرج فيه مثل ذلك. ### | [فصل وكله في بيع عبده ووكله آخر في شراء عبد] # (3770) فصل: وإن وكله رجل في بيع عبده ووكله آخر في شراء عبد، فقياس ~~المذهب أنه يجوز له أن يشتريه له من نفسه؛ لأنه أذن له في طرفي العقد، فجاز ~~له أن يليهما إذا كان غير متهم، كالأب يشتري من مال ولده لنفسه. ولو وكله ~~المتداعيان في الدعوى عنهما، فالقياس جوازه؛ لأنه تمكنه الدعوى عن أحدهما، ~~والجواب عن الآخر، وإقامة حجة كل واحد منهما، ولأصحاب الشافعي في المسألة ~~وجهان. ### | [فصل أذن للوكيل أن يشتري من نفسه] # (3771) فصل: وإذا أذن للوكيل أن يشتري من نفسه، جاز له ms2432 ذلك. وقال أصحاب ~~الشافعي، في أحد الوجهين: لا يجوز؛ لأنه يجتمع له في عقده غرضان، الاسترخاص ~~لنفسه، والاستقصاء للموكل، وهما متضادان، فتمانعا. # ولنا، أنه وكل في التصرف لنفسه، فجاز، كما لو وكل المرأة في طلاق نفسها، ~~ولأن علة المنع هي من المشتري لنفسه في محل لاتفاق التهمة، لدلالتها على ~~عدم رضى الموكل بهذا التصرف، وإخراج هذا التصرف عن عموم لفظه وإذنه، وقد ~~صرح هاهنا بالإذن فيها، فلا تبقى دلالة الحال مع نصه بلفظه على خلافه. ~~وقولهم: إنه يتضاد مقصوده في البيع والشراء. قلنا: إن عين الموكل له الثمن، ~~فاشترى به، فقد زال مقصود الاستقصاء، فإنه لا يراد أكثر مما قد حصل، وإن لم ~~يعين له الثمن، تقيد البيع بثمن المثل، كما لو باع الأجنبي. وقد ذكر ~~أصحابنا فيما إذا وكل عبدا يشتري له نفسه من سيده وجها، أنه لا يجوز فيخرج ~~هاهنا مثله. والصحيح ما قلنا، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل وكل عبدا يشتري نفسه من سيده أو يشتري منه عبدا آخر ففعل] # (3772) فصل: إذا وكل عبدا يشتري نفسه من سيده، أو يشتري منه عبدا آخر، ~~ففعل، صح. وبه قال أبو حنيفة # PageV05P086 # وبعض الشافعية. وقال بعضهم: لا يجوز؛ لأن يد العبد كيد سيده، فأشبه ما لو ~~وكله في الشراء من نفسه، ولهذا يحكم للإنسان بما في يد عبده. وذكر أصحابنا ~~وجها كذلك. ولنا أنه يجوز أن يشتري عبدا من غير مولاه، فجاز أن يشتريه من ~~مولاه، كالأجنبي، وإذا جاز أن يشتري غيره، جاز أن يشتري نفسه، كما أن ~~المرأة لما جاز توكيلها في طلاق غيرها، جاز في طلاق نفسها. والوجه الذي ~~ذكره أصحابنا لا يصح؛ لأن أكثر ما يقدر هاهنا جعل توكيل العبد كتوكيل سيده، ~~وقد ذكرنا صحة توكيل السيد في الشراء والبيع من نفسه، فهاهنا أولى. # فعلى هذا، إذا قال العبد: اشتريت نفسي لزيد فصدقه سيده وزيد، صح، ولزم ~~زيدا الثمن. وإن قال السيد: ما اشتريت نفسك إلا لنفسك. عتق العبد بقوله ~~وإقراره على نفسه بما يعتق به، ويلزم ms2433 العبد الثمن في ذمته لسيده؛ لأن زيدا ~~لا يلزمه الثمن لعدم حصول العبد له، وكون سيده لا يدعيه عليه، فلزم العبد، ~~لأن الظاهر ممن باشر العقد أنه له. وإن صدقه السيد وكذبه زيد، نظرت في ~~تكذيبه، فإن كذبه في الوكالة، حلف وبرئ، وللسيد فسخ البيع، واسترجاع عبده؛ ~~لتعذر ثمنه، وإن صدقه في الوكالة وكذبه في أنك ما اشتريت نفسك لي، فالقول ~~قول العبد؛ لأن الوكيل يقبل قوله في التصرف المأذون فيه. ### | [فصل وكل عبده في إعتاق نفسه أو امرأته في طلاق نفسها] # (3773) فصل: وإن وكل عبده في إعتاق نفسه، أو امرأته في طلاق نفسها، صح. ~~وإن وكل العبد في إعتاق عبيده، والمرأة في طلاق نسائه، لم يملك العبد إعتاق ~~نفسه، ولا المرأة طلاق نفسها؛ لأن ذلك ينصرف بإطلاقه إلى التصرف في غيره. # ويحتمل أن لهما ذلك، أخذا من عموم لفظه، كما يجوز للوكيل في البيع، البيع ~~من نفسه، في إحدى الروايتين. وإن وكل غريما له في إبراء نفسه، صح؛ لأنه ~~وكله في إسقاط حق عن نفسه، فأشبه توكيل العبد في إعتاق نفسه. وإن وكله في ~~إبراء غرمائه، لم يكن له أن يبرئ نفسه، كما لو وكله في حبس غرمائه، لم يملك ~~حبس نفسه. ولو وكله في خصومتهم، لم يكن وكيلا في خصومة نفسه. # ويحتمل أن يملك إبراء نفسه؛ لما ذكرنا من قبل. وإن وكل المضمون عنه، في ~~إبراء الضامن فأبرأه، صح. ولا يبرأ المضمون عنه. وإن وكل الضامن في إبراء ~~المضمون عنه، أو الكفيل في إبراء المكفول عنه، فأبرأه، صح، وبرئ الوكيل ~~ببراءته؛ لأنه فرع عليه، فإذا برئ الأصل برئ الفرع ببراءته. ### | [فصل وكله في إخراج صدقة على المساكين وهو مسكين] # (3774) فصل: وإن وكله في إخراج صدقة على المساكين وهو مسكين، أو أوصى ~~إليه بتفريق ثلثه على قوم وهو منهم، أو دفع إليه مالا وأمره بتفريقه على من ~~يريد، أو دفعه إلى من شاء، فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجوز له أن يأخذ منه ~~شيئا، فإن أحمد قال: إذا كان ms2434 في يده مال للمساكين وأبواب البر وهو محتاج، # PageV05P087 # فلا يأكل منه شيئا، إنما أمره بتنفيذه؛ وذلك لأن إطلاق لفظ الموكل ينصرف ~~إلى دفعه إلى غيره. ويحتمل أن يجوز له الأخذ إذا تناوله عموم اللفظ، ~~كالمسائل التي تقدمت، ولأن المعنى الذي حصل به الاستحقاق متحقق فيه، واللفظ ~~متناول له، فجاز له الأخذ كغيره. # ويحتمل الرجوع في ذلك إلى قرائن الأحوال، فما غلب على الظن فيه أنه أراد ~~العموم فيه وفي غيره، فله الأخذ منه، وما غلب أنه لم يرده، فليس له الأخذ، ~~وما تساوى فيه الأمران، احتمل وجهين. وهل له أن يعطيه لولده أو والده أو ~~امرأته؟ فيه وجهان؛ أولهما، جوازه؛ لدخولهم، في عموم لفظه، ووجود المعنى ~~المقتضي لجواز الدفع إليهم. فأما من تلزمه مؤنته غير هؤلاء، فيجوز الدفع ~~إليهم، كما يجوز دفع صدقة التطوع إليهم. ### | [مسألة شراء الرجل لنفسه من مال ولده الطفل] # (3775) مسألة؛ قال: (وشراء الرجل لنفسه من مال ولده الطفل جائز. وكذلك ~~شراؤه له من نفسه) . يعني أن الأب يجوز أن يشتري لنفسه من مال ابنه الذي في ~~حجره. ويبيع ولده من مال نفسه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ومالك ~~والأوزاعي وزادوا الجد، فأباحوا له ذلك. وقال زفر لا يجوز؛ لأن حقوق العقد ~~تتعلق بالعاقد، فلا يجوز أن يتعلق به حكمان متضادان، ولأنه لا يجوز أن يكون ~~موجبا وقابلا في عقد واحد، كما لا يجوز أن يتزوج بنت عمه من نفسه. ولنا، أن ~~هذا يلي بنفسه، فجاز أن يتولى طرفي العقد، كالأب يزوج ابنته عبده الصغير، ~~والسيد يزوج عبده أمته. ولا نسلم ما ذكره من تعلق حقوق العقد بالعاقد ~~لغيره. # فأما الجد فلا ولاية له على ابن ابنه، على ما سنذكره في موضعه، فينزل ~~منزلة الأجنبي. ولأن التهمة بين الأب وولده منتفية، إذ من طبعه الشفقة ~~عليه، والميل له، وترك حظ نفسه لحظه، فلذلك جاز. وفارق الجد والوصي والحاكم ~~وأمينه؛ فإن التهمة غير منتفية في حقهم. # وأما تولي طرفي العقد، فيجوز، بدليل الأصل الذي ذكرناه. ولا نسلم ما ms2435 ذكره ~~فيما إذا أراد أن يتزوج ابنة عمه، بل يجوز بدليل أن عبد الرحمن بن عوف قال ~~لابنة قارظ: أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم. قال: قد تزوجتك. ولئن سلمنا فإن ~~التهمة غير منتفية ثم. ### | [مسألة فعل الوكيل بعد فسخ الموكل أو موته] # (3776) مسألة؛ قال: (وما فعل الوكيل بعد فسخ الموكل أو موته فباطل) . ~~وجملته أن الوكالة عقد جائز من الطرفين، فللموكل عزل وكيله متى شاء، ~~وللوكيل عزل نفسه؛ لأنه إذن في التصرف، فكان لكل واحد منهما إبطاله، كما لو ~~أذن في أكل طعامه. وتبطل أيضا بموت # PageV05P088 # أحدهما، أيهما كان، وجنونه المطبق. ولا خلاف في هذا كله فيما نعلم. # فمتى تصرف الوكيل بعد فسخ الموكل، أو موته، فهو باطل إذا علم ذلك. فإن لم ~~يعلم الوكيل بالعزل، ولا موت الموكل، فعن أحمد فيه روايتان. وللشافعي فيه ~~قولان. وظاهر كلام الخرقي هذا أنه ينعزل، علم أو لم يعلم. ومتى تصرف، فبان ~~أن تصرفه بعد عزله أو موت موكله، فتصرفه باطل؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى ~~رضى صاحبه، فلا يفتقر إلى علمه، كالطلاق والعتاق. والرواية الثانية عن ~~أحمد، لا ينعزل قبل علمه بموت الموكل وعزله. # نص عليه في رواية جعفر بن محمد، لأنه لو انعزل قبل علمه، كان فيه ضرر؛ ~~لأنه قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة، وربما باع الجارية فيطؤها المشتري، أو ~~الطعام فيأكله، أو غير ذلك، فيتصرف فيه المشتري، ويجب ضمانه، ويتضرر ~~المشتري والوكيل. ولأنه يتصرف بأمر الموكل، ولا يثبت حكم الرجوع في حق ~~المأمور قبل علمه، كالفسخ. فعلى هذه الرواية، متى تصرف قبل العلم، نفذ ~~تصرفه. # وعن أبي حنيفة أنه إن عزله الموكل، فلا ينعزل قبل علمه؛ لما ذكرنا. وإن ~~عزل الوكيل نفسه، لم ينعزل إلا بحضرة الموكل؛ لأنه متصرف بأمر الموكل، فلا ~~يصح رد أمره بغير حضرته، كالمودع في رد الوديعة. ولنا، ما تقدم. فأما الفسخ ~~ففيه وجهان، كالروايتين. ثم هما مفترقان؛ فإن أمر الشارع يتضمن المعصية ~~بتركه، ولا يكون عاصيا من غير علمه، وهذا يتضمن العزل عنه إبطال ms2436 التصرف، ~~فلا يمنع منه عدم العلم. ### | [فصل خروج الموكل والوكيل عن كونهما من أهل التصرف] # (3777) فصل: ومتى خرج أحدهما عن كونه من أهل التصرف، مثل أن يجن، أو يحجر ~~عليه لسفه، فحكمه حكم الموت؛ لأنه لا يملك التصرف، فلا يملكه غيره من جهته. ~~قال أحمد في الشركة: إذا وسوس أحدهما فهو مثل العزل. وإن حجر على الوكيل ~~لفلس، فالوكالة بحالها؛ لأنه لم يخرج عن كونه أهلا للتصرف. وإن حجر على ~~الموكل، وكانت الوكالة في أعيان ماله، بطلت؛ لانقطاع تصرفه في أعيان ماله. ~~وإن كانت في الخصومة، أو الشراء في الذمة، أو الطلاق، أو الخلع، أو القصاص، ~~فالوكالة بحالها؛ لأن الموكل أهل لذلك، وله أن يستنيب فيه ابتداء، فلا ~~تنقطع الاستدامة. # وإن فسق الوكيل لم ينعزل؛ لأنه من أهل التصرف، إلا أن تكون الوكالة فيما ~~ينافيه الفسق، كالإيجاب في عقد النكاح، فإنه ينعزل بفسقه أو فسق موكله ~~بخروجه عن أهلية التصرف. وإن كان وكيلا في القبول للموكل، لم ينعزل بفسق ~~موكله؛ لأنه لا ينافي جواز قبوله. وهل ينعزل بفسق نفسه؟ فيه وجهان. # PageV05P089 # وإن كان وكيلا فيما تشترط فيه الأمانة، كوكيل ولي اليتيم، وولي الوقف على ~~المساكين، ونحو هذا، انعزل بفسقه وفسق موكله بخروجهما بذلك عن أهلية ~~التصرف. # وإن كان وكيلا لوكيل من يتصرف في مال نفسه، انعزل بفسقه؛ لأن الوكيل ليس ~~له توكيل فاسق، ولا ينعزل بفسق موكله؛ لأن موكله وكيل لرب المال، ولا ~~ينافيه الفسق، ولا تبطل الوكالة بالنوم والسكر والإغماء؛ لأن ذلك لا يخرجه ~~عن أهلية التصرف، ولا تثبت عليه ولاية، إلا أن يحصل الفسق بالسكر، فيكون ~~فيه من التفصيل ما أسلفناه. ### | [فصل التعدي فيما وكل فيه] # (3778) فصل: ولا تبطل الوكالة بالتعدي فيما وكل فيه، مثل أن يلبس الثوب، ~~ويركب الدابة. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. والوجه الثاني، تبطل ~~الوكالة؛ لأنها عقد أمانة، فتبطل بالتعدي كالوديعة. ولنا، أنه إذا تصرف فقد ~~تصرف بإذن موكله، فصح، كما لو لم يتعد. ويفارق الوديعة من جهة أنها أمانة ~~مجردة، فنافاها التعدي والخيانة، ms2437 والوكالة إذن في التصرف تضمنت الأمانة، ~~فإذا انتفت الأمانة بالتعدي، بقي الإذن بحاله. # فعلى هذا لو وكله في بيع ثوب فلبسه. صار ضامنا. فإذا باعه، صح بيعه، وبرئ ~~من ضمانه؛ لدخوله في ملك المشتري وضمانه. فإذا قبض الثمن، كان أمانة في يده ~~غير مضمون عليه؛ لأنه قبضه بإذن الموكل، ولم يتعد فيه. ولو دفع إليه مالا، ~~ووكله في شراء شيء، فتعدى في الثمن، صار ضامنا له، فإذا اشترى به وسلمه، ~~زال الضمان، وقبضه للمبيع قبض أمانة وإن وجد بالمبيع عيب، فرد عليه، أو وجد ~~هو بما اشترى عيبا، فرده وقبض الثمن، كان مضمونا عليه؛ لأن العقد المزيل ~~للضمان زال، فعاد ما زال عنه. ### | [فصل وكل امرأته في بيع أو شراء أو غيره ثم طلقها] # (3779) فصل: وإن وكل امرأته في بيع أو شراء أو غيره، ثم طلقها، لم تنفسخ ~~الوكالة؛ لأن زوال النكاح لا يمنع ابتداء الوكالة، فلا يقطع استدامتها. وإن ~~وكل عبده، ثم أعتقه، أو باعه، لم ينعزل؛ لذلك. # ويحتمل أن ينعزل، لأن توكيل عبده ليس بتوكيل في الحقيقة، إنما هو استخدام ~~بحق الملك، فيبطل بزوال الملك. وإذا باعه فقد صار إلى ملك من لم يأذن في ~~توكيله، وثبوت ملك غيره فيه يمنع ابتداء توكيله بغير إذنه، فيقطع استدامته. ~~وهكذا الوجهان فيما إذا وكل عبد غيره ثم باعه. والصحيح أن الوكالة لا تبطل؛ ~~لأن سيد العبد أذن له في بيع ماله، والعتق لا يبطل؛ الإذن. وهكذا إن باعه، ~~إلا أن المشتري إن رضي ببقائه على الوكالة، بقي، وإن لم يرض بذلك، بطلت ~~الوكالة # وإن وكل عبد غيره، فأعتقه، لم تبطل الوكالة، وجها واحدا؛ لأن هذا توكيل ~~حقيقة، والعتق # PageV05P090 # غير مناف له. وإن اشتراه الموكل منه لم تبطل الوكالة؛ لأن ملكه له لا ~~ينافي إذنه له في البيع أو الشراء. ### | [فصل وكل مسلم كافرا فيما يصح تصرفه فيه] # (3780) فصل: وإن وكل مسلم كافرا فيما يصح تصرفه فيه، صح توكيله، سواء كان ~~ذميا، أو مستأمنا، أو حربيا، أو مرتدا؛ لأن العدالة غير ms2438 مشترطة فيه، وكذلك ~~الدين، كالبيع. وإن وكل مسلما فارتد، لم تبطل الوكالة، سواء لحق بدار ~~الحرب، أو أقام. وقال أبو حنيفة إن لحق بدار الحرب بطلت وكالته؛ لأنه صار ~~منهم. # ولنا، أنه يصح تصرفه لنفسه، فلم تبطل وكالته، كما لو لم يلحق بدار الحرب، ~~ولأن الردة لا تمنع ابتداء وكالته فلم تمنع استدامتها، كسائر الكفر. وإن ~~ارتد الموكل، لم تبطل الوكالة فيما له التصرف فيه، فأما الوكيل في ماله، ~~فينبني على تصرفه نفسه، فإن قلنا: يصح تصرفه. لم يبطل توكيله، وإن قلنا: هو ~~موقوف. فوكالته موقوفة، وإن قلنا: يبطل تصرفه. بطل توكيله. وإن وكل في حال ~~ردته، ففيه الوجوه الثلاثة أيضا. ### | [فصل وكل رجلا في نقل امرأته فقامت بينة بطلاق الزوجة] # (3781) فصل: ولو وكل رجلا في نقل امرأته، أو بيع عبده، أو قبض داره من ~~فلان، فقامت البينة بطلاق الزوجة، وعتق العبد، وانتقال الدار عن الموكل، ~~بطلت الوكالة؛ لأنه زال تصرف الموكل، فزالت وكالته. ### | [فصل تلف العين التي وكل في التصرف فيها] # (3782) فصل: وإن تلفت العين التي وكل في التصرف فيها، بطلت، الوكالة؛ لأن ~~محلها ذهب، فذهبت الوكالة، كما لو وكله في بيع عبد فمات. ولو دفع إليه ~~دينارا، ووكله في الشراء به، فهلك الدينار، أو ضاع، أو استقرضه الوكيل ~~وتصرف فيه، بطلت الوكالة، سواء وكله في الشراء بعينه أو مطلقا؛ لأنه إن ~~وكله في الشراء بعينه، فقد استحال الشراء بعينه بعد تلفه، فبطلت الوكالة، ~~وإن وكله في الشراء مطلقا، ونقد الدينار، بطلت، أيضا؛ لأنه إنما وكله في ~~الشراء به، ومعناه أن ينقده ثمن ذلك البيع، إما قبل الشراء أو بعده، وقد ~~تعذر ذلك بتلفه، ولأنه لو صح شراؤه، للزم الموكل ثمن لم يلزمه، ولا رضي ~~بلزومه # وإذا استقرضه الوكيل، ثم عزل دينارا عوضه، واشترى به، فهو كالشراء له من ~~غير إذن؛ لأن الوكالة بطلت، والدينار الذي عزله عوضا لا يصير للموكل حتى ~~يقبضه، فإذا اشترى للموكل به شيئا وقف على إجازة الموكل، فإن أجازه صح ولزم ~~الثمن، وإلا لزم ms2439 الوكيل. وعنه يلزم الوكيل. بكل حال. # وقال القاضي: متى اشترى بعين ماله لغيره شيئا، فالشراء باطل؛ لأنه لا يصح ~~أن يشتري بعين ماله ما يملكه غيره. وقال أصحاب الشافعي: متى اشترى لغيره ~~بمال نفسه شيئا، صح الشراء للوكيل، سواء اشتراه بعين # PageV05P091 # المال أو في الذمة؛ لأنه اشترى له ما لم يؤذن له في شرائه، أشبه ما لو ~~اشتراه في الذمة. # (3783) فصل: نقل الأثرم عن أحمد، في رجل كان له على آخر دراهم، فقال له: ~~إذا أمكنك قضاؤها فادفعها إلى فلان. وغاب صاحب الحق، ولم يوص إلى هذا الذي ~~أذن له في القبض، لكن جعله وكيلا، وتمكن من عليه الدين من القضاء، فخاف إن ~~دفعها إلى الوكيل أن يكون الموكل قد مات، ويخاف التبعة من الورثة. فقال: لا ~~يعجبني أن يدفع إليه لعله قد مات، لكن يجمع بين الوكيل والورثة، ويبرأ ~~إليهما من ذلك. # هذا ذكره أحمد على طريق النظر للغريم، خوفا من التبعة من الورثة إن كان ~~مورثهم قد مات، فانعزل وكيله وصار الحق لهم، فيرجعون على الدافع إلى ~~الوكيل. فأما من طريق الحكم، فللوكيل المطالبة، وللآخر الدفع إليه، فإن ~~أحمد قد نص في رواية حرب: إذا وكله في الحد وغاب، استوفاه الوكيل. وهو أبلغ ~~من هذا؛ لكونه يدرأ بالشبهات، لكن هذا احتياط حسن، وتبرئة للغريم ظاهرا ~~وباطنا، وإزالة للتبعة عنه. # وفي هذه الرواية دليل على أن الوكيل انعزل بموت الموكل، وإن لم يعلم ~~بموته؛ لأنه اختار أن لا يدفع إلى الوكيل خوفا من أن يكون الموكل قد مات، ~~فانتقل إلى الورثة. ويجوز أن يكون اختار هذا لئلا يكون القاضي ممن يرى أن ~~الوكيل ينعزل بالموت، فيحكم عليه بالعزل به. وفيها دليل على جواز تراخي ~~القبول عن الإيجاب؛ لأنه وكله في قبض الحق ولم يعلمه، ولم يكن حاضرا فيقبل. # وفيها دليل على صحة التوكيل بغير لفظ التوكيل. وقد نقل جعفر بن محمد، في ~~رجل قال لرجل: بع ثوبي. ليس شيء حتى يقول: قد وكلتك. وهذا سهو من الناقل. ~~وقد تقدم ms2440 ذكر الدليل على جواز التوكيل بغير لفظ التوكيل، وهو الذي نقله ~~الجماعة. ### | [مسألة وكله في طلاق زوجته] # (3784) مسألة؛ قال: (وإذا وكله في طلاق زوجته، فهو في يده حتى يفسخ أو ~~يطأ) وجملة ذلك أن الوكالة إذا وقعت مطلقة غير مؤقتة، ملك التصرف أبدا، ما ~~لم تنفسخ الوكالة، وفسخ الوكالة أن يقول: فسخت الوكالة، أو أبطلتها، أو ~~نقضتها، أو عزلتك، أو صرفتك عنها، وأزلتك عنها. أو ينهاه عن فعل ما أمره به ~~أو وكله فيه، وما أشبه هذا من الألفاظ المقتضية عزله أو المؤدية معناه، أو ~~يعزل الوكيل نفسه، أو يوجد ما يقتضي فسخها حكما، على ما قد ذكرنا، أو يزول ~~ملكه عما قد وكله في التصرف فيه، أو يوجد ما يدل على الرجوع عن الوكالة. # PageV05P092 # فإذا وكله في طلاق امرأته، ثم وطئها، انفسخت الوكالة؛ لأن ذلك يدل على ~~رغبته فيها، واختياره إمساكها. وكذلك إن وطئها بعد طلاقها طلاقا رجعيا، كان ~~ارتجاعا لها، فإذا اقتضى رجعتها بعد طلاقها، فلأن يقتضي استبقاءها على ~~نكاحها ومنع طلاقها أولى. وإن باشرها دون الفرج، أو قبلها، أو فعل بها ما ~~يحرم على غير الزوج، فهل تنفسخ الوكالة في الطلاق؟ يحتمل وجهين، بناء على ~~الخلاف في حصول الرجعة به. وإن وكله في بيع عبد، ثم أعتقه، أو باعه بيعا ~~صحيحا، أو كاتبه، أو دبره، انفسخت الوكالة؛ لأنه بزوال ملكه لا يبقى له إذن ~~في التصرف فيما لا يملكه، وفي الكتابة والتدبير على إحدى الروايتين لم يبق ~~محلا للبيع، وعلى الرواية الأخرى، تصرفه فيه بذلك يدل على أنه قصد الرجوع ~~عن بيعه. وإن باعه بيعا فاسدا لم تبطل الوكالة؛ لأن ملكه في العبد لم يزل. ~~ذكره ابن المنذر. ### | [مسألة وكل في شراء شيء فاشترى غيره] # (3785) مسألة؛ قال: (ومن وكل في شراء شيء فاشترى غيره، كان الآمر مخيرا ~~في قبول الشراء، فإن لم يقبل، لزم الوكيل، إلا أن يكون اشتراه بعين المال، ~~فيبطل الشراء) وجملته أن الوكيل في الشراء إذا خالف موكله، فاشترى غير ما ~~وكل في شرائه، ms2441 مثل أن يوكله في شراء عبد فيشتري جارية، لم يخل من أن يكون ~~اشتراه في ذمته أو بعين المال، فإن كان اشتراه في ذمته، ثم نقد ثمنه، ~~فالشراء صحيح؛ لأنه إنما اشترى بثمن في ذمته، وليس ذلك ملكا لغيره. # وقال أصحاب الشافعي: لا يصح، في أحد الوجهين؛ لأنه عقده على أنه للموكل، ~~ولم يأذن فيه، فلم يصح، كما لو اشترى بعين ماله. ولنا، أنه لم يتصرف في ملك ~~غيره، فصح كما لو لم ينوه لغيره. إذا ثبت هذا، فعن أحمد روايتان؛ إحداهما، ~~الشراء لازم للمشتري. وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي؛ لأنه اشترى في ذمته ~~بغير إذن غيره، فكان الشراء له، كما لو لم ينو غيره. # والرواية الثانية، يقف على إجازة الموكل، فإن أجازه لزمه؛ لأنه اشترى له ~~وقد أجازه، فلزمه، كما لو اشترى بإذنه، وإن لم يجزه لزم الوكيل؛ لأنه لا ~~يجوز أن يلزم الموكل، لأنه لم يأذن في شرائه، ولزم الوكيل؛ لأن الشراء صدر ~~منه، ولم يثبت لغيره، فيثبت في حقه، كما لو اشتراه لنفسه وهكذا الحكم في كل ~~من اشترى شيئا في ذمته لغيره بغير إذنه، سواء كان وكيلا للذي قصد الشراء ~~له، أو لم يكن وكيلا له. # PageV05P093 # فأما إن اشترى بعين المال، مثل أن يقول: بعني الجارية بهذه الدنانير. أو ~~باع مال غيره بغير إذنه، فالصحيح في المذهب أن البيع باطل. وهو مذهب ~~الشافعي. وفيه رواية أخرى أنه صحيح، ويقف على إجازة المالك، فإن لم يجزه ~~بطل، وإن أجازه صح؛ لحديث عروة بن الجعد، «أنه باع ما لم يؤذن له في بيعه، ~~فأقره عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعا له» ولأنه تصرف له بخير، ~~فصح، ووقف على الإجازة، كالوصية بالزائد على الثلث. # ووجه الرواية الأولى، أنه عقد على مال من لم يأذن له في العقد، فلم يصح، ~~كما لو باع مال الصبي المراهق، ثم بلغ، فأجازه، ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» . يعني ما لم تملك. وأما ms2442 ~~حديث عروة فإنه يحتمل أنه كان وكيلا مطلقا، بدليل أنه باع وسلم المبيع وأخذ ~~ثمنه، وليس ذلك جائزا لمن لم يؤذن له فيه اتفاقا. ومتى حكمنا ببطلان البيع، ~~فاعترف له العاقد معه ببطلان البيع، أو ثبت ذلك ببينة، فعليه رد ما أخذه، ~~وإن لم يعترف بذلك، ولا قامت به بينة، حلف العاقد، ولم يلزمه رد شيء؛ لأن ~~الأصل أن تصرف الإنسان لنفسه، فلا يصدق على غيره فيما يبطل عقده. # وإن ادعى البائع أنه باع مال غيره بغير إذنه، فالقول قول المشتري؛ لما ~~ذكرناه. ولو قال المشتري: إنك بعت مال غيرك بغير إذنه، فأنكر البائع ذلك. ~~وقال: بل بعت ملكي. أو قال: بعت مال موكلي بإذنه. فالقول قوله أيضا. وإن ~~اتفق البائع والمشتري على ما يبطل البيع، وقال الموكل: بل البيع صحيح ~~فالقول قوله مع يمينه، ولا يلزمه رد ما أخذه من العوض. ### | [فصل وكله في أن يتزوج له امرأة فتزوج له غيرها] # (3786) فصل: وإن وكله في أن يتزوج له امرأة، فتزوج له غيرها، أو تزوج له ~~بغير إذنه، فالعقد فاسد بكل حال، في إحدى الروايتين. وهو مذهب الشافعي؛ لأن ~~من شرط صحة النكاح ذكر الزوج، فإذا كان بغير إذنه، لم يقع له ولا للوكيل؛ ~~لأن المقصود أعيان الزوجين، بخلاف البيع، فإنه يجوز أن يشتري له من غير ~~تسمية المشترى له، فافترقا. والرواية الثانية، يصح النكاح، ويقف على إجازة ~~المتزوج له، فإن أجازه صح، وإلا بطل. وهذا مذهب أبي حنيفة. والقول فيه ~~كالقول في البيع، على ما تقدم. ### | [فصل قال لرجل اشتر لي بديني عليك طعاما] # (3787) فصل: قال القاضي: إذا قال لرجل: اشتر لي بديني عليك طعاما. لم ~~يصح. ولو قال: تسلف لي ألفا من مالك في كر طعام. ففعل، لم يصح؛ لأنه لا ~~يجوز أن يشتري الإنسان بماله ما يملكه غيره. # PageV05P094 # وإن قال: اشتر لي في ذمتك. أو قال: تسلف لي ألفا في كر طعام، واقض الثمن ~~عني من مالك، أو من الدين الذي لي عليك. صح؛ لأنه إذا اشترى ms2443 في الذمة حصل ~~الشراء للموكل والثمن عليه، فإذا قضاه من الدين الذي عليه، فقد دفع الدين ~~إلى من أمره صاحب الدين بدفعه إليه، وإن قضاه من ماله عن دين السلف الذي ~~عليه، صار قرضا عليه. ### | [فصل لا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه إذن موكله من جهة النطق أو من جهة العرف] # (3788) فصل: ولا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه إذن موكله، من جهة ~~النطق، أو من جهة العرف؛ لأن تصرفه بالإذن، فاختص بما أذن فيه، والإذن يعرف ~~بالنطق تارة وبالعرف أخرى. ولو وكل رجلا في التصرف في زمن مقيد، لم يملك ~~التصرف قبله ولا بعده؛ لأنه لم يتناوله إذنه مطلقا ولا عرفا؛ لأنه قد يؤثر ~~التصرف في زمن الحاجة إليه دون غيره، ولهذا لما عين الله تعالى لعبادته ~~وقتا، لم يجز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه. # فلو قال له: بع ثوبي غدا. لم يجز بيعه اليوم ولا بعد غد. وإن عين له ~~المكان، وكان يتعلق به غرض، مثل أن يأمره ببيع ثوبه في سوق، وكان ذلك السوق ~~معروفا بجودة، النقد، أو كثرة الثمن، أو حله، أو بصلاح أهله، أو بمودة بين ~~الموكل وبينهم، تقيد الإذن به؛ لأنه قد نص على أمر له فيه غرض، فلم يجز ~~تفويته. وإن كان هو وغيره سواء في الغرض، لم يتقيد الإذن به، وجاز له البيع ~~في غيره؛ لمساواته المنصوص عليه في الغرض، فكان تنصيصه على أحدهما إذنا في ~~الآخر، كما لو استأجر أو استعار أرضا لزراعة شيء، كان إذنا في زراعة مثله ~~فما دونه، ولو اشترى عقارا كان له أن يسكنه مثله، ولو نذر صلاة أو اعتكافا ~~في مسجد، جاز الاعتكاف والصلاة في غيره # وسواء قدر له الثمن أو لم يقدره. وإن عين له المشتري، فقال: بعه فلانا. ~~لم يملك بيعه لغيره، بغير خلاف علمناه، سواء قدر له الثمن أو لم يقدره؛ ~~لأنه قد يكون له غرض في تمليكه إياه دون غيره، إلا أن يعلم الوكيل بقرينة ~~أو صريح أنه لا ms2444 غرض له في عين المشتري. ### | [فصل وكله في عقد فاسد] # (3789) فصل: وإن وكله في عقد فاسد، لم يملكه؛ لأن الله تعالى لم يأذن ~~فيه، ولأن الموكل لا يملكه، فالوكيل أولى. ولا يملك الصحيح؛ لأن الموكل لم ~~يأذن فيه. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يملك الصحيح؛ لأنه إذا أذن في ~~الفاسد، فالصحيح أولى. ولنا، أنه أذن له في محرم، فلم يملك الحلال بهذا ~~الإذن، كما لو أذن في شراء خمر وخنزير، لم يملك شراء الخيل والغنم. # PageV05P095 ### | [فصل وكله في بيع عبد أو حيوان أو عقار أو شرائه] # (3790) فصل: وإن وكله في بيع عبد أو حيوان أو عقار ونحوه، أو شرائه، لم ~~يملك العقد على بعضه؛ لأن التوكيل تناول جميعه، وفي التبعيض إضرار بالموكل ~~وتشقيص لملكه، ولم يأذن فيه. وإن وكله في بيع عبيد أو شرائهم، ملك العقد ~~عليهم جملة واحدة واحدا واحدا، لأن الإذن يتناول العقد عليهم جملة، والعرف ~~في بيعهم وشرائهم العقد على واحد واحد، ولا ضرر في جمعهم ولا إفرادهم. وإن ~~قال: اشتر لي عبيدا صفقة واحدة، أو واحدا واحدا، أو بعهم. لم تجز مخالفته؛ ~~لأن تنصيصه على ذلك يدل على غرضه فيه، فلم يتناول إذنه سواه. # وإن قال: اشتر لي عبدين صفقة. فاشترى عبدين لاثنين مشتركين بينهما، من ~~وكيلهما، أو من أحدهما بإذن الآخر، جاز. وإن كان لكل واحد منهما عبد مفرد، ~~فاشتراهما من المالكين، بأن أوجبا له البيع فيهما، وقبل ذلك منهما بلفظ ~~واحد، فقال القاضي: لا يلزم الموكل. وهو مذهب الشافعي لأن عقد الواحد مع ~~الاثنين عقدان. # ويحتمل أن يلزمه؛ لأن القبول هو الشراء، وهو متحد، والغرض لا يختلف. وإن ~~اشتراهما من وكيلهما، وعين ثمن كل واحد منهما، مثل أن يقول: بعتك هذين ~~العبدين، هذا بمائة وهذا بمائتين. فقال: قبلت. احتمل أيضا وجهين. وإن لم ~~يعين ثمن كل واحد منهما، لم يصح البيع في أحد الوجهين؛ لأن ثمن كل واحد ~~منهما مجهول. ويحتمل أن يصح ويقسط الثمن على قدر قيمتهما. ### | [فصل دفع إليه دراهم وقال ms2445 اشتر لي بهذه عبدا] # (3791) فصل: فإن دفع إليه دراهم، وقال اشتر لي بهذه عبدا. كان له أن ~~يشتريه بعينها، وفي الذمة؛ لأن الشراء يقع على هذين الوجهين، فإذا أطلق ~~الوكالة، كان له فعل ما شاء منهما. وإن قال: اشتر بعينها. فاشتراه في ذمته، ~~ثم نقدها، لم يلزم الموكل؛ لأنه إذا تعين الثمن، انفسخ العقد بتلفه، أو ~~كونه مغصوبا، ولم يلزمه ثمن في ذمته، وهذا غرض للموكل، فلم تجز مخالفته، ~~ويقع الشراء للوكيل. # وهل يقف على إجازة الموكل؟ على روايتين. وإن قال: اشتر لي في ذمتك، وانقد ~~هذه الدراهم ثمنا. فاشتراه بعينها، فقال أصحابنا: يلزم الموكل؛ لأنه أذن له ~~في عقد يلزمه به الثمن مع بقاء الدراهم وتلفها، فكان إذنا في عبد لا يلزمه ~~الثمن إلا مع # PageV05P096 # بقائها. ويحتمل أن لا يصح؛ لأنه قد يكون له غرض في الشراء بغير عينها، ~~لكونها فيها شبهة لا يحب أن يشتري بها، أو يحب وقوع العقد على وجه لا ينفسخ ~~بتلفها، ولا يبطل بتحريمها، وهذا غرض صحيح، فلا يجوز تفويته عليه، كما لم ~~يجز تفويت غرضه في الصورة الأولى. ومذهب الشافعي في هذا كله كنحو ما ~~ذكرناه. ### | [فصل عين الموكل للوكيل الشراء بنقد أو حالا] # (3792) فصل: وإن عين له الشراء بنقد أو حالا، لم تجز مخالفته. وإن أذن له ~~في النسيئة والبيع بأي نقد شاء، جاز. وإن أطلق، لم يبع إلا حالا بنقد ~~البلد؛ لأن الأصل في البيع الحلول، وإطلاق النقد ينصرف إلى نقد البلد، ~~ولهذا لو باع عبده بعشرة دراهم وأطلق، حمل على الحلول بنقد البلد. وإن كان ~~في البلد نقدان، باع بأغلبهما، فإن تساويا، باع بما شاء منهما. وبهذا قال ~~الشافعي وقال أبو حنيفة وصاحباه: له البيع نساء؛ لأنه معتاد فأشبه الحال. ~~ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على الرواية في المضارب، وقد ذكرناها. والأول؛ ~~أولى لأنه لو أطلق البيع حمل على الحلول، فكذلك إذا أطلق الوكالة فيه، ولا ~~نسلم تساوي العادة فيهما، فإن بيع الحال أكثر، ويفارق المضاربة لوجهين؛ ~~أحدهما، أن المقصود ms2446 من المضاربة الربح، لا دفع الحاجة بالثمن في الحال، وقد ~~يكون المقصود في الوكالة دفع حاجة ناجزة تفوت بتأخير الثمن. والثاني، أن ~~استيفاء الثمن في المضاربة على المضارب، فيعود ضرر التأخير في التقاضي ~~عليه، وها هنا بخلافه، فلا يرضى به الموكل، ولأن الضرر في توى الثمن على ~~المضارب، لأنه يحسب من الربح، لكون الربح وقاية لرأس المال، وها هنا يعود ~~على الموكل، فانقطع الإلحاق. ### | [فصل وكله في بيع سلعة نسيئة فباعها نقدا بدون ثمنها نسيئة أو بدون ما عينه له] # (3793) فصل: إذا وكله في بيع سلعة نسيئة، فباعها نقدا بدون ثمنها نسيئة، ~~أو بدون ما عينه له، لم ينفذ بيعه؛ لأنه مخالف لموكله، لأنه رضي بثمن ~~النسيئة دون النقد. وإن باعها نقدا بما تساوي نسيئة، أو عين له ثمنها ~~فباعها به نقدا، فقال القاضي: يصح؛ لأنه زاده خيرا فكان مأذونا فيه عرفا، ~~فأشبه ما لو وكله في بيعها بعشرة فباعها بأكثر منها. # ويحتمل أن ينظر فيه، فإن لم يكن له غرض في النسيئة صح، وإن كان فيها غرض، ~~نحو أن يكون الثمن مما يستضر بحفظه في الحال، أو يخاف عليه من التلف أو ~~المتغلبين، أو يتغير عن حاله إلى وقت الحلول، فهو كمن لم يؤذن له؛ لأن حكم ~~الحلول لا يتناول المسكوت عنه إلا إذا علم أنه في المصلحة، كالمنطوق أو ~~أكثر، فيكون الحكم فيه ثابتا بطريق التنبيه أو المماثلة، ومتى # PageV05P097 # كان في المنطوق به غرض مختص به لم يجز تفويته، ولا ثبوت الحكم في غيره. ~~وقد ذكر القاضي نحو هذا في موضع آخر. ### | [فصل وكله في الشراء بثمن نقدا فاشتراه نسيئة بأكثر من ثمن النقد] # (3794) فصل: وإن وكله في الشراء بثمن نقدا، فاشتراه نسيئة بأكثر من ثمن ~~النقد، لم يقع للموكل. وإن اشتراه نسيئة بثمنه نقدا، أو بما عينه له، فهي ~~كالتي قبلها. ويصح للموكل في قول القاضي. وعلى ما ذكرنا ينظر في ذلك؛ فإن ~~كان فيه ضرر، نحو أن يستضر ببقاء الثمن معه ونحو ذلك، لم يجز، كقولنا ms2447 في ~~التي قبلها. ولأصحاب الشافعي في صحة الشراء وجهان. ### | [فصل لا يبيع الوكيل بدون ثمن المثل ولا يشتري بأكثر من ثمن المثل] # (3795) فصل: وليس له أن يبيع بدون ثمن المثل، أو دون ما قدره له، ولا ~~يشتري بأكثر من ثمن المثل أو أكثر مما قدر له. وبهذا قال الشافعي، وأبو ~~يوسف، ومحمد وقال أبو حنيفة: إذا أطلق الوكالة في البيع، فله البيع بأي ثمن ~~كان؛ لأن لفظه في الإذن مطلق، فيجب حمله على إطلاقه. ولنا، أنه توكيل مطلق ~~في عقد معاوضة، فاقتضى ثمن المثل، كالشراء، فإنه وافق عليه، وما ذكره ينتقض ~~بالشراء. # فإن باع بأقل من ثمن المثل، أو اشترى بأكثر منه مما لا يتغابن الناس ~~بمثله، أو باع بدون ما قدره له، أو اشترى بأكثر منه، فحكمه حكم من لم يؤذن ~~له في البيع والشراء. وهذا قول الشافعي وعن أحمد أن البيع جائز دون الشراء، ~~ويضمن الوكيل النقص؛ لأن من صح بيعه بثمن المثل، صح بدونه كالمريض. فعلى ~~هذه الرواية يكون البيع صحيحا، وعلى الوكيل ضمان النقص، وفي قدره وجهان؛ ~~أحدهما، ما بين ثمن المثل وما باعه به. # والثاني، ما بين ما يتغابن الناس به، وما لا يتغابن الناس به، لأن ما ~~يتغابن الناس به يصح بيعه به ولا ضمان عليه. والأول أقيس؛ لأنه لم يؤذن ~~للوكيل في هذا البيع، فأشبه بيع الأجنبي. ولو أذن له في البيع لم يكن عليه ~~ضمان، فأشبه الشراء. وكل تصرف كان الوكيل مخالفا فيه لموكله، فحكمه فيه حكم ~~تصرف الأجنبي، على ما يذكر في موضعه إن شاء الله. وأما ما يتغابن الناس به ~~عادة، فمعفو عنه إذا لم يكن الموكل قدر له الثمن؛ لأن ما يتغابن الناس به ~~يعد ثمن المثل، ولا يمكن التحرز عنه. ولو حضر من يزيد على ثمن المثل، لم ~~يجز أن يبيع بثمن المثل؛ لأن عليه الاحتياط وطلب الحظ لموكله. # وإن باع بثمن المثل، فحضر من يزيد في مدة الخيار، لم يلزمه فسخ العقد، # PageV05P098 # في الصحيح؛ لأن الزيادة ممنوع ms2448 منها، منهي عنها، فلا يلزم الرجوع إليها، ~~ولأن المزايد قد لا يثبت على الزيادة، فلا يلزم الفسخ بالشك. ويحتمل أن ~~يلزمه ذلك؛ لأنها زيادة في الثمن أمكن تحصيلها، فأشبه ما لو أجاز به قبل ~~البيع، والنهي يتوجه إلى الذي زاد لا إلى الوكيل، فأشبه من جاءته الزيادة ~~قبل البيع وبعد الاتفاق عليه. ### | [فصل وكل في بيع عبد بمائة فباعه بأكثر منها] # (3796) فصل: ومن وكل في بيع عبد بمائة، فباعه بأكثر منها، صح، سواء كانت ~~الزيادة كثيرة أو قليلة؛ لأنه باع بالمأذون فيه وزاد زيادة تنفعه ولا تضره، ~~وسواء كانت الزيادة من جنس الثمن المأمور به، أو من غير جنسه، مثل أن يأذن ~~في بيعه بمائة درهم، فيبيعه بمائة درهم ودينار أو ثوب. وقال أصحاب الشافعي: ~~لا يصح بيعه بمائة وثوب، في أحد الوجهين؛ لأنه من غير جنس الأثمان. # ولنا، أنها زيادة تنفعه ولا تضره، أشبه ما لو باعه بمائة ودينار، ولأن ~~الإذن في بيعه بمائة، إذن في بيعه بزيادة عليها عرفا، لأن من رضي بمائة لا ~~يكره أن يزاد عليها ثوب ينفعه ولا يضره. وإن باعه بمائة دينار، أو بتسعين ~~درهما وعشرة دنانير، وأشباه ذلك، أو بمائة ثوب، أو بثمانين درهما وعشرين ~~ثوبا، لم يصح. ذكره القاضي. # وهو مذهب الشافعي؛ لأنه خالف موكله في الجنس، فأشبه ما لو باعه بثوب ~~يساوي أكثر من مائة درهم. ويحتمل أن يصح فيما إذا جعل مكان الدراهم دنانير، ~~أو مكان بعضها؛ لأنه مأذون فيه عرفا، فإن من رضي بدرهم رضي مكانه بدينار، ~~فجرى مجرى بيعه بمائة درهم ودينار. وأما الثياب فلا يصح بيعه بها؛ لأنها من ~~غير جنس الأثمان. ### | [فصل وكله في بيع عبد بمائة فباع نصفه بها أو وكله مطلقا فباع نصفه بثمن الكل] # (3797) فصل: وإن وكله في بيع عبد بمائة، فباع نصفه بها، أو وكله مطلقا، ~~فباع نصفه بثمن الكل، جاز؛ لأنه مأذون فيه من جهة العرف، فإن من رضي مائة ~~ثمنا للكل، رضي بها ثمنا للنصف، ولأنه حصل له المائة وأبقى ms2449 له زيادة تنفعه ~~ولا تضره. وله بيع النصف الآخر؛ لأنه مأذون في بيعه، فأشبه ما لو باع العبد ~~كله بمثلي ثمنه. ويحتمل ألا يجوز له بيعه؛ لأنه قد حصل للموكل غرضه من ~~الثمن ببيع نصفه، فربما لا يؤثر بيع باقيه، للغنى عن بيعه بما حصل له من ~~ثمن نصفه. وهكذا القول في توكيله في بيع عبدين بمائة، إذا باع أحدهما بها، ~~صح. # وهل يكون له بيع العبد الآخر؟ على وجهين. فأما إن وكله في بيع عبده ~~بمائة، فباع بعضه بأقل منها، لم يصح. وإن وكله مطلقا، فباع بعضه بأقل من ~~ثمن الكل، لم يجز. وبهذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: ~~يجوز فيما إذا أطلق الوكالة. بناء على أصله في أن للوكيل المطلق البيع بما ~~شاء، # PageV05P099 # ولنا، أن على الموكل ضررا في تبعيضه، ولم يوجد الإذن فيه نطقا ولا عرفا، ~~فلم يجز، كما لو وكله في شراء عبد، فاشترى نصفه. ### | [فصل وكله في شراء عبد بعينه بمائة فاشتراه بخمسين أو بما دون المائة] # (3798) فصل: وإن وكله في شراء عبد بعينه بمائة، فاشتراه بخمسين، أو بما ~~دون المائة، صح، ولزم الموكل؛ لأنه مأذون فيه من جهة العرف. وإن قال: لا ~~تشتره بأقل من مائة، فخالفه، لم يجز؛ لأنه خالف نصه، وصريح قوله مقدم على ~~دلالة العرف. فإن قال: اشتره بمائة، ولا تشتره بخمسين. جاز له شراؤه بما ~~فوق الخمسين؛ لأن إذنه في الشراء بمائة دل عرفا على الشراء بما دونها، خرج ~~منه الخمسون بصريح النهي، بقي فيما فوقها على مقتضى الإذن. # وإن اشتراه بأقل من الخمسين، ففيه وجهان؛ أحدهما، يجوز؛ لذلك، ولأنه لم ~~يخالف صريح نهيه، أشبه ما زاد على الخمسين. والثاني، لا يجوز؛ لأنه نهاه عن ~~الخمسين استقلالا لها. فكان تنبيها على النهي عما هو أقل منهما، كما أن ~~الإذن في الشراء بمائة إذن فيما دونها، فجرى ذلك مجرى صريح نهيه، فإن تنبيه ~~الكلام كنصه. # وإن قال: اشتره بمائة دينار. فاشتراه بمائة درهم. فالحكم فيه كما لو قال: ms2450 ~~بعه بمائة درهم، فباعه بمائة دينار، على ما مضى من القول فيه. وإن قال: ~~اشتر لي نصفه بمائة. فاشتراه كله أو أكثر من نصفه بمائة، جاز؛ لأنه مأذون ~~فيه عرفا. وإن قال: اشتر لي نصفه بمائة، ولا تشتره جميعه، فاشترى أكثر من ~~النصف وأقل من الكل بمائة، صح، في قياس المسألة التي قبلها، لكون دلالة ~~العرف قاضية بالإذن في شراء كل ما زاد على النصف، خرج الجميع بصريح نهيه، ~~ففيما عداه يبقى على مقتضى الإذن. ### | [فصل وكله في شراء عبد موصوف بمائة فاشتراه على الصفة بدونها] # (3799) فصل: وإن وكله في شراء عبد موصوف بمائة، فاشتراه على الصفة ~~بدونها، جاز؛ لأنه مأذون فيه عرفا. وإن خالفه في الصفة، أو اشتراه بأكثر ~~منها، لم يلزم الموكل. وإن قال: اشتر لي عبدا بمائة فاشترى عبدا يساوي مائة ~~بدونها، جاز؛ لأنه لو اشتراه بمائة جاز، فإذا اشتراه بدونها فقد زاده خيرا، ~~فيجوز. وإن كان لا يساوي مائة، لم يجز، وإن كان يساوي أكثر مما اشتراه به؛ ~~لأنه خالف أمره، ولم يحصل غرضه. ### | [فصل وكله في شراء شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي كل واحدة منهما أقل من دينار] # (3800) فصل: وإن وكله في شراء شاة بدينار، فاشترى شاتين تساوي كل واحدة ~~منهما أقل من دينار لم يقع # PageV05P100 # للموكل. وإن كانت كل واحدة منهما تساوي دينارا. أو إحداهما تساوي دينارا ~~والأخرى أقل من دينار، صح، ولزم الموكل. وهذا المشهور من مذهب الشافعي وقال ~~أبو حنيفة يقع للموكل إحدى الشاتين بنصف دينار، والأخرى للوكيل؛ لأنه لم ~~يرض إلا بإلزامه عهدة شاة واحدة. # ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى عروة بن الجعد دينارا، ~~فقال: اشتر لنا به شاة. قال: فأتيت الجلب، فاشتريت شاتين بدينار، فجئت ~~أسوقهما، أو أقودهما، فلقيني رجل بالطريق، فساومني، فبعت منه شاة بدينار، ~~فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدينار والشاة، فقلت: يا رسول الله، ~~هذا ديناركم، وهذه شاتكم. قال: وصنعت كيف؟ فحدثته الحديث قال: اللهم بارك ~~له في صفقة يمينه.» ولأنه حصل له ms2451 المأذون فيه وزيادة من جنسه تنفع ولا تضر، ~~فوقع ذلك له، كما لو قال: له بعه بدينار. فباعه بدينارين، وما ذكره يبطل ~~بالبيع. فإن باع الوكيل إحدى الشاتين بغير أمر الموكل، ففيه وجهان؛ أحدهما، ~~البيع باطل؛ لأنه باع مال موكله بغير أمره، فلم يجز كبيع الشاتين. # والثاني، إن كانت الباقية تساوي دينارا جاز، لحديث عروة بن الجعد ~~البارقي، ولأنه حصل له المقصود، والزيادة لو كانت غير الشاة جاز، فجاز له ~~إبدالها بغيرها. وظاهر كلام أحمد صحة البيع؛ لأنه أخذ بحديث عروة وذهب ~~إليه. وإذا قلنا: لا يجوز له بيع الشاة. فباعها، فهل يقع البيع باطلا أو ~~صحيحا موقوفا على إجازة الموكل؟ على روايتين. وهذا أصل لكل من تصرف في ملك ~~غيره بغير إذنه، ووكيل يخالف موكله، هل يقع باطلا أو يصح ويقف على إجازة ~~المالك؟ فيه روايتان. # وللشافعي في صحة البيع هاهنا وجهان. ### | [فصل وكله في شراء سلعة موصوفة] # (3801) فصل: وإذا وكله في شراء سلعة موصوفة، لم يجز أن يشتريها إلا سليمة ~~لأن إطلاق البيع يقتضي السلامة، ولذلك جاز الرد بالعيب. # فإن اشترى معيبا يعلم عيبه، لم يلزم الموكل؛ لأنه اشترى غير ما أذن له ~~فيه، وإن لم يعلم عيبه، صح، البيع؛ لأنه إنما يلزمه شراء الصحيح في الظاهر، ~~لعجزه عن التحرز عن شراء معيب لا يعلم عيبه، فإذا علم عيبه ملك رده؛ لأنه ~~قائم في الشراء مقام الموكل، وللموكل رده أيضا؛ لأن الملك له، فإن حضر قبل ~~رد الوكيل، ورضي بالعيب، لم يكن للوكيل رده؛ لأن الحق له، بخلاف المضارب، ~~فإن له الرد وإن رضي رب المال؛ لأن له حقا فلا يسقط برضى غيره، وإن لم ~~يحضر، فأراد الوكيل الرد، فقال له البائع: توقف حتى يحضر الموكل، فربما رضي ~~بالعيب. لم يلزمه ذلك؛ لأنه لا يأمن فوات الرد لهرب البائع، # PageV05P101 # وفوات الثمن بتلفه، وإن أخره بناء على هذا القول، فلم يرض به الموكل، لم ~~يسقط رده. وإن قلنا: الرد على الفور؛ لأنه أخره بإذن البائع فيه. # وإن قال البائع: ms2452 موكلك قد علم العيب فرضيه. لم يقبل قوله إلا ببينة، فإن ~~لم يكن له بينة لم يستحلف الوكيل، إلا أن يدعي علمه، فيحلف على نفي العلم. ~~وبهذا قال الشافعي. وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه لا يستحلف؛ لأنه لو ~~حلف كان نائبا في اليمين، وليس بصحيح، فإنه لا نيابة هاهنا، وإنما يحلف على ~~نفي علمه، وهذا لا ينوب فيه عن أحد. # فإن رد الوكيل، وحضر الموكل، وقال: بلغني العيب، ورضيت به. وصدقه البائع، ~~أو قامت به بينة، لم يقع الرد موقعه، وكان للموكل استرجاعه، وللبائع رده ~~عليه؛ لأن رضاه به عزل الوكيل عن الرد، بدليل أنه لو علمه لم يكن له الرد، ~~إلا أن نقول: إن الوكيل لا ينعزل حتى يعلم العزل. وإن رضي الوكيل المعيب، ~~أو أمسكه إمساكا ينقطع به الرد، فحضر الموكل، فأراد الرد، فله ذلك إن صدقه ~~البائع أن الشراء له، أو قامت به بينة. وإن كذبه ولم تكن به بينة، فحلفه ~~البائع أنه لا يعلم أن الشراء له، فليس له رده؛ لأن الظاهر أن من اشترى ~~شيئا فهو له، ويلزم الوكيل، وعليه غرامة الثمن. وهذا كله مذهب الشافعي. # وقال أبو حنيفة: للوكيل شراء المعيب؛ لأن التوكيل في البيع مطلقا يدخل ~~المعيب في إطلاقه، ولأنه أمينه في الشراء، فجاز له شراء المعيب، كالمضارب. ~~ولنا، أن البيع بإطلاقه يقتضي الصحيح دون المعيب، فكذلك الوكالة فيه، ~~ويفارق المضاربة من حيث إن المقصود فيها الربح، والربح يحصل من المعيب ~~كحصوله من الصحيح، والمقصود من الوكالة شراء ما يقتني أو يدفع به حاجته، ~~وقد يكون العيب مانعا من قضاء الحاجة به ومن قنيته، فلا يحصل المقصود. # وقد ناقض أبو حنيفة أصله؛ فإنه قال في قوله تعالى: {فتحرير رقبة} ~~[المجادلة: 3] : لا تجوز العمياء ولا معيبة عيبا يضر بالعمل. وقال هاهنا: ~~يجوز للوكيل شراء الأعمى والمقعد ومقطوع اليدين والرجلين. ### | [فصل أمره بشراء سلعة بعينها فاشتراها فوجدها معيبة] # (3802) فصل: وإن أمره بشراء سلعة بعينها، فاشتراها، فوجدها معيبة، احتمل ~~أن له الرد؛ لأن الأمر ms2453 يقتضي السلامة، فأشبه ما لو وكله في شراء موصوفة. ~~ويحتمل أن لا يملك الرد؛ لأن الموكل قطع نظره بالتعيين، فربما رضيه على ~~جميع صفاته. وإن علم عيبه قبل شرائه، فهل له شراؤه؟ يحتمل وجهين أيضا، ~~مبنيين على رده إذا علم عيبه بعد شرائه. # وإن قلنا: يملك رده. فليس له شراؤه؛ لأن العيب إذا جاز به الرد بعد العقد ~~فلأن يمنع من الشراء أولى. وإن قلنا: لا يملك الرد ثم. فله الشراء هاهنا؛ ~~لأن تعيين الموكل قطع نظره واجتهاده في جواز الرد، فكذلك في الشراء. # PageV05P102 ### | [فصل اشترى الوكيل لموكله شيئا بإذنه] # (3803) فصل: وإذا اشترى الوكيل لموكله شيئا بإذنه، انتقل الملك من البائع ~~إلى الموكل، ولم يدخل في ملك الوكيل، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ~~يدخل في ملك الوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالوكيل، ~~بدليل أنه لو اشتراه بأكثر من ثمنه دخل في ملكه، ولم ينتقل إلى الموكل. ~~ولنا، أنه قبل عقدا لغيره صح له، فوجب أن ينتقل الملك إليه، كالأب والوصي، ~~وكما لو تزوج له. وقولهم: إن حقوق العقد تتعلق به. غير مسلم # ويتفرع عن هذا أن المسلم لو وكل ذميا في شراء خمر أو خنزير، فاشتراه له، ~~لم يصح الشراء. وقال أبو حنيفة: يصح، ويقع للذمي؛ لأن الخمر مال لهم، لأنهم ~~يتمولونها ويتبايعونها، فصح توكيلهم فيها كسائر أموالهم. ولنا، أن كل ما لا ~~يجوز للمسلم العقد عليه، لا يجوز أن يوكل فيه، كتزويج المجوسية. وبهذا خالف ~~سائر أموالهم. وإذا باع الوكيل بثمن معين، ثبت الملك للموكل في الثمن؛ لأنه ~~بمنزلة المبيع. وإن كان الثمن في الذمة، فللوكيل والموكل المطالبة به. # وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ليس للموكل المطالبة؛ لأن حقوق العقد ~~تتعلق بالوكيل دونه، ولهذا يتعلق مجلس الصرف والخيار به دون موكله، فكذلك ~~القبض. # ولنا، أن هذا دين للموكل يصح قبضه له، فملك المطالبة به، كسائر ديونه ~~التي وكل فيها، ويفارق مجلس العقد؛ لأن ذلك من شروط العقد، فتعلق بالعاقد، ~~كالإيجاب، والقبول. وأما الثمن ms2454 فهو حق للموكل ومال من أمواله، فكانت له ~~المطالبة به. ولا نسلم أن حقوق العقد تتعلق به، وإنما تتعلق بالموكل، وهي ~~تسليم الثمن، وقبض المبيع، والرد بالعيب، وضمان الدرك. فأما ثمن ما اشتراه ~~إذا كان في الذمة فإنه يثبت في ذمة الموكل أصلا، وفي ذمة الوكيل تبعا، ~~كالضامن، وللبائع مطالبة من شاء منهما، فإن أبرأ الوكيل لم يبرأ الموكل، ~~وإن أبرأ الموكل برئ الوكيل أيضا، كالضامن والمضمون عنه سواء. # وإن دفع الثمن إلى البائع، فوجد به عيبا، فرده على الوكيل، كان أمانة في ~~يده. إن تلف فهو من ضمان الموكل. ولو وكل رجلا يتسلف له ألفا في كر حنطة، ~~ففعل، ملك الموكل ثمنها، والوكيل ضامن عن موكله، كما تقدم. ### | [فصل دفع إلى رجل ثوبا ليبيعه ففعل فوهب له المشتري منديلا] # (3804) فصل: قال أحمد في رواية مهنا: إذا دفع إلى رجل ثوبا ليبيعه، ففعل، ~~فوهب له المشتري منديلا، فالمنديل لصاحب الثوب. إنما قال ذلك لأن هبة ~~المنديل سببها البيع، فكان المنديل زيادة في الثمن، والزيادة في مجلس العقد ~~تلحق به. # PageV05P103 ### | [فصل الشهادة على الوكالة] # (3805) فصل: في الشهادة على الوكالة، إذا ادعى الوكالة، وأقام شاهدا ~~وامرأتين، أو حلف مع شاهده، فقال أصحابنا فيها روايتان؛ إحداهما، تثبت بذلك ~~إذا كانت الوكالة بمال؛ فإن أحمد قال في الرجل يوكل، ويشهد على نفسه رجلا ~~وامرأتين، إذا كانت المطالبة بدين، فأما غير ذلك فلا. والثانية، لا تثبت ~~إلا بشاهدين عدلين. # نقلها الخرقي بقوله: ولا تقبل فيما سوى الأموال مما يطلع عليه الرجال ~~لأقل من رجلين. وهذا قول الشافعي؛ لأن الوكالة إثبات للتصرف. ويحتمل أن ~~يكون قول الخرقي كالرواية الأولى؛ لأن الوكالة في المال يقصد بها المال، ~~فتقبل فيها شهادة النساء مع الرجال، كالبيع والقرض. فإن شهدا بوكالته، ثم ~~قال أحدهما: قد عزله. لم تثبت وكالته بذلك؛ لأن أحدهما لم تثبت وكالته ~~بذلك. وإن كان الشاهد بالعزل رجلا غيرهما، لم يثبت العزل بشهادته وحده؛ لأن ~~العزل لا يثبت إلا بما يثبت به التوكيل. # ومتى عاد أحد الشاهدين ms2455 بالتوكيل، فقال: قد عزله. لم يحكم بشهادتهما؛ لأنه ~~رجوع عن الشهادة قبل الحكم بها. فلا يجوز للحاكم الحكم بما رجع عنه الشاهد. ~~وإن حكم الحاكم بشهادتهما، ثم عاد أحدهما، فقال: قد عزله بعد ما وكله. لم ~~يلتفت إلى قوله؛ لأن الحكم قد نفذ بالشهادة، ولم يثبت العزل. فإن قالا ~~جميعا: قد كان عزله؛ ثبت العزل؛ لأن الشهادة تمت في العزل، كتمامها في ~~التوكيل. ### | [فصل شهد أحدهما أنه وكله يوم الجمعة وشهد آخر أنه وكله يوم السبت] # (3806) فصل: فإن شهد أحدهما أنه وكله يوم الجمعة، وشهد آخر أنه وكله يوم ~~السبت، لم تتم الشهادة؛ لأن التوكيل يوم الجمعة غير التوكيل يوم السبت، فلم ~~تكمل شهادتهما على فعل واحد. وإن شهد أحدهما أنه أقر بتوكيله يوم الجمعة، ~~وشهد الآخر أنه أقر به يوم السبت، تمت الشهادة؛ لأن الإقرارين إخبار عن عقد ~~واحد، ويشق جمع الشهود ليقر عندهم حالة واحدة، فجوز له الإقرار عند كل واحد ~~وحده. # وكذلك لو شهد أحدهما أنه أقر عنده بالوكالة بالعربية، وشهد الآخر أنه أقر ~~بها بالعجمية، ثبتت. ولو شهد أحدهما أنه وكله بالعربية، وشهد الآخر أنه ~~وكله بالعجمية، لم تكمل الشهادة؛ لأن التوكيل بالعربية غير التوكيل ~~بالعجمية، فلم تكمل الشهادة على فعل واحد. وكذلك لو شهد أحدهما أنه قال: ~~وكلتك. وشهد الآخر، أنه قال: أذنت لك في التصرف. أو أنه قال: جعلتك وكيلا. ~~أو شهد أنه قال: جعلتك جريا. لم تتم الشهادة؛ لأن اللفظ # PageV05P104 # مختلف. والجري: الوكيل. # ولو قال أحدهما: أشهد أنه وكله. وقال الآخر: أشهد أنه أذن له في التصرف ~~تمت الشهادة؛ لأنهما لم يحكيا لفظ الموكل، وإنما عبرا عنه بلفظهما، واختلاف ~~لفظهما لا يؤثر إذا اتفق معناه. ولو قال أحدهما: أشهد أنه أقر عندي أنه ~~وكله. وقال الآخر: أشهد أنه أقر أنه جريه. أو أنه أوصى إليه بالتصرف في ~~حياته. ثبتت الوكالة بذلك. # وإن شهد أحدهما أنه وكله في بيع عبده، وشهد الآخر أنه وكله وزيدا، أو شهد ~~أنه وكله في بيعه، وقال: لا تبعه ms2456 حتى تستأمرني، أو تستأمر فلانا. لم تتم ~~الشهادة؛ لأن الأول أثبت استقلاله بالبيع من غير شرط. والثاني ينفي ذلك، ~~فكانا مختلفين. وإن شهد أحدهما أنه وكله في بيع عبده، وشهد الآخر أنه وكله ~~في بيع عبده وجاريته، حكم بالوكالة في العبد؛ لاتفاقهما عليه، وزيادة ~~الثاني لا تقدح في تصرفه في الأول، فلا تضره. وهكذا لو شهد أحدهما أنه وكله ~~في بيعه لزيد، وشهد الآخر أنه وكله في بيعه لزيد وإن شاء لعمرو. ### | [فصل الوكالة والعزل بخبر الواحد] # (3807) فصل: ولا تثبت الوكالة والعزل بخبر الواحد. وبهذا قال الشافعي ~~وقال أبو حنيفة تثبت الوكالة بخبر الواحد. وإن لم يكن ثقة. ويجوز التصرف ~~للمخبر بذلك، إذا غلب على ظنه صدق المخبر، بشرط الضمان إن أنكر الموكل. ~~ويثبت العزل بخبر الواحد إذا كان رسولا؛ لأن اعتبار شاهدين عدلين في هذا ~~يشق، فسقط اعتباره، ولأنه أذن في التصرف ومنع منه، فلم يعتبر في هذا شروط ~~الشهادة، كاستخدام غلامه. # ولنا، أنه عقد مالي، فلا يثبت بخبر الواحد، كالبيع، وفارق الاستخدام؛ ~~فإنه ليس بعقد. ولو شهد اثنان أن فلانا الغائب وكل فلانا الحاضر، فقال ~~الوكيل: ما علمت هذا، وأنا أتصرف عنه. ثبتت الوكالة؛ لأن معنى ذلك أني لم ~~أعلم إلى الآن، وقبول الوكالة يجوز متراخيا، وليس من شرط التوكيل حضور ~~الوكيل ولا علمه، فلا يضر جهله به. وإن قال: ما أعلم صدق الشاهدين. لم تثبت ~~وكالته؛ لقدحه في شهادتهما. # وإن قال: ما علمت. وسكت، قيل له: فسر. فإن فسر بالأول ثبتت وكالته، وإن ~~فسره بالثاني لم تثبت. ### | [فصل سماع البينة بالوكالة على الغائب] # (3808) فصل: ويصح سماع البينة بالوكالة على الغائب، وهو أن يدعي أن فلانا ~~الغائب وكلني في كذا. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح. بناء على ~~أن الحكم على الغائب لا يصح. ولنا، أنه لا يعتبر رضاه في سماع البينة، فلا ~~يعتبر حضوره كغيره. # وإذا قال له من عليه الحق: احلف أنك تستحق مطالبتي. لم تسمع دعواه؛ لأن ~~ذلك طعن في الشهادة. وإن قال: ms2457 قد عزلك الموكل، فاحلف أنه ما عزلك. لم ~~يستحلف؛ لأن الدعوى على الموكل، واليمين لا تدخلها النيابة. وإن قال: أنت # PageV05P105 # تعلم أن موكلك قد عزلك. سمعت دعواه. وإن طلب اليمين من الوكيل، حلف أنه ~~لا يعلم أن موكله عزله؛ لأن الدعوى عليه. وإن أقام الخصم بينة بالعزل، ~~سمعت، وانعزل الوكيل. ### | [فصل شهادة الوكيل على موكله] # (3809) فصل: وتقبل شهادة الوكيل على موكله؛ لعدم التهمة، فإنه لا يجر بها ~~نفعا، ولا يدفع بها ضررا. وتقبل شهادته له فيما لم يوكله فيه؛ لأنه لا يجر ~~إلى نفسه نفعا. ولا تقبل شهادته له فيما هو وكيل فيه؛ لأنه يثبت لنفسه حقا، ~~بدليل أنه إذا وكله في قبض حق، فشهد به له، ثبت استحقاق قبضه، ولأنه خصم ~~فيه، بدليل أنه يملك المخاصمة فيه. فإن شهد بما كان وكيلا فيه بعد عزله، لم ~~تقبل أيضا، سواء كان خاصم فيه بالوكالة أو لم يخاصم. # وبهذا قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة إن كان لم يخاصم فيه، قبلت ~~شهادته؛ لأنه لا حق له فيه ولم يخاصم فيه، فأشبه ما لو لم يكن وكيلا فيه. ~~وللشافعي قولان كالمذهبين. ولنا، أنه بعقد الوكالة صار خصما فيه، فلم تقبل ~~شهادته فيه، كما لو خاصم فيه، وفارق ما لم يكن وكيلا فيه؛ فإنه لم يكن خصما ~~فيه. ### | [فصل كانت الأمة بين نفسين فشهدا أن زوجها وكل في طلاقها] # (3810) فصل: إذا كانت الأمة بين نفسين، فشهدا أن زوجها وكل في طلاقها، لم ~~تقبل شهادتهما؛ لأنهما يجران إلى أنفسهما نفعا، وهو زوال حق الزوج من البضع ~~الذي هو ملكهما. وإن شهدا بعزل الوكيل في الطلاق، لم تقبل؛ لأنهما يجران ~~إلى أنفسهما نفعا، وهو إبقاء النفقة على الزوج. # ولا تقبل شهادة ابني الرجل له بالوكالة، ولا أبويه؛ لأنهما يثبتان له حق ~~التصرف، ولا يثبت للإنسان حق بشهادة ابنه ولا أبيه. ولا تقبل شهادة ابني ~~الموكل، ولا أبويه بالوكالة. وقال بعض الشافعية: تقبل؛ لأن هذا حق على ~~الموكل يستحق به الوكيل المطالبة، فقبلت فيه شهادة ms2458 قرابة الموكل، كالإقرار. # ولنا، أن هذه شهادة يثبت بها حق لأبيه أو ابنه، فلم تقبل، كشهادة ابني ~~الوكيل وأبويه، وذلك لأنهما يثبتان لأبيهما نائبا متصرفا له، وفارق الشهادة ~~عليه بالإقرار، فإنها شهادة عليه متمحضة. ولو ادعى الوكيل الوكالة، فأنكرها ~~الموكل، فشهد عليه ابناه أو أبواه، ثبتت الوكالة وأمضي تصرفه؛ لأن ذلك ~~شهادة عليه. وإن ادعى الموكل أنه تصرف بوكالته، وأنكر الوكيل، فشهد عليه ~~أبواه أو ابناه، قبل أيضا؛ لذلك. # وإن ادعى وكيل لموكله الغائب حقا، وطالب به، فادعى الخصم أن الموكل عزله، ~~وشهد له بذلك ابنا الموكل، قبلت شهادتهما، وثبت العزل بها؛ لأنهما يشهدان ~~على أبيهما. وإن لم يدع الخصم عزله، لم تسمع شهادتهما؛ لأنهما يشهدان لمن ~~لا يدعيها. فإن قبض الوكيل، فحضر الموكل، وادعى # PageV05P106 # أنه كان قد عزل الوكيل، وأن حقه باق في ذمة الغريم، وشهد له ابناه، لم ~~تقبل شهادتهما؛ لأنهما يثبتان حقا لأبيهما. # ولو ادعى مكاتب الوكالة، فشهد له سيده، أو ابنا سيده، أو أبواه، لم تقبل؛ ~~لأن السيد يشهد لعبده، وابناه يشهدان لعبد أبيهما، والأبوان يشهدان لعبد ~~ابنهما. فإن عتق، فأعاد الشهادة، فهل تقبل؟ يحتمل وجهين. ### | [فصل حضرا عند الحاكم فأقر أحدهما أن الآخر وكله ثم غاب الموكل وحضر الوكيل] # (3811) فصل: إذا حضر رجلان عند الحاكم، فأقر أحدهما أن الآخر وكله، ثم ~~غاب الموكل، وحضر الوكيل، فقدم خصما لموكله، وقال: أنا وكيل فلان. فأنكر ~~الخصم كونه وكيله، فإن قلنا: لا يحكم الحاكم بعلمه. لم تسمع دعواه حتى تقوم ~~البينة بوكالته. وإن قلنا: يحكم بعلمه. وكان الحاكم يعرف الموكل بعينه ~~واسمه ونسبه، صدقه، ومكنه من التصرف؛ لأن معرفته كالبينة. وإن عرفه بعينه ~~دون اسمه ونسبه، لم يقبل قوله، حتى تقوم البينة عنده بالوكالة؛ لأنه يريد ~~تثبيت نسبه عنده بقوله، فلم يقبل. ### | [فصل حضر عند الحاكم رجل فادعى أنه وكيل فلان الغائب] # (3812) فصل: ولو حضر عند الحاكم رجل، فادعى أنه وكيل فلان الغائب، في شيء ~~عينه، وأحضر بينة تشهد له بالوكالة، سمعها الحاكم. ولو ادعى حقا لموكله قبل ms2459 ~~ثبوت وكالته، لم يسمع الحاكم دعواه. وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة ~~لا يسمعها إلا أن يقدم خصما من خصماء الموكل، فيدعي عليه حقا، فإذا أجاب ~~المدعى عليه حينئذ يسمع الحاكم البينة، فحصل الخلاف بيننا في حكمين: ~~أحدهما، أن الحاكم عندنا يسمع البينة على الوكالة من غير حضور خصم، وعنده ~~لا يسمع. # والثاني، أنه لا تسمع دعواه لموكله قبل ثبوت وكالته، وعنده تسمع. وبنى ~~أبو حنيفة على أصله في أن القضاء على الغائب لا يجوز، وسماع البينة ~~بالوكالة من غير خصم قضاء على الغائب، وأن الوكالة لا تلزم الخصم، ما لم ~~يجب الوكيل عن دعوى الخصم أنك لست بوكيل. # ولنا، أنه إثبات للوكالة، فلم يفتقر إلى حضور الموكل عليه، كما لو كان ~~الموكل عليه جماعة فأحضر واحد منهم، فإن الباقين لا يفتقر إلى حضورهم، كذلك ~~هاهنا. والدليل على أن الدعوى لا تسمع قبل ثبوت الوكالة أنها لا تسمع إلا ~~من خصم يخاصم عن نفسه أو عن موكله، وهذا لا يخاصم عن نفسه، ولم يثبت أنه ~~وكيل لمن يدعي له، فلا تسمع دعواه، كما لو ادعى لمن لم يدع وكالته، وفي هذا ~~الأصل جواب عما ذكره. # PageV05P107 ### | [فصل حضر رجل وادعى على غائب مالا في وجه وكيله فأنكره فأقام بينة بما ادعاه] # (3813) فصل: ولو حضر رجل، وادعى على غائب مالا في وجه وكيله، فأنكره ~~فأقام بينة بما ادعاه، حلفه الحاكم، وحكم له بالمال. فإذا حضر الموكل، وجحد ~~الوكالة، أو ادعى أنه كان قد عزله، لم يؤثر ذلك في الحكم؛ لأن القضاء على ~~الغائب لا يفتقر إلى حضور وكيله. ### | [فصل قال بع هذا الثوب بعشرة فما زاد عليها فهو لك] # (3814) فصل: إذا قال: بع هذا الثوب بعشرة، فما زاد عليها فهو لك. صح، ~~واستحق الزيادة. وقال الشافعي لا يصح. ولنا، أن ابن عباس كان لا يرى بذلك ~~بأسا، ولأنه يتصرف في ماله بإذنه، فصح شرط الربح له في الثاني، كالمضارب ~~والعامل في المساقاة. # PageV05P108 ### | [كتاب الإقرار بالحقوق] # الإقرار: هو الاعتراف. والأصل فيه الكتاب ms2460 والسنة والإجماع؛ أما الكتاب ~~فقوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} [آل عمران: 81] إلى قوله تعالى: ~~{قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا} [آل عمران: 81] . وقال ~~تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} [التوبة: 102] وقال تعالى: {ألست بربكم ~~قالوا بلى} [الأعراف: 172] . في آي كثيرة مثل هذا. وأما السنة فما روي أن ~~ماعزا أقر بالزنى، فرجمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك الغامدية، ~~وقال: «واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» . وأما الإجماع، ~~فإن الأمة أجمعت على صحة الإقرار. # ولأن الإقرار إخبار على وجه ينفي عنه التهمة والريبة، فإن العاقل لا يكذب ~~على نفسه كذبا يضر بها، ولهذا كان آكد من الشهادة، فإن المدعى عليه إذا ~~اعترف لا تسمع عليه الشهادة، وإنما تسمع إذا أنكر، ولو كذب المدعي ببينة لم ~~تسمع، وإن كذب المقر ثم صدقه سمع. # (3815) فصل: ولا يصح الإقرار إلا من عاقل مختار. فأما الطفل، والمجنون، ~~والمبرسم، والنائم، والمغمى عليه، فلا يصح إقرارهم. لا نعلم في هذا خلافا. ~~وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: «رفع القلم عن ثلاثة؛ عن الصبي حتى يبلغ، ~~وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» . # فنص على الثلاثة، والمبرسم والمغمى عليه في معنى المجنون والنائم. ولأنه ~~قول من غائب العقل، فلم يثبت له حكم، كالبيع والطلاق. وأما الصبي المميز، ~~فإن كان محجورا عليه، لم يصح إقراره، وإن كان مأذونا له، صح إقراره في قدر ~~ما أذن له فيه. قال أحمد في رواية مهنا، في اليتيم: إذا أذن له في التجارة ~~وهو يعقل البيع والشراء، فبيعه وشراؤه جائز. وإن أقر أنه اقتضى شيئا من ~~ماله، جاز بقدر ما أذن له وليه فيه. # وهذا قول أبي حنيفة. وقال أبو بكر وابن أبي موسى: إنما يصح إقراره فيما ~~أذن له في التجارة فيه، في الشيء اليسير. وقال الشافعي لا يصح إقراره بحال؛ ~~لعموم الخبر، ولأنه غير بالغ، فأشبه الطفل، ولأنه لا تقبل شهادته ولا ~~روايته، فأشبه الطفل. ولنا، أنه عاقل مختار، يصح تصرفه، فصح إقراره، ~~كالبالغ، وقد ms2461 دللنا على صحة تصرفه فيما مضى، والخبر محمول على رفع التكليف ~~والإثم. فإن أقر مراهق غير مأذون له، ثم اختلف هو والمقر له في بلوغه، ~~فالقول قوله، إلا أن تقوم بينة ببلوغه؛ لأن الأصل الصغر. # ولا يحلف المقر؛ لأننا حكمنا # PageV05P109 # بعدم بلوغه، إلا أن يختلفا بعد ثبوت بلوغه، فعليه اليمين أنه حين أقر لم ~~يكن بالغا. ومن زال عقله بسبب مباح أو معذور فيه، فهو كالمجنون، لا يسمع ~~إقراره. بلا خلاف. وإن كان بمعصية، كالسكران، ومن شرب ما يزيل عقله عامدا ~~لغير حاجة، لم يصح إقراره. ويتخرج أن يصح بناء على وقوع طلاقه. وهو منصوص ~~الشافعي لأن أفعاله تجري مجرى الصاحي. # ولنا أنه غير عاقل، فلم يصح إقراره، كالمجنون الذي سبب جنونه فعل محرم، ~~ولأن السكران لا يوثق بصحة ما يقول، ولا تنتفي عنه التهمة فيما يخبر به، ~~فلم يوجد معنى الإقرار الموجب لقبول قوله. # وأما المكره فلا يصح إقراره بما أكره على الإقرار به. وهذا مذهب الشافعي ~~لقول رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه.» ولأنه قول أكره عليه بغير حق، فلم يصح كالبيع. وإن أقر ~~بغير ما أكره عليه، مثل أن يكره على الإقرار لرجل، فأقر لغيره، أو بنوع من ~~المال، فيقر بغيره، أو على الإقرار بطلاق امرأة، فأقر بطلاق أخرى، أو أقر ~~بعتق عبد، صح؛ لأنه أقر بما لم يكره عليه، فصح، كما لو أقر به ابتداء. ولو ~~أكره على أداء مال، فباع شيئا من ماله ليؤدي ذلك، صح بيعه. # نص عليه؛ لأنه لم يكره على البيع. ومن أقر بحق، ثم ادعى أنه كان مكرها، ~~لم يقبل قوله إلا ببينة، سواء أقر عند السلطان أو عند غيره؛ لأن الأصل عدم ~~الإكراه، إلا أن يكون هناك دلالة على الإكراه، كالقيد والحبس والتوكيل به، ~~فيكون القول قوله مع يمينه؛ لأن هذه الحال تدل على الإكراه. # ولو ادعى أنه كان زائل العقل حال إقراره، لم يقبل قوله إلا ببينة؛ لأن ~~الأصل السلامة حتى ms2462 يعلم غيرها. ولو شهد الشهود بإقراره، لم تفتقر صحة ~~الشهادة إلى أن يقولوا طوعا في صحة عقله؛ لأن الظاهر سلامة الحال وصحة ~~الشهادة. وقد ذكرنا حكم إقرار السفيه والمفلس والمريض في أبوابه. # وأما العبد فيصح إقراره بالحد والقصاص فيما دون النفس؛ لأن الحق له دون ~~مولاه. ولا يصح إقرار المولى عليه؛ لأن المولى لا يملك من العبد إلا المال. # ويحتمل أن يصح إقرار المولى عليه بما يوجب القصاص، ويجب المال دون ~~القصاص؛ لأن المال يتعلق برقبته، وهي مال السيد، فصح إقراره به، كجناية ~~الخطأ. وأما إقراره بما يوجب القصاص في النفس، فالمنصوص عن أحمد أنه لا ~~يقبل، ويتبع به بعد العتق. وبه قال زفر والمزني وداود وابن جرير الطبري ~~لأنه يسقط حق سيده بإقراره، فأشبه الإقرار بقتل الخطأ، ولأنه متهم في أنه ~~يقر لرجل ليعفو عنه، ويستحق أخذه، فيتخلص بذلك من سيده. # واختار أبو الخطاب أنه يصح إقراره به. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي ~~لأنه أحد نوعي القصاص، فصح إقراره به، كما دون النفس. وبهذا الأصل ينتقض ~~دليل # PageV05P110 # الأول. وينبغي على هذا القول أن لا يصح عفو ولي الجناية على مال إلا ~~باختيار سيده، لئلا يفضي إلى إيجاب المال على سيده بإقرار غيره، فلا يقبل ~~إقرار العبد بجناية الخطأ، ولا شبه العمد، ولا بجناية عمد موجبها المال، ~~كالجائفة والمأمومة، لأنه إيجاب حق في رقبته، وذلك يتعلق بحق المولى. ويقبل ~~إقرار المولى عليه؛ لأنه إيجاب حق في ماله. # وإن أقر بسرقة موجبها المال، لم يقبل إقراره، ويقبل إقرار المولى عليه؛ ~~لما ذكرنا. وإن كان موجبها القطع والمال، فأقر بها العبد، وجب قطعه، ولم ~~يجب المال، سواء كان ما أقر بسرقته باقيا، أو تالفا في يد السيد أو يد ~~العبد. قال أحمد في عبد أقر بسرقة دراهم في يده أنه سرقها من رجل، والرجل ~~يدعي ذلك، وسيده يكذبه: فالدراهم لسيده، ويقطع العبد، ويتبع بذلك بعد ~~العتق. وللشافعي في وجوب المال في هذه الصورة وجهان. # ويحتمل أن لا يجب القطع؛ لأن ذلك ms2463 شبهة، فيدرأ بها القطع، لكونه حدا يدرأ ~~بالشبهات. وهذا قول أبي حنيفة؛ وذلك لأن العين التي يقر بسرقتها لم يثبت ~~حكم السرقة فيها، فلا يثبت حكم القطع بها. وإن أقر العبد بسرقة لغير من هو ~~في يده، لم يقبل إقراره بالرق؛ لأن الإقرار بالرق إقرار بالملك، والعبد لا ~~يقبل إقراره بحال، ولأننا لو قبلنا إقراره، أضررنا بسيده، لأنه إذا شاء أقر ~~لغير سيده، فأبطل ملكه. وإن أقر به السيد لرجل، وأقر هو لآخر، فهو للذي أقر ~~له السيد؛ لأنه في يد السيد، لا في يد نفسه، ولأن السيد لو أقر به منفردا ~~قبل. # ولو أقر العبد منفردا لم يقبل، فإذا لم يقبل إقرار العبد منفردا فكيف ~~يقبل مع معارضته لإقرار السيد؟ . ولو قبل إقرار العبد، لما قبل إقرار ~~السيد، كالحد وجناية العمد. وأما المكاتب فحكمه حكم الحر في صحة إقراره. ~~ولو أقر بجناية خطأ صح إقراره، فإن عجز بيع فيها إن لم يفده سيده. وقال أبو ~~حنيفة يستسعى في الكتابة، وإن عجز بطل إقراره بها، سواء قضي بها أو لم يقض. ~~وعن الشافعي كقولنا. # وعنه أنه مراعى إن أدى لزمه، وإن عجز بطل. ولنا، أنه إقرار لزمه في ~~كتابته، فلا يبطل بعجزه، كالإقرار بالدين. وعلى الشافعي أن المكاتب في يد ~~نفسه فصح إقراره بالجناية، كالحر. ### | [فصل الإقرار لكل من يثبت له الحق] # (3816) فصل: ويصح الإقرار لكل من يثبت له الحق. فإذا أقر لعبد بنكاح أو ~~قصاص أو تعزير القذف، صح الإقرار له، صدقه المولى أو كذبه؛ لأن الحق له دون ~~سيده. وله المطالبة بذلك، والعفو عنه، وليس لسيده مطالبة به ولا عفو. وإن ~~كذبه العبد، لم يقبل. وإن أقر له بمال، صح، ويكون لسيده؛ لأن يد العبد كيد ~~سيده. وقال أصحاب الشافعي: إن قلنا: يملك المال. صح الإقرار له. # وإن قلنا: لا يملك. # PageV05P111 # كان الإقرار لمولاه، يلزم بتصديقه ويبطل برده. وإن أقر لبهيمة أو دار، لم ~~يصح إقراره لها، وكان باطلا؛ لأنها لا تملك المال مطلقا، ولا يد لها. وإن ms2464 ~~قال: علي بسبب هذه البهيمة. لم يكن إقرارا لأحد، ولأنه لم يذكر لمن هي، ومن ~~شرط صحة الإقرار ذكر المقر له. وإن قال: لمالكها أو لزيد علي بسببها ألف. ~~صح الإقرار. # وإن قال: بسبب حمل هذه البهيمة. لم يصح، إذ لا يمكن إيجاب شيء بسبب ~~الحمل. ### | [فصل أقر لحمل امرأة بمال وعزاه إلى إرث أو وصية] # (3817) فصل: وإن أقر لحمل امرأة بمال، وعزاه إلى إرث أو وصية، صح، وكان ~~للحمل. وإن أطلق، فقال أبو عبد الله بن حامد يصح. وهو أصح قولي الشافعي؛ ~~لأنه يجوز أن يملك بوجه صحيح، فصح له الإقرار المطلق، كالطفل. فعلى هذا، إن ~~ولدت ذكرا أو أنثى، كان بينهما نصفين. وإن عزاه إلى إرث أو وصية، كان ~~بينهما على حسب استحقاقهما لذلك. # وقال أبو الحسن التميمي: لا يصح الإقرار إلا أن يعزيه إلى إرث أو وصية. ~~وهو قول أبي ثور والقول الثاني للشافعي لأنه لا يملك بغيرهما. فإن ولدت ~~الولد ميتا، وكان قد عزا الإقرار إلى إرث أو وصية، عادت إلى ورثة الموصي ~~وموروث الطفل، وإن أطلق الإقرار، كلف ذكر السبب، فيعمل بقوله، فإن تعذر ~~التفسير بموته أو غيره، بطل إقراره، كمن أقر لرجل لا يعرف من أراد بإقراره. ~~وإن عزا الإقرار إلى جهة غير صحيحة، فقال: لهذا الحمل علي ألف أقرضنيها، أو ~~وديعة أخذتها منه. فعلى قول التميمي، الإقرار باطل، وعلى قول ابن حامد ~~ينبغي أن يصح إقراره؛ لأنه وصل إقراره بما يسقطه، فيسقط ما وصله به، كما لو ~~قال: له علي ألف لا تلزمني. # وإن قال: له علي ألف جعلتها له. أو نحو ذلك، فهي عدة لا يؤخذ بها. ولا ~~يصح الإقرار لحمل إلا إذا تيقن أنه كان موجودا حال الإقرار على ما تبين في ~~موضعه. وإن أقر لمسجد أو مصنع أو طريق، وعزاه إلى سبب صحيح، مثل أن يقول: ~~من غلة وقفه. صح. وإن أطلق، خرج على الوجهين. ### | [مسألة أقر بشيء واستثنى من غير جنسه] # مسألة؛ قال: (ومن أقر بشيء، واستثنى من غير ms2465 جنسه، كان استثناؤه باطلا، ~~إلا أن يستثني عينا من ورق، أو ورقا من عين) في هذه المسألة فصلان: (3819) ~~أولهما: أنه لا يصح الاستثناء في الإقرار من غير الجنس، وبهذا قال زفر ~~ومحمد بن الحسن، وقال أبو حنيفة إن استثنى مكيلا أو موزونا، جاز، وإن ~~استثنى عبدا أو ثوبا من مكيل أو موزون، لم يجز. # PageV05P112 # وقال مالك والشافعي يصح الاستثناء من غير الجنس مطلقا؛ لأنه ورد في ~~الكتاب العزيز ولغة العرب، قال الله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس كان من الجن} [الكهف: 50] . وقال الله تعالى: {لا يسمعون ~~فيها لغوا ولا تأثيما - إلا قيلا سلاما} [الواقعة: 25 - 26] . وقال الشاعر: # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس # وقال آخر: # عيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا أواري لأيا ما أبينها # ولنا أن الاستثناء صرف اللفظ بحرف الاستثناء عما كان يقتضيه لولاه. # وقيل: هو إخراج بعض ما تناوله المستثنى منه، مشتق من ثنيت فلانا عن رأيه. ~~إذا صرفته عن رأي كان عازما عليه. وثنيت عنان دابتي. إذا صرفتها به عن ~~وجهتها التي كانت تذهب إليها. وغير الجنس المذكور ليس بداخل في الكلام، ~~فإذا ذكره، فما صرف الكلام عن صوبه، ولا ثناه عن وجه استرساله، فلا يكون ~~استثناء، وإنما سمي استثناء تجوزا، وإنما هو في الحقيقة استدراك. " وإلا " ~~هاهنا بمعنى " لكن ". هكذا قال أهل العربية؛ منهم ابن قتيبة، وحكاه عن ~~سيبويه. # والاستدراك لا يأتي إلا بعد الجحد، ولذلك لم يأت الاستثناء في الكتاب ~~العزيز من غير الجنس إلا بعد النفي، ولا يأتي بعده الإثبات، إلا أن يوجد ~~بعده جملة. # وإذا تقرر هذا، فلا مدخل للاستدراك في الإقرار؛ لأنه إثبات للمقر به، ~~فإذا ذكر الاستدراك بعده كان باطلا، وإن ذكره بعد جملة كأن قال: له عندي ~~مائة درهم إلا ثوبا لي عليه. فيكون مقرا بشيء مدعيا لشيء سواه، فيقبل ~~إقراره، وتبطل دعواه، كما لو صرح بذلك بغير لفظ الاستثناء. وأما قوله ~~تعالى: {فسجدوا إلا إبليس} [الكهف: 50] فإن إبليس كان من الملائكة، ms2466 بدليل ~~أن الله تعالى لم يأمر بالسجود غيرهم، فلو لم يكن منهم لما كان مأمورا ~~بالسجود، ولا عاصيا بتركه، ولا قال الله تعالى في حقه: {ففسق عن أمر ربه} ~~[الكهف: 50] . ولا قال: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] وإذا لم ~~يكن مأمورا فلم أنكسه الله وأهبطه ودحره؟ ولم يأمر الله تعالى بالسجود إلا ~~الملائكة. فإن قالوا: بل قد تناول الأمر الملائكة ومن كان معهم، فدخل إبليس ~~في الأمر لكونه معهم. # قلنا: قد سقط استدلالكم، فإنه متى كان إبليس داخلا في المستثنى منه، ~~مأمورا بالسجود، فاستثناؤه من الجنس، وهذا ظاهر لمن أنصف، إن شاء الله ~~تعالى. فعلى هذا، متى قال: له علي ألف درهم إلا ثوبا. لزمه الألف، وسقط ~~الاستثناء، بمنزلة ما لو قال: له علي ألف درهم، لكن لي عليه ثوب. # PageV05P113 # (3820) الفصل الثاني: إذا استثنى عينا من ورق، أو ورقا من عين، فاختلف ~~أصحابنا في صحته؛ فذهب أبو بكر عبد العزيز إلى أنه لا يصح؛ لما ذكرنا. # وهو قول محمد بن الحسن. وقال ابن أبي موسى: فيه روايتان. واختار الخرقي ~~صحته؛ لأن قدر أحدهما معلوم من الآخر، ويعبر بأحدهما عن الآخر، فإن قوما ~~يسمون تسعة دراهم دينارا، وآخرون يسمون ثمانية دراهم دينارا، فإذا استثنى ~~أحدهما من الآخر، علم أنه أراد التعبير بأحدهما عن الآخر، فإذا قال: له علي ~~دينار إلا ثلاثة دراهم، في موضع يعبر فيه بالدينار عن تسعة، كان معناه: له ~~علي تسعة دراهم إلا ثلاثة. # ومتى أمكن حمل الكلام على وجه صحيح، لم يجز إلغاؤه، وقد أمكن بهذا ~~الطريق، فوجب تصحيحه. وقال أبو الخطاب لا فرق بين العين والورق وبين ~~غيرهما، فيلزم من صحة استثناء أحدهما من الآخر صحة استثناء الثياب وغيرها. ~~وقد ذكرنا الفرق. ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل رواية الصحة على ما إذا ~~كان أحدهما يعبر به عن الآخر، أو يعلم قدره منه، ورواية البطلان على ما إذا ~~انتفى ذلك، والله أعلم. ### | [فصل ذكر نوعا من جنس واستثنى نوعا آخر من ذلك الجنس في الإقرار] ms2467 # (3821) فصل: ولو ذكر نوعا من جنس واستثنى نوعا آخر من ذلك الجنس، مثل أن ~~يقول: له علي عشرة آصع تمرا برنيا، إلا ثلاثة تمرا معقليا. لم يجز؛ لما ~~ذكرناه في الفصل الأول. ويخالف العين والورق؛ لأن قيمة أحد النوعين غير ~~معلومة من الآخر، ولا يعبر بأحدهما عن الآخر. ويحتمل على قول الخرقي جوازه؛ ~~لتقارب المقاصد من النوعين، فهما كالعين والورق. والأول أصح؛ لأن العلة ~~الصحيحة في العين والورق غير ذلك. ### | [فصل الاستثناء في الإقرار] # (3822) فصل: فأما استثناء بعض ما دخل في المستثنى منه، فجائز بغير خلاف ~~علمناه؛ فإن ذلك في كلام العرب، وقد جاء في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ~~{فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14] . وقال: {فسجد الملائكة ~~كلهم أجمعون} [الحجر: 30] {إلا إبليس} [الحجر: 31] وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في الشهيد: «يكفر عنه خطاياه كلها إلا الدين.» وهذا في الكتاب ~~والسنة كثير، وفي سائر كلام العرب. # فإذا أقر بشيء، واستثنى منه، كان مقرا بالباقي بعد الاستثناء، فإذا قال: ~~له علي مائة إلا عشرة. كان مقرا بتسعين؛ لأن الاستثناء يمنع أن يدخل في ~~اللفظ ما لولاه لدخل، فإنه لو دخل لما أمكن إخراجه، ولو أقر بالعشرة ~~المستثناة لما قبل منه إنكارها. وقول الله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما} [العنكبوت: 14] . إخبار بتسعمائة وخمسين، # PageV05P114 # فالاستثناء بين أن الخمسين المستثناة غير مرادة، كما أن التخصيص يبين أن ~~المخصوص غير مراد باللفظ العام، وإن قال: هذه الدار لزيد إلا هذا البيت. ~~كان مقرا بما سوى البيت منها. # وكذلك إن قال: إلا ثلثها، أو ربعها. صح، وكان مقرا بالباقي بعد المستثنى. ~~وكذلك إن قال: هذه الدار له، وهذا البيت لي. صح أيضا؛ لأنه في معنى ~~الاستثناء، لكونه أخرج بعض ما دخل في اللفظ الأول بكلام متصل. وإن قال: له ~~هؤلاء العبيد إلا هذا. صح، وكان مقرا بمن سواه منهم. وإن قال: إلا واحدا. ~~صح؛ لأن الإقرار يصح مجهولا، فكذلك الاستثناء منه، ويرجع في تعيين المستثنى ~~إليه، لأن الحكم يتعلق ms2468 بقوله، وهو أعلم بمراده به. وإن عين من عدا ~~المستثنى، صح، وكان الباقي له. فإن هلك العبيد إلا واحدا، فذكر أنه ~~المستثنى، قبل. ذكره القاضي. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وقال أبو ~~الخطاب لا يقبل، في أحد الوجهين. # وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي؛ لأنه يرفع به الإقرار كله. والصحيح أنه ~~يقبل؛ لأنه يقبل تفسيره به في حياتهم لمعنى هو موجود بعد موتهم، فقبل كحالة ~~حياتهم، وليس هذا رفعا للإقرار، وإنما تعذر تسليم المقر به لتلفه، لا لمعنى ~~يرجع إلى التفسير، فأشبه ما لو عينه في حياتهم، فتلف بعد تعيينه. وإن قتل ~~الجميع إلا واحدا، قبل تفسيره بالباقي، وجها واحدا. وإن قتل الجميع، فله ~~قيمة أحدهم، ويرجع في التفسير إليه. # وإن قال: غصبتك هؤلاء العبيد إلا واحدا. فهلكوا إلا واحدا؛ قبل تفسيره ~~به، وجها واحدا؛ لأن المقر له يستحق قيمة الهالكين، فلا يفضي التفسير ~~بالباقي إلى سقوط الإقرار، بخلاف التي قبلها فصل (3823) : وحكم الاستثناء ~~بسائر أدواته حكم الاستثناء بإلا، فإذا قال: له علي عشرة سوى درهم، أو ليس ~~درهما، أو خلا درهما، أو عدا درهما، أو ما خلا أو ما عدا درهما، أو لا يكون ~~درهما أو غير درهم. بفتح الراء، كان مقرا بتسعة. وإن قال: غير درهم، بضم ~~رائها، وهو من أهل العربية، كان مقرا بعشرة، لأنها تكون صفة للعشرة المقر ~~بها، ولا يكون استثناء. فإنها لو كانت استثناء كانت منصوبة، وإن لم يكن # PageV05P115 # من أهل العربية، لزمه تسعة؛ لأن الظاهر أنه إنما يريد الاستثناء لكنه ~~رفعها جهلا منه بالعربية، لا قصدا للصفة. ### | [فصل لا يصح الاستثناء إلا أن يكون متصلا بالكلام] # (3824) فصل: ولا يصح الاستثناء إلا أن يكون متصلا بالكلام، فإن سكت سكوتا ~~يمكنه الكلام فيه، أو فصل بين المستثنى منه والمستثنى بكلام أجنبي، لم يصح؛ ~~لأنه إذا سكت أو عدل عن إقراره إلى شيء آخر، استقر حكم ما أقر به، فلم ~~يرتفع، بخلاف ما إذا كان في كلامه فإنه لا يثبت حكمه، وينتظر ما يتم به ~~كلامه، ويتعلق ms2469 به حكم الاستثناء والشرط والعطف والبدل ونحوه. ### | [فصل استثناء الكل في الإقرار] # (3825) فصل: ولا يصح استثناء الكل بغير خلاف؛ لأن الاستثناء رفع بعض ما ~~تناوله اللفظ، واستثناء الكل رفع الكل، فلو صح صار الكلام كله لغوا غير ~~مفيد، فإن قال: له علي درهم ودرهم إلا درهما. أو ثلاثة دراهم ودرهمان إلا ~~درهمين. أو ثلاثة ونصف إلا نصفا، أو إلا درهما. أو خمسة وتسعون إلا خمسة. ~~لم يصح الاستثناء، ولزمه جميع ما أقر به قبل الاستثناء. وهذا قول الشافعي. ~~وهو الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة، وفيه وجه آخر، أنه يصح؛ لأن الواو العاطفة ~~تجمع بين العددين، وتجعل الجملتين كالجملة الواحدة، ومن أصلنا أن الاستثناء ~~إذا تعقب جملا معطوفا بعضها على بعض بالواو، عاد إلى جميعها، كقولنا في قول ~~الله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] ~~{إلا الذين تابوا} [النور: 5] إن الاستثناء عاد إلى الجملتين، فإذا تاب ~~القاذف قبلت شهادته. ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يؤمن ~~الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» . # والوجه الأول أولى؛ لأن الواو لم تخرج الكلام من أن يكون جملتين، ~~والاستثناء يرفع إحداهما جميعا، ولا نظير لهذا في كلامهم، ولأن صحة ~~الاستثناء تجعل إحدى الجملتين مع الاستثناء لغوا، لأنه أثبت شيئا بلفظ ~~مفرد، ثم رفعه كله، فلا يصح، كما لو استثنى منها وهي غير معطوفة على بعضها، ~~فأما الآية والخبر، فإن الاستثناء لم يرفع إحدى الجملتين، إنما أخرج من ~~الجملتين معا من اتصف بصفة، فنظيره ما لو قال للبواب: من جاء يستأذن فأذن ~~له، وأعطه درهما، إلا فلانا. # ونظير مسألتنا ما لو قال: أكرم زيدا وعمرا إلا عمرا. وإن قال: له علي ~~درهمان وثلاثة إلا درهمين. لم يصح أيضا؛ لأنه يرفع الجملة الأولى كلها، ~~فأشبه ما لو قال: أكرم زيدا وعمرا إلا زيدا. وإن قال: له علي ثلاثة وثلاثة ~~إلا درهمين، خرج فيه وجهان؛ لأنه استثنى أكثر الجملة التي تليه، واستثناء ~~الأكثر فاسد، كاستثناء الكل. # PageV05P116 ### | [فصل ms2470 استثنى استثناء بعد استثناء وعطف الثاني على الأول في الإقرار] # (3826) فصل: وإن استثنى استثناء بعد استثناء، وعطف الثاني على الأول، كان ~~مضافا إليه. فإذا قال: له علي عشرة إلا ثلاثة، وإلا درهمين. كان مستثنيا ~~لخمسة مبقيا لخمسة. وإن كان الثاني غير معطوف على الأول، كان استثناء من ~~الاستثناء، وهو جائز في اللغة، قد جاء في كلام الله تعالى في قوله: {قالوا ~~إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} [الحجر: 58] {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين} ~~[الحجر: 59] {إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} [الحجر: 60] . # فإذا كان صدر الكلام إثباتا، كان الاستثناء الأول نفيا والثاني إثباتا، ~~فإن استثنى استثناء ثالثا، كان نفيا يعود كل استثناء إلى ما يليه من ~~الكلام، فإذا قال: له علي عشرة إلا ثلاثة إلا درهما. كان مقرا بثمانية؛ ~~لأنه أثبت عشرة، ثم نفى منها ثلاثة وأثبت درهما، وبقي من الثلاثة المنفية ~~درهمان مستثنيان من العشرة، فيبقى منها ثمانية، وسنزيد لهذا الفصل فروعا في ~~مسألة استثناء الأكثر. ### | [فصل قال له هذه الدار هبة أو سكنى أو عارية في الإقرار بالحقوق] # (3827) فصل: إذا قال: له هذه الدار هبة، أو سكنى، أو عارية كان إقرارا ~~بما أبدل به كلامه، ولم يكن إقرارا بالدار؛ لأنه رفع بآخر كلامه بعض ما دخل ~~في أوله، فصح، كما لو أقر بجملة واستثنى بعضها. وذكر القاضي في هذا وجها، ~~أنه لا يصح؛ لأنه استثناء من غير الجنس، وليس هذا استثناء، إنما هذا بدل، ~~وهو سائغ في اللغة. ويسمى هذا النوع من البدل بدل الاشتمال، وهو أن يبدل من ~~الشيء بعض ما يشتمل عليه ذلك الشيء، كقوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام ~~قتال فيه} [البقرة: 217] . فأبدل القتال من الشهر المشتمل عليه. # وقال تعالى إخبارا عن موسى - عليه السلام -، أنه قال: {وما أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره} [الكهف: 63] . أي أنساني ذكره. وإن قال: له هذه الدار ~~ثلثها. أو قال: ربعها. صح، ويكون مقرا بالجزء الذي أبدله، وهذا بدل البعض، ~~وليس ذلك باستثناء. # ومثله قوله تعالى: {قم الليل إلا قليلا} [المزمل: ms2471 2] {نصفه} [المزمل: 3] ~~. # وقوله سبحانه: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل ~~عمران: 97] . ولكنه في معنى الاستثناء، في كونه يخرج من الكلام بعض ما يدخل ~~فيه لولاه، ويفارقه في أنه يجوز أن يخرج أكثر من النصف، وأنه يجوز إبدال ~~الشيء من غيره إذا كان مشتملا عليه، ألا ترى أن الله تعالى أبدل المستطيع ~~للحج من الناس، وهو أقل من نصفهم، وأبدل القتال من الشهر الحرام، وهو غيره؟ ~~ومتى قال: له هذه الدار سكنى أو عارية ثبت فيها حكم ذلك، وله أن لا يسكنه ~~إياها، وأن يعود فيما أعاره. ### | [مسألة ادعي عليه شيء فقال قد كان له علي وقضيته] # (3828) مسألة؛ قال: (ومن ادعي عليه شيء، فقال: قد كان له علي وقضيته. لم ~~يكن ذلك إقرارا) # PageV05P117 # حكى ابن أبي موسى في هذه المسألة روايتين؛ إحداهما، أن هذا ليس بإقرار. ~~اختاره القاضي، وقال: لم أجد عن أحمد رواية بغير هذا. # والثانية، أنه مقر بالحق، مدع لقضائه، فعليه البينة بالقضاء؛ وإلا حلف ~~غريمه وأخذ. واختاره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة لأنه أقر بالدين، وادعى ~~القضاء، فلم تقبل دعواه، كما لو ادعى القضاء بكلام منفصل، ولأنه رفع جميع ~~ما أثبته، فلم يقبل، كاستثناء الكل. وللشافعي قولان كالمذهبين. ووجه قول ~~الخرقي أنه قول متصل، يمكن صحته، ولا تناقض فيه، فوجب أن يقبل كاستثناء ~~البعض، وفارق المنفصل؛ لأن حكم الأول قد استقر بسكوته عليه، فلا يمكن رفعه ~~بعد استقراره، ولذلك لا يرتفع بعضه باستثناء ولا غيره، فما يأتي بعده من ~~دعوى القضاء يكون دعوى مجردة، لا تقبل إلا ببينة، وأما استثناء الكل ~~فمتناقض؛ لأنه لا يمكن أن يكون عليه ألف وليس عليه شيء. # (3829) فصل: وإن قال: له علي مائة، وقضيته منها خمسين. فالكلام فيها ~~كالكلام فيما إذا قال: وقضيتها. وإن قال له إنسان: لي عليك مائة. فقال: ~~قضيتك منها خمسين. فقال القاضي: لا يكون مقرا بشيء؛ لأن الخمسين التي ذكر ~~أنه قضاها في كلامه ما تمنع بقاءها، وهو دعوى القضاء، وباقي المائة لم ~~يذكرها، ms2472 وقوله: منها. يحتمل أن يريد بها مما يدعيه، ويحتمل مما علي، فلا ~~يثبت عليه شيء بكلام محتمل. ويجيء على قول من قال بالرواية الأخرى أن يلزمه ~~الخمسون التي ادعى قضاءها؛ لأن في ضمن دعوى القضاء إقرارا بأنها كانت عليه، ~~فلا تقبل دعوى القضاء بغير بينة. ### | [فصل قال كان له علي ألف وسكت في الإقرار بالحقوق] # (3830) فصل: وإن قال: كان له علي ألف. وسكت، لزمه الألف، في ظاهر كلام ~~أصحابنا. وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر: لا يلزمه ~~شيء، وليس هذا بإقرار؛ لأنه لم يذكر عليه شيئا في الحال، إنما أخبر بذلك ~~فجاز في زمن ماض، فلا يثبت في الحال، ولذلك لو شهدت البينة به لم يثبت. # ولنا، أنه أقر بالوجوب، ولم يذكر ما يرفعه، فبقي على ما كان عليه، ولهذا ~~لو تنازعا دارا، فأقر أحدهما للآخر أنها كانت ملكه، حكم بها له، إلا أنه ~~هاهنا إن عاد فادعى القضاء أو الإبراء، سمعت دعواه؛ لأنه لا تنافي بين ~~إقراره وبين ما يدعيه. ### | [فصل قال له علي ألف قضيته إياها في الإقرار بالحقوق] # (3831) فصل: وإن قال: له علي ألف، قضيته إياها. لزمه الألف، ولم تقبل ~~دعوى القضاء. # PageV05P118 # وقال القاضي: تقبل؛ لأنه رفع ما أثبته بدعوى القضاء متصلا، فأشبه ما لو ~~قال: كان له علي، وقضيته. # وقال ابن أبي موسى إن قال: قضيت جميعه. لم يقبل إلا ببينة، ولزمه ما أقر ~~به، وله اليمين على المقر له. ولو قال: قضيت بعضه. قبل منه، في إحدى ~~الروايتين؛ لأنه رفع بعض ما أقر به بكلام متصل، فأشبه ما لو استثناه، بخلاف ~~ما إذا قال: قضيت جميعه. لكونه رفع جميع ما هو ثابت، فأشبه استثناء الكل. # ولنا، أن هذا قول متناقض، إذ لا يمكن أن يكون عليه ألف قد قضاه، فإن كونه ~~عليه يقتضي بقاءه في ذمته، واستحقاق مطالبته به، وقضاؤه يقتضي براءة ذمته ~~منه، وتحريم مطالبته به، والإقرار به يقتضي ثبوته، والقضاء يقتضي رفعه، ~~وهذان ضدان لا يتصور اجتماعهما في زمن ms2473 واحد، بخلاف ما إذا قال: كان له علي، ~~وقضيته. فإنه أخبر بهما في زمانين، ويمكن أن يرتفع ما كان ثابتا، ويقضي ما ~~كان دينا، وإذا لم يصح هذا في الجميع، لم يصح في البعض؛ لاستحالة بقاء ألف ~~عليه وقد قضى بعضه، ويفارق الاستثناء؛ فإن الاستثناء مع المستثنى منه عبارة ~~عن الباقي من المستثنى منه، فقول الله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما} [العنكبوت: 14] . عبارة عن تسعمائة وخمسين. # أما القضاء فإنما يرفع جزءا كان ثابتا، فإذا ارتفع بالقضاء لا يجوز ~~التعبير عنه بما يدل على البقاء. ### | [فصل وصل إقراره بما يسقطه] # فصل: وإن وصل إقراره بما يسقطه، فقال: له علي ألف من ثمن خمر أو خنزير، ~~أو من ثمن طعام اشتريته فهلك قبل قبضه، أو ثمن مبيع فاسد لم أقبضه، أو ~~تكفلت به على أني بالخيار. لزمه الألف، ولم يقبل قوله في إسقاطه. ذكره أبو ~~الخطاب وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. # وذكر القاضي أنه إذا قال: له علي ألف زيوف. ففسره برصاص أو نحاس، لم ~~يقبل؛ لأنه رفع كل ما اعترف به. وقال في سائر الصور التي ذكرناها: يقبل ~~قوله؛ لأنه عزا إقراره إلى سببه، فقبل كما لو عزاه إلى سبب صحيح. ولنا، أن ~~هذا يناقض ما أقر به، فلم يقبل، كالصورة التي سلمها، وكما لو قال: له علي ~~ألف لا يلزمني. أو يقول: دفع جميع ما أقر به. فلم يقبل، كاستثناء الكل. # وغير خاف تناقض كلامه؛ فإن ثبوت ألف عليه في هذه المواضع لا يتصور، ~~وإقراره إخبار بثبوته، فيتنافيان، وإن سلم ثبوت الألف عليه فهو ما قلناه. ### | [فصل رجوع المقر عن إقراره] # (3832) فصل: ولا يقبل رجوع المقر عن إقراره، إلا فيما كان حدا لله تعالى، ~~يدرأ بالشبهات، ويحتاط لإسقاطه. # PageV05P119 # فأما حقوق الآدميين، وحقوق الله تعالى التي لا تدرأ بالشبهات، كالزكاة ~~والكفارات، فلا يقبل رجوعه عنها. ولا نعلم في هذا خلافا. # فإذا قال: هذه الدار لزيد، لا بل لعمرو. أو ادعى زيد على ميت شيئا معينا ~~من ms2474 تركته، فصدقه ابنه، ثم ادعاه عمرو، فصدقه، حكم به لزيد ووجبت عليه ~~غرامته لعمرو. وهذا ظاهر أحد قولي الشافعي. وقال في الآخر: لا يغرم لعمرو ~~شيئا. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه أقر له بما عليه الإقرار به، وإنما منعه ~~الحكم من قبوله، وذلك لا يوجب الضمان. # ولنا، أنه حال بين عمرو وبين ملكه الذي أقر له به بإقراره لغيره، فلزمه ~~غرمه، كما لو شهد رجلان على آخر بإعتاق عبده، ثم رجعا عن الشهادة، أو كما ~~لو رمى به إلى البحر، ثم أقر به. وإن قال: غصبت هذه الدار من زيد، لا بل من ~~عمرو. أو غصبتها من زيد، وغصبها زيد من عمرو. حكم بها لزيد، ولزمه تسليمها ~~إليه، ويغرمها لعمرو. # وبهذا قال أبو حنيفة وهو ظاهر مذهب الشافعي. وقال في الآخر: لا يضمن؛ لما ~~تقدم. ولنا، أنه أقر بالغصب الموجب للضمان والرد إلى المغصوب منه، ثم لم ~~يرد ما أقر بغصبه، فلزمه ضمانه، كما لو تلف بفعل الله تعالى. قال أحمد، في ~~رواية ابن منصور، في رجل قال لرجل: استودعتك هذا الثوب. قال: صدقت، ثم قال: ~~استودعنيه رجل آخر. فالثوب للأول، ويغرم قيمته للآخر. ولا فرق في هذا الفصل ~~بين أن يكون إقراره بكلام متصل أو منفصل. ### | [فصل قال غصبت هذه الدار من زيد وملكها لعمرو في الإقرار بالحقوق] # (3833) فصل: فإن قال: غصبت هذه الدار من زيد، وملكها لعمرو. لزمه دفعها ~~إلى زيد؛ لإقراره له بأنها كانت في يده، وهذا يقتضي كونها في يده بحق، ~~وملكها لعمرو لا ينافي ذلك؛ لأنها يجوز أن تكون في يد زيد بإجارة أو عارية ~~أو وصية، ولا يغرم لعمرو شيئا؛ لأنه لم يكن منه تفريط. وفارق هذا ما إذا ~~قال: هذه الدار لزيد، بل لعمرو؛ لأنه أقر للثاني بما أقر به للأول، فكان ~~الثاني رجوعا عن الأول؛ لتعارضهما، وها هنا لا تعارض بين إقراريه. # وإن قال: ملكها لعمرو، وغصبتها من زيد. فكذلك لا فرق بين التقديم ~~والتأخير والمتصل والمنفصل. ذكره القاضي. وقيل: يلزمه دفعها ms2475 إلى عمرو، ~~ويغرمها لزيد؛ لأنه لما أقر بها لعمرو أولا، لم يقبل إقراره باليد لزيد. ~~وهذا وجه حسن. ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين. ولو قال: هذا الألف دفعه إلي ~~زيد، وهو لعمرو. أو قال: هو لعمرو دفعه إلي زيد. فكذلك، على ما مضى من ~~القول فيه. ### | [فصل قال غصبت هذه الدار من أحدهما أو هي لأحدهما] # (3834) فصل: وإن قال: غصبتها من أحدهما. أو هي لأحدهما. صح الإقرار؛ لأنه ~~يصح بالمجهول، فيصح للمجهول، # PageV05P120 # ويطالب بالبيان، فإن عين أحدهما دفعت إليه، ويحلف للآخر إن ادعاها، ولا ~~يغرم له شيئا؛ لأنه لم يقر له بشيء. وإن قال: لا أعرفه عينا. فصدقاه، نزعت ~~من يده، وكانا خصمين فيها، وإن كذباه فعليه اليمين أنه لا يعلم، وتنزع من ~~يده. فإن كان لأحدهما بينة، حكم له بها، وإن لم تكن له بينة، أقرعنا ~~بينهما، فمن قرع صاحبه حلف، وسلمت إليه. # وإن بين الغاصب بعد ذلك مالكها، قبل منه، كما لو بينه ابتداء. ويحتمل أنه ~~إذا ادعى كل واحد منهما أنه المغصوب منه، توجهت عليه اليمين لكل واحد منهما ~~أنه لم يغصبه، فإن حلف لأحدهما، لزمه دفعها إلى الآخر؛ لأن ذلك يجري مجرى ~~تعيينه، وإن نكل عن اليمين لهما جميعا، فسلمت إلى أحدهما بقرعة أو غيرها، ~~لزمه غرمها للآخر؛ لأنه نكل عن يمين توجهت عليه، فقضي عليه، كما لو ادعاها ~~وحده. ### | [فصل كان في يده عبدان فقال أحد هذين لزيد] # (3835) فصل: فإن كان في يده عبدان، فقال: أحد هذين لزيد. طولب بالبيان، ~~فإن عين أحدهما فصدقه زيد أخذه. وإن قال: هذا لي، والعبد الآخر لزيد فعليه ~~اليمين في العبد الذي ينكره. وإن قال زيد: إنما لي العبد الآخر. فالقول قول ~~المقر مع يمينه في العبد الذي ينكره، ولا يدفع إلى زيد العبد المقر به ولكن ~~يقر في يد المقر؛ لأنه لم يصح إقراره به، في أحد الوجهين، وفي الآخر، ينزع ~~من يده، لاعترافه بأنه لا يملكه، ويكون في بيت المال؛ لأنه لا مالك له ~~معروف، فأشبه ميراث من ms2476 لا يعرف وارثه. # فإن أبى التعيين، فعينه المقر له، وقال: هذا عبدي. طولب بالجواب، فإن ~~أنكر حلف، وكان بمنزلة تعيينه للآخر، وإن نكل عن اليمين يقضى عليه، وإن أقر ~~له، فهو كتعيينه. ### | [فصل أقر لرجل بعبد ثم جاءه به] # (3836) فصل: ولو أقر لرجل بعبد، ثم جاءه به، فقال: هذا الذي أقررت به. ~~فقال: ليس هو هذا، إنما هو آخر. فعلى المقر اليمين أنه ليس له عنده سواه، ~~ولا يلزمه تسليم هذا إلى المقر له؛ لأنه لا يدعيه. وإن قال: هذا لي، ولي ~~عندك آخر. سلم إليه هذا، وحلف له على نفي الآخر. وكل من أقر لرجل بملك، ~~فكذبه، بطل إقراره؛ لأنه لا يثبت للإنسان ملك لا يعترف به. وفي المال ~~وجهان؛ أحدهما، يترك في يد المقر؛ لأنه كان محكوما له به، فإذا بطل إقراره ~~بقي على ما كان عليه. # والثاني، يؤخذ إلى بيت المال؛ لأنه لم يثبت له مالك. وقيل: يؤخذ فيحفظ ~~حتى يظهر مالكه؛ لأنه لا يدعيه أحد. ومذهب الشافعي مثل هذا. فإن عاد أحدهما ~~فكذب نفسه، دفع إليه؛ لأنه يدعيه، ولا منازع له فيه، وإن كذب كل واحد ~~منهما، نفسه، فرجع المقر عن إقراره، وادعاه المقر له، فإن كان باقيا في يد ~~المقر، فالقول قوله مع يمينه، كما لو لم يقر به لغيره، وإن كان معدوما بتلف ~~أو إباق ونحوه، بغير تعد من أحدهما، فلا شيء فيه من يمين ولا غيرها، وإن ~~كان بتعد من أحدهما، فالقول فيه قول المقر مع يمينه، # PageV05P121 # كما لو كان باقيا. # فإذا حلف، سقط عنه الضمان، وإن كان تلفه. بتعديه، ووجب له الضمان على ~~الآخر، إن كان تلفه بتعد منه، والله أعلم. ### | [مسألة أقر بعشرة دراهم ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه] # (3837) مسألة؛ قال: (ومن أقر بعشرة، دراهم، ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام ~~فيه، ثم قال: زيوفا أو صغارا أو إلى شهر. كانت عشرة جيادا وافية حالة) ~~وجملته أن من أقر بدراهم، وأطلق، اقتضى إقراره الدراهم الوافية، وهي دراهم ~~الإسلام، كل عشرة منها ms2477 وزن سبعة مثاقيل، وكل درهم ستة دوانق، واقتضى أن ~~تكون جيادا، حالة، كما لو باعه بعشرة دراهم، وأطلق، فإنها تلزمه كذلك. # فإذا سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، أو أخذ في كلام غير ما كان فيه، استقرت ~~عليه كذلك. فإن عاد، فقال: زيوفا. يعني رديئة. أو صغارا. وهي الدراهم ~~الناقصة، مثل دراهم طبرية، كان كل درهم منها أربعة دوانق، وذلك ثلثا درهم. ~~أو إلى شهر. يعني مؤجلة، لم يقبل منه؛ لأنه يرجع عن بعض ما أقر به، ويرفعه ~~بكلام منفصل، فلم يقبل، كالاستثناء المنفصل. # وهذا مذهب الشافعي. ولا فرق بين الإقرار بها دينا، أو وديعة، أو غصبا. ~~وقال أبو حنيفة يقبل قوله في الغصب الوديعة؛ لأنه أقر بفعل في عين، وذلك لا ~~يقتضي سلامتها، فأشبه ما لو أقر بغصب عبد، ثم جاء به معيبا. ولنا، أن إطلاق ~~الاسم يقتضي الوازنة الجياد، فلم يقبل تفسيره بما يخالف ذلك، كالدين، ~~ويفارق العبد؛ فإن العيب لا يمنع إطلاق اسم العبد عليه. فأما إن وصفها بذلك ~~بكلام متصل، أو سكت للتنفس، أو اعترضته سعلة، أو نحو ذلك، ثم وصفها بذلك، ~~أو شيء منه، قبل منه. # وذكر أبو الخطاب أنه يحتمل أن لا يقبل منه التأجيل. وهو قول أبي حنيفة ~~وبعض أصحاب الشافعي؛ لأن التأجيل يمنع استيفاء الحق، فلم يقبل، كما لو قال: ~~له علي دراهم قضيته إياها. وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يقبل تفسيره ~~بالناقصة. وقال القاضي: إن قال: له علي عشرة دراهم ناقصة. قبل قوله. # وإن قال: صغارا. وللناس دراهم صغار، قبل قوله أيضا. وإن لم يكن له دراهم ~~صغار لزمه وازنة، كما لو قال: دريهم. لزمه درهم وازن. وهذا قول ابن القاص ~~من أصحاب الشافعي. ولنا، أنه فسر كلامه بما يحتمله بكلام متصل، فقبل منه، ~~كاستثناء البعض، وذلك لأن الدراهم يعبر بها عن الوازنة والناقصة، والزيوف ~~والجيدة، وكونها عليه يحتمل الحلول والتأجيل، فإذا وصفها بذلك، تقيدت به، ~~كما لو وصف الثمن به، فقال: بعتك بعشرة دراهم، مؤجلة ناقصة. وثبوتها على ~~غير # PageV05P122 # هذه الصفة ms2478 حالة الإطلاق، لا يمنع من صحة تقييدها به، كالثمن. # وقولهم: إن التأجيل يمنع استيفاءها. ليس بصحيح، وإنما يؤخره، فأشبه الثمن ~~المؤجل يحققه أن الدراهم تثبت في الذمة على هذه الصفات، فإذا كانت ثابتة ~~بهذه الصفة، لم تقتض الشريعة المطهرة سد باب الإقرار بها على صفتها. # وعلى ما ذكروه، لا سبيل له إلى الإقرار بها إلا على وجه يؤاخذ بغير ما هو ~~واجب عليه، فيفسد باب الإقرار. وقول من قال: إن قوله " صغارا " ينصرف إلى ~~المقدار. لا يصح؛ لأن مساحة الدراهم لا تعتبر في الشرع ولا تثبت في الذمة ~~بمساحة مقدرة، وإنما يعتبر الصغر والكبر في الوزن، فيرجع إلى تفسير المقر، ~~فأما إن قال: زيوفا. وفسرها بمغشوشة، أو معيبة عيبا ينقصها، قبل تفسيره، ~~وإن فسرها بنحاس أو رصاص، أو ما لا قيمة له، لم يقبل؛ لأن تلك ليست دراهم ~~على الحقيقة، فيكون تفسيره به رجوعا عما أقر به، فلم يقبل، كاستثناء الكل. ### | [فصل أقر بدراهم وأطلق في بلد أوزانهم ناقصة] # (3838) فصل: وإن أقر بدراهم وأطلق، في بلد أوزانهم ناقصة، كطبرية، كان ~~درهمهم أربعة دوانيق، وخوارزم كان درهمهم أربعة دوانيق ونصفا، ومكة درهمهم ~~ناقص، وكذلك المغرب، أو في بلد دراهمهم مغشوشة، كمصر والموصل، أو بدنانير ~~في بلد دنانيرهم مغشوشة. ففيه وجهان؛ أولهما، يلزمه من دراهم البلد ~~ودنانيره؛ لأن مطلق كلامهم يحمل على عرف بلدهم، كما في البيع والأثمان. # والثاني، تلزمه الوازنة الخالصة من الغش؛ لأن إطلاق الدراهم في الشرع ~~ينصرف إليها، بدليل أن بها تقدير نصب الزكاة ومقادير الديات، فكذلك إطلاق ~~الشخص. وفارق البيع؛ فإنه إيجاب في الحال، فاختص بدراهم الموضع الذي هما ~~فيه، والإقرار إخبار عن حق سابق فانصرف إلى دراهم الإسلام. ### | [فصل أقر بدراهم وأطلق ثم فسرها بسكة البلد الذي أقر بها فيه] # (3839) فصل: وإن أقر بدراهم، وأطلق، ثم فسرها بسكة البلد الذي أقر بها ~~فيه، قبل؛ لأن إطلاقه ينصرف إليه، وإن فسرها بسكة غير سكة البلد أجود منها، ~~قبل؛ لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ، وكذلك إن كانت ms2479 مثلها؛ لأنه لا يتهم في ~~ذلك، وإن كانت أدنى من سكة البلد، لكنها مساوية في الوزن، احتمل أن لا ~~يقبل؛ لأن إطلاقها يقتضي دراهم البلد ونقده، فلا يقبل منه دونها، كما لا ~~يقبل في البيع، ولأنها ناقصة القيمة، فلم يقبل تفسيره بها، كالناقصة وزنا. # ويحتمل أن يقبل منه، وهو قول الشافعي لأنه يحتمل ما فسره به. وفارق ~~الناقصة؛ لأن إطلاق الشرع الدراهم، لا يتناولها، بخلاف هذه، ولهذا يتعلق ~~بهذه مقدار النصاب في الزكاة وغيره، وفارق الثمن؛ فإنه إيجاب في الحال، ~~وهذا إخبار عن حق سابق. # PageV05P123 ### | [فصل قال له علي درهم كبير] # (3840) فصل: وإن قال: له علي درهم كبير. لزمه درهم من دراهم الإسلام؛ ~~لأنه كبير في العرف. # وإن قال: له علي دريهم. فهو كما لو قال: درهم؛ لأن التصغير قد يكون لصغره ~~في ذاته، أو لقلة قدره عنده وتحقيره، وقد يكون لمحبته كما قال الشاعر: # بذيالك الوادي أهيم ولم أقل ... بذيالك الوادي وذياك من زهد # ولكن إذا ما حب شيء تولعت ... به أحرف التصغير من شدة الوجد # وإن قال: له علي عشرة دراهم عددا. لزمته عشرة معدودة وازنة؛ لأن إطلاق ~~الدراهم يقتضي وازنة، وذكر العدد لا ينافيها، فوجب الجمع بينهما. # فإن كان في بلد يتعاملون بها عددا من غير وزن، فحكمه حكم ما لو أقر بها ~~في بلد أوزانهم ناقصة، أو دراهمهم مغشوشة، على ما فصل فيه. ### | [فصل أقر بدرهم ثم أقر بدرهم] # (3841) فصل: وإذا أقر بدرهم، ثم أقر بدرهم، لزمه درهم واحد. وبهذا قال ~~الشافعي وقال أبو حنيفة يلزمه درهمان، كما لو قال: له علي درهم ودرهم. ولا ~~فرق بين أن يكون الإقرار في وقت واحد أو في أوقات، أو في مجلس واحد أو ~~مجالس. ولنا، أنه يجوز أن يكون قد كرر الخبر عن الأول، كما كرر الله تعالى ~~الخبر عن إرساله نوحا وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا وإبراهيم وموسى وعيسى، ولم ~~يكن المذكور في قصة غير المذكور في أخرى، كذا هاهنا. فإن وصف أحدهما وأطلق ~~الآخر، فكذلك؛ لأنه يجوز ms2480 أن يكون المطلق هو الموصوف، أطلقه في حال ووصفه في ~~حال. # وإن وصفه بصفة واحدة في المرتين، كان تأكيدا لما ذكرنا، وإن وصفه في إحدى ~~المرتين بغير ما وصفه في الأخرى، فقال: درهم من ثمن مبيع. ثم قال: له علي ~~درهم من قرض، أو درهم من ثمن ثوب. ثم قال: درهم من ثمن عبد. أو قال: درهم ~~أبيض، ثم قال: درهم أسود. فهما درهمان؛ لأنهما متغايران. ### | [فصل قال له علي درهم ودرهم أو درهم فدرهم أو درهم ثم درهم] # (3842) فصل: وإن قال: له علي درهم ودرهم أو درهم ثم درهم أو درهم فدرهم. ~~أو درهم ثم درهم. لزمه درهمان. وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه. وذكر القاضي ~~وجها، فيما إذا قال: درهم فدرهم. وقال: أردت: درهم فدرهم لازم لي. أنه يقبل ~~منه، وهو قول الشافعي لأنه يحتمل الصفة. # ولنا، أن الفاء أحد حروف العطف الثلاثة، فأشبهت الواو وثم، ولأنه عطف ~~شيئا على شيء # PageV05P124 # بالفاء، فاقتضى ثبوتهما، كما لو قال: أنت طالق فطالق. وقد سلمه الشافعي ~~وما ذكروه من احتمال الصفة بعيد، لا يفهم حالة الإطلاق، فلا يقبل تفسيره ~~به، كما لو فسر الدراهم المطلقة بأنها زيوف أو صغار أو مؤجلة. # وإن قال: له علي درهم ودرهمان. لزمته ثلاثة. وإن قال: له علي درهم ~~ودينار، أو فدينار، أو قفيز حنطة. ونحو ذلك. لزمه ذلك كله. وإن قال: له علي ~~درهم ودرهم ودرهم. لزمته ثلاثة. وحكى ابن أبي موسى عن بعض أصحابنا، أنه إذا ~~قال: أردت بالثالث تأكيد الثاني وبيانه. أنه يقبل. # وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأن الثالث في لفظ الثاني، وظاهر مذهبه أنه ~~تلزمه الثلاثة؛ لأن الواو للعطف، والعطف يقتضي المغايرة، فوجب أن يكون ~~الثالث غير الثاني، كما كان الثاني غير الأول، والإقرار لا يقتضي تأكيدا، ~~فوجب حمله على العدد. # وكذلك الحكم إذا قال: له علي درهم فدرهم فدرهم، أو درهم ثم درهم ثم درهم. ~~وإن قال: له علي درهم ودرهم ثم درهم، أو درهم فدرهم ثم درهم، أو درهم ثم ms2481 ~~درهم فدرهم. لزمته الثلاثة، وجها واحدا؛ لأن الثالث مغاير للثاني، لاختلاف ~~حرفي العطف الداخلين عليهما، فلم يحتمل التأكيد. ### | [فصل قال له علي درهم بل درهمان أو درهم لكن درهمان] # (3843) فصل: وإن قال: له علي درهم بل درهمان، أو درهم لكن درهمان. لزمه ~~درهمان. وبه قال الشافعي وقال زفر وداود تلزمه ثلاثة؛ لأن " بل " للإضراب، ~~فلما أقر بدرهم وأضرب عنه، لزمه؛ لأنه لا يقبل رجوعه عما أقر به، ولزمه ~~الدرهمان اللذان أقر بهما. ولنا، أنه إنما نفى الاقتصار على واحد، وأثبت ~~الزيادة عليه، فأشبه ما لو قال: له علي درهم، بل أكثر. فإنه لا يلزمه أكثر ~~من اثنين. # وإن قال: له علي درهم، بل درهم، أو لكن درهم. ففيه وجهان؛ أحدهما، يلزمه ~~درهم واحد؛ لأن أحمد قال في من قال لامرأته: أنت طالق، لا بل أنت طالق: ~~إنها لا تطلق إلا واحدة. وهذا في معناه. وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه أقر بدرهم ~~مرتين، فلم يلزمه أكثر من درهم، كما لو أقر بدرهم ثم أنكره، ثم قال: بل علي ~~درهم. و " لكن " للاستدراك، فهي في معنى " بل " إلا أن الصحيح أنها لا ~~تستعمل إلا بعد الجحد، إلا أن يذكر بعدها جملة. # والوجه الثاني، يلزمه درهمان. ذكره ابن أبي موسى وأبو بكر عبد العزيز. ~~ويقتضيه قول زفر وداود؛ لأن ما بعد الإضراب يغاير ما قبله، فيجب أن يكون ~~الدرهم الذي أضرب عنه غير الدرهم الذي أقر به بعده، فيجب الاثنان، كما لو ~~قال: له علي درهم، بل دينار. ولأن " بل " من حروف العطف، # PageV05P125 # والمعطوف غير المعطوف عليه، فوجبا جميعا، كما لو قال: له علي درهم درهم. # ولأنا لو لم نوجب عليه إلا درهما، جعلنا كلامه لغوا، وإضرابه عنه غير ~~مفيد، والأصل في كلام العاقل أن يكون مفيدا. ولو كان الذي أضرب عنه لا يمكن ~~أن يكون المذكور بعده، ولا بعضه، مثل أن يقول: له علي درهم، بل دينار أو ~~ديناران. أو: له علي قفيز حنطة، بل قفيز شعير. أو: هذا الدرهم، بل هذان. ~~لزمه ms2482 الجميع، بغير خلاف علمناه؛ لأن الأول لا يمكن أن يكون الثاني ولا ~~بعضه، فكان مقرا، بهما، ولا يقبل رجوعه عن شيء منهما. وكذلك كل جملتين أقر ~~بإحداهما ثم رجع إلى الأخرى، لزماه. # وإن قال: له علي درهمان، بل درهم. أو عشرة، بل تسعة. لزمه الأكثر؛ لأنه ~~أضرب عن واحد، ونفاه بعد إقراره به، فلم يقبل نفيه له بخلاف الاستثناء، ~~فإنه لا ينفي شيئا أقر به، وإنما هو عبارة عن الباقي بعد الاستثناء، فإذا ~~قال: عشرة إلا درهما. كان معناه تسعة. ### | [فصل قال له علي درهم قبله درهم أو بعده درهم] # (3844) فصل: وإن قال: له علي درهم قبله درهم، أو بعده درهم. لزمه درهمان. ~~وإن قال: قبله درهم وبعده درهم. لزمه ثلاثة؛ لأن " قبل " و " بعد " تستعمل ~~للتقديم والتأخير في الوجوب. وإن قال: له علي درهم فوق درهم، أو تحت درهم، ~~أو معه درهم، أو مع درهم. فقال القاضي: يلزمه درهم. وهو أحد قولي الشافعي ~~لأنه يحتمل فوق درهم في الجودة، أو فوق درهم لي، وكذلك تحت درهم. # وقوله: معه درهم. يحتمل معه درهم لي وكذلك مع درهم، فلم يجب الزائد ~~بالاحتمال. وقال أبو الخطاب يلزمه درهمان. وهو القول الثاني للشافعي لأن ~~هذا اللفظ يجري مجرى العطف، لكونه يقتضي ضم درهم آخر إليه، وقد ذكر ذلك في ~~سياق الإقرار، فالظاهر أنه إقرار، ولأن قوله: " علي " يقتضي في ذمتي، وليس ~~للمقر في ذمة نفسه درهم مع درهم المقر له، ولا فوقه، ولا تحته، فإنه لا ~~يثبت للإنسان في ذمة نفسه شيء. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن قال: فوق درهم. لزمه درهمان؛ لأن " فوق " ~~تقتضي في الظاهر الزيادة. وإن قال: تحت درهم. لزمه درهم واحد؛ لأن " تحت " ~~تقتضي النقص. # ولنا، إن حمل كلامه على معنى العطف، فلا فرق بينهما. وإن حمل على الصفة ~~للدرهم المقر به، وجب أن يكون المقر به درهما واحدا، سواء ذكره بما يقتضي ~~زيادة الجودة أو نقصها. وإن قال: له علي درهم قبله دينار، أو بعده، أو قفيز ~~حنطة، ms2483 أو معه، أو فوقه، أو تحته، أو مع ذلك. فالقول في ذلك كالقول في ~~الدرهم سواء. ### | [فصل قال له ما علي ما بين درهم وعشرة] # (3845) فصل: وإن قال: له ما علي ما بين درهم وعشرة. لزمته ثمانية؛ لأن ~~ذلك ما بينهما. وإن قال: من درهم إلى عشرة، ففيه ثلاثة أوجه؛ # PageV05P126 # أحدها، تلزمه تسعة. وهذا يحكى عن أبي حنيفة لأن " من " لابتداء الغاية، ~~وأول الغاية منها، و " إلى " لانتهائها، فلا يدخل فيها، كقوله تعالى: {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] . والثاني، تلزمه ثمانية؛ لأن الأول ~~والعاشر حدان، فلا يدخلان في الإقرار، ولزمه ما بينهما، كالتي قبلها. # والثالث، تلزمه عشرة؛ لأن العاشر أحد الطرفين، فيدخل فيها كالأول، وكما ~~لو قال: قرأت القرآن من أوله إلى آخره. فإن قال: أردت بقولي من واحد إلى ~~عشرة. مجموع الأعداد كلها، أي الواحد والاثنين وكذلك إلى العشرة، لزمه خمسة ~~وخمسون درهما. واختصار حسابه أن تزيد أول العدد وهو الواحد على العشرة، ~~فيصير أحد عشر، ثم تضربها في نصف العشرة، فما بلغ فهو الجواب. ### | [فصل قال له علي دراهم] # (3846) فصل: وإن قال: له علي دراهم. لزمه ثلاثة. لأنها أقل الجمع. وإن ~~قال: له علي دراهم كثيرة، أو وافرة، أو عظيمة. لزمه ثلاثة. # وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة لا يقبل تفسيره بدون العشرة؛ لأنها ~~أقل جمع الكثرة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقبل أقل من مائتين؛ لأن بها يحصل ~~الغنى، وتجب الزكاة. ولنا، أن الكثرة والعظمة لا حد لها شرعا ولا لغة ولا ~~عرفا، وتختلف بالإضافات وأحوال الناس، فالثلاثة أكثر مما دونها وأقل مما ~~فوقها، ومن الناس من يستعظم اليسير، ومنهم من لا يستعظم الكثير، ويحتمل أن ~~المقر أراد كثيرة بالنسبة إلى ما دونها، أو كثيرة في نفسه، فلا تجب الزيادة ~~بالاحتمال. ### | [فصل قال له علي درهمان في عشرة وقال أردت الحساب] # (3847) فصل: وإن قال: له علي درهمان في عشرة. وقال: أردت الحساب. لزمه ~~عشرون. وإن قال: أردت درهمين مع عشرة. ولم يكن يعرف الحساب، قبل منه، ms2484 ولزمه ~~اثنا عشر؛ لأن كثيرا من العامة يريدون بهذا اللفظ هذا المعنى. # وإن كان من أهل الحساب، احتمل أن لا يقبل؛ لأن الظاهر من الحساب استعمال ~~ألفاظه لمعانيها في اصطلاحهم، ويحتمل أن يقبل؛ لأنه لا يمنع أن يستعمل ~~اصطلاح العامة. وإن قال: أردت درهمين في عشرة لي. لزمه درهمان؛ لأنه يحتمل ~~ما يقول. وإن قال: درهمان في دينار. لم يحتمل الحساب، وسئل عن مراده، فإن ~~قال: أردت العطف أو معنى مع. لزمه الدرهمان والدينار. # وإن قال: أسلمتهما في دينار. فصدقه المقر له؛ بطل إقراره؛ لأن سلم أحد ~~النقدين في الآخر لا يصح، وإن كذبه، فالقول قول المقر له؛ لأن المقر وصل ~~إقراره بما يسقطه، فلزمه ما أقر به، وبطل قوله في دينار. وكذلك إن قال: له ~~علي درهمان في ثوب. وفسره بالسلم، أو قال: في ثوب اشتريته منه إلى سنة. # PageV05P127 # فصدقه، بطل إقراره؛ لأنه إن كان بعد التفرق، بطل السلم وسقط الثمن، وإن ~~كان قبل التفرق فالمقر بالخيار بين الفسخ والإمضاء. وإن كذبه المقر له، ~~فالقول قوله مع يمينه، وله الدرهمان. ### | [فصل قال له عندي درهم في ثوب أو في كيس] # (3848) فصل: وإن قال: له عندي درهم في ثوب، أو في كيس، أو زيت في جرة، أو ~~تبن في غرارة، أو تمر في جراب، أو سكين في قراب، أو فص في خاتم، أو كيس في ~~صندوق. أو قال: غصبت منه ثوبا في منديل، أو زيتا في زق. ففيه وجهان: ~~أحدهما، يكون مقرا بالمظروف دون الظرف. هذا اختيار ابن حامد ومذهب مالك ~~والشافعي لأن إقراره لم يتناول الظرف، فيحتمل أن يكون في ظرف للمقر، فلم ~~يلزمه. # والثاني، يلزمه الجميع؛ لأنه ذكر ذلك في سياق الإقرار، ويصلح أن يكون ~~مقرا به، فلزمه، كما لو قال له: عندي عبد عليه عمامة. وقال أبو حنيفة في ~~الغصب: يلزمه، ولا يلزمه في بقية الصور؛ لأن المنديل يكون ظرفا للثوب، ~~فالظاهر أنه ظرف له في حال الغصب، وصار كأنه قال: غصبت ثوبا ومنديلا. # ولنا، أنه يحتمل ms2485 أن يكون المنديل للغاصب، وهو ظرف للثوب، فيقول: غصبت ~~ثوبا في منديل لي. ولو قال هذا لم يكن مقرا بغصبه، فإذا أطلق، كان محتملا ~~له، فلم يكن مقرا بغصبه، كما لو قال: غصبت دابة في إصطبلها. أو: له علي ثوب ~~في منديل. وإن قال: له عندي جرة فيها زيت، أو جراب فيه تمر، أو قراب فيه ~~سكين. فعلى وجهين. وإن قال: له علي خاتم فيه فص. فكذلك. # ويحتمل أن يكون مقرا به بفصه، وجها واحدا؛ لأن الفص جزء من أجزاء الخاتم، ~~فأشبه ما لو قال: له علي ثوب فيه علم. ولو قال: له عندي خاتم. وأطلق، لزمه ~~الخاتم بفصه؛ لأن اسم الخاتم يجمعهما. # وإن قال: له علي ثوب مطرز. لزمه الثوب بطرازه. ### | [فصل قال له عندي دار مفروشة أو دابة مسرجة أو عبد عليه عمامة] # (3849) فصل: وإن قال: له عندي دار مفروشة، أو دابة مسرجة، أو عبد عليه ~~عمامة. ففيه أيضا وجهان. وقال أصحاب الشافعي: تلزمه عمامة العبد دون الفرش ~~أو السرج؛ لأن العبد يده على عمامته، ويده كيد سيده، ولا يد للدابة والدار. # PageV05P128 # ولنا، أن الظاهر أن سرج الدابة لصاحبها، وكذلك لو تنازع رجلان سرجا على ~~دابة أحدهما، كان لصاحبها، فصار كعمامة العبد. # فأما إن قال: له عندي دابة بسرجها، أو دار بفرشها، أو سفينة بطعامها. كان ~~مقرا بهما بغير خلاف؛ لأن الباء تعلق الثاني بالأول. ### | [فصل قال له علي درهم أو دينار أو إما درهم وإما دينار] # (3850) فصل: وإن قال: له علي درهم، أو دينار. أو: إما درهم وإما دينار. ~~كان مقرا بأحدهما، يرجع في تفسيره إليه؛ لأن " أو " و " إما " في الخبر ~~للشك، وتقتضي أحد المذكورين لا جميعهما. # وإن قال: له علي إما درهم وإما درهمان. كان مقرا بدرهم، والثاني مشكوك ~~فيه، فلا يلزمه بالشك. ### | [مسألة أقر بشيء واستثنى منه الكثير وهو أكثر من النصف] # (3851) مسألة؛ قال: (ومن أقر بشيء، واستثنى منه الكثير، وهو أكثر من ~~النصف، أخذ بالكل، وكان استثناؤه باطلا) . لا يختلف المذهب أنه لا ms2486 يجوز ~~استثناء ما زاد على النصف. ويحكى ذلك عن ابن درستويه النحوي. # وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأصحابهم: يصح ما لم يستثن الكل، فلو ~~قال: له علي مائة إلا تسعة وتسعين. لم يلزمه إلا واحد، بدليل قوله تعالى: ~~{فبعزتك لأغوينهم أجمعين} [ص: 82] {إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 83] . # وقوله تعالى {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} ~~[الحجر: 42] . فاستثنى في موضع الغاوين من العباد، وفي موضع العباد من ~~الغاوين، وأيهما كان الأكثر فقد دل على استثناء الأكثر. وأنشدوا: # أدوا التي نقصت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حكما بالحق قواما # فاستثني تسعين من مائة؛ لأنه في معنى الاستثناء. ومشبه به، ولأنه استثنى ~~البعض، فجاز، كاستثناء الأقل، ولأنه رفع بعض ما تناوله اللفظ، فجاز في ~~الأكثر، كالتخصيص والبدل. # ولنا، أنه لم يرد في لسان العرب الاستثناء إلا في الأقل، وقد أنكروا ~~استثناء الأكثر، فقال أبو إسحاق الزجاج: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من ~~الكثير، ولو قال قائل: مائة إلا تسعة وتسعين. لم يكن متكلما بالعربية، وكان ~~عيا من الكلام ولكنة. # وقال القتيبي: يقال: صمت الشهر إلا يوما. ولا يقال: # PageV05P129 # صمت الشهر إلا تسعة وعشرين يوما. ويقال: لقيت القوم جميعهم إلا واحدا أو ~~اثنين. ولا يجوز أن يقول: لقيت القوم إلا أكثرهم. وإذا لم يكن صحيحا في ~~الكلام، لم يرتفع به ما أقر به، كاستثناء الكل. وكما لو قال: له علي عشرة، ~~بل خمسة. فأما ما احتجوا به من التنزيل، فإنه في الآية الأولى استثنى ~~المخلصين من بني آدم، وهم الأقل، كما قال تعالى {إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم} [ص: 24] . # وفي الأخرى استثنى الغاوين من العباد وهم الأقل، فإن الملائكة من العباد، ~~وهم غير غاوين، قال الله تعالى {بل عباد مكرمون} [الأنبياء: 26] . وقيل: ~~الاستثناء في هذه الآية منقطع بمعنى الاستدراك، فيكون قوله {إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان} [الحجر: 42] مبقى على عمومه، لم يستثن منه شيء، ثم استأنف ~~{إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42] . أي لكن ms2487 من اتبعك من الغاوين فإنهم ~~غووا باتباعك. # وقد دل على صحة هذا قوله في الآية الأخرى لأتباعه {وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} [إبراهيم: 22] . وعلى هذا لا يكون لهم ~~فيها حجة. وأما البيت فقال ابن فضال النحوي: هو بيت مصنوع، لم يثبت عن ~~العرب. على أن هذا ليس باستثناء، فإن الاستثناء له كلمات مخصوصة ليس هاهنا ~~شيء منها، والقياس لا يجوز في اللغة: ثم نعارضه بأنه استثنى أكثر من النصف، ~~فلم يجز، كاستثناء الكل. # والفرق بين استثناء الأكثر والأقل، أن العرب استعملته في الأقل وحسنته، ~~ونفته في الأكثر وقبحته، فلم يجز قياس ما قبحوه على ما جوزوه وحسنوه. ### | [فصل استثناء النصف في الإقرار] # (3852) فصل: وفي استثناء النصف وجهان؛ أحدهما، يجوز. وهو ظاهر كلام ~~الخرقي؛ لتخصيصه الإبطال بما زاد على النصف، لأنه ليس بأكثر، فجاز كالأقل. # والثاني، لا يجوز، ذكره أبو بكر؛ لأنه لم يرد في كلامهم إلا القليل من ~~الكثير، والنصف ليس بقليل. . ### | [فصل قال له علي عشرة إلا سبعة إلا خمسة إلا درهمين] # (3853) فصل: وإذا قال: له علي عشرة، إلا سبعة، إلا خمسة، إلا درهمين. صح، ~~وكان مقرا بستة، وذلك لأنه إذا استثنى الكل أو الأكثر سقط إن وقف عليه، وإن ~~وصله باستثناء آخر استعملناه، لأن الاستثناء # PageV05P130 # مع المستثنى منه عبارة عما بقي، فإن خمسة إلا درهمين عبارة عن ثلاثة، ~~استثناها من سبعة، بقي أربعة مستثناة من عشرة، بقي منها ستة. # وإن قال: له علي ثمانية، إلا أربعة، إلا درهمين، إلا درهما. بطل ~~الاستثناء على قول أبي بكر؛ لأنه استثنى النصف. وصح على الوجه الآخر، فلزمه ~~خمسة. وإن قال: علي عشرة، إلا خمسة، إلا ثلاثة، إلا درهمين، إلا درهما. بطل ~~الاستثناء كله على أحد الوجهين، وصح في الآخر، فيكون مقرا بسبعة. # ولو قال: عشرة، إلا ستة، إلا أربعة، إلا درهمين. فهو على الوجه الذي يصح ~~فيه الاستثناء مقر بستة. ولو قال: ثلاثة، إلا درهمين. إلا درهما. كان مقرا ~~بدرهمين. # فأما إن قال: له علي ms2488 ثلاثة، إلا ثلاثة، إلا درهمين. بطل الاستثناء كله؛ ~~لأن استثناء درهمين من ثلاثة استثناء الأكثر، وهو موقوف عليه، فبطل فإذا ~~بطل الثاني بطل الأول؛ لأنه استثناء الكل. # ولأصحاب الشافعي في هذا ثلاثة أوجه؛ أحدها يبطل الاستثناء؛ لأن الأول ~~بطل، لكونه استثناء الكل، فبطل الثاني؛ لأنه فرعه. والثاني، يصح، ويلزمه ~~درهم؛ لأن الاستثناء الأول لما بطل، جعلنا الاستثناء الثاني من الإقرار؛ ~~لأنه وليه لبطلان ما بينهما. # والثالث، يصح، ويكون مقرا بدرهمين؛ لأنه استثنى درهمين من ثلاثة، فيبقى ~~منها درهم مستثنى من الإقرار، واستثناء الأكثر عندهم صحيح. ووافقهم القاضي ~~في هذا الوجه. # وإن قال: ثلاثة، إلا درهما. بطل الاستثناء كله. ويجيء على قول أصحاب ~~الشافعي فيه مثل ما في التي قبلها. ### | [فصل قال له علي ألف إلا خمسين] # (3854) فصل: وإن قال: له علي ألف إلا خمسين. فالمستثنى دراهم؛ لأن العرب ~~لا تستثني في الإثبات إلا من الجنس. وإن قال: له علي ألف، إلا خمسين درهما. ~~فالجميع دراهم كذلك. وهذا اختيار ابن حامد والقاضي، وهو قول أبي ثور. # وقال أبو الحسن التميمي، وأبو الخطاب: يكون الألف مبهما، يرجع في تفسيره ~~إليه. وهذا قول مالك، والشافعي؛ لأن الاستثناء عندهما يصح من غير الجنس، ~~ولأن لفظه في الألف مبهم والدرهم لم يذكر تفسيرا له، فيبقى على إبهامه. # ولنا، أنه لم يرد عن العرب الاستثناء في الإثبات إلا من الجنس، فمتى علم ~~أحد الطرفين علم أن الآخر من جنسه، كما لو علم المستثنى منه، وقد سلموه، ~~وعلته تلازم المستثنى والمستثنى منه في الجنس، فما ثبت في أحدهما ثبت في ~~الآخر، فعلى قول التميمي وأبي الخطاب يسأل عن المستثنى منه، فإن فسره بغير ~~الجنس، بطل # PageV05P131 # الاستثناء، وعلى قول غيرهما ينظر في المستثنى، إن كان مثل المستثنى منه ~~أو أكثر، بطل، وإلا صح. # وعند القاضي يصح الاستثناء، ويصح تفسير الألف بأي شيء كان، إذا كان من ~~قيمة ذلك الشيء، بعد استثناء الدراهم منه. ### | [فصل قال له علي تسعة وتسعون درهما] # (3855) فصل: وإن قال: له علي تسعة وتسعون درهما. ms2489 فالجميع دراهم. لا أعلم ~~فيه خلافا. وإن قال: مائة وخمسون درهما. فكذلك. # وخرج بعض أصحابنا وجها أنه لا يكون تفسيرا إلا لما يليه، وهو قول بعض ~~أصحاب الشافعي. وكذلك إن قال: ألف وثلاثة دراهم، أو خمسون درهما وألف درهم، ~~أو ألف ومائة درهم، أو مائة وألف درهم. والصحيح # ما ذكرنا؛ فإن الدرهم المفسر يكون تفسيرا لجميع ما قبله من الجمل المبهمة ~~وجنس العدد، قال الله تعالى مخبرا عن أحد الخصمين أنه قال {إن هذا أخي له ~~تسع وتسعون نعجة} [ص: 23] . وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وتوفي أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، ~~وتوفي عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة. # وقال عنترة: # فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم # ولأن الدرهم ذكر تفسيرا، ولهذا لا تجب به زيادة على العدد المذكور، فكان ~~تفسيرا لجميع ما قبله، لأنها تحتاج إلى تفسير، وهو صالح لتفسيرها، فوجب ~~حمله على ذلك. وهذا المعنى موجود في قوله: ألف وثلاثة دراهم. # وسائر الصور المذكورة، فعلى قول من لا يجعل المجمل من جنس المفسر لو قال: ~~بعتك هذا بمائة وخمسين درهما، أو بخمسة وعشرين درهما. لا يصح وهو قول شاذ ~~ضعيف لا يعول عليه. ### | [فصل قال له علي ألف ودرهم أو ألف وثوب أو قفيز حنطة] # (3856) فصل: وإن قال له علي ألف ودرهم، أو ألف وثوب، أو قفيز حنطة. ~~فالمجمل من جنس المفسر أيضا. وكذلك إن قال: ألف درهم وعشرة، أو ألف ثوب ~~وعشرون. # وهذا قول القاضي، وابن حامد، وأبي ثور. وقال التميمي، وأبو الخطاب: يرجع ~~في تفسير المجمل إليه، لأن الشيء يعطف على جنسه، قال الله تعالى: {يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] . ولأن الألف مبهم فرجع في تفسيره ~~إلى المقر، كما لو لم يعطف عليها. # PageV05P132 # وقال أبو حنيفة: إن عطف على المبهم مكيلا أو موزونا، كان تفسيرا له، وإن ~~عطف مذروعا أو معدودا، لم يكن تفسيرا؛ لأن علي للإيجاب في الذمة، فإن عطف ~~عليه ms2490 ما يثبت في الذمة بنفسه، كان تفسيرا له كقوله: مائة وخمسون درهما. ~~ولنا، أن العرب تكتفي بتفسير إحدى الجملتين عن الجملة الأخرى، قال الله ~~تعالى {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا} [الكهف: 25] . # وقال الله تعالى: {عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق: 17] . ولأنه ذكر مبهما ~~مع مفسر لم يقم الدليل على أنه من غير جنسه، فكان المبهم من جنس المفسر، ~~كما لو قال: مائة وخمسون درهما، أو ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. يحققه أن ~~المبهم يحتاج إلى التفسير، وذكر التفسير في الجملة المقارنة له يصلح أن ~~يفسره، فوجب حمل الأمر على ذلك، أما قوله: {أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: ~~234] . # فإنه امتنع أن يكون العشر أشهرا لوجهين: أحدهما، أن العشر بغير هاء عدد ~~للمؤنث، والأشهر مذكرة فلا يجوز أن تعد بغيرها. الثاني، أنها لو كانت أشهرا ~~لقال: أربعة عشر شهرا. بالتركيب، لا بالعطف، كما قال: {عليها تسعة عشر} ~~[المدثر: 30] . # وقولهم: إن الألف مبهم. قلنا قد قرن به ما يدل على تفسيره، فأشبه ما لو ~~قال: مائة وخمسون درهما، أو مائة ودرهم. عند أبي حنيفة. فإن قيل: إذا قال: ~~مائة وخمسون درهما. فالدرهم ذكر للتفسير، ولهذا لا يزداد به العدد، فصلح ~~تفسير الجميع ما قبله، بخلاف قوله: مائة درهم. # فإنه ذكر الدرهم للإيجاب، لا للتفسير، بدليل أنه زاد به العدد. قلنا: هو ~~صالح للإيجاب والتفسير معا، والحاجة داعية إلى التفسير، فوجب حمل الأمر على ~~ذلك، صيانة لكلام المقر عن الإلباس والإبهام، وصرفا له إلى البيان ~~والإفهام. وقول أصحاب أبي حنيفة: إن " علي " للإيجاب. قلنا: فمتى عطف ما ~~يجب بها على ما يجب، وكان أحدهما مبهما والآخر مفسرا، وأمكن تفسيره به، وجب ~~أن يكون المبهم من جنس المفسر، فأما إن لم يمكن، مثل أن يعطف عدد المذكر ~~على المؤنث، أو بالعكس، ونحو ذلك، فلا يكون أحدهما من جنس الآخر، ويبقى ~~المبهم على إبهامه، كما لو قال: له علي أربعة دراهم وعشر. ### | [مسألة قال له عندي عشرة دراهم ثم قال وديعة] # (3857) مسألة؛ قال: (وإذا قال: ms2491 له عندي عشرة دراهم. ثم قال: وديعة. كان ~~القول قوله) # PageV05P133 # وجملته أن من أقر بهذا اللفظ، فقال: له عندي دراهم. فسر إقراره بأنها ~~وديعة، قبل تفسيره. لا نعلم فيه اختلافا بين أهل العلم، سواء فسره بكلام ~~متصل أو منفصل؛ لأنه فسر لفظه بما يقتضيه، فقبل، كما لو قال: له علي دراهم. ~~وفسرها بدين عليه، فعند ذلك تثبت فيها أحكام الوديعة، بحيث لو ادعى تلفها ~~بعد ذلك أو ردها كان القول قوله. # وإن فسرها بدين عليه، قبل أيضا؛ لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ. وإن قال: ~~له عندي وديعة رددتها إليه. أو تلفت. لزمه ضمانها، ولم يقبل قوله. وبهذا ~~قال الشافعي؛ لما فيه من مناقضة الإقرار، والرجوع عما أقر به، فإن الألف ~~المردود والتالف ليست عنده أصلا، ولا هي وديعة، وكل كلام يناقض الإقرار ~~ويحيله، يجب أن يكون مردودا. وقال القاضي: يقبل قوله؛ لأن أحمد قال، في ~~رواية ابن منصور: إذا قال: لك عندي وديعة دفعتها إليك. # صدق؛ لأنه ادعى تلف الوديعة، أو ردها، فقبل، كما لو ادعى ذلك بكلام ~~منفصل. وإن قال كانت عندي، وظننت أنها باقية، ثم عرفت أنها كانت قد هلكت. ~~فالحكم فيها كالتي قبلها. ### | [مسألة قال له علي ألف ثم قال وديعة] # (3858) مسألة؛ قال: (ولو قال: له علي ألف. ثم قال: وديعة. لم يقبل قوله) ~~وجملة ذلك أنه إذا أقر بدراهم بقوله: علي كذا. ثم فسره الوديعة، لم يقبل ~~قوله، فلو ادعى بعد هذا تلفها، لم يقبل قوله. وبهذا قال أبو حنيفة، ~~والشافعي. وقيل عن الشافعي: يقبل قوله أنها وديعة، وإذا ادعى بعد ذلك ~~تلفها، قبل منه. وقال القاضي ما يدل على هذا أيضا؛ لأن الوديعة عليه حفظها ~~وردها، فإذا قال: علي. # وفسرها بذلك، احتمل صدقه، فقبل منه، كما لو وصله بكلامه، فقال: له علي ~~ألف وديعة. ولأن حروف الصلات يخلف بعضها بعضا، فيجوز أن يستعمل " علي " ~~بمعنى " عندي " كما قال الله تعالى إخبارا عن موسى - عليه السلام -، أنه ~~قال {ولهم علي ذنب} [الشعراء: 14] . أي عندي. ms2492 # ولنا، أن " علي " للإيجاب، وذلك يقتضي كونها في ذمته، وكذلك لو قال: ما ~~على فلان علي. كان ضامنا له، الوديعة ليست في ذمته، ولا هي عليه، إنما هي ~~عنده. # وما ذكروه مجاز، طريقه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو إقامة ~~حرف مقام حرف، والإقرار يؤخذ فيه بظاهر اللفظ، بدليل أنه لو قال: له علي ~~دراهم. لزمته ثلاثة دراهم، وإن جاز التعبير بلفظ الجمع عن اثنين، وعن واحد، ~~كقول الله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] . ومواضع ~~كثيرة في القرآن. # ولو قال: له علي درهم. وقال: # PageV05P134 # أردت نصف درهم، فحذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه. لم يقبل منه. ولو ~~قال: لك من مالي ألف. قال: صدقت، ثم قال: أردت أن عليك من مالي ألفا، وأقمت ~~اللام مقام " علي " كقول الله تعالى: {وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7] . لم ~~يقبل منه. # ولو قبل في الإقرار مطلق الاحتمال، لسقط، ولقبل في تفسير الدراهم ~~بالناقصة والزائفة والمؤجلة. وأما إذا قال: لك علي ألف. ثم قال: كان وديعة ~~فتلف. لم يقبل قوله؛ لأنه متناقض. وقد سبق نحو من هذا. ### | [فصل قال لك علي مائة درهم ثم أحضرها وقال هذه التي أقررت بها وهي وديعة كانت لك عندي] # (3859) فصل: وإن قال: لك علي مائة درهم. ثم أحضرها، وقال: هذه التي أقررت ~~بها، وهي وديعة كانت لك عندي. فقال المقر له: هذه وديعة، والتي أقررت بها ~~غيرها، وهي دين عليك. فقول الخرقي يقتضي أن القول قول المقر له. وهو قول ~~أبي حنيفة. وقال القاضي: القول قول المقر مع يمينه. وللشافعي قولان، ~~كالوجهين، وتعليلهما ما تقدم. # وإن كان قال في إقراره: لك علي مائة في ذمتي. فإن القاضي وافق هاهنا في ~~أنه لا يقبل قول المقر؛ لأن الوديعة عين لا تكون في الذمة. قال: وقد يقبل؛ ~~لأنه يحتمل: في ذمتي أداؤها. ولأنه يجوز أن يكون عنده وديعة تعدى فيها، ~~فكان ضمانها عليه في ذمته. ولأصحاب الشافعي في هذه وجهان. # فأما إن وصل ذلك بكلامه، فقال: لك علي ms2493 مائة وديعة. قبل؛ لأنه وصل كلامه ~~بما يحتمله، فصح. كما لو قال: له علي دراهم ناقصة. وإن قال: له علي مائة ~~وديعة دينا، أو مضاربة دينا. صح، ولزمه ضمانها؛ لأنها قد يتعدى فيها، فتكون ~~دينا. وإن قال: أردت أنه شرط علي ضمانها. لم يقبل؛ لأنها لا تصير بذلك ~~دينا. وإن قال: عنده مائة وديعة، شرط علي ضمانها. لم يلزمه ضمانها؛ لأن ~~الوديعة لا تصير بالشرط مضمونة. # وإن قال: علي أو عندي مائة درهم عارية. لزمته، وكانت مضمونة عليه، سواء ~~حكمنا بصحة العارية في الدراهم أو بفسادها؛ لأن ما ضمن في العقد الصحيح ضمن ~~في الفاسد. وإن قال: أودعني مائة، فلم أقبضها. أو أقرضني مائة، فلم آخذها. ~~قبل قوله متصلا، ولم يقبل إذا كان منفصلا. وهكذا إذا قال: نقدني مائة، فلم ~~أقبضها. وهذا قول الشافعي. ### | [فصل قال له في هذا العبد ألف أو له من هذا العبد ألف] # (3860) فصل: فإن قال: له في هذا العبد ألف. أو: له من هذا العبد ألف. ~~طولب بالبيان، فإن قال: نقد عني ألفا في ثمنه. كان قرضا، وإن قال: نقد في ~~ثمنه ألفا. قلنا: بين كم ثمن العبد، وكيف كان الشراء؟ فإن قال: # PageV05P135 # إيجاب واحد، وزن ألفا ووزنت ألفا. كان مقرا بنصف العبد، وإن قال: وزنت ~~أنا ألفين. كان مقرا بثلثه، والقول قوله مع يمينه، سواء كانت القيمة قدر ما ~~ذكره، أو أقل؛ لأنه قد يغبن وقد يغبن. # وإن قال: اشتريناه بإيجابين. قيل: فكم اشترى منه؟ فإن قال: نصفا، أو ~~ثلثا، أو أقل، أو أكثر. قبل منه مع يمينه، وافق القيمة أو خالفها. وإن قال: ~~وصى له بألف من ثمنه. وصرف إليه من ثمنه ألف. وإن أراد أن يعطيه ألفا من ~~ماله، من غير ثمن العبد، لم يلزمه قبوله؛ لأن الموصى له يتعين حقه في ثمنه. # وإن فسر ذلك بألف من جناية جناها العبد فتعلقت برقبته، قبل ذلك، وله بيع ~~العبد، ودفع الألف من ثمنه. وإن قال: أردت أنه رهن عنده بألف. ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، ms2494 لا يقبل؛ لأن حق المرتهن في الذمة. والثاني، يقبل؛ لأن الدين يتعلق ~~بالرهن، فصح تفسيره به، كالجناية. ومذهب الشافعي كما ذكرنا في الفصل جميعه. ### | [فصل قال له في مالي هذا ألف أو من مالي ألف وفسره بدين أو وديعة أو وصية فيه] # (3861) فصل: وإن قال: له في مالي هذا ألف، أو من مالي ألف. وفسره بدين أو ~~وديعة أو وصية فيه، قبل. وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يقبل إقراره؛ لأن ماله ~~ليس هو لغيره. # ولنا، أنه أقر بألف، فقبل، كما لو قال: في مالي. ويجوز أن يضيف إليه مالا ~~بعضه لغيره. ويجوز أن يضيف مال غيره إليه، لاختصاص له به، أو يد له عليه، ~~أو ولاية، قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم ~~قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا} [النساء: 5] وقال ~~سبحانه في النساء: {لا تخرجوهن من بيوتهن} [الطلاق: 1] . # وقال لأزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {وقرن في بيوتكن} ~~[الأحزاب: 33] فلا يبطل إقراره مع احتمال صحته. وإن قال: أردت هبة. قبل ~~منه؛ لأنه محتمل. وإن امتنع من تقبيضها، لم يجبر عليه؛ لأن الهبة فيها لا ~~تلزم قبل القبض. وكذلك يخرج فيما إذا قال: لفلان في داري هذه نصفها، أو من ~~داري بعضها، وقد نقل عن أحمد ما يدل على روايتين، قال في رواية مهنا في من ~~قال: نصف عبدي هذا لفلان. لم يجز إلا أن يقول وهبته. وإن قال: نصف مالي هذا ~~لفلان. لا أعرف هذا. # ونقل ابن منصور: إذا قال: فرسي هذه لفلان فإقراره جائز. فظاهر هذا صحة ~~الإقرار. # PageV05P136 # فإن قال: له في هذا المال نصفه، أو له نصف هذه الدار. فهو إقرار صحيح. ~~وإن قال: له في هذا المال ألف. صح. وإن قال: له في ميراث أبي ألف. فهو ~~إقرار بدين على التركة. # وإن قال: في ميراثي من أبي. وقال: أردت هبة. قبل منه، ولأنه إذا أضاف ~~الميراث إلى أبيه، فمقتضاه ما خلفه، فيقتضي وجوب المقر به فيه، وإذا أضاف ~~الميراث ms2495 إلى نفسه، فمعناه ما ورثته وانتقل إلي، فلا يحمل على الوجوب، وإذا ~~أضاف إليه منه جزءا، فالظاهر أنه جعل له جزءا من ماله. ### | [فصل قال له في هذا العبد شركة] # (3862) فصل: وإن قال: له في هذا العبد شركة. صح إقراره، وله تفسيره بأي ~~قدر كان منه. وقال أبو يوسف: يكون مقرا بنصفه؛ لقوله تعالى: {فهم شركاء في ~~الثلث} [النساء: 12] . فاقتضى ذلك التسوية بينهم، كذا هاهنا. ولنا، أن أي ~~جزء كان له منه، فله فيه شركة، فكان له تفسيره بما شاء، كالنصف، وليس إطلاق ~~لفظ الشركة على ما دون النصف مجازا، ولا مخالفا للظاهر، والآية تثبت ~~التسوية فيها بدليل، وكذلك الحكم إذا قال: هذا العبد شركة بيننا. ### | [فصل الإقرار بالمجهول] # (3863) فصل في الإقرار بالمجهول: وإذا قال: لفلان علي شيء. أو كذا. صح ~~إقراره، ولزمه تفسيره. وهذا لا خلاف فيه، ويفارق الدعوى، حيث لا تصح ~~مجهولة؛ لكون الدعوى له والإقرار عليه، فلزمه ما عليه مع الجهالة دون ماله، ~~ولأن المدعي إذا لم يصحح دعواه، فله داع إلى تحريرها، والمقر لا داعي له ~~إلا التحرير، ولا يؤمن رجوعه عن إقراره، فيضيع حق المقر له، فألزمناه إياه ~~مع الجهالة، فإن امتنع من تفسيره، حبس حتى يفسر. # وقال القاضي: يجعل ناكلا، ويؤمر المقر له بالبيان، فإن بين شيئا، فصدقه ~~المقر، ثبت، وإن كذبه، وامتنع من البيان، قيل له: إن بينت، وإلا جعلناك ~~ناكلا، وقضينا عليك. وهذا قول أصحاب الشافعي، إلا أنهم قالوا: إن بينت وإلا ~~حلفنا المقر له على ما يدعيه، وأوجبناه عليك. فإن فعل، وإلا أحلفنا المقر ~~له، وأوجبناه على المقر. # ووجه الأول، أنه ممتنع من حق عليه، فيحبس به، كما لو عينه وامتنع من ~~أدائه. ومع ذلك متى عينه المدعي وادعاه، فنكل المقر، فهو على ما ذكروه. وإن ~~مات من عليه الحق، أخذ ورثته بمثل ذلك؛ لأن الحق ثبت على موروثهم، فيتعلق ~~بتركته وقد صارت إلى الورثة، فيلزمهم ما لزم موروثهم، كما لو كان الحق ~~معينا. وإن لم يخلف الميت تركة، فلا شيء ms2496 على الورثة. ومتى فسر إقراره بما ~~يتمول في العادة، قبل تفسيره وثبت، إلا أن يكذبه المقر له، ويدعي جنسا آخر، ~~أو لا يدعي شيئا، فيبطل إقراره. # PageV05P137 # وإن فسره بما لا يتمول عادة، كقشرة جوزة، أو قشرة باذنجانة، لم يقبل ~~إقراره؛ لأن إقراره اعتراف بحق عليه ثابت في ذمته، وهذا لا يثبت في الذمة. # وكذلك إن فسره بما ليس بمال في الشرع، كالخمر والخنزير والميتة، لم يقبل. ~~وإن فسره بكلب لا يجوز اقتناؤه، فكذلك. وإن فسره بكلب يجوز اقتناؤه، أو جلد ~~ميتة غير مدبوغ، ففيه وجهان؛ أحدهما، يقبل؛ لأنه شيء يجب رده عليه، وتسليمه ~~إليه، فالإيجاب يتناوله. والثاني، لا يقبل؛ لأن الإقرار إخبار عما يجب ~~ضمانه، وهذا لا يجب ضمانه. وإن فسره بحبة حنطة أو شعير ونحوها، لم يقبل؛ ~~لأن هذا لا يتمول عادة على انفراده. # وإن فسره بحد قذف، قبل؛ لأنه حق يجب عليه. ويحتمل أن لا يقبل؛ لأنه لا ~~يئول إلى مال. والأول أصح؛ لأن ما ثبت في الذمة صح أن يقال: هو علي. وإن ~~فسره بحق شفعة، قبل؛ لأنه حق واجب، ويئول إلى المال. وإن فسره برد السلام، ~~أو تشميت العاطس ونحوه، لم يقبل؛ لأنه يسقط بفواته، فلا يثبت في الذمة. # وهذا الإقرار يدل على ثبوت الحق في الذمة. ويحتمل أن يقبل تفسيره به، إذا ~~أراد أن حقا علي رد سلامه إذا سلم، وتشميته إذا عطس؛ لما روي في الخبر: ~~«للمسلم على المسلم ثلاثون حقا: يرد سلامه، ويشمت عطسته، ويجيب دعوته. وذكر ~~الحديث» . # وإن قال: غصبته شيئا. وفسره بما ليس بمال، قبل؛ لأن اسم الغصب يقع عليه. ~~وإن قال: غصبته نفسه. لم يقبل؛ لأن الغصب لا يثبت عليه. وهذا الفصل أكثره ~~مذهب الشافعي. وحكي عن أبي حنيفة، أنه لا يقبل تفسير إقراره بغير المكيل ~~والموزون؛ لأن غيرهما لا يثبت في الذمة بنفسه. # ولنا، أنه مملوك يدخل تحت العقد، فجاز أن يفسر به الشيء في الإقرار، ~~كالمكيل والموزون، ولأنه يثبت في الذمة في الجملة، فصح التفسير كالمكيل، ~~ولا عبرة ms2497 بسبب ثبوته في الإقرار به، والإخبار عنه. ### | [فصل الإقرار بمال] # (3864) فصل: وإن أقر بمال، قبل تفسيره بقليل المال وكثيره. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يقبل تفسيره بغير المال الزكوي؛ لقول الله ~~تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} [التوبة: 103] . وقوله: {وفي أموالهم ~~حق} [الذاريات: 19] . # وحكى بعض أصحاب مالك عنه ثلاثة أوجه؛ # PageV05P138 # أحدها، كقولنا. # والثاني؛ لا يقبل إلا أول نصاب من نصب الزكاة، من نوع أموالهم. والثالث، ~~ما يقطع به السارق، ويصح مهرا؛ لقول الله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} ~~[النساء: 24] . ولنا، أن غير ما ذكروه يقع عليه اسم المال حقيقة وعرفا، ~~ويتمول عادة، فيقبل تفسيره به، كالذي وافقوا عليه. # وأما آية الزكاة فهي عامة دخلها التخصيص، وقوله تعالى: {وفي أموالهم حق} ~~[الذاريات: 19] . لم يرد به الزكاة، بدليل أنها نزلت بمكة قبل فرض الزكاة، ~~فلا حجة لهم فيها، ثم يرد قولهم قوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: ~~24] . والتزويج جائز بأي نوع كان من المال، وبما دون النصاب. # وإن قال: له علي مال عظيم، أو كثير، أو جليل، أو خطير. جاز تفسيره ~~بالقليل والكثير، كما لو قال: مال. لم يزد عليه. وهذا قول الشافعي. وحكي عن ~~أبي حنيفة: لا يقبل تفسيره بأقل من عشرة دراهم؛ لأنه يقطع به السارق، ويكون ~~صداقا عنده. وعنه: لا يقبل بأقل من مائتي درهم. وبه قال صاحباه؛ لأنه الذي ~~تجب فيه الزكاة. وقال بعض أصحاب مالك كقولهم في المال. ومنهم من قال: يزيد ~~على ذلك أقل زيادة. ومنهم من قال: قدر الدية. وقال الليث بن سعد: اثنان ~~وسبعون؛ لأن الله تعالى قال: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} [التوبة: 25] ~~. وكانت غزواته وسراياه اثنتين وسبعين. # قالوا: ولأن الحبة لا تسمى مالا عظيما ولا كثيرا. ولنا، أن ما فسر به ~~المال فسر به العظيم، كالذي سلموه، ولأن العظيم والكثير لا حد له في الشرع، ~~ولا في اللغة، ولا العرف، ويختلف الناس فيه؛ فمنهم من يستعظم القليل، ومنهم ~~من يستعظم الكثير، ومنهم من يحتقر الكثير، فلم يثبت في ذلك حد ms2498 يرجع إلى ~~تفسيره به، ولأنه ما من مال إلا وهو عظيم كثير بالنسبة إلى ما دونه. # ويحتمل أنه أراد عظيما عنده؛ لفقر نفسه ودناءتها، وما ذكروه فليس فيه ~~تحديد للكثير، وكون ما ذكروه كثيرا لا يمنع الكثرة فيما دونه، وقد قال الله ~~تعالى: {واذكروا الله كثيرا} [الأنفال: 45] . فلم ينصرف إلى ذلك، وقال: {كم ~~من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة} [البقرة: 249] . فلم يحمل على ذلك. والحكم ~~فيما إذا قال: عظيم جدا، أو عظيم عظيم. كما لو لم يقله؛ لما قررناه. # PageV05P139 ### | [فصل قال له علي أكثر من مال فلان ففسره بأكثر منه عددا أو قدرا] # (3865) فصل: وإن قال: له علي أكثر من مال فلان. ففسره بأكثر منه عددا أو ~~قدرا، لزمه أكثر منه، وتفسر الزيادة بأي شيء أراد، ولو حبة أو أقل. وإن قال ~~ما علمت لفلان أكثر من كذا وكذا. وقامت البينة بأكثر منه، لم يلزمه أكثر ~~مما اعترف به؛ لأن مبلغ المال حقيقة لا يعرف في الأكثر، وقد يكون ظاهرا ~~وباطنا، فيملك ما لا يعرفه المقر، فكان المرجع إلى ما اعتقده المقر مع ~~يمينه، إذا ادعى عليه أكثر منه. # وإن فسره بأقل من ماله، مع علمه بماله، لم يقبل. وقال أصحابنا: يقبل ~~تفسيره بالقليل والكثير. وهو مذهب الشافعي، سواء علم مال فلان أو جهله، أو ~~ذكر قدره أو لم يذكره، أو قاله عقيب الشهادة بقدره أولا؛ لأنه يحتمل أنه ~~أكثر منه بقاء أو منفعة أو بركة، لكونه من الحلال، أو لأنه في الذمة. قال ~~القاضي: ولو قال: لي عليك ألف دينار. فقال: لك علي أكثر من ذلك. لم يلزمه ~~أكثر منها؛ لأن لفظة أكثر مبهمة، لاحتمالها ما ذكرنا، ويحتمل أنه أراد أكثر ~~منه فلوسا، أو حب حنطة أو شعير أو دخن، فرجع في تفسيرها إليه. # وهذا بعيد؛ فإن لفظة أكثر إنما تستعمل حقيقة في العدد، أو في القدر، ~~وتنصرف إلى جنس ما أضيف أكثر إليه، لا يفهم في الإطلاق غير ذلك، قال الله ~~تعالى: {كانوا أكثر منهم} [غافر: 82] . وأخبر عن ms2499 الذي قال: {أنا أكثر منك ~~مالا} [الكهف: 34] {وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا} [سبأ: 35] . والإقرار ~~يؤخذ فيه بالظاهر دون مطلق الاحتمال، ولهذا لو أقر بدراهم، لزمه أقل الجمع ~~جيادا صحاحا وازنة حالة. # ولو قال: له علي دراهم. لم يقبل تفسيرها الوديعة. ولو رجع إلى مطلق ~~الاحتمال لسقط الإقرار. واحتمال ما ذكروه أبعد من هذه الاحتمالات التي لم ~~يقبلوا تفسيره بها، فلا يعول على هذا. ### | [فصل قال له علي ألف إلا شيئا] # (3866) فصل: ولو قال: له علي ألف، إلا شيئا. قبل تفسيره بأكثر من ~~خمسمائة، لأن الشيء يحتمل القليل والكثير، لكن لا يجوز استثناء الأكثر. ~~فتعين حمله على ما دون النصف. وكذلك إن قال: إلا قليلا؛ لأنه مبهم، فأشبه ~~قوله: إلا شيئا. وإن قال: له علي معظم ألف، أو جل ألف، أو قريب من ألف. ~~لزمه أكثر من نصف الألف، ويحلف على الزيادة إن ادعيت عليه. # PageV05P140 ### | [فصل قال له علي كذا] # (3867) فصل: وإن قال: له علي كذا. ففيه ثلاث مسائل: (3868) أحدها، أن ~~يقول: كذا. بغير تكرير ولا عطف. الثانية، أن يكرر بغير عطف. الثالثة، أن ~~يعطف، فيقول: كذا وكذا. فأما الأولى، فإذا قال: له علي كذا درهم. لم يخل من ~~أربعة أحوال: أحدها، أن يقول: له علي كذا درهم. بالرفع، فيلزمه درهم. ~~وتقديره شيء هو درهم، فجعل الدرهم بدلا من كذا. # الثاني، أن يقول: درهم. بالجر، فيلزمه جزء درهم، يرجع في تفسيره إليه، ~~والتقدير جزء درهم، أو بعض درهم. ويكون كذا كناية عنه. الثالث، أن يقول: ~~درهما. بالنصب، فيلزمه درهم، ويكون منصوبا على التفسير، وهو التمييز. وقال ~~بعض النحويين: هو منصوب على القطع، كأنه قطع ما ابتدأ به، وأقر بدرهم. وهذا ~~على قول نحاة الكوفة. # الرابع، أن يذكره بالوقف، فيقبل تفسيره بجزء درهم أيضا؛ لأنه يجوز أن ~~يكون أسقط حركة الجر للوقف. وهذا مذهب الشافعي. وقال القاضي: يلزمه درهم في ~~الحالات كلها. وهو قول بعض أصحاب الشافعي. ولنا، أن " كذا " اسم مبهم فصح ~~تفسيره بجزء درهم في حال الجر والوقف. # (3869) المسألة الثانية، ms2500 إذا قال: كذا كذا. بغير عطف، فالحكم فيها كالحكم ~~في " كذا " بغير تكرار سواء، لا يتغير الحكم. ولا يقتضي تكريره الزيادة، ~~كأنه قال: شيء شيء. ولأنه إذا قاله بالجر، احتمل أن يكون قد أضاف جزءا إلى ~~جزء، ثم أضاف الجزء الآخر إلى الدرهم، فقال: نصف تسع درهم. وهكذا لو قال: ~~كذا كذا كذا. لأنه يحتمل أن يريد ثلث خمس سبع درهم، ونحوه. # (3870) المسألة الثالثة، إذا عطف، فقال: كذا وكذا درهم. بالرفع، لزمه ~~درهم واحد؛ لأنه ذكر شيئين، ثم أبدل منهما درهما، فصار كأنه قال: هما درهم. ~~وإن قال: درهما. بالنصب، ففيه ثلاثة أوجه؛ أحدها، يلزمه درهم واحد. وهو قول ~~أبي عبد الله بن حامد، والقاضي؛ لأن " كذا " يحتمل أقل من درهم، فإذا عطف ~~عليه مثله، ثم فسرهما بدرهم واحد، جاز، وكان كلاما صحيحا. وهذا يحكى قولا ~~للشافعي. والوجه الثاني، يلزمه درهمان. # وهو اختيار أبي الحسن التميمي؛ لأنه ذكر جملتين، فإذا فسر ذلك بدرهم عاد ~~التفسير إلى كل واحدة منهما، كقوله: عشرون درهما. يعود التفسير إلى ~~العشرين، وكذا هاهنا. وهذا يحكى قولا ثانيا للشافعي. # PageV05P141 # والوجه الثالث، يلزمه أكثر من درهم. ولعله ذهب إلى أن الدرهم تفسير ~~للجملة التي تليه، فيلزمه بها درهم، والأولى باقية على إبهامها، فيرجع في ~~تفسيرها إليه. # وهذا يشبه مذهب التميمي. وقال محمد بن الحسن: إذا قال: كذا درهما. لزمه ~~عشرون درهما؛ لأنه أقل عدد يفسر بالواحد المنصوب. وإن قال كذا كذا درهما. ~~لزمه أحد عشر درهما؛ لأنه أقل عدد مركب يفسر بالواحد المنصوب. وإن قال: كذا ~~وكذا درهما. لزمه أحد وعشرون درهما؛ لأنه أقل عدد عطف بعضه على بعض يفسر ~~بذلك، وإن قال: كذا درهم. بالجر لزمه مائة درهم؛ لأنه أقل عدد يضاف إلى ~~الواحد. # وحكي عن أبي يوسف، أنه إذا قال: كذا كذا، أو كذا وكذا. يلزمه بهما أحد ~~عشر درهما. ولنا، أنه يحتمل ما قلنا، ويحتمل ما قالوه، فوجب المصير إلى ما ~~قلنا؛ لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه، فلا يجب بالشك، كما لو قال: ms2501 علي ~~دراهم. لم يلزمه إلا أقل الجمع، ولا يلزم كثرة الاستعمال، فإن اللفظ إذا ~~كان حقيقة في الأمرين، جاز التفسير بكل واحد منهما. # وعلى ما ذكره محمد يكون اللفظ المفرد موجبا لأكثر من المكرر، فإنه يجب ~~بالمفرد عشرون، وبالمكرر أحد عشر، ولا نعرف لفظا مفردا متناولا لعدد صحيح ~~يلزم به أكثر مما يلزم بمكرره. ### | [فصل قال غصبتك أو غبنتك] # (3871) فصل: ولو قال: غصبتك، أو غبنتك. لم يلزمه شيء؛ لأنه قد يغصبه ~~نفسه، ويغبنه في غير المال. وإن قال: غصبتك شيئا. وفسره بغصب نفسه، لم ~~يقبل؛ لأنه جعل له مفعولين، فجعله المفعول الأول وشيئا المفعول الثاني، ~~ويجب أن يكون الثاني غير الأول. وإن فسره بمال، قبل وإن قل، وإن فسره بكلب، ~~أو جلد ميتة، أو سرجين ينتفع به، قبل؛ لأنه قد يقهره فيأخذه منه. وإن فسره ~~بما لا نفع فيه، أو بما لا يباح الانتفاع به، لم يقبل؛ لأن أخذ ذلك ليس ~~بغصب. ### | [فصل الشهادة على الإقرار بالمجهول] # (3872) فصل: وتقبل الشهادة على الإقرار بالمجهول؛ لأن الإقرار به صحيح، ~~وما كان صحيحا في نفسه، صحت الشهادة به، كالمعلوم. ### | [مسألة قال له عندي رهن فقال المالك وديعة] # (3873) مسألة؛ قال: (ولو قال: له عندي رهن. فقال المالك: وديعة. كان ~~القول قول المالك) . إنما قدم قول المالك؛ لأن العين ثبتت له بالإقرار، ~~وادعى المقر دينا لا يعترف له به، والقول قول المنكر. ولأنه أقر بمال ~~لغيره، وادعى أن له به تعلقا، فلم يقبل، كما لو ادعاه بكلام منفصل. # PageV05P142 # وكذلك لو أقر له بدار، وقال: استأجرتها. أو بثوب وادعى أنه قصره، أو خاطه ~~بأجر يلزم المقر له، لم يقبل؛ لأنه مدع على غيره حقا، فلا يقبل قوله إلا ~~ببينة. وكذلك لو قال: هذه الدار له، ولي سكناها سنة. ### | [فصل قال لك علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه] # (3874) فصل: وإن قال: لك علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه. فقال المدعى ~~عليه: بل لي عليك ألف، ولا شيء لك عندي. فقال أبو الخطاب: فيه وجهان؛ ~~أحدهما، ms2502 القول قول المقر له؛ لأنه اعترف له بالألف، وادعى عليه مبيعا، ~~فأشبه ما إذا قال: هذا رهن. فقال المالك: وديعة. أو له علي ألف ولي عنده ~~مبيع لم أقبضه. والثاني، القول قول المقر. # قال القاضي: هو قياس المذهب. وهو قول الشافعي، وأبي يوسف؛ لأنه أقر بحق ~~في مقابلة حق له، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، فإذا لم يسلم له ماله، لم يسلم ~~للمقر له ما عليه، كما لو قال لرجل: بعتك هذا العبد بألف. قال: بل ملكتنيه ~~بغير شيء. وفارق ما لو قال له: عندي رهن. فقال المالك: بل وديعة؛ لأن الدين ~~ينفك عن الرهن. # ولو قال السيد لعبده: بعتك نفسك بألف. فأنكر العبد. عتق، ولا شيء للمقر؛ ~~لأن العتق ينفك عن الثمن. ولا فرق بين أن يقول: لم أقبضه منفصلا أو متصلا. # فلو قال: له علي ألف من ثمن مبيع. ثم سكت، ثم قال: لم أقبضه. فيقبل قوله، ~~كما لو كان متصلا؛ لأن إقراره تعلق بالمبيع، والأصل عدم القبض، فقبل قوله ~~فيه. فأما إن قال: علي ألف. ثم سكت، ثم قال: من ثمن مبيع. لم يقبل؛ لأنه ~~فسر إقراره بما يسقط وجوب تسليمه بكلام منفصل، فلم يقبل، كما لم يقبل لو ~~قال: له علي ألف. ثم سكت، ثم قال: مؤجل. ### | [فصل قال بعتك جاريتي هذه قال بل زوجتنيها] # (3875) فصل: وإذا قال: بعتك جاريتي هذه. قال: بل زوجتنيها. فلا يخلو؛ إما ~~أن يكون اختلافهما قبل نقد الثمن أو بعده، وقبل الاستيلاد أو بعده، فإن كان ~~بعد اعتراف البائع بقبض الثمن، فهو مقر بها لمدعي الزوجية؛ لأنه يدعي عليه ~~شيئا، والزوج ينكر أنها ملكه، ويدعي حلها له بالزوجية، فيثبت الحل؛ ~~لاتفاقهما عليه، ولا ترد إلى البائع لاتفاقهما على أنه لا يستحق أخذها. # وإن كان قبل قبض الثمن وبعد الاستيلاد، فالبائع يقر أنها صارت أم ولد، ~~وولدها حر، وأنه لا مهر له، ويدعي الثمن، والمشتري ينكر ذلك كله، فيحكم ~~بحرية الولد؛ لإقرار من ينسب إليه ملكه بحريته، ولا ولاء عليه؛ لاعترافه ~~بأنه ms2503 حر الأصل، ولا ترد الأمة إلى البائع؛ لإقراره بأنها أم ولد، ولا يجوز ~~نقل الملك فيها، ويحلف المشتري أنه ما اشتراها، ويسقط عنه ثمنها إلا قدر ~~المهر؛ فإنه يجب لاتفاقهما على وجوبه، وإن اختلفا في # PageV05P143 # سببه. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. # وقال بعضهم: يتحالفان، ولا يجب مهر ولا ثمن. وهو قول القاضي، إلا أنه لا ~~يجعل على البائع يمينا؛ لأنه لا يرى اليمين في إنكار النكاح، ونفقة الولد ~~على أبيه؛ لأنه حر، ونفقة الأمة على زوجها؛ لأنه إما زوج وإما سيد، وكلاهما ~~سبب لوجوب النفقة. # وقال القاضي: نفقتها في كسبها، فإن كان فيه فضل فهي موقوفة؛ لأننا أزلنا ~~عنها ملك السيد، وأثبتنا لها حكم الاستيلاد. فإن ماتت وتركت مالا، فللبائع ~~قدر ثمنها؛ لأنه إما أن يكون صادقا فهو يستحق على المشتري ثمنها، وتركتها ~~للمشتري، والمشتري مقر للبائع بها، فيأخذ منها قدر ما يدعيه. وإن كان ~~كاذبا، فهي ملكه، وتركتها كلها له، فيأخذ منها قدر ما يدعيه، وبقيته ~~موقوفة. # وإن ماتت بعد الوطء، فقد ماتت حرة، فميراثها لولدها وورثتها، فإن لم يكن ~~لها وارث، فميراثها موقوف؛ لأن أحدا لا يدعيه، وليس للسيد أن يأخذ منه قدر ~~الثمن؛ لأنه يدعي الثمن على الواطئ، وليس ميراثها له؛ لأنه قد مات قبلها. ~~وإن كان اختلافهما قبل الاستيلاد، فعندي أنها تقر في يد الزوج؛ لاتفاقهما ~~على حلها له، واستحقاقه إمساكها، وإنما اختلفا في السبب. ولا ترد إلى ~~السيد؛ لاتفاقهما على تحريمها عليه. # وللبائع أقل الأمرين من الثمن أو المهر؛ لاتفاقهما على استحقاقه لذلك. ~~والأمر في الباطن على ذلك؛ فإن السيد إن كان صادقا، فالأمة حلال لزوجها ~~بالبيع. وإن كان كاذبا، فهي حلال له بالزوجية. والقدر الذي اتفقا عليه، إن ~~كان السيد صادقا، فهو يستحقه ثمنا، وإن كان كاذبا، فهو يستحقه مهرا. # وقال القاضي: يحلف الزوج أنه ما اشتراها؛ لأنه منكر، ويسقط عنه الثمن، ~~ولا يحتاج السيد إلى اليمين على نفي الزوجية؛ لأنه لا يستحلف فيه. وعند ~~الشافعي: يتحالفان معا، ويسقط الثمن عن الزوج؛ لأن عقد ms2504 البيع ما ثبت، ولا ~~يجب المهر؛ لأن السيد لا يدعيه، وترد الجارية إلى سيدها، وفي كيفية رجوعها ~~وجهان؛ أحدهما، ترجع إليه، فيملكها ظاهرا وباطنا، كما يرجع البائع في ~~السلعة عند فلس المشتري بالثمن؛ لأن الثمن هاهنا قد تعذر، فيحتاج السيد أن ~~يقول: فسخت البيع. وتعود إليه ملكا. # والثاني، ترجع إليه في الظاهر دون الباطن؛ لأن المشتري امتنع من أداء ~~الثمن مع إمكانه. فعلى هذا يبيعها الحاكم ويوفيه ثمنها، فإن كان وفق حقه، ~~فحسن. وإن كان دونه، أخذه، وإن زاد، فالزيادة لا يدعيها أحد؛ لأن المشتري ~~يقر بها للبائع، والبائع لا يدعي أكثر من الثمن الأول، فهل تقر في يد ~~المشتري، أو ترجع إلى بيت المال؟ يحتمل وجهين. فإن رجع البائع، وقال: صدق ~~خصمي، ما بعته إياها، بل زوجته. لم يقبل في إسقاط حرية الولد، ولا في ~~استرجاعها إن صارت أم ولد، وقبل في إسقاط الثمن، واستحقاق المهر، وأخذ ~~زيادة الثمن، واستحقاق ميراثها وميراث ولدها. # وإن رجع الزوج، ثبتت الحرية، ووجب عليه الثمن. # PageV05P144 ### | [فصل أقر بحرية عبد ثم اشتراه] # (3876) فصل: ولو أقر رجل بحرية عبد ثم اشتراه، أو شهد رجلان بحرية عبد ~~لغيرهما فردت شهادتهما، ثم اشتراه أحدهما من سيده، عتق في الحال؛ لاعترافه ~~بأن الذي اشتراه حر، ويكون البيع صحيحا بالنسبة إلى البائع؛ لأنه محكوم له ~~برقه، وفي حق المشتري استنقاذا واستخلاصا، فإذا صار في يده، حكم بحريته؛ ~~لإقراره السابق، ويصير كما لو شهد رجلان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا، فرد ~~الحاكم شهادتهما، فدفعا إلى الزوج عوضا ليخلعها، صح، وكان في حقه خلعا ~~صحيحا، وفي حقهما استخلاصا، ويكون ولاؤه موقوفا؛ لأن أحدا لا يدعيه، فإن ~~البائع يقول: ما أعتقته. والمشتري يقول: ما أعتقته. والمشتري يقول: ما ~~أعتقه إلا البائع وأنا استخلصته. # فإن مات وخلف مالا، فرجع أحدهما عن قوله، فالمال له؛ لأن أحدا لا يدعيه ~~سواه، لأن الراجع إن كان البائع، فقال: صدق المشتري، كنت أعتقته. فالولاء ~~له، ويلزمه رد الثمن إلى المشتري؛ لإقراره ببطلان البيع، وإن كان الراجع ms2505 ~~المشتري، قبل في المال؛ لأن أحدا لا يدعيه سواه، ولا يقبل قوله في نفي ~~الحرية؛ لأنها حق لغيره. وإن رجعا معا، فيحتمل أن يوقف حتى يصطلحا عليه؛ ~~لأنه لأحدهما، ولا يعرف عينه. ويحتمل أن من هو في يده يحلف ويأخذه؛ لأنه ~~منكر. # وإن لم يرجع واحد منهما، ففيه وجهان؛ أحدهما، يقر في يد من هو في يده، ~~فإن لم يكن في يد أحدهما، فهو لبيت المال؛ لأن أحدا لا يدعيه. ويحتمل أن ~~يكون لبيت المال على كل حال؛ لذلك. ### | [فصل أقر لرجل بعبد أو غيره] # (3877) فصل: ولو أقر لرجل بعبد أو غيره، ثم جاء به، وقال: هذا الذي أقررت ~~لك به. قال: بل هو غيره. لم يلزمه تسليمه إلى المقر له؛ لأنه لا يدعيه، ~~ويحلف المقر أنه ليس له عنده عبد سواه. فإن رجع المقر له، فادعاه، لزمه ~~دفعه إليه؛ لأنه لا منازع له فيه. وإن قال المقر له: صدقت، هذا لي الذي ~~أقررت به آخر لي عندك. لزمه تسليم هذا، ويحلف على نفي الآخر. ### | [مسألة مات فخلف ولدين فأقر أحدهما بأخ أو أخت] # (3878) مسألة؛ قال: (ولو مات، فخلف ولدين، فأقر أحدهما بأخ أو أخت، لزمه ~~أن يعطي الفضل الذي في يده لمن أقر له به) . وجملة ذلك أن أحد الوارثين إذا ~~أقر بوارث ثالث، مشارك لهما في الميراث، لم يثبت النسب بالإجماع؛ لأن النسب ~~لا يتبعض، فلا يمكن إثباته في حق المقر دون المنكر، ولا يمكن إثباته في ~~حقهما؛ لأن أحدهما منكر، ولم توجد شهادة يثبت بها النسب، ولكنه يشارك المقر ~~في الميراث، في قول أكثر أهل العلم. # وقال الشافعي: لا يشاركه. وحكي ذلك عن ابن سيرين. وقال إبراهيم: ليس بشيء ~~حتى # PageV05P145 # يقروا جميعا؛ لأنه لم يثبت نسبه، فلا يرث، كما لو أقر بنسب معروف النسب. ~~ولنا، أنه أقر بسبب مال لم يحكم ببطلانه، فلزمه المال، كما لو أقر ببيع أو ~~أقر بدين، فأنكر الآخر. وفارق ما إذا أقر بنسب معروف النسب؛ فإنه محكوم ~~ببطلانه. # ولأنه يقر له بمال ms2506 يدعيه المقر له، ويجوز أن يكون له، فوجب الحكم له به، ~~كما لو أقر بدين على أبيه، أو أقر له وصية، فأنكر سائر الورثة. إذا ثبت ~~هذا، فإن الواجب له فضل ما في يد المقر عن ميراثه. وبهذا قال ابن أبي ليلى، ~~ومالك، والثوري، والحسن بن صالح، وشريك، ويحيى بن آدم، وإسحاق، وأبو عبيد، ~~وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: إذا كان اثنان، فأقر أحدهما بأخ، لزمه دفع نصف ~~ما في يده، وإن أقر بأخت، لزمه ثلث ما في يده؛ لأنه أخذ ما لا يستحقه من ~~التركة، فصار كالغاصب، فيكون الباقي بينهما، كما لو غصب بعض التركة أجنبي. # ولأن الميراث يتعلق ببعض التركة، كما يتعلق بجميعها، فإذا هلك بعضها، أو ~~غصب، تعلق الحق بباقيها، والذي في يد المنكر كالمغصوب، فيقتسمان الباقي ~~بالسوية، كما لو غصبه أجنبي. ولنا، أن التركة بينهم أثلاثا، فلا يستحق مما ~~في يده إلا الثلث، كما لو ثبت نسبه ببينة. ولأنه إقرار بحق يتعلق بحصته ~~وحصة أخيه، فلا يلزمه أكثر مما يخصه، كالإقرار بالوصية، وكإقرار أحد ~~الشريكين على مال الشركة بدين. # ولأنه لو شهد معه بالنسب أجنبي ثبت، ولو لزمه أكثر من حصته لم تقبل ~~شهادته؛ لكونه يجر بها نفعا، لكونه يسقط عن نفسه بعض ما يستحقه عليه، ولأنه ~~حق لو ثبت ببينة لم يلزمه إلا قدر حصته، فإذا ثبت بالإقرار لم يلزمه أكثر ~~من ذلك، كالوصية. # وفارق ما إذا غصب بعض التركة وهما اثنان، لأن كل واحد منهما يستحق النصف ~~من كل جزء من التركة، وها هنا يستحق الثلث من كل جزء من التركة. ولأصحاب ~~الشافعي فيما إذا كان المقر صادقا فيما بينه وبين الله تعالى، هل يلزمه أن ~~يدفع إلى المقر له نصيبه؟ على وجهين؛ أحدهما، يلزمه. وهو الأصح، وهل يلزمه ~~أن يدفع إليه نصف ما في يده أو ثلثه؟ فيه وجهان. ### | [فصل إقرار جميع الورثة بنسب من يشاركهم في الميراث] # (3879) فصل: وإن أقر جميع الورثة بنسب من يشاركهم في الميراث، ثبت نسبه، ~~سواء كان الورثة ms2507 واحدا أو جماعة، ذكرا أو أنثى. وبهذا قال الشافعي، وأبو ~~يوسف، وحكاه عن أبي حنيفة؛ لأن الوارث يقوم مقام الميت في ميراثه، وديونه، ~~والديون التي عليه، وبيناته، ودعاويه، والأيمان التي له وعليه، وكذلك في ~~النسب. وقد روت عائشة، «أن سعد بن أبي وقاص اختصم هو وعبد بن زمعة، في ابن ~~أمة زمعة، فقال سعد: أوصاني أخي عتبة إذا قدمت مكة أن أنظر إلى ابن أمة ~~زمعة، وأقبضه، فإنه ابنه. فقال عبد بن زمعة: هو أخي، وابن وليدة أبي، ولد ~~على فراشه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو لك # PageV05P146 # يا عبد بن زمعة، وللعاهر الحجر» . # فقضى به لعبد بن زمعة. وقال " احتجبي منه يا سودة ". والمشهور عن أبي ~~حنيفة أنه لا يثبت إلا بإقرار رجلين، أو رجل وامرأتين. وقال مالك: لا يثبت ~~إلا بإقرار اثنين؛ لأنه يحمل النسب على غيره، فاعتبر فيه العدد، كالشهادة. # ولنا، أنه حق يثبت بالإقرار، فلم يعتبر فيه العدد، كالدين. ولأنه قول لا ~~تعتبر فيه العدالة، فلم يعتبر العدد فيه، كإقرار الموروث، واعتباره ~~بالشهادة لا يصح؛ لأنه لا يعتبر فيه اللفظ ولا العدالة، ويبطل بالإقرار ~~بالدين. ### | [فصل شروط الإقرار بالنسب] # (3880) فصل في شروط الإقرار بالنسب: لا يخلو إما أن يقر على نفسه خاصة، ~~أو عليه وعلى غيره، فإن أقر على نفسه، مثل أن يقر بولد، اعتبر في ثبوت نسبه ~~أربعة شروط؛ أحدها، أن يكون المقر به مجهول النسب، فإن كان معروف النسب، لم ~~يصح؛ لأنه يقطع نسبه الثابت من غيره، وقد لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من انتسب إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه. الثاني، أن لا ينازعه فيه ~~منازع؛ لأنه إذا نازعه فيه غيره تعارضا، فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من ~~الآخر. # الثالث، أن يمكن صدقه، بأن يكون المقر به يحتمل أن يولد لمثله. الرابع، ~~أن يكون ممن لا قول له، كالصغير والمجنون، أو يصدق المقر إن كان ذا قول، ~~وهو المكلف، فإن كان غير مكلف، لم يعتبر تصديقه. فإن كبر وعقل، ms2508 فأنكر، لم ~~يسمع إنكاره؛ لأن نسبه ثابت، وجرى ذلك مجرى من ادعى ملك عبد صغير في يده، ~~وثبت بذلك ملكه، فلما كبر جحد ذلك. ولو طلب إحلافه على ذلك، لم يستحلف؛ لأن ~~الأب لو عاد فجحد النسب، لم يقبل منه. وإن اعترف إنسان بأن هذا أبوه، فهو ~~كاعترافه بأنه ابنه. # فأما إن كان إقرارا عليه وعلى غيره، كإقرار بأخ، اعتبر فيه الشروط ~~الأربعة، وشرط خامس، وهو كون المقر جميع الورثة، فإن كان المقر زوجا أو ~~زوجة لا وارث معهما، لم يثبت النسب بإقرارهما؛ لأن المقر لا يرث المال كله، ~~وإن اعترف به الإمام معه، ثبت النسب؛ لأنه قائم مقام المسلمين، في مشاركة ~~الوارث وأخذ الباقي. # وإن كان الوارث بنتا أو أختا أو أما أو ذا فرض يرث جميع المال بالفرض ~~والرد، ثبت النسب بقوله، كالابن؛ لأنه يرث المال كله. وعند الشافعي: لا ~~يثبت بقوله النسب؛ لأنه لا يرى الرد، ويجعل الباقي لبيت المال. ولهم فيما ~~إذا وافقه الإمام في الإقرار وجهان. وهذا من فروع الرد، ويذكر في موضعه. ~~وإن كانت بنت وأخت، أو أخت وزوج، ثبت النسب بقولهما؛ لأنهما يأخذان المال ~~كله. # وإذا أقر بابن ابنه، وابنه ميت، اعتبرت فيه الشروط التي تعتبر في الإقرار ~~بالأخ، وكذلك إن أقر بعم وهو ابن جده، فعلى ما ذكرناه. # PageV05P147 # (3881) فصل: وإن كان أحد الولدين غير وارث، لكونه رقيقا، أو مخالفا لدين ~~موروثه، أو قاتلا، فلا عبرة به، وثبت النسب بقول الآخر وحده؛ لأنه يحوز ~~جميع الميراث. ثم إن كان المقر به يرث، شارك المقر في الميراث، وإن كان غير ~~وارث، لوجود أحد الموانع فيه، ثبت نسبه ولم يرث؛ وسواء كان المقر مسلما أو ~~كافرا. ### | [فصل كان أحد الوارثين غير مكلف فأقر المكلف بأخ ثالث] # (3882) فصل: وإن كان أحد الوارثين غير مكلف، كالصبي والمجنون، فأقر ~~المكلف بأخ ثالث، لم يثبت النسب بإقراره؛ لأنه لا يحوز الميراث كله. فإن ~~بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، فأقرا به أيضا، ثبت نسبه؛ لاتفاق جميع الورثة ~~عليه. وإن أنكر، ms2509 لم يثبت النسب. وإن ماتا قبل أن يصيرا مكلفين، ثبت نسب ~~المقر به؛ لأنه وجد الإقرار من جميع الورثة، فإن المقر به صار جميع الورثة. # ولو كان الوارثان بالغين عاقلين، فأقر به أحدهما وأنكر الآخر، ثم مات ~~المنكر وورثه المقر، ثبت نسب المقر به؛ لأن المقر به صار جميع الورثة، ~~فأشبه ما لو أقر به ابتداء بعد موت أخيه، وكما لو كان شريكه في الميراث غير ~~مكلف. وفيه وجه آخر أنه لا يثبت النسب؛ لأنه أنكره بعض الورثة، فلم يثبت ~~نسبه، كما لو لم يمت، بخلاف ما إذا كان شريكه غير مكلف، فإنه لم ينكره ~~وارث. # وهذا فيما إذا كان المقر يحوز جميع الميراث بعد الميت، فإن كان للميت ~~وارث سواه، أو من يشاركه في الميراث، لم يثبت النسب بقول الباقي منهما، ~~وجها واحدا؛ لأنه ليس كل الورثة، ويقوم وارث الميت الثاني مقامه، فإذا وافق ~~المقر في إقراره ثبت النسب، وإن خالفه لم يثبت كالموروث. وإن خلف ولدين، ~~فأقر أحدهما بأخ، وأنكره الآخر، ثم مات المنكر، وخلف ابنا، فأقر بالذي ~~أنكره أبوه، ثبت نسبه؛ لإقرار جميع الورثة به. ويحتمل أن لا يثبت؛ لإنكار ~~الميت له. ### | [فصل أقر الوارث بمن يحجبه] # (3883) فصل: وإذا أقر الوارث بمن يحجبه، كأخ أقر بابن للميت، وأخ من أب ~~أقر بأخ من أبوين، وابن ابن أقر بابن للميت، ثبت نسب المقر به، وورث وسقط ~~المقر. وهذا اختيار ابن حامد والقاضي، وقول أبي العباس بن سريج. وقال أكثر ~~أصحاب الشافعي: يثبت نسب المقر به، ولا يرث؛ لأن توريثه يفضي إلى إسقاط ~~توريثه. فسقط، بيانه أنه لو ورث لخرج المقر به عن كونه وارثا، فيبطل ~~إقراره، ويسقط نسب المقر به وتوريثه، فيؤدي توريثه إلى إسقاط نسبه وتوريثه، ~~فأثبتنا النسب دون الميراث. # ولنا، أنه ابن ثابت النسب، لم يوجد في حقه أحد موانع الإرث، فيدخل في ~~عموم قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: ~~11] . # PageV05P148 # أي فيرث، كما لو ثبت نسبه ببينة، ولأن ثبوت النسب سبب ms2510 للميراث، فلا يجوز ~~قطع حكمه عنه، ولا يورث محجوب به مع وجوده وسلامته من الموانع. وما احتجوا ~~به لا يصح؛ لأننا إنما نعتبر كون المقر وارثا على تقدير عدم المقر به، ~~وخروجه بالإقرار عن الإرث لا يمنع صحته، بدليل أن الابن إذا أقر بأخ فإنه ~~يرث، مع كونه يخرج بإقراره عن أن يكون جميع الورثة. # فإن قيل: إنما يقبل إقراره إذا صدقه المقر به، فصار إقرارا من جميع ~~الورثة، وإن كان المقر به طفلا أو مجنونا، لم يعتبر قوله، فقد أقر كل من ~~يعتبر قوله. قلنا: ومثله هاهنا، فإنه إن كان المقر به كبيرا، فلا بد من ~~تصديقه، فقد أقر به كل من يعتبر إقراره، وإن كان صغيرا غير معتبر القول، لم ~~يثبت النسب بقول الآخر كما لو كانا اثنين أحدهما صغير فأقر البالغ بأخ آخر، ~~لم يقبل، ولم يقولوا: أنه لا تعتبر موافقته، كذا هاهنا. # ولأنه لو كان في يد إنسان عبد محكوم له بملكه، فأقر به لغيره، ثبت للمقر ~~له، وإن كان المقر يخرج بالإقرار عن كونه مالكا، كذا هاهنا. ### | [فصل خلف ابنا فأقر بأخ] # (3884) فصل: فإن خلف ابنا، فأقر بأخ، ثبت نسبه، ثم إن أقر بثالث، ثبت ~~نسبه أيضا؛ لأنه إقرار من جميع الورثة. فإن قال الثالث: الثاني ليس بأخ ~~لنا. فقال القاضي: يسقط نسب الثاني؛ لأن الثالث وارث منكر لنسب الثاني، ~~فأشبه ما لو كان نسبه ثابتا قبل الثاني. وفيه وجه آخر: لا يسقط نسبه ولا ~~ميراثه؛ لأن نسبه ثبت بقول الأول، وثبت ميراثه، فلا يسقط بعد ثبوته، ولأنه ~~أقر به من هو كل الورثة حين الإقرار، وثبت ميراثه فلا يسقط بعد ثبوته، ولأن ~~الثاني لو أنكر الثالث، لم يثبت نسبه، وإنما ثبت نسبه بإقراره، فلا يجوز له ~~إسقاط نسب من يثبت نسبه بقوله، كالأول، ولأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الأصل ~~بالفرع الذي يثبت به. ### | [فصل أقر الابن بأخويه دفعة واحدة] # (3885) فصل: وإن أقر الابن بأخويه دفعة واحدة، فصدق كل واحد منهما صاحبه، ~~ثبت نسبهما. وإن ms2511 تكاذبا، ففيهما وجهان؛ أحدهما، لا يثبت نسبهما. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأن كل واحد منهما لم يقر به كل الورثة. # والثاني، يثبت نسبهما؛ لأن كل واحد منهما وجد الإقرار به من ثابت النسب، ~~هو كل الورثة حين الإقرار، فلم تعتبر موافقة غيره، كما لو كانا صغيرين. فإن ~~كان أحدهما يصدق صاحبه دون الآخر، ثبت نسب المتفق عليه منهما، وفي الآخر ~~وجهان. # PageV05P149 # وإن كانا توأمين، ثبت نسبهما، ولم يلتفت إلى إنكار المنكر منهما، سواء ~~تجاحدا معا، أو جحد أحدهما صاحبه؛ لأننا نعلم كذبهما، فإنهما لا يفترقان. ~~ولو أقر الوارث بنسب أحدهما، ثبت نسب الآخر؛ لأنهما لا يفترقان في النسب. # وإن أقر بنسب صغيرين، دفعة واحدة، ثبت نسبهما، على الوجه الذي يثبت فيه ~~نسب الكبيرين المتجاحدين. وهل يثبت على الوجه الآخر؟ يحتمل أن يثبت؛ لأنه ~~أقر به كل الورثة حين الإقرار، ولم يجحده أحد، فأشبه ما لو انفرد. ويحتمل ~~ألا يثبت؛ لأن أحدهما وارث، ولم يقر بصاحبه، فلم يجتمع كل الورثة على ~~الإقرار به، ويدفع المقر إلى كل واحد منهما ثلث الميراث، سواء قلنا بثبوت ~~النسب أو لم نقل؛ لأنه مقر به. ### | [فصل خلف امرأة وأخا فأقرت المرأة بابن للميت وأنكر الأخ] # (3886) فصل: إذا خلف امرأة وأخا، فأقرت المرأة بابن للميت. وأنكر الأخ، ~~لم يثبت نسبه، ودفعت إليه ثمن الميراث، وهو الفضلة التي في يد الزوجة عن ~~ميراثها. # وإن أقر به الأخ وحده، لم يثبت نسبه ودفع إليه جميع ما في يده، وهو ثلاثة ~~أرباع المال. فإن خلف اثنين، فأقر أحدهما بامرأة لأبيه، وأنكر الآخر، لم ~~تثبت الزوجية، ويدفع إليها نصف الميراث. ولأصحاب الشافعي في هذه المسألة ~~كقولنا؛ لأن الزوجية زالت بالموت، وإنما المقر به حقها من الميراث. # ولهم وجه آخر: لا شيء لها، وإن كان للميت امرأة أخرى، فلا شيء للمقر لها؛ ~~لأن الفضل الذي تستحقه في يد غير المقر. وكذلك ما كان مثل هذا، مثل أن يخلف ~~أخا من أب وأخا من أم، فيقر الأخ من الأم بأخ للميت، فلا شيء ms2512 للمقر به، ~~سواء أقر بأخ من أبوين، أو من أب، أو من أم؛ لأن ميراثه في يد غير المقر. ~~وإن أقر بأخوين من أم، دفع إليهما ثلث ما في يده؛ لأنه يقر أنهم شركاء في ~~الثلث، لكل واحد منهما تسع، وفي يده سدس، وهو تسع ونصف تسع، فيفضل في يده ~~نصف تسع، وهو ثلث ما في يده. ### | [فصل شهد من الورثة رجلان عدلان بنسب مشارك لهم في الميراث] # (3887) فصل: وإذا شهد من الورثة رجلان عدلان بنسب مشارك لهم في الميراث، ~~ثبت نسبه إذا لم يكونا متهمين. وكذلك إن شهدا على إقرار الميت به. وإن كانا ~~متهمين، كأخوين من أم يشهدان بأخ من أبوين، في مسألة فيها زوج وأختان من ~~أبوين، لم تقبل شهادتهما؛ لأن ثبوت نسبه يسقط العول، فيتوفر عليهما الثلث # وكذلك لو شهدا بأخ من أب، في مسألة معهما أم وأخت من أبوين وأخت من أب، ~~لم تقبل # PageV05P150 # شهادتهما؛ لأن ثبوت نسبه يسقط أخته، فيذهب العول من المسألة. فإن لم ~~يكونا وارثين، أو لم يكن للميت تركة، قبلت شهادتهما، وثبت النسب لعدم ~~التهمة. ### | [فصل أقر رجلان عدلان بنسب مشارك لهما في الميراث وثم وارث غيرهما] # (3888) فصل: وإن أقر رجلان عدلان بنسب مشارك لهما في الميراث، وثم وارث ~~غيرهما، لم يثبت النسب، إلا أن يشهدا به، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: يثبت؛ لأنهما بينة. ولنا، أنه إقرار من بعض الورثة، فلم يثبت به ~~النسب، كالواحد. وفارق الشهادة؛ لأنه تعتبر فيها العدالة والذكورية، ~~والإقرار بخلافه. ### | [فصل أقر بنسب ميت صغير أو مجنون] # (3889) فصل: إذا أقر بنسب ميت، صغير أو مجنون، ثبت نسبه، وورثه. وبهذا ~~قال الشافعي. ويحتمل أن يثبت نسبه دون ميراثه؛ لأنه متهم في قصد أخذ ~~ميراثه. وقال أبو حنيفة: لا يثبت نسبه ولا إرثه؛ لذلك. # ولنا، أن علة ثبوت نسبه في حياته الإقرار به، وهو موجود بعد الموت، فيثبت ~~به، كحالة الحياة. وما ذكروه يبطل بما إذا كان المقر به حيا موسرا، أو ~~المقر فقيرا، فإنه يثبت نسبه، ms2513 ويملك المقر التصرف في ماله، وإيقافه منه على ~~نفسه. وإن كان المقر به كبيرا عاقلا، فكذلك في قول القاضي، وظاهر مذهب ~~الشافعي؛ لأنه لا قول له، أشبه الصغير. وفيه وجه آخر، أنه لا يثبت نسبه؛ ~~لأن نسب المكلف لا يثبت إلا بتصديقه، ولم يوجد. # ويجاب عن هذا بأنه غير مكلف، فإن ادعى نسب المكلف في حياته، فلم يصدقه ~~حتى مات المقر، ثم صدقه، ثبت نسبه؛ لأنه وجد الإقرار والتصديق من المقر به، ~~فأشبه ما لو صدقه في حياته. وقال أبو الخطاب: وإذا أقر رجل بزوجية امرأة، ~~أو أقرت أن فلانا زوجها، فلم يصدقه المقر به إلا بعد موته، ورثه؛ لأنه وجد ~~الإقرار والتصديق معا. ### | [فصل خلف رجل امرأة وابنا من غيرها فأقر الابن بأخ له] # (3890) فصل: وإذا خلف رجل امرأة وابنا من غيرها، فأقر الابن بأخ له، لم ~~يثبت نسبه؛ لأنه لم يقر به كل الورثة. وهل يتوارثان؟ فيه وجهان؛ أحدهما ~~يتوارثان؛ لأن كل واحد منهما يقر أنه لا وارث له سوى صاحبه، ولا منازع ~~لهما. # والثاني، لا يتوارثان؛ لأن النسب بينهما لم يثبت فإن كان لكل واحد منهما ~~وارث غير صاحبه، لم يرثه؛ لأنه منازع في الميراث، ولم يثبت نسبه. # PageV05P151 ### | [فصل ثبت النسب بالإقرار ثم أنكر المقر] # (3891) فصل: وإذا ثبت النسب بالإقرار، ثم أنكر المقر، لم يقبل إنكاره؛ ~~لأنه نسب ثبت بحجة شرعية؛ فلم يزل بإنكاره، كما لو ثبت ببينة أو بالفراش، ~~وسواء كان المقر به غير مكلف، أو مكلفا، فصدق المقر. ويحتمل أن يسقط نسب ~~المكلف باتفاقهما على الرجوع عنه؛ لأنه ثبت باتفاقهما، فزال برجوعهما، ~~كالمال. # والأول أصح؛ لأنه نسب ثبت بالإقرار، فأشبه نسب الصغير والمجنون. وفارق ~~المال؛ لأن النسب يحتاط لإثباته. ### | [فصل أقرت المرأة بولد ولم تكن ذات زوج ولا نسب] # (3892) فصل: وإن أقرت المرأة بولد، ولم تكن ذات زوج ولا نسب، قبل ~~إقرارها. وإن كانت ذات زوج، فهل يقبل إقرارها؟ على روايتين؛ إحداهما، لا ~~يقبل؛ لأن فيه حملا لنسب الولد على زوجها، ولم يقر به، أو ms2514 إلحاقا للعار به ~~بولادة امرأته من غيره. والثانية: يقبل؛ لأنها شخص أقر بولد يحتمل أن يكون ~~منه، فقبل كالرجل. # وقال أحمد، في رواية ابن منصور، في امرأة ادعت ولدا: فإن كان لها إخوة أو ~~نسب معروف، فلا بد من أن يثبت أنه ابنها، فإن لم يكن لها دافع فمن يحول ~~بينها وبينه، وهذا لأنها متى كانت ذات أهل، فالظاهر أنه لا تخفى عليهم ~~ولادتها، فمتى ادعت ولدا لا يعرفونه، فالظاهر كذبها. ويحتمل أن تقبل دعواها ~~مطلقا؛ لأن النسب يحتاط له، فأشبهت الرجل. ### | [فصل قدمت امرأة من بلد الروم ومعها طفل فأقر به رجل] # (3893) فصل: ولو قدمت امرأة من بلد الروم، ومعها طفل، فأقر به رجل، لحقه؛ ~~لوجود الإمكان، وعدم المنازع، لأنه يحتمل أن يكون دخل أرضهم، أو دخلت هي ~~دار الإسلام ووطئها، والنسب يحتاط لإثباته، ولهذا لو ولدت امرأة رجل وهو ~~غائب عنها، بعد عشرين سنة من غيبته، لحقه، وإن لم يعرف له قدوم إليها، ولا ~~عرف لها خروج من بلدها. ### | [فصل أقر بنسب صغير] # (3894) فصل: وإن أقر بنسب صغير، لم يكن مقرا بزوجية أمه. وبهذا قال ~~الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا كانت مشهورة بالحرية، كان مقرا بزوجيتها؛ لأن ~~أنساب المسلمين وأحوالهم يجب حملها على الصحة، وذلك أن تكون ولدته منه في ~~نكاح صحيح. ولنا، أن الزوجية ليست مقتضى لفظه ولا مضمونه، فلم يكن مقرا ~~بها، كما لو لم تكن معروفة # PageV05P152 # بالحرية. # وما ذكروه لا يصح؛ فإن النسب محمول على الصحة، وقد يلحق بالوطء في النكاح ~~الفاسد والشبهة، فلا يلزمه بحكم إقراره، ما لم يتضمنه لفظه، ولم يوجبه. ### | [فصل كان له أمة لها ثلاثة أولاد لا زوج لها ولا أقر بوطئها فقال أحد هؤلاء ولدي] # (3895) فصل: وإذا كان له أمة لها ثلاثة أولاد، لا زوج لها، ولا أقر ~~بوطئها، فقال: أحد هؤلاء ولدي. فإقراره صحيح، ويطالب بالبيان، فإن عين ~~أحدهم ثبت نسبه وحريته، ثم يسأل عن كيفية الاستيلاد، فإن قال: كان بنكاح. ~~فعلى الوالد الولاء؛ لأنه قد مسه رق، والأم ms2515 وولداها الآخران رقيق قن. # وإن قال: استولدتها في ملكي. فالمقر به حر الأصل، لا ولاء عليه، والأمة ~~أم ولد. ثم إن كان المقر به الأكبر، فأخواه أبناء أم ولد، حكمهما حكمها في ~~العتق بموت سيدها. وإن كان الأوسط، فالأكبر قن، والأصغر له حكم أمه، وإن ~~عين الأصغر، فأخواه رقيق قن؛ لأنها ولدتهما قبل الحكم بكونها أم ولد، وإن ~~قال: هو من وطء شبهة. فالولد حر الأصل، وأخواه مملوكان، وإن مات قبل أن ~~يبين، أخذ ورثته بالبيان، ويقوم بيانهم مقام بيانه، فإن بينوا النسب ولم ~~يبينوا الاستيلاد، ثبت النسب وحرية الولد، ولم يثبت للأم ولا لولديها حكم ~~الاستيلاد؛ لأنه يحتمل أن يكون من نكاح أو وطء شبهة، وإن لم يبينوا النسب، ~~وقالوا: لا نعرف ذلك، ولا الاستيلاد، فإنا نريه القافة، فإن ألحقوا به ~~واحدا منهم ألحقناه، ولا يثبت حكم الاستيلاد لغيره، فإن لم تكن قافة أقرع ~~بينهم، فمن وقعت له القرعة عتق وورث. # وبهذا قال الشافعي، إلا أنه لا يورثه بالقرعة. ولنا، أنه حر استندت حريته ~~إلى إقرار أبيه به، فورث، كما لو عينه في إقراره. ### | [فصل كان له أمتان لكل واحدة منهما ولد فقال أحد هذين ولدي من أمتي] # (3896) فصل: وإذا كان له أمتان، لكل واحدة منهما ولد، فقال: أحد هذين ~~ولدي من أمتي. نظرت؛ فإن كان لكل واحدة منهما زوج يمكن إلحاق الولد به، لم ~~يصح إقراره، وألحق الولدان بالزوجين. # وإن كان لإحداهما زوج دون الأخرى، انصرف الإقرار إلى ولد الأخرى؛ لأنه ~~الذي يمكن إلحاقه به، وإن لم يكن لواحدة منهما زوج، ولكن أقر السيد ~~بوطئهما، صارتا فراشا، ولحق ولداهما به إذا أمكن أن يولدا بعد وطئه، وإن ~~أمكن في إحداهما دون الأخرى، انصرف الإقرار إلى من أمكن؛ لأنه ولده حكما. ~~وإن لم يكن أقر بوطء واحدة منهما، صح إقراره وثبتت حرية المقر به؛ لأنه أقر ~~بنسب صغير # PageV05P153 # مجهول النسب مع الإمكان لا منازع له فيه، فلحقه نسبه، ثم يكلف البيان، ~~كما لو طلق إحدى نسائه، فإذا بين قبل ms2516 بيانه؛ لأن المرجع في ذلك إليه، ثم ~~يطالب ببيان كيفية الولادة، فإن قال: استولدتها في ملكي. فالولد حر الأصل، ~~لا ولاء عليه، وأمه أم ولد. # وإن قال: في نكاح. فعلى الولد الولاء؛ لأنه مسه رق، والأمة قن؛ لأنها ~~علقت بمملوك. وإن قال: بوطء شبهة. فالولد حر الأصل، والأمة قن؛ لأنها علقت ~~به في غير ملك. وإن ادعت الأخرى أنها التي استولدها؛ فالقول قوله مع يمينه؛ ~~لأن الأصل عدم الاستيلاد، فأشبه ما لو ادعت ذلك من غير إقراره بشيء، فإذا ~~حلف رقت ورق ولدها، وإذا مات ورثه ولده المقر به. وإن كانت أمة قد صارت أم ~~ولد عتقت أيضا، وإن لم تصر أم ولد عتقت على ولدها إن كان هو الوارث وحده، ~~وإن كان معه غيره عتق منها بقدر ما ملك. # فإن مات قبل أن يبين، قام وارثه مقامه في البيان؛ لأنه يقوم مقامه في ~~إلحاق النسب وغيره، فإذا بين كان كما لو بين الموروث، وإن لم يعلم الوارث ~~كيفية الاستيلاد، ففي الأمة وجهان؛ أحدهما، يكون رقيقا؛ لأن الرق الأصل، ~~فلا يزول بالاحتمال. والثاني يعتق؛ لأن الظاهر أنها ولدته في ملكه؛ لأنه ~~أقر بولدها وهي في ملكه. # وهذا منصوص الشافعي. فإن لم يكن وارث، أو كان وارث فلم يعين، عرض على ~~القافة، فإن ألحقت به أحدهما، ثبت نسبه، وكان حكمه كما لو عين الوارث، فإن ~~لم تكن قافة، أو كانت فلم تعرف، أقرع بين الولدين، فيعتق أحدهما بالقرعة؛ ~~لأن للقرعة مدخلا في إثبات الحرية. وقياس المذهب ثبوت نسبه وميراثه، على ما ~~ذكرنا في التي قبلها. وقال الشافعي: لا يثبت نسب ولا ميراث. واختلفوا في ~~الميراث، فقال المزني: يوقف نصيب ابن؛ لأننا تيقنا ابنا وارثا. ولهم وجه ~~آخر: لا يوقف شيء؛ لأنه لا يرجى انكشافه. # وقال أبو حنيفة: يعتق من كل واحد نصفه، ويستسعى في باقيه، ولا يرثان. ~~وقال ابن أبي ليلى مثل ذلك، إلا أنه يجعل الميراث بينهما نصفين، ويدفعانه ~~في سعايتهما. والكلام على قسمة الحرية والسعاية يأتي في العتق، إن ms2517 شاء الله ~~تعالى. # PageV05P154 ### | [مسألة أقر بدين على أبيه] # (3897) مسألة؛ قال: (وكذلك إن أقر بدين على أبيه، لزمه من الدين بقدر ~~ميراثه) . وجملة ذلك أن الوارث إذا أقر بدين على موروثه، قبل إقراره، بغير ~~خلاف نعلمه. # ويتعلق ذلك بتركة الميت، كما لو أقر به الميت قبل موته، فإن لم يخلف ~~تركة، لم يلزم الوارث بشيء؛ لأنه لا يلزمه أداء دينه إذا كان حيا مفلسا، ~~فكذلك إذا كان ميتا. وإن خلف تركة، تعلق الدين بها، فإن أحب الوارث تسليمها ~~في الدين، لم يلزمه إلا ذلك، وإن أحب استخلاصها وإيفاء الدين من ماله، فله ~~ذلك، ويلزمه أقل الأمرين من قيمتها أو قدر الدين بمنزلة الجاني. وإن كان ~~الوارث واحدا، فحكمه ما ذكرنا. # وإن كانا اثنين أو أكثر، وثبت الدين بإقرار الميت، أو بينة، أو إقرار ~~جميع الورثة، فكذلك. وإذا اختار الورثة أخذ التركة وقضاء الدين من أموالهم، ~~فعلى كل واحد منهم من الدين بقدر ميراثه. وإن أقر أحدهم، لزمه من الدين ~~بقدر ميراثه، والخيرة إليه في تسليم نصيبه في الدين أو استخلاصه. # وإذا قدره من الدين، فإن كانا اثنين، لزمه النصف، وإن كانوا ثلاثة، فعليه ~~الثلث. وبهذا قال النخعي، والحسن، والحكم، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، ~~والشافعي في أحد قوليه. وقال أصحاب الرأي: يلزمه جميع الدين، أو جميع ~~ميراثه. # وهذا آخر قولي الشافعي رجع إليه بعد قوله كقولنا؛ لأن الدين يتعلق ~~بتركته، فلا يستحق الوارث منها إلا ما فضل من الدين؛ لقول الله تعالى: {من ~~بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء: 12] . ولأنه يقول: ما أخذه المنكر أخذه ~~بغير استحقاق. فكان غاصبا، فتعلق الدين بما بقي من التركة، كما لو غصبه ~~أجنبي. # ولنا، أنه لا يستحق أكثر من نصف الميراث، فلا يلزمه أكثر من نصف الدين، ~~كما لو أقر أخوه، ولأنه إقرار يتعلق بحصته وحصة أخيه، فلا يجب عليه إلا ما ~~يخصه، كالإقرار بالوصية، وإقرار أحد الشريكين على مال الشركة، ولأنه حق لو ~~ثبت ببينة، أو قول الميت، أو إقرار الوارثين، لم يلزمه ms2518 إلا نصفه، فلم يلزمه ~~بإقراره أكثر من نصفه، كالوصية، ولأن شهادته بالدين مع غيره تقبل، ولو لزمه ~~أكثر من حصته لم تقبل شهادته؛ لأنه يجر بها إلى نفسه نفعا. ### | [فصل ادعى رجلان دارا بينهما ملكاها بسبب يوجب الاشتراك] # (3898) فصل: إذا ادعى رجلان دارا بينهما، ملكاها بسبب يوجب الاشتراك، مثل ~~أن يقولا: ورثناها أو ابتعناها معا. فأقر المدعى عليه بنصفها لأحدهما، فذلك ~~لهما جميعا؛ لأنهما اعترفا أن الدار لهما مشاعة، فإذا غصب غاصب نصفها، كان ~~منهما، والباقي بينهما، وإن لم يكونا ادعيا شيئا يقتضي الاشتراك، بل ادعى ~~كل واحد منهما نصفها، فأقر لأحدهما بما ادعاه، لم يشاركه الآخر، وكان على ~~خصومته؛ لأنهما لم يعترفا بالاشتراك، # PageV05P155 # فإن أقر لأحدهما بالكل، وكان المقر له يعترف للآخر بالنصف، سلمه إليه، ~~وكذلك إن كان قد تقدم إقراره بذلك، وجب تسليم النصف، إليه؛ لأن الذي هي في ~~يده قد اعترف له بها، فصار بمنزلته، فيثبت لمن يقر له، وإن لم يكن اعترف ~~للآخر، وادعى جميعها أو ادعى أكثر من النصف، فهو له. # فإن قيل: فكيف يملك جميعها ولم يدع إلا نصفها؟ قلنا: ليس من شرط صحة ~~الإقرار تقدم الدعوى، بل متى أقر الإنسان بشيء فصدقه المقر له، ثبت، وقد ~~وجد التصديق هاهنا في النصف الذي لم يسبق دعواه، ويجوز أن يكون اقتصر على ~~دعوى ألف؛ لأن له حجة به، أو لأن النصف الآخر قد اعترف له به، فادعى النصف ~~الذي لم يعترف به. فإن لم يصدقه في إقراره بالنصف الذي لم يدعه، ولم يعترف ~~به للآخر، ففيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: يبطل الإقرار به؛ لأنه أقر به لمن لا ~~يدعيه. # الثاني، ينزعه الحاكم من يده حتى يثبت لمدعيه، ويؤجره، ويحفظ أجرته ~~لمالكه. والثالث، يدفع إلى مدعيه لعدم المنازع فيه. ومذهب الشافعي في هذا ~~الفصل كله كنحو ما ذكرنا. ### | [مسألة كل من كان القول قوله فلخصمه عليه اليمين] # (3899) . مسألة قال: (وكل من قلت: القول قوله. فلخصمه عليه اليمين) # يعني في هذا الباب وفيما أشبهه، مثل أن يقول: عندي ms2519 ألف. ثم قال: وديعة. ~~أو قال: علي. ثم قال: وديعة. أو قال: له عندي رهن. فقال المالك: وديعة. ~~ومثل الشريك والمضارب والمنكر للدعوى، وإذا اختلفا في قيمة الرهن أو قدره، ~~أو قدر الدين الذي الرهن به، وأشباه هذا، فكل من قلنا القول # قوله. فعليه لخصمه اليمين. لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو أعطي ~~الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» ~~. رواه مسلم. # ولأن اليمين يشرع في حق من ظهر صدقه، وقوي جانبه، تقوية لقوله واستظهارا، ~~والذي جعل القول قوله كذلك، فيجب أن تشرع اليمين في حقه. (3900) فصل: إذا ~~أقر أنه وهب وأقبض الهبة، أو رهن وأقبض، أو أقر أنه قبض ثمن المبيع، أو أجر ~~المستأجر، ثم أنكر ذلك، وسأل إحلاف خصمه، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا ~~يستحلف. # وهو قول أبي حنيفة ومحمد لأن دعواه تكذيب لإقراره، فلا تسمع، # PageV05P156 # كما لو أقر المضارب أنه ربح ألفا، ثم قال: غلطت. # ولأن الإقرار أقوى من البينة، ولو شهدت البينة فقال: أحلفوه لي مع بينته. ~~لم يستحلف، كذا هاهنا. والثانية، يستحلف. وهو قول الشافعي وأبي يوسف لأن ~~العادة جارية بالإقرار قبل القبض، فيحتمل صحة ما قاله، فينبغي أن يستحلف ~~خصمه لنفي الاحتمال. # ويفارق الإقرار البينة لوجهين؛ أحدهما، أن العادة جارية بالإقرار بالقبض ~~قبله، ولم تجر العادة بالشهادة على القبض قبله؛ لأنها تكون شهادة زور. # والثاني، أن إنكاره مع الشهادة طعن في البينة، وتكذيب لها، وفي الإقرار ~~بخلافه. ولم يذكر القاضي في " المجرد " غير هذا الوجه. وكذلك لو أقر أنه ~~اقترض منه ألفا وقبضها، أو قال: له علي ألف. ثم قال: ما كنت قبضتها، وإنما ~~أقررت لأقبضها. فالحكم كذلك. # ولأنه يمكن أن يكون قد أقر بقبض ذلك بناء على قول وكيله وظنه، والشهادة ~~لا تجوز إلا على اليقين. فأما إن أقر أنه وهبه طعاما، ثم قال: ما أقبضتكه. ~~وقال المتهب: بل أقبضتنيه. فالقول قول الواهب؛ لأن الأصل عدم القبض. # وإن كانت في يد المتهب، فقال: أقبضتنيها. فقال: بل أخذتها مني ms2520 بغير إذني. ~~فالقول قول الواهب أيضا؛ لأن الأصل عدم الإذن. وإن كانت حين الهبة في يد ~~المتهب، لم يعتبر إذن الواهب، وإنما يعتبر مضي مدة يتأتى القبض فيها. وعلى ~~من قلنا: القول قوله. منهما اليمين؛ لما ذكرنا. ### | [مسألة الإقرار بدين في مرض موته] # (3901) مسألة؛ قال: (والإقرار بدين في مرض موته، كالإقرار في الصحة، إذا ~~كان لغير وارث) هذا ظاهر المذهب. وهو قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر ~~أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن إقرار المريض في مرضه لغير ~~الوارث جائز. وحكى أصحابنا رواية أخرى؛ أنه لا يقبل؛ لأنه إقرار في مرض ~~الموت، أشبه الإقرار لوارث. # وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه لا يقبل إقراره بزيادة على الثلث؛ ~~لأنه ممنوع من عطية ذلك لأجنبي، كما هو ممنوع من عطية الوارث، فلا يصح ~~إقراره بما لا يملك عطيته، بخلاف الثلث فما دون. # ولنا، أنه إقرار غير متهم فيه، فقبل، كالإقرار في الصحة، يحققه أن حالة ~~المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه، وإبراء ذمته، وتحري الصدق، فكان أولى ~~بالقبول. وفارق الإقرار للوارث؛ لأنه متهم فيه، على ما سنذكره. . ### | [فصل أقر لأجنبي بدين في مرضه وعليه دين ثبت ببينة أو إقرار] # (3902) فصل: فإن أقر لأجنبي بدين في مرضه، وعليه دين ثبت ببينة أو إقرار ~~في صحته، وفي المال سعة لهما، فهما # PageV05P157 # سواء، وإن ضاق عن قضائهما، فظاهر كلام الخرقي أنهما سواء. وهو اختيار ~~التميمي وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور. # وذكر أبو عبيد أنه قول أكثر أهل المدينة؛ لأنهما حقان يجب قضاؤهما من رأس ~~المال، لم يختص أحدهما برهن، فاستويا، كما لو ثبتا ببينة. وقال أبو الخطاب ~~لا يحاص غرماء الصحة. وقال القاضي: هو قياس المذهب؛ لنص أحمد في المفلس أنه ~~إذا أقر وعليه دين ببينة، يبدأ بالدين الذي بالبينة. # وبهذا قال النخعي والثوري وأصحاب الرأي؛ لأنه أقر بعد تعلق الحق بتركته، ~~فوجب أن لا يشارك المقر له من ثبت دينه ببينة، كغريم المفلس الذي أقر له ~~بعد الحجر ms2521 عليه، والدليل على تعلق الحق بماله، منعه من التبرع ومن الإقرار ~~لوارث؛ ولأنه محجور عليه ولهذا لا تنفذ هباته وتبرعاته، فلم يشارك من أقر ~~له قبل الحجر، ومن ثبت دينه ببينة، كالذي أقر له المفلس. وإن أقر لهما ~~جميعا في المرض، تساويا، ولم يقدم السابق منهما؛ لأنهما استويا في الحال، ~~فأشبها غريمي الصحة. " ### | [مسألة الإقرار لوارث] # (3903) مسألة؛ قال: (وإن أقر لوارث، لم يلزم باقي الورثة قبوله إلا ~~ببينة) وبهذا قال شريح، وأبو هاشم، وابن أذينة، والنخعي، ويحيى الأنصاري، ~~وأبو حنيفة وأصحابه. وروي ذلك عن القاسم، وسالم وقال عطاء والحسن وإسحاق ~~وأبو ثور: يقبل؛ لأن من صح الإقرار له في الصحة، صح في المرض، كالأجنبي. ~~وللشافعي قولان كالمذهبين. # وقال مالك يصح إذا لم يتهم، ويبطل إن اتهم، كمن له بنت وابن عم، فأقر ~~لابنته، لم يقبل، وإن أقر لابن عمه، قبل؛ لأنه لا يتهم في أنه يزوي ابنته ~~ويوصل المال إلى ابن عمه، وعلة منع الإقرار التهمة، فاختص المنع بموضعها. ~~ولنا أنه إيصال لماله إلى وارثه بقوله في مرض موته، فلم يصح بغير رضى بقية ~~ورثته، كهبته، ولأنه محجور عليه في حقه، فلم يصح إقراره له، كالصبي في حق ~~جميع الناس. وفارق الأجنبي؛ فإن هبته له تصح. وما ذكره مالك لا يصح؛ فإن ~~التهمة لا يمكن اعتبارها بنفسها، فوجب اعتبارها بمظنتها وهو الإرث، وكذلك ~~اعتبر في الوصية والتبرع وغيرهما. ### | [فصل أقر لامرأته بمهر مثلها أو دونه] # (3904) فصل: وإن أقر لامرأته بمهر مثلها أو دونه، صح في قولهم جميعا. لا ~~نعلم فيه مخالفا إلا الشعبي قال: لا يجوز إقراره لها؛ لأنه إقرار لوارث. ~~ولنا، أنه إقرار بما تحقق سببه، وعلم وجوده، ولم تعلم البراءة منه، فأشبه ~~ما لو كان عليه # PageV05P158 # دين ببينة، فأقر بأنه لم يوفه. وكذلك إن اشترى من وارثه شيئا، فأقر له ~~بثمن مثله؛ لأن القول قول المقر له، في أنه لم يقبض ثمنه. وإن أقر لامرأته ~~بدين سوى الصداق، لم يقبل. # وإن أقر لها، ثم أبانها، ثم رجع تزوجها، ms2522 ومات في مرضه، لم يقبل إقراره ~~لها. وقال محمد بن الحسن يقبل؛ لأنها صارت إلى حال لا يتهم فيها، فأشبه ما ~~لو أقر المريض ثم برأ. ولنا، أنه إقرار لوارث في مرض الموت، أشبه ما لو لم ~~يبنها، وفارق ما إذا صح من مرضه؛ لأنه لا يكون مرض الموت. ### | [فصل أقر لوارث فصار غير وارث] # (3905) فصل: وإن أقر لوارث، فصار غير وارث كرجل أقر لأخيه ولا ولد له، ثم ~~ولد له ابن، لم يصح إقراره له. وإن أقر لغير وارث، ثم صار وارثا، صح إقراره ~~له. نص عليه أحمد في رواية ابن منصور: إذا أقر لامرأة بدين في المرض، ثم ~~تزوجها، جاز إقراره؛ لأنه غير متهم. وحكي له قول سفيان في رجل له ابنان، ~~فأقر لأحدهما بدين في مرضه، ثم مات الابن، وترك ابنا، والأب حي، ثم مات بعد ~~ذلك، جاز إقراره. فقال أحمد لا يجوز. وبهذا قال عثمان البتي وذكر أبو ~~الخطاب رواية أخرى في الصورتين مخالفة لما قلنا. وهو قول سفيان الثوري ~~والشافعي لأنه معنى يعتبر فيه عدم الميراث، فكان الاعتبار فيه بحالة الموت، ~~كالوصية. ولنا، أنه قول تعتبر فيه التهمة، فاعتبرت حال وجوده دون غيره، ~~كالشهادة، ولأنه إذا أقر لغير وارث، ثبت الإقرار، وصح؛ لوجوده من أهله ~~خاليا عن تهمة، فيثبت الحق به، ولم يوجد مسقط له، فلا يسقط. # وإذا أقر لوارث، وقع باطلا؛ لاقتران التهمة به، فلا يصح بعد ذلك، ولأنه ~~إقرار لوارث، فلم يصح، كما لو استمر الميراث. وإن أقر لغير وارث، صح، ~~واستمر، كما لو استمر عدم الإرث. أما الوصية، فإنها عطية بعد الموت، ~~فاعتبرت فيها حالة الموت، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل أقر لوارث وأجنبي] # (3906) فصل: وإن أقر لوارث وأجنبي، بطل في حق الوارث، وصح في حق الأجنبي. ~~ويحتمل أن لا يصح في حق الأجنبي، كما لو شهد بشهادة يجر إلى نفسه بعضها، ~~بطلت شهادته في الكل، وكما لو شهد لابنه وأجنبي. وقال أبو حنيفة إن أقر ~~لهما بدين من الشركة، فاعترف الأجنبي بالشركة، صح ms2523 الإقرار لهما، وإن جحدها، ~~صح له دون الوارث. # ولنا، أنه إقرار لوارث وأجنبي، فيصح للأجنبي دون الوارث، كما لو أقر ~~بلفظين، أو كما لو جحد # PageV05P159 # الأجنبي الشركة. ويفارق الإقرار الشهادة؛ لقوة الإقرار، ولذلك لا تعتبر ~~فيه العدالة. ولو أقر بشيء له فيه نفع، كالإقرار بنسب موسر، قبل. ولو أقر ~~بشيء يتضمن دعوى على غيره، قبل فيما عليه دون ما له. كما لو قال لامرأته: ~~خلعتك على ألف. بانت بإقراره، والقول قولها في نفي العوض. وإن قال لعبده: ~~اشتريت نفسك مني بألف. فكذلك. ### | [فصل إقرار المريض بوارث] # (3907) فصل: ويصح إقرار المريض بوارث، في إحدى الروايتين. والأخرى، لا ~~يصح؛ لأنه إقرار لوارث، فأشبه الإقرار له بمال. والأول أصح؛ لأنه عند ~~الإقرار غير وارث، فصح. # كما لو لم يصر وارثا، ويمكن بناء هذه المسألة على ما إذا أقر لغير وارث، ~~ثم صار وارثا، فمن صحح الإقرار ثم، صححه هاهنا، ومن أبطله، أبطله. وإن ملك ~~ابن عمه، فأقر في مرضه أنه كان أعتقه في صحته، وهو أقرب عصبته، عتق، ولم ~~يرثه؛ لأن توريثه يوجب إبطال الإقرار بحريته، وإذا بطلت الحرية سقط الإرث، ~~فصار توريثه سببا إلى إسقاط توريثه، فأسقطنا التوريث وحده. ويحتمل أن يرث؛ ~~لأنه حين الإقرار غير وارث، فصح إقراره له، كالمسألة قبلها. ### | [فصل الإقرار من المريض بإحبال الأمة] # (3908) فصل: ويصح الإقرار من المريض بإحبال الأمة؛ لأنه يملك ذلك، فملك ~~الإقرار به. وكذلك كل ما ملكه ملك الإقرار به. فإذا أقر بذلك، ثم مات، فإن ~~بين أنه استولدها في ملكه، فولده حر الأصل، وأمه أم ولد، تعتق من رأس ~~المال. # وإن قال: من نكاحه، أو وطء شبهة. لم تصر الأمة أم ولد وعتق الولد، فإن ~~كان من نكاح فعليه الولاء؛ لأنه مسه رق، وإن قال: من وطء شبهة. لم تصر ~~الأمة أم ولد. وإن لم يتبين السبب، فالأمة مملوكة؛ لأن الأصل الرق، ولم ~~يثبت سبب الحرية. ويحتمل أن تصير أم ولد؛ لأن الظاهر استيلادها في ملكه، من ~~قبل أنها مملوكته، والولادة موجودة، ولا ms2524 ولاء على الولد؛ لأن الأصل عدمه، ~~فلا يثبت إلا بدليل. ### | [فصل الألفاظ التي يثبت بها الإقرار] # (3909) فصل: في الألفاظ التي يثبت بها الإقرار، إذا قال: له على ألف. أو ~~قال له: لي عليك ألف؟ فقال: نعم، أو أجل، أو صدقت، أو لعمري، أو أنا مقر ~~به، أو بما ادعيت، أو بدعواك. كان مقرا في جميع ذلك؛ لأن هذه الألفاظ وضعت ~~للتصديق، قال الله تعالى: {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} [الأعراف: ~~44] . # وإن قال: أليس لي عندك ألف؟ قال: بلى. كان إقرارا صحيحا؛ لأن بلى جواب ~~للسؤال بحرف النفي، # PageV05P160 # قال الله تعالى: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] . وإن قال: لك ~~علي ألف في علمي، أو فيما أعلم. كان مقرا به، لأن ما في علمه لا يحتمل إلا ~~الوجوب. # وإن قال: اقضني الألف الذي لي عليك. قال: نعم. كان مقرا به؛ لأنه تصديق ~~لما ادعاه. وإن قال: اشتر عبدي هذا. أو أعطني عبدي هذا. فقال: نعم. كان ~~إقرارا؛ لما ذكرنا. وإن قال: لك علي ألف إن شاء الله تعالى. كان مقرا به. # نص عليه أحمد وقال أصحاب الشافعي: ليس بإقرار؛ لأنه علق إقراره على شرط، ~~فلم يصح، كما لو علقه على مشيئة زيد، ولأن ما علق على مشيئة الله تعالى لا ~~سبيل إلى معرفته. ولنا، أنه وصل إقراره بما يرفعه كله، ولا يصرفه إلى غير ~~الإقرار، فلزمه ما أقر به، وبطل ما وصله به، كما لو قال: له علي ألف إلا ~~ألفا. ولأنه عقب الإقرار بما لا يفيد حكما آخر، ولا يقتضي رفع الحكم، أشبه ~~ما لو قال: له علي ألف في مشيئة الله تعالى. # وإن قال: له علي ألف إلا أن يشاء الله. صح الإقرار؛ لأنه أقر، ثم علق رفع ~~الإقرار على أمر لا يعلم، فلم يرتفع. وإن قال: لك علي ألف، إن شئت، أو إن ~~شاء زيد. لم يصح الإقرار. وقال القاضي: يصح؛ لأنه عقبه بما يرفعه، فصح ~~الإقرار دون ما يرفعه، كاستثناء الكل، وكما لو قال: إن ms2525 شاء الله. ولنا، أنه ~~علقه على شرط يمكن علمه. فلم يصح، كما لو قال: له علي ألف، إن شهد بها ~~فلان. # وذلك لأن الإقرار إخبار بحق سابق، فلا يتعلق على شرط مستقبل. ويفارق ~~التعليق على مشيئة الله تعالى، فإن مشيئة الله تعالى تذكر في الكلام تبركا ~~وصلة وتفويضا إلى الله تعالى، لا للاشتراط، كقول الله تعالى: {لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم} [الفتح: 27] . # وقد علم الله أنهم سيدخلون بغير شك. ويقول الناس: صلينا إن شاء الله ~~تعالى. مع تيقنهم صلاتهم، بخلاف مشيئة الآدمي. الثاني، أن مشيئة الله تعالى ~~لا تعلم إلا بوقوع الأمر، فلا يمكن وقف الأمر على وجودها، ومشيئة الآدمي ~~يمكن العلم بها، فيمكن جعلها شرطا. يتوقف الأمر على وجودها، والماضي لا ~~يمكن وقفه، فيتعين حمل الأمر هاهنا على المستقبل، فيكون وعدا لا إقرارا. # وإن قال: بعتك إن شاء الله تعالى، أو زوجتك إن شاء الله تعالى. فقال أبو ~~إسحاق بن شاقلا لا أعلم خلافا عنه في أنه إذا قيل له: قبلت هذا النكاح؟ ~~فقال: نعم إن شاء الله تعالى. أن النكاح وقع به. # قال أبو حنيفة ولو قال: بعتك بألف إن شئت. فقال: قد شئت وقبلت. صح؛ لأن # PageV05P161 # هذا الشرط من موجب العقد ومقتضاه، فإن الإيجاب إذا وجد من البائع كان ~~القبول إلى مشيئة المشتري واختياره. # وإن قال: له علي ألفان إن قدم فلان. لم يلزمه؛ لأنه لم يقر بها في الحال، ~~وما لا يلزمه في الحال، لا يصير واجبا عند وجود الشرط. وإن قال: إن شهد ~~فلان علي لك بألف صدقته. لم يكن إقرارا؛ لأنه يجوز أن يصدق الكاذب. وإن ~~قال: إن شهد بها فلان فهو صادق. احتمل أن لا يكون إقرارا؛ لأنه علقه على ~~شرط، فأشبهت التي قبلها. # واحتمل أن يكون إقرارا في الحال؛ لأنه لا يتصور صدقه إذا شهد بها، إلا أن ~~تكون ثابتة في الحال، وقد أقر بصدقه. وإن قال: له علي ألف إن شهد بها فلان. ~~لم يكن إقرارا؛ لأنه ms2526 معلق على شرط. # (3910) فصل: وإن قال: لي عليك ألف. فقال: أنا أقر. لم يكن إقرارا؛ لأنه ~~وعد بالإقرار في المستقبل. وإن قال: لا أنكر. لم يكن إقرارا؛ لأنه لا يلزم ~~من عدم الإنكار الإقرار، فإن بينهما قسما آخر، وهو السكوت عنهما. وإن قال: ~~لا أنكر أن تكون محقا. لم يكن إقرارا؛ لذلك. وإن قال: أنا مقر. ولم يزد، ~~احتمل أن يكون مقرا؛ لأن ذلك عقيب الدعوى، فينصرف إليها. # وكذلك إن قال: أقررت. قال الله تعالى: {قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ~~قالوا أقررنا} [آل عمران: 81] ولم يقولوا أقررنا بذلك ولا زادوا عليه فكان ~~منهم إقرارا. واحتمل أن لا يكون مقرا لأنه يحتمل أن يريد غير ذلك مثل أن ~~يريد: أنا مقر بالشهادة أو ببطلان دعواك وإن قال لعل أو عسى لم يكن مقرا ~~لأنهما للترجي، وإن قال: أظن أو أحسب أو أقدر لم يكن إقرارا لأن هذه ~~الألفاظ تستعمل للشك، وإن قال: خذ، أو اتزن لم يكن إقرارا لأنه يحتمل: خذ ~~الجواب، أو اتزن شيئا آخر، وإن قال: خذها، أو اتزنها، أو هي صحاح. # ففيه وجهان؛ أحدهما ليس بإقرار؛ لأن الصفة ترجع إلى المدعي، ولم يقر ~~بوجوبه، ولأنه يجوز أن يعطيه ما يدعيه من غير أن يكون واجبا عليه، فأمره ~~بأخذها أولى أن لا يلزم منه الوجوب. والثاني، يكون إقرارا؛ لأن الضمير يعود ~~إلى ما تقدم. وإن قال: له علي ألف إذا جاء رأس الشهر. أو إذا جاء رأس الشهر ~~فله علي ألف. فقال أصحابنا: الأول إقرار، والثاني ليس بإقرار. # وهذا منصوص الشافعي لأنه في الأول بدأ بالإقرار، ثم عقبه بما لا يقتضي ~~رفعه، لأن قوله: إذا جاء رأس الشهر. يحتمل أنه أراد المحل، فلا يبطل ~~الإقرار بأمر محتمل، وفي الثاني بدأ بالشرط فعلق عليه لفظا يصلح للإقرار ~~ويصلح للوعد، فلا يكون إقرارا مع الاحتمال. ويحتمل أنه لا فرق بينهما؛ لأن ~~تقديم الشرط وتأخيره سواء، فيكون فيهما جميعا وجهان. . # PageV05P162 ### | [كتاب العارية] ### | [مسألة العارية مضمونة] # (3911) مسألة: قال: (والعارية مضمونة، وإن لم ms2527 يتعد فيها المستعير) # العارية: إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال. مشتقة من عار الشيء: إذا ~~ذهب وجاء. ومنه قيل للبطال: عيار؛ لتردده في بطالته، والعرب تقول: أعاره، ~~وعاره. مثل أطاعه، وطاعه. # والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله تعالى: ~~{ويمنعون الماعون} [الماعون: 7] . روي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: ~~العواري. وفسرها ابن مسعود فقال: القدر والميزان والدلو. وأما السنة، فما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خطبة عام حجة الوداع: ~~«العارية مؤداة، والدين مقضي، والمنحة مردودة، والزعيم غارم» . أخرجه ~~الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. # وروى صفوان بن أمية، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعار منه أدرعا ~~يوم حنين، فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة» . رواه أبو داود. ~~وأجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها، ولأنه لما جازت هبة الأعيان، ~~جازت هبة المنافع، ولذلك صحت الوصية بالأعيان والمنافع جميعا. إذا ثبت هذا، ~~فإن العارية مندوب إليها، وليست واجبة، في قول أكثر أهل العلم، وقيل: هي ~~واجبة؛ للآية، ولما روى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها. الحديث. قيل: يا رسول الله: وما حقها؟ قال: ~~إعارة دلوها، وإطراق فحلها، ومنحة لبنها يوم وردها» . فذم الله تعالى مانع ~~العارية، وتوعده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما ذكر في خبره. # PageV05P163 # ولنا، قول النبي: «إذا أديت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك» . رواه ابن ~~المنذر. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس في المال حق ~~سوى الزكاة» . وفي حديث الأعرابي «الذي سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: ماذا فرض الله علي من الصدقة؟ قال: الزكاة. فقال: هل علي غيرها؟ قال: ~~لا، إلا أن تطوع شيئا. أو كما قال» . # والآية فسرها ابن عمر والحسن البصري بالزكاة، وكذلك زيد بن أسلم. وقال ~~عكرمة: إذا جمع ثلاثتها فله الويل، إذا سها عن الصلاة، وراءى، ومنع ~~الماعون. ويجب رد العارية إن كانت باقية. بغير خلاف. ويجب ms2528 ضمانها إذا كانت ~~تالفة، تعدى فيها المستعير أو لم يتعد. روي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة ~~وإليه ذهب عطاء والشافعي وإسحاق وقال الحسن والنخعي والشعبي وعمر بن عبد ~~العزيز والثوري وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي وابن شبرمة: هي أمانة لا يجب ~~ضمانها إلا بالتعدي؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس على المستعير غير المغل، ضمان» . ولأنه ~~قبضها بإذن مالكها، فكانت أمانة، كالوديعة. قالوا: وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «العارية مؤداة» . يدل على أنها أمانة، لقول الله تعالى: {إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] . # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث صفوان: «بل عارية ~~مضمونة» . وروى الحسن، عن سمرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«على اليد ما أخذت حتى تؤديه» . رواه أبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن ~~غريب. ولأنه أخذ ملك غيره لنفع نفسه، منفردا بنفعه من غير استحقاق، ولا إذن ~~في الإتلاف، فكان مضمونا كالغصب، والمأخوذ على وجه السوم. وحديثهم يرويه ~~عمر بن عبد الجبار، عن عبيد بن حسان، عن عمرو بن شعيب، وعمر وعبيد ضعيفان. ~~قاله الدارقطني. # ويحتمل أنه أراد ضمان المنافع والأجزاء، وقياسهم منقوض بالمقبوض على وجه ~~السوم. ### | [فصل شرط نفي الضمان في العارية] # (3912) فصل: وإن شرط نفي الضمان، لم يسقط. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو ~~حفص العكبري: يسقط. قال أبو الخطاب أومأ إليه أحمد وهو قول قتادة والعنبري ~~لأنه لو أذن في إتلافها لم يجب ضمانها، فكذلك إذا أسقط عنه ضمانها. وقيل: ~~بل مذهب قتادة والعنبري أنها لا تضمن إلا أن يشترط ضمانها فيجب؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لصفوان: «بل عارية مضمونة» . # PageV05P164 # ولنا، أن كل عقد اقتضى الضمان، لم يغيره الشرط، كالمقبوض ببيع صحيح أو ~~فاسد، وما اقتضى الأمانة، فكذلك، كالوديعة والشركة والمضاربة، والذي كان من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إخبار بصفة العارية وحكمها. وفارق ما إذا أذن ~~في الإتلاف، فإن الإتلاف فعل يصح ms2529 الإذن فيه، ويسقط حكمه، إذ لا ينعقد موجبا ~~للضمان مع الإذن فيه، وإسقاط الضمان هاهنا نفي للحكم مع وجود سببه، وليس ~~ذلك للمالك، ولا يملك الإذن فيه. ### | [فصل انتفع بالعارية وردها على صفتها] # (3913) فصل: وإذا انتفع بها، وردها على صفتها، فلا شيء عليه؛ لأن المنافع ~~مأذون في إتلافها، فلا يجب عوضها. وإن تلف شيء من أجزائها التي لا تذهب ~~بالاستعمال، فعليه ضمانها؛ لأن ما ضمن جملته ضمنت أجزاؤه، كالمغصوب. وأما ~~أجزاؤها التي تذهب بالاستعمال، كحمل المنشفة والقطيفة، وخف الثوب يلبسه، ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، يجب ضمانه؛ لأنها أجزاء عين مضمونة، فكانت مضمونة، كما ~~لو كانت مغصوبة، ولأنها أجزاء يجب ضمانها لو تلفت العين قبل استعمالها، ~~فتضمن إذا تلفت وحدها، كسائر الأجزاء. # والثاني، لا يضمنها. وهو قول الشافعي لأن الإذن في الاستعمال تضمنه، فلا ~~يجب ضمانه، كالمنافع، وكما لو أذن في إتلافها صريحا. وفارق ما إذا تلفت ~~العين قبل استعمالها؛ لأنه لا يمكن تمييزها من العين، ولأنه إنما أذن في ~~إتلافها على وجه الانتفاع، فإذا تلفت قبل ذلك فقد تلفت على غير الوجه الذي ~~أذن فيه، فضمنها، كما لو أجر العين المستعارة، فإنه يضمن منافعها. # فإذا قلنا: لا يضمن الأجزاء. فتلفت العين بعد ذهابها بالاستعمال، فإنها ~~تقوم حال التلف؛ لأن الأجزاء التالفة تلفت غير مضمونة، لكونها مأذونا في ~~إتلافها، فلا يجوز تقويمها عليه. وإن قلنا: يجب ضمان الأجزاء. قومت العين ~~قبل تلف أجزائها. وإن تلفت العين قبل ذهاب أجزائها. ضمنها كلها بأجزائها. # وكذلك لو تلفت الأجزاء باستعمال غير مأذون فيه، مثل أن يعيره ثوبا ~~ليلبسه، فحمل فيه ترابا، فإنه يضمن نقصه ومنافعه؛ لأنه تلف بتعديه. وإن تلف ~~بغير تعد منه ولا استعمال، كتلفها لطول الزمان عليها ووقوع نار عليها، ~~فينبغي أن يضمن ما تلف منها بالنار ونحوها؛ لأنه تلف لم يتضمنه الاستعمال ~~المأذون فيه، فأشبه تلفها بفعل غير مأذون فيه. وما تلف بمرور الزمان عليه، ~~يكون حكمه حكم ما تلف بالاستعمال؛ لأنه تلف بالإمساك المأذون فيه، فأشبه ~~تلفه بالفعل المأذون فيه. # PageV05P165 ### | [فصل ms2530 ولد العارية لا يجب ضمانه] # (3914) فصل: فأما ولد العارية، فلا يجب ضمانه، في أحد الوجهين؛ لأنه لم ~~يدخل في الإعارة، فلم يدخل في الضمان، ولا فائدة للمستعير فيه، فأشبه ~~الوديعة، ويضمنه في الآخر؛ لأنه ولد عين مضمونة، فيضمن، كولد المغصوبة. ~~والأول أصح؛ فإن ولد المغصوبة لا يضمن إذا لم يكن مغصوبا. وكذلك ولد ~~العارية إذا لم يوجد مع أمه. وإنما يضمن ولد المغصوبة إذا كان مغصوبا، فلا ~~أثر لكونه ولدا لها. # (3915) فصل: ويجب ضمان العين بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، فإن لم تكن ~~مثلية، ضمنها بقيمتها يوم تلفها، إلا على الوجه الذي يجب فيه ضمان الأجزاء ~~التالفة بالانتفاع المأذون فيه، فإنه يضمنها بقيمتها قبل تلف أجزائها، إن ~~كانت قيمتها حينئذ أكثر، وإن كانت أقل، ضمنها بقيمتها يوم تلفها، على ~~الوجهين جميعا. ### | [فصل إن كانت العين باقية فعلى المستعير ردها إلى المعير] # (3916) فصل: وإن كانت العين باقية، فعلى المستعير ردها إلى المعير أو ~~وكيله في قبضها، ويبرأ ذلك من ضمانها. وإن ردها إلى المكان الذي أخذها منه، ~~أو إلى ملك صاحبها، لم يبرأ من ضمانها. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ~~يبرأ؛ لأنها صارت كالمقبوضة، فإن رد العواري في العادة يكون إلى أملاك ~~أربابها، فيكون مأذونا فيه من طريق العادة. # ولنا، أنه لم يردها إلى مالكها، ولا نائبه فيها، فلم يبرأ منها كما لو ~~دفعها إلى أجنبي. وما ذكره يبطل بالسارق إذا رد المسروق إلى الحرز، ولا ~~تعرف العادة التي ذكرها. وإن ردها إلى من جرت عادته بجريان ذلك على يديه، ~~كزوجته المتصرفة في ماله، ورد الدابة إلى سائسها، فقياس المذهب أنه يبرأ. ~~قاله القاضي؛ لأن أحمد قال في الوديعة: إذا سلمها المودع إلى امرأته، لم ~~يضمنها. # ولأنه مأذون في ذلك عرفا، أشبه ما لو أذن فيه نطقا. ومؤنة الرد على ~~المستعير؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العارية مؤداة» . وقوله: ~~«على اليد ما أخذت حتى تؤديه» . وعليه ردها إلى الموضع الذي أخذها منه؛ إلا ~~أن يتفقا على ردها إلى ms2531 غيره؛ لأن ما وجب رده، لزم رده إلى موضعه، كالمغصوب. ### | [فصل لا تصح العارية إلا من جائز التصرف] # فصل: (3917) ولا تصح العارية إلا من جائز التصرف؛ لأنه تصرف في المال، ~~فأشبه التصرف بالبيع وتعقد بكل فعل أو لفظ يدل عليها، مثل قوله: أعرتك هذا. ~~أو يدفع إليه شيئا، ويقول: أبحتك الانتفاع به. أو خذ هذا فانتفع به. أو ~~يقول: أعرني هذا. أو أعطنيه أركبه أو أحمل عليه. # PageV05P166 # ويسلمه إليه. وأشباه هذا؛ لأنه إباحة للتصرف، فصح بالقول والفعل الدال ~~عليه، كإباحة الطعام بقوله وتقديمه إلى الضيف. ### | [فصل إعارة عين ينتفع بها منفعة مباحة] # فصل: وتجوز إعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها على الدوام، ~~كالدور، والعقار، والعبيد، والجواري، والدواب، والثياب، والحلي للبس، ~~والفحل للضراب، والكلب للصيد، وغير ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~استعار أدرعا، وذكر إعارة دلوها وفحلها. وذكر ابن مسعود عارية القدر ~~والميزان، فيثبت الحكم في هذه الأشياء، وما عداها مقيس عليها إذا كان في ~~معناها، ولأن ما جاز للمالك استيفاؤه من المنافع، ملك إباحته إذا لم يمنع ~~منه مانع كالثياب. # ولأنها أعيان تجوز إجارتها، فجازت إعارتها، كالثياب. ويجوز استعارة ~~الدراهم والدنانير ليزن بها، فإن استعارها لينفقها، فهذا قرض. وهذا قول ~~أصحاب الرأي. وقيل: ليس هذا جائزا، ولا تكون العارية في الدنانير، وليس له ~~أن يشتري بها شيئا. ولنا، أن هذا معنى القرض، فانعقد القرض به، كما لو صرح ~~به. ### | [فصل إعارة العبد المسلم لكافر] # (3919) فصل: ولا تجوز إعارة العبد المسلم لكافر؛ لأنه لا يجوز تمكينه من ~~استخدامه، فلم تجز إعارته لذلك، ولا إعارة الصيد لمحرم؛ لأنه لا يجوز له ~~إمساكه، ولا إعارة المرأة الجميلة لرجل غير محرمها، إن كان يخلو بها، أو ~~ينظر إليها؛ لأنه لا يؤمن عليها. وتجوز إعارتها لامرأة ولذي محرمها. ولا ~~تجوز إعارة العين لنفع محرم، كإعارة الدار لمن يشرب فيها الخمر، أو يبيعه ~~فيها، أو يعصي الله تعالى فيها، ولا إعارة عبده للزمر، أو ليسقيه الخمر، أو ~~يحملها له، أو يعصرها، ms2532 أو نحو ذلك. ويكره أن يستعير والديه لخدمته؛ لأنه ~~يكره له استخدامهما. فكره استعارتهما لذلك. ### | [فصل الإعارة مطلقة مقيدة] # (3920) فصل: وتجوز الإعارة مطلقا ومقيدا؛ لأنها إباحة، فجاز فيها ذلك، ~~كإباحة الطعام. ولأن الجهالة إنما تؤثر في العقود اللازمة، فإذا أعاره شيئا ~~مطلقا، أبيح له الانتفاع به في كل ما هو مستعد له من الانتفاع. فإذا أعاره ~~أرضا مطلقا، فله أن يزرع فيها، ويغرس، ويبني، ويفعل فيها كل ما هي معدة له ~~من الانتفاع؛ لأن الإذن مطلق. وإن أعاره للغراس أو للبناء، فله أن يزرع ~~فيها ما شاء؛ لأن ضرره دون ضررهما، فكأنه استوفى بعض ما أذن له فيه. # وإن استعارها للزرع، لم يغرس، ولم يبن؛ لأن ضررهما أكثر، فلم يكن # PageV05P167 # الإذن في القليل إذنا في الكثير. وإن استعارها للغراس، أو للبناء، ملك ~~المأذون فيه منهما دون الآخر؛ لأن ضررهما مختلف. فإن ضرر الغراس في باطن ~~الأرض لانتشار العروق فيها، وضرر البناء في ظاهرها، فلم يكن الإذن في ~~أحدهما إذنا في الآخر. وإن استعارها لزرع الحنطة، فله زرعها وزرع ما هو أقل ~~ضررا منها، كالشعير والباقلا والعدس، وله زرع ما ضرره كضرر الحنطة؛ لأن ~~الرضى بزراعة شيء رضى بضرره، وما هو دونه، وليس له زرع ما هو أكثر ضررا ~~منه، كالذرة والدخن والقطن؛ لأن ضرره أكثر. # وحكم إباحة الانتفاع في العارية، كحكم الانتفاع في الإجارة فيما له أن ~~يستوفيه، وما يمنع منه. وسنذكر في الإجارة تفصيل ذلك، إن شاء الله تعالى. ~~وإن أذن له في زرع مرة، لم يكن له أن يزرع أكثر منها. وإن أذن له في غرس ~~شجرة فانقلعت، لم يكن له غرس أخرى، وكذلك إن أذن له في وضع خشبة على حائط ~~فانكسرت، لم يملك وضع أخرى، لأن الإذن إذا اختص بشيء لم يتجاوزه. ### | [فصل إن استعار شيئا فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله] # (3921) فصل: وإن استعار شيئا، فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله؛ لأن ~~وكيله نائب عنه، ويده كيده. وليس له أن يؤجره؛ لأنه لم يملك المنافع، فلا ~~يصح ms2533 أن يملكها. ولا نعلم في هذا خلافا. ولا خلاف بينهم أن المستعير لا يملك ~~العين. وأجمعوا على أن للمستعير استعمال المعار فيما أذن له فيه، وليس له ~~أن يعيره غيره. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وقالوا في الآخر: له ذلك. # وهو قول أبي حنيفة لأنه يملكه على حسب ما ملكه، فجاز كما للمستأجر أن ~~يؤجر. قال أصحاب الرأي: إذا استعار ثوبا ليلبسه هو، فأعطاه غيره، فلبسه، ~~فهو ضامن. وإن لم يسم من يلبسه، فلا ضمان عليه. وقال مالك: إذا لم يعمل بها ~~إلا الذي كان يعمل بها الذي أعيرها، فلا ضمان عليه. ولنا، أن العارية إباحة ~~المنفعة، فلم يجز أن يبيحها غيره كإباحة الطعام. # وفارق الإجارة؛ لأنه ملك الانتفاع على كل وجه، فملك أن يملكها، وفي ~~العارية لم يملكها، إنما ملك استيفاءها على وجه ما أذن له، فأشبه من أبيح ~~له أكل الطعام. فعلى هذا، إن أعار فللمالك الرجوع بأجر المثل، وله أن يطالب ~~من شاء منهما؛ لأن الأول سلط غيره على أخذ مال غيره بغير إذنه، والثاني ~~استوفاه بغير إذنه، فإن ضمن الأول رجع على الثاني؛ لأن الاستيفاء حصل منه، ~~فاستقر الضمان عليه، وإن ضمن الثاني لم يرجع على الأول، إلا أن يكون الثاني ~~لم يعلم بحقيقة الحال، فيحتمل أن يستقر الضمان على الأول؛ لأنه غر الثاني، ~~ودفع إليه العين على أنه يستوفي منافعها بغير عوض. # وإن تلفت العين في يد الثاني، استقر الضمان عليه بكل حال؛ لأنه قبضها على ~~أن تكون مضمونة عليه، فإن رجع على الأول، رجع الأول على الثاني، وإن رجع ~~على الثاني، لم يرجع على أحد. # PageV05P168 ### | [فصل أعاره شيئا وأذن له في إجارته مدة معلومة] # (3922) فصل: وإن أعاره شيئا، وأذن له في إجارته مدة معلومة، أو في إعارته ~~مطلقا، أو مدة، جاز لأن الحق لمالكه، فجاز ما أذن فيه. وليس له الرجوع بعد ~~عقد الإجارة حتى ينقضي؛ لأن عقد الإجارة لازم، وتكون العين مضمونة على ~~المستعير، غير مضمونة على المستأجر؛ لأن عقد الإجارة لا يوجب ms2534 ضمانا. # وإن أجره بغير إذن، لم تصح الإجارة، ويكون على المستأجر الضمان، وللمالك ~~تضمين من شاء منهما، على ما ذكرناه في العارية. . ### | [فصل استعار عبدا ليرهنه] # (3923) فصل: ويجوز أن يستعير عبدا ليرهنه. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن ~~الرجل إذا استعار من الرجل شيئا يرهنه عند رجل، على شيء معلوم، إلى وقت ~~معلوم، فرهن ذلك على ما أذن له فيه، أن ذلك جائز؛ وذلك لأنه استعاره ليقضي ~~به حاجته، فصح، كسائر العواري. ولا يعتبر العلم بقدر الدين وجنسه؛ لأن ~~العارية لا يعتبر فيها العلم. # وبهذا قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: يعتبر ذلك؛ لأن الضرر ~~يختلف بذلك. ولنا، أنها عارية لجنس من النفع، فلم تعتبر معرفة قدره، كعارية ~~الأرض للزرع. ولا يصير المعير ضامنا للدين. وقال الشافعي في أحد قوليه: ~~يصير ضامنا له في رقبة عبده؛ لأن العارية ما يستحق به منفعة العين، ~~والمنفعة هاهنا للمالك، فدل على أنه ضمان. # ولنا، أنه أعاره ليقضي منه حاجته، فلم يكن ضامنا، كسائر العواري، وإنما ~~يستحق بالعارية النفع المأذون فيه، وما عداه من النفع فهو لمالك العين. وإن ~~عين المعير قدر الدين الذي يرهنه به وجنسه، أو محلا، تعين؛ لأن العارية ~~تتعين بالتعيين، فإن خالفه في الجنس، لم يصح؛ لأنه عقد لم يأذن له فيه، ~~أشبه ما لو لم يأذن في رهنه. وكذلك إذا أذن له في محل، فخالفه فيه؛ لأنه ~~إذا أذن له في رهنه بدين مؤجل، فرهنه بحال، فقد لا يجد ما يفكه به في ~~الحال، وإن أذن في رهنه بحال، فرهنه بمؤجل، فلم يرض أن يحال بينه وبين عبده ~~إلى أجل، لم يصح. # وإن رهنه بأكثر مما قدره له، لم يصح؛ لأن من رضي بقدر من الدين لم يلزم ~~أن يرضى بأكثر منه. وإن رهنه بأنقص منه، جاز؛ لأن من رضي بعشرة، رضي بما ~~دونها عرفا، فأشبه من أمر بشراء شيء بثمن، فاشتراه بدونه. وللمعير مطالبة ~~الراهن بفكاك الرهن في الحال، سواء كان بدين حال أو مؤجل؛ لأن للمعير ms2535 ~~الرجوع في العارية متى شاء. وإن حل الدين، فلم يفكه الراهن، جاز بيعه في ~~الدين؛ لأن ذلك مقتضى الرهن، فإذا بيع في الدين، أو تلف، رجع السيد على ~~الراهن بقيمته؛ لأن العارية تضمن بقيمتها. # وإن تلف بغير تفريط، فلا شيء على # PageV05P169 # المرتهن؛ لأن الرهن لا يضمن من غير تعد. وإن استعار عبدا من رجلين، فرهنه ~~بمائة، ثم قضى خمسين، على أن تخرج حصة أحدهما، لم تخرج؛ لأنه رهنه بجميع ~~الدين في صفقة، فلا ينفك بعضه بقضاء بعض الدين، كما لو كان العبد لواحد. ### | [فصل العارية مطلقة ومؤقتة] # (3924) فصل: وتجوز العارية مطلقة ومؤقتة؛ لأنها إباحة، فأشبهت إباحة ~~الطعام. وللمعير الرجوع في العارية أي وقت شاء، سواء كانت مطلقة أو مؤقتة، ~~ما لم يأذن في شغله بشيء يتضرر بالرجوع فيه. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، ~~وقال مالك إن كانت مؤقتة، فليس له الرجوع قبل الوقت، وإن لم تؤقت له مدة، ~~لزمه تركه مدة ينتفع بها في مثلها؛ لأن المعير قد ملكه المنفعة في مدة، ~~وصارت العين في يده بعقد مباح، فلم يملك الرجوع فيها بغير اختيار المالك، ~~كالعبد الموصى بخدمته والمستأجر. # ولنا، أن المنافع المستقبلة لم تحصل في يده، فلم يملكها بالإعارة، كما لو ~~لم تحصل العين في يده، وأما العبد الموصى بخدمته، فللموصي الرجوع، ولم يملك ~~الورثة الرجوع؛ لأن التبرع من غيرهم. # وأما المستأجر، فإنه مملوك بعقد معاوضة، فيلزم، بخلاف مسألتنا. ويجوز ~~للمستعير الرد متى شاء. بغير خلاف نعلمه؛ لأنه إباحة، فكان لمن أبيح له ~~تركه، كإباحة الطعام. # (3925) فصل: وإذا أطلق المدة في العارية، فله أن ينتفع بها ما لم يرجع. ~~وإن وقتها، فله أن ينتفع ما لم يرجع، أو ينقضي الوقت؛ لأنه استباح ذلك ~~بالإذن، ففيما عدا محل الإذن يبقى على أصل التحريم. فإن كان المعار أرضا، ~~لم يكن له أن يغرس، ولا يبني، ولا يزرع بعد الوقت أو الرجوع، فإن فعل شيئا ~~من ذلك، لزمه قلع غرسه وبنائه، وحكمه حكم الغاصب في ذلك؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم ms2536 -: «ليس لعرق ظالم حق» . وعليه أجر ما استوفاه من نفع الأرض ~~على وجه العدوان، ويلزمه القلع، وتسوية الحفر، ونقض الأرض، وسائر أحكام ~~الغصب؛ لأنه عدوان. ### | [فصل أعاره شيئا لينتفع به انتفاعا يلزم من الرجوع في العارية في أثنائه ضرر بالمستعير] # (3926) فصل: فإن أعاره شيئا لينتفع به انتفاعا يلزم من الرجوع في العارية ~~في أثنائه ضرر بالمستعير، لم يجز له الرجوع؛ لأن الرجوع يضر بالمستعير، فلم ~~يجز له الإضرار به، مثل أن يعيره لوحا يرقع به سفينته، فرقعها به، ولجج بها ~~في البحر، لم يجز الرجوع ما دامت في البحر، وله الرجوع قبل دخولها في ~~البحر، وبعد الخروج منه؛ لعدم الضرر فيه. # PageV05P170 # وإن أعاره أرضا ليدفن فيها، فله الرجوع ما لم يدفن فيها. فإذا دفن لم يكن ~~له الرجوع، ما لم يبل الميت. وإن أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه، جاز، ~~كما تجوز إعارة الأرض للبناء والغراس، وله الرجوع ما لم يضعه، وبعد وضعه ما ~~لم يبن عليه؛ لأنه لا ضرر فيه، فإن بنى عليه، لم يجز الرجوع؛ لما في ذلك من ~~هدم البناء. # وإن قال: أنا أدفع إليك أرش ما نقص بالقلع. لم يلزم المستعير ذلك؛ لأنه ~~إذا قلعه انقلع ما في ملك المستعير منه. ولا يجب على المستعير قلع شيء من ~~ملكه بضمان القيمة. # وإن انهدم الحائط وزال الخشب عنه، أو أزاله المستعير باختياره، لم يملك ~~إعادته، سواء بنى الحائط بآلته أو بغيرها؛ لأن العارية لا تلزم، وإنما ~~امتنع الرجوع قبل انهدامه؛ لما فيه من الضرر بالمستعير، بإزالة المأذون في ~~وضعه، وقد زال ذلك. وكذلك إذا سقط الخشب والحائط بحاله. وإن أعاره أرضا ~~لزراعة شيء، فله الرجوع ما لم يزرع، فإذا زرع لم يملك الرجوع فيها إلى أن ~~ينتهي الزرع. # فإن بذل له قيمة الزرع ليملكه، لم يكن له ذلك. نص عليه أحمد لأن له وقتا ~~ينتهي إليه. فإن كان مما يحصد قصيلا، فله الرجوع في وقت إمكان حصاده؛ لعدم ~~الضرر فيه، وإن لم يكن كذلك، لم يكن له ms2537 الرجوع حتى ينتهي. وإن أذن له في ~~البناء والغراس فيها، فله الرجوع قبل قلعه. # فإذا غرس وبنى، فللمالك الرجوع فيما بين الغراس والبناء؛ ولأنه لم يتعلق ~~به ملك المستعير، ولا ضرر عليه في الرجوع فيه، فأشبه ما لو لم يبن في الأرض ~~شيئا، ولم يغرس فيها. ثم إن اختار المستعير أخذ بنائه وغراسه، فله ذلك؛ ~~لأنه ملكه فملك نقله. ولا يلزمه تسوية الحفر. # ذكره القاضي؛ لأن المعير رضي بذلك حيث أعاره، مع علمه بأن له قلع غرسه. ~~ويحتمل أن عليه تسوية الحفر؛ لأن القلع باختياره، فإنه لو امتنع منه لم ~~يجبر عليه، فلزمه تسوية الأرض، كما لو خرب أرضه التي لم يستعرها. وإن أبى ~~القلع، فبذل له المعير ما ينقص بالقلع، أو قيمة غراسه وبنائه قائما، ليأخذه ~~المعير، أجبر المستعير عليه؛ لأنه رجوع في العارية من غير إضرار. # وإن قال المستعير: أنا أدفع قيمة الأرض لتصير لي. لم يكن له؛ لأن الغراس ~~تابع، والأرض أصل، ولذلك يتبعها الغراس والبناء في البيع، ولا تتبعهما، ~~وبهذا كله قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يطالب المستعير بالقلع من غير ~~ضمان، إلا أن يكون أعاره مدة معلومة، فرجع فيها قبل انقضائها؛ لأن المعير ~~لم يغره، فكان عليه القلع، كما لو شرط عليه. ولنا، أنه بنى وغرس بإذن ~~المعير، من غير شرط القلع، فلم يلزمه القلع من غير ضمان، كما لو طالبه قبل ~~انقضاء الوقت. # وقولهم: لم يغره. ممنوع؛ فإن الغراس والبناء يراد للتبقية، وتقدير المدة ~~ينصرف إلى # PageV05P171 # ابتدائه، كأنه قال له: لا تغرس بعد هذه المدة. فإن امتنع المعير من دفع ~~القيمة وأرش النقص، وامتنع المستعير من القلع ودفع الأجر، لم يقلع؛ لأن ~~الإعارة تقتضي الانتفاع من غير ضمان، والإذن فيما يبقى على الدوام وتضر ~~إزالته رضى بالإبقاء، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس لعرق ظالم ~~حق» . # يدل بمفهومه على أن العرق الذي ليس بظالم له حق، فعند ذلك، إن اتفقا على ~~البيع، بيعت الأرض بغراسها، ودفع إلى كل واحد منهما قدر حقه، ms2538 فيقال: كم ~~قيمة الأرض غير مغروسة ولا مبنية؟ فإذا قيل عشرة. قلنا: وكم تساوي مغروسة ~~ومبنية؟ فإن قالوا: خمسة عشر. قلنا: فللمعير ثلثا الثمن، وللمستعير ثلثه. ~~وإن امتنعا من البيع، بقيا على حالهما، وللمعير دخول أرضه كيف شاء، ~~والانتفاع بها بما لا يضر الغراس والبناء، ولا ينتفع بهما، وليس لصاحب ~~الغراس والبناء الدخول إلا لحاجة، مثل السقي وإصلاح الثمرة؛ لأن الإذن في ~~الغراس إذن فيما يعود بصلاحه، وأخذ ثماره، وسقيه. وليس له دخولها للتفرج؛ ~~لأنه قد رجع في الإذن له. # ولكل واحد منهما بيع ما يختص به من الملك منفردا، فيكون للمشتري مثل ما ~~كان لبائعه. وقال بعض أصحاب الشافعي: ليس للمستعير بيع الشجر؛ لأن ملكه فيه ~~غير مستقر، بدليل أن للمعير أخذه متى شاء بقيمته. قلنا: عدم استقراره لا ~~يمنع بيعه، بدليل الشقص المشفوع والصداق قبل الدخول. # وفي جميع هذه المسائل، متى كان المعير شرط على المستعير القلع عند رجوعه، ~~ورد العارية غير مشغولة، لزمه ذلك؛ لأن المسلمين على شروطهم، ولأن العارية ~~مقيدة غير مطلقة، فلم تتناول ما عدا المقيد؛ لأن المستعير دخل في العارية ~~راضيا بالتزام الضرر الداخل عليه بالقلع، وليس على صاحب الأرض ضمان نقصه. ~~ولا نعلم في هذا خلافا. # وأما تسوية الحفر الحاصلة بالقلع فإذا كانت مشروطة عليه، لزمه؛ لما ~~ذكرنا، وإلا لم يلزم؛ لأنه رضي بضرر القلع من الحفر ونحوه، حيث اشترط ~~القلع. ولم يذكر أصحابنا على المستعير أجرا في شيء من هذه المسائل، إلا ~~فيما إذا استعار أرضا للزرع، فزرعها، ثم رجع المعير فيها قبل كمال الزرع، ~~فإن عليه أجر مثله، من حين رجع المعير؛ لأن الأصل جواز الرجوع، وإنما منع ~~من القلع لما فيه من الضرر، ففي دفع الأجر جمع بين الحقين، فيخرج في سائر ~~المسائل مثل هذا، لوجود هذا المعنى فيه. # ويحتمل أن لا يجب الأجر في شيء من المواضع؛ لأن حكم العارية باق فيه، ~~لكونها صارت لازمة للضرر اللاحق بفسخها، والإعارة تقتضي الانتفاع بغير عوض. ### | [فصل استعار دابة ليركبها] # (3927) فصل: وإذا ms2539 استعار دابة ليركبها، جاز؛ لأن إجارتها لذلك جائزة، ~~والإعارة أوسع، لجوازها فيما لا تجوز إجارته، مثل إعارة الكلب للصيد. فإن ~~استعارها إلى موضع، فجاوزه، فقد تعدى، وعليه الأجرة للزيادة # PageV05P172 # خاصة. # فإذا استعارها إلى طبرية، فتجاوز إلى القدس، فعليه أجر ما بين طبرية ~~والقدس خاصة. وإن اختلفا، فقال المالك: أعرتكها إلى طبرية. وقال المستعير: ~~أعرتنيها إلى القدس. فالقول قول المالك. وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي. ~~وقال مالك إن كان يشبه ما قال المستعير، فالقول قوله، وعليه الضمان. ولنا، ~~أن المالك مدعى عليه، فكان القول قوله، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لكن اليمين على المدعى عليه» . . ### | [فصل استعار شيئا فانتفع به ثم ظهر مستحقا] # (3928) فصل: ومن استعار شيئا، فانتفع به، ثم ظهر مستحقا فلمالكه أجر ~~مثله، يطالب به من شاء منهما، فإن ضمن المستعير، رجع على المعير بما غرم؛ ~~لأنه غره بذلك وغرمه، لأنه دخل على أن لا أجر عليه. وإن رجع على المعير، لم ~~يرجع على أحد، فإن الضمان استقر عليه. قال أحمد في قصار دفع ثوبا إلى غير ~~صاحبه، فلبسه، فالضمان على القصار دون اللابس. وإن تلف فالقيمة تستقر على ~~المستعير؛ لأنه دخل على العين مضمونة عليه. # فإن ضمن المعير، رجع على المستعير، وإن ضمن المستعير، لم يرجع على أحد؛ ~~لأن الضمان استقر عليه. وإن نقصت العين بالاستعمال، انبنى على ضمان النقص، ~~فإن قلنا: هو على المستعير. فحكمه حكم القيمة. وإن قلنا: هو على المعير. ~~فهو كالأجر. على ما بيناه. ### | [فصل حمل السيل بذر رجل من أرضه إلى أرض غيره فنبت فيها] # فصل: وإذا حمل السيل بذر رجل من أرضه إلى أرض غيره، فنبت فيها، لم يجبر ~~على قلعه. وقال أصحاب الشافعي، في أحد الوجهين: يجبر على ذلك، إذا طالبه رب ~~الأرض به؛ لأن ملكه حصل في ملك غيره بغير إذنه، فأشبه ما لو انتشرت أغصان ~~شجرته في هواء ملك جاره. ولنا، أن قلعه إتلاف للمال على مالكه، ولم يوجد ~~منه تفريط، ولا يدوم ضرره، فلا يجبر على ذلك، ms2540 كما لو حصلت دابته في دار ~~غيره على وجه لا يمكن خروجها إلا بقلع الباب أو قتلها، فإننا لا نجبره على ~~قتلها. # ويفارق أغصان الشجرة، فإنه يدوم ضرره، ولا يعرف قدر ما يشغل من الهواء ~~فيؤدي أجره. إذا ثبت هذا، فإنه يقر في الأرض إلى حين حصاده بأجر مثله. وقال ~~القاضي: ليس عليه أجر؛ لأنه حصل في أرض غيره بغير تفريطه، فأشبه ما لو باتت ~~دابته في أرض إنسان بغير تفريطه. # وهذا بعيد؛ لأن إلزامه تبقية زرع ما أذن فيه، في أرضه، بغير أجر ولا ~~انتفاع، إضرار به، وشغل لملكه بغير # PageV05P173 # اختياره، من غير عوض، فلم يجز، كما لو أراد إبقاء بهيمته في دار غيره ~~عاما. ويفارق مبيتها؛ لأن ذلك لا يجبر المالك عليه، ولا يمنع من إخراجها، ~~فإذا تركها اختيارا منه، كان راضيا به، بخلاف مسألتنا. ويكون الزرع لمالك ~~البذر؛ لأنه من عين ماله. ويحتمل أن يكون حكم هذا الزرع حكم زرع الغاصب، ~~على ما سنذكره؛ لأنه حصل في أرضه بغير إذنه، فأشبه ما لو زرعه مالكه. # والأول أولى؛ لأن هذا بغير عدوان، وقد أمكن جبر حق مالك الأرض، بدفع ~~الأجر إليه. وإن أحب مالكه قلعه، فله ذلك، وعليه تسوية الحفر، وما نقصت ~~الأرض؛ لأنه أدخل النقص على ملك غيره، لاستصلاح ملكه، فأشبه المستعير. وأما ~~إن كان السيل حمل نوى، فنبت شجرا في أرض غيره، كالزيتون والنخيل ونحوه، فهو ~~لمالك النوى؛ لأنه من نماء ملكه، فهو كالزرع، ويجبر على قلعه هاهنا؛ لأن ~~ضرره يدوم، فأجبر على إزالته، كأغصان الشجرة المنتشرة في هواء ملك غير ~~مالكها. وإن حمل السيل أرضا بشجرها، فنبتت في أرض آخر كما كانت، فهي ~~لمالكها، يجبر على إزالتها، كما ذكرنا. # وفي كل ذلك، إذا ترك صاحب الأرض المنتقلة أو الشجر أو الزرع ذلك لصاحب ~~الأرض التي انتقل إليها، لم يلزمه نقله ولا أجر، ولا غير ذلك؛ لأنه حصل ~~بغير تفريطه ولا عدوانه، وكانت الخيرة إلى صاحب الأرض المشغولة به، إن شاء ~~أخذه لنفسه، وإن شاء قلعه. ms2541 ### | [فصل اختلف رب الدابة وراكبها فقال الراكب هي عارية وقال المالك بل اكتريتها] # (3930) فصل: وإذا اختلف رب الدابة وراكبها، فقال الراكب: هي عارية. وقال ~~المالك: بل اكتريتها. فإن كانت الدابة باقية لم تنقص، لم يخل من أن يكون ~~الاختلاف عقيب العقد، أو بعد مضي مدة لمثلها أجر، فإن كان عقيب العقد، ~~فالقول قول الراكب؛ لأن الأصل عدم عقد الإجارة، وبراءة ذمة الراكب منها، ~~فيحلف، ويرد الدابة إلى مالكها؛ لأنها عارية. # وكذلك إن ادعى المالك أنها عارية. وقال الراكب: بل اكتريتها، فالقول قول ~~المالك مع يمينه؛ لما ذكرنا. وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجر، ~~فادعى المالك الإجارة، فالقول قوله مع يمينه. وحكي ذلك عن مالك وقال أصحاب ~~الرأي: القول قول الراكب. وهو منصوص الشافعي لأنهما اتفقا على تلف المنافع ~~على ملك الراكب، وادعى المالك عوضا لها، والأصل عدم وجوبه. وبراءة ذمة ~~الراكب منه، فكان القول قوله. # ولنا، أنهما اختلفا في كيفية انتقال المنافع إلى ملك الراكب، فكان القول ~~قول المالك، كما لو اختلفا في عين، فقال المالك: بعتكها. وقال الآخر: ~~وهبتنيها. ولأن المنافع تجري # PageV05P174 # مجرى الأعيان، في الملك والعقد عليها، ولو اختلفا في الأعيان، كان القول ~~قول المالك، كذا هاهنا. وما ذكروه يبطل بهذه المسألة. ولأنهما اتفقا على أن ~~المنافع لا تنتقل إلى الراكب إلا بنقل المالك لها، فيكون القول قوله في ~~كيفية الانتقال، كالأعيان، فيحلف المالك، ويستحق الأجر. # وفي قدره وجهان؛ أحدهما: أجر المثل؛ لأنهما لو اتفقا على وجوبه، واختلفا ~~في قدره، وجب أجر المثل، فمع الاختلاف في أصله أولى. والثاني: المسمى؛ لأنه ~~وجب بقول المالك ويمينه، فوجب ما حلف عليه، كالأصل. وإن كان اختلافهما في ~~أثناء المدة، فالقول قول الراكب فيما مضى منها، والقول قول المستعير فيما ~~بقي؛ لأن ما بقي بمنزلة ما لو اختلفا عقيب العقد. وإن ادعى المالك في هذه ~~الصورة أنها عارية. وادعى الراكب أنها بأجر، فالراكب يدعي استحقاق المنافع، ~~ويعترف بالأجر للمالك، والمالك ينكر ذلك كله، فالقول قوله مع يمينه، فيحلف، ~~ويأخذ بهيمته. ms2542 # وإن اختلفا في ذلك بعد تلف البهيمة قبل مضي مدة لمثلها أجر، فالقول قول ~~المالك، سواء ادعى الإجارة أو الإعارة؛ لأنه إن ادعى الإجارة، فهو معترف ~~للراكب ببراءة ذمته من ضمانها، فيقبل إقراره على نفسه، وإن ادعى الإعارة، ~~فهو يدعي قيمتها، فالقول قوله؛ لأنهما اختلفا في صفة القبض، والأصل فيما ~~يقبضه الإنسان من مال غيره الضمان، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«على اليد ما أخذت حتى تؤديه» . فإذا حلف المالك، استحق القيمة، والقول في ~~قدرها قول الراكب مع يمينه؛ لأنه ينكر الزيادة المختلف فيها، والأصل عدمها. # وإن اختلفا في ذلك بعد مضي مدة لمثلها أجر، وتلف البهيمة، وكان الأجر ~~بقدر قيمتها، أو كان ما يدعيه المالك منهما أقل مما يعترف به الراكب، ~~فالقول قول المالك بغير يمين، سواء ادعى الإجارة أو الإعارة، إذ لا فائدة ~~في اليمين على شيء يعترف له به. ويحتمل أن لا يأخذه إلا بيمين؛ لأنه يدعي ~~شيئا لا يصدق فيه، ويعترف له الراكب بما لا يدعيه، فيحلف على ما يدعيه. # وإن كان ما يدعيه المالك أكثر، مثل إن كانت قيمة البهيمة أكثر من أجرها، ~~فادعى المالك أنها عارية، لتجب له القيمة، وأنكر استحقاق الأجرة، وادعى ~~الراكب أنها مكتراة، أو كان الكراء أكثر من قيمتها فادعى المالك أنه أجرها، ~~ليجب له الكراء، وادعى الراكب أنها # PageV05P175 # عارية، فالقول قول المالك في الصورتين؛ لما قدمنا، فإذا حلف، استحق ما ~~حلف عليه. ومذهب الشافعي في هذا كله نحو ما ذكرنا. ### | [فصل قال مالك الدابة غصبتها وقال الراكب بل أعرتنيها] # (3931) فصل: وإن قال المالك: غصبتها. وقال الراكب: بل أعرتنيها. فإن كان ~~الاختلاف عقيب العقد، والدابة قائمة لم يتلف منها شيء، فلا معنى للاختلاف، ~~ويأخذ المالك بهيمته، وكذلك إن كانت الدابة تالفة؛ لأن القيمة تجب على ~~المستعير، كوجوبها على الغاصب. وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجر، ~~فالاختلاف في وجوبه، والقول قول المالك. وهذا ظاهر قول الشافعي ونقل المزني ~~عنه أن القول قول الراكب؛ لأن المالك يدعي عليه عوضا، الأصل ms2543 براءة ذمته ~~منه، ولأن الظاهر من اليد أنها بحق، فكان القول قول صاحبها. # ولنا، ما قدمنا في الفصل الذي قبل هذا، بل هذا أولى، لأنهما ثم اتفقا على ~~أن المنافع ملك للراكب، وها هنا لم يتفقا على ذلك، فإن المالك ينكر انتقال ~~الملك فيها إلى الراكب، والراكب يدعيه، والقول قول المنكر؛ لأن الأصل عدم ~~الانتقال، فيحلف، ويستحق الأجر. وإن قال المالك: غصبتها. وقال الراكب: ~~أجرتنيها. فالاختلاف هاهنا في وجوب القيمة؛ لأن الأجر يجب في الموضعين، إلا ~~أن يختلف المسمى وأجر المثل، والقول قول المالك مع يمينه، فإن كانت الدابة ~~تالفة عقيب أخذها، حلف وأخذ قيمتها، وإن كانت قد بقيت مدة لمثلها أجر، ~~والمسمى بقدر أجر المثل، أخذه المالك؛ لاتفاقهما على استحقاقه، وكذلك إن ~~كان أجر المثل دون المسمى. وفي اليمين وجهان. # وإن كان زائدا على المسمى، لم يستحقه إلا بيمين، وجها واحدا. # PageV05P176 ### | [كتاب الغصب] # الغصب: هو الاستيلاء على مال غيره بغير حق. وهو محرم بالكتاب والسنة ~~والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] . ~~وقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ~~لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} [البقرة: 188] . وقوله ~~تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا} [المائدة: 38] . # والسرقة نوع من الغصب. وأما السنة، فروى جابر، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال في خطبته يوم النحر: «إن دماءكم وأموالكم حرام، كحرمة ~~يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا» . رواه مسلم، وغيره. وعن سعيد بن ~~زيد قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من أخذ شبرا من ~~الأرض ظلما، طوقه من سبع أرضين» . متفق عليه. # وروى أبو حرة الرقاشي، عن عمه وعمرو بن يثربي، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «لا يحل مال امرئ مسلم، إلا بطيب نفس منه» . رواه أبو ~~إسحاق الجوزجاني. وأجمع المسلمون على تحريم الغصب في الجملة، وإنما اختلفوا ~~في ms2544 فروع منه. # إذا ثبت هذا، فمن غصب شيئا لزمه رده، ما كان باقيا، بغير خلاف نعلمه. ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» . ولأن ~~حق المغصوب منه متعلق بعين ماله وماليته، ولا يتحقق ذلك إلا برده. فإن تلف ~~في يده، لزمه بدله؛ لقول الله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ~~ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] . # ولأنه لما تعذر رد العين، وجب رد ما يقوم مقامها في المالية. ثم ينظر؛ ~~فإن كان مما تتماثل أجزاؤه، وتتفاوت صفاته، كالحبوب والأدهان، وجب مثله، ~~لأن المثل أقرب إليه من القيمة، وهو مماثل له من طريق الصورة والمشاهدة ~~والمعنى، والقيمة مماثلة من طريق الظن والاجتهاد، فكان ما طريقه المشاهدة ~~مقدما، كما يقدم النص على القياس، لكون النص طريقه الإدراك بالسماع، ~~والقياس طريقه الظن والاجتهاد. وإن كان غير متقارب الصفات، وهو ما عدا ~~المكيل والموزون، وجبت قيمته، في قول الجماعة. # وحكي عن العنبري يجب في كل شيء مثله؛ لما روت جسرة بنت دجاجة، عن عائشة - ~~رضي الله عنها - «، # PageV05P177 # أنها قالت: ما رأيت صانعا مثل حفصة، صنعت طعاما، فبعثت به إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فأخذني الأكل فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول الله، ما ~~كفارة ما صنعت؟ فقال: إناء مثل الإناء، وطعام مثل الطعام» . رواه أبو داود. # وعن أنس، «أن إحدى نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - كسرت قصعة الأخرى، ~~فدفع النبي - صلى الله عليه وسلم - قصعة الكاسرة إلى رسول صاحبة المكسورة، ~~وحبس المكسورة في بيته.» رواه أبو داود مطولا، ورواه الترمذي نحوه، وقال: ~~حديث حسن صحيح. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف بعيرا، ورد مثله. ~~ولنا؛ ما روى عبد الله بن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~أعتق شركا له في عبد، قوم عليه قيمة العدل» . متفق عليه. فأمر بالتقويم في ~~حصة الشريك؛ لأنها متلفة بالعتق، ولم يأمر بالمثل. # ولأن هذه الأشياء لا تتساوى أجزاؤها، وتتباين صفاتها، فالقيمة فيها أعدل ~~وأقرب إليها، فكانت أولى. وأما الخبر ms2545 فمحمول على أنه جوز ذلك بالتراضي، وقد ~~علم أنها ترضى بذلك. (3932) فصل: وما تتماثل أجزاؤه، وتتقارب صفاته، ~~كالدراهم والدنانير والحبوب والأدهان، ضمن بمثله. بغير خلاف. # قال ابن عبد البر: كل مطعوم، من مأكول أو مشروب، فمجمع على أنه يجب على ~~مستهلكه مثله لا قيمته. وأما سائر المكيل والموزون، فظاهر كلام أحمد أنه ~~يضمن بمثله أيضا؛ فإنه قال: في رواية حرب، وإبراهيم بن هانئ: ما كان من ~~الدراهم والدنانير، وما يكال ويوزن، فعليه مثله دون القيمة. فظاهر هذا وجوب ~~المثل في كل مكيل وموزون، إلا أن يكون مما فيه صناعة، كمعمول الحديد ~~والنحاس والرصاص من الأواني والآلات ونحوها. # والحلي من الذهب والفضة وشبهه، والمنسوج من الحرير والكتان والقطن والصوف ~~والشعر، والمغزول من ذلك، فإنه يضمن بقيمته؛ لأن الصناعة تؤثر في قيمته، ~~وهي مختلفة، فالقيمة فيه أحصر، فأشبه غير المكيل والموزون. وذكر القاضي أن ~~النقرة والسبيكة من الأثمان، والعنب والرطب والكمثرى إنما يضمنه بقيمته. ~~وظاهر كلام أحمد يدل على ما قلنا. وإنما خرج منه ما فيه الصناعة؛ لما ~~ذكرنا. ويحتمل أن يضمن النقرة بقيمتها، لتعذر وجود مثلها إلا بتكسير ~~الدراهم المضروبة وسبكها، وفيه إتلاف. # PageV05P178 # فعلى هذا، إن كان المضمون بقيمته من جنس الأثمان، وجبت قيمته من غالب نقد ~~البلد، فإن كانت من غير جنسه، وجبت بكل حال، وإن كانت من جنسه، فكانت ~~موزونة وجبت. وإن كانت أقل أو أكثر، قوم بغير جنسه، لئلا يؤدي إلى الربا. ~~وقال القاضي: إن كانت فيه صناعة مباحة، فزادت قيمته من أجلها، جاز تقويمه ~~بجنسه؛ لأن ذلك قيمته، والصناعة لها قيمة، وكذلك لو كسر الحلي، وجب أرش ~~كسره، ويخالف البيع، لأن الصناعة لا يقابلها العوض في العقود، ويقابلها في ~~الإتلاف، ألا ترى أنها لا تنفرد بالعقد، وتنفرد بضمانها بالإتلاف. قال بعض ~~أصحاب الشافعي: هذا مذهب الشافعي وذكر بعضهم مثل القول الأول، وهو الذي ~~ذكره أبو الخطاب لأن القيمة مأخوذة على سبيل العوض، فالزيادة فيه ربا، ~~كالبيع وكالنقص. # وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا كسر الحلي، ms2546 يصلحه أحب إلي. قال ~~القاضي: وهذا محمول على أنهما تراضيا بذلك، لا أنه على طريق الوجوب. وهذا ~~فيما إذا كانت الصناعة مباحة، فإن كانت محرمة كالأواني وحلي الرجال، لم يجز ~~ضمانه بأكثر من وزنه، وجها واحدا؛ لأن الصناعة لا قيمة لها شرعا، فهي ~~كالمعدومة. ### | [مسألة غصب أرضا فغرسها] ### | [الفصل الأول غصب العقار من الأراضي والدور] # (3933) مسألة؛ قال: (ومن غصب أرضا، فغرسها، أخذ بقلع غرسه وأجرتها إلى ~~وقت تسليمها، ومقدار نقصانها، إن كان نقصها الغرس) . الكلام في هذه المسألة ~~في فصول: (3934) أحدها، أنه يتصور غصب العقار من الأراضي والدور، ويجب ~~ضمانها على غاصبها. هذا ظاهر مذهب أحمد وهو المنصوص عن أصحابه، وبه قال ~~مالك والشافعي ومحمد بن الحسن. # وروى ابن منصور، عن أحمد في من غصب أرضا فزرعها، ثم أصابها غرق من ~~الغاصب، غرم قيمة الأرض، وإن كان شيئا من السماء، لم يكن عليه شيء. وظاهر ~~هذا أنها لا تضمن بالغصب. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يتصور غصبها، ولا ~~تضمن بالغصب، وإن أتلفها، ضمنها بالإتلاف؛ لأنه لا يوجد فيها النقل ~~والتحويل، فلم يضمنها، كما لو حال بينه وبين متاعه، فتلف المتاع؛ لأن الغصب ~~إثبات اليد على المال عدوانا على وجه تزول به يد المالك، ولا يمكن ذلك في ~~العقار. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ظلم قيد شبر من الأرض، طوقه ~~يوم القيامة من سبع أرضين» . رواه البخاري عن عائشة. وفي لفظ: «من غصب شبرا ~~من الأرض» . فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV05P179 # أنه يغصب ويظلم فيه. ولأن ما ضمن في البيع، وجب ضمانه في الغصب، ~~كالمنقول، ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين مالكه، مثل أن ~~يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها، فأشبه ما لو أخذ الدابة والمتاع. وأما ~~إذا حال بينه وبين متاعه، فما استولى على ماله، فنظيره هاهنا أن يحبس ~~المالك، ولا يستولي على داره. # وأما ما تلف من الأرض بفعله، أو سبب فعله، كهدم حيطانها، وتغريقها، وكشط ~~ترابها، وإلقاء الحجارة فيها، أو ms2547 نقص يحصل بغرسه أو بنائه، فيضمنه بغير ~~اختلاف في المذهب، ولا بين العلماء؛ لأن هذا إتلاف، والعقار يضمن بالإتلاف ~~من غير اختلاف. ولا يحصل الغصب من غير استيلاء، فلو دخل أرض إنسان أو داره، ~~لم يضمنها بدخوله، سواء دخلها بإذنه أو غير إذنه، وسواء كان صاحبها فيها أو ~~لم يكن. # وقال بعض أصحاب الشافعي: إن دخلها بغير إذنه، ولم يكن صاحبها فيها، ~~ضمنها، سواء قصد ذلك، أو ظن أنها داره، أو دار أذن له في دخولها؛ لأن يد ~~الداخل ثبتت عليها بذلك، فيصير غاصبا، فإن الغصب إثبات اليد العادية، وهذا ~~قد ثبتت يده، بدليل أنهما لو تنازعا في الدار ولا بينة لهما، حكم بها لمن ~~هو فيها، دون الخارج منها. # ولنا، أنه غير مستول عليها، فلم يضمنها، كما لو دخلها بإذنه، أو دخل ~~صحراءه، ولأنه إنما يضمن بالغصب ما يضمنه في العارية، وهذا لا تثبت به ~~العارية، ولا يجب به الضمان فيها، فكذلك لا يثبت به الغصب، إذا كان بغير ~~إذن. ### | [الفصل الثاني غرس في أرض غيره بغير إذنه أو بنى فيها فطلب صاحب الأرض قلع غراسه أو بنائه] # (3935) الفصل الثاني: أنه إذا غرس في أرض غيره بغير إذنه، أو بنى فيها، ~~فطلب صاحب الأرض قلع غراسه أو بنائه، لزم الغاصب ذلك. ولا نعلم فيه خلافا؛ ~~لما روى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «ليس لعرق ظالم حق» رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. وروى ~~أبو داود، وأبو عبيد في الحديث أنه قال: فلقد أخبرني الذي حدثني هذا ~~الحديث، «أن رجلا غرس في أرض رجل من الأنصار، من بني بياضة، فاختصما إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى للرجل بأرضه، وقضى للآخر أن ينزع نخله. ~~قال: فلقد رأيتها تضرب في أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عم» . . # ولأنه شغل ملك غيره، بملكه الذي لا حرمة له في نفسه، بغير إذنه، فلزمه ~~تفريغه، كما لو جعل فيه قماشا. وإذ قلعها لزمه تسوية الحفر، ورد ms2548 الأرض إلى ~~ما كانت عليه؛ لأنه ضرر حصل بفعله في ملك غيره، فلزمته إزالته. وإن أراد ~~صاحب الأرض أخذ الشجر والبناء بغير عوض، لم يكن له ذلك؛ لأنه عين # PageV05P180 # مال الغاصب، فلم يملك صاحب الأرض أخذه، كما لو وضع فيها أثاثا أو حيوانا. ~~وإن طلب أخذه بقيمته، وأبي مالكه إلا القلع، فله القلع؛ لأنه ملكه، فملك ~~نقله. ولا يجبر على أخذ القيمة؛ لأنها معاوضة، فلم يجبر عليها. # وإن اتفق على تعويضه عنه بالقيمة أو غيرها، جاز؛ لأن الحق لهما، فجاز ما ~~اتفقا عليه. وإن وهب الغاصب الغراس والبناء لمالك الأرض، ليتخلص من قلعه، ~~وقبله المالك، جاز. وإن أبى قبوله، وكان في قلعه غرض صحيح لم يجبر على ~~قبوله؛ لما تقدم، وإن لم يكن فيه غرض صحيح احتمل أن يجبر على قبوله؛ لأن ~~فيه رفع الخصومة من غير غرض يفوت، ويحتمل أن لا يجبر؛ لأن فيه إجبارا على ~~عقد يعتبر الرضى فيه. # وإن غصب أرضا وغراسا من رجل واحد، فغرسه فيها فالكل لمالك الأرض. فإن ~~طالبه المالك بقلعه، وفي قلعه غرض، أجبر على قلعه؛ لأنه فوت عليه غرضا ~~مقصودا بالأرض، فأخذ بإعادتها إلى ما كانت، وعليه تسوية الأرض، ونقصها، ~~ونقص الغراس؛ لما ذكرنا. وإن لم يكن في قلعه غرض، لم يجبر على قلعه؛ لأنه ~~سفه، فلا يجبر على السفه. # وقيل: يجبر؛ لأن المالك محكم في ملكه، والغاصب غير محكم، فإن أراد الغاصب ~~قلعه، ومنعه المالك لم يملك قلعه؛ لأن الجميع ملك للمغصوب منه، فلم يملك ~~غيره التصرف فيه بغير إذنه. ### | [فصل حكم البناء في الأرض المغصوبة] # (3936) فصل: والحكم فيما إذا بنى في الأرض، كالحكم فيما إذا غرس فيها في ~~هذا التفصيل جميعه، إلا أنه يتخرج أنه إذا بذل مالك الأرض القيمة لصاحب ~~البناء أجبر على قبولها، إذا لم يكن في النقض غرض صحيح؛ لأن النقض سفه. ~~والأول أصح؛ لما روى الخلال، بإسناده عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من بنى في رباع قوم ms2549 بإذنهم فله ~~القيمة، ومن بنى بغير إذنهم فله النقض» . ولأن ذلك معاوضة، فلا يجبر عليها. ~~وإذا كانت الآلة من تراب الأرض وأحجارها، فليس للغاصب النقض، على ما ذكرنا ~~في الغرس. ### | [فصل غصب دارا فجصصها وزوقها وطالبه ربها بإزالته] # (3937) فصل: وإن غصب دارا، فجصصها وزوقها وطالبه ربها بإزالته، وفي ~~إزالته غرض، لزمه إزالته، وأرش نقصها إن نقصت، وإن لم يكن فيه غرض، فوهبه ~~الغاصب لمالكها، أجبر على قبوله؛ لأن ذلك صفة في الدار، فأشبه قصارة الثوب. ~~ويحتمل أن لا يجبر؛ لأنها أعيان متميزة، فصارت بمنزلة القماش. # وإن طلب الغاصب قلعه، ومنعه المالك، وكان له قيمة بعد الكشط، فللغاصب ~~قلعه، كما يملك قلع غراسه، سواء بذل له المالك قيمته، أو لم يبذل. وإن لم ~~يكن له قيمة، ففيه وجهان؛ # PageV05P181 # أحدهما، يملك قلعه؛ لأنه عين ماله. والثاني، لا يملك؛ لأنه سفه يضر ولا ~~ينفع، فلم يجبر عليه. ### | [فصل غصب أرضا فكشط ترابها] # (3938) فصل: وإن غصب أرضا، فكشط ترابها، لزمه رده وفرشه على ما كان، إن ~~طلبه المالك، وكان فيه غرض صحيح، وإن لم يكن فيه غرض، فهل يجبر على فرشه؟ ~~يحتمل وجهين. وإن منعه المالك فرشه، أو رده وطلب الغاصب ذلك، وكان في رده ~~غرض من إزالة ضرر، أو ضمان، فله فرشه ورده، وعليه أجر مثلها مدة شغلها وأجر ~~نقصها. # وإن أخذ تراب أرض، فضربه لبناء، رد، ولا شيء له، إلا أن يكون قد جعل فيه ~~تبنا له، فيكون له أن يحله ويأخذ تبنه. وإن كان لا يحصل منه شيء، ففيه ~~وجهان، بناء على كشط التزويق إذا لم يكن له قيمة. وإن طالبه المالك بحله، ~~لزمه ذلك إذا كان فيه غرض، وإن لم يكن فيه غرض، فعلى وجهين. وإن جعله آجرا ~~أو فخارا، لزمه رده، ولا أجر له لعمله، وليس له كسره، ولا للمالك إجباره ~~عليه؛ لأن ذلك سفه لا يفيد، وإتلاف للمال، وإضاعة له، وقد «نهى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن إضاعة المال.» ### | [فصل غصب أرضا فحفر فيها بئرا فطالبه المالك ms2550 بطمها] # (3939) فصل: وإن غصب أرضا، فحفر فيها بئرا فطالبه المالك بطمها، لزمه ~~ذلك؛ لأنه يضر بالأرض، ولأن التراب ملكه، نقله من موضعه، فلزمه رده، كتراب ~~الأرض. وكذلك إن حفر فيها نهرا، أو حفر بئرا في ملك رجل بغير إذنه. # وإن أراد الغاصب طمها، فمنعه المالك، نظرنا؛ فإن كان له غرض في طمها، بأن ~~يسقط عنه ضمان ما يقع فيها، أو يكون قد نقل ترابها إلى ملك نفسه، أو ملك ~~غيره، أو طريق يحتاج إلى تفريغه، فله الرد؛ لما فيه من الغرض. # وبهذا قال الشافعي وإن لم يكن له غرض في طم البئر، مثل أن يكون قد وضع ~~التراب في ملك المغصوب منه، وأبرأه المغصوب منه مما حفر، وأذن فيه، لم يكن ~~له طمها، في أحد الوجهين؛ لأنه إتلاف لا نفع فيه، فلم يكن له فعله، كما لو ~~غصب نقرة، فطبعها دراهم، ثم أراد جعلها نقرة. وبهذا قال أبو حنيفة والمزني ~~وبعض الشافعية. # PageV05P182 # وقال بعضهم: له طمها. وهو الوجه الثاني لنا؛ لأنه لا يبرأ من الضمان ~~بإبراء المالك، لأنه إبراء مما لم يجب بعد، وهو أيضا إبراء من حق غيره وهو ~~الواقع فيها. ولنا، أن الضمان إنما لزمه لوجود التعدي، فإذا رضي صاحب ~~الأرض، زال التعدي، فزال الضمان، وليس هذا إبراء مما لم يجب، وإنما هو ~~إسقاط التعدي برضائه به. وهكذا ينبغي أن يكون إذا لم يتلفظ بالإبراء، ولكن ~~منعه من طمها؛ لأنه يتضمن رضاه بذلك. ### | [الفصل الثالث على الغاصب أجر الأرض منذ غصبها إلى وقت تسليمها] # (3940) الفصل الثالث: أن على الغاصب أجر الأرض منذ غصبها إلى وقت ~~تسليمها. وهكذا كل ما له أجر، فعلى الغاصب أجر مثله، سواء استوفى المنافع ~~أو تركها حتى ذهبت؛ لأنها تلفت في يده العادية، فكان عليه عوضها، كالأعيان. ~~وإن غصب أرضا، فبناها دارا، فإن كانت آلات بنائها من مال الغاصب، فعليه أجر ~~الأرض دون بنائها؛ لأنه إنما غصب الأرض والبناء له، فلم يلزمه أجر ماله. # وإن بناها بتراب منها، وآلات للمغصوب منه، فعليه أجرها مبنية؛ ms2551 لأن الدار ~~كلها ملك للمغصوب منه، وإنما للغاصب فيها أثر الفعل، فلا يكون في مقابلته ~~أجر؛ لأنه وقع عدوانا. وإن غصب دارا، فنقضها، ولم يبنها، فعليه أجر دار إلى ~~حين نقضها، وأجرها مهدومة من حين نقضها إلى حين ردها؛ لأن البناء انهدم ~~وتلف، فلم يجب أجره مع تلفها. وإن نقضها، ثم بناها بآلة من عنده، فالحكم ~~فيها كذلك. # وإن بناها بآلتها، أو آلة من ترابها، أو ملك المغصوب منه، فعليه أجرها ~~عرصة، منذ نقضها إلى أن بناها، وأجرها دارا فيما قبل ذلك وبعده؛ لأن البناء ~~للمالك. وحكمها في نقض بنائها الذي بناه الغاصب، حكم ما لو غصبها عرصة ~~فبناها. وإن كان الغاصب باعها، فبناها المشتري، أو نقضها ثم بناها، فالحكم ~~لا يختلف، لكن للمالك مطالبة من شاء منهما، والرجوع عليه، فإن رجع على ~~الغاصب، رجع الغاصب على المشتري بقيمة ما تلف من الأعيان؛ لأن المشتري دخل ~~على أنه مضمون عليه بالعوض، فاستقر ضمانه عليه. # وإن رجع المالك على المشتري، رجع المشتري على الغاصب بنقص التالف، ولم ~~يرجع بقيمة ما تلف. وهل يرجع كل واحد منهما على صاحبه بالأجر؟ على روايتين. ~~وليس له مطالبة المشتري من الأجر إلا بأجر مدة مقامها في يديه؛ لأن يده ~~إنما ثبتت عليها حينئذ. # PageV05P183 ### | [الفصل الرابع على الغاصب ضمان نقص الأرض] # (3941) الفصل الرابع: إن على الغاصب ضمان نقص الأرض، إن كان نقصها الغرس، ~~أو نقصت بغيره. وهكذا كل عين مغصوبة، على الغاصب ضمان نقصها إذا كان نقصا ~~مستقرا، كثوب تخرق، وإناء تكسر، وطعام سوس، وبناء خرب، ونحوه، فإنه يردها ~~وأرش النقص؛ لأنه نقص حصل في يد الغاصب، فوجب ضمانه، كالقفيز من الطعام، ~~والذراع من الثوب. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: إذا شق رجل لرجل ثوبا ~~شقا قليلا، أخذ أرشه. وإن كان كثيرا، فصاحبه بالخيار بين تسليمه وأخذ ~~قيمته، وبين إمساكه وأخذ أرشه. # وقد روي عن أحمد كلام يحتمل هذا؛ فإنه قال، في رواية موسى بن سعيد، في ~~الثوب: إن شاء شق الثوب، وإن شاء مثله. ms2552 يعني والله أعلم إن شاء أخذ أرش ~~الشق. ووجهه أن هذه جناية أتلفت معظم منفعته، فكانت له المطالبة بقيمته، ~~كما لو قتل شاة له. وحكى أصحاب مالك عنه، أنه إذا جنى على عين، فأتلف غرض ~~صاحبها فيها، كان المجني عليه بالخيار، إن شاء رجع بما نقصت، وإن شاء سلمها ~~وأخذ قيمتها. # ولعل ما يحكى عنه من قطع ذنب حمار القاضي، ينبني على ذلك؛ لأنه أتلف غرضه ~~به، فإنه لا يركبه في العادة. وحجتهم أنه أتلف المنفعة المقصودة من السلعة، ~~فلزمته قيمتها، كما لو أتلف جميعها. ولنا، أنها جناية على مال أرشها دون ~~قيمته، فلم يملك المطالبة بجميع قيمته، كما لو كان الشق يسيرا، ولأنها ~~جناية تنقص بها القيمة، فأشبه ما لو لم يتلف غرض صاحبها، وفي الشاة تلف ~~جميعها؛ لأن الاعتبار في الإتلاف بالمجني عليه، لا بغرض صاحبه؛ لأن هذا إن ~~لم يصلح لهذا صلح لغيره. ### | [فصل قدر الأرش قدر نقص القيمة في الغصب] # (3942) فصل: وقدر الأرش قدر نقص القيمة في جميع الأعيان. وبهذا قال ~~الشافعي وعن أحمد رواية أخرى، أن عين الدابة تضمن بربع قيمتها. # فإنه قال، في رواية أبي الحارث، في رجل فقأ عين دابة لرجل: عليه ربع ~~قيمتها. قيل له: فقأ العينين؟ فقال: إذا كانت واحدة، فقال عمر ربع القيمة، ~~وأما العينان فما سمعت فيهما شيئا. قيل له: فإن كان بعيرا أو بقرة أو شاة؟ ~~فقال: هذا غير الدابة، هذا ينتفع بلحمه، ينظر ما نقصها. وهذا يدل على أن ~~أحمد إنما أوجب مقدارا في العين الواحدة من الدابة، وهي الفرس والبغل ~~والحمار خاصة للأثر الوارد فيه، وما عدا هذا يرجع إلى القياس. # واحتج أصحابنا لهذه الرواية، بما روى زيد بن ثابت، «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قضى في عين الدابة بربع قيمتها» . وروي عن عمر - رضي الله عنه ~~- أنه كتب إلى شريح لما كتب إليه يسأله عن عين الدابة: # PageV05P184 # إنا كنا ننزلها منزلة الآدمي، إلا أنه أجمع رأينا أن قيمتها ربع الثمن. ~~وهذا إجماع يقدم على ms2553 القياس. ذكر هذين أبو الخطاب في " رءوس المسائل ". # وقال أبو حنيفة إذا قلع عين بهيمة ينتفع بها من وجهتين، كالدابة والبعير ~~والبقرة، وجب نصف قيمتها، وفي إحداهما ربع قيمتها؛ لقول عمر - رضي الله عنه ~~- أجمع رأينا على أن قيمتها ربع الثمن. وروي عن أحمد في العبد، أنه يضمن في ~~الغصب بما يضمن به في الجناية؛ ففي يده نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر ~~قيمته، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأنه ضمان لأبعاض العبد، فكان مقدرا من ~~قيمته، كأرش الجناية. # ولنا، أنه ضمان مال من غير جناية، فكان الواجب ما نقص، كالثوب، وذلك لأن ~~القصد بالضمان جبر حق المالك بإيجاب قدر المفوت عليه، وقدر النقص هو ~~الجابر، ولأنه لو فات الجميع لوجبت قيمته، فإذا فات منه شيء وجب قدره من ~~القيمة، كغير الحيوان. وأما حديث زيد بن ثابت، فلا أصل له، ولو كان صحيحا ~~لما احتج أحمد وغيره بحديث عمر وتركوه، فإن قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أحق أن يحتج به، وأما قول عمر فمحمول على أن ذلك كان قدر نقصها، كما روي ~~عنه أنه قضى في العين القائمة بخمسين دينارا، ولو كان تقديرا، لوجب في ~~العين نصف القيمة، كعين الآدمي. # وأما ضمان الجناية على أطراف العبد، فمعدول به عن القياس، للإلحاق ~~بالجناية على الحر، والواجب هاهنا ضمان اليد، ولا تثبت اليد على الحر، فوجب ~~البقاء فيه على موجب الأصل، وإلحاقه بسائر الأموال المغصوبة. وقول أبي ~~حنيفة إن هذا في بهيمة الأنعام والدابة. لا يصح؛ لأن هذا القول مبني على ~~قول عمر وقول عمر إنما هو في الدابة، والدابة في العرف ما يعد للركوب دون ~~بهيمة الأنعام. ### | [فصل غصب عبدا فجنى عليه جناية مقدرة الدية] # (3943) فصل: وإن غصب عبدا، فجنى عليه جناية مقدرة الدية، فعلى قولنا: ~~ضمان الغصب ضمان الجناية. الواجب أرش الجناية، كما لو جنى عليه من غير غصب، ~~فنقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر. وإن قلنا: ضمان الغصب غير ضمان الجناية ~~وهو الصحيح، فعليه أكثر الأمرين، من ms2554 أرش النقص أو دية ذلك العضو، لأن سبب ~~ضمان كل واحد منهما وجد، فوجب أكثرهما، ودخل الآخر فيه، فإن الجناية واليد ~~وجدا جميعا. # فإن غصب عبدا يساوي ألفا؛ فزادت قيمته، فصار يساوي ألفين، ثم قطع يده، ~~فنقص ألفا، لزمه ألف، ورد العبد؛ لأن سبب زيادة السوق مع تلف العين مضمونة، ~~ويد العبد كنصفه، فكأنه بقطع يده فوت نصفه. وإن نقص ألفا وخمسمائة، وقلنا: ~~الواجب ما نقص. فعليه ألف وخمسمائة، ويرد # PageV05P185 # العبد. وإن قلنا: ضمان الجناية. فعليه ألف، ورد العبد فحسب. وإن نقص ~~خمسمائة، فعليه رد العبد، وهل يلزمه ألف أو خمسمائة؟ على وجهين. ### | [فصل غصب عبدا فقطع آخر يده] # (3944) فصل: وإن غصب عبدا، فقطع آخر يده، فللمالك تضمين أيهما شاء؛ لأن ~~الجاني قطع يده، والغاصب حصل النقص في يده، إن ضمن الجاني، فله تضمينه نصف ~~قيمته لا غير، ولا يرجع على أحد؛ لأنه لم يضمنه أكثر مما وجب عليه. ويضمن ~~الغاصب ما زاد على نصف القيمة إن نقص أكثر من النصف، ولا يرجع على أحد. وإن ~~قلنا: إن ضمان الغصب ضمان الجناية، أو لم ينقص أكثر من نصف قيمته. لم يضمن ~~الغاصب هاهنا شيئا. # وإن اختار تضمين الغاصب، وقلنا: إن ضمان الغصب كضمان الجناية. ضمنه نصف ~~القيمة، ورجع بها الغاصب على الجاني؛ لأن التلف حصل بفعله فاستقر الضمان ~~عليه. وإن قلنا: إن ضمان الغصب بما نقص. فلرب العبد تضمينه بأكثر الأمرين؛ ~~لأن ما وجد في يده فهو في حكم الموجود منه، ثم يرجع الغاصب على الجاني بنصف ~~القيمة؛ لأنها أرش جنايته، فلا يجب عليه أكثر منها. ### | [فصل غصب عبدا فقطع أذنيه أو يديه أو ذكره أو أنفه أو لسانه أو خصيتيه] # فصل: وإن غصب عبدا فقطع أذنيه، أو يديه، أو ذكره، أو أنفه، أو لسانه أو ~~خصيتيه، لزمته قيمته كلها، ورد العبد. نص عليه أحمد وبهذا قال مالك ~~والشافعي وقال أبو حنيفة والثوري يخير المالك بين أن يصبر ولا شيء له، وبين ~~أخذ قيمته ويملكه الجاني؛ لأنه ضمان مال، فلا ms2555 يبقى ملك صاحبه عليه مع ضمانه ~~له، كسائر الأموال. # ولنا، أن المتلف البعض، فلا يقف ضمانه على زوال الملك عن جملته، كقطع ذكر ~~المدبر، وكقطع إحدى يديه أو أذنيه، ولأن المضمون هو المفوت، فلا يزول الملك ~~عن غيره بضمانه، كما لو قطع تسع أصابع. وبهذا ينفصل عما ذكروه، فإن الضمان ~~في مقابلة المتلف، لا في مقابلة الجملة. فأما إن ذهبت هذه الأعضاء بغير ~~جناية، فهل يضمنها ضمان الإتلاف، أو بما نقص؟ على روايتين، سبق ذكرهما. ### | [فصل جناية العبد المغصوب] # (3946) فصل: وإن جنى العبد المغصوب، فجنايته مضمونة على الغاصب؛ لأنه نقص ~~في العبد الجاني، لكون أرش الجناية يتعلق برقبته، فكان مضمونا على الغاصب، ~~كسائر نقصه. وسواء في ذلك ما يوجب القصاص أو المال. ولا يلزمه أكثر من ~~النقص الذي لحق العبد. وإن جنى على سيده، فجنايته مضمونة على الغاصب أيضا؛ ~~لأنها من جملة جناياته، فكان مضمونا على الغاصب، كالجناية على الأجنبي. # PageV05P186 ### | [فصل نقصان عين المغصوب دون قيمته على ثلاثة أقسام] # (3947) فصل: إذا نقصت عين المغصوب دون قيمته، فذلك على ثلاثة أقسام؛ ~~أحدها، أن يكون الذاهب جزءا مقدر البدل، كعبد خصاه، وزيت أغلاه، ونقرة ~~ضربها دراهم فنقصت عينها دون قيمتها، فإنه يجب ضمان النقص، فيضمن نقص العبد ~~بقيمته، ونقص الزيت والنقرة بمثلهما مع رد الباقي منهما؛ لأن الناقص من ~~العين له بدل مقدر، فلزمه ما تقدر به، كما لو أذهب الجميع. # الثاني، أن لا يكون مقدرا، مثل إن غصب عبدا ذا سمن مفرط، فخف جسمه، ولم ~~تنقص قيمته، فلا شيء فيه سوى رده؛ لأن الشرع إنما أوجب في هذا ما نقص من ~~القيمة، ولم يقدر بدله، ولم تنقص القيمة، فلم يجب شيء، بخلاف الصورة ~~الأولى؛ فإن الذاهب مقدر البدل، فلم يسقط بدله. الثالث، أن يكون النقص في ~~مقدر البدل، لكن الذاهب منه أجزاء غير مقصودة، كعصير أغلاه فذهبت مائيته، ~~وانعقدت أجزاؤه، فنقصت عينه دون قيمته، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا شيء فيه سوى ~~رده؛ لأن النار إنما أذهبت مائيته التي يقصد ذهابها، ولهذا ms2556 تزداد حلاوته، ~~وتكثر قيمته، فلم يجب ضمانها، كسمن العبد الذي ينقص قيمته. # والثاني، يجب ضمانه؛ لأنه مقدر البدل، فأشبه الزيت إذا أغلاه. وإن نقصت ~~العين والقيمة جميعا، وجب في الزيت وشبهه ضمان النقصين جميعا؛ لأن كل واحد ~~منهما مضمون منفردا، فكذلك إذا اجتمعا، وذلك مثل أن يكون رطل زيت قيمته ~~درهم، فأغلاه، فنقص ثلثه، فصار قيمة الباقي نصف درهم، فعليه ثلث رطل وسدس ~~درهم. وإن كانت قيمة الباقي ثلثي درهم، فليس عليه أكثر من ثلث رطل؛ لأن ~~قيمة الباقي لم تنقص. وإن خصى العبد، فنقصت قيمته، فليس عليه أكثر من ضمان ~~خصيتيه؛ لأن ذلك بمنزلة ما لو فقأ عينيه. وهل يجب في العصير ما نقص من ~~القيمة، أو يكون كالزيت؟ على وجهين. ### | [فصل غصب عبدا فنقصت قيمته] # (3948) فصل: وإن غصب عبدا فسمن سمنا نقصت به قيمته، أو كان شابا فصار ~~شيخا، أو كانت الجارية ناهدا فسقط ثدياها. وجب أرش النقص. لا نعلم فيه ~~خلافا. فإن كان العبد أمرد، فنبتت لحيته # PageV05P187 # فنقصت قيمته، وجب ضمان نقصه. وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب ~~ضمانه؛ لأن الفائت لا يقصد قصدا صحيحا، فأشبه الصناعة المحرمة. ولنا، أنه ~~نقص في القيمة بتغير صفته، فيضمنه، كبقية الصور. ### | [فصل نقص المغصوب نقصا غير مستقر كطعام ابتل وخيف فساده] # (3949) فصل: وإن نقص المغصوب نقصا غير مستقر، كطعام ابتل. وخيف فساده، أو ~~عفن وخشي تلفه. فعليه ضمان نقصه. وهذا منصوص الشافعي. وله قول آخر؛ أنه لا ~~يضمن نقصه. وقال القاضي: يلزمه بدله، لأنه لا يعلم قدر نقصه، وكلما نقص ~~شيئا ضمنه؛ لأنه يستند إلى السبب الموجود في يد الغاصب، فكان كالموجود في ~~يده، وقال أبو الخطاب يتخير صاحبه بين أخذ بدله، وبين تركه حتى يستقر ~~فساده، ويأخذ أرش نقصه. # وقال أبو حنيفة يتخير بين إمساكه ولا شيء له، أو تسليمه إلى الغاصب ويأخذ ~~منه قيمته؛ لأنه لو ضمن النقص لحصل له مثل كيله وزيادة، وهذا لا يجوز، كما ~~لو باع قفيزا جيدا بقفيز رديء ودرهم. ولنا، أن ms2557 عين ماله باقية، وإنما حدث ~~فيه نقص، فوجب فيه ما نقص، كما لو كان عبدا فمرض. وقد وافق بعض أصحاب ~~الشافعي على هذا في العفن. وقال: يضمن ما نقص، قولا واحدا، ولا يضمن ما ~~تولد منه؛ لأنه ليس من فعله. # وهذا الفرق لا يصح؛ لأن البلل قد يكون من غير فعله أيضا، وقد يكون العفن ~~بسبب منه. ثم إن ما وجد في يد الغاصب، فهو مضمون عليه، لوجوده في يده، فلا ~~فرق. وقول أبي حنيفة لا يصح؛ لأن هذا الطعام عين ماله، وليس ببدل عنه. وقول ~~أبي الخطاب لا بأس به. ### | [مسألة زرع الأرض المغصوبة فأدركها ربها والزرع قائم] # (3950) مسألة؛ قال: (وإن كان زرعها، فأدركها ربها والزرع قائم، كان الزرع ~~لصاحب الأرض، وعليه النفقة، وإن استحقت بعد أخذ الغاصب الزرع، فعليه أجرة ~~الأرض) قوله: " فأدركها ربها " يعني استرجعها من الغاصب، أو قدر على أخذها ~~منه. وهو معنى قوله: " استحقت ". يعني أخذها مستحقها. فمتى كان هذا بعد ~~حصاد الغاصب الزرع، فإنه للغاصب. # لا نعلم فيه خلافا؛ وذلك لأنه نماء ماله، وعليه الأجرة إلى وقت التسليم ~~وضمان النقص. ولو لم يزرعها، فنقصت لترك الزراعة، كأراضي البصرة، أو نقصت ~~لغير ذلك، ضمن نقصها أيضا؛ لما قدمنا في المسألة التي قبل هذه. فأما إن ~~أخذها صاحبها والزرع قائم فيها، لم يملك إجبار الغاصب على قلعه، وخير ~~المالك بين أن يقر # PageV05P188 # الزرع في الأرض إلى الحصاد، ويأخذ من الغاصب أجر الأرض وأرش نقصها، وبين ~~أن يدفع إليه نفقته ويكون الزرع له. # وبهذا قال أبو عبيد وقال أكثر الفقهاء: يملك إجبار الغاصب على قلعه، ~~والحكم فيه كالغرس سواء، لقوله - عليه السلام -: «ليس لعرق ظالم حق» . ~~ولأنه زرع في أرض غيره ظلما، أشبه الغراس. # ولنا، ما روى رافع بن خديج، قال: قال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - ~~«من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وعليه نفقته.» رواه ~~أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. فيه دليل على أن الغاصب لا يجبر على ms2558 ~~قلعه؛ لأنه ملك للمغصوب منه. وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ~~زرعا في أرض ظهير، فأعجبه، فقال: ما أحسن زرع ظهير. فقال: إنه ليس لظهير، ~~ولكنه لفلان. قال: فخذوا زرعكم، وردوا عليه نفقته. قال رافع: فأخذنا زرعنا، ~~ورددنا عليه نفقته» . # ولأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب، على قرب من ~~الزمان، فلم يجز إتلافه، كما لو غصب سفينة، فحمل فيها ماله. وأدخلها البحر، ~~أو غصب لوحا. فرقع به سفينة، فإنه لا يجبر على رد المغصوب في اللجة، وينتظر ~~حتى ترسى، صيانة للمال عن التلف. كذا هاهنا. ولأنه زرع حصل في ملك غيره، ~~فلم يجبر على قلعه على وجه يضر به. كما لو كانت الأرض مستعارة أو مشفوعة. ~~وفارق الشجر والنخل؛ لأن مدته تتطاول، ولا يعلم متى ينقطع من الأرض، ~~فانتظاره يؤدي إلى ترك رد الأصل بالكلية. # وحديثهم ورد في الغرس، وحديثنا في الزرع، فيجمع بين الحديثين، ويعمل بكل ~~واحد منهما في موضعه. وذلك أولى من إبطال أحدهما. إذا ثبت هذا، فمتى رضي ~~المالك بترك الزرع للغاصب. ويأخذ منه أجر الأرض. فله ذلك؛ لأنه شغل المغصوب ~~بماله، فملك صاحبه أخذ أجره، كما لو ترك في الدار طعاما أو أحجارا يحتاج في ~~نقله إلى مدة. # وإن أحب أخذ الزرع، فله ذلك، كما يستحق الشفيع أخذ شجر المشتري بقيمته. ~~وفيما يرد على الغاصب روايتان؛ إحداهما، قيمة الزرع؛ لأنه بدل عن الزرع. ~~فيقدر بقيمته، كما لو أتلفه. ولأن الزرع للغاصب إلى حين انتزاع المالك له ~~منه، بدليل أنه لو أخذه قبل انتزاع المالك له، كان ملكا له. # ولو لم يكن ملكا له لما ملكه بأخذه. فيكون أخذ المالك له تملكا له، إلا ~~أن يعوضه، فيجب أن يكون بقيمته، كما لو أخذ الشقص المشفوع. ويجب على الغاصب ~~أجر الأرض إلى حين تسليم الزرع؛ لأن الزرع كان محكوما له به، وقد شغل به ~~أرض غيره. # PageV05P189 # والرواية الثانية، أنه يرد على الغاصب ما أنفق من البذر، ومؤنة الزرع في ~~الحرث والسقي، ms2559 وغيره. وهذا الذي ذكره القاضي. وهو ظاهر كلام الخرقي وظاهر ~~الحديث، لقوله - عليه السلام - " عليه نفقته ". وقيمة الشيء لا تسمى نفقة ~~له. # والحديث، مبني على هذه المسألة؛ فإن أحمد إنما ذهب إلى هذا الحكم ~~استحسانا، على خلاف القياس، فإن القياس أن الزرع لصاحب البذر؛ لأنه نماء ~~عين ماله، فأشبه ما لو غصب دجاجة فحضنت بيضا له. أو طعاما فعلفه دواب له، ~~كان النماء له. وقد صرح به أحمد فقال: هذا شيء لا يوافق القياس، أستحسن أن ~~يدفع إليه نفقته؛ للأثر. ولذلك جعلناه للغاصب إذا استحقت الأرض بعد أخذ ~~الغاصب له، وإذا كان العمل بالحديث، فيجب أن يتبع مدلوله. # (3951) فصل: فإن كان الزرع مما يبقى أصوله في الأرض، ويجز مرة بعد أخرى ~~كالرطبة والنعناع، احتمل أن يكون حكمه ما ذكرنا؛ لدخوله في عموم الزرع، ~~لأنه ليس له فرع قوي، فأشبه الحنطة والشعير. واحتمل أن يكون حكمه حكم ~~الغرس؛ لبقاء أصله وتكرر أخذه، ولأن القياس يقتضي أن يثبت لكل زرع مثل حكم ~~الغرس، وإنما ترك فيما تقل مدته للأثر، ففيما عداه يبقى على قضية القياس. ### | [فصل غصب أرضا فغرسها فأثمرت فأدركها ربها بعد أخذ الغاصب ثمرتها] # (3952) فصل: وإن غصب أرضا فغرسها فأثمرت، فأدركها ربها بعد أخذ الغاصب ~~ثمرتها، فهي له. وإن أدركها والثمرة فيها، فكذلك؛ لأنها ثمرة شجره، فكانت ~~له، كما لو كانت في أرضه، ولأنها نماء أصل محكوم به للغاصب، فكان له، ~~كأغصانها وورقها. ولبن الشاة وولدها. وقال القاضي: هي لمالك الأرض إن ~~أدركها في الغراس؛ لأن أحمد قال، في رواية علي بن سعيد: إذا غصب أرضا ~~فغرسها، فالنماء لمالك الأرض. # قال القاضي: وعليه من النفقة ما أنفقه الغارس من مؤنة الثمرة؛ لأن الثمرة ~~في معنى الزرع فكانت لصاحب الأرض إذا أدركه قائما فيها، كالزرع. والأول ~~أصح؛ لأن أحمد قد صرح بأن أخذ رب الأرض الزرع شيء لا يوافق القياس، وإنما ~~صار إليه للأثر، فيختص الحكم به، ولا يعدى إلى غيره، ولأن الثمرة تفارق ~~الزرع من وجهين؛ أحدهما، أن الزرع نماء ms2560 الأرض، فكان لصاحبها، والثمرة نماء ~~الشجر. فكان لصاحبه. الثاني، أنه يرد عوض الزرع الذي أخذه، مثل البذر الذي ~~نبت منه الزرع، مع ما أنفق عليه، ولا يمكنه مثل ذلك في الثمر. # PageV05P190 ### | [فصل غصب شجرا فأثمر] # (3953) فصل: وإن غصب شجرا فأثمر، فالثمر لصاحب الشجر. بغير خلاف نعلمه؛ ~~لأنه نماء ملكه، ولأن الشجر عين ملكه نما وزاد، فأشبه ما لو طالت أغصانه. ~~وعليه رد الثمر إن كان باقيا، وإن كان تالفا فعليه بدله. # وإن كان رطبا فصار تمرا، أو عنبا فصار زبيبا، فعليه رده وأرش نقصه إن ~~نقص، وليس له شيء بعمله فيه، وليس للشجر أجرة؛ لأن أجرتها لا تجوز في ~~العقود، فكذلك في الغصب، ولأن نفع الشجر تربية الثمر وإخراجه، وقد عادت هذه ~~المنافع إلى المالك. ولو كانت ماشية، فعليه ضمان ولدها إن ولدت عنده، ويضمن ~~لبنها بمثله؛ لأنه من ذوات الأمثال، ويضمن أوبارها وأشعارها بمثله، كالقطن. ### | [فصل حكم الأرض المغصوبة في جواز دخول غير الغاصب إليها] # (3954) فصل: وإذا غصب أرضا، فحكمها في جواز دخول غيره إليها حكمها قبل ~~الغصب. فإن كانت محوطة، كالدار والبستان المحوط، لم يجز لغير مالكها ~~دخولها؛ لأن ملك مالكها لم يزل عنها، فلم يجز دخولها بغير إذنه، كما لو ~~كانت في يده. # قال أحمد، في الضيعة تصير غيضة فيها سمك: لا يصيد فيها أحد إلا بإذنهم. ~~وإن كانت صحراء، جاز الدخول فيها ورعي حشيشها. قال أحمد لا بأس برعي الكلأ ~~في الأرض المغصوبة؛ وذلك لأن الكلأ لا يملك بملك الأرض. ويتخرج في كل واحدة ~~من الصورتين مثل حكم الأخرى. قياسا لها عليها. ونقل عنه المروذي، في رجل ~~والداه في دار طوابيقها غصب. لا يدخل على والديه، وذلك لأن دخوله عليهما ~~تصرف في الطوابيق المغصوبة. # ونقل عنه الفضل بن عبد الصمد، في رجل له إخوة في أرض غصب: يزورهم ~~ويراودهم على الخروج، فإن أجابوه، وإلا لم يقم معهم، ولا يدع زيارتهم. يعني ~~يزورهم بحيث يأتي باب دارهم، ويتعرف أخبارهم، ويسلم عليهم، ويكلمهم، ولا ~~يدخل إليهم. ونقل المروذي ms2561 عنه: أكره المشي على العبارة التي يجري فيها ~~الماء. # وذلك لأن العبارة وضعت لعبور الماء، لا للمشي عليها، وربما كان المشي ~~عليها يضر بها. وقال أحمد: لا يدفن في الأرض المغصوبة؛ لما في ذلك من ~~التصرف في أرضهم بغير إذنهم. وقال أحمد، في من ابتاع طعاما من موضع غصب، ثم ~~علم: رجع إلى الموضع الذي أخذه منه، فرده. # وروي عنه، أنه قال: يطرحه. يعني على من ابتاعه منه؛ وذلك لأن قعوده فيه ~~حرام، # PageV05P191 # منهي عنه، فكان البيع فيه محرما، ولأن الشراء ممن يقعد في الموضع المحرم ~~يحملهم على القعود والبيع فيه، وترك الشراء منهم يمنعهم من القعود. وقال: ~~لا يبتاع من الخانات التي في الطرق، إلا أن لا يجد غيره. كأنه بمنزلة ~~المضطر. وقال في السلطان إذا بنى دارا، وجمع الناس إليها: أكره الشراء ~~منها. # وهذا إن شاء الله تعالى على سبيل الورع، لما فيه من الإعانة على الفعل ~~المحرم، والظاهر صحة البيع؛ لأنه إذا صحت الصلاة في الدار المغصوبة، في ~~رواية، وهي عبادة، فما ليس بعبادة أولى. # وقال في من غصب ضيعة، وغصبت من الغاصب، فأراد الثاني ردها: جمع بينهما. ~~يعني بين مالكها والغاصب الأول. وإن مات بعضهم، جمع ورثته. إنما قال هذا ~~احتياطا، خوف التبعة من الغاصب الأول؛ لأنه ربما طالب بها، وادعاها ملكا ~~باليد، وإلا فالواجب ردها على مالكها. وقد صرح بهذا في رواية عبد الله، في ~~رجل استودع رجلا ألفا، فجاء رجل إلى المستودع، فقال: إن فلانا غصبني الألف ~~الذي استودعكه. # وصح ذلك عند المستودع، فإن لم يخف التبعة، وهو أن يرجعوا به عليه، دفعه ~~إليه. " ### | [مسألة غصب عبدا قيمته مائة فزادت قيمته حتى صارت مائتين ثم نقصت حتى صارت مائة] # (3955) مسألة؛ قال: (ومن غصب عبدا، أو أمة، وقيمته مائة، فزاد في بدنه، ~~أو بتعلم، حتى صارت قيمته مائتين، ثم نقص بنقصان بدنه، أو نسيان ما علم، ~~حتى صارت قيمته مائة، أخذه السيد، وأخذ من الغاصب مائة) وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يجب ms2562 عليه عوض الزيادة، إلا أن يطالب بردها ~~زائدة، فلا يردها؛ لأنه رد العين كما أخذها، فلم يضمن نقص قيمتها، كنقص ~~سعرها، ولنا، أنها زيادة في نفس المغصوب، فلزم الغاصب ضمانها، كما لو طالبه ~~بردها فلم يفعل. # وفارق زيادة السعر، فإنها لو كانت موجودة حال الغصب، لم يضمنها، والصناعة ~~إن لم تكن من عين المغصوب، فهي صفة فيه، ولذلك يضمنها إذا طولب برد العين ~~وهي موجودة فلم يردها، وأجريناها هي والتعلم مجرى السمن الذي هو عين؛ لأنها ~~صفة تتبع العين، وأجرينا الزيادة الحادثة في يد الغاصب مجرى الزيادة ~~الموجودة حال الغصب؛ لأنها زيادة في العين المملوكة للمغصوب منه، فتكون ~~مملوكة له أيضا؛ لأنها تابعة للعين. # فأما إن غصب العين سمينة، أو ذات صناعة، أو تعلم القرآن ونحوه، فهزلت ~~ونسيت فنقصت قيمتها، فعليه ضمان نقصها. لا نعلم فيه خلافا؛ لأنها نقصت عن ~~حال غصبها نقصا أثر في قيمتها، فوجب ضمانه، كما لو أذهب عضوا من أعضائها. # PageV05P192 # (3956) فصل: إذا غصبها وقيمتها مائة فسمنت، فبلغت قيمتها ألفا، ثم تعلمت ~~صناعة، فبلغت ألفين، ثم هزلت ونسيت، فعادت قيمتها إلى مائة، ردها ورد ألفا ~~وتسعمائة. # وإن بلغت بالسمن ألفا، ثم هزلت فبلغت مائة، ثم تعلمت فبلغت ألفا، ثم نسيت ~~فعادت إلى مائة، ردها ورد ألفا وثمانمائة؛ لأنها نقصت بالهزال تسعمائة، ~~وبالنسيان تسعمائة. وإن سمنت فبلغت ألفا، ثم هزلت فعادت إلى مائة، ثم تعلمت ~~فعادت إلى ألف، ردها وتسعمائة؛ لأن زوال الزيادة الأولى أوجب الضمان، ثم ~~حدثت زيادة أخرى من وجه آخر على ملك المغصوب منه، فلا ينجبر ملك الإنسان ~~بملكه، وأما إذا بلغت بالسمن ألفا، ثم هزلت فعادت إلى مائة، ثم سمنت فعادت ~~إلى ألف، ففيه وجهان؛ أحدهما، يردها زائدة، ويضمن نقص الزيادة الأولى، كما ~~لو كانا من جنسين، فإن ملك الإنسان لا ينجبر بملكه؛ لأن الزيادة الثانية ~~غير الأولى. # فعلى هذا إن هزلت مرة ثانية، فعادت إلى مائة، ضمن النقصين بألف ~~وثمانمائة. والوجه الثاني، أنه إذا ردها سمينة، فلا شيء عليه؛ لأنه عاد ما ~~ذهب، ms2563 فأشبه ما لو مرضت فنقصت، ثم عوفيت، أو نسيت صناعة ثم تعلمتها، أو أبق ~~العبد ثم عاد. وفارق ما إذا زادت من جهة أخرى؛ فإنه لم يعد ما ذهب. # وهذا الوجه، أقيس؛ لما ذكرنا من شواهده. فعلى هذا لو سمنت بعد الهزال، ~~ولم تبلغ قيمتها إلى ما بلغت في السمن الأول، أو زادت عليه، ضمن أكثر ~~الزيادتين، وتدخل الأخرى فيها. وعلى الوجه الأول يضمنهما جميعا. فأما إن ~~زادت بالتعليم أو الصناعة، ثم نسيت، ثم تعلمت ما نسيته، فعادت القيمة ~~الأولى، لم يضمن النقص الأول؛ لأن العلم الثاني هو الأول، فقد عاد ما ذهب. # وإن تعلمت علما آخر، أو صناعة أخرى، فهو كعود السمن، فيه وجهان. ذكر هذا ~~القاضي، وهو مذهب الشافعي. وقال أبو الخطاب: متى زادت، ثم نقصت، ثم زادت ~~مثل الزيادة الأولى، ففي ذلك وجهان، سواء كانا من جنس كالسمن مرتين، أو من ~~جنسين كالسمن والتعليم. والأول أولى. ### | [فصل مرض المغصوب ثم برأ أو ابيضت عينه ثم ذهب بياضها] # (3957) فصل: وإن مرض المغصوب ثم برأ، أو ابيضت عينه ثم ذهب بياضها، أو ~~غصب جارية حسناء فسمنت # PageV05P193 # سمنا نقصها، ثم خف سمنها فعاد حسنها وقيمتها ردها ولا ضمان عليه؛ لأنه لم ~~يذهب ما له قيمة، والعيب الذي أوجب الضمان زال في يديه. وكذلك لو حملت ~~فنقصت، ثم وضعت فزال نقصها، لم يضمن شيئا. # فإن رد المغصوب ناقصا بمرض، أو عيب، أو سمن مفرط، أو حمل، فعليه أرش ~~نقصه، فإن زال عيبه في يدي مالكه، لم يلزمه رد ما أخذ من أرشه؛ لأنه استقر ~~ضمانه برد المغصوب. وكذلك إن أخذ المغصوب دون أرشه، ثم زال العيب قبل أخذ ~~أرشه، لم يسقط ضمانه؛ لذلك. ### | [فصل زوائد الغصب في يد الغاصب] # (3958) فصل: زوائد الغصب في يد الغاصب مضمونة ضمان الغصب، مثل السمن، ~~وتعلم الصناعة، وغيرها، وثمرة الشجرة، وولد الحيوان، متى تلف شيء منه في يد ~~الغاصب ضمنه، سواء تلف منفردا، أو تلف مع أصله. وبهذا قال الشافعي وقال أبو ~~حنيفة، ومالك: لا يجب ms2564 ضمان زوائد الغصب، إلا أن يطالب بها فيمتنع من ~~أدائها؛ لأنها غير مغصوبة، فلا يجب ضمانها، كالوديعة، ودليل عدم الغصب أنه ~~فعل محرم، وثبوت يده على هذه الزوائد ليس من فعله؛ لأنه انبنى على وجود ~~الزوائد في يده، ووجودها ليس بفعل محرم منه. ولنا، أنه مال المغصوب منه، ~~حصل في يد الغاصب بالغصب، فيضمنه بالتلف، كالأصل. # وقولهم: إن إثبات يده ليس من فعله. لا يصح؛ لأنه بإمساك الأم تسبب إلى ~~إثبات يده على هذه الزوائد، وإثبات يده على الأم محظور. ### | [فصل ليس على الغاصب ضمان نقص القيمة الحاصل بتغير الأسعار] # (3959) فصل: وليس على الغاصب ضمان نقص القيمة الحاصل بتغير الأسعار. نص ~~عليه أحمد وهو قول جمهور العلماء. وحكي عن أبي ثور أنه يضمنه؛ لأنه يضمنه ~~إذا تلفت العين، فيلزمه إذا ردها، كالسمن. # ولنا، أنه رد العين بحالها، لم ينقص منها عين ولا صفة، فلم يلزمه شيء، ~~كما لو لم تنقص، ولا نسلم أنه يضمنها مع تلف العين، وإن سلمنا فلأنه وجبت ~~قيمة العين أكثر ما كانت قيمتها، فدخلت في التقويم، بخلاف ما إذا ردها؛ فإن ~~القيمة لا تجب، ويخالف السمن، فإنه من عين المغصوب، والعلم بالصناعة صفة ~~فيها، وها هنا لم تذهب عين ولا صفة؛ ولأنه لا حق للمغصوب منه في القيمة مع ~~بقاء العين، وإنما حقه في العين، وهي باقية كلها كما كانت، ولأن الغاصب ~~يضمن ما غصب، والقيمة لا تدخل في الغصب، بخلاف زيادة العين، فإنها مغصوبة ~~وقد ذهبت. # PageV05P194 ### | [فصل غصب شيئا فشقه نصفين وكان ثوبا ينقصه القطع] # (3960) فصل: ولو غصب شيئا فشقه نصفين، وكان ثوبا ينقصه القطع، رده وأرش ~~نقصه، فإن تلف أحد النصفين، رد الباقي وقيمة التالف، وأرش النقص، وإن لم ~~ينقصه القطع، رد الباقي وقيمة التالف لا غير. وإن كانا باقيين، ردهما ولا ~~شيء عليه سوى ذلك. وإن غصب شيئين ينقصهما التفريق، كزوجي خف، ومصراعي باب، ~~فتلف أحدهما، رد الباقي، وقيمة التالف وأرش نقصهما. فإذا كانت قيمتهما ستة ~~دراهم، فتلف أحدهما، فصارت قيمة الباقي درهمين، ms2565 رد الباقي وأربعة دراهم. # وفيه وجه آخر، أنه لا يلزمه إلا قيمة التالف مع رد الباقي. وهو أحد ~~الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأنه لم يتلف غيره، ولأن نقص الباقي نقص قيمة، فلا ~~يضمنه، كالنقص بتغير الأسعار. والصحيح الأول؛ لأنه نقص حصل بجنايته، فلزمه ~~ضمانه، كشق الثوب الذي ينقصه الشق إذا أتلف أحد شقيه، بخلاف نقص السعر، ~~فإنه لم يذهب من المغصوب عين ولا معنى، وها هنا فوت معنى، وهو إمكان ~~الانتفاع به، وهذا هو الموجب لنقص قيمته، وهو حاصل من جهة الغاصب، فينبغي ~~أن يضمنه، كما لو فوت بصره أو سمعه أو عقله، أو فك تركيب باب ونحوه. ### | [فصل غصب ثوبا فلبسه فنقص نصف قيمته ثم عادت قيمته] # (3961) فصل: وإن غصب ثوبا فلبسه فأبلاه، فنقص نصف قيمته، ثم غلت الثياب، ~~فعادت لذلك قيمته، كما كانت، لزمه رده وأرش نقصه، فلو غصب ثوبا قيمته عشرة، ~~فنقصه لبسه حتى صارت قيمته خمسة، ثم زادت قيمته فصارت عشرة، رده ورد خمسة؛ ~~لأن ما تلف قبل غلاء الثوب ثبتت قيمته في الذمة خمسة، فلا يعتبر ذلك بغلاء ~~الثوب ولا رخصه، وكذلك لو رخصت الثياب، فصارت قيمتها ثلاثة، لم يلزم الغاصب ~~إلا خمسة، مع رد الثوب. # ولو تلف الثوب كله، وقيمته عشرة، ثم غلت الثياب، فصارت قيمة الثوب عشرين، ~~لم يضمن إلا عشرة؛ لأنها ثبتت في الذمة عشرة، فلا تزداد بغلاء الثياب، ولا ~~تنقص برخصها. ### | [فصل غصب ثوبا أو زوليا فذهب بعض أجزائه] # (3962) فصل: وإن غصب ثوبا أو زوليا، فذهب بعض أجزائه، كخمل المنشفة، ~~وزئبرة الثوب، فعليه أرش نقصه. وإن أقام عنده مدة لمثلها أجرة، لزمه أجره، ~~سواء استعمله أو تركه. وإن اجتمعا، مثل أن أقام عنده مدة، فذهب بعض أجزائه، ~~فعليه ضمانهما معا، الأجر وأرش النقص، سواء كان ذهاب الأجزاء بالاستعمال أو ~~بغيره. # وقال بعض أصحاب الشافعي: إن نقص بغير الاستعمال، كثوب ينقصه النشر، فنقص ~~بنشره، وبقي عنده مدة، ضمن الأجر والنقص، وإن كان النقص من جهة الاستعمال، ~~كثوب لبسه # PageV05P195 # وأبلاه، ففيه وجهان؛ أحدهما، يضمنهما ms2566 معا. والثاني، يجب أكثر الأمرين من ~~الأجر وأرش النقص؛ لأن ما نقص من الأجزاء في مقابلة الأجر، ولذلك لا يضمن ~~المستأجر تلك الأجزاء، ويتخرج لنا مثل ذلك. # ولنا، أن كل واحد منهما ينفرد بالإيجاب عن صاحبه، فإذا اجتمعا وجبا، كما ~~لو أقام في يده مدة ثم تلف، والأجرة تجب في مقابلة ما يفوت من المنافع، لا ~~في مقابلة الأجزاء، ولذلك يجب الأجر وإن لم تفت الأجزاء، وإن لم يكن ~~للمغصوب أجر، كثوب غير مخيط، فلا أجر على الغاصب، وعليه ضمان نقصه لا غير. ### | [فصل نقص المغصوب عند الغاصب ثم باعه فتلف عند المشتري] # فصل: وإذا نقص المغصوب عند الغاصب، ثم باعه فتلف عند المشتري، فله أن ~~يضمن من شاء منهما، فإن ضمن الغاصب ضمنه قيمته أكثر ما كانت من حين الغصب ~~إلى حين التلف؛ لأنه في ضمانه من حين غصبه إلى يوم تلف، وإن ضمن المشتري ~~ضمنه قيمته أكثر ما كانت من حين قبضه إلى حين تلفه؛ لأن ما قبل القبض لم ~~يدخل في ضمانه. # وإن كان له أجرة، فله الرجوع على الغاصب بجميعها، وإن شاء رجع على ~~المشتري بأجر مقامه في يده، والباقي على الغاصب. والكلام في رجوع كل واحد ~~منهما على صاحبه نذكره فيما بعد، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل غصب حنطة فطحنها أو شاة فذبحها وشواها] # (3964) فصل: وإذا غصب حنطة فطحنها، أو شاة فذبحها وشواها، أو حديدا فعمله ~~سكاكين أو أواني، أو خشبة فنجرها بابا أو تابوتا، أو ثوبا فقطعه وخاطه، لم ~~يزل ملك صاحبه عنه، ويأخذه وأرش نقصه إن نقص، ولا شيء للغاصب في زيادته، في ~~الصحيح من المذهب. وهذا قول الشافعي. # وقال أبو حنيفة في هذه المسائل كلها: ينقطع حق صاحبها عنها، إلا أن ~~الغاصب لا يجوز له التصرف فيها إلا بالصدقة، إلا أن يدفع قيمتها فيملكها ~~ويتصرف فيها كيف شاء. وروى محمد بن الحكم، عن أحمد ما يدل على أن الغاصب ~~يملكها بالقيمة، إلا أنه قول قديم رجع عنه، فإن محمدا مات قبل أبي ms2567 عبد الله ~~بنحو من عشرين سنة. # واحتجوا بما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زار قوما من الأنصار ~~في دارهم، فقدموا إليه شاة مشوية فتناول منها لقمة، فجعل يلوكها ولا ~~يسيغها، فقال: إن هذه الشاة لتخبرني أنها أخذت بغير وجه حق. فقالوا: نعم يا ~~رسول الله، طلبنا في السوق فلم نجد، فأخذنا شاة لبعض جيراننا، ونحن نرضيهم ~~من ثمنها. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أطعموها الأسرى.» # PageV05P196 # رواه أبو داود بنحو من هذا. وهذا يدل على أن حق أصحابها انقطع عنها، ~~ولولا ذلك لأمر بردها عليهم. # ولنا، أن عين مال المغصوب منه قائمة، فلزم ردها إليه، كما لو ذبح الشاة ~~ولم يشوها، ولأنه لو فعله بملكه لم يزل عنه، فإذا فعله بملك غيره لم يزل ~~عنه، كما لو ذبح الشاة، أو ضرب النقرة دراهم، ولأنه لا يزيل الملك إذا كان ~~بغير فعل آدمي، فلم يزله إذا فعله آدمي، كالذي ذكرناه، فأما الخبر فليس ~~بمعروف كما رووه، وليس في رواية أبي داود: " ونحن نرضيهم من ثمنها ". # فإذا ثبت هذا، فإنه لا شيء للغاصب بعمله، سواء زادت العين أو لم تزد. ~~وهذا مذهب الشافعي وذكر أبو الخطاب أن الغاصب يشارك المالك بالزيادة؛ لأنها ~~حصلت بمنافعه، ومنافعه أجريت مجرى الأعيان، فأشبه ما لو غصب ثوبا فصبغه. ~~والمذهب الأول. ذكره أبو بكر والقاضي؛ لأن الغاصب عمل في ملك غيره بغير ~~إذنه، فلم يستحق لذلك عوضا، كما لو أغلى زيتا فزادت قيمته، أو بنى حائطا ~~لغيره، أو زرع حنطة إنسان في أرضه، وسائر عمل الغاصب. # فأما صبغ الثوب، فإن الصبغ عين مال، لا يزول ملك صاحبه عنه بجعله مع ملك ~~غيره، وهذا حجة عليه؛ لأنه إذا لم يزل ملكه عن صبغه بجعله في ملك غيره، ~~وجعله كالصفة، فلأن لا يزول ملك غيره بعمله فيه أولى، فإن احتج بأن من زرع ~~في أرض غيره يرد عليه نفقته، قلنا: الزرع ملك للغاصب؛ لأنه عين ماله، ~~ونفقته عليه تزداد به قيمته، فإذا أخذه مالك الأرض، احتسب له ms2568 بما أنفق على ~~ملكه، وفي مسألتنا عمله في ملك المغصوب منه بغير إذنه، فكان لاغيا، على ~~أننا نقول: إنما تجب قيمة الزرع على إحدى الروايتين. # فأما إن نقصت العين دون القيمة، رد الموجود وقيمة النقص، وإن نقصت العين ~~والقيمة، ضمنهما معا، كالزيت إذا غلاه. وهكذا القول في كل ما تصرف فيه، مثل ~~نقرة ضربها دراهم أو حليا، أو طينا جعله لبنا، أو غزلا نسجه، أو ثوبا قصره. ~~وإن جعل فيه شيئا من عين ماله، مثل أن سمر الرفوف بمسامير من عنده، فله ~~قلعها ويضمن ما نقصت الرفوف، وإن كانت المسامير من الخشب المغصوبة، أو مال ~~المغصوب منه فلا شيء للغاصب، وليس له قلعها، إلا أن يأمره المالك، بذلك، ~~فيلزمه. # وإن كانت المسامير للغاصب، فوهبها للمالك، فهل يجبر على قبول الهبة؟ على ~~وجهين. وإن استأجر الغاصب على عمل شيء من هذا الذي ذكرناه، فالأجر عليه. ~~والحكم في زيادته ونقصه، كما لو ولي ذلك بنفسه، إلا أن يضمن النقص من شاء ~~منهما، فلو استأجر قصابا فذبح شاة، فللمالك أخذها وأرش نقصها، ويغرم من شاء ~~منهما، فإن غرم الغاصب، لم يرجع على أحد إذا لم يعلم القصاب الحال، وإن ضمن ~~القصاب رجع على الغاصب، لأنه غره، وإن علم القصاب أنها مغصوبة فغرمه، لم ~~يرجع على أحد؛ لأنه أتلف مال # PageV05P197 # غيره بغير إذنه عالما بالحال، وإن ضمن الغاصب، رجع على القصاب؛ لأن التلف ~~حصل منه فاستقر الضمان عليه، وإن استعان بمن ذبح له، فهو كما لو استأجره. ### | [فصل غصب حبا فزرعه فصار زرعا أو نوى فصار شجرا أو بيضا فحضنه فصار فرخا] # (3965) فصل: وإن غصب حبا فزرعه فصار زرعا، أو نوى فصار شجرا، أو بيضا ~~فحضنه فصار فرخا، فهو للمغصوب منه؛ لأنه عين ماله نما، فأشبه ما تقدم. ~~ويتخرج أن يملكه الغاصب، بناء على الرواية المذكورة في الفصل السابق. وإن ~~غصب دجاجة فباضت عنده، ثم حضنت بيضها فصار فراخا، فهما لمالكها، ولا شيء ~~للغاصب في علفها. # قال أحمد في طيرة جاءت إلى دار قوم ms2569 فأفرخت عندهم: يرد فروخها إلى أصحاب ~~الطيرة، ولا شيء للغاصب فيما عمل. وإن غصب شاة، فأنزى عليها فحلا، فالولد ~~لصاحب الشاة؛ لأنه من نمائها. وإن غصب فحلا، فأنزاه على شاته، فالولد لصاحب ~~الشاة؛ لأنه يتبع الأم، ولا أجرة له؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن عسب الفحل. وإن نقصه الضراب ضمن نقصه. ### | [فصل غصب دنانير أو دراهم من رجل وخلطها بمثلها لآخر فلم يتميزا] # (3966) فصل: وإن غصب دنانير أو دراهم من رجل، وخلطها بمثلها لآخر، فلم ~~يتميزا، صارا شريكين. وقال أبو حنيفة يملكها الغاصب، وعليه غرامة مثلها ~~لهما، وإن خلطها بمثلها من ماله، ملكها؛ لأنه تعذر تسليمها بعينها، فأشبه ~~ما لو تلفت. ولنا، أنه فعل في المغصوب على وجه التعدي، لم يذهب بماليته، ~~فلم يزل ملك صاحبه عنه، كذبح الشاة. ### | [فصل غصب عبدا فصاد صيدا أو كسب شيئا] # (3967) فصل: وإن غصب عبدا، فصاد صيدا، أو كسب شيئا، فهو لسيده، وإن غصب ~~جارحا كالفهد والبازي، فصاد به، فالصيد لمالكه؛ لأنه من كسب ماله، فأشبه ~~صيد العبد. ويحتمل أنه للغاصب؛ لأنه الصائد، والجارحة آلة له، ولهذا يكتفي ~~بتسميته عند إرساله الجارح. وإن غصب قوسا أو سهما أو شبكة، فصاد به، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، أنه لصاحب القوس والسهم والشبكة؛ لأنه حاصل به، فأشبه نماء ~~ملكه وكسب عبده. # PageV05P198 # والثاني، للغاصب؛ لأن الصيد حصل بفعله، وهذه آلات، فأشبه ما لو ذبح بسكين ~~غيره، فإن قلنا: هو للغاصب. # فعليه أجر ذلك كله مدة مقامه في يديه إن كان له أجر. وإن قلنا: هو ~~للمالك، لم يكن له أجر في مدة اصطياده، في أحد الوجهين؛ لأن الأجر في ~~مقابلة منافعه، ومنافعه في هذه المدة عائدة إلى مالكه، فلم يستحق عوضها على ~~غيره، كما لو زرع أرض إنسان، فأخذ المالك الزرع بنفقته، والثاني عليه أجر ~~مثله؛ لأنه استوفى منافعه، أشبه ما لو لم يصد شيئا. ### | [مسألة غصب جارية فوطئها وأولدها] # (3968) مسألة؛ قال: (ومن غصب جارية، فوطئها، وأولدها، لزمه الحد، وأخذها ~~سيدها وأولادها ومهر مثلها) وجملة ذلك، ms2570 أن الغاصب إذا وطئ الجارية ~~المغصوبة، فهو زان؛ لأنها ليست زوجة له ولا ملك يمين، فإن كان عالما ~~بالتحريم، فعليه حد الزنى؛ لأنه لا ملك له، ولا شبهة ملك، وعليه مهر مثلها، ~~سواء كانت مكرهة أو مطاوعة. وقال الشافعي لا مهر للمطاوعة؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن مهر البغي. # ولنا، أن هذا حق للسيد، فلا يسقط بمطاوعتها، كما لو أذنت في قطع يدها، ~~ولأنه حق يجب للسيد مع إكراهها، فيجب مع مطاوعتها، كأجر منافعها، والخبر ~~محمول على الحرة، ويجب أرش بكارتها؛ لأنه بدل جزء منها. ويحتمل أن لا يجب؛ ~~لأن مهر البكر يدخل فيه أرش البكارة؛ ولهذا يزيد على مهر الثيب عادة، لأجل ~~ما يتضمنه من تفويت البكارة. وإن حملت، فالولد مملوك لسيدها؛ لأنه من ~~نمائها وأجزائها، ولا يلحق نسبه بالواطئ؛ لأنه من زنى. فإن وضعته حيا، وجب ~~رده معها، وإن أسقطته ميتا، لم يضمن؛ لأننا لا نعلم حياته قبل هذا. هذا قول ~~القاضي، وهو الظاهر من مذهب الشافعي عند أصحابه. # وقال القاضي أبو الحسين: يجب ضمانه بقيمته لو كان حيا. نص عليه الشافعي؛ ~~لأنه يضمنه لو سقط بضربته، وما ضمن بالإتلاف ضمنه الغاصب بالتلف في يده، ~~كأجر العين. والأولى، إن شاء الله تعالى، أن يضمنه بعشر قيمة أمه؛ لأنه ~~الذي يضمنه به بالجناية، فيضمنه به في التلف، كالأجزاء. وإن وضعته حيا، حصل ~~مضمونا في يد الغاصب، كالأم. # فإن مات بعد ذلك، ضمنه بقيمته. وإن نقصت الأم بالولادة، ضمن نقصها، ولم ~~ينجبر بالولد. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ينجبر نقصها بولدها. ولنا، ~~أن ولدها ملك المغصوب منه، فلا ينجبر به نقص حصل بجناية الغاصب، كالنقص ~~الحاصل # PageV05P199 # بغير الولادة. # وإن ضرب الغاصب بطنها فألقت الجنين ميتا، فعليه عشر قيمة أمه. وإن ضرب ~~بطنها أجنبي، ففيه مثل ذلك، وللمالك تضمين أيهما شاء، فإن ضمن الغاصب، رجع ~~على الضارب، وإن ضمن الضارب، لم يرجع على أحد؛ لأن الإتلاف وجد منه، فاستقر ~~الضمان عليه. وإن ماتت الجارية، فعليه قيمتها أكثر ms2571 ما كانت. ويدخل في ذلك ~~أرش بكارتها، ونقص ولادتها، ولا يدخل فيه ضمان ولدها، ولا مهر مثلها، وسواء ~~في هذه الأحكام كلها حالة الإكراه أو المطاوعة؛ لأنها حقوق لسيدها، فلا ~~تسقط بمطاوعتها. # وأما حقوق الله تعالى، كالحد عليها، والإثم، والتعزير في موضع يجب، فإن ~~كانت مطاوعة على الوطء، عالمة بالتحريم، فعليها الحد إذا كانت من أهله، ~~والإثم، وإلا فلا. (3969) فصل: وإن كان الغاصب جاهلا بتحريم ذلك؛ لقرب عهده ~~بالإسلام، أو ناشئا ببادية بعيدة يخفى عليه مثل هذا، فاعتقد حل وطئها، أو ~~اعتقد أنها جاريته فأخذها، ثم تبين أنها غيرها، فلا حد عليه؛ لأن الحد يدرأ ~~بالشبهات، وعليه المهر، وأرش البكارة. # وإن حملت فالولد حر، لاعتقاده أنها ملكه، ويلحقه النسب لموضع الشبهة. وإن ~~وضعته ميتا، لم يضمنه؛ لأنه لم يعلم حياته، ولأنه لم يحل بينه وبينه، وإنما ~~وجب تقويمه لأجل الحيلولة. وإن وضعته حيا، فعليه قيمته يوم انفصاله؛ لأنه ~~فوت عليه رقه باعتقاده، ولا يمكن تقويمه حملا، فقوم عليه أول حال انفصاله؛ ~~لأنه أول حال إمكان تقويمه، ولأن ذلك وقت الحيلولة بينه وبين سيده. # وإن ضرب الغاصب بطنها، فألقت جنينا ميتا، فعليه غرة عبد أو أمة، قيمتها ~~خمس من الإبل، موروثة عنه، لا يرث الضارب منها شيئا؛ لأنه أتلف جنينا حرا، ~~وعليه للسيد عشر قيمة أمه؛ لأن الإسقاط لما اعتقب الضرب، فالظاهر حصوله به، ~~وضمانه للسيد ضمان المماليك، ولهذا لو وضعته حيا قومناه مملوكا. # وإن كان الضارب أجنبيا، فعليه غرة دية الجنين الحر؛ لأنه محكوم بحريته، ~~وتكون موروثة عنه، وعلى الغاصب للسيد عشر قيمة أمه؛ لأنه يضمنه ضمان ~~المماليك، وقد فوت رقه على السيد، وحصل التلف في يديه. والحكم في المهر، ~~والأرش، والأجر، ونقص الولادة، وقيمتها إن تلفت، ما مضى إذا كانا عالمين؛ ~~لأن هذه حقوق الآدميين، فلا تسقط بالجهل والخطأ، كالدية. # PageV05P200 ### | [مسألة الغاصب للجارية باعها فوطئها المشتري وأولدها وهو لا يعلم] # (3970) مسألة قال: (وإن كان الغاصب باعها، فوطئها المشتري، وأولدها، وهو ~~لا يعلم، ردت الجارية إلى سيدها، ومهر مثلها، وفدى ms2572 أولاده بمثلهم، وهم ~~أحرار، ورجع بذلك كله على الغاصب) وجملة ذلك، أن الغاصب إذا باع الجارية، ~~فبيعه فاسد؛ لأنه يبيع مال غيره بغير إذنه. وفيه رواية أخرى، أنه يصح، ويقف ~~على إجازة المالك. # وقد ذكرنا ذلك في البيع. وفيه رواية ثالثة، أن البيع يصح، وينفذ، لأن ~~الغصب في الظاهر تتطاول مدته، فلو لم يصح تصرف الغاصب، أفضى إلى الضرر ~~بالمالك والمشتري؛ لأن المالك لا يملك ثمنها، والمشتري لا يملكها. والتفريع ~~على الرواية الأولى، والحكم في وطء المشتري كالحكم في وطء الغاصب، إلا أن ~~المشتري إذا ادعى الجهالة، قبل منه، بخلاف الغاصب، فإنه لا يقبل منه إلا ~~بشرط ذكرناه. ويجب رد الجارية إلى سيدها، وللمالك مطالبة أيهما شاء بردها؛ ~~لأن الغاصب أخذها بغير حق، وقد قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «على ~~اليد ما أخذت حتى ترده» . # والمشتري أخذ مال غيره بغير حق أيضا، فيدخل في عموم الخبر، ولأن مال غيره ~~في يده. وهذا لا خلاف فيه بحمد الله تعالى. ويلزم المشتري المهر؛ لأنه وطئ ~~جارية غيره بغير نكاح، وعليه أرش البكارة، ونقص الولادة. وإن ولدت منه، ~~فالولد حر؛ لاعتقاده أنه يطأ مملوكته، فمنع ذلك انخلاق الولد رقيقا، ويلحقه ~~نسبه، وعليه فداؤهم؛ لأنه فوت رقهم على سيدهم باعتقاده حل الوطء. # وهذا الصحيح في المذهب، وعليه الأصحاب. وقد نقل ابن منصور، عن أحمد أن ~~المشتري لا يلزمه فداء أولاده، وليس للسيد بدلهم؛ لأنهم كانوا في حال ~~العلوق أحرارا، ولم يكن لهم قيمة حينئذ. قال الخلال أحسبه قولا لأبي عبد ~~الله أول، والذي أذهب إليه أنه يفديهم. وقد نقله ابن منصور أيضا، وجعفر بن ~~محمد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ويفديهم ببدلهم يوم الوضع. وبهذا قال ~~الشافعي وقال أبو حنيفة يجب يوم المطالبة؛ لأن ولد المغصوبة لا يضمنه عنده ~~إلا بالمنع، وقبل المطالبة لم يحصل منع فلم يجب، وقد ذكرنا فيما مضى، أنه ~~يحدث مضمونا، فيقوم يوم وضعه؛ لأنه أول حال أمكن تقويمه. واختلف أصحابنا ~~فيما يفديهم به، فنقل الخرقي هاهنا أنه يفديهم ms2573 بمثلهم. والظاهر أنه أراد ~~بمثلهم في السن، والصفات، والجنس، والذكورية والأنوثية، وقد نص عليه أحمد ~~وقال أبو بكر عبد العزيز: يفديهم بمثلهم في القيمة. وعن أحمد رواية ثالثة، ~~أنه يفديهم بقيمتهم. وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو أصح إن شاء الله ~~تعالى؛ لأن الحيوان ليس بمثلي، فيضمن بقيمته # PageV05P201 # كسائر المتقومات، ولأنه لو أتلفه ضمنه بقيمته. وقد ذكرنا وجه هذه الأقوال ~~في غير هذا الموضع. وقول الخرقي: " رجع بذلك كله على الغاصب ". يعني ~~بالمهر، وما فدى به الأولاد؛ لأن المشتري دخل على أن يسلم له الأولاد، وأن ~~يتمكن من الوطء بغير عوض، فإذا لم يسلم له ذلك، فقد غره البائع، فرجع به ~~عليه. # فأما الجارية إذا ردها لم يرجع ببدلها؛ لأنها ملك المغصوب منه رجعت إليه، ~~لكنه يرجع على الغاصب بالثمن الذي أخذه منه. وإن كانت قد أقامت عنده مدة ~~لمثلها أجر في تلك المدة، فعليه أجرها. وإن اغتصبها بكرا، فعليه أرش ~~بكارتها. وإن نقصتها الولادة أو غيرها، فعليه أرش نقصها. وإن تلفت في يده، ~~فعليه قيمتها. وكل ضمان يجب على المشتري، فللمغصوب منه أن يرجع به على من ~~شاء منهما؛ لأن يد الغاصب سبب يد المشتري. # وما وجب على الغاصب، من أجر المدة التي كانت في يده، أو نقص حدث عنده، ~~فإنه يرجع به على الغاصب وحده؛ لأن ذلك كان قبل يد المشتري. فإذا طالب ~~المالك المشتري بما وجب في يده، وأخذه منه، فأراد المشتري الرجوع به على ~~الغاصب، نظرت؛ فإن كان المشتري حين الشراء علم أنها مغصوبة، لم يرجع بشيء؛ ~~لأن موجب الضمان وجد في يده من غير تغرير، وإن لم يعلم، فذلك على ثلاثة ~~أضرب؛ ضرب لا يرجع به، وهو قيمتها إن تلفت في يده، وأرش بكارتها، وبدل جزء ~~من أجزائها؛ لأنه دخل مع البائع على أنه يكون ضامنا لذلك بالثمن، فإذا ضمنه ~~لم يرجع به. # وضرب يرجع به، وهو بدل الولد إذا ولدت منه؛ لأنه دخل معه في العقد على أن ~~لا يكون الولد مضمونا عليه، ولم ms2574 يحصل من جهته إتلاف، وإنما الشرع أتلفه ~~بحكم بيع الغاصب منه، وكذلك نقص الولادة. وضرب اختلف فيه، وهو مهر مثلها ~~وأجر نفعها، فهل يرجع به على الغاصب؟ فيه روايتان؛ إحداهما، يرجع به. # وهو قول الخرقي لأنه دخل في العقد على أن يتلفه بغير عوض، فإذا غرم عوضه ~~رجع به، كبدل الولد، ونقص الولادة. وهذا أحد قولي الشافعي. والثانية، لا ~~يرجع به، وهو اختيار أبي بكر وقول أبي حنيفة لأنه غرم ما استوفى بدله، فلا ~~يرجع به، كقيمة الجارية، وبدل أجزائها. وهذا القول الثاني للشافعي وإن رجع ~~بذلك كله على الغاصب فكل ما لو رجع به على المشتري لا يرجع به على الغاصب، ~~إذا رجع به على الغاصب رجع به الغاصب على المشتري. # وكل ما لو رجع به على المشتري رجع به المشتري على الغاصب إذا غرمه ~~الغاصب، لم يرجع به على المشتري. ومتى ردها حاملا فماتت من الوضع، فإنها ~~مضمونة على الواطئ؛ لأن التلف بسبب من جهته. # PageV05P202 ### | [فصل استكره الغاصب امرأة على الزنى] # (3971) فصل: ومن استكره امرأة على الزنى، فعليه الحد دونها؛ لأنها ~~معذورة، وعليه مهرها حرة كانت أو أمة، فإن كانت حرة كان المهر لها، وإن ~~كانت أمة كان لسيدها. وبه قال مالك، والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب المهر؛ ~~لأنه وطء يتعلق به وجوب الحد، فلم يجب به المهر، كما لو طاوعته. # ولنا، أنه وطء في غير ملك، سقط فيه الحد من الموطوءة. فإذا كان الواطئ من ~~أهل الضمان في حقها، وجب عليه مهرها كما لو وطئها بشبهة، وأما المطاوعة، ~~فإن كانت أمة وجب عليه مهرها؛ لأنه حق لسيدها، فلا يسقط برضاها، وإن كانت ~~حرة، لم يجب لها المهر؛ لأن رضاها اقترن بالسبب الموجب، فلم يوجب، كما لو ~~أذنته في قطع يدها، أو إتلاف جزء منها. وروي عن أحمد رواية أخرى، أن الثيب ~~لا مهر لها وإن أكرهت. نقلها ابن منصور، وهو اختيار أبي بكر. # والصحيح الأول؛ لأنها مكرهة على الوطء الحرام، فوجب لها المهر، كالبكر، ~~ويجب أرش ms2575 البكارة مع المهر، كما قدمنا. ### | [فصل أجر الغاصب المغصوب] # (3972) فصل: إذا أجر الغاصب المغصوب، فالإجارة باطلة، على إحدى الروايات، ~~كالبيع، ولمالكه تضمين أيهما شاء أجر مثلها، فإن ضمن المستأجر، لم يرجع ~~بذلك، لأنه دخل في العقد على أنه يضمن المنفعة، إلا أن يزيد أجر المثل على ~~المسمى في العقد، فيرجع بالزيادة ويسقط عنه المسمى في العقد. وإن كان دفعه ~~إلى الغاصب، رجع به. وإن تلفت العين في يد المستأجر، فلمالكها تغريم من شاء ~~منهما قيمتها، فإن غرم المستأجر فله الرجوع بذلك على الغاصب؛ لأنه دخل معه ~~على أنه لا يضمن العين، ولم يحصل له بدل في مقابلة ما غرم، هذا إذا لم يعلم ~~بالغصب، وإن علم لم يرجع على أحد؛ لأنه دخل على بصيرة، وحصل التلف في يده، ~~فاستقر الضمان عليه. # وإن غرم الغاصب الأجر والقيمة، رجع بالأجر على المستأجر على كل حال، ~~ويرجع بالقيمة إن كان المستأجر عالما بالغصب، وإلا فلا. وهذا قول الشافعي ~~ومحمد بن الحسن في الفصل كله. وحكي عن أبي حنيفة أن الأجر للغاصب دون صاحب ~~الدار. وهذا فاسد؛ لأن الأجر عوض المنافع المملوكة لرب الدار، فلم يملكها ~~الغاصب، كعوض الأجزاء. ### | [فصل أودع المغصوب أو وكل رجلا في بيعه ودفعه إليه فتلف في يده] # (3973) فصل: وإن أودع المغصوب، أو وكل رجلا في بيعه، ودفعه إليه، فتلف في ~~يده، فللمالك تضمين أيهما شاء؛ أما الغاصب فلأنه حال بين المالك وبين ملكه، ~~وأثبت اليد العادية عليه، والمستودع والوكيل لإثباتهما # PageV05P203 # أيديهما على ملك معصوم بغير حق. فإن غرم الغاصب، وكانا غير عالمين ~~بالغصب، استقر الضمان عليه، ولم يرجع على أحد، وإن غرمهما رجعا على الغاصب ~~بما غرما من القيمة والأجر؛ لأنهما دخلا على أن لا يضمنا شيئا من ذلك، ولم ~~يحصل لهما بدل عما ضمنا. # وإن علما أنها مغصوبة استقر الضمان عليهما؛ لأن التلف حصل تحت أيديهما من ~~غير تغرير بهما، فاستقر الضمان عليهما، فإن غرما شيئا، لم يرجعا به. وإن ~~غرم الغاصب، رجع عليهما؛ لأن التلف حصل في ms2576 أيديهما. وإن جرحها الغاصب، ثم ~~أودعها، أو ردها إلى مالكها، فتلفت بالجرح، استقر الضمان على الغاصب بكل ~~حال؛ لأنه هو المتلف، فكان الضمان عليه، كما لو باشرها بالإتلاف في يده. ### | [فصل أعار العين المغصوبة فتلفت عند المستعير] # فصل: وإن أعار العين المغصوبة، فتلفت عند المستعير، فللمالك تضمين أيهما ~~شاء أجرها وقيمتها، فإن غرم المستعير مع علمه بالغصب، لم يرجع على أحد، وإن ~~غرم الغاصب رجع على المستعير. وإن لم يكن علم بالغصب، فغرمه، لم يرجع بقيمة ~~العين؛ لأنه قبضها على أن تكون مضمونة عليه. وهل يرجع بما غرم من الأجر؟ ~~فيه وجهان؛ أحدهما، يرجع؛ لأنه دخل على أن المنافع له غير مضمونة عليه. # والثاني، لا يرجع؛ لأنه انتفع بها، فقد استوفى بدل ما غرم، وكذلك الحكم ~~فيما تلف من الأجزاء بالاستعمال. وإذا كانت العين وقت القبض أكثر قيمة من ~~يوم التلف، فضمن الأكثر، فينبغي أن يرجع بما بين القيمتين؛ لأنه دخل على ~~أنه لا يضمنه، ولم يستوف بدله. فإن ردها المستعير على الغاصب، فللمالك أن ~~يضمنه أيضا؛ لأنه فوت الملك على مالكه بتسليمه إلى غير مستحقه. ويستقر ~~الضمان على الغاصب إن حصل التلف في يديه، وكذلك الحكم في المودع وغيره. ### | [فصل هبة المغصوب لعالم بالغصب] # (3975) فصل: وإن وهب المغصوب لعالم بالغصب، استقر الضمان على المتهب، ~~فمهما غرم من قيمة العين أو أجزائها، لم يرجع به على أحد؛ لأن التلف حصل في ~~يديه، ولم يغره أحد، وكذلك أجر مدة مقامه في يديه، وأرش نقصه إن حصل. وإن ~~لم يعلم، فلصاحبها تضمين أيهما شاء، فإن ضمن المتهب، رجع على الواهب بقيمة ~~العين والأجزاء؛ لأنه غره. وقال أبو حنيفة أيهما ضمن لم يرجع على الآخر. # ولنا أن المتهب دخل على أن تسلم له العين، فيجب أن يرجع بما غرم من ~~قيمتها، كقيمة الأولاد # PageV05P204 # فإنه وافقنا على الرجوع بضمانه. فأما الأجرة والمهر وأرش البكارة، فهل ~~يرجع به المتهب على الواهب؟ فيه وجهان. وإن ضمنه الواهب، فهل يرجع به على ~~المتهب؟ فيه وجهان. ### | [فصل تصرفات ms2577 الغاصب] # (3976) فصل: وتصرفات الغاصب كتصرفات الفضولي، على ما ذكرنا من الروايتين؛ ~~إحداهما، بطلانها. والثانية، صحتها ووقوفها على إجازة المالك. وذكر أبو ~~الخطاب أن في تصرفات الغاصب الحكمية رواية، أنها تقع صحيحة، وسواء في ذلك ~~العبادات، كالطهارة والصلاة والزكاة والحج، أو العقود كالبيع والإجارة ~~والنكاح. # وهذا ينبغي أن يتقيد في العقود بما لم يبطله المالك، فأما ما اختار ~~المالك إبطاله وأخذ المعقود عليه، فلم نعلم فيه خلافا، وأما ما لم يدركه ~~المالك، فوجه التصحيح فيه أن الغاصب تطول مدته، وتكثر تصرفاته، ففي القضاء ~~ببطلانها ضرر كثير، وربما عاد الضرر على المالك، فإن الحكم بصحتها يقتضي ~~كون الربح للمالك، والعوض بنمائه وزيادته له، والحكم ببطلانه يمنع ذلك. ### | [فصل غصب أثمانا فاتجر بها أو عروضا فباعها واتجر بثمنها] # (3977) فصل: وإذا غصب أثمانا فاتجر بها، أو عروضا فباعها واتجر بثمنها، ~~فقال أصحابنا: الربح للمالك، والسلع المشتراة له. وقال الشريف أبو جعفر ~~وأبو الخطاب إن كان الشراء بعين المال فالربح للمالك. قال الشريف: وعن أحمد ~~أنه يتصدق به. وإن اشتراه في ذمته، ثم نقد الأثمان، فقال أبو الخطاب يحتمل ~~أن يكون الربح للغاصب. وهو قول أبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه؛ لأنه ~~اشترى لنفسه في ذمته، فكان الشراء له، والربح له، وعليه بدل المغصوب. وهذا ~~قياس قول الخرقي ويحتمل أن يكون الربح للمغصوب منه؛ لأنه نماء ملكه، فكان ~~له. كما لو اشترى له بعين المال. وهذا ظاهر المذهب. وإن حصل خسران، فهو على ~~الغاصب؛ لأنه نقص حصل في المغصوب. وإن دفع المال إلى من يضارب به، فالحكم ~~في الربح على ما ذكرناه. # وليس على المالك من أجر العامل شيء؛ لأنه لم يأذن له في العمل في ماله، ~~وأما الغاصب، فإن كان المضارب عالما بالغصب، فلا أجر له؛ لأنه متعد بالعمل، ~~ولم يغره أحد، وإن لم يعلم بالغصب، فعلى الغاصب أجر مثله؛ لأنه استعمله ~~عملا بعوض لم يحصل له، فلزمه أجره، كالعقد الفاسد. ### | [مسألة غصب شيئا ولم يقدر على رده] # (3978) مسألة؛ قال: (ومن غصب شيئا، ولم ms2578 يقدر على رده، لزمت الغاصب ~~القيمة، فإن قدر عليه، رده وأخذ القيمة) وجملته أن من غصب شيئا فعجز عن ~~رده، كعبد أبق، أو دابة شردت، فللمغصوب منه المطالبة ببدله، فإذا أخذه ~~ملكه، ولم يملك الغاصب العين المغصوبة، بل متى قدر عليها لزمه ردها، # PageV05P205 # ويسترد قيمتها التي أداها. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة، ومالك: ~~يخير المالك بين الصبر إلى إمكان ردها فيستردها، وبين تضمينه إياها فيزول ~~ملكه عنها، وتصير ملكا للغاصب، لا يلزمه ردها، إلا أن يكون دفع دون قيمتها ~~بقوله مع يمينه؛ لأن المالك ملك البدل، فلا يبقى ملكه على المبدل، كالبيع، ~~ولأنه تضمين فيما ينتقل الملك فيه، فنقله، كما لو خلط زيته. بزيته. # ولنا، أن المغصوب لا يصح تملكه بالبيع، فلا يصح بالتضمين كالتالف، ولأنه ~~غرم ما تعذر عليه رده بخروجه عن يده، فلا يملكه بذلك، كما لو كان المغصوب ~~مدبرا، وليس هذا جمعا بين البدل والمبدل؛ لأنه ملك القيمة لأجل الحيلولة، ~~لا على سبيل العوض، ولهذا إذا رد المغصوب إليه، رد القيمة عليه، ولا يشبه ~~الزيت؛ لأنه يجوز بيعه، ولأن حق صاحبه انقطع عنه، لتعذر رده أبدا. # إذا ثبت هذا، فإنه متى قدر على المغصوب رده، ونماءه المنفصل والمتصل، ~~وأجر مثله إلى حين دفع بدله. وهل يلزمه أجره من حين دفع بدله إلى رده؟ فيه ~~وجهان؛ أصحهما لا يلزمه؛ لأنه استحق الانتفاع ببدله الذي أقيم مقامه، فلم ~~يستحق الانتفاع به، وبما قام مقامه، كسائر ما عداه. والثاني، له الأجر؛ لأن ~~العين باقية على ملكه، والمنفعة له، ويجب على المالك رد ما أخذه بدلا عنه ~~إلى الغاصب؛ لأنه أخذه بالحيلولة، وقد زالت، فيجب رد ما أخذ من أجلها إن ~~كان باقيا بعينه، ورد زيادته المتصلة، كالسمن ونحوه؛ لأنها تتبع في الفسوخ، ~~وهذا فسخ، ولا يلزم رد زيادته المنفصلة؛ لأنها وجدت في ملكه، ولا تتبع في ~~الفسوخ، فأشبهت زيادة المبيع المردود بعيب، وإن كان البدل تالفا، رد مثله ~~أو قيمته إن لم يكن من ذوات الأمثال. ### | [فصل غصب عصيرا ms2579 فصار خمرا] # (3979) فصل: وإن غصب عصيرا فصار خمرا، فعليه مثل العصير؛ لأنه تلف في ~~يديه، فإن صار خلا، وجب رده، وما نقص من قيمة العصير، ويسترجع ما أداه من ~~بدله. وقال بعض أصحاب الشافعي: يرد الخل، ولا يسترجع القيمة؛ لأن العصير ~~تلف بتخمره، فوجب ضمانه وإن عاد خلا، كما لو هزلت الجارية السمينة ثم عاد ~~سمنها، فإنه يردها وأرش نقصها. # ولنا، أن الخل عين العصير، تغيرت صفته، وقد رده، فكان له استرجاع ما أداه ~~بدلا عنه، كما لو غصبه فغصبه منه غاصب ثم رده عليه، وكما لو غصب حملا فصار ~~كبشا. أما السمن الأول فلنا فيه منع، وإن سلمناه فالثاني غير الأول، بخلاف ~~مسألتنا. # PageV05P206 ### | [فصل غصب شيئا ببلد فلقيه ببلد آخر فطالبه به] # (3980) فصل: وإذا غصب شيئا ببلد، فلقيه ببلد آخر، فطالبه به، نظرت؛ فإن ~~كان أثمانا، لزمه دفعها إليه؛ لأن الأثمان قيم الأشياء، فلا يضر اختلاف ~~قيمتها، وإن كان غيرها وكان من المثليات وقيمته في البلدين واحدة، أو كانت ~~قيمته في بلد الغصب أكثر، لزمه أداء مثله؛ لأنه لا ضرر عليه. وكذلك إن كانت ~~قيمته مختلفة إلا أنه لا مؤنة لحمله، فله المطالبة بمثله؛ لأنه أمكنه رد ~~المثل من غير ضرر يلحقه. # وإن كان لحمله مؤنة، وقيمته في البلد الذي غصبه فيه أقل، فليس عليه رده ~~ولا رد مثله؛ لأننا لا نكلفه مؤنة النقل إلى بلد لا يستحق تسليمه فيه، ~~وللمغصوب منه الخيرة بين الصبر إلى أن يستوفيه في بلده، وبين المطالبة في ~~الحال بقيمته في البلد الذي غصبه فيه؛ لأنه تعذر رده ورد مثله. وإن كان من ~~المتقومات، فله المطالبة بقيمته في البلد الذي غصبه فيه، ومتى قدر على رد ~~العين المغصوبة، ردها، واسترجع بدلها، على ما ذكرناه في المسألة قبل هذا. ### | [مسألة غصبها حاملا فولدت في يده ثم مات الولد] # (3981) مسألة؛ قال: (ولو غصبها حاملا، فولدت في يده، ثم مات الولد، أخذها ~~سيدها وقيمة ولدها، أكثر ما كانت قيمته) الكلام في هذه المسألة في أمرين؛ ~~أحدهما، أنه ms2580 إذا غصب حاملا من الحيوان، أمة أو غيرها، فالولد مضمون، كذلك ~~لو غصب حائلا، فحملت عنده، وولدت، ضمن ولدها. # وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يجب ضمان الولد في الصورتين؛ ~~لأنه ليس بمغصوب، إذ الغصب فعل محظور، ولم يوجد، فإن الموجود ثبوت اليد ~~عليه، وليس ذلك من فعله؛ لأنه انبنى على وجود الولد، ولا صنع له فيه. ولنا، ~~أن من ضمن خارج الوعاء ضمن ما فيه، كالدرة في الصدفة، والجوز، واللوز؛ ~~ولأنه مغصوب فيضمن، كالأم، فإن الولد إما أن يكون مودوعا في الأم، كالدرة ~~في الحقة، وإما أن يكون كأجزائها، وفي كلا الموضعين، الاستيلاء على الظرف، ~~والاستيلاء على الجملة استيلاء على الجزء المطروق، فإن أسقطته ميتا، لم ~~يضمنه؛ لأنه لا تعلم حياته، ولكن يجب ما نقصت الأم عن كونها حاملا، وأما ~~إذا حدث الحمل، فقد سبق الكلام فيه. # الأمر الثاني، أنه يلزمه رد الموجود من المغصوب وقيمة التالف، فإن كانت ~~قيمة التالف لا تختلف من حين الغصب إلى حين الرد، ردها، وإن كانت تختلف، ~~نظرنا؛ فإن كان اختلافهما لمعنى فيه، من كبر وصغر، وسمن وهزال وتعلم ~~ونسيان، ونحو ذلك من المعاني التي تزيد بها القيمة وتنقص، # PageV05P207 # فالواجب القيمة أكثر ما كانت، لأنها مغصوبة في الحال التي زادت فيها، ~~والزيادة لمالكها مضمونة على الغاصب، على ما قررناه فيما مضى، فإن كانت ~~زائدة حين تلفها، لزمته قيمتها حينئذ؛ لأنه كان يلزمه ردها زائدة، فلزمته ~~قيمتها كذلك، وإن كانت زائدة قبل تلفها، ثم نقصت عند تلفها، لزمه قيمتها ~~حين كانت زائدة؛ لأنه لو ردها ناقصة للزمه أرش نقصها، وهو بدل الزيادة، ~~فإذا ضمن الزيادة مع ردها، ضمنها عند تلفها، فإن كان اختلافها لتغير ~~الأسعار، لم يضمن الزيادة؛ لأن نقصان القيمة لذلك لا يضمن مع رد العين، فلا ~~يضمن عند تلفها. # وحمل القاضي قول الخرقي على ما إذا اختلفت القيمة لتغير الأسعار. وهو ~~مذهب الشافعي لأن أكثر القيمتين فيه للمغصوب منه، فإذا تعذر ردها ضمنها، ~~كقيمته يوم التلف، وإنما سقطت القيمة مع ms2581 رد العين. والمذهب الأول؛ لما ~~ذكرنا، وتفارق هذه الزيادة زيادة المعاني؛ لأن تلك تضمن مع رد العين، فكذلك ~~مع تلفها، وهذه لا تضمن مع رد العين، فكذلك مع تلفها. # وقولهم: إنها سقطت برد العين. لا يصح؛ لأنها لو وجبت لما سقطت بالرد، ~~كزيادة السمن والتعلم. قال القاضي: ولم أجد عن أحمد رواية بأنها تضمن بأكثر ~~القيمتين؛ لتغير الأسعار. فعلى هذا تضمن بقيمتها يوم التلف. رواه الجماعة ~~عن أحمد وعنه أنها تضمن بقيمتها يوم الغصب. وهو قول أبي حنيفة ومالك، لأنه ~~الوقت الذي أزال يده عنه فيه فيلزمه القيمة حينئذ، كما لو أتلفه. # ولنا، أن القيمة إنما تثبت في الذمة حين التلف؛ لأن قبل ذلك كان الواجب ~~رد العين دون قيمتها، فاعتبرت تلك الحالة، كما لو لم تختلف قيمته. وما ~~ذكروه لا يصح؛ لأن إمساك المغصوب غصب، فإنه فعل يحرم عليه تركه في كل حال، ~~وما روي عن أحمد من اعتبار القيمة بيوم الغصب، فقال الخلال: جبن أحمد عنه. ~~كأنه رجع إلى قوله الأول. ### | [فصل كان المغصوب من المثليات فتلف] # (3982) فصل: وإن كان المغصوب من المثليات فتلف، وجب رد مثله فإن فقد ~~المثل، وجبت قيمته يوم انقطاع المثل. وقال القاضي: تجب قيمته يوم قبض ~~البدل؛ لأن الواجب المثل إلى حين قبض البدل، بدليل أنه لو وجد المثل بعد ~~فقده، لكان الواجب هو دون القيمة. وقال أبو حنيفة، ومالك وأكثر أصحاب ~~الشافعي: تجب قيمته يوم المحاكمة؛ لأن القيمة لم تنتقل إلى ذمته إلا حين ~~حكم بها الحاكم. # ولنا، أن القيمة وجبت في الذمة حين انقطاع المثل، فاعتبرت القيمة حينئذ، ~~كتلف المتقوم، # PageV05P208 # ودليل وجوبها حينئذ أنه يستحق طلبها واستيفاءها، ويجب على الغاصب أداؤها، ~~ولا ينفي وجوب المثل؛ لأنه معجوز عنه، والتكليف يستدعي الوسع، ولأنه لا ~~يستحق طلب المثل ولا استيفاءه، ولا يجب على الآخر أداؤه، فلم يكن واجبا ~~كحالة المحاكمة. # وأما إذا قدر على المثل بعد فقده، فإنه يعود وجوبه؛ لأنه الأصل قدر عليه ~~قبل أداء البدل، فأشبه القدرة على الماء بعد التيمم، ms2582 ولهذا لو قدر عليه بعد ~~المحاكمة وقبل الاستيفاء، لاستحق المالك طلبه وأخذه. وقد روي عن أحمد في ~~رجل أخذ من رجل أرطالا من كذا وكذا: أعطاه على السعر يوم أخذه، لا يوم ~~يحاسبه. # وكذلك روي عنه في حوائج البقال: عليه القيمة يوم الأخذ. وهذا يدل على أن ~~القيمة تعتبر يوم الغصب. وقد ذكرنا ذلك في الفصل قبل هذا. ويمكن التفريق ~~بين هذا وبين الغصب من قبل أن من أخذه هاهنا بإذن مالكه، ملكه وحل له ~~التصرف فيه، فتثبت قيمته يوم ملكه، ولم يتغير ما ثبت في ذمته بتغير قيمة ما ~~أخذه؛ لأنه ملكه، والمغصوب ملك للمغصوب منه، والواجب رده لا قيمته، وإنما ~~تثبت قيمته في الذمة يوم تلفه، أو انقطاع مثله، فاعتبرت القيمة حينئذ، ~~وتغيرت بتغيره قبل ذلك. # فأما إن كان المغصوب باقيا، وتعذر رده، فأوجبنا رد قيمته، فإنه يطالبه ~~بقيمته يوم قبضها؛ لأن القيمة لم تثبت في الذمة قبل ذلك، ولهذا يتخير بين ~~أخذها والمطالبة بها، وبين الصبر إلى وقت إمكان الرد ومطالبة الغاصب بالسعي ~~في رده، وإنما يأخذ القيمة لأجل الحيلولة بينه وبينه، فيعتبر ما يقوم ~~مقامه، ولأن ملكه لم يزل عنه، بخلاف غيره. ### | [مسألة كانت للمغصوب أجرة] # (3983) مسألة؛ قال: (وإذا كانت للمغصوب أجرة، فعلى الغاصب رده، وأجر مثله ~~مدة مقامه في يديه) هذه المسألة تشتمل على حكمين؛ أحدهما، وجوب رد المغصوب. # والثاني، رد أجرته. أما الأول فإن المغصوب متى كان باقيا، وجب رده؛ لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «على اليد ما أخذت حتى ترده.» رواه أبو ~~داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن. وروى عبد الله بن السائب بن ~~يزيد، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يأخذ ~~أحدكم متاع صاحبه لاعبا جادا، ومن أخذ عصا أخيه فليردها» . رواه أبو داود. ~~يعني أنه يقصد المزح مع صاحبه بأخذ متاعه، وهو جاد في إدخال الغم والغيظ ~~عليه. ولأنه أزال يد المالك عن ملكه بغير حق، فلزمه إعادتها. وأجمع العلماء ~~على وجوب ms2583 رد المغصوب إذا كان باقيا بحاله لم يتغير، # PageV05P209 # ولم يشتغل بغيره. فإن غصب شيئا، فبعده، لزمه رده، وإن غرم عليه أضعاف ~~قيمته؛ لأنه جنى بتبعيده، فكان ضرر ذلك عليه. # فإن قال الغاصب: خذ مني أجر رده، وتسلمه مني هاهنا. أو بذل له أكثر من ~~قيمته ولا يسترده، لم يلزم المالك قبول ذلك؛ لأنها معاوضة فلا يجبر عليها، ~~كالبيع. وإن قال المالك: دعه لي في مكانه الذي نقلته إليه. لم يملك الغاصب ~~رده؛ لأنه أسقط عنه حقا فسقط وإن لم يقبله، كما لو أبرأه من دينه. وإن قال: ~~رده لي إلى بعض الطريق. لزمه ذلك؛ لأنه يلزمه جميع المسافة، فلزمه بعضها ~~المطلوب، وسقط عنه ما أسقطه. # وإن طلب منه حمله إلى مكان آخر في غير طريق الرد، لم يلزم الغاصب ذلك، ~~سواء كان أقرب من المكان الذي يلزمه رده إليه أو لم يكن؛ لأنه معاوضة. وإن ~~قال: دعه في مكانه، وأعطني أجر رده. لم يجبر على إجابته؛ لذلك. ومهما اتفقا ~~عليه من ذلك جاز؛ لأن الحق لهما، لا يخرج عنهما. ### | [فصل غصب شيئا فشغله بملكه كخيط خاط به ثوبا أو نحوه] # (3984) فصل: وإن غصب شيئا، فشغله بملكه، كخيط خاط به ثوبا، أو نحوه، أو ~~حجرا بنى عليه، نظرنا؛ فإن بلي الخيط، أو انكسر الحجر، أو كان مكانه خشبة ~~فتلفت، لم يأخذ برده، ووجبت قيمته؛ لأنه صار هالكا، فوجبت قيمته. وإن كان ~~باقيا بحاله، لزمه رده، وإن انتقض البناء، وتفصل الثوب. # وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجب رد الخشبة والحجر؛ لأنه ~~صار تابعا لملكه يستضر بقلعه، فلم يلزم رده، كما لو غصب خيطا فخاط به جرح ~~عبده. ولنا، أنه مغصوب أمكن رده، ويحوز له فوجب، كما لو بعد العين، ولا ~~يشبه الخيط الذي يخاف على العبد من قلعه؛ لأنه لا يجوز له رده، لما في ضمنه ~~من تلف الآدمي. # ولأن حاجته إلى ذلك تبيح أخذه ابتداء، بخلاف البناء، وإن خاط بالخيط جرح ~~حيوان، فذلك على أقسام ثلاثة؛ أحدها، أن ms2584 يخيط به جرح حيوان لا حرمة له، ~~كالمرتد والخنزير والكلب العقور، فيجب نزعه ورده؛ لأنه لا يتضمن تفويت ذي ~~حرمة، فأشبه ما لو خاط به ثوبا. والثاني، أن يخيط به جرح حيوان محترم، لا ~~يحل أكله، كالآدمي، فإن خيف من نزعه الهلاك أو إبطاء برئه، فلا يجب نزعه؛ ~~لأن الحيوان آكد حرمة من عين المال، ولهذا يجوز له أخذ مال غيره ليحفظ ~~حياته، وإتلاف المال لتبقيته وهو ما يأكله. وكذلك الدواب التي لا يؤكل ~~لحمها، كالبغل والحمار الأهلي. # PageV05P210 # الثالث، أن يخيط به جرح حيوان مأكول، فإن كان ملكا لغير الغاصب، وخيف ~~تلفه بقلعه، لم يقلع؛ لأن فيه إضرارا بصاحبه، ولا يزال الضرر بالضرر، ولا ~~يجب إتلاف مال من لم يجن صيانة لمال آخر، وإن كان الحيوان للغاصب، فقال ~~القاضي: لا يجب رده؛ لأنه يمكن ذبح الحيوان والانتفاع بلحمه، وذلك جائز، ~~وإن حصل فيه نقص على الغاصب، فليس ذلك بمانع من وجوب رد المغصوب، كنقص ~~البناء لرد الحجر المغصوب. # وقال أبو الخطاب: فيه وجهان؛ أحدهما، هذا. والثاني، لا يجب قلعه؛ لأن ~~للحيوان حرمة في نفسه، وقد «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذبح ~~الحيوان لغير مأكله.» ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين. ويحتمل أن يفرق بين ما ~~يعد للأكل من الحيوان، كبهيمة الأنعام والدجاج وأكثر الطير، وبين ما لا يعد ~~له، كالخيل والطير المقصود صوته؛ فالأول يجب ذبحه إذا توقف رد المغصوب ~~عليه. والثاني، لا يجب؛ لأن ذبحه إتلاف له، فجرى مجرى ما لا يؤكل لحمه. # ومتى أمكن رد الخيط من غير تلف الحيوان، أو تلف بعض أعضائه، أو ضرر كثير، ~~وجب رده. ### | [فصل غصب فصيلا فأدخله داره فكبر ولم يخرج من الباب] # (3985) فصل: وإن غصب فصيلا، فأدخله داره، فكبر ولم يخرج من الباب، أو ~~خشبة وأدخلها داره، ثم بنى الباب ضيقا، لا يخرج منه إلا بنقضه، وجب نقضه، ~~ورد الفصيل والخشبة، كما ينقض البناء لرد الساجة، فإن كان حصوله في الدار ~~بغير تفريط من صاحب الدار، نقض الباب، وضمانه على صاحب ms2585 الفصيل؛ لأنه لتخليص ~~ماله من غير تفريط من صاحب الدار. وأما الخشبة فإن كان كسرها أكثر ضررا من ~~نقض الباب، فهي كالفصيل، وإن كان أقل، كسرت. # ويحتمل في الفصيل مثل هذا، فإنه متى كان ذبحه أقل ضررا، ذبح وأخرج لحمه؛ ~~لأنه في معنى الخشبة، وإن كان حصوله في الدار بعدوان من صاحبه، كرجل غصب ~~دارا فأدخلها فصيلا، أو خشبة، أو تعدى على إنسان، فأدخل داره فرسا ونحوها، ~~كسرت الخشبة، وذبح الحيوان، وإن زاد ضرره على نقض البناء؛ لأن سبب هذا ~~الضرر عدوانه، فيجعل عليه دون غيره. # ولو باع دارا فيها خوابي لا تخرج إلا بنقض الباب، أو خزائن أو حيوان، ~~وكان نقض الباب أقل ضررا من بقاء ذلك في الدار، أو تفصيله، أو ذبح الحيوان ~~نقض، وكان إصلاحه على البائع؛ لأنه لتخليص ماله، وإن كان أكثر ضررا، لم ~~ينقض؛ لأنه لا فائدة فيه، ويصطلحان على ذلك، إما بأن يشتريه مشتري الدار، ~~أو غير ذلك. # PageV05P211 ### | [فصل غصب جوهرة فابتلعتها بهيمة] # (3986) فصل: (وإن غصب جوهرة، فابتلعتها بهيمة،) فقال أصحابنا: حكمها حكم ~~الخيط الذي خاط به جرحها. ويحتمل أن الجوهرة متى كانت أكثر من قيمة ~~الحيوان، ذبح الحيوان، وردت إلى مالكها، وضمان الحيوان على الغاصب، إلا أن ~~يكون الحيوان آدميا. وفارق الخيط؛ لأنه في الغالب أقل قيمة من الحيوان، ~~والجوهرة أكثر قيمة، ففي ذبح الحيوان رعاية حق المالك برد عين ماله إليه، ~~ورعاية حق الغاصب بتقليل الضمان عليه. # وإن ابتلعت شاة رجل جوهرة آخر غير مغصوبة، ولم يمكن إخراجها إلا بذبح ~~الشاة، ذبحت إذا كان ضرر ذبحها أقل، وكان ضمان نقصها على صاحب الجوهرة؛ ~~لأنه لتخليص ماله، إلا أن يكون التفريط من صاحب الشاة، بكون يده عليها، فلا ~~شيء على صاحب الجوهرة؛ لأن التفريط من صاحب الشاة، فالضرر عليه. وإن أدخلت ~~رأسها في قمقم، فلم يمكن إخراجه إلا بذبحها، وكان الضرر في ذبحها أقل، ~~ذبحت. وإن كان الضرر في كسر القمقم أقل، كسر القمقم، وإن كان التفريط من ~~صاحب الشاة، فالضمان عليه، وإن ms2586 كان التفريط من صاحب القمقم، بأن وضعه في ~~الطريق، فالضمان عليه، وإن لم يكن منهما تفريط، فالضمان على صاحب الشاة إن ~~كسر القمقم؛ لأنه كسر لتخليص شاته، وإن ذبحت الشاة، فالضمان على صاحب ~~القمقم؛ لأنه لتخليص قمقمه، # فإن قال من عليه الضمان منهما: أنا أتلف مالي، ولا أغرم شيئا للآخر. فله ~~ذلك؛ لأن إتلاف مال الآخر إنما كان لحقه، وسلامة ماله وتخليصه، فإذا رضي ~~بتلفه، لم يجز إتلاف غيره. # وإن قال: لا أتلف مالي، ولا أغرم شيئا، لم نمكنه من إتلاف مال صاحبه، لكن ~~صاحب القمقم لا يجبر على شيء؛ لأن القمقم لا حرمة له، فلا يجبر صاحبه على ~~تخليصه، وأما صاحب الشاة فلا يحل له تركها؛ لما فيه من تعذيب الحيوان، ~~فيقال له: إما أن تذبح الشاة لتريحها من العذاب، وإما أن تغرم القمقم ~~لصاحبه، إذا كان كسره أقل ضررا، ويخلصها؛ لأن ذلك من ضرورة إبقائها أو ~~تخليصها من العذاب، فلزمه كعلفها. وإن كان الحيوان غير مأكول، احتمل أن ~~يكون حكمه حكم المأكول فيما ذكرنا. # واحتمل أن يكسر القمقم. وهو قول أصحابنا؛ لأنه لا نفع في ذبحه، ولا هو ~~مشروع، وقد «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذبح الحيوان لغير مأكله.» ~~ويحتمل أن يجري مجرى المأكول في أنه متى كان قتله أقل ضررا، وكانت الجناية ~~من صاحبه، قتل؛ لأن حرمته معارضة لحرمة الآدمي الذي يتلف ماله، والنهي عن ~~ذبحه معارض بالنهي عن إضاعة المال، وفي كسر القمقم مع كثرة قيمته إضاعة ~~للمال. والله أعلم. # PageV05P212 ### | [فصل غصب دينارا فوقع في محبرته أو أخذ دينار غيره] # (3987) فصل: وإن غصب دينارا، فوقع في محبرته، أو أخذ دينار غيره، فسها ~~فوقع في محبرته، كسرت، ورد الدينار، كما ينقض البناء لرد الساجة، وكذلك إن ~~كان درهما أو أقل منه، وإن وقع من غير فعله، كسرت لرد الدينار إن أحب ~~صاحبه، والضمان عليه؛ لأنه لتخليص ماله. # وإن غصب دينارا، فوقع في محبرة آخر بفعل الغاصب أو بغير فعله، كسرت لرده، ~~وعلى الغاصب ضمان المحبرة؛ ms2587 لأنه السبب في كسرها. وإن كان كسرها أكثر ضررا ~~من تبقية الواقع فيها، ضمنه الغاصب، ولم تكسر. # وإن رمى إنسان ديناره في محبرة غيره عدوانا، فأبى صاحب المحبرة كسرها، لم ~~يجبر عليه؛ لأن صاحبه تعدى برميه فيها، فلم يجبر صاحبها على إتلاف ماله ~~لإزالة ضرر عدوانه عن نفسه، وعلى الغاصب نقص المحبرة بوقوع الدينار فيها، ~~ويحتمل أن يجبر على كسرها لرد عين مال الغاصب، ويضمن الغاصب قيمتها، كما لو ~~غرس في أرض غيره، ملك حفر الأرض بغير إذن المالك لأخذ غرسه، ويضمن نقصها ~~بالحفر. وعلى كلا الوجهين، لو كسرها الغاصب قهرا، لم يلزمه أكثر من قيمتها. ### | [فصل غصب لوحا فرقع به سفينة] # (3988) فصل: وإن غصب لوحا، فرقع به سفينة، فإن كانت على الساحل، لزم قلعه ~~ورده، وإن كانت في لجة البحر، واللوح في أعلاها، بحيث لا تغرق بقلعه، لزم ~~قلعه، وإن خيف غرقها بقلعه، لم يقلع حتى تخرج إلى الساحل، ولصاحب اللوح طلب ~~قيمته، فإذا أمكن رد اللوح، استرجعه ورد القيمة، كما لو غصب عبدا فأبق. # وقال أبو الخطاب: إن كان فيها حيوان له حرمة، أو مال لغير الغاصب، لم ~~يقلع، كالخيط. وإن كان فيها مال للغاصب، أو لا مال فيها، ففيها وجهان؛ ~~أحدهما، لا يقلع. والثاني: يقلع في الحال؛ لأنه أمكن رد المغصوب، فلزم وإن ~~أدى إلى تلف المال، كرد الساجة المبني عليها. # ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين. ولنا، أنه أمكن رد المغصوب من غير إتلاف، ~~فلم يجز الإتلاف، كما لو كان فيها مال غيره. وفارق الساجة في البناء، فإنه ~~لا يمكن ردها من غير إتلاف. ### | [فصل غصب شيئا فخلطه بما يمكن تمييزه منه] # (3989) فصل: وإذا غصب شيئا، فخلطه بما يمكن تمييزه منه، كحنطة بشعير أو ~~سمسم، أو صغار الحب بكباره، أو زبيب أسود بأحمر، لزمه تمييزه، ورده، وأجر ~~المميز عليه، وإن لم يمكن تمييز جميعه، وجب تمييزه ما أمكن، وإن لم يمكن ~~تمييزه، فهو على خمسة أضرب؛ # PageV05P213 # أحدها، أن يخلطه بمثله من جنسه، كزيت بزيت، أو حنطة بمثلها، أو ms2588 دقيق ~~بمثله، أو دنانير أو دراهم بمثلها، فقال ابن حامد: يلزمه مثل المغصوب منه. # وهو ظاهر كلام أحمد؛ لأنه نص على أنه يكون شريكا به إذا خلطه بغير الجنس، ~~فيكون تنبيها على ما إذا خلطه بجنسه. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، إلا في ~~الدقيق، فإنه تجب قيمته؛ لأنه عندهم ليس بمثلي. وقال القاضي: قياس المذهب ~~أنه يلزمه مثله، إن شاء منه، وإن شاء من غيره؛ لأنه تعذر عليه رد عين ماله ~~بالخلط، فأشبه ما لو تلف؛ لأنه لا يتميز له شيء من ماله. # ولنا، أنه قدر على دفع بعض ماله إليه، مع رد المثل في الباقي، فلم ينتقل ~~إلى المثل في الجميع، كما لو غصب صانعا، فتلف نصفه، وذلك لأنه إذا دفع إليه ~~منه، فقد دفع إليه بعض ماله وبدل الباقي، فكان أولى من دفعه من غيره. # الضرب الثاني والثالث والرابع، أن يخلطه بخير منه، أو دونه، أو بغير ~~جنسه، فظاهر كلام أحمد أنهما شريكان، يباع الجميع، ويدفع إلى كل واحد منهما ~~قدر حقه؛ لأنه قال في رواية أبي الحارث، في رجل له رطل زيت، وآخر له رطل ~~شيرج اختلطا: يباع الدهن كله، ويعطى كل واحد منهما قدر حصته؛ وذلك لأننا ~~إذا فعلنا ذلك، أوصلنا إلى كل واحد منهما عين ماله، وإذا أمكن الرجوع إلى ~~عين المال، لم يرجع إلى البدل. # وإن نقص المغصوب عن قيمته منفردا، فعلى الغاصب ضمان النقص؛ لأنه حصل ~~بفعله. وقال القاضي: قياس المذهب أنه يلزم الغاصب مثله؛ لأنه صار بالخلط ~~مستهلكا، وكذلك لو اشترى زيتا فخلطه بزيته، ثم أفلس، صار البائع كبعض ~~الغرماء، ولأنه تعذر عليه الوصول إلى عين ماله، فكان له بدله، كما لو كان ~~تالفا. ويحتمل أن يحمل كلام أحمد على ما إذا اختلطا من غير غصب، فأما ~~المغصوب، فقد وجد من الغاصب ما منع المالك من أخذ حقه من المثليات مميزا، ~~فلزمه مثله، كما لو أتلفه، إلا بأن خلطه بخير منه، وبذل لصاحبه مثل حقه ~~منه، لزمه قبوله؛ لأنه أوصل إليه بعض ms2589 حقه بعينه وتبرع بالزيادة في مثل ~~الباقي. # وإن خلطه بأدون منه، فرضي المالك بأخذ قدر حقه منه، لزم الغاصب بذله؛ ~~لأنه أمكنه رد بعض المغصوب ورد مثل الباقي من غير ضرر. وقيل: لا يلزم ~~الغاصب ذلك؛ لأن حقه انتقل إلى الذمة، فلم يجبر على غير مال، وإن بذله ~~للمغصوب منه فأباه، لم يجبر على قبوله؛ لأنه دون حقه. وإن تراضيا بذلك، ~~جاز، وكان المالك متبرعا بترك بعض حقه. # وإن اتفقا على أن يأخذ أكثر من حقه من الرديء، أو دون حقه من الجيد، لم ~~يجز؛ لأنه ربا؛ لأنه يأخذ الزائد في القدر عوضا عن الجودة. وإن كان بالعكس، ~~فرضي بأخذ دون حقه من الرديء، أو سمح الغاصب فدفع أكثر من حقه من الجيد، ~~جاز؛ لأنه لا مقابل للزيادة، وإنما هي تبرع مجرد. # وإن خلطه # PageV05P214 # بغير جنسه، فتراضيا على أن يأخذ أكثر من قدر حقه أو أقل، جاز؛ لأنه بدله ~~من غير جنسه، فلا تحرم الزيادة بينهما. الضرب الخامس، أن يخلطه بما لا قيمة ~~له، كزيت خلطه بماء، أو لبن شابه بماء، فإن أمكن تخليصه خلصه ورد نقصه، وإن ~~لم يمكن تخليصه، أو كان ذلك يفسده. رجع عليه بمثله؛ لأنه صار كالهالك، وإن ~~لم يفسده. رده ورد نقصه. وإن احتيج في تخليصه إلى غرامة، لزم الغاصب ذلك؛ ~~لأنه بسببه. # ولأصحاب الشافعي في هذا الفصل نحو ما ذكرنا. ### | [فصل غصب ثوبا فصبغه] # (3990) فصل: وإن غصب ثوبا فصبغه، لم يخل من ثلاثة أقسام: أحدها، أن يصبغه ~~بصبغ له. والثاني، أن يصبغه بصبغ للمغصوب منه. الثالث، أن يصبغه بصبغ ~~لغيرهما. والأول لا يخلو من ثلاثة أحوال؛ أحدها، أن يكون الثوب والصبغ ~~بحالهما، لم تزد قيمتهما ولم تنقص، مثل إن كانت قيمة كل واحد منهما خمسة، ~~فصارت قيمتهما بعد الصبغ عشرة، فهما شريكان؛ لأن الصبغ عين مال له قيمة، ~~فإن تراضيا بتركه لهما، جاز، وإن باعاه، فثمنه بينهما نصفين. # الحال الثاني، إذا زادت قيمتهما، فصارا يساويان عشرين، نظرت؛ فإن كان ذلك ~~لزيادة الثياب في السوق، ms2590 كانت الزيادة لصاحب الثوب، وإن كانت لزيادة الصبغ ~~في السوق، فالزيادة لصاحبه، وإن كانت لزيادتهما معا، فهي بينهما على حسب ~~زيادة كل واحد منهما، فإن تساويا في الزيادة في السوق، تساوى صاحباهما ~~فيهما، وإن زاد أحدهما ثمانية والآخر اثنين، فهي بينهما كذلك، وإن زاد ~~بالعمل، فالزيادة بينهما؛ لأن عمل الغاصب زاد به في الثوب والصبغ، وما عمله ~~في المغصوب للمغصوب منه إذا كان أثرا، وزيادة مال الغاصب له. # وإن نقصت القيمة لتغير الأسعار، لم يضمنه الغاصب؛ لما تقدم. وإن نقص لأجل ~~العمل، فهو على الغاصب؛ لأنه بتعديه، فإذا صار قيمة الثوب مصبوغا خمسة، فهو ~~كله لمالكه، ولا شيء للغاصب؛ لأن النقص حصل بعدوانه، فكان عليه وإن صارت ~~قيمته سبعة، صار الثوب بينهما، لصاحبه خمسة أسباعه، ولصاحب الصبغ سبعاه. # وإن زادت قيمة الثوب في السوق، فصار يساوي سبعة، ونقص الصبغ، فصار يساوي ~~ثلاثة، وكانت قيمة الثوب مصبوغا عشرة، فهو بينهما، لصاحب الثوب سبعة، ~~ولصاحب الصبغ ثلاثة. وإن ساوى اثني عشر، قسمت بينهما، لصاحب الثوب نصفها ~~وخمسها، وللغاصب خمسها وعشرها، وإن # PageV05P215 # انعكس الحال، فصار الثوب يساوي في السوق ثلاثة، والصبغ سبعة انعكست ~~القسمة، فصار لصاحب الصبغ هاهنا ما كان لصاحب الثوب في التي قبلها ولصاحب ~~الثوب مثل ما كان لصاحب الصبغ؛ لأن زيادة السعر لا تضمن، فإن أراد الغاصب ~~قلع الصبغ، فقال أصحابنا: له ذلك، سواء أضر بالثوب أو لم يضر به، ويضمن نقص ~~الثوب إن نقص. # وبهذا قال الشافعي؛ لأنه عين ماله، فملك أخذه، كما لو غرس في أرض غيره. ~~ولم يفرق أصحابنا بين ما يهلك صبغه بالقلع، وبين ما لا يهلك. وينبغي أن ~~يقال: ما يهلك بالقلع لا يملك قلعه؛ لأنه سفه. # وظاهر كلام الخرقي أنه لا يمكن من قلعه إذا تضرر الثوب بقلعه؛ لأنه قال ~~في المشتري إذا بنى أو غرس في الأرض المشفوعة: فله أخذه، إذا لم يكن في ~~أخذه ضرر. وقال أبو حنيفة: ليس له أخذه؛ لأن فيه ضررا بالثوب المغصوب، فلم ~~يمكن منه، كقطع خرقة منه، ms2591 وفارق قلع الغرس؛ لأن الضرر قليل يحصل به نفع قلع ~~العروق من الأرض. # وإن اختار المغصوب منه قلع الصبغ، ففيه وجهان؛ أحدهما، يملك إجبار الغاصب ~~عليه، كما يملك إجباره على قلع شجره من أرضه، وذلك لأنه شغل ملكه بملكه على ~~وجه أمكن تخليصه، فلزمه تخليصه، وإن استضر الغاصب، كقلع الشجر، وعلى الغاصب ~~ضمان نقص الثوب، وأجر القلع، كما يضمن ذلك في الأرض. والثاني، لا يملك ~~إجباره عليه، ولا يمكن من قلعه؛ لأن الصبغ يهلك بالاستخراج، وقد أمكن وصول ~~الحق إلى مستحقه بدونه بالبيع، فلم يجبر على قلعه، كقلع الزرع من الأرض، ~~وفارق الشجر، فإنه لا يتلف بالقلع. # قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد، ولعله أخذ ذلك من قول أحمد في الزرع، ~~وهذا مخالف للزرع؛ لأن له غاية ينتهي إليها، ولصاحب الأرض أخذه بنفقته، فلا ~~يمتنع عليه استرجاع أرضه في الحال، بخلاف الصبغ، فإنه لا نهاية له إلا تلف ~~الثوب، فهو أشبه بالشجر في الأرض. ولا يختص وجوب القلع في الشجر بما لا ~~يتلف، فإنه يجبر على قلع ما يتلف وما لا يتلف. # ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين. وإن بذل رب الثوب قيمة الصبغ للغاصب ~~ليملكه، لم يجبر على قبوله؛ لأنه إجبار على بيع ماله، فلم يجبر عليه، كما ~~لو بذل له قيمة الغراس. ويحتمل أن يجبر على ذلك إذا لم يقلعه، قياسا على ~~الشجر، والبناء في الأرض المشفوعة، والعارية، وفي الأرض المغصوبة إذا لم ~~يقلعه الغاصب، ولأنه أمر يرتفع به النزاع، ويتخلص به أحدهما من صاحبه من ~~غير ضرر، فأجبر عليه، كما ذكرنا. # وإن بذل الغاصب قيمة الثوب # PageV05P216 # لصاحبه ليملكه، لم يجبر على ذلك، كما لو بذل صاحب الغراس قيمة الأرض ~~لمالكها في هذه المواضع. وإن وهب الغاصب الصبغ لمالك الثوب، فهل يلزمه ~~قبوله؟ على وجهين: أحدهما، يلزمه؛ لأن الصبغ صار من صفات العين، فهو كزيادة ~~الصفة في المسلم فيه. # الثاني، لا يجبر؛ لأن الصبغ عين يمكن إفرادها، فلم يجبر على قبولها. ~~وظاهر كلام الخرقي أنه يجبر؛ لأنه قال في الصداق: ms2592 إذا كان ثوبا فصبغه، ~~فبذلت له نصفه مصبوغا، لزمه قبوله. وإن أراد المالك بيع الثوب، وأبى ~~الغاصب، فله بيعه؛ لأنه ملكه، فلا يملك الغاصب منعه من بيع ملكه بعدوانه. # وإن أراد الغاصب بيعه، لم يجبر المالك على بيعه؛ لأنه متعد، فلم يستحق ~~إزالة ملك صاحب الثوب عنه بعدوانه. ويحتمل أن يجبر ليصل الغاصب إلى ثمن ~~صبغه. القسم الثاني، أن يغصب ثوبا وصبغا من واحد، فيصبغه به، فإن لم تزد ~~قيمتهما ولم تنقص، ردهما ولا شيء عليه. وإن زادت القيمة فهي للمالك، ولا ~~شيء للغاصب؛ ولأنه إنما له في الصبغ أثر لا عين. وإن نقصت بالصبغ، فعلى ~~الغاصب ضمان النقص؛ لأنه بتعديه. # وإن نقص لتغير الأسعار لم يضمنه. القسم الثالث، أن يغصب ثوب رجل وصبغ ~~آخر، فيصبغه به، فإن كانت القيمتان بحالهما، فهما شريكان بقدر مالهما، وإن ~~زادت، فالزيادة لهما، وإن نقصت بالصبغ، فالضمان على الغاصب، ويكون النقص من ~~صاحب الصبغ؛ لأنه تبدد في الثوب، ويرجع به على الغاصب، وإن نقص لنقص سعر ~~الثياب، أو سعر الصبغ، أو لنقص سعرهما، لم يضمنه الغاصب، وكان نقص مال كل ~~واحد منهما من صاحبه. # وإن أراد صاحب الصبغ قلعه، أو أراد ذلك صاحب الثوب، فحكمهما حكم ما لو ~~صبغه الغاصب بصبغ من عنده، على ما مر بيانه. وإن غصب عسلا ونشاء، وعقده ~~حلواء، فحكمه حكم ما لو غصب ثوبا فصبغه، على ما ذكر فيه. الحكم الثاني، أنه ~~متى كان للمغصوب أجر، فعلى الغاصب أجر مثله مدة مقامه في يديه، سواء استوفى ~~المنافع أو تركها تذهب. هذا هو المعروف في المذهب. نص عليه أحمد، في رواية ~~الأثرم. وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا يضمن المنافع. وهو الذي نصره أصحاب مالك. وقد روى ~~محمد بن الحكم، عن أحمد، في من غصب دارا فسكنها عشرين سنة: لا أجترئ أن ~~أقول عليه سكنى ما سكن. وهذا يدل على توقفه عن إيجاب الأجر، إلا أن أبا بكر ~~قال: هذا قول قديم؛ لأن محمد بن الحكم مات قبل أبي ms2593 عبد الله بعشرين سنة. ~~واحتج من لم يوجب الأجر، بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخراج ~~بالضمان» . وضمانها على الغاصب، ولأنه استوفى منفعة بغير عقد ولا شبهة ملك، ~~فلم يضمنها، كما لو زنى بامرأة مطاوعة. # ولنا، أن كل ما ضمنه بالإتلاف في العقد الفاسد، جاز أن يضمنه بمجرد ~~الإتلاف، كالأعيان، ولأنه # PageV05P217 # أتلف متقوما، فوجب ضمانه، كالأعيان. أو نقول: مال متقوم مغصوب، فوجب ~~ضمانه، كالعين. فأما الخبر، فوارد في البيع ولا يدخل فيه الغاصب؛ لأنه لا ~~يجوز له الانتفاع بالمغصوب بالإجماع، ولا يشبه الزنى؛ لأنها رضيت بإتلاف ~~منافعها بغير عوض، ولا عقد يقتضي العوض، فكان بمنزلة من أعاره داره. ولو ~~أكرهها عليه، لزمه مهرها. # والخلاف في ما له منافع تستباح بعقد الإجارة، كالعقار والثياب والدواب ~~ونحوها، فأما الغنم والشجر والطير ونحوها، فلا شيء فيها؛ لأنه لا منافع لها ~~يستحق بها عوض. ولو غصب جارية ولم يطأها، ومضت عليها مدة تمكن الوطء فيها، ~~لم يضمن مهرها؛ لأن منافع البضع لا تتلف إلا بالاستيفاء، بخلاف غيرها، ~~ولأنها لا تقدر بزمن، فيكون مضي الزمان بتلفها، بخلاف المنفعة. ### | [فصل غصب طعاما فأطعمه غيره] # (3991) فصل: إذا غصب طعاما، فأطعمه غيره، فللمالك تضمين أيهما شاء؛ لأن ~~الغاصب حال بينه وبين ماله، والآكل أتلف مال غيره بغير إذنه، وقبضه عن يد ~~ضامنه بغير إذن مالكه، فإن كان الآكل عالما بالغصب، استقر الضمان عليه؛ ~~لكونه أتلف مال غيره بغير إذن عالما من غير تغرير، فإذا ضمن الغاصب، رجع ~~عليه، وإن ضمن الآكل، لم يرجع على أحد. # وإن لم يعلم الآكل بالغصب نظرنا؛ فإن كان الغاصب قال له: كله، فإنه ~~طعامي. استقر الضمان عليه؛ لاعترافه بأن الضمان باق عليه، وأنه لا يلزم ~~الآكل شيء. وإن لم يقل ذلك، ففيه روايتان؛ إحداهما، يستقر الضمان على ~~الآكل. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد؛ لأنه ضمن ما أتلف، فلم يرجع ~~به على أحد. # والثانية، يستقر الضمان على الغاصب؛ لأنه غر الآكل، وأطعمه على أنه لا ~~يضمنه. وهذا ظاهر كلام الخرقي؛ لقوله في ms2594 المشتري للأمة: يرجع بالمهر وكل ما ~~غرم على الغاصب. وأيهما استقر عليه الضمان فغرمه، لم يرجع على أحد، فإن ~~غرمه صاحبه، رجع عليه. وإن أطعم المغصوب لمالكه، فأكله عالما أنه طعامه، ~~برئ الغاصب. وإن لم يعلم، وقال له الغاصب: كله، فإنه طعامي. استقر الضمان ~~على الغاصب؛ # لما ذكرنا، وإن كانت له بينة بأنه طعام المغصوب منه. وإن لم يقل ذلك، بل ~~قدمه إليه، وقال: كله، أو قال: قد وهبتك إياه. أو سكت، فظاهر كلام أحمد أنه ~~لا يبرأ؛ لأنه قال في رواية الأثرم، في رجل، له قبل رجل تبعة، فأوصلها إليه ~~على سبيل صدقة أو هدية، فلم يعلم، فقال: كيف هذا؟ هذا يرى أنه هدية. يقول ~~له # PageV05P218 # : هذا لك عندي. # وهذا يدل على أنه لا يبرأ هاهنا بأكل المالك طعامه بطريق الأولى؛ لأنه ثم ~~رد إليه يده وسلطانه، وها هنا بالتقديم إليه لم تعد إليه اليد والسلطان، ~~فإنه لا يتمكن من التصرف فيه بكل ما يريد، من أخذه وبيعه والصدقة به، فلم ~~يبرأ الغاصب، كما لو علفه لدوابه، ويتخرج أن يبرأ بناء على ما مضى إذا ~~أطعمه لغير مالكه، فإنه يستقر الضمان على الآكل في إحدى الروايتين، فيبرأ ~~هاهنا بطريق الأولى. وهذا مذهب أبي حنيفة. . وإن وهب المغصوب لمالكه، أو ~~أهداه إليه، # فالصحيح أنه يبرأ؛ لأنه قد سلمه إليه تسليما صحيحا تاما، وزالت يد ~~الغاصب، وكلام أحمد، في رواية الأثرم، وارد فيما إذا أعطاه عوض حقه على ~~سبيل الهدية، فأخذه المالك على هذا الوجه، لا على سبيل العوض، فلم تثبت ~~المعاوضة، ومسألتنا فيما إذا رد إليه عين ماله، وأعاد يده التي أزالها. وإن ~~باعه إياه، وسلمه إليه، برئ من الضمان؛ لأنه قبضه بالابتياع، والابتياع ~~يوجب الضمان وإن أقرضه إياه، برئ أيضا؛ لذلك. وإن أعاره إياه، برئ أيضا؛ ~~لأن العارية توجب الضمان. # وإن أودعه إياه، أو آجره إياه، أو رهنه، أو أسلمه عنده ليقصره أو يعلمه، ~~لم يبرأ من الضمان، إلا أن يكون عالما بالحال؛ لأنه لم يعد إليه سلطانه، ~~إنما ms2595 قبضه على أنه أمانة. وقال بعض أصحابنا: يبرأ؛ لأنه عاد إلى يده ~~وسلطانه. # وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. والأول أولى؛ فإنه لو أباحه إياه ~~فأكله، لم يبرأ، فهاهنا أولى. ### | [فصل اختلاف المالك والغاصب في قيمة المغصوب] # (3992) فصل: إذا اختلف المالك والغاصب في قيمة المغصوب، ولا بينة ~~لأحدهما، فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل براءة ذمته، فلا يلزمه، ما لم يقم ~~عليه به حجة، كما لو ادعى عليه دينا، فأقر ببعضه. وكذلك إن قال المالك: كان ~~كاتبا أو له صناعة. فأنكر الغاصب، فالقول قوله كذلك، فإن شهدت له البينة ~~بالصفة ثبتت. وإن قال الغاصب: كانت فيه سلعة، أو أصبع زائدة، أو عيب. فأنكر ~~المالك، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم ذلك، والقول قول الغاصب في قيمته على ~~كل حال. وإن اختلفا بعد زيادة قيمة المغصوب في وقت زيادته، فقال المالك: ~~زادت قبل تلفه. وقال الغاصب: إنما زادت قيمة المتاع بعد تلفه. فالقول قول ~~الغاصب؛ لأن الأصل براءة ذمته. # PageV05P219 # وإن شاهدنا العبد معيبا، فقال الغاصب: كان معيبا قبل غصبه. وقال المالك: ~~تعيب عندك. فالقول قول الغاصب؛ لأنه غارم، ولأن الظاهر أن صفة العبد لم ~~تتغير. وإن غصبه خمرا، ثم قال صاحبه: تخلل عندك. وأنكر الغاصب، فالقول ~~قوله؛ لأن الأصل بقاؤه على ما كان، وبراءة الذمة. # وإن اختلفا في رد المغصوب، أو رد مثله أو قيمته، فالقول قول المالك؛ لأن ~~الأصل عدم ذلك، واشتغال الذمة به. وإن اختلفا في تلفه، فادعاه الغاصب، ~~وأنكره المالك، فالقول قول الغاصب؛ لأنه أعلم بذلك، وتتعذر إقامة البينة ~~عليه، فإذا حلف فللمالك المطالبة ببدله؛ لأنه تعذر رد العين، فلزم بدلها، ~~كما لو غصب عبدا فأبق. وقيل: ليس له المطالبة بالبدل؛ لأنه لا يدعيه. # وإن قال: غصبت مني حديثا. فقال: بل عتيقا. فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل ~~عدم وجوب الحديث، وللمالك المطالبة بالعتيق؛ لأنه دون حقه. ### | [فصل باع عبدا فادعى إنسان على البائع أنه غصبه] # (3993) فصل: وإذا باع عبدا، فادعى إنسان على البائع أنه غصبه العبد، ~~وأقام بذلك بينة، انتقض البيع، ms2596 ورجع المشتري على البائع بثمنه، وإن لم تكن ~~بينة، فأقر البائع والمشتري بذلك، فهو كما لو قامت به بينة. وإن أقر البائع ~~وحده، لم يقبل في حق المشتري؛ لأنه لا يقبل إقراره في حق غيره، ولزمت ~~البائع قيمته؛ لأنه حال بينه وبين ملكه، ويقر العبد في يد المشتري؛ لأنه ~~ملكه في الظاهر، وللبائع إحلافه، ثم إن كان البائع لم يقبض الثمن، فليس له ~~مطالبة المشتري به؛ لأنه لا يدعيه. # ويحتمل أن يملك مطالبته بأقل الأمرين من الثمن أو قيمة العبد؛ لأنه يدعي ~~القيمة على المشتري، والمشتري يقر له بالثمن، فقد اتفقا على استحقاق أقل ~~الأمرين، فوجب ولا يضر اختلافهما في السبب بعد اتفاقهما على حكمه، كما لو ~~قال: عليك ألف من ثمن البيع. فقال: بل ألف من قرض. # وإن كان قد قبض الثمن، فليس للمشتري استرجاعه؛ لأنه لا يدعيه. ومتى عاد ~~العبد إلى البائع بفسخ أو غيره، وجب عليه رده على مدعيه، وله استرجاع ما ~~أخذ منه. وإن كان إقرار البائع في مدة الخيار له، انفسخ البيع؛ لأنه يملك ~~فسخه، فقبل إقراره بما يفسخه. وإن أقر المشتري وحده، لزمه رد العبد ولم ~~يقبل إقراره على البائع، ولا يملك الرجوع عليه بالثمن، إن كان قبضه، ويلزمه ~~دفعه إليه إن كان لم يقبضه. # وإن أقام المشتري بينة بما أقر به، قبلت، وله الرجوع بالثمن. وإن أقام ~~البائع بينة، إذا كان هو المقر نظرنا؛ فإن كان في حال البيع قال: بعتك عبدي ~~هذا أو ملكي هذا. لم تقبل بينته؛ لأنه يكذبها وتكذبه، وإن لم يكن قال ذلك، ~~قبلت؛ لأنه يبيع ملكه وغير ملكه. # PageV05P220 # وإن أقام المدعي البينة، سمعت، ولا تقبل شهادة البائع له؛ لأنه يجربها ~~إلى نفسه نفعا. # وإن أنكراه جميعا، فله إحلافهما إن لم تكن له بينة. قال أحمد، في رجل يجد ~~سرقته بعينها عند إنسان، قال: هو ملكه، يأخذه، أذهب إلى حديث سمرة، عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «من وجد متاعه عند رجل، فهو أحق به، ويتبع ~~المبتاع من ms2597 باعه» . رواه هشيم، عن موسى بن السائب، عن قتادة، عن الحسن، عن ~~سمرة، وموسى بن السائب ثقة. ### | [فصل كان المشتري أعتق العبد فأقرا جميعا] # (3994) فصل: وإن كان المشتري أعتق العبد، فأقرا جميعا، لم يقبل ذلك، وكان ~~العبد حرا؛ لأنه قد تعلق به حق لغيرهما، فإن وافقهما. العبد، فقال القاضي: ~~لا يقبل أيضا؛ لأن الحرية يتعلق بها حق الله تعالى، ولهذا لو شهد شاهدان ~~بالعتق، مع اتفاق السيد والعبد على الرق، سمعت شهادتهما، ولو قال رجل: أنا ~~حر. ثم أقر بالرق، لم يقبل إقراره. وهذا مذهب الشافعي. # ويحتمل أن يبطل العتق إذا اتفقوا كلهم، ويعود العبد إلى المدعي؛ لأنه ~~مجهول النسب، أقر بالرق لمن يدعيه، فصح، كما لو لم يعتقه المشتري. ومتى ~~حكمنا بالحرية، فللمالك تضمين أيهما شاء قيمته يوم عتقه، ثم إن ضمن البائع، ~~رجع على المشتري؛ لأنه أتلفه، وإن رجع على المشتري، لم يرجع على البائع إلا ~~بالثمن؛ لأن التلف حصل منه، فاستقر الضمان عليه. # وإن مات العبد وخلف مالا، فهو للمدعي؛ لاتفاقهم على أنه له. وإنما منعنا ~~رد العبد إليه، لتعلق حق الحرية به، إلا أن يخلف وارثا فيأخذه، ولا يثبت ~~الولاء عليه لأحد؛ لأنه لا يدعيه أحد. وإن صدق المشتري البائع وحده، رجع ~~عليه بقيمته، ولم يرجع المشتري بالثمن. وبقية الأقسام على ما مضى. ### | [فصل باع عبدا أو وهبه ثم ادعى أني فعلت ذلك قبل أن أملكه] # (3995) فصل: وإذا باع عبدا أو وهبه، ثم ادعى أني فعلت ذلك قبل أن أملكه، ~~وقد ملكته الآن بميراث أو هبة من مالكه، فيلزمك رده علي؛ لأن البيع الأول ~~والهبة باطلان. وإن أقام بذلك بينة نظرت؛ فإن كان قال حين البيع والهبة: ~~هذا ملكي. أو بعتك ملكي هذا. أو كان في ضمنه إقرار بأنه ملكه، نحو أن يقول: ~~قبضت ثمن ملكي أو قبضته. ونحو ذلك، لم تقبل البينة؛ لأنه مكذب لها، وهي ~~تكذبه، وإن لم يكن كذلك، قبلت الشهادة؛ لأن الإنسان يبيع ويهب ملكه وغير ~~ملكه. ### | [فصل جنى العبد المغصوب جناية ms2598 أوجبت القصاص] # (3996) فصل: إذا جنى العبد المغصوب جناية أوجبت القصاص، فاقتص منه، ~~فضمانه على الغاصب؛ لأنه قد تلف في يديه، فإن عفي عنه على مال، تعلق ذلك ~~برقبته، وضمان ذلك على الغاصب؛ لأنه نقص حدث في يده، # PageV05P221 # فلزمه ضمانه؛ لأن ضمان العبد ونقصه على سيده، ويضمنه بأقل الأمرين من ~~قيمته أو أرش جنايته، كما يفديه سيده. وإن جنى على ما دون النفس، مثل أن ~~قطع يدا فقطعت يده قصاصا، فعلى الغاصب ما نقص العبد بذلك دون أرش اليد؛ لأن ~~اليد ذهبت بسبب غير مضمون، فأشبه ما لو سقطت. # وإن عفي عنه على مال، تعلق أرش اليد برقبته، وعلى الغاصب أقل الأمرين من ~~قيمته أو أرش اليد، فإن زادت جناية العبد على قيمته، ثم إنه مات، فعلى ~~الغاصب قيمته، يدفعها إلى سيده، فإذا أخذها تعلق أرش الجناية بها؛ لأنها ~~كانت متعلقة بالعبد، فتعلقت ببدله، كما أن الرهن إذا أتلفه متلف، وجبت ~~قيمته، وتعلق الدين بها، فإذا أخذ ولي الجناية القيمة من المالك، رجع ~~المالك على الغاصب بقيمة أخرى، لأن القيمة التي أخذها استحقت بسبب كان في ~~يد الغاصب، فكانت من ضمانه. # ولو كان العبد وديعة، فجنى جناية استغرقت قيمته، ثم إن المودع قتله بعد ~~ذلك، وجبت عليه قيمته، وتعلق بها أرش الجناية، فإذا أخذها ولي الجناية، لم ~~يرجع على المودع؛ لأنه جنى، وهو غير مضمون عليه. # ولو أن العبد جنى في يد سيده جناية تستغرق قيمته، ثم غصبه غاصب، فجنى في ~~يده جناية تستغرق قيمته، بيع في الجنايتين، وقسم ثمنه بينهما، ورجع صاحب ~~العبد على الغاصب بما أخذه الثاني منهما؛ لأن الجناية كانت في يده، وكان ~~للمجني عليه أولا أن يأخذه دون الثاني؛ لأن الذي يأخذه المالك من الغاصب هو ~~عوض ما أخذه المجني عليه ثانيا، فلا يتعلق به حقه، ويتعلق به حق الأول؛ ~~لأنه بدل عن قيمة الجاني لا يزاحم فيه، فإن مات هذا العبد في يد الغاصب، ~~فعليه قيمته تقسم بينهما، ويرجع المالك على الغاصب بنصف القيمة؛ لأنه ضامن ms2599 ~~للجناية الثانية، ويكون للمجني عليه أولا أن يأخذه؛ لما ذكرناه. ### | [مسألة أتلف لذمي خمرا أو خنزيرا] # (3997) مسألة؛ قال: (من أتلف لذمي خمرا أو خنزيرا، فلا غرم عليه، وينهى ~~عن التعرض لهم فيما لا يظهرونه) وجملة ذلك أنه لا يجب ضمان الخمر والخنزير، ~~سواء كان متلفه مسلما أو ذميا لمسلم أو ذمي نص عليه أحمد، في رواية أبي ~~الحارث، في الرجل يهريق مسكرا لمسلم، أو لذمي خمرا، فلا ضمان عليه. وبهذا ~~قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة، ومالك: يجب ضمانهما إذا أتلفهما على ذمي. قال أبو حنيفة: ~~إن كان مسلما بالقيمة، وإن كان ذميا بالمثل؛ لأن عقد الذمة إذا عصم عينا ~~قومها، كنفس الآدمي، وقد عصم خمر الذمي، بدليل أن المسلم يمنع من إتلافها، ~~فيجب أن يقومها، ولأنها مال لهم يتمولونها، بدليل ما روي عن عمر - رضي الله ~~عنه - أن عامله كتب إليه: إن أهل الذمة يمرون بالعاشر، ومعهم # PageV05P222 # الخمور. فكتب إليه عمر: ولوهم بيعها، وخذوا منهم عشر ثمنها. وإذا كانت ~~مالا لهم وجب ضمانها، كسائر أموالهم. # ولنا، أن جابرا، النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: روى «ألا إن الله ~~ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» . متفق على صحته. وما ~~حرم بيعه لا لحرمته، لم تجب قيمته، كالميتة، ولأن ما لم يكن مضمونا في حق ~~المسلم، لم يكن مضمونا في حق الذمي، كالمرتد، ولأنها غير متقومة، فلا تضمن، ~~كالميتة، ودليل أنها غير متقومة في حق المسلم، فكذلك في حق الذمي، فإن ~~تحريمها ثبت في حقهما، وخطاب النواهي يتوجه إليهما، فما ثبت في حق أحدهما، ~~ثبت في حق الآخر. ولا نسلم أنها معصومة، بل متى أظهرت حلت إراقتها، ثم لو ~~عصمها ما لزم تقويمها؛ فإن نساء أهل الحرب وصبيانهم معصومون غير متقومين. # وقولهم: إنها مال عندهم. ينتقض بالعبد المرتد، فإنه مال عندهم. وأما حديث ~~عمر، فمحمول على أنه أراد ترك التعرض لهم، وإنما أمر بأخذ عشر أثمانها، ~~لأنهم إذا تبايعوا وتقابضوا حكمنا لهم بالملك ولم ننقضه، وتسميتها أثمانا ~~مجاز، كما سمى الله ms2600 تعالى ثمن يوسف ثمنا، فقال: {وشروه بثمن بخس} [يوسف: ~~20] . # وأما قول الخرقي: وينهى عن التعرض لهم فيما لا يظهرونه، فلأن كل ما ~~اعتقدوا حله في دينهم، مما لا أذى للمسلمين فيه، من الكفر، وشرب الخمر ~~واتخاذه، ونكاح ذوات المحارم، لا يجوز لنا التعرض لهم فيه، إذا لم يظهروه، ~~لأننا التزمنا إقرارهم عليه في دارنا، فلا نعرض لهم فيما التزمنا تركه، وما ~~أظهروه من ذلك، تعين إنكاره عليهم، فإن كان خمرا جازت إراقته، وإن أظهروا ~~صليبا أو طنبورا جاز كسره، وإن أظهروا كفرهم أدبوا على ذلك، ويمنعون من ~~إظهار ما يحرم على المسلمين. ### | [فصل غصب من ذمي خمرا] # فصل: وإن غصب من ذمي خمرا، لزمه ردها؛ لأنه يقر على شربها. وإن غصبها من ~~مسلم، لم يلزم ردها، ووجبت إراقتها؛ «لأن أبا طلحة سأل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمرا، فأمره بإراقتها.» وإن أتلفها أو ~~تلفت عنده، لم يلزمه ضمانها؛ لأن ابن عباس روى عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه» . # ولأن ما حرم الانتفاع به، لم يجب ضمانه، كالميتة والدم، فإن أمسكها في ~~يده حتى صارت خلا، لزم ردها على صاحبها؛ لأنها صارت خلا، على حكم ملكه، ~~فلزم ردها إليه، فإن تلفت، ضمنها له؛ لأنها مال للمغصوب منه تلف في يد ~~الغاصب، وإن أراقها فجمعها إنسان، فتخللت عنده، لم يلزمه رد الخل؛ لأنه ~~أخذها بعد إتلافها، وزوال اليد عنها. # PageV05P223 ### | [فصل غصب كلبا يجوز اقتناؤه] # (3999) فصل: وإن غصب كلبا يجوز اقتناؤه، وجب رده؛ لأنه يجوز الانتفاع به ~~واقتناؤه، فأشبه المال. وإن أتلفه، لم يغرمه. وإن حبسه مدة، لم يلزمه أجر؛ ~~لأنه لا تجوز إجارته. # وإن غصب جلد ميتة، فهل يلزمه رده؟ على وجهين، بناء على الروايتين في ~~طهارته بالدبغ، فمن قال بطهارته، أوجب رده؛ لأنه يمكن إصلاحه، فهو كالثوب ~~النجس. ومن قال: لا يطهر. لم يوجب رده؛ لأنه لا سبيل إلى إصلاحه. فإن ~~أتلفه، أو أتلف ميتة بجلدها، لم يضمنه؛ ms2601 لأنه لا قيمة له، بدليل أنه لا يحل ~~بيعه. وإن دبغه الغاصب، لزم رده إن قلنا بطهارته؛ لأنه كالخمر إذا تخللت. # ويحتمل أن لا يجب رده؛ لأنه صار مالا بفعله، بخلاف الخمر، وإن قلنا: لا ~~يطهر. لم يجب رده؛ لأنه لا يباح الانتفاع به. ويحتمل أن يجب رده، إذا قلنا: ~~يباح الانتفاع به في اليابسات. لأنه نجس يباح الانتفاع به، أشبه الكلب، ~~وكذلك قبل الدبغ. ### | [فصل كسر صليبا أو مزمارا أو طنبورا أو صنما] # (4000) فصل: وإن كسر صليبا، أو مزمارا، أو طنبورا، أو صنما، لم يضمنه. ~~وقال الشافعي: إن كان ذلك إذا فصل يصلح لنفع مباح وإذا كسر لم يصلح لنفع ~~مباح، لزمه ما بين قيمته مفصلا ومكسورا؛ لأنه أتلف بالكسر ما له قيمة، وإن ~~كان لا يصلح لمنفعة مباحة، لم يلزمه ضمانه. وقال أبو حنيفة: يضمن. # ولنا، أنه لا يحل بيعه، فلم يضمنه، كالميتة، والدليل على أنه لا يحل بيعه ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير ~~والأصنام» متفق عليه. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت بمحق ~~القينات والمعازف.» ### | [فصل كسر آنية ذهب أو فضة] # (4001) فصل: وإن كسر آنية ذهب أو فضة، لم يضمنها؛ لأن اتخاذها محرم. وحكى ~~أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد، أنه يضمن، فإن مهنا نقل عنه في من هشم على ~~غيره إبريقا فضة: عليه قيمته، يصوغه كما كان. قيل له: أليس قد «نهى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذها؟» فسكت. والصحيح أنه لا ضمان عليه. نص ~~عليه في رواية المروذي فيمن كسر إبريق فضة: لا ضمان عليه؛ لأنه أتلف ما ليس ~~بمباح، فلم يضمنه، كالميتة. # ورواية مهنا تدل على أنه رجع عن قوله ذلك؛ لكونه سكت حين ذكر السائل ~~تحريمه، ولأن في هذه الرواية أنه قال: يصوغه، ولا يحل له صياغته. فكيف يجب ~~ذلك،. ### | [فصل كسر آنية الخمر] # (4002) فصل: وإن كسر آنية الخمر، ففيها روايتان؛ إحداهما، يضمنها؛ لأنها ~~مال يمكن الانتفاع به، ويحل بيعه، فيضمنها، كما لو ms2602 لم يكن فيها خمر، ولأن ~~جعل الخمر فيها لا يقتضي سقوط ضمانها، كالبيت الذي جعل مخزنا للخمر. # PageV05P224 # والثانية، لا تضمن؛ لما روى الإمام أحمد، في " مسنده ": حدثنا أبو بكر بن ~~أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، قال: قال عبد الله بن عمر: «أمرني رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن آتيه بمدية، وهي الشفرة، فأتيته بها، فأرسل بها ~~فأرهفت، ثم أعطانيها، وقال: اغد علي بها ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق ~~المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني، فشق ما كان ~~من تلك الزقاق بحضرته كلها، وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي، ~~ويعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها، فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ~~ففعلت، فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته» . # وروي عن أنس، قال: كنت أسقي أبا طلحة، وأبي بن كعب، وأبا عبيدة، شرابا من ~~فضيخ، فأتانا آت، فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال: أبو طلحة: قم يا أنس إلى ~~هذه الدنان فاكسرها. وهذا يدل على سقوط حرمتها، وإباحة إتلافها، فلا ~~يضمنها، كسائر المباحات. ### | [فصل الغصب فيما ليس بمال كالحر] # (4003) فصل: ولا يثبت الغصب فيما ليس بمال، كالحر؛ فإنه لا يضمن بالغصب، ~~إنما يضمن بالإتلاف. وإن أخذ حرا، فحبسه فمات عنده، لم يضمنه؛ لأنه ليس ~~بمال. وإن استعمله مكرها، لزمه أجر مثله؛ لأنه استوفى منافعه، وهي متقومة، ~~فلزمه ضمانها كمنافع العبد. # وإن حبسه مدة لمثلها أجر، ففيه وجهان؛ أحدهما، يلزمه أجر تلك المدة؛ لأنه ~~فوت منفعته، وهي مال يجوز أخذ العوض عنها، فضمنت بالغصب، كمنافع العبد. ~~والثاني، لا يلزمه؛ لأنها تابعة لما لا يصح غصبه، فأشبهت ثيابه إذا بليت ~~عليه وأطرافه، ولأنها تلفت تحت يديه، فلم يجب ضمانها كما ذكرنا. ولو منعه ~~العمل من غير حبس، لم يضمن منافعه، وجها واحدا؛ لأنه لو فعل ذلك بالعبد لم ~~يضمن منافعه، فالحر أولى. ولو حبس الحر وعليه ثياب، لم يلزمه ضمانها؛ لأنها ~~تابعة لما لم تثبت اليد عليه في الغصب، وسواء كان كبيرا أو ms2603 صغيرا. وهذا كله ~~مذهب أبي حنيفة والشافعي. ### | [فصل أم الولد مضمونة بالغصب] # (4004) فصل: وأم الولد مضمونة بالغصب. وبهذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ~~ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا تضمن؛ لأن أم الولد لا تجري مجرى المال، بدليل ~~أنه لا يتعلق بها حق الغرماء، فأشبهت الحر. ولنا، أن ما يضمن بالقيمة، يضمن ~~بالغصب، كالقن، ولأنها مملوكة، فأشبهت المدبرة، وفارقت الحرة؛ فإنها ليست ~~مملوكة، ولا تضمن بالقيمة. # PageV05P225 ### | [فصل فتح قفصا عن طائر فطار أو حل دابة فذهبت] # (4005) فصل: وإذا فتح قفصا عن طائر فطار، أو حل دابة فذهبت، ضمنها. وبه ~~قال مالك. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا ضمان عليه، إلا أن يكون أهاجهما ~~حتى ذهبا. وقال أصحاب الشافعي: إن وقفا بعد الفتح والحل، ثم ذهبا، لم ~~يضمنهما، وإن ذهبا عقيب ذلك، ففيه قولان. واحتجا بأن لهما اختيارا، وقد ~~وجدت منهما المباشرة، ومن الفاتح سبب غير ملجئ. # فإذا اجتمعا، لم يتعلق الضمان بالسبب، كما لو حفر بئرا فجاء عبد لإنسان، ~~فرمى نفسه فيها. ولنا، أنه ذهب بسبب فعله، فلزمه الضمان، كما لو نفره، أو ~~ذهب عقيب فتحه وحله، والمباشرة إنما حصلت ممن لا يمكن إحالة الحكم عليه، ~~فيسقط، كما لو نفر الطائر، وأهاج الدابة، أو أشلى كلبا على صبي فقتله، أو ~~أطلق نارا في متاع إنسان، فإن للنار فعلا، لكن لما لم يمكن إحالة الحكم ~~عليها، كان وجوده كعدمه، ولأن الطائر وسائر الصيد من طبعه النفور، وإنما ~~يبقى بالمانع، فإذا أزيل المانع ذهب بطبعه، فكان ضمانه على من أزال المانع، ~~كمن قطع علاقة قنديل، فوقع فانكسر. # وهكذا لو حل قيد عبد فذهب، أو أسر فأفلت. وإن فتح القفص، وحل الفرس، ~~فبقيا واقفين، فجاء إنسان فنفرهما فذهبا، فالضمان على منفرهما؛ لأن سببه ~~أخص، فاختص الضمان به، كالدافع مع الحافر. وإن وقع طائر إنسان على جدار، ~~فنفره إنسان، فطار، لم يضمنه؛ لأن تنفيره لم يكن سبب فواته، فإنه كان ~~ممتنعا قبل ذلك. وإن رماه فقتله، ضمنه. وإن كان في داره؛ لأنه كان يمكنه ~~تنفيره بغير قتله. ms2604 # وكذلك لو مر الطائر في هواء داره، فرماه فقتله، ضمنه؛ لأنه لا يملك منع ~~الطائر من هواء داره، فهو كما لو رماه في هواء دار غيره. ### | [فصل حل زقا فيه مائع فاندفق] # (4006) فصل: ولو حل زقا فيه مائع، فاندفق، ضمنه، سواء خرج في الحال، أو ~~خرج قليلا قليلا، أو خرج منه شيء بل أسفله فسقط، أو ثقل أحد جانبيه فلم يزل ~~يميل قليلا قليلا حتى سقط، أو سقط بريح، أو بزلزلة الأرض، أو كان جامدا ~~فذاب بشمس؛ لأنه تلف بسبب فعله. وقال القاضي: لا يضمن إذا سقط بريح أو ~~زلزلة، ويضمن فيما سوى ذلك. وهو قول أصحاب الشافعي. ولهم فيما إذا ذاب ~~بالشمس وجهان، واحتجوا بأن فعله غير ملجئ، والمعنى الحادث مباشرة، فلم ~~يتعلق الضمان بفعله. كما لو دفعه إنسان. # PageV05P226 # ولنا، أن فعله سبب تلفه، ولم يتخلل بينهما ما يمكن إحالة الحكم عليه، ~~فوجب عليه الضمان، كما لو خرج عقيب فعله، أو مال قليلا قليلا، وكما لو جرح ~~إنسانا، فأصابه الحر أو البرد، فسرت الجناية فإنه يضمن. # وأما إن دفعه إنسان، فإن المتخلل بينهما مباشرة يمكن الإحالة عليها، ~~بخلاف مسألتنا. ولو كان جامدا، فأدنى منه آخر نارا، فأذابه فسال، فالضمان ~~على من أذابه؛ لأن سببه أخص، لكون التلف يعقبه، فأشبه المنفر مع فاتح ~~القفص. وقال بعض الشافعية: لا ضمان على واحد منهما، كسارقين نقب أحدهما، ~~وأخرج الآخر المتاع. وهذا فاسد؛ لأن مدني النار ألجأه إلى الخروج فضمنه، ~~كما لو كان واقفا فدفعه. # والمسألة حجة عليه؛ فإن الضمان على مخرج المتاع من الحرز، والقطع حد لا ~~يجب إلا بهتك الحرز وأخذ المال جميعا، ثم إن الحد يدرأ بالشبهات، بخلاف ~~الضمان. ولو أذابه أحدهما أولا، ثم فتح الثاني رأسه، فاندفق، فالضمان على ~~الثاني؛ لأن التلف تعقبه. وإن فتح زقا مستعلي الرأس، فخرج بعض ما فيه، ~~واستمر خروجه قليلا قليلا، فجاء آخر فنكسه، فاندفق، فضمان ما خرج بعد ~~التنكيس على المنكس، وما قبله على الفاتح؛ لأن فعل الثاني أخص، كالجارح ~~والذابح. ### | [فصل حل ms2605 رباط سفينة فذهبت أو غرقت] # (4007) فصل: وإن حل رباط سفينة فذهبت أو غرقت، فعليه قيمتها، سواء تعقب ~~فعله أو تراخى. والخلاف فيها كالخلاف في الطائر في القفص. ### | [فصل أوقد في ملكه نارا أو في موات] # (4008) فصل: وإذا أوقد في ملكه نارا، أو في موات، فطارت شرارة إلى دار ~~جاره فأحرقتها، أو سقى أرضه فنزل الماء إلى أرض جاره فغرقها، لم يضمن إذا ~~كان فعل ما جرت به العادة من غير تفريط؛ لأنه غير متعد، ولأنها سراية فعل ~~مباح، فلم يضمن، كسراية القود، وفارق من حل زقا فاندفق؛ لأنه متعد بحله، ~~ولأن الغالب خروج المائع من الزق المفتوح، وليس الغالب سراية هذا الفعل ~~المعتاد إلى تلف مال غيره. # وإن كان ذلك بتفريط منه، بأن أجج نارا تسري في العادة لكثرتها، أو في ريح ~~شديدة تحملها، أو فتح ماء كثيرا يتعدى، أو فتح الماء في أرض غيره، أو أوقد ~~في دار غيره، ضمن ما تلف به. وإن سرى إلى غير الدار التي أوقد فيها، والأرض ~~التي فتح الماء فيها؛ لأنها سراية عدوان، أشبهت سراية الجرح الذي تعدى به. ~~وإن أوقد نارا فأيبست أغصان شجرة غيره، ضمنها؛ لأن ذلك لا يكون إلا من نار ~~كثيرة، إلا أن تكون الأغصان في هوائه، فلا يضمنها؛ لأن دخولها عليه غير ~~مستحق، فلا يمنع من التصرف في داره؛ لحرمتها. وهذا الفصل مذهب الشافعي فيه ~~كما ذكرنا سواء. # PageV05P227 ### | [فصل ألقت الريح إلى داره ثوب غيره لزمه حفظه] # (4009) فصل: وإن ألقت الريح إلى داره ثوب غيره، لزمه حفظه؛ لأنه أمانة ~~حصلت تحت يده، فلزمه حفظه، كاللقطة. وإن لم يعرف صاحبه، فهو لقطة تثبت فيه ~~أحكامها وإن عرف صاحبه، لزمه إعلامه، فإن لم يفعل ضمنه؛ لأنه أمسك مال غيره ~~بغير إذنه من غير تعريف، فصار كالغاصب. # وإن سقط طائر في داره، لم يلزمه حفظه، ولا إعلام صاحبه؛ لأنه محفوظ ~~بنفسه. وإن دخل برجه، فأغلق عليه الباب ناويا إمساكه لنفسه، ضمنه؛ لأنه ~~أمسك مال غيره لنفسه، فهو كالغاصب، وإلا فلا ضمان ms2606 عليه؛ لأنه يتصرف في برجه ~~كيف شاء، فلا يضمن مال غيره بتلفه ضمنا، لتصرفه الذي لم يتعد فيه. ### | [فصل أكلت بهيمة حشيش قوم ويد صاحبها عليها] # (4010) فصل: إذا أكلت بهيمة حشيش قوم، ويد صاحبها عليها، لكونه معها، ~~ضمن، وإن لم يكن معها، لم يضمن ما أكلته. وإذا استعار من رجل بهيمته، ~~فأتلفت شيئا وهي في يد المستعير، فضمانه على المستعير، سواء أتلفت شيئا ~~لمالكها أو لغيره؛ لأن ضمانه يجب باليد، واليد للمستعير. # وإن كانت البهيمة في يد الراعي، فأتلفت زرعا، فالضمان على الراعي دون ~~صاحبها؛ لأن إتلافها للزرع في النهار لا يضمن إلا بثبوت اليد عليها، واليد ~~للراعي دون المالك، فكان الضمان عليه، كالمستعير. وإن كان الزرع للمالك، ~~فإن كان ليلا ضمن أيضا؛ لأن ضمان اليد أقوى، بدليل أنه يضمن به في الليل ~~والنهار جميعا. ### | [فصل شهد بالغصب شاهدان فشهد أحدهما أنه غصبه يوم الخميس وشهد آخر أنه غصبه يوم الجمعة] # (4011) فصل: إذا شهد بالغصب شاهدان، فشهد أحدهما أنه غصبه يوم الخميس، ~~وشهد آخر أنه غصبه يوم الجمعة، لم تتم البينة، وله أن يحلف مع أحدهما. # وإن شهد أحدهما أنه أقر بالغصب يوم الخميس، وشهد الآخر أنه أقر بغصبه يوم ~~الجمعة، ثبتت البينة؛ لأن الإقرار وإن اختلف رجع إلى أمر واحد. وإن شهد أنه ~~أقر أنه غصبه يوم الخميس وشهد الآخر أنه غصبه يوم الجمعة، لم تثبت البينة ~~أيضا. وإن شهد له واحد، وحلف معه، ثبت الغصب، فلو كان الغاصب حلف بالطلاق ~~أنه لم يغصبه لم نوقع طلاقه؛ لأن الشاهد واليمين بينة في المال، لا في ~~الطلاق. والله أعلم. # PageV05P228 ### | [كتاب الشفعة] # وهي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه. # وهي ثابتة بالسنة والإجماع؛ أما السنة، فما روى جابر - رضي الله عنه - ~~قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا ~~وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» . متفق عليه. ولمسلم قال: «قضى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شرك ms2607 لم يقسم؛ ربعة، أو حائط، لا ~~يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه. فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع ولم ~~يستأذنه فهو أحق به» . # وللبخاري: «إنما جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشفعة فيما لم ~~يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة.» وأما الإجماع، فقال ابن ~~المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم، فيما بيع ~~من أرض أو دار أو حائط. والمعنى في ذلك أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع ~~نصيبه، وتمكن من بيعه لشريكه، وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص ~~والاستخلاص، فالذي يقتضيه حسن العشرة، أن يبيعه منه، ليصل إلى غرضه من بيع ~~نصيبه، وتخليص شريكه من الضرر، فإذا لم يفعل ذلك، وباعه لأجنبي، سلط الشرع ~~الشريك على صرف ذلك إلى نفسه. # ولا نعلم أحدا خالف هذا إلا الأصم، فإنه قال: لا تثبت الشفعة؛ لأن في ذلك ~~إضرارا بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه، لم ~~يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء، فيستضر المالك. # وهذا ليس بشيء لمخالفته الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله. والجواب ~~عما ذكره من وجهين؛ أحدهما، أنا نشاهد الشركاء يبيعون، ولا يعدم من يشتري ~~منهم غير شركائهم، ولم يمنعهم استحقاق الشفعة من الشراء. الثاني، أنه يمكنه ~~إذا لحقته بذلك مشقة أن يقاسم، فيسقط استحقاق الشفعة، واشتقاق الشفعة من ~~الشفع، وهو الزوج، فإن الشفيع كان نصيبه منفردا في ملكه، فبالشفعة يضم ~~المبيع إلى ملكه فيشفعه به. # وقيل: اشتقاقها من الزيادة؛ لأن الشفيع يزيد المبيع في ملكه. ### | [مسألة الشفعة تثبت على خلاف الأصل بشروط] ### | [من شروط الشفعة أن يكون الملك مشاعا غير مقسوم] # (4012) مسألة؛ قال أبو القاسم (ولا يجب الشفعة إلا للشريك المقاسم، فإذا ~~وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة) # PageV05P229 # وجملة ذلك أن الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير ~~رضاء منه، وإجبار له على المعاوضة، مع ما ذكره الأصم، لكن أثبتها الشرع # لمصلحة راجحة # ، فلا تثبت إلا بشروط أربعة: أحدها، ms2608 أن يكون الملك مشاعا غير مقسوم. # فأما الجار فلا شفعة له، وبه قال عمر، وعثمان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد ~~بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبو الزناد، ~~وربيعة، والمغيرة بن عبد الرحمن، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ~~ثور، وابن المنذر، وقال ابن شبرمة، والثوري، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي: ~~الشفعة بالشركة، ثم بالشركة في الطريق، ثم بالجوار، وقال أبو حنيفة: يقدم ~~الشريك، فإن لم يكن، وكان الطريق مشتركا، كدرب لا ينفذ، تثبت الشفعة لجميع ~~أهل الدرب، الأقرب فالأقرب، فإن لم يأخذوا، ثبتت للملاصق من درب آخر خاصة. # وقال العنبري، وسوار: تثبت بالشركة في المال، وبالشركة في الطريق. ~~واحتجوا بما روى أبو رافع، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الجار أحق بصقبه» . رواه البخاري وأبو داود. وروى الحسن، عن سمرة، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «جار الدار أحق بالدار» . رواه الترمذي. ~~وقال: حديث حسن صحيح. وروى الترمذي في حديث جابر: «الجار أحق بداره بشفعته ~~ينتظر به إذا كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا» . وقال حديث حسن. # ولأنه اتصال ملك يدوم ويتأبد، فتثبت الشفعة به، كالشركة. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا ~~وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» . وروى ابن جريج، عن الزهري، عن سعيد ~~بن المسيب، أو عن أبي سلمة، أو عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا قسمت الأرض، وحدت، فلا شفعة فيها» . رواه أبو داود. ولأن ~~الشفعة ثبتت في موضع الوفاق على خلاف الأصل، لمعنى معدوم في محل النزاع، # PageV05P230 # فلا تثبت فيه، وبيان انتفاء المعنى، هو أن الشريك ربما دخل عليه شريك، ~~فيتأذى به، فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته أو يطلب الداخل المقاسمة، فيدخل ~~الضرر على الشريك بنقص قيمة ملكه، وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق، وهذا ~~لا يوجد في المقسوم. # فأما حديث أبي رافع، فليس بصريح في الشفعة، فإن الصقب القرب. يقال بالسين ~~والصاد. قال الشاعر: # كوفية نازح محلتها ... لا أمم دارها ولا ms2609 صقب # فيحتمل أنه أراد بإحسان جاره وصلته وعيادته ونحو ذلك. وخبرنا صريح صحيح، ~~فيقدم، وبقية الأحاديث في أسانيدها مقال. فحديث سمرة يرويه عنه الحسن، ولم ~~يسمع منه إلا حديث العقيقة. قاله أصحاب الحديث. # قال ابن المنذر: الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث جابر، ~~الذي رويناه، وما عداه من الأحاديث فيها مقال. على أنه يحتمل أنه أراد ~~بالجار الشريك؛ فإنه جار أيضا، ويسمى كل واحد من الزوجين جارا، قال الشاعر: # أجارتنا بيني فإنك طالقه ... كذاك أمور الناس غاد وطارقه # قاله الأعشى. # وتسمى الضرتان جارتين؛ لاشتراكهما في الزوج. قال حمل بن مالك: كنت بين ~~جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها وجنينها. وهذا يمكن في ~~تأويل حديث أبي رافع أيضا. إذا ثبت هذا، فلا فرق بين كون الطريق مفردة أو ~~مشتركة. # قال أحمد، في رواية ابن القاسم، في رجل له أرض تشرب هي وأرض غيره من نهر ~~واحد: ولا شفعة له من أجل الشرب، إذا وقعت الحدود فلا شفعة. # وقال، في رواية أبي طالب، وعبد الله، ومثنى، في من لا يرى الشفعة ~~بالجوار، وقدم إلى الحاكم فأنكر: لم يحلف إنما هو اختيار، وقد اختلف الناس ~~فيه، قال القاضي: إنما هذا لأن يمين المنكر هاهنا على القطع والبت، ومسائل ~~الاجتهاد مظنونة، فلا يقطع ببطلان مذهب المخالف، ويمكن أن يحمل كلام أحمد ~~هاهنا على الورع، لا على التحريم؛ لأنه يحكم ببطلان مذهب المخالف. ويجوز ~~للمشتري الامتناع به من تسليم المبيع، فيما بينه وبين الله تعالى. # PageV05P231 ### | [فصل من شروط الشفعة أن يكون المبيع أرضا] # (4013) فصل: الشرط الثاني، أن يكون المبيع أرضا؛ لأنها التي تبقى على ~~الدوام، ويدوه ضررها، وأما غيرها فينقسم قسمين؛ أحدهما، تثبت فيه الشفعة ~~تبعا للأرض، وهو البناء والغراس يباع مع الأرض، فإنه يؤخذ بالشفعة تبعا ~~للأرض، بغير خلاف في المذهب، ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا. وقد ~~دل عليه «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وقضاؤه بالشفعة في كل شرك لم ~~يقسم، ربعة أو حائط» . # وهذا يدخل ms2610 فيه البناء والأشجار. القسم الثاني، ما لا تثبت فيه الشفعة ~~تبعا ولا مفردا، وهو الزرع والثمرة الظاهرة تباع مع الأرض؛ فإنه لا يؤخذ ~~بالشفعة مع الأصل. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة، ومالك: يؤخذ ذلك ~~بالشفعة مع أصوله؛ لأنه متصل بما فيه الشفعة، فيثبت فيه الشفعة تبعا، ~~كالبناء والغراس. # ولنا، أنه لا يدخل في البيع تبعا. فلا يؤخذ بالشفعة، كقماش الدار، وعكسه ~~البناء والغراس، وتحقيقه أن الشفعة بيع في الحقيقة، لكن الشارع جعل له ~~سلطان الأخذ بغير رضى المشتري، فإن بيع الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة، كالطلع ~~غير المؤبر، دخل في الشفعة؛ لأنها تتبع في البيع، فأشبهت الغراس في الأرض. # وأما ما بيع مفردا من الأرض، فلا شفعة فيه، سواء كان مما ينقل، كالحيوان ~~والثياب والسفن والحجارة والزرع والثمار، أو لا ينقل، كالبناء والغراس إذا ~~بيع مفردا، وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي. # وروي عن الحسن، والثوري، والأوزاعي، والعنبري، وقتادة، وربيعة، وإسحاق: ~~لا شفعة في المنقولات. واختلف عن مالك وعطاء، فقالا مرة كذلك، ومرة قالا: ~~الشفعة في كل شيء، حتى في الثوب. قال ابن أبي موسى: وقد روي عن أبي عبد ~~الله رواية أخرى، أن الشفعة واجبة فيما لا ينقسم كالحجارة والسيف والحيوان، ~~وما في معنى ذلك. قال أبو الخطاب: وعن أحمد رواية أخرى، أن الشفعة تجب في ~~البناء والغراس، وإن بيع مفردا. # وهو قول مالك؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «الشفعة فيما لم يقسم» . ولأن ~~الشفعة وضعت لدفع الضرر، وحصول الضرر بالشركة فيما لا ينقسم أبلغ منه فيما ~~ينقسم، ولأن ابن أبي مليكة روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الشفعة في كل شيء» . # ولنا أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا ~~وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» . لا يتناول إلا ما ذكرناه، وإنما ~~أراد ما لا ينقسم من الأرض، بدليل قوله: " فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق ~~". ولأن هذا مما لا يتباقى على الدوام، فلا تجب فيه الشفعة، كصبرة # PageV05P232 # الطعام وحديث ابن أبي مليكة مرسل، ms2611 لم يرد في الكتب الموثوق بها، والحكم ~~في الغراف والدولاب والناعورة، كالحكم في البناء. # فأما إن بيعت الشجرة مع قرارها من الأرض، مفردة عما يتخللها من الأرض، ~~فحكمها حكم ما لا ينقسم من العقار، ولأن هذا مما لا ينقسم، على ما سنذكره. ~~ويحتمل أن لا تجب الشفعة فيها بحال؛ لأن القرار تابع لها، فإذا لم تجب ~~الشفعة فيها مفردة، لم تجب في تبعها. وإن بيعت حصة من علو دار مشترك نظرت؛ ~~فإن كان السقف الذي تحته لصاحب السفل، فلا شفعة في العلو؛ لأنه بناء مفرد، ~~وإن كان لصاحب العلو، فكذلك؛ لأنه بناء منفرد لكونه لا أرض له، فهو كما لو ~~لم يكن السقف له. # ويحتمل ثبوت الشفعة؛ لأن له قرارا، فهو كالسفل. ### | [فصل من شروط الشفعة أن يكون المبيع مما يمكن قسمته] # فصل: الشرط الثالث، أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأما ما لا يمكن ~~قسمته من العقار، كالحمام الصغير، والرحى الصغيرة، والعضادة، والطريق ~~الضيقة، والعراص الضيقة، فعن أحمد فيها روايتان؛ إحداهما، لا شفعة فيه. وبه ~~قال يحيى بن سعيد، وربيعة، والشافعي. # والثانية، فيها الشفعة. وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وابن سريج. وعن مالك ~~كالروايتين. ووجه هذا عموم قوله - عليه السلام - «الشفعة فيما لم يقسم» . ~~وسائر الألفاظ العامة، ولأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة والضرر في هذا ~~النوع أكثر؛ لأنه يتأبد ضرره. # والأول ظاهر المذهب لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة» . والمنقبة: الطريق الضيق. رواه ~~أبو الخطاب في " رءوس المسائل ". وروي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قال: ~~لا شفعة في بئر ولا فحل. ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع؛ لأنه لا ~~يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري لأجل ~~الشفيع، فيتضرر البائع، وقد يمتنع البيع، فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى ~~نفيها. # ويمكن أن يقال: إن الشفعة إنما تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة، ~~لما يحتاج إليه من إحداث المرافق الخاصة، ولا ms2612 يوجد هذا فيما لا ينقسم. # وقولهم: إن الضرر هاهنا أكثر لتأبده. قلنا: إلا أن الضرر في محل الوفاق ~~من غير جنس هذا الضرر، وهو ضرر الحاجة إلى إحداث المرافق الخاصة، فلا يمكن ~~التعدية، وفي الشفعة هاهنا ضرر غير موجود في محل الوفاق، وهو ما ذكرناه ~~فتعذر الإلحاق، فأما ما أمكن قسمته مما ذكرنا، كالحمام الكبير الواسع # PageV05P233 # البيوت، بحيث إذا قسم لم يستضر بالقسمة، وأمكن الانتفاع به حماما، فإن ~~الشفعة تجب فيه وكذلك البئر والدور والعضائد، متى أمكن أن يحصل من ذلك ~~شيئان، كالبئر ينقسم بئرين يرتقي الماء منهما، وجبت الشفعة. # وكذلك إن كان مع البئر بياض أرض، بحيث يحصل البئر في أحد النصيبين، وجبت ~~الشفعة أيضا؛ لأنه تمكن القسمة. وهكذا الرحى إن كان لها حصن يمكن قسمته، ~~بحيث يحصل الحجران في أحد القسمين، أو كان فيها أربعة أحجار دائرة، يمكن أن ~~ينفرد كل واحد منهما بحجرين، وجبت الشفعة، وإن لم يمكن إلا أن يحصل لكل ~~واحد منهما ما لم يتمكن من إبقائها رحى، لم تجب الشفعة. # فأما الطريق، فإن الدار إذا بيعت ولها طريق في شارع أو درب نافذ، فلا ~~شفعة في تلك الدار ولا في الطريق؛ لأنه لا شركة لأحد في ذلك. وإن كان ~~الطريق في درب غير نافذ، ولا طريق للدار سوى تلك الطريق، فلا شفعة أيضا؛ ~~لأن إثبات ذلك يضر بالمشتري، لأن الدار تبقى لا طريق لها. # وإن كان للدار باب آخر، يستطرق منه، أو كان لها موضع يفتح منه باب لها ~~إلى طريق نافذ، نظرنا في طريق المبيع من الدار، فإن كان ممرا لا تمكن ~~قسمته، فلا شفعة فيه، وإن كان تمكن قسمته، وجبت الشفعة فيه؛ لأنه أرض ~~مشتركة تحتمل القسمة فوجبت فيه الشفعة، كغير الطريق، ويحتمل أن لا تجب ~~الشفعة فيها بحال؛ لأن الضرر يلحق المشتري بتحويل الطريق إلى مكان آخر، مع ~~ما في الأخذ بالشفعة من تفريق صفقة المشتري، وأخذ بعض المبيع من العقار دون ~~بعض، فلم يجز. # كما لو كان الشريك في الطريق ms2613 شريكا في الدار، فأراد أخذ الطريق وحدها. ~~والقول في دهليز الجار وصحنه، كالقول في الطريق المملوك. وإن كان نصيب ~~المشتري من الطريق أكثر من حاجته، فذكر القاضي أن الشفعة تجب في الزائد بكل ~~حال؛ لوجود المقتضي، وعدم المانع. والصحيح أنه لا شفعة فيه؛ لأن في ثبوتها ~~تبعيض صفقة المشتري، ولا يخلو من الضرر. ### | [فصل من شروط الشفعة أن يكون الشقص منتقلا بعوض] # (4015) فصل: الشرط الرابع، أن يكون الشقص منتقلا بعوض، وأما المنتقل بغير ~~عوض، كالهبة بغير ثواب، والصدقة، والوصية، والإرث، فلا شفعة فيه، في قول ~~عامة أهل العلم؛ منهم مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وحكي عن مالك رواية أخرى في المنتقل بهبة أو صدقة، أن فيه الشفعة، ويأخذه ~~الشفيع بقيمته. وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى؛ لأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر ~~الشركة، وهذا موجود في الشركة كيفما كان، والضرر اللاحق بالمتهب دون ضرر ~~المشتري؛ لأن إقدام المشتري على شراء الشقص، وبذله ماله فيه، دليل حاجته ~~إليه، فانتزاعه منه أعظم ضررا من أخذه ممن لم يوجد منه دليل الحاجة إليه. ~~ولنا، أنه انتقل بغير عوض، أشبه الميراث، ولأن محل الوفاق هو البيع، والخبر ~~ورد فيه، وليس غيره في معناه؛ لأن الشفيع يأخذه من المشتري بمثل السبب الذي ~~انتقل به إليه، ولا يمكن هذا في غيره، # PageV05P234 # ولأن الشفيع يأخذ الشقص بثمنه، لا بقيمته، وفي غيره يأخذه بقيمته، ~~فافترقا. # فأما المنتقل بعوض فينقسم قسمين؛ أحدهما، ما عوضه المال، كالبيع، فهذا ~~فيه الشفعة بغير خلاف، وهو في حديث جابر، فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به. ~~وكذلك كل عقد جرى مجرى البيع، كالصلح بمعنى البيع، والصلح عن الجنايات ~~الموجبة للمال، والهبة المشروط فيها ثواب معلوم؛ لأن ذلك بيع ثبتت فيه ~~أحكام البيع، وهذا منها. وبه يقول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، إلا أن ~~أبا حنيفة وأصحابه قالوا: لا تثبت الشفعة في الهبة المشروط فيها ثواب حتى ~~يتقابضا؛ لأن الهبة لا تثبت إلا بالقبض، فأشبهت البيع بشرط الخيار. # ولنا، أنه يملكها بعوض هو مال، فلم يفتقر إلى ms2614 القبض في استحقاق الشفعة، ~~كالبيع، ولا يصح ما قالوه من اعتبار لفظ الهبة؛ لأن العوض صرف اللفظ عن ~~مقتضاه، وجعله عبارة عن البيع، خاصة عندهم، فإنه ينعقد بها النكاح الذي لا ~~تصح الهبة فيه بالاتفاق. # القسم الثاني، ما انتقل بعوض غير المال، نحو أن يجعل الشقص مهرا، أو عوضا ~~في الخلع، أو في الصلح عن دم العمد، فظاهر كلام الخرقي أنه لا شفعة فيه؛ ~~لأنه لم يتعرض في جميع مسائله لغير البيع. وهذا قول أبي بكر. وبه قال ~~الحسن، والشعبي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، حكاه عنهم ابن المنذر، واختاره. # وقال ابن حامد: تجب فيه الشفعة. وبه قال ابن شبرمة، والحارث العكلي، ~~ومالك، وابن أبي ليلى، والشافعي. ثم اختلفوا بم يأخذه؟ فقال ابن شبرمة، ~~وابن أبي ليلى: يأخذ الشقص بقيمته. قال القاضي: هو قياس قول ابن حامد؛ ~~لأننا لو أوجبنا مهر المثل، لقومنا البضع على الأجانب، وأضررنا بالشفيع؛ ~~لأن مهر المثل يتفاوت مع المسمى، لتسامح الناس فيه في العادة، بخلاف البيع. # وقال الشريف أبو جعفر، قال ابن حامد: إن كان الشقص صداقا، أو عوضا في ~~خلع، أو متعة في طلاق، أخذه الشفيع بمهر المرأة، وهو قول العكلي، والشافعي؛ ~~لأنه ملك الشقص ببدل ليس له مثل، فيجب الرجوع إلى قيمة البدل في الأخذ ~~بالشفعة، كما لو باعه بعوض، واحتجوا على أخذه بالشفعة بأنه عقار مملوك بعقد ~~معاوضة، فأشبه البيع. # ولنا، أنه مملوك بغير مال، أشبه الموهوب والموروث، ولأنه يمتنع أخذه بمهر ~~المثل؛ لما ذكره مالك، وبالقيمة لأنها ليست عوض الشقص، فلا يجوز الأخذ بها، ~~كالموروث، فيتعذر أخذه، ولأنه ليس له عوض يمكن الأخذ به، فأشبه الموهوب ~~والموروث، وفارق البيع، فإنه أمكن الأخذ بعوضه. # فإن قلنا: إنه يؤخذ بالشفعة. فطلق الزوج قبل الدخول، بعد عفو الشفيع، رجع ~~بنصف ما أصدقها؛ لأنه # PageV05P235 # موجود في يدها بصفته، وإن طلقها بعد أخذ الشفيع، رجع بنصف قيمته؛ لأن ~~ملكها زال عنه، فهو كما لو باعته، وإن طلق قبل علم الشفيع، ثم علم، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، حق الشفيع ms2615 مقدم؛ لأن حقه أسبق، لأنه يثبت بالنكاح، وحق ~~الزوج بالطلاق. # والثاني، حق الزوج أولى؛ لأنه ثبت بالنص والإجماع، والشفعة هاهنا لا نص ~~فيها ولا إجماع. فأما إن عفا الشفيع، ثم طلق الزوج، فرجع في نصف الشقص، لم ~~يستحق الشفيع الأخذ منه. وكذلك إن جاء الفسخ من قبل المرأة، فرجع الشقص كله ~~إلى الزوج، لم يستحق الشفيع أخذه؛ لأنه عاد إلى المالك لزوال العقد، فلم ~~يستحق به الشفيع، كالرد بالعيب. # وكذلك كل فسخ يرجع به الشقص إلى العاقد، كرده بعيب، أو مقايلة، أو اختلاف ~~المتبايعين، أو رده لغبن. وقد ذكرنا في الإقالة رواية أخرى، أنها بيع، ~~فتثبت فيها الشفعة. وهو قول أبي حنيفة. فعلى هذا لو لم يعلم الشفيع حتى ~~تقايلا، فله أن يأخذ من أيهما شاء. وإن عفا عن الشفعة في البيع، ثم تقايلا، ~~فله الأخذ بها. ### | [فصل جنى جنايتين عمدا وخطأ فصالحه منهما على شقص] # (4016) فصل: وإذا جنى جنايتين، عمدا وخطأ، فصالحه منهما على شقص، فالشفعة ~~في نصف الشقص دون باقيه. وبه قال أبو يوسف، ومحمد. # وهذا على الرواية التي نقول فيها: إن موجب العمد القصاص عينا. وإن قلنا: ~~موجبه أحد شيئين. وجبت الشفعة في الجميع. وقال أبو حنيفة: لا شفعة في ~~الجميع؛ لأن في الأخذ بها تبعيض الصفقة على المشتري. # ولنا، أن ما قابل الخطأ عوض عن مال، فوجبت فيه الشفعة، كما لو انفرد، ~~ولأن الصفقة جمعت ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب فيه، فوجبت فيما تجب فيه ~~دون الآخر، كما لو اشترى شقصا وسيفا. وبهذا الأصل يبطل ما ذكره. # وقول أبي حنيفة أقيس؛ لأن في الشفعة تبعيض الشقص على المشتري، وربما لا ~~يبقى منه إلا ما لا نفع فيه، فأشبه ما لو أراد أحد الشفيعين أخذ بعضه مع ~~عفو صاحبه، بخلاف مسألة الشقص والسيف. وأما إذا قلنا: إن الواجب أحد شيئين. ~~فباختياره الصلح سقط القصاص، وتعينت الدية، فكان الجميع عوضا عن المال. ### | [فصل لا تثبت الشفعة في بيع الخيار قبل انقضائه] # (4017) فصل: ولا تثبت الشفعة في ms2616 بيع الخيار قبل انقضائه، سواء كان الخيار ~~لهما أو لأحدهما وحده، أيهما كان. وقال أبو الخطاب: يتخرج أن تثبت الشفعة؛ ~~لأن الملك انتقل، فتثبت الشفعة في مدة الخيار، كما بعد انقضائه. وقال أبو ~~حنيفة: إن كان الخيار للبائع، أو لهما، لم تثبت الشفعة حتى ينقضي؛ لأن في ~~الأخذ بها # PageV05P236 # إسقاط حق البائع من الفسخ، وإلزام البيع في حقه بغير رضاه، ولأن الشفيع ~~إنما يأخذ من المشتري، ولم ينتقل الملك إليه. # وإن كان الخيار للمشتري، فقد انتقل الملك إليه، ولا حق لغيره فيه، ~~والشفيع يملك أخذه بعد لزوم البيع واستقرار الملك، فلأن يملك ذلك قبل لزومه ~~أولى، وعامة ما يقدر ثبوت الخيار له، وذلك لا يمنع الأخذ بالشفعة، كما لو ~~وجد به عيبا. وللشافعي قولان، كالمذهبين. # ولنا، أنه مبيع فيه الخيار، فلم تثبت فيه الشفعة، كما لو كان للبائع؛ ~~وذلك لأن الأخذ بالشفعة يلزم المشتري بالعقد بغير رضاه، ويوجب العهدة عليه، ~~ويفوت حقه من الرجوع في عين الثمن، فلم يجز، كما لو كان الخيار للبائع، ~~فإننا إنما منعنا من الشفعة لما فيه من إبطال خيار البائع، وتفويت حق ~~الرجوع عليه في عين مالهما، وهما في نظر الشرع على السواء. # وفارق الرد بالعيب؛ فإنه إنما ثبت لاستدراك الظلامة، وذلك يزول بأخذ ~~الشفيع، فإن باع الشفيع حصته في مدة الخيار، عالما ببيع الأول، سقطت شفعته، ~~وثبتت الشفعة فيما باعه للمشتري الأول، في الصحيح من المذهب. وفي وجه آخر، ~~أنه يثبت للبائع، بناء على الملك في مدة الخيار لمن هو منهما. وإن باعه قبل ~~علمه بالبيع، فكذلك. وهو مذهب الشافعي؛ لأن ملكه زال قبل ثبوت الشفعة. # ويتوجه على تخريج أبي الخطاب أن لا تسقط شفعته، فيكون له على هذا أخذ ~~الشقص من المشتري الأول، وللمشتري الأول أن يأخذ الشقص الذي باعه الشفيع من ~~مشتريه؛ لأنه كان شريكا للشفيع حين بيعه. ### | [فصل بيع المريض كبيع الصحيح في الصحة وثبوت الشفعة وسائر الأحكام] # (4018) فصل: وبيع المريض كبيع الصحيح، في الصحة، وثبوت الشفعة، وسائر ~~الأحكام، إذا باع ms2617 بثمن المثل، سواء كان لوارث أو غير وارث. وبهذا قال ~~الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يصح بيع المريض مرض الموت ~~لوارثه؛ لأنه محجور عليه في حقه، فلم يصح بيعه، كالصبي. # ولنا، أنه إنما حجر عليه في التبرع في حقه، فلم يمنع الصحة فيما سواه، ~~كالأجنبي إذا لم يزد على التبرع بالثلث؛ وذلك لأن الحجر في شيء لا يمنع صحة ~~غيره، كما أن الحجر على المرتهن في الرهن لا يمنع التصرف في غيره، والحجر ~~على المفلس في ماله لا يمنع التصرف في ذمته. فأما بيعه بالمحاباة، فلا ~~يخلو؛ إما أن يكون لوارث أو لغيره، فإن كان لوارث، بطلت المحاباة؛ لأنها في ~~المرض بمنزلة الوصية، والوصية لوارث لا تجوز، ويبطل البيع في قدر المحاباة ~~من المبيع. وهل يصح فيما عداه؟ على ثلاثة أوجه؛ أحدها، لا يصح؛ لأن المشتري ~~بذل الثمن في كل المبيع، فلم يصح في بعضه، كما لو قال: بعتك هذا الثوب ~~بعشرة. فقال: قبلت البيع في نصفه. أو قال: قبلته بخمسة. # أو قال: قبلت نصفه بخمسة. ولأنه لم يمكن تصحيح البيع على الوجه الذي ~~تواجبا عليه، فلم يصح، كتفريق الصفقة. # PageV05P237 # الثاني، أنه يبطل البيع في قدر المحاباة ويصح فيما يقابل الثمن المسمى، ~~وللمشتري الخيار بين الأخذ والفسخ؛ لأن الصفقة تفرقت عليه، وللشفيع أخذ ما ~~صح البيع فيه. # وإنما قلنا بالصحة؛ لأن البطلان إنما جاء من المحاباة، فاختص بما قابلها. ~~الوجه الثالث، أنه يصح في الجميع، ويقف على إجازة الورثة، لأن الوصية ~~للوارث صحيحة، في أصح الروايتين، وتقف على إجازة الورثة، فكذلك المحاباة ~~له، فإن أجازوا المحاباة، صح البيع في الجميع، ولا خيار للمشتري، ويملك ~~الشفيع الأخذ به؛ لأنه يأخذ بالثمن، وإن ردوا، بطل البيع في قدر المحاباة، ~~وصح فيما بقي. # ولا يملك الشفيع الأخذ قبل إجازة الورثة أو ردهم؛ لأن حقهم متعلق ~~بالمبيع، فلم يملك إبطاله، وله أخذ ما صح البيع فيه. وإن اختار المشتري ~~الرد في هذه الصورة، وفي التي قبلها، واختار الشفيع الأخذ بالشفعة، قدم ms2618 ~~الشفيع؛ لأنه لا ضرر على المشتري، ويجري مجرى المعيب إذا رضيه الشفيع ~~بعيبه. القسم الثاني، إذا كان المشتري أجنبيا، والشفيع أجنبي، فإن لم تزد ~~المحاباة على الثلث، صح البيع، وللشفيع الأخذ بها بذلك الثمن؛ لأن البيع ~~حصل به، فلا يمنع منها كون المبيع مسترخصا، وإن زادت على الثلث، فالحكم فيه ~~حكم أصل المحاباة في حق الوارث. # وإن كان الشفيع وارثا، ففيه وجهان؛ أحدهما، له الأخذ بالشفعة؛ لأن ~~المحاباة وقعت لغيره، فلم يمنع منها تمكن الوارث من أخذها، كما لو وهب غريم ~~وارثه مالا، فأخذه الوارث. والثاني، يصح البيع، ولا تجب الشفعة. وهو قول ~~أصحاب أبي حنيفة؛ لأننا لو أثبتناها جعلنا للموروث سبيلا إلى إثبات حق ~~لوارثه في المحاباة، ويفارق الهبة لغريم الوارث؛ لأن استحقاق الوارث الأخذ ~~بدينه لا من جهة الهبة، وهذا استحقاقه بالبيع الحاصل من موروثه، فافترقا. # ولأصحاب الشافعي في هذا خمسة أوجه، وجهان كهذين. والثالث، أن البيع باطل ~~من أصله؛ لإفضائه إلى إيصال المحاباة إلى الوارث. وهذا فاسد؛ لأن الشفعة ~~فرع للبيع. ولا يبطل الأصل ببطلان فرع له وعلى الوجه الأول، ما حصلت للوارث ~~بالمحاباة، إنما حصلت لغيره، ووصلت إليه بجهة الأخذ من المشتري، فأشبه هبة ~~غريم الوارث. # الوجه الرابع، أن للشفيع أن يأخذ بقدر ما عدا المحاباة بقدره من الثمن، ~~بمنزلة هبة المقابل للمحاباة؛ لأن المحاباة بالنصف مثلا هبة للنصف. وهذا لا ~~يصح؛ لأنه لو كان بمنزلة هبة النصف، ما كان للشفيع الأجنبي أخذ الكل، لأن ~~الموهوب لا شفعة فيه. # PageV05P238 # الخامس، أن البيع يبطل في قدر المحاباة، وهذا فاسد؛ لأنها محاباة لأجنبي ~~بما دون الثلث، فلا تبطل، كما لو لم يكن الشقص مشفوعا. ### | [فصل يملك الشفيع الشقص بأخذه بكل لفظ يدل على أخذه] # (4019) فصل: ويملك الشفيع الشقص بأخذه بكل لفظ يدل على أخذه، بأن يقول: ~~قد أخذته بالثمن. أو تملكته بالثمن. أو نحو ذلك، إذا كان الثمن والشقص ~~معلومين، ولا يفتقر إلى حكم حاكم. وبهذا قال الشافعي. وقال القاضي، وأبو ~~الخطاب: يملكه بالمطالبة؛ لأن البيع السابق سبب، ms2619 فإذا انضمت إليه المطالبة، ~~كان كالإيجاب في البيع انضم إليه القبول. وقال أبو حنيفة: يحصل بحكم ~~الحاكم؛ لأنه نقل للملك عن مالكه إلى غيره قهرا فافتقر إلى حكم الحاكم، ~~كأخذ دينه. # ولنا، أنه حق ثبت بالنص والإجماع، فلم يفتقر إلى حاكم، كالرد بالعيب. وما ~~ذكروه ينتقض بهذا الأصل، وبأخذ الزوج نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول، ولأنه ~~مال يتملكه قهرا، فملكه بالأخذ، كالغنائم والمباحات، وملكه باللفظ الدال ~~على الأخذ؛ لأنه بيع في الحقيقة، لكن الشفيع يستقل به، فانتقل باللفظ الدال ~~عليه. # وقولهم: يملك بالمطالبة بمجردها. لا يصح؛ لأنه لو ملك بها لما سقطت ~~الشفعة بالعفو بعد المطالبة، ولوجب أنه إذا كان له شفيعان. فطلبا الشفعة، ~~ثم ترك أحدهما، أن يكون للآخر أخذ قدر نصيبه، ولا يملك أخذ نصيب صاحبه. إذا ~~ثبت هذا، فإنه إذا قال: قد أخذت الشقص بالثمن الذي تم عليه العقد. وهو عالم ~~بقدره، وبالمبيع، صح الأخذ، وملك الشقص، ولا خيار له، ولا للمشتري؛ لأن ~~الشقص يؤخذ قهرا، والمقهور لا خيار له، والآخذ قهرا، لا خيار له أيضا ~~كمسترجع المبيع لعيب في ثمنه، أو الثمن لعيب في المبيع. # وإن كان الثمن مجهولا أو الشقص، لم يملكه بذلك؛ لأنه بيع في الحقيقة، ~~فيعتبر العلم بالعوضين، كسائر البيوع. وله المطالبة بالشفعة، ثم يتعرف ~~مقدار الثمن من المشتري، أو من غيره، والمبيع، فيأخذه بثمنه. ويحتمل أن له ~~الأخذ مع جهالة الشقص، بناء على بيع الغائب. ### | [فصل أراد الشفيع أخذ الشقص وكان في يد المشتري] # (4020) فصل: وإذا أراد الشفيع أخذ الشقص، وكان في يد المشتري، أخذه منه، ~~وإن كان في يد البائع، أخذه منه وكان كأخذه من المشتري. هذا قياس المذهب. ~~وهو قول أبي حنيفة؛ لأن العقد يلزم في بيع العقار قبل قبضه، ويدخل المبيع ~~في ملك المشتري وضمانه، ويجوز له التصرف فيه بنفس العقد، فصار كما لو قبضه ~~المشتري. # وقال القاضي: ليس له أخذه من البائع، ويجبر الحاكم المشتري على قبضه، ثم ~~يأخذه الشفيع منه. وهذا أحد الوجهين لأصحاب # PageV05P239 # الشافعي؛ لأن الشفيع ms2620 يشتري الشقص من المشتري، فلا يأخذه من غيره. وبنوا ~~ذلك على أن المبيع لا يتم إلا بالقبض، فإذا فات القبض بطل العقد، وسقطت ~~الشفعة. ### | [فصل أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري البيع فهل للشفيع الأخذ بالشفعة] # (4021) فصل: وإذا أقر البائع بالبيع، وأنكر المشتري، ففيه وجهان؛ أحدهما، ~~للشفيع الأخذ بالشفعة. وهو قول أبي حنيفة، والمزني. والثاني، ليس له الأخذ ~~بها. ونصره الشريف أبو جعفر في " مسائله ". وهو قول مالك، وابن شريح؛ لأن ~~الشفعة فرع للبيع، ولم يثبت فلا يثبت فرعه، ولأن الشفيع إنما يأخذ الشقص من ~~المشتري، وإذا أنكر البيع لم يمكن الأخذ منه. # ووجه الأول، أن البائع أقر بحقين؛ حق للشفيع، وحق للمشتري، فإذا سقط حق ~~المشتري بإنكاره، ثبت حق الشفيع، كما لو أقر بدار لرجلين، فأنكر أحدهما، ~~ولأنه أقر للشفيع أنه مستحق لأخذ هذه الدار، والشفيع يدعي ذلك، فوجب قبوله، ~~كما لو أقر أنها ملكه. فعلى هذا يقبض الشفيع من البائع، ويسلم إليه الثمن، ~~ويكون درك الشفيع على البائع، لأن القبض منه، ولم يثبت الشراء في حق ~~المشتري. وليس للشفيع ولا للبائع محاكمة المشتري؛ ليثبت البيع في حقه، ~~وتكون العهدة عليه؛ لأن مقصود البائع الثمن، وقد حصل من الشفيع، ومقصود ~~الشفيع أخذ الشقص وضمان العهدة، وقد حصل من البائع، فلا فائدة في المحاكمة. # فإن قيل: أليس لو ادعى على رجل دينا، فقال آخر: أنا أدفع إليك الدين الذي ~~تدعيه، ولا تخاصمه. لا يلزمه قبوله، فهل لا قلتم هاهنا كذلك؟ قلنا: في ~~الدين عليه منة في قبوله من غير غريمه، وها هنا بخلافه، ولأن البائع يدعي ~~أن الثمن الذي يدفعه الشفيع حق للمشتري عوضا عن هذا المبيع، فصار كالنائب ~~عن المشتري في دفع الثمن، والبائع كالنائب عنه في دفع الشقص، بخلاف الدين، ~~فإن كان البائع مقرا بقبض الثمن من المشتري، بقي الثمن الذي على الشفيع لا ~~يدعيه أحد؛ لأن البائع يقول: هو للمشتري. والمشتري يقول: لا أستحقه. ففيه ~~ثلاثة أوجه؛ أحدها، أن يقال للمشتري: إما أن تقبضه، وإما أن تبرئ منه. ms2621 ~~والثاني، يأخذه الحاكم عنده. والثالث، يبقى في ذمة الشفيع. وفي جميع ذلك ~~متى ادعاه البائع أو المشتري، دفع إليه؛ لأنه لأحدهما. # وإن تداعياه جميعا، فأقر المشتري بالبيع، وأنكر البائع قبض الثمن، فهو ~~للمشتري؛ لأن البائع قد أقر له به، ولأن البائع إذا أنكر القبض، لم يكن ~~مدعيا لهذا الثمن؛ لأن البائع لا يستحق على الشفيع ثمنا، إنما يستحقه على ~~المشتري، وقد أقر بالقبض منه، وأما المشتري فإنه يدعيه، وقد أقر له ~~باستحقاقه، فوجب دفعه إليه. # PageV05P240 ### | [مسألة لم يطالب بالشفعة في وقت علمه بالبيع] # (4022) مسألة؛ قال: (ومن لم يطالب بالشفعة في وقت علمه بالبيع، فلا شفعة ~~له) الصحيح في المذهب أن حق الشفعة على الفور، إن طالب بها ساعة يعلم ~~بالبيع، وإلا بطلت. نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، فقال: الشفعة ~~بالمواثبة ساعة يعلم. وهذا قول ابن شبرمة، والبتي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ~~والعنبري، والشافعي في أحد قوليه. # وحكي عن أحمد رواية ثانية، أن الشفعة على التراخي لا تسقط، ما لم يوجد ~~منه ما يدل على الرضى، من عفو، أو مطالبة بقسمة، ونحو ذلك. وهذا قول مالك، ~~وقول الشافعي، إلا أن مالكا قال: تنقطع بمضي سنة. وعنه: بمضي مدة يعلم أنه ~~تارك لها؛ لأن هذا الخيار لا ضرر في تراخيه، فلم يسقط بالتأخير، كحق ~~القصاص. # وبيان عدم الضرر أن النفع للمشتري باستغلال المبيع وإن أحدث فيه عمارة، ~~من غراس أو بناء، فله قيمته. وحكي عن ابن أبي ليلى، والثوري، أن الخيار ~~مقدر بثلاثة أيام. وهو قول للشافعي؛ لأن الثلاث حد بها خيار الشرط، فصلحت ~~حدا لهذا الخيار. والله أعلم ولنا، ما روى ابن البيلماني، عن أبيه، عن عمر، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الشفعة كحل العقال» . وفي لفظ ~~أنه قال: «الشفعة كنشطة العقال، إن قيدت ثبتت، وإن تركت فاللوم على من ~~تركها» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «، أنه قال: الشفعة لمن ~~واثبها» . رواه الفقهاء في كتبهم # ، ولأنه خيار # لدفع # الضرر عن المال، فكان على الفور، كخيار ms2622 الرد بالعيب، ولأن إثباته على ~~التراخي يضر المشتري لكونه لا يستقر ملكه على المبيع، ويمنعه من التصرف ~~بعمارة خشية أخذه منه، ولا يندفع عنه الضرر بدفع قيمته؛ لأن خسارتها في ~~الغالب أكثر من قيمتها، مع تعب قلبه وبدنه فيها. # والتحديد بثلاثة أيام تحكم لا دليل عليه، والأصل المقيس عليه ممنوع، ثم ~~هو باطل بخيار الرد بالعيب. وإذا تقرر هذا، فقال ابن حامد: يتقدر الخيار ~~بالمجلس. وهو قول أبي حنيفة. فمتى طالب في مجلس العلم، ثبتت الشفعة وإن ~~طال؛ لأن المجلس كله في حكم حالة العقد، بدليل أن القبض فيه لما يشترط فيه ~~القبض، كالقبض حالة العقد. # وظاهر كلام الخرقي أنه لا يتقدر بالمجلس، بل متى بادر فطالب عقيب علمه، ~~وإلا بطلت شفعته. وهذا ظاهر كلام أحمد، وقول الشافعي؛ لما ذكرنا من الخبر ~~والمعنى. # وما ذكروه يبطل بخيار الرد بالعيب. فعلى هذا متى أخر المطالبة عن وقت ~~العلم لغير عذر، بطلت شفعته، وإن أخرها لعذر، مثل أن يعلم ليلا فيؤخره إلى ~~الصبح، أو لشدة جوع أو عطش حتى يأكل ويشرب، أو لطهارة أو إغلاق باب، أو ~~ليخرج من الحمام، أو ليؤذن ويقيم ويأتي بالصلاة وسننها، أو ليشهدها في ~~جماعة يخاف # PageV05P241 # فوتها، لم تبطل شفعته؛ لأن العادة تقديم هذه الحوائج على غيرها، فلا يكون ~~الاشتغال بها رضى بترك الشفعة، إلا أن يكون المشتري حاضرا عنده في هذه ~~الأحوال، فيمكنه أن يطالبه من غير اشتغاله عن أشغاله، فإن شفعته تبطل بتركه ~~المطالبة؛ لأن هذا لا يشغله عنها، ولا تشغله المطالبة عنه. # فأما مع غيبته فلا؛ لأن العادة تقديم هذه الحوائج، فلم يلزمه تأخيرها، ~~كما لو أمكنه أن يسرع في مشيه، أو يحرك دابته، فلم يفعل، ومضى على حسب ~~عادته، لم تسقط شفعته؛ لأنه طلب بحكم العادة. وإذا فرغ من حوائجه، مضى على ~~حسب عادته إلى المشتري، فإذا لقيه بدأه بالسلام؛ لأن ذلك السنة، وقد جاء في ~~الحديث: «من بدأ بالكلام قبل السلام، فلا تجيبوه» . ثم يطالب. # وإن قال بعد السلام: بارك الله لك ms2623 في صفقة يمينك. أو دعا له بالمغفرة ~~ونحو ذلك، لم تبطل شفعته؛ لأن ذلك يتصل بالسلام، فيكون من جملته، والدعاء ~~له بالبركة في الصفقة دعاء لنفسه؛ لأن الشقص يرجع إليه، فلا يكون ذلك رضى. ~~وإن اشتغل بكلام آخر، أو سكت لغير حاجة، بطلت شفعته؛ لما قدمنا. ### | [فصل أخبره بالبيع مخبر فصدقه ولم يطالب بالشفعة] # فصل: فإن أخبره بالبيع مخبر، فصدقه، ولم يطالب بالشفعة، بطلت شفعته، سواء ~~كان المخبر ممن يقبل خبره أو لا يقبل؛ لأن العلم قد يحصل بخبر من لا يقبل ~~خبره، لقرائن دالة على صدقه. وإن قال: لم أصدقه. وكان المخبر ممن يحكم ~~بشهادته، كرجلين عدلين، بطلت شفعته؛ لأن قولهما حجة تثبت بها الحقوق. # وإن كان ممن لا يعمل بقوله، كالفاسق والصبي، لم تبطل شفعته. وحكي عن أبي ~~يوسف أنها تسقط؛ لأنه خبر يعمل به في الشرع، في الإذن في دخول الدار وشبهه، ~~فسقطت به الشفعة، كخبر العدل. ولنا، أنه خبر لا يقبل في الشرع، فأشبه قول ~~الطفل والمجنون. وإن أخبره رجل عدل، أو مستور الحال، سقطت شفعته. # ويحتمل أن لا تسقط. ويروى هذا عن أبي حنيفة، وزفر؛ لأن الواحد لا تقوم به ~~البينة. ولنا، أنه خبر لا تعتبر فيه الشهادة، فقبل من العدل، كالرواية ~~والفتيا وسائر الأخبار الدينية. وفارق الشهادة فإنه يحتاط لها باللفظ، ~~والمجلس، وحضور المدعى عليه، وإنكاره، ولأن الشهادة يعارضها إنكار المنكر، ~~وتوجب الحق عليه، بخلاف هذا الخبر. # والمرأة في ذلك كالرجل، والعبد كالحر. وقال القاضي: هما كالفاسق والصبي. ~~وهذا مذهب الشافعي؛ لأن قولهما لا يثبت به حق. ولنا، أن هذا خبر وليس ~~بشهادة، فاستوى فيه الرجل والمرأة، والعبد والحر، كالرواية # PageV05P242 # والأخبار الدينية. والعبد من أهل الشهادة فيما عدا الحدود والقصاص، وهذا ~~مما عداها، فأشبه الحر. ### | [فصل أظهر المشتري أن الثمن أكثر مما وقع العقد به فترك الشفيع الشفعة] # (4024) فصل: إذا أظهر المشتري أن الثمن أكثر مما وقع العقد به، فترك ~~الشفيع الشفعة، لم تسقط الشفعة بذلك. وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي، ~~ومالك، إلا أنه ms2624 قال بعد أن يحلف: ما سلمت الشفعة إلا لمكان الثمن الكثير. ~~وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة له؛ لأنه سلم ورضي. # ولنا أنه تركها للعذر، فإنه لا يرضاه بالثمن الكثير، ويرضاه بالقليل، وقد ~~لا يكون معه الكثير، فلم تسقط بذلك، كما لو تركها لعدم العلم. وكذلك إن ~~أظهر أن المبيع سهام قليلة، فبانت كثيرة، أو أظهر أنهما تبايعا بدنانير، ~~فبان أنها دراهم، أو بدراهم فبانت دنانير. وبهذا قال الشافعي، وزفر. وقال ~~أبو حنيفة، وصاحباه: إن كانت قيمتهما سواء، سقطت الشفعة؛ لأنهما كالجنس ~~الواحد. ولنا، أنهما جنسان، فأشبها الثياب والحيوان، ولأنه قد يملك بالنقد ~~الذي وقع به البيع دون ما أظهره، فيتركه لعدم ملكه له. # وكذلك إن أظهر أنه اشتراه بنقد، فبان أنه اشتراه بعرض، أو بعرض فبان أنه ~~بنقد، أو بنوع من العرض فبان أنه بغيره، أو اشتراه مشتر فبان أنه اشتراه ~~لغيره، أو أظهر أنه اشتراه لغيره فبان أنه اشتراه له، أو أنه اشتراه لإنسان ~~فبان أنه اشتراه لغيره؛ لأنه قد يرضى شركة إنسان دون غيره، وقد يحابي ~~إنسانا أو يخافه، فيترك لذلك. وكذلك إن أظهر أنه اشترى الكل بثمن فبان أنه ~~اشترى نصفه بنصفه، أو أنه اشترى نصفه بثمن فبان أنه اشترى جميعه بضعفه، أو ~~أنه اشترى الشقص وحده فبان أنه اشتراه هو أو غيره، أو أنه اشتراه هو وغيره ~~فبان أنه اشتراه وحده، لم تسقط الشفعة في جميع ذلك. # لأنه قد يكون له غرض فيما أبطنه دون ما أظهره، فيترك لذلك، فلم تسقط ~~شفعته كما لو أظهر أنه اشتراه بثمن فبان أقل منه. # فأما إن أظهر أنه اشتراه بثمن فبان أنه اشتراه بأكثر، أو أنه اشترى الكل ~~بثمن فبان أنه اشترى به بعضه، سقطت شفعته؛ لأن الضرر فيما أبطنه أكثر، فإذا ~~لم يرض به بالثمن القليل مع قلة ضرره، فبالكثير أولى. ### | [فصل لقيه الشفيع في غير بلده فلم يطالبه] # (4025) فصل: وإن لقيه الشفيع في غير بلده فلم يطالبه، وقال: إنما تركت ~~المطالبة لأطالبه في البلد الذي فيه ms2625 البيع، أو المبيع، أو لآخذ الشقص في ~~موضع الشفعة. سقطت شفعته؛ لأن ذلك ليس بعذر في ترك المطالبة فإنها لا تقف ~~على تسليم الشقص، ولا على حضور البلد الذي هو فيه. # وإن قال: نسيت، فلم أذكر المطالبة. أو نسيت البيع. سقطت شفعته؛ لأنها ~~خيار على الفور، فإذا أخره نسيانا بطل، كالرد بالعيب، وكما لو أمكنت ~~المعتقة زوجها من وطئها نسيانا. ويحتمل أن لا تسقط المطالبة؛ لأنه تركها ~~لعذر، فأشبه ما لو تركها لعدم علمه بها. وإن تركها جهلا باستحقاقه لها، ~~بطلت، كالرد بالعيب. # PageV05P243 ### | [فصل قال الشفيع للمشتري بعني ما اشتريت أو قاسمني] # (4026) فصل: وإذا قال الشفيع للمشتري: بعني ما اشتريت. أو قاسمني. بطلت ~~شفعته؛ لأنه يدل على رضاه بشرائه وتركه للشفعة. وإن قال: صالحني على مال. ~~سقطت. أيضا. # وقال القاضي: لا تسقط؛ لأنه لم يرض بإسقاطها، وإنما رضي بالمعاوضة عنها، ~~ولم تثبت المعاوضة، فبقيت الشفعة. ولنا، أنه رضي بتركها، وطلب عوضها، فثبت ~~الترك المرضي به، ولم يثبت العوض. كما لو قال: بعني. فلم يبعه. ولأن ترك ~~المطالبة بها كاف في سقوطها، فمع طلب عوضها أولى. # ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين. فإن صالحه عنها بعوض، لم يصح. وبه قال أبو ~~حنيفة والشافعي. وقال مالك: يصح؛ لأنه عوض عن إزالة ملك، فجاز أخذ العوض ~~عنه كتمليك امرأة أمرها. ولنا، أنه خيار لا يسقط إلى مال، فلم يجز أخذ ~~العوض عنه، كخيار الشرط. ويبطل ما قاله بخيار الشرط. وأما الخلع فهو معاوضة ~~عما ملكه بعوض، وها هنا بخلافه. ### | [فصل قال الشفيع آخذ نصف الشقص] # (4027) فصل: وإن قال: آخذ نصف الشقص. سقطت شفعته. وبهذا قال محمد بن ~~الحسن، وبعض أصحاب الشافعي. وقال أبو يوسف: لا تسقط؛ لأن طلبه ببعضها طلب ~~بجميعها، لكونها لا تتبعض، ولا يجوز أخذ بعضها. # ولنا، أنه تارك لطلب بعضها، فيسقط، ويسقط باقيها؛ لأنها لا تتبعض. ولا ~~يصح ما ذكره؛ فإن طلب بعضها ليس بطلب لجميعها، وما لا يتبعض لا يثبت حتى ~~يثبت السبب في جميعه، كالنكاح. ويخالف السقوط؛ فإن الجميع يسقط ms2626 بوجود السبب ~~في بعضه، كالطلاق والعتاق. ### | [فصل أخذ الشفيع الشقص بثمن مغصوب] # (4028) فصل: وإن أخذ الشقص بثمن مغصوب، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا تسقط ~~شفعته؛ لأنه بالعقد استحق الشقص بمثل ثمنه في الذمة، فإذا عينه فيما لا ~~يملكه، سقط التعيين، وبقي الاستحقاق في الذمة، فأشبه ما لو أخر الثمن، أو ~~كما لو اشترى شيئا آخر، ونقد فيه ثمنا مغصوبا. والثاني، تسقط شفعته؛ لأن ~~أخذه للشقص بما لا يصح أخذه به ترك له، وإعراض عنه، فتسقط الشفعة، كما لو ~~ترك الطلب بها. ### | [فصل وجبت له الشفعة فباع نصيبه عالما بذلك] # (4029) فصل: ومن وجبت له الشفعة، فباع نصيبه عالما بذلك، سقطت شفعته؛ ~~لأنه لم يبق له ملك يستحق به، ولأن الشفعة ثبتت له لإزالة الضرر الحاصل ~~بالشركة عنه، وقد زال ذلك ببيعه. وإن باع بعضه، ففيه وجهان؛ # PageV05P244 # أحدهما، تسقط أيضا؛ لأنها استحقت بجميعه، فإذا باع بعضه سقط ما تعلق بذلك ~~من استحقاق الشفعة، فيسقط باقيها، لأنها لا تتبعض، فيسقط جميعها بسقوط ~~بعضها، كالنكاح والرق، وكما لو عفا عن بعضها. # والثاني، لا تسقط؛ لأنه قد بقي من نصيبه ما يستحق به الشفعة في جميع ~~المبيع لو انفرد، فكذلك إذا بقي. وللمشتري الأول الشفعة على المشتري الثاني ~~في المسألة الأولى، وفي الثانية إذا قلنا بسقوط شفعة البائع الأول؛ لأنه ~~شريك في المبيع، وإن قلنا: لا تسقط شفعة البائع. فله أخذ الشقص من المشتري ~~الأول. وهل للمشتري الأول شفعة على المشتري الثاني؟ فيه وجهان؛ أحدهما، له ~~الشفعة؛ لأنه شريك، فإن الملك ثابت له يملك التصرف فيه بجميع التصرفات، ~~ويستحق نماءه وفوائده، واستحقاق الشفعة به من فوائده. # والثاني، لا شفعة له؛ لأن ملكه يوجد بها، فلا تؤخذ الشفعة به، ولأن ملكه ~~متزلزل ضعيف، فلا يستحق الشفعة به لضعفه. والأول أقيس؛ فإن استحقاق أخذه ~~منه لا يمنع أن يستحق به الشفعة، كالصداق قبل الدخول، والشقص الموهوب ~~للولد. # فعلى هذا للمشتري الأول الشفعة على المشتري الثاني، سواء أخذ منه المبيع ~~بالشفعة أو لم يأخذ، وللبائع الثاني إذا باع بعض ms2627 الشقص الأخذ من المشتري ~~الأول، في أحد الوجهين. فأما إن باع الشفيع ملكه قبل علمه بالبيع الأول، ~~فقال القاضي: تسقط شفعته أيضا؛ لما ذكرناه، ولأنه زال السبب الذي يستحق به ~~الشفعة، وهو الملك الذي يخاف الضرر بسببه، فصار كمن اشترى معيبا، فلم يعلم ~~عيبه حتى زال أو حتى باعه. فعلى هذا، حكمه حكم ما لو باع مع علمه، سواء ~~فيما إذا باع جميعه أو بعضه. # وقال أبو الخطاب: لا تسقط شفعته لأنها ثبتت له ولم يوجد منه رضى بتركها، ~~ولا ما يدل على إسقاطها، والأصل بقاؤها فتبقى. وفارق ما إذا علم، فإن بيعه ~~دليل على رضاه بتركها، فعلى هذا، للبائع الثاني أخذ الشقص من المشتري ~~الأول، فإن عفا عنه، فللمشتري الأول أخذ الشقص من المشتري الثاني، وإن أخذ ~~منه، فهل للمشتري الأول الأخذ من الثاني؟ على وجهين. ### | [مسألة كان الشفيع غائبا وعلم بالبيع في وقت قدومه] # (4030) مسألة؛ قال: (ومن كان غائبا، وعلم بالبيع في وقت قدومه، فله ~~الشفعة، وإن طالت غيبته) . وجملة ذلك أن الغائب له شفعة. في قول أكثر أهل ~~العلم. روي ذلك عن شريح، والحسن، وعطاء. وبه قال مالك، والليث، والثوري، ~~والأوزاعي، والشافعي، والعنبري، وأصحاب الرأي. # PageV05P245 # وروي عن النخعي: ليس للغائب شفعة وبه قال الحارث العكلي، والبتي، إلا ~~للغائب القريب؛ لأن إثبات الشفعة له يضر بالمشتري، ويمنع من استقرار ملكه ~~وتصرفه على حسب اختياره، خوفا من أخذه، فلم يثبت ذلك كثبوته للحاضر على ~~التراخي. # ولنا، عموم «قوله - عليه السلام -: الشفعة فيما لم يقسم» . وسائر ~~الأحاديث، ولأن الشفعة حق مالي وجد سببه بالنسبة إلى الغائب، فيثبت له، ~~كالإرث، ولأنه شريك لم يعلم بالبيع، فتثبت له الشفعة عند علمه، كالحاضر إذا ~~كتم عنه البيع، والغائب غيبة قريبة، وضرر المشتري يندفع بإيجاب القيمة له، ~~كما في الصور المذكورة. # إذا ثبت هذا، فإنه إذا لم يعلم بالبيع إلا وقت قدومه، فله المطالبة وإن ~~طالت غيبته؛ لأن هذا الخيار يثبت لإزالة الضرر عن المال، فتراخي الزمان قبل ~~العلم به لا يسقطه، كالرد بالعيب، ms2628 ومتى علم فحكمه في المطالبة حكم الحاضر، ~~في أنه إن طالب على الفور استحق، وإلا بطلت شفعته، وحكم المريض والمحبوس ~~وسائر من لم يعلم البيع لعذر حكم الغائب؛ لما ذكرنا. ### | [مسألة الشفيع علم بالبيع وهو في السفر فلم يشهد على مطالبته بالشفعة] # (4031) مسألة؛ قال: (وإن علم وهو في السفر، فلم يشهد على مطالبته، فلا ~~شفعة له) ظاهر هذا أنه متى علم الغائب بالبيع، وقدر على الإشهاد وعلى ~~المطالبة فلم يفعل، أن شفعته تسقط، سواء قدر على التوكيل أو عجز عنه، أو ~~سار عقيب العلم أو أقام. وهو ظاهر كلام أحمد، في رواية أبي طالب، في ~~الغائب: له الشفعة إذا بلغه أشهد، وإلا فليس له شيء. # وهو وجه للشافعي، والوجه الآخر لا يحتاج إلى الإشهاد؛ لأنه ثبت عذره، ~~فالظاهر أنه ترك الشفعة لذلك. فقبل قوله فيه. ولنا، أنه قد يترك الطلب ~~للعذر، وقد يتركه لغيره، وقد يسير لطلب الشفعة، وقد يسير لغيره، وقد قدر أن ~~يبين ذلك بالإشهاد، فإذا لم يفعل سقطت شفعته، كتارك الطلب مع حضوره. وقال ~~القاضي: إن سار عقيب علمه إلى البلد الذي فيه المشتري من غير إشهاد، احتمل ~~أن لا تبطل شفعته؛ لأن ظاهر سيره أنه للطلب. وهو قول أصحاب الرأي، ~~والعنبري، وقول للشافعي. # وقال أصحاب الرأي: له من الأجل بعد العلم قدر السير، فإن مضى الأجل قبل ~~أن يبعث أو يطلب، بطلت شفعته. وقال العنبري: له مسافة الطريق ذاهبا وجائيا؛ ~~لأن عذره في ترك الطلب ظاهر، فلم يحتج معه إلى الشهادة. وقد ذكرنا وجه قول ~~الخرقي. # ولا خلاف في أنه إذا عجز عن الإشهاد في سفره، أن شفعته لا تسقط؛ لأنه ~~معذور في تركه، فأشبه ما لو ترك الطلب لعذر # PageV05P246 # أو لعدم العلم، ومتى قدر على الإشهاد فأخره، كان كتأخير الطلب للشفعة، إن ~~كان لعذر لم تسقط الشفعة، وإن كان لغير عذر سقطت؛ لأن الإشهاد قائم مقام ~~الطلب، ونائب عنه، فيعتبر له ما يعتبر للطلب. # ومن لم يقدر إلا على إشهاد من لا تقبل شهادته، كالصبي ms2629 والمرأة والفاسق، ~~فترك الإشهاد، لم تسقط شفعته بتركه؛ لأن قولهم غير معتبر، فلم يلزم إشهادهم ~~كالأطفال والمجانين. وإن لم يجد من يشهده إلا من لا يقدم معه إلى موضع ~~المطالبة، فلم يشهد، فالأولى أن شفعته لا تبطل؛ لأن إشهاده لا يفيد، فأشبه ~~إشهاد من لا تقبل شهادته. # فإن لم يجد إلا مستوري الحال، فلم يشهدهما، احتمل أن تبطل شفعته؛ لأن ~~شهادتهما يمكن إثباتها بالتزكية، فأشبها العدلين، ويحتمل أن لا تبطل؛ لأنه ~~يحتاج في إثبات شهادتهما إلى كلفة كثيرة، وقد لا يقدر على ذلك، فلا تقبل ~~شهادتهما، وإن أشهدهما لم تبطل شفعته، سواء قبلت شهادتهما أو لم تقبل؛ لأنه ~~لم يمكنه أكثر من ذلك، فأشبه العاجز عن الإشهاد. وكذلك إن لم يقدر إلا على ~~إشهاد واحد، فأشهده، أو ترك إشهاده. ### | [فصل أشهد الشفيع على المطالبة ثم أخر القدوم مع إمكانه] # فصل: إذا أشهد على المطالبة، ثم أخر القدوم مع إمكانه، فظاهر كلام الخرقي ~~أن الشفعة بحالها. وقال القاضي: تبطل شفعته وإن لم يقدر على المسير، وقدر ~~على التوكيل في طلبها، فلم يفعل، بطلت أيضا؛ لأنه تارك للطلب بها مع قدرته ~~عليه، فسقطت، كالحاضر، أو كما لو لم يشهد. # وهذا مذهب الشافعي، إلا أن لهم فيما إذا قدر على التوكيل فلم يفعل وجهين؛ ~~أحدهما، لا تسقط شفعته؛ لأن له غرضا بأن يطالب لنفسه، لكونه أقوم بذلك أو ~~يخاف الضرر من جهة وكيله، بأن يقر عليه برشوة أو غير ذلك، فيلزمه إقراره، ~~فكان معذورا. # ولنا، أن عليه في السفر ضررا، لالتزامه كلفته، وقد يكون له حوائج وتجارة ~~ينقطع عنها، وتضيع بغيبته، والتوكيل إن كان بجعل لزمه غرم، وإن كان بغير ~~جعل لزمته منة. ويخاف الضرر من جهته، فاكتفى بالإشهاد. # فأما إن ترك السفر، لعجزه عنه، أو لضرر يلحقه فيه، لم تبطل شفعته، وجها ~~واحدا؛ لأنه معذور، فأشبه من لم يعلم. وإن لم يقدر على الإشهاد، وأمكنه ~~السفر أو التوكيل، فلم يفعل، بطلت شفعته؛ لأنه تارك للطلب بها مع إمكانه، ~~من غير وجود ما ms2630 يقوم مقام الطلب، فسقطت، كما لو كان حاضرا. ### | [فصل كان مريضا مرضا لا يمنع المطالبة بالشفعة] # (4033) فصل: ومن كان مريضا مرضا لا يمنع المطالبة، كالصداع اليسير، ~~والألم القليل، فهو كالصحيح. وإن # PageV05P247 # كان مرضا يمنع المطالبة، كالحمى وأشباهها، فهو كالغائب في الإشهاد ~~والتوكيل. وأما المحبوس، فإن كان محبوسا ظلما أو بدين لا يمكنه أداؤه، فهو ~~كالمريض، وإن كان محبوسا بحق يلزمه أداؤه، وهو قادر عليه، فهو كالمطلق، إن ~~لم يبادر إلى المطالبة، ولم يوكل فيها، بطلت شفعته؛ لأنه تركها مع القدرة ~~عليها. ### | [مسألة لم يعلم الشفيع بالبيع حتى تبايع ذلك ثلاثة أو أكثر] # (4034) مسألة؛ قال: (فإن لم يعلم حتى تبايع ذلك ثلاثة أو أكثر، كان له أن ~~يطالب بالشفعة من شاء منهم، فإن طالب الأول، رجع الثاني بالثمن الذي أخذ ~~منه، والثالث على الثاني) # وجملة ذلك، أن المشتري إذا تصرف في المبيع قبل أخذ الشفيع، أو قبل علمه، ~~فتصرفه صحيح؛ لأنه ملكه، وصح قبضه له، ولم يبق إلا أن الشفيع ملك أن يتملكه ~~عليه، وذلك لا يمنع من تصرفه، كما لو كان أحد العوضين في البيع معيبا، لم ~~يمنع التصرف في الآخر، والموهوب له يجوز له التصرف في الهبة. # وإن كان الواهب ممن له الرجوع فيه، فمتى تصرف فيه تصرفا صحيحا تجب به ~~الشفعة، مثل أن باعه، فالشفيع بالخيار، إن شاء فسخ البيع الثاني وأخذه ~~بالبيع الأول بثمنه؛ لأن الشفعة وجبت له قبل تصرف المشتري، وإن شاء أمضى ~~تصرفه وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني؛ لأنه شفيع في العقدين، فكان له ~~الأخذ بما شاء منهما. # وإن تبايع ذلك ثلاثة، فله أن يأخذ المبيع بالبيع الأول، وينفسخ العقدان ~~الأخيران، وله أن يأخذه بالثاني، وينفسخ الثالث وحده، وله أن يأخذه ~~بالثالث، ولا ينفسخ شيء من العقود، فإذا أخذه من الثالث، دفع إليه الثمن ~~الذي اشترى به، ولم يرجع على أحد؛ لأنه وصل إليه الثمن الذي اشترى به، وإن ~~أخذ من الثاني الثمن دفع إليه الذي اشترى به، ورجع الثالث عليه بما أعطاه؛ ~~لأنه قد ms2631 انفسخ عقده، وأخذ الشقص منه، فيرجع بثمنه على الثاني؛ لأنه أخذه ~~منه، وإن أخذ بالبيع الأول، دفع إلى المشتري الأول الثمن الذي اشترى به، ~~وانفسخ عقد الآخرين، ورجع الثالث على الثاني بما أعطاه، ورجع الثاني على ~~الأول بما أعطاه، فإذا كان الأول اشتراه بعشرة، ثم اشتراه الثاني بعشرين، ~~ثم اشتراه الثالث بثلاثين، فأخذه بالبيع الأول، دفع إلى الأول عشرة، وأخذ ~~الثاني من الأول عشرين، وأخذ الثالث من الثاني ثلاثين؛ لأن الشقص إنما يؤخذ ~~من الثالث، لكونه في يده وقد انفسخ عقده، فيرجع بثمنه الذي ورثه. ولا نعلم ~~في هذا خلافا. # وبه يقول مالك، والشافعي، والعنبري، وأصحاب الرأي. وما كان في معنى البيع ~~مما تجب به الشفعة، فهو كالبيع، فيما ذكرنا، وما كان مما لا تجب به الشفعة، ~~فهو كالهبة والوقف، على ما سنذكره، إن شاء الله تعالى. # PageV05P248 ### | [فصل تصرف المشتري في الشقص بما لا تجب به الشفعة] # (4035) فصل: وإن تصرف المشتري في الشقص بما لا تجب به الشفعة، كالوقف ~~والهبة والرهن، وجعله مسجدا، فقال أبو بكر: للشفيع فسخ ذلك التصرف، ويأخذه ~~بالثمن الذي وقع البيع به. # وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن الشفيع ملك فسخ البيع الثاني ~~والثالث، مع إمكان الأخذ بهما، فلأن يملك فسخ عقد لا يمكنه الأخذ به أولى، ~~ولأن حق الشفيع أسبق، وجنبته أقوى، فلم يملك المشتري أن يتصرف تصرفا يبطل ~~حقه. # ولا يمتنع أن يبطل الوقف لأجل حق الغير، كما لو وقف المريض أملاكه وعليه ~~دين، فإنه إذا مات، رد الوقف إلى الغرماء والورثة فيما زاد على ثلثه، بل ~~لهم إبطال العتق، فالوقف أولى. وقال القاضي: المنصوص عن أحمد، في رواية علي ~~بن سعيد، وبكر بن محمد، إسقاط الشفعة فيما إذا تصرف بالوقف والهبة. # وحكي ذلك عن الماسرجسي في الوقف؛ لأن الشفعة إنما تثبت في المملوك، وقد ~~خرج هذا عن كونه مملوكا. # وقال ابن أبي موسى: من اشترى دارا، فجعلها مسجدا، فقد استهلكها، ولا شفعة ~~فيها. ولأن في الشفعة هاهنا إضرارا بالموهوب له، والموقوف عليه؛ ms2632 لأن ملكه ~~يزول عنه بغير عوض، ولا يزال الضرر بالضرر، بخلاف البيع، فإنه إذا فسخ ~~البيع الثاني، رجع المشتري الثاني بالثمن الذي أخذ منه، فلا يلحقه ضرر، ~~ولأن ثبوت الشفعة هاهنا يوجب رد العوض إلى غير المالك، وسلبه عن المالك، ~~فإذا قلنا بسقوط الشفعة، فلا كلام، وإن قلنا بثبوتها، فإن الشفيع يأخذ ~~الشقص ممن هو في يده، ويفسخ عقده، ويدفع الثمن إلى المشتري. # وحكي عن مالك أنه يكون للموهوب له؛ لأنه يأخذ ملكه. ولنا، أن الشفيع يبطل ~~الهبة، ويأخذ الشقص بحكم العقد الأول، ولو لم يكن وهب، كان الثمن له، كذلك ~~بعد الهبة المفسوخة. ### | [فصل جعل الشقص صداقا أو عوضا في خلع أو صلح عن دم عمد] # (4036) فصل: فإن جعله صداقا، أو عوضا في خلع أو صلح عن دم عمد، انبنى ذلك ~~على الوجهين في الأخذ بالشفعة: فإن قايل البائع المشتري، أو رده عليه بعيب، ~~فللشفيع فسخ الإقالة والرد، والأخذ بالشفعة؛ لأن حقه سابق عليهما، ولا ~~يمكنه الأخذ معهما. # وإن تحالفا على الثمن، وفسخا البيع، فللشفيع أن يأخذ الشقص بما حلف عليه ~~البائع؛ لأن البائع مقر بالبيع بالثمن الذي حلف عليه، ومقر للشفيع باستحقاق ~~الشفعة بذلك، فإذا بطل حق المشتري بإنكاره، لم يبطل حق الشفيع بذلك، وله أن ~~يبطل فسخهما ويأخذ؛ لأن حقه أسبق. # PageV05P249 ### | [فصل اشترى شقصا بعبد ثم وجد بائع الشقص بالعبد عيبا] # فصل: وإن اشترى شقصا بعبد، ثم وجد بائع الشقص بالعبد عيبا، فله رد العبد ~~واسترجاع الشقص، ويقدم على حق الشفيع؛ لأن في تقديم حق الشفيع إضرارا ~~بالبائع، بإسقاط حقه في الفسخ الذي استحقه، والشفعة تثبت لإزالة الضرر، فلا ~~تثبت على وجه يحصل بها الضرر، فإن الضرر لا يزال بالضرر. # وقال أصحاب الشافعي، في أحد الوجهين: يقدم حق الشفيع؛ لأن حقه أسبق، فوجب ~~تقديمه، كما لو وجد المشتري بالشقص عيبا فرده. # ولنا، أن في الشفعة إبطال حق البائع، وحقه أسبق؛ لأنه استند إلى وجود ~~العيب، وهو موجود حال البيع، والشفعة ثبتت بالبيع، فكان حق البائع سابقا، ~~وفي ms2633 الشفعة إبطاله، فلم تثبت، ويفارق ما إذا كان الشقص معيبا، فإن حق ~~المشتري إنما هو في استرجاع الثمن، وقد حصل له من الشفيع، فلا فائدة في ~~الرد، وفي مسألتنا حق البائع في استرجاع الشقص، ولا يحصل ذلك مع الأخذ ~~بالشفعة، فافترقا. # فإن لم يرد البائع العبد المعيب حتى أخذ الشفيع، كان له رد العبد، ولم ~~يملك استرجاع المبيع؛ لأن الشفيع ملكه بالأخذ، فلم يملك البائع إبطال ملكه، ~~كما لو باعه المشتري لأجنبي، فإن الشفعة بيع في الحقيقة، ولكن يرجع بقيمة ~~الشقص؛ لأنه بمنزلة التالف، والمشتري قد أخذ من الشفيع قيمة العبد، فهل ~~يترجعان؟ فيه وجهان؛ أحدهما، لا يتراجعان؛ لأن الشفيع أخذ بالثمن الذي وقع ~~عليه العقد، وهو قيمة العبد صحيحا لا عيب فيه، بدليل أن البائع إذا علم ~~بالعيب ملك رده. # ويحتمل أن يأخذه بقيمته معيبا؛ لأنه إنما أعطى عبدا معيبا، فلا يأخذ قيمة ~~غير ما أعطى. والثاني، يتراجعان؛ لأن الشفيع إنما يأخذ بالثمن الذي استقر ~~عليه العقد، والذي استقر عليه العقد قيمة الشقص، فإذا قلنا: يتراجعان. ~~فأيهما كان ما دفعه أكثر، رجع بالفضل على صاحبه، وإن لم يرد البائع العبد، ~~ولكن أخذ أرشه، لم يرجع المشتري على الشفيع بشيء؛ لأنه إنما دفع إليه قيمة ~~العبد غير معيب. # وإن أدى قيمته معيبا رجع المشتري عليه، بما أدى من أرشه. وإن عفا عنه، ~~ولم يأخذ أرشا، لم يرجع الشفيع عليه بشيء؛ لأن البيع لازم من جهة المشتري، ~~لا يملك فسخه، فأشبه ما لو حط عنه بعض الثمن # PageV05P250 # بعد لزوم العقد. # وإن عاد الشقص إلى المشتري، ببيع أو هبة أو إرث أو غيره، فليس للبائع ~~أخذه بالبيع الأول لأن ملك المشتري زال عنه، وانقطع حقه منه، وانتقل حقه ~~إلى القيمة، فإذا أخذها لم يبق له بخلاف ما لو غصب شيئا لم يقدر على رده، ~~فأدى قيمته، ثم قدر عليه، فإنه يرده؛ لأن ملك المغصوب لم يزل عنه. ### | [فصل كان ثمن الشقص مكيلا أو موزونا فتلف قبل قبضه] # (4038) فصل: ولو كان ثمن الشقص ms2634 مكيلا أو موزونا، فتلف قبل قبضه، بطل ~~البيع، وبطلت الشفعة؛ لأنه تعذر التسليم، فتعذر إمضاء العقد، فلم تثبت ~~الشفعة، كما لو فسخ البيع في مدة الخيار، بخلاف الإقالة والرد بالعيب. وإن ~~كان الشفيع قد أخذ الشقص، فهو كما لو أخذه في المسألة التي قبلها؛ لأن ~~لمشتري الشقص التصرف فيه قبل تقبيض ثمنه، فأشبه ما لو اشتراه منه أجنبي. ### | [فصل اشترى شقصا بعبد أو ثمن معين فخرج مستحقا] # (4039) فصل: وإن اشترى شقصا بعبد أو ثمن معين، فخرج مستحقا، فالبيع باطل، ~~ولا شفعة فيه لأنها إنما تثبت في عقد ينقل الملك إلى المشتري، وهو العقد ~~الصحيح، فأما الباطل فوجوده كعدمه. فإن كان الشفيع قد أخذ بالشفعة، لزمه رد ~~ما أخذ على البائع، ولا يثبت ذلك إلا ببينة أو إقرار من الشفيع والمتبايعين # فإن أقر المتبايعان، وأنكر الشفيع، لم يقبل قولهما عليه، وله الأخذ ~~بالشفعة، ويرد العبد على صاحبه، ويرجع البائع على المشتري بقيمة الشقص. وإن ~~أقر الشفيع والمشتري دون البائع، لم تثبت الشفعة، ووجب على المشتري رد قيمة ~~العبد على صاحبه، ويبقى الشقص معه يزعم أنه للبائع، والبائع ينكره، ويدعي ~~عليه وجوب رد العبد، والبائع ينكره، فيشتري الشقص منه، ويتبارآن. # وإن أقر الشفيع والبائع وأنكر المشتري، وجب على البائع رد العبد على ~~صاحبه، ولم تثبت الشفعة، ولم يملك البائع مطالبة المشتري بشيء؛ لأن البيع ~~صحيح في الظاهر، وقد أدى ثمنه الذي هو ملكه في الظاهر. # وإن أقر الشفيع وحده، لم تثبت الشفعة، ولا يثبت شيء من أحكام البطلان في ~~حق المتبايعين. فأما إن اشترى الشقص بثمن في الذمة، ثم نفد الثمن فبان ~~مستحقا، كانت الشفعة واجبة؛ لأن البيع صحيح، فإن تعذر قبض الثمن من المشتري ~~لإعساره أو غيره، فللبائع فسخ البيع، ويقدم حق الشفيع؛ لأن الأخذ بها يحصل ~~للمشتري ما يوفيه ثمنا، فتزول عسرته، ويحصل الجمع بين الحقين، فكان أولى. ### | [فصل قال البائع للشفيع أقلني فأقاله] # (4040) فصل: وإذا وجبت الشفعة، وقضى القاضي بها، والشقص في يد البائع، ~~ودفع الثمن إلى المشتري، فقال ms2635 البائع # PageV05P251 # للشفيع: أقلني. فأقاله، لم تصح الإقالة؛ لأنها تصح بين المتبايعين، وليس ~~بين الشفيع والبائع بيع، وإنما هو مشتر من المشتري. # فإن باعه إياه، صح البيع؛ لأن العقار يجوز التصرف فيه قبل قبضه. ### | [مسألة للصغير إذا كبر المطالبة بالشفعة] # (4041) مسألة؛ قال: (وللصغير إذا كبر المطالبة بالشفعة) وجملة ذلك، أنه ~~إذا بيع في شركة الصغير شقص، ثبتت له الشفعة، في قول عامة الفقهاء، منهم ~~الحسن، وعطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وسوار، والعنبري، وأصحاب الرأي. # وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة له. وروي ذلك عن النخعي، والحارث العكلي لأن ~~الصبي لا يمكنه الأخذ، ولا يمكن انتظاره حتى يبلغ. لما فيه من الإضرار ~~بالمشتري، وليس للولي الأخذ؛ لأن من لا يملك العفو لا يملك الأخذ. # ولنا، عموم الأحاديث، ولأنه خيار جعل لإزالة الضرر عن المال، فيثبت في حق ~~الصبي كخيار الرد بالعيب. وقولهم: لا يمكن الأخذ. غير صحيح؛ فإن الولي يأخذ ~~بها، كما يرد المعيب. قولهم: لا يمكنه العفو. يبطل بالوكيل فيه، وبالرد ~~بالعيب، فإن ولي الصبي لا يمكنه العفو، ويمكنه الرد. ولأن في الأخذ تحصيلا ~~للملك للصبي، ونظرا له، وفي العفو تضييع وتفريط في حقه، ولا يلزم من ملك ما ~~فيه الحظ ملك ما فيه تضييع، ولأن العفو إسقاط لحقه، والأخذ استيفاء له، ولا ~~يلزم من ملك الولي استيفاء حق المولى عليه، ملك إسقاطه، بدليل سائر حقوقه ~~وديونه. # وإن لم يأخذ الولي، انتظر بلوغ الصبي، كما ينتظر قدوم الغائب. وما ذكروه ~~من الضرر في الانتظار، يبطل بالغائب. إذا ثبت هذا، فإن ظاهر قول الخرقي، أن ~~للصغير إذا كبر الأخذ بها، سواء عفا عنها الولي أو لم يعف، وسواء كان الحظ ~~في الأخذ بها، أو في تركها. # وهو ظاهر كلام أحمد، في رواية ابن منصور: له الشفعة إذا بلغ فاختار. ولم ~~يفرق. وهذا قول الأوزاعي، وزفر، ومحمد بن الحسن، وحكاه بعض أصحاب الشافعي ~~عنه؛ لأن المستحق للشفعة يملك الأخذ بها، سواء كان له الحظ فيها أو لم يكن، ~~فلم يسقط بترك غيره، كالغائب إذا ms2636 ترك وكيله الأخذ بها. # وقال أبو عبد الله بن حامد: إن تركها الولي لحظ الصبي، أو لأنه ليس للصبي ~~ما يأخذها به، سقطت وهذا ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن الولي فعل ما له فعله، فلم ~~يجز للصبي نقضه، كالرد بالعيب، ولأنه فعل ما فيه الحظ للصبي، فصح، كالأخذ ~~مع الحظ. وإن تركها لغير ذلك، لم تسقط. # وقال أبو حنيفة: تسقط بعفو الولي عنها في الحالين؛ لأن من ملك الأخذ بها ~~ملك العفو عنها، كالمالك. وخالفه صاحباه في هذا؛ لأنه أسقط حقا للمولى ~~عليه، لا حظ له في إسقاطه، فلم يصح كالإبراء، وإسقاط خيار الرد بالعيب. # PageV05P252 # ولا يصح قياس الولي على المالك؛ لأن للمالك التبرع والإبراء وما لا حظ له ~~فيه، بخلاف الولي. ### | [فصل كان للصبي حظ في الأخذ بالشفعة] # (4042) فصل: فأما الولي، فإن كان للصبي حظ في الأخذ بها، مثل أن يكون ~~الشراء رخيصا، أو بثمن المثل وللصبي مال لشراء العقار، لزم وليه الأخذ ~~بالشفعة؛ لأن عليه الاحتياط له، والأخذ بما فيه الحظ، فإذا أخذ بها، ثبت ~~الملك للصبي، ولم يملك نقضه بعد البلوغ، في قول أكثر أهل العلم، منهم مالك، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال الأوزاعي: ليس للولي الأخذ بها؛ لأنه لا يملك العفو عنها، فلا يملك ~~الأخذ بها، كالأجنبي، وإنما يأخذ بها الصبي إذا كبر. ولا يصح هذا؛ لأنه ~~خيار جعل لإزالة الضرر عن المال، فملكه الولي في حق الصبي، كالرد بالعيب، ~~وقد ذكرنا فساد قياسه فيما مضى. # فإن تركها الولي مع الحظ فللصبي الأخذ بها إذا كبر، ولا يلزم الولي لذلك ~~غرم؛ لأنه لم يفوت شيئا من ماله، وإنما ترك تحصيل ماله الحظ فيه، فأشبه ما ~~لو ترك شراء العقار له مع الحظ في شرائه، وإن كان الحظ في تركها، مثل أن ~~يكون المشتري قد غبن، أو كان في الأخذ بها يحتاج إلى أن يستقرض ويرهن مال ~~الصبي، فليس له الأخذ؛ لأنه لا يملك فعل ما لا حظ للصبي فيه. # فإن أخذ، فهل يصح؟ على روايتين؛ إحداهما، لا يصح، ms2637 ويكون باقيا على ملك ~~المشتري؛ لأنه اشترى له ما لا يملك شراءه، فلم يصح، كما لو اشترى بزيادة ~~كثيرة على ثمن المثل، أو اشترى معيبا يعلم عيبه، ولا يملك الولي المبيع؛ ~~لأن الشفعة تؤخذ بحق الشركة، ولا شركة للولي، ولذلك لو أراد الأخذ لنفسه، ~~لم يصح، فأشبه ما لو تزوج لغيره بغير إذنه، فإنه يقع باطلا، ولا يصح لواحد ~~منهما كذا هاهنا. # وهذا مذهب الشافعي. والرواية الثانية، يصح الأخذ للصبي؛ لأنه اشترى له ما ~~يندفع عنه الضرر به، فصح، كما لو اشترى معيبا لا يعلم عيبه، والحظ يختلف ~~ويخفى، فقد يكون له حظ في الأخذ بأكثر من ثمن المثل، لزيادة قيمة ملكه ~~والشقص الذي يشتريه بزوال الشركة، أو لأن الضرر الذي يندفع بأخذه كثير، فلا ~~يمكن اعتبار الحظ بنفسه لخفائه، ولا بكثرة الثمن لما ذكرناه، فسقط اعتباره، ~~وصح البيع. ### | [فصل باع وصي الأيتام فباع لأحدهم نصيبا في شركة آخر] # (4043) فصل: وإذا باع وصي الأيتام، فباع لأحدهم نصيبا في شركة آخر، كان ~~له الأخذ للآخر بالشفعة؛ لأنه كالشراء له. وإن كان الوصي شريكا لمن باع ~~عليه، لم يكن له الأخذ؛ لأنه متهم في بيعه، ولأنه بمنزلة من يشتري لنفسه من ~~مال يتيمه. # ولو باع الوصي نصيبه، كان له الأخذ لليتيم بالشفعة، إذا كان له الحظ ~~فيها؛ لأن التهمة منتفية، فإنه لا يقدر على الزيادة في ثمنه، لكون المشتري ~~لا يوافقه، ولأن الثمن حاصل له من # PageV05P253 # المشتري، كحصوله من اليتيم، بخلاف بيعه مال اليتيم، فإنه يمكنه تقليل ~~الثمن ليأخذ الشقص به، فإذا رفع الأمر إلى الحاكم، فباع عليه، فللوصي الأخذ ~~حينئذ؛ لعدم التهمة، وإن كان مكان الوصي أب، فباع شقص الصبي، فله أن يأخذه ~~بالشفعة؛ لأن له أن يشتري من نفسه مال ولده، لعدم التهمة. # وإن بيع شقص في شركة حمل، لم يكن لوليه أن يأخذ له بالشفعة؛ لأنه لا يمكن ~~تمليكه بغير الوصية. وإذا ولد الحمل ثم كبر، فله الأخذ بالشفعة، كالصبي إذا ~~كبر. ### | [فصل عفا ولي الصبي عن شفعته التي ms2638 له فيها حظ ثم أراد الأخذ بها] # (4044) فصل: وإذا عفا ولي الصبي عن شفعته التي له فيها حظ، ثم أراد الأخذ ~~بها، فله ذلك، في قياس المذهب؛ لأنها لم تسقط بإسقاطه، ولذلك ملك الصبي ~~الأخذ بها إذا كبر، ولو سقطت لم يملك الأخذ بها. ويحتمل أن لا يملك الأخذ ~~بها؛ لأن ذلك يؤدي إلى ثبوت حق الشفعة على التراخي، وذلك على خلاف الخبر ~~والمعنى. # ويخالف أخذ الصبي بها إذا كبر؛ لأن الحق يتجدد له عند كبره، فلا يملك ~~تأخيره حينئذ، وكذلك أخذ الغائب بها إذا قدم. فأما إن تركها لعدم الحظ ~~فيها، ثم أراد الأخذ بها، والأمر على ما كان، لم يملك ذلك كما لم يملكه ~~ابتداء. # وإن صار فيها حظ، أو كان معسرا عند البيع فأيسر بعد ذلك، انبنى ذلك على ~~سقوطها بذلك؛ فإن قلنا: لا تسقط، وللصبي الأخذ بها إذا كبر. فحكمها حكم ما ~~فيه الحظ، وإن قلنا: تسقط. فليس له الأخذ بها بحال؛ لأنها قد سقطت على ~~الإطلاق، فأشبه ما لو عفا الكبير عن شفعته. # (4045) فصل: والحكم في المجنون المطبق كالحكم في الصبي سواء؛ لأنه محجور ~~عليه لحظه، وكذلك السفيه لذلك، وأما المغمى عليه فلا ولاية عليه، وحكمه حكم ~~الغائب والمجنون ينتظر إفاقته. # وأما المفلس، فله الأخذ بالشفعة، والعفو عنها، وليس لغرمائه الأخذ بها؛ ~~لأن الملك لم يثبت لهم في أملاكه قبل قسمتها، ولا إجباره على الأخذ بها؛ ~~لأنها معاوضة، فلا يجبر عليها، كسائر المعاوضات. وليس لهم إجباره على ~~العفو؛ لأنه إسقاط حق، فلا يجبر عليه. # وسواء كان له حظ في الأخذ بها، أو لم يكن؛ لأنه يأخذ في ذمته، وليس ~~بمحجور عليه في ذمته، لكن لهم منعه من دفع ماله في ثمنها؛ لتعلق حقوقهم ~~بماله، فأشبه ما لو اشترى في ذمته شقصا غير هذا. ومتى ملك الشقص المأخوذ ~~بالشفعة، تعلقت حقوق الغرماء به، سواء أخذه برضاهم أو بغيره؛ لأنه مال له، ~~فأشبه ما لو اكتسبه. # وأما المكاتب، فله الأخذ والترك، وليس لسيده الاعتراض عليه؛ لأن التصرف ms2639 ~~يقع له دون سيده. فأما المأذون له في التجارة من العبيد، فله الأخذ ~~بالشفعة؛ لأنه مأذون له في الشراء، وإن عفا عنها لم ينفذ عفوه؛ # PageV05P254 # لأن الملك لسيده، ولم يأذن له في إبطال حقوقه. # وإن أسقطها السيد، سقطت، ولم يكن للعبد أن يأخذ؛ لأن للسيد الحجر عليه، ~~ولأن الحق قد أسقطه مستحقه، فيسقط بإسقاطه. ### | [فصل بيع شقص في شركة مال المضاربة] # (4046) فصل: وإذا بيع شقص في شركة مال المضاربة، فللعامل الأخذ بها إذا ~~كان الحظ فيها، فإن تركها فلرب المال الأخذ؛ لأن مال المضاربة ملكه. ولا ~~ينفذ عفو العامل؛ لأن الملك لغيره فلم ينفذ عفوه، كالمأذون له. وإن اشترى ~~المضارب بمال المضاربة شقصا في شركة رب المال، فهل لرب المال فيه شفعة؟ على ~~وجهين، مبنيين على شراء رب المال من مال المضاربة، وقد ذكرناهما. وإن كان ~~المضارب شفيعه، ولا ربح في المال، فله الأخذ بها؛ لأن الملك لغيره. # وإن كان فيه ربح، وقلنا: لا يملك بالظهور. فكذلك، وإن قلنا: يملك ~~بالظهور. ففيه وجهان كرب المال. ومذهب الشافعي في هذا كله على ما ذكرنا. ~~فإن باع المضارب شقصا في شركته، لم يكن له أخذه بالشفعة؛ لأنه متهم فأشبه ~~شراءه من نفسه. ### | [فصل لا شفعة بشركة الوقف] # (4047) فصل: ولا شفعة بشركة الوقف. ذكره القاضيان؛ ابن أبي موسى، وأبو ~~يعلى، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنه لا يؤخذ بالشفعة، فلا تجب فيه، كالمجاور ~~وغير المنقسم، ولأننا إن قلنا: هو غير مملوك. فالموقوف عليه غير مالك، وإن ~~قلنا: هو مملوك. فملكه غير تام؛ لأنه لا يفيد إباحة التصرف في الرقبة، فلا ~~يملك به ملكا تاما. # وقال أبو الخطاب: إن قلنا: هو مملوك. وجبت به الشفعة؛ لأنه مملوك بيع في ~~شركته شقص، فوجبت به الشفعة كالطلق، ولأن الضرر يندفع عنه بالشفعة كالطلق، ~~فوجبت فيه، كوجوبها في الطلق، وإنما لم يستحق بالشفعة؛ لأن الأخذ بيع، وهو ~~مما لا يجوز بيعه. ### | [مسألة بناء المشتري وغرسه في الشقص المشفوع على وجه مباح] # (4048) مسألة؛ قال: (وإذا بنى المشتري أعطاه الشفيع ms2640 قيمة بنائه، إلا أن ~~يشاء المشتري أن يأخذ بناءه، فله ذلك، إذا لم يكن في أخذه ضرر) وجملته أنه ~~يتصور بناء المشتري وغرسه في الشقص المشفوع على وجه مباح في مسائل: منها، ~~أن يظهر المشتري أنه وهب له، أو أنه اشتراه بأكثر من ثمنه، أو غير ذلك مما ~~يمنع الشفيع من الأخذ بها، فيتركها ويقاسمه، ثم يبني المشتري ويغرس فيه. # PageV05P255 # ومنها، أن يكون غائبا فيقاسمه وكيله، أو صغيرا فيقاسمه وليه، ونحو ذلك، ~~ثم يقدم الغائب، أو يبلغ الصغير، فيأخذ بالشفعة. وكذلك إن كان غائبا أو ~~صغيرا، فطالب المشتري الحاكم بالقسمة، فقاسم، ثم قدم الغائب، وبلغ الصغير، ~~فأخذه بالشفعة بعد غرس المشتري وبنائه، فإن للمشتري قلع غرسه وبنائه، إن ~~اختار ذلك؛ لأنه ملكه، فإذا قلعه فليس عليه تسوية الحفر، ولا نقص الأرض. ~~ذكره القاضي. # وهو مذهب الشافعي؛ لأنه غرس وبنى في ملكه، وما حدث من النقص إنما حدث في ~~ملكه، وذلك مما لا يقابله ثمن. وظاهر كلام الخرقي أن عليه ضمان النقص ~~الحاصل بالقلع؛ لأنه اشترط في قلع الغرس والبناء عدم الضرر، وذلك لأنه نقص ~~دخل على ملك غيره لأجل تخليص ملكه، فلزمه ضمانه، كما لو كسر محبرة غيره ~~لإخراج ديناره منها. وقولهم: إن النقص حصل في ملكه. ليس كذلك؛ فإن النقص ~~الحاصل بالقلع إنما هو في ملك الشفيع. # فأما نقص الأرض الحاصل بالغرس والبناء فلا يضمنه؛ لما ذكروه. فإن لم يختر ~~المشتري القلع، فالشفيع بالخيار بين ثلاثة أشياء؛ ترك الشفعة، وبين دفع ~~قيمة الغراس والبناء فيملكه مع الأرض، وبين قلع الغرس والبناء، ويضمن له ما ~~نقص بالقلع. وبهذا قال الشعبي، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، ومالك، والليث، ~~والشافعي، والبتي، وسوار، وإسحاق. # وقال حماد بن أبي سليمان، والثوري وأصحاب الرأي: يكلف المشتري القلع، ولا ~~شيء له؛ لأنه بنى فيما استحق غيره أخذه، فأشبه الغاصب، ولأنه بنى في حق ~~غيره بغير إذنه، فأشبه ما لو بانت مستحقة. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» . # ولا يزول الضرر عنهما إلا ms2641 بذلك، ولأنه بنى في ملكه الذي تملك بيعه، فلم ~~يكلف قلعه مع الإضرار، كما لو لم يكن مشفوعا. وفارق ما قاسوا عليه، فإنه ~~بنى في ملك غيره، ولأنه عرق ظالم، وليس لعرق ظالم حق، بخلاف مسألتنا، فإنه ~~غير ظالم، فيكون له حق. إذا ثبت هذا، فإنه لا يمكن إيجاب قيمته مستحقا ~~للبقاء في الأرض؛ لأنه لا يستحق ذلك، ولا قيمته مقلوعا؛ لأنه لو وجبت قيمته ~~مقلوعا لملك قلعه، ولم يضمن شيئا، ولأنه قد يكون مما لا قيمة له إذا قلعه. # ولم يذكر أصحابنا كيفية وجوب القيمة، فالظاهر أن الأرض تقوم وفيها الغراس ~~والبناء، ثم تقوم خالية منهما، فيكون ما بينهما قيمة الغرس والبناء، فيدفعه ~~الشفيع إلى المشتري إن أحب، أو ما نقص منه إن اختار القلع؛ لأن ذلك هو الذي ~~زاد بالغرس والبناء. # ويحتمل أن يقوم الغرس والبناء مستحقا للترك بالأجرة أو لأخذه بالقيمة إذا ~~امتنعا من قلعه، فإن كان للغرس وقت يقلع فيه فيكون له قيمة، وإن قلع قبله ~~لم يكن له قيمة، أو تكون قيمته قليلة، فاختار الشفيع قلعه قبل وقته، فله ~~ذلك؛ لأنه يضمن النقص فيجبر # PageV05P256 # به ضرر المشتري، سواء كثر النقص أو قل، ويعود ضرر كثرة النقص على الشفيع، ~~وقد رضي باحتماله. # وإن غرس أو بنى مع الشفيع أو وكيله في المشاع، ثم أخذه الشفيع، فالحكم في ~~أخذ نصيبه من ذلك كالحكم في أخذ جميعه بعد المقاسمة. ### | [فصل زرع في الأرض المشفوعة] # (4049) فصل: وإن زرع في الأرض، فللشفيع الأخذ بالشفعة، ويبقى زرع المشتري ~~إلى أوان الحصاد؛ لأن ضرره لا يتباقى، ولا أجرة عليه؛ لأنه زرعه في ملكه، ~~ولأن الشفيع اشترى الأرض وفيها زرع للبائع، فكان له مبقى إلى الحصاد بلا ~~أجرة، كغير المشفوع. # وإن كان في الشجر ثمر ظاهر، أثمر في ملك المشتري، فهو له مبقى إلى ~~الجذاذ، كالزرع. ### | [فصل نما الشقص المبيع في يد المشتري في الشفعة] # (4050) فصل: وإذا نما المبيع في يد المشتري، لم يخل من حالين؛ أحدهما، أن ~~يكون نماء متصلا، كالشجر إذا ms2642 كثر، أو ثمرة غير ظاهرة، فإن الشفيع يأخذه ~~بزيادته؛ لأن هذه زيادة غير متميزة. فتبعت الأصل، كما لو رد بعيب أو خيار ~~أو إقالة. # فإن قيل: فلم لا يرجع الزوج في نصفه زائدا إذا طلق قبل الدخول؟ قلنا: لأن ~~الزوج يقدر على الرجوع بالقيمة، إذا فاته الرجوع بالعين، وفي مسألتنا إذا ~~لم يرجع في الشقص، سقط حقه من الشفعة، فلم يسقط حقه من الأصل لأجل ما حدث ~~من البائع، وإذا أخذ الأصل تبعه نماؤه المتصل، كما ذكرنا في الفسوخ كلها. # الحال الثاني، أن تكون الزيادة منفصلة، كالغلة، والأجرة، والطلع المؤبر، ~~والثمرة الظاهرة، فهي للمشتري، لا حق للشفيع فيها؛ لأنها حدثت في ملكه، ~~وتكون للمشتري مبقاة في رءوس النخل إلى الجذاذ؛ لأن أخذ الشفيع من المشتري ~~شراء ثان، فيكون حكمه حكم ما لو اشترى برضاه، فإن اشتراه وفيه طلع غير ~~مؤبر، فأبره، ثم أخذه الشفيع، أخذ الأصل دون الثمرة، ويأخذ الأرض والنخيل ~~بحصتهما من الثمن، كما لو كان المبيع شقصا وسيفا. ### | [فصل تلف الشقص أو بعضه في يد المشتري في الشفعة] # (4051) فصل: وإن تلف الشقص أو بعضه في يد المشتري، فهو من ضمانه؛ لأنه ~~ملكه تلف في يده، ثم إن أراد الشفيع الأخذ بعد تلف بعضه، أخذ الموجود بحصته ~~من الثمن، سواء كان التلف بفعل الله تعالى أو بفعل آدمي، وسواء تلف باختيار ~~المشتري، كنقضه للبناء، أو بغير اختياره، مثل أن انهدم. ثم إن # PageV05P257 # كانت الأنقاض موجودة أخذها مع العرصة بالحصة. # وإن كانت معدومة أخذ العرصة وما بقي من البناء. وهذا ظاهر كلام أحمد، في ~~رواية ابن القاسم. وهذا قول الثوري، والعنبري، وأبي يوسف، وقول للشافعي. ~~وقال أبو عبد الله بن حامد: إن كان التلف بفعل آدمي، كما ذكرنا، وإن كان ~~بفعل الله تعالى، كانهدام البناء بنفسه، أو حريق، أو غرق، فليس للشفيع أخذ ~~الباقي إلا بكل الثمن، أو يترك. # وهذا قول أبي حنيفة، وقول للشافعي؛ لأنه متى كان النقص بفعل آدمي، رجع ~~بدله إلى المشتري، فلا يتضرر، ومتى كان بغير ms2643 ذلك، لم يرجع إليه شيء فيكون ~~الأخذ منه إضرارا به، والضرر لا يزال بالضرر. ولنا؛ أنه تعذر على الشفيع ~~أخذ الجميع، وقدر على أخذ البعض، فكان له بالحصة من الثمن، كما لو تلف بفعل ~~آدمي سواه، أو كما لو كان له شفيع آخر، أو نقول: أخذ بعض ما دخل معه في ~~العقد، فأخذه بالحصة، كما لو كان معه سيف. # وأما الضرر فإنما حصل بالتلف، ولا صنع للشفيع فيه، والذي يأخذه الشفيع ~~يؤدي ثمنه، فلا يتضرر المشتري بأخذه. وإنما قلنا: يأخذ الأنقاض وإن كانت ~~منفصلة؛ لأن استحقاقه للشفعة كان حال عقد البيع، وفي تلك الحال كان متصلا ~~اتصالا ليس مآله إلى الانفصال، وانفصاله بعد ذلك لا يسقط حق الشفعة. ويفارق ~~الثمرة غير المؤبرة إذا تأبرت، فإن مآ لها إلى الانفصال والظهور، فإذا ظهرت ~~فقد انفصلت، فلم تدخل في الشفعة. # وإن نقصت القيمة مع بقاء صورة المبيع، مثل أن انشق الحائط، واستهدم ~~البناء، وشعث الشجر، وبارت الأرض، فليس له إلا الأخذ بجميع الثمن أو الترك؛ ~~لأن هذه المعاني لا يقابلها الثمن، بخلاف الأعيان، ولهذا قلنا: لو بنى ~~المشتري أعطاه الشفيع قيمة بنائه، ولو زاد المبيع زيادة متصلة، دخلت في ~~الشفعة. ### | [مسألة كان الشراء وقع بعين أو ورق الأرض في الشفعة] # (4052) مسألة؛ قال: (وإن كان الشراء وقع بعين، أو ورق، أعطاه الشفيع مثل ~~ذلك، وإن كان عرضا، أعطاه قيمته) وجملته أن الشفيع يأخذ الشقص من المشتري ~~بالثمن الذي استقر عليه العقد؛ لما روي في حديث جابر، «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: هو أحق بالثمن» . رواه أبو إسحاق الجوزجاني في " كتابه ". # ولأن الشفيع إنما استحق الشقص بالبيع، فكان مستحقا له بالثمن، كالمشتري. # PageV05P258 # فإن قيل: إن الشفيع استحق أخذه بغير رضى مالكه، فينبغي أن يأخذه بقيمته، ~~كالمضطر يأخذ طعام غيره. قلنا: المضطر استحق أخذه بسبب حاجة خاصة، فكان ~~المرجع في بدله إلى قيمته، والشفيع استحقه لأجل البيع، ولهذا لو انتقل بهبة ~~أو ميراث لم يستحق الشفعة، وإذا استحق ذلك بالبيع، وجب أن يكون ms2644 بالعوض ~~الثابت بالبيع. # إذا ثبت هذا، فإنا ننظر في الثمن، فإن كان دنانير أو دراهم، أعطاه الشفيع ~~مثله، وإن كان مما لا مثل له كالثياب والحيوان، فإن الشفيع يستحق الشقص ~~بقيمة الثمن. وهذا قول أكثر أهل العلم. # وبه يقول أصحاب الرأي، والشافعي. وحكي عن الحسن، وسوار، أن الشفعة لا تجب ~~هاهنا؛ لأنها تجب بمثل الثمن، وهذا لا مثل له فتعذر الأخذ، فلم يجب، كما لو ~~جهل الثمن. # ولنا، أنه أحد نوعي الثمن، فجاز أن تثبت به الشفعة في المبيع، كالمثلي، ~~وما ذكروه لا يصح؛ لأن المثل يكون من طريق الصورة، ومن طريق القيمة. كبدل ~~المتلف، فإما إن كان الثمن من المثليات غير الأثمان، كالحبوب والأدهان، ~~فقال أصحابنا: يأخذه الشفيع بمثله؛ لأنه من ذوات الأمثال، فهو كالأثمان. ~~وبه يقول أصحاب الرأي، وأصحاب الشافعي؛ ولأن هذا مثل من طريق الصورة ~~والقيمة، فكان أولى من المماثل في إحداهما، ولأن الواجب بدل الثمن، فكان ~~مثله، كبدل القرض والمتلف. ### | [فصل استحقاق الشفيع الشقص بالثمن الذي استقر عليه العقد] # (4053) فصل: ويستحق الشفيع الشقص بالثمن الذي استقر عليه العقد، فلو ~~تبايعا بقدر، ثم غيراه في زمن الخيار بزيادة أو نقص، ثبت ذلك التغيير في حق ~~الشفيع؛ لأن حق الشفيع إنما يثبت إذا تم العقد، وإنما يستحق بالثمن الذي هو ~~ثابت حال استحقاقه، ولأن زمن الخيار بمنزلة حالة العقد، والتغيير يلحق ~~بالعقد فيه؛ لأنهما على اختيارهما فيه، كما لو كان في حال العقد. # فأما إذا انقضى الخيار، وانبرم العقد، فزادا أو نقصا، لم يلحق بالعقد؛ ~~لأن الزيادة بعده هبة يعتبر لها شروط الهبة، والنقص إبراء مبتدأ، ولا يثبت ~~ذلك في حق الشفيع. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يثبت النقص في حق ~~الشفيع دون الزيادة، وإن كانا عنده ملحقان بالعقد؛ لأن الزيادة تضر الشفيع، ~~فلم يملكها، بخلاف النقص، وقال مالك: إن بقي ما يكون ثمنا أخذ به، وإن حط ~~الأكثر أخذه بجميع الثمن الأول. # ولنا، أن ذلك يعتبر بعد استقرار العقد، فلم يثبت في حق الشفيع، كالزيادة، ~~ولأن ms2645 الشفيع استحق الأخذ بالثمن الأول قبل التغيير، فلم يؤثر التغيير بعد ~~ذلك فيه، كالزيادة. وما ذكروه من العذر غير صحيح؛ لأن ذلك لو لحق العقد لزم ~~الشفيع، وإن أضر به، كالزيادة في مدة الخيار، ولأنه حط بعد لزوم العقد، ~~فأشبه حط الجميع أو الأكثر عند مالك. # PageV05P259 ### | [فصل كان الثمن مما تجب قيمته في الشفعة] # (4054) فصل: وإن كان الثمن مما تجب قيمته، فإنها تعتبر وقت البيع؛ لأنه ~~وقت الاستحقاق، ولا اعتبار بعد ذلك بالزيادة والنقص. وإن كان فيه خيار، ~~اعتبرت القيمة حين انقضاء الخيار واستقرار العقد؛ لأنه حين استحقاق الشفعة. ~~وبهذا قال الشافعي. وحكي عن مالك أنه يأخذه بقيمته يوم المحاكمة. وليس ~~بصحيح؛ لأن وقت الاستحقاق وقت العقد، وما زاد بعد ذلك حصل في ملك البائع، ~~فلا يقوم للمشتري، وما نقص فمن مال البائع، فلا ينقص به حق المشتري. ### | [فصل كان الثمن المشترى به مؤجلا في الشفعة] # فصل: وإذا كان الثمن مؤجلا، أخذه الشفيع بذلك الأجل، إن كان مليئا، وإلا ~~أقام ضمينا مليئا وأخذ. وبه قال مالك، وعبد الملك، وإسحاق. وقال الثوري: لا ~~يأخذها إلا بالنقد حالا. # وقال أبو حنيفة: لا يأخذها إلا بثمن حال، أو ينتظر مضي الأجل ثم يأخذ. ~~وعن الشافعي كمذهبنا ومذهب أبي حنيفة لأنه يمكنه الأخذ بالمؤجل؛ لأنه يفضي ~~إلى أن يلزم المشتري قبول ذمة الشفيع، والذمم لا تتماثل، وإنما يأخذ بمثله، ~~ولا يلزمه أن يأخذ بمثله حالا، لئلا يلزمه أكثر مما يلزم المشتري، ولا ~~بسلعه بمثل الثمن إلى الأجل؛ لأنه إنما يأخذه بمثل الثمن أو القيمة، ~~والسلعة ليست واحدة منهما، فلم يبق إلا التخيير. # ولنا، أن الشفيع تابع للمشتري في قدر الثمن وصفته، والتأجيل من صفاته، ~~ولأن في الحلول زيادة على التأجيل، فلم يلزم الشفيع، كزيادة القدر. وما ~~ذكروه من اختلاف الذمم، فإننا لا نوجبها حتى توجد الملاءة في الشفيع، أو في ~~ضمينه، بحيث ينحفظ المال، فلا يضر اختلافهما فيما وراء ذلك، كما لو اشترى ~~الشقص بسلعة وجبت قيمتها، ولا يضر اختلافهما. # ومتى أخذه الشفيع بالأجل، ms2646 فمات الشفيع أو المشتري، وقلنا: يحل الدين ~~بالموت. حل الدين على الميت منهما دون صاحبه؛ لأن سبب حلوله الموت، فاختص ~~بمن وجد في حقه. ### | [فصل باع شقصا مشفوعا ومعه ما لا شفعة فيه كالسيف والثوب في عقد واحد] # (4056) فصل: وإذا باع شقصا مشفوعا، ومعه ما لا شفعة فيه، كالسيف والثوب ~~في عقد واحد، ثبتت الشفعة في الشقص بحصته من الثمن دون ما معه، فيقوم كل ~~واحد منهما، ويقسم الثمن على قدر قيمتهما، فما يخص الشقص يأخذه الشفيع. ~~وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. ويحتمل أن لا تجب الشفعة، لئلا تتبعض صفقة ~~المشتري، وفي ذلك إضرار به، فأشبه ما لو أراد الشفيع أخذ بعض الشقص. # وقال مالك تثبت الشفعة فيهما؛ لذلك. ولنا، أن السيف لا شفعة فيه، ولا هو ~~تابع لما فيه الشفعة، فلم يؤخذ بالشفعة، كما لو أفرده، وما # PageV05P260 # يلحق المشتري من الضرر فهو ألحقه بنفسه، بجمعه في العقد بين ما تثبت فيه ~~الشفعة وما لا تثبت، ولأن في أخذ الكل ضررا بالمشتري أيضا؛ لأنه ربما كان ~~غرضه في إبقاء السيف له، ففي أخذه منه إضرار به من غير سبب يقتضيه. ### | [فصل باع شقصين من أرضين صفقة واحدة لرجل واحد والشريك في أحدهما غير الشريك في الآخر] # (4057) فصل: وإذا باع شقصين من أرضين، صفقة واحدة، لرجل واحد، والشريك في ~~أحدهما غير الشريك في الآخر فلهما أن يأخذا ويقتسما الثمن على قدر ~~القيمتين. وإن أخذ أحدهما دون الآخر، جاز، ويأخذ الشقص الذي في شركته بحصته ~~من الثمن. ويتخرج أنه لا شفعة له، كالمسألة التي قبلها. وليس له أخذهما ~~معا؛ لأن أحدهما لا شركة له فيه، ولا هو تابع لما فيه الشفعة، فجرى مجرى ~~الشقص والسيف. # وإن كان الشريك فيهما واحدا، فله أخذهما وتركهما؛ لأنه شريك فيهما. وإن ~~أحب أخذ أحدهما دون الآخر، فله ذلك. وهذا منصوص الشافعي. ويحتمل أنه لا ~~يملك ذلك، ومتى اختاره سقطت الشفعة فيهما؛ لأنه أمكنه أخذ المبيع كله، فلم ~~يملك أخذ بعضه، كما لو كان شقصا واحدا. ذكره ms2647 أبو الخطاب، وبعض أصحاب ~~الشافعي. # ولنا، أنه يستحق كل واحد منها بسبب غير الآخر، فجرى مجرى الشريكين، ولأنه ~~لو جرى مجرى الشقص الواحد لوجب إذا كانا شريكين فترك أحدهما شفعته أن يكون ~~للآخر أخذ الكل، والأمر بخلافه. ### | [فصل لا يأخذ بالشفعة من لا يقدر على الثمن] # (4058) فصل: ولا يأخذ بالشفعة من لا يقدر على الثمن؛ لأن في أخذه بدون ~~دفع الثمن إضرارا بالمشتري، ولا يزال الضرر بالضرر. # فإن أحضر رهنا أو ضمينا، لم يلزم المشتري قبوله؛ لأن في تأخير الثمن ~~ضررا، فلم يلزم المشتري ذلك، كما لو أراد تأخير ثمن حال. فإن بذل عوضا عن ~~الثمن لم يلزمه قبوله؛ لأنها معاوضة؛ ولم يجبر عليها. # وإذا أخذ بالشفعة، لم يلزم المشتري تسليم الشقص حتى يقبض الثمن، فإن كان ~~موجودا سلمه، وإن تعذر في الحال، قال أحمد، في رواية حرب: ينظر الشفيع يوما ~~أو يومين، بقدر ما يرى الحاكم، وإذا كان أكثر فلا. وهذا قول مالك وقال ابن ~~شبرمة، وأصحاب الشافعي: ينظر ثلاثا؛ لأنها آخر حد القلة، فإن أحضر الثمن، ~~وإلا فسخ عليه. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا يأخذ بالشفعة، ولا يقضي القاضي ~~بها حتى يحضر الثمن؛ لأن الشفيع يأخذ الشقص بغير اختيار المشتري، فلا يستحق ~~ذلك إلا بإحضار عوضه، كتسليم المبيع. # ولنا، أنه تملك للمبيع بعوض، فلا يقف على إحضار العوض، كالبيع، وأما ~~التسليم في البيع # PageV05P261 # ، فالتسليم في الشفعة مثله، وكون الأخذ بغير اختيار المشتري يدل على ~~قوته، فلا يمنع من اعتباره في الصحة، فإذا أجلناه مدة، فأحضر الثمن فيها، ~~وإلا فسخ الحاكم الأخذ ورده إلى المشتري. # وهكذا لو هرب الشفيع بعد الأخذ. والأولى أن للمشتري الفسخ من غير حاكم؛ ~~لأنه فات شرط الأخذ، ولأنه تعذر على البائع الوصول إلى الثمن، فملك الفسخ، ~~كغير من أخذت الشفعة منه، وكما لو أفلس الشفيع، ولأن الأخذ بالشفعة لا يقف ~~على حكم الحاكم، فلا يقف فسخ الأخذ بها على الحاكم، كفسخ غيرها من البيوع، ~~وكالرد بالعيب، ولأن وقف ذلك على الحاكم يفضي إلى الضرر ms2648 بالمشتري؛ لأنه قد ~~يتعذر عليه إثبات ما يدعيه، وقد يصعب عليه حضور مجلس الحاكم لبعده، أو غير ~~ذلك، فلا يشرع فيها ما يفضي إلى الضرر، ولأنه لو وقف الأمر على الحاكم، لم ~~يملك الأخذ إلا بعد إحضار الثمن، لئلا يفضي إلى هذا الضرر. # وإن أفلس الشفيع، خير المشتري بين الفسخ وبين أن يضرب مع الغرماء بالثمن، ~~كالبائع إذا أفلس المشتري. ### | [فصل الاحتيال لإسقاط الشفعة] # (4059) فصل: لا يحل الاحتيال لإسقاط الشفعة، وإن فعل لم تسقط. قال أحمد، ~~في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سأله عن الحيلة في إبطال الشفعة، فقال: لا ~~يجوز شيء من الحيل في ذلك، ولا في إبطال حق مسلم. وبهذا قال أبو أيوب، وأبو ~~خيثمة، وابن أبي شيبة، وأبو إسحاق الجوزجاني. وقال عبد الله بن عمر: من ~~يخدع الله يخدعه. # وقال أيوب السختياني: أنهم ليخادعون الله كما يخادعون صبيا، لو كانوا ~~يأتون الأمر على وجهه، كان أسهل علي. # ومعنى الحيلة أن يظهروا في البيع شيئا لا يؤخذ بالشفعة معه، ويتواطئون في ~~الباطن على خلافه، مثل أن يشتري شقصا يساوي عشرة دنانير بألف درهم، ثم ~~يقضيه عنها عشرة دنانير، أو يشتريه بمائة دينار، ويقضيه عنها مائة درهم، أو ~~يشتري البائع من المشتري عبدا قيمته مائة بألف في ذمته، ثم يبيعه الشقص ~~بالألف، أو يشتري شقصا بألف، ثم يبرئه البائع من تسعمائة، أو يشتري جزءا من ~~الشقص بمائة، ثم يهب له البائع باقيه، أو يهب الشقص للمشتري، ويهب المشتري ~~له الثمن، أو يعقد البيع بثمن مجهول المقدار، كحفنة قراضة، أو جوهرة معينة، ~~أو سلعة معينة غير موصوفة، أو بمائة درهم ولؤلؤة، وأشباه هذا. فهذا كله إذا ~~وقع من غير تحيل سقطت الشفعة. # وإن تحيلا به على إسقاط الشفعة، لم تسقط، ويأخذ الشفيع الشقص في الصورة ~~الأولى بعشرة دنانير أو قيمتها من الدراهم. # وفي الثانية بمائة درهم أو قيمتها ذهبا. وفي الثالثة بقيمة العبد المبيع. ~~وفي الرابعة بالباقي بعد الإبراء، وهو المائة المقبوضة. وفي الخامسة يأخذ ~~الجزء المبيع من الشقص بقسطه ms2649 من الثمن، ويحتمل أن يأخذ الشقص كله بجميع ~~الثمن؛ # PageV05P262 # لأنه إنما وهبه بقية الشقص عوضا عن الثمن الذي اشترى به جزءا من الشقص. ~~وفي السادسة يأخذ بالثمن الموهوب. # وفي سائر الصور المجهول ثمنها يأخذه بمثل الثمن، أو بقيمته إن لم يكن ~~مثليا، إذا كان الثمن موجودا، وإن لم يوجد عينه، دفع إليه قيمة الشقص؛ لأن ~~الأغلب وقوع العقد على الأشياء بقيمتها. وقال أصحاب الرأي، والشافعي، يجوز ~~ذلك كله، وتسقط به الشفعة؛ لأنه لم يأخذ بما وقع البيع به، فلم يجز، كما لو ~~لم يكن حيلة. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أدخل فرسا بين فرسين، ولم ~~يأمن أن يسبق، فليس بقمار، وإن أمن أن يسبق، فهو قمار.» رواه أبو داود ~~وغيره، فجعل إدخال الفرس المحلل قمارا، في الموضع الذي يقصد به إباحة إخراج ~~كل واحد من المتسابقين جعلا، مع عدم معنى المحلل فيه، وهو كونه بحال يحتمل ~~أن يأخذ سبقيهما، وهذا يدل على إبطال كل حيلة لم يقصد بها إلا إباحة ~~المحرم. مع عدم المعنى فيها. # واستدل أصحابنا بما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «لا تركبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله ~~بأدنى الحيل.» وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله اليهود، إن ~~الله لما حرم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه، وأكلوا ثمنه» . متفق عليه. # ولأن الله تعالى ذم المخادعين له بقوله تعالى {يخادعون الله والذين آمنوا ~~وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} [البقرة: 9] . والحيلة مخادعة، وقد مسخ ~~الله تعالى الذين اعتدوا في السبت قردة بحيلتهم، فإنه روي أنهم كانوا ~~ينصبون شباكهم يوم الجمعة، ومنهم من يحفر جبابا، ويرسل الماء إليها يوم ~~الجمعة، فإذا جاءت الحيتان يوم السبت، وقعت في الشباك والجباب، فيدعونها ~~إلى ليلة الأحد، فيأخذونها، ويقولون: ما اصطدنا يوم السبت شيئا، فمسخهم ~~الله تعالى بحيلهم. وقال تعالى: {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ~~وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] قيل: يعني به أمة محمد - صلى الله عليه وسلم ms2650 ~~-. أي لتتعظ بذلك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيجتنبوا مثل ما فعل ~~المعتدون. # ولأن الحيلة خديعة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحل ~~الخديعة لمسلم» . ولأن الشفعة وضعت لدفع الضرر، فلو سقطت بالتحيل، للحق ~~الضرر، فلم تسقط، كما لو أسقطها المشتري بالبيع والوقف. # وفارق ما لم يقصد به التحيل، لأنه لا خداع فيه، ولا قصد به إبطال حق، ~~والأعمال بالنيات. فإن اختلفا هل وقع شيء من هذا حيلة، أو لا؟ فالقول قول ~~المشتري مع يمينه؛ لأنه أعلم بنيته وحاله. إذا ثبت هذا، فإن الغرر في ~~الصورتين الأوليين على المشتري؛ لشرائه ما يساوي عشرة بمائة، وما يساوي # PageV05P263 # مائة درهم بمائة دينار، وأشهد على نفسه أن عليه ألفا، فربما طالبه بذلك، ~~فلزمه، في ظاهر الحكم. وفي الثالثة الغرر على البائع؛ لأنه اشترى عبدا ~~يساوي مائة بألف. # وفي الرابعة على المشتري؛ لأنه اشترى شقصا قيمته مائة بألف. وكذلك في ~~الخامسة؛ لأنه اشترى بعض الشقص بثمن جميعه. وفي السادسة على البادئ منهما ~~بالهبة؛ لأنه قد لا يهب له الآخر شيئا، فإن خالف أحدهما ما تواطآ عليه، ~~فطالب صاحبه بما أظهراه، لزمه، في ظاهر الحكم؛ لأنه عقد البيع مع صاحبه ~~بذلك مختارا، فأما فيما بينه وبين الله تعالى، فلا يحل لمن غر صاحبه الأخذ ~~بخلاف ما تواطآ عليه؛ لأن صاحبه إنما رضي بالعقد للتواطؤ، فمع فواته لا ~~يتحقق الرضى به. ### | [اختلف الشفيع والمشتري في الثمن] # (4060) مسألة؛ قال: (وإن اختلفا في الثمن، فالقول قول المشتري مع يمينه، ~~إلا أن يكون للشفيع بينة) وجملته أن الشفيع والمشتري إذا اختلفا في الثمن، ~~فقال المشتري: اشتريته بمائة. فقال الشفيع: بل بخمسين. فالقول قول المشتري؛ ~~لأنه العاقد، فهو أعرف بالثمن، ولأن الشقص ملكه، فلا ينزع من يده بالدعوى ~~بغير بينة. وبهذا قال الشافعي. # فإن قيل: فهلا قلتم: القول قول الشفيع؛ لأنه غارم ومنكر للزيادة، فهو ~~كالغاصب والمتلف والضامن لنصيب شريكه إذا أعتق؟ قلنا: الشفيع ليس بغارم؛ ~~لأنه لا شيء عليه، وإنما يريد أن يملك الشقص بثمنه، بخلاف ms2651 الغاصب والمتلف ~~والمعتق. # فأما إن كان للشفيع بينة، حكم بها، وكذلك إن كان للمشتري بينة، حكم بها، ~~واستغني عن يمينه، ويثبت ذلك بشاهد ويمين، وشهادة رجل وامرأتين، ولا تقبل ~~شهادة البائع؛ لأنه إذا شهد للشفيع كان متهما، لأنه يطلب تقليل الثمن خوفا ~~من الدرك عليه. وإن أقام كل واحد منهما بينة، احتمل تعارضهما؛ لأنهما ~~يتنازعان فيما وقع عليه العقد، فيصيران كمن لا بينة لهما. # وذكر الشريف أن البينة بينة الشفيع. ويقتضيه مذهب الخرقي؛ لأن بينة ~~الخارج عنده مقدمة على بينة الداخل، والشفيع هو الخارج. وهذا قول أبي ~~حنيفة. وقال صاحباه: البينة بينة المشتري؛ لأنها تترجح بقول المشتري، فإنه ~~مقدم على قول الشفيع، ويخالف الخارج والداخل؛ لأن بينة الداخل يجوز أن تكون ~~مستندة إلى يده، وفي مسألتنا البينة تشهد على نفس العقد، كشهادة بينة ~~الشفيع. # ولنا، أنهما بينتان تعارضتا، فقدمت بينة من لا يقبل قوله عند عدمها، ~~كالداخل والخارج. ويحتمل أن يقرع بينهما؛ لأنهما يتنازعان في العقد، ولا يد ~~لهما عليه، فصارا كالمتنازعين عينا في يد غيرهما. # PageV05P264 ### | [فصل قال المشتري لا أعلم مبلغ الثمن في الشفعة] # فصل: وإن قال المشتري: لا أعلم مبلغ الثمن. فالقول قوله؛ لأن ما يدعيه ~~ممكن، لجواز أن يكون اشتراه جزافا، أو بثمن نسي مبلغه، ويحلف، فإذا حلف ~~سقطت الشفعة؛ لأنها لا تستحق بغير بذل، ولا يمكن أن يدفع إليه ما لا يدعيه. ~~فإن ادعى أنك فعلت ذلك تحيلا على إسقاط الشفعة، فعليه اليمين على نفي ذلك. ### | [فصل اشترى شقصا بعرض واختلفا في قيمته] # (4062) فصل: وإن اشترى شقصا بعرض، واختلفا في قيمته، فإن كان موجودا ~~عرضاه على المقومين، وإن تعذر إحضاره، فالقول قول المشتري، كما لو اختلفا ~~في قدر الثمن. وإن ادعى جهل قيمته، فهو على ما ذكرنا فيما إذا ادعى جهل ~~ثمنه. # وإن اختلفا في الغراس والبناء في الشقص، فقال المشتري: أنا أحدثته. وأنكر ~~الشفيع، فالقول قول المشتري، لأنه ملكه، والشفيع يريد تملكه عليه، فكان ~~القول قول المالك. ### | [فصل ادعى الشفيع على بعض الشركاء أنك اشتريت ms2652 نصيبك فلي أخذه بالشفعة] # (4063) فصل: إذا ادعى الشفيع على بعض الشركاء أنك اشتريت نصيبك، فلي أخذه ~~بالشفعة، فإنه يحتاج إلى تحرير دعواه، فيحدد المكان الذي فيه الشقص، ويذكر ~~قدر الشقص والثمن، ويدعي الشفعة فيه، فإذا فعل ذلك، سئل المدعى عليه، فإن ~~أقر، لزمه، وإن أنكر، وقال: إنما اتهبته أو ورثته، فلا شفعة لك فيه. فالقول ~~قول من ينفيه، كما لو ادعى عليه نصيبه من غير شفعة، فإن حلف برئ، وإن نكل ~~قضي عليه. # وإن قال لا تستحق على شفعة. فالقول قوله مع يمينه، ويكون يمينه على حسب ~~قوله في الإنكار. وإذا نكل، وقضي عليه بالشفعة، عرض عليه الثمن. فإن أخذه ~~دفع إليه، وإن قال: لا أستحقه. ففيه ثلاثة أوجه؛ أحدها، يقر في يد الشفيع ~~إلى أن يدعيه المشتري، فيدفع إليه، كما لو أقر له بدار فأنكرها. # والثاني: أن يأخذه الحاكم، فيحفظه لصاحبه إلى أن يدعيه المشتري، ومتى ~~ادعاه دفع إليه. والثالث، يقال له: إما أن تقبضه، وإما أن تبرئ منه، كسيد ~~المكاتب إذا جاءه المكاتب بمال المكاتبة، فادعى أنه حرام. اختار هذا ~~القاضي. # وهذا مفارق للمكاتب؛ لأن سيده يطالبه بالوفاء من غير هذا الذي أتاه به، ~~فلا يلزمه ذلك بمجرد دعوى سيده تحريم ما أتاه به، وهذا لا يطلب الشفيع ~~بشيء، فلا ينبغي أن يكلف إبراء مما لا يدعيه. والوجه الأول أولى، إن شاء ~~الله تعالى. # PageV05P265 ### | [فصل قال اشتريته لفلان وكان حاضرا وقت الشفعة] # (4064) فصل: وإن قال اشتريته لفلان. وكان حاضرا، استدعاه الحاكم، وسأله، ~~فإن صدقه، كان الشراء له، والشفعة عليه، وإن قال: هذا ملكي، ولم أشتره. ~~انتقلت الخصومة إليه، وإن كذبه، حكم بالشراء لمن اشتراه، وأخذ منه بالشفعة. ~~وإن كان المقر له غائبا، أخذه الحاكم، ودفعه إلى الشفيع، وكان الغائب على ~~حجته إذا قدم؛ لأننا لو وقفنا الأمر في الشفعة إلى حضور المقر له، لكان في ~~ذلك إسقاط الشفعة، لأن كل مشتر يدعي أنه لغائب. # وإن قال: اشتريته لابني الطفل. أو لهذا الطفل. وله عليه ولاية، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، ms2653 لا تثبت الشفعة؛ لأن الملك ثبت للطفل، ولا تجب الشفعة ~~بإقرار الولي عليه؛ لأنه إيجاب حق في مال صغير، بإقرار وليه. # والثاني، تثبت؛ لأنه يملك الشراء له، فصح إقراره فيه، كما يصح إقراره ~~بعيب في مبيعه. فأما إن ادعى عليه شفعة في شقص، فقال: هذا لفلان الغائب. أو ~~لفلان الطفل. ثم أقر بشرائه له، # لم تثبت فيه الشفعة، إلا أن تثبت ببينة، أو يقدم الغائب ويبلغ الطفل، ~~فيطالبهما بها؛ لأن الملك يثبت لهما بإقراره به، فإقراره بالشراء بعد ذلك ~~إقرار في ملك غيره، فلا يقبل، بخلاف ما إذا أقر بالشراء ابتداء: لأن الملك ~~ثبت لهما بذلك الإقرار المثبت للشفعة، فثبتا جميعا. وإن لم يذكر سبب الملك، ~~لم يسأله الحاكم عنه، ولم يطالب ببيانه؛ لأنه لو صرح بالشراء لم تثبت به ~~شفعة، فلا فائدة في الكشف عنه. ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كمذهبنا. ### | [فصل دار بين حاضر وغائب فادعى الحاضر أنه اشتراه منه وأنه يستحقه بالشفعة فصدقه] # (4065) فصل: وإذا كانت دار بين حاضر وغائب، فادعى الحاضر على من في يده ~~نصيب الغائب أنه اشتراه منه، وأنه يستحقه بالشفعة، فصدقه، فللشفيع أخذه ~~بالشفعة؛ لأن من في يده العين يصدق في تصرفه فيما في يديه. وبهذا قال أبو ~~حنيفة، وأصحابه. # ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان؛ أحدهما، ليس له أخذه؛ لأن هذا إقرار على ~~غيره. ولنا، أنه أقر بما في يده، فقبل إقراره، كما لو أقر بأصل ملكه، وهكذا ~~لو ادعى عليه أنك بعت نصيب الغائب بإذنه، وأقر له الوكيل، كان كإقرار ~~البائع بالبيع. فإذا قدم الغائب فأنكر البيع. أو الإذن في البيع، فالقول ~~قوله مع يمينه، وينتزع الشقص، ويطالب بأجره من شاء منهما، ويستقر الضمان ~~على الشفيع؛ لأن المنافع تلفت تحت يده، فإن طالب الوكيل، رجع على الشفيع، ~~وإن طالب الشفيع، لم يرجع على أحد. # وإن ادعى على الوكيل، أنك اشتريت الشقص الذي في يدك. فأنكر، وقال: إنما ~~أنا وكيل فيه، أو مستودع له. فالقول قوله مع يمينه، فإن كان للمدعي بينة، ms2654 ~~حكم بها. وبهذا قال أبو حنيفة، # PageV05P266 # والشافعي، مع أن أبا حنيفة لا يرى القضاء على الغائب؛ لأن القضاء هاهنا ~~على الحاضر بوجوب الشفعة عليه، واستحقاق انتزاع الشقص من يده، وحصل القضاء ~~على الغائب ضمنا. فإن لم تكن بينة، وطالب الشفيع بيمينه، فنكل عنها، احتمل ~~أن يقضي عليه؛ لأنه لو أقر لقضي عليه، فكذلك إذا نكل. # واحتمل أن لا يقضي عليه؛ لأنه قضاء على الغائب بغير بينة، ولا إقرار من ~~الشقص في يده. ### | [فصل ادعى على رجل شفعة في شقص اشتراه فقال ليس له ملك في شركتي] # (4066) فصل: وإذا ادعى على رجل شفعة في شقص اشتراه، فقال: ليس له ملك في ~~شركتي. فعلى الشفيع إقامة البينة أنه شريك. وبه قال أبو حنيفة، ومحمد، ~~والشافعي. وقال أبو يوسف: إذا كان في يده، استحق به الشفعة لذلك؛ لأن ~~الظاهر من اليد الملك. # ولنا، أن الملك لا يثبت بمجرد اليد، وإذا لم يثبت الملك الذي يستحق به ~~الشفعة، لم تثبت، ومجرد الظاهر لا يكفي، كما لو ادعى ولد أمة في يده. فإن ~~ادعى أن المشتري يعلم أنه شريك، فعلى المشتري اليمين أنه لا يعلم ذلك؛ ~~لأنها يمين على نفي فعل الغير، فكان على العلم، كاليمين على نفي دين الميت. # فإذا حلف، سقطت دعواه، وإن نكل، قضي عليه. ### | [فصل ادعى على شريكه أنك اشتريت نصيبك من عمرو فلي شفعته] # (4067) فصل: إذا ادعى على شريكه، أنك اشتريت نصيبك من عمرو، فلي شفعته. ~~فصدقه عمرو، فأنكر الشريك، وقال: بل ورثته من أبي. فأقام المدعي بينة أنه ~~كان ملك عمرو، لم تثبت الشفعة بذلك. # وقال محمد: تثبت، ويقال له: إما أن تدفعه وتأخذ الثمن، وإما أن ترده إلى ~~البائع، فيأخذه الشفيع منهما؛ لأنهما شهدا بالملك لعمرو، فكأنهما شهدا ~~بالبيع. # ولنا، أنهما لم يشهدا بالبيع، وإقرار عمرو على المنكر بالبيع لا يقبل؛ ~~لأنه إقرار على غيره، فلا يقبل في حقه، ولا تقبل شهادته عليه وليست الشفعة ~~من حقوق العقد، فيقبل فيها قول البائع، فصار بمنزلة ما لو حلف أني ms2655 ما ~~اشتريت الدار، فقال من كانت الدار ملكا له: أنا بعته إياها. لم يقبل عليه ~~في الحنث، ولا يلزم إذا أقر البائع بالبيع، والشقص في يده فأنكر المشتري ~~الشراء؛ لأن الذي في يده الدار مقر بها للشفيع، ولا منازع له فيها سواه، ~~وها هنا من الدار في يده يدعيها لنفسه، والمقر بالبيع لا شيء في يده، ولا ~~يقدر على تسليم الشقص، فافترقا. ### | [فصل دار بين رجلين فادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه يستحق ما في يديه بالشفعة] # (4068) فصل: وإذا كانت دار بين رجلين، فادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه ~~يستحق ما في يديه بالشفعة، سألناهما: متى ملكتماها؟ فإن قالا: ملكناها دفعة ~~واحدة. فلا شفعة لأحدهما على الآخر؛ لأن الشفعة إنما تثبت بملك # PageV05P267 # سابق في ملك متجدد بعده، وإن قال كل واحد منهما: ملكي سابق. ولأحدهما ~~بينة بما ادعاه، قضي له، وإن كان لكل واحد منهما بينة، قدمنا أسبقهما ~~تاريخا، وإن شهدت بينة كل واحد منهما بسبق ملكه، وتجدد ملك صاحبه، تعارضتا. # وإن لم تكن لكل واحد منهما بينة نظرنا إلى السابق بالدعوى، فقدمنا دعواه، ~~وسألنا خصمه، فإن أنكر، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه منكر، فإن حلف، سقطت ~~دعوى الأول، ثم تسمع دعوى الثاني على الأول، فإن أنكر وحلف، سقطت دعواهما ~~جميعا. وإن ادعى الأول، فنكل الثاني عن اليمين، قضينا عليه، ولم تسمع ~~دعواه؛ لأن خصمه قد استحق ملكه. # وإن حلف الثاني، ونكل الأول، قضينا عليه. ### | [فصل اختلف المتبايعان في ثمن الشفعة] # (4069) فصل: إذا اختلف المتبايعان في الثمن، فادعى البائع أن الثمن ~~ألفان، وقال المشتري: هو ألف. فأقام البائع بينة أن الثمن ألفان، أخذهما من ~~المشتري. وللشفيع أخذه بالألف؛ لأن المشتري مقر له باستحقاقه بألف، ويدعي ~~أن البائع ظلمه. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: إن حكم الحاكم عليه بألفين، أخذه الشفيع بهما؛ لأن ~~الحاكم إذا حكم عليه بالبينة بطل قوله، وثبت ما حكم به الحاكم. ولنا، أن ~~المشتري مقر بأن هذه البينة كاذبة، وأنه ظلمه بألف، فلم يحكم ms2656 له به، وإنما ~~حكم بها للبائع؛ لأنه لا يكذبها. # فإن قال المشتري: صدقت البينة، وكنت أنا كاذبا أو ناسيا. ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، لا يقبل رجوعه؛ لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حق آدمي غيره، فأشبه ما ~~لو أقر له بدين. والثاني، يقبل قوله. # وقال القاضي: هو قياس المذهب عندي، كما لو أخبر في المرابحة بثمن، ثم ~~قال: غلطت. # والثمن أكثر، قبل قوله مع يمينه، بل هاهنا أولى؛ لأنه قد قامت البينة ~~بكذبه، وحكم الحاكم بخلاف قوله، فقبل رجوعه عن الكذب. وإن لم تكن للبائع ~~بينة، فتحالفا، فللشفيع أخذه بما حلف عليه البائع، وإن أراد أخذه بما حلف ~~عليه المشتري، لم يكن له ذلك؛ لأن للبائع فسخ البيع، وأخذه بما قال المشتري ~~يمنع ذلك، ولأنه يقضي إلى إلزام العقد بما حلف عليه المشتري، ولا يملك ذلك. # فإن رضي المشتري بأخذه بما قال البائع، جاز، وملك الشفيع أخذه بالثمن ~~الذي حلف عليه المشتري لأن حق البائع من الفسخ قد زال. فإن عاد المشتري ~~فصدق البائع، وقال: الثمن ألفان، وكنت غالطا. فهل للشفيع أخذه بالثمن الذي ~~حلف عليه؟ فيه وجهان، كما لو قامت به بينة. ### | [فصل اشترى شقصا له شفيعان فادعى على أحد الشفيعين أنه عفا عن الشفعة وشهد له بذلك الشفيع الآخر] # (4070) فصل: ولو اشترى شقصا له شفيعان، فادعى على أحد الشفيعين أنه عفا ~~عن الشفعة، وشهد له بذلك الشفيع # PageV05P268 # الآخر، قبل عفوه عن شفعته، لم تقبل شهادته؛ لأنه يجر إلى نفسه نفعا، وهو ~~توفر الشفعة عليه. # فإذا ردت شهادته، ثم عفا عن الشفعة، ثم أعاد تلك الشهادة، لم تقبل؛ لأنها ~~ردت للتهمة، فلم تقبل بعد زوالها، كشهادة الفاسق إذا ردت ثم تاب وأعادها، ~~لم تقبل. # ولو لم يشهد حتى عفا، قبلت شهادته؛ لعدم التهمة، ويحلف المشتري مع ~~شهادته. ولو لم تكن بينة، فالقول قول المنكر مع يمينه. وإن كانت الدعوى على ~~الشفيعين معا، فحلفا، ثبتت الشفعة، وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، نظرنا في ~~الحالف؛ فإن صدق شريكه في الشفعة في أنه ms2657 لم يعف، لم يحتج إلى يمين، وكانت ~~الشفعة بينهما؛ لأن الحق له، فإن الشفعة تتوفر عليه إذا سقطت شفعة شريكه. # وإن ادعى أنه عفا، فنكل، قضي له بالشفعة كلها. وسواء ورثا الشفعة أو كانا ~~شريكين. وإن شهد أجنبي بعفو أحد الشفيعين، واحتيج إلى يمين معه قبل عفو ~~الآخر، حلف، وأخذ الكل بالشفعة. وإن كان بعده، حلف المشتري، وسقطت الشفعة. ~~وإن كانوا ثلاثة شفعاء، فشهد اثنان منهم على الثالث بالعفو بعد عفوهما، ~~قبلت، وإن شهدا، قبله، ردت. # وإن شهدا بعد عفو أحدهما وقبل عفو الآخر، ردت شهادة غير العافي، وقبلت ~~شهادة العافي. وإن شهد البائع بعفو الشفيع بعد قبض الثمن، قبلت شهادته، وإن ~~كان قبله، ففيه وجهان؛ أحدهما، تقبل؛ لأنهما سواء عنده. والثاني، لا تقبل؛ ~~لأنه يحتمل أن يكون قصد ذلك ليسهل استيفاء الثمن؛ لأن المشتري يأخذه من ~~الشفيع، فيسهل عليه وفاؤه، أو يتعذر على المشتري الوفاء لفلسه، فيستحق ~~استرجاع المبيع. وإن شهد لمكاتبه بعفو شفيعه، أو شهد بشراء شيء لمكاتبه فيه ~~شفعة، لم تقبل؛ لأن المكاتب عبده، فلا تقبل شهادته له، كمدبره، ولأن ما ~~يحصل للمكاتب ينتفع به السيد؛ لأنه إن عجز صار له، وإن لم يعجز سهل عليه ~~الوفاء له. # وإن شهد على مكاتبه بشيء من ذلك، قبلت شهادته؛ لأنه غير متهم، فأشبه ~~الشهادة على ولده. ### | [مسألة الشقص المشفوع إذا أخذه الشفعاء] # (4071) مسألة؛ قال: (وإن كانت دار بين ثلاثة لأحدهم نصفها، وللآخر ثلثها، ~~وللآخر سدسها، فباع أحدهم، كانت الشفعة بين النفسين على قدر سهامهما) ~~الصحيح في المذهب أن الشقص المشفوع إذا أخذه الشفعاء، قسم بينهم على قدر ~~أملاكهم. اختاره أبو بكر. # وروي ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وعطاء. وبه قال مالك، وسوار، والعنبري، # PageV05P269 # وإسحاق، وأبو عبيد. وهو أحد قولي الشافعي. وعن أحمد، رواية ثانية، أنه ~~يقسم بينهم على عدد رءوسهم. اختارها ابن عقيل. # وروي ذلك عن النخعي، والشعبي. وبه قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ~~والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأن كل واحد منهم لو انفرد لاستحق الجميع، فإذا ~~اجتمعوا تساووا، ms2658 كالبنين في الميراث، وكالمعتقين في سراية العتق. # ولنا، أنه حق يستفاد بسبب الملك، فكان على قدر الأملاك، كالغلة، ودليلهم ~~ينتقض بالابن والأب أو الجد، وبالجد مع الإخوة وبالفرسان مع الرجالة في ~~الغنيمة، وأصحاب الديون والوصايا، إذا نقص ماله عن دين أحدهم، أو الثلث عن ~~وصية أحدهم. # وفارق الأعيان؛ لأنه إتلاف، والإتلاف يستوي فيه القليل والكثير، كالنجاسة ~~تلقى في مائع. وأما البنون، فإنهم تساووا في التسبب، وهو البنوة، فتساووا ~~في الإرث بها، فنظيره في مسألتنا تساوي الشفعاء في سهامهم، فعلى هذا ننظر ~~مخرج سهام الشركاء كلهم، فنأخذ منها سهام الشفعاء، فإذا علمت عدتها، قسمت ~~السهم المشفوع عليها، ويصير العقار بين الشفعاء على تلك العدة، كما يفعل في ~~مسائل الرد سواء، ففي هذه المسألة التي ذكر الخرقي، مخرج سهام الشركاء ستة، ~~فإن باع صاحب النصف، فسهام الشفعاء ثلاثة، لصاحب الثلث سهمان، وللآخر سهم ~~فالشفعة بينهم على ثلاثة، ويصير العقار بينهم أثلاثا، لصاحب الثلث ثلثاه، ~~وللآخر ثلثه، وإن باع صاحب الثلث، كانت بين الآخرين أرباعا، لصاحب النصف ~~ثلاثة أرباعه، وللآخر ربعه، وإن باع صاحب السدس، كانت بين الآخرين أخماسا، ~~لصاحب النصف ثلاثة أخماسه، وللآخر خمساه. # وعلى الرواية الأخرى، يقسم الشقص المشفوع بين الآخرين نصفين على كل حال، ~~فإن باع صاحب النصف، قسم النصف بين شريكيه، لكل واحد الربع، فيصير لصاحب ~~الثلث ثلث وربع، وللآخر ربع وسدس، وإن باع صاحب الثلث، صار لصاحب النصف ~~الثلثان، وللآخر الثلث، وإن باع صاحب السدس، فلصاحب النصف ثلث وربع، ولصاحب ~~الثلث ربع وسدس. والله أعلم. ### | [فصل ورث أخوان دارا هي بينهما نصفين فمات أحدهما عن ابنين فباع أحدهما نصيبه الشفعة] # (4072) فصل: ولو ورث أخوان دارا، أو اشترياها بينهما نصفين، أو غير ذلك، ~~فمات أحدهما عن ابنين، فباع أحدهما نصيبه، فالشفعة بين أخيه وعمه. وبهذا ~~قال أبو حنيفة، والمزني، والشافعي في # PageV05P270 # الجديد. # وقال في القديم: إن أخاه أحق بالشفعة. وبه قال مالك؛ لأن أخاه أخص بشركته ~~من العم، لاشتراكهما في سبب الملك. ولنا، أنهما شريكان حال ثبوت الشفعة، ~~فكانت ms2659 بينهما، كما لو ملكوا كلهم بسبب واحد، ولأن الشفعة تثبت لدفع ضرر ~~الشريك الداخل على شركائه بسبب شركته، وهذا يوجد في حق الكل. # وما ذكروه لا أصل له، ولم يثبت اعتبار الشرع له في موضع، والاعتبار ~~بالشركة لا بسببها. وهل تقسم بين العم وابن أخيه نصفين، أو على قدر ~~ملكيهما؟ على روايتين. وهكذا لو اشترى رجل نصف دار، ثم اشترى ابناه نصفها ~~الآخر، أو ورثاه، أو اتهباه، أو وصل إليهما بسبب من أسباب الملك، فباع ~~أحدهما نصيبه. # أو لو ورث ثلاثة دارا، فباع أحدهم نصيبه من اثنين، ثم باع أحد المشتريين ~~نصيبه، فالشفعة بين جميع الشركاء. وكذلك لو مات رجل، وخلف ابنتين وأختين، ~~فباعت إحدى الأختين نصيبها، أو إحدى الابنتين، فالشفعة بين جميع الشركاء. ~~ولو مات رجل، وخلف ثلاثة بنين وأرضا، فمات أحدهم عن ابنين، فباع أحد العمين ~~نصيبه، فالشفعة بين أخيه وابني أخيه. # ولو خلف ابنين، وأوصى بثلثه لاثنين، فباع أحد الوصيين، أو أحد الابنين، ~~فالشفعة بين شركائه كلهم. ولمخالفينا في هذه المسائل اختلاف يطول ذكره. ### | [فصل كان المشتري شريكا في الشقص] # (4073) فصل: وإن كان المشتري شريكا، فللشفيع الآخر أن يأخذ بقدر نصيبه. ~~وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. # وحكي عن الحسن، والشعبي، والبتي: لا شفعة للآخر؛ لأنها تثبت لدفع ضرر ~~الشريك الداخل، وهذا شركته متقدمة، فلا ضرر في شرائه. وحكى ابن الصباغ عن ~~هؤلاء، أن الشفعة كلها لغير المشتري. ولا شيء للمشتري فيها؛ لأنها تستحق ~~عليه، فلا يستحقها على نفسه. # ولنا، أنهما تساويا في الشركة، فتساويا في الشفعة، كما لو اشترى أجنبي، ~~بل المشتري أولى؛ لأنه قد ملك الشقص المشفوع. وما ذكرناه للقول الأول لا ~~يصح؛ لأن الضرر يحصل بشراء هذا السهم المشفوع، من غير نظر إلى المشتري، وقد ~~حصل شراؤه. # والثاني لا يصح أيضا؛ لأننا لا نقول إنه يأخذ من نفسه بالشفعة، وإنما ~~يمنع الشريك أن يأخذ قدر حقه بالشفعة، فيبقى على ملكه، ثم لا يمنع أن يستحق ~~الإنسان على نفسه، لأجل تعلق حق الغير به، ألا ترى ms2660 أن العبد المرهون إذا ~~جنى على عبد آخر لسيده، ثبت للسيد على عبده أرش الجناية؛ لأجل تعلق حق ~~المرتهن به، ولو لم يكن رهنا ما تعلق به. إذا ثبت هذا، فإن للشريك المشتري ~~أخذ قدر نصيبه لا غير أو العفو. # وإن قال له المشتري: قد أسقطت شفعتي، فخذ # PageV05P271 # الكل، أو اترك. لم يلزمه ذلك ولم يصح إسقاط المشتري؛ لأن ملكه استقر على ~~قدر حقه، فجرى مجرى الشفيعين إذا أخذا بالشفعة ثم عفا أحدهما عن حقه. وكذلك ~~إذا حضر أحد الشفيعين، فأخذ جميع الشقص بالشفعة، ثم حضر الآخر، فله أخذ ~~النصف من ذلك، فإن قال الأول: خذ الكل أو دع، فإني قد أسقطت شفعتي. لم يكن ~~له ذلك. # فإن قيل: هذا تبعيض للصفقة على المشتري. قلنا: هذا التبعيض اقتضاه دخوله ~~في العقد، فصار كالرضى منه به، كما قلنا في الشفيع الحاضر إذا أخذ جميع ~~الشقص، وكما لو اشترى شقصا وسيفا. ### | [مسألة ترك أحدهما شفعته] # (4074) مسألة؛ قال: (فإن ترك أحدهما شفعته، لم يكن للآخر أن يأخذ إلا ~~الكل أو يترك) وجملته أنه إذا كان الشقص بين شفعاء، فترك بعضهم، فليس ~~للباقين إلا أخذ الجميع أو ترك الجميع، وليس لهم أخذ البعض. قال ابن ~~المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على هذا. وهذا قول مالك، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. # ولأن في أخذ البعض إضرارا بالمشتري، بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال ~~بالضرر، لأن الشفعة إنما تثبت على خلاف الأصل دفعا لضرر الشريك الداخل، ~~خوفا من سوء المشاركة ومؤنة القسمة، فإذا أخذ بعض الشقص، لم يندفع عنه ~~الضرر، فلم يتحقق المعنى المجوز لمخالفة الأصل، فلا تثبت. # ولو كان الشفيع واحدا، لم يجز له أخذ بعض المبيع؛ لذلك، فإن فعل، سقطت ~~شفعته؛ لأنها لا تتبعض، فإذا سقط بعضها، سقط جميعها، كالقصاص. وإن وهب بعض ~~الشركاء نصيبه من الشفعة بعض شركائه أو غيره، لم يصح؛ لأن ذلك عفو، وليس ~~بهبة، فلم يصح لغير من هو عليه، كالعفو عن القصاص. ### | [فصل كان الشفعاء غائبين] # (4075) فصل: ms2661 فإن كان الشفعاء غائبين، لم تسقط الشفعة؛ لموضع العذر. فإذا ~~قدم أحدهم، فليس له أن يأخذ إلا الكل، أو يترك؛ لأنا لا نعلم اليوم مطالبا ~~سواه، ولأن في أخذه البعض تبعيضا لصفقة المشتري، فلم يجز ذلك، كما لو لم ~~يكن معه غيره، ولا يمكن تأخير حقه إلى أن يقدم شركاؤه؛ لأن في التأخير ~~إضرارا بالمشتري. # فإذا أخذ الجميع، ثم حضر آخر، قاسمه، إن شاء أو عفا فيبقى للأول؛ لأن ~~المطالبة إنما وجدت منهما. فإن قاسمه، ثم حضر الثالث، قاسمهما إن أحب أو ~~عفا فيبقى للأولين، فإن نما الشقص في يد الأول نماء منفصلا، لم يشاركه فيه ~~واحد منهما؛ لأنه انفصل في ملكه، فأشبه ما لو انفصل في يد المشتري قبل ~~الأخذ بالشفعة. # وكذلك إذا أخذ الثاني، فنما في يده نماء منفصلا، لم يشاركه الثالث فيه. # PageV05P272 # وإن خرج الشقص مستحقا، فالعهدة على المشتري، يرجع الثلاثة عليه، ولا يرجع ~~أحدهم على الآخر؛ فإن الأخذ وإن كان من الأول، فهو بمنزلة النائب عن ~~المشتري في الدفع إليهما والنائب عنهما في دفع الثمن إليه، لأن الشفعة ~~مستحقة عليه لهم. # وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وإن امتنع الأول من المطالبة حتى يحضر صاحباه، ~~أو قال: آخذ قدر حقي. ففيه وجهان؛ أحدهما، يبطل حقه؛ لأنه قدر على أخذ الكل ~~وتركه، فأشبه المنفرد. والثاني، لا يبطل؛ لأنه تركه لعذر، وهو خوف قدوم ~~الغائب، فينتزعه منه، والترك لعذر لا يسقط الشفعة، بدليل ما لو أظهر ~~المشتري ثمنا كثيرا، فترك لذلك، ثم بان خلافه. # فإن ترك الأول شفعته توفرت الشفعة على صاحبيه، فإذا قدم الأول منهما، فله ~~أخذ الجميع، على ما ذكرنا في الأول. فإن أخذ الأول بها، ثم رد ما أخذه ~~بعيب، فكذلك. وبهذا قال الشافعي. وحكي عن محمد بن الحسن أنها لا تتوفر ~~عليهما، وليس لهما أخذ نصيب الأول؛ لأنه لم يعف، وإنما رد نصيبه لأجل ~~العيب، فأشبه ما لو رجع إلى المشتري ببيع أو هبة. # ولنا أن الشفيع فسخ ملكه، ورجع إلى المشتري بالسبب الأول، فكان لشريكه ms2662 ~~أخذه، كما لو عفا. ويفارق عوده بسبب آخر؛ لأنه عاد غير الملك الأول الذي ~~تعلقت به الشفعة. ### | [فصل حضر الثاني بعد أخذ الأول فأخذ نصف الشقص منه واقتسما ثم قدم الثالث فطالب بالشفعة] # (4076) فصل: وإذا حضر الثاني بعد أخذ الأول، فأخذ نصف الشقص منه، ~~واقتسما، ثم قدم الثالث، فطالب بالشفعة، وأخذ بها، بطلت القسمة؛ لأن هذا ~~الثالث إذا أخذ بالشفعة، كان كأنه مشارك في حال القسمة، لثبوت حقه، ولهذا ~~لو باع المشتري، ثم قدم الشفيع، كان له إبطال البيع. # فإن قيل: فكيف تصح القسمة، وشريكهما الثالث غائب؟ قلنا: يحتمل أن يكون ~~وكل في القسمة قبل البيع، أو قبل علمه به، أو يكون الشريكان رفعا ذلك إلى ~~الحاكم، وطالباه بالقسمة عن الغائب، فقاسمهما، وبقي الغائب على شفعته. فإن ~~قيل: فكيف تصح مقاسمتهما للشقص، وحق الثالث ثابت فيه؟ قلنا: ثبوت حق الشفعة ~~لا يمنع التصرف، بدليل أنه يصح بيعه وهبته وغيرهما، ويملك الشفيع إبطاله، ~~كذا هاهنا. # إذا ثبت هذا، فإن الثالث إذا قدم فوجد أحد شريكيه غائبا، أخذ من الحاضر ~~ثلث ما في يده؛ لأنه قدر ما يستحقه، ثم إن قضى له القاضي على الغائب، أخذ ~~ثلث ما في يده أيضا، وإن لم يقض له، انتظر الغائب حتى يقدم؛ لأنه موضع عذر. # PageV05P273 ### | [فصل أخذ الأول الشقص كله بالشفعة فقدم الثاني فقال لا آخذ منك نصفه بل أقتصر على قدر نصيبي] # (4077) فصل: إذا أخذ الأول الشقص كله بالشفعة، فقدم الثاني، فقال: لا آخذ ~~منك نصفه، بل أقتصر على قدر نصيبي وهو الثلث. فله ذلك؛ لأنه اقتصر على بعض ~~حقه، وليس فيه تبعيض الصفقة على المشتري، فجاز، كترك الكل فإذا قدم الثالث، ~~فله أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده، فيضيفه إلى ما في يد الأول، ~~ويقتسمانه نصفين، فتصح قسمة الشقص من ثمانية عشر سهما؛ لأن الثالث أخذ حقه ~~من الثاني ثلث الثلث، ومخرجه تسعة، فضمه إلى الثلثين وهي ستة، صارت تسعة ثم ~~قسما التسعة نصفين، لا تنقسم، فاضرب اثنين في تسعة، تكن ms2663 ثمانية عشر، للثاني ~~أربعة أسهم، ولكل واحد من شريكيه سبعة. # وإنما كان كذلك؛ لأن الثاني ترك سدسا كان له أخذه، وحقه منه ثلثاه، وهو ~~التسع، فتوفر ذلك على شريكيه في الشفعة، فللأول والثالث أن يقولا: نحن سواء ~~في الاستحقاق، ولم يترك واحد منا شيئا من حقه، فنجمع ما معنا فنقسمه، فيكون ~~على ما ذكرنا. # وإن قال الثاني: أنا آخذ الربع. فله ذلك؛ لما ذكرنا في التي قبلها، فإذا ~~قدم الثالث، أخذ منه نصف سدس، وهو ثلث ما في يده، فضمه إلى ثلاثة الأرباع، ~~وهي تسعة، يصير الجميع عشرة فيقتسمانها لكل واحد منهما خمسة، وللثاني ~~سهمان، وتصح من اثني عشر. ### | [فصل اشترى رجل من رجلين شقصا فللشفيع أخذ نصيب أحدهما دون الآخر] # (4078) فصل: إذا اشترى رجل من رجلين شقصا، فللشفيع أخذ نصيب أحدهما دون ~~الآخر. وبهذا قال الشافعي. وحكي عن القاضي، أنه لا يملك ذلك. وهو قول أبي ~~حنيفة، ومالك، لئلا تتبعض صفقة المشتري. # ولنا، أن عقد الاثنين مع واحد عقدان؛ لأنه مشتر من كل واحد منهما ملكه ~~بثمن مفرد، فكان للشفيع أخذه، كما لو أفرده بعقد، وبهذا ينفصل عما ذكروه. ~~وإن اشترى اثنان نصيب واحد، فللشفيع أخذ نصيب أحد المشتريين. وبه قال مالك، ~~والشافعي، وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه. وقال في الأخرى: يجوز له ذلك ~~بعد القبض، ولا يجوز قبله؛ لأنه قبل القبض تتبعض صفقة البائع. ولنا، أنهما ~~مشتريان، فجاز للشفيع أخذ نصيب أحدهما، كما بعد القبض. # وما ذكروه لا نسلمه، على أن المشتري الآخر أخذ نصيبه، فلا يكون تبعيضا. ~~فإن باع اثنان من اثنين، فهي أربعة عقود، وللشفيع أخذ الكل، أو ما شاء ~~منهما. ### | [فصل باع شقصا لثلاثة دفعة واحدة] # (4079) فصل: وإذا باع شقصا لثلاثة، دفعة واحدة، فلشريكه أن يأخذ من ~~الثلاثة. وله أن يأخذ من أحدهم، وله أن يأخذ من اثنين دون الثالث؛ لأن عقد ~~كل منهما منفرد، فلا يتوقف الأخذ به على الأخذ بما في العقد # PageV05P274 # الآخر، كما لو كانت متفرقة. # فإذا أخذ نصيب واحد، لم ms2664 يكن للآخرين مشاركته في الشفعة؛ لأن ملكهما لم ~~يسبق ملك من أخذ نصيبه، ولا يستحق الشفعة إلا بملك سابق. فأما إن باع نصيبه ~~لثلاثة، في ثلاثة عقود متفرقة، ثم علم الشفيع، فله أيضا أن يأخذ الثلاثة، ~~وله أن يأخذ ما شاء منها؛ فإن أخذ نصيب الأول، لم يكن للآخرين مشاركته في ~~شفعته؛ لأنهما لم يكن لهما ملك حين بيعه، وإن أخذ نصيب الثاني وحده، لم ~~يملك الثالث مشاركته لذلك، ويشاركه الأول في شفعته؛ لأن ملكه سابق لشراء ~~الثاني، فهو شريك حال شرائه. # ويحتمل أن لا يشاركه؛ لأن ملكه حال شراء الثاني يستحق أخذه بالشفعة، فلا ~~يكون سببا في استحقاقها. وإن أخذ من الثالث وعفا عن الأولين، ففي مشاركتهما ~~له وجهان. وإن أخذ من الثلاثة، ففيه وجهان؛ أحدهما، أنه لا يشاركه أحد ~~منهم؛ لأن أملاكهم قد استحقها بالشفعة، فلا يستحق عليه بها شفعة. # والثاني، يشاركه الثاني في شفعة الثالث. وهذا قول أبي حنيفة، وبعض أصحاب ~~الشافعي؛ لأنه كان مالكا ملكا صحيحا حال شراء الثالث، ولذلك استحق مشاركته ~~إذا عفا عن شفعته، فكذلك إذا لم يعف؛ لأنه إنما استحق الشفعة بالملك الذي ~~صار به شريكا، لا بالعفو عنه، ولذلك قلنا في الشفيع إذا لم يعلم بالشفعة ~~حتى باع نصيبه: فله أخذ نصيب المشتري الأول، وللمشتري الأول أخذ نصيب ~~المشتري الثاني. # وعلى هذا يشاركه الأول في شفعة الثاني والثالث جميعا. فعلى هذا إذا كانت ~~دار بين اثنين نصفين، فباع أحدهما نصيبه لثلاثة، في ثلاثة عقود، في كل عقد ~~سدسا، فللشفيع السدس الأول وثلاثة أرباع الثاني وثلاثة أخماس الثالث، ~~وللمشتري الأول ربع السدس الثاني وخمس الثالث، وللمشتري الثاني خمس الثالث ~~فتصح المسألة من مائة وعشرين سهما، للشفيع الأول مائة وسبعة أسهم، وللثاني ~~تسعة، وللثالث أربعة. # وإن قلنا: إن الشفعة على عدد الرءوس. فللمشتري الأول نصف السدس الثاني ~~وثلث الثالث، وللثاني ثلث الثالث وهو نصف التسع، فتصح من ستة وثلاثين، ~~للشفيع تسعة وعشرون، وللثاني خمسة، وللثالث سهمان. ### | [فصل دار بين أربعة أرباعا باع ثلاثة منهم ms2665 في عقود متفرقة ولم يعلم شريكهم ولا بعضهم ببعض] # (4080) فصل: دار بين أربعة أرباعا، باع ثلاثة منهم في عقود متفرقة، ولم ~~يعلم شريكهم، ولا بعضهم ببعض، فللذي # PageV05P275 # لم يبع الشفعة في الجميع. وهل يستحق البائع الثاني والثالث الشفعة فيما ~~باعه البائع الأول والثاني؟ على وجهين. وكذلك هل يستحق الثالث الشفعة فيما ~~باعه الأول والثاني؟ على وجهين. # وهل يستحق مشتري الربع الأول الشفعة فيما باعه الثاني والثالث؟ وهل يستحق ~~الثاني شفعة الثالث؟ على ثلاثة أوجه؛ أحدها، يستحقان؛ لأنهما مالكان حال ~~البيع. والثاني، لا حق لهما؛ لأن ملكهما متزلزل يستحق أخذه بالشفعة، فلا ~~تثبت به. والثالث إن عفا عنهما أخذا، وإلا فلا. فإذا قلنا: يشترك الجميع. ~~فللذي لم يبع ثلث كل ربع؛ لأن له شريكين، فصار له الربع مضموما إلى ملكه، ~~فكمل له النصف، وللبائع والمشتري الأول الثلث، لكل واحد منهما السدس؛ لأنه ~~شريك في شفعة. # وللبائع الثاني والمشتري الثاني السدس، لكل واحد منهما نصفه؛ لأنه شريك ~~في شفعة بيع واحد، وتصح من اثني عشر. ### | [فصل باع الشريك نصف الشقص لرجل ثم باعه بقيته في صفقة أخرى ثم علم الشفيع] # (4081) فصل: وإن باع الشريك نصف الشقص لرجل، ثم باعه بقيته في صفقة أخرى، ~~ثم علم الشفيع فله أخذ المبيع الأول والثاني، وله أخذ أحدهما دون الثاني؛ ~~لأن لكل عقد حكم نفسه، فإن أخذ الأول، لم يشاركه في شفعته أحد، وإن أخذ ~~الثاني، فهل يشاركه المشتري في شفعته بنصيبه الأول؟ فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها، ~~يشاركه فيها. # وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي؛ لأنه شريك وقت البيع الثاني، ~~يملكه الذي اشتراه أولا. والثاني، لا يشاركه؛ لأن ملكه على الأول لم يستقر، ~~لكون الشفيع يملك أخذه. والثالث، إن عفا الشفيع عن الأول شاركه في الثاني، ~~وإن أخذ بهما جميعا لم يشاركه. وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه إذا عفا عنه، استقر ~~ملكه، فشارك به، بخلاف ما إذا أخذ. # فإن قلنا: يشارك في الشفعة. ففي قدر ما يستحق وجهان؛ أحدهما، ثلثه. ~~والثاني، نصفه. بناء على الروايتين في ms2666 قسمة الشفعة على قدر الأملاك أو عدد ~~الرءوس. فإذا قلنا: يشاركه. فعفا له عن الأول، صار له ثلث العقار، في أحد ~~الوجهين، وفي الآخر ثلاثة أثمانه، وباقيه لشريكه. وإن لم يعف عن الأول، فله ~~نصف سدسه، في أحد الوجهين، وفي الآخر ثمنه، والباقي لشريكه. # وإن باعه الشريك الشقص في ثلاث صفقات متساوية، فحكمه حكم ما لو باعه ~~لثلاثة أنفس، على ما شرحناه. ويستحق ما يستحقون. وللشفيع هاهنا مثل ما له ~~مع الثلاثة. والله أعلم. # PageV05P276 ### | [فصل دار بين ثلاثة فوكل أحدهم شريكه في بيع نصيبه مع نصيبه فباعهما لرجل واحد] # (4082) فصل: وإذا كانت دار بين ثلاثة، فوكل أحدهم شريكه في بيع نصيبه مع ~~نصيبه، فباعهما لرجل واحد، فلشريكهما الشفعة فيهما. وهل له أخذ أحد ~~النصيبين دون الآخر؟ فيه وجهان؛ أحدهما، له ذلك؛ لأن المالك اثنان، فهما ~~بيعان، فكان له أخذ نصيب أحدهما، كما لو توليا العقد. والثاني، ليس له ذلك؛ ~~لأن الصفقة واحدة، وفي أخذ أحدهما تبعيض الصفقة على المشتري، فلم يجز، كما ~~لو كانا لرجل واحد. # وإن وكل رجل رجلا في شراء نصف نصيب أحد الشركاء، فاشترى الشقص كله لنفسه ~~ولموكله، فلشريكه أخذ نصيب أحدهما؛ لأنهما مشتريان، فأشبه ما لو وليا ~~العقد. والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها، أن أخذ أحد النصيبين لا يفضي ~~إلى تبعيض صفقة المشتري، ولأنه قد يرضى شركة أحد المشتريين دون الآخر، ~~بخلاف التي قبلها؛ فإن المشتري واحد. ### | [مسألة عهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع] # (4083) مسألة؛ قال: (وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على ~~البائع) يعني أن الشفيع إذا أخذ الشقص، فظهر مستحقا، فرجوعه بالثمن على ~~المشتري، ويرجع المشتري على البائع. # وإن وجده معيبا فله رده على المشتري، أو أخذ أرشه منه، والمشتري يرد على ~~البائع، أو يأخذ الأرش منه، سواء قبض الشقص من المشتري أو من البائع. وبهذا ~~قال الشافعي. وقال ابن أبي ليلى، وعثمان البتي: عهدة الشفيع على البائع؛ ~~لأن الحق ثبت له بإيجاب البائع، فكان رجوعه عليه، كالمشتري. وقال أبو ~~حنيفة: ms2667 إن أخذه من المشتري، فالعهدة عليه، وإن أخذه من البائع فالعهدة ~~عليه؛ لأن الشفيع إذا أخذه من البائع تعذر قبض المشتري، فينفسخ البيع بين ~~البائع والمشتري، فكان الشفيع آخذا من البائع مالكا من جهته، فكانت عهدته ~~عليه. # ولنا، أن الشفعة مستحقة بعد الشراء وحصول الملك للمشتري، ثم يزول الملك ~~من المشتري إلى الشفيع بالثمن. فكانت العهدة عليه، كما لو أخذه منه ببيع، ~~ولأنه ملكه من جهة المشتري بالثمن، فملك رده عليه بالعيب، كالمشتري في ~~البيع الأول. وقياسه على المشتري، في جعل عهدته على البائع، لا يصح؛ لأن ~~المشتري ملكه من البائع، بخلاف الشفيع. # وأما إذا أخذه من البائع، فالبائع نائب عن المشتري في التسليم المستحق ~~عليه. ولو انفسخ العقد بين المشتري والبائع، بطلت الشفعة؛ لأنها استحقت به. # PageV05P277 ### | [فصل حكم الشفيع في الرد بالعيب] # (4084) فصل: وحكم الشفيع في الرد بالعيب، حكم المشتري من المشتري، وإن ~~علم المشتري بالعيب، ولم يعلم الشفيع، فللشفيع رده على المشتري. أو أخذ ~~أرشه منه، وليس للمشتري شيء. ويحتمل أن لا يملك الشفيع أخذ الأرش؛ لأن ~~الشفيع يأخذ بالثمن الذي استقر عليه العقد، فإذا أخذ الأرش، فما أخذه ~~بالثمن الذي استقر على المشتري. # وإن علم الشفيع دون المشتري، فليس لواحد منهما رد ولا أرش؛ لأن الشفيع ~~أخذه عالما بعيبه، فلم يثبت له رد ولا أرش، كالمشتري إذا علم العيب، ~~والمشتري قد استغنى عن الرد، لزوال ملكه عن المبيع، وحصول الثمن له من ~~الشفيع، ولم يملك الأرش؛ لأنه استدرك ظلامته، ورجع إليه جميع ثمنه، فأشبه ~~ما لو رده على البائع. # ويحتمل أن يملك أخذ الأرش؛ لأنه عوض عن الجزء الفائت من المبيع، فلم يسقط ~~بزوال ملكه عن المبيع، كما لو اشترى قفيزين، فتلف أحدهما، وأخذ الآخر. فعلى ~~هذا، ما يأخذه من الأرش يسقط عن الشفيع من الثمن بقدره؛ لأن الشقص يجب عليه ~~بالثمن الذي استقر عليه العقد، فأشبه ما لو أخذ الأرش قبل أخذ الشفيع منه. # وإن علما جميعا، فليس لواحد منهما رد ولا أرش؛ لأن كل واحد ms2668 منهما دخل على ~~بصيرة، ورضي ببذل الثمن فيه بهذه الصفة. وإن لم يعلما، فللشفيع رده على ~~المشتري، وللمشتري رده على البائع، فإن لم يرده الشفيع، فلا يرده للمشتري؛ ~~لما ذكرنا أولا. وإن أخذ الشفيع أرشه من المشتري، فللمشتري أخذه من البائع. # وإن لم يأخذ منه شيئا، فلا شيء للمشتري. ويحتمل أن يملك أخذه، على الوجه ~~الذي ذكرناه. فإذا أخذه، فإن كان الشفيع لم يسقطه عن المشتري، سقط عنه من ~~الثمن بقدره؛ لأنه الثمن الذي استقر عليه البيع، وسكوته لا يسقط حقه، وإن ~~أسقطه عن المشتري، توفر عليه، كما لو زاده على الثمن باختياره. فأما إن ~~اشتراه بالبراءة من كل عيب، فالصحيح من المذهب أنه لا يبرأ، فيكون كأنه لم ~~يبرأ إليه من شيء. وفي رواية أخرى، أنه يبرأ، إلا أن يكون البائع علم ~~بالعيب، فدلسه، واشترط البراءة. فعلى هذه الرواية، إن علم الشفيع باشتراط ~~البراءة، فحكمه حكم المشتري؛ لأنه دخل على شرائه، فصار كمشتر ثان اشترط ~~البراءة. # وإن لم يعلم ذلك، فحكمه حكم ما لو علمه المشتري دون الشفيع. ### | [مسألة الشفعة لا تورث] # (4085) مسألة؛ قال: (والشفعة لا تورث، إلا أن يكون الميت طالب بها) # PageV05P278 # وجملة ذلك، أن الشفيع إذا مات قبل الأخذ بها، لم يخل من حالين؛ أحدهما، ~~أن يموت قبل الطلب بها، فتسقط، ولا تنتقل إلى الورثة. قال أحمد: الموت يبطل ~~به ثلاثة أشياء؛ الشفعة، والحد إذا مات المقذوف، والخيار إذا مات الذي ~~اشترط الخيار لم يكن للورثة. # هذه الثلاثة الأشياء إنما هي بالطلب، فإذا لم يطلب، فليس تجب، إلا أن ~~يشهد أني على حقي من كذا وكذا، وأني قد طلبته، فإن مات بعده، كان لوارثه ~~الطلب به. وروي سقوطه بالموت عن الحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي. وبه ~~قال الثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # وقال مالك، والشافعي، والعنبري: يورث. قال أبو الخطاب ويتخرج لنا مثل ~~ذلك؛ لأنه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال، فيورث، كخيار الرد بالعيب. # ولنا، أنه حق فسخ ثبت لا لفوات جزء، فلم يورث، كالرجوع في الهبة، ms2669 ولأنه ~~نوع خيار جعل للتمليك، أشبه خيار القبول. فأما خيار الرد بالعيب، فإنه ~~لاستدراك جزء فات من المبيع. الحال الثاني، إذا طالب بالشفعة ثم مات. فإن ~~حق الشفعة ينتقل إلى الورثة، قولا واحدا. # ذكره أبو الخطاب. وقد ذكرنا نص أحمد عليه. لأن الحق يتقرر بالطلب، ولذلك ~~لا يسقط بتأخير الأخذ بعده، وقبله يسقط. وقال القاضي: يصير الشقص ملكا ~~للشفيع بنفس المطالبة. وقد ذكرنا أن الصحيح غير هذا، فإنه لو صار ملكا ~~للشفيع، لم يصح العفو عن الشفعة بعد طلبها، كما لا يصح العفو عنها بعد ~~الأخذ بها. # فإذا ثبت هذا، فإن الحق ينتقل إلى جميع الورثة على حسب مواريثهم، لأنه حق ~~مالي موروث، فينتقل إلى جميعهم، كسائر الحقوق المالية، وسواء قلنا: الشفعة ~~على قدر الأملاك، أو على عدد الرءوس؛ لأن هذا ينتقل إليهم من موروثهم. # فإن ترك بعض الورثة حقه، توفر الحق على سائر الورثة، ولم يكن لهم أن ~~يأخذوا إلا الكل، أو يتركوا، كالشفعاء إذا عفا بعضهم عن شفعته؛ لأنا لو ~~جوزنا أخذ بعض الشقص المبيع، تبعضت الصفقة على المشتري، وهذا ضرر في حقه. ### | [فصل أشهد الشفيع على مطالبته بها للعذر ثم مات] # (4086) فصل: وإن أشهد الشفيع على مطالبته بها للعذر، ثم مات، لم تبطل، ~~وكان للورثة المطالبة بها. نص عليه أحمد؛ لأن الإشهاد على الطلب عند العجز ~~عنه، يقوم مقامه، فلم تسقط الشفعة بالموت بعده، كنفس الطلب. # PageV05P279 ### | [فصل بيع شقص له شفيعان فعفا أحدهما عنها وطالب الآخر بها ثم مات المطالب فورثه العافي] # (4087) فصل: وإذا بيع شقص له شفيعان، فعفا أحدهما عنها، وطالب الآخر بها، ~~ثم مات المطالب، فورثه العافي، فله أخذ الشقص بها؛ لأنه وارث لشفيع مطالب ~~بالشفعة، فملك الأخذ بها، كالأجنبي. وكذلك لو قذف رجل أمهما وهي ميتة، فعفا ~~أحدهما، فطالب الآخر، ثم مات الطالب، فورثه العافي، ثبت له استيفاؤه ~~بالنيابة عن أخيه الميت، إذا قلنا بوجوب الحد بقذفها. ### | [فصل مات مفلس وله شقص فباع شريكه] # (4088) فصل: وإن مات مفلس، وله شقص، فباع شريكه، كان لورثته ms2670 الشفعة. وهذا ~~مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا شفعة لهم؛ لأن الحق انتقل إلى الغرماء. # ولنا، أنه بيع في شركة ما خلفه موروثهم من شقص، فكان لهم المطالبة بشفعته ~~كغير المفلس. ولا نسلم أن التركة انتقلت إلى الغرماء، بل هي للورثة، بدليل ~~أنها لو تمت أو زاد ثمنها، لحسب على الغرماء في قضاء ديونهم، وإنما تعلق ~~حقهم به، فلم يمنع ذلك من الشفعة، كما لو كان لرجل شقص مرهون، فباع شريكه، ~~فإنه يستحق الشفعة به. # ولو كان للميت دار، فبيع بعضها في قضاء دينه، لم يكن للورثة شفعة؛ لأن ~~البيع يقع لهم، فلا يستحقون الشفعة على أنفسهم. ولو كان الوارث شريكا ~~للموروث، فبيع نصيب الموروث في دينه، فلا شفعة أيضا؛ لأن نصيب الموروث ~~انتقل بموته إلى الوارث، فإذا بيع فقد بيع ملكه، فلا يستحق الشفعة على ~~نفسه. ### | [فصل اشترى شقصا مشفوعا ووصي به ثم مات] # (4089) فصل: ولو اشترى شقصا مشفوعا، ووصى به، ثم مات، فللشفيع أخذه ~~بالشفعة؛ لأن حقه أسبق من حق الموصي له، فإذا أخذه، دفع الثمن إلى الورثة، ~~وبطلت الوصية؛ لأن الموصى به ذهب، فبطلت الوصية، له كما لو تلف، ولا يستحق ~~الموصى له بدله؛ لأنه لم يوص له إلا بالشقص، وقد فات بأخذه. # ولو وصى رجل لإنسان بشقص ثم مات، فبيع في تركته شقص قبل قبول الموصى له، ~~فالشفعة للورثة في الصحيح؛ لأن الموصى به لا يصير للوصي إلا بعد القبول، ~~ولم يوجد، فيكون باقيا على ملك الورثة. ويحتمل أن يكون للموصى إذا قلنا: إن ~~الملك ينتقل إليه بمجرد الموت. فإذا قبل الوصية، استحق المطالبة؛ لأننا ~~تبينا أن الملك كان له، فكان المبيع في شركته. ولا يستحق المطالبة قبل ~~القبول؛ لأنا لا نعلم أن الملك له قبل القبول، وإنما يتبين ذلك بقبوله، فإن ~~قبل تبينا أنه كان له. وإن رد، تبينا أنه كان للورثة. ولا تستحق الورثة ~~المطالبة أيضا؛ لذلك. # PageV05P280 # ويحتمل أن لهم المطالبة؛ لأن الأصل عدم القبول، وبقاء الحق لهم. ويفارق ~~الموصى له من وجهين؛ أحدهما، ms2671 أن الأصل عدم القبول منه. والثاني، أنه يمكنه ~~أن يقبل ثم يطالب، بخلاف الوارث؛ فإنه لا سبيل له إلى فعل ما يعلم به ثبوت ~~الملك له أو لغيره. # فإذا طالبوا، ثم قبل الوصي الوصية، كانت الشفعة له، ويفتقر إلى الطلب ~~منه؛ لأن الطلب الأول تبين أنه من غير المستحق. وإن قلنا بالرواية الأولى، ~~فطالب الورثة بالشفعة، فلهم الأخذ بها. وإن قبل الوصي أخذ الشقص الموصى به، ~~دون الشقص المشفوع؛ لأن الشقص الموصى به إنما انتقل إليه بعد الأخذ بشفعته، ~~فأشبه ما لو أخذ بها الموصي في حياته. # وإن لم يطالبوا بالشفعة حتى قبل الموصي له، فلا شفعة للموصى له؛ لأن ~~البيع وقع قبل ثبوت الملك له، وحصول شركته. وفي ثبوتها للورثة وجهان، بناء ~~على ما لو باع الشفيع نصيبه قبل علمه ببيع شريكه. ### | [فصل اشترى رجل شقصا ثم ارتد فقتل أو مات] # (4090) فصل: ولو اشترى رجل شقصا، ثم ارتد فقتل أو مات، فللشفيع أخذه ~~بالشفعة؛ لأنها وجبت بالشراء، وانتقاله إلى المسلمين بقتله أو موته لا يمنع ~~الشفعة، كما لو مات على الإسلام، فورثه ورثته، أو صار ماله لبيت المال، ~~لعدم ورثته، والمطالب بالشفعة وكيل بيت المال. ### | [فصل اشترى المرتد شقصا] # (4091) فصل: وإذا اشترى المرتد شقصا، فتصرفه موقوف، فإن قتل على ردته أو ~~مات عليها، تبينا أن شراءه باطل، ولا شفعة فيه، وإن أسلم، تبينا صحته، ~~وثبوت الشفعة فيه. وقال أبو بكر: تصرفه غير صحيح في الحالين؛ لأن ملكه يزول ~~بردته، فإذا أسلم عاد إليه تمليكا مستأنفا. # وقال الشافعي، وأبو يوسف: تصرفه صحيح في الحالين، وتجب الشفعة فيه. ومبنى ~~الشفعة هاهنا على صحة تصرف المرتد، ويذكر في غير هذا الموضع. وإن بيع شقص ~~في شركة المرتد، وكان المشتري كافرا، فأخذ بالشفعة، انبنى على ذلك أيضا؛ ~~لأن أخذه بالشفعة شراء للشقص من المشتري، فأشبه شراءه لغيره. وإن ارتد ~~الشفيع المسلم، وقتل بالردة أو مات عليها، انتقل ماله إلى المسلمين، فإن ~~كان طالب بالشفعة، انتقلت أيضا إلى المسلمين، ينظر فيها الإمام أو نائبه. ms2672 # وإن قتل أو مات قبل طلبها، بطلت شفعته، كما لو مات على إسلامه. ولو مات ~~الشفيع المسلم، ولم يخلف وارثا سوى بيت المال، انتقل نصيبه إلى المسلمين إن ~~مات بعد الطلب، وإلا فلا. # PageV05P281 ### | [مسألة أذن الشريك في البيع ثم طالب بالشفعة بعد وقوع البيع] # (4092) مسألة؛ قال: (وإن أذن الشريك في البيع، ثم طالب بالشفعة بعد وقوع ~~البيع، فله ذلك) وجملة ذلك أن الشفيع إذا عفا عن الشفعة قبل البيع، فقال: ~~قد أذنت في البيع، أو قد أسقطت شفعتي. أو ما أشبه ذلك، لم تسقط، وله ~~المطالبة بها متى وجد البيع. # هذا ظاهر المذهب. وهو مذهب مالك، والشافعي، والبتي، وأصحاب الرأي. وروي ~~عن أحمد ما يدل على أن الشفعة تسقط بذلك؛ فإن إسماعيل بن سعيد، قال: قلت ~~لأحمد ما معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان بينه وبين أخيه ~~ربعة، فأراد بيعها، فليعرضها عليه» . وقد جاء في بعض الحديث: " ولا يحل له ~~إلا أن يعرضها عليه ". # إذا كانت الشفعة ثابتة له؟ فقال: ما هو ببعيد من أن يكون على ذلك، وأن لا ~~تكون له الشفعة. وهذا قول الحكم، والثوري، وأبي عبيد، وأبي خيثمة، وطائفة ~~من أهل الحديث. قال ابن المنذر: وقد اختلف فيه عن أحمد، فقال مرة: تبطل ~~شفعته. وقال مرة: لا تبطل. # واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان له شركة في أرض؛ ~~ربعة، أو حائط، فلا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ~~ترك» . ومحال أن يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ومن شاء ترك ". فلا ~~يكون لتركه معنى. # ومفهوم قوله: " فإن باع، ولم يؤذنه، فهو أحق به " أنه إذا باعه بإذنه لا ~~حق له. ولأن الشفعة تثبت في موضع الاتفاق على خلاف الأصل لكونه يأخذ ملك ~~المشتري من غير رضائه، ويجبره على المعاوضة به، لدخوله مع البائع في العقد، ~~الذي أساء فيه بإدخاله الضرر على شريكه، وتركه الإحسان إليه في عرضه عليه. # وهذا المعنى معدوم هاهنا، فإنه قد عرضه ms2673 عليه، وامتناعه من أخذه دليل على ~~عدم الضرر في حقه ببيعه، وإن كان فيه ضرر فهو أدخله على نفسه، فلا يستحق ~~الشفعة، كما لو أخر المطالبة بعد البيع. ووجه الأول، أنه إسقاط حق قبل ~~وجوبه، فلم يصح، كما لو أبرأه مما يجب له، أو أسقطت المرأة صداقها قبل ~~التزويج. # وأما الخبر، فيحتمل أنه أراد العرض عليه، ليبتاع ذلك إن أراد، فتخف عليه ~~المؤنة، ويكتفي بأخذ المشتري الشقص، لا إسقاط حقه من شفعته. ### | [فصل توكل الشفيع في البيع] # (4093) فصل: إذا توكل الشفيع في البيع، لم تسقط شفعته بذلك، سواء كان ~~وكيل البائع أو المشتري. # ذكره الشريف، وأبو الخطاب. وهو ظاهر مذهب الشافعي. # PageV05P282 # وقال القاضي، وبعض الشافعية: إن كان وكيل البائع، فلا شفعة له؛ لأنه ~~تلحقه التهمة في البيع، لكونه يقصد تقليل الثمن ليأخذ به، بخلاف وكيل ~~المشتري. # وقال أصحاب الرأي: لا شفعة لوكيل المشتري، بناء على أصلهم أن الملك ينتقل ~~إلى الوكيل، فلا يستحق على نفسه. ولنا، أنه وكيل، فلا تسقط شفعته، كالآخر، ~~ولا نسلم أن الملك ينتقل إلى الوكيل. إنما ينتقل إلى الموكل، ثم لو انتقل ~~إلى الوكيل لما ثبتت في ملكه، إنما ينتقل في الحال إلى الموكل، فلا يكون ~~الأخذ من نفسه، ولا الاستحقاق عليها. # وأما التهمة فلا تؤثر؛ لأن الموكل وكله مع علمه بثبوت شفعته، راضيا ~~بتصرفه مع ذلك، فلا يؤثر، كما لو أذن لوكيله في الشراء من نفسه. فعلى هذا، ~~لو قال لشريكه: بع نصف نصيبي مع نصف نصيبك. ففعل، ثبتت الشفعة لكل واحد ~~منهما في المبيع من نصيب صاحبه. وعند القاضي تثبت في نصيب الوكيل، دون نصيب ~~الموكل. ### | [فصل ضمن الشفيع العهدة للمشتري أو شرط له الخيار فاختار إمضاء العقد] # (4094) فصل: وإن ضمن الشفيع العهدة للمشتري، أو شرط له الخيار فاختار ~~إمضاء العقد، لم تسقط شفعته. وبهذا قال الشافعي. وقال أصحاب الرأي: تسقط؛ ~~لأن العقد تم به، فأشبه البائع إذا باع بعض نصيب نفسه. # ولنا، أن هذا سبب سبق وجوب الشفعة، فلم تسقط به الشفعة، كالإذن ms2674 في البيع، ~~والعفو عن الشفعة قبل تمام البيع. وما ذكروه لا يصح؛ فإن البيع لا يقف على ~~الضمان، ويبطل بما إذا كان المشتري شريكا، فإن البيع قد تم به، وتثبت له ~~الشفعة بقدر نصيبه. ### | [فصل دار بين ثلاثة فقارض واحد منهم أحد شريكيه بألف فاشترى به نصف نصيب الثالث] # (4095) فصل: وإذا كانت دار بين ثلاثة، فقارض واحد منهم أحد شريكيه بألف، ~~فاشترى به نصف نصيب الثالث، لم تثبت فيه شفعة، في أحد الوجهين؛ لأن أحد ~~الشريكين رب المال، والآخر العامل، فهما كالشريكين في المتاع، فلا يستحق ~~أحدهما على الآخر شفعة. وإن باع الثالث باقي نصيبه لأجنبي، كانت الشفعة ~~مستحقة بينهم أخماسا، لرب المال خمساها، وللعامل خمساها، ولمال المضاربة ~~خمسها بالسدس الذي له، فيجعل مال المضاربة كشريك آخر؛ لأن حكمه متميز عن ~~مال كل واحد منهما. ### | [فصل دار بين ثلاثة فاشترى أجنبي نصيب أحدهم فطالبه أحدهم بالشفعة فقال إنما اشتريته لشريكك] # (4096) فصل: فإن كانت الدار بين ثلاثة أثلاثا، فاشترى أجنبي نصيب أحدهم، ~~فطالبه أحد الشريكين بالشفعة، فقال: إنما اشتريته لشريكك. لم تؤثر هذه ~~الدعوى في قدر ما يستحق من الشفعة، فإن الشفعة بين الشريكين نصفين، سواء ~~اشتراها الأجنبي لنفسه، أو للشريك الآخر. # وإن ترك المطالب بالشفعة # PageV05P283 # حقه منها، بناء على هذا القول، ثم تبين كذبه، لم تسقط شفعته. وإن أخذ نصف ~~المبيع لذلك، ثم تبين كذب المشتري، وعفا الشريك عن شفعته، فله أخذ نصيبه من ~~الشفعة؛ لأن اقتصاره على أخذ النصف بني على خبر المشتري، فلم يؤثر في إسقاط ~~الشفعة، واستحق أخذ الباقي لعفو شريكه عنه. # وإن امتنع من أخذ الباقي، سقطت شفعته كلها؛ لأنه لا يملك تبعيض صفقة ~~المشتري. ويحتمل أن لا يسقط حقه من النصف الذي أخذه، ولا يبطل أخذه له؛ لأن ~~المشتري أقر بما تضمن استحقاقه لذلك، فلا يبطل برجوعه عن إقراره. وإن أنكر ~~الشريك كون الشراء له وعفا عن شفعته، وأصر المشتري على الإقرار للشريك به، ~~فللشفيع أخذ الكل؛ لأنه لا منازع له في استحقاقه، وله الاقتصار ms2675 على النصف؛ ~~لإقرار المشتري له باستحقاق ذلك. ### | [فصل قال أحد الشفيعين للمشتري شراؤك باطل] # (4097) فصل: وإن قال أحد الشفيعين للمشتري: شراؤك باطل. وقال الآخر: هو ~~صحيح. فالشفعة كلها للمعترف بالصحة. وكذلك إن قال: ما اشتريته، إنما ~~اتهبته. وصدقه الآخر أنه اشتراه، فالشفعة للمصدق بالشراء؛ لأن شريكه مسقط ~~لحقه باعترافه أنه لا بيع صحيح. # ولو احتال المشتري على إسقاط الشفعة بحيلة لا تسقطها، فقال أحد الشفيعين: ~~قد أسقطت الشفعة. توفرت على الآخر، لاعتراف صاحبه بسقوطها. ولو توكل أحد ~~الشفيعين في البيع أو الشراء، أو ضمن عهدة المبيع، أو عفا عن الشفعة قبل ~~البيع، وقال: لا شفعة لي. كذلك توفرت على الآخر. # وإن اعتقد أن له شفعة، وطالب بها، فارتفعا إلى حاكم فحكم بأنه لا شفعة له ~~توفرت على الآخر؛ لأنها سقطت بحكم الحاكم، فأشبه ما لو سقطت بإسقاط ~~المستحق. ### | [فصل ادعى رجل على آخر ثلث داره فأنكره ثم صالحه عن دعواه بثلث دار أخرى] # (4098) فصل: إذا ادعى رجل على آخر ثلث داره، فأنكره، ثم صالحه عن دعواه ~~بثلث دار أخرى، صح، ووجبت الشفعة في الثلث المصالح به؛ لأن المدعي يزعم أنه ~~محق في دعواه، وأن ما أخذه عوض عن الثلث الذي ادعاه، فلزمه حكم دعواه ووجبت ~~الشفعة، ولا شفعة على المنكر في الثلث المصالح عنه؛ لأنه يزعم أنه على ملكه ~~لم يزل، وإنما دفع ثلث داره إلى المدعي اكتفاء لشره، ودفعا لضرر الخصومة ~~واليمين على نفسه، فلم تلزمه فيه شفعة. # وإن قال المنكر للمدعي: خذ الثلث الذي تدعيه بثلث دارك. ففعل، فلا شفعة ~~على المدعي فيما أخذه، وعلى المنكر الشفعة في الثلث الذي أخذه؛ لأنه يزعم ~~أنه أخذه عوضا عن ملكه الثابت له. وقال أصحاب الشافعي: تجب الشفعة في الثلث ~~الذي أخذه المدعي أيضا؛ لأنهما معاوضة من الجانبين بشقصين، فوجبت الشفعة ~~فيهما، كما لو كانت بين مقرين. # PageV05P284 # ولنا، أن المدعي يزعم أن ما أخذه كان ملكا له قبل الصلح، ولم يتجدد له ~~عليه ملك، وإنما استنقذه بصلحه، فلم تجب فيه شفعة ms2676 كما لو أقر به. ### | [فصل دار بين ثلاثة فاشترى أحدهم نصيب أحدهم ثم باعه لأجنبي ثم علم شريكه] # (4099) فصل: إذا كانت دار بين ثلاثة أثلاثا، فاشترى أحدهم نصيب أحد ~~شريكيه، ثم باعه لأجنبي، ثم علم شريكه، فله أن يأخذ بالعقدين، وله الأخذ ~~بأحدهما؛ لأنه شريك فيهما. فإن أخذ بالعقد الثاني، أخذ جميع ما في يد ~~مشتريه؛ لأنه لا شريك له في شفعته. # وإن أخذ بالعقد الأول، ولم يأخذ بالثاني، أخذ نصف المبيع، وهو السدس؛ لأن ~~المشتري شريكه في شفعته، ويأخذ نصفه من المشتري الأول، ونصفه من المشتري ~~الثاني؛ لأن شريكه لما اشترى الثلث، كان بينهما نصفين، لكل واحد منهما ~~السدس، فإذا باع الثلث من جميع ما في يده، وفي يده ثلثان، فقد باع نصف ما ~~في يده، والشفيع يستحق ربع ما في يده، وهو السدس، فصار منقسما في يديهما ~~نصفين، فيأخذ من كل واحد منهما نصفه، وهو نصف السدس، ويدفع ثمنه إلى الأول، ~~ويرجع المشتري الثاني على الأول بربع الثمن الذي اشترى به، وتكون المسألة ~~من اثني عشر، ثم ترجع إلى أربعة، للشفيع نصف الدار، ولكل واحد من الآخرين ~~الربع. # وإن أخذ بالعقدين، أخذ جميع ما في يد الثاني، وربع ما في يد الأول، فصار ~~له ثلاثة أرباع الدار، ولشريكه الربع، ويدفع إلى الأول نصف الثمن الأول، ~~ويدفع إلى الثاني ثلاثة أرباع الثاني، ويرجع الثاني على الأول بربع الثمن ~~الثاني؛ لأنه يأخذ نصف ما اشتراه الأول، وهو السدس، فيدفع إليه نصف الثمن ~~لذلك، وقد صار نصف هذا النصف في يد الثاني، وهو ربع ما في يده، فيأخذه منه، ~~ويرجع الثاني على الأول بثمنه، وبقي المأخوذ من الثاني ثلاثة أرباع ما ~~اشتراه، فأخذها منه، ودفع إليه ثلاثة أرباع الثمن. # وإن كان المشتري الثاني هو البائع الأول، فالحكم على ما ذكرنا، لا يختلف. ~~وإن كانت الدار بين الثلاثة أرباعا لأحدهم نصفها، وللآخرين نصفها بينهما، ~~فاشترى صاحب النصف من أحد شريكيه ربعه، ثم باع ربعا مما في يده لأجنبي، ثم ~~علم شريكه فأخذ ms2677 بالبيع الثاني، أخذ جميعه، ودفع إلى المشتري ثمنه. # وإن أخذ بالبيع الأول وحده، أخذ ثلث المبيع، وهو نصف سدس؛ لأن المبيع كله ~~ربع، فثلثه نصف سدس، يأخذ ثلثه من المشتري الأول، وثلثه من الثاني، ومخرج ~~ذلك من ستة وثلاثين، النصف ثمانية عشر، ولكل واحد منهما تسعة، فلما اشترى ~~صاحب النصف تسعة، كانت شفعتها بينه وبين شريكه الذي لم يبع أثلاثا، لشريكه ~~ثلثها ثلاثة، فلما باع صاحب النصف ثلث ما في يده، حصل في المبيع من الثلاثة ~~ثلثها، وهو سهم بقي في يد البائع منها سهمان، فترد الثلاثة إلى الشريك، ~~ويصير في يده اثنا عشر، وهي الثلث، ويبقى في يد المشتري الثاني ثمانية، وهي ~~تسعان، وفي يد صاحب النصف ستة عشر، وهي أربعة # PageV05P285 # أتساع، ويدفع الشريك الثمن إلى المشتري الأول، ويرجع المشتري الثاني عليه ~~بتسع الثمن الذي اشترى به؛ لأنه قد أخذ منه تسع مبيعه. # وإن أخذ بالعقدين، أخذ من الثاني جميع ما في يده، وأخذ من الأول نصف ~~التسع، وهو سهمان، من ستة وثلاثين، فيصير في يده عشرون سهما، وهي خمسة ~~أتساع، ويبقى في يد الأول ستة عشر سهما، وهي أربعة أتساع، ويدفع إليه ثلث ~~الثمن الأول، ويدفع إلى الثاني ثمانية أتساع الثمن الثاني، ويرجع الثاني ~~على الأول بتسع الثمن الثاني. # (4100) فصل: إذا كانت دار بين ثلاثة لزيد نصفها، ولعمرو ثلثها، ولبكر ~~سدسها، فاشترى بكر من زيد ثلث الدار، ثم باع عمرا سدسها، ولم يعلم عمرو ~~بشراه للثلث، ثم علم، فله المطالبة بحقه من شفعة الثلث، وهو ثلثاه، وذلك ~~تسعا الدار، فيأخذ من بكر ثلثي ذلك، وقد حصل ثلثه الباقي في يده بشرائه ~~للسدس، فيفسخ بيعه فيه، ويأخذه بشفعة البيع الأول، ويبقى من مبيعه خمسة ~~أتساعه، لزيد ثلث شفعته، فيقسم بينهما أثلاثا. # وتصح المسألة من مائة واثنين وستين سهما، الثلث المبيع أربعة وخمسون ~~سهما، لعمرو ثلثاها بشفعته ستة وثلاثون سهما، يأخذ ثلثيها من بكر، وهي ~~أربعة وعشرون سهما، وثلثها في يده اثنا عشر سهما، والسدس الذي اشتراه سبعة ~~وعشرون سهما، ms2678 قد أخذ منها اثني عشر بالشفعة، بقي منها خمسة عشر، له ثلثاها ~~عشرة، ويأخذ منها زيد خمسة، فحصل لزيد اثنان وثلاثون سهما، ولبكر ثلاثون ~~سهما، ولعمرو مائة سهم، وذلك نصف الدار وتسعها ونصف تسع تسعها، ويدفع عمرو ~~إلى بكر ثلثي الثمن في البيع الأول، وعليه وعلى زيد خمسة أتساع الثمن ~~الباقي بينهما أثلاثا. # وإن عفا عمرو عن شفعة الثلث، فشفعة السدس الذي اشتراه بينه وبين زيد ~~أثلاثا، ويحصل لعمرو أربعة أتساع الدار، ولزيد تسعاها، ولبكر ثلثها، وتصح ~~من تسعة، وإن باع بكر السدس لأجنبي، فهو كبيعه إياه لعمرو، إلا أن لعمرو ~~العفو عن شفعته في السدس، بخلاف ما إذا كان هو المشتري، فإنه لا يصح عفوه ~~عن نصيبه منها. # وإن باع بكر الثلث لأجنبي، فلعمرو ثلثا شفعة المبيع الأول، وهو التسعان، ~~يأخذ ثلثهما من بكر، وثلثهما من المشتري الثاني، وذلك تسع ثلث تسع، يبقى في ~~يد الثاني سدس وسدس تسع، وهو عشرة من أربعة وخمسين بين عمرو وزيد أثلاثا. # وتصح أيضا من مائة واثنين وستين، ويدفع عمرو إلى بكر ثلثي ثمن مبيعه، ~~ويدفع هو وزيد إلى المشتري الثاني ثمن خمسة أسباع مبيعه بينهما أثلاثا، ~~ويرجع المشتري الثاني على بكر بثمن أربعة أتساع مبيعه. # PageV05P286 # وإن لم يعلم عمرو حتى باع مما في يده سدسا، لم تبطل شفعته، في أحد الوجوه ~~وله أن يأخذ بها كما لو لم يبع شيئا. الثاني تبطل شفعته كلها. والثالث، ~~تبطل في قدر ما باع، وتبقى فيما لم يبع. وقد ذكرنا توجيه هذه الوجوه. فأما ~~شفعة ما باعه ففيها ثلاثة أوجه؛ أحدهما، أنها بين المشتري الثاني وزيد وبكر ~~أرباعا، للمشتري نصفها، ولكل واحد منهما ربعها، على قدر أملاكهم حين بيعه. # والثاني، أنها بين زيد وبكر، على أربعة عشر سهما، لزيد تسعة، ولبكر خمسة؛ ~~لأن لزيد السدس، ولبكر سدس يستحق منه أربعة أتساعه بالشفعة، فيبقى معه خمسة ~~أتساع السدس، ملكه مستقر عليها، فأضفناه إلى سدس زيد، وقسمنا الشفعة على ~~ذلك، ولم نعط المشتري الثاني ولا بكرا بالسهام المستحقة ms2679 بالشفعة شيئا؛ لأن ~~الملك عليها غير مستقر. والثالث، إن عفا لهم عن الشفعة، استحقوا بها. وإن ~~أخذت بالشفعة لم يستحقوا بها شيئا. وإن عفا عن بعضهم دون بعض، استحق المعفو ~~عنه بسهامه دون غير المعفو عنه. # وما بطلت الشفعة فيه ببيع عمرو، فهو بمنزلة المعفو عنه، فيخرج في قدره ~~وجهان. ولو استقصينا فروع هذه المسألة على سبيل البسط، لطال، وخرج إلى ~~الإملال. ### | [فصل دار بين أربعة اشترى اثنان منهم نصيب أحدهم] # (4101) فصل: وإذا كانت دار بين أربعة أرباعا، فاشترى اثنان منهم نصيب ~~أحدهم، استحق الرابع الشفعة عليهما، واستحق كل واحد من المشتريين الشفعة ~~على صاحبه. فإن طالب كل واحد منهم بشفعته، قسم المبيع بينهم أثلاثا، وصارت ~~الدار بينهم كذلك. وإن عفا الرابع وحده، قسم المبيع بين المشتريين نصفين. ~~وكذلك إن عفا الجميع عن شفعتهم، فيصير لهما ثلاثة أرباع الدار، وللرابع ~~الربع بحاله # وإن طالب الرابع وحده، أخذ منهما نصف المبيع؛ لأن كل واحد منهما له من ~~الملك مثل ما للمطالب، فشفعة مبيعه بينه وبين شفيعه نصفين، فيحصل للرابع ~~ثلاثة أثمان الدار، وباقيها بينهما نصفين، وتصح من ستة عشر. وإن طالب ~~الرابع وحده أحدهما دون الآخر، قاسمه الثمن نصفين، فيحصل للمعفو عنه ثلاثة ~~أثمان، والباقي بين الرابع والآخر نصفين، وتصح من ستة عشر # PageV05P287 # وإن عفا أحد المشتريين، ولم يعف الآخر ولا الرابع، قسم مبيع المعفو عنه ~~بينه وبين الرابع نصفين، ومبيع الآخر بينهم أثلاثا، فيحصل للذي لم يعف عنه ~~ربع وثلث ثمن، وذلك سدس وثمن، والباقي بين الآخرين نصفين، وتصح من ثمانية ~~وأربعين. وإن عفا الرابع عن أحدهما، ولم يعف أحدهما عن صاحبه، أخذ ممن لم ~~يعف عنه ثلث الثمن، والباقي بينهما نصفين، ويكون الرابع كالعافي في التي ~~قبلها # وتصح أيضا من ثمانية وأربعين. وإن عفا الرابع، أو أحدهما عن الآخر، ولم ~~يعف الآخر، فلغير العافي ربع وسدس، والباقي بين العافيين نصفين، لكل واحد ~~منهما سدس وثمن، وتصح من أربعة وعشرين. وما يفرع من المسائل فهو على مساق ~~ما ذكرنا. ### | [مسألة ms2680 لا شفعة لكافر على مسلم] # (4102) مسألة: قال: (ولا شفعة لكافر على مسلم) وجملة ذلك أن الذمي إذا ~~باع شريكه شقصا لمسلم، فلا شفعة له عليه. روي ذلك عن الحسن، والشعبي. وروي ~~عن شريح، وعمر بن عبد العزيز، أن له الشفعة. وبه قال النخعي، وإياس بن ~~معاوية، وحماد بن أبي سليمان، والثوري، ومالك، والشافعي، والعنبري، وأصحاب ~~الرأي؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، ~~وإن باعه، ولم يؤذنه، فهو أحق به» # ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر بالشراء، فاستوى فيه المسلم والكافر، كالرد ~~بالعيب. ولنا ما روى الدارقطني، في كتاب " العلل "، بإسناده عن أنس، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا شفعة لنصراني» . وهذا يخص عموم ما ~~احتجوا به. ولأنه معنى يملك به، يترتب على وجود ملك مخصوص، فلم يجب للذمي ~~على المسلم، كالزكاة. ولأنه معنى يختص العقار، فأشبه الاستعلاء في البنيان، ~~يحققه أن الشفعة إنما ثبتت للمسلم دفعا للضرر عن ملكه، فقدم دفع ضرره على ~~دفع ضرر المشتري، ولا يلزم من تقديم دفع ضرر المسلم على المسلم تقديم دفع ~~ضرر الذمي، فإن حق المسلم أرجح، ورعايته أولى، ولأن ثبوت الشفعة في محل ~~الإجماع، على خلاف الأصل، رعاية لحق الشريك المسلم، وليس الذمي في معنى ~~المسلم، فيبقى فيه على مقتضى الأصل # وتثبت الشفعة للمسلم على الذمي؛ لعموم الأدلة الموجبة، ولأنها إذا ثبتت ~~في حق المسلم على المسلم مع عظم حرمته، ورعاية حقه، فلأن تثبت على الذمي مع ~~دناءته، أولى وأحرى. ### | [فصل الشفعة للذمي على الذمي] # (4103) فصل: وتثبت للذمي على الذمي؛ لعموم الأخبار، ولأنهما تساويا في ~~الدين والحرمة، فتثبت لأحدهما على الآخر، كالمسلم على المسلم. ولا نعلم في ~~هذا خلافا. # PageV05P288 # وإن تبايعوا بخمر أو خنزير، وأخذ الشفيع بذلك، لم ينقض ما فعلوه. وإن كان ~~التقابض جرى بين المتبايعين دون الشفيع، وترافعوا إلينا، لم نحكم له ~~بالشفعة. وبهذا قال الشافعي # وقال أبو الخطاب: إن تبايعوا بخمر، وقلنا: هي مال لهم. حكمنا لهم ~~بالشفعة. وقال أبو حنيفة: تثبت الشفعة ms2681 إذا كان الثمن خمرا؛ لأنها مال لهم، ~~فأشبه ما لو تبايعوا بدراهم، لكن إن كان الشفيع ذميا أخذه بمثله، وإن كان ~~مسلما أخذه بقيمة الخمر. ولنا أنه بيع عقد بخمر، فلم تثبت فيه الشفعة، كما ~~لو كان بين مسلمين، ولأنه عقد بثمن محرم، أشبه البيع بالخنزير والميتة، ولا ~~نسلم أن الخمر مال لهم، فإن الله تعالى حرمه، كما حرم الخنزير، واعتقادهم ~~حله لا يجعله مالا كالخنزير، وإنما لم ينقض عقدهم إذا تقابضوا، لأننا لا ~~نتعرض لما فعلوه مما يعتقدونه في دينهم، ما لم يتحاكموا إلينا قبل تمامه، ~~ولو تحاكموا إلينا قبل التقابض لفسخناه. ### | [فصل أصحاب البدع هل لهم شفعة] # (4104) فصل: فأما أهل البدع، فمن حكم بإسلامه فله الشفعة؛ لأنه مسلم، ~~فتثبت له الشفعة، كالفاسق بالأفعال؛ ولأن عموم الأدلة يقتضي ثبوتها لكل ~~شريك، فيدخل فيها. وقد روى حرب أن أحمد سئل عن أصحاب البدع، هل لهم شفعة، ~~ويروى عن إدريس، أنه قال: ليس للرافضة شفعة فضحك، وقال: أراد أن يخرجهم من ~~الإسلام. فظاهر هذا أنه أثبت لهم الشفعة. وهذا محمول على غير الغلاة منهم، ~~وأما من غلا، كالمعتقد أن جبريل غلط في الرسالة فجاء إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وإنما أرسل إلى علي # ونحوه، ومن حكم بكفره من الدعاة إلى القول بخلق القرآن، فلا شفعة له؛ لأن ~~الشفعة إذا لم تثبت للذمي الذي يقر على كفره، فغيره أولى. ### | [فصل الشفعة للبدوي على القروي وللقروي على البدوي] # (4105) فصل: وتثبت الشفعة للبدوي على القروي، وللقروي على البدوي. في قول ~~أكثر أهل العلم. وقال الشعبي والبتي: لا شفعة لمن لم يسكن المصر. ولنا عموم ~~الأدلة، واشتراكهما في المعنى المقتضي لوجوب الشفعة. ### | [فصل الشفعة في أرض السواد] # (4106) فصل: قال أحمد، في رواية حنبل: لا نرى في أرض السواد شفعة؛ وذلك ~~لأن أرض السواد موقوفة، وقفها عمر - رضي الله عنه - على المسلمين، ولا يصح ~~بيعها، والشفعة إنما تكون في البيع. وكذلك الحكم في سائر الأرض التي وقفها ~~عمر - رضي الله عنه - وهي التي فتحت عنوة، ms2682 في زمنه، ولم يقسمها، كأرض ~~الشام، وأرض مصر. وكذلك كل أرض فتحت عنوة، ولم تقسم بين الغانمين، إلا أن ~~يحكم ببيع ذلك حاكم، أو يفعله الإمام أو نائبه، فإن فعل ذلك، ثبتت فيه ~~الشفعة؛ لأنه فصل مختلف فيه، ومتى حكم الحاكم في المختلف فيه بشيء، نفذ ~~حكمه. والله أعلم. # PageV05P289 ### | [كتاب المساقاة] # المساقاة: أن يدفع الرجل شجره إلى آخر، ليقوم بسقيه، وعمل سائر ما يحتاج ~~إليه، بجزء معلوم له من ثمره. وإنما سميت مساقاة لأنها مفاعلة من السقي؛ ~~لأن أهل الحجاز أكثر حاجة شجرهم إلى السقي، لأنهم يستقون من الآبار، فسميت ~~بذلك. والأصل في جوازها السنة والإجماع؛ أما السنة، فما روى عبد الله بن ~~عمر. - رضي الله عنه - قال: «عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل ~~خيبر بشطر ما يخرج منها، من ثمر أو زرع. حديث صحيح» ، متفق عليه # وأما الإجماع، فقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - وعن آبائه: «عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل ~~خيبر بالشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون ~~الثلث والربع. وهذا عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم» ، واشتهر ذلك، ~~فلم ينكره منكر، فكان إجماعا. فإن قيل: لا نسلم أنه لم ينكره منكر، فإن عبد ~~الله بن عمر راوي حديث معاملة أهل خيبر، قد رجع عنه، وقال: كنا نخابر ~~أربعين سنة، حتى حدثنا رافع بن خديج، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن المخابرة» # وهذا يمنع انعقاد الإجماع، ويدل على نسخ حديث ابن عمر، لرجوعه عن العمل ~~به إلى حديث رافع بن خديج. قلنا: لا يجوز حمل حديث رافع على ما يخالف ~~الإجماع، ولا حديث ابن عمر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يعامل ~~أهل خيبر حتى مات، ثم عمل به الخلفاء بعده، ثم من بعدهم، فكيف يتصور نهي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء يخالفه؟ أم كيف يعمل بذلك في عصر ~~الخلفاء ms2683 ولم يخبرهم من سمع النهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حاضر ~~معهم، وعالم بفعلهم، فلم يخبرهم، فلو صح خبر رافع لوجب حمله على ما يوافق ~~السنة والإجماع # على أنه قد روي في تفسير خبر رافع عنه ما يدل على صحة قولنا، فروى ~~البخاري، بإسناده قال: كنا نكري الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض، ~~فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض، وربما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا، فأما ~~الذهب والورق فلم يكن يومئذ. وروي تفسيره أيضا بشيء غير هذا من أنواع ~~الفساد، وهو مضطرب جدا. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث رافع ~~بن خديج، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المزارعة فقال: رافع روي ~~عنه في هذا ضروب. كأنه يريد أن اختلاف الروايات عنه يوهن حديثه. وقال طاوس: ~~إن أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه ~~عنه، ولكن قال: «لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن # PageV05P290 # يأخذ عليها خراجا معلوما» . رواه البخاري ومسلم. # وأنكر زيد بن ثابت حديث رافع عليه. فكيف يجوز نسخ أمر فعله النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى مات وهو يفعله، ثم أجمع عليه خلفاؤه وأصحابه بعده، ~~بخبر لا يجوز العمل به، ولو لم يخالفه غيره، ورجوع ابن عمر إليه يحتمل أنه ~~رجع عن شيء من المعاملات الفاسدة التي فسرها رافع في حديثه # وأما غير ابن عمر فقد أنكر على رافع، ولم يقبل حديثه، وحمله على أنه غلط ~~في روايته. والمعنى يدل على ذلك؛ فإن كثيرا من أهل النخيل والشجر يعجزون عن ~~عمارته وسقيه، ولا يمكنهم الاستئجار عليه، وكثير من الناس لا شجر لهم، ~~ويحتاجون إلى الثمر، ففي تجويز المساقاة دفع للحاجتين، وتحصيل لمصلحة ~~الفئتين، فجاز ذلك، كالمضاربة بالأثمان. ### | [مسألة المساقاة في النخل والشجر والكرم] # مسألة؛ قال أبو القاسم: (وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم بجزء ~~معلوم، يجعل للعامل من الثمر) وجملة ذلك أن المساقاة جائزة في جميع الشجر ~~المثمر. هذا قول الخلفاء الراشدين - رضي الله ms2684 عنهم -. وبه قال سعيد بن ~~المسيب، وسالم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبو ~~ثور. وقال داود: لا يجوز إلا في النخيل؛ لأن الخبر إنما ورد بها فيه # وقال الشافعي لا يجوز إلا في النخيل والكرم؛ لأن الزكاة تجب في ثمرتهما، ~~وفي سائر الشجر قولان: أحدهما لا يجوز فيه؛ لأن الزكاة لا تجب في نمائه، ~~فأشبه ما لا ثمرة له. وقال أبو حنيفة، وزفر: لا تجوز بحال؛ لأنها إجارة ~~بثمرة لم تخلق، أو إجارة بثمرة مجهولة، أشبه إجارة نفسه بثمرة غير الشجر ~~الذي يسقيه. ولنا السنة والإجماع، ولا يجوز التعويل على ما خالفهما. ~~وقولهم: إنها إجارة. غير صحيح، إنما هو عقد على العمل في المال ببعض نمائه، ~~فهي كالمضاربة، وينكسر ما ذكروه بالمضاربة؛ فإنه يعمل في المال بنمائه، وهو ~~معدوم مجهول، وقد جاز بالإجماع، وهذا في معناه # ثم قد جوز الشارع العقد في الإجارة على المنافع المعدومة للحاجة، فلم لا ~~يجوز على الثمرة المعدومة للحاجة، مع أن القياس إنما يكون في إلحاق المسكوت ~~عنه بالمنصوص عليه، أو المجمع عليه، فأما في إبطال نص، وخرق إجماع بقياس نص ~~آخر، فلا سبيل إليه. وأما تخصيص ذلك بالنخيل، أو به وبالكرم، فيخالف عموم ~~قوله: «عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها ~~من زرع أو ثمر» . وهذا عام في كل ثمر، ولا تكاد بلدة ذات أشجار تخلو من شجر ~~غير النخيل، وقد جاء في لفظ بعض الأخبار، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من النخل والشجر» ، ولأنه شجر يثمر كل حول، ~~فأشبه النخيل والكرم، ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة عليه، كالنخل وأكثر؛ ~~لكثرته، فجازت المساقاة عليه كالنخل، ووجوب الزكاة ليس من العلة المجوزة ~~للمساقاة، ولا أثر له فيها، وإنما العلة في ما ذكرناه. # PageV05P291 ### | [فصل المساقاة في ما لا ثمر له من الشجر] # (4108) فصل: وأما ما لا ثمر له من الشجر، كالصفصاف والجوز ونحوهما، أو له ~~ثمر غير مقصود، كالصنوبر والأرز، فلا ms2685 تجوز المساقاة عليه. وبه قال مالك، ~~والشافعي. ولا نعلم فيه خلافا؛ لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى ~~المنصوص،، ولأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمرة، وهذا لا ثمرة له، إلا ~~أن يكون مما يقصد ورقه أو زهره كالتوت والورد، فالقياس يقتضي جواز المساقاة ~~عليه؛ لأنه في معنى الثمر، لأنه نماء يتكرر كل عام، ويمكن أخذه والمساقاة ~~عليه بجزء منه، فيثبت له مثل حكمه. ### | [فصل ساقاه على ثمرة موجودة] # (4109) فصل: وإن ساقاه على ثمرة موجودة، فذكر أبو الخطاب فيها روايتين؛ ~~إحداهما، تجوز. وهو اختيار أبي بكر، وقول مالك، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ~~ثور، وأحد قولي الشافعي؛ لأنها إذا جازت في المعدومة مع كثرة الغرر فيها، ~~فمع وجودها وقلة الغرر فيها أولى. وإنما تصح إذا بقي من العمل ما يستزاد به ~~الثمرة، كالتأبير # والسقي، وإصلاح الثمرة، فإن بقي ما لا تزيد به الثمرة، كالجذاذ ونحوه، لم ~~يجز، بغير خلاف. والثانية لا تجوز. وهو القول الثاني للشافعي؛ لأنه ليس ~~بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل ~~أهل خيبر على الشطر مما يخرج من ثمر أو زرع، ولأن هذا يفضي إلى أن يستحق ~~بالعقد عوضا موجودا ينتقل الملك فيه عن رب المال إلى المساقي. فلم يصح، كما ~~لو بدا صلاح الثمرة، ولأنه عقد على العمل في المال ببعض نمائه، فلم يجز بعد ~~ظهور النماء، كالمضاربة، ولأن هذا يجعل العقد إجارة بمعلوم ومجهول، فلم ~~يصح، كما لو استأجره على العمل بذلك. وقولهم: إنه أقل غررا # قلنا: قلة الغرر ليست من المقتضي للجواز، ولا كثرته الموجودة في محل النص ~~مانعة، فلا تؤثر قلته شيئا، والشرع ورد به على وجه لا يستحق العامل فيه ~~عوضا موجودا. ولا ينتقل إليه من ملك رب المال شيء، وإنما يحدث النماء ~~الموجود على ملكهما على ما شرطاه، فلم تجز مخالفة هذا الموضوع، ولا إثبات ~~عقد ليس في معناه إلحاقا به، كما لو بدا صلاح الثمرة، كالمضاربة بعد ظهور ~~الربح. ### | [فصل المساقاة لا تصح إلا ms2686 على جزء معلوم من الثمرة مشاع] # (4110) فصل: فأما قول الخرقي: " بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمر ". فيدل ~~على شيئين: أحدهما أن المساقاة لا تصح إلا على جزء معلوم من الثمرة مشاع، ~~كالنصف والثلث، لحديث # PageV05P292 # ابن عمر: عامل أهل، خيبر بشطر ما يخرج منها. وسواء قل الجزء أو كثر، فلو ~~شرط للعامل جزءا من مائة جزء، وجعل جزءا منها لنفسه والباقي للعامل، جاز ما ~~لم يفعل ذلك حيلة، وكذلك إن عقده على أجزاء معلومة، كالخمسين # وثلاثة أثمان، أو سدس ونصف سبع، ونحو ذلك جاز. وإن عقد على جزء مبهم، ~~كالسهم والجزء والنصيب والحظ ونحوه لم تجز؛ لأنه إذا لم يكن معلوما لم تمكن ~~القسمة بينهما. ولو ساقاه على آصع معلومة، أو جعل مع الجزء المعلوم آصعا، ~~لم تجز؛ لأنه ربما لم يحصل ذلك، أو لم يحصل غيره، فيستضر رب الشجر أو ربما ~~كثر الحاصل فيستضر العامل. وإن شرط له ثمر نخلات بعينها، لم يجز؛ لأنها قد ~~لا تحمل، فتكون الثمرة كلها لرب المال، وقد لا تحمل غيرها، فتكون الثمرة ~~كلها للعامل، ولهذه العلة «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المزارعة ~~التي يجعل فيها لرب الأرض مكانا معينا، وللعامل مكانا معينا» . # «قال رافع: كنا نكري الأرض، على أن لنا هذه، ولهم هذه. فربما أخرجت هذه ~~ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما الذهب والورق فلم ينهنا» . متفق عليه. ~~فمتى شرط شيئا من هذه الشروط الفاسدة، فسدت المساقاة، والثمرة كلها لرب ~~المال؛ لأنها نماء ملكه. وللعامل أجر مثله، كالمضاربة الفاسدة. الثاني أن ~~الشرط للعامل؛ لأنه إنما يأخذ بالشرط، فالشرط يراد لأجله، ورب المال يأخذ ~~بماله لا بالشرط، فإذا قال: ساقيتك، على أن لك ثلث الثمرة # صح، وكان الباقي لرب المال. وإن قال: على أن لي ثلث الثمرة. فقال ابن ~~حامد: يصح، والباقي للعامل. وقيل: لا يصح. وقد ذكرنا تعليل ذلك في ~~المضاربة. وإن اختلفا في الجزء المشروط لمن هو منهما فهو للعامل، لأن الشرط ~~يراد لأجله، كما ذكرنا. ### | [فصل كان في البستان ms2687 شجر من أجناس كالتين والزيتون والكرم والرمان] # فصل: وإذا كان في البستان شجر من أجناس، كالتين، والزيتون، والكرم، ~~والرمان، فشرط للعامل من كل جنس قدرا، كنصف ثمر التين، وثلث الزيتون، وربع ~~الكرم، وخمس الرمان، أو كان فيه أنواع من جنس، فشرط من كل نوع قدرا، وهما ~~يعلمان قدر كل نوع، صح؛ لأن ذلك كأربعة بساتين، ساقاه على كل بستان بقدر ~~مخالف للقدر المشروط من الآخر. وإن لم يعلما قدره، أو لم يعلم أحدهما، لم ~~يجز؛ لأنه قد يكون أكثر ما في البستان من النوع الذي شرط فيه القليل. أو ~~أكثره مما شرط فيه الكثير # PageV05P293 # ولو قال ساقيتك على هذين البستانين بالنصف من هذا، والثلث من هذا صح؛ ~~لأنها صفقة واحدة، جمعت عوضين، فصار كأنه قال: بعتك داري هاتين، هذه بألف، ~~وهذه بمائة. وإن قال: بالنصف من أحدهما، والثلث من الآخر. لم يصح؛ لأنه ~~مجهول، لا يدري أيهما الذي يستحق نصفه، ولا الذي يستحق ثلثه. ولو ساقاه على ~~بستان واحد، نصفه هذا بالنصف، ونصفه هذا بالثلث. وهما متميزان صح؛ لأنهما ~~كبستانين. # (4112) فصل: وإن كان البستان لاثنين، فساقيا عاملا واحدا، على أن له نصف ~~نصيب أحدهما، وثلث نصيب الآخر، والعامل عالم بنصيب كل واحد منهما، جاز؛ لأن ~~عقد الواحد مع الاثنين عقدان. ولو أفرد كل واحد منهما بعقد كان له أن يشرط ~~ما اتفقا عليه. وإن جهل نصيب كل واحد منهما، لم يجز؛ لأنه غرر، فإنه قد يقل ~~نصيب من شرط النصف، فيقل حظه، وقد يكثر، فيتوفر حظه # فأما إن شرطا قدرا واحدا من مالهما جاز، وإن لم يعلم قدر ما لكل واحد ~~منهما؛ لأنها جهالة لا غرر فيها ولا ضرر، فصار كما لو قالا: بعناك دارنا ~~هذه بألف. ولم يعلم نصيب كل واحد منهما، جاز لأنه أي نصيب كان فقد علم ~~عوضه، وعلم جملة المبيع، فصح. كذلك ها هنا. ولو ساقى واحد اثنين، جاز، ~~ويجوز أن يشرط لهما التساوي في النصيب، ويجوز أن يشرط لأحدهما أكثر من ~~الآخر. ### | [فصل ساقاه ثلاث ms2688 سنين على أن له في الأولى النصف وفي الثانية الثلث وفي الثالثة الربع] # (4113) فصل: ولو ساقاه ثلاث سنين، على أن له في الأولى النصف، وفي ~~الثانية الثلث، وفي الثالثة الربع جاز؛ لأن قدر ما له في كل سنة معلوم، ~~فصح، كما لو شرط له من كل نوع قدرا. # (4114) فصل: ولو دفع إلى رجل بستانا، فقال: ما زرعت فيه من حنطة فلي ~~ربعه، وما زرعت من شعير فلي ثلثه وما زرعت من باقلا فلي نصفه لم يصح؛ لأن ~~ما يزرعه من كل واحد من هذه الأصناف مجهول القدر، فجرى مجرى ما لو شرط له ~~في المساقاة ثلث هذا النوع، ونصف هذا النوع الآخر، وهو جاهل بما فيه منهما # وإن قال: إن زرعتها حنطة فلي ربعها، وإن زرعتها شعيرا فلي ثلثه، وإن ~~زرعتها باقلا فلي نصفه. لم يصح أيضا؛ لأنه لا يدري ما يزرعه، فأشبه ما لو ~~قال: بعتك بعشرة صحاح، أو أحد عشرة مكسرة. وفيه وجه آخر، أنه يصح، بناء على ~~قوله في الإجارة: إن خطته روميا فلك درهم، وإن خطته فارسيا فلك نصف درهم # فإنه يصح في المنصوص عنه، فيخرج ها هنا مثله. وإن قال: ما زرعتها من شيء ~~فلي نصفه. صح؛ «لأن # PageV05P294 # النبي - صلى الله عليه وسلم - ساقى أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، من ثمر ~~أو زرع» . ولو جعل له في المزارعة ثلث الحنطة، ونصف الشعير، وثلثي الباقلا، ~~وبينا قدر ما يزرع من كل واحد من هذه الأنواع، إما بتقدير البذر، وإما ~~بتقدير المكان وتعيينه، أو بمساحته، مثل أن قال: تزرع هذا المكان حنطة، ~~وهذا شعيرا، أو تزرع مدين حنطة، ومدين شعيرا، أو تزرع قفيزا حنطة وقفيزين ~~شعيرا. جاز؛ لأن كل واحد من هذه طريق إلى العلم، فاكتفي به. ### | [فصل ساقاه على أنه إن سقى سيحا فله الثلث وإن سقى بكلفة فله النصف] # (4115) فصل: وإن ساقاه على أنه إن سقى سيحا فله الثلث، وإن سقى بكلفة فله ~~النصف، لم يصح؛ لأن العمل مجهول، والنصيب مجهول، وهو في معنى ms2689 بيعتين في ~~بيعة. ويتخرج أن يصح، قياسا على مسألة الإجارة. ولو قال: لك الخمسان، إن ~~كانت عليك خسارة، وإن لم يكن عليك خسارة فلك الربع. لم يصح. نص عليه أحمد، ~~وقال: هذا شرطان في شرط. وكرهه. وهذا في معنى المسألة التي قبلها، ويخرج ~~فيها مثل ما خرج فيها # ولو ساقاه في هذا الحائط بالثلث، على أن يساقيه في الحائط الآخر بجزء ~~معلوم، لم يصح؛ لأنه شرط عقدا في عقد، فصار في معنى بيعتين في بيعة، كقوله: ~~بعتك ثوبي، على أن تبيعني ثوبك. وإنما فسد لمعنيين: أحدهما أنه شرط في ~~العقد عقدا آخر، والنفع الحاصل بذلك مجهول، فكأنه شرط العوض في مقابلة ~~معلوم ومجهول. الثاني أن العقد الآخر لا يلزمه بالشرط، فيسقط الشرط، وإذا ~~سقط وجب رد الجزء الذي تركه من العوض لأجله، وذلك مجهول، فيصير الكل ~~مجهولا. ### | [فصل ساقى أحد الشريكين شريكه وجعل له من الثمر أكثر من نصيبه] # (4116) فصل: وإن ساقى أحد الشريكين شريكه، وجعل له من الثمر أكثر من ~~نصيبه، مثل أن يكون الأصل بينهما نصفين، فجعل له الثلثين من الثمرة، صح، ~~وكان السدس حصته من المساقاة، فصار كأنه قال: ساقيتك على نصيبي بالثلث. وإن ~~ساقاه على أن تكون الثمرة بينهما نصفين، أو على أن يكون للعامل الثلث، فهي ~~مساقاة فاسدة؛ لأن العامل يستحق نصفها بملكه، فلم يجعل له في مقابلة عمله ~~شيئا. وإذا شرط له الثلث، فقد شرط أن غير العامل يأخذ من نصيب العامل ثلثه، ~~ويستعمله بلا عوض. فلا يصح # فإذا عمل في الشجر بناء على هذا، كانت الثمرة بينهما نصفين، بحكم الملك، ~~ولا يستحق العامل بعمله شيئا؛ لأنه تبرع به برضاه بالعمل بغير عوض، فأشبه ~~ما لو قال له: أنا أعمل فيه بغير شيء. وذكر # PageV05P295 # أصحابنا وجها آخر، أنه يستحق أجر مثله؛ لأن المساقاة تقتضي عوضا، فلا ~~تسقط برضاه بإسقاطه، كالنكاح، ولم يسلم له العوض، فيكون له أجر مثله. ولنا ~~أنه عمل في مال غيره متبرعا، فلم يستحق عوضا، كما لو لم يعقد المساقاة. ~~ويفارق ms2690 النكاح لوجهين: أحدهما أن عقد النكاح صحيح # فوجب به العوض لصحته، وهذا فاسد، لا يوجب شيئا. والثاني أن الأبضاع لا ~~تستباح بالبذل والإباحة، والعمل ها هنا يستباح بذلك، ولأن المهر في النكاح ~~لا يخلو من أن يكون واجبا بالعقد، أو بالإصابة، أو بهما، فإن وجب بالعقد، ~~لم يصح قياس هذا عليه، لوجهين: أحدهما أن النكاح صحيح، وهذا فاسد. والثاني ~~أن العقد ها هنا لا يوجب، ولو أوجب لأوجب قبل العمل. ولا خلاف أن هذا لا ~~يوجب قبل العمل شيئا، وإن أوجب بالإصابة، لم يصح القياس عليها لوجهين: ~~أحدهما، أن الإصابة لا تستباح بالإباحة والبذل، بخلاف العمل # والثاني أن الإصابة لو خلت عن العقد لأوجبت، وهذا بخلافه. وإن وجب بهما ~~امتنع القياس لهذه الوجوه كلها. فأما إن ساقى أحدهما شريكه على أن يعملا ~~معا، فالمساقاة فاسدة، والثمرة بينهما على قدر ملكيهما، ويتقاصان العمل إن ~~تساويا فيه، وإن كان لأحدهما فضل نظرت فإن كان قد شرط له فضل ما في مقابلة ~~عمله، استحق ما فضل له من أجر المثل، وإن لم يشرط له شيء، فلا شيء له إلا ~~على الوجه الذي ذكره أصحابنا، وتكلمنا عليه. ### | [فصل المساقاة على البعل من الشجر وفيما يحتاج إلى سقي] # (4117) فصل: وتصح المساقاة على البعل من الشجر، كما تجوز فيما يحتاج إلى ~~سقي. وبهذا قال مالك. ولا نعلم فيه خلافا عند من يجوز المساقاة؛ لأن الحاجة ~~تدعو إلى المعاملة في ذلك، كدعائها إلى المعاملة في غيره، فيقاس عليه، ~~وكذلك الحكم في المزارعة. ### | [فصل لا تصح المساقاة إلا على شجر معلوم بالرؤية أو بالصفة التي لا يختلف معها] # (4118) فصل: ولا تصح المساقاة إلا على شجر معلوم بالرؤية، أو بالصفة التي ~~لا يختلف معها، كالبيع. فإن ساقاه على # PageV05P296 # بستان بغير رؤية ولا صفة، لم يصح؛ لأنه عقد على مجهول # فلم يصح، كالبيع. وإن ساقاه على أحد هذين الحائطين، لم يصح؛ لأنها معاوضة ~~يختلف الغرض فيها باختلاف الأعيان، فلم يجز على غير معين، كالبيع. ### | [فصل المساقاة بلفظ المساقاة وما يؤدي ms2691 معناها من الألفاظ] # (4119) فصل: وتصح المساقاة بلفظ المساقاة، وما يؤدي معناها من الألفاظ، ~~نحو: عاملتك، وفالحتك، واعمل في بستاني هذا حتى تكمل ثمرته، وما أشبه هذا؛ ~~لأن القصد المعنى، فإذا أتى به بأي لفظ دل عليه صح، كالبيع # وإن قال: استأجرتك لتعمل لي في هذا الحائط، حتى تكمل ثمرته، بنصف ثمرته. ~~ففيه وجهان: أحدهما لا يصح. ذكره أبو الخطاب؛ لأن الإجارة يشترط لها كون ~~العوض معلوما، والعمل معلوما، وتكون لازمة، والمساقاة بخلافه. والثاني يصح. ~~وهو أقيس؛ لأنه مؤد للمعنى، فصح به العقد، كسائر الألفاظ المتفق عليها. وقد ~~ذكر أبو الخطاب أن معنى قول أحمد: تجوز إجارة الأرض ببعض الخارج منها ~~المزارعة، على أن البذر والعمل من العامل. وما ذكر من شروط الإجارة، إنما ~~يعتبر في الإجارة الحقيقية، أما إذا أريد بالإجارة المزارعة، فلا يشترط لها ~~غير شرط المزارعة. ### | [فصل يلزم العامل بإطلاق عقد المساقاة ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها] # (4120) فصل: ويلزم العامل بإطلاق عقد المساقاة ما فيه صلاح الثمرة ~~وزيادتها، مثل حرث الأرض تحت الشجر، والبقر التي تحرث، وآلة الحرث، وسقي ~~الشجر، واستقاء الماء، وإصلاح طرق الماء وتنقيتها، وقطع الحشيش المضر ~~والشوك، وقطع الشجر اليابس، وزبار الكرم، وقطع ما يحتاج إلى قطعه، وتسوية ~~الثمرة، وإصلاح الأجاجين، وهي الحفر التي يجتمع فيها الماء على أصول النخل، ~~وإدارة الدولاب، والحفظ للثمر في الشجر وبعده حتى يقسم، وإن كان مما يشمس ~~فعليه تشميسه، وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل، كسد الحيطان، وإنشاء ~~الأنهار، وعمل الدولاب، وحفر بئره، وشراء ما يلقح به # وعبر بعض أهل العلم عن هذا بعبارة أخرى، فقال: كل ما يتكرر كل عام فهو ~~على العامل، وما لا يتكرر فهو على رب المال. وهذا صحيح في العمل. فأما شراء ~~ما يلقح به، فهو على رب المال، وإن تكرر؛ لأن هذا ليس من العمل. فأما ~~البقرة التي تدير الدولاب # فقال أصحابنا: هي على رب المال؛ لأنها ليست من العمل، فأشبهت ما يلقح به. ~~والأولى أنها على العامل؛ لأنها تراد للعمل، فأشبهت ms2692 بقر الحرث، ولأن استقاء ~~الماء على العامل إذا لم يحتج إلى بهيمة فكان عليه، وإن احتاج إلى بهيمة ~~كغيره من الأعمال. وقال بعض أصحاب الشافعي: ما يتعلق بصلاح الأصول والثمرة ~~معا، كالكسح للنهر، والثور هو # PageV05P297 # على من شرط عليه منهما، وإن أهمل شرط ذلك على أحدهما، لم تصح المساقاة # وقد ذكرنا ما يدل على أنه على العامل. فأما تسميد الأرض بالزبل إن احتاجت ~~إليه، فشراء ذلك على رب المال؛ لأنه ليس من العمل، فجرى مجرى ما يلقح به، ~~وتفريق ذلك في الأرض على العامل، كالتلقيح. وإن أطلقا العقد، ولم يبينا ما ~~على كل واحد منهما، فعلى كل واحد منهما ما ذكرنا أنه عليه. وإن شرطا ذلك، ~~كان تأكيدا # وإن شرطا على أحدهما شيئا مما يلزم الآخر، فقال القاضي وأبو الخطاب: لا ~~يجوز ذلك. فعلى هذا تفسد المساقاة، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه شرط يخالف مقتضى ~~العقد، فأفسده، كالمضاربة إذا شرط العمل فيها على رب المال. وقد روي عن ~~أحمد ما يدل على صحة ذلك؛ فإنه ذكر أن الجذاذ عليهما، فإن شرطه على العامل، ~~جاز. وهذا مقتضى كلام الخرقي في المضاربة؛ لأنه شرط لا يخل بمصلحة العقد، ~~ولا مفسدة فيه، فصح، كتأجيل الثمن في المبيع، وشرط الرهن والضمين والخيار ~~فيه، لكن يشترط أن يكون ما يلزم كل واحد من العمل معلوما، لئلا يفضي إلى ~~التنازع والتواكل، فيختل العمل، وأن لا يكون ما على رب المال أكثر العمل؛ ~~لأن العامل يستحق بعمله، فإذا لم يعمل أكثر العمل، كان وجود عمله كعدمه، ~~فلا يستحق شيئا. ### | [فصل الجذاذ والحصاد واللقاط على عامل المساقاة] # (4121) فصل: فأما الجذاذ والحصاد واللقاط، فهو على العامل. نص أحمد عليه ~~في الحصاد، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه من العمل، فكان على العامل، كالتشميس. ~~وروي عن أحمد في الجذاذ أنه إذا شرط على العامل فجائز؛ لأن العمل عليه، وإن ~~لم يشرطه، فعلى رب المال بحصته ما يصير إليه. فظاهر هذا أنه جعل الجذاذ ~~عليهما، وأجاز اشتراطه على العامل. وهو قول بعض الشافعية # وقال ms2693 محمد بن الحسن: تفسد المساقاة بشرطه على العامل؛ لأنه شرط ينافي ~~مقتضى العقد. واحتج من جعله عليهما بأنه يكون بعد تكامل الثمرة، وانقضاء ~~المعاملة، فأشبه نقله إلى منزله. ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع ~~خيبر إلى يهود، على أن يعملوها من أموالهم، ولأن هذا من العمل، فيكون عليه، ~~كالتشميس، وما ذكروه يبطل بالتشميس، ويفارق النقل إلى المنزل، فإنه يكون ~~بعد القسمة، وزوال العقد، فأشبه المخزن. ### | [فصل شرط عامل المساقاة أن يعمل معه غلمان رب المال] # (4122) فصل: وإن شرط أن يعمل معه غلمان رب المال، فهو كشرط عمل رب المال؛ ~~لأن عملهم كعمله، فإن يد الغلام كيد مولاه. وقال أبو الخطاب: فيه وجهان: ~~أحدهما كما ذكرنا. # PageV05P298 # والثاني يجوز؛ لأن غلمانه ماله، فجاز أن تعمل تبعا لماله، كثور الدولاب، ~~وكما يجوز في القراض أن يدفع إلى العامل بهيمة يحمل عليها # وأما رب المال لا يجوز جعله تبعا. وهذا قول مالك، والشافعي، ومحمد بن ~~الحسن. فإذا شرط غلمانا يعملون معه، فنفقتهم على ما يشترطان عليه. فإن ~~أطلقا، ولم يذكرا نفقتهم، فهي على رب المال. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: ~~نفقتهم على المساقي، ولا ينبغي أن يشرطها على رب المال؛ لأن العمل على ~~المساقي، فمؤنة من يعمله عليه، كمؤنة غلمانه. ولنا أنه مملوك رب المال، ~~فكانت نفقته عليه عند الإطلاق، كما لو أجره # فإن شرطها على العامل، جاز، ولا يشترط تقديرها. وبه قال الشافعي. وقال ~~محمد بن الحسن: يشترط تقديرها؛ لأنه اشترط عليه ما لا يلزمه، فوجب أن يكون ~~معلوما، كسائر الشروط. ولنا أنه لو وجب تقديرها لوجب ذكر صفاتها، ولا يجب ~~ذكر صفاتها. فلم يجب تقديرها. ولا بد من معرفة الغلمان المشترط عملهم، ~~برؤية أو صفة تحصل بها معرفتهم كما في عقد الإجارة. ### | [فصل شرط عامل المساقاة أن أجر الأجراء من الثمرة وقدر الأجرة] # (4123) فصل: وإن شرط العامل أن أجر الأجراء الذين يحتاج إلى الاستعانة ~~بهم من الثمرة، وقدر الأجرة، لم يصح؛ لأن العمل عليه، فإذا شرط أجره من ~~المال، لم ms2694 يصح، كما لو شرط لنفسه أجر عمله. وإن لم يقدره فسد لذلك، ولأنه ~~مجهول. ويفارق هذا ما إذا شرط المضارب أجر ما يحتاج إليهم من الحمالين ~~ونحوهم؛ لأن ذلك لا يلزم العامل فكان على المال، ولو شرط أجر ما يلزمه عمله ~~بنفسه، لم يصح كمسألتنا. ### | [فصل المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة] # (4124) فصل: ظاهر كلام أحمد، أن المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة، ~~أومأ إليه في رواية الأثرم، وسئل عن الأكار يخرج نفسه من غير أن يخرجه صاحب ~~الضيعة، فلم يمنعه من ذلك. ذكره الشيخ أبو عبد الله بن حامد، وهو قول بعض ~~أصحاب الحديث. وقال بعض أصحابنا: هو عقد لازم. وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنه ~~عقد معاوضة، فكان لازما، كالإجارة، ولأنه لو كان جائزا، جاز لرب المال فسخه ~~إذا أدركت الثمرة، فيسقط حق العامل، فيستضر. ولنا ما روى مسلم بإسناده عن ~~ابن عمر، «أن اليهود سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرهم ~~بخيبر، على أن يعملوها، ويكون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شطر ما ~~يخرج منها من ثمر أو زرع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نقركم ~~على ذلك ما شئنا» # ولو كان لازما لم يجز بغير تقدير مدة، ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة ~~إقرارهم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينقل عنه أنه قدر لهم ذلك ~~بمدة، ولو قدر لم يترك نقله، لأن هذا مما يحتاج إليه، فلا يجوز الإخلال ~~بنقله، وعمر - رضي الله عنه - # PageV05P299 # أجلاهم من الأرض وأخرجهم من خيبر، ولو كانت لهم مدة مقدرة، لم يجز ~~إخراجهم منها. ولأنه عقد على جزء من نماء المال، فكان جائزا، كالمضاربة، أو ~~عقد على المال بجزء من نمائه، أشبه المضاربة، وفارق الإجارة؛ لأنها بيع، ~~فكانت لازمة، كبيع الأعيان، ولأن عوضها مقدر معلوم، فأشبهت البيع. وقياسهم ~~ينتقض بالمضاربة، وهي أشبه بالمساقاة من الإجارة، فقياسها عليها أولى # وقولهم: إنه يفضي إلى أن رب المال يفسخ بعد إدراك الثمرة. قلنا: إذا ظهرت ~~الثمرة، فهي تظهر على ملكهما، ms2695 فلا يسقط حق العامل منها بفسخ ولا غيره، كما ~~لو فسخ المضاربة بعد ظهور الربح. فعلى هذا لا يفتقر إلى ضرب مدة، ولذلك لم ~~يضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه - رضي الله عنهم -، لأهل ~~خيبر مدة معلومة حين عاملوهم. ولأنه عقد جائز، فلم يفتقر إلى ضرب مدة ~~كالمضاربة، وسائر العقود الجائزة. ومتى فسخ أحدهما بعد ظهور الثمرة، فهي ~~بينهما على ما شرطاه، وعلى العامل تمام العمل، كما يلزم المضارب بيع العروض ~~إذا فسخت المضاربة بعد ظهور الربح، وإن فسخ العامل قبل ذلك فلا شيء له؛ ~~لأنه رضي بإسقاط حقه، فصار كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح، وعامل ~~الجعالة إذا فسخ قبل إتمام عمله # وإن فسخ رب المال قبل ظهور الثمرة، فعليه أجر المثل للعامل؛ لأنه منعه ~~إتمام عمله الذي يستحق به العوض، فأشبه ما لو فسخ الجاعل قبل إتمام عمل ~~الجعالة. وفارق رب المال في المضاربة إذا فسخها قبل ظهور الربح؛ لأن عمل ~~هذا مفض إلى ظهور الثمرة غالبا، فلولا الفسخ لظهرت الثمرة، فملك نصيبه ~~منها، وقد قطع ذلك بفسخه، فأشبه فسخ الجعالة، بخلاف المضاربة، فإنه لا يعلم ~~إفضاؤها إلى الربح، ولأن الثمرة إذا ظهرت في الشجر، كان العمل عليها في ~~الابتداء من أسباب ظهورها، والربح إذا ظهر في المضاربة قد لا يكون للعمل ~~الأول فيه أثر أصلا. فأما إن قلنا: إنه عقد لازم. فلا يصح إلا على مدة ~~معلومة. وبهذا قال الشافعي # وقال أبو ثور: تصح من غير ذكر مدة، ويقع على سنة واحدة. وأجازه بعض أهل ~~الكوفة استحسانا؛ لأنه لما شرط له جزءا من الثمرة، كان ذلك دليلا على أنه ~~أراد مدة تحصل الثمرة فيها. ولنا أنه عقد لازم، فوجب تقديره بمدة، ~~كالإجارة، ولأن المساقاة أشبه بالإجارة، لأنها تقتضي العمل على العين مع ~~بقائها، ولأنها إذا وقعت مطلقة، لم يمكن حملها على إطلاقها مع لزومها؛ لأنه ~~يفضي إلى أن العامل يستبد بالشجر كل مدته، فيصير كالمالك، ولا يمكن تقديره ~~بالسنة؛ لأنه تحكم، وقد تكمل الثمرة ms2696 في أقل من السنة، # PageV05P300 # فعلى هذا لا تتقدر أكثر المدة، بل يجوز ما يتفقان عليه من المدة التي ~~يبقى الشجر فيها وإن طالت # وقد قيل: لا يجوز أكثر من ثلاثين سنة. وهذا تحكم، وتوقيت لا يصار إليه ~~إلا بنص أو إجماع. فأما أقل المدة، فيتقدر بمدة تكمل الثمرة فيها، فلا يجوز ~~على أقل منها؛ لأن المقصود أن يشتركا في الثمرة، ولا يوجد في أقل من هذه ~~المدة. # فإن ساقاه على مدة لا تكمل فيها الثمرة، فالمساقاة فاسدة. فإذا عمل فيها، ~~فظهرت الثمرة ولم تكمل، فله أجر مثله، في أحد الوجهين، وفي الآخر، لا شيء ~~له؛ لأنه رضي بالعمل بغير عوض، فهو كالمتبرع # والأول أصح؛ لأن هذا لم يرض إلا بعوض، وهو جزء من الثمرة، وذلك الجزء ~~موجود، غير أنه لا يمكن تسليمه إليه، فلما تعذر دفع العوض الذي اتفقا عليه ~~إليه، كان له أجر مثله، كما في الإجارة الفاسدة. وفارق المتبرع؛ فإنه رضي ~~بغير شيء. وإن لم تظهر الثمرة فلا شيء له، في أصح الوجهين؛ لأنه رضي بالعمل ~~بغير عوض. وإن ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبا، فلم يحمل تلك السنة، ~~فلا شيء للعامل؛ لأنه عقد صحيح، لم يظهر فيه النماء الذي اشترط جزؤه، فأشبه ~~المضاربة إذا لم يربح فيها # وإن ظهرت الثمرة، ولم تكمل، فله نصيبه منها، وعليه إتمام العمل فيها، كما ~~لو انفسخت قبل كمالها. وإن ساقاه إلى مدة يحتمل أن يكون للشجر ثمرة. ويحتمل ~~أن لا يكون، ففي صحة المساقاة وجهان: أحدهما تصح؛ لأن الشجر يحتمل أن يحمل، ~~ويحتمل أن لا يحمل، والمساقاة جائزة فيه. والثاني لا يصح؛ لأنه عقد على ~~معدوم، ليس الغالب وجوده، فلم تصح، كالسلم في مثل ذلك، ولأن ذلك غرر أمكن ~~التحرز عنه، فلم يجز العقد معه، كما لو شرط ثمر نخلة بعينها. وفارق ما إذا ~~شرط مدة تكمل فيها الثمرة، فإن الغالب أن الشجر يحمل، واحتمال أن لا يحمل ~~نادر، لم يمكن التحرز عنه # فإن قلنا: العقد صحيح. فله حصته من ms2697 الثمر. فإن لم يحمل، فلا شيء له. وإن ~~قلنا: هو فاسد. استحق أجر المثل، سواء حمل أو لم يحمل؛ لأنه لم يرض بغير ~~عوض، ولم يسلم له العوض، فكان له العوض، وجها واحدا، بخلاف ما لو جعل الأجل ~~إلى مدة لا يحمل في مثلها غالبا. ومتى خرجت الثمرة قبل انقضاء الأجل، فله ~~حقه منها إذا قلنا بصحة العقد، وإن خرجت بعده، فلا حق له فيها. ومذهب ~~الشافعي في هذا قريب مما ذكرنا. ### | [فصل لا يثبت في المساقاة خيار الشرط] # (4125) فصل: ولا يثبت في المساقاة خيار الشرط؛ لأنها إن كانت جائزة. ~~فالجائز مستغن بنفسه عن الخيار فيه، وإن كانت لازمة، فإذا فسخ لم يمكن رد ~~المعقود عليه، وهو العمل فيها. وأما خيار المجلس فلا يثبت إن كانت جائزة؛ ~~لما تقدم. وإن كانت لازمة، فعلى وجهين # PageV05P301 # أحدهما لا يثبت؛ لأنها عقد لا يشترط فيه قبض العوض، ولا يثبت فيه خيار ~~الشرط، فلا يثبت فيه خيار المجلس، كالنكاح. والثاني يثبت؛ لأنه عقد لازم ~~يقصد به المال، أشبه البيع. ### | [فصل إذا جازت المساقاة لم يفتقر إلى ضرب مدة] # (4126) فصل: ومتى قلنا بجوازها، لم يفتقر إلى ضرب مدة؛ لأن إبقاءها ~~إليهما، وفسخها جائز لكل واحد منهما متى شاء، فلم تحتج إلى مدة، كالمضاربة. ~~وإن قدرها بمدة جاز؛ لأنه لا ضرر في التقدير، وقد بينا جواز ذلك في ~~المضاربة، والمساقاة مثلها. وتنفسخ بموت كل واحد منهما وجنونه والحجر عليه ~~لسفه، كقولنا في المضاربة # فإذا مات العامل أو رب المال، انفسخت المساقاة فكان الحكم فيها كما لو ~~فسخها أحدهما، على ما أسلفناه. وإن قلنا بلزومها، لم ينفسخ العقد، ويقوم ~~الوارث مقام الميت منهما؛ لأنه عقد لازم، فأشبه الإجارة. ولكن إن كان الميت ~~العامل، فأبى وارثه القيام مقامه، لم يجبر؛ لأن الوارث لا يلزمه من الحقوق ~~التي على موروثه إلا ما أمكن دفعه من تركته، والعمل ليس مما يمكن ذلك فيه # فعلى هذا يستأجر الحاكم من التركة من يعمل العمل، فإن لم تكن له تركة، أو ~~تعذر الاستئجار ms2698 منها، فلرب المال الفسخ؛ لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه، ~~فيثبت الفسخ، كما لو تعذر ثمن المبيع قبل قبضه، ثم إن كانت الثمرة قد ظهرت، ~~بيع من نصيب العامل ما يحتاج إليه لأجر ما بقي من العمل، واستؤجر من يعمل ~~ذلك. وإن احتيج إلى بيع الجميع، بيع # ثم لا يخلو إما أن تكون الثمرة قد بدا صلاحها أو لم يبد، فإن كانت قد بدا ~~صلاحها، خير المالك بين البيع والشراء، فإن اشترى نصيب العامل جاز، وإن ~~اختار بيع نصيبه أيضا باعه، وباع الحاكم نصيب العامل، وإن أبى البيع ~~والشراء، باع الحاكم نصيب العامل وحده، وما بقي على العامل من العمل يكتري ~~عليه من يعمله، وما فضل لورثته، وإن كان لم يبد صلاحها خير المالك أيضا، ~~فإن بيع لأجنبي لم يجز إلا بشرط القطع، ولا يجوز بيع نصيب العامل وحده، ~~لأنه لا يمكنه قطعه إلا بقطع نصيب المالك، فيقف إمكان قطعه على قطع ملك ~~غيره # وهل يجوز شراء المالك لها؟ على وجهين، وهكذا الحكم إذا انفسخت المساقاة ~~بموت العامل، لقولنا بجوازها وأبى الوارث العمل. وإن اختار رب المال البقاء ~~على المساقاة، لم تنفسخ إذا قلنا بلزومها، ويستأذن الحاكم في الإنفاق على ~~الثمرة، ويرجع بما أنفق، فإن عجز عن استئذان الحاكم، فأنفق محتسبا بالرجوع، ~~وأشهد على الإنفاق بشرط الرجوع، رجع بما أنفق. وهذا أحد الوجهين لأصحاب ~~الشافعي؛ لأنه مضطر. وإن أمكنه استئذان الحاكم، فأنفق بنية الرجوع من غير ~~استئذانه، فهل # PageV05P302 # يرجع بذلك؟ على وجهين، بناء على ما إذا قضي دينه بغير إذنه # وإن تبرع بالإنفاق، لم يرجع بشيء، كما لو تبرع بالصدقة. والحكم فيما إذا ~~أنفق على الثمرة بعد فسخ العقد إذا تعذر بيعها، كالحكم ها هنا سواء. ### | [فصل هروب عامل المساقاة] # (4127) فصل: وإن هرب العامل، فلرب المال الفسخ؛ لأنه عقد جائز. وإن قلنا ~~بلزومه فحكمه حكم ما لو مات وأبى وارثه أن يقوم مقامه، إلا أنه إن لم يجد ~~الحاكم له مالا، وأمكنه الاقتراض عليه من بيت المال أو غيره فعل، وإن ms2699 لم ~~يمكنه، ووجد من يعمل بأجرة مؤجلة إلى وقت إدراك الثمرة، فعل، فإن لم يجد، ~~فلرب المال الفسخ. أما الميت فلا يقترض عليه؛ لأنه لا ذمة له. ### | [فصل عامل المساقاة أمين] # (4128) فصل: والعامل أمين، والقول قوله فيما يدعيه من هلاك، وما يدعى ~~عليه من خيانة؛ لأن رب المال ائتمنه بدفع ماله إليه، فهو كالمضارب، فإن ~~اتهم حلف، فإن ثبتت خيانته بإقرار أو ببينة أو نكوله، ضم إليه من يشرف ~~عليه، فإن لم يمكن حفظه، استؤجر من ماله من يعمل عمله. وبهذا قال الشافعي. ~~وقال أصحاب مالك: لا يقام غيره مقامه، بل يحفظ منه؛ لأن فسقه لا يمنع ~~استيفاء المنافع المقصودة منه، فأشبه ما لو فسق بغير الخيانة # ولنا أنه تعذر استيفاء المنافع المقصودة منه، فاستوفيت بغيره، كما لو ~~هرب. ولا نسلم إمكان استيفاء المنافع منه؛ لأنه لا يؤمن منه تركها، ولا ~~يوثق منه بفعلها، ولا نقول إن له فسخ المساقاة، وإنما لم يمكن حفظها من ~~خيانتك، أقم غيرك يعمل ذلك، وارفع يدك عنها؛ لأن الأمانة قد تعذرت في حقك، ~~فلا يلزم رب المال ائتمانك. وفارق فسخه بغير الخيانة؛ فإنه لا ضرر على رب ~~المال، وها هنا يفوت ماله. ### | [فصل عجز عامل المساقاة عن العمل لضعفه] # (4129) فصل: فإن عجز عن العمل، لضعفه مع أمانته، ضم إليه غيره، ولا ينزع ~~من يده؛ لأن العمل مستحق عليه، ولا ضرر في بقاء يده عليه. وإن عجز بالكلية، ~~أقام مقامه من يعمل، والأجرة عليه في الموضعين؛ لأن عليه توفية العمل، وهذا ~~من توفيته. ### | [فصل اختلفا في الجزء المشروط لعامل المساقاة] # (4130) فصل: وإن اختلفا في الجزء المشروط للعامل، فالقول قول رب المال. ~~ذكره ابن حامد. وقال مالك: القول قول العامل، إذا ادعى ما يشبه؛ لأنه أقوى ~~سببا، لتسلمه للحائط والعمل. وقال الشافعي: يتحالفان، وكذلك إن اختلفا فيما ~~تناولته المساقاة من الشجر # PageV05P303 # ولنا أن رب المال منكر للزيادة التي ادعاها العامل، فيكون القول قوله؛ ~~لقوله - عليه السلام -: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» . ~~فإن كان مع ms2700 أحدهما بينة، حكم بها، وإن كان مع كل واحد منهما بينة، ففي ~~أيهما تقدم بينته؟ وجهان، بناء على بينة الداخل والخارج. فإن كان الشجر ~~لاثنين، فصدق أحدهما العامل، وكذبه الآخر، أخذ نصيبه من مال المصدق # فإن شهد على المنكر، قبلت شهادته إذا كان عدلا؛ لأنه لا يجر إلى نفسه ~~نفعا، ولا يدفع ضررا، ويحلف مع شاهده، وإن لم يكن عدلا، كانت شهادته ~~كعدمها. ولو كان العامل اثنين، ورب المال واحدا، فشهد أحدهما على صاحبه، ~~قبلت شهادته أيضا؛ لما ذكرنا. ### | [فصل عامل المساقاة يملك حصته من الثمرة بظهورها] # (4131) فصل: ويملك العامل حصته من الثمرة بظهورها، فلو تلفت كلها إلا ~~واحدة، كانت بينهما. وهذا أحد قولي الشافعي. والثاني يملكه بالمقاسمة، ~~كالقراض. ولنا أن الشرط صحيح، فيثبت مقتضاه، كسائر الشروط الصحيحة، ومقتضاه ~~كون الثمرة بينهما على كل حال؛ لأنه لو لم يملكها قبل القسمة، لما وجبت ~~القسمة، ولا ملكها، كالأصول. وأما القراض، فإنه يملك الربح فيه بالظهور ~~كمسألتنا، ثم الفرق بينهما أن الربح وقاية لرأس المال، فلم يملك حتى يسلم ~~رأس المال لربه، وهذا ليس بوقاية لشيء، ولذلك لو تلفت الأصول كلها كانت ~~الثمرة بينهما # فإذ ثبت هذا، فإنه يلزم كل واحد منهما زكاة نصيبه، إذا بلغت حصته نصابا. ~~نص عليه أحمد في المزارعة. وإن لم تبلغ النصاب إلا بجمعهما، لم تجب؛ لأن ~~الخلطة لا تؤثر في غير المواشي في الصحيح. وعنه أنها تؤثر، فتؤثر ها هنا، ~~فيبدأ بإخراج الزكاة ثم يقسمان ما بقي. وإن كانت حصة أحدهما تبلغ نصابا دون ~~الآخر، فعلى من بلغت حصته نصابا الزكاة دون الآخر، يخرجها بعد المقاسمة، ~~إلا أن يكون لمن لم تبلغ حصته نصابا ما يتم به النصاب من مواضع أخر، فتجب ~~عليهما جميعا الزكاة # وكذلك إن كان لأحدهما ثمر من جنس حصته، يبلغان بمجموعهما نصابا، فعليه ~~الزكاة في حصته. وإن كان أحد الشريكين ممن لا زكاة عليه، كالمكاتب، والذمي، ~~فعلى الآخر زكاة حصته إن بلغت نصابا. وبهذا كله قال مالك، والشافعي. وقال ~~الليث: إن كان ms2701 شريكه نصرانيا، أعلمه أن الزكاة مؤداة في الحائط، ثم يقاسمه ~~بعد الزكاة ما بقي # ولنا أن النصراني لا زكاة عليه، فلا يخرج من حصته شيء، كما لو انفرد بها، ~~وقد روى أبو داود، في " السنن "، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث عبد الله بن رواحة، # PageV05P304 # فيخرص النخل حين يطيب، قبل أن يؤكل منه، ثم يخير يهود خيبر، أيأخذونه ~~بذلك الخرص، أم يدفعونه إليهم بذلك الخرص، لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل ~~الثمار وتفرق. قال جابر: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق، وزعم أن اليهود ~~لما خيرهم ابن رواحة أخذوا التمر وعليهم عشرون ألف وسق.» ### | [فصل ساقاه على أرض خراجية] # (4132) فصل: وإن ساقاه على أرض خراجية، فالخراج على رب المال؛ لأنه يجب ~~على الرقبة، بدليل أنه يجب سواء أثمرت الشجرة أو لم تثمر. ولأن الخراج يجب ~~أجرة للأرض، فكان على رب الأرض، كما لو استأجر أرضا وزارع غيره فيها. وبهذا ~~قال الشافعي. وقد نقل عن أحمد، في الذي يتقبل الأرض البيضاء ليعمل عليها، ~~وهي من أرض السواد يتقبلها من السلطان، فعلى من يقبلها أن يؤدي وظيفة عمر - ~~رضي الله عنه - ويؤدي العشر بعد وظيفة عمر # وهذا معناه والله أعلم إذا دفع السلطان أرض الخراج إلى رجل يعملها ويؤدي ~~خراجها، فإنه يبدأ فيؤدي خراجها، ثم يزكي ما بقي. كما ذكره الخرقي في باب ~~الزكاة. ولا تنافي بين ذلك وبين ما ذكرنا ها هنا، إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة لا يجوز أن يجعل لعامل المساقاة فضل دراهم] # (4133) مسألة قال: (ولا يجوز أن يجعل له فضل دراهم) يعني إذا شرط جزءا ~~معلوما من الثمرة، ودراهم معلومة، كعشرة ونحوها، لم يجز بغير خلاف؛ لأنه ~~ربما لم يحدث من النماء ما يساوي تلك الدراهم، فيتضرر رب المال، ولذلك ~~منعنا من اشتراط أقفزة معلومة. ولو شرط له دراهم منفردة عن الجزء، لم يجز ~~لذلك. ولو جعل له ثمرة سنة غير السنة التي ساقاه فيها، أو ثمر شجر غير ~~الشجر ms2702 الذي ساقاه عليه، أو شرط عليه عملا في غير الشجر الذي ساقاه عليه، أو ~~عملا في غير السنة، فسد العقد، سواء جعل ذلك كل حقه أو بعضه أو جميع العمل، ~~أو بعضه؛ لأنه يخالف موضوع المساقاة، إذ موضوعها أن يعمل في شجر معين بجزء ~~مشاع من ثمرته، في ذلك الوقت الذي يستحق عليه فيه العمل. ### | [فصل ساقى رجلا أو زارعه] # (4134) فصل: وإذا ساقى رجلا، أو زارعه، فعامل العامل غيره على الأرض ~~والشجر، لم يجز ذلك. وبهذا قال # PageV05P305 # أبو يوسف، وأبو ثور. وأجازه مالك، إذا جاء برجل أمين. ولنا أنه عامل في ~~المال بجزء من نمائه، فلم يجز أن يعامل غيره فيه، كالمضارب، ولأنه إنما أذن ~~له في العمل فيه، فلم يجز أن يأذن لغيره، كالوكيل. فأما إن استأجر أرضا، ~~فله أن يزارع غيره فيها؛ لأنها صارت منافعها مستحقة له، فملك المزارعة ~~فيها، كالمالك، والأجرة على المستأجر دون المزارع، كما ذكرنا في الخراج # وكذلك يجوز لمن في يده أرض خراجية أن يزارع فيها؛ لأنه بمنزلة المستأجر ~~لها. وللموقوف عليه أن يزارع في الوقف، ويساقي على شجره؛ لأنه إما مالك ~~لرقبة ذلك، أو بمنزلة المالك. ولا نعلم في هذا خلافا عند من أجاز المساقاة ~~والمزارعة. والله أعلم. ### | [فصل ساقاه على ودي النخل أو صغار الشجر إلى مدة يحمل فيها غالبا] # (4135) فصل: وإذا ساقاه على ودي النخل، أو صغار الشجر، إلى مدة يحمل فيها ~~غالبا، ويكون له فيها جزء من الثمرة معلوم، صح؛ لأنه ليس فيه أكثر من أن ~~عمل العامل يكثر، ونصيبه يقل، وهذا لا يمنع صحتها، كما لو جعل له سهما من ~~ألف سهم. وفيه الأقسام التي ذكرنا في كبار النخل والشجر، وهي أننا إن قلنا: ~~المساقاة عقد جائز. لم نحتج إلى ذكر مدة. وإن قلنا: هو لازم. # ففيه ثلاثة أقسام: أحدها أن يجعل المدة زمنا يحمل فيه غالبا، فيصح، فإن ~~حمل فيها فله ما شرط له، وإن لم يحمل فيها فلا شيء له. والثاني أن يجعلها ~~إلى زمن لا يحمل ms2703 فيه غالبا، فلا يصح، وإن عمل فيها فهل يستحق الأجر؟ على ~~وجهين. وإن حمل في المدة، لم يستحق ما جعل له؛ لأن العقد وقع فاسدا. فلم ~~يستحق ما شرط فيه. والثالث أن يجعل المدة زمنا يحتمل أن يحمل فيها، ويحتمل ~~أن لا يحمل، فهل يصح؟ على وجهين. فإن قلنا: لا يصح. استحق الأجر # وإن قلنا: يصح. فحمل في المدة، استحق ما شرط له، وإن لم يحمل فيها، لم ~~يستحق شيئا. وإن شرط نصف الثمرة ونصف الأصل، لم يصح؛ لأن موضوع المساقاة أن ~~يشتركا في النماء والفائدة، فإذا شرط اشتراكهما في الأصل، لم يجز، كما لو ~~شرط في المضاربة اشتراكهما في رأس المال. فعلى هذا يكون له أجر مثله. وكذلك ~~لو جعل له جزءا من ثمرتها، مدة بقائها، لم يجز # وإن جعل له ثمرة عام بعد مدة المساقاة، لم يجز؛ لأنه يخالف موضوع ~~المساقاة. ### | [فصل ساقاه على شجر يغرسه ويعمل فيه حتى يحمل ويكون له جزء من الثمرة معلوم] # (4136) فصل: وإن ساقاه على شجر يغرسه، ويعمل فيه حتى يحمل، ويكون له جزء ~~من الثمرة معلوم، صح أيضا. والحكم فيه كما لو ساقاه على صغار الشجر، على ما ~~بيناه. # PageV05P306 # وقد قال أحمد، في رواية المروذي، في رجل قال لرجل: اغرس في أرضي هذه شجرا ~~أو نخلا، فما كان من غلة فلك بعمل كذا وكذا سهما من كذا وكذا. فأجازه، ~~واحتج بحديث خيبر في الزرع والنخيل، لكن بشرط أن يكون الغرس من رب الأرض، ~~كما يشترط في المزارعة كون البذر من رب الأرض، فإن كان من العامل، خرج على ~~الروايتين، فيما إذا اشترط البذر في المزارعة من العامل # وقال القاضي: المعاملة باطلة، وصاحب الأرض بالخيار بين تكليفه قلعها، ~~ويضمن له أرش نقصها، وبين إقرارها في أرضه، ويدفع إليه قيمتها، كالمشتري ~~إذا غرس في الأرض التي اشتراها، ثم جاء الشفيع فأخذها. وإن اختار العامل ~~قلع شجره، فله ذلك، سواء بذل له القيمة أو لم يبذلها؛ لأنه ملكه، فلم يمنع ~~تحويله. وإن اتفقا على إبقاء ms2704 الغراس، ودفع أجر الأرض، جاز. ولو دفع أرضه ~~إلى رجل يغرسها، على أن الشجر بينهما، لم يجز، على ما سبق # ويحتمل الجواز، بناء على المزارعة، فإن المزارع يبذر في الأرض، فيكون ~~الزرع بينه وبين صاحب الأرض، وهذا نظيره. وإن دفعها على أن الأرض والشجر ~~بينهما، فالمعاملة فاسدة، وجها واحدا. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو ~~يوسف، ومحمد. ولا نعلم فيه مخالفا؛ لأنه شرط اشتراكهما في الأصل، ففسد، كما ~~لو دفع إليه الشجر والنخيل ليكون الأصل والثمرة بينهما، أو شرط في المزارعة ~~كون الأرض والزرع بينهما. ### | [فصل ساقاه على شجر فبان مستحقا بعد العمل] # (4137) فصل: وإذا ساقاه على شجر، فبان مستحقا بعد العمل، أخذه ربه ~~وثمرته؛ لأنه عين ماله، ولا حق للعامل في ثمرته؛ لأنه عمل فيها بغير إذن ~~مالكها، ولا أجر له عليه لذلك، وله أجر مثله على الغاصب؛ لأنه غره ~~واستعمله، فلزمه الأجر، كما لو غصب نقرة فاستأجر من ضربها دراهم. وإن شمس ~~الثمرة فلم تنقص، أخذها ربها، وإن نقصت، فلربها أرش نقصها، ويرجع به على من ~~شاء منهما، ويستقر ذلك على الغاصب # وإن استحقت بعد أن اقتسماها، وأكلاها، فلربها تضمين من شاء منهما، فإن ~~ضمن الغاصب، فله تضمينه الكل، وله تضمينه قدر نصيبه، ويضمن العامل قدر ~~نصيبه؛ لأن الغاصب سبب يد العامل، فلزمه ضمان الجميع. فإن ضمنه الكل، رجع ~~على العامل بقدر نصيبه؛ لأن التلف وجد في يده، فاستقر الضمان عليه، ويرجع ~~العامل على الغاصب بأجر مثله. ويحتمل أن لا يرجع الغاصب على العامل بشيء؛ ~~لأنه غره، فلم يرجع عليه، كما لو أطعم إنسانا شيئا، وقال له: كله، فإنه ~~طعامي # ثم تبين أنه مغصوب. وإن ضمن العامل، احتمل أنه لا يضمنه إلا نصيبه # PageV05P307 # خاصة؛ لأنه ما قبض الثمرة كلها، وإنما كان مراعيا لها وحافظا، فلا يلزمه ~~ضمانها ما لم يقبضها. ويحتمل أن يضمنه الكل؛ لأن يده ثبتت على الكل مشاهدة ~~بغير حق. فإن ضمنه الكل، رجع العامل على الغاصب ببدل نصيبه منها، وأجر ~~مثله. وإن ضمن كل واحد منهما ms2705 ما صار إليه، رجع العامل على الغاصب بأجر مثله ~~لا غير # وإن تلفت الثمرة في شجرها، أو بعد الجذاذ قبل القسمة، فمن جعل العامل ~~قابضا لها بثبوت يده على حائطها قال: يلزمه ضمانها. ومن لا يكون قابضا إلا ~~بأخذ نصيبه منها قال: لا يلزمه الضمان، ويكون على الغاصب. # PageV05P308 ### | [باب المزارعة] ### | [مسألة المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض] # (4138) مسألة: قال: (وتجوز المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض) معنى ~~المزارعة: دفع الأرض إلى من يزرعها ويعمل عليها، والزرع بينهما. وهي جائزة ~~في قول كثير من أهل العلم، قال البخاري: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهل بيت ~~إلا ويزرعون على الثلث والربع، وزارع علي وسعد، وابن مسعود، وعمر بن عبد ~~العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل علي، وابن سيرين # وممن رأى ذلك سعيد بن المسيب، وطاوس، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن ~~طلحة، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابنه، وأبو يوسف، ومحمد. وروي ~~ذلك عن معاذ، والحسن، وعبد الرحمن بن يزيد. قال البخاري: وعامل عمر الناس ~~على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر، فلهم ~~كذا. وكرهها عكرمة، ومجاهد، والنخعي، وأبو حنيفة # وروي عن ابن عباس الأمران جميعا. وأجازها الشافعي في الأرض بين النخيل، ~~إذا كان بياض الأرض أقل، فإن كان أكثر فعلى وجهين. ومنعها في الأرض ~~البيضاء؛ لما روى «رافع بن خديج قال: كنا نخابر على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنفع. قال قلنا: ما ذاك؟ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: من كانت له أرض فليزرعها، ولا يكريها بثلث ولا بربع، ولا بطعام مسمى» ~~وعن «ابن عمر، قال: ما كنا نرى بالمزارعة بأسا حتى سمعت رافع بن خديج يقول: ~~نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها» . وقال جابر: «نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه ms2706 وسلم - عن المخابرة» . وهذه كلها أحاديث صحاح، متفق عليها. # والمخابرة: المزارعة. واشتقاقها من الخبار، وهي الأرض اللينة، والخبير: ~~الأكار. وقيل: المخابرة معاملة أهل خيبر. وقد جاء حديث جابر مفسرا، فروى ~~البخاري، عن جابر، قال: كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها، فإن لم يفعل، ~~فليمسك أرضه.» وروي تفسيرها عن زيد بن ثابت، فروى أبو داود، بإسناده عن # PageV05P309 # زيد قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة. قلت: وما ~~المخابرة؟ قال: أن يأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع» . # ولنا ما روى ابن عمر، قال: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامل ~~أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، من زرع أو ثمر» . متفق عليه. وقد روى ذلك ابن ~~عباس وجابر بن عبد الله # - صلى الله عليه وسلم - وقال أبو جعفر: «عامل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، وعثمان، وعلي، ثم أهلوهم إلى ~~اليوم يعطون الثلث والربع» . # وهذا أمر صحيح مشهور عمل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات، ~~ثم خلفاؤه الراشدون حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم، ولم يبق بالمدينة أهل ~~بيت إلا وعمل به، وعمل به أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعده، ~~فروى البخاري # عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «عامل أهل خيبر بشطر ما ~~يخرج منها، من زرع أو ثمر، فكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسقا تمرا، ~~وعشرون وسقا شعيرا، فقسم عمر خيبر، فخير أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يقطع لهن من الأرض والماء، أو يمضي لهن الأوسق، فمنهن من اختار الأرض، ~~ومنهن من اختار الأوسق، فكانت عائشة اختارت الأرض.» ومثل هذا لا يجوز أن ~~ينسخ؛ لأن النسخ إنما يكون في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأما ~~شيء عمل به إلى أن مات، ثم عمل به خلفاؤه بعده، وأجمعت الصحابة رضوان الله ~~عليهم عليه، ms2707 وعملوا به، ولم يخالف فيه منهم أحد، فكيف يجوز نسخه، ومتى كان ~~نسخه؟ فإن كان نسخ في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكيف عمل به ~~بعد نسخه، وكيف خفي نسخه، فلم يبلغ خلفاءه، مع اشتهار قصة خيبر، وعملهم ~~فيها؟ فأين كان راوي النسخ، حتى لم يذكره، ولم يخبرهم به؟ فأما ما احتجوا ~~به # فالجواب عن حديث رافع، من أربعة أوجه: أحدها أنه قد فسر المنهي عنه في ~~حديثه بما لا يختلف في فساده، فإنه قال: كنا من أكثر الأنصار حقلا، فكنا ~~نكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، ~~فنهانا عن ذلك، فأما بالذهب والورق، فلم ينهنا، متفق عليه. وفي لفظ: فأما ~~بشيء معلوم مضمون، فلا بأس. وهذا خارج عن محل الخلاف، فلا دليل فيه عليه، ~~ولا تعارض بين الحديثين. الثاني أن خبره ورد في الكراء بثلث أو ربع، ~~والنزاع في المزارعة، ولم يدل حديثه عليها أصلا، وحديثه الذي فيه المزارعة ~~يحمل على الكراء أيضا؛ لأن القصة واحدة، رويت بألفاظ مختلفة، فيجب تفسير ~~أحد اللفظين بما يوافق الآخر. # PageV05P310 # الثالث أن أحاديث رافع مضطربة جدا، مختلفة اختلافا كثيرا. يوجب ترك العمل ~~بها لو انفردت، فكيف يقدم على مثل حديثنا؟ قال الإمام أحمد: حديث رافع ~~ألوان. وقال أيضا: حديث رافع ضروب. وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن ~~رافع بعلل تدل على أن النهي كان لذلك، منها الذي ذكرناه، ومنها خمس أخرى. ~~وقد أنكره فقيهان من فقهاء الصحابة؛ زيد بن ثابت، وابن عباس # قال زيد بن ثابت: أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رجلين قد اقتتلا، فقال: " إن كان هذا شأنكم، فلا تكروا المزارع " ~~رواه أبو داود والأثرم. وروى البخاري، عن عمرو بن دينار، قال: قلت لطاوس: ~~لو تركت المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها. ~~قال: إن أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~ينه عنها، ولكن قال: " أن ms2708 يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خراجا ~~معلوما " # ثم إن أحاديث رافع منها ما يخالف الإجماع، وهو النهي عن كراء المزارع على ~~الإطلاق، ومنها ما لا يختلف في فساده، كما قد بينا، وتارة يحدث عن بعض ~~عمومته، وتارة عن سماعه، وتارة عن ظهير بن رافع، وإذا كانت أخبار رافع ~~هكذا، وجب إخراجها واستعمال الأخبار الواردة في شأن خيبر، الجارية مجرى ~~التواتر، التي لا اختلاف فيها، وبها عمل الخلفاء الراشدون وغيرهم، فلا معنى ~~لتركها بمثل هذه الأحاديث الواهية. # الجواب الرابع أنه لو قدر صحة خبر رافع، وامتنع تأويله، وتعذر الجمع، ~~لوجب حمله على أنه منسوخ؛ لأنه لا بد من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل القول ~~بنسخ حديث خيبر؛ لكونه معمولا به من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~حين موته، ثم من بعده إلى عصر التابعين، فمتى كان نسخه؟ وأما حديث جابر في ~~النهي عن المخابرة، فيجب حمله على أحد الوجوه التي حمل عليها خبر رافع؛ ~~فإنه قد روى حديث خيبر أيضا، فيجب الجمع بين حديثيه، مهما أمكن، ثم لو حمل ~~على المزارعة، لكان منسوخا بقصة خيبر؛ لاستحالة نسخها كما ذكرنا، وكذلك ~~القول في حديث زيد بن ثابت # فإن قال أصحاب الشافعي: تحمل أحاديثكم على الأرض التي بين النخيل، ~~وأحاديث النهي عن الأرض البيضاء جمعا بينهما. قلنا: هذا بعيد لوجوه خمسة: ~~أحدها أنه يبعد أن تكون بلدة كبيرة يأتي منها أربعون ألف وسق، ليس فيها أرض ~~بيضاء، ويبعد أن يكون قد عاملهم على بعض الأرض دون بعض، فينقل الرواة كلهم ~~القصة على العموم من غير تفصيل، مع الحاجة إليه. # PageV05P311 # الثاني أن ما يذكرونه من التأويل لا دليل عليه، وما ذكرناه دلت عليه بعض ~~الروايات، وفسره الراوي له بما ذكرناه، وليس معهم سوى الجمع بين الأحاديث، ~~والجمع بينهما بحمل بعضها على ما فسره رواية به أولى من التحكم بما لا دليل ~~عليه. # الثالث أن قولهم يفضي إلى تقييد كل واحد من الحديثين، وما ذكرناه حمل ~~لأحدهما وحده. # الرابع أن ms2709 فيما ذكرناه موافقة عمل الخلفاء الراشدين، وأهليهم، وفقهاء ~~الصحابة، وهم أعلم بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته ومعانيها، ~~وهو أولى من قول من خالفهم. الخامس، أن ما ذهبنا إليه مجمع عليه، فإن أبا ~~جعفر روى ذلك عن كل أهل بيت بالمدينة، وعن الخلفاء الأربعة وأهليهم، وفقهاء ~~الصحابة واستمرار ذلك، وهذا مما لا يجوز خفاؤه، ولم ينكره من الصحابة منكر، ~~فكان إجماعا # وما روي في مخالفته، فقد بينا فساده، فيكون هذا إجماعا من الصحابة - رضي ~~الله عنهم -، لا يسوغ لأحد خلافه. والقياس يقتضيه، فإن الأرض عين تنمى ~~بالعمل فيها، فجازت المعاملة عليها ببعض نمائها، كالأثمان في المضاربة، ~~والنخل في المساقاة، أو نقول: أرض، فجازت المزارعة عليها، كالأرض بين ~~النخيل. ولأن الحاجة داعية إلى المزارعة؛ لأن أصحاب الأرض قد لا يقدرون على ~~زرعها، والعمل عليها، والأكرة يحتاجون إلى الزرع. ولا أرض لهم، فاقتضت حكمة ~~الشرع جواز المزارعة، كما قلنا في المضاربة والمساقاة # بل الحاجة ها هنا آكد؛ لأن الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره، لكونه ~~مقتاتا، ولكون الأرض لا ينتفع بها إلا بالعمل عليها، بخلاف المال، ويدل على ~~ذلك قول راوي حديثهم: نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمر كان ~~لنا نافعا. والشارع لا ينهى عن المنافع، وإنما ينهى عن المضار والمفاسد، ~~فيدل ذلك على غلط الراوي في النهي عنه، وحصول المنفعة فيما ظنه منهيا عنه. ~~إذا ثبت هذا، فإن حكم المزارعة حكم المساقاة، في أنها إنما تجوز بجزء ~~للعامل من الزرع، وفي جوازها، ولزومها، وما يلزم العامل ورب الأرض، وغير ~~ذلك من أحكامها. ### | [فصل كان في الأرض شجر وبينه بياض أرض فساقاه على الشجر وزارعه الأرض التي بين الشجر] # (4139) فصل: وإذا كان في الأرض شجر، وبينه بياض أرض، فساقاه على الشجر، ~~وزارعه الأرض التي بين الشجر جاز، سواء قل بياض الأرض أو كثر، نص عليه ~~أحمد، وقال: قد دفع النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر على هذا. وبهذا قال ~~كل من أجاز المزارعة في الأرض المفردة. ms2710 فإذا قال: ساقيتك على الشجر، ~~وزارعتك على الأرض بالنصف. جاز. وإن قال: عاملتك على الأرض والشجر على ~~النصف، جاز؛ لأن # PageV05P312 # المعاملة تشملهما. وإن قال: زارعتك: الأرض بالنصف، وساقيتك على الشجر ~~بالربع. جاز # كما يجوز أن يساقيه على أنواع من الشجر، ويجعل له في كل نوع قدرا. وإن ~~قال: ساقيتك على الأرض والشجر بالنصف. جاز؛ لأن المزارعة مساقاة من حيث ~~إنها تحتاج إلى السقي فيها، لحاجة الشجر إليه. وقال أصحاب الشافعي: لا يصح؛ ~~لأن المساقاة لا تتناول الأرض، وتصح في النخل وحده. وقيل: ينبني على تفريق ~~الصفقة. # ولنا أنه عبر عن عقد بلفظ عقد يشاركه في المعنى المشهور به في الاشتقاق، ~~فصح، كما لو عبر بلفظ البيع في السلم، ولأن المقصود المعنى، وقد علم بقرائن ~~أحواله # وهكذا إن قال في الأرض البيضاء: ساقيتك على هذه الأرض بنصف ما يزرع فيها. ~~فأما إن قال: ساقيتك على الشجر بالنصف. ولم يذكر الأرض، لم تدخل في العقد، ~~وليس للعامل أن يزرع. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك، وأبو يوسف: للداخل زرع ~~البياض، فإن تشارطا أن ذلك بينهما، فهو جائز، وإن اشترط صاحب الأرض أنه ~~يزرع البياض، لم يصح لأن الداخل يسقي لرب الأرض، فتلك زيادة ازدادها عليه. ~~ولنا أن هذا لم يتناوله العقد فلم يدخل فيه، كما لو كانت أرضا منفردة. ### | [فصل زارعه أرضا فيها شجرات يسيرة] # (4140) فصل: وإن زارعه أرضا فيها شجرات يسيرة، لم يجز أن يشترط العامل ~~ثمرتها، وبهذا قال الشافعي، وابن المنذر، وأجازه مالك إذا كان الشجر بقدر ~~الثلث أو أقل؛ لأنه يسير، فيدخل تبعا. ولنا أنه اشترط الثمرة كلها، فلم ~~يجز، كما لو كان الشجر أكثر من الثلث. ### | [فصل آجره بياض أرض وساقاه على الشجر الذي فيها] # (4141) فصل: وإن آجره بياض أرض، وساقاه على الشجر الذي فيها جاز؛ لأنهما ~~عقدان يجوز إفراد كل واحد منهما، فجاز الجمع بينهما، كالبيع، والإجارة. ~~ويحتمل أن لا يجوز، بناء على الوجه الذي لا يجوز الجمع بينهما في الأصل. ~~والأول أولى، إلا أن يفعلا ذلك حيلة ms2711 على شراء الثمرة قبل وجودها، أو قبل ~~بدو صلاحها، فلا يجوز، سواء جمعا بين العقدين، أو عقدا أحدهما بعد الآخر؛ ~~لما ذكرنا في إبطال الحيل. ### | [مسألة إذا كان البذر من رب الأرض] # (4142) مسألة قال: (إذا كان البذر من رب الأرض) ظاهر المذهب أن المزارعة ~~إنما تصح إذا كان البذر من رب الأرض، والعمل من العامل. نص عليه # PageV05P313 # أحمد، في رواية جماعة. واختاره عامة الأصحاب. وهو مذهب ابن سيرين ~~والشافعي، وإسحاق؛ لأنه عقد يشترك العامل ورب المال في نمائه، فوجب أن يكون ~~رأس المال كله من عند أحدهما، كالمساقاة والمضاربة # وقد روي عن أحمد ما يدل على أن البذر يجوز أن يكون من العامل فإنه قال في ~~رواية مهنا، في الرجل يكون له الأرض فيها نخل وشجر، يدفعها إلى قوم يزرعون ~~الأرض ويقومون على الشجر، على أن له النصف، ولهم النصف: فلا بأس بذلك، وقد ~~دفع النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر على هذا. فأجاز دفع الأرض لزرعها من ~~غير ذكر البذر. فعلى هذا أيهما أخرج البذر، جاز وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، ~~- رضي الله عنه - # وهو قول أبي يوسف، وطائفة من أهل الحديث، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. ~~وروي عن سعد، وابن مسعود، وابن عمر، أن البذر من العامل. ولعلهم أرادوا أنه ~~يجوز أن يكون من العامل، فيكون كقول عمر، ولا يكون قولا ثالثا. والدليل على ~~صحة ما ذكرنا، قول ابن عمر: «دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~يهود خيبر نخل خيبر وأرضها، على أن يعملوها من أموالهم، ولرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - شطر ثمرها» . وفي لفظ «على أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم ~~شطر ما يخرج منها.» أخرجهما البخاري. # فجعل عملها من أموالهم، وزرعها عليهم، ولم يذكر شيئا آخر، وظاهره أن ~~البذر من أهل خيبر. والأصل المعول عليه في المزارعة قصة خيبر، ولم يذكر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن البذر على المسلمين، ولو كان شرطا لما أخل ~~بذكره، ولو فعله النبي - صلى الله عليه وسلم ms2712 - وأصحابه لنقل، ولم يجز ~~الإخلال بنقله. # ولأن عمر - رضي الله عنه - فعل الأمرين جميعا، فإن البخاري روى عنه، أنه ~~عامل الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاءوا ~~بالبذر فلهم كذا، فظاهر هذا أن ذلك اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعا # فإن قيل: فهذا بمنزلة بيعتين في بيعة، فكيف يفعله عمر - رضي الله عنه -؟ ~~قلنا: يحتمل أنه قال ذلك ليخيرهم في أي العقدين شاءوا، فمن اختار عقدا عقده ~~معه معينا، كما لو قال في البيع: إن شئت بعتكه بعشرة صحاح، وإن شئت بأحد ~~عشر مكسورة. فاختار أحدهما فعقد البيع معه عليه معينا. ويجوز أن يكون مجيئه ~~بالبذر، أو شروعه في العمل بغير بذر، مع إقرار عمر له على ذلك وعلمه به جرى ~~مجرى العقد، ولهذا روي عن أحمد صحة الإجارة فيما إذا قال: إن خطته روميا ~~فلك درهم، وإن خطته فارسيا فلك نصف درهم. وما ذكره أصحابنا من القياس يخالف ~~ظاهر النص والإجماع اللذين ذكرناهما، فكيف يعمل به؟ ثم هو منتقض بما إذا ~~اشترك مالان وبدن صاحب أحدهما. # PageV05P314 ### | [فصل كان البذر منهما نصفين وشرطا أن الزرع بينهما نصفان] # (4143) فصل: فإن كان البذر منهما نصفين، وشرطا أن الزرع بينهما نصفان، ~~فهو بينهما، سواء قلنا بصحة المزارعة أو فسادها؛ لأنها إن كانت صحيحة، ~~فالزرع بينهما على ما شرطاه، وإن كانت فاسدة فلكل واحد منهما بقدر بذره، ~~لكن إن حكمنا بصحتها، لم يرجع أحدهما على صاحبه بشيء. وإن قلنا: من شرط ~~صحتها إخراج رب المال البذر. فهي فاسدة، فعلى العامل نصف أجر الأرض، وله ~~على رب الأرض نصف أجر عمله، فيتقاصان بقدر الأقل منهما، ويرجع أحدهما على ~~صاحبه بالفضل # وإن شرطا التفاضل في الزرع، وقلنا بصحتها، فالزرع بينهما على ما شرطاه، ~~ولا تراجع بينهما. وإن قلنا بفسادها، فالزرع بينهما على قدر بذرهما، ~~ويتراجعان، كما ذكرنا. وكذلك إن تفاضلا في البذر، وشرطا التساوي في الزرع، ~~أو شرطا لأحدهما أكثر من قدر بذره أو أقل. ### | [فصل قال صاحب الأرض أجرتك نصف ms2713 أرضي هذه بنصف بذرك ونصف منفعتك] # فصل: فإن قال صاحب الأرض: أجرتك نصف أرضي هذه بنصف بذرك ونصف منفعتك ~~ومنفعة بقرك، وآلتك. وأخرج المزارع البذر كله، لم يصح؛ لأن المنفعة غير ~~معلومة. وكذلك لو جعلها أجرة لأرض أخرى، أو دار، لم يجز، ويكون الزرع كله ~~للمزارع، وعليه أجر مثل الأرض. وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف ~~معه، ومعرفة البذر، جاز، وكان الزرع بينهما. ويحتمل أن لا يصح؛ لأن البذر ~~عوض، فيشترط قبضه، كما لو كان مبيعا، وما حصل فيه قبض. وإن قال: أجرتك نصف ~~أرضي، بنصف منفعتك، ومنفعة بقرك، وآلتك، وأخرجا البذر، فهي كالتي قبلها، ~~إلا أن الزرع يكون بينهما على كل حال. ### | [مسألة اتفقا على أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما ما بقي] # (4145) مسألة قال: (فإن اتفقا على أن يأخذ رب الأرض مثل بذره، ويقتسما ما ~~بقي، لم يجز) وكانت للمزارع أجرة مثله. وكذلك يبطل إن أخرج المزارع البذر، ~~ويصير الزرع للمزارع، وعليه أجرة الأرض. أما إذا اتفقا على أن يأخذ رب ~~الأرض مثل بذره، فلا يصح؛ لأنه كأنه اشترط لنفسه قفزانا معلومة، وذلك شرط ~~فاسد، تفسد به المزارعة، لأن الأرض ربما لا يخرج منها إلا تلك القفزان، ~~فيختص رب المال بها، وربما لا تخرجها الأرض # وأما إذا أخرج المزارع البذر، فهو مبني على الروايتين في صحة هذا الشرط. # PageV05P315 # وقد ذكر الخرقي، أنه فاسد. فإذا أخرج المزارع البذر فسدت، كما لو أخرج ~~العامل في المضاربة رأس المال من عنده. ومتى فسدت المزارعة، فالزرع لصاحب ~~البذر؛ لأنه عين ما له، ينقلب من حال إلى حال، وينمو، فصار كصغار الشجر إذا ~~غرس فطال، والبيضة إذا حضنت فصارت فرخا، والبذر ها هنا من المزارع، فكان ~~الزرع له، وعليه أجر الأرض؛ لأن ربها إنما بذلها له بعوض لم يسلم له، فرجع ~~إلى عوض منافعها النابتة بزرعها على صاحب الزرع # ولو فسدت، والبذر من رب الأرض، كان الزرع له، وعليه أجر مثل العامل لذلك، ~~وإن كان البذر منهما فالزرع بينهما، ويتراجعان ms2714 بما يفضل لأحدهما على صاحبه، ~~من أجر مثل الأرض التي فيها نصيب العامل، وأجر العامل بقدر عمله في نصيب ~~صاحب الأرض. ### | [فصل زارعه على أن لرب الأرض زرعا بعينه وللعامل زرعا بعينه] # (4146) فصل: وإن زارعه على أن لرب الأرض زرعا بعينه، وللعامل زرعا بعينه، ~~مثل أن يشترط لأحدهما زرع ناحية، وللآخر زرع أخرى، أو يشترط أحدهما ما على ~~السواقي والجداول، إما منفردا، أو مع نصيبه، فهو فاسد بإجماع العلماء؛ لأن ~~الخبر صحيح في النهي عنه، غير معارض ولا منسوخ، ولأنه يؤدي إلى تلف ما عين ~~لأحدهما دون الآخر، فينفرد أحدهما بالغلة دون صاحبه. ### | [فصل الشروط الفاسدة في المساقاة والمزارعة تنقسم قسمين] # (4147) فصل: والشروط الفاسدة في المساقاة والمزارعة تنقسم قسمين أحدهما ~~ما يعود بجهالة نصيب كل واحد منهما، مثل ما ذكرنا ها هنا، أو أن يشترط ~~أحدهما نصيبا مجهولا، أو دراهم معلومة، أو أقفزة معينة، أو أنه إن سقى سيحا ~~فله كذا، وإن سقى بكلفة فله كذا. فهذا يفسدها؛ لأنه يعود إلى جهالة المعقود ~~عليه، فأشبه البيع بثمن مجهول، والمضاربة مع جهالة نصيب أحدهما. # وإن شرط البذر من العامل، فالمنصوص عن أحمد فساد العقد؛ لأن الشرط إذا ~~فسد، لزم كون الزرع لرب البذر، لكونه نماء ماله، فلا يحصل لرب الأرض شيء ~~منه، ويستحق الأجر، وهذا معنى الفساد. فأما إن شرط ما لا يفضي إلى جهالة ~~الربح، كعمل رب المال معه، أو عمل العامل في شيء آخر، فهل تفسد المساقاة ~~والمزارعة؟ يخرج على روايتين، بناء على الشرط الفاسد في البيع والمضاربة. ### | [فصل دفع رجل بذره إلى صاحب الأرض ليزرعه في أرضه ويكون ما يخرج بينهما] # (4148) فصل: وإن دفع رجل بذره إلى صاحب الأرض، ليزرعه في أرضه، ويكون ما ~~يخرج بينهما، فهو فاسد أيضا؛ لأن البذر ليس من رب الأرض، ولا من العامل، ~~ويكون الزرع لصاحب البذر، وعليه أجر الأرض # PageV05P316 # والعمل. وإن قال صاحب الأرض لرجل: أنا أزرع الأرض ببذري وعواملي، ويكون ~~سقيها من مائك، والزرع بيننا. ففيها روايتان: # إحداهما لا يصح. اختارها ms2715 القاضي؛ لأن موضوع المزارعة على أن يكون من ~~أحدهما الأرض، ومن الآخر العمل، وليس من صاحب الماء أرض ولا عمل ولا بذر، ~~لأن الماء لا يباع ولا يستأجر، فكيف تصح المزارعة به؟ # والثانية، يصح # اختارها أبو بكر، ونقلها عن أحمد يعقوب بن بختان، وحرب؛ لأن الماء أحد ما ~~يحتاج إليه في الزرع، فجاز أن يكون من أحدهما، كالأرض والعمل. والأول أصح؛ ~~لأن هذا ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص؛ لما ذكرناه. ### | [فصل اشترك ثلاثة من أحدهم الأرض ومن الآخر البذر ومن الآخر البقر والعمل] # (4149) فصل: وإن اشترك ثلاثة، من أحدهم الأرض، ومن الآخر البذر، ومن ~~الآخر البقر والعمل، على أن ما رزق الله بينهم فعملوا، فهذا عقد فاسد، نص ~~عليه في رواية أبي داود، ومهنا، وأحمد بن القاسم، وذكر حديث مجاهد «، في ~~أربعة اشتركوا في زرع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~أحدهم: علي الفدان. وقال الآخر: قبلي الأرض. وقال الآخر: قبلي البذر. وقال ~~الآخر: قبلي العمل. فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الزرع لصاحب البذر، ~~وألغى صاحب الأرض، وجعل لصاحب العمل كل يوم درهما، ولصاحب الفدان شيئا ~~معلوما» . # فقال أحمد: لا يصح، والعمل على غيره. وذكر هذا الحديث سعيد بن منصور، عن ~~الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، وعن واصل بن أبي جميل، عن مجاهد، وقال في ~~آخره: فحدثت به مكحولا، فقال: ما يسرني بهذا الحديث وصيفا. وحكم هذه ~~المسألة حكم المسألة التي ذكرناها في صدر الفصل، وهما فاسدان؛ لأن موضوع ~~المزارعة على أن البذر من رب الأرض، أو من العامل، وليس هو ها هنا من واحد ~~منهما # وليست شركة؛ لأن الشركة تكون بالأثمان، وإن كانت بالعروض، اعتبر كونها ~~معلومة، ولم يوجد شيء من ذلك ها هنا. وليست إجارة؛ لأن الإجارة تفتقر إلى ~~مدة معلومة، وعوض معلوم. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. فعلى هذا ~~يكون الزرع لصاحب البذر؛ لأنه نماء ماله، ولصاحبيه عليه أجر مثلهما؛ لأنهما ~~دخلا على أن يسلم لهما المسمى، فإذا لم يسلم، ms2716 عاد إلى بدله. وبهذا قال ~~الشافعي، وأبو ثور. # PageV05P317 # وقال أصحاب الرأي: يتصدق بالفضل. والصحيح أن النماء لصاحب البذر، ولا ~~تلزمه الصدقة به، كسائر ماله # ولو كانت الأرض لثلاثة، فاشتركوا على أن يزرعوها ببذرهم ودوابهم ~~وأعوانهم، على أن ما أخرج الله بينهم على قدر مالهم، فهو جائز. وبهذا قال ~~مالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن أحدهم لا ~~يفضل صاحبيه بشيء. ### | [فصل زارع رجلا وآجره أرضه فزرعها وسقط من الحب شيء فنبت في تلك الأرض عاما آخر] # فصل: وإذا زارع رجلا، وآجره أرضه فزرعها، وسقط من الحب شيء، فنبت في تلك ~~الأرض عاما آخر، فهو لصاحب الأرض. نص عليه أحمد، في رواية أبي داود، ومحمد ~~بن الحارث. وقال الشافعي: هو لصاحب الحب؛ لأنه عين ما له، فهو كما لو بذره ~~قصدا. ولنا أن صاحب الحب أسقط حقه منه بحكم العرف، وزال ملكه عنه؛ لأن ~~العادة ترك ذلك لمن يأخذه، ولهذا أبيح التقاطه ورعيه. ولا نعلم خلافا في ~~إباحة التقاط ما خلفه الحصادون من سنبل وحب وغيرهما، فجرى ذلك مجرى نبذه ~~على سبيل الترك له، وصار كالشيء التافه يسقط منه، كالثمرة واللقمة ونحوهما. ~~والنوى لو التقطه إنسان، فغرسه، كان له دون من سقط منه، كذا ها هنا. ### | [فصل إجارة الأرض بالورق والذهب وسائر العروض سوى المطعوم] # (4151) فصل: في إجارة الأرض، تجوز إجارتها بالورق، والذهب، وسائر العروض، ~~سوى المطعوم، في قول أكثر العلم. قال أحمد: فلما اختلفوا في الذهب والورق. ~~وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن اكتراء الأرض وقتا معلوما ~~جائز بالذهب والفضة. روينا هذا القول عن سعد، ورافع بن خديج، وابن عمر، ~~وابن عباس. وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة، والقاسم، وسالم، وعبد الله بن ~~الحارث، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وروي عن ~~طاوس، والحسن كراهة ذلك؛ لما روى رافع، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«نهى عن كراء المزارع» . متفق عليه # ولنا «أن رافعا قال: أما بالذهب والورق، فلم ينهنا» . يعني ms2717 النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. متفق عليه. ولمسلم «أما بشيء معلوم مضمون فلا بأس» . وعن ~~حنظلة بن قيس، أنه «سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض، فقال: نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن كراء الأرض. قال فقلت: بالذهب والفضة؟ # PageV05P318 # قال: إنما نهى عنها ببعض ما يخرج منها، أما بالذهب والفضة فلا بأس» . ~~متفق عليه، وعن سعد قال: «كنا نكري الأرض بما على السواقي وما صعد بالماء ~~منها، فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وأمرنا أن نكريها ~~بذهب أو فضة» ، رواه أبو داود، ولأنها عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة ~~منها مع بقائها، فجازت إجارتها بالأثمان ونحوها، كالدور # والحكم في العروض كالحكم في الأثمان. وأما حديثهم، فقد فسره الراوي بما ~~ذكرناه عنه، فلا يجوز الاحتجاج به على غيره. وحديثنا مفسر لحديثهم، فإن ~~راويهما واحد، وقد رواه عاما وخاصا، فيحمل العام على الخاص، مع موافقة ~~الخاص لسائر الأحاديث والقياس وقول أكثر أهل العلم. # فأما إجارتها بطعام، فتنقسم ثلاثة أقسام أحدها، أن يؤجرها بمطعوم غير ~~الخارج منها معلوم، فيجوز. نص عليه أحمد، في رواية الحسن بن ثواب. وهو قول ~~أكثر أهل العلم؛ منهم سعيد بن جبير، وعكرمة، والنخعي، والشافعي، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. ومنع منه مالك، حتى منع إجارتها باللبن والعسل # وقد روي عن أحمد، أنه قال: ربما تهيبته. قال القاضي: هذا من أحمد على ~~سبيل الورع، ومذهبه الجواز. والحجة لمالك، ما روى رافع بن خديج، عن بعض ~~عمومته قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت له أرض فلا ~~يكريها بطعام مسمى» رواه أبو داود وابن ماجه. وروى ظهير بن رافع قال: ~~«دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما تصنعون بمحاقلكم؟ قلت: ~~نؤاجرها على الربع، أو على الأوسق من التمر أو الشعير. قال: لا تفعلوا ~~ازرعوها أو أمسكوها» . متفق عليه. وروى أبو سعيد قال: «نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن المحاقلة» # والمحاقلة: استكراء الأرض بالحنطة. ولنا قول رافع: فأما بشيء معلوم مضمون ms2718 ~~فلا بأس به. # ولأنه عوض معلوم مضمون، لا يتخذ وسيلة إلى الربا، فجازت إجارتها به، ~~كالأثمان. وحديث ظهير بن رافع قد سبق الكلام عليه في المزارعة، على أنه ~~يحتمل النهي عن إجارتها بذلك إذا كان خارجا منها، ويحتمل النهي عنه إذا ~~آجرها بالربع والأوسق. وحديث أبي سعيد يحتمل المنع من كرائها بالحنطة، إذا ~~اكتراها لزرع الحنطة. # القسم الثاني، إجارتها بطعام معلوم، من جنس ما يزرع فيها، كإجارتها ~~بقفزان حنطة لزرعها، فقال أبو الخطاب: فيها روايتان إحداهما المنع. وهي ~~التي ذكرها القاضي مذهبا، وهي قول مالك؛ لما تقدم من الأحاديث، ولأنها # PageV05P319 # ذريعة إلى المزارعة عليها بشيء معلوم من الخارج منها، لأنه يجعل مكان ~~قوله زارعتك، آجرتك، فتصير مزارعة بلفظ الإجارة، والذرائع معتبرة. والثانية ~~جواز ذلك. اختارها أبو الخطاب. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لما ذكرنا في ~~القسم الأول، ولأن ما جازت إجارته بغير المطعوم، جازت به، كالدور. # القسم الثالث، إجارتها بجزء مشاع مما يخرج منها، كنصف، وثلث، وربع، ~~فالمنصوص عن أحمد جوازه. وهو قول أكثر الأصحاب، واختار أبو الخطاب أنها لا ~~تصح. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي. وهو الصحيح إن شاء الله؛ لما تقدم من ~~الأحاديث في النهي، من غير معارض لها، ولأنها إجارة بعوض مجهول، فلم تصح ~~كإجارتها بثلث ما يخرج من أرض أخرى، ولأنها إجارة لعين ببعض نمائها، فلم ~~تجز، كسائر الأعيان، ولأنه لا نص في جوازها # ولا يمكن قياسها على المنصوص، فإن النصوص إنما وردت بالنهي عن إجارتها ~~بذلك، ولا نعلم في تجويزها نصا، والمنصوص على جوازه إجارتها بذهب، أو فضة، ~~أو شيء مضمون معلوم وليست هذه كذلك. فأما نص أحمد في الجواز، فيتعين حمله ~~على المزارعة بلفظ الإجارة، فيكون حكمها حكم المزارعة في جوازها، ولزومها، ~~وفيما يلزم العامل ورب الأرض، وسائر أحكامها. والله أعلم. # PageV05P320 ### | [كتاب الإجارات] # الأصل في جواز الإجارة الكتاب والسنة، والإجماع. أما الكتاب. فقول الله ~~تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] . وقال تعالى: {قالت ~~إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} ms2719 [القصص: 26] {قال ~~إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت ~~عشرا فمن عندك} [القصص: 27] . # وروى ابن ماجه في " سننه " عن عتبة بن الندر، قال: «كنا عند رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقرأ: طس حتى إذا بلغ قصة موسى، قال: إن موسى - عليه ~~السلام - آجر نفسه ثماني حجج، أو عشرا، على عفة فرجه، وطعام بطنه» . وقال ~~الله تعالى: {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا} [الكهف: 77] . وهذا يدل على جواز أخذ الأجر على إقامته. وأما السنة، ~~فثبت «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر، استأجرا رجلا من بني ~~الديل هاديا خريتا» . # وروى البخاري، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة؛ رجل أعطى ~~بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم ~~يوفه أجره» . والأخبار في هذا كثيرة. وأجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصر ~~على جواز الإجارة، إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الأصم أنه قال: لا يجوز ~~ذلك؛ لأنه غرر. يعني أنه يعقد على منافع لم تخلق # وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار، وسار في الأمصار، ~~والعبرة أيضا دالة عليها؛ فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، ~~فلما جاز العقد على الأعيان، وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا يخفى ما ~~بالناس من الحاجة إلى ذلك، فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل مسافر ~~على بعير أو دابة يملكها، ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعا، ~~وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر، ولا يمكن كل أحد عمل ذلك، ولا يجد متطوعا ~~به، فلا بد من الإجارة لذلك، بل ذلك مما جعله الله تعالى طريقا للرزق، # PageV05P321 # حتى إن أكثر المكاسب بالصنائع. وما ذكره من الغرر، لا يلتفت إليه، مع ما ~~ذكرنا من الحاجة، فإن العقد على المنافع لا ms2720 يمكن بعد وجودها، لأنها تتلف ~~بمضي الساعات، فلا بد من العقد عليها قبل وجودها، كالسلم في الأعيان. ### | [فصل اشتقاق الإجارة من الأجر وهو العوض] # (4152) فصل: واشتقاق الإجارة من الأجر، وهو العوض، قال الله تعالى: {لو ~~شئت لاتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] . ومنه سمي الثواب أجرا؛ لأن الله تعالى ~~يعوض العبد به على طاعته، أو صبره على مصيبته. (4153) فصل: وهي نوع من ~~البيع، لأنها تمليك من كل واحد منهما لصاحبه، فهي بيع المنافع والمنافع ~~بمنزلة الأعيان، لأنه يصح تمليكها في حال الحياة، وبعد الموت، وتضمن باليد ~~والإتلاف، ويكون عوضها عينا ودينا # وإنما اختصت باسم كما اختص بعض البيوع باسم، كالصرف، والسلم. إذا ثبت هذا ~~فإنها تنعقد بلفظ الإجارة والكراء؛ لأنهما موضوعان لها. وهل تنعقد بلفظ ~~البيع؟ فيه وجهان أحدهما، تنعقد به؛ لأنها بيع فانعقدت بلفظه، كالصرف. ~~والثاني لا تنعقد به؛ لأن فيها معنى خاصا، فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك ~~المعنى، ولأن الإجارة تضاف إلى العين التي يضاف إليها البيع إضافة واحدة، ~~فاحتيج إلى لفظ يعرف ويفرق بينهما، كالعقود المتباينة، ولأنه عقد يخالف ~~البيع في الحكم والاسم، فأشبه النكاح. # (4154) فصل: ولا تصح إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقد تمليك في الحياة، ~~فأشبه البيع. ### | [مسألة إذا وقعت الإجارة على مدة معلومة بأجرة معلومة] # (4155) مسألة قال: (وإذا وقعت الإجارة على مدة معلومة، بأجرة معلومة، فقد ~~ملك المستأجر المنافع، وملكت عليه الأجرة كاملة، في وقت العقد، إلا أن ~~يشترطا أجلا) هذه المسألة تدل على أحكام ستة أحدها أن المعقود عليه ~~المنافع. وهذا قول أكثر أهل العلم منهم: مالك، وأبو حنيفة، وأكثر أصحاب ~~الشافعي. وذكر بعضهم أن المعقود عليه العين؛ لأنها الموجودة، والعقد يضاف ~~إليها، فيقول: أجرتك داري كما يقول: بعتكها # PageV05P322 # ولنا أن المعقود عليه هو المستوفى بالعقد، وذلك هو المنافع دون الأعيان، ~~ولأن الأجر في مقابلة المنفعة، ولهذا تضمن دون العين، وما كان العوض في ~~مقابلته، فهو المعقود عليه، وإنما أضيف العقد إلى العين لأنها محل المنفعة ~~ومنشؤها، كما يضاف عقد المساقاة إلى البستان والمعقود ms2721 عليه الثمرة. ولو ~~قال: أجرتك منفعة داري. جاز. # الثاني أن الإجارة إذا وقعت على مدة يجب أن تكون معلومة كشهر وسنة. ولا ~~خلاف في هذا نعلمه، لأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه، المعرفة له، فوجب ~~أن تكون معلومة، كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل. فإن قدر المدة بسنة مطلقة، ~~حمل على سنة الأهلة؛ لأنها المعهودة في الشرع، قال الله تعالى: {يسألونك عن ~~الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة: 189] فوجب أن يحمل العقد عليه # فإن شرط هلالية كان تأكيدا، وإن قال: عددية، أو سنة بالأيام كان له ~~ثلاثمائة وستون يوما؛ لأن الشهر العددي يكون ثلاثين يوما. وإن استأجر سنة ~~هلالية أول الهلال، عد اثني عشر شهرا بالأهلة، سواء كان الشهر تاما أو ~~ناقصا؛ لأن الشهر الهلالي ما بين الهلالين، ينقص مرة ويزيد أخرى. وإن كان ~~العقد في أثناء شهر، عد ما بقي من الشهر، وعد بعده أحد عشر شهرا بالهلال، ~~ثم كمل الشهر الأول بالعدد ثلاثين يوما؛ لأنه تعذر إتمامه بالهلال، فتممناه ~~بالعدد، وأمكن استيفاء ما عداه بالهلال، فوجب ذلك؛ لأنه الأصل # وحكي عن أحمد رواية أخرى، أنه يستوفي الجميع بالعدد؛ لأنها مدة يستوفى ~~بعضها بالعدد، فوجب استيفاء جميعها به، كما لو كانت المدة شهرا واحدا، ولأن ~~الشهر الأول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه، فيحصل ابتداء الشهر الثاني ~~في أثنائه، فكذلك كل شهر يأتي بعده ولأبي حنيفة والشافعي كالروايتين. وهكذا ~~إن كان العقد على أشهر دون السنة وإن جعلا المدة سنة رومية أو شمسية أو ~~فارسية أو قبطية، وكانا يعلمان ذلك، جاز، وكان له ثلاثمائة وخمسة وستون ~~يوما، فإن الشهور الرومية منها سبعة أحد وثلاثون يوما، وأربعة ثلاثون يوما، ~~وشهر واحد ثمانية وعشرون يوما، وشهور القبط كلها ثلاثون ثلاثون، وزادوها ~~خمسة أيام لتساوي سنتهم السنة الرومية. وإن كان أحدهما يجهل ذلك، لم يصح؛ ~~لأن المدة مجهولة في حقه # وإن أجره إلى العيد، انصرف إلى الذي يليه، وتعلق بأول جزء منه؛ لأنه جعله ~~غاية، فتنتهي مدة الإجارة بأوله. وقال القاضي: ms2722 لا بد من تعيين العيد فطرا ~~أو أضحى، من هذه السنة أو سنة كذا. وكذلك # PageV05P323 # الحكم إن علقه بشهر يقع اسمه على شهرين، كجمادى وربيع، يجب على قوله أن ~~يذكر الأول أو الثاني، من سنة كذا. وإن علقه بشهر مفرد، كرجب وشعبان، فلا ~~بد أن يبينه من أي سنة. وإن علقه بيوم، فلا بد على قوله أن يبينه من أي ~~أسبوع # وإن علقه بعيد من أعياد الكفار، صح إذا علماه، وإلا لم يصح، وقد مضى نحو ~~من هذا. ### | [فصل لا يشترط في مدة الإجارة أن تلي العقد] # (4156) فصل: ولا يشترط في مدة الإجارة أن تلي العقد، بل لو أجره سنة خمس، ~~وهما في سنة ثلاث، أو شهر رجب في المحرم. صح، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال ~~الشافعي: لا يصح إلا أن يستأجرها من هي في إجارته، ففيه قولان؛ لأنه عقد ~~على ما لا يمكن تسليمه في الحال، فأشبه إجارة العين المغصوبة. قال: ولا ~~يجوز أن يكتري بعيرا بعينه إلا عند خروجه؛ لذلك # ولنا أن هذه مدة يجوز العقد، عليها مع غيرها، فجاز العقد عليها مفردة مع ~~عموم الناس، كالتي تلي العقد، وإنما تشترط القدرة على التسليم عند وجوب ~~التسليم كالمسلم فيه، ولا يشترط وجوده ولا القدرة عليه حال العقد، ولا فرق ~~بين كونها مشغولة أو غير مشغولة؛ لما ذكرناه، وما ذكروه يبطل بما إذا أجرها ~~من المكتري، فإنه يصح مع ما ذكروه. إذا ثبت هذا فإن الإجارة إن كانت على ~~مدة تلي العقد، لم يحتج إلى ذكر ابتدائها من حين العقد، وإن كانت لا تليه، ~~فلا بد من ذكر ابتدائها، لأنه أحد طرفي العقد، فاحتيج إلى معرفته، ~~كالانتهاء # وإن أطلق. فقال: أجرتك سنة، أو شهرا. صح وكان ابتداؤه من حين العقد. وهذا ~~قول مالك، وأبي حنيفة. وقال الشافعي. وبعض أصحابنا: لا يصح حتى يسمي الشهر، ~~ويذكر أي سنة هي؛ فإن أحمد قال في رواية إسماعيل بن سعيد: إذا استأجر أجيرا ~~شهرا، فلا يجوز حتى يسمي الشهر. ولنا، قول الله تعالى ms2723 إخبارا عن شعيب عليه ~~السلام {على أن تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] . ولم يذكر ابتداءها # ولأنه تقدير بمدة ليس فيها قربة، فإذا أطلقها، وجب أن تلي السبب الموجب، ~~كمدة السلم والإيلاء، وتفارق النذر؛ فإنه قربة. ### | [فصل لا تتقدر أكثر مدة الإجارة] # فصل: ولا تتقدر أكثر مدة الإجارة، بل تجوز إجارة العين المدة التي تبقى ~~فيها وإن كثرت. وهذا قول كافة أهل العلم. إلا أن أصحاب الشافعي اختلفوا في ~~مذهبه، فمنهم من قال: له قولان؛ أحدهما، كقول سائر أهل العلم. وهو الصحيح. # PageV05P324 # الثاني لا يجوز أكثر من سنة؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر منها. ومنهم من ~~قال: له قول ثالث، أنها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة؛ لأن الغالب أن الأعيان ~~لا تبقى أكثر منها، وتتغير الأسعار والأجر. # ولنا قول الله تعالى إخبارا عن شعيب - عليه السلام -، أنه قال: {على أن ~~تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك} [القصص: 27] ، وشرع من قبلنا ~~شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل. ولأن ما جاز العقد عليه سنة، جاز أكثر ~~منها، كالبيع والنكاح والمساقاة، والتقدير بسنة وثلاثين، تحكم لا دليل ~~عليه، وليس ذلك أولى من التقدير بزيادة عليه أو نقصان منه. وإذا استأجره ~~سنين، لم يحتج إلى تقسيط الأجر على كل سنة، في ظاهر كلام أحمد، كما لو ~~استأجر سنة لم يفتقر إلى تقسيط أجر كل شهر، بالاتفاق. ولو استأجر شهرا، لم ~~يفتقر إلى تقسيط أجر كل يوم # ولأن المنفعة كالأعيان في البيع، ولو اشتملت الصفقة على أعيان، لم يلزمه ~~تقدير ثمن كل عين، كذلك ها هنا. وقال الشافعي، في أحد قوليه كقولنا، وفي ~~الآخر: يفتقر إلى تقسيط أجر كل سنة؛ لأن المنافع تختلف باختلاف السنين، فلا ~~يأمن أن ينفسخ العقد، فلا يعلم بم يرجع. وهذا يبطل بالشهور؛ فإنه لا يفتقر ~~إلى تقسيط الأجر عليها، مع الاحتمال الذي ذكروه. ### | [فصل الإجارة على ضربين] # (4158) فصل: والإجارة على ضربين: أحدهما أن يعقدها على مدة. والثاني أن ~~يعقدها على عمل معلوم، كبناء حائط، وخياطة قميص، ms2724 وحمل إلى موضع معين. فإذا ~~كان المستأجر مما له عمل كالحيوان، جاز فيه الوجهان؛ لأن له عملا تتقدر ~~منافعه به، وإن لم يكن له عمل كالدار والأرض، لم يجز إلا على مدة. ومتى ~~تقدرت المدة، لم يجز تقدير العمل. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي؛ لأن ~~الجمع بينهما يزيدها غررا، لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة، فإن ~~استعمل في بقية المدة، فقد زاد على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان ~~تاركا للعمل في بعض المدة # وقد لا يفرغ من العمل في المدة، فإن أتمه عمل في غير المدة، وإن لم يعمله ~~لم يأت بما وقع عليه العقد، وهذا غرر أمكن التحرز عنه، ولم يوجد مثله في ~~محل الوفاق، فلم يجز العقد معه. # وروي عن أحمد، فيمن اكترى دابة إلى موضع، على أن يدخله في ثلاث، فدخله في ~~ست، فقال: قد أضر به. فقيل: يرجع عليه بالقيمة؟ قال: لا، يصالحه. وهذا يدل ~~على جواز تقديرهما جميعا. وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ لأن الإجارة ~~معقودة على العمل، والمدة مذكورة للتعجيل، فلا يمتنع ذلك # PageV05P325 # فعلى هذا، إذا فرغ العمل قبل انقضاء المدة، لم يلزمه العمل في بقيتها؛ ~~لأنه وفى ما عليه قبل مدته، فلم يلزمه شيء آخر، كما لو قضى الدين قبل أجله، ~~وإن مضت المدة قبل العمل، فللمستأجر فسخ الإجارة؛ لأن الأجير لم يف له ~~بشرطه. وإن رضي بالبقاء عليه، لم يملك الأجير الفسخ، لأن الإخلال بالشرط ~~منه، فلا يكون ذلك وسيلة له إلى الفسخ، كما لو تعذر أداء المسلم فيه في ~~وقته، لم يملك المسلم إليه الفسخ، ويملكه المسلم # فإن اختار إمضاء العقد طالبه بالعمل لا غير،، كالمسلم إذا صبر عند تعذر ~~المسلم فيه إلى حين وجوده. لم يكن له أكثر من المسلم فيه. وإن فسخ العقد ~~قبل عمل شيء من العمل، سقط الأجر والعمل. وإن كان بعد عمل شيء منه، فله أجر ~~مثله؛ لأن العقد قد انفسخ، فسقط المسمى، ورجع إلى أجر المثل. ### | [فصل اكترى ms2725 دابة إلى العشاء فآخر المدة إلى غروب الشمس] # (4159) فصل: ومن اكترى دابة إلى العشاء، فآخر المدة إلى غروب الشمس. ~~وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة، وأبو ثور: آخرها زوال الشمس؛ لأن ~~العشاء آخر النهار، وآخر النهار النصف الآخر من الزوال، ولذلك جاء في حديث ~~ذي اليدين، عن «أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: صلى بنا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي يعني الظهر أو العصر» . هكذا تفسيره. ولنا ~~قول الله تعالى: {ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم} [النور: 58] يعني ~~العتمة. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق على أمتي لأخرت ~~العشاء إلى ثلث الليل» # وإنما تعلق الحكم بغروب الشمس، لأن هذه الصلاة تسمى العشاء الآخرة، فدل ~~على أن الأولى المغرب، وهو في العرف كذلك، فوجب أن يتعلق الحكم به؛ لأن ~~المدة إذا جعلت إلى وقت تعلقت بأوله، كما لو جعلها إلى الليل. وما ذكروه لا ~~يصح؛ لأن لفظ العشي غير لفظ العشاء، فلا يجوز الاحتجاج بأحدهما على الآخر، ~~حتى يقوم دليل على أن معنى اللفظين واحد. ثم لو ثبت أن معناهما واحد، غير ~~أن أهل العرف لا يعرفونه، فلا يتعلق به حكم. وكذلك الحكم فيما إذا اكتراها ~~إلى العشي؛ لأن أهل العرف لا يعرفون غير ما ذكرناه # وإن اكتراها إلى الليل، فهو إلى أوله، وكذلك إن اكتراها إلى النهار، فهو ~~إلى أوله. ويتخرج أن يدخل الليل في المدة الأولى، والنهار في الثانية؛ لما ~~ذكرناه في مدة الخيار، والأول أصح. وإن اكتراها نهارا فهو إلى غروب الشمس. ~~وإن اكتراها ليلة، فهي إلى طلوع الفجر، في قول # PageV05P326 # الجميع؛ لأن الله تعالى قال في ليلة القدر: {سلام هي حتى مطلع الفجر} ~~[القدر: 5] . وقال تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: ~~187] ثم قال: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل} [البقرة: 187] . ### | [فصل اكترى فسطاطا إلى مكة ولم يقل متى أخرج] ms2726 # (4160) فصل: وإن اكترى فسطاطا إلى مكة، ولم يقل متى أخرج، فالكراء فاسد. ~~وبه قال أبو ثور وهو قياس قول الشافعي. وقال أصحاب الرأي: يجوز استحسانا، ~~بخلاف القياس. ولنا أنها مدة غير معلومة الابتداء، فلم يجز، كما لو قال: ~~أجرتك داري من حين يخرج الحاج إلى آخر السنة. وقد اعترفوا بمخالفته للدليل، ~~وما ادعوه دليلا لا نسلم كونه دليلا. ### | [فصل يشترط في عوض الإجارة كونه معلوما] # (4161) فصل: الحكم الثالث أنه يشترط في عوض الإجارة كونه معلوما. لا نعلم ~~في ذلك خلافا؛ وذلك لأنه عوض في عقد معاوضة، فوجب أن يكون معلوما، كالثمن ~~في البيع، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من استأجر ~~أجيرا، فليعلمه أجره» . ويعتبر العلم بالرؤية أو بالصفة كالبيع سواء. فإن ~~كان العوض معلوما بالمشاهدة دون القدر، كالصبرة، احتمل وجهين، أشبههما ~~الجواز؛ لأنه عوض معلوم يجوز به البيع، فجازت به الإجارة، كما لو علم قدره # والثاني: لا يجوز؛ لأنه قد ينفسخ العقد بعد تلف الصبرة، فلا يدري بكم ~~يرجع، فاشترط معرفة قدره كعوض المسلم فيه. والأول أولى. وظاهر كلام الخرقي ~~أن العلم بالقدر في عوض السلم ليس بشرط، ثم الفرق بينهما أن المنفعة ها هنا ~~أجريت مجرى الأعيان؛ لأنها متعلقة بعين حاضرة، والسلم يتعلق بمعدوم، ~~فافترقا، وللشافعي نحو مما ذكرنا في هذا الفصل. ### | [فصل كل ما جاز ثمنا في البيع جاز عوضا في الإجارة] # (4162) فصل: وكل ما جاز ثمنا في البيع، جاز عوضا في الإجارة؛ لأنه عقد ~~معاوضة أشبه البيع. فعلى هذا يجوز أن يكون العوض عينا ومنفعة أخرى، سواء ~~كان الجنس واحدا، كمنفعة دار بمنفعة أخرى، أو مختلفا، كمنفعة دار بمنفعة ~~عبد، قال أحمد: لا بأس أن يكتري بطعام موصوف معلوم. وبهذا كله قال الشافعي، # PageV05P327 # قال الله تعالى إخبارا عن شعيب أنه قال: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ~~هاتين على أن تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] فجعل النكاح عوض الإجارة # وقال أبو حنيفة؛ فيما حكي عنه: لا تجوز إجارة دار بسكنى أخرى، ولا يجوز ms2727 ~~أن يختلف جنس المنفعة، كسكنى دار بمنفعة بهيمة؛ لأن الجنس الواحد عنده يحرم ~~النساء. وكره الثوري الإجارة بطعام موصوف. والصحيح جوازه، وهو قول إسحاق، ~~وأصحاب الرأي، وقياس قول الشافعي؛ لأنه عوض يجوز في البيع، فجاز في ~~الإجارة، كالذهب والفضة. وما قاله أبو حنيفة لا يصح؛ لأن المنافع في ~~الإجارة ليست في تقدير النسيئة، ولو كانت نسيئة ما جاز في جنسين؛ لأنه يكون ~~بيع دين بدين. ### | [فصل استأجر رجلا ليسلخ له بهيمة بجلدها] # (4163) فصل: ولو استأجر رجلا ليسلخ له بهيمة بجلدها، لم يجز؛ لأنه لا ~~يعلم هل يخرج الجلد سليما أو لا، وهل هو ثخين أو رقيق، ولأنه لا يجوز أن ~~يكون ثمنا في البيع، فلا يجوز أن يكون عوضا في الإجارة، كسائر المجهولات. ~~فإن سلخه بذلك، فله أجر مثله. وإن استأجره لطرح ميتة بجلدها، فهو أبلغ في ~~الفساد؛ لأن جلد الميتة نجس لا يجوز بيعه، وقد خرج بموته عن كونه ملكا. وإن ~~فعل، فله أجر مثله أيضا. ### | [فصل استأجر راعيا لغنم بثلث درهما ونسلها وصوفها وشعرها] # (4164) فصل: ولو استأجر راعيا لغنم بثلث درها ونسلها وصوفها وشعرها، أو ~~نصفه، أو جميعه، لم يجز. نص عليه أحمد، في رواية جعفر بن محمد النسائي؛ لأن ~~الأجر غير معلوم، ولا يصلح عوضا في البيع. وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد ~~عن الرجل يدفع البقرة إلى الرجل، على أن يعلفها ويتحفظها، وما ولدت من ولد ~~بينهما. فقال: أكره ذلك # وبه قال أبو أيوب، وأبو خيثمة. ولا أعلم فيه مخالفا؛ وذلك لأن العوض ~~مجهول معدوم، ولا يدرى أيوجد أم لا، والأصل عدمه، ولا يصح أن يكون ثمنا. ~~فإن قيل: فقد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها. قلنا: إنما ~~جاز ثم تشبيها بالمضاربة؛ لأنها عين تنمى بالعمل، فجاز اشتراط جزء من ~~النماء، والمساقاة كالمضاربة، وفي مسألتنا لا يمكن ذلك؛ لأن النماء الحاصل ~~في الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها، فلم يمكن إلحاقه بذلك # وإن استأجره على رعايتها مدة معلومة، بنصفها، أو جزء معلوم ms2728 منها، صح؛ لأن ~~العمل والأجر والمدة معلوم، فصح، كما لو جعل الأجر دراهم، ويكون النماء ~~الحاصل بينهما بحكم الملك، لأنه ملك الجزء المجعول له منها في الحال، فيكون ~~له نماؤه، كما لو اشتراه. ### | [فصل الإجارة إذا تمت وكانت على مدة] # (4165) فصل: الحكم الرابع أن الإجارة إذا تمت، وكانت على مدة، ملك ~~المستأجر المنافع المعقود عليها إلى المدة، ويكون حدوثها على ملكه. وبهذا ~~قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: تحدث على ملك المؤجر، ولا يملكها # PageV05P328 # المستأجر بالعقد؛ لأنها معدومة، فلا تكون مملوكة، كالثمرة والولد. ولنا ~~أن الملك عبارة عن حكم يحصل به تصرف مخصوص، وقد ثبت أن هذه المنفعة ~~المستقبلة كان مالك العين يتصرف فيها كتصرفه في العين، فلما أجرها صار ~~المستأجر مالكا للتصرف فيها، كما كان يملكه المؤجر، فثبت أنها كانت مملوكة ~~لمالك العين، ثم انتقلت إلى المستأجر، بخلاف الولد والثمرة، فإن المستأجر ~~لا يملك التصرف فيها. وقولهم: إن المنافع معدومة # قلنا: هي مقدرة الوجود؛ لأنها جعلت موردا للعقد، والعقد لا يرد إلا على ~~موجود. ### | [فصل المؤجر يملك الأجرة بمجرد العقد] # (4166) فصل: الحكم الخامس، أن المؤجر يملك الأجرة بمجرد العقد، إذا أطلق ~~ولم يشترط المستأجر أجلا، كما يملك البائع الثمن بالبيع. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يملكها بالعقد، فلا يستحق المطالبة بها ~~إلا يوما بيوم، إلا أن يشترط تعجيلها. قال أبو حنيفة: إلا أن تكون معينة، ~~كالثوب والعبد والدار؛ لأن الله تعالى قال: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ~~[الطلاق: 6] # فأمر بإيتائهن بعد الإرضاع، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة ~~أنا خصمهم يوم القيامة، رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره» . ~~فتوعد على الامتناع من دفع الأجر بعد العمل. فدل على أنها حالة الوجوب. ~~وروي عنه عليه السلام أنه قال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» . رواه ~~ابن ماجه، ولأنه عوض لم يملك معوضه، فلم يجب تسليمه، كالعوض في العقد ~~الفاسد، فإن المنافع معدومة لم تملك، ولو ملكت فلم يتسلمها، لأنه يتسلمها ~~شيئا فشيئا # فلا يجب ms2729 عليه العوض مع تعذر التسليم في العقد. ولنا أنه عوض أطلق ذكره في ~~عقد معاوضة، فيستحق بمطلق العقد، كالثمن والصداق. أو نقول عوض في عقد يتعجل ~~بالشرط، فوجب أن يتعجل بمطلق العقد، كالذي ذكرنا. فأما الآية فيحتمل أنه ~~أراد الإيتاء عند الشروع في الإرضاع، أو تسليم نفسها، كما قال تعالى: {فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] . أي إذا أردت ~~القراءة. ولأن هذا تمسك بدليل الخطاب، ولا يقولون به، وكذلك الحديث، يحققه ~~أن الأمر بالإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله، كقوله: {فما استمتعتم به ~~منهن فآتوهن أجورهن} [النساء: 24] # والصداق يجب قبل الاستمتاع، وهذا هو الجواب عن الحديث، ويدل عليه أنه ~~إنما # PageV05P329 # توعد على ترك الإيفاء بعد الفراغ من العمل، وقد قلتم: تجب الأجرة شيئا ~~فشيئا. ويحتمل أنه توعده على ترك الإيفاء في الوقت الذي تتوجه المطالبة فيه ~~عادة. جواب آخر، أن الآية والأخبار إنما وردت في من استؤجر على عمل، فأما ~~ما وقعت الإجارة فيه على مدة، فلا تعرض لها به، وأما إذا كانت الإجارة على ~~عمل، فإن الأجر يملك بالعقد أيضا، لكن لا يستحق تسليمه إلا عند تسليم ~~العمل. قال ابن أبي موسى: من استؤجر لعمل معلوم، استحق الأجر عند إيفاء ~~العمل، وإن استؤجر في كل يوم بأجر معلوم، فله أجر كل يوم عند تمامه. وقال ~~أبو الخطاب: الأجر يملك بالعقد، ويستحق بالتسليم، ويستقر بمضي المدة، وإنما ~~توقف استحقاق تسليمه على العمل؛ لأنه عوض، فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم ~~المعوض، كالصداق والثمن في المبيع، وفارق الإجارة على الأعيان؛ لأن تسليمها ~~جرى مجرى تسليم نفعها، ومتى كان على منفعة في الذمة، لم يحصل تسليم ~~المنفعة، ولا ما يقوم مقامها، فتوقف استحقاق تسليم الأجر على تسليم العمل # وقولهم: لم يملك المنافع. قد سبق الجواب عنه. فإن قيل: فإن المؤجر إذا ~~قبض الأجر، انتفع به كله، بخلاف المستأجر، فإنه لا يحصل له استيفاء المنفعة ~~كلها. قلنا: لا يمتنع هذا، كما لو شرطا التعجيل، أو كان الثمن عينا. ### | [فصل ms2730 إذا شرط تأجيل الأجر فهو إلى أجله] # (4167) فصل: الحكم السادس، أنه إذا شرط تأجيل الأجر، فهو إلى أجله، وإن ~~شرطه منجما يوما يوما، أو شهرا شهرا، أو أقل من ذلك أو أكثر، فهو على ما ~~اتفقا عليه؛ لأن إجارة العين كبيعها، وبيعها يصح بثمن حال أو مؤجل، فكذلك ~~إجارتها. ### | [فصل إذا استوفى المستأجر المنافع] # (4168) فصل: وإذا استوفى المستأجر المنافع، استقر الأجر؛ لأنه قبض ~~المعقود عليه، فاستقر عليه البدل، كما لو قبض المبيع. وإن سلمت إليه العين ~~التي وقعت الإجارة عليها، ومضت المدة، ولا حاجز له عن الانتفاع، استقر ~~الأجر وإن لم ينتفع؛ لأن المعقود عليه تلف تحت يده، وهي حقه، فاستقر عليه ~~بدلها، كثمن المبيع إذا تلف في يد المشتري. وإن كانت الإجارة على عمل، ~~فتسلم المعقود عليه، ومضت مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها، مثل أن يكتري ~~دابة ليركبها إلى حمص، فقبضها، ومضت مدة يمكن ركوبها فيها، فقال أصحابنا: ~~يستقر عليه الأجر # وهو مذهب الشافعي؛ لأن المنافع تلفت تحت يده باختياره، فاستقر الضمان ~~عليه، كما لو تلفت العين في يد المشتري، وكما لو كانت الإجارة على مدة ~~فمضت. وقال أبو حنيفة: لا يستقر الأجر عليه حتى يستوفي المنفعة؛ لأنه عقد ~~على منفعة غير مؤقتة بزمن، فلم # PageV05P330 # يستقر بدلها قبل استيفائها، كالأجر للأجير المشترك. فإن بذل تسليم العين، ~~فلم يأخذها المستأجر حتى انقضت المدة استقر الأجر عليه؛ لأن المنافع تلفت ~~باختياره في مدة الإجارة، فاستقر عليه الأجر، كما لو كانت في يده # وإن بذل تسليم العين، وكانت الإجارة على عمل، فقال أصحابنا: إذا مضت مدة ~~يمكن الاستيفاء فيها، استقر عليه الأجر. وبهذا قال الشافعي؛ لأن المنافع ~~تلفت باختياره. وقال أبو حنيفة: لا أجر عليه. وهو أصح عندي؛ لأنه عقد على ~~ما في الذمة، فلم يستقر عوضه ببذل التسليم، كالمسلم فيه، ولأنه عقد على ~~منفعة غير مؤقتة بزمن، فلم يستقر عوضها بالبذل، كالصداق إذا بذلت تسليم ~~نفسها وامتنع الزوج من أخذها # وإن كان هذا في إجارة فاسدة، ففيما إذا عرضها على المستأجر ms2731 فلم يأخذها لا ~~أجر عليه؛ لأنها لم تتلف تحت يده، ولا في ملكه. وإن قبضها، ومضت المدة أو ~~مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها أو لا يمكن، فعن أحمد روايتان إحداهما عليه ~~أجر المثل لمدة بقائها في يده، وهو قول الشافعي؛ لأن المنافع تلفت تحت يده ~~بعوض لم يسلم له، فرجع إلى قيمتها، كما لو استوفاها. والثانية، لا شيء له. ~~وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه عقد فاسد على منافع لم يستوفها، فلم يلزمه عوضها، ~~كالنكاح الفاسد، وإن استوفى المنفعة في العقد الفاسد، فعليه أجر المثل. وبه ~~قال مالك، والشافعي # وقال أبو حنيفة: يجب أقل الأمرين، من المسمى أو أجر المثل، بناء منه على ~~أن المنافع لا تضمن إلا بالعقد. ولنا أن ما ضمن بالمسمى في العقد الصحيح ~~وجب ضمانه بجميع القيمة في الفاسد، كالأعيان. وما ذكره لا نسلمه. والله ~~أعلم. ### | [مسألة إذا وقعت الإجارة على كل شهر بشيء معلوم] # (4169) مسألة قال: (وإذا وقعت الإجارة على كل شهر بشيء معلوم، لم يكن ~~لواحد منهما الفسخ، إلا عند تقضي كل شهر) . وجملة ذلك أنه إذا قال: أجرتك ~~هذا كل شهر بدرهم. فاختلف أصحابنا، فذهب القاضي إلى أن الإجارة صحيحة. وهو ~~المنصوص عن أحمد، في رواية ابن منصور، واختيار الخرقي، إلا أن الشهر الأول ~~تلزم الإجارة فيه بإطلاق العقد؛ لأنه معلوم يلي العقد، وله أجر معلوم، وما ~~بعده من الشهور يلزم العقد فيه بالتلبس به، وهو السكنى في الدار إن كانت ~~الإجارة على دار؛ لأنه مجهول حال العقد. # فإذا تلبس به، تعين بالدخول فيه، فصح بالعقد الأول، وإن لم يتلبس به، أو ~~فسخ العقد عند انقضاء الأول انفسخ. وكذلك حكم كل شهر يأتي. وهذا مذهب أبي ~~ثور، وأصحاب الرأي. وحكي عن مالك نحو هذا، إلا أن الإجارة لا تكون لازمة ~~عنده؛ لأن المنافع متقدرة بتقدير الأجر، فلا يحتاج إلى ذكر المدة إلا في # PageV05P331 # اللزوم. واختار أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، وأبو عبد الله بن حامد، أن ~~العقد باطل. وهو قول الثوري، والصحيح من ms2732 قولي الشافعي؛ لأن كل اسم للعدد، ~~فإذا لم يقدره كان مبهما مجهولا، فيكون فاسدا، كما لو قال: أجرتك مدة أو ~~شهرا # وحمل أبو بكر وابن حامد كلام أحمد في هذا على أن الإجارة وقعت على أشهر ~~معينة. ووجه الأول «، أن عليا - رضي الله عنه - استقى لرجل من اليهود كل ~~دلو بتمرة، وجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يأكل منه قال علي: ~~كنت أدلو الدلو بتمرة وأشترطها جلدة» . وعن «رجل من الأنصار أنه قال ~~ليهودي: أسقي نخلك؟ قال: نعم، كل دلو بتمرة. واشترط الأنصاري أن لا يأخذها ~~خدرة ولا تارزة ولا حشفة، ولا يأخذ إلا جلدة. فاستقى بنحو من صاعين، فجاء ~~به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -» . رواهما ابن ماجه في " سننه ". وهو ~~نظير مسألتنا # ولأن شروعه في كل شهر مع ما تقدم في العقد من الاتفاق على تقدير أجره ~~والرضى ببذله به جرى مجرى ابتداء العقد عليه، وصار كالبيع بالمعاطاة، إذا ~~جرى من المساومة ما دل على التراضي بها. فعلى هذا، متي ترك التلبس به في ~~شهر، لم تثبت الإجارة فيه؛ لعدم العقد. وإن فسخ، فكذلك، وليس بفسخ في ~~الحقيقة؛ لأن العقد في الشهر الثاني ما ثبت. فأما أبو حنيفة، فذهب إلى ~~أنهما إذا تلبسا بالشهر الثاني فقد اتصل القبض بالعقد الفاسد. وهو عذر غير ~~صحيح؛ لأن العقد الفاسد في الأعيان لا يلزم بالقبض، ولا يضمن بالمسمى، ثم ~~لم يحصل القبض ها هنا إلا فيما استوفاه # وقول مالك لا يصح؛ لأن الإجارة من العقود اللازمة، فلا يجوز أن تكون ~~جائزة. ### | [فصل قال أجرتك داري عشرين شهرا كل شهر بدرهم] # (4170) فصل: إذا قال: أجرتك داري عشرين شهرا، كل شهر بدرهم جاز، بغير ~~خلاف نعلمه؛ لأن المدة معلومة، وأجرها معلوم، وليس لواحد منهما فسخ بحال؛ ~~لأنها مدة واحدة، فأشبه ما لو قال: آجرتك عشرين شهرا، بعشرين درهما. وإن ~~قال: أجرتكها شهرا بدرهم، وما زاد فبحساب ذلك صح في الشهر الأول، لأنه ~~أفرده بالعقد، وبطل في الزائد؛ لأنه مجهول. ويحتمل ms2733 أن يصح في كل شهر تلبس ~~به، كما لو قال: أجرتكها كل شهر بدرهم. لأن معناهما واحد # ولو قال: أجرتكها هذا الشهر بدرهم. وكل شهر بعد ذلك بدرهم. أو قال: ~~بدرهمين. صح في الأول، وفيما بعده وجهان. ### | [فصل الإجارة عقد لازم من الطرفين] # (4171) فصل: والإجارة عقد لازم من الطرفين، ليس لواحد منهما فسخها. وبهذا ~~قال مالك، والشافعي، وأصحاب # PageV05P332 # الرأي؛ وذلك لأنها عقد معاوضة، فكان لازما، كالبيع، ولأنها نوع من البيع، ~~وإنما اختصت باسم كما اختص الصرف والسلم باسم، وسواء كان له عذر أو لم يكن. ~~وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يجوز ~~للمكتري فسخها لعذر في نفسه، مثل أن يكتري جملا ليحج عليه، فيمرض، فلا ~~يتمكن من الخروج، أو تضيع نفقته، أو يكتري دكانا للبز، فيحترق متاعه، وما ~~أشبه هذا؛ لأن العذر يتعذر معه استيفاء المنفعة المعقود عليها، فملك به ~~الفسخ كما لو استأجر عبدا فأبق # ولنا أنه عقد لا يجوز فسخه مع استيفاء المنفعة المعقود عليها لغير عذر، ~~فلم يجز لعذر في غير المعقود عليه، كالبيع، ولأنه لو جاز فسخه لعذر ~~المكتري، لجاز لعذر المكري، تسوية بين المتعاقدين. ودفعا للضرر عن كل واحد ~~من العاقدين، ولم يجز ثم، فلا يجوز ها هنا، ويفارق الإباق، فإنه عذر في ~~المعقود عليه. ### | [مسألة استأجر عقارا مدة بعينها] # (4172) مسألة قال: (ومن استأجر عقارا مدة بعينها، فبادله قبل تقضيها، فقد ~~لزمته الأجرة كاملة) وجملته أن الإجارة عقد لازم يقتضي تمليك المؤجر الأجر، ~~والمستأجر المنافع، فإذا فسخ المستأجر الإجارة قبل انقضاء مدتها، وترك ~~الانتفاع اختيارا منه، لم تنفسخ الإجارة، والأجر لازم له، ولم يزل ملكه عن ~~المنافع، كما لو اشترى شيئا وقبضه ثم تركه. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ~~رجل اكترى بعيرا، فلما قدم المدينة، قال له: فاسخني. قال: ليس ذلك له، قد ~~لزمه الكراء. قلت: فإن مرض المستكري بالمدينة؟ فلم يجعل له فسخا؛ وذلك لأنه ~~عقد لازم بين الطرفين، فلم يملك أحد المتعاقدين فسخه. وإن فسخه، لم يسقط ~~العوض ms2734 الواجب عليه، كالبيع. ### | [فصل إباحة إجارة العقار] # (4173) فصل: ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة إجارة العقار، قال ابن ~~المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن استئجار المنازل والدواب ~~جائز. ولا تجوز إجارتها إلا في مدة معينة معلومة، ولا بد من مشاهدته ~~وتحديده، فإنه لا يصير معلوما إلا بذلك، ولا يجوز إطلاقه، ولا وصفه. وبهذا ~~قال الشافعي. وقال أبو ثور: إذا ضبط بالصفة، أجزأ. وقال أصحاب الرأي: له ~~خيار الرؤية، كقولهم في البيع # ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على البيع، والخلاف ها هنا مبني على الخلاف في ~~البيع، ولم يكتف بالصفة؛ لأنه لا يصير معلوما إلا بالرؤية، كما لا يعلم في ~~البيع إلا بذلك. فإن كان دارا أو حماما، احتاج إلى مشاهدة البيوت؛ لأن ~~الغرض يختلف بصغرها وكبرها ومرافقها، ومشاهدة قدر الحمام ليعلم كبرها من ~~صغرها، ومعرفة ماء الحمام إما من قناة أو بئر، فإن كان من بئر احتاج إلى ~~مشاهدتها؛ ليعلم عمقها ومؤنة استسقاء الماء # PageV05P333 # منها، ومشاهدة الأتون، ومطرح الرماد، وموضع الزبل، ومصرف ماء الحمام، ~~فمتى أخل بهذا أو بعضه، لم تصح؛ للجهالة بما يختلف الغرض به. ### | [فصل كراء الحمام] # (4174) فصل: وكره أحمد كراء الحمام. وسئل عن كرائه، فقال: أخشى. فقيل له: ~~إذا شرط على المكتري أن لا يدخله أحد بغير إزار. فقال: ومن يضبط هذا؟ وكأنه ~~لم يعجبه. قال ابن حامد: هذا على طريق الكراهة تنزيها لا تحريما؛ لأنه تبدو ~~فيه عورات الناس، فتحصل الإجارة على فعل محظور، فكرهه لذلك، فأما العقد ~~فصحيح. وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من ~~أهل العلم، أن كراء الحمام جائز، إذا حدده، وذكر جميع آلته شهورا مسماة # وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأن المكتري إنما يأخذ ~~الأجر عوضا عن دخول الحمام والاغتسال بمائه، وأحوال المسلمين محمولة على ~~السلامة، وإن وقع من بعضهم فعل ما لا يجوز، لم يحرم الأجر المأخوذ منه، كما ~~لو اكترى دارا ليسكنها، فشرب فيها ms2735 خمرا. ### | [مسألة لا يتصرف مالك العقار فيه إلا عند تقضي المدة] # (4175) مسألة قال: (ولا يتصرف مالك العقار فيه إلا عند تقضي المدة) ~~وجملته أن المستأجر يملك المنافع بالعقد، كما يملك المشتري المبيع بالبيع، ~~ويزول ملك المؤجر عنها، كما يزول ملك البائع عن المبيع، فلا يجوز له التصرف ~~فيها؛ لأنها صارت مملوكة لغيره، كما لا يملك البائع التصرف في المبيع، فإن ~~تصرف فيها نظرنا؛ فإن كان ذلك في حال بدا للمستأجر قبل تقضي المدة مثل أن ~~يكتري دارا سنة فيسكنها شهرا ويتركها، فيسكنها المالك بقية السنة، أو ~~يؤجرها لغيره، احتمل أن ينفسخ العقد فيما استوفاه المالك؛ لأنه يتصرف فيه ~~قبل قبض المكتري له، فأشبه ما لو تلف المكيل قبل تسليمه، وسلم باقيه # فعلى هذا، إن تصرف المالك في بعض المدة دون بعض، انفسخ العقد في قدر ما ~~تصرف فيه دون ما لم يتصرف فيه، ويكون على المستأجر ما بقي، فلو سكن ~~المستأجر شهرا، وتركها شهرا، وسكن المالك عشرة أشهر، لزم المستأجر أجر ~~شهرين. وإن سكنها شهرا، وسكن المالك شهرين، ثم تركها، فعلى المستأجر أجر ~~عشرة أشهر. ويحتمل أن يلزم المستأجر أجر جميع المدة، وله على المالك أجر ~~المثل لما سكن أو تصرف فيه بقسط ذلك مما على المستأجر من الأجر، ويلزمه ~~الباقي؛ لأنه تصرف فيما ملكه المستأجر عليه غير إذنه، فأشبه ما لو تصرف في ~~المبيع بعد قبض المشتري له، وقبض الدار ها هنا قام مقام قبض المنافع، بدليل ~~أنه يملك التصرف في المنافع بالسكنى والإجارة وغيرها # PageV05P334 # فعلى هذا، لو كان أجر المثل الواجب على المالك بقدر المسمى في العقد، لم ~~يجب على المستأجر شيء، وإن فضلت منه فضلة، لزم المالك أداؤها إلى المستأجر، ~~والأول أولى، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وإن تصرف المالك قبل تسليم العين، أو ~~امتنع من تسليمها حتى انقضت مدة الإجارة، انفسخت الإجارة، وجها واحدا؛ لأن ~~العاقد قد أتلف المعقود عليه قبل تسليمه، فانفسخ العقد، كما لو باعه طعاما ~~فأتلفه قبل تسليمه. وإن سلمها إليه في أثناء المدة ms2736 انفسخت فيما مضى، ويجب ~~أجر الباقي بالحصة، كالمبيع إذا سلم بعضه وأتلف بعضا. ### | [مسألة إن حوله المالك قبل تقضي المدة لم يكن له أجر لما سكن] # (4176) مسألة قال: (فإن حوله المالك قبل تقضي المدة، لم يكن له أجر لما ~~سكن) يعني إذا استأجر عقارا مدة، فسكنه بعض المدة، ثم أخرجه المالك، ومنعه ~~تمام السكنى، فلا شيء له من الأجرة. وقال أكثر الفقهاء: له أجر ما سكن؛ ~~لأنه استوفى ملك غيره على سبيل المعاوضة، فلزمه عوضه كالمبيع إذا استوفى ~~بعضه، ومنعه المالك بقيته، كما لو تعذر استيفاء الباقي لأمر غالب. ولنا أنه ~~لم يسلم إليه ما عقد الإجارة عليه، فلم يستحق شيئا، كما لو استأجره ليحمل ~~له كتابا إلى موضع، فحمله بعض الطريق، أو استأجره ليحفر له عشرين ذراعا # فحفر له عشرا، وامتنع من حفر الباقي. وقياس الإجارة على الإجارة أولى من ~~قياسها على البيع. ويفارق ما إذا امتنع لأمر غالب؛ لأن له عذرا. # والحكم في من اكترى دابة، فامتنع المكري من تسليمها في بعض المدة، أو أجر ~~نفسه أو عبده للخدمة مدة، وامتنع من إتمامها، أو أجر نفسه لبناء حائط، أو ~~خياطة، أو حفر بئر، أو حمل شيء إلى مكان، وامتنع من إتمام العمل، كالحكم في ~~العقار يمتنع من تسليمه، وأنه لا يستحق شيئا؛ لما ذكرنا. ### | [فصل هرب الأجير أو شردت الدابة] # (4177) فصل: إذا هرب الأجير، أو شردت الدابة، أو أخذ المؤجر العين وهرب ~~بها، أو منعه استيفاء المنفعة منها من غير هرب، لم تنفسخ الإجارة، لكن يثبت ~~للمستأجر خيار الفسخ؛ فإن فسخ، فلا كلام، وإن لم يفسخ، انفسخت الإجارة بمضي ~~المدة يوما فيوما. فإن عادت العين في أثناء المدة، استوفى ما بقي منها. فإن ~~انقضت المدة، انفسخت الإجارة؛ لفوات المعقود عليه. وإن كانت الإجارة على ~~موصوف في الذمة، كخياطة ثوب، أو بناء حائط، أو حمل إلى موضع معين، استؤجر ~~من ماله من يعمله، كما لو أسلم إليه في شيء فهرب، ابتيع من ماله # فإن لم يمكن، ثبت للمستأجر الفسخ. ms2737 فإن فسخ، # PageV05P335 # فلا كلام، وإن لم يفسخ، وصبر إلى أن يقدر عليه، فله مطالبته بالعمل؛ لأن ~~ما في الذمة لا يفوت بهربه. وكل موضع امتنع الأجير من العمل فيه، أو منع ~~المؤجر المستأجر من الانتفاع إذا كان بعد عمل البعض فلا أجر له فيه، على ما ~~سبق، إلا أن يرد العين قبل انقضاء المدة، أو يتم العمل إن لم يكن على مدة ~~قبل فسخ المستأجر، فيكون له أجر ما عمل. فأما إن شردت الدابة، أو تعذر ~~استيفاء المنفعة بغير فعل المؤجر، فله من الأجر بقدر ما استوفى بكل حال. ### | [مسألة جاء أمر غالب يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد] # (4178) مسألة قال: (فإن جاء أمر غالب، يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع ~~عليه العقد، لزمه من الأجر بمقدار مدة انتفاعه) وجملته أن من استأجر عينا ~~مدة، فحيل بينه وبين الانتفاع بها، لم يخل من أقسام ثلاثة: أحدها أن تتلف ~~العين، كدابة تنفق، أو عبد يموت، فذلك على ثلاثة أضرب: أحدها أن تتلف قبل ~~قبضها، فإن الإجارة تنفسخ بغير خلاف نعلمه؛ لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه، ~~فأشبه ما لو تلف الطعام المبيع قبل قبضه. والثاني أن تتلف عقيب قبضها، فإن ~~الإجارة تنفسخ أيضا، ويسقط الأجر في قول عامة الفقهاء، إلا أبا ثور حكي عنه ~~أنه قال: يستقر الأجر؛ لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه، أشبه المبيع # وهذا غلط؛ لأن المعقود عليه المنافع، وقبضها باستيفائها، أو التمكن من ~~استيفائها، ولم يحصل ذلك، فأشبه تلفها قبل قبض العين. الثالث أن تتلف بعد ~~مضي شيء من المدة، فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة دون ما مضى، ويكون ~~للمؤجر من الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة. قال أحمد، في رواية إبراهيم بن ~~الحارث: إذا اكترى بعيرا بعينه، فنفق البعير، يعطيه بحساب ما ركب. وذلك لما ~~ذكرنا من أن المعقود عليه المنافع، وقد تلف بعضها قبل قبضه، فبطل العقد ~~فيما تلف دون ما قبض، كما لو اشترى صبرتين، فقبض إحداهما، وتلفت الأخرى قبل ms2738 ~~قبضها، ثم ننظر؛ فإن كان أجر المدة متساويا، فعليه بقدر ما مضى # إن كان قد مضى النصف، فعليه نصف الأجر، وإن كان قد مضى الثلث، فعليه ~~الثلث، كما يقسم الثمن على المبيع المتساوي. وإن كان مختلفا، كدار أجرها في # PageV05P336 # الشتاء أكثر من أجرها في الصيف، وأرض أجرها في الصيف أكثر من الشتاء، أو ~~دار لها موسم، كدور مكة، رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة، ويقسط الأجر المسمى ~~على حسب قيمة المنفعة، كقسمة الثمن على الأعيان المختلفة في البيع. وكذلك ~~لو كان الأجر على قطع مسافة، كبعير استأجره على حمل شيء إلى مكان معين، ~~وكانت متساوية الأجزاء أو مختلفة. وهذا ظاهر مذهب الشافعي. ### | [فصل أن يحدث على العين المؤجرة ما يمنع نفعها] # (4179) فصل: القسم الثاني أن يحدث على العين ما يمنع نفعها، كدار انهدمت، ~~وأرض غرقت، أو انقطع ماؤها، فهذه ينظر فيها؛ فإن لم يبق فيها نفع أصلا، فهي ~~كالتالفة سواء، وإن بقي فيها نفع غير ما استأجرها له، مثل أن يمكن الانتفاع ~~بعرصة الدار والأرض لوضع حطب فيها، أو نصب خيمة في الأرض التي استأجرها ~~للزرع، أو صيد السمك من الأرض التي غرقت، انفسخت الإجارة أيضا؛ لأن المنفعة ~~التي وقع عليها العقد تلفت، فانفسخت الإجارة، كما لو استأجر دابة ليركبها، ~~فزمنت بحيث لا تصلح إلا لتدور في الرحى. وقال القاضي، في الأرض التي ينقطع ~~ماؤها: لا تنفسخ الإجارة فيها # وهو منصوص الشافعي؛ لأن المنفعة لم تبطل جملة؛ لأنه يمكن الانتفاع بعرصة ~~الأرض بنصب خيمة، أو جمع حطب فيها، فأشبه ما لو نقص نفعها مع بقائه. فعلى ~~هذا يخير المستأجر بين الفسخ والإمضاء؛ فإن فسخ فحكمه حكم العبد إذا مات، ~~وإن اختار إمضاء العقد، فعليه جميع الأجر؛ لأن ذلك عيب، فإذا رضي به، سقط ~~حكمه. فإن لم يختر الفسخ ولا الإمضاء، إما لجهله بأن له الفسخ، أو لغير ~~ذلك، فله الفسخ بعد ذلك. والأول أصح، لأن بقاء غير المعقود عليه لا يمنع ~~انفساخ العقد بتلف المعقود عليه، كما في البيع # ولو ms2739 كان النفع الباقي في الأعيان مما لا يباح استيفاؤه بالعقد، كدابة ~~استأجرها للركوب فصارت لا تصلح إلا للحمل، أو بالعكس، انفسخ العقد. وجها ~~واحدا؛ لأن المنفعة الباقية لا يملك استيفاؤها مع سلامتها، فلا يملكها مع ~~تعيبها كبيعها. وأما إن أمكن الانتفاع بالعين فيما اكتراها له، على نعت من ~~القصور، مثل أن يمكنه زرع الأرض بغير ماء، أو كان الماء ينحسر عن الأرض ~~التي غرقت على وجه يمنع بعض الزراعة أو يسوء الزرع، أو كان يمكنه سكنى ساحة ~~الدار، إما في خيمة أو غيرها، لم تنفسخ الإجارة؛ لأن المنفعة المعقود عليها ~~لم تزل بالكلية، فأشبه ما لو تعيبت، وللمستأجر خيار الفسخ على ما ذكرنا، ~~إلا في الدار إذا انهدمت، فإن فيها وجهين # PageV05P337 # أحدهما لا تنفسخ الإجارة، # والثاني تنفسخ؛ لأنه زال اسمها بهدمها، وذهبت المنفعة التي تقصد منها، ~~ولذلك لا يستأجر أحد عرصة دار ليسكنها. فأما إن كان الحادث في العين لا ~~يضرها، كغرق الأرض بماء ينحسر في قرب من الزمان لا يمنع الزرع ولا يضره، ~~وانقطاع الماء عنها إذا ساق المؤجر إليها ماء من مكان آخر، أو كان انقطاعه ~~في زمن لا يحتاج إليه فيه، فليس للمستأجر الفسخ لأن هذا ليس بعيب. وإن حدث ~~الغرق المضر، أو انقطاع الماء، أو انهدم بعض العين المستأجرة فلذلك البعض ~~حكم نفسه في الفسخ أو ثبوت الخيار، وللمكتري الخيار في تبقية العين؛ لأن ~~الصفقة تبعضت عليه # فإن اختار الإمساك، أمسك بالحصة من الأجر، كما إذا تلف أحد القفيزين من ~~الطعام في يد البائع. ### | [فصل أن تغصب العين المستأجرة] # (4180) فصل: القسم الثالث أن تغصب العين المستأجرة، فللمستأجر الفسخ؛ لأن ~~فيه تأخير حقه، فإن فسخ، فالحكم فيه كما لو انفسخ العقد بتلف العين سواء، ~~وإن لم يفسخ حتى انقضت مدة الإجارة، فله الخيار بين الفسخ والرجوع بالمسمى، ~~وبين البقاء على العقد ومطالبة الغاصب بأجر المثل؛ لأن المعقود عليه لم يفت ~~مطلقا، بل إلى بدل، وهو القيمة، فأشبه ما لو أتلف الثمرة المبيعة آدمي قبل ~~قطعها، ويتخرج انفساخ ms2740 العقد بكل حال، على الرواية التي تقول: إن منافع ~~الغصب لا تضمن. وهو قول أصحاب الرأي # ولأصحاب الشافعي في ذلك اختلاف. وإن ردت العين في أثناء المدة، ولم يكن ~~فسخ استوفى ما بقي منها، ويكون فيما مضى من المدة مخيرا، كما ذكرنا. وإن ~~كانت الإجارة على عمل كخياطة ثوب، أو حمل شيء إلى موضع معين، فغصب جمله ~~الذي يحمل عليه، وعبده الذي يخيط له، لم ينفسخ العقد، وللمستأجر مطالبة ~~الأجير بعوض المغصوب، وإقامة من يعمل العمل؛ لأن العقد على ما في الذمة، ~~كما لو وجد بالمسلم فيه عيبا، فرده، فإن تعذر البدل، ثبت للمستأجر الخيار ~~بين الفسخ أو الصبر إلى أن يقدر على العين المغصوبة، فيستوفي منها # (4181) فصل: القسم الرابع، أن يتعذر استيفاء المنفعة من العين بفعل صدر ~~منها، مثل أن يأبق العبد، أو تشرد الدابة، وقد ذكرنا حكم ذلك فيما قبل هذا. ### | [فصل أن يحدث خوف عام يمنع من سكنى ذلك المكان الذي فيه العين المستأجرة] # (4182) فصل: القسم الخامس أن يحدث خوف عام، يمنع من سكنى ذلك المكان الذي ~~فيه العين المستأجرة، # PageV05P338 # أو تحصر البلد، فيمتنع الخروج إلى الأرض المستأجرة للزرع، ونحو ذلك، فهذا ~~يثبت للمستأجر خيار الفسخ؛ لأنه أمر غالب يمنع المستأجر استيفاء المنفعة، ~~فأثبت الخيار، كغصب العين. ولو استأجر دابة ليركبها، أو يحمل عليها إلى ~~مكان معين، فانقطعت الطريق إليه لخوف حادث، أو اكترى إلى مكة، فلم يحج ~~الناس ذلك العام من تلك الطريق، فلكل واحد منهما فسخ الإجارة. وإن أحب ~~إبقاءها إلى حين إمكان استيفاء المنفعة جاز؛ لأن الحق لهما، لا يعدوهما # فأما إن كان الخوف خاصا بالمستأجر، مثل أن يخاف وحده لقرب أعدائه من ~~الموضع المستأجر، أو حلولهم في طريقه، لم يملك الفسخ؛ لأنه عذر يختص به، لا ~~يمنع استيفاء المنفعة بالكلية، فأشبه مرضه. وكذلك لو حبس، أو مرض، أو ضاعت ~~نفقته، أو تلف متاعه، لم يملك فسخ الإجارة لذلك؛ لأنه ترك استيفاء المنافع ~~لمعنى من جهته، فلم يمنع ذلك وجوب أجرها عليه، كما لو ms2741 تركها اختيارا. ### | [فصل اكترى عينا فوجد بها عيبا لم يكن علم به] # (4183) فصل: وإذا اكترى عينا، فوجد بها عيبا لم يكن علم به، فله فسخ ~~العقد، بغير خلاف نعلمه. قال ابن المنذر: إذا اكترى دابة بعينها، فوجدها ~~جموحا، أو عضوضا، أو نفورا، أو بها عيب غير ذلك مما يفسد ركوبها، فللمكتري ~~الخيار، إن شاء ردها وفسخ الإجارة، وإن شاء أخذها. وهذا قول أبي ثور، ~~وأصحاب الرأي، ولأنه عيب في المعقود عليه، فأثبت الخيار، كالعيب في بيوع ~~الأعيان. والعيب الذي يرد به ما تنقص به قيمة المنفعة كتعثر الظهر في ~~المشي، والعرج الذي يتأخر به عن القافلة، وربض البهيمة بالحمل، وكونها ~~جموحة أو عضوضة، وأشباه ذلك # وفي المكترى للخدمة؛ ضعف البصر، والجنون، والجذام، والبرص، وفي الدار ~~انهدام الحائط، والخوف من سقوطها، وانقطاع الماء من بئرها، أو تغيره بحيث ~~يمتنع الشرب والوضوء، وأشباه ذلك من النقائص، ومتى حدث شيء من هذه العيوب ~~بعد العقد، ثبت للمكتري خيار الفسخ؛ لأن المنافع لا يحصل قبضها إلا شيئا ~~فشيئا، فإذا حدث العيب، فقد وجد قبل قبض الباقي من المعقود عليه، فأثبت ~~الفسخ فيما بقي منها، ومتى فسخ، فالحكم فيه كما لو انفسخ العقد بتلف العين. ~~وإن رضي المقام ولم يفسخ، لزمه جميع العوض؛ لأنه رضي به ناقصا، فأشبه ما لو ~~رضي بالمبيع معيبا. وإن اختلفا في الموجود، هل هو عيب أو لا رجع فيه إلى ~~أهل الخبرة، فإن قالوا: ليس بعيب # مثل أن تكون الدابة خشنة المشي، أو أنها تتعب راكبها لكونها لا تركب ~~كثيرا، فليس له فسخ. وإن قالوا: هو عيب. فله الفسخ. هذا إذا كان العقد ~~يتعلق بعينها، فأما إن كانت موصوفة في الذمة، لم ينفسخ العقد، وعلى المكري ~~إبدالها؛ لأن العقد لم يتعلق بعينها، # PageV05P339 # أشبه المسلم فيه إذا سلمه على غير صفته. فإن عجز عن إبدالها، أو امتنع ~~منه، ولم يمكن إجباره عليه، فللمكتري الفسخ أيضا. ### | [فصل على المكري ما يتمكن به من الانتفاع] # (4184) فصل: وعلى المكري ما يتمكن به من الانتفاع، ms2742 كتسليم مفاتيح الدار ~~والحمام؛ لأن عليه التمكين من الانتفاع، وتسليم مفاتيحها تمكين من ~~الانتفاع، فوجب عليه. فإن ضاعت بغير تفريط من المكتري، فعلى المكري بدلها؛ ~~لأنها أمانة في يد المكتري، فأشبه ذلك حيطان الدار وأبوابها. وعليه بناء ~~حائط إن سقط، وإبدال خشبه إن انكسر. وعليه تبليط الحمام، وعمل الأبواب ~~والبزل ومجرى الماء؛ لأنه بذلك يتمكن من الانتفاع، وما كان لاستيفاء ~~المنافع، كالحبل والدلو والبكرة، فعلى المكتري # وأما التحسين والتزويق، فلا يلزم واحدا منهما؛ لأن الانتفاع ممكن بدونه. ~~وأما تنقية البالوعة والكنف، فإن احتيج إلى ذلك عند الكراء، فعلى المكري؛ ~~لأن ذلك مما يتمكن به من الانتفاع، وإن امتلأت بفعل المكتري فعليه تفريغها. ~~وهذا قول الشافعي وقال أبو ثور: هو على رب الدار؛ لأن به يتمكن من ~~الانتفاع، فأشبه ما لو اكترى وهي ملأى. وقال أبو حنيفة: القياس أنه على ~~المكتري، والاستحسان أنه على رب الدار؛ لأن عادة الناس ذلك. ولنا أن ذلك ~~حصل بفعل المكتري، فكان عليه تنظيفه كما لو طرح فيها قماشا. والقول في ~~تفريغ جية الحمام التي هي مصرف مائه، كالقول في بالوعة الدار # وإن انقضت الإجارة، وفي الدار زبل أو قمامة من فعل الساكن، فعليه نقله. ~~وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. ### | [فصل شرط على مكتري الحمام أو غيره أن مدة تعطيله عليه] # (4185) فصل: وإن شرط على مكتري الحمام، أو غيره أن مدة تعطيله عليه لم ~~يجز؛ لأنه لا يجوز أن يؤجر مدة لا يمكن الانتفاع في بعضها، ولا يجوز أن ~~يشترط أنه يستوفي بقدرها بعد انقضاء مدته؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون انتهاء ~~مدة الإجارة مجهولا. فإن أطلق، وتعطل، فهو عيب حادث، والمكتري بالخيار بين ~~الإمساك بكل الأجر وبين الفسخ. ويتخرج أن له أرش العيب، قياسا على المبيع ~~المعيب. وإن لم يعلم بالعيب حتى انقضت مدة الإجارة، فعليه الأجر كله؛ لأنه ~~استوفى المعقود عليه، فأشبه ما لو علم العيب بعد العقد فرضيه، ويتخرج أن له ~~أرش العيب، كما لو اشترى معيبا، فلم يعلم عيبه حتى ms2743 أكله، أو تلف في يده. ### | [فصل شرط الإنفاق على العين النفقة الواجبة على المكري] # (4186) فصل: وإن شرط الإنفاق على العين النفقة الواجبة على المكري، ~~كعمارة الحمام، إذا شرطها على المكتري، فالشرط فاسد؛ لأن العين ملك للمؤجر ~~فنفقتها عليه. وإذا أنفق بناء على هذا، احتسب به على المكري؛ # PageV05P340 # لأنه أنفقه على ملكه بشرط العوض. فإن اختلفا في قدر ما أنفق، فالقول قول ~~المكري؛ لأنه منكر. فإن لم يشترط، لكن أذن له في الإنفاق، ليحتسب له من ~~الأجر، ففعل، ثم اختلفا فالقول قول المكري أيضا # وإن أنفق من غير إذنه، لم يرجع بشيء؛ لأنه أنفق على ماله بغير إذنه نفقة ~~غير واجبة على المالك، فأشبه ما لو عمر دارا له أخرى. ### | [مسألة استؤجر لعمل شيء بعينه فمرض] # (4187) مسألة قال: (ومن استؤجر لعمل شيء بعينه، فمرض، أقيم مقامه من ~~يعمله، والأجرة على المريض) وجملة ذلك، أنه يجوز استئجار الآدمي، بغير خلاف ~~بين أهل العلم، وقد آجر موسى - عليه السلام - نفسه لرعاية الغنم. واستأجر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلا ليدلهما على الطريق «. وذكر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا استأجر أجراء، كل أجير بفرق من ذرة، ~~وقال: إنما مثلكم ومثل أهل الكتاب، كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل ~~لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود. ثم قال: من يعمل ~~لي من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى. ثم قال: من ~~يعمل لي من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ فعملتم أنتم. فغضبت ~~اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل أجرا فقال: هل ظلمتكم من ~~أجركم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء» . ولأنه يجوز ~~الانتفاع به مع بقاء عينه، فجازت إجارته، كالدور. ثم إجارته تقع على ضربين ~~أحدهما استئجاره مدة بعينها، لعمل بعينه، كإجارة موسى - عليه السلام - نفسه ~~ثماني حجج، واستئجار الأجراء المذكورين في الخبر # والثاني، استئجاره على عمل معين في الذمة، كاستئجار النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأبي ms2744 بكر دليلا يدلهما على الطريق، واستئجار رجل لخياطة قميص ~~أو بناء حائط، ويتنوع ذلك نوعين: أحدهما أن تقع الإجارة على عين، كإجارة ~~عبده لرعاية غنمه، أو ولده لعمل معين. والثاني أن تقع على عمل في الذمة ~~كخياطة قميص وبناء حائط، فمتى كانت على عمل في ذمته فمرض، وجب عليه أن يقيم ~~مقامه من يعمله؛ لأنه حق وجب في ذمته، فوجب عليه إيفاؤه، كالمسلم فيه، ولا ~~يجب على المستأجر إنظاره؛ لأن العقد بإطلاقه يقتضي التعجيل، وفي التأخير ~~إضرار به # فأما إن كانت الإجارة على عبده في مدة أو غيرها، فمرض لم يقم غيره مقامه؛ ~~لأن الإجارة وقعت على عمله بعينه، # PageV05P341 # لا على شيء في ذمته، وعمل غيره ليس معقودا عليه، وإنما وقع العقد على ~~معين، فأشبه ما لو اشترى معينا، لم يجز أن يدفع إليه غيره، ولا يبدله، ~~بخلاف ما لو وقع في الذمة، فإنه يجوز إبدال المعيب، ولا ينفسخ العقد بتلف ~~ما تسلمه، والمبيع المعين بخلافه، فكذلك الإجارة. وإن كانت الإجارة على عمل ~~في الذمة، لكنه لا يقوم غير الأجير مقامه، كالنسخ، فإنه يختلف القصد فيه ~~باختلاف الخطوط، لم يكلف إقامة غيره مقامه، ولا يلزم المستأجر قبول ذلك إن ~~بذله الأجير؛ لأن الغرض لا يحصل من غير الناسخ، كحصوله منه، فأشبه ما لو ~~أسلم إليه في نوع، فسلم إليه غيره # وهكذا كل ما يختلف باختلاف الأعيان. ### | [فصل الاستئجار لحفر الآبار والأنهار والقني] # (4188) فصل: يجوز الاستئجار لحفر الآبار والأنهار والقني؛ لأنها منفعة ~~معلومة، يجوز أن يتطوع بها الرجل على غيره، فجاز عقد الإجارة عليه، ~~كالخدمة. ولا بد من تقدير العمل بمدة، أو عمل معين، فإن قيده بمدة نحو أن ~~يقول: استأجرتك شهرا، لتحفر لي بئرا أو نهرا. لم يحتج إلى معرفة القدر ~~وعليه أن يحفر ذلك الشهر، قليلا حفر أو كثيرا. ويحتاج إلى معرفة الأرض التي ~~يحفر فيها. وقال بعض أصحابنا: لا يحتاج إلى معرفتها؛ لأن الغرض لا يختلف ~~بذلك. والأول أولى إن شاء الله تعالى؛ لأن الأرض قد تكون صلبة ms2745 فيكون الحفر ~~عليه شاقا، وقد تكون سهلة، فيسهل ذلك عليه # وإن قدره بالعمل، فلا بد من معرفة الموضع بالمشاهدة؛ لأن المواضع تختلف ~~بالسهولة والصلابة، ولا ينضبط ذلك بالصفة. ويعرف دور البئر، وعمقها، وطول ~~النهر، وعمقه، وعرضه؛ لأن العمل يختلف بذلك. فإذا حفر بئرا، فعليه شيل ~~التراب؛ لأنه لا يمكنه الحفر إلا بذلك، فقد تضمنه العقد. فإن تهور تراب من ~~جانبيها، أو سقطت فيه بهيمة أو نحو ذلك، لم يلزمه شيله، وكان على صاحب ~~البئر؛ لأنه سقط فيها من ملكه، ولم يتضمن عقد الإجارة رفعه. وإن وصل إلى ~~صخرة أو جماد يمنع الحفر، لم يلزمه حفره # لأن ذلك مخالف لما شاهده من الأرض، وإنما اعتبرت مشاهدة الأرض لأنها ~~تختلف، فإذا ظهر فيها ما يخالف المشاهدة، كان له الخيار في الفسخ، فإذا ~~فسخ، كان له من الأجر بحصة ما عمل فيقسط الأجر على ما بقي وما عمل، فيقال: ~~كم أجر ما عمل؟ وكم أجر ما بقي؟ ، ويقسط الأجر المسمى عليهما. ولا يجوز ~~تقسيطه على عدد الأذرع؛ لأن أعلى البئر يسهل نقل التراب منه، وأسفله يشق ~~ذلك فيه. وإن نبع ما يمنعه من الحفر، فهو بمنزلة الصخرة على ما ذكرنا. ### | [فصل الاستئجار لضرب اللبن] # (4189) فصل: ويجوز الاستئجار لضرب اللبن؛ لما ذكرنا، ويكون على مدة أو ~~عمل، فإن قدره بالعمل، احتاج إلى تبيين عدده، وذكر قالبه، وموضع الضرب؛ لأن ~~الأجر يختلف باختلافه؛ لكون التراب في بعض الأماكن أسهل، والماء أقرب. فإن ~~كان هناك قالب معروف لا يختلف جاز، كما إذا كان المكيال معروفا. # PageV05P342 # وإن قدره بالطول والعرض والسمك جاز. ولا يكتفي بمشاهدة قالب الضرب إذا لم ~~يكن معروفا؛ لأن فيه غررا. # وقد يتلف القالب، فلا يصح، كما لو أسلم في مكيال بعينه. ### | [فصل الاستئجار للبناء وتقديره بالزمان أو العمل] # (4190) فصل: ويجوز الاستئجار للبناء، وتقديره بالزمان أو العمل، فإن قدره ~~بالعمل، فلا بد من معرفة موضعه؛ لأنه يختلف أيضا بقرب الماء، وسهولة ~~التراب. ولا بد من ذكر طوله، وعرضه، وسمكه، وآلة البناء من لبن وطين، ms2746 أو ~~حجر وطين، أو شيد وآجر، أو غير ذلك. قال ابن أبي موسى: وإذا استأجره لبناء ~~ألف لبنة في حائطه، أو استأجره يبني له فيه يوما، فعمل ما استأجره عليه، ثم ~~سقط الحائط، فله أجره؛ لأنه وفى العمل # وإن قال: ارفع لي هذا الحائط عشرة أذرع، فرفع بعضه، ثم سقط، فعليه إعادة ~~ما سقط وإتمام ما وقعت عليه الإجارة من الذرع. وهذا إذا لم يكن سقوطه في ~~الأول لأمر من جهة العامل، فأما إن فرط، أو بناه محلولا، أو نحو ذلك، فسقط، ~~فعليه إعادته، وغرامة ما تلف منه. ### | [فصل الاستئجار لتطيين السطوح والحيطان وتجصيصها] # (4191) فصل: ويجوز الاستئجار لتطيين السطوح والحيطان وتجصيصها. ولا يجوز ~~على عمل معين؛ لأن الطين يختلف، فمنه رقيق وثخين، وأرض السطح تختلف، فمنها ~~العالي ومنها النازل، وكذلك الحيطان؛ فلذلك لم يجز إلا على مدة. ### | [فصل استئجار ناسخ لينسخ له كتب فقه أو حديث] # (4192) فصل: ويجوز استئجار ناسخ لينسخ له كتب فقه أو حديث، أو شعرا ~~مباحا، أو سجلات، نص عليه، في رواية مثنى بن جامع، وسأله عن كتابة الحديث ~~بالأجر، فلم ير به بأسا # ولا بد من التقدير بالمدة أو العمل، فإن قدره بالعمل، ذكر عدد الأوراق، ~~وقدرها، وعدد السطور في كل ورقة، وقدر الحواشي، ودقة القلم وغلظه. فإن عرف ~~الخط بالمشاهدة، جاز، وإن أمكن ضبطه بالصفة ضبطه، وإلا فلا بد من مشاهدته؛ ~~لأن الأجر يختلف باختلافه. ويجوز تقدير الأجر بأجزاء الفرع، ويجوز بأجزاء ~~الأصل المنسوخ منه. وإن قاطعه على نسخ الأصل بأجر واحد، جاز. وإذا أخطأ ~~بالشيء اليسير، الذي جرت العادة به، عفي عنه؛ لأن ذلك لا يمكن التحرز منه # وإن أسرف في الغلط، بحيث يخرج عن العادة، فهو عيب يرد به. قال ابن عقيل: ~~وليس له محادثة غيره حالة النسخ، ولا التشاغل بما يشغل سره ويوجب غلطه، ولا ~~لغيره تحديثه وشغله. وكذلك كل الأعمال التي تختل بشغل السر والقلب، ~~كالقصارة والنساجة، ونحوهما. # PageV05P343 ### | [فصل استأجر من يكتب له مصحفا] # (4193) فصل: ويجوز أن يستأجر من يكتب له ms2747 مصحفا، في قول أكثر أهل العلم. ~~وروي ذلك عن جابر بن زيد، ومالك بن دينار. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، ~~وأبو ثور وابن المنذر. وقال ابن سيرين: لا بأس أن يستأجر الرجل شهرا، ثم ~~يستكتبه مصحفا. وكره علقمة كتابة المصحف بالأجر. ولعله يرى أن ذلك مما يختص ~~فاعله بكونه من أهل القربة، فكره الأجر عليه، كالصلاة # ولنا أنه فعل مباح يجوز أن ينوب فيه الغير عن الغير فجاز أخذ الأجر عليه، ~~ككتابة الحديث، وقد جاء في الخبر: «أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» . ### | [فصل استأجر لحصاد زرعه] # (4194) فصل: ويجوز أن يستأجر لحصاد زرعه. ولا نعلم فيه خلافا بين أهل ~~العلم. وكان إبراهيم بن أدهم يؤجر نفسه لحصاد الزرع. ويجوز أن يقدره بمدة، ~~وبعمل معين، مثل أن يقاطعه على حصاد زرع معين. ويجوز أن يستأجر رجلا لسقي ~~زرعه، وتنقيته، ودياسه، ونقله إلى موضع معين # ويجوز أن يستأجر رجلا ليحتطب له؛ لأنه عمل مباح تدخله النيابة، أشبه حصاد ~~الزرع. قال أحمد، في رجل استأجر أجيرا على أن يحتطب له على حمارين كل يوم، ~~فكان الرجل ينقل عليهما وعلى حمير لرجل آخر، ويأخذ منه الأجرة. فإن كان ~~يدخل عليه ضرر، يرجع عليه بالقيمة. فظاهر هذا أن المستأجر يرجع على الأجير ~~بقيمة ما استضر باشتغاله عن عمله؛ لأنه قال: إن كان يدخل عليه ضرر يرجع ~~عليه بالقيمة. فاعتبر الضرر، وظاهر هذا أنه إذا لم يستضر، لا يرجع بشيء؛ ~~لأنه اكتراه لعمل، فوفاه على التمام، فلم يلزمه شيء، كما لو استأجره لعمل، ~~فكان يقرأ القرآن في حال عمله، فإن ضر المستأجر، يرجع عليه بقيمة ما فوت ~~عليه # ويحتمل أنه أراد أنه يرجع عليه بقيمة ما عمله لغيره؛ لأنه صرف منافعه ~~المعقود عليها إلى عمل غير المستأجر، فكان عليه قيمتها، كما لو عمل لنفسه. ~~وقال القاضي: معناه أنه يرجع عليه بالأجر الذي أخذه من الآخر، لأن منافعه ~~في هذه المدة مملوكة لغيره، فما حصل في مقابلتها يكون للذي استأجره. ### | [فصل الاستئجار لاستيفاء القصاص في النفس ms2748 فما دونها] # (4195) فصل: ويجوز الاستئجار لاستيفاء القصاص، في النفس فما دونها. وبه ~~قال مالك، والشافعي، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: لا يجوز في النفس؛ لأن عدد ~~الضربات تختلف، وموضع الضربات غير متعين، إذ يمكن أن يضرب مما يلي الرأس ~~ومما يلي الكتف، فكان مجهولا. ولنا أنه حق يجوز التوكيل في استيفائه، لا ~~يختص فاعله بكونه من أهل القربة، فجاز الاستئجار عليه، كالقصاص في الطرف. ~~وقوله: إن عدد الضربات يختلف، وهو مجهول. يبطل بخياطة الثوب، # PageV05P344 # فإن عدد الغرزات مجهول. وقوله: إن محله غير متعين # قلنا: هو متقارب، فلا يمنع ذلك صحته، كموضع الخياطة من حاشية الثوب. ~~والأجر على المقتص منه. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة، ~~ومالك: هو على المستوفي، لأنه غير متعين، فليس على المقتص منه إلا التمكين، ~~كما لو اشترى ثمرة نخله. ولنا أنه أجر يجب لإيفاء حق، فكان على الموفي، ~~كأجر الكيال والوزان. وما ذكروه غير صحيح؛ فإن القطع مستحق عليه، بخلاف ~~الثمرة، بدليل أنه لو مكنه من القطع فلم يقطع، وقطعه آخر، لم يسقط حق صاحب ~~القصاص، ولو كان التمكين تسليما، لسقط حقه كالثمرة. ### | [فصل استئجار رجل ليدله على طريق] # (4196) فصل: ويجوز استئجار رجل ليدله على طريق «؛ فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأبا بكر، استأجرا عبد الله بن أريقط هاديا خريتا، وهو الماهر ~~بالهداية، ليدلهما على طريق المدينة» . ويجوز استئجار كيال، ووزان، لعمل ~~معلوم، أو في مدة معلومة. وبهذا قال مالك. والثوري، والشافعي، وأصحاب ~~الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا # وقد روي في حديث سويد بن قيس: «أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فاشترى منا رجل سراويل، وثم رجل يزن بأجر، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: زن وأرجح» . رواه أبو داود. ويجوز استئجار رجل ليلازم غريما يستحق ~~ملازمته. وسئل أحمد عن ذلك، فقال: لا بأس قد شغله. وقال في موضع آخر: غير ~~هذا أعجب إلي. كرهه؛ لأنه يئول إلى الخصومة، وفيه تضييق على مسلم، ولا يأمن ~~أن يكون ظالما، فيساعده على ظلمه، ms2749 لكنه جائز في الجملة؛ لأن الظاهر أنه ~~محق، فإن الظاهر أن الحاكم لا يحكم إلا بحق، ولهذا أجزنا للموكل فعله. ### | [فصل استأجر سمسارا يشتري له ثيابا] # (4197) فصل: ويجوز أن يستأجر سمسارا، يشتري له ثيابا، ورخص فيه ابن ~~سيرين، وعطاء، والنخعي. وكرهه الثوري، وحماد. ولنا أنها منفعة مباحة، تجوز ~~النيابة فيها، فجاز الاستئجار عليها، كالبناء. ويجوز على مدة معلومة، مثل ~~أن يستأجره عشرة أيام يشتري له فيها؛ لأن المدة معلومة، والعمل معلوم، أشبه ~~الخياط والقصار. فإن عين العمل دون الزمان، فجعل له من كل ألف درهم شيئا ~~معلوما، صح أيضا # وإن قال: # PageV05P345 # كلما اشتريت ثوبا، فلك درهم أجرا. وكانت الثياب معلومة بصفة، أو مقدرة ~~بثمن، جاز. وإن لم يكن كذلك، فظاهر كلام أحمد، أنه لا يجوز؛ لأن الثياب ~~تختلف باختلاف أثمانها، والأجر يختلف باختلافها، فإن اشترى، فله أجر مثله. ~~وهذا قول أبي ثور، وابن المنذر؛ لأنه عمل عملا بعوض لم يسلم له، فكان له ~~أجر المثل، كسائر الإجارات الفاسدة. ### | [فصل استأجره ليبيع له ثيابا بعينها] # (4198) فصل: وإن استأجره ليبيع له ثيابا بعينها، صح. وبه قال الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: لا يصح؛ لأن ذلك يتعذر عليه، فأشبه ضراب الفحل، وحمل الحجر ~~الكبير. ولنا أنه عمل مباح، تجوز النيابة فيه، وهو معلوم، فجاز الاستئجار ~~عليه كشراء الثياب، ولأنه يجوز عقد الإجارة عليه مقدرا بزمن، فجاز مقدرا ~~بعمل، كالخياطة # وقولهم: إنه غير ممكن. لا يصح؛ فإن الثياب لا تنفك عن راغب فيها، ولذلك ~~صحت المضاربة، ولا تكون إلا بالبيع والشراء، بخلاف ما قاسوا عليه، فإنه ~~متعذر. وإن استأجره على شراء ثياب معينة، احتمل أن لا يصح؛ لأن ذلك لا يكون ~~إلا من واحد، وقد لا يبيع، فيتعذر تحصيل العمل بحكم الظاهر، بخلاف البيع. ~~وإن استأجره في البيع لرجل بعينه، فهو كما لو استأجره لشراء ثياب بعينها. ~~ويحتمل أن يصح؛ لأنه ممكن في الجملة # فإن حصل من ذلك شيء استحق الأجر، وإلا بطلت الإجارة، كما لو لم يعين ~~البائع ولا المشتري. ### | [فصل استأجر لخدمته من ms2750 يخدمه كل شهر بشيء معلوم] # (4199) فصل: ويجوز أن يستأجر لخدمته من يخدمه كل شهر، بشيء معلوم، وسواء ~~كان الأجير رجلا أو امرأة، حرا أو عبدا. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، ~~وأبو ثور؛ لأنه تجوز النيابة فيه، ولا يختص عامله بكونه من أهل القربة. قال ~~أحمد: أجير المشاهرة يشهد الأعياد والجمعة، ولا يشترط ذلك. قيل له: فيتطوع ~~بالركعتين؟ قال: ما لم يضر بصاحبه. إنما أباح له ذلك؛ لأن أوقات الصلاة ~~مستثناة من الخدمة، ولهذا وقعت مستثناة في حق المعتكف بترك معتكفه لها. ~~وقال ابن المبارك: لا بأس أن يصلي الأجير ركعات السنة # وقال أبو ثور، وابن المنذر: ليس له منعه منها. وقال أحمد: يجوز للرجل أن ~~يستأجر الأمة والحرة للخدمة ولكن يصرف وجهه عن النظر، ليست الأمة مثل ~~الحرة، ولا يخلو معها في بيت، ولا ينظر إليها متجردة، ولا إلى شعرها. إنما ~~قال ذلك؛ لأن حكم النظر بعد الإجارة كحكمه قبلها، وفرق بين الأمة والحرة؛ ~~لأنهما يختلفان قبل الإجارة، فكذلك بعدها. # PageV05P346 ### | [مسألة مات المكري والمكتري أو أحدهما] # (4200) مسألة قال: (وإذا مات المكري والمكتري، أو أحدهما، فالإجارة ~~بحالها) هذا قول مالك، والشافعي، وإسحاق، والبتي، وأبي ثور، وابن المنذر. ~~وقال الثوري، وأصحاب الرأي، والليث: تنفسخ الإجارة بموت أحدهما؛ لأن ~~استيفاء المنفعة يتعذر بالموت، لأنه استحق بالعقد استيفاءها على ملك ~~المؤجر، فإذا مات زال ملكه عن العين، فانتقلت إلى ورثته، فالمنافع تحدث على ~~ملك الوارث، فلا يستحق المستأجر استيفاءها؛ لأنه ما عقد مع الوارث، وإذا ~~مات المستأجر، لم يمكن إيجاب الأجر في تركته # ولنا أنه عقد لازم، فلا ينفسخ بموت العاقد، مع سلامة المعقود عليه، كما ~~لو زوج أمته ثم مات. وما ذكروه لا يصح؛ فإنا قد ذكرنا أن المستأجر قد ملك ~~المنافع، وملكت عليه الأجرة كاملة في وقت العقد. ثم يلزمهم ما لو زوج أمته ~~ثم مات. ولو صح ما ذكروه لكان وجوب الأجر هاهنا بسبب من المستأجر، فوجب في ~~تركته بعد موته، كما لو حفر بئرا، فوقع فيها شيء بعد موته، ضمنه ms2751 في ماله؛ ~~لأن سبب ذلك كان منه في حال الحياة، كذا هاهنا. ### | [فصل مات المكتري ولم يكن له وارث يقوم مقامه في استيفاء المنفعة أو كان غائبا] # (4201) فصل: وإن مات المكتري، ولم يكن له وارث يقوم مقامه في استيفاء ~~المنفعة، أو كان غائبا، كمن يموت في طريق مكة، ويخلف جمله الذي اكتراه، ~~وليس له عليه شيء يحمله، ولا وارث له حاضر يقوم مقامه، فظاهر كلام أحمد أن ~~الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة؛ لأنه قد جاء أمر غالب، يمنع المستأجر عن ~~منفعة العين، فأشبه ما لو غصبت، ولأن بقاء العقد ضرر في حق المكتري ~~والمكري؛ لأن المكتري يجب عليه الكراء من غير نفع، والمكري يمتنع عليه ~~التصرف في ماله، مع ظهور امتناع الكراء عليه. وقد نقل عن أحمد، في رجل ~~اكترى بعيرا، فمات المكتري في بعض الطريق، فإن رجع البعير خاليا، فعليه ~~بقدر ما وجب له، وإن كان عليه ثقله ووطاؤه، فله الكراء إلى الموضع # وظاهر هذا أنه حكم بفسخ العقد فيما بقي من المدة، إذا مات المستأجر، ولم ~~يبق به انتفاع؛ لأنه تعذر استيفاء المنفعة بأمر من الله تعالى، فأشبه ما لو ~~اكترى من يقلع له ضرسه، فبرأ، أو انقلع قبل قلعه، أو اكترى كحالا ليكحل ~~عينه، فبرأت، أو ذهبت. ويجب أن يقدر أنه لم يكن ثم من ورثته من يقوم مقامه ~~في الانتفاع؛ لأن الوارث يقوم مقام الموروث. وتأولها القاضي على أن المكري ~~قبض البعير، ومنع الورثة الانتفاع، ولولا ذلك لما انفسخ العقد؛ لأنه لا ~~ينفسخ بعذر في المستأجر مع سلامة المعقود عليه، كما لو حبس مستأجر الدار، ~~ومنع من سكناها # ولا يصح هذا؛ لأنه لو منع الوارث الانتفاع، لما استحق شيئا من الأجر. # PageV05P347 # ويفارق هذا ما لو حبس المستأجر؛ لأن المعقود عليه انتفاعه، وهذا لا يؤيس ~~منه بالحبس، فإنه في كل وقت يمكن خروجه من الحبس وانتفاعه، ويمكن أن يستنيب ~~من يستوفي المنفعة إما بأجر أو غيره، بخلاف الميت، فإنه قد فات انتفاعه ~~بنفسه ونائبه، فأشبه ما ms2752 ذكرنا من الصور. ### | [فصل أجر الموقوف عليه الوقف مدة فمات في أثنائها وانتقل إلى من بعده] # (4202) فصل: إذا أجر الموقوف عليه الوقف مدة، فمات في أثنائها، وانتقل ~~إلى من بعده ففيه وجهان أحدهما لا تنفسخ الإجارة؛ لأنه أجر ملكه في زمن ~~ولايته، فلم يبطل بموته، كما لو أجر ملكه الطلق. والثاني تنفسخ الإجارة ~~فيما بقي من المدة، لأنا تبينا أنه أجر ملكه وملك غيره، فصح في ملكه دون ~~ملك غيره، كما لو أجر دارين أحدهما له، والأخرى لغيره؛ وذلك لأن المنافع ~~بعد الموت حق لغيره، فلا ينفذ عقده عليها من غير ملك ولا ولاية، بخلاف ~~الطلق، فإن الوارث يملكه من جهة الموروث، فلا يملك إلا ما خلفه، وما تصرف ~~فيه في حياته لا ينتقل إلى الوارث، والمنافع التي أجرها قد خرجت عن ملكه ~~بالإجارة، فلا تنتقل إلى الوارث # والبطن الثاني في الوقف يملكون من جهة الواقف، فما حدث فيها بعد البطن ~~الأول كان ملكا لهم، فقد صادف تصرف المؤجر في ملكهم من غير إذنهم، ولا ~~ولاية له عليهم، فلم يصح. ويتخرج أن تبطل الإجارة كلها بناء على تفريق ~~الصفقة. وهذا التفصيل مذهب الشافعي. فعلى هذا إن كان المؤجر قبض الأجر كله، ~~وقلنا: تنفسخ الإجارة. فلمن انتقل إليه الوقف أخذه، ويرجع المستأجر على ~~ورثة المؤجر بحصة الباقي من الأجر. وإن قلنا: لا تنفسخ رجع من انتقل إليه ~~الوقف على التركة بحصته. ### | [فصل أجر الولي الصبي أو ماله مدة فبلغ في أثنائها] # (4203) فصل: وإن أجر الولي الصبي، أو ماله مدة، فبلغ في أثنائها، فقال ~~أبو الخطاب: ليس له فسخ الإجارة؛ لأنه عقد لازم، عقده بحق الولاية، فلم ~~يبطل بالبلوغ، كما لو باع داره أو زوجه. ويحتمل أن تبطل الإجارة فيما بعد ~~زوال الولاية، على ما ذكرنا في إجارة الوقف. ويحتمل أن يفرق بين ما إذا ~~أجره مدة يتحقق بلوغه في أثنائها، مثل إن أجره عامين وهو ابن أربع عشرة، ~~فتبطل في السادس عشر؛ لأننا نتيقن أنه أجره فيها بعد بلوغه. وهل تصح ms2753 في ~~الخامس عشر؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة # وبين ما إذا لم يتحقق بلوغه في أثنائها، كالذي أجره في الخامس عشر وحده، ~~فبلغ في أثنائه، فيكون فيه ما قد ذكرنا في صدر الفصل؛ لأننا لو قلنا: يلزم ~~الصبي بعد البلوغ بعقد الولي مدة يتحقق بلوغه فيها، أفضى إلى أن يعقد على ~~جميع منافعه طول عمره، وإلى أن يتصرف فيه في غير زمن ولايته عليه، ولا يشبه ~~النكاح؛ لأنه لا يمكن # PageV05P348 # تقدير مدته، فإنه إنما يعقد للأبد. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ~~إذا بلغ الصبي، فله الخيار؛ لأنه عقد على منافعه في حال لا يملك التصرف في ~~نفسه، فإذا ملك، ثبت له الخيار، كالأمة إذا أعتقت تحت زوج # ولنا أنه عقد لازم، عقد عليه قبل أن يملك التصرف، فإذا ملكه لم يثبت له ~~الخيار، كالأب إذا زوج ولده. وما قاسوا عليه إنما يثبت لها الخيار إذا عتقت ~~تحت عبد، لأجل العيب، لا لما ذكره، ولهذا لو عتقت تحت حر، لم يثبت لها ~~الخيار. وإن مات الولي المؤجر للصبي أو ماله، أو عزل، وانتقلت الولاية إلى ~~غيره، لم يبطل عقده؛ لأنه تصرف، وهو من أهل التصرف، في محل ولايته، فلم ~~يبطل تصرفه بموته أو عزله، كما لو مات ناظر الوقف أو عزل، أو مات الحاكم ~~بعد تصرفه فيما له النظر فيه. ويفارق ما لو أجر الموقوف عليه الوقف مدة، ثم ~~مات في أثنائها # لأنه أجر ملك غيره بغير إذنه، في مدة لا ولاية له فيها، وها هنا إنما ~~يثبت للولي الثاني الولاية في التصرف فيما لم يتصرف فيه الأول، وهذا العقد ~~قد تصرف فيه الأول، فلم تثبت للثاني ولاية على ما تناوله. ### | [فصل أجر عبده مدة ثم أعتقه في أثنائها] # (4204) فصل: وإن أجر عبده مدة، ثم أعتقه في أثنائها، صح العتق، ولم يبطل ~~عقد الإجارة، في قياس المذهب، ولا يرجع العبد على مولاه بشيء. وهذا جديد ~~قولي الشافعي. وقال في القديم: يرجع على مولاه بأجر المثل؛ لأن المنافع ~~تستوفى منه ms2754 بسبب كان من جهة السيد، فرجع به عليه، كما لو أكرهه بعد عتقه ~~على ذلك العمل # ولنا أنها منفعة استحقت بالعقد قبل العتق، فلم يرجع ببدلها. كما لو زوج ~~أمته، ثم أعتقها بعد دخول الزوج بها، فإن ما يستوفيه السيد لا يرجع به ~~عليه. ويخالف المكره؛ فإنه تعدى بذلك، وقال أبو حنيفة: للعبد الخيار في ~~الفسخ أو الإمضاء، كالصبي إذا بلغ، للمعنى الذي ذكره ثم. ولنا، أنه عقد ~~لازم عقده على ما يملكه، فلا ينفسخ بالعتق، ولا يزول ملكه عنه، كما لو زوج ~~أمته ثم باعها. إذا ثبت هذا فإن نفقة العبد إن كانت مشروطة على المستأجر، ~~فهي عليه كما كانت، وإن لم تكن مشروطة عليه، فهي على معتقه؛ لأنه كالباقي ~~على ملكه، بدليل أنه يملك عوض نفعه # ولأن العبد لا يقدر على نفقة نفسه؛ لأنه مشغول بالإجارة، ولا على ~~المستأجر؛ لأنه استحق منفعته بعوض غير نفقته، لم يبق إلا أنها على المولى. # PageV05P349 ### | [فصل أجر عينا ثم باعها] # (4205) فصل: إذا أجر عينا، ثم باعها، صح البيع، نص عليه أحمد، سواء باعها ~~للمستأجر أو لغيره. وبهذا قال الشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر: إن ~~باعها لغير المستأجر، لم يصح البيع؛ لأن يد المستأجر حائلة تمنع التسليم ~~إلى المشتري، فمنعت الصحة، كما في بيع المغصوب. ولنا أن الإجارة عقد على ~~المنافع، فلم تمنع الصحة، كما لو زوج أمته، ثم باعها. وقولهم: يد المستأجر ~~حائلة دون التسليم. لا يصح؛ لأن يد المستأجر إنما هي على المنافع، والبيع ~~على الرقبة، فلا يمنع ثبوت اليد على أحدهما تسليم الآخر # كما لو باع الأمة المزوجة، ولئن منعت التسليم في الحال، فلا تمنع في ~~الوقت الذي يجب التسليم فيه، وهو عند انقضاء الإجارة، ويكفي القدرة على ~~التسليم حينئذ، كالمسلم فيه. وقال أبو حنيفة: البيع موقوف على إجازة ~~المستأجر فإن أجازه جاز، وبطلت الإجارة، وإن رده بطل. ولنا أن البيع على ~~غير المعقود عليه في الإجارة، فلم تعتبر إجازته، كبيع الأمة المزوجة. إذا ~~ثبت هذا، فإن المشتري ms2755 يملك المبيع مسلوب المنفعة إلى حين انقضاء الإجارة، ~~ولا يستحق تسليم العين إلا حينئذ؛ لأن تسليم العين إنما يراد لاستيفاء ~~نفعها، ونفعها إنما يستحقه إذا انقضت الإجارة، فيصير هذا بمنزلة من اشترى ~~عينا في مكان بعيد، فإنه لا يستحق تسليمها إلا بعد مضي مدة يمكن إحضارها ~~فيها # كالمسلم إلى وقت لا يستحق تسلم المسلم فيه إلا في وقته، فإن لم يعلم ~~المشتري بالإجارة، فله الخيار بين الفسخ وإمضاء البيع بكل الثمن؛ لأن ذلك ~~عيب ونقص. ### | [فصل اشترى المستأجر العين المؤجرة] # (4206) فصل: فإن اشتراها المستأجر، صح البيع أيضا؛ لأنه يصح بيعها لغيره، ~~فله أولى، لأن العين في يده. وهل تبطل الإجارة؟ فيه وجهان؛ أحدهما، لا ~~تبطل؛ لأنه ملك المنفعة بعقد، ثم ملك الرقبة المسلوبة بعقد آخر، فلم ~~يتنافيا، كما يملك الثمرة بعقد، ثم يملك الأصل بعقد آخر. ولو أجر الموصى له ~~بالمنفعة مالك الرقبة، صحت الإجارة، فدل على أن ملك المنفعة لا ينافي العقد ~~على الرقبة # وكذلك لو استأجر المالك العين المستأجرة من مستأجرها، جاز. فعلى هذا يكون ~~الأجر باقيا على المشتري، وعليه الثمن، ويجتمعان للبائع، كما لو كان ~~المشتري غيره. والثاني تبطل الإجارة فيما بقي من المدة؛ لأنه عقد على منفعة ~~العين، فبطل ملك العاقد للعين، كالنكاح، فإنه لو تزوج أمة، ثم اشتراها، بطل ~~نكاحه، ولأن ملك الرقبة يمنع ابتداء الإجارة، فمنع استدامتها، كالنكاح. ~~فعلى هذا، يسقط عن المشتري الأجر فيما بقي من مدة الإجارة، كما لو بطلت ~~الإجارة بتلف العين. وإن كان المؤجر قد قبض الأجر كله، حسب عليه باقي الأجر ~~من الثمن. # PageV05P350 ### | [فصل ورث المستأجر العين المستأجرة] # (4207) فصل: وإن ورث المستأجر العين المستأجرة، فالحكم فيه كما لو ~~اشتراها، في بطلان الإجارة أو بقائها، إلا أنه لا فرق في الحكم بين فسخ ~~الإجارة وبقائها، فلو استأجر إنسان من أبيه دارا، ثم مات أبوه، وخلف ابنين، ~~أحدهما هو المستأجر، فإن الدار تكون بينهما نصفين، والمستأجر أحق بها؛ لأن ~~النصف الذي لأخيه الإجارة باقية فيه، والنصف الذي ورثه يستحقه، إما بحكم ms2756 ~~الملك، وإما بحكم الإجارة، وما عليه من الأجر بينهما نصفين # وإن كان أبوه قد قبض الأجر لم يرجع بشيء منه على أخيه ولا تركة أبيه، ~~ويكون ما خلفه أبوه بينهما نصفين؛ لأنه لو رجع بشيء أفضى إلى أن يكون قد ~~ورث النصف بمنفعته، وورث أخوه نصفا مسلوب المنفعة، والله سبحانه قد سوى ~~بينهما في الميراث. ولأنه لو رجع بنصف أجر النصف الذي انتقضت الإجارة فيه، ~~لوجب أن يرجع أخوه بنصف المنفعة التي انتقضت الإجارة فيها إذ لا يمكن أن ~~يجمع له بين المنفعة وأخذ عوضها من غيره. ### | [فصل اشترى المستأجر العين ثم وجدها معيبة فردها] # (4208) فصل: وإن اشترى المستأجر العين، ثم وجدها معيبة، فردها، فإن قلنا: ~~لا تنفسخ الإجارة بالبيع. فهي باقية بعد رد العين كما كانت قبل البيع. وإن ~~قلنا: قد انفسخت. فالحكم فيها كما لو انفسخت بتلف العين. وإن كان المشتري ~~أجنبيا، فرد المستأجر الإجارة لعيب، فينبغي أن تعود المنفعة إلى البائع؛ ~~لأنه يستحق عوضها على المستأجر، فإذا سقط العوض، عاد إليه المعوض # ولأن المشتري ملك العين مسلوبة المنفعة، مدة الإجارة، فلا يرجع إليه، ما ~~لم يملكه. وقال بعض أصحاب الشافعي: يرجع إلى المشتري؛ لأن المنفعة تابعة ~~للرقبة، وإنما استحقت بعقد الإجارة، فإذا زالت عادت إليه، كما لو اشترى أمة ~~مزوجة، فطلقها الزوج. ولا يصح هذا القياس؛ فإن منفعة البضع قد استقر عوضها ~~للبائع بمجرد دخول الزوج بها، ولا ينقسم العوض على المدة، ولهذا لا يرجع ~~الزوج بشيء من الصداق فيما إذا انفسخ النكاح # أو وقع الطلاق، بخلاف الأجر في الإجارة؛ فإن المؤجر يستحق الأجر في ~~مقابلة المنفعة مقسوما على مدتها، فإذا كان له عوض المنفعة المستقبلة، فزال ~~بالفسخ، رجع إليه معوضها، وهو المنفعة. ولأن منفعة البضع لا يجوز أن تملك ~~بغير ملك الرقبة أو النكاح، فلو رجعت إلى البائع، لملكت بغيرهما. ولأنها ~~مما لا يجوز للزوج نقلها إلى غيره، ولا المعاوضة عنها، ومنفعة البدن ~~بخلافها. # PageV05P351 ### | [فصل وقعت الإجارة على عين فتلفت] # (4209) فصل: وإذا وقعت الإجارة على عين، ms2757 مثل أن يستأجر عبدا للخدمة، أو ~~لرعاية الغنم، أو جملا للحمل أو للركوب، فتلفت، انفسخ العقد بتلفها. وإن ~~خرجت مستحقة، تبينا أن العقد باطل. وإن وجد بها عيبا فردها، انفسخ العقد، ~~ولم يملك إبدالها؛ لأن العقد على معين، فثبتت هذه الأحكام، كما لو اشترى ~~عينا. وإن وقعت على عين موصوفة في الذمة، انعكست هذه الأحكام، فمتى سلم ~~إليه عينا فتلفت، لم تنفسخ الإجارة، ولزم المؤجر إبدالها # وإن خرجت مغصوبة، لم يبطل العقد، ولزمه بدلها. وإن وجد بها عيبا فردها، ~~فكذلك؛ لأن المعقود عليه غير هذه العين، وهذه بدل عنه، فلم يؤثر تلفها، ولا ~~غصبها، ولا ردها بعيب في إبطال العقد، كما لو اشترى بثمن في الذمة، على ما ~~قرر في موضعه. فإن قيل: فقد قلتم في من اكترى جملا ليركبه جاز أن يركبه من ~~هو مثله. ولو اكترى أرضا لزرع شيء بعينه، جاز له زرع ما هو مثله أو دونه في ~~الضرر، فلم قلتم: إذا اكترى جملا بعينه لا يجوز أن يبدله؟ قلنا: لأن ~~المعقود عليه منفعة العين، فلم يجز أن يدفع إليه غير المعقود عليه، كما لو ~~اشترى عينا، لا يجوز أن يأخذ غيرها والراكب غير معقود عليه # إنما هو مستوف للمنفعة، وإنما تشترط معرفته لتقدر به المنفعة، لا لكونه ~~معقودا عليه. وكذلك الزرع في الأرض، فإنما يعين ليعرف به قدر المنفعة ~~المستوفاة، فيجوز الاستيفاء بغيرها، كما لو وكل المشتري غيره في استيفاء ~~المبيع، ألا ترى أنه لو تلف البعير أو الأرض، انفسخت الإجارة، ولو مات ~~الراكب، أو تلف البذر، لم تنفسخ الإجارة، وجاز أن يقوم غيره مقامه، ~~فافترقا. ### | [مسألة استأجر عقارا للسكنى] # مسألة قال: (ومن استأجر عقارا، فله أن يسكنه غيره إذا كان يقوم مقامه) ~~وجملته أن من استأجر عقارا للسكنى، فله أن يسكنه، ويسكن فيه من شاء ممن ~~يقوم مقامه في الضرر، أو دونه، ويضع فيه ما جرت عادة الساكن به، من الرحال ~~والطعام، ويخزن فيها الثياب وغيرها مما لا يضر بها، ولا يسكنها ما يضر بها، ms2758 ~~مثل القصارين والحدادين؛ لأن ذلك يضر بها. ولا يجعل فيها الدواب؛ لأنها ~~تروث فيها وتفسدها # ولا يجعل فيها السرجين، ولا رحى ولا شيئا يضر بها. ولا يجوز أن يجعل فيها ~~شيئا ثقيلا فوق سقف؛ لأنه يثقله ويكسر خشبه. ولا يجعل فيها شيئا يضر بها، ~~إلا أن يشترط ذلك. وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه مخالفا. ~~وإنما كان # PageV05P352 # كذلك لأن له استيفاء المعقود عليه بنفسه ونائبه، والذي يسكنه نائب عنه في ~~استيفاء المعقود عليه، فجاز، كما لو وكل وكيلا في قبض المبيع، أو دين له # ولم يملك فعل ما يضر بها؛ لأنه فوق المعقود عليه، فلم يكن له فعله، كما ~~لو اشترى شيئا لم يملك أخذ أكثر منه. فأما أن يجعل الدار مخزنا للطعام، فقد ~~قال أصحابنا: يجوز ذلك؛ لأنه يجوز أن يجعلها مخزنا لغيره. ويحتمل أن لا ~~يجوز؛ لأن ذلك يفضي إلى تحريق النار أرضها وحيطانها، وذلك ضرر لا يرضى به ~~صاحب الدار. ### | [فصل اكترى دارا] # (4211) فصل: وإذا اكترى دارا، جاز إطلاق العقد، ولم يحتج إلى ذكر السكنى، ~~ولا صفتها. وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: لا يجوز، حتى ~~يقول: أبيت تحتها أنا وعيالي؛ لأن السكنى تختلف، ولو اكتراها ليسكنها، ~~فتزوج امرأة، لم يكن له أن يسكنها معه. ولنا أن الدار لا تكترى إلا للسكنى، ~~فاستغني عن ذكره، كإطلاق الثمن في بلد فيه نقد معروف به، والتفاوت في ~~السكنى يسير، فلم يحتج إلى ضبطه، وما ذكره لا يصح # فإن الضرر لا يكاد يختلف بكثرة من يسكن وقلتهم، ولا يمكن ضبط ذلك، فاجتزئ ~~فيه بالعرف، كما في دخول الحمام وشبهه. ولو اشترط ما ذكره، لوجب أن يذكر ~~عدد السكان، وأن لا يبيت عنده ضيف، ولا زائر، ولا غير من ذكره. ولكان ينبغي ~~أن يعلم صفة الساكن، كما يعلم ذلك فيما إذا اكترى للركوب. ### | [فصل اكترى ظهرا ليركبه] # (4212) فصل: وإذا اكترى ظهرا ليركبه، فله أن يركبه مثله، ومن هو أخف منه، ~~ولا يركبه من هو أثقل منه؛ لأن ms2759 العقد اقتضى استيفاء منفعة مقدرة بذلك ~~الراكب، فله أن يستوفي ذلك بنفسه ونائبه، وله أن يستوفي أقل منه؛ لأنه ~~يستوفي بعض ما يستحقه، وليس له استيفاء أكثر منه؛ لأنه لا يملك أكثر مما ~~عقد عليه. ولا يشترط التساوي في الطول والقصر، ولا المعرفة بالركوب. وقال ~~القاضي: يشترط أن يكون مثله في هذه الأوصاف كلها؛ لأن قلة المعرفة بالركوب ~~تثقل على المركوب، وتضر به # قال الشاعر: # لم يركبوا الخيل إلا بعد ما كبروا ... فهم ثقال على أعجازها عنف # ولنا أن التفاوت في هذه الأمور بعد التساوي في الثقل يسير، فعفي عنه، ~~ولهذا لا يشترط ذكره في الإجارة، ولو اعتبر ذلك لاشترطت معرفته في الإجارة، ~~كالثقل والخفة. # PageV05P353 ### | [فصل شرط أن لا يستوفي في المنفعة بمثله ولا بمن هو دونه] # فصل: فإن شرط أن لا يستوفي في المنفعة بمثله، ولا بمن هو دونه، فقياس قول ~~أصحابنا صحة العقد، وبطلان الشرط، فإن القاضي قال فيمن شرط أن يزرع في ~~الأرض حنطة، ولا يزرع غيرها: يبطل الشرط، ويصح العقد. ويحتمل أن يصح الشرط. ~~وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن المستأجر يملك المنافع من جهة ~~المؤجر، فلا يملك ما لم يرض به، ولأنه قد يكون له غرض في تخصيصه باستيفاء ~~هذه المنفعة، وقالوا في الوجه الآخر: يبطل الشرط # لأنه ينافي موجب العقد، إذ موجبه ملك المنفعة، والتسلط على استيفائها ~~بنفسه وبنائبه، واستيفاء بعضها بنفسه، وبعضها بنائبه، والشرط ينافي ذلك، ~~فكان باطلا. وهل يبطل به العقد؟ فيه وجهان أصحهما، لا يبطله، لأنه لا يؤثر ~~في حق المؤجر نفعا ولا ضرا، فألغي، وبقي العقد على مقتضاه. والآخر يبطله؛ ~~لأنه ينافي مقتضاه، فأشبه ما لو شرط أن لا يستوفي المنافع. ### | [فصل للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها] # (4214) فصل: ويجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها. نص عليه ~~أحمد. وهو قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وأبي سلمة بن ~~عبد الرحمن، والنخعي، والشعبي، والثوري، والشافعي وأصحاب الرأي. وذكر ~~القاضي فيه رواية أخرى، أنه لا يجوز؛ لأن ms2760 النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن ربح ما لم يضمن # والمنافع لم تدخل في ضمانه. ولأنه عقد على ما لم يدخل في ضمانه، فلم يجز، ~~كبيع المكيل والموزون قبل قبضه. والأول أصح؛ لأن قبض العين قام مقام قبض ~~المنافع، بدليل أنه يجوز التصرف فيها، فجاز العقد عليها، كبيع الثمرة على ~~الشجرة. ويبطل قياس الرواية الأخرى لهذا الأصل. إذا ثبت هذا فإنه لا تجوز ~~إجارته إلا لمن يقوم مقامه، أو دونه في الضرر؛ لما تقدم. فأما إجارتها قبل ~~قبضها فلا تجوز من غير المؤجر، في أحد الوجهين # وهذا قول أبي حنيفة، والمشهور من قولي الشافعي؛ لأن المنافع مملوكة بعقد ~~معاوضة، فاعتبر في جواز العقد عليها القبض، كالأعيان. والآخر، يجوز، وهو ~~قول بعض الشافعية؛ لأن قبض العين لا ينتقل به الضمان إليه، فلم يقف جواز ~~التصرف عليه. فأما إجارتها قبل القبض من المؤجر، فإذا قلنا: لا يجوز من غير ~~المؤجر كان فيها هاهنا وجهان أحدهما لا يجوز؛ لأنه عقد عليها قبل قبضها # PageV05P354 # والثاني يجوز؛ لأن القبض لا يتعذر عليه، بخلاف الأجنبي. وأصلهما بيع ~~الطعام قبل قبضه لا يصح من غير بائعه، رواية واحدة وهل يصح من بائعه؟ على ~~روايتين. فأما إجارتها بعد قبضها من المؤجر، فجائزة. وبهذا قال الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأن ذلك يؤدي إلى تناقض الأحكام، لأن التسليم ~~مستحق على الكراء، فإذا اكتراها صار مستحقا له، فيصير مستحقا لما يستحق ~~عليه، وهذا تناقض. ولنا أن كل عقد جاز مع غير العاقد جاز مع العاقد، ~~كالبيع، وما ذكروه لا يصح؛ لأن التسليم قد حصل، وهذا المستحق له تسليم آخر # ثم يبطل بالبيع، فإنه يستحق عليه تسليم العين، فإذا اشتراها استحق ~~تسليمها. فإن قيل: التسليم هاهنا مستحق في جميع المدة، بخلاف البيع. قلنا ~~المستحق تسليم العين، وقد حصل وليس عليه تسليم آخر، غير أن العين من ضمان ~~المؤجر، فإذا تعذرت المنافع بتلف الدار أو غصبها، رجع عليه؛ لأنها تعذرت ~~بسبب كان في ضمانه. ### | [فصل للمستأجر إجارة العين بمثل الأجر ms2761 وزيادة] # (4215) فصل: ويجوز للمستأجر إجارة العين، بمثل الأجر وزيادة. نص عليه ~~أحمد. وروي ذلك عن عطاء، والحسن، والزهري. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وابن ~~المنذر. وعن أحمد، أنه إن أحدث في العين زيادة، جاز له أن يكريها بزيادة، ~~وإلا لم تجز الزيادة، فإن فعل، تصدق بالزيادة # روى هذا الشعبي. وبه قال الثوري، وأبو حنيفة؛ لأنه يربح بذلك فيما لم ~~يضمن، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ربح ما لم يضمن، ولأنه يربح ~~فيما لم يضمن فلم يجز، كما لو ربح في الطعام قبل قبضه. ويخالف ما إذا عمل ~~عملا فيها؛ لأن الربح في مقابلة العمل. وعن أحمد، رواية ثالثة، إن أذن له ~~المالك في الزيادة جاز، وإلا لم يجز. وكره ابن المسيب، وأبو سلمة، وابن ~~سيرين، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، الزيادة مطلقا؛ لدخولها في ربح ~~ما لم يضمن # ولنا أنه عقد يجوز برأس المال، فجاز بزيادة، كبيع المبيع بعد قبضه، وكما ~~لو أحدث عمارة لا يقابلها جزء من الأجر، وأما الخبر، فإن المنافع قد دخلت ~~في ضمانه من وجه، فإنها لو فاتت من غير استيفائه، كانت من ضمانه. ولا يصح ~~القياس على بيع الطعام قبل قبضه؛ فإن البيع ممنوع منه بالكلية، سواء ربح أو ~~لم يربح، وها هنا جائز في الجملة، وتعليلهم بأن الربح في مقابلة عمله ملغى ~~بما إذا كنس الدار ونظفها، فإن ذلك يزيد في أجرها في العادة. # PageV05P355 ### | [فصل يتقبل العمل من الأعمال يقبله بأقل من ذلك أيجوز له الفضل] # (4216) فصل: ونقل الأثرم عن أحمد أنه سأله عن الرجل يتقبل العمل من ~~الأعمال، فيقبله بأقل من ذلك، أيجوز له الفضل؟ قال: ما أدري، هي مسألة فيها ~~بعض الشيء. قلت: أليس كان الخياط أسهل عندك، إذا قطع الثوب، أو غيره إذا ~~عمل في العمل شيئا؟ قال: إذا عمل عملا فهو أسهل. قال النخعي: لا بأس أن ~~يتقبل الخياط الثياب بأجر معلوم، ثم يقبلها بعد ذلك بعد أن يعين فيها، أو ~~يقطع، أو يعطيه سلوكا أو إبرا، أو ms2762 يخيط فيها شيئا، فإن لم يعن فيها بشيء ~~فلا يأخذن فضلا # وهذا يحتمل أن يكون النخعي قاله مبنيا على مذهبه، في أن من استأجر شيئا ~~لا يؤجره بزيادة. وقياس المذهب جواز ذلك، سواء أعان فيها بشيء أو لم يعن؛ ~~لأنه إذا جاز أن يقبله بمثل الأجر الأول أو دونه، جاز بزيادة عليه، كالبيع، ~~وكإجارة العين. ### | [فصل كل عين استأجرها لمنفعة له أن يستوفي مثل تلك المنفعة وما دونها في الضرر] # (4217) فصل: وكل عين استأجرها لمنفعة، فله أن يستوفي مثل تلك المنفعة وما ~~دونها في الضرر. وقال أحمد: إذا استأجر دابة، ليحمل عليها تمرا. فحمل عليها ~~حنطة، أرجو أن لا يكون به بأس، إذا كان الوزن واحدا. فإن كانت المنفعة التي ~~يستوفيها أكثر ضررا، أو مخالفة للمعقود عليها في الضرر، لم يجز؛ لأنه ~~يستوفي أكثر من حقه، أو غير ما يستحقه، فإذا اكترى دابة، ليحمل عليها ~~حديدا، لم يحمل عليها قطنا، لأنه يتجافى، وتهب فيه الريح، فيتعب الظهر # وإن اكتراها لحمل القطن، لم يجز أن يحمل الحديد؛ لأنه يجتمع في موضع ~~واحد، فيثقل عليه، والقطن يتفرق، فيقل ضرره. وإن اكتراه ليركبه، لم يجز أن ~~يحمل عليه؛ لأن الراكب يعين الظهر بحركته. وإن اكتراه ليحمل عليه، لم يجز ~~أن يركبه؛ لأن الراكب يقعد في موضع واحد، فيشتد على الظهر، والمتاع يتفرق ~~على جنبيه # وإن اكتراه ليركبه عريا، لم يجز أن يركبه بسرج؛ لأنه يحمل عليه أكثر مما ~~عقد عليه. وإن اكتراه ليركبه بسرج، لم يجز أن يركبه عريا؛ لأنه إذا ركب ~~عليه من غير سرج حمي ظهره، فربما عقره. وإن اكتراه ليركبه بسرج لم يجز أن ~~يركبه بأكثر منه. فلو اكترى حمارا بسرج لم يجز أن يركبه بسرج البرذون، إذا ~~كان أثقل من سرجه. وإن اكترى دابة بسرج، فركبها بإكاف أثقل منه، أو أضر، لم ~~يجز، وإن كان أخف، وأقل ضررا، فلا بأس # ومتى فعل ما ليس له فعله، كان ضامنا، وعليه الأجر. وهذا كله مذهب ~~الشافعي، وأبي ثور. # PageV05P356 ### | [فصل اكترى دابة ms2763 ليركبها في مسافة معلومة] # (4218) فصل: وإن اكترى دابة ليركبها في مسافة معلومة، أو يحمل عليها ~~فيها، فأراد العدول بها إلى ناحية أخرى مثلها في القدر أضر منها، أو تخالف ~~ضررها، بأن تكون إحداهما أحسن والأخرى أخوف، لم يجز. وإن كان مثلها في ~~السهولة والحزونة والأمن، أو التي يعدل إليها أقل ضررا، فذكر القاضي أنه ~~يجوز. وهو قول أصحاب الشافعي؛ لأن المسافة عينت ليستوفي بها المنفعة، ويعلم ~~قدرها بها، فلم تتعين، كنوع المحمول والراكب # ويقوى عندي، أنه متى كان للمكري غرض في تلك الجهة المعينة، لم يجز العدول ~~إلى غيرها، مثل من يكري جماله إلى مكة فيحج معها، فلا يجوز له أن يذهب بها ~~إلى غيرها. ولو أكراها إلى بغداد، لكون أهله بها، أو ببلد العراق لم يجز ~~الذهاب بها إلى مصر. ولو أكرى جماله جملة إلى بلد، لم يجز للمستأجر التفريق ~~بينها، بالسفر ببعضها إلى جهة، وبباقيها إلى جهة أخرى؛ وذلك لأنه عين ~~المسافة لغرض في فواته ضرر، فلم يجز تفويته، كما في حق المكتري # فإنه لو أراد حمله إلى غير المكان الذي اكترى إليه لم يجز، وكما لو عين ~~طريقا سهلا أو آمنا، فأراد سلوك ما يخالفه في ذلك. ### | [فصل اكتري قميصا ليلبسه] # (4219) فصل: ويجوز أن يكتري قميصا ليلبسه؛ لأنه يمكن الانتفاع به مع بقاء ~~عينه، ويجوز بيعه، فجازت إجارته، كالعقار. ولا بد من تقدير المنفعة بالمدة. ~~وإن كانت عادة أهل بلده نزع ثيابهم عند النوم في الليل، فعليه نزعه في ذلك؛ ~~لأن الإطلاق يحمل على المعتاد، وله لبسه فيما سوى ذلك. وإن نام نهارا، لم ~~يكن عليه نزعه؛ لأنه العرف. ويلبس القميص على ما جرت العادة به. ولا يجوز ~~أن يتزر به؛ لأنه يعتمد عليه فيشقه، وفي اللبس لا يعتمد # ويجوز أن يرتدي به؛ لأنه أخف. ومن ملك شيئا، ملك ما هو أخف منه. وقيل فيه ~~وجه آخر أنه لا يجوز؛ لأنه استعمال لم تجر العادة به في القميص، أشبه ~~الاتزار به. ### | [فصل استئجار أرض] # (4220) فصل: وإن استأجر ms2764 أرضا، صح؛ لما تقدم، ولا يصح حتى يرى الأرض؛ لأن ~~المنفعة تختلف باختلافها، ولا تعرف إلا بالرؤية؛ لأنها لا تنضبط بالصفة، ~~ولا يصح حتى يذكر ما يكتري له من زرع أو غرس أو بناء؛ لأن الأرض تصلح لهذا ~~كله، وتأثيره في الأرض يختلف، فوجب بيانه. فإن قال: أجرتكها لتزرعها # PageV05P357 # أو تغرسها. لم يصح؛ لأنه لم يعين أحدهما، فأشبه ما لو قال: بعتك أحد هذين ~~العبدين، وإن قال: لتزرعها ما شئت، أو تغرسها ما شئت # صح. وهذا منصوص الشافعي. وخالفه أكثر أصحابه، فقالوا: لا يجوز لأنه لا ~~يدري كم يزرع ويغرس. وقال بعضهم: يصح، ويزرع نصفها، ويغرس نصفها. ولنا أن ~~العقد اقتضى إباحة هذين الشيئين، فصح، كما لو قال: لتزرعها ما شئت. ولأن ~~اختلاف الجنسين كاختلاف النوعين، وقوله: لتزرعها ما شئت. إذن في نوعين ~~وأنواع، وقد صح، فكذلك في الجنسين، وله أن يغرسها كلها، وإن أحب زرعها، ~~كلها، كما لو أذن له في أنواع الزرع كله، كان له زرع جميعها نوعا واحدا، ~~وله زرعها من نوعين، كذلك هاهنا # وإن أكراها للزرع وحده، ففيه أربع مسائل: (4221) إحداهن، أكراها للزرع ~~مطلقا، أو قال: لتزرعها ما شئت. فإنه يصح، وله زرع ما شاء. وهذا مذهب ~~الشافعي. وحكي عن ابن سريج أنه لا يصح حتى يتبين الزرع؛ لأن ضرره يختلف، ~~فلم يصح بدون البيان، كما لو لم يذكر ما يكتري له من زرع أو غرس أو بناء. ~~ولنا أنه يجوز استئجارها لأكثر الزرع ضررا، ويباح له جميع الأنواع؛ لأنها ~~دونه، فإذا عمم أو أطلق، تناول الأكثر، وكان له ما دونه، ويخالف الأجناس ~~المختلفة؛ فإنه لا يدخل بعضها في بعض # فإن قيل: فلو اكترى دابة للركوب، لوجب تعيين الراكب. قلنا: لأن إجارة ~~المركوب لأكثر الركاب ضررا لا تجوز، بخلاف المزروع، ولأن للحيوان حرمة في ~~نفسه، فلم يجز إطلاق ذلك فيه، بخلاف الأرض. فإن قيل: فلو استأجر دارا ~~للسكنى مطلقا، لم يجز أن يسكنها من يضر بها، كالقصار والحداد، فلم قلتم إنه ~~يجوز أن يزرعها ما يضر ms2765 بها؟ قلنا السكنى لا تقتضي ضررا، فلذلك منع من إسكان ~~من يضر بها؛ لأن العقد لم يقتضه، والزرع يقتضي الضرر، فإذا أطلق كان راضيا ~~بأكثره، فلهذا جاز # وليس له أن يغرس في هذه الأرض، ولا يبني؛ لأن ضرره أكثر من المعقود عليه. # (4222) المسألة الثانية، أكراها لزرع حنطة، أو نوع بعينه، فإن له زرع ما ~~يعينه وما ضرره كضرره أو دونه. ولا يتعين ما عينه في قول عامة أهل العلم، ~~إلا داود وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: لا يجوز له زرع غير ما عينه، حتى لو ~~وصف الحنطة بأنها سمراء، لم يجز له أن يزرع بيضاء؛ لأنه عينه بالعقد، فلم ~~يجز العدول عنه. كما لو عين المركوب، أو عين الدراهم في الثمن # ولنا أن المعقود عليه منفعة الأرض دون القمح، ولهذا يستقر عليه العوض ~~بمضي المدة، # PageV05P358 # إذا تسلم الأرض. وإن لم يزرعها، وإنما ذكر القمح لتقدر به المنفعة، فلم ~~يتعين، كما لو استأجر دارا ليسكنها، كان له أن يسكنها غيره. وفارق المركوب ~~والدراهم في الثمن، فإنهما معقود عليهما، فتعينا والمعقود عليه هاهنا منفعة ~~مقدرة، وقد تعينت أيضا، ولم يتعين ما قدرت به، كما لا يتعين المكيال ~~والميزان في المكيل والموزون. # (4223) المسألة الثالثة، قال: ليزرعها حنطة، وما ضرره كضررها، أو دونه # فهذه كالتي قبلها، إلا أنه لا مخالف فيها؛ لأنه شرط ما اقتضاه الإطلاق، ~~وبين ذلك تصريح نصه، فزال الإشكال. المسألة الرابعة، قال: ليزرعها حنطة، ~~ولا يزرع غيرها. فذكر القاضي أن الشرط باطل؛ لأنه ينافي مقتضى العقد لأنه ~~يقتضي استيفاء المنفعة كيف شاء، فلم يصح الشرط، كما لو شرط عليه استيفاء ~~المبيع بنفسه، والعقد صحيح؛ لأنه لا ضرر فيه، ولا غرض لأحد المتعاقدين، لأن ~~ما ضرره مثله، لا يختلف في غرض المؤجر، فلم يؤثر في العقد، فأشبه شرط ~~استيفاء المبيع أو الثمن بنفسه # وقد ذكرنا فيما إذا شرط مكتري الدار أنه لا يسكنها غيره، وجها في صحة ~~الشرط، ووجها آخر في فساد العقد، فيخرج هاهنا مثله. ### | [فصل أكرى الأرض للغراس] # (4225) فصل: وإن أكراها ms2766 للغراس؛ ففيه ما ذكرنا من المسائل، إلا أن له أن ~~يزرعها؛ لأن ضرر الزرع أقل من ضرر الغراس، وهو من جنسه، لأن كل واحد منهما ~~يضر بباطن الأرض. وليس له البناء؛ لأن ضرره مخالف لضرره، فإنه يضر بظاهر ~~الأرض. وإن أكراها للزرع، لم يكن له الغرس ولا البناء؛ لأن ضرر الغرس أكثر، ~~وضرر البناء مخالف لضرره. وإن أكراها للبناء، لم يكن له الغرس ولا الزرع؛ ~~لأن ضررهما يخالف ضرره. ### | [فصل لا تخلو الأرض المؤجرة من قسمين] # (4226) فصل: ولا تخلو الأرض من قسمين أحدهما أن يكون له ماء دائم، إما من ~~نهر لم تجر العادة بانقطاعه، أو لا ينقطع إلا مدة لا يؤثر في الزرع، أو من ~~عين نابعة، أو بركة من مياه الأمطار يجتمع فيها ثم يسقي به، أو من بئر يقوم ~~بكفايتها، أو ما يشرب بعروقه لنداوة الأرض، وقرب الماء الذي تحت الأرض، ~~فهذا كله دائم. ويصح استئجارها للغرس والزرع # بغير خلاف علمناه # وكذلك الأرض التي تشرب من مياه الأمطار، ويكتفى بالمعتاد منه؛ لأن ذلك ~~بحكم العادة، ولا ينقطع إلا نادرا، فهو كسائر الصور المذكورة. # الثاني أن لا يكون لها ماء دائم، وهي نوعان أحدهما ما يشرب من زيادة ~~معتادة تأتي في وقت الحاجة، كأرض مصر الشاربة من زيادة النيل، # PageV05P359 # وما يشرب من زيادة الفرات وأشباهه، وأرض البصرة الشاربة من المد والجزر، ~~وأرض دمشق الشاربة من زيادة بردى # أو ما يشرب من الأودية الجارية من ماء المطر، فهذه تصح إجارتها قبل وجود ~~الماء الذي تسقى به وبعده. وحكى ابن الصباغ ذلك مذهبا للشافعي. وقال ~~أصحابه: إن أكراها بعد الزيادة، صح، ولا يصح قبلها؛ لأنها معدومة، لا نعلم ~~هل يقدر عليها أم لا. ولنا أن هذا معتاد، الظاهر وجوده، فجازت إجارة الأرض ~~الشاربة به، كالشاربة من مياه الأمطار، ولأن ظن القدرة على التسليم في وقته ~~يكفي في صحة العقد، كالسلم في الفاكهة إلى أوانها. # النوع الثاني، أن يكون مجيء الماء نادرا، أو غير ظاهر كالأرض التي لا ~~يكفيها إلا المطر ms2767 الشديد الكثير، الذي يندر وجوده. أو يكون شربها من فيض ~~واد مجيئه نادر، أو من زيادة نادرة في نهر أو عين غالبة، فهذه إن أجرها بعد ~~وجود ماء يسقيها به، صح أيضا؛ لأنه أمكن الانتفاع بها وزرعها، فجازت ~~إجارتها، كذات الماء الدائم. وإن أجرها قبله للغرس أو الزرع، لم يصح، لأنه ~~يتعذر الزرع غالبا، ويتعذر المعقود عليه في الظاهر، فلم تصح إجارتها، ~~كالآبق والمغصوب. وإن اكتراها على أنها لا ماء لها، جاز؛ لأنه تمكن من ~~الانتفاع بها بالنزول فيها، ووضع رحله، وجمع الحطب فيها، وله أن يزرعها ~~رجاء الماء # وإن حصل له ماء قبل زرعها، فله زرعها؛ لأن ذلك من منافعها الممكن ~~استيفاؤها. وليس له أن يبني، ولا يغرس؛ لأن ذلك يراد للتأبيد. وتقدير ~~الإجارة بمدة تقتضي تفريغها عند انقضائها. فإن قيل: فلو استأجرها للغراس ~~والبناء صح مع تقدير المدة. قلنا: التصريح بالبناء والغراس صرف التقدير عن ~~مقتضاه، بظاهره في التفريغ عند انقضاء المدة، إلا أن يشترط قلع ذلك عند ~~انقضاء المدة، فيصرف الغراس والبناء عما يراد له بظاهره، بخلاف مسألتنا # وإن أطلق إجارة هذه الأرض، مع العلم بحالها، وعدم مائها، صح؛ لأنهما دخلا ~~في العقد على أنها لا ماء لها، فأشبه ما لو شرطاه. وإن لم يعلم عدم مائها، ~~أو ظن المكتري أنه يمكن تحصيل ماء لها بوجه من الوجوه، لم يصح العقد، ولأنه ~~ربما دخل في العقد بناء على أن المالك لها يحصل لها ماء، وأنه يكتريها ~~للزراعة مع تعذرها. وقيل: لا يصح العقد مع الإطلاق وإن علم حالها؛ لأن ~~إطلاق كراء الأرض يقتضي الزراعة. والأولى صحته؛ لأن العلم بالحال يقوم مقام ~~الاشتراط، كالعلم بالعيب يقوم مقام شرطه، ومتى كان لها ماء غير دائم أو ~~الظاهر انقطاعه قبل الزرع، أو لا يكفي الزرع، فهي كالتي لا ماء لها، ومذهب ~~الشافعي في هذا كله كما ذكرنا. ### | [فصل اكترى أرضا غارقة بالماء] # (4227) فصل: وإن اكترى أرضا غارقة بالماء، لا يمكن زرعها قبل انحساره ~~عنها، وقد ينحسر ولا ينحسر، # PageV05P360 # فالعقد باطل؛ ms2768 لأن الانتفاع بها في الحال غير ممكن، ولا يزول المانع ~~غالبا. وإن كان ينحسر عنها وقت الحاجة إلى الزراعة، كأرض مصر في وقت مد ~~النيل، صح العقد؛ لأن المقصود متحقق بحكم العادة المستمرة. وإن كانت ~~الزراعة فيها ممكنة، ويخاف غرقها، والعادة غرقها، لم يجز إجارتها؛ لأنها في ~~حكم الغارقة بحكم العادة المستمرة. ### | [فصل غرق الزرع أو هلك بحريق أو جراد أو برد أو غيره] # (4228) فصل: ومتى غرق الزرع أو هلك، بحريق أو جراد أو برد، أو غيره، فلا ~~ضمان على المؤجر، ولا خيار للمكتري. نص عليه أحمد. ولا نعلم فيه خلافا. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأن التالف غير المعقود عليه، وإنما تلف مال المكتري فيه، ~~فأشبه من اشترى دكانا فاحترق متاعه فيه. ثم إن أمكن المكتري الانتفاع ~~بالأرض بغير الزرع، أو بالزرع في بقية المدة، فله ذلك، وإن تعذر ذلك، ~~فالأجر لازم له؛ لأن تعذره لفوات وقت الزراعة بسبب غير مضمون على المؤجر، ~~لا لمعنى في العين # وإن تعذر الزرع بسبب غرق الأرض، أو انقطاع مائها، فللمستأجر الخيار؛ لأنه ~~لمعنى في العين. وإن تلف الزرع بذلك، فليس على المؤجر ضمانه؛ لأنه لم يتلفه ~~بمباشرة ولا بسبب. وإن قل الماء بحيث لا يكفي الزرع، فله الفسخ؛ لأنه عيب. ~~فإن كان ذلك بعد الزرع، فله الفسخ أيضا، ويبقى الزرع في الأرض إلى أن ~~يستحصد، وعليه من المسمى بحصته إلى حين الفسخ، وأجر المثل لما بقي من المدة ~~لأرض لها مثل ذلك الماء # وكذلك إن انقطع الماء بالكلية، أو حدث بها عيب من غرق يهلك بعض الزرع، أو ~~يسوء حاله به. ### | [فصل استأجر أرضا للزراعة مدة فانقضت وفيها زرع لم يبلغ حصاده] # (4229) فصل: وإذا استأجر أرضا للزراعة مدة، فانقضت، وفيها زرع لم يبلغ ~~حصاده، لم يخل من حالين: أحدهما أن يكون لتفريط من المستأجر، مثل أن يزرع ~~زرعا لم تجر العادة بكماله قبل انقضاء المدة، فحكمه حكم زرع الغاصب، يخير ~~المالك بعد المدة بين أخذه بالقيمة، أو تركه بالأجر لما زاد على المدة؛ ~~لأنه ms2769 أبقى زرعه في أرض غيره بعدوانه # وإن اختار المستأجر قطع زرعه في الحال، وتفريغ الأرض، فله ذلك؛ لأنه يزيل ~~الضرر، ويسلم الأرض على الوجه الذي اقتضاه العقد. وذكر القاضي، أن على ~~المستأجر نقل الزرع وتفريغ الأرض، وإن اتفقا على تركه بعوض أو غيره، جاز. ~~وهذا مذهب الشافعي، بناء على قوله في الغاصب. وقياس مذهبنا ما ذكرناه. # الحال الثاني أن يكون بقاؤه بغير تفريط، مثل أن يزرع زرعا ينتهي في المدة ~~عادة، فأبطأ لبرد # PageV05P361 # أو غيره، فإنه يلزم المؤجر تركه إلى أن ينتهي، وله المسمى وأجر المثل لما ~~زاد، وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي # والوجه الثاني، قالوا: يلزمه نقله؛ لأن المدة ضربت لنقل الزرع، فيلزم ~~العمل بموجبه، وقد وجد منه تفريط؛ لأنه كان يمكنه أن يستظهر في المدة، فلم ~~يفعل. ولنا أنه حصل الزرع في أرض غيره بإذنه، من غير تفريط، فلزم تركه، كما ~~لو أعاره أرضا فزرعها، ثم رجع المالك قبل كمال الزرع. وقولهم: إنه مفرط. ~~غير صحيح؛ لأن هذه المدة التي جرت العادة بكمال الزرع فيها، وفي زيادة ~~المدة تفويت زيادة الأجر بغير فائدة، وتضييع زيادة متيقنة لتحصيل شيء متوهم ~~على خلاف العادة هو التفريط، فلم يكن تركه تفريطا # ومتى أراد المستأجر زرع شيء لا يدرك مثله في مدة الإجارة، فللمالك منعه؛ ~~لأنه سبب لوجود زرعه في أرضه بغير حق، فملك منعه منه. فإن زرع، لم يملك ~~مطالبته بقلعه قبل المدة؛ لأنه في أرض يملك نفعها، ولأنه لا يملك ذلك بعد ~~المدة، فقبلها أولى. ومن أوجب عليه قطعه بعد المدة قال: إذا لم يكن بد من ~~المطالبة بالنقل، فليكن عند المدة التي يستحق تسليمها إلى المؤجر فارغة. ### | [فصل اكترى الأرض لزرع مدة لا يكمل فيها] # (4230) فصل: وإذا اكترى الأرض لزرع مدة لا يكمل فيها، مثل أن يكتري خمسة ~~أشهر لزرع لا يكمل إلا في سنة، نظرنا فإن شرط تفريغها عند انقضاء المدة ~~ونقله عنها، صح؛ لأنه لا يفضي إلى الزيادة على مدته، وقد يكون له غرض في ~~ذلك، لأخذه ms2770 إياه قصيلا أو غيره، ويلزمه ما التزم، وإن أطلق العقد، ولم ~~يشترط شيئا، احتمل أن يصح؛ لأن الانتفاع بالزرع في هذه المدة ممكن، واحتمل ~~أنه إن أمكن أن ينتفع بالأرض، في زرع ضرره كضرر الزرع المشروط أو دونه، مثل ~~أن يزرعها شعيرا يأخذه قصيلا، صح العقد؛ لأن الانتفاع بها في بعض ما اقتضاه ~~العقد ممكن # وإن لم يكن كذلك، لم يصح؛ لأنه اكترى للزرع ما لا ينتفع بالزرع فيه، أشبه ~~إجارة السبخة له. فإن قلنا: يصح. فإن انقضت المدة، ففيه وجهان أحدهما حكمه ~~حكم زرع المستأجر لما لا يكمل في مدته؛ لأنه هاهنا مفرط. واحتمل أن يلزم ~~المكري تركه بالأجر؛ لأن التفريط منه حيث أكراه مدة لزرع لا يكمل فيها. وإن ~~شرط تبقيته حتى يكمل، فالعقد فاسد؛ لأنه جمع بين متضادين # فإن تقدير المدة يقتضي النقل فيها، وشرط التبقية يخالفه، ولأن مدة ~~التبقية مجهولة، فإن زرع لم يطالب بنقله، كالتي تقدمت. # PageV05P362 ### | [فصل أجره للغراس سنة] # (4231) فصل: إذا أجره للغراس سنة، صح؛ لأنه يمكنه تسليم منفعتها المباحة ~~المقصودة، فأشبهت سائر المنافع، وسواء شرط قلع الغراس عند انقضاء المدة، أو ~~أطلق. وله أن يغرس قبل انقضاء المدة، فإذا انقضت، لم يكن له أن يغرس؛ لزوال ~~عقده. فإذا انقضت السنة، وكان قد شرط القلع عند انقضائها، لزمه ذلك وفاء ~~بموجب شرطه، وليس على صاحب الأرض غرامة نقصه، ولا على المكتري تسوية الحفر ~~وإصلاح الأرض؛ لأنهما دخلا على هذا، لرضاهما بالقلع، واشتراطهما عليه # وإن اتفقا على إبقائه بأجر أو غيره، جاز إذا شرطا مدة معلومة. وكذلك لو ~~اكترى الأرض سنة بعد سنة، كلما انقضى عقد جدد آخر، جاز. وإن أطلق العقد، ~~فللمكتري القلع؛ لأن الغرس ملكه، فله أخذه، كطعامه من الدار التي باعها. ~~وإذا قلع، فعليه تسوية الحفر؛ لأنه نقص دخل على ملك غيره بغير إذنه. وهكذا ~~إن قلعه قبل انقضاء المدة هاهنا، وفي التي قبلها؛ لأن القلع قبل الوقت لم ~~يأذن فيه المالك، ولأنه تصرف في الأرض تصرفا نقصها، لم يقتضه عقد الإجارة ms2771 # وإن أبى القلع، لم يجبر عليه، إلا أن يضمن له المالك نقص غرسه، فيجبر ~~حينئذ. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة، ومالك: عليه القلع من غير ضمان ~~النقص له؛ لأن تقدير المدة في الإجارة يقتضي التفريغ عند انقضائها، كما لو ~~استأجرها للزرع. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس لعرق ظالم ~~حق» . مفهومه أن ما ليس بظالم له حق. وهذا ليس بظالم، ولأنه غرس بإذن ~~المالك، ولم يشرط قلعه، فلم يجبر على القلع من غير ضمان النقص # كما لو استعار منه أرضا للغرس مدة، فرجع قبل انقضائها، ويخالف الزرع؛ ~~فإنه لا يقتضي التأبيد. فإن قيل: فإن كان إطلاق العقد في الغراس يقتضي ~~التأبيد، فشرط القلع ينافي مقتضى العقد، فينبغي أن يفسده. قلنا: إنما اقتضى ~~التأبيد من حيث إن العادة في الغراس التبقية، فإذا أطلقه حمل على العادة، ~~وإذا شرط خلافه، جاز، كما إذا باع بغير نقد البلد، أو شرط في الإجارة شرطا ~~يخالف العادة. إذا ثبت هذا، فإن رب الأرض يخير بين ثلاثة أشياء أحدها أن ~~يدفع قيمة الغراس والبناء، فيملكه مع أرضه # والثاني أن يقلع الغراس والبناء، ويضمن أرش نقصه. والثالث، أن يقر الغراس ~~والبناء، ويأخذ منه أجر المثل. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: يخير بين دفع ~~قيمته فيملكه، وبين مطالبته بالقلع من غير ضمان، وبين تركه، فيكونان ~~شريكين. وليس بصحيح؛ لأن الغراس ملك لغارسه، لم يدفع إليه عنه عوض، ولا رضي ~~بزوال ملكه عنه فلا # PageV05P363 # يزول عنه، كسائر الغرس # وإن اتفقا على بيع الغراس والبناء للمالك، جاز. وإن باعهما صاحبهما لغير ~~مالك الأرض، جاز، ومشتريهما يقوم فيهما مقام البائع. وقال أصحاب الشافعي، ~~في أحد الوجهين: ليس له بيعهما لغير مالك الأرض؛ لأن ملكه ضعيف، بدليل أن ~~لصاحب الأرض تملكه عليه بالقيمة من غير إذنه # ولنا أنه مملوك له، يجوز بيعه لمالك الأرض، فجاز لغيره، كشقص مشفوع، ~~وبهذا يبطل ما ذكروه؛ فإن للشفيع تملك الشقص وشراءه، ويجوز بيعه لغيره. ~~فأما إن شرط في العقد تبقية الغراس، فذكر القاضي ms2772 أنه صحيح، وحكمه حكم ما لو ~~أطلق العقد سواء. وهو قول أصحاب الشافعي. ويحتمل أن يبطل العقد؛ لأنه شرط ~~ما ينافي مقتضى العقد، فلم يصح، كما لو شرط ذلك في الزرع الذي لا يكمل قبل ~~انقضاء المدة، ولأن الشرط باطل، بدليل أنه لا يجب الوفاء به، وهو مؤثر، ~~فأبطله، كشرط تبقية الزرع بعد مدة الإجارة. ### | [مسألة استئجار الأجير بطعامه وكسوته] # (4232) مسألة قال: (ويجوز أن يستأجر الأجير بطعامه وكسوته) اختلفت ~~الرواية عن أحمد، في من استأجر أجيرا بطعامه وكسوته، أو جعل له أجرا، وشرط ~~طعامه وكسوته، فروي عنه جواز ذلك. وهو مذهب مالك، وإسحاق. وروي عن أبي بكر، ~~وعمر، وأبي موسى - رضي الله عنهم - أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم. ~~وروي عنه أن ذلك جائز في الظئر دون غيرها. اختارها القاضي # وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأن ذلك مجهول؛ وإنما جاز في الظئر، لقول الله ~~تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] . فأوجب ~~لهن النفقة والكسوة على الرضاع، ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل في الآية ~~قرينة تدل على طلاقها؛ لأن الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية وإن لم ~~ترضع؛ لأن الله تعالى قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] . والوارث ~~ليس بزوج، ولأن المنفعة في الحضانة والرضاع غير معلومة، فجاز أن يكون عوضها ~~كذلك. وروي عنه رواية ثالثة: لا يجوز ذلك بحال، لا في الظئر ولا في غيرها # وبه قال الشافعي وأبو يوسف، ومحمد، # PageV05P364 # وأبو ثور، وابن المنذر؛ لأن ذلك يختلف اختلافا كثيرا متباينا، فيكون ~~مجهولا، والأجر من شرطه أن يكون معلوما. ولنا: ما روى ابن ماجه، عن عتبة بن ~~الندر، قال: «كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ طس حتى بلغ ~~قصة موسى، قال: إن موسى آجر نفسه ثماني سنين أو عشرا، على عفة فرجه، وطعام ~~بطنه» . وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يثبت نسخه # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: كنت أجيرا لابنة غزوان بطعام ~~بطني، وعقبة رجلي، أحطب لهم إذا نزلوا، وأحدو بهم إذا ركبوا. ms2773 ولأن من ذكرنا ~~من الصحابة وغيرهم فعلوه، فلم يظهر له نكير، فكان إجماعا، ولأنه قد ثبت في ~~الظئر بالآية، فيثبت في غيرها بالقياس عليها، ولأنه عوض منفعة، فقام العرف ~~فيه مقام التسمية، كنفقة الزوجة، ولأن للكسوة عرفا، وهي كسوة الزوجات، ~~وللإطعام عرف، وهو الإطعام في الكفارات، فجاز إطلاقه، كنقد البلد. ونخص أبا ~~حنيفة بأن ما كان عوضا في الرضاع جاز في الخدمة كالأثمان # إذا ثبت هذا، فإنهما إن تشاحا في مقدار الطعام والكسوة، رجع في القوت إلى ~~الإطعام في الكفارة، وفي الكسوة إلى أقل ملبوس مثله. قال أحمد: إذا تشاحا ~~في الطعام، يحكم له بمد كل يوم. ذهب إلى ظاهر ما أمر الله تعالى من إطعام ~~المساكين، ففسرت ذلك السنة بأنه مد لكل مسكين. ولأن الإطعام مطلق في ~~الموضعين، فما فسر به أحدهما يفسر به الآخر. وليس له إطعام الأجير إلا ما ~~يوافقه من الأغذية؛ لأن عليه ضررا، ولا يمكنه استيفاء الواجب له منه. ### | [فصل شرط الأجير كسوة ونفقة معلومة موصوفة] # (4233) فصل: وإن شرط الأجير كسوة ونفقة معلومة موصوفة، كما يوصف في ~~السلم، جاز ذلك عند الجميع. وإن لم يشترط طعاما ولا كسوة، فنفقته وكسوته ~~على نفسه. وكذلك الظئر. قال ابن المنذر: لا أعلم عن أحد خلافا فيما ذكرت. ~~وإن شرط للأجير طعام غيره وكسوته موصوفا، جاز؛ لأنه معلوم أشبه ما لو شرط ~~دراهم معلومة، ويكون ذلك للأجير، إن شاء أطعمه، وإن شاء تركه. وإن لم يكن ~~موصوفا، لم يجز؛ لأن ذلك مجهول، احتمل فيما إذا شرطه للأجير للحاجة إليه، ~~وجرت العادة به، فلا يلزمه احتمالها # PageV05P365 # مع عدم ذلك. # ولو استأجر دابة بعلفها، أو بأجر مسمى وعلفها، لم يجز؛ لأنه مجهول، ولا ~~عرف له يرجع إليه، ولا نعلم أحدا قال بجوازه، إلا أن يشترطه موصوفا، فيجوز. ### | [فصل استغنى الأجير عن طعام المؤجر بطعام نفسه أو غيره] # (4234) فصل: وإن استغنى الأجير عن طعام المؤجر بطعام نفسه، أو غيره، أو ~~عجز عن الأكل لمرض أو غيره، لم تسقط نفقته، وكان له المطالبة ms2774 بها؛ لأنها ~~عوض، فلا تسقط بالغنى عنه، كالدرهم. وإن احتاج لدواء لمرضه، لم يلزم ~~المستأجر ذلك؛ لأنه لم يشرط له الإطعام إلا صحيحا، لكن يلزمه له بقدر طعام ~~الصحيح يشتري له الأجير ما يصلح له؛ لأن ما زاد على طعام الصحيح لم يقع ~~العقد عليه، فلا يلزم به، كالزائد في القدر. ### | [فصل دفع إليه طعامه فأحب الأجير أن يستفضل بعضه لنفسه] # (4235) فصل: إذا دفع إليه طعامه، فأحب الأجير أن يستفضل بعضه لنفسه، نظرت ~~فإن كان المؤجر دفع إليه أكثر من الواجب، ليأكل قدر حاجته، ويفضل الباقي، ~~أو كان في تركه لأكله كله ضرر على المؤجر، بأن يضعف عن العمل، أو يقل لبن ~~الظئر، منع منه؛ لأنه في الصورة الأولى لم يملكه إياه، وإنما أباحه أكل قدر ~~حاجته، وفي الثانية على المؤجر ضرر بتفويت بعض ماله من منفعته، فمنع منه، ~~كالجمال إذا امتنع من علف الجمال. وإن دفع إليه قدر الواجب من غير زيادة، ~~أو دفع إليه أكثر، وملكه إياه، ولم يكن في تفضيله لبعضه ضرر بالمؤجر، جاز؛ ~~لأنه حق لا ضرر على المؤجر فيه، فأشبه الدراهم. ### | [فصل قدم إلي الأجير طعاما فنهب أو تلف قبل أكله] # (4236) فصل: وإن قدم إليه طعاما، فنهب أو تلف قبل أكله، نظرت؛ فإن كان ~~على مائدة لا يخصه فيها بطعامه، فهو من ضمان المستأجر؛ لأنه لم يسلمه إليه، ~~فكان تلفه من ماله، وإن خصه بذلك، وسلمه إليه، فهو من ضمان الأجير؛ لأنه ~~تسليم عوض على وجه التمليك، أشبه البيع. ### | [فصل دفع إلى رجل ثوبا وقال بعه بكذا فما ازددت فهو لك] # فصل: إذا دفع إلى رجل ثوبا، وقال: بعه بكذا، فما ازددت فهو لك. صح، نص ~~عليه أحمد، في رواية أحمد بن سعيد. وروي ذلك عن ابن عباس. وبه قال ابن ~~سيرين، وإسحاق. وكرهه النخعي، وحماد، وأبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وابن ~~المنذر؛ لأنه أجر مجهول، يحتمل الوجود والعدم. ولنا ما روى عطاء، عن ابن ~~عباس، أنه كان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل الرجل الثوب ms2775 أو غير ذلك، فيقول: ~~بعه بكذا وكذا، فما ازددت فهو لك # ولا يعرف له في عصره مخالف. ولأنها عين تنمى بالعمل فيها، أشبه دفع مال ~~المضاربة. # PageV05P366 # إذا ثبت هذا، فإن باعه بزيادة، فهي له؛ لأنه جعلها أجرة، وإن باعه بالقدر ~~المسمى من غير زيادة، فلا شيء له؛ لأنه جعل له الزيادة، ولا زيادة هاهنا، ~~فهو كالمضارب إذا لم يربح. وإن باعه بنقص عنه، لم يصح البيع؛ لأنه وكيل ~~مخالف. وإن تعذر رده، ضمن النقص. وقد قال أحمد: يضمن النقصان مطلقا. وهذا ~~قد مضى مثله في الوكالة # وإن باعه نسيئة، لم يصح البيع؛ لأن إطلاق البيع يقتضي النقد، لما في ~~النسيئة من ضرر التأخير والخطر بالمال، ليحصل له نفع الربح. ويفارق المضارب ~~على رواية، حيث يجوز له البيع نساء؛ لأنه يحصل لرب المال نفع بما يحصل من ~~الربح في مقابلة ضرره بالنسيئة، وها هنا لا فائدة لرب المال في الربح بحال، ~~ولأن مقصود المضاربة تحصيل الربح، وهو في النسيئة أكثر، وها هنا ليس مقصود ~~رب المال الربح، ولا حظ له فيه، فلا فائدة له في النسيئة # وقال أحمد، في رواية الأثرم: ليس له شيء. يعني إذا زاد على العشرة؛ لأن ~~الإطلاق إنما اقتضى بيعها حالا، فإذا باع نسيئة، فلم يمتثل الأمر، فلم ~~يستحق شيئا. ### | [فصل لا بأس أن يحصد الزرع ويصرم النخل بسدس ما يخرج منه] # (4238) فصل: قال أحمد، في رواية مهنا: لا بأس أن يحصد الزرع، ويصرم ~~النخل، بسدس ما يخرج منه، وهو أحب إلي من المقاطعة. إنما جاز هاهنا؛ لأنه ~~إذا شاهده فقد علمه بالرؤية، وهي أعلى طرق العلم، ومن علم شيئا علم جزأه ~~المشاع، فيكون أجرا معلوما # واختاره أحمد على المقاطعة مع أنها جائزة؛ لأنه ربما لم يخرج من الزرع ~~مثل الذي قاطعه عليه، وها هنا يكون أقل منه ضرورة. ### | [مسألة استئجار الظئر بطعامها وكسوتها] # (4239) مسألة قال: (وكذلك الظئر) يعني أنه يجوز استئجارها بطعامها ~~وكسوتها. وقد ذكرنا ذلك، والخلاف فيه. وأجمع أهل العلم على جواز استئجار ~~الظئر، وهي: ms2776 المرضعة. وهو في كتاب الله تعالى، في قوله سبحانه وتعالى: {فإن ~~أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] . واسترضع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لولده إبراهيم. ولأن الحاجة تدعو إليه فوق دعائها إلى غيره، فإن ~~الطفل في العادة إنما يعيش بالرضاع، وقد يتعذر رضاعه من أمه، فجاز ذلك ~~كالإجارة في سائر المنافع # ، ثم ننظر؛ فإن استأجرها للرضاع دون الحضانة، أو للحضانة دون الرضاع، أو ~~لهما، جاز. وإن أطلق العقد على الرضاع، فهل تدخل فيه الحضانة؟ فيه وجهان # PageV05P367 # أحدهما لا تدخل. وهو قول أبي ثور، وابن المنذر؛ لأن العقد ما تناولها. ~~والثاني: تدخل. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأن العرف جار بأن المرضعة تحضن ~~الصبي، فحمل الإطلاق على ما جرى به العرف والعادة # ولأصحاب الشافعي وجهان، كهذين. والحضانة: تربية الصبي، وحفظه، وجعله في ~~سريره، وربطه، ودهنه، وكحله، وتنظيفه، وغسل خرقه، وأشباه ذلك، واشتقاقه من ~~الحضن، وهو ما تحت الإبط وما يليه. وسميت التربية حضانة تجوزا، من حضانة ~~الظئر لبيضه وفراخه؛ لأنه يجعلها تحت جناحيه، فسميت تربية الصبي بذلك أخذا ~~من فعل الطائر. (4240) فصل: ويشترط لهذا العقد أربعة شروط أحدها أن تكون ~~مدة الرضاع معلومة؛ لأنه لا يمكن تقديره إلا بها، فإن السقي والعمل فيها ~~يختلف # الثاني معرفة الصبي بالمشاهدة؛ لأن الرضاع يختلف باختلاف الصبي، في كبره ~~وصغره، ونهمته وقناعته. وقال القاضي: يعرف بالصفة، كالراكب. الثالث، موضع ~~الرضاع؛ لأنه يختلف، فيشق عليها في بيته، ويسهل عليها في بيتها. الرابع، ~~معرفة العوض، وكونه معلوما، كما سبق. ### | [فصل المعقود عليه في الرضاع] # (4241) فصل: واختلف في المعقود عليه في الرضاع، فقيل: هو خدمة الصبي ~~وحمله ووضع الثدي في فمه واللبن تبع، كالصبغ في إجارة الصباغ، وماء البئر ~~في الدار؛ لأن اللبن عين من الأعيان، فلا يعقد عليه في الإجارة، كلبن غير ~~الآدمي وقيل: هو اللبن. قال القاضي: هو أشبه؛ لأنه المقصود دون الخدمة، ~~ولهذا لو أرضعته دون أن تخدمه، استحقت الأجرة، ولو خدمته بدون الرضاع، لم ~~تستحق شيئا، ولأن الله تعالى قال: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: ms2777 ~~6] # فجعل الأجر مرتبا على الإرضاع، فيدل على أنه المعقود عليه. ولأن العقد لو ~~كان على الخدمة، لما لزمها سقيه لبنها. وأما كونه عينا، فإنما جاز العقد ~~عليه في الإجارة رخصة؛ لأن غيره لا يقوم مقامه، والضرورة تدعو إلى ~~استيفائه، وإنما جاز هذا في الآدميين دون سائر الحيوان، للضرورة إلى حفظ ~~الآدمي، والحاجة إلى إبقائه. # PageV05P368 ### | [فصل على المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر به لبنها ويصلح به] # (4242) فصل: وعلى المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر به لبنها، ويصلح به، ~~وللمكتري مطالبتها بذلك؛ لأنه من تمام التمكين من الرضاع، وفي تركه إضرار ~~بالصبي. ومتى لم ترضعه، وإنما أسقته لبن الغنم، أو أطعمته، فلا أجر لها؛ ~~لأنها لم توف المعقود عليه، فأشبه ما لو اكتراها لخياطة ثوب، فلم تخطه # وإن دفعته إلى خادمتها فأرضعته، فكذلك. وبه قال أبو ثور. وقال أصحاب ~~الرأي: لها أجرها؛ لأن رضاعه حصل بفعلها. ولنا أنها لم ترضعه، فأشبه ما لو ~~سقته لبن الغنم وإن اختلفا، فقالت: أرضعته. فأنكر المسترضع، فالقول قولها؛ ~~لأنها مؤتمنة. ### | [فصل للرجل أن يؤجر أمته ومدبرته وأم ولده ومن علق عتقها بصفة والمأذون لها في التجارة للإرضاع] # (4243) فصل: ويجوز للرجل أن يؤجر أمته، ومدبرته، وأم ولده، ومن علق عتقها ~~بصفة، والمأذون لها في التجارة، للإرضاع؛ لأنه عقد على منفعتها، أشبه ~~إجارتها للخدمة. وليس لواحدة منهن إجارة نفسها؛ لأن نفعها لسيدها. وإن كان ~~لها ولد، لم تجز إجارتها للإرضاع، إلا أن يكون لبنها فضل عن ريه؛ لأن الحق ~~لولدها، وليس لسيدها إلا ما فضل عنه. وإن كانت مزوجة، لم تجز إجارتها لذلك ~~إلا بإذنه؛ لأنه يفوت حق الزوج، لاشتغالها عنه بإرضاع الصبي وحضانته # فإن أجرها للرضاع، ثم زوجها، صح النكاح، ولا ينفسخ عقد الإجارة، ويكون ~~للزوج أن يستمتع بها في حال فراغها من الرضاع والحضانة. وقال مالك: ليس ~~لزوجها وطؤها إلا برضى المستأجر؛ لأنه ينقص اللبن، وقد يقطعه. ولنا أن وطء ~~الزوج مستحق، فلا يسقط لأمر مشكوك فيه. وليس للسيد إجارة مكاتبته؛ لأن ~~منافعها إليها، ولذلك ms2778 لم يملك سيدها تزويجها، ولا وطأها، ولا إجارتها في ~~غير الرضاع # ولها أن تؤجر نفسها؛ لأنه من جهات الاكتساب. ### | [فصل استئجار أمه وأخته وابنته لرضاع ولده] # (4244) فصل: ويجوز للرجل استئجار أمه، وأخته، وابنته، لرضاع ولده، وكذلك ~~سائر أقاربه، بغير خلاف. وإن استأجر امرأته لرضاع ولده منها، جاز. هذا ~~الصحيح من مذهب أحمد، وذكره الخرقي فقال: وإن أرادت الأم أن ترضعه بأجر ~~مثلها، فهي أحق به من غيرها، سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقته. وقال ~~القاضي: ليس لها ذلك # وتأول كلام الخرقي على أنها في حبال زوج آخر. وهذا قول أصحاب الرأي. وحكي ~~عن الشافعي؛ لأنه قد استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض، فلا يجوز أن يلزمه ~~عوض آخر لذلك. # PageV05P369 # ولنا أن كل عقد يصح أن تعقده مع غير الزوج، يصح أن تعقده معه، كالبيع، ~~ولأن منافعها في الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج، بدليل أنه لا يملك ~~إجبارها على حضانة ولدها، ويجوز لها أن تأخذ عليها العوض من غيره، فجاز لها ~~أخذه منه، كثمن مالها # وقولهم: إنها استحقت عوض الحبس والاستمتاع. قلنا: هذا غير الحضانة، ~~واستحقاق منفعة من وجه، لا يمنع استحقاق منفعة سواها بعوض آخر، كما لو ~~استأجرها أولا ثم تزوجها. وتأويل القاضي كلام الخرقي، يخالف الظاهر من ~~وجهين أحدهما أن الألف واللام في الزوج للمعهود، وهو زوجها أبو الطفل. ~~والثاني أنها إذا كانت في حبال زوج آخر، لا تكون أحق به، بل يسقط حقها من ~~الحضانة، ثم ليس لها أن ترضع إلا بإذن زوجها، ففسد التأويل. ### | [فصل فسخ الإجارة بموت المرضعة] # (4245) فصل: وتنفسخ الإجارة بموت المرضعة؛ لفوات المنفعة بهلاك محلها. ~~وحكي عن أبي بكر: أنها لا تنفسخ، ويجب في مالها أجر من ترضعه تمام الوقت؛ ~~لأنه كالدين. ولنا أنه هلك المعقود عليه، أشبه ما لو هلكت البهيمة ~~المستأجرة. وإن مات الطفل انفسخ العقد؛ لأنه يتعذر استيفاء المعقود عليه، ~~لأنه لا يمكن إقامة غيره مقامه، لاختلاف الصبيان في الرضاع، واختلاف اللبن ~~باختلافهم، فإنه قد يدر على أحد الولدين دون الآخر. ms2779 وهذا منصوص الشافعي # وإذا انفسخ العقد عقيبه، بطلت الإجارة من أصلها، ورجع المستأجر بالأجر ~~كله، وإن كان في أثناء المدة، رجع بحصة ما بقي. ### | [مسألة استحباب إعطاء الظئر عند الفطام عبدا أو أمة كراء المرضع] # (4246) مسألة قال: (ويستحب أن تعطى عند الفطام عبدا أو أمة، كما جاء في ~~الخبر، إذا كان المسترضع موسرا) يعني بالخبر، ما روى أبو داود، بإسناده، عن ~~هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج الأسلمي، عن أبيه، قال: «قلت: يا ~~رسول الله، ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: الغرة العبد أو الأمة» . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال ابن الجوزي: المذمة، بكسر الذال، من ~~الذمام، وبفتحها من الذم # قال ابن عقيل: إنما خص الرقبة بالمجازاة بها دون غيرها؛ لأن فعلها في ~~إرضاعه وحضانته، سبب حياته وبقائه وحفظ رقبته، فاستحب جعل الجزاء هبتها ~~رقبة، ليناسب ما بين النعمة والشكر، ولهذا جعل الله تعالى المرضعة أما، ~~فقال تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: 23] . وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكا فيعتقه» . وإن ~~كانت المرضعة مملوكة، استحب إعتاقها؛ لأنه # PageV05P370 # يحصل أخص الرقاب بها، وتحصل به المجازاة التي جعلها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مجازاة للوالد من النسب. ### | [مسألة اكترى دابة إلى موضع فجاوزه] # (4247) مسألة؛ قال: (ومن اكترى دابة إلى موضع، فجاوزه، فعليه الأجرة ~~المذكورة، وأجرة المثل لما جاوزه، وإن تلفت فعليه أيضا قيمتها) (4248) ~~الكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما: في الأجر الواجب، وهو المسمى، ~~وأجر المثل للزائد. نص عليه أحمد ولا خلاف فيه بين أصحابنا، ذكر القاضي ~~ذلك. وروى الأثرم # بإسناده عن أبي الزناد، أنه ذكر فقهاء المدينة السبعة، وقال: ربما ~~اختلفوا في الشيء، فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأيا، فكان الذي وعيت عنهم ~~على هذه الصفة، أن من اكترى دابة إلى بلد، ثم جاوز ذلك إلى بلد سواه، فإن ~~الدابة إن سلمت في ذلك كله، أدى كراءها وكراء ما بعدها، وإن تلفت في تعديه ~~بها ضمنها، وأدى كراءها الذي ms2780 تكاراها به. وهذا قول الحكم، وابن شبرمة، ~~والشافعي. وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا أجر عليه لما زاد؛ لأن المنافع ~~عندهما لا تضمن في الغصب # وحكي عن مالك أنه إذا تجاوز بها إلى مسافة بعيدة، يخير صاحبها بين أجر ~~المثل وبين المطالبة بقيمتها يوم التعدي؛ لأنه متعد بإمساكها، حابس لها عن ~~أسواقها، فكان لصاحبها تضمينها إياه. ولنا أن العين باقية بحالها، يمكن ~~أخذها، فلم تجب قيمتها، كما لو كانت المسافة قريبة. وما ذكره تحكم لا دليل ~~عليه، ولا نظير له، فلا يجوز المصير إليه. وقد مضى الكلام مع أبي حنيفة في ~~الغصب # (4249) الفصل الثاني: في الضمان، ظاهر كلام الخرقي وجوب قيمتها إذا تلفت ~~به، سواء تلفت في الزيادة، أو بعد ردها إلى المسافة، وسواء كان صاحبها مع ~~المكتري، أو لم يكن. وهذا ظاهر مذهب الفقهاء السبعة، إذا تلفت حال التعدي؛ ~~لما حكينا عنهم. وقال القاضي: إن كان المكتري نزل عنها وسلمها إلى صاحبها، ~~ليمسكها أو يسقيها، فتلفت، فلا ضمان على المكتري، وإن هلكت والمكتري راكب ~~عليها، أو حمله عليها، فعليه ضمانها. وقال أبو الخطاب: إن كانت يد صاحبها ~~عليها، احتمل أن يلزم المكتري جميع قيمتها، واحتمل أن يلزمه نصف قيمتها # وقال أصحاب الشافعي: إن لم يكن صاحبها معها، لزم المكتري قيمتها كلها. ~~وإن كان # PageV05P371 # معها فتلفت في يد صاحبها، لم يضمنها المكتري؛ لأنها تلفت في يد صاحبها، ~~أشبه ما لو تلفت بعد مدة التعدي. وإن تلفت تحت الراكب ففيه قولان أحدهما ~~يلزمه نصف قيمتها؛ لأنها تلفت بفعل مضمون وغير مضمون، أشبه ما لو تلفت ~~بجراحته وجراحة مالكها. والثاني تقسط القيمة على المسافتين، فما قابل مسافة ~~الإجارة سقط، ووجب الباقي. # ونحو هذا قول أبي حنيفة، فإنه قال: من اكترى جملا لحمل تسعة، فحمل عشرة، ~~فتلف، فعلى المكتري عشر قيمته. وموضع الخلاف في لزوم كمال القيمة إذا كان ~~صاحبها مع راكبها، أو تلفت في يد صاحبها. فأما إذا تلفت حال التعدي، ولم ~~يكن صاحبها مع راكبها، فلا خلاف في ضمانها بكمال قيمتها؛ لأنها ms2781 تلفت في يد ~~عادية، فوجب ضمانها كالمغصوبة. وكذلك إذا تلفت تحت الراكب، أو تحت حمله، ~~وصاحبها معها؛ لأن اليد للراكب وصاحب الحمل، بدليل أنهما لو تنازعا دابة ~~أحدهما راكبها، أو له عليها حمل، والآخر آخذ بزمامها، لكانت للراكب ولصاحب ~~الحمل # ولأن الراكب متعد بالزيادة، وسكوت صاحبها لا يسقط الضمان، كمن جلس إلى ~~إنسان فحرق ثيابه وهو ساكت. ولأنها إن تلفت بسبب تعبها، فالضمان على ~~المتعدي، كمن ألقى حجرا في سفينة موقرة فغرقها. فأما إن تلفت في يد صاحبها ~~بعد نزول الراكب عنها، فينظر فإن كان تلفها بسبب تعبها بالحمل والسير، فهو ~~كما لو تلفت تحت الحمل والراكب، وإن تلفت بسبب آخر من افتراس سبع أو سقوط ~~في هوة ونحو ذلك، فلا ضمان فيها؛ لأنها لم تتلف في يد عادية، ولا بسبب ~~عدوان # وقولهم: تلفت بفعل مضمون وغير مضمون، أشبه ما لو تلفت بجراحتين يبطل بما ~~إذا قطع السارق، ثم قطع آخر يده عدوانا، فمات منهما، وفارق ما إذا جرح نفسه ~~وجرحه غيره؛ لأن الفعلين عدوان، فقسم الضمان عليهما. (4250) فصل: ولا يسقط ~~الضمان بردها إلى المسافة. وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي. وقال ~~محمد: يسقط، كما لو تعدى في الوديعة، ثم ردها # ولنا أنها يد ضامنة، فلا يزول الضمان عنها إلا بإذن جديد، ولم يوجد. وما ~~ذكروه في الوديعة لا نسلمه إلا أن يردها إلى مالكها، أو يجدد له إذنا. # PageV05P372 ### | [مسألة اكترى لحمولة شيء فزاد عليه] # (4251) مسألة قال: (وكذلك إن اكترى لحمولة شيء، فزاد عليه) وجملة ذلك أن ~~من اكترى لحمل شيء، فزاد عليه، مثل أن يكتريها لحمل قفيزين، فحمل ثلاثة، ~~فحكمه حكم من اكترى إلى موضع فجاوزه، في وجوب الأجر، وأجر المثل لما زاد، ~~ولزوم الضمان إن تلفت. هذا قول الشافعي. وحكى القاضي أن قول أبي بكر في هذه ~~المسألة وجوب أجر المثل في الجميع، وأخذه من قوله في من استأجر أرضا ~~ليزرعها شعيرا، فزرعها حنطة، قال عليه أجر المثل للجميع؛ لأنه عدل عن ~~المعقود عليه إلى غيره # ، فأشبه ms2782 ما لو استأجر أرضا، فزرع أخرى # فجمع القاضي بين مسألة الخرقي ومسألة أبي بكر، وقال: ينقل قول كل واحد من ~~إحدى المسألتين إلى الأخرى، لتساويهما في أن الزيادة لا تتميز، فيكون في ~~المسألتين وجهان. # وليس الأمر كذلك، فإن بين المسألتين فرقا ظاهرا، فإن الذي حصل التعدي فيه ~~في الحمل متميز عن المعقود عليه، وهو القفيز الزائد، بخلاف الزرع، ولأنه في ~~مسألة الحمل استوفى المنفعة المعقود عليها وزاد، وفي الزرع لم يزرع ما وقع ~~العقد عليه، ولهذا علله أبو بكر بأنه عدل عن المعقود عليه، ولا يصح هذا ~~القول في مسألة الحمل، فإنه قد حمل المعقود عليه وزاد عليه، بل إلحاق هذه ~~المسألة بما إذا اكترى مسافة فزاد عليها أشد، وشبهها بها أشد، ولأنه في ~~مسألة الحمل متعد بالزيادة وحدها، وفي مسألة الزرع متعد بالزرع كله، فأشبه ~~الغاصب. # فأما مسألة الزرع فيما إذا اكترى أرضا ليزرع الشعير، فزرع حنطة، فقد نص ~~أحمد، في رواية عبد الله، فقال: ينظر ما يدخل على الأرض من النقصان ما بين ~~الحنطة والشعير، فيعطي رب الأرض. فجعل هذه المسألة كمسألتي الخرقي، في ~~إيجاب المسمى وأجر المثل للزائد. ووجهه أنه لما عين الشعير، لم يتعين، ولم ~~يتعلق العقد بعينه، كما سبق ذكره، ولهذا قلنا: له زرع مثله، وما هو دونه في ~~الضرر. فإذا زرع حنطة، فقد استوفى حقه وزيادة، أشبه ما لو اكتراها إلى موضع ~~فجاوزه # وقال أبو بكر: له أجر المثل. # وعلله بأنه عدل عن المعقود عليه، فإن الحنطة ليست شعيرا وزيادة. وإن ~~قلنا: إنه قد استوفى المعقود عليه وزيادة، غير أن الزيادة ليست متميزة عن ~~المعقود عليه. بخلاف مسألتي الخرقي. وقال الشافعي: المكتري يخير بين أخذ ~~الكراء وما نقصت الأرض عما ينقصها الشعير، وبين أخذ كراء مثلها للجميع؛ لأن ~~هذه المسألة أخذت شبها من أصلين: أحدهما إذا ركب دابة فجاز بها المسافة ~~المشروطة؛ لكونه استوفى المعقود عليه وزيادة # والثاني إذا استأجر أرضا فزرع غيرها؛ لأنه زرع متعديا، فلهذا خيره ~~بينهما، ولأنه وجد سبب يقتضي كل ms2783 واحد من الحكمين، وتعذر الجمع بينهما، فكان ~~له أوفرهما # وفوض اختياره إلى المستحق، # PageV05P373 # كقتل العمد. ومن نصر أبا بكر، قال: هذا متعد بالزرع كله، فكان عليه أجر ~~المثل، كالغاصب، ولهذا يملك رب الأرض منعه من زرعه، ويملك أخذه بنفقته إذا ~~زرعه. ويفارق من زاد على حقه زيادة متميزة، فإنه غير متعد بالجميع، إنما ~~تعدى بالزيادة وحدها، ولهذا لا يملك المكري منعه من الجميع # ونظير هاتين المسألتين، من اكترى غرفة ليجعل فيها أقفزة حنطة، فترك فيها ~~أكثر منها، ومن اكتراها ليجعل فيها قنطارا من القطن، فجعل فيها قنطارا من ~~حديد، ففي الأولى، له المسمى وأجر الزيادة، وفي الثانية يخرج فيها من ~~الخلاف مثل ما قلنا في مسألة الزرع. # وحكم المستأجر الذي يزرع أضر مما اكترى له حكم الغاصب، لرب الأرض منعه في ~~الابتداء، لما يلحقه من الضرر، فإن زرع فرب الأرض مخير بين ترك الزرع ~~بالأجر، وبين أخذه ودفع النفقة، وإن لم يعلم حتى أخذ المستأجر زرعه، فله ~~الأجرة لا غير، على ما ذكرنا في باب الغصب. ### | [فصل اكترى دابة إلى مسافة فسلك أشق منها] # (4252) فصل: وإن اكترى دابة إلى مسافة، فسلك أشق منها، فهي مثل مسألة ~~الزرع، يخرج فيها وجهان، قياس المنصوص عن أحمد، أن له الأجر المسمى وزيادة، ~~لكون المسافة لا تتعين على قول أصحابنا، وقياس قول أبي بكر، أن له أجر ~~المثل؛ لأن الزيادة غير متميزة، ولأنه متعد بالجميع، بدليل أن لرب الدابة ~~منعه من سلوك تلك الطريق كلها، بخلاف من سلك تلك الطريق وجاوز، فإنه إنما ~~يمنعه الزيادة لا غير. وإن اكترى لحمل قطن فحمل بوزنه حديدا، أو لحمل حديد ~~فحمل قطنا، فالصحيح أن عليه أجر المثل هاهنا؛ لأن ضرر أحدهما مخالف لضرر ~~الآخر، فلم يتحقق كون المحمول مشتملا على المستحق بعقد الإجارة وزيادة ~~عليه، بخلاف ما قبلها من المسائل. وسائر مسائل العدوان في الإجارة يقاس على ~~ما ذكرنا من المسائل ما كان متميزا، وما لم يكن متميزا فتلحق كل مسألة ~~بنظيرتها. ### | [فصل أكراه لحمل قفيزين فحملهما ms2784 فوجدهما ثلاثة] # (4253) فصل: إذا أكراه لحمل قفيزين، فحملهما، فوجدهما ثلاثة، فإن كان ~~المكتري تولى الكيل ولم يعلم المكري بذلك، فحكمه حكم من اكترى لحمولة شيء ~~فزاد عليه، وإن كان المكري تولى كيله وتعبئته ولم يعلم المكتري، فهو غاصب ~~لا أجر له في حمل الزائد. وإن تلفت دابته، فلا ضمان لها؛ لأنها تلفت بعدوان ~~صاحبها، وحكمه في ضمان الطعام، حكم من غصب طعام غيره # وإن تولى ذلك أجنبي، ولم يعلم المكري والمكتري، فهو متعد عليهما، يلزمه ~~لصاحب الدابة الأجر، ويتعلق به الضمان، ويلزمه لصاحب الطعام ضمان طعامه، ~~وسواء كاله أحدهما ووضعه الآخر على ظهر الدابة، أو كان الذي كاله وعبأه ~~وضعه على ظهرها. # PageV05P374 # وقال أصحاب الشافعي، في أحد الوجهين: إذا كاله المكتري ووضعه المكري على ~~ظهر البهيمة، لا ضمان على المكتري؛ لأن المكري مفرط في حمله. ولنا أن ~~التدليس من المكتري، إذ أخبره بكيلها على خلاف ما هو به، فلزمه الضمان، كما ~~لو أمر أجنبيا بتحميلها # فأما إن كالها المكتري، ورفعها المكري على الدابة. عالما بكيلها، لم يضمن ~~المكتري دابته إذا تلفت؛ لأنه فعل ذلك من غير تدليس ولا تغرير. وهل له أجر ~~القفيز الزائد؟ يحتمل وجهين أحدهما لا أجر له؛ لأن المكتري لم يجعل له على ~~ذلك أجرا. والثاني له أجر الزائد، لأنهما اتفقا على حمله على سبيل الإجارة، ~~فجرى مجرى المعاطاة في البيع ودخول الحمام من غير تقدير أجره. وإن كاله ~~المكري، وحمله المكتري على الدابة عالما بذلك من غير أن يأمره بحمله عليها، ~~فعليه أجر القفيز الزائد # وإن أمره بحمله عليها، ففي وجوب الأجر وجهان، كما لو حمله المكري عليها؛ ~~لأنه إذا أمر به كان ذلك كفعله، وإن كاله أحدهما وحمله أجنبي بأمره، فهو ~~كما لو حمله الذي كاله، وإن كان بأمر الآخر، فهو كما لو حمله الآخر، وإن ~~حمله بغير أمرهما، فهو كما لو كاله ثم حمله. ### | [مسألة لا يجوز أن يكتري مدة غزاته] # (4254) مسألة قال: (ولا يجوز أن يكتري مدة غزاته) هذا قول أكثر أهل ~~العلم، ms2785 منهم الأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال مالك: قد عرف وجه ذلك، ~~وأرجو أن يكون حقيقا. ولنا أن هذه إجارة، في مدة مجهولة، وعمل مجهول، فلم ~~يجز، كما لو اكتراها لمدة سفره في تجارته، ولأن مدة الغزاة تطول وتقصر، ولا ~~حد لها تعرف به، والعمل فيها يقل ويكثر، ونهاية سفرهم تقرب وتبعد، فلم يجز ~~التقدير بها، كغيرها من الأسفار المجهولة # فإن فعل ذلك، فله أجر المثل؛ لأنه عقد على عوض لم يسلم له، لفساد العقد، ~~فوجب أجر المثل، كسائر الإجارات الفاسدة. ### | [مسألة اكترى فرسا مدة غزوه كل يوم بدرهم] # (4255) مسألة قال: (فإن سمى لكل يوم شيئا معلوما، فجائز) وجملته أن من ~~اكترى فرسا مدة غزوه، كل يوم بدرهم، فالمنصوص عن أحمد صحته. وقال الشافعي: ~~هذا فاسد؛ لأن مدة الإجارة مجهولة. ولنا، أن عليا، - رضي الله عنه - أجر ~~نفسه كل دلو بتمرة، وكذلك الأنصاري، ولم ينكره النبي # PageV05P375 # - صلى الله عليه وسلم - ولأن كل يوم معلوم مدته وأجرته، فصح، كما لو قال: ~~أجرتكها شهرا، كل يوم بدرهم. أو قال: استأجرتك لنقل هذه الصبرة، كل قفيز ~~بدرهم # ولا بد من تعيين ما يستأجر له، إما لركوب، أو حمل معلوم. ويستحق الأجر ~~المسمى لكل يوم، سواء كانت مقيمة أو سائرة؛ لأن المنافع ذهبت في مدته، ~~فأشبه ما لو اكترى دارا، فأغلقها ولم يسكنها. # وإن أجر نفسه لسقي نخل، كل دلو بتمرة، أو بفلس، أو أجر معلوم، جاز؛ للأثر ~~الوارد فيه. ولأن كل عمل معلوم له عوض معلوم، فجاز، كما لو سمى دلاء معروفة # ولا بد من معرفة الدلو والبئر وما يستسقى به؛ لأن العمل يختلف به. ### | [فصل استأجر دابة في عشرة أيام بعشرة دراهم] # (4256) فصل: ونقل أبو الحارث، عن أحمد في رجل استأجر دابة، في عشرة أيام، ~~بعشرة دراهم، فإن حبسها أكثر من ذلك، فله بكل يوم درهم، فهو جائز. ونقل ابن ~~منصور عنه، في من اكترى دابة من مكة إلى جدة بكذا، فإن ذهب إلى عرفات بكذا، ~~فلا بأس. ونقل عبد الله عنه لو ms2786 قال: أكريتكها بعشرة. فما حبسها فعليه كل ~~يوم عشرة. وهذه الروايات تدل على أن مذهبه أنه متى قدر لكل عمل معلوم أجرا ~~معلوما، صح # وتأول القاضي هذا كله، على أنه يصح في الأول ويفسد في الثاني؛ لأن مدته ~~غير معلومة، فلم يصح العقد فيه، كما لو قال: استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة، ~~وهي عشرة. أقفزة، بدرهم، وما زاد فبحسبان ذلك. والظاهر خلاف هذا؛ فإن قوله: ~~فهو جائز. عاد إلى جميع ما ذكر قبله، وكذلك قوله: لا بأس. ولأن لكل عمل ~~عوضا معلوما، فصح، كما لو استقى له كل دلو بتمرة، وقد ثبت الأصل بالخبر ~~الوارد فيه، ومسألة الصبرة لا نص فيها عن الإمام # وقياس نصوصه صحة الإجارة، وإن سلم فسادها، فلأن القفزان التي شرط حملها ~~غير معلومة بتعيين ولا صفة، وهي مختلفة، فلم يصح العقد لجهالتها، بخلاف ~~الأيام، فإنها معلومة. ### | [فصل قال إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم] # (4257) فصل: وإن قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم، وإن خطته غدا فلك ~~نصف درهم. فعن أحمد فيه روايتان؛ إحداهما، لا يصح، وله أجر المثل. نقلها ~~أبو الحارث، عن أحمد. وهذا مذهب مالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ~~ثور؛ لأنه عقد واحد، اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير، فلم يصح، كما لو ~~قال: بعتك نقدا بدرهم أو بدرهمين نسيئة. والثانية يصح # وهو قول الحارث العكلي، وأبي يوسف، ومحمد؛ لأنه سمى لكل عمل عوضا معلوما، ~~فصح، كما لو قال: كل دلو بتمرة. # PageV05P376 # وقال أبو حنيفة: إن خاطه اليوم فله درهم، وإن خاطه غدا لا يزاد على درهم، ~~ولا ينقص عن نصف درهم؛ لأن المؤجر قد جعل له نصف درهم، فلا ينقص منه، وهو ~~قد رضي في أكثر العملين بدرهم، فلا يزاد عنه. وهذا لا يصح؛ لأنه إن صح ~~العقد فله المسمى، وإن فسد فوجوده كالعدم، ويجب أجر المثل، كسائر العقود ~~الفاسدة. ### | [فصل قال إن خطته روميا فلك درهم وإن خطته فارسيا فلك نصف درهم] # (4258) فصل: وإن قال: ms2787 إن خطته روميا فلك درهم، وإن خطته فارسيا فلك نصف ~~درهم. ففيها وجهان، بناء على التي قبلها. والخلاف فيها كالتي قبلها؛ إلا أن ~~أبا حنيفة وافق صاحبيه في الصحة هاهنا. ولنا أنه عقد معاوضة لم يتعين فيه ~~العوض ولا المعوض، فلم يصح. كما لو قال: بعتك هذا بدرهم، أو هذا بدرهمين. ~~وفارق هذا " كل دلو بتمرة " من وجهين؛ أحدهما، أن العمل الثاني ينضم إلى ~~العمل الأول، ولكل واحد منهما عوض مقدر، فأشبه ما لو قال: بعتك هذه الصبرة، ~~كل قفيز بدرهم # وها هنا الخياطة واحدة شرط فيها عوضا إن وجدت على صفة، وعوضا آخر إن وجدت ~~على أخرى، فأشبه ما لو باعه بعشرة صحاح، أو أحد عشر مكسرة. والثاني أنه وقف ~~الإجارة على شرط، بقوله: إن خطته كذا فلك كذا، وإن خطته كذا فلك كذا. بخلاف ~~قوله: كل دلو بتمرة. ### | [فصل استأجر من حمال إلى مصر بأربعين دينارا] # (4259) فصل: ونقل مهنا، عن أحمد في من استأجر من حمال إلى مصر بأربعين ~~دينارا، فإن نزل دمشق فكراؤه ثلاثون، فإن نزل الرقة فكراؤه عشرون. فقال إذا ~~اكترى إلى الرقة بعشرين، واكترى إلى دمشق بعشرة، واكترى إلى مصر بعشرة، ~~جاز، ولم يكن للحمال أن يرجع. فظاهر هذا، أنه لم يحكم بصحة العقد الأول؛ ~~لأنه في معنى بيعتين في بيعة، لكونه خيره بين ثلاثة عقود. ويخرج فيه أن يصح ~~بناء على المسألتين قبل هذا # ونقل البرزاطي، عن أحمد، في رجل استأجر رجلا يحمل له كتابا إلى الكوفة، ~~وقال: إن وصلت الكتاب يوم كذا وكذا فلك عشرون، وإن تأخرت بعد ذلك بيوم فلك ~~عشرة. فالإجارة فاسدة، وله أجر مثله. وهذا مثل الذي قبله. ونقل عبد الله، ~~في من اكترى دابة، وقال: إن رددتها غدا فكراؤها عشرة، وإن رددتها اليوم ~~فكراؤها خمسة. فلا بأس. وهذه الرواية تدل على صحة الإجارة، والظاهر عن ~~أحمد، في رواية الجماعة، فيما ذكرنا، فساد العقد، وهو قياس بيعتين في بيعة. ~~والله أعلم. ### | [فصل مسائل الصبرة] # (4260) فصل: في مسائل الصبرة، وفيها عشر ms2788 مسائل، أحدها، قال استأجرتك ~~لتحمل لي هذه الصبرة إلى مصر بعشرة. فالإجارة صحيحة، بغير خلاف # PageV05P377 # نعلمه؛ لأن الصبرة معلومة بالمشاهدة التي يجوز بيعها بها، فجاز الاستئجار ~~عليها، كما لو علم كيلها. الثانية، قال: استأجرتك لتحملها لي كل قفيز ~~بدرهم. فيصح أيضا. وبه قال الشافعي # وقال أبو حنيفة: يصح في قفيز، ويبطل فيما زاد. ومبنى الخلاف على الخلاف ~~في بيعها، وقد ذكرناه. الثالثة، قال: لتحملها لي قفيزا بدرهم، وما زاد ~~فبحساب ذلك. فيجوز، كما لو قال: كل قفيز بدرهم. وكذلك كل لفظ يدل على إرادة ~~حمل جميعها، كقوله: لتحمل منها قفيزا بدرهم، وسائرها أو باقيها بحساب ذلك. ~~أو قال: وما زاد بحساب ذلك. يريد به باقيها كله، إذا فهما ذلك من اللفظ، ~~لدلالته عندهما عليه، أو لقرينة صرفت إليه # الرابعة، قال: لتحمل منها قفيزا بدرهم، وما زاد فبحساب ذلك. يريد مهما ~~حملت من باقيها. فلا يصح. ذكره القاضي، وهو مذهب الشافعي؛ لأن المعقود عليه ~~بعضها، وهو مجهول. ويحتمل أن يصح؛ لأنه في معنى كل دلو بتمرة. الخامسة، ~~قال: لتنقل لي منها كل قفيز بدرهم. فهي كالرابعة سواء # السادسة، قال: لتحمل منها قفيزا بدرهم، على أن تحمل الباقي بحساب ذلك. ~~فلا يصح؛ لأنه في معنى بيعتين في بيعة. ويحتمل أن يصح؛ لأن معناه لتحمل لي ~~كل قفيز منها بدرهم. السابعة قال: لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، ~~وتنقل لي صبرة أخرى في البيت بحساب ذلك. فإن كانا يعلمان الصبرة التي في ~~البيت بالمشاهدة، صح فيهما؛ لأنهما كالصبرة الواحدة، وإن جهلها أحدهما، صح ~~في الأولى وبطل في الثانية؛ لأنهما عقدان أحدهما على معلوم، والثاني على ~~مجهول، فصح في المعلوم، وبطل في المجهول. كما لو قال: بعتك عبدي هذا بعشرة، ~~وعبدي الذي في البيت بعشرة # الثامنة، قال: لتحمل لي هذه الصبرة والتي في البيت بعشرة. فإن كانا ~~يعلمان التي في البيت، صح فيهما، وإن جهلاها، بطل فيهما؛ لأنه عقد واحد، ~~بعوض واحد، على معلوم ومجهول، بخلاف التي قبلها. فإن كانا يعلمان التي في ms2789 ~~البيت، لكنها مغصوبة، أو امتنع تصحيح العقد فيها لمانع اختص بها، بطل العقد ~~فيها. وفي صحته في الأخرى وجهان، بناء على تفريق الصفقة، إلا أنهما إن كانت ~~قفزانهما معلومة، أو قدر أحدهما معلوما من الأخرى، فالأولى صحته؛ لأن قسط ~~الأجر فيها معلوم، وإن لم يكن كذلك، فالأولى بطلانه؛ لجهالة العوض فيها # التاسعة، قال: لتحمل لي هذه الصبرة، وهي عشرة أقفزة، بدرهم، فإن زادت على ~~ذلك، فالزائد بحساب ذلك. صح في العشرة؛ لأنها معلومة، ولم يصح في الزيادة؛ ~~لأنها مشكوك فيها، ولا يجوز العقد على ما يشك فيه. # PageV05P378 # العاشرة، قال: لتحمل لي هذه الصبرة، كل قفيز بدرهم، فإن قدم لي طعام ~~فحملته، فبحساب ذلك. صح أيضا في الصبرة، وفسد في الزيادة؛ لما ذكرناه. ### | [مسألة اكترى إلى مكة فلم ير الجمال الراكبين والمحامل الأغطية والأوطئة] # (4261) مسألة قال: (ومن اكترى إلى مكة، فلم ير الجمال الراكبين، ~~والمحامل، والأغطية، والأوطئة، لم يجز الكراء) أجمع أهل العلم على إجازة ~~كراء الإبل إلى مكة وغيرها، وقد قال الله تعالى: {والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها} [النحل: 8] . ولم يفرق بين المملوكة والمكتراة. وروي عن ابن ~~عباس، في قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: ~~198] : أن تحج وتكري. ونحوه عن ابن عمر، ولأن بالناس حاجة إلى السفر، وقد ~~فرض الله تعالى عليهم الحج، وأخبر أنهم يأتون رجالا وعلى كل ضامر يأتين من ~~كل فج عميق. وليس لكل أحد بهيمة يملكها، ولا يقدر على معاناتها، والقيام ~~بها، والشد عليها، فدعت الحاجة إلى استئجارها، فجاز، دفعا للحاجة. إذا ثبت ~~هذا، فمن شرط صحة العقد معرفة المتعاقدين ما عقدا عليه؛ لأنه عقد معاوضة ~~محضة، فكان من شرطه المعرفة للمعقود عليه، كالبيع # فأما الجمال فيحتاج إلى معرفة الراكبين، والآلة التي يركبون فيها، من ~~محمل أو محارة وغيرها، وإن كان مقتبا ذكره، وهل يكون مغطى أو مكشوفا، فإن ~~كان مغطى احتيج إلى معرفة الغطاء، ويحتاج إلى معرفة الوطاء الذي يوطأ به ~~المحمل، والمعاليق التي معه من قربة وسطيحة وسفرة ونحوها، وذكر ms2790 سائر ما ~~يحمل معه. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، إلا أن الشافعي قال: ~~يجوز إطلاق غطاء المحمل؛ لأنه لا يختلف اختلافا متباينا # وحكي عنه في المعاليق قول، أنه يجوز إطلاقها، وتحمل على العرف. وحكي عن ~~مالك، أنه يجوز إطلاق الراكبين؛ لأن أجسام الناس متقاربة في الغالب. # PageV05P379 # وقال أبو حنيفة: إذا قال: في المحمل رجلان، وما يصلحهما من الوطاء ~~والدثر. جاز استحسانا؛ لأن ذلك يتقارب في العادة، فحمل على العادة، ~~كالمعاليق # وقال القاضي في غطاء المحمل كقول الشافعي. ولنا، أن هذا يختلف ويتباين ~~كثيرا، فاشترطت معرفته، كالطعام الذي يحمل معه. وقولهم: إن أجسام الناس ~~متقاربة. لا يصح؛ فإن منهم الكبير والصغير، والطويل والقصير، والسمين ~~والهزيل، والذكر والأنثى، ويختلفون بذلك، ويتباينون كثيرا، ويتفاوتون أيضا ~~في المعاليق، فمنهم من يكثر الزاد والحوائج، ومنهم من يقنع باليسير، ولا ~~عرف له يرجع إليه، فاشترطت معرفته، كالمحمل والأوطئة وكذلك غطاء المحمل، من ~~الناس من يختار الواسع الثقيل الذي يشتد على الحمل في الهواء، ومنهم من ~~يقنع بالضيق الخفيف، فتجب معرفته، كسائر ما ذكرنا # وأما المستأجر، فيحتاج إلى معرفة الدابة التي يركب عليها؛ لأن الغرض ~~يختلف بذلك، وتحصل بأحد أمرين إما بالرؤية، فيكتفى بها؛ لأنها أعلى طرق ~~العلم، إلا أن يكون مما يحتاج إلى معرفة صفة المسمى فيه، كالراهول وغيره، ~~فإما أن يجربه فيعلم ذلك برؤيته، وإما أن يصفه، وإما بالصفة، فإذا وجدت ~~اكتفي بها؛ لأنه يمكن ضبطه بالصفة، فجاز العقد عليه، كالبيع. # وإذا استأجر بالصفة للركوب، احتاج إلى ذكر الجنس، فيقول: إبل، أو خيل، أو ~~بغال، أو حمير. والنوع فيقول: بختي، أو عربي. وفي الخيل: عربي أو برذون. ~~وفي الحمير: مصري أو شامي. وإن كان في النوع ما يختلف، كالمهملج من الخيل، ~~والقطوف، احتيج إلى ذكره. وذكر القاضي أنه يحتاج إلى معرفة الذكورية ~~والأنوثية. وهو مذهب الشافعي؛ لأن الغرض يختلف بذلك، فإن الأنثى أسهل ~~والذكر أقوى # ويحتمل أنه لا يحتاج إلى معرفة ذلك؛ لأن التفاوت فيه يسير، ومتى كان ~~الكراء إلى مكة، فالصحيح أنه ms2791 لا يحتاج إلى ذكر الجنس ولا النوع؛ لأن العادة ~~أن الذي يحمل عليه في طريق مكة إنما هو الجمال العراب، دون البخاتي. ### | [فصل الكراء إلى مكة أو طريق لا يكون السير فيه إلى اختيار المتكاريين] # (4262) فصل: وإذا كان الكراء إلى مكة، أو طريق لا يكون السير فيه إلى ~~اختيار المتكاريين، فلا وجه لذكر تقدير السير فيه؛ لأن ذلك ليس إليهما، ولا ~~مقدورا عليه لهما. وإن كان في طريق السير فيه إليهما، استحب ذكر قدر السير ~~في كل يوم. فإن أطلق وللطريق منازل معروفة، جاز العقد عليه مطلقا؛ لأنه ~~معلوم بالعرف. ومتى اختلفا في ذلك، وفي ميقات السير ليلا أو نهارا، أو في ~~موضع المنزل، إما في داخل البلد أو خارج منه، حملا على العرف، كما لو أطلقا ~~الثمن في بلد فيه نقد معروف # وإن لم يكن للطريق عرف، وأطلقا العقد، فقال القاضي: لا يصح، كما لو أطلقا ~~الثمن في بلد لا عرف فيه. والأولى أن هذا ليس بشرط؛ لأنه # PageV05P380 # لو كان شرطا لما صح العقد بدونه في الطريق المخوف، ولأنه لم تجر العادة ~~بتقدير السير في طريق، ومتى اختلفا، رجع إلى العرف في غير تلك الطريق. ### | [فصل اشترط في كراء الإبل حمل زاد مقدر كمائة رطل] # (4263) فصل: وإن اشترط حمل زاد مقدر، كمائة رطل، نظرنا؛ فإن شرط أنه يبدل ~~منها ما نقص بالأكل أو غيره، فله ذلك، وإن شرط أن ما نقص بالأكل لا يبدله، ~~لم يكن له إبداله. فإن ذهب بغير الأكل، كسرقة أو سقوط، فله إبداله؛ لأن ذلك ~~لم يدخل في شرطه. وإن أطلق العقد، فله إبدال ما ذهب بسرقة أو سقوط أو أكل ~~غير معتاد، بغير خلاف. وإن نقص بالأكل المعتاد، فله إبداله أيضا؛ لأنه ~~استحق حمل مقدار معلوم، فملك إبدال ما نقص منه، كما لو نقص بسرقة # ويحتمل أنه لا يملك إبداله؛ لأن العرف جار بأن الزاد ينقص، فلا يبدل، ~~فحمل العقد عند الإطلاق على العرف، وصار كالمصرح به. وقال الشافعي: القياس ~~أن له إبداله. ولو ms2792 قيل: ليس له إبداله. كان مذهبا؛ لأن العادة أن الزاد لا ~~يبقى جميع المسافة، ولذلك يقل أجره عن أجر المتاع. ### | [فصل اكترى جملا ليحج عليه] # (4264) فصل: وإذا اكترى جملا ليحج عليه، فله الركوب عليه إلى مكة، ومن ~~مكة إلى عرفة، والخروج عليه إلى منى؛ لأنه من تمام الحج. وقيل: ليس له ~~الركوب إلى منى؛ لأنه بعد التحلل من الحج. والأولى أن له ذلك؛ لأنه من تمام ~~الحج وتوابعه، ولذلك وجب على من وجب عليه دون غيره، فدخل في قول الله ~~تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] # ومن اكترى إلى مكة فقط، فليس له الركوب إلى الحج؛ لأنها زيادة. ويحتمل أن ~~له ذلك؛ لأن الكراء إلى مكة عبارة عن الكراء للحج، لكونها لا يكترى إليها ~~إلا للحج غالبا، فكان بمنزلة المكتري للحج. ### | [فصل ما يلزم المكري والمكتري للركوب] # (4265) فصل: فيما يلزم المكري والمكتري للركوب، يلزم المكري كل ما جرت ~~العادة أن يوطأ به المركوب للراكب، من الحداجة للجمل، والقتب، والزمام الذي ~~يقاد به البعير، والبرة التي في أنف البعير، إن كانت العادة جارية بينهم ~~بها. وإن كان فرسا، فاللجام والسرج. وإن كان بغلا أو حمارا فالبرذعة ~~والإكاف؛ لأن هذا هو العرف، فحمل الإطلاق عليه. وعلى المكتري ما يزيد على ~~ذلك، كالمحمل، والمحارة، والحبل الذي يشد به بين المحملين أو المحارتين؛ ~~لأن ذلك من مصلحة المحمل، والوطاء الذي يشد فوق الحداجة تحت المحمل # وعلى المكري رفع المحمل، وحطه، وشده على الجمل، ورفع الأحمال وشدها ~~وحطها؛ لأن هذا هو العرف، وبه يتمكن من الركوب. ويلزمه القائد والسائق، # PageV05P381 # هذا إذا كان الكراء على أن يذهب مع المكتري، وإن كان على أن يتسلم الراكب ~~البهيمة يركبها لنفسه، فكل ذلك عليه؛ لأن الذي على المكري تسليم البهيمة، ~~وقد سلمها إليه. فأما الدليل فهو على المكتري؛ لأن ذلك خارج عن البهيمة ~~المكتراة وآلتها، فلم يلزمه، كالزاد. وقيل: إن كان اكترى منه بهيمة بعينها، ~~فأجرة الدليل على المكتري؛ لأنه الذي عليه أن ms2793 يسلم الظهر، وقد سلمه، وإن ~~كانت على حمله إلى مكان معين في الذمة، فهو على المكري؛ لأنه من مؤنة ~~إيصاله إليه، وتحصيله فيه. ### | [فصل كان الراكب ممن لا يقدر على الركوب والبعير قائم في كراء الإبل] # فصل: وإذا كان الراكب ممن لا يقدر على الركوب والبعير قائم، كالمرأة ~~والشيخ والضعيف والسمين وشبههم، فعلى الجمال أن يبرك الجمل لركوبه ونزوله؛ ~~لأنه لا يتمكن من الركوب والنزول إلا به. وإن كان ممن يمكنه الركوب والنزول ~~والبعير قائم، لم يلزم الجمال أن يبرك له الجمل؛ لأنه يمكن استيفاء المعقود ~~عليه بدون هذه الكلفة. وإن كان قويا حال العقد، فضعف في أثنائه، أو ضعيفا ~~فقوي، فالاعتبار بحال الركوب؛ لأن العقد اقتضى ركوبه بحسب العادة. ويلزم ~~الجمال أن يوقف البعير لينزل لصلاة الفريضة. # وقضاء حاجة الإنسان، وطهارته، ويدع البعير واقفا حتى يفعل ذلك؛ لأنه لا ~~يمكنه فعل شيء من هذا على ظهر البعير، وما أمكنه فعله عليه من الأكل والشرب ~~وصلاة النافلة من السنن وغيرها، لم يلزمه أن يبركه له، ولا يقف عليه من ~~أجله # وإن أراد المكتري إتمام الصلاة، وطالبه الجمال بقصرها، لم يلزمه ذلك؛ بل ~~تكون خفيفة في تمام. # ومن اكترى بعيرا لإنسان يركبه لنفسه، وسلمه إليه لم يلزمه سوى ذلك؛ لأنه ~~وفى له بما عقد عليه، فلم يلزمه شيء سواه. ### | [فصل اكترى ظهرا في طريق العادة فيه النزول والمشي عند اقتراب المنزل والمكتري امرأة أو ضعيف] # (4267) فصل: وإذا اكترى ظهرا في طريق العادة فيه النزول والمشي عند ~~اقتراب المنزل، والمكتري امرأة أو ضعيف، لم يلزمه النزول؛ لأنه اكتراه جميع ~~الطريق، ولم تجر له عادة بالمشي، فلزم حمله في جميع الطريق، كالمتاع. وإن ~~كان جلدا قويا، ففيه وجهان: أحدهما، لا يلزمه النزول أيضا؛ لأنه عقد على ~~جميع الطريق، فلا يلزمه تركه في بعضها كالضعيف. والثاني يلزمه؛ لأنه ~~متعارف، والمتعارف كالمشروط. ### | [فصل هروب الجمال من المستأجر في بعض الطريق أو قبل الدخول فيها] # (4268) فصل: وإن هرب الجمال في بعض الطريق، أو قبل الدخول فيها، ms2794 لم يخل ~~من حالين؛ # PageV05P382 # أحدهما، أن يهرب بجماله، فينظر؛ فإن لم يجد المستأجر حاكما، أو وجد حاكما ~~ولم يمكن إثبات الحال عنده، أو أمكن الإثبات عنده ولا يحصل له ما يكتري به ~~ما يستوفي حقه منه، فللمستأجر فسخ الإجارة؛ لأنه تعذر عليه قبض المعقود ~~عليه، فأشبه ما لو أفلس المشتري، أو انقطع المسلم فيه عند محله. فإن فسخ ~~العقد، وكان الجمال قد قبض الأجر، كان دينا في ذمته، وإن اختار المقام على ~~العقد، وكانت الإجارة على عمل في الذمة، فله ذلك، ومتى قدر على الجمال ~~طالبه به، وإن كان العقد على مدة انقضت في هربه، انفسخ العقد بذلك # وإن أمكنه إثبات الحال عند الحاكم، وكان العقد على موصوف غير معين، لم ~~ينفسخ العقد، ويرفع الأمر إلى الحاكم، ويثبت عنده، فينظر الحاكم، فإن وجد ~~للجمال مالا اكترى به له، وإن لم يجد له مالا، وأمكنه أن يقترض على الجمال ~~من بيت المال، أو من غيره ما يكتري له به، فعل، فإن دفع الحاكم المال إلى ~~المكتري ليكتري لنفسه به، جاز في ظاهر كلام أحمد. وإن اقترض عليه من ~~المكتري ما يكري به، جاز، وصار دينا في ذمة الجمال. وإن كان العقد على ~~معين، لم يجز إبداله، ولا اكتراء غيره؛ لأن العقد تعلق بعينه، فيتخير ~~المكتري بين الفسخ أو البقاء إلى أن يقدر عليه، فيطالبه بالعمل. # الحال الثاني إذا هرب الجمال، وترك جماله، فإن المكتري يرفع الأمر إلى ~~الحاكم، فإن وجد للجمال مالا، استأجر به من يقوم مقام الجمال في الإنفاق ~~على الجمال، والشد عليها، وحفظها وفعل ما يلزم الجمال فعله، فإن لم يجد له ~~غير الجمال، وكان فيها فضلة عن الكراء، باع بقدر ذلك، وإن لم يكن فيها فضل، ~~أو لم يمكن بيعه، اقترض عليه الحاكم، كما قلنا. وإن ادان من المكتري وأنفق، ~~جاز # وإن أذن للمكتري في الإنفاق من ماله بالمعروف، ليكون دينا على الجمال، ~~جاز؛ لأنه في موضع حاجة. وإذا رجع الجمال، واختلفا فيما أنفق، نظرنا؛ فإن ~~كان الحاكم ms2795 قدر له ما ينفق، قبل قوله في قدر ذلك، وما زاد لا يحتسب له، وإن ~~لم يقدر له، قبل قوله في قدر النفقة بالمعروف؛ لأنه أمين، وما زاد لا يرجع ~~به؛ لأنه متطوع به. وإذا وصل المكتري، رفع الأمر إلى الحاكم، ففعل ما يرى ~~الحظ فيه، من بيع الجمال، فيوفي عن الجمال ما لزمه من الدين للمكتري أو ~~لغيره، ويحفظ باقي الثمن له # وإن رأى بيع بعضها، وحفظ باقيها، والإنفاق على الباقي من ثمن ما باع، ~~جاز. وإن لم يجد حاكما، أو عجز عن استدانة، فله أن ينفق عليها، ويقيم مقام ~~الجمال فيما يلزمه، فإن فعل ذلك متبرعا، لم يرجع بشيء. وإن نوى الرجوع، ~~وأشهد على ذلك، رجع به؛ لأنه حال ضرورة. وهذا أحد الوجهين للشافعي. وإن لم ~~يشهد، ونوى الرجوع، ففي الرجوع وجهان؛ # PageV05P383 # أحدهما، يرجع به؛ لأن ترك الجمال مع العلم بأنها لا بد لها من نفقة إذن ~~في الإنفاق. والثاني لا يرجع به؛ لأنه يثبت لنفسه حقا على غيره # وكذلك إن لم يجد من يشهده فأنفق محتسبا بالرجوع. وقياس المذهب أن له ~~الرجوع؛ لقولنا: يرجع بما أنفق على الآبق، وعلى عيال الغائب وزوجاته، ~~والدابة المرهونة. ولو قدر على استئذان الحاكم، فأنفق من غير استئذانه، ~~وأشهد على ذلك، ففي رجوعه وجهان أيضا. وحكم موت الجمال، حكم هربه. وقال أبو ~~بكر: مذهب أحمد، أن الموت لا يفسخ الإجارة، وله أن يركبها، ولا يسرف في ~~علفها، ولا يقصر، ويرجع بذلك في مال المتوفى، فإن لم يكن في يد المستأجر ما ~~ينفقه، لم يجز أن يبيع منها شيئا؛ لأن البيع إنما يجوز من المالك، أو من ~~نائبه، أو ممن له ولاية عليه. ### | [فصل كراء العقبة] # (4269) فصل: قال أصحابنا: يصح كراء العقبة. وهو مذهب الشافعي، ومعناها: ~~الركوب في بعض الطريق، يركب شيئا ويمشي شيئا؛ لأنه إذا جاز اكتراؤها في ~~الجميع، جاز اكتراؤها في البعض. ولا بد من كونها معلومة، إما أن يقدرها ~~بفراسخ معلومة، وإما بالزمان، مثل أن يركب ليلا ويمشي نهارا، ويعتبر ms2796 في هذا ~~زمان السير دون زمان النزول. وإن اتفقا على أن يركب يوما ويمشي يوما، جاز. ~~فإن اكترى عقبة، وأطلق، احتمل أن يجوز، ويحمل على العرف # ويحتمل أن لا يصح؛ لأن ذلك يختلف، وليس له ضابط، فيكون مجهولا. وإن اتفقا ~~على أن يركب ثلاثة أيام، ويمشي ثلاثة أيام، أو ما زاد ونقص، جاز. وإن ~~اختلفا، لم يجبر الممتنع منهما؛ لأن فيه ضررا على كل واحد منهما؛ الماشي ~~لدوام المشي عليه، وعلى الجمل لدوام الركوب عليه، ولأنه إذا ركب بعد شدة ~~تعبه كان أثقل على البعير. # وإن اكترى اثنان جملا يركبانه عقبة وعقبة، جاز، ويكون كراؤهما طول ~~الطريق، والاستيفاء بينهما على ما يتفقان عليه. وإن تشاحا، قسم بينهما لكل ~~واحد منهما فراسخ معلومة، أو لأحدهما الليل وللآخر النهار. وإن كان لذلك ~~عرف، رجع إليه. وإن اختلفا في البادئ منهما، أقرع بينهما. ويحتمل أن لا يصح ~~كراؤهما، إلا أن يتفقا على ركوب معلوم لكل واحد منهما؛ لأنه عقد على مجهول ~~بالنسبة إلى كل واحد منهما، فلم يصح، كما لو اشتريا عبدين على أن لكل واحد ~~منهما عبدا معينا منهما. ### | [مسألة المعرفة بالوصف تقوم مقام الرؤية في الراكبين] # (4270) مسألة قال: (فإن رأى الراكبين، أو وصفا له، وذكر الباقي بأرطال ~~معلومة، فجائز) وجملته أن المعرفة بالوصف تقوم مقام الرؤية في الراكبين، ~~إذا وصفهما بما يختلفان به، في الطول # PageV05P384 # والقصر، والهزال والسمن، والصحة والمرض، والصغر والكبر، والذكورية ~~والأنوثية، والباقي يكفي فيه ذكر الوزن. وقال الشريف أبو جعفر، وأبو ~~الخطاب: لا بد من معرفة الراكبين بالرؤية؛ لأنه يختلف بثقله وخفته، وسكونه ~~وحركته، ولا ينضبط بالوصف، فيجب تعيينه وهذا مذهب الشافعي. ولهم في المحمل ~~وجه، أنه لا تكفي فيه الصفة، ويجب تعيينه # ولنا أنه عقد معاوضة مضاف إلى حيوان، فاكتفي فيه بالصفة، كالبيع، ~~وكالمركوب في الإجارة، ولأنه لو لم يكتف فيه بالصفة، لما جاز للراكب أن ~~يقيم غيره مقامه؛ لأنه إنما يعلم كونه مثله لتساويهما في الصفات، فما لا ~~تأتي عليه الصفات لا يعلم التساوي فيه، ولأن ms2797 الوصف يكتفى به في البيع، ~~فاكتفي به في الإجارة، كالرؤية، والتفاوت بعد ذكر الصفات الظاهرة يسير تجري ~~المسامحة فيه، كالمسلم فيه. ### | [فصل اكتراء الإبل والدواب للحمولة] # (4271) فصل: ويجوز اكتراء الإبل والدواب للحمولة، قال الله تعالى: {وتحمل ~~أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} [النحل: 7] . والحمولة ~~بالضم: الأحمال. والحمولة بالفتح: التي يحمل عليها. قال الله تعالى: {ومن ~~الأنعام حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] الحمولة: الكبار. والفرش: الصغار. ~~وقيل الحمولة: الإبل. والفرش: الغنم؛ لأنها لا تحمل، # ولا يحتاج إلى معرفة الحمولة؛ لأن الغرض حمل المتاع، دون ما يحمله، بخلاف ~~الركوب، فإن للراكب غرضا في المركوب، من سهولته وحاله وسرعته. وإن اتفق ~~وجود غرض في الحمولة، مثل أن يكون المحمول شيئا يضره كثرة الحركة، كالفاكهة ~~والزجاج، أو كون الطريق مما يعسر على بعضها دون بعض، فينبغي أن يذكر في ~~الإجارة. وأما الأحمال، فلا بد من معرفتها، فإن لم يعرفها، لم يجز؛ لأن ذلك ~~يتفاوت كثيرا، ويختلف الغرض به # فإن شرط أن تحمل ما شاء، بطل؛ لأن ذلك لا يمكن الوفاء به، ويدخل فيه ما ~~يقتل البهيمة. وإن قال: احتمل عليها طاقتها. لم يجز أيضا؛ لأن ذلك لا ضابط ~~له. وتحصل المعرفة بطريقين: المشاهدة؛ لأنها من أعلى طرق العلم، والصفة. ~~ويشترط في الصفة معرفة شيئين: القدر والجنس؛ لأن الجنس يختلف تعب البهيمة ~~باختلافه، مع التساوي في القدر، فإن القطن يضر بها من وجه، وهو أنه ينتفخ ~~على البهيمة. # فيدخل فيه الريح فيثقل، ومثله من الحديد يؤذي من جهة أخرى، وهو أنه يجتمع ~~على موضع من البهيمة، فربما عقرها، فلا بد من بيانه. # PageV05P385 # وأما الظروف، فإن دخلت في الوزن، لم يحتج إلى ذكرها، وإن لم توزن، فإن ~~كانت ظروفا معروفة، لا تختلف، كغرائر الصوف والشعر ونحوها، جاز العقد عليها ~~من غير تعيين؛ لأنها قلما تتفاوت تفاوتا كثيرا فتسميتها تكفي، وإن كانت ~~تختلف، فلا بد من معرفتها بالتعيين أو الصفة. وذكر ابن عقيل، أنه إذا قال: ~~أكريتكها لتحمل عليها ثلاثمائة رطل مما شئت # جاز، وملك ذلك، ms2798 لكن لا يحمله حملا يضر بالحيوان، مثل ما لو أراد حمل حديد ~~أو زئبق، ينبغي أن يفرقه على ظهر الحيوان، فلا يجتمع في موضع واحد من ظهره، ~~ولا يجعله في وعاء يتموج فيه، فيكد البهيمة ويتعبها. وإن اكترى ظهرا للحمل ~~موصوفا بجنس، فأراد حمله على غير ذلك الجنس، وكان الطالب لذلك المستأجر، لم ~~يقبل منه؛ لأنه لا يملك المطالبة بما لم يعقد عليه، وإن طلبه المؤجر، وكان ~~يفوت به غرض للمستأجر، مثل أن يكون غرضه الاستعجال في السير، أو أن لا ~~ينقطع عن القافلة، فيتعين الخيل أو البغال، أو يكون غرضه سكون الحمولة لكون ~~الحمولة مما يضرها الهز، أو قوتها وصبرها لطول الطريق وثقل الحمولة فيعين ~~الإبل، لم يجز العدول عنه؛ لأنه يفوت غرض المستأجر، فلم يجز ذلك، كما في ~~المركوب # وإن لم يفوت غرضا، جاز، كما يجوز لمن اكترى على حمل شيء حمل مثله، أو أقل ~~ضررا منه. ### | [فصل كراء الدابة للعمل] # (4272) فصل: ويجوز كراء الدابة للعمل؛ لأنها منفعة مباحة، خلقت الدابة ~~لها، فجاز الكراء لها، كالركوب. # وإن اكترى بقرا للحرث، جاز؛ لأن البقر خلقت للحرث، ولذلك قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «بينما رجل يسوق بقرة، أراد أن يركبها، فقالت: إني لم ~~أخلق لهذا، إنما خلقت للحرث» . متفق عليه. ويحتاج إلى شرطين: معرفة الأرض، ~~وتقدير العمل، فأما الأرض فلا تعرف إلا بالمشاهدة؛ لأنها تختلف، فتكون صلبة ~~تتعب البقر والحراث، وقد يكون فيها حجارة تتعلق بالسكة، وتكون رخوة سهلة ~~يسهل حرثها، ولا تأتي الصفة عليها، فيحتاج إلى رؤيتها. # وأما تقدير العمل، فيجوز بأحد شيئين؛ إما بالمدة، كيوم ويومين، وإما ~~الأرض، كهذه القطعة، أو من هذا المكان إلى هذا المكان، أو بالمساحة، كمدى ~~أو مديين، ونحو ذلك، كل ذلك جائز؛ لأن العلم يحصل به. فإن قدره بالمدة، فلا ~~بد من معرفة البقر التي يعمل عليها؛ لأن الغرض يختلف باختلافها في القوة ~~والضعف. ويجوز أن يستأجر البقر مفردة ليتولى رب الأرض الحرث بها. ويجوز أن ~~يستأجرها مع صاحبها ليتولى الحرث بها. ms2799 ويجوز استئجارها بآلتها من الفدان ~~والنير، واستئجارها بدون آلتها، وتكون # PageV05P386 # الآلة من عند صاحب الأرض. # ويجوز استئجار البقر وغيرها لدراس الزرع؛ لأنها منفعة مباحة مقصودة، ~~فأشبهت الحرث. ويجوز على مدة أو زرع معين، أو موصوف، كما ذكرناه في الحرث. ~~ومتى كان على مدة، احتيج إلى معرفة الحيوان الذي يعمل عليه ليعرف قوته أو ~~ضعفه، وإن كان على عمل غير مقدر بالمدة احتاج إلى معرفة جنس الحيوان؛ لأن ~~الغرض يختلف به، فمنه ما روثه طاهر، ومنه ما روثه نجس، ولا يحتاج إلى معرفة ~~عين الحيوان # ويجوز أن يستأجر الحيوان بآلته، وبغير آلته، مع صاحبه، ومنفردا عنه. كما ~~ذكرنا في الحرث. ### | [فصل استئجار بهيمة لإدارة الرحى] # (4273) فصل: ويجوز استئجار بهيمة لإدارة الرحى، ويفتقر إلى شيئين؛ معرفة ~~الحجر، إما بمشاهدة، وإما بصفة تحصل بها معرفته؛ لأن عمل البهيمة يختلف فيه ~~بثقله وخفته، فيحتاج صاحبها إلى معرفته. وتقدير العمل، إما بالزمان، فيقول: ~~يوما أو يومين. أو بالطعام فيقول: قفيزا أو قفيزين. ويذكر جنس المطحون إن ~~كان يختلف؛ لأن منه ما يسهل طحنه، ومنه ما يصعب. وكذلك إن اكتراها لإدارة ~~دولاب، فلا بد من مشاهدته، ومشاهدة دولابه، لاختلافها، وتقدير ذلك بالزمان، ~~أو ملء هذا الحوض، أو هذه البركة # وكذلك إن اكتراها للاستقاء بالغرب، فلا بد من معرفته؛ لأنه يختلف بكبره ~~وصغره، ويقدر بالزمان، أو بعدد الغروب، أو بملء بركة أو حوض. ولا يجوز ~~تقدير ذلك بسقي أرض؛ لأن ذلك يختلف، فقد تكون الأرض عطشانة لا يرويها ~~القليل، وتكون قريبة العهد بالماء فيكفيها القليل، فيكون ذلك مجهولا. وإن ~~قدره بسقي ماشية، احتمل أن لا يجوز لذلك. ويحتمل أن يجوز؛ لأن شربها يتقارب ~~في الغالب. # ويجوز استئجار دابة ليستقي عليها ماء، ولا بد من معرفة الآلة التي يستقي ~~بها، من راوية، أو قرب أو جرار، ومعرفة ذلك إما بالرؤية، وإما بالصفة، ~~ويقدر العمل إما بالزمان، وإما بعدد المرات، وإما بملء شيء معين، فإن قدره ~~بعدد المرات، احتاج إلى معرفة الموضع الذي يستقي منه، والذي يذهب إليه؛ لأن ms2800 ~~ذلك يختلف بالقرب والبعد والسهولة والحزونة، وإن قدره بملء شيء معين، احتاج ~~إلى معرفته، ومعرفة ما يستقي منه. # ويجوز أن يكتري البهيمة بآلتها وبدونها، مع صاحبه ووحدها. وإن اكتراها ~~لبل تراب معروف، جاز؛ لأن ذلك معلوم بالعرف. وكل موضع وقع العقد على مدة ~~فلا بد من معرفة الظهر الذي يعمل عليه؛ لأن الغرض يختلف باختلافها في القوة ~~والضعف. وإن وقع على عمل معين، لم يحتج إلى معرفتها؛ لأنه لا يختلف. # PageV05P387 # ويحتمل أن يحتاج إلى ذلك في استيفاء الماء عليه؛ لأن منه ما روثه طاهر ~~وجسمه طاهر بغير خلاف، كالخيل والبقر # ومنه ما روثه نجس ويختلف في نجاسة جسمه، كالبغال والحمير، فربما نجس به ~~المستقي أو دلوه، فيتنجس الماء به، فيختلف الغرض بذلك، فتجب معرفته. ### | [فصل اكترى حيوانا لعمل لم يخلق له] # (4274) فصل: وإذا اكترى حيوانا لعمل لم يخلق له، مثل أن اكترى البقر ~~للركوب أو الحمل عليها، أو اكترى الإبل والحمر للحرث، جاز؛ لأنها منفعة ~~مقصودة، أمكن استيفاؤها من الحيوان، لم يرد الشرع بتحريمها، فجاز، كالذي ~~خلقت له، ولأن مقتضى الملك جواز التصرف بكل ما تصلح له العين المملوكة، ~~ويمكن تحصيله منها، ولا يمتنع ذلك إلا بمعارض راجح، إما ورود نص بتحريمه، ~~أو قياس صحيح، أو رجحان مضرته على منفعته، وليس هاهنا واحد منها، وكثير من ~~الناس من الأكراد وغيرهم يحملون على البقر ويركبونها # وفي بعض البلدان يحرثون على الإبل والبغال والحمير، فيكون معنى خلقها ~~للحرث إن شاء الله، أن معظم الانتفاع بها فيه، ولا يمنع ذلك الانتفاع بها ~~في شيء آخر، كما أن الخيل خلقت للركوب والزينة، ويباح أكلها، واللؤلؤ خلق ~~للحلية، ويجوز استعماله في الأدوية وغيرها. والله أعلم. ### | [مسألة الأجير على ضربين خاص ومشترك] # (4275) مسألة وقال: (وما حدث في السلعة من يد الصانع، ضمن) وجملته أن ~~الأجير على ضربين خاص، ومشترك، فالخاص: هو الذي يقع العقد عليه في مدة ~~معلومة، يستحق المستأجر نفعه في جميعها، كرجل استؤجر لخدمة، أو عمل في بناء ~~أو خياطة، أو رعاية، يوما أو ms2801 شهرا، سمي خاصا لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك ~~المدة دون سائر الناس. والمشترك: الذي يقع العقد معه على عمل معين، كخياطة ~~ثوب، وبناء حائط، وحمل شيء إلى مكان معين، أو على عمل في مدة لا يستحق جميع ~~نفعه فيها، كالكحال، والطبيب، سمي مشتركا لأنه يتقبل أعمالا لاثنين وثلاثة ~~وأكثر في وقت واحد # ويعمل لهم، فيشتركون في منفعته واستحقاقها، فسمي مشتركا لاشتراكهم في ~~منفعته. فالأجير المشترك هو الصانع الذي ذكره الخرقي، وهو ضامن لما جنت ~~يده، فالحائك إذا أفسد حياكته ضامن لما أفسد. # نص أحمد على هذه المسألة، في رواية ابن منصور. والقصار ضامن لما يتخرق من ~~دقه أو مده أو عصره أو بسطه. والطباخ ضامن لما أفسد من طبيخه. والخباز ضامن ~~لما أفسد من خبزه، والحمال يضمن ما يسقط من حمله عن رأسه، أو تلف من عثرته. ~~والجمال يضمن ما تلف بقوده، وسوقه، وانقطاع حبله الذي يشد به حمله # والملاح يضمن ما تلف من يده، # PageV05P388 # أو جذفه، أو ما يعالج به السفينة. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وعبد الله بن ~~عتبة، وشريح، والحسن، والحكم. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحد قولي ~~الشافعي، وقال في الآخر: لا يضمن، ما لم يتعد. قال الربيع: هذا مذهب ~~الشافعي، وإن لم يبح به # وروي ذلك عن عطاء، وطاوس، وزفر؛ لأنها عين مقبوضة بعقد الإجارة، فلم تصر ~~مضمونة، كالعين المستأجرة. ولنا ما روى جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي أنه ~~كان يضمن الصباغ والصواغ، وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك. وروى الشافعي، في " ~~مسنده "، بإسناده عن علي، أنه كان يضمن الأجراء، ويقول: لا يصلح الناس إلا ~~هذا. ولأن عمل الأجير المشترك مضمون عليه، فما تولد منه يجب أن يكون ~~مضمونا، كالعدوان بقطع عضو، بخلاف الأجير الخاص # والدليل على أن عمله مضمون عليه، أنه لا يستحق العوض إلا بالعمل، وأن ~~الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله، لم يكن له أجر فيما عمل فيه، وكان ذهاب ~~عمله من ضمانه، بخلاف الخاص، فإنه إذا أمكن المستأجر ms2802 من استعماله، استحق ~~العوض بمضي المدة وإن لم يعمل، وما عمل فيه من شيء فتلف من حرزه، لم يسقط ~~أجره بتلفه. ### | [فصل الأجير المشترك يضمن إذا كان يعمل في ملك نفسه] # (4276) فصل: ذكر القاضي أن الأجير المشترك إنما يضمن إذا كان يعمل في ملك ~~نفسه، مثل الخباز يخبز في تنوره وملكه، والقصار والخياط في دكانيهما، قال: ~~ولو دعا الرجل خبازا، فخبز له في داره، أو خياطا أو قصارا ليقصر ويخيط ~~عنده، لا ضمان عليه فيما أتلف، ما لم يفرط؛ لأنه سلم نفسه إلى المستأجر، ~~فيصير كالأجير الخاص. قال: ولو كان صاحب المتاع مع الملاح في السفينة، أو ~~راكبا على الدابة فوق حمله، فعطب الحمل، لا ضمان على الملاح والمكاري؛ لأن ~~يد صاحب المتاع لم تزل # ولو كان رب المتاع والجمال راكبين على الحمل، فتلف حمله، لم يضمنه ~~الجمال؛ لأن رب المتاع لم يسلمه إليه. ومذهب مالك والشافعي نحو هذا. قال ~~أصحاب الشافعي: لو كان العمل في دكان الأجير، والمستأجر حاضر، أو اكتراه ~~ليعمل له شيئا، وهو معه لم يضمن؛ لأن يده عليه، فلم يضمن من غير جناية، ~~ويجب له أجر عمله؛ لأن يده عليه، فكلما عمل شيئا صار مسلما إليه. فظاهر ~~كلام الخرقي، أنه لا فرق بين كونه في ملك نفسه أو ملك مستأجره، أو كان صاحب ~~العمل حاضرا عنده أو غائبا عنه، أو كونه مع الملاح أو الجمال أو لا # وكذلك قال ابن عقيل: ما تلف بجناية الملاح بجذفه، أو بجناية المكاري بشده ~~المتاع، ونحوه، فهو مضمون عليه، سواء كان # PageV05P389 # صاحب المتاع معه، أو لم يكن؛ لأن وجوب الضمان عليه لجناية يده، فلا فرق ~~بين حضور المالك وغيبته، كالعدوان، ولأن جناية الجمال والملاح، إذا كان ~~صاحب المتاع راكبا معه، يعم المتاع وصاحبه، وتفريطه يعمهما، فلم يسقط ذلك ~~الضمان، كما لو رمى إنسانا متترسا، فكسر ترسه وقتله، ولأن الطبيب والختان ~~إذا جنت يداهما ضمنا مع حضور المطبب والمختون. وقد ذكر القاضي أنه لو كان ~~جمال يحمل على رأسه ورب المتاع ms2803 معه، فعثر، فسقط المتاع، فتلف، ضمن، وإن ~~سرق، لم يضمن؛ لأنه في العثار تلف بجنايته، والسرقة ليست من جنايته. # ورب المال لم يحل بينه وبينه. وهذا يقتضي أن تلفه بجنايته مضمون عليه، ~~سواء حضر رب المال أو غاب، بل وجوب الضمان في محل النزاع أولى؛ لأن الفعل ~~في ذلك إلى الموضع مقصود لفاعله، والسقطة من الحمال غير مقصودة له، فإذا ~~وجب الضمان هاهنا، فثم أولى. ### | [فصل كان المستأجر على حمله عبيدا صغارا أو كبارا] # (4277) فصل: وذكر القاضي أنه إذا كان المستأجر على حمله عبيدا صغارا أو ~~كبارا، فلا ضمان على المكاري فيما تلف من سوقه وقوده، إذ لا يضمن بني آدم ~~من جهة الإجارة؛ لأنه عقد على منفعة # والأولى وجوب الضمان؛ لأن الضمان هاهنا من جهة الجناية، فوجب أن يعم بني ~~آدم وغيرهم، كسائر الجنايات. وما ذكره ينتقض بجناية الطبيب والختان. ### | [فصل الأجير الخاص] # (4278) فصل: فأما الأجير الخاص فهو الذي يستأجر مدة، فلا ضمان عليه، ما ~~لم يتعد. قال أحمد، في رواية مهنا، في رجل أمر غلامه يكيل لرجل بزرا، فسقط ~~الرطل من يده، فانكسر: لا ضمان عليه. فقيل: أليس هو بمنزلة القصار؟ قال: ~~لا، القصار مشترك. قيل: فرجل اكترى رجلا يستقي ماء، فكسر الجرة؟ فقال: لا ~~ضمان عليه. قيل له: فإن اكترى رجلا يحرث له على بقرة، فكسر الذي يحرث به # قال: فلا ضمان عليه. وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة وأصحابه. وظاهر مذهب ~~الشافعي وله قول آخر: أن جميع الأجراء يضمنون. وروى في مسنده، عن علي - رضي ~~الله عنه - أنه كان يضمن الأجراء، ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا. ولنا أن ~~عمله غير مضمون عليه، فلم يضمن ما تلف به، كالقصاص وقطع يد السارق. وخبر ~~علي مرسل، والصحيح فيه أنه كان يضمن الصباغ والصواغ # ، وإن روي مطلقا، حمل على هذا فإن المطلق يحمل على المقيد. ولأن الأجير ~~الخاص نائب عن المالك في صرف منافعه إلى ما أمره به، فلم يضمن من غير تعد، ~~كالوكيل والمضارب. فأما ما يتلف بتعديه، ms2804 فيجب ضمانه، مثل # PageV05P390 # الخباز الذي يسرف في الوقود، أو يلزقه قبل وقته، أو يتركه بعد وقته حتى ~~يحترق؛ لأنه تلف بتعديه، فضمنه، كغير الأجير. ### | [فصل استأجر الأجير المشترك أجيرا خاصا] # (4279) فصل: وإذا استأجر الأجير المشترك أجيرا خاصا، كالخياط في دكان ~~يستأجر أجيرا مدة، يستعمله فيها، فتقبل صاحب الدكان خياطة ثوب، ودفعه إلى ~~أجيره، فخرقه أو أفسده، لم يضمنه؛ لأنه أجير خاص، ويضمنه صاحب الدكان؛ لأنه ~~أجير مشترك. ### | [فصل أتلف الصانع الثوب بعد عمله] # (4280) فصل: إذا أتلف الصانع الثوب بعد عمله، فصاحبه مخير بين تضمينه ~~إياه غير معمول ولا أجر له، وبين تضمينه إياه معمولا ويدفع إليه أجره. ولو ~~وجب عليه ضمان المتاع المحمول، فصاحبه مخير بين تضمينه قيمته في الموضع ~~الذي سلمه إليه ولا أجر له، وبين تضمينه إياه في الموضع الذي أفسده ويعطيه ~~الأجر إلى ذلك المكان. وإنما كان كذلك؛ لأنه إذا أحب تضمينه معمولا، أو في ~~المكان الذي أفسده فيه، فله ذلك؛ لأنه ملكه في ذلك الموضع على تلك الصفة، ~~فملك المطالبة بعوضه حينئذ، وإن أحب تضمينه قبل ذلك، فلأن أجر العمل لا ~~يلزمه قبل تسليمه إليه، وما سلم إليه، فلا يلزمه. ### | [فصل دفع إلى حائك غزلا فقال انسجه لي عشرة أذرع في عرض ذراع فنسجه زائدا على ما قدر له] # (4281) فصل: إذا دفع إلى حائك غزلا، فقال: انسجه لي عشرة أذرع في عرض ~~ذراع. فنسجه زائدا على ما قدر له في الطول والعرض، فلا أجر له في الزيادة؛ ~~لأنه غير مأمور بها، وعليه ضمان نقص الغزل المنسوج فيها، فأما ما عدا ~~الزائد فينظر فيه؛ فإن كان جاء به زائدا في الطول وحده، ولم ينقص الأصل ~~بالزيادة فله ما سمى له من الأجر، كما لو استأجره على أن يضرب له مائة ~~لبنة، فضرب له مائتين، إن جاء به زائدا في العرض وحده، أو فيهما، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما: لا أجر له؛ لأنه مخالف لأمر المستأجر، فلم يستحق شيئا، كما ~~لو استأجره على بناء حائط عرض ذراع، فبناه عرض ذراعين ms2805 # والثاني له المسمى؛ لأنه زاد على ما أمر به، فأشبه زيادة الطول. ومن قال ~~بالوجه الأول، فرق بين الطول والعرض، بأنه يمكن قطع الزائد في الطول، ويبقى ~~الثوب على ما أراد، ولا يمكن ذلك في العرض. وأما إن جاء به ناقصا في الطول ~~والعرض، أو في أحدهما، ففيه أيضا وجهان؛ أحدهما، لا أجر له، وعليه ضمان نقص ~~الغزل؛ لأنه مخالف لما أمر به، فأشبه ما لو استأجره على بناء حائط عرض ~~ذراع، فبناه عرض نصف ذراع. # PageV05P391 # والثاني له بحصته من المسمى، كمن استؤجر على ضرب لبن فضرب بعضه # ويحتمل أنه إن جاء به ناقصا في العرض، فلا شيء له، وإن كان ناقصا في ~~الطول، فله بحصته من المسمى؛ لما ذكرنا من الفرق بين الطول والعرض. وإن جاء ~~به زائدا في أحدهما، ناقصا في الآخر، فلا أجر له في الزائد، وهو في الناقص ~~على ما ذكرنا من التفصيل فيه. وقال محمد بن الحسن في الموضعين: يخير صاحب ~~الثوب بين دفع الثوب إلى النساج ومطالبته بثمن غزله، وبين أن يأخذه ويدفع ~~إليه المسمى في الزائد، أو بحصة المنسوج في الناقص؛ لأن غرضه لم يسلم له، ~~لأنه ينتفع بالطويل ما لا ينتفع بالقصير، وينتفع بالقصير ما لا ينتفع ~~بالطويل، فكأنه أتلف عليه غزله # ولنا أنه وجد عين ماله، فلم يكن له المطالبة بعوضه، كما لو جاء به زائدا ~~في الطول وحده. فأما إن أثرت الزيادة أو النقص في الأصل، مثل أن يأمره بنسج ~~عشرة أذرع ليكون الثوب خفيفا، فنسجه خمسة عشر، فصار صفيقا، أو أمره بنسجه ~~خمسة عشر ليكون صفيقا، فنسجه عشرة، فصار خفيفا، فلا أجر له بحال، وعليه ~~ضمان نقص الغزل؛ لأنه لم يأت بشيء مما أمر به. ### | [فصل دفع إلى خياط ثوبا فقال إن كان يقطع قميصا فاقطعه فقال هو يقطع وقطعه فلم يكف] # (4282) فصل: إذا دفع إلى خياط ثوبا، فقال: إن كان يقطع قميصا فاقطعه. ~~فقال: هو يقطع. وقطعه، فلم يكف، فعليه ضمانه. وإن قال: انظر هذا يكفيني ~~قميصا؟ قال: ms2806 نعم. قال: اقطعه. فقطعه، فلم يكفه، لم يضمن. وبهذا قال ~~الشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: لا ضمان عليه في المسألتين؛ لأنه لو ~~كان غره في الأولى، لكان قد غره في الثانية # ولنا أنه إنما أذن له في الأولى بشرط كفايته، فقطعه بدون شرطه، وفي ~~الثانية أذن له من غير شرط، فافترقا، ولم يجب عليه الضمان في الأولى ~~لتغريره، بل لعدم الإذن في قطعه؛ لأن إذنه مقيد بشرط كفايته، فلا يكون إذنا ~~في غير ما وجد فيه الشرط، بخلاف الثانية. ### | [فصل أمره أن يقطع الثوب قميص رجل فقطعه قميص امرأة] # (4283) فصل: فإن أمره أن يقطع الثوب قميص رجل، فقطعه قميص امرأة، فعليه ~~غرم ما بين قيمته صحيحا ومقطوعا؛ لأن هذا قطع غير مأذون فيه، فأشبه ما لو ~~قطعه من غير إذن. وقيل: يغرم ما بين قميص امرأة وقميص رجل؛ لأنه مأذون في ~~قميص في الجملة. والأول أصح؛ لأن المأذون فيه قميص موصوف بصفة، فإذا قطع ~~قميصا غيره، لم يكن فاعلا لما أذن فيه، فكان متعديا بابتداء القطع، ولذلك ~~لا يستحق على القطع أجرا، ولو فعل ما أمر به، لاستحق أجره. # PageV05P392 # (4284) فصل: وإن اختلفا، فقال: أذنت لي في قطعه قميص امرأة. وقال: بل ~~أذنت لك في قطعه قميص رجل. أو قال: أذنت لي في قطعه قميصا. قال: بل قباء. ~~أو قال الصباغ: أمرتني بصبغه أحمر. قال: بل أسود. فالقول قول الخياط ~~والصباغ. نص عليه أحمد، في رواية ابن منصور. وهذا قول ابن أبي ليلى. وقال ~~مالك، وأبو حنيفة، وأبو ثور: القول قول رب الثوب. واختلف أصحاب الشافعي، ~~فمنهم من قال: له قولان، كالمذهبين # ومنهم من قال: له قول ثالث أنهما يتحالفان، كالمتبايعين يختلفان في ~~الثمن. ومنهم من قال: الصحيح أن القول قول رب الثوب؛ لأنهما اختلفا في صفة ~~إذنه، والقول قوله في أصل الإذن، فكذلك في صفته، ولأن الأصل عدم الإذن ~~المختلف فيه، فالقول قول من ينفيه. ولنا أنهما اتفقا على الإذن واختلفا في ~~صفته، فكان القول قول المأذون له، كالمضارب ms2807 إذا قال: أذنت لي في البيع ~~نساء. ولأنهما اتفقا على ملك الخياط القطع، والصباغ الصبغ # والظاهر أنه فعل ما ملكه، واختلفا في لزوم الغرم له، والأصل عدمه. فعلى ~~هذا يحلف الخياط والصباغ بالله لقد أذنت لي في قطعه قباء، وصبغه أحمر. ~~ويسقط عنه الغرم، ويكون له أجر مثله؛ لأنه ثبت وجود فعله المأذون فيه بعوض، ~~ولا يستحق المسمى؛ لأن المسمى ثبت بقوله ودعواه، فلا يحنث بيمينه، ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء ~~قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» . أخرجه مسلم # فأما المسمى في العقد، فإنما يعترف رب الثوب بتسميته أجرا، وقطعه قميصا، ~~وصبغه أسود. فأما من قال: القول قول رب الثوب. فإنه يحلف بالله: ما أذنت في ~~قطعه قباء، ولا صبغه أحمر. ويسقط عنه المسمى. ولا يجب للخياط والصباغ شيء؛ ~~لأنهما فعلا غير ما أذن لهما فيه. وذكر ابن أبي موسى، عن أحمد، رواية أخرى، ~~أن صاحب الثوب إذا لم يكن ممن يلبس الأقبية والسواد، فالقول قوله # وعلى الصانع غرم ما نقص بالقطع، وضمان ما أفسد، ولا أجر له؛ لأن قرينة ~~حال رب الثوب تدل على صدقه، فتترجح دعواه بهما، كما لو اختلفا في حائط ~~لأحدهما عليه عقد أو أزج، رجحنا دعواه بذلك. وإن اختلف الزوجان في متاع ~~البيت، رجحنا دعوى كل واحد منهما فيما يصلح له. ولو اختلف صانعان في الآلة ~~التي في دكانهما، رجحنا قول كل واحد منهما في آلة صناعته. فعلى هذا يحلف رب ~~الثوب: ما أذنت لك في قطعه قباء # ويكفي هذا لأنه ينتفي به الإذن، فيصير # PageV05P393 # قاطعا لغير ما أذن فيه. فإن كان القباء مخيطا بخيوط لمالكه، لم يملك ~~الخياط فتقه، وكان لمالكه أخذه مخيطا بلا عوض؛ لأنه عمل في ملك غيره عملا ~~مجردا عن عين مملوكة له، فلم يكن له إزالته، كما لو نقل ملك غيره من موضع ~~إلى موضع، لم يكن له رده إذا رضي صاحبه بتركه فيه. وإن كانت الخيوط للخياط، ~~فله نزعها؛ ms2808 لأنها عين ماله، ولا يلزمه أخذ قيمتها؛ لأنها ملكه، ولا يتلف ~~بأخذها ما له حرمة. فإن اتفقا على تعويضه عنها جاز؛ لأن الحق لهما. وإن قال ~~رب الثوب: أنا أشد في كل خيط خيطا. حتى إذا سله عاد خيط رب الثوب في مكانه، ~~لم يلزم الخياط الإجابة إلى ذلك؛ لأنه انتفاع بملكه. وحكم الصباغ في قلع ~~الصبغ إن أحبه، وفي غير ذلك من أحكامه حكم صبغ الغاصب # على ما مضى في بابه. والذي يقوى عندي، أن القول قول رب الثوب؛ لما ذكرنا ~~في دليلهم. ### | [فصل استؤجر على عمل في عين] # (4285) فصل: وكل من استؤجر على عمل في عين، فلا يخلو؛ إما أن يوقعه وهي ~~في يد الأجير، كالصباغ يصبغ في حانوته، والخياط في دكانه، فلا يبرأ من ~~العمل حتى يسلمها إلى المستأجر، ولا يستحق الأجر حتى يسلمه مفروغا منه؛ لأن ~~المعقود عليه في مدة، فلا يبرأ منه ما لم يسلمه إلى العاقد، كالمبيع من ~~الطعام، لا يبرأ منه قبل تسليمه إلى المشتري. وأما إن كان يوقع العمل في ~~ملك المستأجر، مثل أن يحضره المستأجر إلى داره ليخيط فيها، أو يصبغ فيها، ~~فإنه يبرأ من العمل، ويستحق أجره بمجرد عمله؛ لأنه في يد المستأجر، فيصير ~~مسلما للعمل حالا فحالا # ولو استأجر رجلا يبني له حائطا في داره، أو يحفر فيها بئرا، لبرئ من ~~العمل، واستحق أجره بمجرد عمله. ولو كانت البئر في الصحراء، أو الحائط، لم ~~يبرأ بمجرد العمل. ولو انهارت عقيب الحفر، أو الحائط بعد بنائه وقبل ~~تسليمه، لم يبرأ من العمل. نص عليه أحمد، في رواية ابن منصور. فإنه إذا ~~قال: استعمل ألف لبنة في كذا وكذا. فعمل، ثم سقط، فله الكراء # وأما الأجير الخاص فيستحق أجره بمضي المدة، سواء تلف ما عمله أو لم يتلف. ~~نص عليه أحمد، فقال: إذا استأجره يوما، فعمل، وسقط عند الليل ما عمل، فله ~~الكراء؛ وذلك لأنه إنما يلزمه تسليم نفسه، وعمل ما يستعمل فيه، وقد وجد ذلك ~~منه، بخلاف الأجير المشترك. ولو ms2809 استأجر أجيرا ليبني له حائطا طوله عشرة ~~أذرع، فبنى بعضه، فسقط، لم يستحق شيئا حتى يتممه، سواء كان في ملك المستأجر ~~أو في غيره؛ لأن الاستحقاق مشروط بإتمامه، ولم يوجد # قال أحمد: إذا قيل له: ارفع حائطا كذا وكذا ذراعا. فعليه أن يوفيه، فإن ~~سقط، فعليه التمام. وكذا لو استأجره ليحفر له بئرا عمقها عشرة أذرع، فحفر ~~منها خمسة، وانهار فيها تراب من جوانبها، لم يستحق شيئا حتى يتمم حفرها. # PageV05P394 ### | [مسألة الأجير المشترك إذا تلفت العين من حرزه من غير تعد ولا تفريط] # (4286) مسألة قال: (وإن تلفت من حرز، فلا ضمان عليه، ولا أجر له فيما عمل ~~فيها) اختلفت الرواية عن أحمد، في الأجير المشترك إذا تلفت العين من حرزه، ~~من غير تعد منه ولا تفريط، فروي عنه: لا يضمن. نص عليه، في رواية ابن ~~منصور. وهو قول طاوس، وعطاء، وأبي حنيفة، وزفر، وقول الشافعي. وروي عن ~~أحمد، إن كان هلاكه بما استطاع، ضمنه، وإن كان غرقا أو عدوا غالبا، فلا ~~ضمان. قال أحمد، في رواية أبي طالب: إذا جنت يده، أو ضاع من بين متاعه، ~~ضمنه، وإن كان عدوا أو غرقا، فلا ضمان # ونحو هذا قال أبو يوسف. والصحيح في المذهب الأول. وهذه الرواية تحتمل أنه ~~إنما أوجب عليه الضمان إذا تلف من بين متاعه خاصة؛ لأنه يتهم. ولهذا قال في ~~الوديعة، في رواية: إنها تضمن إذا ذهبت من بين ماله، فأما غير ذلك فلا ضمان ~~عليه؛ لأن تخصيصه التضمين بما إذا تلف من بين متاعه، يدل على أنه لا يضمن ~~إذا تلف مع متاعه، ولأنه إذا لم يكن منه تفريط ولا عدوان، فلا يجب عليه ~~الضمان، كما لو تلفت بأمر غالب # وقال مالك، وابن أبي ليلى: يضمن بكل حال؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» . ولأنه قبض العين لمنفعة نفسه من ~~غير استحقاق، فلزمه ضمانها، كالمستعير. ولنا أنها عين مقبوضة بعقد الإجارة، ~~لم يتلفها بفعله، فلم يضمنها، كالعين المستأجرة، ولأنه قبضها بإذن ms2810 مالكها ~~لنفع يعود إليهما، فلم يضمنها، كالمضارب والشريك والمستأجر، وكما لو تلفت ~~بأمر غالب. ويخالف العارية، فإنه ينفرد بنفعها. والخبر مخصوص بما ذكرنا من ~~الأصول، فيخص محل النزاع بالقياس عليها # إذا ثبت هذا، فإنه لا أجر له فيما عمل فيها؛ لأنه لم يسلم عمله إلى ~~المستأجر، فلم يستحق عوضه، كالمبيع من الطعام إذا تلف في يد البائع قبل ~~تسليمه. ### | [فصل حبس الصانع الثوب بعد عمله على استيفاء الأجر فتلف] # (4287) فصل: وإذا حبس الصانع الثوب بعد عمله، على استيفاء الأجر، فتلف، ~~ضمنه؛ لأنه لم يرهنه عنده، ولا أذن له في إمساكه، فلزمه الضمان، كالغاصب. ### | [فصل أخطأ القصار فدفع الثوب إلى غير مالكه] # فصل: إذا أخطأ القصار، فدفع الثوب إلى غير مالكه، فعليه ضمانه؛ لأنه فوته ~~على مالكه. قال أحمد: يغرم القصار، ولا يسع المدفوع إليه لبسه إذا علم أنه ~~ليس ثوبه، وعليه رده إلى القصار، ويطالبه بثوبه. # PageV05P395 # فإن لم يعلم القابض حتى قطعه ولبسه، ثم علم، رده مقطوعا، وضمن أرش القطع، ~~وله مطالبته بثوبه إن كان موجودا. وإن هلك عند القصار، فهل يضمنه؟ فيه ~~روايتان؛ إحداهما، يضمنه؛ لأنه أمسكه بغير إذن صاحبه بعد طلبه، فضمنه، كما ~~لو علم. والثانية لا يضمنه؛ لأنه لم يمكنه رده، فأشبه ما لو عجز عن دفعه ~~لمرض. ### | [فصل العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر] # (4289) فصل: والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، إن تلفت بغير تفريط، ~~لم يضمنها. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الذين يكرون المظل أو ~~الخيمة إلى مكة، فيذهب من المكتري بسرق أو بذهاب، هل يضمن؟ قال: أرجو أن لا ~~يضمن، وكيف يضمن؟ إذا ذهب لا يضمن. ولا نعلم في هذا خلافا؛ وذلك لأنه قبض ~~العين لاستيفاء منفعة يستحقها منها، فكانت أمانة، كما لو قبض العبد الموصى ~~له بخدمته سنة، أو قبض الزوج امرأته الأمة # ويخالف العارية؛ فإنه لا يستحق منفعتها، وإذا انقضت المدة، فعليه رفع ~~يده، وليس عليه الرد. أومأ إليه، في رواية ابن منصور، فقيل له: إذا اكترى ~~دابة، أو ms2811 استعار، أو استودع، فليس عليه أن يحمله؟ فقال أحمد: من استعار ~~شيئا، فعليه رده من حيث أخذه. فأوجب الرد في العارية، ولم يوجبه في الإجارة ~~الوديعة. ووجهه أنه عقد لا يقتضي الضمان، فلا يقتضي رده ومؤنته، كالوديعة. ~~وفارق العارية؛ فإن ضمانها يجب، فكذلك ردها. وعلى هذا متى انقضت المدة كانت ~~العين في يده أمانة، كالوديعة، إن تلفت من غير تفريط، فلا ضمان عليه، وهذا ~~قول بعض الشافعية # وقال بعضهم: يضمن؛ لأنه بعد انقضاء الإجارة غير مأذون له في إمساكها، ~~أشبه العارية المؤقتة بعد وقتها. ولنا أنها أمانة أشبهت الوديعة، ولأنه لو ~~وجب ضمانها لوجب ردها. وأما العارية فإنها مضمونة في كل حال، بخلاف ~~مسألتنا، ولأنه يجب ردها. وعلى كل حال، متى طلبها صاحبها وجب تسليمها إليه، ~~فإن امتنع من ردها لغير عذر، صارت مضمونة، كالمغصوبة. ### | [فصل شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين] # (4290) فصل: فإن شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين، فالشرط فاسد؛ لأنه ~~ينافي مقتضى العقد. وهل تفسد الإجارة به؟ فيه وجهان، بناء على الشروط ~~الفاسدة في البيع. # PageV05P396 # قال أحمد، فيما إذا شرط ضمان العين: الكراء والضمان مكروه. وروى الأثرم، ~~بإسناده، عن ابن عمر، قال: لا يصلح الكراء بالضمان. وعن فقهاء المدينة أنهم ~~كانوا يقولون: لا نكتري بضمان، إلا أنه من شرط على كري أنه لا ينزل متاعه ~~بطن واد، أو لا يسير به ليلا، مع أشباه هذه الشروط، فتعدى ذلك، فتلف شيء ~~مما حمل في ذلك التعدي، فهو ضامن، فأما غير ذلك، فلا يصح شرط الضمان فيه، ~~وإن شرطه لم يصح الشرط؛ لأن ما لا يجب ضمانه لا يصيره الشرط مضمونا، وما ~~يجب ضمانه لا ينتفي ضمانه بشرط نفيه. # وعن أحمد، أنه سئل عن ذلك، فقال: المسلمون على شروطهم. وهذا يدل على نفي ~~الضمان بشرطه، ووجوبه بشرطه؛ «لقوله - صلى الله عليه وسلم -: المسلمون على ~~شروطهم» . فأما إن أكراه عينا، وشرط عليه أن لا يسير بها في الليل، أو وقت ~~القائلة، أو لا يتأخر بها عن القافلة. أو لا يجعل ms2812 سيره في آخرها، أو لا ~~يسلك بها الطريق الفلانية، وأشباه هذا مما له فيه غرض مخالف، ضمن؛ لأنه ~~متعد لشرط كريه، فضمن ما تلف به، كما لو شرط عليه أن لا يحمل عليها إلا ~~قفيزا، فحمل اثنين. ### | [فصل العين إذا تلفت بغير تفريط ولا تعد لا تضمن إن كانت الإجارة فاسدة] # (4291) فصل: وإن كانت الإجارة فاسدة، لم يضمن العين أيضا إذا تلفت بغير ~~تفريط ولا تعد؛ لأنه عقد لا يقتضي الضمان صحيحه، فلا يقتضيه فاسده، ~~كالوكالة والمضاربة. وحكم كل عقد فاسد في وجوب الضمان، حكم صحيحه، فما وجب ~~الضمان في صحيحه وجب في فاسده، وما لم يجب في صحيحه لم يجب في فاسده. ### | [فصل للمستأجر ضرب الدابة] # (4292) فصل: وللمستأجر ضرب الدابة بقدر ما جرت به العادة، ويكبحها ~~باللجام للاستصلاح، ويحثها على السير ليلحق القافلة، وقد صح أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نخس بعير جابر، وضربه. وكان أبو بكر - رضي الله عنه - ~~يخرش بعيره بمحجنه. وللرائض ضرب الدابة للتأديب، وترتيب المشي، والعدو، ~~والسير. وللمعلم ضرب الصبيان للتأديب. قال الأثرم: سئل أحمد، عن ضرب المعلم ~~الصبيان # قال: على قدر ذنوبهم، ويتوقى بجهده الضرب، وإذا كان صغيرا لا يعقل فلا ~~يضربه. ومن ضرب من هؤلاء كلهم الضرب المأذون فيه، لم يضمن ما تلف. وبهذا في ~~الدابة، قال مالك والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد. وقال ~~الثوري، وأبو حنيفة: يضمن؛ لأنه تلف بجنايته، فضمنه، كغير المستأجر، وكذلك ~~قال الشافعي في المعلم يضرب الصبي؛ لأنه يمكنه تأدبيه بغير الضرب # ولنا أنه تلف من فعل مستحق، فلم يضمن، كما لو تلف تحت الحمل، ولأن الضرب ~~معنى تضمنه عقد الإجارة، فإذا تلف منه لم يضمن، كالركوب. وفارق غير ~~المستأجر؛ لأنه متعد. وقول الشافعي: يمكن # PageV05P397 # التأديب بغير الضرب. لا يصح؛ فإن العادة خلافه، ولو أمكن التأديب بدون ~~الضرب، لما جاز الضرب، إذ فيه ضرر وإيلام مستغنى عنه. وإن أسرف في هذا كله، ~~أو زاد على ما يحصل الغنى به، أو ضرب من لا عقل له من ms2813 الصبيان، فعليه ~~الضمان؛ لأنه متعد حصل التلف بعدوانه. ### | [مسألة لا ضمان على حجام ولا ختان ولا متطبب] # (4293) مسألة قال: (ولا ضمان على حجام، ولا ختان، ولا متطبب، إذا عرف ~~منهم حذق الصنعة، ولم تجن أيديهم) وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به، ~~لم يضمنوا بشرطين: أحدهما أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم، ولهم بها بصارة ~~ومعرفة؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا كان ~~فعلا محرما، فيضمن سرايته، كالقطع ابتداء. الثاني أن لا تجني أيديهم، ~~فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع # فإذا وجد هذان الشرطان. لم يضمنوا؛ لأنهم قطعوا قطعا مأذونا فيه، فلم ~~يضمنوا؛ سرايته، كقطع الإمام يد السارق، أو فعل فعلا مباحا مأذونا في فعله، ~~أشبه ما ذكرنا. فأما إن كان حاذقا وجنت يده، مثل أن تجاوز قطع الختان إلى ~~الحشفة، أو إلى بعضها، أو قطع في غير محل القطع، أو يقطع الطبيب سلعة من ~~إنسان، فيتجاوزها، أو يقطع بآلة كالة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع ~~فيه، وأشباه هذا، ضمن فيه كله؛ لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، ~~فأشبه إتلاف المال، ولأن هذا فعل محرم، فيضمن سرايته، كالقطع ابتداء # وكذلك الحكم في النزاع، والقاطع في القصاص، وقاطع يد السارق. وهذا مذهب ~~الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا. ### | [فصل ختن صبيا بغير إذن وليه أو قطع سلعة من إنسان بغير إذنه] # (4294) فصل: وإن ختن صبيا بغير إذن وليه، أو قطع سلعة من إنسان بغير ~~إذنه، أو من صبي بغير إذن وليه، فسرت جنايته، ضمن؛ لأنه قطع غير مأذون فيه، ~~وإن فعل ذلك الحاكم، أو من له ولاية عليه، أو فعله من أذنا له، لم يضمن؛ ~~لأنه مأذون فيه شرعا. ### | [فصل الاستئجار على الختان والمداواة وقطع السلعة] # (4295) فصل: ويجوز الاستئجار على الختان، والمداواة، وقطع السلعة. لا ~~نعلم فيه خلافا؛ ولأنه فعل يحتاج إليه، مأذون فيه شرعا، فجاز الاستئجار ~~عليه، كسائر الأفعال المباحة. ### | [فصل استأجر حجاما ليحجمه] # (4296) فصل: ويجوز أن ms2814 يستأجر حجاما ليحجمه، وأجره مباح. وهذا اختيار أبي ~~الخطاب. وهذا قول ابن عباس، # PageV05P398 # قال: أنا آكله. وبه قال عكرمة، والقاسم، وأبو جعفر محمد بن علي بن ~~الحسين، وربيعة، ويحيى الأنصاري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال ~~القاضي: لا يباح أجر الحجام. وذكر أن أحمد نص عليه في مواضع، وقال: وإن ~~أعطي شيئا من غير عقد ولا شرط، فله أخذه، ويصرفه في علف دوابه، وطعمة ~~عبيده، ومؤنة صناعته، ولا يحل، له أكله. # وممن كره كسب الحجام عثمان، وأبو هريرة، والحسن، والنخعي. وذلك لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «كسب الحجام خبيث» . رواه مسلم. وقال: أطعمه ~~ناضحك ورقيقك ". ولنا ما روى ابن عباس، قال: «احتجم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأعطى الحجام أجره، ولو علمه حراما لم يعطه» . متفق عليه. # وفي لفظ: لو علمه خبيثا لم يعطه ولأنها منفعة مباحة، لا يختص فاعلها أن ~~يكون من أهل القربة، فجاز الاستئجار عليها، كالبناء والخياطة، ولأن بالناس ~~حاجة إليها، ولا نجد كل أحد متبرعا بها، فجاز الاستئجار عليها، كالرضاع. ~~وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في كسب الحجام: أطعمه رقيقك. دليل على ~~إباحة كسبه، إذ غير جائز أن يطعم رقيقه ما يحرم أكله، فإن الرقيق آدميون، ~~يحرم عليهم ما حرمه الله تعالى، كما يحرم على الأحرار، وتخصيص ذلك بما ~~أعطيه من غير استئجار تحكم لا دليل عليه، وتسميته كسبا خبيثا لا يلزم منه ~~التحريم، فقد سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الثوم والبصل خبيثين، مع ~~إباحتهما # وإنما كره النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك للحر تنزيها له؛ لدناءة هذه ~~الصناعة. وليس عن أحمد نص في تحريم كسب الحجام، ولا الاستئجار عليها، وإنما ~~قال: نحن نعطيه كما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - ونقول له كما قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن أكله نهاه، وقال: " اعلفه الناضح ~~والرقيق ". وهذا معنى كلامه في جميع الروايات، وليس هذا صريحا في تحريمه، ~~بل فيه دليل على إباحته، كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم ms2815 - وفعله، ~~على ما بينا، وأن إعطاءه للحجام دليل على إباحته # إذ لا يعطيه ما يحرم عليه، وهو - عليه السلام - يعلم الناس وينهاهم عن ~~المحرمات، فكيف يعطيهم إياها، ويمكنهم منها، وأمره بإطعام الرقيق منها دليل ~~على الإباحة، فيتعين حمل نهيه عن أكلها على الكراهة دون التحريم. وكذلك قول ~~الإمام أحمد، فإنه لم يخرج عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله، ~~وإنما قصد اتباعه - صلى الله عليه وسلم - وكذلك سائر من كرهه من الأئمة، ~~يتعين حمل كلامهم على هذا، ولا يكون في المسألة قائل بالتحريم. وإذا ثبت ~~هذا، فإنه يكره للحر أكل كسب الحجام، ويكره تعلم صناعة الحجامة، وإجارة ~~نفسه لها؛ لما فيها من الأخبار، ولأن فيها دناءة، فكره الدخول فيها، كالكسح # وعلى هذا يحمل قول الأئمة الذين # PageV05P399 # ذكرنا عنهم كراهتها، جمعا بين الأخبار الواردة فيها، وتوفيقا بين الأدلة ~~الدالة عليها. والله أعلم. ### | [فصل استئجار الحجام لغير الحجامة] # (4297) فصل: فأما استئجار الحجام لغير الحجامة، كالفصد، وحلق الشعر، ~~وتقصيره، والختان، وقطع شيء من الجسد للحاجة إليه، فجائز؛ لأن قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «كسب الحجام خبيث» . يعني بالحجامة، كما نهى عن مهر ~~البغي، أي في البغاء. وكذلك لو كسب بصناعة أخرى، لم يكن خبيثا بغير خلاف # وهذا النهي مخالف للقياس، فيختص بالمحل الذي ورد فيه، ولأن هذه الأمور ~~تدعو الحاجة إليها، ولا تحريم فيها، فجازت الإجارة فيها، وأخذ الأجر عليها، ~~كسائر المنافع المباحة. ### | [فصل استأجر كحالا ليكحل عينه] # (4298) فصل: ويجوز أن يستأجر كحالا ليكحل عينه؛ لأنه عمل جائز، ويمكن ~~تسليمه، ويحتاج أن يقدر ذلك بالمدة؛ لأن العمل غير مضبوط، فيقدر به، ويحتاج ~~إلى بيان قدر ما يكحله مرة في كل يوم أو مرتين. فأما إن قدرها بالبرء، فقال ~~القاضي: لا يجوز؛ لأنه غير معلوم. وقال ابن أبي موسى: لا بأس بمشارطة ~~الطبيب على البرء؛ لأن أبا سعيد حين رقى الرجل، شارطه على البرء # والصحيح إن شاء الله أن هذا يجوز، لكن يكون جعالة لا إجارة، فإن الإجارة ~~لا بد فيها من ms2816 مدة، أو عمل معلوم، فأما الجعالة، فتجوز على عمل مجهول، كرد ~~اللقطة والآبق، وحديث أبي سعيد في الرقية إنما كان جعالة، فيجوز هاهنا ~~مثله. إذا ثبت هذا، فإن الكحل إن كان من العليل جاز؛ لأن آلات العمل تكون ~~من المستأجر، كاللبن في البناء والطين والآجر ونحوها. وإن شارطه على الكحل، ~~جاز. وقال القاضي: يحتمل أن لا يجوز؛ لأن الأعيان لا تملك بعقد الإجارة، ~~فلا يصح اشتراطه على العامل، كلبن الحائط # ولنا أن العادة جارية به، ويشق على العليل تحصيله، وقد يعجز عنه بالكلية، ~~فجاز ذلك، كالصبغ من الصباغ، واللبن في الرضاع، والحبر والأقلام من الوراق. ~~وما ذكروه ينتقض بهذه الأصول. وفارق لبن الحائط؛ لأن العادة تحصيل المستأجر ~~له، ولا يشق ذلك، بخلاف مسألتنا. وقال أصحاب مالك: يجوز أن يستأجره ليبني ~~له حائطا والآجر من عنده؛ لأنه اشترط ما تتم به الصنعة التي عقد عليها، ~~فإذا كان مباحا معروفا، جاز، كما لو استأجره ليصبغ ثوبا، والصبغ من عنده # ولنا أن عقد الإجارة عقد على المنفعة، فإذا شرط فيه بيع العين، صار ~~كبيعتين في بيعة. ويفارق الصبغ، وما ذكرنا من الصورة التي جاز فيها ذلك، من ~~حيث إن الحاجة داعية إليه؛ لأن تحصيل الصبغ يشق على # PageV05P400 # صاحب الثوب، وقد يكون الصبغ لا يحصل إلا في حيث يحتاج إلى مؤنة كثيرة، لا ~~يحتاج إليها في صبغ هذا الثوب، فجاز لمسيس الحاجة إليه، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل استأجره مدة فكحله فيها فلم تبرأ عينه] # (4299) فصل: وإذا استأجره مدة، فكحله فيها، فلم تبرأ عينه، استحق الأجر. ~~وبه قال الجماعة. وحكي عن مالك، أنه لا يستحق أجرا حتى تبرأ عينه، ولم يحك ~~ذلك أصحابه، وهو فاسد؛ لأن المستأجر قد وفى العمل الذي وقع العقد عليه، ~~فوجب له الأجر، وإن لم يحصل الغرض، كما لو استأجره لبناء حائط يوما، أو ~~لخياطة قميص، فلم يتمه فيه. وإن برئت عينه في أثناء المدة، انفسخت الإجارة ~~فيما بقي من المدة؛ لأنه قد تعذر العمل، فأشبه ما لو حجز عنه أمر غالب، ms2817 ~~وكذلك لو مات # فإن امتنع من الاكتحال مع بقاء المرض، استحق الكحال الأجر بمضي المدة، ~~كما لو استأجره يوما للبناء فلم يستعمله فيه. فأما إن شارطه على البرء، ~~فإنه يكون جعالة، فلا يستحق شيئا حتى يوجد البرء، سواء وجد قريبا أو بعيدا، ~~فإن برئ بغير كحله، أو تعذر الكحل لموته، أو غير ذلك من الموانع التي من ~~جهة المستأجر، فله أجر مثله، كما لو عمل العامل في الجعالة، ثم فسخ العقد. ~~وإن امتنع لأمر من جهة الكحال أو غير الجاعل، فلا شيء له. وإن فسخ الجاعل ~~الجعالة بعد عمل الكحال، فعليه أجر عمله، فإن فسخ الكحال فلا شيء له؛ لأنها ~~جعالة؛ فثبت فيها ما ذكرناه. ### | [فصل استأجر طبيبا ليداويه] # (4300) فصل: ويجوز أن يستأجر طبيبا ليداويه. والكلام فيه كالكلام في ~~الكحال، سواء، إلا أنه لا يجوز اشتراط الدواء على الطبيب؛ لأن ذلك إنما جاز ~~في الكحال على خلاف الأصل، للحاجة إليه، وجري العادة به، فلم يوجد ذلك ~~المعنى هاهنا، فثبت الحكم فيه على وفق الأصل. والله أعلم. ### | [فصل استأجر من يقلع ضرسه] # (4301) فصل: ويجوز أن يستأجر من يقلع ضرسه؛ لأنها منفعة مباحة مقصودة، ~~فجاز الاستئجار على فعلها، كالختان. فإن أخطأ فقلع غير ما أمر بقلعه، ضمنه؛ ~~لأنه من جنايته. وإن برأ الضرس قبل قلعه، انفسخت الإجارة؛ لأن قلعه لا ~~يجوز. وإن لم يبرأ، لكن امتنع المستأجر من قلعه، لم يجبر عليه؛ لأن إتلاف ~~جزء من الآدمي محرم في الأصل، وإنما أبيح إذا صار بقاؤه ضررا، وذلك مفوض ~~إلى كل إنسان في نفسه، إذا كان أهلا لذلك، وصاحب الضرس أعلم بمضرته، ~~ومنفعته، وقدر ألمه. ### | [فصل استؤجر على عمل موصوف في الذمة] # (4302) فصل: ومن استؤجر على عمل موصوف في الذمة، كخياطة، أو بناء أو قلع ~~ضرس، فبذل الأجير نفسه للعمل، # PageV05P401 # فلم يمكنه المستأجر، لم تستقر الأجرة بذلك؛ لأنه عقد على المنفعة من غير ~~تقدير، فلم يستقر بدلها بالبذل، كالصداق لا يستقر ببذل المرأة نفسها. ~~ويفارق حبس الدابة مدة الإجارة؛ لأن المنافع تلفت تحت ms2818 يده، بخلاف مسألتنا. ### | [مسألة استئجار الراعي] # (4303) مسألة قال: (ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد) لا نعلم خلافا في ~~صحة استئجار الراعي، وقد دل عليه قول الله تعالى مخبرا عن شعيب، أنه قال: ~~{إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] ~~. وقد علم أن موسى - عليه السلام -، إنما آجر نفسه لرعاية الغنم. إذا ثبت ~~هذا، فإنه لا ضمان على الراعي فيما تلف من الماشية، ما لم يتعد، ولا نعلم ~~فيه خلافا إلا عن الشعبي؛ فإنه روي عنه أنه ضمن الراعي # ولنا أنه مؤتمن على حفظها، فلم يضمن من غير تعد، كالمودع، ولأنها عين ~~قبضها بحكم الإجارة، فلم يضمنها من غير تعد، كالعين المستأجرة. فأما ما تلف ~~بتعديه، فيضمنه بغير خلاف، مثل أن ينام عن السائمة، أو يغفل عنها، أو ~~يتركها تتباعد منه، أو تغيب عن نظره وحفظه، أو يضربها ضربا يسرف فيه، أو في ~~غير موضع الضرب، أو من غير حاجة إليه، أو سلك بها موضعا تتعرض فيه للتلف، ~~وأشباه هذا مما يعد تفريطا وتعديا، فتتلف به، فعليه ضمانها؛ لأنها تلفت ~~بعدوانه، فضمنها كالمودع إذا تعدى، وإن اختلفا في التعدي وعدمه، فالقول قول ~~الراعي لأنه أمين # وإن فعل فعلا اختلفا في كونه تعديا، رجع إلى أهل الخبرة. ولو جاء بجلد ~~شاة، وقال: ماتت. قبل قوله، ولم يضمن. وعن أحمد، أنه يضمن، ولا يقبل قوله. ~~والصحيح الأول؛ لأن الأمناء تقبل أقوالهم، كالمودع، ولأنه يتعذر عليه إقامة ~~البينة في الغالب، فأشبه المودع. وكذلك لو ادعى موتها من غير أن يأتي ~~بجلدها. ### | [فصل العقد في الرعي] # (4304) فصل: ولا يصح العقد في الرعي إلا على مدة معلومة؛ لأن العمل لا ~~ينحصر. ويجوز العقد على رعي ماشية معينة، وعلى جنس في الذمة، فإن عقد على ~~ماشية معينة، فذكر أصحابنا أنه يتعلق بأعيانها، كما لو استأجره لخياطة ثوب ~~بعينه، فلا يجوز إبداله، ويبطل العقد بتلفها. وإن تلف بعضها، بطل عقد ~~الإجارة فيه، وله أجر ما بقي منها بالحصة. وإن ولدت سخالا، ms2819 لم يكن عليه ~~رعيها؛ لأنها زيادة لم يتناولها العقد # ويحتمل أن لا يتعلق بأعيانها؛ لأنها ليست المعقود عليها، وإنما يستوفي ~~المنفعة بها، فأشبه ما لو استأجر ظهرا ليركبه، جاز أن يركب غيره مكانه، ولو ~~استأجر دارا ليسكنها، جاز أن يسكنها مثله، ولو استأجر أرضا ليزرعها حنطة، ~~جاز أن يزرعها # PageV05P402 # ما هو مثلها في الضرر، أو أدنى منها، وإنما المعقود عليه منفعة الراعي، ~~ولهذا يجب له الأجر إذا سلم نفسه وإن لم يرع. ويفارق الثوب في الخياطة؛ لأن ~~الثياب في مظنة الاختلاف، في سهولة خياطتها ومشقتها، بخلاف الرعي # فعلى هذا، له إبدالها بمثلها. وإن تلف بعضها، لم ينفسخ العقد فيه، وكان ~~له إبداله. وإن وقع العقد على موصوف في الذمة، فلا بد من ذكر جنس الحيوان ~~ونوعه، إبلا، أو بقرا، أو غنما، أو ضأنا، أو معزا. وإن أطلق ذكر البقر ~~والإبل، لم يتناول الجواميس والبخاتي؛ لأن إطلاق الاسم لا يتناولها عرفا. ~~وإن وقع العقد في مكان يتناولها إطلاق الاسم، احتاج إلى ذكر نوع ما يراه ~~منها، كالغنم؛ لأن كل نوع له أثر في إتعاب الراعي، ويذكر الكبر والصغر، ~~فيقول: كبارا أو سخالا، أو عجاجيل أو فصلانا، إلا أن يكون ثم قرينة، أو عرف ~~صارف إلى بعضها، فيغني عن الذكر # وإذا عقد على عدد موصوف كالمائة، لم يجب عليه رعي زيادة عليها، لا من ~~سخالها ولا من غيرها. وإن أطلق العقد ولم يذكر عددا، لم يجز. وهذا ظاهر ~~مذهب الشافعي. وقال القاضي: يصح، ويحمل على ما جرت به العادة، كالمائة من ~~الغنم ونحوها. وهو قول بعض أصحاب الشافعي. والأول أصح؛ لأن العادة في ذلك ~~تختلف وتتباين كثيرا، إذ العمل يختلف باختلافه. ### | [فصل ما تجوز إجارته] # (4305) فصل: فيما تجوز إجارته، تجوز إجارة كل عين يمكن أن ينتفع بها ~~منفعة مباحة، مع بقائها بحكم الأصل، كالأرض، والدار، والعبد، والبهيمة، ~~والثياب، والفساطيط، والحبال، والخيام، والمحامل، والسرج، واللجام، والسيف، ~~والرمح، وأشباه ذلك. وقد ذكرنا كثيرا مما تجوز إجارته في مواضعه. وتجوز ~~إجارة الحلي. نص عليه أحمد، ms2820 في رواية ابنه عبد الله. وبهذا قال الثوري، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي # وروي عن أحمد، أنه قال في إجارة الحلي: ما أدري ما هو؟ قال القاضي: هذا ~~محمول على إجارته بأجرة من جنسه، فأما بغير جنسه، فلا بأس به، لتصريح أحمد ~~بجوازه. وقال مالك، في إجارة الحلي والثياب: هو من المشتبهات. ولعله يذهب ~~إلى أن المقصود بذلك الزينة، وليس ذلك من المقاصد الأصلية. ومن منع ذلك ~~بأجر من جنسه، فقد احتج له بأنها تحتك بالاستعمال، فيذهب منها أجزاء وإن ~~كانت يسيرة، فيحصل الأجر في مقابلتها، ومقابلة الانتفاع بها، فيفضي إلى بيع ~~ذهب بذهب وشيء آخر. ولنا أنها عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة، مع بقاء ~~عينها، فأشبهت سائر ما تجوز إجارته، والزينة من المقاصد الأصلية؛ فإن الله ~~تعالى امتن بها علينا بقوله تعالى: {لتركبوها وزينة} [النحل: 8] وقال ~~تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} [الأعراف: 32] # وأباح الله تعالى من التحلي واللباس للنساء ما حرمه على الرجال، لحاجتهن ~~إلى التزين للأزواج، وأسقط الزكاة عن حليهن # PageV05P403 # معونة لهن على اقتنائه. وما ذكروه من نقصها بالاحتكاك لا يصح؛ لأن ذلك ~~يسير، لا يقابل بعوض، ولا يكاد يظهر في وزن، ولو ظهر فالأجر في مقابلة ~~الانتفاع، لا في مقابلة الأجزاء؛ لأن الأجر في الإجارة، إنما هو عوض ~~المنفعة، كما في سائر المواضع، ولو كان في مقابلة الجزء الذاهب، لما جاز ~~إجارة أحد النقدين بالآخر؛ لإفضائه إلى الفرق في معاوضة أحدهما بالآخر قبل ~~القبض. والله أعلم. ### | [فصل إجارة الدراهم والدنانير] # (4306) فصل: وتجوز إجارة الدراهم والدنانير، للوزن والتحلي، في مدة ~~معلومة. وبه قال أبو حنيفة. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والوجه الآخر، ~~أنها لا تجوز إجارتها؛ لأن هذه المنفعة ليست المقصودة منها، ولذلك لا تضمن ~~منفعتها بغصبها، فأشبهت الشمع. ولنا أنها عين أمكن الانتفاع بها مع بقاء ~~عينها منفعة مباحة، فأشبهت الحلي، وفارقت الشمع؛ فإنه لا ينتفع به إلا بما ~~أتلف عينه. # إذا ثبت هذا، فإنه إن ذكر ما يستأجره له، وعينه، ms2821 فحسن، وإن أطلق الإجارة، ~~فقال أبو الخطاب: تصح الإجارة، وينتفع بها فيما شاء منهما؛ لأن منفعتهما في ~~الإجارة متعينة في التحلي والوزن، وهما متقاربان، فوجب أن تحمل الإجارة عند ~~الإطلاق عليهما، كاستئجار الدار مطلقا، فإنه يتناول السكنى، ووضع المتاع ~~فيها. وقال القاضي: لا تصح الإجارة، وتكون قرضا. وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأن ~~الإجارة تقتضي الانتفاع، والانتفاع المعتاد بالدراهم والدنانير إنما هو ~~بأعيانها، فإذا أطلق الانتفاع، حمل على الانتفاع المعتاد # وقال أصحاب الشافعي: لا تصح الإجارة، ولا تكون قرضا؛ لأن التحلي ينقصها، ~~والوزن لا ينقصها، فقد اختلفت جهة الانتفاع، فلم يجز إطلاقها. ولا يجوز أن ~~يعبر بها عن القرض؛ لأن القرض تمليك للغير، والإجارة تقتضي الانتفاع مع ~~بقاء العين، فلم يجز التعبير بأحدهما عن الآخر. ولأن التسمية والألفاظ تؤخذ ~~نقلا، ولم يعهد في اللسان التعبير بالإجارة عن القرض. وقول أبي الخطاب أصح، ~~إن شاء الله تعالى؛ لأن العقد متى أمكن حمله على الصحة، كان أولى من ~~إفساده، وقد أمكن حمله على إجارتها للجهة التي تجوز إجارتها فيها # وقول القاضي لا يصح؛ لأن الإجارة إنما تقتضي انتفاعا مع بقاء العين، فلا ~~تحمل على غير ذلك. وما ذكر الآخرون من نقص العين بالاستعمال في التحلي ~~فبعيد؛ فإن ذلك يسير لا أثر له، فوجوده كعدمه. ### | [فصل استأجر شجرا ونخيلا ليجفف عليها الثياب أو يبسطها عليها ليستظل بظلها] # (4307) فصل: ويجوز أن يستأجر شجرا ونخيلا، ليجفف عليها الثياب، أو يبسطها ~~عليها ليستظل بظلها، ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان؛ لما ذكروه في الأثمان. # PageV05P404 # ولنا أنها لو كانت مقطوعة، لجاز استئجارها لذلك، فكذلك إذا كانت ثابتة؛ ~~وذلك لأن الانتفاع يحصل بهما على السواء في الحالتين، فما جاز في إحداهما ~~يجوز في الأخرى، ولأنها شجرة، فجاز استئجارها لذلك كالمقطوعة، ولأنها منفعة ~~مقصودة، يمكن استيفاؤها مع بقاء العين، فجاز العقد عليها، كما لو كانت ~~مقطوعة، ولأنها عين، يمكن استيفاء هذه المنفعة منها، فجاز استئجارها لها، ~~كالحبال والخشب والشجر المقطوع. ### | [فصل استئجار غنم لتدرس له طينا أو زرعا] # (4308) فصل: ويجوز استئجار ms2822 غنم لتدرس له طينا أو زرعا. ولأصحاب الشافعي ~~فيه وجهان؛ لأنها منفعة غير مقصودة من هذا الحيوان، فأشبهت النخيل. ولنا ~~أنها منفعة، مباحة، يمكن استيفاؤها من العين مع بقائها، فأشبهت استئجار ~~البقر لدياس الزرع. ### | [فصل استئجار ما يبقى من الطيب والصندل وأقطاع الكافور والند لتشمه المرضى وغيرهم مدة ثم يرده] # فصل: ويجوز استئجار ما يبقى من الطيب والصندل وأقطاع الكافور والند، ~~لتشمه المرضى وغيرهم مدة، ثم يرده؛ لأنها منفعة مباحة، فأشبهت الوزن ~~والتحلي، مع أنه لا ينفك من إخلاق وبلى. ### | [فصل إجارة الحائط ليضع عليها خشبا معلوما مدة معلومة] # (4310) فصل: وتجوز إجارة الحائط، ليضع عليها خشبا معلوما، مدة معلومة. ~~وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجوز. ولنا أن هذه منفعة مقصودة، ~~مقدور على تسليمها واستيفائها، فجاز عقد الإجارة عليها، كاستئجار السطح ~~للنوم عليه. ### | [فصل استئجار دار يتخذها مسجدا يصلي فيه] # (4311) فصل: ويجوز استئجار دار يتخذها مسجدا يصلي فيه. وبه قال مالك، ~~والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصح؛ لأن فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد ~~إجارة بحال، فلا تجوز الإجارة لذلك. ولنا أن هذه منفعة مباحة، يمكن ~~استيفاؤها من العين مع بقائها، فجاز استئجار العين لها، كالسكنى، ويفارق ~~الصلاة، فإنها لا تدخلها النيابة، بخلاف بناء المساجد. ### | [فصل استئجار البئر ليستقي منها أياما معلومة] # (4312) فصل: وذكر ابن عقيل، أنه يجوز استئجار البئر، ليستقي منها أياما ~~معلومة؛ لأن هواء البئر وعمقها فيه نوع انتفاع بمرور الدلو فيه، وأما نفس ~~الماء، فيؤخذ على أصل الإباحة. # PageV05P405 ### | [فصل استئجار الفهد والبازي والصقر للصيد في مدة معلومة] # (4313) فصل: ويجوز استئجار الفهد والبازي والصقر للصيد، في مدة معلومة؛ ~~لأن فيه نفعا مباحا تجوز إعارته له، فجازت إجارته له، كالدابة. وتجوز إجارة ~~كتب العلم، التي يجوز بيعها للانتفاع بها في القراءة فيها، والنسخ منها؛ ~~لما ذكرناه. وتجوز إجارة درج فيه خط حسن، يكتب عليه، ويتمثل منه لذلك. ### | [فصل ما لا تجوز إجارته] # (4314) فصل: وما لا تجوز إجارته أقسام: أحدها ما لا يمكن الانتفاع به مع ~~بقاء عينه، كالمطعوم ms2823 والمشروب، والشمع ليشعله؛ لأن الإجارة عقد على ~~المنافع، وهذه لا ينتفع بها إلا بإتلاف عينها، فإن استأجر شمعة يسرجها، ~~ويرد بقيتها، وثمن ما ذهب، وأجر الباقي، كان فاسدا؛ لأنه يشمل بيعا وإجارة، ~~وما وقع عليه البيع مجهول، وإذا جهل المبيع جهل المستأجر أيضا، فيفسد ~~العقدان، ولو استأجر شمعا ليتجمل به، ويرده من غير أن يشعل منه شيئا، لم ~~يجز؛ لأن ذلك ليس بمنفعة مرعية في الشرع، فبذل المال فيه سفه، وأخذه أكل ~~مال بالباطل، فلم يجز، كما لو استأجر خبزا لينظر إليه، وكذلك لو استأجر ~~طعاما ليتجمل به على مائدته، ثم يرده، لم يجز؛ لما ذكرنا # وهكذا سائر الأشياء، ولا يصح استئجار ما لا يبقى من الرياحين، كالورد ~~والبنفسج والريحان الفارسي، وأشباهه، لشمها؛ لأنها تتلف عن قرب، فأشبهت ~~المطعومات. ولا يجوز استئجار الغنم، ولا الإبل والبقر، ليأخذ لبنها، ولا ~~ليسترضعها لسخالة ونحوها، ولا استئجارها ليأخذ صوفها، ولا شعرها، ولا ~~وبرها، ولا استئجار شجرة، ليأخذ ثمرتها، أو شيئا من عينها. ### | [فصل إجارة الفحل للضراب] # (4315) فصل: ولا تجوز إجارة الفحل للضراب. وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ~~وأصحاب الرأي، وأبي ثور، وابن المنذر. وخرج أبو الخطاب وجها في جوازه؛ لأنه ~~انتفاع مباح، والحاجة تدعو إليه، فجاز، كإجارة الظئر للرضاع، والبئر ليستقي ~~منها الماء؛ ولأنها منفعة تستباح بالإعارة، فتستباح بالإجارة، كسائر ~~المنافع # وهذا مذهب الحسن، وابن سيرين. ولنا «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن عسب الفحل» : متفق عليه، وفي لفظ: «نهى عن ضراب الجمل» . ولأن المقصود ~~الماء الذي يخلق منه الولد، فيكون عقد الإجارة لاستيفاء عين غائبة، فلم ~~يجز، كإجارة الغنم لأخذ لبنها، وهذا أولى؛ فإن هذا الماء محرم لا قيمة له، ~~فلم يجز أخذ العوض عنه، كالميتة والدم، وهو مجهول، فأشبه اللبن في الضرع. ~~فأما من أجازه، فينبغي أن يوقع العقد على العمل، ويقدره بمرة أو مرتين أو ~~أكثر # وقيل: يقع العقد على مدة. وهذا بعيد؛ لأن من أراد إطراق فرسه # PageV05P406 # مرة، فقدره بمدة تزيد على قدر الفعل، لم يمكن استيعابها به، ms2824 وإن اقتصر ~~على مقداره، فربما لا يحصل الفعل فيه، ويتعذر أيضا ضبط مقدار الفعل، فيتعين ~~التقدير بالفعل، إلا أن يكتري فحلا لإطراق ماشية كثيرة، كفحل يتركه في ~~إبله، أو تيس في غنمه، فإن هذا إنما يكتري مدة معلومة. والمذهب أنه لا يجوز ~~إجارته، فإن احتاج إنسان إلى ذلك، ولم يجد من يطرق له، جاز له أن يبذل ~~الكراء، وليس للمطرق أخذه # قال عطاء: لا يأخذ عليه شيئا، ولا بأس أن يعطيه إذا لم يجد من يطرق له. ~~ولأن ذلك بذل مال لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها، فجاز، كشراء ~~الأسير، ورشوة الظالم ليدفع ظلمه. وإن أطرق إنسان فحله بغير إجارة ولا شرط، ~~فأهديت له هدية، أو أكرم بكرامة لذلك، فلا بأس به؛ لأنه فعل معروفا، فجازت ~~مجازاته عليه، كما لو أهدي هدية. ### | [فصل ما منفعته محرمة لا يجوز الاستئجار لفعله] # (4316) فصل: القسم الثاني، ما منفعته محرمة، كالزنى والزمر والنوح ~~والغناء، فلا يجوز الاستئجار لفعله. وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، ~~وصاحباه، وأبو ثور. وكره ذلك الشعبي، والنخعي؛ لأنه محرم، فلم يجز ~~الاستئجار عليه، كإجارة أمته للزنى. ولا يجوز استئجار كاتب ليكتب له غناء ~~ونوحا. وقال أبو حنيفة: يجوز # ولنا أنه انتفاع بمحرم، فأشبه ما ذكرنا. ولا يجوز الاستئجار على كتابة ~~شعر محرم، ولا بدعة، ولا شيء محرم لذلك. ولا يجوز الاستئجار على حمل الخمر ~~لمن يشربها، ولا على حمل خنزير ولا ميتة؛ لذلك. وبهذا قال أبو يوسف، ومحمد، ~~والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز؛ لأن العمل لا يتعين عليه، بدليل أنه لو ~~حمله مثله جاز، ولأنه لو قصد إراقته أو طرح الميتة، جاز # وقد روي عن أحمد، في من حمل خنزيرا أو ميتة أو خمرا لنصراني: أكره أكل ~~كرائه، ولكن يقضى للحمال بالكراء، فإذا كان لمسلم فهو أشد. قال القاضي: هذا ~~محمول على أنه استأجره ليريقها، فأما للشرب فمحظور، ولا يحل أخذ الأجرة ~~عليه. وهذا التأويل بعيد؛ لقوله: أكره أكل كرائه، وإذا كان لمسلم فهو أشد. ~~ولكن المذهب خلاف هذه الرواية؛ ms2825 لأنه استئجار لفعل محرم، فلم يصح، كالزنى # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن حاملها والمحمولة إليه. وقوله: لا ~~يتعين يبطل باستئجار أرض ليتخذها مسجدا. وأما حمل هذه لإراقتها، والميتة ~~لطرحها، والاستئجار للكنف، فجائز؛ لأن ذلك كله مباح، وقد استأجر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أبا طيبة فحجمه. وقال أحمد، في رواية ابن منصور، في ~~الرجل يؤجر نفسه لنظارة كرم النصراني: يكره ذلك؛ لأن الأصل في ذلك راجع إلى ~~الخمر. # PageV05P407 ### | [فصل تأجير الرجل نفسه لكسح الكنف] # (4317) فصل: ويكره أن يؤجر الرجل نفسه لكسح الكنف، ويكره له أكل أجره؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كسب الحجام خبيث» . ونهى الحر عن ~~أكله، فهذا أولى. وقد روي عن ابن عباس، أن رجلا حج، ثم أتاه، فقال له: إني ~~رجل أكنس، فما ترى في مكسبي؟ قال: أي شيء تكنس؟ قال: العذرة، قال: ومنه ~~حججت، ومنه تزوجت؟ قال: نعم، قال: أنت خبيث، وحجك خبيث، وما تزوجت خبيث. أو ~~نحو هذا، ذكره سعيد بن منصور، في " سننه " بمعناه، ولأن فيه دناءة، فكره، ~~كالحجامة، فأما الإجارة في الجملة، فجائزة؛ لأن الحاجة داعية إليها، فلا ~~تندفع بدون إباحة الإجارة، فوجب إباحتها، كالحجامة. ### | [فصل إجارة داره لمن يتخذها كنيسة] # (4318) فصل: ولا يجوز للرجل إجارة داره لمن يتخذها كنيسة، أو بيعة أو ~~يتخذها لبيع الخمر، أو القمار. وبه قال الجماعة. وقال أبو حنيفة: إن كان ~~بيتك في السواد، فلا بأس أن تؤجره لذلك. وخالفه صاحباه، واختلف أصحابه في ~~تأويل قوله. ولنا أنه فعل محرم، فلم تجز الإجارة عليه، كإجارة عبده للفجور. ~~ولو اكترى ذمي من مسلم داره، فأراد بيع الخمر فيها، فلصاحب الدار منعه. ~~وبذلك قال الثوري # وقال أصحاب الرأي: إن كان بيته في السواد والجبل، فله أن يفعل ما شاء. ~~ولنا أنه فعل محرم، جاز المنع منه في المصر، فجاز في السواد، كقتل النفس ~~المحرمة. ### | [فصل ما يحرم بيعه لا يجوز إجارته] # (4319) فصل: القسم الثالث، ما يحرم بيعه، إلا الحر والوقف وأم الولد ~~والمدبر، فإنه يجوز إجارتها، ms2826 وإن حرم بيعها، وما عدا ذلك فلا تجوز إجارته، ~~سواء كان ممن لا يقدر على تسليمه، كالعبد الآبق، والجمل الناد، والبهيمة ~~الشاردة، والمغصوب من غير غاصبه ممن لا يقدر على انتزاعه منه، فإنه لا تجوز ~~إجارته؛ لأنه لا يمكن تسليم المعقود عليه. وإن كان مما تجهل صفته، فإنه لا ~~تجوز إجارته، في ظاهر المذهب. أو كان ممن لا نفع فيه، كسباع البهائم، أو ~~الطير التي لا تصلح للاصطياد # ولا تجوز إجارة الكلب، ولا الخنزير، بحال. ويتخرج جواز إجارة الكلب الذي ~~يباح اقتناؤه؛ لأن فيه نفعا مباحا تجوز له إعارته، فجازت إجارته له كغيره. ~~ولأصحاب الشافعي وجهان، كهذين. # ولا تجوز إجارة ما لا يقدر على تسليم منفعته، سواء # PageV05P408 # جاز بيعه أو لم يجز، مثل أن يغصب منفعته، بأن يدعي إنسان أن هذه الدار في ~~إجارته عاما، ويغلب صاحبها عليها، فإنه لا تجوز إجارتها في هذا العام إلا ~~من غاصبها، أو ممن يقدر على أخذها منه # قال أصحابنا: ولا تجوز إجارة المشاع لغير الشريك، إلا أن يؤجر الشريكان ~~معا. وهذا قول أبي حنيفة، وزفر؛ لأنه لا يقدر على تسليمه، فلم تصح إجارته ~~كالمغصوب؛ وذلك لأنه لا يقدر على تسليمه إلا بتسليم نصيب شريكه، ولا ولاية ~~له على مال شريكه. واختار أبو حفص العكبري جواز ذلك. وقد أومأ إليه أحمد، ~~وهو قول مالك، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد؛ لأنه معلوم يجوز بيعه، فجازت ~~إجارته كالمفرد، ولأنه عقد في ملكه، يجوز مع شريكه، فجاز مع غيره كالبيع، ~~ولأنه يجوز إذا فعله الشريكان معا، فجاز لأحدهما فعله في نصيبه مفردا، ~~كالبيع # ومن نصر الأول فرق بين محل النزاع وبين ما إذا آجره الشريكان، أو آجره ~~لشريكه، بأنه يمكن التسليم إلى المستأجر، فأشبه إجارة المغصوب من غاصبه دون ~~غيره. # وإن كانت الدار لواحد، فآجر نصفها، صح؛ لأنه يمكنه تسليمه، ثم إن آجر ~~نصفها الآخر للمستأجر الأول صح فإنه يمكنه تسليمه إليه، وإن آجره لغيره، ~~ففيه وجهان، بناء على المسألة التي قبلها؛ لأنه لا يمكنه تسليم ما آجره ms2827 ~~إليه # وإن آجر الدار لاثنين لكل واحد منهما نصفها، فكذلك؛ لأنه لا يمكنه تسليم ~~نصيب كل واحد منهما إليه. ### | [فصل إجارة المصحف] # (4320) فصل: وفي إجارة المصحف وجهان أحدهما لا تصح إجارته، مبنيا على أنه ~~لا يصح بيعه، وعلة ذلك إجلال كلام الله وكتابه عن المعاوضة به، وابتذاله ~~بالثمن في البيع، والأجر في الإجارة. والثاني، تجوز إجارته. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأنه انتفاع مباح، تجوز الإعارة من أجله، فجازت فيه الإجارة، ~~كسائر الكتب، فأما سائر الكتب الجائز بيعها، فتجوز إجارتها # ومقتضى مذهب أبي حنيفة أنها لا تجوز إجارتها؛ لأنه علل منع إجارة المصحف ~~بأنه ليس في ذلك أكثر من النظر إليه، ولا تجوز الإجارة لمثل ذلك، بدليل أنه ~~لا يجوز أن يستأجر سقفا لينظر إلى عمله وتصاويره، أو شمعا ليتجمل به. ولنا ~~أنه انتفاع مباح يحتاج إليه، وتجوز الإعارة له، فجازت إجارته كسائر ~~المنافع. وفارق النظر إلى السقف؛ فإنه لا حاجة إليه، ولا جرت العادة ~~بالإعارة من أجله. وفي مسألتنا يحتاج إلى القراءة في الكتب، والتحفظ منها، ~~والنسخ والسماع منها والرواية، وغير ذلك من الانتفاع المقصود المحتاج إليه. # PageV05P409 ### | [فصل إجارة المسلم للذمي لخدمته] # (4321) فصل: ولا تجوز إجارة المسلم للذمي لخدمته. نص عليه أحمد، في رواية ~~الأثرم، فقال: إن آجر نفسه من الذمي في خدمته، لم يجز، وإن كان في عمل شيء، ~~جاز. وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: تجوز؛ لأنه تجوز له إجارة نفسه ~~في غير الخدمة، فجاز فيها، كإجارته من المسلم. ولنا أنه عقد يتضمن حبس ~~المسلم عند الكافر، وإذلاله له، واستخدامه، أشبه البيع، يحققه أن عقد ~~الإجارة للخدمة يتعين فيه حبسه مدة الإجارة واستخدامه، والبيع لا يتعين فيه ~~ذلك، فإذا منع منه، فلأن يمنع من الإجارة أولى # فأما إن آجر نفسه منه في عمل معين في الذمة، كخياطة ثوب، وقصارته، جاز ~~بغير خلاف نعلمه؛ لأن عليا - رضي الله عنه - آجر نفسه من يهودي، يستقي له ~~كل دلو بتمرة، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فلم ينكره. وكذلك ~~الأنصاري. ms2828 ولأنه عقد معاوضة لا يتضمن إذلال المسلم، ولا استخدامه، أشبه ~~مبايعته. وإن آجر نفسه منه لعمل غير الخدمة، مدة معلومة، جاز أيضا، في ظاهر ~~كلام أحمد؛ لقوله، في رواية الأثرم: وإن كان في عمل شيء، جاز # ونقل عنه أحمد بن سعيد: لا بأس أن يؤجر نفسه من الذمي. وهذا مطلق في نوعي ~~الإجارة. وذكر بعض أصحابنا، أن ظاهر كلام أحمد منع ذلك، وأشار إلى ما رواه ~~الأثرم، واحتج بأنه عقد يتضمن حبس المسلم، أشبه البيع. والصحيح ما ذكرنا، ~~وكلام أحمد إنما يدل على خلاف ما قاله، فإنه خص المنع بالإجارة للخدمة، ~~وأجاز إجارته للعمل. وهذا إجارة للعمل. ويفارق البيع، فإن فيه إثبات الملك ~~على المسلم، ويفارق إجارته للخدمة، لتضمنها الإذلال. ### | [فصل الرجل يكتري الديك يوقظه لوقت الصلاة] # فصل (4322) : نقل إبراهيم الحربي، عن أحمد، أنه سئل عن الرجل يكتري الديك ~~يوقظه لوقت الصلاة: لا يجوز؛ وذلك لأن ذلك يقف على فعل الديك، ولا يمكن ~~استخراج ذلك منه بضرب ولا غيره، وقد يصيح، وقد لا يصيح، وربما صاح بعد ~~الوقت. ### | [فصل حكم الإجارة في القرب التي يختص فاعلها بكونه من أهل القربة] # (4323) فصل: القسم الرابع، القرب التي يختص فاعلها بكونه من أهل القربة، ~~يعني أنه يشترط كونه مسلما، كالإمامة، والأذان، والحج، وتعليم القرآن # نص عليه أحمد. وبه قال عطاء، والضحاك بن قيس، وأبو حنيفة، والزهري. وكره ~~الزهري، وإسحاق تعليم القرآن بأجر. وقال عبد الله بن شقيق: هذه الرغف التي ~~يأخذها المعلمون من السحت. وممن كره أجرة التعليم مع # PageV05P410 # الشرط: الحسن، وابن سيرين، وطاوس، والشعبي، والنخعي # وعن أحمد، رواية أخرى، يجوز ذلك. حكاها أبو الخطاب. ونقل أبو طالب، عن ~~أحمد، أنه قال: التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل ~~لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن يستدين ويتجر، لعله لا يقدر على ~~الوفاء، فيلقى الله تعالى بأمانات الناس، التعليم أحب إلي. وهذا يدل على أن ~~منعه منه في موضع منعه للكراهة، لا للتحريم. وممن أجاز ذلك مالك، والشافعي. ms2829 ~~ورخص في أجور المعلمين أبو قلابة وأبو ثور، وابن المنذر؛ لأن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - زوج رجلا بما معه من القرآن متفق عليه. # وإذا جاز تعليم القرآن عوضا في باب النكاح، وقام مقام المهر، جاز أخذ ~~الأجرة عليه في الإجارة، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أحق ~~ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» . حديث صحيح. وثبت «أن أبا سعيد رقى رجلا ~~بفاتحة الكتاب على جعل فبرأ، وأخذ أصحابه الجعل، فأتوا به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فأخبروه، وسألوه، فقال: لعمري لمن أكل برقية باطل، لقد ~~أكلت برقية حق، كلوا واضربوا لي معكم بسهم» # ولذا جاز أخذ الأجر؛ لأنه في معناه، ولأنه يجوز أخذ الرزق عليه من بيت ~~المال، فجاز أخذ الأجر عليه، كبناء المساجد والقناطر، ولأن الحاجة تدعو إلى ~~ذلك، فإنه يحتاج إلى الاستنابة في الحج عمن وجب عليه الحج وعجز عن فعله، ~~ولا يكاد يوجد متبرع بذلك، فيحتاج إلى بذل الأجر فيه. ووجه الرواية الأولى، ~~ما روى عثمان بن أبي العاص، قال: «إن آخر ما عهد إلي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا» قال الترمذي: هذا حديث حسن. # وروى عبادة بن الصامت، قال: علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة، ~~فأهدى إلي رجل منهم قوسا، قال: قلت: قوس وليست بمال. قال: قلت أتقلدها في ~~سبيل الله. فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وقص عليه القصة، قال: ~~«إن سرك أن يقلدك الله قوسا من نار، فاقبلها» . وعن أبي بن كعب، أنه «علم ~~رجلا سورة من القرآن، فأهدى إليه خميصة أو ثوبا، فذكر ذلك للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: لو أنك لبستها، أو أخذتها، ألبسك الله مكانها ثوبا من ~~نار» # وعن أبي، قال: «كنت أختلف إلى رجل مسن، قد أصابته علة، قد احتبس في بيته ~~أقرئه القرآن، فكان عند فراغه مما أقرئه يقول لجارية له: هلمي بطعام أخي. ~~فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فحاك في نفسي ms2830 منه شيء، فذكرته للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: إن كان ذلك الطعام طعامه وطعام أهله، فكل منه، ~~وإن كان يتحفك # PageV05P411 # به، فلا تأكله» . وعن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري، قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: «اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ~~ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به» # روى هذه الأحاديث كلها الأثرم، في " سننه ". ولأن من شرط صحة هذه ~~الأفعال، كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجر عليها، كما لو ~~استأجر قوما يصلون خلفه الجمعة أو التراويح. فأما الأخذ على الرقية، فإن ~~أحمد اختار جوازه، وقال: لا بأس. وذكر حديث أبي سعيد. والفرق بينه وبين ما ~~اختلف فيه، أن الرقية نوع مداواة، والمأخوذ عليها جعل، والمداواة يباح أخذ ~~الأجر عليها، والجعالة أوسع من الإجارة، ولهذا تجوز مع جهالة العمل والمدة # وقوله - عليه السلام -: «أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» . يعني به ~~الجعل أيضا في الرقية؛ لأنه ذكر ذلك في سياق خبر الرقية. وأما جعل التعليم ~~صداقا فعنه فيه اختلاف، وليس في الخبر تصريح بأن التعليم صداق، إنما قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «زوجتكها على ما معك من القرآن» . فيحتمل أنه زوجه ~~إياها بغير صداق، إكراما له، كما زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه، ونقل ~~عنه جوازه # والفرق بين المهر والأجر، أن المهر ليس بعوض محض، وإنما وجب نحلة ووصلة، ~~ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته، وصح مع فساده، بخلاف الأجر في غيره، فأما ~~الرزق من بيت المال، فيجوز على ما يتعدى نفعه من هذه الأمور؛ لأن بيت المال ~~لمصالح المسلمين، فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجا إليه، ~~كان من المصالح، وكان للآخذ له أخذه؛ لأنه من أهله، وجرى مجرى الوقف على من ~~يقوم بهذه المصالح، بخلاف الأجر. ### | [فصل أعطي المعلم شيئا من غير شرط] # (4324) فصل: فإن أعطي المعلم شيئا من غير شرط، فظاهر كلام أحمد جوازه. ~~وقال، فيما نقل عنه أيوب بن سافري: لا يطلب، ولا يشارط، ms2831 فإن أعطي شيئا ~~أخذه. وقال، في رواية أحمد بن سعيد: أكره أجر المعلم إذا شرط. وقال: إذا ~~كان المعلم لا يشارط، ولا يطلب من أحد شيئا، إن أتاه شيء قبله. كأنه يراه ~~أهون. وكرهه طائفة من أهل العلم؛ لما تقدم من حديث القوس والخميصة اللتين ~~أعطيهما أبي وعبادة من غير شرط. # ولأن ذلك قربة، فلم يجز أخذ العوض عنها، لا بشرط ولا بغيره، كالصلاة ~~والصيام. ووجه الأول، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أتاك من هذا ~~المال من غير مسألة ولا إشراف نفس، فخذه، وتموله؛ فإنه رزق ساقه الله إليك» ~~. وقد أرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي في أكل طعام الذي كان يعلمه، ~~إذا كان طعامه وطعام أهله. ولأنه إذا كان بغير شرط، كان هبة مجردة، فجاز، ~~كما لو لم يعلمه شيئا. فأما حديث القوس والخميصة، فقضيتان في عين، فيحتمل ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنهما فعلا ذلك لله خالصا، فكره أخذ ~~العوض عنه من غير الله تعالى. ويحتمل غير ذلك # PageV05P412 # وإن أعطي المعلم أجرا على تعليم الصبي الخط وحفظه، جاز. نص عليه أحمد، ~~فقال: إن كان المعطي ينوي أن يعطيه لحفظ الصبي وتعليمه، فأرجو إذا كان كذا. ~~ولأن هذا مما يجوز أخذ الأجر عليه مفردا، فجاز مع غيره، كسائر ما يجوز ~~الاستئجار عليه. وهكذا لو كان إمام المسجد قيما له، يسرج قناديله، ويكنسه، ~~ويغلق بابه ويفتحه، فأخذ أجرا على خدمته، أو كان النائب في الحج يخدم ~~المستنيب له في طريق الحج، ويشد له، ويرفع حمله، ويحج عن أبيه، فدفع له ~~أجرا لخدمته، لم يمتنع ذلك، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل حكم إجارة ما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كتعليم وغيره] # (4325) فصل: وما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، كتعليم الخط ~~والحساب والشعر المباح، وأشباهه، وبناء المساجد والقناطر، جاز أخذ الأجر ~~عليه؛ لأنه يقع تارة قربة، وتارة غير قربة، فلم يمنع من الاستئجار لفعله، ~~كغرس الأشجار، وبناء البيوت. وكذلك في تعليم ms2832 الفقه والحديث. وأما ما لا ~~يتعدى نفعه فاعله من العبادات المحضة، كالصيام، وصلاة الإنسان لنفسه، وحجه ~~عن نفسه، وأداء زكاة نفسه، فلا يجوز أخذ الأجر عليها، بغير خلاف؛ لأن الأجر ~~عوض الانتفاع، ولم يحصل لغيره هاهنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان التي لا ~~نفع فيها. ### | [فصل اختلفا في قدر الأجر] # (4326) فصل: إذا اختلفا في قدر الأجر، فقال: آجرتنيها سنة بدينار. قال: ~~بل بدينارين. تحالفا، ويبدأ بيمين الآجر. نص عليه أحمد. وهو قول الشافعي؛ ~~لأن الإجارة نوع من البيع، فإذا تحالفا قبل مضي شيء من المدة فسخا العقد، ~~ورجع كل واحد منهما في ماله. وإن رضي أحدهما بما حلف عليه الآخر، قر العقد. ~~وإن فسخا العقد بعد المدة أو شيء منها، سقط المسمى ووجب أجر المثل، كما لو ~~اختلفا في المبيع بعد تلفه. وهذا قول الشافعي # وبه قال أبو حنيفة إن لم يكن عمل العمل، وإن كان عمله فالقول قول ~~المستأجر فيما بينه وبين أجر مثله. وقال أبو ثور: القول قول المستأجر؛ لأنه ~~منكر للزيادة في الأجر، والقول قول المنكر. ولنا أن الإجارة نوع من البيع، ~~فيتحالفان عند اختلافهما في عوضها، كالبيع، وكما قبل أن يعمل العمل عند أبي ~~حنيفة. وقال ابن أبي موسى: القول قول المالك؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا اختلف المتبايعان، فالقول قول البائع» . وهذا يحتمل أن يريد ~~به إذا اختلفا في المدة، وأما إذا اختلفا في العوض، فالصحيح أنهما ~~يتحالفان؛ لما ذكرناه. # PageV05P413 ### | [فصل اختلفا في مدة الإجارة] # (4327) فصل: وإن اختلفا في المدة، فقال: أجرتكها سنة بدينار. قال: بل ~~سنتين بدينارين. فالقول قول المالك؛ لأنه منكر للزيادة، فكان القول قوله ~~فيما أنكره، كما لو قال: بعتك هذا العبد بمائة. قال: بل هذين العبدين. # وإن قال: أجرتكها سنة بدينار. قال: بل سنتين بدينار. فهاهنا قد اختلفا في ~~قدر العوض والمدة جميعا، فيتحالفان؛ لأنه لم يوجد الاتفاق منهما على مدة ~~بعوض، فصار كما لو اختلفا في العوض مع اتفاق المدة. # وإن قال المالك: أجرتكها سنة بدينار. فقال الساكن: بل ms2833 استأجرتني على ~~حفظها بدينار. فقال أحمد: القول قول رب الدار، إلا أن تكون للساكن بينة. ~~وذلك لأن سكنى الدار قد وجد من الساكن، واستيفاء منفعتها وهي ملك صاحبها، ~~والقول قوله في ملكه، والأصل عدم استئجار الساكن في الحفظ، فكان القول قول ~~من ينفيه. ### | [فصل اختلفا في التعدي في العين المستأجرة] # (4328) فصل: وإن اختلفا في التعدي في العين المستأجرة، فالقول قول ~~المستأجر؛ لأنه مؤتمن عليها، فأشبه المودع، ولأن الأصل عدم العدوان، ~~والبراءة من الضمان. # وإن ادعى أن العبد أبق من يده، وأن الدابة شردت أو نفقت، وأنكر المؤجر، ~~فعن أحمد روايتان إحداهما أن القول قول المستأجر؛ لما ذكرنا، ولا أجر عليه ~~إذا حلف أنه ما انتفع بها؛ لأن الأصل عدم الانتفاع. والثانية القول قول ~~المؤجر؛ لأن الأصل السلامة. فأما إن ادعى أن العبد مرض في يده، نظرنا؛ فإن ~~جاء به صحيحا، فالقول قول المالك، سواء وافقه العبد أو خالفه # نص عليه أحمد. وإن جاء به مريضا، فالقول قول المستأجر. وهذا قول أبي ~~حنيفة؛ لأنه إذا جاء به صحيحا فقد ادعى ما يخالف الأصل، وليس معه دليل ~~عليه، وإن جاء به مريضا، فقد وجد ما يخالف الأصل يقينا، فكان القول قوله في ~~مدة المرض؛ لأنه أعلم بذلك، لكونه في يده. وكذلك إن ادعى إباقه في حال ~~إباقه، أو جاء به غير آبق. ونقل إسحاق بن منصور، عن أحمد، أنه يقبل قوله في ~~إباق العبد، دون مرضه. وبه قال الثوري، وإسحاق # قال أبو بكر: وبالأول أقول؛ لأنهما سواء في تفويت منفعته، فكانا سواء في ~~دعوى ذلك. وإن هلكت العين، فاختلفا في وقت هلاكها، أو أبق العبد، أو مرض ~~فاختلفا في وقت ذلك، فالقول قول المستأجر؛ لأن الأصل عدم العمل ولأن ذلك ~~حصل في يده وهو أعلم به. # PageV05P414 ### | [فصل دفع ثوبه إلى خياط أو قصار ليخيطه أو يقصره من غير عقد ولا شرط ولا تعويض بأجر] # (4329) فصل: إذا دفع ثوبه إلى خياط أو قصار، ليخيطه أو يقصره، من غير عقد ~~ولا شرط، ولا تعويض ms2834 بأجر، مثل أن يقول: خذ هذا فاعمله، وأنا أعلم أنك إنما ~~تعمل بأجر. وكان الخياط والقصار منتصبين لذلك، ففعلا ذلك، فلهما الأجر. ~~وقال أصحاب الشافعي: لا أجر لهما؛ لأنهما فعلا ذلك من غير عوض جعل لهما، ~~فأشبه ما لو تبرعا بعمله. ولنا أن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول، فصار ~~كنقد البلد، وكما لو دخل حماما، أو جلس في سفينة مع ملاح، ولأن شاهد الحال ~~يقتضيه، فصار كالتعويض # فأما إن لم يكونا منتصبين لذلك، لم يستحقا أجرا إلا بعقد أو شرط العوض، ~~أو تعويض به؛ لأنه لم يجر عرف يقوم مقام العقد، فصار كما لو تبرع به، أو ~~عمله بغير إذن مالكه. ولو دفع ثوبا إلى رجل ليبيعه، فالحكم فيه كالحكم في ~~القصار والخياط، إن كان منتصبا يبيع للناس بأجر، فله أجر مثله. نص عليه ~~أحمد، وإن لم يكن كذلك، فلا شيء؛ لما تقدم. ومتى دفع ثوبه إلى أحد هؤلاء، ~~ولم يقاطعه على أجر، فله أجر المثل؛ لأن الثياب تختلف أجرتها، ولم يعين ~~شيئا، فجرى مجرى الإجارة الفاسدة # فإن تلف الثوب من حرزه، أو بغير فعله، فلا ضمان عليه؛ لأن ما لا يضمن في ~~العقد الصحيح، لا يضمن في فاسده. وإن تلف من فعله، بتخريقه أو دقه، ضمنه؛ ~~لأنه إذا ضمنه بذلك في العقد الصحيح، ففي الفاسد أولى. وقال أحمد، في من ~~دفع ثوبا إلي قصار ليقصره، ولم يقطع له أجرا، بل قال: أنا أعطيك كما تعطى. ~~وهلك الثوب، فإن كان بخرق أو نحوه مما لا تجنيه يده، فلا ضمان عليه، بين ~~الكراء أو لم يبين، والعلة في ذلك ما ذكرناه. ### | [فصل استأجر رجلا ليحمل له كتابا إلى مكة أو غيرها إلى صاحب له فحمله فوجد صاحبه غائبا فرده] # (4330) فصل: إذا استأجر رجلا ليحمل له كتابا إلى مكة أو غيرها، إلى صاحب ~~له، فحمله، فوجد صاحبه غائبا، فرده، استحق الأجر بحمله في الذهاب والرد؛ ~~لأنه حمله في الذهاب بإذن صاحبه صريحا، وفي الرد تضمينا؛ لأن تقدير كلامه: ~~وإن لم تجد ms2835 صاحبه فرده. إذ ليس سوى رده إلا تضييعه. فقد علم أنه لا يرضى ~~تضييعه، فتعين رده. والله أعلم. # PageV05P415 ### | [كتاب إحياء الموات] # الموات: هو الأرض الخراب الدارسة، تسمى ميتة ومواتا وموتانا، بفتح الميم ~~والواو، والموتان، بضم الميم وسكون الواو: الموت الذريع. ورجل موتان القلب، ~~بفتح الميم وسكون الواو، يعني: أعمى القلب، لا يفهم. # والأصل في إحياء الأرض، ما روى جابر - رضي الله عنه - قال: «قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: من أحيا أرضا ميتة فهي له» . قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن صحيح # وروى سعيد بن زيد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أحيا أرضا ~~ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق» . قال الترمذي هذا حديث حسن، وروى مالك، ~~في " موطئه "، وأبو داود، في " سننه " عن عائشة مثله. قال ابن عبد البر، ~~وهو مسند صحيح، متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم. وروى أبو عبيد، في ~~" الأموال " عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~أحيا أرضا ليست لأحد، فهو أحق بها» . قال عروة: وقضى بذلك عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - في خلافته # وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه. ### | [مسألة من أحيا أرضا لم تملك] # (4331) مسألة قال أبو القاسم: (ومن أحيا أرضا لم تملك، فهي له) وجملته أن ~~الموات قسمان أحدهما ما لم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة، ~~فهذا يملك بالإحياء، بغير خلاف بين القائلين بالإحياء. والأخبار التي ~~رويناها متناولة له. # القسم الثاني، ما جرى عليه ملك مالك، وهو ثلاثة أنواع: أحدها ما له مالك ~~معين، وهو ضربان أحدهما، ما ملك بشراء أو عطية، فهذا لا يملك بالإحياء، ~~بغير خلاف. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن ما عرف بملك مالك غير ~~منقطع أنه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه. # الثاني ما ملك بالإحياء، ثم ترك حتى دثر وعاد مواتا، فهو كالذي قبله ~~سواء. وقال مالك: يملك هذا لعموم قوله: «من أحيا أرضا ميتة فهي ms2836 له» . ولأن ~~أصل هذه الأرض مباح، فإذا تركت حتى تصير مواتا عادت إلى الإباحة، كمن أخذ ~~ماء من نهر ثم رده فيه. # PageV05P416 # ولنا أن هذه أرض يعرف مالكها، فلم تملك بالإحياء، كالتي ملكت بشراء أو ~~عطية، والخبر مقيد بغير المملوك، بقوله في الرواية الأخرى: " من أحيا أرضا ~~ميتة ليست لأحد ". وقوله: " في غير حق مسلم " # وهذا يوجب تقييد مطلق حديثه. وقال هشام بن عروة، في تفسير قوله - عليه ~~السلام -: «وليس لعرق ظالم حق» : العرق الظالم أن يأتي الرجل الأرض الميتة ~~لغيره، فيغرس فيها. ذكره سعيد بن منصور، في " سننه ". ثم الحديث مخصوص بما ~~ملك بشراء أو عطية، فنقيس عليه محل النزاع. ولأن سائر الأموال لا يزول ~~الملك عنها بالترك، بدليل سائر الأملاك إذا تركت حتى تشعثت. وما ذكروه يبطل ~~بالموات إذا أحياه إنسان ثم باعه، فتركه المشتري حتى عاد مواتا، وباللقطة ~~إذا ملكها ثم ضاعت منه، ويخالف ماء النهر، فإنه استهلك. # النوع الثاني ما يوجد فيه آثار ملك قديم جاهلي، كآثار الروم، ومساكن ~~ثمود، ونحوها، فهذا يملك بالإحياء # لأن ذلك الملك لا حرمة له. وقد روي عن طاوس، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هو بعد لكم» . رواه سعيد بن ~~منصور، في " سننه "، وأبو عبيد، في " الأموال ". وقال: عادي الأرض: التي ~~كان بها ساكن في آباد الدهر، فانقرضوا، فلم يبق منهم أنيس، وإنما نسبها إلى ~~عاد لأنهم كانوا مع تقدمهم ذوي قوة وبطش وآثار كثيرة، فنسب كل أثر قديم ~~إليهم. ويحتمل أن كل ما فيه أثر الملك، ولم يعلم زواله قبل الإسلام، أنه لا ~~يملك؛ لأنه يحتمل أن المسلمين أخذوه عامرا، فاستحقوه، فصار موقوفا بوقف عمر ~~له، فلم يملك، كما لو علم مالكه. # النوع الثالث، ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم، أو ذمي غير معين، ~~فظاهر كلام الخرقي أنها لا تملك بالإحياء. وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ~~نقلها عنه أبو داود، وأبو الحارث، ويوسف بن موسى؛ لما روى كثير بن عبد الله ms2837 ~~بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «من أحيا أرضا مواتا، في غير حق مسلم، فهي له» . فقيده بكونه في غير ~~حق مسلم. ولأن هذه الأرض لها مالك، فلم يجز إحياؤها، كما لو كان معينا، فإن ~~مالكها إن كان له ورثة فهي لهم، وإن لم يكن له ورثة، ورثها المسلمون. ~~والرواية الثانية، أنها تملك بالإحياء. # نقلها صالح وغيره. وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك؛ لعموم الأخبار، ولأنها أرض ~~موات، لا حق فيها لقوم بأعيانهم، أشبهت ما لم يجر عليه ملك مالك، ولأنها إن ~~كانت في دار الإسلام، فهي كلقطة دار الإسلام، وإن كانت في دار الكفر، فهي ~~كالركاز. # (4332) فصل: ولا فرق فيما ذكرنا بين دار الحرب ودار الإسلام؛ لعموم ~~الأخبار، ولأن عامر دار الحرب إنما # PageV05P417 # يملك بالقهر والغلبة، كسائر أموالهم، فأما ما عرف أنه كان مملوكا، ولم ~~يعلم له مالك معين، فهو على الروايتين. فإن قيل: فهذا ملك كافر غير محترم، ~~فأشبه ديار عاد، وقد دل عليه قوله - عليه السلام -: «عادي الأرض لله ~~ولرسوله» # ولأن الركاز من أموالهم، ويملكه واجده، فهذا أولى. قلنا: قوله: " عادي ~~الأرض ". يعني ما تقدم ملكه، ومضت عليه الأزمان، وما كان كذلك فلا حكم ~~لمالكه. فأما ما قرب ملكه، فيحتمل أن له مالكا باقيا، وإن لم يتعين، فلهذا ~~قلنا: لا يملك. على إحدى الروايتين. وأما الركاز، فإنه ينقل ويحول، وهذا ~~بخلاف الأرض، بدليل أن لقطة دار الإسلام تملك بعد التعريف، بخلاف الأرض. ### | [فصل لا فرق بين المسلم والذمي في الإحياء] # (4333) فصل: ولا فرق بين المسلم والذمي في الإحياء. نص عليه أحمد. وبه ~~قال مالك، وأبو حنيفة. وقال مالك: لا يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام. ~~قال القاضي: وهو مذهب جماعة من أصحابنا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «موتان الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني» . فجمع الموتان، وجعله ~~للمسلمين. ولأن موتان الدار من حقوقها، والدار للمسلمين، فكان مواتها لهم، ~~كمرافق المملوك # ولنا عموم قول النبي - صلى الله عليه ms2838 وسلم -: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» ~~. ولأن هذه جهة من جهات التمليك، فاشترك فيها المسلم والذمي، كسائر جهاته. ~~وحديثهم لا نعرفه، إنما نعرف قوله: - صلى الله عليه وسلم - «عادي الأرض لله ~~ولرسوله، ثم هو لكم بعد، ومن أحيا مواتا من الأرض، فله دفينها» . هكذا رواه ~~سعيد بن منصور، وهو مرسل، رواه طاوس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم ~~لا يمتنع أن يريد بقوله: " هي لكم ". أي لأهل دار الإسلام، والذمي من أهل ~~الدار، تجري عليه أحكامها # وقولهم: إنها من حقوق دار الإسلام. قلنا: وهو من أهل الدار، فيملكها، كما ~~يملكها بالشراء، ويملك مباحاتها، من الحشيش والحطب والصيود والركاز والمعدن ~~واللقطة، وهي من مرافق دار الإسلام. ### | [فصل ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه من طرقه ومسيل مائه ومطرح قمامته وملقى ترابه وآلاته] # (4334) فصل: وما قرب من العامر، وتعلق بمصالحه، من طرقه، ومسيل مائه، ~~ومطرح قمامته، وملقى ترابه وآلاته، فلا يجوز إحياؤه، بغير خلاف في المذهب. ~~وكذلك ما تعلق بمصالح القرية، كفنائها، ومرعى ماشيتها، ومحتطبها، وطرقها، ~~ومسيل مائها، لا يملك بالإحياء. ولا نعلم فيه أيضا خلافا بين أهل العلم. ~~وكذلك حريم البئر والنهر والعين، وكل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه؛ ~~لقوله - عليه السلام -: «من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم، فهي له» . ~~مفهومه أن ما تعلق به حق مسلم لا يملك بالإحياء، ولأنه تابع للمملوك، ولو ~~جوزنا إحياءه، لبطل الملك في العامر على أهله # PageV05P418 # وذكر القاضي أن هذه المرافق لا يملكها المحيي بالإحياء، لكن هو أحق بها ~~من غيره؛ لأن الإحياء الذي هو سبب الملك لم يوجد فيها. وقال الشافعي: يملك ~~بذلك. وهو ظاهر قول الخرقي في حريم البئر؛ لأنه مكان استحقه بالإحياء، ~~فملكه، كالمحيي، ولأن معنى الملك موجود فيه، لأنه يدخل مع الدار في البيع، ~~ويختص به صاحبها. فأما ما قرب من العامر، ولم يتعلق بمصالحه، ففيه روايتان ~~إحداهما يجوز إحياؤه. قال أحمد، في رواية أبي الصقر، في رجلين أحييا قطعتين ~~من موات، وبقيت بينهما رقعة، ms2839 فجاء رجل ليحييها، فليس لهما منعه # وقال في جبانة بين قريتين: من أحياها، فهي له. وهذا مذهب الشافعي؛ لعموم ~~قوله - عليه السلام -: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» «. ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أقطع بلال بن الحارث المزني العقيق، وهو يعلم أنه بين ~~عمارة المدينة» . ولأنه موات لم يتعلق به مصلحة العامر، فجاز إحياؤه، ~~كالبعيد. والرواية الثانية، لا يجوز إحياؤه. وبه قال أبو حنيفة، والليث؛ ~~لأنه في مظنة تعلق المصلحة به، فإنه يحتمل أن يحتاج إلى فتح باب في حائطه ~~إلى فنائه، ويجعله طريقا، أو يخرب حائطه، فيضع آلات البناء في فنائه، وغير ~~ذلك، ولم يجز تفويت ذلك عليه، بخلاف البعيد # إذا ثبت هذا، فإنه لا حد يفصل بين القريب والبعيد سوى العرف. وقال الليث: ~~حده غلوة، وهي خمس الفرسخ. وقال أبو حنيفة: حد البعيد هو الذي إذا وقف ~~الرجل في أدناه، فصاح بأعلى صوته، لم يسمع أدنى أهل المصر إليه. ولنا، أن ~~التحديد لا يعرف إلا بالتوقيف، ولا يعرف بالرأي والتحكم، ولم يرد من الشرع ~~في ذلك تحديد، فوجب أن يرجع في ذلك إلى العرف، كالقبض والإحراز. وقول من ~~حدد هذا تحكم بغير دليل، وليس ذلك أولى من تحديده بشيء آخر، كميل ونصف ميل، ~~ونحو ذلك. وهذا التحديد الذي ذكراه والله أعلم مختص بما قرب من المصر أو ~~القرية، ولا يجوز أن يكون حدا لكل ما قرب من عامر، لأنه يفضي إلى أن من ~~أحيا أرضا في موات، حرم إحياء شيء من ذلك الموات على غيره، ما لم يخرج عن ~~ذلك الحد. # (4335) فصل: وجميع البلاد فيما ذكرناه سواء، المفتوح عنوة كأرض الشام ~~والعراق، وما أسلم أهله عليه كالمدينة، وما صولح أهله على أن الأرض ~~للمسلمين كأرض خيبر، إلا الذي صولح أهله على أن الأرض لهم ولنا الخراج ~~عنها، فإن أصحابنا قالوا: لو دخل فيها مسلم، فأحيا فيها مواتا، لم يملكه؛ ~~لأنهم صولحوا في بلادهم، # PageV05P419 # فلا يجوز التعرض لشيء منها، عامرا كان أو مواتا، لأن الموات تابع للبلد، ~~فإذا ms2840 لم يملك عليهم البلد لم يملك مواته. ويفارق دار الحرب، حيث يملك ~~مواتها؛ لأن دار الحرب على أصل الإباحة، وهذه صالحناهم على تركها لهم، ~~فحرمت علينا # ويحتمل أن يملكها من أحياها؛ لعموم الخبر، ولأنها من مباحات دارهم، فجاز ~~أن يملكها من وجد منه سبب تملكها، كالحشيش والحطب. وقد روي عن أحمد، أنه ~~ليس في السواد موات. يعني سواد العراق. قال القاضي: هذا محمول على العامر. ~~ويحتمل أن أحمد قال ذلك لكون السواد كان معمورا كله في زمن عمر بن الخطاب، ~~وحين أخذه المسلمون من الكفار، حتى بلغنا أن رجلا منهم سأل أن يعطى خربة، ~~فلم يجدوا له خربة. فقال: إنما أردت أن أعلمكم كيف أخذتموها منا. وإذا لم ~~يكن فيها موات حين ملكها المسلمون، لم يصر فيها موات بعده، لأن ما دثر من ~~أملاك المسلمين لم يصر مواتا، على إحدى الروايتين. ### | [فصل إن تحجر مواتا] # (4336) فصل: وإن تحجر مواتا، وهو أن يشرع في إحيائه، مثل إن أدار حول ~~الأرض ترابا أو أحجارا، أو حاطها بحائط صغير، لم يملكها بذلك؛ لأن الملك ~~بالإحياء، وليس هذا بإحياء، لكن يصير أحق الناس به؛ لأنه روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق ~~به» . رواه أبو داود. فإن نقله إلى غيره، صار الثاني بمنزلته؛ لأن صاحبه ~~أقامه مقامه. وإن مات فوارثه أحق به؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من ترك حقا أو مالا، فهو لورثته» . فإن باعه، لم يصح بيعه؛ لأنه لم يملكه، ~~فلم يملك بيعه كحق الشفعة قبل الأخذ به، وكمن سبق إلى معدن أو مباح قبل ~~أخذه # قال أبو الخطاب: ويحتمل جواز بيعه؛ لأنه له، فإن سبق غيره فأحياه، ففيه ~~وجهان أحدهما أنه يملكه؛ لأن الإحياء يملك به، والتحجر لا يملك به، فثبت ~~الملك بما يملك به دون ما لم يملك به، كمن سبق إلى معدن أو مشرعة ماء، فجاء ~~غيره، فأزاله وأخذه. # والثاني لا يملكه لأن مفهوم قوله - عليه ms2841 السلام -: " من أحيا أرضا ميتة ~~ليست لأحد " وقوله: " في حق غير مسلم، فهي له ". أنها لا تكون له إذا كان ~~لمسلم فيها حق. وكذلك قوله: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به» # وروى سعيد، في " سننه " أن عمر - رضي الله عنه - قال: من كانت له أرض ~~يعني من تحجر أرضا فعطلها ثلاث سنين، فجاء قوم فعمروها، فهم أحق بها. وهذا ~~يدل على أن من عمرها قبل ثلاث سنين لا يملكها؛ ولأن الثاني أحيا في حق ~~غيره، فلم يملكه، كما لو أحيا ما يتعلق به مصالح ملك غيره، ولأن حق المتحجر ~~أسبق، فكان أولى، كحق الشفيع يقدم على شراء المشتري. فإن طالت المدة عليه ~~فينبغي أن يقول له السلطان: إما أن تحييه، أو تتركه ليحييه غيرك # لأنه ضيق على الناس # PageV05P420 # في حق مشترك بينهم، فلم يمكن من ذلك، كما لو وقف في طريق ضيق، أو مشرعة ~~ماء، أو معدن لا ينتفع به، ولا يدع غيره ينتفع فإن سأل الإمهال لعذر له، ~~أمهل الشهر والشهرين، ونحو ذلك. فإن أحياه غيره في مدة المهلة؛ ففيه ~~الوجهان اللذان ذكرناهما. وإن تقضت المدة ولم يعمر، فلغيره أن يعمره ~~ويملكه؛ لأن المدة ضربت له لينقطع حقه بمضيها، وسواء أذن له السلطان في ~~عمارتها، أو لم يأذن له. وإن لم يكن للمتحجر عذر في ترك العمارة، قيل له: ~~إما أن تعمر، وإما أن ترفع يدك، فإن لم يعمرها، كان لغيره عمارتها، فإن لم ~~يقل له شيء، واستمر تعطيلها # فقد ذكرنا عن عمر - رضي الله عنه - أن من تحجر أرضا فعطلها ثلاث سنين، ~~فجاء قوم فعمروها، فهم أحق بها. ومذهب الشافعي في هذا كله نحو ما ذكرنا. ### | [فصل للإمام إقطاع الموات لمن يحييه] # (4337) فصل: وللإمام إقطاع الموات لمن يحييه، فيكون بمنزلة المتحجر ~~الشارع في الإحياء؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أقطع بلال بن ~~الحارث العقيق أجمع» ، فلما كان عمر قال لبلال: إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يقطعك لتحيزه ms2842 عن الناس، إنما أقطعك لتعمر، فخذ منها ما قدرت ~~على عمارته، ورد الباقي. رواه أبو عبيد، في " الأموال ". وذكر سعيد، في " ~~سننه ": حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة، قال: سمعت الحارث بن بلال بن ~~الحارث، يقول: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقطع بلال بن الحارث ~~العقيق، فلما ولي عمر بن الخطاب، قال: ما أقطعك لتحتجنه، فأقطعه الناس» # وروى علقمة بن وائل، عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطعه ~~أرضا بحضرموت. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال سعيد: حدثنا سفيان، عن ~~ابن أبي نجيح، عن عمرو بن شعيب، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقطع ~~ناسا من جهينة أو مزينة أرضا، فعطلوها، فجاء قوم فأحيوها، فخاصمهم الذين ~~أقطعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: لو ~~كانت قطيعة مني أو من أبي بكر، لم أردها، ولكنها قطيعة من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فأنا أردها» ، ثم قال عمر - رضي الله عنه -: من كانت له ~~أرض يعني من تحجر أرضا فعطلها ثلاث سنين، فجاء قوم فعمروها، فهم أحق بها. ### | [مسألة المعادن الظاهرة في إقطاع الموات] # (4338) مسألة قال: (إلا أن تكون أرض ملح أو ماء للمسلمين فيه المنفعة، ~~فلا يجوز أن ينفرد بها الإنسان) وجملة ذلك، أن المعادن الظاهرة وهي التي ~~يوصل إلى ما فيها من غير مؤنة، ينتابها الناس، وينتفعون بها، # PageV05P421 # كالملح، والماء، والكبريت، والقير، والمومياء، والنفط، والكحل، والبرام، ~~والياقوت، ومقاطع الطين، وأشباه ذلك، لا تملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعها ~~لأحد من الناس، ولا احتجازها دون المسلمين؛ لأن فيه ضررا بالمسلمين، ~~وتضييقا عليهم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أقطع أبيض بن حمال معدن ~~الملح، فلما قيل له: إنه بمنزلة الماء العد رده» . كذا قال أحمد. # وروى أبو عبيد، وأبو داود، والترمذي، بإسنادهم، عن أبيض بن حمال، «أنه ~~استقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الملح الذي بمأرب، فلما ولى، قيل: ~~يا رسول الله: أتدري ما أقطعت له؟ إنما ms2843 أقطعت الماء العد. فرجعه منه. قال: ~~قلت: يا رسول الله، ما يحمى من الأراك؟ قال: ما لم تنله أخفاف الإبل» . وهو ~~حديث غريب. وروي في لفظ عنه، أنه قال: «لا حمى في الأراك» # ورواه سعيد، فقال: حدثني إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس المأربي، عن ~~أبيه، عن أبيض بن حمال المأربي قال: «استقطعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - معدن الملح بمأرب، فأقطعنيه، فقيل: يا رسول الله، إنه بمنزلة الماء ~~العد. يعني أنه لا ينقطع. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فلا إذن» ~~. ولأن هذا تتعلق به مصالح المسلمين العامة، فلم يجز إحياؤه، ولا إقطاعه، ~~كمشارع الماء، وطرقات المسلمين. وقال ابن عقيل: هذا من مواد الله الكريم، ~~وفيض جوده الذي لا غناء عنه، فلو ملكه أحد بالاحتجاز، ملك منعه، فضاق على ~~الناس، فإن أخذ العوض عنه أغلاه، فخرج عن الموضع الذي وضعه الله من تعميم ~~ذوي الحوائج من غير كلفة # وهذا مذهب الشافعي. ولا أعلم فيه مخالفا. ### | [فصل المعادن الباطنة في إقطاع الموات] # (4339) فصل: فأما المعادن الباطنة، وهي التي لا يوصل إليها إلا بالعمل ~~والمؤنة، كمعادن الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص، والبلور، ~~والفيروزج، فإذا كانت ظاهرة، لم تملك أيضا بالإحياء؛ لما ذكرنا في التي ~~قبلها. وإن لم تكن ظاهرة، فحفرها إنسان وأظهرها، لم يملكها بذلك، في ظاهر ~~المذهب، وظاهر مذهب الشافعي ويحتمل أن يملكها بذلك. وهو قول للشافعي؛ لأنه ~~موات لا ينتفع به إلا بالعمل والمؤنة، فملك بالإحياء، كالأرض، ولأنه ~~بإظهاره تهيأ للانتفاع به، من غير حاجة إلى تكرار # PageV05P422 # ذلك العمل # فأشبه الأرض إذا جاءها بماء أو حاطها. ووجه الأول، أن الإحياء الذي يملك ~~به هو العمارة التي تهيأ بها المحيي للانتفاع من غير تكرار عمل، وهذا حفر ~~وتخريب، يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع. فإن قيل: فلو احتفر بئرا ملكها، ~~وملك حريمها. قلنا: البئر تهيأت للانتفاع بها من غير تجديد حفر ولا عمارة، ~~وهذه المعادن تحتاج عند كل انتفاع إلى عمل وعمارة، فافترقا. قال أصحابنا: ~~وليس للإمام ms2844 إقطاعها؛ لأنها لا تملك بالإحياء. والصحيح جواز ذلك؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «أقطع لبلال بن الحارث معادن القبلية، جلسيها ~~وغوريها» رواه أبو داود، وغيره. ### | [فصل أحيا أرضا فملكها بذلك فظهر فيها معدن] # (4340) فصل: ومن أحيا أرضا، فملكها بذلك، فظهر فيها معدن، ملكه ظاهرا كان ~~أو باطنا، إذا كان من المعادن الجامدة؛ لأنه ملك الأرض بجميع أجزائها ~~وطبقاتها، وهذا منها. ويفارق الكنز؛ فإنه مودع فيها، وليس من أجزائها. ~~ويفارق ما إذا كان ظاهرا قبل إحيائها؛ لأنه قطع عن المسلمين نفعا كان واصلا ~~إليهم، ومنعهم انتفاعا كان لهم، وهاهنا لم يقطع عنهم شيئا؛ لأنه إنما ظهر ~~بإظهاره له. # ولو تحجر الأرض، أو أقطعها، فظهر فيها المعدن قبل إحيائها، لكان له ~~إحياؤها، ويملكها بما فيها؛ لأنه صار أحق به بتحجره وإقطاعه، فلم يمنع من ~~إتمام حقه. # وأما المعادن الجارية، كالقار، والنفط، والماء، فهل يملكها من ظهرت في ~~ملكه؟ فيه روايتان أظهرهما، لا يملكها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار» رواه الخلال. # ولأنها ليست من أجزاء الأرض، فلم يملكها بملك الأرض، كالكنز. والثانية ~~يملكها؛ لأنها خارجة من أرضه المملوكة له، فأشبهت الزرع والمعادن الجامدة. ### | [فصل شرع إنسان في حفر معدن ولم يصل إلى النيل] # (4341) فصل: ولو شرع إنسان في حفر معدن، ولم يصل إلى النيل، صار أحق به، ~~كالمتحجر الشارع في الإحياء، فإذا وصل إلى النيل صار أحق بالأخذ منه، ما ~~دام مقيما على الأخذ منه، وهل يملكه بذلك؟ فيه ما قد ذكرنا من قبل. وإن حفر ~~آخر من ناحية أخرى، لم يكن له منعه. وإذا وصل إلى ذلك العرق، لم يكن له # PageV05P423 # منعه سواء قلنا: إن المعدن يملك بحفره. أو لم نقل؛ لأنه إن ملكه، فإنما ~~يملك المكان الذي حفره، وأما العرق الذي في الأرض فلا يملكه بذلك. ومن وصل ~~إليه من جهة أخرى، فله أخذه. # ولو ظهر في ملكه معدن، بحيث يخرج النيل عن أرضه، فحفر إنسان من خارج ~~أرضه، كان له ms2845 أن يأخذ ما خرج عن أرضه منه؛ لأنه لم يملكه، إنما ملك ما هو ~~من أجزاء أرضه، وليس لأحد أن يأخذ ما كان داخلا في أرضه من أجزاء الأرض ~~الباطنة، كما لا يملك أخذ أجزائها الظاهرة. # ولو حفر كافر في دار الحرب معدنا، فوصل إلى النيل، ثم فتحها المسلمون ~~عنوة، لم تصر غنيمة، وكان وجود عمله وعدمه واحدا؛ لأن عامره لم يملكه بذلك، ~~ولو ملكه فإن الأرض كلها تصير وقفا للمسلمين، وهذا ينصرف إلى مصلحة من ~~مصالحهم، فتعين لها، كما لو ظهر بفعل الله تعالى. ### | [فصل كان في الموات موضع يمكن أن يحدث فيه معدنا ظاهرا] # (4342) فصل: ولو كان في الموات موضع يمكن أن يحدث فيه معدن ظاهر، كموضع ~~على شاطئ البحر، إذا صار فيه ماء البحر صار ملحا، ملك بالإحياء، وجاز ~~للإمام إقطاعه؛ لأنه لا يضيق على المسلمين بإحداثه، بل يحدث نفعه بفعله، ~~فلم يمنع منه، كبقية الموات، وإحياء هذا بتهيئته لما يصلح له من حفر ترابه، ~~وتمهيده، وفتح قناة إليه تصب الماء فيه؛ لأنه يتهيأ بهذا الانتفاع به. ### | [فصل ملك معدنا فعمل فيه غيره بغير إذنه] # (4343) فصل: ومن ملك معدنا، فعمل فيه غيره بغير إذنه، فما حصل منه فهو ~~لمالكه، ولا أجر للغاصب على عمله؛ لأنه عمل في ملك غيره بغير إذنه، أشبه ما ~~لو حصد زرع غيره بغير إذنه. وإن قال مالكه: اعمل فيه، ولك ما يخرج منه. فله ~~ذلك، ولا شيء لصاحب المعدن فيه؛ لأنه إباحة من مالكه، فملك ما أخذه، كما لو ~~أباحه الأخذ من داره أو بستانه. وإن قال: اعمل فيه، على أن ما رزق الله من ~~نيل كان بيننا نصفين. فعمل، فيه وجهان: أحدهما يجوز، وما يأخذه يكون بينهما # كما لو قال له: احصد هذا الزرع بنصفه أو ثلثه. ولأنها عين تنمى بالعمل ~~عليها، فصح العمل فيها ببعضه، كالمضاربة في الأثمان. والثاني لا يصح؛ لأن ~~ما يحصل منه مجهول، ولأنه لا يصح أن يكون إجارة؛ لأن العوض مجهول، والعمل ~~مجهول، ولا جعالة؛ لأن ms2846 العوض مجهول، ولا مضاربة؛ لأن المضاربة إنما تصح ~~بالأثمان، على أن يرد رأس المال، وتكون له حصة من الربح، وليس ذلك هاهنا. ~~وفارق حصاد الزرع بنصفه أو جزء منه؛ لأن الزرع معلوم بالمشاهدة، وما علم ~~جميعه علم جزؤه، بخلاف هذا. وإن قال: اعمل فيه كذا، ولك ما يحصل منه، بشرط ~~أن تعطيني ألفا. أو شيئا معلوما # لم يصح؛ لأنه بيع لمجهول، ولا يصح أن يكون # PageV05P424 # معاملة كالمضاربة، لما ذكرنا، ولأن المضاربة تكون بجزء من النماء، لا ~~دراهم معلومة. قال أحمد: إذا أخذ معدنا من قوم، على أن يعمره، ويعمل فيه، ~~ويعطيهم ألفي من أو ألف من صفرا. فذلك مكروه ولم يرخص فيه والله الموفق. ### | [فصل استأجر رجلا ليحفر له عشرة أذرع في دور كذا بدينار] # (4344) فصل: إذا استأجر رجلا ليحفر له عشرة أذرع، في دور كذا، بدينار صح؛ ~~لأنها إجارة معلومة. وإن ظهر عرق ذهب، فقال: استأجرتك لتخرجه بدينار. لم ~~يصح؛ لأن العمل مجهول. وإن قال: إن استخرجته فلك دينار. صح، ويكون جعالة؛ ~~لأن الجعالة تصح على عمل مجهول، إذا كان العوض معلوما. ### | [فصل سبق في الموات إلى معدن ظاهر أو باطن] # (4345) فصل: ومن سبق في الموات إلى معدن ظاهر أو باطن، فهو أحق بما ينال ~~منه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه ~~مسلم، فهو له» . فإن أخذ قدر حاجته، وأراد الإقامة فيه بحيث يمنع غيره، منع ~~منه؛ لأنه يضيق على الناس ما لا نفع فيه، فأشبه ما لو وقف في مشرعة الماء ~~لغير حاجة. وإن أطال المقام والأخذ، احتمل أن يمنع؛ لأنه يصير كالمتملك له. ~~واحتمل أن لا يمنع؛ لإطلاق الحديث. وإن استبق إليه اثنان، وضاق المكان ~~عنهما، أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على صاحبه. ويحتمل أن يقسم ~~بينهما؛ لأنه يمكن قسمته، وقد تساويا فيه، فيقسم بينهما، كما لو تداعيا ~~عينا في أيديهما ولا بينة لأحدهما بها # ويحتمل أن يقدم الإمام من يرى منهما؛ لأن له نظرا. وذكر القاضي وجها ~~رابعا، ms2847 وهو أن الإمام ينصب من يأخذ لهما، ويقسم بينهما. وهذا التفصيل مذهب ~~الشافعي. ### | [فصل ما نضب عنه الماء من الجزائر لم يملك بالإحياء] # (4346) فصل: وما نضب عنه الماء من الجزائر، لم يملك بالإحياء. قال أحمد، ~~في رواية العباس بن موسى: إذا نضب الماء عن جزيرة إلى فناء رجل لم يبن ~~فيها؛ لأن فيه ضررا، وهو أن الماء يرجع. يعني أنه يرجع إلى ذلك المكان، ~~فإذا وجده مبنيا، رجع إلى الجانب الآخر، فأضر بأهله. ولأن الجزائر منبت ~~الكلأ والحطب، فجرت مجرى المعادن الظاهرة، وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا حمى في الأراك» . وقال أحمد، في رواية حرب: يروى عن عمر، أنه ~~أباح الجزائر # يعني أباح ما ينبت في الجزائر من النبات، وقال: إذا نضب الفرات عن شيء، ~~ثم نبت فيه نبات، فجاء رجل فمنع الناس منه، فليس له ذلك. فأما إن غلب الماء ~~على ملك إنسان، ثم عاد فنضب عنه، فله أخذه، فلا يزول ملكه بغلبة الماء ~~عليه. وإن كان ما نضب عنه الماء لا ينتفع به # PageV05P425 # أحد، فعمره رجل عمارة لا ترد الماء، مثل أن يجعله مزرعة، فهو أحق به من ~~غيره؛ لأنه متحجر لما ليس لمسلم فيه حق، فأشبه التحجر في الموات. ### | [فصل حكم إحياء ما كان من الشوارع والطرقات والرحاب بين العمران] # (4347) فصل: وما كان من الشوارع والطرقات والرحاب بين العمران، فليس لأحد ~~إحياؤه، سواء كان واسعا أو ضيقا، وسواء ضيق على الناس بذلك أو لم يضيق؛ لأن ~~ذلك يشترك فيه المسلمون، وتتعلق به مصلحتهم، فأشبه مساجدهم. ويجوز الارتفاق ~~بالقعود في الواسع من ذلك للبيع والشراء، على وجه لا يضيق على أحد، ولا يضر ~~بالمارة؛ لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك، من ~~غير إنكار، ولأنه ارتفاق مباح من غير إضرار، فلم يمنع منه، كالاجتياز، قال ~~أحمد، في السابق إلى دكاكين السوق غدوة: فهو له إلى الليل. وكان هذا في سوق ~~المدينة فيما مضى. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «منى ms2848 مناخ من سبق» . وله أن يظلل ~~على نفسه، بما لا ضرر فيه، من بارية، وتابوت، وكساء، ونحوه؛ لأن الحاجة ~~تدعو إليه من غير مضرة فيه. وليس له البناء لا دكة ولا غيرها؛ لأنه يضيق ~~على الناس، ويعثر به المارة بالليل، والضرير في الليل والنهار، ويبقى على ~~الدوام، فربما ادعى ملكه بسبب ذلك. والسابق أحق به ما دام فيه، فإن قام ~~وترك متاعه فيه، لم يجز لغيره إزالته؛ لأن يد الأول عليه، وإن نقل متاعه، ~~كان لغيره أن يقعد فيه؛ لأن يده قد زالت # وإن قعد وأطال، منع من ذلك؛ لأنه يصير كالمتملك، ويختص بنفع يساويه غيره ~~في استحقاقه. ويحتمل أن لا يزال؛ لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم. وإن ~~استبق اثنان إليه، احتمل أن يقرع بينهما، واحتمل أن يقدم الإمام من يرى ~~منهما. وإن كان الجالس يضيق على المارة، لم يحل له الجلوس فيه، ولا يحل ~~للإمام تمكينه بعوض، ولا غيره. قال أحمد: ما كان ينبغي لنا أن نشتري من ~~هؤلاء الذين يبيعون على الطريق. قال القاضي: هذا محمول على أن الطريق ضيق، ~~أو يكون يؤذي المارة؛ لما تقدم ذكرنا له # وقال: لا يعجبني الطحن في العروب إذا كانت في طريق الناس. وهو السفن التي ~~يطحن فيها في الماء الجاري. إنما كره ذلك، لتضييقها طريق السفن المارة في ~~الماء. قال أحمد: ربما غرقت السفن، فأرى للرجل أن يتوقى الشراء مما يطحن ~~بها. ### | [فصل في القطائع] # (4348) فصل: في القطائع، وهي ضربان أحدهما إقطاع إرفاق، وذلك إقطاع مقاعد ~~السوق، والطرق الواسعة، ورحاب المساجد، التي # PageV05P426 # ذكرنا أن للسابق إليها الجلوس فيها، فللإمام إقطاعها لمن يجلس فيها؛ لأن ~~له في ذلك اجتهادا، من حيث إنه لا يجوز الجلوس إلا فيما لا يضر بالمارة، ~~فكان للإمام أن يجلس فيها من لا يرى أنه يتضرر بجلوسه. ولا يملكها المقطع ~~بذلك، بل يكون أحق بالجلوس فيها من غيره، بمنزلة السابق إليها من غير إقطاع # سواء، إلا في شيء واحد، وهو أن السابق إذا نقل متاعه ms2849 عنها، فلغيره الجلوس ~~فيها؛ لأن استحقاقه لها بسبقه إليها، ومقامه فيها، فإذا انتقل عنها، زال ~~استحقاقه، لزوال المعنى الذي استحق به، وهذا استحق بإقطاع الإمام، فلا يزول ~~حقه بنقل متاعه، ولا لغيره الجلوس فيه، وحكمه في التظليل على نفسه بما ليس ~~بناء، ومنعه من البناء، ومنعه إذا طال مقامه، حكم السابق، على ما أسلفناه. ~~الثاني إقطاع موات من الأرض لمن يحييها # ، فيجوز ذلك؛ لما روى وائل بن حجر، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أقطعه أرضا، فأرسل معاوية أن أعطه إياه، أو أعلمه إياه.» حديث صحيح # وأقطع بلال بن الحارث المزني، وأبيض بن حمال المأربي، وأقطع الزبير حضر ~~فرسه، فأجرى فرسه حتى قام ورمى بسوطه، فقال: " أعطوه من حيث وقع السوط ". ~~رواه سعيد، وأبو داود. # وذكر البخاري، عن أنس قال: «دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الأنصار ليقطع لهم بالبحرين. فقالوا: يا رسول الله: إن فعلت، فاكتب ~~لإخواننا من قريش بمثلها» . وروي أن أبا بكر أقطع طلحة بن عبيد الله أرضا، ~~وأن عثمان أقطع خمسة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ الزبير، ~~وسعدا، وابن مسعود، وأسامة بن زيد، وخباب بن الأرت. ويروى عن نافع أبي عبد ~~الله، أنه قال لعمر: إن قبلنا أرضا بالبصرة، ليست من أرض الخراج، ولا تضر ~~بأحد من المسلمين، فإن رأيت أن تقطعنيها أتخذ فيها قصيلا لخيلي، فافعل. ~~قال: فكتب عمر إلى أبي موسى: إن كانت كما يقول، فأقطعها إياه روى هذه ~~الآثار كلها أبو عبيد، في " الأموال ". # وروى سعيد، عن سفيان، عن أبي نجيح، عن عمرو بن شعيب، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أقطع ناسا من جهينة أو مزينة أرضا» . إذا ثبت هذا، فإن من ~~أقطعه الإمام شيئا من الموات، لم يملكه بذلك، لكن يصير أحق به، كالمتحجر ~~للشارع في الإحياء، بدليل ما ذكرنا من حديث بلال بن الحارث، حيث استرجع عمر ~~منه ما عجز عن إحيائه من العقيق، الذي أقطعه إياه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ولو ملكه لم ms2850 يجز استرجاعه. ورد عمر # PageV05P427 # أيضا قطيعة أبي بكر لعيينة بن حصن، فسأل عيينة أبا بكر أن يجدد له كتابا ~~فقال: والله لا أجدد شيئا رده عمر رواه أبو عبيد. # لكن المقطع يصير أحق به من سائر الناس، وأولى بإحيائه، فإن أحياه، وإلا ~~قال له السلطان: إن أحييته، وإلا فارفع يدك عنه. كما قال عمر لبلال بن ~~الحارث المزني: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقطعك لتحجبه دون ~~الناس، وإنما أقطعك لتعمر، فخذ منها ما قدرت على عمارته، ورد الباقي. # وإن طلب المهلة لعذر، أمهل بقدر ذلك. وإن طلبها لغير عذر، لم يمهل، على ~~ما ذكرنا في المتحجر # وإن سبق غيره فأحياه قبل أن يقال له شيء، أو في مدة المهلة، فهل يملكه؟ ~~على وجهين وقد روي عن عمرو بن شعيب، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع ~~ناسا من جهينة أو مزينة أرضا، فعطلوها، فجاء قوم فأحيوها، فخاصمهم الذين ~~أقطعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمر - رضي الله عنه - فقال ~~عمر: لو كانت قطيعة مني، أو من أبي بكر، لم أردها، ولكنها قطيعة من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأنا أردها» ، فدل هذا على أنها إذا كانت ~~قطيعة من غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي لمن أحياها. والثاني، ~~لا يملكه؛ لأنه تعلق به حق المقطع، ومفهوم قوله - عليه السلام -: «من أحيا ~~أرضا ميتة في غير حق مسلم، فهي له» # أنه إذا تعلق بها حق مسلم، لم يجز إحياؤها. وقد ذكرنا الوجهين في ~~المتحجر، وهذا مثله. ومذهب الشافعي في هذا الفصل كنحو ما ذكرنا. ### | [فصل ليس للإمام إقطاع ما لا يجوز إحياؤه من المعادن الظاهرة] # (4349) فصل: وليس للإمام إقطاع ما لا يجوز إحياؤه من المعادن الظاهرة؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لما استقطعه أبيض بن حمال الملح الذي ~~بمأرب، فقيل: يا رسول الله: إنما أقطعته الماء العد. رجعه منه» . ولأن في ~~ذلك تضييقا على المسلمين. وفي إقطاع المعادن الباطنة وجهان، ذكرناهما فيما ~~مضى. ms2851 ### | [فصل لا يقطع الإمام أحدا من الموات إلا ما يمكنه إحياؤه] # (4350) فصل: ولا ينبغي أن يقطع الإمام أحدا من الموات، إلا ما يمكنه ~~إحياؤه؛ لأن في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقا على الناس في حق مشترك بينهم، ~~بما لا فائدة فيه. فإن فعل، ثم تبين عجزه عن إحيائه، استرجعه منه، كما ~~استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز عنه من عمارته من العقيق، الذي أقطعه ~~إياه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ### | [فصل في الحمى] # (4351) فصل: في الحمى، ومعناه أن يحمي أرضا من الموات، يمنع الناس رعي ما ~~فيها من الكلأ، ليختص بها دونهم. # PageV05P428 # وكانت العرب في الجاهلية تعرف ذلك، فكان منهم من إذا انتجع بلدا أوفى ~~بكلب على نشز، ثم استعواه. ووقف له من كل ناحية من يسمع صوته بالعواء، ~~فحيثما انتهى صوته حماه من كل ناحية لنفسه، ويرعى مع العامة فيما سواه. ~~فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه؛ لما فيه من التضييق على الناس، ~~ومنعهم من الانتفاع بشيء لهم فيه حق. وروى الصعب بن جثامة، قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا حمى إلا لله ولرسوله» . رواه أبو ~~داود # وقال: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلأ» رواه الخلال. وليس ~~لأحد من الناس سوى الأئمة أن يحمي؛ لما ذكرنا من الخبر والمعنى. فأما النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فكان له أن يحمي لنفسه وللمسلمين؛ لقوله في الخبر: ~~«لا حمى إلا لله ولرسوله» . لكنه لم يحم لنفسه شيئا، وإنما حمى للمسلمين، ~~فقد روى ابن عمر، قال: «حمى النبي - صلى الله عليه وسلم - النقيع لخيل ~~المسلمين» . رواه أبو عبيد. والنقيع، بالنون: موضع ينتقع فيه الماء، فيكثر ~~فيه الخصب، لمكان ما يصير فيه من الماء # وأما سائر أئمة المسلمين، فليس لهم أن يحموا لأنفسهم شيئا، ولكن لهم أن ~~يحموا مواضع لترعى فيها خيل المجاهدين، ونعم الجزية، وإبل الصدقة وضوال ~~الناس التي يقوم الإمام بحفظها، وماشية الضعيف من الناس، على وجه لا يستضر ~~به من سواه ms2852 من الناس. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في صحيح قوليه، ~~وقال في الآخر: ليس لغير النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحمي؛ لقوله: «لا ~~حمى إلا لله ولرسوله» . ولنا أن عمر وعثمان حميا، واشتهر ذلك في الصحابة، ~~فلم ينكر عليهما، فكان إجماعا # وروى أبو عبيد، بإسناده عن عامر بن عبد الله بن الزبير، أحسبه عن أبيه، ~~قال: أتى أعرابي عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، بلادنا قاتلنا عليها في ~~الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام، علام تحميها؟ فأطرق عمر، وجعل ينفخ، ~~ويفتل شاربه، وكان إذا كربه أمر فتل شاربه، ونفخ فلما رأى الأعرابي ما به ~~جعل يردد ذلك، فقال عمر: المال مال الله، والعباد عباد الله، والله لولا ما ~~أحمل عليه في سبيل الله ما حميت شبرا من الأرض في شبر. وقال مالك: بلغني ~~أنه كان يحمل في كل عام على أربعين ألفا من الظهر. وعن أسلم، قال: سمعت عمر ~~يقول لهني حين استعمله على حمى الربذة: يا هني، اضمم جناحك عن الناس، # PageV05P429 # واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة. وأدخل رب الصريمة والغنيمة، ودعني من نعم ~~ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع، وإن ~~هذا المسكين إن هلكت ماشيته، جاء يصرخ: يا أمير المؤمنين. فالكلأ أهون علي ~~أم غرم الذهب والورق، إنها أرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها ~~في الإسلام، وإنهم ليرون أنا نظلمهم، ولولا النعم التي يحمل عليها في سبيل ~~الله، ما حميت على الناس من بلادهم شيئا أبدا. # وهذا إجماع منهم. ولأن ما كان لمصالح المسلمين، قامت الأئمة فيه مقام ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «ما أطعم الله لنبي طعمة إلا جعلها طعمة لمن بعده» # وأما الخبر فمخصوص، وأما حماه لنفسه، فيفارق حمى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لنفسه، لأن صلاحه يعود إلى صلاح المسلمين، وما له كان يرده في ~~المسلمين، ففارق الأئمة في ذلك، وساووه فيما كان صلاحا للمسلمين، وليس لهم ms2853 ~~أن يحموا إلا قدرا لا يضيق به على المسلمين ويضر بهم؛ # لأنه إنما جاز لما فيه من المصلحة # لما يحمى، وليس من المصلحة إدخال الضرر على أكثر الناس. ### | [فصل حكم ما حماه غيره من الأئمة] # (4352) فصل: وما حماه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فليس لأحد نقضه، ولا ~~تغييره، مع بقاء الحاجة إليه. ومن أحيا منه شيئا لم يملكه. وإن زالت الحاجة ~~إليه، ففيه وجهان. وما حماه غيره من الأئمة، فغيره هو أو غيره من الأئمة، ~~جاز. وإن أحياه إنسان، ملكه، في أحد الوجهين؛ لأن حمى الأئمة اجتهاد، وملك ~~الأرض بالإحياء نص، والنص يقدم على الاجتهاد. والوجه الآخر لا يملكه؛ لأن ~~اجتهاد الإمام لا يجوز نقضه، كما لا يجوز نقض حكمه. ومذهب الشافعي في هذا ~~على نحو ما قلنا. ### | [فصل في أحكام المياه] # (4353) فصل: في أحكام المياه، قد ذكرنا في البيع حكم ملكها وبيعها، ونذكر ~~هاهنا حكم السقي بها. فنقول: لا يخلو الماء من حالين؛ إما أن يكون جاريا، ~~أو واقفا، فإن كان جاريا فهو ضربان أحدهما أن يكون في نهر غير مملوك، وهو ~~قسمان أحدهما أن يكون نهرا عظيما، كالنيل والفرات ودجلة، وما أشبهها من ~~الأنهار العظيمة، التي لا يستضر أحد بسقيه منها، فهذا لا تزاحم فيه، ولكل ~~أحد أن يسقي منها ما شاء، متى شاء، وكيف شاء. # القسم الثاني، أن يكون نهرا صغيرا يزدحم الناس فيه، ويتشاحون في مائه، أو ~~سيلا يتشاح فيه # PageV05P430 # أهل الأرض الشاربة منه، فإنه يبدأ من في أول النهر، فيسقي ويحبس الماء ~~حتى يبلغ إلى الكعب، ثم يرسل إلى الذي يليه فيصنع كذلك، وعلى هذا إلى أن ~~تنتهي الأراضي كلها # فإن لم يفضل عن الأول شيء، أو عن الثاني، أو عمن يليهم فلا شيء للباقين؛ ~~لأنه ليس لهم إلا ما فضل، فهم كالعصبة في الميراث. وهذا قول فقهاء المدينة، ~~ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا. والأصل في هذا ما روى عبد الله بن ~~الزبير، «أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة، التي يسقون ms2854 بها، ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال - صلى الله عليه وسلم -: اسق يا ~~زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله، أن كان ~~ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: يا زبير ~~اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. قال الزبير: فوالله إني لأحسب هذه ~~الآية نزلت فيه: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: ~~65] » . متفق عليه. ورواه مالك، في " موطئه " عن الزهري، عن عروة، عن عبد ~~الله بن الزبير. # وذكر عنه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: نظرنا في قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ثم احبس الماء حتى يبلغ إلى الجدر» . فكان ذلك إلى ~~الكعبين. قال أبو عبيد: # الشراج: جمع شرج، والشرج: نهر صغير، والحرة: أرض ملتبسة بحجارة سود، ~~والجدر: الجدار، وإنما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزبير أن يسقي ثم ~~يرسل الماء، تسهيلا على غيره، فلما قال الأنصاري ما قال، استوعى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - الزبير حقه. وروى مالك، في " الموطأ " أيضا، عن عبد ~~الله بن أبي بكر بن حزم، أنه بلغه «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال في سيل مهزور ومذينيب: يمسك حتى الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل» ~~قال ابن عبد البر: هذا حديث مدني، مشهور عند أهل المدينة، معمول به عندهم. # قال عبد الملك بن حبيب: مهزور ومذينيب: واديان من أودية المدينة، يسيلان ~~بالمطر، وتتنافس أهل الحوائط في سيلهما. # PageV05P431 # وروى أبو داود، بإسناده عن ثعلبة بن أبي مالك، أنه «سمع كبراءهم يذكرون، ~~أن رجلا من قريش كان له سهم في بني قريظة، فخاصم إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في سيل مهزور والسيل الذي يقتسمون ماءه، فقضى بينهم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أن الماء إلى الكعبين، لا يحبس الأعلى على الأسفل» # ولأن من أرضه قريبة من فوهة النهر أسبق إلى الماء، فكان أولى به، كمن سبق ~~إلى المشرعة، فإن كانت أرض صاحب ms2855 الأعلى مختلفة، منها مستعلية ومنها مستفلة، ~~سقى كل واحدة منهما على حدتها، وإن استوى اثنان في القرب من أول النهر، ~~اقتسما الماء بينهما، إن أمكن، وإن لم يمكن أقرع بينهما، فقدم من تقع له ~~القرعة، فإن كان الماء لا يفضل عن أحدهما، سقى من تقع له القرعة بقدر حقه ~~من الماء، ثم تركه للآخر، وليس له أن يسقي بجميع الماء؛ لأن الآخر يساويه ~~في استحقاق الماء، وإنما القرعة للتقديم في استيفاء الحق، لا في أصل الحق، ~~بخلاف الأعلى مع الأسفل؛ فإنه ليس للأسفل حق إلا فيما فضل عن الأعلى # فإن كانت أرض أحدهما أكثر من أرض الآخر، قسم الماء بينهما على قدر الأرض؛ ~~لأن الزائد من أرض أحدهما مساو في القرب، فاستحق جزءا من الماء، كما لو كان ~~لشخص ثالث. وإن كان لجماعة رسم شرب، من نهر غير مملوك، أو سيل، وجاء إنسان ~~ليحيي مواتا أقرب إلى رأس النهر من أرضهم، لم يكن له أن يسقي قبلهم؛ لأنهم ~~أسبق إلى النهر منه، ولأن من ملك أرضا ملكها بحقوقها ومرافقها، ولا يملك ~~غيره إبطال حقوقها، وهذا من حقوقها. وهل لهم منعه من إحياء ذلك الموات؟ فيه ~~وجهان أحدهما ليس لهم منعه؛ لأن حقهم في النهر لا في الموات. والثاني لهم ~~منعه، لئلا يصير ذلك ذريعة إلى منعهم حقهم من السقي، لتقديمه عليهم بالقرب ~~إذا طال الزمان وجهل الحال # فإذا قلنا: ليس لهم منعه. فسبق إنسان إلى مسيل ماء أو نهر غير مملوك، ~~فأحيا في أسفله مواتا، ثم أحيا آخر فوقه، ثم أحيا ثالث فوق الثاني، كان ~~للأسفل السقي أولا، ثم الثاني، ثم الثالث، ويقدم السبق إلى الإحياء على ~~السبق إلى أول النهر؛ لما ذكرنا. ### | [فصل الماء الجاري في نهر مملوك] # (4354) فصل: الضرب الثاني الماء الجاري في نهر مملوك، وهو أيضا قسمان ~~أحدهما أن يكون الماء مباح الأصل، مثل أن يحفر إنسان نهرا صغيرا، يتصل بنهر ~~كبير مباح، فما لم يتصل الحفر لا يملكه، وإنما هو تحجر وشروع في الإحياء، ~~فإذا اتصل ms2856 الحفر، كمل الإحياء وملكه؛ لأن الملك بالإحياء أن تنتهي العمارة ~~إلى قصدها، بحيث يتكرر الانتفاع بها على صورتها، وهذا كذلك. # PageV05P432 # وسواء أجرى فيه الماء أو لم يجر؛ لأن الإحياء يحصل بأن يهيئه للانتفاع به ~~دون حصول المنفعة، فيصير مالكا لقرار النهر وحافتيه، وهواؤه حق له، وكذلك ~~حريمه، وهو ملقى الطين من كل جانب # وعند القاضي أن ذلك غير مملوك لصاحب النهر، وإنما هو حق من حقوق الملك، ~~وكذلك حريم البئر. وهذا مذهب الشافعي. وظاهر قول الخرقي، أنه مملوك لصاحبه؛ ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحيا أرضا لم تملك، فهي له» . ~~وإحياؤها أن يحوط عليها حائطا، أو يحفر فيها بئرا، فيكون له خمس وعشرون ~~ذراعا حواليها، وحريم النهر يجب أن يكون كذلك # فإذا تقرر هذا فكان النهر لجماعة فهو بينهم على حسب العمل والنفقة؛ لأنه ~~إنما ملك بالعمارة، والعمارة بالنفقة، فإن كفى جميعهم، فلا كلام، وإن لم ~~يكفهم، وتراضوا على قسمته بالمهايأة أو غيرها جاز؛ لأنه حقهم، لا يخرج ~~عنهم. وإن تشاحوا في قسمته، قسمه الحاكم بينهم على قدر أملاكهم؛ لأن كل ~~واحد منهم يملك من النهر بقدر ذلك، فتؤخذ خشبة صلبة، أو حجر مستوي الطرفين ~~والوسط، فيوضع على موضع مستو من الأرض، في مقدم الماء، فيه حزوز، أو ثقوب ~~متساوية في السعة على قدر حقوقهم، يخرج من كل جزء أو ثقب إلى ساقية مفردة ~~لكل واحد منهم، فإذا حصل الماء في ساقيته انفرد به # فإن كانت أملاكهم مختلفة قسم على قدر ذلك، فإذا كان لأحدهم نصفه، وللآخر ~~ثلثه، وللآخر سدسه، جعل فيه ستة ثقوب، لصاحب النصف ثلاثة نصب في ساقيته، ~~ولصاحب الثلث اثنان، ولصاحب السدس واحد. وإن كان لواحد الخمسان، والباقي ~~لاثنين يتساويان فيه، جعل عشرة ثقوب لصاحب الخمسين أربعة نصب في ساقيته، ~~ولكل واحد من الآخرين ثلاثة نصب في ساقية له # فإن كان النهر لعشرة، لخمسة منهم أراض قريبة من أول النهر، ولخمسة أراض ~~بعيدة، جعل لأصحاب القريبة خمسة ثقوب، لكل واحد ثقب، وجعل للباقين خمسة، ms2857 ~~تجري في النهر حتى تصل إلى أرضهم، ثم تقسم بينهم قسمة أخرى. وإن أراد أحدهم ~~أن يجري ماءه في ساقية غيره، ليقاسمه في موضع آخر، لم يجز إلا برضاه؛ لأنه ~~يتصرف في ساقيته، ويخرب حافتها بغير إذنه، ويخلط حقه بحق غيره على وجه لا ~~يتميز، فلم يجز ذلك. ويجيء على قولنا " إن الماء لا يملك " أن حكم الماء في ~~هذا النهر حكمه في نهر غير مملوك، وأن الأسبق أحق بالسقي منه، ثم الذي ~~يليه، على ما ذكرنا؛ لأنه غير مملوك، فكان الأسبق إليه أحق به، كما لو كان ~~في نهر غير مملوك # ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله على نحو ما ذكرنا. # PageV05P433 ### | [فصل حصل نصيب إنسان في ساقيه] # (4355) فصل: وإذا حصل نصيب إنسان في ساقية، فله أن يسقي به ما شاء من ~~الأرض، سواء كان لها رسم شرب من هذا النهر، أو لم يكن. وله أن يعطيه من ~~يسقي به. وقال القاضي، وأصحاب الشافعي: ليس له سقي أرض ليس لها رسم شرب في ~~هذا الماء؛ لأن ذلك دال على أن لها قسما من هذا الماء، فربما جعل سقيها منه ~~دليلا على استحقاقها لذلك، فيستضر الشركاء، ويصير هذا كما لو كان له دار ~~بابها في درب لا ينفذ، ودار بابها في درب آخر، ظهرها ملاصق لظهر داره ~~الأولى، فأراد تنفيذ إحداهما إلى الأخرى # لم يجز؛ لأنه يجعل لنفسه استطراقا من كل واحدة من الدارين. ولنا أن هذا ~~ماء انفرد باستحقاقه، فكان له أن يسقي منه ما شاء، كما لو انفرد به من ~~أصله. ولا نسلم ما ذكروه في الدارين، وإن سلمنا فالفرق بينهما أن كل دار ~~يخرج منها إلى درب آخر مشترك؛ لأن الظاهر أن لكل دار سكانا، فيجعل لسكان كل ~~واحدة منهما استطراقا إلى درب غير نافذ، لم يكن لهم حق في استطراقه، وهاهنا ~~إنما يسقي من ساقيته المفردة التي لا يشاركه غيره فيها، فلو صار لتلك الأرض ~~رسم من الشرب من ساقيته، لم يتضرر بذلك أحد # ولو كان يسقي ms2858 من هذا النهر بدولاب، فأحب أن يسقي بذلك الماء أرضا لا رسم ~~لها في الشرب من ذلك النهر، فالحكم في ذلك على ما ذكرنا من الخلاف في التي ~~قبلها. وإن كان الدولاب يغرف من نهر غير مملوك، جاز أن يسقي بنصيبه من ~~الماء أرضا لا رسم لها في الشرب منه، بغير خلاف نعلمه # فإن ضاق الماء، قدم الأسبق فالأسبق، على ما مضى. (4356) فصل: ولكل واحد ~~منهم أن يتصرف في ساقيته المختصة به بما أحب، من إجراء غير هذا الماء فيها، ~~أو عمل رحى عليها، أو دولاب، أو عبارة، وهي خشبة تمد على طرفي النهر، أو ~~قنطرة يعبر الماء فيها، وغير ذلك من التصرفات؛ لأنها ملكه، لا حق لغيره ~~فيها. فأما النهر المشترك، فليس لواحد منهم أن يتصرف فيه بشيء من ذلك؛ لأنه ~~يتصرف في النهر المشترك وفي حريمه بغير إذن شركائه. وقال القاضي في ~~العبارة: هذا ينبني على الروايتين، في من أراد أن يجري ماءه في أرض غيره # والصحيح أنه لا يجوز هاهنا، ولا يصح قياس هذا على إجراء الماء في أرض ~~غيره؛ لأن إجراء الماء في أرض غيره ينفع صاحبها، لأنه يسقي عروق شجره، ~~ويشربه أولا وآخرا. وهذا لا ينفع النهر، بل ربما أفسد حافتيه، ولم يسق له ~~شيئا. ولو أراد أحد الشركاء أن يأخذ من ماء النهر قبل قسمه شيئا يسقي به ~~أرضا في أول النهر أو غيره، أو أراد إنسان غيرهم ذلك، لم يجز؛ لأنهم صاروا ~~أحق بالماء الجاري في نهرهم من غيرهم، ولأن الأخذ من الماء ربما احتاج إلى ~~تصرف # PageV05P434 # في حافة النهر المملوك لغيره، أو المشترك بينه وبين غيره # ولو فاض ماء هذا النهر إلى ملك إنسان، فهو مباح، كالطائر يعشش في ملك ~~إنسان. وهذا كله مذهب الشافعي فيه نحو مما ذكرنا. ### | [فصل قسموا ماء النهر المشترك بالمهايأة] # (4357) فصل: وإن قسموا ماء النهر المشترك بالمهايأة، جاز، إذا تراضوا به، ~~وكان حق كل واحد منهم معلوما، مثل أن يجعلوا لكل حصة يوما وليلة، أو أكثر ~~من ms2859 ذلك أو أقل. وإن قسموا النهار، فجعلوا لواحد من طلوع الشمس إلى وقت ~~الزوال، وللآخر من الزوال إلى الغروب، ونحو ذلك، جاز. وإن قسموه ساعات، ~~وأمكن ضبط ذلك بشيء معلوم، كطاسة مثقوبة تترك في الماء، وفيها علامات إذا ~~انتهى الماء إلى علامة كانت ساعة، وإذا انتهى إلى الأخرى كانت ساعتين، أو ~~زجاجة فيها رمل، ينزل من أعلاها إلى أسفلها في ساعة أو ساعتين # ، ثم يقلبها فيعود الرمل إلى الموضع الذي كان فيه في مثل ذلك المقدار، أو ~~بميزان الشمس الذي تعرف به ساعات النهار، أو بمنازل القمر في الليل، ونحو ~~ذلك، جاز. فإذا حصل الماء لأحدهم في نوبته، فأراد أن يسقي به أرضا ليس لها ~~رسم شرب من هذا، أو يؤثر به إنسانا، أو يقرضه إياه، على وجه لا يتصرف في ~~حافة النهر، جاز. وعلى قول القاضي، وأصحاب الشافعي، ينبغي أن لا يجوز؛ لما ~~تقدم في مثل ذلك. وإن أراد صاحب النوبة أن يجري مع مائه ماء له آخر، يسقي ~~به أرضه التي لها رسم شرب من هذا النهر، أو أرضا له أخرى. # أو سأله إنسان أن يجري ماء له مع مائه في هذا النهر، ليقاسمه إياه في ~~موضع آخر، على وجه لا يضر بالنهر، ولا بأحد، جاز ذلك، في قياس قول أصحابنا؛ ~~فإنهم قالوا في من استأجر أرضا: جاز أن يجري فيها ماء في نهر محفور، إذا ~~كان فيها. ولأنه مستحق لنفع النهر في نوبته بإجراء الماء، فأشبه ما لو ~~استأجرها لذلك. ### | [فصل كون منبع الماء مملوكا] # (4358) فصل: القسم الثاني، أن يكون منبع الماء مملوكا، مثل أن يشترك ~~جماعة في استنباط عين وإجرائها، فإنهم يملكونها أيضا؛ لأن ذلك إحياء لها، ~~ويشتركون فيها، وفي ساقيتها، على حسب ما أنفقوا عليها، وعملوا فيها، كما ~~ذكرنا، في القسم الذي قبل هذا، إلا أن الماء غير مملوك ثم، لأنه مباح دخل ~~ملكه، فأشبه ما لو دخل صيد بستانه، وهاهنا يخرج على روايتين أصحهما أنه غير ~~مملوك أيضا. وقد ذكرنا ذلك # PageV05P435 # وعلى كل حال، ms2860 فلكل أحد أن يستقي من الماء الجاري لشربه ووضوئه وغسله وغسل ~~ثيابه، وينتفع به في أشباه ذلك، مما لا يؤثر فيه، من غير إذنه، إذا لم يدخل ~~إليه في مكان محوط عليه. ولا يحل لصاحبه المنع من ذلك؛ لما روى أبو هريرة، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم، ~~ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم رجل كان بفضل ماء بالطريق، فمنعه ابن السبيل» . ~~رواه البخاري، وعن بهيسة، عن أبيها، أنه قال: «يا نبي الله، ما الشيء الذي ~~لا يحل منعه؟ قال: الماء. قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ ~~قال: الملح. قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: أن تفعل ~~الخير خير لك.» رواه أبو داود. # ولأن ذلك لا يؤثر فيه في العادة، وهو فاضل عن حاجة صاحب النهر. فأما ما ~~يؤثر فيه كسقي الماشية الكثيرة، ونحو ذلك، فإن فضل الماء عن حاجة صاحبه، ~~لزمه بذله لذلك، وإن لم يفضل، لم يلزمه # وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع. ### | [فصل كان النهر أو الساقية مشتركا بين جماعة] # (4359) فصل: إذا كان النهر أو الساقية مشتركا بين جماعة، فإن أرادوا ~~إكراءه أو سد بثق فيه، أو إصلاح حائطه، أو شيء منه، كان ذلك عليهم على حسب ~~ملكهم فيه، فإن كان بعضهم أدنى إلى أوله من بعض، اشترك الكل في إكرائه ~~وإصلاحه، إلى أن يصلوا إلى الأول، ثم لا شيء على الأول، ويشترك الباقون حتى ~~يصلوا إلى الثاني، ثم يشترك من بعده كذلك، كلما انتهى العمل إلى موضع واحد ~~منهم، لم يكن عليه فيما بعده شيء. وبهذا قال الشافعي. وحكي ذلك عن أبي ~~حنيفة # وقال أبو يوسف، ومحمد: يشترك جميعهم في إكرائه كله، لأنهم ينتفعون ~~بجميعه، فإن ما جاوز الأول مصب لمائه، وإن لم يسق أرضه. ولنا أن الأول إنما ~~ينتفع بالماء الذي في موضع شربه، وما بعده إنما يختص بالانتفاع به من دونه، ~~فلا يشاركهم في مؤنته، كما لا يشاركهم ms2861 في نفعه، فإن كان يفضل عن جميعهم منه ~~ما يحتاج إلى مصرف، فمؤنة ذلك المصرف على جميعهم؛ لأنهم يشتركون في الحاجة ~~إليه، والانتفاع به، فكانت مؤنته عليهم كلهم، كأوله. ### | [مسألة إحياء الأرض أن يحوط عليها حائطا] # (4360) مسألة قال: (وإحياء الأرض أن يحوط عليها حائطا) ظاهر كلام الخرقي، ~~أن تحويط الأرض إحياء لها، سواء أرادها للبناء، أو للزرع، أو حظيرة للغنم، ~~أو الخشب، أو غير ذلك. ونص عليه أحمد، في رواية علي بن سعيد، فقال: الإحياء ~~أن يحوط عليها حائطا، أو يحفر فيها بئرا أو نهرا. ولا يعتبر في ذلك تسقيف؛ ~~وذلك لما روى الحسن، عن سمرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«من أحاط حائطا على أرض، فهي له» . رواه أبو داود، والإمام أحمد، في " ~~مسنده ". # ويروى عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. ولأن الحائط حاجز ~~منيع، فكان # PageV05P436 # إحياء، أشبه ما لو جعلها حظيرة للغنم. ويبين هذا أن القصد لا اعتبار به، ~~بدليل ما لو أرادها حظيرة للغنم، فبناها بجص وآجر، وقسمها بيوتا، فإنه ~~يملكها، وهذا لا يصنع للغنم مثله. ولا بد أن يكون الحائط منيعا يمنع ما ~~وراءه، ويكون مما جرت العادة بمثله # ويختلف باختلاف البلدان، فلو كان مما جرت عادتهم بالحجارة وحدها، كأهل ~~حوران وفلسطين، أو بالطين، كالفطائر لأهل غوطة دمشق، أو بالخشب أو بالقصب، ~~كأهل الغور، كان ذلك إحياء. وإن بناه بأرفع مما جرت به عادته، كان أولى. ~~وقال القاضي: في صفة الإحياء روايتان إحداهما ما ذكرنا. والثانية الإحياء ~~ما تعارفه الناس إحياء؛ لأن الشرع ورد بتعليق الملك على الإحياء، ولم ~~يبينه، ولا ذكر كيفيته، فيجب الرجوع فيه إلى ما كان إحياء في العرف. # كما أنه لما ورد باعتبار القبض والحرز، ولم يبين كيفيته، كان المرجع فيه ~~إلى العرف، ولأن الشارع لو علق الحكم على مسمى باسم، لتعلق بمسماه عند أهل ~~اللسان، فكذلك يتعلق الحكم بالمسمى إحياء عند أهل العرف، ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يعلق حكما على ما ليس ms2862 إلى معرفته طريق، فلما لم يبينه، ~~تعين العرف طريقا لمعرفته، إذ ليس له طريق سواه. إذا ثبت هذا، فإن الأرض ~~تحيي دارا للسكنى، وحظيرة، ومزرعة، فإحياء كل واحدة من ذلك بتهيئتها ~~للانتفاع الذي أريدت له، فأما الدار، فبأن يبني حيطانها بما جرت به العادة ~~ويسقفها، لأنها لا تكون للسكنى إلا بذلك # وأما الحظيرة فإحياؤها بحائط جرت به عادة مثلها، وليس من شرطها التسقيف؛ ~~لأن العادة ذلك من غير تسقيف؛ وسواء أرادها حظيرة للماشية، أو للخشب، أو ~~للحطب، أو نحو ذلك. ولو خندق عليها خندقا، لم يكن إحياء؛ لأنه ليس بحائط ~~ولا عمارة، إنما هو حفر وتخريب. وإن خاطها بشوك وشبهه، لم يكن إحياء، وكان ~~تحجرا؛ لأن المسافر قد ينزل منزلا، ويحوط على رحله بنحو من ذلك # ولو نزل منزلا، فنصب به بيت شعر أو خيمة، لم يكن إحياء. وإن أرادها ~~للزراعة، فبأن يهيئها لإمكان الزرع فيها، فإن كانت لا تزرع إلا بالماء، ~~فبأن يسوق إليها ماء من نهر أو بئر، وإن كانت مما لا يمكن زرعها لكثرة ~~أحجارها، كأرض الحجاز، فبأن يقلع أحجارها وينقيها حتى تصلح للزرع، وإن كانت ~~غياضا وأشجارا، كأرض الشعرى، فبأن يقلع أشجارها، ويزيل عروقها التي تمنع # PageV05P437 # الزرع # وإن كانت مما لا يمكن زرعه إلا بحبس الماء عنها، كأرض البطائح التي ~~يفسدها غرقها بالماء لكثرته، فإحياؤها بسد الماء عنها، وجعلها بحال يمكن ~~زرعها؛ لأن بذلك يمكن الانتفاع بها فيما أرادها من غير حاجة إلى تكرار ذلك ~~في كل عام، فكان إحياء، كسوق الماء إلى الأرض التي لا ماء لها ولا يعتبر في ~~إحياء الأرض حرثها ولا زرعها؛ لأن ذلك مما يتكرر كلما أراد الانتفاع بها، ~~فلم يعتبر في الإحياء، كسقيها، وكالسكنى في البيوت، ولا يحصل بذلك إذا فعله ~~لمجرده، لما ذكرنا # ولا يعتبر في إحياء الأرض للسكنى نصب الأبواب على البيوت. وبهذا قال ~~الشافعي، فيما ذكرنا في الرواية الثانية، إلا أن له وجها في أن حرثها ~~وزرعها إحياء لها، وأن ذلك معتبر في إحيائها، ولا يتم بدونه، ms2863 وكذلك نصب ~~الأبواب على البيوت؛ لأنه مما جرت العادة به، فأشبه التسقيف. ولا يصح هذا؛ ~~لما ذكرنا، ولأن السكنى ممكنة بدون نصب الأبواب، فأشبه تطيين سطوحها ~~وتبييضها. ### | [مسألة حفر بئرا في موات للتمليك] # (4361) مسألة قال: (أو يحفر فيها بئرا، فيكون له خمس وعشرون ذراعا ~~حواليها، وإن سبق إلى بئر عادية، فحريمها خمسون ذراعا) البئر العادية، ~~بتشديد الياء: القديمة، منسوبة إلى عاد، ولم يرد عادا بعينها، لكن لما كانت ~~عاد في الزمن الأول، وكانت لها آثار في الأرض، نسب إليها كل قديم، فكل من ~~حفر بئرا في موات للتمليك، فله حريمها خمس وعشرون ذراعا من كل جانب # ومن سبق إلى بئر عادية، كان أحق بها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو له. وله حريمها خمسون ذراعا من كل ~~جانب» . # نص أحمد على هذا في رواية حرب، وعبد الله. واختاره أكثر أصحابنا. وقال ~~القاضي وأبو الخطاب: ليس هذا على طريق التحديد، بل حريمها على الحقيقة ما ~~تحتاج إليه في ترقية مائها منها، فإن كان بدولاب فقدر مدار الثور أو غيره. ~~وإن كان بساقية فبقدر طول البئر؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «حريم البئر مد رشائها» . أخرجه ابن ماجه # ولأنه المكان الذي تمشي إليه البهيمة. وإن كان يستقي منها بيده، فبقدر ما ~~يحتاج إليه الواقف عندها. وإن كان المستخرج عينا، فحريمها القدر الذي يحتاج ~~إليه صاحبها للانتفاع بها، ولا يستضر بأخذه منها ولو على ألف ذراع. وحريم ~~النهر من جانبيه ما يحتاج إليه لطرح كرايته بحكم العرف في ذلك؛ لأن هذا ~~إنما ثبت للحاجة، فينبغي أن تراعي فيه الحاجة دون غيرها. وقال أبو حنيفة: ~~حريم البئر أربعون ذراعا، وحريم العين خمسمائة ذراع؛ # PageV05P438 # لأن أبا هريرة روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حريم البئر ~~أربعون ذراعا لأعطان الإبل والغنم» وعن الشعبي مثله، رواه أبو عبيد. # ولنا ما روى الدارقطني والخلال، بإسنادهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم ms2864 ~~- أنه قال: «حريم البئر البدي خمس وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادي خمسون ~~ذراعا» وهذا نص. وروى أبو عبيد، بإسناده عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه ~~قال: السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعا، والبدي خمس وعشرون ذراعا # وبإسناده عن سعيد بن المسيب، قال: حريم البئر البدي خمس وعشرون ذراعا من ~~نواحيها كلها، وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها، وحريم البئر ~~العادية خمسون ذراعا من نواحيها كلها. ولأنه معنى يملك به الموات، فلا يقف ~~على قدر الحاجة، كالحائط. ولأن الحاجة إلى البئر لا تنحصر في ترقية الماء، ~~فإنه يحتاج إلى ما حولها عطنا لإبله، وموقفا لدوابه وغنمه، وموضعا يجعل فيه ~~أحواضا يسقي منها ماشيته، وموقفا لدابته التي يستقي عليها # وأشباه ذلك، فلا يختص الحريم بما يحتاج إليه لترقية الماء، وأما حديث أبي ~~حنيفة، فحديثنا أصح منه، ورواهما أبو هريرة، فيدل على ضعفه. إذا ثبت هذا، ~~فظاهر كلام الخرقي أن هذا الحريم مملوك لصاحب البئر. وعند الشافعي، ~~والقاضي، ليس بمملوك. وقد سبق ذكر هذا. # (4362) فصل: ولا بد أن يكون البئر فيها ماء، وإن لم يصل إلى الماء، فهو ~~كالمتحجر الشارع في الإحياء، على ما قدمناه # ويجب أن يحمل قوله في البئر العادية على البئر التي انطمت وذهب ماؤها، ~~فجدد حفرها وعمارتها، أو انقطع ماؤها، فاستخرجه، ليكون ذلك إحياء لها. وأما ~~البئر التي لها ماء ينتفع به المسلمون، فليس لأحد احتجاره ومنعه؛ لأنه يكون ~~بمنزلة المعادن الظاهرة، التي يرتفق بها الناس، وهكذا العيون النابعة، ليس ~~لأحد أن يختص بها. ولو حفر رجل بئرا للمسلمين ينتفعون بها، أو لينتفع هو ~~بها مدة إقامته عندها ثم يتركها، لم يملكها، وكان له الانتفاع بها. # فإذا تركها صارت للمسلمين كلهم، كالمعادن الظاهرة، وما دام مقيما عندها ~~فهو أحق بها؛ لأنه سابق إليها، فهو كالمتحجر الشارع في الإحياء. # PageV05P439 ### | [فصل كان لإنسان شجرة في موات] # (4363) فصل: وإذا كان لإنسان شجرة في موات، فله حريمها قدر ما تمد إليه ~~أغصانها حواليها، وفي النخلة مد جريدها؛ لما روى أبو ms2865 داود، بإسناده عن أبي ~~سعيد، قال: «اختصم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حريم نخلة، فأمر ~~بجريدة من جرائدها فذرعت، فكانت سبعة أذرع أو خمسة أذرع، فقضى بذلك» . وإن ~~غرس شجرة في موات، فهي له وحريمها. وإن سبق إلى شجر مباح، كالزيتون ~~والخروب، فسقاه وأصلحه، فهو أحق به، كالمتحجر الشارع في الإحياء، فإن طعمه ~~ملكه بذلك وحريمه؛ لأنه تهيأ للانتفاع به لما يراد منه، فهو كسوق الماء إلى ~~الأرض الموات. # ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، ~~فهو أحق به» . ### | [فصل له بئر فيها ماء فحفر آخر قريبا منها بئرا ينسرق إليها ماء البئر الأولى] # (4364) فصل: ومن كانت له بئر فيها ماء، فحفر آخر قريبا منها بئرا ينسرق ~~إليها ماء البئر الأولى، فليس له ذلك، سواء كان محتفر الثانية في ملكه، مثل ~~رجلين متجاورين في دارين، حفر أحدهما في داره بئرا، ثم حفر الآخر بئرا أعمق ~~منها، فسرى إليها ماء الأولى، أو كانتا في موات، فسبق أحدهما، فحفر بئرا، ~~ثم جاء آخر فحفر قريبا منها بئرا تجتذب ماء الأولى. ووافق الشافعي في هذه ~~الصورة الثانية؛ لأنه ليس له أن يبتدئ ملكه على وجه يضر بالمالك قبله. وقال ~~في الأولى: له ذلك؛ لأنه تصرف مباح في ملكه، فجاز له فعله، كتعلية داره # وهكذا الخلاف في كل ما يحدثه الجار مما يضر بجاره، مثل أن يجعل داره ~~مدبغة، أو حماما يضر بعقار جاره بحمي ناره ورماده ودخانه، أو يحفر في أصل ~~حائطه حشا يتأذى جاره برائحته وغيرها، أو يجعل داره مخبزا في وسط العطارين ~~ونحوه، مما يؤذي جيرانه، فلا يحل له ذلك. وقال الشافعي: له ذلك كله، لأنه ~~تصرف مباح في ملكه، أشبه بناءه ونقضه. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا ضرر ولا ضرار» . ولأنه إحداث ضرر بجاره، فلم يجز، كالدق الذي يهز ~~الحيطان ويخربها، وكإلقاء السماد والتراب ونحوه في أصل حائطه على وجه يضر ~~به # ولو كان لرجل مصنع ماء، فأراد ms2866 جاره غرس شجرة تين قريبا منه أو نحوها مما ~~تسري عروقه فتشق حائط مصنع جاره، ويتلفه، لم يملك ذلك، وكان لجاره منعه ~~وقلعها إن غرسها. ولو كان هذا الذي يحصل # PageV05P440 # منه الضرر سابقا، مثل من له في ملكه مدبغة أو مقصرة، فأحيا إنسان إلى ~~جانبه مواتا، وبناه دارا، يتضرر بذلك، لم يلزم إزالة الضرر، بغير خلاف ~~نعلمه؛ لأنه لم يحدث ضررا. والله تعالى أعلم. ### | [مسألة إحياء الموات لا يفتقر إلى إذن الإمام] # (4365) مسألة قال: (وسواء في ذلك ما أحياه، أو سبق إليه بإذن الإمام، أو ~~غير إذنه) وجملة ذلك، أن إحياء الموات لا يفتقر إلى إذن الإمام. وبهذا قال ~~الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: يفتقر إلى إذنه؛ لأن للإمام ~~مدخلا في النظر في ذلك، بدليل أن من تحجر مواتا فلم يحيه، فإنه يطالبه ~~بالإحياء أو الترك، فافتقر إلى إذنه، كمال بيت المال # ولنا عموم قوله - عليه السلام -: «من أحيا أرضا ميتة، فهي له» . ولأن هذا ~~عين مباحة، فلا يفتقر تملكها إلى إذن الإمام، كأخذ الحشيش والحطب، ونظر ~~الإمام في ذلك لا يدل على اعتبار إذنه، ألا ترى أن من وقف في مشرعة، طالبه ~~الإمام أن يأخذ حاجته وينصرف، ولا يفتقر ذلك إلي إذنه. وأما مال بيت المال، ~~فإنما هو مملوك للمسلمين، وللإمام ترتيب مصارفه فافتقر إلى إذنه، بخلاف ~~مسألتنا، فإن هذا مباح، فمن سبق إليه كان أحق الناس به، كالحشيش والحطب ~~والصيود والثمار المباحة في الجبال. ### | [فصل أما ما سبق إليه فهو الموات] # (4366) فصل: فأما ما سبق إليه، فهو الموات إذا سبق إليه فتحجره كان أحق، ~~وإن سبق إلى بئر عادية، فشرع فيها يعمرها، كان أحق بها. ومن سبق إلى مقاعد ~~الأسواق والطرقات، أو مشارع المياه والمعادن الظاهرة والباطنة، وكل مباح ~~مثل الحشيش والحطب والثمار المأخوذة من الجبال، وما ينبذه الناس رغبة عنه، ~~أو يضيع منهم مما لا تتبعه النفس، واللقطة واللقيط، وما يسقط من الثلج ~~وسائر المباحات، من سبق إلى شيء من هذا، فهو أحق به، ولا ms2867 يحتاج إلى إذن ~~الإمام، ولا إذن غيره؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سبق إلى ما ~~لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به» . # PageV05P441 ### | [كتاب الوقوف والعطايا] # الوقوف: جمع وقف، يقال منه: وقفت وقفا. ولا يقال: أوقفت. إلا في شاذ ~~اللغة، ويقال: حبست وأحبست. وبه جاء الحديث: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت ~~بها» . والعطايا: جمع عطية، مثل خلية وخلايا، وبلية وبلايا. والوقف مستحب. ~~ومعناه: تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة # والأصل فيه ما روى عبد الله بن عمر، قال: «أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبت ~~أرضا بخيبر، لم أصب قط مالا أنفس عندي منه، فما تأمرني فيها؟ فقال: إن شئت ~~حبست أصلها، وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يوهب، ولا ~~يورث. قال: فتصدق بها عمر في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، وابن السبيل، ~~والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقا بالمعروف، غير ~~متأثل فيه، أو غير متمول فيه» متفق عليه. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا مات ابن آدم، انقطع ~~عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو ~~له» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم ~~على القول بصحة الوقف # قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذو مقدرة ~~إلا وقف. ولم ير شريح الوقف، وقال: لا حبس عن فرائض الله. قال أحمد: وهذا ~~مذهب أهل الكوفة. وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده، وللواقف ~~الرجوع فيه، إلا أن يوصي به بعد موته، فيلزم، أو يحكم بلزومه حاكم # وحكاه بعضهم عن علي، وابن مسعود، وابن عباس. وخالفه صاحباه، فقالا كقول ~~سائر أهل العلم. واحتج بعضهم بما روي «أن عبد الله بن زيد، صاحب الأذان، ~~جعل حائطه صدقة، وجعله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء أبواه ms2868 ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: يا رسول الله، لم يكن لنا عيش ~~إلا هذا الحائط. فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ماتا، فورثهما» ~~. رواه المحاملي في " أماليه "، ولأنه أخرج ماله على وجه القربة من ملكه، ~~فلم يلزم بمجرد القول، كالصدقة # وهذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، «فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لعمر في وقفه: لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يوهب، ولا يورث» . قال ~~الترمذي: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وغيرهم، لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافا. # PageV06P003 # قال الحميدي: تصدق أبو بكر - رضي الله عنه - بداره على ولده، وعمر بربعه ~~عند المروة على ولده وعثمان برومة، وتصدق علي بأرضه بينبع، وتصدق الزبير ~~بداره بمكة وداره بمصر وأمواله بالمدينة على ولده، وتصدق سعد بداره ~~بالمدينة وداره بمصر على ولده، وعمرو بن العاص بالوهط وداره بمكة على ولده، ~~وحكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده، فذلك كله إلى اليوم. # وقال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذو مقدرة ~~إلا وقف. وهذا إجماع منهم، فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف، واشتهر ذلك، ~~فلم ينكره أحد، فكان إجماعا، ولأنه إزالة ملك يلزم بالوصية، فإذا نجزه حال ~~الحياة لزم من غير حكم، كالعتق. # وحديث عبد الله بن زيد إن ثبت، فليس فيه ذكر الوقف، والظاهر أنه جعله ~~صدقة غير موقوف، استناب فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى والديه ~~أحق الناس بصرفها إليهما، ولهذا لم يردها عليه، إنما دفعها إليهما. ويحتمل ~~أن الحائط كان لهما، وكان هو يتصرف فيه بحكم النيابة عنهما، فتصرف بهذا ~~التصرف بغير إذنهما، فلم ينفذاه، وأتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فرده ~~إليهما. والقياس على الصدقة لا يصح؛ لأنها تلزم في الحياة بغير حكم حاكم، ~~وإنما تفتقر إلى القبض، والوقف لا يفتقر ms2869 إليه، فافترقا. ### | [مسألة من وقف في صحة من عقله وبدنه على قوم وأولادهم وعقبهم ثم آخره للمساكين] ### | [الفصل الأول الوقف إذا صح زال به ملك الواقف عنه] # (4367) مسألة قال أبو القاسم، رحمة الله عليه: (ومن وقف في صحة من عقله ~~وبدنه، على قوم وأولادهم وعقبهم ثم آخره للمساكين، فقد زال ملكه عنه) . # (4368) في هذه المسألة فصول ثلاثة: أحدها: أن الوقف إذا صح، زال به ملك ~~الواقف عنه، في الصحيح من المذهب. وهو المشهور من مذهب الشافعي، ومذهب أبي ~~حنيفة. وعن أحمد: لا يزول ملكه # وهو قول مالك، وحكي قولا للشافعي - رضي الله عنه -؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «احبس الأصل، وسبل الثمرة» . ولنا أنه سبب يزيل التصرف ~~في الرقبة والمنفعة، فأزال الملك، كالعتق، ولأنه لو كان ملكه لرجعت إليه ~~قيمته، كالملك المطلق، وأما الخبر، فالمراد به أن يكون محبوسا، لا يباع ولا ~~يوهب ولا يورث. # PageV06P004 # وفائدة الخلاف أنا إذا حكمنا ببقاء ملكه، لزمته مراعاته، والخصومة فيه. ~~ويحتمل أن يلزمه أرش جنايته، كما يفدي أم الولد سيدها لما تعذر تسليمه، ~~بخلاف غير المالك. ### | [الفصل الثاني يزول الملك ويلزم الوقف بمجرد اللفظ] # (4369) الفصل الثاني: أن ظاهر هذا الكلام، أنه يزول الملك، ويلزم الوقف ~~بمجرد اللفظ؛ لأن الوقف يحصل به. وعن أحمد، - رحمه الله -، رواية أخرى، لا ~~يلزم إلا بالقبض، وإخراج الواقف له عن يده. وقال: الوقف المعروف أن يخرجه ~~من يده إلى غيره، ويوكل فيه من يقوم به. اختاره ابن أبي موسى، وهو قول محمد ~~بن الحسن؛ لأنه تبرع بمال لم يخرجه عن المالية، فلم يلزم بمجرده، كالهبة ~~والوصية # ولنا ما رويناه من حديث عمر، ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث، ~~فلزم بمجرده، كالعتق، ويفارق الهبة؛ فإنها تمليك مطلق، والوقف تحبيس الأصل ~~وتسبيل المنفعة، فهو بالعتق أشبه، فإلحاقه به أولى. ### | [الفصل الثالث الوقف لا يفتقر إلى القبول من الموقوف عليه] # (4370) الفصل الثالث: أنه لا يفتقر إلى القبول من الموقوف عليه. ذكره ~~القاضي. وقال أبو الخطاب: إن كان الوقف على غير معين، ms2870 كالمساكين، أو من لا ~~يتصور منه القبول كالمساجد والقناطر، لم يفتقر إلى قبول، وإن كان على آدمي ~~معين، ففي اشتراط القبول وجهان أحدهما اشتراطه؛ لأنه تبرع لآدمي معين، فكان ~~من شرطه القبول، كالهبة والوصية، يحققه أن الوصية إن كانت لآدمي معين، وقفت ~~على قبوله، وإذا كانت لغير معين أو لمسجد أو نحوه، لم تفتقر إلى قبول، كذا ~~هاهنا # والوجه الثاني لا يشترط القبول؛ لأنه أحد نوعي الوقف، فلم يشترط له ~~القبول، كالنوع الآخر، ولأنه إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث، فلم ~~يعتبر فيه القبول، كالعتق، وبهذا فارق الهبة والوصية. والفرق بينه وبين ~~الهبة والوصية، أن الوقف لا يختص المعين، بل يتعلق به حق من يأتي من البطون ~~في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم، إلا أنه مرتب، فصار بمنزلة الوقف على ~~الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم، ولا يقف على قبوله، والوصية للمعين ~~بخلافه. وهذا مذهب الشافعي # فإذا قلنا: لا يفتقر إلى القبول. لم يبطل برده، وكان رده وقبوله وعدمهما ~~واحدا، كالعتق. وإن قلنا: يفتقر إلى القبول. فرده من وقف عليه، بطل في حقه، ~~وصار كالوقف المنقطع الابتداء. يخرج في صحته في حق من سواه وبطلانه وجهان، ~~بناء على تفريق الصفقة. فإن قلنا بصحته، فهل ينتقل في الحال إلى من بعده، ~~أو يصرف في الحال إلى مصرف في الوقف المنقطع إلى أن يموت الذي رده، # PageV06P005 # ثم ينتقل إلى من بعده؟ على وجهين. وسنذكر ذلك في الوقف المنقطع الابتداء، ~~إن شاء الله تعالى. ### | [فصل ينتقل الملك في الموقوف إلى الموقوف عليهم] # (4371) فصل: وينتقل الملك في الموقوف إلى الموقوف عليهم، في ظاهر المذهب. ~~قال أحمد: إذا وقف داره على ولد أخيه، صارت لهم. وهذا يدل على أنهم ملكوه، ~~وروي عن أحمد، أنه لا يملك، فإن جماعة نقلوا عنه، في من وقف على ورثته في ~~مرضه: يجوز؛ لأنه لا يباع ولا يورث، ولا يصير ملكا للورثة، وإنما ينتفعون ~~بغلتها. وهذا يدل بظاهره على أنهم لا يملكون # ويحتمل أن يريد بقوله لا يملكون، أن ms2871 لا يملكون التصرف في الرقبة، فإن ~~فائدة الملك وآثاره ثابتة في الوقف. وعن الشافعي من الاختلاف نحو ما ~~حكيناه. وقال أبو حنيفة: لا ينتقل الملك في الوقف اللازم، بل يكون حقا لله ~~تعالى؛ لأنه إزالة ملك عن العين والمنفعة على وجه القربة، بتمليك المنفعة، ~~فانتقل الملك إلى الله تعالى، كالعتق. ولنا أنه سبب يزيل ملك الواقف، وجد ~~إلى من يصح تمليكه على وجه لم يخرج المال عن ماليته، فوجب أن ينقل الملك ~~إليه، كالهبة، والبيع. # ولأنه لو كان تمليك المنفعة المجردة لم يلزم كالعارية والسكنى، ولم يزل ~~ملك الواقف عنه كالعارية، ويفارق العتق، فإنه أخرجه عن المالية، وامتناع ~~التصرف في الرقبة لا يمنع الملك، كأم الولد. ### | [فصل ألفاظ الوقف ستة] # (4372) فصل: وألفاظ الوقف ستة، ثلاثة صريحة، وثلاثة كناية، فالصريحة: ~~وقفت، وحبست، وسبلت. متى أتى بواحدة من هذه الثلاث، صار وقفا من غير انضمام ~~أمر زائد؛ لأن هذه الألفاظ ثبت لها عرف الاستعمال بين الناس، وانضم إلى ذلك ~~عرف الشرع، بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: «إن شئت حبست أصلها، ~~وسبلت ثمرتها» . فصارت هذه الألفاظ في الوقف كلفظ التطليق في الطلاق # وأما الكناية فهي: تصدقت، وحرمت، وأبدت. فليست صريحة؛ لأن لفظة الصدقة ~~والتحريم مشتركة، فإن الصدقة تستعمل في الزكاة والهبات، والتحريم يستعمل في ~~الظهار والأيمان، ويكون تحريما على نفسه وعلى غيره، والتأبيد يحتمل تأبيد ~~التحريم، وتأبيد الوقف، ولم يثبت لهذه الألفاظ عرف الاستعمال، فلا يحصل ~~الوقف بمجردها، ككنايات الطلاق فيه. فإن انضم إليها أحد ثلاثة أشياء، حصل ~~الوقف بها أحدها أن ينضم إليها لفظة أخرى تخلصها من الألفاظ الخمسة، فيقول: ~~صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو محرمة، أو مؤبدة # أو يقول: هذه محرمة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو مؤبدة. # PageV06P006 # الثاني أن يصفها بصفات الوقف، فيقول: صدقة لا تباع، ولا توهب، ولا تورث؛ ~~لأن هذه القرينة تزيل الاشتراك. الثالث، أن ينوي الوقف، فيكون على ما نوى، ~~إلا أن النية تجعله وقفا في الباطن دون الظاهر، لعدم الاطلاع على ما ms2872 في ~~الضمائر، فإن اعترف بما نواه، لزم في الحكم؛ لظهوره، وإن قال: ما أردت ~~الوقف. فالقول قوله، لأنه أعلم بما نوى. ### | [فصل الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه] # (4373) فصل: وظاهر مذهب أحمد أن الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة ~~عليه، مثل أن يبني مسجدا، ويأذن للناس في الصلاة فيه، أو مقبرة، ويأذن في ~~الدفن فيها، أو سقاية، ويأذن في دخولها، فإنه قال: في رواية أبي داود، وأبي ~~طالب، في من أدخل بيتا في المسجد وأذن فيه، لم يرجع فيه. وكذلك إذا اتخذ ~~المقابر وأذن للناس، والسقاية، فليس له الرجوع، وهذا قول أبي حنيفة. وذكر ~~القاضي فيه رواية أخرى، أنه لا يصير وقفا إلا بالقول # وهذا مذهب الشافعي. وأخذه القاضي من قول أحمد، إذ سأله الأثرم عن رجل ~~أحاط حائطا على أرض، ليجعلها مقبرة، ونوى بقلبه، ثم بدا له العود؟ فقال: إن ~~كان جعلها لله، فلا يرجع. وهذا لا ينافي الرواية الأولى، فإنه أراد بقوله: ~~إن كان جعلها لله أي نوى بتحويطها جعلها لله. فهذا تأكيد للرواية الأولى، ~~وزيادة عليها، إذ منعه من الرجوع بمجرد التحويط مع النية. وإن أراد بقوله: ~~جعلها لله # أي: اقترنت بفعله قرائن دالة على إرادة ذلك، من إذنه للناس في الدفن ~~فيها، فهي الرواية الأولى بعينها، وإن أراد وقفا بلسانه، فيدل بمفهومه على ~~أن الوقف لا يحصل بمجرد التحويط والنية، وهذا لا ينافي الرواية الأولى؛ ~~لأنه في الأولى انضم إلى فعله إذنه للناس في الدفن، ولم يوجد هاهنا، فلا ~~تنافي بينهما، ثم لم يعلم مراده من هذه الاحتمالات، فانتفت هذه الرواية، ~~وصار المذهب رواية واحدة. والله أعلم. واحتجوا بأن هذا تحبيس أصل على وجه ~~القربة، فوجب أن لا يصح بدون اللفظ، كالوقف على الفقراء # ولنا أن العرف جار بذلك، وفيه دلالة على الوقف، فجاز أن يثبت به، كالقول، ~~وجرى مجرى من قدم إلى ضيفه طعاما، كان إذنا في أكله، ومن ملأ خابية ماء على ~~الطريق، كان تسبيلا له، ومن نثر على الناس نثارا، كان إذنا ms2873 في التقاطه، ~~وأبيح أخذه. وكذلك دخول الحمام، واستعمال مائه من غير إذن مباح بدلالة ~~الحال. وقد قدمنا في البيع أنه يصح بالمعاطاة من غير لفظ، وكذلك الهبة ~~والهدية، لدلالة الحال، فكذلك هاهنا. وأما الوقف على المساكين، فلم تجر به ~~عادة بغير لفظ، ولو كان شيء جرت به العادة، أو دلت الحال عليه، كان ~~كمسألتنا. والله أعلم. # PageV06P007 ### | [مسألة من وقف شيئا وقفا صحيحا صارت منافعه جميعها للموقوف عليه] # (4374) مسألة؛ قال: (ولا يجوز أن يرجع إليه شيء من منافعه) وجملة ذلك أن ~~من وقف شيئا وقفا صحيحا، فقد صارت منافعه جميعها للموقوف عليه، وزال عن ~~الواقف ملكه، وملك منافعه، فلم يجز أن ينتفع بشيء منها، إلا أن يكون قد وقف ~~شيئا للمسلمين، فيدخل في جملتهم، مثل أن يقف مسجدا، فله أن يصلي فيه، أو ~~مقبرة فله الدفن فيها، أو بئرا للمسلمين، فله أن يستقي منها، أو سقاية، أو ~~شيئا يعم المسلمين، فيكون كأحدهم. لا نعلم في هذا كله خلافا. وقد روي عن ~~عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه سبل بئر رومة، وكان دلوه فيها كدلاء ~~المسلمين. ### | [مسألة الواقف إذا اشترط في الوقف أن ينفق منه على نفسه] # (4375) مسألة قال: (إلا أن يشترط أن يأكل منه، فيكون له مقدار ما يشترط) ~~وجملته أن الواقف إذا اشترط في الوقف أن ينفق منه على نفسه، صح الوقف ~~والشرط. نص عليه أحمد. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: يشترط في الوقف أني ~~أنفق على نفسي وأهلي منه؟ قال: نعم. واحتج، قال: سمعت ابن عيينة، عن ابن ~~طاوس، عن أبيه، عن حجر المدري، أن «في صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يأكل منها أهله بالمعروف غير المنكر» # وقال القاضي: يصح الوقف، رواية واحدة؛ لأن أحمد نص عليها في رواية جماعة. ~~وبذلك قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف، والزبير، وابن سريج. وقال ~~مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن: لا يصح الوقف؛ لأنه إزالة الملك، فلم يجز ~~اشتراط نفعه لنفسه، كالبيع والهبة، وكما لو أعتق ms2874 عبدا بشرط أن يخدمه، ولأن ~~ما ينفقه على نفسه مجهول، فلم يصح اشتراطه، كما لو باع شيئا واشترط أن ~~ينتفع به # ولنا الخبر الذي ذكره الإمام أحمد، ولأن عمر - رضي الله عنه - لما وقف ~~قال: ولا بأس على من وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقا، غير متمول فيه. ~~وكان الوقف في يده إلى أن مات. ولأنه إذا وقف وقفا عاما، كالمساجد، ~~والسقايات، والرباطات، والمقابر، كان له الانتفاع به، فكذلك هاهنا. ولا فرق ~~بين أن يشترط لنفسه الانتفاع به مدة حياته، أو مدة معلومة معينة، وسواء قدر ~~ما يأكل منه، أو أطلقه؛ فإن عمر - رضي الله عنه - لم يقدر ما يأكل الوالي ~~ويطعم إلا بقوله: بالمعروف. وفي حديث صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه شرط أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر # إلا أنه إذا شرط أن ينتفع به مدة معينة. فمات فيها، فينبغي أن يكون ذلك ~~لورثته، كما لو باع دارا واشترط أن يسكنها سنة، فمات في أثنائها. والله ~~أعلم. # PageV06P008 ### | [فصل شرط الواقف أن يأكل أهله من الوقف] # (4376) فصل: وإن شرط أن يأكل أهله منه، صح الوقف والشرط؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - شرط ذلك في صدقته. وإن اشترط أن يأكل من وليه منه، ويطعم ~~صديقا جاز؛ لأن عمر - رضي الله عنه - شرط ذلك في صدقته، التي استشار فيها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن وليها الواقف، كان له أن يأكل ويطعم ~~صديقا؛ لأن عمر ولي صدقته # وإن وليها أحد من أهله، كان له ذلك؛ لأن حفصة بنت عمر كانت تلي صدقته بعد ~~موته، ثم وليها بعدها عبد الله بن عمر. ### | [فصل شرط الواقف أن يبيع الوقف متى شاء أو يهبه أو يرجع فيه] # (4377) فصل: وإن شرط أن يبيعه متى شاء، أو يهبه، أو يرجع فيه، لم يصح ~~الشرط، ولا الوقف. لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه ينافي مقتضى الوقف. ويحتمل أن ~~يفسد الشرط، ويصح الوقف، بناء على الشروط الفاسدة في البيع. وإن شرط الخيار ~~في ms2875 الوقف، فسد # نص عليه أحمد. وبه قال الشافعي. وقال أبو يوسف، في رواية عنه: يصح؛ لأن ~~الوقف تمليك المنافع، فجاز شرط الخيار فيه، كالإجارة. ولنا، أنه شرط ينافي ~~مقتضى العقد فلم يصح، كما لو شرط أن له بيعه متى شاء، ولأنه إزالة ملك لله ~~تعالى، فلم يصح اشتراط الخيار فيه كالعتق، ولأنه ليس بعقد معاوضة، فلم يصح ~~اشتراط الخيار فيه، كالهبة. ويفارق الإجارة، فإنها عقد معاوضة، وهي نوع من ~~البيع، ولأن الخيار إذا دخل في العقد، منع ثبوت حكمه قبل انقضاء الخيار أو ~~التصرف، وهاهنا لو ثبت الخيار، لثبت مع ثبوت حكم الوقف، ولم يمنع التصرف، ~~فافترقا. ### | [فصل شرط الواقف في الوقف أن يخرج من شاء من أهل الوقف ويدخل من شاء من غيرهم] # (4378) فصل: وإن شرط في الوقف أن يخرج من شاء من أهل الوقف، ويدخل من شاء ~~من غيرهم، لم يصح؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف، فأفسده. كما لو شرط أن لا ~~ينتفع به. وإن شرط للناظر أن يعطي من يشاء من أهل الوقف، ويحرم من يشاء، ~~جاز؛ لأن ذلك ليس بإخراج للموقوف عليه من الوقف، وإنما علق استحقاق الوقف ~~بصفة، فكأنه جعل له حقا في الوقف، إذا اتصف بإرادة الوالي لعطيته، ولم يجعل ~~له حقا إذا انتفت تلك الصفة فيه، فأشبه ما لو وقف على المشتغلين بالعلم من ~~ولده، فإنه يستحق منهم من اشتغل به دون من لم يشتغل، فلو ترك المشتغل ~~الاشتغال زال استحقاقه، وإذا عاد إليه عاد استحقاقه # والله أعلم. ### | [فصل جعل علو داره مسجدا دون سفلها أو سفلها دون علوها] # (4379) فصل: إذا جعل علو داره مسجدا دون سفلها، أو سفلها دون علوها، صح، ~~وقال أبو حنيفة: لا يصح؛ لأن المسجد يتبعه هواؤه. # PageV06P009 # ولنا أنه يصح بيعها، كذلك يصح وقفه، كالدار جميعها، ولأنه تصرف يزيل ~~الملك إلى من يثبت له حق الاستقرار والتصرف، فجاز فيما ذكرنا كالبيع. ### | [فصل جعل وسط داره مسجدا ولم يذكر الاستطراق] # (4380) فصل: وإن جعل وسط داره مسجدا، ولم يذكر الاستطراق، صح، ms2876 وقال أبو ~~حنيفة: لا يصح حتى يذكر الاستطراق. ولنا أنه عقد يبيح الانتفاع، من ضرورته ~~الاستطراق، فصح، وإن لم يذكر الاستطراق، كما لو أجر بيتا من داره. ### | [فصل وقف على نفسه ثم على المساكين أو على ولده] # (4381) فصل: إذا وقف على نفسه، ثم على المساكين، أو على ولده، ففيه ~~روايتان إحداهما، لا يصح؛ فإنه قال، في رواية أبي طالب، وقد سئل عن هذا، ~~فقال: لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله، وفي سبيل الله، فإذا وقفه عليه حتى ~~يموت، فلا أعرفه. فعلى هذه الرواية يكون الوقف عليه باطلا. وهل يبطل الوقف ~~على من بعده؟ على وجهين، بناء على الوقف المنقطع الابتداء. وهذا مذهب ~~الشافعي؛ لأن الوقف تمليك للرقبة والمنفعة، ولا يجوز أن يملك الإنسان نفسه ~~من نفسه، كما لا يجوز أن يبيع نفسه مال نفسه، ولأن الوقف على نفسه إنما ~~حاصله منع نفسه التصرف في رقبة الملك، فلم يصح ذلك، كما لو أفرده بأن يقول: ~~لا أبيع هذا ولا أهبه ولا أورثه # ونقل جماعة أن الوقف صحيح، اختاره ابن أبي موسى. قال ابن عقيل: وهي أصح. ~~وهو قول ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي يوسف، وابن سريج؛ لما ذكرنا فيما ~~إذا اشترط أن يرجع إليه شيء من منافعه، ولأنه يصح أن يقف وقفا عاما فينتفع ~~به، كذلك إذا خص نفسه بانتفاعه، والأول أقيس. ### | [مسألة وقف على قوم وأولادهم وعقبهم ونسلهم] # (4382) مسألة؛ قال: (والباقي على من وقف عليه وأولاده الذكور والإناث من ~~أولاد البنين بينهم بالسوية، إلا أن يكون الواقف فضل بعضهم) في هذه المسألة ~~فصول أربعة: (4383) الأول: أنه إذا وقف على قوم وأولادهم وعقبهم ونسلهم، ~~كان الوقف بين القوم وأولادهم، ومن حدث من نسلهم، على سبيل الاشتراك، إن لم ~~تقترن به قرينة تقتضي ترتيبا؛ لأن الواو تقتضي الاشتراك، فإذا اجتمعوا ~~اشتركوا، ولم يقدم بعضهم على بعض، ويشارك الآخر الأول، وإن كان من البطن ~~العاشر، وإذا حدث حمل لم يشارك حتى ينفصل؛ لأنه يحتمل أن لا يكون حملا، فلا ~~يثبت له ms2877 حكم الولد قبل انفصاله. # PageV06P010 ### | [فصل قال وقفت على أولادي ثم على المساكين] # (4384) فصل: فإن قال: وقفت على أولادي، ثم على المساكين. أو قال: على ~~ولدي، ثم على المساكين. أو على ولد فلان، ثم على المساكين. فقد روي عن أحمد ~~ما يدل على أنه يكون وقفا على أولاده، وأولاد أولاده، من الأولاد البنين، ~~ما لم تكن قرينة تصرف عن ذلك. قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في ~~رجل وقف ضيعة على ولده، فمات الأولاد، وتركوا النسوة حوامل؟ فقال: كل ما ~~كان من أولاد الذكور، بنات كن أو بنين، فالضيعة موقوفة عليهم، وما كان من ~~أولاد البنات، فليس لهم فيه شيء؛ لأنهم من رجل آخر # وقال أيضا في من وقف على ولد علي بن إسماعيل، ولم يقل: إن مات ولد علي بن ~~إسماعيل دفع إلى ولد ولده، فمات ولد علي بن إسماعيل: دفع إلى ولده أيضا؛ ~~لأن هذا من ولد علي بن إسماعيل. ووجه ذلك أن الله تعالى قال: {يوصيكم الله ~~في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] . فدخل فيه ولد البنين وإن ~~سفلوا. ولما قال: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} ~~[النساء: 11] # فتناول ولد البنين، وكذلك كل موضع ذكر الله تعالى الولد دخل فيه ولد ~~البنين، فالمطلق من كلام الآدمي إذا خلا عن قرينة، ينبغي أن يحمل على ~~المطلق من كلام الله تعالى، ويفسر بما يفسر به. ولأن ولد ولده ولد له، ~~بدليل قول الله تعالى: يا بني آدم ويا بني إسرائيل. وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا» . وقال: «نحن بنو ~~النضر بن كنانة» . والقبائل كلها تنسب إلى جدودها. ولأنه لو وقف على ولد ~~فلان، وهم قبيلة، دخل فيه ولد البنين، فكذلك إذا لم يكونوا قبيلة # وقال القاضي، وأصحابه: لا يدخل فيه ولد الولد بحال، سواء في ذلك ولد ~~البنين وولد البنات؛ لأن الولد حقيقة وعرفا إنما هو ولده لصلبه، وإنما يسمى ~~ولد الولد ولدا مجازا، ولهذا ms2878 يصح نفيه، فيقال: ما هذا ولدي، إنما هو ولد ~~ولدي. وإن قال: على ولدي لصلبي. فهو آكد. وإن قال: على ولدي، وولد ولدي، ثم ~~على المساكين. دخل فيه البطن الأول والثاني، ولم يدخل فيه البطن الثالث. ~~وإن قال: على ولدي، وولد ولدي، وولد ولد ولدي. دخل فيه ثلاثة بطون دون من ~~بعدهم # وموضع الخلاف المطلق، فأما مع وجود دلالة تصرف إلى أحد المحملين، فإنه ~~يصرف إليه بغير خلاف، مثل أن يقول: على ولد فلان. وهم قبيلة ليس فيهم ولد ~~من صلبه، فإنه يصرف إلى أولاد الأولاد بغير خلاف. # PageV06P011 # وكذلك إن قال: على أولادي، أو ولدي. وليس له ولد من صلبه. أو قال: ويفضل ~~ولد الأكبر أو الأعلم على غيرهم. أو قال: فإذا خلت الأرض من عقبي عاد إلى ~~المساكين. أو قال: على ولدي غير ولد البنات. أو غير ولد فلان. أو قال: يفضل ~~البطن الأعلى على الثاني # أو قال: الأعلى فالأعلى. وأشباه ذلك، فهذا يصرف لفظه إلى جميع نسله ~~وعاقبته. وإن اقترنت به قرينة تقضي تخصيص أولاده لصلبه بالوقف، مثل أن ~~يقول: على ولدي لصلبي. أو الذين يلونني. ونحو هذا، فإنه يختص بالبطن الأول ~~دون غيرهم. وإذا قلنا بالتعميم فيهم، إما للقرينة، وإما لقولنا بأن المطلق ~~يقتضي التعميم ولم يكن في لفظه ما يقتضي تشريكا ولا ترتيبا، احتمل أن يكون ~~بينهم كلهم على التشريك، لأنهم دخلوا في اللفظ دخولا واحدا، فوجب أن يكون ~~بينهم مشتركا، كما لو أقر لهم بدين، ويحتمل أن يكون على الترتيب، على حسب ~~الترتيب في الميراث # وهذا ظاهر كلام أحمد؛ لقوله في من وقف على ولد علي بن إسماعيل، ولم يقل: ~~إن مات ولد علي بن إسماعيل دفع إلى ولد ولده. فمات ولد علي بن إسماعيل، ~~وترك ولدا، فقال: إن مات بعض ولد علي بن إسماعيل دفع إلى ولده أيضا؛ لأن ~~هذا من ولد علي بن إسماعيل. فجعله لولد من مات من ولد علي بن إسماعيل عند ~~موت أبيه، وذلك أن ولد البنين لما دخلوا في ms2879 قول الله تعالى: {يوصيكم الله ~~في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] # ولم يستحق ولد البنين شيئا مع وجود آبائهم، واستحقوا عند فقدهم، كذا ~~هاهنا. فأما إن وصى لولد فلان، وهم قبيلة، فلا ترتيب فيه، ويستحق الأعلى ~~والأسفل على كل حال. ### | [فصل رتب فقال وقفت هذا على ولدي وولد ولدي ما تناسلوا وتعاقبوا الأعلى فالأعلى] # (4385) فصل: وإن رتب فقال: وقفت هذا على ولدي، وولد ولدي، ما تناسلوا ~~وتعاقبوا، الأعلى فالأعلى، أو الأقرب فالأقرب، أو الأول فالأول، أو البطن ~~الأول ثم البطن الثاني، أو على أولادي، ثم على أولاد أولادي، أو على ~~أولادي، فإن انقرضوا فعلى أولاد أولادي # فكل هذا على الترتيب، فيكون على ما شرط، ولا يستحق البطن الثاني شيئا حتى ~~ينقرض البطن كله. ولو بقي واحد من البطن الأول، كان الجميع له؛ لأن الوقف ~~ثبت بقوله، فيتبع فيه مقتضى كلامه. وإن قال: على أولادي، وأولادهم ما ~~تعاقبوا وتناسلوا، على أنه من مات منهم على ولد كان ما كان جاريا عليه ~~جاريا على ولده # كان ذلك دليلا على الترتيب؛ لأنه لو اقتضى التشريك لاقتضى التسوية، ولو ~~جعلنا لولد الولد سهما مثل سهم أبيه، ثم دفعنا إليه سهم أبيه، صار له ~~سهمان، ولغيره سهم، وهذا ينافي التسوية، ولأنه يفضي إلى تفضيل ولد الابن ~~على الابن، والظاهر من إرادة الواقف خلاف هذا # PageV06P012 # فإذا ثبت الترتيب فإنه يترتب بين كل والد وولده، فإذا مات عن ولد انتقل ~~إلى ولده سهمه، سواء بقي من البطن الأول أحد أو لم يبق. # (4386) فصل: وإن رتب بعضهم دون بعض، فقال: وقفت على ولدي، وولد ولدي، ثم ~~على أولادهم. أو على أولادي، ثم على أولاد أولادي وأولادهم، ما تناسلوا ~~وتعاقبوا. أو قال: على أولادي وأولاد أولادي، ثم على أولادهم وأولاد ~~أولادهم، ما تناسلوا. # فهو على ما قال، يشترك من شرك بينهم بالواو المقتضية للجمع والتشريك ~~وترتيب من رتبه بحرف الترتيب. ففي المسألة الأولى يشترك الولد وولد الولد، ~~ثم إذا انقرضوا صار لمن بعدهم. وفي الثانية يختص به الولد، ms2880 فإذا انقرضوا ~~صار مشتركا بين من بعدهم. وفي الثالثة يشترك فيه البطنان الأولان دون ~~غيرهم، فإذا انقرضوا اشترك فيه من بعدهم. ### | [فصل قال وقفت على أولادي ثم على أولاد أولادي على أنه من مات من أولادي عن ولد فنصيبه لولده] # (4387) فصل: وإن قال: وقفت على أولادي، ثم على أولاد أولادي، على أنه من ~~مات من أولادي عن ولد، فنصيبه لولده، أو فنصيبه لإخوته، أو لولد ولده، أو ~~لولد أخيه، أو لأخواته، أو لولد أخواته. فهو على ما شرطه. وإن قال: من مات ~~منهم عن ولد، فنصيبه لولده، ومن مات منهم عن غير ولد، فنصيبه لأهل الوقف. ~~وكان له ثلاثة بنين، فمات أحدهم عن ابنين، انتقل نصيبه إليهما، ثم مات ~~الثاني عن غير ولد، فنصيبه لأخيه وابني أخيه بالسوية؛ لأنهم أهل الوقف # ثم إن مات أحد ابني الابن عن غير ولد، انتقل نصيبه إلى أخيه وعمه؛ لأنهما ~~أهل الوقف. ولو مات أحد البنين الثلاثة عن غير ولد، وخلف أخويه وابني أخ ~~له، فنصيبه لأخويه دون ابني أخيه؛ لأنهما ليسا من أهل الوقف ما دام أبوهما ~~حيا، فإذا مات أبوهما، صار نصيبه لهما. فإذا مات الثالث، كان نصيبه لابني ~~أخيه بالسوية، إن لم يخلف ولدا، وإن خلف ابنا واحدا، فله نصيب أبيه، وهو ~~النصف، ولابني عمه النصف لكل واحد الربع # وإن قال: من مات منهم عن غير ولد، كان ما كان جاريا عليه جاريا على من هو ~~في درجته، فإن كان الوقف مرتبا بطنا بعد بطن، كان نصيب الميت عن غير ولد ~~لأهل البطن الذي هو منه، وإن كان مشتركا بين البطون كلها، احتمل أن يكون ~~نصيبه بين أهل الوقف كلهم؛ لأنهم في استحقاق الوقف سواء، فكانوا في درجته ~~من هذه الجهة، ولأننا لو صرفنا نصيبه إلى بعضهم، أفضى إلى تفضيل بعضهم، ~~والتشريك يقتضي التسوية. فعلى هذا يكون وجود هذا الشرط كعدمه؛ لأنه لو سكت ~~عنه، كان الحكم # PageV06P013 # فيه كذلك # ويحتمل أن يعود نصيبه إلى سائر أهل البطن الذي هو منه؛ لأنهم ms2881 في درجته في ~~القرب إلى الجد الذي يجمعهم، ويستوي في ذلك إخوته وبنو عمه وبنو بني عم ~~أبيه؛ لأنهم سواء في القرب، ولأننا لو شركنا بين أهل الوقف كلهم في نصيبه، ~~لم يكن في هذا الشرط فائدة، والظاهر أنه قصد شيئا يفيد. فعلى هذا إن لم يكن ~~في درجته أحد، بطل هذا الشرط، وكان الحكم فيه كما لو لم يذكره. وإن كان ~~الوقف على البطن الأول، على أنه من مات منهم عن ولد انتقل نصيبه إلى ولده، ~~ومن مات عن غير ولد انتقل نصيبه إلى من في درجته. # ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون نصيبه بين أهل الوقف كلهم، يتساوون فيه، ~~سواء كان من بطن واحد أو من بطون، وسواء تساوت أنصباؤهم في الوقف، أو ~~اختلفت؛ لما ذكرنا من قبل. والثاني أن يكون لأهل بطن، سواء كانوا من أهل ~~الوقف أو لم يكونوا، مثل أن يكون البطن الأول ثلاثة، فمات أحدهم عن ابن، ثم ~~مات الثاني عن ابنين، فمات أحد الابنين، وترك أخاه وعمه وابن عمه وابنا ~~لعمه الحي، فيكون نصيبه بين أخيه وابني عمه. والثالث أن يكون لأهل بطنه من ~~أهل الوقف، فيكون نصيبه على هذا لأخيه وابن عمه الذي مات أبوه. # فإن كان في درجته في النسب من ليس من أهل الاستحقاق بحال، كرجل له أربعة ~~بنين، وقف على ثلاثة منهم على هذا الوجه المذكور، وترك الرابع، فمات أحد ~~الثلاثة عن غير ولد، لم يكن للرابع فيه شيء، لأنه ليس من أهل الاستحقاق، ~~فأشبه ابن عمهم. # (4388) فصل: وإن وقف على بنيه وهم ثلاثة، على أن من مات من فلان وفلان ~~وأولادهم عن ولد فنصيبه لولده، وإن مات فلان فنصيبه لأهل الوقف. فهو على ما ~~شرط. وكذلك إن كان له بنون وبنات، فقال: من مات من الذكور فنصيبه لولده، ~~ومن مات من البنات فنصيبها لأهل الوقف. فهو على ما قال. وإن قال: على ~~أولادي، على أن يصرف إلى البنات منه ألف، والباقي للبنين # لم يستحق البنون شيئا حتى تستوفي ms2882 البنات الألف؛ لأنه جعل للبنات مسمى، ~~وجعل للبنين الفاضل عنه، فكان الحكم فيه على ما قال، فجعل البنات كذوي ~~الفروض الذين سمى الله لهم فرضا، وجعل البنين كالعصبات الذين لا يستحقون ~~إلا ما فضل عن ذوي الفروض. ### | [فصل له ثلاثة بنين فقال وقفت على ولدي فلان وفلان وعلى ولد ولدي] # (4389) فصل: فإن كان له ثلاثة بنين فقال: وقفت على ولدي فلان وفلان، وعلى ~~ولد ولدي. كان الوقف على الابنين المسميين، وعلى أولادهما، وأولاد الثالث، ~~وليس للثالث شيء. وقال القاضي: يدخل الثالث # PageV06P014 # في الوقف. وذكر أن أحمد قال في رجل قال: وقفت هذه الضيعة، على ولدي فلان ~~وفلان، وعلى ولد ولدي. وله ولد غير هؤلاء، قال: يشتركون في الوقف. واحتج ~~القاضي بأن قوله: ولدي. يستغرق الجنس، فيعم الجميع، وقوله: فلان وفلان. # تأكيد لبعضهم، فلا يوجب إخراج بقيتهم، كالعطف في قوله تعالى: {من كان ~~عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 98] . ولنا أنه أبدل بعض ~~الولد من اللفظ المتناول للجميع، فاختص بالبعض المبدل، كما لو قال: على ~~ولدي فلان. وذلك لأن بدل البعض يوجب اختصاص الحكم به، كقول الله تعالى: ~~{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] # لما خص المستطيع بالذكر، اختص الوجوب به. ولو قال: ضربت زيدا رأسه. ورأيت ~~زيدا وجهه. اختص الضرب بالرأس، والرؤية بالوجه. ومنه قول الله تعالى: ~~{ويجعل الخبيث بعضه على بعض} [الأنفال: 37] . وقول القائل: طرحت الثياب ~~بعضها فوق بعض. فإن الفوقية تختص بالبعض مع عموم اللفظ الأول # كذا هاهنا. وفارق العطف، فإن عطف الخاص على العام يقتضي تأكيده، لا ~~تخصيصه. وقول أحمد: هم شركاء. يحتمل أن يعود إلى أولاد أولاده، أي يشترك ~~أولاد الموقوف عليهما وأولاد غيرهم؛ لعموم لفظ الواقف فيهم، ويتعين حمل ~~كلامه عليه، لقيام الدليل عليه. ولو قال: على ولدي فلان وفلان، ثم على ~~المساكين. خرج فيه من الخلاف مثل ما ذكرنا. # ويحتمل على قول القاضي أن يدخل في الوقف ولد ولده؛ لأننا قد ذكرنا من قبل ~~أن ظاهر كلام أحمد ms2883 أن قوله: وقفت على ولدي. يتناول نسله وعاقبته كلها. ### | [فصل وقف على أولاده أو أولاد غيره وفيهم حمل] # (4390) فصل: ومن وقف على أولاده أو أولاد غيره، وفيهم حمل، لم يستحق شيئا ~~قبل انفصاله؛ لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا قبل انفصاله. قال أحمد، في ~~رواية جعفر بن محمد، في من وقف نخلا على قوم، وما توالدوا، ثم ولد مولود: ~~فإن كانت النخل قد أبرت، فليس له فيه شيء، وهو للأول، وإن لم تكن قد أبرت، ~~فهو معهم. وإنما قال ذلك لأنها قبل التأبير تتبع الأصل في البيع، وهذا ~~المولود يستحق نصيبه من الأصل فيتبعه حصته من الثمرة، كما لو اشترى ذلك ~~النصيب من الأصل. # وبعد التأبير لا تتبع الأصل، ويستحقها من كان له الأصل، فكانت للأول؛ لأن ~~الأصل كان كله له، فاستحق ثمرته، كما لو باع هذا النصيب # PageV06P015 # منها، ولم يستحق المولود منها شيئا كالمشتري. وهكذا الحكم في سائر ثمر ~~الشجر الظاهر، فإن المولود لا يستحق منه شيئا، ويستحق مما ظهر بعد ولادته. ~~وإن كان الوقف أرضا فيها زرع يستحقه البائع، فهو للأول # وإن كان مما يستحقه المشتري، فللمولود حصته منه، لأن المولود يتجدد ~~استحقاقه للأصل، كتجدد ملك المشتري فيه. # (4391) الفصل الثاني: إذا وقف على قوم، وأولادهم، وعاقبتهم، ونسلهم. دخل ~~في الوقف ولد البنين، بغير خلاف نعلمه فأما ولد البنات، فقال الخرقي: لا ~~يدخلون فيه. وقد قال أحمد، في من وقف على ولده: ما كان من ولد البنات فليس ~~لهم فيه شيء # فهذا النص يحتمل أن يعدى إلى هذه المسألة، ويحتمل أن يكون مقصورا على من ~~وقف على ولده ولم يذكر ولد ولده. وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. وممن قال إنه لا ~~يدخل ولد البنات في الوقف الذي على أولاده وأولاد أولاده مالك، ومحمد بن ~~الحسن. وهكذا إذا قال: على ذريتهم ونسلهم # وقال أبو بكر، وعبد الله بن حامد: يدخل فيه ولد البنات. وهو مذهب ~~الشافعي، وأبي يوسف؛ لأن البنات أولاده، فأولادهن أولاد الأولاد حقيقة، ~~فيجب أن يدخلوا في الوقف، ms2884 لتناول اللفظ لهم، وقد دل على صحة هذا قول الله ~~تعالى: {ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان} [الأنعام: 84] إلى ~~قوله: {وعيسى} [الأنعام: 85] . وهو من ولد بنته، فجعله من ذريته، وكذلك ذكر ~~الله تعالى قصة عيسى وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس، ثم قال: {أولئك الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ~~إبراهيم وإسرائيل} [مريم: 58] # وعيسى معهم. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «للحسن: إن ابني هذا سيد» ~~. وهو ولد بنته. ولما قال الله تعالى: {وحلائل أبنائكم} [النساء: 23] . دخل ~~في التحريم حلائل أبناء البنات، ولما حرم الله تعالى البنات، دخل في ~~التحريم بناتهن. ووجه قول الخرقي، أن الله تعالى قال: {يوصيكم الله في ~~أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] . فدخل فيه ولد البنين دون ~~ولد البنات، وهكذا كل موضع ذكر فيه الولد في الإرث والحجب، دخل فيه ولد ~~البنين دون ولد البنات # ولأنه لو وقف على ولد رجل، وقد صاروا قبيلة، دخل فيه ولد البنين دون ولد ~~البنات بالاتفاق، وكذلك قبل أن يصيروا قبيلة. ولأنه لو وقف على ولد العباس ~~في عصرنا، لم يدخل فيه ولد بناته، فكذلك إذا وقف عليهم في حياته، ولأن ولد ~~البنات منسوبون إلى آبائهم دون أمهاتهم، قال الشاعر: # PageV06P016 # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # وقولهم: إنهم أولاد أولاد حقيقة. قلنا: إلا أنهم لا ينسبون إلى الواقف ~~عرفا، ولذلك لو قال: أولاد أولادي المنتسبين إلي. لم يدخل هؤلاء في الوقف # ولأن ولد الهاشمية من غير الهاشمي ليس بهاشمي، ولا ينسب إلى أبيها. وأما ~~عيسى - عليه السلام -، فلم يكن له أب ينسب إليه، فنسب إلى أمه لعدم أبيه، ~~ولذلك يقال عيسى ابن مريم، وغيره إنما ينسب إلى أبيه، كيحيى بن زكريا. وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن ابني هذا سيد» . تجوز بغير خلاف، بدليل ~~قول الله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40] . وهذا ~~الخلاف فيما إذا لم يوجد ما يدل على تعيين أحد الأمرين، ms2885 فأما إن وجد ما ~~يصرف اللفظ إلى أحدهما، انصرف إليه # ولو قال: على أولادي، وأولاد أولادي، على أن لولد البنات سهما، ولولد ~~البنين سهمين. أو: فإذا خلت الأرض ممن يرجع نسبه إلي من قبل أب أو أم، كان ~~للمساكين. أو كان البطن الأول من أولاده الموقوف عليهم كلهم بنات، وأشباه ~~هذا مما يدل على إرادة ولد البنات بالوقف، دخلوا في الوقف. وإن قال: على ~~أولادي، وأولاد أولادي المنتسبين إلي، أو غير ذوي الأرحام، أو نحو ذلك. لم ~~يدخل فيه ولد البنات. وإن قال: على ولدي فلان وفلانة وفلانة، وأولادهم، دخل ~~فيه ولد البنات وكذلك لو قال: على أنه من مات منهم عن ولده فنصيبه لولده. # وإن قال الهاشمي: وقفت على أولادي، وأولاد أولادي الهاشميين. لم يدخل في ~~الوقف من أولاد بناته من كان غير هاشمي. فأما من كان هاشميا من غير أولاد ~~بنيه، فهل يدخلون؟ على وجهين؛ أولاهما، أنهم يدخلون؛ لأنهم اجتمع فيهم ~~الصفتان جميعا، كونهم من أولاد أولاده، وكونهم هاشميين. والثاني، لا ~~يدخلون؛ لأنهم لم يدخلوا في مطلق أولاد أولاده، فأشبه ما لو لم يقل ~~الهاشميين. وإن قال: على أولادي، وأولاد أولادي، مما ينسب إلى قبيلتي. ~~فكذلك. # (4392) الفصل الثالث: أنه إذا وقف على أولاد رجل، وأولاد أولاده، استوى ~~فيه الذكر والأنثى؛ لأنه تشريك بينهم، وإطلاق التشريك يقتضي التسوية، كما ~~لو أقر لهم بشيء، وكولد الأم في الميراث حين شرك الله تعالى بينهم # PageV06P017 # فيه، فقال: {فهم شركاء في الثلث} [النساء: 12] . تساووا فيه، ولم يفضل ~~بعضهم على بعض. وليس كذلك في ميراث ولد الأبوين وولد الأب، فإن الله تعالى ~~قال: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 176] . ~~ولا أعلم في هذا خلافا. # (4393) الفصل الرابع: أنه إذا فضل بعضهم على بعض، فهو على ما قال، فلو ~~قال: وقفت على أولادي، وأولاد أولادي، على أن للذكر سهمين، وللأنثى سهما، ~~أو للذكر مثل حظ الأنثيين، أو على حسب ميراثهم، أو على حسب فرائضهم، أو ~~بالعكس من هذا، أو على أن للكبير ms2886 ضعف ما للصغير، أو للعالم ضعف ما للجاهل، ~~أو للعائل ضعف ما للغني، أو عكس ذلك، أو عين بالتفضيل واحدا معينا، أو ~~ولده، أو ما أشبه هذا، فهو على ما قال؛ لأن ابتداء الوقف مفوض إليه، فكذلك ~~تفضيله وترتيبه # وكذلك إن شرط إخراج بعضهم بصفة ورده بصفة مثل أن يقول: من تزوج منهم فله، ~~ومن فارق فلا شيء له، أو عكس ذلك، أو من حفظ القرآن فله، ومن نسيه فلا شيء ~~له، ومن اشتغل بالعلم فله، ومن ترك فلا شيء له، أو من كان على مذهب كذا ~~فله، ومن خرج منه فلا شيء له. فكل هذا صحيح على ما شرط. وقد روى هشام بن ~~عروة، أن الزبير جعل دوره صدقة على بنيه لا تباع ولا توهب، وأن للمردودة من ~~بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فلا حق لها في الوقف. # وليس هذا تعليقا للوقف بصفة، بل الوقف مطلق والاستحقاق له بصفة. وكل هذا ~~مذهب الشافعي. ولا نعلم فيه خلافا. ### | [فصل المستحب أن يقسم الوقف على أولاده على حسب قسمة الله تعالى الميراث بينهم] # (4394) فصل: والمستحب أن يقسم الوقف على أولاده، على حسب قسمة الله تعالى ~~الميراث بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال القاضي: المستحب التسوية بين ~~الذكر والأنثى؛ لأن القصد القربة على وجه الدوام، وقد استووا في القرابة. ~~ولنا أنه إيصال للمال إليهم، فينبغي أن يكون بينهم على حسب الميراث، ~~كالعطية، ولأن الذكر في مظنة الحاجة أكثر من الأنثى؛ لأن كل واحد منهما في ~~العادة يتزوج، ويكون له الولد، فالذكر تجب عليه نفقة امرأته وأولاده، ~~والمرأة ينفق عليها زوجها ولا يلزمها نفقة أولادها، وقد فضل الله الذكر # PageV06P018 # على الأنثى في الميراث على وفق هذا المعنى، فيصح تعليله به # ويتعدى إلى الوقف وإلى غيره من العطايا والصلات. وما ذكره القاضي لا أصل ~~له، وهو ملغى بالميراث والعطية. فإن خالف فسوى بين الذكر والأنثى، أو فضلها ~~عليه، أو فضل بعض البنين أو بعض البنات على بعض، أو ms2887 خص بعضهم بالوقف دون ~~بعض، فقال أحمد، في رواية محمد بن الحكم: إن كان على طريق الأثرة، فأكرهه، ~~وإن كان على أن بعضهم له عيال وبه حاجة. يعني فلا بأس به. ووجه ذلك أن ~~الزبير خص المردودة من بناته دون المستغنية منهن بصدقته. وعلى قياس قول ~~أحمد، لو خص المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه، تحريضا لهم على طلب العلم، ~~أو ذا الدين دون الفساق، أو المريض أو من له فضل من أجل فضيلته، فلا بأس # وقد دل على صحة هذا أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - نحل عائشة جذاذ ~~عشرين وسقا دون سائر ولده، وحديث عمر، أنه كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، ~~هذا ما أوصى به عبد الله أمير المؤمنين، إن حدث به حدث، أن ثمغا وصرمة بن ~~الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، الذي ~~أطعمه محمد - صلى الله عليه وسلم - بالوادي، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو ~~الرأي من أهلها، أن لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم ~~وذوي القربى، لا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقا منه. رواه ~~أبو داود. # وفيه دليل على تخصيص حفصة دون إخوتها وأخواتها. ### | [مسألة وقف على قوم ونسلهم ثم على المساكين] # (4395) مسألة قال: (فإذا لم يبق منهم أحد، رجع إلى المساكين) يعني إذا ~~وقف على قوم ونسلهم، ثم على المساكين، فانقرض القوم ونسلهم، فلم يبق منهم ~~أحد، رجع إلى المساكين، ولم ينتقل إليهم ما دام أحد من القوم أو من نسلهم ~~باقيا؛ لأنه رتبه للمساكين بعدهم. والمساكين الذين يستحقون السهم من ~~الزكاة، والفقراء يدخلون فيهم، وكذلك لفظ الفقراء يدخل فيه المساكين؛ لأن ~~كل واحد من اللفظين يطلق عليهما. # والمعنى الذي يسميان به شامل لهما، وهو الحاجة والفاقة، ولهذا لما سمى ~~الله عز وجل المساكين، في مصرف كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وفدية الأذى، ~~تناولهما جميعا، وجاز الصرف إلى كل واحد منهما، ولما ذكر الفقراء في قوله: ~~{للفقراء الذين أحصروا ms2888 في سبيل الله} [البقرة: 273] . وفي قوله: {وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271] . تناول القسمين، وكل موضع ذكر # PageV06P019 # فيه أحد اللفظين تناول القسمين، إلا في الصدقات، لأن الله تعالى جمع بين ~~الاسمين، وميز بين المسميين، فاحتجنا إلى التمييز بينهما، وفي غير الصدقات ~~يسمى الكل بكل واحد من الاسمين، فإن جمع بين الاسمين بالوقف أيضا، فقال: ~~وقفت هذا على الفقراء والمساكين، نصفين، أو ثلاثا # وجب التمييز بينهما أيضا، فنزلناهما منزلتهما من سهام الصدقات. وإن قال: ~~على الفقراء والمساكين فقياس المذهب جواز الاقتصار على أحد الصنفين، وإباحة ~~الدفع إلى واحد، كما قلنا في الزكاة. ويتخرج أن لا يجوز الدفع إلى أقل من ~~ثلاثة من كل صنف، بناء على القول في الزكاة أيضا. ولا خلاف في أنه لا يجب ~~تعميمهم بالعطية، كما لا يجب استيعابهم بالزكاة، ولا في أنه يجوز التفضيل ~~بين من يعطيه منهم، سواء كانوا ذكورا أو إناثا، أو كان الوقف ابتداء، أو ~~انتقل إليهم عن غيرهم # وضابط هذا أنه متى كان الوقف على من يمكن حصرهم واستيعابهم، والتسوية ~~بينهم، وجب استيعابهم والتسوية بينهم، إذا لم يفضل الواقف بعضهم على بعض، ~~فإن وقف على من لا يمكن حصرهم، كالمساكين، أو قبيلة كبيرة كبني تميم وبني ~~هاشم، جاز الدفع إلى واحد وإلى أكثر منه، وجاز التفضيل والتسوية؛ لأن وقفه ~~عليهم، مع علمه بتعذر استيعابهم، دليل على أنه لم يرده، ومن جاز حرمانه، ~~جاز تفضيل غيره عليه. فإن كان الوقف في ابتدائه على من يمكن استيعابه، فصار ~~ممن لا يمكن استيعابه، كرجل وقف على ولده وولد ولده، فصاروا قبيلة كبيرة ~~تخرج عن الحصر، مثل أن يقف علي على ولده ونسله، فإنه يجب تعميم من أمكن ~~منهم، والتسوية بينهم. # لأن التعميم كان واجبا، وكذلك التسوية، فإذا تعذر، وجب منه ما أمكن، ~~كالواجب الذي يعجز عن بعضه؛ ولأن الواقف أراد التعميم والتسوية، لإمكانه ~~وصلاح لفظه لذلك، فيجب العمل بما أمكن منه، بخلاف ما إذا كانوا حال الوقف ~~مما لا يمكن ذلك فيهم. ### | [فصل وقف على سبيل ms2889 الله أو ابن السبيل أو الرقاب أو الغارمين] # (4396) فصل: وإن وقف على سبيل الله، أو ابن السبيل، أو الرقاب أو ~~الغارمين، فهم الذين يستحقون السهم من الصدقات، لا يعدوهم إلى غيرهم؛ لأن ~~المطلق من كلام الآدميين محمول على المعهود في الشرع، فينظر؛ من كان يستحق ~~السهم من الصدقات، فالوقف مصروف إليه، وشرحهم يأتي في موضعه، إن شاء الله ~~تعالى. وإن وقف على الأصناف الثمانية الذين يأخذون الصدقات، صرف إليهم، ~~ويعطى كل واحد منهم من الوقف مثل القدر الذي يعطى من الزكاة، لا يزاد على ~~ذلك، فيعطى الفقير والمسكين ما يتم به غناؤه، والغارم # PageV06P020 # قدر ما يقضي غرمه، والمكاتب قدر ما يؤدي به كتابته # وابن السبيل ما يبلغه، والغازي ما يحتاج إليه لغزوه وإن كان غنيا. واختلف ~~في قدر ما يحصل به الغنى، فقال أحمد، في رواية علي بن سعيد، في الرجل يعطى ~~من الوقف خمسين درهما، فقال: إن كان الواقف ذكر في كتابه المساكين، فهو مثل ~~الزكاة. وإن كان متطوعا أعطى ما شاء وكيف شاء. فقد نص أحمد على إلحاقه ~~بالزكاة، فيكون الخلاف فيه كالخلاف في الزكاة. والله أعلم. وإن وقف على ~~جميع الأصناف، أو على صنفين، أو أكثر، فهل يجوز الاقتصار على صنف واحد، أو ~~يجب إعطاء بعض كل صنف من الموقوف عليه؟ على وجهين، بناء على الزكاة. ### | [فصل وقف على سبيل الله وسبيل الثواب وسبيل الخير] # (4397) فصل: وإذا وقف على سبيل الله، وسبيل الثواب، وسبيل الخير، فسبيل ~~الله هو الغزو والجهاد في سبيل الله، فيصرف ثلث الوقف إلى من يصرف إليهم ~~السهم من الزكاة، وهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وإن كانوا ~~أغنياء، وسائر الوقف يصرف إلى كل ما فيه أجر ومثوبة وخير؛ لأن اللفظ عام في ~~ذلك. وقال أصحابنا: يجزأ الوقف ثلاثة أجزاء، فجزء يصرف إلى الغزاة، وجزء ~~يصرف إلى أقرب الناس إليه من الفقراء، لأنهم أكثر الجهات ثوابا، فإن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة» . # والثالث يصرف إلى ms2890 من يأخذ الزكاة لحاجته، وهم خمسة أصناف؛ الفقراء، ~~والمساكين، والرقاب والغارمون لمصلحتهم، وابن السبيل؛ لأن هؤلاء أهل حاجة ~~منصوص عليهم في القرآن، فكان من نص الله تعالى عليه في كتابه أولى من غيره، ~~وإن ساواه في الحاجة، وهذا مذهب الشافعي # ولنا أن لفظه عام، فلا يجب التخصيص بالبعض لكونه أولى، كالفقراء ~~والمساكين في الزكاة، لا يجب تخصيص أقاربه منهم بها، وإن كانوا أولى، وكذلك ~~سائر الألفاظ العامة. وإن أوصى في أبواب البر، صرف في كل ما فيه بر وقربة. ~~وقال أصحابنا: يصرف في أربع جهات؛ أقاربه غير الوارثين، والمساكين، ~~والجهاد، والحج. قال أبو الخطاب: وعنه فداء الأسرى مكان الحج. ووجه القولين ~~ما تقدم في التي قبلها. (4398) مسألة قال: (فإن لم يجعل آخره للمساكين، ولم ~~يبق ممن وقف عليه أحد، رجع إلى ورثة الواقف. في إحدى الروايتين عن أبي عبد ~~الله، رحمه الله، والرواية الأخرى يكون وقفا على أقرب عصبة الواقف) وجملة ~~ذلك أن الوقف الذي لا اختلاف في صحته، ما كان معلوم الابتداء والانتهاء، ~~غير منقطع، مثل أن يجعل على المساكين، أو طائفة لا يجوز بحكم العادة ~~انقراضهم. وإن كان غير معلوم الانتهاء، # PageV06P021 # مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة، ولم يجعل آخره للمساكين، ~~ولا لجهة غير منقطعة، فإن الوقف يصح. وبه قال مالك، وأبو يوسف، والشافعي في ~~أحد قوليه. وقال محمد بن الحسن: لا يصح. وهو القول الثاني للشافعي؛ لأن ~~الوقف مقتضاه التأبيد. # فإذا كان منقطعا صار وقفا على مجهول، فلم يصح، كما لو وقف على مجهول في ~~الابتداء. ولنا أنه تصرف معلوم المصرف، فصح، كما لو صرح بمصرفه المتصل، ~~ولأن الإطلاق إذا كان له عرف، حمل عليه، كنقد البلد وعرف المصرف، وهاهنا هم ~~أولى الجهات به، فكأنه عينهم. إذا ثبت هذا فإنه ينصرف عند انقراض الموقوف ~~عليهم إلى أقارب الواقف. وبه قال الشافعي. وعن أحمد رواية أخرى، أنه ينصرف ~~إلى المساكين # واختاره القاضي، والشريف أبو جعفر؛ لأنه مصرف الصدقات وحقوق الله تعالى ~~من الكفارات ونحوها، فإذا ms2891 وجدت صدقة غير معينة المصرف، انصرفت إليهم، كما ~~لو نذر صدقة مطلقة. وعن أحمد رواية ثالثة، أنه يجعل في بيت مال المسلمين؛ ~~لأنه مال لا مستحق له، فأشبه مال من لا وارث له. وقال أبو يوسف: يرجع إلى ~~الواقف وإلى ورثته، إلا أن يقول: صدقة موقوفة، ينفق منها على فلان وعلى ~~فلان. # فإذا انقرض المسمى كانت للفقراء والمساكين. لأنه جعلها صدقة على مسمى، ~~فلا تكون على غيره، ويفارق ما إذا قال: ينفق منها على فلان وفلان. فإنه جعل ~~الصدقة مطلقة. ولنا أنه أزال ملكه لله تعالى، فلم يجز أن يرجع إليه، كما لو ~~أعتق عبدا، والدليل على صرفه إلى أقارب الواقف، أنهم أولى الناس بصدقته، ~~بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صدقتك على غير رحمك صدقة، وصدقتك ~~على رحمك صدقة وصلة» # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم ~~عالة يتكففون الناس» . ولأن فيه إغناءهم وصلة أرحامهم، لأنهم أولى الناس ~~بصدقاته النوافل والمفروضات، كذلك صدقته المنقولة. إذا ثبت هذا، فإنه في ~~ظاهر كلام الخرقي، وظاهر كلام أحمد، يكون للفقراء منهم والأغنياء؛ لأن ~~الوقف لا يختص الفقراء، ولو وقف على أولاده، تناول الفقراء والأغنياء، كذا ~~هاهنا. وفيه وجه آخر، أنه يختص الفقراء منهم، لأنهم أهل الصدقات دون ~~الأغنياء، ولأنا خصصناهم بالوقف لكونهم أولى الناس بالصدقة، وأولى الناس ~~بالصدقة الفقراء دون الأغنياء # واختلفت الرواية في من يستحق الوقف من أقرباء الواقف، ففي إحدى ~~الروايتين، يرجع إلى الورثة منهم؛ لأنهم الذين صرف الله تعالى إليهم ماله ~~بعد موته واستغنائه عنه، فكذلك يصرف إليهم من صدقته ما لم يذكر له مصرفا، ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنك # PageV06P022 # أن تترك ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» . فعلى هذا ~~يكون بينهم على حسب ميراثهم، ويكون وقفا عليهم. نص عليه أحمد، وذكره ~~القاضي، لأن الوقف يقتضي التأبيد، وإنما صرفناه إلى هؤلاء لأنهم أحق الناس ~~بصدقته، فصرف إليهم مع بقائه صدقة. # ويحتمل كلام الخرقي أن يصرف ms2892 إليهم على سبيل الإرث، ويبطل الوقف فيه. فعلى ~~هذا يكون كقول أبي يوسف. والرواية الثانية يكون وقفا على أقرب عصبة الواقف، ~~دون بقية الورثة من أصحاب الفروض، ودون البعيد من العصبات، فيقدم الأقرب ~~فالأقرب، على حسب استحقاقهم لولاء الموالي، لأنهم خصوا بالعقل عنه، وبميراث ~~مواليه، فخصوا بهذا أيضا. وهذا لا يقوى عندي، فإن استحقاقهم لهذا دون غيرهم ~~من الناس لا يكون إلا بدليل من نص أو إجماع أو قياس، ولا نعلم فيه نصا، ولا ~~إجماعا، ولا يصح قياسه على ميراث ولاء الموالي؛ لأن علته لا تتحقق هاهنا # وأقرب الأقوال فيه صرفه إلى المساكين؛ لأنهم مصارف مال الله تعالى ~~وحقوقه، فإن كان في أقارب الواقف مساكين، كانوا أولى به، لا على سبيل ~~الوجوب، كما أنهم أولى بزكاته وصلاته مع جواز الصرف إلى غيرهم، ولأننا إذا ~~صرفناه إلى أقاربه على سبيل التعيين، فهي أيضا جهة منقطعة، فلا يتحقق ~~اتصاله إلا بصرفه إلى المساكين. وقال الشافعي: يكون وقفا على أقرب الناس ~~إلى الواقف، الذكر والأنثى فيه سواء. # (4399) فصل: فإن لم يكن للواقف أقارب، أو كان له أقارب فانقرضوا، صرف إلى ~~الفقراء والمساكين وقفا عليهم # لأن القصد به الثواب الجاري عليه على وجه الدوام، وإنما قدمنا الأقارب ~~على المساكين، لكونهم أولى، فإذا لم يكونوا، فالمساكين أهل لذلك، فصرف ~~إليهم، إلا على قول من قال: إنه يصرف إلى ورثة الواقف ملكا لهم. فإنه يصرف ~~عند عدمهم إلى بيت المال؛ لأنه بطل الوقف فيه بانقطاعه، وصار ميراثا لا ~~وارث له، فكان بيت المال به أولى. ### | [فصل قال وقفت هذا وسكت أو قال صدقة موقوفة ولم يذكر سبيله] # (4400) فصل: فإن قال: وقفت هذا. وسكت، أو قال: صدقة موقوفة. ولم يذكر ~~سبيله. فلا نص فيه. وقال ابن حامد: يصح الوقف. قال القاضي: هو قياس قول ~~أحمد؛ فإنه قال في النذر المطلق: ينعقد موجبا لكفارة يمين. وهذا قول مالك، ~~والشافعي في أحد قوليه؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة، فوجب أن يصح مطلقه، ~~كالأضحية والوصية. ولو قال: وصيت بثلث ms2893 مالي. صح، وإذا صح صرف إلى مصارف ~~الوقف المنقطع بعد انقراض الموقوف عليه. # PageV06P023 ### | [فصل وقف على من يجوز الوقف عليه ثم على من لا يجوز الوقف عليه] # (4401) فصل: وإن وقف على من يجوز الوقف عليه، ثم على من لا يجوز الوقف ~~عليه، مثل أن يقف على أولاده، ثم على البيع. صح الوقف أيضا، ويصرف بعد ~~انقراض من يصح الوقف عليه إلى من يصرف إليه الوقف المنقطع؛ لأن ذكره لمن لا ~~يجوز الوقف عليه وعدمه واحد. ويحتمل أن لا يصح الوقف؛ لأنه جمع بين ما يجوز ~~وما لا يجوز، فأشبه تفريق الصفقة. ### | [فصل كان الوقف منقطع الابتداء] # فصل: وإن كان الوقف منقطع الابتداء، مثل أن يقفه على من لا يجوز الوقف ~~عليه، كنفسه، أو أم ولده، أو عبده، أو كنيسة، أو مجهول، فإن لم يذكر له ~~مالا يجوز الوقف عليه، فالوقف باطل. وكذلك إن جعل ماله مما لا يجوز الوقف ~~عليه؛ لأنه أخل بأحد شرطي الوقف فبطل، كما لو وقف ما لا يجوز وقفه. وإن جعل ~~له مالا يجوز الوقف عليه، مثل أن يقفه على عبده، ثم على المساكين، ففي صحته ~~وجهان، بناء على تفريق الصفقة # وللشافعي فيه قولان، كالوجهين، فإذا قلنا: يصح. وهو قول القاضي، وكان من ~~لا يجوز الوقف عليه ممن لا يمكن اعتبار انقراضه، كالميت والمجهول والكنائس، ~~صرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه؛ لأننا لما صححنا الوقف مع ذكر ما لا ~~يجوز الوقف عليه، فقد ألغيناه؛ فإنه يتعذر التصحيح مع اعتباره، وإن كان من ~~لا يجوز الوقف عليه يمكن اعتبار انقراضه، كأم ولده، وعبد معين، ففيه وجهان ~~أحدهما، أنه يصرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه، كالتي قبلها. ذكره أبو ~~الخطاب # والثاني أنه يصرف في الحال إلى مصرف الوقف المنقطع، إلى أن ينقرض من لا ~~يجوز الوقف عليه، فإذا انقرض صرف إلى من يجوز. وهذا الوجه الذي ذكره ~~القاضي، وابن عقيل؛ لأن الواقف إنما جعله وقفا على من يجوز بشرط انقراض ~~هذا، فلا يثبت بدونه. ms2894 وفارق ما لا يمكن اعتبار انقراضه، فإنه تعذر اعتباره. ~~ولأصحاب الشافعي وجهان، كهذين. ### | [فصل كان الوقف صحيح الطرفين منقطع الوسط] # (4403) فصل: وإن كان الوقف صحيح الطرفين، منقطع الوسط، مثل أن يقف على ~~ولده، ثم على عبيده، ثم على المساكين. خرج في صحة الوقف وجهان، كمنقطع ~~الانتهاء، ثم ينظر فيما لا يجوز الوقف عليه، فإن لم يمكن اعتبار انقراضه ~~ألغيناه إذا قلنا بالصحة، وإن أمكن اعتبار انقراضه فهل يعتبر أو يلغى؟ على ~~وجهين، كما تقدم، وإن كان منقطع الطرفين، صحيح الوسط كرجل وقف على عبيده، ~~ثم على أولاده، ثم على الكنيسة، خرج في صحته أيضا وجهان، ومصرفه بعد من ~~يجوز إلى مصرف الوقف المنقطع. # PageV06P024 ### | [مسألة وقف في مرضه الذي مات فيه أو قال هو وقف بعد موتي] # (4404) مسألة قال: (ومن وقف في مرضه الذي مات فيه، أو قال: هو وقف بعد ~~موتي. ولم يخرج من الثلث، وقف منه بقدر الثلث، إلا أن تجيز الورثة) وجملته ~~أن الوقف في مرض الموت، بمنزلة الوصية، في اعتباره من ثلث المال؛ لأنه ~~تبرع، فاعتبر في مرض الموت من الثلث، كالعتق والهبة # وإذا خرج من الثلث، جاز من غير رضا الورثة ولزم، وما زاد على الثلث، لزم ~~الوقف منه في قدر الثلث، ووقف الزائد على إجازة الورثة. لا نعلم في هذا ~~خلافا عند القائلين بلزوم الوقف؛ وذلك لأن حق الورثة تعلق بالمال بوجود ~~المرض، فمنع التبرع بزيادة على الثلث، كالعطايا والعتق. فأما إذا قال: هو ~~وقف بعد موتي. فظاهر كلام الخرقي أنه يصح، ويعتبر من الثلث كسائر الوصايا # وهو ظاهر كلام الإمام أحمد. وقال القاضي: لا يصح هذا؛ لأنه تعليق للوقف ~~على شرط، وتعليق الوقف على شرط غير جائز، بدليل ما لو علقه على شرط في ~~حياته، وحمل كلام الخرقي على أنه قال: قفوا بعد موتي. فيكون وصية بالوقف لا ~~إيقافا. # وقال أبو الخطاب: قول الخرقي هذا يدل على جواز تعليق الوقف على شرط. ولنا ~~على صحة الوقف بالمعلق بالموت، ما احتج به الإمام أحمد - رضي ms2895 الله عنه - أن ~~عمر وصى، فكان في وصيته: هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث ~~به حدث، أن ثمغا صدقة. وذكر بقية الخبر وقد ذكرناه في غير هذا الموضع، ~~ورواه أبو داود بنحو من هذا، وهذا نص في مسألتنا، ووقفه هذا كان بأمر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - # ولأنه اشتهر في الصحابة، فلم ينكر، فكان إجماعا، ولأن هذا تبرع معلق ~~بالموت، فصح كالهبة والصدقة المطلقة، أو نقول: صدقة معلقة بالموت، فأشبهت ~~غير الوقف. ويفارق هذا التعليق على شرط في الحياة، بدليل الهبة المطلقة، ~~والصدقة، وغيرهما، وذلك لأن هذا وصية، والوصية أوسع من التصرف في الحياة، ~~بدليل جوازها بالمجهول والمعدوم، وللمجهول، وللحمل # وغير ذلك، وبهذا يتبين فساد قياس من قاس على هذا الشرط بقية الشروط. ### | [فصل تعليق ابتداء الوقف على شرط في الحياة] # (4405) فصل: ولا يجوز تعليق ابتداء الوقف على شرط في الحياة، مثل أن ~~يقول: إذا جاء رأس الشهر فداري وقف، أو فرسي حبيس، أو إذا ولد لي ولد، أو ~~إذا قدم لي غائبي. ونحو ذلك. ولا نعلم في هذا خلافا؛ لأنه نقل للملك فيما ~~لم يبن على التغليب والسراية، فلم يجز تعليقه على شرط كالهبة # وسوى المتأخرون من أصحابنا بين تعليقه بالموت، وتعليقه بشرط في الحياة. ~~ولا يصح؛ لما ذكرنا من الفرق بينهما فيما قبل هذا. # PageV06P025 # (4406) فصل: وإن علق انتهاءه على شرط، نحو قوله: داري وقف إلى سنة، أو ~~إلى أن يقدم الحاج. لم يصح، في أحد الوجهين؛ لأنه ينافي مقتضى الوقف، فإن ~~مقتضاه التأبيد. وفي الآخر يصح؛ لأنه منقطع الانتهاء، فأشبه ما لو وقفه على ~~منقطع الانتهاء، فإن حكمنا بصحته هاهنا، فحكمه حكم منقطع الانتهاء. # (4407) فصل: وإن قال: هذا وقف على ولدي سنة، ثم على المساكين. صح. وكذلك ~~إن قال: هذا وقف على ولدي مدة حياتي، ثم هو بعد موتي للمساكين. صح؛ لأنه ~~وقف متصل الابتداء والانتهاء. وإن قال: وقف على المساكين، ثم على أولادي ~~صح، ويكون وقفا على المساكين، ويلغى قوله: على أولادي. ms2896 لأن المساكين لا ~~انقراض لهم. ### | [فصل الوقف في مرضه على بعض ورثته] # (4408) فصل: واختلفت الرواية عن أحمد في الوقف في مرضه على بعض ورثته، ~~فعنه: لا يجوز ذلك، فإن فعل وقف على إجازة سائر الورثة، قال أحمد، في رواية ~~إسحاق بن إبراهيم، في من أوصى، لأولاد بنيه بأرض توقف عليهم، فقال: إن لم ~~يرثوه فجائز. فظاهر هذا أنه لا يجوز الوقف عليهم في المرض. اختاره أبو حفص ~~العكبري، وابن عقيل، وهو مذهب الشافعي # والرواية الثانية، يجوز أن يقف عليهم ثلثه، كالأجانب، فإنه قال في رواية ~~جماعة منهم الميموني: يجوز للرجل أن يقف في مرضه على ورثته. فقيل له: أليس ~~تذهب أنه لا وصية لوارث؟ فقال: نعم، والوقف غير الوصية؛ لأنه لا يباع ولا ~~يورث، ولا يصير ملكا للورثة ينتفعون بغلته. وقال في رواية أحمد بن الحسن، ~~فإنه صرح في مسألته بوقف ثلثه على بعض ورثته دون بعض، فقال: جائز # قال الخبري: وأجاز هذا الأكثرون. واحتج أحمد، بحديث عمر - رضي الله عنه - ~~أنه قال: هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين، إن حدث به حدث أن ~~ثمغا صدقة، والعبد الذي فيه، والسهم الذي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة ~~وسق الذي أطعمني محمد - صلى الله عليه وسلم - تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ~~ذوو الرأي من أهله، لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث يرى من السائل والمحروم ~~وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل أو اشترى رقيقا. رواه أبو داود ~~بنحو من هذا # فالحجة أنه جعل لحفصة أن تلي وقفه، وتأكل منه، وتشتري رقيقا. قال ~~الميموني: قلت لأحمد: # PageV06P026 # إنما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بالإيقاف، وليس في الحديث ~~الوارث. قال: فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره وهو ذا قد وقفها ~~على ورثته، وحبس الأصل عليهم جميعا، ولأن الوقف ليس في معنى الملك؛ لأنه لا ~~يجوز التصرف فيه، فهو كعتق الوارث. ولنا أنه تخصيص لبعض الورثة بماله في ~~مرضه، فمنع منه، كالهبات ولأن كل من ms2897 لا تجوز له الوصية بالعين، لا تجوز ~~بالمنفعة، كالأجنبي فيما زاد على الثلث # وأما خبر عمر، فإنه لم يخص بعض الورثة بوقفه، والنزاع إنما هو في تخصيص ~~بعضهم. وأما جعل الولاية لحفصة، فليس ذلك وقفا عليها، فلا يكون ذلك واردا ~~في محل النزاع، وكونه انتفاعا بالغلة لا يقتضي جواز التخصيص، بدليل ما لو ~~أوصى لورثته بمنفعة عبد، لم يجز. ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في رواية ~~الجماعة، على أنه وقف على جميع الورثة، ليكون على وفق حديث عمر، وعلى وفق ~~الدليل الذي ذكرنا. ### | [فصل وقف داره بين ابنه وبنته نصفين في مرض موته] # (4409) فصل: فإن وقف داره، وهي تخرج من الثلث، بين ابنه وبنته نصفين، في ~~مرض موته، فعلى رواية الجماعة يصح الوقف، ويلزم؛ لأنه لما كان يجوز له ~~تخصيص البنت بوقف الدار كلها، فبنصفها أولى. وعلى الرواية التي نصرناها، إن ~~أجاز الابن ذلك جاز، وإن لم يجزه بطل الوقف فيما زاد على نصيب البنت، وهو ~~السدس، ويرجع إلى الابن ملكا، فيكون له النصف وقفا، والسدس ملكا مطلقا، ~~والثلث للبنت جميعه وقفا # ويحتمل أن يبطل الوقف في نصف ما وقف على البنت، وهو الربع، ويبقى ثلاثة ~~أرباع الدار وقفا، نصفها للابن، وربعها للبنت، والربع الذي بطل الوقف فيه ~~بينهما أثلاثا، للابن ثلثاه، وللبنت ثلثه، وتصح المسألة من اثني عشر؛ للابن ~~ستة أسهم وقفا وسهمان ملكا، وللبنت ثلاثة أسهم وقفا وسهم ملكا. ولو وقفها ~~على ابنه وزوجته نصفين، وهي تخرج من الثلث، فرد الابن، صح الوقف على الابن ~~في نصفها، وعلى المرأة في ثمنها، وللابن إبطال الوقف في ثلاثة أثمانها، ~~فترجع إليه ملكا على الوجه الأول. # وعلى الوجه الثاني، يصح الوقف على الابن في نصفها، وهو أربعة أسباع ~~نصيبه، ويرجع إليه باقي نصيبه ملكا، ويصح الوقف في أربعة أسباع الثمن الذي ~~للمرأة، وباقيه يكون لها ملكا، فاضرب سبعة في ثمانية، تكون ستة وخمسين، ~~للابن ثمانية وعشرون وقفا، وأحد وعشرون ملكا، وللمرأة أربعة أسهم وقفا، ~~وثلاثة ملكا. وهكذا ذكر أصحاب الشافعي. فأما ms2898 إن كانت الدار جميع ملكه، ~~فوقفها كلها، فعلى ما اخترناه. # الحكم فيها كما لو كانت تخرج من الثلث، فإن الوارث في جميع المال ~~كالأجنبي في الزائد عن الثلث، وأما على ما رواه الجماعة، فإن الوقف يلزم # PageV06P027 # في الثلث من غير اختيار الورثة، وفيما زاد فلهما إبطال الوقف فيه، وللابن ~~إبطال التسوية، فإن اختار إبطال التسوية دون إبطال الوقف، خرج فيه وجهان ~~أحدهما، أنه يبطل الوقف في التسع، ويرجع إليه ملكا، فيصير له النصف وقفا، ~~والتسع ملكا، ويكون للبنت السدس والتسعان وقفا؛ لأن الابن إنما يملك إبطال ~~الوقف في ما له دون ما لغيره # والوجه الثاني أن له إبطال الوقف في السدس، ويصير له النصف وقفا، والتسع ~~ملكا، وللبنت الثلث وقفا، ونصف التسع ملكا؛ لئلا تزداد البنت على الابن في ~~الوقف. وتصح المسألة في هذا الوجه من ثمانية عشر، للابن تسعة وقفا وسهمان ~~ملكا، وللبنت ستة أسهم وقفا وسهم ملكا. وقال أبو الخطاب: له إبطال الوقف في ~~الربع كله، ويصير له النصف وقفا والسدس ملكا، ويكون للبنت الربع وقفا ونصف ~~السدس ملكا، كما لو كانت الدار تخرج من الثلث، وتصح من اثني عشر. ### | [مسألة خراب الوقف] # (4410) مسألة قال: (وإذا خرب الوقف، ولم يرد شيئا، بيع، واشتري بثمنه ما ~~يرد على أهل الوقف، وجعل وقفا كالأول، وكذلك الفرس الحبيس إذا لم يصلح ~~للغزو، بيع، واشتري بثمنه ما يصلح للجهاد) وجملة ذلك أن الوقف إذا خرب، ~~وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت، وعادت مواتا، ولم تمكن عمارتها، ~~أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم ~~يمكن توسيعه في موضعه. # أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع ~~بعضه لتعمر به بقيته. وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه، بيع جميعه. قال أحمد، ~~في رواية أبي داود: إذا كان في المسجد خشبتان، لهما قيمة، جاز بيعهما وصرف ~~ثمنهما عليه. وقال في رواية صالح: يحول المسجد خوفا من اللصوص، وإذا كان ms2899 ~~موضعه قذرا. قال القاضي: يعني إذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه. ونص على ~~جواز بيع عرصته، في رواية عبد الله، وتكون الشهادة في ذلك على الإمام # قال أبو بكر: وقد روى علي بن سعيد، أن المساجد لا تباع، وإنما تنقل ~~آلتها. قال: وبالقول الأول أقول؛ لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس يعني ~~الموقوفة على الغزو إذا كبرت، فلم تصلح للغزو، وأمكن الانتفاع بها في شيء ~~آخر، مثل أن تدور في الرحى، أو يحمل عليها تراب، أو تكون الرغبة في نتاجها، ~~أو حصانا يتخذ للطراق، فإنه يجوز بيعها، ويشترى بثمنها ما يصلح للغزو. نص ~~عليه أحمد. # وقال محمد بن الحسن: إذا خرب المسجد أو الوقف، عاد إلى ملك واقفه؛ لأن ~~الوقف إنما هو تسبيل المنفعة، فإذا زالت منفعته، زال حق الموقوف عليه منه، ~~فزال ملكه عنه. وقال مالك، والشافعي: لا يجوز # PageV06P028 # بيع شيء من ذلك؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يباع ~~أصلها، ولا تبتاع، ولا توهب، ولا تورث ". ولأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء ~~منافعه، لا يجوز بيعه مع تعطلها، كالمعتق، والمسجد أشبه الأشياء بالمعتق # ولنا ما روي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى سعد، لما بلغه أنه قد نقب ~~بيت المال الذي بالكوفة، أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال ~~في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل. وكان هذا بمشهد من الصحابة، ~~ولم يظهر خلافه، فكان إجماعا. ولأن فيما ذكرناه استبقاء الوقف بمعناه عند ~~تعذر إبقائه، بصورته، فوجب ذلك، كما لو استولد الجارية الموقوفة، أو قبلها ~~غيره # قال ابن عقيل: الوقف مؤبد، فإذا لم يمكن تأبيده على وجه، يخصصه استبقاء ~~الغرض، وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، وإيصال الأبدال جرى مجرى ~~الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض. ويقرب هذا من الهدي إذا ~~عطب في السفر، فإنه يذبح في الحال، وإن كان يختص بموضع، فلما تعذر تحصيل ~~الغرض بالكلية، استوفي منه ما أمكن، وترك مراعاة المحل الخاص عند تعذره؛ ms2900 ~~لأن مراعاته مع تعذره تفضي إلى فوات الانتفاع بالكلية، وهكذا الوقف المعطل ~~المنافع # ولنا على محمد بن الحسن، أنه إزالة ملك على وجه القربة، فلا يعود إلى ~~مالكه باختلاله، وذهاب منافعه كالعتق. ### | [فصل الوقف إذا بيع] # (4411) فصل: وظاهر كلام الخرقي، أن الوقف إذا بيع، فأي شيء اشتري بثمنه ~~مما يرد على أهل الوقف جاز، سواء كان من جنسه؛ أو من غير جنسه؛ لأن المقصود ~~المنفعة، لا الجنس، لكن تكون المنفعة مصروفة إلى المصلحة التي كانت الأولى ~~تصرف فيها؛ لأنه لا يجوز تغيير المصرف مع إمكان المحافظة عليه، كما لا يجوز ~~تغيير الوقف بالبيع مع إمكان الانتفاع به. # (4412) فصل: وإذا لم يف ثمن الفرس الحبيس لشراء فرس أخرى، أعين به في ~~شراء فرس حبيس يكون بعض الثمن. نص عليه أحمد. # لأن المقصود استبقاء منفعة الوقف الممكن استبقاؤها، وصيانتها عن الضياع، ~~ولا سبيل إلى ذلك إلا بهذه الطريق. # (4413) فصل: وإن لم تتعطل منفعة الوقف بالكلية، لكن قلت، وكان غيره أنفع ~~منه وأكثر رد على أهل # PageV06P029 # الوقف، ولم يجز بيعه؛ لأن الأصل تحريم، البيع، وإنما أبيح للضرورة صيانة ~~لمقصود الوقف عن الضياع، مع إمكان تحصيله، ومع الانتفاع، وإن قل ما يضيع ~~المقصود، اللهم إلا أن يبلغ في قلة النفع إلى حد لا يعد نفعا، فيكون وجود ~~ذلك كالعدم. ### | [فصل في جعل مسجد سقاية وحوانيت] # (4414) فصل: قال أحمد، في رواية أبي داود، في مسجد أراد أهله رفعه من ~~الأرض، ويجعل تحته سقاية وحوانيت، فامتنع بعضهم من ذلك: فينظر إلى قول ~~أكثرهم. واختلف أصحابنا في تأويل كلام أحمد، فذهب ابن حامد إلى أن هذا في ~~مسجد أراد أهله إنشاءه ابتداء، واختلفوا كيف يعمل؟ وسماه مسجدا قبل بنائه ~~تجوزا؛ لأن مآله إليه، أما بعد كونه مسجدا لا يجوز جعله سقاية ولا حوانيت # وذهب القاضي إلى ظاهر اللفظ، وهو أنه كان مسجدا، فأراد أهله رفعه، وجعل ~~ما تحته سقاية لحاجتهم إلى ذلك. والأول أصح وأولى، وإن خالف الظاهر؛ فإن ~~المسجد لا يجوز نقله، وإبداله، وبيع ساحته، وجعلها ms2901 سقاية وحوانيت، إلا عند ~~تعذر الانتفاع به والحاجة إلى سقاية وحوانيت لا تعطل نفع المسجد، فلا يجوز ~~صرفه في ذلك، ولو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة، لجاز ~~تخريب المسجد وجعله سقاية وحوانيت ويجعل بدله مسجدا في موضع آخر # قال أحمد، في رواية بكر بن محمد، عن أبيه، في مسجد ليس بحصين من الكلاب، ~~وله منارة، فرخص في نقضها، وبناء حائط المسجد بها # للمصلحة. ### | [فصل لا يجوز أن يغرس في المسجد شجرة] # (4415) فصل: ولا يجوز أن يغرس في المسجد شجرة. نص عليه أحمد، وقال: إن ~~كانت غرست النخلة بعد أن صار مسجدا، فهذه غرست بغير حق، فلا أحب الأكل ~~منها، ولو قلعها الإمام لجاز؛ وذلك لأن المسجد لم يبن لهذا، وإنما بني لذكر ~~الله والصلاة وقراءة القران، ولأن الشجرة تؤذي المسجد وتمنع المصلين من ~~الصلاة في موضعها، ويسقط ورقها في المسجد وثمرها، وتسقط عليها العصافير ~~والطير فتبول في المسجد، وربما اجتمع الصبيان في المسجد من أجلها، ورموها ~~بالحجارة ليسقط ثمرها # فأما إن كانت النخلة في أرض، فجعلها صاحبها مسجدا والنخلة فيها فلا بأس. ~~قال أحمد في موضع: لا بأس. يعني أن يبيعها من الجيران. وقال في رواية أبي ~~طالب، في النبقة: لا تباع، وتجعل للمسلمين وأهل الدرب يأكلونها. وذلك - ~~والله أعلم -، لأن صاحب الأرض لما جعلها مسجدا والنخلة فيها، فقد وقف الأرض ~~والنخلة معها، ولم يعين مصرفها، فصارت كالوقف المطلق الذي لم يعين له مصرف، ~~وقد ذكرنا فيه في إحدى الروايات، أنه للمساكين. فأما إن قال صاحبها: هذه ~~وقف على المسجد # فينبغي أن يباع ثمرها، ويصرف إليه، كما لو وقفها على المسجد وهي في غيره. ~~قال أبو الخطاب: عندي أن المسجد إذا احتاج إلى # PageV06P030 # ثمن ثمرة الشجرة، بيعت، وصرف ثمنها في عمارته. قال: وقول أحمد يأكلها ~~الجيران. محمول على أنهم يعمرونه. ### | [فصل ما فضل من حصر المسجد وزيته ولم يحتج إليه] # (4416) فصل: وما فضل من حصر المسجد وزيته، ولم يحتج إليه، جاز أن يجعل في ~~مسجد آخر، أو ms2902 يتصدق من ذلك على فقراء جيرانه وغيرهم، وكذلك إن فضل من قصبه ~~أو شيء من نقضه. قال أحمد، في مسجد بني، فبقي من خشبه أو قصبه أو شيء من ~~نقضه، فقال: يعان في مسجد آخر. أو كما قال. وقال المروذي: سألت أبا عبد ~~الله عن بواري المسجد، إذا فضل منه الشيء، أو الخشبة. قال: يتصدق به # وأرى أنه قد احتج بكسوة البيت إذا تحرقت تصدق بها. وقال في موضع آخر: قد ~~كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة. وروى الخلال، بإسناده عن علقمة، عن أمه. # أن شيبة بن عثمان الحجبي، جاء إلى عائشة - رضي الله عنها -، فقال: يا أم ~~المؤمنين، إن ثياب الكعبة تكثر عليها، فننزعها، فنحفر لها آبارا فندفنها ~~فيها، حتى لا تلبسها الحائض والجنب. قالت عائشة: بئس ما صنعت، ولم تصب، إن ~~ثياب الكعبة إذا نزعت لم يضرها من لبسها من حائض أو جنب، ولكن لو بعتها، ~~وجعلت ثمنها في سبيل الله والمساكين. فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن، فتباع، ~~فيضع ثمنها حيث أمرته عائشة وهذه قصة مثلها ينتشر، ولم ينكر، فيكون إجماعا، ~~ولأنه مال الله تعالى، لم يبق له مصرف، فصرف إلى المساكين، كالوقف المنقطع. ### | [فصل جنى الوقف جناية توجب القصاص] # (4417) فصل: إذا جنى الوقف جناية توجب القصاص، وجب سواء كانت الجناية على ~~الموقوف عليه أو على غيره. فإن قتل بطل الوقف فيه، وإن قطع كان باقيه وقفا، ~~كما لو تلف بفعل الله تعالى. وإن كانت الجناية موجبة للمال، لم يمكن تعلقها ~~برقبته؛ لأنه لا يمكن بيعها، ويجب أرشها على الموقوف عليه؛ لأنه ملكه تعلق ~~أرشه برقبته، فكان على مالكه، كأم الولد # ولا يلزمه أكثر من قيمته كأم الولد. وإن قلنا: الوقف لا يملك. فالأرش في ~~كسبه؛ لأنه تعذر تعلقه برقبته لكونها لا تباع، وبالموقوف عليه؛ لأنه لا ~~يملكه، فكان في كسبه، كالحر يكون في ماله. ويحتمل أن يكون في بيت المال ~~كأرش جناية الحر المعسر. وهذا احتمال ضعيف جدا؛ فإن الجناية إنما تكون في ~~بيت المال، في صورة ms2903 تحملها العاقلة عند عدمها، وجناية العبد # PageV06P031 # لا تحملها العاقلة # وإن كان الوقف على المساكين، فينبغي أن يكون الأرش في كسبه؛ لأنه ليس له ~~مستحق معين يمكن إيجاب الأرش عليه، ولا يمكن تعلقه برقبته، لتعذر بيعها ~~فتعين في كسبه. ويحتمل أن يجب في بيت المال. # (4418) فصل: وإن جني على الوقف جناية موجبة للمال، وجب؛ لأن ماليته لم ~~تبطل، ولو بطلت ماليته لم يبطل أرش الجناية عليه فإن الحر يجب أرش الجناية ~~عليه، فإن قتل وجبت قيمته، وليس للموقوف عليه العفو عنها؛ لأنه لا يختص بها ~~ويشترى بها مثل المجني عليه يكون وقفا # وقال بعض الشافعية: يختص الموقوف عليه بالقيمة إن قلنا: إنه يملك ~~الموقوف، لأنه بدل ملكه. ولنا أنه ملك لا يختص به، فلم يختص ببدله، كالعبد ~~المشترك والمرهون، وبيان عدم الاختصاص ظاهر، فإنه يتعلق به حق البطن ~~الثاني، فلم يجز إبطاله. ولا نعلم قدر ما يستحق هذا منه فنعفو عنه فلم يصح ~~العفو عن شيء منه، كما لو أتلف رجل رهنا، أخذت منه قيمته فجعلت رهنا، ولم ~~يصح عفو واحد منهما عنه # وإن كانت الجناية عمدا محضا من مكافئ له، فالظاهر أنه لا يجب القصاص؛ ~~لأنه محل لا يختص به الموقوف عليه، فلم يجز أن يقتص من قاتله، كالعبد ~~المشترك. وقال بعض أصحاب الشافعي: يكون ذلك إلى الإمام، فإن قطعت يد العبد ~~أو طرف من أطرافه، فالقصاص له، وله استيفاؤه؛ لأنه لا يشاركه فيه غيره، وإن ~~كان القطع لا يوجب القصاص، أو يوجبه فعفي عنه، وجب نصف قيمته، فإن أمكن أن ~~يشترى بها عبد كامل، وإلا اشتري بها شقص من عبد. ### | [فصل تزويج الأمة الموقوفة] # (4419) فصل: ويجوز تزويج الأمة الموقوفة؛ لأنه عقد على منفعتها، أشبه ~~الإجارة، ولأن الموقوف عليه لا يملك استيفاء هذه المنفعة، فلا يتضرر بتمليك ~~غيره إياها، ووليها الموقوف عليه؛ لأنها ملكه، والمهر له؛ لأنه بدل نفعها، ~~أشبه الأجر في الإجارة. ويحتمل أن لا يجوز تزويجها؛ لأنه عقد على نفعها في ~~العمر، فيفضي إلى تفويت نفعها في حق ms2904 البطن الثاني. # ولأن النكاح يتعلق به حقوق؛ من وجوب تمكين الزوج من استمتاعها، ومبيتها ~~عنده، فتفوت خدمتها في الليل على البطن الثاني، إلا أن تطلب التزويج، ~~فيتعين تزويجها؛ لأنه حق لها طلبته، فتتعين الإجابة إليه، وما فات من الحق ~~به، فات تبعا لإيفائها حقها، فوجب ذلك، كما يجب تزويج الأمة غير الموقوفة ~~وإذا طلبت ذلك. وإذا زوجها فولدت من الزوج، فولدها وقف معها؛ لأن ولد كل ~~ذات رحم تثبت لها حرمة حكمه حكمها، كأم الولد والمكاتبة # وإن أكرهها أجنبي، فوطئها، أو طاوعته، فعليه الحد إذا انتفت الشبهة، ~~وعليه المهر لأهل الوقف؛ لأنه وطئ جارية غيره، أشبه الأمة المطلقة، وولدها ~~يكون # PageV06P032 # وقفا معها. وإن وطئها بشبهة يعتقدها حرة، فالولد حر، ولو كان الواطئ ~~عبدا، وتجب قيمته؛ لأنه كان من سبيله أن يكون مملوكا، فمنعه اعتقاد الحرية ~~من الرق، فوجبت قيمته يشترى بها عبد يكون وقفا، وتعتبر قيمته يوم تضعه حيا؛ ~~لأنه لا يمكن تقويمه قبل ذلك. ### | [فصل وطء الأمة الموقوفة] # (4420) فصل: وليس للموقوف عليه وطء الأمة الموقوفة؛ لأنا لا نأمن حبلها، ~~فتنقص أو تتلف أو تخرج من الوقف بكونها أم ولد؛ لأن ملكه ناقص، فإن وطئ، ~~فلا حد عليه؛ للشبهة، ولا مهر عليه؛ لأنه لو وجب لوجب له، ولا يجب للإنسان ~~شيء على نفسه، والولد حر؛ لأنه من وطء شبهة. وعليه قيمة الولد، يشترى بها ~~عبد مكانه وتصير أم ولد؛ لأنه أحبلها بحر في ملكه. فإذا مات عتقت، ووجبت ~~قيمتها في تركته؛ لأنه أتلفها على من بعده من البطون، فيشترى بها جارية ~~تكون وقفا مكانها # وإن قلنا: إن الموقوف عليه لا يملكها. لم تصر أم ولد له؛ لأنها غير ~~مملوكة له. ### | [فصل عتق العبد الموقوف] # (4421) فصل: وإن أعتق العبد الموقوف، لم ينفذ عتقه؛ لأنه يتعلق به حق ~~غيره، ولأن الوقف لازم، فلا يمكن إبطاله. وإن كان نصف العبد وقفا، ونصفه ~~طلقا، فأعتق صاحب الطلق، لم يسر عتقه إلى الوقف لأنه إذا لم يعتق بالمباشرة ~~فبالسراية أولى. ### | [مسألة حصل في يد بعض ms2905 أهل الوقف خمسة أوسق] # (4422) مسألة قال: (وإذا حصل في يد بعض أهل الوقف خمسة أوسق، ففيه ~~الزكاة. وإذا صار الوقف للمساكين، فلا زكاة فيه) وجملة ذلك أن الوقف إذا ~~كان شجرا فأثمر، أو أرضا فزرعت، وكان الوقف على قوم بأعيانهم، فحصل لبعضهم ~~من الثمرة أو الحب نصاب ففيه الزكاة. وبهذا قال مالك، والشافعي # وروي عن طاوس ومكحول لا زكاة فيه، لأن الأرض ليست مملوكة لهم، فلم تجب ~~عليهم زكاة في الخارج منها كالمساكين. ولنا أنه استغل من أرضه أو شجره ~~نصابا، فلزمته زكاته، كغير الوقف. يحققه أن الوقف الأصل، والثمرة طلق، ~~والملك فيها تام، له التصرف فيها بجميع التصرفات، وتورث عنه فتجب فيها ~~الزكاة، كالحاصلة من أرض مستأجرة له # وقولهم: إن الأرض غير مملوكة له. ممنوع. وإن سلمنا ذلك، فهو مالك ~~لمنفعتها؛ ويكفي ذلك في وجوب الزكاة، بدليل الأرض المستأجرة. أما المساكين ~~فلا زكاة عليهم فيما يحصل في أيديهم، سواء حصل في يد بعضهم نصاب من الحبوب ~~والثمار، أو لم يحصل، # PageV06P033 # ولا زكاة عليهم قبل تفريقها، وإن بلغت نصبا؛ لأن الوقف على المساكين لا ~~يتعين لواحد منهم، بدليل، أن كل واحد منهم يجوز حرمانه والدفع إلى غيره، ~~وإنما ثبت الملك فيه بالدفع والقبض، لما أعطيه من غلته ملكا مستأنفا، فلم ~~تجب عليه فيه زكاة، كالذي يدفع إليه من الزكاة، وكما لو وهبه أو اشتراه # وفارق الوقف على قوم بأعيانهم. فإنه يعين لكل واحد منهم حق في نفع الأرض ~~وغلتها، ولهذا يجب إعطاؤه، ولا يجوز حرمانه. ### | [فصل الوقف على القبيلة العظيمة] # (4423) فصل: ويصح الوقف على القبيلة العظيمة، كقريش، وبنى هاشم، وبني ~~تميم، وبني وائل. ونحوهم. ويجوز الوقف على المسلمين كلهم، وعلى أهل إقليم ~~ومدينة، كالشام ودمشق ونحوهم. ويجوز للرجل أن يقف على عشيرته، وأهل مدينته. ~~وقال الشافعي، في أحد قوليه: لا يصح الوقف على من لا يمكن استيعابهم ~~وحصرهم، في غير المساكين وأشباههم؛ لأن هذا تصرف في حق الآدمي، فلم يصح مع ~~الجهالة، كما لو قال: وقفت على قوم # ولنا أن ms2906 من صح الوقف عليه، إذا كان عدده محصيا صح، وإن لم يكن محصيا، ~~كالفقراء والمساكين، وما ذكره يبطل بالوقف على الفقراء والمساكين. ومتى كان ~~الوقف على من لا يمكن حصرهم، فلا زكاة على واحد منهم فيما يصح له لما ~~ذكرناه في المساكين، ولا في جملة الوقف؛ لما ذكرناه من قبل. ### | [مسألة حكم وقف ما لا ينتفع به إلا بالإتلاف] # (4424) مسألة قال: (وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف، مثل الذهب والورق ~~والمأكول والمشروب، فوقفه غير جائز) وجملته أن ما لا يمكن الانتفاع به مع ~~بقاء عينه، كالدنانير والدراهم، والمطعوم والمشروب، والشمع، وأشباهه، لا ~~يصح وقفه، في قول عامة الفقهاء وأهل العلم، إلا شيئا يحكى عن مالك، ~~والأوزاعي، في وقف الطعام، أنه يجوز. ولم يحكه أصحاب مالك # وليس بصحيح؛ لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، وما لا ينتفع به إلا ~~بالإتلاف لا يصح فيه ذلك. وقيل في الدراهم والدنانير: يصح وقفها، على قول ~~من أجاز إجارتهما. ولا يصح؛ لأن تلك المنفعة ليست المقصود الذي خلقت له ~~الأثمان، ولهذا لا تضمن في الغصب، فلم يجز الوقف له، كوقف الشجر على نشر ~~الثياب والغنم على دوس الطين، والشمع ليتجمل به. # (4425) فصل: والمراد بالذهب والفضة هاهنا الدراهم والدنانير، وما ليس ~~بحلي؛ لأن ذلك هو الذي يتلف # PageV06P034 # بالانتفاع به # أما الحلي، فيصح وقفه للبس والعارية؛ لما روى نافع، قال: ابتاعت حفصة ~~حليا بعشرين ألفا، فحبسته على نساء آل الخطاب، فكانت لا تخرج زكاته. رواه ~~الخلال بإسناده. # ولأنه عين يمكن الانتفاع بها، مع بقائها دائما، فصح وقفها، كالعقار، ~~ولأنه يصح تحبيس أصلها وتسبيل الثمرة، فصح وقفها، كالعقار # وبهذا قال الشافعي. وقد روي عن أحمد، أنه لا يصح وقفها. وأنكر الحديث عن ~~حفصة في وقفه. وذكره ابن أبي موسى، إلا أن القاضي تأوله على أنه لا يصح ~~الحديث فيه. ووجه هذه الرواية أن التحلي ليس هو المقصود الأصلي من الأثمان، ~~فلم يصح وقفها عليه، كما لو وقف الدنانير والدراهم. والأول هو المذهب؛ لما ~~ذكرناه والتحلي من المقاصد المهمة، ms2907 والعادة جارية به، وقد اعتبره الشرع في ~~إسقاط الزكاة عن متخذه، وجوز إجارته لذلك # ويفارق الدراهم والدنانير، فإن العادة لم تجر بالتحلي به، ولا اعتبره ~~الشرع في إسقاط زكاته، ولا ضمان منفعته في الغصب، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل وقف الشمع] # (4426) فصل: ولا يصح وقف الشمع؛ لأنه يتلف بالانتفاع به، فهو كالمأكول ~~والمشروب، ولا ما يسرع إليه الفساد، من المشمومات والرياحين وأشباهها؛ ~~لأنها تتلف على قرب من الزمان، فأشبهت المطعوم، ولا وقف ما لا يجوز بيعه، ~~كأم الولد، والمرهون، والكلب، والخنزير، وسائر سباع البهائم التي لا تصلح ~~للصيد، وجوارح الطير التي لا يصاد بها؛ لأنه نقل للملك فيها في الحياة، ~~فأشبه البيع، ولأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وما لا منفعة فيه لا ~~يحصل فيه تسبيل المنفعة، والكلب أبيح الانتفاع به على خلاف الأصل للضرورة. # فلم يجز التوسع فيها، والمرهون في وقفه إبطال حق المرتهن منه فلم يجز ~~إبطاله. ولا يصح الوقف فيما ليس بمعين، كعبد في الذمة، ودار، وسلاح؛ لأن ~~الوقف إبطال لمعنى الملك فيه، فلم يصح في عبد مطلق، كالعتق. ### | [فصل وصى بفرس وسرج ولجام مفضض يوقف في سبيل الله] # (4427) فصل: قال أحمد، في من وصى بفرس وسرج ولجام مفضض، يوقف في سبيل ~~الله: فهو على ما وقف ووصى، وإن بيع الفضة من السرج، واللجام، وجعل في وقف ~~مثله، فهو أحب؛ لأن الفضة لا ينتفع بها، ولعله يشتري بتلك الفضة سرجا ~~ولجاما، فيكون أنفع للمسلمين # فقيل له: تباع الفضة، وتجعل في نفقته؟ قال: لا. فأباح أن يشتري بفضة ~~السرج واللجام سرجا ولجاما؛ لأنه صرف لهما في جنس ما كانت عليه، حين لم ~~ينتفع بهما فيه. فأشبه الفرس الحبيس إذا عطب فلم ينتفع به في الجهاد، جاز ~~بيعه، وصرف ثمنه في مثله، ولم يجز إيقافها على الفرس؛ لأنه صرف لها إلى غير ~~جهتها. # PageV06P035 ### | [مسألة ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه جاز وقفه] # (4428) مسألة؛ قال: (ويصح الوقف فيما عدا ذلك) وجملة ذلك أن الذي يجوز ~~وقفه، ما جاز بيعه، ms2908 وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وكان أصلا يبقى بقاء ~~متصلا، كالعقار، والحيوانات، والسلاح، والأثاث، وأشباه ذلك. قال أحمد، في ~~رواية الأثرم: إنما الوقف في الدور والأرضين، على ما وقف أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. وقال في من وقف خمس نخلات على مسجد: لا بأس به. وهذا ~~قول الشافعي # وقال أبو يوسف: لا يجوز وقف الحيوان، ولا الرقيق، ولا الكراع، ولا ~~العروض، ولا السلاح، والغلمان، والبقر، والآلة في الأرض الموقوفة تبعا لها؛ ~~لأن الحيوان لا يقاتل عليه، فلم يجز وقفه، كما لو كان الوقف إلى مدة. وعن ~~مالك في الكراع والسلاح روايتان. ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله.» متفق عليه. وفي ~~رواية: وأعتده. أخرجه البخاري. # قال الخطابي: الأعتاد ما يعده الرجل من المركوب والسلاح وألة الجهاد. ~~وروي أن أم معقل، «جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول ~~الله، إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله، وإني أريد الحج، أفأركبه؟ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اركبيه، فإن الحج والعمرة من سبيل الله» # ولأنه يحصل فيه تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فصح وقفه، كالعقار والفرس ~~الحبيس، ولأنه يصح وقفه مع غيره، فصح وقفه وحده، كالعقار. # (4429) فصل: قال أحمد - رحمه الله -، في رجل له دار في الربض، أو قطيعة، ~~فأراد التنزه منها. قال: يقفها. قال: القطائع ترجع إلى الأصل إذا جعلها ~~للمساكين. فظاهر هذا إباحة وقف السواد، وهو في الأصل وقف ومعناه أن وقفها ~~يطابق الأصل لا أنها تصير بهذا القول وقفا. ### | [مسألة وقف المشاع] # (4430) مسألة قال: (ويصح وقف المشاع) # PageV06P036 # وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف. وقال محمد بن الحسن: لا يصح وبناه ~~على أصله في أن القبض شرط، وأن القبض لا يصح في المشاع. ولنا # ، أن في حديث عمر «أنه أصاب مائة سهم من خيبر، واستأذن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيها، فأمره بوقفها.» وهذا صفة المشاع، ولأنه عقد يجوز على بعض ~~الجملة مفرزا ms2909 فجاز عليه مشاعا، كالبيع، أو عرصة يجوز بيعها، فجاز وقفها، ~~كالمفرزة، ولأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهذا يحصل في المشاع، ~~كحصوله في المفرز، ولا نسلم اعتبار القبض، وإن سلمنا فإذا صح في البيع صح ~~في الوقف. ### | [فصل وقف داره على جهتين مختلفتين] # (4431) فصل: وإن وقف داره على جهتين مختلفتين، مثل أن يقفها على أولاده ~~وعلى المساكين، نصفين، أو أثلاثا، أو كيفما كان جاز. وسواء جعل مآل الموقوف ~~على أولاده وعلى المساكين، أو على جهة أخرى سواهم؛ لأنه إذا جاز وقف الجزء ~~مفردا، جاز وقف الجزأين. وإن أطلق الوقف، فقال: أوقفت داري هذه على أولادي، ~~وعلى المساكين. فهي بينهما نصفين؛ لأن إطلاق الإضافة إليهما تقتضي التسوية ~~بين الجهتين، ولا تتحقق التسوية إلا بالتنصيف # وإن قال: وقفتها على زيد وعمر والمساكين. فهي بينهم أثلاثا. # (4432) فصل: فإن أريد تمييز الوقف عن الطلق بالقسمة، فذلك مبني على ~~القسمة، هل هي بيع أو إفراز حق؟ والصحيح أنها إفراز حق، فينظر؛ فإن لم يكن ~~فيها رد جازت القسمة. وإن كان فيها رد من جانب أصحاب الوقف، جازت أيضا؛ ~~لأنه شراء لشيء من الطلق. وإن كان من صاحب الطلق، لم يجز؛ لأنه شراء بعض ~~الوقف، وبيعه غير جائز. وإن كان المشاع وقفا على جهتين، فأراد أهله قسمته، ~~انبني على ما ذكرنا. # ولم يجز فيما إذا كان فيها رد بحال. ومتى جازت القسمة في الوقف، وطلبها ~~أحد الشريكين، أو ولي الوقف، أجبر الآخر؛ لأن كل قسمة جازت من غير رد ولا ~~ضرر، فهي واجبة. ### | [مسألة لم يكن الوقف على معروف أو بر] # (4433) مسألة قال: (وإذا لم يكن الوقف على معروف أو بر فهو باطل) وجملة ~~ذلك أن الوقف لا يصح إلا على من يعرف، كولده، وأقاربه، ورجل معين، أو على ~~بر، # PageV06P037 # كبناء المساجد والقناطر، وكتب الفقه والعلم والقرآن، والمقابر، والسقايات ~~وسبيل الله، ولا يصلح على غير معين، كرجل وامرأة؛ لأن الوقف تمليك للعين أو ~~للمنفعة، فلا يصح على غير معين، كالبيع والإجارة، ولا على معصية كبيت ~~النار، ms2910 والبيع والكنائس، وكتب التوراة والإنجيل؛ لأن ذلك معصية، فإن هذه ~~المواضع بنيت للكفر. # وهذه الكتب مبدلة منسوخة، ولذلك غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ~~رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ~~ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان موسى أخي حيا ما وسعه إلا اتباعي» . ولولا ~~أن ذلك معصية ما غضب منه. # والوقف على قناديل البيعة وفرشها ومن يخدمها ويعمرها، كالوقف عليها؛ لأنه ~~يراد لتعظيمها. وسواء كان الواقف مسلما أو ذميا # قال أحمد في نصارى وقفوا على البيعة ضياعا كثيرة، وماتوا ولهم أبناء ~~نصارى، فأسلموا والضياع بيد النصارى: فلهم أخذها، وللمسلمين عونهم حتى ~~يستخرجوها من أيديهم. وهذا مذهب الشافعي. ولا نعلم فيه خلافا؛ وذلك لأن ما ~~لا يصح من المسلم الوقف عليه، لا يصح من الذمي، كالوقف على غير معين. فإن ~~قيل: فقد قلتم إن أهل الكتاب إذا عقدوا عقودا فاسدة، وتقابضوا، ثم أسلموا ~~وترافعوا إلينا، لم ننقض ما فعلوه، فكيف أجزتم الرجوع فيما وقفوه على ~~كنائسهم؟ قلنا: الوقف ليس بعقد معاوضة، وإنما هو إزالة للملك في الموقوف ~~على وجه القربة، فإذا لم يقع صحيحا، لم يزل الملك، فيبقى بحاله كالعتق # وقد روي عن أحمد - رحمه الله -، في نصراني أشهد في وصيته، أن غلامه فلانا ~~يخدم البيعة خمس سنين، ثم هو حر. ثم مات مولاه، وخدم سنة، ثم أسلم، ما ~~عليه؟ قال: هو حر. ويرجع على الغلام بأجرة خدمة مبلغ أربع سنين. وروي عنه، ~~قال: هو حر ساعة مات مولاه؛ لأن هذه معصية. وهذه الرواية أصح وأوفق لأصوله # ويحتمل أن قوله: يرجع عليه بخدمته أربع سنين. لم يكن لصحة الوصية، بل ~~لأنه إنما أعتقه بعوض يعتقدان صحته، فإذا تعذر العوض بإسلامه، كان عليه ما ~~يقوم مقامه، كما لو تزوج الذمي ذمية على ذلك ثم أسلم؛ فإنه يجب عليه المهر، ~~كذا هاهنا يجب عليه العوض. والأول أولى. ### | [فصل الوقف على من لا يملك] # (4434) فصل: ولا يصح الوقف على من لا يملك، كالعبد ms2911 القن، وأم الولد، ~~والمدبر، والميت، والحمل، والملك والجن والشياطين. قال أحمد في من وقف على ~~مماليكه: لا يصح الوقف حتى يعتقهم. وذلك لأن الوقف تمليك، فلا يصح على من ~~لا يملك. فإن قيل: قد جوزتم الوقف على المساجد والسقايات وأشباهها، وهي لا ~~تملك # قلنا: الوقف هناك على المسلمين، إلا أنه عين في نفع خاص لهم. فإن قيل: ~~فينبغي أن يصح الوقف على الكنائس، ويكون الوقف على أهل الذمة. قلنا: الجهة ~~التي عين صرف الوقف فيها ليست نفعا، # PageV06P038 # بل هي معصية محرمة، يزادون بها عقابا وإثما، بخلاف المساجد. ولا يصح ~~الوقف على العبد، وإن قلنا: إنه يملك بالتمليك؛ لأن الوقف يقتضي تحبيس ~~الأصل، والعبد لا يملك ملكا لازما # ولا يصح الوقف على المكاتب، وإن كان يملك؛ لأن ملكه غير مستقر. ولا على ~~مرتد، ولا على حربي؛ لأن أموالهم مباحة في الأصل، ويجوز أخذها منهم بالقهر ~~والغلبة، فما يتجدد لهم أولى، والوقف لا يجوز أن يكون مباح الأخذ؛ لأنه ~~تحبيس الأصل. ### | [فصل الوقف على أهل الذمة] # (4435) فصل: ويصح الوقف على أهل الذمة؛ لأنهم يملكون ملكا محترما، ويجوز ~~أن يتصدق عليهم، فجاز الوقف عليهم، كالمسلمين. ويجوز أن يقف المسلم عليه، ~~لما روي أن صفية بنت حيي زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقفت على أخ لها ~~يهودي، ولأن من جاز أن يقف الذمي عليه جاز أن يقف عليه المسلم كالمسلم. ولو ~~وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين، صح أيضا؛ لأن الوقف ~~عليهم لا على الموضع. ### | [فصل ينظر في الوقف من شرطه الواقف] # (4436) فصل: وينظر في الوقف من شرطه الواقف؛ لأن عمر - رضي الله عنه - ~~جعل وقفه إلى حفصة تليه ما عاشت، ثم إلى ذوي الرأي من أهلها. ولأن مصرف ~~الوقف يتبع فيه شرط الواقف، فكذلك الناظر فيه. فإن جعل النظر لنفسه جاز، ~~وإن جعله إلى غيره فهو له، فإن لم يجعله لأحد، أو جعله لإنسان فمات نظر فيه ~~الموقوف عليه؛ لأنه ملكه ونفعه له، فكان نظره إليه كملكه المطلق # ويحتمل ms2912 أن ينظر فيه الحاكم. اختاره ابن أبي موسى. ويحتمل أن يكون الوجهان ~~مبنيين على أن الملك هل ينتقل فيه إلى الموقوف عليه، أو إلى الله تعالى؟ ~~فإن قلنا: هو للموقوف عليه. فالنظر فيه إليه؛ لأنه ملكه، عينه ونفعه. وإن ~~قلنا: هو لله. فالحاكم ينوب فيه، ويصرفه إلى مصارفه؛ لأنه مال الله، فكان ~~النظر فيه إلى حاكم المسلمين، كالوقف على المساكين # وأما الوقف على المساكين والمساجد ونحوها، أو على من لا يمكن حصرهم ~~واستيعابهم، فالنظر فيه إلى الحاكم؛ لأنه ليس له مالك متعين ينظر فيه. وله ~~أن يستنيب فيه؛ لأن الحاكم لا يمكنه تولي النظر بنفسه. ومتى كان النظر ~~للموقوف عليه، إما بجعل الواقف ذلك له، أو لكونه أحق بذلك عند عدم ناظر ~~سواه، وكان واحدا مكلفا رشيدا، فهو أحق بذلك، رجلا كان أو امرأة، عدلا كان ~~أو فاسقا؛ لأنه ينظر لنفسه، فكان له ذلك في هذه الأحوال، كالطلق # ويحتمل أن يضم إلى الفاسق أمين، حفظا لأصل الوقف عن البيع أو التضييع. ~~وإن كان الوقف لجماعة رشيدين، فالنظر # PageV06P039 # للجميع، لكل إنسان في نصيبه. وإن كان الموقوف عليه غير رشيد، إما لصغر، ~~أو سفه، أو جنون، قام وليه في النظر مقامه، كما يقوم مقامه في ماله المطلق. ~~وإن كان النظر لغير الموقوف عليه، أو لبعض الموقوف عليه، بتولية الواقف أو ~~الحاكم # لم يجز أن يكون إلا أمينا، فإن لم يكن أمينا، وكانت توليته من الحاكم، لم ~~تصح. وأزيلت يده. وإن ولاه الواقف وهو فاسق، أو ولاه وهو عدل وصار فاسقا، ~~ضم إليه أمين ينحفظ به الوقف، ولم تزل يده؛ ولأنه أمكن الجمع بين الحقين. ~~ويحتمل أن لا تصح توليته، وأنه ينعزل إذا فسق في أثناء ولايته؛ لأنها ولاية ~~على حق غيره، فنافاها الفسق، كما لو ولاه الحاكم، وكما لو لم يمكن حفظ ~~الوقف منه مع بقاء ولايته على حق غيره، فإنه متى لم يمكن حفظه منه أزيلت ~~ولايته، فإن مراعاة حفظ الوقف أهم من إبقاء ولاية الفاسق عليه. ### | [فصل نفقة الوقف من ms2913 حيث شرط الواقف] # (4437) فصل: ونفقة الوقف من حيث شرط الواقف؛ لأنه لما اتبع شرطه في ~~تسبيله، وجب اتباع شرطه في نفقته. فإن لم يمكن فمن غلته؛ لأن الوقف اقتضى ~~تحبيس أصله وتسبيل نفعه، ولا يحصل ذلك إلا بالإنفاق عليه، فكان ذلك من ~~ضرورته. وإن تعطلت منافع الحيوان الموقوف، فنفقته على الموقوف عليه؛ لأنه ~~ملكه # ويحتمل وجوبها في بيت المال. ويجوز بيعه، على ما سلف بيانه. # PageV06P040 ### | [كتاب الهبة والعطية] ### | [مسألة لا تصح الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن إلا بقبضه] # مسألة قال: (ولا تصح الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن إلا بقبضه) وجملة ~~ذلك أن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، وكلها تمليك في ~~الحياة بغير عوض، واسم العطية شامل لجميعها، وكذلك الهبة. والصدقة والهدية ~~متغايران؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأكل الهدية، ولا يأكل ~~الصدقة. وقال في اللحم الذي تصدق به على بريرة: «هو عليها صدقة، ولنا هدية» # فالظاهر أن من أعطى شيئا ينوي به إلى الله تعالى للمحتاج، فهو صدقة. ومن ~~دفع إلى إنسان شيئا للتقرب إليه، والمحبة له، فهو هدية. وجميع ذلك مندوب ~~إليه، ومحثوث عليه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تهادوا تحابوا» ~~. وأما الصدقة، فما ورد في فضلها أكثر من أن يمكننا حصره، وقد قال الله ~~تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ~~ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة: 271] # إذا ثبت هذا، فإن المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض. ~~وهو قول أكثر الفقهاء منهم؛ النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة ~~والشافعي وقال مالك، وأبو ثور: يلزم ذلك بمجرد العقد؛ لعموم قوله - عليه ~~السلام -: «العائد في هبته، كالعائد في قيئه» . ولأنه إزالة ملك بغير عوض، ~~فلزم بمجرد العقد، كالوقف والعتق # وربما قالوا: تبرع، فلا يعتبر فيه القبض، كالوصية والوقف. ولأنه عقد لازم ~~ينقل الملك، فلم يقف لزومه على القبض كالبيع. ولنا إجماع الصحابة - رضي ~~الله عنهم - فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر وعمر - رضي ms2914 الله عنهما -، ولم ~~يعرف لهما في الصحابة مخالف، فروى عروة، عن عائشة - رضي الله عنها -، أن ~~أبا بكر - رضي الله عنه -، نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالعالية فلما ~~مرض، قال: يا بنية، ما أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أحد أعز علي فقرا منك ~~وكنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا، ووددت أنك حزتيه أو قبضتيه، وهو اليوم مال ~~الوارث أخواك وأختاك، فاقتسموا على كتاب الله عز وجل. # وروى ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاري # أن عمر بن الخطاب، قال: ما بال أقوام ينحلون أولادهم، فإذا مات أحدهم، ~~قال: مالي وفي يدي. وإذا مات هو، قال: كنت نحلته ولدي؟ لا نحلة إلا نحلة ~~يحوزها الولد دون الوالد، فإن مات ورثه وروى عثمان # PageV06P041 # أن الوالد يحوز لولده إذا كانوا صغارا. قال المروذي: اتفق أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي، أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة. ولأنها هبة غير مقبوضة، فلم ~~تلزم، كما لو مات قبل أن يقبض، فإن مالكا يقول: لا يلزم الورثة التسليم، ~~والخبر محمول على المقبوض، ولا يصح القياس على الوقف والوصية والعتق. # لأن الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى، فخالف التمليكات، والوصية تلزم في ~~حق الوارث، والعتق إسقاط حق وليس بتمليك، ولأن الوقف والعتق لا يكون في محل ~~النزاع في المكيل والموزون. # (4439) فصل: وقول الخرقي (لا يصح) . يحتمل أن يريد لا يلزم. ويحتمل أن ~~يريد لا يثبت بها الملك قبل القبض، فإن حكم الملك حكم الهبة، والصحة اعتبار ~~الشيء في حق حكمه. وأما الصحة بمعنى انعقاد اللفظ بحيث إذا انضم إليه القبض ~~اعتبر وثبت حكمه، فلا يصح حمل لفظه على نفيه، لعدم الخلاف فيه، ولأنه قال ~~في سياق المسألة: " كما يصح في البيع " # وقد تقرر في البيع أن بيع المكيل والموزون صحيح قبل القبض، وإنما ينتفي ~~الضمان وإطلاقه في التصرفات. وقوله: " ما يكال وما يوزن " ظاهره العموم في ~~كل موزون ومكيل، وخصه أصحابنا المتأخرون بما ليس بمتعين فيه، كالقفيز من ~~صبرة، والرطل من ms2915 زبدة. وقد ذكرنا ذلك في البيع، ورجحنا العموم. ### | [فصل الواهب بالخيار قبل القبض] # (4440) فصل: والواهب بالخيار قبل القبض، إن شاء أقبضها وأمضاها، وإن شاء ~~رجع فيها ومنعها. ولا يصح قبضها إلا بإذنه، فإن قبضها الموهوب له بغير إذنه ~~لم تتم الهبة، ولم يصح القبض. وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا قبضها في المجلس ~~صح، وإن لم يأذن له؛ لأن الهبة قامت مقام الإذن في القبض، لكونها دالة على ~~رضاه بالتمليك الذي لا يتم إلا بالقبض. ولنا أنه قبض الهبة بغير إذن ~~الواهب، فلم يصح، كما بعد المجلس، أو كما لو نهاه عن قبضها، ولأن التسليم ~~غير مستحق على الواهب. # فلا يصح التسليم إلا بإذنه، كما لو أخذ المشتري المبيع من البائع قبل ~~تسليم ثمنه. ولا يصح جعل الهبة إذنا في القبض، بدليل ما بعد المجلس. ولو ~~أذن الواهب في القبض، ثم رجع عن الإذن، أو رجع في الهبة، صح رجوعه؛ لأن ذلك ~~ليس بقبض وإن رجع بعد القبض، لم ينفع رجوعه؛ لأن الهبة تمت. # PageV06P042 ### | [فصل موت الواهب أو الموهوب له قبل القبض] # (4441) فصل: وإذا مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض، بطلت الهبة، سواء ~~كان قبل الإذن في القبض أو بعده. ذكره القاضي في موت الواهب؛ لأنه عقد جائز ~~فبطل بموت أحد المتعاقدين، كالوكالة والشركة. وقال أحمد، في رواية أبي ~~طالب، وأبي الحارث، في رجل أهدى هدية فلم تصل إلى المهدي إليه، حتى مات؛ ~~فإنها تعود إلى صاحبها ما لم يقبضها. # وروي بإسناده عن أم كلثوم بنت أبي سلمة، قالت: «لما تزوج رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أم سلمة، قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي ~~مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت ~~فهي لك. قالت: فكان ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وردت عليه ~~هديته، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية من مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك ~~والحلة» . # وإن مات صاحب الهدية قبل أن تصل ms2916 إلى المهدى إليه، رجعت إلى ورثة المهدي، ~~وليس للرسول حملها إلى المهدى إليه، إلا أن يأذن له الوارث # ولو رجع المهدي في هديته قبل وصولها إلى المهدى إليه، صح رجوعه فيها، ~~والهبة كالهدية. وقال أبو الخطاب إذا مات الواهب، قام وارثه مقامه في الإذن ~~في القبض والفسخ. وهذا يدل على أن الهبة لا تنفسخ بموته. وهذا قول أكثر ~~أصحاب الشافعي؛ لأنه عقد مآله إلى اللزوم، فلم ينفسخ بالموت كالبيع المشروط ~~فيه الخيار. وكذلك يخرج فيما إذا مات الموهوب له بعد قبوله # وإن مات أحدهما قبل القبول، أو ما يقوم مقامه، بطلت، وجها واحدا؛ لأن ~~العقد لم يتم، فأشبه ما لو أوجب البيع، فمات أحدهما قبل القبول من المشتري. ~~وإذا قلنا: إن الهبة لا تبطل فمات أحدهما بعد الإذن في القبض، بطل الإذن، ~~وجها واحدا؛ لأن الميت إن كان هو الواهب فقد انتقل حقه في الرجوع في الهبة ~~إلى وارثه، فلم يلزم بغير إذنه. وإن كان الموهوب له، فلم يوجد الإذن، ~~لوارثه، فلم يملك القبض بغير إذن. ### | [فصل وهبه شيئا في يد المتهب كوديعة أو مغصوب] # (4442) فصل: وإن وهبه شيئا في يد المتهب، كوديعة، أو مغصوب، فظاهر كلام ~~أحمد أن الهبة تلزم من غير قبض، ولا مضي مدة يتأتى القبض فيها؛ فإنه قال في ~~رواية ابن منصور: إذا وهب لامرأته شيئا ولم تقبضه، فليس بينه وبينها خيار، ~~هي معه في البيت. فظاهر هذا أنه لم يعتبر قبضا، ولا مضي مدة يتأتى فيها، ~~لكونها معه في البيت، فيدها على ما فيه. وقال القاضي: لا بد من مضي مدة ~~يتأتى فيها القبض # وقد روي عن أحمد رواية أخرى، أنه يفتقر إلى إذن في القبض. وقد مضى تعليل ~~ذلك وتفصيله في الرهن. ومذهب الشافعي كمذهبنا، في الاختلاف في اعتبار ~~الإذن، واعتبار مضي مدة يتأتى القبض فيها. # PageV06P043 ### | [مسألة غير المكيل والموزون تلزم الهبة فيه بمجرد العقد] # (4443) مسألة قال: (ويصح في غير ذلك بغير قبض إذا قبل، كما يصح في البيع) ~~يعني أن غير المكيل والموزون ms2917 تلزم الهبة فيه بمجرد العقد، ويثبت الملك في ~~الموهوب قبل قبضه. وروي ذلك عن علي وابن مسعود، - رضي الله عنهما - فإنه ~~يروى عنهما أنهما قالا: الهبة جائزة إذا كانت معلومة قبضت أو لم تقبض. وهو ~~قول مالك وأبي ثور وعن أحمد، رواية أخرى: لا تلزم الهبة في الجميع إلا ~~بالقبض # وهو قول أكثر أهل العلم. قال المروذي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ~~أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة. ويروى ذلك عن النخعي والثوري، والحسن بن ~~صالح، والعنبري، والشافعي وأصحاب الرأي، لما ذكرنا في المسألة الأولى. ووجه ~~الرواية الأولى أن الهبة أحد نوعي التمليك، فكان منها ما لا يلزم قبل ~~القبض، ومنها ما يلزم قبله، كالبيع، فإن فيه ما لا يلزم قبل القبض، وهو ~~الصرف، وبيع الربويات، ومنه ما يلزم قبله، وهو ما عدا ذلك # فأما حديث أبي بكر، فلا يلزم، فإن جذاذ عشرين وسقا، يحتمل أنه أراد به ~~عشرين وسقا مجذوذة، فيكون مكيلا، غير معين، وهذا لا بد فيه من القبض. وإن ~~أراد نخلا يجذ عشرين وسقا، فهو أيضا غير معين ولا تصح الهبة فيه قبل ~~تعيينه، فيكون معناه: وعدتك بالنحلة. وقول عمر أراد به النهي عن التحيل ~~بنحلة الوالد ولده نحلة موقوفة على الموت، فيظهر: إني نحلت ولدي شيئا # ويمسكه في يده ويستغله، فإذا مات أخذه ولده بحكم النحلة التي أظهرها، وإن ~~مات ولده أمسكه، ولم يعط ورثة ولده شيئا. وهذا على هذا الوجه محرم، فنهاهم ~~عن هذا حتى يحوزها الولد دون والده، فإن مات ورثها ورثته، كسائر ماله. وإذا ~~كان المقصود هذا اختص بهبة الولد دون والده، وشبهه، على أنه قد روي عن علي ~~وابن مسعود خلاف ذلك، فتعارضت أقوالهم. ### | [فصل يستغنى عن القبض في الهبة في موضع وجد فيه الإيجاب والقبول] # (4444) فصل: قول الخرقي: (إذا قبل) يدل على أنه إنما يستغنى عن القبض في ~~موضع وجد فيه الإيجاب والقبول. والإيجاب أن يقول: وهبتك، أو أهديت إليك، أو ~~أعطيتك، أو هذا لك. ونحوه من الألفاظ الدالة ms2918 على هذا المعنى. والقبول أن ~~يقول: قبلت، أو رضيت، أو نحو هذا. وذكر القاضي، وأبو الخطاب، أن الهبة ~~والعطية لا تصح كلها إلا بإيجاب وقبول، ولا بد منهما، سواء وجد القبض أو لم ~~يوجد # وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي؛ لأنه عقد تمليك، فافتقر إلى الإيجاب ~~والقبول، كالنكاح. والصحيح أن المعاطاة والأفعال الدالة على الإيجاب ~~والقبول كافية، ولا يحتاج إلى لفظ. وهذا اختيار ابن عقيل؛ فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يهدي ويهدى إليه، ويعطي ويعطى، ويفرق الصدقات، ويأمر ~~سعاته بتفريقها وأخذها، وكان أصحابه يفعلون ذلك " # ولم ينقل عنهم في ذلك إيجاب ولا قبول، ولا أمر به ولا تعليمه لأحد، ولو ~~كان # PageV06P044 # ذلك شرطا لنقل عنهم نقلا مشهورا، «وكان ابن عمر على بعير لعمر، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: بعنيه. فقال: هو لك يا رسول الله. فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو لك يا عبد الله بن عمر، فاصنع به ما ~~شئت» . ولم ينقل قبول النبي - صلى الله عليه وسلم - من عمر، ولا قبول ابن ~~عمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان شرطا لفعله النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وعلمه ابن عمر، ولم يكن ليأمره أن يصنع به ما شاء قبل أن يقبله # وروى أبو هريرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أتي بطعام سأل ~~عنه، فإن قالوا: صدقة. قال لأصحابه: كلوا. ولم يأكل، وإن قالوا: هدية. ضرب ~~بيده، فأكل معهم» . ولا خلاف بين العلماء، فيما علمناه، في أن تقديم الطعام ~~بين يدي الضيفان إذن في الأكل، وأنه لا يحتاج إلى قبول بقوله. ولأنه وجد ما ~~يدل على التراضي بنقل الملك، فاكتفي به، كما لو وجد الإيجاب والقبول # قال ابن عقيل إنما يشترط الإيجاب والقبول مع الإطلاق، وعدم العرف القائم ~~بين المعطي والمعطى؛ لأنه إذا لم يكن عرف يدل على الرضا، فلا بد من قول دال ~~عليه، أما مع قرائن الأحوال والدلائل، فلا وجه لتوقيفه على اللفظ، ألا ترى ~~أنا اكتفينا بالمعاطاة ms2919 في البيع، واكتفينا بدلالة الحال في دخول الحمام، ~~وهو إجارة وبيع أعيان، فإذا اكتفينا في المعاوضات مع تأكدها بدلالة الحال، ~~وأنها تنقل الملك من الجانبين، فلأن نكتفي به في الهبة أولى. ### | [فصل القبض في الهبة فيما لا ينقل بالتخلية بينه وبينه] # (4445) فصل: والقبض فيما لا ينقل بالتخلية بينه وبينه، لا حائل دونه، ~~وفيما ينقل بالنقل، وفي المشاع بتسليم الكل إليه. فإن أبى الشريك أن يسلم ~~نصيبه، قيل للمتهب: وكل الشريك في قبضه لك ونقله. فإن أبى، نصب الحاكم من ~~يكون في يده لهما، فينقله، ليحصل القبض؛ لأنه لا ضرر على الشريك في ذلك ~~ويتم به عقد شريكه. ### | [فصل هبة المشاع] # (4446) فصل: وتصح هبة المشاع. وبه قال مالك، والشافعي. قال الشافعي: سواء ~~في ذلك ما أمكن قسمته؛ أو لم يمكن. وقال أصحاب الرأي: لا تصح هبة المشاع ~~الذي يمكن قسمته؛ لأن القبض شرط في الهبة، ووجوب القسمة يمنع صحة القبض ~~وتمامه. فإن كان مما لا يمكن قسمته، صحت هبته؛ لعدم ذلك فيه. وإن وهب واحد ~~اثنين شيئا مما ينقسم، لم يجز عند أبي حنيفة # وجاز عند صاحبيه. وإن وهب اثنان اثنين شيئا مما ينقسم، لم يصح في قياس ~~قولهم؛ لأن كل واحد من المتهبين قد وهب له جزء مشاع. ولنا أن وفد هوازن لما ~~جاءوا يطلبون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم ما غنمه # PageV06P045 # منهم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما كان لي ولبني عبد ~~المطلب، فهو لكم» . رواه البخاري. وهذا هبة مشاع # وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت «النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد جاءه رجل ومعه كبة من شعر، فقال: أخذت هذه من المغنم لأصلح ~~بردعة لي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما كان لي ولبني عبد المطلب ~~فهو لك» . وروى عمير بن سلمة الضمري، قال: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى أتينا الروحاء، فرأينا حمار وحش معقورا، فأردنا أخذه، فقال ~~رسول الله - صلى الله ms2920 عليه وسلم -: دعوه، فإنه يوشك أن يجيء صاحبه. فجاء ~~رجل من بهز، وهو الذي عقره، فقال: يا رسول الله: شأنكم الحمار. فأمر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أن يقسمه بين الناس.» رواه الإمام ~~أحمد، والنسائي. # ولأنه يجوز بيعه، فجازت هبته، كالذي لا ينقسم، ولأنه مشاع، فأشبه ما لا ~~ينقسم. وقولهم: إن وجوب القسمة يمنع صحة القبض. لا يصح؛ فإنه لم يمنع صحته ~~في البيع، فكذا هاهنا. ومتى كانت الهبة لاثنين، فقبضاه بإذنه، ثبت ملكهما ~~فيه، وإن قبضه أحدهما، ثبت الملك في نصيبه دون نصيب صاحبه. ### | [فصل القبض شرط في هبة المشاع] # (4447) فصل: ومتى قلنا: إن القبض شرط في الهبة. لم تصح الهبة فيما لا ~~يمكن تسليمه. كالعبد الآبق، والجمل الشارد، والمغصوب لغير غاصبه ممن لا ~~يقدر على أخذه من غاصبه. وبهذا يقول أبو حنيفة، والشافعي؛ لأنه عقد يفتقر ~~إلى القبض، فلم يصح في ذلك، كالبيع. وإن وهب المغصوب لغاصبه، أو لم يتمكن ~~من أخذه منه صح؛ لأنه ممكن قبضه، وليس لغير الغاصب القبض إلا بإذن الواهب # فإن وكل المالك الغاصب في تقبيضه، صح. وإن وكل المتهب الغاصب في القبض ~~له، فقبل، ومضى زمن يمكن قبضه فيه، صار مقبوضا، وملكه المتهب، وبرئ الغاصب ~~من ضمانه. وإن قلنا: القبض ليس بشرط في الهبة. فما لا يعتبر فيه القبض من ~~ذلك احتمل أن لا يعتبر في صحة هبته القدرة على التسليم. وهو قول أبي ثور؛ ~~لأنه تمليك بغير عوض، أشبه الوصية # ويحتمل أن لا تصح هبته؛ لأنه لا يصح بيعه، فلم تصح هبته، كالحمل في ~~البطن. وكذلك يخرج في هبة الطير في الهواء، والسمك في الماء، إذا كان ~~مملوكا. ### | [فصل هبة الحمل في البطن واللبن في الضرع] # (4448) فصل: ولا تصح هبة الحمل في البطن، واللبن في الضرع. وبهذا قال أبو ~~حنيفة، والشافعي، وأبو ثور؛ لأنه مجهول معجوز عن تسليمه. وفي الصوف على ~~الظهر وجهان، بناء على صحة بيعه. ومتى أذن له في جز الصوف، وحلب الشاة، كان ~~إباحة وإن وهب ms2921 دهن سمسمه قبل عصره، أو زيت زيتونه، أو جفته، لم # PageV06P046 # يصح. وبهذا قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي # ولا نعلم لهم مخالفا. # ولا تصح هبة المعدوم، كالذي تثمر شجرته، أو تحمل أمته؛ لأن الهبة عقد ~~تمليك في الحياة، فلم تصح في هذا كله، كالبيع. ### | [فصل هبة المجهول] # (4449) فصل: قال أحمد، في رواية أبي داود، وحرب: لا تصح هبة المجهول. ~~وقال في رواية حرب: إذا قال: شاة من غنمي. يعني: وهبتها لك. لم يجز. وبه ~~قال الشافعي. ويحتمل أن الجهل إذا كان في حق الواهب، منع الصحة؛ لأنه غرر ~~في حقه # وإن كان من الموهوب له، لم يمنعها؛ لأنه لا غرر في حقه، فلم يعتبر في حقه ~~العلم بما يوهب له، كالموصى له. وقال مالك: تصح هبة المجهول؛ لأنه تبرع، ~~فصح في المجهول، كالنذر والوصية. ووجه الأول، أنه عقد تمليك لا يصح تعليقه ~~بالشروط، فلم يصح في المجهول، كالبيع، بخلاف النذر والوصية. ### | [فصل تعليق الهبة بشرط] # (4450) فصل: ولا يصح تعليق الهبة بشرط؛ لأنها تمليك لمعين في الحياة، فلم ~~يجز تعليقها على شرط، كالبيع. فإن علقها على شرط، كقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لأم سلمة: «إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك» . كان وعدا. ~~وإن شرط في الهبة شروطا تنافي مقتضاها، نحو أن يقول: وهبتك هذا، بشرط أن لا ~~تهبه، أو لا تبيعه، أو بشرط أن تهبه أو تبيعه، أو بشرط أن تهب فلانا شيئا # يصح. الشرط وفي صحة الهبة وجهان، بناء على الشروط الفاسدة في البيع. وإن ~~وقت الهبة، فقال: وهبتك هذا سنة، ثم يعود إلي. لم يصح؛ لأنه عقد تمليك ~~لعين، فلم يصح مؤقتا، كالبيع. ### | [فصل وهب أمة واستثني ما في بطنها] # (4451) فصل: وإن وهب أمة واستثنى ما في بطنها، صح في قياس قول أحمد، في ~~من أعتق أمة واستثنى ما في بطنها؛ لأنه تبرع بالأم دون ما في بطنها، فأشبه ~~العتق. وبه يقول في العتق النخعي، وإسحاق، وأبو ثور. وقال أصحاب الرأي: تصح ~~الهبة، ويبطل الاستثناء. ولنا أنه لم ms2922 يهب الولد، فلم يملك الموهوب له، ~~كالمنفصل، وكالموصى به. ### | [فصل له في ذمة إنسان دين فوهبه له أو أبرأه منه أو أحله منه] # (4452) فصل: وإذا كان له في ذمة إنسان دين، فوهبه له، أو أبرأه منه، أو ~~أحله منه، صح، وبرئت ذمة الغريم منه، وإن رد ذلك، ولم يقبله؛ لأنه إسقاط، ~~فلم يفتقر إلى القبول، كإسقاط القصاص والشفعة وحد القذف، وكالعتق والطلاق. ~~وإن قال: تصدقت به عليك. صح، فإن القرآن ورد في الإبراء بلفظ # PageV06P047 # الصدقة، بقول الله تعالى: {ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} [النساء: ~~92] . وإن قال: عفوت لك عنه. صح؛ لأن الله تعالى قال: {إلا أن يعفون أو ~~يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] . يعني به الإبراء من الصداق # وإن قال: أسقطته عنك. صح؛ لأنه أتى بحقيقة اللفظ الموضوع له. وإن قال: ~~ملكتك إياه. صح؛ لأنه بمنزلة هبته إياه. ### | [فصل وهب الدين لغير من هو في ذمته أو باعه إياه] # (4453) فصل: وإن وهب الدين لغير من هو في ذمته، أو باعه إياه، لم يصح. ~~وبه قال في البيع أبو حنيفة، والثوري، وإسحاق. قال أحمد: إذا كان لك على ~~رجل طعام قرضا، فبعه من الذي هو عليه بنقد، ولا تبعه من غيره بنقد ولا ~~نسيئة، وإذا أقرضت رجلا دراهم أو دنانير، فلا تأخذ من غيره عرضا بما لك ~~عليه. وقال الشافعي: إن كان الدين على معسر، أو مماطل، أو جاحد له، لم يصح ~~البيع؛ لأنه معجوز عن تسليمه، وإن كان على مليء باذل له. # ففيه قولان أحدهما يصح؛ لأنه ابتاع بمال ثابت في الذمة، فصح، كما لو ~~اشترى في ذمته، ويشترط أن يشتريه بعين، أو يتقابضان في المجلس، لئلا يكون ~~بيع دين بدين. ولنا أنه غير قادر على تسليمه، فلم يصح، كبيع الآبق. فأما ~~هبته، فيحتمل أن لا تصح، كالبيع، ويحتمل أن تصح؛ لأنه لا غرر فيها على ~~المتهب، ولا الواهب، فتصح، كهبة الأعيان. ### | [فصل البراءة من المجهول في هبة المشاع] # (4454) فصل: تصح البراءة من المجهول، إذا لم يكن ms2923 لهما سبيل إلى معرفته. ~~وقال أبو حنيفة: تصح مطلقا. وقال الشافعي: لا تصح، إلا أنه إذا أراد ذلك ~~قال: أبرأتك من درهم إلى ألف. لأن الجهالة إنما منعت لأجل الغرر، فإذا رضي ~~بالجملة، فقد زال الغرر، وصحت البراءة. ولنا، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لرجلين اختصما إليه في مواريث درست: «اقتسما، وتوخيا الحق، ثم ~~استهما، ثم تحالا» رواه أبو داود. # ولأنه إسقاط، فصح في المجهول، كالعتاق والطلاق، وكما لو قال: من درهم إلى ~~ألف. ولأن الحاجة داعية إلى تبرئة الذمة، ولا سبيل إلى العلم بما # PageV06P048 # فيها، فلو وقف صحة البراءة على العلم، لكان سدا لباب عفو الإنسان عن أخيه ~~المسلم، وتبرئة ذمته، فلم يجز ذلك، كالمنع من العتق. وأما إن كان من عليه ~~الحق يعلمه، ويكتمه المستحق، خوفا من أنه إذا علمه لم يسمح بإبرائه منه، ~~فينبغي أن لا تصح البراءة فيه؛ لأن فيه تغريرا بالمشتري، وقد أمكن التحرز ~~منه # وقال أصحابنا: لو أبرأه من مائة، وهو يعتقد أنه لا شيء له عليه، وكان له ~~عليه مائة، ففي صحة البراءة وجهان؛ أحدهما، صحتها؛ لأنها صادفت ملكه، ~~فأسقطته، كما لو علمها. والثاني، لا تصح؛ لأنه أبرأه مما لا يعتقد أنه ~~عليه، فلم يكن ذلك إبراء في الحقيقة. وأصل الوجهين ما لو باع مالا كان ~~لموروثه، يعتقد أنه باق لمورثه، وكان مورثه قد مات، وانتقل ملكه إليه، فهل ~~يصح؟ فيه وجهان. وللشافعي قولان في البيع، وفي صحة الإبراء وجهان. ### | [مسألة يقبض الهبة للطفل أبوه أو وصيه أو الحاكم أو أمينه بأمره] # (4455) مسألة قال: (ويقبض للطفل أبوه، أو وصيه، أو الحاكم، أو أمينه ~~بأمره) وجملة ذلك أن الطفل لا يصح قبضه لنفسه، ولا قبوله؛ لأنه ليس من أهل ~~التصرف، ووليه يقوم مقامه في ذلك؛ فإن كان له أب أمين، فهو وليه؛ لأنه أشفق ~~عليه، وأقرب إليه، وإن مات أبوه الأمين، وله وصي، فوليه وصيه؛ لأن الأب ~~أقامه مقام نفسه، فجرى مجرى وكيله. وإن كان الأب غير مأمون، لفسق أو جنون، ~~أو ms2924 مات عن غير وصي، فأمينه الحاكم. # ولا يلي ماله غير هؤلاء الثلاثة، وأمين الحاكم يقوم مقامه، وكذلك وكيل ~~الأب والوصي، فيقوم كل واحد منهم مقام الصبي في القبول والقبض إن احتيج ~~إليه؛ لأن ذلك قبول لما للصبي فيه حظ، فكان إلى الولي، كالبيع والشراء. ولا ~~يصح القبض والقبول من غير هؤلاء. قال أحمد، في رواية صالح، في صبي وهبت له ~~هبة، أو تصدق عليه بصدقة، فقبضت الأم ذلك وأبوه حاضر، فقال: لا أعرف للأم ~~قبضا، ولا يكون إلا للأب. # وقال عثمان - رضي الله عنه -: أحق من يحوز على الصبي أبوه. وهذا مذهب ~~الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا؛ لأن القبض إنما يكون من المتهب أو نائبه، ~~والوالي نائب بالشرع، فصح قبضه له، أما غيره فلا نيابة له. ويحتمل أن يصح ~~القبض والقبول من غيرهم عند عدمهم؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك # فإن الصبي قد يكون في مكان لا حاكم فيه، وليس له أب ولا وصي، ويكون فقيرا ~~لا غنى به عن الصدقات، فإن لم يصح قبض غيرهم له، انسد باب وصولها إليه، ~~فيضيع ويهلك، ومراعاة حفظه عن الهلاك أولى من مراعاة الولاية. فعلى هذا، ~~للأم القبض له، وكل من يليه من أقاربه وغيرهم. وإن كان الصبي مميزا، فحكمه ~~حكم # PageV06P049 # الطفل، في قيام وليه مقامه، لأن الولاية لا تزول عنه قبل البلوغ، إلا أنه ~~إذا قبل لنفسه، وقبض لها صح؛ لأنه من أهل التصرف، فإنه يصح بيعه وشراؤه ~~بإذن الولي، فهاهنا أولى. # ولا يحتاج إلى إذن الولي هاهنا؛ لأنه محض مصلحة، ولا ضرر فيه، فصح من غير ~~إذن وليه، كوصيته، وكسب المباحات. ويحتمل أن يقف صحة القبض منه على إذن ~~وليه، دون القبول؛ لأن القبض يحصل به مستوليا على المال، فلا يؤمن تضييعه ~~له وتفريطه فيه، فيتعين حفظه عن ذلك بوقفه على إذن وليه، كقبضه لوديعته. ~~وأما القبول، فيحصل له به الملك من غير ضرر، فجاز من غير إذن، كاحتشاشه ~~واصطياده. ### | [فصل وهب الأب لابنه شيئا] # (4456) فصل: فإن وهب الأب لابنه شيئا، ms2925 قام مقامه في القبض والقبول، إن ~~احتيج إليه. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن ~~الرجل إذا وهب لولده الطفل دارا بعينها، أو عبدا بعينه، وقبضه له من نفسه، ~~وأشهد عليه، أن الهبة تامة. هذا قول مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب ~~الرأي. وروينا معنى ذلك عن شريح، وعمر بن عبد العزيز. ثم إن كان الموهوب ~~مما يفتقر إلى قبض، اكتفي بقوله: قد وهبت هذا لابني، وقبضته له # لأنه يغني عن القبول كما ذكرنا. ولا يغني قوله: قد قبلته. لأن القبول لا ~~يغني عن القبض. وإن كان مما لا يفتقر اكتفي بقوله: قد وهبت هذا لابني. ولا ~~يحتاج إلى ذكر قبض ولا قبول. قال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء على أن هبة ~~الأب لابنه الصغير في حجره لا يحتاج إلى قبض، وأن الإشهاد فيها يغني عن ~~القبض، وإن وليها أبوه؛ لما رواه مالك، عن الزهري، عن ابن المسيب، أن عثمان ~~قال: من نحل ولدا له صغيرا، لم يبلغ أن يحوز نحلة، فأعلن ذلك، وأشهد على ~~نفسه، فهي جائزة، وإن وليها أبوه # وقال القاضي: لا بد في هبة الولد من أن يقول: قد قبلته. وهذا مذهب ~~الشافعي؛ لأن الهبة عندهم لا تصح إلا بإيجاب وقبول. وقد ذكرنا من قبل أن ~~قرائن الأحوال ودلالتها تغني عن لفظ القبول، ولا أدل على القبول من كون ~~القابل هو الواهب، فاعتبار لفظ لا يفيد معنى من غير ورود الشرع به تحكم لا ~~معنى له، مع مخالفته لظاهر حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته. وليس ~~هذا مذهبا لأحمد، فقد قال في رواية حرب، في رجل أشهد بسهم من ضيعته وهي ~~معروفة لابنه، وليس له ولد غيره، فقال: أحب إلي أن يقول عند الإشهاد: قد ~~قبضته له # قيل له: فإن سها؟ قال: إذا كان مفرزا رجوت. فقد ذكر أحمد أنه يكتفى ~~بقوله: قد قبضته. وأنه يرجو أن يكتفى مع التمييز بالإشهاد فحسب. وهذا موافق ~~للإجماع المذكور عن سائر العلماء. وقال بعض أصحابنا: ms2926 يكتفى بأحد # PageV06P050 # لفظين، إما أن يقول: قد قبلته، أو قبضته. لأن القبول يغني عن القبض. ~~وظاهر كلام أحمد ما ذكرناه # ولا فرق بين الأثمان وغيرها فيما ذكرنا، وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي. ~~وقال مالك: إن وهب له ما يعرف بعينه كالأثمان، لم يجز، إلا أن يضعها على يد ~~غيره؛ لأن الأب قد يتلف ذلك، ويتلف بغير سببه، ولا يمكن أن يشهد على شيء ~~بعينه، فلا ينفع القبض شيئا. ولنا أن ذلك مما لا تصح هبته، فإذا وهبه لابنه ~~الصغير، وقبضه له، وجب أن تصح كالعروض. ### | [فصل كان الواهب للصبي غير الأب من أوليائه] # (4457) فصل: وإن كان الواهب للصبي غير الأب من أوليائه، فقال أصحابنا: لا ~~بد من أن يوكل من يقبل للصبي، ويقبض له، ليكون الإيجاب منه، والقبول، ~~والقبض من غيره، كما في البيع. بخلاف الأب؛ فإنه يجوز أن يوجب ويقبل ويقبض، ~~لكونه يجوز أن يبيع لنفسه. والصحيح عندي أن الأب وغيره في هذا سواء؛ لأنه ~~عقد يجوز أن يصدر منه ومن وكيله، فجاز له أن يتولى طرفيه، كالأب # وفارق البيع؛ فإنه لا يجوز أن يوكل من يشتري له، ولأن البيع عقد معاوضة ~~ومرابحة، فيتهم في عقده لنفسه، والهبة محض مصلحة لا تهمة فيها، وهو ولي ~~فيه، فجاز أن يتولى طرفي العقد، كالأب، ولأن البيع إنما منع منه لما يأخذه ~~من العوض لنفسه من مال الصبي، وهو هاهنا يعطي ولا يأخذ، فلا وجه لمنعه من ~~ذلك، وتوقيفه على توكيل غيره، ولأننا قد ذكرنا أنه يستغنى بالإيجاب ~~والإشهاد عن القبض والقبول، فلا حاجة إلى التوكيل فيهما مع غناه عنهما. ### | [فصل الهبة من الصبي لغيره] # (4458) فصل: فأما الهبة من الصبي لغيره، فلا تصح، سواء أذن فيها الولي أو ~~لم يأذن؛ لأنه محجور عليه لحظ نفسه، فلم يصح تبرعه، كالسفيه. وأما العبد ~~فلا يجوز أن يهب إلا بإذن سيده؛ لأنه مال لسيده، وماله مال لسيده، فلا يجوز ~~له إزالة ملك سيده عنه بغير إذنه، كالأجنبي. وله أن يقبل الهبة بغير إذن ~~سيده. نص ms2927 عليه أحمد؛ لأنه تحصيل للمال لسيده، فلم يعتبر إذنه فيه، ~~كالالتقاط، وما وهبه لسيده، لأنه من اكتسابه، فأشبه اصطياده. ### | [مسألة فاضل بين ولده في العطية] # (4459) مسألة قال: (وإذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، كأمر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -) وجملة ذلك أنه يجب على الإنسان التسوية بين أولاده ~~في العطية، وإذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل، فإن خص بعضهم بعطيته، ~~أو فاضل بينهم فيها أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين؛ إما رد ما فضل به ~~البعض، وإما إتمام نصيب الآخر. قال طاوس: لا يجوز ذلك، ولا رغيف محترق. # PageV06P051 # وبه قال ابن المبارك # وروي معناه عن مجاهد، وعروة. وكان الحسن يكرهه، ويجيزه في القضاء. وقال ~~مالك، والليث، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي: ذلك جائز. وروي معنى ذلك ~~عن شريح، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح؛ لأن أبا بكر - رضي الله عنه - نحل ~~عائشة ابنته جذاذ عشرين وسقا، دون سائر ولده. واحتج الشافعي بقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في حديث النعمان بن بشير: «أشهد على هذا غيري» # فأمره بتأكيدها دون الرجوع فيها، ولأنها عطية تلزم بموت الأب، فكانت ~~جائزة، كما لو سوى بينهم. ولنا ما روى النعمان بن بشير قال: «تصدق علي أبي ~~ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. فجاء أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليشهده على صدقته، فقال: أكل ولدك أعطيت مثله؟ قال: لا. قال: فاتقوا الله، ~~واعدلوا بين أولادكم. قال: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة» . وفي لفظ قال: " ~~فاردده ". وفي لفظ قال: " فأرجعه ". وفي لفظ: " لا تشهدني على جور " وفي ~~لفظ: " فأشهد على هذا غيري ". وفي لفظ: " سو بينهم ". وهو حديث صحيح، متفق ~~عليه. # وهو دليل على التحريم؛ لأنه سماه جورا، وأمر برده، وامتنع من الشهادة ~~عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم ~~العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه، كتزويج المرأة على عمتها أو ~~خالتها. وقول أبي بكر ms2928 لا يعارض قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يحتج ~~به معه. ويحتمل أن أبا بكر - رضي الله عنه - خصها بعطيته لحاجتها وعجزها عن ~~الكسب والتسبب فيه، مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك من فضائلها # ويحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل ~~غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك. ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه؛ لأن ~~حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال ~~أبي بكر اجتناب المكروهات. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فأشهد على ~~هذا غيري» . ليس بأمر؛ لأن أدنى أحوال الأمر الاستحباب والندب، ولا خلاف في ~~كراهة هذا. وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده، مع أمره برده، وتسميته إياه جورا، ~~وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - على التناقض ~~والتضاد. # ولو أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإشهاد غيره، لامتثل بشير أمره، ~~ولم يرد، وإنما هذا تهديد له على هذا، فيفيد ما أفاده النهي عن إتمامه. ~~والله أعلم. # PageV06P052 ### | [فصل خص بعض ولده بهبة لمعني يقتضي تخصيصه] # (4460) فصل: فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو ~~زمانة، أو عمى، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل، أو ~~صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على ~~معصية الله، أو ينفقه فيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك؛ لقوله في ~~تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس به إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل ~~الأثرة. والعطية في معناه. ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل أو التخصيص ~~على كل حال؛ لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل بشيرا في عطيته # والأول أولى إن شاء الله؛ لحديث أبي بكر، ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي ~~العطية، فجاز أن يختص بها، كما لو اختص بالقرابة. وحديث بشير قضية في عين ~~لا عموم لها، وترك النبي ms2929 - صلى الله عليه وسلم - الاستفصال يجوز أن يكون ~~لعلمه بالحال. فإن قيل: لو علم بالحال لما قال: " ألك ولد غيره؟ ". قلنا: ~~يحتمل أن يكون السؤال هاهنا لبيان العلة، كما قال - عليه السلام - للذي ~~سأله عن بيع الرطب بالتمر: «أينقص الرطب إذا يبس؟ قال: نعم: قال: فلا إذا» # وقد علم أن الرطب ينقض، لكن نبه السائل بهذا على علة المنع من البيع، كذا ~~هاهنا. ### | [فصل استحباب التسوية وكراهة التفضيل في الهبة] # (4461) فصل: ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية، وكراهة التفضيل. ~~قال إبراهيم: كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى في القبل. إذا ثبت هذا، ~~فالتسوية المستحبة أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث، فيجعل ~~للذكر مثل حظ الأنثيين # وبهذا قال عطاء، وشريح، وإسحاق، ومحمد بن الحسن. قال شريح لرجل قسم ماله ~~بين ولده: ارددهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه. وقال عطاء: ما كانوا يقسمون ~~إلا على كتاب الله تعالى. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن المبارك: ~~تعطى الأنثى مثل ما يعطى الذكر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لبشير بن سعد: " سو بينهم ". وعلل ذلك بقوله # : «أيسرك أن يستووا في برك؟ . قال: نعم. قال: فسو بينهم» . والبنت كالابن ~~في استحقاق برها، وكذلك في عطيتها. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثرا لأحد لآثرت ~~النساء على الرجال» . رواه سعيد في " سننه ". ولأنها عطية في الحياة، ~~فاستوى فيها الذكر والأنثى، كالنفقة والكسوة. ولنا أن الله تعالى قسم ~~بينهم، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وأولى ما اقتدى بقسمة الله، ولأن ~~العطية في الحياة أحد حالي العطية، فيجعل للذكر منها مثل حظ الأنثيين، ~~كحالة الموت. يعني الميراث # PageV06P053 # يحققه أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت، فينبغي أن تكون على حسبه، ~~كما أن معجل الزكاة قبل وجوبها يؤديها على صفة أدائها بعد وجوبها، وكذلك ~~الكفارات المعجلة، ولأن الذكر أحوج من الأنثى، من قبل أنهما إذا تزوجا ~~جميعا فالصداق والنفقة ونفقة ms2930 الأولاد على الذكر، والأنثى لها ذلك، فكان ~~أولى بالتفضيل؛ لزيادة حاجته، وقد قسم الله تعالى الميراث، ففضل الذكر ~~مقرونا بهذا المعنى فتعلل به، ويتعدى ذلك إلى العطية في الحياة. # وحديث بشير قضية في عين، وحكاية حال لا عموم لها، وإنما ثبت حكمها فيما ~~ماثلها، ولا نعلم حال أولاد بشير، هل كان فيهم أنثى أو لا؟ ولعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قد علم أنه ليس له إلا ولد ذكر. ثم تحمل التسوية على ~~القسمة على كتاب الله تعالى. ويحتمل أنه أراد التسوية في أصل العطاء، لا في ~~صفته، فإن القسمة لا تقتضي التسوية من كل وجه وكذلك الحديث الآخر، ودليل ~~ذلك قول عطاء: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى. وهذا خبر عن ~~جميعهم، على أن الصحيح من خبر ابن عباس أنه مرسل. ### | [فصل ليس عليه التسوية بين سائر أقاربه في الهبة] # (4462) فصل: وليس عليه التسوية بين سائر أقاربه، ولا إعطاؤهم على قدر ~~مواريثهم سواء كانوا من جهة واحدة، كإخوة وأخوات، وأعمام وبني عم، أو من ~~جهات، كبنات وأخوات وغيرهم. وقال أبو الخطاب المشروع في عطية الأولاد وسائر ~~الأقارب، أن يعطيهم على قدر ميراثهم، فإن خالف وفعل، فعليه أن يرجع ويعمهم ~~بالنحلة؛ لأنهم في معنى الأولاد، فثبت فيهم مثل حكمهم. ولنا أنها عطية لغير ~~الأولاد في صحته، فلم تجب عليه التسوية، كما لو كانوا غير وارثين. # ولأن الأصل إباحة تصرف الإنسان في ماله كيف شاء، وإنما وجبت التسوية بين ~~الأولاد بالخبر، وليس غيرهم في معناهم؛ لأنهم استووا في وجوب بر والدهم، ~~فاستووا في عطيته. وبهذا علل النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «أيسرك ~~أن يستووا في برك؟ قال: نعم. قال: فسو بينهم» . ولم يوجد هذا في غيرهم، ~~ولأن للوالد الرجوع فيما أعطى ولده، فيمكنه أن يسوي بينهم باسترجاع ما ~~أعطاه لبعضهم، ولا يمكن ذلك في غيرهم، ولأن الأولاد لشدة محبة الوالد لهم، ~~وصرف ماله إليهم عادة. # يتنافسون في ذلك، ويشتد عليهم تفضيل بعضهم، ولا يباريهم في ذلك غيرهم، ms2931 ~~فلا يصح قياسه عليهم، ولا نص في غيرهم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قد علم لبشير زوجة، ولم يأمره بإعطائها شيئا حين أمره بالتسوية بين أولاده، ~~ولم يسأله هل لك وارث غير ولدك؟ . ### | [فصل الأم في المنع من المفاضلة في الهبة بين الأولاد كالأب] # (4463) فصل: والأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد كالأب؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم» . # PageV06P054 # ولأنها أحد الوالدين، فمنعت التفضيل كالأب، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ~~ولده من الحسد والعداوة، يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها، فثبت لها مثل ~~حكمه في ذلك. ### | [فصل الرجوع فيما وهب لولده] # (4464) فصل: وقول الخرقي: " أمر برده ". يدل على أن للأب الرجوع فيما وهب ~~لولده. وهو ظاهر مذهب أحمد، سواء قصد برجوعه التسوية بين الأولاد أو لم ~~يرد، وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. وعن أحمد، ~~رواية أخرى: ليس له الرجوع فيها. وبها قال أصحاب الرأي، والثوري، والعنبري؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العائد في هبته، كالعائد في قيئه» . ~~متفق عليه # وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: من وهب هبة يرى أنه أراد بها ~~صلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة أراد بها ~~الثواب، فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض منها. رواه مالك، في " الموطأ ~~". ولأنها هبة يحصل بها الأجر من الله تعالى، فلم يجز الرجوع فيها، كصدقة ~~التطوع. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لبشير بن سعد: " فاردده ". ~~وروي: " فأرجعه ". رواه كذلك مالك عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن ~~النعمان فأمره بالرجوع في هبته، # وأقل أحوال الأمر الجواز وقد امتثل بشير بن سعد في ذلك، فرجع في هبته ~~لولده، ألا تراه قال في الحديث: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة. وحمل الحديث على ~~أنه لم يكن أعطاه شيئا، يخالف ظاهر الحديث؛ لقوله: تصدق علي أبي بصدقة. ~~وقول بشير: إني نحلت ابني غلاما يدل على أنه كان قد ms2932 أعطاه. وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: " فاردده ". وقوله: " فأرجعه ". وروى طاوس، عن ابن ~~عمر، وابن عباس، يرفعان الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«ليس لأحد أن يعطي عطية، فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده» رواه ~~الترمذي. وقال: حديث حسن. # وهذا يخص عموم ما رووه ويفسره. وقياسهم منقوض بهبة الأجنبي؛ فإن فيها ~~أجرا وثوابا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ندب إليها. وعندهم له ~~الرجوع فيها، والصدقة على الولد كمسألتنا، وقد دل حديث النعمان بن بشير على ~~الرجوع في الصدقة؛ لقوله: تصدق علي أبي بصدقة. ### | [فصل الأم كالأب، في الرجوع في الهبة] # (4465) فصل: وظاهر كلام الخرقي، أن الأم كالأب، في الرجوع في الهبة؛ لأن ~~قوله: " وإذا فاضل بين أولاده " يتناول كل والد، ثم قال في سياقه: " أمر ~~برده ". فيدخل فيه الأم. وهذا مذهب الشافعي؛ لأنها داخلة في قوله: " إلا ~~الوالد فيما يعطي ولده ". ولأنها لما دخلت في قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «سووا بين أولادكم» . ينبغي أن يتمكن # PageV06P055 # من التسوية، والرجوع في الهبة طريق في التسوية، وربما تعين طريقا فيها ~~إذا لم يمكن إعطاء الآخر مثل عطية الأول. # ولأنها لما دخلت في المعنى في حديث بشير بن سعد، فينبغي أن تدخل في جميع ~~مدلوله؛ لقوله: " فاردده ". وقوله: " فأرجعه ". ولأنها لما ساوت الأب في ~~تحريم تفضيل بعض ولدها، ينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضله به، ~~تخليصا لها من الإثم، وإزالة للتفضيل المحرم، كالأب. والمنصوص عن أحمد أنه ~~ليس لها الرجوع. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: الرجوع للمرأة فيما أعطته ~~ولدها كالرجل؟ قال: ليس هي عندي في هذا كالرجل؛ لأن للأب أن يأخذ من مال ~~ولده، والأم لا تأخذ # وذكر حديث عائشة: «أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» . أي ~~كأنه الرجل. قال أصحابنا: والحديث حجة لنا، فإنه خص الوالد، وهو بإطلاقه ~~إنما يتناول الأب دون الأم، والفرق بينهما أن للأب ولاية على ولده، ويحوز ~~جميع المال في الميراث، والأم ms2933 بخلافه. وقال مالك: للأم الرجوع في هبة ولدها ~~ما كان أبوه حيا، فإن كان ميتا، فلا رجوع لها؛ لأنها هبة ليتيم وهبة ~~اليتيم، لازمة، كصدقة التطوع، ومن مذهبه أنه لا يرجع في صدقة التطوع. ### | [فصل الفرق بين الهبة والصدقة] # (4466) فصل: ولا فرق فيما ذكرنا بين الهبة والصدقة. وهو قول الشافعي. ~~وفرق مالك وأصحاب الرأي بينهما، فلم يجيزوا الرجوع في الصدقة بحال، واحتجوا ~~بحديث عمر: من وهب هبة، وأراد بها صلة رحم، أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع. # ولنا، حديث النعمان بن بشير، فإنه قال: تصدق علي أبي بصدقة. وقال: فرجع ~~أبي، فرد تلك الصدقة # وأيضا عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إلا الوالد فيما يعطي ~~ولده» . وهذا يقدم على قول عمر، ثم هو خاص في الوالد، وحديث عمر عام، فيجب ~~تقديم الخاص. ### | [فصل للرجوع في هبة الولد شروط أربعة] # (4467) فصل: وللرجوع في هبة الولد شروط أربعة: أحدها أن تكون باقية في ~~ملك الابن، فإن خرجت عن ملكه، ببيع أو هبة أو وقف أو إرث أو غير ذلك، لم ~~يكن له الرجوع فيها؛ لأنه إبطال لملك غير الوالد. وإن عادت إليه بسبب جديد، ~~كبيع أو هبة أو وصية أو إرث ونحو ذلك، لم يملك الرجوع فيها؛ لأنها عادت ~~بملك جديد لم يستفده من قبل أبيه، فلا يملك فسخه وإزالته، كالذي لم يكن ~~موهوبا له # وإن عادت إليه بفسخ البيع، لعيب، أو إقالة أو فلس المشتري، ففيه وجهان # PageV06P056 # أحدهما، يملك الرجوع؛ لأن السبب المزيل ارتفع، وعاد الملك بالسبب الأول، ~~فأشبه ما لو فسخ البيع بخيار المجلس أو خيار الشرط. # والثاني لا يملك الرجوع؛ لأن الملك عاد إليه بعد استقرار ملك من انتقل ~~إليه عليه، فأشبه ما لو عاد إليه بهبة. فأما إن عاد إليه للفسخ بخيار ~~الشرط، أو خيار المجلس، فله الرجوع؛ لأن الملك لم يستقر عليه. # (4468) فصل: الثاني أن تكون العين باقية في تصرف الولد، بحيث يملك التصرف ~~في رقبتها، فإن استولد الأمة، لم يملك الأب الرجوع فيها؛ لأن ms2934 الملك فيها لا ~~يجوز نقله إلى غير سيدها. وإن رهن العين، أو أفلس وحجر عليه، لم يملك الأب ~~الرجوع فيها؛ لأن في ذلك إبطالا لحق غير الولد # فإن زال المانع من التصرف، فله الرجوع؛ لأن ملك الابن لم يزل، وإنما طرأ ~~معنى قطع التصرف مع بقاء الملك، فمنع الرجوع، فإذا زال زال المنع، والكتابة ~~كذلك عند من لا يرى بيع المكاتب. وهو مذهب الشافعي وجماعة سواه. فأما من ~~أجاز بيع المكاتب، فحكمه حكم المستأجر والمزوج. وأما التدبير، فالصحيح أنه ~~لا يمنع البيع، فلا يمنع الرجوع. وإن قلنا: يمنع البيع. # منع الرجوع. وكل تصرف لا يمنع الابن التصرف في الرقبة، كالوصية والهبة ~~قبل القبض فيما يفتقر إليه، والوطء والتزويج والإجارة والكتابة والتدبير، ~~إن قلنا: لا يمنع البيع، والمزارعة عليها، وجعلها مضاربة، أو في عقد شركة، ~~فكل ذلك لا يمنع الرجوع؛ لأنه لا يمنع تصرف الابن في رقبتها، وكذلك العتق ~~المعلق على صفة. وإذا رجع وكان التصرف لازما، كالإجارة والتزويج والكتابة، ~~فهو باق بحاله؛ لأن الابن لا يملك إبطاله، فكذلك من انتقل إليه # وإن كان جائزا، كالوصية والهبة قبل القبض، بطل؛ لأن الابن يملك إبطاله. ~~وأما التدبير والعتق المعلق بصفة، فلا يبقى حكمهما في حق الأب، ومتى عاد ~~إلى الابن، عاد حكمهما. فأما البيع الذي للابن فيه خيار، إما لشرط، أو عيب ~~في الثمن، أو غير ذلك، فيمنع الرجوع؛ لأن الرجوع يتضمن فسخ ملك الابن في ~~عوض المبيع، ولم يثبت له ذلك من جهته. وإن وهبه الابن لابنه، لم يملك ~~الرجوع فيه؛ لأن رجوعه إبطال لملك غير ابنه. فإن رجع الابن في هبته، احتمل ~~أن يملك الأب الرجوع في هبته حينئذ # لأنه فسخ هبته برجوعه، فعاد إليه الملك بالسبب الأول. ويحتمل أن لا يملك ~~الأب الرجوع؛ لأنه رجع إلى ابنه بعد استقرار ملك غيره عليه، فأشبه ما لو ~~وهبه ابن الابن لأبيه. # فصل: الثالث أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد، فإن تعلقت بها رغبة لغيره، ~~مثل أن يهب ولده شيئا # PageV06P057 # فيرغب ms2935 الناس في معاملته، وأدانوه ديونا، أو رغبوا في مناكحته، فزوجوه إن ~~كان ذكرا، أو تزوجت الأنثى لذلك، فعن أحمد روايتان؛ أولاهما، ليس له الرجوع # قال أحمد، في رواية أبي الحارث، في الرجل يهب لابنه مالا: فله الرجوع، ~~إلا أن يكون غر به قوما، فإن غر به، فليس له أن يرجع فيها. وهذا مذهب مالك؛ ~~لأنه تعلق به حق غير الابن، ففي الرجوع إبطال حقه، وقد قال - عليه السلام ~~-: «لا ضرر ولا ضرار» . وفي الرجوع ضرر، ولأن في هذا تحيلا على إلحاق الضرر ~~بالمسلمين، ولا يجوز التحيل على ذلك. والثانية، له الرجوع؛ لعموم الخبر، ~~ولأن حق المتزوج والغريم لم يتعلق بعين هذا المال، فلم يمنع الرجوع فيه. # (4470) فصل: الرابع أن لا تزيد زيادة متصلة، كالسمن والكبر وتعلم صنعة. ~~فإن زادت، فعن أحمد روايتان إحداهما لا تمنع الرجوع. وهو مذهب الشافعي؛ ~~لأنها زيادة في الموهوب، فلم تمنع الرجوع، كالزيادة قبل القبض، والمنفصلة. ~~والثانية، تمنع. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن الزيادة للموهوب له لكونها نماء ~~ملكه، ولم تنتقل إليه من جهة أبيه، فلم يملك الرجوع فيها، كالمنفصلة، وإذا ~~امتنع الرجوع فيها، امتنع الرجوع في الأصل. # لئلا يفضي إلى سوء المشاركة، وضرر التشقيص، ولأنه استرجاع للمال بفسخ عقد ~~لغير عيب في عوضه، فمنعه الزيادة المتصلة، كاسترجاع الصداق بفسخ النكاح، أو ~~نصفه بالطلاق، أو رجوع البائع في المبيع لفلس المشتري. # ويفارق الرد بالعيب من جهة أن الرد من المشتري، وقد رضي ببدل الزيادة. ~~وإن فرض الكلام فيما إذا باع عرضا بعرض، فزاد أحدهما، ووجد المشتري الآخر ~~به عيبا، قلنا: بائع المعيب سلط مشتريه على الفسخ، ببيعه المعيب، فكأن ~~الفسخ وجد منه. ولهذا قلنا، فيما إذا فسخ الزوج النكاح لعيب المرأة قبل ~~الدخول: لا صداق لها، كما لو فسخته. وعلى هذا لا فرق بين الزيادة في العين، ~~كالسمن والطول ونحوهما، أو في المعاني، كتعلم صنعة أو كتابة أو قرآن أو ~~علم، أو إسلام، أو قضاء دين عنه. وبهذا قال محمد بن الحسن # وقال أبو حنيفة: الزيادة ms2936 بتعليم القرآن وقضاء الدين عنه لا تمنع الرجوع. ~~ولنا أنها زيادة لها مقابل من الثمن، فمنعت الرجوع، كالسمن وتعلم الصنعة. ~~وإن زاد ببرئه من مرض أو صمم، منع الرجوع، كسائر الزيادات، وإن كانت زيادة ~~العين أو التعلم لا تزيد في قيمته شيئا، أو ينقص منها، لم يمنع الرجوع؛ لأن ~~ذلك ليس بزيادة في المالية. وأما الزيادة المنفصلة، كولد البهيمة، وثمرة ~~الشجرة، وكسب العبد، فلا تمنع الرجوع بغير اختلاف نعلمه # والزيادة للولد؛ لأنها حادثة في ملكه، # PageV06P058 # ولا تتبع في الفسوخ، فلا تتبع هاهنا. وذكر القاضي وجها آخر، أنها للأب. ~~وهو بعيد، فإن كانت الزيادة ولد أمة لا يجوز التفريق بينه وبين أمه، منع ~~الرجوع؛ لأنه يلزم منه التفريق بينه وبين أمه، وذلك محرم، إلا أن نقول إن ~~الزيادة المنفصلة للأب، فلا يمنع الرجوع؛ لأنه يرجع فيهما جميعا، أو يرجع ~~في الأم، ويتملك الوالد من مال ولده. ### | [فصل إن قصر العين أو فصلها فلم تزد قيمتها لم تمنع الرجوع في الهبة] # (4471) فصل: وإن قصر العين أو فصلها، فلم تزد قيمتها، لم تمنع الرجوع؛ ~~لأن العين لم تزد ولا القيمة وإن زادت قيمتها، فهي زيادة متصلة، هل تمنع ~~الرجوع أو لا؟ يبنى على الروايتين في السمنة. ويحتمل أن تمنع هذه الزيادة ~~الرجوع بكل حال؛ لأنها حاصلة بفعل الابن، فجرت مجرى العين الحاصلة بفعله، ~~بخلاف السمن، فإنه يحتمل أن يكون للأب، فلا يمنع الرجوع، لأنه نماء العين، ~~فيكون تابعا لها # وإن وهبه حاملا فولدت في يد الابن، فهي زيادة متصلة في الولد. ويحتمل أن ~~يكون الولد زيادة منفصلة إذا قلنا: الحمل لا حكم له. وإن وهبه حاملا، ثم ~~رجع فيها حاملا، جاز إذا لم تزد قيمتها، وإن زادت قيمتها، فهي زيادة ~~منفصلة. وإن وهبته حائلا فحملت، فهي زيادة منفصلة، وله الرجوع فيها دون ~~حملها. وإن قلنا: إن الحمل لا حكم له، فزادت به قيمتها، فهي زيادة متصلة # وإن لم تزد قيمتها، جاز الرجوع فيها. وإن وهبه نخلا فحملت، فهي قبل ~~التأبير زيادة متصلة، وبعده ms2937 زيادة منفصلة. ### | [فصل تلف بعض العين الموهوبة أو نقصت قيمتها] # (4472) فصل: وإن تلف بعض العين، أو نقصت قيمتها، لم يمنع الرجوع فيها، ~~ولا ضمان على الابن فيما تلف منها؛ لأنها تتلف على ملكه. وسواء تلف بفعل ~~الابن أو بغير فعله. وإن جنى العبد جناية تعلق أرشها برقبته، فهو كنقصانه ~~بذهاب بعض أجزائه، وللأب الرجوع فيه، فإن رجع فيه، ضمن أرش الجناية. وإن ~~جني على العبد، فرجع الأب فيرجع الأب فيه، فأرش الجناية عليه للابن؛ لأنه ~~بمنزلة الزيادة المنفصلة # فإن قيل: فلو أراد الأب الرجوع في الرهن، وعليه فكاكه، لم يملك ذلك، فكيف ~~ملك الرجوع في العبد الجاني إذا أدى أرش جنايته؟ قلنا: الرهن يمنع التصرف ~~في العين، بخلاف الجناية، ولأن فك الرهن فسخ لعقد عقده الموهوب له، وها هنا ~~لم يتعلق الحق به من جهة العقد، فافترقا. ### | [فصل الألفاظ الدالة على الرجوع في الهبة] # (4473) فصل: والرجوع في الهبة أن يقول قد رجعت فيها، أو ارتجعتها، أو ~~ارتددتها. أو نحو ذلك من الألفاظ الدالة على الرجوع، ولا يحتاج إلى حكم ~~حاكم. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصح الرجوع إلا بقضاء قاض؛ ~~لأن ملك الموهوب له مستقر. # PageV06P059 # ولنا أنه خيار في فسخ عقد، فلم يفتقر إلى قضاء، كالفسخ بخيار الشرط. فأما ~~إن أخذ ما وهبه لولده، فإن نوى به الرجوع، كان رجوعا، والقول قوله في نيته، ~~وإن لم يعلم هل نوى الرجوع أو لا، وكان ذلك بعد موت الأب، فإن لم توجد ~~قرينة تدل على الرجوع. # لم يحكم بكونه رجوعا؛ لأن الأخذ يحتمل الرجوع وغيره، فلا نزيل حكما ~~يقينيا بأمر مشكوك فيه. وإن اقترنت به قرائن دالة على الرجوع فيه وجهان ~~أحدهما، يكون رجوعا. اختاره ابن عقيل؛ لأننا اكتفينا في العقد بدلالة ~~الحال، ففي الفسخ أولى، ولأن لفظ الرجوع إنما كان رجوعا لدلالته عليه، ~~فكذلك كل ما دل عليه. والآخر، لا يكون رجوعا. وهو مذهب الشافعي؛ لأن الملك ~~ثابت للموهوب له يقينا، فلا يزول إلا بالصريح # ويمكن أن يبنى هذا ms2938 على نفس العقد، فمن أوجب الإيجاب والقبول فيه، لم يكتف ~~هاهنا إلا بلفظ يقتضي زواله، ومن اكتفى في العقد بالمعاطاة الدالة على ~~الرضا به، فهاهنا أولى. وإن نوى الرجوع من غير فعل ولا قول، لم يحصل ~~الرجوع، وجها واحدا؛ لأنه إثبات الملك على مال مملوك لغيره، فلم يحصل بمجرد ~~النية، كسائر العقود. وإن علق الرجوع بشرط، فقال: إذا جاء رأس الشهر فقد ~~رجعت في الهبة # لم يصح؛ لأن الفسخ للعقد لا يقف على شرط، كما لا يقف العقد عليه. ### | [مسألة فاضل بين ولده في العطايا أو خص بعضهم بعطية ثم مات قبل أن يسترده] # (4474) مسألة قال: (فإن مات ولم يردده، فقد ثبت لمن وهب له، إذا كان ذلك ~~في صحته) يعني إذا فاضل بين ولده في العطايا، أو خص بعضهم بعطية، ثم مات ~~قبل أن يسترده، ثبت ذلك للموهوب له، ولزم، وليس لبقية الورثة الرجوع. هذا ~~المنصوص عن أحمد، في رواية محمد بن الحكم، والميموني، وهو اختيار الخلال، ~~وصاحبه أبي بكر. # وبه قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأكثر أهل العلم، وفيه رواية أخرى ~~عن أحمد، أن لسائر الورثة أن يرتجعوا ما وهبه. اختاره ابن بطة وأبو حفص ~~العكبريان. وهو قول عروة بن الزبير، وإسحاق. وقال أحمد: عروة قد روى ~~الأحاديث الثلاثة؛ حديث عائشة، وحديث عمر، وحديث عثمان، وتركها وذهب إلى ~~حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - «يرد في حياة الرجل وبعد موته» # وهذا قول إسحاق، إلا أنه قال: إذا مات الرجل فهو ميراث بينهم، لا يسع أن ~~ينتفع أحد مما أعطي دون إخوته وأخواته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سمى ذلك جورا بقوله: «لا تشهدني على جور» . والجور حرام لا يحل للفاعل ~~فعله، ولا للمعطى تناوله. والموت لا يغيره عن كونه جورا حراما، فيجب رده، ~~ولأن أبا بكر وعمر أمرا قيس بن سعد، أن يرد قسمة أبيه حين ولد له ولد، ولم ~~يكن علم به، ولا أعطاه شيئا، وكان ذلك بعد موت سعد، فروى سعيد، بإسناده من ~~طريقين. # أن ms2939 سعد بن عبادة قسم ماله بين أولاده، وخرج إلى الشام، فمات بها، ثم ولد # PageV06P060 # بعد ذلك ولد فمشى أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -، إلى قيس بن سعد، ~~فقالا: إن سعدا قسم ماله، ولم يدر ما يكون، وإنا نرى أن ترد هذه القسمة. ~~فقال قيس: لم أكن لأغير شيئا صنعه سعد، ولكن نصيبي له. وهذا معنى الخبر. ~~ووجه القول الأول قول أبي بكر - رضي الله عنه -، لعائشة، لما نحلها نحلا: ~~وددت لو أنك كنت حزتيه. # فدل على أنها لو كانت حازته لم يكن له الرجوع. وكذلك قول عمر: لا نحلة ~~إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد # ولأنها عطية لولده فلزمت بالموت كما لو انفرد. وقوله: " إذا كان ذلك في ~~صحته " يدل على أن عطيته في مرض موته لبعض ورثته لا تنفذ؛ لأن العطايا في ~~مرض الموت بمنزلة الوصية، في أنها تعتبر من الثلث إذا كانت لأجنبي إجماعا، ~~فكذلك لا تنفذ في حق الوارث. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل ~~العلم، أن حكم الهبات في المرض الذي يموت فيه الواهب، حكم الوصايا، هذا ~~مذهب المديني، والشافعي، والكوفي # فإن أعطى أحد بنيه في صحته، ثم أعطى الآخر في مرضه، فقد توقف أحمد فيه، ~~فإنه سئل عمن زوج ابنه، فأعطى عنه الصداق، ثم مرض الأب، وله ابن آخر، هل ~~يعطيه في مرضه كما أعطى الآخر في صحته؟ فقال: لو كان أعطاه في صحته، فيحتمل ~~وجهين أحدهما، لا يصح؛ لأن عطيته في مرضه كوصيته، ولو وصى له لم يصح، فكذلك ~~إذا أعطاه. والثاني يصح؛ لأن التسوية بينهما واجبة، ولا طريق لها في هذا ~~الموضع إلا بعطية الآخر، فتكون واجبة، فتصح، كقضاء دينه # (4475) فصل: قال أحمد: أحب أن لا يقسم ماله، ويدعه على فرائض الله تعالى، ~~لعله أن يولد له، فإن أعطى ولده ماله، ثم ولد له ولد، فأعجب إلي أن يرجع ~~فيسوي بينهم. يعني يرجع في الجميع، أو يرجع في بعض ما أعطى كل واحد منهم ~~ليدفعوه إلى هذا الولد ms2940 الحادث، ليساوي إخوته. فإن كان هذا الولد الحادث بعد ~~الموت، لم يكن له الرجوع على إخوته؛ لأن العطية لزمت بموت أبيه، إلا على ~~الرواية الأخرى، التي ذهب إليها أبو عبد الله بن بطة # ولا خلاف في أنه يستحب لمن أعطي أن يساوي أخاه في عطيته، ولذلك أمر أبو ~~بكر وعمر - رضي الله عنهما -، قيس بن سعد، برد قسمة أبيه ليساووا المولود ~~الحادث بعد موت أبيه. ### | [فصل للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء ويتملكه بشرطين] # فصل: ولأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء، ويتملكه، مع حاجة الأب إلى ما ~~يأخذه، ومع عدمها، صغيرا كان الولد أو كبيرا، بشرطين # PageV06P061 # أحدهما أن لا يجحف بالابن، ولا يضر به، ولا يأخذ شيئا تعلقت به حاجته. ~~الثاني أن لا يأخذ من مال ولده فيعطيه الآخر. نص عليه أحمد، في رواية ~~إسماعيل بن سعيد، وذلك لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، ~~فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذ من مال ولده الآخر أولى # وقد روي أن مسروقا زوج ابنته بصداق عشرة آلاف، فأخذها، وأنفقها في سبيل ~~الله، وقال للزوج: جهز امرأتك. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: ليس له أن ~~يأخذ من مال ولده إلا بقدر حاجته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا» ، متفق ~~عليه. وروى الحسن، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل أحد أحق بكسبه ~~من والده وولده والناس أجمعين.» رواه سعيد في " سننه ". وهذا نص # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن ~~طيب نفسه» . رواه الدارقطني. ولأن ملك الابن تام على مال نفسه، فلم يجز ~~انتزاعه منه، كالذي تعلقت به حاجته. ولنا ما روت عائشة - رضي الله عنها -، ~~قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، ~~وإن أولادكم من كسبكم» . أخرجه سعيد، والترمذي، وقال: حديث حسن. # وروى عمرو بن شعيب، عن ms2941 أبيه، عن جده، قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: إن أبي احتاج مالي. فقال: أنت ومالك لأبيك» . رواه ~~الطبراني، في " معجمه " مطولا، ورواه غيره، وزاد: «إن أولادكم من أطيب ~~كسبكم، فكلوا من أموالهم» . وروى محمد بن المنكدر، والمطلب بن حنطب، قال: ~~«جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن لي مالا وعيالا، ~~ولأبي مال وعيال، وأبي يريد أن يأخذ مالي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: أنت ومالك لأبيك» . أخرجه سعيد، في " سننه " # ولأن الله تعالى جعل الولد موهوبا لأبيه، فقال: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب} ~~[الأنعام: 84] . وقال: {ووهبنا له يحيى} [الأنبياء: 90] . وقال زكريا: {فهب ~~لي من لدنك وليا} [مريم: 5] . وقال إبراهيم: {الحمد لله الذي وهب لي على ~~الكبر إسماعيل وإسحاق} [إبراهيم: 39] . # وما كان موهوبا له، كان له أخذ ماله، كعبده. # PageV06P062 # وقال سفيان بن عيينة، في قوله: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو ~~بيوت آبائكم} [النور: 61] # ثم ذكر بيوت سائر القرابات إلا الأولاد لم يذكرهم؛ لأنهم دخلوا في قوله: ~~{بيوتكم} [النور: 61] . فلما كانت بيوت أولادهم كبيوتهم، لم يذكر بيوت ~~أولادهم. ولأن الرجل يلي مال ولده من غير تولية، فكان له التصرف فيه كمال ~~نفسه. وأما أحاديثهم، فأحاديثنا تخصها وتفسرها، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - جعل مال الابن مالا لأبيه، بقوله: «أنت ومالك لأبيك» . فلا تنافي ~~بينهما # وقوله: «أحق به من والده وولده» مرسل، ثم هو يدل على ترجيح حقه على حقه، ~~لا على نفي الحق بالكلية، والولد أحق من الوالد بما تعلقت به حاجته. ### | [فصل ليس للولد مطالبة أبيه بدين عليه] # (4477) فصل: وليس للولد مطالبة أبيه بدين عليه. وبه قال الزبير بن بكار. ~~وهو مقتضى قول سفيان بن عيينة. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: له ذلك؛ ~~لأنه دين ثابت، فجازت المطالبة به، كغيره. # ولنا «أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبيه يقتضيه دينا ~~عليه، فقال: أنت ومالك لأبيك» . رواه أبو محمد الخلال بإسناده. وروى الزبير ~~بن بكار، في ms2942 كتاب " الموفقيات "، بإسناده، أن رجلا استقرض من ابنه مالا، ~~فحبسه، فأطال حبسه، فاستعدى عليه الابن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~وذكر قصته في شعر، فأجابه أبوه بشعر أيضا، فقال علي - رضي الله عنه -: # قد سمع القاضي ومن ربي الفهم ... المال للشيخ جزاء بالنعم # يأكله برغم أنف من رغم ... من قال قولا غير ذا فقد ظلم # وجار في الحكم وبئس ما جرم # قال الزبير: إلى هذا نذهب. # ولأن المال أحد نوعي الحقوق، فلم يملك مطالبة أبيه بها، كحقوق الأبدان. ~~ويفارق الأب غيره، بما ثبت له من الحق على ولده. وإن مات الابن، فانتقل ~~الدين إلى ورثته، لم يملكوا مطالبة الأب به؛ لأن موروثهم لم يكن له ~~المطالبة، فهم أولى. وإن مات الأب، رجع الابن في تركته بدينه؛ لأن دينه لم ~~يسقط عن الأب، وإنما تأخرت المطالبة. وقد روي عن أحمد، أنه قال: إذا مات ~~الأب، بطل دين الابن. وقال في من أخذ من مهر ابنته شيئا فأنفقه: فليس عليه ~~شيء، ولا يؤخذ من بعده، وما أصابت من المهر من شيء بعينه أخذته # وتأول بعض أصحابنا كلامه على أن له ما أخذه على سبيل التمليك. ويحتمل أن ~~يكون أخذه له، وإنفاقه إياه، دليلا على قصد التملك، فيثبت الملك بذلك ~~الأخذ. والله أعلم. # PageV06P063 ### | [فصل تصرف الأب في مال الابن قبل تملكه] # (4478) فصل: وإن تصرف الأب في مال الابن قبل تملكه، لم يصح تصرفه. نص ~~عليه أحمد، فقال: لا يجوز عتق الأب لعبد ابنه، ما لم يقبضه. فعلى هذا، لا ~~يصح إبراؤه من دينه، ولا هبته لماله، ولا بيعه له؛ وذلك لأن ملك الابن تام ~~على مال نفسه، فصح تصرفه فيه، ويحل له وطء جواريه، ولو كان الملك مشتركا، ~~لم يحل له الوطء، كما لا يجوز وطء الجارية المشتركة، وإنما للأب انتزاعه ~~منه، كالعين التي وهبها إياه، فقبل انتزاعها لا يصح تصرفه؛ لأنه يتصرف في ~~ملك غيره بغير ولاية # وإن كان الابن صغيرا، لم يصح أيضا؛ لأنه لا يملك التصرف بما لا ms2943 حظ للصغير ~~فيه، وليس من الحظ إسقاط دينه، وعتق عبده، وهبة ماله. # (4479) فصل: قال أحمد: بين الرجل وبين ولده ربا. لما ذكرناه من أن ملك ~~الابن على ماله تام. وقال: لا يطأ جارية الابن، إلا أن يقبضها. يعني ~~يتملكها. وذلك لأنه إذا وطئها قبل تملكها، فقد وطئها وليست زوجة ولا ملك ~~يمين، وإن تملكها، لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها؛ لأنه ابتداء ملك فوجب ~~الاستبراء فيه، كما لو اشتراها # وإن كان الابن قد وطئها، لم تحل له بحال وإن وطئها قبل تملكها، كان محرما ~~من وجهين: أحدهما أنه وطئها قبل ملكها. والثاني أنه وطئها قبل استبرائها. ~~وإن كان الابن وطئها، حرمت بوجه ثالث وهي أنها صارت بمنزلة حليلة ابنه، فإن ~~فعل، فلا حد عليه؛ لشبهة الملك، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أضاف مال ~~الولد إلى أبيه، فقال: «أنت ومالك لأبيك» . وإن ولدت منه، صارت أم ولد له، ~~وولده حر؛ لأنه من وطء انتفى عنه الحد للشبه. # وتصير أم ولد له، وليس للابن مطالبته بشيء من قيمتها، ولا قيمة ولدها ولا ~~مهرها. وهل يعزر؟ يحتمل وجهين أحدهما، يعزر؛ لأنه وطئ وطئا محرما، أشبه ما ~~لو وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره. والثاني، لا يعزر؛ لأنه لا يقتص منه ~~بالجناية على ولده، فلا يعزر بالتصرف في ماله. ### | [فصل ليس لغير الأب الأخذ من مال غيره بغير إذنه] # (4480) فصل: وليس لغير الأب الأخذ من مال غيره بغير إذنه؛ لأن الخبر ورد ~~في الأب بقوله: «أنت ومالك لأبيك» . ولا يصح قياس غير الأب عليه، لأن للأب ~~ولاية على ولده وماله إذا كان صغيرا، وله شفقة تامة، وحق متأكد، ولا يسقط ~~ميراثه بحال. والأم لا تأخذ؛ لأنها لا ولاية لها. والجد أيضا لا يلي # PageV06P064 # على مال ولد ابنه، وشفقته قاصرة عن شفقة الأب، ويحجب به في الميراث، وفي ~~ولاية النكاح. # وغيرهما من الأقارب والأجانب ليس لهم الأخذ بطريق التنبيه؛ لأنه إذا ~~امتنع الأخذ في حق الأم والجد، مع مشاركتهما للأب في بعض المعاني، فغيرهما ms2944 ~~ممن لا يشارك الأب في ذلك أولى. ### | [مسألة لا يحل لواهب أن يرجع في هبته ولا لمهد أن يرجع في هديته] # (4481) مسألة قال: (ولا يحل لواهب أن يرجع في هبته، ولا لمهد أن يرجع في ~~هديته، وإن لم يثب عليها) يعني وإن لم يعوض عنها. وأراد من عدا الأب؛ لأنه ~~قد ذكر أن للأب الرجوع، بقوله: " أمر برده ". فأما غيره فليس له الرجوع في ~~هبته ولا هديته. وبهذا قال الشافعي وأبو ثور. وقال النخعي، والثوري، ~~وإسحاق، وأصحاب الرأي: من وهب لغير ذي رحم فله الرجوع، ما لم يثب عليها، ~~ومن وهب لذي رحم فليس له الرجوع. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- واحتجوا بما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الرجل أحق بهبته، ما لم يثب منها» . رواه ابن ماجه، في " سننه " # وبقول عمر، ولأنه لم يحصل له عنها عوض، فجاز له الرجوع فيها، كالعارية. ~~ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العائد في هبته، كالعائد في قيئه. ~~وفي لفظ: كالكلب يعود في قيئه. وفي رواية إنه ليس لنا مثل السوء، العائد في ~~هبته كالكلب يعود في قيئه» . متفق عليه، وأيضا قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ليس لأحد أن يعطي عطية، فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده» . ~~وقد ذكرناه # وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا يرجع واهب في هبته، إلا الوالد فيما يعطي ولده» . ولأنه واهب لا ~~ولاية له في المال، فلم يرجع في هبته، كذي الرحم المحرم. وأحاديثنا أصح من ~~حديثهم وأولى. وقول عمر، قد روي عن ابنه وابن عباس خلافه. وأما العارية ~~فإنما هي هبة المنافع، ولم يحصل القبض فيها # فإن قبضها باستيفائها، فنظير مسألتنا ما استوفى من منافع العارية، فإنه ~~لا يجوز الرجوع فيها. # (4482) فصل: فحصل الاتفاق على أن ما وهبه الإنسان لذوي رحمه المحرم غير ~~ولده، لا رجوع فيه. وكذلك ما وهب الزوج لامرأته. والخلاف ms2945 فيما عدا هؤلاء، ~~فعندنا لا يرجع إلا الوالد، وعندهم لا يرجع إلا الأجنبي. فأما هبة المرأة ~~لزوجها، فعن أحمد فيه روايتان إحداهما لا رجوع لها فيها. وهذا قول عمر بن ~~عبد العزيز، والنخعي، وربيعة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب ~~الرأي # وهو قول عطاء، وقتادة. # PageV06P065 # والثانية، لها الرجوع. قال الأثرم: سمعت أحمد يسأل عن المرأة تهب، ثم ~~ترجع، فرأيته يجعل النساء غير الرجال. ثم ذكر الحديث: «إنما يرجع في ~~المواهب النساء وشرار الأقوام» . وذكر حديث عمر: إن النساء يعطين أزواجهن ~~رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها شيئا، ثم أرادت أن تعتصره، فهي أحق به. ~~رواه الأثرم بإسناده. # وهذا قول شريح، والشعبي، وحكاه الزهري عن القضاة. وعن أحمد رواية أخرى ~~ثالثة، نقلها أبو طالب، إذا وهبت له مهرها، فإن كان سألها ذلك، رده إليها، ~~رضيت أو كرهت؛ لأنها لا تهب إلا مخافة غضبه، أو إضرار بها بأن يتزوج عليها. ~~وإن لم يكن سألها، وتبرعت به، فهو جائز. فظاهر هذه الرواية، أنه متى كانت ~~مع الهبة قرينة، من مسألته لها، أو غضبه عليها، أو ما يدل على خوفها منه، ~~فله الرجوع؛ لأن شاهد الحال يدل على أنها لم تطب بها نفسها، وإنما أباحه ~~الله تعالى عند طيب نفسها، بقوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] # وظاهر كلام الخرقي الرواية الأولى، وهو اختيار أبي بكر؛ لقول الله تعالى: ~~{إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] . وقال تعالى: ~~{فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] . وعموم ~~الأحاديث التي قدمناها. # (4483) فصل: ولا يجوز للمتصدق الرجوع في صدقته، في قولهم جميعا؛ لأن عمر ~~قال في حديثه: من وهب هبة على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها # مع عموم أحاديثنا، فاتفق دليلهم ودليلنا، فلذلك اتفق قولهم وقولنا. ### | [فصل الهبة المطلقة لا تقتضي ثوابا] # (4484) فصل: والهبة المطلقة، لا تقتضي ثوابا، سواء كانت من الإنسان لمثله ~~أو دونه أو أعلى منه. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال ms2946 الشافعي في الهبة لمثله أو ~~دونه كقولنا. فإن كانت لأعلى منه، ففيها قولان أحدهما أنها تقتضي الثواب. ~~وهو قول مالك، لقول عمر - رضي الله عنه -: ومن وهب هبة أراد بها الثواب، ~~فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض منها # ولنا أنها عطية على وجه التبرع، فلم تقتض ثوابا، كهبة المثل والوصية، ~~وحديث عمر قد خالفه ابنه وابن عباس، فإن عوضه عن الهبة، كانت هبة مبتدأة لا ~~عوضا، أيهما أصاب عيبا لم يكن له الرد. # PageV06P066 # وإن خرجت مستحقة، أخذها صاحبها، ولم يرجع الموهوب له ببدلها. فإن شرط في ~~الهبة ثوابا معلوما، صح. نص عليه أحمد؛ لأنه تمليك بعوض معلوم، فهو كالبيع، ~~وحكمها حكم البيع، في ضمان الدرك، وثبوت الخيار والشفعة # وبهذا قال أصحاب الرأي. ولأصحاب الشافعي قول، أنه لا يصح؛ لأنه شرط في ~~الهبة ما ينافي مقتضاها. ولنا أنه تمليك بعوض، فصح ما لو قال: ملكتك هذا ~~بدرهم. فإنه لو أطلق التمليك كان هبة، وإذا ذكر العوض صار بيعا. وقال أبو ~~الخطاب: وقد روي عن أحمد ما يقتضي أن يغلب في هذا حكم الهبة، فلا تثبت فيها ~~أحكام البيع المختصة به # فأما إن شرط ثوابا مجهولا، لم يصح، وفسدت الهبة، وحكمها حكم البيع ~~الفاسد، يردها الموهوب له بزيادتها المتصلة والمنفصلة؛ لأنه نماء ملك ~~الواهب. وإن كانت تالفة، رد قيمتها. وهذا قول الشافعي، وأبي ثور. وظاهر ~~كلام أحمد، - رحمه الله -، أنها تصح، فإذا أعطاه عنها عوضا رضيه، لزم العقد ~~بذلك، فإنه قال في رواية محمد بن الحكم: إذا قال الواهب: هذا لك على أن ~~تثيبني. فله أن يرجع إذا لم يثبه، لأنه شرط # وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: إذا وهب له على وجه الإثابة، فلا يجوز ~~إلا أن يثيبه عنها، فعلى هذا عليه أن يعطيه حتى يرضيه، فإن لم يفعل فللواهب ~~الرجوع. ويحتمل أن يعطيه قدر قيمتها. والأول أصح؛ لأن هذا بيع، فيعتبر فيه ~~التراضي، إلا أنه بيع بالمعاطاة، فإذا عوضه عوضا رضيه، حصل البيع بما حصل ~~من المعاطاة مع ms2947 التراضي بها، وإن لم يحصل التراضي، لم تصح؛ لعدم العقد، ~~فإنه لم يوجد الإيجاب والقبول ولا المعاطاة مع التراضي # والأصل في هذا قول عمر - رضي الله عنه -: من وهب هبة أراد بها الثواب، ~~فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض منها. وروي معنى ذلك عن علي، وفضالة بن ~~عبيد، ومالك بن أنس. وهو قول الشافعي، على القول الذي يرى أن الهبة المطلقة ~~تقتضي ثوابا. وقد روى أبو هريرة، «أن أعرابيا وهب للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ناقة، فأعطاه ثلاثا فأبى، فزاده ثلاثا، فأبى، فزاده ثلاثا، فلما ~~كملت تسعا، قال: رضيت: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لقد هممت أن لا ~~أتهب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي» . من " المسند " # قال أحمد: إذا تغيرت العين الموهوبة بزيادة أو نقصان، ولم يثبه منها، فلا ~~أرى عليه نقصان ما نقص عنده إذا رده إلى صاحبه، إلا أن يكون ثوبا لبسه، أو ~~غلاما استعمله، أو جارية استخدمها، فأما غير ذلك إذا نقص فلا شيء عليه، ~~فكان عندي مثل الرهن، الزيادة والنقصان لصاحبه. ### | [مسألة قال داري لك عمري أو هي لك عمرك] # (4485) مسألة قال: (وإذا قال: داري لك عمري. أو هي لك عمرك. فهي له ~~ولورثته من بعده) # PageV06P067 # العمرى والرقبى: نوعان من الهبة، يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات ~~من الإيجاب والقبول والقبض، أو ما يقوم مقام ذلك عند من اعتبره. وصورة ~~العمرى أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمري، أو ما عاشت، أو مدة ~~حياتك، أو ما حييت، أو نحو هذا. سميت عمرى لتقييدها بالعمر. # والرقبى أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك حياتك، على أنك إن مت قبلي ~~عادت إلي، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك. فكأنه يقول: هي لآخرنا موتا. وبذلك ~~سميت رقبى؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه. وكلاهما جائز، في قول أكثر ~~أهل العلم، وحكي عن بعضهم أنها لا تصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا تعمروا ولا ms2948 ترقبوا» . ولنا ما روى جابر، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها» رواه أبو ~~داود، والترمذي. وقال: حديث حسن. # فأما النهي، فإنما ورد على سبيل الإعلام لهم إنكم إن أعمرتم أو أرقبتم ~~يعد للمعمر والمرقب، ولم يعد إليكم منه شيء. وسياق الحديث يدل عليه، فإنه ~~قال: «فمن أعمر عمرى، فهي لمن أعمرها حيا وميتا وعقبه» . ولو أريد به حقيقة ~~النهي، لم يمنع ذلك صحتها؛ فإن النهي إنما يمنع صحة ما يفيد المنهي عنه ~~فائدة، أما إذا كان صحة المنهي عنه ضررا على مرتكبه، لم يمنع صحته، كالطلاق ~~في زمن الحيض. # وصحة العمرى ضرر على المعمر، فإن ملكه يزول بغير عوض. إذا ثبت هذا، فإن ~~العمرى تنقل الملك إلى المعمر. وبهذا قال جابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن ~~عباس، وشريح، ومجاهد، وطاوس، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن ~~علي. وقال مالك، والليث: # العمرى تمليك المنافع، لا تملك بها رقبة المعمر بحال، ويكون للمعمر ~~السكنى، فإذا مات عادت إلى المعمر. وإن قال: له ولعقبه. كان سكناها لهم، ~~فإذا انقرضوا عادت إلى المعمر. واحتجا بما روى يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن ~~بن القاسم، قال: سمعت مكحولا يسأل القاسم بن محمد عن العمرى، ما يقول الناس ~~فيها؟ فقال القاسم: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم وما أعطوا. ~~وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي، عن ابن الأعرابي: لم يختلف العرب في العمرى، ~~والرقبى، والإفقار، والإخبال، والمنحة، والعرية. # والعارية، والسكنى، والإطراق، أنها على # PageV06P068 # ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له. ولأن التمليك لا يتأقت، كما لو باعه ~~إلى مدة، فإذا كان لا يتأقت، حمل قوله على تمليك المنافع؛ لأنه يصح توقيته. ~~ولنا ما روى جابر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمسكوا عليكم ~~أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى، فهي للذي أعمرها حيا وميتا ~~ولعقبه» . رواه مسلم. وفي لفظ: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالعمرى لمن وهبت له» . متفق عليه # وروى ابن ms2949 ماجه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا رقبى، فمن أرقب شيئا، فهو له حياته وموته» . وعن زيد بن ثابت، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل العمرى للوارث» . وقد روى مالك حديث ~~العمرى، في " موطئه "، وهو صحيح رواه جابر، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، ~~وزيد بن ثابت، وأبو هريرة. وقول القاسم لا يقبل في مخالفة من سمينا من ~~الصحابة والتابعين، فكيف يقبل في مخالفة قول سيد المرسلين، ولا يصح أن يدعى ~~إجماع أهل المدينة، لكثرة من قال بها منهم، وقضى بها طارق بالمدينة بأمر ~~عبد الملك بن مروان. # وقول ابن الأعرابي: إنها عند العرب تمليك المنافع. لا يضر إذا نقلها ~~الشرع إلى تمليك الرقبة، كما نقل الصلاة من الدعاء إلى الأفعال المنظومة، ~~ونقل الظهار والإيلاء من الطلاق إلى أحكام مخصوصة. قولهم: إن التمليك لا ~~يتأقت. قلنا: فلذلك أبطل الشرع تأقيتها، وجعلها تمليكا مطلقا. # (4486) فصل: إذا شرط في العمرى أنها للمعمر وعقبه، فهذا تأكيد لحكمها، ~~وتكون للمعمر وورثته. وهذا قول جميع القائلين بها # وإذا أطلقها فهي للمعمر وورثته أيضا؛ لأنها تمليك للرقبة، فأشبهت الهبة. ~~فإن شرط أنك إذا مت فهي لي. فعن أحمد روايتان؛ إحداهما، صحة العقد والشرط، ~~ومتى مات المعمر رجعت إلى المعمر. وبه قال القاسم بن محمد، وزيد بن قسيط، ~~والزهري، ومالك، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن أبي ذئب، وأبو ثور، وداود # وهو أحد قولي الشافعي؛ لما روى جابر، قال: إنما العمرى التي أجاز رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: هي لك ولعقبك. فأما إذا قال: هي لك ~~ما عشت. فإنها ترجع إلى صاحبها. متفق عليه. وروى مالك، في " موطئه "، عن ~~جابر، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أيما رجل أعمر عمرى له، ~~ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها» . لأنه أعطى عطاء ~~وقعت فيه المواريث. وقال القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في ~~أموالهم # والرواية الثانية، أنها تكون للمعمر ولورثته، ويسقط الشرط. ms2950 وهذا قول ~~الشافعي الجديد، وقول # PageV06P069 # أبي حنيفة. وهو ظاهر المذهب. نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب؛ للأحاديث ~~المطلقة التي ذكرناها، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا رقبى، ~~فمن أرقب شيئا، فهو له في حياته وموته» . وقال مجاهد: الرقبى أن يقول هي ~~للآخر مني ومنك موتا. وروى الإمام أحمد، بإسناده، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، أنه قال: «لا عمرى، ولا رقبى، فمن أعمر شيئا، أو أرقبه، فهو له ~~حياته وموته» # وهذا صريح في إبطال الشرط؛ لأن الرقبى يشترط فيها عودها إلى المرقب إن ~~مات الآخر قبله. وأما حديثهم الذي احتجوا به، فمن قول جابر نفسه، وأما نقل ~~لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمسكوا عليكم أموالكم، ولا ~~تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا، ولعقبه» . ولأنا لو ~~أجزنا هذا الشرط، كانت هبة مؤقتة، والهبة لا يجوز فيها التأقيت، ولم يفسدها ~~الشرط؛ لأنه ليس بشرط على المعمر، وإنما شرط ذلك على ورثته، ومتى لم يكن ~~الشرط مع المعقود معه، لم يؤثر فيه # وأما قوله في الحديث الآخر: إنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. فهذه ~~الزيادة من كلام أبي سلمة بن عبد الرحمن، كذلك رواه ابن أبي ذئب، وفصل هذه ~~الزيادة فقال عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه قضى في من أعمر عمرى له ~~ولعقبه، فهي له بتلة، لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا مثنوية. قال أبو سلمة: ~~لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. # (4487) فصل: والرقبى هي أن يقول: هذا لك عمرك، فإن مت قبلي رجع إلي، وإن ~~مت قبلك فهو لك # ومعناه هي لآخرنا موتا. وكذلك فسرها مجاهد. سميت رقبى لأن كل واحد منهما ~~يرقب موت صاحبه. وقد روي عن أحمد أنه قال: هي أن يقول: هي لك حياتك، فإذا ~~مت فهي لفلان، أو هي راجعة إلي. والحكم فيها على ما تقدم ذكره، وأنها ~~كالعمرى إذا شرط عودها إلى المعمر. وقال علي - رضي الله عنه -: العمرى ~~والرقبى سواء. وقال طاوس: من أرقب شيئا ms2951 فهو على سبيل الميراث # وقال الزهري: الرقبى وصية. يعني أن معناها إذا مت فهذا لك. وقال الحسن، ~~ومالك وأبو حنيفة: الرقبى باطلة؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أجاز العمرى، وأبطل الرقبى. ولأن معناها أنها للآخر منا، وهذا تمليك معلق ~~بخطر، ولا يجوز تعليق التمليك بالخطر. ولنا ما رويناه من الأخبار، وحديثهم ~~لا نعرفه، ولا نسلم أن معناها ما ذكروه، بل معناها أنها # PageV06P070 # لك حياتك، فإن مت رجعت إلي # فتكون كالعمرى سواء، إلا أنه زاد شرطها لورثة المرقب، إن مات المرقب ~~قبله، وهذا يبين تأكيدها على العمرى. # (4488) فصل: وتصح العمرى في غير العقار، من الحيوان، والنبات؛ لأنها نوع ~~هبة، فصحت في ذلك، كسائر الهبات. وقد روي عن أحمد في الرجل يعمر الجارية: ~~فلا أرى له وطأها. قال القاضي: لم يتوقف أحمد عن وطء الجارية لعدم الملك ~~فيها، لكن على طريق الورع؛ لأن الوطء استباحة فرج، وقد اختلف في صحة ~~العمرى، وجعلها بعضهم تمليك المنافع، فلم ير له وطأها لهذا، ولو وطئها كان ~~جائزا. # (4489) فصل: وإن وقت الهبة إلى غير العمرى والرقبى، فقال: وهبتك هذا ~~لسنة، أو إلى أن يقدم الحاج، أو إلى أن يبلغ ولدي، أو مدة حياة فلان. ونحو ~~هذا لم يصح لأنها تمليك للرقبة، فلم تصح مؤقتة، كالبيع، وتفارق العمرى ~~والرقبى؛ لأن الإنسان إنما يملك الشيء عمره، فإذا ملكه عمره فقد وقته بما ~~هو مؤقت به في الحقيقة، فصار ذلك كالمطلق. وإن شرط رجوعها إليه بعد ذلك، ~~كان شرطا على غير الموهوب له، بخلاف غيره. ### | [مسألة قال سكناها لك عمرك] # (4490) مسألة قال: (وإن قال: سكناها لك عمرك. كان له أخذها أي وقت أحب؛ ~~لأن السكنى ليست كالعمرى والرقبى) أما إذا قال: سكنى هذه الدار لك عمرك، أو ~~اسكنها عمرك. أو نحو ذلك، فليس ذلك بعقد لازم؛ لأنه في التحقيق هبة ~~المنافع، والمنافع إنما تستوفى بمضي الزمان شيئا فشيئا، فلا تلزم إلا في ~~قدر ما قبضه منها واستوفاه بالسكنى. وللمسكن الرجوع متى شاء، وأيهما مات ~~بطلت الإباحة ms2952 # وبهذا قال أكثر العلماء، وجماعة أهل الفتوى، منهم؛ الشعبي، والنخعي، ~~والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وروي معنى ذلك عن حفصة. وقال ~~الحسن، وعطاء، وقتادة: هي كالعمرى، تكون له ولعقبه؛ لأنها في معنى العمرى، ~~فيثبت فيها مثل حكمها. وحكي عن الشعبي # أنه إذا قال: هي لك، اسكن حتى تموت. فهي له حياته وموته. وإن قال: داري ~~هذه اسكنها حتى تموت. فإنها ترجع إلى صاحبها؛ لأنه إذا قال: هي لك. فقد جعل ~~له رقبتها، فتكون عمرى. فإذا قال: اسكن داري هذه. فإنما جعل له نفعها دون ~~رقبتها، فتكون عارية. ولنا أن هذا إباحة المنافع، فلم يقع لازما كالعارية. ~~وفارق العمرى فإنها هبة للرقبة. فأما إذا قال: هذه لك، اسكنها حتى تموت. ~~فإنه يحتمل لك سكناها حتى تموت. وتفسيرها بذلك دليل على أنه أراد # PageV06P071 # السكنى، فأشبه ما لو قال: هذه لك سكناها. # وإذا احتمل أن يريد به الرقبة، واحتمل أن يريد السكنى، فلا نزيل ملكه ~~بالاحتمال. ### | [فصل في هبة أو بيع الهبة الفاسدة أو البيع الفاسد] # (4491) فصل: إذا وهب هبة فاسدة، أو باع بيعا فاسدا، ثم وهب تلك العين، أو ~~باعها بعقد صحيح، مع علمه بفساد الأول، صح العقد الثاني؛ لأنه تصرف في ~~ملكه، عالما بأنه ملكه. وإن كان يعتقد صحة العقد الأول، ففي صحة الثاني ~~وجهان أحدهما، صحته؛ لأن تصرفه صادف ملكه، وتم بشروطه، فصح، كما لو علم ~~فساد الأول. والثاني، لا يصح؛ لأنه تصرف تصرفا يعتقد فساده، ففسد، كما لو ~~صلى يعتقد أنه محدث، فبان متطهرا # وهكذا لو تصرف في عين يعتقد أنها لأبيه، فبان أنه قد مات وملكها ~~بالميراث، أو غصب عينها فباعها يعتقدها مغصوبة، فبان أنها ملكه، فعلى ~~الوجهين. قال القاضي: أصل الوجهين من باشر امرأة بطلاق يعتقدها أجنبية، ~~فبانت امرأته، أو واجه بالعتق من يعتقدها حرة، فبانت أمته، ففي وقوع الطلاق ~~والحرية روايتان. وللشافعية في هذه المسائل وجهان، كما حكينا. والله أعلم. # PageV06P072 ### | [كتاب اللقطة] # وهي المال الضائع من ربه، يلتقطه غيره قال الخليل بن أحمد اللقطة، بفتح ~~القاف: ms2953 اسم للملتقط، لأن ما جاء على فعلة فهو اسم للفاعل، كقولهم: همزة ~~ولمزة وضحكة وهزأة، واللقطة، بسكون القاف: المال الملقوط، مثل الضحكة الذي ~~يضحك منه، والهزأة الذي يهزأ به. وقال الأصمعي وابن الأعرابي والفراء: هي ~~بفتح القاف، اسم للمال الملقوط أيضا # والأصل في اللقطة ما روى زيد بن خالد الجهني قال: «سئل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن لقطة الذهب والورق، فقال: اعرف وكاءها، وعفاصها، ثم ~~عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما ~~من الدهر، فادفعها إليه. وسأله عن ضالة الإبل، فقال: مالك ولها، دعها، فإن ~~معها حذاءها وسقاها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها وسأله عن ~~الشاة، فقال: خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب» متفق عليه # والوكاء: الخيط الذي يشد به المال في الخرقة والعفاص: الوعاء الذي هي ~~فيه، من خرقة أو قرطاس أو غيره قاله أبو عبيد والأصل في العفاص أنه الجلد ~~الذي يلبسه رأس القارورة قوله: (معها حذاءها) يعني خفها، فإنه لقوته ~~وصلابته يجري مجرى الحذاء، وسقاؤها: بطنها لأنها تأخذ فيه ماء كثيرا، فيبقى ~~معها يمنعها العطش. والضالة: اسم للحيوان خاصة، دون سائر اللقطة، والجمع ~~ضوال، ويقال لها أيضا: الهوامي والهوافي والهوامل (4492) # فصل: قال إمامنا، - رحمه الله -: الأفضل ترك الالتقاط وروي معنى ذلك عن ~~ابن عباس وابن عمر وبه قال جابر بن زيد والربيع بن خيثم وعطاء، ومر شريح ~~بدرهم، فلم يعرض له. واختار أبو الخطاب أنه إذا وجدها بمضيعة وأمن نفسه ~~عليها، فالأفضل أخذها. وهذا قول الشافعي وحكي عنه قول آخر، أنه يجب أخذها ~~لقول الله تعالى {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] فإذا ~~كان وليه، وجب عليه حفظ ماله # وممن رأى أخذها سعيد بن المسيب والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأخذها أبي بن ~~كعب وسويد بن غفلة وقال مالك إن كان شيئا له بال يأخذه أحب إلي، ويعرفه، ~~لأن فيه حفظ مال المسلم عليه، فكان أولى من تضييعه، وتخليصه من الغرق. ولنا ~~قول ابن عمر ms2954 وابن عباس ولا نعرف لهما مخالفا في الصحابة، ولأنه تعريض لنفسه ~~لأكل # PageV06P073 # الحرام، وتضييع الواجب من تعريفها، وأداء الأمانة فيها، فكان تركه أولى ~~وأسلم، كولاية مال اليتيم وتخليل الخمر وما ذكروه يبطل بالضوال، فإنه لا ~~يجوز أخذها مع ما ذكروه، وكذلك ولاية مال الأيتام. ### | [مسألة من وجد لقطة عرفها سنة في الأسواق وأبواب المساجد الفصل الأول في وجوب تعريف اللقطة] # مسألة قال: (ومن وجد لقطة، عرفها سنة في الأسواق وأبواب المساجد) وجملته ~~أن في التعريف ستة فصول في وجوبه، وقدره وزمانه، ومكانه وكيفيته، ومن ~~يتولاه (4494) أما وجوبه، فإنه واجب على كل ملتقط، سواء أراد تملكها أو ~~حفظها لصاحبها. وقال الشافعي: لا تجب على من أراد حفظها لصاحبها ولنا أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به زيد بن خالد وأبي بن كعب، ولم يفرق، ~~ولأن حفظها لصاحبها إنما يقيد بإيصالها إليه # وطريقه التعريف، أما بقاؤها في يد الملتقط من غير وصولها إلى صاحبها، فهو ~~وهلاكها سيان، ولأن إمساكها من غير تعريف، تضييع لها عن صاحبها، فلم يجز، ~~كردها إلى موضعها، أو إلقائها في غيره، ولأنه لو لم يجب التعريف، لما جاز ~~الالتقاط؛ لأن بقاءها في مكانها إذا أقرب إلى وصولها إلى صاحبها، إما بأن ~~يطلبها في الموضع الذي ضاعت فيه فيجدها، وإما بأن يجدها من يعرفها، وأخذه ~~لها يفوت الأمرين، فيحرم، فلما جاز الالتقاط وجب التعريف، كي لا يحصل هذا ~~الضرر # ولأن التعريف واجب على من أراد تملكها، فكذلك على من أراد حفظها، فإن ~~التملك غير واجب، فلا تجب الوسيلة إليه، فيلزم أن يكون الوجوب في المحل ~~المتفق عليه، لصيانتها عن الضياع عن صاحبها، وهذا موجود في محل النزاع. ### | [الفصل الثاني في قدر تعريف اللقطة] # (4495) الفصل الثاني: في قدر التعريف، وذلك سنة. روي ذلك عن عمر، وعلي، ~~وابن عباس. وبه قال ابن المسيب، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ~~وروي عن عمر، رواية أخرى، أنه يعرفها ثلاثة أشهر. وعنه ثلاثة أعوام؛ لأن ~~أبي بن كعب روى أن رسول الله - صلى الله ms2955 عليه وسلم - أمره بتعريف مائة ~~الدينار ثلاثة أعوام وقال أبو أيوب الهاشمي ما دون الخمسين درهما يعرفها ~~ثلاثة أيام إلى سبعة أيام. # وقال الحسن بن صالح: ما دون عشرة دراهم يعرفها ثلاثة أيام. وقال الثوري ~~في الدرهم: يعرفه أربعة أيام. وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرفه جمعة أو ~~نحوها. وروى أبو إسحاق الجوزجاني، بإسناده، عن يعلى بن أمية # PageV06P074 # قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من التقط درهما، أو حبلا، ~~أو شبه ذلك، فليعرفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك، فليعرفه سبعة أيام.» # ولنا: حديث زيد بن خالد الصحيح فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره ~~بعام واحد، ولأن السنة لا تتأخر عنها القوافل، ويمضي فيها الزمان الذي تقصد ~~فيه البلاد، من الحر والبرد والاعتدال، فصلحت قدرا كمدة أجل العين. وأما ~~حديث أبي، فقد قال الراوي: لا أدري ثلاثة أعوام أو عاما واحدا قال أبو ~~داود: شك الراوي في ذلك. وحديث يعلى لم يقل به قائل على وجهه، وحديث زيد ~~وأبي أصح منه وأولى. إذا ثبت هذا، فإنه يجب أن تكون هذه السنة تلي ~~الالتقاط، وتكون متوالية في نفسها # لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بتعريفها حين سئل عنها، والأمر ~~يقتضي الفور، ولأن القصد بالتعريف وصول الخبر إلى صاحبها، وذلك يحصل ~~بالتعريف عقيب ضياعها متواليا؛ لأن صاحبها في الغالب إنما يتوقعها ويطلبها ~~عقيب ضياعها، فيجب تخصيص التعريف به. ### | [الفصل الثالث زمان تعريف اللقطة] # الفصل الثالث: في زمانه وهو النهار دون الليل؛ لأن النهار مجمع الناس ~~وملتقاهم دون الليل، ويكون ذلك في اليوم الذي وجدها، والأسبوع أكثر؛ لأن ~~الطلب فيه أكثر، ولا يجب فيما بعد ذلك متواليا. وقد روى الجوزجاني بإسناده، ~~عن معاوية بن عبد الله عن زيد الجهني، قال: نزلنا مناخ ركب، فوجدت خرقة ~~فيها قريب من مائة دينار، فجئت بها إلى عمر، فقال: عرفها ثلاثة أيام على ~~باب المسجد، ثم أمسكها حتى قرن السنة، ولا يفد من ركب إلا نشدتها، وقلت: ~~الذهب بطريق الشام ثم شأنك بها. ms2956 ### | [الفصل الرابع مكان تعريف اللقطة] # (4497) الفصل الرابع: في مكانه، وهو الأسواق، وأبواب المساجد والجوامع، ~~في الوقت الذي يجتمعون فيه، كأدبار الصلوات في المساجد، وكذلك في مجامع ~~الناس؛ لأن المقصود إشاعة ذكرها، وإظهارها، ليظهر عليها صاحبها، فيجب تحري ~~مجامع الناس، ولا ينشدها في المسجد؛ لأن المسجد لم يبن لهذا. وقد روى أبو ~~هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سمع رجلا ينشد ضالة ~~في المسجد، فليقل: لا ردها الله إليك، فإن المساجد لم تبن لهذا» . وأمر عمر ~~واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد. ### | [الفصل الخامس فيمن يتولاه تعريف اللقطة] # (4498) الفصل الخامس: فيمن يتولاه، وللملتقط أن يتولى ذلك بنفسه، وله أن ~~يستنيب فيه، فإن وجد متبرعا بذلك، وإلا إن احتاج إلى # PageV06P075 # أجر، فهو على الملتقط. وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي. واختار أبو ~~الخطاب أنه إن قصد الحفظ لصاحبها دون تملكها، رجع بالأجر على مالكها. وكذلك ~~قال ابن عقيل، فيما لا يملك بالتعريف؛ لأنه من مؤنة إيصالها إلى صاحبها، ~~فكان على مالكها، كأجر مخزنها ورعيها وتجفيفها # ولنا أن هذا أجر واجب على المعرف، فكان عليه، كما لو قصد تملكها، ولأنه ~~لو وليه بنفسه، لم يكن له أجر على صاحبها، فكذلك إذا استأجر عليه لا يلزم ~~صاحبها شيء، ولأنه سبب لتملكها، فكان على الملتقط، كما لو قصد تملكها. وقال ~~مالك: إن أعطى منها شيئا لمن عرفها، فلا غرم عليه، كما لو دفع منها شيئا ~~لمن حفظها. وقد ذكرنا الدليل على ذلك. ### | [الفصل السادس كيفية تعريف اللقطة] # (4499) الفصل السادس: في كيفية التعريف، وهو أن يذكر جنسها لا غير، ~~فيقول: من ضاع منه ذهب أو فضة أو دنانير أو ثياب. ونحو ذلك؛ لقول عمر - رضي ~~الله عنه - لواجد الذهب قل: الذهب بطريق الشام ولا تصفها لأنه لو وصفها ~~لعلم صفتها من يسمعها، فلا تبقى صفتها دليلا على ملكها، لمشاركة غير المالك ~~في ذلك، ولأنه لا يأمن أن يدعيها بعض من سمع صفتها، ويذكر صفتها التي يجب ~~دفعها بها، فيأخذها وهو لا يملكها، فتضيع ms2957 على مالكها. ### | [فصل يسير اللقطة وكثيرها] # (4500) فصل: لم يفرق الخرقي بين يسير اللقطة وكثيرها. وهو ظاهر المذهب، ~~إلا في اليسير الذي لا تتبعه النفس، كالتمرة والكسرة والخرقة، وما لا خطر ~~له، فإنه لا بأس بأخذه والانتفاع به من غير تعريف؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم ينكر على واجد التمرة حيث أكلها، بل «قال له: لو لم تأتها ~~لأتتك» . «ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تمرة فقال: لولا أني أخشى أن ~~تكون من الصدقة، لأكلتها» # ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به، وقد روي ~~ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة، وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، وطاوس، ~~والنخعي، ويحيى بن أبي كثير، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وليس عن أحمد ~~وأكثر من ذكرنا تحديد اليسير الذي يباح. وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجب ~~تعريف ما لا يقطع به السارق، وهو ربع دينار عند مالك، وعشرة دراهم عند أبي ~~حنيفة # لأن ما دون ذلك تافه، فلا يجب تعريفه، كالكسرة والتمرة، والدليل على أنه ~~تافه قول عائشة - رضي الله عنها -: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه. وروي ~~عن علي - رضي الله عنه -، أنه وجد دينارا فتصرف فيه. وروى الجوزجاني، عن ~~سلمى بنت كعب، قالت: وجدت خاتما من ذهب، في طريق مكة، فسألت عائشة عنه، ~~فقالت: تمتعي به. وروى أبو داود، بإسناده عن جابر، قال: «رخص لنا رسول الله # PageV06P076 # - صلى الله عليه وسلم - في العصا والسوط والحبل وأشباهه، يلتقطه الرجل ~~ينتفع به» . والحبل قد يكون قيمته دراهم # وعن ابن ماجه بإسناده، عن سويد بن غفلة، قال: خرجت مع سلمان بن ربيعة، ~~وزيد بن صوحان، حتى إذا كنا بالعذيب، التقطت سوطا، فقالا لي: ألقه. فأبيت، ~~فلما قدمنا المدينة، أتيت أبي بن كعب، فذكرت ذلك له، فقال: أصبت. قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وللشافعية فيه ثلاثة أوجه كالمذاهب الثلاثة. ~~ولنا على إبطال تحديده بما ذكروه، أن حديث زيد بن خالد عام في كل لقطة، ~~فيجب إبقاؤه على عمومه، ms2958 إلا ما خرج منه بالدليل، ولم يرد بما ذكروه نص، ولا ~~هو في معنى ما ورد النص به # ولأن التحديد والتقدير لا يعرف بالقياس، وإنما يؤخذ من نص أو إجماع، وليس ~~فيما ذكروه نص ولا إجماع. وأما حديث علي، فهو ضعيف، رواه أبو داود وقال: ~~طرقه كلها مضطربة. ثم هو مخالف لمذهبهم ولسائر المذاهب، فتعين حمله على وجه ~~من الوجوه غير اللقطة، إما لكونه مضطرا إليه أو غير ذلك، وحديث عائشة قضية ~~في عين، لا يدرى كم قدر الخاتم، ثم هو قول صحابي، وكذلك حديث علي، وهم لا ~~يرون ذلك حجة، وسائر الأحاديث ليس فيها تقدير، لكن يباح أخذ ما ذكره النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وخص في أخذه من السوط والعصا والحبل، وما قيمته ~~كقيمة ذلك # وقدره الشيخ أبو الفرج في كتابه بما دون القيراط، ولا يصح تحديده لما ~~ذكرنا. ### | [فصل أخر تعريف اللقطة عن الحول الأول مع إمكانه] # (4501) فصل: إذا أخر التعريف عن الحول الأول، مع إمكانه أثم؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أمر به فيه، والأمر يقتضي الوجوب. وقال في حديث عياض ~~بن حمار: «لا يكتم ولا يغيب» . ولأن ذلك وسيلة إلى أن لا يعرفها صاحبها، ~~فإن الظاهر أنه بعد الحول ييأس منها، ويسلو عنها، ويترك طلبها. ويسقط ~~التعريف بتأخيره عن الحول الأول، في المنصوص عن أحمد؛ لأن حكمة التعريف لا ~~تحصل بعد الحول الأول # وإن تركه في بعض الحول، عرف بقيته. ويتخرج أن لا يسقط التعريف بتأخره؛ ~~لأنه واجب، فلا يسقط بتأخيره عن وقته، كالعبادات وسائر الواجبات. ولأن ~~التعريف في الحول الثاني يحصل به المقصود على نوع من القصور، فيجب الإتيان ~~به؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم» # فعلى هذا إن أخر التعريف بعض الحول، أتى بالتعريف في بقيته، وأتمه من ~~الحول الثاني. وعلى كلا القولين، لا يملكها بالتعريف فيما عدا الحول الأول؛ ~~لأن شرط الملك التعريف في الحول الأول، ولم يوجد. وهل له أن يتصدق بها أو ms2959 ~~يحبسها عنده أبدا؟ على روايتين. ويحتمل أن يلزمه دفعها إلى الحاكم، # PageV06P077 # كقولنا فيما إذا التقط ما لا يجوز التقاطه. ولو ترك التعريف في بعض الحول ~~الأول، لم يملكها أيضا بالتعريف فيما بعده؛ لأن الشرط لم يكمل، وعدم بعض ~~الشرط كعدم جميعه، كما لو أخل ببعض الطهارة، أو ببعض السترة في الصلاة. ### | [فصل ترك تعريف اللقطة في الحول الأول لعجزه عنه] # (4502) فصل: وإن ترك التعريف في الحول الأول؛ لعجزه عنه، مثل أن يتركه ~~لمرض أو حبس أو نسيان ونحوه، ففيه وجهان؛ أحدهما، أن حكمه حكم ما لو تركه ~~مع إمكانه؛ لأن تعريفه في الحول سبب الملك، والحكم ينتفي لانتفاء سببه، ~~سواء انتفى لعذر أو غير عذر. والثاني، أنه يعرفه في الحول الثاني، ويملكه؛ ~~لأنه لم يؤخر التعريف عن وقت إمكانه، فأشبه ما لو عرفه في الحول الأول. ### | [مسألة عرف اللقطة حولا فلم تعرف] # (4503) مسألة قال: (فإن جاء ربها، وإلا كانت كسائر ماله) وجملته أنه إذا ~~عرف اللقطة حولا، فلم تعرف، ملكها ملتقطها، وصارت من ماله، كسائر أمواله، ~~غنيا كان الملتقط أو فقيرا. وروي نحو ذلك عن عمر، وابن مسعود، وعائشة - رضي ~~الله عنهم -. وبه قال عطاء، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وروي ذلك عن ~~علي، وابن عباس، والشعبي، والنخعي، وطاوس، وعكرمة # وقال مالك، والحسن بن صالح، والثوري، وأصحاب الرأي: يتصدق بها، فإذا جاء ~~صاحبها خيره بين الأجر والغرم؛ لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه سئل عن اللقطة، فقال: عرفها حولا. وروي: ~~ثلاثة أحوال، فإن جاء ربها، وإلا تصدق بها، فإذا جاء ربها، فرضي بالأجر، ~~وإلا غرمها» . ولأنها مال لمعصوم، لم يرض بزوال ملكه عنها، ولا وجد منه سبب ~~يقتضي ذلك، فلم يزل ملكه عنه، كغيرها # قالوا: وليس له أن يتملكها، إلا أن أبا حنيفة قال: له ذلك إن كان فقيرا ~~من غير ذوي القربى؛ لما روى عياض بن حمار المجاشعي، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من وجد لقطة فليشهد عليها ذا عدل، ms2960 ولا يكتم ولا يغيب، ~~فإن وجد صاحبها فليرددها عليه، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء» . رواه ~~النسائي. قالوا: وما يضاف إلى الله تعالى، إنما يتملكه من يستحق الصدقة. ~~ونقل حنبل، عن أحمد مثل هذا القول # وأنكره الخلال، وقال: ليس هذا مذهبا لأحمد. # PageV06P078 # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث زيد بن خالد: «فإن لم ~~تعرف، فاستنفقها» . وفي لفظ: " وإلا فهي كسبيل مالك ". وفي لفظ: " ثم كلها ~~". وفي لفظ: " فانتفع بها ". وفي لفظ: " فشأنك بها ". وفي حديث أبي بن كعب: ~~" فاستنفقها ". وفي لفظ: " فاستمتع بها ". وهو حديث صحيح. ولأن من ملك ~~بالقرض ملك باللقطة كالفقير، ومن جاز له الالتقاط ملك به بعد التعريف، ~~كالفقير. وحديثهم عن أبي هريرة لم يثبت، ولا نقل في كتاب يوثق به # ودعواهم في حديث عياض أن ما يضاف إلى الله لا يتملكه إلا من يستحق ~~الصدقة. لا برهان لها، ولا دليل عليها، وبطلانها ظاهر؛ فإن الأشياء كلها ~~تضاف إلى الله تعالى خلقا وملكا، قال الله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي ~~آتاكم} [النور: 33] . ### | [فصل تدخل اللقطة في ملكه عند تمام التعريف حكما] # (4504) فصل: وتدخل اللقطة في ملكه عند تمام التعريف حكما، كالميراث. هذا ~~ظاهر كلام الخرقي؛ لقوله: " وإلا كانت كسائر ماله ". وكذلك قال أحمد في ~~رواية الجماعة: إذا جاء صاحبها، وإلا كانت كسائر ماله. واختار أبو الخطاب ~~أنها لا تدخل في ملكه حتى يختار. واختلف أصحاب الشافعي؛ فمنهم من قال ~~كقولنا، ومنهم من قال: يملكها بالنية # ومنهم من قال: يملكها بقوله: اخترت تملكها. ومنهم من قال: لا يملكها إلا ~~بقوله، والتصرف فيها؛ لأن هذا تملك بعوض؛ فلم يحصل إلا باختيار المتملك، ~~كالشراء. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا جاء صاحبها، وإلا ~~فهي كسبيل مالك» . وقوله: " فاستنفقها ". ولو وقف ملكها على تملكها لبينه ~~له، ولم يجوز له التصرف قبله. وفي لفظ: " فهي لك ". وفي لفظ: " كلها ". ~~وهذه الألفاظ كلها تدل على ما قلنا # ولأن الالتقاط والتعريف سبب للتملك، فإذا تم وجب أن ms2961 يثبت به الملك حكما، ~~كالإحياء والاصطياد. ولأنه سبب يملك به، فلم يقف الملك بعده على قوله، ولا ~~اختياره، كسائر الأسباب؛ وذلك لأن المكلف ليس إليه إلا مباشرة الأسباب، ~~فإذا أتى بها، ثبت الحكم قهرا وجبرا من الله تعالى، غير موقوف على اختيار ~~المكلف. وأما الاقتراض فهو السبب في نفسه، فلم يثبت الملك بدونه. ### | [فصل التقطها اثنان فعرفاها حولا] # (4505) فصل: فإن التقطها اثنان، فعرفاها حولا، ملكاها جميعا. وإن قلنا ~~بوقوف الملك على الاختيار، فاختار أحدهما دون الآخر، ملك المختار نصفها دون ~~الآخر. وإن رأياها معا، فبادر أحدهما فأخذها، أو رآها أحدهما، فأعلم بها ~~صاحبه، فأخذها، فهي لآخذها؛ لأن استحقاق اللقطة بالأخذ لا بالرؤية، ~~كالاصطياد. وإن # PageV06P079 # قال أحدهما لصاحبه: هاتها. فأخذها، نظرت في نيته؛ فإن أخذها لنفسه، فهي ~~له دون الآمر، وإن أخذها للآمر، فهي له، كما لو وكله في الاصطياد له. ### | [فصل تملك اللقطة ملكا مراعى يزول بمجيء صاحبها] # (4506) فصل: وتملك اللقطة ملكا مراعى، يزول بمجيء صاحبها، ويضمن له بدلها ~~إن تعذر ردها. والظاهر أنه يملكها بغير عوض يثبت في ذمته، وإنما يتجدد وجوب ~~العوض بمجيء صاحبها، كما يتجدد زوال الملك عنها بمجيئه، وكما يتجدد وجوب ~~نصف الصداق للزوج، أو بدله إن تعذر ثبوت الملك فيه بالطلاق. وهذا قول بعض ~~أصحاب الشافعي. وقال أكثرهم: لا يملكها إلا بعوض يثبت في ذمته لصاحبها # وهذا قول القاضي وأصحابه، بدليل أنه يملك المطالبة به، فأشبه القرض. ولنا ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن جاء صاحبها، وإلا فهي مال الله ~~يؤتيه من يشاء» . فجعلها من المباحات، ولأنه لو مات لم يعزل من تركته ~~بدلها، ولا يستحق أن يأخذ من الزكاة بسبب الغرم، ولا يلزمه أن يوصي به، ولا ~~يمتنع وجوب الزكاة في ماله بسبب الدين، ولا يثبت شيء من أحكام الدين في ~~حقه، وانتفاء أحكامه دليل على انتفائه. وقال القاضي: يمنع ذلك وجوب الزكاة، ~~ولأنه لو ملكها بعوض لم يزل ملكه عنها بمجيء صاحبها # ولو وقف ملكه لها على رضاه بالمعاوضة واختياره لأحدهما كالقرض، ms2962 والأمر ~~بخلاف ذلك، وإنما يستحق صاحبها المطالبة بعد مجيئه، بشرط تلفها، فإنها لو ~~كانت موجودة لأخذها، ولم يستحق لها بدلا. وإن كانت تالفة تجدد له ملك ~~المطالبة ببدلها، كما يتجدد له الملك فيها لو كانت موجودة، وكما يتجدد له ~~الملك في نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول، وفي بدله إن كان معدوما. وهذا ~~أشبه بمسألتنا، وبه يبطل ما ذكروه. وأما القرض، فإنه لما ثبت بدله في ~~الذمة، لم يعد الملك له في المقرض إلا برضاء المقرض واختياره. ### | [فصل كل ما جاز التقاطه ملك بالتعريف عند تمامه] # (4507) فصل: وكل ما جاز التقاطه، ملك بالتعريف عند تمامه، أثمانا كانت أو ~~غيرها هذا كلام الخرقي، فإن لفظه عام في كل لفظه. وقد نقل ذلك عن أحمد، فإن ~~محمد بن الحكم، روى عنه في الصياد يقع في شصه الكيس أو النحاس: يعرفه سنة، ~~فإن جاء صاحبه، وإلا فهو كسائر ماله. وهذا نص في النحاس. وقال الشريف بن ~~أبي موسى: هل حكم العروض في التعريف، وجواز التصرف فيها بعد ذلك، حكم ~~الأثمان؟ على روايتين، أظهرهما أنها كالأثمان، ولا أعلم بين أكثر أهل العلم ~~فرقا بين الأثمان والعروض # PageV06P080 # في ذلك # وقال أكثر أصحابنا: لا تملك العروض بالتعريف. قال القاضي: نص أحمد على ~~هذا، في رواية الجماعة. واختلفوا فيما يصنع بها، فقال أبو بكر، وابن عقيل: ~~يعرفها أبدا. وقال القاضي: هو بالخيار بين أن يقيم على تعريفها حتى يجيء ~~صاحبها، وبين دفعها إلى الحاكم ليرى رأيه فيها. وهل له بيعها بعد الحول، ~~ويتصدق بها؟ على روايتين، وقال الخلال: كل ما روي عن أحمد، أنه يعرفه سنة، ~~ويتصدق به، والذي نقل أنه يعرف أبدا قول قديم، رجع عنه # واحتجوا بما روي عن ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، مثل قولهم، ولأنها ~~لقطة لا تملك في الحرم، فلا تملك في غيره كالإبل، ولأن الخبر ورد في ~~الأثمان، وغيرها لا يساويها؛ لعدم الغرض المتعلق بعينها، فمثلها يقوم ~~مقامها من كل وجه، بخلاف غيرها. ولنا عموم الأحاديث في اللقطة جميعها «؛ ~~فإن النبي ms2963 - صلى الله عليه وسلم - سئل عن اللقطة، فقال: عرفها سنة ثم قال ~~في آخره: فانتفع بها، أو فشأنك بها» وفي حديث عياض بن حمار: " من وجد لقطة ~~" # وهو لفظ عام وروى الجوزجاني، والأثرم في " كتابيهما "، قالا: حدثنا أبو ~~نعيم، ثنا هشام بن سعد، قال حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ~~«أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، كيف ترى في ~~متاع يوجد في الطريق الميتاء، أو في قرية مسكونة؟ فقال: عرفه سنة، فإن جاء ~~صاحبه، وإلا فشأنك به» . ورويا أن سفيان بن عبد الله، وجد عيبة فأتى بها ~~عمر بن الخطاب فقال: عرفها سنة، فإن عرفت، وإلا فهي لك. زاد الجوزجاني: فلم ~~تعرف، فلقيه بها العام المقبل، فذكرها له، فقال عمر: هي لك، إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أمرنا بذلك ورواه النسائي كذلك. # وهذا نص في غير الأثمان. وروى الجوزجاني بإسناده، عن الحر بن الصباح قال: ~~كنت عند ابن عمر بمكة، إذ جاءه رجل. فقال: إني وجدت هذا البرد، وقد نشدته ~~وعرفته فلم يعرفه أحد، وهذا يوم التروية، ويوم يتفرق الناس. فقال: إن شئت ~~قومته قيمة عدل، ولبسته، وكنت له ضامنا، متى جاءك صاحبه دفعت إليه ثمنه، ~~وإن لم يجئ له طالب فهو لك إن شئت # ولأن ما جاز التقاطه ملك بالتعريف، كالأثمان، وما حكوه عن الصحابة إن صح، ~~فقد حكينا عن عمر وابنه خلافه. وقولهم: إنها لقطة لا تملك في الحرم ممنوع، ~~ثم هو منقوض بالأثمان، ولا يصح قياسها على الإبل؛ لأن معها حذاءها وسقاءها، ~~ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يأتيها ربها، ولا يوجد ذلك في غيرها، ولأن ~~الإبل لا يجوز التقاطها، فلا تملك به، وهاهنا يجوز التقاطها، فتملك به، ~~كالأثمان. ثم إذا لم تملك في الحرم، لا تملك في الحل؛ وذلك لأن الحرم ميز ~~بكون لقطته لا يلتقطها إلا منشد، ولهذا لم تملك الأثمان بالتقاطها فيه، فلا ~~يلزم أن لا تملك في موضع لم يوجد المانع فيه # PageV06P081 # وقولهم: ms2964 إن النص خاص في الأثمان. قلنا: بل هو عام في كل لقطة، فيجب العمل ~~بعمومه، وإن ورد فيها نص خاص، فقد روي خبر عام، فيعمل بهما، ثم قد روينا ~~نصا خاصا في العروض، فيجب العمل به، كما وجب العمل بالخاص في الأثمان، ثم ~~لو اختص الخبر بالأثمان، لوجب أن يقاس عليها ما كان في معناها، كسائر ~~النصوص التي عقل معناها ووجد في غيرها، وهاهنا قد وجد المعنى، فيجب قياسه ~~على المنصوص عليه، أو نقول: إن المعنى هاهنا آكد، فيثبت الحكم فيه بطريق ~~التنبيه # وبيانه أن الأثمان لا تتلف بمضي الزمان عليها، وانتظار صاحبها بها أبدا، ~~والعروض تتلف بذلك، ففي النداء عليها دائما هلاكها، وضياع ماليتها على ~~صاحبها، وملتقطها، وسائر الناس، في إباحة الانتفاع بها وملكها بعد التعريف، ~~حفظا لماليتها على صاحبها بدفع قيمتها إليه، وتقع لغيره، فيجب ذلك لنهي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال، ولما فيه من المصلحة والحفظ ~~لمال المسلم عليه وعلى أخيه، ولأن في إثبات الملك فيها حثا على التقاطها ~~وحفظها وتعريفها، لكونه وسيلة إلى الملك المقصود للآدمي، وفي نفي ملكها ~~تضييع لها، لما في التقاطها من الخطر والمشقة والكلفة من غير نفع يصل إليه، ~~فيؤدي إلى أن لا يلتقطها أحد لتعريفها فتضيع # وما ذكروه في الفرق ملغى بالشاة، فقد ثبت الملك فيها مع هذا الفرق، ثم ~~يمكننا أن نقيس على الشاة، فلا يحصل هذا الفرق بين الأصل والفرع. والله ~~أعلم. ثم نقلب دليلهم، فنقول: لقطة لا تملك في الحرم، فما أبيح التقاطه ~~منها ملك إذا كان في الحل، كالإبل. ### | [فصل لقطة الحل والحرم سواء] # (4508) فصل: وظاهر كلام أحمد والخرقي، أن لقطة الحل والحرم سواء. وروي ~~ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وابن المسيب. وهو مذهب مالك، وأبي ~~حنيفة. وروي عن أحمد رواية أخرى، أنه لا يجوز التقاط لقطة الحرم للتملك، ~~وإنما يجوز حفظها لصاحبها، فإن التقطها عرفها أبدا حتى يأتي صاحبها. وهو ~~قول عبد الرحمن بن مهدي، وأبي عبيد. وعن الشافعي كالمذهبين. والحجة ms2965 لهذا ~~القول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة: «لا تحل ساقطتها إلا ~~لمنشد» . متفق عليه # وقال أبو عبيد: المنشد المعرف، والناشد الطالب. وينشد: إصاخة الناشد ~~للمنشد فيكون معناه لا تحل لقطة مكة إلا لمن يعرفها؛ لأنها خصت بهذا من ~~سائر البلدان. وروى يعقوب بن شيبة، في " مسنده " عن عبد الرحمن بن عثمان ~~التيمي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن لقطة الحاج» . قال ابن ~~وهب: يعني يتركها حتى يجدها صاحبها. رواه أبو داود أيضا. ووجه الرواية ~~الأولى عموم الأحاديث، وأنه أحد الحرمين، فأشبه حرم المدينة، ولأنها أمانة ~~فلم يختلف حكمها بالحل والحرم، كالوديعة. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: إلا لمنشد # PageV06P082 # يحتمل أن يريد إلا لمن عرفها عاما، وتخصيصها بذلك لتأكيدها، لا لتخصيصها ~~كقوله - عليه السلام -: «ضالة المسلم حرق النار» . وضالة الذمي مقيسة ~~عليها. ### | [فصل إذا التقط لقطة عازما على تملكها بغير تعريف] # (4509) فصل: إذا التقط لقطة، عازما على تملكها بغير تعريف، فقد فعل ~~محرما، ولا يحل له أخذها بهذه النية، فإذا أخذها لزمه ضمانها، سواء تلفت ~~بتفريط أو بغير تفريط، ولا يملكها وإن عرفها؛ لأنه أخذ مال غيره على وجه لا ~~يجوز له أخذه، فأشبه الغاصب. نص على هذا أحمد، ويحتمل أن يملكها؛ لأن ملكها ~~بالتعريف والالتقاط، وقد وجد، فيملكها به، كالاصطياد والاحتشاش، فإنه لو ~~دخل حائطا لغيره بغير إذنه، فاحتش أو اصطاد منه صيدا، ملكه، وإن كان دخوله ~~محرما، كذا هاهنا # ولأن عموم النص يتناول هذا الملتقط، فيثبت حكمه فيه، ولأننا لو اعتبرنا ~~نية التعريف وقت الالتقاط، لافترق الحال بين العدل والفاسق والصبي والسفيه؛ ~~لأن الغالب على هؤلاء الالتقاط للتملك من غير تعريف. ### | [مسألة حفظ وكاء اللقطة وعفاصها وحفظ عددها وصفتها] # (4510) مسألة قال: (وحفظ وكاءها وعفاصها، وحفظ عددها وصفتها) الأصل في ~~هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث زيد بن خالد: «اعرف وكاءها ~~وعفاصها» . وقال في حديث أبي بن كعب: «اعرف عفاصها ووكاءها وعددها، ثم ~~عرفها سنة» . وفي لفظ عن أبي بن كعب، ms2966 أنه قال: «وجدت مائة دينار، فأتيت بها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: عرفها حولا. فعرفتها حولا فلم تعرف، ~~فرجعت إليه، فقال: اعرف عدتها ووعاءها ووكاءها، واخلطها بمالك، فإن جاء ~~ربها فأدها إليه» ففي هذا الحديث أنه أمره بمعرفة صفاتها بعد التعريف، وفي ~~غيره أمره بمعرفتها حين التقاطها قبل تعريفها # وهو الأولى؛ ليحصل عنده علم ذلك، فإذا جاء صاحبها فنعتها، غلب على ظنه ~~صدقه فيجوز الدفع إليه حينئذ. وإن أخر معرفة ذلك إلى حين مجيء باغيها، جاز؛ ~~لأن المقصود يحصل بمعرفتها حينئذ. وإن لم يجئ طالبها، فأراد التصرف فيها ~~بعد الحول، لم يجز له حتى يعرف صفاتها؛ لأن عينها تنعدم بالتصرف، فلا يبقى ~~له سبيل إلى معرفة صفاتها إذا جاء صاحبها. وكذلك إن خلطها بماله على وجه لا ~~تتميز منه، فيكون أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بمعرفة صفاتها عند ~~خلطها بماله أمر إيجاب مضيق، وأمره لزيد بن خالد بمعرفة ذلك حين الالتقاط ~~واجبا موسعا. والله أعلم # PageV06P083 # قال القاضي: ينبغي أن يعرف جنسها دراهم أو دنانير، ونوعها، وإن كانت ~~ثيابا عرف لفافتها وجنسها، ويعرف قدرها بالكيل، وبالوزن أو بالعدد، أو ~~الذرع، ويعرف العقد عليها، هل هو عقد واحد أو أكثر، أنشوطة أو غيرها، ويعرف ~~صمام القارورة الذي تدخل رأسها، وعفاصها الذي تلبسه. ### | [فصل يشهد على اللقطة حين يجدها] # (4511) فصل: ويستحب أن يشهد عليها حين يجدها. قال أحمد، - رحمه الله -: ~~لا أحب أن يمسها حتى يشهد عليها. فظاهر هذا أنه مستحب غير واجب، وأنه إن لم ~~يشهد عليها لا ضمان عليه. وبهذا قال مالك # والشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا لم يشهد عليها ضمنها؛ لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من وجد لقطة، فليشهد ذا عدل، أو ذوي عدل» . وهذا ~~أمر يقتضي الوجوب، ولأنه إذا لم يشهد كان الظاهر أنه أخذها لنفسه. ولنا خبر ~~زيد بن خالد، وأبي بن كعب، فإنه أمرهما بالتعريف دون الإشهاد، ولا يجوز ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كان واجبا لبينه النبي - صلى الله عليه ms2967 ~~وسلم - سيما وقد سئل عن حكم اللقطة فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها، فيتعين ~~حمل الأمر في حديث عياض على الندب والاستحباب ولأنه أخذ أمانة، فلم يفتقر ~~إلى الإشهاد، كالوديعة # والمعنى الذي ذكروه غير صحيح، فإنه إذا حفظها وعرفها فلم يأخذها لنفسه، ~~وفائدة الإشهاد صيانة نفسه عن الطمع فيها، وكتمها وحفظها من ورثته إن مات، ~~ومن غرمائه إن أفلس. وإذا أشهد عليها، لم يذكر للشهود صفاتها، لئلا ينتشر ~~ذلك فيدعيها من لا يستحقها، ويذكر صفاتها، كما قلنا في التعريف، ولكن يذكر ~~للشهود ما يذكره في التعريف من الجنس والنوع. قال أحمد، في رواية صالح، وقد ~~سأله: إذا أشهد عليها هل يبين كم هي؟ قال: لا، ولكن يقول: قد أصبت لقطة. ~~ويستحب أن يكتب صفاتها؛ ليكون أثبت لها مخافة أن ينساها إن اقتصر على حفظها ~~بقلبه، فإن الإنسان عرضة النسيان. ### | [مسألة جاء رب اللقطة فوصفها له] # (4512) مسألة قال: (فإن جاء ربها فوصفها له، دفعت إليه بلا بينة) يعني ~~إذا وصفها بصفاتها المذكورة، دفعها إليه، سواء غلب على ظنه صدقه أو لم ~~يغلب. وبهذا قال مالك، وأبو عبيد، وداود، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة، ~~والشافعي: لا يجبر على ذلك إلا ببينة، ويجوز له دفعها إليه إذا غلب على ظنه ~~صدقه. قال أصحاب الرأي: إن شاء دفعها إليه وأخذ كفيلا # PageV06P084 # بذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البينة على المدعي» # ولأن صفة المدعي لا يستحق بها كالمغصوب. ولنا قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «فإن جاءك أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها، فادفعها إليه» . قال ~~ابن المنذر: هذا الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبه أقول. ~~ورواه ابن القصار: " فإن جاء باغيها، ووصف عفاصها وعددها، فادفعها إليه ". ~~وفي حديث زيد الذي ذكرناه «اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم ~~تعرف، فاستنفقها، وإن جاء طالبها يوما من الدهر، فأدها إليه» . يعني إذا ~~ذكر صفاتها؛ لأن ذلك هو المذكور في صدر الحديث، ولم يذكر البينة في شيء من ~~الحديث، ولو كانت شرطا ms2968 للدفع، لم يجز الإخلال به، ولا أمر بالدفع بدونه، ~~ولأن إقامة البينة على اللقطة تتعذر؛ لأنها إنما سقطت حال الغفلة والسهو، ~~فتوقيف دفعها منع لوصولها إلى صاحبها أبدا، وهذا يفوت مقصود الالتقاط، ~~ويفضي إلى تضييع أموال الناس، وما هذا سبيله يسقط اعتبار البينة فيه، ~~كالإنفاق على اليتيم. والجمع بين هذا القول وبين تفضيل الالتقاط على تركه ~~متناقض جدا؛ لأن الالتقاط حينئذ يكون تضييعا لمال المسلم يقينا، وإتعابا ~~لنفسه بالتعريف الذي لا يفيد، والمخاطرة بدينه بتركه الواجب من تعريفها، ~~وما هذا سبيله يجب أن يكون حراما، فكيف يكون فاضلا. وعلى هذا نقول: لو لم ~~يجب دفعها بالصفة، لم يجز التقاطها؛ لما ذكرناه، وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «البينة على المدعي» . يعني إذا كان ثم منكر؛ لقوله في سياقه: ~~«واليمين على من أنكر» . ولا منكر هاهنا، على أن البينة تختلف، وقد جعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بينة مدعي اللقطة وصفها، فإذا وصفها فقد أقام ~~بينته. وقياس اللقطة على المغصوب غير صحيح؛ فإن النزاع ثم في كونه مغصوبا، ~~والأصل عدمه، وقول المنكر يعارض دعواه، فاحتيج إلى البينة، وها هنا قد ثبت ~~كون هذا المال لقطة، وأن له صاحبا غير من هو في يده، ولا مدعي له إلا ~~الواصف، وقد ترجح صدقه، فينبغي أن يدفع إليه. # (4513) فصل: فإن وصفها اثنان، أقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة حلف أنها ~~له، وسلمت إليه. وهكذا إن أقاما بينتين، أقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة ~~حلف، ودفعت إليه. ذكره القاضي، وقال أبو الخطاب: تقسم بينهما؛ لأنهما ~~تساويا فيما يستحق به الدفع، فتساويا فيها، كما لو كانت في أيديهما. والذي ~~قلناه أصح وأشبه بأصولنا، فيما إذا تداعيا عينا في يد غيرهما، ولأنهما ~~تداعيا عينا في يد غيرهما، وتساويا في البينة، أو في عدمها، فتكون لمن وقعت ~~له القرعة، كما لو ادعيا وديعة في يد إنسان، فقال: هي لأحدكما، لا أعرفه ~~عينا. وفارق ما إذا كانت في أيديهما؛ لأن يد كل واحد منهما على نصفه فرجح ~~قوله فيه. ms2969 وإن # PageV06P085 # وصفها إنسان، فأقام آخر البينة أنها له، فهي لصاحب البينة؛ لأنها أقوى من ~~الوصف، فإن كان الواصف قد أخذها، انتزعت منه، وردت إلى صاحب البينة؛ لأننا ~~تبينا أنها له، فإن كانت قد هلكت، فلصاحبها تضمين من شاء من الواصف أو ~~الدافع إليه. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. ويتخرج أن لا يلزم الملتقط ~~شيء. وهذا قول ابن القاسم صاحب مالك، وأبي عبيد؛ لأنه فعل ما أمر به، لأنه ~~أمين غير مفرط ولا مقصر، فلا يضمن كما لو دفعها بأمر الحاكم، ولأن الدفع ~~واجب عليه، فصار الدفع بغير اختياره، فلم يضمنها، كما لو أخذها كرها. # ولنا أنه دفع مال غيره إلى غير مستحقه اختيارا منه، فضمنه، كما لو دفع ~~الوديعة إلى غير مالكها، إذا غلب على ظنه أنه مالكها. فأما إن دفعها بحكم ~~حاكم، لم يملك صاحبها مطالبة الدافع؛ لأنها مأخوذة منه على سبيل القهر، فلم ~~يضمنها، كما لو غصبها غاصب. ومتى ضمن الواصف لم يرجع على أحد؛ لأن العدوان ~~منه والتلف عنده. فإن ضمن الدافع، رجع على الواصف؛ لأنه كان سبب تغريمه، ~~إلا أن يكون الملتقط قد أقر للواصف أنه صاحبها ومالكها، فإنه لا يرجع عليه، ~~لأنه اعترف أنه صاحبها ومستحقها، وأن صاحب البينة ظلمه بتضمينه، فلا يرجع، ~~به على غير من ظلمه. # وإن كانت اللقطة قد تلفت عند الملتقط، فضمنه إياها، رجع على الواصف بما ~~غرمه، وليس لمالكها تضمين الواصف؛ لأن الذي قبضه إنما هو مال الملتقط، لا ~~مال صاحب اللقطة، بخلاف ما إذا سلم العين. فأما إن وصفها إنسان، فأخذها، ثم ~~جاء آخر فوصفها وادعاها، لم يستحق شيئا؛ لأن الأول استحقها لوصفه إياها، ~~وعدم المنازع فيها، وثبتت يده عليها، ولم يوجد ما يقتضي انتزاعها منه، فوجب ~~إبقاؤها له، كسائر ماله. ### | [فصل جاء مدع للقطة فلم يصفها ولا أقام بينة] # (4514) فصل: ولو جاء مدع للقطة، فلم يصفها، ولا أقام بينة أنها له، لم ~~يجز دفعها إليه، سواء غلب على ظنه صدقه أو كذبه؛ لأنها أمانة، فلم يجز ~~دفعها إلى ms2970 من لم يثبت أنه صاحبها، كالوديعة، فإن دفعها، فجاء آخر فوصفها، ~~أو أقام بينة لزم الواصف غرامتها له؛ لأنه فوتها على مالكها بتفريطه، وله ~~الرجوع على مدعيها؛ لأنه أخذ مال غيره، ولصاحبها تضمين آخذها، فإذا ضمنه لم ~~يرجع على أحد. وإن لم يأت أحد يدعيها فللملتقط مطالبة آخذها بها؛ لأنه لا ~~يأمن مجيء صاحبها، فيغرمه إياها، ولأنها أمانة في يده، فملك أخذها من ~~غاصبها، كالوديعة. ### | [مسألة اللقطة في الحول أمانة في يد الملتقط] # (4515) مسألة قال: (أو مثلها إن كانت قد استهلكت) وجملة ذلك أن اللقطة في ~~الحول أمانة في يد الملتقط، إن تلفت بغير تفريطه أو نقصت، فلا ضمان عليه، ~~كالوديعة. ومتى جاء صاحبها، فوجدها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة؛ ~~لأنها نماء ملكه. وإن # PageV06P086 # أتلفها الملتقط، أو تلفت بتفريطه، ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، ~~وبقيمتها إن لم يكن لها مثل. لا أعلم في هذا خلافا # وإن تلفت بعد الحول، ثبت في ذمته مثلها أو قيمتها بكل حال؛ لأنها دخلت في ~~ملكه، وتلفت من ماله، وسواء فرط في حفظها أو لم يفرط. وإن وجد العين ناقصة، ~~وكان نقصها بعد الحول، أخذ العين وأرش نقصها؛ لأن جميعها مضمون إذا تلفت، ~~فكذلك إذا نقصت. وهذا قول أكثر الفقهاء الذين حكموا بملكه لها بمضي حول ~~التعريف، وأما من قال: لا يملكها حتى يتملكها. لم يضمنه إياها حتى يتملكها، ~~وحكمها قبل تملكه إياها حكمها قبل مضي حول التعريف. ومن قال: لا تملك ~~اللقطة بحال # لم يضمنه إياها. وبهذا قال الحسن، والنخعي، وأبو مجلز والحارث العكلي، ~~ومالك، وأبو يوسف، قالوا: لا يضمن، وإن ضاعت بعد الحول. وقد ذكرنا فيما ~~تقدم دليل دخولها في ملكه. وقال داود: إذا تملك العين وأتلفها، لم يضمنها. # وحكى ابن أبي موسى، عن أحمد، أنه لوح إلى مثل هذا القول؛ لحديث عياض بن ~~حمار، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «فإن جاء ربها، وإلا فهي ~~مال الله يؤتيه من يشاء» # فجعله مباحا. وقوله في حديث أبي بن كعب: «فإن ms2971 جاء من يعرفها، وإلا فهي ~~كسبيل مالك» . وفي حديث زيد: «فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها» . وروي: " ~~فهي لك ". ولم يأمره برد بدلها. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر، ~~فادفعها إليه» . وقال الأثرم: قال أحمد: أذهب إلى حديث الضحاك بن عثمان. ~~جوده، ولم يروه أحد مثل ما رواه: «إن جاء صاحبها بعد سنة، وقد أنفقها، ردها ~~إليه» # لأنها عين يلزم ردها لو كانت باقية، فيلزمه ضمانها إذا أتلفها، كما قبل ~~الحول، ولأنه مال معصوم، فلم يجز إسقاط حقه منه مطلقا، كما لو اضطر إلى مال ~~غيره، وإن وجد العين زائدة بعد الحول زيادة متصلة، أخذها بزيادتها؛ لأنها ~~تتبع في الرد بالعيب والإقالة، فتبعت هاهنا. وإن حدث بعد الحول لها نماء ~~منفصل، فهو للملتقط؛ لأنه نماء ملكه متميز لا يتبع في الفسوخ، فكان له، ~~كنماء المبيع إذا رد بعيب. وذكر أبو الخطاب فيه وجها آخر، بناء على المفلس ~~إذا استرجعت منه العين بعد أن زادت زيادة متميزة، والولد إذا استرجع أبوه ~~ما وهبه له بعد زيادته. # والصحيح أن الزيادة للملتقط؛ لما ذكرناه. وكذلك الصحيح في الموضعين ~~اللذين ذكرهما أن الزيادة لمن حدثت في ملكه. ثم الفرق بينهما أنه في ~~مسألتنا يضمن النقص، فتكون له الزيادة، ليكون الخراج بالضمان، وثم لا ضمان ~~عليه، فأمكن أن لا يكون الخراج له، والله أعلم. ومتى اختلفا في القيمة أو ~~المثل، فالقول قول الملتقط مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته مما حلف عليه. # PageV06P087 ### | [فصل وجد العين بعد خروجها من ملك الملتقط ببيع أو هبة أو نحوهما] # (4516) فصل: وإن وجد العين بعد خروجها من ملك الملتقط ببيع أو هبة أو ~~نحوهما، لم يكن له الرجوع فيها، وله أخذ بدلها؛ لأن تصرف الملتقط وقع ~~صحيحا؛ لكونها صارت في ملكه. وإن صادفها قد رجعت إلى الملتقط بفسخ أو شراء ~~أو غير ذلك، فله أخذها؛ لأنه وجد عين ماله في يد ملتقطه، فكان له أخذه ~~كالزوج ms2972 إذا طلق قبل الدخول فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة. وسائر أحكام ~~الرجوع هاهنا كحكم رجوع الزوج، على ما نذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل أخذ اللقطة ثم ردها إلى موضعها] # (4517) فصل: إذا أخذ اللقطة، ثم ردها إلى موضعها، ضمنها. روي ذلك عن ~~طاوس. وبه قال الشافعي. وقال مالك: لا ضمان عليه؛ لما روى الأثرم، عن ~~القعنبي، عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار، عن ثابت بن الضحاك، ~~عن عمر، أنه قال لرجل وجد بعيرا: أرسله حيث وجدته. ولما روي عن جرير بن عبد ~~الله، أنه رأى في بقره بقرة قد لحقت بها، فأمر بها فطردت حتى توارت # ولنا: أنها أمانة حصلت في يده، فلزمه حفظها، فإذا ضيعها لزمه ضمانها كما ~~لو ضيع الوديعة. ولأنها لما حصلت في يده، لزمه حفظها، وتركها تضييعها. فأما ~~حديث عمر فهو في الضالة التي لا تحل. فأما ما لا يحل التقاطه إذا أخذه، ~~فيحتمل أن له رده إلى مكانه، ولا ضمان عليه لهذه الآثار، ولأنه كان واجبا ~~عليه تركه في مكانه ابتداء، فكان له ذلك بعد أخذه # ويحتمل أن لا يبرأ من ضمانه برده، لأنه دخل في ضمانه، فلم يبرأ من ضمانه ~~برده إلى مكانه، كالمسروق وما يجوز التقاطه، فعلى هذا لا يبرأ إلا برده إلى ~~الإمام أو نائبه. وأما عمر فهو كان الإمام، فإذا أمر برده كان كأخذه منه. ~~وحديث جرير لا حجة فيه؛ لأنه لم يأخذ البقرة، ولا أخذها غلامه، إنما لحقت ~~بالبقر من غير فعله ولا اختياره. ### | [فصل ضاعت اللقطة من ملتقطها بغير تفريط] # (4518) فصل: وإن ضاعت اللقطة من ملتقطها بغير تفريط، فلا ضمان عليه؛ ~~لأنها أمانة في يده، فأشبهت الوديعة. فإن التقطها آخر، فعرف أنها ضاعت من ~~الأول، فعليه ردها إليه؛ لأنه قد ثبت له حق التمول وولاية التعريف والحفظ، ~~فلا يزول ذلك بالضياع. فإن لم يعلم الثاني بالحال حتى عرفها حولا، ملكها؛ ~~لأن سبب الملك وجد منه من غير عدوان، فيثبت الملك به كالأول، ms2973 ولا يملك ~~الأول انتزاعها؛ لأن الملك مقدم على حق التملك، وإذا جاء صاحبها فله أخذها ~~من الثاني، وليس له مطالبة الأول؛ لأنه لم يفرط، وإن علم الثاني بالأول، ~~فردها إليه، فأبى أخذها، وقال: عرفها أنت # فعرفها، ملكها أيضا؛ لأن الأول ترك حقه فسقط. وإن قال: عرفها، ويكون ~~ملكها لي. ففعل، فهو مستنيب له في التعريف، ويملكها # PageV06P088 # الأول؛ لأنه وكله في التعريف، فصح، كما لو كانت في يد الأول. وإن قال: ~~عرفها، وتكون بيننا. ففعل، صح أيضا، وكانت بينهما؛ لأنه أسقط حقه من نصفها، ~~ووكله في الباقي. وإن قصد الثاني بالتعريف تملكها لنفسه دون الأول، احتمل ~~وجهين؛ أحدهما، يملكها؛ لأن سبب الملك وجد منه، فملكها، كما لو أذن له ~~الأول في تعريفها لنفسه # والثاني لا يملكها؛ لأن ولاية التعريف للأول، أشبه ما لو غصبها من ~~الملتقط غاصب فعرفها. وكذلك الحكم إذا علم الثاني بالأول فعرفها، ولم يعلمه ~~بها. ويشبه هذا المتحجر في الموات إذا سبقه غيره إلى ما حجره، فأحياه بغير ~~إذنه. فأما إن غصبها غاصب من الملتقط، فعرفها، لم يملكها، وجها واحدا؛ لأنه ~~معتد بأخذها ولم يوجد منه سبب تملكها، فإن الالتقاط من جملة السبب، ولم ~~يوجد منه. ويفارق هذا ما إذا التقطها ثان، فإنه وجد منه الالتقاط والتعريف. ### | [فصل اصطاد سمكة فوجد فيها درة] # (4519) فصل: ومن اصطاد سمكة، فوجد فيها درة، فهي للصياد؛ لأن الدر يكون ~~في البحر، بدليل قول الله تعالى: {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} [النحل: ~~14] . فتكون لآخذها، فإن باعها الصياد ولم يعلم، فوجدها المشتري في بطنها، ~~فهي للصياد. نص عليه أحمد؛ لأنه إذا لم يعلم ما في بطنها فلم يبعه، ولم يرض ~~بزوال ملكه عنه، فلم يدخل في البيع، كمن باع دارا له مال مدفون فيها. وإن ~~وجد في بطنها عنبرة أو شيئا مما يكون في البحر، فهو للصياد؛ لما ذكرنا. ~~وحكمه حكم الجوهرة # وإن وجد دراهم أو دنانير، فهي لقطة؛ لأن ذلك لا يخلق في البحر، ولا يكون ~~إلا لآدمي، فيكون لقطة، كما لو وجده في ms2974 البحر. وكذلك الحكم في الدرة إذا ~~كان فيها أثر لآدمي، مثل أن تكون مثقوبة أو متصلة بذهب أو فضة أو غيرهما، ~~فإنها تكون لقطة لا يملكها الصياد؛ لأنها لم تقع في البحر حتى تثبت اليد ~~عليها، فهي كالدينار. وكذلك الحكم في العنبرة إذا كانت موصولة بذهب أو فضة، ~~أو مصنوعة، كالتفاحة مثقوبة، ونحو ذلك مما لا يخلق عليه في البحر، فهي لقطة # وإن وجدها الصياد فعليه تعريفها؛ لأنه ملتقطها، وإن وجدها المشتري، ~~فالتعريف عليه؛ لأنه واجدها، ولا حاجة إلى البداية بالبائع، فإنه لا يحتمل ~~أن تكون السمكة ابتلعت ذلك بعد اصطيادها وملك الصياد لها، فاستوى هو وغيره. ~~فأما إن اشترى شاة، ووجد في بطنها درة أو عنبرة أو دنانير أو دراهم، فهي ~~لقطة يعرفها، ويبدأ بالبائع؛ لأنه يحتمل أن تكون ابتلعتها من ملكه فيبدأ ~~به، كقولنا في مشتري الدار إذا وجد فيها مالا مدفونا # وإن اصطاد السمكة من غير البحر، كالنهر والعين، فحكمها حكم الشاة، في أن ~~ما وجد في بطنها من ذلك فهو لقطة، درة كانت أو غيرها؛ لأن ذلك لا يكون إلا ~~في البحر بحكم العادة. ويحتمل # PageV06P089 # أن تكون الدرة للصياد؛ لقول الله تعالى: {ومن كل تأكلون لحما طريا ~~وتستخرجون حلية تلبسونها} [فاطر: 12] . ### | [فصل وجد عنبرة على ساحل البحر] # (4520) فصل: وإن وجد عنبرة على ساحل البحر، فهي له؛ لأنه يمكن أن يكون ~~البحر ألقاها، والأصل عدم الملك فيها، فكانت مباحة لآخذها، كالصيد. وقد روى ~~سعيد، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن # معاوية بن عمرو العبدي، قال: ألقى بحر عدن عنبرة مثل البعير، فأخذها ناس ~~بعدن. فكتب إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إلينا، أن خذوا منها الخمس، ~~وادفعوا إليهم سائرها، وإن باعوكموها فاشتروها. فأردنا أن نزنها فلم نجد ~~ميزانا يخرجها، فقطعناها اثنين، ووزناها، فوجدناها ستمائة رطل، فأخذنا ~~خمسها، ودفعنا سائرها إليهم، ثم اشتريناها بخمسة آلاف دينار، وبعثنا بها ~~إلى عمر بن عبد العزيز، فلم يلبث إلا قليلا حتى باعها بثلاثة وثلاثين ألف ~~دينار. ### | [فصل صاد غزالا فوجده مخضوبا ms2975 أو في عنقه حرز أو في أذنه قرط] # (4521) فصل: وإن صاد غزالا، فوجده مخضوبا، أو في عنقه حرز، أو في أذنه ~~قرط، ونحو ذلك مما يدل على ثبوت اليد عليه، فهو لقطة؛ لأن ذلك دليل على أنه ~~كان مملوكا. وقال أحمد، في من ألقى شبكة في البحر، فوقعت فيها سمكة، فجذبت ~~الشبكة، فمرت بها في البحر، فصادها رجل، فإن السمكة للذي حازها، والشبكة ~~يعرفها ويدفعها إلى صاحبها. فجعل الشبكة لقطة؛ لأنها مملوكة لآدمي، والسمكة ~~لمن صادها؛ لأنها كانت مباحة ولم يملكها صاحب الشبكة، لكون شبكته لم ~~تثبتها، فبقيت على الإباحة، وهكذا لو نصب فخا أو شركا، فوقع فيه صيد من ~~صيود البر، فأخذه وذهب به، وصاده آخر، فهو لمن صاده، ويرد الآلة إلى ~~صاحبها، فهي لقطة يعرفها # وقال أحمد، في رجل انتهى إلى شرك فيه حمار وحش، أو ظبية، قد شارف الموت، ~~فخلصه وذبحه: هو لصاحب الأحبولة، وما كان من الصيد في الأحبولة فهو لمن ~~نصبها، وإن كان بازيا أو صقرا أو عقابا. وسئل عن بازي أو صقر أو كلب معلم ~~أو فهد، ذهب عن صاحبه، فدعاه فلم يجبه، ومر في الأرض حتى أتى لذلك أيام، ~~فأتى قرية، فسقط على حائط، فدعاه رجل فأجابه؟ قال: يرده على صاحبه. قيل له: ~~فإن دعاه فلم يجبه فنصب له شركا فصاده به؟ قال: يرده على صاحبه فجعل هذا ~~لصاحبه؛ لأنه قد ملكه، فلم يزل ملكه عنه بذهابه عنه، والسمكة في الشبكة لم ~~يكن ملكها ولا حازها، وكذلك جعل ما وقع في الأحبولة من البازي والصقر ~~والعقاب لصاحب الأحبولة. # ولم يجعله هاهنا لمن وقع في شركه؛ لأن هذا فيما علم أنه قد كان مملوكا ~~لإنسان فذهب، وإنما # PageV06P090 # يعلم هذا بالخبر، أو بوجود ما يدل على الملك فيه، مثل وجود السير في ~~رجله، أو آثار التعلم، مثل استجابته للذي يدعوه، ونحو ذلك. ومتى لم يوجد ما ~~يدل على أنه مملوك، فهو لمن اصطاده؛ لأن الأصل عدم الملك فيه وإباحته. ### | [فصل أخذت ثيابه من الحمام ووجد ms2976 بدلها] # (4522) فصل: ومن أخذت ثيابه من الحمام، ووجد بدلها، وأخذ مداسه، وترك له ~~بدله، لم يملكه بذلك. قال أبو عبد الله، في من سرقت ثيابه ووجد غيرها: لم ~~يأخذها، فإن أخذها عرفها سنة، ثم تصدق بها. إنما قال ذلك؛ لأن سارق الثياب ~~لم تجر بينه وبين مالكها معاوضة تقتضي زوال ملكه عن ثيابه، فإذا أخذها فقد ~~أخذ مال غيره، ولم يعرف صاحبه، فيعرفه كاللقطة. ويحتمل أن ينظر في هذا، فإن ~~كانت ثم قرينة تدل على السرقة، بأن تكون ثيابه أو مداسه خيرا من المتروكة، ~~وكانت مما لا تشتبه على الآخذ بثيابه ومداسه، فلا حاجة إلى التعريف # لأن التعريف إنما جعل في المال الضائع عن ربه، ليعلم به ويأخذه، وتارك ~~هذا عالم به راض ببدله عوضا عما أخذه، ولا يعترف أنه له، فلا يحصل في ~~تعريفه فائدة، فإذا ليس هو بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، وفيما يصنع ~~بها ثلاثة أوجه أحدها أنه يتصدق به على ما ذكرنا. الثاني أنه يباح له ~~أخذها؛ لأن صاحبها في الظاهر تركها له باذلا إياها له عوضا عما أخذه، فصار ~~كالمبيح له أخذها بلسانه، فصار كمن قهر إنسانا على أخذ ثوبه، ودفع إليه ~~درهما. # الثالث أنه يرفعها إلى الحاكم، ليبيعها، ويدفع إليه ثمنها عوضا عن ماله. ~~والوجه الثاني أقرب إلى الرفق بالناس؛ لأن فيه نفعا لمن سرقت ثيابه، بحصول ~~عوض عنها، ونفعا للسارق بالتخفيف عنه من الإثم، وحفظا لهذه الثياب المتروكة ~~من الضياع، وقد أباح بعض أهل العلم لمن له على إنسان حق من دين أو غصب، أن ~~يأخذ من مال من عليه الحق بقدر ما عليه، إذا عجز عن استيفائه بغير ذلك، ~~فهنا مع رضاء من عليه الحق بأخذه أولى. وإن كانت ثم قرينة دالة على أن ~~الآخذ للثياب إنما أخذها ظنا منه أنها ثيابه، مثل أن تكون المتروكة خيرا من ~~المأخوذة أو مثلها، وهي مما تشتبه بها، فينبغي أن يعرفها هاهنا؛ لأن صاحبها ~~لم يتركها عمدا، فهي بمنزلة الضائعة منه. # والظاهر أنه إذا ms2977 علم بها، أخذها ورد ما كان أخذه فتصير كاللقطة في ~~المعنى، وبعد التعريف إذا لم تعرف، ففيها الأوجه التي ذكرناها إلا أننا إذا ~~قلنا يأخذها أو يبيعها الحاكم ويدفع إليه ثمنها، فإنما يأخذ بقدر قيمة ~~ثيابه، لا يزيد عليها؛ لأن الزائد فاضل عما يستحقه، ولم يرض صاحبها بتركها ~~عوضا عما أخذه، فإنه لم يأخذ غيرها اختيارا منه لتركها، ولا رضى بالمعاوضة ~~بها. وإذا قلنا: إنه يدفعها إلى الحاكم ليبيعها، ويدفع إليه ثمنها. فله أن ~~يشتريها بثمن في ذمته، ويسقط عنه من ثمنها ما قابل ثيابه، ويتصدق بالباقي. ~~والله أعلم. # PageV06P091 ### | [فصل عنده رهون أتى عليها زمان لا يعرف صاحبها] # (4523) فصل: قال أحمد، في من عنده رهون، قد أتى عليها زمان لا يعرف ~~صاحبها: يبيعها، ويتصدق بثمنها، فإن جاء صاحبها غرمها له. وهذا محمول على ~~من استوفى ديونه التي رهن الرهن بها، فأما من لم يستوف دينه، فإن كان قد ~~أذن له في بيعها، باعها، واستوفى دينه من ثمنها، وتصدق بالباقي، وإن لم يكن ~~أذن له في بيعها، رفعها إلى الحاكم ليبيعها، ويقبضه حقه من ثمنها، ويتصدق ~~بباقيه. ### | [فصل تنازع صاحب الدار والساكن في دفن في الدار] # (4524) فصل: نقل الفضل بن زياد، عن أحمد، إذا تنازع صاحب الدار والساكن ~~في دفن في الدار، فقال كل واحد منهما: أنا دفنته. بين كل واحد منهما ما ~~الذي دفن، فكل من أصاب الوصف فهو له، وذلك لأن ما يوجد في الأرض من الدفن ~~مما عليه علامة المسلمين، فهو لقطة، واللقطة تستحق بوصفها، ولأن المصيب ~~للوصف في الظاهر هو من كان ذلك في يده، فكان أحق به، كما لو تنازعه ~~أجنبيان، فوصفه أحدهما. ### | [فصل وجد لقطة في دار الحرب] # (4525) فصل: ومن وجد لقطة في دار الحرب، فإن كان في الجيش، فقال أحمد: ~~يعرفها سنة في دار الإسلام، ثم يطرحها في المقسم. إنما عرفها في دار ~~الإسلام؛ لأن أموال أهل الحرب مباحة، ويجوز أن تكون لمسلم، ولأنه قد لا ~~يمكنه المقام في دار الحرب لتعريفها. ومعناه - والله ms2978 أعلم - يتمم التعريف ~~في دار الإسلام، فأما ابتداء التعريف فيكون في الجيش الذي هو فيه؛ لأنه ~~يحتمل أن تكون لأحدهم، فإذا قفل أتم التعريف في دار الإسلام. فأما إن كان ~~دخل دارهم بأمان، فينبغي أن يعرفها في دارهم؛ لأن أموالهم محرمة عليه، فإذا ~~لم تعرف، ملكها كما يملكها في دار الإسلام # وإن كان في الجيش، طرحها في المقسم بعد التعريف؛ لأنه وصل إليها بقوة ~~الجيش، فأشبهت مباحات دار الحرب إذا أخذ منها شيئا. وإن دخل إليهم متلصصا، ~~فوجد لقطة، عرفها في دار الإسلام؛ لأن أموالهم مباحة له، ثم يكون حكمها حكم ~~غنيمته. ويحتمل أن تكون غنيمة له، لا تحتاج إلى تعريف؛ لأن الظاهر أنها من ~~أموالهم، وأموالهم غنيمة. ### | [مسألة موت الملتقط] # (4526) مسألة قال: (وإن كان الملتقط قد مات، فصاحبها غريم بها) . وجملة ~~ذلك أن الملتقط إذا مات، واللقطة موجودة بعينها، قام وارثه مقامه في إتمام ~~تعريفها إن مات # PageV06P092 # قبل الحول، ويملكها بعد إتمام التعريف، فإن مات بعد الحول، ورثها الوارث، ~~كسائر أموال الميت، ومتى جاء صاحبها، أخذها من الوارث، كما يأخذها من ~~الموروث، فإن كانت معدومة العين، فصاحبها غريم للميت بمثلها إن كانت من ~~ذوات الأمثال، أو بقيمتها إن لم تكن كذلك، فيأخذ ذلك من تركته إن اتسعت ~~لذلك، وإن ضاقت التركة زاحم الغرماء ببدلها، سواء تلفت بعد الحلول بفعله أو ~~بغير فعله؛ لأنها قد دخلت في ملكه بمضي الحول # وإن علم أنها تلفت قبل الحول بغير تفريطه، فلا ضمان عليه، ولا شيء ~~لصاحبها؛ لأنها أمانة في يده تلفت بغير تفريطه، فلم يضمنها، كالوديعة، ~~وكذلك إن تلفت بعد الحول قبل تملكها من غير تفريط، على رأي من رأى أنها لا ~~تدخل في ملكه حتى يتملكها. وقد مضى الكلام في ذلك. فأما إن لم يعلم تلفها، ~~ولم يجدها في تركته، فظاهر كلام الخرقي أن صاحبها غريم بها، سواء كان قبل ~~الحول أو بعده؛ لأن الأصل بقاؤها ويحتمل أن لا يلزم الملتقط شيء، ويسقط حق ~~صاحبها، لأن الأصل براءة ذمة الملتقط منها ms2979 # ويحتمل أن تكون قد تلفت بغير تفريطه، فلا تشغل ذمته بالشك. ويحتمل أنه إن ~~كان الموت قبل الحول فلا شيء عليه؛ لأنها كانت أمانة عنده، ولم تعلم جنايته ~~فيها، والأصل براءة ذمته منها. وإن مات بعد الحول، فهي في تركته؛ لأن الأصل ~~بقاؤها إلى ما بعد الحول، ودخولها في ملكه، ووجوب بدلها عليه. فإن قيل: فقد ~~قلتم إن صاحبها لو جاء بعد بيع الملتقط لها، أو هبته، لم يكن له إلا بدلها، ~~فلم قلتم إنها إذا انتقلت إلى الوارث يملك صاحبها أخذها؟ قلنا: لأن الوارث ~~خليفة الموروث # ، وإنما يثبت له الملك فيها على الوجه الذي كان ثابتا لموروثه، وملك ~~موروثه فيها كان مراعاة مشروطا بعدم مجيء صاحبها، فكذلك ملك وارثه، بخلاف ~~ملك المشتري والمتهب، فإنهما يملكان ملكا مستقرا. ### | [مسألة كان صاحب اللقطة جعل لمن وجدها شيئا معلوما] # (4527) مسألة قال: (وإن كان صاحبها جعل لمن وجدها شيئا معلوما، فله أخذه ~~إن كان التقطها بعد أن بلغه الجعل) وجملة ذلك أن الجعالة في رد الضالة ~~والآبق وغيرهما جائزة. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك والشافعي. ولا نعلم فيه ~~مخالفا. والأصل في ذلك قول الله عز وجل: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به ~~زعيم} [يوسف: 72] . وروى أبو سعيد «أن ناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أتوا حيا من أحياء العرب، فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ ~~سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم راق؟ فقالوا: لم تقرونا، فلا نفعل حتى تجعلوا ~~لنا جعلا فجعلوا لهم قطيع شياه، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ~~ويتفل، فبرأ الرجل، فأتوهم بالشاء، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل عنها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. فسألوا النبي # PageV06P093 # - صلى الله عليه وسلم - فقال: وما أدراك أنها رقية؟ خذوها، واضربوا لي ~~معكم بسهم» . رواه البخاري. # ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن العمل قد يكون مجهولا، كرد الآبق والضالة ~~ونحو ذلك، ولا تنعقد الإجارة فيه، والحاجة داعية إلى ردهما، وقد لا يجد من ~~يتبرع به، فدعت الحاجة إلى ms2980 إباحة بذل الجعل فيه، مع جهالة العمل # ؛ لأنها غير لازمة، بخلاف الإجارة، ألا ترى أن الإجارة لما كانت لازمة، ~~افتقرت إلى تقدير مدة، والعقود الجائزة كالشركة والوكالة لا يجب تقدير ~~مدتها، ولأن الجائزة لكل واحد منهما تركها، فلا يؤدي إلى أن يلزمه مجهول ~~عنده، بخلاف اللازمة. إذا ثبت هذا، فإذا قال: من رد علي ضالتي أو عبدي ~~الآبق، أو خاط لي هذا القميص، أو بنى لي هذا الحائط، فله كذا وكذا. صح، ~~وكان عقدا جائزا، لكل واحد منهما الرجوع فيه قبل حصول العمل. لكن إن رجع ~~الجاعل قبل التلبس بالعمل، فلا شيء عليه، وإن رجع بعد التلبس به، فعليه ~~للعامل أجرة مثله؛ لأنه إنما عمل بعوض، فلم يسلم له # وإن فسخ العامل قبل إتمام العمل، فلا شيء له؛ لأنه أسقط حق نفسه، حيث لم ~~يأت بما شرط عليه العوض، ويصير كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح. ولا ~~بد أن يكون العوض معلوما. والفرق بينه وبين العمل من وجهين أحدهما أن ~~الحاجة تدعو إلى كون العمل مجهولا، بأن لا يعلم موضع الضالة والآبق، ولا ~~حاجة تدعو إلى جهالة العوض # والثاني أن العمل لا يصير لازما، فلم يجب كونه معلوما، والعوض يصير لازما ~~بإتمام العمل، فوجب كونه معلوما. ويحتمل أن تجوز الجعالة مع جهالة العوض ~~إذا كانت الجهالة لا تمنع التسليم، نحو أن يقول: من رد عبدي الآبق فله ~~نصفه، ومن رد ضالتي فله ثلثها. فإن أحمد قال: إذا قال الأمير في الغزو: من ~~جاء بعشرة رءوس فله رأس. جاز وقالوا: إذا جعل جعلا لمن يدله على قلعة، أو ~~طريق سهل، وكان الجعل من مال الكفار، جاز أن يكون مجهولا، كجارية يعينها ~~العامل # فيخرج هاهنا مثله. فأما إن كانت الجهالة تمنع التسليم، لم تصح الجعالة، ~~وجها واحدا. وإن كان العمل معلوما، مثل أن يقول: من رد عبدي من البصرة، أو ~~بنى لي هذا الحائط، أو خاط قميصي هذا، فله كذا صح؛ لأنه إذا صح مع الجهالة ~~فمع العلم أولى. وإن علقه ms2981 بمدة معلومة، فقال: من رد لي عبدي من العراق في ~~شهر، فله دينار. أو من خاط قميصي هذا في اليوم، فله درهم. صح؛ لأن المدة ~~إذا جازت مجهولة، فمع التقدير أولى # فإن قيل: الصحيح من المذهب أن مثل هذا لا يجوز في الإجارة، فكيف أجزتموه ~~في الجعالة؟ قلنا: الفرق بينهما من وجوه، أحدها أن الجعالة يحتمل فيها ~~الغرر، وتجوز مع جهالة العمل والمدة، بخلاف الإجارة. # PageV06P094 # الثاني أن الجعالة عقد جائز، فلا يلزمه بالدخول فيها مع الغرر ضرر، بخلاف ~~الإجارة، فإنها عقد لازم، فإذا دخل فيها مع الغرر، لزمه ذلك. الثالث أن ~~الإجارة إذا قدرت بمدة، لزمه العمل في جميعها، ولا يلزمه العمل بعدها، فإذا ~~جمع بين تقدير المدة والعمل، فربما عمله قبل المدة، فإن قلنا: يلزمه العمل ~~في بقية المدة # فقد لزمه من العمل أكثر من المعقود عليه، وإن قلنا: لا يلزمه. فقد خلا ~~بعض المدة من العمل، إن انقضت المدة قبل عمله، فألزمناه إتمام العمل، فقد ~~لزمه العمل في غير المدة المعقود عليها، وإن قلنا: لا يلزمه العمل. فما أتى ~~بالمعقود عليه من العمل، بخلاف مسألتنا، فإن العمل الذي يستحق به الجعل هو ~~عمل مقيد بمدة، إن أتى به فيها استحق الجعل، ولا يلزمه شيء آخر، وإن لم يف ~~به فيها، فلا شيء له # إذا ثبت هذا، فإنما يستحق الجعل من عمل العمل بعد أن بلغه ذلك، لأنه عوض ~~يستحق بعمل، فلا يستحقه من لم يعمل، كالأجر في الإجارة. ### | [فصل جعل الجعل في الجعالة لواحد بعينه] # (4528) فصل: ويجوز أن يجعل الجعل في الجعالة لواحد بعينه، فيقول له: إن ~~رددت عبدي فلك دينار. فلا يستحق الجعل من يرده سواه. ويجوز أن يجعله لغير ~~معين، فيقول: من رد عبدي فله دينار. فمن رده استحق الجعل. ويجوز أن يجعل ~~لواحد في رده شيئا معلوما، ولآخر أكثر منه أو أقل. ويجوز أن يجعل للمعين ~~عوضا، ولسائر الناس عوضا آخر؛ لأنه يجوز أن يكون الأجر في الإجارة مختلفا ~~مع التساوي في العمل، فهاهنا أولى ms2982 # فإن قال: من رد لقطتي فله دينار. فردها ثلاثة، فلهم الدينار بينهم ~~أثلاثا؛ لأنهم اشتركوا في العمل الذي يستحق به العوض، فاشتركوا في العوض، ~~كالأجر في الإجارة. فإن قيل: أليس لو قال: من دخل هذا النقب فله دينار. ~~فدخله جماعة، استحق كل واحد منهم دينارا كاملا، فلم لا يكون هاهنا كذلك؟ ~~قلنا: لأن كل واحد من الداخلين دخل دخولا كاملا، كدخول المنفرد، فاستحق ~~العوض كاملا، وها هنا لم يرده واحد منهم كاملا، إنما اشتركوا فيه، فاشتركوا ~~في عوضه. فنظير مسألة الدخول ما لو قال: من رد عبدا من عبيدي فله دينار # فرد كل واحد منهم عبدا. ونظير مسألة الرد ما لو قال: من نقب السور فله ~~دينار. فنقب ثلاثة نقبا واحدا. فإن جعل لواحد في ردها دينارا، ولآخر ~~دينارين، ولثالث ثلاثة، فرده الثلاثة فلكل واحد منهم ثلث ما جعل له؛ لأنه ~~عمل ثلث العمل، فاستحق ثلث المسمى. فإن جعل لواحد دينارا، ولآخرين عوضا ~~مجهولا، فردوه معا، فلصاحب الدينار ثلاثة، وللآخرين أجر عملهما # وإن جعل لواحد شيئا في ردها، فردها هو وآخران معه، وقالا: رددنا معاونة ~~له. استحق جميع الجعل، ولا شيء لهما، وإن قالا: رددناه لنأخذ العوض ~~لأنفسنا. فلا شيء لهما، وله ثلث الجعل؛ # PageV06P095 # لأنه عمل ثلث العمل، فاستحق ثلث الجعل، ولم يستحق الآخران شيئا؛ لأنهما ~~عملا من غير جعل. وهذا كله مذهب الشافعي. ولا أعلم فيه خلافا. ### | [فصل قال من رد عبدي من بلد كذا فله دينار] # فصل: وإن قال: من رد عبدي من بلد كذا فله دينار. فرده إنسان من نصف طريق ~~ذلك البلد، استحق نصف الجعل؛ لأنه عمل نصف العمل. وكذلك لو قال: من رد عبدي ~~فله دينار. فرد أحدهما، فله نصف الدينار؛ لأنه رد نصف العبدين، وإن رد ~~العبد من غير البلد المسمى، فلا شيء له؛ لأنه لم يجعل في رده منه شيئا، ~~فأشبه ما لو جعل في رد أحد عبديه شيئا فرد الآخر. ولو قال: من رد عبدي فله ~~دينار. فرده إنسان إلى نصف الطريق، ms2983 فهرب منه، لم يستحق شيئا؛ لأنه شرط ~~الجعل برده، ولم يرده # وكذلك لو مات كما لو استأجره لخياطة ثوب، فخاطه، ولم يسلمه حتى تلف، لم ~~يستحق أجرة. فإن قيل: فإن كان الجاعل قال: من وجد لقطتي فله دينار فقد وجد ~~الوجدان؟ قلنا: قرينة الحال تدل على اشتراط الرد، والمقصود هو الرد لا ~~الوجدان المجرد، وإنما اكتفى بذكر الوجدان لأنه سبب الرد، فصار كأنه قال: ~~من وجد لقطتي فردها علي. ### | [فصل الجعالة تساوي الإجارة في اعتبار العلم بالعوض] # (4530) فصل: والجعالة تساوي الإجارة في اعتبار العلم بالعوض، وما كان ~~عوضا في الإجارة جاز أن يكون عوضا في الجعالة، وما لا فلا، وفي أن ما جاز ~~أخذ العوض عليه في الإجارة من الأعمال، جاز أخذه عليه في الجعالة، وما لا ~~يجوز أخذ الأجرة عليه في الإجارة، مثل الغناء والزمر وسائر المحرمات، لا ~~يجوز أخذ الجعل عليه، وما يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، مما لا يتعدى ~~نفعه فاعله، كالصلاة والصيام، لا يجوز أخذ الجعل عليه، فإن كان مما يتعدى ~~نفعه، كالأذان والإقامة والحج، ففيه وجهان، كالروايتين في الإجارة # ويفارق الإجارة في أنه عقد جائز، وهي لازمة، وأنه لا يعتبر العلم بالمدة، ~~ولا بمقدار العمل، ولا يعتبر وقوع العقد مع واحد معين. فعلى هذا متى شرط ~~عوضا مجهولا، كقوله: إن رددت عبدي فلك ثوب، أو فلك سلبه. أو شرط عوضا ~~محرما، كالخمر والحر، أو غير مقدور عليه، كقوله: من رد عبدي فله ثلثه، أو ~~من رد عبدي فله أحدهما. فرده إنسان استحق أجر المثل؛ لأنه عمل عملا بعوض لم ~~يسلم له، فاستحق أجره، كما في الإجارة. ### | [فصل رد لقطة أو ضالة أو عمل لغيره عملا غير رد الآبق بغير جعل] # (4531) فصل: ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملا غير رد الآبق، بغير ~~جعل، لم يستحق عوضا. لا نعلم في هذا خلافا؛ لأنه عمل يستحق به العوض مع ~~المعاوضة، فلا يستحق مع عدمها، كالعمل في الإجارة. # PageV06P096 # فإن اختلفا في الجعل، فقال: جعلت ms2984 لي في رد لقطتي كذا. فأنكر المالك، ~~فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل معه # وإن اتفقا على العوض، واختلفا في قدره، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم ~~الزائد المختلف فيه، ولأن القول قوله في أصل العوض، فكذلك في قدره، كرب ~~المال في المضاربة. ويحتمل أن يتحالفا، كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر ~~الثمن، والأجير والمستأجر إذا اختلفا في قدر الأجر. فعلى هذا إن تحالفا فسخ ~~العقد، ووجب أجر المثل. وكذلك الحكم إن اختلفا في المسافة، فقال: جعلت لك ~~الجعل على ردها من حلب # فقال: بل على ردها من حمص. وإن اختلفا في عين العبد الذي جعل الجعل في ~~رده، فقال: رددت العبد الذي شرطت لي الجعل فيه. قال: بل شرطت لك الجعل في ~~العبد الذي لم ترده. فالقول قول المالك؛ لأنه أعلم بشرطه، ولأنه ادعى عليه ~~شرطا في هذا العقد فأنكره، والأصل عدم الشرط. ### | [فصل رد العبد الآبق] # (4532) فصل: أما رد العبد الآبق، فإنه يستحق الجعل برده وإن لم يشرط له. ~~روي هذا عن عمر، وعلي، وابن مسعود. وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز، ~~ومالك، وأصحاب الرأي. وقد روي عن أحمد أنه لم يكن يوجب ذلك. قال ابن منصور: ~~سئل أحمد عن جعل الآبق؟ فقال: لا أدري، قد تكلم الناس فيه # لم يكن عنده فيه حديث صحيح. فظاهر هذا أنه لا جعل له فيه، وهو ظاهر قول ~~الخرقي فإنه قال: " وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه ". ~~ولم يذكر جعلا. وهذا قول النخعي، والشافعي، وابن المنذر؛ لأنه عمل لغيره ~~عملا من غير أن يشرط له عوضا، فلم يستحق شيئا، كما لو رد جمله الشارد. ووجه ~~الرواية الأولى، ما روى عمرو بن دينار، وابن أبي مليكة، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - جعل في جعل الآبق، إذا جاء به خارجا من الحرم، دينارا # وأيضا فإنه قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم في زمنهم مخالفا، فكان ~~إجماعا. ولأن في شرط الجعل في ردهم حثا على رد ms2985 الإباق، وصيانة لهم عن ~~الرجوع إلى دار الحرب، وردتهم عن دينهم، وتقوية أهل الحرب بهم، فينبغي أن ~~يكون مشروعا لهذه المصلحة. وبهذا فارق رد الشارد، فإنه لا يفضي إلى ذلك. ~~والرواية الأخرى أقرب إلى المصلحة؛ لأن الأصل عدم الوجوب، والخبر المروي في ~~هذا مرسل، وفيه مقال، ولم يثبت الإجماع فيه ولا القياس، فإنه لم يثبت ~~اعتبار الشرع لهذه المصلحة المذكورة فيه، ولا تحققت أيضا، فإنه ليس الظاهر ~~هربهم إلى دار الحرب إلا في المجلوب منها، إذا كانت قريبة، وهذا بعيد فيهم # فأما على الرواية الأولى، فقد اختلفت الرواية في قدر الجعل، فروي عن أحمد ~~أنه عشرة دراهم، أو دينار، إن رده من المصر، وإن رده من خارجه، ففيه ~~روايتان # PageV06P097 # إحداهما يلزمه دينار، أو اثنا عشر درهما، للخبر المروي فيه، ولأن ذلك ~~يروى عن عمر وعلي - رضي الله عنهما -. والثانية، له أربعون درهما إن رده من ~~خارج المصر اختارها الخلال، وهو قول ابن مسعود، وشريح. فروى أبو عمرو ~~الشيباني قال: قلت لعبد الله بن مسعود: إني أصبت عبيدا إباقا. فقال: لك أجر ~~وغنيمة. فقلت: هذا الأجر، فما الغنيمة؟ قال: من كل رأس أربعين درهما. وقال ~~أبو إسحاق: أعطيت الجعل في زمن معاوية أربعين درهما. وهذا يدل على أنه ~~مستفيض في العصر الأول. قال الخلال: حديث ابن مسعود أصح إسنادا. # وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه قال: إذا وجده على مسيرة ثلاث، فله ثلاثة ~~دنانير. وقال أبو حنيفة: إن رده من مسيرة ثلاثة أيام، فله أربعون درهما، ~~وإن كان من دون ذلك، يرضخ له على قدر المكان الذي تعني إليه # ولا فرق عند إمامنا بين أن يزيد الجعل على قيمة العبد أو لا يزيد. وبهذا ~~قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: إن كان قليل القيمة نقص الجعل من ~~قيمته درهما، لئلا يفوت عليه العبد جميعه. ولنا عموم الدليل، ولأنه جعل ~~يستحق في رد الآبق، فاستحقه وإن زاد على قيمته، كما لو جعله له صاحبه، ~~ويستحقه إن مات سيده في تركته. ms2986 وبهذا قال أبو حنيفة. وقال أبو يوسف: إن كان ~~الذي رده من ورثة المولى، سقط الجعل # ولنا أن هذا عوض عن عمله، فلا يسقط بالموت، كالأجر في الإجارة، وكما لو ~~كان من غير ورثة المولى. إذا ثبت هذا، فلا فرق بين كون من رده معروفا برد ~~الإباق أو لم يكن. وبهذا قال أصحاب الرأي. وقال مالك: إن كان معروفا بذلك، ~~استحق الجعل، وإلا فلا. ولنا الخبر، والأثر المذكور من غير تفريق، ولأنه رد ~~آبقا، فاستحق الجعل، كالمعروف بردهم. ### | [فصل أخذ الآبق لمن وجده] # (4533) فصل: ويجوز أخذ الآبق لمن وجده. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب ~~الرأي. ولا نعلم فيه خلافا؛ وذلك لأن العبد لا يؤمن لحاقه بدار الحرب، ~~وارتداده، واشتغاله بالفساد في سائر البلاد، بخلاف الضوال التي تحفظ نفسها. ~~فإذا أخذه فهو أمانة في يده، إن تلف بغير تفريطه، فلا ضمان عليه، وإن وجد ~~صاحبه، دفعه إليه إذا أقام به البينة، أو اعترف العبد أنه سيده. وإن لم يجد ~~سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه، # PageV06P098 # فيحفظه لصاحبه، أو يبيعه إن رأى المصلحة في بيعه، ونحو ذلك قال مالك، ~~وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا # وليس لملتقطه بيعه ولا تملكه بعد تعريفه؛ لأن العبد ينحفظ بنفسه، فهو ~~كضوال الإبل. فإن باعه، فالبيع فاسد، في قول عامة أهل العلم، منهم؛ أبو ~~حنيفة والشافعي. وإن باعه الإمام لمصلحة رآها في بيعه، فجاء سيده فاعترف ~~أنه كان أعتقه، قبل منه؛ لأنه لا يجر إلى نفسه بهذا نفعا، ولا يدفع عنها ~~ضررا. ويحتمل أن لا يقبل؛ لأنه ملك لغيره، فلا يقبل إقراره في ملك غيره، ~~كما لو باعه السيد ثم أقر بعتقه. فعلى هذا ليس لسيده أخذ ثمنه؛ لأنه يقر ~~أنه حر # ولا يستحق ثمنه، ولكن يؤخذ إلى بيت المال؛ لأنه لا مستحق له، فهو كتركة ~~من مات ولا وارث له. فإن عاد السيد فأنكر العتق، وطلب المال، دفع إليه؛ ~~لأنه مال لا منازع له فيه. ### | [فصل أبق العبد فحصل في يد حاكم فأقام سيده بينة ms2987 عند حاكم بلد آخر] # (4534) فصل: وإذا أبق العبد، فحصل في يد حاكم، فأقام سيده بينة عند حاكم ~~بلد آخر أن فلانا الذي صفته كذا وكذا، واستقصى صفاته، عبد فلان بن فلان أبق ~~منه، فقبل الحاكم بينته، وكتب الحاكم إلى الحاكم الذي عنده العبد: ثبت عندي ~~إباق فلان الذي صفته كذا وكذا. قبل كتابه، وسلم إليه العبد. وهذا قول أبي ~~يوسف، وأحد قولي الشافعي، إلا أن أبا يوسف قال: يأخذ به كفيلا؛ لأن البينة ~~أثبتته بصفاته، كما ثبت في الذمة بوصفه في السلم # وقال أبو حنيفة، ومحمد: لا يجب تسليمه؛ لأنهم لا يشهدون على عينه، وإنما ~~يشهدون بالصفات، وقد تتفق الصفات مع اختلاف الأعيان، ويفارق المسلم فيه، ~~فإن الواجب أقل ما يوجد منه الصفة، وهو غير معين. ولنا أنه يقبل كتاب ~~الحاكم إلى الحاكم على شخص غائب، ويؤخذ المحكوم عليه بالحق، وليس ثم شهادة ~~على عين، وإنما يؤخذ المحكوم عليه باسمه ونسبه وصفته، فكذا هاهنا، إذا ثبت ~~وجوب تسليمه، فإن الحاكم الذي يسلمه يختم في عنقه خيطا ضيقا لا يخرج من ~~رأسه، ويدفعه إلى المدعي أو وكيله، ليحمله إلى الحاكم الكاتب، ليشهد الشهود ~~على عينه، فإن شهدوا بعينه، سلم إلى مدعيه، وإن لم يشهدوا وجب رده إلى ~~الحاكم الأول، ويكون في ضمان الذي أخذه؛ لأنه أخذه بغير استحقاق. ### | [مسألة كان التقطها قبل ذلك فردها لعلة الجعل] # مسألة قال: (وإن كان التقطها قبل ذلك، فردها لعلة الجعل، لم يجز له أخذه) ~~. إنما كان كذلك؛ لأنه إذا التقطها قبل أن يبلغه الجعل، فقد التقطها بغير ~~عوض، وعمل في مال غيره بغير جعل، فلا يستحق شيئا، كما لو التقطها ولم يجعل ~~ربها فيها شيئا. وفارق الملتقط بعد بلوغه الجعل؛ فإنه إنما بذل منافعه بعوض ~~جعل له، فاستحقه، كالأجير إذا عمل بعد العقد. وسواء كان التقاطه # PageV06P099 # لها بعد الجعل أو قبله؛ لما ذكرنا # ولا يستحق أخذ الجعل بردها؛ لأن الرد واجب عليه من غير عوض، فلم يجز أخذ ~~العوض عن الواجب، كسائر الواجبات. وإنما يأخذه ms2988 الملتقط، في موضع يجوز له ~~أخذه عوضا عن الالتقاط المباح. إذا ثبت هذا فإن ملتقطها قبل أن يبلغه الجعل ~~لا يستحق شيئا، سواء ردها لعلة الجعل أو لغيره؛ لأنه إذا لم يستحقه مع قصده ~~إياه، وعمله من أجله، فلأن لا يستحقه مع عدم ذلك أولى. وإنما ذكر الخرقي ~~ردها لعلة الجعل، إن شاء الله، لينبه به على عدم استحقاقه فيما إذا ردها ~~لغير علته، ولأن الحاجة إنما تدعو إلى معرفة الحكم في من يريد الجعل، أما ~~من تركه ولا يريده، فلا يقع التنازع فيه غالبا. والله أعلم. ### | [مسألة الصبي والمجنون والسفيه إذا التقط أحدهم لقطة ثبتت يده عليها] # (4536) مسألة قال: (وإن كان الذي وجد اللقطة سفيها أو طفلا، قام وليه ~~بتعريفها، فإن تمت السنة، ضمها إلى مال واجدها) . وجملة ذلك أن الصبي ~~والمجنون والسفيه، إذا التقط أحدهم لقطة، ثبتت يده عليها؛ لعموم الأخبار، ~~ولأن هذا تكسب، فصح منه، كالاصطياد والاحتطاب. وإن تلفت في يده بغير تفريط، ~~فلا ضمان عليه؛ لأنه أخذ ما له أخذه. وإن تلفت بتفريطه، ضمنها في ماله. ~~وإذا علم بها وليه، لزمه أخذها؛ لأنه ليس من أهل الحفظ والأمانة، فإن تركها ~~في يده ضمنها؛ لأنه يلزمه حفظ ما يتعلق به حق الصبي. # وهذا يتعلق به حقه، فإذا تركها في يده كان مضيعا لها، وإذا أخذها الولي، ~~عرفها؛ لأن واجدها ليس من أهل التعريف، فإذا انقضت مدة التعريف، دخلت في ~~ملك واجدها؛ لأن سبب الملك تم شرطه، فيثبت الملك له، كما لو اصطاد صيدا. ~~وهذا مذهب الشافعي، إلا أن أصحابه قالوا: إذا انقضت مدة التعريف، فكأن ~~الصبي والمجنون بحيث يستقرض لهما، يتملكه لهما، وإلا فلا. وقال بعضهم: ~~يتملكه لهما بكل حال؛ لأن الظاهر عدم ظهور صاحبه، فيكون تملكه مصلحة له # ولنا عموم الأخبار، ولو جرى هذا مجرى الاقتراض لما صح التقاط صبي لا يجوز ~~الاقتراض له؛ لأنه يكون تبرعا بحفظ مال غيره من غير فائدة. (4537) فصل: قال ~~أحمد، في رواية العباس بن موسى، في غلام له عشر سنين، ms2989 التقط لقطة، ثم كبر: ~~فإن وجد صاحبها دفعها إليه، وإلا تصدق بها. قد مضى أجل التعريف فيما تقدم ~~من السنين، ولم ير عليه استقبال أجل التعريف. قال: وقد كنت سمعته قبل هذا ~~أو بعده يقول في انقضاء أجل التعريف إذا لم يجد صاحبها: # PageV06P100 # أيتصدق بمال الغير؟ # ، وهذه المسألة قد مضى نحوها فيما إذا لم يعرف الملتقط اللقطة في حولها، ~~فإنه لا يملكها وإن عرفها فيما بعد ذلك؛ لأن التعريف بعده لا يفيد ظاهرا، ~~لكون صاحبها يئس منها، وترك طلبها. وهذه المسألة تدل على أنه إذا ترك ~~التعريف لعذر، كان كتركه لغير عذر؛ لكون الصبي من أهل العذر، وقد ذكرنا في ~~هذا وجهين فيما تقدم. وقال أحمد، في غلام لم يبلغ، أصاب عشرة دنانير، فذهب ~~بها إلى منزله، فضاعت، فلما بلغ أراد ردها، فلم يعرف صاحبها: تصدق بها، وإن ~~لم يجد عشرة، وكان يجحف به، تصدق قليلا قليلا # قال القاضي: معنى هذا أنها تلفت بتفريط الصبي، وهو أنه لم يعلم وليه حتى ~~يقوم بتعريفها. ### | [فصل وجد العبد لقطة] # (4538) فصل: وإذا وجد العبد لقطة، فله أخذها بغير إذن سيده، ويصح ~~التقاطه. وبهذا قال أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي. وقال في الآخر: لا ~~يصح التقاطه؛ لأن اللقطة في الحول الأول أمانة ولاية، في الثاني تملك، ~~والعبد ليس من أهل الولايات ولا الملك. ولنا عموم الخبر، ولأن الالتقاط سبب ~~يملك به الصبي ويصح منه، فصح من العبد، كالاحتطاب والاصطياد، ولأن من جاز ~~له قبول الوديعة، صح منه الالتقاط، كالحر # وقولهم: إن العبد ليس من أهل الولايات والأمانات. يبطل بالصبي والمجنون، ~~فإنهما أدنى حالا منه في هذا. وقولهم: إن العبد لا يملك ممنوع، وإن سلمنا، ~~فإنه يتملك لسيده، كما يحصل بسائر الاكتساب، ولأن الالتقاط تخليص مال من ~~الهلاك، فجاز من العبد بغير إذن سيده، كإنقاذ المال الغريق والمغصوب. إذا ~~ثبت هذا، فإن التقط العبد لقطة كانت أمانة في يده، إن تلفت بغير تفريط في ~~حول التعريف، لم يضمن، وإن تلفت بتفريط أو إتلاف، وجب ms2990 ضمانها في رقبته، ~~كسائر جناياته، وإن عرفها، صح تعريفه؛ لأن له قولا صحيحا، فصح تعريفه، ~~كالحر، فإذا تم حول التعريف، ملكها سيده؛ لأن الالتقاط كسب العبد، وكسبه ~~لسيده # وإن علم السيد بلقطة عبده، كان له انتزاعها منه؛ لأنها من كسب العبد، ~~وللسيد انتزاع كسبه من يده، فإذا انتزعها بعد أن عرفها العبد ملكها، وإن ~~كان لم يعرفها، عرفها سيده حولا كاملا، وإن كان العبد قد عرفها بعض الحول، ~~عرفها السيد تمامه. فإن اختار السيد إقرارها في يد عبده، نظرت؛ فإن كان ~~العبد أمينا جاز، وكان السيد مستعينا بعبده في حفظها، كما يستعين به في حفظ ~~ماله، وإن كان العبد غير أمين، كان السيد مفرطا بإقرارها في يده، ولزمه ~~ضمانها، كما لو أخذها من يده ثم ردها إليه؛ لأن يد العبد كيده، وما يستحق ~~بها فهو لسيده # وإن أعتق السيد عبده بعد الالتقاط، فله انتزاع اللقطة من يده؛ لأنها من ~~كسبه، وأكسابه لسيده. ومتى علم العبد أن سيده غير مأمون عليها، لزمه سترها ~~عنه، وتسليمها # PageV06P101 # إلى الحاكم، ليعرفها، ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان. فإن أعلم سيده ~~بها، فلم يأخذها منه، أو أخذها فعرفها وأدى الأمانة فيها فتلفت في الحول ~~الأول بغير تفريطه، فلا ضمان فيها؛ لأنها لم تتلف بتفريط من أحدهما، وإن لم ~~يؤد الأمانة فيها، وجب ضمانها، ويتعلق الضمان برقبة العبد وذمة السيد ~~جميعا؛ لأن التفريط حصل منهما جميعا. ### | [فصل المكاتب كالحر في اللقطة] # (4539) فصل: والمكاتب كالحر في اللقطة؛ لأن المال له في الحال، وأكسابه ~~له دون سيده، واللقطة من أكسابه، فإن عجز عاد عبدا، وصار حكمه في اللقطة ~~حكم العبد، على ما مر بيانه. وأم الولد، والمعلق عتقه بصفة، والمدبر كالقن. ~~ومن نصفه حر إذا التقط شيئا، ولم يكن بينه وبين سيده مهايأة، فهو بينهما ~~بعد التعريف نصفين، كسائر أكسابه، وهي بينهما في حول التعريف كالحرين إذا ~~التقطا لقطة، وإن كان بينهما مهايأة، ففيها وجهان أحدهما لا تدخل في ~~المهايأة؛ لأنها كسب نادر، لا يعلم وجوده ولا يظن، ms2991 فلم تدخل في المهايأة، ~~وتكون بينهما # والثاني: تدخل في المهايأة؛ لأنها من كسبه، فأشبهت سائر أكسابه، فإن ~~وجدها في يومه فهي له، وإن وجدها في يوم سيده فهي له، وإن كان العبد مشتركا ~~بين اثنين، فلقطته بينهما، على ما ذكرنا في من بعضه حر وبعضه رقيق. ### | [فصل الذمي في الالتقاط كالمسلم] # (4540) فصل: والذمي في الالتقاط كالمسلم. ومن أصحاب الشافعي من قال: ليس ~~له الالتقاط في دار الإسلام؛ لأنه ليس من أهل الأمانة. ولنا أنها نوع ~~اكتساب، فكان من أهلها، كالحش والاحتطاب. وما ذكروه يبطل بالصبي والمجنون، ~~فإنه يصح التقاطهما، مع عدم الأمانة. إذا ثبت هذا، فإنه إن عرف اللقطة حولا ~~كاملا، ملكها كالمسلم، وإن علم بها الحاكم أو السلطان، أقرها في يده. # وضم إليه مشرفا عدلا يشرف عليه، ويعرفها؛ لأننا لا نأمن الكافر على ~~تعريفها، ولا نأمنه أن يخل في التعريف بشيء من الواجب عليه فيه، وأجر ~~المشرف عليه، فإذا تم حول التعريف ملكها الملتقط. ويحتمل أن تنزع من يد ~~الذمي، وتوضع على يد عدل؛ لأنه غير مأمون عليها. # PageV06P102 ### | [فصل غير الأمين لا يأخذ اللقطة] # (4541) فصل: ويستحب لمن ليس بأمين أن لا يأخذ اللقطة؛ لأنه يعرض نفسه ~~للأمانة، وليس هو من أهلها، فإن التقط صح التقاطه؛ لأنها جهة من جهات ~~الكسب، وهو من أهل الكسب، ولأنه إذا صح التقاط الكافر، فالمسلم أولى، فإذا ~~التقطها فعرفها حولا، ملكها كالعدل. وإن علم الحاكم أو السلطان بها، أقرها ~~في يده، وضم إليه مشرفا يشرف عليه، ويتولى تعريفها كما قلنا في الذمي؛ لأنه ~~لا نأمنه عليها. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وقال في ~~الآخر: ينزعها من يده، ويضعها في يد عدل # ولنا أن من خلى بينه وبين الوديعة، لم تزل يده عن اللقطة، كالعدل، والحفظ ~~يحصل بضم المشرف إليه، وإن لم يمكن المشرف حفظها منه، انتزعت من يده، وتركت ~~في يد عدل، فإذا عرفها وتمت السنة، ملكها ملتقطها؛ لأن سبب الملك وجد منه. ### | [مسألة وجد الشاة بمصر أو بمهلكة] # مسألة قال: ms2992 (وإذا وجد الشاة بمصر، أو بمهلكة، فهي لقطة) يعني أنه يباح ~~أخذها والتقاطها، وحكمها إذا أخذها حكم الذهب والفضة، في التعريف والملك ~~بعده. هذا الصحيح من مذهب أحمد، وقول أكثر أهل العلم. قال ابن عبد البر: ~~أجمعوا على أن ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها، وكذلك الحكم في ~~كل حيوان لا يمتنع بنفسه من صغار السباع، وهي الثعلب، وابن آوى، والذئب، ~~وولد الأسد ونحوها # فما لا يمتنع منها، كفصلان الإبل، وعجول البقر، وأفلاء الخيل، والدجاج، ~~والإوز ونحوها، يجوز التقاطه. ويروى عن أحمد رواية أخرى، ليس لغير الإمام ~~التقاطها. وقال الليث بن سعد: لا أحب أن يقربها، إلا أن يحوزها لصاحبها؛ ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤوي الضالة إلا ضال» . ولأنه ~~حيوان أشبه الإبل. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لما سئل عن ~~الشاة: خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» . متفق عليه # ولأنه يخشى عليه التلف والضياع، فأشبه لقطة غير الحيوان، وحديثنا أخص من ~~حديثهم، فنخصه به، والقياس على الإبل لا يصح؛ فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - علل منع التقاطها بأن معها حذاءها وسقاءها، وهذا معدوم في الغنم، ثم ~~قد فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما في خبر واحد، فلا يجوز الجمع ~~بين ما فرق الشارع بينهما، ولا قياس ما أمر بالتقاطه على ما منع ذلك فيه. ~~إذا ثبت هذا، فلا فرق بين أن يجدها بمصر أو بمهلكة. وقال مالك، وأبو عبيد، ~~وابن المنذر، # PageV06P103 # في الشاة توجد في الصحراء: اذبحها، وكلها. وفي المصر: ضمها حتى يجدها ~~صاحبها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» ~~. والذئب لا يكون في المصر # ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " خذها ". ولم يفرق، ولم ~~يستفصل، ولو افترق الحال لسأل واستفصل، ولأنها لقطة، فاستوى فيها المصر ~~والصحراء، كسائر اللقطات. وقولهم: إن الذئب لا يكون إلا في الصحراء. قلنا: ~~كونها للذئب في الصحراء لا يمنع كونها لغيره في المصر. إذا ms2993 ثبت هذا، فإنه ~~متى عرفها حولا كاملا، ملكها. وذكر القاضي، وأبو الخطاب، عن أحمد، رواية ~~أخرى، أنه لا يملكها. ولعلها الرواية التي منع من التقاطها فيها. ولنا قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هي لك أو لأخيك» ، فأضافها إليه فاللام ~~التمليك، ولأنها يباح التقاطها، فملكت بالتعريف، كالأثمان، ولأن ذلك إجماع، ~~حكاه ابن عبد البر. ### | [فصل يتخير ملتقط ضالة الغنم بين ثلاثة أشياء] # (4543) فصل: ويتخير ملتقطها بين ثلاثة أشياء؛ أكلها في الحال. وبهذا قال ~~مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وغيرهم. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن ضالة ~~الغنم، في الموضع المخوف عليها، له أكلها. والأصل في ذلك قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» . فجعلها له في الحال، وسوى ~~بينه وبين الذئب، والذئب لا يستأني بأكلها، ولأن في أكلها في الحال إغناء ~~عن الإنفاق عليها، وحراسة لماليتها على صاحبها إذا جاء. # فإنه يأخذ قيمتها بكمالها من غير نقص، وفي إبقائها تضييع للمال بالإنفاق ~~عليها، والغرامة في علفها، فكان أكلها أولى. ومتى أراد أكلها حفظ صفتها، ~~فمتى جاء صاحبها غرمها له، في قول عامة أهل العلم، إلا مالكا، فإنه قال: ~~كلها، ولا غرم عليك لصاحبها ولا تعريف؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~" هي لك ". ولم يوجب فيها تعريفا ولا غرما، وسوى بينه وبين الذئب، والذئب ~~لا يعرف ولا يغرم. قال ابن عبد البر: لم يوافق مالكا أحد من العلماء على ~~قوله. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن عمرو: «رد ~~على أخيك ضالته» # دليل على أن الشاة على ملك صاحبها، ولأنها لقطة لها قيمة، وتتبعها النفس، ~~فتجب غرامتها لصاحبها إذا جاء كغيرها، ولأنها ملك لصاحبها، فلم يجز تملكها ~~عليه بغير عوض من غير رضاه، كما لو كانت بين البنيان، ولأنها عين يجب ردها ~~مع بقائها، فوجب غرمها إذا أتلفها، كلقطة الذهب. وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " هي لك ". لا يمنع وجوب غرامتها، فإنه قد أذن في لقطة الذهب ~~والورق بعد تعريفها، ms2994 في أكلها وإنفاقها، وقال: " هي كسائر مالك ". ثم ~~أجمعنا على وجوب غرامتها، كذلك الشاة، ولا فرق في إباحة أكلها بين وجدانها # PageV06P104 # في الصحراء أو في المصر # وقال مالك، وأبو عبيد، وأصحاب الشافعي، وابن المنذر: ليس له أكلها في ~~المصر؛ لأنه يمكن بيعها، بخلاف الصحراء. ولنا أن ما جاز أكله في الصحراء، ~~أبيح في المصر، كسائر المأكولات، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~هي لك ". ولم يفرق، ولأن أكلها معلل بما ذكرنا من الاستغناء عن الإنفاق ~~عليها، وهذا في المصر أشد منه في الصحراء. # الثاني، أن يمسكها على صاحبها، وينفق عليها من ماله، ولا يتملكها. وإن ~~أحب أن ينفق عليها محتسبا بالنفقة على مالكها، وأشهد على ذلك، فهل له أن ~~يرجع بالنفقة؟ على روايتين إحداهما يرجع به # نص عليه، في رواية المروذي، في طيرة أفرخت عند قوم، فقضى أن الفراخ لصاحب ~~الطيرة، ويرجع بالعلف إذا لم يكن متطوعا. وقضى عمر بن عبد العزيز في من وجد ~~ضالة، فأنفق عليها، وجاء ربها، بأنه يغرم له ما أنفق؛ وذلك لأنه أنفق على ~~اللقطة لحفظها، فكان من مال صاحبها، كمؤنة الرطب والعنب. والرواية الثانية، ~~لا يرجع بشيء. وهو قول الشعبي، والشافعي. ولم يعجب الشعبي قضاء عمر بن عبد ~~العزيز؛ لأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه، فلم يرجع. # كما لو بني داره، ويفارق العنب والرطب، فإنه ربما كان تجفيفه والإنفاق ~~عليه في ذلك أحظ لصاحبه؛ لأن النفقة لا تتكرر، والحيوان يتكرر الإنفاق ~~عليه، فربما استغرق قيمته، فكان بيعه أو أكله أحظ، فلذلك لم يحتسب المنفق ~~عليها بما أنفق. الثالث أن يبيعها ويحفظ ثمنها لصاحبها، وله أن يتولى ذلك ~~بنفسه. وقال بعض أصحاب الشافعي: يبيعها بإذن الإمام. # ولنا أنه إذا جاز له أكلها بغير إذن، فبيعها أولى. ولم يذكر أصحابنا لها ~~تعريفا في هذه المواضع # وهذا قول مالك؛ لحديث زيد بن خالد؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» . ولم يأمر بتعريفها، كما أمر في ~~لقطة الذهب ms2995 والورق. ولنا أنها لقطة لها خطر، فوجب تعريفها، كالمطعوم ~~الكثير، وإنما ترك ذكر تعريفها لأنه ذكرها بعد بيانه التعريف فيما سواها، ~~فاستغني بذلك عن ذكره فيها، ولا يلزم من جواز التصرف فيها في الحول سقوط ~~التعريف، كالمطعوم. # (4544) فصل: إذا أكلها ثبتت قيمتها في ذمته، ولا يلزمه عزلها؛ لعدم ~~الفائدة في ذلك، فإنها لا تنتقل من الذمة إلى المال المعزول. ولو عزل شيئا ~~ثم أفلس، كان صاحب اللقط أسوة الغرماء، ولم يختص بالمال المعزول. # PageV06P105 # وإن باعها، وحفظ ثمنها، وجاء صاحبها، أخذه، ولم يشاركه فيه أحد من ~~الغرماء؛ لأنه عين ماله، لا شيء للمفلس فيه. ### | [فصل التقاط ما لا يبقى عاما] # (4545) فصل: وإذا التقط ما لا يبقى عاما، فذلك نوعان؛ أحدهما ما لا يبقى ~~بعلاج ولا غيره، كالطبيخ، والبطيخ، والفاكهة التي لا تجفف، والخضراوات. فهو ~~مخير بين أكله، وبيعه وحفظ ثمنه، ولا يجوز إبقاؤه؛ لأنه يتلف. فإن تركه حتى ~~تلف، فهو من ضمانه؛ لأنه فرط في حفظه، فلزمه ضمانه، كالوديعة. فإن أكله ~~ثبتت القيمة في ذمته، على ما ذكرناه في لقطة الغنم. وإن باعه وحفظ ثمنه، ~~جاز # وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وله أن يتولى بيعه بنفسه. وعن أحمد، أن له بيع ~~اليسير، وإن كان كثيرا دفعه إلى السلطان. وقال أصحاب الشافعي: ليس له بيعه ~~إلا بإذن الحاكم، فإن عجز عنه، جاز البيع بنفسه؛ لأنه حال ضرورة، فأما مع ~~القدرة على استئذانه، فلا يجوز من غير إذنه؛ لأنه مال معصوم، لا ولاية ~~عليه، فلم يجز لغير الحاكم بيعه، كغير اللقطة. ولنا أنه مال أبيح للملتقط ~~أكله، فأبيح له بيعه، كماله، ولأنه مال أبيح له بيعه عند العجز عن الحاكم، ~~فجاز عند القدرة عليه، كماله # إذا ثبت هذا، فإنه متى أراد أكله أو بيعه، حفظ صفاته، ثم عرفه عاما، فإذا ~~جاء صاحبه، فإن كان قد باعه وحفظ ثمنه، دفعه إليه، وإن كان قد أكله أو أكل ~~ثمنه، غرمه له بقيمته يوم أكله. وإن تلف الثمن بغير تفريط قبل تملكه، أو ~~نقص أو تلفت العين، ms2996 أو نقصت من غير تفريطه، فلا ضمان على الملتقط. وإن تلفت ~~أو نقصت أو نقص الثمن لتفريطه، فعلى الملتقط ضمانه، وكذلك إن تلف الثمن بعد ~~تملكه، أو نقص، ضمنه. # النوع الثاني ما يمكن إبقاؤه بالعلاج، كالعنب والرطب، فينظر ما فيه الحظ ~~لصاحبه. # فإن كان في التجفيف جففه، ولم يكن له إلا ذلك؛ لأنه مال غيره، فلزمه ما ~~فيه الحظ لصاحبه، كولي اليتيم، وإن احتاج في التجفيف إلى غرامة، باع بعضه ~~في ذلك. وإن كان الحظ في بيعه، باعه، وحفظ ثمنه، كالطعام والرطب، فإن تعذر ~~بيعه، ولم يمكن تجفيفه، تعين أكله، كالبطيخ. وإن كان أكله أنفع لصاحبه. فله ~~أكله أيضا؛ لأن الحظ فيه. ويقتضي قول أصحابنا: إن العروض لا تملك بالتعريف # أن هذا كله لا يجوز له أكله، لكن يخير بين الصدقة به وبين بيعه. وقد قال ~~أحمد في من يجد في منزله طعاما لا يعرفه: يعرفه ما لم يخش فساده، فإن خشي ~~فساده، تصدق به، فإن جاء صاحبه غرمه. وكذلك قال مالك. وأصحاب الرأي، في ~~لقطة ما لا يبقى سنة: يتصدق به. وقال الثوري: يبيعه، ويتصدق بثمنه. # PageV06P106 # ولنا على جواز أكله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ضالة الغنم: ~~«خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب» # وهذا تجويز للأكل، فإذا جاز فيما هو محفوظ بنفسه، ففيما يفسد ببقائه ~~أولى. ### | [مسألة لا يتعرض لبعير ولا لما فيه قوة يمنع عن نفسه] # (4546) مسألة قال: (ولا يتعرض لبعير، ولا لما فيه قوة يمنع عن نفسه) ~~وجملة ذلك أن كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع، وورود الماء، لا ~~يجوز التقاطه، ولا التعرض له، سواء كان لكبر جثته، كالإبل، والخيل، والبقر، ~~أو لطيرانه كالطيور كلها، أو لسرعته، كالظباء والصيود، أو بنابه كالكلاب ~~والفهود. قال عمر - رضي الله عنه -: من أخذ ضالة، فهو ضال. أي مخطئ # وبهذا قال الشافعي، والأوزاعي، وأبو عبيد. وقال مالك، والليث، في ضالة ~~الإبل: من وجدها في القرى عرفها، ومن وجدها في الصحراء لا يقربها. ورواه ~~المزني عن ms2997 الشافعي. وكان الزهري يقول: من وجد بدنة فليعرفها، فإن لم يجد ~~صاحبها فلينحرها قبل أن تنقضي الأيام الثلاثة. وقال أبو حنيفة: في لفظ يباح ~~التقاطها؛ لأنها لقطة أشبهت الغنم. ولنا # «قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عنها: ما لك ولها؟ معها ~~حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها. وسئل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقيل: يا رسول الله، إنا نصيب هوام الإبل. قال: ضالة ~~المسلم حرق النار» . وروي عن «جرير بن عبد الله، أنه أمر بطرد بقرة لحقت ~~ببقره حتى توارت، وقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا ~~يؤوي الضالة إلا ضال» رواه أبو داود بمعناه. وقياسهم يعارض صريح النص، وكيف ~~يجوز ترك نص النبي - صلى الله عليه وسلم - وصريح قوله بقياس نصه في موضع ~~آخر، على أن الإبل تفارق الغنم، لضعفها، وقلة صبرها عن الماء. ### | [فصل كانت الصيود مستوحشة إذا تركت رجعت إلى الصحراء وعجز عنها صاحبها جاز التقاطها] # (4547) فصل: فإن كانت الصيود مستوحشة، إذا تركت رجعت إلى الصحراء، وعجز ~~عنها صاحبها، جاز التقاطها؛ لأن تركها أضيع لها من سائر الأموال، والمقصود ~~حفظها لصاحبها، لا حفظها في نفسها، ولو كان المقصود حفظها في أنفسها لما ~~جاز التقاط الأثمان، فإن الدينار دينار حيثما كان. ### | [فصل البقرة كالإبل في اللقطة] # (4548) فصل: والبقرة كالإبل. نص عليه أحمد. وهو قول الشافعي، وأبي عبيد. ~~وحكي عن مالك أن البقرة كالشاة # ولنا، خبر جرير فإنه طرد البقرة ولم يأخذها، ولأنها تمتنع عن صغار ~~السباع، وتجزئ في # PageV06P107 # الأضحية والهدي عن سبعة، فأشبهت الإبل. وكذا الحكم في الخيل والبغال. ~~فأما الحمر، فجعلها أصحابنا من هذا القسم الذي لا يجوز التقاطه؛ لأن لها ~~أجساما عظيمة، فأشبهت البغال والخيل، ولأنها من الدواب، فأشبهت البغال. ~~والأولى إلحاقها بالشاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل الإبل بأن ~~معها حذاءها وسقاءها. يريد شدة صبرها عن الماء؛ لكثرة ما توعي في بطونها ~~منه، وقوتها على وروده. # وفي إباحة ضالة الغنم بأنها معرضة لأخذ ms2998 الذئب إياها، بقوله: " هي لك، أو ~~لأخيك، أو للذئب ". والحمر مساوية للشاة في علتها، فإنها لا تمتنع من ~~الذئب، ومفارقة للإبل في علتها، فإنها لا صبر لها عن الماء، ولهذا يضرب ~~المثل بقلة صبرها عنه، فيقال: ما بقي من مدته إلا ظمأ حمار. وإلحاق الشيء ~~بما ساواه في علة الحكم وفارقه في الصورة، أولى من إلحاقه بما قاربه في ~~الصورة وفارقه في العلة. فأما غير الحيوان، فما كان منه ينحفظ بنفسه، ~~كأحجار الطواحين، والكبير من الخشب، وقدور النحاس، فهو كالإبل في تحريم ~~أخذه، بل أولى منه؛ لأن الإبل تتعرض في الجملة للتلف. # إما بالأسد، وإما بالجوع أو العطش، وغير ذلك، وهذه بخلاف ذلك، ولأن هذه ~~لا تكاد تضيع عن صاحبها ولا تبرح من مكانها بخلاف الحيوان، فإذا حرم أخذ ~~الحيوان، فهذه أولى. ### | [فصل أخذ هذا الحيوان الذي لا يجوز أخذه على سبيل الالتقاط] # (4549) فصل: فإن أخذ هذا الحيوان الذي لا يجوز أخذه على سبيل الالتقاط، ~~ضمنه، إماما كان أو غيره؛ لأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا أذن الشارع له، ~~فهو كالغاصب. فإن رده إلى موضعه، لم يبرأ من الضمان. وبهذا قال الشافعي. ~~وقال مالك: يبرأ؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قال: أرسله في الموضع الذي ~~أصبته فيه. وجرير طرد البقرة التي لحقت ببقره # ولنا أن ما لزمه ضمانه لا يزول عنه إلا برده إلى صاحبه أو نائبه، ~~كالمسروق والمغصوب. وأما حديث جرير، فإنه لم يأخذ البقرة، ولا أخذها راعيه، ~~إنما لحقت بالبقر، فطردها عنها، فأشبه ما لو دخلت داره فأخرجها. فعلى هذا، ~~متى لم يأخذها بحيث ثبتت يده عليها، لا يلزمه ضمانها، سواء طردها أو لم ~~يطردها. وإن أخذها فلزمه ضمانها، فدفعها إلى الإمام أو نائبه، زال عنه ~~الضمان؛ لأن له نظرا في ضوال الناس، بدليل أن له أخذها، فكان نائبا عن ~~أصحابها فيها. ### | [فصل للإمام أو نائبه أخذ الضالة على وجه الحفظ لصاحبها] # (4550) فصل: وللإمام أو نائبه أخذ الضالة على وجه الحفظ لصاحبها؛ لأن عمر ~~- رضي الله عنه ms2999 - حمى موضعا يقال # PageV06P108 # له النقيع لخيل المجاهدين والضوال، ولأن للإمام نظرا في حفظ مال الغائب، ~~وفي أخذ هذه حفظ لها عن الهلاك. ولا يلزمه تعريفها؛ لأن عمر - رضي الله عنه ~~- لم يكن يعرف الضوال. ولأنه إذا عرف ذلك، فمن كانت له ضالة فإنه يجيء إلى ~~موضع الضوال، فإذا عرف ضالته أقام البينة عليها وأخذها، ولا يكتفي فيها ~~بالصفة؛ لأنها ظاهرة بين الناس، فيعرف صفاتها من رآها من غير أهلها، فلا ~~تكون الصفة لها دليلا على ملكه لها # ولأن الضالة قد كانت ظاهرة بين الناس حين كانت في يد مالكها، فلا يختص هو ~~بمعرفة صفاتها دون غيره، فلم يكن ذلك دليلا، ويمكنه إقامة البينة عليها ~~لظهورها للناس، ومعرفة خلطائه وجيرانه بملكه إياها. ### | [فصل أخذ اللقطة غير الإمام أو نائبه ليحفظها لصاحبها] # (4551) فصل: وإن أخذها غير الإمام أو نائبه ليحفظها لصاحبها، لم يجز له ~~ذلك، ولزمه ضمانها؛ لأنه لا ولاية له على صاحبها. وهذا ظاهر مذهب الشافعي # ولأصحابه وجه، أن له أخذها لحفظها، قياسا على الإمام. ولا يصح؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - منع أخذها من غير تفريق بين قاصد الحفظ وقاصد ~~الالتقاط، ولا يصح القياس على الإمام؛ لأن له ولاية، وهذا لا ولاية له. وإن ~~وجدها في موضع يخاف عليها به، مثل أن يجدها بأرض مسبعة، يغلب على الظن أن ~~الأسد يفترسها إن تركت به، أو فرسا من دار الحرب، يخاف عليها من أهلها، أو ~~بموضع يستحل أهله أموال المسلمين، كوادي التيم، أو في برية لا ماء بها ولا ~~مرعى، فالأولى جواز أخذها للحفظ، ولا ضمان على آخذها؛ لأن فيه إنقاذها من ~~الهلاك، فأشبه تخليصها من غرق أو حريق # فإذا حصلت في يده، سلمها إلى نائب الإمام، وبرئ من ضمانها، ولا يملكها ~~بالتعريف؛ لأن الشرع لم يرد بذلك فيها. ### | [فصل ما يحصل عند الإمام من الضوال فإنه يشهد عليها ويسمها بأنها ضالة] # (4552) فصل: وما يحصل عند الإمام من الضوال، فإنه يشهد عليها، ويسمها ~~بأنها ضالة، ثم إن كان له حمى ms3000 ترعى فيه، تركها فيه، إن رأى ذلك، وإن رأى ~~المصلحة في بيعها وحفظ ثمنها، أو لم يكن له حمى، باعها بعد أن يحليها، ~~ويحفظ صفاتها، ويحفظ ثمنها لصاحبها، فإن ذلك أحفظ لها؛ لأن تركها يفضي إلى ~~أن تأكل جميع ثمنها. ### | [فصل ترك دابة بمهلكة فأخذها إنسان فأطعمها وسقاها وخلصها] # (4553) فصل: ومن ترك دابة بمهلكة، فأخذها إنسان، فأطعمها وسقاها وخلصها، ~~ملكها. وبه قال الليث، والحسن بن صالح، وإسحاق. إلا أن يكون تركها ليرجع ~~إليها، أو ضلت منه. وقال مالك: هي لمالكها # PageV06P109 # الأول، ويغرم ما أنفق عليها. وقال الشافعي، وابن المنذر: هي لمالكها، ~~والآخر متبرع بالنفقة، لا يرجع بشيء؛ لأنه ملك غيره، فلم يملكه بغير عوض من ~~غير رضاه، كما لو كانت في غير مهلكة، ولا يملك الرجوع؛ لأنه أنفق على مال ~~غيره بغير إذنه، فلم يرجع بشيء، كما لو بنى داره # ولنا ما روى الشعبي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من وجد ~~دابة قد عجز عنها أهلها، فسيبوها، فأخذها، فأحياها، فهي له» . قال عبد الله ~~بن حميد بن عبد الرحمن: فقلت - يعني للشعبي -: من حدثك بهذا؟ قال: غير واحد ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه أبو داود بإسناده. وفي ~~لفظ عن الشعبي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ترك دابة ~~بمهلكة، فأحياها رجل، فهي لمن أحياها» # ولأن في الحكم بملكها إحياءها وإنقاذها من الهلاك، وحفظا للمال عن ~~الضياع، ومحافظة على حرمة الحيوان، وفي القول بأنها لا تملك تضييع لذلك ~~كله، من غير مصلحة تحصل، ولأنه نبذ رغبة عنه وعجزا عن أخذه، فملكه آخذه، ~~كالساقط من السنبل، وسائر ما ينبذه الناس رغبة عنه. ### | [فصل ترك متاعا فخلصه إنسان] # (4554) فصل: وإن ترك متاعا، فخلصه إنسان، لم يملكه؛ لأنه لا حرمة له في ~~نفسه، ولا يخشى عليه التلف، كالخشية على الحيوان، فإن الحيوان يموت إذا لم ~~يطعم ويسقى، وتأكله السباع، والمتاع يبقى حتى يرجع إليه صاحبه. وإن كان ~~المتروك عبدا، لم يملك بأخذه؛ لأن العبد ms3001 في العادة يمكنه التخلص إلى ~~الأماكن التي يعيش فيها، بخلاف البهيمة. وله أخذ العبد والمتاع ليخلصه ~~لصاحبه، وله أجر مثله في تخليص المتاع. نص عليه، وكذلك في العبد على قياسه # قال القاضي: يجب أن يحمل قوله في وجوب الأجر، على أنه جعل له ذلك أو أمره ~~به، فأما إن لم يجعل له شيئا، فلا جعل له؛ لأنه عمل في مال غيره بغير جعل، ~~فلم يستحق شيئا، كالملتقط. وهذا خلاف ظاهر كلام أحمد؛ فإنه لو جعل له جعلا ~~لاستحقه، ولم يجعل له أجر المثل، ويفارق هذا الملتقط، فإن الملتقط لم يخلص ~~اللقطة من الهلاك، ولو تركها أمكن أن يرجع صاحبها فيطلبها من مكانها ~~فيجدها، وها هنا إن لم يخرجه هذا ضاع وهلك، ولم يرجع إليه صاحبه، ففي جعل ~~الأجر فيه حفظ للأموال من غير مضرة، فجاز ذلك كالجعل في الآبق. # ولأن اللقطة جعل فيها الشارع ما يحث على أخذها، وهو ملكها إن لم يجئ ~~صاحبها، فاكتفي به عن الأجر، فينبغي أن يشرع في هذا ما يحث على تخليصه ~~بطريق الأولى، وليس إلا الأجر. فأما ما ألقاه ركاب البحر فيه، خوفا من ~~الغرق، فلم أعلم لأصحابنا فيه قولا، سوى عموم قولهم الذي ذكرناه. ويحتمل أن ~~يملك هذا من أخذه. وهو قول الليث بن سعد. وبه قال الحسن، في من أخرجه، قال: # PageV06P110 # وما نضب عنه الماء فهو لأهله. وقال ابن المنذر: يرده على أصحابه، ولا جعل ~~له. ويقتضيه قول الشافعي والقاضي؛ لما تقدم. ومقتضى قول الإمام أبي عبد ~~الله، أن لمن أنقذه أجر مثله؛ لما ذكرنا # ووجه ما ذكرناه من الاحتمال أن هذا مال ألقاه صاحبه فيما يتلف بتركه فيه ~~اختيارا منه، فملكه من أخذه، كالذي ألقوه رغبة عنه، ولأن فيما ذكروه تحقيقا ~~لإتلافه، فلم يجز، كمباشرته بالإتلاف. فأما إن انكسرت السفينة، فأخرجه قوم، ~~فقال مالك: يأخذ أصحاب المتاع متاعهم، ولا شيء للذي أصابوه. وهذا قول ~~الشافعي، وابن المنذر، والقاضي. وعلى قياس نص أحمد يكون لمستخرجه أجر ~~المثل؛ لأن ذلك وسيلة إلى تخليصه، ms3002 وحفظه لصاحبه، وصيانته عن الغرق. # فإن الغواص إذا علم أنه يدفع إليه الأجر، بادر إلى التخليص ليخلصه، وإن ~~علم أنه يؤخذ منه بغير شيء، لم يخاطر بنفسه في استخراجه، فينبغي أن يقضى له ~~بالأجر، كجعل رد الآبق. ### | [فصل التقط عبدا صغيرا أو جارية] # (4555) فصل: ذكر القاضي فيما إذا التقط عبدا صغيرا، أو جارية، أن قياس ~~المذهب أنه لا يملك بالتعريف. وقال الشافعي: يملك العبد دون الجارية، لأن ~~التملك بالتعريف عنده اقتراض، والجارية عنده لا تملك بالقرض. وهذه المسألة ~~فيها نظر؛ فإن اللقيط محكوم بحريته، فإن كان ممن يعبر عن نفسه، فأقر بأنه ~~مملوك، لم يقبل إقراره؛ لأن الطفل لا قول له، ولو اعتبر قوله في ذلك، ~~لاعتبر في تعريفه سيده. والله أعلم. # PageV06P111 ### | [كتاب اللقيط] ### | [مسألة اللقيط حر] # وهو الطفل المنبوذ. واللقيط بمعنى الملقوط، فعيل بمعنى مفعول، كقولهم: ~~قتيل وجريح وطريح. والتقاطه واجب؛ لقول الله تعالى: {وتعاونوا على البر ~~والتقوى} [المائدة: 2] . ولأن فيه إحياء نفسه، فكان واجبا، كإطعامه إذا ~~اضطر، وإنجائه من الغرق. ووجوبه على الكفاية، إذا قام به واحد سقط عن ~~الباقين، فإن تركه الجماعة، أثموا كلهم، إذا علموا فتركوه مع إمكان أخذه # وروي عن سنين أبي جميلة، قال: وجدت ملفوفا، فأتيت به عمر - رضي الله عنه ~~- فقال عريفي: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح. فقال عمر: أكذلك هو؟ قال: ~~نعم. قال فاذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته. رواه سعيد، عن سفيان، عن ~~الزهري، سمع سنينا أبا جميلة بهذا، وقال: علينا رضاعه. # (4556) مسألة قال: (واللقيط حر) وجملة ذلك أن اللقيط حر، في قول عامة أهل ~~العلم، إلا النخعي # قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر. روينا هذا القول ~~عن عمر وعلي - رضي الله عنهما -. وبه قال عمر بن عبد العزيز، والشعبي ~~والحكم، وحماد، ومالك، والثوري والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ومن تبعهم. ~~وقال النخعي: إن التقطه للحسبة، فهو حر، وإن كان أراد أن يسترقه، فذلك له. ~~وذلك قول شذ فيه عن الخلفاء والعلماء، ولا يصح في ms3003 النظر؛ فإن الأصل في ~~الآدميين الحرية، فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا، وإنما الرق لعارض، ~~فإذا لم يعلم ذلك العارض، فله حكم الأصل. ### | [فصل لا يخلو اللقيط من أن يوجد في دار الإسلام أو في دار الكفر] # (4557) فصل: ولا يخلو اللقيط من أن يوجد في دار الإسلام، أو في دار ~~الكفر، فأما دار الإسلام فضربان؛ أحدهما، دار اختطها المسلمون، كبغداد ~~والبصرة والكوفة، فلقيط هذه محكوم بإسلامه، وإن كان فيها أهل الذمة تغليبا ~~للإسلام ولظاهر الدار، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. # PageV06P112 # الثاني دار فتحها المسلمون، كمدائن الشام، فهذه إن كان فيها مسلم واحد ~~حكم بإسلام لقيطها؛ لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم، تغليبا للإسلام. # وإن لم يكن فيها مسلم، بل كل أهلها ذمة حكم بكفره؛ لأن تغليب حكم الإسلام ~~إنما يكون مع الاحتمال. وأما بلد الكفار فضربان أيضا أحدهما بلد كان ~~للمسلمين، فغلب الكفار عليه، كالساحل، فهذا كالقسم الذي قبله، إن كان فيه ~~مسلم واحد حكم بإسلام لقيطه، وإن لم يكن فيه مسلم فهو كافر. وقال القاضي: ~~يحكم بإسلامه أيضا؛ لأنه يحتمل أن يكون فيه مؤمن يكتم إيمانه، بخلاف الذي ~~قبله، فإنه لا حاجة به إلى كتم إيمانه في دار الإسلام # وإن كان في بلد كان للمسلمين، ثم غلب عليه المشركون، ثم ظهر عليه ~~المسلمون، وأقروا فيه أهله بالجزية، فهذا كالقسم الثاني من دار الإسلام. # الثاني دار لم تكن للمسلمين أصلا. كبلاد الهند والروم، فإن لم يكن فيها ~~مسلم، فلقيطها كافر؛ لأن الدار لهم وأهلها منهم، وإن كان فيها مسلمون ~~كالتجار وغيرهم، احتمل أن يحكم بإسلامه، تغليبا للإسلام، واحتمل أن يحكم ~~بكفره، تغليبا للدار والأكثر # وهذا التفصيل كله مذهب الشافعي. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم، ~~على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين، ميتا في أي مكان وجد، أن غسله ~~ودفنه في مقابر المسلمين يجب، وقد منعوا أن يدفن أطفال المشركين في مقابر ~~المسلمين. قال: وإذا وجد لقيط في قرية ليس فيها إلا مشرك، فهو على ظاهر ms3004 ما ~~حكموا به أنه كافر. هذا قول الشافعي وأصحاب الرأي. ### | [فصل بلغ اللقيط حدا يصح فيه إسلامه وردته] # (4558) فصل: وفي الموضع الذي حكمنا بإسلامه، إنما يثبت ذلك ظاهرا لا ~~يقينا؛ لأنه يحتمل أن يكون ولد كافر، فلو أقام كافر بينة أنه ولده ولد على ~~فراشه، حكمنا له به. وإذا بلغ اللقيط حدا يصح فيه إسلامه وردته، فوصف ~~الإسلام فهو مسلم، سواء كان ممن حكم بإسلامه أو كفره. وإن وصف الكفر، وهو ~~ممن حكم بإسلامه، فهو مرتد لا يقر على كفره. وبهذا قال أبو حنيفة # وذكر القاضي وجها، أنه يقر على كفره. وهو منصوص الشافعي؛ لأن قوله أقوى ~~من ظاهر الدار. وهذا وجه مظلم؛ لأن دليل الإسلام وجد عريا عن المعارض، وثبت ~~حكمه، واستقر، فلم يجز إزالة حكمه بقوله، كما لو كان ابن مسلم. وقوله لا ~~دلالة فيه أصلا؛ لأنه لا يعرف في الحال من كان أبوه. ولا ما كان دينه، ~~وإنما يقول هذا من تلقاء نفسه، فعلى هذا إذا بلغ استتيب ثلاثا، فإن تاب ~~وإلا قتل. فأما على قولهم. # فقال القاضي: إن وصف كفرا، يقر أهله عليه بالجزية، عقدت له الذمة، فإن ~~امتنع من التزامها، أو وصف كفرا لا يقر أهله عليه، ألحق بمأمنه. وهذا بعيد ~~جدا؛ فإن هذا اللقيط لا يخلو من أن يكون ابن # PageV06P113 # وثني حربي، فهو حاصل في يد المسلمين بغير عهدة ولا عقد، فيكون لواجده، ~~ويصير مسلما بإسلام سابيه، أو يكون ابن ذميين، أو أحدهما ذمي، فلا يقر على ~~الانتقال إلى غير دين أهل الكتاب، أو يكون ابن مسلم أو ابن مسلمين، فيكون ~~مسلما. قال أحمد، في أمة نصرانية، ولدت من فجور: ولدها مسلم؛ لأن أبويه ~~يهودانه وينصرانه، وهذا ليس معه إلا أمه # وإذا لم يكن لهذا الولد حال يحتمل أن يقر فيها على دين لا يقر أهله عليه، ~~فكيف يرد إلى دار الحرب. ### | [فصل جناية اللقيط] # (4559) فصل: إذا جنى اللقيط جناية تحملها العاقلة، فالعقل على بيت المال؛ ~~لأن ميراثه له، ونفقته عليه. وإن جنى جناية ms3005 لا تحملها العاقلة، فحكمه فيها ~~غير حكم اللقيط؛ إن كانت توجب القصاص وهو بالغ عاقل، اقتص منه، وإن كانت ~~موجبة للمال وله مال، استوفي منه، وإلا كان في ذمته حتى يوسر. وإن جني عليه ~~في النفس جناية توجب الدية، فهي لبيت المال؛ لأنه وارثه # وإن كان عمدا محضا، فالإمام مخير بين استيفاء القصاص إن رآه أحظ ~~للملاقيط، والعفو على مال. وبهذا قال الشافعي، وابن المنذر، وأبو حنيفة، ~~إلا أنه يخيره بين القصاص والمصالحة؛ وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «فالسلطان ولي من لا ولي له» . وإن جني عليه فيما دون النفس جناية توجب ~~الأرش قبل بلوغه، فلوليه أخذ الأرش. وإن كانت عمدا موجبة للقصاص، وللقيط ~~مال يكفيه، وقف الأمر على بلوغه ليقتص أو يعفو، سواء كان عاقلا أو معتوها # وإن لم يكن له مال، وكان عاقلا، انتظر بلوغه أيضا، وإن كان معتوها فللولي ~~العفو على مال يأخذه له؛ لأن المعتوه ليس له حال معلومة منتظرة، فإن ذلك قد ~~يدوم به، والعاقل له حال منتظرة، فافترقا. وفي الحال التي ينتظر بلوغه، فإن ~~الجاني يحبس حتى يبلغ اللقيط، فيستوفي لنفسه. وهذا مذهب الشافعي، وقد روي ~~عن أحمد رواية أخرى، أن للإمام استيفاء القصاص له. وهو مذهب أبي حنيفة؛ ~~لأنه أحد نوعي القصاص # فكان للإمام استيفاؤه عن اللقيط، كالقصاص في النفس. ولنا أنه قصاص لم ~~يتحتم استيفاؤه، فوقف على قوله، كما لو كان بالغا غائبا، وفارق القصاص في ~~النفس، فإن القصاص ليس هو له، إنما هو لوارثه، والإمام المتولي له. ### | [فصل قذف اللقيط بعد بلوغه محصنا] # (4560) فصل: وإن قذف اللقيط بعد بلوغه محصنا، حد ثمانين؛ لأنه حر. وإن ~~قذفه قاذف، وهو محصن، فعليه الحد؛ لأنه محكوم بحريته. فإن ادعى القاذف أنه ~~عبد، فصدقه اللقيط، سقط الحد؛ لإقرار المستحق بسقوط الحد، ويجب التعزير؛ ~~لقذفه من ليس بمحصن. وإن كذبه اللقيط، وقال: إني حر فالقول قوله؛ لأنه ~~محكوم بحريته، فقوله موافق للظاهر، ولذلك أوجبنا عليه حد الحر إذا كان ~~قاذفا، وأوجبنا له القصاص، وإن ms3006 # PageV06P114 # كان الجاني حرا # ويحتمل أن يكون القول قول القاذف؛ لأنه يحتمل صحة ما قاله، بأن يكون ابن ~~أمة، فيكون ذلك شبهة، والحد يندرئ بالشبهات. وفارق القصاص له إذا ادعى ~~الجاني عليه أنه عبد؛ لأن القصاص ليس بحد، وإنما: وجب حقا لآدمي، ولذلك ~~جازت المصالحة عنه، وأخذ بدله، بخلاف حد القذف. ويتخرج من هذا أن اللقيط ~~إذا كان قاذفا، فادعى أنه عبد ليجب عليه حد العبد، قبل منه؛ لذلك # والأول أصح؛ لأن كل من كان محكوما بحريته، لا يسقط الحد عن قاذفه باحتمال ~~رقه، بدليل مجهول النسب، ولو سقط الحد لهذا الاحتمال، لسقط وإن لم يدع ~~القاذف رقه؛ لأنه موجود وإن لم يدعه. ### | [مسألة ينفق علي اللقيط من بيت المال إن لم يوجد معه شيء ينفق عليه] # (4561) مسألة قال: (وينفق عليه من بيت المال إن لم يوجد معه شيء ينفق ~~عليه) . وجملته أن اللقيط إذا لم يوجد معه شيء، لم يلزم الملتقط بالإنفاق ~~عليه، في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل ~~العلم، على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط، كوجوب نفقة الولد # وذلك لأن أسباب وجوب النفقة، من القرابة، والزوجية، والملك، والولاء، ~~منتفية، والالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك، وتبرع بحفظه، فلا يوجب ذلك ~~النفقة، كما لو فعله بغير اللقيط. وتجب نفقته في بيت المال؛ لقول عمر - رضي ~~الله عنه - في حديث أبي جميلة: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته. وفي ~~رواية: من بيت المال؛ ولأن بيت المال وارثه، وماله مصروف إليه، فتكون نفقته ~~عليه، كقرابته ومولاه # فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال، لكونه لا مال فيه، أو كان في مكان ~~لا إمام فيه، أو لم يعط شيئا، فعلى من علم من المسلمين الإنفاق عليه؛ لقول ~~الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] . ولأن في ترك ~~الإنفاق عليه هلاكه، وحفظه عن ذلك واجب، كإنقاذه من الغرق. وهذا فرض كفاية، ~~إذا قام به قوم سقط عن الباقين، فإن تركه الكل ms3007 أثموا. ومن أنفق عليه ~~متبرعا، فلا شيء له، سواء كان الملتقط أو غيره. وإن لم يتبرع بالإنفاق عليه # فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع عليه إذا أيسر، وكان ذلك بأمر ~~الحاكم، لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصدا بالمعروف. وبهذا قال الثوري، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. وإن أنفق بغير أمر الحاكم، محتسبا بالرجوع عليه، ~~فقال أحمد: تؤدى النفقة من بيت المال. وقال شريح، والنخعي: يرجع عليه ~~بالنفقة إذا أشهد عليه. وقال عمر بن عبد العزيز: يحلف ما أنفق احتسابا، فإن ~~حلف استسعي # وقال الشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، ~~والشافعي، وابن المنذر: هو متبرع به. # PageV06P115 # ولنا أنه أدى ما وجب على غيره، فكان له الرجوع على من كان الوجوب عليه، ~~كالضامن إذا قضى عن المضمون عنه. وقد ذكرنا حكم هذا الأصل في موضعه. ### | [فصل وجد مع اللقيط شيء] # (4562) فصل: فأما إن وجد مع اللقيط شيء، فهو له، وينفق عليه منه. وبهذا ~~قال الشافعي، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأن الطفل يملك، وله يد صحيحة، بدليل أنه ~~يرث ويورث، ويصح أن يشتري له وليه ويبيع، ومن له ملك صحيح فله يد صحيحة، ~~كالبالغ. إذا ثبت هذا، فكل ما كان متصلا به، أو متعلقا بمنفعته، فهو تحت ~~يده، ويثبت بذلك ملكا له في الظاهر، فمن ذلك ما كان لابسا له، أو مشدودا في ~~ملبوسه، أو في يديه، أو مجعولا فيه، كالسرير والسفط، وما فيه من فرش أو ~~دراهم، والثياب التي تحته والتي عليه # وإن كان مشدودا على دابة، أو كانت مشدودة في ثيابه، أو كان في خيمة، أو ~~في دار، فهي له. وأما المنفصل عنه، فإن كان بعيدا منه، فليس في يده، وإن ~~كان قريبا منه، كثوب موضوع إلى جانبه، ففيه وجهان أحدهما، ليس هو له؛ لأنه ~~منفصل عنه، فهو كالبعيد. والثاني، هو له. وهو أصح؛ لأن الظاهر أنه ترك له، ~~فهو له، بمنزلة ما هو تحته، ولأن القريب من البالغ يكون في يده، ألا ترى أن ~~الرجل يقعد في السوق ms3008 ومتاعه بقربه، ويحكم بأنه في يده، والحمال إذا جلس ~~للاستراحة، ترك حمله قريبا منه # فأما المدفون تحته، فقال ابن عقيل: إن كان الحفر طريا، فهو له، وإلا فلا؛ ~~لأن الظاهر أنه إذا كان طريا فواضع اللقيط حفره، وإذا لم يكن طريا، كان ~~مدفونا قبل وضعه، وقيل: ليس هو له بحال؛ لأنه بموضع لا يستحقه إذا لم يكن ~~الحفر طريا، فلم يكن له إذا كان الحفر طريا، كالبعيد منه، ولأن الظاهر أنه ~~لو كان له، لشده واضعه في ثيابه، ليعلم به، ولم يتركه في مكان لا يطلع ~~عليه، وكل ما حكمنا بأنه ليس له فحكمه حكم اللقطة، وما هو له أنفق عليه ~~منه، فإن كان فيه كفايته، لم تجب نفقته على أحد؛ لأنه ذو مال، فأشبه غيره ~~من الناس # إذا ثبت هذا، فإن لملتقطه الإنفاق عليه منه بغير إذن الحاكم. ذكره أبو ~~عبد الله بن حامد؛ لأنه ولي له، فلم يعتبر في الإنفاق عليه في حقه إذن ~~الحاكم، كوصي اليتيم، ولأن هذا من الأمر بالمعروف، فاستوى فيه الإمام ~~وغيره، كتبديد الخمر. وروى أبو الحارث، عن أحمد، في رجل أودع رجلا مالا، ~~وغاب، وطالت غيبته، وله ولد ولا نفقة له، هل ينفق عليهم هذا المستودع من ~~مال الغائب؟ فقال: تقوم امرأته إلى الحاكم، حتى يأمره بالإنفاق # PageV06P116 # عليهم # فلم يجعل له الإنفاق عليهم من غير إذن الحاكم. فقال بعض أصحابنا: هذا ~~مثله. والصحيح أن هذا مخالف له من وجهين؛ أحدهما، أن الملتقط له ولاية على ~~اللقيط، وعلى ماله؛ فإن له ولاية أخذه وحفظه. والثاني، أنه ينفق على اللقيط ~~من ماله، وهذا بخلافه، ولأن الإنفاق على الصبي من مال أبيه مشروط بكون ~~الصبي محتاجا إلى ذلك، لعدم ماله، وعدم نفقة تركها أبوه برسمه، وذلك لا ~~يقبل فيه قول المودع، فاحتيج إلى إثبات ذلك عند الحاكم. # ولا كذلك في مسألتنا، فلا يلزم من وجوب استئذان الحاكم ثم وجوبه في ~~اللقيط. ومتى لم يجد حاكما، فله الإنفاق بكل حال؛ لأنه حال ضرورة. وقال ~~الشافعي: ليس له ms3009 أن ينفق بغير إذن الحاكم في موضع يجد حاكما، وإن أنفق ضمن، ~~بمنزلة ما لو كان لأبي الصغير ودائع عند إنسان، فأنفق عليه منه؛ وذلك لأنه ~~لا ولاية له على ماله، وإنما له حق الحضانة. وإن لم يجد حاكما، ففي جواز ~~الإنفاق وجهان؛ ولنا ما ذكرناه ابتداء، ولا نسلم أنه لا ولاية له على مال. # فإنا قد بينا أن له أخذه وحفظه، وهو أولى الناس به، وذكرنا الفرق بين ~~اللقيط وبين ما قاسوا عليه. فإذا ثبت هذا، فالمستحب أن يستأذن الحاكم في ~~موضع يجد حاكما؛ لأنه أبعد من التهمة، وأقطع للظنة، وفيه خروج به من ~~الخلاف، وحفظ لماله من أن يرجع عليه بما أنفق. فإذا ثبت هذا، فينبغي أن ~~ينفق عليه بالمعروف كما ذكرنا في ولي اليتيم، فإذا بلغ اللقيط، واختلفا في ~~قدر ما أنفق، وفي التفريط في الإنفاق، فالقول قول المنفق؛ لأنه أمين، فكان ~~القول قوله في ذلك، كولي اليتيم. ### | [مسألة ولاء اللقيط] # (4563) مسألة قال: (وولاؤه لسائر المسلمين) يعني ميراثه لهم، فإن اللقيط ~~حر الأصل، ولا ولاء عليه، وإنما يرثه المسلمون؛ لأنهم خولوا كل مال لا مالك ~~له، ولأنهم يرثون مال من لا وارث له غير اللقيط، فكذلك اللقيط. وقول ~~الخرقي: " وولاؤه لسائر المسلمين ". تجوز في اللفظ، لاشتراك سائر المسلمين ~~ومن له الولاء في أخذ الميراث، وحيازته كله عند عدم الوارث. هذا هو الظاهر. # وهو قول مالك، والشافعي، وأكثر أهل العلم. وقال شريح، وإسحاق: عليه ~~الولاء لملتقطه؛ لما روى واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «المرأة تحوز ثلاثة مواريث؛ عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي ~~لاعنت عليه» . أخرجه أبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن، وقال عمر لأبي ~~جميلة في لقطته: هو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته. # PageV06P117 # ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق» . # ولأنه لم يثبت عليه رق، ولا على آبائه، فلم يثبت عليه ولاء، كالمعروف ~~نسبه، ولأنه إن كان ابن حرين، فلا ولاء عليه، وإن كان ابن معتقين، فلا يكون ~~عليه ms3010 ولاء لغير معتقهما. وحديث واثلة لا يثبت. قاله ابن المنذر. وخبر عمر، ~~قال ابن المنذر: أبو جميلة رجل مجهول، لا تقوم بحديثه حجة. ويحتمل أن عمر - ~~رضي الله عنه - عنى بقوله: ولك ولاؤه. أي لك ولايته، والقيام به وحفظه. ~~لذلك ذكره عقيب قول عريفه: إنه رجل صالح. وهذا يقتضي تفويض الولاية إليه، ~~لكونه مأمونا عليه دون الميراث # إذا ثبت هذا، فإن حكم اللقيط في الميراث حكم من عرف نسبه، وانقرض أهله، ~~يدفع إلى بيت المال إذا لم يكن له وارث. فإن كان له زوجة فلها الربع، ~~والباقي لبيت المال. وإن كانت امرأة لها زوج، فله النصف، والباقي لبيت ~~المال. وإن كانت له بنت، أو ذو رحم، كبنت بنت، أخذت جميع المال؛ لأن الرد ~~وذا الرحم مقدم على بيت المال. والله أعلم. ### | [مسألة لم يكن من وجد اللقيط أمينا] # مسألة قال: (وإن لم يكن من وجد اللقيط أمينا، منع من السفر به) وجملة ذلك ~~أن الملتقط إن كان أمينا أقر اللقيط في يده؛ لأن عمر - رضي الله عنه - أقر ~~اللقيط في يد أبي جميلة، حين قال له عريفه: إنه رجل صالح. ولأنه سبق إليه، ~~فكان أولى به؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سبق إلى ما لم يسبق ~~إليه مسلم، فهو أحق به» . وهل يجب الإشهاد عليه؟ فيه وجهان أحدهما لا يجب، ~~كما لا يجب الإشهاد في اللقطة # والثاني يجب لأن القصد بالإشهاد حفظ النسب والحرية، فاختص بوجوب الشهادة، ~~كالنكاح، وفارق اللقطة؛ فإن المقصود منها حفظ المال، فلم يجب الإشهاد فيها، ~~كالبيع. فأما إن كان غير أمين، فظاهر كلام الخرقي أنه يقر في يديه، ويمنع ~~من السفر به، لئلا يدعي رقه ويبيعه. وينبغي أن يجب الإشهاد عليه، ويضم إليه ~~من يشرف عليه؛ لأننا إذا ضممنا إليه في اللقطة من يشرف عليه، فهاهنا أولى. ~~وقال القاضي: المذهب أنه ينزع من يديه. # وهذا قول الشافعي؛ لأنه ليس في حفظ اللقيط إلا الولاية، ولا ولاية لفاسق. ~~وفارق اللقطة من أوجه أحدها أن في ms3011 اللقطة معنى الكسب، وليس ها هنا إلا ~~الولاية. والثاني أن اللقطة لو انتزعناها منه رددناها إليه بعد الحول، ~~فاحتطنا عليها مع بقائها في يديه، وها هنا لا ترد إليه بعد الانتزاع منه ~~بحال، فكان الانتزاع أحوط. والثالث أن المقصود ثم حفظ المال، ويمكن ~~الاحتياط عليه بأن يستظهر عليه في التعريف، # PageV06P118 # أو ينصب الحاكم من يعرفها، وها هنا المقصود حفظ الحرية والنسب، ولا سبيل ~~إلى الاستظهار عليه؛ لأنه قد يدعي رقه في بعض البلدان، أو في بعض الزمان، ~~ولأن اللقطة إنما يحتاج إلى حفظها والاحتياط عليها عاما واحدا، وهذا يحتاج ~~إلى الاحتياط عليه في جميع زمانه # وأما على ظاهر قول الخرقي، فلا ينزع منه؛ لأنه قد ثبتت له الولاية ~~بالتقاطه إياه، وسبقه إليه، وأمكن حفظ اللقيط في يديه بالإشهاد عليه، وضم ~~أمين يشارفه إليه، ويشيع أمره، فيعرف أنه لقيط، فيحفظ بذلك من غير زوال ~~ولايته. جمعا بين الحقين، كما في اللقطة، وكما لو كان الوصي خائنا. وما ذكر ~~من الترجيح للقطة فيمكن معارضته بأن اللقيط ظاهر مكشوف لا تخفى الخيانة ~~فيه، واللقطة مستورة خفية تتطرق إليها الخيانة، ولا يعلم بها، ولأن اللقطة ~~يمكن أخذ بعضها وتنقيصها وإبدالها، ولا يتمكن من ذلك في اللقيط # ولأن المال محل الخيانة، والنفوس إلى تناوله وأخذه داعية، بخلاف اللقيط. ~~فعلى هذا، متى أراد الملتقط السفر باللقيط منع منه؛ لأنه يبعده ممن عرف؛ ~~فلا يؤمن أن يدعي رقه ويبيعه. ### | [فصل التقط اللقيط مستور الحال] # (4565) فصل: وإذا التقط اللقيط من هو مستور الحال، لم تعرف منه حقيقة ~~العدالة ولا الخيانة، أقر اللقيط في يديه؛ لأن حكمه حكم العدل في لقطة ~~المال والولاية في النكاح والشهادة فيه، وفي أكثر الأحكام، ولأن الأصل في ~~المسلم العدالة؛ ولذلك قال عمر - رضي الله عنه -: المسلمون عدول بعضهم على ~~بعض. # فإن أراد السفر بلقطته، ففيه وجهان أحدهما لا يقر في يديه. وهذا مذهب ~~الشافعي؛ لأنه لم يتحقق أمانته، فلم تؤمن الخيانة منه # والثاني يقر في يديه؛ لأنه يقر في يديه في الحضر من ms3012 غير مشرف يضم إليه، ~~فأشبه العدل، ولأن الظاهر الستر والصيانة. فأما من عرفت عدالته، وظهرت ~~أمانته، فيقر اللقيط في يده في سفره وحضره؛ لأنه مأمون عليه إذا كان سفره ~~لغير النقلة. ### | [فصل سفر الأمين باللقيط] # (4566) فصل: فإن كان سفر الأمين باللقيط إلى مكان يقيم به، نظرنا؛ فإن ~~كان التقطه من الحضر، فأراد النقلة به إلى البادية لم يقر في يده لوجهين ~~أحدهما، أن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه، وأرفه له. والثاني أنه ~~إذا وجد في الحضر، فالظاهر أنه ولد فيه، فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهور ~~أهله، واعترافهم به. وإن أراد النقلة به إلى بلد آخر من الحضر، ففيه وجهان # PageV06P119 # أحدهما لا يقر في يده؛ لأن بقاءه في بلده أرجى لكشف نسبه، فلم يقر في يده ~~المنتقل عنه، قياسا على المنتقل به إلى البادية. # والثاني، يقر في يده؛ لأن ولايته ثابتة، والبلد الثاني كالأول في ~~الرفاهية، فيقر في يده، كما لو انتقل من أحد جانبي البلد إلى الجانب الآخر، ~~وفارق المنتقل به إلى البادية؛ لأنه يضر به بتفويت الرفاهية عليه. وإن ~~التقطه من البادية فله نقله إلى الحضر؛ لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء ~~إلى الرفاهية والدعة والدين. وإن أقام به في حلة يستوطنها، فله ذلك. وإن ~~كان ينتقل به في المواضع، احتمل أن يقر في يديه؛ لأن الظاهر أنه ابن ~~بدويين، وإقراره في يدي ملتقطه أرجى لكشف نسبه # ويحتمل أن يؤخذ منه، فيدفع إلى صاحب قرية؛ لأنه أرفه له، وأخف عليه. وكل ~~موضع قلنا: ينزع من ملتقطه. فإنما يكون ذلك إذا وجد من يدفع إليه، ممن هو ~~أولى به. فإن لم يوجد من يقوم به، أقر في يدي ملتقطه؛ لأن إقراره في يديه ~~مع قصوره، أولى من إهلاكه. وإن لم يوجد إلا مثل ملتقطه، فملتقطه أولى به، ~~إذ لا فائدة في نزعه من يده، ودفعه إلى مثله. ### | [فصل ليس للعبد التقاط الطفل المنبوذ إذا وجد من يلتقطه سواه] # (4567) فصل: وليس للعبد التقاط الطفل المنبوذ، إذا وجد ms3013 من يلتقطه سواه؛ ~~لأن منافعه لسيده؛ فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه، ولأنه لا يثبت على ~~اللقيط إلا الولاية، ولا ولاية لعبد. فإن التقطه لم يقر في يديه، إلا أن ~~يأذن له السيد، فإن أذن له، أقر في يديه؛ لأنه استعان به في ذلك، فصار كما ~~لو التقطه بيده وسلمه إليه. قال ابن عقيل: إن أذن له السيد لم يكن له ~~الرجوع بعد ذلك، وصار كما لو التقطه. والحكم في الأمة كالحكم في المكاتب. ~~فأما إن لم يجد أحدا يلتقطه سواه، وجب التقاطه؛ لأنه تخليص له من الهلاك، ~~فأشبه تخليصه من الغرق # والمدبر، وأم الولد، والمعلق عتقه بصفة، كالقن، وكذلك المكاتب، لأنه ليس ~~له التبرع بماله، ولا بمنافعه، إلا أن يأذن له سيده في ذلك. ### | [فصل ليس للكافر التقاط مسلم] # (4568) فصل: وليس للكافر التقاط مسلم؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلم، ~~ولأنه لا يؤمن أن يفتنه ويعلمه الكفر، بل الظاهر أنه يربيه على دينه، وينشأ ~~على ذلك، كولده. فإن التقطه لم يقر في يده. وإن كان الطفل محكوما بكفره، ~~فله التقاطه؛ لأن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض. ### | [فصل التقطه اثنان وتناولاه تناولا واحدا] # (4569) فصل: وإن التقطه اثنان، وتناولاه تناولا واحدا، لم يخل من ثلاثة ~~أقسام: أحدها أن يكون ممن يقر في يديه، كالمسلم العدل الحر، والآخر ممن لا ~~يقر في يديه، كالكافر # PageV06P120 # إذا كان اللقيط مسلما، والفاسق، والعبد إذا لم يأذن له سيده، والمكاتب، ~~فإنه يسلم إلى من يقر في يده، وتكون مشاركة هؤلاء له كعدمها؛ لأنه لو ~~التقطه وحده لم يقر في يده، فإذا شاركه من هو من أهل الالتقاط أولى. # الثاني، أن يكونا جميعا ممن لا يقر في يدي واحد منهما، فإنه ينزع منهما، ~~ويسلم إلى غيرهما. # الثالث أن يكون كل واحد منهما ممن يقر في يده لو انفرد، إلا أن أحدهما ~~أحظ للقيط من الآخر، مثل أن يكون أحدهما موسرا والآخر معسرا، فالموسر أحق؛ ~~لأن ذلك أحظ للطفل، وإن التقط مسلم وكافر طفلا محكوما بكفره، فالمسلم ms3014 أحق. ~~وقال أصحابنا، وأصحاب الشافعي: هما سواء؛ لأن للكافر ولاية على الكافر، ~~ويقر في يده إذا انفرد بالتقاطه، فساوى المسلم في ذلك # ولنا أن دفعه إلى المسلم أحظ له؛ لأنه يصير مسلما، فيسعد في الدنيا ~~والآخرة، وينجو من النار، ويتخلص من الجزية والصغار، فالترجيح بهذا أولى من ~~الترجيح باليسار الذي إنما يتعلق به توسعة عليه في الإنفاق، وقد يكون ~~الموسر بخيلا، فلا تحصل التوسعة. فإن تعارض الترجيحان، فكان المسلم فقيرا ~~والكافر موسرا، فالمسلم أولى؛ لأن النفع الحاصل له بإسلامه أعظم من النفع ~~الحاصل بيساره مع كفره. وعلى قياس قولهم في تقديم الموسر، ينبغي أن يقدم ~~الجواد على البخيل؛ لأن حظ الطفل عنده أكثر من الجهة التي يحصل له الحظ ~~فيها باليسار، وربما تخلق بأخلاقه، وتعلم من جوده. # الرابع أن يتساويا في كونهما مسلمين عدلين حرين مقيمين، فهما سواء فيه، ~~فإن رضي أحدهما بإسقاط حقه، وتسليمه إلى صاحبه جاز؛ لأن الحق له، فلا يمنع ~~من الإيثار به. وإن تشاحا، أقرع بينهما؛ لقول الله تعالى: {وما كنت لديهم ~~إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} [آل عمران: 44] . ولأنه لا يمكن كونه ~~عندهما؛ لأنه لا يمكن أن يكون عندهما في حالة واحدة. وإن تهايآه، فجعل عند ~~كل واحد يوما أو أكثر من ذلك، أضر بالطفل؛ لأنه تختلف عليه الأغذية والأنس ~~والإلف. # ولا يمكن دفعه إلى أحدهما دون الآخر بغير قرعة؛ لأن حقهما متساو، فتعيين ~~أحدهما بالتحكم لا يجوز، فتعين الإقراع بينهما، كما يقرع بين الشركاء في ~~تعيين السهام في القسمة، وبين النساء في البداية بالقسمة، وبين العبيد في ~~الإعتاق. والرجل والمرأة سواء، ولا ترجح المرأة ها هنا، كما ترجح في حضانة ~~ولدها على أبيه؛ لأنها رجحت ثم لشفقتها على ولدها، وتوليها لحضانته بنفسها، ~~والأب يحضنه بأجنبية، فكانت أمه أحظ له وأرفق به، أما ها هنا، فإنها أجنبية ~~من اللقيط، والرجل يحضنه بأجنبية فاستويا. ومذهب الشافعي في هذا الفصل ~~جميعه على ما ذكرناه # فإن كان أحدهما مستور الحال، والآخر ظاهر العدالة، احتمل أن يرجح العدل؛ ms3015 ~~لأن المانع من # PageV06P121 # الالتقاط منتف في حقه بغير شك، والأمر مشكوك فيه، فيكون الحظ للطفل في ~~تسليمه إليه أتم. ويحتمل أن يتساويا؛ لأن احتمال وجود المانع لا يؤثر في ~~المنع، فلا يؤثر الترجيح. ### | [فصل رأيا اللقيط جميعا فسبق أحدهما فأخذه أو وضع يده عليه] # (4570) فصل: وإن رأياه جميعا، فسبق أحدهما فأخذه، أو وضع يده عليه، فهو ~~أحق به؛ لقوله - عليه السلام -: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق ~~به» . وإن رآه أحدهما قبل صاحبه، فسبق إلى أخذه الآخر، فالسابق إلى أخذه ~~أحق؛ لأن الالتقاط هو الأخذ لا الرؤية. ولو قال أحدهما لصاحبه: ناولنيه. ~~فأخذه الآخر، نظرنا إلى نيته، فإن نوى أخذه لنفسه فهو أحق، كما لو لم يأمره ~~الآخر بمناولته إياه، وإن نوى مناولته فهو للآمر؛ لأنه فعل ذلك بنية ~~النيابة عنه، فأشبه ما لو توكل له في تحصيل مباح. ### | [فصل اختلفا فقال كل واحد منهما أنا التقطته] # (4571) فصل: فإن اختلفا، فقال كل واحد منهما: أنا التقطته. ولا بينة ~~لأحدهما، وكان في يد أحدهما، فالقول قوله مع يمينه أنه التقطه. ذكر ذلك أبو ~~الخطاب. وهذا قول الشافعي. وقال القاضي: قياس المذهب أنه لا يحلف، كما في ~~الطلاق والنكاح. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعطى الناس ~~بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم؛ ولكن اليمين على المدعى عليه» . ~~رواه مسلم. فإن كان في أيديهما أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه، حلف وسلم إليه. ~~وعلى قول القاضي: لا تشرع اليمين ها هنا، ويسلم إليه بمجرد وقوع القرعة له. ~~وإن لم يكن في يد واحد منهما، فقال القاضي، وأبو الخطاب: يسلمه الحاكم إلى ~~من يرى منهما أو من غيرهما؛ لأنه حق لهما. والأولى أن يقرع بينهما، كما لو ~~كان في أيديهما؛ لأنهما تنازعا حقا في يد غيرهما، فأشبه ما لو تنازعا وديعة ~~عند غيرهما. فإن وصفه أحدهما، مثل أن يقول: في ظهره شامة، أو بجسده علامة. ~~وذكر شيئا في جسده مستورا، فقال أبو الخطاب: يقدم بالصفة. وهو قول أبي ms3016 ~~حنيفة. وقال الشافعي: لا يقدم بالصفة، كما لو وصف المدعي، فإنه لا تقدم به ~~دعواه. ولنا أن هذا نوع من اللقطة، فقدم بوصفها، كلقطة المال، ولأن ذلك يدل ~~على قوة يده، فكان مقدما بها. وقياس اللقيط على اللقطة أولى من قياسه على ~~غيرها؛ لأن اللقيط لقطة أيضا. وإن كان لأحدهما بينة، قدم بها. وإن كان لكل ~~واحد منهما بينة، قدم أسبقهما تاريخا؛ لأن الثاني إنما أخذ ممن قد # PageV06P122 # ثبت الحق فيه لغيره. وإن استوى تاريخهما، أو أطلقتا معا، أو أرخت إحداهما ~~وأطلقت الأخرى، فقد تعارضتا. وهل يسقطان أو يستعملان؟ فيه وجهان؛ أحدهما، ~~يسقطان، فيصيران كمن لا بينة لهما. والثاني، يستعملان، ويقرع بينهما، فمن ~~قرع صاحبه كان أولى. وسنذكر ذلك في بابه، إن شاء الله تعالى. وإن كان ~~اللقيط في يد أحدهما، فهل تقدم بينته على بينة الآخر، أو تقدم بينة الخارج؟ ~~فيه وجهان، مبنيان على الروايتين في دعوى المال. وإن كان أحد المتداعيين ~~ممن لا تقر يده على اللقيط، أقر في يد الآخر، ولم يلتفت إلى دعوى من لا يقر ~~في يده بحال. ### | [مسألة ادعى نسب اللقيط مسلم وكافر] # (4572) مسألة قال: (وإذا ادعاه مسلم وكافر، أري القافة، فبأيهما ألحقوه ~~لحق) يعني إذا ادعي نسبه، فلا تخلو دعوى نسب اللقيط من قسمين أحدهما أن ~~يدعيه واحد ينفرد بدعواه، فينظر؛ فإن كان المدعي رجلا مسلما حرا، لحق نسبه ~~به، بغير خلاف بين أهل العلم، إذا أمكن أن يكون منه؛ لأن الإقرار محض نفع ~~للطفل لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه، فقبل، كما لو أقر له بمال. ثم ~~إن كان المقر به ملتقطه، أقر في يده. وإن كان غيره، فله أن ينتزعه من ~~الملتقط؛ لأنه قد ثبت أنه أبوه، فيكون أحق بولده، كما لو قامت به بينة. وإن ~~كان المدعي له عبدا، لحق به أيضا؛ لأن لمائه حرمة، فلحق به نسبه كالحر. ~~وهذا قول الشافعي وغيره، غير أنه لا تثبت له حضانة؛ لأنه مشغول بخدمة سيده، ~~ولا تجب عليه نفقته؛ لأنه لا ms3017 مال له، ولا على سيده؛ لأن الطفل محكوم ~~بحريته، فتكون نفقته في بيت المال. وإن كان المدعي ذميا، لحق به؛ لأنه أقوى ~~من العبد في ثبوت الفراش، فإنه يثبت له بالنكاح والوطء في الملك. وقال أبو ~~ثور: لا يلحق به؛ لأنه محكوم بإسلامه. ولنا أنه أقر بنسب مجهول النسب، يمكن ~~أن يكون منه، وليس في إقراره إضرار بغيره، فيثبت إقراره، كالمسلم. إذا ثبت ~~هذا، فإنه يلحق به من النسب لا في الدين، ولا حق له في حضانته. وقال ~~الشافعي، في أحد قوليه: يتبعه في دينه؛ لأن كل ما لحقه في نسبه يلحق به في ~~دينه، كالبينة، إلا أنه يحال بينه وبينه، ولنا أن هذا حكم بإسلامه، فلا ~~يقبل قول الذمي في كفره، كما لو كان معروف النسب؛ ولأنها دعوى تخالف ~~الظاهر، فلم تقبل بمجردها، كدعوى رقه، ولأنه لو تبعه في دينه لم يقبل ~~إقراره بنسبه؛ # PageV06P123 # لأنه يكون إضرارا به، فلم تقبل، كدعوى الرق. أما مجرد النسب بدون اتباعه ~~في الدين، فمصلحة عارية عن الضرر، فقبل قوله فيه. ولا يجوز قبوله فيما هو ~~أعظم الضرر والخزي في الدنيا والآخرة. وإن كان المدعي امرأة، فاختلف عن ~~أحمد، - رحمه الله -، فروي أن دعواها تقبل، ويلحقها نسبه؛ لأنها أحد ~~الأبوين، فيثبت النسب بدعواها، كالأب، ولأنه يمكن أن يكون منها، كما يمكن ~~أن يكون ولد الرجل، بل أكثر؛ لأنها تأتي به من زوج، ووطء بشبهة، ويلحقها ~~ولدها من الزنى دون الرجل، ولأن في قصة داود وسليمان - عليهما السلام -، ~~حين تحاكم إليهما امرأتان كان لهما ابنان، فذهب الذئب بأحدهما، فادعت كل ~~واحدة منهما أن الباقي ابنها، وأن الذي أخذه الذئب ابن الأخرى، فحكم به ~~داود للكبرى، وحكم به سليمان للأخرى، بمجرد الدعوى منهما. وهذا قول بعض ~~أصحاب الشافعي. فعلى هذه الرواية، يلحق بها دون زوجها؛ لأنه لا يجوز أن ~~يلحقه نسب ولد لم يقر به. وكذلك إذا ادعى الرجل نسبه، لم يلحق بزوجته. فإن ~~قيل: الرجل يمكن أن يكون له ولد من امرأة أخرى، أو من ms3018 أمته، والمرأة لا يحل ~~لها نكاح غير زوجها، ولا يحل وطؤها لغيره. قلنا: يمكن أن تلد من وطء شبهة ~~أو غيره. وإن كان الولد يحتمل أن يكون موجودا قبل أن يتزوجها هذا الزوج، ~~أمكن أن يكون من زوج آخر. فإن قيل: إنما قبل الإقرار بالنسب من الزوج، لما ~~فيه من المصلحة، بدفع العار عن الصبي، وصيانته عن النسبة إلى كونه ولد زنا، ~~ولا يحصل هذا بإلحاق نسبه بالمرأة، بل إلحاقه بها دون زوجها تطرق للعار ~~إليه وإليها. قلنا: بل قبلنا دعواه؛ لأنه يدعي حقا لا منازع له فيه، ولا ~~مضرة على أحد فيه، فقبل قوله فيه، كدعوى المال، وهذا متحقق في دعوى المرأة. ~~والرواية الثانية، أنها إن كان لها زوج، لم يثبت النسب بدعواها، لإفضائه ~~إلى إلحاق النسب بزوجها بغير إقراره ولا رضاه، أو إلى أن امرأته وطئت بزنا ~~أو شبهة، وفي ذلك ضرر عليه، فلا يقبل قولها فيما يلحق الضرر به. وإن لم يكن ~~لها زوج، قبلت دعواها لعدم هذا الضرر. وهذا أيضا وجه لأصحاب الشافعي. ~~والرواية الثالثة، نقلها الكوسج عن أحمد، في امرأة ادعت ولدا: إن كان لها ~~إخوة أو نسب معروف، لا تصدق إلا ببينة، وإن لم يكن لها دافع، لم يحل بينها ~~وبينه؛ لأنه إذا كان لها أهل ونسب معروف، لم تخف ولادتها عليهم، ويتضررون ~~بإلحاق النسب بها، لما فيه من تعييرهم بولادتها من غير زوجها، وليس كذلك ~~إذا لم يكن لها أهل. ويحتمل أن لا يثبت النسب بدعواها بحال. وهذا قول ~~الثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: أجمع كل من ~~نحفظ عنه من أهل العلم، # PageV06P124 # على أن النسب لا يثبت بدعوى المرأة؛ لأنها يمكنها إقامة البينة على ~~الولادة، فلا يقبل قولها بمجرده، كما لو علق زوجها طلاقها بولادتها. ولنا ~~أنها أحد الوالدين، فأشبهت الأب، وإمكان البينة لا يمنع قبول القول، ~~كالرجل، فإنه تمكنه البينة أن هذا ولد على فراشه. وإن كان المدعي أمة، فهي ~~كالحرة، إلا أننا إذا قبلنا دعواها في نسبه، ms3019 لم نقبل قولها في رقه؛ لأننا ~~لا نقبل الدعوى فيما يضره، كما لم نقبل الدعوى في كفره إذا ادعى نسبه كافر. # (4573) القسم الثاني، أن يدعي نسبه اثنان فصاعدا، والكلام في ذلك في ~~فصول: أحدها أنه إذا ادعاه مسلم وكافر، أو حر وعبد، فهما سواء. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: المسلم أولى من الذمي، والحر أولى من العبد؛ لأن ~~على اللقيط ضررا في إلحاقه بالعبد والذمي، فكان إلحاقه بالحر المسلم أولى، ~~كما لو تنازعوا في الحضانة. ولنا أن كل واحد منهم إذا انفرد صحت دعواه، ~~فإذا تنازعوا، تساووا في الدعوى، كالأحرار المسلمين. وما ذكروه من الضرر لا ~~يتحقق، فإننا لا نحكم برقه ولا كفره. ولا يشبه النسب الحضانة، بدليل أننا ~~نقدم في الحضانة الموسر والحضري، ولا نقدمهما في دعوى النسب. قال ابن ~~المنذر إذا كان عبد، امرأته أمة، في أيديهما صبي، فادعى رجل من العرب ~~امرأته عربية أنه ابنه من امرأته، فأقام العبد بينة بدعواه أنه ابنه، فهو ~~ابنه في قول أبي ثور وغيره. وقال أصحاب الرأي: يقضى به للعربي، للعتق الذي ~~يدخل فيه، وكذلك لو كان المدعي من الموالي عبدهم. وقولهم هذا غير صحيح؛ لأن ~~العرب وغيرهم في أحكام الله ولحوق النسب بهم سواء. ### | [فصل ادعى نسب اللقيط اثنان وكان لأحدهما به بينة] # (4574) الفصل الثاني: أنه إذا ادعاه اثنان، فكان لأحدهما به بينة، فهو ~~ابنه. وإن أقاما بينتين، تعارضتا، وسقطتا، ولا يمكن استعمالهما ها هنا؛ لأن ~~استعمالهما في المال إما بقسمته بين المتداعيين، ولا سبيل إليه ها هنا، ~~وإما بالإقراع بينهما، والقرعة لا يثبت بها النسب. فإن قيل: فإن ثبوته ها ~~هنا يكون بالبينة لا بالقرعة، وإنما القرعة مرجحة. قلنا: فيلزم أنه إذا ~~اشترك رجلان في وطء امرأة، فأتت بولد، يقرع بينهما، ويكون لحوقه بالوطء لا ~~بالقرعة. ### | [فصل إذا لم تكن بنسب اللقيط بينة أو تعارضت به بينتان وسقطتا] # (4575) الفصل الثالث: أنه إذا لم تكن به بينة، أو تعارضت به بينتان، ~~وسقطتا، فإنا نريه القافة معهما، أو مع عصبتهما ms3020 عند فقدهما، فنلحقه بمن ~~ألحقته به منهما. هذا قول أنس، وعطاء، ويزيد بن عبد الملك، والأوزاعي، ~~والليث، والشافعي، وأبي ثور. وقال أصحاب الرأي: لا حكم للقافة، ويلحق ~~بالمدعيين جميعا؛ # PageV06P125 # لأن الحكم بالقافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين، فإن الشبه يوجد ~~بين الأجانب، وينتفي بين الأقارب، ولهذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «أن رجلا أتاه، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال: هل ~~لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ . قال: حمر. قال: فهل فيها من ~~أورق؟ قال: نعم. قال: أنى أتاها ذلك؟ قال: لعل عرقا نزع. قال: وهذا لعل ~~عرقا نزع» . متفق عليه. قالوا: ولو كان الشبه كافيا لاكتفي به في ولد ~~الملاعنة، وفيما إذا أقر أحد الورثة بأخ وأنكره الباقون. ولنا ما روي عن ~~عائشة، - رضي الله عنها - «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها ~~يوما مسرورا، تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجززا المدلجي نظر آنفا ~~إلى زيد وأسامة، وقد غطيا رءوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام ~~بعضها من بعض؟» . متفق عليه. فلولا جواز الاعتماد على القافة لما سر به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا اعتمد عليه. ولأن عمر - رضي الله عنه - ~~قضى به بحضرة الصحابة، فلم ينكره منكر، فكان إجماعا، ويدل على ذلك قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في ولد الملاعنة: «انظروها، فإن جاءت به حمش ~~الساقين كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب عليها، وإن جاءت به أكحل، جعدا، ~~جماليا، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو للذي رميت به. فأتت به على النعت ~~المكروه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لولا الأيمان لكان لي ولها ~~شأن» . فقد حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي أشبهه منهما. وقوله: ~~«لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» . يدل على أنه لم يمنعه من العمل بالشبه ~~إلا الأيمان، فإذا انتفى المانع يجب العمل به لوجود مقتضيه. وكذلك قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابن أمة زمعة، حين رأى ms3021 به شبها بينا بعتبة ~~بن أبي وقاص: «احتجبي منه يا سودة» . فعمل بالشبه في حجب سودة عنه. فإن ~~قيل: فالحديثان حجة عليكم، إذ لم يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشبه ~~فيهما، بل ألحق الولد بزمعة، «وقال لعبد بن زمعة: هو لك يا عبد بن زمعة، ~~الولد للفراش، وللعاهر الحجر» . ولم يعمل بشبه ولد الملاعنة في إقامة الحد ~~عليها، لشبهه بالمقذوف. قلنا: إنما لم يعمل به في ابن أمة زمعة؛ لأن الفراش ~~أقوى، وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منها، لا يوجب الإعراض عنها ~~إذا خلت عن المعارض. وكذلك ترك إقامة الحد عليها من أجل أيمانها، بدليل ~~قوله: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن.» # PageV06P126 # على أن ضعف الشبه عن إقامة الحد لا يوجب ضعفه عن إلحاق النسب، فإن الحد ~~في الزنى لا يثبت إلا بأقوى البينات، وأكثرها عددا، وأقوى الإقرار، حتى ~~يعتبر فيه تكراره أربع مرات، ويدرأ بالشبهات، والنسب يثبت بشهادة امرأة ~~واحدة على الولادة، ويثبت بمجرد الدعوى، ويثبت مع ظهور انتفائه، حتى لو أن ~~امرأة أتت بولد وزوجها غائب عنها منذ عشرين سنة، لحقه ولدها، فكيف يحتج على ~~نفيه بعدم إقامة الحد، ولأنه حكم بظن غالب، ورأي راجح، ممن هو من أهل ~~الخبرة، فجاز، كقول المقومين، وقولهم: إن الشبه يجوز وجوده وعدمه. قلنا: ~~الظاهر وجوده، ولهذا «قال: النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قالت أم سلمة: ~~أو ترى ذلك المرأة؟ قال: فمن أين يكون الشبه؟» . والحديث الذي احتجوا به ~~حجة عليهم؛ لأن إنكار الرجل ولده لمخالفة لونه، وعزمه على نفيه لذلك، يدل ~~على أن العادة خلافه، وأن في طباع الناس إنكاره، وأن ذلك إنما يوجد نادرا، ~~وإنما ألحقه النبي - صلى الله عليه وسلم - به لوجود الفراش، وتجوز مخالفة ~~الظاهر لدليل، ولا يجوز تركه من غير دليل، ولأن ضعف الشبه عن نفي النسب لا ~~يلزم منه ضعفه عن إثباته، فإن النسب يحتاط لإثباته، ويثبت بأدنى دليل، ~~ويلزم من ذلك التشديد في نفيه، وأنه لا ينتفي إلا بأقوى الأدلة، كما ms3022 أن ~~الحد لما انتفى بالشبه، لم يثبت إلا بأقوى دليل، فلا يلزم حينئذ من المنع ~~من نفيه بالشبه في الخبر المذكور، أن لا يثبت به النسب في مسألتنا. فإن ~~قيل: فهاهنا إن عملتم بالقافة فقد نفيتم النسب عمن لم تلحقه القافة به. ~~قلنا: إنما انتفى النسب ها هنا لعدم دليله؛ لأنه لم يوجد إلا مجرد الدعوى، ~~وقد عارضها مثلها، فسقط حكمها، وكان الشبه مرجحا لأحدهما، فانتفت دلالة ~~أخرى، فلزم انتفاء النسب لانتفاء دليله، وتقديم اللعان عليه لا يمنع العمل ~~به عند عدمه، كاليد تقدم عليها البينة، ويعمل بها. ### | [فصل القافة] # (4576) فصل: والقافة قوم يعرفون الإنسان بالشبه، ولا يختص ذلك بقبيلة ~~معينة، بل من عرف منه المعرفة بذلك، وتكررت منه الإصابة، فهو قائف. وقيل: ~~أكثر ما يكون في بني مدلج رهط مجزز المدلجي الذي رأى أسامة وأباه زيدا قد ~~غطيا رءوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: " إن هذه الأقدام بعضها من بعض ". وكان ~~إياس بن معاوية المزني قائفا، وكذلك قيل في شريح. ولا يقبل قول القائف إلا ~~أن يكون ذكرا، عدلا، مجربا في الإصابة، حرا؛ لأن قوله حكم، والحكم تعتبر له ~~هذه الشروط. قال القاضي: وتعتبر معرفة القائف بالتجربة، وهو أن يترك الصبي ~~مع عشرة من الرجال غير من يدعيه، ويرى إياهم، فإن # PageV06P127 # ألحقه بواحد منهم سقط قوله؛ لأنا نتبين خطأه، وإن لم يلحقه بواحد منهم، ~~أريناه إياه مع عشرين فيهم مدعيه، فإن ألحقه به لحق، ولو اعتبر بأن يرى ~~صبيا معروف النسب مع قوم فيهم أبوه أو أخوه، فإذا ألحقه بقريبه، علمت ~~إصابته، وإن ألحقه بغيره سقط قوله، جاز. وهذه التجربة عند عرضه على القائف ~~للاحتياط في معرفة إصابته، وإن لم تجربه في الحال، بعد أن يكون مشهورا ~~بالإصابة وصحة المعرفة في مرات كبيرة، جاز. وقد روينا أن رجلا شريفا شك في ~~ولد له من جاريته، وأبى أن يستلحقه، فمر به إياس بن معاوية في المكتب، وهو ~~لا يعرفه، فقال: ادع لي أباك. فقال له المعلم: ومن أبو هذا؟ قال: فلان. ~~قال: ms3023 من أين علمت أنه أبوه؟ قال: هو أشبه به من الغراب بالغراب. فقام ~~المعلم مسرورا إلى أبيه، فأعلمه بقول إياس، فخرج الرجل وسأل إياسا، فقال: ~~من أين علمت أن هذا ولدي؟ فقال: سبحان الله، وهل يخفى ولدك على أحد، إنه ~~لأشبه بك من الغراب بالغراب. فسر الرجل، واستلحق ولده. وهل يقبل قول واحد، ~~أو لا يقبل إلا قول اثنين؟ فظاهر كلام أحمد، أنه لا يقبل إلا قول اثنين، ~~فإن الأثرم روى عنه، أنه قيل له: إذا قال أحد القافة: هو لهذا. وقال الآخر: ~~هو لهذا؟ قال: لا يقبل واحد حتى يجتمع اثنان، فيكونان شاهدين. فإذا شهد ~~اثنان من القافة أنه لهذا، فهو لهذا؛ لأنه قول يثبت به النسب، فأشبه ~~الشهادة. وقال القاضي: يقبل قول الواحد؛ لأنه حكم، ويقبل في الحكم قول ~~واحد. وحمل كلام أحمد على ما إذا تعارض قول القائفين، فقال: إذا خالف ~~القائف غيره، تعارضا وسقطا. وإن قال اثنان قولا، وخالفهما واحد، فقولهما ~~أولى؛ لأنهما شاهدان، فقولهما أقوى من قول واحد. وإن عارض قول اثنين قول ~~اثنين، سقط قول الجميع. وإن عارض قول الاثنين ثلاثة فأكثر، لم يرجح، وسقط ~~الجميع، كما لو كانت إحدى البينتين اثنين، والأخرى ثلاثة أو أكثر. فأما إن ~~ألحقته القافة بواحد، ثم جاءت قافة أخرى فألحقته بآخر، كان لاحقا بالأول؛ ~~لأن القائف جرى مجرى حكم الحاكم، ومتى حكم الحاكم حكما لم ينتقض بمخالفة ~~غيره له. وكذلك إن ألحقته بواحد، ثم عادت فألحقته بغيره؛ لذلك. فإن أقام ~~الآخر بينة أنه ولده. حكم له به، وسقط قول القائف؛ لأنه بدل، فيسقط بوجود ~~الأصل، كالتيمم مع الماء. ### | [فصل الحاق القافة اللقيط بكافر أو رقيق] # (4577) فصل: وإن ألحقته القافة بكافر أو رقيق، لم يحكم بكفره ولا رقه؛ ~~لأن الحرية والإسلام ثبتا له بظاهر الدار، فلا يزول ذلك بمجرد الشبه والظن، ~~كما لم يزل ذلك بمجرد الدعوى من المنفرد. وإنما قبلنا قول القائف في النسب، ~~للحاجة إلى إثباته، ولكونه غير مخالف للظاهر، ولهذا اكتفينا فيه بمجرد ~~الدعوى من المنفرد، ms3024 ولا حاجة إلى إثبات رقه وكفره، وإثباتهما يخالف الظاهر. # PageV06P128 # ولو ادعى نسب اللقيط إنسان، فألحق نسبه به، لانفراده بالدعوى، ثم جاء آخر ~~فادعاه، لم يزل نسبه عن الأول؛ لأنه حكم له به، فلا يزول بمجرد الدعوى. فإن ~~ألحقته به القافة، لحق به، وانقطع عن الأول؛ لأنها بينة في إلحاق النسب، ~~ويزول بها الحكم الثابت بمجرد الدعوى، كالشهادة. ### | [فصل ادعى نسب اللقيط اثنان فألحقته القافة بهما] # (4578) فصل: وإذا ادعاه اثنان، فألحقته القافة بهما، لحق بهما، وكان ~~ابنهما، يرثهما ميراث ابن، ويرثانه جميعا ميراث أب واحد. وهذا يروى عن عمر، ~~وعلي - رضي الله عنهما -. وهو قول أبي ثور. وقال أصحاب الرأي: يلحق بهما ~~بمجرد الدعوى. وقال الشافعي: لا يلحق بأكثر من والد، فإذا ألحقته بهما سقط ~~قولهما، ولم يحكم لهما. واحتج برواية عن عمر - رضي الله عنه - أن القافة ~~قالت: قد اشتركا فيه. فقال عمر: وال أيهما شئت. ولأنه لا يتصور كونه من ~~رجلين، فإذا ألحقته القافة بهما، تبينا كذبهما، فسقط قولهما، كما لو ألحقته ~~بأمين، ولأن المدعيين لو اتفقا على ذلك، لم يثبت، ولو ادعاه كل واحد منهما، ~~وأقام بينة، سقطتا، ولو جاز أن يلحق بهما، لثبت باتفاقهما، وألحق بهما عند ~~تعارض بينتهما. ولنا ما روى سعيد، في " سننه ": ثنا سفيان، عن يحيى عن ~~سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عمر، في امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال ~~القائف: قد اشتركا فيه جميعا. فجعله بينهما. وبإسناده عن الشعبي قال: وعلي ~~يقول: هو ابنهما، وهما أبواه، يرثهما ويرثانه. ورواه الزبير بن بكار، ~~بإسناده عن عمر. وقال الإمام أحمد حديث قتادة عن سعيد عن عمر، جعله بينهما، ~~وقابوس عن أبيه عن علي، جعله بينهما. وروى الأثرم، بإسناده عن سعيد بن ~~المسيب، في رجلين اشتركا في طهر امرأة، فحملت فولدت غلاما يشبههما، فرفع ~~ذلك إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فدعا القافة فنظروه، فقالوا: نراه ~~يشبههما. فألحقه بهما، وجعله يرثهما ويرثانه. قال سعيد: عصبته الباقي ~~منهما. وما ذكروه عن عمر لا نعلم صحته، ms3025 وإن صح فيحتمل أنه ترك قول القافة ~~لأمر آخر، إما لعدم ثقتهما، وإما لأنه ظهر له من قولهما واختلافهما ما يوجب ~~تركه، فلا ينحصر المانع من قبول قولهما في أنهما اشتركا فيه. قال أحمد: إذا ~~ألحقته القافة بهما، ورثهما وورثاه، فإن مات أحدهما، فهو للباقي منهما، ~~ونسبه من الأول قائم، لا يزيله شيء. ومعنى قوله: " هو للباقي منهما ". ~~والله أعلم، أنه يرثه ميراث أب كامل، كما أن الجدة إذا انفردت أخذت ما ~~يأخذه الجدات، والزوجة تأخذ وحدها ما يأخذه جميع الزوجات. ### | [فصل ادعى نسب اللقيط أكثر من اثنين فألحقته بهم القافة] # (4579) فصل: وإن ادعاه أكثر من اثنين، فألحقته بهم القافة، فنص أحمد، في ~~رواية مهنا، أنه يلحق بثلاثة. ومقتضى هذا أنه يلحق بمن ألحقته القافة وإن ~~كثروا. وقال أبو عبد الله بن حامد: لا يلحق بأكثر من اثنين. # PageV06P129 # وهو قول أبي يوسف؛ لأنا صرنا إلى ذلك للأثر، فيقتصر عليه. وقال القاضي: ~~لا يلحق بأكثر من ثلاثة، وهو قول محمد بن الحسن. وروي ذلك عن أبي يوسف ~~أيضا. ولنا أن المعنى الذي لأجله لحق باثنين، موجود فيما زاد عليه، فيقاس ~~عليه، وإذا جاز أن يلحق من اثنين، جاز أن يلحق من أكثر من ذلك. وقولهم: إن ~~إلحاقه بالاثنين على خلاف الأصل ممنوع، وإن سلمناه، لكنه ثبت لمعنى موجود ~~في غيره، فيجب تعدية الحكم به، كما أن إباحة أكل الميتة عند المخمصة أبيح ~~على خلاف الأصل، لا يمنع من أن يقاس على ذلك مال غيره، والصيد الحرمي، ~~وغيرهما من المحرمات، لوجود المعنى، وهو إبقاء النفس، وتخليصها من الهلاك. ~~وأما قول من قال: إنه يجوز إلحاقه بثلاثة، ولا يزاد على ذلك، فتحكم، فإنه ~~لم يقتصر على المنصوص عليه، ولا عدى الحكم إلى كل ما وجد فيه المعنى، ولا ~~نعلم في الثلاثة معنى خاصا يقتضي إلحاق النسب بهم، فلم يجز الاقتصار عليه ~~بالتحكم. ### | [فصل لم توجد قافة أو أشكل الأمر عليها أو وجد من لا يوثق بقوله في نسب اللقيط] # (4580) فصل: وإذا لم توجد ms3026 قافة، أو أشكل الأمر عليها، أو تعارضت أقوالها، ~~أو وجد من لا يوثق بقوله، لم يرجح أحدهما بذكر علامة في جسده؛ لأن ذلك لا ~~يرجح به في سائر الدعاوى، سوى الالتقاط في المال واللقيط، ويضيع نسبه. هذا ~~قول أبي بكر. وقد أومأ أحمد، - رحمه الله -، في رجلين وقعا على امرأة في ~~طهر واحد، إلى أن الابن يخير أيهما أحب. وهو قول أبي عبد الله بن حامد، ~~قال: يترك حتى يبلغ، فينتسب إلى من أحب منهما. وهو قول الشافعي الجديد، ~~وقال في القديم: حتى يميز؛ لقول عمر: وال أيهما شئت. ولأن الإنسان يميل ~~بطبعه إلى قريبه دون غيره، ولأنه مجهول نسبه، أقر به من هو من أهل الإقرار، ~~وصدقه المقر له، فيثبت نسبه، كما لو انفرد. وقال أصحاب الرأي: يلحق ~~بالمدعيين بمجرد الدعوى؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد سمعت دعواه، فإذا ~~اجتمعا، وأمكن العمل بهما، وجب، كما لو أقر له بمال. ولنا أن دعواهما ~~تعارضتا، ولا حجة لواحد منهما، فلم تثبت، كما لو ادعيا رقه. وقولهم: يميل ~~بطبعه إلى قرابته. قلنا: إنما يميل إلى قرابته بعد معرفته بأنها قرابته، ~~فالمعرفة بذلك سبب الميل، ولا سبب قبله، ولو ثبت أنه يميل إلى قرابته، لكنه ~~قد يميل إلى من أحسن إليه، فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من ~~أساء إليها، وقد يميل إليه لإساءة الآخر إليه، وقد يميل إلى أحسنهما خلقا ~~أو أعظمهما قدرا أو جاها أو مالا، فلا يبقى للميل أثر في الدلالة على ~~النسب. وقولهم: إنه صدق المقر بنسبه. قلنا: لا يحل له تصديقه، فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لعن من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه. وهذا ~~لا يعلم أنه أبوه، فلا يأمن أن يكون ملعونا بتصديقه، ويفارق ما إذا انفرد، ~~فإن المنفرد يثبت النسب # PageV06P130 # بقوله من غير تصديق. وأما قول عمر: وال من شئت. فلم يثبت، ولو ثبت لم يكن ~~فيه حجة؛ فإنه إنما أمره بالمولاة، لا بالانتساب. وعلى قول من جعل ms3027 له ~~الانتساب إلى أحدهما، لو انتسب إلى أحدهما، ثم عاد وانتسب إلى الآخر، ونفى ~~نسبه من الأول، أو لم ينتسب إلى واحد، لم يقبل منه؛ لأنه قد ثبت نسبه، فلا ~~يقبل رجوعه عنه، كما لو ادعى منفرد نسبه ثم أنكره، ويفارق الصبي الذي يخير ~~بين أبويه، فيختار أحدهما، ثم يرد الآخر، إذا اختاره، فإنه لا حكم لقول ~~الصبي، وإنما تبع اختياره وشهوته، فأشبه ما لو اشتهى طعاما في يوم، ثم ~~اشتهى غيره في يوم آخر. وإن قامت للآخر بنسبه بينة، عمل بها، وبطل انتسابه؛ ~~لأنها تبطل قول القافة، الذي هو مقدم على الانتساب، فلأن تبطل الانتساب ~~أولى. وإن وجدت قافة بعد انتسابه، فألحقته بغير من انتسب إليه، بطل انتسابه ~~أيضا؛ لأنه أقوى، فبطل به الانتساب كالبينة مع قول القافة. ### | [فصل ادعت امرأتان نسب ولد لقيطا] # (4581) فصل: وإن ادعت امرأتان نسب ولد، فذلك مبني على قبول دعواهما، فإن ~~كانتا ممن لا تقبل دعواهما، لم تسمع دعواهما. وإن كانت إحداهما ممن تسمع ~~دعواها دون الأخرى، فهو ابنها، كالمنفردة به. وإن كانتا جميعا ممن تسمع ~~دعوتهما، فهما في إثباته بالبينة أو كونه يرى القافة مع عدمها كالرجلين. ~~قال أحمد، في رواية بكر بن محمد، في يهودية ومسلمة ولدتا، فادعت اليهودية ~~ولد المسلمة، فتوقف، فقيل: يرى القافة؟ فقال: ما أحسنه. ولأن الشبه يوجد ~~بينها وبين ابنها، كوجوده بين الرجل وابنه، بل أكثر، لاختصاصها بحمله ~~وتغذيته، والكافرة والمسلمة، والحرة والأمة، في الدعوى واحدة، كما قلنا في ~~الرجل. وهذا قول أصحاب الشافعي، على الوجه الذي يقولون فيه بقبول دعواها. ~~وإن ألحقته القافة بأمين، لم يلحق بهما، وبطل قول القافة؛ لأننا نعلم خطأه ~~يقينا. وقال أصحاب الرأي: يلحق بهما بمجرد الدعوى؛ لأن الأم أحد الأبوين، ~~فجاز أن يلحق باثنين، كالآباء. ولنا أن كونه منهما محال يقينا. فلم يجز ~~الحكم به، كما لو كان أكبر منهما أو مثلهما، وفارق الرجلين، فإن كونه منهما ~~ممكن، فإنه يجوز اجتماع النطفتين لرجلين في رحم امرأة، فيمكن أن يخلق منهما ~~ولد، كما ms3028 يخلق من نطفة الرجل والمرأة؛ ولذلك قال القائف لعمر: قد اشتركا ~~فيه. ولا يلزم من إلحاقه بمن يتصور كونه منه، إلحاقه بمن يستحيل كونه منه، ~~كما لم يلزم من إلحاقه بمن يولد مثله لمثله إلحاقه بأصغر منه. ### | [فصل ادعى نسب اللقيط رجل وامرأة] # فصل: فإن ادعى نسبه رجل وامرأة، فلا تنافي بينهما؛ لأنه يمكن أن يكون ~~منهما بنكاح كان بينهما، # PageV06P131 # أو وطء شبهة، فيلحق بهما جميعا، ويكون ابنهما بمجرد دعواهما، كما لو ~~انفرد كل واحد منهما بالدعوى. وإن قال الرجل: هذا ابني من زوجتي. وادعت ~~زوجته ذلك، وادعته امرأة أخرى، فهو ابن الرجل، وهل ترجح زوجته على الأخرى؟ ~~يحتمل وجهين أحدهما ترجح؛ لأن زوجها أبوه، فالظاهر أنها أمه. ويحتمل أن ~~يتساويا؛ لأن كل واحدة منهما لو انفردت، لألحق بها، فإذا اجتمعتا تساوتا. ### | [فصل ولدت امرأتان ابنا وبنتا فادعت كل واحدة منهما أن الابن ولدها دون البنت] # (4583) فصل: وإن ولدت امرأتان ابنا وبنتا، فادعت كل واحدة منهما أن الابن ~~ولدها دون البنت، احتمل وجهين أحدهما أن ترى المرأتين القافة مع الولدين، ~~فيلحق كل واحد منهما بمن ألحقته به، كما لو لم يكن لهما ولد آخر. والثاني ~~أن نعرض لبنيهما على أهل الطب والمعرفة، فإن لبن الذكر يخالف لبن الأنثى في ~~طبعه وزنته، وقد قيل: لبن الابن ثقيل، ولبن البنت خفيف، فيعتبران بطابعهما ~~ووزنهما، وما يختلفان به عند أهل المعرفة، فمن كان لبنها لبن الابن، فهو ~~ولدها، والبنت للأخرى. فإن لم يوجد قافة، اعتبرنا اللبن خاصة. وإن تنازعا ~~أحد الولدين، وهما جميعا ذكران أو أنثيان، عرضوا على القافة. كما ذكرنا ~~فيما تقدم. ### | [فصل ادعى اللقيط رجلان فقال أحدهما هو ابني وقال الآخر هو ابنتي] # (4584) فصل: ولو ادعى اللقيط رجلان، فقال أحدهما: هو ابني. وقال الآخر: ~~هو ابنتي. نظرنا، فإن كان ابنا فهو لمدعيه، وإن كانت بنتا فهي لمدعيها؛ لأن ~~كل واحد منهما لا يستحق غير ما ادعاه. وإن كان خنثى مشكلا، أري القافة ~~معهما؛ لأنه ليس قول واحد منهما أولى من الآخر. ms3029 وإن أقام كل واحد منهما ~~بينة بما ادعاه، فالحكم فيهما كالحكم فيما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوى؛ ~~لأن بينة الكاذب منهما كاذبة، وجودها كعدمها، والأخرى صادقة، فيتعين الحكم ~~بها. ### | [فصل وطئ رجلان امرأة في طهر واحد وطئا يلحق النسب بمثله فأتت بولد] # (4585) فصل: وإذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد، وطئا يلحق النسب بمثله، ~~فأتت بولد يمكن أن يكون منهما، مثل أن يطآ جارية مشتركة بينهما في طهر، أو ~~يطأ رجل امرأة آخر أو أمته بشبهة، في الطهر الذي وطئها زوجها أو سيدها فيه، ~~بأن يجدها على فراشه، فيظنها زوجته أو أمته، أو يدعو زوجته في ظلمة، فتجيبه ~~زوجة آخر أو جاريته، أو يتزوجها كل واحد منهما تزويجا فاسدا، أو يكون نكاح ~~أحدهما صحيحا والآخر فاسدا، مثل أن يطلق رجل امرأته فينكحها آخر في عدتها ~~ووطئها، أو يبيع جارية # PageV06P132 # فيطؤها المشتري قبل استبرائها، وتأتي بولد يمكن أن يكون منهما، فإنه يرى ~~القافة معهما، فبأيهما ألحقوه لحق. والخلاف فيه كالخلاف في اللقيط. ### | [فصل ادعى رق اللقيط مدع] # (4586) فصل: وإذا ادعى رق اللقيط مدع، سمعت دعواه؛ لأنها ممكنة، وإن كانت ~~مخالفة لظاهر الدار، فإن لم تكن له بينة، فلا شيء له؛ لأنها دعوى تخالف ~~الظاهر، ويفارق دعوى النسب من وجهين؛ أحدهما، أن دعوى النسب لا تخالف ~~الظاهر، ودعوى الرق مخالفة له. والثاني، أن دعوى النسب نثبت بها حقا للقيط، ~~ودعوى الرق تثبت حقا عليه، فلم تقبل بمجردها، كما لو ادعى رق غير اللقيط. ~~فإذا لم تكن له بينة، سقطت الدعوى. وإن كانت له بينة، لم تخل إما أن تشهد ~~باليد أو بالملك أو بالولادة، فإن شهدت بالملك أو باليد، لم تقبل فيه إلا ~~شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، وإن شهدت بالولادة، قبل فيه امرأة واحدة أو ~~رجل واحد؛ لأنه مما لا يطلع عليه الرجال، ثم ننظر؛ فإن شهدت البينة باليد، ~~فإن كانت للملتقط، لم يثبت بها ملك؛ لأننا عرفنا سبب يده، فإن كانت لأجنبي، ~~حكم له باليد، والقول قوله مع يمينه ms3030 في الملك، وإن شهدت بالملك، فقالت: ~~نشهد أنه عبده أو مملوكه. حكم بها، وإن لم تذكر سبب الملك، كما لو شهدت ~~بملك دار أو ثوب. فإن شهدت بأن أمته ولدته في ملكه، حكم له به؛ لأن أمته لا ~~تلد في ملكه إلا ملكه. وإن شهدت أنه ابن أمته، أو أن أمته ولدته، ولم تقل: ~~في ملكه. احتمل أن يثبت له الملك بذلك، كقولها في ملكه؛ لأن أمته ملكه، ~~فنماؤها ملكه، كسمنها. واحتمل أن لا يثبت الملك؛ لأنه يجوز أن تلده قبل ~~ملكه لها، فلا تكون له وهو ابن أمته. ### | [فصل ادعى رق اللقيط بعد بلوغه] # (4587) فصل: وإن ادعى رق اللقيط بعد بلوغه مدع، كلف إجابته، فإن أنكر ولا ~~بينة للمدعي، لم تقبل دعواه، وإن كانت له بينة، حكم له بها، فإن كان اللقيط ~~قد تصرف قبل ذلك ببيع أو شراء، نقضت تصرفاته؛ لأنه بان أنه تصرف بغير إذن ~~سيده، وإن لم تكن بينة، فأقر بالرق، نظرنا؛ فإن كان اعترف لنفسه بالحرية ~~قبل ذلك، لم يقبل إقراره بالرق، لأنه اعترف بالحرية، وهي حق لله تعالى، فلا ~~يقبل رجوعه في إبطالها، وإن لم يكن اعترف بالحرية، احتمل وجهين؛ أحدهما، ~~يقبل. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنه مجهول الحال، أقر بالرق، فيقبل، كما لو ~~قدم رجلان من دار الحرب، فأقر أحدهما للآخر بالرق. وكما لو أقر بقصاص أو ~~حد، فإنه يقبل وإن تضمن ذلك فوات نفسه. ويحتمل أن لا يقبل، وهو الصحيح؛ ~~لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها، # PageV06P133 # فلم يصح، كما لو أقر قبل ذلك بالحرية، ولأنه محكوم بحريته، فلم يقبل ~~إقراره بالرق، كما ذكرنا، ولأن الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه، ولا حريتها، ~~ولم يتجدد له حال يعرف به رق نفسه؛ لأنه في تلك الحال ممن لا يعقل، ولم ~~يتجدد له رق بعد التقاطه، فكان إقراره باطلا. وهذا قول القاسم، وابن ~~المنذر. وللشافعي وجهان كما ذكرنا. فإن قلنا: يقبل إقراره. صارت أحكامه ~~أحكام العبيد فيما عليه دون ماله. وبهذا ms3031 قال أبو حنيفة، والمزني، وهو أحد ~~قولي الشافعي؛ لأنه أقر بما يوجب حقا له وحقا عليه، فوجب أن يثبت ما عليه ~~دون ما له، كما لو قال: لفلان علي ألف درهم، ولي عنده رهن. ويحتمل أن يقبل ~~إقراره في الجميع. وهو القول الثاني للشافعي؛ لأنه ثبت ما عليه، فيثبت ما ~~له، كالبينة، ولأن هذه الأحكام تبع للرق، فإذا ثبت الأصل بقوله، ثبت التبع، ~~كما لو شهدت امرأة بالولادة، تثبت ويثبت النسب تبعا لها. وأما إن أقر بالرق ~~ابتداء لرجل، فصدقه، فهو كما لو أقر به جوابا. وإن كذبه؛ بطل إقراره. ثم إن ~~أقر به بعد ذلك لرجل آخر، جاز. وقال بعض أصحابنا: يتوجه أن لا يسمع إقراره ~~الثاني؛ لأن إقراره الأول تضمن الاعتراف بنفي مالك له سوى هذا المقر، فإذا ~~بطل إقراره برد المقر له، بقي الاعتراف بنفي مالك له غيره، فلم يقبل إقراره ~~بما نفاه، كما لو أقر بالحرية ثم أقر بعد ذلك بالرق. ولنا أنه إقرار لم ~~يقبله المقر له، فلم يمنع إقراره ثانيا، كما لو أقر له بثوب ثم أقر به لآخر ~~بعد رد الأول. وفارق الإقرار بالحرية، فإن إقراره بها لم يبطل ولم يرد. ### | [فصل إقرار اللقيط بالرق بعد نكاحه] # (4588) فصل: إذا قبلنا إقراره بالرق بعد نكاحه، لم يخل من أن يكون ذكرا ~~أو أنثى، فإن كان ذكرا، فإن كان قبل الدخول، فسد نكاحه في حقه؛ لأنه مقر ~~أنه عبد تزوج بغير إذن سيده، ولها عليه نصف المهر؛ لأنه حق عليه، فلم يسقط ~~بقوله، وإن كان بعد الدخول، فسد نكاحه أيضا، ولها عليه المهر جميعه، لما ~~ذكرنا؛ لأن الزوج يملك الطلاق. فإذا أقر بما يوجب الفرقة، لزمته، وولده حر ~~تابع لأمه. وإن كان متزوجا بأمة، فولده لسيدها، ويتعلق المهر برقبته؛ لأن ~~ذلك من جناياته، ويفديه سيده أو يسلمه. وإن كان في يده كسب، استوفى المهر ~~منه؛ لأنه لم يثبت إقراره به لسيده بالنسبة إلى امرأته، فلا ينقطع حقها منه ~~بإقراره. وإن قلنا: يقبل قوله في جميع ms3032 الأحكام، فالنكاح فاسد؛ لكونه تزوج ~~بغير إذن سيده، ويفرق بينهما، ولا مهر لها عليه إن لم تكن مدخولا بها، وإن ~~كان دخل بها، فلها عليه المهر المسمى جميعه، في إحدى الروايتين، والأخرى ~~خمساه. وإن كان اللقيط أنثى، فالنكاح صحيح في حقه. وإن كان قبل الدخول، فلا ~~مهر لها؛ لإقرارها بفساد نكاحها، وأنها أمة تزوجت بغير إذن سيدها، والنكاح # PageV06P134 # الفاسد لا يجب المهر فيه إلا بالدخول. وإن كان دخل بها، لم يسقط مهرها، ~~ولسيدها الأقل من المسمى أو مهر المثل؛ لأن المسمى إن كان أقل، فالزوج ينكر ~~وجوب الزيادة عليه، وقولها غير مقبول في حقه، وإن كان الأقل مهر المثل، فهي ~~وسيدها يقران بفساد النكاح، وأن الواجب مهر المثل، فلا يجب أكثر منه، إلا ~~على الرواية التي يجب فيها المسمى في النكاح الفاسد، فيجب ها هنا المسمى، ~~قل أو كثر، لاعتراف الزوج بوجوبه. وأما الأولاد، فأحرار، ولا تجب قيمتهم؛ ~~لأنه لو وجب لوجب بقولها، ولا يجب بقولها حق على غيرها، ولا يثبت الرق في ~~حق أولادها بإقرارها. فأما بقاء النكاح، فيقال للزوج: قد ثبت أنها أمة، ~~ولدها رقيق لسيدها، فإن اخترت المقام على ذلك فأقم، وإن شئت ففارقها. وسواء ~~كان ممن يجوز له نكاح الإماء أو لم يكن؛ لأننا لو اعتبرنا ذلك، وأفسدنا ~~نكاحه، لكان إفسادا للعقد جميعه بقولها؛ لأن شروط نكاح الأمة لا تعتبر في ~~استدامة العقد، إنما تعتبر في ابتدائه. فإن قيل: فقد قبلتم قولها في أنها ~~أمة في المستقبل، وفيه ضرر على الزوج. قلنا: لم يقبل قولها في إيجاب حق لم ~~يدخل في العقد عليه، فأما الحكم في المستقبل، فيمكن إيفاء حقه وحق من ثبت ~~له الرق عليها، بأن يطلقها، فلا يلزمه ما لم يدخل عليه، أو يقيم على ~~نكاحها، فلا يسقط حق سيدها. فإن طلقها اعتدت عدة الحرة؛ لأن عدة الطلاق حق ~~للزوج، بدليل أنها لا تجب إلا بالدخول، وسببها النكاح السابق، فلا يقبل ~~قولها في تنقيصها. وإن مات، اعتدت عدة الأمة؛ لأن المغلب فيها حق الله ms3033 ~~تعالى، بدليل وجوبها قبل الدخول، فقبل قولها فيها. ومن قال بقبول قولها في ~~جميع الأحكام، فهذه أمة قد تزوجت بغير إذن سيدها، فنكاحها فاسد، ويفرق ~~بينهما. وإن كان قبل الدخول، فلا مهر لها. وإن كان دخل بها، وجب لها مهر ~~أمة نكحت بغير إذن سيدها، على ما ذكر في موضعه. وهل ذلك مهر المثل، أو ~~المسمى؟ فيه روايتان. وتعتد حيضتين؛ لأنه وطء في نكاح فاسد، وأولاده أحرار؛ ~~لاعتقاده حريتها، فإنه مغرور بحريتها، وعليه قيمتهم يوم الوضع. وإن مات ~~عنها، لم تجب عدة الوفاة. ### | [فصل تصرف اللقيط ببيع أو شراء] # (4589) فصل: وإن كان قد تصرف ببيع أو شراء، فتصرفه صحيح، وما عليه من ~~الحقوق والأثمان يؤدى مما في يديه، وما فضل عليه ففي ذمته؛ لأن معامله لا ~~يعترف برقه. ومن قال بقبول إقراره في جميع الأحكام، قال بفساد عقوده كلها، ~~وأوجب رد الأعيان إلى أربابها إن كانت باقية، وإن كانت تالفة، وجبت قيمتها ~~في رقبته، إن قلنا: إن ما استدان العبد بغير إذن سيده فهو في رقبته. وإن ~~قلنا بأن استدانة العبد في ذمته، فهذا كذلك، ويتبع به بعد العتق؛ لأنه ثبت ~~رضى صاحبه. ### | [فصل جنى اللقيط جناية موجبة للقصاص] # (4590) فصل: وإن كان قد جنى جناية موجبة للقصاص، فعليه القود، حرا كان ~~المجني عليه أو عبدا؛ لأن إقراره # PageV06P135 # بالرق يقتضي وجوب القود عليه فيما إذا كان المجني عليه عبدا أو حرا، فقبل ~~إقراره فيه. وإن كانت الجناية خطأ، تعلق أرشها برقبته؛ لأن ذلك مضر به. فإن ~~كان أرشها أكثر من قيمته، وكان في يده مال، استوفي منه، وإن كان مما تحمله ~~العاقلة، لم يقبل قوله في إسقاط الزيادة؛ لأن ذلك يضر بالمجني عليه، فلا ~~يقبل قوله فيه. وقيل: تجب الزيادة في بيت المال؛ لأن ذلك كان واجبا للمجني ~~عليه، فلا يقبل قوله في إسقاطه. وإن جني عليه جناية موجبة للقود، وكان ~~الجاني حرا، سقط؛ لأن الحر لا يقاد منه للعبد، وقد أقر للمجني عليه بما ~~يسقط القصاص. وإن كانت موجبة لمال ms3034 يقل بالرق، وجب أقل الأمرين. وإن كان ~~مساويا للواجب قبل الإقرار، وجب، ويدفع الواجب إلى سيده. وإن كان الواجب ~~يكثر لكون قيمته عبدا أكثر من ديته حرا، لم يجب إلا أرش الجناية على الحر. ~~ومن قبل قوله في الأحكام كلها، أوجب أرش الجناية على العبد. وإن كان الأرش ~~تحمله العاقلة إذا كان حرا، سقط عن العاقلة، ولم يجب على الجاني؛ لأن ~~إقراره بالرق يتضمن إقراره بالسقوط عن العاقلة، ولم يقبل في إيجابه على ~~الجاني، فسقط. وقيل: لا يتحول عن العاقلة. ومن قال: لا يقبل إقراره في ~~الأحكام كلها. أوجب الأرش على الجاني. # PageV06P136 ### | [كتاب الوصايا] # الوصايا جمع وصية، مثل العطايا جمع عطية. والوصية بالمال هي التبرع به ~~بعد الموت. والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله ~~سبحانه وتعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية} ~~[البقرة: 180] . وقال الله تعالى {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: ~~11] وأما السنة فروى سعد بن أبي وقاص، قال: «جاءني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يعودني عام حجة الوداع، من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، ~~قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق ~~بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فبالشطر يا رسول الله؟ قال: لا. قلت: فبالثلث؟ ~~قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة ~~يتكففون الناس» . وعن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» . ~~متفق عليهما. وروى أبو أمامة، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» . رواه سعيد، وأبو ~~داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ~~«إنكم تقرءون هذه الآية: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] . وإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى أن الدين قبل ms3035 الوصية» . رواه الترمذي. ~~وأجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية. ### | [فصل على من تجب الوصية] # (4591) فصل: ولا تجب الوصية إلا على من عليه دين، أو عنده وديعة، أو عليه ~~واجب يوصي بالخروج منه، فإن الله تعالى فرض أداء الأمانات، وطريقه في هذا ~~الباب الوصية، فتكون مفروضة عليه، فأما الوصية بجزء من ماله، فليست بواجبة ~~على أحد، في قول الجمهور. وبذلك قال الشعبي، والنخعي، والثوري، ومالك، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي، وغيرهم. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الوصية ~~غير واجبة، إلا على من عليه حقوق بغير بينة، وأمانة بغير إشهاد، إلا طائفة ~~شذت فأوجبتها. روي عن الزهري أنه قال: جعل الله الوصية حقا مما قل أو كثر ~~وقيل لأبي مجلز: على كل ميت وصية؟ قال: إن ترك خيرا. وقال أبو بكر عبد ~~العزيز: هي واجبة للأقربين الذين لا يرثون. وهو قول داود. وحكي ذلك # PageV06P137 # عن مسروق، وطاوس، وإياس، وقتادة، وابن جرير. واحتجوا بالآية، وخبر ابن ~~عمر، وقالوا: نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت فيمن لا يرث ~~من الأقربين. ولنا، أن أكثر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~ينقل عنهم وصية، ولم ينقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة لم يخلوا بذلك، ولنقل ~~عنهم نقلا ظاهرا، ولأنها عطية لا تجب في الحياة، فلا تجب بعد الموت كعطية ~~الأجانب. فأما الآية، فقال ابن عباس: نسخها قوله سبحانه {للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 7] (4) وقال ابن عمر: نسختها آية ~~الميراث. وبه قال عكرمة، ومجاهد، ومالك، والشافعي. وذهبت طائفة ممن يرى نسخ ~~القرآن بالسنة، إلى أنها نسخت بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ~~قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» . وحديث ابن عمر محمول على من عليه ~~واجب، أو عنده وديعة. ### | [فصل الوصية بجزء من المال لمن ترك خيرا] # (4592) فصل: وتستحب الوصية بجزء من المال لمن ترك خيرا؛ لأن الله تعالى ~~قال {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية} [البقرة: 180] . ~~فنسخ الوجوب، وبقي الاستحباب ms3036 في حق من لا يرث وقد روى ابن عمر، قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا ابن آدم، جعلت لك نصيبا من مالك حين ~~أخذت بكظمك، لأطهرك وأزكيك» . وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم» . رواهما ~~ابن ماجه. وقال الشعبي: من أوصى بوصية، فلم يجر، ولم يحف، كان له من الأجر ~~مثل ما لو أعطاها وهو صحيح. وأما الفقير الذي له ورثة محتاجون، فلا يستحب ~~له أن يوصي؛ لأن الله قال في الوصية {إن ترك خيرا} [البقرة: 180] «. وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد: إنك أن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن ~~تدعهم عالة يتكففون الناس» . وقال: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» . وقال علي - ~~رضي الله عنه - لرجل أراد أن يوصي: إنك لن تدع طائلا، إنما تركت شيئا ~~يسيرا، فدعه لورثتك. وعنه: أربعمائة دينار ليس فيها فضل عن الورثة. وروي عن ~~عائشة - رضي الله عنها - أن رجلا قال لها: لي ثلاثة آلاف درهم، وأربعة ~~أولاد، أفأوصي؟ فقالت: اجعل الثلاثة للأربعة. وعن ابن عباس قال: من ترك ~~سبعمائة درهم ليس عليه وصية. وقال عروة: دخل علي على صديق له يعوده، فقال ~~الرجل: إني أريد أن أوصي. فقال له علي: إن الله تعالى يقول {إن ترك خيرا} ~~[البقرة: 180] ، وإنك إنما تدع شيئا يسيرا، فدعه لورثتك. واختلف أهل العلم ~~في القدر الذي لا تستحب لمالكه، فروي عن أحمد: إذا ترك دون الألف لا تستحب ~~الوصية. وعن علي، أربعمائة دينار. وقال ابن عباس: إذا ترك الميت سبعمائة ~~درهم، فلا يوصي. وقال: من # PageV06P138 # ترك ستين دينارا، ما ترك خيرا. وقال طاوس: الخير ثمانون دينارا. وقال ~~النخعي: ألف وخمسمائة. وقال أبو حنيفة: القليل أن يصيب أقل الورثة سهما ~~خمسون درهما. والذي يقوى عندي، أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة، ~~فلا تستحب الوصية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل المنع من الوصية ~~بقوله: «أن تترك ورثتك أغنياء، خير من ms3037 أن تدعهم عالة» . ولأن إعطاء القريب ~~المحتاج خير من إعطاء الأجنبي، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم، كان تركه لهم ~~كعطيتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من الوصية به لغيرهم، فعند هذا يختلف الحال ~~باختلاف الورثة في كثرتهم وقلتهم، وغناهم وحاجتهم، فلا يتقيد بقدر من ~~المال. والله أعلم. وقد قال الشعبي: ما من مال أعظم أجرا، من مال يتركه ~~الرجل لولده، يغنيهم به عن الناس. ### | [فصل الوصية بالثلث] # (4593) فصل: والأولى أن لا يستوعب الثلث بالوصية وإن كان غنيا؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والثلث كثير» . قال ابن عباس: «لو أن الناس ~~غضوا من الثلث، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الثلث كثير» . متفق ~~عليه. وقال القاضي، وأبو الخطاب: إن كان غنيا استحب الوصية بالثلث. ولنا، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لسعد: «والثلث كثير» . مع إخباره إياه ~~بكثرة ماله، وقلة عياله، فإنه قال في الحديث: " إن لي مالا كثيرا، ولا ~~يرثني إلا ابنتي ". وروى سعيد ثنا خالد بن عبد الله، ثنا عطاء بن السائب، ~~عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن سعد بن مالك، قال: «مرضت مرضا، فعادني رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: أوصيت؟ . فقلت: نعم. أوصيت بمالي كله ~~للفقراء وفي سبيل الله. فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أوص ~~بالعشر. فقلت: يا رسول الله، إن مالي كثير. وورثتي أغنياء. فلم يزل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يناقصني وأناقصه، حتى قال: أوص بالثلث، والثلث ~~كثير» . وقال أبو عبد الرحمن: لم يكن أحد منا يبلغ في وصيته الثلث حتى ينقص ~~منه شيئا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الثلث، والثلث كثير» . إذا ~~ثبت هذا، فالأفضل للغني الوصية بالخمس. ونحو هذا يروى عن أبي بكر الصديق، ~~وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما -. وهو ظاهر قول السلف، وعلماء أهل ~~البصرة. ويروى عن عمر - رضي الله عنه - أنه جاءه شيخ، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، أنا شيخ كبير، ومالي كثير، ويرثني أعراب موالي كلالة، منزوح ~~نسبهم، أفأوصي بمالي ms3038 كله؟ قال: لا. قال: فلم يزل يحط حتى بلغ العشر. وقال ~~إسحاق: السنة الربع، إلا أن يكون رجلا يعرف في ماله حرمة شبهات أو غيرها، ~~فله استيعاب الثلث. # PageV06P139 # ولنا، أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أوصى بالخمس. وقال: رضيت بما ~~رضي الله به لنفسه. يعني قوله تعالى {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه} [الأنفال: 41] ، وروي أن أبا بكر وعليا - رضي الله عنهما -، أوصيا ~~بالخمس. وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لأن أوصي بالخمس، أحب إلي من ~~الربع. وعن إبراهيم، قال: كانوا يقولون: صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث، ~~وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع. وعن الشعبي قال: كان الخمس أحب إليهم من ~~الثلث، فهو منتهى الجامح. وعن العلاء بن زياد قال: أوصى أبي أن أسأل ~~العلماء، أي الوصية أعدل؟ فما تتابعوا عليه فهو وصيته، فتتابعوا على الخمس. ### | [فصل الوصية للوالدين والأقربين] # (4594) فصل: والأفضل أن يجعل وصيته لأقاربه الذين لا يرثون، إذا كانوا ~~فقراء، في قول عامة أهل العلم. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء علمت ~~في ذلك، إذا كانوا ذوي حاجة، وذلك لأن الله تعالى كتب الوصية للوالدين ~~والأقربين، فخرج منه الوارثون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا وصية ~~لوارث» . وبقي سائر الأقارب على الوصية لهم. وأقل ذلك الاستحباب، وقد قال ~~الله تعالى {وآت ذا القربى حقه} [الإسراء: 26] . وقال تعالى {وآتى المال ~~على حبه ذوي القربى} [البقرة: 177] فبدأ بهم ولأن الصدقة عليهم في الحياة ~~أفضل، فكذلك بعد الموت. فإن أوصى لغيرهم وتركهم، صحت وصيته، في قول أكثر ~~أهل العلم، منهم؛ سالم، وسليمان بن يسار، وعطاء، ومالك، والثوري، ~~والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وحكي عن طاوس، والضحاك، وعبد ~~الملك بن يعلى، أنهم قالوا: ينزع عنهم، ويرد إلى قرابته. وعن سعيد بن ~~المسيب، والحسن، وجابر بن زيد: للذي أوصى له ثلث الثلث، والباقي يرد إلى ~~قرابة الموصي؛ لأنه لو أوصى بماله كله لجاز منه الثلث، والباقي رد على ~~الورثة، وأقاربه الذين لا يرثونه في استحقاق ms3039 الوصية كالورثة في استحقاق ~~المال كله. ولنا، ما روى عمران بن حصين «، أن رجلا أعتق في مرضه ستة أعبد، ~~لم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعاهم، ~~فجزأهم ثلاثة أجزاء، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة. فأجاز» العتق ~~في ثلثه لغير قرابته، ولأنها عطية، فجازت لغير قرابته، كالعطية في الحياة. # PageV06P140 ### | [مسألة لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة ذلك] # (4595) مسألة؛ قال: (ولا وصية لوارث، إلا أن يجيز الورثة ذلك) وجملة ذلك ~~أن الإنسان إذا وصى لوارثه بوصية، فلم يجزها سائر الورثة، لم تصح. بغير ~~خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا. ~~وجاءت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فروى أبو أمامة، ~~قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي ~~حق حقه، فلا وصية لوارث» . رواه أبو داود. وابن ماجه، والترمذي. ولأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - منع من عطية بعض ولده، وتفضيل بعضهم على بعض في حال ~~الصحة، وقوة الملك، وإمكان تلافي العدل بينهم بإعطاء الذي لم يعطه فيما بعد ~~ذلك، لما فيه من إيقاع العداوة والحسد بينهم، ففي حال موته أو مرضه، وضعف ~~ملكه، وتعلق الحقوق به، وتعذر تلافي العدل بينهم، أولى وأحرى. وإن أجازها، ~~جازت، في قول الجمهور من العلماء. وقال بعض أصحابنا: الوصية باطلة، وإن ~~أجازها سائر الورثة، إلا أن يعطوه عطية مبتدأة. أخذا من ظاهر قول أحمد، في ~~رواية حنبل: «لا وصية لوارث» . وهذا قول المزني، وأهل الظاهر. وهو قول ~~للشافعي، واحتجوا بظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا وصية لوارث ~~". وظاهر مذهب أحمد والشافعي، أن الوصية صحيحة في نفسها. وهو قول جمهور ~~العلماء؛ لأنه تصرف صدر من أهله في محله، فصح، كما لو وصى لأجنبي، والخبر ~~قد روي فيه «إلا أن يجيز الورثة» . والاستثناء من النفي إثبات، فيكون ذلك ~~دليلا على صحة الوصية عند الإجازة، ولو خلا من الاستثناء كان معناه ms3040 لا وصية ~~نافذة أو لازمة، أو ما أشبه هذا، أو يقدر فيه: لا وصية لوارث عند عدم ~~الإجازة من غيره من الورثة. # وفائدة الخلاف أن الوصية إذا كانت صحيحة، فإجازة الورثة تنفيذ وإجازة ~~محضة، يكفي فيها قول الوارث: أجزت، أو أمضيت، أو نفذت. فإذا قال ذلك، لزمت ~~الوصية. وإن كانت باطلة، كانت الإجازة هبة مبتدأة، تفتقر إلى شروط الهبة، ~~من اللفظ والقبول والقبض، كالهبة المبتدأة. ولو رجع المجيز قبل القبض فيما ~~يعتبر فيه القبض، صح رجوعه. ### | [فصل أسقط عن وارثه دينا أو أوصى بقضاء دينه] # (4596) فصل: وإن أسقط عن وارثه دينا، أو أوصى بقضاء دينه، أو أسقطت ~~المرأة صداقها عن زوجها، أو عفا عن جناية موجبها المال، فهو كالوصية. وإن ~~عفا عن القصاص، وقلنا: الواجب القصاص عينا. سقط إلى غير بدل. وإن قلنا: ~~الواجب أحد شيئين. سقط القصاص، ووجب المال. وإن عفا عن حد القذف، سقط ~~مطلقا. وإن وصى لغريم وارثه، صحت الوصية. وكذلك إن وهب له. وبهذا قال ~~الشافعي وأبو حنيفة. # PageV06P141 # وقال أبو يوسف: هو وصية للوارث؛ لأن الوارث ينتفع بهذه الوصية وتستوفى ~~ديونه منها. ولنا، أنه وصى لأجنبي، فصح، كما لو وصى لمن عادته الإحسان إلى ~~وارثه. وإن وصى لولد وارثه، صح، فإن كان يقصد بذلك نفع الوارث، لم يجز فيما ~~بينه وبين الله تعالى. قال طاوس، في قوله عز وجل {فمن خاف من موص جنفا أو ~~إثما} [البقرة: 182] قال: أن يوصي لولد ابنته، وهو يريد ابنته. رواه سعيد. ~~قال ابن عباس: الجنف في الوصية والإضرار فيها من الكبائر. ### | [فصل وصى لكل وارث بمعين من ماله بقدر نصيبه] # فصل (4597) : وإن وصى لكل وارث بمعين من ماله بقدر نصيبه، كرجل خلف ابنا ~~وبنتا، وعبدا قيمته مائة، وجارية قيمتها خمسون، فوصى لابنه بعبده، ولابنته ~~بأمته، احتمل أن تصح الوصية؛ لأن حق الوارث في القدر لا في العين، بدليل ما ~~لو عاوض المريض بعض ورثته أو أجنبيا بجميع ماله، صح إذا كان ذلك بثمن ~~المثل، وإن تضمن فوات عين المال. واحتمل ms3041 أن تقف على الإجازة؛ لأن في ~~الأعيان غرضا صحيحا، وكما لا يجوز إبطال حق الوارث في قدر حقه، لا يجوز من ~~عينه. ### | [فصل ملك المريض من يعتق عليه بغير عوض] # (4598) فصل: وإذا ملك المريض من يعتق عليه بغير عوض، عتق وورث. وبهذا قال ~~مالك، وبعض أصحاب الشافعي. وحكاه الخبري مذهبا للشافعي. ولا خلاف بين هؤلاء ~~في أنه إذا ملكه بالميراث، أنه يعتق ويرث. وقال أبو حنيفة: إن حمله الثلث، ~~عتق وورث، وإلا سعى فيما بقي عليه، ولم يرث. ولم يفرق بين أن يملكه بعوض أو ~~غيره. وقال أبو يوسف، ومحمد: يحتسب ميراثهم من قيمتهم، فإن فضل شيء أخذه، ~~وإن فضل عليهم شيء سعوا فيه. ولنا، أن المريض لم يضع فيهم شيئا من ماله، ~~وإنما تعاطى سبب ملكهم على وجه لم يستقر، وزال بغير إزالته، فلم يحتسب عليه ~~من ثلثه، كما لو اتهب شيئا فرجع الواهب فيه قبل قبضه، أو اشترى شيئا فيه ~~غبطة بشرط الخيار ففسخ البائع، أو وجد بالثمن عيبا ففسخ البيع، أو تزوجت ~~المرأة فطلقت قبل الدخول. وإذا لم تكن وصية تحتسب عليه من الثلث، لم يمنع ~~الميراث، كما لو ملكه بالميراث عند من سلمه، أو كما لو كان ذلك في صحته، ~~فإن ملكه بعوض، كالشراء، فحكى الخبري عن أحمد، أنه يعتق ويرث. وهذا قول ابن ~~الماجشون، وأهل البصرة. وقال القاضي، في " المجرد ": إن ملكه بعوض، وخرج من ~~الثلث، عتق وورث، وإلا عتق منه بقدر الثلث. # وهذا قول مالك. وقال الخبري: وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وحكى غيره ~~عن الشافعي أنه لا فرق عنده بين أن يملكه بعوض أو غيره، وأنه إن خرج من ~~الثلث عتق، وإلا عتق منه بقدر الثلث، ولا يرث في الحالين؛ لأنه لو ورث لكان # PageV06P142 # إعتاقه وصية لوارث، فيبطل عتقه، ويبطل ميراثه، لبطلان عتقه، فيؤدي توريثه ~~إلى إبطال توريثه، فصححنا عتقه ولم نورثه، لئلا يفضي إلى ذلك. ومذهب أبي ~~حنيفة وصاحبيه في هذا، كمذهبهم فيما إذا ملكه بغير عوض. ولنا، على إعتاقه ~~قول النبي ms3042 - صلى الله عليه وسلم -: «من ملك ذا رحم محرم، فهو حر» . ولأنه ~~ملك وجد معه ما ينافيه، فبطل، كملك النكاح مع ملك الرقبة، أعني فيما إذا ~~اشترى أحد الزوجين صاحبه. وإذا عتق ورث؛ لأنه وجد سبب الميراث عريا عن ~~الموانع، فورث، كما لو ورثه. وقولهم: إن عتقه وصية. لا يصح؛ لأن الوصية ~~فعله، والعتق هاهنا يحصل من غير اختياره، ولا إرادته، ولأن رقبة المعتق لا ~~تحصل له، وإنما تتلف ماليته وتزول، فيصير ذلك كتلفه بقتل بعض رقيقه، أو ~~كإتلاف بعض ماله في بناء مسجد، مثال ذلك: مريض وهب له ابنه، فقبله وقيمته ~~مائة، ثم مات المريض، وخلف ابنا آخر ومائتين، فإنه يعتق، ويقاسم أخاه ~~المائتين، في قول الأكثرين. وعند الشافعي، فيما حكى عنه غير الخبري، يعتق ~~ولا يرث شيئا. وعند صاحبي أبي حنيفة، يعتق وله نصف التركة، فيحتسب عليه ~~بقيمته ويبقى له خمسون. وإن كان باقي التركة خمسين، فعندنا يعتق، وله نصف ~~الخمسين. وهو قول مالك. وعند أبي حنيفة، يعتق نصفه، ويسعى في باقيه، ~~والخمسون كلها لأخيه. وقال صاحباه: يعتق ثلاثة أرباعه. وعند الشافعي، في ~~قول غير الخبري، يعتق نصفه، ويرق نصفه، ونصفه الرقيق والخمسون كلها لأخيه. ~~وإن كان باقي التركة ثلاثمائة، فعندنا يعتق وله مائة وخمسون. وعند الشافعي، ~~يعتق ولا يرث شيئا. وعند صاحبي أبي حنيفة، يعتق وله مائة. فإن كان اشترى ~~ابنه بمائة، ومات، وخلف ابنا آخر ومائة أخرى، فعلى الرواية الأولى، يعتق ~~ويقاسم أخاه المائة الباقية. وعلى ما حكاه القاضي، يعتق منه ثلثاه، ويرث ~~أربعين، ويعتق باقيه على أخيه، ولا يرث بذلك الجزء شيئا؛ لأن عتقه حصل بعد ~~موت أبيه. وعند الشافعي يعتق ثلثاه، ولا يرث. وقال أبو حنيفة: يعتق ثلثاه، ~~ويسعى في باقيه، ولا يرث. وعند صاحبيه، يعتق كله، ولا يرث شيئا، فإن كان قد ~~تصدق قبل ذلك بثلثه، أو حابى به، لم يعتق؛ لأن الثلث قد ذهب. ### | [فصل ملك من ورثته من لا يعتق عليه كبني عمه فأعتقهم في مرضه] # (4599) فصل: وإن ملك من ورثته ms3043 من لا يعتق عليه، كبني عمه، فأعتقهم في ~~مرضه، فعتقهم وصية؛ لأنه حصل بفعله واختياره، وحكمهم في العتق حكم الأجانب، ~~إن خرجوا من الثلث عتقوا، وإلا عتق منهم بقدر الثلث. وينبغي أن يعتقوا ولا ~~يرثوا؛ لأنهم لو ورثوا لكانت وصية لوارث، فيبطل عتقهم، ثم يبطل ميراثهم. ~~وقد قال أبو الخطاب، في رجل ملك ابن عمه، فأقر في مرضه أنه كان أعتقه في ~~صحته: عتق، # PageV06P143 # ولم يرث. وهذا في معنى ما ذكرنا؛ لأن إقراره لوارث غير مقبول، فمنعنا ~~ميراثه ليقبل إقراره له بالإعتاق. ### | [فصل مريض اشترى أباه بألف لا مال له سواه] # (4600) فصل: مريض اشترى أباه بألف، لا مال له سواه، فعلى رواية الخبري، ~~يعتق كله. وعلى القول الآخر يعتق ثلثه على المعتق، ويعتق باقيه على ابنه. ~~وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: يعتق ثلثه، ويسعى للابن في ثلثيه. وعلى قول ~~صاحبيه، يعتق سدسه، ويسعى في خمسة أسداسه. وقيل على قياس قول الشافعي: يفسخ ~~الشراء، إلا أن يجيز الابن عتقه. وقيل: يعتق ثلثه. ويفسخ البيع في ثلثيه. ~~وإن خلف ألفين سواه، عتق، وورث سدسهما. وبه قال مالك، وأبو حنيفة. وفي قول ~~صاحبيه، يعتق نصفه، ويسعى في قيمة نصفه. ### | [فصل وهب الإنسان أبوه أو وصي له به] # (4601) فصل: وإذا وهب الإنسان أبوه، أو وصى له به، استحب له أن يقبله، ~~ولم يجب. وهذا قول الشافعي. ويحتمل أن يجب عليه قبوله؛ لأن فيه إعتاقا ~~لأبيه من غير التزام مال. ولنا، أنه استجلاب ملك على الأب، فلم يلزمه، كما ~~لو بذل له بعوض، أو كما لو بذل له ابنه أو غيره من أقاربه، ولأنه يلزمه ضرر ~~بلحوق المنة به، وتلزمه نفقته وكسوته. ### | [فصل وصى لوارثه وأجنبي بثلثه فأجاز سائر الورثة وصية الوارث] # (4602) فصل: إذا وصى لوارثه وأجنبي بثلثه، فأجاز سائر الورثة وصية ~~الوارث، فالثلث بينهما. وإن وصى لكل واحد منهما بمعين قيمتهما الثلث، فأجاز ~~سائر الورثة وصية الوارث، جازت الوصية لهما. وإن ردوا بطلت وصية الوارث في ~~المسألتين، وللأجنبي السدس في الأولى، والمعين الموصى ms3044 له به في الثانية. ~~وهذا قول مالك، والشافعي وأصحاب الرأي، وغيرهم. وإن كانت الوصيتان بثلثي ~~ماله، فأجاز الورثة لهما. جازت لهما. وإن عينوا نصيب الوارث بالرد وحده، ~~فللأجنبي الثلث كاملا؛ لأنهم خصوا الوارث بالإبطال، فالثلث كله للأجنبي، ~~وسقطت وصية الوارث، فصار كأنه لم يوص له. وإن أبطلوا الزائد عن الثلث من ~~غير تعيين نصيب أحدهما، فالثلث الباقي بين الوصيين، لكل واحد منهما السدس. ~~هذا الذي ذكره القاضي. وهو قول مالك، والشافعي. # وذلك لأن الوارث يزاحم الأجنبي، إذا أجاز الورثة الوصيتين، فيكون لكل ~~واحد منهما الثلث، فإذا أبطلوا نصفهما بالرد، كان البطلان راجعا إليهما، ~~وما بقي منهما بينهما، كما لو تلف ذلك بغير الرد. واختار أبو الخطاب أن ~~الثلث جميعه للأجنبي. وحكي نحو هذا عن أبي حنيفة؛ لأنهم لا يقدرون على ~~إبطال الثلث فما دون إذا كان للأجنبي، ولو جعلنا # PageV06P144 # الوصية بينهما لملكوا إبطال ما زاد على السدس، فإن صرح الورثة بذلك، ~~فقالوا: أجزنا الثلث لكما، ورددنا ما زاد عليه في وصيتكما. أو قالوا: رددنا ~~من وصية كل واحد منكما نصفها، وبقينا له نصفها. كان ذلك آكد في جعل السدس ~~لكل واحد منهما؛ لتصريحهم به، وإن قالوا: أجزنا وصية الوارث كلها، ورددنا ~~نصف وصية الأجنبي. فهو على ما قالوا؛ لأن لهم أن يجيزوا لهما ويردوا ~~عليهما، فكان لهم أن يجيزوا لأحدهما ويردوا على الآخر. وإن أجازوا للأجنبي ~~جميع وصيته، وردوا على الوارث نصف وصيته جاز، كما قلنا. وإن أرادوا أن ~~ينقصوا الأجنبي عن نصف وصيته، لم يملكوا ذلك، سواء أجازوا للوارث أو ردوا ~~عليه. فإن ردوا جميع وصية الوارث، ونصف وصية الأجنبي، فعلى قول القاضي، لهم ~~ذلك؛ لأن لهم أن يجيزوا الثلث لهما، فيشتركان فيه، ويكون لكل واحد منهما ~~نصفه، ثم إذا رجعوا فيما للوارث، لم يرد الأجنبي على ما كان له في حالة ~~الإجازة للوارث. وعلى قول أبي الخطاب، يتوفر الثلث كله للأجنبي؛ لأنه إنما ~~ينتقص منه بمزاحمة الوارث، فإذا زالت المزاحمة، وجب توفير الثلث عليه؛ لأنه ~~قد أوصى له ms3045 به. ولو خلف ابنين، ووصى لهما بثلثي ماله، ولأجنبي بالثلث، فردا ~~الوصية. فقال أبو الخطاب: عندي للأجنبي الثلث كاملا. وعند القاضي، له ~~التسع. ويجيء فيه من الفروع مثل ما ذكرنا في التي قبلها. ### | [فصل وصى بثلثه لوارث وأجنبي وقال إن ردوا وصية الوارث فالثلث كله للأجنبي] # (4603) فصل: وإن وصى بثلثه لوارث وأجنبي، وقال: إن ردوا وصية الوارث ~~فالثلث كله للأجنبي.، كما وصى. وإن أجازوا للوارث، فالثلث بينهما؛ لأن ~~الوصية تتعلق بالشرط. ولو قال: أوصيت لفلان بثلثي، فإن مات قبلي فهو لفلان. ~~صح. وإن قال: وصيت بثلثي لفلان، فإن قدم فلان الغائب فهو له. صح، فإن قدم ~~الغائب قبل موت الموصي، صار هو الوصي، وبطلت وصية الأول، سواء عاد إلى ~~الغيبة أو لم يعد؛ لأنه قد وجد شرط انتقال الوصية إليه، فلم ينتقل عنه بعد ~~ذلك. وإن مات الموصي قبل قدوم الغائب، فالوصية للحاضر، سواء قدم الغائب بعد ~~ذلك أو لم يقدم. ذكره القاضي؛ لأن الوصية ثبتت لوجود شرطها، فلم تنقل عنه، ~~كما لو لم يقدم. ويحتمل أن الغائب إن قدم بعد الموت، كانت الوصية له؛ لأنه ~~جعلها له بشرط قدومه، وقد وجد ذلك. ### | [فصل وصى لوارث فأجاز بعض باقي الورثة الوصية دون البعض] # (4604) فصل: وإن وصى لوارث، فأجاز بعض باقي الورثة الوصية دون البعض، نفذ ~~في نصيب من أجاز، دون من لم يجز. وإن أجازوا بعض الوصية دون بعض، نفذت فيما ~~أجازوا دون ما لم يجيزوا. فإن أجاز بعضهم بعض الوصية، وأجاز بعضهم جميعها، ~~أو ردها، فهو على ما فعلوا من ذلك. فلو خلف ثلاثة بنين وعبدا، لا يملك ~~غيره، فوصى به لأحدهم، أو وهبه إياه في مرض موته، وأجازه له أخواه، فهو له، ~~وإن # PageV06P145 # أجاز له أحدهما وحده، فله ثلثاه، وإن أجازا له نصف العبد، فله نصفه، ~~ولهما نصفه، وإن أجازا أحدهما له نصف نصيبه، ورد الآخر، فله النصف كاملا؛ ~~الثلث نصيبه، والسدس من نصيب المجيز، وإن أجاز كل واحد منهما له نصف نصيبه، ~~كمل له الثلثان، وإن أجاز ms3046 له أحدهما نصف نصيبه، والآخر ثلاثة أرباع نصيبه، ~~كمل له ثلاثة أرباع العبد. وإن وصى بالعبد لاثنين منهما، فللثالث أن يجيز ~~لهما، أو يرد عليهما، أو يجيز لهما بعض وصيتهما، إن شاء متساويا، وإن شاء ~~متفاضلا، أو يرد على أحدهما، ويجيز للآخر وصيته كلها أو بعضها، أو يجيز ~~لأحدهما جميع وصيته، وللآخر بعضها، فكل ذلك جائز؛ لأن الحق له، فكيفما شاء ~~فعل فيه. ### | [مسألة أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث] # (4605) مسألة قال: (ومن أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث، فأجاز ذلك الورثة ~~بعد موت الموصي، جاز، وإن لم يجيزوا، رد إلى الثلث) وجملة ذلك أن الوصية ~~لغير الوارث تلزم في الثلث من غير إجازة، وما زاد على الثلث يقف على ~~إجازتهم، فإن أجازوه جاز، وإن ردوه بطل. في قول جميع العلماء. والأصل في ~~ذلك «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد حين قال: أوصي بمالي كله؟ قال: ~~لا. قال فبالثلثين؟ قال: لا. قال: فبالنصف؟ قال: لا. قال: فبالثلث؟ قال: ~~الثلث، والثلث كثير» . وقوله - عليه السلام -: «إن الله تصدق عليكم بثلث ~~أموالكم عند مماتكم» . يدل على أنه لا شيء له في الزائد عليه. وحديث عمران ~~بن حصين في المملوكين الذين أعتقهم المريض، ولم يكن له مال سواهم، فدعا بهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فجزأهم ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم، فأعتق ~~اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا، يدل أيضا على أنه لا يصح تصرفه ~~فيما عدا الثلث، إذا لم يجز الورثة، ويجوز بإجازتهم؛ لأن الحق لهم. والقول ~~في بطلان الوصية بالزائد عن الثلث، كالقول في الوصية للوارث، على ما ذكرنا. ~~وهل إجازتهم تنفيذ أو عطية مبتدأة؟ فيه اختلاف ذكرناه في الوصية للوارث. ~~والخلاف فيه مبني على أن الوصية به، أو العطية له، في مرض الموت المخوف، ~~صحيحة موقوفة على الإجازة، أو باطلة؟ فظاهر المذهب أنها صحيحة، وأن الإجازة ~~تنفيذ مجرد، لا يكفي فيه قول المجيز: أجزت ذلك. أو أنفذته. # أو نحوه من الكلام، ولا يفتقر إلى شروط الهبة. ويتفرع عن هذا ms3047 الخلاف أنه ~~لو أعتق عبدا لا مال سواه في مرضه، أو وصى بإعتاقه، فأعتقوه بوصيته، فقد ~~نفذ العتق في ثلثه ووقف عتق باقيه على إجازة الورثة، فإن أجازوه، عتق ~~جميعه، واختص عصبات الميت بولائه كله، إذا قلنا بصحة إعتاقه ووصيته. وإن ~~قلنا: هي باطلة، والإجازة عطية مبتدأة. اختص عصبات الميت بثلث ولائه، وكان # PageV06P146 # ثلثاه لجميع الورثة بينهم على قدر ميراثهم؛ لأنهم باشروه بالإعتاق. وكذلك ~~لو تبرع بثلث ماله في مرضه، ثم أعتق، أو وصى بالإعتاق، فالحكم فيه على ما ~~ذكرنا. ولو أوصى لابن وارثه بعد تبرعه بثلث ماله، أو أعطاه عطية في مرضه، ~~فأجاز أبوه وصيته وعطيته، ثم أراد الرجوع فيما أجازه، فله ذلك إن قلنا: هي ~~عطية مبتدأة. وليس له ذلك على القول بأنها إجازة مجردة. ولو تزوج رجل ابنة ~~عمه، فأوصت له بوصية أو عطية في مرض موتها، ثم ماتت وخلفته وأباه، فأجاز ~~أبوه وصيته وعطيته، فالحكم فيه على ما ذكرنا. ولو وقف في مرضه على ورثته، ~~فأجازوا الوقف، صح إن قلنا: إجازتهم تنفيذ. ولم يصح إن قلنا: هي عطية ~~مبتدأة. ولأنهم يكونون واقفين على أنفسهم. ولا فرق في الوصية بين المرض ~~والصحة، وقد روى حنبل، عن أحمد، أنه قال: إن أوصى في المرض فهو من الثلث، ~~وإن كان صحيحا فله أن يوصي بما شاء. يعني به العطية. قاله القاضي. أما ~~الوصية فإنها عطية بعد الموت فلا يجوز منها إلا الثلث على كل حال. ### | [فصل لا يعتبر رد الوصية وإجازتها إلا بعد موت الموصي] # (4606) فصل: ولا يعتبر الرد والإجازة إلا بعد موت الموصي، فلو أجازوا قبل ~~ذلك، ثم ردوا، أو أذنوا لموروثهم في حياته بالوصية بجميع المال، أو بالوصية ~~لبعض ورثته، ثم بدا لهم فردوا بعد وفاته، فلهم الرد، سواء كانت الإجازة في ~~صحة الموصي أو مرضه. نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب. وروي ذلك عن ابن ~~مسعود. وهو قول شريح، وطاوس، والحكم، والثوري، والحسن بن صالح، والشافعي، ~~وأبي ثور، وابن المنذر، وأبي حنيفة، وأصحابه. وقال الحسن، ms3048 وعطاء، وحماد بن ~~أبي سليمان، وعبد الملك بن يعلى، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، وابن أبي ~~ليلى: ذلك جائز عليهم؛ لأن الحق للورثة، فإذا رضوا بتركه سقط حقهم، كما لو ~~رضي المشتري بالعيب. وقال مالك: إن أذنوا له في صحته، فلهم أن يرجعوا، وإن ~~كان ذلك في مرضه، وحين يحجب عن ماله، فذلك جائز عليهم. ولنا، أنهم أسقطوا ~~حقوقهم فيما لم يملكوه، فلم يلزمهم، كالمرأة إذا أسقطت صداقها قبل النكاح، ~~أو أسقط الشفيع حقه من الشفعة قبل البيع، ولأنها حالة لا يصح فيها ردهم ~~للوصية، فلم يصح فيها إجازتهم، كما قبل الوصية. ### | [فصل أوصى بأكثر من الثلث فأجاز الوارث] # (4607) فصل: وإذا أوصى بأكثر من الثلث، فأجاز الوارث الوصية، وقال: إنما ~~أجزتها ظنا أن المال قليل، فبان كثيرا. فإن كانت للموصي بينة تشهد باعترافه ~~بمعرفة قدر المال، أو كان المال ظاهرا لا يخفى عليه، لم يقبل قوله، إلا على ~~قول من قال: الإجازة هبة مبتدأة. فله الرجوع فيما يجوز الرجوع في الهبة في ~~مثله. وإن لم تشهد بينة باعترافه بذلك، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الإجازة ~~تنزلت منزلة الإبراء، فلا يصح في المجهول، # PageV06P147 # والقول قوله في الجهل به مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العلم. ويحتمل أن لا ~~يقبل قوله؛ لأنه أجاز عقدا له الخيار في فسخه، فبطل خياره، كما لو أجاز ~~البيع من له الخيار في فسخه بعيب أو خيار. وإن أوصى بمعين، كعبد أو فرس ~~يزيد على الثلث، فأجاز الوصية بها، ثم قال: ظننت المال كثيرا تخرج الوصية ~~من ثلثه، فبان قليلا، أو ظهر عليه دين لم أعلمه. لم تبطل الوصية؛ لأن العبد ~~معلوم لا جهالة فيه. ويحتمل أن يملك الفسخ؛ لأنه قد يسمح بذلك ظنا منه أنه ~~يبقى له من المال ما يكفيه، فإذا بان خلاف ذلك، لحقه الضرر في الإجازة فملك ~~الرجوع كالمسألة التي قبلها. ### | [فصل لا تصح إجازة الوصية إلا من جائز التصرف] # (4608) فصل: ولا تصح الإجازة إلا من جائز التصرف. فأما الصبي والمجنون ~~والمحجور عليه لسفه، فلا تصح ms3049 الإجازة منهم؛ لأنها تبرع بالمال، فلم تصح ~~منهم، كالهبة. وأما المحجور عليه لفلس، فإن قلنا: الإجازة هبة. لم تصح منه؛ ~~لأنه ليس له هبة ماله. وإن قلنا: هي تنفيذ صحت. ### | [مسألة أوصي له وهو في الظاهر وارث فلم يمت الموصي حتى صار الموصى له غير وارث] # (4609) مسألة قال: (ومن أوصي له، وهو في الظاهر وارث، فلم يمت الموصي حتى ~~صار الموصى له غير وارث، فالوصية له ثابتة؛ لأن اعتبار الوصية بالموت) لا ~~نعلم خلافا بين أهل العلم، في أن اعتبار الوصية بالموت، فلو أوصى لثلاثة ~~إخوة له متفرقين، ولا ولد له، ومات قبل أن يولد له ولد، لم تصح الوصية لغير ~~الأخ من الأب، إلا بالإجازة من الورثة. وإن ولد له ابن، صحت الوصية لهم ~~جميعا من غير إجازة، إذا لم تتجاوز الوصية الثلث. وإن ولدت له بنت، جازت ~~الوصية لأخيه من أبيه وأخيه من أمه، فيكون لهما ثلثا الموصى به بينهما ~~نصفين، ولا يجوز للأخ من الأبوين؛ لأنه وارث. وبهذا يقول الشافعي، وأبو ~~ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وغيرهم. ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. ولو ~~أوصى لهم، وله ابن، فمات ابنه قبل موته، لم تجز الوصية لأخيه من أبويه، ولا ~~لأخيه من أمه، وجازت لأخيه من أبيه. فإن مات الأخ من الأبوين قبل موته، لم ~~تجز الوصية للأخ من الأب أيضا؛ لأنه صار وارثا. ### | [فصل أوصى لامرأة أجنبية أو أوصت له ثم تزوجها] # (4610) فصل: ولو أوصى لامرأة أجنبية، أو أوصت له، ثم تزوجها، لم تجز ~~وصيتهما إلا بالإجازة من الورثة. وإن أوصى أحدهما للآخر، ثم طلقها، جازت ~~الوصية، لأنه صار غير وارث، إلا أنه إن طلقها في مرض موته، فقياس المذهب ~~أنها لا تعطى أكثر من ميراثها؛ لأنه يتهم في أنه طلقها ليوصل إليها ماله ~~بالوصية، فلم ينفذ لها ذلك، كما لو طلقها في مرض موته أو أوصى لها بأكثر ~~مما كانت ترث. # PageV06P148 ### | [فصل أعتق أمته في صحته ثم تزوجها في مرضه] # (4611) فصل: وإن أعتق أمته في صحته، ثم ms3050 تزوجها في مرضه، صح، وورثته بغير ~~خلاف نعلمه. وإن أعتقها في مرضه، ثم تزوجها، وكانت تخرج من ثلثه، فنقل ~~المروذي عن أحمد، أنها تعتق وترث. وهذا اختيار أصحابنا. وهو قول أبي حنيفة؛ ~~لأنها امرأة نكاحها صحيح، ولم يوجد في حقها مانع من موانع الإرث، وهي الرق ~~والقتل واختلاف الدين، فترث، كما لو كان أعتقها في صحته. وقال الشافعي: ~~تعتق ولا ترث؛ لأنها لو ورثت لكان إعتاقها وصية لوارث، فيؤدي توريثها إلى ~~إسقاط توريثها؛ لأن ذلك يقتضي إبطال عتقها، فيبطل نكاحها ثم يبطل إرثها، ~~فكان إبطال الإرث وحده وتصحيح العتق والنكاح أولى. ### | [فصل أعتق أمة لا يملك غيرها ثم تزوجها] # (4612) فصل: وإن أعتق أمة لا يملك غيرها، ثم تزوجها، فالنكاح صحيح في ~~الظاهر. فإن مات، ولم يملك شيئا آخر، تبين أن نكاحها باطل، ويسقط مهرها إن ~~كان لم يدخل بها. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي. ويعتق منها ثلثها، ويرق ~~ثلثاها. فإن كان قد دخل بها ومهرها نصف قيمتها، عتق منها ثلاثة أسباعها، ~~ويرق أربعة أسباعها. وحساب ذلك أن تقول: عتق منها شيء، ولها بصداقها نصف ~~شيء، وللورثة شيئان، فيجمع ذلك فيكون ثلاثة أشياء ونصفا، نبسطها فتكون ~~سبعة، لها منها ثلاثة، ولهم أربعة، ولا شيء للميت سواها، فنجعل لنفسها منها ~~ثلاثة أسباعها يكون حرا والباقي للورثة. وإن أحب الورثة أن يدفعوا إليها ~~حصتها من مهرها، وهو سبعاه، ويعتق منها سبعاها ويسترقوا خمسة أسباعها، فلهم ~~ذلك. وهذا مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: يحسب مهرها من قيمتها، ولها ثلث ~~الباقي، وتسعى فيما بقي وهو ثلث قيمتها. فإن كان يملك مع الجارية قدر نصف ~~قيمتها، ولم يدخل بها، عتق منها نصفها، ورق نصفها؛ لأن نصفها هو ثلث المال، ~~وإن دخل بها، عتق منها ثلاثة أسباعها، ولها ثلاثة أسباع مهرها، وإنما قل ~~العتق فيها لأنها لما أخذت ثلاثة أسباع مهرها، نقص المال به، فيعتق منها ~~ثلث الباقي، وهو ثلاثة أسباعها. وحسابها أن تقول: عتق منها شيء، ولها ~~بمهرها نصف شيء، وللورثة شيئان، يعدل ذلك الجارية ونصف ms3051 قيمتها، فالشيء ~~سبعاها وسبعا نصف قيمتها وهو ثلاثة أسباعه، فهو الذي عتق منها، وتأخذ نصف ~~ذلك من المال بمهرها، وهو ثلاثة أسباعه. فإن كان يملك معها مثل قيمتها، ولم ~~يدخل بها، عتق ثلثاها، ورق ثلثها، وبطل نكاحها. وإن كان دخل بها عتق أربعة ~~أسباعها، ولها أربعة أسباع مهرها، ويبقى للورثة ثلاثة أسباعها وخمسة أسباع ~~قيمتها، وذلك يعدل مثلي ما عتق منها. وحسابها أن # PageV06P149 # تجعل السبعة الأشياء معادلة لها ولقيمتها، فيعتق منها بقدر سبعي الجميع، ~~وهو أربعة أسباعها، وتستحق سبع الجميع بمهرها، وهو أربعة أسباع مهرها. وإن ~~كان يملك معها مثلي قيمتها، عتقت كلها، وصح نكاحها؛ لأنها تخرج من الثلث إن ~~أسقطت مهرها، وإن أبت أن تسقطه، لم ينفذ عتقها، وبطل نكاحها، فإن كان لم ~~يدخل بها، فينبغي أن يقضى بعتقها ونكاحها، ولا مهر لها؛ لأن إيجابه يفضي ~~إلى إسقاطه وإسقاط عتقها ونكاحها، فإسقاطه وحده أولى. وإن كان قد دخل بها، ~~عملنا فيها على ما تقدم، فيعتق ستة أسباعها، ولها ستة أسباع مهرها، ويبطل ~~عتق سبعها ونكاحها. ولو أعتقها، ولم يتزوجها، ووطئها، كان العمل فيها في ~~هذه المواضع كما لو تزوجها. وهذا مذهب الشافعي. وذكر القاضي في مثل هذه ~~المسألة التي قبل الأخيرة، ما يقتضي صحة عتقها ونكاحها، مع وجوب مهرها، ~~فإنه قال في من أعتق في مرضه أمة قيمتها مائة، وأصدقها مائتين، لا مال له ~~سواهما، وهما مهر مثلها: يصح العتق والصداق والنكاح؛ لأن المائتين صداق ~~مثلها، وتزويج المريض بمهر المثل صحيح نافذ. وهذا غير جيد؛ فإن ذلك يفضي ~~إلى نفوذ العتق في المرض من جميع المال، ولا أعلم به قائلا. ولو أنه أتلف ~~المائتين، أو أصدقهما لامرأة أجنبية، ومات، ولم يخلف شيئا، لبطل عتق ثلثي ~~الأمة، فإذا أخذتهما هي، كان أولى في بطلانه. والصحيح ما ذكرنا إن شاء الله ~~تعالى. وقال أبو حنيفة فيما إذا ترك مثلي قيمتها، وكان مهرها نصف قيمتها: ~~تعطى مهرها وثلث الباقي، بحسب ذلك من قيمتها، وهو نصفها وثلثها، فيعتق ذلك، ~~وتسعى في سدسها الباقي، ms3052 ويبطل نكاحها. فأما إن خلف أربعة أمثال قيمتها، صح ~~عتقها ونكاحها وصداقها، في قول الجميع؛ لأن ذلك يخرج من الثلث، وترث من ~~الباقي في قول أصحابنا، وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: لا ترث. وهو ~~مقتضى قول الخرقي؛ لأنها لو ورثت لكان عتقها وصية لوارث، واعتبار الوصية ~~بالموت. ### | [فصل مريضة أعتقت عبدا قيمته عشرة وتزوجها بعشرة في ذمته ثم ماتت وخلفت مائة] # (4613) فصل: ولو أن امرأة مريضة أعتقت عبدا قيمته عشرة، وتزوجها بعشرة في ~~ذمته، ثم ماتت، وخلفت مائة. اقتضى قول أصحابنا أن تضم العشرة التي في ذمته ~~إلى المائة، فيكون ذلك هو التركة، ويرث نصف ذلك ويبقى للورثة خمسة وخمسون. ~~وهذا مذهب أبي حنيفة. وقال صاحباه: تحسب عليه قيمته أيضا، وتضم إلى التركة، ~~ويبقى للورثة ستون. وقال الشافعي: لا يرث شيئا، وعليه أداء العشرة التي في ~~ذمته؛ لئلا يكون إعتاقه وصية لوارث. وهذا مقتضى قول الخرقي، إن شاء الله ~~تعالى. ### | [فصل تزوج المريض امرأة صداق مثلها خمسة فأصدقها عشرة لا يملك غيرها ثم مات وورثته] # (4614) فصل: ولو تزوج المريض امرأة صداق مثلها خمسة، فأصدقها عشرة لا ~~يملك غيرها، ثم مات، وورثته، # PageV06P150 # بطلت المحاباة؛ لأنها وصية لوارث، ولها صداقها وربع الباقي بالميراث. وإن ~~ماتت قبله، صحت المحاباة، ويدخلها الدور، فنقول: لها مهرها وهو خمسة، وشيء ~~بالمحاباة يبقى لورثة الزوج خمسة الأشياء، ثم رجع إليهم نصف مالها، وهو ~~ديناران، ونصف شيء، صار لهم سبعة ونصف إلا نصف شيء يعدل شيئين، اجبر وقابل، ~~يتبين أن الشيء ثلاثة، فيكون لورثتها أربعة، ولورثته ستة. وإن خلفت مع ذلك ~~دينارين، عاد إلى الزوج من ميراثها ثلاثة ونصف شيء، صار له ثمانية ونصف إلا ~~نصف شيء، اجبر وقابل، يخرج الشيء ثلاثة وخمسين، فصار لورثته ستة وأربعة ~~أخماس، ولورثتها خمسة وخمس. ### | [فصل أوصى بجارية لزوجها الحر فقبلها] # (4615) فصل: وإذا أوصى بجارية لزوجها الحر، فقبلها، انفسخ النكاح؛ لأن ~~النكاح لا يجتمع مع ملك اليمين. وظاهر المذهب أن الموصى له إنما يملك ~~بالقبول، فحينئذ ينفسخ النكاح. وفيه وجه آخر، ms3053 أنه إذا قبل تبينا أن الملك ~~كان ثابتا من حين موت الموصي، فتبين حينئذ أن النكاح انفسخ من حين موت ~~الموصي، فإن أتت بولد لم تخل من ثلاثة أحوال: أحدها، أن تكون حاملا به حين ~~الوصية، ويعلم ذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر منذ أوصى، فالصحيح أنه ~~يكون موصى به معها؛ لأن للحمل حكما، ولهذا تصح الوصية به وله، وإذا صحت ~~الوصية به منفردا، صحت الوصية به مع أمه، فيصير كما لو كان منفصلا فأوصى ~~بهما جميعا. وفيه وجه آخر، لا حكم للحمل، فلا يدخل في الوصية، وإنما يثبت ~~له الحكم عند انفصاله، كأنه حدث حينئذ. فعلى هذا إن انفصل في حياة الموصي، ~~فهو له، كسائر كسبها، وإن انفصل بعد موته وقبل القبول، فهو للورثة، على ~~ظاهر المذهب، وإن انفصل بعده، فهو للموصى له. الحال الثاني، أن تحمل به بعد ~~الوصية في حياة الموصي، ويعلم ذلك بأن تضعه بعد ستة أشهر من حين أوصى؛ ~~لأنها ولدته لمدة الحمل بعد الوصية، فيحتمل أنها حملته بعدها فلم يتناوله. ~~والأصل عدم الحمل حال الوصية، فلا نثبته بالشك، فيكون مملوكا للموصي إن ~~ولدته في حياته. وإن ولدته بعده، وقلنا: للحمل حكم. فكذلك. وإن قلنا: لا ~~حكم له. فهو للورثة إن ولدته قبل القبول، ولا بينة إن وضعته بعده. وكل موضع ~~كان الولد للموصى له، فإنه يعتق عليه؛ لأنه ابنه، وعليه ولاء لأبيه؛ لأنه ~~عتق عليه بالقرابة، وأمه أمة ينفسخ نكاحها بالملك، ولا تصير أم ولد؛ لأنها ~~لم تعلق منه بحر في ملكه. الحال الثالث، أن تحمل بعد موت الموصي وقبل ~~القبول، ويعلم ذلك بأن تضعه لأكثر من ستة أشهر من حين الموت، فإن وضعته قبل ~~القبول أيضا، فهو للوارث، في ظاهر المذهب؛ لأن الملك إنما ثبت للموصى له ~~بعد القبول. وعلى الوجه الآخر، يكون للموصى له. وإن وضعته بعد القبول، ~~فكذلك؛ لأن # PageV06P151 # الظاهر أن للحمل حكما، فيكون حادثا عن ملك الوارث. وعلى الوجه الآخر، ~~يكون للموصى له، فعلى هذا يكون حرا لا ms3054 ولاء عليه؛ لأنها أم ولد، لكونها ~~علقت منه بحر في ملكه، فيصير كما لو حملت به بعد القبول. ومذهب الشافعي في ~~هذا الفصل قريب مما قلناه. وقال أبو حنيفة: إذا وضعته بعد موت الموصي، دخل ~~في الوصية بكل حال؛ لأنها تستقر بالموت وتلزم، فوجب أن تسري إلى الولد، ~~كالاستيلاد. ولنا، أنها زيادة منفصلة حادثة بعد عقد الوصية، فلا تدخل فيها، ~~كالكسب، وإذا أوصى بعتق جارية فولدت. وتفارق الاستيلاد؛ لأن له تغليبا ~~وسراية. وهذا التفريع فيما إذا خرجت الجارية من الثلث، وإن لم تخرج من ~~الثلث، ملك منها بقدر الثلث، وانفسخ النكاح؛ لأن ملك بعضها يفسخ النكاح، ~~كملك جميعها. وكل موضع يكون الولد فيه لأبيه، فإنه يكون له منه ها هنا بقدر ~~ما ملك من أمه، ويسري العتق إلى باقيه إن كان موسرا، وإن كان معسرا فقد عتق ~~منه ما ملك وحده. وكل موضع قلنا: تكون أم ولد. فإنها تصير أم ولد ها هنا. ~~سواء كان موسرا أو معسرا، على قول الخرقي، كما إذا استولد الأمة المشتركة. ~~قال القاضي: تصير منها أم ولد بقدر ما ملك منها. وهذا مذهب الشافعي. ### | [مسألة موت الموصى له قبل موت الموصي] # (4616) مسألة: قال: (فإن مات الموصى له قبل موت الموصي، بطلت الوصية) هذا ~~قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن علي، - رضي الله عنه -. وبه قال الزهري، ~~وحماد بن أبي سليمان، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال الحسن: ~~تكون لولد الموصى له. وقال عطاء: إذا علم الموصي بموت الموصى له، ولم يحدث ~~فيما أوصى به شيئا، فهو لوارث الموصى له؛ لأنه مات بعد عقد الوصية، فيقوم ~~الوارث مقامه، كما لو مات بعد موت الموصي وقبل القبول. ولنا، أنها عطية ~~صادفت المعطي ميتا، فلم تصح، كما لو وهب ميتا؛ وذلك لأن الوصية عطية بعد ~~الموت، وإذا مات قبل القبول بطلت الوصية أيضا. وإن سلمنا صحتها، فإن العطية ~~صادفت حيا، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل الوصية لميت] # (4617) فصل: ولا تصح الوصية لميت. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال ~~مالك: ms3055 إن علم أنه ميت، فهي جائزة، وهي لورثته بعد قضاء ديونه وتنفيذ ~~وصاياه؛ لأن الغرض نفعه بها، وبهذا يحصل له النفع، فأشبه ما لو كان حيا. # PageV06P152 # ولنا، أنه أوصى لمن لا تصح الوصية له، إذا لم يعلم، فلم تصح إذا علم، ~~كالبهيمة. وفارق الحي؛ فإن الوصية تصح له في الحالين، ولأنه عقد يفتقر إلى ~~القبول، فلم يصح للميت، كالهبة. إذا ثبت هذا، فإذا أوصى بثلثه، أو بمائة ~~لاثنين حي وميت، فللحي نصف الوصية، سواء علم موت الميت أو جهله. وهذا قول ~~أبي حنيفة، وإسحاق، والبصريين. وقال الثوري، وأبو يوسف، ومحمد: إذا قال: ~~هذه المائة لفلان وفلان. فهي للحي منهما. وإن قال: بين فلان وفلان. فوافقنا ~~الثوري في أن نصفها للحي. وعن الشافعي كالمذهبين. وقال أبو الخطاب: عندي ~~أنه إذا علمه ميتا، فالجميع للحي، وإن لم يعلمه ميتا، فللحي النصف. وقد نقل ~~عن أحمد ما يدل على هذا القول. فإنه قال، في رواية ابن القاسم: إذا أوصى ~~لفلان وفلان بمائة، فبان أحدهما ميتا، فللحي خمسون. فقيل له: أليس إذا قال: ~~ثلثي لفلان وللحائط، أن الثلث كله لفلان؟ فقال: وأي شيء يشبه هذا، الحائط ~~له ملك، فعلى هذا إذا شرك بين من تصح الوصية له ومن لا تصح، مثل أن يوصي ~~لفلان وللملك وللحائط، أو لفلان الميت، فالموصى به كله لمن تصح الوصية له، ~~إذا كان عالما بالحال؛ لأنه إذا شرك بينهما في هذه الحال علم أنه قصد ~~بالوصية كلها من تصح الوصية له. وإن لم يعلم الحال، فلمن تصح الوصية له ~~نصفها؛ لأنه قصد إيصال نصفها إليه، وإلى الآخر النصف الآخر، ظنا منه أن ~~الوصية له صحيحة، فإذا بطلت الوصية في حق أحدهما، صحت في حق الآخر بقسطه، ~~كتفريق الصفقة. ووجه القول الأول، أنه جعل الوصية لاثنين، فلم يستحق أحدهما ~~جميعها، كما لو كانا ممن تصح الوصية لهما فمات أحدهما، أو كما لو لم يعلم ~~الحال. فأما إن وصى لاثنين حيين، فمات أحدهما، فللآخر نصف الوصية. لا نعلم ~~في هذا خلافا. ms3056 وكذلك لو بطلت الوصية في حق أحدهما؛ لرده لها. أو لخروجه عن ~~أن يكون من أهلها. ولو قال: أوصيت لكل واحد من فلان وفلان بنصف الثلث، أو ~~بنصف المائة، أو بخمسين. لم يستحق أحدهما أكثر من نصف الوصية، سواء كان ~~شريكه حيا أو ميتا؛ لأنه عين وصيته في النصف، فلم يكن له حق فيما سواه. ### | [مسألة رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي] # (4618) مسألة قال: (وإن رد الموصى له الوصية، بعد موت الموصي، بطلت ~~الوصية) لا يخلو إذا رد الوصية من أربعة أحوال؛ أحدها، أن يردها قبل موت ~~الموصي، فلا يصح الرد ها هنا؛ لأن الوصية لم تقع بعد، فأشبه رد المبيع قبل ~~إيجاب البيع، ولأنه ليس بمحل للقبول، فلا يكون محلا للرد، كما قبل الوصية. # PageV06P153 # والثانية، أن يردها بعد الموت، وقبل القبول، فيصح الرد، وتبطل الوصية. لا ~~نعلم فيه خلافا؛ لأنه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه، فأشبه عفو الشفيع ~~عن الشفعة بعد البيع. والثالثة، أن يرد بعد القبول والقبض، فلا يصح الرد؛ ~~لأن ملكه قد استقر عليه، فأشبه رده لسائر ملكه، إلا أن يرضى الورثة بذلك، ~~فتكون هبة منه لهم تفتقر إلى شروط الهبة. والرابعة، أن يرد بعد القبول وقبل ~~القبض، فينظر؛ فإن كان الموصى به مكيلا أو موزونا، صح الرد؛ لأنه لا يستقر ~~ملكه عليه قبل قبضه، فأشبه رده قبل القبول، وإن كان غير ذلك، لم يصح الرد؛ ~~لأن ملكه قد استقر عليه، فهو كالمقبوض. ويحتمل أن يصح الرد، بناء على أن ~~القبض معتبر فيه. ولأصحاب الشافعي في هذه الحال وجهان؛ أحدهما، يصح الرد في ~~الجميع، ولا فرق بين المكيل والموزون وغيرهما. وهذا المنصوص عن الشافعي؛ ~~لأنهم لما ملكوا الرد من غير قبول، ملكوا الرد من غير قبض، ولأن ملك الوصي ~~لم يستقر عليه قبل القبض، فصح رده، كما قبل القبول. والثاني، لا يصح الرد؛ ~~لأن الملك يحصل بالقبول من غير قبض. ### | [فصل الوصية تبطل بالرد وترجع إلى التركة] # (4619) فصل: وكل موضع صح الرد فيه، فإن ms3057 الوصية تبطل بالرد، وترجع إلى ~~التركة، فتكون للوراث جميعهم؛ لأن الأصل ثبوت الحكم لهم، وإنما خرج ~~بالوصية، فإذا بطلت الوصية، رجع إلى ما كان عليه، كأن الوصية لم توجد. ولو ~~عين بالرد واحدا، وقصد تخصيصه بالمردود، لم يكن له ذلك، وكان لجميعهم؛ لأن ~~رده امتناع من تملكه، فيبقى على ما كان عليه، ولأنه لم يملك دفعه إلى ~~أجنبي، فلم يملك دفعه إلى وارث يخصه به. وكل موضع امتنع الرد لاستقرار ملكه ~~عليه، فله أن يخص به واحدا من الورثة؛ لأنه ابتداء هبة، ويملك أن يدفعه إلى ~~أجنبي، فملك دفعه إلى وارث. فلو قال: رددت هذه الوصية لفلان. قيل له: ما ~~أردت بقولك لفلان؟ فإن قال: أردت تمليكه إياها، وتخصيصه بها. فقبلها، اختص ~~بها، وإن قال: أردت ردها إلى جميعهم، ليرضى فلان. عادت إلى جميعهم إذا ~~قبلوها، فإن قبلها بعضهم دون بعض، فلمن قبل حصته منها. ### | [فصل يحصل الرد بقوله رددت الوصية] # (4620) فصل: ويحصل الرد بقوله: رددت الوصية. وقوله: لا أقبلها. وما أدى ~~هذا المعنى. قال أحمد: إذا قال أوصيت لرجل بألف، فقال: لا أقبلها. فهي ~~لورثته. يعني لورثة الموصي. # PageV06P154 ### | [مسألة موت الموصى له قبل القبول والرد بعد موت الموصي] # (4621) مسألة: قال: (فإن مات قبل أن يقبل أو يرد، قام وارثه في ذلك ~~مقامه، إذا كان موته بعد موت الموصي) اختلف أصحابنا فيما إذا مات الموصى له ~~قبل القبول والرد، بعد موت الموصي، فذهب الخرقي إلى أن وارثه يقوم مقامه في ~~القبول والرد؛ لأنه حق ثبت للموروث فثبت للوارث بعد موته، لقوله - عليه ~~السلام -: «من ترك حقا فلورثته» . وكخيار الرد بالعيب، وذهب أبو عبد الله ~~بن حامد إلى أن الوصية تبطل؛ لأنه عقد يفتقر إلى القبول، فإذا مات من له ~~القبول قبله، بطل العقد، كالهبة. قال القاضي: هو قياس المذهب؛ لأنه خيار لا ~~يعتاض عنه، فبطل بالموت، كخيار المجلس والشرط وخيار الأخذ بالشفعة. وقال ~~أصحاب الرأي: تلزم الوصية في حق الوارث، وتدخل في ملكه حكما بغير قبول؛ لأن ~~الوصية قد لزمت ms3058 من جهة الموصي، وإنما الخيار للموصى له، فإذا مات، بطل ~~خياره، ودخل في ملكه، كما لو اشترى شيئا على أن الخيار له، فمات قبل ~~انقضائه. ولنا، على أن الوصية لا تبطل بموت الموصى له، أنها عقد لازم من ~~أحد الطرفين، فلم تبطل بموت من له الخيار، كعقد الرهن والبيع إذا شرط فيه ~~الخيار لأحدهما، ولأنه عقد لا يبطل بموت الموجب له، فلا يبطل بموت الآخر، ~~كالذي ذكرنا. ويفارق الهبة والبيع قبل القبول، من الوجهين اللذين ذكرناهما، ~~وهو أنه جائز من الطرفين، ويبطل بموت الموجب له، ولا يصح قياسه على ~~الخيارات؛ لأنه لم يبطل الخيار، ويلزم العقد، فنظيره في مسألتنا قول أصحاب ~~الرأي. ولنا، على إبطال قولهم أنه عقد يفتقر إلى قبول المتملك، فلم يلزم ~~قبل القبول، كالبيع والهبة. إذا ثبت هذا، فإن الوارث يقوم مقام الموصى له ~~في القبول والرد؛ لأن كل حق مات عنه المستحق فلم يبطل بالموت، قام الوارث ~~فيه مقامه. فعلى هذا، إن رد الوارث الوصية بطلت، وإن قبلها صحت، وثبت الملك ~~بها. وإن كان الوارث جماعة، اعتبر القبول أو الرد من جميعهم، فإن رد بعضهم ~~وقبل بعض، ثبت للقابل حصته، وبطلت الوصية في حق من رد. فإن كان فيهم من ليس ~~من أهل التصرف، قام وليه مقامه في القبول والرد، وليس له أن يفعل إلا ما ~~للمولى عليه الحظ فيه، فإن فعل غيره لم يصح، فإذا كان الحظ في قبولها ~~فردها، لم يصح رده، وكان له قبولها بعد ذلك. وإن كان الحظ في ردها فقبلها، ~~لم يصح قبوله؛ لأن الولي لا يملك التصرف في حق المولى عليه بغير ما له الحظ ~~فيه. فلو أوصى لصبي بذي رحم له يعتق بملكه له، وكان على الصبي ضرر في ذلك، ~~بأن تلزمه نفقة الموصى به، لكونه فقيرا لا كسب له، والمولى عليه موسر، لم ~~يكن له قبول الوصية، وإن لم يكن عليه ضرر لكون # PageV06P155 # الموصى به ذا كسب، أو كون المولى عليه فقيرا لا تلزمه نفقته، تعين قبول ~~الوصية؛ ms3059 لأن في ذلك نفعا للمولى عليه، لعتق قرابته، وتحريره، من غير ضرر ~~يعود عليه، فتعين ذلك. والله أعلم. ### | [فصل لا يملك الموصى له الوصية إلا بالقبول] # (4622) فصل: ولا يملك الموصى له الوصية إلا بالقبول، في قول جمهور ~~الفقهاء، إذا كانت لمعين يمكن القبول منه؛ لأنها تمليك مال لمن هو من أهل ~~الملك متعين، فاعتبر قبوله، كالهبة والبيع. قال أحمد: الهبة والوصية واحد، ~~فأما إن كانت لغير معين، كالفقراء والمساكين ومن لا يمكن حصرهم، كبني هاشم ~~وتميم، أو على مصلحة كمسجد أو حج، لم يفتقر إلى قبول، ولزمت بمجرد الموت؛ ~~لأن اعتبار القبول من جميعهم متعذر، فيسقط اعتباره، كالوقف عليهم، ولا ~~يتعين واحد منهم فيكتفى بقبوله، ولذلك لو كان فيهم ذو رحم من الموصى به، ~~مثل أن يوصي بعبد للفقراء وأبوه فقير، لم يعتق عليه. ولأن الملك لا يثبت ~~للموصى لهم، بدليل ما ذكرنا من المسألة، وإنما ثبت لكل واحد منهم بالقبض، ~~فيقوم قبضه مقام قبوله. أما الآدمي المعين، فيثبت له الملك، فيعتبر قبوله، ~~لكن لا يتعين القبول باللفظ، بل يجزئ ما قام مقامه من الأخذ والفعل الدال ~~على الرضى، كقولنا في الهبة والبيع. ويجوز القبول على الفور والتراخي. ولا ~~يكون إلا بعد موت الموصي؛ لأنه قبل ذلك لم يثبت له حق، ولذلك لم يصح رده. ~~فإذا قبل، ثبت الملك له من حين القبول، في الصحيح من المذهب. وهو قول مالك، ~~وأهل العراق. وروي عن الشافعي. وذكر أبو الخطاب في المسألة وجها آخر، أنه ~~إذا قبل، تبينا أن الملك ثبت حين موت الموصي. وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن ~~ما وجب انتقاله بالقبول، وجب انتقاله من جهة الموجب عند الإيجاب، كالهبة ~~والبيع، ولأنه لا يجوز أن يثبت الملك فيه للوارث؛ لأن الله تعالى قال {من ~~بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] . (1) ولأن الإرث بعد الوصية، ولا ~~يبقى للميت؛ لأنه صار جمادا لا يملك شيئا. وللشافعي قول ثالث غير مشهور، أن ~~الوصية تملك بالموت، ويحكم بذلك قبل القبول؛ لما ذكرنا. ولنا، أنه ms3060 تملك عين ~~لمعين يفتقر إلى القبول، فلم يسبق الملك القبول، كسائر العقود، ولأن القبول ~~من تمام السبب، والحكم لا يتقدم سببه، ولأن القبول لا يخلو من أن يكون شرطا ~~أو جزءا من السبب، والحكم لا يتقدم سببه ولا شرطه، ولأن الملك في الماضي لا ~~يجوز تعليقه بشرط مستقبل. فإن قيل: فلو قال لامرأته: أنت طالق قبل موتي ~~بشهر. ثم مات، تبينا وقوع الطلاق قبل موته بشهر. قلنا: ليس هذا شرطا في ~~وقوع الطلاق، وإنما تبين به الوقت الذي يقع فيه الطلاق. ولو قال إذا مت ~~فأنت طالق قبله بشهر. لم يصح. وأما انتقاله من جهة الموجب في سائر العقود، ~~فإنه لا ينتقل إلا بعد القبول، # PageV06P156 # فهو كمسألتنا، غير أن ما بين الإيجاب والقبول ثم يسير، لا يظهر له أثر، ~~بخلاف مسألتنا. قولهم: إن الملك لا يثبت للوارث. ممنوع؛ فإن الملك ينتقل ~~إلى الوراث بحكم الأصل، إلا أن يمنع منه مانع. وقول الله تعالى {من بعد ~~وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] . قلنا: المراد به وصية مقبولة، بدليل ~~أنه لو لم يقبل لكان ملكا للوارث، وقبل قبولها فليست مقبولة. ويحتمل أن ~~يكون المراد بقوله {فلكم الربع مما تركن من بعد وصية} [النساء: 12] . أي ~~لكم ذلك مستقر. فلا يمنع هذا ثبوت الملك غير مستقر، ولهذا لا يمنع الدين ~~ثبوت الملك في التركة، وهو آكد من الوصية. # وإن سلمنا أن الملك لا يثبت للوارث، فإنه يبقى ملكا للميت، كما إذا كان ~~عليه دين. وقولهم: لا يبقى له ملك. ممنوع؛ فإنه يبقى ملكه فيما يحتاج إليه ~~من مؤنة تجهيزه ودفنه، وقضاء ديونه. ويجوز أن يتجدد له ملك في دينه إذا ~~قبل، وفيما إذا نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته، بحيث تقضى ديونه، وتنفذ ~~وصاياه، ويجهز إن كان قبل تجهيزه، فهذا يبقى على ملكه، لتعذر انتقاله إلى ~~الوارث من أجل الوصية، وامتناع انتقاله إلى الوصي قبل تمام السبب، فإن رد ~~الموصى له، أو قبل، انتقل حينئذ. فإن قلنا بالأول، وأنه ينتقل إلى الوارث ~~فإنه ms3061 يثبت له الملك على وجه لا يفيد إباحة التصرف، كثبوته في العين ~~المرهونة، فلو باع الموصى به، أو رهنه، أو أعتقه، أو تصرف بغير ذلك، لم ~~ينفذ شيء من تصرفاته. ولو كان الوارث ابنا للموصى به، مثل أن تملك امرأة ~~زوجها الذي لها منه ابن، فتوصي به لأجنبي، فإذا ماتت انتقل الملك فيه إلى ~~ابنه إلى حين القبول، ولا يعتق عليه. والله أعلم. # PageV06P157 ### | [فصل حدث للموصى به نماء منفصل بعد موت الموصي وقبل القبول] # (4623) فصل: فيما يختلف من الفروع باختلاف المذهبين، من ذلك أنه إذا حدث ~~للموصى به نماء منفصل بعد موت الموصي، وقبل القبول، كالثمرة والنتاج ~~والكسب، فهو للورثة. وعلى الوجه الآخر، يكون للموصى له. ولو أوصى بأمة ~~لزوجها، فأولدها بعد موت الموصي، وقبل القبول، فولده رقيق للوارث. وعلى ~~الوجه الآخر، يكون حر الأصل، ولا ولاء عليه، وأمه أم ولد؛ لأنها علقت منه ~~بحر في ملكه. وإن مات الموصى له قبل القبول والرد، فلوارثه قبولها، فإن ~~قبلها، ملك الجارية وولدها، وإن كان ممن يعتق الولد عليه عتق، ولم يرث من ~~ابنه شيئا. وعلى الوجه الآخر، تكون الجارية أم ولد، ويرث الولد أباه، فإن ~~كان يحجب الوارث القابل حجبه. وقال أكثر أصحاب الشافعي: لا يرث الولد ها ~~هنا شيئا؛ لأن توريثه يمنع قول القابل وارثا، فيبطل قبوله، فيفضي إلى ~~الدور، وإلى إبطال ميراثه، فأشبه ما لو أقر الوارث بمن يحجبه عن الميراث. ~~وقد ذكرنا في الإقرار ما يدفع هذا، وأن المقر به يرث، فكذا ها هنا. ويعتبر ~~قبول من هو وارث في حال اعتبار القبول، كما يعتبر في الإقرار إقرار من هو ~~وارث حال الإقرار. والله أعلم. ومن ذلك، لو أوصى لرجل بأبيه، فمات الموصى ~~له قبل القبول، فقبل ابنه، صح، وعتق عليه الجد، ولم يرث من ابنه شيئا؛ لأن ~~حريته إنما حدثت حين القبول بعد أن صار الميراث لغيره. وعلى الوجه الآخر، ~~تثبت حريته من حين موت الموصي، فيرث من ابنه السدس. وقال بعض أصحاب ~~الشافعي: لا يرث أيضا؛ ms3062 لأنه لو ورث لاعتبر قبوله، ولا يجوز اعتبار قبوله ~~قبل الحكم بحريته، وإذا لم يجز اعتباره، لم يعتق، فيؤدي توريثه إلى إبطال ~~توريثه. وهذا فاسد؛ فإنه لو أقر جميع الورثة بمشارك لهم في الميراث، ثبت ~~نسبه وورث، مع أنه يخرج المقرون به عن كونهم جميع الورثة. ومن ذلك، أنه لو ~~مات الموصى له، فقبل وارثه، لثبت الملك للوارث القابل ابتداء من جهة ~~الموصية، لا من جهة موروثه، ولم يثبت للموصى له شيء، فحينئذ لا تقضى ديونه، ~~ولا تنفذ وصاياه، ولا يعتق من يعتق عليه، وإن كان فيهم من يعتق على الوارث، ~~عتق عليه، وكان ولاؤه له دون الموصى له. وعلى، الوجه الآخر، يتبين أن الملك ~~كان ثابتا للموصى له، وأنه انتقل منه إلى وارثه، فتنعكس هذه الأحكام، فتقضى ~~ديونه، وتنفذ وصاياه، ويعتق من يعتق عليه، وله ولاؤه، يختص به الذكور من ~~ورثته. ومن ذلك، أن الموصى به لو كان أمة، فوطئها الوارث، فأولدها، صارت أم ~~ولد له، وولدها حر؛ لأنه وطئها في ملكه، وعليه قيمتها للموصى له إذا قبلها. ~~فإن قيل: فكيف قضيتم بعتقها ها هنا، وهي لا تعتق بإعتاقها؟ قلنا: الاستيلاد ~~أقوى، ولذلك يصح من المجنون، والراهن، والأب، والشريك المعسر، وإن لم ينفذ ~~إعتاقهم. وعلى الوجه الآخر، يكون ولده رقيقا، والأمة باقية على الرق. وإن ~~وطئها الموصى له قبل قبولها، كان ذلك قبولا لها، وثبت الملك له به؛ لأنه لا ~~يجوز إلا في الملك، فإقدامه عليه دليل على اختياره الملك، فأشبه ما لو وطئ ~~من له الرجعة الرجعية، أو وطئ من له الخيار في البيع الأمة المبيعة، أو وطئ ~~من له خيار فسخ النكاح امرأته. ### | [فصل الوصية مطلقة ومقيدة] # (4624) فصل: وتصح الوصية مطلقة ومقيدة، فالمطلقة أن يقول: إن مت فثلثي ~~للمساكين، أو لزيد. والمقيدة أن يقول: إن مت من مرضي هذا، أو في هذه ~~البلدة، أو في سفري هذا، فثلثي للمساكين. فإن برأ من مرضه، أو قدم من سفره، ~~أو خرج من البلدة، ثم مات، بطلت الوصية المقيدة، وبقيت ms3063 المطلقة. قال أحمد، ~~في من وصى وصية إن مات من مرضه هذا أو من سفره هذا، ولم يغير وصيته، ثم مات ~~بعد ذلك: فليس له وصية. وبهذا قال الحسن، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. وقال مالك: إن قال قولا، ولم يكتب كتابا، فهو كذلك، وإن كتب ~~كتابا، ثم صح من مرضه، وأقر الكتاب، فوصيته بحالها، ما لم ينقضها. ولنا، ~~أنها وصية بشرط لم يوجد شرطها، فبطلت، كما لو لم يكتب كتابا، أو كما لو وصى ~~لقوم # PageV06P158 # فماتوا قبله، ولأنه قيد وصيته بقيد، فلا يتعداه، كما ذكرنا. وإن قال لأحد ~~عبديه: أنت حر بعد موتي. وقال للآخر: أنت حر إن مت في مرضي هذا. فمات في ~~مرضه، فالعبدان سواء في التدبير. وإن برأ من مرضه ذلك، بطل تدبير المقيد، ~~وبقي تدبير المطلق بحاله. ولو وصى لرجل بثلثه، وقال: إن مت قبلي فهو لعمرو. ~~صحت وصيته على حسب ما شرطه له. وكذلك في سائر الشروط؛ فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «المسلمون على شروطهم.» ### | [مسألة الوصية بسهم] # (4625) مسألة: قال: (وإذا أوصى له بسهم من ماله، أعطي السدس، وعن أبي عبد ~~الله رحمه الله رواية أخرى، يعطى سهما مما تصح منه الفريضة) اختلفت الرواية ~~عن أحمد - رحمه الله -، فيما لو أوصى بسهم، فروي عنه، أن للموصى له السدس. ~~وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، - رضي الله عنهما -. وبه قال الحسن، وإياس بن ~~معاوية، والثوري. والرواية الثانية، أنه يعطى سهما مما تصح منه الفريضة، ~~فينظر؛ كم سهما صحت منه الفريضة، فيزاد عليها مثل سهم من سهامها للموصى له. ~~وهذا قول شريح قال: ترفع السهام، فيكون للموصى له سهم. قال القاضي: هذا ما ~~لم يزد على السدس فإن زاد السهم على السدس، فله السدس؛ لأنه متحقق. ووجه ~~ذلك أن قوله: سهما. ينبغي أن ينصرف إلى سهام فريضته؛ لأن وصيته منها، ~~فينصرف السهم إليها، فكان واحدا من سهامها، كما لو قال: فريضتي كذا وكذا ~~سهما، لك منها سهم. وقال الخلال وصاحبه: له أقل سهم ms3064 من سهام الورثة؛ لأن ~~أحمد قال، في رواية أبي طالب والأثرم: إذا أوصى له بسهم من ماله، يعطى سهما ~~من الفريضة. قيل: له نصيب رجل، أو نصيب امرأة؟ قال: أقل ما يكون من السهام. ~~قال القاضي: ما لم يزد على السدس. وهذا قول أبي حنيفة. وقال صاحباه: إلا أن ~~يزيد على الثلث، فيكون له الثلث. ووجه هذا القول، أن سهام الورثة أنصباؤهم، ~~فيكون له أقلها؛ لأنه اليقين، فإن زاد على السدس دفع إليه السدس؛ لأنه أقل ~~سهم يرثه ذو قرابة، وقال أبو ثور: يعطى سهما من أربعة وعشرين؛ لأنها أكثر ~~أصول الفرائض، فالسهم منها أقل السهام. وقال الشافعي، وابن المنذر: يعطيه ~~الورثة ما شاءوا؛ لأن ذلك يقع عليه اسم السهم، فأشبه ما لو أوصى له بجزء أو ~~حظ. وقال عطاء، وعكرمة: لا شيء له. ولنا، ما روى ابن مسعود «، أن رجلا أوصى ~~لرجل بسهم من المال فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - السدس» . ولأن ~~السهم في كلام العرب # PageV06P159 # السدس، قال إياس بن معاوية: السهم في كلام العرب السدس. فتنصرف الوصية ~~إليه، كما لو لفظ به. ولأنه قول علي وابن مسعود، ولا مخالف لهما في ~~الصحابة، ولأن السدس أقل سهم مفروض يرثه ذو قرابة، فتنصرف الوصية إليه. إذا ~~ثبت هذا، فإن السدس الذي يستحقه الموصى له يكون بمنزلة سدس مفروض. فإن كانت ~~المسألة كاملة الفروض، أعيلت به، وإن كانت عائلة، زاد عولها به. وإن كان ~~فيها رد أو كانوا عصبة، أعطي سدسا كاملا. قال أحمد، في رواية ابن منصور، ~~وحرب: إذا أوصى الرجل بسهم من ماله، يعطى السدس، إلا أن تعول الفريضة، ~~فيعطى سهما مع العول. فكأن معنى الوصية، أوصيت لك بسهم من يرث السدس. فلو ~~أوصى له بسهم في مسألة فيها زوج وأخت، كان له السبع، كما لو كان معهما جدة، ~~على الروايات الثلاث. وكذلك لو كان في المسألة أم وثلاث أخوات متفرقات. فإن ~~كان معهم زوج، فالمسألة من تسعة، وللموصى له العشر، على الروايات الثلاث. ~~وإن كان الورثة ثلاث ms3065 أخوات متفرقات، فللموصى له السدس على الروايات الثلاث. ~~وإن كانوا زوجا وأبوين وابنين، فالمسألة من خمسة عشر، وتعول بسدس آخر، ~~فتصير من سبعة عشر. وكذلك على قول الخلال؛ لأن أقل سهام الورثة سدس. وعلى ~~الرواية الأخرى، يكون للوصي سهم واحد، يزاد على خمسة عشر، فتصير ستة عشر. ~~وإن كانوا زوجة وأبوين وابنا، فالفريضة من أربعة وعشرين، وتعول بالسدس ~~الموصى به إلى ثمانية وعشرين. وعلى الرواية الثانية، يزاد عليها سهم واحد ~~للموصى له، فتكون من خمسة وعشرين. وعلى قول الخلال: يزاد عليها مثل سهم ~~الزوجة، فتكون من سبعة وعشرين. وإن كانوا خمسة بنين فللوصي السدس كاملا، ~~وتصح من ستة على الروايات الثلاث. فإن كان معهم زوجة، صحت الفريضة من ~~أربعين، فتزيد عليها سهما للوصي، على إحدى الروايات، تصير أحدا وأربعين. ~~وعلى قول الخلال، تزيد مثل نصيب الزوجة، فتصير خمسة وأربعين. وعلى الرواية ~~الأولى، نزيد عليها مثل سدسها، ولا سدس لها، فنضربها في ستة، ثم نزيد عليها ~~سدسها، تكون مائتين وثمانين، للوصي أربعون، وللزوجة ثلاثون، ولكل ابن اثنان ~~وأربعون. ولو خلف أبوين وابنين، وأوصى لرجل بسدس ماله، ولآخر بسهم، جعلت ذا ~~السهم كالأم، وأعطيت صاحب السدس سدسا كاملا، وقسمت الباقي بين الورثة ~~والموصى له على سبعة فتصح من اثنين وأربعين، لصاحب السدس سبعة، ولصاحب ~~السهم خمسة، على الروايات الثلاث. ويحتمل أن يعطى ذو السهم السبع كاملا، ~~كأنه أوصى له من غير وصية أخرى، فيكون له ستة ويبقى تسعة وعشرون على ستة لا ~~تنقسم، فنضربها في اثنين وأربعين، تكون مائتين واثنين وخمسين. ### | [فصل أوصى بجزء أو حظ أو نصيب أو شيء من ماله] # (4626) فصل: وإن أوصى بجزء أو حظ أو نصيب أو شيء من ماله، أعطاه الورثة ~~ما شاءوا. لا أعلم # PageV06P160 # فيه خلافا. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وابن المنذر، وغيرهم؛ لأن كل ~~شيء جزء ونصيب وحظ وشيء. وكذلك إن قال: أعطوا فلانا من مالي، أو ارزقوه. ~~لأن ذلك لا حد له في اللغة، ولا في الشرع، فكان على إطلاقه. ### | [مسألة أوصى له ms3066 بمثل نصيب أحد ورثته ولم يسمه] # (4627) مسألة؛ قال: (وإذا أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته، ولم يسمه، كان له ~~مثل ما لأقلهم نصيبا كأنه أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته. وهم ابن وأربع ~~زوجات، فتكون صحيحة من اثنين وثلاثين سهما، للزوجات الثمن، وهو أربعة، وما ~~بقي فللابن، فزد في سهام الفريضة مثل حظ امرأة من نسائه، فتصير الفريضة من ~~ثلاثة وثلاثين سهما، للموصى له سهم، ولكل امرأة سهم، وما بقي فللابن) وجملة ~~ذلك أنه إذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته، غير مسمى، فإن كان الورثة يتساوون ~~في الميراث كالبنين، فله مثل نصيب أحدهم، مزادا على الفريضة، ويجعل كواحد ~~منهم زاد فيهم. وإن كانوا يتفاضلون، كمسألة الخرقي، فله مثل نصيب أقلهم ~~ميراثا، يزاد على فريضتهم. وإن أوصى بنصيب وارث معين، فله مثل نصيبه مزادا ~~على الفريضة. هذا قول الجمهور. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك، ~~وابن أبي ليلى، وزفر، وداود: يعطى مثل نصيب المعين، ومثل نصيب أحدهم، إذا ~~كانوا يتساوون من أصل المال، غير مزيد، ويقسم الباقي بين الورثة؛ لأن نصيب ~~الوارث قبل الوصية من أصل المال فلو أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابن واحد، ~~فالوصية بجميع المال. وإن كان له ابنان، فالوصية بالنصف. وإن كانوا ثلاثة، ~~فالوصية بالثلث وقال مالك: إن كانوا يتفاضلون، نظر إلى عدد رءوسهم، فأعطي ~~سهما من عددهم؛ لأنه لا يمكن اعتبار أنصبائهم لتفاضل فاعتبر عدد رءوسهم. ~~ولنا، أنه جعل وارثه أصلا وقاعدة حمل عليه نصيب الموصى له وجعله مثلا له. ~~وهذا يقتضي أن لا يزاد أحدهما على صاحبه. ومتى أعطى من أصل المال، فما أعطى ~~مثل نصيبه ولا حصلت التسوية، والعبارة تقتضي التسوية. وإنما جعل له مثل ~~أقلهم نصيبا؛ لأنه اليقين، وما زاد فمشكوك فيه، فلا يثبت مع الشك، وقوله: " ~~يعطى سهما من عددهم ". خلاف ما يقتضيه لفظ الموصي؛ فإن هذا ليس بنصيب لأحد ~~ورثته ولفظه إنما اقتضى نصيب أحدهم وتفاضلهم لا يمنع كون نصيب الأقل نصيب ~~أحدهم فيصرفه إلى الوصي، لقول الموصي، وعملا بمقتضى ms3067 وصيته. وذلك أولى من ~~اختراع شيء لا يقتضيه قول الموصي أصلا. وقوله: تعذر العمل بقول الموصي. غير ~~صحيح؛ فإنه أمكن العمل به بما قلناه، ثم لو تعذر العمل به، لما جاز أن يوجب ~~في ماله حقا لم يأذن فيه ولم يأمر به. وقد مثل الخرقي في هذه المسألة بما ~~أغنى عن تمثيلها. ولو قال: أوصيت بمثل نصيب أقلهم ميراثا. كان كما لو أطلق، ~~وكان ذلك # PageV06P161 # تأكيدا وإن قال: أوصيت بمثل نصيب أكثرهم ميراثا. فله ذلك مضافا إلى ~~المسألة، فيكون له في مسألة الخرقي ثمانية وعشرون، تضم إلى الفريضة فيكون ~~الجميع ستين سهما. # (4628) فصل وإن أوصى بنصيب وارث، ففيها وجهان؛ أحدهما تصح الوصية، ويكون ~~ذلك كالوصية بمثل نصيبه. وهذا قول مالك، وأهل المدينة، واللؤلؤي، وأهل ~~البصرة، وابن أبي ليلى، وزفر، وداود. والوجه الثاني، لا تصح الوصية. وهو ~~الذي ذكره القاضي. وهو قول أصحاب الشافعي، وأبي حنيفة، وصاحبيه؛ لأنه أوصى ~~بما هو حق للابن، فلم يصح كما لو قال: بدار ابني، أو بما يأخذه ابني. ووجه ~~الأول، أنه أمكن تصحيح وصيته يحتمل لفظه على مجازه، فصح، كما لو طلق بلفظ ~~الكناية، أو أعتق. وبيان إمكان التصحيح، أنه أمكن تقدير حذف المضاف، وإقامة ~~المضاف إليه مقامه، أي بمثل نصيب وارثي. ولأنه لو أوصى بجميع ماله، صح، وإن ~~تضمن ذلك الوصية بنصيب وراثه كلهم. ### | [فصل قال أوصيت لك بضعف نصيب ابني] # (4629) فصل: وإن قال: أوصيت لك بضعف نصيب ابني. فله مثلا نصيبه. وبهذا ~~قال الشافعي. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: الضعف المثل. واستدل بقول الله ~~تعالى: {يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30] أي مثلين، وقوله: {فآتت ~~أكلها ضعفين} [البقرة: 265] . أي مثلين، وإذا كان الضعفان مثلين، فالواحد ~~مثل. ولنا، أن الضعف مثلان، بدليل قوله تعالى: {إذا لأذقناك ضعف الحياة ~~وضعف الممات} [الإسراء: 75] . وقال: {فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} ~~[سبأ: 37] . وقال: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} ~~[الروم: 39] . ويروى عن عمر، أنه أضعف الزكاة على نصارى بني تغلب، فكان ~~يأخذ من ms3068 المائتين عشرة. وقال لحذيفة وعثمان بن حنيف: لعلكما حملتما الأرض ~~ما لا تطيق؟ فقال عثمان: لو أضعفت عليها لاحتملت. قال الأزهري: الضعف المثل ~~فما فوقه. وأما قوله: إن الضعفين المثلان. فقد روى ابن الأنباري، عن هشام ~~بن معاوية النحوي قال: العرب تتكلم بالضعف مثنى، فتقول: إن أعطيتني درهما ~~فلك ضعفاه. # PageV06P162 # أي مثلاه. وإفراده لا بأس به إلا أن التثنية أحسن. يعني أن المفرد ~~والمثنى في هذا بمعنى واحد، وكلاهما يراد به المثلان، وإذا استعملوه على ~~هذا الوجه وجب اتباعهم فيه وإن خالف القياس. وقال أبو عبيدة معمر بن ~~المثني: ضعف الشيء هو مثله، وضعفاه هو مثلاه، وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله، ~~وعلى هذا. ### | [فصل قال أوصيت لك بضعفي نصيب ابني] # (4630) فصل: وإن قال: أوصيت لك بضعفي نصيب ابني. فله مثلا نصيبه. وإن قال ~~ثلاثة أضعافه فله ثلاثة أمثاله. هذا الصحيح عندي. وهو قول أبي عبيد. وقال ~~أصحابنا: إن أوصى بضعفيه، فله ثلاثة أمثاله. وإن أوصى بثلاثة أضعافه، فله ~~أربعة أمثاله وعلى هذا كلما زاده ضعفا زاد مرة. وهذا قول الشافعي. واحتجوا ~~بقول أبي عبيدة وقد ذكرناه. وقال أبو ثور: ضعفاه أربعة أمثاله، وثلاثة ~~أضعافه ستة أمثاله؛ لأنه قد ثبت أن ضعف الشيء مثلاه، فتثنيته مثلا مفرده، ~~كسائر الأسماء. ولنا، قول الله تعالى: {فآتت أكلها ضعفين} [البقرة: 265] . ~~قال عكرمة: تحمل في كل عام مرتين وقال عطاء: أثمرت في سنة مثل ثمرة غيرها ~~سنتين. ولا خلاف بين المفسرين فيما علمت في تفسير قوله تعالى: {يضاعف لها ~~العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30] . أن المراد به مرتين. وقد دل عليه قوله ~~تعالى: {نؤتها أجرها مرتين} [الأحزاب: 31] . ومحال أن يجعل أجرها على العمل ~~الصالح مرتين وعذابها على الفاحشة ثلاث مرات، فإن الله تعالى إنما يريد ~~تضعيف الحسنات على السيئات، وهذا المعهود من كرمه وفضله، وأما قول أبي ~~عبيدة فقد خالفه غيره، وأنكروا قوله. قال ابن عرفة: لا أحب قول أبي عبيدة ~~في: {يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30] . لأن الله تعالى قال في آية ~~أخرى: {نؤتها أجرها مرتين} [الأحزاب: ms3069 31] . فأعلم أن لها من هذا حظين، ومن ~~هذا حظين. وقد نقل معاوية بن هشام النحوي، عن العرب أنهم ينطقون بالضعف ~~مثنى ومفردا بمعنى واحد. وموافقة العرب على لسانهم، مع ما دل عليه كلام ~~الله تعالى العزيز وأقوال المفسرين من التابعين وغيرهم، أولى من قول أبي ~~عبيدة المخالف لذلك كله، مع مخالفة القياس ونسبة الخطأ إليه أولى من تخطئة ~~ما ذكرناه. وأما قول أبي ثور، فظاهر الفساد؛ لما فيه من مخالفة الكتاب ~~والعرب وأهل العربية، ولا يجوز التمسك بمجرد القياس المخالف للنقل، فقد يشذ ~~من العربية كلمات تؤخذ نقلا بغير قياس. والله أعلم. ### | [فصل وصى بمثل نصيب من لا نصيب له] # فصل: وإن وصى بمثل نصيب من لا نصيب له، مثل أن يوصي بنصيب ابنه، وهو ممن ~~لا يرث لكونه رقيقا أو مخالفا لدينه، أو بنصيب أخيه وهو محجوب عن ميراثه، ~~فلا شيء للموصى له؛ لأنه لا نصيب له، فمثله لا شيء له. # PageV06P163 ### | [فصل أوصى لرجل بثلث ولآخر بربع ولآخر بخمس ولآخر بمثل وصية أحدهم] # (4632) فصل: وإن أوصى لرجل بثلث، ولآخر بربع، ولآخر بخمس، ولآخر بمثل ~~وصية أحدهم، فله الخمس. وإن وصى لرجل بعشرة ولآخر بستة ولآخر بأربعة، ولآخر ~~بمثل وصية أحدهم، فله أربعة؛ لأنها اليقين. وإن قال: فلان شريكهم. فله خمس ~~ما لكل واحد منهم. وإن وصى لأحدهم بمائة، ولآخر بدار، ولآخر بعبد، ثم قال: ~~فلان شريكهم. فله نصف ما لكل واحد منهم. ذكرها الخبري؛ لأنه ها هنا يشارك ~~كل واحد منهم منفردا، والشركة تقتضي التسوية، فلهذا كان له النصف، بخلاف ~~الأوليين، فإنهم كلهم مشتركون، وقال ابن القاسم: له الربع في الجميع. ### | [فصل أوصى بمثل نصيب وارث] # (4633) فصل ولو أوصى بمثل نصيب وارث لو كان، فقدر الوارث موجودا، وانظر ~~ما للموصى له مع وجوده، فهو له مع عدمه. فإن خلف ابنين، وأوصى بمثل نصيب ~~ثالث، فللموصى له الربع. ولو وصى بمثل نصيب خامس لو كان، فللموصى له السدس. ~~وعلى هذا أبدا. ولو خلفت زوجا وأختا، وأوصت بمثل نصيب أم لو ms3070 كانت. فللموصى ~~له الخمس؛ لأن للأم الربع لو كانت، فيجعل لها سهما مضافا إلى أربعة، يكن ~~خمسا، فقس على هذا. ### | [مسألة خلف ثلاثة بنين وأوصى لآخر بمثل نصيب أحدهم] # (4634) مسألة؛ قال: (وإذا خلف ثلاثة بنين، وأوصى لآخر بمثل نصيب أحدهم، ~~كان للموصى له الربع) هذا قول أكثر أهل العلم، منهم؛ الشعبي، والنخعي، ~~والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وعند مالك وموافقيه، للموصى له الثلث، ~~والباقي بين البنين. وتصح من تسعة. وقد دللنا على فساده. ولو خلف ابنا ~~واحدا، وأوصى بمثل نصيبه، فللموصى له النصف في حال الإجازة، والثلث في حال ~~الرد. وعند مالك، للموصى له في حال الإجازة جميع المال. ### | [فصل خلف بنتا وأوصى بمثل نصيبها] # (4635) فصل: فإن خلف بنتا، وأوصى بمثل نصيبها، فالحكم فيها كالحكم فيما ~~لو كان ابنا عند من يرى الرد؛ لأنها تأخذ المال كله بالفرض والرد، ومن لا ~~يرى الرد يقتضي قوله أن يكون له الثلث، ولها نصف الباقي، وما بقي لبيت ~~المال. ويقتضي قول مالك أن يكون للموصى له النصف في حال الإجازة ولها نصف ~~الباقي، وما بقي لبيت المال. فإن خلف ابنتين، وأوصى بمثل نصيب إحداهما، فهي ~~من ثلاثة عندنا. ويقتضي قول من لا يرى الرد أنها من أربعة لبيت المال ~~الربع، ولكل واحد منهم ربعه. ويقتضي قول مالك أن الثلث للموصى له، وللبنتين ~~ثلثا ما بقي، والباقي لبيت المال. وتصح من تسعة. فإن خلف جدة وحدها، # PageV06P164 # وأوصى بمثل نصيبها، فقياس قولنا أن المال بينهما نصفين. وقياس قول من لا ~~يرى الرد أنها من سبعة، لكل واحد منهما السبع، والباقي لبيت المال. وقياس ~~قول مالك أن للموصى له السدس، وللجدة سدس ما بقي، والباقي لبيت المال. ### | [فصل خلف ثلاثة بنين وأوصي لثلاثة بمثل أنصبائهم] # فصل وإذا خلف ثلاثة بنين، وأوصى لثلاثة بمثل أنصبائهم، فالمال بينهم على ~~ستة إن أجازوا، وإن ردوا فمن تسعة، للموصى لهم الثلث ثلاثة، والباقي بين ~~البنين على ثلاثة. فإن أجازوا لواحد وردوا على اثنين، فللمردود عليهما ~~التسعان اللذان كانا لهما في حال ms3071 الرد عليهم، وفي المجاز له وجهان؛ أحدهما، ~~له السدس الذي كان له في حال الإجازة للجميع وهذا قول أبي يوسف، وابن شريح، ~~فيأخذ السدس والتسعين من مخرجهما، وهو ثمانية عشر، يبقى أحد عشر بين ~~البنين، على ثلاثة لا يصح، فيضرب عددهم في ثمانية عشر، تكن أربعة وخمسين، ~~للمجاز له السدس تسعة، ولكل واحد من صاحبيه ستة، ولكل ابن أحد عشر. والوجه ~~الثاني، أن يضم المجاز له إلى البنين، ويقسم الباقي بعد التسعين عليهم، وهم ~~أربعة، لا تنقسم، فتضرب أربعة في تسعة، تكن ستة وثلاثين، فإن أجاز الورثة ~~بعد ذلك للآخرين، أتموا لكل واحد منهم تمام سدس المال، فيصير المال بينهم ~~أسداسا على الوجه الأول، وعلى الوجه الآخر يضمون ما حصل لهم، وهو أحد ~~وعشرون من ستة وثلاثين، إلى ما حصل لهما وهو ثمانية، ثم يقتسمونه بينهم على ~~خمسة، ولا يصح، فتضرب خمسة في ستة وثلاثين، تكن مائة وثمانين، ومنها تصح. ~~وإن أجاز أحد البنين لهم، ورد الآخران عليهم، فللمجيز السدس، وهو ثلاثة من ~~ثمانية عشر، وللذين لم يجيزا أربعة أتساع، ثمانية، تبقى سبعة بين الموصى ~~لهم على ثلاثة، اضربها في ثمانية عشر، تكن أربعة وخمسين. وإن أجاز واحد ~~لواحد، دفع إليه ثلث ما في يده من الفضل، وهو ثلث سهم من ثمانية عشر، ~~فاضربها في ثلاثة، تكن أربعة وخمسين. والله أعلم. ### | [فصل وصى لرجل بجزء مقدر ولآخر بمثل نصيب وارث من ورثته] # (4637) فصل وإذا وصى لرجل بجزء مقدر، ولآخر بمثل نصيب وارث من ورثته، ~~ففيها وجهان؛ أحدهما، يعطى الجزء لصاحبه، ويقسم الباقي بين الورثة والموصى ~~له، كأنه ذلك الوارث إن أجازوا. وإن ردوا، قسمت الثلث بين الوصيين على حسب ~~ما كان لهما في حال الإجازة، والثلثان بين الورثة. والوجه الثاني، أن يعطى ~~صاحب النصيب مثل نصيب الوارث، كأن لا وصية سواها. وهذا قول # PageV06P165 # يحيى بن آدم مثاله: رجل أوصى بثلث ماله لرجل، ولآخر بمثل نصيب أحد بنيه، ~~وهم ثلاثة، فعلى الوجه الأول، للموصى له بالثلث الثلث، وما بقي بين البنين ms3072 ~~والوصي على أربعة، وتصح من ستة، لصاحب الثلث سهمان، وللآخر سهم، فإن ردوا ~~فالثلث بين الوصيين على ثلاثة، والثلثان بين البنين على ثلاثة، وتصح من ~~تسعة. وعلى الوجه الآخر، لصاحب الثلث الثلث، وللآخر الربع إن أجيز لهما، ~~وإن رد عليهما، قسمت الثلث بينهما على سبعة، والثلثان للورثة، وتصح من ~~ثلاثة وستين. وإن كان الجزء يزيد على الثلث، مثل إن أوصى لرجل بالنصف، ~~ولآخر بمثل نصيب أحد بنيه، ففيها وجه ثالث، وهو أن يجعل لصاحب النصيب نصيبه ~~من الثلثين، وهو ربعها؛ لأن الثلثين حق الورثة، لا يؤخذ منهما شيء إلا ~~بإجازتهم ورضاهم، فيكون صاحب النصيب كواحد منهم، لا تنقص من السدس شيئا إلا ~~بإجازته. فعلى الوجه الأول، لصاحب الجزء النصف، والباقي بين الآخر والبنين ~~على أربعة، وتصح من ثمانية إن أجازوا، وإن ردوا قسمت الثلث بين الوصيين على ~~خمسة، والثلثين بين البنين على ثلاثة، وتصح من خمسة وأربعين. وعلى الوجه ~~الثاني، لصاحب النصف النصف، وللآخر الربع ويبقى الربع بين البنين، وتصح من ~~اثني عشر، وإن ردوا فالثلث بين الوصيين على ثلاثة، وتصح من تسعة. وعلى ~~الوجه الثالث، لصاحب النصف النصف، وللآخر السدس، ويبقى الثلث بين البنين ~~على ثلاثة، وتصح من ثمانية عشر، وإن ردوا، فالثلث بين الوصيين على أربعة، ~~وتصح من ستة وثلاثين. وإن أوصى لصاحب الجزء بالثلثين، فعلى الوجه الأول، ~~لصاحب النصف ربع الثلث، سهم من اثني عشر إن أجازوا، وإن ردوا قسمت الثلث ~~بين الوصيين على تسعة. وعلى الوجه الثاني، يكون له الربع في حال الإجازة، ~~وفي حال الرد يكون الثلث بين الوصيين على أحد عشر. وعلى الوجه الثالث، يكون ~~له السدس في الإجازة، وفي الرد يكون الثلث بين الوصيين على خمسة. وإن أوصى ~~لرجل بجميع ماله، ولآخر بمثل نصيب أحد ورثته، فعلى الوجه الأول، لا يصح ~~للوصي الآخر شيء في إجازة ولا رد. وعلى الثاني، يقسم الوصيان المال بينهما ~~على خمسة في الإجازة، والثلث على خمسة في الرد. وعلى الثالث، يقتسمان المال ~~على سبعة في الإجازة، والثلث على ms3073 سبعة في الرد. ### | [فصل أوصى لرجل بمثل نصيب وارث وللآخر بجزء مما بقي من المال] # (4638) فصل: وإن أوصى لرجل بمثل نصيب وارث، وللآخر بجزء مما بقي من المال ~~ففيها أيضا ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يعطى صاحب النصف مثل نصيب الوارث إذا لم ~~يكن ثم وصية أخرى. والثاني أن يعطى مثل نصيبه من ثلثي المال. والثالث، أن ~~يعطى مثل نصيبه بعد أخذ صاحب الجزء وصيته. وعلى هذا الوجه يدخلها الدور، # PageV06P166 # وعليه التفريع. ومثاله، رجل خلف ثلاثة بنين، ووصى بمثل نصيب أحدهم، ولآخر ~~بنصف باقي المال، فعلى الوجه الأول، لصاحب النصف الربع، وللآخر نصف الباقي، ~~وما بقي للبنين، وتصح من ثمانية. وعلى الثاني له السدس، وللآخر نصف الباقي، ~~وتصح من ستة وثلاثين. ولا تفريع على هذين الوجهين لوضوحهما. وأما على ~~الثالث فيدخلها الدور، ولعملها طرق؛ أحدها، أن تأخذ مخرج النصف، فتسقط منه ~~سهما، يبقى سهم، فهو النصيب، ثم تزيد على عدد البنين واحدا، تصير أربعة، ~~فتضربها في المخرج، تكن ثمانية، تنقصها سهما، يبقى سبعة، فهي المال، للموصى ~~له بالنصيب سهم، وللآخر نصف الباقي، وهو ثلاثة، ولكل ابن سهم. طريق آخر، أن ~~تزيد على سهام البنين نصف سهم، وتضربها في المخرج، تكن سبعة. طريق ثالث، ~~ويسمى المنكوس، أن تأخذ سهام البنين وهي ثلاثة، فتقول: هذه بقية مال ذهب ~~نصفه، فإذا أردت تكميله فزد عليه مثله، ثم زد عليها مثل سهم ابن، تكن سبعة. ~~طريق رابع، أن تجعل المال سهمين ونصيبا، وتدفع النصيب إلى صاحبه، وإلى ~~الآخر سهما، يبقى سهم للبنين يعدل ثلثه، فالمال كله سبعة. وبالجبر تأخذ ~~مالا فتلقي منه نصيبا، يبقى مال إلا نصيبا، وتدفع نصف الباقي إلى الوصي ~~الآخر، يبقى نصف مال إلا نصف نصيب، يعدل ثلاثة أنصباء، فاجبره بنصف نصيب، ~~وزده على الثلاثة، يبقى نصفا كاملا، يعدل ثلاثة ونصفا، فالمال كله سبعة. ### | [فصل كانت الوصية الثانية بنصف ما يبقى من الثلث] # (4639) فصل: فإن كانت الوصية الثانية بنصف ما يبقى من الثلث، أخذت مخرج ~~النصف والثلث، وهو ستة، نقصت منها واحدا، ms3074 يبقى خمسة، فهي النصيب ثم تزيد ~~واحدا على سهام البنين، وتضربها في المخرج، تكن أربعة وعشرين تنقصها ثلاثة، ~~يبقى أحد وعشرون، فهو المال فتدفع إلى صاحب النصيب خمسة، يبقى من الثلث ~~اثنان، تدفع منهما سهما إلى الوصي الآخر، يبقى خمسة عشر، لكل ابن خمسة. ~~وبالطريق الثاني، تزيد على سهام البنين نصفا، وتضربها في المخرج، تكن أحدا ~~وعشرين. وبالثالث، تعمل كما عملت في الأولى، فإذا بلغت سبعة ضربتها في ~~ثلاثة؛ من أجل أن الوصية الثانية بنصف الثلث. وبالرابع، تجعل الثلث سهمين ~~ونصيبا، تدفع النصيب إلى صاحبه، وإلى الآخر سهما، يبقى من المال خمسة أسهم ~~ونصيبان، تدفع نصيبين إلى ابنين، يبقى خمسة للثالث، فهي النصيب، فإذا ~~بسطتها كانت أحدا وعشرين، وبالجبر، # PageV06P167 # تأخذ مالا فتلقي منه ثلثه نصيبا، وتدفع إلى الآخر نصف باقي الثلث، يبقى ~~من المال خمسة أسداسه إلا نصف نصيب، اجبره بنصف نصيب، وزده على سهام ~~البنين، يصير ثلاثة ونصفا، تعدل خمسة أسداس، أقلب وحول، يصير النصيب خمسة، ~~وكل سهم ستة تكن أحدا وعشرين. ### | [فصل أوصى لثالث بربع المال الموصي] # (4640) فصل: فإن أوصى لثالث بربع المال، فخذ المخارج، وهي اثنان وثلاثة ~~وأربعة، واضرب بعضها في بعض، تكن أربعة وعشرين، وزد على عدد البنين واحدا، ~~تصر أربعة، واضربها في أربعة وعشرين، تكن ستة وتسعين، انقص منها ضرب نصف ~~سهم في أربعة وعشرين، وذلك اثنا عشر، يبقى أربعة وثمانون، فهي المال، ثم ~~انظر الأربعة وعشرين، فانقص منها سدسها لأجل الوصية الثانية، وربعها لأجل ~~الوصية الثالثة، يبقى أربعة عشر، فهي النصيب، فادفعها إلى الموصى له ~~بالنصيب، ثم ادفع إلى الثاني نصف ما يبقى من الثلث، وهو سبعة، وإلى الثالث ~~ربع المال أحدا وعشرين، يبقى اثنان وأربعون، لكل ابن أربعة عشر. وبالطريق ~~الثاني، تزيد على عدد البنين نصف سهم، وتضرب ثلاثة ونصفا في أربعة وعشرين، ~~تكن أربعة وثمانين. وبالطريق الثالث، تعمل في هذه كما عملت في التي قبلها، ~~فإذا بلغت أحدا وعشرين، ضربتها في أربعة من أجل الربع، تكن أربعة وثمانين. ~~وبطريق النصيب تفرض المال ms3075 ستة أسهم، وثلاثة أنصباء، تدفع نصيبا إلى صاحب ~~النصيب، وإلى الآخر سهما، وإلى صاحب الربع سهما ونصفا وثلاثة أرباع نصيب، ~~ويبقى من المالية نصيب وربع وثلاثة أسهم ونصف للورثة، يعدل ثلاثة أنصباء، ~~فأسقط نصيبا وربعا بمثلها، يبقى ثلاثة أسهم ونصف، يعدل نصيبا وثلاثة أرباع، ~~فالنصيب إذا سهمان، فابسط الثلاثة الأنصباء، تكن ستة، فصار المال اثني عشر، ~~ومنها يصح، لصاحب النصيب سهمان، وللآخر نصف باقي الثلث سهم، ولصاحب الربع ~~ثلاثة، تبقى ستة، لكل ابن سهمان. وهذا أخصر وأحسن. وبالجبر، تأخذ مالا تدفع ~~منه نصيبا، يبقى مال إلا نصيبا، تدفع نصف باقي ثلثه، وهو سدس إلا نصف نصيب، ~~يبقى من المال خمسة أسداس إلا نصف نصيب، تدفع منها ربع المال، يبقى ثلث ~~المال وربعه إلا نصف نصيب، يعدل ثلاثة أنصباء، اجبر وقابل وقلب وحول، يكن ~~النصيب سبعة، والمال اثنين وأربعين، ثم تضربها في اثنين، ليزول الكسر، يرجع ~~إلى أربعة وثمانين. ### | [فصل كانت الوصية الثالثة بربع ما بقي من المال بعد الوصيتين الأوليين] # (4641) فصل: فإن كانت الوصية الثالثة بربع ما بقي من المال بعد الوصيتين ~~الأوليين، فاعملها بطريق النصيب، كما ذكرنا، يبقى معك ثلاثة أسهم وثلاثة ~~أرباع سهم تعدل نصيبا ونصفا، ابسطهما أرباعا، تكن السهام خمسة عشر، ~~والأنصباء ستة، توافقهما وتردهما إلى وفقيهما، تصير خمسة أسهم، تعدل ~~نصيبين، اقلب واجعل # PageV06P168 # النصيب خمسة والسهم اثنين، وابسط ما معك، يصر سبعة وعشرين، فادفع خمسة ~~إلى صاحب النصيب، وإلى الآخر نصف باقي الثلث سهمين، وإلى الآخر ربع الباقي ~~خمسة، يبقى خمسة عشر، لكل ابن خمسة. وهذا الطريق أخصر. وإن عملت بالطريق ~~الثاني، أخذت أربعة وعشرين، فنقصت سدسها وربع الباقي، يبقى خمسة عشر، فهي ~~النصيب، ثم زدت على عدد البنين سهما ونقصت نصفه وربع الباقي منه، يبقى ~~ثلاثة أثمان، ردها على سهام البنين، تكن ثلاثة، وثلاثة أثمان، تضربها في ~~أربعة وعشرين، تكن أحدا وثمانين، ومنها تصح، وبالجبر تفضي إلى ذلك أيضا. ### | [فصل خلف أما وأختا وعما وأوصى لرجل بمثل نصيب العم وسدس ما يبقى] # (4642) فصل: وإن خلف ms3076 أما وأختا وعما، وأوصى لرجل بمثل نصيب العم، وسدس ما ~~يبقى، ولآخر بمثل نصيب الأم وربع ما يبقى، ولآخر بمثل نصيب الأخت وثلث ما ~~يبقى، فاعملها بالمنكوس، وقل: أصل المسألة ستة، فابدأ بآخر الوصايا، فقل: ~~هذا مال ذهب ثلثه، فزد عليه نصفه ثلاثة، ومثل نصيب الأخت ثلاثة، صارت اثني ~~عشر، ثم قل: هذا بقية مال ذهب ربعه، فزد عليه ثلثه، ومثل نصيب الأم ستة، ~~صار ثمانية عشر، ثم قل: هذا بقية مال ذهب سبعه، فزد عليه سدسه، ونصيب العم، ~~صار اثنين وعشرين، ومنه تصح. ### | [فصل خلف ثلاثة بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم إلا ربع المال] # (4643) فصل: في الاستثناء، إذا خلف ثلاثة بنين، وأوصى بمثل نصيب أحدهم ~~إلا ربع المال، فخذ مخرج الكسر أربعة، وزد عليها سهما، تكن خمسة، فهذا ~~النصيب، وزد على عدد البنين واحدا، واضربه في مخرج الكسر، تكن ستة عشر، ~~تدفع إلى الوصي خمسة، وتستثني منه أربعة يبقى له سهم، ولكل ابن خمسة. وإن ~~شئت خصصت كل ابن بربع، وقسمت الربع الباقي بينه وبينهم على أربعة. فإن قال: ~~إلا ربع الباقي بعد النصيب. فزد على سهام البنين سهما وربعا، واضربه في ~~أربعة، تكن سبعة عشر، للوصي سهمان، ولكل ابن خمسة. وبالجبر، تأخذ مالا، ~~وتدفع منه نصيبا إلى الموصى له، وتستثني منه ربع الباقي، وهو ربع مال إلا ~~ربع نصيب، صار معك مال وربع إلا نصيبا وربعا، يعدل أنصباء البنين، وهي ~~ثلاثة، اجبر وقابل، يخرج النصيب خمسة، والمال سبعة عشر. فإن قال: إلا ربع ~~الباقي بعد الوصية. جعلت المخرج ثلاثة، وزدت عليه ثلثه، صار أربعة، فهو ~~النصيب، وتزيد على عدد البنين نصيبا وثلثا، وتضربه في ثلاثة، تكن ثلاثة ~~عشر، فهو المال. وإن شئت قلت: المال كله ثلاثة أنصباء ووصية، والوصية هي ~~نصيب إلا ربع الباقي بعدها، وذلك ثلاثة أرباع نصيب، فيبقى ربع نصيب، فهو ~~الوصية، وتبين أن المال كله ثلاثة وربع، ابسطها، تكن ثلاثة عشر. ولهذه ~~المسائل طرق سوى ما ذكرنا. والله أعلم. # PageV06P169 ### | [فصل قال أوصيت لك بمثل نصيب ms3077 أحد بني إلا ثلث ما يبقى من الثلث] # (4644) فصل: وإن قال: أوصيت لك بمثل نصيب أحد بني إلا ثلث ما يبقى من ~~الثلث. فخذ مخرج الكسر ثلث الثلث، وهو تسعة وزد عليها سهما، تكن عشرة، فهي ~~النصيب، وزد على أنصباء البنين سهما وثلثا، واضرب ذلك في تسعة، تكن تسعة ~~وثلاثين، ادفع عشرة إلى الوصي، واستثن منه ثلث بقية الثلث سهما، يبقى له ~~تسعة، ولكل ابن عشرة. وإن قال إلا ثلث ما يبقى من الثلث بعد الوصية. جعلت ~~المال ستة، وزدت عليها سهما، صارت سبعة، فهذا هو النصيب، وزدت على أنصباء ~~البنين سهما ونصفا، وضربته في ستة، صار سبعة وعشرين، ودفعت إلى الوصي سبعة، ~~وأخذت منه نصف بقية الثلث، بقي معه ستة، وبقي أحد وعشرون، لكل ابن سبعة، ~~وإنما كان كذلك، لأن الثلث بعد الوصية هو النصف بعد النصيب، ومتى أطلق ~~الاستثناء، فلم يقل: بعد النصيب ولا بعد الوصية. فعند الجمهور يحمل على ما ~~بعد النصيب، وعند محمد بن الحسن والبصريين يكون بعد الوصية. ### | [فصل الاستثناء في الوصية] # (4645) فصل: فإن قال: إلا خمس ما يبقى من المال بعد النصيب، ولآخر بثلث ~~ما يبقى من المال بعد وصية الأول، فخذ الجميع خمسة، وزد عليها خمسها، تكن ~~ستة، انقص ثلثها من أجل الوصية بالثلث، يبقى أربعة، فهي النصيب، ثم خذ ~~سهما، وزد عليه خمسة وانقص من ذلك ثلثه، يبقى أربعة أخماس، زدها على أنصباء ~~البنين، واضربها في خمسة، تصر تسعة عشر، فهي المال، ادفع إلى الأول أربعة، ~~واستثن منه خمس الباقي ثلاثة، يبق معه سهم، فادفع إلى الآخر ثلث الباقي ~~ستة، يبق اثنا عشر، لكل ابن أربعة. وبالجبر خذ مالا، وألق منه نصيبا، ~~واسترجع منه خمس الباقي، يصر معك مال وخمس إلا نصيبا وخمسا، ألق منه ثلث ~~ذلك، يبق أربعة أخماس مال إلا أربعة أخماس نصيب، تعدل ثلاثة أنصباء، اجبر ~~وقابل وابسط، يكن المال تسعة عشر، والنصيب أربعة. وإن شئت قلت: أنصباء ~~البنين ثلاثة، وهي بقية مال ذهب ثلثه، فزد عليه نصفه، يصر ms3078 أربعة أنصباء ~~ونصفا ووصية، والوصية هي نصيب إلا خمس الباقي، وهو نصف نصيب وخمس نصيب، ~~وخمس وصية، أسقطه من النصيب، يبق خمس نصيب وعشر نصيب إلا خمس وصية، تعدل ~~وصية، اجبر وقابل وابسط، تصر ثلاثة من النصيب، تعدل اثني عشر سهما من ~~الوصية، وهي تتفق بالأثلاث، فردها على وفقها، تصر سهما، يعدل أربعة، ~~فالوصية سهم، والنصيب أربعة، فابسطها، تكن تسعة عشر. فإن كان الاستثناء بعد ~~الوصية، قلت: المال أربعة أسهم ونصف وصية، وهي نصيب إلا خمس الباقي، وهو ~~تسعة أعشار نصيب، يبقى عشر نصيب، فهو الوصية. فابسط الكل أعشارا تكن ~~الأنصباء خمسة وأربعين، والوصية سهم. وإن كان استثنى خمس المال كله، ~~فالوصية عشر نصيب إلا خمس # PageV06P170 # وصية، اجبر يصر العشر يعدل وصية وخمسا، ابسط يصير النصيب ستين، والوصية ~~خمسة، والمال كله مائتان وخمسة وسبعون، ألق منها ستين، واسترجع منه خمس ~~المال، وهو خمسة وخمسون، يبق له خمسة، وللآخر ثلثا الباقي تسعون، ويبقى ~~مائة وثمانون، لكل ابن ستون، وترجع بالاختصار إلى خمسها، وذلك خمسة وخمسون، ~~للوصي الأول سهم، وللثاني ثمانية عشر، ولكل ابن اثنا عشر. # وبالجبر، تأخذ مالا تلقي منه نصيبا، وتزيد على المال خمسة، يصر مالا ~~وخمسا إلا نصيبا، ألق ثلث ذلك، يبق أربعة أخماس مال إلا ثلثي نصيب، يعدل ~~ثلاثة، اجبر وقابل وابسط، يكن المال ثمانية عشر وثلثا، اضربها في ثلاثة، ~~ليزول الكسر، يصر خمسة وخمسين. وإن كان استثنى الخمس كله، وأوصى بالثلث ~~كله، فخذ مخرج الكسرين خمسة عشر، وزد عليها خمسها، ثم انقص ثلث المال كله، ~~يبق ثلاثة عشر، فهي النصيب، وزد على أنصباء البنين سهما، واضربه في المال، ~~يكن ستين، وهو المال. وإن كان استثنى خمس الباقي، وأوصى بثلث المال كله، ~~فالعمل كذلك، إلا أنك تزيد على سهام البنين سهما وخمسا، وتضربها، تكن ثلاثة ~~وستين، فإن كان استثنى خمس ما بقي من الثلث، زدت على الخمسة عشر سهما ~~واحدا، فصارت ستة عشر، ثم نقصت ثلث المال كله، بقي أحد عشر، فهي النصيب، ثم ~~زدت على سهام البنين ms3079 سهما وخمسا، وضربتها في خمسة عشر، تكن ثلاثة وستين، ~~تدفع إلى الوصي الأول أحد عشر، وتستثني منه خمس بقية الثلث سهمين، يبقى معه ~~تسعة، وتدفع إلى صاحب الثلث إحدى وعشرين، يبقى ثلاثة وثلاثون، لكل ابن أحد ~~عشر، فإن كانت الوصية الثانية بثلث باقي المال، زدت على الخمسة عشر واحدا ~~ثم نقصت ثلث الستة عشر، ولا ثلث لها فاضربها في ثلاثة، تكن ثمانية وأربعين، ~~انقص ثلثها، يبقى اثنان وثلاثون، فهي النصيب، وخذ سهما، وزد عليه خمسة، ثم ~~انقص ثلث ذلك من أجل الوصية بثلث الباقي، يبقى أربعة أخماس، زدها على سهام ~~الورثة، واضربها في خمسة وأربعين، تكن مائة وإحدى وسبعين. ومنها تصح. ### | [فصل خلف أربعة بنين وأوصى لرجل بثلث ماله إلا نصيب أحدهم] # (4646) فصل: فإن خلف أربعة بنين، وأوصى لرجل بثلث ماله إلا نصيب أحدهم، ~~أو أوصى له بتكملة الثلث على نصيب أحدهم، فله التسع. وحسابها أن تدفع إلى ~~الوصي وابن ثلث المال، يبقى ثلثاه لثلاثة بنين، لكل واحد تسعان، فعلمت أن ~~نصيب الابن من الثلث تسعان، يبقى تسع للوصي. وإن وصى لآخر بخمس ما يبقى من ~~المال بعد الوصية الأولى، عزلت ثلث المال، ثم أخذت منه نصيبا، ورددته على ~~الثلثين، ودفعت إلى الوصي الثاني خمس ذلك، يبقى من المال ثلثه وخمسه وأربعة ~~أخماس نصيب للورثة، فأسقط أربعة أخماس نصيب بمثلها، يبقى له ثلاثة وخمس، ~~تعدل ثلثا وخمسا، فنصف المال إذا يعدل ثلاثة # PageV06P171 # أنصباء، والمال كله ستة للوصيين والبنين لكل واحد سهم. (طريق آخر) سهام ~~البنين أربعة، وهي بقية مال ذهب خمسه، فزد عليه ربعه للوصي الثاني، صارت ~~خمسة، ثم زد على سهم ابن ما يكمل به الثلث، وهو سهم آخر فصارت ستة. وإن شئت ~~فرضت المال خمسة أسهم وتكملة، ودفعت التكملة إلى صاحبها، وخمس الباقي إلى ~~صاحبه، ويبقى لكل ابن سهم. وقد علمت أن سهم ابن مع التكملة ثلث المال، وأن ~~الباقي بعدهما الثلثان، وهي أربعة أسهم، فقابل بهما نصف الأربعة، وهي سهمان ~~فتبين أن التكملة سهم. ### | [فصل أوصى لرجل ms3080 بمثل نصيب أحد بنيه وهم ثلاثة ولآخر بثلث ما يبقى من الثلث ولآخر بدرهم] # (4647) فصل وإن أوصى لرجل بمثل نصيب أحد بنيه، وهم ثلاثة، ولآخر بثلث ما ~~يبقى من الثلث، ولآخر بدرهم، فاجعل المال تسعة دراهم وثلاثة أيضا، فادفع ~~إلى الوصي الأول نصيبا، وإلى الثاني والثالث درهمين، بقي سبعة ونصيبان، ~~ادفع نصيبين إلى ابنين، يبقى سبعة للابن الثالث، فالنصيب سبعة، والمال ~~ثلاثون، فإن كانت الوصية الثالثة بدرهمين، فالنصيب ستة والمال سبعة وعشرون. ### | [فصل ترك ستمائة ووصى لأجنبي بمائة ولآخر بتمام الثلث] # (4648) فصل: وإن ترك ستمائة، ووصى لأجنبي بمائة، ولآخر بتمام الثلث، فلكل ~~واحد منهما مائة، فإن رد الأول وصيته فللآخر مائة. وإن وصى للأول بمائتين، ~~وللآخر بباقي الثلث، فلا شيء للثاني، سواء رد الأول وصيته أو أجازها. وهذا ~~قياس قول الشافعي، وأهل البصرة. وقال أهل العراق: إن رد الأول، فللثاني ~~مائتان في المسألتين. ولنا، أن المائتين ليست باقي الثلث، ولا تتمته، فلا ~~يكون موصى بها للثاني، كما لو قبل الأول. ولو وصى لوارث بثلثه، ولآخر بتمام ~~الثلث، فلا شيء للثاني. وعلى قول أهل العراق، له الثلث كاملا. ### | [فصل أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بمائة ولثالث بتمام الثلث على المائة] # (4649) فصل: وإن أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بمائة، ولثالث بتمام الثلث ~~على المائة، ولم يزد الثلث على مائة، بطلت وصية التمام. وإن زاد على مائة، ~~وأجاز الورثة، أمضيت وصاياهم على ما أوصى لهم به. وإن ردوا، ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، يرد كل واحد منهما إلى نصف وصيته؛ لأن الوصايا رجعت إلى نصفها، ~~فيدخل النقص على كل واحد بقدر ماله في الوصية، كسائر الوصايا. والثاني، لا ~~شيء لصاحب التمام حتى تكمل المائة لصاحبها، ثم يكون الثلث بين الوصيين ~~الآخرين # PageV06P172 # نصفين، ويزاحم صاحب المائة صاحب التمام، ولا يعطيه شيئا؛ لأنه إنما يستحق ~~بعد تمام المائة لصاحبها، وما تمت له. ويجوز أن يزاحم به ولا يعطيه، كالأخ ~~من الأبوين، يزاحم الجد بالأخ من الأب، ولا يعطيه شيئا. ### | [مسألة أوصى لزيد بنصف ماله ولعمرو بربع ماله ms3081 ولم يجز ذلك الورثة] # (4650) مسألة؛ قال: (وإذا أوصى لزيد بنصف ماله، ولعمرو بربع ماله، ولم ~~يجز ذلك الورثة، فالثلث بينهما على ثلاثة أسهم؛ لعمرو سهم؛ ولزيد سهمان) ~~وجملته أنه إذا أوصى بأجزاء من المال، أخذتها من مخرجها، وقسمت الباقي على ~~الورثة. وإن لم يجيزوا، قسمت الثلث بين الأوصياء على قدر سهامهم، في حال ~~الإجازة، وقسمت الثلثين على الورثة، ولا فرق بين أن يكون الموصى لهم من ~~تجاوز وصيته الثلث أو لا. هذا قول الجمهور، منهم؛ الحسن؛ والنخعي؛ ومالك، ~~وابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو ~~حنيفة، وأبو ثور، وابن المنذر: لا يضرب الموصى له في حال الرد بأكثر من ~~الثلث؛ لأن ما جاوز الثلث باطل، فكيف يضرب به؟ ولنا، أنه فاضل بينهما في ~~الوصية فلم تجز التسوية، كما لو وصى بثلث وربع، أو بمائة ومائتين، وماله ~~أربعمائة. وهذا يبطل ما ذكروه، ولأنها وصية صحيحة، ضاق عنها الثلث، فتقسم ~~بينهم على قدر الوصايا، كالثلث والربع. وليس الأمر على ما قالوه في بطلان ~~الوصية، فإن الوصية صحيحة على ما ذكرناه فيما مضى. فعلى هذا إذا أوصى لزيد ~~بنصف ماله، ولعمرو بربعه، فللموصى لهما ثلاثة أرباع المال، إن أجاز الورثة، ~~ويبقى لهم الربع. وإن ردوا، فالثلث بين الوصيين على ثلاثة، والمسألة كلها ~~من تسعة. وإن أجازوا لأحدهما دون صاحبه، ضربت مسألة الرد في مسألة الإجازة، ~~وأعطيت المجاز له سهمه من مسألة الإجازة في مسألة الرد، والمردود عليه سهمه ~~من مسألة الرد مضروبا في مسألة الإجازة. وإن أجاز بعض الورثة لهما، ورد ~~الباقون عليهما، أعطيت المجيز سهمه من مسألة الإجازة في مسألة الرد، ومن لم ~~يجز سهمه من مسألة الرد مضروبا في مسألة الإجازة، وقسمت الباقي بين الوصيين ~~على ثلاثة. وإن اتفقت المسألتان، ضربت وفق إحداهما في الأخرى، ومن له سهم ~~من إحدى المسألتين مضروب في وفق الأخرى. وإن دخلت إحدى المسألتين في ~~الأخرى، اجتزأت بأكثرهما، ففي مسألة الخرقي هذه، إذا كان الورثة أما وثلاث ~~أخوات مفترقات، فأجازوا، فالمسألة من ms3082 أربعة، للوصيين ثلاثة، يبقى سهم على ~~ستة، تضربها في أربعة، تكن أربعة وعشرين. وإن ردوا فللوصيين الثلث ثلاثة، ~~ويبقى، ستة على المسألة وهي ستة؛ فتصح من تسعة. وإن أجازوا لصاحب النصف ~~وحده، ضربت وفق التسعة في أربعة وعشرين، تكن اثنين وسبعين، لصاحب النصف ~~اثنا عشر في ثلاثة ستة وثلاثون، وللآخر سهم في ثمانية، # PageV06P173 # يبقى ثمانية وعشرون للورثة. وإن أجازت الأم لهما ورد الباقون عليهما، ~~أعطيت الأم سهما في ثلاثة، والباقين خمسة أسهم في ثمانية، صار الجميع ثلاثة ~~وأربعين، يبقى تسعة وعشرون بين الوصيين على ثلاثة. وإن أجازت الأخت من ~~الأبوين وحدها، فلها تسعة ولباقي الورثة أربعة وعشرون ويبقى تسعة وثلاثون ~~لهما على ثلاثة، لصاحب النصف ستة وعشرون، وللآخر ثلاثة عشر. ### | [فصل جاوزت الوصايا المال] # (4651) فصل إذا جاوزت الوصايا المال، فاقسم المال بينهم على قدر وصاياهم، ~~مثل العول، واجعل وصاياهم كالفروض التي فرضها الله تعالى للورثة، إذا زادت ~~على المال. وإن ردوا، قسمت الثلث بينهم على تلك السهام. وهذا قول النخعي، ~~ومالك، والشافعي. قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو عاصم ~~الثقفي قال: قال لي إبراهيم النخعي: ما تقول في رجل أوصى بنصف ماله، وثلث ~~ماله، وربع ماله؟ قلت: لا يجوز. قال: فإنهم قد أجازوا. قلت: لا أدري؟ قال: ~~أمسك اثني عشر فأخرج نصفها ستة، وثلثها أربعة، وربعها ثلاثة، فاقسم المال ~~على ثلاثة عشر، فلصاحب النصف ستة، ولصاحب الثلث أربعة، ولصاحب الربع ثلاثة. ~~وكان أبو حنيفة يقول: يأخذ أكثرهم وصية مما يفضل به على من دونه، ثم ~~يقتسمون الباقي إن أجازوا، وفي الرد لا يضرب لأحدهم بأكثر من الثلث، وإن ~~نقص بعضهم عن الثلث، أخذ أكثرهم ما يفضل به على من دونه. ومثال ذلك، رجل ~~أوصى بثلثي ماله ونصفه وثلثه، فالمال بينهم على تسعة في الإجازة، والثلث ~~بينهم كذلك في الرد، كمسألة فيها زوج وأختان لأب وأختان لأم. وقال أبو ~~حنيفة: صاحب الثلثين يفضلهما بسدس، فيأخذه، وهو وصاحب النصف يفضلان صاحب ~~الثلث بسدس، فيأخذانه بينهما نصفين، ويقتسمون الباقي بينهم ms3083 أثلاثا. وتصح من ~~ستة وثلاثين، لصاحب الثلثين سبعة عشر، ولصاحب النصف أحد عشر، ولصاحب الثلث ~~ثمانية. وإن ردوا قسم بينهم على ثلاثة. ولو أوصى لرجل بجميع ماله، ولآخر ~~بثلثه، فالمال بينهما على أربعة إن أجازوا، والثلث بينهما كذلك في حال ~~الرد. وعند أبي حنيفة: إن أجازوا فلصاحب المال الثلثان، يتفرد بهما، ويقاسم ~~صاحب الثلث، فيحصل له خمسة أسداس، ولصاحب الثلث السدس، وإن ردوا، اقتسما ~~الثلث نصفين، فلا يحصل لصاحب الثلث إلا السدس في الإجازة والرد جميعا. ولو ~~جعل مكان الثلث سدسا، لكان لصاحب المال خمسة أسداسه في الإجازة، ويقاسم ~~صاحب السدس، فيأخذ نصفه، ويبقى لصاحب السدس نصفه سهم من اثني عشر. وفي ~~الرد، يقتسمان الثلث بينهما أثلاثا، فيجعل لصاحب السدس التسع سهم من تسعة، ~~وذلك أكثر مما حصل له في الإجازة، وهذا دليل على فساد هذا القول، لزيادة ~~سهم الموصى له في الرد على حالة الإجازة، ومتى كان للموصى له حق في حال ~~الرد، لا ينبغي أن يتمكن الوارث من تغييره، ولا تنقيصه، ولا أخذه منه، # PageV06P174 # ولا صرفه إلى غيره، مع أن ما ذهب إليه الجمهور نظيره مسائل العول في ~~الفرائض، والديون على المفلس، وما ذكروه لا نظير له، مع أن فرض الله تعالى ~~للوارث آكد من فرض الموصي ووصيته، ثم إن صاحب الفضل في الفرض المفروض، لا ~~ينفرد بفضله، فكذا في الوصايا. ### | [فصل خلف ابنين وأوصى لرجل بماله كله وللآخر بنصفه] # (4652) فصل: وإذا خلف ابنين، وأوصى لرجل بماله كله، وللآخر بنصفه، فالمال ~~بين الوصيين على ثلاثة إن أجازا؛ لأنك إذا بسطت المال من جنس الكسر، كان ~~نصفين، فإذا ضممت النصف الآخر، صارت ثلاثة، فيقسم المال على ثلاثة، ويصير ~~النصف ثلثا، كمسألة فيها زوج وأم وثلاث أخوات مفترقات، فإن ردوا، فالثلث ~~بينهما على ثلاثة، وإن أجازوا لصاحب النصف وحده، فلصاحب المال التسعان، ~~ولصاحب النصف النصف في أحد الوجهين؛ لأنه موصى له به، وإنما منعه أخذه في ~~حال الإجازة لهما، مزاحمة صاحبه، فإذا زالت مزاحمته، أخذ جميع وصيته. ~~والثاني، ليس له ms3084 إلا الثلث الذي كان له في حال الإجازة لهما؛ لأن ما زاد ~~على ذلك إنما كان حقا لصاحب المال، أخذه الورثة منه بالرد عليه، فأخذه ~~الوارثان. وإن أجازا لصاحب الكل وحده، فله ثمانية أتساع على الوجه الأول ~~والتسع للآخر، وعلى الوجه الثاني، ليس له إلا الثلثان اللذان كانا له في ~~حال الإجازة لهما، والتسعان للورثة. فإن أجاز أحد الابنين لهما دون الآخر، ~~فلا شيء للمجيز وللآخر الثلث، والثلثان بين الوصيين على أربعة. وإن أجاز ~~أحدهما لصاحب المال وحده، فللآخر التسع، وللابن الآخر الثلث، والباقي لصاحب ~~المال، في أحد الوجهين، وفي الآخر له أربعة أتساع، والتسع الباقي للمجيز. ~~وإن أجاز لصاحب النصف وحده، دفع إليه نصف ما يتم به النصف، وهو تسع ونصف ~~سدس، في أحد الوجهين. وفي أحد الوجهيين. وفي الآخر يدفع إليه التسع، فيصير ~~له تسعان، ولصاحب المال تسعان، وللمجيز تسعان، والثلث للذي لم يجز. وتصح من ~~تسعة. وعلى الوجه الأول تصح من ستة وثلاثين، للذي لم يجز اثنا عشر، وللمجيز ~~خمسة، ولصاحب النصف أحد عشر، ولصاحب المال ثمانية؛ وذلك لأن مسألة الرد من ~~تسعة، لصاحب النصف منها سهم، فلو أجاز له الابنان، كان له تمام النصف ثلاثة ~~ونصف. فإذا أجاز له أحدهما، لزمه نصف ذلك، وهو سهم وثلاثة أرباع سهم، فيضرب ~~مخرج الربع في تسعة، يكن ستة وثلاثين. ### | [مسألة أوصى لولده أو لولد فلان] # (4653) مسألة؛ قال: (وإذا أوصى لولد فلان، فهو للذكر والأنثى بالسوية. ~~وإن قال: لبنيه. فهو للذكور دون الإناث) أما إذا أوصى لولده أو لولد فلان، ~~فإنه للذكور والإناث والخناثى. لا خلاف في ذلك؛ لأن الاسم # PageV06P175 # يشمل الجميع. قال الله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين} [النساء: 11] . وقال تعالى: {ما اتخذ الله من ولد} [المؤمنون: ~~91] . نفى الذكر والأنثى جميعا، وإن قال: لبني، أو بني فلان. فهو للذكور ~~دون الإناث والخناثى. هذا قول الجمهور. وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي. ~~وقال الحسن، وإسحاق، وأبو ثور: هو للذكر والأنثى جميعا؛ لأنه لو أوصى لبني ~~فلان وهم ms3085 قبيلة، دخل فيه الذكر والأنثى. وقال الثوري: إن كانوا ذكورا ~~وإناثا، فهو بينهم، وإن كن بنات لا ذكر معهن، فلا شيء لهن؛ لأنه متى اجتمع ~~الذكور والإناث غلب لفظ التذكير، ودخل فيه الإناث، كلفظ المسلمين ~~والمشركين. ولنا، أن لفظ البنين يختص الذكور، قال الله تعالى: {أصطفى ~~البنات على البنين} [الصافات: 153] . وقال تعالى: {أم اتخذ مما يخلق بنات ~~وأصفاكم بالبنين} [الزخرف: 16] . وقال: {زين للناس حب الشهوات من النساء ~~والبنين} [آل عمران: 14] . وقال: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} ~~[الكهف: 46] . وقد أخبر أنهم لا يشتهون البنات. فقال: {ويجعلون لله البنات ~~سبحانه ولهم ما يشتهون} [النحل: 57] {وإذا بشر أحدهم بالأنثى} [النحل: 58] ~~. الآية. وإنما دخلوا في الاسم إذا صاروا قبيلة؛ لأن الاسم نقل فيهم عن ~~الحقيقة إلى العرف، ولهذا تقول المرأة: أنا من بني فلان. إذا انتسبت إلى ~~القبيلة، ولا تقول ذلك إذا انتسبت إلى أبيها. ### | [فصل أوصى لبنات فلان] # (4654) فصل: وإن أوصى لبنات فلان، دخل فيه الإناث دون غيرهن. لا نعلم فيه ~~خلافا، ولا يدخل فيهن الخنثى المشكل؛ لأنا لا نعلم كونه أنثى. ### | [فصل أوصى لولد فلان أو لبني فلان ولم يكونوا قبيلة] # (4655) فصل: وإن أوصى لولد فلان، أو لبني فلان. ولم يكونوا قبيلة، فهو ~~لولده لصلبه، وأما أولاد أولاده، فإن كانت قرينة تدل على دخولهم، مثل أن ~~يوصي لولد فلان وليس له إلا أولاد أولاده، أو قال: ولا يعطى ولد البنات ~~شيئا. أو قال: إلا ولد فلان. أو فضلوا ولد فلان على غيرهم. ونحو ذلك، ~~دخلوا؛ لأن اللفظ يحتملهم، والقرينة صارفة له إليهم، فصار كالتصريح بهم. ~~وإن دلت القرينة على إخراجهم، فلا شيء لهم. وإن # PageV06P176 # انتفت القرائن، لم يدخلوا في الوصية؛ لأن اسم الولد حقيقة عبارة عن ولد ~~الصلب. فإن قيل: فقد دخلوا في قول الله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] . قلنا: إنما دخلوا فيه إذا لم يكن ثم ~~ابن من ولد الصلب، ودخلوا مع الإناث على أنهم إنما يرثون ما فضل عن البنات، ~~على ما ذكر تفصيله ms3086 في الفرائض، ولا يمكن ذلك ها هنا، فانتفى دخولهم. ويحتمل ~~أن يدخل ولد البنين في الوصية، إذا لم تكن قرينة تخرجهم؛ لأنهم دخلوا في ~~اسم الولد في كل موضع ذكره الله تعالى من الإرث والحجب وغيره. ### | [فصل وصى لولد فلان أو بني فلان وهم قبيلة] # (4656) فصل: وإن وصى لولد فلان، أو بني فلان، وهم قبيلة، كبني هاشم وبني ~~تميم، دخل فيهم الذكر والأنثى والخنثى ويدخل ولد الرجل معه، ولا يدخل فيه ~~ولد بناتهم؛ لأن ذلك اسم للقبيلة ذكرها وأنثاها، قال الله تعالى: {يا بني ~~آدم} [الأعراف: 26] . {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: 70] . يريد الجميع. ~~وقال: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} [الجاثية: 16] . وروي أن جواري من ~~الأنصار قلن: # نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار # ويقال: امرأة من بني هاشم، ولا يدخل ولد البنات فيهم؛ لأنهم لا ينتسبون ~~إلى القبيلة. ### | [فصل أوصى لأخواته خاصة] # (4657) فصل: وإن أوصى لأخواته، فهو للإناث خاصة، وإن أوصى لإخوته، دخل ~~فيه الذكر، والأنثى جميعا؛ لأن الله تعالى قال: {وإن كانوا إخوة رجالا ~~ونساء} [النساء: 176] . وقال: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] ~~. وأجمع العلماء على حجبها بالذكر والأنثى. وإن قال لعمومته. فالظاهر أنه ~~مثل الإخوة، يشمل الذكر والأنثى؛ لأنهم إخوة أبيه. وإن قال: لبني إخوته. أو ~~لبني عمه. فهو للذكور دون الإناث، إذا لم يكونوا قبيلة. والفرق بينهما أن ~~الإخوة والعمومة ليس لهما لفظ موضوع يشمل الذكر والأنثى سوى هذا اللفظ، ~~وبنو الإخوة والعم لهم لفظ يشمل الجميع وهو لفظ الأولاد، فإذا عدل عن اللفظ ~~العام إلى لفظ البنين، دل على إرادة الذكور، ولأن لفظ العمومة أشبه بلفظ ~~الإخوة، ولفظ بني الإخوة والعم يشبه بني فلان، # PageV06P177 # وقد دللنا عليهما. والحكم في تناول اللفظ للبعيد من العمومة وبني العم ~~والإخوة، حكم ما ذكرنا في ولد الولد، مع القرينة وعدمها. ### | [فصل ألفاظ الجموع في الوصية على أربعة أضرب] # (4658) فصل: وألفاظ الجموع على أربعة أضرب؛ أحدها، ما يشمل الذكر والأنثى ~~بوضعه، كالأولاد والذرية والعالمين وشبهه. والثانية، موضوع ms3087 للذكور ويدخل ~~فيه الإناث إذا اجتمعوا، كلفظ المسلمين والمؤمنين والقانتين والصابرين ~~والصادقين والذميين والمشركين والفاسقين ونحوه، وكذلك ضمير المذكر، كالواو ~~في قاموا، والتاء والميم في قمتم، وهم مفردة وموصولة، والكاف والميم في لكم ~~وعليكم، ونحوه. فهذا متى اجتمع الذكور والإناث وغلب لفظ التذكير فيه، ودخل ~~فيه الذكر والأنثى. والثالث، ضرب يختص الذكور كالبنين والذكور والرجال ~~والغلمان، فلا يدخل فيه إلا الذكور. والرابع، لفظ يختص النساء، كالنساء ~~والبنات والمؤمنات والصادقات، والضمائر الموضوعة لهن، فلا يتناول غير ~~الإناث. ### | [فصل وصى للأرامل اللاتي فارقهن أزواجهن بموت أو غيره] # (4659) فصل: وإن وصى للأرامل، فهو للنساء اللاتي فارقهن أزواجهن بموت أو ~~غيره. قال أحمد، في رواية حرب، وقد سئل عن رجل أوصى لأرامل بني فلان. فقال: ~~قد اختلف الناس فيها، فقال قوم: هو للرجال والنساء. والذي يعرف في كلام ~~الناس أن الأرامل النساء. وقال الشعبي، وإسحاق: هو للرجال والنساء، وأنشد ~~أحدهما: # هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر # وقال الآخر: # أحب أن أصطاد ضبيا سحبلا ... رعى الربيع والشتاء أرملا # ولنا، أن المعروف في كلام الناس أنه النساء، فلا يحمل لفظ الموصي إلا ~~عليه، ولأن الأرامل جمع أرملة، فلا يكون جمعا للمذكر؛ لأن ما يختلف لفظ ~~الذكر والأنثى في واحده يختلف في جمعه، وقد أنكر ابن الأنباري على قائل ~~القول الآخر، وخطأه فيه، والشعر الذي احتج به حجة عليه، فإنه لو كان لفظ ~~الأرامل يشمل الذكر والأنثى، لقال: " حاجتهم " إذ لا خلاف بين أهل اللسان ~~في أن اللفظ متى كان للذكر # PageV06P178 # والأنثى، ثم رد عليه ضمير، غلب فيه لفظ التذكير وضميره، فلما رد الضمير ~~على الإناث علم أنه موضوع لهن على الانفراد، وسمى نفسه أرملا تجوزا تشبيها ~~بهن، ولذلك وصف نفسه بأنه ذكر، ويدل على إرادة المجاز أن اللفظ عند إطلاقه ~~لا يفهم منه إلا النساء، ولا يسمى به في العرف غيرهن، وهذا دليل على أنه لم ~~يوضع لغيرهن، ثم لو ثبت أنه في الحقيقة للرجال والنساء لكان قد خص به أهل ~~العرف ms3088 النساء، وهجرت به الحقيقة حتى صارت مغمورة، لا تفهم من لفظ المتكلم ~~ولا يتعلق بها حكم كسائر الألفاظ العرفية. ### | [فصل الوصية للأيامى] # (4660) فصل: فأما لفظ الأيامى، فهو كالأرامل، إلا أنه لكل امرأة لا زوج ~~لها، قال الله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] . وفي بعض ~~الحديث: «أعوذ بالله من بوار الأيم» . وقال أصحابنا: هو للرجال والنساء ~~الذين لا أزواج لهم، لما روي عن سعيد بن المسيب قال: آمت حفصة بنت عمر من ~~زوجها، وأم عثمان من رقية. وقال الشاعر: # فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم # ولنا، أن العرف يخص النساء بهذا الاسم، والحكم للاسم العرفي. وقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «أعوذ بالله من بوار الأيم» . إنما أراد به المرأة ~~فإنها التي توصف بهذا، ويضر بوارها. ### | [فصل الوصية للعزاب] # (4661) فصل: والعزاب هم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، يقال: رجل ~~عزب، وامرأة عزبة. وإنما سمي عزبا لانفراده، وكل شيء انفرد فهو عزب، قال ذو ~~الرمة يصف ثورا من الوحش انفرد: # يجلو البوارق عن مجلمز لهق ... كأنه متقبي يلمق عزب # ويحتمل أن يختص العزب بالرجال لأنه في العرف كذلك، والثيب والبكر يشترك ~~فيه الرجل والمرأة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البكر بالبكر، جلد ~~مائة، ونفي سنة، والثيب بالثيب، الجلد والرجم» . والعانس من الرجال ~~والنساء: الذي كبر ولم يتزوج. قال قيس بن رفاعة الواقفي: # فينا الذي هو ما إن طر شاربه ... والعانسون وفينا المرد والشيب # PageV06P179 # والكهول: الذين جازوا الثلاثين، قال الله تعالى: {ويكلم الناس في المهد ~~وكهلا} [آل عمران: 46] . (1) قال المفسرون: ابن ثلاثين. مأخوذ من قولهم: ~~اكتهل النبات، إذا تم وقوي. ثم لا يزال كهلا حتى يبلغ خمسين، ثم يشيخ، ثم ~~لا يزال شيخا حتى يموت. ### | [فصل أوصى لجماعة لا يمكن حصرهم واستيعابهم] # (4662) فصل وإذا أوصى لجماعة لا يمكن حصرهم واستيعابهم، كالقبيلة ~~العظيمة، والفقراء والمساكين، صح، وأجزأ الدفع إلى واحد منهم. وبه قال ~~الشافعي، في أحد الوجهين، إلا أنه قال: يدفع إلى ثلاثة منهم؛ لأنه أقل ~~الجمع. ms3089 وقال أبو حنيفة: لا تصح الوصية للقبيلة التي لا يمكن حصرها؛ لأنها ~~يدخل فيها الأغنياء والفقراء، وإذا وقعت للأغنياء لم تكن قربة، وإنما تكون ~~حقا لآدمي، وحقوق الآدميين إذا دخلت فيها الجهالة لم تصح، كما لو أقر ~~لمجهول. ولنا، أن كل وصية صحت لجماعة محصورين، صحت لهم، وإن لم يكونوا ~~محصورين كالفقراء. وما ذكروه غير صحيح؛ فإن الوصية للأغنياء قربة، وقد ندب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الهدية وإن كانت لغني. وأما جواز الدفع ~~إلى واحد، فمبني على الدفع في الزكاة، وقد مضى الكلام فيه هناك. ### | [مسألة الوصية بالحمل] # (4663) مسألة؛ قال: (والوصية بالحمل وللحمل جائزة، إذا أتت به لأقل من ~~ستة أشهر منذ تكلم بالوصية) أما الوصية بالحمل فتصح إذا كان مملوكا، بأن ~~يكون رقيقا، أو حمل بهيمة مملوكة له؛ لأن الغرر والخطر لا يمنع صحة الوصية، ~~فجرى مجرى إعتاق الحمل، فإن انفصل ميتا، بطلت الوصية، وإن انفصل حيا، ~~وعلمنا وجوده حال الوصية، أو حكمنا بوجوده، صحت الوصية، وإن لم يكن كذلك، ~~لم تصح؛ لجواز حدوثه. ولو قال: أوصيت لك بما تحمل جاريتي هذه، أو ناقتي ~~هذه، أو نخلتي هذه. جاز؛ لما ذكرنا من صحتها مع الغرر. وأما الوصية للحمل، ~~فصحيحة أيضا، لا نعلم فيه خلافا، وبذلك قال الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ~~ثور، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأن الوصية جرت مجرى الميراث، من حيث كونها انتقال ~~المال من الإنسان بعد موته، إلى الموصى له، بغير عوض، كانتقاله إلى وارثه، ~~وقد سمى الله تعالى الميراث وصية، بقوله سبحانه: {يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] . وقال سبحانه: {فإن كانوا أكثر من ~~ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من ~~الله} [النساء: 12] . والحمل يرث، فتصح الوصية له، ولأن الوصية أوسع من ~~الميراث، فإنها تصح للمخالف # PageV06P180 # في الدين والعبد، بخلاف الميراث، فإذا ورث الحمل، فالوصية له أولى، ولأن ~~الوصية تتعلق بخطر وغرر، فتصح للحمل، كالعتق. فإن انفصل الحمل ميتا، بطلت ~~الوصية؛ لأنه لا ms3090 يرث، ولأنه يحتمل أن لا يكون حيا حين الوصية، فلا تثبت له ~~الوصية والميراث بالشك. وسواء مات لعارض، من ضرب البطن، أو ضرب دواء، أو ~~غيره؛ لما بينا من أنه لا يرث. وإن وضعته حيا، صحت الوصية، له إذا حكمنا ~~بوجوده حال الوصية. نقل الخرقي، إذا أتت به لأقل من ستة أشهر. وليس ذلك ~~شرطا في كل حال، لكن إن كانت المرأة فراشا لزوج أو سيد يطؤها، فأتت به لستة ~~أشهر فما دون، علمنا وجوده حين الوصية، وإن أتت به لأكثر منها، لم تصح ~~الوصية له؛ لاحتمال حدوثه بعد الوصية. وإن كانت بائنا فأتت به لأكثر من ~~أربع سنين من حين الفرقة، وأكثر من ستة أشهر من حين الوصية، لم تصح الوصية ~~له، وإن أتت به لأقل من ذلك، صحت الوصية له؛ لأن الولد يعلم وجوده إذا كان ~~لستة أشهر، ويحكم بوجوده إذا أتت به لأقل من أربع سنين من حين الفرقة. وهذا ~~مذهب الشافعي. وإن وصى لحمل امرأة من زوجها أو سيدها، صحت الوصية له، مع ~~اشتراط إلحاقه به، وإن كان منتفيا باللعان، أو دعوى الاستبراء، لم تصح ~~الوصية له؛ لعدم نسبه المشروط في الوصية، فأما إن كانت المرأة فراشا لزوج ~~أو سيد، إلا أنه لا يطؤها؛ لكونه غائبا في بلد بعيد، أو مريضا مرضا يمنع ~~الوطء، أو كان أسيرا أو محبوسا، أو علم الورثة أنه لم يطأها وأقروا بذلك، ~~فإن أصحابنا لم يفرقوا بين هذه الصور وبين ما إذا كان يطؤها؛ لأنهما لم ~~يفترقا في لحوق النسب بالزوج والسيد، فكانت في حكم من يطؤها. ويحتمل أنه ~~متى أتت به في هذه الحال، لوقت يغلب على الظن أنه كان موجودا حال الوصية، ~~مثل أن تضعه لأقل من غالب مدة الحمل، أو تكون أمارات الحمل ظاهرة، أو أتت ~~به على وجه يغلب على الظن أنه كان موجودا بأمارات الحمل، بحيث يحكم لها ~~بكونها حاملا، صحت الوصية له؛ لأنه يثبت له أحكام الحمل من غير هذا الحكم، ~~وقد انتفت أسباب حدوثه ms3091 ظاهرا، فينبغي أن نثبت له الوصية، والحكم بإلحاقه ~~بالزوج والسيد في هذه الصور إنما كان احتياطا للنسب، فإنه يلحق بمجرد ~~الاحتمال وإن كان بعيدا، ولا يلزم من إثبات النسب بمطلق الاحتمال، نفي ~~استحقاق الوصية، فإنه لا يحتاط لإبطال الوصية، كما يحتاط لإثبات النسب، فلا ~~يلزم إلحاق ما لا يحتاط له بما يحتاط له مع ظهور ما يثبته ويصححه. ### | [فصل وصى بالحمل الموجود] # (4664) فصل: وإن وصى بأصل الموجود، اعتبر وجوده كما في حمل الأمة بما ~~يعتبر وجود الحمل الموصى له. وإن كان حمل بهيمة، اعتبر وجوده بما يثبت به ~~وجوده في سائر الأحكام. # PageV06P181 ### | [فصل أوصى لما تحمل هذه المرأة] # (4665) فصل: وإذا أوصى لما تحمل هذه المرأة، لم يصح. وقال بعض أصحاب ~~الشافعي: يصح، كما تصح الوصية بما تحمل هذه الجارية. ولنا، أن الوصية ~~تمليك، فلا تصح للمعدوم، بخلاف الموصى به، فإنه يملك، فلم يعتبر وجوده، ~~ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث، ولو مات إنسان لم يرثه من الحمل إلا من ~~كان موجودا، كذلك الوصية. ولو تجدد للميت مال بعد موته، بأن يسقط في شبكته ~~صيد، لورثه ورثته، ولذلك قضينا بثبوت الإرث في ديته، وهي تتحدد بعد موته، ~~فجاز أن تملك بالوصية. فإن قيل: فلو وقف على من يحدث من ولده أو ولد فلان ~~صح، فالوصية أولى؛ لأنها تصح بالمعدوم والمجهول، بخلاف الوقف. قلنا: الوصية ~~أجريت مجرى الميراث، ولا يحصل الميراث إلا لموجود، فكذا الوصية، والوقف ~~يراد للدوام، فمن ضرورته إثباته للمعدوم. ### | [فصل أوصى لحمل امرأة فولدت ذكرا وأنثى] # (4666) فصل: وإذا أوصى لحمل امرأة، فولدت ذكرا وأنثى، فالوصية لهما ~~بالسوية؛ لأن ذلك عطية وهبة، فأشبه ما لو وهبهما شيئا بعد ولادتهما. وإن ~~فاضل بينهما، فهو على ما قال، كالوقف. وإن قال: إن كان في بطنها غلام فله ~~ديناران، وإن كان فيه جارية فلها دينار. فولدت غلاما وجارية، فلكل واحد ~~منهما ما وصى له به؛ لأن الشرط وجد فيه. وإن ولدت أحدهما منفردا، فله ~~وصيته. ولو قال: إن كان حملها، أو إن كان ما ms3092 في بطنها غلاما. فله ديناران، ~~وإن كانت جارية فلها دينار. فولدت أحدهما منفردا، فله وصيته. وإن ولدت ~~غلاما وجارية، فلا شيء لهما؛ لأن أحدهما ليس هو جميع الحمل. ولا كل ما في ~~البطن. وبهذا قال أصحاب الرأي، وأصحاب الشافعي، وأبو ثور. ### | [فصل أوصى بثمرة شجرة أو بستان أو غلة دار أو خدمة عبد] # (4667) فصل: وإن أوصى بثمرة شجرة، أو بستان، أو غلة دار، أو خدمة عبد، ~~صح، سواء وصى بذلك في مدة معلومة، أو بجميع الثمرة والمنفعة في الزمان كله. ~~هذا قول الجمهور، منهم؛ مالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي. وقال ابن أبي ليلى: لا تصح الوصية بالمنفعة؛ لأنها معدومة. ولنا، ~~أنه يصح تمليكها بعقد المعاوضة، فتصح الوصية بها، كالأعيان. ويعتبر خروج ~~ذلك من ثلث المال. نص عليه أحمد في سكنى الدار. وهو قول كل من قال بصحة ~~الوصية بها. فإن لم تخرج من الثلث، أجيز منها بقدر الثلث. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال مالك: إذا أوصى بخدمة عبده سنة، فلم يخرج من الثلث، فالورثة ~~بالخيار بين تسليم خدمته سنة، وبين تسليم ثلث المال. وقال أصحاب الرأي، ~~وأبو ثور: # PageV06P182 # إذا أوصى بخدمة عبده سنة، فإن العبد يخدم الموصى له يوما والورثة يومين، ~~حتى يستكمل الموصى له سنة فإن، أراد الورثة بيع العبد، بيع على هذا. ولنا، ~~أنها وصية صحيحة، فوجب تنفيذها على صفتها إن خرجت من الثلث، أو بقدر ما ~~يخرج من الثلث منها، كسائر الوصايا، أو كالأعيان. إذا ثبت هذا، فمتى أريد ~~تقويمها، فإن كانت الوصية مقيدة بمدة، قوم الموصى بمنفعته مسلوب المنفعة ~~تلك المدة، ثم تقوم المنفعة في تلك المدة فينظر؛ كم قيمتها. وإن كانت ~~الوصية مطلقة في الزمان كله، فقد قيل: تقوم الرقبة بمنفعتها جميعا، ويعتبر ~~خروجها من الثلث؛ لأن عبدا لا منفعة له، وشجرا لا ثمر له، لا قيمة له ~~غالبا. وقيل: تقوم الرقبة على الورثة، والمنفعة على الموصى له. وصفة ذلك أن ~~يقوم العبد بمنفعته، فإذا قيل: قيمته مائة. قيل: كم قيمته لا منفعة ms3093 فيه؟ ~~فإذا قيل: عشرة. علمنا أن قيمة المنفعة تسعون. ### | [فصل أراد الموصى له إجارة العبد أو الدار في المدة التي أوصى له بنفعها] # (4668) فصل: وإن أراد الموصى له إجارة العبد أو الدار، في المدة التي ~~أوصى له بنفعها، جاز. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إجارة ~~المنفعة المستحقة بالوصية؛ لأنه إنما أوصى له باستيفائه. ولنا، أنها منفعة ~~يملكها ملكا تاما، فملك أخذ العوض عنها بالأعيان، كما لو ملكها بالإجارة. ~~وإن أراد الموصى له إخراج العبد عن البلد، فله ذلك. وبه قال أبو ثور. وقال ~~أصحاب الرأي: لا يخرجه إلا أن يكون أهله في غير البلد، فيخرجه إلى أهله. ~~ولنا، أنه مالك لنفعه، فملك إخراجه، كالمستأجر. ### | [فصل أوصى له بثمرة شجرة مدة أو بما يثمر أبدا] # (4669) فصل: وإذا أوصى له بثمرة شجرة مدة، أو بما يثمر أبدا، لم يملك ~~واحد من الموصى له والوارث إجبار الآخر على سقيها؛ لأنه لا يجبر على سقي ~~ملكه، ولا سقي ملك غيره. وإن أراد أحدهما سقيها على وجه لا يضر بصاحبه، لم ~~يملك الآخر منعه. وإذا يبست الشجرة، كان حطبها للوارث. وإن وصى له بثمرتها ~~سنة بعينها، فلم تحمل تلك السنة، فلا شيء للموصى له. وإن قال: لك ثمرتها ~~أول عام تثمر. صح، وله ثمرتها أول عام تثمر. وكذلك إذا أوصى له بما تحمل ~~جاريته أو شاته. وإن وصى لرجل بشجرة، ولآخر بثمرتها، صح، وكان صاحب الرقبة ~~قائما مقام الوارث، وله ماله. وإن وصى له بلبن شاة وصوفها، صح، كما تصح ~~الوصية بثمرة الشجرة. وإن وصى بلبنها خاصة، أو صوفها خاصة، صح، ويقوم ~~الموصى به دون العين. ### | [فصل نفقة العبد الموصى بخدمته وسائر الحيوانات الموصى بنفعها] # (4670) فصل: فأما نفقة العبد الموصى بخدمته، وسائر الحيوانات الموصى ~~بنفعها، فيحتمل أن تجب على صاحب الرقبة. هذا الذي ذكره الشريف أبو جعفر ~~مذهبا لأحمد، وهو قول أبي ثور، وظاهر مذهب الشافعي؛ لأن # PageV06P183 # النفقة على الرقبة، فكانت على صاحبها، كالعبد المستأجر، وكما لو لم يكن ~~له منفعة. قال ms3094 الشريف: ولأن الفطرة تلزمه، والفطرة تتبع النفقة، ووجوب ~~التابع على إنسان دليل على وجوب المتبوع عليه. ويحتمل أن يجب على صاحب ~~المنفعة. وهو قول أصحاب الرأي، والإصطخري، وهو أصح، إن شاء الله تعالى؛ ~~لأنه يملك نفعه على التأبيد، فكانت النفقة عليه، كالزوج، ولأن نفعه له، ~~فكان عليه ضره، كالمالك لهما جميعا، يحققه أن إيجاب النفقة على من لا نفع ~~له ضرر مجرد، فيصير معنى الوصية: أوصيت لك بنفع عبدي، وأبقيت على ورثتي ~~ضره. وإن وصى بنفعه لإنسان، ولآخر برقبته، كان معناه: أوصيت لهذا بنفعه، ~~ولهذا بضره. والشرع ينفي هذا بقوله: «لا ضرر ولا ضرار» . ولذلك جعل الخراج ~~بالضمان، ليكون ضره على من له نفعه. وفارق المستأجر، فإن نفعه في الحقيقة ~~للمؤجر؛ لأنه يأخذ الأجر عوضا عن منافعه. وقيل: تجب نفقته في كسبه. وهذا ~~راجع إلى إيجابها على صاحب المنفعة؛ لأن كسبه من منافعه، فإذا صرف في ~~نفقته، فقد صرفت المنفعة الموصى بها إلى النفقة، فصار كما لو صرف إليه شيء ~~من ماله سواه. # (4671) فصل: وإذا أعتق الورثة العبد، عتق، ومنفعته باقية للموصى له بها، ~~ولا يرجع على المعتق بشيء. وإن أعتقه صاحب المنفعة، لم يعتق؛ لأن العتق ~~للرقبة، وهو لا يملكها. وإن وهب صاحب المنفعة منافعه للعبد، وأسقطها عنه، ~~فللورثة الانتفاع به؛ لأن ما يوهب للعبد يكون لسيده. وإن أراد صاحب الرقبة ~~بيع العبد، فله ذلك، ويباع مسلوب المنفعة، ويقوم المشتري مقام البائع، فيما ~~له وعليه. وقيل: لا يجوز بيعه من مالك منفعته دون غيره؛ لأن ما لا منفعة ~~فيه، لا يصح بيعه، كالحشرات والميتات. وقيل: يجوز بيعه من مالك منفعته دون ~~غيره؛ لأن مالك منفعته يجتمع له الرقبة والمنفعة، فينتفع بذلك، بخلاف غيره، ~~ولذلك جاز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لصاحب الشجرة دون غيره، وكذلك بيع ~~الزرع لصاحب الأرض. ولنا، أنه عبد مملوك، تصح الوصية به، فصح بيعه كغيره، ~~ولأنه يمكنه إعتاقه وتحصيل ولائه، وجر ولاء من ينجر ولاؤه بعتقه، بخلاف ~~الحشرات. وإن وصى لرجل برقبة عبد، ولآخر بنفعه، ms3095 صح، وقام الموصية له ~~بالرقبة مقام الوارث فيما ذكرنا. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي. ### | [فصل أوصى لرجل بمنفعة أمته فأتت بولد من زوج أو زنى] # (4672) فصل: وإذا أوصى لرجل بمنفعة أمته، فأتت بولد من زوج أو زنا، فهو ~~مملوك، حكمه حكم أمه؛ لأن الولد يتبع الأم في حكمها، كولد المكاتبة ~~والمدبرة. ويحتمل أن يكون لمالك الرقبة؛ لأن ذلك ليس من النفع الموصى به. ~~ولا هو من الرقبة الموصى بنفعها. وإن وطئت بشبهة، وجب المهر على الواطئ ~~لصاحب # PageV06P184 # المنفعة عند أصحابنا، وعندي أنه لصاحب الرقبة؛ لأن منافع البضع لا تصح ~~الوصية بها منفردة، ولا مع غيرها، ولا يجوز نقلها مفردة عن الرقبة بغير ~~التزويج، وإنما هي تابعة للرقبة، فتكون لصاحبها، ولا يستحق صاحب المنفعة ~~أخذ بدلها، وإن أتت بولد، فهو حر، وتجب قيمته يوم وضعه لصاحب الرقبة، في ~~أحد الوجهين، وفي الآخر، يشترى بها عبد يقوم مقامه، وليس للوارث ولا لصاحب ~~المنفعة وطؤها؛ لأن صاحب المنفعة لا يملك رقبتها، ولا هو زوج لها، ولا يباح ~~الوطء بغيرهما، لقول الله عز وجل: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} ~~[المؤمنون: 6] . وصاحب الرقبة لا يملكها ملكا تاما. ولا يأمن أن تحبل منه، ~~فربما أفضى إلى إهلاكها، وأيهما وطئها فلا حد عليه؛ لأنه وطء بشبهة؛ لوجود ~~الملك لكل واحد منهما فيها، وولده حر؛ لأنه من وطء شبهة. فإن كان الواطئ ~~مالك المنفعة، لم تصر أم ولد له؛ لأنه لا يملكها، وعليه قيمة ولدها يوم ~~وضعه، وحكمها على ما ذكرنا فيما إذا وطئها غيرهما بشبهة. وإن كان الواطئ ~~مالك الرقبة، صارت أم ولد له لأنها علقت منه بحر في ملكه، وفي وجوب قيمته ~~عليه الوجهان، وأما المهر فعندي أنه إن كان الواطئ مالكا الرقبة، فلا مهر ~~عليه، وله المهر على صاحب المنفعة، إذا كان هو الواطئ. وعند أصحابنا وأصحاب ~~الشافعي، بعكس ذلك فيهما. وقد تقدم تعليل ذلك. ويحتمل أن يجب الحد على صاحب ~~المنفعة إذا وطئ؛ لأنه لا يملك إلا المنفعة، فلزمه الحد، ms3096 كالمستأجر، فعلى ~~هذا يكون ولده مملوكا. (4673) فصل: وليس لواحد منهما تزويجها؛ لأن مالك ~~المنفعة لا يملك رقبتها، ومالك الرقبة لا يملك تزويجها، لما فيه من ضرر ~~صاحب المنفعة بتزويجها. فإن طلبت ذلك، لزم تزويجها؛ لأنه لحقها، وحقها في ~~ذلك مقدم عليها، بدليل أنها لو طلبته من سيدها الذي يملك رقبتها ونفعها، ~~أجبر عليه، وقدم حقها على حقه. وكذلك إن اتفقا على تزويجها قبل طلبها، جاز، ~~ووليها في الموضعين مالك رقبتها؛ لأنه مالكها. والكلام في مهرها وولدها، ~~على ما تقدم في الفصل الذي قبله. ### | [فصل قتل العبد الموصى بنفعه] # فصل: وإن قتل العبد الموصى بنفعه، وجبت قيمته، يشترى بها ما يقوم مقام ~~الموصى به؛ لأن كل حق تعلق بالعين تعلق ببدلها، إذا لم يبطل سبب استحقاقها. ~~ويفارق الزوجة والعين المستأجرة؛ لأن سبب الاستحقاق يبطل بتلفهما، ويحتمل ~~أن تجب القيمة للوارث، أو مالك الرقبة، وتبطل الوصية؛ لأن القيمة بدل ~~الرقبة، فتكون لصاحبها، وتبطل الوصية بالمنفعة، كما تبطل بالإجارة. # PageV06P185 ### | [فصل أوصى لرجل بحب زرعه ولآخر بنبته] # (4675) فصل: وإذا أوصى لرجل بحب زرعه، ولآخر بنبته، صح، والنفقة بينهما؛ ~~لأن كل واحد منهما تعلق حقه بالزرع. فإن امتنع أحدهما من الإنفاق، فهما ~~بمنزلة الشريكين في أصل الزرع إذا امتنع أحدهما من سقيه والإنفاق عليه، ~~فيخرج في ذلك وجهان؛ أحدهما، يجبر على الإنفاق عليه. هذا قول أبي بكر؛ لأن ~~في ترك الإنفاق ضررا عليهما، وإضاعة المال، وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» . ونهى عن إضاعة المال. والوجه الآخر، لا يجبر؛ ~~لأنه لا يجبر على الإنفاق على مال نفسه، ولا مال غيره، إذا كان كل واحد ~~منهما منفردا، فكذلك إذا اجتمعا # وأصل الوجهين إذا استهدم الحائط المشترك، فدعا أحد الشريكين الآخر إلى ~~مباناته، فامتنع. ينبغي أن تكون النفقة بينهما على قدر قيمة حق كل واحد ~~منهما، كما لو كانا مشتركين في أصل الزرع. ### | [فصل أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصه] # (4676) فصل: وإن أوصى لرجل بخاتم، ولآخر بفصه، صح، وليس لواحد منهما ~~الانتفاع به ms3097 إلا بإذن صاحبه، وأيهما طلب قلع الفص من الخاتم أجيب إليه، ~~وأجبر الآخر عليه. وإن اتفقا على بيعه، أو اصطلحا على لبسه، جاز؛ لأن الحق ~~لهما لا يعدوهما. ### | [فصل أوصى لرجل بدينار من غلة داره وغلتها ديناران] # (4677) فصل: وإن أوصى لرجل بدينار من غلة داره، وغلتها ديناران، صح. فإن ~~أراد الورثة بيع نصفها وترك النصف الذي أجره دينار، فله منعهم منه؛ لأنه ~~يجوز أن ينقص أجره عن الدينار. وإن كانت الدار لا تخرج من الثلث، فلهم بيع ~~ما زاد عليه، وعليهم ترك الثلث. فإن كانت غلته دينارا، أو أقل، فهو للموصى ~~له، وإن كانت أكثر، فله دينار، والباقي للورثة. ### | [فصل الوصية بما لا يقدر على تسليمه] # (4678) فصل: وتصح الوصية بما لا يقدر على تسليمه، كالعبد الآبق، والجمل ~~الشارد، والطير في الهواء، والسمك في الماء؛ لأن الوصية إذا صحت بالمعدوم ~~فبذلك أولى. ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث، وهذا يورث، فيوصى به؛ فإن قدر ~~عليه أخذه، وسلمه إذا خرج من الثلث، وللوصي السعي في تحصيله، فإن قدر عليه ~~أخذه إذا خرج من الثلث. ### | [مسألة أوصى لرجل بمعين من ماله ثم وصى به لآخر] # (4679) مسألة؛ قال: (وإذا أوصى بجارية لبشر، ثم أوصى بها لبكر، فهي ~~بينهما) وجملة ذلك، أنه إذا أوصى لرجل بمعين من ماله، ثم وصى به لآخر، أو ~~وصى له بثلثه، ثم وصى لآخر # PageV06P186 # بثلثه، أو وصى بجميع ماله لرجل، ثم وصى به لآخر، فهو بينهما. ولا يكون ~~ذلك رجوعا في الوصية الأولى. وبهذا قال ربيعة، ومالك، والثوري، والشافعي، ~~وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي # وقال جابر بن زيد، والحسن، وعطاء، وطاوس، وداود: وصيته للآخر منهما؛ لأنه ~~وصى للثاني بما وصى به للأول، فكان رجوعا، كما لو قال: ما وصيت به لبشر فهو ~~لبكر. ولأن الثانية تنافي الأولى، فإذا أتى بها كان رجوعا، كما لو قال: هذا ~~لورثتي. ولنا، أنه وصى لهما بها، فاستويا فيها، كما لو قال لهما: وصيت لكما ~~بالجارية. وما قاسوا عليه صرح فيه بالرجوع عن وصيته لبشر، وفي ms3098 مسألتنا ~~يحتمل أنه قصد التشريك، فلم تبطل وصية الآخر بالشك. ### | [فصل وصى بعبد لرجل ثم وصى لآخر بثلثه] # (4680) فصل: وإن وصى بعبد لرجل، ثم وصى لآخر بثلثه، فهو بينهما أرباعا. ~~وعلى قول الآخرين، ينبغي أن يكون للثاني ثلثه كاملا. وإن وصى بعبده لاثنين، ~~فرد أحدهما وصيته، فللآخر نصفه. وإن وصى لاثنين بثلثي ماله، فرد الورثة ~~ذلك، ورد أحد الوصيين وصيته، فللآخر الثلث كاملا؛ لأنه وصى له به منفردا، ~~وزالت المزاحمة، فكمل له، كما لو انفرد به. ### | [فصل أقر الوارث أن أباه وصى بالثلث لبشر وأقام آخر شاهدين أنه وصى له بالثلث] # (4681) فصل: إذا أقر الوارث أن أباه وصى بالثلث لبشر، وأقام آخر شاهدين ~~أنه وصى له بالثلث، فرد الوارث الوصيتين، وكان الوارث رجلا عاقلا عدلا، ~~وشهد بالوصية، حلف معه الموصى له، واشتركا في الثلث. وبهذا قال أبو ثور. ~~وهو قياس قول الشافعي. وقال أصحاب الرأي: لا يشاركه المقر له. بناء منهم ~~على أن الشاهد واليمين ليس بحجة شرعية. وقد ثبت «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى بشاهد ويمين» . رواه مسلم # وإن كان المقر ليس بعدل، أو كان امرأة، فالثلث لمن ثبتت له البينة؛ لأن ~~وصيته ثابتة، ولم تثبت وصية الآخر، وإن لم يكن لواحد منهما بينة، فأقر ~~الوارث أنه أقر لفلان بالثلث، أو بهذا العبد، وأقر لفلان به بكلام متصل، ~~فالمقر به بينهما. وبهذا قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه مخالفا. ~~وإن أقر به لواحد، ثم أقر به لآخر في مجلس آخر، لم يقبل إقراره؛ لأنه ثبت ~~للأول بإقراره، فلا يقبل قوله فيما ينقص به حق الأول، إلا أن يكون عدلا، ~~فيشهد بذلك، ويحلف معه المقر له، فيشاركه، كما لو ثبت للأول ببينة # وإن أقر للثاني في المجلس بكلام متصل، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يقبل؛ لأن ~~حق الأول ثبت في الجميع، فأشبه ما لو أقر له في مجلس آخر. والثاني، يقبل؛ ~~لأن المجلس الواحد كالحال الواحدة، فإن الخرقي قال: وإذا خلف ابنا وألف ~~درهم، فأقر بها لرجل، ms3099 ثم أقر بألف لآخر، فإن كان في مجلس واحد، فالألف ~~بينهما، وإن كان في مجلسين، فهي للأول، # PageV06P187 # ولا شيء للثاني. والأول أقيس؛ لأن حق الأول ثبت في الثلث كاملا، لإقراره ~~به منفردا، فأشبه ما لو كان في مجلسين، وكما لو أقر بدراهم، ثم سكت، ثم ~~قال: زيوفا، أو صغارا، أو إلى شهر # أو كما لو استثنى مما أقر به بكلام منفصل في المجلس. ### | [مسألة قال ما أوصيت به لبشر فهو لبكر] # (4682) مسألة؛ (وإن قال: ما أوصيت به لبشر فهو لبكر. كانت لبكر) هذا ~~قولهم جميعا. وبه قال الشافعي، وأبو ثور. وأصحاب الرأي. وهو أيضا على مذهب ~~الحسن، وعطاء، وطاوس. ولا نعلم فيه مخالفا؛ لأنه صرح؛ بالرجوع عن الأول ~~بذكره أن ما أوصى به مردود إلى الثاني، فأشبه ما لو قال: رجعت عن وصيتي ~~لبشر وأوصيت بها لبكر # بخلاف ما إذا وصى بشيء واحد لرجلين، أحدهما بعد الآخر فإنه يحتمل أنه قصد ~~التشريك بينهما، وقد ثبتت وصية الأول يقينا، فلا تزول بالشك. ### | [فصل قال ما أوصيت به لفلان فنصفه لفلان أو ثلثه] # (4683) فصل: وإن قال: ما أوصيت به لفلان فنصفه لفلان، أو ثلثه. كان رجوعا ~~في القدر الذي وصى به للثاني خاصة، وباقيه للأول. ### | [فصل الرجوع في الوصية] # (4684) فصل: وأجمع أهل العلم على أن للموصي أن يرجع في جميع ما أوصى به، ~~وفي بعضه، إلا الوصية بالإعتاق. والأكثرون على جواز الرجوع في الوصية به ~~أيضا. روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: يغير الرجل ما شاء من وصيته. ~~وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، ~~وإسحاق، وأبو ثور. وقال الشعبي، وابن سيرين، وابن شبرمة، والنخعي: يغير ~~منها ما شاء إلا العتق؛ لأنه إعتاق بعد الموت، فلم يملك تغييره، كالتدبير # ولنا، أنها وصية، فملك الرجوع عنها، كغير العتق، ولأنها عطية تنجز ~~بالموت، فجاز له الرجوع عنها قبل تنجيزها، كهبة ما يفتقر إلى القبض قبل ~~قبضه، وفارق التدبير، فإنه تعليق على شرط، فلم يملك تغييره، كتعليقه على ~~صفة ms3100 في الحياة. ### | [فصل يحصل الرجوع بقوله رجعت في وصيتي أو أبطلتها أو غيرتها] # (4685) فصل: ويحصل الرجوع بقوله: رجعت في وصيتي. أو أبطلتها، أو غيرتها. ~~أو ما أوصيت به لفلان فهو لفلان. أو فهو لورثتي. أو في ميراثي. وإن أكله، ~~أو أطعمه، أو أتلفه، أو وهبه، أو تصدق به، أو باعه، أو كان ثوبا غير مفصل ~~ففصله ولبسه، أو جارية فأحبلها، أو ما أشبه هذا، فهو رجوع. قال # PageV06P188 # ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، أنه إذا أوصى لرجل بطعام ~~فأكله، أو بشيء فأتلفه، أو تصدق به، أو وهبه، أو بجارية فأحبلها، أو ~~أولدها، أنه يكون رجوعا # وحكي عن أصحاب الرأي، أن بيعه ليس برجوع؛ لأنه أخذ بدله، بخلاف الهبة. ~~ولنا، أنه أزال ملكه عنه، فكان رجوعا، كما لو وهبه. وإن عرضه على البيع، أو ~~وصى ببيعه، أو أوجب الهبة فلم يقبلها الموهوب له، أو كاتبه، أو وصى ~~بإعتاقه، أو دبره، كان رجوعا؛ لأنه يدل على اختياره للرجوع بعرضه على ~~البيع، وإيجابه للهبة، ووصيته ببيعه أو إعتاقه، لكونه وصى بما ينافي الوصية ~~الأولى، والكتابة بيع، والتدبير أقوى من الوصية؛ لأنه ينجز بالموت، فيسبق ~~أخذ الموصى له # وإن رهنه، كان رجوعا؛ لأنه علق به حقا يجوز بيعه، فكان أعظم من عرضه على ~~البيع. وفيه وجه آخر، أنه ليس برجوع. وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لأنه لا يزيل ~~الملك، فأشبه إجارته، وكذلك الحكم في الكتابة. ### | [فصل وصى بحب ثم طحنه أو بدقيق فعجنه في الوصية بشيء معين ثم خلطه بغيره] # (4686) فصل: وإن وصى بحب ثم طحنه، أو بدقيق فعجنه، أو بعجين فخبزه، أو ~~بخبز ففته، أو جعله فتيتا. كان رجوعا؛ لأنه أزال اسمه وعرضه للاستعمال، فدل ~~على رجوعه. وبهذا قال الشافعي. وإن وصى بكتان أو قطن فغزله، أو بغزل فنسجه، ~~أو بثوب فقطعه، أو بنقرة فضربها، أو شاة فذبحها، كان رجوعا. وبهذا قال ~~أصحاب الرأي، والشافعي في ظاهر مذهبه. واختار أبو الخطاب أنه ليس برجوع. # وهو قول أبي ثور؛ لأنه لا ms3101 يزيل الاسم. ولنا، أنه عرضه للاستعمال، فكان ~~رجوعا، كالتي قبلها. ولا يصح قوله: إنه لا يزيل الاسم. فإن الثوب لا يسمى ~~غزلا، والغزل لا يسمى كتانا. ### | [فصل وصى بشيء معين ثم خلطه بغيره على وجه لا يتميز منه] # (4687) فصل: وإن وصى بشيء معين، ثم خلطه بغيره على وجه لا يتميز منه، كان ~~رجوعا؛ لأنه يتعذر بذلك تسليمه، فيدل على رجوعه. فإن خلطه بما يتميز منه، ~~لم يكن رجوعا؛ لأنه يمكن تسليمه. وإن وصى بقفيز قمح من صبرة، ثم خلطها ~~بغيرها، لم يكن رجوعا، سواء خلطها بمثلها، أو بخير منها، أو دونها؛ لأنه ~~كان مشاعا. وبقي مشاعا. وقيل: إن خلطه بخير منه، كان رجوعا؛ لأنه لا يمكنه ~~تسليم الموصى به إلا بتسليم خير منه، ولا يجب على الوارث تسليم خير منه، ~~فصار متعذر التسليم، بخلاف ما إذا خلطه بمثله أو دونه. # PageV06P189 ### | [فصل حدث بالموصى به ما يزيل اسمه من غير فعل الموصي] # (4688) فصل: وإذا حدث بالموصى به ما يزيل اسمه، من غير فعل الموصي، مثل ~~إن سقط الحب في الأرض فصار زرعا، أو انهدمت الدار فصارت فضاء، في حياة ~~الموصي، بطلت الوصية بها؛ لأن الباقي لا يتناوله الاسم. وإن كان انهدام ~~الدار لا يزيل اسمها، سلمت إليه دون ما انفصل منها؛ لأن الاسم حين ~~الاستحقاق يقع على المتصل دون المنفصل. ويتبع الدار في الوصية ما يتبعها في ~~البيع. ### | [فصل جحود الوصية] # (4689) فصل: وإن جحد الوصية، لم يكن رجوعا، في أحد الوجهين. وهو قول أبي ~~حنيفة، في إحدى الروايتين. ولأنه عقد، فلا يبطل بالجحود، كسائر العقود. ~~والثاني، يكون رجوعا؛ لأنه يدل على أنه لا يريد إيصاله إلى الموصى له. وإن ~~غسل الثوب، أو لبسه، أو جصص الدار، أو سكنها، أو أجر الأمة، أو زوجها، أو ~~علمها، أو وطئها، لم يكن رجوعا؛ لأن ذلك لا يزيل الملك ولا الاسم، ولا يدل ~~على الرجوع # ويحتمل أن وطء الأمة رجوع. لأنه يعرضها للخروج عن جواز النقل. والأول ~~أولى؛ لأنه انتفاع لا يزيل الملك في الحال، ms3102 ولا يفضي إليه يقينا، فأشبه لبس ~~الثوب، فإنه ربما أتلفه، وليس برجوع. ### | [فصل قال هذا ثلثي لفلان ويعطى فلان منه مائة في كل شهر إلى أن يموت] # (4690) فصل: نقل الحسن بن ثواب، عن أحمد، في رجل قال: هذا ثلثي لفلان، ~~ويعطى فلان منه مائة في كل شهر إلى أن يموت. فهو للآخر منهما، ويعطى هذا ~~مائة في كل شهر، فإن مات وفضل شيء، رد إلى صاحب الثلث. فحكم بصحة الوصية ~~وإنفاذها، على ما أمر به الموصي. ### | [مسألة كتب وصية ولم يشهد فيها] # (4691) مسألة؛ قال: (ومن كتب وصية، ولم يشهد فيها، حكم بها، ما لم يعلم ~~رجوعه عنها) نص أحمد على هذا، في رواية إسحاق بن إبراهيم، فقال: من مات، ~~فوجدت وصيته مكتوبة عند رأسه، ولم يشهد فيها، وعرف خطه، وكان مشهور الخط، ~~يقبل ما فيها. وروي عن أحمد أنه لا يقبل الخط في الوصية، ولا يشهد على ~~الوصية المختومة حتى يسمعها الشهود منه، أو تقرأ عليه، فيقر بما فيها. ~~وبهذا قال الحسن، وأبو قلابة، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي # ؛ لأن الحكم لا يجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالإجماع، فكذا هاهنا، ~~وأبلغ من هذا أن الحاكم لو رأى حكمه بخطه تحته ختمه، ولم يذكر أنه حكم به، ~~أو رأى الشاهد شهادته بخطه، ولم يذكر الشهادة، لم يجز للحاكم إنفاذ الحكم ~~بما وجده، ولا للشاهد الشهادة بما رأى خطه به، فهاهنا أولى. # PageV06P190 # وقد نص أحمد على هذا في الشهادة. ووجه قول الخرقي، قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ما من امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته ~~مكتوبة عنده.» ولم يذكر شهادته. # وما ذكرناه في الفصل الذي يلي هذا، ولأن الوصية يتسامح فيها، ولهذا صح ~~تعليقها على الخطر والغرر، وصحت للحمل، به، وبما لا يقدر على تسليمه، ~~وبالمعدوم والمجهول، فجاز أن يتسامح فيها بقبول الخط، كرواية الحديث. ### | [فصل كتب وصيته وقال اشهدوا علي بما في هذه الورقة] # (4692) فصل: وإن كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي بما في هذه الورقة. أو ms3103 قال: ~~هذه وصيتي، فاشهدوا علي بها. فقد حكي عن أحمد، أن الرجل إذا كتب وصيته، ~~وختم عليها، وقال للشهود: اشهدوا علي بما في هذا الكتاب. لا يجوز حتى ~~يسمعوا منه ما فيه، أو يقرأ عليه فيقر بما فيه. وهو قول من سمينا في ~~المسألة الأولى. ويحتمل كلام الخرقي جوازه؛ لأنه إذا قبل خطه المجرد، فهذا ~~أولى # وممن قال ذلك عبد الملك بن يعلى، ومكحول، ونمير بن إبراهيم، ومالك، ~~والليث، والأوزاعي، ومحمد بن مسلمة، وأبو عبيد، وإسحاق. واحتج أبو عبيد ~~بكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عماله وأمرائه، في أمر ولايته ~~وأحكامه وسننه، ثم ما عملت به الخلفاء الراشدون المهديون بعده من كتبهم إلى ~~ولاتهم، بالأحكام التي فيها الدماء والفروج والأموال، يبعثون بها مختومة، ~~لا يعلم حاملها ما فيها، وأمضوها على وجوهها، وذكر استخلاف سليمان بن عبد ~~الملك عمر بن عبد العزيز، بكتاب، كتبه، وختم عليه، ولا نعلم أحدا أنكر ذلك ~~مع شهرته وانتشاره في علماء العصر، فكان إجماعا # ووجه الأول أنه كتاب لا يعلم الشاهد ما فيه فلم يجز أن يشهد عليه، ككتاب ~~القاضي إلى القاضي، فأما ما ثبت من الوصية، بشهادة أو إقرار الورثة به، ~~فإنه يثبت حكمه ويعمل به، ما لم يعلم رجوعه عنه، وإن طالت مدته، وتغيرت ~~أحوال الموصى به، مثل أن يوصي في مرض فيبرأ منه، ثم يموت بعد أو يقتل؛ لأن ~~الأصل بقاؤه، فلا يزول حكمه بمجرد الاحتمال والشك، كسائر الأحكام. (4693) ~~فصل: ويستحب أن يكتب الموصي وصيته، ويشهد عليها؛ لأنه أحفظ لها # وأحوط لما فيها. وقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما حق ~~امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده» . وروي ~~عن أنس، أنه قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم. ~~هذا ما أوصى به فلان، أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن ~~محمدا عبده ورسوله، # PageV06P191 # وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في ms3104 القبور، وأوصى من ترك ~~من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا ~~مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: {يا بني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] . أخرجه سعيد، عن ~~فضيل بن عياض، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس. وروي عن ابن مسعود، ~~أنه كتب: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ذكر ما أوصى به عبد الله بن مسعود، ~~إن حدث بي حادث الموت من مرضي هذا، أن مرجع وصيتي إلى الله وإلى رسوله، ثم ~~إلى الزبير بن العوام، وابنه عبد الله، وأنهما في حل وبل فيما وليا وقضيا، ~~وأنه لا تزوج امرأة من بنات عبد الله إلا بإذنهما. وروى ابن عبد البر قال: ~~كان في وصية أبي الدرداء: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به أبو ~~الدرداء، أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور، وأنه ~~يؤمن بالله ويكفر بالطاغوت، على ذلك يحيا ويموت، إن شاء الله، وأوصى فيما ~~رزقه الله تعالى، بكذا وكذا، وأن هذه وصيته إن لم يغيرها. ### | [مسألة ما أعطى في مرضه الذي مات فيه] # (4694) مسألة؛ قال: (وما أعطى في مرضه الذي مات فيه، فهو من الثلث) وجملة ~~ذلك أن التبرعات المنجزة، كالعتق، والمحاباة، والهبة المقبوضة، والصدقة، ~~والوقف، والإبراء من الدين، والعفو عن الجناية الموجبة للمال، إذا كانت في ~~الصحة فهي من رأس المال. لا نعلم في هذا خلافا. وإن كانت في مرض مخوف اتصل ~~به الموت، فهي من ثلث المال، في قول جمهور العلماء. وحكي عن أهل الظاهر في ~~الهبة المقبوضة أنها من رأس المال # وليس بصحيح؛ لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادة ~~لكم في أعمالكم» . رواه ابن ماجه. وهذا يدل بمفهومه على أنه ms3105 ليس له أكثر من ~~الثلث. وروى عمران بن حصين، أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد له في مرضه، ~~لا مال له غيرهم، فاستدعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجزأهم ثلاثة ~~أجزاء، وأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة. رواه مسلم # وإذا لم ينفذ العتق مع سرايته، فغيره أولى. ولأن. هذه الحال الظاهر منها ~~الموت، فكانت عطية فيها في حق ورثته لا تتجاوز الثلث، كالوصية. # PageV06P192 ### | [فصل حكم العطايا في مرض الموت المخوف حكم الوصية في خمسة أشياء] # (4695) فصل: وحكم العطايا في مرض الموت المخوف، حكم الوصية في خمسة ~~أشياء؛ أحدها، أن يقف نفوذها على خروجها من الثلث أو إجازة الورثة. الثاني، ~~أنها لا تصح لوارث إلا بإجازة بقية الورثة. الثالث، أن فضيلتها ناقصة عن ~~فضيلة الصدقة في الصحة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أفضل ~~الصدقة قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى ~~إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» متفق عليه. # ولفظه: قال رجل: يا رسول الله: أي الصدقة أفضل؟ قال: " أن تصدق وأنت صحيح ~~حريص ". الرابع، أنه يزاحم بها الوصايا في الثلث. الخامس، أن خروجها من ~~الثلث معتبر حال الموت، لا قبله ولا بعده. ويفارق الوصية في ستة أشياء؛ ~~أحدها، أنها لازمة في حق المعطي ليس له الرجوع فيها. وإن كثرت، ولأن المنع ~~على الزيادة من الثلث إنما كان لحق الورثة، لا لحقه، فلم يملك إجازتها ولا ~~ردها، وإنما كان له الرجوع في الوصية. # لأن التبرع بها مشروط بالموت، ففيما قبل الموت لم يوجد التبرع ولا ~~العطية، بخلاف العطية في المرض، فإنه قد وجدت العطية منه، والقبول من ~~المعطي، والقبض، فلزمت كالوصية إذا قبلت بعد الموت وقبضت. الثاني، أن ~~قبولها على الفور في حال حياة المعطي وكذلك ردها، والوصايا لا حكم لقبولها ~~ولا ردها إلا بعد الموت؛ لما ذكرنا من أن العطية تصرف في الحال، فتعتبر ~~شروطه وقت وجوده، والوصية تبرع بعد الموت، فاعتبر شروطه بعد ms3106 الموت # الثالث، أن العطية تفتقر إلى شروطها المشروطة لها في الصحة؛ من العلم، ~~وكونها لا يصح تعليقها على شرط وغرر في غير العتق، والوصية بخلافه. الرابع، ~~أنها تقدم على الوصية، وهذا قول الشافعي، وجمهور العلماء. وبه قال أبو ~~حنيفة، وأبو يوسف، وزفر، إلا في العتق، فإنه حكي عنهم تقديمه، لأن العتق ~~يتعلق به حق الله تعالى، ويسري وقفه، وينفذ في ملك الغير، فيجب تقديمه. ~~ولنا، أن العطية لازمة في حق المريض، فقدمت على الوصية، كعطية الصحة. # ولأنها عطية بثمرة، فقدمت على العتق، كعطية الصدقة، وكما لو تساوى ~~الحقان. الخامس، أن العطايا إذا عجز الثلث عن جميعها، بدئ بالأول فالأول، ~~سواء كان الأول عتقا # PageV06P193 # أو غيره. وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: الجميع سواء إذا كانت من ~~جنس واحد، وإن كانت من أجناس، وكانت المحاباة متقدمة قدمت، وإن تأخرت سوي ~~بينها وبين العتق، وإنما كان كذلك، لأن المحاباة حق آدمي على وجه المعاوضة، ~~فقدمت، إذا تقدمت، كقضاء الدين، وإذا تساوى جنسها سوي بينها؛ لأنها عطايا ~~من جنس واحد، تعتبر من الثلث، فسوي بينها، كالوصية # وقال أبو يوسف، ومحمد: يقدم العتق، تقدم أو تأخر. ولنا، أنهما عطيتان ~~منجزتان، فكانت أولاهما أولى، كما لو كانت الأولى محاباة عند أبي حنيفة، أو ~~عتقا عند صاحبيه. ولأن العطية المنجزة لازمة في حق المعطي، فإذا كانت خارجة ~~من الثلث، لزمت في حق الورثة، فلو شاركتها الثانية، لمنع ذلك لزومها في حق ~~المعطي؛ لأنه يملك الرجوع عن بعضها بعطية أخرى، بخلاف الوصايا، فإنها غير ~~لازمة في حقه، وإنما تلزم بالموت في حال واحدة، فاستويا لاستوائهما في حال ~~لزومهما، بخلاف المنجزتين # وما قاله في المحاباة غير صحيح، فإنها بمنزلة الهبة، ولو كانت بمنزلة ~~المعاوضة أو الدين لما كانت من الثلث. فأما إن وقعت دفعة واحدة، كأن وكل ~~جماعة في هذه التبرعات، فأوقعوها دفعة واحدة، فإن كانت كلها عتقا أقرعنا ~~بينهما، فكملنا العتق كله في بعضهم، وإن كانت كلها من غير العتق، قسمنا ~~الثلث بينهم على قدر عطاياهم، لأنهم ms3107 تساووا في الاستحقاق، فقسم بينهم على ~~قدر حقوقهم، كغرماء المفلس # وإنما خولف هذا الأصل في العتق، لحديث عمران بن حصين، ولأن القصد بالعتق ~~يكمل الأحكام، ولا تكمل الأحكام إلا بتكميل العتق بخلاف غيره، ولأن في قسمة ~~العتق عليهم إضرارا بالورثة والميت والعبيد، على ما يذكر في موضعه. وإن ~~وقعت دفعة واحدة، وفيها عتق وغيره، ففيه روايتان؛ إحداهما، يقدم العتق ~~لتأكيده. والثانية، يسوى بين الكل؛ لأنها حقوق تساوت في استحقاقها، فتساوت ~~في تنفيذها، كما لو كانت من جنس واحد، وذلك لأن استحقاقها حصل في حالة ~~واحدة # السادس، أن الواهب إذا مات قبل تقبيضه الهبة المنجزة، كانت الخيرة ~~للورثة، إن شاءوا قبضوا، وإن شاءوا منعوا، والوصية تلزم بالقبول بعد الموت ~~بغير رضاهم. ### | [فصل قال المريض إذا أعتقت سعدا فسعيد حر ثم أعتق سعدا] # (4696) فصل: إذا قال المريض: إذا أعتقت سعدا، فسعيد حر. ثم أعتق سعدا، ~~عتق سعيد أيضا إن خرجا من الثلث، وإن لم يخرج من الثلث إلا أحدهما عتق سعد ~~وحده، ولم يقرع بينهما لوجهين؛ أحدهما، أن سعدا سبق بالعتق. # PageV06P194 # والثاني، أن عتقه شرط لعتق سعيد، فلو رق بعضه لفات إعتاق سعيد أيضا لفوات ~~شرطه، وإن بقي من الثلث ما يعتق به بعض سعيد، عتق تمام الثلث منه # وإن قال: إن أعتقت سعدا فسعيد وعمرو حران. ثم أعتق سعدا، ولم يخرج من ~~الثلث إلا أحدهم، عتق سعد وحده؛ لما ذكرنا، وإن خرج من الثلث اثنان، أو ~~واحد وبعض آخر، عتق سعد وأقرع بين سعيد وعمرو فيما بقي من الثلث؛ لأن ~~عتقهما في حال واحدة، وليس عتق أحدهما شرطا في عتق الآخر. ولو خرج من الثلث ~~اثنان وبعض الثالث، أقرعنا بينهما، لتكميل الحرية في أحدهما، وحصول التشقيص ~~في الآخر # وإن قال: إن أعتقت سعدا فسعيد حر، أو فسعيد وعمرو حران في حال إعتاقي ~~سعدا. فالحكم سواء لا يختلف؛ لأن عتق سعد شرط لعتقهما، فلو رق بعضه لفات ~~شرط عتقهما، فوجب تقديمه. وإن كان الشرط في الصحة والإعتاق في المرض، ~~فالحكم على ما ms3108 ذكرنا. ### | [فصل قال إن تزوجت فعبدي حر فتزوج في مرضه بأكثر من مهر المثل] # (4697) فصل: وإن قال: إن تزوجت فعبدي حر. فتزوج في مرضه بأكثر من مهر ~~المثل، فالزيادة محاباة معتبرة من الثلث. وإن لم تخرج من الثلث إلا ~~المحاباة أو العبد، فالمحاباة أولى؛ لأنها وجبت قبل العتق، لكون التزويج ~~شرطا في عتقه، فقد سبقت عتقه. ويحتمل أن يتساويا؛ لأن التزويج سبب لثبوت ~~المحاباة، وشرط للعتق، فلا يسبق وجود أحدهما صاحبه، فيكونان سواء. ثم هل ~~يقدم العتق على المحاباة؟ على روايتين # وهذا فيما إذا ثبتت المحاباة بأن لا ترث المرأة الزوج؛ إما لوجود مانع من ~~الإرث، أو لمفارقته إياها في حياته، إما بموتها أو طلاقها أو نحوه. فأما إن ~~ورثته، تبينا أنها غير ثابتة لها إلا بإجازة الورثة، فينبغي أن يقدم العتق ~~عليها؛ لأنه لازم غير موقوف على الإجازة، فيكون متقدما. وإن قال: أنت حر في ~~حال تزويجي. فتزوج وأصدق أكثر من مهر المثل، فعلى القول الأول يتساويان؛ ~~لأن التزويج جعل جعالة لإيقاع العتق، كما في عتق سعد وسعيد، وبطلان ~~المحاباة لا يبطل التزويج ولا يؤثر فيه # وعلى الاحتمال الذي ذكرته، يكون العتق سابقا، لأن المحاباة، إنما ثبتت ~~بتمام التزويج، والعتق قبل تمامه، فيكون سابقا على المحاباة، فيتقدم لهذا ~~المعنى، لا سيما إذا تأكد بقوته وكونه لغير وارث. ### | [فصل أعتق المريض شقصا من عبد ثم أعتق شقصا من آخر ولم يخرج من الثلث إلا العبد الأول] # (4698) فصل: إذا أعتق المريض شقصا من عبد، ثم أعتق شقصا من آخر، ولم يخرج ~~من الثلث إلا العبد الأول، عتق وحده؛ لأنه يعتق حين يلفظ بإعتاق شقصه # وإن خرج الأول وبعض الثاني، عتق ذلك. وإن أعتق الشقصين دفعة واحدة، فلم ~~يخرج من الثلث إلا الشقصان، عتقا ورق باقي العبدين. وإن لم يخرج إلا أحدهما ~~أقرع بينهما. وإن عتق الشقصان وباقي أحد العبدين ففيه وجهان: # PageV06P195 # أحدهما، يكمل العتق من أحدهما بالقرعة بينهما، كما لو أعتق العبدين فلم ~~يخرج من الثلث إلا أحدهما # والثاني، يقسم ما ms3109 بقي من الثلث بينهما بغير قرعة، لأنه أوقع عتقا مشقصا ~~فلم يكمله، بخلاف ما إذا أعتق العبدين، ولهذا إذا لم يخرج من الثلث إلا ~~الشقصان أعتقناهما، ولم يقرع بينهما، ولم يكمله من أحدهما. ولو أوصى بإعتاق ~~النصيبين، وأن يكمل عتقهما من ثلثه، ولم يخرج من الثلث إلا النصيبان وقيمة ~~باقي أحدهما، أقرعنا بينهما، فمن خرجت قرعته كمل العتق فيه، لأن الموصي ~~أوصى بتكميل العتق، فجرى مجرى إعتاقهما، بخلاف التي قبلها. ### | [فصل ملك المريض من يعتق عليه بغير عوض] # (4699) فصل: وإذا ملك المريض من يعتق عليه بغير عوض، كالهبة والميراث، ~~عتق، وورث المريض إذا مات. وبهذا قال مالك، وأكثر أصحاب الشافعي. وقال ~~بعضهم: يعتق، ولا يرث؛ لأن عتقه وصية، فلا يجتمع مع الميراث. وهذا لا يصح؛ ~~لأنه لو كان وصية لاعتبر من الثلث، كما لو اشتراه. # وجعل أهل العراق عتق الموهوب وصية، يعتبر خروجه من الثلث، فإن خرج من ~~الثلث عتق وورث، وإن لم يخرج من الثلث سعى في قيمة باقيه، ولم يرث في قول ~~أبي حنيفة، وقال أبو يوسف، ومحمد: يحتسب بقيمته من ميراثه، فإن فضل من ~~قيمته شيء سعى فيه. ولنا، أن الوصية هي التبرع بماله بعطية أو إتلاف، أو ~~التسبب إلى ذلك، ولم يوجد واحد منهما؛ لأن العتق ليس من فعله، ولا يقف على ~~اختياره، وقبول الهبة ليس بعطية # ولا إتلاف لماله، وإنما هو تحصيل شيء يتلف بتحصيله فأشبه قبوله لشيء لا ~~يمكنه حفظه، أو لما يتلف ببقائه. في وقت لا يمكنه التصرف فيه، وفارق ~~الشراء؛ فإنه تضييع لماله في ثمنه. وقال القاضي: هذا الذي ذكرناه قياس قول ~~أحمد؛ لأنه قال في مواضع: إذا وقف في مرضه على ورثته صح، ولم يكن وصية؛ لأن ~~الوقف ليس بمال؛ لأنه لا يباع ولا يورث. قال الخبري: هذا قول أحمد وابن ~~الماجشون وأهل البصرة، ولم يذكر فيه عن أحمد خلافا # فأما إن اشترى من يعتق عليه، فقال القاضي: إن حمله الثلث عتق وورثه. وهذا ~~قول مالك وأبي حنيفة. وإن لم يخرج ms3110 من الثلث عتق منه بقدر الثلث، ويرث بقدر ~~ما فيه من الحرية، وباقيه على الرق، فإن كان الوارث ممن يعتق عليه إذا ~~ملكه، عتق عليه إذا ورثه. وقال أبو يوسف ومحمد: لا وصية لوارث، ويحتسب ~~بقيمته من ميراثه، فإن فضل من قيمته شيء سعى فيه. وقال بعض أصحاب مالك: ~~يعتق من رأس المال، ويرث كالموهوب والموروث # وهو قياس # PageV06P196 # قوله، لكونه لم يجعل الوقف وصية وإجازة للوارث، فهذا أولى؛ لأن العبد لا ~~يملك رقبته، فيجعل ذلك وصية له، ولا يجوز أن يجعل الثمن وصية له؛ لأنه لم ~~يصل إليه، ولا وصية للبائع؛ لأنه قد عاوض عنه، وإنما هو كبناء مسجد وقنطرة، ~~في أنه ليس بوصية لمن ينتفع به، فلا يمنعه ذلك الميراث. واختلف أصحاب ~~الشافعي في قياس قوله، فقال بعضهم: إذا حمله الثلث عتق وورث؛ لأن عتقه ليس ~~بوصية له، على ما ذكرنا # وقيل: يعتق ولا يرث؛ لأنه لو ورث لصارت وصية لوارث، فتبطل وصيته، ويبطل ~~عتقه وإرثه، فيفضي توريثه إلى إبطال توريثه، فكان إبطال توريثه أولى. وقيل ~~على مذهبه: شراؤه باطل؛ لأن ثمنه وصية، والوصية تقف على خروجها من الثلث، ~~أو إجازة الورثة، والبيع عنده لا يجوز أن يكون موقوفا. ومن مسائل ذلك: مريض ~~وهب له ابنه، فقبله، وقيمته مائة، وخلف مائتي درهم وابنا آخر، فإنه يعتق، ~~وله مائة ولأخيه مائة # وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي. وقيل، على قول الشافعي: لا يرث، ~~والمائتان كلها للابن الحر. وقال أبو يوسف، ومحمد: يرث نصف نفسه، ونصف ~~المائتين، ويحتسب بقيمة نصف الباقي من ميراثه. إن كان قيمته مائتين، وبقية ~~التركة مائة، عتق من رأس المال، والمائة بينه وبين أخيه. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي # وقال أبو حنيفة: يعتق منه نصفه، لأنه قدر ثلث التركة، ويسعى في قيمة ~~باقيه، ولا يرث؛ لأن المستسعى عنده كالعبد لا يرث إلا في أربعة مواضع: ~~الرجل يعتق أمته على أن تتزوجه. والمرأة تعتق عبدها على أن يتزوجها، ~~فيأبيان ذلك. والعبد الموهوب يعتقه سيده. والمشتري للعبد يعتقه قبل قبضه ms3111 ~~وهما معسران. ففي هذه المواضع يسعى كل واحد في قيمته، وهو حر يرث # وقال أبو يوسف، ومحمد: يرث نصف التركة، وذلك ثلاثة أرباع رقبته، ويسعى في ~~ربع قيمته لأخيه. وإن وهب له ثلاث أخوات متفرقات، لا مال له سواهن، ولا ~~وارث، عتقن من رأس المال. وهذا قول مالك. وإن كان اشتراهن فكذلك، فيما ذكره ~~الخبري عن أحمد. وهو قول ابن الماجشون، وأهل البصرة، وبعض أصحاب مالك، وعلى ~~قول القاضي، يعتق ثلثهن، في أحد الوجهين # وهو قول مالك، وفي الآخر يعتقن كلهن؛ لكون وصية من لا وارث له جائزة في ~~جميع ماله، في أصح الروايتين. وإن ترك مالا يخرجن من ثلثه عتقن وورثن. # وقال أبو حنيفة: إذا اشتراهن أو وهبن له، ولا مال له سواهن، ولا وارث، ~~عتقن، وتسعى كل واحدة من الأخت للأب والأخت للأم في نصف قيمتها للأخت من ~~الأب والأم، وإنما لم يرثا؛ لأنهما لو ورثا لكان لهما خمسا الرقاب، وذلك ~~رقبة وخمس، بينهما نصفين، فكان يبقى عليهما سعاية، إذا بقيت عليهما سعاية ~~لم يرثا، وكانت لهما الوصية، وهي رقبة بينهما نصفين # وأما الأخت # PageV06P197 # للأبوين، فإذا ورثت، عتقت؛ لأن لها ثلاثة أخماس الرقاب، وذلك أكثر من ~~قيمتها، فورثت وبطلت وصيتها. وقال أبو يوسف، ومحمد: تبغض، وتسعى كل واحدة ~~من الأخت للأب، والأخت من الأم، للأخت من الأبوين، في خمسي قيمتها؛ لأن كل ~~واحدة ترث ثلاثة أخماس رقبة. على قول الشافعي يعتقن. ### | [فصل اشترى المريض أباه بألف لا مال له سواه ثم مات وخلف ابنا] # (4700) فصل: وإن اشترى المريض أباه بألف، لا مال له سواه، ثم مات، وخلف ~~ابنا، فعلى القول الذي حكاه الخبري يعتق كله على المريض، وله ولاؤه. وعلى ~~قول القاضي يعتق ثلثه بالوصية، ويعتق باقيه على الابن؛ لأنه جده، ويكون ثلث ~~ولائه للمشتري، وثلثاه لابنه. وهذا قول مالك. وقيل: هو مذهب للشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: يعتق ثلثه بالوصية، ويسعى للابن في قيمة ثلثيه # وقال أبو يوسف، ومحمد: يعتق سدسه؛ لأنه ورثه، ويسعى في خمسة أسداس قيمته ms3112 ~~للابن، ولا وصية له. وقيل على قول الشافعي: يفسخ البيع، إلا أن يجيز الابن ~~عتقه. وقيل: يفسخ في ثلثيه، ويعتق في ثلثه، وللبائع الخيار؛ لتفرق الصفقة ~~عليه. وقيل: لا خيار له؛ لأنه متلف، فإن ترك ألفين سواه، عتق كله، وورث سدس ~~الألفين، والباقي للابن. وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة. وقيل نحوه على قول ~~الشافعي # وقيل على قوله: يعتق ولا يرث. وقيل: شراؤه مفسوخ. وقال أبو يوسف، ومحمد: ~~يرث الأب سدس التركة، وهو خمسمائة، يحتسب بها من رقبته، ويسعى في نصف ~~قيمته، ولا وصية له. وإن اشترى ابنه بألف، لا يملك غيره، ومات، وخلف أباه، ~~عتق كله بالشراء، في الوجه الأول. وفي الثاني، يعتق ثلثه بالوصية، وثلثاه ~~على جده عند الموت، وولاؤه بينهما أثلاثا. وبهذا قال مالك # وقول الشافعي فيه على ما ذكرناه في مسألة الأب. وقال أبو حنيفة: يعتق ~~ثلثه بالوصية، ويسعى في قيمة ثلثيه للأب، ولا يرث. وقال أبو يوسف، ومحمد: ~~يرث خمسة أسداسه، ويسعى في قيمة سدسه. وإن ترك ألفين سواه، عتق كله، وورث ~~خمسة أسداس الألفين، وللأب السدس. وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة. وقال أبو ~~يوسف، ومحمد للأب سدس التركة خمسمائة، وباقيها للابن يعتق منها، ويأخذ ألفا ~~وخمسمائة # وإن خلف مالا يخرج المبيع من ثلثه، فعلى الوجه الأول، يعتق كله، ويرث ~~منه. كأنه حر الأصل. وعلى الوجه الثاني. يعتق منه بقدر ثلث التركة، ويرث ~~بقدر ما فيه من الحرية، فإن لم يخلف المشتري أبا حرا، ولكن خلف أخا حرا، ~~ولم يترك مالا، عتق من رأس المال، على الوجه الأول، ويعتق ثلثه على الثاني، ~~ويرث الأخ ثلثيه، ثم يعتق عليه. وقال أبو حنيفة: يعتق ثلثه، ويسعى لعمه في ~~قيمة ثلثيه # وقال أبو يوسف، ومحمد: يعتق كله، # PageV06P198 # ولا سعاية. وإن خلف ألفين سواه عتق، وورث الألفين، ولا شيء للأخ، في ~~الأقوال كلها. إلا ما قيل على قول الشافعي، إنه يعتق ولا يرث. وقيل: شراؤه ~~باطل، فإن اشترى ابنه بألف لا يملك غيره، وقيمته ثلثا ألف، وخلف ابنا آخر، ~~فعلى ms3113 الوجه الأول، يعتق من رأس المال، ويستقر ملك البائع على قدر قيمته من ~~الثمن، وله ثلث الباقي؛ لأن المشتري حاباه به ولم يبق من التركة سواه، ~~فيكون له ثلثه، وهو تسع ألف، ويرد التسعين، فتكون بين الابنين # وعلى الوجه الثاني، يعتق ثلثه، ويرث أخوه ثلثيه، فيعتق عليه، وللبائع ثلث ~~المحاباة، ويرد ثلثيها، فيكون ميراثا. وقال أبو حنيفة: الثلث للبائع، ويسعى ~~المشتري في قيمته لأخيه. وقال أبو يوسف، ومحمد: يسعى في نصف رقبته، ويرث ~~نصفها. وقال الشافعي: المحاباة مقدمة لتقديمها، ويرث الابن الحر أخاه ~~فيملكه. وقيل: يفسخ البيع في ثلثيه، ويعتق ثلثه، ولا تقدم المحاباة؛ لأن في ~~تقديمها تقرير ملك الأب على ولده # وقيل: يفسخ البيع في جميعه، فإن كانت قيمته ثلث الألف، فعلى الوجه الأول ~~يعتق من رأس المال، وتنفذ المحاباة في ثلث الباقي، وهو تسعا ألف، ويرد ~~البائع أربعة أتساع ألف، فتكون بين الابنين، وعلى الوجه الآخر يحتمل وجهين؛ ~~أحدهما، تقديم العتق على المحاباة، فيعتق جميعه، ويرد البائع ثلثي الألف، ~~فيكون بينهما. والثاني، أن يعتق ثلثه، ويكون للبائع تسعا ألف، ويرد أربعة ~~أتساعها، كما قلنا في الوجه الأول. وقال أبو حنيفة: للبائع بالمحاباة ~~الثلث، ويرد الثلث، ويسعى الابن في قيمته لأخيه # وفي قول أبي يوسف، ومحمد: يرد البائع ثلث الألف، فيكون للابن الحر، ويعتق ~~الآخر بنصيبه من الميراث. وقيل على قول الشافعي: يرد البائع ثلث الألف، ~~فيكون ذلك مع الابن المشتري للحر. وقيل غير ذلك. وإن اشتراه بألف لا يملك ~~غيره، وقيمته ثلاثة آلاف، فمن أعتقه من رأس المال جعله حرا، ومن جعل ذلك ~~وصية له، أعتق ثلثه بالشراء، ويعتق باقيه على أخيه، إلا في قول الشافعي ومن ~~وافقه، فإن الحر يملك بقية أخيه، فيملك من رقبته قدر ثلثي الثمن، وذلك تسعا ~~رقبة؛ لأنه يجعل ثمنه من الثلث دون قيمته # وقيل: يفسخ البيع في ثلثيه. وقيل: في جميعه. وقال أبو حنيفة: يسعى لأخيه ~~في قيمة ثلثيه. وقال أبو يوسف، ومحمد: يسعى له في نصف قيمته. فإن ترك ألفين ~~سواه ms3114 عتق كله؛ لأن التركة هي الثمن مع الألفين، والثمن يخرج من الثلث، ~~فيعتق ويرث نصف الألفين. وهو قول الشافعي. وقيل: يعتق، ولا يرث. وعند أبي ~~حنيفة وأصحابه: التركة قيمته مع الألفين، وذلك خمسة آلاف # فعلى قول أبي حنيفة يعتق منه قدر ثلث ذلك، وهو ألف وثلثا ألف، ويسعى ~~لأخيه في ألف وثلث ألف. وفي قول صاحبيه: يعتق منه نصف ذلك، وهو خمسة ~~أسداسه، ويسعى لأخيه في خمسمائة، والألفان لأخيه في قولهم جميعا. # PageV06P199 # ولو اشترى المريض ابني عم له بألف، لا يملك غيره وقيمة كل واحد منهما ~~ألف، فأعتق أحدهما، ثم وهبه أخاه، ثم مات وخلفهما وخلف مولاه، فإن قياس قول ~~القاضي، إن شاء الله، أن يعتق ثلثا المعتق، إلا أن يجيز المولى عتق جميعه، ~~ثم يرث بثلثيه ثلثي بقية التركة، فيعتق منه ثمانية أتساعه، ويبقى تسعه وثلث ~~أخيه للمولى. ويحتمل أن يعتق كله، ويرث أخاه، فيعتقان جميعا، لأنه يصير ~~بالإعتاق وارثا لثلثي التركة، فتنفذ إجازته في إعتاق باقيه، فتكمل له ~~الحرية، ثم يكمل الميراث له # وفي قياس قول أبي الخطاب: يعتق ثلثاه، ولا يرث؛ لأنه لو ورث لكان إعتاق ~~وصية له، فيبطل إعتاقه، ثم يبطل إرثه، فيؤدي توريثه إلى إبطال توريثه. وهذا ~~قول للشافعي، ويبقى ثلثه وابن العم الآخر للمولى. وقال أبو حنيفة: يعتق ~~ثلثا المعتق، ويسعى في قيمة ثلثه، ولا يرث. وقال أبو يوسف، ومحمد: يعتق ~~كله، ويعتق عليه أخوه بالهبة، ويكونان أحق بالميراث من المولى، فإن كان ~~للميت مال سواهما، أخذ ذلك المال بالميراث، ويغرم المعتق لأخيه الموهوب نصف ~~قيمة نفسه ونصف قيمة أخيه؛ لأن عتق الأول وصية له، ولا وصية لوارث. # وقد صار وارثا مع أخيه، فورث نصف قيمة رقبته، ونصف قيمة أخيه، وورث أخوه ~~الباقي، وكان أخوه الموهوب له هبة من المريض له، فعتق بقرابته منه، ولم ~~يعتق من المريض، فلم يكن عتقه وصية، بل استهلكها بالعتق الذي جرى فيها، ~~فيغرم الأول نصف قيمته ونصف قيمة أخيه لأخيه. وأما قول أبي حنيفة، فإن كان ~~الميت لم ms3115 يدع وارثا غيرهما عتقا، وغرم الأول لأخيه نصف قيمة أخيه، ولم يغرم ~~له نصف قيمة نفسه؛ لأنه إذا لم يدع وارثا، جازت وصيته؛ لأنهما لا يرثان، ~~ولا يعتقان حتى تجوز وصية الأول، لأنه متى بقيت عليه سعاية، لم يرث واحد ~~منهما، ولم يعتق، فلا بد من أن ينفذ للمعتق وصية ليصير حرا فيعتق أخوه ~~بعتقه، وقد جازت له الوصية في جميع رقبته # ؛ لأن الميت إذا لم يدع وارثا، جازت وصيته بجميع ماله، ويرثان جميعا، ~~ويرجع الثاني على الأول بنصف قيمته؛ لأنه يقول: قد صرت أنا وأنت وارثين، ~~فلا تأخذ من الميراث شيئا دوني، وقد كانت رقبتي لك وصية وعتقت من قبلك، ~~فاضمن لي نصف رقبتي. فإن كان معسرا وهناك مال غيرهما، أخذ الثاني نصفه، ثم ~~أخذ من النصف الثاني نصف قيمة نفسه، وكان ما بقي ميراثا لأخيه الأول. ### | [فصل كان للمريض ثلاثة آلاف فتبرع بألف ثم اشترى أباه مما بقي وله ابن] # (4701) فصل: وإذا كان للمريض ثلاثة آلاف، فتبرع بألف، ثم اشترى أباه مما ~~بقي وله ابن، فعلى قول من قال ليس الشراء وصية: يعتق الأب وينفذ من التبرع ~~قدر ثلث المال حال الموت، وما بقي فللأب سدسه، وباقيه للابن. على قول ~~القاضي ومن جعله وصية: لا يعتق أب؛ لأن تبرع المريض إنما ينفذ في الثلث، ~~ويقدم الأول فالأول، وإذا قدم التبرع لم يبق من الثلث شيء، ويرثه الابن، ~~فيعتق # PageV06P200 # عليه، ولا يرث؛ لأنه إنما عتق بعد الموت. وإن وهب له أبوه، عتق، وورث؛ ~~لأن الهبة ليست بوصية، وكذلك إن ورثه # وإن اشترى أباه، ثم أعتقه، لم يعتق على قول القاضي؛ لأنه إذا لم يعتق ~~بالملك، وهو أقوى من الإعتاق بالقول، بدليل نفوذه في حق الصبي والمجنون، ~~فأولى أن لا ينفذ بالقول. ### | [فصل ملك المريض من يرثه ممن لا يعتق عليه كابن عمه فأعتقه في مرضه] # (4702) فصل: وإن ملك المريض من يرثه ممن لا يعتق عليه، كابن عمه، فأعتقه ~~في مرضه، كان إعتاقه وصية معتبرة من الثلث، بدليل أن النبي ms3116 - صلى الله عليه ~~وسلم - أقرع بين العبيد الذين أعتقهم مالكهم عند موته، ولم يكن له مال ~~سواهم، فاعتبر عتقهم من الثلث. فعلى هذا يعتبر خروج المعتق من الثلث، فإن ~~خرج من الثلث عتق ولم يرث. ذكره أبو الخطاب في مريض ملك ابن عمه في مرضه، ~~فأقر بأنه كان أعتقه في صحته، عتق ولم يرث. # لأنه لو ورث لكان إقراره لوارث، فلا يقبل، فيؤدي توريثه إلى إبطال عتقه، ~~ثم يبطل ميراثه، فكان إعتاقه من غير توريث أولى. ومقتضى قول القاضي، أنه ~~يعتق ويرث؛ لأنه حر حين موت موروثه، ليس بقاتل، ولا مخالف لدينه، ويرث، كما ~~لو ورثه. وإن لم يخرج من الثلث، عتق منه بقدر الثلث. ولا يرث، على القول ~~الأول. وعلى قول القاضي، ينبغي أن يرث بقدر ما فيه من الحرية، على ما يذكر ~~في المعتق بعضه. ### | [فصل ما لزم المريض في مرضه من حق لا يمكنه دفعه وإسقاطه] # (4703) فصل: وما لزم المريض في مرضه من حق لا يمكنه دفعه وإسقاطه، كأرش ~~الجناية، وجناية عبده، وما عاوض عليه بثمن المثل، وما يتغابن الناس بمثله، ~~فهو من رأس المال. لا نعلم فيه خلافا. وهذا عند الشافعي، وأصحاب الرأي. ~~وكذلك النكاح بمهر المثل جائز من رأس المال؛ لأنه صرف لماله في حاجة نفسه، ~~فيقدم بذلك على وارثه. وكذلك لو اشترى جارية يستمتع بها، كثيرة الثمن، بثمن ~~مثلها، أو اشترى من الأطعمة التي لا يأكل مثله منها جاز، وصح شراؤه؛ لأنه ~~صرف لماله في حاجته، وإن كان عليه دين، أو مات وعليه دين، قدم بذلك على ~~وارثه # ؛ لقول الله تعالى {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] . ### | [فصل قضى المريض بعض غرمائه ووفت تركته بسائر الديون] # (4704) فصل فأما إن قضى المريض بعض غرمائه، ووفت تركته بسائر الديون صح ~~قضاؤه، ولم يكن لسائر الغرماء الاعتراض عليه. وإن لم يف بها، ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، أن لسائر الغرماء الرجوع عليه، ومشاركته فيما أخذه. وهو قول أبي ~~حنيفة؛ لأن حقوقهم تعلقت بماله بمرضه، فمنعت تصرفه فيه ms3117 بما ينقص ديونهم، ~~كتبرعه، ولأنه لو وصى بقضاء بعض ديونه لم يجز، فكذلك إذا قضاها. # PageV06P201 # والثاني، أنهم لا يملكون الاعتراض عليه، ولا مشاركته. وهو قياس قول أحمد، ~~ومنصوص الشافعي. # لأنه أدى واجبا عليه، فصح، كما لو اشترى شيئا فأدى ثمنه، أو باع بعض ماله ~~وسلمه، ويفارق الوصية، فإنه لو اشترى ثيابا مثمنة صح، ولو وصى بتكفينه في ~~ثياب مثمنة لم يصح، يحقق هذا أن إيفاء ثمن المبيع قضاء لبعض غرمائه، وقد صح ~~عقيب البيع، فكذلك إذا تراخى، إذ لا أثر لتراخيه. ### | [فصل تبرع المريض أو أعتق ثم أقر بدين] # (4705) فصل: وإذا تبرع المريض، أو أعتق، ثم أقر بدين، لم يبطل تبرعه. نص ~~عليه أحمد، في من أعتق عبده في مرضه، ثم أقر بدين. عتق العبد، ولم يرد إلى ~~الرق. وهذا لأن الحق يثبت بالتبرع في الظاهر، فلم يقبل إقراره فيما يبطل به ~~حق غيره. ### | [فصل الأمراض على أربعة أقسام في تصرف المريض في الوصية] # (4706) فصل: ويعتبر في المريض الذي هذه أحكامه شرطان؛ أحدهما، أن يتصل ~~بمرضه الموت، ولو صح في مرضه الذي أعطى فيه، ثم مات بعد ذلك، فحكم عطيته ~~حكم عطية الصحيح؛ لأنه ليس بمرض الموت. الثاني، أن يكون مخوفا، والأمراض ~~على أربعة أقسام؛ غير مخوف، مثل وجع العين، والضرس، والصداع اليسير، وحمى ~~ساعة، فهذا حكم صاحبه حكم الصحيح؛ لأنه لا يخاف منه في العادة # الضرب الثاني، الأمراض الممتدة؛ كالجذام، وحمى الربع، والفالج في ~~انتهائه، والسل في ابتدائه، والحمى الغب، فهذا الضرب إن أضني صاحبها على ~~فراشه، فهي مخوفة، وإن لم يكن صاحب فراش، بل كان يذهب ويجيء، فعطاياه من ~~جميع المال. قال القاضي: هذا تحقيق المذهب فيه. وقد روى حرب، عن أحمد، في ~~وصية المجذوم والمفلوج: من الثلث. وهو محمول على أنهما صارا صاحبي فراش. ~~وبه يقول الأوزاعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه، وأبو ثور. وذكر ~~أبو بكر وجها في صاحب الأمراض الممتدة، أن عطيته من صلب المال # وهو مذهب الشافعي؛ لأنه لا يخاف تعجيل الموت فيه، وإن ms3118 كان لا يبرأ فهو ~~كالهرم. ولنا، أنه مريض صاحب فراش يخشى التلف، فأشبه صاحب الحمى الدائمة، ~~وأما الهرم فإن صار صاحب فراش، فهو كمسألتنا. # PageV06P202 # الضرب الثالث، من تحقق تعجيل موته، فينظر فيه؛ فإن كان عقله قد اختل، مثل ~~من ذبح، أو أبينت حشوته، فهذا لا حكم لكلامه ولا لعطيته، لأنه لا يبقى له ~~عقل ثابت، وإن كان ثابت العقل، كمن خرقت حشوته، أو اشتد مرضه ولم يتغير ~~عقله، صح تصرفه وتبرعه، وكان تبرعه من الثلث، فإن عمر - رضي الله عنه - ~~خرجت حشوته، فقبلت وصيته، ولم يختلف في ذلك. وعلي - رضي الله عنه - بعد ضرب ~~ابن ملجم أوصى وأمر ونهى، فلم يحكم ببطلان قوله. الضرب الرابع، مرض مخوف، ~~لا يتعجل موت صاحبه يقينا، لكنه يخاف ذلك، كالبرسام، وهو بخار يرقى إلى ~~الرأس، ويؤثر في الدماغ، فيختل العقل، والحمى الصالب، والرعاف الدائم؛ لأنه ~~يصفي الدم، فيذهب القوة، وذات الجنب وهو قرح بباطن الجنب، ووجع القلب ~~والرئة؛ فإنها لا تسكن حركتها، فلا يندمل جرحها، والقولنج، وهو أن ينعقد ~~الطعام في بعض الأمعاء، ولا ينزل عنه، فهذه كلها مخوفة، سواء كان معها حمى ~~أو لم يكن، وهي مع الحمى أشد خوفا. فإن ثاوره الدم، واجتمع في عضو، كان ~~مخوفا؛ لأنه من الحرارة المفرطة. وإن هاجت به الصفراء، فهي مخوفة؛ لأنها ~~تورث يبوسة، وكذلك البلغم إذا هاج؛ لأنه من شدة البرودة، وقد تغلب على ~~الحرارة الغريزية فتطفئها. والطاعون مخوف؛ لأنه من شدة الحرارة، إلا أنه ~~يكون في جميع البدن. وأما الإسهال، فإن كان منخرقا لا يمكنه منعه ولا ~~إمساكه، فهو مخوف، وإن كان ساعة؛ لأن من لحقه ذلك أسرع في هلاكه. وإن لم ~~يكن منخرقا، لكنه يكون تارة وينقطع أخرى، فإن كان يوما أو يومين، فليس ~~بمخوف؛ لأن ذلك قد يكون من فضلة الطعام، إلا أن يكون معه زحير وتقطيع كأن ~~يخرج متقطعا، فإنه يكون مخوفا؛ لأن ذلك يضعف. وإن دام الإسهال، فهو مخوف، ~~سواء كان معه زحير أو لم يكن. وما أشكل أمره من ms3119 الأمراض، رجع فيه إلى قول ~~أهل المعرفة، وهم الأطباء لأنهم أهل الخبرة بذلك والتجربة والمعرفة، ولا ~~يقبل إلا قول طبيبين مسلمين ثقتين بالغين؛ لأن ذلك يتعلق به حق الوارث وأهل ~~العطايا، فلم يقبل فيه إلا ذلك. وقياس قول الخرقي، أنه يقبل قول الطبيب ~~العدل، إذا لم يقدر على طبيبين، كما ذكرنا في باب الدعاوى. # فهذا الضرب وما أشبهه، عطاياه صحيحة؛ لما ذكرناه من قصة عمر - رضي الله ~~عنه - فإنه لما جرح سقاه الطبيب لبنا، فخرج من جرحه، فقال له الطبيب: اعهد ~~إلى الناس. فعهد إليهم ووصى، فاتفق الصحابة على قبول عهده ووصيته. وأبو بكر ~~لما اشتد مرضه، عهد إلى عمر، فنفذ عهده. ### | [مسألة عطية الحامل] # (4707) مسألة؛ قال: (وكذلك الحامل إذا صار لها ستة أشهر) # PageV06P203 # يعني عطيتها من الثلث. وهذا قول مالك. وقال إسحاق: إذا أثقلت لا يجوز لها ~~إلا الثلث. ولم يحد. وحكاه ابن المنذر عن أحمد. وقال سعيد بن المسيب، ~~وعطاء، وقتادة: عطية الحامل من الثلث. وقال أبو الخطاب: عطية الحامل من رأس ~~المال، ما لم يضربها المخاض، فإذا ضربها المخاض، فعطيتها من الثلث # وبهذا قال النخعي، ومكحول، ويحيى الأنصاري، والأوزاعي، والثوري، ~~والعنبري، وابن المنذر. وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنها قبل ضرب المخاض لا ~~تخاف الموت، ولأنها إنما تخاف الموت إذا ضربها الطلق، فأشبهت صاحب الأمراض ~~الممتدة قبل أن يصير صاحب فراش. وقال الحسن، والزهري: عطيتها كعطية الصحيح. ~~وهو القول الثاني للشافعي؛ لأن الغالب سلامتها. ووجه قول الخرقي أن ستة ~~الأشهر وقت يمكن الولادة فيه، وهي من أسباب التلف # والصحيح إن شاء الله، أنها إذا ضربها الطلق، كان مخوفا؛ لأنه ألم شديد ~~يخاف منه التلف، فأشبهت صاحب سائر الأمراض المخوفة. وأما قبل ذلك، فلا ألم ~~بها، واحتمال وجوده خلاف العادة، فلا يثبت الحكم باحتماله البعيد مع عدمه، ~~كالصحيح، فأما بعد الولادة، فإن بقيت المشيمة معها، فهو مخوف، وإن مات ~~الولد معها، فهو مخوف؛ لأنه يصعب خروجه، وإن وضعت الولد، وخرجت المشيمة، ~~وحصل ثم ورم أو ضربان شديد، فهو مخوف، ms3120 وإن لم يكن شيء من ذلك، فقد روي عن ~~أحمد في النفساء: إن كانت ترى الدم، فعطيتها من الثلث # ويحتمل أنه أراد بذلك إذا كان معه ألم للزومه لذلك في الغالب. ويحتمل أن ~~يحمل على ظاهره، فإنها إذا كانت ترى الدم، كانت كالمريض، وحكمها بعد السقط ~~كحكمها بعد وضع الولد التام. وإن أسقطت مضغة أو علقة، فلا حكم له، إلا أن ~~يكون ثم مرض أو ألم. وهذا كله مذهب الشافعي، إلا أن مجرد الدم عنده ليس ~~بمخوف. ### | [فصل يحصل الخوف في مواضع خمسة تقوم مقام المرض في تصرف المريض الموصي] # (4708) فصل: ويحصل الخوف بغير ما ذكرناه، في مواضع خمسة، تقوم مقام ~~المرض؛ أحدها، إذا التحم الحرب، واختلطت الطائفتان للقتال، وكانت كل طائفة ~~مكافئة للأخرى أو مقهورة. فأما القاهرة منهما بعد ظهورها، فليست خائفة. ~~وكذلك إذا لم يختلطوا، بل كانت كل واحدة منهما متميزة، سواء كان بينهما رمي ~~بالسهام أو لم يكن فليست حالة خوف. ولا فرق بين كون الطائفتين متفقتين في ~~الدين أو مفترقتين # وبه قال مالك، والأوزاعي، والثوري. ونحوه عن مكحول. وعن الشافعي قولان؛ ~~أحدهما، كقول الجماعة. والثاني، ليس بمخوف؛ لأنه ليس بمريض. # PageV06P204 # ولنا، أن توقع التلف هاهنا كتوقع المرض أو أكثر، فوجب أن يلحق به، ولأن ~~المرض إنما جعل مخوفا لخوف صاحبه التلف، وهذا كذلك. قال أحمد: إذا حضر ~~القتال، كان عتقه من الثلث # وعنه: إذا التحم الحرب، فوصيته من المال كله. فيحتمل أن يجعل هذا رواية ~~ثانية، وتسمى العطية وصية تجوزا؛ لكونها في حكم الوصية، ولكونها عند الموت. ~~ويحتمل أن يحمل على حقيقته في صحة الوصية من المال كله. لكن يقف الزائد على ~~الثلث على إجازة الورثة، فإن حكم وصية الصحيح وخائف التلف واحد. الثانية، ~~إذا قدم ليقتل، فهي حالة خوف، سواء أريد قتله للقصاص، أو لغيره. # وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه مخوف. # والثاني: إن جرح فهو مخوف، وإلا فلا؛ لأنه صحيح البدن، والظاهر العفو عنه # ولنا، أن التهديد بالقتل جعل إكراها يمنع وقوع الطلاق، وصحة البيع، ms3121 ويبيح ~~كثيرا من المحرمات، ولولا الخوف لم تثبت هذه الأحكام، وإذا حكم للمريض ~~وحاضر الحرب بالخوف مع ظهور السلامة، وبعد وجود التلف، فمع ظهور التلف ~~وقربه أولى، ولا عبرة بصحة البدن فإن المرض لم يكن مثبتا لهذا الحكم لعينه، ~~بل لخوف إفضائه إلى التلف، فثبت الحكم هاهنا بطريق التنبيه، لظهور التلف. ~~الثالثة، إذا ركب البحر، فإن كان ساكنا فليس بمخوف، وإن تموج واضطرب وهبت ~~الريح العاصف، فهو مخوف. # فإن الله تعالى وصفهم بشدة الخوف، بقوله سبحانه: {هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح ~~عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} [يونس: 22] . الرابعة، ~~الأسير والمحبوس، إذا كان من عادته القتل، فهو خائف، عطيته من الثلث، وإلا ~~فلا. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وابن أبي ليلى، وأحد قولي الشافعي. وقال ~~الحسن لما حبس الحجاج إياس بن معاوية: ليس له من ماله إلا الثلث # وقال أبو بكر: عطية الأسير من الثلث. ولم يفرق. وبه قال الزهري، والثوري، ~~وإسحاق. وحكاه ابن المنذر عن أحمد. وتأول القاضي ما روي عن أحمد في هذا على ~~ما ذكرناه من التفصيل ابتداء. وقال الشعبي، ومالك: الغازي عطيته من الثلث. ~~وقال # PageV06P205 # مسروق: إذا وضع رجله في الغرز. وقال الأوزاعي: المحصور في سبيل الله، ~~والمحبوس ينتظر القتل أو تفقأ عيناه، هو في ثلثه # والصحيح، إن شاء الله، ما ذكرنا من التفصيل؛ لأن مجرد الحبس والأسر من ~~غير خوف القتل ليس بمرض، ولا هو في معنى المرض في الخوف، فلم يجز إلحاقه ~~به، وإذا كان المريض الذي لا يخاف التلف عطيته من رأس ماله، فغيره أولى. ~~الخامسة، إذا وقع الطاعون ببلدة، فعن أحمد أنه مخوف. ويحتمل أنه ليس بمخوف؛ ~~فإنه ليس بمرض، وإنما يخاف المرض. والله أعلم. ### | [فصل خروج العطية من الثلث حال الموت] # (4709) فصل: ويعتبر خروج العطية من الثلث حال الموت، فمهما خرج ms3122 من الثلث ~~تبينا أن العطية صحت فيه حال العطية، فإن نما المعطى أو كسب شيئا، قسم بين ~~الورثة وبين صاحبه، على قدر ما لهما فيه، فربما أفضى إلى الدور. فمن ذلك ~~إذا أعتق عبدا لا مال له سواه، فكسب مثل قيمته في حياة سيده، فللعبد من ~~كسبه بقدر ما عتق منه، وباقيه لسيده، فيزداد به مال السيد، وتزداد الحرية ~~لذلك، ويزداد حقه من كسبه، فينقص به حق السيد، من الكسب، وينقص بذلك قدر ~~المعتق منه، فيستخرج ذلك بالجبر. # فيقال: عتق من العبد شيء، وله من كسبه شيء؛ لأن كسبه مثله، وللورثة من ~~العبد وكسبه شيئان، لأن لهم مثلي ما عتق منه، وقد عتق منه شيء، ولا يحسب ~~على العبد ما حصل له من كسبه؛ لأنه استحقه بجزئه الحر لا من جهة سيده، فصار ~~للعبد شيئان، وللورثة شيئان من العبد وكسبه، فيقسم العبد وكسبه نصفين، يعتق ~~منه نصفه، وله نصف كسبه، وللورثة نصفهما. وإن كسب مثلي قيمته، فله من كسبه ~~شيئان، صار له ثلاثة أشياء، ولهم شيئان، فيقسم العبد وكسبه أخماسا، يعتق ~~منه ثلاثة أخماسه، وله ثلاثة أخماس كسبه، وللورثة خمساه وخمسا كسبه. وإن ~~كسب ثلاثة أمثال قيمته، فله ثلاثة أشياء من كسبه # مع ما عتق منه، ولهم شيئان، فيعتق منه ثلثاه، وله ثلثا كسبه، ولهم الثلث ~~منهما. وإن كسب نصف قيمته، عتق منه شيء، وله نصف شيء، ولهم شيئان، فالجميع ~~ثلاثة أشياء ونصف، إذا بسطتها أنصافا صارت سبعة، له ثلاثة أسباعها، فيعتق ~~ثلاثة أسباعه، وله ثلاثة أسباع كسبه، والباقي لهم. إن كانت قيمته مائة، ~~فكسب تسعة، فاجعل له من كل دينار شيئا، فقل: عتق منه مائة شيء، وله من كسبه ~~تسعة، أشياء، ولهم مائتا شيء. ويعتق منه مائة جزء وتسعة أجزاء من ثلاثمائة ~~وتسعة، وله من كسبه مثل ذلك، ولهم مائتا جزء من نفسه ومائتان من كسبه # وإن كان على السيد دين يستغرق قيمته وقيمة كسبه، صرفا في الدين ولم يعتق ~~منه شيء؛ لأن # PageV06P206 # الدين مقدم على التبرع، وإن لم ms3123 يستغرق قيمته وقيمة كسبه، صرف من العبد ~~وكسبه. # ما يقضي به الدين، وما بقي منهما يقسم على ما يعمل في العبد الكامل ~~وكسبه. فلو كان على السيد دين كقيمته، صرف فيه نصف العبد، ونصف كسبه، وقسم ~~الباقي بين الورثة والعتق نصفين. وكذلك بقية الكسب وإن كسب العبد مثل ~~قيمته، وللسيد مال مثل قيمته، قسمت العبد ومثلي قيمته على الأشياء الأربعة، ~~فلكل شيء ثلاثة أرباع، فيعتق من العبد ثلاثة أرباعه، وله ثلاثة أرباع كسبه # ولو أعتق عبدا قيمته عشرون، ثم أعتق عبدا قيمته عشرة، فكسب كل واحد منهما ~~مثل قيمته، لكملت الحرية في العبد الأول، فيعتق منه شيء. وله من كسبه شيء، ~~وللورثة شيئان، ويقسم العبدان وكسبهما على الأشياء الأربعة، فيكون لكل شيء ~~خمسة عشر، فيعتق منه بقدر ذلك، وهو ثلاثة أرباعه، وله ثلاثة أرباع كسبه، ~~والباقي لهم. وإن بدأ بعتق الأدنى عتق كله، وأخذ كسبه، ويستحق الورثة من ~~العبد الآخر وكسبه مثلي العبد الذي عتق، وهو نصفه ونصف كسبه، ويبقى نصفه ~~ونصف كسبه بينهما نصفين، فيعتق ربعه، وله ربع كسبه، ويرق ثلاثة أرباعه، ~~ويتبعه ثلاثة أرباع كسبه. # وذلك مثلا ما انعتق منهما. وإن أعتق العبدين دفعة واحدة، قرعنا بينهما، ~~فمن خرجت له قرعة الحرية، فحكمه كما لو بدأ بإعتاقه. ### | [فصل أعتق ثلاثة أعبد قيمتهم سواء وعليه دين بقدر قيمة أحدهم وكسب أحدهم مثل قيمته] # فصل: وإن أعتق ثلاثة أعبد، قيمتهم سواء، وعليه دين بقدر قيمة أحدهم، وكسب ~~أحدهم مثل قيمته، أقرعنا بينهم لإخراج الدين، فإن وقعت على غير المكتسب بيع ~~في الدين، ثم أقرعنا بين المكتسب والآخر، لأجل، الحرية فإن وقعت على غير ~~المكتسب عتق كله، والمكتسب وماله للورثة، وإن وقعت قرعة الحرية على المكتسب ~~عتق منه ثلاثة أرباعه، وله ثلاثة أرباع كسبه، وباقيه وباقي كسبه والعبد ~~الآخر للورثة، كما قلنا فيما إذا كان للسيد مال بقدر قيمته # ولو وقعت قرعة الدين ابتداء على المكتسب، لقضينا الدين بنصفه ونصف كسبه، ~~ثم أقرعنا بين باقيه وبين العبدين الآخرين في الحرية، فإن ms3124 وقعت على غيره ~~عتق كله، وللورثة ما بقي، وإن وقعت على المكتسب، عتق باقيه، وأخذ باقي ~~كسبه، ثم نقرع بين العبدين لإتمام الثلث، فمن وقعت عليه القرعة، عتق ثلثه، ~~وبقي ثلثاه، والعبد الآخر للورثة. لو كان العبد موهوبا لإنسان، كان له من ~~العبد وكسبه مثل ما للعبد من كسبه ونفسه، في هذه المسائل كلها. ### | [فصل أعتق عبدين متساويي القيمة بكلمة واحدة ولا مال له غيرهما فمات أحدهما] # (4711) فصل: وإن أعتق عبدين متساويي القيمة، بكلمة واحدة، ولا مال له ~~غيرهما، فمات أحدهما، أقرع بين الحي # PageV06P207 # والميت، فإن وقعت على الميت فالحي رقيق، وتبين أن الميت نصفه حر؛ لأن مع ~~الورثة مثلي نصفه، وإن وقعت على الحي عتق ثلثه، ولا يحسب الميت على الورثة؛ ~~لأنه لم يصل إليهم. ### | [فصل أعتق عبدا لا مال له سواه قيمته عشرة فمات قبل سيده وخلف عشرين] # (4712) فصل: رجل أعتق عبدا، لا مال له سواه، قيمته عشرة، فمات قبل سيده، ~~وخلف عشرين، فهي لسيده بالولاء، وتبين أنه مات حرا، وكذلك إن خلف أربعين ~~وبنتا. وإن خلف عشرة، عتق منه شيء، وله من كسبه شيء، ولسيده شيئان، وقد حصل ~~في يد سيده عشرة تعدل شيئين، فتبين أن نصفه حر، وباقيه رقيق، والعشرة ~~يستحقها السيد، نصفها بحكم الرق، ونصفها بالولاء. فإن خلف العبد ابنا، فله ~~من رقبته شيء، ومن كسبه شيء، يكون لأبيه بالميراث، ولسيده شيئان، فتقسم ~~العشرة على ثلاثة، للابن ثلثها، وللسيد ثلثاها، وتبين أنه عتق من العبد ~~ثلثه # وإن خلف بنتا، فلها نصف شيء، وللسيد شيئان، فصارت العشرة على خمسة، للبنت ~~خمسها، وللسيد أربعة أخماسها، تعدل شيئين، فتبين أن خمسي العبد مات حرا. ~~وإن خلف العبد عشرين وابنا، فله من كسبه شيئان، يكونان لابنه، ولسيده ~~شيئان، فصارت العشرون بين السيد وبين ابنه نصفين، وتبين أنه عتق منه نصفه. ~~فإن مات الابن قبل موت السيد، وكان ابن معتقه، ورثه السيد؛ لأنا تبينا أن ~~أباه مات حرا، لكون السيد ملك عشرين، وهي مثلا قيمته، فعتق، وجر ولاء ابنه ~~إلى ms3125 سيده، فورثه # وإن لم يكن ابن معتقه، لم ينجر ولاؤه، ولم يرثه سيد أبيه. وكذلك الحكم لو ~~خلف هذا الابن عشرين، ولم يخلف أبوه شيئا، أو ملك السيد عشرين من أي جهة ~~كانت. وإن لم يملك عشرين، لم ينجر ولاء الابن إليه؛ لأن أباه لم يعتق، وإن ~~عتق بعضه، جر من ولاء ابنه بقدره، فلو خلف الابن عشرة، وملك السيد خمسة، ~~فإنك تقول: عتق من العبد شيء، ويجر من ولاء أبيه مثل ذلك، ويحصل له من ~~ميراثه شيء مع خمسته، وهما يعدلان شيئين، وباقي العشرة لمولى أمه. # فيقسم بين السيد ومولى الأم نصفين، وتبين أنه قد عتق من العبد نصفه، وحصل ~~للسيد خمسه من ميراث ابنه، وكانت له خمسة، وذلك مثلا ما عتق من العبد. فإن ~~مات الابن في حياة أبيه قبل موت سيده، وخلف مالا، وحكمنا بعتق الأب أو عتق ~~بعضه، ورث مال ابنه إن كان حرا، أو بقدر ما فيه من الحرية إن كان بعضه حرا، ~~ولم يرث سيده منه شيئا. وفي هذه المسائل خلاف تركت ذكره كراهة التطويل. ### | [فصل في المحاباة في المرض] # (4713) فصل: في المحاباة في المرض، وهي أن يعاوض بماله، ويسمح لمن عاوضه ~~ببعض عوضه، وهي على أقسام؛ # PageV06P208 # القسم الأول المحاباة في البيع والشراء. # ولا يمنع ذلك صحة العقد، في قول الجمهور. وقال أهل الظاهر: العقد باطل. ~~ولنا، عموم قول الله تعالى {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] . ولأنه تصرف ~~صدر من أهله في محله، فصح، كغير المريض. فلو باع في مرضه عبدا لا يملك ~~غيره، قيمته ثلاثون بعشرة، فقد حابى المشتري بثلثي ماله، وليس له المحاباة ~~بأكثر من الثلث، فإن أجاز الورثة ذلك لزم البيع. # وإن لم يجيزوا فاختار المشتري فسخ البيع فله ذلك؛ لأن الصفقة تبعضت عليه، ~~وإن اختار إمضاء البيع، فالصحيح عندي أنه يأخذ نصف المبيع بنصف الثمن، ~~ويفسخ البيع في الباقي. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. والوجه الثاني ~~أنه يأخذ ثلثي المبيع بالثمن كله. وإلى هذا أشار القاضي في نحو هذه ~~المسألة؛ لأنه ms3126 يستحق، الثلث بالمحاباة، والثلث الآخر بالثمن. وقال أهل ~~العراق: يقال له: إن شئت أديت عشرة أخرى وأخذت المبيع، وإن شئت فسخت ولا ~~شيء لك # وعند مالك: له أن يفسخ ويأخذ ثلث المبيع بالمحاباة، ويسميه أصحابه خلع ~~الثلث. ولنا أن فيما ذكرناه مقابلة بعض المبيع بقسطه من الثمن عند تعذر أخذ ~~جمعيه بجميعه، فصح ذلك، كما لو اشترى سلعتين بثمن، فانفسخ البيع في إحداهما ~~لعيب أو غيره، أو كما لو اشترى شقصا وسيفا، فأخذ الشفيع الشقص، أو كالشفعاء ~~يأخذ كل واحد منهم جزءا من المبيع بقسطه، أو كما لو اشترى قفيزا يساوي ~~ثلاثين، بقفيز قيمته عشرة # وأما الوجه الذي اختاره القاضي فلا يصح؛ لأنه أوجب له المبيع بثمن، فيأخذ ~~بعضه بالثمن كله، فلا يصح، كما لو قال: بعتك هذا بمائة. فقال: قبلت نصفه ~~بها. ولأنه إذا فسخ البيع في بعضه، وجب أن يفسخه في قدره من ثمنه، ولا يجوز ~~فسخ البيع فيه مع بقاء ثمنه، كما لا يجوز فسخ البيع في الجميع مع بقاء ~~ثمنه. وأما قول أهل العراق، فإن فيه إجبار الورثة على المعاوضة على غير ~~الوجه الذي عاوض مورثهم، وإذا فسخ البيع، لم يستحق شيئا؛ لأن الوصية إنما ~~حصلت في ضمن البيع. # فإذا بطل البيع زالت الوصية، كما لو وصى لرجل بعينه أن يحج عنه بمائة، ~~وأجر مثله خمسون، فطلب الخمسين الفاضلة بدون الحج. وإن اشترى عبدا يساوي ~~عشرة بثلاثين، فإنه يأخذ نصفه بنصف الثمن. وإن باع العبد الذي يساوي ثلاثين ~~بخمسة عشر، جاز والبيع في ثلثيه بثلثي الثمن. وعلى قول القاضي، للمشتري ~~خمسة أسداسه بكل الثمن، وطريق هذا أن تنسب الثمن وثلث المبيع إلى قيمته، ~~فيصح البيع في مقدار تلك النسبة، وهو خمسة أسداسه # وعلى الوجه الأول، يسقط الثمن من قيمة المبيع، وينسب الثلث إلى الباقي، ~~فيصح البيع في قدر تلك النسبة، وهو ثلثاه بثلثي الثمن. فإن خلف البائع عشرة ~~أخرى، فعلى الوجه الأول، يصح البيع في # PageV06P209 # ثمانية أتساعه بثمانية أتساع الثمن، وعلى الوجه الثاني، يأخذ المشتري ~~نصفه ms3127 وأربعة أتساعه بجميع الثمن، ويرد نصف تسعه. وإن باع قفيز حنطة يساوي ~~ثلاثين، بقفيز يساوي عشرة، أو بقفيز يساوي خمسة عشر، تعين الوجه الذي ~~اخترناه في قول القاضي ومن وافقه؛ لأن المساواة هاهنا شرط في صحة البيع، ~~ولا تحصل بغير هذا الوجه # وطريق حسابها بالجبر فيما إذا باعه بما يساوي ثلث قيمته، أن نقول: يجوز ~~البيع في شيء من الأرفع بشيء من الأدون، وقيمته ثلث شيء، فتكون المحاباة ~~بثلثي شيء، ألقهما من الأرفع، يبق قفيز إلا ثلثي شيء يعدل مثلي المحاباة، ~~وذلك شيء، وثلث شيء، فإذا جبر به عدل شيئين، فالشيء نصف القفيز. ### | [فصل تزوج في مرضه امرأة صداق مثلها خمسة فأصدقها عشرة لا يملك سواها ثم مات] # (4714) فصل: القسم الثاني المحاباة في التزويج. # إذا تزوج في مرضه امرأة، صداق مثلها خمسة، فأصدقها عشرة لا يملك سواها، ~~ثم مات، فإن ورثته بطلت المحاباة، إلا أن يجيزها سائر الورثة، وإن لم ترثه ~~لكونها مخالفة له في الدين أو غير ذلك، فلها مهرها وثلث ما حاباها به. وإن ~~ماتت قبله، فورثها ولم تخلف مالا سوى ما أصدقها، دخلها الدور، فتصح ~~المحاباة في شيء، فيكون له خمسة بالصداق، وشيء بالمحاباة، ويبقى لورثة ~~الزوج خمسة الأشياء، ثم رجع إليهم بالميراث نصف مالها. # وهو اثنان ونصف ونصف شيء، صار لهم سبعة ونصف إلا نصف شيء يعدل شيئين، ~~اجبر وقابل، يخرج الشيء ثلاثة، فكان لها ثمانية، رجع إلى ورثة الزوج نصفها ~~أربعة، صار لهم ستة، ولورثتها أربعة. فإن ترك الزوج خمسة أخرى، قلت: يبقى ~~مع ورثة الزوج اثنا عشر ونصف إلا نصف شيء يعدل شيئين، فالشيء خمسة، فجازت ~~لها المحاباة جميعها، ورجع جميع ما حاباها به إلى ورثة الزوج، وبقي لورثتها ~~صداق مثلها # وإن كان للمرأة خمسة، ولم يكن للزوج شيء، قلت: يبقى مع ورثة الزوج عشرة ~~إلا نصف شيء، يعدل شيئين، فالشيء أربعة، فيكون لها بالصداق تسعة مع خمسها ~~أربعة عشر، رجع إلى ورثة الزوج نصفها مع الدينار الذي بقي لهم، صار لهم ~~ثمانية ولورثتها ms3128 سبعة. وإن كان عليها دين ثلاثة، قلت: يبقى مع ورثة الزوج ~~ستة إلا نصف شيء، يعدل شيئين، فالشيء ديناران وخمسان. والباب في هذا أن ~~ننظر ما يبقى في يد ورثة الزوج، فخمساه هو الشيء الذي صحت المحاباة فيه؛ ~~وذلك لأنه بعد الجبر يعدل شيئين ونصفا، والشيء هو خمسا شيئين ونصف، وإن شئت ~~أسقطت خمسة، وأخذت نصف ما بقي. ### | [فصل خالعها في مرضها بأكثر من مهرها الزوج] # (4715) فصل: القسم الثالث، أن يخالعها في مرضها بأكثر من مهرها، فمذهب ~~أحمد أن لورثتها أن لا يعطوه أكثر # PageV06P210 # من ميراثه منها، يكون له الأقل من العوض أو ميراثه منها. وبهذا قال أبو ~~حنيفة إن خالعها بعد دخوله بها، وماتت قبل انقضاء عدتها؛ لأنها متهمة في ~~أنها قصدت إيصال أكثر من ميراثه إليه. وعند مالك: إن زاد على مهر المثل، ~~فالزيادة مردودة # وعن مالك، أن خلع المريضة باطل. وقال الشافعي: الزيادة على مهر المثل ~~محاباة تعتبر من الثلث. وقال أبو حنيفة: إن خالعها قبل دخوله بها، أو مات ~~بعد انقضاء عدتها، فالعوض من الثلث، ومثال ذلك: امرأة اختلعت من زوجها ~~بثلاثين، لا مال لها سواها، وصداق مثلها اثنا عشر، فله خمسة عشر، سواء قل ~~صداقها أو كثر؛ لأنها قدر ميراثه. وعند الشافعي: له ثمانية عشر، اثنا عشر ~~لأنها قدر صداقها، وثلث باقي المال بالمحاباة وهو ستة. وإن كان صداقها ستة، ~~فله أربعة عشر؛ لأن ثلث الباقي ثمانية # مريض تزوج امرأة على مائة لا يملك غيرها، ومهر مثلها عشرة، ثم مرضت، ~~فاختلعت منه بالمائة، ولا مال لها سواها، فلها مهر مثلها، ولها شيء ~~بالمحاباة، والباقي له، ثم رجع إليه نصف مالها بالمحاباة، وهو خمسة ونصف ~~شيء، فصار مع ورثته خمسة وتسعون إلا نصف شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر يخرج ~~الشيء ثمانية وثلاثين، فقد صح لها بالصداق والمحاباة ثمانية وأربعون، وبقي ~~مع ورثته اثنان وخمسون، ورجع إليهم بالخلع أربعة وعشرون، فصار معهم ستة ~~وسبعون، وبقي للمرأة أربعة وعشرون # وعند الشافعي يرجع إليهم صداق المثل وثلث شيء بالمحاباة، ms3129 فصار بأيديهم ~~مائة إلا ثلثي شيء، يعدل شيئين، فالشيء ثلاثة أثمانها، وهو سبعة وثلاثون ~~ونصف، فصار لها ذلك ومهر المثل، رجع إليه مهر المثل وثلث الباقي اثنا عشر ~~ونصف، فيصير بأيدي ورثته خمسة وسبعون، وهو مثلا محاباتها. وعند أبي حنيفة، ~~يرجع إليهم ثلث العشر وثلث الشيء، فصار معهم ثلاثة وتسعون وثلث إلا ثلثي ~~شيء، فالشيء ثلاثة أثمانها، وهو خمسة وثلاثون مع العشرة، صار لها خمسة ~~وأربعون، رجع إلى الزوج ثلثها، صار لورثتها ثلاثون ولورثته سبعون، هذا إذا ~~ماتت بعد انقضاء عدتها # وإن تركت المرأة مائة أخرى، فعلى قولنا يبقى مع ورثة الزوج مائة وخمسة ~~وأربعون إلا نصف شيء، يعدل شيئين، فالشيء خمسا ذلك، وهو ثمانية وخمسون، وهو ~~الذي صحت المحاباة فيه، فلها ذلك وعشرة بالمثل، صار لها مائة وثمانية ~~وستون، رجع إلى الزوج نصفها أربعة وثمانون، وكان الباقي معه اثنان وثلاثون، ~~صار له مائة وستة عشر، ولورثتها أربعة وثمانون. ### | [فصل وهب أخاه مائة لا يملك غيرها فقبضها ثم مات وخلف بنتا] # (4716) فصل: في الهبة؛ رجل وهب أخاه مائة لا يملك غيرها، فقبضها، ثم مات، ~~وخلف بنتا، فقد صحت الهبة في شيء، والباقي للواهب، ورجع إليه بالميراث نصف ~~الشيء الذي جازت الهبة فيه، صار معه مائة إلا نصف شيء، # PageV06P211 # يعدل شيئين، فالشيء خمسا ذلك أربعون، رجع إلى الواهب نصفها عشرون، صار ~~معه ثمانون، وبقي لورثة أخي الواهب عشرون. وطريقها بالباب أن تأخذ عددا ~~لثلثه نصف، وهو ستة، فتأخذ ثلثه اثنين، وتلقي نصفه سهما، يبقى سهم، فهو ~~للموهوب له، ويبقى للواهب أربعة، فتقسم المائة سهم، على خمسة، والسهم الذي ~~أسقطته لا يذكر؛ لأنه # يرجع على جميع السهام الباقية بالسوية، فيجب اطراحه، كالسهام الفاضلة عن ~~الفروض في مسألة الرد. وشبه هذه المسألة من مسائل الرد، أم وأختان، ~~فللأختين أربعة، وللأم سهم، يسقط ذكر السهم السادس. ولو كان ترك اثنتين، ~~ضربت ثلاثة في ثلاثة، صارت تسعة، وأسقطت منها سهما يبقى ثمانية، فهي المال، ~~وخذ الثلث ثلاثة، أسقط منهما سهما، يبقى سهمان، فهي التي تبقى ms3130 لورثة ~~الموهوب له، ويبقى ستة للواهب، وهي مثلا ما جازت الهبة فيه # وإن خلف امرأة وبنتا، فمسألتها من ثمانية، تضربها في ثلاثة تكون أربعة ~~وعشرين تسقط منها الثلاثة التي ورثها الواهب، يبقى أحد وعشرون، فهي المال، ~~وتأخذ ثلث الأربعة والعشرين، وهي ثمانية، تلقي منها الثلاثة، يبقى خمسة، ~~فهي الباقية لورثة الموهوب له، والباقي للواهب، فتقسم المائة على هذه ~~السهام. ### | [فصل وهب مريض مريضا مائة لا يملك سواها ثم عاد الموهوب له فوهبها للأول ولا يملك سواها] # (4717) فصل: فإن وهب مريض مريضا مائة، لا يملك سواها، ثم عاد الموهوب له ~~فوهبها للأول، ولا يملك سواها، فبالباب نضرب ثلاثة في ثلاثة، ونسقط منها ~~سهما، يبقى ثمانية، فاقسم المائة عليها لكل سهمين خمسة وعشرون، ثم خذ ثلثها ~~ثلاثة، أسقط منها سهما، يبقى سهمان، فهو للموهوب الأول، وذلك هو الربع. ~~وبالجبر قد صحت الهبة في شيء، ثم صحت الهبة الثانية في ثلثه، بقي للموهوب ~~الأول ثلثا شيء وللواهب مائة إلا ثلثي شيء، يعدل شيئين، اجبر وقابل، يخرج ~~الشيء سبعة وثلاثين ونصفا، رجع إلى الواهب ثلثها اثنا عشر ونصف، وبقي ~~للموهوب له خمسة وعشرون # فإن خلف الواهب مائة أخرى، فقد بقي مع الواهب مائتان إلا ثلثي شيء، تعدل ~~شيئين، الشيء ثلاثة أثمانها، وذلك خمسة وسبعون، رجع إلى الواهب ثلثها، بقي ~~مع ورثته خمسون. ### | [فصل وهب رجلا جارية فقبضها الموهوب له ووطئها] # (4718) فصل: فإن وهب رجل رجلا جارية، فقبضها الموهوب له ووطئها، ومهرها ~~ثلث قيمتها، ثم مات الواهب ولا شيء له سواها، وقيمتها ثلاثون، ومهرها عشرة، ~~فقد صحت الهبة في شيء، وسقط عنه من مهرها ثلث شيء، وبقي للواهب أربعون إلا ~~شيئا وثلثا يعدل شيئين، اجبر وقابل، يخرج الشيء، خمس ذلك وعشره، وهو اثنا ~~عشر وذلك خمسا الجارية. فقد صحت الهبة فيه، ويبقى للواهب ثلاثة أخماسها، ~~وله على الموهوب له ثلاثة أخماس مهرها ستة # ولو وطئها أجنبي فكذلك، ويكون عليه مهرها، ثلاثة أخماسه # PageV06P212 # للواهب، وخمساه للموهوب له، إلا أن نفوذ الهبة فيما زاد على الثلث منها ms3131 ~~موقوف على حصول المهر من الواطئ، فإن لم يحصل منه شيء، لم تزد الهبة على ~~ثلثها. وكلما حصل منه شيء نفذت الهبة في الزيادة بقدر ثلثه. وإن وطئها ~~الواهب، فعليه من عقرها بقدر ما جازت الهبة فيه، وهو ثلث شيء، يبقى معه ~~ثلاثون إلا شيئا، يعدل شيئين، فالشيء تسعة، وهو خمس الجارية، وعشرها وسبعة ~~أعشارها لورثة الواطئ، وعليهم عقر الذي جازت الهبة فيه، فإن أخذ من الجارية ~~بقدرها، صار له خمساها. ### | [فصل وهب مريض عبدا لا يملك غيره فقتل العبد الواهب] # (4719) فصل: وإن وهب مريض رجلا عبدا، لا يملك غيره، فقتل العبد الواهب، ~~قيل للموهوب له: إما أن تفديه، وإما أن تسلمه، فإن اختار تسليمه سلمه كله، ~~نصفه بالجناية، ونصفه لانتقاض الهبة فيه؛ وذلك لأن العبد كله قد صار إلى ~~ورثة الواهب، وهو مثلا نصفه، فتبين أن الهبة جازت في نصفه. وإن اختار فداءه ~~ففيه روايتان؛ إحداهما؛ يفديه بأقل الأمرين من قيمة نصيبه منه أو أرش ~~جنايته. والأخرى، يفديه بقدر ذلك من أرش جنايته، بالغة ما بلغت # فإن كانت قيمته دية، فإنك تقول: صحت الهبة في شيء، وتدفع إليهم نصف العبد ~~وقيمة نصفه، وذلك يعدل شيئين، فتبين أن الشيء نصف العبد، وإن كانت قيمته ~~ديتين، واختار دفعه، فإن الهبة تجوز في شيء، وتدفع إليهم نصفه، يبقى معهم ~~عبد إلا نصف شيء، يعدل شيئين، فالشيء خمساه، ويرد إليهم ثلاثة أخماسه؛ ~~لانتقاص الهبة، وخمسا من أجل جنايته، فيصير لهم أربعة أخماسه، وذلك مثلا ما ~~جازت الهبة فيه. وإن اختار فداءه، فداه بخمسي الدية، ويبقى لهم ثلاثة ~~أخماسه وخمسا الدية، وهي بمنزلة خمس منه، ويبقى له خمساه # وإن كانت قيمته نصف الدية أو أقل، وقلنا: نفديه بأرش جنايته. نفذت الهبة ~~في جميعه؛ لأن أرشها أكثر من مثلي قيمته أو مثليها. وإن كانت قيمته ثلاثة ~~أخماس الدية، فاختار فداءه بالدية، فقد صحت الهبة في شيء، ويفديه بشيء ~~وثلثين، فصار مع الورثة عبد وثلثا شيء، يعدل شيئين، فالشيء ثلاثة أرباع، ~~فتصح الهبة في ثلاثة أرباع ms3132 العبد، ويرجع إلى الواهب ربعه مائة وخمسون، ~~وثلاثة أرباع الدية سبعمائة وخمسون، صار الجميع تسعمائة، وهو مثلا ما صحت ~~الهبة فيه # فإن ترك الواهب مائة دينار، فاضممها إلى قيمة العبد، فإن اختار دفع ~~العبد، دفع ثلثه وربعه، وذلك قدر نصف جميع المال بالجناية وباقيه # PageV06P213 # لانتقاص الهبة، فيصير العبد والمائة، وذلك مثلا ما جازت الهبة فيه. وإن ~~اختار الفداء، فقد علمت أنه يفدي ثلاثة أرباعه إذا لم يترك شيئا، فزد على ~~ذلك ثلاثة أرباع المائة، يصير ذلك سبعة أثمان العبد، فيفديه بسبعة أثمان ~~الدية. ### | [فصل مريض أعتق عبدا لا مال له سواه قيمته مائة فقطع إصبع سيده خطأ] # (4720) فصل: مريض أعتق عبدا، لا مال له سواه، قيمته مائة، فقطع إصبع سيده ~~خطأ، فإنه يعتق نصفه، وعليه نصف قيمته، ويصير للسيد نصفه ونصف قيمته، وذلك ~~مثلا ما عتق منه، وأوجبنا نصف قيمته عليه؛ لأن عليه من أرش جنايته بقدر ما ~~عتق منه. وحسابها أن تقول: عتق منه، شيء، وعليه شيء للسيد فصار مع السيد ~~عبد إلا شيئا، وشيء يعدل شيئين، فأسقط شيئا بشيء، بقي ما معه من العبد يعدل ~~شيئا مثل ما عتق منه. ولو كانت قيمة العبد مائتين، عتق خمساه؛ لأنه يعتق ~~منه شيء. # وعليه نصف شيء للسيد، فصار للسيد نصف شيء، وبقية العبد يعدل شيئين، فيكون ~~بقية العبد يعدل شيئا ونصفا، وهو ثلاثة أخماسه، والشيء الذي عتق خمساه. وإن ~~كانت قيمته خمسين أو أقل، عتق كله لأنه يلزمه مائة، وهي مثلاه أو أكثر. وإن ~~كانت قيمته ستين، قلنا: عتق منه شيء، وعليه شيء وثلثا شيء للسيد، مع بقية ~~العبد، يعدل شيئين، فبقية العبد إذا ثلث شيء، فيعتق منه ثلاثة أرباعه. وعلى ~~هذا القياس إلا أن ما زاد في العتق على الثلث، ينبغي أن يقف على أداء ما ~~يقابله من القيمة # كما إذا دبر عبدا وله دين في ذمة غريم له، فكلما اقتضى من القيمة شيئا، ~~عتق من الموقوف بقدر ثلثه. ### | [فصل أعتق عبدين دفعة واحدة قيمة أحدهما مائة والآخر مائة ms3133 وخمسون فجنى الأدنى على الأرفع] # (4721) فصل: فإن أعتق عبدين، دفعة واحدة، قيمة أحدهما مائة والآخر مائة ~~وخمسون، فجنى الأدنى على الأرفع جناية نقصته ثلث قيمته، وأرشها كذلك، في ~~حياة سيدهما، ثم مات، أقرعنا بين العبدين، فإن وقعت على الجاني عتق منه ~~أربعة أخماسه، وعليه أربعة أخماس أرش جنايته، وبقي لورثة سيده خمسه وأرش ~~جنايته والعبد الآخر، وذلك مائة وستون، وهو مثلا ما عتق منه # وحسابها أن تقول: عبد عتق منه شيء، وعليه نصف شيء؛ لأن جنايته بقدر نصف ~~قيمته، بقي للسيد نصف شيء وبقية العبدين تعدل شيئين، فعلمت أن بقية العبدين ~~شيء ونصف، فإذا أضفت إلى ذلك الشيء الذي عتق، صارا جميعا يعدلان شيئين ~~ونصفا، فالشيء الكامل خمساهما، وذلك أربعة أخماس أحدهما. وإن وقعت قرعة ~~الحرية على المجني عليه، عتق ثلثه، وله ثلث أرش جنايته، يتعلق برقبة ~~الجاني، وذلك تسع الدية؛ لأن الجناية على من ثلثه حر تضمن بقدر ما فيه من ~~الحرية والرق، والواجب له من الأرش يستغرق قيمة الجاني، فيستحقه بها، ولا ~~يبقى لسيده مال سواه فيعتق ثلثه، ويرق ثلثاه. وإن أعتق عبدين، قيمة أحدهما ~~خمسون. # وقيمة الآخر # PageV06P214 # ثلاثون، فجنى الأدنى على الأرفع، فنقصه حتى صارت قيمته أربعين، أقرعنا ~~بينهما، فإن خرجت القرعة للأدنى، عتق منه شيء، وعليه ثلث شيء، فبعد الجبر ~~تبين أن العبدين شيئان وثلثان، فالشيء ثلاثة أثمانهما، وقيمتها سبعون، ~~فثلاثة أثمانها سبعة وعشرون وربع وهي من الأدنى نصفه وخمساه ونصف سدس عشره. ~~وإن وقعت على الآخر، عتق ثلثه، وحقه من الجناية أكثر من قيمة الجاني، ~~فيأخذه بها، أو يفديه المعتق # وقد بقيت فروع كثيرة، وفيما ذكرنا ما يستدل به على غيره، إن شاء الله ~~تعالى وكل موضع زاد العتق على ثلث العبدين من أجل وجوب الأرش للسيد، تكون ~~الزيادة موقوفة على أداء الأرش، كما ذكرنا من قبل والله أعلم. ### | [مسألة وصية الصبي إذا عقل] # (4722) مسألة؛ قال: (ومن جاوز العشر سنين؛ فوصيته جائزة إذا وافق الحق) ~~هذا المنصوص عن أحمد، فإنه قال، في رواية صالح، وحنبل: ms3134 تحوز وصيته إذا بلغ ~~عشر سنين. قال أبو بكر: لا يختلف المذهب أن من له عشر سنين، تصح وصيته، ومن ~~له دون السبع لا تصح وصيته، وما بين السبع والعشر فعلى روايتين. وقال ابن ~~أبي موسى: لا تصح وصية الغلام لدون العشر ولا الجارية، قولا واحدا، وما زاد ~~على العشر فتصح، على المنصوص # وفيه وجه آخر، لا تصح حتى يبلغ. وقال القاضي، وأبو الخطاب: تصح وصية ~~الصبي إذا عقل. وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أجاز وصية الصبي، وهو قول ~~عمر بن عبد العزيز، وشريح، وعطاء، والزهري، وإياس، وعبد الله بن عتبة، ~~والشعبي، والنخعي، ومالك، وإسحاق. قال إسحاق: إذا بلغ اثنتي عشرة. وحكاه ~~ابن المنذر عن أحمد # وعن ابن عباس: لا تصح وصيته حتى يبلغ. وبه قال الحسن، ومجاهد، وأصحاب ~~الرأي. وللشافعي قولان، كالمذهبين. واحتجوا بأنه تبرع بالمال، فلا يصح من ~~الصبي، كالهبة والعتق، ولأنه لا يقبل إقراره، فلا تصح وصيته، كالطفل. ولنا، ~~ما روي، أن صبيا من غسان، له عشر سنين، أوصى لأخوال له، فرفع ذلك إلى عمر ~~بن الخطاب، - رضي الله عنه - فأجاز وصيته. رواه سعيد. وروى مالك، في " ~~موطئه " عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، أن عمرو بن سليم أخبره، أنه قيل ~~لعمر بن الخطاب: إن هاهنا غلاما يفاعا لم يحتلم، وورثته بالشام، وهو ذو ~~مال، وليس له هاهنا إلا ابنة عم له، فقال عمر ": فليوص لها. فأوصى لها بمال ~~يقال له بئر # PageV06P215 # جشم. قال عمرو بن سليم: فبعث ذلك المال بثلاثين ألفا. وابنة عمه التي ~~أوصى لها هي أم عمرو بن سليم. قال أبو بكر: وكان الغلام ابن عشر أو اثنتي ~~عشرة سنة. وهذه قصة انتشرت فلم تنكر، ولأنه تصرف تمحض نفعا للصبي، فصح منه، ~~كالإسلام والصلاة، وذلك لأن الوصية صدقة يحصل ثوابها له بعد غناه عن ملكه ~~وماله، فلا يلحقه ضرر في عاجل دنياه ولا أخراه، بخلاف الهبة والعتق المنجز، ~~فإنه يفوت من ماله ما يحتاج إليه، وإذا ردت رجعت إليه، وها ms3135 هنا لا يرجع ~~إليه بالرد، والطفل لا عقل له، ولا يصح إسلامه ولا عباداته. وقوله: " إذا ~~وافق الحق ". يعني إذا وصى بوصية يصح مثلها من البالغ، صحت منه، وإلا فلا. ~~قال شريح، وعبد الله بن عتبة، وهما قاضيان: من أصاب الحق أجزنا وصيته. ### | [فصل الطفل وهو من له دون السبع والمجنون والمبرسم لا وصية لهم] # (4723) فصل: فأما الطفل، وهو من له دون السبع، والمجنون، والمبرسم، فلا ~~وصية لهم. وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم؛ حميد بن عبد الرحمن، ومالك، ~~والأوزاعي، والشافعي - رضي الله عنهم - وأصحاب الرأي، ومن تبعهم # ولا نعلم أحدا خالفهم إلا إياس بن معاوية، قال في الصبي والمجنون: إذا ~~وافقت وصيتهم الحق جازت. وليس بصحيح؛ فإنه لا حكم لكلامهما، ولا تصح ~~عبادتهما، ولا شيء من تصرفاتهما، فكذا الوصية، بل أولى، فإنه إذا لم يصح ~~إسلامه وصلاته التي هي محض نفع لا ضرر فيها، فلأن لا يصح بذله المال يتضرر ~~به وارثه أولى، ولأنها تصرف يفتقر إلى إيجاب وقبول، فلا يصح منهما، كالبيع ~~والهبة. ### | [فصل المحجور عليه لسفه في الوصية] # (4724) فصل: فأما المحجور عليه لسفه، فإن وصيته تصح، في قياس قول أحمد. ~~قال الخبري: وهو قول الأكثرين. وقال أبو الخطاب: في وصيته وجهان. ولنا، أنه ~~عاقل تصح وصيته، كالصبي العاقل، ولأن وصيته تمحضت نفعا له من غير ضرر، فصحت ~~كعباداته. وأما الذي يجن أحيانا، ويفيق أحيانا، فإن وصى حال جنونه لم تصح، ~~وإن وصى في حال عقله صحت وصيته؛ لأنه بمنزلة العقلاء في شهادته، ووجوب ~~العبادة عليه، فكذلك في وصيته وتصرفاته # ولا تصح وصية السكران. وقال أبو بكر: فيه قولان. يعني وجهين. ولنا أنه ~~ليس بعاقل، فلا تصح وصيته كالمجنون. وأما إيقاع طلاقه، فإنما أوقعه من ~~أوقعه تغليظا عليه، لارتكابه المعصية، فلا يتعدى هذا إلى وصيته؛ فإنه لا ~~ضرر عليه فيها، إنما الضرر على وارثه. وأما الضعيف في عقله، فإن منع ذلك ~~رشده في ماله، فهو كالسفيه، وإلا فهو كالعاقل. # PageV06P216 ### | [فصل وصية الأخرس] # (4725) فصل: وتصح وصية الأخرس إذا فهمت ms3136 إشارته؛ لأنها أقيمت مقام نطقه في ~~طلاقه ولعانه وغيرهما، فإن لم تفهم إشارته، فلا حكم لها. وهذا قول أبي ~~حنيفة، والشافعي، وغيرهما. فأما الناطق إذا اعتقل لسانه، فعرضت عليه وصيته، ~~فأشار بها، وفهمت إشارته، لم تصح وصيته. ذكره القاضي، وابن عقيل. وبه قال ~~الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة # وقال الشافعي، وابن المنذر: تصح وصيته؛ لأنه غير قادر على الكلام، أشبه ~~الأخرس. واحتج ابن المنذر بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى وهو ~~قاعد، فأشار إليهم، فقعدوا. رواه البخاري. وخرجه ابن عقيل وجها إذا اتصل ~~باعتقال لسانه الموت. ولنا، أنه غير مأيوس من نطقه، فلم تصح وصيته بإشارته، ~~كالقادر على الكلام # والخبر لا يلزم؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قادرا على الكلام، ~~ولا خلاف في أن إشارة القادر لا تصح بها وصية ولا إقرار، ففارق الأخرس، ~~لأنه مأيوس من نطقه. ### | [فصل وصى عبد أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد وصية ثم ماتوا على الرق] # (4726) فصل: وإن وصى عبد أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد وصية، ثم ماتوا على ~~الرق، فلا وصية لهم؛ لأنه لا مال لهم. وإن أعتقوهم ثم ماتوا ولم يغيروا ~~وصيتهم، صحت؛ لأن لهم قولا صحيحا وأهلية تامة، وإنما فارقوا الحر بأنهم لا ~~مال لهم، والوصية تصح مع عدم المال، كما لو وصى الفقير الذي لا شيء له، ثم ~~استغنى. وإن قال أحدهم: متى عتقت ثم مت، فثلثي لفلان وصية، فعتق ومات، صحت ~~وصيته. وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور. ولا أعلم عن غيرهم خلافهم. ### | [فصل وصية المسلم للذمي والذمي للمسلم والذمي للذمي] # (4727) فصل: وتصح وصية المسلم للذمي، والذمي للمسلم، والذمي للذمي. روي ~~إجازة وصية المسلم للذمي عن شريح، والشعبي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، ~~وأصحاب الرأي. ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. وقال محمد بن الحنفية، وعطاء، ~~وقتادة، في قوله تعالى: {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] # هو وصية المسلم لليهودي والنصراني. وقال سعيد: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن ~~عكرمة، أن صفية بنت حيي باعت ms3137 حجرتها من معاوية بمائة ألف، وكان لها أخ ~~يهودي، فعرضت عليه أن يسلم فيرث، فأبى، فأوصت له بثلث المائة. ولأنه تصح له ~~الهبة، فصحت الوصية له، كالمسلم، وإذا صحت وصية المسلم للذمي، فوصية الذمي ~~للمسلم والذمي للذمي أولى. ولا تصح إلا بما تصح به وصية المسلم للمسلم # ولو أوصى لوارثه، أو لأجنبي، بأكثر من ثلثه، وقف على إجازة الورثة، ~~كالمسلم سواء. # PageV06P217 ### | [فصل الوصية للحربي] # (4728) فصل: وتصح الوصية للحربي في دار الحرب. نص عليه أحمد، وهو قول ~~مالك، وأكثر أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: لا تصح. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن ~~الله تعالى قال: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم} [الممتحنة: 8] إلى قوله: {إنما ~~ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} [الممتحنة: 9] # الآية فيدل ذلك على أن من قاتلنا لا يحل بره. ولنا، أنه تصح هبته، فصحت ~~الوصية له، كالذمي. وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى عمر حلة ~~من حرير، فقال: يا رسول الله كسوتنيها، وقد قلت في حلة عطارد ما قلت، فقال: ~~إني لم أعطكها لتلبسها. فكساها عمر أخا مشركا له بمكة.» وعن «أسماء بنت أبي ~~بكر، قالت: أتتني أمي وهي راغبة - تعني الإسلام - فسألت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، أتتني أمي وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: ~~نعم.» وهذان فيهما صلة أهل الحرب وبرهم. والآية حجة لنا في من لم يقاتل، ~~فأما المقاتل فإنه نهي عن توليه لا عن بره والوصية له، وإن احتج بالمفهوم، ~~فهو لا يراه حجة. ثم قد حصل الإجماع على جواز الهبة، والوصية في معناها. ~~فأما المرتد، فقال أبو الخطاب: تصح الوصية له، كما تصح هبته. وقال ابن أبي ~~موسى: لا تصح؛ لأن ملكه غير مستقر، ولا يرث، ولا يورث، فهو كالميت. ولأن ~~ملكه يزول عن ماله بردته في قول أبي بكر وجماعة، فلا يثبت له الملك ~~بالوصية. ### | [فصل الوصية لكافر بمصحف أو بعبد مسلم] # (4729) فصل: ولا تصح الوصية ms3138 لكافر بمصحف ولا عبد مسلم؛ لأنه لا يجوز ~~هبتهما له، ولا بيعهما منه. وإن أوصى له بعبد كافر، فأسلم قبل موت الموصي، ~~بطلت الوصية، وإن أسلم بعد الموت وقبل القبول، بطلت، عند من يرى أن الملك ~~لا يثبت إلا بالقبول؛ لأنه لا يجوز أن يبتدئ الملك على مسلم، ومن قال: يثبت ~~الملك بالموت قبل القبول. قال: الوصية صحيحة؛ لأننا نتبين أن الملك يثبت ~~بالموت، لأنه أسلم بعد أن ملكه. ويحتمل أن لا يصح أيضا؛ لأنه يأتي بسبب ~~لولاه لم يثبت الملك، فمنع منه، كابتداء الملك. ### | [فصل الوصية بمعصية وفعل محرم] # (4730) فصل: ولا تصح الوصية بمعصية وفعل محرم، مسلما كان الموصي أو ذميا، ~~فلو وصى ببناء كنيسة أو بيت نار، أو عمارتهما، أو الإنفاق عليهما، كان ~~باطلا. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور وقال أصحاب الرأي: يصح. وأجاز أبو ~~حنيفة الوصية بأرضه تبنى كنيسة. وخالفه صاحباه. وأجاز أصحاب # PageV06P218 # الرأي أن يوصي بشراء خمر أو خنازير. ويتصدق بها على أهل الذمة. وهذه ~~وصايا باطلة، وأفعال محرمة؛ لأنها معصية، فلم تصح الوصية بها، كما لو وصى ~~بعبده أو أمته للفجور # وإن وصى لكتب التوراة والإنجيل، لم تصح؛ لأنها كتب منسوخة، وفيها تبديل، ~~والاشتغال بها غير جائز، وقد غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رأى مع ~~عمر شيئا مكتوبا من التوراة. وذكر القاضي أنه لو أوصى لحصر البيع ~~وقناديلها، وما شاكل ذلك، ولم يقصد إعظامها بذلك، صحت الوصية؛ لأن الوصية ~~لأهل الذمة، فإن النفع يعود إليهم، والوصية لهم صحيحة. والصحيح أن هذا مما ~~لا تصح الوصية به؛ لأن ذلك إنما هو إعانة لهم على معصيتهم، وتعظيم ~~لكنائسهم. ونقل عن أحمد كلام يدل على صحة الوصية من الذمي بخدمة الكنيسة # والأول أولى وأصح. وإن وصى ببناء بيت يسكنه المجتازون من أهل الذمة وأهل ~~الحرب، صح؛ لأن بناء مساكنهم ليس بمعصية. ### | [مسألة أوصى لأهل قريته أو لقرابته بلفظ عام يدخل فيه مسلمون وكفار] # (4731) مسألة؛ قال: (ومن أوصى لأهل قرية، لم يعط من فيها من الكفار، إلا ms3139 ~~أن يذكرهم) يعني به المسلم، إذا أوصى لأهل قريته أو لقرابته بلفظ عام، يدخل ~~فيه مسلمون وكفار، فهي للمسلمين خاصة، ولا شيء للكفار. وقال الشافعي: يدخل ~~فيه الكفار؛ لأن اللفظ يتناولهم بعمومه، ولأن الكافر لو أوصى لأهل قريته أو ~~قرابته، دخل فيه المسلم والكافر، فكذلك المسلم. ولنا، أن الله تعالى قال: ~~{يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] # فلم يدخل فيه الكفار إذا كان الميت مسلما، وإذا لم يدخلوا في وصية الله ~~تعالى مع عموم اللفظ، فكذلك في وصية المسلم، ولأن ظاهر حاله أنه لا يريد ~~الكفار، لما بينه وبينهم من عداوة الدين، وعدم الوصلة، المانع من الميراث، ~~ووجوب النفقة على فقيرهم، ولذلك خرجوا من عموم اللفظ في الأولاد والإخوة ~~والأزواج، وسائر الألفاظ العامة في الميراث، فكذا هاهنا، لأن الوصية أجريت ~~مجرى الميراث. وإن صرح بهم، دخلوا في الوصية؛ لأن صريح المقال لا يعارض ~~بقرينة الحال. وإن وصى لهم وأهل القرية كلهم كفار، أو وصى لقرابته، وكلهم ~~كفار، دخلوا في الوصية؛ لأنه لا يمكن تخصيصهم # إذ في إخراجهم رفع اللفظ بالكلية. وإن كان فيها مسلم واحد، والباقي كفار، ~~دخلوا في الوصية؛ لأن إخراجهم بالتخصيص هاهنا بعيد، وفيه مخالفة الظاهر من ~~وجهين؛ أحدهما، مخالفة لفظ العموم. # PageV06P219 # والثاني، حمل اللفظ الدال على الجمع على المفرد. وإن كان أكثر أهلها ~~كفارا، فظاهر كلام الخرقي أنه للمسلمين؛ لأنه أمكن حمل اللفظ عليهم، وصرفه ~~إليهم والتخصيص يصح وإن كان بإخراج الأكثر. ويحتمل أن يدخل الكفار في ~~الوصية؛ لأن التخصيص في مثل هذا بعيد، فإن تخصيص الصورة النادرة قريب، ~~وتخصيص الأكثر بعيد يحتاج فيه إلى دليل قوي # والحكم في سائر ألفاظ العموم، مثل أن يوصي لإخوته، أو عمومته، أو بني ~~عمه، أو لليتامى، أو للمساكين، كالحكم فيما إذا أوصى لأهل قريته. فأما إن ~~أوصى بذلك كافر، فإن وصيته تتناول أهل دينه؛ لأن لفظه يتناولهم، وقرينة ~~حاله إرادتهم، فأشبه وصية المسلم التي يدخل فيها أهل دينه. وهل يدخل في ~~وصيته المسلمون؟ نظرنا، فإن وجدت قرينة ms3140 دالة على دخولهم، مثل أن لا يكون في ~~القرية إلا مسلمون، دخلوا في الوصية، وكذلك إن لم يكن فيها إلا كافر واحد، ~~وسائر أهلها مسلمون، وإن انتفت القرائن، ففي دخولهم وجهان؛ أحدهما، لا ~~يدخلون، كما لم يدخل الكفار في وصية المسلم # والثاني، يدخلون؛ لأن عموم اللفظ يتناولهم، هم أحق بوصيته من غيرهم، فلا ~~يصرف اللفظ عن مقتضاه، ومن هو أحق بحكمه إلى غيره. وإن كان في القرية كافر ~~من غير أهل دين الموصي، لم يدخل في وصيته؛ لأن قرينة حال الموصي تخرجه، ولم ~~يوجد فيه ما وجد في المسلم من الأولوية، فبقي خارجا بحاله. ويحتمل أن لا ~~يخرج، بناء على توريث الكفار بعضهم من بعض على اختلاف دينهم. ### | [مسألة أوصى بكل ماله ولا عصبة له ولا مولى له] # (4732) مسألة؛ قال: (ومن أوصى بكل ماله، ولا عصبة له، ولا مولى له، ~~فجائز. وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى: لا يجوز إلا الثلث) ~~اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - في من لم يخلف من وراثه عصبة، ولا ذا ~~فرض، فروي عنه أن وصيته جائزة بكل ماله. ثبت هذا عن ابن مسعود، وبه قال ~~عبيدة السلماني، ومسروق، وإسحاق، وأهل العراق. والرواية الأخرى: لا يجوز ~~إلا الثلث # وبه قال مالك، والأوزاعي، وابن شبرمة، والشافعي، والعنبري؛ لأن له من ~~يعقل عنه، فلم تنفذ وصيته في أكثر من ثلثه، كما لو ترك وارثا. ولنا، أن ~~المنع من الزيادة على الثلث إنما كان لتعلق حق الورثة، بدليل قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إنك أن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة ~~يتكففون الناس» . وها هنا لا وارث له يتعلق حق بماله، فأشبه حال الصحة، ~~ولأنه لم يتعلق بماله حق وارث ولا غريم، أشبه حال الصحة أو أشبه الثلث. # PageV06P220 ### | [فصل خلف ذا فرض لا يرث المال كله] # (4733) فصل: وإن خلف ذا فرض، لا يرث المال كله، كبنت، أو أم، لم يكن له ~~الوصية بأكثر من الثلث؛ لأن سعدا قال للنبي - صلى الله ms3141 عليه وسلم -: لا ~~يرثني إلا ابنتي. فمنعه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الزيادة على ~~الثلث. ولأنها تستحق جميع المال بالفرض والرد، فأشبهت العصبة. وإن كان لها ~~زوج، أو للرجل امرأة، فكذلك؛ لأن الوصية تنقص حقه، لأنه إنما يستحق فرضه ~~بعد الوصية، لقوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] # فأما ذوو الأرحام فظاهر كلام الخرقي أنه لا يمنع الوصية بجميع المال؛ ~~لقوله: " ولا عصبة له ولا مولى له ". وذلك لأن ذا الرحم إرثه كالفضلة ~~والصلة، ولذلك لا يصرف إليه شيء إلا عند عدم الرد والمولى، لا تجب نفقته. ~~ويحتمل أن لا تنفذ وصيته بأكثر من ثلثه؛ لأن له وارثا، فيدخل في معنى قوله ~~- عليه السلام -: «إنك أن تترك ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون ~~الناس» # ولأنهم ورثة يستحقون ماله بعد موته، وصلته لهم في حياته، فأشبهوا ذوي ~~الفروض والعصبات، وتقديم غيرهم عليهم لا يمنع مساواتهم لهم في مسألتنا، ~~كذوي الفروض الذين يحجب بعضهم بعضا والعصبات. ### | [فصل خلف امرأة وقال أوصيت لك بما فضل من المال عن فرضها] # (4734) فصل: فإن خلف ذا فرض لا يرث المال كله، وقال: أوصيت لفلان بثلثي، ~~على أنه لا ينقص ذا الفرض شيئا من فرضه. أو خلف امرأة، وقال: أوصيت لك بما ~~فضل من المال عن فرضها. صح في المسألة الأولى؛ لأن ذا الفرض يرث المال كله، ~~لولا الوصية، فلا فرق في الوصية بين أن يجعلها من رأس المال أو من الزائد ~~على الفرض. وأما المسألة الثانية، فتنبني على الوصية بجميع المال، فإن ~~قلنا: تصح ثم. صحت هاهنا؛ لأن الباقي عن فرض الزوجة مال لا وارث له، فصحت ~~الوصية به، كما لو لم تكن زوجة. وإن قلنا: لا تصح ثم. فهاهنا مثله؛ لأن بيت ~~المال جعل كالوارث، فصار كأنه ذو ورثة يستغرقون المال إذا عين الوصية من ~~نصيب العصبة منهم، فعلى هذا يعطى الموصى له الثلث من رأس المال، ويسقط ~~تخصيصه. ### | [مسألة أوصى لعبده بثلث ماله] # (4735) مسألة؛ قال: (ومن أوصى لعبده ms3142 بثلث ماله، فإن كان العبد يخرج من ~~الثلث عتق، وما فضل من الثلث بعد عتقه، فهو له، وإن لم يخرج من الثلث، عتق ~~منه بقدر الثلث، إلا أن يجيز الورثة) وجملة ذلك أنه إذا أوصى لعبده بجزء ~~شائع من ماله، كثلث أو ربع أو سدس، صحت الوصية، فإن خرج العبد من الوصية، ~~عتق، واستحق باقيها، وإن لم يخرج، عتق منه بقدر الوصية. وبهذا قال الحسن، ~~وابن سيرين، وأبو حنيفة، إلا أنهم قالوا: إن لم يخرج من الثلث، سعى في قيمة ~~باقيه. وقال الشافعي - رضي الله عنه - # PageV06P221 # : الوصية باطلة، إلا أن يوصي بعتقه؛ لأنه أوصى لمال يصير للورثة، فلم ~~يصح، كما لو أوصى له بمعين. ولنا، أن الجزء الشائع يتناول نفسه أو بعضها؛ ~~لأنه من جملة الثلث الشائع، والوصية له بنفسه تصح ويعتق، وما فضل يستحقه؛ ~~لأنه يصير حرا، فيملك الوصية، فيصير كأنه قال: اعتقوا عبدي من ثلثي، وأعطوه ~~ما فضل منه، وفارق ما إذا أوصى بمعين؛ لأنه لا يتناول شيئا منه. (4736) ~~فصل: فإن أوصى له بمعين من ماله، كثوب أو دار أو بمائة درهم، فالوصية ~~باطلة، في قول الأكثرين. وبه يقول الثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذكر ابن ~~أبي موسى رواية أخرى عن أحمد، أنها تصح. وهو قول مالك، وأبي ثور. وقال ~~الحسن، وابن سيرين: إن شاء الورثة أجازوا، وإن شاءوا ردوا. ولنا، أن العبد ~~يصير ملكا للورثة، فما وصى به له فهو لهم، فكأنه أوصى لورثته بما يرثونه، ~~فلا فائدة فيه. وفارق ما إذا أوصى له بمشاع؛ لما ذكرناه. # (4737) فصل: وإن وصى له برقبته، فهو تدبير، يعتق إن حمله الثلث. وبهذا ~~قال مالك، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: الوصية باطلة؛ لأنه لا يملك رقبته. ~~ولنا، أنه أوصى له بمن لا يملكه على الدوام، فصح، كما لو وصى بأبيه، ولأن ~~معنى الوصية له برقبته عتقه، لعلمه بأنه لا يملك رقبته، فصارت الوصية به ~~كناية عن إعتاقه بعد موته. وإن أوصى له ببعض رقبته، فهو تدبير لذلك الجزء، ~~وهل يعتق جميعه إذا ms3143 حمله الثلث؟ على روايتين، ذكرهما الخرقي فيما إذا دبر ~~بعض عبده وهو مالك لكله. وقال أصحاب الرأي: يسعى في قيمة باقيه. وهذا شيء ~~يأتي في باب العتق، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل أوصى لمكاتبه أو مكاتب وارثه أو مكاتب أجنبي] # (4738) فصل: وإن وصى لمكاتبه، أو مكاتب وارثه، أو مكاتب أجنبي، صح، سواء ~~أوصى له بجزء شائع أو معين؛ لأن ورثته لا يستحقون المكاتب، ولا يملكون ~~ماله. وإن أوصى لأم ولده، صحت الوصية؛ لأنها حرة حين لزوم الوصية. وقد روي ~~عن عمر - رضي الله عنه - أنه أوصى لأمهات أولاده بأربعة آلاف. رواه سعيد. ~~وروي ذلك عن عمران بن الحصين. وبه قال ميمون بن مهران، والزهري، ويحيى ~~الأنصاري، ومالك، والشافعي، وإسحاق. وإن وصى لمدبره، صح؛ لأنه يصير حرا # PageV06P222 # حين لزوم الوصية، فصحت الوصية له، كأم الولد. وإن لم يخرج من الثلث هو ~~والوصية جميعا، قدم عتقه على الوصية؛ لأنه أنفع. وقال القاضي: يعتق بعضه، ~~ويملك من الوصية بقدر ما عتق منه. ولنا، أنه وصى لعبده وصية صحيحة، فيقدم ~~عتقه على ما يحصل له من المال، كما لو وصى لعبده القن بمشاع من ماله. ### | [فصل أوصى لعبد غيره] # (4739) فصل: وإن أوصى لعبد غيره، صح، وتكون الوصية لسيده، والقبول في ذلك ~~إلى العبد؛ لأن العقد مضاف إليه، فأشبه ما لو وهبه شيئا، فإذا قبل ثبت ~~لسيده، لأنه من كسب عبده، وكسب العبد لسيده، ولا تفتقر في القبول إلى إذن ~~السيد؛ لأنه كسب، فصح من غير إذن سيده، كالاحتطاب. وهذا قول أهل العراق، ~~والشافعي. ولأصحابه وجه أخر، أن القبول يفتقر إلى إذن السيد، لأنه تصرف من ~~العبد، فأشبه بيعه وشراءه. ولنا، أنه تحصيل مال بغير عوض، فلم يفتقر إلى ~~إذنه، كقبول الهبة وتحصيل المباح. وإن وصى لعبد وارثه، فهي كالوصية لوارثه، ~~يقف على إجازة الورثة. وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة. وقال مالك: إن كان ~~يسيرا جاز؛ لأن العبد يملك، وإنما لسيده أخذه من يده، فإذا وصى له بشيء ~~يسير، علم أنه قصد بذلك العبد، دون ms3144 سيده. ولنا، أنها وصية لعبد وارثه، ~~فأشبهت الوصية بالكثير، وما ذكروه من ملك العبد ممنوع، ولا اعتبار به، فإنه ~~مع هذا القصد يستحق سيده أخذه، فهو كالكثير. ### | [فصل أوصى بعتق أمته على أن لا تتزوج ثم مات فقالت لا أتزوج] # (4740) فصل: وإذا أوصى بعتق أمته على، أن لا تتزوج. ثم مات، فقالت: لا ~~أتزوج عتقت. فإن تزوجت بعد ذلك، لم يبطل عتقها. وهذا مذهب الأوزاعي، ~~والليث، وأبي ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأن العتق إذا وقع لا ~~يمكن رفعه. وإن أوصى لأم ولده بألف، على أن لا تتزوج، أو على أن تثبت مع ~~ولده، ففعلت وأخذت الألف، ثم تزوجت وتركت ولده، ففيها وجهان؛ أحدهما، تبطل ~~وصيتها؛ لأنه فات الشرط، ففاتت الوصية، وفارق العتق، فإنه لا يمكن رفعه. ~~والثاني، لا تبطل وصيتها. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأن وصيتها صحت، فلم تبطل ~~بمخالفة ما شرط عليها كالأولى. ### | [فصل الوصية للقاتل] # (4741) فصل: واختلف أصحابنا في الوصية للقاتل على ثلاثة أوجه؛ فقال ابن ~~حامد: تجوز الوصية له. واحتج بقول # PageV06P223 # أحمد، في من جرح رجلا خطأ فعفا المجروح. فقال أحمد: يعتبر من ثلثه. قال: ~~وهذه وصية لقاتل. وهذا قول مالك، وأبي ثور، وابن المنذر، وأظهر قولي ~~الشافعي - رضي الله عنه -؛ لأن الهبة له تصح، فصحت الوصية له، كالذمي وقال ~~أبو بكر: لا تصح الوصية له؛ فإن أحمد قد نص على أن المدبر إذا قتل سيده، ~~بطل تدبيره، والتدبير وصية. وهذا قول الثوري، وأصحاب الرأي؛ لأن القتل يمنع ~~الميراث الذي هو آكد من الوصية، فالوصية أولى، ولأن الوصية أجريت مجرى ~~الميراث، فيمنعها ما يمنعه. وقال أبو الخطاب: إن وصى له بعد جرحه، صح، وإن ~~وصى له قبله، ثم طرأ القتل على الوصية، أبطلها جمعا بين نصي أحمد في ~~الموضعين. وهو قول الحسن بن صالح. وهذا قول حسن؛ لأن الوصية بعد الجرح صدرت ~~من أهلها في محلها، ولم يطرأ عليها ما يبطلها، بخلاف ما إذا تقدمت، فإن ~~القتل طرأ عليها فأبطلها، لأنه يبطل ما هو آكد ms3145 منها، يحققه أن القتل إنما ~~منع الميراث، لكونه بالقتل استعجل الميراث الذي انعقد سببه فعورض بنقيض ~~قصده، وهو منع الميراث، دفعا لمفسدة قتل الموروثين، ولذلك بطل التدبير ~~بالقتل الطارئ عليه أيضا، وهذا المعنى متحقق في القتل الطارئ على الوصية، ~~فإنه ربما استعجلها بقتله. وفارق القتل قبل الوصية، فإنه لم يقصد به ~~استعجال مال، لعدم انعقاد سببه، والموصي راض بالوصية له بعد صدور ما صدر ~~منه في حقه، ولا فرق بين العمد والخطأ في هذا، كما لا يفترق الحال بذلك في ~~الميراث، وعلى هذا متى دبر عبده بعد جرحه إياه، صح تدبيره. ### | [مسألة قال أحد عبدي حر] # مسألة؛ قال: (وإذا قال: أحد عبدي حر. أقرع بينهما، فمن تقع عليه القرعة، ~~فهو حر إذا خرج من الثلث) وجملة ذلك أنه إذا أعتق عبدا غير معين، فإنه يقرع ~~بينهما، فيخرج الحر بالقرعة. وقال أبو حنيفة، والشافعي: له تعيين أحدهما ~~بغير قرعة؛ لأنه عتق مستحق في غير معين، فكان التعيين إلى المعتق كالعتق في ~~الكفارة، وكما لو قال لورثته: أعتقوا عني عبدا. ولنا، أنه عتق استحقه واحد ~~من جماعة معينين، فكان إخراجه بالقرعة، كما لو أعتقهما فلم يخرج من ثلثه ~~إلا أحدهما، ودليل الحكم في الأصل، حديث عمران بن حصين. فأما العتق في ~~الكفارة، فإنه لم يستحقه أحد، إنما استحق على المكفر التكفير. وأما إذا ~~قال: أعتقوا عني عبدا. فإن لم يضفه إلى عبيده، ولا إلى جماعة سواهم، فهو ~~كالمعتق في الكفارة. وإن قال: أعتقوا أحد عبيدي. احتمل أن نقول بإخراجه ~~بالقرعة كمسألتنا، واحتمل أن يرجع فيه إلى اختيار الورثة. وأصل الوجهين ما ~~لو وصى لرجل بعبد من عبيده، هل يعطى أحدهم بالقرعة، أو يرجع فيه إلى اختيار ~~الورثة؟ وسيأتي الكلام عليها. والفرق # PageV06P224 # بين مسألتنا وبين هذه المسألة على هذا الوجه، أنه جعل الأمر إلى الورثة، ~~حيث أمرهم بالإعتاق فكانت الخيرة إليهم، وفي مسألتنا لم يجعل لهم من الأمر ~~شيئا، فلا يكون لهم خيرة. (4743) فصل: ونقل صالح عن أبيه، في من له غلامان ~~اسمهما ms3146 واحد، فقال: فلان حر بعد موتي. وله مائتا درهم. ولم يعينه، يقرع ~~بينهما، فيعتق من خرجت له القرعة وليس له من المائتين شيء. ووجه ذلك - ~~والله أعلم - أن الوصية بالمائتين وقعت لغير معين، ولا تصح الوصية إلا ~~لمعين، وقال القاضي: يجب أن تصح هذه الوصية؛ لأن مستحقها حر في حال ~~استحقاقها. ونقل عن أحمد، في من قال: أعتقوا رقبة عني. فلا يعتق عنه إلا ~~مسلم؛ وذلك لأن المطلق من كلام الآدمي يحمل على المطلق من كلام الله تعالى ~~ولما أمر الله تعالى بتحرير رقبة، لم يتناول إلا المسلم، فكذلك الآدمي. ### | [مسألة أوصى أن يشترى عبد زيد بخمسمائة فيعتق فلم يبعه سيده] # (4744) مسألة؛ قال: (وإذا أوصى أن يشترى عبد زيد بخمسمائة، فيعتق، فلم ~~يبعه سيده، فالخمسمائة للورثة. وإن اشتروه بأقل، فما فضل فهو للورثة) أما ~~إذا تعذر شراؤه، إما لامتناع سيده من بيعه، أو من بيعه بالخمسمائة، وإما ~~لموته، أو لعجز الثلث عن ثمنه، فالثمن للورثة؛ لأن الوصية بطلت لتعذر العمل ~~بها، فأشبه ما لو وصى لرجل فمات قبل موت الموصي، أو بعده ولم يدع وارثا. ~~ولا يلزمهم شراء عبد آخر؛ لأن الوصية لمعين، فلا تصرف إلى غيره. وأما إن ~~اشتروه بأقل، فالباقي للورثة، وقال الثوري: يدفع جميع الثمن إلى سيد العبد؛ ~~لأنه قصد إرفاقه بالثمن ومحاباته به، فأشبه ما لو قال: بيعوه عبدي ~~بخمسمائة. وقيمته أكثر منها، وكما لو أوصى أن يحج عنه فلان حجة بخمسمائة. ~~وقال إسحاق: يجعل بقية الثمن في العتق، كما لو أوصى أن يحج عنه بخمسمائة، ~~رد ما فضل في الحج. ولنا، أنه أمر بشرائه بخمسمائة، فكان ما فضل من الثمن ~~راجعا إليه، كما لو وكل في شرائه في حياته، وفارق ما إذا أوصى أن يحج عنه ~~رجل بخمسمائة؛ لأن القصد ثم إرفاق الذي يحج بالفضلة، وفي مسألتنا المقصود ~~العتق. ويفارق ما إذا أوصى أن يحج عنه بخمسمائة لغير معين؛ لأن الوصية ثم ~~للحج مطلقا، فصرف جميعها فيه، وها هنا لمعين، فلا تتعداه. وقوله: إنه قصد ms3147 ~~إرفاق زيد بالثمن ومحاباته به. فنقول: الصحيح أنه إن كانت ثم قرينة تدل على ~~ذلك، إما لكون البائع صديقا له، أو ذا حاجة، أو من أهل الفضل الذين يقصدون ~~بهذا، أو عين هذا الثمن وهو يعلم حصول العبد بدونه؛ لقلة قيمته، فإنه يدفع ~~جميع الثمن إلى زيد، كما لو صرح بذلك، فقال: وادفعوا إليه جميعها، وإن بذله ~~بدونها. وإن # PageV06P225 # انعدمت هذه القرائن، فالظاهر أنه إنما قصد العتق، وقد حصل، فكان الفاضل ~~عائدا إليه، كما لو أمره بالشراء في حياته. ### | [فصل وصى أن يشترى عبد بألف فيعتق عنه فلم يخرج من ثلثه] # (4745) فصل: وإن وصى أن يشترى عبد بألف، فيعتق عنه، فلم يخرج من ثلثه، ~~اشتري عبد بما يخرج من الثلث. وبه قال الشافعي، - رضي الله عنه -. وقال أبو ~~حنيفة: تبطل الوصية؛ لأنه أمر بشراء عبد بألف، فلا يجوز للمأمور الشراء ~~بدونه، كالوكيل. ولنا، أنها وصية يجب تنفيذها إذا احتملها الثلث، فإذا لم ~~يحتملها وجب تنفيذها فيما حمله، كما لو وصى بعتق عبده فلم يحمله الثلث، ~~وفارق الوكالة، فإنه لو وكله في إعتاق عبد لم يملك إعتاق بعضه، ولو أوصى ~~بإعتاق عبد، لأعتق منه ما يحتمله الثلث. فأما إن حمله الثلث، فاشتراه ~~وأعتقه، ثم ظهر على الميت دين يستغرق المال، فالوصية باطلة، ويرد العبد إلى ~~الرق إن كان اشتراه بعين المال؛ لأننا تبينا أن الشراء باطل بكونه اشترى ~~بمال مستحق للغرماء بغير إذنهم، وإن كان الشراء في الذمة، صح الشراء، ونفذ ~~العتق وعلى المشتري غرامة ثمنه، ولا يرجع به على أحد؛ لأن البائع ما غره، ~~إنما غره الموصي، ولا تركة له فيرجع عليها. وهذا مذهب الشافعي. ويحتمل أن ~~يشارك الغرماء في التركة، ويضرب معهم بقدر دينه؛ لأن الدين لزمه بتغرير ~~الموصي، فيرجع به عليه، فإذا كان ميتا لزمه في تركته، كأرش جنايته. ### | [فصل وصى بشراء عبد وأطلق أو وصى ببيع عبده وأطلق] # (4746) فصل: وإن وصى بشراء عبد وأطلق، أو وصى ببيع عبده وأطلق، فالوصية ~~باطلة؛ لأن الوصية لا بد لها من ms3148 مستحق، ولا مستحق، هاهنا. وإن وصى ببيعه ~~بشرط العتق، صحت الوصية، وبيع كذلك؛ لأن في البيع هاهنا نفعا للعبد بالعتق. ~~فإن لم يوجد من يشتريه كذلك، بطلت الوصية؛ لتعذرها، كما لو وصى بشراء عبد ~~ليعتق، فلم يبعه سيده. وإن وصى ببيعه لرجل بعينه بثمن معلوم، بيع به؛ لأنه ~~قد قصد إرفاقه بذلك في الغالب. وإن لم يسم ثمنا، بيع بقيمته، وتصح الوصية؛ ~~لكونه قصد إيصال العبد بعينه إلى رجل بعينه، فيحتمل أن يتعلق الغرض بإرفاق ~~العبد بإيصاله إلى من هو معروف بحسن الملكة، وإعتاق الرقاب، ويحتمل أن يريد ~~إرفاق المشتري لمعنى يحصل له من العبد. فإن تعذر بيعه لذلك الرجل، أو أبى ~~أن يشتريه بالثمن، أو بقيمته إن لم يعين الثمن، بطلت الوصية؛ لما ذكرنا. ### | [مسألة أوصى لرجل بعبد لا يملك غيره وقيمته مائة ولآخر بثلث ماله] # (4747) مسألة؛ قال: (وإذا أوصى لرجل بعبد لا يملك غيره، وقيمته مائة، ~~ولآخر بثلث ماله، وملكه غير العبد مائتا درهم، فأجاز الورثة ذلك، فلمن أوصى ~~له بالثلث ثلث المائتين وربع العبد، ولمن أوصي له بالعبد ثلاثة # PageV06P226 # أرباعه. وإن لم يجز الورثة ذلك، فلمن أوصى له بالثلث سدس المائتين وسدس ~~العبد؛ لأن وصيته في الجميع، ولمن أوصي له بالعبد نصفه؛ لأن وصيته، في ~~العبد) وجملته أنه إذا أوصى لرجل بمعين من ماله، ولآخر بجزء مشاع منه، كثلث ~~المال وربعه، فأجيز لهما، انفرد صاحب المشاع بوصيته من غير المعين، ثم شارك ~~صاحب المعين فيه، فيقتسمانه بينهما على قدر حقيهما فيه، ويدخل النقص على كل ~~واحد منهما بقدر ما له في الوصية، كمسائل العول، وكما لو أوصى لرجل بماله، ~~ولآخر بجزء منه. فأما في حال الرد، فإن كانت وصيتهما لا تجاوز الثلث، مثل ~~أن يوصي لرجل بسدس ماله، ولآخر بمعين قيمته سدس المال، فهي كحال الإجازة ~~سواء، إذ لا أثر للرد. وإن جاوزت ثلثه، رددنا وصيتهما إلى الثلث، وقسمناه ~~بينهما على قدر وصيتهما، إلا أن صاحب المعين يأخذ نصيبه من المعين، والآخر ~~يأخذ حقه من جميع المال. ms3149 هذا قول الخرقي، وسائر الأصحاب. ويقوى عندي أنهما ~~في حال الرد يقتسمان الثلث، على حسب ما لهما في الإجازة. وهذا قول ابن أبي ~~ليلى. وقال أبو حنيفة، ومالك في الرد: يأخذ صاحب المعين نصيبه منه، ويضم ~~الآخر سهامه إلى سهام الورثة، ويقتسمون الباقي على خمسة، في مثل مسألة ~~الخرقي؛ لأن له السدس، وللورثة أربعة أسداس. وهو مثل قول الخرقي، إلا أن ~~الخرقي يعطيه السدس من جميع المال، وعندهما أنه يأخذ خمس المائتين وعشر ~~العبد. واتفقوا على أن كل واحد من الوصيين يرجع إلى نصف وصيته؛ لأن كل واحد ~~منهما قد أوصى له بثلث المال، وقد رجعت الوصيتان إلى الثلث، وهو نصف ~~الوصيتين، فيرجع كل واحد إلى نصف وصيته، ويدخل النقص على كل واحد منهما ~~بقدر ما له في الوصية. وفي قول الخرقي رحمة الله عليه: يأخذ كل واحد منهما ~~نصف وصيته من المحل الذي وصى له منه، وصاحب الثلث يأخذ سدس الجميع؛ لأنه ~~وصى له بثلث الجميع. وأما على قولنا، فإن وصية صاحب العبد دون وصية صاحب ~~الثلث؛ لأنه وصى له بشيء أشرك معه غيره فيه كله، وصاحب الثلث أفرده بشيء لم ~~يشاركه فيه غيره، فوجب أن يقسم بينهما الثلث حالة الرد على حسب ما لهما في ~~حال الإجازة، كما في سائر الوصايا، ففي مسألة الخرقي هذه، لصاحب الثلث ثلث ~~المائتين ستة وستون وثلثان، لا يزاحمه الآخر فيها، ويشتركان في العبد، لهذا ~~ثلثه، وللآخر جميعه، فابسطه من جنس الكسر، وهو الثلث، يصير العبد ثلاثة، ~~واضمم إليها الثلث الذي للآخر، يصير أربعة، ثم اقسم العبد على أربعة أسهم، ~~يصير الثلث ربعا، كما في مسائل العول. وفي حال الرد ترد وصيتهما إلى ثلث ~~المال، وهو نصف وصيتهما، فيرجع كل واحد إلى نصف وصيته، فيرجع صاحب الثلث ~~إلى سدس الجميع، ويرجع صاحب العبد إلى نصفه. وفي قولنا يضرب مخرج الثلث في ~~مخرج الربع، يكن اثنا عشر، ثم في ثلاثة تكن ستة وثلاثين، فلصاحب الثلث ثلث ~~المائتين، وهو ثمانية من أربعين، وربع العبد، وهو ms3150 ثلاثة # PageV06P227 # أسهم، صار له أحد عشر، ولصاحب العبد ثلاثة أرباعه، وذلك تسعة أسهم، ~~فيضمها إلى سهام صاحب الثلث، صار الجميع عشرين سهما، ففي حال الرد تجعل ~~الثلث عشرين سهما، والمال كله ستون، فلصاحب العبد تسعة من العبد، وهو ربعه ~~وخمسه، ولصاحب الثلث ثمانية من الأربعين، وهي خمسها، وثلاثة من العبد، وذلك ~~عشره ونصف عشره. وإن كانت وصية صاحب المشاع بالنصف، فله في حال الإجازة ~~مائة وثلث العبد، ولصاحب العبد ثلثاه، وفي الرد لصاحب المشاع خمس المائتين ~~وخمس العبد، ولصاحب العبد خمساه، وعلى الوجه الآخر، لصاحب المشاع ربع ~~المائتين وسدس العبد، ولصاحب العبد ثلثه، وطريقها أن تنسب الثلث إلى ما حصل ~~لهما في الإجازة، ثم تعطي كل واحد مما حصل له في الإجازة مثل تلك النسبة. ~~وعلى الوجه الأول تنسب الثلث إلى وصيتهما، ثم تعطي كل واحد في الرد مثل ~~الخارج بالنسبة، وبيانه في هذه المسألة، أن نسبة الثلث إلى وصيتهما ~~بالخمسين؛ لأن النصف والثلث خمسة من ستة، فالثلث خمساها، فلصاحب العبد خمسا ~~العبد؛ لأنه وصيته، ولصاحب النصف الخمس؛ لأنه خمسا وصيته. وعلى الوجه ~~الآخر، قد حصل لهما في الإجازة الثلثان، ونسبة الثلث إليهما بالنصف، فلكل ~~واحد منهما مما حصل له في الإجازة نصفه، وقد كان لصاحب المشاع من المائتين ~~نصفها، فله ربعها، وكان له من العبد ثلثه، فصار له سدسه، وكان لصاحب العبد ~~ثلثاه، فصار له ثلثه. وإن كانت المسألة بحالها، وملكه غير العبد ثلاثمائة، ~~ففي الإجازة لصاحب المشاع مائة وخمسون وثلث العبد، ولصاحب العبد ثلثاه. وفي ~~الرد، لصاحب المشاع تسعا المال كله، ولصاحب العبد أربعة أتساعه، على الوجه ~~الأول. وعلى الوجه الثاني، لصاحب العبد ربعه وسدسه، وللآخر ثمنه ونصف سدسه، ~~ومن المال ثمانون، وهي ربعها وسدس عشرها. وإن وصى لرجل بجميع ماله، ولآخر ~~بالعبد، ففي الإجازة لصاحب العبد نصفه، والباقي كله للآخر. وفي الرد يقسم ~~الثلث بينهما على خمسة لصاحب العبد خمسه، وهو ربع العبد وسدس عشره، وللآخر ~~أربعة أخماسه، فله من العبد مثل ما حصل لصاحبه، ومن كل ms3151 مائة مثل ذلك، وهو ~~ثمانون دينارا. # ولو خلف عبدا قيمته مائة ومائتين، ووصى لرجل بمائة وبالعبد كله. ووصى ~~بالعبد لآخر، ففي حال الإجازة يقسم العبد بينهما نصفين، وينفرد صاحب الثلث ~~بثلث الباقي. وفي الرد للموصى له بالعبد ثلثه، وللآخر ثلثه وثلث المائة. ~~وعلى الوجه الآخر، لصاحب العبد ربعه، وللآخر ربعه ونصف المائة، يرجع كل ~~واحد منهما إلى نصف وصيته. فإن لم تزد الوصيتان على الثلث، كرجل خلف ~~خمسمائة وعبدا قيمته مائة، ووصى لرجل بسدس ماله، ولآخر بالعبد، فلا أثر ~~للرد هاهنا، ويأخذ # PageV06P228 # صاحب المشاع سدس المال وسبع العبد، والآخر ستة أسباعه. وإن وصى لصاحب ~~المشاع بخمس المال، فله مائة وسدس العبد، ولصاحب العبد خمسة أسداسه. ولا ~~أثر للرد أيضا؛ لأن الوصيتين لم يخرج بهما من المال أكثر من ثلثه. ### | [مسألة أوصى لقرابته فهو للذكر والأنثى بالسوية] # (4748) مسألة؛ قال: (ومن أوصى لقرابته، فهو للذكر والأنثى بالسوية، ولا ~~يجاوز بها أربعة آباء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجاوز بني هاشم ~~بسهم ذي القربى) وجملته أن الرجل إذا أوصى لقرابته، أو لقرابة فلان، كانت ~~الوصية لأولاده، ولأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، ويستوي فيه ~~الذكر والأنثى، ولا يعطي من هو أبعد منهم شيئا، فلو وصى لقرابة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، أعطى أولاده وأولاد عبد المطلب وأولاد هاشم، ولم يعط بني ~~عبد شمس ولا بني نوفل شيئا؛ لأن الله تعالى لما قال: {ما أفاء الله على ~~رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى} [الحشر: 7] . يعني أقرباء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء ~~الذين ذكرناهم، ولم يعط من هو أبعد منهم، كبني عبد شمس ونوفل شيئا، إلا أنه ~~أعطى بني المطلب، وعلل عطيتهم بأنهم " لم يفارقوا بني هاشم، في جاهلية ولا ~~إسلام ". ولم يعط قرابة أمه، وهم بنو زهرة شيئا، ولم يعط منهم إلا مسلما، ~~فحمل مطلق كلام الموصي على ما حمل عليه المطلق من كلام الله تعالى وفسر بما ~~فسر به. ويسوي بين ms3152 قريبهم وبعيدهم، وذكرهم وأنثاهم؛ لأن الوصية لهم سواء، ~~ويدخل في الوصية الكبير والصغير، والغني والفقير، ولا يدخل الكفار؛ لأنهم ~~لم يدخلوا في المستحق من قربى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد نقل عبد ~~الله، وصالح، عن أبيهما رواية أخرى، أنه يصرف إلى قرابة أمه، إن كان يصلهم ~~في حياته، كأخواله، وخالاته، وإخوته من أمه، وإن كان لا يصلهم، لم يعطوا ~~شيئا؛ لأن عطيته لهم في حياته قرينة دالة على صلته لهم بعد مماته، وإلا ~~فلا. وعنه رواية أخرى، أنه يجاوز بها أربعة آباء. ذكرها ابن أبي موسى، في " ~~الإرشاد ". وهذه الرواية تدل على أن لفظه لا يتقيد بالقيد الذي ذكرناه، ~~فعلى هذا يعطى كل من يعرف بقرابته من قبل أبيه وأمه، الذين ينسبون إلى الأب ~~الأدنى الذي ينسب إليه. وهذا مذهب الشافعي؛ لأنهم قرابة، فيتناولهم الاسم، ~~ويدخلون في عمومه. وإعطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض قرابته، تخصيص ~~لا يمنع من العمل بالعموم في غير ذلك الموضع. قال أبو حنيفة: قرابته كل ذي ~~رحم محرم، فيعطى من أدناهم اثنان فصاعدا، فإذا كان له عمان وخالان، فالوصية ~~لعميه، وإن كان له عم وخالان، فلعمه النصف ولخاليه النصف. وقال قتادة: # PageV06P229 # للأعمام الثلثان، وللأخوال الثلث. وبه قال الحسن، قال: ويزاد الأقرب بعض ~~الزيادة. # وقال مالك: يقسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد. ولنا، أن هذا الاسم له ~~عرف في الشرع، وهو ما ذكرناه، فيجب حمله عليه، وتقديمه على العرف اللغوي، ~~كالوضوء والصلاة والصوم والحج، ولا وجه لتخصيصه بذي الرحم المحرم، فإن اسم ~~القرابة يقع على غيرهم عرفا وشرعا، وقد تحرم على الرجل ربيبته، وأمهات ~~نسائه، وحلائل آبائه وأبنائه، ولا قرابة لهم، وتحل له ابنة عمه، وعمته، ~~وابنة خاله وخالته، وهن من أقاربه، وما ذكروه من التفصيل لا يقتضيه اللفظ، ~~ولا يدل عليه دليل، فالمصير إليه تحكم، فأما إن كان في لفظه ما يدل على ~~إرادة قرابة أمه، كقوله: وتفضل قرابتي من جهة أبي على قرابتي من جهة أمي. ~~أو قوله: إلا ابن خالتي فلانا. أو ms3153 نحو ذلك، أو قرينة تخرج بعضهم، عمل بما ~~دلت عليه القرينة؛ لأنها تصرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره. ### | [فصل وصى لأقرب أقاربه أو أقرب الناس إليه أو أقربهم به رحما] # (4749) فصل: فإن وصى لأقرب أقاربه، أو أقرب الناس إليه، أو أقربهم به ~~رحما، لم يدفع إلى الأبعد مع وجود الأقرب، فيقدم الأب على كل من أدلى به من ~~الأجداد والإخوة والأعمام، والابن مقدم عليهم وعلى كل من أدلى به. ويستوي ~~الأب والابن؛ لأن كل واحد منهما يدلي بنفسه من غير واسطة. ويحتمل أن يقدم ~~الابن؛ لأنه يسقط تعصيب الأب. والأول أولى؛ لأن إسقاط تعصيبه لا يمنع ~~مساواته في القرب، ولا كونه أقرب منه، بدليل أن ابن الابن يسقط تعصيبه مع ~~بعده، ويقدم الابن على الجد، والأب على ابن الابن. وقال أصحاب الشافعي - ~~رضي الله عنه -: يقدم ابن الابن على الأب، في أحد الوجهين؛ لأنه يسقط ~~تعصيبه. ولنا، أن الأب يدلي بنفسه، ويلي ابنه من غير حاجز، ولا يسقط ميراثه ~~بحال، بخلاف ابن الابن. والأب والأم سواء، وكذلك الابن، والبنت، والجد أبو ~~الأب، وأبو الأم، وأم الأب، وأم الأم، كلهم سواء، ثم من بعد الأولاد أولاد ~~البنين وإن سفلوا، الأقرب فالأقرب، الذكور والإناث، وفي أولاد البنات ~~وجهان، بناء على دخولهم في الوقف، ثم من بعد الولد الأجداد، الأقرب منهم ~~فالأقرب؛ لأنهم العمود الثاني، ثم الإخوة والأخوات؛ لأنهم ولد الأب، أو من ~~ولد الأم، ثم ولدهم وإن سفلوا، ولا شيء لولد الأخوات، إذا قلنا: لا يدخل ~~ولد البنات. وإذا تساوت درجتهم فأولاهم ولد الأبوين، ويسوى بين ولد الأب ~~وولد الأم؛ لأنهما على درجة واحدة وكذلك ولداهما. والأخ للأب أولى من ابن ~~الأخ من الأبوين، كما في الميراث، ثم بعدهم الأعمام، ثم # PageV06P230 # بنوهم وإن سفلوا. ويستوي العم من الأب والعم من الأم، وكذلك أبناؤهما، ثم ~~على هذا الترتيب ذكره القاضي. وهذا مذهب الشافعي - رضي الله عنه - إلا أنه ~~يرى دخول ولد البنات والأخوات والأخوال والخالات، وهذا القول إنما يخرج في ~~مذهب أحمد على ms3154 الرواية الثالثة، التي تجعل القرابة فيها كل من يقع عليهم ~~اسم القرابة، فأما على الرواية التي اختارها الخرقي، وأن القرابة اسم لمن ~~كان من أولاد الآباء، فلا يدخل فيه بنو الأم، ولا أقاربها؛ لأن من لم يكن ~~من القرابة، لم يكن أقرب القرابة، فعلى هذا تتناول الوصية من كان أقرب من ~~أولاد الموصي، وأولاد آبائه، إلى أربعة آباء، ولا يعدوهم ذلك. وإن وصى ~~لجماعة من أقرب الناس إليه، أعطي لثلاثة من أقرب الناس إليه. وإن وجد أكثر ~~من ثلاثة في درجة واحدة، كالإخوة، فالوصية لجميعهم؛ لأن بعضهم ليس بأولى من ~~بعض، والاسم يشملهم. وإن لم يوجد ثلاثة في درجة واحدة، كملت من الثانية. ~~وإن كانت في الدرجة الثانية جماعة، سوي بينهم؛ لما ذكرنا في الدرجة الأولى. ~~وإن لم يكمل من الثانية، فمن الثالثة، فإذا وجد ابن وأخ وعم، فالوصية بينهم ~~أثلاثا، وكذلك إن كان ابن وأخوان، وإن كان ابن وثلاثة إخوة، دخل جميعهم في ~~الوصية، وينبغي أن يكون للابن ثلث الوصية ولهم ثلثاها. فإن كان الابن ~~وارثا، سقط حقه من الوصية إن لم يجز له، والباقي للإخوة. وإن وصى لعصبته، ~~فهو لمن يرثه بالتعصيب في الجملة، سواء كانوا ممن يرث في الحال، أو لم يكن. ~~ويسوى بين قريبهم وبعيدهم؛ لشمول اللفظ لهم. ولا خلاف في أنهم لا يكونون من ~~جهة الأم بحال. ### | [مسألة أوصى بثلث ماله لأهل بيته] # (4750) مسألة؛ قال: (وإن قال: لأهل بيتي. أعطي من قبل أبيه وأمه) يعني ~~تعطى أمه وأقاربها، الأخوال، والخالات، وآباء أمه، وأولادهم، وكل من يعرف ~~بقرابته. والمنصوص عن أحمد، فيما وقفنا عليه، التسوية بين هذا اللفظ ولفظ ~~القرابة، فإنه قال، في رواية عبد الله: إذا أوصى بثلث ماله لأهل بيته، هو ~~بمثابة قوله لقرابتي. وحكاه ابن المنذر، عن أحمد: وقال أحمد: قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا تحل الصدقة لي ولا لأهل بيتي» . فجعل سهم ذوي ~~القربى لهم عوضا عن الصدقة التي حرمت عليهم، فكان ذوو القربى الذين سماهم ~~الله تعالى هم أهل ms3155 بيته الذين حرمت عليهم الصدقة. وذكر حديث زيد بن أرقم، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أذكركم الله في أهل بيتي» . قال ~~قلنا: من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا، أصله وعشيرته الذين حرمت عليهم الصدقة؛ ~~آل علي وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس. وقال القاضي: قال ثعلب: أهل البيت ~~عند العرب آباء الرجل وأولادهم، كالأجداد والأعمام وأولادهم، ويستوي فيه ~~الذكور والإناث. وذكر القاضي أن أولاد # PageV06P231 # الرجل لا يدخلون في اسم القرابة، ولا أهل بيته. وليس هذا بشيء، فإن ولد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل بيته وأقاربه الذين حرموا الصدقة، ~~وأعطوا من سهم ذي القربى، وهم من أقرب أقاربه، فكيف لا يكونون من أقاربه، ~~وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة وولديها وزوجها: «اللهم هؤلاء ~~أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا؟» ولو وقف على أقارب رجل، أو ~~أوصى لأقاربه، دخل فيه ولده، بغير خلاف علمته. والخرقي قد عدهم في القرابة ~~بقوله: " لا يجاوز بها أربعة آباء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يجاوز بني هاشم بسهم ذي القربى ". فجعل هاشما الأب الرابع، ولا يكون رابعا ~~إلا أن يعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا؛ لأن هاشما إنما هو رابع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. ### | [فصل وصى لآله] # (4751) فصل: وإن وصى لآله، فهو مثل قرابته، فإن في بعض ألفاظ زيد بن ~~أرقم: من آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: أصله، وعشيرته الذين ~~حرموا الصدقة بعده؛ آل علي وآل العباس، وآل جعفر، وآل عقيل.، والأصل في آل ~~أهل، فقلبت الهاء همزة، كما قالوا: هرقت الماء وأرقته. ومدت لئلا تجتمع ~~همزتان. وإن وصى لعترته، فقد توقف أحمد في ذلك، وهو في عرف الناس عشيرته ~~الأدنون، وولده الذكور والإناث وإن سفلوا فتصرف الوصية إليهم، وبذلك فسره ~~ابن قتيبة، قال: ويدل على ذلك قول أبي بكر - رضي الله عنه -: نحن عترة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيضته التي تفقأت عنه. وقال ثعلب، وابن ~~الأعرابي: العترة الأولاد، وأولاد الأولاد. ms3156 . ولم يدخلا في ذلك العشيرة، ~~والأول أصح وأشهر في عرف الناس، مع أنه قد دل على صحته قول أبي بكر - رضي ~~الله عنه - في محفل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكره أحد، ~~وهم أهل اللسان، فلا يعول على ما خالفه. وإن وصى لقومه، أو لنسبائه، فقال ~~أبو بكر: هذا بمثابة أهل بيته. وقال القاضي: إذا قال: لرحمي، أو لأرحامي، ~~أو لأنسابي، أو لمناسبي. صرف إلى قرابته من قبل أبيه وأمه، ويتعدى ولد الأب ~~الخامس. فعلى هذا يصرف إلى كل من يرث بفرض أو تعصيب أو بالرحم في حال من ~~الأحوال. وقول أبي بكر في المناسبين أولى من قول القاضي؛ لأن ذلك في العرف ~~يطلق على من كان من العشيرة التي ينتسبان إليها، وإذا كان كل واحد منهما ~~ينتسب إلى قبيلة غير قبيلة صاحبه، فليس بمناسب له. ### | [فصل وصى لمواليه وله موال من فوق وهم معتقوه] # (4752) فصل: وإن وصى لمواليه، وله موال من فوق، وهم معتقوه، فالوصية لهم؛ ~~لأن الاسم يتناولهم، وقد تعينوا بوجودهم دون غيرهم. وإن لم يكن له إلا موال ~~من أسفل فهي لهم كذلك. وإن اجتمعوا، فالوصية لهم # PageV06P232 # جميعا، يستوون فيها؛ لأن الاسم يشمل جميعهم. وقال أصحاب الرأي: الوصية ~~باطلة؛ لأنها لغير معين. وقال أبو ثور: يقرع بينهما؛ لأن أحدهما ليس بأولى ~~من الآخر. وقال ابن القاسم: هي للمولى من أسفل. ولأصحاب الشافعي أربعة ~~أوجه، كقولنا، وقول أصحاب الرأي، والثالث، هي للموالي من فوق؛ لأنهم أقوى، ~~بدليل أنهم عصبة ويرثونه، بخلاف عتقائه. والرابع، يقف الأمر حتى يصطلحوا. ~~ولنا، أن الاسم يتناول الجميع حقيقة وعرفا، فدخلوا في الوصية، كما لو وصى ~~لإخوته. وقولهم: غير معين. غير صحيح؛ فإن مع التعميم يحصل التعيين، ولذلك ~~لو حلف: لا كلمت موالي. حنث بكلام أيهم كان. وقولهم: إن المولى من فوق ~~أقوى. قلنا: مع شمول الاسم لهم يدخل فيه الأقوى والأضعف. كإخوته، ولا شيء ~~لابن العم، ولا للناصر، ولا لغير من ذكرنا؛ لأن الاسم إن لم يتناولهم ~~حقيقة، لم يتناولهم ms3157 عرفا، والأسماء العرفية تقدم على الحقيقة. ولا يستحق ~~مولى ابنه مع وجود مواليه. وقال زفر: يستحق. ولا يصح؛ لأن مولى ابنه ليس ~~بمولى له حقيقة، إذا كان له مولى سواه، فإن لم يكن له مولى، فقال الشريف ~~أبو جعفر: يكون لموالي أبيه. وقال أبو يوسف، ومحمد: لا شيء له؛ لأنه ليس ~~بمولى له. واحتج الشريف بأن الاسم يتناول موالي أبيه مجازا، فإذا تعذرت ~~الحقيقة، وجب صرف الاسم إلى مجازه، والعمل به، تصحيحا لكلام المكلف عند ~~إمكان تصحيحه، ولأن الظاهر إرادته المجاز، لكونه محملا صحيحا، وإرادة ~~الصحيح أغلب من إرادة الفاسد. فإن كان له موال وموالي أب حين الوصية، ثم ~~انقرض مواليه قبل الموت، لم يكن لموالي الأب شيء على مقتضى ما ذكرناه، لأن ~~الوصية كانت لغيرهم، فلا تعود إليهم إلا بعقد، ولم يوجد. ولا يشبه هذا ~~قوله: أوصيت لأقرب الناس إلي. وله ابن وابن ابن، فمات الابن، حيث يستحق ابن ~~الابن، وإن كان لا يستحق مع حياة الابن شيئا؛ لأن الوصية هاهنا لموصوف بصفة ~~وجدت في ابن الابن، كوجودها في الابن حقيقة، وفي المولى يقع الاسم على مولى ~~نفسه حقيقة، وعلى مولى أبيه مجازا، فمع وجودهم جميعا، لا يحمل اللفظ إلا ~~على الحقيقة، وهذه الصفة لا توجد في مولى أبيه. قال الشريف: ويدخل في ~~الوصية للموالي مدبره، وأم ولده؛ لأن الوصية إنما تستحق بعد الموت، وهم ~~حينئذ موال في الحقيقة. ### | [فصل وصى لجيرانه] # (4753) فصل: وإن وصى لجيرانه، فهم أهل أربعين دارا من كل جانب. نص عليه ~~أحمد. وبه قال الأوزاعي، والشافعي. وقال أبو حنيفة: الجار الملاصق؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجار أحق بصقبه» . يعني الشفعة، وإنما ~~تثبت للملاصق، ولأن الجار مشتق من المجاورة. وقال قتادة: الجار الدار ~~والداران. # PageV06P233 # وروي عن علي، - رضي الله عنه - في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» . قال: من سمع النداء. وقال سعيد بن عمرو ~~بن جعدة: من سمع الإقامة. وقال أبو يوسف: الجيران أهل المحلة ms3158 إن جمعهم ~~مسجد، فإن تفرق أهل المحلة في مسجدين صغيرين متقاربين، فالجميع جيران، وإن ~~كانا عظيمين، فكل أهل مسجد جيران، وأما الأمصار التي فيها القبائل، فالجوار ~~على الأفخاذ. ولنا، ما روى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «الجار أربعون دارا، هكذا وهكذا وهكذا وهكذا» . وهذا نص لا يجوز ~~العدول عنه إن صح، وإن لم يثبت الخبر، فالجار هو المقارب، ويرجع في ذلك إلى ~~العرف. # (4754) فصل: وإن وصى لأهل دربه أو سكته، فهم أهل المحلة الذين طريقهم في ~~دربه. ### | [فصل وصى لأصناف الزكاة المذكورين في القرآن] # (4755) فصل: وإن وصى لأصناف الزكاة المذكورين في القرآن، فهم الذين ~~يستحقون من الزكاة، وينبغي أن يجعل لكل صنف ثمن الوصية، كما لو وصى لثمان ~~قبائل، والفرق بين هذا وبين الزكاة، حيث يجوز الاقتصار على صنف واحد، أن ~~آية الزكاة أريد بها بيان من يجوز الدفع إليه، والوصية أريد بها بيان من ~~يجب الدفع إليه. ويجوز الاقتصار من كل صنف على واحد؛ لأنه لا يمكن ~~استيعابهم. وحكي هذا عن أصحاب الرأي. وعن محمد بن الحسن أنه قال: لا يجوز ~~الدفع إلى أقل من اثنين. وحكى أبو الخطاب رواية ثانية عن أحمد، أنه لا يجوز ~~الدفع إلى أقل من ثلاثة من كل صنف. وهو مذهب الشافعي. وأصل هذا الاختلاف في ~~الزكاة وقد ذكرناه. ولا يجوز الصرف إلا إلى المستحق من أهل بلده. وإن وصى ~~للفقراء وحدهم، دخل فيه المساكين. وإن أوصى للمساكين دخل فيه الفقراء؛ ~~لأنهم صنف واحد فيما عدا الزكاة، إلا أن يذكر الصنفين جميعا، فيدل ذلك على ~~أنه أراد المغايرة بينهما. ويستحب تعميم من أمكن منهم، والدفع إليهم على ~~قدر الحاجة، والبداية بأقارب الموصي، على ما ذكرنا في باب الزكاة. ### | [فصل أوصى بشيء لزيد وللمساكين] # (4756) فصل: وإن أوصى بشيء لزيد وللمساكين، فلزيد نصف الوصية. وبهذا قال ~~أبو حنيفة، ومحمد: وعن محمد: لزيد ثلثه، وللمساكين ثلثاه؛ لأن أقل الجمع ~~اثنان. وقال الشافعي: يكون كأحدهم، إن عمهم أعطاه # PageV06P234 # كواحد منهم، وإن قسم على ثلاثة ms3159 منهم جعله كأحدهم. وحكى أصحابه وجهين ~~آخرين. أحدهما كمذهبنا. والثاني له ربع الوصية؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، فإذا ~~انضم إليهم صاروا أربعة. ولنا، أنه جعل الوصية لجهتين، فوجب أن يقسم بينهم، ~~كما لو قال: لزيد وعمرو. ولأنه لو وصى لقريش وتميم، لم يشرك بينهم على قدر ~~عددهم، ولا على قدر من يعطى منهم، بل يقسم بينهم نصفين، كذلك هاهنا. وإن ~~كان زيد مسكينا، لم يدفع إليه من سهم المساكين شيء، وبه قال الحسن، وإسحاق؛ ~~لأن عطفهم عليه يدل على المغايرة بينهما، إذ الظاهر المغايرة بين المعطوف ~~والمعطوف عليه، ولأن تجويز ذلك يفضي إلى تجويز دفع الجميع إليه، ولفظه ~~يقتضي خلاف ذلك. فأما إن كانت الوصية لقوم يمكن استيعابهم وحصرهم، مثل أن ~~يقول: هذا لزيد وإخوته. فيحتمل أنه يكون كأحدهم؛ لأنه شرك بينه وبينهم على ~~وجه لا يجوز الإخلال ببعضهم، فتساووا فيه، كما لو قال: هذا لكم. ويحتمل أن ~~يكون كالتي قبلها. ### | [فصل وصي وقال اشتروا بثلثي رقابا فأعتقوهم] # (4757) فصل: وإن قال اشتروا بثلثي رقابا، فأعتقوهم. لم يجز صرفه إلى ~~المكاتبين؛ لأنه وصى بالشراء، لا بالدفع إليهم. فإن اتسع الثلث لثلاثة، لم ~~يجز أن يشترى أقل منها؛ لأنها أقل الجمع. وإن قدرت على أن تشتري أكثر من ~~ثلاثة بثمن ثلاثة غالية، كان أولى وأفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من أعتق امرأ مسلما، أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار» . ~~ولأنه يفرج عن نفس زائدة، فكان أفضل من عدم ذلك. وإن أمكن شراء ثلاثة ~~رخيصة، وحصة من الرابعة، بثمن ثلاثة غالية، فالثلاثة أولى؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما سئل عن أفضل الرقاب، قال: «أغلاها ثمنا، وأنفسها عند ~~أهلها» . والقصد من العتق تكميل الأحكام، من الولاية، والجمعة، والحج، ~~والجهاد، وسائر الأحكام، التي تختلف بالرق والحرية، ولا يحصل ذلك إلا ~~بإعتاق جميعه. وهذا التفضيل - والله أعلم من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للغالية، إنما يكون مع التساوي في المصلحة، فأما إن ترجح بعضهم بدين، وعفة، ~~وصلاح، ومصلحة ms3160 له في العتق، بأن يكون مضرورا بالرق، وله صلاح في العتق، ~~وغيره له مصلحة في الرق، ولا مصلحة له في العتق، وربما تضرر به، من فوات ~~نفقته، وكفالته، ومصالحه، وعجزه بعد العتق عن الكسب، وخروجه عن الصيانة ~~والحفظ، فإن إعتاق من كثرت المصلحة في إعتاقه أفضل وأولى، وإن قلت قيمته، ~~ولا يسوغ إعتاق من في إعتاقه مفسدة؛ لأن مقصود الموصي تحصيل الثواب والأجر، ~~ولا أجر في إعتاق هذا. ولا يجوز أن يعتق إلا رقبة مسلمة؛ لأن الله تعالى ~~لما قال: {فتحرير رقبة} [النساء: 92] # PageV06P235 # لم يتناول إلا المسلمة، ومطلق كلام الآدمي محمول على مطلق كلام الله ~~تعالى. ولا يجوز إعتاق معيبة عيبا يمنع الإجزاء في الكفارة؛ لما ذكرنا ~~والله أعلم. ### | [فصل أوصى بثلثه في أبواب البر] # (4758) فصل: ونقل المروذي، عن أحمد، في من أوصى بثلثه في أبواب البر، ~~يجزأ ثلاثة أجزاء؛ جزء في الجهاد، وجزء يتصدق به في قرابته، وجزء في الحج. ~~وقال في رواية أبي داود: الغزو يبدأ به. وحكي عنه أنه جعل جزءا في فداء ~~الأسرى. وهذا والله أعلم ليس على سبيل اللزوم والتحديد، بل يجوز صرفه في ~~جهات البر كلها؛ لأن اللفظ للعموم، فيجب حمله على عمومه، ولا يجوز تخصيص ~~العموم بغير دليل، وربما كان غير هذه الجهات أحوج من بعضها وأحق، وقد تدعو ~~الحاجة إلى تكفين ميت، وإصلاح طريق، وفك أسر، وإعتاق رقبة وقضاء دين، ~~وإغاثة ملهوف، أكثر من دعائها إلى حج من لا يجب عليه الحج، فيكلف وجوب ما ~~لم يكن عليه واجبا وتعبا كان الله قد أراحه منه، من غير مصلحة تعود على أحد ~~من خلق الله، فتقديم هذا على ما مصلحته ظاهرة، والحاجة إليه داعية، بغير ~~دليل، تحكم لا معنى له. وإذا قال: ضع ثلثي حيث يريك الله. فله صرفه في أي ~~جهة من جهات القرب، رأى وضعه فيها، عملا بمقتضى وصيته. وذكر القاضي أنه يجب ~~صرفه إلى الفقراء والمساكين، والأفضل صرفه إلى فقراء أقاربه، فإن لم يجد ~~فإلى محارمه من الرضاع، فإن لم ms3161 يكن فإلى جيرانه. وقال أصحاب الشافعي: يجب ~~ذلك؛ لأنه رده إلى اجتهاده فيما فيه الحظ، وهذا أحظ. ولنا، أنه قد يرى غير ~~هذا أهم منه وأصلح، فلا يجوز تقييده بالتحكم. ونقل أبو داود، عن أحمد، أنه ~~سئل عن رجل أوصى بثلثه في المساكين، وله أقارب محاويج لم يوص لهم بشيء، ولم ~~يرثوا، فإنه يبدأ بهم، فإنهم أحق. قال: وسئل عن النصراني يوصي بثلثه ~~للفقراء من المسلمين، أيعطى إخوته وهم فقراء؟ قال: نعم، هم أحق، يعطون ~~خمسون درهما لا يزادون على ذلك. يعني لا يزاد كل واحد منهم على ذلك؛ لأنه ~~القدر الذي يحصل به الغنى. ### | [مسألة أوصى أن يحج عنه بقدر من المال] # (4759) مسألة؛ قال: (وإذا وصى أن يحج عنه بخمسمائة. فما فضل رد في الحج) ~~وجملته أنه أوصى أن يحج عنه بقدر من المال، وجب صرف جميع ذلك في الحج إذا ~~حمله الثلث؛ لأنه وصى بجميعه في جهة قربة، فوجب صرفه فيها، كما لو وصى به ~~في سبيل الله، وليس # PageV06P236 # للولي أن يصرف إلى من يحج أكثر من نفقة المثل؛ لأنه أطلق التصرف في ~~المعاوضة، فاقتضى ذلك عوض المثل، كالتوكيل في البيع. ثم لا يخلو؛ إما أن ~~يكون بقدر نفقة المثل لحجة واحدة، فيصرف فيها. أو ناقصا عنها، فيحج به من ~~حيث يبلغ، في ظاهر منصوص أحمد، فإنه قال، في رواية حنبل، في رجل أوصى أن ~~يحج عنه، ولا تبلغ النفقة، فقال: يحج عنه من حيث تبلغ النفقة للراكب من أهل ~~مدينته. وهذا قول العنبري. وقال القاضي: يعن به في الحج. وهو قول سوار ~~القاضي، حكاه عنه العنبري. وعن أحمد، أنه مخير في ذلك. قال في رواية أبي ~~داود، في امرأة أوصت بحج لا يجب عليها: أرى أن يؤخذ ثلث مالها، فيعان به في ~~الحج، أو يحج من حيث يبلغ. الحال الثالث، أن يفضل عن الحجة، فيدفع في حجة ~~ثانية، ثم في ثالثة، إلى أن ينفد، أو يبقى ما لا يبلغ حجة، فيحج به من حيث ~~يبلغ، على ما ms3162 ذكرنا من الخلاف فيه. ولا يستنيب في الحج مع الإمكان إلا من ~~بلد المحجوج عنه؛ لأنه نائب عن الميت، وقائم مقامه، فينوب عنه من موضع لو ~~حج المنوب عنه لحج. منه فإن كان الموصى به لا يحمله الثلث، لم يخل من أن ~~يكون الحج فرضا أو تطوعا، فإن كان فرضا أخذ أكثر الأمرين من الثلث أو القدر ~~الكافي لحج الفرض، فإن كان الثلث أكثر، أخذ، ثم يصرف منه في الفرض قدر ما ~~يكفيه، ثم يحج بالباقي تطوعا حتى ينفذ، كما ذكرنا من قبل، وإن كان الثلث ~~أقل، تمم قدر ما يكفي الحج من رأس المال. وبهذا قال عطاء، وطاوس، والحسن، ~~وسعيد بن المسيب، والزهري، والشافعي، وإسحاق. قال سعيد بن المسيب، والحسن: ~~كل واجب من رأس المال. وقال ابن سيرين، والنخعي، والشعبي، وحماد بن أبي ~~سليمان، والثوري، وأبو حنيفة، وداود بن أبي هند: إن وصى بالحج، فمن ثلثه، ~~وإلا فليس على ورثته شيء. فعلى قولهم، إن لم يف الثلث بالموصى به، وإلا لم ~~يزد على الثلث؛ لأن الحج عبادة فلا تلزم الوارث، كالصلاة. ولنا، قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «لو كان على أبيك دين، أكنت تقضيه؟ قال: نعم. قال: ~~فدين الله أحق أن يقضى» . والدين من رأس المال، فما هو أحق منه أولى، ولأنه ~~واجب، فكان من رأس المال، كدين الآدمي. وإن كان تطوعا، أخذ الثلث لا غير، ~~إذا لم يجز الورثة، ويحج به، على ما ذكرنا فيما مضى. ### | [فصل أوصى بحج واجب أو غيره من الواجبات] # (4760) فصل: وإذا أوصى بحج واجب، أو غيره من الواجبات، كقضاء دين، وزكاة، ~~وإخراج كفارة، لم يخل من أربعة أحوال؛ # PageV06P237 # أحدها، أن يوصي بذلك من صلب ماله، فهذا تأكيد لما وجب بالشرع، ويحج عنه ~~من بلده، وإن لم يف ماله بذلك، أخذ ماله كله يدفع في الواجب، كما لو لم ~~يوص. الثاني، أن يوصي بأداء الواجب من ثلث ماله، فيصح أيضا، فإن لم تكن له ~~وصية غير هذه، لم تفد شيئا، ويؤدى من المال ms3163 كله، كما لو لم يوص. وإن كان قد ~~أوصى بتبرع لجهة أخرى، قدم الواجب، وإن فضل من الثلث شيء فهو للتبرع، وإن ~~لم يفضل شيء سقطت، وإن لم يف الثلث بالواجب أتم من رأس المال. هكذا ذكر ~~القاضي. وقال أبو الخطاب: يزاحم بالواجب أصحاب الوصايا. فيحتمل أنه أراد ~~مثل ما ذكر القاضي، ويحتمل أنه أراد أن الثلث يقسم بين الوصايا كلها، ~~الواجب والتبرع بالحصص، فما حصل للواجب أتم من رأس المال، فيدخله الدور، ~~وتعمل بالجبر، فتقول في رجل أوصى بحجة واجبة، كفايتها عشرة من ثلثه، ووصى ~~بصدقة تطوع عشرة، ومات فلم يخلف إلا ثلاثين، فاعزل تتمة الواجب من المال، ~~وهي شيء مجهول، وخذ ثلث الباقي عشرة إلا ثلث شيء، واقسمه بين الوصيين، لكل ~~واحد خمسة إلا سدس شيء، اضمم الشيء الذي عزلته إلى ما حصل للحجة، فصار شيئا ~~وخمسة إلا سدس شيء، يعدل عشرة، وخذ من الشيء سدسه، فاجبر به بعض الخمسة، ~~يبقى خمسة أسداس شيء، يعدل خمسه، فالشيء إذا ستة، ومتى أخذت ستة من ثلاثين، ~~بقي أربعة وعشرون، ثلثها ثمانية، لصاحب الصدقة نصفها أربعة، وللواجب أربعة ~~مع الستة، صار الجميع عشرة، فإن كان عليه أيضا دين خمسة، عزلت تتمة الحج ~~شيئا، وتتمة الدين نصف شيء، بقي ثلث المال عشرة إلا نصف شيء، واقسمه بين ~~الوصايا، فيحصل للحج أربعة إلا خمس شيء، اضمم إليها تتمته، يصير شيئا ~~وأربعة إلا خمس شيء، يعدل عشرة، وبعد الجبر يصير أربعة أخماس شيء، تعدل ~~ستة، فرد على الستة ربعها، تصر سبعة ونصفا، يعدل شيئا، فالشيء سبعة ونصف، ~~ونصف الشيء ثلاثة ونصف وربع وبقية المال ثمانية عشر وثلاثة أرباع، ثلثها ~~ستة وربع، للدين خمسها واحد وربع، إذا ضممت إليه تتمته، كمل خمسة، وللحج ~~اثنان ونصف تكمل تتمته، وللصدقة اثنان ونصف. وفي عملها طريق آخر، وهو أن ~~يقسم الثلث بكماله بين الوصايا بالقسط، ثم ما بقي من الواجب خذه من الورثة ~~وصاحب التبرع بالقسط، ففي المسألة الأولى يحصل للواجب خمسة، يبقى له خمسة، ~~يأخذ من صاحب ms3164 التبرع دينارا، ومن الورثة أربعة. وفي المسألة الثانية، حصل ~~للحج أربعة، وبقي له ستة، وحصل للدين ديناران، وبقي له ثلاثة، فيأخذان ما ~~بقي لهما من الورثة ثلاثة، ومن صاحب التبرع ثلاثة فيأخذ صاحب الحجة من ~~الورثة أربعة، ومن صاحب التبرع دينارين، ويأخذ صاحب الدين دينارين من ~~الورثة، ودينارا من صاحب التبرع. # PageV06P238 # الثالث، أن يوصي بالواجب، ويطلق، فهو من رأس المال، فيبدأ بإخراجه قبل ~~التبرعات والميراث، فإن كان ثم وصية تبرع، فلصاحبها ثلث الباقي. وهذا قول ~~أكثر أصحاب الشافعي. وذهب بعضهم إلى أن الواجب من الثلث كالقسم الذي قبله؛ ~~لأنه إنما يملك الوصية بالثلث. ولنا، أن الحج كان واجبا من رأس المال، وليس ~~في وصيته ما يقتضي تغييره، فيبقى على ما كان عليه، كما لو لم يوص به. ~~وقولهم: لا تملك الوصية إلا بالثلث. قلنا: في التبرع، فأما في الواجبات فلا ~~تنحصر في الثلث، ولا تتقيد به. القسم الرابع، أن يوصي بالواجب ويقرن الوصية ~~بالتبرع، مثل أن يقول: حجوا عني، وأدوا ديني، وتصدقوا عني. ففيه وجهان؛ ~~أصحهما، أن الواجب من رأس المال؛ لأن الاقتران في اللفظ لا يدل على ~~الاقتران في الحكم، ولا في كيفيته، ولذلك قال الله تعالى: {كلوا من ثمره ~~إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] . والأكل غير واجب، والإيتاء ~~واجب، ولأنه هاهنا قد عطف غير الواجب عليه، فكما لم يستويا في الوجوب لا ~~يلزم استواؤهما في محل الإخراج. والثاني، أنه من الثلث؛ لأنه قرن به ما ~~مخرجه من الثلث. ### | [مسألة أوصى أن يحج عنه بقدر من المال حجة واحدة وكان فيه فضل عن قدر ما يحج به] # (4761) مسألة؛ قال: (وإن قال: حجة بخمسمائة. فما فضل فهو لمن يحج) وجملته ~~أنه إذا أوصى أن يحج عنه بقدر من المال حجة واحدة، وكان فيه فضل عن قدر ما ~~يحج به، فهو لمن يحج؛ لأنه قصد إرفاقه بذلك، فكأنه صرح، بأن قال: حجوا عني ~~حجة واحدة بخمسمائة، وما فضل منها فهو لمن يحج. ثم إن عين من يحج عنه، ~~فقال: ms3165 يحج عني فلان بخمسمائة. صرف ذلك إليه. وإن لم يعين أحدا، فللوصي ~~صرفها إلى من شاء؛ لأنه فوض إليه الاجتهاد، إلا أنه لا يملك صرفها إلى ~~وارث، إذا كان فيها فضل إلا بإذن الورثة، وإن لم يكن فيها فضل، جاز؛ لأنها ~~لا محاباة فيها، ثم ينظر؛ فإن كان الحج الموصى به تطوعا، فجميع القدر ~~الموصى به من الثلث، وإن كان واجبا فالزائد عن نفقة المثل يعتبر من الثلث. ~~وإن لم يف الموصى به بالحج الواجب، أتم من رأس المال. وإن كان تطوعا، فإنه ~~يحج به من حيث يبلغ، على ما مضى. ### | [فصل عين رجلا في وصيته أن يحج فأبى أن يحج] # (4762) فصل: وإن عين رجلا أن يحج، فأبى أن يحج، بطل التعيين، ويحج عنه ~~بأقل ما يمكن إنسان ثقة سواه، ويصرف الباقي إلى الورثة. ولو قال المعين: ~~اصرفوا الحجة إلى من يحج، وادفعوا الفضل إلي، # PageV06P239 # لأنه موصى به لي. لم يصرف إليه شيء؛ لأنه إنما أوصي له بالزيادة بشرط أن ~~يحج، فإذا لم يفعل، لم يوجد الشرط ولم يستحق شيئا. ### | [مسألة أوصى بحجة ولم يذكر قدرا من المال] # (4763) مسألة؛ قال: (وإن قال: حجوا عني حجة. فما فضل رد إلى الورثة) أما ~~إذا أوصى بحجة، ولم يذكر قدرا من المال، فإنه لا يدفع إلى من يحج إلا قدر ~~نفقة المثل؛ لما ذكرناه، وإن فضل فضل عن ذلك، فهو للورثة. وهذا ينبني على ~~أن الحج لا يجوز الاستئجار عليه، إنما ينوب عنه فيه نائب فما ينفق عليه ~~فيما يحتاج إليه، فهو من مال الموصي، وما بقي رده على ورثته. وإن تلف المال ~~في الطريق، فهو من مال الموصي، وليس على النائب إتمام المضي إلى الحج عنه. ~~وعلى الرواية الأخرى، يجوز الاستئجار عليه، فلا يستأجر إلا ثقة بأقل ما ~~يمكن، وما فضل فهو لمن يحج؛ لأنه ملك ما أعطي بعقد الإجارة. وإن تلف المال ~~في الطريق بعد قبض الأجير له، فهو من ماله، ويلزمه إتمام الحج. وإن قال: ~~حجوا عني. ولم يقل: حجة ms3166 واحدة. لم يحج عنه إلا حجة واحدة؛ لأنه أقل ما يقع ~~عليه الاسم. فإن عين مع هذا من يحج عنه، فقال: يحج عني فلان. فإنه يدفع ~~إليه قدر نفقته من بلده إذا خرج من الثلث. فإن أبى الحج إلا بزيادة تصرف ~~إليه، فينبغي أن يصرف إليه أقل قدر يمكن أن يحج به غيره. وإن أبى الحج، ~~وكان واجبا، استنيب غيره بأقل ما يمكن استنابته به. وإن كان تطوعا احتمل ~~بطلان الوصية؛ لأنه عين لها جهة، فإذا لم تقبلها بطلت الوصية، كما لو قال: ~~بيعوا عبدي لفلان بمائة. فأبى شراءه. ويحتمل أن لا تبطل، ويستناب غيره؛ ~~لأنه قصد القربة والتعيين، فإذا بطل التعيين، لم تبطل القربة، كما لو قال: ~~بيعوا عبدي لفلان، وتصدقوا بثمنه. فلم يقبل فلان، فإنه يباع لغيره، ويتصدق ~~به. ### | [فصل أوصى وقال حج عني بما شئت] # (4764) فصل: وإذا أوصى لرجل أن يخرج عنه حجة، لم يكن للوصي الحج بنفسه. ~~نص عليه أحمد. كما لو قال: تصدق علي. لم يجز أن يتصدق عن نفسه. وإن قال: حج ~~عني بما شئت. صح، وله ما شاء، إلا أن لا يجيز الورثة، فله الثلث. ### | [فصل أوصى أن يحج عنه زيد بمائة ولعمرو بتمام الثلث ولسعد بثلث ماله فأجاز الورثة] # (4765) فصل: إذا أوصى أن يحج عنه زيد بمائة، ولعمرو بتمام الثلث، ولسعد ~~بثلث ماله. فأجاز الورثة، أمضيت على ما قال الموصي. وإن لم يفضل عن المائة ~~شيء، فلا شيء لعمرو؛ لأنه إنما أوصى له بالفضل، ولا فضل. وإن رد الورثة، ~~قسم الثلث بينهم نصفين؛ لسعد السدس، ولزيد مائة، وما # PageV06P240 # فضل من الثلث فلعمرو، فإن لم يفضل شيء، فلا شيء لعمرو؛ لأنه إنما أوصى له ~~بالزيادة، ولا زيادة. ولا تمنع المزاحمة به، ولا يعطى شيئا، كولد الأب مع ~~الأخ من الأبوين، في مزاحمة الجد. ويحتمل أنه متى كان في الثلث فضل عن ~~المائة، أن يرد كل واحد منهم إلى نصف وصيته؛ لأن زيدا إنما استحق المائة ~~بالإجازة، فمع الرد يجب أن يدخل عليه من ms3167 النقص بقدر وصيته، كسائر الوصايا. ~~وقد ذكرنا نظير هذه المسألة فيما تقدم. فإن امتنع زيد من الحج، وكانت الحجة ~~واجبة، استنيب ثقة غيره في الحج بأقل ما يمكن، وتمام المائة للورثة، ولعمرو ~~ما فضل. وإن كانت الحجة تطوعا، ففي بطلان الوصية بها وجهان، ذكرناهما فيما ~~مضى. ### | [فصل أوصى لزيد بعبد بعينه ولعمرو ببقية الثلث] # فصل: وإن أوصى لزيد بعبد بعينه، ولعمرو ببقية الثلث، قوم العبد يوم موت ~~الموصي؛ لأنه حال نفوذ الوصية، ودفع إلى زيد، ودفع بقية الثلث إلى عمرو. ~~فإن لم يبق من الثلث شيء، بطلت وصية عمرو. وإن مات العبد بعد موت الموصي، ~~أو رد زيد وصيته، بطلت ولم تبطل وصية عمرو. وهكذا إن مات زيد قبل موت ~~الموصي أو بعده. وإن مات العبد قبل موت الموصي، قومنا التركة حال موت ~~الموصي بدون العبد، ثم يقوم العبد لو كان حيا، فإن بقي من الثلث بعد قيمته ~~شيء، فهو لعمرو، وإلا بطلت وصيته. ولو قال لأحد عبديه: أنت مدبر. ثم قال ~~لآخر: أنت مدبر في زيادة الثلث عن قيمة الأول. ثم بطل تدبير الأول لرجوعه ~~فيه، أو خروجه مستحقا، أو غير ذلك، فهي كالتي قبلها، على ما ذكرنا. ### | [مسألة أوصى بثلث ماله لرجل فقتل عمدا أو خطأ وأخذت الدية] # (4767) مسألة؛ قال: (ومن أوصى بثلث ماله لرجل، فقتل عمدا أو خطأ، وأخذت ~~الدية، فلمن أوصى له بالثلث ثلث الدية، في إحدى الروايتين، والأخرى ليس لمن ~~أوصى له بالثلث من الدية شيء) اختلفت الرواية عن أحمد، في من أوصى بثلث ~~ماله، أو جزء منه مشاع، فقتل الموصي، وأخذت ديته، هل للوصي منها شيء أو لا؟ ~~فنقل مهنا عن أحمد، أنه يستحق منها. وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه - في ~~دية الخطأ. وهو قول الحسن، ومالك. ونقل ابن منصور، عن أحمد، لا يدخل الدية ~~في وصيته. وروي ذلك عن مكحول، وشريك، وأبي ثور، وداود. وهو قول إسحاق. وقال ~~مالك: في دية العمد؛ لأن الدية إنما تجب للورثة بعد موت الموصي، بدليل ms3168 أن ~~سببها الموت، فلا يجوز وجوبها قبله؛ لأن الحكم لا يتقدم سببه، ولا يجوز أن ~~تجب للميت بعد موته؛ لأنه بالموت تزول أملاكه الثابتة له، فكيف يتجدد له ~~ملك؟ فلا يدخل في الوصية؛ لأن الميت إنما يوصي بجزء من ماله، لا بمال ~~ورثته. ووجه الرواية الأولى، أن الدية تجب للميت؛ لأنها بدل نفسه، ونفسه ~~له، فكذلك بدلها، ولأن بدل أطرافه في حال حياته له، فكذلك بدلها بعد موته، ~~ولهذا نقضي منها ديونه، ويجهز منها إن كان قبل تجهيزه، وإنما يزول من ~~أملاكه # PageV06P241 # ما استغنى عنه، فأما ما تعلقت به حاجته فلا. ولأنه يجوز أن يتجدد له ملك ~~بعد الموت، كمن نصب شبكة فسقط فيها صيد بعد موته، فإنه يملك بحيث تقضى ~~ديونه منه، ويجهز، فكذلك دينه؛ لأن تنفيذ وصيته من حاجته، فأشبهت قضاء ~~دينه. (4768) فصل: وإن كانت الوصية بمعين، فعلى الرواية الأولى، يعتبر ~~خروجه من ثلث ماله وديته، وعلى الأخرى، يعتبر خروجه من أصل ماله دون ديته؛ ~~لأنها ليست من ماله. ### | [فصل أوصى ثم استفاد مالا قبل الموت] # (4769) فصل: وإن أوصى، ثم استفاد مالا قبل الموت، فأكثر أهل العلم ~~يقولون: إن الوصية تعتبر من جميع ما يخلفه من التلاد والمستفاد ويعتبر ثلث ~~الجميع. هذا قول النخعي، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب ~~الرأي. وسواء علم أو لم يعلم. وحكي عن أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، ~~وربيعة، ومالك لا يدخل في وصيته إلا ما علم، إلا المدبر فإنه يدخل في كل ~~شيء. ولنا، أنه من ماله، فدخل في وصيته كالمعلوم. ### | [مسألة أوصى إلى رجل ثم أوصى بعده إلى آخر] # مسألة؛ قال: (وإذا أوصى إلى رجل، ثم أوصى بعده إلى آخر، فهما وصيان، إلا ~~أن يقول: قد أخرجت الأول) معنى أوصى إلى رجل. أي جعل له التصرف بعد موته، ~~فيما كان له التصرف فيه، من قضاء ديونه، واقتضائها، ورد الودائع، ~~واستردادها، وتفريق وصيته، والولاية على أولاده الذين له الولاية عليهم من ~~الصبيان والمجانين ومن لم يؤنس رشده، والنظر لهم في ms3169 أموالهم بحفظها، ~~والتصرف فيها بما لهم الحظ فيه. فأما من لا ولاية له عليهم، كالعقلاء ~~الراشدين، وغير أولاده من الإخوة والأعمام وسائر من عدا الأولاد، فلا تصح ~~الوصية عليهم؛ لأنه لا ولاية للموصي عليهم في الحياة، فلا يكون ذلك لنائبه ~~بعد الممات. ولا نعلم في هذا كله خلافا. وبه يقول مالك، وأبو حنيفة، ~~والشافعي، إلا أن أبا حنيفة والشافعي قالا: للجد ولاية على ابن ابنه وإن ~~سفل؛ لأن له ولادة وتعصيبا، فأشبه الأب. ولأصحاب الشافعي في الأم عند عدم ~~الأب والجد وجهان؛ أحدهما، أن لها ولاية؛ لأنها أحد الأبوين، فأشبهت الأب. # PageV06P242 # ولنا، أن الجد يدلي بواسطة، فأشبه الأخ والعم وفارق الأب، فإنه يدلي ~~بنفسه، ويحجب الجد، ويخالفه في ميراثه وحجبه، فلا يصح إلحاقه به، ولا قياسه ~~عليه. وأما المرأة فلا تلي؛ لأنها قاصرة لا تلي النكاح بحال، فلا تلي مال ~~غيرها، كالعبد، ولأنها لا تلي بولاية القضاء، فكذلك بالنسب. إذا ثبت هذا، ~~فإنه إذا أوصى إلى رجل، ثم أوصى إلى آخر، فهما وصيان، إلا أن يقول: قد ~~أخرجت الأول أو قد عزلته؛ لما ذكرنا فيما إذا أوصى بجارية لبشر، ثم أوصى ~~بها لبكر. ولأنه قد وجدت الوصية إليهما من غير عزل واحد منهما، فكانا ~~وصيين، كما لو أوصى إليهما دفعة واحدة. فأما إن أخرج الأول انعزل، وكان ~~الثاني هو الوصي، كما لو عزله بعد الوصية إلى الثاني. ### | [فصل يوصي إلى رجل بشيء دون شيء] # (4771) فصل: ويجوز أن يوصي إلى رجل بشيء دون شيء، مثل أن يوصي إلى إنسان ~~بتفريق وصيته دون غيرها، أو بقضاء ديونه، أو بالنظر في أمر أطفاله حسب، فلا ~~يكون له غير ما جعل إليه. ويجوز أن يوصي إلى إنسان بتفريق وصيته، وإلى آخر ~~بقضاء ديونه، وإلى آخر بالنظر في أمر أطفاله، فيكون لكل واحد منهم ما جعل ~~إليه دون غيره. ومتى أوصى إليه بشيء، لم يصر وصيا في غيره. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: يصير وصيا في كل ما يملكه الوصي؛ لأن هذه ولاية ~~تنتقل ms3170 من الأب بموته، فلا تتبعض، كولاية الجد. ولنا، أنه استفاد التصرف ~~بالإذن من جهة الآدمي، فكان مقصورا على ما أذن فيه، كالوكيل، وولاية الجد ~~ممنوعة. ثم تلك ولاية استفادها بقرابته، وهي لا تتبعض، والإذن يتبعض، ~~فافترقا. ### | [فصل يوصي إلى رجلين معا في شيء واحد ويجعل لكل واحد منهما التصرف منفردا] # (4772) فصل: ويجوز أن يوصي إلى رجلين معا في شيء واحد، ويجعل لكل واحد ~~منهما التصرف منفردا، فيقول: أوصيت إلى كل واحد منكما أن ينفرد بالتصرف. ~~لأنه جعل كل واحد منهما وصيا منفردا، وهذا يقتضي تصرفه على الانفراد. وله ~~أن يوصي إليهما ليتصرفا مجتمعين، وليس لواحد منهما الانفراد بالتصرف؛ ولأنه ~~لم يجعل ذلك إليه، ولم يرض بنظره وحده. وهاتان الصورتان لا أعلم فيهما ~~خلافا. وإن أطلق، فقال: أوصيت إليكما في كذا. فليس لأحدهما الانفراد ~~بالتصرف. وبه قال # PageV06P243 # مالك، والشافعي. وقال: أبو يوسف: له ذلك؛ لأن الوصية والولاية لا تتبعض، ~~فملك كل واحد منهما الانفراد بها كالأخوين في تزويج أختهما. وقال أبو ~~حنيفة، ومحمد يستحسن على خلاف القياس، فيبيح أن ينفرد كل واحد منهما بسبعة ~~أشياء: كفن الميت، وقضاء دينه، وإنفاذ وصيته، ورد الوديعة بعينها، وشراء ما ~~لا بد للصغير منه من الكسوة والطعام، وقبول الهبة له، والخصومة عن الميت ~~فيما يدعى له أو عليه؛ لأن هذه يشق الاجتماع عليها ويضر تأخيرها، فجاز ~~الانفراد بها. ولنا، أنه شرك بينهما في النظر، فلم يكن لأحدهما الانفراد، ~~كالوكيلين. وما قاله أبو يوسف نقول به، فإنه جعل الولاية إليهما ~~باجتماعهما، فليست متبعضة، كما لو وكل وكيلين، أو صرح للوصيين بأن لا ~~يتصرفا إلا مجتمعين. ثم يبطل ما قاله بهاتين الصورتين، ويبطل ما قاله أبو ~~حنيفة بهما أيضا، وإذا تعذر اجتماعهما، أقام الحاكم أمينا مقام الغائب. ### | [فصل في من تصح الوصية إليه ومن لا تصح] # (4773) فصل: في من تصح الوصية إليه، ومن لا تصح، تصح الوصية إلى الرجل ~~العاقل المسلم الحر العدل إجماعا. ولا تصح إلى مجنون، ولا طفل، ولا وصية ~~مسلم إلى كافر. بغير خلاف ms3171 نعلمه؛ لأن المجنون والطفل ليسا من أهل التصرف في ~~أموالهما، فلا يليان على غيرهما، والكافر ليس من أهل الولاية على مسلم. ~~وتصح الوصية إلى المرأة في قول أكثر أهل العلم. وروي ذلك عن شريح. وبه قال ~~مالك، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وإسحاق، والشافعي، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. ولم يجزه عطاء؛ لأنها لا تكون قاضية، فلا تكون وصية، ~~كالمجنون. ولنا، ما روي أن عمر - رضي الله عنه - أوصى إلى حفصة. ولأنها من ~~أهل الشهادة، فأشبهت الرجل، وتخالف القضاء، فإنه يعتبر له الكمال في الخلقة ~~والاجتهاد، بخلاف الوصية. وتصح الوصية إلى الأعمى. وقال أصحاب الشافعي فيه ~~وجه أنه لا تصح الوصية إليه، بناء منهم على أنه لا يصح بيعه ولا شراؤه، فلا ~~يوجد فيه معنى الولاية. وهذا لا يسلم لهم، مع أنه يمكنه التوكيل في ذلك، ~~وهو من أهل الشهادة والولاية في النكاح، والولاية على أولاده الصغار، فصحت ~~الوصية إليه كالبصير. وأما الصبي العاقل، فلا أعلم فيه نصا عن أحمد، فيحتمل ~~أنه لا تصح الوصية إليه؛ لأنه ليس من أهل الشهادة والإقرار، ولا يصح تصرفه ~~إلا بإذن، فلم يكن من أهل الولاية بطريق الأولى. ولأنه مولى عليه، فلا يكون ~~واليا، كالطفل والمجنون. وهذا مذهب الشافعي. وهو الصحيح إن شاء الله. وقال ~~القاضي: قياس المذهب صحة الوصية إليه؛ لأن أحمد قد نص على صحة وكالته. وعلى ~~هذا يعتبر أن يكون قد جاوز العشر. وأما الكافر، فلا تصح وصية مسلم إليه؛ ~~لأنه لا يلي # PageV06P244 # على مسلم، ولأنه ليس من أهل الشهادة ولا العدالة، فلم تصح الوصية إليه، ~~كالمجنون والفاسق. وأما وصية الكافر إليه، فإن لم يكن عدلا في دينه، لم تصح ~~الوصية إليه؛ لأن عدم العدالة في المسلم يمنع صحة الوصية إليه. فمع الكفر ~~أولى. وإن كان عدلا في دينه، ففيه وجهان؛ أحدهما تصح الوصية إليه. وهو قول ~~أصحاب الرأي؛ لأنه يلي بالنسب، فيلي الوصية، كالمسلم. والثاني، لا تصح. وهو ~~قول أبي ثور؛ لأنه فاسق، فلم تصح الوصية إليه، كفاسق المسلمين. ولأصحاب ~~الشافعي ms3172 وجهان كهذين. وأما وصية الكافر إلى المسلم، فتصح إلا أن تكون تركته ~~خمرا أو خنزيرا. وأما العبد، فقال أبو عبد الله بن حامد: تصح الوصية إليه، ~~سواء كان عبد نفسه أو عبد غيره. وبه قال مالك. وقال النخعي، والأوزاعي، ~~وابن شبرمة: تصح الوصية إلى عبد نفسه، ولا تصح إلى عبد غيره. وقال أبو ~~حنيفة: تصح إلى عبد نفسه إذا لم يكن في ورثته رشيد. وقال أبو يوسف، ومحمد، ~~والشافعي: لا تصح الوصية إلى عبد بحال؛ لأنه لا يكون وليا على ابنه بالنسب، ~~فلا يجوز أن يلي الوصية، كالمجنون. ولنا أنه يصح استنابته في الحياة، فصح ~~أن يوصى إليه كالحر. وقياسهم يبطل بالمرأة. والخلاف في المكاتب والمدبر ~~والمعتق بعضه كالخلاف في العبد القن. وقد نص الخرقي على أن الوصية إلى أم ~~ولده جائزة. نص عليه أحمد أيضا؛ لأنها تكون حرة عند نفوذ الوصية من أصل ~~المال. وأما الفاسق، فقد روي عن أحمد ما يدل على أن الوصية إليه لا تصح. ~~وهو قول مالك، والشافعي. وعن أحمد ما يدل على صحة الوصية إليه، فإنه قال، ~~في رواية ابن منصور: إذا كان متهما، لم تخرج من يده. وقال الخرقي: إذا كان ~~الوصي خائنا ضم إليه أمين. وهذا يدل على صحة الوصية إليه، ويضم الحاكم إليه ~~أمينا. وقال أبو حنيفة: تصح الوصية إليه، وينفذ تصرفه، وعلى الحاكم عزله؛ ~~لأنه بالغ عاقل، فصحت الوصية إليه، كالعدل، ووجه الأولى أنه لا يجوز إفراده ~~بالوصية، فلم تجز الوصية إليه، كالمجنون. وعلى أبي حنيفة، لا يجوز إقراره ~~على الوصية، فأشبه ما ذكرنا. # (4774) فصل: ويعتبر وجود هذه الشروط في الوصي حال العقد والموت، في أحد ~~الوجهين، وفي الآخر يعتبر حال الموت حسب، كالوصية له. وهو قول بعض أصحاب ~~الشافعي. ولنا، أنها شروط لعقد، فتعتبر حال وجوده، كسائر العقود. فأما ~~الوصية له، فهي صحيحة وإن كان وارثا، وإنما يعتبر عدم الإرث، وخروجها من ~~الثلث للنفوذ واللزوم، فاعتبرت حالة اللزوم، بخلاف مسألتنا، فإنها شروط ~~لصحة العقد، فاعتبرت حالة العقد، ولا ينفع ms3173 وجودها بعده. وعلى الوجه # PageV06P245 # الثاني، لو كانت الشروط كلها منتفية، أو بعضها حال العقد، ثم وجدت حالة ~~الموت لصحت الوصية إليه. ### | [فصل قال أوصيت إلى زيد فإن مات فقد أوصيت إلى عمرو] # (4775) فصل: وإذا قال: أوصيت إلى زيد، فإن مات فقد أوصيت إلى عمرو صح ~~ذلك، رواية واحدة، ويكون كل واحد منهما وصيا، إلا أن عمرا وصي بعد زيد؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في جيش مؤتة: «أميركم زيد، فإن قتل ~~فأميركم جعفر فإن قتل فأميركم عبد الله بن رواحة» . والوصية في معنى ~~التأمير. وإن قال: أوصيت إليك، فإذا كبر ابني كان وصيي. صح؛ لذلك، فإذا كبر ~~ابنه صار وصيه. وعلى هذا لو قال: وصيت لك فان تاب ابني عن فسقه، أو قدم من ~~غيبته، أو صح من مرضه، أو اشتغل بالعلم، أو صالح أمه، أو رشد، فهو وصيي. ~~صحت الوصية إليه، ويصير وصيا عند وجود هذه الشروط. ### | [مسألة الوصية إلى الفاسق] # (4776) مسألة؛ قال: (وإذا كان الوصي خائنا، جعل معه أمين) ظاهر هذا صحة ~~الوصية إلى الفاسق، ويضم إليه أمين. وكذلك إن كان عدلا فتغيرت حاله إلى ~~الخيانة لم يخرج منها، ويضم إليه أمين. ونقل ابن منصور عن أحمد نحو ذلك. ~~قال: إذا كان الوصي متهما، لم يخرج من يده. ونقل المروذي، عن أحمد، في من ~~أوصى لرجلين ليس أحدهما بموضع للوصية، فقال للآخر: أعطني. لا يعطيه شيئا، ~~ليس هذا بموضع للوصية. فقيل له: أليس المريض قد رضي به؟ فقال: وإن رضي به. ~~فظاهر هذا إبطال الوصية إليه. وحمل القاضي كلام الخرقي وكلام أحمد في ~~إبقائه في الوصية، على أن خيانته طرأت بعد الموت، فأما إن كانت خيانته ~~موجودة حال الوصية إليه، لم تصح؛ لأنه لا يجوز تولية الخائن على يتيم في ~~حياته، فكذلك بعد موته، ولأن الوصية ولاية وأمانة، والفاسق ليس من أهلهما. ~~فعلى هذا إذا كان الوصي فاسقا، فحكمه حكم من لا وصي له، وينظر في ماله ~~الحاكم. وإن طرأ فسقه بعد الوصية، زالت ولايته وأقام ms3174 الحاكم مقامه أمينا. ~~هذا اختيار القاضي. وهو قول الثوري، والشافعي، وإسحاق. وعلى قول الخرقي: لا ~~تزول ولايته ويضم إليه أمين ينظر معه. وروي ذلك عن الحسن، وابن سيرين؛ لأنه ~~أمكن حفظ المال بالأمين، وتحصيل نظر الوصي بإبقائه في الوصية، فيكون جمعا ~~بين الحقين. وإن لم يمكن حفظ المال بالأمين، تعين إزالة يد الفاسق الخائن ~~وقطع تصرفه؛ لأن حفظ المال على اليتيم أولى من رعاية قول الموصي الفاسد. ~~وأما التفريق بين الفسق الطارئ وبين المقارن، فبعيد؛ فإن الشروط تعتبر في ~~الدوام، كاعتبارها # PageV06P246 # في الابتداء، سيما إذا كانت لمعنى يحتاج إليه في الدوام، ولو لم يكن بد ~~من التفريق، لكان اعتبار العدالة في الدوام أولى، من قبل أن الفسق إذا كان ~~موجودا حال الوصية، فقد رضي به الموصي، مع علمه بحاله، وأوصى إليه راضيا ~~بتصرفه مع فسقه، فيشعر ذلك بأنه علم أن عنده من الشفقة على اليتيم ما يمنعه ~~من التفريط فيه وخيانته في ماله، بخلاف ما إذا طرأ الفسق، فإنه لم يرض به ~~على تلك الحال، والاعتبار برضاه، ألا ترى أنه لو أوصى إلى واحد، جاز له ~~التصرف وحده، ولو وصى إلى اثنين، لم يجز للواحد التصرف. ### | [فصل الوصية للعدل الذي يعجز عن النظر لعلة أو ضعف] # (4777) فصل: وأما العدل الذي يعجز عن النظر، لعلة أو ضعف، فإن الوصية تصح ~~إليه، ويضم إليه الحاكم أمينا، ولا يزيل يده عن المال، ولا نظره؛ لأن ~~الضعيف أهل للولاية والأمانة، فصحت الوصية إليه. وهكذا إن كان قويا، فحدث ~~فيه ضعف أو علة، ضم الحاكم إليه يدا أخرى، ويكون الأول هو الوصي دون ~~الثاني، وهذا معاون؛ لأن ولاية الحاكم إنما تكون عند عدم الوصي. وهذا قول ~~الشافعي، وأبي يوسف. ولا أعلم لهما مخالفا. ### | [فصل تغيرت حال الوصي بجنون أو كفر أو سفه] # (4778) فصل: وإذا تغيرت حال الوصي بجنون، أو كفر، أو سفه، زالت ولايته ~~وصار كأنه لم يوص إليه، ويرجع الأمر إلى الحاكم، فيقيم أمينا ناظرا للميت ~~في أمره وأمر أولاده من بعده، كما لو ms3175 لم يخلف وصيا. وإن تغيرت حاله بعد ~~الوصية وقبل الموت، ثم عاد فكان عند الموت جامعا لشروط الوصية، صحت الوصية ~~إليه؛ لأن الشروط موجودة حال العقد والموت، فصحت الوصية، كما لو لم تتغير ~~حاله. ويحتمل أن تبطل؛ لأن كل حالة منها حالة للقبول والرد، فاعتبرت الشروط ~~فيها. فأما إن زالت بعد الموت، فانعزل، ثم عاد، فكمل الشروط، لم تعد وصيته؛ ~~لأنها زالت، فلا تعود إلا بعقد جديد. ### | [فصل قبول الوصية وردها في حياة الموصي] # (4779) فصل: ويصح قبول الوصية وردها في حياة الموصي؛ لأنها إذن في ~~التصرف، فصح قبوله بعد العقد، كالتوكيل، بخلاف الوصية له، فإنها تمليك في ~~وقت، فلم يصح القبول قبل الوقت. ويجوز تأخير القبول إلى ما بعد الموت؛ ~~لأنها نوع وصية، فصح قبولها بعد الموت، كالوصية له، ومتى قبل صار وصيا، وله ~~عزل نفسه متى شاء، مع القدرة والعجز، في حياة الموصي وبعد موته، بمشهد منه ~~وفي غيبته. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجوز له ذلك بعد الموت ~~بحال، ولا يجوز في حياته إلا بحضرته؛ لأنه غره ب # PageV06P247 # التزام وصيته، ومنعه بذلك الإيصاء إلى غيره. وذكر ابن أبي موسى، في " ~~الإرشاد " رواية عن أحمد، ليس له عزل نفسه بعد الموت لذلك. ولنا، أنه متصرف ~~بالإذن، فكان له عزل نفسه، كالوكيل. ### | [فصل الرجل يوصي إلى الرجل ويجعل له دراهم مسماة] # (4780) فصل: ويجوز أن يجعل للوصي جعلا؛ لأنها بمنزلة الوكالة، والوكالة ~~تجوز بجعل، فكذلك الوصية. وقد نقل إسحاق بن إبراهيم، في الرجل يوصي إلى ~~الرجل، ويجعل له دراهم مسماة، فلا بأس. ومقاسمة الوصي الموصى له جائزة على ~~الورثة؛ لأنه نائب عنهم، ومقاسمته للورثة على الموصى له لا تجوز؛ لأنه ليس ~~بنائب عنه. ### | [فصل أوصى إلى رجل وأذن له أن يوصي إلى من يشاء] # (4781) فصل: وإذا أوصى إلى رجل، وأذن له أن يوصي إلى من يشاء، نحو أن ~~يقول: أذنت لك أن توصي إلى من شئت، أو كل من أوصيت إليه فقد أوصيت إليه، أو ~~فهو وصي صح، وله ms3176 أن يوصي إلى من شاء؛ لأنه رضي باجتهاده واجتهاد من يراه، ~~فصح، كما لو وصى إليهما معا. وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكي عن الشافعي أنه ~~قال في أحد القولين: ليس له أن يوصي؛ لأنه يلي بتولية، فلا يصح أن يوصي، ~~كالوكيل. ولنا، أنه مأذون له في الإذن في التصرف، فجاز له أن يأذن لغيره، ~~كالوكيل إذا أمر بالتوكيل، والوكيل حجة عليه من الوجه الذي ذكرناه. فأما إن ~~أوصى إليه، وأطلق، ولم يأذن له في الإيصاء ولا نهاه عنه، ففيه روايتان؛ ~~إحداهما، له أن يوصي إلى غيره. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والثوري، وأبي ~~يوسف؛ لأن الأب أقامه مقام نفسه فكان له الوصية، كالأب. والثانية، ليس له ~~ذلك. وهو اختيار أبي بكر. ومذهب الشافعي، وإسحاق. وهو الظاهر من مذهب ~~الخرقي؛ لقوله ذلك في الوكيل؛ لأنه يتصرف بتولية، فلم يكن له التفويض، ~~كالوكيل، ويخالف الأب؛ لأنه يلي بغير تولية. ### | [مسألة كانا وصيين فمات أحدهما] # (4782) مسألة؛ قال: (وإن كانا وصيين، فمات أحدهما، أقيم مقام الميت أمين) ~~وجملة ذلك، أنه يجوز للرجل الوصية إلى اثنين، فمتى أوصى إليهما مطلقا، لم ~~يجز لواحد منهما الانفراد بالتصرف، فإن مات أحدهما، أو جن، أو وجد منه ما ~~يوجب عزله، أقام الحاكم مقامه أمينا؛ لأن الموصي # PageV06P248 # لم يرض بنظر هذا الباقي منهما وحده. فإن أراد الحاكم رد النظر إلى الباقي ~~منهما، لم يكن له ذلك. وذكر أصحاب الشافعي وجها في جوازه؛ لأن النظر لو كان ~~له لموت الموصي عن غير وصية، كان له رده إلى واحد، كذلك هاهنا، فيكون ناظرا ~~بالوصية من الموصي، والأمانة من جهة الحاكم. ولنا، أن الموصي لم يرض بتصرف ~~هذا وحده، فوجب ضم غيره إليه؛ لأن الوصية مقدمة على نظر الحاكم واجتهاده. ~~وإن تغيرت حالهما جميعا بموت أو غيره، فللحاكم أن ينصب مكانهما. وهل له نصب ~~واحد؟ فيه وجهان؛ أحدهما، له ذلك لأنه لما عدم الوصيان، صار الأمر إلى ~~الحاكم بمنزلة ما لم يوص، ولو لم يوص لاكتفي بواحد، كذا هاهنا. ويفارق ما ms3177 ~~إذا كان أحدهما حيا؛ لأن الموصي بين أنه لا يرضى بها وحده، بخلاف ما إذا ~~ماتا معا. والثاني، لا يجوز أن ينصب إلا اثنين؛ لأن الموصي لم يرض بواحد، ~~فلم يقتنع به، كما لو كان أحدهما حيا. فأما إن جعل لكل واحد منهما التصرف ~~منفردا، فمات أحدهما أو خرج من الوصية، لم يكن للحاكم أن يقيم مقامه أمينا؛ ~~لأن الباقي منهما له النظر بالوصية، فلا حاجة إلى غيره. وإن ماتا معا، أو ~~خرجا عن الوصية، فللحاكم أن يقيم واحدا يتصرف. وإن تغيرت حال أحد الوصيين ~~تغييرا لا يزيله عن الوصية، كالعجز عنها لضعف أو علة ونحو ذلك، وكانا ممن ~~لكل واحد منهما التصرف منفردا، فليس للحاكم أن يضم إليهما أمينا؛ لأن ~~الباقي منهما يكفي، إلا أن يكون الباقي منهما يعجز عن التصرف وحده؛ لكثرة ~~العمل ونحوه، فله أن يقيم أمينا. وإن كانا ممن ليس لأحدهما التصرف على ~~الانفراد، فعلى الحاكم أن يقيم مقام من ضعف عنها أمينا، يتصرف معه على كل ~~حال، فيصيرون ثلاثة؛ الوصيان والأمين معهما، ولكل واحد منهم التصرف وحده. ### | [فصل اختلف الوصيان عند من يجعل المال منهما] # (4783) فصل: وإذا اختلف الوصيان عند من يجعل المال منهما، لم يجعل عند ~~واحد منهما، ولم يقسم بينهما، وجعل في مكان تحت أيديهما جميعا؛ لأن الموصي ~~لم يأمن أحدهما على حفظه، ولا التصرف فيه. وقال مالك: يجعل عند أعدلهما. ~~وقال أصحاب الرأي: يقسم بينهما. وهو المنصوص عن الشافعي، إلا أن أصحابه ~~اختلفوا في مراده بكلامه؛ فقال بعضهم: إنما أراد إذا كان كل واحد منهما ~~موصى إليه على الانفراد. وقال بعضهم: بل هو عام فيهما. # PageV06P249 # ولنا، أن حفظ المال من جملة الموصى به، فلم يجز لأحدهما الانفراد به، ~~كالتصرف. ولأنه لو جاز لكل واحد منهما أن ينفرد بحفظ بعضه، لجاز له أن ~~ينفرد بالتصرف في بعضه. ### | [فصل الدخول في الوصية] # (4784) فصل: لا بأس بالدخول في الوصية، فإن الصحابة، - رضي الله عنهم -، ~~كان بعضهم يوصي إلى بعض، فيقبلون الوصية، فروي عن أبي عبيدة، ms3178 أنه لما عبر ~~الفرات أوصى إلى عمر. وأوصى إلى الزبير ستة من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ عثمان، وابن مسعود، والمقداد، وعبد الرحمن بن عوف، ومطيع بن ~~الأسود، وآخر. وروي عن ابن عمر أنه كان وصيا لرجل. وفي وصية ابن مسعود: إن ~~حدث بي حادث الموت من مرضي هذا، أن مرجع وصيتي إلى الله سبحانه ثم إلى ~~الزبير بن العوام، وابنه عبد الله. ولأنها وكالة وأمانة، فأشبهت الوديعة ~~والوكالة في الحياة. وقياس مذهب أحمد أن ترك الدخول فيها أولى؛ لما فيها من ~~الخطر، وهو لا يعدل بالسلامة شيئا، ولذلك كان يرى ترك الالتقاط، وترك ~~الإحرام قبل الميقات أفضل، تحريا للسلامة، واجتنابا للخطر. وقد روي حديث ~~يدل على ذلك، وهو ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر: ~~«إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، فلا تأمرن على اثنين، ولا ~~تولين مال يتيم.» أخرجه مسلم. ### | [فصل مات رجل لا وصي له ولا حاكم في بلده] # (4785) فصل: فإن مات رجل لا وصي له، ولا حاكم في بلده، فظاهر كلام أحمد، ~~- رحمه الله - أنه يجوز لرجل من المسلمين أن يتولى أمره، ويبيع ما دعت ~~الحاجة إلى بيعه، فإن صالحا نقل عنه، في رجل بأرض غربة، لا قاضي بها، مات ~~وخلف جواري ومالا أترى لرجل من المسلمين بيع ذلك؟ فقال أما المنافع ~~والحيوان، فإن اضطروا إلى بيعه، ولم يكن قاض، فلا بأس، وأما الجواري فأحب ~~إلي أن يتولى بيعهن حاكم من الحكام. وإنما توقف عن بيع الإماء على طريق ~~الاختيار احتياطا؛ لأن بيعهن يتضمن إباحة فرج، وأجاز بيع ذلك؛ لأنه موضع ~~ضرورة. ### | [فصل أوصى إليه بتفريق مال] # (4786) فصل: وإذا أوصى إليه بتفريق مال، لم يكن له أخذ شيء منه. نص عليه ~~أحمد، فقال: إذا كان في يده مال للمساكين، وأبواب البر، وهو يحتاج إليه، ~~فلا يأكل منه شيئا، إنما أمر بتنفيذه. وبهذا قال مالك، والشافعي. وقال أبو ~~ثور، وأصحاب الرأي: إذا قال الموصي: جعلت لك أن تضع ms3179 ثلثي حيث شئت، أو حيث ~~رأيت. فله أخذه لنفسه وولده. ويحتمل أن يجوز ذلك عندنا؛ لأنه يتناوله لفظ ~~الموصي. ويحتمل أن ينظر إلى قرائن الأحوال، فإن دلت على أنه أراد أخذه منه، ~~مثل أن يكون من جملة المستحقين الذين # PageV06P250 # يصرف إليهم ذلك، أو عادته الأخذ من مثله، فله الأخذ منه، وإلا فلا. ~~ويحتمل أن له إعطاء ولده وسائر أقاربه إذا كانوا مستحقين دون نفسه؛ لأنه ~~مأمور بالتفريق، وقد فرق في من يستحق، فأشبه ما لو دفع إلى أجنبي. ولنا، ~~أنه تمليك ملكه بالإذن فلا يجوز أن يكون قابلا، كما لو وكله في بيع سلعة، ~~لم يجز له بيعها من نفسه. ### | [فصل وصى إليه بتفريق ثلثه فأبى الورثة إخراج ثلث ما في أيديهم] # (4787) فصل: وإن وصى إليه بتفريق ثلثه، فأبى الورثة إخراج ثلث ما في ~~أيديهم، فعنه روايتان؛ إحداهما، يخرج الثلث كله مما في يده. نقلها أبو ~~طالب؛ لأن حق الموصى له متعلق بأجزاء التركة، فجاز أن يدفع إليه مما في ~~يده، كما يدفع إلى بعض الورثة. والأخرى، يدفع إليه ثلث ما في يده، ولا ~~يعطيهم شيئا مما في يده حتى يخرجوا ثلث ما في أيديهم. نقلها أبو الحارث؛ ~~لأن صاحب الدين إذا كان للمدين في يديه مال، لم يملك استيفاءه مما في يديه، ~~كذا هاهنا. ويمكن حمل الروايتين على اختلاف حالين، فالرواية الأولى محمولة ~~على ما إذا كان المال جنسا واحدا، فللموصي أن يخرج الثلث كله مما في يديه؛ ~~لأنه لا فائدة في انتظار إخراجهم مما في أيديهم، مع اتحاد الجنس. والرواية ~~الثانية محمولة على ما إذا كان المال أجناسا، فإن الوصية تتعلق بثلث كل ~~جنس، فليس له أن يخرج عوضا عن ثلث ما في أيديهم مما في يده؛ لأنه معاوضة لا ~~تجوز إلا برضاهم، والله أعلم. ### | [فصل علم الوصي أن على الميت دينا] # (4788) فصل: إذا علم الوصي أن على الميت دينا، إما بوصية الميت أو غيرها، ~~فقال أحمد: لا يقضيه إلا ببينة. قيل له: فإن كان ابن الميت يصدقه؟ ms3180 قال: ~~يكون ذلك في حصة من أقر بقدر حصته. وقال في من استودع رجلا ألف درهم، وقال: ~~إن أنا مت، فادفعها إلى ابني الكبير. وله ابنان، أو قال: ادفعها إلى أجنبي. ~~فقال: إن دفعها إلى أحد الابنين، ضمن للآخر قدر حصته، وإن دفعها إلى الآخر، ~~ضمن. ولعل هذا من أحمد فيما إذا لم يصدق الورثة الوصي، ولم يقروا، فلا يقبل ~~قوله عليهم، وليس له الدفع بغير إذنهم؛ لأن قوله أقر عندي وأذن لي، إثبات ~~ولاية، فلا يقبل قوله فيه، ولا شهادته؛ لأنه يشهد لنفسه بالولاية. وقد نقل ~~أبو داود، في رجل أوصى أن لفلان علي كذا، ينبغي للوصي أن ينفذه، ولا يحل له ~~إن لم ينفذه. فهذه المسألة محمولة على أن الورثة يصدقون الوصي أو المدعي، ~~أو له بينة بذلك، جمعا بين الروايتين، وموافقة للدليل. قيل لأحمد: فإن علم ~~الموصى إليه لرجل حقا على الميت، فجاء الغريم يطالب الوصي، # PageV06P251 # وقدمه إلى القاضي ليستحلفه أن مالي في يديك حق. فقال: لا يحلف. ويعلم ~~القاضي بالقضية، فإن أعطاه القاضي فهو أعلم. فإن ادعى رجل دينا على الميت، ~~وأقام به بينة، فهل يجوز للوصي قبولها، وقضاء، الدين بها، من غير حضور ~~حاكم؟ فكلام أحمد يدل على روايتين؛ إحداهما، قال: لا يجوز الدفع إليه ~~بدعواه، إلا أن تقوم البينة. فظاهر هذا أنه جوز الدفع بالبينة من غير حكم ~~حاكم؛ لأن البينة له حجة، وقال في موضع أخر: إلا أن يثبت بينة عند الحاكم ~~بذلك، فأما إن صدقهم الورثة على ذلك. قبل؛ لأنه إقرار منهم على أنفسهم. ### | [مسألة أعتق في مرضه أو بعد موته عبدين لا يملك غيرهما] # (4789) مسألة؛ قال: (ومن أعتق في مرضه، أو بعد موته، عبدين، لا يملك ~~غيرهما، وقيمة أحدهما مائتان، والآخر ثلاثمائة، فلم يجز الورثة، أقرع ~~بينهما، فإن وقعت القرعة على الذي قيمته مائتان، عتق منه خمسة أسداسه، وهو ~~ثلث الجميع. وإن وقعت على الآخر، عتق منه خمسة أتساعه؛ لأن جميع ملك الميت ~~خمسمائة درهم، وهو قيمة العبدين، فضرب في ثلاثة، ms3181 فأخذ ثلثه خمسمائة فأما إن ~~وقعت القرعة على الذي قيمته مائتان، ضربناه في ثلاثة، فصيرناه ستمائة، فصار ~~العتق منه خمسة أسداسه. وكذلك يفعل في الآخر إذا وقعت عليه القرعة. وكل شيء ~~يأتي من هذا الباب فسبيله أن يضرب في ثلاثة، ليخرج بلا كسر) هذه المسألة ~~دالة على أحكام أربعة؛ منها أن حكم العتق في مرض الموت حكم الوصية، لا يجوز ~~منه إلا ثلث المال، إلا أن يجيزه الورثة. وهذا قول جمهور الفقهاء.، وحكي عن ~~مسروق، في من أعتق عبده في مرض موته، ولا مال له غيره: أجيزه برمته، شيء ~~جعله لله لا أرده. وهذا قول شاذ يخالف الأثر والنظر، فإنه قد صح «عن عمران ~~بن حصين، أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد عند موته، لم يكن له مال غيرهم، ~~فدعا بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق ~~أربعة. وقال له قولا شديدا.» رواه مسلم، وأبو داود. ولأنه تبرع في مرض موته ~~فأشبه سائر العطايا والصدقات. الثاني، أن العتق إذا كان في أكثر من واحد، ~~ولم يحملهم الثلث، كملنا الثلث في واحد بالقرعة، وإن كانوا جماعة كملنا ~~العتق في بعضهم بالقرعة، بدليل حديث عمران بن حصين المذكور. الثالث، أنه ~~إذا لم يخرج من الثلث إلا جزء من عبد، عتق ذلك الجزء خاصة، ورق باقيه، على ~~ما سنذكره في العتق، إن شاء الله تعالى. الرابع، إثبات القرعة ومشروعيتها؛ ~~بدليل حديث عمران، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأعبد الذين أقرع ~~بينهم. فأما كيفية تكميل العتق، فإن العبيد إن تساوت قيمتهم، وكان لهم ثلث ~~صحيح، # PageV06P252 # كستة أعبد، قيمة كل اثنين منهم ثلث المال، جعلنا كل اثنين منهم ثلثا، ~~وأقرعنا بينهم بسهم حرية، وسهمي رق كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فاللذان يقع لهما سهم الحرية يعتقان، ويرق الآخرون. وإن كان فيهم كسر، ~~كمسألة الخرقي، أقرعت بين العبدين، فأيهما وقعت عليه قرعة الحرية، ضربت ~~قيمته في ثلاثة أسهم، فمهما بلغ نسبت إليه قيمة العبدين جميعا، فمهما خرج ms3182 ~~بالنسبة، فهو القدر الذي يعتق منه. فقي هذه المسألة، إذا وقعت القرعة على ~~الذي قيمته مائتان، ضربتهما في ثلاثة، صارت ستمائة، ونسبت منها قيمة ~~العبدين معا، وهي خمسمائة، تجدها خمسة أسداسها، فيعتق منه خمسة أسداسه. وإن ~~وقعت على الآخر، عتق خمسة أتساعه. وتمام شرح ذلك يأتي في باب العتق، إن شاء ~~الله تعالى. ### | [مسألة الوصية بغير معين] # (4790) مسألة؛ قال: (وإذا أوصى بعبد من عبيده لرجل، ولم يسم العبد، كان ~~له أحدهم بالقرعة، إذا كان يخرج من الثلث، وإلا ملك منه بقدر الثلث) وجملة ~~ذلك، أن الوصية بغير معين، كعبد من عبيده، وشاة من غنمه، تصح. وقد ذكرنا أن ~~الوصية بالمجهول تصح فيما مضى. وبه يقول مالك، والشافعي، وإسحاق. واختلفت ~~الرواية فيما يستحقه الموصى له، فروي أنه يستحق أحدهم بالقرعة، ويشبه أن ~~يكون قول إسحاق. ونقل ابن منصور، أنه يعطى أحسنهم. يعني يعطيه الورثة ما ~~أحبوا من العبيد. وهو قول الشافعي. وقال مالك قولا يقتضي أنه إذا أوصى ~~بعبد، وله ثلاثة أعبد، فله ثلثهم. وإن كانوا أربعة فله ربعهم، فإنه قال: ~~إذا أوصى بعشر من إبله، وهي مائة، يعطى عشرها، والنخل، والرقيق، والدواب ~~على ذلك. والصحيح أنه يعطى عشرة بالعدد؛ لأنه الذي تناوله لفظه، ولفظه هو ~~المقتضي، فلا يعدل عنه، ولكن يعطى واحدا بالقرعة؛ لأنه يستحق واحدا غير ~~معين، فليس واحد بأولى من واحد، فوجب المصير إلى القرعة، كما لو أعتق واحدا ~~منهم. وعلى ما نقل ابن منصور، يعطيه الورثة من عبيده ما شاءوا، من صحيح أو ~~معيب جيد أو رديء؛ لأنه يتناوله اسم العبد فأجزأ، كما لو وصى له بعبد ولم ~~يضفه إلى عبيده. وإن لم يكن له إلا عبد واحد. تعينت الوصية فيه، وكذلك إن ~~كان له عبيد فماتوا كلهم إلا واحدا، تعينت الوصية فيه، لتعذر تسليم الباقي. ~~وإن تلف رقيقه جميعهم قبل موت الموصي، أو قتلوا، بطلت الوصية؛ لأنها إنما ~~تلزم بالموت، ولا رقيق له حينئذ. وإن تلفوا بعد موته بغير تفريط من الورثة، ~~بطلت الوصية؛ لأن التركة ms3183 عند الورثة غير مضمونة؛ لأنها حصلت في أيديهم بغير ~~فعلهم. وإن قتلهم قاتل، فللموصى له قيمة أحدهم، مبنيا على الروايتين في من ~~يستحقه منهم في الحياة. ولو قال: أوصيت لك بعبد من عبيدي. ولا عبيد له، لم ~~تصح الوصية؛ لأنه أوصى له بلا شيء، فهو كما لو قال: أوصيت لك بما في # PageV06P253 # كيسي. ولا شيء فيه، أو بداري. ولا دار له، فإن اشترى قبل موته عبيدا، ~~احتمل أن لا تصح الوصية؛ لأنها وقعت باطلة، فلم تصح. كما لو قال: أوصيت لك ~~بما في كيسي. ولا شيء فيه، ثم جعل في كيسه شيئا. ولأن الوصية تقتضي عبدا من ~~الموجودين له حال الوصية. ويحتمل أن تصح، كما لو وصى له بألف لا يملكه، ثم ~~ملكه، أو وصى له بثلث عبيده، ثم ملك عبيدا آخرين. وقد روى ابن منصور، عن ~~أحمد، في رجل قال في مرضه: اعطوا فلانا من كيسي مائة درهم. فلم يوجد في ~~كيسه شيء. يعطى مائة درهم. فلم تبطل الوصية؛ لأنه قصد إعطاءه مائة درهم، ~~وظنها في الكيس، فإذا لم تكن في الكيس، أعطي من غيره. فكذلك يخرج في الوصية ~~بعبد من عبيده، إذا لم يكن له عبيد، أن يشتري له من تركته عبد، ويعطى إياه. ### | [فصل وصى الرجل بعبد صحت الوصية ويشترى له عبد] # (4791) فصل: وإن وصى الرجل بعبد، صحت الوصية، ويشترى له عبد أي عبد كان. ~~وإن كان له عبيد، أعطاه الورثة ما شاءوا، ولا قرعة هاهنا؛ لأنه لم يضف ~~الرقيق إلى نفسه، ولا جعله واحدا من عدد محصور، فلم يستحق الموصى له أكثر ~~من أقل من يسمى عبدا، كما لو أقر له بعبد. قال القاضي: ولهم أن يعطوه ما ~~شاءوا من ذكر أو أنثى. والصحيح عندي أنه لا يستحق إلا ذكرا؛ فإن الله تعالى ~~فرق بين العبيد والإماء، بقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من ~~عبادكم وإمائكم} [النور: 32] . والمعطوف يغاير المعطوف عليه ظاهرا. ولأنه ~~في العرف كذلك، فإنه لا يفهم من إطلاق اسم العبد إلا الذكر. ولو ms3184 وكله في ~~شراء عبد، لم يكن له شراء أمة، فلا تنصرف وصيته إلا إلى الذكر. وإن وصى له ~~بأمة أو جارية، لم يكن له إلا أنثى، وليس له أن يعطيه خنثى مشكلا؛ لأنه لا ~~يعلم كونه ذكرا ولا أنثى. وإن وصى له بواحد من رقيقه، أو برأس مما ملكت ~~يمينه، دخل في وصيته الذكر والأنثى والخنثى. ### | [فصل وصى له بشاة من غنمه] # (4792) فصل: وإن وصى له بشاة من غنمه، فالحكم فيها كالحكم في الوصية بعبد ~~من عبيده، ويقع هذا الاسم على الضأن والمعز. قال أصحابنا: يتناول الصغيرة ~~والكبيرة، والذكر والأنثى؛ لأن الشاة اسم يتناول جميع ذلك؛ بدليل قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «في أربعين شاة شاة.» يريد الذكور والإناث، ~~والصغار والكبار. وعندي أنه لا يتناول إلا أنثى كبيرة، إلا أن يكون في بلد ~~عرفهم يتناول ذلك، فأما من لا يتناول عرفهم إلا الإناث، فإن وصيته لا ~~تتناول إلا ما يسمى في عرفهم؛ لأن ظاهر حاله إرادة ما يتعارفونه. # PageV06P254 # وإن وصى بكبش، لم يتناول إلا الذكر الكبير من الضأن. والتيس لا يقع إلا ~~على الذكر الكبير من المعز. وإن وصى بعشرة من الغنم، يتناول عشرة من الذكور ~~والإناث، والصغار والكبار. ### | [فصل إن وصى بجمل لم يكن إلا ذكرا] # (4793) فصل: وإن وصى بجمل، لم يكن إلا ذكرا. وإن وصى بناقة، لم تكن إلا ~~أنثى. وإن قال: عشرة من إبل، وقع على الذكر والأنثى جميعا. ويحتمل أنه إن ~~قال: عشرة بالهاء، فهو للذكور، وإن قال عشر، فهو للإناث، وكذلك في الغنم؛ ~~لأن العدد في العشرة إلى الثلاثة للمذكر بالهاء، وللمؤنث بغيرها، قال الله ~~تعالى: {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام} [الحاقة: 7] . وإن قال: أعطوه ~~بعيرا. ففيه وجهان؛ أحدهما، هو للذكر وحده؛ لأنه في العرف اسم له وحده. ~~والثاني، هو للذكر والأنثى؛ لأنه في لسان العرب يتناولهما جميعا. تقول ~~العرب: حلبت البعير. تريد الناقة، فالجمل في لسانهم كالرجل من بني آدم، ~~والناقة كالمرأة، والبكرة كالفتاة. وكذلك القلوص والبعير كالإنسان. ### | [فصل وصى بدابة فماذا ms3185 تكون] # (4794) فصل: وإن وصى له بثور فهو ذكر. وإن وصى ببقرة، فهي أنثى. وإن وصى ~~بدابة، فهي واحدة من الخيل والبغال والحمير، يتناول الذكر والأنثى؛ لأن ~~الاسم في العرف يقع على جميع ذلك. وإن قرن به ما يصرفه إلى أحدهما، مثل إن ~~قال: دابة يقاتل عليها، أو يسهم لها. انصرف إلى الخيل. وإن قال: دابة ينتفع ~~بظهرها ونسلها، خرج منه البغال؛ لأنه لا نسل لها، وخرج منه الذكور كذلك. ~~وإن وصى له بحمار، فهو ذكر. وإن وصى بأتان، فهي أنثى. وفي جميع ذلك، إذا ~~كان له أعداد من جنس ما وصى له به، فعلى قول الخرقي، يكون له ذلك بالقرعة، ~~وعلى رواية ابن منصور، يعطه الورثة ما شاءوا، ولا يستحق، للدابة سرجا، ولا ~~للبعير رحلا، إلا أن يذكره في الوصية. ### | [فصل أوصى بكلب يباح اقتناؤه] # (4795) فصل: وإن أوصى بكلب يباح اقتناؤه، صحت الوصية؛ لأن فيه نفعا ~~مباحا، وتقر اليد عليه، والوصية تبرع، فتصح في المال، وفي غير المال، من ~~الحقوق، ولأنه تصح هبته، فتصح الوصية به، كالمال. وإن كان مما لا يباح ~~اقتناؤه، لم تصح الوصية به، سواء قال: كلبا من كلابي، أو قال من مالي؛ لأنه ~~لا يصح # PageV06P255 # ابتياع الكلب؛ لأنه لا قيمة له، بخلاف الشاة. فإن كان له كلب ولا مال له ~~سواه، فله ثلثه. وإن كان له مال سواه، فقد قيل: للموصى له جميع الكلب وإن ~~قل المال؛ لأن قليل المال خير من الكلب؛ لكونه لا قيمة له. وقيل: للموصى له ~~به ثلثه. وإن كثر المال؛ لأن موضوع الوصية على أن يسلم ثلثا التركة للورثة، ~~وليس في التركة شيء من جنس الموصى به. وإن وصى لرجل بكلابه، ولآخر بثلث ~~ماله، فللموصى له بالثلث الثلث وللموصى له بالكلاب ثلثها، وجها واحدا؛ لأن ~~ما حصل للورثة من ثلثي المال قد جازت الوصية فيما يقابله من حق الموصى له، ~~وهو الثلث، فلا يحسب عليهم في حق الكلاب. ولو وصى بثلث ماله، ولم يوصي ~~بالكلاب، دفع إليه ثلث المال، ولم يحتسب ms3186 بالكلاب على الورثة؛ لأنها ليست ~~بمال. وإذا قسمت الكلاب بين الوارث والموصى له، أو بين اثنين موصى لهما ~~بها، قسمت على عددها؛ لأنها لا قيمة لها، فإن تشاحوا في بعضها، فينبغي أن ~~يقرع بينهم فيه. وإن وصى له بكلب، وللموصي كلاب يباح اتخاذها، ككلاب الصيد ~~والماشية والحرث، فله واحد منها بالقرعة، أو ما أحب الورثة، على الرواية ~~الأخرى. وإن كان له كلب يباح اتخاذه، وكلب للهراش، فله الكلب المباح. ومذهب ~~الشافعي في هذا الفصل كله كنحو مما ذكرنا، إلا أنه يجعل للموصى له بكلب ما ~~أحب الورثة دفعه إليه. ولا تصح الوصية بكلب الهراش، ولا كلب غير الكلاب ~~الثلاثة. وفي الوصية بالجرو الصغير وجهان، بناء على جواز تربيته للصيد أو ~~للماشية. وقد سبق ذكر ذلك. ولا تصح الوصية بخنزير، ولا بشيء من السباع التي ~~لا تصلح للاصطياد كالأسد، والنمر، والذئب؛ لأنها لا منفعة فيها، ولا تصح ~~بشيء لا منفعة فيه من غيرها. ### | [فصل وصى له بطبل حرب] # (4796) فصل: وإن وصى له بطبل حرب، صحت الوصية به؛ لأن فيه منفعة مباحة. ~~وإن كان بطبل لهو، لم تصح؛ لعدم المنفعة المباحة به. وإن كان مع ذلك إذا ~~فصل صلح للحرب لم تصح الوصية به أيضا؛ لأن منفعته في الحال معدومة. فإن كان ~~يصلح لهما جميعا، صحت الوصية به؛ لأن المنفعة قائمة به. وإن وصى له بطبل، ~~وأطلق، وله طبلان، تصح الوصية بأحدهما دون الآخر، انصرفت الوصية إلى ما تصح ~~الوصية به. وإن كان له طبول تصح الوصية بجميعها، فله أخذها بالقرعة، أو ما ~~شاء الورثة، على اختلاف الروايتين. وإن وصى بدف، صحت الوصية به؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف.» # PageV06P256 # ولا تصح الوصية بمزمار، ولا طنبور، ولا عود من عيدان اللهو؛ لأنها محرمة، ~~سواء كانت فيه الأوتار أو لم تكن؛ لأنه مهيأ لفعل المعصية دون غيرها، فأشبه ~~ما لو كانت فيه الأوتار. ### | [فصل أوصى له بقوس] # (4797) فصل: ولو أوصى له بقوس، صحت الوصية، فإن فيه منفعة ms3187 مباحة، سواء ~~كان قوس نشاب، وهو الفارسي، أو نبل وهو العربي، أو قوس يمجرى، أو قوس ~~زنبور، أو جوخ، أو ندف أو بندق. فإن لم يكن له إلا قوس واحد من هذه القسي، ~~تعينت الوصية فيه. وإن كانت له هذه جميعها، وكان في لفظه أو حاله قرينة ~~تصرف إلى أحدها، انصرف إليه، مثل أن يقول: قوسا يندف به، أو يتعيش به، أو ~~ما أشبه ذلك، فهذا يصرفه إلى قوس الندف. وإن قال: يغزو به. خرج منه قوس ~~الندف، والبندق. وإن كان الموصى له ندافا لا عادة له بالرمي، أو بندقانيا ~~لا عادة له بالرمي بشيء سواه، أو يرمي بقوس غيره لا يرمي بسواه، انصرفت ~~الوصية إلى القوس الذي يستعمله عادة؛ لأن ظاهر حال الموصي أنه قصد نفعه بما ~~جرت عادته بالانتفاع به. وإن انتفت القرائن، فاختار أبو الخطاب، أن له ~~واحدا من جميعها بالقرعة، أو ما يختاره الورثة؛ لأن اللفظ يتناول جميعها. ~~والصحيح أن وصيته لا تتناول قوس الندف، ولا البندق، ولا العربية في بلد لا ~~عادة لهم بالرمي بها. وهذا مذهب الشافعي، إلا أنه لم يذكر العربية، ويكون ~~له واحد مما عدا هذه؛ لأن هذه لا يطلق عليها اسم القوس في العادة بين غير ~~أهلها حتى يصفها، فيقول: قوس القطن، أو الندف، أو قوس البندق. وأما العربية ~~فلا يتعارفها غير طائفة من العرب، فلا يخطر ببال الموصي غالبا. ويعطى القوس ~~معمولة؛ لأنها لا تسمى قوسا إلا كذلك. ولا يستحق وترها؛ لأن الاسم يقع ~~عليها دونه. وفيه وجه آخر، أنه يعطاها بوترها؛ لأنها لا ينتفع بها إلا به، ~~فكان كجزء من أجزائها. ### | [فصل وصى له بعود وله عود لهو وغيره] # (4798) فصل: وإن وصى له بعود، وله عود لهو وغيره، لم تصح الوصية؛ لأن ~~إطلاقها ينصرف إلى عود اللهو، ولا تصح الوصية به لعدم النفع المباح فيه. ~~وإن لم يكن له إلا عيدان قسي، أو عود يتبحر به، أو غيره من العيدان ~~المباحة، صحت الوصية، وانصرفت إليها؛ لعدم غيرها، وتعينها مع ms3188 إباحتها. وإن ~~وصى له بجرة فيها خمر، صحت الوصية بالجرة، وبطلت في الخمر؛ لأن في الجرة ~~نفعا مباحا، والخمر لا نفع فيه مباح، # PageV06P257 # فصحت الوصية بما فيه المنفعة المباحة، كما لو وصى له بخمر وخل. وإن وصى ~~له بخمر في جرة لم تصح؛ لأن الذي أضاف الوصية إليه الخمر، ولا تصح الوصية ~~به. ### | [مسألة الموصى به إذا تلف قبل موت الموصي أو بعده] # (4799) مسألة؛ قال: (وإذا أوصى له بشيء بعينه، فتلف بعد موت الموصي، لم ~~يكن للموصى له شيء. وإن تلف المال كله إلا الموصى به، فهو للموصى له) أجمع ~~أهل العلم ممن علمنا قوله، على أن الموصى به إذا تلف قبل موت الموصي أو ~~بعده، فلا شيء للموصى له. كذلك حكاه ابن المنذر، فقال: أجمع من أحفظ عنه من ~~أهل العلم، على أن الرجل إذا أوصي له بشيء، فهلك ذلك الشيء، أن لا شيء له ~~في سائر مال الميت، وذلك لأن الموصى له إنما يستحق بالوصية لا غير، وقد ~~تعلقت بمعين، وقد ذهب، فذهب حقه، كما لو تلف في يده، والتركة في يد الورثة ~~غير مضمونة عليهم؛ لأنها حصلت في أيديهم بغير فعلهم، ولا تفريطهم، فلم ~~يضمنوا شيئا. وإن تلف المال كله سواه فهو للموصى له؛ لأن حق الورثة لم ~~يتعلق به لتعيينه للموصى له، وذلك يملك أخذه بغير رضاهم وإذنهم، فكان حقه ~~فيه دون سائر المال، وحقوقهم في سائر المال دونه، فأيهما تلف حقه لم يشارك ~~الآخر في حقه، كما لو كان التلف بعد أن أخذه الموصى له وقبضه، وكالورثة إذا ~~اقتسموا، ثم تلف نصيب أحدهم. قال أحمد، في من خلف مائتي دينار وعبدا قيمته ~~مائة، ووصى لرجل بالعبد، فسرقت الدنانير بعد الموت: فالعبد للموصى له به. ### | [فصل وصى له بمعين فاستحق بعضه أو هلك] # فصل: وإن وصى له بمعين، فاستحق بعضه أو هلك، فله ما بقي منه، إن حمله ~~الثلث، وإن وصى له بثلث عبد أو ثلث دار، فاستحق الثلثان منه، فالثلث الباقي ~~للموصى له. وهو قول ms3189 الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن الباقي كله موصى به، وقد ~~خرج من الثلث، فاستحقه الموصى له، كما لو كان شيئا معينا. وإن وصى له بثلث ~~ثلاثة أعبد، فهلك عبدان، أو استحقا، فليس له إلا ثلث الباقي. وبه قال ~~الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه لم يوص له من الباقي بأكثر من ثلاثة، وقد شرك ~~بينه وبين ورثته في استحقاقه. ### | [مسألة أوصى له بشيء فلم يأخذه زمانا] # (4801) مسألة؛ قال: (ومن أوصى له بشيء فلم يأخذه زمانا، قوم وقت الموت، ~~لا وقت الأخذ) وجملته أن الاعتبار في قيمة الموصى به وخروجها من الثلث، أو ~~عدم خروجها، بحالة الموت؛ لأنها حال لزوم الوصية، فتعتبر قيمة المال فيها. ~~وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي. ولا أعلم فيه خلافا. فينظر؛ فإن كان الموصى ~~به وقت الموت ثلث التركة، أو دونه، نفذت الوصية، واستحقه الموصى له # PageV06P258 # كله. فإن زادت قيمته حتى صار معادلا لسائر المال، أو أكثر منه، أو هلك ~~المال كله سواه، فهو للموصى له، لا شيء للورثة فيه. فإن كان حين الموت ~~زائدا عن الثلث، فللموصى له منه قدر ثلث المال. فإن كان نصف المال، فللموصى ~~له ثلثاه. وإن كان ثلثيه، فللموصى له نصفه. وإن كان نصف المال وثلثه، ~~فللموصى له خمساه. فإن نقص بعد ذلك أو زاد، أو نقص سائر المال أو زاد، فليس ~~للموصى له سوى ما كان له حين الموت. فلو وصى بعبد قيمته مائة، وله مائتان، ~~فزادت قيمته بعد الموت حتى صار يساوي مائتين، فهو للموصى له كله. وإن كانت ~~قيمته حين الموت مائتين، للموصى له ثلثاه؛ لأنهما ثلث المال. فإن نقصت ~~قيمته بعد الموت حتى صار يساوي مائة لم يزد حق الموصى له عن ثلثه شيئا، إلا ~~أن يجيز الورثة. وإن كانت قيمته أربعمائة، فللموصى له نصفه، لا يزاد حقه عن ~~ذلك، سواء نقص العبد أو زاد. أو نقص المال أو زاد. ### | [فصل العطايا في مرضه هل تأخذ حكم الوصية] # (4802) فصل: والعطايا في مرضه يعتبر خروجها من الثلث حين الموت. نقل صالح ~~بن ms3190 أحمد عن أبيه، في من له ألف درهم، وعبد قيمته ألف، فأعتق العبد في مرض ~~موته، وأنفق الدراهم: عتق من العبد ثلثه. فاعتبر ماله حين الموت من العبد ~~لا فيما قبله، فلما لم يكن له حين الموت إلا العبد، لم يعتق منه إلا ثلثه، ~~ولو لم يتلف الألف، لعتق منه ثلثاه. ولو زاد ماله قبل موته حتى بلغ ألفين، ~~لعتق العبد كله لخروجه من الثلث. وإن كسب العبد شيئا، كان كسبه بينه وبين ~~الورثة، على قدر ما فيه من الحرية والرق، ويدخله الدور. وقد ذكرنا ذلك فيما ~~مضى. وإن تلف من التركة شيء بفعل مضمون على الورثة، حسب عليهم من التركة. ### | [فصل وصى بمعين حاضر وسائر ماله دين أو غائب] # (4803) فصل: وإن وصى بمعين حاضر، وسائر ماله دين أو غائب، فليس للوصي أخذ ~~المعين قبل قدوم الغائب أو استيفاء الدين؛ لأنه ربما تلف، فلا تنفذ الوصية ~~في المعين كله. وظاهر كلام الخرقي أن للوصي ثلث المعين. ذكره في المدبر. ~~وقيل: لا يدفع إليه شيء؛ لأن الورثة شركاؤه في التركة، فلا يحصل له شيء ما ~~لم يحصل للورثة مثله، ولم يحصل لهم شيء. وهذا وجه لأصحاب الشافعي. والصحيح ~~أن له الثلث؛ لأن حقه فيه مستقر، فوجب تسليمه إليه، لعدم الفائدة في وقفه، ~~كما لو لم يخلف غير المعين. ولأنه لو تلف سائر المال، لوجب تسليم ثلث ~~المعين إلى الوصي، وليس تلف المال سببا لاستحقاق الوصية وتسليمها، ولا يمنع ~~نفوذ الوصية في الثلث المستقر، وإن لم ينتفع الورثة بشيء، كما لو أبرأ ~~معسرا من دين عليه. وقال مالك: يخير الورثة بين دفع العين الموصى بها، وبين ~~جعل وصيته بثلث المال؛ لأن الموصي كان # PageV06P259 # له أن يوصي بثلث ماله، فعدل إلى المعين. وليس له ذلك؛ لأنه يؤدي إلى أن ~~يأخذ الموصى له المعين، فينفرد بالتركة على تقدير تلف الباقي قبل وصوله إلى ~~الورثة، فيقال للورثة: إن رضيتم بذلك، وإلا فعودوا إلى ما كان له أن يوصي ~~به، وهو الثلث. ولنا، أنه أوصى بما ms3191 لا يزيد على الثلث لأجنبي، فوقع لازما، ~~كما لو وصى له بمشاع. وما قاله لا يصح؛ لأن جعل حقه في قدر الثلث إشاعة، ~~وإبطال لما عينه، فلا يجوز إسقاط ما عينه الموصي للموصى له، ونقل حقه إلى ~~ما لم يوص به، كما لو وصى له بمشاع، لم يجز نقله إلى معين، وكما لو كان ~~المال كله حاضرا أو غائبا. إذا ثبت هذا، فإن للموصى له ثلث المعين الحاضر، ~~وكلما اقتضي من دينه شيء أو حضر من الغائب شيء فللموصى له بقدر ثلثه من ~~الموصى به، كذلك حتى يكمل للموصى له الثلث، أو يأخذ المعين كله. فلو خلف ~~تسعة عينا، وعشرين دينا وابنا، ووصى بالتسعة لرجل، فللوصي ثلثها ثلاثة، ~~وكلما اقتضي من الدين شيء فللوصي ثلثه، فإذا اقتضي ثلثه فله من التسعة ~~واحد، حتى يقتضي ثمانية عشر، فيكمل له التسعة. وإن جحد الغريم، أو مات، أو ~~يئس من استيفاء الدين، أخذ الورثة الستة الباقية من العين. ولو كان الدين ~~تسعة، فإن الابن يأخذ ثلث العين، ويأخذ الوصي ثلثها، ويبقى ثلثها موقوفا، ~~كلما استوفي من الدين شيء فللوصي من العين قدر ثلثه، فإذا استوفي الدين ~~كله، كمل للموصى له ستة، وهي ثلث الجميع. وإن كانت الوصية بنصف العين، أخذ ~~الوصي ثلثها، وأخذ الابن نصفها، وبقي سدسها موقوفا، فمتى اقتضى من الدين ~~مثليه، كملت الوصية. ### | [فصل كان الدين مثل العين فوصى لرجل بثلثه] # (4804) فصل: فإن كان الدين مثل العين، فوصى لرجل بثلثه، فلا شيء له قبل ~~استيفاء الوصية، فكلما اقتضي منه شيء فله ثلثه، وللابن ثلثاه. وهذا أحد ~~قولي الشافعي. وقال في الآخر: هو أحق بما يخرج من الدين حتى يستوفي وصيته. ~~وهذا قول أهل العراق؛ لأن ذلك يخرج من ثلث المال الحاضر. ولنا، أن الورثة ~~شركاؤه في الدين، وليس معهم شركة في العين، فلا يختص بما خرج منه دونهم، ~~كما لو كان شريكه في الدين وصيا آخر، أو كما لو وصى لرجل بالعين، وله ولآخر ~~بالدين، فإن المنفرد بوصية الدين لا يختص ms3192 بما خرج منه له دون صاحبه، كذا ~~هاهنا. ### | [فصل وصى لرجل بثلث ماله وله مائتان دينا وعبد يساوي مائة ووصى لآخر بثلث العبد] # (4805) فصل: ولو وصى لرجل بثلث ماله، وله مائتان دينا، وعبد يساوي مائة، ~~ووصى لآخر بثلث العبد، اقتسما ثلث العبد نصفين، وكلما اقتضي من الدين شيء، ~~فللموصى له بثلث المال ربعه، وله وللآخر من العبد بقدر ربع ما استوفي ~~بينهما نصفين. فإذا استوفي الدين كله كمل للوصيين نصف العبد. ولصاحب الثلث ~~ربع المائتين # PageV06P260 # وذلك هو ثلث المال. وإن استوفي الدين قبل القسمة قسما بينهما كذلك، ~~للموصى له بالثلث ربع المائتين وربع العبد، وللموصى له بثلث العبد، ربعه؛ ~~لأن الوصيتين أربعة أتساع المال، والجائز منهما ثلث المال، وهو ثلاثة ~~أتساع، وذلك ثلاثة أرباع وصيتهما، فرددنا كل واحد منهما إلى ثلاثة أرباع ~~وصيته، وهي ربع المال كله لصاحب ثلثه، وربع العبد لصاحب ثلثه. وفي المسألة ~~أقوال سوى ما قلناه، تركناها لطولها، وهذا أسدها، إن شاء الله؛ ألا أننا ~~أدخلنا النقص على كل واحد منهما بقدر ما له في الوصية، وكملنا لهما الثلث، ~~وإن أجيز لهما أخذ كل واحد منهما ما بقي من وصيته، وهو ربعها، فيكمل ثلث ~~المال لصاحبه، وثلث العبد للآخر. ### | [فصل خلف ابنين وترك عشرة عينا وعشرة دينا على أحد ابنيه وهو معسر ووصى لأجنبي بثلث ماله] # (4806) فصل: وإن خلف ابنين، وترك عشرة عينا، وعشرة دينا على أحد ابنيه، ~~وهو معسر، ووصى لأجنبي بثلث ماله، فإن الوصي والابن الذي لا دين عليه ~~يقتسمان العشرة العين نصفين، ويسقط عن المدين ثلثا دينه، ويبقى لهما عليه ~~ثلثه، فإن كانت الوصية بالربع، قسمت العشرة العين بينهما أخماسا، للموصي ~~خمساها أربعة، وللابن ستة، وسقط عن المدين ثلاثة أرباع دينه، وبقي عليه ~~ربعه، فإذا استوفى قسم بينهما أخماسا، كما قسم العين؛ لأن الوصية بالربع، ~~وهو ثمنان، ويبقى ستة أثمان، لكل ابن ثلاثة أثمان، فصار نصيب الوصي والابن ~~الذي لا دين عليه خمسة أثمان، للابن ثلاثة، وللوصي سهمان، فلذلك قسمنا ~~العين وما حصل لهما ms3193 من الدين بينهما أخماسا، وسقط عن المدين ثلاثة أرباع ما ~~عليه؛ لأن له ثلاثة أثمان، وهي ثلاثة أرباع النصف الذي عليه. ### | [فصل نماء العين الموصى بها] # (4807) فصل: ونماء العين الموصى بها إن كان متصلا كالسمن، وتعليم صنعه، ~~فهو تابع للعين، ويكون للموصى له إذا احتمله الثلث. وإن كان منفصلا، كالولد ~~والثمرة في حياة الموصي، فهو له، يصير إلى ورثته؛ لأنه ملكه. وما حدث بعد ~~الموت وقبل القبول، فينبني على الملك في الموصى له. والصحيح أنه للورثة. ~~والآخر هو للموصى له، فيكون النماء لمن الملك له. ### | [مسألة أوصى بوصايا فيها عتاقة فلم يف الثلث بالكل] # (4808) مسألة؛ قال: (وإذا أوصى بوصايا فيها عتاقة، فلم يف الثلث بالكل، ~~تحاصوا في الثلث، وأدخل النقص على كل واحد منهم بقدر ما له في الوصية) أما ~~إذا خلت الوصايا من العتق، وتجاوزت الثلث، ورد الورثة الزيادة، فإن الثلث ~~يقسم بين الموصى لهم على قدر وصاياهم، ويدخل النقص على كل واحد بقدر ما له ~~من الوصية على مثال مسائل العول إذا # PageV06P261 # زادت الفروض عن المال. فلو وصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بمائة، ولآخر بمعين ~~قيمته خمسون، ووصى بفداء أسير بثلاثين، ولعمارة مسجد بعشرين، وثلث ماله ~~مائة، جمعت الوصايا كلها فوجدتها ثلاثمائة، ونسبت منها الثلث، فتجده ثلثها، ~~فتعطي كل واحد منهم ثلث وصيته، فلصاحب الثلث ثلث المائة، وكذلك لصاحب ~~المائة، ويرجع صاحب الخمسين إلى ثلثها، ولفداء الأسير عشرة، ولعمارة المسجد ~~ستة، وثلثان. فأما إن كان فيها عتق، فعن أحمد فيها روايتان؛ إحداهما، أن ~~يقسم الثلث بين جميع الوصايا بالعتق وغيره سواء، ويقسم بينهم على ما ذكرنا. ~~وهذا قول ابن سيرين، والشعبي، وأبي ثور؛ لأنهم تساووا في سبب الاستحقاق، ~~فتساووا فيه كسائر الوصايا. والرواية الثانية، يقدم العتق ويبدأ به، فإن ~~فضل منه شيء، قسم بين سائر أهل الوصايا على قدر وصاياهم. وروي هذا عن عمر، ~~وبه قال شريح، ومسروق، وعطاء الخراساني، وقتادة، والزهري، ومالك، والثوري، ~~وإسحاق؛ لأن فيه حقا لله تعالى وحقا لآدمي، فكان آكد، ولأنه لا يلحقه فسخ، ms3194 ~~ويلحق غيره ذلك، ولأنه أقوى بدليل سرايته ونفوذه من الراهن والمفلس. وروي ~~عن الحسن، والشافعي كالروايتين. ### | [فصل العطايا المعلقة بالموت] # (4809) فصل: والعطايا المعلقة بالموت، كقوله: إذا مت فأعطوا فلانا كذا. ~~أو أعتقوا فلانا. ونحوه، وصايا حكمها حكم غيرها من الوصايا في التسوية بين ~~مقدمها ومؤخرها. والخلاف في تقديم العتق منها، بخلاف العطايا المنجزة، فإنه ~~يقدم الأول منها فالأول؛ لأنها تلزم بالفعل، والمؤخرة تلزم بالموت، فتتساوى ~~كلها. ### | [فصل أوصى بعتق عبده فأبى الوارث] # (4810) فصل: وإذا أوصى بعتق عبده، لزم الوارث إعتاقه، فإن أبى أجبره ~~الحاكم عليه؛ لأنه حق واجب عليه، فأجبر عليه، كتنفيذ الوصية بالعطية، فإن ~~أعتقه الوارث أو الحاكم، فهو حر من حين أعتقه؛ لأنه حينئذ عتق، وولاؤه ~~للموصي؛ لأنه السبب، وهؤلاء نواب عنه، ولهذا لزمهم إعتاقه كرها. وإن كانت ~~الوصية بعتقه إلى غير الوارث، كان الإعتاق، إليه؛ لأنه نائب الموصي في ~~إعتاقه، فلم يملك ذلك غيره إذا لم يمتنع منه، كالوكيل في الحياة. ### | [مسألة أوصى بفرس في سبيل الله وألف درهم تنفق عليه فمات الفرس] # (4811) مسألة؛ قال: (ومن أوصى بفرس في سبيل الله، وألف درهم تنفق عليه، ~~فمات الفرس، كانت الألف للورثة وإن أنفق بعضها، رد الباقي إلى الورثة) # PageV06P262 # إنما كان كذلك؛ لأنه عين للوصية جهة، فإذا فاتت، عاد الموصى له إلى ~~الورثة، كما لو أوصى بشراء عبد زيد يعتق، فمات العبد، أو لم يبعه سيده. وإن ~~أنفق بعض الدراهم، ثم مات الفرس، بطلت الوصية في الباقي، كما لو وصى بشراء ~~عبدين، فمات أحدهما قبل شرائه. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل ~~أوصى بألف درهم في السبيل، أيجعل في الحج منها شيء؟ فقال: لا إنما يعرف ~~الناس السبيل الغزو. ### | [فصل أوصى فقال يخدم عبدي فلانا سنة ثم هو حر] # (4812) فصل: وإذا قال: يخدم عبدي فلانا سنة، ثم هو حر. صحت الوصية، فإن ~~قال الموصى له بالخدمة: لا أقبل الوصية. أو قال: قد وهبت الخدمة له. لم ~~يعتق في الحال. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: إن وهب ms3195 الخدمة للعبد، عتق في ~~الحال. ولنا، أنه أوقع العتق بعد مضي السنة، فلم يقع قبله، كما لو رد ~~الوصية. ### | [فصل أوصى لعمه بثلث ماله ولخاله بعشره فردت وصيتهما] # (4813) فصل: وإذا أوصى لعمه بثلث ماله، ولخاله بعشره، فردت وصيتهما، ~~فتحاصا في الثلث، فأصاب الخال ستة، فاضرب الذي أصابه في وصيته، وذلك ستة في ~~عشرة، تكن ستين، واقسمه على الفاضل بينهما، يخرج بالقسم خمسة عشر، فهي ~~الثلث. وإن شئت قلت قد أصاب الخال ثلاثة أخماس وصيته، يبقى من الثلث خمساه، ~~وهي تعدل ما أصاب الخال، فزد على ما أصاب الخال مثل نصفه، وهو ثلثه، يصر ~~تسعة، فهي للذي أصاب العم. وإن قال: أصاب العم الربع، فقد أصابه ثلاثة ~~أرباع وصيته، وبقي من الثلث نصف سدس، يعدل ثلاثة أرباع وصية الخال، وذلك ~~سبعة ونصف، وللعم ثلاثة أمثالها، اثنان وعشرون ونصف، والمال كله تسعون. وإن ~~قال: أصاب الخال خمس المال، فقد بقي من الثلث خمساه للعم، فيكون الحاصل ~~للخال خمسا وصيته أيضا. وذلك أربعة دنانير، ووصية العم مثل ثلثيها، ديناران ~~وثلثان، والثلث كله ستة وثلثان، والمال كله عشرون. فإن كان معهما وصية بسدس ~~المال، وأصاب الخال ستة، فهي ثلاثة أخماس وصيته، فلكل واحد من الآخرين ~~ثلاثة أخماس وصيته، وذلك تسعة أعشار الثلث، يبقى منه عشر تعدل ما حصل للعم ~~وهو ستة، والثلث ستون. وإن أصاب صاحب السدس عشر المال، فقد أصاب صاحب الثلث ~~خمسه، يبقى من الثلث أيضا عشره، فهو وصية الخال، وذلك ثلاثة أخماس وصيته ~~ستة، فيكون الثلث ستين كما ذكرنا. # PageV06P263 # نوع آخر، خلف ثلاثة بنين، ووصى لعمه بمثل نصيب أحدهم إلا ثلث وصية خاله، ~~ولخاله بمثل نصيب أحدهم إلا ربع وصية عمه، فاضرب مخرج الثلث في مخرج الربع، ~~يكن اثني عشر، انقصها سهما، يبقى أحد عشر، فهي نصيب ابن، انقصها سهمين، ~~يبقى تسعة، فهي وصية الخال. وإن نقصتها ثلاثة، بقي ثمانية، فهي وصية العم. ~~وبالجبر تحمل مع العم أربعة دراهم، ومع الخال ثلاثة دنانير، ثم تزيد على ~~الدراهم دينارا، وعلى الدنانير درهما، ms3196 يبلغ كل واحد منهما نصيبا، اجبر، ~~وقابل، وأسقط المشترك، يبقى معك ديناران، تعدل ثلاثة دراهم، فاقلب وحول، ~~تصر الدراهم ثمانية، والدنانير تسعة، كما قلنا. وإن أوصى لعمه بعشرة إلا ~~ربع وصية خاله، ولخاله بعشرة إلا خمس وصية عمه، فاضرب مخرج الربع في مخرج ~~الخمس، يكن عشرين، انقصها سهما، تكن تسعة عشر، فهي المقسوم عليه، ثم اجعل ~~مع الخال أربعة، وانقصها سهما، يبقى ثلاثة، اضربها في العشرة، ثم فيما مع ~~العم، وهو خمسة، يكن مائة وخمسين، اقسمها على تسعة عشر، يخرج سبعة وسبعة ~~عشر، جزءا من تسعة عشر، فهي وصية عمه، واجعل مع العم خمسة، وانقصها سهما، ~~واضربها في عشرة، ثم في أربعة، تكن مائة وستين، واقسمها، تكن ثمانية ~~وثمانية أجزاء، فهي وصية خاله. طريق آخر، تنقص من العشرة ربعها، وتضرب ~~الباقي في العشرين، ثم تقسمها على تسعة عشر، وتنقص منها خمسها، وتضرب ~~الباقي في عشرين، وتقسمها، وبالجبر، تجعل، وصية الخال ستا، ووصية العم عشرة ~~إلا ربع شيء، فخذ خمسها، فزده على الشيء، وهو سهمان إلا نصف عشر شيء، يعدل ~~عشرة، فأسقط المشترك من الجانبين، تصر ثمانية وثمانية أجزاء، من تسعة عشر، ~~إذا أسقطت ربعها من العشرة، بقيت سبعة وسبعة عشر جزءا. وإن وصى لعمه بعشرة ~~إلا نصف وصية خاله، ولخاله بعشرة إلا ثلث وصية جده، ولجده بعشرة إلا ربع ~~وصية عمه، فوصية عمه ستة وخمسان، ووصية خاله سبعة وخمس، ووصية جده ثمانية ~~وخمسان، وبابها أن تضرب المخارج بعضها في بعض، فتضرب اثنين في ثلاثة، في ~~أربعة، تكن أربعة وعشرين، تزيدها واحدا تكن خمسة وعشرين، فهذا هو المقسوم ~~عليه، ثم تنقص من الاثنين واحدا، وتضرب واحدا في ثلاثة، ثم تزيدها واحدا، ~~وتضربها في أربعة، تكن ستة عشر، ثم اضربها في عشرة، تكن مائة وستين، ~~واقسمها على خمسة وعشرين يخرج بالقسم ستة وخمسان، فهي وصية العم وانقص ~~الثلاثة واحدا يبقى اثنان، واضربها في الأربعة، تكن ثمانية، زدها واحدا، ~~واضربها في اثنين، ثم في عشرة تكن مائة وثمانين، واقسمها على خمسة وعشرين، ~~ثم ms3197 انقص من الأربعة واحدا، واضرب # PageV06P264 # ثلاثة في اثنين، ثم زدها واحدا تكن سبعة، اضربها في ثلاثة، ثم في عشرة، ~~تكن مائتين وعشرة، مقسومة على خمسة وعشرين. طريق آخر، تجعل مع العم أربعة ~~أشياء، ومع الخال دينارين، ومع الجد ثلاثة دراهم، ثم تضم إلى ما مع العم ~~دينارا، وإلى ما مع الخال درهما، وتقابل ما مع أحدهما بما مع الآخر، وتسقط ~~المشترك، فيصير أربعة أشياء، تعدل دينارا ودرهما، فأسقط لفظة الأشياء، ~~واجعل مكانها دينارا أو درهما، ثم قابل ما مع الخال بما مع الجد بعد ~~الزيادة، وهو ديناران، ودرهم مع الخال، لثلاثة دراهم وربع درهم، وربع دينار ~~مع الجد، فإذا أسقطت المشترك بقي درهمان وربع معادلة للدينار؛ وثلاثة ~~أرباع، فابسط الكل أرباعا، تصر سبعة أرباع من الدينار، تعدل تسعة من ~~الدراهم، فاقلب، واجعل الدراهم سبعة، والدينار تسعة، ثم ارجع إلى ما فرضت، ~~فتجد مع العم درهما ودينارا بستة عشر، ومع الخال ثمانية عشر، ومع الجد أحد ~~وعشرون، والعشرة الكاملة خمس وعشرون، والستة عشر منها ستة وخمسان، ~~والثمانية عشر سبعة وخمس، والأحد وعشرون ثمانية وخمسان، فإن كان معهم أخ، ~~ووصية الجد عشرة إلا ربع ما مع الأخ، ووصية الأخ عشرة إلا خمس ما مع العم، ~~فبهذه الطريق تجعل مع العم خمسة أشياء، ومع الخال دينارين، ومع الجد ثلاثة ~~دراهم، ومع الأخ أربعة أفلس، ثم تقابل ما مع العم بما مع الخال كما ذكرنا، ~~وتجعل الأشياء دينارا ودرهما، ثم تقابل ما مع الخال بما مع الجد، فتجعل ~~الدينارين درهمين وفلسا، ثم تقابل ما مع الجد بما مع الأخ، فتخرج الفلس ستة ~~وعشرين، والدراهم أحدا وثلاثين، والدينار أربعة وأربعين، فتبين أن ما مع ~~العم خمسة وسبعين، ومع الخال ثمانية وثمانين، ومع الجد ثلاثة وتسعين، ومع ~~الأخ مائة وأربعة، إذا زدت على ما مع كل واحد ما استثنيته منه، صار معه ~~مائة وتسع عشرة، وهي العشرة الكاملة، فصارت وصية العم ستة وستة وثلاثين ~~جزءا، ووصية الخال سبعة وسبعة وأربعين جزءا، ووصية الجد سبعة وسبعة وتسعين ms3198 ~~جزءا. ووصية الأخ ثمانية وثمانية وثمانين جزءا، وبطريق الباب، تضرب المخارج ~~بعضها في بعض، تكن مائة وعشرين، تنقصها واحدا، يبقى مائة وتسعة عشر، فهذا ~~المقسوم عليه، ثم تنقص الاثنين واحدا، وتضربه في ثلاثة، ثم تزيدها واحدا، ~~وتضربها في أربعة، تكن ستة عشر، تنقصها واحدا، وتضربها في خمسة، تكن خمسة ~~وسبعين، فهذه وصية العم تضربها في عشرة، ثم تقسمها على تسعة عشر، تكن ستة ~~وثلاثين جزءا، ثم تنقص الثلاثة واحدا، وتضربها في أربعة، وتزيدها واحدا، ~~وتضربها في خمسة، تكن خمسة وأربعين، تنقصها واحدا، وتضربها في اثنين، تكن ~~ثمانية وثمانين، فهذه وصية الخال، ثم تنقص الأربعة واحدا، وتضربها في خمسة، ~~تكن خمسة عشر، وتزيدها واحدا، وتضربها في اثنين، تكن اثنين وثلاثين، # PageV06P265 # تنقصها واحدا، وتضربها في ثلاثة، تكن ثلاثة وتسعين، فهذه وصية الجد ثم ~~تنقص الخمسة واحدا، وتضربها في اثنين، تكن ثمانية، تزيدها واحدا، وتضربها ~~في ثلاثة. تكن سبعة وعشرين، تنقصها واحدا، وتضربها في أربعة تكن مائة ~~وأربعة، فهي وصية الأخ. وفي ذلك تضرب العدد الذي مع كل واحد منهم، وتقسمه ~~على تسعة عشر، فالخارج بالقسم هو وصيته، ولو وصى لعمه بعشرة ونصف وصية ~~خاله، ولخاله بعشرة وثلث وصية، عمه، كانت وصية العم ثمانية عشر، ووصية ~~الخال ستة عشر، وبابها أن تضرب أحد المخرجين في الآخر، وتنقصه واحدا، فهو ~~المقسوم عليه، ثم تزيد مخرج النصف واحدا، وتضربه في مخرج الثلث، ثم في ~~عشرة، تكن تسعين، مقسومة على خمسة عشر، تكن ثمانية عشر، ثم تزيد مخرج الثلث ~~واحدا، وتضربه في مخرج النصف، ثم في عشرة، تكن ثمانين، مقسومة على خمسة. ~~فإن كان معهما آخر، ووصى للخال بعشرة وربع وصيته ووصى له بعشرة وربع وصية ~~العم، ضربت المخارج، ونقصتها واحدا، تكن ثلاثة وعشرين، فهي المقسوم عليه، ~~ثم تزيد الاثنين واحدا، وتضربها في ثلاثة تكن تسعة، فزدها واحدا، واضربها ~~في أربعة، تكن أربعين، ثم في عشرة، ثم اقسمها تخرج سبعة عشر، وتسعة أجزاء، ~~فهي وصية العم، ثم تصنع في الباقين كما ذكرنا، فتكون وصية الخال أربعة ms3199 عشر ~~وثمانية عشر جزءا، ووصية الثالث أربعة عشر وثمانية أجزاء، وإن شئت بعد ما ~~عملت وصية العم، فاضرب الزائد من وصيته في اثنين، فهو وصية الخال، واضرب ~~الزائد عن العشرة من وصية الخال في ثلاثة، فهي وصية العم، ومتى عرفت ما مع ~~واحد منهم، أمكنك معرفة ما مع الآخرين. والله أعلم. وهذا القدر من هذا الفن ~~يكفي، فإن الحاجة إليه، قليلة، وفروعه كثيرة طويلة، وغيرها أهم منها، والله ~~تعالى يوفقنا لما يرضيه، إنه على ما يشاء قدير. # PageV06P266 ### | [كتاب الفرائض] # روى أبو داود، بإسناده، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل؛ آية محكمة، ~~وسنة قائمة، وفريضة عادلة» . وعن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «تعلموا الفرائض، وعلموه، فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ~~ينتزع من أمتي» . أخرجه ابن ماجه. ويروى عن عبد الله، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «تعلموا الفرائض، وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن ~~العلم سيقبض، حتى يختلف الرجلان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما.» ~~وروى سعيد، عن جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عمر بن ~~الخطاب، - رضي الله عنه -: تعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم. وعن جرير، عن ~~عاصم الأحول، عن مورق العجلي، قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. ~~تعلموا الفرائض، واللحن، والسنة، كما تعلمون القرآن. وقال: حدثنا أبو ~~الأحوص، أخبرنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: من تعلم القرآن ~~فليتعلم الفرائض. وروى جابر بن عبد الله، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول ~~الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما ~~أخذ مالهما، ولا ينكحان إلا ولهما مال. قال: فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمهما، فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، ~~وأمهما الثمن، ms3200 وما بقي فهو لك.» رواه أحمد، في " مسنده " (4814) مسألة؛ قال ~~أبو القاسم، - رحمه الله -: (ولا يرث أخ، ولا أخت لأب وأم أو لأب، مع ابن، ~~ولا مع ابن ابن وإن سفل، ولا مع أب) أجمع أهل العلم على هذا، بحمد الله، ~~وذكر ذلك ابن المنذر، وغيره. والأصل في هذا قول الله تعالى: {يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ~~وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: 176] الآية. والمراد بذلك الإخوة ~~والأخوات من الأبوين، أو من # PageV06P267 # الأب، بلا خلاف بين أهل العلم؛ ولأنه قال: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} ~~. وهذا حكم العصبة، فاقتضت الآية أنهم لا يرثون مع الولد والوالد؛ لأن ~~الكلالة من لا ولد له ولا والد، خرج من ذلك البنات، والأم؛ لقيام الدليل ~~على ميراثهم معهما، بقي ما عداهما على ظاهره، فيسقط ولد الأبوين، ذكرهم ~~وأنثاهم بثلاثة؛ بالابن، وابن الابن وإن سفل، وبالأب. ويسقط ولد الأب ~~بهؤلاء الثلاثة، وبالأخ من الأبوين؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالدين قبل الوصية» ولأن أعيان بني ~~الأم يتوارثون دون بني العلات، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. ~~أخرجه الترمذي. ### | [مسألة ميراث أخ وأخت لأم مع ولد] # (4815) مسألة؛ قال: (ولا يرث أخ ولا أخت لأم، مع ولد، ذكرا كان الولد أو ~~أنثى، ولا مع ولد الابن، ولا مع أب، ولا مع جد) وجملة ذلك، أن ولد الأم، ~~ذكرهم وأنثاهم، يسقطون بأربعة؛ بالولد، وولد الابن، والأب، والجد أب الأب ~~وإن علا، أجمع على هذا أهل العلم، فلا نعلم أحدا منهم خالف هذا، إلا رواية ~~شذت عن ابن عباس، في أبوين، وأخوين لأم، للأم الثلث، وللأخوين الثلث، وقيل ~~عنه: لهما ثلث الباقي. وهذا بعيد جدا. فإن ابن عباس يسقط الإخوة كلهم ~~بالجد، فكيف يورث ولد الأم مع الأب، ولا خلاف بين أهل العلم في أن ولد الأم ~~يسقطون بالجد، فكيف ms3201 يرثون مع الأب، والأصل في هذه الجملة قول الله تعالى: ~~{وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} [النساء: 12] . والمراد بهذه الآية ~~الأخ والأخت من الأم، بإجماع أهل العلم. وفي قراءة سعد بن أبي وقاص: " وله ~~أخ أو أخت من أم "، والكلالة في قول الجمهور: من ليس له ولد، ولا والد، ~~فشرط في توريثهم عدم الولد والوالد، والولد يشمل الذكر والأنثى، والوالد ~~يشمل الأب والجد. ### | [فصل رأي أهل العلم في الكلالة] # (4816) فصل: اختلف أهل العلم في الكلالة، فقيل: الكلالة اسم للورثة، ما ~~عدا الوالدين، والمولودين. نص أحمد # PageV06P268 # على هذا، وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: الكلالة من ~~عدا الولد والوالد. واحتج من ذهب إلى هذا بقول الفرزدق في بني أمية: # ورثتم قناة المجد لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم # واشتقاقه من الإكليل الذي يحيط بالرأس ولا يعلو عليه، فكأن الورثة ما عدا ~~الولد والوالد قد أحاطوا بالميت من حوله، لا من طرفيه أعلاه وأسفله، كإحاطة ~~الإكليل بالرأس. فأما الوالد والولد فهما طرفا الرجل، فإذا ذهبا كان بقية ~~النسب كلالة. قال الشاعر: # فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني ... وما بعد شتم الوالدين صلوح # وقالت طائفة: الكلالة اسم للميت نفسه، الذي لا ولد له ولا والد. يروى ذلك ~~عن عمر، وعلي، وابن مسعود. وقيل: الكلالة قرابة الأم. واحتجوا بقول الفرزدق ~~الذي أنشدناه، عنى أنكم ورثتم الملك عن آبائكم لا عن أمهاتكم. ويروى عن ~~الزهري، أنه قال: الميت الذي لا ولد له ولا والد كلالة، ويسمى وارثه كلالة. ~~والآيتان في سورة النساء، والمراد بالكلالة فيهما الميت. ولا خلاف في أن ~~اسم الكلالة يقع على الإخوة من الجهات كلها. وقد دل على صحة ذلك قول جابر: ~~يا رسول الله، كيف الميراث؟ إنما يرثني كلالة. فجعل الوارث هو الكلالة، ولم ~~يكن لجابر يومئذ ولد ولا والد. وممن ذهب إلى أنه يشترط في الكلالة ms3202 عدم ~~الولد والوالد زيد، وابن عباس وجابر بن زيد، والحسن، وقتادة، والنخعي، وأهل ~~المدينة والبصرة والكوفة. ويروى عن ابن عباس أنه قال: الكلالة من لا ولد ~~له. ويروى ذلك عن عمر. والصحيح عنهما كقول الجماعة. ### | [مسألة الأخوات مع البنات عصبة] # (4817) مسألة؛ قال: (والأخوات مع البنات عصبة، لهن ما فضل، وليست لهن ~~معهن فريضة مسماة) العصبة هو الوارث بغير تقدير، وإذا كان معه ذو فرض أخذ ~~ما فضل عنه، قل أو كثر. وإن انفرد أخذ الكل. وإن استغرقت الفروض المال، ~~سقط. والمراد بالأخوات هاهنا الأخوات من الأبوين، أو من الأب؛ لأنه قد ذكر ~~أن ولد الأم لا ميراث لهم مع الولد، وهذا قول عامة أهل العلم، يروى ذلك عن ~~عمر، وعلي، وزيد، وابن مسعود، ومعاذ، وعائشة - رضي الله عنهم -. وإليه ذهب ~~عامة الفقهاء إلا ابن عباس، ومن تابعه، فإنه يروى عنه أنه كان لا يجعل ~~الأخوات مع البنات عصبة، فقال في بنت وأخت: للبنت النصف، ولا شيء للأخت. ~~فقيل له: إن عمر قضى بخلاف ذلك، جعل للأخت النصف. فقال ابن عباس: أنتم أعلم ~~أم الله؟ يريد قول الله سبحانه: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ~~ما ترك} [النساء: 176] . # PageV06P269 # فإنما جعل لها الميراث بشرط عدم الولد. والحق فيما ذهب إليه الجمهور، فإن ~~ابن مسعود قال في بنت، وبنت ابن، وأخت: لأقضين فيها بقضاء رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وما بقي فللأخت. رواه ~~البخاري، وغيره. واحتجاج ابن عباس لا يدل على ما ذهب إليه، بل يدل على أن ~~الأخت لا يفرض لها النصف مع الولد، ونحن نقول به، فإن ما تأخذ مع البنت ليس ~~بفرض، وإنما هو بالتعصيب، كميراث الأخ. وقد وافق ابن عباس على ثبوت ميراث ~~الأخ مع الولد مع قول الله تعالى: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: ~~176] . وعلى قياس قوله ينبغي أن يسقط الأخ؛ لاشتراطه في توريثه منها عدم ~~ولدها، وهو خلاف الإجماع، ثم إن النبي - صلى الله ms3203 عليه وسلم - وهو المبين ~~لكلام الله تعالى قد جعل للأخت مع البنت، وبنت الابن الباقي عن فرضهما، وهو ~~الثلث، ولو كانت ابنتان وبنت ابن، لسقطت بنت الابن، وكان للأخت الباقي، وهو ~~الثلث. فإن كان معهم أم فلها السدس، ويبقى للأخت السدس. فإن كان بدل الأم ~~زوج، فالمسألة من اثني عشر، للزوج الربع، وللابنتين الثلثان، وبقي للأخت ~~نصف السدس. فإن كان معهم أم، عالت المسألة، وسقطت الأخت. ### | [مسألة ميراث بنات الابن] # (4818) مسألة؛ قال: (وبنات الابن بمنزلة البنات، إذا لم يكن بنات) أجمع ~~أهل العلم على أن بنات الابن بمنزلة البنات عند عدمهن في إرثهن، وحجبهن لمن ~~يحجبه البنات، وفي جعل الأخوات معهن عصبات، وفي أنهن إذا استكملن الثلثين ~~سقط من أسفل منهن بنات الابن، وغير ذلك. والأصل في ذلك قول الله عز وجل: ~~{يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك} [النساء: 11] . وولد البنين أولاد؛ قال الله تعالى: {يا ~~بني آدم} [الأعراف: 26] يخاطب بذلك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقال: ~~{يا بني إسرائيل} [البقرة: 40] يخاطب بذلك من في عصر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - منهم. وقال الشاعر: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد. ### | [مسألة فرض الابنتين] # (4819) مسألة؛ قال: (فإن كن بنات وبنات ابن، فللبنات الثلثان، وليس لبنات ~~الابن شيء، إلا أن يكون معهن ذكر فيعصبهن فيما بقي، للذكر مثل حظ الأنثيين) # PageV06P270 # أجمع أهل العلم على أن فرض الابنتين الثلثان، إلا رواية شاذة عن ابن ~~عباس، أن فرضهما النصف؛ لقول الله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ~~ثلثا ما ترك} [النساء: 11] . فمفهومه أن ما دون الثلاث ليس لهما الثلثان. ~~والصحيح قول الجماعة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأخي سعد بن ~~الربيع: " أعط ابنتي سعد الثلثين " وقال الله تعالى في الأخوات: {فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} [النساء: 176] . وهذا تنبيه على أن للبنتين ~~الثلثين؛ لأنهما أقرب، ولأن كل من يرث الواحد منهم النصف فللاثنتين منهم ~~الثلثان، كالأخوات ms3204 من الأبوين، والأخوات من الأب، وكل عدد يختلف فرض واحدهم ~~وجماعتهم فللاثنين منهم مثل فرض الجماعة، كولد الأم، والأخوات من الأبوين، ~~أو من الأب، فأما الثلاث من البنات فما زاد، فلا خلاف في أن فرضهن الثلثان، ~~وأنه ثابت بقول الله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} ~~[النساء: 11] . واختلف فيما ثبت به فرض الابنتين، فقيل: ثبت بهذه الآية، ~~والتقدير، فإن كن نساء اثنتين، وفوق صلة، كقوله: {فاضربوا فوق الأعناق} ~~[الأنفال: 12] . أي اضربوا الأعناق. وقد دل على هذا أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حين نزلت هذه الآية، أرسل إلى أخي سعد بن الربيع: " أعط ابنتي ~~سعد الثلثين ". وهذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير للآية، وبيان ~~لمعناها، واللفظ إذا فسر كان الحكم ثابتا بالمفسر لا بالتفسير. ويدل على ~~ذلك أيضا أن سبب نزول الآية قصة بنتي سعد بن الربيع، وسؤال أمهما عن شأنهما ~~في ميراث أبيهما. وقيل: بل ثبت بهذه السنة الثابتة. وقيل: بل ثبت بالتنبيه ~~الذي ذكرناه. وقيل: بل ثبت بالإجماع. وقيل: بالقياس. وفي الجملة فهذا حكم ~~قد أجمع عليه، وتواردت عليه الأدلة التي ذكرناها كلها، فلا يضرنا أيها ~~أثبته. وأجمع أهل العلم على أن بنات الصلب متى استكملن الثلثين، سقط بنات ~~الابن، ما لم يكن بإزائهن، أو أسفل منهن ذكر يعصبهن؛ وذلك لأن الله تعالى ~~لم يفرض للأولاد إذا كانوا نساء إلا الثلثين، قليلات كن أو كثيرات، وهؤلاء ~~لم يخرجن عن كونهن نساء من الأولاد، وقد ذهب الثلثان لولد الصلب، فلم يبق ~~لهن شيء، ولا يمكن أن يشاركن بنات الصلب؛ لأنهن دون درجتهن، فإن كان مع ~~بنات الابن ابن في درجتهن، كأخيهن، أو ابن عمهن، أو أنزل منهن كابن أخيهن، ~~أو ابن ابن عمهن، أو ابن ابن # PageV06P271 # ابن عمهن، عصبهن في الباقي، فجعل بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا قول ~~عامة العلماء. يروى ذلك عن علي، وزيد، وعائشة - رضي الله عنهم -. وبه قال ~~مالك، والثوري، والشافعي - رضي الله عنهم - وإسحاق، وأصحاب الرأي. وبه قال ms3205 ~~سائر الفقهاء إلا ابن مسعود ومن تبعه؛ فإنه خالف الصحابة في ست مسائل من ~~الفرائض، هذه إحداهن، فجعل الباقي للذكر دون أخواته. وهو قول أبي ثور؛ لأن ~~النساء من الأولاد لا يرثن أكثر من الثلثين؛ بدليل ما لو انفردن، وتوريثهن ~~هاهنا يفضي إلى توريثهن أكثر من ذلك. ولنا، قول الله تعالى: {يوصيكم الله ~~في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] . وهؤلاء يدخلون في عموم ~~هذا اللفظ؛ بدليل تناوله لهم لو لم يكن بنات. وعدم البنات لا يوجب لهم هذا ~~الاسم. ولأن كل ذكر وأنثى يقتسمون المال إذا لم يكن معهم ذو فرض، يجب أن ~~يقتسما الفاضل عنه، كأولاد الصلب، والإخوة مع الأخوات وما ذكروه فهو في ~~الاستحقاق للفرض. فأما في مسألتنا فإنما يستحقون بالتعصيب، فكان معتبرا ~~بأولاد الصلب، والإخوة والأخوات ثم، ويبطل ما ذكروه بما إذا خلف ابنا وست ~~بنات، فإنهن يأخذن ثلاثة أرباع المال. وإن كن ثمانيا، أخذن أربعة أخماسه. ~~وإن كن عشرا، أخذن خمسة أسداسه. وكلما زدن في العدد، زاد استحقاقهن. ### | [فصل ابن ابن الابن يعصب من في درجته] # (4820) فصل: وابن ابن الابن يعصب من في درجته من أخواته، وبنات عمه، ~~وبنات ابن عم أبيه، على كل حال. ويعصب من هو أعلى منه من عماته، وبنات عم ~~أبيه، ومن فوقهن بشرط أن لا يكن ذوات فرض، ويسقط من هو أنزل منه، كبناته، ~~وبنات أخيه، وبنات ابن عمه. فلو خلف الميت خمس بنات ابن. بعضهن أنزل من ~~بعض، لا ذكر معهن، وعصبة، كان للعليا النصف، وللثانية السدس، وسقط سائرهن، ~~والباقي للعصبة. فإن كان مع العليا أخوها، أو ابن عمها، فالمال بينهما على ~~ثلاثة، وسقط سائرهن. فإن كان مع الثانية عصبها، وكان للعليا النصف، والباقي ~~بينه وبين الثانية على ثلاثة. وإن كان مع الثالثة، فللعليا النصف، وللثانية ~~السدس، والباقي بينه وبين الثالثة على ثلاثة. وإن كان مع الرابعة فللعليا ~~النصف، وللثانية السدس، والباقي بينه وبين الثالثة والرابعة على أربعة. وإن ~~كان مع الخامسة، فالباقي بعد فرض الأولى والثانية، بينه وبين ms3206 الثالثة ~~والرابعة والخامسة على خمسة وتصح من ثلاثين. وإن كان أنزل من الخامسة، ~~فكذلك. ولا أعلم في هذا خلافا بين القائلين بتوريث بنات الابن مع بني الابن ~~بعد استكمال الثلثين. # PageV06P272 ### | [مسألة كانت ابنة واحدة وبنات ابن فما ميراثها] # (4821) مسألة؛ قال: (فإن كانت ابنة واحدة، وبنات ابن، فلابنة الصلب ~~النصف، ولبنات الابن واحدة كانت أو أكثر من ذلك السدس، تكملة الثلثين، إلا ~~أن يكون معهن ذكر فيعصبهن فيما بقي، للذكر مثل حظ الأنثيين) في هذه المسألة ~~ثلاثة أحكام؛ أحدها، أن للبنت الواحدة النصف، ولا خلاف في هذا بين علماء ~~المسلمين؛ لقول الله تعالى: {وإن كانت واحدة فلها النصف} [النساء: 11] . ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في بنت وبنت ابن وأخت، أن للبنت ~~النصف، ولبنت الابن السدس، وما بقي فللأخت الثاني، أنه إذا كان مع البنت ~~الواحدة بنت ابن، أو بنات ابن، فللبنت النصف، ولبنات الابن واحدة كانت أو ~~أكثر من ذلك السدس، تكملة الثلثين. وهذا أيضا مجمع عليه بين العلماء. ~~والأصل فيه قول الله تعالى {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن ~~كانت واحدة فلها النصف} [النساء: 11] . ففرض للبنات كلهن الثلثين. وبنات ~~الصلب، وبنات الابن كلهن نساء من الأولاد، فكان لهن الثلثان بفرض الكتاب، ~~لا يزدن عليه. واختصت بنت الصلب بالنصف؛ لأنه مفروض لها، والاسم متناول لها ~~حقيقة، فيبقى للبقية تمام الثلثين. ولهذا قال الفقهاء: لهن السدس تكملة ~~الثلثين. وقد روى هذيل بن شرحبيل الأودي قال: «سئل أبو موسى عن ابنة، وابنة ~~ابن، وأخت، فقال: للبنت النصف، وما بقي فللأخت. فأتى ابن مسعود، وأخبره ~~بقول أبي موسى، فقال: {قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين} [الأنعام: 56] ، ~~ولكن أقضي فيها بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لابنه النصف، ~~ولابنة الابن السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى، ~~فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني عن شيء ما دام الحبر فيكم» . ~~متفق عليه بنحو من هذا المعنى. الحكم الثالث، إذا كان مع بنات الابن ذكر في ms3207 ~~درجتهن فإنه يعصبهن فيما بقي، للذكر مثل حظ الأنثيين، في قول جمهور الفقهاء ~~من الصحابة ومن بعدهم، إلا ابن مسعود في من تابعه، فإنه خالف الصحابة فيها. ~~وهذه المسألة الثانية التي انفرد فيها عن الصحابة، فقال: لبنات الابن الأضر ~~بهن من المقاسمة أو السدس، فإن كان السدس أقل مما يحصل لهن بالمقاسمة، فرضه ~~لهن، وأعطى الباقي للذكر، وإن كان الحاصل لهن بالمقاسمة أقل، قاسم بهن. ~~وبنى ذلك على أصله في أن بنت الابن لا يعصبها أخوها إذا استكمل البنات ~~الثلثين، إلا أنه ناقص في المقاسمة إذا كان أضر بهن، وكان ينبغي أن يعطيهن ~~السدس على كل حال. # PageV06P273 # ولنا، قول الله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} ~~[النساء: 11] . ولأنه يقاسمها لو لم يكن غيرهما، فقاسمها مع بنت الصلب، كما ~~لو كانت المقاسمة أضر بهن. وأصله الذي بنى عليه فاسد، كما قدمنا. ### | [فصل حكم بنات ابن الابن مع بنات الابن في الميراث] # (4822) فصل: وحكم بنات ابن الابن مع بنات الابن، حكم بنات الابن مع بنات ~~الصلب، في جميع ما ذكرنا في هاتين المسألتين، وفي أنه متى استكمل من فوق ~~السفلى الثلثين، سقطت إذا لم يكن لها من يعصبها، سواء كمل الثلثان لمن في ~~درجة واحدة، أو للعليا، أو التي تليها. وكذلك كل من نزلت درجته مع من هو ~~أعلى منه. وقد مثلنا ذلك في المسألة التي ذكرنا في أخر المسألة التي قبل ~~هذه. ### | [مسألة ميراث ولد الأب إذا استكمل الأخوات من الأبوين الثلثين] # (4823) مسألة؛ قال: (والأخوات من الأب بمنزلة الأخوات من الأب والأم، إذا ~~لم يكن أخوات لأب وأم، فإن كان أخوات لأب وأم، وأخوات لأب، فللأخوات من ~~الأب والأم الثلثان، وليس للأخوات من الأب شيء، إلا أن يكون معهن ذكر ~~فيعصبهن فيما بقي، للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن كانت أخت واحدة لأب وأم، ~~وأخوات لأب، فللأخت للأب والأم النصف، وللأخوات من الأب واحدة كانت أو أكثر ~~من ذلك السدس، تكملة الثلثين، إلا أن يكون معهن ذكر فيعصبهن فيما ms3208 بقي، ~~للذكر مثل حظ الأنثيين) وهذه الجملة كلها مجمع عليها بين علماء الأمصار، ~~إلا ما كان من خلاف ابن مسعود ومن تبعه، لسائر الصحابة والفقهاء في ولد ~~الأب إذا استكمل الأخوات من الأبوين الثلثين، فإنه جعل الباقي للذكر من ولد ~~الأب دون الإناث. فإن كانت أخت واحدة من أبوين، وإخوة وأخوات من أب، جعل ~~للإناث من ولد الأب الأضر بهن من المقاسمة أو السدس، وجعل الباقي للذكور. ~~كفعله في ولد الابن مع البنات، على ما مر تفصيله وشرحه، وقد سبق ذكر حجته ~~وجوابها، بما يغني عن إعادته. فأما فرض الثلثين للأختين فصاعدا، والنصف ~~للواحدة المفردة، فثابت بقول الله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم ~~يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} [النساء: 176] . ~~والمراد بهذه الآية ولد الأبوين، # PageV06P274 # وولد الأب بإجماع أهل العلم. وروى جابر، قال: قلت: يا رسول الله، كيف ~~أصنع في مالي ولي أخوات؟ قال: فنزلت آية الميراث: {يستفتونك قل الله يفتيكم ~~في الكلالة إن امرؤ هلك} [النساء: 176] . رواه أبو داود. وروي أن جابرا ~~اشتكى وعنده سبع أخوات، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «قد أنزل الله ~~في أخواتك» . فبين لهن الثلثين. وما زاد على الأختين في حكمهما؛ لأنه إذا ~~كان للأختين الثلثان، فالثلاث أختان فصاعدا. وأما سقوط الأخوات من الأب، ~~باستكمال ولد الأبوين الثلثين فلأن الله تعالى إنما فرض للأخوات الثلثين، ~~فإذا أخذه ولد الأبوين، لم يبق مما فرضه الله تعالى للأخوات شيء يستحقه ولد ~~الأب، فإن كانت واحدة من الأبوين، فلها النصف بنص الكتاب، وبقي من الثلثين ~~المفروضة للأخوات سدس، يكمل به الثلثان، فيكون للأخوات للأب. ولذلك قال ~~الفقهاء: لهن السدس، تكملة الثلثين فإن كان ولد الأب ذكورا وإناثا، فالباقي ~~بينهم؛ لقول الله تعالى: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين} [النساء: 176] . ولا يفارق ولد الأب مع ولد الأبوين ولد الابن مع ~~ولد الصلب، إلا ms3209 في أن بنت الابن يعصبها ابن أخيها ومن هو أنزل منها، والأخت ~~من الأب لا يعصبها إلا أخوها، فلو استكمل الأخوات من الأبوين الثلثين، وثم ~~أخوات من أب وابن أخ لهن، لم يكن للأخوات للأب شيء، وكان الباقي لابن الأخ؛ ~~لأن ابن الابن وإن نزل ابن، وابن الأخ ليس بأخ. ### | [فصل أربعة من الذكور يعصبون أخواتهم فيمنعونهن الفرض] # (4824) فصل: أربعة من الذكور يعصبون أخواتهم، فيمنعونهن الفرض، ويقتسمون ~~ما ورثوا للذكر مثل حظ الأنثيين، وهم الابن، وابن الابن وإن نزل، والأخ من ~~الأبوين، والأخ من الأب. وسائر العصبات ينفرد الذكور بالميراث دون الإناث، ~~وهم بنو الأخ والأعمام، وبنوهم؛ وذلك لقول الله تعالى: {يوصيكم الله في ~~أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] فهذه الآية تناولت الأولاد، ~~وأولاد الابن. وقال تعالى {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين} [النساء: 176] . فتناولت ولد الأبوين، وولد الأب. وإنما اشتركوا؛ ~~لأن الرجال والنساء كلهم وراث، فلو فرض للنساء فرض أفضى إلى تفضيل الأنثى ~~على الذكر، أو مساواتها إياه، أو إسقاطه بالكلية، فكانت المقاسمة أعدل ~~وأولى. وسائر العصبات ليس أخواتهم من أهل الميراث، فإنهن لسن بذوات فرض، ~~ولا يرثن منفردات، فلا يرثن مع إخوتهن شيئا. وهذا لا خلاف فيه، بحمد الله ~~ومنته. ### | [مسألة أحوال الأم في الميراث] # (4825) مسألة؛ قال: (وللأم الثلث، إذا لم يكن إلا أخ واحد أو أخت واحدة، ~~ولم يكن له ولد، ولا ولد ابن. فإن كان له ولد، أو أخوان، أو أختان، فليس ~~لها إلا السدس) # PageV06P275 # وجملة ذلك أن للأم ثلاثة أحوال: حال ترث فيها الثلث بشرطين؛ أحدهما، عدم ~~الولد، وولد الابن، من الذكور والإناث. والثاني، عدم الابنين فصاعدا من ~~الإخوة والأخوات من أي الجهات كانوا، ذكورا وإناثا، أو ذكورا أو إناثا، ~~فلها في هذه الحال الثلث. بلا خلاف نعلمه بين أهل العلم. # الحال الثاني، لها السدس، إذا لم يجتمع الشرطان، بل كان للميت ولد، أو ~~ولد ابن، أو اثنان من الإخوة والأخوات. في قول جمهور الفقهاء. وقال ابن ~~عباس: لا يحجب الأم ms3210 عن الثلث إلى السدس من الإخوة والأخوات إلا ثلاثة وحكي ~~ذلك عن معاذ؛ لأن الله تعالى قال: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: ~~11] . وأقل الجمع ثلاثة. وروي أن ابن عباس قال لعثمان - رضي الله عنه -: ~~ليس الأخوان إخوة في لسان قومك، فلم تحجب بهما الأم؟ فقال: لا أستطيع أن ~~أرد شيئا كان قبلي، ومضى في البلدان، وتوارث الناس به. # ولنا، قول عثمان هذا، فإنه يدل على أنه إجماع تم قبل مخالفة ابن عباس. ~~ولأن كل حجب تعلق بعدد كان أوله اثنين، كحجب البنات بنات الابن، والأخوات ~~من الأبوين الأخوات من الأب، والإخوة تستعمل في الاثنين، قال الله تعالى: ~~{وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 176] . وهذا ~~الحكم ثابت في أخ وأخت. ومن أهل اللغة من يجعل الاثنين جمعا حقيقة، ومنهم ~~من يستعمله مجازا، فيصرف إليه بالدليل. # ولا فرق في حجبها بين الذكر والأنثى؛ لقوله تعالى: {إخوة} [النساء: 176] ~~. وهذا يقع على الجميع؛ بدليل قوله: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء} [النساء: ~~176] . ففسرهم بالرجال والنساء. الحال الثالث، إذا كان زوج وأبوان، أو ~~امرأة وأبوان، فللأم ثلث الباقي، بعد فرض الزوجين. وهذه يأتي ذكرها، إن شاء ~~الله تعالى. ### | [مسألة ليس للأب مع الولد الذكر أو ولد الابن إلا السدس] # (4826) مسألة قال: وليس للأب مع الولد الذكر، أو ولد الابن، إلا السدس، ~~فإن كن بنات كان له ما فضل. يعني، والله أعلم، كان له ما فضل بعد أن يفرض ~~له السدس، فيكون له ثلاثة أحوال؛ حال يرث فيها بالفرض، وهي مع الابن أو ابن ~~الابن وإن سفل، فليس له إلا السدس والباقي للابن ومن معه. لا نعلم في هذا ~~خلافا؛ وذلك لقول الله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن ~~كان له ولد} [النساء: 11] . # الحال الثانية، يرث فيها بالتعصيب المجرد، وهي مع غير الولد، فيأخذ المال ~~إن انفرد. وإن كان معه # PageV06P276 # ذو فرض غير الولد، كزوج، أو أم، أو جدة، فلذي الفرض فرضه، وباقي المال ~~له؛ لقول الله تعالى: ms3211 {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} ~~[النساء: 11] . فأضاف الميراث إليهما، ثم جعل للأم الثلث، فكان الباقي ~~للأب، ثم قال: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] . فجعل للأم مع ~~الإخوة السدس، ولم يقطع إضافة الميراث إلى الأبوين، ولا ذكر للإخوة ميراثا، ~~فكان الباقي كله للأب. # الحال الثالثة، يجتمع له الأمران؛ الفرض والتعصيب، وهي مع إناث الولد، أو ~~ولد الابن، فله السدس؛ لقوله تعالى: {لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان ~~له ولد} [النساء: 11] . ولهذا كان للأب السدس مع البنت بالإجماع، ثم يأخذ ~~ما بقي بالتعصيب؛ لما روى ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» . متفق عليه. # والأب أولى رجل بعد الابن وابنه. وأجمع أهل العلم على هذا كله، فليس فيه ~~بحمد الله اختلاف نعلمه. ### | [فصل الجد كالأب في أحواله] # (4827) فصل: والجد كالأب في أحواله الثلاث، وله حال رابع مع الإخوة يذكر ~~في بابه، ويسقط بالأب؛ لأنه يدلي به، فيسقط به، كالإخوة، وكذلك كل جد يسقط ~~بابنه؛ لكونه يدلي به. وينقص الجد عن رتبة الأب في زوج وأبوين، أو امرأة ~~وأبوين، فيفرض للأم فيهما ثلث جميع المال، وباقيه للجد، بخلاف الأب. ### | [مسألة فرض الزوج وفرض الزوجة والزوجات] # (4828) مسألة قال: (وللزوج النصف، إذا لم يكن ولد، فإن كان لها ولد، فله ~~الربع، وللمرأة الربع واحدة كانت أو أربعا، إذا لم يكن ولد، فإن كان له ولد ~~فلهن الثمن) . وجملة ذلك أن الزوج والزوجة ذو فرض، لا يرثان بغيره. وفرض ~~الزوج النصف مع عدم ولد الميتة وولد ابنها، والربع مع الولد أو ولد الابن. ~~وفرض الزوجة والزوجات الربع مع عدم ولد الزوج وولد ابنه، والثمن مع الولد ~~أو ولد الابن الواحد والأربع سواء. # بإجماع أهل العلم. والأصل فيه قول الله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم ~~إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين ~~بها أو دين ولهن ms3212 الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن ~~الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين} [النساء: 12] . وإنما جعل ~~للجماعة مثل ما للواحدة؛ لأنه لو جعل لكل واحدة الربع، وهن أربع، لأخذن # PageV06P277 # جميع المال، وزاد فرضهن على فرض الزوج. ومثل هذا في الجدات للجماعة مثل ~~ما للواحدة؛ لأن الجدات لو أخذت كل واحدة منهن السدس، لأخذن النصف، فزدن ~~على ميراث الجد. فأما سائر أصحاب الفروض، كالبنات، وبنات الابن، والأخوات ~~المفترقات كلهن، فإن لكل جماعة منهن مثل ما للاثنتين، على ما ذكر في موضعه، ~~وزدن على فرض؛ الواحدة؛ لأن الذكر الذي يرث في درجتهن لا فرض له، إلا ولد ~~الأم، فإن ذكرهم وأنثاهم سواء؛ لأنهم يرثون بالرحم، وقرابة الأم المجردة. ### | [مسألة ابن الأخ للأب والأم أولى من ابن الأخ للأب] # (4829) مسألة قال: وابن الأخ للأب والأم أولى من ابن الأخ للأب. وابن ~~الأخ للأب أولى من ابن ابن الأخ للأب والأم. وابن الأخ وإن سفل إذا كان لأب ~~أولى من العم. وابن العم للأب أولى من ابن ابن العم للأب والأم. وابن العم ~~وإن سفل أولى من عم الأب هذا في ميراث العصبة، وهم الذكور من ولد الميت، ~~وآبائه، وأولادهم، وليس ميراثهم مقدرا، بل يأخذون المال كله إذا لم يكن ~~معهم ذو فرض، فإن كان معهم ذو فرض لا يسقط بهم أخذوا الفاضل عن ميراثه كله، ~~وأولاهم بالميراث أقربهم، ويسقط به من بعد؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» . وأقربهم ~~البنون، ثم بنوهم وإن سفلوا، يسقط قريبهم بعيدهم، ثم الأب، ثم آباؤه وإن ~~علوا، الأقرب منهم فالأقرب، ثم بنو الأب وهم الإخوة للأبوين أو للأب، ثم ~~بنوهم وإن سفلوا، الأقرب منهم فالأقرب. ويسقط البعيد بالقريب، سواء كان ~~القريب من ولد الأبوين أو من ولد الأب وحده. فإن اجتمعوا في درجة واحدة، ~~فولد الأبوين أولى؛ لقوة قرابته بالأم، فلهذا قال: ابن الأخ للأب والأم ~~أولى من ms3213 ابن الأخ للأب. لأنهما في درجة واحدة. وابن الأخ للأب أولى من ابن ~~ابن الأخ للأب والأم؛ لأن ابن الأخ للأب أعلى درجة من ابن ابن الأخ للأب ~~والأم، وعلى هذا أبدا، ومهما بقي من بني الأخ أحد، وإن سفل، فهو أولى من ~~العم؛ لأنه من ولد الأب، والعم من ولد الجد. # فإذا انقرض الإخوة وبنوهم، فالميراث للأعمام ثم بنيهم، على هذا النسق، إن ~~استوت درجتهم قدم من هو لأبوين، فإن اختلفت قدم الأعلى، وإن كان لأب، ومهما ~~بقي منهم أحد وإن سفل، فهو أولى من عم الأب؛ لأن الأعمام من ولد الجد، ~~وأعمام الأب من ولد أب الجد، فإذا انقرضوا، فالميراث لأعمام الأب على هذا ~~النسق، ثم لأعمام الجد، ثم بنيهم، وعلى هذا أبدا، لا يرث بنو أب أعلى مع ~~بني أب أقرب منه، وإن نزلت درجتهم؛ لما مر في الحديث، وهذا كله مجمع عليه، ~~بحمد الله ومنه. # PageV06P278 ### | [مسألة ماتت وتركت زوجا وأبوين] # (4830) مسألة؛ قال: وإذا كان زوج وأبوان، أعطي الزوج النصف، والأم ثلث ما ~~بقي، وما بقي فللأب. وإذا كانت زوجة وأبوان، أعطيت الزوجة الربع، والأم ثلث ~~ما بقي، وما بقي فللأب. هاتان المسألتان تسميان العمريتين؛ لأن عمر - رضي ~~الله عنه - قضى فيهما بهذا القضاء، فاتبعه على ذلك عثمان، وزيد بن ثابت، ~~وابن مسعود، وروي ذلك عن علي وبه قال الحسن، والثوري ومالك، والشافعي، - ~~رضي الله عنهم -، وأصحاب الرأي. # وجعل ابن عباس ثلث المال كله للأم في المسألتين؛ لأن الله تعالى فرض لها ~~الثلث عند عدم الولد والإخوة، وليس هاهنا ولد ولا إخوة. ويروى ذلك عن علي. ~~ويروى ذلك عن شريح في زوج وأبوين. وقال ابن سيرين كقول الجماعة في زوج ~~وأبوين، وكقول ابن عباس في امرأة وأبوين. وبه قال أبو ثور؛ لأننا لو فرضنا ~~للأم ثلث المال في زوج وأبوين، لفضلناها على الأب، ولا يجوز ذلك، وفي مسألة ~~المرأة، لا يؤدي إلى ذلك. # واحتج ابن عباس بعموم قوله تعالى: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه ms3214 ~~الثلث} [النساء: 11] . وبقوله - عليه السلام -: «ألحقوا الفرائض بأهلها، ~~فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» . والأب هاهنا عصبة؛ فيكون له ما فضل عن ذوي ~~الفروض، كما لو كان مكانه جد، والحجة معه لولا انعقاد الإجماع من الصحابة ~~على مخالفته؛ ولأن الفريضة إذا جمعت أبوين وذا فرض، كان للأم ثلث الباقي، ~~كما لو كان معهم بنت ويخالف الأب الجد؛ لأن الأب في درجتها، والجد أعلى ~~منها. # وما ذهب إليه ابن سيرين تفريق في موضع أجمع الصحابة على التسوية فيه، ثم ~~إنه مع الزوج يأخذ مثلي ما أخذت الأم، كذلك مع المرأة، قياسا عليه. ### | [مسألة ماتت وتركت زوجا وأما وإخوة من أم وإخوة لأب وأم] # قال: (4831) مسألة (وإذا كان زوج وأم وإخوة من أم وإخوة لأب وأم، فللزوج ~~النصف، وللأم السدس، وللأخوة من الأم الثلث، # PageV06P279 # وسقط الإخوة من الأب والأم) . هذه المسألة تسمى المشركة، وكذلك كل مسألة ~~اجتمع فيها زوج وأم أو جدة واثنان فصاعدا من ولد الأم وعصبة من ولد ~~الأبوين. وإنما سميت المشركة؛ لأن بعض أهل العلم شرك فيها بين ولد الأبوين ~~وولد الأم في فرض ولد الأم، فقسمه بينهم بالسوية، وتسمى الحمارية؛ لأنه ~~يروى أن عمر - رضي الله عنه - أسقط ولد الأبوين، فقال بعضهم: يا أمير ~~المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا أليست أمنا واحدة؟ فشرك بينهم. ويقال: إن ~~بعض الصحابة قال ذلك فسميت الحمارية لذلك. واختلف أهل العلم فيها قديما ~~وحديثا، فذهب أحمد - رضي الله عنه - فيها إلى أن للزوج النصف، وللأم السدس، ~~وللإخوة من الأم الثلث، وسقط الإخوة من الأبوين؛ لأنهم عصبة وقد تم المال ~~بالفروض. ويروى هذا القول عن علي وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وأبي ~~موسى - رضي الله عنهم -. وبه قال الشعبي، والعنبري، وشريك، وأبو حنيفة، ~~وأصحابه - رضي الله عنهم - ويحيى بن آدم، ونعيم بن حماد، وأبو ثور، وابن ~~المنذر وروي عن عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، - رضي الله عنهم -، أنهم شركوا ~~بين ولد الأبوين وولد الأم في الثلث، فقسموه بينهم بالسوية، للذكر مثل ms3215 حظ ~~الأنثيين. وبه قال مالك، والشافعي - رضي الله عنهما -، وإسحاق؛ لأنهم ساووا ~~ولد الأم في القرابة التي يرثون بها، فوجب أن يساووهم في الميراث؛ فإنهم ~~جميعا من ولد الأم، وقرابتهم من جهة الأب إن لم تزدهم قربا واستحقاقا فلا ~~ينبغي أن تسقطهم؛ ولهذا قال بعض الصحابة وبعض ولد الأبوين لعمر وقد أسقطهم: ~~هب أن أباهم كان حمارا، فما زادهم ذلك إلا قربا فشرك بينهم. وحرر بعض أصحاب ~~الشافعي فيها قياسا، فقال: فريضته جمعت ولد الأب والأم وولد الأم، وهم من ~~أهل الميراث فإذا ورث ولد الأم، وجب أن يرث ولد الأب والأم، كما لو لم يكن ~~فيها زوج. ولنا، قول الله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ ~~أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} ~~[النساء: 12] . ولا خلاف في أن المراد بهذه الآية ولد الأم على الخصوص، فمن ~~شرك بينهم فلم يعط كل واحد منهما السدس، فهو مخالفة لظاهر القرآن، ويلزم ~~منه مخالفة ظاهر الآية الأخرى، وهي قوله: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء ~~فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 176] . يراد بهذه الآية سائر الإخوة ~~والأخوات، وهم يسوون بين ذكرهم وأنثاهم. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ألحقوا الفرائض، بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» . ومن شرك فلم يلحق ~~الفرائض بأهلها، ومن جهة المعنى أن ولد الأبوين عصبة لا فرض لهم، وقد تم ~~المال بالفروض، فوجب أن يسقطوا، كما لو كان مكان ولد الأم ابنتان. وقد ~~انعقد الإجماع على أنه لو كان في هذه المسألة واحد من ولد الأم، ومائة من ~~ولد الأبوين، لكان للواحد السدس، وللمائة السدس الباقي، لكل واحد عشر عشره، ~~وإذا جاز أن يفضلهم الواحد هذا الفضل كله، لم لا يجوز لاثنين إسقاطهم؟ ~~وقولهم: تساووا في قرابة الأم. قلنا: فلم لم يساووهم في الميراث في هذه ~~المسألة؟ وعلى أنا نقول: إن ساووهم في قرابة الأم فقد فارقوهم في كونهم ~~عصبة من غير ذوي الفروض. وهذا الذي افترقوا فيه ms3216 هو المقتضي لتقديم ولد ~~الأم، وتأخير ولد الأبوين. فإن الشرع ورد بتقديم ذوي الفروض، وتأخير ~~العصبة، ولذلك يقدم ولد الأم على ولد الأبوين في القدر في المسألة المذكورة ~~وشبهها، فكذلك يقدم وإن سقط ولد الأبوين كغيره، # PageV06P280 # ويلزمهم أن يقولوا في زوج وأخت من أبوين وأخت من أب معها أخوها، إن الأخ ~~يسقط وحده، فترث أخته السبع؛ لأن قرابتها مع وجوده كقرابتها مع عدمه، وهو ~~لم يحجبها، فهلا عدوه حمارا، وورثوها مع وجوده كميراثها مع عدمه؟ وما ذكروه ~~من القياس طردي لا معنى تحته، قال العنبري: القياس ما قال علي، والاستحسان ~~ما قال عمر. قال الخبري: وهذه وساطة مليحة، وعبارة صحيحة، وهو كما قال، إلا ~~أن الاستحسان المجرد ليس بحجة في الشرع، فإنه وضع للشرع بالرأي من غير ~~دليل، ولا يجوز الحكم به لو انفرد عن المعارض، فكيف وهو في مسألتنا يخالف ~~ظاهر القرآن والسنة والقياس ومن العجب ذهاب الشافعي إليه هاهنا، مع تخطئته ~~الذاهبين إليه في غير هذا الموضع، وقوله: من استحسن فقد شرع. وموافقته ~~الكتاب والسنة أولى. ### | [فصل ماتت وتركت زوجا وأما وإخوة من أم وعصبة من ولد الأب] # (4832) فصل: ولو كان مكان ولد الأبوين عصبة من ولد الأب سقط، قولا واحدا، ~~ولم يورثهم أحد من أهل العلم فيما علمنا؛ لأنهم لم يساووا ولد الأم في ~~قرابة الأم. ولو كان مكانهم أخوات من أبوين أو من أب، فرض لهن الثلثان، ~~وعالت المسألة إلى عشرة، في قول الجميع، إلا في قول ابن عباس ومن تابعه، ~~ممن لا يرى العول، فإنهم يردون النقص على الأخوات غير ولد الأم، فمقتضى ~~قوله سقوط الأخوات من ولد الأبوين، كما لو كانوا إخوة، وسنبين أن الصواب ~~خلاف ذلك، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل ماتت وخلفت أما وابني عم أحدهما زوج والآخر أخ من أم وثلاثة إخوة مفترقين] # (4833) فصل: إذا قيل امرأة خلفت أما، وابني عم أحدهما زوج والآخر أخ من ~~أم وثلاثة إخوة مفترقين، فقل: هذه المشركة، للزوج النصف، وللأم السدس، ~~وللأخوين من الأم الثلث، ms3217 وسقط الأخوات من الأبوين والأب. ومن شرك جعل للأخ ~~من الأبوين التسع، ولكل واحد من الأخوين من الأم تسعا. ### | [ماتت وتركت زوجا وأما وإخوة وأخوات لأم وأختا لأب وأم وأخوات لأب] # (4834) مسألة قال: (وإذا كان زوج وأم وإخوة وأخوات لأم وأخت لأب وأم ~~وأخوات لأب، فللزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة وللأخوات من الأم الثلث ~~بينهم بالتسوية، وللأخت من الأب والأم النصف، وللأخوات من الأب السدس) أما ~~التسوية بين ولد الأم، فلا نعلم فيه خلافا، إلا رواية شذت عن ابن عباس، أنه ~~فضل الذكر على الأنثى؛ لقول الله تعالى: {فهم شركاء في الثلث} [النساء: 12] ~~. وقال في آية أخرى: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} ~~[النساء: 176] . # PageV06P281 # ولنا، قول الله تعالى: {وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس} [النساء: ~~12] . فسوى بين الذكر والأنثى، وقوله: {فهم شركاء في الثلث} [النساء: 12] . ~~من غير تفضيل لبعضهم على بعض، يقتضي التسوية بينهم، كما لو وصى لهم بشيء أو ~~أقر لهم به. وأما الآية الأخرى، فالمراد بها ولد الأبوين، وولد الأب، بدليل ~~أنه جعل للواحدة النصف وللاثنتين الثلثين، وجعل الأخ يرث أخته الكل ثم هذا ~~مجمع عليه فلا عبرة بقول شاذ، وتوريث ولد الأم هاهنا الثلث والأم السدس ~~والزوج النصف، تسمية لا خلاف فيها أيضا. وقد اجتمع في هذه المسألة فروض ~~يضيق المال عنها، فإن النصف للزوج، والنصف للأخت من الأبوين، يكمل المال ~~بهما، ويزيد ثلث ولد الأم، وسدس الأم، وسدس الأخت من الأب، فتعول المسألة ~~بثلثيها، وأصلها من ستة أسهم، فتعول إلى عشرة، وتسمى أم الفروخ؛ لكثرة ~~عولها، شبهوا أصلها بالأم، وعولها بفروخها، وليس في الفرائض مسألة تعول ~~بثلثيها سوى هذه وشبهها، ولا بد في أم الفروخ من زوج واثنين فصاعدا، من ولد ~~الأم، وأم أو جدة، واثنين من ولد الأبوين، أو الأب، أو إحداهما من ولد ~~الأبوين، والأخرى من ولد الأب، فمتى اجتمع فيها هذا، عالت إلى عشرة، ومعنى ~~العول أن تزدحم فروض لا يتسع المال لها، كهذه المسألة، فيدخل النقص عليهم ms3218 ~~كلهم، ويقسم المال بينهم على قدر فروضهم، كما يقسم مال المفلس بين غرمائه ~~بالحصص؛ لضيق ماله عن وفائهم، ومال الميت بين أرباب الديون إذا لم يف لها، ~~والثلث بين أرباب الوصايا إذا عجز عنها. وهذا قول عامة الصحابة، ومن تبعهم ~~من العلماء - رضي الله عنهم -، يروى ذلك عن عمر، وعلي، والعباس، وابن ~~مسعود، وزيد. وبه قال مالك في أهل المدينة، والثوري، وأهل العراق، ~~والشافعي، وأصحابه، وإسحاق، ونعيم بن حماد، وأبو ثور، وسائر أهل العلم، إلا ~~ابن عباس، وطائفة شذت يقل عددها. نقل ذلك عن محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي ~~بن الحسين، وعطاء، وداود، فإنهم قالوا: لا تعول المسائل روي عن ابن عباس، ~~أنه قال، في زوج، وأخت، وأم: من شاء باهلته أن المسائل لا تعول، إن الذي ~~أحصى رمل عالج عددا أعدل من أن يجعل في مال نصفا، ونصفا، وثلثا، هذان نصفان ~~ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ فسميت هذه المسألة مسألة المباهلة لذلك، وهي ~~أول مسألة عائلة حدثت في زمن عمر - رضي الله عنه - فجمع الصحابة للمشورة ~~فيها، فقال العباس أرى أن تقسم المال بينهم على قدر سهامهم. فأخذ به عمر، - ~~رضي الله عنه - واتبعه الناس على ذلك، حتى خالفهم ابن عباس، فروى الزهري، ~~عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: لقيت زفر بن أوس البصري، فقال: نمضي ~~إلى عبد الله بن عباس نتحدث # PageV06P282 # عنده، فأتيناه، فتحدثنا عنده، فكان من حديثه، أنه قال: سبحان الذي أحصى ~~رمل عالج عددا، ثم يجعل في مال نصفا، ونصفا، وثلثا، ذهب النصفان بالمال، ~~فأين موضع الثلث، وأيم الله، لو قدموا من قدم الله، وأخروا من أخر الله، ما ~~عالت فريضة أبدا، فقال زفر: فمن الذي قدمه الله، ومن الذي أخره الله؟ فقال: ~~الذي أهبطه من فرض إلى فرض، فذلك الذي قدمه الله، والذي أهبطه من فرض إلى ~~ما بقي، فذلك الذي أخره الله. فقال زفر: فمن أول من أعال الفرائض؟ قال: عمر ~~بن الخطاب. فقلت: ألا أشرت عليه؟ فقال: هبته، وكان ms3219 امرأ مهيبا. قوله: من ~~أهبطه من فريضة إلى فريضة، فذلك الذي قدمه الله. يريد أن الزوجين والأم لكل ~~واحد منهم فرض، ثم يحجب إلى فرض آخر لا ينقص منه، وأما من أهبطه من فرض إلى ~~ما بقي، يريد البنات والأخوات، فإنهن يفرض لهن، فإذا كان معهن إخوتهن، ~~ورثوا بالتعصيب، فكان لهم ما بقي، قل أو كثر، فكان مذهبه، أن الفروض إذا ~~ازدحمت رد النقص على البنات والأخوات. ولنا، أن كل واحد من هؤلاء لو انفرد ~~أخذ فرضه، فإذا ازدحموا وجب أن يقتسموا على قدر الحقوق، كأصحاب الديون ~~والوصايا، ولأن الله تعالى فرض للأخت النصف، كما فرض للزوج النصف، وفرض ~~للأختين الثلثين،. # كما فرض الثلث للأختين من الأم، فلا يجوز إسقاط فرض بعضهم، مع نص الله ~~تعالى عليه، بالرأي والتحكم، ولم يمكن الوفاء بها، فوجب أن يتساووا في ~~النقص على قدر الحقوق، كالوصايا، والديون، وقد يلزم ابن عباس على قوله ~~مسألة فيها زوج، وأم، وأخوان من أم، فإن حجب الأم إلى السدس خالف مذهبه في ~~حجب الأم بأقل من ثلاثة من الإخوة، وإن نقص الأخوين من الأم، رد النقص على ~~من لم يهبطه الله من فرض إلى ما بقي، وإن أعال المسألة، رجع إلى قول ~~الجماعة. # وترك مذهبه، ولا نعلم اليوم قائلا بمذهب ابن عباس، ولا نعلم خلافا بين ~~فقهاء الأمصار في القول بالعول، بحمد الله ومنه. ### | [فصل في مسألتين أحدهما زوج وأبوان والثانية امرأة وأبوان] # (4835) فصل: حصل خلاف ابن عباس للصحابة في خمس مسائل، اشتهر قوله فيها؛ ~~أحدها، زوج وأبوان. والثانية، امرأة وأبوان، للأم ثلث الباقي عندهم، وجعل ~~هو لها ثلث المال فيها. والثالثة، أنه لا يحجب الأم إلا بثلاثة من الإخوة. ~~والرابعة، لم يجعل الأخوات مع البنات عصبة. والخامسة، أنه لا يعيل المسائل. # فهذه الخمس صحت الرواية عنه فيها، واشتهر عنه القول بها، وشذت عنه روايات ~~سوى هذه، ذكرنا بعضها فيما مضى. ### | [مات وترك ابني عم أحدهما أخ لأم] # (4836) مسألة قال: وإذا كانا ابنا عم، أحدهما أخ لأم، فللأخ ms3220 للأم السدس، ~~وما بقي بينهما نصفين. # PageV06P283 # هذا قول جمهور الفقهاء. يروى عن عمر - رضي الله عنه - ما يدل على ذلك، ~~ويروى ذلك عن علي - رضي الله عنه - وزيد، وابن عباس. # وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ومن تبعهم. وقال ابن مسعود: المال ~~للذي هو أخ من أم. وبه قال شريح، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، والنخعي، وأبو ~~ثور؛ لأنهما استويا في قرابة لأب وفضله هذا بأم، فصار كأخوين أو عمين، ~~أحدهما لأبوين، والآخر لأب، ولأنه لو كان ابن عم لأبوين، وابن عم لأب، كان ~~ابن العم للأبوين أولى، فإذا كان قربه لكونه من ولد الجدة قدمه، فكونه من ~~ولد الأم أولى. # ولنا، أن الإخوة من الأم يفرض له بها، إذا لم يرث بالتعصيب، وهو إذا كان ~~معه أخ من أبوين، أو من أب أو عم، وما يفرض له به، لا يرجح به، كما لو كان ~~أحدهما زوجا، ويفارق الأخ من الأبوين والعم وابن العم، إذا كانا من أبوين، ~~فإنه لا يفرض له بقرابة أمه شيء، فرجح به، ولا يجتمع في إحدى القرابتين ~~ترجيح وفرض. (4837) فصل: فإن كان معهما أخ لأب، فللأخ من الأم السدس، ~~والباقي للأخ من الأب. وإن كان معهما أخ من أبوين فكذلك، وإن كان ابن عم ~~لأبوين، وابن عم هو أخ لأم، فعلى قول الجمهور، للأخ السدس، والباقي للآخر. # وعلى قول ابن مسعود، المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم. ### | [فصل مات وترك ابني عم أحدهما أخ من أم وبنتا أو بنت ابن] # (4838) فصل: فإن كان ابنا عم، أحدهما أخ من أم، وبنت أو بنت ابن، فللبنت ~~أو بنت الابن النصف، والباقي بينهما نصفين، وسقطت الإخوة من الأم بالبنت. ~~ولو كان الذي ليس بأخ ابن عم من أبوين، أخذ الباقي كله كذلك. # وعلى قول ابن مسعود الباقي للأخ في المسألتين، بدليل أن الأخ من الأبوين ~~يتقدم على الأخ من الأب بقرابة الأم، فإن كان في الفريضة بنت تحجب قرابة ~~الأم. وحكي عن سعيد بن جبير، أن الباقي ms3221 لابن العم الذي ليس بأخ، وإن كان من ~~أب؛ لأنه يرث بالقرابتين ميراثا واحدا، فإذا كان في الفريضة من يحجب ~~إحداهما، سقط ميراثه. كما لو استغرقت الفروض المال، سقط الأخ من الأبوين، ~~ولم يرث بقرابة الأم، بدليل مسألة المشركة. # ولنا، على ابن مسعود، أن البنت تسقط الميراث بقرابة الأم، فيبقى التعصيب ~~منفردا، فيرث به، وفارق ولد الأبوين؛ فإن قرابة الأم لم يرجح بها، ولا يفرض ~~لها، فلا يؤثر فيها ما يحجبها. وفي مسألتنا يفرض له بها فإذا كان في ~~الفريضة من يحجبها، سقطت، ولأنه لو كان مع ابن العم الذي هو # PageV06P284 # أخ، أخ من أب، وبنت، لحجبت البنت قرابة الأم، ولم ترث بها شيئا، فكان ~~للبنت النصف، والباقي للأخ من الأب، ولولا البنت لورث لكونه أخا من أم ~~السدس، فإذا حجبته البنت مع الأخ من الأب، وجب أن تحجبه في كل حال. # لأن الحجب بها لا بالأخ من الأب. ما ذكره سعيد بن جبير ينتقض بالأخ من ~~الأبوين، مع البنت، وبابن العم إذا كان زوجا ومعه من يحجب بني العم. ولا ~~نسلم أنه يرث ميراثا واحدا، بل يرث بقرابته ميراثين كشخصين، فصار كابن العم ~~الذي هو زوج، وفارق الأخ من الأبوين، فإنه لا يرث إلا ميراثا واحدا، فإن ~~قرابة الأم لا ترث بها مفردة. # (4839) فصل: فحصل خلاف ابن مسعود في مسائل ست، هذه إحداهن، والثانية، في ~~بنت وبنات ابن وابن ابن، الباقي عنده للابن دون أخواته. # الثالثة، في أخوات لأبوين وأخوات لأب، الباقي عنده للأخ دون أخواته. ~~الرابعة، بنت وابن ابن وبنات ابن، عنده لبنات الابن الأضر بهن من السدس أو ~~المقاسمة. الخامسة، أخت لأبوين وأخ وأخوات لأب، للأخوات عنده الأضر بهن من ~~ذلك. السادسة، كان يحجب الزوجين والأم بالكفار والعبيد والقاتلين، ولا ~~يورثهم. ### | [فصل مات وترك ابن ابن عم هو أخ لأم وابن ابن عم آخر] # (4840) فصل: ابن ابن عم هو أخ لأم، وابن ابن عم آخر، للأخ السدس والباقي ~~بينهما. وعند ابن مسعود، الكل للأخ، وسقط الآخر، فإن ms3222 كان أحدهما ابن أخ ~~لأم، فلا شيء له بقرابة الأخوة؛ لأن ابن الأخ للأم من ذوي الأرحام، وإن كان ~~عمان؛ أحدهما خال لأم، لم يرجح بخؤولته. وقيل على قياس قول ابن مسعود ~~وجهان؛ أحدهما، لا يرجح بها. والثاني، يرجح بها على العم الذي هو من أب، ~~فيأخذ المال؛ لأنه ابن الجد والجدة، والآخر ابن الجد لا غير. # وإن كان العم الآخر من أبوين، فالمال بينهما؛ لأن كل واحد منهما يدلي ~~بجدة، وهما ابنا الجد. وهكذا القول في ابني عم أحدهما خال أو ابني ابني عم، ~~أحدهما خال فأما على قول عامة الصحابة، فلا أثر لهذا عندهم. ### | [مات وترك ابني عم أحدهما زوج] # (4841) فصل: ابنا عم أحدهما زوج. فللزوج النصف، والباقي بينهما نصفان عند ~~الجميع. فإن كان الآخر أخا من أم، فللزوج النصف، وللأخ السدس، والباقي ~~بينهما، أصلها من ستة، للزوج أربعة، وللأم اثنان، وترجح # PageV06P285 # بالاختصار إلى ثلاثة. وعند ابن مسعود، الباقي للأخ، فتكون من اثنين، لكل ~~واحد منهما سهم. # ثلاثة بني عم، أحدهم زوج، والآخر أخ من أم، فللزوج النصف، وللأخ السدس، ~~والباقي بينهما على ثلاثة، أصلها من ستة، يضرب فيها الثلاثة، تكن ثمانية ~~عشر، للزوج النصف تسعة، وللأخ ثلاثة يبقى ستة بينهم، على ثلاثة فيحصل للزوج ~~أحد عشر، وهي النصف والتسع، وللأخ خمسة، وهي السدس والتسع، وللثالث التسع ~~سهمان، فإن كان الزوج ابن عم لأبوين، فالباقي كله له، وإن كان هو والثالث ~~من أبوين، فالثلث الباقي بينهما، وتصح من ستة، للزوج الثلثان، ولكل واحد من ~~الآخرين سدس. وابن مسعود في جميع ذلك يجعل الباقي بعد فرض الزوج للذي هو أخ ~~من أم. ### | [فصل مات وترك أخوين من أم أحدهما ابن عم] # (4842) فصل: أخوان من أم، أحدهما ابن عم. فالثلث بينهما، والباقي لابن ~~العم. وتصح من ستة، لابن العم خمسة، وللآخر سهم. ولا خلاف في هذه المسألة، ~~فإن كانوا ثلاثة إخوة، أحدهم ابن عم، فالثلث بينهم على ثلاثة، والباقي لابن ~~العم، وتصح من تسعة. وإن كان اثنان منهم ابني عم، ms3223 فالباقي بعد الثلث ~~بينهما، وتصح من تسعة. ### | [فصل مات وترك ثلاثة إخوة لأم أحدهم ابن عم وثلاثة بني عم أحدهم أخ لأم] # (4843) فصل: ثلاثة إخوة لأم، أحدهم ابن عم، وثلاثة بني عم، أحدهم أخ لأم، ~~فاضمم واحدا من كل عدد إلى العدد الآخر، يصير معك أربعة بني عم، وأربعة ~~إخوة، فهم ستة في العدد، وفي الأحوال ثمانية، ثم اجعل الثلث للإخوة على ~~أربعة، والثلثين على بني العم على أربعة، فتصح من اثني عشر، لكل أخ مفرد ~~سهم، ولكل ابن عم مفرد سهمان، ولكل ابن عم هو أخ ثلاثة، فيحصل لهما النصف، ~~وللأربعة الباقين النصف وعلى قول عبد الله للإخوة الثلث، والباقي لابني ~~العم اللذين هما أخوان. والله أعلم. ### | [باب أصول سهام الفرائض التي تعول] # معنى أصول المسائل المخارج التي تخرج منها فروضها، وأصول المسائل كلها ~~سبعة؛ لأن الفروض المحدودة في كتاب الله تعالى ستة؛ النصف والربع، والثمن، ~~والثلثان، والثلث، والسدس. ومخارج هذه الفروض مفردة خمسة؛ لأن الثلث ~~والثلثين مخرجهما واحد، والنصف من اثنين، والثلث والثلثان من ثلاثة، والربع ~~من أربعة، والسدس من ستة، والثمن من ثمانية، والربع مع السدس أو الثلث أو ~~الثلثين من اثني عشر، والثمن مع السدس أو الثلثين من أربعة وعشرين، فصارت ~~سبعة. # وهذه الفروض نوعان؛ أحدهما، النصف ونصفه ونصف نصفه. # PageV06P286 # والثاني، الثلثان ونصفهما ونصف نصفهما. وكل مسألة فيها فرض مفرد فأصلها ~~من مخرجه، وإن كان فيها فرضان يؤخذ أحدهما من مخرج الآخر فأصلها من مخرج ~~أقلهما، وإن كان فيها فرضان من نوعين لا يؤخذ أحدهما من مخرج الآخر، فاضرب ~~أحد المخرجين في الآخر، أو وفقه، فما بلغ فهو أصل المسألة، وفيها يكون ~~العول؛ لأن العول إنما يكون في مسألة تزدحم فيها الفروض، ولا يتسع المال ~~لها فكل مسألة فيها نصف وفرض من النوع الآخر فأصلها من ستة؛ لأن مخرج النصف ~~اثنان، ومخرج الثلث والثلثين ثلاثة، فتضرب اثنين في ثلاثة، تكن ستة، وهكذا ~~سائرها. # والمسائل على ثلاثة أضرب؛ عادلة، وعائلة، ورد. فالعادلة، التي يستوي ~~مالها وفروضها. والعائلة ms3224 التي تزيد فروضها عن مالها. والرد التي يفضل مالها ~~عن فروضها ولا عصبة فيها. وسنذكر أمثلة هذه الأضرب في هذا الباب، بعون ~~الله. ### | [مسألة ما فيه نصف وسدس أو نصف وثلث أو نصف وثلثان في العول] # (4844) مسألة قال: وما فيه نصف وسدس، أو نصف وثلث، أو نصف وثلثان، فأصلها ~~من ستة، وتعول إلى سبعة وإلى ثمانية وإلى تسعة وإلى عشرة، ولا تعول أكثر من ~~ذلك أما إذا كان نصف وسدس. فإن مخرج النصف اثنان، ويوجد ذلك في مخرج السدس ~~وهو الستة، فكان أصلهما جميعا ستة، وهكذا لو كان سدس وثلث أو ثلثان، ~~فأصلهما من مخرج السدس، لا يزيد عليه. وإن اجتمع النصف والثلثان أو الثلث، ~~فإن مخرج النصف اثنان، ومخرج الثلث والثلثين ثلاثة. # ولا وفق بينهما، فاضرب أحد المخرجين في الآخر، تكن ستة، ويصير كل كسر ~~بعدد مخرج الآخر ويدخل العول هذا الأصل، لازدحام الفروض فيه، وهو أكثرها ~~عولا. والعول زيادة في السهام، ونقصان في أنصباء الورثة، وأمثلة ذلك؛ زوج ~~وأم وأخ من أم، أصلها من ستة، ومنها تصح، زوج وأم وأخوان من أم، بنت وأم ~~وعم، أو عصبة ثلاث أخوات متفرقات وأخ من أم أو أم أو جدة، أبوان وبنتان ~~وبنت وأبوان، بنت وبنت ابن وأبوان أو جد وجدة، العول زوج وأختان من أبوين ~~أو من أب أو أحدهما من أبوين والأخرى من أب أو أم، أو أخت من أب وأخت من ~~أم، أصلها من ستة وتعول إلى سبعة، زوج وأخت وجدة أو أخ لأم، ست أخوات ~~مفترقات وأم وأخت لأب وأم، وأخت لأب وأم، وأخوان لأم. # عول ثمانية: زوج وأخت وأم، للزوج النصف وللأخت النصف وللأم الثلث سهمان، ~~تعول إلى ثمانية، وهي مسألة المباهلة. فإن كان معهم أخت أخرى من أي جهة ~~كانت، أو أخ من أم فهي من ثمانية أيضا. # PageV06P287 # عول تسعة: زوج وست أخوات مفترقات، تعول إلى تسعة، وتسمى الغراء، زوج وأم ~~وثلاث أخوات مفترقات. كذلك. # عول عشرة: زوج وأم وست أخوات مفترقات تعول إلى عشرة، ms3225 وتسمى أم الفروخ، ~~لكثرة عولها، لأنها عالت بثلثيها، فشبهوا الأصل بالأم، والعول بالفرخ. ~~ويروى أن رجلا جاء إلى شريح، فقال: إن امرأتي ماتت، ولم تترك ولدا، فكم لي ~~من ميراثها؟ قال: لك النصف، فمن خلفت؟ قال: خلفت أمها وأختيها من أبيها ~~وأختيها من أمها وأبا. قال: لك ثلاثة أسهم من عشرة. فخرج الرجل فقال: ألا ~~تعجبون من قاضيكم؟ قال: لي النصف فوالله ما أعطاني نصفا ولا ثلثا. فقال له ~~شريح: ألا إنك تراني قاضيا ظالما، وأنا أراك رجلا فاجرا، تكتم القصة وتذيع ~~الفاحشة. # ومتى عالت المسألة إلى تسعة أو إلى عشرة، لم يكن الميت إلا امرأة؛ لأنها ~~لا بد فيها من زوج، ولا يمكن أن تعول المسألة إلى أكثر من هذا، ولا يمكن أن ~~يجتمع فروض أكثر من هذا. # وطريق العمل في العول، أن تأخذ الفروض من أصل المسألة، وتضم بعضها إلى ~~بعض، فما بلغت السهام فإليه ينتهي، فنقول في زوج وأم وست أخوات مفترقات: ~~للزوج النصف ثلاثة، وللأم السدس سهم، وللأختين الثلثان أربعة وللأختين من ~~الأم الثلث سهمان، صارت عشرة. ### | [مسألة ما فيه ربع وسدس أو ربع وثلث أو ربع وثلثان في العول] # (4845) مسألة؛ قال: وما فيه ربع وسدس، أو ربع وثلث، أو ربع وثلثان، ~~فأصلها من اثني عشر، وتعول إلى ثلاثة عشر، وإلى خمسة عشر، وإلى سبعة عشر، ~~ولا تعول إلى أكثر من ذلك إنما كان أصلها من اثني عشر؛ لأن مخرج الربع ~~أربعة، ومخرج الثلث ثلاثة، ولا وفق بينهما، فإذا ضربت أحدهما في الآخر، كان ~~اثني عشر، فإن كان مع الربع سدس فبين الستة والأربعة موافقة، فإذا ضربت وفق ~~أحدهما في الآخر صار اثني عشر، ولا بد في هذا الأصل من أحد الزوجين، لأنه ~~لا بد فيها من ربع، ولا يكون فرضا لغيرهما. # وأمثلة ذلك؛ زوج وأبوان وخمسة بنين، للزوج الربع ثلاثة وللأبوين السدسان، ~~يبقى خمسة لكل ابن سهم. زوج وابنتان وأخت وعصبة. امرأة وأختان للأبوين أو ~~لأب أو أختان لأم وعصبة. امرأة وأخوان لأم وسبعة إخوة ms3226 لأب. العول زوج ~~وابنتان وأم تعول إلى ثلاثة عشر. امرأة وثلاث أخوات مفترقات. زوج وأبوان ~~وابنتان. # تعول إلى خمسة عشر. امرأة وأختان من أب وأختان من أم. امرأة وأم وست ~~أخوات مفترقات. تعول إلى سبعة عشر. ثلاث نسوة وجدتان وأربع أخوات لأم وثمان ~~لأب. تعول إلى سبعة عشر، ويصح لكل واحد منهن سهم، وتسمى أم الأرامل، ويعايل ~~بها، فيقال: سبع عشرة امرأة من جهات مختلفة، اقتسمن مال ميت بالسوية لكل # PageV06P288 # امرأة سهم. # وهي هذه، ولا يعول هذا الأصل إلى أكثر من هذا، ولا يمكن أن يكمل هذا ~~الأصل بفروض من غير عصبة ولا عول، ولا يمكن أن تعول إلا على الأفراد؛ لأن ~~فيها فرضا يباين سائر فروضها، وهو الربع، فإنه ثلاثة وهي فرد، وسائر فروضها ~~يكون زوجا فالسدس اثنان، والثلث أربعة والثلثان ثمانية، والنصف ستة. ومتى ~~عالت إلى سبعة عشر، لم يكن الميت فيها إلا رجلا. ### | [مسألة ما كان فيه ثمن وسدس أو ثمن وسدسان أو ثمن وثلثان في العول] # مسألة؛ قال: وما كان فيه ثمن وسدس، أو ثمن وسدسان، أو ثمن وثلثان، فأصلها ~~من أربعة وعشرين، وتعول إلى سبعة وعشرين، ولا تعول إلى أكثر من ذلك إنما ~~كان كذلك؛ لأنك تضرب مخرج الثمن في مخرج الثلثين، أو في وفق مخرج السدس، ~~فيكون أربعة وعشرين، ولم نقل: وثلث؛ لأن الثلث لا يجتمع مع الثمن، فإنه لا ~~يكون إلا للزوجة مع الولد، ولا يكون الثلث في مسألة فيها ولد؛ لأنه لا يكون ~~إلا لولد الأم، والولد يسقطهم، أو الأم بشرط عدم الولد. # ومسائل ذلك: امرأة وأبوان وابن أو ابنان، أو بنون وبنات. امرأة وابنتان ~~وأم وعصبة. ثلاث نسوة وأربع جدات وستة عشر بنتا وأخت. امرأة وبنت ابن وجدة، ~~وعصبة. العول: امرأة وأبوان وابنتان. تعول إلى سبعة وعشرين، وتسمى البخيلة؛ ~~لأنها أقل الأصول عولا، لم تعل إلا بثمنها، وتسمى المنبرية، لأن عليا - رضي ~~الله عنه - سئل عنها على المنبر، فقال: صار ثمنها تسعا. ومضى في خطبته. # يعني أن المرأة كان لها الثمن، ms3227 ثلاثة من أربعة وعشرين، صار لها بالعول ~~ثلاثة من سبعة وعشرين، وهي التسع. ولا يكون الميت في هذا الأصل إلا رجلا؛ ~~لأن فيها ثمنا، ولا يكون إلا للمرأة مع الولد، ولا يمكن أن يعول هذا الأصل ~~إلى أكثر من هذا، إلا على قول ابن مسعود، فإنه يحجب الزوجين والأم بالولد، ~~والكافر، والقاتل، والرقيق، ولا يورثه. فعلى قوله، إذا كانت امرأة وأم وست ~~أخوات مفترقات وولد كافر، فللأخوات الثلث، والثلثان أربعة وعشرون، وللأم ~~والمرأة السدس، والثمن سبعة، فتعول إلى أحد وثلاثين. ### | [فصل إذا لم تنقسم سهام فريق من الورثة عليهم قسمة صحيحة] # (4847) فصول: وإذا لم تنقسم سهام فريق من الورثة عليهم قسمة صحيحة، فاضرب ~~عددهم في أصل المسألة وعولها إن كانت عائلة، إلا أن يوافق عددهم سهامهم ~~بنصف، أو ثلث، أو غير ذلك من الأجزاء، ف # PageV06P289 # يجزئك ضرب وفق عددهم في أصل المسألة وعولها إن كانت عائلة، فما بلغ فمنه ~~تصح، فإذا أردت القسمة فكل من له شيء من أصل المسألة مضروب في العدد الذي ~~ضربته في المسألة، وهو الذي يسمى جزء السهم، فما بلغ فهو له إن كان واحدا، ~~وإن كانوا جماعة قسمته عليهم. # وإن شئت قلت: إذا كان الكسر على فريق واحد فلواحدهم بعد التصحيح مثل ما ~~كان لجماعتهم قبل التصحيح، أو وفقه إن كان وافق، مثال ذلك، زوج، وأم، ~~وثلاثة إخوة، أصلها من ستة، للزوج النصف ثلاثة، وللأم السدس سهم، بقي ~~للإخوة سهمان، لا تنقسم عليهم، ولا توافقهم، فاضرب عددهم، وهو ثلاثة في أصل ~~المسألة، تكن ثمانية عشر سهما؛ للزوج ثلاثة في ثلاثة تسعة، وللأم سهم في ~~ثلاثة ثلاثة، وللإخوة سهمان في ثلاثة تكن ستة، لكل واحد منهم سهمان. # ولو كان الإخوة ستة، وافقتهم سهامهم بالنصف، فردهم إلى نصفهم ثلاثة، ~~وتعمل فيها كعملك في الأولى سواء، ولكل واحد من الإخوة سهم، وهو وفق سهام ~~جماعتهم. ### | [فصل كان الكسر على فريقين في الميراث] # (4848) فصل: وإن كان الكسر على فريقين، لم تخل من أربعة أقسام؛ أحدها، أن ~~يكون العددان متماثلين، ms3228 فيجزئك ضرب أحدهما في المسألة، ومثال ذلك، زوج، ~~وثلاث جدات، وثلاثة إخوة، أصلها من ستة، للزوج ثلاثة، وللجدات سهم، وللإخوة ~~سهمان، فتضرب أحد العددين في المسألة، تكن ثمانية عشر، وطريق القسمة فيها ~~مثل طريقها إذا كان الكسر على فريق واحد سواء. ولو كان الإخوة ستة، وافقوا ~~سهمهم بالنصف، رجعوا إلى ثلاثة. # وكان العمل فيها كما ذكرنا سواء القسم الثاني، أن يكون العددان متناسبين، ~~وهو أن يكون أحدهما ينتسب إلى الآخر بجزء من أجزائه، كنصفه وثلثه، أو غير ~~ذلك من الأجزاء، فيجزئك ضرب العدد الأكثر منهما في المسألة، ومثاله ما لو ~~كان الجدات في هذه المسألة ستا، فإن عدد الأخوات نصف عدد الجدات، فاجتزئ ~~بعددهن، واضربه في أصل المسألة، تكن ستة وثلاثين، ومنها تصح. ولو كان عدد ~~الإخوة ستة، وافقتهم سهامهم بالنصف، ورجعوا إلى ثلاثة، وعملت على ما ~~ذكرناه. # القسم الثالث، أن يكون العددان متباينين، لا يماثل أحدهما الآخر، ولا ~~يناسبه، ولا يوافقه، مثل أن يكون عدد الجدات أربعا والإخوة ثلاثة، فإنك ~~تضرب عدد أحدهما في جميع الأجزاء، فما بلغ ضربته في المسألة، ومتى ضربته ~~هاهنا كان اثني عشر، فإذا ضربته في المسألة كانت اثنين وسبعين. وإن وافق ~~أحد العددين سهامه دون الآخر، أخذت وفق الموافق وضربته فيما لم يوافق، ~~وعملت على ما ذكرنا. # وإن وافقا جميعا سهامهما، رددتهما إلى وفقهما، وعملت في الوقفين عملك في ~~العددين الأصليين. القسم الرابع، أن يكون العددان متفقين بنصف، أو ثلث، أو ~~ربع، أو غير ذلك من الأجزاء، # PageV06P290 # فإنك ترد أحد العددين إلى وفقه، ثم تضربه في جميع الآخر، فما بلغ ضربته ~~في المسألة، ومثاله، أن تكون الإخوة تسعة، والجدات ستا، فيتفقان بالثلث، ~~فترد الجدات إلى ثلثهن اثنين، وتضربهما في عدد الإخوة، تكن ثمانية عشر، ثم ~~تضرب ذلك في أصل المسألة، تكن مائة وثمانية، ومنها تصح. ### | [كان الكسر على ثلاثة أحياز في الميراث] # (4849) فصل: وإن كان الكسر على ثلاثة أحياز، نظرت، فإن كانت متماثلة ~~كثلاث جدات وثلاث بنات وثلاثة أعمام، ضربت أحدها في المسألة، فما ms3229 بلغ فمنه ~~تصح المسألة، ولكل واحد منهم بعد التصحيح مثل ما كان لجماعتهم. وإن كانت ~~متناسبة، كجدتين وخمس بنات وعشرة أعمام، اجتزأت بأكثرها، وهي العشرة، ~~فضربتها في المسألة، تكن ستين، ومنها تصح. وإن كانت متباينة، مثل أن يكون ~~الأعمام في هذه المسألة ثلاثة، ضربت بعضها في بعض، تكن ثلاثين، ثم ضربتها ~~في المسألة، تكن مائة وثمانين. # وإن كانت متوافقة، كست جدات وتسع بنات وخمسة عشر عما، ضربت وفق عدد منها ~~في جميع الآخر، فما بلغ وافقت بينه وبين الثالث، وضربت وفقه في جميع الثالث ~~ثم اضرب ما معك في أصل المسألة، فما بلغ فمنه تصح. وإن تماثل اثنان منها ~~وباينهما الثالث، أو وافقهما، ضربت أحد المتماثلين في جميع الثالث، أو في ~~وفقه إن كان موافقا، فما بلغ ضربته في المسألة. # وإن تناسب اثنان، وباينهما الثالث، ضربت أكثرهما في جميع الثالث، أو في ~~وفقه إن كان موافقا، ثم في المسألة، وإن توافق اثنان، وباينهما الثالث، ~~ضربت وفق أحدهما في جميع الآخر، ثم في الثالث، وإن تباين اثنان، ووافقهما ~~الثالث، كأربعة أعمام، وست جدات، وتسع بنات، أجزأك ضرب أحد المتباينين في ~~الآخر، ثم تضربه في المسألة، ويسمى هذا الموقوف المقيد؛ لأنك إذا أردت وقف ~~أحدهما، لم يقف إلا الستة، ولو وقفت غيرها، مثل أن تقف التسعة. # وترد الستة إلى الاثنين لدخلا في الأربعة، وأجزأك ضرب الأربعة في التسعة، ~~ولو وقفت الأربعة، رددت الستة إلى ثلاثة، ودخلت في التسعة وأجزأك ضرب ~~الأربعة في التسعة. فأما إن كانت الأعداد الثلاثة متوافقة، فإنه يسمى ~~الموقوف المطلق، وفي عملها طريقان؛ أحدهما، ما ذكرناه من قبل، وهو طريق ~~الكوفيين. والثاني، طريق البصريين، وهو أن تقف أحد الثلاثة، وتوافق بينه ~~وبين الآخرين، وتردهما إلى وفقهما، ثم تنظر في الوقفين، فإن كانا متماثلين ~~ضربت أحدهما في الموقوف. # وإن كانا متناسبين، ضربت أكثرهما، وإن كانا متباينين، ضربت أحدهما في ~~الآخر، ثم في الموقوف، وإن كانا متوافقين، ضربت وفق أحدهما في جميع الآخر، ~~ثم في الموقوف، فما بلغ ضربته في المسألة ms3230 ومثال ذلك: عشر جدات واثنا عشر ~~عما وخمس عشرة بنتا، فقف العشرة، توافقها الاثنا عشر بالنصف، فترجع إلى ~~ستة، # PageV06P291 # وتوافقها الخمس عشرة بالأخماس، فترجع إلى ثلاثة، وهي داخلة في الستة، ~~فتضرب الستة في العشرة، تكن ستين، ثم في المسألة، تكن ثلاثمائة وستين. # وإن وقفت الاثنا عشر، رجعت العشرة إلى نصفها خمسة، والخمس عشرة إلى ثلثها ~~خمسة، وهما متماثلان، فتضرب خمسة في اثني عشر تكن ستين، وإن وقفت الخمس ~~عشرة، رجعت العشرة إلى اثنين، والاثنا عشر إلى أربعة، ودخل الاثنان في ~~الأربعة، فتضربها في الخمس عشرة، تكن ستين في المسألة. ### | [فصل الموافقة والمناسبة والمباينة] # (4850) فصل معرفة الموافقة، والمناسبة، والمباينة. # الطريق في ذلك أن تلقي أقل العددين من أكثرهما مرة بعد أخرى، فإن فني به ~~فالعددان متناسبان، وإن لم يفن به، ولكن بقيت منه بقية، ألقيتها من العدد ~~الأقل، فإن بقيت منه بقية ألقيتها من البقية الأولى، ولا تزال كذلك تلقي كل ~~بقية من التي قبلها، حتى يصل إلى عدد يفني الملقى منه، غير الواحد، فأي ~~بقية فني بها غير الواحد، فالموافقة بين العددين بجزء، وتلك البقية إن كانت ~~اثنين فبالأنصاف، وإن كانت ثلاثة فبالأثلاث، فإن كانت أربعة فبالأرباع، فإن ~~كانت أحد عشر، أو اثني عشر، أو ثلاثة عشر، فيجزئ ذلك، وإن بقي واحد، ~~فالعددان متباينان. # ومما يدلك على تناسب العددين، أنك متى زدت على الأقل مثله أبدا، ساوى ~~الأكثر، ومتى قسمت الأكثر على الأقل، انقسم قسمة صحيحة، ومتى نسبت الأقل ~~إلى الأكثر، انتسب إليه بجزء واحد، ولا يكون ذلك إلا في النصف فما دونه. ### | [فصل مسائل المناسخات] # (4851) فصل: في مسائل المناسخات، ومعناها أن يموت من ورثة الميت إنسان ~~قبل قسم تركة الأول، فإذا وجد ذلك نظرت؛ فإن كان ورثة الأول يرثون الثاني ~~على حسب ميراثهم من الأول، مثل أن يكونوا عصبة لهما جميعا، وقد يتفق ذلك في ~~أصحاب الفروض، في مسائل يسيرة، كرجل مات عن امرأة وثلاثة بنين وبنت، ثم مات ~~أحد البنين قبل قسمة التركة، فإن للمرأة من الأول سهما ms3231 مثل سهم البنت، ~~وكنصف سهم ابن، وكذلك لها من الثانية، # فإذا كان كذلك فاقسم المسألة على ورثة الثاني، ولا تنظر إلى الأول، فلو، ~~خلف رجل خمسة بنين وخمس بنات، فمات منهم ابن، ثم بنت، ثم ابن، ثم بنت، ثم ~~ابن، ثم بنت، قسمت الميراث على الابنين الباقيين، والبنتين، للذكر مثل حظ ~~الأنثيين، ولم ينظر في بقية المسائل. فإن كان معهم من يرث من الأولى دون ما ~~بقي، كما لو كان مع هؤلاء امرأة للميت ليست أما لهم، فإنك تعزل لها الثمن، ~~وتقسم الباقي على ما ذكرناه، وإن كانت أما لهم إلا أنها ماتت قبلهم، أو بعد ~~بعضهم، ولم تخلف وارثا غيرهم، قسمت الميراث كله على الباقين، للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. # ولم ينظر في ميراثها؛ # PageV06P292 # لأنه قد صار إليهم، فإن لم يكونوا كذلك، فإنك تقسم مسألة الأول، ثم تنظر ~~ما صار للميت الثاني منها، فإن انقسم على مسألته فقد صحت المسألتان مما صحت ~~منه الأولى، ومثال ذلك، امرأة وبنت من غيرها وأخ، ماتت البنت وخلفت زوجا ~~وبنتا وعما. فالمسألة الأولى من ثمانية، للمرأة سهم، وللبنت أربعة، ويبقى ~~للأخ ثلاثة، ومسألة الميتة الثانية من أربعة لزوجها سهم، ولابنتها سهمان، ~~ويبقى سهم للأخ الأول، فصار له من المسألتين أربعة أسهم، وصحت المسألتان من ~~ثمانية. # وإن لم تنقسم سهام الميت الثاني على مسألته، وافقت بين سهامه ومسألته. ~~فإن اتفقا، رددت مسألته إلى وفقها، ثم ضربته في المسألة الأولى، فما بلغ ~~فمنه تصح المسألتان، ثم كل من له شيء من المسألة الأولى مضروب في وفق ~~المسألة الثانية، وكل من له شيء من المسألة الثانية مضروب في وفق سهام ~~الميت الثاني. مثال ذلك، إذا خلفت البنت زوجا وابنتين، # فمسألتها من اثني عشر، توافقها سهامها بالربع، فترجع إلى ثلاثة، تضرب في ~~ثمانية، تكن أربعة وعشرين، للمرأة سهم من الأولى في ثلاثة بثلاثة وللأخ ~~ثلاثة في ثلاثة بتسعة، وله من الثانية سهم في سهم، تكن عشرة، وللزوج ثلاثة ~~في سهم، وللابنتين ثمانية. وإن لم يوافق سهامه مسألته، ضربت ms3232 المسألة ~~الثانية في الأولى، ثم كل من له شيء من المسألة الأولى مضروب في الثانية. # ومن له شيء من الثانية مضروب في سهام الميت الثاني، فإن مات ثالث، عملت ~~مسألته، ونظرت سهامه مما صحت منه المسألتان، فإن انقسم على مسألته، صحت مما ~~صحت منه الأوليان، وإن لم تصح، وافقت بين مسألته وسهامه، وضربت وفق سهام ~~مسألته إن وافقت، أو جميعها، إن لم توافق، فيما صحت منه الأوليان، وعملت ~~على ما ذكرناه. وكذلك تصنع في الرابع والخامس وما بعده. ### | [فصل كانت سهام التركة كثيرة] # (4852) فصل: وإن أردت قسمت المسألة على قراريط الدينار، فإنها في عرف أهل ~~بلدنا أربعة وعشرون قيراطا، فإن كانت السهام كثيرة فلك في قسمها طريقان؛ ~~أحدهما، أن ينظر ما تركب منه العدد، فإنه لا بد أن يتركب من ضرب عدد في ~~عدد، فانسب أحد العددين إلى أربعة وعشرين، إن كان أقل منها، وخذ من العدد ~~الآخر مثل تلك النسبة، فما كان فهو لكل قيراط. وإن كان أكثر من أربعة ~~وعشرين قسمته عليها، فما خرج بالقسم فاضربه في العدد الآخر، فما بلغ فهو ~~نصيبه. # مثال ذلك، ستمائة أردت قسمتها، فإنك تعلم أنها متركبة من ضرب عشرين في ~~ثلاثين، فانسب العشرين إلى أربعة وعشرين تكن نصفها، وثلثها، فخذ نصف ~~الثلاثين، وثلثها، خمسة وعشرين، # PageV06P293 # فهو سهم القيراط. وإن قسمت الثلاثين على أربعة وعشرين، خرج بالقسم سهم ~~وربع، فاضربها تكن خمسة وعشرين، كما قلنا. # والثاني، أن تنظر عددا إذا ضربته في الأربعة والعشرين ساوى المقسوم أو ~~قاربه، فإذا بقيت منه بقية ضربتها في عدد آخر، حتى يبقى أقل من المقسوم ~~عليه، ثم تجمع العدد الذي ضربته إليه، وتنسب تلك البقية من المقسوم عليه، ~~فتضمها إلى العدد، فيكون ذلك سهم القيراط. مثاله في مسألتنا، أن تضرب عشرين ~~في أربعة وعشرين، تكن أربعمائة وثمانين، ثم تضرب خمسة في أربعة وعشرين، تكن ~~مائة وعشرين، وتضم الخمسة إلى العشرين، فيكون ذلك سهام القيراط. # فإذا عرفت سهام القيراط فانظر كل من له سهام، فأعطه بكل سهم من ms3233 سهام ~~القيراط قيراطا، فإن بقي له من السهام ما لا يبلغ قيراطا، فانسبه إلى سهام ~~القيراط، وأعطه منه مثل تلك النسبة، فإن كان في سهام القيراط كسر، بسطتها ~~من جنس الكسر، ثم كل من له سهام بعدد مبلغ السهام، فله بعدد مخرج الكسر ~~قراريط، وتضرب بقية سهامه في مخرج الكسر، وتنسبها منها. مثال ذلك، زوج ~~وأبوان وابنتان، ماتت الأم، وخلفت أما، وزوجا، وأختا من أبوين، وأختين من ~~أب، وأختين من أم. # فالأولى من خمسة عشر، والثانية من عشرين، فتضرب وفق إحداهما في الأخرى، ~~تكن مائة وخمسين، وسهم القيراط ستة وربع، فابسطها أرباعا، تكن خمسة وعشرين، ~~فهذه سهام القيراط، فللبنت من الأولى أربعة في عشرة، تكن أربعين، فلها ~~بخمسة وعشرين أربعة، تبقى خمسة عشر، اضربها في مخرج الكسر تكن ستين، ~~واقسمها على خمسة وعشرين، تكن اثنين وخمسين، فصار لها ستة وخمسان، وللأب من ~~الأولى والثانية ستة وعشرون، فله بخمسة وعشرين أربعة قراريط، وابسط السهم ~~الباقي أرباعا، تكن أربعة أخماس خمس، ولزوج الأولى ثلاثون، فله بخمسة ~~وعشرين منها أربعة قراريط، وابسط الخمسة الباقية. # تكن عشرين، وهي أربعة أخماس قيراط، ولأم الثانية سهمان، ابسطهما أرباعا، ~~تكن خمس قيراط وثلاثة أخماس خمس قيراط، وكذلك لكل أخت من أم، وللأختين من ~~الأب مثل ذلك، وللأخت من الأبوين ستة، ابسطها أرباعا، تكن أربعة أخماس ~~قيراط، وأربعة أخماس خمس. ### | [فصل في قسمة التركات] # (4853) فصل: في قسمة التركات، إن أمكن أن تنسب سهام كل وارث من المسألة، ~~ثم تعطيه من التركة مثل تلك النسبة، فحسن. ومثال ذلك، زوج وأبوان وابنتان، ~~والتركة أربعون دينارا، فللزوج ثلاثة، وهي خمس المسألة، # PageV06P294 # فله خمس التركة، وهي ثمانية دنانير، ولكل واحد من الأبوين ثلثا خمس ~~المسألة، فله ثلثا الثمانية، ولكل واحد من البنتين مثل ما للأبوين كليهما، ~~وإن شئت ضربت سهام كل وارث في التركة، وقسمت ذلك على المسألة، فما خرج فهو ~~نصيبه، وإن شئت قسمت التركة على المسألة، ثم ضربت الخارج بالقسم في سهام كل ~~وارث، فما بلغ فهو له. # وإذا كانت ms3234 المسألة عددا أصم، عملت بإحدى هاتين الطريقتين، وإن كان في ~~السهام كسر، بسطتها من جنسه على ما ذكرنا في القسم على قراريط الدينار. ولك ~~في قسم التركة في مسائل المناسخات، أن تقسم التركة أو القراريط على المسألة ~~الأولى، فما حصل للميت الثاني، قسمته على مسألته، ثم تفعل بالثالث والرابع ~~وما بعدهما كذلك. وإذا كان بين المسألة والتركة موافقة، فخذ وفقيهما، واعمل ~~بهما ما ذكرنا. ### | [فصل كانت التركة سهاما من عقار] # (4854) فصل: وإذا كانت التركة سهاما من عقار، فاضرب أصل سهام العقار فيما ~~صحت منه المسألة، فما بلغ فهو سهام العقار، واضرب سهام كل وارث من أصل ~~المسألة في السهام الموروثة من العقار، واضرب سهام الشركاء في أصل مسألة ~~الورثة. ومثال ذلك: زوج وأم وأخت، والتركة ربع، وسدس دار، المسألة من ~~ثمانية، وأصل سهام العقار اثنا عشر، فاضربها في الثمانية، تكن ستة وتسعين، ~~فللزوج ثلاثة من مسألة مضروبة في السهام الموروثة، وهي خمسة، تكن خمسة عشر، ~~وللأخت كذلك، فانسبها من الدار. # تكن ثمنها وربع ثمنها، وللأم سهمان في خمسة، تكن عشرة، وهي نصف سدس ~~الدار، وثمن سدسها. وإن شئت قلت: هي نصف ثمنها، وثلث ثمنها. وإن شئت بسطت ~~الربع والسدس من قراريط الدينار، وهي عشرة، وقسمتها على المسألة، فللأم ~~ربعها، وهو قيراطان ونصف، وللأخت ثلاثة أثمانها، وهي ثلاثة قراريط وثلاثة ~~أرباع قيراط، وكذلك الزوج. ### | [مسألة يرد على كل أهل الفرائض على قدر ميراثهم] # (4855) مسألة قال: ويرد على كل أهل الفرائض على قدر ميراثهم، إلا الزوج ~~والزوجة. وجملة ذلك أن الميت إذا لم يخلف وارثا إلا ذوي فروض، ولا يستوعب ~~المال، كالبنات والأخوات والجدات، فإن الفاضل عن ذوي الفروض يرد عليهم على ~~قدر فروضهم، إلا الزوج والزوجة. روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن ~~عباس - رضي الله عنهم -. # وحكي ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وشريح، وعطاء، ومجاهد، والثوري، وأبي ~~حنيفة، وأصحابه. قال ابن سراقة. # PageV06P295 # وعليه العمل اليوم في الأمصار، إلا أنه يروى عن ابن مسعود أنه كان لا يرد ~~على بنت ms3235 ابن مع بنت، ولا على أخت من أب مع أخت من أبوين، ولا على جدة مع ذي ~~سهم وروى ابن منصور عن أحمد أنه لا يرد على ولد مع الأم، ولا على الجد مع ~~ذي سهم. # والذي ذكر الخرقي أظهر في المذهب وأصح، وهو قول عامة أهل الرد؛ لأنهم ~~تساووا في السهام، فيجب أن يتساووا فيما يتفرع عليها، ولأن الفريضة لو ~~عالت، لدخل النقص على الجميع، فالرد ينبغي أن ينالهم أيضا. فأما الزوجان، ~~فلا يرد عليهما باتفاق من أهل العلم، إلا أنه روي عن عثمان - رضي الله عنه ~~- أنه رد على زوج. # ولعله كان عصبة، أو ذا رحم، فأعطاه لذلك، أو أعطاه من مال بيت المال، لا ~~على سبيل الميراث، وسبب ذلك، إن شاء الله، أن أهل الرد كلهم من ذوي ~~الأرحام، فيدخلون في عموم قول الله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في كتاب الله} [الأنفال: 75] . والزوجان خارجان من ذلك. وذهب زيد بن ثابت ~~إلى أن الفاضل عن ذوي الفروض لبيت المال، ولا يرد على أحد فوق فرضه. # وبه قال مالك، والأوزاعي، والشافعي - رضي الله عنهم -؛ لأن الله تعالى ~~قال في الأخت: {فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] . ومن رد عليها جعل لها ~~الكل، ولأنها ذات فرض مسمى. فلا يرد عليها، كالزوج. ولنا قول الله تعالى: ~~{وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] . وهؤلاء من ~~ذوي الأرحام، وقد ترجحوا بالقرب إلى الميت، فيكونون أولى من بيت المال. # لأنه لسائر المسلمين، وذو الرحم أحق من الأجانب، عملا بالنص، وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلي» . ~~وفي لفظ: «من ترك دينا فإلي، ومن ترك مالا فللوارث» . متفق عليه. وهذا عام ~~في جميع المال، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تحرز ~~المرأة ثلاثة مواريث، لقيطها، وعتيقها، والولد الذي لاعنت عليه» . أخرجه ~~ابن ماجه. # فجعل لها ميراث ولدها المنفي باللعان كله، خرج من ذلك ميراث غيرها من ذوي ~~الفروض بالإجماع، بقي ms3236 الباقي على مقتضى العموم، ولأنها من وراثه بالرحم، ~~فكانت أحق بالمال من بيت المال، كعصباته. فأما قوله تعالى: {فلها نصف ما ~~ترك} [النساء: 176] . فلا ينفي أن يكون لها زيادة عليه بسبب آخر، كقوله ~~تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} [النساء: 11] ~~. # لا ينفي أن يكون للأب السدس، وما فضل عن البنت بجهة التعصيب، وقوله: ~~{ولكم نصف ما ترك أزواجكم} [النساء: 12] . لم ينف أن يكون للزوج ما فضل إذا ~~كان ابن عم أو مولى، وكذلك الأخ من الأم إذا كان ابن عم، والبنت وغيرها من ~~ذوي # PageV06P296 # الفروض إذا كانت معتقة، كذا هاهنا تستحق النصف بالفرض، والباقي بالرد، ~~وأما الزوجان فليسا من ذوي الأرحام. ### | [مسألة مات وترك أختا لأب وأم وأختا لأب وأختا لأم] # (4856) مسألة قال: وإذا كانت أخت لأب وأم، وأخت لأب، وأخت لأم فللأخت ~~للأب والأم النصف، وللأخت للأب السدس، وللأخت للأم السدس، وما بقي يرد ~~عليهن على قدر سهامهن. فصار المال بينهن على خمسة أسهم، للأخت للأب والأم ~~ثلاثة أخماس المال، وللأخت للأب الخمس، وللأخت للأم الخمس. طريق العمل في ~~الرد أن تأخذ سهام أهل الرد من أصل مسألتهم، وهي أبدا تخرج من ستة، إذ ليس ~~في الفروض كلها ما لا يؤخذ في الستة إلا الربع والثمن. # وليس لغير الزوجين، وليسا من أهل الرد، ثم تجعل عدد سهامهم أصل مسألتهم، ~~كما صارت السهام في المسألة العائلة هي المسألة التي تضرب فيها العدد الذي ~~انكسرت عليه سهامه، فكذا هاهنا إذا انكسر على فريق منهم ضربته في عدد ~~سهامهم؛ لأن ذلك صار أصل مسألتهم. وينحصر ذلك في أربعة أصول؛ أولها: أصل ~~اثنين؛ كجدة، وأخ من أم لكل واحد منهما السدس، أصلها اثنان، ثم تقسم المال ~~عليهما، فيصير لكل واحد منهما نصف المال، فإن كان الجدات ثلاثا فلهن سهم لا ~~ينقسم عليهن. # اضرب عددهن في أصل المسألة، وهو اثنان، تصير ستة؛ للأخ من الأم النصف ~~ثلاثة، ولكل واحد منهم سهم، أصل ثلاثة: أم وأخ من أم، وأم ms3237 وأخوان لأم، فإن ~~كانوا ثلاثة ضربت عددهم في أصل مسألتهم، وهو ثلاثة، صارت تسعة، ومنها تصح، ~~ثلاث جدات، وأربعة إخوة من أم، للإخوة سهمان، يوافقهم بالنصف، يرجع عددهم ~~إلى اثنين، تضربهما في عدد الجدات، ثم في أصل المسألة، صارت ثمانية عشر، ~~ومنها تصح. أصل أربعة: أخت لأبوين وأخت لأب أو أم، أو أخ لأم، أو جدة. بنت، ~~وأم أو جدة. بنت وبنت ابن. # فإن كان بنات الابن أربعا ضربتهن في أصل المسألة، وهي أربعة، صارت ستة ~~عشر، ومنها تصح. أصل خمسة: ثلاث أخوات مفترقات، للأخت من الأب والأم النصف، ~~وللأخت من الأب السدس، وللأخت من الأم السدس. وهذه مسألة الخرقي. أم وأخت ~~لأبوين أو لأب. أم وأخت لأبوين وأخت لأب أو لأم. # ولا تزيد مسائل الرد أبدا على هذا؛ لأنها لو زادت سهما لكمل المال، ولم ~~يبق # PageV06P297 # شيء منه يرد. ثلاث جدات وبنت وأربع بنات ابن. أصلها من خمسة، وتصح من ~~ستين. ومتى كان الرد على حيز واحد، فله جميع المال بالفرض والرد، كأنه ~~عصبة، فإن كان شخصا واحدا، فالمال له، وإن كان جماعة، قسمته عليهم على ~~عددهم، كالبنين، والإخوة. (4857) فصل: فإن كان معهم أحد الزوجين، أعطيته ~~فرضه من أصل مسألته، وقسمت الباقي من مسألته على فريضة أهل الرد، فإن انقسم ~~صحت المسألتان. # ولا يتفق هذا إلا أن يكون للزوج امرأة لها الربع، ومسألة أهل الرد من ~~ثلاثة؛ كامرأة وأم وأخ لأم. أو أم وأخوين لأم. أو جدة وأخوين لأم. فللمرأة ~~الربع من أربعة، يبقى ثلاثة على فريضة أهل الرد، وهي ثلاثة، فتصح عليها، ~~ويصح الجميع من أربعة، فإن انكسر على عدد منه، ضربته في أربعة كأربع زوجات ~~وأم وأخ لأم، تصح من ستة عشر، وإن لم ينقسم فأصل مسألة الزوج على فريضة أهل ~~الرد لم يمكن أن يوافقها أيضا. # فاضرب فريضة الرد في فريضة الزوج، فما بلغ فإليه تنتقل المسألة، فإذا ~~أردت القسمة فلأحد الزوجين فريضة الرد، ولكل واحد من أهل الرد سهامه من ~~مسألته مضروبة في فاضل فريضة ms3238 الزوج، فما بلغ فهو له إن كان واحدا، وإن ~~كانوا جماعة قسمته عليهم، فإن لم ينقسم ضربته، أو وفقه فيما انتقلت إليه ~~المسألة، وتصح على ما مضى في باب التصحيح. وهذا ينحصر في أصول خمسة؛ أحدها، ~~زوج وجدة وأخ لأم، للزوج النصف، وأصل مسألته من اثنين، له سهم يبقى سهم على ~~مسألة الرد. # وهي اثنان، فتضرب اثنين في اثنين يكن أربعة، ولا يقع الكسر في هذا الأصل ~~إلا على فريق واحد، وهو الجدات، فإذا كان أكثر من جدة واحدة، فاضرب عددهن ~~في أربعة، فما بلغ فمنه تصح. الأصل الثاني، زوجة وجدة وأخ لأم مسألة الزوجة ~~من أربعة، ثم تنتقل إلى ثمانية، ولا يكون الكسر إلا على الجدات أيضا. الأصل ~~الثالث، زوج وبنت وبنت ابن، مسألة الزوج من أربعة، ثم تنتقل إلى ستة عشر، ~~وكذلك زوجة، وأخت لأبوين، وأخت لأب، أو أخت لأم أو جدة أو جدات، ومثلها ~~زوجة وأخت لأب وأخت لأم، أو جدة الأصل الرابع، زوجة وبنت وبنت ابن، أو أم، ~~أو جدة مسألة الزوجة من ثمانية، ثم تنتقل إلى اثنين وثلاثين. # الأصل الخامس، زوجة وبنتان وأم، مسألة الزوجة من ثمانية، ثم تنتقل إلى ~~أربعين، وكذلك # PageV06P298 # زوجة وبنت وبنت ابن وأم، أو جدة. أخت من أبوين وأخت، أو أخوات من أب وأخت ~~من أم، أو أم، أو جدة أختان من أبوين، أو من أب وأم، أو جدة وأخ من أم، وفي ~~جميع ذلك إذا انكسرت سهام فريق منهم عليهم ضربته فيما انتقلت إليه المسألة، ~~ومثال ذلك، أربع زوجات وإحدى وعشرون بنتا وأربع عشرة جدة، مسألة الزوجات من ~~ثمانية، فتضرب فيها فريضة الرد وهي خمسة، تكن أربعين، للزوجات فريضة أهل ~~الرد خمسة، على أربعة، لا تصح. # ولا توافق، ويبقى خمسة وثلاثون، للجدات خمسها سبعة، على أربعة عشر، توافق ~~بالأسباع، فيرجعن إلى اثنين، ويبقى للبنات ثمانية وعشرون، توافقهن ~~بالأسباع، فيرجعن إلى ثلاث، والاثنان ثم تدخلان في عدد الزوجات، فتضرب ~~ثلاثا في أربع، تكن اثني عشر، ثم في أربعين، تكن أربعمائة وثمانين، ms3239 ومتى ~~كان مع أحد الزوجين واحد من أهل الرد، أخذ الفاضل كله، كأنه عصبة، ولا ~~تنتقل المسألة. وإن كان معهم فريق واحد من أهل الرد، كالبنات، أو الأخوات، ~~قسمت الفاضل عليهم، كأنهم عصبة. # فإن انكسر عليهم، ضربت عددهم في مسألة الزوج. ### | [مسألة للجدة إذا لم تكن أم السدس] # باب الجدات (4858) مسألة قال أبو القاسم - رحمه الله -: وللجدة إذا لم ~~تكن أم السدس قال أبو بكر بن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للجدة السدس ~~إذا لم يكن للميت أم. وحكى غيره رواية شاذة عن ابن عباس أنها بمنزلة الأم؛ ~~لأنها تدلي بها، فقامت مقامها، كالجد يقوم مقام الأب. ولنا، ما روى قبيصة ~~بن ذؤيب، قال: «جاءت الجدة إلى أبي بكر، تطلب ميراثها، فقال: ما لك في كتاب ~~الله عز وجل شيء، وما أعلم لك في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~شيئا، ولكن ارجعي حتى أسأل الناس. فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أعطاها السدس. فقال: هل معك غيرك؟ فشهد له محمد بن ~~مسلمة، فأمضاه لها أبو بكر، فلما كان عمر، جاءت الجدة الأخرى، فقال: ما لك ~~في كتاب الله شيء، فما كان القضاء الذي قضي به إلا في غيرك، وما أنا بزائد ~~في الفرائض شيئا، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فهو لكما، وأيتكما خلت ~~به فهو لها.» رواه مالك في موطئه، وأبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن ~~صحيح. # وأما الجد فلا يقوم مقام الأب في جميع أحواله على ما ذكرناه. وأجمع أهل ~~العلم على أن الأم تحجب الجدات من جميع الجهات. وقد روى ابن بريدة، عن ~~أبيه، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها ~~أم.» # PageV06P299 # رواه أبو داود. وهذا يدل على أنها لا ترث معها شيئا. ولأن الجدة تدلي ~~بالأم، فسقطت بها، كسقوط الجد بالأب، وابن الابن به. # فأما أم الأب، فإنها أيضا إنما ترث ميراث أم؛ لأنها أم، ولذلك ترث وابنها ~~حي، ولو كان ميراثها ms3240 من جهته ما ورثت مع وجوده. ### | [مسألة الجدات إن كثرن لم يزدن على السدس فرضا] # (4859) مسألة قال: (وكذلك إن كثرن، لم يزدن على السدس فرضا) أجمع أهل ~~العلم على أن ميراث الجدات السدس، وإن كثرن، وذلك لما روينا من الخبر، وأن ~~عمر شرك بينهما. وقد روي نحو ذلك عن أبي بكر - رضي الله عنه - فروى سعيد، ~~ثنا سفيان، وهشيم، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، قال: جاءت الجدتان ~~إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فأعطى أم الأم الميراث دون أم الأب. فقال له ~~عبد الرحمن بن سهيل بن حارثة وكان شهد بدرا: يا خليفة رسول الله، أعطيت ~~التي إن ماتت لم يرثها، ومنعت التي لو ماتت ورثها، فجعل أبو بكر السدس ~~بينهما. # ولأنهن ذوات عدد لا يشركهن ذكر، فاستوى كثيرهن وواحدتهن، كالزوجات. وقول ~~الخرقي لم يزدن على السدس فرضا. يريد به التحرز من زيادتهن بالرد، فإنهن ~~يأخذن في الرد زيادة على السدس، على ما قد مضى ذكره. ### | [فصل توريث جدتين أم الأم وأم الأب] # (4860) فصل: ولا خلاف بين أهل العلم في توريث جدتين؛ أم الأم، وأم الأب. ~~وكذلك إن علتا وكانتا في القرب سواء، كأم أم أم وأم أم أب، إلا ما حكي عن ~~داود أنه لا يورث أم أم الأب شيئا؛ لأنه لا يرثها فلا ترثه، ولأنها غير ~~مذكورة في الخبر. ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى ثلاث جدات. # ومن ضرورته أن يكون فيهن أم أم الأب، أو من هي أعلى منها. وما ذكره داود ~~فهو قياس، وهو لا يقول بالقياس، ثم هو باطل بأم الأم، فإنها ترثه ولا ~~يرثها. وقوله: ليست مذكورة في الخبر. قلنا: وكذلك أم أم الأم. واختلفوا في ~~توريث ما زاد عليهما؛ فذهب أبو عبد الله إلى توريث ثلاث جدات، من غير زيادة ~~عليهن. وروي ذلك عن علي وزيد بن ثابت وابن مسعود - رضي الله عنهم - وروي ~~نحوه عن مسروق والحسن وقتادة وبه قال الأوزاعي وإسحاق وروي عن سعد بن أبي ms3241 ~~وقاص ما يدل على أنه لا يورث أكثر من جدتين. وحكي ذلك عن أبي بكر بن عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وطلحة بن عبد الله بن عوف، ~~وربيعة وابن هرمز، ومالك وابن أبي ذئب وأبي ثور وداود وقاله الشافعي في ~~القديم، # PageV06P300 # وحكي عن الزهري أنه قال: لا نعلم ورث في الإسلام إلا جدتين. # وحكي عن سعد بن أبي وقاص، أنه أوتر بركعة، فعابه ابن مسعود فقال سعد ~~أتعيبني وأنت تورث ثلاث جدات؟ وروي عن ابن عباس أنه ورث الجدات وإن كثرن، ~~إذا كن في درجة واحدة، إلا من أدلت بأب غير وارث، كأم أب الأم. قال ابن ~~سراقة: وبهذا قال عامة الصحابة إلا شاذا. # وإليه ذهب الحسن، وابن سيرين، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وهو رواية ~~المزني عن الشافعي، - رضي الله عنه - وهو ظاهر كلام الخرقي، فإنه سمى ثلاث ~~جدات متحاذيات. ثم قال: " وإن كثرن فعلى ذلك ". واحتجوا بأن الزائدة جدة ~~أدلت بوارث فوجب أن ترث، كإحدى الثلاث. ولنا، ما روى سعيد، عن ابن عيينة، ~~عن منصور، عن إبراهيم، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورث ثلاث جدات، ~~ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم.» وأخرجه أبو عبيد والدارقطني. # وروى سعيد أيضا، عن إبراهيم أنه قال: كانوا يورثون من الجدات ثلاثا، ~~ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم. وهذا يدل على التحديد بثلاث، وأنه ~~لا يرث أكثر منهن. وإذا ثبت هذا، فإن الوارثات هي أم الأم وإن علت درجتها، ~~وأم الأب وأمهاتها وإن علت درجتهن، وأم الجد وأمهاتها. # ولا ترث أم أب الجد، ولا كل جدة أدلت بأكثر من ثلاثة آباء. وهؤلاء الجدات ~~المختلف فيهن. وأجمع أهل العلم على أن الجدة المدلية بأب غير وارث لا ترث، ~~وهي كل جدة أدلت بأب بين أمين، كأم أبي الأم، إلا ما حكي عن ابن عباس وجابر ~~بن زيد ومجاهد وابن سيرين أنهم قالوا: ترث. # وهو قول شاذ، لا نعلم اليوم به قائلا، وليس بصحيح؛ فإنها تدلي بغير ms3242 وارث، ~~فلم ترث، كالأجانب، وأمثلة ذلك، أم أم وأم أب، السدس بينهما إجماعا، أم أم ~~أم، وأم أم أب، وأم أبي أب، وأم أبي أم، السدس للثلاث الأول، إلا عند مالك ~~وموافقيه، فإنه للأوليين. وعند داود هو للأولى وحدها. ولا ترث الرابعة إلا ~~في قول شاذ عن ابن عباس وموافقيه، أم أم أم أم، وأم أم أم أب، وأم أم أبي ~~أب، وأم أبي أبي أب، وأم أم أبي أم، وأم أبي أم أم، وأم أبي أبي أم، وأم ~~أبي أم أب. السدس للأولى عند داود وللأوليين عند مالك وموافقيه. وللثلاث ~~الأول عند أحمد وموافقيه. وللأربع الأول عند أبي حنيفة وموافقيه. وتسقط ~~الأربع الباقيات إلا في الرواية الشاذة. وفي الجملة لا يرث من قبل الأم إلا ~~واحدة. # ولا من قبل الأب إلا اثنتان، وهما اللتان جاء ذكرهما في الخبر، إلا عند ~~أبي حنيفة وموافقيه، فإنه كلما علون درجة، زاد في عددهن من قبل الأب واحدة. # PageV06P301 ### | [مسألة كان بعض الجدات أقرب من بعض] # (4861) مسألة قال: (وإن كان بعضهن أقرب من بعض كان الميراث لأقربهن) أما ~~إذا كانت إحدى الجدتين أم الأخرى، فأجمع أهل العلم على أن الميراث للقربى ~~وتسقط البعدى بها، وإن كانتا من جهتين والقربى من جهة الأم، فالميراث لها، ~~وتحجب البعدي في قول عامتهم، إلا ما روي عن ابن مسعود ويحيى بن آدم وشريك ~~أن الميراث بينهما. وعن ابن مسعود إن كانتا من جهتين فهما سواء، وإن كانتا ~~من جهة واحدة فهو للقربى. # يعني به أن الجدتين من قبل الأب إذا كانت إحداهما أم الأب والأخرى أم ~~الجد، سقطت أم الجد بأم الأب. وسائر أهل العلم على أن القربى من جهة الأم ~~تحجب البعدى من جهة الأب. فأما القربى من جهة الأب فهل تحجب البعدى من جهة ~~الأم؟ فعن أحمد فيها روايتان؛ إحداهما، أنها تحجبها، ويكون الميراث للقربى. # وهذا قول علي - عليه السلام - وإحدى الروايتين عن زيد وبه قال أبو حنيفة ~~وأصحابه، وأهل العراق، وهو قول الشافعي والرواية الثانية ms3243 عن أحمد هو ~~بينهما. وهي الرواية الثابتة عن زيد وبه قال مالك والأوزاعي وهو القول ~~الثاني للشافعي - رضي الله عنه - لأن الأب الذي تدلي به الجدة لا يحجب ~~الجدة من قبل الأم، فالتي تدلي به أولى أن لا يحجبها، وبهذا فارقتها القربى ~~من قبل الأم، فإنها تدلي بالأم. # وهي تحجب جميع الجدات. ولنا، أنها جدة قربى، فتحجب البعدى، كالتي من قبل ~~الأم، ولأن الجدات أمهات يرثن ميراثا واحدا من جهة واحدة، فإذا اجتمعن ~~فالميراث لأقربهن، كالآباء والأبناء والإخوة والبنات. وكل قبيل إذا اجتمعوا ~~فالميراث لأقربهم. وقولهم: إن الأب لا يسقطها. قلنا: لأنهن لا يرثن ميراثه، ~~إنما يرثن ميراث الأمهات، لكونهن أمهات. # ولذلك أسقطتهن الأم. والله أعلم. مسائل: من ذلك أم أم وأم أم أب، المال ~~للأولى، إلا في قول ابن مسعود هو بينهما. أم أب وأم أم أم، المال للأولى في ~~قول الخرقي وفي الرواية الأخرى هو بينهما. أم أب وأم أم وأم جد، المال ~~للأوليين في قول الجميع، إلا في قول شريك وموافقيه هو بينهن. أم أب وأم أم ~~وأم أم أم وأم أبي أب، هو للأوليين في قول الجميع. ### | [فصل اجتمعت جدة ذات قرابتين مع أخرى] # (4862) فصل: إذا اجتمعت جدة ذات قرابتين مع أخرى، فقياس قول أبي عبد الله ~~أن السدس بينهما أثلاثا، لذات القرابتين ثلثاه، وللأخرى ثلثه. كذلك قال أبو ~~الحسن التميمي، وأبو عبد الله العرني، ولعلهما أخذا # PageV06P302 # ذلك من قوله في توريث المجوس بجميع قراباتهم. # وهذا قول يحيى بن آدم، والحسن بن صالح، ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد، ~~وزفر وشريك وقال الثوري والشافعي وأبو يوسف: السدس بينهما نصفان. وهو قياس ~~قول مالك لأن القرابتين إذا كانتا من جهة واحدة، لم يرث بهما جميعا، كالأخ ~~من الأب والأم. ولنا، أنها شخص ذو قرابتين، ترث بكل واحدة منهما منفردة، ~~ولا يرجح بها على غيره. # فوجب أن يرث بكل واحدة منهما، كابن العم إذا كان أخا أو زوجا، وفارق الأخ ~~من الأبوين، فإنه رجح بقرابتيه على الأخ من ms3244 الأب، ولا يجمع بين الترجيح ~~بالقرابة الزائدة والتوريث بها؛ فإذا وجد أحدهما انتفى الآخر، ولا ينبغي أن ~~يخل بهما جميعا، بل إذا انتفى أحدهما وجد الآخر، وها هنا قد انتفى الترجيح ~~فيثبت التوريث. وصورة ذلك، أن يتزوج ابن ابن المرأة بنت بنتها، فيولد لهما ~~ولد، فتكون المرأة أم أم أمه، وهي من أم أبي أبيه. وإن تزوج ابن بنتها بنت ~~بنتها، فهي أم أم أمه وأم أم أبيه. # وإن أدلت الجدة بثلاث جهات، ترث بهن، لم يمكن أن يجتمع معها جدة أخرى ~~وارثة عند من لا يورث أكثر من ثلاث. ### | [مسألة الجدة ترث وابنها حي] # (4863) مسألة قال: والجدة ترث وابنها حي وجملته أن الجدة من قبل الأب إذا ~~كان ابنها حيا وارثا، فإن عمر وابن مسعود وأبا موسى وعمران بن الحصين وأبا ~~الطفيل - رضي الله عنهم - ورثوها مع ابنها. # وبه قال شريح، والحسن، وابن سيرين، وجابر بن زيد، والعنبري، وإسحاق، وابن ~~المنذر، وهو ظاهر مذهب أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - وقال زيد بن ثابت: لا ~~ترث. وروي ذلك عن عثمان، وعلي - رضي الله عنهما - وبه قال مالك، والثوري، ~~والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، والشافعي، وابن جابر، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي. # وهو رواية عن أحمد رواه عنه جماعة من أصحابه. ولا خلاف في توريثها مع ~~ابنها إذا كان عما أو عم أب؛ لأنها لا تدلي به. واحتج من أسقطها بابنها ~~بأنها تدلي به، فلا ترث معه، كالجد مع الأب، وأم الأم مع الأم. ولنا، ما ~~روى ابن مسعود - رضي الله عنه - قال «أول جدة أطعمها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - السدس، أم أب مع ابنها، وابنها حي.» أخرجه الترمذي. ورواه سعيد ~~بن منصور، إلا أن لفظه: (أول جدة أطعمت السدس أم أب مع ابنها) # وقال ابن سيرين أول جدة أطعمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السدس ~~أم أب مع ابنها. ولأن الجدات أمهات يرثن ميراث الأم، لا ميراث الأب، فلا ~~يحجبن به كأمهات الأم. # PageV06P303 # مسائل ذلك: أم أب ms3245 وأب، لها السدس والباقي له. وعلى القول الآخر، الكل له ~~دونها. # أم أم وأم أب وأب، السدس بينهما على القول الأول. وعلى الثاني السدس لأم ~~الأم، والباقي للأب. وقيل: لأم الأم نصف السدس، والباقي للأب؛ لأن الأب لو ~~عدم لم يكن لأم الأم إلا نصف السدس، فلا يكون لها مع وجوده إلا ما كان لها ~~مع عدمه. والأول أصح؛ لأن الإخوة مع الأبوين يحجبون الأم عن نصف ميراثها، ~~ولا يأخذون ما حجبوها عنه، بل يتوفر ذلك على الأب، كذا هاهنا. # ثلاث جدات متحاذيات وأب، السدس بينهن على القول الأول، ولأم الأم على ~~القول الثاني، وعلى الثالث لأم الأم ثلث السدس، والباقي للأب. وإن كان مع ~~المتحاذيات جدات، لم يحجب إلا أمه. أب وأم أب وأم أم أم، على قول الخرقي ~~السدس لأم الأب. ومن حجب الجدة بابنها أسقط أم الأب. ثم اختلف القائلون ~~بذلك، فقيل: السدس كله لأم أم الأم؛ لأن التي تحجبها أو تزاحمها قد سقط ~~حكمها، فصارت كالمعدومة. # وقيل: بل لها نصف السدس على قول زيد لأنه يورث البعدى من جهة الأم مع ~~القربى من جهة الأب، فكان لها نصف السدس. وقيل: لا شيء لها؛ لأنها انحجبت ~~بأم الأب، ثم انحجبت أم الأب بالأب، فصار المال كله للأب. ### | [مسألة الجدات المتحاذيات] # (4864) مسألة قال: (والجدات المتحاذيات أن تكن أم أم أم، وأم أم أب وأم ~~أبي أب، وإن كثرن فعلى ذلك) يعني بالمتحاذيات المتساويات في الدرجة، بحيث ~~لا تكون واحدة أعلى من الأخرى ولا أنزل منها؛ لأن الجدات إنما يرثن كلهن ~~إذا كن في درجة واحدة، ومتى كان بعضهن أقرب من بعض، فالميراث لأقربهن، فإذا ~~قيل: ترك جدتين وارثتين على أقرب المنازل. فهما أم أمه وأم أبيه. # وإن قيل: ترك ثلاثا. فهن كما قال الخرقي أم أم أم وأم أم أب وأم أبي أب، ~~واحدة من قبل الأم، واثنتان من قبل الأب، وهما أم أمه وأم أبيه، كما جاء ~~الحديث، وفي درجتهن أخرى من قبل الأم غير وارثة، وهي ms3246 أم أبي الأم، ولا يرت ~~أبدا من قبل الأم إلا واحدة، وهي التي كل نسبها أمهات لا أب فيهن. فاحفظ ~~ذلك. فإن قيل: ترك أربعا. فهن أم أم أم أم، وأم أم أم أب، وأم أم أبي أب، ~~وأم أبي أبي أب. # وفي درجتهن أربع غير وارثات، وقد ذكرناهن فيما تقدم، إلا أن مذهب أحمد لا ~~يورث أكثر من ثلاث جدات، وهن الثلاث الأول. ويحتمل قول الخرقي توريثهن وإن ~~كثرن، فعلى هذا القول كلما زاد درجة زادت جدة، ويرث في الدرجة الخامسة خمس، ~~وفي السادسة ست، # PageV06P304 # وفي السابعة سبع، وعلى هذا أبدا، وقول الخرقي " وإن كثرن فعلى ذلك ". ~~يحتمل أنه ذهب إلى توريث الجدات على هذا الوجه وإن كثرن. # ويحتمل أنه أراد وإن كثرن فلا يرث إلا هؤلاء الثلاث. فعلى هذا القول لا ~~يرث أكثر من ثلاث؛ واحدة من قبل الأم، واثنتان من قبل الأب، وهما أم أمه ~~وأم أبيه وأمهاتهما. ولا ترث جدة في نسبها أب بين أمين، ولا ثلاثة آباء. ~~وإن أردت تنزيل الجدات الوارثات وغيرهن، فاعلم أن للميت في الدرجة الأولى ~~جدتين، أم أمه وأم أبيه، وفي الثانية أربع؛ لأن لكل واحد من أبويه جدتين ~~فهما أربع بالنسبة إليه، وفي الثالثة ثمان؛ لأن لكل واحد من أبويه أربعا ~~على هذا الوجه، فيكون لولدهما ثمان. # وعلى هذا كلما علون درجة تضاعف عددهن، ولا يرث منهن إلا ثلاث. والله ~~أعلم. ### | [باب من يرث من الرجال والنساء] # من يرث من الرجال والنساء (4865) مسألة قال: (ويرث من الرجال الابن، ثم ~~ابن الابن وإن سفل، والأب، ثم الجد وإن علا، والأخ، ثم ابن الأخ، والعم، ثم ~~ابن العم، والزوج، ومولى النعمة. ومن النساء البنت، وبنت الابن، والأم، ~~والجدة، والأخت، والزوجة، ومولاة النعمة) فهؤلاء مجمع على توريثهم، وأكثرهم ~~ثبت توريثه بالكتاب والسنة، فالابن ثبت ميراثه بقوله تعالى: {يوصيكم الله ~~في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] . # وابن الابن ابن. والأبوان ثبت ميراثهما بقوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد ~~منهما السدس} [النساء: 11] . والجد يحتمل أن ms3247 يتناوله قوله تعالى: {ولأبويه} ~~[النساء: 11] كما دخل ابن الابن في عموم: (أولادكم) . والأخ والأخت من الأم ~~ثبت ميراثهما بقوله تعالى: {وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس} [النساء: ~~12] . # وولد الأبوين، والأب، ثبت إرثه بقوله تعالى: {وهو يرثها إن لم يكن لها ~~ولد} [النساء: 176] . وأما ابن الأخ للأبوين أو للأب، والعم وابنه، وعم ~~الأب وابنه، فثبت ميراثهم بقول النبي: - عليه السلام - «ما أبقت الفروض ~~فلأولى رجل ذكر.» ولم يدخل فيهم ولد الأم، ولا العم للأم، ولا ابنه، ولا ~~الخال، ولا أبو الأم؛ لأنهم ليسوا من العصبات، وأما المولى المعتق ~~والمولاة، فثبت إرثهما بقوله - عليه السلام - «الولاء لمن أعتق» . # والجدة أطعمها، النبي - صلى الله عليه وسلم - السدس. والزوج ثبت إرثه ~~بقوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} [النساء: 12] . والزوجة ثبت إرثها ~~بقوله تعالى: {ولهن الربع مما تركتم} [النساء: 12] . (4866) فصل: وجميعهم ~~ضربان؛ ذو فرض، وعصبة. فالذكور كلهم عصبات إلا الزوج، والأخ من الأم، # PageV06P305 # وإلا الأب، والجد مع الابن. والإناث كلهن إذا انفردن عن إخوتهن ذوات فرض، ~~إلا المولاة المعتقة، وإلا الأخوات مع البنات. # وعدد العصبات؛ الابن، وابنه وإن نزل، والأب، وأبوه وإن علا، والأخ من ~~الأبوين، والأخ من الأب وابناهما وإن نزلا، والعمان كذلك، وابناهما وإن ~~نزلا، وعما الأب، وابناهما كذلك أبدا، ومولى النعمة. وعدد الإناث؛ البنات، ~~وبنات الابن، والأم، والجدة من الجهتين وإن علت، والأخوات من الجهات ~~الثلاث. والأخ من الأم، والزوج، والزوجة. # ومن لا يسقط بحال خمسة؛ الزوجان، والأبوان، وولد الصلب؛ لأنهم يمتون ~~بأنفسهم من غير واسطة بينهم وبين الميت يحجبهم، ومن سواهم من الوارث إنما ~~يمت بواسطة سواه، فيسقط بمن هو أولى بالميت منه. ### | [باب ميراث الجد] # ميراث الجد روى أبو داود، بإسناده عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن ~~الحصين، «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن ابن ابن ابني ~~مات، فما لي من ميراثه؟ قال: لك السدس. فلما أدبر دعاه، فقال: إن لك سدسا ~~آخر. فلما أدبر دعاه، فقال: إن لك السدس الآخر طعمة.» ms3248 قال قتادة: فلا ندري ~~أي شيء ورثه. قال قتادة أقل شيء ورث الجد السدس. # وروي عن الحسن أيضا، أن عمر - رضي الله عنه - قال: «أيكم يعلم ما ورث ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجد؟ فقال معقل بن يسار: أنا، ورثه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - السدس. قال: مع من؟ قال: لا أدري. قال: لا ~~دريت. قال: فما يغني إذا» رواه سعيد، في " سننه ". قال أبو بكر بن المنذر: ~~أجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن الجد أبا ~~الأب، لا يحجبه عن الميراث غير الأب، وأنزلوا الجد في الحجب والميراث منزلة ~~الأب في جميع المواضع، إلا في ثلاثة أشياء. # أحدها، زوج وأبوان. والثانية، زوجة وأبوان، للأم ثلث الباقي فيهما مع ~~الأب، وثلث جميع المال لو كان مكان الأب جد. والثالثة، اختلفوا في الجد مع ~~الإخوة والأخوات للأبوين أو للأب. ولا خلاف بينهم في إسقاطه بني الإخوة ~~وولد الأم، ذكرهم وأنثاهم. وذهب الصديق - رضي الله عنه - إلى أن الجد يسقط ~~جميع الإخوة والأخوات من جميع الجهات، كما يسقطهم الأب. # وبذلك قال عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير. وروي ذلك عن عثمان، ~~وعائشة، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى، وأبي هريرة - ~~رضي الله عنهم -. وحكي أيضا عن عمران بن الحصين، وجابر بن عبد الله، وأبي ~~الطفيل، وعبادة بن الصامت، وعطاء # PageV06P306 # وطاوس، وجابر بن زيد. # وبه قال قتادة، وإسحاق، وأبو ثور ونعيم بن حماد، وأبو حنيفة، والمزني، ~~وابن شريح، وابن اللبان، وداود، وابن المنذر. وكان علي بن أبي طالب، وابن ~~مسعود، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - يورثونهم معه، ولا يحجبونهم به. وبه ~~قال مالك والأوزاعي، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد؛ لأن الأخ ذكر يعصب أخته، ~~فلم يسقطه الجد، كالابن. # ولأن ميراثهم ثبت بالكتاب، فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع أو قياس، وما وجد ~~شيء من ذلك، فلا يحجبون؛ ولأنهم تساووا في سبب الاستحقاق فيتساوون فيه، فإن ~~الأخ والجد يدليان بالأب، ms3249 الجد أبوه، والأخ ابنه، وقرابة البنوة لا تنقص عن ~~قرابة الأبوة، بل ربما كانت أقوى؛ فإن الابن يسقط تعصيب الأب، ولذلك مثله ~~علي - رضي الله عنه - بشجرة أنبتت غصنا، فانفرق منه غصنان، كل واحد منهما ~~إلى الآخر أقرب منه إلى أصل الشجرة، ومثله زيد بواد خرج منه نهر، انفرق منه ~~جدولان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب منه إلى الوادي. # واحتج من ذهب مذهب أبي بكر - رضي الله عنه - بقول النبي: - صلى الله عليه ~~وسلم - «ألحقوا الفرائض بأهلها، وما بقي فلأولى عصبة ذكر» . والجد أولى من ~~الأخ، بدليل المعنى والحكم؛ أما المعنى فإنه له قرابة إيلاد وبعضية كالأب، ~~وأما الحكم فإن الفروض إذا ازدحمت سقط الأخ دونه، ولا يسقطه أحد إلا الأب، ~~والإخوة والأخوات يسقطون بثلاثة، ويجمع له بين الفرض والتعصيب، كالأب، وهم ~~ينفردون بواحد منهما، ويسقط ولد الأم، وولد الأب يسقطون بهم بالإجماع إذا ~~استغرقت الفروض المال، وكانوا عصبة. # وكذلك ولد الأبوين في المشركة عند الأكثرين، ولأنه لا يقتل بقتل ابن ~~ابنه، ولا يحد بقذفه، ولا يقطع بسرقة ماله، ويجب عليه نفقته، ويمنع من دفع ~~زكاته إليه، كالأب سواء، فدل ذلك على قوته. فإن قيل: فالحديث حجة في تقديم ~~الأخوات؛ لأن فروضهن في كتاب الله، فيجب أن تلحق بهن فروضهن، ويكون للجد ما ~~بقي. فالجواب، أن هذا الخبر حجة في الذكور المنفردين، وفي الذكور مع ~~الإناث. # أو نقول: هو حجة في الجميع، ولا فرض لولد الأب مع الجد؛ لأنهم كلالة، ~~والكلالة اسم للوارث مع عدم الولد والوالد، فلا يكون لهم معه إذا فرض. حجة ~~أخرى، قالوا: الجد أب، فيحجب ولد الأب، كالأب الحقيقي. ودليل كونه أبا قوله ~~تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] وقول يوسف: {واتبعت ملة آبائي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب} [يوسف: 38] . وقوله: # PageV06P307 # {كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق} [يوسف: 6] وقال النبي: - ~~صلى الله عليه وسلم - «ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا» . # وقال: «سام أبو العرب، وحام أبو الحبش» . وقال: «نحن بني النضر بن كنانة، ~~لا نقفوا ms3250 أمنا، ولا ننفي من أبينا» . وقال الشاعر: # إنا بني نهشل لا ندعي لأب عنه ... ولا هو بالأبناء يشرينا # فوجب أن يحجب الإخوة، كالأب الحقيقي، يحقق هذا أن ابن الابن وإن سفل يقوم ~~مقام أبيه في الحجب، وكذلك أبو الأب يقوم مقام ابنه؛ ولذلك قال ابن عباس ~~ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أبا الأب أبا. ولأن ~~بينهما إيلادا وبعضية وجزئية، وهو يساوي الأب في أكثر أحكامه، فيساويه في ~~هذا الحجب. # يحققه أن أبا الأب وإن علا يسقط بني الإخوة، ولو كانت قرابة الجد والأخ ~~واحدة، لوجب أن يكون أبو الجد مساويا لبني الأخ، لتساوي درجة من أدليا به. ~~والله أعلم. ولا تفريع على هذا القول لوضوحه. (4867) فصل: اختلف القائلون ~~بتوريثهم معه في كيفية توريثهم، فكان علي - رضي الله عنه - يفرض للأخوات ~~فروضهن، والباقي للجد، إلا أن ينقصه ذلك من السدس، فيفرضه له، فإن كانت أخت ~~لأبوين، وإخوة لأب، فرض للأخت النصف، وقاسم الجد الإخوة فيما بقي، إلا أن ~~تنقصه المقاسمة من السدس، فنفرضه له. # فإن كان الإخوة كلهم عصبة، قاسمهم الجد إلى السدس. فإن اجتمع ولد الأب ~~وولد الأبوين مع الجد، سقط ولد الأب، ولم يدخلوا في المقاسمة، ولا يعتد ~~بهم. وإن انفرد ولد الأب، قاموا مقام ولد الأبوين مع الجد. وصنع ابن مسعود ~~في الجد مع الأخوات كصنع علي - عليه السلام - وقاسم به الإخوة إلى الثلث، ~~فإن كان معهم أصحاب فرائض، أعطى أصحاب الفرائض فرائضهم، ثم صنع صنيع زيد في ~~إعطاء الجد الأحظ من المقاسمة أو ثلث الباقي أو سدس جميع المال، وعلي يقاسم ~~به بعد أصحاب الفرائض، إلا أن يكون أصحاب الفرائض بنتا أو بنات فلا يزيد ~~الجد على الثلث، ولا يقاسم به. # وقال بقول علي، الشعبي، والنخعي، والمغيرة بن المقسم، وابن أبي ليلى، ~~والحسن بن صالح. وذهب إلى قول ابن مسعود، مسروق، وعلقمة، وشريح. وأما مذهب ~~زيد فهو الذي ذكره الخرقي، وسنشرحه إن شاء الله. وإليه # PageV06P308 # ذهب أحمد. وبه قال أهل المدينة، وأهل ms3251 الشام، والثوري، والأوزاعي، ~~والنخعي، والحجاج بن أرطاة، ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ~~عبيد، وأكثر أهل العلم. ### | [مسألة إخوة وأخوات وجد قاسمهم الجد بمنزلة أخ] # (4868) مسألة قال أبو القاسم (ومذهب أبي عبد الله رحمه الله، في الجد، ~~قول زيد بن ثابت - رضي الله عنه - وإذا كان إخوة وأخوات وجد، قاسمهم الجد ~~بمنزلة أخ، حتى يكون الثلث خيرا، فإذا كان الثلث خيرا له، أعطي ثلث جميع ~~المال) وجملة ذلك أن مذهب زيد في الجد مع الإخوة، والأخوات للأبوين، أو ~~للأب، أنه يعطيه الأحظ من شيئين؛ إما المقاسمة، كأنه أخ، وإما ثلث جميع ~~المال. فعلى هذا إذا كان الإخوة اثنين، أو أربع أخوات، أو أخا وأختين، ~~فالثلث والمقاسمة سواء، فأعطه ما شئت منهما. # وإن نقصوا عن ذلك، فالمقاسمة أحظ له، فقاسم به لا غير. وإن زادوا، فالثلث ~~خير له، فأعطه إياه. وسواء كانوا من أب أو من أبوين، فإن اجتمع ولد ~~الأبوين، وولد الأب، فإن ولد الأبوين يعادون الجد بولد الأب، ويحتسبون بهم ~~عليه، ثم ما حصل لهم أخذه منهم ولد الأبوين، إلا أن يكون ولد الأبوين أختا ~~واحدة، فتأخذ منهم تمام نصف المال، ثم ما فضل فهو لهم. ولا يمكن أن يفضل ~~عنهم أكثر من السدس؛ لأن أدنى ما للجد الثلث، وللأخت النصف، والباقي بعدهما ~~هو السدس. ### | [مسألة كان مع الجد والإخوة والأخوات أصحاب فرائض] # (4869) مسألة قال: (فإن كان مع الجد والإخوة والأخوات أصحاب فرائض، أعطي ~~أصحاب الفرائض فرائضهم، ثم نظر فيما بقي، فإن كانت المقاسمة، خيرا للجد من ~~ثلث ما بقي، ومن سدس جميع المال، أعطي المقاسمة، وإن كان ثلث ما بقي خيرا ~~له من المقاسمة، ومن سدس جميع المال، أعطي ثلث ما بقي، فإن كان سدس جميع ~~المال أحظ له من المقاسمة، ومن ثلث ما بقي، أعطي سدس جميع المال) أما كونه ~~لا ينقص عن سدس جميع المال؛ فلأنه لا ينقص عن ذلك مع الولد الذي هو أقوى، ~~فمع غيرهم أولى. # وأما إعطاؤه ثلث الباقي إذا كان ms3252 أحظ له، فلأن له الثلث مع عدم الفروض، ~~فما أخذ بالفرض، فكأنه ذهب من المال، فصار ثلث الباقي بمنزلة ثلث جميع ~~المال. وأما المقاسمة فهي له مع عدم الفروض، فكذلك مع وجودها، فعلى هذا متى ~~زاد الإخوة عن اثنين، أو من يعدلهم من الإناث، فلا حظ له في المقاسمة، ومتى ~~نقصوا عن ذلك فلا حظ له في ثلث الباقي، ومتى زادت الفروض على النصف فلا حظ ~~له في ثلث ما بقي، وإن نقصت عن النصف فلا حظ له في السدس، وإن كان الفرض ~~النصف فحسب استوى السدس وثلث الباقي، وإن كان الإخوة اثنين استوى ثلث ~~الباقي والمقاسمة. # PageV06P309 ### | [مسألة لا ينقص الجد أبدا من سدس جميع المال] # مسألة قال: (ولا ينقص الجد أبدا من سدس جميع المال، أو تسميته إذا زادت ~~السهام) هذا قول عامة أهل العلم، إلا أنه روي عن الشعبي أنه قال: إن ابن ~~عباس كتب إلى علي في ستة إخوة وجد. فكتب إليه: اجعل الجد سابعهم، وامح ~~كتابي هذا. وروي عنه في سبعة إخوة وجد، أن الجد ثامنهم. وحكي عن عمران بن ~~حصين والشعبي المقاسمة إلى نصف سدس المال. # ولنا، أن الجد لا ينقص عن السدس مع البنين، وهم أقوى ميراثا من الإخوة؛ ~~فإنهم يسقطونهم، فلأن لا ينقص عنه مع الإخوة أولى، ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أطعم الجد السدس، فلا ينبغي أن ينقص منه. وأما قوله: " أو ~~تسميته إذا زادت السهام ". فإنه يعني إذا عالت المسألة، فإنه يسمى له ~~السدس، وهو ناقص عن السدس، ألا ترى أنا نقول في زوج وأم وابنتين وجد: له ~~السدس. ونعطيه سهمين من خمسة عشر سهما وهما ثلثا الخمس. # ومتى أفضت المسألة إلى العول، سقط الإخوة والأخوات، إلا في الأكدرية. ولا ~~ينقص الجد عن السدس الكامل في مسألة يرث فيها أحد من الإخوة والأخوات. ### | [مسألة مات وترك أخا لأب وأما وأخا لأب وجد] # (4871) مسألة قال: (وإذا كان أخ لأب وأم، وأخ لأب، وجد، قاسم الجد الأخ ~~للأب والأم، والأخ للأب، على ms3253 ثلاثة أسهم، ثم رجع الأخ للأب والأم على ما في ~~يد أخيه لأبيه، فأخذه) قد ذكرنا أن الجد يقاسم الإخوة كأخ، ما لم تنقصه ~~المقاسمة عن الثلث، وأن ولد الأبوين يعادون الجد بولد الأب، ثم يأخذون ما ~~حصل لهم، وأنه متى كان اثنان من الإخوة وجد، استوى الثلث والمقاسمة. # ففي هذه المسألة قد استوى الثلث والمقاسمة، ولذلك اقتسما على ثلاثة، لكل ~~واحد سهم، ثم أخذ الأخ للأبوين ما حصل لأخيه من أبيه. وإن شئت فرضت للجد ~~الثلث، والباقي لولد الأبوين. وإن زاد عدد الإخوة على اثنين أو من يعدلهما ~~من الأخوات، فافرض للجد الثلث، والباقي لولد الأبوين. هذا مذهب زيد وأما ~~علي وابن مسعود فإنهما يقاسمان به ولد الأبوين، ويسقطان ولد الأب، ولا ~~يعتدان به؛ لأنه محجوب بولد الأبوين. # فلا يعتد به كولد الأم، وقسما هذه المسألة بين الجد والأخ من الأبوين ~~نصفين، وأسقطا الأخ من الأب. ولنا، أن الجد والد، فإذا حجبه أخوان وارثان، ~~جاز أن يحجبه أخ وارث، وأخ غير وارث، كالأم، ولأن ولد الأب يحجبونه إذا ~~انفردوا، فيحجبونه مع غيرهم، كالأم، ويفارق ولد الأم؛ لأن الجد يحجبهم، فلا ~~ينبغي أن يحجبوه بخلاف ولد الأب؛ فإن الجد لا يحجبهم، فجاز أن يحجبوه إذا ~~حجبهم غيره، كما يحجبون الأم، وإن كانوا محجوبين بالأب. # وأما الأخ من الأبوين، فهو أقوى تعصيبا # PageV06P310 # من الأخ من الأب، فلا يرث معه شيئا، كما لو انفردا عن الجد، فيأخذ ~~ميراثه، كما لو اجتمع ابن، وابن ابن، حجبه وأخذ ميراثه. فإن قيل: فالجد ~~يحجب ولد الأم، ولا يأخذ ميراثه، والإخوة يحجبون الأم وإن لم يأخذوا ~~ميراثها. قلنا: الجد وولد الأم يختلف سبب استحقاقهما للميراث، وكذلك سائر ~~من يحجب ولا يأخذ ميراث المحجوب، وها هنا سبب استحقاق الإخوة للميراث ~~الأخوة والعصوبة، فأيهما قوي حجب الآخر، وأخذ ميراثه. # وقد مثلت هذه المسألة بمسألة في الوصايا، وهي إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ~~ولآخر بمائة، ولثالث بتمام الثلث على المائة، وكان ثلث المال مائتين، فإن ~~الموصى له بالمائة يزاحم ms3254 صاحب الثلث بصاحب التمام، فيقاسمه الثلث نصفين، ثم ~~يختص صاحب المائة بها، ولا يحصل لصاحب التمام شيء. " ### | [فصل مات وترك أخا لأبوين وأختين لأب وجد] # (4872) فصل: أخ لأبوين وأختان لأب وجد، للجد الثلث، والباقي للأخ. وفي ~~قول علي وابن مسعود المال بينه وبين الجد نصفين. # أخ وأخت من أبوين وأخت من أب وجد، فللجد الثلث، والباقي بين ولد الأبوين ~~على ثلاثة، وتصح من تسعة. وفي قول علي وابن مسعود المال بين ولد الأبوين ~~والجد على خمسة. أخ لأبوين وأخت لأب وجد المال بينهم على خمسة؛ للجد سهمان، ~~والباقي للأخ. وعندهما المال بينهما نصفين. ### | [فصل مات وترك أخوين لأبوين وأخا لأب وجدا] # (4873) فصل: أخوان لأبوين وأخ لأب، وجد، للجد الثلث، والباقي للأخوين ~~للأبوين عند الجميع. وإن كان ولد الأبوين ثلاثة، فللجد الثلث أيضا عند زيد ~~وعند علي وابن مسعود له الربع؛ لأنهما يقاسمان به إلى السدس. أخ وأخت من ~~أبوين وأخ من أب أو أكثر من ذلك، فللجد الثلث، وعندهما للجد الخمسان، وللأخ ~~للأبوين الخمسان، وللأخت الخمس. ### | [مسألة مات وترك أخا وأختا لأب وأم أو لأب وجدا] # (4874) مسألة قال: (وإذا كان أخ وأخت لأب وأم، أو لأب، وجد، كان المال ~~بين الجد والأخ والأخت على خمسة أسهم؛ للجد سهمان، وللأخ سهمان، وللأخت ~~سهم) المقاسمة هاهنا خير للجد من الثلث؛ لأنه يحصل له بها خمسا المال، وذلك ~~خير له من الثلث. وكذلك كلما نقص الإخوة عن اثنين، أو من يعدلهم من الإناث، ~~كثلاث أخوات، أو أختين، أو أخ واحد، أو أخت واحدة، فليس فيها إلا المقاسمة ~~به كأخ. # وهذا قول زيد، وعلي، وعبد الله، إذا كانوا عصبة، فأما إن كن أخوات ~~منفردات، فإن عليا وابن مسعود يفرضان لهن فروضهن، ثم يعطيان الجد ما بقي. # PageV06P311 ### | [مسألة مات وترك أختا لأب وأم وأختا لأب وجدا] # (4875) مسألة؛ قال: (وإذا كانت أخت لأب وأم، وأخت لأب، وجد، كانت الفريضة ~~للجد والأختين على أربعة أسهم؛ للجد سهمان، ولكل أخت سهم، ثم رجعت الأخت ~~للأم والأب، فأخذت مما ms3255 في يد أختها لتستكمل النصف) # PageV06P312 # المقاسمة هاهنا أحظ للجد، وتعتد الأخت للأبوين على الجد بأختها من أبيها، ~~فيصير له النصف، ولهما النصف بينهما على اثنين، لكل واحدة سهم، ثم تأخذ ~~الأخت من الأبوين ما بقي في يد أختها، لتستكمل تمام فرضها. # وهو جميع ما في يدها، فلا يبقى لها شيء، وتصير كما لو كان معهما بنت، ~~فأخذت البنت النصف، وبقي النصف، فإن الأخت من الأبوين تأخذه جميعه، فلا ~~يبقى للأخت من الأب شيء. فصل: فإن كان مع الأخت من الأبوين أختان من أب، ~~كان المال بينهن وبين الجد على خمسة أسهم؛ للجد اثنان، ولهن ثلاثة، ثم تأخذ ~~الأخت من الأبوين من أختها تمام النصف، وهو سهم ونصف، يبقى لهما نصف سهم ~~بينهما، لكل واحدة ربع سهم، فتضرب مخرج الربع، وهو أربعة في خمسة، تكن ~~عشرين؛ للجد ثمانية، وللأخت للأبوين عشرة، ولكل واحدة من أختيها سهم. # فإن كان معها ثلاث أخوات، أو أكثر من ذلك، فليس للجد إلا الثلث، ولها ~~النصف، ويبقى السدس بين الأخوات من الأب وإن كثرن. وإن كان من ولد الأبوين ~~أختان أو أكثر، فليس للأخوات من الأب شيء وإن كثرن؛ لأن فرض الأختين ~~الثلثان، والجد لا ينقص عن الثلث، فلا يبقى من المال شيء، ولأن الأخوات من ~~الأبوين يسقطن الأخوات من الأب باستكمال الثلثين، ولو لم يكن معهن جد، فمع ~~الجد أولى. وليس في هذه المسألة اختلاف. # فأما مسألة الخرقي فإن عليا وعبد الله يفرضان للأخت من الأبوين النصف، ~~وللأخت من الأب السدس، والباقي للجد، وكذلك إن كان معها أختان أو أخوات من ~~أب. # (4877) مسألة؛ قال: (فإن كان مع التي من قبل الأب أخوها، كان المال بين ~~الجد والأخ والأختين على ستة أسهم؛ للجد سهمان، وللأخ سهمان، ولكل أخت سهم، ~~ثم رجعت الأخت من الأب والأم على الأخ والأخت من الأب، فأخذت مما في ~~أيديهما؛ لتستكمل النصف، فتصح الفريضة من ثمانية عشر سهما؛ للجد ستة أسهم. ~~وللأخت من الأب والأم تسعة أسهم، وللأخ سهمان، وللأخت سهم) # المقاسمة ms3256 هاهنا والثلث سواء، فإن قاسمت به كان المال بينهم على ستة أسهم، ~~يأخذ الجد سهمين، ثم يكمل للأخت تمام النصف مما في أيديهما ثلاثة أسهم، ~~يبقى لهما سهم على ثلاثة لا يصح، فتضرب ثلاثة في أصل المسألة، تكن ثمانية ~~عشر، كما قال الخرقي وإن زاد ولد الأب على هذا لم يزادوا على السدس شيئا؛ ~~لأن الجد لا ينقص عن الثلث، والأخت لا تنقص عن النصف، فلا يبقى إلا السدس. ### | [مسألة الأكدرية] # (4878) مسألة الأكدرية؛ قال: (وإذا كان زوج وأم وأخت وجد، فللزوج النصف، ~~وللأم الثلث، وللأخت النصف، وللجد السدس) ثم يقسم سدس الجد ونصف الأخت ~~بينهما، على ثلاثة أسهم؛ للجد سهمان، وللأخت سهم، فتصح الفريضة من سبعة ~~وعشرين سهما، للزوج تسعة أسهم، وللأم ستة، وللجد ثمانية، وللأخت أربعة. ~~وتسمى هذه المسألة الأكدرية. ولا يفرض للجد مع الأخوات في غير هذه المسألة. # قيل: إنما سميت هذه المسألة الأكدرية، لتكديرها لأصول زيد في الجد؛ فإنه ~~أعالها، ولا عول عنده في مسائل الجد، وفرض للأخت معه، ولا يفرض لأخت مع جد، ~~وجمع سهامه وسهامها، فقسمها بينهما، ولا نظير لذلك. وقيل: سميت الأكدرية؛ ~~لأن عبد الملك بن مروان سأل عنها رجلا اسمه الأكدر، فأفتى فيها على مذهب ~~زيد وأخطأ فيها، فنسبت إليه. واختلف أهل العلم فيها؛ فمذهب أبي بكر الصديق ~~وموافقيه، إسقاط الأخت، ويجعل للأم الثلث، وما بقي للجد. # وقال عمر وابن مسعود للزوج النصف، وللأخت النصف، وللأم السدس، وللجد ~~السدس، وعالت إلى ثمانية. وجعلوا للأم السدس كي لا يفضلوها على الجد. وقال ~~علي وزيد للزوج النصف، وللأخت النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، وعولاها ~~إلى تسعة، ولم يحجبا الأم عن الثلث؛ لأن الله تعالى إنما حجبها بالولد ~~والإخوة، وليس هاهنا ولد ولا إخوة. # ثم إن عمر وعليا وابن مسعود أبقوا النصف للأخت، والسدس للجد، وأما زيد ~~فإنه ضم نصفها إلى سدس الجد، فقسمه بينهما؛ لأنها لا تستحق معه إلا بحكم ~~المقاسمة، وإنما حمل زيد على إعالة المسألة هاهنا؛ لأنه لو لم يفرض للأخت ~~لسقطت، وليس ms3257 في الفريضة من يسقطها، وقد روي عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: ما ~~قال ذلك زيد وإنما قاس أصحابه على أصوله، ولم يبين هو شيئا. فإن قيل: ~~فالأخت مع الجد عصبة، والعصبة تسقط باستكمال الفروض. قلنا: إنما يعصبها ~~الجد، وليس بعصبة مع هؤلاء، بل يفرض له، ولو كان مكان الأخت أخ لسقط؛ لأنه ~~عصبة في نفسه. # ولو كان # PageV06P313 # مع الأخت أخرى، أو أخ أو أكثر من ذلك، لانحجبت الأم إلى السدس، وبقي لهما ~~السدس، فأخذوه، ولم تعل المسألة. وأصل المسألة في الأكدرية ستة، وعالت إلى ~~تسعة، وسهام الأخت والجد أربعة بينهما، على ثلاثة لا تصح، فتضرب ثلاثة في ~~تسعة، تكن سبعة وعشرين، ثم كل من له شيء من أصل المسألة مضروب في الثلاثة ~~التي ضربتها في المسألة، فللزوج ثلاثة في ثلاثة: تسعة، وللأم اثنان في ~~ثلاثة: ستة، ويبقى اثنا عشر بين الجد والأخت على ثلاثة؛ له ثمانية، ولها ~~أربعة. # ويعايل بها، فيقال: أربعة ورثوا مال ميت، فأخذ أحدهم ثلثه، والثاني ثلث ~~ما بقي، والثالث ثلث ما بقي، والرابع ما بقي. ويقال: امرأة جاءت قوما، ~~فقالت: إني حامل، فإن ولدت ذكرا فلا شيء له، وإن ولدت أنثى فلها تسع المال ~~وثلث تسعه، وإن ولدت ولدين فلهما السدس. ويقال أيضا: إن ولدت ذكرا فلي ثلث ~~المال، وإن ولدت أنثى فلي تسعاه، وإن ولدت ولدين فلي سدسه. ### | [فصل مات وترك زوجة وأما وأختا وجدا] # (4879) فصل: زوجة وأم وأخت وجد، للزوجة الربع، وللأم الثلث، والباقي بين ~~الجد والأخت على ثلاثة؛ أصلها من اثني عشر، وتصح من ستة وثلاثين. فإن كان ~~مكان الأخت أخ، فالباقي بينهما نصفين، وتصح من أربعة وعشرين. وإن كانتا ~~أختين، قاسمها، وصحت من ثمانية وأربعين. فإن كان أخ وأخت أو ثلاث أخوات، ~~حجبوا الأم إلى السدس، وقسموا الباقي بينهم على خمسة، وصحت من ستين. # فإن زادوا على ذلك، استوى ثلث الباقي والمقاسمة، فافرض له ثلث الباقي، ~~واضرب المسألة في ثلاثة، تصير ستة وثلاثين، ويبقى له ولهم أحد وعشرون، يأخذ ~~ثلثها سبعة، ms3258 والباقي لهم، فإن لم تصح عليهم، ضربتهم أو وفقهم في ستة ~~وثلاثين، فما بلغ فمنه تصح. فإن كانوا من الجهتين لم يبق لولد الأب شيء، ~~واستأثر به ولد الأبوين دونهم. ### | [فصل مات وترك زوجة وأختا وجدا وجدة] # (4880) فصل: زوجة وأخت وجد وجدة؛ فهي كالتي قبلها في فروعها، إلا في أن ~~للجدة السدس مع الأخت الواحدة، والأخ الواحد. ومتى كانوا أكثر من واحد، كان ~~حكم الجدة والأم واحدا. وإن لم يكن معهم جدة، فهي من أربعة؛ للزوجة الربع، ~~ويبقى ثلاثة، للجد سهمان، وللأخت سهم. فإن كان معها أخت أخرى، فالباقي ~~بينهم على أربعة، وتصح من ستة عشر. # وإن كان مكانهما أخ، صحت من ثمانية، فإن كان أخ وأخت وثلاث أخوات، ~~فالباقي بينهم على خمسة، وتصح من عشرين. وإن زادوا على هذا، فأعطه ثلث ~~الباقي بينهما، واقسم الباقي على الباقين، فإن كانوا من الجهتين، فلا شيء ~~لولد الأب؛ لأن الباقي بعد نصيب الجد لا يزيد على النصف، وهو أقل فرض لولد ~~الأبوين. # PageV06P314 ### | [مسألة مات وترك أما وأختا وجدا] # (4881) مسألة قال: (وإذا كانت أم وأخت وجد؛ فللأم الثلث، وما بقي فبين ~~الجد والأخت على ثلاثة أسهم؛ للجد سهمان، وللأخت سهم) وهذه المسألة تسمى ~~الخرقاء، إنما سميت خرقاء لكثرة اختلاف الصحابة فيها، فكأن الأقوال خرقتها. ~~قيل فيها سبعة أقوال: قول الصديق وموافقيه، للأم ثلث، والباقي للجد. وقول ~~زيد وموافقيه، للأم الثلث، أصلها من ثلاثة، ويبقى سهمان بين الأخت والجد، ~~على ثلاثة، وتصح من تسعة. # وقول علي، للأخت النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس. وعن عمر وعبد الله ~~للأخت النصف، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي فللجد. وعن ابن مسعود للأم السدس، ~~والباقي للجد، وهي مثل القول الأول في المعنى. وعن ابن مسعود أيضا، للأخت ~~النصف، والباقي بين الجد والأم نصفان، فتكون من أربعة، وهي إحدى مربعات ابن ~~مسعود وقال عثمان المال بينهم أثلاث، لكل واحد منهم ثلث. وهي مثلثة عثمان ~~وتسمى المسبعة، فيها سبعة أقوال. والمسدسة؛ لأن معنى الأقوال يرجع إلى ستة. ~~وسأل الحجاج عنها ms3259 الشعبي فقال: اختلف فيها خمسة من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وذكر له عثمان وعليا وابن مسعود وزيدا وابن عباس. ### | [فصل مات وترك أما أو جدة وأختين وجدا] # (4882) فصل: أم أو جدة وأختان وجد، المقاسمة خير للجد، ويبقى خمسة على ~~أربعة، فتصح من أربعة وعشرين. أم وأخ وأخت، أو ثلاث أخوات وجد، تصح من ستة. ~~أم وأخوان، أو أخ وأختان، أو أربع أخوات وجد؛ ثلث الباقي والمقاسمة سواء، ~~فإن زادوا على ذلك فرض للجد ثلث الباقي، وانتقلت المسألة إلى ثمانية عشر؛ ~~للأم ثلاثة، وللجد خمسة، يبقى عشرة للإخوة والأخوات، فتصحح المسألة عليهم، ~~فإن كان الإخوة والأخوات من الجهتين، فالباقي كله لولد الأبوين، إلا أن ~~يكون ولد الأبوين أختا واحدة، فلها قدر فرضها، والباقي لهم. # أم وأخت لأبوين وأخ وأخت لأب وجد؛ للأم السدس، وللجد ثلث الباقي، ينتقل ~~إلى ثمانية عشرة، فللأم ثلاثة، وللجد خمسة، وللأخت للأبوين النصف تسعة، ~~يبقى سهم على ثلاثة، فتصح من أربعة وخمسين، وتسمى مختصرة زيد؛ لأنه لو قاسم ~~بالجد لانتقلت إلى ستة وثلاثين، ثم يبقى سهمان على ثلاثة، فتصح من مائة ~~وثمانية، ثم ترجع بالاختصار إلى أربعة وخمسين، فلذلك سميت المختصرة. أم ~~وأخت لأبوين وأخوان وأخت لأب وجد، أصلها من ستة، ثم تنتقل إلى ثمانية عشر، ~~ويفضل لولد الأب سهم على خمسة، تضربها # PageV06P315 # في ثمانية عشر، تكن تسعين، وتسمى تسعينية زيد. # وفي هذا الفصل كله؛ الجدة كالأم، لأن لكل واحدة منهما السدس. ### | [مسألة مات وترك بنتا وأختا وجدا] # (4883) مسألة قال: (وإذا كانت بنت وأخت وجد، فللبنت النصف، وما بقي فبين ~~الجد والأخت، على ثلاثة أسهم، للجد سهمان، وللأخت سهم) إنما كان كذلك؛ لأن ~~المقاسمة هاهنا أحظ للجد. وقال علي - رضي الله عنه - للبنت النصف، وللجد ~~السدس، والباقي للأخت. وعند ابن مسعود الباقي بعد فرض البنت بين الجد ~~والأخت نصفين؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد أخذ المال بالتعصيب، فإذا اجتمعا ~~اقتسما، كما لو كان مكانها أخ. # فأما علي فبنى على أصله في أن الأخوات ms3260 لا يقاسمن الجد، وإنما يفرض لهن، ~~فلم يفرض لها هاهنا؛ لأن الأخت مع البنت عصبة، وأعطى الجد السدس، كما لو ~~انفرد معها، وجعل لها الباقي. ولنا، أن الجد يقاسم الأخت، فيأخذ مثلها إذا ~~كان معها أخ، فكذلك إذا انفردت. وهذه إحدى مربعات ابن مسعود. ### | [فصل مات وترك بنتا وأخا وجدا] # (4884) فصل: بنت وأخ وجد؛ الباقي بعد فرض البنت بينهما نصفين. وإن كان ~~معه أخته، فالباقي بينهم على خمسة. وإن كان أخوان، أو أخ وأختان، أو أربع ~~أخوات، استوى ثلث الباقي والسدس والمقاسمة، فإن زادوا فلا حظ له في ~~المقاسمة، ويأخذ السدس، والباقي لهم. فإن كانوا من الجهتين فليس لولد الأب ~~شيء، ويأخذ ولد الأبوين جميع الباقي. بنت وأختان وجد، الباقي بين الجد ~~والأختين على أربعة، وتصح من ثمانية. # فإن كن ثلاث أخوات، فالباقي بينهم على خمسة. فإن كن أكثر من أربع، فله ~~السدس، أو ثلث الباقي، والباقي لهن. ### | [فصل مات وترك بنتين أو أكثر أو بنت ابن وأختا وجدا] # (4885) فصل: بنتان، أو أكثر، أو بنت ابن وأخت وجد، للبنتين الثلثان، ~~والباقي بين الجد والأخت على ثلاثة، وتصح من تسعة. وإن كان مكانها أخ، ~~فالباقي بينهما على اثنين، وتصح من ستة. وإن كان مكانه أختان، صحت من اثني ~~عشر. ويستوي في هاتين المسألتين السدس والمقاسمة. فإن زادوا عن أخ أو عن ~~أختين، فرضت للجد السدس، وكان الباقي لهم، فإن كان معهم أم أو جدة، فللجد ~~السدس، ولا شيء للإخوة والأخوات. # PageV06P316 ### | [فصل ماتت وتركت زوجا وأختا وجدا] # (4886) فصل: زوج وأخت وجد، للزوج النصف، والباقي بينهما على ثلاثة. وعند ~~علي وابن مسعود للأخت النصف، وللجد السدس، وعالت إلى سبعة. وإن كان مع ~~الأخت أخرى، فالباقي بينهم على أربعة. وعندهما، لهما الثلثان، وتعول إلى ~~ثمانية. وإن كان مكانهما أخ، فالباقي بينهما نصفان. وإن كان أخ وأخت، أو ~~ثلاث أخوات، قاسمهم الجد. وإن كان أخوان، أو من يعدلهما، استوى السدس وثلث ~~الباقي والمقاسمة. # فإن زادوا، فرضت له السدس، والباقي لهم. وإن كان زوج وبنت وأخت ms3261 وجد، ~~فللزوج الربع، وللبنت النصف، والباقي بينهما على ثلاثة. ويستوي السدس هاهنا ~~والمقاسمة. فإن زادوا على أخت واحدة، فرضت للجد السدس، والباقي لهم. وإن ~~كان مع الزوج ابنتان، أو بنت وبنت ابن، أو بنت وأم أو جدة، سقطت الإخوة ~~والأخوات، وفرضت للجد السدس، وعالت المسألة إلى ثلاثة عشر. ### | [فصل مات وترك زوجة وبنتا وأختا وجدا] # (4887) فصل: زوجة وبنت وأخت وجد، الباقي بين الجد والأخت على ثلاثة، وتصح ~~من ثمانية. فإن كان مكان الأخت أخ، أو أختان، فالباقي بينهم. وتصح مع الأخ ~~من ستة عشر، ومع الأختين من اثنين وثلاثين. وإن زادوا فرضت للجد السدس، ~~وانتقلت المسألة إلى أربعة وعشرين، ثم تصحح على المنكسر عليهم وإن كان مع ~~الزوجة ابنتان، أو أكثر، أو بنت وبنت ابن، وبنت وأم، أو جدة، فرضت للجد ~~السدس، ويبقى للإخوة والأخوات سهم من أربعة وعشرين. ### | [باب ذوي الأرحام] # ذوي الأرحام وهم الأقارب الذين لا فرض لهم ولا تعصيب، وهم أحد عشر حيزا؛ ~~ولد البنات، وولد الأخوات، وبنات الإخوة، وولد الإخوة من الأم، والعمات من ~~جميع الجهات، والعم من الأم، والأخوال، والخالات، وبنات الأعمام، والجد أبو ~~الأم، وكل جدة أدلت بأب بين أمين، أو بأب أعلى من الجد. فهؤلاء، ومن أدلى ~~بهم، يسمون ذوي الأرحام. وكان أبو عبد الله يورثهم إذا لم يكن ذو فرض، ولا ~~عصبة، ولا أحد من الوارث، إلا الزوج، والزوجة. # روي هذا القول عن عمر، وعلي، وعبد الله، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن ~~جبل، وأبي الدرداء - رضي الله عنهم -. وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز، ~~وعطاء، وطاوس، وعلقمة، ومسروق، وأهل الكوفة. وكان زيد لا يورثهم، ويجعل ~~الباقي لبيت المال. وبه قال مالك، والأوزاعي، والشافعي - رضي الله عنهم - ~~وأبو ثور، وداود، وابن جرير؛ لأن عطاء بن يسار # PageV06P317 # روى «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب إلى قباء يستخير الله ~~تعالى في العمة والخالة، فأنزل عليه أن لا ميراث لهما.» رواه سعيد، في " ~~سننه "؛ # لأن العمة، وابنة الأخ لا ترثان مع أخويهما، ms3262 فلا ترثان منفردتين، ~~كالأجنبيات. وذلك لأن انضمام الأخ إليهما يؤكدهما ويقويهما، بدليل أن بنات ~~الابن، والأخوات من الأب، يعصبهن أخوهن فيما بقي بعد ميراث البنات والأخوات ~~من الأبوين، ولا يرثن منفردات، فإذا لم يرث هاتان مع أخيهما، فمع عدمه ~~أولى. ولأن المواريث إنما تثبت نصا، ولا نص في هؤلاء. # ولنا قول الله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} ~~[الأنفال: 75] . أي أحق بالتوارث في حكم الله تعالى. قال أهل العلم: كان ~~التوارث في ابتداء الإسلام بالحلف، فكان الرجل يقول للرجل: دمي دمك، ومالي ~~مالك، تنصرني وأنصرك، وترثني وأرثك. فيتعاقدان الحلف بينهما على ذلك، ~~فيتوارثان به دون القرابة، وذلك قول الله عز وجل: {والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] . # ثم نسخ ذلك، وصار التوارث بالإسلام والهجرة، فإذا كان له ولد، ولم يهاجر، ~~ورثه المهاجرون دونه، وذلك قوله عز وجل: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم ~~من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] . ثم نسخ ذلك بقول الله ~~تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] . وروى ~~الإمام أحمد، بإسناده، عن سهل بن حنيف، أن رجلا رمى رجلا بسهم، فقتله، ولم ~~يترك إلا خالا، فكتب فيه أبو عبيدة إلى عمر، فكتب إليه عمر؛ إني سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الخال وارث من لا وارث له» . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن. # وروى المقداد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الخال وارث من ~~لا وارث له، يعقل عنه، ويرثه» . أخرجه أبو داود. وفي لفظ: «مولى من لا مولى ~~له، يعقل عنه، ويفك عانيه» . فإن قيل: المراد به أن من ليس له إلا خال فلا ~~وراث له، كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له، والماء طيب من لا طيب له، ~~والصبر حيلة من لا حيلة له. # أو أنه أراد بالخال السلطان. قلنا: هذا فاسد؛ لوجوه ثلاثة؛ أحدها، أنه ~~قال: " يرث ماله "، وفي لفظ قال: " يرثه ". والثاني، أن الصحابة فهموا ذلك، ~~فكتب عمر بهذا جوابا لأبي ms3263 عبيدة حين سأله عن ميراث الخال، وهم أحق بالفهم ~~والصواب من غيرهم. الثالث، أنه سماه وارثا، والأصل الحقيقة. وقولهم: إن هذا ~~يستعمل للنفي. قلنا: والإثبات، كقولهم: يا عماد من لا عماد له. يا سند من ~~لا سند له. يا ذخر من لا ذخر له. # PageV06P318 # وقال سعيد: حدثنا أبو شهاب، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، ~~عن عمه واسع بن حبان، قال: «توفي ثابت ابن الدحداحة، ولم يدع وارثا ولا ~~عصبة، فرفع شأنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ماله إلى ابن أخته أبي لبابة بن عبد المنذر.» ورواه ~~أبو عبيد، في " الأموال "، إلا أنه قال: ولم يخلف إلا ابنة أخ له، فقضى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بميراثه لابنة أخيه. # ولأنه ذو قرابة، فيرث، كذوي الفروض؛ وذلك لأنه ساوى الناس في الإسلام، ~~وزاد عليهم بالقرابة، فكان أولى بماله منهم، ولهذا كان أحق في الحياة ~~بصدقته وصلته، وبعد الموت بوصيته، فأشبه ذوي الفروض والعصبات المحجوبين، ~~إذا لم يكن من يحجبهم. وحديثهم مرسل. ثم يحتمل أنه لا ميراث لهما مع ذوي ~~الفروض والعصبات؛ ولذلك سمي الخال " وارث من لا وارث له ". أي لا يرث إلا ~~عند عدم الوارث. وقولهم: لا يرثان مع أخيهما. قلنا: لأنهما أقوى منهما. # وقولهم: إن الميراث إنما ثبت نصا. قلنا: قد ذكرنا نصوصا. ثم التعليل واجب ~~مهما أمكن، وقد أمكن هاهنا، فلا يصار إلى التعبد المحض. ### | [مسألة إرث ذوى الأرحام] # (4888) مسألة؛ قال: ويورث ذوو الأرحام فيجعل من لم يسم له فريضة على ~~منزلة من سميت له، ممن هو نحوه، فيجعل الخال بمنزلة الأم، والعمة بمنزلة ~~الأب. وعن أبي عبد الله، رحمه الله، رواية أخرى، أنه جعلها بمنزلة العم. # وبنت الأخ بمنزلة الأخ، وكل ذي رحم لم يسم له فريضة فهو على هذا النحو ~~مذهب أبي عبد الله في توريث ذوي الأرحام مذهب أهل التنزيل، وهو أن ينزل كل ~~واحد منهم منزلة من يمت به من الورثة، ms3264 فيجعل له نصيبه. فإن بعدوا نزلوا ~~درجة درجة إلى أن يصلوا إلى من يمتون به، فيأخذون ميراثه. فإن كان واحدا ~~أخذ المال كله، وإن كانوا جماعة قسمت المال بين من يمتون به، فما حصل لكل ~~وارث جعل لمن يمت به. # فإن بقي من سهام المسألة شيء، رد عليهم على قدر سهامهم. وهذا قول علقمة، ~~ومسروق، والشعبي، والنخعي، وحماد، ونعيم، وشريك وابن أبي ليلى، والثوري، ~~وسائر من ورثهم غير أهل القرابة. وقد روي عن علي، وعبد الله - رضي الله ~~عنهما - أنهما نزلا بنت البنت منزلة البنت، وبنت الأخ منزلة الأخ، وبنت ~~الأخت منزلة الأخت، والعمة منزلة الأب، والخالة منزلة الأم. وروي ذلك عن ~~عمر - رضي الله عنه - في العمة والخالة. # وعن علي أيضا، أنه نزل العمة بمنزلة العم. وروي ذلك عن علقمة، ومسروق. ~~وهي الرواية الثانية عن أحمد. - رضي الله عنه - وعن الثوري، وأبي عبيد، ~~أنهما نزلاها منزلة الجد مع ولد الإخوة والأخوات. ونزلها آخرون منزلة ~~الجدة. وإنما صار هذا الخلاف في العمة؛ لأنها أدلت بأربع جهات وارثات؛ ~~فالأب والعم أخواها، والجد والجدة أبواها. ونزل قوم الخالة جدة؛ # PageV06P319 # لأن الجدة أمها. والصحيح من ذلك تنزيل العمة أبا، والخالة أما، لوجوه ~~ثلاثة؛ أحدها، ما روى الزهري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«العمة بمنزلة الأب، إذا لم يكن بينهما أب، والخالة بمنزلة الأم إذا لم يكن ~~بينهما أم» . رواه الإمام أحمد. # الثاني، أنه قول عمر، وعلي، وعبد الله، في الصحيح عنهم، ولا مخالف لهم في ~~الصحابة. الثالث، أن الأب أقوى جهات العمة، والأم أقوى جهات الخالة، فتعين ~~تنزيلهما بهما دون غيرهما، كبنت الأخ، وبنت العم، فإنهما ينزلان منزلة ~~أبويهما دون أخويهما. ولأنه إذا اجتمع لهما قرابات، ولم يمكن توريثهما ~~بجميعهما، ورثتا بأقواهما، كالمجوس عند من لم يورثهم بجميع قراباتهم، ~~وكالأخ من الأبوين، فإنا نورثه بالتعصيب، وهي جهة أبيه، دون قرابة أمه. # فأما أبو حنيفة وأصحابه، فإنهم ورثوهم على ترتيب العصبات، فجعلوا أولاهم ~~من كان من ولد الميت وإن سفلوا، ثم ms3265 ولد أبويه أو أحدهما وإن سفلوا، ثم ولد ~~أبوي أبويه وإن سفلوا كذلك أبدا، لا يرث بنو أب أعلى، وهناك بنو أب أقرب ~~منه، وإن نزلت درجتهم. وعن أبي حنيفة، أنه جعل أبا الأم وإن علا أولى من ~~ولد البنات، ويسمى مذهبهم مذهب أهل القرابة. ولنا، أنهم فرع في الميراث على ~~غيرهم، فوجب إلحاقهم بمن هم فرع له، وقد ثبت أن ولد الميت من الإناث لا ~~يسقط ولد أبيه، فأولى أن لا يسقطهم ولده. # مسائل: من ذلك؛ بنت بنت وبنت بنت ابن، المال بينهما على أربعة. فإن كان ~~معهما بنت أخ، فالباقي لها، وتصح من ستة. فإن كان معهما خالة، فلبنت البنت ~~النصف، ولبنت بنت الابن السدس، تكملة الثلثين، وللخالة السدس، والباقي لبنت ~~الأخ. فإن كان مكان الخالة عمة، حجبت بنت الأخ، وأخذت الباقي؛ لأن العمة ~~كالأب، فتسقط من هو بمنزلة الأخ، ومن نزلها عما جعل الباقي لبنت الأخ، ~~وأسقط العمة، ومن نزلها جدا قاسم بنت الأخ الثلث الباقي بينهما نصفين، ومن ~~نزلها جدة جعل لها السدس، ولبنت الأخ الباقي. # وفي قول أهل القرابة، أنه لا ترث بنت الأخ مع بنت البنت، ولا مع بنت بنت ~~الابن شيئا. ### | [فصل انفراد أحد من ذوي الأرحام] # (4889) فصل: إذا انفرد أحد من ذوي الأرحام، أخذ المال كله، في قول جميع ~~من ورثهم. وإن كانوا جماعة، لم يخل؛ إما أن يدلوا بشخص واحد، أو بجماعة، ~~فإن أدلوا بشخص واحد، وكانوا في درجة واحدة، فالمال بينهم على حسب مواريثهم ~~منه. فإن أسقط بعضهم بعضا، كأبي الأم، والأخوال، فأسقط الأخوال؛ لأن الأب ~~يسقط الإخوة والأخوات. فإن كان بعضهم أقرب من بعض، فالميراث لأقربهم، ~~كخالة، # PageV06P320 # وأم أبي أم، أو ابن خال، فالميراث للخالة؛ لأنها تلقى الأم بأول درجة # وهذا قول عامة المنزلين، إلا أنه حكي عن النخعي، وشريك، ويحيى بن آدم، في ~~قرابة الأم خاصة، أنهم أماتوا الأم، وجعلوا نصيبها لورثتها. ويسمى قولهم ~~قول من أمات السبب. واستعمله بعض الفرضيين في جميع ذوي الأرحام. فعلى ~~قولهم، يكون ms3266 للخالة نصف ميراث الأم؛ لأنها أخت، ولأم أبي الأم السدس؛ لأنها ~~جدة، والباقي لابن الخال؛ لأنه ابن أخ. # ولنا، أن الميراث من الميت، لا من سببه؛ ولذلك ورثنا أم أم الأم، دون ابن ~~عم الأم، بغير خلاف أيضا في أبي أم أم، وابن عم أبي أم، أن المال للجد؛ ~~لأنه أقرب. ولو كانت الأم الميتة، كان وارثها ابن عم أبيها، دون أبي أمها. ~~خالة وأم أبي أم وعم أم، المال للخالة، وعندهم للخالة النصف، وللجدة السدس، ~~والباقي للعم. فإن لم يكن فيها عم أم، فالمال بين الخالة وأم أبي الأم على ~~أربعة # فإن لم يكن فيها جدة، فالمال بين الخالة وعمها نصفين. ابن خالة وابن عم ~~أم، المال لابن الخالة. وعندهم لابن عم الأم. فأما إن أدلى جماعة بجماعة، ~~جعلت المال للمدلى بهم، كأنهم أحياء، فقسمت المال بينهم على ما توجبه ~~الفريضة، فما صار لكل واحد منهم، فهو لمن أدلى به، إذا لم يسبق بعضهم بعضا، ~~فإن سبق بعضهم بعضا، وكانوا من جهة واحدة، فالسابق إلى الوارث أولى. # وإن كانوا من وجهتين، نزل البعيد حتى يلحق بمن أدلى به، فيأخذ نصيبه، ~~سواء سقط به القريب أو لم يسقط # هذا ظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه -. ونقل عنه جماعة من أصحابه في خالة ~~وبنت خالة وبنت ابن عم، للخالة الثلث، ولابنة ابن العم الثلثان، ولا تعطى ~~بنت الخالة شيئا. ونقل حنبل عنه، أنه قال: قال سفيان قولا حسنا: إذا كانت ~~خالة وبنت ابن العم، تعطى الخالة الثلث، وتعطى بنت ابن العم الثلثين. وظاهر ~~هذا يدل على ما قلناه. وهو قول الثوري، ومحمد بن سالم، والحسن بن صالح # وقال ضرار بن صرد: إن كان البعيد إذا نزل أسقط القريب، فالقريب أولى، وإن ~~لم يكن يسقطه نزل البعيد حتى يلحق بالوارث. وقال سائر المنزلين: الأسبق إلى ~~الوارث أولى بكل حال. ولم يختلفوا فيما علمت في تقديم الأسبق، إذا كان من ~~جهة واحدة، إلا نعيما، ومحمد بن سالم، فإنهما قالا في عمة وبنت عمة: ms3267 المال ~~بينهما نصفين # ولم أعلم أحدا من أصحابنا، ولا من غيرهم، عد الجهات، وبينها، إلا أبا ~~الخطاب، فإنه عدها خمس جهات، الأبوة، والأمومة، والبنوة، والأخوة، ~~والعمومة. وهذا يفضي إلى أن ابنة العم من الأم، أو بنت العمة من الأم، ~~مسقطة لبنت العم من الأبوين، ولا أعلم أحدا قال به. وقد ذكر الخرقي هذا في ~~ثلاث بنات عمومة مفترقين، أن المال لبنت العم من الأبوين # وبيان إفضائه إلى ذلك، أن بنت العم من الأم أبوها يدلي بالأب، وبنت العم ~~من الأبوين تدلي بأبيها، والأب # PageV06P321 # يسقط العم، وكذلك بنت العمة من جهة الأب، وبنت العم من جهة العم. فالصواب ~~إذا أن تكون الجهات أربعا؛ الأبوة، والبنوة، والأخوة، والأمومة. ### | [مسألة بنت بنت بنت وبنت بنت بنت بنت وبنت أخ] # مسائل في هذا الباب: بنت بنت بنت وبنت بنت بنت بنت وبنت أخ، المال بين ~~الأولى والثالثة، وسقطت الثانية، إلا عند محمد بن سالم، ونعيم، فإنها ~~تشاركهما. ومن ورث الأقرب، جعله لبنت الأخ؛ لأنها أسبق، وقول أهل القرابة ~~هو للأولى وحدها؛ لأنها من ولد الميت، وهي أقرب من الثانية # ابن خال وبنت عم، ثلث، وثلثان. ومن ورث الأسبق جعله لبنت العم، وإن كان ~~معها بنت عمة فلا شيء لها؛ لأن بنت العم أسبق إلى الوارث منهما، وهما من ~~جهة واحدة. وإن كان معهم عمة، سقطت بنت العم؛ لأن العمة بمنزلة الأب، وبنت ~~العم بمنزلة العم بنت بنت بنت وبنت بنت ابن، المال لبنت بنت الابن عند ~~الجميع، إلا عند ابن سالم، ونعيم # بنت بنت بنت وابن أخ من أم، المال للأولى، ومن ورث الأقرب جعله لابن ~~الأخ، وهو قول ضرار؛ لأن البعيد إذا نزل أسقط القريب. بنت بنت وبنت بنت ~~ابن، المال بينهما على أربعة عند جميع المنزلين، وعند أهل القرابة، هو لبنت ~~البنت؛ لأنها أقرب. ابن بنت بنت وبنت أخ، هو بينهما، ومن ورث الأقرب جعله ~~لبنت الأخ، وعند أهل القرابة هو لابن بنت البنت. ابن بنت وابن ابن ابن أخت ~~لأبوين؛ المال ms3268 بينهما، وعند من ورث الأقرب، وأهل القرابة، هو للأول. بنت أخ ~~وبنت عم، أو بنت عمة. # المال لبنت الأخ. وقياس قول أحمد، - رضي الله عنه - في توريث البعيد من ~~القريب إن كان من جهتين؛ أن يكون لبنت العم، والعمة؛ لأنهما من جهة الأب، ~~وذلك قول ضرار أيضا. ابن أخت وابن عم لأم، المال بينهما، ومن ورث الأقرب ~~جعله لابن الأخت، وهو قول أهل القرابة أيضا؛ لأنها من ولد أبوي الميت، وابن ~~العم للأم من ولد أبوي أبويه. بنت عم وبنت عم أب؛ هو للأولى عند الجميع، ~~إلا عند ابن سالم، ونعيم. بنت بنت بنت، وأم أب أم. # المال بينهما على أربعة. بنت بنت بنت وأبو أم أب، مثلها عندنا، وعند من ~~ورث الأقرب جعله للثاني. بنت بنت بنت ابن وعمة، أو خالة، للأولى النصف في ~~الأولى، ومع الخالة لها ثلاثة أرباع المال، وعند من ورث الأقرب؛ الكل للعمة ~~وللخالة. ويحتمل أن تكون الجهات ثلاثا؛ الأبوة، والبنوة، والأمومة؛ لأن جعل ~~العمومة جهة خامسة يفضي إلى إسقاط بنت العم ببنت العمة، كما ذكرنا # وإن جعلنا الأخوة جهة رابعة، مع نفي جهة العمومة، أفضى إلى إسقاط ولد ~~الإخوة والأخوات ببنات الأعمام والعمات. وإذا جعلنا جميعهم جهة واحدة، ~~وورثنا أسبقهم إلى الوارث، كان أولى. والله أعلم. # PageV06P322 ### | [مسألة كان وارث غير الزوج والزوجة أو مولى نعمة] # (4890) مسألة؛ قال: (وإذا كان وارث غير الزوج والزوجة، أو مولى نعمة، فهو ~~أحق بالمال من ذوي الأرحام) في هذه المسألة فصول ثلاثة: (4891) أحدها: أن ~~الرد يقدم على ميراث ذوي الأرحام، فمتى خلف الميت عصبة، أو ذا فرض من ~~أقاربه، أخذ المال كله، ولا شيء لذوي الأرحام. وهذا قول عامة من ورث ذوي ~~الأرحام. وقال الخبري: لم يختلفوا أن الرد أولى منهم، إلا ما روي عن سعيد ~~بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، أنهما ورثا الخال مع البنت. # فيحتمل أنهما ورثاه لكونه عصبة، أو مولى؛ لئلا يخالف الإجماع، وقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «الخال وارث من لا وارث له» ms3269 . ومن مسائل هذا الفصل ~~أبو أم وجدة؛ المال للجدة بنت ابن وبنت بنت ابن ابن أخ، وابن أخت عم وعمة، ~~ثلاثة بني إخوة مفترقين؛ لا شيء لذي الرحم في جميع ذلك # (4892) الفصل الثاني: أن المولى المعتق وعصباته أحق من ذوي الأرحام. وهو ~~قول عامة من ورثهم من الصحابة وغيرهم، وقول من لا يرى توريثهم أيضا. وروي ~~عن ابن مسعود تقديمهم على المولى، وبه قال ابنه أبو عبيدة، وعبيد الله بن ~~عبد الله بن عتبة، وعلقمة، والأسود، وعبيدة، ومسروق، وجابر بن زيد، ~~والشعبي، والنخعي، والقاسم بن عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، وميمون بن ~~مهران # والأول أصح؛ لقوله - عليه السلام -: «الخال وارث من لا وارث له. والمولى ~~وارث» . ولأن المولى يعقل، وينصر، فأشبه العصبة من النسب. (4893) الفصل ~~الثالث: في توريثهم مع الزوج والزوجة. لا أعلم خلافا بين من ورثهم أنهم ~~يرثون مع أحد الزوجين ما فضل عن ميراثه، من غير حجب له، ولا معاولة، واختلف ~~في كيفية توريثهم معه، فروي عن إمامنا أنهم يرثون ما فضل كما يرثون المال ~~إذا انفردوا # وهذا قول أبي عبيد، ومحمد بن الحسن، واللؤلؤي، وعامة من ورثهم. وقال يحيى ~~بن آدم، وضرار: يقسم المال الباقي بينهم على قدر سهام من يدلون به مع أحد ~~الزوجين، على الحجب والعول، ثم نفرض للزوج فرضه كاملا، من غير حجب ولا عول، ~~يقسم الباقي بينهم على قدر سهامهم. فإنما يقع الخلاف في مسألة فيها من يدلي ~~بذي فرض، ومن يدلي # PageV06P323 # بعصبة، فأما إن أدلى جميعهم بذي فرض، أو عصبة، فلا خلاف فيه # ومن مسائل ذلك؛ زوج وبنت بنت وبنت أخت، أو ابن أخت، أو أولاد أخت، أو بنت ~~أخ، أو بنات أخ؛ فللزوج النصف، والباقي بين بنت البنت ومن معها نصفين. وقال ~~يحيى وضرار: المسألة من أربعة؛ للزوج الربع، وللبنت النصف، سهمان، يبقى سهم ~~لمن معها، ثم يفرض للزوج النصف، والنصف الآخر بينهم على ثلاثة؛ لبنت البنت ~~سهمان، ولمن معها سهم # فإن كان مكان الزوج زوجة، فرضت المسألة من ثمانية؛ ms3270 للمرأة سهم، وللبنت ~~أربعة، ويبقى ثلاثة لمن بقي، ثم يفرض للمرأة الربع، ويقسم الباقي بينهم على ~~سبعة، تضربها في أربعة، تكن ثمانية وعشرين، ومنها تصح، للمرأة الربع سبعة، ~~ولبنت البنت أربعة أسباع الباقي اثنا عشر، ويبقى تسعة لمن معها. زوج وبنت ~~بنت وخالة وبنت عم، للزوج النصف، والباقي بين ذوي الأرحام على ستة؛ لبنت ~~البنت ثلاثة، وللخالة سهم، ويبقى لبنت العم سهمان، وتصح من اثني عشر سهما # وفي قول يحيى وضرار؛ تفرض المسألة من اثني عشر؛ للزوج ثلاثة، وللبنت ستة، ~~وللأم سهمان، ويبقى للعم سهم، ثم يعطى الزوج النصف، وتجمع سهام الباقين، ~~وهي تسعة، فيقسم النصف الباقي على تسعة، فلا تصح، فتضربها في اثنين، تكن ~~ثمانية عشر. وإن كان مكان الزوج امرأة، فعلى قول الجمهور؛ للمرأة الربع، ~~والباقي بين ذوي الأرحام على ستة # وهي توافق باقي مسألة الزوجة بالأثلاث، فردها إلى اثنين، وتضربها في ~~أربعة، تكن ثمانية عشر، للمرأة سهمان، ولبنت البنت نصف الباقي ثلاثة، ~~وللخالة سهم، ولبنت العم سهمان. وعلى قول يحيى، تفرضها من أربعة وعشرين؛ ~~لذوي الأرحام منها أحد وعشرون، ثم تفرض للمرأة الربع من أربعة، لها سهم، ~~ولهم ثلاثة، توافق سهامهم بالثلث، فتضرب ثلثها في أربعة، تكن ثمانية ~~وعشرين، ومنها تصح. امرأة، وثلاث بنات، ثلاثة إخوة مفترقين. # امرأة، وبنت بنت، وثلاث إخوة مفترقين، امرأة، وبنت بنت، وثلاث خالات ~~مفترقات، وثلاث عمات مفترقات. ### | [فصل لا يعول من مسائل ذوي الأرحام إلا مسألة واحدة] # (4894) فصل: ولا يعول من مسائل ذوي الأرحام إلا مسألة واحدة، وشبهها، ~~وهي، خالة، أو غيرها ممن يقوم مقام الأم أو الجدة، وست بنات، ست أخوات ~~مفترقات، أو من يقوم مقامهن ممن يأخذ المال بالفروض، فإن للخالة السدس، ~~ولولد الأم الثلث، ولبنات الأختين من الأبوين الثلثان، أصلها من ستة، وعالت ~~إلى سبعة. ### | [مسألة يورث الذكور والإناث من ذوي الأرحام بالسوية] # (4895) مسألة؛ قال: (ويورث الذكور والإناث من ذوي الأرحام بالسوية، إذا ~~كان أبوهم واحدا، وأمهم واحدة، إلا الخال، والخالة، فللخال الثلثان، ~~وللخالة الثلث) # PageV06P324 # اختلفت الرواية عن أحمد ms3271 في توريث الذكور والإناث من ذوي الأرحام، إذا ~~كانوا من أب واحد وأم واحدة، فنقل الأثرم، وحنبل، وإبراهيم بن الحارث، في ~~الخال، والخالة: يعطون بالسوية. فظاهر هذا التسوية في جميع ذوي الأرحام # وهو اختيار أبي بكر، ومذهب أبي عبيد، وإسحاق، ونعيم بن حماد؛ لأنهم يرثون ~~بالرحم المجرد، فاستوى ذكرهم وأنثاهم، كولد الأم. ونقل يعقوب بن بختان: إذا ~~ترك ولد خاله. وخالته، اجعله بمنزلة الأخ والأخت، للذكر مثل حظ الأنثيين، ~~وكذلك ولد العم والعمة. ونقل عنه المروذي، في من ترك خاله وخالته: للخال ~~الثلثان، وللخالة الثلث، فظاهر هذا التفضيل، وهو قول أهل العراق، وعامة ~~المنزلين. # لأن ميراثهم معتبر بغيرهم، فلا يجوز حملهم على ذوي الفروض؛ لأنهم يأخذون ~~المال كله، ولا على العصبة البعيد؛ لأن ذكرهم ينفرد بالميراث دون الإناث، ~~فوجب اعتبارهم بالقرب من العصبات، والإخوة والأخوات. ويجاب عن هذا بأنهم ~~معتبرون بولد الأم، وإنما يأخذون كل المال بالفرض والرد، واتفق الجميع على ~~التسوية بين ولد الأم؛ لأن آباءهم يستوي ذكرهم وأنثاهم، إلا في قياس قول من ~~أمات السبب، فإن للذكر مثل حظ الأنثيين. والذي نقل الخرقي؛ التسوية بين ~~الجميع، إلا في الخال والخالة # ولم أعلم له موافقا على هذا القول، ولا علمت وجهه. وأما قوله: " إذا كان ~~أبوهم واحدا، وأمهم واحدة ". فلأن الخلاف إنما هو في ذكر وأنثى، أبوهما ~~وأمهما واحد، فأما إذا اختلف آباؤهم وأمهاتهم، كالأخوال والخالات ~~المفترقين، والعمات المفترقات، أو إذا أدلى كل واحد منهم بغير من أدلى به ~~الآخر، كابن بنت وبنت بنت أخرى، فلذلك موضع آخر يذكر فيه غير هذا، إن شاء ~~الله تعالى # ومن مسائل ذلك؛ ابن أخت معه أخته، أو ابن بنت معه أخته، المال بينهما ~~نصفان عند من سوى، وعند أهل القرابة، وسائر المنزلين، المال بينهما على ~~ثلاثة. ابنا وابنتا أخت لأبوين وثلاثة بنين وثلاث بنات أخت لأب وأربعة بني ~~ولد وأربع بنات أخت لأم، أصل المسألة من خمسة؛ للأخت من الأبوين ثلاثة بين ~~ولدها على أربعة وللأخت من الأب سهم بين ولدها على ms3272 ستة، وللأخت من الأم سهم ~~بين ولدها على ثمانية. # والأربعة داخلة فيها، والستة توافقها بالنصف، فتضرب نصفها في ثمانية، تكن ~~أربعة وعشرين، ثم في خمسة تكن مائة وعشرين، ومن فضل أبقى ولد الأم بحالهم، ~~وجعل ولد الأخت من الأبوين ستة، توافقهم سهامهم بالثلث، فيرجعون إلى اثنين، ~~فيدخلان في الثمانية، وولد الأخت من الأب تسعة، تضربها في ثمانية، تكن ~~اثنين وسبعين، ثم في خمسة، تكن ثلاثمائة وستين. وإن كانوا أولاد عمات أو ~~خالات مفترقات فكذلك. وإن كانوا أولاد بنات، أو أولاد أخوات من أبوين، أو ~~من أب، فهي من اثنين وسبعين، عند من # PageV06P325 # سوى # ومن مائة وثمانية عند من فضل. وقول أهل العراق: هي من سبعة وعشرين كأولاد ~~البنين. ### | [فصل إذا كان معك أولاد بنات أو أخوات قسمت المال بين أمهاتهم على عددهن] # (4896) فصل: وإذا كان معك أولاد بنات أو أخوات، قسمت المال بين أمهاتهم ~~على عددهن فما أصاب كل واحدة منهن فهو لولدها بالسوية عند من سوى، وعند من ~~فضل جعله بينهم على حسب ميراثهم. واختلف أصحاب أبي حنيفة، فذهب أبو يوسف ~~إلى قسم المال بينهم على عددهم دون مراعاة أمهاتهم إذا استووا، أو ممن ~~يدلون به من الآباء والأمهات إلى بنات الميت، للذكر مثل حظ الأنثيين؛ ~~كأولاد البنين # وجعل محمد بن الحسن من أدلى بابن ابنا، وإن كان أنثى، ومن أدلى بالأنثى ~~أنثى وإن كان ذكرا، وجعل المدلى بهم بعدد المدلين، ثم قسم بينهم على عددهم، ~~فما أصاب ولد الابن قسمه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وما أصاب ولد الأنثى ~~قسمه بينهم كذلك. ### | [مسائل بنت ابن بنت وابن بنت بنت] # مسائل: من ذلك؛ بنت ابن بنت، وابن بنت بنت، قول من سوى، المال بينهما ~~نصفين، وقول من فضل، إن كانا من ولد بنين، فكذلك، وإن كانا من ولد بنت ~~واحدة، فالمال بين ابنها وبنتها، لابنها ثلثاه، ولبنتها ثلثه، فما أصاب ~~ابنها فهو لبنته، وما أصاب بنتها فهو لابنها، فيصير للبنت سهمان، وللابن ~~سهم، وقول محمد كذلك، وقول أبي يوسف ms3273 للابن سهمان، وللبنت سهم، كابن الميت ~~وبنته # ابنا بنت بنت، وابن ابن بنت، قول من سوى لابن ابن البنت النصف، والباقي ~~بين الباقين على ثلاثة، سواء كانوا من ولد بنت، أو من ولد بنين، وقول ~~المفضلين إن كانوا من ولد بنين فلابن ابن البنت النصف، والنصف الآخر بين ~~الباقين على خمسة. وإن كانوا من ولد بنت، فلابن ابن البنت الثلثان، والثلث ~~الباقي للباقين، على خمسة؛ لأن المال كان للبنت الأولى، فقسم بين ابنها ~~وبنتها أثلاثا، للابن سهمان، فهما لابنه، وللبنت سهمان، فهو لولدها # قول محمد يقسم بينهم على خمسة، لابن الابن سهمان؛ لأنه يدلي بابن، ~~وللباقين ثلاثة؛ لأنهم يدلون بأنثى. قول أبي يوسف يقسم بينهم على سبعة، لكل ~~ابن سهمان، وللبنت سهم. ابنا بنت بنت وبنتا ابن بنت، قول من سوى، المال ~~بينهم على أربعة بكل حال. قول المفضلين إن كانوا من ولد بنتين، فكذلك، وإن ~~كانوا من ولد واحدة فلابنها الثلثان بين ابنتيه، ولابنتها الثلث بين ابنيها # قول أبي يوسف، المال بينهم على ستة، لكل ذكر سهمان، ولكل أنثى سهم. قول ~~محمد، لكل ذكر سهم ولكل أنثى سهمان. # PageV06P326 # ابن وابنتا ابن أخت، وثلاثة بنين وثلاث بنات بنت أخت. قول من سوى النصف ~~بين الأولين على أربعة، والنصف الباقي بين الآخرين على ستة، وتصح من أربعة ~~وعشرين # قول من فضل، إن كانوا من ولد واحدة، فللأولين الثلثان بينهم على ستة، ~~وللآخرين الثلث بينهم على تسعة، وتصح من أربعة وخمسين، وإن كانوا من ولد ~~اثنتين صحت من ستة وثلاثين. قول أبي يوسف للذكر مثل حظ الأنثيين، وتصح من ~~خمسة عشر. وقول محمد، ولد ابن الأخت بمنزلة أربعة ذكور، وولد بنت الأخت كست ~~إناث، فيقسم المال بينهم على أربعة عشر، فلولد ابن الأخت منها ثمانية أسهم، ~~بينهم على ستة، وللآخرين ستة، بينهم على سبعة، وتصح من اثنين وأربعين، ~~وترجع بالاختصار إلى أحد وعشرين. ابنتا أخ وابن وابنة أخت. # لابنتي الأخ الثلثان، في قول المنزلين جميعهم. وقول محمد الثلث لولدي ~~الأخت، بينهما بالسوية، ms3274 عند من سوى. ومن فضل جعله بينهما أثلاثا. وهذا قول ~~محمد. وقال أبو يوسف: لابن الأخت سهمان، ولكل واحد من الباقين سهم، وتصح من ~~خمسة. ### | [فصل بنت بنت وبنت بنت ابن] # (4897) فصل: بنت بنت، وبنت بنت ابن، هي من أربعة عند المنزلين جميعهم، ~~وعند أهل القرابة هو لبنت البنت؛ لأنها أقرب، فإن كان معهما بنتا بنت ابن ~~أخرى، فكأنهم بنت. وابنتا ابن، فمسألتهم من ثمانية، وتصح من ستة عشر. ابن ~~بنت ابن وبنت ابن بنت، المال للابن؛ لأنه أقرب إلى الوارث. وهذا قول عامة ~~من ورثهم، إلا ما حكي عن ابن سالم في أنه ينزل البعيد حتى يلحق بوارثه، ~~فيكون المال بينهما على أربعة؛ للبنت ثلاثة # وللابن سهم، كبنت وبنت ابن بنت بنت ابن وبنت بنت ابن ابن، وابنتا بنت ابن ~~آخر، للأولى ثلاثة أرباع المال، والربع الباقي بين الباقيات على أربعة، ~~فتضربها في أصل المسألة، تكن من ستة عشر. ابن وبنت بنت، وثلاث بنات. بنت ~~وابنا بنت ابن، لا شيء لهذين في قول الجميع؛ لأن أمهما تسقط باستكمال ~~البنات الثلثين، ويكون النصف بين الابن وأخته على اثنين، والنصف الآخر على ~~ثلاث، وتصح من اثني عشر عند من سوى، ومن فضل جعلها بينهم على ستة، وهو قول ~~أهل القرابة أيضا. بنت بنت بنت وبنت ابن بنت أخرى وبنت بنت ابن ابن. # المال لهذه، إلا في قول أهل القرابة، فإنه للأوليين. وقول من أمات السبب، ~~وورث البعيد مع القريب، المال بين بنت ابن بنت، وبنت بنت ابن ابن، على ~~أربعة، وتسقط الأخرى؛ لأن هذه وارثة البنت في أول درجة. بنت بنت وبنت بنت ~~بنت أخرى وبنت بنت ابن، المال بين الأولى والأخيرة، على المنزلين # وقال أهل القرابة: هو للأولى. قول ابن سالم: هو للأوليين، وتسقط الثالثة. # PageV06P327 ### | [مسألة ابن أخت وبنت أخت أخرى] # (4898) مسألة؛ قال: (وإذا كان ابن أخت، وبنت أخت أخرى، أعطي ابن الأخت حق ~~أمه النصف، وبنت الأخت الأخرى حق أمها النصف. وإن كان ابن، وبنت أخت، وبنت ~~أخت أخرى؛ ms3275 فللابن، وبنت الأخت، النصف بينهما نصفين، ولبنت الأخت الأخرى ~~النصف) # أما المسألة الأولى، فلا خلاف فيها بين المنزلين؛ لأن كل واحد منهما له ~~ميراث من أدلى به. وهو قول محمد بن الحسن أيضا. وقال أبو يوسف: يعتبرون ~~بأنفسهم، فيكون لابن الأخت الثلثان، ولبنت الأخت الثلث. وأما المسألة ~~الثانية، فلا خلاف بين المنزلين في أن لولد كل أخت ميراثها، وهو النصف. ومن ~~سوى جعل النصف بين ابن الأخت وأخته نصفين، والنصف الآخر لبنت الأخت الأخرى، ~~فتصح من أربعة. # ومن فضل جعل النصف بينهما على ثلاثة، وتصح من ستة. # وقال أبو يوسف: للابن النصف، ولكل بنت الربع، وتصح من أربعة. وقال محمد: ~~لولد الأخت الأولى الثلثان بينهما على ثلاثة، وللأخرى الثلث، وتصح من تسعة. ~~وإذا انفرد ولد كل أخ، أو أخت، فالعمل فيه على ما ذكرنا في أولاد البنات. ~~ومتى كان الأخوات، أو الإخوة، من ولد الأم، فاتفق الجميع على التسوية بين ~~ذكرهم وأنثاهم، إلا الثوري، ومن أمات السبب. ثلاث بنات أخ وثلاث بني أخت. # إن كانا من أم، فالمال بينهم على عددهم، وإن كانا من أب، أو من أبوين، ~~فلبنات الأخ الثلثان، ولبني الأخت الثلث، وتصح من تسعة عند المنزلين. وعند ~~محمد مثله. وفي قول أبي يوسف يجعل لبني الأخت الثلثين، ولبنات الأخ الثلث. ~~ابن وبنت أخت لأبوين وابن أخت لأم، هي من أربعة عند من فضل. وعند من سوى ~~تصح من ثمانية. قول محمد كأنهما أختان من أبوين، وأخت من أم، فتصح من خمسة ~~عشر # فإن كان ولد الأم أيضا ابنا، وابنة، صحت عند جميعهم من ثمانية، إلا ~~الثوري، فإنه يجعل للذكر من ولد الأم مثل حظ الأنثيين، فتصح عنده من اثني ~~عشر. وعند محمد، هي من ثمانية عشر. ابنا أخت لأبوين، وابن وابنة أخت لأب، ~~وابنا أخت أخرى لأب، في قول عامتهم من ثمانية، وتصح من اثنين وثلاثين عند ~~من سوى، وعند من فضل من ثمانية وأربعين. وقول محمد، يسقط ولد الأب ويتفق ~~قوله مع قول أبي يوسف، في ms3276 أن المال لولد الأخت من الأبوين. ابن أخت لأبوين. ~~وابن وابنة أخت لأم وابنا وابنتا أخت أخرى لأم. # قول المنزلين من عشرين، الثوري من ثلاثين، محمد من ستين. ### | [مسألة إن كن ثلاث بنات أخوات مفترقات] # (4899) مسألة؛ قال: (فإن كن ثلاث بنات ثلاث أخوات مفترقات، فلبنت الأخت ~~من الأب والأم ثلاثة أخماس المال، ولبنت الأخت من الأب الخمس، ولبنت الأخت ~~من الأم الخمس) # PageV06P328 # جعلهن مكان أمهاتهن # وكذلك إن كن ثلاث عمات مفترقات. مذهب أحمد وسائر المنزلين في ولد ~~الأخوات، أن المال يقسم بين الأخوات على قدر سهامهن، فما أصاب كل أخت فهو ~~لولدها. والمال في مسألتنا بين الأخوات على خمسة، فيكون بين أولادهن كذلك. ~~وكذلك إن كن ثلاث عمات مفترقات؛ لأنهن أخوات الأب، فميراثه بينهن كميراث ~~الأخوات المفترقات من أخيهن. وكذلك الحكم في ثلاث خالات مفترقات؛ لأنهن ~~أخوات الأم، فميراثها بينهن كذلك # وقدم أهل القرابة من كان لأب وأم من جميعهم، ثم من كان لأب، ثم من كان ~~لأم، إلا محمد بن الحسن، فإنه قسم ميراث أولاد الأخوات على أعدادهم، ~~وأقامهم مقام أمهاتهن، كأنهم أخوات. ومن مسائل ذلك؛ ست بنات ثلاث أخوات ~~مفترقات، المال بين الأخوات على خمسة، فما أصاب كل واحدة فهو لبنتيها، وتصح ~~من عشرة # قول أبي يوسف، المال كله لولد الأبوين. قول محمد، لهما الثلثان، ولولد ~~الأم الثلث، وتصح من ستة. ست بنات ست أخوات مقترفات، لبنتي الأختين من ~~الأبوين الثلثان، ولولد الأم الثلث، وتصح من ستة. وهذا قول محمد. ابن أخت ~~لأبوين وابن وابنة أخت لأب، وابنا وابنتا أخت أخرى لأب، وثلاثة بنين وثلاث ~~بنات أخت لأم، هي من مائة وعشرين عند من سوى، ومن ستين عند من فضل، ومن ~~أربعة وخمسين عند محمد # فإن كان معهم أربعة بنين، وأربع بنات أخرى لأم، صحت من مائة وأربعة ~~وأربعين عند المنزلين كلهم. قول محمد، كأنهم أخت لأبوين، وست أخوات لأب، ~~وأربع عشرة أختا لأم، وسهم ولد الأب بينهم على تسعة، فتصح من ثلاثمائة ~~وثمانية وسبعين. فإن كان ولد ms3277 الأخت للأبوين ابنا وبنتا، صحت كذلك عند ~~المنزلين، وعند محمد، كأنهما أختان لأبوين، فيسقط ولد الأب، وتصح من مائة ~~وستة وعشرين # والقول في العمات المفترقات، والخالات المفترقات، وأولادهن، كالقول في ~~ولد الأخوات المفترقات. ### | [مسألة ثلاث بنات ثلاثة إخوة مفترقين] # (4900) مسألة؛ قال: (إذا كن ثلاث بنات ثلاثة إخوة مفترقين، فلبنت الأخ من ~~الأم السدس، والباقي لبنت الأخ من الأب والأم) هذا قول جميع المنزلين؛ لأن ~~الإخوة المفترقين يسقط ولد الأب منهم بولد الأبوين، وللأخ للأم السدس، ~~والباقي كله للأخ للأبوين، ثم ما صار لكل أخ فهو لولده # وكذلك الحكم في الأخوال المفترقين وأولادهم؛ لأن الأخوال إخوة الأم. ~~مسائل من ذلك؛ ست بنات ستة إخوة مفترقين، لولد الأم الثلث والباقي لولد ~~الأبوين، ست بنات مفترقين لولد الأم السدس، والباقي لولد الأبوين. قول ~~محمد، لولد الأم الثلث. بنت أخ لأبوين وابن أخ لأم، وبنت أخ آخر لأم. ابن # PageV06P329 # وبنت بنت أخ لأب وابنا وابنتا ابن أخ لأم، وثلاثة بنين وثلاث بنات بنت ~~أخت لأم، تصح من اثنين وسبعين عند المنزلين. فإن كان مكان الأخ من الأب ~~أخت، كانت من ستين # فإن كان معهم ابن بنت أخت من أبوين، عادت إلى اثنين وسبعين. ### | [فصل بنت أخ لأم وبنت ابن أخ لأب] # (4901) فصل: بنت أخ لأم وبنت ابن أخ لأب، للأولى السدس، والباقي للثانية ~~عند المنزلين. وفي القرابة هو للأولى؛ لأنها أقرب إلى الميت. بنت بنت أخ ~~لأبوين وبنت ابن أخ لأبوين، المال لهذه في قولهم جميعا. بنت ابن أخ لأم ~~وبنت بنت أخ لأبوين وابن بنت أخ لأب، للأولى السدس، والباقي للثانية. وقال ~~أبو يوسف: الكل للثانية # بنت أخ لأم وبنت بنت أخ لأب، المال للأولى، إلا في قول الثوري، وابن ~~سالم، وضرار: للأولى السدس، والباقي للثانية؛ لأنهم يورثون البعيد مع ~~القريب، وإن كانوا من جهة واحدة. ### | [فصل مات وترك ابن وبنت أخت لأبوين وبنتا أخ لأب وثلاثة بني أخت لأب وخمسة بني أخت لأم وعشر بنات أخ لأم] # فصل: ابن وبنت أخت لأبوين ms3278 وبنتا أخ لأب وثلاثة بني أخت لأب وخمسة بني أخت ~~لأم وعشر بنات أخ لأم، أصلها من ثمانية عشر، وتصح من خمسمائة وأربعين؛ في ~~قول المنزلين، النصف من ذلك بين ولدي الأخت للأبوين بالسوية، عند من سوى، ~~وأثلاثا عند من فضل، ولولد الأم الثلث، وهو مائة وثمانون، ولولد الأخ ~~تسعون، ولولد الأخت تسعون، ولولد الأب تسعون، ولولد الأخ ستون، ولولد الأخت ~~ثلاثون. ثلاث بنات إخوة مفترقين وثلاث بنات أخوات مفترقات، لولدي الأم ~~الثلث بينهما بالسوية، والباقي لولدي الأبوين، لبنت الأخ ثلثاه، ولبنت أخت ~~ثلثه # وإن كان معهم ثلاثة بني أخوال مفترقين، فلهم السدس، لابن الخال من الأم ~~سدسه، وباقيه لابن الخال من الأبوين، ويبقى النصف، لبنت الأخ من الأبوين ~~ثلثاه، ولبنت الأخت ثلثه، وتصح من ستة وثلاثين. والحكم في ثلاثة أخوال ~~مفترقين في قسمة ميراث الأم بينهم، كالحكم في ثلاثة إخوة مفترقين في قسم ~~ميراثهم بينهم. وكذلك ثلاثة أخوال مفترقين، مع ثلاثة خالات مفترقات، كثلاث ~~بنات إخوة مفترقين مع ثلاث بنات أخوات مفترقات، على ما ذكرنا. ### | [مسألة ثلاث بنات عمومة مفترقين] # (4903) مسألة؛ قال: (وإذا كان ثلاث بنات عمومة مفترقين، فالمال لبنت العم ~~من الأب والأم، لأنهن أقمن مقام آبائهن) أكثر أهل التنزيل على هذا، وهو قول ~~أهل القرابة. وقال الثوري: المال بين بنت العم من الأبوين # PageV06P330 # وبنت العم من الأم على أربعة. وقال أبو عبيد: لبنت العم من الأم السدس، ~~والباقي لبنت العم من الأبوين، كبنات الإخوة. ولا يصح شيء من هذا؛ لأنهن ~~بمنزلة آبائهن، ولو كان آباؤهن أحياء لكان المال للعم من الأبوين # وفارق بنات الإخوة؛ لأن آباءهن يكون المال بينهم على ستة، ويرث الأخ من ~~الأم مع الأخ من الأبوين، بخلاف العمومة. وقيل، على قياس قول محمد بن سالم: ~~المال لبنت العم من الأم؛ لأنها بعد درجتين بمنزلة الأب، فيسقط به العم. ~~قال الخبري: وليس بشيء. وقد ذكر أبو الخطاب في كتاب " الهداية " قولا من ~~رأيه يفضي إلى هذا، فإنه ذكر أن الأبوة جهة، والعمومة جهة أخرى. # وأن ms3279 البعيد والقريب من ذوي الأرحام إذا كانا من جهتين، نزل البعيد حتى ~~يلحق بوارثه، سواء سقط به القريب، أو لم يسقط، فيلزم على هذا أن تنزل بنت ~~العم من الأم حتى تلحق بالأب، فيسقط بها ابنتا العمين الآخرين. وأظن أبا ~~الخطاب لو علم إفضاء هذا القول إلى هذا لم يقله، ولم يذهب إليه، لما فيه من ~~مخالفة الإجماع، ومقتضى الدليل، واسقاط القوي بالضعيف، والقريب بالبعيد. ~~ولا يختلف المذهب في أن الحكم في هذه المسألة على ما قال الخرقي # ومن مسائل ذلك؛ بنت عم لأبوين وبنت عم لأب، المال للأولى. بنت عم لأب ~~وبنت عم لأم، كذلك. بنت عم لأب وبنت ابن عم لأبوين، كذلك. بنت ابن عم لأب ~~وبنت عم لأم، المال للأولى عند المنزلين، وهو للثانية عند أهل القرابة؛ ~~لأنها أقرب. بنت عم لأم، وبنت بنت عم لأبوين، المال للأولى في قولهم جميعا. ~~بنت عم وابن عمة. # المال لبنت العم عند الجمهور. وحكي عن الثوري أن لبنت العم سهمين، ولابن ~~العمة سهم. بنت بنت عم وبنت ابن عم، المال لهذه عند الجمهور. وقول ابن ~~سالم: هو للأولى. بنت عمة من أبوين وبنت عم من أم، لبنت العم السدس، ولبنت ~~العمة النصف، ثم يرد عليهما الباقي، فيكون بينهما على أربعة # ثلاث بنات عمات مفترقات وبنت عم من أم، المال بينهن على ستة. فإن كان ~~معهن بنت عم من أبوين، أو أب، ورثت المال دونهن. ### | [مسألة ثلاث خالات مفترقات وثلاث عمات مفترقات] # (4904) مسألة؛ قال: (فإن كن ثلاث خالات مفترقات، وثلاث عمات مفترقات، ~~فالثلث بين الثلاث خالات على خمسة أسهم، والثلثان بين الثلاث عمات على خمسة ~~أسهم) فتصح من خمسة عشر سهما؛ للخالة التي من قبل الأب والأم ثلاثة أسهم، ~~وللخالة التي من قبل الأب سهم، وللخالة التي من قبل الأم سهم، وللعمة التي ~~من قبل الأب والأم ستة أسهم، وللعمة التي من قبل الأب سهمان، وللعمة التي ~~من قبل الأم سهمان # إنما كان كذلك؛ لأن الخالات بمنزلة الأم، # PageV06P331 # والعمات بمنزلة الأب، ms3280 فكأن الميت خلف أباه، وأمه، فلأمه الثلث، والباقي ~~لأبيه، ثم ما صار للأم بين أخواتها على خمسة؛ لأنهن أخوات لها مفترقات، ~~فيقسم نصيبها بينهن بالفرض والرد، على خمسة، كما يقسم مال الميت بين أخواته ~~المفترقات. وما صار للأب قسم بين أخواته على خمسة، فصار الكسر في الموضعين ~~على خمسة، وإحداهما تجزئ عن الأخرى؛ لأنهما عددان متماثلان، فنضرب خمسة في ~~أصل المسألة، وهو ثلاثة، فصارت خمسة عشر. # كما ذكر، للخالات سهم في خمسة، مقسومة بينهن، كما ذكر، وللعمات سهمان في ~~خمسة، تكن عشرة بينهن، على خمسة، كما ذكر أيضا. وهذا قول عامة المنزلين. ~~وعند أهل القرابة؛ للعمة من الأبوين الثلثان، وللخالة من الأبوين الثلث، ~~وسقط سائرهن. وقال نعيم، وإسحاق: الخالات كلهن سواء، فيكون نصيبهن بينهن ~~على ثلاثة. وكذلك نصيب العمات بينهن على ثلاثة يتساوين فيه، فتكون هذه ~~المسألة عندهما من تسعة # فإن كان مع الخالات خال من أم، ومع العمات عم من أم، فسهم كل واحد من ~~الفريقين بينهم على ستة، وتصح من ثمانية عشر سهما عند المنزلين. ثلاثة ~~أخوال مفترقين معهم أخواتهم، وعم وعمة من أم، الثلث بين الأخوال والخالات ~~على ستة، للخال والخالة من الأم ثلاثة بينهما بالسوية، وثلثاه للخال ~~والخالة من الأبوين بينهما على ثلاثة عند من فضل، وهو قول أكثر المنزلين، ~~وإحدى الروايتين عن أحمد، وذكرها الخرقي في الخال والخالة خاصة دون سائر ~~ذوي الأرحام # والرواية الأخرى، هو بينهما على السوية، والثلثان بين العم والعمة ~~بالسوية. ثلاث عمات وثلاث بنات عم، وثلاث خالات وثلاثة بني خال، الميراث ~~للعمات والخالات، ويسقط الباقون، فيكون للخالات الثلث، والباقي للعمات. فإن ~~كان معهم ثلاث بنات إخوة، فللخالات السدس، والباقي للعمات؛ لأنهن بمنزلة ~~الأب فيسقط بهن بنات الإخوة؛ لأنهن بمنزلة الإخوة # ويحتمل أن يجعل أولاد الإخوة والأخوات من جهة الأبوة، فيقدم ولد الأبوين، ~~وولد الأب على العمات؛ لأنهم أولاد بنيه، والعمات أخواته. ووجه هذا ~~الاحتمال أننا إذا جعلنا الأخوة جهة. والأبوة جهة أخرى، مع ما تقرر من ~~أصلنا أن البعيد والقريب إذا ms3281 كانا من جهتين، نزل البعيد حتى يلحق بوارثه، ~~سواء سقط به القريب، أو لم يسقط، لزم منه سقوط ولد الإخوة ببنات العم من ~~الأم؛ لأنهن من جهة الأب. ويلزم من هذا أن يسقطن ببنات العمات، وبنات ~~الأعمام كلهم # فأما إن كان مكان العمات والخالات بناتهن، فللخالات السدس بين بناتهن على ~~خمسة، والباقي لبنات الإخوة، لبنت الأخ من الأم السدس، والباقي لبنت الأخ ~~من الأبوين، وتصح المسألة من ثلاثين. فإن لم يكن بنات إخوة من أبوين، ولا ~~من أب، فالباقي لبنت العم من الأبوين. ### | [فصل خالة وابن عمة] # (4905) فصل: خالة وابن عمة، للخالة الثلث، والباقي لابن العمة، وهذا قول ~~الثوري، ومن ورث البعيد مع القريب. # PageV06P332 # وفي قول أكثر المنزلين، وأهل القرابة، المال للخالة؛ لأنها أقرب. وكذلك ~~إن كان مكان الخالة خال. عمة وابن خال معه أخته، الثلث بين ابن الخال وأخته ~~بالسوية، إن كان أبوهما خالا من أم، وإن كان من أب، أو من أبوين، ففيه ~~روايتان؛ إحداهما، هو بينهما بالسوية أيضا. # والثانية، على ثلاثة، والباقي للعمة. وعند أكثر الفرضيين، المال للعمة. ~~بنت عم وابن عمة وبنت خال وابن خالة، الثلث بين بنت الخال، وابن الخالة ~~بالسوية، إن كانا من أم، وإن كانا من أبوين، أو من أب، فهل هو بينهما ~~بالسوية، أو على ثلاثة؟ فيه روايتان. وإن كان ابن الخالة من أم، والخال من ~~أب، فلابن الخالة سدس الثلث، والباقي لبنت الخال، وإن كانت بنت الخال من ~~أم، وابن الخالة من أب، فالثلث بينهما على أربعة، والباقي لابن العم # وعند أكثر المنزلين، المال كله لبنت العم؛ لأنها أسبق إلى الوارث. خالة ~~وبنت عم، ثلث، وثلثان، وعند أهل القرابة، هو للخالة. عمة وبنت عم، من نزل ~~العمة أبا جعل المال لها، ومن نزلها عما جعل المال بينهما نصفين. وكذلك من ~~أمات السبب. بنت ابن عم لأب وبنت عمة لأبوين، المال لبنت ابن العم. ابن ~~خالة من أم وبنت خالة من أب وبنت عم من أم وابن عمة من أب، الثلث من ms3282 أربعة، ~~والثلثان من أربعة أيضا، وتصح من اثني عشر، وفي القرابة، الثلث لبنت ~~الخالة، والثلثان لابن العمة، وتصح من ثلاثة. ### | [فصل خال وخالة وأبو أم] # (4906) فصل: خال وخالة وأبو أم، المال لأبي الأم. فإن كان معهم ابنة عم، ~~أو عمة، فالثلث لأبي الأم، والباقي لابنة العم، أو العمة. وإن كان مكان أبي ~~الأم أمه فلا شيء لها؛ لأن الخالة أسبق إلى الوارث، والجهة واحدة. خالة ~~وأبو أم أم، المال للخالة؛ لأنها بمنزلة الأم، وهي تسقط أم الأم. ابن خال ~~وابن أخ من أم، المال بينهما على ثلاثة، كأنهما أم وأخ من أم # وعند المنزلين هو لابن الأخ. فإن كان معهما ابن أخت من أب، فالمال بينهم ~~على خمسة؛ لابن الأخت ثلاثة أخماسه، ولكل واحد منهما الخمس. وإن كان معهم ~~بنت أخ من أبوين، فلها النصف، ولكل واحد من الباقين السدس. وعند المنزلين، ~~لا شيء لابن الخال، والمال بين الباقين على خمسة # خال وابن ابن أخت لأم، المال بينهما على ثلاثة. وعند المنزلين، هو للخال. ~~بنت بنت أخت لأبوين وابن ابن أخ لأم، وبنت ابن أخ لأب وبنت خالة، لهذه ~~السدس، والباقي لبنت ابن الأخ. وعند المنزلين، المال كله له. ### | [فصل عمة وابنة أخ] # (4907) فصل: عمة وابنة أخ، المال للعمة عند من نزلها أبا، ولابنة الأخ ~~عند من نزلها عما، وبينهما عند من نزلها # PageV06P333 # جدا. بنت عم وبنت عمة وبنت أخ من أم وبنت أخ من أب، لبنت الأخ من الأم ~~السدس، والباقي لبنت الأخ من الأب، فإن لم يكن بنت أخ من أب، فالباقي لبنت ~~العم، ويجيء على قول من نزل البعيد حتى يلحقه بوارثه، وجعل الأبوة جهة، ~~والأخوة جهة، أن يسقط أولاد الإخوة. فإن جعل الأبوة جهة، والعمومة جهة ~~أخرى، أسقط بنت العم ببنت العمة، وقيل: إن هذا قول ابن سالم، وهو بعيد. بنت ~~عم وبنت خال وبنت أخ من أب. # لبنت الخال الثلث، والباقي لبنت الأخ، وعند أكثر المنزلين، الكل لبنت ~~الأخ. ثلاث بنات أخوات مفترقات وثلاث بنات ms3283 عمات مفترقات، السدس الباقي بين ~~بنات العمات على خمسة، وتصح من ثلاثين. فإن كان معهم خال، أو خالة أو أحد ~~من أولادهما، فله السدس، ولا شيء لولد العمات، إلا على قول ابن سالم، ~~وأصحابه، فإنه يورثهم، ويسقط ولد الأخوات. ويقتضيه قول أبي الخطاب. خالة، ~~وعمة وثلاث بنات ثلاث أخوات مفترقات، للخالة السدس، والباقي للعمة # ومن نزلها عما فلبنتي الأخت من الأبوين النصف، ولبنتي الأخت من الأب ~~السدس، ولبنتي الأخت من الأم السدس. فإن كن بنات ست أخوات مفترقات، عالت ~~على هذا إلى سبعة. ### | [فصل عمات الأبوين وأخوالهما وخالاتهما] # (4908) فصل: في عمات الأبوين وأخوالهما وخالاتهما؛ مذهبنا ما تقدم من ~~تقديم الأسبق إلى الوارث إن كانا من جهة واحدة، وتنزيل البعيد حتى يلحق ~~بوارثه إن كانا من جهتين، ثم يجعل لمن يدلي به ما كان له. وأكثر المنزلين ~~يعطون الميراث للأسبق بكل حال. والمشهور عن أهل العراق أن نصيب الأم بين ~~خالها وخالتها، وعمها وعمتها، على ثلاثة، ونصيب الأب بين عماته وخالاته ~~كذلك # ومن مسائل ذلك؛ ثلاث خالات أم مفترقات وثلاثة أعمام أم مفترقين وثلاث ~~خالات أب مفترقات، فخالات الأم بمنزلة أم الأم، وخالات الأب بمنزلة أم ~~الأب، فيكون المال بين هاتين الجدتين نصفين، ونصيب كل واحدة منهما بين ~~أخواتها على خمسة، وتسقط عمات الأم؛ لأنهن بمنزلة أبي الأم، وهو غير وارث. ~~فإن كان معهم عمات أب، فلخالات الأب والأم السدس بينهما، والباقي لعمات ~~الأب؛ لأنهن بمنزلة الجد. عمة أب وعمة أم، لعمة الأم الثلث، والباقي لعمة ~~الأب # هذا قياس المذهب، وهو قول أهل العراق. وقال القاضي: المال لعمة الأب؛ ~~لأنها أسبق؛ لأنها أخت الجد، وهو وارث. وهذا قول أكثر المنزلين؛ لأنهم ~~يورثون الأسبق بكل حال. خالة أم وعمة أب، للخالة السدس، والباقي للعمة؛ ~~لأنهما كجد وجدة. وكذلك القول في خالة أب وعمته # خالة أم وخالة أب، المال للخالة؛ لأنهما بمنزلة أم أم، وأم أم أب. خال أب ~~وعم أم، المال للخال؛ لأنه بمنزلة جدة، والجدات بمنزلة الأمهات. بنت خال ~~أم، وبنت ms3284 عم أب، لبنت الخال السدس، ولبنت العم ما بقي. ومن ورث الأسبق جعل ~~الكل لبنت العم. أبو أبي أم وأبو أم أب، المال لأبي أم الأب. فإن كان معهما # PageV06P334 # أبو أم أم فهو بينهما نصفين؛ لأنهما بمنزلة جدتين متحاذيتين # أبو أم أبي أم، وأبو أبي أم أم، المال لهذا؛ لأنه أسبق. فإن كان معهما ~~أبو أم أبي أب، فالمال له؛ لأنه بأول درجة يلقى الوارث. أب وأم أبي أم، لأم ~~أبي الأم الثلث، والباقي للأب. فإن كان معهما أبو أم أم، فالمال له؛ لأنه ~~يدلي بوارث. وإن كان معهم أبو أم أب، فالمال بين هذا والذي قبله نصفين. ### | [فصل كان لذي الرحم قرابتان] # (4909) فصل: وإذا كان لذي الرحم قرابتان، ورث بهما، بإجماع من المورثين ~~لهم، إلا شيئا يحكى عن أبي يوسف، أنهم لا يرثون إلا بقرابة واحدة. وليس ~~بصحيح عنه، ولا صحيح في نفسه؛ لأنه شخص له جهتان لا يرجح بهما، فورث بهما، ~~كالزوج إذا كان ابن عم، وابن العم إذا كان أخا من أم، وحساب ذلك أن تجعل ذا ~~القرابتين كشخص، فتقول في ابن بنت بنت، هو ابن ابن بنت أخرى، وبنت بنت بنت ~~أخرى، للابن الثلثان، وللبنت الثلث # فإن كانت أمهما واحدة، فله ثلاثة أرباع المال عند من سوى، ولأخته الربع. ~~ومن فضل جعل له النصف، والثلث، ولأخته السدس. وهذا قول أكثر المنزلين، وقول ~~أبي حنيفة، ومحمد. وقياس قول أبي يوسف، له أربعة أخماس المال، ولأخته الخمس # بنتا أخت من أم، إحداهما بنت أخ من أب، وبنت أخت من أبوين، هي من اثني ~~عشر، ستة لبنت الأخت من أبوين، وأربعة لذات القرابتين من جهة ابنها، ولها ~~سهم من جهة أمها، وللأخرى سهم. عمتان من أب، إحداهما خالة من أم، وخالة من ~~أبوين، هي من اثني عشر أيضا، لذات القرابتين خمسة، وللعمة الأخرى أربعة، ~~وللخالة من الأبوين ثلاثة. فإن كان معهما عم من أم هو خال من أب، صحت من ~~تسعين # ابن وبنت ابن عمة من أم، البنت هي ms3285 بنت عم من أم والعم هو خال من أب. ابن ~~وبنت ابن خال من أب، الابن هو ابن بنت خال أخر من أب، والخالان عمان من أم، ~~هي من ثمانية عشر. ### | [مسألة الخنثى المشكل يرث نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى] # مسائل شتى؛ يعني متفرقة، فإنها مسائل من أبواب متفرقة، يقال: شتى، وشتان، ~~وقال الله تعالى: {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى} [الحشر: 14] . وقال تعالى: ~~{إن سعيكم لشتى} [الليل: 4] . وقال الشاعر: # قد عشت في الناس أطوارا على طرق ... شتى وقاسيت فيها اللين والفظعا # (4910) مسألة؛ قال: (والخنثى المشكل يرث نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى. ~~فإن بال من حيث يبول الرجل فليس بمشكل، وحكمه في الميراث وغيره حكم رجل. ~~وإن بال من حيث تبول المرأة فله حكم امرأة) # PageV06P335 # الخنثى هو الذي له ذكر وفرج امرأة، أو ثقب في مكان الفرج يخرج منه البول. ~~وينقسم إلى مشكل وغير مشكل، فالذي يتبين فيه علامات الذكورية، أو الأنوثية، ~~فيعلم أنه رجل، أو امرأة، فليس بمشكل، وإنما هو رجل فيه خلقة زائدة، أو ~~امرأة فيها خلقة زائدة، # وحكمه في إرثه وسائر أحكامه حكم ما ظهرت علاماته فيه، ويعتبر بمباله في ~~قول من بلغنا قوله من أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من ~~أهل العلم على أن الخنثى يورث من حيث يبول، إن بال من حيث يبول الرجل، فهو ~~رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة، فهو امرأة # وممن روي عنه ذلك؛ علي، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وأهل ~~الكوفة، وسائر أهل العلم. قال ابن اللبان: روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن ~~عباس، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن مولود له قبل وذكر، من أين ~~يورث؟ قال: من حيث يبول» . وروي أنه - عليه السلام - «أتي بخنثى من ~~الأنصار، فقال: ورثوه من أول ما يبول منه.» ولأن خروج البول أعم العلامات؛ ~~لوجودها من الصغير والكبير. # وسائر العلامات إنما يوجد بعد الكبر، مثل نبات اللحية، وتفلك الثدي، ~~وخروج المني، والحيض، والحبل. ms3286 وإن بال منهما جميعا، اعتبرنا أسبقهما. نص ~~عليه أحمد. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب. وبه قال الجمهور. فإن خرجا معا، ~~ولم يسبق أحدهما، فقال أحمد، في رواية إسحاق بن إبراهيم: يرث من المكان ~~الذي ينزل منه أكثر. وحكي هذا عن الأوزاعي، وصاحبي أبي حنيفة # ووقف في ذلك أبو حنيفة، ولم يعتبره أصحاب الشافعي - رضي الله عنه - في ~~أحد الوجهين. ولنا، أنها مزية لإحدى العلامتين، فيعتبر بها، كالسبق. فإن ~~استويا فهو حينئذ مشكل. فإن مات له من يرثه، فقال الجمهور: يوقف الأمر حتى ~~يبلغ، فيتبين فيه علامات الرجل؛ من نبات اللحية، وخروج المني من ذكره، ~~وكونه مني رجل، أو علامات النساء؛ من الحيض. # والحبل، وتفلك الثديين. نص عليه أحمد، في رواية الميموني. وحكي عن علي، ~~والحسن، أنهما قالا: تعد أضلاعه، فإن أضلاع المرأة أكثر من أضلاع الرجل ~~بضلع. # قال ابن اللبان: ولو صح هذا، لما أشكل حاله، ولما احتيج إلى مراعاة ~~المبال. وقال جابر بن زيد: يوقف إلى جنب حائط، فإن بال عليه فهو رجل، وإن ~~شلشل بين فخذيه فهو امرأة # وليس على هذا تعويل، والصحيح ما ذكرناه، إن شاء الله تعالى وإنه يوقف ~~أمره ما دام صغيرا، فإن احتيج إلى قسم الميراث، أعطي هو ومن معه اليقين، ~~ووقف الباقي إلى حين بلوغه، فتعمل # PageV06P336 # المسألة على أنه ذكر، ثم على أنه أنثى، وتدفع إلى كل وارث أقل النصيبين، ~~ويقف الباقي حتى يبلغ. فإن مات قبل بلوغه، أو بلغ مشكلا، فلم تظهر فيه ~~علامة، ورث نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى # نص عليه أحمد، وهذا قول ابن عباس، والشعبي، وابن أبي ليلى، وأهل المدينة، ~~ومكة، والثوري، واللؤلؤي وشريك، والحسن بن صالح، وأبي يوسف، ويحيى بن آدم، ~~وضرار بن صرد، ونعيم بن حماد. وورثه أبو حنيفة بأسوأ حالاته، وأعطى الباقي ~~لسائر الورثة. وأعطاه الشافعي ومن معه اليقين، ووقف الباقي حتى يتبين ~~الأمر، أو يصطلحوا # وبه قال أبو ثور، وداود، وابن جرير. وورثه بعض أهل البصرة على الدعوى ~~فيما بقي بعد اليقين، وبعضهم ms3287 بالدعوى من أصل المال. وفيه أقوال شاذة سوى ~~هذه. ولنا، قول ابن عباس، ولم نعرف له في الصحابة منكرا، ولأن حالتيه ~~تساوتا، فوجبت التسوية بين حكميهما، كما لو تداعى نفسان دارا بأيديهما، ولا ~~بينة لهما # وليس توريثه بأسوأ أحواله بأولى من توريث من معه بذلك، فتخصيصه بهذا تحكم ~~لا دليل عليه، ولا سبيل إلى الوقف؛ لأنه لا غاية له تنتظر، وفيه تضييع ~~المال مع يقين استحقاقهم له. ### | [فصل كيفية توريثهم الخنثى المشكل] # (4911) فصل: واختلف من ورثه نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى في كيفية ~~توريثهم، فذهب أكثرهم إلى أن يجعلوا مرة ذكورا، ومرة إناثا، وتعمل المسألة ~~على هذا مرة، وعلى هذا مرة، ثم تضرب إحداهما في الأخرى إن تباينتا، أو في ~~وفقهما إن اتفقتا، وتجتزئ بإحداهما إن تماثلتا، أو بأكثرهما إن تناسبتا، ~~فتضربهما في اثنين، ثم تجمع ما لكل واحد منهما إن تماثلتا، وتضرب ما لكل ~~واحد منهما في الأخرى إن تباينتا، أو في وفقهما إن اتفقتا، فتدفعه إليه # ويسمى هذا مذهب المنزلين، وهو اختيار أصحابنا. وذهب الثوري واللؤلؤي، في ~~الولد إذا كان فيهم خنثى، إلى أن يجعل للأنثى سهمين، وللخنثى ثلاثة، وللذكر ~~أربعة؛ وذلك لأننا نجعل للأنثى أقل عدد له نصف، وهو اثنان، وللذكر ضعف ذلك ~~أربعة، وللخنثى نصفهما، وهو ثلاثة فيكون معه نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث ~~أنثى. وهذا قول لا بأس به # وهذا القول يوافق الذي قبله في بعض المواضع، ويخالفه في بعضها، وبيان ~~اختلافهما، أننا لو قدرنا ابنا وبنتا وولدا خنثى، لكانت المسألة على هذا ~~القول من تسعة، للخنثى الثلث، وهو ثلاثة، وعلى القول الأول مسألة الذكورية ~~من خمسة، والأنوثية من أربعة، تضرب إحداهما في الأخرى تكن عشرين، ثم في ~~اثنين تكن أربعين، للبنت سهم في خمسة، وسهم في أربعة، يكن لها تسعة، وللذكر ~~ثمانية عشر، وللخنثى سهم في خمسة، وسهمان في أربعة، يكن لها ثلاثة عشر، وهي ~~دون ثلث الأربعين # وقول من ورثه بالدعوى فيما بقي بعد # PageV06P337 # اليقين يوافق قول المنزلين في أكثر المواضع، فإنه ms3288 يقول في هذه المسألة: ~~للذكر الخمسان بيقين، وهي ستة عشر من أربعين، وهو يدعي النصف عشرين، وللبنت ~~الخمس بيقين، وهي تدعي الربع، وللخنثى الربع بيقين، وهو يدعي الخمسين، ستة ~~عشر، والمختلف فيه ستة أسهم يدعيها الخنثى كلها، فتعطيه نصفها، ثلاثة، مع ~~العشرة التي معه، صارت له ثلاثة عشر، الابن يدعي أربعة، فتعطيه نصفها، ~~سهمين، صار له ثمانية عشر، والبنت تدعي سهمين، فتدفع إليها سهما، صار لها ~~تسعة # وقد ورثه قوم بالدعوى من أصل المال، فعلى قولهم، يكون الميراث في هذه ~~المسألة من ثلاثة وعشرين؛ لأن المدعى هاهنا نصف، وربع، وخمسان، ومخرجها ~~عشرون، يعطى الابن النصف، عشرة، وللبنت خمسة، والخنثى ثمانية، تكن ثلاثة ~~وعشرين. فإن لم يكن في المسألة بنت، ففي قول الثوري: هي من سبعة. وكذلك قول ~~من ورثهما بالدعوى من أصل المال، وفي التنزيل من اثني عشر، للابن سبعة، ~~وللخنثى خمسة، وهو قول من ورثه بالدعوى فيما عدا اليقين # وإن كانت بنت وولد خنثى، ولا عصبة، معهما، فهي من خمسة، في قول الثوري، ~~ومن اثني عشر في التنزيل. وإن كان معهما عصبة، فهي من ستة؛ للخنثى ثلاثة، ~~وللبنت سهمان، وللعصبة سهم. في الأقوال الثلاثة. فإن كان معهما أم، وعصبة، ~~فهي في التنزيل من ستة وثلاثين، للأم ستة، وللخنثى ستة عشر، وللبنت أحد ~~عشر، وللعصبة ثلاثة # وقياس قول الثوري أن يكون للخنثى والبنت ثلاثة أرباع المال بينهما على ~~خمسة، وللأم السدس، ويبقى نصف السدس للعصبة، وتصح من ستين. وإن كان ولد ~~خنثى، وعصبة، فللخنثى ثلاثة أرباع المال، والباقي للعصبة، إلا في قول من ~~ورثهما بالدعوى من أصل المال، فإنه يجعل المال بينهما أثلاثا؛ لأن الخنثى ~~تدعي المال كله، والعصبة تدعي نصفه، فتضيف النصف إلى الكل، فيكون ثلاثة ~~أنصاف، لكل نصف ثلث # بنت، وولد ابن خنثى وعم، هي في التنزيل من اثني عشر، وترجع بالاختصار إلى ~~ستة؛ للبنت النصف، وللخنثى الثلث، وللعم السدس. ### | [فصل إن كان كان الخنثى يرث في حال دون حال] # (4912) فصل: وإن كان الخنثى يرث في حال دون ms3289 حال، كزوج وأخت وولد أب خنثى، ~~فمقتضى قول الثوري أن يجعل للخنثى نصف ما يرثه في حال إرثه، وهو نصف سهم، ~~فتضمه إلى سهام الباقين، وهي ستة، ثم تبسطها أنصافا؛ ليزول الكسر، فتصير ~~ثلاثة عشر، له منها سهم، والباقي، بين الزوج والأخت نصفين. وقد عمل أبو ~~الخطاب هذه المسألة على هذا في كتاب " الهداية ". وأما في التنزيل، فتصح من ~~ثمانية وعشرين، للخنثى سهمان، وهي نصف سبع، ولكل واحد من الآخرين ثلاثة عشر # وإن كان زوج وأم وأخوان من أم وولد أب خنثى، فله في حال الأنوثية ثلاثة ~~من تسعة، فاجعل له نصفها مضموما إلى سهام باقي المسألة، ثم ابسطها تكن خمسة ~~عشر، له منها ثلاثة وهي الخمس. وفي التنزيل له ستة من # PageV06P338 # ستة وثلاثين، وهي السدس. وإن كانت بنت وبنت ابن وولد أخ خنثى وعم، فهي من ~~ستة؛ للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وللخنثى السدس، وللعم ما بقي على ~~القولين جميعا. ### | [فصل مات وخلف خنثيين فصاعدا] # (4913) فصل: وإن خلف خنثيين فصاعدا، نزلتهم بعدد أحوالهم في أحد الوجهين، ~~فتجعل للاثنين أربعة أحوال، وللثلاثة ثمانية، وللأربعة ستة عشر، وللخمسة ~~اثنين وثلاثين حالا، ثم تجمع مالهم في الأحوال كلها، فتقسمه على عدد ~~أحوالهم، فما خرج بالقسم فهو لهم، إن كانوا من جهة واحدة، وإن كانوا من ~~جهات جمعت ما لكل واحد منهم في الأحوال، وقسمته على عدد الأحوال كلها، ~~فالخارج بالقسم هو نصيبه، وهذا قول ابن أبي ليلى، وضرار، ويحيى بن آدم. ~~وقول محمد بن الحسن على قياس قول الشعبي # والوجه الآخر، أنهم ينزلون حالين؛ مرة ذكورا، ومرة إناثا، كما تصنع في ~~الواحد. وهذا قول أبي يوسف. والأول أصح؛ لأنه يعطي كل واحد بحسب ما فيه من ~~الاحتمال، فيعدل بينهم. وفي الوجه الآخر يعطي بعض الاحتمالات دون بعض، وهذا ~~تحكم لا دليل عليه. وبيان هذا في ولد خنثى وولد أخ خنثى وعم، إن كانا ذكرين ~~فالمال للولد. # وإن كانا أنثيين فللولد النصف، والباقي للعم، فهي من أربعة عند من نزلهم ~~حالين؛ للولد ثلاثة ms3290 أرباع المال، وللعم ربعه. ومن نزلهم أحوالا، زاد حالين ~~آخرين، وهو أن يكون الولد وحده ذكرا، وأن يكون ولد الأخ وحده ذكرا، فتكون ~~المسألة من ثمانية؛ للولد المال في حالين، والنصف في حالين، فله ربع ذلك، ~~وهو ثلاثة أرباع المال، ولولد الأخ نصف المال في حال، فله ربعه، وهو الثمن، ~~وللعم مثل ذلك، وهذا أعدل # ومن قال بالدعوى فيما زاد على اليقين، قال: للأخ النصف يقينا، والنصف ~~الآخر يتداعونه، فيكون بينهم أثلاثا، وتصح من ستة. وكذلك الحكم في أخ خنثى ~~وولد أخ، وفي كل عصبتين يحجب أحدهما الآخر، ولا يرث المحجوب شيئا إذا كان ~~أنثى. ولو خلف بنتا وولدا خنثى وولد ابن خنثى وعصبة، فمن نزلهما حالين ~~جعلهما من ستة؛ للولد الخنثى ثلاثة، وللبنت سهمان، والباقي للعم. ومن ~~نزلهما أربعة أحوال، جعلها من اثني عشر. # وجعل لولد الابن نصف السدس، وللعم سدسه، وهذا أعدل الطريقين؛ لما في ~~الطريق الآخر من إسقاط ولد الابن مع أن احتمال توريثه كاحتمال توريث العم. ~~وهكذا تصنع في الثلاثة وما كان أكثر منها. ويكفي هذا القدر من هذا الباب، ~~فإنه نادر قل ما يحتاج إليه، واجتماع خنثيين وأكثر نادر النادر، ولم يسمع ~~بوجوده، فلا حاجة إلى التطويل فيه. ### | [فصل ميراث شخصين ليس لهما في قبلهما مخرج لا ذكر ولا فرج] # (4914) فصل: وقد وجدنا في عصرنا شيئا شبيها بهذا، لم يذكره الفرضيون، ولم ~~يسمعوا به، فإنا وجدنا شخصين # PageV06P339 # ليس لهما في قبلهما مخرج، لا ذكر، ولا فرج، أما أحدهما فذكروا أنه ليس في ~~قبله إلا لحمة ناتئة كالربوة، يرشح البول منها رشحا على الدوام، وأرسل ~~إلينا يسألنا عن حكمه في الصلاة، والتحرز من النجاسة في هذه السنة، وهي ستة ~~عشر وستمائة. والثاني، شخص ليس له إلا مخرج واحد فيما بين المخرجين، منه ~~يتغوط، ومنه يبول. # وسألت من أخبرني عنه عن زيه، فأخبرني أنه إنما يلبس لباس النساء، ~~ويخالطهن، ويغزل معهن، ويعد نفسه امرأة. وحدثت أن في بعض بلاد العجم شخصا ~~ليس له مخرج أصلا، لا قبل، ms3291 ولا دبر، وإنما يتقايأ ما يأكله وما يشربه، فهذا ~~وما أشبهه في معنى الخنثى، إلا أنه لا يمكن اعتباره بمباله، فإن لم يكن له ~~علامة أخرى فهو مشكل، ينبغي أن يثبت له حكم الخنثى المشكل في ميراثه ~~وأحكامه كلها. والله تعالى أعلم. ### | [مسألة ابن الملاعنة ترثه أمه وعصبتها] # (4915) مسألة؛ قال: (وابن الملاعنة ترثه أمه وعصبتها، فإن خلف أما وخالا ~~فلأمه الثلث، وما بقي فللخال) وجملته، أن الرجل إذا لاعن امرأته، ونفى ~~ولدها، وفرق الحاكم بينهما؛ انتفى ولدها عنه، وانقطع تعصيبه من جهة ~~الملاعن، فلم يرثه هو ولا أحد من عصباته، وترث أمه وذوو الفروض منه فروضهم، ~~وينقطع التوارث بين الزوجين، لا نعلم بين أهل العلم في هذه الجملة خلافا # وأما إن مات أحدهم قبل تمام اللعان من الزوجين، ورثه الآخران في قول ~~الجمهور. وقال الشافعي - رضي الله عنه -: إذا أكمل الزوج لعانه لم يتوارثا. ~~وقال مالك: إن مات الزوج بعد لعانه، فإن لاعنت المرأة لم ترث، ولم تحد، وإن ~~لم تلاعن، ورثت، وحدت. وإن ماتت هي بعد لعان الزوج، ورثها في قول جميعهم، ~~إلا الشافعي - رضي الله عنه -. وإن تم اللعان بينهما، فمات أحدهما قبل ~~تفريق الحاكم بينهما # ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يتوارثان، وهو قول مالك، وزفر، وروي نحو ذلك ~~عن الزهري، وربيعة، والأوزاعي، وداود؛ لأن اللعان يقتضي التحريم المؤبد، ~~فلم يعتبر في حصول الفرقة به التفريق بينهما، كالرضاع. والرواية الثانية، ~~يتوارثان ما لم يفرق الحاكم بينهما. وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فرق بين المتلاعنين، ولو حصل التفريق باللعان لم ~~يحتج إلى تفريقه. وإن فرق الحاكم بينهما قبل تمام اللعان، لم تقع الفرقة، ~~ولم ينقطع التوارث في قول الجمهور # وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن فرق بينهما بعد أن تلاعنا ثلاثا، وقعت ~~الفرقة، وانقطع التوارث؛ لأنه وجد منهما معظم اللعان، وإن فرق بينهما قبل ~~ذلك، لم تقع الفرقة، ولم ينقطع التوارث. ولنا، أنه تفريق قبل تمام اللعان، ~~فأشبه التفريق قبل الثلاث. وهذا الخلاف في توارث ms3292 الزوجين. فأما الولد، ~~فالصحيح أنه ينتفي عن الملاعن إذا تم اللعان بينهما من غير اعتبار تفريق ~~الحاكم. # لأن انتفاءه # PageV06P340 # بنفيه، لا بقول الحاكم: فرقت بينكما، فإن لم يذكره في اللعان لم ينتف عن ~~الملاعن، ولم ينقطع التوارث بينهما. وقال أبو بكر: ينتفي بزوال الفراش، وإن ~~لم يذكره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى الولد عن الملاعن، وألحقه ~~بأمه، ولم يذكره الرجل في لعانه. ويحقق ذلك أن الولد كان حملا في البطن، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنظروها، فإن جاءت به أحيمر، كأنه ~~وحرة، حمش الساقين، فلا أراه إلا قد كذب عليها، وإن جاءت به جعدا، جماليا، ~~خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فهو للذي رميت به» فأتت به على النعت المكروه # إذا ثبت هذا، عدنا إلى مسألة الكتاب، فنقول: اختلف أهل العلم في ميراث ~~الولد المنفي باللعان، فروي عن أحمد فيه روايتان؛ إحداهما، أن عصبته عصبة ~~أمه. نقلها الأثرم، وحنبل. يروى ذلك عن علي، وابن عباس، وابن عمر. وبه قال ~~الحسن، وابن سيرين، وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد، ~~والثوري، والحسن بن صالح، إلا أن عليا يجعل ذا السهم من ذوي الأرحام أحق ~~ممن لا سهم له، وقدم الرد على غيره # والرواية الثانية، أن أمه عصبته، فإن لم تكن فعصبتها عصبته. نقله أبو ~~الحارث، ومهنا. وهذا قول ابن مسعود. وروي نحوه عن علي، ومكحول، والشعبي؛ ~~لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها» ورواه أيضا مكحول، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا. وروى واثلة بن الأسقع، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «تحوز المرأة ثلاثة مواريث؛ عتيقها، ولقيطها، وولدها ~~الذي لاعنت عليه» . وعن عبيد الله بن عبيد بن عمير، وقال: «كتبت إلى صديق ~~لي من أهل المدينة من بني زريق أسأله عن ولد الملاعنة، لمن قضى به رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فكتب إلي؛ إني سألت فأخبرت أنه قضى ms3293 به لأمه، ~~هي بمنزلة أبيه وأمه.» رواهن أبو داود. # ولأنها قامت مقام أبيه وأمه في انتسابه إليها، فقامت مقامهما في حيازة ~~ميراثه، ولأن عصبات الأم أدلوا بها، فلم يرثوا معها، كأقارب الأب معه. وكان ~~زيد بن ثابت يورث من ابن الملاعنة، كما يورث من غير ابن الملاعنة، ولا ~~يجعلها عصبة ابنها، ولا عصبتها عصبته. فإن كانت أمه مولاة لقوم جعل الباقي ~~من ميراثها لمولاها، فإن لم تكن مولاة جعله # PageV06P341 # لبيت المال # وعن ابن عباس نحوه، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة، وسليمان بن يسار، ~~وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وربيعة، وأبو الزناد، ومالك، وأهل المدينة، ~~والشافعي، وأبو حنيفة، وصاحباه، وأهل البصرة، إلا أن أبا حنيفة وأهل البصرة ~~جعلوا الرد، وذوي الأرحام، أحق من بيت المال؛ لأن الميراث إنما ثبت بالنص، ~~ولا نص في توريث الأم أكثر من الثلث، ولا في توريث الأخ من الأم أكثر من ~~السدس، ولا في توريث أبي الأم وأشباهه من عصبات الأم، ولا قياس أيضا، فلا ~~وجه لإثباته # ووجه قول الخرقي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألحقوا الفرائض ~~بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» . وأولى الرجال به أقارب أمه. وعن عمر، ~~- رضي الله عنه - أنه ألحق ولد الملاعنة بعصبة أمه. وعن علي - رضي الله عنه ~~- أنه لما رجم المرأة دعا أولياءها فقال: هذا ابنكم ترثونه ولا يرثكم، وإن ~~جنى جناية فعليكم حكاه الإمام أحمد عنه. # ولأن الأم لو كانت عصبة كأبيه لحجبت إخوته. ولأن مولاها مولى أولادها، ~~فيجب أن تكون عصبتها عصبته، كالأب. فإذا خلف ابن الملاعنة أما، وخالا، ~~فلأمه الثلث بلا خلاف، والباقي لخاله؛ لأنه عصبة أمه. وعلى الرواية الأخرى، ~~هو لها كله. وهذا قول علي، وابن مسعود، وأبي حنيفة، وموافقيه، إلا أن ابن ~~مسعود يعطيها إياه؛ لكونها عصبة؛ والباقون بالرد، وعند زيد، الباقي لبيت ~~المال # فإن كان معهما مولى أم، فلا شيء له عندنا. وقال زيد، ومن وافقه، وأبو ~~حنيفة: الباقي له. وإن لم يكن لأمه عصبة إلا مولاها، فالباقي له على ms3294 ~~الرواية التي اختارها الخرقي، وعلى الأخرى، هو للأم، وهو قول ابن مسعود؛ ~~لأنها عصبة ابنها. فإن لم يخلف إلا أمه، فلها الثلث بالفرض، والباقي بالرد، ~~وهو قول علي وسائر من يرى الرد. وفي الرواية الأخرى، لها الباقي بالتعصيب # وإن كان مع الأم عصبة لها، فهل يكون الباقي لها أو له؟ على روايتين. وإن ~~كان لها عصبات، فهو لأقربهم منها على رواية الخرقي، فإذا كان معها أبوها، ~~وأخوها، فهو لأبيها، وإن كان مكان أبيها جدها فهو بين أخيها وجدها نصفين، ~~وإن كان معهم ابنها، وهو أخوه لأمه، فلا شيء لأخيها، ويكون لأمه الثلث، ~~ولأخيه السدس، والباقي لأخيه، أو ابن أخيه. وإن خلف أمه، وأخاه، وأخته، ~~فلكل واحد منهم السدس، والباقي لأخيه، دون أخته. وإن خلف ابن أخته، وبنت ~~أخته، أو خاله وخالته، فالباقي للذكر # وإن خلف أخته وابن أخته، فلأخته السدس، والباقي لابن أخته، وعلى الرواية ~~الأخرى، الباقي للأم في هذه المواضع. ### | [فصل ابن ملاعنة مات وترك بنتا وبنت ابن ومولى أمه] # (4916) فصل: ابن ملاعنة مات، وترك بنتا وبنت ابن ومولى أمه، الباقي لمولى ~~الأم في قول الجمهور. وقال # PageV06P342 # ابن مسعود: الرد أولى من المولى؛ فإن كان معهم أم فلها السدس، وفي الباقي ~~روايتان؛ إحداهما: للمولى، وهو قول الأكثرين. والثانية: للأم، وهو قول ابن ~~مسعود. فإن لم يكن معهم مولى، فالباقي مردود عليهم في إحدى الروايتين، ~~والأخرى هو للأم # فإن كان معهم أخ، فلا شيء له بالفرض، وله الباقي في رواية، والأخرى هو ~~للأم. بنت وأخ أو ابن أخ، أو خال، أو أبو أم، أو غيرهم من العصبات؛ للبنت ~~النصف، والباقي للعصبة في قول العبادلة. وإن كان معها أخ وأخت، أو ابن أخ ~~وأخته، أو خال، أو خالة، فالباقي للذكر وحده في قولهم. وقال أبو حنيفة، ~~وأصحابه: المال للبنت بالفرض والرد # وروي عن علي - عليه السلام - أنه جعل ذا السهم أحق ممن لا سهم له، وأنه ~~ورث من ابن الملاعنة ذوي أرحامه، كما يرثون من غيره. قال ابن اللبان: وليس ~~هذا ms3295 محفوظا عن علي، وإنما المشهور عنه قوله لأولياء المرجومة عن ابنها: هذا ~~ابنكم، ترثونه، ولا يرثكم، وإن جنى جناية فعليكم. وفسر القاضي قول أحمد: إن ~~لم تكن أم فعصبتها عصبته. # بتقديم الرد على عصبة الأم، كقوله في أخت وابن أخ: المال كله للأخت. وهذا ~~تفسير للكلام بضد ما يقتضيه، وحمل اللفظ على خلاف ظاهره، وإنما هذه ~~الرواية، كمذهب ابن مسعود، ورواية الشعبي عن علي، وعبد الله أنهما قالا: ~~عصبة ابن الملاعنة أمه، ترث ماله أجمع، فإن لم تكن أم، فعصبتها عصبته. ~~امرأة، وجدة، وأختان وابن أخ، للمرأة الربع، وللجدة السدس، وللأختين الثلث، ~~والباقي لابن الأخ، في الروايتين جميعا # وقال أبو حنيفة: الباقي يرد على الأختين والجدة. وهو قول القاضي في ~~الرواية الثانية. أبو أم، وبنت وابن أخ وبنت أخ. الباقي لابن الأخ وحده. ~~ويحتمل أن يكون لأبي الأم سدس باقي المال، وخمسة أسداسه لابن الأخ. وقال ~~أبو حنيفة: المال بين أم الأم والبنت، على أربعة، بالفرض والرد. ### | [فصل لم يترك ابن الملاعنة ذا سهم] # (4917) فصل: فإن لم يترك ابن الملاعنة ذا سهم، فالمال لعصبة أمه في قول ~~الجماعة. وقد روي ذلك عن علي وقال أبو حنيفة، وأصحابه: هو بين ذوي الأرحام، ~~كميراث غيره، ورووه عن علي - عليه السلام -. وذلك مثل خال وخالة، وابن أخ ~~وأخته. المال للذكر، وفي قول أبي حنيفة، هو بينهما في المسألتين نصفين. ~~خالة لأب وأم وخال لأب، المال للخال. وقال أبو حنيفة: هو للخالة. خالة وبنت ~~بنت. # المال بينهما على أربعة. وإذا لم يخلف ابن الملاعنة إلا ذا رحم فحكمهم في ~~ميراثه، كحكمهم في ميراث غيره، على ما تقدم شرحه. ### | [فصل قسم ميراث الملاعنة ثم أكذب الملاعن نفسه] # (4918) فصل: وإذا قسم ميراث الملاعنة، ثم أكذب الملاعن نفسه، لحقه الولد، ~~ونقضت القسمة. وقال أبو حنيفة: # PageV06P343 # لا يلحقه النسب بعد موته، إلا أن يكونا توأمين، مات أحدهما، وأكذب نفسه، ~~والآخر باق، فيلحقه نسب الباقي والميت معا، وقد مضى الكلام معه في غير هذا ~~الموضع. ### | [فصل كان المنفي باللعان ms3296 توأمين ولهما ابن آخر من الزوج لم ينفه فمات أحد التوأمين] # (4919) فصل: ولو كان المنفي باللعان توأمين، ولهما ابن آخر من الزوج لم ~~ينفه، فمات أحد التوأمين، فميراث توأمه منه كميراث الآخر، في قول الجمهور. ~~وقال مالك: يرثه توأمه ميراث أخ لأبوين؛ لأنه أخوه لأبويه، بدليل أن الزوج ~~لو أقر بأحدهما لحقه الآخر. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي - رضي الله ~~عنه - ولنا، أنهما توأمان، لم يثبت لهما أب ينتسبان إليه، فأشبها توأمي ~~الزانية، ولا خلاف في توأمي الزانية، وفارق هذا ما إذا استلحق أحدهما؛ لأنه ~~يثبت باستلحاقه أنه أبوه. ### | [فصل الأم عصبة ولدها في الميراث] # (4920) فصل: قولهم: إن الأم عصبة ولدها، وإن عصبتها عصبته. إنما هو في ~~الميراث خاصة، كقولنا في الأخوات مع البنات، فعلى هذا لا يعقلون عنه، ولا ~~يثبت لهم ولاية التزويج، ولا غيره. وهذا قول الأكثرين. وروي عن علي - رضي ~~الله عنه - أنه قال لأولياء المرجومة في ولدها: هذا ابنكم يرثكم ولا ~~ترثونه، وإن جنى فعليكم. # وروي هذا عن عبد الله، وإبراهيم. ولنا، أنهم إنما ينتسبون إليه بقرابة ~~الأم، فلم يعقلوا عنه، ولم يثبت عنهم ولاية التزويج، كما لو علم أبوه، ولا ~~يلزم من التعصيب في الميراث التعصيب في العقل والتزويج، بدليل الأخوات مع ~~البنات. فأما إن أعتق ابن الملاعنة عبدا، ثم مات، ثم مات المولى، وخلف أم ~~مولاه، وأخا مولاه، احتمل أن يثبت لهما الإرث بالولاء؛ لأن التعصيب ثابت. ~~وحكي ذلك عن أبي يوسف # وهل يكون للأم أو للأخ؟ على الروايتين، ويحتمل أن # لا يثبت لهما ميراث؛ لأن النساء لا يرثن من الولاء، إلا ما أعتقن، أو ~~أعتق من أعتقن، فكذلك من يدلي بهن، وما ذكرناه للاحتمال الأول يبطل ~~بالأخوات مع البنات، وبمن عصبهن أخوهن من الإناث. ### | [فصل ميراث ابن ابن الملاعنة] # فصل: في ميراث ابن ابن الملاعنة إذا خلف أمه وأم أبيه، وهي الملاعنة، ~~فلأمه الثلث، والباقي لها بالرد. وهذا قول علي. وعلى الرواية الأخرى؛ ~~الباقي لأم أبيه؛ لأنها عصبة أبيه. وهذا قول ابن مسعود ms3297 ويعابا بها فيقال: ~~جدة ورثت مع أم أكبر منها. وإن خلف جدتيه، فالمال بينهما بالفرض والرد، على ~~قول علي # وفي قول ابن مسعود، السدس بينهما فرضا، وباقي المال لأم أبيه. أم أم وخال ~~أب لأم؛ للأم السدس وفي الباقي قولان؛ # PageV06P344 # أحدهما، أنه لها بالرد. والثاني، لخال الأب، وفي قول علي، الكل للجدة. ~~خال وعم وخال أب وأبو أم أب، المال للعم؛ لأنه أبو الملاعنة، فإن لم يكن عم ~~فلأبي أم الأب؛ لأنه أبوها، فإن لم يكن فلخال الأب، فإن لم يكن فللخال؛ ~~لأنه ذو رحمه. بنت وعم. # للبنت النصف، والباقي للعم. وفي قول علي: الكل للبنت؛ لأنه يقدم الرد على ~~توريث عصبة أمه. بنت وأم وخال، المال بين البنت والأم على أربعة، بالفرض ~~والرد، ولا شيء للخال؛ لأنه ليس بعصبة الملاعنة، ولو كان بدل الخال خال أب، ~~كان الباقي له؛ لأنه عصبة الملاعنة. فأما ابن ابن ابن الملاعنة، فإذا خلف ~~عمه وعم أبيه، فالمال لعمه؛ لأنه عصبته، وهذا ينبغي أن يكون إجماعا. وقد ~~قال بعض الناس: يحتمل أن يكون عم الأب أولى؛ لأنه ابن الملاعنة # وهذا غلط بين؛ لأن العصبات إنما يعتبر أقربهم من الميت، لا من آبائه. وإن ~~خلف ثلاث جدات متحاذيات، فالسدس بينهن، والباقي رد عليهن، في إحدى ~~الروايتين، وهو قول علي. وفي الثانية لأم أبي أبيه. وهو قول ابن مسعود، وإن ~~خلف أمه، وجدته، وجدة أبيه، فلأمه الثلث، ولا شيء لجدته، وفي الباقي ~~روايتان؛ إحداهما، يرد على الأم. والثانية؛ لجدة أبيه # وإن خلف خاله وخال أبيه وخال جده، فالمال لخال جده، فإن لم يكن فلخاله، ~~ولا شيء لخال أبيه. فأما ولد بنت الملاعنة، فليست الملاعنة عصبة لهم في قول ~~الجميع؛ لأن لهم نسبا معروفا من جهة أبيهم، وهو زوج بنت الملاعنة. ولو ~~أعتقت بنت الملاعنة عبدا ثم ماتت، ثم مات المولى، وخلف أم مولاته، ورثت مال ~~المولى؛ لأنها عصبة لبنتها، والبنت عصبة لمولاها في أحد الوجهين، وقد ~~ذكرناهما في ابن الملاعنة. ### | [فصل ميراث ولد الزنى] # (4922) فصل: والحكم ms3298 في ميراث ولد الزنى في جميع ما ذكرنا، كالحكم في ولد ~~الملاعنة، على ما ذكرنا من الأقوال، والاختلاف، إلا أن الحسن بن صالح قال: ~~عصبة ولد الزنى سائر المسلمين؛ لأن أمه ليست فراشا، بخلاف ولد الملاعنة. ~~والجمهور على التسوية بينهما؛ لانقطاع نسب كل واحد منهما من أبيه، إلا أن ~~ولد الملاعنة يلحق الملاعن إذا استلحقه، وولد الزنى لا يلحق الزاني في قول ~~الجمهور # وقال الحسن، وابن سيرين: يلحق الواطئ إذا أقيم عليه الحد ويرثه. وقال ~~إبراهيم: يلحقه إذا جلد الحد، أو ملك الموطوءة. وقال إسحاق: يلحقه. وذكر عن ~~عروة، وسليمان بن يسار نحوه. وروى علي بن عاصم، عن أبي حنيفة، أنه قال: لا ~~أرى بأسا إذا زنى الرجل بالمرأة فحملت منه، أن يتزوجها مع حملها، ويستر ~~عليها، والولد ولد له # وأجمعوا على أنه إذا ولد على فراش رجل، فادعاه آخر. # أنه لا يلحقه، وإنما الخلاف فيما إذا ولد على غير فراش. # PageV06P345 # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» ~~. ولأنه لا يلحق به إذا لم يستلحقه، فلم يلحق به بحال، كما لو كانت أمه ~~فراشا، أو كما لو لم يجلد الحد عند من اعتبره. ### | [مسألة العبد لا يرث ولا مال له] # (4923) مسألة قال: (والعبد لا يرث، ولا مال له، فيورث عنه) لا نعلم خلافا ~~في أن العبد لا يرث، إلا ما روي عن ابن مسعود، في رجل مات وترك أبا مملوكا، ~~يشترى من ماله، ثم يعتق، فيرث. وقاله الحسن، وحكي عن طاوس، أن العبد يرث، ~~ويكون ما ورثه لسيده، ككسبه، وكما لو وصى له، ولأنه تصح الوصية له، فيرث ~~كالحمل # ولنا، أن فيه نقصا منع كونه موروثا، فمنع كونه وارثا، كالمرتد، ويفارق ~~الوصية فإنها تصح لمولاه ولا ميراث له، وقياسهم ينتقض بمختلفي الدين. وقول ~~ابن مسعود لا يصح؛ لأن الأب رقيق حين موت ابنه، فلم يرثه، كسائر الأقارب؛ ~~وذلك لأن الميراث صار لأهله بالموت، فلم ينتقل عنهم إلى غيرهم. وأجمعوا على ~~أن المملوك لا يورث؛ وذلك لأنه ms3299 لا مال له فيورث، فإنه لا يملك، ومن قال: ~~إنه يملك بالتمليك. فملكه ناقص غير مستقر، يزول إلى سيده بزوال ملكه عن ~~رقبته، بدليل قوله - عليه السلام -: «من باع عبدا وله مال، فماله للبائع، ~~إلا أن يشترطه المبتاع» # ولأن السيد أحق بمنافعه وأكسابه في حياته، فكذلك بعد مماته. وممن روي عنه ~~أن العبد لا يرث، ولا يورث، ولا يحجب: علي، وزيد. وبه قال الثوري، ومالك، ~~والشافعي، وإسحاق، - رضي الله عنه - وأصحاب الرأي. ### | [فصل يرث الأسير الذي مع الكفار إذا علمت حياته] # (4924) فصل: ويرث الأسير الذي مع الكفار إذا علمت حياته. في قول عامة ~~الفقهاء، إلا سعيد بن المسيب، فإنه قال: لا يرث؛ لأنه عبد. وليس بصحيح؛ لأن ~~الكفار لا يملكون الأحرار بالقهر، فهو باق على حريته، فيرث، كالمطلق. ### | [فصل ميراث المدبر وأم الولد] # (4925) فصل: والمدبر، وأم الولد، كالقن؛ لأنهم رقيق، بدليل أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - باع مدبرا. وأم الولد مملوكة، يجوز لسيدها وطؤها، ~~بحكم الملك، وتزويجها وإجارتها. وحكمها حكم الأمة في جميع أحكامها، إلا ~~فيما ينقل الملك فيها أو يراد له كالرهن. ### | [فصل المكاتب إن لم يملك قدر ما عليه فهو عبد لا يرث ولا يورث] # (4926) فصل: فأما المكاتب، فإن لم يملك قدر ما عليه فهو عبد، لا يرث، ولا ~~يورث، وإن ملك قدر ما يؤدي، ففيه روايتان؛ # PageV06P346 # إحداهما، أنه عبد ما بقي عليه درهم، لا يرث، ولا يورث. يروى ذلك عن عمر، ~~وزيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة، وأم سلمة، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي - ~~رضي الله عنه - وأبي ثور. وعن ابن المسيب، وشريح، والزهري، نحوه؛ لما روى ~~أبو داود بإسناده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» . وفي لفظ، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما عبد كاتب على مائة أوقية، فأداها إلا عشر ~~أواق، فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مائة دينار، فأداها إلا عشرة دنانير، ~~فهو عبد» . وعن محمد ms3300 بن المنكدر، وعمر بن عبد الله مولى غفرة، وعبد الله بن ~~عبدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعتاب بن أسيد: «من كاتب مكاتبا ~~فهو أحق به حتى يقضي كتابته» . # وقال القاضي، وأبو الخطاب: إذا أدى المكاتب ثلاثة أرباع كتابته، وعجز عن ~~الربع، عتق؛ لأن ذلك يجب إيفاؤه للمكاتب، فلا يجوز إبقاؤه على الرق لعجزه ~~عما يجب رده إليه # والرواية الثانية، أنه إذا ملك ما يؤدي، فقد صار حرا، يرث، ويورث، فإذا ~~مات له من يرثه ورث، وإن مات فلسيده بقية كتابته، والباقي لورثته؛ لما روى ~~أبو داود، بإسناده عن أم سلمة، قالت: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده ما يؤدي، فلتحتجب منه» . وروى ~~الحكم، عن علي وابن مسعود، وشريح: يعطى سيده من تركته ما بقي من كتابته، ~~فإن فضل شيء، كان لورثة المكاتب. # وروي نحوه عن الزهري. وبه قال ابن المسيب. وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ~~والنخعي، والشعبي، والحسن، ومنصور، ومالك، وأبو حنيفة، غير أن مالكا جعل من ~~كان معه في كتابته أحق ممن لم يكن معه. قال في مكاتب هلك، وله أخ معه في ~~الكتابة، وله ابن، قال: ما فضل من كتابته لأخيه دون ابنه. وجعله أبو حنيفة ~~عبدا ما دام حيا، فإذا مات أدى من تركته باقي كتابته، والباقي لورثته # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال على المنبر: إنكم مكاتبون مكاتبين، ~~فأيهم أدى النصف فلا رق عليه. وعن علي - عليه السلام - إذا أدى النصف فهو ~~حر. وعن عروة نحوه. وعن الحسن، إذا أدى الشطر فهو غريم. وعن ابن مسعود، ~~وشريح نحوه. وعن ابن مسعود، إذا أدى ثلثا أو ربعا فهو غريم. # وعن ابن عباس، إذا كتب الصحيفة فهو غريم. وعن علي - رضي الله عنه - قال: ~~تجري العتاقة في المكاتب في أول نجم. يعني يعتق منه بقدر ما أدى. وعنه أنه ~~قال: يرث، ويحجب، ويعتق منه، بقدر ما أدى. وقد روى حماد بن سلمة، عن أيوب، ~~عن ms3301 عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قال: إذا أصاب ~~المكاتب # PageV06P347 # حدا أو ميراثا، ورث بحساب ما عتق منه، وأقيم عليه الحد بحساب ما عتق منه» ~~. # وفي رواية «يؤدي المكاتب بقدر ما عتق منه دية الحر، وقدر ما رق منه دية ~~العبد.» قال يحيى بن أبي كثير: وكان علي ومروان بن الحكم يقولان ذلك. وقد ~~روي حديث ابن عباس، عن عكرمة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، ~~والحديث الذي رويناه لقولنا أصح منه، ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بهذا، ~~وما ذكرناه أولا أولى، والله أعلم. ### | [مسألة من بعضه حر يرث ويورث ويحجب على مقدار ما فيه من الحرية] # (4927) مسألة؛ قال: (ومن بعضه حر يرث، ويورث، ويحجب على مقدار ما فيه من ~~الحرية) وجملته أن المعتق بعضه إذا كسب مالا، ثم مات وخلفه، نظر فيه؛ فإن ~~كان كسبه بجزئه الحر، مثل أن كان قد هيأ سيده على منفعته، فاكتسب في أيامه، ~~أو ورث شيئا، فإن الميراث إنما يستحقه بجزئه الحر، أو كان قد قاسم سيده في ~~حياته، فتركته كلها لورثته، لا حق لمالك باقيه فيها. وقال قوم: جميع ما ~~خلفه بينه وبين سيده # قال ابن اللبان: هذا غلط؛ لأن الشريك إذا استوفى حقه من كسبه مرة، لم يبق ~~له حق في الباقي، ولا سبيل له على ما كسبه بنصفه الحر، كما لو كان بين ~~شريكين فاقتسما كسبه، لم يكن لأحدهما حق في حصة، الآخر، والعبد يخلف أحد ~~الشريكين فيما عتق منه. فأما إن لم يكن كسبه بجزئه الحر خاصة، ولا اقتسما ~~كسبه، فلمالك باقيه من تركته بقدر ملكه فيه، والباقي، لورثته. وإن مات من ~~يرثه، فإنه يرث، ويورث، ويحجب على قدر ما فيه من الحرية # وهذا قول علي، وابن مسعود، - رضي الله عنهما -، وبه قال عثمان البتي، ~~وحمزة الزيات، وابن المبارك، والمزني، وأهل الظاهر. وقال زيد بن ثابت: لا ~~يرث، ولا يورث، وأحكامه أحكام العبد. وبه قال مالك، والشافعي، في القديم. ~~وجعلا ماله لمالك باقيه. قال ms3302 ابن اللبان: هذا غلط؛ لأنه ليس لمالك باقيه ~~على ما عتق منه ملك، ولا ولاء، ولا هو ذو رحم. قال ابن سريج: يحتمل على قول ~~الشافعي - رضي الله عنه - القديم، أن يجعل في بيت المال؛ لأنه لا حق له ~~فيما كسبه بجزئه الحر # وقال الشافعي في الجديد: ما كسبه بجزئه الحر لورثته، ولا يرث هو ممن مات ~~شيئا. وبه قال طاوس، وعمرو بن دينار، وأبو ثور. وقال ابن عباس: هو كالحر في ~~جميع أحكامه، في توريثه، والإرث منه، وغيرهما. وبه قال الحسن، وجابر بن ~~زيد، والشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو يوسف، ~~ومحمد، واللؤلؤي، ويحيى بن آدم، وداود # وقال أبو حنيفة: إن كان الذي لم يعتق استسعى العبد، فله من تركته سعايته، ~~وله نصف ولائه، وإن كان أغرم الشريك، فولاؤه كله للذي أعتق بعضه. # PageV06P348 # ولنا، ما روى عبد الله بن أحمد، حدثنا الرملي، عن يزيد بن هارون، عن ~~عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في العبد يعتق ~~بعضه: «يرث ويورث على قدر ما عتق منه» . ولأنه يجب أن يثبت لكل بعض حكمه، ~~كما لو كان الأخر مثله، وقياسا لأحدهما على الأخر # إذا ثبت هذا، فالتفريع على قولنا؛ لأن العمل على غيره واضح. وكيفية ~~توريثه أن يعطى من له فرض بقدر ما فيه من الحرية من فرضه، وإن كان عصبة نظر ~~ما له مع الحرية الكاملة، فأعطي بقدر ما فيه منها، وإن كانا عصبتين لا يحجب ~~أحدهما الآخر، كابنين نصفهما حر، ففيه وجهان؛ أحدهما، تكمل الحرية فيهما، ~~بأن تضم الحرية من أحدهما إلى ما في الآخر منها، فإن كمل منهما واحد، ورثا ~~جميعا ميراث ابن حر؛ لأن نصفي شيء شيء كامل، ثم يقسم ما ورثاه بينهما على ~~قدر ما في كل واحد منهم. # فإذا كان ثلثا أحدهما حرا، وثلث الآخر حرا كان ما ورثاه بينهما أثلاثا، ~~وإن نقص ما فيهما من الحرية عن حر كامل، ورثا بقدر ما فيهما، وإن زاد على ~~حر ms3303 واحد، وكان الجزءان فيهما سواء، قسم ما يرثانه بينهما بالسوية، وإن ~~اختلفا أعطي كل واحد منهما بقدر ما فيه. قال الخبري: قال الأكثرون: هذا ~~قياس قول علي - رضي الله عنه -. والوجه الآخر، لا تكمل الحرية فيهما، ~~لأنهما لو كملت لم يظهر للرق أثر، وكانا في ميراثهما كالحرين، وإن كان ~~أحدهما يحجب الآخر، فقد قيل فيهما وجهان أيضا. والصحيح أن الحرية لا تكمل ~~هاهنا؛ لأن الشيء لا يكمل بما يسقطه، ولا يجمع بينه وبين ما ينافيه # وورثه بعضهم بالخطاب، وتنزيل الأحوال، وحجب بعضهم ببعض على مثال تنزيل ~~الخناثى. # وقال أبو يوسف بمعناه. ومسائل ذلك؛ ابن نصفه حر له نصف المال، فإن كان ~~معه ابن آخر نصفه حر فلهما المال، في أحد الوجهين، وفي الأخر، لهما نصفه، ~~والباقي للعصبة، أو لبيت المال إن لم تكن عصبة. ويحتمل أن يكون لكل واحد ~~منهما ثلاثة أثمان المال؛ لأنهما لو كانا حرين، لكان لكل واحد منهما النصف # ولو كانا رقيقين لم يكن لهما شيء، ولو كان الأكبر وحده حرا كان له المال، ~~ولا شيء للأصغر، ولو كان الأصغر وحده حرا كان له كذلك، ولكل واحد منهما في ~~الأربعة أحوال مال ونصف، فله ربع ذلك، وهو ثلاثة أثمان. فإن كان معهما ابن ~~آخر ثلثه حر، فعلى الوجه، الأول، ينقسم المال بينهم على ثمانية، كما تقسم ~~مسألة المباهلة، وعلى الثاني يقسم النصف بينهم على ثمانية. وفيه وجه آخر، ~~يقسم الثلث بينهم أثلاثا، ثم يقسم السدس بين صاحبي النصفين نصفين، وعلى ~~تنزيل الأحوال. # يحتمل أن يكون لكل واحد ممن نصفه حر سدس المال، وثمنه، ولمن ثلثه حر ثلثا ~~ذلك، وهو # PageV06P349 # تسع المال، ونصف سدسه؛ لأن لكل واحد المال في حال، ونصفه في حالين، وثلثه ~~في حال، فيكون له مالان وثلث، في ثمانية أحوال، فنعطيه ثمن ذلك، وهو سدس ~~وثمن، ويعطى من ثلثه حر ثلثيه، وهو تسع، ونصف سدس. # ابن حر، وابن نصفه حر. # المال بينهما على ثلاثة، على الوجه الأول. وعلى الثاني النصف بينهما ~~نصفان، والباقي للحر، فيكون ms3304 للحر ثلاثة أرباع، وللآخر الربع. ولو نزلتهما ~~بالأحوال أفضى إلى هذا؛ لأن للحر المال في حال ونصفه في حال، فله نصفهما، ~~وهو ثلاثة أرباع، وللآخر نصفه في حال، فله نصف ذلك، وهو الربع. ولو ~~خاطبتهما لقلت للحر: لك المال لو كان أخوك رقيقا، ونصفه لو كان حرا، فقد ~~حجبك بحريته عن النصف، فنصفها يحجبك عن الربع، يبقى لك ثلاثة أرباع. # ويقال للآخر: لك النصف لو كنت حرا، فإذا كان نصفك حرا، فلك نصفه وهو ~~الربع. ابن ثلثاه حر، وابن ثلثه حر، على الأول، المال بينهما أثلاثا، وعلى ~~الثاني، الثلث بينهما، وللآخر ثلث فيكون له النصف، وللآخر السدس، وقيل ~~الثلثان بينهما أثلاثا. وبالخطاب تقول لمن ثلثاه حر: لو كنت وحدك حرا، كان ~~المال لك، ولو كنتما حرين، كان لك النصف، فقد حجبك بحريته عن النصف، ~~فبثلثها يحجبك عن السدس، يبقى لك خمسة أسداس لو كنت حرا، فلك بثلثي حريته ~~خمسة أتساع # ويقال للآخر: يحجبك أخوك بثلثي حريته، عن ثلثي النصف، وهو الثلث، يبقى لك ~~الثلثان، فلك بثلث حريتهم ثلث ذلك، وهو التسعان، ويبقى التسعان للعصبة إن ~~كان، أو ذي رحم فإن لم يكن ففي بيت المال. ابن حر وبنت نصفها حر، للابن ~~خمسة أسداس المال، وللبنت سدسه في الخطاب والتنزيل جميعا. ومن جمع الحرية ~~أفضى قوله إلى أن له أربعة أخماس المال، ولها الخمس # فإن كانت بنت حرة وابن نصفه حر وعصبة، فللابن الثلث، ولها ربع وسدس. ومن ~~جمع الحرية فيهما جعل المال بينهما نصفين. ابن وبنت نصفهما حر وعصبة، فمن ~~جمع الحرية، فثلاثة أرباع المال بينهما على ثلاثة. وقال بعض البصريين: ~~النصف بينهما على ثلاثة. ومن ورث بالتنزيل والأحوال قال: للابن المال في ~~حال، وثلثاه في حال، فله ربع ذلك، ربع وسدس، وللبنت نصف ذلك ثمن ونصف سدس، ~~والباقي للعصبة # وإن شئت قلت: إن قدرناهما حرين فهي من ثلاثة، وإن قدرنا البنت وحدها حرة ~~فهي من اثنين، وإن قدرنا الابن وحده حرا فالمال له، وإن قدرناهما رقيقين ~~فالمال للعصبة، فتضرب ms3305 اثنين في ثلاثة تكن ستة، ثم في أربعة أحوال، تكن ~~أربعة وعشرين، فللابن المال في حال ستة، وثلثاه في حال أربعة، صار له عشرة، ~~وللبنت النصف في حال، والثلث في حال خمسة، وللعصبة المال في حال، ونصفه في ~~حال تسعة، فإن لم تكن عصبة، جعلت للبنت في حال حريتها المال كله بالفرض ~~والرد، فيكون لها مال وثلث، فتجعل لها ربع ذلك، وهو الثلث # فإن كان معهما امرأة وأم حرتان كملت الحرية فيهما، فحجبا الأم إلى السدس، ~~والمرأة إلى الثمن؛ # PageV06P350 # لأن كل واحد منهما لو انفرد لحجب نصف الحجب، فإذا اجتمعا اجتمع الحجب. ~~ومن ورث بالأحوال والتنزيل، قال: للأم السدس في ثلاثة أحوال، والثلث في ~~حال، فلها ربع ذلك، وهو سدس وثلث وثمن، وللمرأة الثمن في ثلاثة أحوال. # والربع في حال، فلها ربع ذلك، وهو الثمن وربع الثمن، وللابن الباقي في ~~حال، وثلثاه في حال، فله ربعه، وللبنت ثلث الباقي في حال، والنصف في حال، ~~فلها ربعه، وإن لم يكن في المسألة عصبة، فللبنت بالفرض والرد أحد وعشرون من ~~اثنين وثلاثين، مكان النصف، وللأم سبعة مكان السدس، وتصح المسألة إذا لم ~~يكن فيها رد بالبسط من مائتين وثمانية وثمانين سهما، للأم منها ستون، ~~وللمرأة خمسة وأربعون، وللابن خمسة وثمانون، وللبنت ثلاثة وخمسون، والباقي ~~للعصبة # وقياس قول من جمع الحرية في الحجب، أن يجمع الحرية في التوريث، فيجعل ~~لهما ثلاثة أرباع الباقي. وقال ابن اللبان: لهما سبعة عشر من ثمانية ~~وأربعين؛ لأنهما لو كانا حرين لكان لهما سبعة عشر من أربعة وعشرين، فيكون ~~لهما بنصف حريتهم نصف ذلك. # وهذا غلط؛ لأنه جعل حجب كل واحد منهما لصاحبه بنصف حريته، كحجبه إياه ~~بجميعها، ولو ساغ هذا لكان لهم حال انفرادهما النصف بينهما من غير زيادة # ابن وأبوان، نصف كل واحد منهم حر، إن قدرناهم أحرارا، فللابن الثلثان، ~~وإن قدرناه حرا وحده، فله المال، وإن قدرنا معه أحد الأبوين حرا فله خمسة ~~أسداس، فتجمع ذلك تجده ثلاثة أموال وثلثان، فله ثمنها، وهو ربع سدس، ms3306 وللأب ~~المال في حال، وثلثاه في حال، وسدساه في حالين، فله ثمن ذلك ربع، وللأم ~~الثلث في حالين، والسدس في حالين، فلها الثمن، والباقي للعصبة. وإن عملتها ~~بالبسط قلت: إن قدرناهم أحرارا، فهي من ستة. # وإن قدرنا الابن وحده حرا، فهي من سهم، فكذلك الأب، وإن قدرنا الأم وحدها ~~حرة، أو قدرناها مع حرية الأب، فهي من ثلاثة، وإن قدرنا الابن مع الأب، أو ~~مع الأم فهي من ستة، وإن قدرناهم رقيقا، فالمال للعصبة، وجميع المسائل تدخل ~~في ستة، فتضربها في الأحوال، وهي ثمانية، تكن ثمانية وأربعين، وللابن المال ~~في حال ستة، وثلثاه في حال أربعة، وخمسة أسداسه في حالين عشرة، فذلك عشرون ~~سهما من ثمانية وأربعين، وللأب المال في حال ستة، وثلثاه في حال، وسدساه في ~~حالين، وذلك اثنا عشر، وللأم الثلث في حالين # ، والسدس في حالين، وذلك ستة، وهي الثمن، وإن كان ثلث كل واحد منهم حرا، ~~زدت على الستة نصفها، تصير تسعة، وتضربها في الثمانية، تكن اثنين وسبعين، ~~فللابن عشرون من اثنين وسبعين، وهي السدس والتسع، وللأب اثنا عشر، وهي ~~السدس، وللأم ستة، وهي نصف السدس، ولا تتغير سهامهم، وإنما صارت منسوبة إلى ~~اثنين وسبعين. وإن كان ربع كل واحد منهم حرا، زدت على الستة مثلها. وقيل ~~فيما إذا كان نصف كل واحد # PageV06P351 # منهم حرا: للأم الثمن، وللأب الربع، وللابن النصف. # ابن نصفه حر وأم حرة، للأم الربع، وللابن النصف # وقيل: له ثلاثة أثمان، وهو نصف ما يبقى، فإن كان بدل الأم أختا حرة، فلها ~~النصف. وقيل: لها نصف الباقي؛ لأن الابن يحجبها بنصفه عن نصف فرضها، فإن ~~كان نصفها حرا، فلها الثمن، على هذا القول، وعلى الأول، لها الربع. وإن كان ~~مع الابن أخت من أم، أو أخ من أم، فلكل واحد منهما نصف السدس. وإن كان معه ~~عصبة حر، فله الباقي كله. ### | [فصل ابن نصفه حر وابن ابن حر] # ، المال بينهما في قول الجميع، إلا الثوري. قال: لابن الابن الربع؛ لأنه ~~محجوب بنصف الابن عن ms3307 الربع، فإن كان نصف الثاني حرا، فله الربع، فإن كان ~~معهما ابن ابن ابن نصفه حر، فله الثمن. وقيل: للأعلى النصف، وللثاني النصف؛ ~~ولأن فيهما حرية ابن. وهذا قول أبي بكر. وقال سفيان: لا شيء للثاني ~~والثالث؛ لأن ما فيهما الحرية محجوب بحرية الابن، فإن كان معهم أخ حر، أو ~~غيره من العصبات، فله الباقي # وإن كان نصفه حرا، فله نصف ما بقي، إلا على القولين الآخرين. ابن نصفه ~~حر، وابن ابن ثلثه حر، وأخ ثلاثة أرباعه حر؛ للأعلى النصف، وللثاني ثلث ~~الباقي، وهو السدس، وللأخ ثلاثة أرباع الباقي، وهو الربع. وعلى القول ~~الآخر، للابن النصف، ولابن الابن الثلث، والباقي للأخ. ثلاثة إخوة مفترقين، ~~نصف كل واحد حر؛ للأخ من الأم نصف السدس، وللأخ من الأبوين نصف الباقي، ~~وللأخ من الأب نصف الباقي، وتصح من ثمانية وأربعين. # للأخ من الأم أربعة وللأخ من الأبوين اثنان وعشرون، وللأخ من الأب أحد ~~عشر. وعلى القول الآخر، للأخ من الأم نصف السدس، وللأخ من الأبوين النصف، ~~وللأخ من الأب ما بقي. فإن كان معهم بنت حرة، فلها النصف، ولا شيء للأخ من ~~الأم، وللأخ من الأبوين الربع، وللأخ من الأب الثمن، والباقي للعصبة # وعلى القول الآخر، الباقي للأخ من الأبوين وحده، فإن كان نصف البنت، حرا، ~~فلها الربع وللأخ من الأم ربع السدس، وللأخ من الأبوين نصف الباقي، وللأخ ~~من الأب نصف الباقي. ### | [فصل بنت نصفها حر] # (4929) فصل: بنت نصفها حر، لها الربع، والباقي للعصبة، فإن لم يكن عصبة ~~فلها النصف بالفرض والرد، والباقي لذوي الرحم، فإن لم يكن فلبيت المال، فإن ~~كان معها أم حرة، فلها الربع؛ لأن البنت الحرة تحجبها عن السدس، فنصفها ~~يحجبها عن نصفه، وإن كان معها امرأة، فلها الثمن، ونصف الثمن، وإن كان معها # PageV06P352 # أخ من أم، فله نصف السدس، وإن كان معها بنت ابن، فلها الثلث؛ لأنها لو ~~كانت كلها أمة، لكان لبنت الابن النصف، ولو كانت حرة، لكان لها السدس، فقد ~~حجبتها حريتها عن الثلث، فنصفها ms3308 يحجبها عن السدس # وكل من ذكرنا إذا كان نصفه حرا، فله نصف ماله في الحرية، وإن كان ثلثه ~~حرا، فله ثلثه، وإن كان معها بنت أخرى حرة، فلها ربع المال، وثلثه بينهما ~~على ثلاثة عند من جمع الحرية فيهما؛ لأن لهما بحرية نصفا، وبنصف حرية نصف ~~كمال الثلثين. وفي الخطاب والتنزيل للحرة ربع وسدس، وللأخرى سدس؛ لأن نصف ~~إحداهما يحجب الحرة عن نصف السدس فيبقى لها ربع وسدس، والحرة تحجبها عن سدس ~~كامل، فيبقى لها سدس # فإن كان نصفهما رقيقا، ومعهما عصبة، فلهما ربع المال وسدسه بينهما؛ ~~لأنهما لو كانتا حرتين كان لهما الثلثان، ولو كانت الكبرى وحدها حرة كان ~~لها النصف، وكذلك الصغرى، ولو كانتا أمتين كان المال للعصبة، فقد كان لهما ~~مال وثلثان، فلهما ربع ذلك، وهو ربع وسدس، وطريقها بالبسط أن تقول: ولو ~~كانتا حرتين، فالمسألة من ثلاثة، وإن كانت الكبرى وحدها حرة، فهي من اثنين، ~~وكذلك إذا كانت الصغرى وحدها حرة # وإن كانتا أمتين، فهي من سهم، فتضرب اثنين في ثلاثة، تكن ستة، ثم في ~~الأحوال الأربعة تكن أربعة وعشرين للكبرى نصف المال في حال ثلاثة، وثلثه في ~~حال سهمان، صار لها خمسة من أربعة وعشرين، وللأخرى مثل ذلك، وللعصبة المال ~~في حال، والنصف في حالين، والثلث في حال، ذلك أربعة عشر سهما من أربعة ~~وعشرين. ومن جمع الحرية فيهما جعل لهما النصف والباقي للعصبة # وإذا لم يكن عصبة نزلتهما على تقدير الرد فيكون حكمهما حكم اثنين نصف كل ~~واحد منهما حر، على ما قلناه. # ثلاث بنات ابن متنازلات، نصف كل واحدة حر وعصبة، للأولى الربع، وللثانية ~~السدس؛ لأنها لو كانت حرة كان لها الثلث، وللثالثة نصف السدس على قول ~~البصريين؛ لأنك تقول للسفلى: لو كانتا أمتين كان لك النصف، ولو كانت ~~إحداهما حرة كان لك السدس، فبينهما ثلث، فتحجبك العلياء عن ربع، والثانية ~~عن نصف سدس، فيبقى لك سدس لو كنت حرة، فإذا كان نصفك حرا، كان لك نصفه # وفي التنزيل، للثالثة نصف الثمن وثلثه؛ ms3309 وذلك لأننا لو نزلنا كل واحدة حرة ~~وحدها، كان لها النصف. فهذه ثلاثة أحوال من ابنين اثنين. ولو كن إماء كان ~~المال للعصبة. ولو كن أحرارا كان للأولى النصف، وللثانية السدس، والثلث ~~للعصبة. ولو كانت الأولى والثانية حرتين، فكذلك. ولو كانت الثانية والثالثة ~~حرتين، فللثانية النصف، وللثالثة السدس، والثلث للعصبة # فهذا أربعة أحوال، من ستة ستة، والمسائل كلها تدخل فيها، فتضربها في ~~ثمانية أحوال، تكن ثمانية وأربعين، للعليا النصف، في أربعة أحوال، اثنا ~~عشر، وهي الربع، وللثانية النصف في حالين، السدس في حالين، وهي ثمانية، ~~وذلك هو السدس، وللثالثة النصف في حال، والسدس في حالين، وهو خمسة، وهي # PageV06P353 # نصف الثمن، وثلثه. وقال قوم: تجمع الحرية فيهن، فيكون فيهن حرية ونصف، ~~لهن بها ثلث وربع للأولى، وللثانية ربعان، وللثالثة نصف سدس، فإن كان معهن ~~رابعة كان لها نصف سدس آخر # ثلاث أخوات متفرقات نصف كل واحدة حر وأم حرة وعم، للتي من قبل الأبوين ~~الربع، وللتي من قبل الأب السدس، وللتي من قبل الأم نصف السدس، وللأم ~~الثلث؛ لأنها لا تحجب إلا باثنين من الإخوة والأخوات، ولم تكمل الحرية في ~~اثنتين، وللعم ما بقي. وهكذا لو كانت أخت حرة وأخرى نصفها حر وأم حرة، ~~فللأم الثلث؛ لما ذكرناه # وقال الخبري: للأم الربع، وحجبها بالجزء، كما تحجب بنصف البنت، والفرق ~~بينهما أن الحجب بالولد غير مقدر، بل هو مطلق في الولد والجزء من الولد، ~~وفي الإخوة مقدر باثنين، فلا يثبت بأقل منهما، ولذلك لم تحجب بالواحد عن ~~شيء أصلا. وهذا قول ابن اللبان. وحكى القول الأول عن الشعبي، وقال: هذا ~~غلط. وفي الباب اختلاف كثير، وفروع قل ما تتفق، وقل ما تجيء مسألة إلا ~~ويمكن عملها بقياس ما ذكرناه. ### | [مسألة مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بأخ] # (4930) مسألة؛ قال: (وإذا مات، وخلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ، فله ثلث ما ~~في يده، وإن أقر بأخت، فلها خمس ما في يده) قد ذكرنا في باب الإقرار من ~~يثبت النسب بقوله، ومن لا يثبت، ونذكر هاهنا ms3310 ما يستحق المقر به من الميراث، ~~إذا لم يثبت نسبه، فنقول، إذا أقر بعض الورثة لمشارك في الميراث، فلم يثبت ~~نسبه، لزم المقر أن يدفع إليه فضل ما في يده عن ميراثه # وهذا قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، ~~وشريك، ويحيى بن آدم، ووكيع، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأهل البصرة. ~~وقال النخعي، وحماد، وأبو حنيفة، وأصحابه: يقاسمه ما في يده؛ لأنه يقول: ~~أنا وأنت سواء في ميراث أبينا، وكأن ما أخذه المنكر تلف، أو أخذته يد ~~عادية، فيستوي فيما بقي # وقال الشافعي، - رضي الله عنه - وداود: لا يلزمه في الظاهر دفع شيء إليه، ~~وهل يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى؟ على قولين: أصحهما لا يلزمه؛ لأنه لا ~~يرث من لا يثبت نسبه. وعلى قول الذي يلزمه دفع شيء إليه، ففي قدره وجهان، ~~كالمذهبين المتقدمين. ولنا، على الشافعي، أنه أقر بحق لمدعيه، يمكن صدقه ~~فيه، ويد المقر عليه، وهو متمكن من دفعه إليه، فيلزمه ذلك، كما لو أقر ~~بمعين، ولأنه إذا علم أن هذا أخوه، وله ثلث التركة. # ويتعين استحقاقه لها، وفي يده بعضه وصاحبه يطلبه، لزمه دفعه إليه، وحرم ~~عليه منعه منه، كما في سائر المواضع، # PageV06P354 # وعدم ثبوت نسبه في الظاهر، لا يمنع وجوب دفعه إليه، كما لو غصبه شيئا، ~~ولم تقم البينة بغصبه. ولنا على أبي حنيفة، أنه أقر له بالفاضل عن ميراثه، ~~فلم يلزمه أكثر مما أقر به، كما لو أقر له بشيء معين، ولأنه حق يتعلق بمحل ~~مشترك بإقرار أحد الشريكين، فلم يلزمه أكثر من قسطه، كما لو أقر أحد ~~الشريكين على العبد بجناية، فعلى هذا، إذا خلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ، ~~فللمقر له ثلث ما في يد المقر، وهو سدس المال. # لأنه يقول: نحن ثلاثة، لكل واحد منا الثلث، وفي يدي النصف، ففضل في يدي ~~لك السدس، فيدفعه إليه، وهو ثلث ما في يده. وفي قول أبي حنيفة يدفع إليه ~~نصف ما في يده، وهو الربع، وإن أقر بأخت دفع إليها ms3311 خمس ما في يده؛ لأنه ~~يقول: نحن أخوان وأخت، فلك الخمس من جميع المال، وهو خمس ما في يدي، وخمس ~~ما في يد أخي. فيدفع إليها خمس ما في يده، وفي قولهم يدفع إليها ثلث ما في ~~يده. ### | [فصل أقر جميع الورثة بوارث أو أقر به الميت ليثبت نسبه منه] # (4931) فصل: وإن أقر جميع الورثة بوارث، أو أقر به الميت ليثبت نسبه منه، ~~ثبت نسبه، سواء كان الورثة واحدا، أو جماعة. وبهذا قال النخعي، والشافعي. ~~وقال أبو حنيفة، ومالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح: لا يثبت نسبه. ~~والمشهور عن أبي يوسف، أنه لا يثبت النسب إلا بإقرار ابنين ذكرين كانا أو ~~أنثيين، عدلين أو غير عدلين. ونحوه عن مالك # وروى ابن اللبان، قال أشعث بن سوار، عن رجل من أهل المدينة، قال: جاء رجل ~~وأخته إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ومعهما صبي، فقالا: هذا أخونا. ~~فقال عمر: لا ألحق بأبيكما من لم يقر به. ولنا، أن عبد الله بن زمعة ادعى ~~نسب ولد وليدة أبيه، وقال: هذا أخي، ولد على فراش أبي. فقبل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قوله، وأثبت النسب به # ولأن الوارث يقوم مقام موروثه، بدليل أنه يثبت باعترافه ما يثبت باعتراف ~~الموروث على نفسه من الدين، وغيره، كذا النسب، ولأن الوارث يخلف الموروث في ~~حقوقه، وهذا منها. ولا خلاف بينهم في وجوب دفع ميراثه إليه، إلا أن يكون ~~المقر به يسقط المقر، كأخ يقر بابن، أو ابن ابن، أو أخ من أب يقر بأخ من ~~أبوين، فإن الشافعي في ظاهر مذهبه أثبت النسب، ولم يورثه؛ لئلا يكون إقرارا ~~من غير وارث، فثبوت ميراثه يفضي إلى سقوط نسبه وميراثه # ولنا، أنه إقرار من كل الورثة، يثبت به النسب بمن يرث، لو ثبت نسبه بغير ~~إقراره، فيجب أن يرث، كما لو لم يسقطه، ولأنه ابن ثابت النسب، لم يمنع إرثه ~~مانع متفق عليه، أشبه ما لو ثبت ببينة، والاعتبار بكونه وارثا حالة ~~الإقرار، أو بكونه وارثا ms3312 لولا الإقرار، بدليل أنه لو اعتبر الحال الثاني، ~~لم # PageV06P355 # يثبت النسب، إذا أقر بمشارك في الميراث؛ لأنه يكون إقرارا من بعض الورثة، ~~فإن قالوا: إنما ثبت؛ لأن المقر به أيضا مقر بنفسه مدع لنسبه. قلنا: هاهنا ~~مثله، فاستويا. ### | [فصل خلف ابنا واحدا فأقر بأخ من أبيه] # (4932) فصل: إذا خلف ابنا واحدا، فأقر بأخ من أبيه، دفع إليه نصف ما في ~~يده. في قول الجميع. فإن أقر بعد بآخر، فاتفقا عليه، دفعا إليه ثلث ما في ~~أيديهما. في قول الجميع. فإن أنكر المقر به ثانيا المقر به الأول، لم يثبت ~~نسبه. قال القاضي: هذا مثل للعامة، تقول: أدخلني أخرجك. # وليس له أن يأخذ أكثر من ثلث ما في أيديهما؛ لأنه لم يقر له بأكثر منه. ~~وقال الشافعي: - رضي الله عنه - يلزم المقر أن يغرم له نصف التركة؛ لأنه ~~أتلفه عليه بإقراره الأول ويحتمل أن لا يبطل نسب الأول؛ لأنه ثبت بقول من ~~هو كل الورثة حال الإقرار. فإن لم يصدق الأول بالثاني، لم يثبت نسبه، ويدفع ~~إليه المقر ثلث ما بقي في يده؛ لأنه الفضل الذي في يده. ويحتمل أن يلزمه ~~دفع ثلث جميع المال؛ لأنه فوته عليه بدفع النصف إلى الأول، وهو يقر أنه لا ~~يستحق إلا الثلث # وسواء دفعه إليه بحكم الحاكم، أو بغير حكمه؛ لأن إقراره علة حكم الحاكم. ~~وسواء علم بالحال عند إقراره الأول، أو لم يعلم، لأن العمد والخطأ واحد في ~~ضمان ما يتلف. وحكى نحو هذا عن شريك، ويحتمل أنه إن علم بالثاني حين أقر ~~بالأول، وعلم أنه إذا أقر به بعد الأول لا يقبل، ضمن؛ لتفويته حق غيره ~~بتفريطه، وإن لم يعلم، لم يضمن؛ لأنه يجب عليه الإقرار بالأول إذا علمه، ~~ولا يحوجه إلى حاكم، ومن فعل الواجب فقد أحسن، وليس بخائن، فلا يضمن. وقيل: ~~هذا قياس قول الشافعي # وقال أبو حنيفة: إن كان الدفع بحكم حاكم، دفع إلى الثاني نصف ما بقي في ~~يده؛ لأن حكم الحاكم كالأخذ منه كرها، وإن دفعه بغير ms3313 حاكم، دفع إلى الثاني ~~ثلث جميع المال؛ لأنه دفع إلى الأول ما ليس له تبرعا. ولنا على الأول، أنه ~~أقر بما يجب عليه الإقرار به، فلم يضمن ما تلف به كما لو قطع الإمام يد ~~السارق، فسرى إلى نفسه. وإن أقر بعدهما بثالث، فصدقاه، ثبت نسبه، وأخذ ربع ~~ما في يد كل واحد منهم، إذا كان مع كل واحد ثلث المال، وإن كذباه، لم يثبت ~~نسبه # وأخذ ربع ما في يد المقر به، وفي ضمانه له ما زاد التفصيل في التي قبلها. ~~وعلى مثل قولنا قال ابن أبي ليلى، وأهل المدينة، وبعض أهل البصرة. ### | [فصل معرفة الفضل في الميراث] # (4933) فصل: ومتى أردت معرفة الفضل، فاضرب مسألة الإقرار في مسألة ~~الإنكار، ثم تضرب ما للمقر من مسألة الإقرار في مسألة الإنكار، إذا كانتا ~~متباينتين، وتضرب ما للمنكر في مسألة الإنكار في مسألة # PageV06P356 # الإقرار، فما كان بينهما فهو الفضل. فإن لم يكن في يده فضل، فلا شيء ~~للمقر له، كثلاثة إخوة مفترقين، أقر الأخ من الأم بأخ أو أخت، فلا شيء ~~للمقر له؛ لأنه على غيره، وسواء أقر بأخ من أم أو غيره # وعند أبي حنيفة، إن أقر بأخ من أم، فله نصف ما في يده، وإن أقر بأخ من ~~أبوين، فللمقر به خمسة أسباع ما في يده. وإن كن ثلاث أخوات مفترقات، فأقرت ~~الأخت من الأم بأخ، فإن كان في المسألة عصبة، فلا شيء له، وإن لم يكن فيها ~~عصبة، فله سدس ما بقي في يدها؛ لأن مسألة الإنكار من خمسة، والإقرار من ستة ~~إذا ضربت إحداهما في الأخرى، كانت ثلاثين، لها سهم من مسألة الإنكار، في ~~مسألة الإقرار، ستة، ولها في الإقرار خمسة، يفضل في يدها سهم، فهو للأخ من ~~أي جهة كان # وإن أقرت الأخت من الأب بأخ لها، صحت من تسعين، لها عشرة، ويفضل لأخيها ~~ثمانية. وإن أقرت بأخ من أبوين، دفعت إليه جميع ما في يدها. وإن أقرت بأخ ~~من أم أو بأم للميت، أو جدة، أو ms3314 بعصبة، فله سدس ما في يدها. وإن خلف أربع ~~أخوات من أب وعما، فأقر الأخوات بأخ لهن، فلا شيء له، وإن أقررن بأخت من ~~أبوين، دفعن إليها ثلاثة أرباع ما في أيديهن. وإن أقررن بأخت من أب، فلها ~~خمس ما في أيديهن، وأيتهن أقرت وحدها، دفعت إليها مما في يدها بقدر ذلك # وإن أقرت إحداهن بأخ وأخت، فمسألة الإقرار من سبعة، والإنكار من ستة، ~~تضرب إحداهما في الأخرى، تكن اثنين وأربعين، لها سهم في ستة، وفي يدها ~~سبعة، يفضل في يدها سهم لهما. وإن أقر الأربع بهما فضل لهما أربعة أسهم، ~~فإن كان المقر بهما يتصادقان، اقتسماها بينهم أثلاثا، فإن تجاحدا، فلا شيء ~~للأخ؛ لأنه يقر أنه لا حق له في الثلثين، ويكون المقر به للأخت؛ لأنها تدعي ~~خمس الثلثين، وإن جحدته، ولم يجحدها، لم يلتفت إلى جحدها، لإقرار الأخوات ~~المعروفات، وإن جحدها، ولم تجحده، احتمل أن يكون المقر به لها، لإقراره ~~بأنه لا يستحق شيئا من الثلثين، وكونها تدعي من الثلثين مثل هذه الفضلة # ويحتمل أن لا تستحق إلا ثلث أربعة أسهم، لإقرارها بها للأخ. والأول أولى، ~~إن شاء الله تعالى. # وإن أقر العم بأخت، أو أخوات من، أب، أو أبوين، فلا شيء لهم وإن أقر بأخ، ~~أو أخت من أم، أو بأم، أو جدة، فللمقر له السدس. وإن أقر بأخ من أبوين، أو ~~من أب، أو بابنين من ولد الأم، فلهم جميع ما في يده. وإن خلف أما، أو أخا ~~من أبوين، فأقرت الأم بأخ من، أم، أو من أبوين، فله السدس، وهو نصف ما في ~~يدها # وإن أقرت بأخ من أب، فصدقها الأخ من الأبوين، فله السدس، وهو نصف ما في ~~يدها، ولا شيء للمقر له، وإن لم يصدقها، فقد أقرت له بما لا يدعيه، فيحتمل ~~أن يقر في يدها، ولا يصح إقرارها، ويحتمل أن يصطلحا عليه؛ لأنه لا يخرج ~~عنهما، وقد أشكل أمره، ويحتمل أن يكون لبيت المال؛ لأنه مال لم يثبت له ~~مستحق ولا يدعيه ms3315 أحد. فإن أقر الأخ بأخ له من أبوين، فله ثلاثة # PageV06P357 # أثمان ما في يده؛ لأن مسألة الإقرار من اثني عشر، له منها خمسة، وفي يده ~~ثمانية، فالفاضل في يده ثلاثة. ### | [فصل خلف ابنين فأقر الأكبر بأخوين فصدقه الأصغر في أحدهما] # (4934) فصل: إذا خلف ابنين، فأقر الأكبر بأخوين، فصدقه الأصغر في أحدهما، ~~ثبت نسب المتفق عليه، فصاروا ثلاثة، فمسألة الإقرار إذا من ثلاثة، ومسألة ~~الإنكار من أربعة، فتضرب مسألة الإقرار في مسألة الإنكار، تكن اثني عشر، ~~للأصغر سهم، من مسألة الإنكار في مسألة الإقرار، أربعة، وللأكبر سهم في ~~مسألة الإنكار، ثلاثة، وللمتفق عليه إن أقر بصاحبه مثل سهم الأكبر، وإن ~~أنكر مثل سهم الأصغر # وذكر أبو الخطاب أن المتفق عليه إن صدق بصاحبه. لم يأخذ من المنكر إلا ~~ربع ما في يده؛ لأنه لا يدعي أكثر منه، ويأخذ هو والمختلف فيه من الأكبر ~~نصف ما بيده، فتصح من ثمانية؛ للمنكر ثلاثة أثمان، وللمقر سهمان، وللمتفق ~~عليه سهمان، وللآخر سهم. وذكر ابن اللبان أن هذا قياس قول مالك، والشافعي، ~~- رضي الله عنه -. وفي هذا نظر؛ لأن المنكر يقر أنه لا يستحق إلا الثلث، ~~وقد حضر من يدعي الزيادة. # فوجب دفعها إليه، ونظير هذا ما لو ادعى إنسان دارا في يد رجل، فأقر بها ~~لغيره، فقال المقر له: إنما هي لهذا المدعي. فإنها تدفع إليه. وقد رد ~~الخبري على ابن اللبان هذا القول، وقال: على هذا يبقى مع المنكر ثلاثة ~~أثمان، وهو لا يدعي إلا الثلث، وقد حضر من يدعي هذه الزيادة، ولا منازع له ~~فيها، فيجب دفعها إليه. قال: والصحيح أن يضم المتفق عليه السدس الذي يأخذه ~~من المقر به، فيضمه إلى النصف الذي بيد المقر بهما، فيقسمانه أثلاثا، وتصح ~~من تسعة؛ للمنكر ثلاثة، ولكل واحد من الآخرين سهمان # وهذا قول أبي يوسف إذا تصادقا، ولا يستقيم هذا على قول من لم يلزم المقر ~~أكثر من الفضل عن ميراثه؛ لأن المقر بهما، والمتفق عليه، لا ينقص ميراثه عن ~~الربع، ولم يحصل له ms3316 على هذا القول إلا التسعان. وقيل: يدفع الأكبر إليهما ~~نصف ما في يده، ويأخذ المتفق عليه من الأصغر ثلث ما في يده، فيحصل للأصغر ~~الثلث، وللأكبر الربع، وللمتفق عليه السدس والثمن، وللمختلف فيه الثمن، ~~وتصح من أربعة وعشرين، للأصغر، ثمانية، وللمتفق عليه سبعة، وللأكبر ستة، ~~وللمختلف فيه ثلاثة. وفيها أقوال كثيرة سوى هذا. ### | [فصل خلف ابنا فأقر بأخوين دفعة واحدة فتصادقا] # (4935) فصل: إذا خلف ابنا، فأقر بأخوين دفعة، واحدة فتصادقا، ثبت نسبهما. ~~وإن تجاحدا فكذلك في أحد الوجهين؛ لأن نسبهما ثبت بإقرار من هو كل الورثة ~~قبلهما. وفي الآخر، لا يثبت؛ لأن الإقرار بكل واحد منهما لم يصدر من كل ~~الورثة، ويدفع إلى كل واحد منهما ثلث ما في يده. وإن صدق أحدهما # PageV06P358 # بصاحبه، وجحده الآخر، ثبت نسب المتفق عليه، وفي الأخر وجهان. # ويدفع إلى كل واحد منهما ثلث ما بقي في يده. ### | [فصل خلف ثلاثة بنين فأقر أحدهم بأخ وأخت فصدقه أحد أخويه في الأخ والآخر في الأخت] # (4936) فصل: ولو خلف ثلاثة بنين، فأقر أحدهم بأخ، وأخت، فصدقه أحد أخويه ~~في الأخ، والآخر في الأخت، لم يثبت نسبهما، ويدفع المقر بهما إليهما ثلث ما ~~في يده. # ويدفع المقر بالأخ إليه ربع ما في يده، ويدفع المقر بالأخت إليها سبع ما ~~في يده، فأصل المسألة ثلاثة أسهم؛ سهم المقر يقسم بينه وبينهما على تسعة، ~~فله ستة، ولهما ثلاثة، وسهم المقر بالأخ بينهما على أربعة، له ثلاثة ولأخيه ~~سهم وسهم المقر بالأخت بينه وبينهما على سبعة، له ستة، ولها سهم، وكلها ~~متباينة فاضرب أربعة في سبعة، في تسعة، في أصل المسألة، تكن سبعمائة وستة ~~وخمسين؛ للمقر بهما ستة، في أربعة، في سبعة، مائة وثمانية، وستون، وللمقر ~~بالأخت ستة، في أربعة، في تسعة. # مائتان وستة عشر، وللمقر بالأخ ثلاثة، في سبعة، في تسعة، مائة وتسعة ~~وثمانون، وللأخ المقر به سهمان، في أربعة، في سبعة، ستة وخمسون، وسهم في ~~سبعة، في تسعة، ثلاثة وستون، فيجتمع له مائة وتسعة عشر، وللأخت سهم، في ~~أربعة، ms3317 في سبعة، ثمانية وعشرون، وسهم في أربعة، في تسعة، ستة وثلاثون، ~~يجتمع لها أربعة وستون، ولا فرق بين تصادقهما، وتجاحدهما؛ لأنه لا فضل في ~~يد أحدهما عن ميراثه. ولو كان في هذه المسألة ابن رابع، لم يصدقه في واحد ~~منهما، كان أصل المسألة من أربعة أسهم، على أحد عشر # وسهم، على تسعة، وسهم على خمسة، وسهم ينفرد به الجاحد، فتصح المسألة من ~~ألف وتسعمائة وثمانين سهما، وطريق العمل فيها كالتي قبلها. ### | [فصل خلف بنتا وأختا فأقرتا لصغيرة فقالت البنت هي أخت وقالت الأخت هي بنت] # (4937) فصل: إذا خلف بنتا وأختا، فأقرتا لصغيرة، فقالت البنت: هي أخت. ~~وقالت الأخت: هي بنت. فلها ثلث ما في يد الأخت لا غير. وهذا قول ابن أبي ~~ليلى، ولمحمد بن الحسن، واللؤلؤي، ويحيى بن آدم، تخبيط كثير يطول ذكره. وإن ~~خلف امرأة وبنتا وأختا، فأقررن بصغيرة، فقالت المرأة: هي امرأة. وقالت ~~البنت: هي بنت. وقالت الأخت: هي أخت # فقال الخبري: تعطى ثلث المال؛ لأنه أكثر ما يمكن أن يكون لها، ويؤخذ من ~~المقرات على حسب إقرارهن، وقد أقرت لها البنت بأربعة أسهم من أربعة وعشرين، ~~وأقرت لها الأخت بأربعة ونصف، وأقرت، المرأة بسهم ونصف، وذلك عشرة أسهم، ~~لها منها ثمانية، وهي أربعة أخماسها، فخذ لها من كل واحدة أربعة أخماس ما ~~أقرت لها به، واضرب المسألة في خمسة، تكن مائة وعشرين، ومنها تصح، فإذا ~~بلغت الصغيرة، فصدقت إحداهن، أخذت منها تمام ما أقرت لها به، وردت على ~~الباقيتين ما أخذته مما لا تستحقه # وهذا قول أبي حنيفة. # PageV06P359 # وقال ابن أبي ليلى: يؤخذ لها من كل واحدة ما أقرت لها به. وإذا بلغت ~~فصدقت إحداهن، أمسكت ما أخذ لها منها، وردت على الباقيتين الفضل الذي لا ~~تستحقه عليها، وهذا القول أصوب، إن شاء الله تعالى لأن فيه احتياطا على ~~حقها. ثلاثة إخوة لأب، ادعت امرأة أنها أخت الميت لأبيه وأمه، فصدقها ~~الأكبر، وقال الأوسط: هي أخت لأم. وقال الأصغر: هي أخت لأب. # فإن الأكبر يدفع إليها ms3318 نصف ما في يده، ويدفع إليها الأوسط سدس ما في يده، ~~ويدفع إليها الأصغر سبع ما في يده، وتصح من مائة وستة وعشرين؛ لأن أصل ~~مسألتهم ثلاثة، فمسألة الأكبر من اثنين، والثاني من ستة، والثالث من سبعة، ~~والاثنان تدخل في الستة، فتضرب ستة، في سبعة، تكن اثنين وأربعين، فهذا ما ~~في يد كل واحد منهم فتأخذ من الأكبر نصفه أحدا وعشرين، ومن الأوسط سدسه ~~سبعة، ومن الأصغر سبعه ستة، صار لها أربعة وثلاثون. وهذا قياس قول ابن أبي ~~ليلى # وفي قول أبي حنيفة تأخذ سبع ما في يد الأصغر، فيضم نصفه إلى ما بيد ~~أحدهما، ونصفه إلى ما بيد الآخر، ويقاسم الأوسط على ثلاثة عشر، له عشرة، ~~ولها ثلاثة، فيضم الثلاثة إلى ما بيد الأكبر، ويقاسمه ما بيده على أربعة، ~~لها ثلاثة، وله سهم، فاجعل في يد الأصغر أربعة عشر؛ ليكون لسبعه نصف صحيح، ~~واضربها في ثلاثة عشر، تكن مائة واثنين وثمانين، فهذا ما بيد كل واحد منهم، ~~تأخذ من الأصغر سبعه، وهو ستة وعشرون. # تضم إلى ما بيد كل واحد من إخوته ثلاثة عشر، فيصير معه مائة وخمسة ~~وتسعون، وتأخذ من الأوسط منها ثلاثة من ثلاثة عشر، وهي خمسة وأربعون، تضمها ~~إلى ما بيد الأكبر، يصير معه مائتان وأربعون، فتأخذ ثلاثة أرباعها، وهي ~~مائة وثمانون، ويبقى له ستون، ويبقى للأوسط مائة وخمسون، وللأصغر مائة وستة ~~وخمسون، وترجع بالاختصار إلى سدسها، وهو أحد وتسعون. ### | [فصل خلف ابنا فأقر بأخ ثم جحده] # (4938) فصل: وإذا خلف ابنا، فأقر بأخ، ثم جحده، لم يقبل جحده، ولزمه أن ~~يدفع إليه نصف ما بيده. فإن أقر بعد جحده بآخر، احتمل أن لا يلزمه له شيء؛ ~~لأنه لا فضل في يده عن ميراثه. وهذا قول ابن أبي ليلى. فإن كان لم يدفع إلى ~~الأول شيئا، لزمه أن يدفع إليه نصف ما بيده، ولا يلزمه للآخر شيء # ويحتمل أن يلزمه دفع النصف الباقي كله إلى الثاني؛ لأنه فوته عليه. وهذا ~~قول زفر، وبعض البصريين. ويحتمل أن يلزمه ms3319 ثلث ما في يده للثاني؛ لأنه الفضل ~~الذي في يده، على تقدير كونهم ثلاثة، فيصير كما لو أقر بالثاني من غير جحد ~~الأول. وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي، - رضي الله عنه -. # وقال أهل العراق إن كان دفع إلى الأول بقضاء دفع إلى الثاني نصف ما بقي ~~في يده، وإن كان دفعه بغير قضاء، دفع إلى الثاني ثلث جميع # المال. # PageV06P360 # وإن خلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ، ثم جحده، ثم أقر بآخر، لم يلزمه الثاني ~~شيء؛ لأنه لا فضل في يده. وعلى الاحتمال الثاني يدفع إليه نصف ما بقي في ~~يده. وعلى الثالث يلزمه ربع ما بقي في يده. ولا يثبت نسب واحد منهما في هذه ~~الصورة، ويثبت نسب المقر به الأول في المسألة الأولى، دون الثاني. ### | [فصل مات رجل وخلف ابنين فمات أحدهما وترك بنتا فأقر الباقي بأخ له من أبيه] # (4939) فصل: إذا مات رجل، وخلف ابنين، فمات أحدهما، وترك بنتا، فأقر ~~الباقي بأخ له من أبيه، ففي يده ثلاثة أرباع المال، وهو يزعم أن له ربعا، ~~وسدسا، فيفضل في يده ثلث يرده على المقر به. وإن أقرت به البنت وحدها، ففي ~~يدها الربع، وهي تزعم أن لها السدس، يفضل في يدها نصف السدس، تدفعه إلى ~~المقر له. وهذا قول ابن أبي ليلى # وقال أبو حنيفة: إن أقر الأخ، دفع إليه نصف ما في يده، وإن أقرت البنت، ~~دفعت إليه خمسة أسباع ما في يدها؛ لأنها تزعم أن له ربعا، وسدسا، وهو خمسة ~~من اثني عشر، ولها السدس، وهو سهمان، فيصير الجميع سبعة، لها منهما سهمان، ~~وله خمسة. بنتان وعم، ماتت إحداهما، وخلفت ابنا وبنتا، فأقرت، البنت بخالة، ~~ففريضة الإنكار من تسعة، وفريضة الإقرار من سبعة وعشرين، ولها منهما سهمان، ~~وفي يدها ثلاثة، فتدفع إليها سهما، وإن أقر بها الابن دفع إليها سهمين، وإن ~~أقرت بها البنت الباقية دفعت إليها التسع، وإن أقر بها العم # لم يدفع إليها شيئا. وإن أقر الابن بخال له، فمسألة الإقرار من اثني عشر، ~~له منها ms3320 سهمان، وهما السدس، يفضل في يده نصف تسع. وإن أقرت به أخته دفعت ~~إليه ربع تسع، فإن أقرت به البنت الباقية فلها الربع، وفي يدها الثلث، ~~فتدفع إليه نصف السدس، وإن أقر به العم دفع إليه جميع ما في يده. ابنان، ~~مات أحدهما عن بنت، ثم أقر الباقي منهما بأم لأبيه، # ففريضة الإنكار من أربعة، للمقر منها ثلاثة أرباعها، وفريضة الإقرار من ~~اثنين وسبعين، للمقر منها أربعون، يفضل في يده أربعة عشر سهما، يدفعها إلى ~~المرأة التي أقر لها، وترجع بالاختصار إلى ستة وثلاثين؛ للمقر منها عشرون، ~~وللبنت تسعة، وللمقر لها سبعة. ومذهب أبي حنيفة تعمل كذلك، إلا أنه يجمع ~~سهام الأم، وهي سبعة عشر، إلى سهام المقر، وهي أربعون، فتقسم عليها ثلاثة ~~أرباع المال، فما أصاب كل واحد فهو له فتضرب سبعة وخمسين في أربعة، تكن ~~مائتين وثمانية وعشرين # فللبنت سهم في سبعة وخمسين، وللمقر أربعون في ثلاثة، تكن مائة وعشرين، ~~وللأم سبعة عشر في ثلاثة أحد وخمسون. وإن أقرت بها البنت، فلها من فريضة ~~الإقرار خمسة عشر سهما، وفي يدها الربع، وهو ثمانية عشر، يفضل في يدها ~~ثلاثة، تدفعها إلى المقر لها. وإن أقر الابن بزوجة لأبيه، وهي أم الميت ~~الثاني، فمسألة الإقرار من ستة وتسعين، له منها ستة وخمسون، وفي يده ثلاثة ~~أرباع، يفضل معه ستة عشر سهما، يدفعها إلى المقر لها، ويكون له ستة وخمسون، ~~ولها # PageV06P361 # ستة عشر، وللبنت أربعة وعشرون، وترجع بالاختصار إلى اثني عشر؛ لأن سهامهم ~~كلها تتفق بالأثمان، فيكون للمقر سبعة، وللمقر لها سهمان، وللبنت ثلاثة # وفي قول أبي حنيفة: يضم سهام المقر لها، وهي تسعة عشر إلى سهام المقر، ~~فتكون خمسة وسبعين، وتقسم عليها ثلاثة الأرباع، وهما يتفقان بالأثلاث، ~~فترجع السهام إلى ثلثها خمسة وعشرين، تضربها في أربعة، تكن مائة، للبنت سهم ~~في خمسة وعشرين، وللمرأة تسعة عشر في سهم، وللمقر ستة وخمسون، وما جاء من ~~هذا الباب فهذا طريق له. أبوان وابنتان، اقتسموا التركة، ثم أقروا ببنت ~~للميت، فقالت: قد استوفيت ms3321 نصيبي من تركة أبي # فالفريضة في الإقرار من ثمانية عشر؛ للأبوين ستة، ولكل بنت أربعة، فأسقط ~~منها نصيب البنت المقر بها، يبقى أربعة عشر؛ للأبوين منها ستة وإنما أخذا ~~ثلث الأربعة عشر، وذلك أربعة أسهم وثلثا سهم، فيبقى لهما في يد البنتين سهم ~~وثلث، يأخذانها منها، فاضرب ثلاثة في أربعة عشر، تكن اثنين وأربعين، فقد ~~أخذ الأبوان أربعة عشر، وهما يستحقان ثمانية عشر، يبقى لهما أربعة، ~~يأخذانها منهما، ويبقى للابنتين أربعة وعشرون # وإن قالت: قد استوفيت نصف نصيبي فأسقط سهمين من ثمانية عشر، يبقى ستة ~~عشر، قد أخذا ثلثها، خمسة وثلثا، خمسة وثلثا ويبقى لهما ثلثا سهم، فإذا ~~ضربتها في ثلاثة كانت ثمانية وأربعين، قد أخذا منها ستة عشر، يبقى لهما ~~سهمان. ### | [فصل أقر بعض الورثة ممن أعيلت له المسألة بمن يعصبه] # (4940) فصل: إذا أقر بعض الورثة ممن أعيلت له المسألة بمن يعصبه، فيذهب ~~العول، مثل مسألة فيها زوج وأختان، أقرت إحداهما بأخ لها، فاضرب مسألة ~~الإقرار، وهي ثمانية، في مسألة الإنكار، وهي سبعة، تكن ستة، وخمسين؛ ~~للمنكرة سهمان، في مسألة الإقرار ستة عشر، وللمقرة سهم في مسألة الإنكار ~~سبعة، يفضل في يدها تسعة أسهم، فيسأل الزوج، فإن أنكر أعطي ثلاثة في ~~ثمانية، أربعة وعشرون، ودفعت المقرة إلى المقر له ما فضل في يدها كله، وإن ~~أقر الزوج به فهو يدعي أربعة، والأخ يدعي أربعة عشر، فتجمعها تكن ثمانية ~~عشر، وتقسم عليها التسعة. # فتدفع إلى الزوج سهمين، وإلى الأخ سبعة، فإن أقرت الأختان به، وأنكر ~~الزوج، وهو ينكرها، ففيه ثلاثة أوجه؛ أحدها، أن تقر في يد من هي في يده؛ ~~لأن إقراره بطل لعدم تصديق المقر له. والثاني، يصطلح عليها الزوج والأختان، ~~له نصفها، ولهما نصفها؛ لأنها لا تخرج عنهم، ولا شيء # PageV06P362 # فيها للأخ؛ لأنه لا يحتمل أن يكون له فيها شيء بحال. الثالث، يؤخذ إلى ~~بيت المال؛ لأنه مال لم يثبت له مالك. ومذهب أبي حنيفة، - رضي الله عنه - ~~في الصورة الأولى، إن أنكر الزوج، أخذت المقرة سهميها من ms3322 سبعة # فتقسمها بينها وبين أختها على ثلاثة، فتضرب ثلاثة في سبعة، تكون إحدى ~~وعشرين، لهما منها ستة، لها سهمان، ولأختها أربعة. وإن أقر الزوج ضم سهامه ~~إلى سهميهما، تكون خمسة، واقتسماها بينهم على سبعة؛ للزوج أربعة، وللأخ ~~سهمان، وللأخت سهم، ثم تضرب سبعة في سبعة، تكن تسعة وأربعين، ومنها تصح؛ ~~للمنكرة سهمان في سبعة، أربعة عشر، وللزوج أربعة في خمسة، وللأخ سهمان في ~~خمسة، وللمقرة سهم في خمسة # فإن خلفت أما وزوجا، وأختا من أب، فأقرت الأخت بأخ لها، فمسألة الإنكار ~~من ثمانية، ومسألة الإقرار من ثمانية عشر، ويتفقان بالأنصاف، فاضرب نصف ~~إحداهما في الأخرى، تكن اثنين وسبعين؛ للأم ثمانية عشر، وفي يد المقرة سبعة ~~وعشرون، ولها من مسألة الإقرار ثمانية، يفضل في يدها تسعة عشر، فيسأل ~~الزوج، فإن أنكر أخذ الأخ ستة عشر، وبقيت ثلاثة أسهم، فيها الأوجه الثلاثة، ~~وإن أقر فهو يدعي تسعة؛ لأنه يدعي تمام النصف، والأخ يدعي ستة عشر، فتضم ~~التسعة إلى الستة عشر. # تكون خمسة وعشرين، والتسعة عشر لا توافقها، فتضرب خمسة وعشرين، في اثنين ~~وسبعين، تكون ألفا وثمانمائة، ثم كل من له شيء من اثنين وسبعين، مضروب في ~~خمسة وعشرين، ومن له شيء من خمسة وعشرين، مضروب في تسعة عشر. وسئل المغيرة ~~الضبي عن هذه المسألة، فأجاب بهذا، وذكر أنه قول النخعي. قال يحيى بن آدم: ~~وهي في قول حماد وأبي حنيفة؛ من عشرين سهما. يعني للأم ربعها خمسة، والباقي ~~بين الزوج والأخ، والأخت، على قدر سهامهم من فريضة الإقرار، للزوج تسعة، ~~وللأخ أربعة، وللأخت سهمان # وإن صدقتها الأم وحدها دون الزوج، أعطيت الأم السدس، والأخ والأخت الثلث ~~بينهما على ثلاثة، وللزوج ثلاثة أثمان، ويبقى الثمن فيه الأوجه الثلاثة. ### | [فصل أقر وارث بمن لا يرث ويسقط به ميراثه] # (4941) فصل: وإن أقر وارث بمن لا يرث، ويسقط به ميراثه، كأخت من أب أقرت ~~بأخ لها، في مسألة فيها زوج وأخت من أبوين، أو أقرت بأخ من أبوين، سقط ~~ميراثها، ويقسم المال بين الزوج والأخت نصفين، ms3323 إن صدقاها في الصورة الأولى، ~~وفي الثانية، للزوج النصف، والباقي بين الأخ والأخت على ثلاثة، وإن كذباها، ~~فالمقر به هو السبع، ففيه الأوجه الثلاثة في الصورة الأولى، ويدفع إلى ~~الأبوين في الصورة الثانية. وإن خلفت زوجا وأما وأختين لأم وأختين لأب، ~~فأقرت إحداهما بأخ لها، سقط ميراثها، ولا شيء للأخ. # وللأخرى خمس المال، والباقي بين سائر الورثة على ستة، إن أقروا فاضرب ستة ~~في خمسة، تكن ثلاثين، وإن أنكرت الأم، فلها العشر أيضا، والباقي بين الزوج ~~والأختين من الأم على # PageV06P363 # خمسة، وإن أنكرته الأختان من الأم، فلهما الخمس أيضا، والباقي كله للزوج، ~~وتصح من عشرة، وإن أنكره الزوج فله خمس وعشر، فيبقى خمس المال، لا يدعيه ~~أحد، يقرون به للأخت المقرة، وهي تقر به لهم، ففيه الأوجه الثلاثة، إلا ~~أننا إذا قلنا: يقسم بينهم # فلا شيء فيه للأخت المنكرة، ولا للمقر به بحال؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ~~لهما شيء بحال. ### | [فصل امرأة وعم ووصي لرجل بثلث ماله فأقرت المرأة والعم أنه أخو الميت وصدقهما] # (4942) فصل: امرأة وعم ووصي لرجل بثلث ماله، فأقرت المرأة والعم، أنه أخو ~~الميت، وصدقهما، ثبت نسبه، وأخذ ميراثه. وإن أقرت به المرأة وحدها، فلم ~~يصدقها المقر به، لم يؤثر إقرارها شيئا، وإن صدقها الأخ وحده، فللمرأة ~~الربع بكماله، إلا أن يجيز الوصية، وللعم النصف، ويبقى، الربع يدفع إلى ~~الوصي، وإن صدقها العم، ولم يصدقها الوصي، فله الثلث، وللمرأة الربع ~~والباقي يقر به العم لمن لا يدعيه، ففيه الأوجه الثلاثة # وإن أقر به العم وحده، فصدقه الموصى له، أخذ ميراثه، وهو ثلاثة أرباع ~~المال، وللمرأة السدس، ويبقى نصف السدس، فيحتمل أن يكون لها؛ لأن الموصى له ~~يعترف ببطلان الوصية، أو وقوفها على إجازة المرأة ولم تجزها، ويحتمل أن ~~يكون فيه الأوجه الثلاثة، وإن لم يصدقه، أخذ الثلث بالوصية، والمرأة السدس ~~بالميراث، ويبقى النصف فيه الأوجه الثلاثة. ### | [مسألة القاتل لا يرث] # (4943) مسألة؛ قال: (والقاتل لا يرث المقتول، عمدا كان القتل أو خطأ) ~~أجمع أهل العلم على أن ms3324 قاتل العمد لا يرث من المقتول شيئا، إلا ما حكي عن ~~سعيد بن المسيب وابن جبير، إنهما ورثاه، وهو رأي الخوارج؛ لأن آية الميراث ~~تتناوله بعمومها، فيجب العمل بها فيه، ولا تعويل على هذا القول؛ لشذوذه، ~~وقيام الدليل على خلافه. فإن عمر، - رضي الله عنه - أعطى دية ابن قتادة ~~المذحجي لأخيه دون أبيه، وكان حذفه بسيفه فقتله # واشتهرت هذه القصة بين الصحابة - رضي الله عنهم -، فلم تنكر، فكانت ~~إجماعا، وقال عمر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليس ~~للقاتل شيء» رواه مالك في موطئه، والإمام أحمد بإسناده. وروى عمرو بن شعيب، ~~عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه. رواه ابن اللبان ~~بإسناده، ورواهما ابن عبد البر في " كتابه ". وروى ابن عباس - رضي الله ~~عنهما -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل قتيلا فإنه ~~لا يرثه، وإن لم يكن له وارث غيره، وإن كان والده أو ولده، فليس لقاتل ~~ميراث» رواه # PageV06P364 # الإمام أحمد بإسناده، # ولأن توريث القاتل يفضي إلى تكثير القتل؛ لأن الوارث ربما استعجل موت ~~موروثه، ليأخذ ماله، كما فعل الإسرائيلي الذي قتل عمه، فأنزل الله تعالى ~~فيه قصة البقرة. وقيل: ما ورث قاتل بعد عاميل، وهو اسم القتيل. فأما القتل ~~خطأ، فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يرث أيضا. نص عليه أحمد # ويروى ذلك عن عمر، وعلي، وزيد، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ~~وروي نحوه عن أبي بكر - رضي الله عنه -. وبه قال شريح، وعروة، وطاوس وجابر ~~بن زيد، والنخعي، والشعبي، والثوري، وشريك، والحسن بن صالح، ووكيع، ~~والشافعي ويحيى بن آدم، وأصحاب الرأي. وورثه قوم من المال دون الدية # وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، وعمرو بن شعيب، وعطاء، والحسن، ومجاهد، ~~والزهري، ومكحول، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وأبي ثور، وابن المنذر، وداود. ~~وروي نحوه عن علي؛ لأن ميراثه ثابت بالكتاب والسنة، تخصص قاتل العمد ~~بالإجماع، فوجب البقاء على الظاهر فيما سواه. ولنا؛ الأحاديث المذكورة، ~~ولأن ms3325 من لا يرث من الدية لا يرث من غيرها، كقاتل العمد، والمخالف في الدين، ~~والعمومات مخصصة بما ذكرناه. ### | [فصل القتل المانع من الإرث] # (4944) فصل: والقتل المانع من الإرث هو القتل بغير حق، وهو المضمون بقود، ~~أو دية، أو كفارة كالعمد، وشبه العمد، والخطأ، وما جرى مجرى الخطأ؛ كالقتل ~~بالسبب، وقتل الصبي، والمجنون، والنائم، وما ليس بمضمون بشيء مما ذكرنا لم ~~يمنع الميراث؛ كالقتل قصاصا أو حدا، أو دفعا عن نفسه، وقتل العادل الباغي، ~~أو من قصد مصلحة موليه بما له فعله؛ من سقي دواء، أو ربط جراح، فمات # ومن أمره إنسان عاقل كبير ببط خراجه، أو قطع سلعة منه، فتلف بذلك، ورثه ~~في ظاهر المذهب. قال أحمد: إذا قتل العادل الباغي في الحرب يرثه. ونقل محمد ~~بن الحكم عن أحمد، في أربعة شهدوا على أختهم بالزنا، فرجمت، فرجموا مع ~~الناس: يرثونها هم غير قتلة. وعن أحمد، رواية أخرى، تدل على أن القتل يمنع ~~الميراث بكل حال، فإنه قال، في رواية ابنيه صالح، وعبد الله: لا يرث العادل # PageV06P365 # الباغي، ولا يرث الباغي العادل # وهذا يدل على أن القتل يمنع الميراث بكل حال. وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ~~أخذا بظاهر لفظ الحديث، ولأنه قاتل، فأشبه الصبي، والمجنون والنائم، ~~والساقط على إنسان من غير اختيار منه، وسائق الدابة، وقائدها، وراكبها، إذا ~~قتلت بيدها، أو فيها، فإنه يرثه؛ لأنه قتل غير متهم فيه، ولا مأثم فيه، ~~فأشبه القتل في الحد. ولنا، على أبي حنيفة وأصحابه عموم الأخبار، خصصنا ~~منها القتل الذي لا يضمن، ففيما عداه يبقى على مقتضاها، ولأنه قتل مضمون ~~فيمنع الميراث كالخطأ # ولنا، على الشافعي، أنه فعل مأذون فيه، فلم يمنع الميراث، كما لو أطعمه ~~أو سقاه باختياره، فأفضى إلى تلفه، ولأنه حرم الميراث في محل الوفاق، كي لا ~~يفضي إلى إيجاد القتل المحرم، وزجرا عن إعدام النفس المعصومة، وفي مسألتنا ~~حرمان الميراث يمنع إقامة الحدود الواجبة، واستيفاء الحقوق المشروعة، ولا ~~يفضي إلى إيجاد قتل محرم، فهو ضد ما ثبت في الأصل ولا ms3326 يصح القياس على قتل ~~الصبي، والمجنون؛ لأنه قتل محرم، وتفويت نفس معصومة، والتوريث يفضي إليه، ~~بخلاف مسألتنا # إذا ثبت هذا، فالمشارك في القتل في الميراث كالمنفرد به؛ لأنه يلزمه من ~~الضمان بحسبه، فلو شهد على موروثه مع جماعة ظلما فقتل، لم يرثه، وإن شهد ~~بحق، ورثه؛ لأنه غير مضمون. ### | [فصل أربعة إخوة قتل أكبرهم الثاني ثم قتل الثالث الأصغر] # (4945) فصل: أربعة إخوة قتل أكبرهم الثاني، ثم قتل الثالث الأصغر، سقط ~~القصاص عن الأكبر؛ لأن ميراث الثاني صار للثالث والأصغر نصفين، فلما قتل ~~الثالث الأصغر لم يرثه، وورثه الأكبر، فرجع إليه نصف دم نفسه، وميراث ~~الأصغر جميعه، فسقط عنه القصاص، لميراثه بعض دم نفسه، وله القصاص على ~~الأصغر، ويرثه في ظاهر المذهب، فإن اقتص منه ورثه، ويرث إخوته الثلاثة # ولو أن ابنين قتل أحدهما أحد أبويهما، وهما زوجان، ثم قتل الآخر أباه ~~الآخر، سقط القصاص عن القاتل الأول، ووجب على القاتل الثاني؛ لأن الأول لما ~~قتل أباه، ورث ماله ودمه أخوه وأمه، فلما قتل الثاني أمه، ورثها قاتل الأب، ~~فصار له من دم نفسه ثمنه، فسقط القصاص عنه لذلك، وله القصاص على الآخر، فإن ~~قتله ورثه في ظاهر المذهب. وإن جرح أحدهما أباه، والآخر أمه، وماتا في حال ~~واحدة، ولا وارث لهما سواهما، فلكل واحد منهما مال الذي لم يقتله، ولكل ~~واحد منهما القصاص على صاحبه # وكذلك لو قتل كل واحد منهما أحد الأبوين، ولم يكونا زوجين، فلكل واحد ~~منهما القصاص على أخيه، إلا أنه لا يمكن أحدهما الاستيفاء إلا بإبطال حق ~~الآخر فيسقطان. وإن عفا أحدهما عن الآخر، فللآخر قتل العافي، ويرثه # PageV06P366 # في الظاهر. وإن بادر أحدهما فقتل أخاه، سقط القصاص عنه، وورثه في الظاهر ~~عنه، ويحتمل ألا يرثه، ويجب القصاص عليه بقتله؛ لأن القصاصين لما تساويا، ~~وتعذر الجمع بين استيفائهما، سقطا، فلم يبق لهما حكم، فيكون المستوفي منها ~~معتديا باستيفائه، فلا يرث أخاه، ويجب القصاص عليه بقتله # وإن أشكل كيفية موت الأبوين، وادعى كل واحد منهما أن قتيله أولهما ms3327 موتا، ~~خرج في توريثهما، ما ذكرناه في الغرقى، من توريث كل واحد من الميتين من ~~الآخر، ثم يرث كل واحد منهما بعض دم نفسه، فيسقط القصاص عنهما. ومن لا يرى ~~ذلك، فالجواب فيها كالتي قبلها. ويحتمل أن يسقط القصاص بكل حال؛ للشبهة، ~~وأن يكون لكل واحد دية الأخر وماله. ### | [مسألة لا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما] # (4946) مسألة؛ قال: (ولا يرث مسلم كافرا، ولا كافر مسلما، إلا أن يكون ~~معتقا، فيأخذ ماله بالولاء) أجمع أهل العلم على أن الكافر لا يرث المسلم. ~~وقال جمهور الصحابة والفقهاء: لا يرث المسلم الكافر. يروى هذا عن أبي بكر، ~~وعمر، وعثمان، وعلي، وأسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله - رضي الله عنهم -. ~~وبه قال عمرو بن عثمان، وعروة، والزهري، وعطاء، وطاوس، والحسن، وعمر بن عبد ~~العزيز، وعمرو بن دينار، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، ومالك، والشافعي، ~~وعامة، الفقهاء. وعليه العمل. وروي عن عمر، ومعاذ، ومعاوية - رضي الله عنهم ~~-، أنهم ورثوا المسلم من الكافر، ولم يورثوا الكافر من المسلم. وحكي ذلك عن ~~محمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، ومسروق، وعبد الله بن ~~معقل، والشعبي، والنخعي، ويحيى بن يعمر، وإسحاق. وليس بموثوق به عنهم. فإن ~~أحمد قال: ليس بين الناس اختلاف في أن المسلم لا يرث الكافر. وروي أن يحيى ~~بن يعمر احتج لقوله، فقال: حدثني أبو الأسود، أن معاذا حدثه، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «الإسلام يزيد ولا ينقص» ولأننا ننكح نساءهم، ~~ولا ينكحون نساءنا، فكذلك نرثهم، ولا يرثوننا. ولنا؛ ما روى أسامة بن زيد، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يرث الكافر المسلم، ولا ~~المسلم الكافر» . متفق عليه. وروى أبو داود بإسناده: عن عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» . ولأن الولاية منقطعة بين المسلم والكافر، ~~فلم يرثه، كما لا يرث الكافر المسلم. فأما حديثهم فيحتمل أنه أراد أن ms3328 ~~الإسلام يزيد بمن يسلم، وبما يفتح من البلاد لأهل الإسلام، ولا ينقص بمن ~~يرتد، لقلة من يرتد، وكثرة من يسلم، وعلى أن حديثهم مجمل، وحديثنا مفسر، ~~وحديثهم لم يتفق على صحته، وحديثنا متفق عليه، فتعين تقديمه. والصحيح عن ~~عمر، أنه قال: لا نرث أهل الملل، ولا يرثوننا. وقال في عمة الأشعث: # PageV06P367 # يرثها أهل دينها. فأما المعتق إذا خالف دينه دين معتقه، فسنذكره في باب ~~الولاء، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل الكفار يتوارثون إذا كان دينهم واحدا] # (4947) فصل: فأما الكفار فيتوارثون، إذا كان دينهم واحدا، لا نعلم بين ~~أهل العلم فيه خلافا، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرث المسلم ~~الكافر» دليل على أن بعضهم يرث بعضا. وقوله: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» . ~~دليل على أن أهل الملة الواحدة يرث بعضهم بعضا. وقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «وهل ترك لنا عقيل من دار» . دليل على أن عقيلا ورث أبا طالب دون ~~جعفر، وعلي لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل على دين أبيه، مقيما بمكة، فباع ~~رباعه بمكة، فلذلك لما قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أين تنزل غدا؟ ~~قال: «وهل ترك لنا عقيل من رباع» . وقال عمر في عمة الأشعث بن قيس: يرثها ~~أهل دينها. فإن اختلفت أديانهم، فاختلف عن أحمد، فروي عنه، أن الكفر كله ~~ملة واحدة، يرث بعضهم بعضا. رواه عنه حرب، واختاره الخلال. وبه قال حماد، ~~وابن شبرمة، وأبو حنيفة، والشافعي، وداود؛ لأن توريث الآباء من الأبناء، ~~والأبناء من الآباء، مذكور في كتاب الله تعالى ذكرا عاما، فلا يترك إلا ~~فيما استثناه الشرع، وما لم يستثنه الشرع يبقى على العموم، ولأن قول الله ~~تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] عام في جميعهم. وروي ~~عن أحمد، أن الكفر ملل مختلفة، لا يرث بعضهم بعضا. اختاره أبو بكر، وهو قول ~~كثير من أهل العلم؛ لأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يتوارث أهل ~~ملتين شتى» . ينفي توارثهما، ويخص عموم الكتاب، ولم نسمع عن أحمد تصريحا ~~بذكر أقسام ms3329 الملل. وقال القاضي أبو يعلى: الكفر ثلاث ملل: اليهودية، ~~والنصرانية، ودين من عداهم؛ لأن من عداهم يجمعهم أنهم لا كتاب لهم. وهذا ~~قول شريح، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، والضحاك، والحكم. والثوري، والليث، ~~وشريك، ومغيرة الضبي، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، ووكيع. وروي ذلك عن ~~مالك. وروي عن النخعي، والثوري، القولان معا. ويحتمل كلام أحمد - رضي الله ~~عنه - أن يكون الكفر مللا كثيرة، فتكون المجوسية ملة، وعبادة الأوثان ملة ~~أخرى، وعبادة الشمس ملة، فلا يرث بعضهم بعضا. روي ذلك عن علي. وبه قال ~~الزهري، وربيعة وطائفة من أهل المدينة، وأهل البصرة، وإسحاق وهو أصح ~~الأقوال إن شاء الله تعالى لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يتوارث ~~أهل ملتين شتى» . ولأن كل فريقين منهم لا موالاة بينهم، ولا اتفاق في دين ~~فلم يرث بعضهم بعضا، كالمسلمين والكفار، والعمومات في التوريث مخصوصة، فيخص ~~منها محل النزاع بالخبر والقياس، ولأن مخالفينا قطعوا التوارث بين أهل ~~الحرب وأهل دار الإسلام، مع اتفاقهم في الملة، لانقطاع الموالاة، فمع ~~اختلاف الملة أولى. وقول من حصر الملة بعدم الكتاب غير صحيح، فإن هذا وصف ~~عدمي، لا يقتضي حكما، ولا جمعا، ثم # PageV06P368 # لا بد لهذا الضابط من دليل يدل على اعتباره، ثم قد افترق حكمهم، فإن ~~المجوس يقرون بالجزية، وغيرهم لا يقر بها، وهم مختلفون في معبوداتهم، ~~ومعتقداتهم، وآرائهم، يستحل بعضهم دماء بعض، ويكفر بعضهم بعضا، فكانوا مللا ~~كاليهود والنصارى. وقد روي ذلك عن علي - رضي الله عنه - فإن إسماعيل بن أبي ~~خالد، روى عن الشعبي، عن علي - عليه السلام - أنه جعل الكفر مللا مختلفة. ~~ولم يعرف له مخالف في الصحابة، فيكون إجماعا. ### | [فصل أهل الملة الواحدة يتوارثون] # (4948) فصل: وقياس المذهب عندي، أن الملة الواحدة يتوارثون، وإن اختلفت ~~ديارهم؛ لأن العمومات من النصوص تقتضي توريثهم، ولم يرد بتخصيصهم نص، ولا ~~إجماع، ولا يصح فيهم قياس، فيجب العمل بعمومها. ومفهوم قوله - عليه السلام ~~- «لا يتوارث أهل ملتين شتى.» أن أهل الملة الواحدة يتوارثون. وضبطه ~~التوريث بالملة والكفر ms3330 والإسلام، دليل على أن الاعتبار به دون غيره، ولأن ~~مقتضى التوريث موجود، فيجب العمل به، ما لم يقم دليل على تحقق المانع. وقد ~~نص أحمد في رواية الأثرم، في من دخل إلينا بأمان فقتل، أنه يبعث بديته إلى ~~ملكهم حتى يدفعها إلى الورثة. وقد روي «أن عمرو بن أمية كان مع أهل بئر ~~معونة فسلم ورجع إلى المدينة، فوجد رجلين في طريقه من الحي الذي قتلوهم، ~~وكانا أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمان، ولم يعلم عمرو، فقتلهما، ~~فوداهما النبي - صلى الله عليه وسلم -.» ولا شك في أنه بعث بديتهما إلى ~~أهلهما. وقال القاضي: قياس المذهب عندي، أنه لا يرث حربي ذميا، ولا ذمي ~~حربيا؛ لأن الموالاة بينهما منقطعة، فأما المستأمن فيرثه أهل الحرب، وأهل ~~دار الإسلام. وبهذا قال الشافعي - رضي الله عنه -. وبه قال أبو حنيفة، إلا ~~أن المستأمن لا يرثه الذمي؛ لأن دارهما مختلفة. قال القاضي: ويرث أهل الحرب ~~بعضهم بعضا، سواء اتفقت ديارهم، أو اختلفت. وهذا قول الشافعي. - رضي الله ~~عنه - وقال أبو حنيفة: إذا اختلفت ديارهم، بحيث كان لكل طائفة ملك، ويرى ~~بعضهم قتل بعض، لم يتوارثا؛ لأنهم لا موالاة بينهم، أشبه أهل دار الحرب، ~~فجعلوا اتفاق الدار، واختلافها ضابطا للتوريث، وعدمه. ولا نعلم في هذا كله ~~حجة من كتاب ولا سنة، مع مخالفته لعموم النص المقتضي للتوريث، ولم يعتبروا ~~الدين في اتفاقه، ولا اختلافه، مع ورود الخبر فيه، وصحة العبرة فيها، فإن ~~المسلمين يرث بعضهم بعضا، وإن اختلفت الدار بهم، فكذلك الكفار. ولا يرث ~~المسلم كافرا، ولا الكافر مسلما؛ لاختلاف الدين بهم، وكذلك لا يرث مختلفا ~~الدين أحدهما من صاحبه شيئا. # PageV06P369 ### | [مسألة المرتد لا يرث أحدا] # (4949) مسألة؛ قال: (والمرتد لا يرث أحدا، إلا أن يرجع قبل قسمة الميراث) ~~لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن المرتد لا يرث أحدا. وهذا قول، مالك ~~والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم؛ وذلك لأنه لا يرث ~~مسلما، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرث ms3331 كافر مسلما» . ولا يرث ~~كافرا؛ لأنه يخالفه في حكم الدين؛ لأنه لا يقر على كفره، فلم يثبت له حكم ~~أهل الدين الذي انتقل إليه، ولهذا لا تحل ذبيحتهم، ولا نكاح نسائهم، وإن ~~انتقلوا إلى دين أهل الكتاب. ولأن المرتد تزول أملاكه الثابتة له ~~واستقرارها، فلأن لا يثبت له ملك أولى. ولو ارتد متوارثان، فمات أحدهما، لم ~~يرثه الآخر، فإن المرتد لا يرث. ولا يورث. وإن رجع المرتد إلى الإسلام قبل ~~قسم الميراث، قسم له، على ما سنذكره في المسألة التي بعدها، إن شاء الله ~~تعالى. ### | [فصل مال الزنديق في بيت المال] # (4950) فصل: والزنديق كالمرتد فيما ذكرنا. والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ~~ويستسر بالكفر، وهو المنافق، كان يسمى في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~منافقا، ويسمى اليوم زنديقا. قال أحمد: مال الزنديق في بيت المال. ### | [فصل حكم الميراث ارتد أحد الزوجين قبل الدخول] # (4951) فصل: إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول، انفسخ النكاح في الحال، ~~ولم يرث أحدهما الآخر، وإن كانت ردته بعد الدخول، ففيه روايتان؛ إحداهما، ~~يتعجل الفرقة. والأخرى يقف على انقضاء العدة وأيهما مات لم يرثه الآخر. ~~وحكم ردتهما جميعا كحكم ردة أحدهما، في فسخ النكاح، وامتناع الميراث. وقال ~~أهل العراق: إذا ارتد الزوجان معا، فهما على النكاح؛ لأن دينهما لم يختلف، ~~فأشبها الكافرين الأصليين، إلا أنهما لا يتوارثان في دار الإسلام؛ لأن ~~المرتد لا يرث المرتد ما داما في دار الإسلام، فإن لحقا بدار الحرب توارثا؛ ~~لأن حكمهما صار كحكم أهل دار الحرب. ولنا، أنهما لا يتوارثان في دار الحرب ~~كالمسلم مع الكافر. ### | [مسألة أسلم قبل قسم ميراث موروثه المسلم] # (4952) مسألة؛ قال: (وكذلك من أسلم على ميراث قبل أن يقسم، قسم له) ~~اختلفت الرواية في من أسلم قبل قسم ميراث موروثه المسلم؛ فنقل الأثرم، ~~ومحمد بن الحكم، أنه يرث. وروي نحو هذا عن عمر، وعثمان، والحسن بن علي، ~~وابن مسعود. وبه قال جابر بن زيد، والحسن، ومكحول، وقتادة، وحميد، وإياس بن ~~معاوية، وإسحاق، فعلى هذا إن أسلم قبل ms3332 قسم بعض المال ورث مما بقي. وبه قال ~~الحسن. ونقل أبو طالب، في من أسلم بعد الموت: لا يرث، قد وجبت المواريث ~~لأهلها. وهذا المشهور عن علي - رضي الله عنه -. وبه قال سعيد بن المسيب، ~~وعطاء، وطاوس، والزهري، وسليمان بن يسار، والنخعي، والحكم، وأبو الزناد، ~~وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي - رضي الله عنهم -. وعامة # PageV06P370 # الفقهاء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرث الكافر المسلم» . ~~ولأن الملك قد انتقل بالموت إلى المسلمين، فلم يشاركهم من أسلم، كما لو ~~اقتسموا، ولأن المانع من الإرث متحقق حال وجود الموت، فلم يرث، كما لو كان ~~رقيقا فأعتق، أو كما لو بقي على كفره. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من أسلم على شيء فهو له» . رواه سعيد من طريقين عن عروة، وابن أبي ~~مليكة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى أبو داود، بإسناده: عن ابن ~~عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل قسم قسم في الجاهلية ~~فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام.» وروى ابن عبد ~~البر، بإسناده في " التمهيد "، عن زيد بن قتادة العنبري، أن إنسانا من أهله ~~مات على غير دين الإسلام، فورثته أختي دوني، وكانت على دينه، ثم إن جدي ~~أسلم، وشهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حنينا، فتوفي، فلبثت، سنة، ~~وكان ترك ميراثا، ثم إن أختي أسلمت، فخاصمتني في الميراث إلى عثمان - رضي ~~الله عنه - فحدثه عبد الله بن أرقم، أن عمر قضى أنه من أسلم على ميراث قبل ~~أن يقسم، فله نصيبه، فقضى به عثمان، فذهبت بذاك الأول، وشاركتني في هذا. ~~وهذه قضية انتشرت فلم تنكر فكانت إجماعا، ولأنه لو تجدد له صيد بعد موته ~~وقع في شبكته التي نصبها في حياته، لثبت له الملك فيه، ولو وقع إنسان في ~~بئر حفرها، لتعلق ضمانه بتركته بعد موته، فجاز أن يتجدد حق من أسلم من ~~ورثته بتركته، ترغيبا في الإسلام، وحثا عليه، فأما إذا قسمت التركة، وتعين ~~حق كل ms3333 وارث، ثم أسلم، فلا شيء له، وإن كان الوارث واحدا، فإذا تصرف في ~~التركة واحتازها، كان بمنزلة قسمتها. ### | [فصل كان رقيقا حين موت موروثه فأعتق قبل القسمة] # (4953) فصل: ومن كان رقيقا حين موت موروثه، فأعتق قبل القسمة، لم يرث. نص ~~عليه أحمد - رضي الله عنه - في رواية محمد بن الحكم، وفرق بين الإسلام ~~والعتق، وعلى هذا جمهور الفقهاء من الصحابة، ومن بعدهم. وروي عن ابن مسعود ~~أنه سئل عن رجل مات، وترك أباه عبدا، فأعتق قبل أن يقسم ميراثه، فقال: له ~~ميراثه. وحكي عن مكحول، وقتادة، أنهما ورثا من أعتق قبل القسمة؛ لأن المانع ~~من الميراث زال قبل القسمة فأشبه ما لو أسلم، قال أبو الحسن التميمي: يخرج ~~على قول من ورث المسلم، أن يورث العبد إذا # PageV06P371 # أعتق. وليس بصحيح؛ فإن الإسلام قربة وهو أعظم الطاعات، والقرب ورد الشرع ~~بالتأليف عليها، فورد الشرع بتوريثه، ترغيبا له في الإسلام، وحثا عليه، ~~والعتق لا صنع له فيه، ولا يحمد عليه، فلم يصح قياسه عليه، ولولا ما ورد من ~~الأثر من توريث من أسلم، لكان النظر يقتضي أن لا يرث من لم يكن من أهل ~~الميراث حين الموت؛ لأن الملك ينتقل به إلى الورثة، فيستحقونه، فلا يبقى ~~لمن حدث شيء، ولكن خالفناه في الإسلام للأثر، وليس في العتق أثر يجب ~~التسليم له، ولا هو في معنى ما فيه الأثر، فيبقى على موجب القياس. ### | [مسألة مال المرتد إذا مات أو قتل على ردته] # (4954) مسألة؛ قال (ومتى قتل المرتد على ردته، فماله فيء) اختلفت الرواية ~~عن أحمد في مال المرتد إذا مات، أو قتل على ردته، فروي عنه أنه يكون فيئا ~~في بيت مال المسلمين. قال القاضي: هو صحيح في المذهب. وهو قول ابن عباس، ~~وربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، والشافعي - رضي الله عنهم - وأبي ثور، وابن ~~المنذر. وعن أحمد ما يدل على أنه لورثته من المسلمين. وروي ذلك عن أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - وعلي، وابن مسعود - رضي الله عنهم - وبه قال ابن ms3334 ~~المسيب، وجابر بن زيد، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والشعبي، ~~والحكم، والأوزاعي، والثوري، وابن شبرمة، وأهل العراق. وإسحاق. إلا أن ~~الثوري، وأبا حنيفة، واللؤلؤي، وإسحاق، قالوا: ما اكتسبه في ردته يكون ~~فيئا. ولم يفرق أصحابنا بين تلاد ماله وطارفه. ووجه هذا القول أنه قول ~~الخليفتين الراشدين، فإنه يروى عن زيد بن ثابت، قال: بعثني أبو بكر عند ~~رجوعه إلى أهل الردة أن أقسم أموالهم بين ورثتهم المسلمين. ولأن ردته ينتقل ~~بها ماله، فوجب أن ينتقل إلى ورثته المسلمين، كما لو انتقل بالموت. وروي عن ~~أحمد، رواية، أن ماله لأهل دينه الذي اختاره، إن كان منه من يرثه، وإلا فهو ~~فيء. وبه قال داود. وروي عن علقمة، وسعيد بن أبي عروة؛ لأنه كافر، فورثه ~~أهل دينه، كالحربي، وسائر الكفار. والمشهور الأول؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» . وقوله: «لا ~~يتوارث أهل ملتين شتى» . ولأنه كافر، فلا يرثه المسلم، كالكافر الأصلي، ~~ولأن ماله مال مرتد، فأشبه الذي كسبه في ردته، ولا يمكن جعله لأهل دينه؛ ~~لأنه لا يرثهم، فلا يرثونه، كغيرهم من أهل الأديان، ولأنه يخالفهم في ~~حكمهم؛ فإنه لا يقر على ما انتقل إليه، ولا توكل له ذبيحة، ولا يحل نكاحه ~~إن كان امرأة، فأشبه الحربي مع الذمي. فإن قيل: إذا جعلتموه فيئا فقد # PageV06P372 # ورثتموه للمسلمين. قلنا: لا يأخذونه ميراثا، بل يأخذونه فيئا، كما يؤخذ ~~مال الذمي إذا لم يخلف وارثا، وكالعشور. ### | [فصل الزنديق لا يرث ولا يورث] # (4955) فصل: والزنديق، كالمرتد؛ لا يرث ولا يورث. وقال مالك في الزنديق ~~الذي يتهم بذمي ورثته عند موته: ماله لورثته من المسلمين، مثل من يرتد إذا ~~حضره الموت. قال: وترثه زوجته، سواء انقضت عدتها، أو لم تنقض، كالتي يطلقها ~~زوجها في مرض موته؛ ليحرمها الميراث؛ لأنه فار من ميراث من انعقد سبب ~~ميراثه، فورثه، كالمطلقة في مرض الموت. ولنا؛ قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا يرث المسلم الكافر.» وقياس المذهب أن أحد الزوجين إذا ارتد ms3335 في ~~مرض موته، يرثه الآخر؛ لأنه فعل ما يفسخ النكاح في مرض موته، فأشبه الطلاق، ~~وفعل المرأة ما يفسخ نكاحها، ويخرج في ميراث سائر الورثة مثل الزوجين، ~~فيكون مثل مذهب مالك. وقال أبو يوسف: إذا ارتدت المريضة، فماتت في عدتها، ~~أو لحقت بدار الحرب، ورثها زوجها. وروى اللؤلؤي، عن أبي حنيفة: إذا ارتد ~~الرجل، فقتل على ردته، أو لحق بدار الحرب، بانت منه امرأته، فإن كانت ~~مدخولا بها، ورثته، إذا كان ذلك قبل انقضاء عدتها، وإن كانت غير مدخول بها، ~~بانت ولم ترثه. وإن ارتدت المرأة من غير مرض، فماتت، لم يرثها زوجها؛ لأنها ~~عندهم لا تقتل، فلم تكن فارة من ميراثه، بخلاف الرجل. ### | [فصل ميراث الزوجين إذا ارتداد معا] # (4956) فصل: وارتداد الزوجين معا، كارتداد أحدهما؛ في فسخ نكاحهما، وعدم ~~ميراث أحدهما من الآخر، سواء لحقا بدار الحرب، أو أقاما بدار الإسلام. ~~وبهذا قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا ما ارتدا معا، لم ينفسخ ~~النكاح، ولم يتوارثا؛ لأن المرتد لا يرث المرتد ما داما في دار الإسلام، ~~فإن لحقا بدار الحرب توارثا. ولنا؛ أنهما مرتدان، فلم يتوارثا، كما لو كانا ~~في دار الإسلام # ولو ارتدا جميعا، ولهما أولاد صغار، لم يتبعوهم في ردتهم، ولم يرثوا منهم ~~شيئا، ولم يجز استرقاقهم، سواء لحقوهم بدار الحرب، أو لم يلحقوهم. # PageV06P373 # وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: من ألحقوه بدار الحرب منهم ~~يصير مرتدا، يجوز سبيه، ومن لم يلحقوه بدار الحرب، فهو في حكم الإسلام. ~~فأما من ولد بعد الردة بستة أشهر؛ فذكر الخرقي، - رضي الله عنه - ما يدل ~~على أنه يجوز استرقاقه. وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي، الشافعي. والقول ~~الثاني: لا يسبون. وهو منصوص الشافعي. ### | [فصل لحوق المرتد بدار الحرب] # (4957) فصل: فإذا لحق المرتد بدار الحرب، وقف ماله فإن أسلم دفع إليه، ~~وإن مات صار فيئا. وبهذا قال مالك، والشافعي - رضي الله عنهما -. وجعل أهل ~~العراق لحاقه بدار الحرب كموته، في زوال ملكه، وصرف ماله إلى من يصرف إليه ~~إذا ms3336 مات، فإن عاد إلى الإسلام، فله ما وجد من ماله، ولا يرجع على ورثته ~~بشيء مما أتلفوه، إلا أن يكونوا اقتسموه بغير حكم حاكم. # ولم يختلفوا فيما اكتسبه في دار الحرب أو أخرجه من ماله إلى دار الحرب، ~~أنه فيء. وقال أبو بكر عبد العزيز: إذا ارتد المسلم، زال ملكه عن ماله، ولم ~~يصح تصرفه فيه بشيء من التصرفات، فإن أسلم رد إليه تمليكا مستأنفا. وقال ~~أبو يوسف: إنما أحكم بموته يوم يختصمون في ماله، لا يوم لحاقه بدار الحرب # ولنا، أنه حر من أهل التصرف، ويبقى ملكه بعد إسلامه، فلم يحكم بزوال ~~ملكه، كما لو لم يرتد، ويجب رد ما أخذ من ماله، أو أتلف عليه، كغيره. ### | [فصل مات الذمي ولا وارث له] # (4958) فصل: ومتى مات الذمي، ولا وارث له، كان ماله فيئا، وكذلك ما فضل ~~من ماله عن وارثه، كمن ليس له وارث إلا أحد الزوجين، فإن الفاضل عن ميراثه ~~يكون فيئا؛ لأنه مال ليس له مستحق معين، فكان فيئا، كمال الميت المسلم الذي ~~لا وارث له. ### | [فصل ميراث المجوس ومن جرى مجراهم] # (4959) فصل: في ميراث المجوس، ومن جرى مجراهم، ممن ينكح ذوات المحارم، ~~إذا أسلموا وتحاكموا إلينا. لا نعلم بين علماء المسلمين خلافا في أنهم لا ~~يرثون بنكاح ذوات المحارم، فأما غيره من الأنكحة، فكل نكاح اعتقدوا صحته، ~~وأقروا عليه بعد إسلامهم، توارثوا به، سواء وجد بشروطه المعتبرة في نكاح ~~المسلمين، أو لم يوجد، وما لا يقرون عليه بعد إسلامهم لا يتوارثون به، ~~والمجوس وغيرهم في هذا سواء، فلو طلق الكافر امرأته ثلاثا، ثم نكحها، ثم ~~أسلما، ومات أحدهما، لم يقرا عليه، ولم يتوارثا به. وكذلك إن مات أحدهما ~~قبل إسلامهما، لم يتوارثا. في قول الجميع. # وإن تزوجها بغير شهود، ثم مات أحدهما، ورثه الآخر. وبهذا قال أبو حنيفة، ~~والشافعي - رضي الله عنهما -. وقال زفر، واللؤلؤي: لا يتوارثان. وإن # PageV06P374 # تزوج امرأة في عدتها، توارثا، في ظاهر مذهب أحمد - رضي الله عنه - فإنه ~~قال: إذا أسلما، وقد نكحها ms3337 في العدة أقرا عليه. وهذا قول أبي حنيفة. وقال ~~القاضي: إن أسلما بعد انقضاء العدة، أقرا، وإن أسلما قبل لم يقرا # فعلى هذا إن مات أحدهما قبل انقضاء العدة، لم يتوارثا، وإن مات بعده، ~~توارثا. وهذا قول الشافعي - رضي الله عنه -. وتأول القاضي رواية أحمد، على ~~من أسلم بعد انقضاء العدة. وإن تزوجها وهي حبلى من زوج، أو زنا، فالحكم فيه ~~كالتي قبلها سواء؛ لأن الزنى موجب للعدة. وبهذا قال الشافعي - رضي الله عنه ~~- في الحامل من زوج. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، في الحامل من زوج: لا ~~يتوارثان. وقال أبو حنيفة، والشافعي، في الحامل من الزنا: يتوارثان # وقال أبو يوسف، وزفر، واللؤلؤي: لا يتوارثان. وأصل الخلاف في الميراث ~~الاختلاف فيما يقران عليه إذا أسلما، أو تحاكما إلينا، ونذكر ذلك في موضعه ~~إن شاء الله تعالى. ### | [فصل ميراث القرابة] # (4960) فصل: فأما القرابة فيرثون بجميعها، إذا أمكن ذلك. نص عليه أحمد. ~~وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد في الصحيح عنه. وبه قال ~~النخعي، والثوري، وقتادة، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وأصحابه، ويحيى بن ~~آدم، وإسحاق، وداود، والشافعي - رضي الله عنهم -، في أحد قوليه. واختاره ~~ابن اللبان. # وعن زيد، أنه ورثه بأقوى القرابتين، وهي التي لا تسقط بحال. وبه قال ~~الحسن، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والليث، وحماد، وهو الصحيح عن الشافعي. ~~وعن عمر بن عبد العزيز، ومكحول، والشعبي، القولان جميعا، واحتجوا بأنهما ~~قرابتان، لا يورث بهما في الإسلام، فلا يورث بهما في غيره، كما لو أسقطت ~~إحداهما الأخرى. ولنا، أن الله تعالى فرض للأم الثلث، وللأخت النصف، فإذا ~~كانت الأم أختا، وجب إعطاؤها ما فرض الله لها في الآيتين، كالشخصين. # ولأنهما قرابتان، ترث بكل واحدة منهما منفردة، لا تحجب إحداهما الأخرى، ~~ولا ترجح بها، فترث بهما، مجتمعين، كزوج هو ابن عم، أو ابن عم هو أخ من أم، ~~وكذوي الأرحام المدلين بقرابتين. وقياسهم فاسد؛ لأن القرابتين في الأصل ~~تسقط إحداهما الأخرى إذا كانتا في شخصين، فكذلك إذا كانتا في شخص. وقولهم: ms3338 ~~لا يورث بهما في الإسلام. ممنوع، فإنه إذا وجد ذلك من وطء شبهة في الإسلام ~~ورث بهما، ثم إن امتناع الإرث بهما في الإسلام لعدم وجودهما، ولو تصور ~~وجودهما لورث بهما، بدليل أنه قد ورث بنظيرهما في ابن عم هو زوج، أو أخ من ~~أم # قال ابن اللبان: واعتبارهم عندي فاسد، من قبل أن الجدة تكون أختا لأب، ~~فإن ورثوها بكونها جدة، لكون الابن يسقط الأخت دونها، لزمهم توريثها، ~~بكونها أختا، لكون الأم تسقط الجدة دونها. # PageV06P375 # وخالفوا نص الكتاب في فرض الأخت، وورثوا الجدة التي لا نص للكتاب في ~~فرضها، وهو مختلف فيه، فمنهم من قال: هو طعمة، وليس بفرض مستحق. ويلزمهم أن ~~الميت إذا خلف أمه، وأم أم هي أخت، أن لا يورثوها شيئا؛ لأن الجدودة ~~محجوبة، وهي أقوى القرابتين. وإن قالوا: نورثها مع الأم بكونها أختا # نقضوا اعتبارهم بكونها أقوى القرابتين، وجعلوا الأخوة تارة أقوى، وتارة ~~أضعف. وإن قالوا: أقوى القرابتين الأخوة؛ لأن ميراثها أوفر. لزمهم في أم هي ~~أخت جعل الأخوة أقوى من جهة الأمومة، ويلزمهم في إسقاط ميراثها مع الابن ~~والأخ من الأبوين ما لزم القائلين بتقديم الجدودة مع الأم. فإن قالوا: ~~توريثها بالقرابتين يفضي إلى حجب الأم بنفسها، إذا كانت أختا، وللميت أخت ~~أخرى. قلنا: وما المانع من هذا؟ فإن الله تعالى حجب الأم بالأختين بقوله ~~{فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] # من غير تقييد بغيرها. ثم هم قد حجبوها عن ميراث الأخت بنفسها، فقد دخلوا ~~فيما أنكروه، بل هو أعظم؛ لأنهم فروا من حجب التنقيص إلى حجب الإسقاط، ~~وأسقطوا الفرض الذي هو أوفر بالكلية محافظة على بعض الفرض الأدنى وخالفوا ~~مدلول أربعة نصوص من كتاب الله تعالى لأنهم أعطوا الأم الثلث، وإنما فرض ~~الله لها مع الأختين السدس. والثاني، أن الله تعالى إنما فرض لكل واحدة من ~~الأختين ثلثا، فأعطوا إحداهما النصف كاملا # والثالث، أن الله تعالى فرض للأختين الثلثين، وهاتان أختان، فلم يجعلوا ~~لهما الثلثين الرابع، أن مقتضى الآية أن يكون لكل ms3339 واحدة من الأختين الثلث، ~~وهذه أخت، فلم يعطوها بكونها أختا شيئا. وهذا كله معنى كلام ابن اللبان. ### | [فصل المسائل التي تجتمع فيها قرابتان في الميراث] # (4961) فصل: والمسائل التي تجتمع فيها قرابتان، يصح الإرث بهما ست؛ ~~إحداهن في الذكور، وهي عم هو أخ لأم، وخمس في الإناث، وهي بنت هي أخت، أو ~~بنت ابن، وأم هي أخت، وأم أم هي أخت لأب، وأم أب هي أخت لأم، فمن ورثهم ~~بأقوى القرابتين، ورثهم بالبنوة والأمومة، دون الأخوة، وبنوة الابن. ~~واختلفوا في الجدة إذا كانت أختا؛ فمنهم من قال: الجدودة أقوى؛ لأنها جهة ~~ولادة لا تسقط بالولد. # ومنهم من قال: الأخوة أقوى؛ لأنها أكثر ميراثا. قال ابن سريج وغيره: هو ~~الصحيح. ومن ورث بأقوى القرابتين لم يحجب الأم بأخوة نفسها، إلا ما حكاه ~~سحنون، عن مالك، أنه حجبها بذلك. والصحيح عنه الأول. ومن ورث بالقرابتين ~~حجبها بذلك. ومتى كانت البنت أختا، # PageV06P376 # والميت رجل، فهي أخت لأم، وإن كان امرأة فهي أخت لأب # وإن قيل: أم هي أخت لأم، أو أم أم هي أخت لأم، أو أم أب هي أخت لأب. فهو ~~محال. مسائل من ذلك: مجوسي تزوج ابنته، فأولدها بنتا، ثم مات عنهما، فلهما ~~الثلثان؛ لأنهما ابنتان، ولا ترث الكبرى بالزوجية شيئا في قولهم جميعا. فإن ~~ماتت الكبرى بعده، فقد تركت بنتا، هي أخت لأب، فلها النصف بالبنوة، والباقي ~~بالأخوة، وإن ماتت الصغرى قبل الكبرى، فقد تركت أما، هي أخت لأب، فلها ~~النصف، والثلث بالقرابتين، ومن ورث بأقوى القرابتين لم يورثها بالأخوة شيئا ~~في المسألتين # وقال ابن سريج: يحتمل قول الشافعي - رضي الله عنه - توريثها بالقرابتين ~~في المسألتين؛ لأنه لم يمنع توريث الشخص بفرض وتعصيب، لتوريثه ابن العم إذا ~~كان زوجا، أو أخا لأم، وإنما منع الإرث بفرضين. فإن كان المجوسي أولدها ~~بنتين، ثم مات وماتت الكبرى بعده، فقد تركت بنتين، هما أختان لأب، وإن لم ~~تمت الكبرى، بل ماتت إحدى الصغيرتين، فقد تركت أختا لأبوين، وأما هي أخت ~~لأب؛ فلأمها السدس بكونها ms3340 أما، والسدس بكونها أختا لأب، وانحجبت بنفسها ~~وأختها عن السدس، وللأخت النصف # وعلى القول الآخر، لها الثلث بالأمومة، ولا شيء لها بالأخوة، ولا تنحجب ~~بها، وللأخت النصف، فقد استوى الحكم في القولين، وإن اختلف طريقهما. وعلى ~~ما حكاه سحنون، لها السدس وتنحجب بنفسها، وأختها. وإن أولدها المجوسي ابنا، ~~وبنتا، ثم مات، وماتت الصغرى بعده، فقد خلفت أما هي أخت لأب، وأخا لأم وأب، ~~فلأمها السدس، والباقي للأخ، ولا شيء للأم بالأخوة؛ لأن الأخ للأبوين ~~يحجبها. وعلى القول الآخر؛ للأم الثلث كاملا # وإن تزوج المجوسي أمه، فأولدها بنتا، ثم مات فلأمه السدس، ولابنته النصف، ~~ولا ترث أمه بالزوجية شيئا، ولا ابنته بكونها أختا لأم شيئا. وإن ماتت ~~الكبرى بعده، فقد خلفت بنتا هي بنت ابن، فلها الثلثان بالقرابتين. وعلى ~~القول الآخر؛ لها النصف. وإن ماتت الصغرى بعده، فقد تركت أما هي أم أب، ~~فلها الثلث بالأمومة لا غير، على القولين جميعا. وإن تزوج ابنته، فأولدها ~~ابنة، ثم تزوج الصغرى، فأولدها بنتا، ثم مات، وماتت الكبرى بعده، فقد تركت ~~أختيها لأبيها، إحداهما بنتها وبنت أبيها، والأخرى بنت بنتها، فلبنتها ~~النصف، والباقي بينهما # وعلى القول الآخر، لبنتها النصف، والباقي للصغرى. وإن ماتت الوسطى بعده، ~~فقد تركت أختيها؛ إحداهما أمها، والأخرى بنتها؛ فلأمها السدس، ولبنتها ~~النصف، والباقي بينهما. وعلى القول الآخر، الباقي للعصبة. وإن ماتت الصغرى ~~بعده، فقد خلفت أختيها؛ # PageV06P377 # إحداهما أمها، والأخرى جدتها؛ فلأمها السدس، والباقي بينهما، وقد انحجبت ~~الأم بنفسها، وبأمها عن السدس. وعلى القول الآخر من جعل الأخوة أقوى، ~~فللكبرى النصف، وللوسطى الثلث، والباقي للعصبة # ومن جعل الجدودة أقوى، لم يورث الكبرى شيئا؛ لأنها لا ترث بالأخوة، ~~لكونها ضعيفة، ولا بالجدودة، لكونها محجوبة بالأمومة وإن ماتت الصغرى بعد ~~الوسطى، فقد خلفت جدة هي أخت لأب، فلها الثلث بالقرابتين، ومن ورث ~~بإحداهما، فلها السدس عند قوم. وعند ابن سريج ومن وافقه لها النصف، وهو ~~اختيار الخبري # مجوسي تزوج أمه، فأولدها بنتا، ثم تزوج بنته، فأولدها ابنا، ثم تزوج ~~الابن جدته، فأولدها بنتا، ms3341 ثم مات المجوسي، ثم ماتت أمه، فقد خلفت بنتا هي ~~بنت ابن، وبنتا أخرى هي بنت ابن ابن، وخلفت ابن ابن هو زوجها؛ فلابنتها ~~الثلثان، والباقي بين الكبرى وابنها على ثلاثة، وتصح من تسعة؛ للكبرى ~~أربعة، وللصغرى ثلاثة، وللذكر سهمان. وعلى القول الآخر، الباقي للذكر وحده. ~~فإن ماتت بعده بنته، فإن الكبرى جدتها أم أبيها، وهي أختها من أمها، فلها ~~السدسان بالقرابتين، وفي الثاني لها السدس بإحداهما. ### | [فصل وطئ مسلم بعض محارمه بشبهة] # (4962) فصل: وإن وطئ مسلم بعض محارمه بشبهة، أو اشتراها وهو لا يعرفها ~~فوطئها، فولدت له، واتفق مثل هذه لإنسان، فالحكم فيها مثل هذا سواء. ### | [مسألة غرق المتوارثان أو ماتا تحت هدم فجهل أولهما موتا] # (4963) مسألة؛ قال: (وإذا غرق المتوارثان، أو ماتا تحت هدم، فجهل أولهما ~~موتا، ورث بعضهم من بعض) وجملة ذلك أن المتوارثين إذا ماتا، فجهل أولهما ~~موتا، فإن أحمد قال: أذهب إلى قول عمر، وعلي، وشريح، وإبراهيم، والشعبي: ~~يرث بعضهم من بعض. يعني من تلاد ماله دون طارفه، وهو ما ورثه من ميت معه. # وهذا قول من ذكره الإمام أحمد، وهو قول إياس بن عبد الله المزني، وعطاء، ~~والحسن، وحميد الأعرج، وعبد الله بن عتبة، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، ~~وشريك، ويحيى بن آدم، وإسحاق، وحكي ذلك عن ابن مسعود. قال الشعبي: وقع ~~الطاعون عام عمواس، فجعل أهل البيت يموتون عن آخرهم، فكتب في ذلك إلى عمر، ~~- رضي الله عنه -. فكتب عمر: أن ورثوا بعضهم من بعض. وروي عن أبي بكر ~~الصديق، وزيد، وابن عباس، ومعاذ، والحسن بن علي - رضي الله عنهم -، أنهم لم ~~يورثوا بعضهم من بعض، وجعلوا ما لكل واحد للأحياء من ورثته # وبه قال عمر بن عبد العزيز، # PageV06P378 # وأبو الزناد، والزهري، والأوزاعي، ومالك والشافعي - رضي الله عنهم - وأبو ~~حنيفة، وأصحابه، ويروى ذلك عن عمر، والحسن البصري، وراشد بن سعد، وحكيم بن ~~عمير، وعبد الرحمن بن عوف. وروي عن أحمد ما يدل عليه، فإنه قال في امرأة ~~وابنها ماتا، فقال زوجها: ماتت ms3342 فورثناها، ثم مات ابني فورثته. وقال أخوها: ~~مات ابنها فورثته، ثم ماتت فورثناها. # حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه، وكان ميراث الابن لأبيه، وميراث ~~المرأة لأخيها وزوجها نصفين. فجعل ميراث كل واحد منهما للأحياء من ورثته. ~~فيحتمل أن يجعل هذا رواية عن أحمد في جميع مسائل الباب، ويحتمل أن يكون هذا ~~قولا فيما إذا ادعى وارث كل ميت أن موروثه كان آخرهما موتا، ويرث كل واحد ~~منهما من الآخر، إذا اتفق وراثهم على الجهل بكيفية موتهم؛ لأن مع التداعي ~~تتوجه اليمين، على المدعى عليه، فيحلف على إبطال دعوى صاحبه، ويتوفر ~~الميراث له. # كما في سائر الحقوق، بخلاف ما إذا اتفقوا على الجهل، فلا تتوجه يمين؛ لأن ~~اليمين لا يشرع في موضع اتفقوا على الجهل به. واحتج من قال بعدم توريث ~~بعضهم من بعض، بما روى سعيد، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد: أن ~~قتلى اليمامة، وقتلى صفين والحرة، لم يورثوا بعضهم من بعض، وورثوا عصبتهم ~~الأحياء # وقال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن أم كلثوم ~~بنت علي توفيت هي وابنها زيد بن عمر، فالتقت الصيحتان في الطريق، فلم يدر ~~أيهما مات قبل صاحبه، فلم ترثه ولم يرثها # وأن أهل صفين، وأهل الحرة لم يتوارثوا. ولأن شرط التوريث حياة الوارث بعد ~~موت الموروث، وهو غير معلوم، ولا يثبت التوريث مع الشك في شرطه، ولأنه لم ~~تعلم حياته حين موت موروثه، فلم يرثه، كالحمل إذا وضعته ميتا، ولأن الأصل ~~عدم التوريث فلا نثبته بالشك، ولأن توريث كل واحد منهما خطأ يقينا؛ لأنه لا ~~يخلو من أن يكون موتهما معا، أو سبق أحدهما به، وتوريث السابق بالموت ~~والميت معه خطأ يقينا، مخالف للإجماع، فكيف يعمل به، فإن قيل: ففي قطع ~~التوريث قطع توريث المسبوق بالموت، وهو خطأ أيضا # قلنا: هذا غير متيقن؛ لأنه يحتمل موتهما جميعا، فلا يكون فيهما مسبوق. ~~وقد احتج بعض أصحابنا بما روى إياس بن عبد الله المزني، أن النبي ms3343 - صلى ~~الله عليه وسلم - «سئل عن قوم وقع عليهم بيت. فقال: يرث بعضهم بعضا» . ~~والصحيح أن هذا إنما هو عن إياس نفسه، وأنه هو المسئول، وليس براوية عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. هكذا رواه سعيد في " سننه ". وحكاه الإمام ~~أحمد عنه. وقال أبو ثور، وابن سريج، وطائفة من البصريين: يعطى كل وارث ~~اليقين، ويوقف المشكوك فيه، حتى يتبين الأمر، أو يصطلحوا # وقال الخبري: هذا هو الحكم فيما إذا علم موت أحدهما قبل صاحبه. ولم يذكر ~~فيه خلافا. # PageV06P379 # ومن مسائل ذلك؛ أخوان غرقا، أحدهما مولى زيد، والآخر مولى عمرو؛ من ورث ~~كل واحد منهما من صاحبه، جعل ميراث كل واحد منهما لمولى أخيه، ومن لم يورث ~~أحدهما من صاحبه، جعل ميراث كل واحد منهما لمولاه، ومن قال بالوقف وقف ~~مالهما. فإن ادعى كل واحد من الموليين أن مولاه آخرهما موتا، حلف كل واحد ~~منهما على إبطال دعوى صاحبه، وأخذ مال مولاه على مسألة الخرقي # وإن كانت لهما أخت، فلها الثلثان من مال كل واحد منهما على القول الأول، ~~والنصف على القول الثاني. وإن خلف كل واحد منهما بنتا وزوجة، فمن لم يورث ~~بعضهم من بعض، صححها من ثمانية، لامرأته الثمن، ولابنته النصف، والباقي ~~لمولاه. ومن ورثهم، جعل الباقي لأخيه، ثم قسمه بين ورثة أخيه على ثمانية، ~~ثم ضربها في الثمانية الأولى، فصحت من أربعة وستين؛ لامرأته ثمانية، ~~ولابنته اثنان وثلاثون، ولامرأة أخيه ثمن الباقي، ولابنته اثنا عشر، ~~ولمولاه الباقي تسعة. أخ وأخت غرقا، ولهما أم وعم وزوجان. # فمن ورث كل واحد من صاحبه، جعل ميراث الأخ بين امرأته وأمه وأخته على ~~ثلاثة عشر، فما أصاب الأخت منها فهو بين زوجها وأمها وعمها على ستة، فصحت ~~المسألتان من ثلاثة عشر؛ لامرأة الأخ ثلاثة، ولزوج الأخت ثلاثة، وللأم ~~أربعة بميراثها من الأخ، واثنان بميراثها من الأخت، وللعم سهم، وميراث ~~الأخت بين زوجها وأمها وأخيها على ستة؛ لأخيها سهم بين أمه وامرأته وعمه ~~على اثني عشر، تضربها في الأولى، تكن من اثنين وسبعين، ms3344 والضرر في هذا القول ~~على من يرت من أحد الميتين دون الآخر، وينتفع به من يرث منهما # ثلاثة إخوة من أبوين. غرقوا، ولهم أم وعصبة، فقدر موت أحدهم أولا، فلأمه ~~السدس، والباقي لأخويه، فتصح من اثني عشر، لكل واحد من أخويه خمسة، بين أمه ~~وعصبته، على ثلاثة، فتضربها في الأولى، تكن ستة وثلاثين، للأم من ميراث ~~الأول السدس ستة، ومما ورثه كل واحد من الأخوين خمسة، فصار لها ستة عشر، ~~والباقي للعصبة، ولها من ميراث كل واحد من الأخوين مثل ذلك. ذكر هذه ~~المسألة أبو بكر. # ثلاثة إخوة مفترقين غرقوا، وخلف كل واحد منهم أخته لأبويه، فقدر موت الأخ ~~من الأبوين أولا عن أخته من أبويه، وأخويه من أبيه، وأخويه من أمه، فصحت ~~مسألته من ثمانية عشر؛ لأخيه من أمه منها ثلاثة بين أخته من أبويه وأخته من ~~أمه، على أربعة وأصاب الأخ من الأب منها اثنين، بين أخيه من أبويه، وأخته ~~من أبيه، على أربعة، فتجتزئ بإحداهما، وتضربها في الأولى، تكن اثنين ~~وسبعين، ثم قدر موت الأخ من الأم، عن أخت لأبوين، وأخ، وأخت لأم، فمسألته ~~من خمسة # مات أخوه لأمه عن ثلاث أخوات مفترقات، فهي من خمسة # PageV06P380 # أيضا، تضربها في الأولى، تكن خمسة وعشرين، ثم قدر موت الأخ من الأب، عن ~~أخت لأبويه، وأخ وأخت لأبيه، فهي من ستة، ثم مات الأخ من الأب عن ثلاث ~~أخوات مفترقات، فهي من خمسة، تضربها في الأولى، تكن ثلاثين. فإن خلف بنتا ~~وأخوين، فلم يقتسموا التركة حتى غرق الأخوان، وخلف أحدهما امرأة وبنتا ~~وعما؛ وخلف الآخر ابنتين، وابنتين؛ الأولى من أربعة، مات أحدهم عن سهم، ~~ومسألته من ثمانية، لأخيه منها ثلاثة بين أولاده على ستة رجعوا إلى اثنين، ~~تضربها في ثمانية، تكن ستة عشر # وفريضة الآخر من ستة، يتفقان بالنصف، فاضرب نصف إحداهما في الأخرى، تكن ~~ثمانية وأربعين، ثم في أربعة، تكن مائة واثنين وتسعين، للبنت نصفها، ~~ولأولاد الأخ عن أبيهم ربعها، وعن عمهم ثمانية عشر، صار لهم ستة وستون، ~~ولامرأة ms3345 الأخ ستة، ولبنته أربعة وعشرون. ### | [فصل علم خروج روح المتوارثين معا في حال واحدة] # (4964) فصل: وإن علم خروج روحهما معا في حال واحدة، لم يرث أحدهما صاحبه، ~~وورث كل واحد الأحياء من ورثته؛ لأن توريثه مشروط بحياته بعده، وقد علم ~~انتفاء ذلك. وإن علم أن أحدهما مات قبل صاحبه بعينه، ثم أشكل، أعطي كل وارث ~~اليقين، ووقف الباقي حتى يتبين الأمر أو يصطلحوا. قال القاضي: وقياس المذهب ~~أن يقسم على سبيل ميراث الغرقى الذين جهل حالهم. وإن ادعى ورثة كل ميت أنه ~~آخرهما موتا، فهي مسألة الخرقي - رضي الله عنه - # وقد نص فيها الإمام أحمد على أن ورثة كل ميت يحلفون، ويختصون بميراثه، ~~فيحتمل أن يقاس على هذه الصورة سائر الصور، فيتخرج في الجميع روايتان، ~~ويحتمل أن يختص هذا الحكم بهذه الصورة دون غيرها؛ لأن هذه الصور فيها مدع ~~ومنكر، واليمين على من أنكر، بخلاف بقية الصور، والله أعلم. ### | [مسألة من لم يرث لمعنى فيه لا يحجب غيره] # (4965) مسألة؛ قال: (ومن لم يرث لم يحجب) يعني من لم يرث لمعنى فيه، ~~كالمخالف في الدين، والرقيق، والقاتل، فهذا لا يحجب غيره، في قول عامة أهل ~~العلم من الصحابة، والتابعين، إلا ابن مسعود، ومن وافقه، فإنهم يحجبون ~~الأم، والزوجين بالولد الكافر، والقاتل، والرقيق، ويحجبون الأم بالإخوة ~~الذين هم كذلك. وبه قال أبو ثور وداود. وتابعه الحسن في القاتل دون غيره. ~~ولعلهم تمسكوا بعموم قوله تعالى {فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من ~~بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان ~~لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم} [النساء: 12] . # وقوله تعالى {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} ~~[النساء: 11] . وقوله {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] . # PageV06P381 # وهؤلاء أولاد، وإخوة، وعدم إرثهم لا يمنع حجبهم، كالإخوة مع الأبوين ~~يحجبون الأم، ولا يرثون ولنا، أنه ولد لا يحجب الإخوة من الأم، ولا يحجب ~~ولده، ولا الأب إلى السدس، فلم يحجب ms3346 غيرهم، كالميت، ولأنه لا يؤثر في حجب ~~غير الأم والزوجين، فلم يؤثر في حجبهم، كالميت، والآية أريد بها ولد من أهل ~~الميراث، بدليل أنه لما قال {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين} [النساء: 11] # أراد به الوارث، ولم يدخل هذا فيهم، ولما قال {إن امرؤ هلك ليس له ولد ~~وله أخت} [النساء: 176] . لم يدخل هذا فيهم. وأما الإخوة مع الأب، فهم من ~~أهل الميراث، بدليل أنه لولا الأب لورثوا، وإنما قدم عليهم غيرهم، ومنعوا ~~مع أهليتهم؛ لأن غيرهم أولى منهم، فامتناع إرثهم لمانع، لا لانتفاء ~~المقتضي. ### | [فصل من لا يرث لحجب غيره له فإنه يحجب وإن لم يرث] # (4966) فصل: فأما من لا يرث لحجب غيره له، فإنه يحجب، وإن لم يرث، ~~كالإخوة يحجبون الأم، وهم محجوبون بالأب؛ لأن عدم إرثهم لم يكن لمعنى فيهم، ~~ولا لانتفاء أهليتهم، بل لتقديم غيرهم عليهم، والمعنى الذي حجبوا به في حال ~~إرثهم موجود، مع حجبهم عن الميراث، بخلاف مسألتنا. فعلى هذا، إذا اجتمع ~~أبوان وأخوان أو أختان؛ فللأم السدس، والباقي للأب، ويحجب الأخوان الأم عن ~~السدس، ولا يرثون شيئا # ولو مات رجل، وخلف أباه وأم أبيه وأم أم أمه، لحجب الأب أمه عن الميراث، ~~وحجبت أمه أم أم الأم، على قول من يحجب الجدة بابنها، والبعدى من الجدات ~~بمن هي أقرب منها، ويكون المال جميعه للأب. ### | [فصل ميراث الحمل] # (4967) فصل: في ميراث الحمل: إذا مات الإنسان عن حمل يرثه، وقف الأمر حتى ~~يتبين، فإن طالب الورثة بالقسمة، لم يعطوا كل المال، بغير خلاف، إلا ما حكي ~~عن داود، والصحيح عنه مثل قول الجماعة، ولكن يدفع إلى من لا ينقصه الحمل ~~كمال ميراثه، وإلى من ينقصه أقل ما يصيبه، ولا يدفع إلى من يسقطه شيء، فأما ~~من يشاركه، فأكثر أهل العلم قالوا: يوقف للحمل شيء، ويدفع إلى شركائه ~~الباقي. وبهذا قال أبو حنيفة، وأصحابه والليث، وشريك ويحيى بن آدم وهو ~~رواية الربيع عن الشافعي # والمشهور عنه أنه لا يدفع إلى شركائه شيء؛ لأن الحمل ms3347 لا حد له ولا نعلم ~~كم يترك له. وقد حكى الماوردي، قال: أخبرني رجل من أهل اليمن، ورد طالبا ~~للعلم، وكان من أهل الدين والفضل، أن امرأة ولدت باليمن شيئا كالكرش، فظن ~~أن لا ولد فيه، فألقي على قارعة الطريق، فلما # PageV06P382 # طلعت الشمس وحمي بها، تحرك فأخذ وشق، فخرج منه سبعة أولاد ذكور، وعاشوا ~~جميعا، وكانوا خلقا سويا، إلا أنه كان في أعضادهم قصر، قال: وصارعني أحدهم ~~فصرعني، فكنت أعير به، فيقال: صرعك سبع رجل # وقد أخبرني من أثق به سنة ثمان وستمائة، أو سنة تسع، عن ضرير بدمشق أنه ~~قال: ولدت امرأتي في هذه الأيام سبعة في بطن واحد، ذكورا وإناثا، وكان ~~بدمشق أم ولد لبعض كبرائها، وتزوجت بعده من كان يقرأ علي، وكانت تلد ثلاثة ~~في كل بطن. وقال غيره: هذا نادر، ولا يعول عليه، فلا يجوز منع الميراث من ~~أجله، كما لو لم يظهر بالمرأة حمل. واختلف القائلون بالوقف فيما يوقف، فروي ~~عن أحمد، أنه يوقف نصيب ذكرين، إن كان ميراثهما أكثر، أو ابنتين إن كان ~~نصيبهما أكثر # وهذا قول محمد بن الحسن واللؤلؤي. وقال شريك: يوقف نصيب أربعة، فإني رأيت ~~بني إسماعيل أربعة، ولدوا في بطن واحد، محمد، وعمر وعلي. قال يحيى بن آدم: ~~وأظن الرابع إسماعيل. وروى ابن المبارك هذا القول عن أبي حنيفة، ورواه ~~الربيع عن الشافعي - رضي الله عنه - وقال الليث، وأبو يوسف: يوقف نصيب ~~غلام، ويؤخذ ضمين من الورثة # ولنا؛ أن ولادة التوأمين كثير معتاد، فلا يجوز قسم نصيبهما، كالواحد، وما ~~زاد عليهما نادر، فلم يوقف له شيء كالخامس، والسادس، ومتى ولدت المرأة من ~~يرث الموقوف كله أخذه، وإن بقي منه شيء رد إلى أهله، وإن أعوز شيئا رجع على ~~من هو في يده. مسائل من ذلك: امرأة حامل وبنت، للمرأة الثمن، وللبنت خمس ~~الباقي. وفي قول شريك تسعة. وفي قول أبي يوسف ثلثه بضمين. ولا يدفع إليها ~~شيء في المشهور عن الشافعي - رضي الله عنه - # وإن كان مكان البنت ابن دفع ms3348 إليه ثلث الباقي، أو خمسه، أو نصفه، على ~~اختلاف الأقوال. ومتى زادت الفروض على ثلث المال، فميراث الإناث أكثر، فإذا ~~خلف أبوين، وامرأة حاملا، فللمرأة ثلاثة من سبعة وعشرين، وللأبوين ثمانية ~~منها، ويوقف ستة عشر، ويستوي هاهنا قول من وقف نصيب ابنتين، وقول من وقف ~~نصيب أربعة. وقال أبو يوسف: تعطى المرأة ثمنا كاملا، والأبوان ثلثا كاملا، ~~ويؤخذ منهم ضمين. فإن كان معهم بنت دفع إليها ثلاثة عشر من مائة وعشرين # وفي قول شريك، ثلاثة عشر من مائتين وستة عشر. وفي قول أبي يوسف، ثلاثة ~~عشر من اثنين وسبعين، ويؤخذ من الكل ضمناء من البنت؛ لاحتمال أن يولد أكثر ~~من واحد، ومن الباقين لاحتمال أن تعول المسألة. وعلى قولنا يوافق بين سبعة ~~وعشرين ومائة وعشرين بالأثلاث، وتضرب ثلث إحداهما في جميع الأخرى، تكن ألفا ~~وثمانين، وتعطي البنت ثلاثة # PageV06P383 # عشر في تسعة، تكن مائة وسبعة عشر، وللأبوين والمرأة أحد عشر في أربعين، ~~وما بقي فهو موقوف # زوج وأم حامل من الأب المسألة من ثمانية، للزوج ثلاثة، وللأم سهم، ويوقف ~~أربعة. وقال أبو يوسف: هي من ثمانية، يدفع إلى الزوج ثلاثة، وإلى الأم ~~سهمان، وتقف ثلاثة، وتأخذ منها ضمينا، هكذا حكى الخبري عنه. فإن كان في ~~المسألة من يسقط بولد الأبوين، كعصبة، أو أحد من ولد الأب، لم يعط شيئا. ~~ولو كان في هذه المسألة جد، فللزوج الثلث، وللأم السدس، وللجد السدس ~~والباقي موقوف # وقال أبو حنيفة: للزوج النصف، وللأم السدس، وللجد السدس، ويوقف السدس بين ~~الجد والأم، ولا شيء للحمل؛ لأن الجد يسقطه وأبو يوسف يجعلها من سبعة ~~وعشرين، ويقف أربعة أسهم. وحكي عن شريك، أنه كان يقول بقول علي في الجد ~~فيقف هاهنا نصيب الإناث، فيكون عنده من تسعة، وتقف منها أربعة. ولو لم يكن ~~فيها زوج، كان للأم السدس وللجد ثلث الباقي، وتقف عشرة من ثمانية عشر. وعند ~~أبي حنيفة للجد الثلثان، وللأم السدس، ويوقف السدس بينهما # قول أبي يوسف، يقف الثلث، ويعطي كل واحد منهما ثلثا، ويؤخذ منهما ms3349 ضمين. ~~ومتى خلف ورثة، وأما تحت الزوج، فينبغي للزوج الإمساك عن وطئها، ليعلم ~~أحامل هي أم لا؟ كذا روي عن علي وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والنخعي، ~~وقتادة، في آخرين. وإن وطئها قبل استبرائها، فأتت بولد لأقل من ستة أشهر، ~~ورث، لأننا نعلم أنها كانت حاملا به، وإن ولدته لأكثر من ذلك، لم ترث، إلا ~~أن يقر الورثة أنها كانت حاملا به يوم موت ولدها. ### | [فصل لا يرث الحمل إلا بشرطين] # فصل: ولا يرث الحمل إلا بشرطين؛ أحدهما، أن يعلم أنه كان موجودا حال ~~الموت، ويعلم ذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر، فإن أتت به لأكثر من ذلك ~~نظرنا، فإن كان لها زوج أو سيد يطؤها لم يرث، إلا أن يقر الورثة أنه كان ~~موجودا حال الموت، وإن كانت لا توطأ، إما لعدم الزوج، أو السيد، وإما ~~لغيبتهما، أو اجتنابهما الوطء، عجزا أو قصدا أو غيره، ورث ما لم يجاوز أكثر ~~مدة الحمل وذلك أربع سنين في أصح الروايتين، وفي الأخرى سنتان # والثاني، أن تضعه حيا، فإن وضعته ميتا لم يرث، في قولهم جميعا، واختلف ~~فيما يثبت به الميراث من الحياة، واتفقوا على أنه إذا استهل صارخا ورث، ~~وورث. وقد روى أبو داود بإسناده، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «إذا استهل المولود ورث» . وروى ابن ماجه بإسناده، عن # PageV06P384 # جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. واختلفوا فيما سوى ~~الاستهلال، فقالت طائفة: لا يرث حتى يستهل، ولا يقوم غيره مقامه، ثم ~~اختلفوا في الاستهلال ما هو؟ فقالت طائفة: لا يرث حتى يستهل صارخا # فالمشهور عن أحمد - رضي الله عنه - أنه لا يرث حتى يستهل. وروي ذلك عن ~~ابن عباس، والحسن بن علي، وأبي هريرة، وجابر، وسعيد بن المسيب، وعطاء، ~~وشريح، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، والشعبي، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وأبي ~~سلمة بن عبد الرحمن، ومالك، وأبي عبيد، وإسحاق؛ لأن مفهوم قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا استهل المولود ورث» # أنه لا ms3350 يرث بغير الاستهلال، وفي لفظ ذكره ابن سراقة، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال في الصبي المنفوس: «إذا وقع صارخا فاستهل ورث، وتمت ~~ديته، وسمي، وصلي عليه، وإن وقع حيا ولم يستهل صارخا، لم تتم ديته، وفيه ~~غرة؛ عبد، أو أمة، على العاقلة» . ولأن الاستهلال لا يكون إلا من حي، ~~والحركة تكون من غير حي، فإن اللحم يختلج سيما إذا خرج من مكان ضيق، فتضامت ~~أجزاؤه، ثم خرج إلى مكان فسيح فإنه يتحرك من غير حياة فيه، ثم إن كانت فيه ~~حياة، فلا نعلم كونها مستقرة. # لاحتمال أن تكون كحركة المذبوح، فإن الحيوانات تتحرك بعد الذبح حركة ~~شديدة، وهي في حكم الميت، واختلف في الاستهلال ما هو؟ فقيل: هو الصراخ ~~خاصة. وهذا قول من ذكرنا في هذه المسألة. ورواه أبو طالب، عن أحمد، فقال: ~~لا يرث إلا من استهل صارخا. وإنما سمي الصراخ من الصبي الاستهلال تجوزا، ~~والأصل فيه أن الناس إذا رأوا الهلال صاحوا عند رؤيته، واجتمعوا، وأراه ~~بعضهم بعضا، فسمي الصوت عند استهلال الهلال استهلالا، ثم سمي الصوت من ~~الصبي المولود استهلالا؛ لأنه صوت عند وجود شيء يجتمع له، ويفرح به # وروى يوسف بن موسى، عن أحمد، أنه قال: يرث السقط ويورث، إذا استهل. فقيل ~~له: ما استهلاله؟ قال: إذا صاح أو عطس أو بكى. فعلى هذا كل صوت يوجد منه، ~~تعلم به حياته، فهو استهلال. وهذا قول الزهري، والقاسم بن محمد؛ لأنه صوت ~~علمت به حياته، فأشبه الصراخ. وعن أحمد رواية ثالثة، إذا علمت حياته بصوت ~~أو حركة أو رضاع أو غيره، ورث، وثبت له أحكام المستهل، لأنه حي فتثبت له ~~أحكام الحياة، كالمستهل. وبهذا قال الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ~~حنيفة، وأصحابه، وداود # وإن خرج بعضه حيا فاستهل، ثم انفصل باقيه ميتا، لم يرث. وبهذا قال ~~الشافعي - رضي الله عنه -. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: إذا خرج أكثره فاستهل ~~ثم مات، ورث؛ لقوله - عليه السلام -: «إذا استهل المولود ورث» . ولنا، أنه ~~لم يخرج جميعه، فأشبه ما ms3351 لو مات قبل خروج أكثره. # PageV06P385 ### | [فصل ولدت توأمين فاستهل أحدهما ولم يعلم بعينه] # (4969) فصل: وإن ولدت توأمين، فاستهل أحدهما، ولم يعلم بعينه فإن كانا ~~ذكرين، أو أنثيين، أو ذكرا وأنثى، لا يختلف ميراثهما، فلا فرق بينهما، وإن ~~كانا ذكرا وأنثى يختلف ميراثهما، فقال القاضي: من أصحابنا من قال: يقرع ~~بينهما، فمن أخرجته القرعة جعل المستهل، كما لو طلق إحدى نسائه فلم تعلم ~~بعينها ثم مات، أخرجت بالقرعة. وقال الخبري: ليس في هذا عن السلف نص. وقال ~~الفرضيون: تعمل المسألة على الحالين، ويعطى كل وارث اليقين، ويوقف الباقي ~~حتى يصطلحوا عليه # ويحتمل أن يقسم بينهم على حسب الاحتمال. ومن مسائل ذلك: رجل خلف أمه ~~وأخاه وأم ولد حاملا منه، فولدت توأمين، ذكرا وأنثى، فاستهل أحدهما، ولم ~~يعلم بعينه، فقيل: إن كان الابن المستهل، فللأم السدس، والباقي له ترث أمه، ~~ثلثه، والباقي لعمه، فاضرب ثلاثة في ستة، تكن ثمانية عشر، لأم الميت ثلاثة، ~~ولأم الولد خمسة، وللعم عشرة. وإن كانت البنت المستهلة، فالمسألة من ستة، ~~فتموت البنت عن ثلاثة، لأمها سهم، ولعمها سهمان # والستة تدخل في ثمانية عشر، فمن له شيء من الثمانية عشر مضروب في واحد، ~~ومن له شيء من الستة مضروب في ثلاثة، فسدس الأم لا يتغير، وللعم من الستة ~~أربعة في ثلاثة اثنا عشر، وله من الثمانية عشر عشرة في واحد، فهذا اليقين ~~فيأخذه، ولأم الولد خمسة في سهم، وسهم في ثلاثة، فيأخذها، ويقف سهمين بين ~~الأخ وأم الولد حتى يصطلحا عليها. ويحتمل أن يقتسماها بينهما. امرأة حامل ~~وعم ولدت المرأة ابنا وبنتا، واستهل أحدهما، ولم يعلم، فالمسألتان من أربعة ~~وعشرين، إذا أعطيت كل واحد أقل من نصيبه بقيت ثلاثة موقوفة، فإن كان معهما ~~بنت، فكل واحدة من المسألتين من اثنين وسبعين، والموقوف اثنا عشر # امرأة وعم وأم حامل من الأب، ولدت ابنا وبنتا، فاستهل أحدهما، فإن كان ~~المستهل الأخ، فهي من ستة وثلاثين، وإن كانت الأخت المستهلة، فهي من ثلاثة ~~عشر، فالمسألتان متباينتان، فاضرب إحداهما في الأخرى، تكن ms3352 أربعمائة ~~وثمانية، وستين، كل من له شيء من إحدى المسألتين مضروب في الأخرى، فيدفع ~~لكل واحد أقل النصيبين، يبقى أربعة عشر، منها تسعة بين المرأة والعم، وخمسة ~~بين الأم والعم. فإن كانت المرأة والأم حاملين، فوضعتا معا، فاستهل أحدهما، ~~فكل واحدة منهما ترجع إلى ستة وثلاثين، فيعطى كل وارث أقل النصيبين، ويبقى ~~أحد عشر، منها أربعة موقوفة بين الزوجة والأم، وسبعة بين الأم والعم. # PageV06P386 # (4970) فصل: وإذا ولدت الحامل توأمين، فسمع الاستهلال من أحدهما، ثم سمع ~~مرة أخرى، فلم يدر أهو من الأول، أو من الثاني، فيحتمل أن يثبت الميراث لمن ~~علم استهلاله دون من شككنا فيه؛ لأن الأصل عدم استهلاله. فعلى هذا ~~الاحتمال، إن علم المستهل بعينه، فهو الوارث وحده، وإن جهل عينه، كان كما ~~لو استهل واحد منهما لا بعينه. وقال الفرضيون: يعمل على الأحوال، فيعطى كل ~~وارث اليقين، ويوقف الباقي # ومن مسائل ذلك: أم حامل وأخت لأب وعم، ولدت الأم بنتين، فاستهلت إحداهما، ~~ثم سمع الاستهلال مرة أخرى، فلم يدر هل استهلت الأخرى، أو تكرر من واحدة؟ ~~فقيل: إن كان منهما جميعا، فقد ماتتا عن أربعة من ستة، ولا يعلم أولهما ~~موتا، فحكمهما حكم الغرقى، فمن ذهب إلى أنه لا تورث إحداهما من الأخرى، ~~قال: قد خلفتا أما وأختا وعما، فتصح من ثمانية عشر، وإن كان الاستهلال من ~~واحدة، فقد ماتت عن ثلاثة من ستة فتصح من اثني عشر. # وبينهما موافقة بالسدس، فتصير ستة وثلاثين، للأم اثنا عشر، وللأخت كذلك، ~~وللعم تسعة ونقف ثلاثة، تدعي الأم منها سهمين، والعم سهما، وتدعيها الأخت ~~كلها، فيكون سهمان بينها وبين الأم، وسهم بينها وبين العم. زوج وجد وأم ~~حامل، ولدت ابنا، وبنتا، فاستهل أحدهما، ثم سمع الاستهلال مرة أخرى، فلم ~~يدر ممن هو؟ فإن كان الاستهلال تكرر من البنت، فهي الأكدرية، وماتت عن ~~أربعة، بين أمها وجدها، فتصح من أحد وثمانين، وإن تكرر من الأخ لم يرث ~~شيئا، والمسألة من ستة، للجد منها سهم، وإن كان منهما، فللأم السدس، وللزوج ~~النصف، ms3353 وللجد السدس، ولهما السدس على ثلاثة، فتصح من ثمانية عشر، والثلاثة ~~التي لهما بين الجد والأم على ثلاثة. # فصار للأم أربعة، وللجد خمسة وثمانية عشر، توافق أحدا وثمانية بالأتساع، ~~فتصير مائة واثنين وستين، للزوج حقه من الأكدرية أربعة وخمسون، وللأم تسعا ~~المال من مسألة استهلالهما معا، ستة وثلاثون، وللجد السدس من مسألة استهلال ~~الأخ وحده، سبعة وعشرون، يبقى خمسة وأربعون، يدعي الزوج منها سبعة وعشرين، ~~والأم ثمانية عشر، ويدعي منها الجد سبعة وثلاثين، وتعول الثمانية الفاضلة ~~للأم، فيحتمل أن تدفع إليها؛ لأن الزوج والجد يقران لها بها. ### | [فصل ضرب بطن حامل فأسقطت] # (4971) فصل: وإذا ضرب بطن حامل فأسقطت، فعلى الضارب غرة موروثة عن ~~الجنين، كأنه سقط حيا. وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وسائر ~~الفقهاء، إلا شيئا يحكى عن ربيعة، والليث، وهو شذوذ # PageV06P387 # لا يعرج عليه. فإن قيل: فكيف تورثون منه، وهو لا يرث؟ قلنا: نورث منه؛ ~~لأن الواجب بدل عنه، فورثته ورثته، كدية غير الجنين، وأما توريثه فمن شروطه ~~كونه حيا حين موت موروثه، ولا يتحقق ذلك، فلا نورثه مع الشك في حياته. ### | [فصل دية المقتول موروثة عنه كسائر أمواله] # (4972) فصل: ودية المقتول موروثة عنه، كسائر أمواله، إلا أنه اختلف فيها ~~عن علي، فروي عنه مثل قول الجماعة، وعنه لا يرثها إلا عصباته الذين يعقلون ~~عنه. وكان عمر يذهب إلى هذا، ثم رجع عنه، لما بلغه عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - توريث المرأة من دية زوجها. قال سعيد، حدثنا سفيان، حدثنا ~~الزهري، سمع سعيد بن المسيب، يقول: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا «. فقال له الضحاك ~~الكلابي: كتب إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أورث امرأة أشيم ~~الضبابي من دية زوجها أشيم» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وروى الإمام أحمد بإسناده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «قضى إن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم» ms3354 . ~~وبإسناده عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المرأة ترث من ~~مال زوجها وعقله، ويرث هو من مالها وعقلها، ما لم يقتل واحد منهما صاحبه» ~~إلا أن في إسناده رجلا مجهولا. # وقال إبراهيم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدية على ~~الميراث، والعقل على العصبة» . وقال أبو ثور: هي على الميراث، ولا تقضى ~~منها ديونه، ولا تنفذ منها وصاياه. وعن أحمد نحو من هذا. وقد ذكر الخرقي في ~~من أوصى بثلث ماله لرجل، فقتل، وأخذت ديته، فللموصى له بالثلث ثلث الدية، ~~في إحدى الروايتين # والأخرى، ليس لمن أوصى له بالثلث من الدية شيء، ومبنى هذا على أن الدية ~~ملك الميت، أو على ملك الورثة ابتداء؟ وفيه روايتان؛ إحداهما، أنها تحدث ~~على ملك الميت؛ لأنها بدل نفسه، فيكون بدلها له، كدية أطرافه المقطوعة منه ~~في الحياة ولأنه لو أسقطها عن القاتل بعد جرحه إياه، كان صحيحا، وليس له ~~إسقاط حق الورثة، ولأنها مال موروث، فأشبهت سائر أمواله. والأخرى، أنها ~~تحدث على ملك الورثة ابتداء؛ لأنها إنما تستحق بعد الموت. # وبالموت تزول أملاك الميت الثابتة له، ويخرج عن أن يكون أهلا للملك، ~~وإنما يثبت الملك لورثته ابتداء. ولا أعلم خلافا في أن الميت يجهز منها، إن ~~كان قبل تجهيزه؛ لأنه لو لم يكن له شيء، لوجب تجهيزه على من عليه نفقته لو ~~كان فقيرا، فأولى أن يجب ذلك في ديته. # PageV06P388 ### | [فصل ميراث المفقود] # (4973) فصل: في ميراث المفقود، وهو نوعان؛ أحدهما، الغالب من حاله ~~الهلاك، وهو من يفقد في مهلكة، كالذي يفقد بين الصفين، وقد هلك جماعة، أو ~~في مركب انكسر، فغرق بعض أهله، أو في مفازة يهلك فيها الناس، أو يفقد من ~~بين أهله، أو يخرج لصلاة العشاء أو غيرها من الصلوات أو لحاجة قريبة، فلا ~~يرجع، ولا يعلم خبره، فهذا ينتظر به أربع سنين، فإن لم يظهر له خبر، قسم ~~ماله، واعتدت امرأته عدة الوفاة، وحلت للأزواج، نص عليه الإمام أحمد. وهذا ~~اختيار أبي بكر # وذكر القاضي ms3355 أنه لا يقسم ماله، حتى تمضي عدة الوفاة بعد الأربع سنين؛ ~~لأنه الوقت الذي يباح لامرأته التزوج فيه. والأول أصح؛ لأن العدة إنما تكون ~~بعد الوفاة، فإذا حكم بوفاته فلا وجه للوقوف عن قسم ماله. وإن مات للمفقود ~~من يرثه قبل الحكم بوفاته، وقف للمفقود نصيبه من ميراثه، وما يشك في ~~مستحقه، وقسم باقيه؛ فإن بان حيا، أخذه، ورد الفضل إلى أهله، وإن علم أنه ~~مات بعد موت موروثه، دفع نصيبه مع ماله إلى ورثته. # وإن علم أنه كان ميتا حين موت موروثه، رد الموقوف إلى ورثة الأول، وإن ~~مضت المدة، ولم يعلم خبره، رد أيضا إلى ورثة الأول؛ لأنه مشكوك في حياته ~~حين موت موروثه، فلا نورثه مع الشك، كالجنين الذي يسقط ميتا، وكذلك إن ~~علمنا أنه مات، ولم يدر متى مات. ولم يفرق سائر أهل العلم بين هذه الصورة ~~وبين سائر صور الفقدان فيما علمنا، إلا أن مالكا، والشافعي - رضي الله ~~عنهما -، في القديم، وافقا في الزوجة أنها تتزوج خاصة # والأظهر من مذهبه مثل قول الباقين، فأما ماله فاتفقوا على أنه لا يقسم ~~حتى تمضي مدة لا يعيش في مثلها، على ما سنذكره في الصورة الأخرى، إن شاء ~~الله تعالى؛ لأنه مفقود لا يتحقق موته، فأشبه التاجر والسائح. ولنا، اتفاق ~~الصحابة - رضي الله عنهم - على تزويج امرأته على ما ذكرناه في العدد، وإذا ~~ثبت ذلك في النكاح مع الاحتياط للأبضاع، ففي المال أولى ولأن الظاهر هلاكه، ~~فأشبه ما لو مضت مدة لا يعيش في مثلها # النوع الثاني، من ليس الغالب هلاكه، كالمسافر لتجارة، أو طلب علم، أو ~~سياحة، ونحو ذلك، ولم يعلم خبره ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يقسم ماله، ولا ~~تتزوج امرأته، حتى يتيقن موته، أو يمضي عليه مدة لا يعيش مثلها، وذلك مردود ~~إلى اجتهاد الحاكم. وهذا قول الشافعي - رضي الله عنه - ومحمد بن الحسن، وهو ~~المشهور عن مالك، وأبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأن الأصل حياته، والتقدير لا ~~يصار إليه إلا بتوقيف، ولا توقيف هاهنا، فوجب التوقف ms3356 عنه # والرواية الثانية، أنه ينتظر به تمام تسعين سنة مع سنة يوم فقد. وهذا قول ~~عبد الملك بن الماجشون؛ # PageV06P389 # لأن الغالب أنه لا يعيش أكثر من هذا. وقال عبد الله بن عبد الحكم: ينتظر ~~به إلى تمام سبعين سنة مع سنة يوم فقد. ولعله يحتج بقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أعمار أمتي ما بين السبعين والستين» . أو كما قال؛ ولأن ~~الغالب أنه لا يعيش أكثر من هذا، فأشبه التسعين # وقال الحسن بن زياد: ينتظر به تمام مائة وعشرين سنة. قال: ولو فقد وهو ~~ابن ستين سنة، وله مال، لم يقسم ماله حتى يمضي عليه ستون سنة أخرى، فيكون ~~له مع سنة يوم فقد مائة وعشرون سنة، فيقسم ماله حينئذ بين ورثته إن كانوا ~~أحياء، وإن مات بعض ورثته قبل مضي مائة وعشرين، وخلف ورثة لم يكن لهم شيء ~~من مال المفقود، وكان ماله للأحياء من ورثته، ويوقف للمفقود حصته من مال ~~موروثه الذي مات في مدة الانتظار، فإن مضت المدة ولم يعلم خبر المفقود رد ~~الموقوف إلى ورثة موروث المفقود، ولم يكن لورثة المفقود # قال اللؤلؤي: وهذا قول أبي يوسف. وحكى الخبري عن اللؤلؤي أنه قال: إن ~~الموقوف للمفقود، وإن لم يعلم خبره يكون لورثته. قال: وهو الصحيح عندي، ~~والذي ذكرناه هو الذي حكاه ابن اللبان عن اللؤلؤي، فقال: لو ماتت امرأة ~~المفقود قبل تمام مائة وعشرين سنة بيوم، أو بعد فقده بيوم، وتمت مائة ~~وعشرون سنة، لم تورث منه شيئا، ولم نورثه منها؛ لأننا لا نعلم أيهما مات ~~أولا # وهذا قياس قول من قال في الغرقى: إنه لا يورث أحدهم من صاحبه، ويرث كل ~~واحد الأحياء من ورثته. قال القاضي: هذا قياس قول أحمد. واتفق الفقهاء على ~~أنه لا يرث المفقود إلا الأحياء من ورثته يوم قسم ماله، لا من مات قبل ذلك، ~~ولو بيوم. واختلفوا في من مات وفي ورثته مفقود فمذهب أحمد وأكثر الفقهاء، ~~على أنه يعطى كل وارث من ورثته اليقين، ويوقف الباقي حتى يتبين ms3357 أمره، أو ~~تمضي مدة الانتظار # ، فتعمل المسألة على أنه حي، ثم على أنه ميت، وتضرب إحداهما في الأخرى إن ~~تباينتا، أو في وقفهما إن اتفقتا، وتجتزئ إحداهما إن تماثلتا، أو بأكثرهما ~~إن تناسبتا، وتعطي كل واحد أقل النصيبين، ومن لا يرث إلا من أحدهما لا ~~تعطيه شيئا، وتقف الباقي. ولهم أن يصطلحوا على ما زاد على نصيب المفقود، ~~واختاره ابن اللبان؛ لأنه لا يخرج عنهم. وأنكر ذلك الوني، وقال: لا فائدة ~~في أن ينقص بعض الورثة عما يستحقه في مسألة الحياة، وهي متيقنة، ثم يقال ~~له: لك أن تصالح على بعضه # بل إن جاز ذلك، فالأولى أن نقسم المسألة على تقدير الحياة، ونقف نصيب ~~المفقود لا غير. والأول أصح، إن شاء الله تعالى فإن الزائد عن نصيب المفقود ~~من الموقوف مشكوك في مستحقه، ويقين الحياة معارض بظهور الموت، فينبغي أن ~~يورث كالزائد عن اليقين في مسائل الحمل والاستهلال، ويجوز للورثة الموجودين ~~الصلح عليه؛ لأنه حقهم، لا يخرج عنهم، وإباحة الصلح عليه لا تمنع وجوب ~~وقفه، كما تقدم في نظائره، ووجوب وقفه # PageV06P390 # لا يمنع الصلح عليه لذلك، ولأن تجويز أخذ الإنسان حق غيره برضاه وصلحه، ~~لا يلزم منه جواز أخذه بغير إذنه # وظاهر قول الوني هذا أن تقسم المسألة على أنه حي، ويقف نصيبه لا غير. ~~وقال بعض أصحاب الشافعي - رضي الله عنه -: يقسم المال على الموجودين؛ لأنهم ~~متحققون، والمفقود مشكوك فيه، فلا يورث مع الشك. وقال محمد بن الحسن: القول ~~قول من المال في يده، فلو مات رجل، وخلف ابنتيه، وابن ابن، أبوه مفقود، ~~والمال في يد الابنتين، فاختصموا إلى القاضي، فإنه لا ينبغي للقاضي أن يحول ~~المال عن موضعه، ولا يقف منه شيئا، سواء اعترفت الابنتان بفقده، أو ادعتا ~~موته # وإن كان المال في يد ابن المفقود، لم يعط الابنتان إلا النصف أقل ما يكون ~~لهما، وإن كان المال في يد أجنبي، فأقر بأن الابن مفقود، وقف له النصف في ~~يديه، وإن قال الأجنبي: قد مات المفقود، لزمه دفع ms3358 الثلثين إلى البنتين، ~~ويوقف الثلث، إلا أن يقر ابن الابن بموت أبيه، فيدفع إليه الباقي. والجمهور ~~على القول الأول. ومن مسائل ذلك: زوج وأم وأخت وجد وأخ مفقود، مسألة الموت، ~~من سبعة وعشرين؛ لأنها مسألة الأكدرية، ومسألة الحياة من ثمانية عشر، وهما ~~يتفقان بالأتساع # ، فتضرب تسع إحداهما في الأخرى، تكن أربعة وخمسين، للزوج النصف من مسألة ~~الحياة، والثلث من مسألة الموت، فيعطى الثلث، وللأم التسعان من مسألة ~~الموت، والسدس من مسألة الحياة، فتعطى السدس، وللجد ستة عشر سهما من مسألة ~~الموت، وتسعة من مسألة الحياة، فيأخذ التسعة، وللأخت ثمانية من مسألة ~~الموت، وثلاثة من مسألة الحياة، فتأخذ ثلاثة، ويبقى خمسة عشر موقوفة، إن ~~بان أن الأخ حي، وأخذ ستة، وأخذ الزوج تسعة، وإن بان ميتا، أو مضت المدة ~~قبل قدومه، أخذت الأم ثلاثة، والأخت خمسة، والجد سبعة # واختار الخبري أن المدة إذا مضت، ولم يتبين أمره، أن يقسم نصيبه من ~~الموقوف على ورثته؛ فإنه كان محكوما بحياته، لأنها اليقين، وإنما حكمنا ~~بموته بمضي المدة. ولنا، أنه مال موقوف لمن ينتظر ممن لا يعلم حاله، فإذا ~~لم تتبين حياته، لم يكن لورثته، كالموقوف للحمل، وللمورثة أن يصطلحوا على ~~التسعة قبل مضي المدة. زوج وأبوان وابنتان مفقودتان # مسألة حياتهما من خمسة عشر، وفي حياة إحداهما من ثلاثة عشر، وفي موتهما ~~من ستة، فتضرب ثلث الستة في خمسة عشر، ثم في ثلاثة عشر، تكن ثلاثمائة ~~وتسعين، ثم تعطي الزوج والأبوين حقوقهم من مسألة الحياة مضروبا في اثنين، ~~ثم في ثلاثة عشر، وتقف الباقي. وإن كان في المسألة ثلاثة مفقودون، عملت لهم ~~أربع مسائل. وإن كانوا أربعة عملت لهم مسائل. وعلى هذا. وإن كان المفقود ~~يحجب ولا يرث، كزوج وأخت من أبوين وأخت من أب وأخ لها مفقود، وقفت السبع ~~بينهما وبين الزوج والأخت من الأبوين # وقيل: # PageV06P391 # لا يوقف هاهنا شيء، وتعطى الأخت من الأب السبع؛ لأنها لا تحجب بالشك، كما ~~لا ترث بالشك. والأول أصح؛ لأن دفع السبع إليها توريث بالشك، وليس في ms3359 الوقف ~~حجب يقينا، إنما هو توقف عن صرف المال إلى إحدى الجهتين المشكوك فيها. ~~ويعارض قول هذا القائل قول من قال: إن اليقين حياته، فيعمل على أنه حي، ~~ويدفع المال إلى الزوج والأخت من الأبوين. والتوسط بما ذكرناه أولى. والله ~~أعلم. ### | [فصل ميراث الأسير] # (4974) فصل: والأسير كالمفقود، إذا انقطع خبره. وإن علمت حياته، ورث، في ~~قول الجمهور. وحكي عن سعيد بن المسيب أنه لا يرث؛ لأنه عبد، وحكي ذلك عن ~~النخعي، وقتادة والصحيح الأول. والكفار لا يملكون الأحرار. والله أعلم. ### | [فصل حكم النكاح في المرض والصحة سواء في صحة العقد وتوريث كل واحد منهما من صاحبه] # (4975) فصل: في التزويج في المرض والصحة. حكم النكاح في المرض والصحة ~~سواء في صحة العقد، وتوريث كل واحد منهما من صاحبه، في قول الجمهور. وبه ~~قال أبو حنيفة، والشافعي - رضي الله عنهما -. وقال مالك: أي الزوجين كان ~~مريضا مرضا مخوفا حال عقد النكاح، فالنكاح فاسد لا يتوارثان به إلا أن ~~يصيبها، فيكون لها المسمى في ثلاثة مقدما على الوصية # وعن الزهري، ويحيى بن سعيد مثله. واختلف أصحاب مالك في نكاح من لم يرث، ~~كالأمة والذمية، فقال بعضهم: يصح؛ لأنه لا يتهم بقصد توريثها. ومنهم من ~~أبطله؛ لجواز أن تكون وارثة. وقال ربيعة، وابن أبي ليلى: الصداق والميراث ~~من الثلث. وقال الأوزاعي: النكاح صحيح، ولا ميراث بينهما # وعن القاسم بن محمد والحسن: إن قصد الإضرار بورثته، فالنكاح باطل، وإلا ~~فهو صحيح ولنا، أنه عقد معاوضة يصح في الصحة، فيصح في المرض كالبيع، ولأنه ~~نكاح صدر من أهله في محله بشرطه، فيصح كحال الصحة، وقد روينا أن عبد الرحمن ~~بن أم الحكم تزوج في مرضه ثلاث نسوة، أصدق كل واحدة ألفا ليضيق بهن على ~~امرأته، ويشركنها في ميراثها، فأجيز ذلك. وإذا ثبت صحة النكاح، ثبت الميراث ~~بعموم الآية. ### | [فصل لا فرق في ميراث الزوجين بين ما قبل الدخول وبعده] # (4976) فصل: ولا فرق في ميراث الزوجين بين ما قبل الدخول وبعده؛ لعموم ~~الآية، ولأن النبي - صلى الله ms3360 عليه وسلم - قضى لبروع بنت واشق بالميراث، ~~وكان زوجها مات عنها قبل أن يدخل بها، ولم يفرض لها صداقا. ولأن النكاح ~~صحيح ثابت، فيورث به، كما بعد الدخول. # PageV06P392 ### | [فصل النكاح الفاسد لا يثبت به التوارث بين الزوجين] # (4977) فصل: فأما النكاح الفاسد، فلا يثبت به التوارث بين الزوجين؛ لأنه ~~ليس بنكاح شرعي. وإذا اشتبه من نكاحها فاسد بمن نكاحها صحيح، فالمنقول عن ~~أحمد، أنه قال في من تزوج أختين، لا يدري أيتهما تزوج أول: فإنه يفرق ~~بينهما. وتوقف عن أن يقول في الصداق شيئا. قال أبو بكر: يتوجه على قوله أن ~~يقرع بينهما # فعلى هذا الوجه يقرع بينهما في الميراث إذا مات عنهما. وعن النخعي، ~~والشعبي، ما يدل على أن المهر والميراث يقسم بينهن على حسب الدعاوى ~~والتنزيل، كميراث الخناثى. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي - رضي ~~الله عنه -: يوقف المشكوك فيه من ذلك حتى يصطلحن عليه، أو يتبين الأمر. فلو ~~تزوج امرأة في عقد، وأربعا في عقد، ثم مات، وخلف أخا، ولم يعلم أي العقدين ~~سبق، ففي قول أبي حنيفة، كل واحدة تدعي مهرا كاملا ينكره الأخ، فتعطى كل ~~واحدة نصف مهر، ويؤخذ ربع الباقي تدعيه الواحدة والأربع، فيقسم للواحدة ~~نصفه، وللأربع نصفه # وعند الشافعي - رضي الله عنه - أكثر ما يجب عليه أربعة مهور فيأخذ ذلك، ~~يوقف منها مهر بين النساء الخمس، ويبقى ثلاثة تدعي الواحدة ربعها ميراثا، ~~ويدعي الأخ ثلاثة أرباعها، فيوقف منها ثلاثة أرباع مهر بين النساء الخمس، ~~وباقيها وهو مهران وربع بين الأربع وبين الأخ، ثم يؤخذ ربع ما بقي، فيوقف ~~بين النساء الخمس، والباقي للأخ. وإن تزوج امرأة في عقد واثنتين في عقد، ~~وثلاثا في عقد، ولم يعلم السابق، فالواحدة نكاحها صحيح، فلها مهرها، ويبقى ~~الشك في الخمس، فعلى قول أهل العراق لهن مهران بيقين، والثالث لهن في حال ~~دون حال. # فيكون لهن نصفه، ثم يقسم ذلك بينهن لكل واحدة نصف مهر، ثم يؤخذ ربع ~~الباقي لهن ميراثا، فللواحدة ربعه يقينا، وتدعي نصف سدسه، فتعطى ms3361 نصفه، ~~فيصير لها من الربع سدسه وثمنه، وذلك سبعة من أربعة وعشرين، والاثنتان ~~تدعيان ثلثيه، وهو ستة عشر سهما، فيعطين نصفه، وهو ثمانية أسهم، والثلاث ~~يدعين ثلاثة أرباعه، وهو ثمانية عشر سهما، فيعطين تسعه. هذا قول محمد بن ~~الحسن وعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف، تقسم السبعة عشر بين الثلاث والاثنتين ~~نصفين. # فيصير الربع من ثمانية وأربعين سهما، ثم تضرب الاثنين في الثلاث، ثم في ~~الثمانية والأربعين، تكن مائتين وثمانية وثمانين، فهذا ربع المال. # وعند الشافعي - رضي الله عنه - تعطى الواحدة مهرها، ويوقف ثلاثة مهور؛ ~~مهران؛ منها بين الخمس، ومهر تدعيه الواحدة، والاثنتان ربعه ميراثا، وتدعيه ~~الثلاث مهرا وثلاثة أرباعه تدعيه الأخرى ميراثا وتدعيه الثلاث مهرا، ويؤخذ ~~ربع ما بقي فيدفع ربعه إلى الواحدة، ونصف سدسه بين الواحدة والثلاث موقوف، ~~وثلثاه بين الثلاث والاثنتين موقوف، فإن طلبت واحدة من الخمس شيئا من # PageV06P393 # الميراث الموقوف، لم يدفع إليها شيء، وكذلك إن طلبه أحد الفريقين، لم ~~يدفع إليه شيء. وإن طلبت واحدة من الثلاث، وواحدة من الاثنتين، دفع إليهما ~~ربع الميراث. # وإن طلبته واحدة من الاثنتين، واثنتان من الثلاث، أو الثلاث كلهن، دفع ~~إليهن ثلثه. وإن عين الزوج المنكوحات أولا، قبل تعيينه وثبت. وإن وطئ واحدة ~~منهن، لم يكن ذلك تعيينا لها. وهذا قول الشافعي - رضي الله عنه -. ~~وللموطوءة الأقل من المسمى أو مهر المثل، فيكون الفضل بينهما موقوفا. وعلى ~~قول أهل العراق، يكون تعيينا، فإن كانت الموطوءة من الاثنتين، صح نكاحها، ~~وبطل نكاح الثلاث، وإن كانت من الثلاث، بطل نكاح الاثنتين. # وإن وطئ واحدة من الاثنتين، وواحدة من الثلاث، صح نكاح الفريق المبدوء ~~بوطء واحدة منه، وللموطوءة التي لم يصح نكاحها مهر مثلها فإن أشكل أيضا، ~~أخذ منه اليقين، وهو مهران مسميان ومهر مثل، ويبقى مهر مسمى تدعيه النسوة، ~~وينكره الأخ، فيقسم بينهما، فيحصل للنسوة مهر مثل ومسميان ونصف، منها مهر ~~مسمى، ومهر مثل يقسم بين الموطوءتين نصفين، ويبقى مسمى ونصف بين الثلاث ~~الباقيات، لكل واحدة نصف مسمى، والميراث على ما ms3362 تقدم # وعند الشافعي، لا حكم للوطء في التعيين، وهل يقوم تعيين الوارث مقام ~~تعيين الزوج؟ فيه قولان. فعلى قوله، يؤخذ مسمى ومهر مثل للموطوءتين، تعطى ~~كل واحدة الأقل من المسمى أو مهر المثل، ويقف الفضل بينهما، ويبقى مسميان ~~ونصف، يقف أحدهما بين الثلاث اللاتي لم يوطأن، وآخر بين الثلاث والاثنتين، ~~والميراث على ما تقدم. وحكي عن الشعبي والنخعي، في من له أربع نسوة أبت ~~طلاق إحداهن، ثم نكح خامسة، ومات ولم يدر أيتهن طلق، فللخامسة ربع الميراث، ~~وللأربع ثلاثة أرباعه بينهن # وهذا مذهب أبي حنيفة إذا كان نكاح الخامسة بعد انقضاء عدة المطلقة. ولو ~~أنه قال بعد نكاح الخامسة: إحدى نسائي طالق. ثم نكح سادسة، ثم مات قبل أن ~~يبين، فللسادسة ربع الميراث، وللخامسة ربع ثلاثة أرباع الباقي، وما بقي بين ~~الأربع الأول أرباعا. وفي قول الشافعي - رضي الله عنه - ما أشكل من ذلك ~~موقوف على ما تقدم. ### | [فصل الطلاق الرجعى لا يسقط التوارث بينهما ما دامت في العدة] # فصل: في الطلاق. إذا طلق الرجل امرأته طلاقا يملك رجعتها في عدتها، لم ~~يسقط التوارث بينهما، ما دامت في العدة، سواء كان في المرض أو الصحة. بغير ~~خلاف نعلمه. وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود - رضي ~~الله عنهم -. وذلك لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه، ويملك ~~إمساكها بالرجعة بغير رضاها ولا ولي ولا شهود ولا صداق جديد، وإن طلقها في ~~الصحة طلاقا # PageV06P394 # بائنا أو رجعيا، فبانت بانقضاء عدتها، لم يتوارثا إجماعا # وإن كان الطلاق في المرض المخوف، ثم مات من مرضه ذلك في عدتها، ورثته ولم ~~يرثها إن ماتت. يروى هذا عن عمر، وعثمان - رضي الله عنهما -. وبه قال عروة، ~~وشريح، والحسن، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة في أهل العراق، ~~ومالك في أهل المدينة، وابن أبي ليلى. وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - في ~~القديم # وروي عن عتبة بن عبد الله بن الزبير: لا ترث مبتوتة. وروي ذلك عن علي، ~~وعبد الرحمن بن عوف. وهو قول ms3363 الشافعي الجديد؛ لأنها بائن، فلا ترث، كالبائن ~~في الصحة، أو كما لو كان الطلاق باختيارها، ولأن أسباب الميراث محصورة في ~~رحم ونكاح وولاء، وليس لها شيء من هذه الأسباب. ولنا، أن عثمان - رضي الله ~~عنه - ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في ~~مرضه فبتها. واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر، فكان إجماعا # ولم يثبت عن علي ولا عبد الرحمن خلاف في هذا، بل قد روى عروة عن عثمان ~~أنه قال لعبد الرحمن: لئن مت لأورثنها منك. قال: قد علمت ذلك. وما روي عن ~~ابن الزبير إن صح، فهو مسبوق بالإجماع. ولأن هذا قصد قصدا فاسدا في ~~الميراث، فعورض بنقيض قصده، كالقاتل القاصد استعجال الميراث يعاقب بحرمانه # إذا ثبت هذا، فالمشهور عن أحمد أنها ترثه في العدة وبعدها ما لم تتزوج. ~~قال أبو بكر: لا يختلف قول أبي عبد الله في المدخول بها إذا طلقها المريض، ~~أنها ترثه في العدة، وبعدها ما لم تتزوج. روي ذلك عن الحسن. وهو قول البتي، ~~وحميد، وابن أبي ليلى، وبعض البصريين، وأصحاب الحسن، ومالك في أهل المدينة. ~~وذكر عن أبي بن كعب، لما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أباه طلق أمه وهو ~~مريض، فمات، فورثته بعد انقضاء العدة # ولأن سبب توريثها فراره من ميراثها، وهذا المعنى لا يزول بانقضاء العدة. ~~وروي عن أحمد ما يدل على أنها لا ترث بعد العدة فإنه قال، في رواية الأثرم: ~~يلزم من قال: له أن يتزوج أربعا قبل انقضاء عدة مطلقاته. أنه لو طلق أربع ~~نسوة في مرضه، ثم تزوج أربعا، ثم مات من مرضه ذلك، أن الثماني يرثنه كلهن، ~~فيكون مسلما يرثه ثمان نسوة. وهذا القول يلزم منه توريث ثمان، وتوريثها بعد ~~العدة يلزم منه ذلك، ولأنه قال في المطلقة قبل الدخول: لا ترث؛ لأنها لا ~~عدة لها # وهذه كذلك فلا ترث. وهذا قول عروة، وأبي حنيفة وأصحابه، وقول الشافعي ~~القديم؛ لأنها تباح لزوج آخر، فلم ترثه، كما لو كان ms3364 في الصحة، ولأن توريثها ~~بعد العدة يفضي إلى توريث أكثر من أربع نسوة، فلم يجز ذلك، كما لو تزوجت، ~~وإن تزوجت المبتوتة لم ترثه، سواء كانت في # PageV06P395 # الزوجية أو بانت من الزوج الثاني. هذا قول أكثر أهل العلم. وقال مالك في ~~أهل المدينة: ترثه؛ لما ذكرنا للرواية الأولى، ولأنها شخص يرث مع انتفاء ~~الزوجية، فورث معها، كسائر الوارثين # ولنا، أن هذه وارثة من زوج، فلا ترث زوجا سواه، كسائر الزوجات، ولأن ~~التوارث من حكم النكاح، فلا يجوز اجتماعه مع نكاح آخر، كالعدة، ولأنها فعلت ~~باختيارها ما ينافي نكاح الأول لها، فأشبه ما لو كان فسخ النكاح من قبلها ~~(4979) فصل: ولو صح من مرضه ذلك، ثم مات بعده، لم ترثه، في قول الجمهور. ~~وروي عن النخعي والشعبي والثوري وزفر، أنها ترثه؛ لأنه طلاق مرض قصد به ~~الفرار من الميراث، فلم يمنعه، كما لو لم يصح # ولنا، أن هذه بائن بطلاق في غير مرض الموت، فلم ترثه، كالمطلقة في الصحة، ~~ولأن حكم هذا المرض حكم الصحة في العطايا والإعتاق والإقرار، فكذلك في ~~الطلاق. وما ذكروه يبطل بما إذا قصد الفرار بالطلاق في صحته. ### | [فصل طلق امرأته ثلاثا في مرضه قبل الدخول] # (4980) فصل: ولو طلق امرأته ثلاثا في مرضه قبل الدخول بها، فقال أبو بكر: ~~فيها أربع روايات؛ إحداهن، لها الصداق كاملا والميراث، وعليها العدة. ~~اختارها أبو بكر. وهو قول الحسن، وعطاء، وأبي عبيد؛ لأن الميراث ثبت ~~للمدخول بها لفراره منه، وهذا فار، وإذا ثبت الميراث ثبت وجوب العدة وتكميل ~~الصداق، وينبغي أن تكون العدة عدة الوفاة، لأنا جعلناها في حكم من توفي ~~عنها وهي زوجة، ولأن الطلاق لا يوجب عدة على غير مدخول بها # الثانية، لها الميراث والصداق، ولا عدة عليها. وهو قول عطاء؛ لأن العدة ~~حق عليها، فلا يجب بفراره. والثالثة، لها الميراث ونصف الصداق، وعليها ~~العدة. وهذا قول مالك، في رواية أبي عبيد عنه؛ لأن من ترث يجب أن تعتد، ولا ~~يكمل الصداق؛ لأن الله تعالى نص على تنصيفه بالطلاق ms3365 قبل المسيس، ولا تجوز ~~مخالفته. والرابعة، لا ميراث لها، ولا عدة عليها، ولها نصف الصداق. # وهو قول جابر بن زيد، والنخعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأكثر أهل العلم. ~~قال أحمد: قال جابر بن زيد: لا ميراث لها، ولا عدة عليها. وقال الحسن: ترث. ~~قال أحمد: أذهب إلى قول جابر؛ وذلك لأن الله تعالى نص على تنصيف الصداق، ~~ونفى العدة عن المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] # PageV06P396 # وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] . ولا يجوز مخالفة ~~نص الكتاب بالرأي والتحكم. وأما الميراث، فإنها ليست بزوجة ولا معتدة من ~~نكاح، فأشبهت المطلقة في الصحة. والله أعلم. ولو خلا بها، وقال: لما أطأها. ~~وصدقته، فلها الميراث، وعليها العدة للوفاة، ويكمل لها الصداق؛ لأن الخلوة ~~تكفي في ثبوت هذه الأحكام. وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. ### | [فصل طلق المدخول بها طلاقا رجعيا ثم مرض في عدتها ومات بعد انقضائها] # (4981) فصل: ولو طلق المدخول بها طلاقا رجعيا ثم مرض في عدتها، ومات بعد ~~انقضائها، لم ترثه؛ لأنه طلاق صحة. وإن طلقها واحدة في صحته، وأبانها في ~~مرضه، ثم مات بعد انقضاء عدتها، فحكمها حكم ما لو ابتدأ طلاقها في مرضه ~~لأنه فر من ميراثها. وإن طلقها واحدة في صحته، وأخرى في مرضه، ولم يبنها ~~حتى بانت بانقضاء عدتها، لم ترث؛ لأن طلاق المرض لم يقطع ميراثها، ولم يؤثر ~~في بينونتها. ### | [فصل طلقها ثلاثا في مرضه فارتدت ثم أسلمت ثم مات في عدتها] # (4982) فصل: وإن طلقها ثلاثا في مرضه، فارتدت، ثم أسلمت، ثم مات في عدتها ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، ترثه. وهو قول مالك؛ لأنها مطلقة في المرض، أشبه ما لو ~~لم ترتد. والثاني، لا ترثه # وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنها فعلت ما ينافي النكاح، أشبه ما لو ~~تزوجت. ولو كان هو المرتد، ثم أسلم ومات، ورثته. وبه قال ms3366 أبو حنيفة، ~~وأصحابه. وقال الشافعي - رضي الله عنه -: لا ترثه. ولنا، أنها مطلقة في ~~المرض، لم تفعل ما ينافي نكاحها، مات زوجها في عدتها، فأشبه ما لو لم ترتد. ~~ولو ارتد أحد الزوجين بعد الدخول من غير طلاق، ثم عاد إلى الإسلام قبل ~~انقضاء العدة، ورثه الآخر؛ لأن النكاح باق # فإن انقضت العدة قبل رجوعه، انفسخ النكاح، ولم يرث أحدهما الآخر. وإن ~~قلنا: إن الفرقة تتعجل عند اختلاف الدين، لم يرث أحدهما الآخر. ويتخرج أن ~~يرثه الآخر إذا كان ذلك في مرض موته؛ لأنه تحصل به البينونة، فأشبه الطلاق. ~~وهو قول مالك. قال أبو حنيفة وأصحابه: إذا ارتدت المرأة، ثم ماتت في عدتها، ~~ورثها الزوج. ### | [فصل طلق زوجته الأمة والذمية طلاقا بائنا ثم عتقت الأمة ثم مات في عدتهما] # (4983) فصل: إذا طلق المسلم المريض زوجته الأمة والذمية طلاقا بائنا، ثم ~~أسلمت الذمية، وعتقت الأمة، ثم مات في عدتهما، لم ترثاه؛ لأنه لم يكن عند ~~الطلاق فارا. وإن قال لهما في المرض: إذا عتقت أنت أو أسلمت # PageV06P397 # أنت، فأنتما طالقتان. فعتقت الأمة، وأسلمت الذمية، ومات، ورثتاه؛ لأنه ~~فار فإن قال لهما: أنتما طالقتان غدا. فعتقت الأمة، وأسلمت الذمية، لم ~~ترثاه؛ لأنه غير فار. وإن قال سيد الأمة: أنت حرة غدا. وقال الزوج: أنت ~~طالق غدا. وهو يعلم بقول السيد. # ورثته؛ لأنه فار. وإن لم يعلم، لم ترثه؛ لعدم الفرار. وبهذا قال أبو ~~حنيفة وأصحابه، والشافعي ولم أعلم لهم مخالفا. ### | [فصل قال لامرأته في صحته إذا مرضت فأنت طالق] # (4984) فصل: وإذا قال لامرأته في صحته: إذا مرضت فأنت طالق. فحكمه حكم ~~طلاق المرض سواء. فإن أقر في مرضه أنه كان طلقها في صحته ثلاثا، لم يقبل ~~إقراره عليها، وكان حكمه حكم طلاقه في مرضه. وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة. ~~وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يقبل إقراره. ولنا، أنه إقرار بما يبطل به ~~حق غيره، فلم يقبل، كما لو أقر بمالها. ### | [فصل سألته الطلاق في مرضه فأجابها] # (4985) فصل: وإن سألته الطلاق في مرضه، ms3367 فأجابها، فقال القاضي: فيه ~~روايتان؛ إحداهما، لا ترثه؛ لأنه ليس بفار. والثانية، ترثه لأنه طلقها في ~~مرضه. وهو قول مالك. وكذلك الحكم إن خالعها، أو علق الطلاق على مشيئتها ~~فشاءت، أو على فعل من جهتها لها منه بد ففعلته، أو خيرها فاختارت نفسها. ~~والصحيح في هذا كله أنها لا ترثه؛ لأنه لا فرار منه # وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي. وإن لم تعلم بتعليق طلاقها، ففعلت ما علق ~~عليه، ورثته؛ لأنها معذورة فيه. ولو سألته طلقة، فطلقها ثلاثا، ورثته؛ لأنه ~~أبانها بما لم تطلبه منه. وإن علق طلاقها على فعل لا بد لها منه، كصلاة ~~مكتوبة، وصيام واجب في وقته، ففعلته، فحكمه حكم طلاقها ابتداء، في قولهم ~~جميعا. وكذلك إن علقه على كلامها لأبويها أو لأحدهما. وإن قال في مرضه أنت ~~طالق إن قدم زيد. ونحوه مما ليس من فعلها، ولا فعله، فوجد الشرط فطلقت به. # ورثته. ### | [فصل علق طلاقها في الصحة على شرط وجد في المرض] # (4986) فصل: فإن علق طلاقها في الصحة على شرط وجد في المرض، كقدوم زيد، ~~ومجيء غد، وصلاتها الفرض، بانت ولم ترث؛ لأن اليمين كانت في الصحة. وذكر ~~القاضي رواية أخرى، أنها ترث، وهو قول مالك؛ لأن الطلاق وقع في المرض. ~~والأول أصح # وإن علقه على فعل نفسه، ففعله في المرض ورثته؛ لأنه أوقع الطلاق بها في ~~المرض، فأشبه ما لو كان التعليق في المرض. ولو قال في الصحة: أنت طالق إن ~~لم أضرب غلامي. فلم يضربه حتى مات، # PageV06P398 # ورثته. وإن ماتت، لم يرثها. وإن مات الغلام والزوج مريض، طلقت، وكان ~~كتعليقه على مجيء زيد أيضا. وكذلك إن قال: إن لم أوفك مهرك فأنت طالق. وإن ~~ادعى الزوج أنه وفاها مهرها فأنكرته، صدق الزوج في توريثه منها؛ لأن الأصل ~~بقاء النكاح، ولم تصدق في براءته منه؛ لأن الأصل بقاؤه في ذمته # ولو قال لها في الصحة: أنت طالق إن لم أتزوج عليك. فكذلك. نص عليه أحمد. ~~وهو قول الحسن. ولو قذف المريض امرأته، ثم لاعنها في ms3368 مرض، فبانت منه، ثم ~~مات في مرضه ورثته. وإن ماتت، لم يرثها. وإن قذفها في صحته، ولاعنها في ~~مرضه، ومات فيه، لم ترثه نص عليه أحمد. وهو قول الشافعي، واللؤلؤي. وذكر ~~القاضي رواية أخرى، أنها ترث # وهو قول أبي يوسف. وإن آلى منها في مرضه، ثم صح، ثم نكس في مرضه، فبانت ~~بالإيلاء، لم ترثه. ### | [فصل استكره الابن امرأة أبيه على ما ينفسخ به نكاحها في مرض أبيه فمات أبوه من مرضه] # (4987) فصل: وإذا استكره الابن امرأة أبيه على ما ينفسخ به نكاحها، من ~~وطء أو غيره، في مرض أبيه، فمات أبوه من مرضه ذلك، ورثته، ولم يرثها إن ~~ماتت. وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. فإن طاوعته على ذلك، لم ترث؛ لأنها ~~مشاركة فيما ينفسخ به نكاحها، فأشبه ما لو خالعته. وسواء كان للميت بنون ~~سوى هذا الابن، أو لم يكن. فإذا انتفت التهمة عنه، بأن يكون غير وارث، ~~كالكافر والقاتل والرقيق، أو كان ابنا من الرضاعة، أو ابن ابن محجوب بابن ~~للميت، أو بأبوين، أو ابنين، أو كان للميت امرأة أخرى تجوز ميراث الزوجات، ~~لم ترث؛ لانتفاء التهمة # ولو صار ابن الابن وارثا بعد ذلك، لم يرث؛ لانتفاء التهمة حال الوطء. ولو ~~كان حال الوطء وارثا، فعاد محجوبا عن الميراث لورثت؛ لوجود التهمة حين ~~الوطء. ولو كان للمريض امرأتان، فاستكره ابنه إحداهما، لم ترثه؛ لانتفاء ~~التهمة عنه، لكون ميراثها لا يرجع إليه. ولو استكره الثانية بعدها، لورثت ~~الثانية؛ لأنه متهم في حقها، ولو استكرههما معا، دفعة واحدة، ورثتا جميعا. ~~وهذا كله قول أبي حنيفة وأصحابه # وأما الشافعي - رضي الله عنه - فإنه لا يرى فسخ النكاح بالوطء الحرام. ~~وكذلك الحكم فيما إذا وطئ المريض من ينفسخ نكاحه بوطئها، كأم امرأته أو ~~ابنتها، فإن امرأته تبين منه، وترثه إذا مات في مرضه، ولا يرثها، وسواء ~~طاوعته الموطوءة أو أكرهها، فإن مطاوعتها ليس للمرأة فيه فعل يسقط به ~~ميراثها. فإن كان زائل العقل حين الوطء لم ترث امرأته منه شيئا؛ لأنه ليس ms3369 ~~قصد صحيح، فلا يكون فارا من ميراثها. وكذلك لو وطئ ابنه امرأته مستكرها ~~لها، وهو زائل العقل، لم ترث لذلك # فإن كان صبيا عاقلا، ورثت؛ لأن له قصدا صحيحا. وقال أبو حنيفة: هو ~~كالمجنون؛ لأن قوله لا عبرة به. وكذلك الحكم فيما إذا وطئ ابنة امرأته أو ~~أمها وللشافعي في وطء الصبي بنت امرأته أو أمها قولان؛ # PageV06P399 # أحدهما، لا ينفسخ به نكاح امرأته؛ لأنه لا يحرم. والثاني، أن امرأته تبين ~~بذلك، ولا ترثه ولا يرثها. وفي القبلة والمباشرة دون الفرج روايتان؛ ~~إحداهما، تنشر الحرمة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه؛ لأنها مباشرة تحرم في غير ~~النكاح والملك فأشبهت الوطء والثانية، لا تنشرها، لأنها ليست بسبب للبعضية، ~~فلا تنشر الحرمة، كالنظر والخلوة # وخرج أصحابنا في النظر إلى الفرج والخلوة لشهوة وجها أنه ينشر الحرمة. ### | [فصل فعلت المريضة ما يفسخ نكاحها فماتت في مرضها] # (4988) فصل: وإن فعلت المريضة ما يفسخ نكاحها، كرضاع امرأة صغيرة لزوجها، ~~أو رضاع زوجها الصغير، أو ارتدت، أو نحو ذلك، فماتت في مرضها، ورثها الزوج ~~ولم ترثه. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي - رضي الله عنه -: لا يرثها # ولنا، أنها أحد الزوجين فر من ميراث الآخر، فأشبه الرجل. وإن أعتقت، ~~فاختارت نفسها، أو كان الزوج عنينا فأجل سنة، ولم يصبها حتى مرضت في آخر ~~الحول، فاختارت فرقته، وفرق بينهما، لم يتوارثا في قولهم أجمعين. ذكره ابن ~~اللبان في " كتابه ". وذكر القاضي في المعتقة إذا اختارت نفسها في مرضها، ~~لم يرثها؛ وذلك؛ لأن فسخ النكاح في هذين الموضعين لدفع الضرر، لا للفرار من ~~الميراث. وإن قبلت ابن زوجها لشهوة، خرج فيه وجهان؛ أحدهما، ينفسخ نكاحها ~~ويرثها إذا كانت مريضة، وماتت في عدتها # وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. والثاني، لا ينفسخ النكاح به. وهو قول ~~الشافعي - رضي الله عنه -. ولو أن رجلا زوج ابنة أخيه وهي صغيرة، ثم بلغت، ~~ففسخت النكاح في مرضها، لم يرثها الزوج. بغير خلاف نعلمه؛ لأن النكاح من ~~أصله غير صحيح في صحيح المذهب، وهو قول الشافعي ms3370 - رضي الله عنه -. وروي عن ~~أحمد ما يدل على صحته، ولها الخيار. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، إلا أن ~~الفسخ لإزالة الضرر لا من أجل الفرار، فلم يرثها، كما لو فسخت المعتقة ~~نكاحها. والله أعلم. ### | [فصل طلق المريض امرأته ثم نكح أخرى ومات من مرضه] # (4989) فصل: إذا طلق المريض امرأته، ثم نكح أخرى، ومات من مرضه في عدة ~~المطلقة، ورثتاه جميعا. هذا قول أبي حنيفة وأهل العراق، وأحد قولي الشافعي ~~- رضي الله عنه -. والقول الآخر، لا ترث المبتوتة، فيكون الميراث كله ~~للثانية. وقال مالك الميراث كله للمطلقة؛ لأن نكاح المريض عنده غير صحيح. ~~وجعل بعض # PageV06P400 # أصحابنا فيها وجها، أن الميراث كله للمطلقة؛ لأنها ترث منه ما كانت ترث ~~قبل طلاقها، وهو جميع الميراث، فكذلك بعده # وليس هذا بصحيح، فإنها إنما ترث ما كانت ترث لو لم يطلقها، ولو لم يطلقها ~~وتزوج عليها، لم ترث إلا نصف ميراث الزوجات، فكذلك إذا طلقها. فعلى هذا لو ~~تزوج ثلاثا في مرضه، فليس للمطلقة إلا ربع ميراث الزوجات، ولكل واحدة من ~~الزوجات ربعه. وإن مات بعد انقضاء عدة المطلقة، فالميراث للزوجات، في إحدى ~~الروايتين. وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - وأبي حنيفة وأصحابه. والرواية ~~الأخرى، أن الميراث للأربع. وعند مالك الميراث كله للمطلقة # وإن كان له أربع نسوة، فطلق إحداهن ثلاثا في مرضه، ثم نكح أخرى في عدة ~~المطلقة، أو طلق امرأة واحدة، ونكح أختها في عدتها، ومات في عدتها، فالنكاح ~~باطل، والميراث بين المطلقة وباقي الزوجات الأوائل. وهذا قول أبي حنيفة، ~~ومالك. وقال الشافعي - رضي الله عنه -: النكاح صحيح، والميراث للجديدة مع ~~باقي المنكوحات دون المطلقة. ويجيء على قوله القديم وجهان؛ أحدهما، أن يكون ~~الميراث بين المطلقة وباقي الزوجات، كقول الجمهور، ولا شيء للمنكوحة # والثاني، أن يكون بينهن على خمسة، لكل واحدة منهن خمسه. فإن مات بعد ~~انقضاء عدة المطلقة، ففي ميراثها روايتان؛ إحداهما، لا ميراث لها، فيكون ~~الميراث لباقي الزوجات. وهو قول أبي حنيفة وأهل العراق. والثانية، ترث معهن ~~ولا شيء للمنكوحة. ms3371 وقال الشافعي - رضي الله عنه -: الميراث للمنكوحات كلهن، ~~ولا شيء للمطلقة. وإن تزوج الخامسة بعد انقضاء عدة المطلقة، صح نكاحها # وهل ترث المطلقة؟ على روايتين؛ إحداهما، لا ترث. وهو ظاهر كلام أحمد؛ ~~لأنه قال: يلزم من قال: يصح النكاح في العدة. أن يرث ثمان نسوة، وأن يرثه ~~أختان، فيكون مسلم يرثه ثمان نسوة أو أختان، وتوريث المطلقات بعد العدة ~~يلزم منه هذا، أو حرمان الزوجات المنصوص على ميراثهن، فيكون منكرا له غير ~~قائل به. فعلى هذا يكون الميراث للزوجات دون المطلقة. والرواية الثانية، ~~ترث المطلقة. فيخرج فيه # وجهان؛ أحدهما، يكون الميراث بين الخمس. والثاني، يكون للمطلقة ~~والمنكوحات الأوائل دون الجديدة؛ لأن المريض ممنوع من أن يحرمهن # PageV06P401 # ميراثهن بالطلاق، فكذلك يمنع من تنقيصهن منه، وكلا الوجهين بعيد؛ أما ~~أحدهما فيرده نص الكتاب على توريث الزوجات، فلا يجوز مخالفته بغير نص ولا ~~إجماع ولا قياس على صورة مخصوصة من النص في معناه، وأما الآخر فلأن الله ~~تعالى لم يبح نكاح أكثر من أربع، ولا الجمع بين الأختين. فلا يجوز أن ~~يجتمعن في ميراثه بالزوجية. وعلى هذا لو طلق أربعا في مرضه، وانقضت عدتهن، ~~ونكح أربعا سواهن، ثم مات من مرضه، فعلى الأول ترثه المنكوحات دون المطلقات # وعلى الثاني يكون فيه وجهان؛ أحدهما، أن الميراث كله للمطلقات. وعلى ~~الثاني هو بين الثمان. وقال مالك: الميراث للمطلقات، ولا شيء للمنكوحات؛ ~~لأن نكاحهن غير صحيح عنده. وإن صح من مرضه، فتزوج أربعا في صحته ثم مات، ~~فالميراث لهن في قول الجمهور، ولا شيء للمطلقات في قول مالك ومن وافقه. ~~وكذلك إن تزوجت المطلقات لم يرثن شيئا إلا في قوله وقول من وافقه. ولو طلق ~~أربعا بعد دخوله بهن ثلاثا في مرضه، وقال: قد أخبرنني بانقضاء عدتهن # فكذبنه، فله أن ينكح أربعا سواهن إذا كان ذلك في مدة يمكن انقضاء العدة ~~فيها، ولا يقبل قوله عليهن في حرمان الميراث. وهذا قول أبي حنيفة، وأبي ~~يوسف، واللؤلؤي، إذا كان بعد أربعة أشهر. وقال زفر: لا يجوز له ms3372 التزويج ~~أيضا. والأول أصح؛ لأن هذا حكم فيما بينه وبين الله تعالى لا حق لهن فيه، ~~فقبل قوله فيه. فعلى هذا إن تزوج أربعا في عقد واحد، ثم مات، ورثه المطلقات ~~دون المنكوحات، إلا أن يمتن قبله، فيكون الميراث للمنكوحات # وإن أقررن بانقضاء عدتهن، وقلنا: الميراث لهن بعد انقضاء العدة. فالميراث ~~للمنكوحات أيضا. وإن مات منهن ثلاث، فالميراث للباقية. وإن مات منهن واحدة، ~~ومن المنكوحات واحدة أو اثنتان، أو مات من المطلقات اثنتان، ومن المنكوحات ~~واحدة، فالميراث لباقي المطلقات. وإن مات من المطلقات واحدة ومن المنكوحات ~~ثلاث، أو من المطلقات اثنتان، ومن المنكوحات اثنتان، أو من المطلقات ثلاث ~~ومن المنكوحات واحدة، فالميراث بين البواقي من المطلقات والمنكوحات معا؛ ~~لأنه لو استأنف العقد على الباقيات من الجميع، جاز فكان صحيحا # وإن تزوج المنكوحات في أربعة عقود، فمات من المطلقات واحدة ورثت مكانها ~~الأولى من المنكوحات. وإن مات اثنتان، ورثت الأولى والثانية. وإن مات ثلاث، ~~ورثت الأولى والثانية والثالثة من المنكوحات، مع من بقي من المطلقات. وهذا ~~على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف واللؤلؤي. وأما زفر فلا يرى صحة نكاح ~~المنكوحات حتى يصدقه المطلقات. # PageV06P402 # وأما الشافعي - رضي الله عنه - فيباح عنده التزويج في عدة المطلقات، فعلى ~~قوله إذا طلق أربعا، ونكح أربعا، في عقد أو عقود، ثم مات من مرضه فالميراث ~~للمنكوحات # وعلى قوله القديم يخرج فيه وجهان؛ أحدهما، أن الميراث بين الثمان. ~~والثاني، أن الميراث للمطلقات دون المنكوحات. فإن مات بعض المطلقات، أو ~~انقضت عدتهن فللمنكوحات ميراث الميتات. وإن ماتت واحدة فللزوجات ربع ميراث ~~النساء. وإن ماتت اثنتان فللزوجات نصف الميراث. فإن مات ثلاث، فلهن ثلاثة ~~أرباع الميراث إن كان نكاحهن في عقد واحد # وإن كان في عقود متفرقة، فإذا ماتت واحدة من المطلقات، فميراثها للأولى ~~من المنكوحات، وميراث الثانية للثانية، وميراث الثالثة للثالثة. ### | [فصل قال لنسائه إحداكن طالق] # (4990) فصل: إذا قال الرجل لنسائه: إحداكن طالق. يعني واحدة بعينها، طلقت ~~وحدها، ويرجع إلى تعيينه، ويؤخذ بنفقتهن كلهن إلى أن تعين. ms3373 وإن كان الطلاق ~~بائنا، منع منهن إلى أن يعين. فإن قال: أردت هذه. طلقت وحدها. وإن قال: لم ~~أرد هؤلاء الثلاث. طلقت الرابعة. وإن، عاد، فقال: أخطأت، إنما أردت هذه. ~~طلقت الأخرى # وإن متن أو إحداهن قبل أن يبين رجع إلى قوله، فمن أقر بطلاقها حرمناه ~~ميراثها، وأحلفناه، لورثة من لم يعينها. # وهذا قول الشافعي. - رضي الله عنه - وإن لم يعن بذلك واحدة بعينها، أو ~~مات قبل التعيين، أخرجت بالقرعة، وكذلك إن طلق واحدة من نسائه، بعينها، ~~فأنسيها، فمات، أخرجت بالقرعة، فمن تقع عليها القرعة فلا ميراث لها. روي ~~ذلك عن علي - رضي الله عنه - وهو قول أبي ثور. وروى عطاء، عن ابن عباس، أن ~~رجلا سأله فقال: إن لي ثلاث نسوة، وإني طلقت إحداهن فبتت طلاقها. فقال ابن ~~عباس، - رضي الله عنه -: إن كنت نويت واحدة منهن بعينها ثم أنسيتها، فقد ~~اشتركن في الطلاق، وإن لم تكن نويت واحدة بعينها، فطلق أيتهن شئت. # وقال الشافعي - رضي الله عنه - وأهل العراق: يرجع إلى تعيينه في المسائل ~~كلها. فإن وطئ إحداهن كان تعيينا لها بالنكاح، في قول أهل العراق، وبعض ~~أصحاب الشافعي - رضي الله عنه -. وقال الشافعي: لا يكون تعيينا. فإن مات ~~قبل أن يبين فالميراث بينهن كلهن، في قول أهل العراق # وقال مالك: يطلقن كلهن، ولا ميراث لهن. وقال الشافعي: - رضي الله عنه - ~~يوقف ميراثهن، وإن كان الطلاق قبل الدخول دفع إلى كل واحدة نصف مهر، ووقف ~~الباقي في مهورهن. وقال داود: يبطل حكم طلاقهن؛ لموضع الجهالة، ولكل واحدة ~~مهر كامل، والميراث بينهن. وإن متن قبله، طلقت الآخرة، في قول أهل العراق. ~~وقال الشافعي: - رضي الله عنه - يرجع إلى تعيينه، على ما ذكرناه. # PageV06P403 # ولنا، قول علي، - رضي الله عنه - ولا يعارضه قول ابن عباس؛ لأن ابن عباس ~~يعترف لعلي بتقديم قوله، فإنه قال: إذا ثبت لنا عن علي قول، لم نعده إلى ~~غيره # وقال: ما علمي إلى علم علي، إلا كالقرارة إلى المثعنجر. ولأنه إزالة ملك ~~عن الآدمي، فتستعمل فيه ms3374 القرعة عند الاشتباه، كالعتق. وقد بينت ذلك في ~~العتق بخبر عمران بن الحصين. ولأن الحقوق تساوت على وجه تعذر تعيين المستحق ~~فيه من غير قرعة، فينبغي أن تستعمل فيه القرعة، كالقسمة في السفر بين ~~النساء، فأما قسم الميراث بين الجميع، ففيه دفع إلى إحداهن ما لا تستحقه، ~~وتنقيص بعضهن حقها يقينا، والوقف إلى غير غاية تضييع لحقوقهن، وحرمان ~~الجميع منع الحق عن صاحبه يقينا # ولو كان له امرأتان، فطلق إحداهما، ثم ماتت إحداهما، ثم مات أقرع بينهما، ~~فمن وقعت عليها قرعة الطلاق لم يرثها إن كانت الميتة، ولم ترثه إن كانت ~~الأخرى. وفي قول أهل العراق: يرث الأولى، ولا ترثه، الأخرى. وللشافعي ~~قولان؛ أحدهما، يرجع إلى تعيين الوارث، فإن قال: طلق الميتة. لم يرثها، ~~وورثته الحية. وإن قال: طلق الحية. حلف على ذلك، وأخذ ميراث الميتة، ولم ~~تورث الحية. والقول الثاني، يوقف من مال الميتة ميراث الزوج، ومن مال الزوج ~~ميراث الحية # وإن كان له امرأتان قد دخل بإحداهما دون الأخرى، وطلق إحداهما لا بعينها، ~~فمن خرجت لها القرعة فلها حكم الطلاق، وللأخرى حكم الزوجية. وقال أهل ~~العراق: للمدخول بها ثلاثة أرباع الميراث إن مات في عدتها، وللأخرى ربعه ~~لأن للمدخول بها نصفه بيقين، والنصف الآخر يتداعيانه، فيكون بينهما. وفي ~~قول الشافعي: النصف للمدخول بها، والثاني موقوف. وإن كانتا مدخولا بهما، ~~فقال في مرضه: أردت هذه. ثم مات في عدتها، لم يقبل قوله؛ لأن الإقرار ~~بالطلاق في المرض كالطلاق فيه # وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال زفر: يقبل قوله، والميراث للأخرى. ~~وهو قياس قول الشافعي. ولو كان للمريض امرأة أخرى سوى هاتين، فلها نصف ~~الميراث، وللاثنتين نصفه. وفي قول الشافعي نصفه موقوف. ### | [فصل له أربع نسوة فطلق إحداهن غير معينة ثم نكح خامسة بعد انقضاء عدتها ثم مات ولم يبين] # (4991) فصل: ولو كان أربع نسوة، فطلق إحداهن غير معينة، ثم نكح خامسة بعد ~~انقضاء عدتها، ثم مات ولم يبين، فللخامسة ربع الميراث والمهر، ويقرع بين ~~الأربع. وقال أهل العراق: ms3375 لهن ثلاثة أرباع الميراث بينهن وإن كن غير مدخول ~~بهن، فلهن ثلاثة مهور ونصف. وفي قول الشافعي، يوقف ثلاثة أرباع الميراث، ~~ومهر ونصف بين الأربع، فإن جاءت واحدة تطلب ميراثها لم تعط شيئا # وإن طلبه اثنتان دفع # PageV06P404 # إليهما ربع الميراث، وإن طلبه ثلاث دفع إليهن نصفه، وإن طلبه الأربع دفع ~~إليهن. ولو قال بعد نكاح الخامسة: إحداكن طالق. فعلى قولهم، للخامسة ربع ~~الميراث؛ لأنها شريكة ثلاث، وباقيه بين الأربع كالأولى، وللخامسة سبعة ~~أثمان مهر؛ لأن الطلاق نقصها وثلاثا معها نصف مهر، ويبقى للأربع ثلاثة وثمن ~~بينهن، في قول أهل العراق. فإن تزوج بعد ذلك سادسة، فلها ربع الميراث، ومهر ~~كامل. # وللخامسة ربع ما بقي وسبعة أثمان مهر، وللأربع ما بقي وثلاثة مهور وثمن، ~~ويكون الربع مقسوما على أربعة وستين. فإن قال بعد ذلك: إحداكن طالق. لم ~~يختلف الميراث ولكن تختلف المهور، فللسادسة سبعة أثمان مهر، وللخامسة خمسة ~~وعشرون جزءا من اثنين وثلاثين من مهر ويبقى للأربع مهران وسبعة وعشرون جزءا ~~من مهر. وعند الشافعي يوقف ربع الميراث بين الست، وربع آخر بين الخمس، ~~وباقيه بين الأربع، ويوقف نصف مهر بين الست، ونصف بين الخمس، ونصف بين ~~الأربع، ويدفع إلى كل واحدة نصف. ### | [باب الاشتراك في الطهر] # إذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد وطئا يلحق النسب من مثله، فأتت بولد ~~يمكن أن يكون منهما، مثل أن يطأ الشريكان جاريتهما المشتركة، أو يطأ ~~الإنسان جاريته ثم يبيعها قبل أن يستبرئها، فيطؤها المشتري قبل استبرائها، ~~أو يطؤها رجلان بشبهة أو يطلق رجل امرأته فيتزوجها غيره في عدتها ويطأها، ~~أو يطأ إنسان جارية آخر أو امرأته بشبهة في الطهر الذي وطئها فيه سيدها أو ~~زوجها ثم تأتي بولد يمكن أن يكون منهما، فإنه يرى القافة معهما # وهذا قول عطاء، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، فإن ~~ألحقته بأحدهما، لحق به، وإن نفته عن أحدهما، لحق الآخر، وسواء ادعياه، أو ~~لم يدعياه، أو ادعاه أحدهما وأنكره الآخر، وإن ألحقته القافة بهما، لحقهما ~~وكان ابنهما. ms3376 وهذا قول الأوزاعي، والثوري، وأبي ثور. ورواه بعض أصحاب مالك ~~عنه # وقال مالك: لا يرى ولد الحرة للقافة، بل يكون لصاحب الفراش الصحيح دون ~~الواطئ بشبهة. وقال الشافعي: لا يلحق بأكثر من واحد، فإن ألحقته القافة ~~بأكثر من واحد، كان بمنزلة أن لا يوجد قافة. ومتى لم يوجد قافة، أو أشكل ~~عليها، أو اختلف القائفان في نسبه، فقال أبو بكر: يضيع نسبه، ولا حكم ~~لاختياره، ويبقى على الجهالة أبدا. وهو قول مالك. وقال ابن حامد: يترك حتى ~~يبلغ فينتسب إلى أحدهما. وهو قول الشافعي الجديد # وقال في القديم: يترك حتى يميز، وذلك لسبع أو ثمان، فينتسب إلى أحدهما، ~~ونفقته عليهما، إلى أن ينتسب إلى أحدهما، فيرجع الآخر عليه بما أنفق. وإذا ~~ادعى اللقيط، اثنان، أري القافة معهما. وإن مات الولد المدعى في هذه ~~المواضع قبل أن يرى القافة، وله ولد، أري ولده القافة مع المدعين. ولو مات ~~الرجلان # PageV06P405 # أري القافة مع عصبتهما. وإن ادعاه أكثر من اثنين، فألحقته القافة بهم، ~~لحق. وقد نص أحمد على أنه يلحق بثلاثة، ومقتضى هذا أن يلحق بهم وإن كثروا. ~~وقال القاضي: لا يلحق بأكثر من ثلاثة # وهو قول محمد بن الحسن. وروي عن أبي يوسف وقال ابن حامد: لا يلحق بأكثر ~~من اثنين. وروي أيضا عن أبي يوسف. وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وشريك، ~~ويحيى بن آدم: لا حكم للقافة، بل إذا سبق أحدهما بالدعوى، فهو ابنه. فإن ~~ادعياه معا، فهو ابنهما. وكذلك إن كثر الواطئون وادعوه معا، فإنه يكون لهم ~~جميعا وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قضى في ذلك بالقرعة واليمين. وبه ~~قال ابن أبي ليلى، وإسحاق وعن أحمد نحوه إذا عدمت القافة # وقد ذكرنا أكثر هذه المسائل مشروحة مدلولا عليها في مواضعها، والغرض ~~هاهنا ذكر ميراث المدعي، والتوريث منه، وبيان مسائله. ### | [مسألة ألحق باثنين فمات وترك أمه حرة] # (4992) مسألة: إذا ألحق باثنين، فمات، وترك أمه حرة، فلها الثلث، والباقي ~~لهما، فإن كان لكل واحد منهما ابن سواه، أو لأحدهما ابنان، ms3377 فلأمه السدس. ~~فإن مات أحد الأبوين، وله ابن آخر، فماله بينهما نصفين، فإن مات الغلام بعد ~~ذلك، فلأمه السدس، والباقي للباقي من أبويه، ولا شيء لإخوته؛ لأنهما ~~محجوبان بالأب الباقي فإن كان الغلام ترك ابنا، فللباقي من الأبوين السدس، ~~والباقي لابنه # وإن مات قبل أبويه، وترك ابنا، فلهما جميعا السدس، والباقي لابنه. فإن ~~كان لكل واحد منهما أبوان، ثم مات الغلام وله جدة أم أم وابن، فلأم أمه نصف ~~السدس، ولأمي المدعيين نصفه، كأنهما جدة واحدة، وللجدين السدس، والباقي ~~للابن، فإن لم يكن ابن، فللجدين الثلث؛ لأنهما بمنزلة جد واحد، والباقي ~~للأخوين. وعند أبي حنيفة، الباقي كله للجدين؛ لأن الجد يسقط الإخوة # وإن كان المدعيان أخوين، والمدعى جارية، فماتا وخلفا أباهما، فلهما من ~~مال كل واحد نصفه، والباقي للأب. فإن مات الأب بعد ذلك فلها النصف؛ لأنها ~~بنت ابن. وحكى الخبري عن أحمد وزفر وابن أبي زائدة، أن لها الثلثين؛ لأنها ~~بنت ابنته فلها ميراث بنتي ابن، وإن كان المدعي ابنا، فمات أبواه، ولأحدهما ~~بنت، ثم مات أبوهما فميراثه بين الغلام والبنت على ثلاثة. وعلى القول ~~الآخر، على خمسة؛ لأن الغلام يضرب بنصيب ابني ابن # وإن كان لكل واحد منهما بنت، فللغلام من مال كل واحد منهما ثلثاه، وله من ~~مال جده نصفه. وعلى القول الآخر، له ثلثاه، ولهما سدساه. وإن كان المدعيان ~~رجلا وعمة، والمدعى جارية، فماتا، وخلفا أبويهما، ثم مات أبو الأصغر، # PageV06P406 # فلها النصف، والباقي لأبي العم؛ لأنه أبوه. وإذا مات أبو العم، فلها ~~النصف من ماله أيضا. وعلى القول الآخر، لها الثلثان؛ لأنها بنت ابن وبنت ~~ابن ابن. وإن كان المدعي رجلا وابنه، فمات الابن، فلها نصف ماله # وإذا مات الأب فلها النصف أيضا. وعلى القول الآخر لها الثلثان. وقال أبو ~~حنيفة: إذا تداعى الأب وابنه، قدم الأب، ولم يكن للابن شيء. وإن مات الأب ~~أولا، فماله بين ابنه وبينهما على ثلاثة، ثم تأخذ نصف مال الأصغر، لكونها ~~بنته، وباقيه لأنها أخته، وفي كل ذلك إذا لم ms3378 يثبت نسب المدعي، وقف نصيبه، ~~ودفع إلى كل وارث اليقين، ووقف الباقي حتى يثبت نسبه أو يصطلحوا # فلو كان المدعون ثلاثة، فمات أحدهم، وترك ابنا وألفا، ثم مات الثاني، ~~وترك ابنا وألفين، ثم مات الثالث، وترك ابنا وعشرين ألفا، ثم مات الغلام، ~~وترك أربعة آلاف، وأما حرة، وقد ألحقته القافة بهم، فقد ترك خمسة عشر ألفا ~~وخمسمائة، فلأمه سدسها، والباقي بين إخوته الثلاثة أثلاثا. وإن كان موتهم ~~قبل ثبوت نسبه، دفع إلى الأم ثلث تركته، وهو ألف وخمسمائة؛ لأن أدنى ~~الأحوال أن يكون ابن صاحب الألف، فيرث منه خمسمائة، وقد كان وقف له من مال ~~كل واحد من المدعين نصف ماله، فيرد إلى ابن صاحب الألف، وابن صاحب الألفين، ~~ما وقف من مال أبويهما؛ لأنه إن لم يكن أخا لهما فذلك لهما من أبويهما # وإن كان أخا أحدهما، فهو يستحق ذلك، وأكثر منه بإرثه منه، ويرد على ابن ~~الثالث تسعة آلاف وثلث ألف، ويبقى ثلثا ألف موقوفة بينه وبين الأم؛ لأنه ~~يحتمل أن يكون أخاه، فيكون قد مات عن أربعة عشر ألفا، لأمه ثلثها، ويبقى من ~~مال الابن ألفان وخمسمائة موقوفة يدعيها ابن صاحب الألف كلها، ويدعي منها ~~ابن صاحب الألفين ألفين وثلثا، فيكون ذلك موقوفا بينهما وبين الأم، وسدس ~~الألف بين الأم وابن صاحب الألف # فإن ادعى أخوان ابنا، ولهما أب، فمات أحدهما وخلف بنتا، ثم مات الآخر قبل ~~ثبوت نسب المدعي، وقف من مال الأول خمسة أتساعه، منها تسعان بين الغلام ~~والبنت، وثلاثة أتساع بينه وبين الأب، ويوقف من مال الثاني خمسة أسداس بينه ~~وبين الأب. فإن مات الأب بعدهما، وخلف بنتا، فلها نصف ماله، ونصف ما ورثه ~~عن ابنته، والباقي بين الغلام وبنت الابن؛ لأنه ابن ابنه بيقين ويدفع إلى ~~كل واحد منهم من الموقوف اليقين، ويوقف الباقي، فتقدره مرة ابن صاحب البنت، ~~ومرة ابن الآخر. # وتنظر ماله من كل واحد منهم في الحالين، فتعطيه أقلهما، فللغلام في حال ~~الموقوف من مال الثاني، وخمس الموقوف من مال ms3379 الأول، وفي حال كل الموقوف من ~~مال الأول، وثلث الموقوف من الثاني، فله أقلهما، ولبنت الميت الأول في حال ~~النصف من مال أبيها، وفي حال السدس من مال عمها، ولبنت الأب في حال نصف ~~الموقوف من # PageV06P407 # مال الثاني، وفي حال ثلاثة أعشاره من مال الأول، فتدفع إليها أقلهما، ~~ويبقى باقي التركة موقوفا بينهم حتى يصطلحوا عليه # ومن الناس من يقسمه بينهم على حسب الدعاوى. ومتى اختلف أجناس التركة، ولم ~~يصر بعضها قصاصا عن بعض، قومت، وعمل في قيمتها على ما بينا في الدراهم إن ~~تراضوا على ذلك، أو يبيع الحاكم عليهم ليصير الحق كله من جنس واحد، لما فيه ~~من الصلاح لهم، ويوقف الفضل المشكوك فيه بينهم على الصلح. ولو ادعى اثنان ~~غلاما، فألحقته القافة بهما، ثم مات أحدهما، وترك ألفا وبنتا وعما، ثم مات ~~الآخر، وترك ألفين وابن ابن، ثم مات الغلام، وترك ثلاثة آلاف وأما، كان ~~للبنت من تركة أبيها ثلثها، وللغلام ثلثاها، وتركة الثاني كلها له؛ لأنه ~~ابنه، فهو أحق من ابن الابن. # ثم مات الغلام عن خمسة آلاف وثلثي ألف، فلأمه ثلث، ذلك، ولأخته نصفه، ~~وباقيه لابن الابن؛ لأنه ابن أخيه، ولا شيء للعم. وإن لم يثبت نسبه، فلابنة ~~الأول ثلث الألف، ويوقف ثلثاها وجميع تركة الثاني. فإذا مات الغلام، فلأمه ~~من تركته ألف وتسعا ألف؛ لأن أقل أحواله أن يكون ابن الأول، فيكون قد مات ~~عن ثلاثة آلاف وثلثي ألف، ويرد الموقوف من مال أبي البنت على البنت والعم، ~~فيصطلحان عليه؛ لأنه لهما، إما عن صاحبهما أو الغلام، ويرد الموقوف من مال ~~الثاني إلى ابن ابنه. # لأنه له إما عن جده وإما عن عمه، وتعطى الأم من تركة الغلام ألفا وتسعي ~~ألف لأنه أقل مالها، ويبقى ألف وسبعة أتساع ألف تدعي الأم منها أربعة أتساع ~~ألف، تمام ثلث خمسة آلاف، ويدعي منها ابن الابن ألفا وثلثا، تمام ثلثي خمسة ~~آلاف، وتدعي البنت والعم جميع الباقي، فيكون ذلك موقوفا بينهم حتى يصطلحوا. ~~ولو كان المولود في ms3380 يدي امرأتين فادعياه معا، أري القافة معهما، فإن ألحقته ~~بإحداهما، لحق بها وورثها، وورثته في إحدى الروايات. وإن ألحقته بهما، أو ~~نفته عنهما، لم يلحق بواحدة منهما # وإن قامت لكل واحدة منهما بينة، تعارضتا، ولم تسمع بينتهما. وبهذا قال ~~أبو يوسف، واللؤلؤي. وقال أبو حنيفة: يثبت نسبه منهما، ويرثانه ميراث أم ~~واحدة، كما يلحق برجلين. ولنا، أن إحدى البنتين كاذبة يقينا، فلم تسمع، كما ~~لو علمت، ومن ضرورة ردها ردهما؛ لعدم العلم بعينها، ولأن هذا محال، فلم ~~يثبت ببينة ولا غيرها، كما لو كان الولد أكبر منهما. ولو أن امرأة معها ~~صبي، ادعاه رجلان، كل واحد يزعم أنه ابنه منها، وهي زوجته، فكذبتهما، لم ~~يلحقهما، وإن صدقت أحدهما، لحقه، كما لو كان بالغا، فادعياه، فصدق أحدهما # ولو أن صبيا مع امرأة، فقال زوجها: هو ابني من غيرك. فقالت: بل هو ابني ~~منك. لحقهما جميعا. # PageV06P408 ### | [كتاب الولاء] # قال الله تعالى: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} ~~[الأحزاب: 5] . يعني الأدعياء. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء ~~لمن أعتق» . وقال سعيد: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ~~قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الولاء، وعن هبته» . ~~متفق عليهما # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله من تولى غير مواليه» . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال - صلى الله عليه وسلم - «مولى القوم ~~منهم» . حديث صحيح. وروى الخلال، بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد ~~الله بن أبي أوفى. قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لحمة ~~كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب» . (4993) مسألة؛ قال: (والولاء لمن أعتق، ~~وإن اختلف ديناهما) أجمع أهل العلم على أن من أعتق عبدا، أو عتق عليه، ولم ~~يعتقه سائبة، أن له عليه الولاء. # والأصل في هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لمن أعتق» . ~~وأجمعوا أيضا على أن السيد يرث عتيقه إذا مات جميع ماله، إذا اتفق ديناهما، ~~ولم يخلف وارثا سواه؛ ms3381 وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء ~~لحمة كلحمة النسب» والنسب يورث به، ولا يورث، كذلك الولاء. وروى سعيد، عن ~~عبد الرحمن بن زياد، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الله بن شداد، قال: «كان ~~لبنت حمزة مولى أعتقه، فمات، وترك ابنته ومولاته، فأعطى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ابنته النصف، وأعطى مولاته بنت حمزة النصف» . # قال: وحدثنا خالد بن عبد الله، عن يونس، عن الحسن، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «الميراث للعصبة، فإن لم يكن عصبة، فللمولى» . وعنه، ~~«أن رجلا أعتق عبدا، فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ما ترى في ماله؟ ~~قال: إن مات، ولم يدع وارثا فهو لك» . ### | [فصل يقدم المولى في الميراث على الرد وذوي الأرحام] # (4994) فصل: ويقدم المولى في الميراث على الرد وذوي الأرحام، في قول ~~جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فإذا مات رجل، وخلف بنته ~~ومولاه، فلبنته النصف، والباقي لمولاه. وإن خلف ذا رحم ومولاه، فالمال ~~لمولاه دون ذي رحمه. وعن عمر وعلي يقدم الرد على المولى. وعنهما وعن ابن ~~مسعود # PageV06P409 # تقديم ذي الأرحام على المولى. ولعلهم يحتجون بقول الله تعالى: {وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] # ولنا، حديث عبد الله بن شداد، وحديث الحسن، ولأنه عصبة يعقل عن مولاه، ~~فيقدم على الرد وذوي الرحم، كابن العم. ### | [فصل كان للمعتق عصبة أو ذوو فرض تستغرق فروضهم المال] # (4995) فصل: وإن كان للمعتق عصبة من نسبه، أو ذوو فرض تستغرق فروضهم ~~المال فلا شيء للمولى. لا نعلم في هذا خلافا؛ لما تقدم من الحديث، ولقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفروض ~~فلأولى رجل ذكر» . وفي لفظ: «فلأولى عصبة ذكر» . والعصبة من القرابة أولى ~~من ذي الولاء؛ لأنه مشبه بالقرابة، والمشبه به أقوى من المشبه، ولأن النسب ~~أقوى من الولاء بدليل أنه يتعلق به التحريم والنفقة وسقوط القصاص ورد ~~الشهادة، ولا يتعلق ذلك بالولاء. ### | [فصل اختلف دين السيد وعتيقه] # (4996) فصل: وإن اختلف دين ms3382 السيد وعتيقه، فالولاء ثابت. لا نعلم فيه ~~خلافا؛ لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لمن أعتق» . ~~ولقوله: «الولاء لحمة كلحمة النسب» . ولحمة النسب تثبت مع اختلاف الدين، ~~وكذلك الولاء، ولأن الولاء إنما يثبت له عليه لإنعامه بإعتاقه، وهذا المعنى ~~ثابت مع اختلاف دينهما، ويثبت الولاء للذكر على الأنثى، والأنثى على الذكر، ~~ولكل معتق، لعموم الخبر والمعنى، ولحديث عبد الله بن شداد. وهل يرث السيد ~~مولاه مع اختلاف الدين؟ فيه روايتان؛ إحداهما، يرثه. # روي ذلك عن علي، وعمر بن عبد العزيز. وبه قال أهل الظاهر. واحتج أحمد ~~بقول علي: الولاء شعبة من الرق. وقال مالك: يرث المسلم مولاه النصراني؛ ~~لأنه يصلح له تملكه، ولا يرث النصراني مولاه المسلم؛ لأنه لا يصلح له ~~تملكه. وجمهور العلماء على أنه لا يرثه مع اختلاف دينهما؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» . ولأنه ~~ميراث، فيمنعه اختلاف الدين، كميراث النسب # ولأن اختلاف الدين مانع من الميراث، فمنع الميراث بالولاء، كالقتل والرق، ~~يحققه أن الميراث بالنسب أقوى، فإذا منع الأقوى فالأضعف أولى، ولأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ألحق الولاء بالنسب، بقوله: «الولاء لحمة كلحمة ~~النسب» . وكما يمنع اختلاف الدين التوارث مع صحة النسب وثبوته، كذلك يمنعه ~~مع صحة الولاء، وثبوته، فإذا اجتمعا على الإسلام، توارثا كالمتناسبين، وهذا ~~أصح في الأثر والنظر، إن شاء الله تعالى، فإن كان للسيد عصبة على دين ~~العبد، ورثه دون سيده. وقال داود: لا يرث عصبته مع حياته. # PageV06P410 # ولنا، أنه بمنزلة ما لو كان الأقرب من العصبة مخالفا لدين الميت والأبعد ~~على، دينه ورث دون القريب. ### | [فصل أعتق حربي حربيا] # (4997) فصل: وإن أعتق حربي حربيا، فله عليه الولاء؛ لأن الولاء مشبه ~~بالنسب، والنسب ثابت بين أهل الحرب، فكذلك الولاء. وهذا قول عامة أهل ~~العلم، إلا أهل العراق، فإنهم قالوا: العتق في دار الحرب والكتابة والتدبير ~~لا يصح، ولو استولد أمته، لم تصر أم ولد، مسلما كان السيد أو ذميا أو ~~حربيا. ولنا، أن ms3383 ملكهم ثابت، بدليل قول الله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم} [الأحزاب: 27] فنسبها إليهم، فصح عتقهم كأهل الإسلام، وإذا صح ~~عتقهم ثبت الولاء لهم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لمن ~~أعتق» فإن جاءنا المعتق مسلما، فالولاء بحاله # فإن سبي مولى النعمة، لم يرث مادام عبدا، فإن أعتق، فعليه الولاء لمعتقه، ~~وله الولاء على معتقه، وهل يثبت لمعتق السيد ولاء على معتقه؟ يحتمل أن ~~يثبت؛ لأنه مولى مولاه. ويحتمل أن لا يثبت؛ لأنه ما حصل منه إنعام عليه ولا ~~سبب لذلك. فإن كان الذي اشتراه مولاه فأعتقه، فكل واحد منهما مولى صاحبه ~~يرثه بالولاء. وإن أسره مولاه فأعتقه، فكذلك. وإن أسره مولاه وأجنبي ~~فأعتقاه، فولاؤه بينهما نصفين. فإن مات بعده المعتق الأول فلشريكه نصف ~~ماله؛ لأنه مولى نصف مولاه على أحد الاحتمالين # والآخر لا شيء له؛ لأنه لم ينعم عليه وإن سبي المعتق فاشتراه رجل، ~~فأعتقه، بطل ولاء الأول وصار الولاء للثاني. وبهذا قال مالك، والشافعي. ~~وقيل: الولاء بينهما. واختاره ابن المنذر؛ لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر. ~~وقيل: الولاء للأول؛ لأنه أسبق. ولنا، أن السبي يبطل ملك الأول الحربي، ~~فالولاء التابع له أولى، ولأن الولاء بطل باسترقاقه، فلم يعد بإعتاقه # وإن أعتق ذمي عبدا كافرا، فهرب إلى دار الحرب فاسترق، فالحكم فيه كالحكم ~~فيما إذا أعتقه الحربي سواء. وإن أعتق مسلم كافرا، فهرب إلى دار الحرب، ثم ~~سباه المسلمون، فذكر أبو بكر والقاضي، أنه لا يجوز استرقاقه. وهو قول ~~الشافعي؛ لأن في استرقاقه إبطال ولاء المسلم المعصوم. قال ابن اللبان: ولأن ~~له أمانا بعتق المسلم إياه. والصحيح، إن شاء الله، جواز استرقاقه؛ لأنه ~~كافر أصلي كتابي، فجاز استرقاقه كمعتق الحربي، وكغير المعتق # وقولهم: في استرقاقه إبطال ولاء المسلم. قلنا: لا نسلم، بل متى أعتق عاد ~~الولاء للأول، وإنما امتنع عمله في حال رقه لمانع، وإن سلمنا أن فيه إبطال ~~ولائه، فكذلك في قتله، وقد جاز إبطال ولائه بالقتل، فكذلك بالاسترقاق، ولأن ~~القرابة يبطل عملها بالاسترقاق، فكذلك الولاء. وقول ابن ms3384 اللبان: له أمان. ~~لا يصح؛ فإنه لو كان له أمان، لم يجز قتله ولا سبيه. # PageV06P411 # فعلى هذا. إن استرق ثم أعتق، احتمل أن يكون الولاء للثاني؛ لأن الحكمين ~~إذا تنافيا كان الثابت هو الآخر منهما، كالناسخ والمنسوخ. # واحتمل أنه للأول؛ لأن ولاءه ثبت وهو معصوم، فلا يزول بالاستيلاء، كحقيقة ~~الملك. ويحتمل أنه بينهما، وأيهما مات كان للثاني. وإن أعتق مسلم مسلما، أو ~~أعتقه ذمي، فارتد ولحق بدار الحرب، فسبي، لم يجز استرقاقه. وإن اشتري ~~فالشراء باطل، ولا يقبل منه إلا التوبة أو القتل. ### | [فصل بيع الولاء وهبته] # (4998) فصل: ولا يصح بيع الولاء ولا هبته، ولا أن يأذن لمولاه فيوالي من ~~شاء. روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر - رضي الله ~~عنهم -. وبه قال سعيد بن المسيب، وطاوس، وإياس بن معاوية، والزهري، ومالك، ~~والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه. وكره جابر بن عبد الله بيع الولاء. قال ~~سعيد: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: إنما الولاء ~~كالنسب فيبيع الرجل نسبه،. # وقال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أن ميمونة وهبت ولاء سليمان بن ~~يسار لابن عباس وكان مكاتبا. وروي أن ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس. ~~وولاؤهم اليوم لهم. وأن عروة ابتاع ولاء طهمان لورثة مصعب بن الزبير. وقال ~~ابن جريج: قلت لعطاء أذنت لمولاي أن يوالي من شاء فيجوز؟ قال: نعم. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الولاء وعن هبته. ~~وقال: «الولاء لحمة كلحمة النسب» . وقال: «لعن الله من تولى غير مواليه» . ~~ولأنه معنى يورث به فلا ينتقل كالقرابة. وفعل هؤلاء شاذ يخالف قول الجمهور، ~~وترده السنة، فلا يعول عليه. ### | [فصل لا ينتقل الولاء عن المعتق بموته ولا يرثه ورثته] # (4999) فصل: ولا ينتقل الولاء عن المعتق بموته، ولا يرثه ورثته، وإنما ~~يرثون المال به مع بقائه للمعتق. هذا قول الجمهور. وروي نحو ذلك عن عمر، ~~وعلي، وزيد، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عمر، وأبي مسعود البدري، وأسامة ~~بن زيد. وبه ms3385 قال عطاء، وطاوس، وسالم بن عبد الله، والحسن، وابن سيرين، ~~والشعبي، والزهري، والنخعي، وقتادة، وأبو الزناد، وابن قسيط ومالك والثوري، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وداود # وشذ شريح، وقال: الولاء كالمال، يورث عن المعتق، فمن ملك شيئا حياته فهو ~~لورثته. ورواه حنبل، ومحمد بن الحكم، عن أحمد. وغلطهما أبو بكر، وهو كما ~~قال؛ فإن رواية الجماعة عن أحمد مثل قول الجماعة، وذلك لقوله - عليه السلام ~~-: «الولاء # PageV06P412 # للمعتق» . وقوله: «الولاء لحمة كلحمة النسب» . والنسب لا يورث وإنما يورث ~~به، ولأنه معنى يورث به، فلا ينتقل كسائر الأسباب، والله تعالى أعلم. ### | [مسألة من أعتق سائبة لم يكن له الولاء] # (5000) مسألة؛ قال: (ومن أعتق سائبة، لم يكن له الولاء، فإن أخذ من ~~ميراثه شيئا، رده في مثله) قال أحمد، في رواية عبد الله: الرجل يعتق عبده ~~سائبة، هو الرجل يقول لعبده: قد أعتقتك سائبة. كأنه يجعله لله، لا يكون ~~ولاؤه لمولاه، قد جعله لله وسلمه. عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن ~~مسعود: السائبة يضع ماله حيث شاء. وقال أحمد، قال عمر: السائبة والصدقة ~~ليومها. # ومتى قال الرجل لعبده: أعتقتك سائبة، أو أعتقتك ولا ولاء لي عليك. لم يكن ~~له عليه ولاء. فإن مات، وخلف مالا، ولم يدع وارثا، اشتري بماله رقاب، ~~فأعتقوا. في المنصوص عن أحمد. وأعتق ابن عمر عبدا سائبة، فمات، فاشترى ابن ~~عمر بماله رقابا فأعتقهم. وقال عمر بن عبد العزيز، والزهري، ومكحول، وأبو ~~العالية، ومالك: يجعل ولاؤه لجماعة المسلمين # وعن عطاء أنه قال: كنا نعلم أنه إذا قال: أنت حر سائبة. فهو يوالي من ~~شاء. ولعل أحمد، - رحمه الله - ذهب إلى شراء الرقاب استحبابا لفعل ابن عمر. ~~والولاء للمعتق. وهذا قول النخعي، والشعبي، وابن سيرين، وراشد بن سعد، ~~وضمرة بن حبيب، والشافعي، وأهل العراق؛ لقوله - عليه السلام -: «الولاء لمن ~~أعتق. وجعله لحمة كلحمة النسب» # فكما لا يزول نسب إنسان ولا ولد عن فراش بشرط، لا يزول ولاء عن معتق ~~ولذلك لما أراد أهل بريرة اشتراط ولائها على ms3386 عائشة، قال لها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «اشتريها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق» . ~~يعني أن اشتراطهم تحويل الولاء عن المعتق لا يفيد شيئا، ولا يزيل الولاء عن ~~المعتق، وروى مسلم بإسناده عن هزيل بن شرحبيل، قال: جاء رجل إلى عبد الله، ~~فقال: إني أعتقت عبدا لي، وجعلته سائبة، فمات، وترك مالا، ولم يدع وارثا، ~~فقال عبد الله: إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون، ~~وأنت ولي نعمته، فإن تأثمت وتحرجت من شيء فنحن نقبله، ونجعله في بيت المال # وقال سعيد: ثنا هشيم، ثنا بشر، عن عطاء، أن طارق بن المرقع أعتق سوائب، ~~فماتوا، فكتب إلى عمر - رضي الله عنه - فكتب عمر، أن ادفع مال الرجل إلى ~~مولاه، فإن قبله وإلا فاشتر به رقابا فأعتقهم عنه. وقال: حدثنا هشيم عن ~~منصور، أن عمر وابن مسعود قالا في ميراث السائبة: هو للذي أعتقه. وهذا ~~القول أصح في الأثر والنظر، وفي المواضع التي جعل الصحابة ميراثه لبيت ~~المال أو في مثله، كان لتبرع المعتق وتورعه عن ميراثه، كفعل # ابن عمر في ميراث معتقه، وفعل عمر وابن مسعود في ميراث الذي تورع سيده عن ~~أخذ ماله، وقد روي أن سالما مولى أبي حذيفة أعتقته لبنى بنت يعار سائبة ~~فقتل وترك ابنة، فأعطاها # PageV06P413 # عمر نصف ماله، وجعل النصف في بيت المال. وعلى القول المنصوص عن أحمد، إن ~~خلف السائبة مالا، اشتري به رقاب فأعتقوا، فإن رجع من ميراثهم شيء، اشتري ~~به أيضا رقاب فأعتقوا. وإن خلف السائبة ذا فرض لا يستغرق ماله، أخذ فرضه، ~~واشتري بباقيه رقاب فأعتقوا، ولا يرد على ذي الفرض. ### | [فصل أعتق عبدا عن كفارته أو نذره أو من زكاته] # (5001) فصل: وإن أعتق عبدا عن كفارته أو نذره أو من زكاته، فقال أحمد في ~~الذي يعتق من زكاته: إن ورث منه شيئا جعله في مثله. قال: وهذا قول الحسن. ~~وبه قال إسحاق وعلى قياس ذلك العتق من الكفارة والنذر؛ لأنه واجب عليه. وقد ~~روي عن أحمد، ms3387 أنه قال في الذي يعتق في الزكاة: ولاؤه للذي جرى عتقه على ~~يديه # وقال مالك، والعنبري: ولاؤه لسائر المسلمين، ويجعل في بيت المال. وقال ~~أبو عبيد: ولاؤه لصاحب الصدقة. وهو قول الجمهور في العتق في النذر ~~والكفارة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لمن أعتق.» ولأن ~~عائشة، اشترت بريرة بشرط العتق، فأعتقتها، فكان ولاؤها لها. وشرط العتق ~~يوجبه، ولأنه معتق عن نفسه فكان الولاء له كما اشترط عليه العتق فأعتق # ولنا، أن الذي أعتق من الزكاة معتق من غير ماله، فلم يكن له الولاء، كما ~~لو دفعها إلى الساعي فاشترى بها وأعتق، وكما لو دفع إلى المكاتب مالا، ~~فأداه في كتابته، وفارق من اشترط عليه العتق فإنه إنما أعتق ماله، والعتق ~~في الكفارة والنذر واجب عليه، فأشبه العتق من الزكاة. وذهب كثير من أهل ~~العلم إلى أنه لا يعتق من الزكاة وعلل بعضهم المنع من ذلك، بأنه يجر الولاء ~~إلى نفسه فينتفع بزكاته. وهذا قول لأحمد، رواه عنه جماعة. وهو قول النخعي، ~~والشافعي. ### | [مسألة ملك ذا رحم محرم] # (5002) مسألة؛ قال: (ومن ملك ذا رحم محرم عتق عليه، وكان ولاؤه له) ذو ~~الرحم المحرم: القريب الذي يحرم نكاحه عليه لو كان أحدهما رجلا والآخر ~~امرأة. وهم الوالدان وإن علوا من قبل الأب والأم جميعا، والولد وإن سفل من ~~ولد البنين والبنات، والإخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا، والأعمام ~~والعمات والأخوال والخالات دون أولادهم، فمتى ملك أحدا منهم عتق عليه # روي ذلك عن عمر، وابن مسعود - رضي الله عنهما - وبه قال الحسن، وجابر بن ~~زيد، وعطاء، والحكم، وحماد، وابن أبي ليلى، والثوري، والليث، وأبو حنيفة، ~~والحسن بن صالح، وشريك، ويحيى بن آدم. وأعتق مالك الوالدين والمولودين وإن ~~بعدوا، والإخوة والأخوات # PageV06P414 # دون أولادهم. ولم يعتق الشافعي إلا عمودي النسب. وعن أحمد، رواية كذلك ~~ذكرها أبو الخطاب، ولم يعتق داود وأهل الظاهر أحدا حتى يعتقه؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه، ~~فيعتقه.» رواه مسلم. # ولنا: ms3388 ما روى الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من ملك ذا رحم محرم، فهو حر» . رواه أبو داود، والترمذي، وقال حديث حسن. ~~ولأنه ذو رحم محرم، فيعتق عليه بالملك، كعمودي النسب، وكالإخوة والأخوات ~~عند مالك. فأما قوله: " حتى يشتريه فيعتقه " فيحتمل أنه أراد يشتريه فيعتقه ~~بشرائه له، كما يقال: ضربه فقتله، والضرب هو القتل؛ وذلك لأن الشراء لما ~~كان يحصل به العتق تارة دون أخرى، جاز عطف صفته عليه، كما يقال: ضربه فأطار ~~رأسه # ومتى عتق عليه، فولاؤه له، لأنه يعتق من ماله بسبب فعله، فكان ولاؤه له، ~~كما لو باشر عتقه، وسواء ملكه بشراء، أو هبة، أو غنيمة، أو إرث، أو غيره. ~~لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافا. ### | [فصل المحارم من غير ذوي الأرحام لا يعتقون على سيدهم] # (5003) فصل: ولا خلاف في أن المحارم من غير ذوي الأرحام لا يعتقون على ~~سيدهم، كالأم والأخ من الرضاعة، والربيبة، وأم الزوجة، وابنتها إلا أنه حكي ~~عن الحسن، وابن سيرين، وشريك، أنه لا يجوز بيع الأخ من الرضاعة # وروي عن ابن مسعود أنه كرهه. والأول أصح. قال الزهري: جرت السنة بأن يباع ~~الأخ والأخت من الرضاع. ولأنه لا نص في عتقهم، ولا هم في معنى المنصوص ~~عليه، فيبقون على الأصل، ولأنهما لا رحم بينهما، ولا توارث ولا تلزمه ~~نفقته، فأشبه الربيبة وأم الزوجة. ### | [فصل ملك ولده من الزنى] # (5004) فصل: وإن ملك ولده من الزنى، لم يعتق عليه. على ظاهر كلام أحمد؛ ~~لأن أحكام الولد غير ثابتة فيه، وهي الميراث والحجب، والمحرمية، ووجوب ~~الإنفاق، وثبوت الولاية له عليه. ويحتمل أن يعتق؛ لأنه جزؤه حقيقة وقد ثبت ~~فيه حكم تحريم التزويج، ولهذا لو ملك ولده المخالف له في الدين، عتق عليه، ~~مع انتفاء هذه الأحكام. ### | [مسألة ولاء المكاتب والمدبر] # (5005) مسألة؛ قال: (وولاء المكاتب والمدبر لسيدهما إذا أعتقا) هذا قول ~~عامة الفقهاء. وبه يقول الشافعي وأهل العراق وحكى ابن سراقة، عن عمرو بن ~~دينار، وأبي ثور، أنه لا ولاء ms3389 على المكاتب؛ لأنه اشترى نفسه من سيده، فلم ~~يكن له عليه ولاء، كما لو اشتراه # PageV06P415 # أجنبي فأعتقه. # وكان قتادة يقول من لم يشترط ولاء المكاتب، فلمكاتبه أن يوالي من شاء # وقال مكحول: أما المكاتب إذا اشترط ولاءه مع رقبته، فجائز. ولنا، أن ~~السيد هو المعتق للمكاتب؛ لأنه يتبعه بماله، وماله وكسبه لسيده، فجعل ذلك ~~له، ثم باعه به حتى عتق، فكان هو المعتق، وهو المعتق للمدبر بلا إشكال، وقد ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لمن أعتق» . ويدل على ذلك أن ~~المكاتبين يدعون موالي مكاتبيهم، فيقال: أبو سعيد مولى أبي أسيد، وسيرين ~~مولى أنس، وسليمان بن يسار مولى ميمونة، وقد وهبت ولاءه لابن عباس، وكانوا ~~مكاتبين، وكذلك أشباههم # ويدل على ذلك أن في حديث بريرة، «أنها جاءت عائشة فقالت: يا أم المؤمنين ~~إني كاتبت أهلي على تسع أواق فأعينيني فقالت عائشة: إن شاءوا عددت لهم عدة ~~واحدة ويكون ولاؤك لي فعلت. فأبوا أن يبيعوها إلا أن يكون الولاء لهم، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: اشتريها واشترطي لهم الولاء» . وهذا يدل على ~~أن الولاء كان لهم لو لم تشترها منهم عائشة. ### | [فصل اشترى العبد نفسه من سيده بعوض حال] # (5006) فصل: وإن اشترى العبد نفسه من سيده بعوض حال، عتق والولاء لسيده؛ ~~لأنه يبيع ماله بماله، فهو مثل المكاتب سواء، والسيد هو المعتق لهما ~~فالولاء له عليهما. ### | [مسألة ولاء أم الولد] # (5007) مسألة؛ قال: (وولاء أم الولد لسيدها إذا ماتت) يعني إذا عتقت بموت ~~سيدها، فولاؤها له يرثها أقرب عصبته. وهذا قول عمر، وعثمان. وبه قال عامة ~~الفقهاء. وقال ابن مسعود تعتق من نصيب ابنها، فيكون ولاؤها له. وعن ابن ~~عباس نحوه. وعن علي لا تعتق ما لم يعتقها وله بيعها. وبه قال جابر بن زيد، ~~وأهل الظاهر # وعن ابن عباس نحوه ولذكر الدليل على عتقها موضع غير هذا، ولا خلاف بين ~~القائلين بعتقها أن ولاءها لمن عتق عليه. ومذهب الجمهور أنها تعتق بموت ~~سيدها من رأس المال، فيكون ولاؤها له؛ ms3390 لأنها عتقت بفعله من ماله، فكان ~~ولاؤها له، كما لو عتقت بقوله. ويختص ميراثها بالولاء بالذكور من عصبة ~~السيد، كالمدبر والمكاتب. ### | [مسألة أعتق عبده عن رجل حي بلا أمره] # مسألة؛ قال: (ومن أعتق عبده عن رجل حي بلا أمره، أو عن ميت، فالولاء ~~للمعتق) هذا قول الثوري والأوزاعي، والشافعي، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وداود ~~وروي عن # PageV06P416 # ابن عباس أن ولاءه للمعتق عنه. وبه قال الحسن، ومالك، وأبو عبيد؛ لأنه ~~أعتقه عن غيره، فكان الولاء للمعتق عنه، كما لو أذن له. ولنا، قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «الولاء للمعتق» # ولأنه أعتق عبده من غير إذن غيره، فكان الولاء له كما لو لم يقصد شيئا. ### | [مسألة أعتق عبده عن رجل حي بأمره] # (5009) مسألة؛ قال: (وإن أعتقه عنه بأمره، فالولاء للمعتق عنه بأمره) ~~وبهذا قال جميع من حكينا قوله في المسألة الأولى إلا أبا حنيفة، ووافقه أبو ~~يوسف، ومحمد بن الحسن، وداود، فقالوا: الولاء للمعتق، إلا أن يعتقه عنه على ~~عوض فيكون له الولاء، ويلزمه العوض، ويصير كأنه اشتراه ثم وكله في إعتاقه، ~~أما إذا كان عن غير عوض فلا يصح تقدير البيع، فيكون الولاء للمعتق؛ لعموم ~~قوله - عليه السلام -: «الولاء للمعتق» . وعن أحمد مثل ذلك # ولنا، أنه وكيل في الإعتاق، فكان الولاء للمعتق عنه، كما لو أخذ عوضا، ~~فإنه كما يجوز تقدير البيع فيما إذا أخذ عوضا، يجوز تقدير الهبة إذا لم ~~يأخذ عوضا، فإن الهبة جائزة في العبد، كما يجوز البيع، والخبر مخصوص بما ~~إذا أخذ عوضا، وكسائر الوكلاء، فنقيس عليه محل النزاع. ### | [مسألة قال أعتق عبدك عني وعلي ثمنه] # (5010) مسألة؛ قال: (ومن قال: أعتق عبدك عني، وعلي. ثمنه. فالثمن عليه ~~والولاء للمعتق عنه) لا نعلم في هذه المسألة خلافا، وأن الولاء للمعتق عنه، ~~لكونه أعتقه عنه بعوض. ويلزمه الثمن؛ لأنه أعتقه عنه بشرط العوض، فيقدر ~~ابتياعه منه، ثم توكيله في عتقه، ليصح عنه، فيكون الثمن عليه والولاء له، ~~كما لو ابتاعه منه ثم وكله في عتقه. ### | [مسألة قال أعتقه ms3391 والثمن علي] # (5011) مسألة؛ قال: (ولو قال: أعتقه، والثمن علي. كان الثمن عليه، ~~والولاء للمعتق) إنما كان الثمن عليه؛ لأنه جعل له جعلا على إعتاق عبده، ~~فلزمه ذلك بالعمل، كما لو قال: من بنى لي هذا الحائط فله دينار. فبناه ~~إنسان، استحق الدينار. والولاء للمعتق؛ لأنه لم يأمره بإعتاقه عنه، ولا قصد ~~به المعتق ذلك، فلم يوجد ما يقتضي صرفه إليه، فيبقى للمعتق، عملا بقوله - ~~عليه السلام -: «الولاء للمعتق.» ### | [فصل أوصى أن يعتق عنه بعد موته فأعتق] # (5012) فصل: ومن أوصى أن يعتق عنه بعد موته، فأعتق، فالولاء له وكذلك لو ~~وصى بعتق عبده، ولم يقل: عني. # PageV06P417 # فأعتق، كان الولاء له؛ لأن الإعتاق من ماله. وإن أعتق عنه ما يجب إعتاقه، ~~ككفارة ونحوها، فقد مضى ذكرها فيما تقدم. ### | [مسألة أعتق أمته فتزوجت عبدا فأولدها] # (5013) مسألة؛ قال: (ومن أعتق عبدا له أولاد من مولاة لقوم، جر معتق ~~العبد ولاء أولاده) وجملة ذلك أن الرجل إذا أعتق أمته، فتزوجت عبدا، ~~فأولدها، فولدها منه أحرار، وعليهم الولاء لمولى أمهم، يعقل عنهم ويرثهم ~~إذا ماتوا؛ لكونه سبب الإنعام عليهم بعتق أمهم، فصاروا لذلك أحرارا فإن ~~أعتق العبد سيده ثبت له عليه الولاء، وجر إليه ولاء أولاده عن مولى أمهم؛ ~~لأن الأب لما كان مملوكا لم يكن يصلح وارثا، ولا وليا في نكاح. # فكان ابنه كولد الملاعنة ينقطع نسبه عن ابنه، فثبت الولاء لمولى أمه، ~~وانتسب إليها فإذا عتق العبد صلح الانتساب إليه، وعاد وارثا عاقلا وليا، ~~فعادت النسبة إليه وإلى مواليه، بمنزلة ما لو استلحق الملاعن ولده. هذا قول ~~جمهور الصحابة والفقهاء، يروى هذا عن عمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وعبد ~~الله، وزيد بن ثابت، ومروان، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن ~~عبد العزيز، والنخعي وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة ~~وأصحابه، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور ويروى عن رافع بن خديج أن الولاء لا ~~ينجر عن موالي الأم. وبه قال مالك بن أوس بن الحدثان، والزهري، وميمون بن ~~مهران، وحميد بن عبد الرحمن؛ ms3392 وداود؛ لأن الولاء لحمة كلحمة النسب، والنسب ~~لا يزول عمن ثبت له، فكذلك الولاء وقد روي عن عثمان نحو هذا، وعن زيد ~~وأنكرهما ابن اللبان، وقال: مشهور عن عثمان أنه قضى بجر الولاء للزبير على ~~رافع بن خديج. ولنا، أن الانتساب إلى الأب، فكذلك الولاء، ولذلك لو كانا ~~حرين، كان ولاء ولدهما لمولى أبيه، فلما كان مملوكا كان الولاء لمولى الأم ~~ضرورة، فإذا عتق الأب زالت الضرورة فعادت النسبة إليه، والولاء إلى مواليه. # وروى عبد الرحمن، عن الزبير، أنه لما قدم خيبر رأى فتية لعسا، فأعجبه ~~ظرفهم وجمالهم، فسأل عنهم، فقيل له: موالي رافع بن خديج، وأبوهم مملوك لآل ~~الحرقة، فاشترى الزبير أباهم فأعتقه، وقال لأولاده: انتسبوا إلي، فإن ~~ولاءكم لي. فقال رافع بن خديج: الولاء لي، فإنهم، عتقوا بعتقي أمهم. ~~فاحتكموا إلى عثمان، فقضى بالولاء للزبير، فاجتمعت الصحابة عليه. اللعس ~~سواد الشفتين تستحسنه العرب، ومثله اللمى، قال ذو الرمة: # لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب. # PageV06P418 ### | [فصل تزوج المكاتب في كتابته] # (5014) فصل: وحكم المكاتب يتزوج في كتابته، فيأتي له أولاد ثم يعتق، حكم ~~العبد القن في جر الولاء، وكذلك المدبر والمعلق عتقه بصفة؛ لأنهم عبيد، فإن ~~المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. ### | [فصل انجر الولاء إلى موالي الأب ثم انقرضوا] # (5015) فصل: إذا انجر الولاء إلى موالي الأب ثم انقرضوا، عاد الولاء إلى ~~بيت المال، ولم يرجع إلى موالي الأم بحال. في قول أكثر أهل العلم. وحكي عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما -، أنه يعود إلى موالي الأم. والأول أصح؛ لأن ~~الولاء جرى مجرى الانتساب، ولو انقرض الأب وآباؤه لم تعد النسبة إلى الأم، ~~كذلك الولاء. فإذا ثبت هذا فولدت بعد عتق الأب، كان ولاء ولدها لموالي أبيه # بلا خلاف. فإن نفاه باللعان، عاد ولاؤه إلى موالي الأم؛ لأنا نتبين أنه ~~لم يكن له أب ينتسب إليه. فإن عاد فاستلحقه، عاد الولاء إلى موالي الأب. ### | [فصل لا ينجر الولاء إلا بشروط] # (5016) فصل: ولا ينجر الولاء إلا بشروط ms3393 ثلاثة؛ أحدها، أن يكون الأب عبدا ~~حين الولادة، فإن كان حرا وزوجته مولاة، لم يخل، إما أن يكون حر الأصل، فلا ~~ولاء عليه ولا على ولده بحال وإن كان مولى، ثبت الولاء على ولده لمواليه ~~ابتداء، ولا جر فيه الثاني، أن تكون الأم مولاة، فإن لم تكن كذلك لم تخل، ~~إما أن تكون حرة الأصل، فلا ولاء على ولدها بحال، وهم أحرار بحريتها، أو ~~تكون أمة، فولدها رقيق لسيدها، فإن أعتقهم فولاؤهم له لا ينجر عنه بحال، ~~سواء أعتقهم بعد ولادتهم، أو أعتق أمهم حاملا بهم فعتقوا. # بعتقها؛ لأن الولاء يثبت بالعتق مباشرة، فلا ينجر عن العتق؛ لقوله - عليه ~~السلام -: «الولاء لمن أعتق» . وإن أعتقها المولى فأتت بولد لدون ستة أشهر، ~~فقد مسه الرق وعتق بالمباشرة، فلا ينجر ولاؤه، وإن أتت به لأكثر من ستة ~~أشهر مع بقاء الزوجية، لم يحكم بمس الرق له، وانجر ولاؤه؛ لأنه يحتمل أن ~~يكون حادثا بعد العتق، فلم يمسه الرق، ولم يحكم برقه بالشك. وإن كانت ~~المرأة بائنا، وأتت بولد لأربع سنين من حين الفرقة، لم يلحق بالأب، وكان ~~ولاؤه لمولى أمه، وإن أتت به لأقل من ذلك، لحقه الولد، وانجر ولاؤه، وولد ~~الأمة مملوك، سواء كان من نكاح أو من سفاح، عربيا كان الزوج أو أعجميا # وهذا قول عامة الفقهاء. وعن عمر: إن كان زوجها عربيا فولده حر، وعليه ~~قيمته، ولا ولاء عليه. وعن أحمد مثله. وبه قال ابن المسيب، والثوري، ~~والأوزاعي، وأبو ثور. وقاله الشافعي في القديم، ثم رجع عنه. والأول أولى؛ ~~لأن أمهم أمة، فكانوا عبيدا، كما لو كان أبوهم أعجميا. # PageV06P419 # الثالث، أن يعتق العبد سيده، فإن مات على الرق لم ينجر الولاء بحال، وهذا ~~لا خلاف فيه # فإن اختلف سيد العبد ومولى الأم في الأب بعد موته، فقال سيده: مات حرا ~~بعد جر الولاء. وأنكر ذلك مولى الأم، فالقول قول مولى الأم. ذكره أبو بكر؛ ~~لأن الأصل بقاء الرق، وهذا مذهب الشافعي. ### | [فصل الجد يقوم مقام الأب في التعصيب وأحكام ms3394 النسب وفي جر الولاء] # (5017) فصل: فإن لم يعتق الأب، ولكن عتق الجد فقال أحمد: لا يجر الولاء، ~~ليس هو كالأب. وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه. وعن أحمد، أنه يجره. وبه قال ~~شريح، والشعبي، والنخعي، وأهل المدينة، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، ~~وابن المبارك، وأبو ثور، وضرار بن صرد والشافعي في أحد قوليه. فإن أعتق ~~الأب بعد ذلك، جره عن موالي الجد إليه؛ لأن الجد يقوم مقام الأب في التعصيب ~~وأحكام النسب، فكذلك في جر الولاء # وقال زفر: إن كان الأب حيا، لم يجر الجد الولاء، وإن كان ميتا، جره. وهو ~~القول الثاني للشافعي. ولنا، أن الأصل بقاء الولاء لمستحقه، وإنما خولف هذا ~~الأصل للاتفاق على أنه ينجر بعتق الأب، والجد لا يساويه، بدليل أنه لو عتق ~~الأب بعد الجد، جره عن موالي الجد إليه، ولو أسلم الجد، لم يتبعه ولد ولده، ~~ولأن الجد يدلي بغيره، ولا يستقر الولاء عليه، فلم يجر الولاء كالأخ، وكونه ~~يقوم مقام الأب، لا يلزم أن ينجر الولاء إليه، كالأخ. وعلى القول الآخر، لا ~~فرق بين الجد القريب والبعيد # لأن البعيد يقوم مقام الأب كقيام القريب، ويقتضي هذا أنه متى عتق البعيد ~~فجر الولاء، ثم عتق من هو أقرب منه جر الولاء إليه، ثم إن عتق الأب جر ~~الولاء؛ لأن كل واحد يحجب من فوقه، ويسقط تعصيبه وإرثه وولايته، ولو لم ~~يعتق الجد، لكن كان حرا وولده مملوك، فتزوج مولاة قوم، فأولدها أولادا، ~~فولاؤهم لمولى أمهم. وعند من يقول يجر الجد الولاء. يكون لمولى الجد. وإن ~~لم يكن الجد مولى، بل كان حر الأصل، فلا ولاء على ولد أبيه، فإن أعتق أبوه ~~بعد ذلك، لم يعد على ولده ولاء؛ لأن الحرية ثبتت له من غير ولاء، فلم يتجدد ~~عليه ولاء، كالحر الأصلي. ### | [فصل كان أحد الزوجين الحرين حر الأصل] # (5018) فصل: وإذا كان أحد الزوجين الحرين حر الأصل، فلا ولاء على ولدهما، ~~سواء كان الآخر عربيا أو مولى؛ لأن الأم إن كانت حرة الأصل، فالولد يتبعها ms3395 ~~فيما إذا كان الأب رقيقا في انتفاء الرق والولاء، فلأن يتبعها في نفي ~~الولاء، وحده أولى. وإن كان الأب حر الأصل فالولد يتبعه فيما إذا كان عليه ~~ولاء، بحيث يصير الولاء عليه لمولى أبيه، فلأن يتبعه في سقوط الولاء عنه ~~أولى. وهذا قول أكثر أهل العلم. وسواء كان الأب عربيا أو أعجميا، وقال أبو ~~حنيفة إن كان أعجميا والأم مولاة ثبت الولاء على # PageV06P420 # ولده # وليس بصحيح؛ لأنه حر الأصل، فلم يثبت الولاء على ولده، كما لو كان عربيا. ~~وسواء كان مسلما أو ذميا، أو حربيا، أو مجهول النسب أو معلومه. وهذا قول ~~أبي يوسف، ومالك وابن شريح. وقال القاضي: إن كان مجهول النسب، ثبت الولاء ~~على ولده لمولى الأم إن كانت مولاة. قال ابن اللبان: وهذا ظاهر مذهب ~~الشافعي. وقال الخبري: هذا قول أبي حنيفة، ومحمد، وأحمد؛ لأن مقتضى ثبوته ~~لمولى الأم موجود، وإنما امتنع في محل الوفاق بحرية الأب، فإذا لم تكن ~~معلومة فقد وقع الشك في المانع فيبقى على الأصل، ولا يزول عن اليقين بالشك، ~~ولا يترك العمل بالمقتضي مع الشك في المانع # ولنا، أن الأب حر محكوم بحريته، فأشبه معروف النسب، ولأن الأصل في ~~الآدميين الحرية وعدم الولاء، فلا يترك هذا الأصل بالوهم في حق الولد، كما ~~لم يترك في حق الأب. وقولهم: مقتضى ثبوته لمولى الأم موجود. ممنوع؛ فإنه ~~إنما ثبت لمولى الأم بشرط رق الأب، وهذا الشرط منتف حكما وظاهرا. وإن سلمنا ~~وجود المقتضي، فقد ثبت المانع حكما، فإن الأب حريته ثابتة حكما، فلا تعويل ~~على ما قالوه # وإن كان الأب مولى، والأم مجهولة النسب، فلا ولاء عليه في قولنا وقياس ~~قول القاضي والشافعي أن يثبت الولاء عليه لمولى ابنه؛ لأنا شككنا في المانع ~~من ثبوته. ولنا، ما ذكرنا في التي قبلها، ولأن الأم لا تخلو من أن تكون حرة ~~الأصل، فلا ولاء على ولدها أو أمة فيكون ولدها عبدا، أو مولاة فيكون على ~~ولدها الولاء لمولى أبيه. والاحتمال الأول راجح؛ لوجهين؛ أحدهما، أنه محكوم ms3396 ~~به في الأم، فيجب الحكم به في ولدها # الثاني، أنه معتضد بالأصل، فإن الأصل الحرية، ثم لو لم يترجح هذا ~~الاحتمال، لكان الاحتمال الذي صاروا إليه معارضا باحتمالين، كل واحد منهما ~~مساو له، فترجيحه عليهما تحكم لا يجوز المصير إليه بغير دليل، وهذا وارد ~~عليهم في المسألة الأولى أيضا. ### | [فصل تزوج معتق بمعتقة فأولدها ولدين] # (5019) فصل: إذا تزوج معتق بمعتقة، فأولدها ولدين فولاؤهما لمولى أبيهما. ~~فإن نفاهما باللعان، عاد ولاؤهما إلى مولى أمهما. فإن مات أحدهما، فميراثه ~~لأمه ومواليهما. فإن أكذب أبوهما نفسه، لحقه نسبهما، واسترجع الميراث من ~~موالي الأم. ولو كان أبوهما عبدا، ولم ينفهما، وورث موالي الأم الميت ~~منهما، ثم أعتق الأب انجر الولاء إلى موالي الأب، ولم يكن لهم ولا للأب ~~استرجاع الميراث؛ لأن الولاء إنما ثبت لهم عند إعتاق الأب، ويفارق الأب إذا ~~أكذب نفسه؛ لأن النسب ثبت من حين خلق الولد. # PageV06P421 ### | [فصل تزوج عبد معتقة فاستولدها أولادا] # (5020) فصل: وإذا تزوج عبد معتقة، فاستولدها أولادا، فهم أحرار، وولاؤهم ~~لموالي أمهم. فإن اشترى أحدهم أباه، عتق عليه، وله ولاؤه، ويجر إليه ولاء ~~أولاده كلهم، ويبقى ولاء المشتري لمولى أمه لأنه لا يكون مولى نفسه. وهذا ~~قول جمهور الفقهاء؛ مالك في أهل المدينة، وأبو حنيفة في أهل العراق، ~~والشافعي. وشذ عمرو بن دينار المدني، فقال: يجر ولاء نفسه، فيصير حرا لا ~~ولاء عليه. قال ابن سريج: ويحتمله قول الشافعي. ولا يعول على هذا القول ~~لشذوذه، ولأنه يؤدي إلى أن يكون الولاء ثابتا على أبويه دونه، مع كونه ~~مولودا لهما في حال رقهما، أو في حال ثبوت الولاء عليهما، وليس لنا مثل هذا ~~في الأصول، ولا يمكن أن يكون مولى نفسه، يعقل عنها، ويرثها، ويزوجها، لكن ~~لو اشترى هذا الولد عبدا فأعتقه، ثم اشترى العبد أبا معتقه فأعتقه، فإنه ~~ينجر إليه ولاء سيده، فيكون لهذا الولد على معتقه الولاء بإعتاقه أباه، ~~وللعتيق ولاء معتقه بولائه على أبيه وجره ولاءه بإعتاقه أباه. ولا يمتنع ~~مثل هذا، كما لو أعتق الحربي ms3397 عبدا فأسلم، ثم أسر سيده وأعتقه، صار كل واحد ~~منهما مولى الآخر من فوق ومن أسفل، ويرث كل واحد منهما الآخر بالولاء، وكما ~~جاز أن يشتركا في النسب، فيرث كل واحد منهما صاحبه به، كذلك الولاء. وإن ~~تزوج ولد المعتقة معتقة، فأولدها ولدا، فاشترى جده، عتق عليه، وله ولاؤه، ~~ويجر إليه ولاء أبيه وسائر أولاد جده، وهم عمومته وعماته، وولاء جميع ~~معتقيهم، ويبقى ولاء المشتري لمولى أم أبيه. وعلى قول عمرو بن دينار، يبقى ~~حرا، لا ولاء عليه. ### | [فصل تزوج عبد بمعتقة فأولدها ولدا فتزوج الولد بمعتقة رجل فأولدها ولدا] # (5021) فصل: إذا تزوج عبد بمعتقة، فأولدها ولدا، فتزوج الولد بمعتقة رجل، ~~فأولدها ولدا، فولاء هذا الولد الآخر، لمولى أم أبيه في أحد الوجهين؛ لأن ~~له الولاء على أبيه، فكان الولاء له عليه، كما لو كان مولى جده، ولأن ~~الولاء الثابت على الأب يمنع ثبوت الولاء لمولى الأم. والوجه الثاني، ولاؤه ~~لمولى أمه؛ لأن الولاء الثابت على ابنه من جهة أمه، ومثل ذلك ثابت في حق ~~نفسه، وما ثبت في حقه أولى مما ثبت في حق أبيه، ألا ترى أنه لو كان له ~~مولى، ولأبيه مولى، كان مولاه أحق به من مولى أبيه. فإن كان له مولى أم ~~ومولى أم أب، ومولى أم جد، وجده مملوك، فعلى الوجه الأول يكون لمولى أم ~~الجد، وعلى الثاني يكون لمولى الأم. ### | [فصل تزوجت بنت المعتقين بمملوك] # (5022) فصل: وإن تزوج معتق بمعتقة، فأولدها بنتا، وتزوج عبد بمعتقة، ~~فأولدها ابنا، فتزوج هذا الابن بنت المعتقين، فأولدها ولدا، فولاء هذا ~~الولد لمولى أم أبيه؛ لأن له الولاء على أبيه. وإن تزوجت بنت المعتقين ~~بمملوك، # PageV06P422 # فولاء ولدها لمولى أبيها؛ لأن ولاءها له، فإن كان أبوها ابن مملوك ~~ومعتقة، فالولاء لمولى أم أبي الأم، على الوجه الأول؛ لأن مولى أم أبي الأم ~~يثبت له الولاء على أبي الأم، فكان مقدما على المعتقين أمها، ويثبت له ~~الولاء عليها. ### | [فصل تزوج عبد معتقة فأولدها بنتين فاشترتا أباهما] # (5023) فصل: في دور الولاء، ms3398 إذا تزوج عبد معتقة، فأولدها بنتين، فاشترتا ~~أباهما، عتق عليهما، ولهما عليه الولاء، وتجر كل واحدة منهما نصف ولاء ~~أختها إليها؛ لأنها أعتقت نصف الأب، ولا ينجر الولاء الذي عليها، ويبقى نصف ~~ولاء كل واحدة منهما لمولى أمها. فإن مات الأب، فماله لهما ثلثاه بالبنوة، ~~وباقيه بالولاء. فإن ماتت إحداهما بعد ذلك فلأختها النصف بالنسب، ونصف ~~الباقي بأنها مولاة نصفها، فصار لها ثلاثة أرباع مالها، والربع الباقي ~~لمولى أمها. فإن كانت إحداهما ماتت قبل أبيها، فمالها لأبيها. ثم إذا مات ~~الأب فللباقية نصف ميراث أبيها؛ لكونها بنته، ونصف الباقي وهو الربع، ~~لكونها مولاة نصفه، يبقى الربع لموالي البنت التي ماتت قبله فنصفه لهذه ~~البنت؛ لأنها مولاة نصف أختها، صار لها سبعة أثمان ميراثه، ولمولى أم ~~الميتة، الثمن. فإن ماتت البنت الباقية بعدهما، فمالها لمواليها، نصفه ~~لمولى أمها، ونصفه لمولى أختها الميتة، وهم أختها وموالي أمها، فنصفه لمولى ~~أمها، وهو الربع، والربع الباقي يرجع إلى هذه الميتة، فهذا الجزء دائر؛ ~~لأنه خرج من هذه الميتة، ثم دار إليها، فقال القاضي: يجعل في بيت المال؛ ~~لأنه لا مستحق له نعلمه. وهذا قول محمد بن الحسن وقياس قول مالك، والشافعي. ~~وقال بعض الشافعية، وبعض المدنيين: هو لمولى أم الميتة. وهذا قول الجمهور. ~~وهاتان المسألتان أصل في دور الولاء، وفيها أقوال شاذة سوى ما ذكرناه، وهذا ~~أصح ما قيل فيها، إن شاء الله، فإن ماتت الابنتان قبل الأب، ورث مالهما ~~بالنسب. فإن مات بعدهما، فماله يقسم على ثمانية أسهم، لكل واحدة من ابنتيه ~~أربعة أسهم، سهمان لمولى أمها وسهمان لمولى أختها، يقسمان أيضا لمولى أمها ~~سهم، وسهم دائر يرجع إلى بيت المال، فيحصل لبيت المال الربع، ولمولى أمها ~~ثلاثة أرباع. فإن كن ثلاثا ماتت إحداهن قبل الأب، والأخرى بعده، فمال الأب ~~على سبعة وعشرين، لابنتيه ثلثاها بالنسب، وثلثا الباقي بولائهما عليه، وثلث ~~الباقي بولائهما على أختهما، ويبقى لمولى الأم سهم، ومال الثانية على ~~ثمانية عشر، للحية تسعة بالنسب، وثلاثة بولائها عليها، ولمولى أمها ثلاثة، ms3399 ~~ويبقى ثلاثة لموالي الميتة الأولى للحية سهم، ولمولى أمها سهم، ويبقى سهم ~~دائر، فمن جعله لبيت المال، دفعه إليه، ومن جعله لمولى الأم، فهو له، ومن ~~لم يدفعه، قسمه بين الحية ومولى الأم نصفين، وترجع بالاختصار إلى أربعة، ~~فإن كانت أمهاتهن شتى فمن اثني عشر. فإن اشترى الابنتان أباهما، ثم اشترى ~~أبوهما هو والكبرى # PageV06P423 # جدهما، ثم مات الأب، فماله بينهم أثلاثا، ثم إذا مات الجد وخلف ابنتي ~~ابنه، فلهما الثلثان، وللكبرى نصف الباقي، لكونها مولاة نصفه، يبقى السدس ~~لموالي الأب؛ لأنه مولى نصف الجد، وهم ابنتاه، فيحصل للكبرى ثلث المال ~~وربعه، وللصغرى ربعه وسدسه، فإن كانت بحالها، فاشترت الكبرى وأبوها أخاهما ~~لأبيهما، فالجواب فيها كالتي قبلها. ### | [باب ميراث الولاء] # يعني - والله أعلم - الميراث بالولاء. وأضاف الميراث إليه؛ لأنه سببه، ~~فإن الشيء يضاف إلى سببه، كما يقال: دية الخطأ، ودية العمد. وإنما قلنا ~~ذلك؛ لأن الولاء لا يورث، وإنما يورث به. وهذا قول الجمهور. روي نحو ذلك عن ~~عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن مسعود، وابن عمر، وأسامة بن زيد، وأبي مسعود ~~البدري، وأبي بن كعب. وبه قال عطاء، وطاوس وسالم، الزهري، والحسن، وابن ~~سيرين، وقتادة، والشعبي، وإبراهيم، ومالك والشافعي وأهل العراق، وداود. ~~وجعل شريح الولاء موروثا كالمال. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إنما الولاء لمن أعتق» . وقوله: «الولاء لحمة كلحمة النسب.» والنسب يورث ~~به ولا يورث، فكذلك الولاء. ولأن الولاء إنما يحصل بإنعام السيد على عبده ~~بالعتق، وهذا المعنى لا ينتقل عن المعتق، فكذلك الولاء. ### | [مسألة إرث النساء من الولاء] # (5024) مسألة؛ قال: (ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من ~~أعتقن، أو كاتبن، أو كاتب من كاتبن) ، وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله ~~في بنت المعتق خاصة، أنها ترث؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~«أنه ورث بنت حمزة من الذي أعتقه حمزة» قوله: " ولا يرث النساء من الولاء ~~".؛ لما قدمنا من أن الولاء لا يورث، ولهذا قال: " إلا ما أعتقن ". ومعتقهن ms3400 ~~ولاؤه لهن، فكيف يرثنه، والظاهر من المذهب أن النساء لا يرثن بالولاء إلا ~~ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن، وجر الولاء إليهن من أعتقن. والكتابة كذلك ~~فإنها إعتاق. قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد. والرواية التي ذكرها الخرقي ~~في ابنة المعتق ما وجدتها منصوصة عنه. وقد قال، في رواية ابن القاسم، وقد ~~سأله: هل كان المولى لحمزة أو لابنته؟ فقال: لابنته. فقد نص على أن ابنة ~~حمزة ورثت بولاء نفسها؛ لأنها هي المعتقة. وهذا قول الجمهور، وهو قول من ~~سمينا في أول الباب من الصحابة والتابعين ومن بعدهم غير شريح. والصحيح ~~الأول؛ لإجماع الصحابة ومن بعدهم عليه، ولأن الولاء لحمة كلحمة النسب، ~~والمولى كالنسيب من الأخ والعم ونحوهما، فولده # PageV06P424 # من العتيق بمنزلة ولد أخيه وعمه، ولا يرث منهم إلا الذكور خاصة. فأما ~~رواية الخرقي في بنت المعتق، فوجهها ما روى إبراهيم النخعي، أن مولى لحمزة ~~مات، وخلف بنتا، فورث النبي - صلى الله عليه وسلم - بنته النصف، وجعل لبنت ~~حمزة النصف. والصحيح أن المولى كان لبنت حمزة. قال عبد الله بن شداد: «كان ~~لبنت حمزة مولى أعتقته، فمات، وترك ابنته ومولاته بنت حمزة، فرفع ذلك إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطى ابنته النصف وأعطى مولاته بنت حمزة ~~النصف» . قال عبد الله بن شداد: أنا أعلم بها؛ لأنها أختي من أمي، أمنا ~~سلمى. رواه ابن اللبان بإسناده، وقال: هذا أصح مما روى إبراهيم. ولأن البنت ~~من النساء، فلا ترث بالولاء كسائر النساء. فأما توريث المرأة من معتقها، ~~ومعتق معتقها، ومن جر ولاء معتقها، فليس فيه اختلاف بين أهل العلم. وقد نص ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، فإن عائشة «أرادت شراء بريرة ~~لتعتقها، ويكون ولاؤها لها، فأراد أهلها اشتراط ولائها، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: اشتريها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق.» ~~متفق عليه. وقال - عليه السلام -: «تحوز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها، ~~ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه.» قال الترمذي: هذا حديث حسن. ولأن ~~المعتقة منعمة بالإعتاق، كالرجل، ms3401 فوجب أن تساويه في الميراث. وفي حديث مولى ~~بنت حمزة، الذي ذكرناه، تنصيص على توريث المعتقة. # وأما معتق أبيها، فهو بمنزلة عمها، أو عم أبيها فلا ترثه، ويرثه أخوها، ~~كالنسب. ومن مسائل ذلك: رجل مات وخلف ابن معتقه، وبنت معتقه، فالميراث لابن ~~معتقه خاصة. وعلى الرواية الأخرى، يكون الميراث بينهما أثلاثا. فإن لم يخلف ~~إلا بنت معتقه، فلا شيء لها، وماله لبيت المال، إلا على الرواية الأخرى، ~~فإن الميراث لها. وإن خلف أخت معتقه، فلا شيء لها، رواية واحدة. وكذلك إن ~~خلف أم معتقه أو جدة معتقه أو غيرهما. وإن خلف أخا معتقه وأخت معتقه، ~~فالميراث للأخ. ولو خلف بنت معتقه وابن عم معتقه أو معتق معتقه، أو ابن ~~معتق معتقه، فالمال له دون البنت، إلا على الرواية الأخرى، فإن لها النصف، ~~والباقي للعصبة. وإن خلف بنته ومعتقه، فلبنته النصف والباقي لمعتقه، كما في ~~قصة مولى بنت حمزة؛ فإنه مات وخلف بنته وبنت حمزة التي أعتقته، فأعطى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بنته النصف، والباقي لمولاته. وإن خلف ذا فرض سوى ~~البنت، كالأم، أو الجدة أو الأخت، أو الأخ من الأم، أو الزوج، أو الزوجة، ~~أو من لا يستغرق فرضه المال أومولاه أو مولاته، فإن لذي الفرض فرضه، ~~والباقي لمولاه أو مولاته. في قول جمهور العلماء. وقد سبق ذكر ذلك. رجل ~~وابنته، أعتقا عبدا، ثم مات الأب، وخلف ابنه وبنته، فماله بينهما أثلاثا، ~~ثم مات العبد، فللبنت النصف؛ لأنها مولاة نصفه، والباقي لابن المعتق خاصة، ~~إلا على الرواية الضعيفة، فإن الباقي يكون بينهما على # PageV06P425 # ثلاثة، فيكون للبنت الثلثان، ولأخيها الثلث. وإن ماتت البنت قبل العبد، ~~وخلفت ابنا، ثم مات العبد فلابنها النصف، والباقي لأخيها. ولو لم تخلف ~~البنت إلا بنتا، كان الولاء كله لأخيها دون بنتها، إلا على الرواية الأخرى، ~~فإن لبنتها النصف، والباقي لأخيها. وإن مات الابن قبل العبد، وخلف بنتا، ثم ~~مات العبد، وخلف معتقة نصفه وبنت أخيها، فللمعتقة نصف ماله، وباقيه لبيت ~~المال. وعلى الرواية الأخرى، لها ms3402 النصف بإعتاقها، ونصف الباقي؛ لأنها بنت ~~معتق النصف، والباقي لعصبة أبيها. ولو كانت البنت ماتت أيضا قبل العبد، ~~وخلفت ابنها، ثم مات العبد، فلابنها النصف، ولا شيء لبنت أخيها. امرأة ~~أعتقت أباها، ثم أعتق أبوها عبدا، ثم مات الأب، ثم العبد، فمالهما لها. فإن ~~كان أبوها خلف بنتا أخرى معها، فلهما ثلثا مال الأب بالنسب، والباقي ~~للمعتقة بالولاء، ومال العبد جميعه للمعتقة دون أختها. ويتخرج على الرواية ~~الأخرى، أن يكون لهما ثلثا مال العبد أيضا، وباقيه للمعتقة. ولو كان الأب ~~خلف مع المعتقة ابنا، فمال الأب بينهما أثلاثا بالبنوة، ومال العبد كله ~~للابن دون أخته؛ المعتقة؛ لأنه يرث بالنسب، والنسب مقدم على الولاء. ولو ~~خلف الأب أخا، أو عما، أو ابن عم مع البنت، فللبنت نصف ميراث أبيها، وباقيه ~~لعصبته، ومال العبد لعصبته، ولا شيء لبنته فيه؛ لأن العصبة من النسب مقدم ~~على المعتق في الميراث، إلا على رواية الخرقي، فإن للبنت نصف ميراث العبد، ~~لكونها بنت المعتق، وباقيه لعصبته. امرأة وأخوها، أعتقا أباهما، ثم أعتق ~~أبوهما عبدا، ثم مات الأب، فماله بينهما أثلاثا، ثم إذا مات العبد فميراثه ~~للابن دون أخته؛ لأنه ابن المعتق يرثه بالنسب، وهي مولاة المعتق، وابن ~~المعتق، مقدم على مولاه. فإن مات أخوها قبل أبيه، وخلف بنتا، فماله بين ~~ابنته وأبيه نصفين. ثم إذا مات الأب، فقد خلف بنته وبنت ابنه، وبنته مولاة ~~نصفه، فلبنته النصف ولبنت ابنه السدس، ويبقى الثلث لبنته نصفه، وهو السدس؛ ~~لأنها مولاة نصفه، يبقى السدس لموالي الأخ إن كان ابن معتقه وهم أخته، ~~وموالي أمه، فلأخته نصف السدس، والنصف الباقي لمولى أمه، فحصل لأخيه النصف ~~والربع والسدس. وإن لم يكن ابن معتقه، بل كانت أمه حرة الأصل، فلا ولاء ~~عليه، وتأخذ أخته الباقي كله بالرد إن لم يخلف الأب عصبة، فإن خلف الأب ~~عصبة من نسبه، كأخ أو عم أو ابن عم أو عم أب، فلبنته النصف، ولبنت ابنه ~~السدس، والباقي لعصبته. ولو اشترى رجل وأخته أخاهما، ثم اشترى أخوهما ms3403 عبدا ~~فأعتقه، ثم مات أخوهما، فماله بينهما أثلاثا. ثم إذا مات عتيقه فميراثه ~~لأخيه دون أخته. ولو مات الأخ المعتق قبل موت العبد، وخلف ابنة، ثم مات ~~العبد، فميراثه لابن أخيها دونها؛ لأنه ابن أخي المعتق. وإن لم يخلف الأخ ~~إلا بنته، فنصف مال العبد للأخت؛ لأنها معتقة نصف معتقه، ولا شيء لبنت ~~الأخ، رواية واحدة، والباقي لبيت المال. # PageV06P426 ### | [فصل خلف الميت بنت مولاه ومولى أبيه] # (5025) فصل: إذا خلف الميت بنت مولاه ومولى أبيه، فماله لبيت المال؛ لأنه ~~إذا ثبت عليه الولاء من جهة مباشرته بالعتق، لم يثبت عليه بإعتاق أبيه، ~~وإذا لم يكن لمولاه إلا بنت لم ترث؛ لأنها ليست عصبة، وإنما يرث عصبات ~~المولى، فإذا لم يكن له عصبة، لم يرجع إلى معتق أبيه. وكذلك إن كان له معتق ~~أب أو معتق جد، ولم يكن هو معتقا، فميراثه لمعتق أبيه إن كان ابن معتقه، ثم ~~لعصبة معتق أبيه، ثم لمعتق معتق أبيه. فإن لم يكن له أحد منهم، فلبيت ~~المال، ولا يرجع إلى معتق جده، وإن كانت أمه حرة الأصل، فلا ولاء عليه، ~~وليس لمعتق أبيه شيء. ### | [فصل امرأة حرة لا ولاء عليها وأبواها رقيقان أعتق إنسان أباها] # (5026) فصل: امرأة حرة لا ولاء عليها، وأبواها رقيقان، أعتق إنسان أباها، ~~ويتصور هذا في موضعين؛ أحدهما، أن يكون جميعهم كفارا، فتسلم هي ويسبى ~~أبواها فيسترقان. الثاني، أن يكون أبوها عبدا تزوج أمة على أنها حرة، ~~فولدتها، ثم ماتت وخلفت معتق أبيها، لم يرثها؛ لأنه إنما يرث بالولاء، وهذه ~~لا ولاء عليها. وهكذا الحكم فيما إذا تزوج عبد حرة الأصل، فأولدها ولدا، ثم ~~أعتق العبد، ومات، ثم مات الولد، فلا ميراث لمعتق أبيه، لأنه لا ولاء عليه. ~~ولو كان ابنتان على هذه الصفة، اشترت إحداهما أباها، فعتق عليها، فلها ~~ولاؤه، وليس لها ولاء على أختها، فإذا مات أبوهما، فلهما الثلثان بالنسب، ~~ولها الباقي بالولاء، فإذا ماتت أختها، فلها نصف ميراثها بالنسب، وباقيه ~~لعصبتها، فإن لم يكن لها عصبة، فالباقي لأختها بالرد، ms3404 ولا ميراث لها منها ~~بالولاء؛ لأنها لا ولاء عليها. ### | [فصل لا يرث من أقارب المعتق ذو فرض منفرد] # (5027) فصل: ولا يرث من أقارب المعتق ذو فرض منفرد، كالأخ من الأم ~~والزوج؛ لأن الولاء للعصبات، وليس هؤلاء عصبات، فحكمهم حكم النساء. وقد روي ~~عن أحمد أنه قال: لا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن، ~~إلا أن الملاعنة ترث من أعتق ابنها وهذا يخرج على الرواية التي تقول: إن ~~الملاعنة عصبة ابنها، وهي أحق بالميراث من عصبتها، فترث لكونها عصبة قائمة ~~مقام أبيه، فأما على الرواية الأخرى فإن الولاء يكون لعصبتها. ### | [مسألة المولى العتيق إذا لم يخلف من نسبه من يرث ماله] # (5028) مسألة؛ قال: (والولاء لأقرب عصبة المعتق) وجملة ذلك أن المولى ~~العتيق إذا لم يخلف من نسبه من يرث ماله، كان ماله لمولاه على ما أسلفناه. # PageV06P427 # فإن كان مولاه ميتا، فهو لأقرب عصبته، سواء كان ولدا أو أبا، أو أخا أو ~~عما، أو ابن عم أو عم أب، وسواء كان المعتق ذكرا أو أنثى. فإن لم يكن له ~~عصبة من نسبه، كان الميراث لمولاه ثم لعصباته الأقرب فالأقرب، ثم لمولاه، ~~وكذلك أبدا روي هذا عن عمر - رضي الله عنه -. وبه قال الشعبي، والزهري، ~~وقتادة، ومالك، والثوري والأوزاعي، والشافعي، وأبو حنيفة وصاحباه. وقد روي ~~عن علي - رضي الله عنه - ما يدل على أن مذهبه في امرأة ماتت وخلفت ابنها ~~وأخاها، أو ابن أخيها، أن ميراث مواليها لأخيها وابن أخيها، دون ابنها. ~~وروي عنه الرجوع إلى مثل قول الجماعة، فروي عن إبراهيم أنه قال: اختصم علي ~~والزبير في موالي صفية بنت عبد المطلب، فقال علي: أنا أحق بهم، أنا أرثهم ~~وأعقل عنهم. وقال الزبير: هم موالي أمي، وأنا أرثهم. فقضى عمر للزبير ~~بالميراث، والعقل على علي. رواه سعيد، قال: حدثنا أبو معاوية حدثنا عبيدة ~~الضبي، عن إبراهيم، وقال: ثنا هشيم. ثنا الشيباني عن الشعبي قال: قضى بولاء ~~موالي صفية للزبير دون العباس وقضى عمر في موالي أم هانئ ms3405 بنت أبي طالب ~~لأبيها جعدة بن هبيرة دون علي. وروى الإمام أحمد بإسناده عن زياد بن أبي ~~مريم، «، أن امرأة أعتقت عبدا لها، ثم توفيت، وتركت ابنا لها وأخاها. ثم ~~توفي مولاها من بعدها، فأتى أخو المرأة وابنها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في ميراثه، فقال - عليه السلام -: ميراثه لابن المرأة. فقال أخوها: ~~يا رسول الله، لو جر جريرة كانت علي، ويكون ميراثه لهذا قال: نعم.» وروى ~~بإسناده عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«المولى أخ في الدين، ومولى النعمة يرثه أولى الناس بالمعتق.» إذا ثبت هذا ~~فإن المعتقة إذا ماتت وخلفت ابنها وأخاها أو ابن أخيها، ثم مات مولاها، ~~فميراثه لابنها، وإن مات ابنها بعدها وقبل مولاها، وتركت عصبة، كأعمامه ~~وبني أعمامه، ثم مات العبد، وترك أخا مولاته وعصبة ابنها، فميراثه لأخي ~~مولاته؛ لأنه أقرب عصبة المعتق، فإن المرأة لو كانت هي الميتة لورثها أخوها ~~وعصبتها، فإن انقرض عصبتها، كان بيت المال أحق به من عصبة أبيها، ويروى نحو ~~هذا عن علي. وبه قال أبان بن عثمان، وقبيصة بن ذؤيب، وعطاء، وطاوس، ~~والزهري، ومالك، والشافعي وأهل العراق. وروي عن علي رواية أخرى، أنه لعصبة ~~الابن. وروي نحو ذلك عن عمر وابن عباس، وسعيد بن المسيب وبه قال شريح. وهذا ~~يرجع إلى أن الولاء لا يورث كما يورث المال. وقد روي عن أحمد نحو هذا ~~واحتجوا بأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده، أن رئاب بن حذيفة، تزوج ~~امرأة، فولدت له ثلاثة غلمة، فماتت أمهم، فورثوا عنها ولاء مواليها، وكان ~~عمرو بن العاص عصبة بنيها، فأخرجهم إلى الشام، فماتوا، فقدم عمرو بن العاص، ~~ومات مولاها، وترك # PageV06P428 # مالا، فخاصمه إخوتها إلى عمر، فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ما أحرز الوالد والولد فهو لعصبته من كان.» قال: وكتب له كتابا فيه ~~شهادة عبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، ورجل آخر قال فنحن فيه إلى الساعة. ~~رواه أبو داود، وابن ms3406 ماجه. في " سننهما ". # والصحيح الأول؛ فإن الولاء لا يورث على ما ذكرنا من قبل. وإنما يورث به، ~~وهو باق للمعتق، يرث به أقرب عصباته، ومن لم يكن من عصباته لم يرث شيئا، ~~وعصبات الابن غير عصبات أمه، فلا يرث الأجانب منها بولائها دون عصباتها. ~~وحديث عمرو بن شعيب غلط، قال حميد: الناس يغلطون عمرو بن شعيب في هذا ~~الحديث. فعلى هذا لا يرث المولى العتيق من أقارب معتقه إلا عصباته، الأقرب ~~منهم فالأقرب على ما ذكرنا في ترتيب العصبات. ولا يرث ذو فرض بفرضه ولا ذو ~~رحم. فإن اجتمع لرجل منهم فرض وتعصيب، كالأب والجد والزوج والأخ من الأم ~~إذا كانا ابني عم، ورث بما فيه من التعصيب، ولم يرث بفرضه شيئا. وإن كان ~~عصبات في درجة واحدة، كالبنين وبنيهم، والإخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم، ~~اقتسموا الميراث بينهم بالسوية. وهذا كله لا خلاف فيه سوى ما ذكرنا من ~~الأقوال الشاذة والله أعلم. ### | [مسألة مات المعتق وخلف أبا معتقه وابن معتقه] # مسألة؛ قال: (وإذا مات المعتق وخلف أبا معتقه وابن معتقه، فلأبي معتقه ~~السدس، وما بقي فللابن) نص أحمد على هذا، في رواية جماعة من أصحابه؛ وكذلك ~~قال في جد المعتق وابنه. وقال: ليس الجد والأخ والابن من الكبر في شيء ~~يجزيهم على الميراث. وهذا قول شريح، والنخعي، والأوزاعي، والعنبري، وإسحاق، ~~وأبي يوسف ويروى عن زيد أن المال للابن. # وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي، والحسن، والحكم، وقتادة، وحماد، ~~والزهري، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، ومحمد، والشافعي وأكثر الفقهاء؛ لأن ~~الابن أقرب العصبة، والأب والجد يرثان معه بالفرض، ولا يرث بالولاء ذو فرض ~~بحال. ولنا، أنه عصبة وارث، فاستحق من الولاء كالأخوين، ولا نسلم أن الابن ~~أقرب من الأب، بل هما في القرب سواء، وكلاهما عصبة لا يسقط أحدهما صاحبه # وإنما هما يتفاضلان في الميراث فكذلك # PageV06P429 # في الإرث بالولاء، ولذلك يقدم الأب على الابن في الولاية والصلاة على ~~الميت وغيرهما. وحكم الأب مع ابن الابن وإن سفل، حكم الجد وإن علا مع ms3407 الابن ~~وابنه سواء. ### | [مسألة خلف أخا معتقه وجد معتقه] # (5030) مسألة؛ قال: (وإن خلف أخا معتقه وجد معتقه، فالولاء بينهما نصفين) ~~وبهذا قال عطاء، والليث، ويحيى الأنصاري. ومال إليه الأوزاعي. وهو قول ~~الشافعي. وقول الثوري وأبي يوسف # ومحمد. والذين نزلوا الجد أبا، جعلوا الجد أولى، وورثوه وحده. وروي عن ~~زيد أن المال للأخ. وهو قول مالك، وقول للشافعي؛ لأن الأخ ابن الأب، والجد ~~أبوه، والابن أحق من الأب. ولنا، أنهما عصبتان يرثان المال نصفين، فكان ~~الولاء بينهما نصفين، كالأخوين. وإن ترك جد مولاه وابني أخي مولاه، فالمال ~~لجده. في قولهم جميعا، إلا مالكا جعل الميراث لابن الأخ وإن سفل. وقاله ~~الشافعي أيضا؛ لأن ابن الابن وإن سفل يقدم على الأب. # وليس هذا بصواب؛ فإن ابن الأخ محجوب عن الميراث بالجد، فكيف يقدم عليه، ~~ولأن الجد أولى بالمعتق من ابن الأخ، فيرث مولاه؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «المولى أخ في الدين وولي نعمة. يرثه أحق الناس بالمعتق» . ~~والدليل على أن الجد أولى أنه يرث ابن ابنه دون ابن الأخ، فيكون أولى لقول؛ ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألحقوا الفرائض بأهلها، وما أبقت الفروض ~~فلأولى رجل ذكر» . وفي لفظ: «فلأولى عصبة ذكر» . ولأن الجد أب، فيقدم على ~~ابن الأخ، كالأب الحقيقي، ولأنه يقدم في ميراث المال، فقدم في الميراث ~~بالولاء كسائر العصبات. ### | [فصل اجتمع إخوة وجد في ميراث الولاء] # (5031) فصل: فإن اجتمع إخوة وجد، فميراث المولى بينهم، كمال سيده. وإن ~~اجتمع إخوة من أبوين وإخوة من أب، عاد الإخوة من الأبوين الجد بالإخوة من ~~الأب، ثم ما حصل لهم أخذه ولد الأبوين. وقال ابن شريح: يحتمل أنه بينهم على ~~عددهم، ولا يعاد ولد الأبوين الجد بولد الأب. ولنا، أنه ميراث بين الجد ~~والإخوة، فأشبه الميراث بالنسب، فإن كان مع الإخوة أخوات، لم يعتد بهن؛ ~~لأنهن لا يرثن منفردات، فلا يعتد بهن، كالإخوة من الأم، وإن انفرد الإخوة ~~من الأب مع الجد، فحكمهم حكم الإخوة من الأبوين. # PageV06P430 ### | [فصل ترك جد مولاه وعم ms3408 مولاه في ميراث المولى] # فصل: وإن ترك جد مولاه وعم مولاه، فهو للجد. وكذلك إن ترك جد أبي مولاه ~~وعم مولاه، أو جد جد مولاه وعم مولاه، فهو للجد. وبه يقول الثوري، ~~والأوزاعي، وأهل العراق. وقال الشافعي: هو للعم وبنيه وإن سفلوا، دون جد ~~الأب. وهو قياس قول مالك. قال الشافعي: ومن جعل الجد والأخ سواء، فجد الأب ~~والعم سواء، وهو أولى من ابن العم. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يرثه أولى الناس بالمعتق.» ~~والجد أولى بالمعتق، بدليل أنه أولى الناس بماله وولايته، ويقدم في تزويجه ~~والصلاة عليه وغير ذلك. والعجب أن الشافعي رحمة الله عليه، نزل الجد أبا في ~~ولاية المال وولاية الإجبار على النكاح، ووافق غيره في وجوب الإنفاق عليه ~~وله وعتقه على ابن ابنه، وعتق ابن ابنه عليه، وانتفاء القصاص عنه بقتل ابن ~~ابنه، والحد بقذفه، وغير ذلك من أحكام الأب، ثم جعل أبعد العصبات أولى منه ~~بالولاء. ### | [مسألة هلك رجل عن ابنين ومولى فمات أحد الابنين بعده عن ابن ثم مات المولى] # (5033) مسألة؛ قال: (وإذا هلك رجل عن ابنين ومولى، فمات أحد الابنين بعده ~~عن ابن، ثم مات المولى، فالولاء لابن معتقه؛ لأن الولاء للكبر. ولو هلك ~~الابنان بعده وقبل المولى، وخلف أحدهما ابنا، والآخر تسعة، كان الولاء ~~بينهم على عددهم، لكل واحد منهم عشره) هذا قول أكثر أهل العلم. قال الإمام ~~أحمد: روي هذا عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن مسعود. وروى سعيد. # ثنا هشيم، ثنا أشعث بن سوار، عن الشعبي، أن عمر، وعليا، وابن مسعود، ~~وزيدا، كانوا يجعلون الولاء للكبر. وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي بن كعب، وأبي ~~مسعود البدري، وأسامة بن زيد. وبه قال عطاء، وطاوس، وسالم بن عبد الله، ~~والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، والزهري، وقتادة، وابن قسيط، ومالك، ~~والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وداود. # كلهم قالوا: الولاء للكبر. وتفسيره أنه يرث المولى المعتق من عصبات سيده ~~أقربهم إليه، وأولاهم بميراثه يوم موت العبد. قال ابن سيرين: ms3409 إذا مات ~~المعتق نظر إلى أقرب الناس إلى الذي أعتقه، فيجعل ميراثه له، وإذا مات ~~السيد قبل مولاه، لم ينتقل الولاء إلى عصبته؛ لأن الولاء كالنسب، لا ينتقل، ~~ولا يورث، وإنما يورث به، فهو باق للمعتق أبدا، لا يزول عنه، بدليل قوله - ~~عليه السلام -: «إنما الولاء لمن أعتق» # وقوله: «الولاء لحمة كلحمة النسب» . إنما يرث عصبة السيد مال مولاه بولاء ~~معتقه، لا نفس الولاء. ويتضح معنى هذا القول بمسألتي الخرقي اللتين ~~ذكرناهما هاهنا، وهما: إذا مات رجل عن ابنين ومولى فمات أحد الابنين بعده ~~عن ابن، ثم مات المولى، ورثه ابن معتقه # PageV06P431 # دون ابن ابن معتقه؛ لأن ابن معتقه أقرب عصبة سيده. ولو مات السيد، وخلف ~~ابنه وابن ابنه، لكان ميراثه لابنه، دون ابن ابنه، فكذلك إذا مات المولى. ~~والمسألة الأخرى، إذا هلك الابنان بعده، وقبل مولاه، وخلف أحدهما ابنا، ~~والآخر تسعة، ثم مات المولى. # كان ميراثه بينهم على عددهم، لكل واحد منهم عشره؛ لأن السيد لو مات كان ~~ميراثه بينهم كذلك، فكذلك ميراث، مولاه، ولو كان الولاء موروثا لانعكس ~~الحكم في المسألتين، فكان الميراث في المسألة الأولى بين الابن وابن الابن؛ ~~لأن الابنين ورثا الولاء عن أبيهما، ثم ما صار للابن الذي مات انتقل إلى ~~ابنه، فصار ميراث المولى بينه وبين عمه نصفين. وفي المسألة الثانية يصير ~~لابن الابن المنفرد نصف الولاء بميراثه ذلك عن ابنه ولبني الابن الآخر ~~النصف بينهم على عددهم. وشذ شريح، فقال: الولاء بمنزلة المال، يورث عن ~~المعتق، فمن ملك شيئا حياته، فهو لورثته. # وقد حكي عن عمر، وعلي، وابن عباس، وابن المسيب، نحو هذا. وروي عن حنبل، ~~ومحمد بن الحكم، عن أحمد نحوه. وغلطهما أبو بكر في روايتهما، فإن الجماعة ~~رووا عن أحمد مثل قول الجمهور. قال أبو الحارث: سألت أبا عبد الله عن ~~الولاء للكبر، فقال: كذا روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن مسعود، أنهم ~~قالوا: الولاء للكبر، إلى هذا القول أذهب. وتفسير ذلك أن يعتق الرجل عبدا، ~~ثم يموت ويخلف ابنين، ms3410 فيموت أحد الابنين. # ويخلف ابنا فولاء هذا العبد المعتق لابن المعتق، وليس لابن الابن شيء مع ~~الابن وحجة شريح حديث عمرو بن شعيب الذي ذكرناه، والقياس على المال. ولنا، ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المولى أخ في الدين، وولي نعمة، وأولى ~~الناس به أقربهم من المعتق» . وقوله - عليه السلام -: «الولاء لمن أعتق» . ~~وقوله: «الولاء لحمة كلحمة النسب» . ولأنه من أسباب التوارث، فلم يورث، ~~كالقرابة والنكاح، ولأنه إجماع من الصحابة ولم يظهر عنهم خلافه فلا يجوز ~~مخالفته وحديث عمرو بن شعيب قد غلطه العلماء فيه، ولم يصح عن أحد من ~~الصحابة خلاف هذا القول وحكاه الشعبي والأئمة عن عمر ومن ذكرنا قولهم. # ولا يصح اعتبار الولاء بالمال؛ لأن الولاء لا يورث بدليل أنه لا يرث منه ~~ذوو الفروض، وإنما يورث به، فينظر أقرب الناس إلى سيده من عصباته يوم موت ~~العبد والمعتق، فيكون هو الوارث للمولى دون غيره، كما أن السيد لو مات في ~~تلك الحال ورثه وحده، فإذا خلف ابن مولاه، وابن ابن مولاه، فماله لابن ~~مولاه. وإن خلف ابن ابن مولاه، وتسعة بني ابن آخر لمولاه، فماله بينهم على ~~عددهم، لكل واحد عشره؛ لأنهم يرثون جدهم كذلك ولو خلف السيد ابنه وابن ~~ابنه، فمات ابنه بعده عن ابن، ثم مات عتيقه، فميراثه بين ابني الابن نصفين. ~~وفي قول شريح، # PageV06P432 # هو لابن الابن الذي كان حيا عند موت ابنه # وإن مات السيد عن أخ من أب ابن أخ من أبوين، فمات الأخ من الأب عن ابن، ~~ثم مات العتيق، فماله لابن الأخ من الأبوين. وفي قول شريح، هو لابن الأخ من ~~الأب. وإن لم يخلف عصبة من نسب مولاه، فماله لمولى مولاه، ثم لأقرب عصباته، ~~ثم لمولى مولاه، فإذا انقرض عصباته وموالي الموالي وعصباتهم، فماله لبيت ~~المال. ### | [مسألة من أعتق عبدا فولاؤه لابنه وعقله على عصبته] # (5034) مسألة؛ قال: (ومن أعتق عبدا، فولاؤه لابنه، وعقله على عصبته) هذه ~~المسألة محمولة على أن المعتق لم يخلف عصبة من نسبه، ولا وارثا ms3411 منهم، إذ لو ~~خلف وارثا من نسبه أو عصبته، كانوا أحق بميراثه وعقله من عصبات مولاه ~~وولده، فليس في ذلك إشكال. وإذا لم يخلف إلا ابن مولاه وعصبة مولاه، فماله ~~لابن مولاه؛ لأنه أقرب عصبات المعتق، وعقله إن جنى جناية على عصبة مولاه إن ~~كان المعتق امرأة؛ لما روى إبراهيم قال: اختصم علي والزبير في مولى صفية ~~فقال علي: مولى عمتي وأنا أعقل عنه، وقال الزبير: مولى أمي وأنا أرثه. فقضى ~~عمر للزبير بالميراث، وقضى على علي بالعقل. ذكر هذا الإمام أحمد، ورواه ~~سعيد في " السنن " وغيره، # وهي قضية مشهورة، وعن الشعبي قال: قضى بولاء صفية للزبير دون العباس، ~~وقضي بولاء أم هانئ لجعدة بن هبيرة دون علي. ولا يمتنع كون العقل على ~~العصبة والميراث لغيرهم، كما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بميراث التي ~~قتلت هي وجنينها لبنيها، وعقلها على العصبة # وقد روى زياد بن أبي مريم «، أن امرأة أعتقت عبدا لها، ثم توفيت وتركت ~~ابنا لها وأخاها، ثم توفي مولاها من بعدها، فأتى أخو المرأة وابنها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في ميراثه، فقال - عليه السلام -: ميراثه لابن ~~المرأة. فقال أخوها: لو جر جريرة كانت علي، ويكون ميراثه لهذا، قال: نعم» . ~~وإنما حملنا مسألة الخرقي على ما إذا كان المعتق امرأة؛ لأن الأخبار التي ~~رويناها إنما وردت فيها، ولأن المرأة لا تعقل، وابنها ليس من عشيرتها، فلا ~~تعقل عن معتقها، وعقل عنها عصباتها من عشيرتها. أما الرجل المعتق، فإنه ~~يعقل عن معتقه؛ لأنه عصبة من أهل العقل # ويعقل ابنه وأبوه؛ لأنهما من عصباته وعشيرته، فلا يلحق ابنه في نفي العقل ~~عنه بابن المرأة. والله أعلم. ### | [فصل إن كان المولى حيا وهو رجل عاقل موسر فعليه من العقل وله الميراث] # (5035) فصل: فإن كان المولى حيا، وهو رجل عاقل موسر، فعليه من العقل وله ~~الميراث؛ لأنه عصبة معتقه، وإن كان صبيا أو امرأة أو معتوها، فالعقل على ~~عصباته، والميراث له؛ لأنه ليس من أهل العقل فأشبه ما لو جنوا ms3412 جناية خطأ، ~~كان العقل على عصباتهم، ولو جني عليهم كان الأرش لهم. # PageV06P433 ### | [فصل لا يرث المولى من أسفل معتقه في قول عامة أهل العلم] # (5036) فصل: ولا يرث المولى من أسفل معتقه. في قول عامة أهل العلم. وحكي ~~عن شريح، وطاوس، أنهما ورثاه؛ لما روى سعيد، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، ~~عن عوسجة، عن ابن عباس، «أن رجلا توفي على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وليس له وارث إلا غلام له هو أعتقه، فأعطاه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ميراثه» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. # وروي عن عمر نحو هذا. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما ~~الولاء لمن أعتق» ولأنه لم ينعم عليه، فلم يرثه، كالأجنبي، وإعطاء النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - له قضية في عين، يحتمل أن يكون وارثا بجهة غير ~~الإعتاق، وتكون فائدة الحديث أن إعتاقه له لم يمنعه ميراثه. ويحتمل أنه ~~أعطاه صلة وتفضلا. إذا ثبت أنه لا يرثه فلا يعقل عنه. وقال الشافعي في ~~القديم: يعقل عنه؛ لأنه سيده أنعم عليه، فجاز أن يغرم عنه. ولنا، أن العقل ~~على العصبات، وليس هذا منهم. وما ذكره لا أصل له، وينعكس كسائر العاقلة # ، فإنه لم ينعم عليه ويعقلون عنه، وينتقض بما إذا قضى إنسان دين آخر، فقد ~~غرم عنه، ولا يعقل. ### | [فصل أسلم الرجل على يدي الرجل لم يرثه بذلك] # (5037) فصل: فإن أسلم الرجل على يدي الرجل، لم يرثه بذلك. في قول عامة ~~أهل العلم، منهم الحسن، والشعبي، ومالك، والشافعي وأصحاب الرأي. وقد روي عن ~~أحمد - رحمه الله - رواية أخرى، أنه يرثه. وهو قول إسحاق. وحكي عن إبراهيم ~~أن له ولاءه ويعقل عنه # وعن ابن المسيب: إن عقل عنه ورثه، وإن لم يعقل عنه لم يرثه. وعن عمر بن ~~الخطاب، وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهما - أنه يرثه وإن لم يواله؛ لما ~~روى راشد بن سعد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم على ~~يديه رجل، فهو مولاه، يرثه ms3413 ويدي عنه» . رواه سعيد، وقال أيضا: حدثنا عيسى ~~بن يونس ثنا معاوية بن يحيى الصدفي عن القاسم الشامي عن أبي أمامة قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم على يديه رجل، فله ولاؤه» . # وروى بإسناده عن تميم الداري، أنه «قال: يا رسول الله، ما السنة في الرجل ~~يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ فقال: هو أولى الناس بمحياه ومماته» . ~~رواه أبو داود والترمذي، وقال: لا أظنه متصلا. ولنا، قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق» . ولأن أسباب التوارث غير موجودة # PageV06P434 # فيه، وحديث راشد مرسل وحديث أبي أمامة فيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ~~ضعيف، وحديث تميم تكلم الترمذي فيه. ### | [فصل عاقد رجلا فقال عاقدتك على أن ترثني وأرثك وتعقل عني وأعقل عنك] # (5038) فصل: وإن عاقد رجل رجلا، فقال: عاقدتك على أن ترثني وأرثك، وتعقل ~~عني وأعقل عنك. فلا حكم لهذا العقد ولا يتعلق به إرث ولا عقل. وبه قال ~~الشافعي. وقال الحكم، وحماد، وأبو حنيفة: هو عقد صحيح ولكل واحد منهما أن ~~يرجع عنه، ما لم يعقل واحد عن الآخر، فإذا عقل عنه، لزم، ويرثه إذا لم يخلف ~~ذا رحم؛ لقوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] . ~~ولأن هذا كالوصية، ووصية الذي لا وارث له بجميع ماله جائزة. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق» . ولأن ~~أسباب التوارث محصورة في رحم ونكاح وولاء، وليس هذا منها، والآية منسوخة ~~بآية الميراث، ولذلك لا يرث مع ذي رحم شيئا. قال الحسن: نسختها: {وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] . وقال مجاهد: فآتوهم ~~نصيبهم من العقل والنصرة والرفادة. وليس هذا بوصية؛ لأن الوصي لا يعقل، فله ~~الرجوع، وهذا عندهم بخلافه. ### | [فصل اللقيط حر لا ولاء عليه] # (5039) فصل: واللقيط حر لا ولاء عليه. في قول الجمهور، وفقهاء الأمصار. ~~وروي عن عمر، أن ولاءه لملتقطه. وبه قال الليث، وإسحاق. وعن إبراهيم: إن ~~نوى أن يرث منه فذلك. وقد روي عن النبي - صلى ms3414 الله عليه وسلم -: «المرأة ~~تحوز ثلاثة مواريث؛ لقيطها، وعتيقها، وولدها الذي لاعنت عليه» . ولنا، قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق» . ولأنه ليس بقرابة ~~ولا عتيق ولا ذي نكاح، فلا يرث كالأجنبي، والحديث فيه كلام. # PageV06P435 ### | [كتاب الوديعة] # والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله تعالى {إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] . وقوله تعالى {فإن ~~أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] . وأما السنة فقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من ~~خانك» وروي عنه - عليه السلام - «، أنه كانت عنده ودائع فلما أراد الهجرة ~~أودعها عند أم أيمن، وأمر عليا أن يردها على أهلها» # وأما الإجماع، فأجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع، والعبرة ~~تقتضيها، فإن بالناس إليها حاجة، فإنه يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم ~~بأنفسهم، ويحتاجون إلى من يحفظ لهم. الوديعة فعيلة، من ودع الشيء: إذا ~~تركه، أي هي متروكة عند المودع. واشتقاقها من السكون. يقال: ودع، يدع. ~~فكأنها ساكنة عند المودع. مستقرة. وقيل: هي مشتقة من الخفض والدعة، فكأنها ~~في دعة عند المودع. وقبولها مستحب لمن يعلم من نفسه الأمانة؛ لأن فيه قضاء ~~حاجة أخيه المؤمن ومعاونته # وهي عقد جائز من الطرفين، متى أراد المودع أخذ وديعته لزم المستودع ردها؛ ~~لقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] ~~فإن أراد المستودع ردها على صاحبها، لزمه قبولها؛ لأن المستودع متبرع ~~بإمساكها؛ فلا يلزمه التبرع في المستقبل. ### | [مسألة ليس على مودع ضمان إذا لم يتعد] # (5040) مسألة؛ قال: (وليس على مودع ضمان، إذا لم يتعد) وجملته أن الوديعة ~~أمانة، فإذا تلفت بغير تفريط من المودع، فليس عليه ضمان، سواء ذهب معها شيء ~~من مال المودع أو لم يذهب. هذا قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن أبي بكر، ~~وعلي، وابن مسعود - رضي الله عنهم -. وبه قال شريح، والنخعي، ومالك، وأبو ~~الزناد والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. وعن أحمد رواية أخرى، ~~إن ذهبت ms3415 الوديعة من بين ماله غرمها؛ لما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله. قال القاضي: والأولى ~~أصح؛ لأن الله تعالى سماها أمانة # والضمان ينافي الأمانة. ويروى عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده «، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ليس على المستودع ضمان» . ويروى عن ~~الصحابة الذين ذكرناهم. ولأن المستودع مؤتمن فلا يضمن ما تلف من غير تعديه ~~وتفريطه، كالذي ذهب # PageV06P436 # مع ماله، ولأن المستودع إنما يحفظها لصاحبها متبرعا، من غير نفع يرجع ~~عليه فلو لزمه الضمان لامتنع الناس من قبول الودائع، وذلك مضر؛ لما بيناه ~~من الحاجة إليها، وما روي عن عمر محمول على التفريط من أنس في حفظها، فلا ~~ينافي ما ذكرناه. # فأما إن تعدى المستودع فيها، أو فرط في حفظها، فتلفت، ضمن، بغير خلاف ~~نعلمه؛ لأنه متلف لمال غيره، فضمنه، كما لو أتلفه من غير استيداع. ### | [فصل شرط رب الوديعة على المستودع ضمان الوديعة فقبله] # (5041) فصل: إذا شرط رب الوديعة على المستودع ضمان الوديعة، فقبله أو ~~قال: أنا ضامن لها. لم يضمن. قال أحمد في المودع: إذا قال: أنا ضامن لها. ~~فسرقت، فلا شيء عليه. وكذلك كل ما أصله الأمانة، كالمضاربة، ومال الشركة، ~~والرهن، والوكالة. وبهذا قال الثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر؛ وذلك ~~لأنه شرط ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه، فلم يلزمه، كما لو شرط ضمان ما يتلف ~~في يد مالكه. ### | [مسألة خلط الوديعة بماله وهي لا تتميز أو لم يحفظها كما يحفظ ماله] # (5042) مسألة؛ قال: (فإن خلطها بماله، وهي لا تتميز، أو لم يحفظها كما ~~يحفظ ماله، أو أودعها غيره، فهو ضامن) في هذه المسألة ثلاث مسائل؛ (5043) ~~المسألة الأولى، أن المستودع إذا خلط الوديعة بما لا تتميز منه من ماله أو ~~مال غيره، ضمنها سواء خلطها بمثلها، أو دونها، أو أجود من جنسها أو غير ~~جنسها، مثل أن يخلط دراهم بدراهم، أو دهنا بدهن، كالزيت بالزيت، أو السمن ~~أو بغيره. وبهذا قال ms3416 الشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال ابن القاسم: إن خلط دراهم بدراهم على وجه الحرز، لم يضمن. وحكي عن ~~مالك، لا يضمن إلا أن يكون دونها؛ لأنه لا يمكنه ردها إلا ناقصة. ولنا، أنه ~~خلطها بماله خلطا لا يتميز، فوجب أن يضمنها، كما لو خلطها بدونها، ولأنه ~~إذا خلطها بما لا يتميز، فقد فوت على نفسه إمكان ردها، فلزمه ضمانها، كما ~~لو ألقاها في لجة بحر. وإن أمره صاحبها بخلطها بماله أو بغيره، ففعل ذلك، ~~فلا ضمان عليه؛ لأنه فعل ما أمر به، فكان نائبا عن المالك فيه. # وقد نقل مهنا عن أحمد، في رجل استودع عشرة دراهم، واستودعه آخر عشرة، ~~وأمراه أن يخلطها، فخلطها، فضاعت الدراهم، فلا شيء عليه. فإن أمره أحدهما ~~بخلط دراهمه، ولم يأمره الآخر، فعليه ضمان دراهم من لم يأمره دون الأخرى. ~~وإن اختلطت هي بغير تفريط منه، فلا ضمان عليه؛ لأنها لو تلفت بذلك لم يضمن، ~~فخلطها أولى. وإن خلطها غيره، فالضمان على من خلطها؛ لأن العدوان منه، ~~فالضمان عليه، كما لو أتلفها. # PageV06P437 # (5044) المسألة الثانية، إذا لم يحفظها كما يحفظ ماله، وهو أن يحرزها ~~بحرز مثلها، فإنه يضمنها. وحرز مثلها يذكر في باب القطع في السرقة. وهذا ~~إذا لم يعين له المودع ما يحفظها فيه، فإن عين له لزمه حفظها فيما أمره به، ~~سواء كان حرز مثلها أو لم يكن وإن أحرزها بمثله أو أعلى منه لم يضمنها ~~ويتخرج أن يضمنها إذا فعل ذلك من غير حاجة (5045) المسألة الثالثة، إذا ~~أودعها غيره. ولها صورتان؛ إحداهما، أن يودعها غيره لغير عذر، فعليه ~~الضمان. # بغير خلاف في المذهب. وهو قول شريح، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه ~~وإسحاق. وقال ابن أبي ليلى: لا ضمان عليه؛ لأن عليه حفظها وإحرازها، وقد ~~أحرزها عند غيره وحفظها به، ولأنه يحفظ ماله بإيداعه، فإذا أودعها فقد ~~حفظها بما يحفظ به ماله، فلم يضمنها، كما لو حفظها في حرزه. ولنا، أنه خالف ~~المودع فضمنها. كما لو نهاه عن إيداعها. وهذا صحيح فإنه أمره بحفظها بنفسه، ms3417 ~~ولم يرض لها غيره. فإذا ثبت هذا، فإن له تضمين الأول، وليس للأول الرجوع ~~على الثاني؛ لأنه دخل معه في العقد على أنه أمين له لا ضمان عليه. # وإن أحب المالك تضمين الثاني، فذكر القاضي أنه ليس له تضمينه، في ظاهر ~~كلام أحمد؛ لأنه ذكر الضمان على الأول فقط. وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأنه قبض ~~قبضا موجبا للضمان على الأول، فلم يوجب ضمانا آخر، وفارق القبض من الغاصب؛ ~~فإنه لم يوجب الضمان على الغاصب، إنما لزمه الضمان بالغصب. ويحتمل أن له ~~تضمين الثاني أيضا؛ لأنه قبض مال غيره على وجه لم يكن له قبضه، ولم يأذن له ~~مالكه، فضمنه، كالقابض من الغاصب، وهذا مذهب الشافعي # وذكر أحمد الضمان على الأول لا ينفي الضمان عن الثاني، كما أن الضمان ~~يلزم الغاصب، ولا ينفي وجوبه على القابض منه. فعلى هذا يستقر الضمان على ~~الأول، فإن ضمنه لم يرجع على أحد، وإن ضمن الثاني يرجع على الأول. وهذا ~~القول أشبه بالصواب، وما ذكرنا للقول الأول لا أصل له، ثم هو منتقض بما إذا ~~دفع الوديعة إلى إنسان عارية، أو هبة، أو وديعة لنفسه، فأما إن دفع الوديعة ~~إلى من جرت عادته بحفظها له من أهله، كامرأته وغلامه، لم يضمن. نص عليه ~~أحمد. # PageV06P438 # وهو قول أبي حنيفة # وقال الشافعي: يضمن؛ لأنه سلم الوديعة إلى من لم يرض به صاحبها، فضمنها. ~~كما لو سلمها إلى أجنبي. ولنا، أنه حفظها بما يحفظ به ماله، فأشبه ما لو ~~حفظها بنفسه، وكما لو دفع الماشية إلى الراعي، أو دفع البهيمة إلى غلامه ~~ليسقيها، ويفارق الأجنبي، فإن دفعها إليه لا يعد حفظا منه. الصورة الثانية، ~~إذا كان له عذر، مثل إن أراد سفرا، أو خاف عليها عند نفسه من حرق أو غرق أو ~~غيره، فهذا إن قدر على ردها على صاحبها أو وكيله في قبضها، لم يجز له دفعها ~~إلى غيره. # فإن فعل ضمنها؛ لأنه دفعها إلى غير مالكها بغير إذن منه من غير عذر، ~~فضمنها، كما لو أودعها ms3418 في الصورة الأولى. وإن لم يقدر على صاحبها ولا ~~وكيله، فله دفعها إلى الحاكم، سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن؛ لأنه ~~متبرع بإمساكها، فلا يلزمه استدامته، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته. ~~وإن أودعها مع قدرته على الحاكم، ضمنها؛ لأن غير الحاكم لا ولاية له. ~~ويحتمل أن يجوز له إيداعها؛ لأنه قد يكون أحفظ لها وأحب إلى صاحبها. وإن لم ~~يقدر على الحاكم، فأودعها ثقة، لم يضمنها لأنه موضع حاجة. وذكر القاضي أن ~~ظاهر كلام أحمد أنه يضمنها. # ثم تأول كلامه على أنه أودعها من غير حاجة، أو مع قدرته على الحاكم. وإن ~~دفنها في موضع وأعلم بها ثقة يده على الموضع، وكانت مما لا يضرها الدفن، ~~فهو كإيداعها عنده، وإن لم يعلم بها أحدا ضمنها؛ لأنه فرط في حفظها، فإنه ~~لا يأمن أن يموت في سفره، فلا تصل إلى صاحبها، وربما نسي مكانها، أو أصابه ~~آفة من هدم أو حرق أو غرق، فتضيع. وإن أعلم بها غير ثقة، ضمنها؛ لأنه ربما ~~أخذها. وإن أعلم بها ثقة لا يد له على المكان، فقد فرط، لأنه لم يودعها ~~إياه، ولا يقدر على الاحتفاظ بها. ### | [فصل أراد السفر الوديعة وقد نهاه المالك عن ذلك] # (5046) فصل: وإن أراد السفر بها وقد نهاه المالك عن ذلك، ضمنها؛ لأنه ~~مخالف لصاحبها، وإن لم يكن نهاه، لكن الطريق مخوف، أو البلد الذي يسافر ~~إليه مخوف ضمنها؛ لأنه فرط في حفظها. وإن لم يكن كذلك، فله السفر بها. نص ~~عليه أحمد، سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن. وبهذا قال أبو حنيفة. ~~وقال الشافعي إن سافر بها مع القدرة على صاحبها، أو وكيله، أو الحاكم أو ~~أمين، ضمنها؛ لأنه يسافر بها من غير ضرورة، أشبه ما لو كان السفر مخوفا # ولنا، أنه نقلها إلى موضع مأمون، فلم يضمنها، كما لو نقلها في البلد، ~~ولأنه سافر بها سفرا غير مخوف، # PageV06P439 # أشبه ما لو لم يجد أحدا يتركها عنده. ويقوى عندي أنه متى سافر ms3419 بها مع ~~القدرة على مالكها، أو نائبه بغير إذنه، فهو مفرط عليه الضمان؛ لأنه يفوت ~~على صاحبها إمكان استرجاعها، ويخاطر بها، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إن المسافر وماله لعلى قلت، إلا ما وقى الله» . أي على هلاك. ولا ~~يلزم من الإذن في إمساكها على وجه لا يضمن هذا الخطر، ولا يفوت إمكان ردها ~~على صاحبها، الإذن فيما يتضمن ذلك # فأما مع غيبة المالك ووكيله، فله السفر بها إذا كان أحفظ لها؛ لأنه موضع ~~حاجته فيختار فعل ما فيه الحظ. (5047) فصل: وإن حضره الموت، فحكمه حكم ~~السفر، على ما مضى من أحكامه، إلا في أخذها معه؛ لأن كل واحد منهما سبب ~~لخروج الوديعة عن يده. ### | [مسألة كانت الوديعة غلة فخلطها في صحاح أو صحاحا فخلطها في غلة] # (5048) مسألة؛ قال: (وإن كانت غلة فخلطها في صحاح، أو صحاحا فخلطها في ~~غلة، فلا ضمان عليه) يعني بالغلة المكسرة إذا خلطها بصحاح من ماله أو خلط ~~الصحاح بالمكسرة لم يضمنها؛ لأنها تتميز منها فلا يعجز بذلك عن ردها على ~~صاحبها، فلم يضمنها، كما لو تركها في صندوق وفيه أكياس له. وبهذا قال ~~الشافعي، ومالك، ولا نعلم فيه اختلافا. وكذلك الحكم إذا خلط دراهم بدنانير، ~~وبيضا بسود. وقد حكي عن أحمد، في من خلط دراهم بيضا بسود: يضمنها. # ولعله قال ذلك لكونها تكتسب منها سوادا، أو يتغير لونها، فتنقص قيمتها، ~~فإن لم يكن فيها ضرر، فلا ضمان عليه. والله تعالى أعلم. ### | [مسألة أمره أن يجعل الوديعة في منزل فأخرجها عن المنزل لغشيان نار] # (5049) مسألة؛ قال: (ولو أمره أن يجعلها في منزل، فأخرجها عن المنزل، ~~لغشيان نار، أو سيل، أو شيء الغالب منه البوار، فلا ضمان عليه) # PageV06P440 # وجملة ذلك أن رب الوديعة إذا أمر المستودع بحفظها في مكان عينه، فحفظها ~~فيه، ولم يخش عليها، فلا ضمان عليه. بغير خلاف لأنه ممتثل لأمره، غير مفرط ~~في ماله. وإن خاف عليها سيلا وتوى، يعني هلاكا، فأخرجها منه إلى حرزها، ~~فتلفت، فلا ضمان عليه. بغير خلاف ms3420 أيضا؛ لأن نقلها في هذه الحال تعين حفظا ~~لها، وهو مأمور بحفظها. # وإن تركها مع الخوف فتلفت، ضمنها سواء تلفت بالأمر المخوف أو بغيره؛ لأنه ~~فرط في حفظها، لأن حفظها نقلها، وتركها تضييع لها. وإن لم يخف عليها فنقلها ~~عن الحرز إلى دونه، ضمنها؛ لأنه خالفه في الحفظ المأمور به. وإن نقلها إلى ~~دونه عند الخوف عليها، نظرنا؛ فإن أمكنه إحرازها بمثله، أو أعلى منه، ضمنها ~~أيضا؛ لتفريطه، وإن لم يمكنه إحرازها إلا بما دونه، لم يضمنها؛ لأن إحرازها ~~بذلك أحفظ لها من تركه، وليس في وسعه سواه. وإن نقلها إلى مثل ذلك الحرز ~~لغير عذر، فقال القاضي: لا يضمنها. وهو مذهب الشافعي؛ لأن تقييده بهذا ~~الحرز يقتضي ما هو مثله، كمن اكترى أرضا لزرع حنطة، فله زرعها وزرع مثلها ~~في الضرر. ويحتمل كلام الخرقي لزوم الضمان، لأن الأمر بشيء يقتضي تعيينه، ~~فلا يعدل عنه إلا بدليل. # وإن نقلها إلى أحرز منه كان حكمه حكم ما لو أخرجها إلى مثله. فإن نهاه عن ~~إخراجها من ذلك المكان، فالحكم فيه كما لو أمره بتركها فيه ولم ينهه عن ~~إخراجها منه، إلا في أنه إذا خاف عليها فلم يخرجها حتى تلفت، ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، يضمن؛ لما ذكرنا في التي قبلها. والثاني، لا يضمن؛ لأنه ممتثل لقول ~~صاحبها وفي أنه إذا أخرجها لغير عذر ضمنها، سواء أخرجها إلى مثله أو دونه ~~أو فوقه لأنه خالف صاحبها لغير فائدة. وهذا ظاهر كلام الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: إن نهاه عن نقلها من بيت، فنقلها إلى بيت آخر من الدار، لم يضمن؛ ~~لأنه البيتين من دار واحدة حرز واحد، وطريق أحدهما طريق الآخر، فأشبه ما لو ~~نقلها من زاوية إلى زاوية. # وإن نقلها من دار إلى دار أخرى، ضمن. ولنا، أنه خالف أمر صاحبها بما لا ~~مصلحة فيه، فيضمن، كما لو نقلها من دار إلى دار. وليس ما فرق به صحيحا؛ لأن ~~ثبوت الدار تختلف، فمنها ما هو أقرب إلى الطريق، أو إلى موضع الوقود، أو ms3421 ~~إلى الانهدام، أو أسهل فتحا، أو بابه أسهل كسرا، أو أضعف حائطا، أوأسهل ~~نقبا، أو لكون المالك يسكن به، أو يسكن في غيره، وأشباه هذا مما يؤثر في ~~الحفظ أو في عدمه، فلا يجوز تفويت غرض رب الوديعة من تعيينه من غير ضرورة. ~~وإن خاف عليها في موضعها، فعليه نقلها. # فإن تركها فتلفت ضمنها؛ لأن نهي صاحبها عن إخراجها إنما كان لحفظها، ~~وحفظها هاهنا في إخراجها، فأشبه ما لو لم ينهه عن إخراجها. # PageV06P441 # فإن قال: لا تخرجها وإن خفت عليها. فأخرجها من غير خوف ضمنها، وإن أخرجها ~~عند خوفه عليها، أو تركها فتلفت، لم يضمنها؛ لأن نهيه مع خوف الهلاك نص ~~فيه، وتصريح به، فيكون مأذونا في تركها في تلك الحال، فلم يضمنها؛ لامتثاله ~~أمر صاحبها، كما لو قال له: أتلفها. فأتلفها. ولا يضمن إذا أخرجها؛ لأنه ~~زيادة خير وحفظ، فلم يضمن به، كما لو قال له: أتلفها. فلم يتلفها حتى تلفت. ### | [فصل أودعه وديعة ولم يعين له موضع إحرازها] # (5050) فصل: وإن أودعه وديعة، ولم يعين له موضع إحرازها، فإن المودع ~~يحفظها في حرز مثلها أي موضع شاء. فإن وضعها في حرز، ثم نقلها عنه إلى حرز ~~مثلها، لم يضمنها، سواء نقلها إلى مثل الأول أو دونه؛ لأن ربها رد حفظها ~~إلى رأيه واجتهاده، وأذن له في إحرازها بما شاء من إحراز مثلها، ولهذا لو ~~تركها في هذا الثاني أولا لم يضمنها، فكذلك إذا نقلها إليه. ولو كانت العين ~~في بيت صاحبها فقال لرجل: احفظها في موضعها. فنقلها عنه من غير خوف، ضمنها؛ ~~لأنه ليس بمودع، إنما هو وكيل في حفظها، وليس له إخراجها من ملك صاحبها، ~~ولا من موضع استأجره لها، إلا أن يخاف عليها. # فعليه إخراجها، لأنه مأمور بحفظها، وقد تعين حفظها في إخراجها، ويعلم أن ~~صاحبها لو حضر في هذه الأحوال لأخرجها، ولأنه مأمور بحفظها على صفة، فإذا ~~تعذرت الصفة، لزمه حفظها بدونها، كالمستودع إذا خاف عليها. ### | [فصل أخرج الوديعة المنهي عن إخراجها فتلفت وادعى أنه أخرجها ms3422 لغشيان نار] # (5051) فصل: إذا أخرج الوديعة المنهي عن إخراجها، فتلفت، وادعى أنه ~~أخرجها لغشيان نار أو سيل، أو شيء ظاهر، فأنكر صاحبها وجوده، فعلى المستودع ~~البينة أنه كان في ذلك الموضع ما ادعاه؛ لأن هذا مما لا تتعذر إقامة البينة ~~عليه، لأنه أمر ظاهر. فإذا ثبت ذلك، كان القول قوله في التلف مع يمينه، ولا ~~يحتاج إلى بينة، لأنه تتعذر إقامة البينة، فلم يطالب بها، كما لو ادعى ~~التلف بأمر خفي، وهذا قول الشافعي. والحكم في إخراجها من الخريطة والصندوق، ~~حكم إخراجها من البيت، على ما مضى من التفصيل فيه. ### | [فصل أمره أن يجعل الوديعة في منزله فتركها في ثيابه وخرج بها] # (5052) فصل: ولو أمره أن يجعلها في منزله، فتركها في ثيابه، وخرج بها، ~~ضمنها؛ لأن البيت أحرز لها. وإن جاءه بها في السوق، فقال: احفظها في بيتك. ~~فقام بها في الحال، فتلفت، فلا ضمان عليه. وإن تركها في دكانه أو ثيابه، # PageV06P442 # ولم يحملها إلى بيته مع إمكانه، فتلفت، ضمنها؛ لأن بيته أحرز لها. هكذا ~~قال أصحابنا. ويحتمل أنه متى تركها عنده إلى وقت مضيه إلى منزله في العادة ~~فتلفت، لم يضمنها؛ لأن العادة أن الإنسان إذا أودع شيئا وهو في دكانه، ~~أمسكه في دكانه أو في ثيابه إلى وقت مضيه إلى منزله # فيستصحبه معه، والمودع عالم بهذه الحالة راض بها، ولو لم يرض بها لشرط ~~عليه خلافها، وأمره بتعجيل حملها، فإما أن يقبلها بهذا الشرط أو يردها. وإن ~~قال: اجعلها في كمك. فجعلها في جيبه، لم يضمنها لأن الجيب أحرز لها، لأنه ~~ربما نسي، فيسقط الشيء من كمه بخلاف الجيب. وإن قال: اجعلها في جيبك. ~~فتركها في كمه، ضمنها لذلك. وإن جعلها في يده، ضمن أيضا، كذلك. وإن قال: ~~اجعلها في كمك. فتركها في يده ففيه وجهان؛ أحدهما، يضمن؛ لأن سقوط الشيء من ~~اليد مع النسيان أكثر من سقوطه من الكم # والثاني، لا يضمن؛ لأن اليد لا يتسلط عليها الطرار بالبط، والكم بخلافه، ~~ولأن كل واحد منهما أحرز من ms3423 وجه، فيتساويان. ولمن نصر الوجه الأول أن يقول: ~~متى كان كل واحد منهما أحرز من وجه، وجب أن يضمن؛ لأنه فوت الوجه المأمور ~~بالحفظ به، وأتى بما لم يؤمر به، فضمن لمخالفته. وعلى هذا لو أمر بتركها في ~~يده، فجعلها في كمه، ضمن لذلك. وقال القاضي: اليد أحرز عند المغالبة، والكم ~~أحرز منه عند عدم المغالبة. فعلى هذا، إن أمر بتركها في يده، فشدها في كمه ~~عند غير المغالبة، فلا ضمان عليه. # وإن فعل ذلك عند المغالبة ضمن وإن أمره بشدها في كمه، فأمسكها في يده عند ~~المغالبة لم يضمن، وإن فعل ذلك عند غير المغالبة ضمن. وإن أمره بحفظها ~~مطلقا، فتركها في جيبه، أو شدها في كمه، لم يضمنها. وإن تركها في كمه غير ~~مشدودة، وكانت خفيفة لا يشعر بها إذا سقطت، ضمنها؛ لأنه مفرط، وإن كانت ~~ثقيلة يشعر بها، لم يضمنها؛ لأن هذا عادة الناس في حفظ أموالهم. وإن شدها ~~على عضده، لم يضمنها؛ لأن ذلك أحفظ لها. وقال القاضي: إن شدها من جانب ~~الجيب، لم يضمن، وإن شدها من الجانب الآخر، ضمنها # لأن الطرار يقدر # PageV06P443 # على بطها، بخلاف ما إذا شدها مما يلي الجيب. وهذا يبطل بما إذا تركها في ~~جيبه، أو شدها في كمه، فإن الطرار يقدر على بطها ولا يضمن، وليس إمكان ~~إحرازها بأحفظ الحرزين مانعا من إحرازها بما دونه، إذا كان حرزا لمثلها. ~~وشدها على العضد حرز لها كيفما كان؛ لأن الناس يحرزون به أموالهم، فأشبه ~~شدها في الكم وتركها في الجيب، ولكن لو أمره بشدها مما يلي الجيب، فشدها من ~~الجانب الآخر، ضمن. وإن أمره بشدها مما يلي الجانب الآخر، فشدها مما يلي ~~الجيب، لم يضمن؛ لأنه أحرز. وإن أمره بشدها على عضده مطلقا، أو أمره بحفظها ~~معه، فشدها من أي الجانبين كان، لم يضمن؛ لأنه ممتثل أمر مالكها، محرز لها ~~بحرز مثلها. # وأن شدها على وسطه، فهو أحرز لها، وكذلك إن تركها في بيته في حرزها. ### | [فصل أمره أن يجعل الوديعة في ms3424 صندوق وقال لا تقفل عليها ولا تنم فوقها فخالفه في ذلك] # (5053) فصل: وإن أمره أن يجعلها في صندوق، وقال: لا تقفل عليها، ولا تنم ~~فوقها. فخالفه في ذلك، أو قال: لا تقفل عليها إلا قفلا واحدا، فجعل عليها ~~قفلين، فلا ضمان عليه. ذكره القاضي. وهو ظاهر مذهب الشافعي. وحكي عن مالك ~~أنه يضمن؛ لأنه خالف ربها في شيء له فيه غرض يتعلق بحفظها، فأشبه ما لو ~~نهاه عن إخراجها عن منزله فأخرجها لغير حاجة وذلك لأن النوم عليها، وترك ~~قفلين عليها، وزيادة الاحتفاظ بها، ينبه اللص عليها، ويحثه على الجد في ~~سرقتها، والاحتيال لأخذها. ولنا، أن ذلك أحرز لها، فلا يضمن بفعله، كما لو ~~أمره بتركها في صحن الدار، فتركها في البيت، وبهذا ينتقض ما ذكروه. ### | [فصل قال اجعل الوديعة في هذا البيت ولا تدخله أحدا فأدخل إليه قوما فسرقها أحدهم] # (5054) فصل: إذا: قال: اجعلها في هذا البيت، ولا تدخله أحدا. فأدخل إليه ~~قوما، فسرقها أحدهم، ضمنها؛ لأنها ذهبت بتعديه ومخالفته، وسواء سرقها حال ~~إدخالهم، أو بعده لأنه ربما شاهد الوديعة في دخوله البيت، وعلم موضعها، ~~وطريق الوصول إليها. وإن سرقها من لم يدخل البيت، فقال القاضي: لا يضمن؛ ~~لأن فعله لم يكن سببا لإتلافها. ويحتمل أن يلزمه الضمان؛ لأن الداخل ربما ~~دل عليها من لم يدخل، ولأنها مخالفة فوجب الضمان. # إذا كانت سببا لإتلافها فأوجبته، وإن لم تكن سببا كما لو نهاه عن إخراجها ~~فأخرجها لغير حاجة. ### | [فصل قال ضع هذا الخاتم وديعة في الخنصر فوضعه في البنصر] # (5055) فصل: إذا قال: ضع هذا الخاتم في الخنصر. فوضعه في البنصر، لم ~~يضمنه؛ لأنها أغلظ وأحفظ له، إلا أن لا يدخل فيها، فيضعه في أنملتها العليا ~~فيضمنه، أو ينكسر بها لغلظها عليه، فيضمنه أيضا؛ لأن مخالفته سبب لتلفه. ### | [مسألة أودعه شيئا ثم سأله دفعه إليه في وقت أمكنه ذلك فلم يفعل حتى تلف] # (5056) مسألة؛ قال: (وإذا أودعه شيئا، ثم سأله دفعه إليه في وقت أمكنه ~~ذلك، فلم يفعل حتى تلف، فهو ms3425 ضامن) # PageV06P444 # لا خلاف في وجوب رد الوديعة على مالكها، إذا طلبها، فأمكن أداؤها إليه ~~بغير ضرورة، وقد أمر الله تعالى بذلك، فقال تعالى: {إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] . وأمر به رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» يعني عند ~~طلبها. ولأنها حق لمالكها لم يتعلق بها حق غيره، فلزم أداؤها إليه، ~~كالمغصوب والدين الحال. # فإن امتنع من دفعها في هذه الحال، فتلفت، ضمنها؛ لأنه صار غاصبا، لكونه ~~أمسك مال غيره بغير إذنه بفعل محرم، فأشبه الغاصب. فأما إن طلبها في وقت لم ~~يمكن دفعها إليه، لبعدها، أو لمخافة في طريقها، أو للعجز عن حملها، أو غير ~~ذلك، لم يكن متعديا بترك تسليمها؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. ~~وإن تلفت لم يضمنها؛ لعدم عدوانه. وإن قال أمهلوني حتى أقضي صلاتي، أو آكل، ~~فإني جائع أو أنام فإني ناعس، أو ينهضم عني الطعام فإني ممتلئ أمهل بقدر ~~ذلك. ### | [فصل ليس على المستودع مؤنة الرد وحملها إلى ربها إذا كانت مما لحمله مؤنة] # (5057) فصل: وليس على المستودع مؤنة الرد وحملها إلى ربها إذا كانت مما ~~لحمله مؤنة، قلت المؤنة أو كثرت؛ لأنه قبض العين لمنفعة مالكها على الخصوص، ~~فلم تلزمه الغرامة عليها، كما لو وكله في حفظها في ملك صاحبها، وإنما عليه ~~التمكين من أخذها. وإن سافر بها بغير إذن ربها، فعليه ردها إلى بلدها، لأنه ~~أبعدها بغير إذن ربها، فلزمه ردها، كالغاصب. ### | [مسألة إذا مات وعنده وديعة لا تتميز من ماله] # (5058) مسألة؛ قال: (وإذا مات وعنده وديعة لا تتميز من ماله، فصاحبها ~~غريم بها) وجملته أن الرجل إذا مات، وثبت أن عنده وديعة لم توجد بعينها، ~~فهي دين عليه، يغرم من تركته، فإن كان عليه دين سواها، فهي والدين سواء فإن ~~وفت تركته بهما، وإلا اقتسماها بالحصص. وبهذا قال الشعبي، والنخعي، وداود ~~بن أبي هند، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه وإسحاق. # وروي ذلك عن شريح، ومسروق، ms3426 وعطاء، وطاوس، والزهري، وأبي جعفر محمد بن ~~علي. وروي عن النخعي: الأمانة قبل الدين. وقال الحارث العكلي: الدين قبل ~~الأمانة. ولنا، أنهما حقان وجبا في ذمته، فتساويا كالدينين، وسواء وجد في ~~تركته من جنس الوديعة أو لم يوجد. وهذا إذا أقر المودع أن عندي وديعة أو ~~علي وديعة لفلان، أو ثبت ببينة أنه مات وعنده وديعة، فأما إن كانت عنده ~~وديعة في حياته، ولم توجد بعينها، ولم يعلم هل هي باقية عنده أو تلفت. ففيه ~~وجهان؛ # PageV06P445 # أحدهما، وجوب ضمانها؛ لأن الوديعة يجب ردها. # إلا أن يثبت سقوط الرد بالتلف من غير تعد، ولم يثبت ذلك، ولأن الجهل ~~بعينها كالجهل بها، وذلك لا يسقط الرد. والثاني، لا ضمان عليه؛ لأن الوديعة ~~أمانة، والأصل عدم إتلافها والتعدي فيها، فلم يجب ضمانها. وهذا قول ابن أبي ~~ليلى، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وظاهر المذهب الأول؛ لأن الأصل وجوب ~~الرد، فيبقى عليه، ما لم يوجد ما يزيله. ### | [فصل مات وعنده وديعة معلومة بعينها] # (5059) فصل: وإن مات وعنده وديعة معلومة بعينها، فعلى ورثته تمكين صاحبها ~~من أخذها، فإن لم يعلم بموت صاحبها من أخذها وجب عليهم إعلامه به، وليس لهم ~~إمساكها قبل أن يعلم بها ربها؛ لأنه لم يأتمنهم عليها، وإنما حصل مال غيرهم ~~في أيديهم، بمنزلة من أطارت الريح إلى داره ثوبا وعلم به، فعليه إعلام ~~صاحبه به، فإن أخر ذلك مع الإمكان ضمن. كذا ها هنا. ولا تثبت الوديعة إلا ~~بإقرار من الميت أو ورثته، أو ببينة تشهد بها. وإن وجد عليها مكتوبا وديعة، ~~لم يكن حجة عليهم، لجواز أن يكون الظرف كانت فيه وديعة قبل هذا، أو كان ~~وديعة لموروثهم عند غيره. # أو كانت وديعة فابتاعها، وكذلك لو وجد في رزمانج أبيه، أن لفلان عندي ~~وديعة. لم يلزمه بذلك؛ لجواز أن يكون قد ردها ونسي الضرب على ما كتب، أو ~~غير ذلك. ### | [مسألة طالبه الوديعة فقال ما أودعتني ثم قال ضاعت من حرز] # (5060) مسألة؛ قال: (وإذا طالبه الوديعة، فقال: ما أودعتني. ثم قال: ms3427 ضاعت ~~من حرز، كان ضامنا؛ لأنه خرج من حال الأمانة. ولو قال: ما لك عندي شيء. ثم ~~قال: ضاعت من حرز. كان القول قوله، ولا ضمان عليه) وجملة ذلك أنه إذا ادعى ~~على رجل وديعة، فقال: ما أودعتني. ثم ثبت أنه أودعه، فقال: أودعتني، وهلكت ~~من حرزي. # لم يقبل قوله، ولزمه ضمانها. وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، ~~وإسحاق وأصحاب الرأي؛ لأنه مكذب لإنكاره الأول ومعترف على نفسه بالكذب ~~المنافي للأمانة. وإن أقر له بتلفها من حرزه قبل جحده، فلا ضمان عليه. وإن ~~أقر أنها تلفت بعد جحوده، لم يسقط عنه الضمان؛ # PageV06P446 # لأنه خرج بالجحود عن الأمانة، فصار ضامنا كمن طولب الوديعة فامتنع من ~~ردها. وإن أقام البينة بتلفها بعد الجحود، لم يسقط عنه الضمان لذلك. وإن ~~شهدت بتلفها قبل الجحود من الحرز. # فهل تسمع بينته؟ ففيه وجهان؛ أحدهما، لا تسمع؛ لأنه مكذب لها بإنكاره ~~الإيداع. والثاني، تسمع بينته؛ لأن المودع لو اعترف بذلك سقط حقه، فتسمع ~~البينة به، فإن شهدت بالتلف من الحرز، ولم تعين قبل الجحود ولا بعده، ~~واحتمل الأمرين، لم يسقط الضمان؛ لأن الأصل وجوبه، فلا ينتفي بأمر متردد. ~~وأما إذا ادعى الوديعة، فقال: ما لك عندي شيء، أو لا تستحق علي شيئا. فقالت ~~البينة بالإيداع، أو أقر به المودع، ثم قال: ضاعت من حرز. كان القول قوله ~~مع يمينه، ولا ضمان عليه؛ لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البينة # ولا يكذبها، فإن من تلفت الوديعة من حرزه بغير تفريطه فلا شيء لمالكها ~~عنده، ولا يستحق عليه شيئا، لكن إن ادعى تلفها بعد جحوده، أو قامت بينة ~~بتلفها بعد الجحود، أو أنها كانت عنده حال جحوده، فعليه ضمانها؛ لأن جحوده ~~أوجب الضمان عليه، فصار كالغاصب. ### | [فصل نوى الخيانة في الوديعة بالجحود أو الاستعمال ولم يفعل] # (5061) فصل: إذا نوى الخيانة في الوديعة، بالجحود أو الاستعمال، ولم ~~يفعل، لم يصر ضامنا؛ لأنه لم يحدث في الوديعة قولا ولا فعلا، فلا يضمن، كما ~~لو لم ينو. وقال ابن شريح: يضمنها؛ ms3428 لأنه أمسكها بنية الخيانة، فيضمنها، ~~كالملتقط بقصد التملك ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي عن ~~أمتي الخطأ والنسيان، وما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم به، أو تعمل به» . ~~ولأنه لم يخن فيها بقول ولا فعل، فلم يضمنها، كالذي لم ينو، وفارق الملتقط # PageV06P447 # بقصد التملك # ، فإنه عمل فيها بأخذها ناويا للخيانة فيها، فوجب الضمان بفعله المنوي، ~~لا بمجرد النية. ولو التقطها قاصدا لتعريفها، ثم نوى بعد ذلك إمساكها ~~لنفسه، كانت كمسألتنا. ولو أخرجها بنية الاستعمال، فلم يستعملها، ضمنها. ~~وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة لا يضمنها إلا بالاستعمال؛ لأنه لو ~~أخرجها لنقلها لم يضمنها. ولنا، أنه تعدى بإخراجها، أشبه ما لو استعملها، ~~بخلاف ما إذا نقلها. ### | [فصل المودع أمين والقول قوله فيما يدعيه من تلف الوديعة] # (5062) فصل: والمودع أمين، والقول قوله فيما يدعيه من تلف الوديعة. بغير ~~خلاف. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا ~~أحرز الوديعة، ثم ذكر أنها ضاعت، أن القول قوله. وقال أكثرهم: مع يمينه. ~~وإن ادعى ردها على صاحبها، فالقول قوله مع يمينه أيضا. وبه قال الثوري، ~~والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وبه قال مالك إن كان دفعها إليه بغير ~~بينة. وإن كان أودعه ببينة لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة # ولنا، أنه أمين لا منفعة له في قبضها، فقبل قوله في الرد بغير بينة، كما ~~لو أودع بغير بينة. وإن قال: دفعتها إلى فلان بأمرك. فأنكر مالكها الإذن في ~~دفعها، فالقول قول المودع. نص عليه أحمد، في رواية ابن منصور. وهو قول ابن ~~أبي ليلى. وقال مالك، والثوري، والعنبري، والشافعي، وأصحاب الرأي: القول ~~قول المالك؛ لأن الأصل عدم الإذن، وله تضمينه. ولنا، أنه ادعى دفعا يبرأ به ~~من الوديعة، فكان القول قوله، كما لو ادعى ردها على مالكها. ولو اعترف ~~المالك بالإذن، ولكن قال: لم يدفعها. فالقول قول المستودع أيضا، ثم ننظر في ~~المدفوع إليه؛ فإن أقر أنه قبضه، وكان الدفع في دين، فقد برئ ms3429 الكل، وإن ~~أنكر. # فالقول قوله مع يمينه. وقد ذكر أصحابنا أن الدافع يضمن؛ لكونه قضى الدين ~~بغير بينة، ولا يجب اليمين على صاحب الوديعة؛ لأن المودع مفرط، لكونه أذن ~~في قضاء يبرئه من الحق ولم يبرأ بدفعه، فكان ضامنا، سواء صدقه أو كذبه. وإن ~~أمره بدفعه وديعة، لم يحتج إلى بينة، لأن المودع يقبل قوله في التلف والرد، ~~فلا فائدة في الإشهاد عليه. فعلى هذا يحلف المودع، ويبرأ، ويحلف الآخر ~~ويبرأ أيضا، ويكون ذهابها من مالكها. ### | [فصل أودع بهيمة فأمره صاحبها بعلفها وسقيها] # (5063) فصل: وإذا أودع بهيمة، فأمره صاحبها بعلفها وسقيها، لزمه ذلك ~~لوجهين؛ # PageV06P448 # أحدهما، لحرمة صاحبها؛ لأنه أخذها منه على ذلك. والثاني، لحرمة البهيمة، ~~فإن الحيوان يجب إحياؤه بالعلف والسقي. ويحتمل أن لا يلزمه علفها. إلا أن ~~يقبل ذلك؛ لأن هذا تبرع منه، فلا يلزمه بمجرد أمر صاحبها، كغير الوديعة. ~~وإن أطلق ولم يأمره بعلفها، لزمه ذلك أيضا. وبهذا قال الشافعي. ويحتمل أن ~~لا يلزمه ذلك. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه استحفظه إياها، ولم يأمر بعلفها، ~~والعلف على مالكها، فإذا لم يعلفها كان هو المفرط في ماله # ولنا، أنه لا يجوز إتلافها، ولا التفريط فيها، فإذا أمره بحفظها تضمن ذلك ~~علفها وسقيها، ثم ننظر؛ فإن قدر المستودع على صاحبها أو وكيله، طالبه ~~بالإنفاق عليها، أو بردها عليه، أو يأذن له في الإنفاق عليها ليرجع به. ~~فإذا عجز عن صاحبها أو وكيله، رفع الأمر إلى الحاكم، فإن وجد لصاحبها مالا ~~أنفق عليها منه، وإن لم يجد مالا فعل ما يرى لصاحبها الحظ فيه، من بيعها، ~~أو بيع بعضها وإنفاقه عليها، أو إجارتها، أو الاستدانة على صاحبها من بيت ~~المال، أو من غيره، ويدفع ذلك إلى المودع إن أراد ذلك لينفقه عليها، وإن ~~رأى دفعه إلى غيره ليتولى الإنفاق عليها، جاز. # وإن استدان من المودع، جاز أن يدفعه إليه ليتولى الإنفاق عليها؛ لأنه ~~أمين عليها. ويجوز أن يأذن له الحاكم في أن ينفق عليها من ماله، ويكون ~~قابضا لنفسه من نفسه، ms3430 ويكل ذلك إلى اجتهاده في قدر ما ينفق، ويرجع به على ~~صاحبها، فإن اختلفا في قدر النفقة، فالقول قول المودع إذا ادعى النفقة ~~بالمعروف، وإن ادعى أكثر من ذلك، لم يثبت له. وإن اختلفا في قدر المدة التي ~~أنفق فيها، فالقول قول صاحبها؛ لأن الأصل عدم ذلك. فإن لم يقدر على الحاكم، ~~فأنفق عليها محتسبا بالرجوع على صاحبها، وأشهد على الرجوع، رجع بما أنفق، ~~رواية واحدة. # لأنه مأذون فيه عرفا، ولا تفريط منه إذا لم يجد حاكما. وإن فعل ذلك مع ~~إمكان استئذان الحاكم من غير إذنه، فهل له الرجوع؟ يخرج على روايتين. نص ~~عليها فيما إذا أنفق على البهيمة المرهونة من غير إذن الراهن، وفي الضامن ~~إذا ضمن وأدى بغير إذن المضمون عنه، هل يرجع به؟ على روايتين؛ إحداهما، ~~يرجع به؛ لأنه مأذون فيه عرفا. والثانية، لا يرجع؛ لأنه مفرط بترك استئذان ~~الحاكم. وإن أنفق من غير إشهاد، مع العجز عن استئذان الحاكم، أو مع إمكانه، ~~ففي الرجوع وجهان أيضا كذلك. ومتى علف البهيمة أو سقاها في داره، أو غيرها، ~~بنفسه، أو أمر غلامه أو صاحبه، ففعل ذلك، كما يفعل في بهائمه. # على ما جرت به العادة، فلا ضمان عليه؛ لأن هذا مأذون فيه عرفا، لجريان ~~العادة به، فأشبه المصرح به. # PageV06P449 ### | [فصل أودعه البهيمة وقال لا تعلفها ولا تسقها] # (5064) فصل وإن أودعه البهيمة، وقال: لا تعلفها، ولا تسقها. لم يجز له ~~ترك علفها؛ لأن للحيوان حرمة في نفسه يجب إحياؤه لحق الله تعالى. فإن علفها ~~وسقاها، كان كالقسم الذي قبله، وإن تركها حتى تلفت، لم يضمنها. وهذا قول ~~عامة أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: يضمن لأنه تعدى بترك علفها، أشبه ما إذا ~~لم ينهه. وهذا قول ابن المنذر؛ لنهي رسول الله عن إضاعة المال. فيصير أمر ~~مالكها وسكوته سواء. ولنا، أنه ممتثل لأمر صاحبها، فلم يضمنها، كما لو قال: ~~اقتلها فقتلها، وكما لو قال: لا تخرج الوديعة، وإن خفت عليها. # فخاف عليها ولم يخرجها، أو أمره صاحبها بإلقائها في نار ms3431 أو بحر. وبهذا ~~ينتقض ما ذكروه. ومنع ابن المنذر الحكم فيما إذا أمره بإتلافها وأتلفها؛ ~~لما تقدم. ولا يصح؛ لأنه ثابت لصاحبها فلم يغرم له شيئا، كما لو استنابه في ~~مباح، والتحريم أثره في بقاء حق الله تعالى وهو التأثيم، أما حق الآدمي فلا ~~يبقى مع إذنه في تفويته، ولأنها لم تتلف بفعله، وإنما تلفت بترك العلف ~~المأذون فيه، أشبه ما لو قال له: لا تخرجها إذا خفت عليها. فلم يخرجها. ### | [مسألة كان في يده وديعة فادعاها نفسان] # (5065) مسألة؛ قال: (ولو كان في يده وديعة، فادعاها نفسان، فقال: أودعني ~~أحدهما ولا أعرفه عينا. أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف أنها له، ~~وسلمت إليه) وجملته أن من كانت عنده وديعة، فادعاها نفسان، فأقر بها ~~لأحدهما، سلمت إليه؛ لأن يده دليل ملكه، فلو ادعاها لنفسه، كان القول قوله. ~~فإذا أقر بها لغيره، وجب أن يقبل، ويلزمه أن يحلف للآخر؛ لأنه منكر لحقه، ~~فإن حلف برئ، وإن نكل لزمه أن يغرم له قيمتها. # لأنه فوتها عليه. وكذلك لو أقر للثاني بها بعد أن أقر بها للأول، سلمت ~~إلى الأول؛ لأنه استحقها بإقراره، وغرم قيمتها للثاني. نص على هذا أحمد. ~~وإن أقر بها لهما جميعا، فهي بينهما، ويلزمه اليمين لكل واحد منهما في ~~نصفها. وإن قال: هي لأحدهما لا أعرفه عينا. فاعترفا له بجهله، تعين المستحق ~~لها، فلا يمين عليه. وإن ادعيا معرفته، فعليه يمين واحدة أنه لا يعلم ذلك. ~~وقال أبو حنيفة: يحلف يمينين، كما لو أنكر أنها لهما. ولنا، أن الذي يدعى ~~عليه أمر واحد، وهو العلم بعين المالك، فكفاه يمين واحدة كما لو ادعياها ~~فأقر بها # PageV06P450 # لأحدهما، ويفارق ما إذا أنكرها. # لأن كل واحد منهما يدعي عليه أنها له، فهما دعويان، فإن حلف أقرع بينهما، ~~فمن قرع صاحبه حلف، وسلمت إليه. وقال الشافعي: يتحالفان، ويوقف الشيء ~~بينهما حتى يصطلحا. وهو قول ابن أبي ليلى؛ لأنه لا يعلم المالك منهما. ~~وللشافعي قول آخر، أنها تقسم بينهما، كما لو أقر بها لهما. ms3432 وهذا الذي حكاه ~~ابن المنذر عن ابن أبي ليلى، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه فيما حكي عنهم، ~~قالوا: ويضمن المستودع نصفها لكل واحد منهما؛ لأنه فوت ما استودع بجهله. # ولنا، أنهما تساويا في الحق فيما ليس بأيديهما، فوجب أن يقرع بينهما، ~~كالعبدين إذا أعتقهما في مرضه فلم يخرج من الثلث إلا أحدهما، أو كما لو ~~أراد السفر بإحدى نسائه وقول أبي حنيفة ليس بصحيح؛ فإن العين لم تتلف، ولو ~~تلفت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه، وليس في جهله تفريط، إذ ليس في وسعه أن ~~لا ينسى ولا يجهل. ### | [مسألة أودع شيئا فأخذ بعضه ثم رده أو مثله فضاع الكل] # (5066) مسألة؛ قال: (ومن أودع شيئا، فأخذ بعضه، ثم رده أو مثله، فضاع ~~الكل، لزمه مقدار ما أخذ) وجملته أن من أودع شيئا، فأخذ بعضه، لزمه ضمان ما ~~أخذ، فإن رده أو مثله، لم يزل الضمان عنه. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: ~~لا ضمان عليه إذا رده أو مثله. وقال أصحاب الرأي: إن لم ينفق ما أخذه، ورد، ~~لم يضمن، وإن أنفقه ثم رده أو مثله ضمن. ولنا، أن الضمان تعلق بذمته ~~بالأخذ، بدليل أنه لو تلف في يده قبل رده ضمنه، فلا يزول إلا برده إلى ~~صاحبه كالمغصوب. # فأما سائر الوديعة، فينظر فيه؛ فإن كان في كيس مختوم أو مشدود، فكسر ~~الختم أو حل الشد، ضمن، سواء أخرج منه أو لم يخرج؛ لأنه هتك الحرز بفعل ~~تعدى به. وإن خرق الكيس فوق الشد، فعليه ضمان ما خرق خاصة؛ لأنه ما هتك ~~الحرز. وإن لم تكن الدراهم في كيس، أو كانت في كيس غير مشدود، أو كانت ~~ثيابا فأخذ منها واحدا ثم رده بعينه، لم يضمن غيره؛ لأنه لم يتعد في غيره. ~~وإن رد بدله وكان متميزا، لم يضمن غيره لذلك، وإن لم يكن متميزا، فظاهر ~~كلام الخرقي هاهنا أنه لا يضمن غيره # لأن التعدي اختص به، فيختص الضمان به، وخلط المردود بغيره لا يقتضي ~~الضمان؛ لأنه يجب رده معها، فلم ms3433 يفوت على نفسه إمكان ردها، بخلاف ما إذا ~~خلطه بغيره. ولو أذن له صاحب الوديعة في الأخذ منها، ولم يأمره برد بدله، ~~فأخذ ثم رد بدل ما أخذ فهو كرد بدل ما لم يؤذن في أخذه. وقال القاضي: يضمن ~~الكل. وهو قول الشافعي؛ لأنه خلط الوديعة بما لا يتميز منها، فضمن الكل، ~~كما لو خلطها بغير البدل. # PageV06P451 # وقد ذكرنا فرقا بين البدل وغيره، فلا يصح القياس. # وقال أبو حنيفة: إذا كسر ختم الكيس، لم يلزمه ضمان الوديعة؛ لأنه لم يتعد ~~في غيره. ولنا، أنه هتك حرزها، فضمنها إذا تلفت، كما لو أودعه إياها في ~~صندوق مقفل، ففتحه وتركه مفتوحا. ولا نسلم أنه لم يتعد في غير الختم. ### | [فصل ضمن الوديعة بالاستعمال أو بالجحد ثم ردها إلى صاحبها] # (5067) فصل: وإذا ضمن الوديعة بالاستعمال أو بالجحد، ثم ردها إلى صاحبها، ~~زال عنه الضمان، فإن ردها صاحبها إليه، كان ابتداء استئمان، وإن لم يردها ~~إليه، ولكن جدد له الاستئمان أو أبرأه من الضمان، برئ من الضمان، في ظاهر ~~المذهب؛ لأن الضمان حقه، فإذا أبرأه منه برئ، كما لو أبرأه من دين في ذمته. ~~وإذا جدد له استئمانا، فقد انتهى القبض المضمون به، فزال الضمان. وقد قال ~~أصحابنا: إذا رهن المغصوب عند الغاصب، أو أودعه عنده، زال عنه ضمان الغصب، ~~فهاهنا أولى. ### | [فصل أخذ الوديعة ليستعملها أو ليخزن فيها ثم ردها إلى موضعها بنية الأمانة] # (5068) فصل: ولو تعدى فلبس الثوب، وركب الدابة، أو أخذ الوديعة ~~ليستعملها، أو ليخزن فيها، ثم ردها إلى موضعها بنية الأمانة، لم يبرأ من ~~الضمان. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يبرأ؛ لأنه ممسك لها بإذن ~~مالكها فأشبه ما قبل التعدي. ولنا، أنه ضمنها بعدوان، فبطل الاستئمان، كما ~~لو جحدها ثم أقر بها، وبهذا يبطل ما ذكروه. ### | [فصل لا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف] # (5069) فصل: ولا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف، فإن أودع طفل أو معتوه ~~إنسانا وديعة، ضمنها بقبضها، ولا يزول الضمان عنه بردها إليه، وإنما يزول ms3434 ~~بدفعها إلى وليه الناظر له في ماله، أو الحاكم. فإن كان الصبي مميزا، صح ~~إيداعه لما أذن له في التصرف فيه؛ لأنه كالبالغ بالنسبة إلى ذلك. فإن أودع ~~رجل عند صبي أو معتوه وديعة، فتلفت، لم يضمنها، سواء حفظها أو فرط في ~~حفظها. فإن أتلفها، أو أكلها، ضمنها في قول القاضي وظاهر مذهب الشافعي. ومن ~~أصحابنا من قال: لا ضمان عليه. # وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه سلطه على إتلافها بدفعها إليه، فلا يلزمه ~~ضمانها، ألا ترى أنه لو دفع إلى صغير سكينا، فوقع عليها، كان ضمانه على ~~عاقلته؟ ولنا، أن ما ضمنه بإتلافه قبل الإيداع، ضمنه بعد الإيداع، كالبالغ. ~~ولا يصح قولهم: إنه سلطه على إتلافها. وإنما استحفظه إياها، وفارق دفع ~~السكين، فإنه سبب للإتلاف، ودفع الوديعة بخلافه. # PageV06P452 ### | [فصل أودع عبدا وديعة] # (5070) فصل: وإن أودع عبدا وديعة، خرج على الوجهين في الصغير، إن قلنا: ~~لا يضمن الصبي. فأتلفها العبد، كانت في ذمته. وإن قلنا: يضمن. كانت في ~~رقبته. ### | [فصل غصبت الوديعة من المودع قهرا] # (5071) فصل: وإن غصبت الوديعة من المودع قهرا، فلا ضمان عليه، سواء أخذت ~~من يده، أو أكره على تسليمها فسلمها بنفسه؛ لأن الإكراه عذر له، يبيح له ~~دفعها، فلم يضمنها، كما لو أخذت من يده قهرا. ### | [باب قسمة الفيء والغنيمة والصدقة] # الفيء: هو الراجع إلى المسلمين من مال الكفار بغير قتال. يقال: فاء ~~الفيء. إذا رجع نحو المشرق. والغنيمة: ما أخذ منهم قهرا بالقتال. واشتقاقها ~~من الغنم، وهو الفائدة. وكل واحد منهما في الحقيقة فيء وغنيمة، وإنما خص كل ~~واحد منهما باسم ميز به عن الآخر، والأصل فيهما قول الله تعالى: {ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى} [الحشر: 7] الآية، وقوله سبحانه: {واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] الآية. ### | [مسألة الأموال ثلاثة فيء وغنيمة وصدقة] # (5072) مسألة؛ قال: (والأموال ثلاثة فيء وغنيمة، وصدقة) يعني - والله ~~أعلم - أن الأموال التي تليها الولاة من أموال المسلمين، فأنها ثلاثة ~~أقسام؛ قسمان يؤخذان من مال المشركين، أحدهما الفيء: ms3435 وهو ما أخذ من مال ~~مشرك لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، كالذي تركوه فزعا من المسلمين وهربوا، ~~والجزية عشر أموال أهل دار الحرب إذا دخلوا إلينا تجارا، ونصف عشر تجارات ~~أهل الذمة، وخراج الأرضين، ومال من مات من المشركين ولا وارث له. # والغنيمة: ما أخذ بالقهر والقتال من الكفار. والقسم الثالث؛ الصدقة: وهو ~~ما أخذ من مال مسلم تطهيرا له، وهو الزكاة، وقد ذكرناها. يروى أن عمر - رضي ~~الله عنه - قرأ قوله تعالى {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] ~~حتى بلغ: {عليم حكيم} [التوبة: 60] . ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ {واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] حتى بلغ: {وابن السبيل} ~~[الأنفال: 41] . # PageV06P453 # ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} ~~[الحشر: 7] حتى بلغ: {والذين جاءوا من بعدهم} [الحشر: 10] . ثم قال: هذه ~~استوعبت المسلمين عامة، ولئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها، ~~لم يعرق به جبينه # (5073) فصل: ولم تكن الغنائم تحل لمن مضى من الأمم وإنما علم الله ضعفنا، ~~فطيبها لنا، رحمة لنا، ورأفة بنا، وكرامة لنبينا - صلى الله عليه وسلم -. ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي ~~قبلي» . فذكر فيها: «أحلت لي الغنائم» . متفق عليه. وقال سعيد: حدثنا أبو ~~معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس غيركم، كانت تنزل نار ~~من السماء تأكلها» ثم كانت في أول الإسلام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # بدليل قول الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ~~فاتقوا الله} [الأنفال: 1] ثم صار أربعة أخماسها للغانمين، والخمس لغيرهم، ~~بدليل قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] ~~. فأضاف الغنيمة إليهم، وجعل الخمس لغيرهم، فيدل ذلك على أن سائرها لهم، ~~وجرى ذلك مجرى قوله تعالى: {وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] . أضاف ~~ميراثه إليهما، ثم جعل للأم منه الثلث، ms3436 فدل على أن الباقي للأب. وقال ~~تعالى: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} [الأنفال: 69] فأحلها لهم. ### | [مسألة الفيء ما أخذ من مال مشرك بحال] # مسألة؛ قال: (فالفيء ما أخذ من مال مشرك بحال، ولم يوجف عليه بخيل ولا ~~ركاب. والغنيمة ما أوجف عليها) الركاب: الإبل خاصة. والإيجاف أصله التحريك، ~~والمراد ها هنا الحركة في السير إليه. قال قتادة: {فما أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب} [الحشر: 6] ما قطعتم واديا، ولا سيرتم إليها دابة، إنما كانت ~~حوائط بني # PageV06P454 # النضير، أطعمها الله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو عبيد: ~~الإيجاف، الإيضاع. يعني الإسراع. وقال الزجاج: الوجيف دون التقريب من ~~السير. يقال: وجف الفرس، وأوجفت أنا. # قال الله تعالى {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب} [الحشر: 6] فكل ما أخذ من مال مشرك بغير إيجاف، مثل الأموال التي ~~يتركونها فزعا من المسلمين، ونحو ذلك، فهو فيء. وما أجلب عليه المسلمون ~~وساروا إليه، وقاتلوهم عليه، فهو غنيمة، سواء أخذ عنوة أو استنزلوا أهله ~~بأمان. # فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - «افتتح حصون خيبر بعضها عنوة، وبعضها ~~استنزل أهله بالأمان، فكانت غنيمة كلها.» ### | [مسألة خمس الفيء والغنيمة مقسوم على خمسة أسهم] ### | [الفصل الأول الفيء مخموس كما تخمس الغنيمة] # (5075) مسألة؛ قال: (فخمس الفيء والغنيمة مقسوم على خمسة أسهم) في هذه ~~المسألة فصول أربعة: (5076) الفصل الأول: أن الفيء مخموس، كما تخمس ~~الغنيمة، في إحدى الروايتين. وهو مذهب الشافعي. والرواية الثانية، لا يخمس. ~~نقلها أبو طالب، فقال: إنما تخمس الغنيمة. قال القاضي: لم أجد مما قال ~~الخرقي من أن الفيء مخموس نصا فأحكيه، وإنما نص على أنه غير مخموس. وهذا ~~قول عامة أهل العلم. # قال ابن المنذر: ولا تحفظ عن أحد قبل الشافعي في الفيء خمس، كخمس ~~الغنيمة. وأخبار عمر تدل على ما قاله الشافعي، ولأن الله تعالى قال: {ما ~~أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله} [الحشر: 7] إلى قوله: {والذين ~~جاءوا من بعدهم} [الحشر: 10] . الآية. فجعله كله لهم، ولم ms3437 يذكر خمسا. ولما ~~قرأ عمر هذه الآية قال: هذه استوعبت المسلمين. ووجه الأول قول الله تعالى: ~~{ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر: 7] ~~فظاهر هذا أن جميعه لهؤلاء. # وهم أهل الخمس، وجاءت الأخبار عن عمر دالة على اشتراك جميع المسلمين فيه، ~~فوجب الجمع بينهما، كي لا تتناقض الآية والأخبار وتتعارض، وفي إيجاب الخمس ~~فيه جمع بينهما وتوفيق، فإن خمسه للذي سمي في الآية، وسائره ينصرف إلى من ~~في الخبر، كالغنيمة. ولأنه مال مشترك مظهور عليه، فوجب أن يخمس، كالغنيمة ~~والركاز. وروى البراء بن عازب، قال: لقيت خالي ومعه الراية، فقلت: إلى أين؟ ~~فقال: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل عرس بامرأة أبيه، ~~أن أضرب عنقه وأخمس ماله» . # PageV06P455 ### | [الفصل الثاني الغنيمة مخموسة] # (5077) الفصل الثاني: أن الغنيمة مخموسة، ولا اختلاف في هذا بين أهل ~~العلم بحمد الله. وقد نطق به الكتاب العزيز، فقال الله تعالى: {واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] لكن اختلف في أشياء؛ منها ~~سلب القاتل، وأكثر أهل العلم على أنه لا يخمس؛ فإن عمر - رضي الله عنه - ~~قال: كنا لا نخمس السلب. وقول النبي: «من قتل قتيلا فله سلبه» . يقتضي أنه ~~له كله، ولو خمس لم يكن جميعه له. وعن أبي قتادة «، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نفله سلب رجل قتله يوم حنين، ولم يخمس» رواه سعيد، في " ~~سننه ". # ومنها، إذا قال الإمام: من جاء بعشرة رءوس فله رأس، ومن طلع الحصن فله ~~كذا من النفل. فالظاهر أن هذا غير مخموس؛ لأنه في معنى السلب. ومنها، إذا ~~قال الإمام: من أخذ شيئا فهو له. وقلنا: يجوز ذلك. فقد قيل: لا خمس فيه؛ ~~لأنه في معنى الذي قبله. والصحيح أن الخمس لا يسقط؛ لأنه يدخل في عموم ~~الآية، ولا يدخل في معنى السلب والنفل؛ لأن ترك تخميسهما لا يسقط خمس ~~الغنيمة بالكلية، وهذا يسقطه، فلا ms3438 يكون تخصيصا بل نسخا لحكمها، ونسخها ~~بالقياس غير جائز اتفاقا. # ومنها؛ إذا دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن الإمام، فقد قيل: إن ~~ما غنموه لهم من غير أن يخمس. والصحيح أنه يخمس، ويدفع إليهم أربعة أخماسه؛ ~~لدخوله في عموم الآية، وعدم دليل يوجب تخصيصه. ### | [الفصل الثالث الخمس مما يجب خمسه من الفيء والغنيمة شيء واحد في مصرفهما وحكمهما] # (5078) الفصل الثالث: أن الخمس مما يجب خمسه من الفيء والغنيمة شيء واحد، ~~في مصرفهما، وحكمهما، ولا اختلاف في هذا بين القائلين بوجوب الخمس فيهما، ~~فإن القائل بوجوب الخمس في الفيء غير من قاله من أصحابنا الشافعي، وقد وافق ~~على هذا، فإنه قال: في الفيء والغنيمة يجتمعان في أن فيهما الخمس لمن سماه ~~الله تعالى: يعني في سورة الأنفال، في قوله سبحانه وتعالى: {واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] . وفي سورة الحشر، في قوله ~~تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} [الحشر: 7] الآية، والمسمون ~~في الآيتين شيء واحد. ### | [الفصل الرابع خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم] # (5079) الفصل الرابع: أن الخمس يقسم على خمسة أسهم. وبهذا قال عطاء، ~~ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وقتادة، # PageV06P456 # وابن جريج، والشافعي. وقيل: يقسم على ستة؛ سهم لله تعالى وسهم لرسوله ~~لظاهر قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] . فعد ستة، وجعل ~~الله تعالى لنفسه سهما سادسا، وهو مردود على عباد الله أهل الحاجة. # وقال أبو العالية: سهم الله عز وجل هو أنه إذا عزل الخمس ضرب بيده فيه، ~~فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، فهو الذي سمي لله لا تجعلوا له نصيبا، ~~فإن لله الدنيا والآخرة، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة أسهم. وروي ~~عن الحسن، وقتادة، في سهم ذي القربى، كانت طعمة لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في حياته، فلما توفي حمل عليه أبو بكر وعمر في سبيل الله. وروى ابن ~~عباس، أن أبا بكر وعمر ms3439 قسما الخمس على ثلاثة أسهم # ونحوه حكي عن الحسن بن محمد بن الحنفية. وهو قول أصحاب الرأي، قالوا: ~~يقسم الخمس على ثلاثة؛ اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وأسقطوا سهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بموته، وسهم قرابته أيضا. وقال مالك: الفيء ~~والخمس واحد، يجعلان في بيت المال. قال ابن القاسم: وبلغني عمن أثق به، أن ~~مالكا قال: يعطي الإمام أقرباء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما ~~يرى وقال الثوري والحسن: يضعه الإمام حيث أراه الله عز وجل. # ولنا، قول الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] . وسهم الله ~~والرسول واحد. كذا قال عطاء، والشعبي. وقال الحسن بن محمد بن الحنفية ~~وغيره: قوله: {فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] افتتاح كلام. يعني أن ذكر الله ~~تعالى لافتتاح الكلام باسمه، تبركا به. لا لإفراده بسهم، فإن لله تعالى ~~الدنيا والآخرة. # وقد روي عن ابن عمر، وابن عباس، قالا: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقسم الخمس على خمسة» وما ذكره أبو العالية فشيء لا يدل عليه رأي، ~~ولا يقتضيه قياس، ولا يصار إليه إلا بنص صحيح يجب التسليم له، ولا نعلم في ~~ذلك أثرا صحيحا، سوى قوله، فلا يترك ظاهر النص وقول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وفعله من أجل قول أبي العالية. وما قاله أبو حنيفة، فمخالف ~~لظاهر الآية فإن الله تعالى سمى لرسوله وقرابته شيئا، وجعل لهما في الخمس ~~حقا، كما سمى للثلاثة الأصناف الباقية، فمن خالف ذلك، فقد خالف نص الكتاب. # وأما حمل أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، على سهم ذي القربى في سبيل ~~الله، فقد ذكر لأحمد، فسكت، وحرك # PageV06P457 # رأسه، ولم يذهب إليه، ورأى أن قول ابن عباس ومن وافقه أولى؛ لموافقته ~~كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإن ابن عباس لما سئل ~~عن سهم ذي القربى، قال: إنا كنا نزعم أنه لنا، فأبى ذلك علينا قومنا. ولعله ~~أراد بقوله: أبى ms3440 ذلك علينا قومنا. فعل أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، في ~~حملهما عليه في سبيل الله، ومن تبعهما على ذلك. # ومتى اختلف الصحابة، وكان قول بعضهم يوافق الكتاب والسنة، كان أولى. وقول ~~ابن عباس موافق للكتاب والسنة؛ فإن جبير بن مطعم روى، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «لم يقسم لبني عبد شمس ولا بني نوفل من الخمس شيئا، كما ~~كان يقسم لبني هاشم ولبني المطلب» وإن أبا بكر كان يقسم الخمس نحو قسم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، كما كان يعطيهم، وكان عمر يعطيهم وعثمان من بعده رواه ~~أحمد في " مسنده " وقد تكلم في رواية ابن عباس عن أبي بكر وعمر، أنهما حملا ~~على سهم ذي القربى في سبيل الله؛ فقيل: إنه يرويه محمد بن مروان وهو ضعيف، ~~عن الكلبي، وهو ضعيف أيضا. # ولا يصح عند أهل النقل. فإن قالوا: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ليس ~~بباق، فكيف يبقى سهمه؟ قلنا: جهة صرفه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مصلحة المسلمين، المصالح باقية، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ~~يحل لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه، إلا الخمس» ، وهو مردود عليكم " ~~رواه سعيد. ### | [مسألة سهم رسول الله في الغنيمة يصرف في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين] # (5080) مسألة؛ قال: (وسهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرف في ~~الكراع والسلاح ومصالح المسلمين) وهذا قول الشافعي، فإنه قال: أختار أن ~~يضعه الإمام في كل أمر خص به الإسلام وأهله، من سد ثغر، وإعداد كراع أو ~~سلاح، أو إعطائه أهل البلاء في الإسلام نفلا عند الحرب وغير الحرب. وهذا ~~نحو ما قال الخرقي. وهذا السهم كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~الغنيمة، حضر أو لم يحضر، كما أن سهام بقية أصحاب الخمس لهم، حضروا أو لم ~~يحضروا # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع به ما شاء، فلما توفي وليه ~~أبو بكر، ms3441 ولم يسقط بموته. وقد قيل: إنما أضافه الله تعالى إلى نفسه وإلى ~~رسوله، ليعلم أن جهته جهة المصلحة، وأنه ليس بمختص بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيسقط بموته. # PageV06P458 # وزعم قوم أنه سقط بموته، ويرد على أنصباء الباقين من أهل الخمس؛ لأنهم ~~شركاؤه. وقال آخرون: بل يرد على الغانمين؛ لأنهم استحلوها بقتالهم، وخرجت ~~منها سهام منها سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما دام حيا، فإذا مات وجب ~~رده إلى من وجد سبب الاستحقاق فيه، كما أن تركة الميت إذا خرج منها سهم ~~بوصية، ثم بطلت الوصية، رد إلى التركة. # وقالت طائفة: هو للخليفة بعده؛ لأن أبا بكر روى عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «إذا أطعم الله نبيا طعمة، ثم قبضه فهي للذي يقوم بها من ~~بعده» وقد رأيت أن أرده على المسلمين. والصحيح أنه باق، وأنه يصرف في مصالح ~~المسلمين، لكن الإمام يقوم مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في صرفه فيما ~~يرى، فإن، أبا بكر - رضي الله عنه - قال: لا أدع أمرا رأيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصنعه فيه إلا صنعته. متفق عليه. وروي عن الحسن بن محمد ~~بن الحنفية، أنه قال: اختلفوا في هذين السهمين - يعني سهم الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - وسهم ذي القربى - فأجمع رأيهم على أن يجعلوهما في الخيل ~~والعدة في سبيل الله، فكانا في خلافة أبي بكر وعمر في الخيل والعدة في سبيل ~~الله. ### | [فصل كان لرسول الله من المغنم الصفي] # (5081) فصل: وكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المغنم الصفي، ~~وهو شيء يختاره من المغنم قبل القسمة، كالجارية والعبد والثوب والسيف ~~ونحوه. وهذا قول محمد بن سيرين، والشعبي، وقتادة، وغيرهم من أهل العلم. ~~وقال أكثرهم: إن ذلك انقطع بموت النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال أحمد: ~~الصفي إنما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، لم يبق بعده. ولا نعلم ~~مخالفا لهذا إلا أبا ثور، فإنه قال: إن كان الصفي ثابتا للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فللإمام ms3442 أن يأخذه على نحو ما كان يأخذه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ويجعله مجعل سهم النبي من خمس الخمس. # فجمع بين الشك فيه في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومخالفة الإجماع ~~في إبقائه بعد موته. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا سبق أبا ثور إلى هذا ~~القول وقد أنكر قوم كون الصفي للنبي - صلى الله عليه وسلم - واحتجوا بما ~~روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رفع وبرة من ظهر بعيره، فقال: «ما يحل لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه، ~~إلا الخمس» ، وهو مردود عليكم رواه سعيد. ورواه أبو داود، بإسناده عن أبي ~~أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # ولأن الله تعالى قال: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} ~~[الأنفال: 41] . فمفهومه أن باقيها للغانمين. ولنا، ما روى أبو داود، ~~بإسناده، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى بني زهير بن أقيش: إنكم ~~إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأديتم الزكاة، وأديتم ~~الخمس من # PageV06P459 # المغنم، وسهم الصفي، إنكم آمنون بأمان الله ورسوله» . وفي حديث وفد عبد ~~القيس، الذي رواه ابن عباس: " وأن يعطوا سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والصفي. # وقالت عائشة: كانت صفية من الصفي. رواه أبو داود. وأما انقطاعه بعد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فثابت بإجماع الأمة قبل أبي ثور وبعده عليه، وكون ~~أبي بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم لم يأخذوه، ولا ذكره أحد منهم، ولا يجمعون ~~على ترك سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ### | [مسألة خمس من الغنيمة مقسوم في صليبة بني هاشم وبني المطلب] ### | [الفصل الأول سهم ذي القربى ثابت بعد موت النبي في الغنيمة] # (5082) مسألة؛ قال: (وخمس مقسوم في صليبة بني هاشم وبني المطلب ابني عبد ~~مناف، حيث كانوا، للذكر مثل حظ الأنثيين) يعني بقوله: " في صليبة بني هاشم ~~". أولاده دون من يعد معهم من مواليهم وحلفائهم. وفي هذه المسألة فصول ~~خمسة: (5083) أحدها: أن سهم ms3443 ذي القربى ثابت بعد موت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وقد مضى ذكر ذلك، والخلاف فيه. وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه من ~~ذوي السهام، وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعطيهم، فروى جبير ~~بن مطعم، قال: «وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم ذي القربى في بني ~~هاشم وبني المطلب، وترك بني نوفل وبني عبد شمس.» وذكر الحديث، رواه أبو ~~داود. # ولم يأت لذلك نسخ ولا تغيير، فوجب القول به، والعمل بحكمه. قال أحمد: ~~حدثنا وكيع، حدثنا أبو معشر، عن المقبري، قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله ~~عن سهم ذي القربى، فكتب ابن عباس: إنا كنا نزعم أنه لنا، فأبى ذلك علينا ~~قومنا. قال أحمد: أنا أذهب إلى أنه لقرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على ما قال ابن عباس: " هو لنا ". ### | [الفصل الثاني ذوو القربى في الغنيمة هم بنو هاشم وبنو المطلب ابني عبد مناف دون غيرهم] # (5084) الفصل الثاني: أن ذا القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب ابني عبد ~~مناف دون غيرهم؛ بدليل ما روى جبير بن مطعم، قال: «لما قسم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سهم ذوي القربى من خيبر، بين بني هاشم وبني المطلب، أتيت ~~أنا وعثمان بن عفان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول الله، ~~أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال ~~إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ ~~فقال: إنهم لم يفارقوني # PageV06P460 # في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد. وشبك بين ~~أصابعه.» وفي رواية: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» . رواه أحمد، ~~والبخاري. # فرعى لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - نصرتهم وموافقتهم بني هاشم. ومن ~~كانت أمه منهم وأبوه من غيرهم، لم يستحق شيئا؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يدفع إلى أقارب أمه وهم بنو زهرة شيئا، وإنما دفع إلى أقارب ~~أبيه، ولو دفع إلى أقارب أمه ms3444 لدفع إلى بني زهرة، وخبر جبير يدل على أنه لم ~~يعطهم شيئا، ولم يدفع أيضا إلى بني عماته، وهم الزبير بن العوام وعبد الله ~~والمهاجر ابنا أبي أمية، وبنو جحش. ### | [الفصل الثالث يشترك في خمس ذوي القربى الذكر والأنثى لدخولهم في اسم القرابة] # (5085) الفصل الثالث: أنه يشترك فيه الذكر والأنثى؛ لدخولهم في اسم ~~القرابة. واختلفت الرواية في قسمته بينهم. فعن أحمد، أنه يقسم بينهم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين. وهو اختيار الخرقي، ومذهب الشافعي؛ لأنه سهم استحق بقرابة ~~الأب شرعا، ففضل فيه الذكر على الأنثى كالميراث، ويفارق الوصية وميراث ولد ~~الأم؛ فإن الوصية استحقت بقول الموصي، وميراث ولد الأم استحق بقرابة الأم. ~~والرواية الثانية، يسوى بين الذكر والأنثى، وهو قول أبي ثور، والمزني، وابن ~~المنذر؛ لأنهم أعطوا باسم القرابة، والذكر والأنثى فيها سواء. # فأشبه ما لو وصى لقرابة فلان، أو وقف عليهم، ألا ترى أن الجد يأخذ مع ~~الأب، وابن الابن يأخذ مع الابن؟ وهذا يدل على مخالفة المواريث، ولأنه سهم ~~من خمس الخمس لجماعة، فيستوي فيه الذكر والأنثى كسائر سهامه، ويستوي بين ~~الصغير والكبير، على الروايتين؛ لاستوائهم في القرابة، فأشبه الميراث. ### | [الفصل الرابع في تقسيم سهم ذوي القربى يفرق بينهم] # (5086) الفصل الرابع: أنه يفرق بينهم حيث كانوا من الأمصار، ويجب تعميمهم ~~به حسب الإمكان. وهذا قول الشافعي. وقال بعضهم: يخص أهل كل ناحية بخمس ~~مغزاها الذي ليس لهم مغزى سواه، فما يؤخذ من مغزى الروم لأهل الشام ~~والعراق، وما يؤخذ من مغزى الترك لمن في خراسان من ذوي القربى؛ لما يلحق من ~~المشقة في نقله من المشرق إلى المغرب، ولأنه يتعذر تعميمهم به، فلم يحب، ~~كسائر أهل السهم. ووجه الأول أنه سهم مستحق بقرابة الأب، فوجب دفعه إلى ~~جميع المستحقين، كالميراث # فعلى هذا يبعث الإمام إلى عماله في الأقاليم، وينظر كم حصل من ذلك؟ فإن ~~استوت فيه، فرق كل خمس في من قاربه، # PageV06P461 # وإن اختلفت، أمر بحمل الفضل ليدفع إلى مستحقه، كالميراث. وفارق الصدقة، ~~حيث لا تنقل؛ لأن كل بلد ms3445 يكاد لا يخلو من صدقة تفرق على فقراء أهله، والخمس ~~يؤخذ في بعض الأقاليم، فلو لم ينقل لأدى إلى إعطاء البعض وحرمان البعض. ~~والصحيح، إن شاء الله، أنه لا يجب التعميم؛ لأنه يتعذر، فلم يجب، كتعميم ~~المساكين. # وما ذكر من بعث الإمام عماله وسعاته، فهو متعذر في زماننا؛ لأن الإمام لم ~~يبق له حكم إلا في قليل من بلاد الإسلام، ولم يبق له جهة في الغزو، ولا له ~~فيه أمر، ولأن هذا سهم من سهام الخمس، فلم يجب تعميمه، كسائر سهامه. فعلى ~~هذا يفرقه كل سلطان فيما أمكن من بلاده. ### | [الفصل الخامس غنيهم وفقيرهم سواء في تقسيم سهم ذوي القربى] # (5087) الفصل الخامس: أن غنيهم وفقيرهم فيه سواء. وهذا قول الشافعي، وأبي ~~ثور. وقيل: لا حق فيه لغني. قياسا له على بقية السهام. ولنا عموم قوله ~~تعالى: {ولذي القربى} [الأنفال: 41] . وهذا عام لا يجوز تخصيصه بغير دليل، ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي أقاربه كلهم، وفيهم الأغنياء، ~~كالعباس وغيره. ولم ينقل تخصيص الفقراء منهم، وقد روى الإمام أحمد، في " ~~مسنده "، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الزبير سهما وأمه سهما، ~~وفرسه سهمين» . # وإنما أعطى أمه من سهم ذي القربى، وقد كانت موسرة، ولها موال ومال، ولأنه ~~مال مستحق بالقرابة، فاستوى فيه الغني والفقير، كالميراث والوصية للأقارب. ~~ولأن عثمان وجبيرا طلبا حقهما منه، وسألا عن علة منعهما ومنع قرابتهما، ~~وهما موسران، فعلله النبي - صلى الله عليه وسلم - بنصرة بني المطلب دونهم، ~~وكونهم مع بني هاشم كالشيء الواحد، ولو كان اليسار مانعا والفقر شرطا، لم ~~يطلبا مع عدمه، ولعلل النبي - صلى الله عليه وسلم - منعهما بيسارهما ~~وانتفاء فقرهما. ### | [مسألة الخمس الثالث في الغنيمة لليتامى] # (5088) مسألة؛ قال: (والخمس الثالث لليتامى) وهم الذين لا آباء لهم، ولم ~~يبلغوا الحلم؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يتم بعد احتلام» ~~. قال بعض أصحابنا: لا يستحقون إلا مع الفقر. وهو المشهور من مذهب الشافعي؛ ~~لأن ذا الأب لا يستحق، والمال أنفع من وجود ms3446 الأب، ولأنه صرف إليهم لحاجتهم، ~~فإن اسم اليتم يطلق عليهم في العرف للرحمة، ومن كان إعطاؤه لذلك اعتبرت ~~الحاجة فيه. وفارق ذوي القربى، فإنهم استحقوا # PageV06P462 # لقربهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكرمة لهم، والغني والفقير ~~في القرب سواء، فاستويا في الاستحقاق. # ولم أعلم هذا نصا عن أحمد. وعموم الآية يقتضي تعميمهم. وقال بعض أصحاب ~~الشافعي: له قول آخر، أنه للغني والفقير؛ لعموم النص في كل يتيم، وقياسا له ~~على سهم ذي القربى، ولأنه لو خص به الفقير، لكان داخلا في جملة المساكين ~~الذين هم أصحاب السهم الرابع، وكان يستغنى عن ذكرهم وتسميتهم. قال أصحابنا: ~~ويفرق على الأيتام في جميع الأقطار، ولا يخص به أهل ذلك المغزى. والقول فيه ~~كالقول في سهم ذي القربى. وقد تقدم القول فيه. ### | [مسألة الخمس الرابع في الغنيمة للمساكين] # مسألة؛ قال: (والخمس الرابع للمساكين) وهم أهل الحاجة، ويدخل فيهم ~~الفقراء، والفقراء والمساكين صنفان في الزكاة، وصنف واحد ها هنا، وفي سائر ~~الأحكام، وإنما يقع التمييز بينهما إذا جمع بينهما بلفظين، ولم يرد ذلك إلا ~~في الزكاة، وسنذكرهم في أصنافها. قال أصحابنا: ويعم بها جميعهم في جميع ~~البلاد، كقولهم في سهم ذي القربى واليتامى. وقد تقدم قولنا في ذلك. ### | [مسألة الخمس الخامس في الغنيمة لابن السبيل] # (5090) مسألة؛ قال: (والخمس الخامس لابن السبيل) وسنذكره أيضا في أصناف ~~الصدقة، ويعطى كل واحد منهم قدر ما يوصله إلى بلده؛ لأن دفعنا إليه لأجل ~~الحاجة، فأعطي بقدرها. فإن اجتمع في واحد أسباب، كالمسكين إذا كان يتيما ~~وابن سبيل، استحق بكل واحد منها؛ لأنها أسباب لأحكام، فوجب أن نثبت ~~أحكامها، كما لو انفردت. فإن أعطاه ليتمه، فزال فقره، لم يعط لفقره شيئا. ### | [مسألة أربعة أخماس الفيء لجميع المسلمين] # (5091) مسألة؛ قال: (وأربعة أخماس الفيء لجميع المسلمين؛ غنيهم وفقيرهم ~~فيه سواء، إلا العبيد) لا نعلم خلافا بين أهل العلم اليوم في أن العبيد لا ~~حق لهم في الفيء. وظاهر كلام أحمد، والخرقي، أن سائر الناس لهم حق في ~~الفيء، غنيهم وفقيرهم. ذكر ms3447 أحمد الفيء فقال: فيه حق لكل المسلمين، وهو بين ~~الغني والفقير. وقال عمر، - رضي الله عنه -: ما من أحد من المسلمين إلا له ~~في هذا المال نصيب، إلا العبيد، فليس لهم فيه شيء. وقرأ عمر: {ما أفاء الله ~~على رسوله من أهل القرى} [الحشر: 7] حتى بلغ: {والذين جاءوا من بعدهم} ~~[الحشر: 10] # PageV06P463 # ثم قال: هذه استوعبت المسلمين عامة، ولئن عشت ليأتين الراعي بسرو حمير ~~نصيبه منها، لم يعرق فيها جبينه. # ولأنه مال مخموس، فلم يختص به من فيه منفعة، كأربعة أخماس الغنيمة. وذكر ~~القاضي أن أهل الفيء هم أهل الجهاد من المرابطين في الثغور، وجند المسلمين، ~~ومن يقوم بمصالحهم؛ لأن ذلك كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته، ~~لحصول النصرة والمصلحة به، فلما مات صارت للجند، ومن يحتاج إليه المسلمون، ~~فصار ذلك لهم دون غيرهم، وأما الأعراب ونحوهم ممن لا يعد نفسه للجهاد، فلا ~~حق لهم فيه. # والذين يغزون إذا نشطوا، يعطون من سهم سبيل الله من الصدقة. قال: ومعنى ~~كلام أحمد، أنه بين الغني والفقير، يعني الغني الذي فيه مصلحة المسلمين من ~~المجاهدين والقضاة والفقهاء. ويحتمل أن يكون معنى كلامه، أن لجميع المسلمين ~~الانتفاع بذلك المال؛ لكونه يصرف إلى من يعود نفعه على جميع المسلمين، ~~وكذلك ينتفعون بالعبور على القناطر والجسور المعقودة بذلك المال، وبالأنهار ~~والطرقات التي أصلحت به. وسياق كلامه يدل على أنه ليس مختصا بالجند وإنما ~~هو مصروف في مصالح المسلمين، لكن يبدأ بجند المسلمين؛ لأنهم أهل المصالح؛ ~~لكونهم يحفظون المسلمين. # فيعطون كفاياتهم، فما فضل قدم الأهم فالأهم من عمارة الثغور وكفايتها ~~بالأسلحة والكراع، وما يحتاج إليه، ثم الأهم فالأهم، من عمارة المساجد ~~والقناطر، وإصلاح الطرق، وكراء الأنهار، وسد بثوقها، وأرزاق القضاة والأئمة ~~والمؤذنين والفقهاء، ونحو ذلك مما للمسلمين فيه نفع. وللشافعي قولان، كنحو ~~مما ذكرنا. واحتجوا على أن أربعة أخماس الفيء كان لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في حياته، بما روى مالك بن أوس بن الحدثان قال: سمعت عمر بن ~~الخطاب، والعباس وعلي يختصمان إليه ms3448 في أموال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال عمر: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف ~~المسلمون عليه بخيل ولا ركاب. وكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خالصا دون المسلمين، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفق منها على ~~أهله نفقة سنته، فما فضل جعله في الكراع والسلاح، ثم توفي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فوليها أبو بكر بمثل ما وليها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم وليتها بمثل ما وليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو ~~بكر. متفق عليه. إلا أن فيه: يجعل ما بقي أسوة المال. وظاهر أخبار عمر تدل ~~على أن # PageV06P464 # لجميع المسلمين في الفيء حقا؛ فإنه لما قرأ الآية التي في سورة الحشر ~~قال: هذه الآية استوعبت المسلمين وجعل للراعي بسرو حمير منه نصيبا، وقال: ~~ما أحد إلا له في هذا المال نصيب. # وأما أموال بني النضير، فيحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفق ~~منه على أهله؛ لأن ذلك من أهم المصالح، فبدأ بهم، ثم جعل باقية أسوة المال. ~~ويحتمل أن تكون أموال بني النضير اختص بها النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~الفيء، وترك سائره لمن سمي في الآية. وهذا مبين في قول عمر: وكان لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خالصا دون المسلمين. ### | [فصل قسم الفيء بين أهله] # (5092) فصل: واختلف الخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم -، في قسم الفيء ~~بين أهله، فذهب أبو بكر الصديق، - رضي الله عنه - إلى التسوية بينهم فيه. ~~وهو المشهور عن علي - رضي الله عنه -. فروي أن أبا بكر - رضي الله عنه - ~~سوى بين الناس في العطاء، وأدخل فيه العبيد، فقال له عمر: يا خليفة رسول ~~الله، أتجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وهجروا ديارهم ~~له، كمن إنما دخلوا في الإسلام كرها، فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما ~~أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ. # فلما ولي عمر - رضي الله عنه - فاضل بينهم، وأخرج العبيد، فلما ولي ms3449 علي، ~~سوى بينهم، وأخرج العبيد. وذكر عن عثمان، - رضي الله عنه - أنه فضل بينهم ~~في القسمة. فعلى هذا يكون مذهب اثنين منهم. أبي بكر وعلي التسوية، ومذهب ~~اثنين عمر وعثمان التفضيل. وروي عن أحمد رحمة الله عليه أنه أجاز الأمرين ~~جميعا، على ما يراه الإمام، ويؤدي اجتهاده إليه. # فروى عنه الحسن بن علي بن الحسن، أنه قال: للإمام أن يفضل قوما على قوم. ~~وقال أبو بكر: اختيار أبي عبد الله أن لا يفضلوا. وهذا اختيار الشافعي. ~~وقال أبي: رأيت قسم الله المواريث على العدد، يكون الإخوة متفاضلين في ~~الغناء عن الميت، والصلة في الحياة، والحفظ بعد الموت، فلا يفضلون، وقسم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأربعة الأخماس على العدد، ومنهم من ~~يعطى غاية الغناء ويكون الفتح على يديه، ومنهم من يكون محضره إما غير نافع، ~~وإما ضرر بالجبن والهزيمة، وذلك أنهم استووا في سبب الاستحقاق، وهو ~~انتصابهم للجهاد، فصاروا كالغانمين. # والصحيح، إن شاء الله تعالى أن ذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام، يفعل ما يراه ~~من تسوية وتفضيل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي الأنفال، ~~فيفضل قوما على قوم على قدر غنائهم. وهذا في معناه. والمشهور عن عمر، - رضي ~~الله عنه - أنه حين كثر عنده المال، فرض للمسلمين أعطياتهم، ففرض للمهاجرين ~~من أهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار من أهل بدر أربعة آلاف أربعة ~~آلاف، وفرض # PageV06P465 # لأهل الحديبية ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ولأهل الفتح ألفين، وقال: بمن ~~أبدأ؟ قيل له: بنفسك. قال: لا، ولكن أبدأ بقرابة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # فبدأ ببني هاشم ثم ببني المطلب؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» . ثم ببني عبد شمس؛ لأنه أخو هاشم ~~لأبويه، ثم ببني نوفل؛ لأنه أخوهما لأبيهما، ثم الأقرب فالأقرب. قال ~~أصحابنا: ينبغي أن يتخذ الإمام ديوانا، وهو دفتر فيه أسماء أهل الديوان، ~~وذكر أعطياتهم، ويجعل لكل قبيلة عريفا. فقد روى الزهري، أن رسول الله - صلى ~~الله ms3450 عليه وسلم - عرف عام حنين على كل عشرة عريفا. وإذا أراد إعطاءهم بدأ ~~بقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما روي عن عمر - رضي الله عنه ~~- ويقدم الأقرب فالأقرب # ويقدم بني عبد العزى على بني عبد الدار؛ لأن فيهم أصهار رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لأن خديجة منهم، حتى ينقضي قريش، وهم بنو النضر بن كنانة، ~~ثم من بعد قريش الأنصار، ثم سائر العرب، ثم العجم والموالي، ثم تفرض ~~الأرزاق لمن يحتاج المسلمون إليهم، من القضاة، والمؤذنين، والأئمة، ~~والفقهاء، والقراء، والبرد، والعيون، ومن لا غنى للمسلمين عنه، ثم في إصلاح ~~الحصون، والكراع، والسلاح، ثم بمصالح المسلمين، من بناء القناطر والجسور، ~~وإصلاح الطرق # وكري الأنهار، وسد بثوقها، وعمارة المساجد، ثم ما فضل قسمه على سائر ~~المسلمين، ويخص ذا الحاجة. ### | [فصل يعرف في الغنيمة قدر حاجات أهل العطاء وكفايتهم] # (5093) فصل: قال القاضي: ويعرف قدر حاجتهم - يعني أهل العطاء - وكفايتهم، ~~ويزداد ذو الولد من أجل ولده، وذو الفرس من أجل فرسه. وإن كان له عبيد ~~لمصالح الحرب حسب مئونتهم في كفايته، وإن كانوا لزينة أو تجارة، لم يدخلوا ~~في مئونته. وينظر في أسعارهم في بلدانهم؛ لأن أسعار البلدان تختلف، والغرض ~~الكفاية، ولهذا تعتبر الذرية والولد، فيختلف عطاؤهم لاختلاف ذلك. وإن كانوا ~~سواء في الكفاية، لا يفضل بعضهم على بعض، وإنما تتفاضل كفايتهم، ويعطون قدر ~~كفايتهم، في كل عام مرة. # وهذا - والله أعلم - على قول من رأى التسوية. فأما من يرى التفضيل، فإنه ~~يفضل أهل السوابق والغناء في الإسلام، على غيرهم، بحسب ما يراه، كما أن ~~عمر، فضل أهل السوابق، فقسم لقوم خمسة آلاف، ولآخرين أربعة آلاف، ولآخرين ~~ثلاثة آلاف، ولآخرين ألفين ألفين، ولم يقدر ذلك بالكفاية. # PageV06P466 ### | [فصل العطاء الواجب من الغنيمة لا يكون إلا لبالغ يطيق مثله القتال] # (5094) فصل: والعطاء الواجب لا يكون إلا لبالغ يطيق مثله القتال، ويكون ~~عاقلا حرا بصيرا صحيحا، ليس به مرض يمنعه القتال، فإن مرض الصحيح مرضا غير ~~مرجو الزوال، كالزمانة ونحوها، خرج من المقاتلة، ms3451 وسقط سهمه، وإن كان مرضا ~~مرجو الزوال، كالحمى والصداع والبرسام، لم يسقط عطاؤه؛ لأنه في حكم الصحيح، ~~ألا ترى أنه لا يستنيب في الحج كالصحيح. وإن مات بعد حلول وقت العطاء، دفع ~~حقه إلى ورثته. ومن مات من أجناد المسلمين، دفع إلى زوجته وأولاده الصغار ~~قدر كفايتهم؛ لأنه لو لم تعط ذريته بعده، لم يجرد نفسه للقتال # ؛ لأنه يخاف على ذريته الضياع، فإذا علم أنهم يكفون بعد موته، سهل عليه ~~ذلك، ولهذا قال أبو خالد القناني: # لقد زاد الحياة إلي حبا بناتي ... إنهن من الضعاف # مخافة أن يرين الفقر بعدي ... وأن يشربن رنقا بعد صاف # وأن يعرين إن كسي الجواري ... فتنبوا العين عن كرم عجاف # ولولا ذاك قد سومت مهري ... وفي الرحمن للضعفاء كاف # وإذا بلغ ذكور أولادهم، واختاروا أن يكونوا في المقاتلة، فرض لهم، وإن لم ~~يختاروا، تركوا، ومن خرج من المقاتلة، سقط حقه من العطاء. ### | [مسألة أربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الواقعة] # (5095) مسألة؛ قال: وأربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الواقعة، للراجل سهم، ~~وللفارس ثلاثة أسهم، إلا أن يكون الفارس على هجين، فيكون له سهمان، سهم له، ~~وسهم لهجينه أجمع أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، وقوله ~~تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] يفهم منه ~~أن أربعة أخماسها لهم؛ لأنه أضافها إليهم، ثم أخذ منها سهما لغيرهم، فبقي # PageV06P467 # سائرها لهم، كقوله تعالى: {وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] . وقال ~~عمر - رضي الله عنه -: الغنيمة لمن شهد الوقعة. # وذهب جمهور أهل العلم، إلى أن للراجل سهما، وللفارس ثلاثة أسهم. وقال أبو ~~حنيفة: للفارس سهمان. وخالفه أصحابه فوافقوا سائر العلماء. وقد ثبت عن ابن ~~عمر، أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم للفارس ثلاثة أسهم؛ سهم له، ~~وسهمان لفرسه» . متفق عليه. وقال خالد الحذاء: إنه لا يختلف فيه عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «أنه أسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهما، وللراجل سهما» ~~. والهجين من الخيل: هو الذي أبوه عربي وأمه غير عربية. والمقرف عكس ذلك، ~~وهو ms3452 الذي أبوه غير عربي وأمه عربية. # ومنه قول هند بنت النعمان بن بشير: # وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تحللها بغل # فإن ولدت مهرا كريما فبالحري ... وإن يك إقراف فما أنجب الفحل # وأراد الخرقي بالهجين ها هنا ما عدا العربي من الخيل، من البراذين ~~وغيرها، وقد روي عن أحمد - رحمه الله - رواية أخرى، أن البراذين إذا أدركت ~~مثل العراب، فلها مثل سهمها. وذكر القاضي رواية أخرى، فيما عدا العراب من ~~الخيل لا يسهم لها. وفي هذه المسألة اختلاف كثير، وأدلة على كل قول، أخرنا ~~ذكرها إلى باب الجهاد، فإن المسألة مذكورة فيه، وهو أليق بها، إن شاء الله ~~تعالى. ### | [مسألة الصدقة لا يجاوز بها الثمانية الأصناف في مصارف الزكاة] # (5096) مسألة؛ قال: (والصدقة لا يجاوز بها الثمانية الأصناف التي سمى ~~الله عز وجل) يعني قول الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة: 60] . وروي أن رجلا قال: ~~يا رسول الله، أعطني من هذه الصدقات. فقال له رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها، ~~فجزأها ثمانية أجزاء، فإن # PageV06P468 # كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» . # والمراد بالصدقة ها هنا الزكاة المفروضة، دون غيرها من صدقة التطوع ~~والكفارات والنذور والوصايا. ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا يجوز ~~دفع الزكاة إلى غير هذه الأصناف، إلا ما روي عن عطاء، والحسن، أنهما قالا: ~~ما أعطيت في الجسور والطرق، فهي صدقة ماضية. والأول أصح؛ وذلك لأن الله ~~تعالى قال: {إنما الصدقات} [التوبة: 60] . و " إنما " للحصر تثبت المذكور، ~~وتنفي ما عداه؛ لأنها مركبة من حرفي نفي وإثبات، فجرى مجرى قوله تعالى: ~~{إنما الله إله واحد} [النساء: 171] . # أي لا إله إلا الله. وقوله تعالى: {إنما أنت منذر} [الرعد: 7] . أي ما ~~أنت إلا نذير. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إنما الولاء لمن أعتق ~~". ### | [مسألة الفقراء وهم ms3453 الزمنى والمكافيف الذين لا حرفة لهم] # (5097) مسألة؛ قال: (الفقراء، وهم الزمنى، والمكافيف الذين لا حرفة لهم، ~~والحرفة الصناعة، ولا يملكون خمسين درهما، ولا قيمتها من الذهب. والمساكين، ~~وهم السؤال، وغير السؤال، ومن لهم الحرفة، إلا أنهم لا يملكون خمسين درهما، ~~ولا قيمتها من الذهب) الفقراء والمساكين صنفان في الزكاة، وصنف واحد في ~~سائر الأحكام؛ # لأن كل واحد من الاسمين ينطلق عليهما، فأما إذا جمع بين الاسمين، وميز ~~بين المسميين تميزا، وكلاهما يشعر بالحاجة والفاقة وعدم الغنى، إلا أن ~~الفقير أشد حاجة من المسكين، من قبل أن الله تعالى بدأ به، وإنما يبدأ ~~بالأهم فالأهم. وبهذا قال الشافعي. والأصمعي. وذهب أبو حنيفة إلى أن ~~المسكين أشد حاجة. وبه قال الفراء، وثعلب، وابن قتيبة، لقول الله تعالى: ~~{أو مسكينا ذا متربة} [البلد: 16] . وهو المطروح على التراب لشدة حاجته، ~~وأنشدوا: # أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد # فأخبر أن الفقير حلوبته وفق عياله. # ولنا أن الله تعالى بدأ بالفقراء، فيدل على أنهم أهم، وقال تعالى: {أما ~~السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} [الكهف: 79] . فأخبر أن المساكين ~~لهم سفينة يعملون بها. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم ~~أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين. وكان يستعيذ من ~~الفقر» # PageV06P469 # ولا يجوز أن يسأل الله تعالى شدة الحاجة، ويستعيذ من حالة أصلح منها. ~~ولأن الفقر مشتق من فقر الظهر، فعيل بمعنى مفعول، أي مفقود، وهو الذي نزعت ~~فقرة ظهره، فانقطع صلبه. # قال الشاعر: # لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل # أي لم يطق الطيران، كالذي انقطع صلبه. والمسكين مفعيل من السكون، وهو ~~الذي أسكنته الحاجة، ومن كسر صلبه أشد حالا من الساكن. فأما الآية فهي حجة ~~لنا، فإن نعت الله تعالى للمسكين بكونه ذا متربة، يدل على أن هذا النعت لا ~~يستحقه بإطلاق اسم المسكنة، كما يقال: ثوب ذو علم. ويجوز التعبير بالمسكين ~~عن الفقير، بقرينة وبغير قرينة، والشعر أيضا حجة لنا، فإنه أخبر أن الذي ~~كانت ms3454 حلوبته وفق العيال، لم يترك له سبد، فصار فقيرا لا شيء له. # إذا تقرر هذا، فالفقير الذي لا يقدر على كسب ما يقع موقعا من كفايته، ولا ~~له من الأجرة أو من المال الدائم ما يقع موقعا من كفايته، ولا له خمسون ~~درهما، ولا قيمتها من الذهب، مثل الزمنى والمكافيف وهم العميان، سموا بذلك ~~لكف أبصارهم؛ لأن هؤلاء في الغالب لا يقدرون على اكتساب ما يقع موقعا من ~~كفايتهم، وربما لا يقدرون على شيء أصلا، قال الله تعالى: {للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة: 273] . ومعنى ~~قولهم: يقع موقعا من كفايتهم # أنه يحصل به معظم الكفاية، أو نصف الكفاية مثل من يكفيه عشرة فيحصل له من ~~مكسبه أو غيره خمسة فما زاد، والذي لا يحصل له إلا ما لا يقع موقعا من ~~كفايته، كالذي لا يحصل له إلا ثلاثة أو دونها، فهذا هو الفقير، والأول هو ~~المسكين، فيعطى كل واحد منهما ما يتم به كفايته، وتنسد به حاجته؛ لأن ~~المقصود دفعها وإغناء صاحبها، ولا يحصل إلا بذلك. والذي يسأل، ويحصل ~~الكفاية أو معظمها من مسألته، فهو من المساكين، لكنه يعطى جميع كفايته، ~~ويغنى عن السؤال. فإن قيل: فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس ~~المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل ~~الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه» . # قلنا، هذا تجوز، وإنما نفي المسكنة عنه مع وجودها فيه حقيقة، مبالغة في ~~إثباتها في الذي لا يسأل الناس، كما قال - عليه السلام -: «ليس الشديد ~~بالصرعة، وإنما الشديد الذي يغلب نفسه عند الغضب» . وقال: «ما تعدون الرقوب ~~فيكم؟ . # PageV06P470 # قالوا: الذي لا يعيش له ولد. قال: لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده ~~شيئا» . وقال: «ما تعدون المفلس فيكم؟ . قالوا: الذي لا درهم له ولا متاع. ~~قال: لا، ولكن المفلس الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي ~~وقد ظلم هذا، ولطم ms3455 هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من ~~حسناته، حتى إذا نفدت حسناته، أخذ من سيئاتهم، فطرحت عليه، ثم يصك له صك ~~إلى النار» . ### | [فصل من لا حق له في الزكاة] # (5098) فصل: ومن كان ذا مكسب يغني به نفسه وعياله إن كان له عيال، وكان ~~له قدر كفايته في كل يوم، من أجر عقار، أو غلة مملوك أو سائمة، فهو غني لا ~~حق له في الزكاة. وبهذا قال ابن عمر، والشافعي، وقال أبو حنيفة: إن لم يملك ~~نصابا فله الأخذ منها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أعلمهم أن ~~عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم.» فجعل الغني من تؤخذ منه ~~الصدقة، ولا تؤخذ إلا من النصاب. # ولأن هذا لا يملك نصابا، ولا قيمته، فجاز له الأخذ، كالذي لا كفاية له. ~~ولنا، ما روى عبد الله بن عدي بن الخيار، «أن رجلين أتيا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو يقسم الصدقة، فسألاه شيئا منها، فصعد بصره فيهما، ~~وقال لهما: إن شئتما أعطيتكما منها، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» . ~~رواه أبو داود، ورواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن ~~أبيه، عن عبيد الله. وقال: هذا أجودهما إسنادا، ما أجوده من حديث، ما أعلم ~~روي في هذا أجود من هذا. قيل له: فالحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي» ؟ قال: لا أعلم فيه شيئا يصح. قيل ~~له: يرويه سالم بن أبي الجعد، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: سالم لم يسمع من أبي هريرة. # والغنى يختلف؛ فمنه غنى يوجب الزكاة، وغنى يمنع أخذها، وغنى يمنع ~~المسألة، ويخالف ما قاسوا عليه هذا، فإنه محتاج إليها، والصدقة أوساخ ~~الناس، فلا تباح إلا عند الحاجة إليها، وهذا المختلف فيه لا حاجة به إليها، ~~فلا تباح له. # PageV06P471 ### | [فصل إن كان الرجل صحيحا جلدا وذكر أنه لا كسب له هل يعطى من الغنيمة] ms3456 # (5099) فصل: وإن كان الرجل صحيحا جلدا، وذكر أنه لا كسب له، أعطي منها، ~~وقبل قوله بغير يمين، إذا لم يعلم يقين كذبه، ولا يحلفه؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أعطى الرجلين اللذين سألاه، ولم يحلفهما.» وفي بعض ~~رواياته، أنه قال: «أتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألناه من الصدقة، ~~فصعد فينا البصر وصوبه، فرآنا جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما» . وذكر ~~الحديث. ### | [فصل إن ادعى أن له عيالا في مصارف الصدقة] # (5100) فصل: فإن ادعى أن له عيالا، فقال القاضي، وأبو الخطاب: يقلد ويعطى ~~لهم، كما يقلد في دعوى حاجته. وقال ابن عقيل عندي لا يقبل قوله إلا ببينة؛ ~~لأن الأصل عدم العيال، ولا تتعذر إقامة البينة عليه، وفارق ما إذا ادعى أنه ~~لا كسب له، فإنه يدعي ما يوافق الأصل؛ لأن الأصل عدم الكسب والمال، وتتعذر ~~عليه إقامة البينة عليه. ولو ادعى الفقر من عرف بالغنى، لم يقبل قوله إلا ~~ببينة تشهد بأن ماله تلف أو نفد؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا تحل المسألة إلا لثلاثة؛ رجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة من ~~ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما ~~من عيش، أو سدادا من عيش» . # وهل يعتبر في البينة على الفقر ثلاثة، أو يكتفى باثنين؟ فيه وجهان؛ ~~أحدهما، لا يكفي إلا ثلاثة؛ لظاهر الخبر. والثاني، يقبل قول اثنين؛ لأن ~~قولهما يقبل في الفقر بالنسبة إلى حقوق الآدميين، المبنية على الشح والضيق، ~~ففي حق الله تعالى أولى، والخبر إنما ورد في حل المسألة، فيقتصر عليه. وإن ~~لم يعرف له مال، قبل قوله، ولم يستحلف؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يستحلف الرجلين اللذين رآهما جلدين. فإن رآه متجملا قبل قوله أيضا؛ لأنه ~~لا يلزم من ذلك الغنى، بدليل قول الله تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف} [البقرة: 273] # لكن ينبغي أن يخبره أن ما يعطيه من الزكاة؛ لئلا يكون ممن لا تحل له ~~الزكاة. وإن رآه ظاهر ms3457 المسكنة، أعطاه منها، ولم يحتج أن يبين له شرط جواز ~~الأخذ، ولا أن ما يدفعه إليه زكاة. قال أحمد - رحمه الله - وقد سئل عن ~~الرجل يدفع زكاته إلى رجل: هل يقول له: هذه زكاة؟ فقال: يعطيه ويسكت، ولا ~~يقرعه. فاكتفى بظاهر حاله عن سؤاله وتعريفه. # PageV06P472 ### | [فصل إن كان للرجل بضاعة يتجر بها أو ضيعة يستغلها تكفيه غلتها فلا يعطى من الصدقة] # (5101) فصل: وإذا كان للرجل بضاعة يتجر بها، أو ضيعة يستغلها تكفيه ~~غلتها، له ولعياله، فهو غني، لا يعطى من الصدقة شيئا، وإن لم تكفه، جاز له ~~الأخذ منها قدر ما يتم به الكفاية، وإن كثرت قيمة ذلك. وقد تقدم ذكر ذلك في ~~الزكاة. ### | [مسألة العاملون علي الزكاة وهم الجباة لها والحافظون لها] # مسألة؛ قال: (والعاملين على الزكاة، وهم الجباة لها، والحافظون لها) يعني ~~العاملين على الزكاة، وهم الصنف الثالث من أصناف الزكاة، وهم السعاة الذين ~~يبعثهم الإمام لأخذها من أربابها، وجمعها وحفظها ونقلها، ومن يعينهم ممن ~~يسوقها ويرعاها ويحملها، وكذلك الحاسب والكاتب والكيال والوزان والعداد، ~~وكل من يحتاج إليه فيها فإنه يعطى أجرته منها؛ لأن ذلك من مؤنتها، فهو ~~كعلفها، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعث على الصدقة سعاة، ~~ويعطيهم عمالتهم، «فبعث عمر، ومعاذا، وأبا موسى، ورجلا من بني مخزوم، وابن ~~اللتبية، وغيرهم. وطلب منه ابنا عمه الفضل بن العباس، وعبد المطلب بن ربيعة ~~بن الحارث، أن يبعثهما، فقالا: يا رسول الله، لو بعثتنا على هذه الصدقة، ~~فنصيب ما يصيب الناس، ونؤدي إليك ما يؤدي الناس؟ فأبى أن يبعثهما، وقال: إن ~~هذه الصدقة أوساخ الناس» . وهذه قصص اشتهرت، فصارت كالمتواتر، وليس فيه ~~اختلاف، مع ما ورد من نص الكتاب فيه فأغنى عن التطويل. ### | [فصل من شرط عامل الزكاة أن يكون بالغا عاقلا أمينا في جمع الزكاة] # (5103) فصل: ومن شرط العامل أن يكون بالغا عاقلا أمينا؛ لأن ذلك ضرب من ~~الولاية، والولاية تشترط فيها هذه الخصال، ولأن الصبي والمجنون لا قبض ~~لهما، والخائن يذهب بمال الزكاة ويضيعه على ms3458 أربابه. ويشترط إسلامه. واختار ~~هذا القاضي. وذكر أبو الخطاب وغيره، أنه لا يشترط إسلامه؛ لأنه إجارة على ~~عمل، فجاز أن يتولاه الكافر، كجباية الخراج. وقيل عن أحمد في ذلك روايتان. ~~ولنا، أنه يشترط له الأمانة، فاشترط له الإسلام، كالشهادة، ولأنه ولاية على ~~المسلمين، فلم يجز أن يتولاها الكافر، كسائر الولايات، ولأن من ليس من أهل ~~الزكاة. # لا يجوز أن يتولى العمالة كالحربي، ولأن الكافر ليس بأمين، ولهذا قال ~~عمر: لا تأتمنوهم وقد خونهم الله تعالى. وقد أنكر عمر على أبي موسى توليته ~~الكتابة نصرانيا. فالزكاة التي هي ركن الإسلام أولى. ويشترط كونه من غير ~~ذوي القربى، إلا أن يدفع إليه أجرته من غير الزكاة. وقال أصحابنا: يجوز له ~~الأخذ منها؛ لأنها أجرة على عمل تجوز للغني، فجازت لذوي القربى، كأجرة ~~النقال والحافظ. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. # PageV06P473 # ولنا، حديث الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، حين سألا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبعثهما على الصدقة، فأبى أن يبعثهما. # وقال: «إنما هذه الصدقة أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» . ~~وحديث أبي رافع أيضا. وهذا ظاهر في تحريم أخذهم العمالة، فلا تجوز مخالفته. ~~ويفارق النقال والحمال والراعي، فإنه يأخذه أجرة لحمله لا لعمالته. ولا ~~يشترط كونه حرا؛ لأن العبد يحصل منه المقصود كالحر، فجاز أن يكون عاملا ~~كالحر. ولا كونه فقيها إذا كتب له ما يأخذه، وحد له، كما كتب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لعماله فرائض الصدقة، وكما كتب أبو بكر لعماله، أو بعث ~~معه من يعرفه ذلك. ولا كونه فقيرا؛ لأن الله تعالى جعل العامل صنفا غير ~~الفقراء والمساكين، فلا يشترط وجود معناهما فيه، كما لا يشترط معناه فيهما. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تحل الصدقة لغني، ~~إلا لخمسة؛ لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لرجل ابتاعها بماله، أو ~~لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين إلى الغني» . رواه ~~أبو داود. وذكر ms3459 أصحاب الشافعي أنه تشترط الحرية؛ لأن العمالة ولاية، ~~فنافاها الرق، كالقضاء. ويشترط الفقه؛ ليعلم قدر الواجب وصفته. ولنا، ما ~~ذكرناه، ولا نسلم منافاة الرق للولايات الدينية، فإنه يجوز أن يكون إماما ~~في الصلاة، ومفتيا، وراويا للحديث، وشاهدا، وهذه من الولايات الدينية. # وأما الفقه، فإنما يحتاج إليه لمعرفة ما يأخذه ويتركه، ويحصل ذلك بالكتاب ~~له، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحباه - رضي الله عنهما -. ### | [فصل الإمام مخير في أجر عامل الزكاة] # (5104) فصل: والإمام مخير بين أن يستأجر العامل إجارة صحيحة، بأجر معلوم، ~~إما على مدة معلومة، وإما على عمل معلوم، وبين أن يجعل له جعلا معلوما على ~~عمله، فإذا عمله استحق المشروط، وإن شاء بعثه من غير تسمية ثم أعطاه؛ فإن ~~عمر - رضي الله عنه - قال: «بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~الصدقة، فلما رجعت عملني، فقلت: أعطه من هو أحوج مني.» وذكر الحديث. فإن ~~تلفت الصدقة في يده قبل وصولها إلى أربابها من غير تفريط، فلا ضمان عليه. ~~ويستحق أجره من بيت المال، وإن لم تتلف أعطي أجر عمله منها، وإن كان أكثر ~~من ثمنها أو أقل. # ثم قسم الباقي على أربابه؛ لأن ذلك من مؤنتها، فجرى مجرى علفها ~~ومداواتها. وإن رأى الإمام أعطاه أجرة من بيت المال، أو يجعل له رزقا في ~~بيت المال، ولا يعطيه # PageV06P474 # منها شيئا، فعل. وإن تولى الإمام أو الوالي من قبله، أخذ الصدقة وقسمتها، ~~لم يستحق منها شيئا؛ لأنه يأخذ رزقه من بيت المال. ### | [فصل للإمام أن يولي الساعي جباية الصدقة دون تفرقتها] # (5105) فصل: ويجوز للإمام أن يولي الساعي جبايتها دون تفرقتها. ويجوز أن ~~يوليه جبايتها وتفريقها؛ «فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولى ابن ~~اللتبية فقدم بصدقته على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هذا لكم، وهذا ~~أهدي إلي. وقال لقبيصة: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها. ~~وأمر معاذا أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها في فقرائهم.» ويروى أن زيادا ~~ولى عمران بن حصين الصدقة، فلما جاء ms3460 قيل له: أين المال؟ قال: أو للمال ~~بعثتني، أخذناها كما كنا نأخذها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه ~~أبو داود. # وعن أبي جحيفة قال: أتانا مصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ الصدقة ~~من أغنيائنا، فوضعها في فقرائنا، وكنت غلاما يتيما، فأعطاني منها قلوصا. ~~أخرجه الترمذي. ### | [مسألة المؤلفة قلوبهم وهم المشركون المتألفون على الإسلام] # (5106) مسألة؛ قال: (والمؤلفة قلوبهم، وهم المشركون المتألفون على ~~الإسلام) هذا الصنف الرابع من أصناف الزكاة المستحقون لها. وقال أبو حنيفة: ~~انقطع سهمهم. وهو أحد أقوال الشافعي؛ لما روي أن مشركا جاء يلتمس من عمر ~~مالا، فلم يعطه، وقال: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29] . ولم ~~ينقل عن عمر ولا عثمان ولا علي أنهم أعطوا شيئا من ذلك، ولأن الله تعالى ~~أظهر الإسلام، وقمع المشركين، فلا حاجة بنا إلى التأليف. وحكى حنبل، عن ~~أحمد، أنه قال: المؤلفة قد انقطع حكمهم اليوم. # والمذهب على خلاف ما حكاه حنبل، ولعل معنى قول أحمد: انقطع حكمهم. أي لا ~~يحتاج إليهم في الغالب، أو أراد أن الأئمة لا يعطونهم اليوم شيئا، فأما إن ~~احتاج إليهم جاز الدفع إليهم، فلا يجوز الدفع إليهم إلا مع الحاجة. ولنا، ~~على جواز الدفع إليهم قول الله تعالى: {والمؤلفة قلوبهم} [التوبة: 60] . ~~وهذه الآية في سورة براءة، وهي من آخر ما نزل من القرآن على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى ~~المؤلفة من المشركين والمسلمين. وأعطى أبو بكر - رضي الله عنه - عدي بن ~~حاتم، وقد قدم عليه بثلاثمائة جمل من إبل الصدقة، ثلاثين بعيرا. # ومخالفة كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، واطراحها بلا حجة لا يجوز، ولا ~~يثبت # PageV06P475 # النسخ بترك عمر وعثمان إعطاء المؤلفة، ولعلهم لم يحتاجوا إلى إعطائهم، ~~فتركوا ذلك لعدم الحاجة إليه، لا لسقوطه. ### | [فصل المؤلفة قلوبهم ضربان] # (5107) فصل: والمؤلفة قلوبهم ضربان؛ كفار ومسلمون، وهم جميعا السادة ~~المطاعون في قومهم ms3461 وعشائرهم. فالكفار ضربان؛ أحدهما، من يرجى إسلامه، فيعطى ~~لتقوى نيته في الإسلام، وتميل نفسه إليه، فيسلم؛ «فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم فتح مكة، أعطى صفوان بن أمية الأمان، واستنظره صفوان أربعة ~~أشهر لينظر في أمره، وخرج معه إلى حنين، فلما أعطى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - العطايا قال صفوان: ما لي؟ فأومأ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~واد فيه إبل محملة، فقال: هذا لك. فقال صفوان: هذا عطاء من لا يخشى الفقر» ~~. # والضرب الثاني، من يخشى شره، ويرجى بعطيته كف شره وكف غيره معه. وروي عن ~~ابن عباس أن قوما كانوا يأتون النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن أعطاهم ~~مدحوا الإسلام، وقالوا: هذا دين حسن. وإن منعهم ذموا وعابوا. وأما المسلمون ~~فأربعة أضرب؛ قوم من سادات المسلمين لهم نظراء من الكفار، ومن المسلمين ~~الذين لهم نية حسنة في الإسلام، فإذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم وحسن نياتهم، ~~فيجوز إعطاؤهم؛ لأن أبا بكر - رضي الله عنه -، أعطى عدي بن حاتم، والزبرقان ~~بن بدر، مع حسن نياتهما وإسلامهما. # الضرب الثاني، سادات مطاعون في قومهم يرجى بعطيتهم قوة إيمانهم، ~~ومناصحتهم في الجهاد، فإنهم يعطون؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى ~~عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعلقمة بن علاثة، والطلقاء من أهل مكة، ~~وقال للأنصار: «يا معشر الأنصار علام تأسون؟ على لعاعة من الدنيا تألفت بها ~~قوما لا إيمان لهم، ووكلتكم إلى إيمانكم؟» . وروى البخاري، بإسناده عن عمرو ~~بن تغلب، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى أناسا وترك أناسا، ~~فبلغه عن الذين ترك أنهم عتبوا، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: إني أعطي أناسا وأدع أناسا، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، أعطي ~~أناسا لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أناسا إلى ما في قلوبهم من ~~الغنى والخير؛ منهم عمرو بن تغلب» . # وعن أنس، قال: حين «أفاء الله على # PageV06P476 # رسوله أموال هوازن، طفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي رجالا من ~~قريش مائة ms3462 من الإبل، فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يعطي قريشا ويمنعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: إني أعطي رجالا حدثاء عهد بكفر أتألفهم» متفق عليه. ~~الضرب الثالث، قوم في طرف بلاد الإسلام، إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من ~~المسلمين. الضرب الرابع: قوم إذا أعطوا أجبوا الزكاة ممن لا يعطيها إلا أن ~~يخاف. وكل هؤلاء يجوز الدفع إليهم من الزكاة؛ لأنهم من المؤلفة قلوبهم، ~~فيدخلون في عموم الآية. ### | [مسألة ثبوت سهم الرقاب] # (5108) مسألة؛ قال: (وفي الرقاب، وهم المكاتبون) لا نعلم بين أهل العلم ~~خلافا في ثبوت سهم الرقاب، ولا يختلف المذهب في أن المكاتبين من الرقاب ~~يجوز صرف الزكاة إليهم. # وهو قول الجمهور. وخالفهم مالك، فقال: إنما يصرف سهم الرقاب في إعتاق ~~العبيد، ولا يعجبني أن يعان منها مكاتب. وخالف أيضا ظاهر الآية؛ لأن ~~المكاتب من الرقاب، لأنه عبد، واللفظ عام، فيدخل في عمومه. إذا ثبت هذا، ~~فإنه يدفع إلى المكاتب جميع ما يحتاج إليه لوفاء كتابته، فإن لم يكن معه ~~شيء، جاز أن يدفع إليه جميعها. وإن كان معه شيء، تمم له ما يتخلص به؛ لأن ~~حاجته لا تندفع إلا بذلك. ولا يدفع إلى من معه وفاء كتابته شيء؛ لأنه مستغن ~~عنه في وفاء الكتابة. قيل: ولا يدفع إليه بحكم الفقر شيء؛ لأنه عبد. ويجوز ~~أن يدفع إليه في كتابته قبل حلول النجم؛ لئلا يحل النجم ولا شيء معه، ~~فتنفسخ الكتابة. # ولا يدفع إلى مكاتب كافر شيء؛ لأنه ليس من مصارف الزكاة. ولا يقبل قول ~~المكاتب إنه مكاتب إلا ببينة؛ لأن الأصل عدمها، فإن صدقه السيد، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما يقبل؛ لأن الحق في العبد لسيده، فإذا أقر بانتقال حقه عنه ~~قبل. والثاني، لا يقبل؛ لأنه متهم في أنه يواطئه ليأخذ به المال. ### | [فصل للسيد دفع زكاته إلى مكاتبه] # (5109) فصل: ويجوز للسيد دفع زكاته إلى مكاتبه؛ لأنه قد صار معه في باب ~~المعاملة كالأجنبي. # حتى يجري بينهما الربا، فصار ms3463 كالغريم يدفع زكاته إلى غريمه. ويجوز ~~للمكاتب ردها إلى سيده بحكم الوفاء؛ لأنها رجعت إليه بحكم الإيفاء، أشبه ~~إيفاء الغريم دينه بها. قال ابن عقيل ويجوز دفع الزكاة إلى سيد المكاتب ~~وفاء عن الكتابة. وهو الأولى؛ لأنه أعجل لعتقه، وأوصل إلى المقصود الذي كان ~~الدفع من أجله، فإنه إذا أخذه المكاتب قد يدفعه وقد لا يدفعه. # PageV06P477 # ونقل حنبل أنه قال: قال سفيان: لا تعطي مكاتبا لك من الزكاة. قال: وسمعت ~~أبا عبد الله يقول: وأنا أرى مثل ذلك. # وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل: أيعطى المكاتب من الزكاة؟ قال: ~~المكاتب بمنزلة العبد، فكيف يعطى؟ ومعناه - والله أعلم - لا يعطي مكاتبه من ~~الزكاة؛ لأنه عبده وماله، يرجع إليه إن عجز، وإن عتق فله ولاؤه، ولا تقبل ~~شهادته لمكاتبه، ولا شهادة مكاتبه له. ### | [مسألة الإعتاق من الزكاة] # مسألة؛ قال: وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى، أنه يعتق ~~منها. اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - في جواز الإعتاق من الزكاة، ~~فروي عنه جواز ذلك. وهو قول ابن عباس، والحسن، والزهري، ومالك، وإسحاق، ~~وأبي عبيد، والعنبري، وأبي ثور، لعموم قول الله تعالى: {وفي الرقاب} ~~[التوبة: 60] . وهو متناول للقن، بل هو ظاهر فيه، فإن الرقبة إذا أطلقت ~~انصرفت إليه، كقوله تعالى: {فتحرير رقبة} [النساء: 92] . وتقدير الآية، وفي ~~إعتاق الرقاب # ولأنه إعتاق للرقبة، فجاز صرف الزكاة فيه، كدفعه في الكتابة. والرواية ~~الأخرى، لا يجوز. وهو قول إبراهيم، والشافعي؛ لأن الآية تقتضي صرف الزكاة ~~إلى الرقاب، كقوله: {في سبيل الله} [البقرة: 154] يريد الدفع إلى ~~المجاهدين، كذلك ها هنا. والعبد القن لا يدفع إليه شيء. قال أحمد، في رواية ~~أبي طالب: قد كنت أقول: يعتق من زكاته، ولكن أهابه اليوم؛ لأنه يجر الولاء. ~~وفي موضع آخر، قيل له: فما يعجبك من ذلك؟ قال: يعين من ثمنها، فهو أسلم. ~~وقد روي نحو هذا عن النخعي، وسعيد بن جبير، فإنهما قالا: لا يعتق من الزكاة ~~رقبة كاملة، لكن يعطي منها في رقبة، ويعين مكاتبا. # وبه ms3464 قال أبو حنيفة وصاحباه؛ لأنه إذا أعتق من زكاته، انتفع بولاء من ~~أعتقه، فكأنه صرف الزكاة إلى نفسه. وأخذ ابن عقيل من هذه الرواية، أن أحمد ~~رجع عن القول بالإعتاق من الزكاة. وهذا - والله أعلم - من أحمد إنما كان ~~على سبيل الورع، فلا يقتضي رجوعا؛ لأن العلة التي تملك بها جر الولاء، ~~ومذهبه أن ما رجع من الولاء رد في مثله، فلا ينتفع إذا بإعتاقه من الزكاة. # PageV06P478 ### | [فصل لا يجوز أن يشتري من زكاته من يعتق عليه بالرحم] # (5111) فصل: ولا يجوز أن يشتري من زكاته من يعتق عليه بالرحم، وهو كل ذي ~~رحم محرم، فإن فعل عتق عليه، ولم تسقط عنه الزكاة. وقال الحسن لا بأس أن ~~يعتق أباه من الزكاة؛ لأن دفع الزكاة لم يحصل إلى أبيه، وإنما دفع الثمن ~~إلى بائعه. ولنا، أن نفع زكاته عاد إلى أبيه، فلم يجز، كما لو دفعها إليه، ~~ولأن عتقه حصل بنفس الشراء مجازاة وصلة للرحم، فلم يجز أن يحتسب له به عن ~~الزكاة، كنفقة أقاربه. ولو أعتق عبده المملوك له عن زكاته، لم يجز؛ لأن ~~أداء الزكاة عن كل مال من جنسه، والعبد ليس من جنس ما تجب الزكاة فيه. ولو ~~أعتق عبدا من عبيده للتجارة، لم يجز؛ لأن الواجب في قيمتهم، لا في عينهم. ### | [فصل اشترى من زكاته أسيرا مسلما من أيدي المشركين] # (5112) فصل: ويجوز أن يشتري من زكاته أسيرا مسلما من أيدي المشركين؛ لأنه ~~فك رقبة من الأسر، فهو كفك رقبة العبد من الرق، ولأن فيه إعزازا للدين، فهو ~~كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم، ولأنه يدفعه إلى الأسير لفك رقبته، فأشبه ما ~~يدفعه إلى الغارم لفك رقبته من الدين. ### | [مسألة ما رجع من الولاء رد في مثله] # مسألة؛ قال: (فما رجع من الولاء رد في مثله) يعني يعتق به أيضا. وبهذا ~~قال الحسن، وإسحاق. وقال أبو عبيد: الولاء للمعتق؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق» . وقال مالك ولاؤه لسائر المسلمين؛ ~~لأنه مال لا مستحق له، أشبه ms3465 مال من لا وارث له. وقال العنبري: يجعله في بيت ~~المال للصدقات؛ لأن عتقه من الصدقة، فولاؤه يرجع إليها، ولأن عتقه بمال هو ~~لله، والمعتق نائب عن الله تعالى في الشراء والإعتاق، فلم يكن الولاء له. # كما لو توكل في الإعتاق، وكالساعي إذا اشترى من الزكاة رقبة وأعتقها، ~~ولأن الولاء أثر الرق، وفائدة من المعتق، فلم يجز أن يرجع إلى المزكي، ~~لإفضائه إلى أن ينتفع بزكاته. وقد روي عن أحمد ما يدل على أن الولاء له. ~~وقد سبق ذلك في باب الولاء. ### | [فصل لا يعقل عن الأسير المعتق] # (5114) فصل: ولا يعقل عنه. اختاره الخلال. وعن أحمد، رواية أخرى، أنه ~~يعقل عنه. اختارها أبو بكر؛ لأنه # PageV06P479 # معتق، فيعقل عنه، كالذي أعتقه من ماله، وإنما لم يأخذ ميراثه بالولاء؛ ~~لئلا ينتفع بزكاته، والعقل عنه ليس بانتفاع، فيبقى على الأصل. ولنا، أنه لا ~~ولاء عليه، فلم يعقل عنه، كما لو كان وكيلا في العتق، ولأنه لا يرثه، فلم ~~يعقل عنه، كما لو اختلف دينهما، وما ذكره يبطل بالوكيل والساعي إذا أعتق من ~~الزكاة. ### | [مسألة الغارمون وهم المدينون العاجزون عن وفاء ديونهم] # (5115) مسألة؛ قال: (والغارمين) وهم المدينون العاجزون عن وفاء ديونهم. ~~هذا الصنف السادس من أصناف الزكاة. ولا خلاف في استحقاقهم، وثبوت سهمهم، ~~وأن المدينين العاجزين عن وفاء ديونهم منهم، لكن إن غرم في معصية، مثل أن ~~يشتري خمرا، أو يصرفه في زناء أو قمار أو غناء ونحوه، لم يدفع إليه قبل ~~التوبة شيء؛ لأنه إعانة على المعصية، وإن تاب، فقال القاضي: يدفع إليه. ~~واختاره ابن عقيل؛ لأن إبقاء الدين الذي في الذمة ليس من المعصية، بل يجب ~~تفريغها، والإعانة على الواجب قربة لا معصية # فأشبه من أتلف ماله في المعاصي حتى افتقر، فإنه يدفع إليه من سهم ~~الفقراء. وفيه وجه آخر، لا يدفع إليه؛ لأنه استدانه للمعصية، فلم يدفع ~~إليه، كما لو لم يتب، ولأنه لا يؤمن أن يعود إلى الاستدانة للمعاصي، ثقة ~~منه بأن دينه يقضى، بخلاف من أتلف ماله في المعاصي، ms3466 فإنه يعطى لفقره، لا ~~لمعصيته. ### | [فصل لا تدفع الزكاة إلى غارم كافر] # (5116) فصل: ولا يدفع إلى غارم كافر؛ لأنه ليس من أهل الزكاة، ولذلك لا ~~يدفع إلى فقيرهم ولا مكاتبهم. وإن كان من ذوي القربى، فقال أصحابنا: يجوز ~~الدفع إليه؛ لأن علة منعه من الأخذ منها لفقره صيانته عن أكلها، لكونها ~~أوساخ الناس، وإذا أخذها لغرمه، فصرفها إلى الغرماء، فلا يناله دناءة ~~وسخها، ويحتمل أن لا يجوز؛ لعموم النصوص في منعهم من أخذها، وكونها لا تحل ~~لهم، ولأن دناءة أخذها تحصل، سواء أكلها أو لم يأكلها، ولا يدفع منها إلى ~~غارم له ما يقضي به غرمه؛ لأن الدفع إليه لحاجته، وهو مستغن عنها. ### | [فصل من الغارمين صنف يعطون مع الغنى وهو من غرم لإصلاح ذات البين] # فصل: ومن الغارمين صنف يعطون مع الغنى، وهو غرم لإصلاح ذات البين، وهو أن ~~يقع بين الحيين وأهل القريتين عداوة وضغائن، يتلف فيها نفس أو مال، ويتوقف ~~صلحهم على من يتحمل ذلك، فيسعى إنسان في الإصلاح بينهم، ويتحمل الدماء التي ~~بينهم والأموال، فيسمى ذلك حمالة، بفتح الحاء، وكانت العرب تعرف # PageV06P480 # ذلك، وكان الرجل منهم يتحمل الحمالة، ثم يخرج في القبائل فيسأل حتى ~~يؤديها، فورد الشرع بإباحة المسألة فيها، وجعل لهم نصيبا من الصدقة، فروى ~~قبيصة بن المخارق، قال: تحملت حمالة، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وسألته فيها. فقال: «أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها» . ثم ~~قال: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة؛ رجل تحمل حمالة فيسأل فيها ~~حتى يؤديها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى ~~يصيب سدادا من عيش، أو قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ~~ذوي الحجا من قومه، لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا ~~من عيش، أو قواما من عيش، وما سوى ذلك فهو سحت يأكلها صاحبها سحتا يوم ~~القيامة» أخرجه مسلم. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ms3467 «لا تحل ~~الصدقة لغني، إلا لخمسة» . ذكر منهم الغارم. ولأنه إنما يقبل ضمانه وتحمله ~~إذا كان مليا، وبه حاجة إلى ذلك مع الغنى، وإن أدى ذلك من ماله، لم يكن له ~~أن يأخذ؛ لأنه قد سقط الغرم، وإن استدان وأداها، جاز له الأخذ؛ لأن الغرم ~~باق، والمطالبة قائمة، والفرق بين هذا الغرم والغرم لمصلحة نفسه، أن هذا ~~الغرم يؤخذ لحاجتنا إليه لإطفاء الثائرة، وإخماد الفتنة، فجاز له الأخذ مع ~~الغنى، كالغازي والمؤلف والعامل. والغارم لمصلحة نفسه يأخذ لحاجة نفسه، ~~فاعتبرت حاجته وعجزه، كالفقير والمسكين والمكاتب وابن السبيل. # وإذا كان الرجل غنيا، وعليه دين لمصلحة لا يطيق قضاءه، جاز أن يدفع إليه ~~ما يتم به قضاءه، مع ما زاد عن حد الغنى. فإذا قلنا: الغنى يحصل بخمسين ~~درهما. وله مائة، وعليه مائة، جاز أن يدفع إليه خمسون، ليتم قضاء المائة من ~~غير أن ينقص غناه. قال أحمد: لا يعطى من عنده خمسون درهما أو حسابها من ~~الذهب، إلا مدينا، فيعطى دينه، وإن كان يمكنه قضاء الدين من غير نقص من ~~الغنى لم يعط شيئا. ### | [فصل أراد الرجل دفع زكاته إلى الغارم] # (5118) فصل: وإذا أراد الرجل دفع زكاته إلى الغارم، فله أن يسلمها إليه ~~ليدفعها إلى غريمه، وإن أحب أن يدفعها إلى غريمه قضاء عن دينه، فعن أحمد ~~فيه روايتان؛ إحداهما، يجوز ذلك. نقل أبو الحارث، قال: قلت لأحمد: رجل عليه ~~ألف، وكان على رجل زكاة # PageV06P481 # ماله ألف، فأداها عن هذا الذي عليه الدين، يجوز هذا من زكاته؟ قال: نعم ~~ما أرى بذلك بأسا. وذلك لأنه دفع الزكاة في قضاء دينه، فأشبه ما لو دفعها ~~إليه يقضي بها دينه. والثانية، لا يجوز دفعها إلى الغريم. قال أحمد: أحب ~~إلي أن يدفعه إليه، حتى يقضي هو عن نفسه # قيل: هو محتاج يخاف أن يدفعه إليه، فيأكله، ولا يقضي دينه. قال: فقل له ~~يوكله حتى يقضيه. فظاهر هذا أنه لا يدفع الزكاة إلى الغريم إلا بوكالة ~~الغارم؛ لأن الدين إنما هو على الغارم، فلا ms3468 يصح قضاؤه إلا بتوكيله. ويحتمل ~~أن يحمل هذا على الاستحباب، ويكون قضاؤه عنه جائزا. وإن كان دافع الزكاة ~~الإمام، جاز أن يقضي بها دينه من غير توكيله؛ لأن للإمام ولاية عليه في ~~إيفاء الدين، ولهذا يجبره عليه إذا امتنع منه. وإذا ادعى الرجل أن عليه ~~دينا، فإن كان يدعيه من جهة إصلاح ذات البين، فالأمر فيه ظاهر لا يكاد ~~يخفى، فإن خفي ذلك، لم يقبل منه إلا ببينة، وإن غرم لمصلحة نفسه. # لم يدفع إليه إلا ببينة أيضا؛ لأن الأصل عدم الغرم، وبراءة الذمة. فإن ~~صدقه الغريم، فعلى وجهين، كالمكاتب إذا صدقه سيده. ### | [مسألة سهم من الزكاة في سبيل الله] # (5119) مسألة؛ قال: (وسهم في سبيل الله، وهم الغزاة يعطون ما يشترون به ~~الدواب والسلاح، وما ينفقون به على العدو، وإن كانوا أغنياء) . هذا الصنف ~~السابع من أهل الزكاة. ولا خلاف في استحقاقهم، وبقاء حكمهم. ولا خلاف في ~~أنهم الغزاة في سبيل الله؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو، قال الله ~~تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة: 190] . وقال: {يجاهدون في سبيل ~~الله} [المائدة: 54] . وقال: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} ~~[الصف: 4] . وذكر ذلك في غير موضع من كتابه، فإذا تقرر هذا، فإنهم يعطون ~~وإن كانوا أغنياء. # وبهذا قال مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وابن المنذر. ~~وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا تدفع إلا إلى فقير. وكذلك قالوا في الغارم ~~لإصلاح ذات البين؛ لأن من تجب عليه الزكاة لا تحل له، كسائر أصحاب السهمان، ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ ~~من أغنيائهم، فترد في فقرائهم» . فظاهر هذا أنها كلها ترد في الفقراء، ~~والفقير عندهم من لا يملك نصابا. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة؛ لغاز في سبيل الله، أو لغارم» . وذكر ~~بقيتهم. # ولأن الله تعالى جعل الفقراء والمساكين صنفين، وعد بعدهما ستة أصناف، # PageV06P482 # فلا يلزم وجود صفة الصنفين في بقية الأصناف، كما لا يلزم ms3469 وجود صفة ~~الأصناف فيهما، ولأن هذا يأخذ لحاجتنا إليه، فأشبه العامل والمؤلف، فأما ~~أهل سائر السهمان، فإنما يعتبر فقر من يأخذ لحاجته إليها، دون من يأخذ ~~لحاجتنا إليه. فإذا تقرر هذا، فمن قال، إنه يريد الغزو. قبل قوله؛ لأنه لا ~~يمكن إقامة البينة على نيته، ويدفع إليه قدر كفايته لمؤنته وشراء السلاح ~~والفرس إن كان فارسا، وحمولته ودرعه ولباسه وسائر ما يحتاج إليه لغزوه، وإن ~~كثر ذلك، ويدفع إليه دفعا مراعى، فإن لم يغز رده؛ لأنه أخذه كذلك، وإن غزا ~~وعاد، فقد ملك ما أخذه؛ لأننا دفعنا إليه قدر الكفاية # وإنما ضيق على نفسه. وإن مضى إلى الغزو، فرجع من الطريق، أو لم يتم الغزو ~~الذي دفع إليه من أجله، رد ما فضل معه؛ لأن الذي أخذ لأجله لم يفعله كله. # (5120) فصل: وإنما يستحق هذا السهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، ~~وإنما يتطوعون بالغزو إذا نشطوا. قال أحمد: ويعطى ثمن الفرس، ولا يتولى ~~مخرج الزكاة شراء الفرس بنفسه؛ لأن الواجب إيتاء الزكاة، فإذا اشتراها ~~بنفسه، فما أعطى إلا فرسا. وكذلك الحكم في شراء السلاح والمؤنة. وقال في ~~موضع آخر: إن دفع ثمن الفرس وثمن السيف، فهو أعجب إلي، وإن اشتراه هو، رجوت ~~أن يجزئه. وقال أيضا: يشتري الرجل من زكاته الفرس، ويحمل عليه، والقناة، ~~ويجهز الرجل؛ وذلك لأنه قد صرف الزكاة في سبيل الله، فجاز، كما لو دفعها ~~إلى الغازي فاشترى بها. قال: ولا يشتري من الزكاة فرسا يصير حبيسا في سبيل ~~الله، ولا دارا، ولا ضيعة يصيرها في سبيل الله للرباط، ولا يقفها على ~~المجاهدين. # لأنه لم يؤت الزكاة لأحد، وهو مأمور بإتيانها. قال: ولا يغزو الرجل على ~~الفرس الذي أخرجه من زكاة ماله؛ لأنه لا يجوز أن يجعل نفسه مصرفا لزكاته، ~~كما لا يجوز أن يقضي بها دينه، ومتى أخذ الفرس التي اشتريت بماله، صار ~~مصرفا لزكاته. ### | [مسألة يصرف من الزكاة في الحج] # (5121) مسألة؛ قال: (ويعطى أيضا في الحج، وهو من سبيل الله) ويروى هذا عن ms3470 ~~ابن عباس. وعن ابن عمر، الحج في سبيل الله. وهو قول إسحاق؛ لما روي «أن ~~رجلا جعل ناقة له في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: اركبيها، فإن الحج في سبيل الله» . وعن أحمد - رحمه الله ~~- رواية أخرى، لا يصرف منها في الحج. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، ~~والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. وهذا أصح؛ لأن سبيل الله عند # PageV06P483 # الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد، فإن كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله. # إنما أريد به الجهاد، إلا اليسير، فيجب أن يحمل ما في هذه الآية على ذلك؛ ~~لأن الظاهر إرادته به، ولأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين، محتاج إليها، ~~كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه ~~المسلمون، كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين. والحج من ~~الفقير لا نفع للمسلمين فيه، ولا حاجة بهم إليه، ولا حاجة به أيضا إليه، ~~لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه، ولا مصلحة له في إيجابه عليه، وتكليفه مشقة ~~قد رفهه الله منها، وخفف عنه إيجابها، وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من ~~سائر الأصناف، أو دفعه في مصالح المسلمين أولى. وأما الخبر فلا يمنع أن ~~يكون الحج من سبيل الله، والمراد بالآية غيره؛ لما ذكرنا. # وقال الشافعي: يجوز الدفع إلى من أراد الحج، لكونه ابن سبيل. ولا يصح؛ ~~لأن ابن السبيل المسافر المنقطع به، ومن هو محتاج إلى السفر، ولا حاجة بهذا ~~إلى هذا السفر. فإن قلنا: يدفع في الحج منها. فلا يعطى إلا بشرطين؛ أحدهما، ~~أن يكون ممن ليس له ما يحج به سواها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي» . وقال: «لا تحل الصدقة لغني، إلا ~~لخمسة» . ولم يذكر الحاج منهم. ولأنه يأخذ لحاجته، لا لحاجة المسلمين إليه، ~~فاعتبرت فيه الحاجة، كمن يأخذ لفقره # والثاني، أن يأخذه لحجة الفرض. ذكره أبو الخطاب؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط ~~فرضه وإبراء ذمته، أما التطوع فله ms3471 مندوحة عنه. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد ~~جواز ذلك في الفرض والتطوع معا. وهو ظاهر قول الخرقي؛ لأن الكل من سبيل ~~الله، ولأن الفقير لا فرض عليه، فالحجة منه كالتطوع، فعلى هذا يجوز أن يدفع ~~إليه، ما يحج به حجة كاملة، وما يغنيه في حجة، ولا يجوز أن يحج من زكاة ~~نفسه، كما لا يجوز أن يغزو بها. ### | [مسألة ابن السبيل وهو المنقطع به وله اليسار في بلده فيعطى من الصدقة ما يبلغه] # (5122) مسألة؛ قال: (وابن السبيل، وهو المنقطع به، وله اليسار في بلده، ~~فيعطى من الصدقة ما يبلغه) ابن السبيل: هو الصنف الثامن من أهل الزكاة. ولا ~~خلاف في استحقاقه وبقاء سهمه، وابن السبيل هو المسافر الذي ليس له ما يرجع ~~به إلى بلده، وله اليسار في بلده، فيعطى ما يرجع به. وهذا قول قتادة. ونحوه ~~قال مالك، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي، هو المختار، ومن يريد إنشاء السفر ~~إلى بلد أيضا، فيدفع إليهما ما يحتاجان إليه لذهابهما وعودهما؛ لأنه يريد ~~السفر لغير معصية، فأشبه المجتاز. # PageV06P484 # ولنا، أن ابن السبيل هو الملازم للطريق الكائن فيها، كما يقال: ولد ~~الليل. للذي يكثر الخروج فيه، والقاطن في بلده ليس في طريق، ولا يثبت له ~~حكم الكائن فيها، ولهذا لا يثبت له حكم السفر بهمه به دون فعله، ولأنه لا ~~يفهم من ابن السبيل إلا الغريب دون من هو في وطنه ومنزله، وإن انتهت به ~~الحاجة منتهاها، فوجب أن يحمل المذكور في الآية على الغريب دون غيره، وإنما ~~يعطى وله اليسار في بلده؛ لأنه عاجز عن الوصول إليه، والانتفاع به، فهو ~~كالمعدوم في حقه. فإن كان ابن السبيل فقيرا في بلده، أعطي لفقره وكونه ابن ~~السبيل، لوجود الأمرين فيه، ويعطى لكونه ابن سبيل قدر ما يوصله إلى بلده؛ ~~لأن الدفع إليه للحاجة إلى ذلك. # فتقدر بقدره، وتدفع إليه وإن كان موسرا في بلده إذا كان محتاجا في الحال؛ ~~لأنه عاجز عن الوصول إلى ماله، فصار كالمعدوم. وإن فضل معه شيء بعد رجوعه ~~إلى ms3472 بلده رده؛ لأنه أخذه للحاجة، وقد حصل الغنى بدونه، فأشبه ما لو أخذ ~~لغزو فلم يغز. وإن كان فقيرا، أو اتصل بسفره الفقر، أخذ الفضل لفقره؛ لأنه ~~إن فات الاستحقاق بكونه ابن سبيل، حصل الاستحقاق بجهة أخرى. وإن كان غارما، ~~أخذ الفضل لغرمه. ### | [فصل كان ابن السبيل مجتازا يريد بلدا غير بلده في مصارف الزكاة] # (5123) فصل: وإن كان ابن السبيل مجتازا يريد بلدا غير بلده، فقال ~~أصحابنا: يجوز أن يدفع إليه ما يكفيه في مضيه إلى مقصده ورجوعه إلى بلده؛ ~~لأن فيه إعانة على السفر المباح، وبلوغ الغرض الصحيح، لكن يشترط كون السفر ~~مباحا، إما قربة كالحج والجهاد وزيارة الوالدين، أو مباحا كطلب المعاش ~~والتجارات. فأما المعصية فلا يجوز الدفع إليه فيها؛ لأنه إعانة عليها، ~~وتسبب إليها، فهو كفعلها، فإن وسيلة الشيء جارية مجراه. وإن كان السفر ~~للنزهة، ففيه وجهان؛ أحدهما، يدفع إليه؛ لأنه غير معصية. والثاني، لا يدفع ~~إليه؛ لأنه لا حاجة به إلى هذا السفر. ويقوى عندي أنه لا يجوز الدفع للسفر ~~إلى غير بلده. # لأنه لو جاز ذلك لجاز للمنشئ للسفر من بلده، ولأن هذا السفر إن كان ~~لجهاد، فهو يأخذ له من سهم سبيل الله، وإن كان حجا فغيره أهم منه. وإذا لم ~~يجز الدفع في هذين، ففي غيرهما أولى. وإنما ورد الشرع بالدفع إليه للرجوع ~~إلى بلده؛ لأنه أمر تدعو حاجته إليه ولا غنى به عنه، فلا يجوز إلحاق غيره ~~به؛ لأنه ليس في معناه، فلا يجوز قياسه عليه، ولا نص فيه، فلا يثبت جوازه ~~لعدم النص والقياس. ### | [فصل ادعى الرجل أنه ابن سبيل ولم يعرف ذلك في مصارف الزكاة] # (5124) فصل: وإذا ادعى الرجل أنه ابن سبيل، ولم يعرف ذلك، لم يقبل إلا ~~ببينة. وإن ادعى الحاجة، ولم يكن عرف # PageV06P485 # له مال في مكانه الذي هو به، قبل قوله من غير بينة؛ لأن الأصل عدمه معه. ~~وإن عرف له مال في مكانه، لم تقبل دعواه للفقر إلا ببينة، كما لو ادعى ~~إنسان المسكنة. ### | [فصل جملة ms3473 من يأخذ مع الغنى من الزكاة خمسة] # (5125) فصل: وجملة من يأخذ مع الغنى خمسة؛ العامل، والمؤلف قلبه، ~~والغازي، والغارم لإصلاح ذات البين، وابن السبيل الذي له اليسار في بلده. ~~وخمسة لا يعطون إلا مع الحاجة؛ الفقير، والمسكين، والمكاتب، والغارم لمصلحة ~~نفسه في مباح، وابن السبيل. وأربعة يأخذون أخذا مستقرا، لا يلزمهم رد شيء ~~بحال؛ الفقير، والمسكين، والعامل، والمؤلف. وأربعة يأخذون أخذا غير مستقر؛ ~~المكاتب، والغارم، والغازي، وابن السبيل. ### | [فصل سافر لمعصية فأراد الرجوع إلى بلده لم يدفع إليه من الزكاة] # (5126) فصل: ومن سافر لمعصية، فأراد الرجوع إلى بلده، لم يدفع إليه، ما ~~لم يتب. فإن تاب، احتمل جواز الدفع إليه؛ لأن رجوعه ليس بمعصية، فأشبه رجوع ~~غيره، بل ربما كان رجوعه إلى بلده تركا للمعصية، وإقلاعا عنها، كالعاق يريد ~~الرجوع إلى أبويه، والفار من غريمه أو امرأته يريد الرجوع إليهما. ويحتمل ~~أن لا يدفع إليه؛ لأن سبب ذلك المعصية، فأشبه الغارم في المعصية. ### | [مسألة ليس عليه أن يعطي لكل هؤلاء الأصناف في مصارف الزكاة] # (5127) مسألة؛ قال: (وليس عليه أن يعطي لكل هؤلاء الأصناف، وإن كانوا ~~موجودين، إنما عليه أن لا يجاوزهم) وذلك لأن الآية إنما سيقت لبيان من يجوز ~~الصرف إليه، لا لإيجاب الصرف إلى الجميع، بدليل أنه لا يجب تعميم كل صنف ~~بها. وقد ذكر الله تعالى في آية أخرى صرفها إلى صنف واحد، فقال سبحانه: {إن ~~تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: ~~271] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ~~«أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم» . متفق عليه. # فلم يذكر في الآية ولا في الخبر إلا صنفا واحدا. وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لقبيصة حين تحمل حمالة: «أقم يا قبيصة، حتى تأتينا الصدقة، ~~فنأمر لك بها» . فذكر دفعها إلى صنف، وهو من الغارمين. وأمر بني زريق بدفع ~~صدقتهم إلى سلمة بن صخر. وهو شخص واحد. رواه أبو داود وبعث إليه علي - رضي ~~الله عنه ms3474 - # PageV06P486 # بذهيبة في تربتها، فقسمها بين المؤلفة قلوبهم، وهم صنف واحد. والآثار في ~~هذا كثيرة، تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعتقد في كل ~~صدقة ثابتة دفعها إلى جميع الأصناف. # ولا تعميمهم بها، بل كان يدفعها إلى من تيسر من أهلها، وهذا هو اللائق ~~بحكمة الشرع وحسنه، إذ غير جائز أن يكلف الله سبحانه من وجبت عليه شاة، أو ~~صاع من البر، أو نصف مثقال، أو خمسة دراهم، دفعها إلى ثمانية عشر نفسا، أو ~~أحدا وعشرين، أو أربعة وعشرين نفسا، من ثمانية أصناف، لكل ثلاثة منهم ~~ثمنها، والغالب تعذر وجودهم في الإقليم العظيم، وعجز السلطان عن إيصال مال ~~بيت المال مع كثرته إليهم على هذا الوجه، فكيف يكلف الله تعالى كل من وجبت ~~عليه زكاة جمعهم وإعطاءهم، وهو سبحانه القائل: {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج} [الحج: 78] . وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ~~[البقرة: 185] . وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] . # وأظن من قال بوجوب دفعها على هذا الوجه إنما يقوله بلسانه، ولا يقدر على ~~فعله، وما بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل هذا في صدقة من ~~الصدقات، ولا أحدا من خلفائه، ولا من صحابته، ولا غيرهم، ولو كان هذا هو ~~الواجب في الشريعة المطهرة لما أغفلوه، ولو فعلوه مع مشقته لنقل وما أهمل، ~~إذ لا يجوز على أهل التواتر إهمال نقل ما تدعو الحاجة إلى نقله، سيما مع ~~كثرة من تجب عليه الزكاة، ووجود ذلك في كل زمان، وفي كل مصر وبلد، وهذا أمر ~~ظاهر، وقد سبقت هذه المسألة والكلام فيها فيما تقدم. ### | [فصل تفريق الصدقة على ما أمكن من أصنافها] # (5128) فصل: ويستحب تفريقها على ما أمكن من الأصناف، ليخرج من الخلاف، ~~وتعميم من أمكن من كل صنف. # فإن كان المتولي لتفريقها الساعي، استحب إحصاء أهل السهمان من عمله، حتى ~~يكون فراغه من قبض الصدقات بعد تناهي أسمائهم، وأنسابهم، وحاجاتهم، وقدر ~~كفاياتهم، لتكون تفرقته عقيب جمع الصدقة. ويبدأ بإعطاء ms3475 العامل؛ لأنه يأخذه ~~على طريق المعاوضة، فكان استحقاقه أقوى، ولذلك إذا عجزت الصدقة عن أجره، ~~تمم له من بيت المال، ولأن ما يأخذه أجر. وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» . ثم بالأهم فالأهم، وأهمهم ~~أشد حاجة، فإن كانت الصدقة تفي بحاجة # PageV06P487 # جميعهم، أعطى كل إنسان منهم قدر ما يدفع به حاجته، فيعطي الفقير ما ~~يغنيه، وهو ما تحصل له به الكفاية في عامه ذلك، له ولعياله، ويعطي المسكين ~~ما تتم به الكفاية. # إلا أن يعطيه من الذهب أو الورق، ففيه روايتان؛ إحداهما؛ يعطيه ما تتم به ~~الكفاية، والثانية، لا يزيده على خمسين درهما، أو قيمتها من الذهب، إلا أن ~~يكون له عيال، فيدفع إليه لكل واحد منهم خمسين درهما، ويدفع إلى العامل قدر ~~أجره، وإلى الغارم ما يقضي به غرمه، وإلى المكاتب ما يوفي كتابته، والغازي ~~يعطى ما يحتاج إليه لمؤنة غزوه، وابن السبيل ما يبلغه إلى بلده. وإن نقصت ~~الصدقة عن كفايتهم، فرق فيهم على حسب ما يرى. ويستحب أن لا ينقص من كل صنف ~~عن أقل من ثلاثة؛ لأنهم أقل الجمع، إلا العامل، فإنه يكون واحدا. # وإن فضلت الصدقة عن كفايتهم، نقل الفاضل إلى أقرب البلاد إليه. وإن كان ~~المتولي لتفريقها ربها، فيستحب أن يبدأ بأهلها من أهله، ويفرقها في الأهم ~~فالأهم، وهو من اشتدت حاجته، وقرب منه نسبه، ويعطي من أمكنه. ### | [فصل اجتمع في واحد سببان في مصارف الزكاة] # (5129) فصل: وإن اجتمع في واحد سببان، يجوز الأخذ بكل واحد منهما منفردا، ~~كالفقير الغارم، أعطي بهما جميعا، فيعطى ما يقضي غرمه، ثم يعطى ما يغنيه؛ ~~لأن الشخص الذي فيه المعنيان كشخصين، وجد في كل واحد منهما أحد المعنيين، ~~فيستحق بهما كالميراث لابن عم هو زوج أو أخ من أم، ولو أوصى لقرابته ~~وللفقراء، استحق القريب الفقير سهمين. ### | [مسألة لا يعطي من الصدقة لبني هاشم ولا لمواليهم] # (5130) مسألة؛ قال: (ولا يعطي من الصدقة لبني هاشم) ولا لمواليهم، ولا ~~للوالدين وإن علوا، ms3476 ولا للولد وإن سفل. ولا للزوج، ولا للزوجة، ولا لمن ~~تلزمه مؤنته، ولا لكافر، ولا لمملوك، إلا أن يكونوا من العاملين عليها، ~~فيعطون بحق ما عملوا، ولا لغني، وهو الذي يملك خمسين درهما أو قيمتها من ~~الذهب. هذه المسائل قد تكررت، وذكرنا شرحها في باب الزكاة، بما أغنى عن ~~إعادته ها هنا. ### | [مسألة تولى الرجل إخراج زكاته] # مسألة؛ قال: (وإذا تولى الرجل إخراج زكاته، سقط العاملون) # PageV06P488 # وذلك لأن العامل إنما يأخذ أجر عمالته، فإذا أخرج الرجل زكاة نفسه، لم ~~يكن ثم عامل عليها، ولا من يستحق أجرا، فيسقط سهمه. والله أعلم. ### | [فصل جوائز السلطان] # (5132) فصل: في جوائز السلطان، كان الإمام أبو عبد الله رحمة الله عليه ~~يتورع عنها، ويمنع بنيه وعمه من أخذها، وهجرهم حين قبلوها، وسد الأبواب ~~بينه وبينهم حين أخذوها، ولم يكن يأكل من بيوتهم شيئا، ولا ينتفع بشيء يصنع ~~عندهم. وأمرهم بالصدقة بما أخذوه. وإنما فعل ذلك، لأن أموالهم تختلط بما ~~يأخذونه من الحرام من الظلم وغيره، فيصير شبهة، وقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يعلمها ~~كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن واقع الشبهات ~~أوشك أن يقع في الحرام، كالراتع حول الحمى، يوشك أن يقع فيه» . وقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . # واحتج أحمد بأن جماعة من الصحابة تنزهوا عن مال السلطان؛ منهم حذيفة، ~~وأبو عبيدة، ومعاذ، وأبو هريرة، وابن عمر. ولم ير أبو عبد الله ذلك حراما؛ ~~فإنه سئل، فقيل له: مال السلطان حرام؟ فقال: لا، وأحب إلي أن يتنزه عنه. ~~وفي رواية قال: ليس أحد من المسلمين إلا وله في هذه الدراهم حق، فكيف أقول ~~إنها سحت؟ وقد كان الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وكثير من الصحابة، ~~يقبلون جوائز معاوية. وروي عن علي، - رضي الله عنه - أنه قال: لا بأس ~~بجوائز السلطان، ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام وقال: لا ms3477 ~~تسأل السلطان شيئا، فإن أعطاك فخذ؛ فإن ما في بيت المال من الحلال أكثر مما ~~فيه من الحرام. # وروى عمر بن شيبة البحتري " في كتاب القضاء " أن الحسن، وابن سيرين، ~~والشعبي، دخلوا على عمر بن هبيرة فأمر لكل واحد منهم بألف درهم ألف درهم، ~~وأمر للحسن بألفي درهم، فقبض الحسن جائزته، # PageV06P489 # وأبى ابن سيرين أن يقبض، فقال لابن سيرين: ما لك لا تقبض؟ قال: حتى يعم ~~الناس. فقال الحسن: والله لو عرض لك ولي لص، فأخذ ردائي ورداءك، ثم بدا له ~~أن يرد علي ردائي، كنت أقول: لا أقبل ردائي حتى ترد على ابن سيرين رداءه؟ ~~كنت أحب أن تكون أفقه مما أنت يا ابن سيرين. # ولأن جوائز السلطان لها وجه في الإباحة والتحليل، فإن له جهات كثيرة من ~~الفيء والصدقة وغيرهما. # (5133) فصل: قال أحمد: جوائز السلطان أحب إلي من الصدقة. يعني أن الصدقة ~~أوساخ الناس، صين عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله، لدناءتها، ولم ~~يصانوا عن جوائز السلطان. وسئل أحمد عمن عامل السلطان فربح ألفا، وآخر ~~أجازه السلطان بألف، أيهما أحب إليك؟ قال: الجائزة. وذلك لأن الذي يربح ~~عليه ألفا، لا يربحها في الغالب إلا بنوع من التدليس والغبن الفاحش، ~~والجائزة عطاء من الإمام برضاه، لا تدليس فيها ولا غبن. وقال أحمد: إذا كان ~~بينك وبين السلطان رجل. يعني فهو أحب إلي من أخذه منه. # وذلك لأن الوسائط كلما كثرت، قربت إلى الحل؛ لأنها مع البعد تتبدل، وتحصل ~~فيها أسباب مبيحة، والله سبحانه أعلم. # PageV06P490 ### | [كتاب النكاح] # النكاح في الشرع: هو عقد التزويج، فعند إطلاق لفظه ينصرف إليه، ما لم ~~يصرفه عنه دليل. وقال القاضي: الأشبه بأصلنا أنه حقيقة في العقد والوطء ~~جميعا؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب من غير تزويج، لدخوله في قوله تعالى: ~~{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] . وقيل: بل هو حقيقة في ~~الوطء، مجاز في العقد، تقول العرب: أنكحنا الفرا، فسنرى. أي أضربنا فحل حمر ~~الوحش أمه، فسنرى ما يتولد منهما. # يضرب مثلا للأمر ms3478 يجتمعون عليه، ثم يتفرقون عنه. وقال الشاعر: # ومن أيم قد أنكحتنا رماحنا ... وأخرى على خال وعم تلهف # والصحيح ما قلنا؛ لأن الأشهر استعمال لفظة النكاح بإزاء العقد في الكتاب ~~والسنة ولسان أهل العرف. وقد قيل: ليس في الكتاب لفظ نكاح بمعنى الوطء، إلا ~~قوله: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] . ولأنه يصح نفيه عن الوطء، ~~فيقال: هذا سفاح وليس بنكاح. ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه ~~قال: «ولدت من نكاح، لا من سفاح» . ويقال # عن السرية: ليست بزوجة، ولا منكوحة. ولأن النكاح أحد اللفظين اللذين ~~ينعقد بهما عقد النكاح، فكان حقيقة فيه، كاللفظ الآخر. وما ذكره القاضي ~~يفضي إلى كون اللفظ مشتركا وهو على خلاف الأصل، وما ذكره الآخرون يدل على ~~الاستعمال في الجملة، والاستعمال فيما قلنا أكثر وأشهر، ثم لو قدر كونه ~~مجازا في العقد لكان اسما عرفيا، يجب صرف اللفظ عند الإطلاق إليه؛ لشهرته، ~~كسائر الأسماء العرفية. # (5134) فصل: والأصل في مشروعية النكاح الكتاب والسنة والإجماع؛ أما ~~الكتاب فقول الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} ~~[النساء: 3] . # الآية. وقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} ~~[النور: 32] . وأما السنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر ~~الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، # PageV07P003 # فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء» . ~~متفق عليه. في آي وأخبار سوى ذلك كثيرة. وأجمع المسلمون على أن النكاح ~~مشروع. واختلف أصحابنا في وجوبه؛ فالمشهور في المذهب أنه ليس بواجب، إلا أن ~~يخاف أحد على نفسه الوقوع في محظور بتركه، فيلزمه إعفاف نفسه # وهذا قول عامة الفقهاء. وقال أبو بكر عبد العزيز: هو واجب. وحكاه عن ~~أحمد. وحكى عن داود أنه يجب في العمر مرة واحدة؛ للآية والخبر. # ولنا، أن الله تعالى حين أمر به. علقه على الاستطابة، بقوله سبحانه: ~~{فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] # والواجب لا يقف على الاستطابة، وقال: {مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] . ~~ولا يجب ذلك بالاتفاق، فدل على ms3479 أن المراد بالأمر الندب، وكذلك الخبر يحمل ~~على الندب، أو على من يخشى على نفسه الوقوع في المحظور بترك النكاح. قال ~~القاضي: وعلى هذا يحمل كلام أحمد وأبي بكر، في إيجاب النكاح. ### | [فصل الناس في النكاح على ثلاثة أضرب] # (5135) فصل: والناس في النكاح على ثلاثة أضرب؛ منهم من يخاف على نفسه ~~الوقوع في محظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ ~~لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح. الثاني، من يستحب ~~له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال له به أولى ~~من التخلي لنوافل العبادة. وهو قول أصحاب الرأي. وهو ظاهر قول الصحابة - ~~رضي الله عنهم -، وفعلهم. قال ابن مسعود: لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، ~~وأعلم أني أموت في آخرها يوما، ولي طول النكاح فيهن، لتزوجت مخافة الفتنة # وقال ابن عباس لسعيد بن جبير: تزوج، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء. وقال ~~إبراهيم بن ميسرة: قال لي طاوس: لتنكحن، أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي ~~الزوائد: ما يمنعك عن النكاح إلا عجز أو فجور. قال أحمد - رحمه الله - في ~~رواية المروذي: ليست العزبة من أمر الإسلام، في شيء. وقال: من دعاك إلى غير ~~التزويج، فقد دعاك إلى غير الإسلام، ولو تزوج بشر كان قد تم أمره. # PageV07P004 # وقال الشافعي: التخلي لعبادة الله تعالى أفضل؛ لأن الله تعالى مدح يحيى - ~~عليه السلام - بقوله: {وسيدا وحصورا} [آل عمران: 39] والحصور: الذي لا يأتي ~~النساء فلو كان النكاح أفضل لما مدح بتركه. # وقال الله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} [آل عمران: ~~14] . وهذا في معرض الذم، ولأنه عقد معاوضة، فكان الاشتغال بالعبادة أفضل ~~منه، كالبيع. ولنا، ما تقدم من أمر الله تعالى ورسوله به وحثهما عليه، ~~«وقال - صلى الله عليه وسلم -: ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج ~~النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» . وقال سعد: لقد «رد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على عثمان بن مظعون التبتل» ms3480 ، ولو أحله له لاختصينا متفق ~~عليهما. # وعن أنس قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالباءة، وينهى عن ~~التبتل نهيا شديدا، ويقول: تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم ~~القيامة.» رواه سعيد. # وهذا حث على النكاح شديد، ووعيد على تركه يقربه إلى الوجوب، والتخلي منه ~~إلى التحريم، ولو كان التخلي أفضل لانعكس الأمر، ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - تزوج، وبالغ في العدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه إلا بالأفضل، ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل، ~~والاشتغال بالأدنى، ومن العجب أن من يفضل التخلي لم يفعله. # فكيف أجمعوا على النكاح في فعله، وخالفوه في فضله، أفما كان فيهم من يتبع ~~الأفضل عنده ويعمل بالأولى؟ ولأن مصالح النكاح أكثر، فإنه يشتمل على تحصين ~~الدين، وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها، والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثير ~~الأمة، وتحقيق مباهاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك من المصالح ~~الراجح أحدها على نفل العبادة، فمجموعها أولى. # PageV07P005 # وقد روينا في أخبار المتقدمين، أن قوما ذكروا لنبي لهم فضل عابد لهم، ~~فقال: أما إنه لتارك لشيء من السنة، فبلغ العابد، فأتى النبي، فسأله عن ~~ذلك، فقال: إنك تركت التزويج. فقال: يا نبي الله، وما هو إلا هذا، فلما رأى ~~النبي احتقاره لذلك، قال: أرأيت لو ترك الناس كلهم التزويج من كان يقوم ~~بالجهاد، وينفي العدو، ويقوم بفرائض الله تعالى وحدوده؟ وأما ما ذكر عن ~~يحيى، فهو شرعه، وشرعنا وارد بخلافه، فهو أولى # والبيع لا يشتمل على مصالح النكاح، ولا يقاربها. القسم الثالث، من لا ~~شهوة له، إما لأنه لم يخلق له شهوة كالعنين، أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو ~~مرض ونحوه، ففيه وجهان؛ أحدهما، يستحب له النكاح؛ لعموم ما ذكرنا. والثاني، ~~التخلي له أفضل؛ لأنه لا يحصل مصالح النكاح، ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ~~ويضر بها، ويحبسها على نفسه، ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من ~~القيام بها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه # والأخبار ms3481 تحمل على من له شهوة؛ لما فيها من القرائن الدالة عليها. وظاهر ~~كلام أحمد أنه لا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه، قال: ينبغي ~~للرجل أن يتزوج، فإن كان عنده ما ينفق، أنفق، وإن لم يكن عنده، صبر، ولو ~~تزوج بشر كان قد تم أمره. واحتج «بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يصبح وما عندهم شيء، ويمسي وما عندهم شيء» . «وأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - زوج رجلا لم يقدر على خاتم حديد، ولا وجد إلا إزاره، ولم يكن له ~~رداء.» أخرجه البخاري # قال أحمد، في رجل قليل الكسب، يضعف قلبه عن العيال: الله يرزقهم، التزويج ~~أحصن له، ربما أتى عليه وقت لا يملك قلبه. وهذا في حق من يمكنه التزويج، ~~فأما من لا يمكنه، فقد قال الله تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى ~~يغنيهم الله من فضله} [النور: 33] ### | [مسألة لا نكاح إلا بولي وشاهدين من المسلمين] ### | [فصل النكاح لا يصح إلا بولي] # (5136) مسألة؛ قال: ولا نكاح إلا بولي وشاهدين من المسلمين في هذه ~~المسألة أربعة فصول: # PageV07P006 # (5137) أحدها: أن النكاح لا يصح إلا بولي، ولا تملك المرأة تزويج نفسها ~~ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها. فإن فعلت، لم يصح النكاح. روي ~~هذا عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة - رضي الله ~~عنهم -. وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن ~~زيد، والثوري، وابن أبي ليلى وابن شبرمة، وابن المبارك، وعبيد الله ~~العنبري، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد # وروي عن ابن سيرين، والقاسم بن محمد، والحسن بن صالح، وأبي يوسف: لا يجوز ~~لها ذلك بغير إذن الولي، فإن فعلت كان موقوفا على إجازته. وقال أبو حنيفة: ~~لها أن تزوج نفسها وغيرها، وتوكل في النكاح؛ لأن الله تعالى قال: {فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} [البقرة: 232] . أضاف النكاح إليهن، ونهى عن ~~منعهن منه، ولأنه خالص حقها، وهي من أهل المباشرة، فصح منها، كبيع أمتها، ~~ولأنها إذا ملكت بيع أمتها، وهو تصرف في ms3482 رقبتها وسائر منافعها، ففي النكاح ~~الذي هو عقد على بعض منافعها أولى # ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا نكاح إلا بولي» . روته ~~عائشة، وأبو موسى، وابن عباس. قال المروذي: سألت أحمد ويحيى عن حديث: «لا ~~نكاح إلا بولي» . فقالا: صحيح. # وروي عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «أيما امرأة ~~نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل باطل باطل، فإن أصابها، فلها ~~المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له» . رواه ~~الإمام أحمد، وأبو داود وغيرهما فإن قيل: فإن الزهري رواه وقد أنكره. قال ~~ابن جريج: سألت الزهري عنه فلم يعرفه. قلنا له: لم يقل هذا عن ابن جريج غير ~~ابن علية، كذلك قال الإمام أحمد ويحيى، ولو ثبت هذا لم يكن حجة؛ لأنه قد ~~نقله ثقات عنه، فلو نسيه الزهري لم يضره؛ # لأن النسيان لم يعصم منه إنسان. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نسي ~~آدم، فنسيت ذريته» . ولأنها مولى عليها في النكاح، فلا تليه، كالصغيرة، ~~وأما الآية، فإن عضلها الامتناع من تزويجها، وهذا يدل على أن نكاحها إلى ~~الولي. # ويدل عليه أنها نزلت في شأن معقل بن يسار، حين امتنع من تزويج أخته، ~~فدعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فزوجها. وأضافه إليها لأنها محل له. # PageV07P007 # إذا ثبت هذا، فإنه لا يجوز لها تزويج أحد. وعن أحمد، لها تزويج أمتها. ~~وهذا يدل على صحة عبارتها في النكاح، فيخرج منه أن لها تزويج نفسها بإذن ~~وليها، وتزويج غيرها بالوكالة. وهو مذهب محمد بن الحسن. وينبغي أن يكون ~~قولا لابن سيرين ومن معه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة ~~زوجت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل» . فمفهومه صحته بإذنه # ولأن المرأة إنما منعت الاستقلال بالنكاح، لقصور عقلها، فلا يؤمن ~~انخداعها ووقوعه منها على وجه المفسدة، وهذا مأمون فيما إذا أذن فيه وليها. ~~والصحيح الأول؛ لعموم قوله: «لا نكاح إلا بولي» . وهذا يقدم على دليل ~~الخطاب، والتخصيص هاهنا خرج ms3483 مخرج الغالب، فإن الغالب أنها لا تزوج نفسها ~~إلا بغير إذن وليها، والعلة في منعها، صيانتها عن مباشرة ما يشعر بوقاحتها ~~ورعونتها وميلها إلى الرجال، وذلك ينافي حال أهل الصيانة والمروءة، والله ~~أعلم. # (5138) فصل: فإن حكم بصحة هذا العقد حاكم، أو كان المتولي لعقده حاكما، ~~لم يجز نقضه # وكذلك سائر الأنكحة الفاسدة. وخرج القاضي في هذا وجها خاصة أنه ينقض. وهو ~~قول الإصطخري من أصحاب الشافعي؛ لأنه خالف نصا. والأول أولى؛ لأنها مسألة ~~مختلف فيها، ويسوغ فيها الاجتهاد، فلم يجز نقض الحكم له، كما لو حكم ~~بالشفعة للجار، وهذا النص متأول وفي صحته كلام، وقد عارضه ظواهر. ### | [فصل النكاح لا ينعقد إلا بشاهدين] # (5139) الفصل الثاني: أن النكاح لا ينعقد إلا بشاهدين. هذا المشهور عن ~~أحمد. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وجابر بن ~~زيد، والحسن، والنخعي، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب ~~الرأي. وعن أحمد أنه يصح بغير شهود. وفعله ابن عمر، والحسن بن علي، وابن ~~الزبير، وسالم وحمزة ابنا ابن عمر. وبه قال عبد الله بن إدريس، وعبد الرحمن ~~بن مهدي، ويزيد بن هارون، والعنبري، وأبو ثور، وابن المنذر # وهو قول الزهري، ومالك، إذا أعلنوه. قال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدين ~~في النكاح خبر. وقال ابن عبد البر: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- # PageV07P008 # : «لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين» . من حديث ابن عباس وأبي هريرة وابن ~~عمر، إلا أن في نقله ذلك ضعيفا، فلم أذكره. قال ابن المنذر: وقد أعتق النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - صفية بنت حيي فتزوجها بغير شهود. قال أنس بن مالك - ~~رضي الله عنه -: «اشترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جارية بسبعة ~~قروش، فقال الناس: ما ندري أتزوجها رسول الله أم جعلها أم ولد؟ فلما أن ~~أراد أن يركب حجبها، فعلموا أنه تزوجها» متفق عليه. # قال: فاستدلوا على تزويجها بالحجاب. وقال يزيد بن هارون: أمر الله تعالى ~~بالإشهاد في البيع دون النكاح، فاشترط أصحاب الرأي ms3484 الشهادة للنكاح، ولم ~~يشترطوها للبيع، ووجه الأولى أنه قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل» . رواه الخلال بإسناده. وروى ~~الدارقطني، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا بد في ~~النكاح من أربعة؛ الولي، والزوج، والشاهدان» . ولأنه يتعلق به حق غير ~~المتعاقدين، وهو الولد، فاشترطت الشهادة فيه، لئلا يجحده أبوه، فيضيع نسبه، ~~بخلاف البيع # فأما نكاح النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير ولي وغير شهود، فمن خصائصه ~~في النكاح، فلا يلحق به غيره. # (5140) الفصل الثالث: أنه لا ينعقد إلا بشهادة مسلمين، سواء كان الزوجان ~~مسلمين، أو الزوج وحده. نص عليه أحمد. وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: ~~إذا كانت المرأة ذمية، صح بشهادة ذميين. قال أبو الخطاب: ويتخرج لنا مثل ~~ذلك، مبنيا على الرواية التي تقول بقبول شهادة بعض أهل الذمة على بعض. ~~ولنا، قوله - عليه السلام -: «لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل» # ولأنه نكاح مسلم، فلم ينعقد بشهادة ذميين، كنكاح المسلمين. # (5141) فصل: فأما الفاسقان، ففي انعقاد النكاح بشهادتهما روايتان؛ ~~إحداهما، لا ينعقد. وهو مذهب الشافعي؛ للخبر. ولأن النكاح لا يثبت ~~بشهادتهما، فلم ينعقد بحضورهما، كالمجنونين. # PageV07P009 # والثانية، ينعقد بشهادتهما. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنها تحمل، فصحت من ~~الفاسق، كسائر التحملات. وعلى كلتا الروايتين لا يعتبر حقيقة العدالة، بل ~~ينعقد بشهادة مستوري الحال؛ لأن النكاح يكون في القرى والبادية، وبين عامة ~~الناس، ممن لا يعرف حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يشق # فاكتفي بظاهر الحال، وكون الشاهد مستورا لم يظهر فسقه، فإن تبين بعد ~~العقد أنه كان فاسقا، لم يؤثر ذلك في العقد؛ لأن الشرط العدالة ظاهرا، وهو ~~أن لا يكون ظاهر الفسق، وقد تحقق ذلك. وقيل: نتبين أن النكاح كان فاسدا؛ ~~لعدم الشرط. وليس بصحيح؛ لأنه لو كانت العدالة في الباطن شرطا، لوجب الكشف ~~عنها؛ لأنه مع الشك فيها يكون مشكوكا في شرط النكاح، فلا ينعقد، ولا تحل ~~المرأة مع الشك في صحة نكاحها. وإن حدث الفسق فيهما، لم ms3485 يؤثر في صحة ~~النكاح؛ لأن الشرط إنما يعتبر حالة العقد. ولو أقر رجل وامرأة أنهما نكحا ~~بولي وشاهدي عدل، قبل قولهما، وثبت النكاح بإقرارهما. # (5142) فصل: ولا ينعقد بشهادة رجل وامرأتين. وهذا قول النخعي، والأوزاعي، ~~والشافعي. وعن أحمد، أنه قال: إذا تزوج بشهادة نسوة، لم يجز، فإن كان معهن ~~رجل، فهو أهون. فيحتمل أن هذا رواية أخرى في انعقاده بذلك. وهو قول أصحاب ~~الرأي. ويروى عن الشعبي؛ لأنه عقد معاوضة، فانعقد بشهادتهن مع الرجال، ~~كالبيع. ولنا، أن الزهري قال: مضت السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق. رواه ~~أبو عبيد، في " الأموال " # وهذا ينصرف إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأنه عقد ليس بمال، ~~ولا المقصود منه المال، ويحضره الرجال في غالب الأحوال، فلم يثبت بشهادتهن ~~كالحدود، وبهذا فارق البيع. ويحتمل أن أحمد إنما قال: هو أهون. لوقوع ~~الخلاف فيه، فلا يكون رواية. (5143) فصل: ولا ينعقد بشهادة صبيين؛ لأنهما ~~ليسا من أهل الشهادة. ويحتمل أن ينعقد بشهادة مراهقين عاقلين. ولا ينعقد ~~بشهادة مجنونين، ولا سائر من لا شهادة له؛ لأن وجوده كالعدم. ولا ينعقد ~~بشهادة أصمين؛ لأنهما لا يسمعان. ولا أخرسين؛ لعدم إمكان الأداء منهما. وفي ~~انعقاده بحضور أهل الصنائع الزرية كالحجام ونحوه، وجهان، بناء على قبول ~~شهادتهم # وفي انعقاده بشهادة عدوين أو ابني الزوجين أو أحدهما وجهان؛ # PageV07P010 # أحدهما، ينعقد. اختاره أبو عبد الله ابن بطة؛ لعموم قوله «إلا بولي ~~وشاهدي عدل.» ولأنه ينعقد بهما نكاح غير هذا الزواج، فانعقد بهما نكاحه، ~~كسائر العدول. والثاني، لا ينعقد بشهادتهما؛ لأن العدو لا تقبل شهادته على ~~عدوه، والابن لا تقبل شهادته لوالده. # (5144) فصل: وينعقد بشهادة عبدين. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا ينعقد. ~~ومبنى الخلاف على قبول شهادتهما في سائر الحقوق # ونذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وينعقد بشهادة ضريرين. وللشافعية ~~وجهان في ذلك. ولنا، أنها شهادة على قول، فصحت من الأعمى، كالشهادة ~~بالاستفاضة، وإنما ينعقد بشهادتهما إذا ms3486 تيقن الصوت وعلم صوت المتعاقدين على ~~وجه لا يشك فيهما، كما يعلم ذلك من يراهما، وإلا فلا. ### | [فصل تزوجت المرأة تزويجا فاسدا] # فصل: وإذا تزوجت المرأة تزويجا فاسدا، لم يجز تزويجها لغير من تزوجها حتى ~~يطلقها أو يفسخ نكاحها. وإذا امتنع من طلاقها، فسخ الحاكم نكاحه. نص عليه ~~أحمد. وقال الشافعي: لا حاجة إلى فسخ ولا طلاق؛ لأنه نكاح غير منعقد، أشبه ~~النكاح في العدة. ولنا، أنه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد، فاحتيج في التفريق فيه ~~إلى إيقاع فرقة، كالصحيح المختلف فيه، ولأن تزويجها من غير تفريق يفضي إلى ~~تسليط زوجين عليها، كل واحد منهما يعتقد أن نكاحه الصحيح، ونكاح الآخر ~~الفاسد، ويفارق النكاح الباطل من هذين الوجهين # وإذا زوجت بآخر قبل التفريق، لم يصح الثاني أيضا، ولم يجز تزويجها الثالث ~~حتى يطلق الأولان أو يفسخ نكاحهما، ومتى فرق بينهما قبل الدخول، فلا مهر ~~لها؛ لأنه عقد فاسد لم يتصل به قبض، فلم يجب به عوض كالبيع الفاسد، وإن كان ~~التفريق بعد الدخول، فلها المهر؛ بدليل قوله - عليه السلام -: «فلها المهر ~~بما استحل من فرجها» . وإن تكرر الوطء فالمهر واحد؛ للحديث، ولأنه إصابة في ~~عقد فاسد، أشبه الإصابة في عقد صحيح. # (5146) فصل: والواجب لها مهر مثلها، أومأ إليه أحمد؛ فإنه قال في العبد ~~يتزوج بغير إذن سيده: يعطي شيئا # قال القاضي: يعني مهر المثل. وهو ظاهر قول الخرقي؛ لقوله: «وإذا زوج ~~الوليان فالنكاح للأول منهما، # PageV07P011 # فإن دخل بها الثاني فلها مهر مثلها» . وهذا مذهب الشافعي. والمنصوص عن ~~أحمد أن لها المسمى؛ لأن في بعض ألفاظ حديث عائشة: «ولها الذي أعطاها بما ~~أصاب منها.» قال القاضي: حدثناه أبو بكر البرقاني، وأبو محمد الخلال، ~~بإسناديهما. وقال أبو حنيفة: الواجب الأقل من المسمى أو مهر المثل؛ لأنها ~~إن رضيت بدون مهر مثلها فليس لها أكثر منه، كالعقد الصحيح، وإن كان المسمى ~~أكثر لم يجب الزائد؛ لأنه بغير عقد صحيح # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فلها المهر بما استحل من ~~فرجها» . فجعل لها ms3487 المهر المميز بالإصابة، والإصابة إنما توجب مهر المثل، ~~ولأن العقد ليس بموجب، بدليل الخبر، وأنه لو طلقها قبل مسها لم يكن لها ~~شيء، وإذا لم يكن موجبا كان وجوده كعدمه، وبقي الوطء موجبا بمفرده، فأوجب ~~مهر المثل، كوطء الشبهة، ولأن التسمية لو فسدت لوجب مهر المثل، فإذا فسد ~~العقد من أصله كان أولى. وقول أبي حنيفة إنها رضيت بدون صداقها. إنما يصح ~~إذا كان العقد هو الموجب، وقد بينا أنه إنما يجب بالإصابة، فيجب مهر المثل ~~كاملا، كوطء الشبهة. # (5147) فصل: ولا يجب لها بالخلوة شيء. في قول أكثر أهل العلم؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - جعل لها المهر بما استحل من فرجها. يعني أصاب. ولم ~~يصبها. والمنصوص عن أحمد أن المهر يستقر بالخلوة، قياسا على العقد الصحيح، ~~وبناء على أن الواجب المسمى بالعقد، وقد ذكرنا ذلك. ### | [فصل لا حد في وطء النكاح الفاسد] # (5148) فصل: ولا حد في وطء النكاح الفاسد، سواء اعتقدا حله أو حرمته. وعن ~~أحمد ما يدل على أنه يجب الحد بالوطء في النكاح بلا ولي، إذا اعتقدا حرمته. ~~وهو اختيار الصيرفي، من أصحاب الشافعي؛ لما روى الدارقطني، بإسناده عن أبي ~~هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزوج المرأة ~~المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، إن الزانية هي التي تزوج نفسها» . وبإسناده ~~عن الشعبي قال: ما كان أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد في ~~النكاح بغير ولي من علي - رضي الله عنه - كان يضرب فيه # وروى الشالنجي، بإسناده عن عكرمة بن خالد، أن الطريق جمعت ركبا فيه امرأة ~~ثيب، # PageV07P012 # فخطبها رجل، فأنكحها رجل وهو غير ولي بصداق وشهود، فلما قدموا على عمر، - ~~رضي الله عنه - رفع إليه أمرهما، ففرق بينهما، وجلد الناكح والمنكح. ولنا، ~~أن هذا مختلف في إباحته، فلم يجب به الحد، كالنكاح بغير شهود، ولأن الحد ~~يدرأ بالشبهات، والاختلاف فيه أقوى الشبهات، وتسميتها زانية يجوز، بدليل ~~أنه سماها بذلك بمجرد العقد، وعمر جلدهما أدبا وتعزيرا، ولذلك جلد المنكح ~~ولم ms3488 يجلد المرأة، وجلدهما بمجرد العقد مع اعتقادهما حله. وكذلك حديث علي ~~على أن حديث علي حجة على من أوجب الحد فيه، فإن عليا أشد الناس فيه، وقد ~~انتهى الأمر إلى الجلد، فدل على أن سائر الناس والصحابة لم يروا فيه جلدا # فإن قيل: فقد أوجبتم الحد على شارب النبيذ، مع الاختلاف فيه؟ قلنا: هو ~~مفارق لمسألتنا، بدليل أنا نحد من اعتقد حله، ولأن يسير النبيذ يدعو إلى ~~كثيره، المتفق على تحريمه، وهذا المختلف فيه يغني عن الزنى المجمع على ~~تحريمه، فافترقا. إذا ثبت هذا، فإن من اعتقد حله ليس عليه إثم ولا أدب؛ ~~لأنه من مسائل الفروع المختلف فيها، ومن اعتقد حرمته أثم وأدب. وإن أتت ~~بولد منه، لحقه نسبه في الحالين. # (5149) فصل: فأما الأنكحة الباطلة، كنكاح المرأة المزوجة أو المعتدة، أو ~~شبهه، فإذا علما الحل والتحريم، فهما زانيان، وعليهما الحد، ولا يلحق النسب ~~فيه. ### | [فصل يساوي الفاسد من النكاح الصحيح في اللعان] # (5150) فصل: ويساوي الفاسد الصحيح في اللعان، إذا كان بينهما ولد يريد ~~نفيه عنه، لكون النسب لاحقا به، فإن لم يكن ولد، فلا لعان بينهما؛ لعدم ~~الحاجة إليه، وتجب العدة بالخلوة فيه، وعدة الوفاة بالموت فيه، والإحداد، ~~وكل ذلك احتياطا لها. ويفارق الصحيح في أنه لا يثبت التوارث، ولا تحصل به ~~الإباحة للمتزوج، ولا الحل للزوج المطلق ثلاثا بالوطء فيه، ولا يحصل ~~الإحصان بالوطء فيه، ولا يثبت حكم الإيلاء باليمين فيه، ولا يحرم الطلاق ~~فيه في زمن الحيض. ### | [مسألة أحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها] # (5151) مسألة؛ قال: (وأحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها) . إنما قيد ~~المرأة بالحرة هاهنا؛ لأن الأمة لا ولاية لأبيها عليها، وإنما وليها سيدها. ~~بغير خلاف علمناه. وأما المرأة الحرة، فأولى الناس بتزويجها أبوها، ولا ~~ولاية لأحد معه. وبهذا قال الشافعي. وهو المشهور عن # PageV07P013 # أبي حنيفة؛ وقال مالك والعنبري، وأبو يوسف، وإسحاق، وابن المنذر: الابن ~~أولى. وهو رواية عن أبي حنيفة؛ لأنه أولى منه بالميراث، وأقوى تعصيبا، ~~ولهذا يرث بولاء أبيه دون جده # ولنا، أن ms3489 الولد موهوب لأبيه، قال الله تعالى: {ووهبنا له يحيى} ~~[الأنبياء: 90] . وقال زكريا: {رب هب لي من لدنك ذرية طيبة} [آل عمران: 38] ~~. وقال: {فهب لي من لدنك وليا} [مريم: 5] وقال إبراهيم: {الحمد لله الذي ~~وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} [إبراهيم: 39] . وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» . وإثبات ولاية الموهوب له على الهبة أولى من ~~العكس، ولأن الأب أكمل نظرا، وأشد شفقة، فوجب تقديمه في الولاية، كتقديمه ~~على الجد، ولأن الأب يلي ولده في صغره وسفهه وجنونه، فيليه في سائر ما ثبتت ~~الولاية عليه فيه، بخلاف ولاية الابن، ولذلك اختص بولاية المال، وجاز له أن ~~يشتري لها من ماله. # وله من مالها، إذا كانت صغيرة، بخلاف غيره، ولأن الولاية احتكام، واحتكام ~~الأصل على فرعه أولى من العكس، وفارق الميراث، فإنه لا يعتبر له النظر، ~~ولهذا يرث الصبي والمجنون وليس فيه احتكام ولا ولاية على الموروث، بخلاف ما ~~نحن فيه. ### | [مسألة الجد أبو الأب وإن علت درجته أحق بالولاية في النكاح من الابن وسائر الأولياء] # (5152) مسألة؛ قال: ثم أبوه وإن علا يعني أن الجد أبا الأب وإن علت ~~درجته، فهو أحق بالولاية من الابن وسائر الأولياء. وهو قول الشافعي. وعن ~~أحمد رواية أخرى، أن الابن مقدم على الجد. وهو قول مالك؛ ومن وافقه؛ لما ~~تقدم. وعن أحمد، رواية ثالثة، أن الأخ يقدم على الجد. وهو قول مالك؛ لأن ~~الجد يدلي بأبوة الأب، والأخ يدلي ببنوة، والبنوة مقدمة # وعن أحمد أن الجد والأخ سواء؛ لاستوائهما في الميراث بالتعصيب، ~~واستوائهما في القرابة، فوجب أن يستويا في الولاية كالأخوين، ولأنهما ~~عصبتان لا يسقط أحدهما بالآخر، فاستويا في الولاية كالأخوين. ولنا، أن الجد ~~له إيلاد وتعصيب، فيقدم عليهما، كالأب، ولأن الابن والأخ يقادان بها، ~~ويقطعان بسرقة مالها، والجد بخلافه، والجد لا يسقط في الميراث إلا بالأب، ~~والأخ يسقط به وبالابن وابنه، وإذا ضاق # PageV07P014 # المال، وفي المسألة جد وأخ، سقط الأخ وحده، فوجب تقديمه عليهما كالأب، ~~ولتقدمه على العم وسائر العصبات. إذا ثبت هذا، فالجد ms3490 وإن علا أولى من جميع ~~العصبات غير الأب، وأولى الأجداد أقربهم وأحقهم في الميراث. ### | [مسألة متى عدم الأب وآباؤه فأولى الناس بتزويج المرأة ابنها ثم ابنه بعده] # (5153) مسألة؛ قال: ثم ابنها وابنه وإن سفل وجملته أنه متى عدم الأب ~~وآباؤه، فأولى الناس بتزويج المرأة ابنها، ثم ابنه بعده وإن نزلت درجته، ~~الأقرب فالأقرب منهم. وبه قال أصحاب الرأي. وقال الشافعي: لا ولاية للابن ~~إلا أن يكون ابن عم، أو مولى، أو حاكما، فيلي بذلك، لا بالبنوة؛ لأنه ليس ~~بمناسب لها، فلا يلي نكاحها كخالها، ولأن طبعه ينفر من تزويجها، فلا ينظر ~~لها. ولنا، ما روت أم سلمة - رضي الله عنها - «أنها لما انقضت عدتها، أرسل ~~إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطبها، فقالت: يا رسول الله: ليس ~~أحد من أوليائي شاهدا. قال: ليس من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك. فقالت: ~~قم يا عمر، فزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فزوجه» . رواه النسائي. # قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله، فحديث عمر بن أبي سلمة، حين تزوج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أمه أم سلمة، أليس كان صغيرا؟ قال: ومن يقول كان ~~صغيرا، ليس فيه بيان. ولأنه عدل من عصبتها، فثبت له ولاية تزويجها كأخيها. ~~وقولهم: ليس بمناسب لها. يبطل بالحاكم والمولى. وقولهم: إن طبعه ينفر من ~~تزويجها # قلنا: هذا معارض في الفرع ليس له أصل، ثم يبطل بما إذا كان ابن عم أو ~~مولى أو حاكما. إذا ثبت هذا، فإنه يقدم على الأخ ومن بعده. بغير خلاف نعلمه ~~عند من يقول بولايته؛ لأنه أقوى منه تعصيبا، وقد استويا في عدم الإيلاد. ### | [مسألة تقديم الأخ بعد عمودي النسب في ولاية النكاح] # مسألة؛ (5154) قال: ثم أخوها لأبيها وأمها. لا خلاف بين أهل العلم في ~~تقديم الأخ بعد عمودي النسب؛ لكونه أقرب العصبات بعدهم، فإنه ابن الأب، ~~وأقواهم تعصيبا، وأحقهم بالميراث. # PageV07P015 ### | [مسألة الأخ لأب مثل الأخ الشقيق في ولاية النكاح] # (5155) مسألة؛ قال: والأخ للأب مثله. اختلفت الرواية عن أحمد في الأخ ms3491 ~~للأبوين والأخ للأب إذا اجتمعا فالمشهور عنه أنهما سواء في الولاية. وبه ~~قال أبو ثور، والشافعي في القديم؛ لأنهما استويا في الإدلاء بالجهة التي ~~تستفاد منها العصوبة، وهي جهة الأب، فاستويا في الولاية، كما لو كانا من ~~أب، وإنما يرجح الآخر في الميراث بجهة الأم، ولا مدخل لها في الولاية، فلم ~~يرجح بها، كالعمين أحدهما خال، وابني عم أحدهما أخ من أم. والرواية ~~الثانية، الأخ من الأبوين أولى. واختارها أبو بكر # وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي في الجديد. وهو الصحيح، إن شاء الله ~~تعالى لأنه حق يستفاد بالتعصيب، فقدم فيه الأخ من الأبوين، كالميراث ~~وكاستحقاق الميراث بالولاء، فإنه لا مدخل للنساء فيه، وقد قدم الأخ للأبوين ~~فيه. وبهذا يبطل ما ذكرناه للرواية الأولى. وهكذا الخلاف في بني الإخوة ~~والأعمام وبنيهم. فأما إذا كان ابنا عم لأب، أحدهما أخ لأم، فهما سواء؛ ~~لأنهما استويا في التعصيب والإرث به. وقال القاضي: فيهما من الخلاف مثل ما ~~في ابن عم من أبوين وابن عم من أب؛ لأنه يرجح بجهة أمه. وليس كذلك؛ لأن جهة ~~أمه يرث بها منفردة، وما ورث به منفردا لم يرجح به، ولذلك لم يرجح به في ~~الميراث بالولاء ولا في غيره # فعلى هذا، إذا اجتمع ابن عم لأبوين وابن عم لأب هو أخ من أم، فالولاية ~~لابن العم من الأبوين عند من يرى تقديم ولد الأبوين. ### | [مسألة الولاية في النكاح تترتب على ترتيب الإرث بالتعصيب] # (5156) مسألة؛ قال: ثم أولادهم وإن سفلوا، ثم العمومة، ثم أولادهم وإن ~~سفلوا، ثم عمومة الأب. وجملته أن الولاية بعد من ذكرنا تترتب على ترتيب ~~الإرث بالتعصيب، فأحقهم بالميراث أحقهم بالولاية، فأولاهم بعد الآباء بنو ~~المرأة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنوا أبيها وهم الإخوة، ثم بنوهم وإن ~~سفلوا، ثم بنو جدها وهم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جد الأب وهم ~~أعمام الأب، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جد الجد، ثم بنوهم، وعلى هذا لا ~~يلي بنو أب أعلى مع بني ms3492 أب أقرب منه وإن نزلت درجتهم، وأولى ولد كل أب ~~أقربهم إليه # لأن مبنى الولاية على النظر والشفقة، وذلك معتبر بمظنته، وهي القرابة، ~~فأقربهم أشفقهم. ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم. ### | [فصل لا ولاية في النكاح لغير العصبات من الأقارب] # (5157) فصل: ولا ولاية لغير العصبات من الأقارب، كالأخ من الأم، والخال، ~~وعم الأم، والجد أبي الأم ونحوهم. نص عليه أحمد في مواضع. وهو قول الشافعي، ~~وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة. والثانية، أن كل من يرث بفرض أو تعصيب يلي؛ ~~لأنه من أهل ميراثها، فوليها كعصباتها. # PageV07P016 # ولنا، ما روي عن علي، أنه قال: إذا بلغ النساء نص الحقائق، فالعصبة أولى. ~~إذا أدركن رواه أبو عبيد، في " الغريب ". # ولأنه ليس من عصباتها فأشبه الأجنبي. ### | [مسألة المرأة إذا لم يكن لها عصبة من نسبها في ولاية النكاح] # (5158) مسألة؛ قال: ثم المولى المنعم، ثم أقرب عصبته به. لا خلاف نعلمه ~~في أن المرأة إذا لم يكن لها عصبة من نسبها، أن مولاها يزوجها، ولا في أن ~~العصبة المناسب أولى منه، وذلك لأنه عصبة مولاته، يرثها ويعقل عنها عند عدم ~~عصباتها، فلذلك يزوجها، وقدم عليه المناسبون كما قدموا عليه في الإرث ~~والعقل. فإن عدم المولى، أو لم يكن من أهل الولاية، كالمرأة والطفل ~~والكافر، فعصباته الأقرب منهم فالأقرب، على ترتيب الميراث، ثم مولى المولى، ~~ثم عصباته من بعده، كالميراث سواء. # فإن اجتمع ابن المعتق وأبوه، فالابن أولى؛ لأنه أحق بالميراث وأقوى في ~~التعصيب، وإنما قدم الأب المناسب على الابن المناسب لزيادة شفقته وفضيلة ~~ولادته، وهذا معدوم في أبي المعتق، فرجع به إلى الأصل. ### | [مسألة للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهم] # (5159) مسألة؛ قال: ثم السلطان. لا نعلم خلافا بين أهل العلم، في أن ~~للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهم. وبه يقول مالك، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي. والأصل فيه قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «فالسلطان ولي من لا ولي له» وروى أبو داود، بإسناده عن ~~أم ms3493 حبيبة «أن النجاشي زوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت عنده. ~~ولأن» للسلطان ولاية عامة بدليل أنه يلي المال، ويحفظ الضوال، فكانت له ~~الولاية في النكاح كالأب. ### | [فصل السلطان في ولاية النكاح هو الإمام أو الحاكم أو من فوضا إليه ذلك] # (5160) فصل: والسلطان هاهنا هو الإمام، أو الحاكم، أو من فوضا إليه ذلك. ~~واختلفت الرواية عن أحمد في والي البلد، فقال في موضع: يزوج والي البلد. ~~وقال في الرستاق يكون فيه الوالي وليس فيه قاض: يزوج إذا احتاط لها في ~~المهر والكفء، أرجو أن لا يكون به بأس؛ لأنه ذو سلطان، فيدخل في عموم ~~الحديث. # PageV07P017 # وقال في موضع آخر، في المرأة إذا لم يكن لها ولي: فالسلطان المسلط على ~~الشيء؛ القاضي يقضي في الفروج والحدود والرجم، وصاحب الشرطة إنما هو مسلط ~~في الأدب والجناية # وقال: ما للوالي ولاية إنما هو القاضي. وتأول القاضي الرواية الأولى على ~~أن الوالي أذن له في التزويج. ويحتمل أنه جعل له ذلك إذا لم يكن في موضع ~~ولايته قاض، فكأنه قد فوض إليه النظر فيما يحتاج إليه في ولايته، وهذا ~~منها. ### | [فصل حكم ولاية أهل البغي في النكاح] # فصل: وإذا استولى أهل البغي على بلد، جرى حكم سلطانهم وقاضيهم في ذلك ~~مجرى الإمام وقاضيه؛ لأنه أجري مجراه في قبض الصدقات والجزية والخراج ~~والأحكام، فكذلك في هذا. ### | [فصل المرأة تسلم على يد رجل لا يكون وليا لها ولا يزوج حتى يأتي السلطان] # (5162) فصل: واختلفت الرواية في المرأة تسلم على يد رجل، فقال في موضع: ~~لا يكون وليا لها، ولا يزوج حتى يأتي السلطان؛ لأنه ليس من عصبتها، ولا ~~يعقل عنها، ولا يرثها، فأشبه الأجنبي. وقال في رواية أخرى، في امرأة أسلمت ~~على يد رجل: يزوجها هو. وهو قول إسحاق. وروي عن ابن سيرين أنه لا يفعل ذلك ~~حتى يأتي السلطان. وعن الحسن أنه كان لا يرى بأسا أن يزوجها نفسه # وذلك لما روى أبو داود، بإسناده عن تميم الداري، «أنه قال: يا رسول الله، ~~ما ms3494 السنة في الرجل يسلم على يد الرجل من المسلمين؟ قال: هو أولى الناس ~~بمحياه ومماته» . إلا أن هذا الحديث ضعفه أحمد، وقال: راويه عبد العزيز ~~يعني ابن عمر بن عبد العزيز وليس هو من أهل الحفظ والإتقان. ### | [فصل لم يوجد للمرأة ولي ولا ذو سلطان يلي نكاحها] # (5163) فصل: فإن لم يوجد للمرأة ولي ولا ذو سلطان، فعن أحمد ما يدل على ~~أنه يزوجها رجل عدل بإذنها، فإنه قال في دهقان قرية: يزوج من لا ولي لها ~~إذا احتاط لها في الكفء والمهر، إذا لم يكن في الرستاق # PageV07P018 # قاض. قال ابن عقيل: أخذ قوم من أصحابنا من هذه الرواية، أن النكاح لا يقف ~~على ولي. قال: وقال القاضي: نصوص أحمد تمنع من ذلك. والصحيح أن هذا القول ~~مختص بحال عدم الولي والسلطان؛ لأنه شرط أن لا يكون في الرستاق قاض # ووجه ذلك أن اشتراط الولي هاهنا يمنع النكاح بالكلية، فلم يجز، كاشتراط ~~المناسب في حق من لا مناسب لها. وروي أنه لا يجوز النكاح إلا بولي؛ لعموم ~~الأخبار فيه. ### | [مسألة التوكيل في النكاح] # (5164) مسألة؛ قال: ووكيل كل واحد من هؤلاء يقوم مقامه وإن كان حاضرا. ~~وجملة ذلك أنه يجوز التوكيل في النكاح، سواء كان الولي حاضرا أو غائبا، ~~مجبرا أو غير مجبر؛ لأنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «وكل أبا ~~رافع في تزويجه ميمونة، ووكل عمرو بن أمية في تزويجه أم حبيبة» . ولأنه عقد ~~معاوضة، فجاز التوكيل فيه كالبيع. ولأصحاب الشافعي في توكيل غير الأب والجد ~~وجهان؛ أحدهما، لا يجوز؛ لأنه يلي بالإذن، فلم يجز التوكيل له، كالوكيل. # ولنا، أنه يلي شرعا، فكان له التوكيل كالأب، ولا يصح قولهم: إنه يلي ~~بالإذن. فإن ولايته ثابتة قبل إذنها، وإنما إذنها شرط لصحة تصرفه، فأشبه ~~ولاية الحاكم عليها، ولا خلاف في أن للحاكم أن يستنيب في التزويج من غير ~~إذن المرأة، ولأن المرأة لا ولاية لها على نفسها، فكيف تنيب لنائبها من ~~قبلها، (5165) فصل: ويجوز التوكيل مطلقا ومقيدا، فالمقيد التوكيل في ms3495 تزويج ~~رجل بعينه. والمطلق التوكيل في تزويج من يرضاه أو من يشاء. قال أحمد - رحمه ~~الله - في رواية عبد الله، في الرجل يولى على أخته أو ابنته، يقول: إذا ~~وجدت من ترضاه فزوجه # فتزويجه جائز. ومنع بعض الشافعية التوكيل المطلق. ولا يصح؛ فإنه روي أن ~~رجلا من العرب ترك ابنته عند عمر. وقال: إذا وجدت لها كفؤا فزوجه إياها، ~~ولو بشراك نعله. فزوجها عمر عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فهي أم عمر بن ~~عثمان. واشتهر ذلك فلم ينكر، ولأنه إذن في النكاح، فجاز مطلقا، كإذن ~~المرأة، أو عقد فجاز التوكيل فيه مطلقا. والله أعلم. ### | [فصل لا يعتبر في صحة الوكالة إذن المرأة في التوكيل] # (5166) فصل: ولا يعتبر في صحة الوكالة إذن المرأة في التوكيل، سواء كان ~~الموكل أبا أو غيره. ولا يفتقر إلى حضور شاهدين. وقال بعض الشافعية: لا ~~يجوز لغير المجبر التوكيل إلا بإذن المرأة. وخرجه القاضي على الروايتين في ~~توكيل الوكيل من غير إذن الموكل. وحكي عن الحسن بن صالح، أنه لا يصح إلا ~~بحضرة شاهدين؛ لأنه يراد لحل الوطء، فافتقر إلى الشهادة، كالنكاح # PageV07P019 # ولنا، أنه إذن من الولي في التزويج، فلم يفتقر إلى إذن المرأة، ولا إلى ~~إشهاد، كإذن الحاكم. وقد بينا أن الولي ليس بوكيل للمرأة، وهذا التوكيل لا ~~يملك به البضع، فلم يفتقر إلى إشهاد، بخلاف النكاح. ويبطل ما ذكره الحسن بن ~~صالح بالتسري. ### | [فصل يثبت للوكيل ما يثبت للموكل في النكاح] # (5167) فصل: ويثبت للوكيل ما يثبت للموكل. وإن كان للولي الإجبار ثبت ذلك ~~لوكيله. وإن كانت ولايته ولاية مراجعة، احتاج الوكيل إلى إذنها ومراجعتها؛ ~~لأنه نائب فيثبت له مثل ما ثبت لمن ينوب عنه. وكذلك الحكم في السلطان ~~والحاكم يأذن لغيره في التزويج، فيكون المأذون له قائما مقامه. ### | [فصل هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية] # (5168) فصل: واختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - هل تستفاد ولاية ~~النكاح بالوصية؟ فروي أنها تستفاد بها. وهو اختيار الخرقي؛ لقوله: أو وصى ~~ناظرا له في التزويج. وهو قول الحسن، ms3496 وحماد بن أبي سليمان، ومالك وعنه لا ~~تستفاد بالوصية. وبه قال الثوري، والشعبي، والنخعي، والحارث العكلي، وأبو ~~حنيفة، والشافعي، وابن المنذر؛ لأنها ولاية تنتقل إلى غيره شرعا، فلم يجز ~~أن يوصي بها كالحضانة، ولأنه لا ضرر على الوصي في تضييعها ووضعها عند من لا ~~يكافئها، فلم تثبت له الولاية كالأجنبي، ولأنها ولاية نكاح، فلم تجز الوصية ~~بها، كولاية الحاكم # وقال أبو عبد الله بن حامد: إن كان لها عصبة، لم تجز الوصية بنكاحها؛ ~~لأنه يسقط حقهم بوصيته، وإن لم يكن عصبة، جاز لعدم ذلك. ولنا، أنها ولاية ~~ثابتة للأب، فجازت وصيته بها، كولاية المال، ولأنه يجوز أن يستنيب فيها في ~~حياته، فيكون نائبه قائما مقامه بعد موته، فجاز أن يستنيب فيها، كولاية ~~المال. وما ذكروه يبطل بولاية المال. فعلى هذا لا يصير وصيا في النكاح ~~بالوصية إليه في المال؛ لأنها إحدى الولايتين، فلم يملكها بالوصية إليه في ~~المال، كالوصية الأخرى، قياسا على وصية المال لا تملك بالوصية في النكاح. ### | [فصل الوصية بالنكاح من كل ذي ولاية] # (5169) فصل: فعلى هذا تجوز الوصية بالنكاح من كل ذي ولاية، سواء كان ~~مجبرا كالأب، أو غير مجبر كغيره، ووصي كل ولي يقوم مقامه، فإن كان الولي له ~~الإجبار فكذلك لوصيه. وإن كان يحتاج إلى إذنها فوصيه كذلك؛ لأنه قائم ~~مقامه، فهو كالوكيل. وقال مالك: إن عين الأب الزوج، ملك الوصي إجبارها، ~~صغيرة كانت أو كبيرة، وإن لم يعين الزوج، وكانت ابنته كبيرة، صحت الوصية، ~~واعتبر إذنها، وإن كانت صغيرة، انتظرنا بلوغها، فإذا أذنت، جاز أن يزوجها ~~بإذنها # PageV07P020 # ولنا، أن من ملك التزويج إذا عين له الزوج، ملك مع الإطلاق، كالوكيل، ~~ومتى زوج وصي الأب الصغيرة فبلغت، فلا خيار لها؛ لأن الوصي قائم مقام ~~الموصي، فلم يثبت في تزويجه خيار، كالوكيل. ### | [مسألة كان الأقرب من عصبة المرأة طفلا أو كافرا أو عبدا زوجها الأبعد من عصبتها] # (5170) مسألة؛ قال: وإذا كان الأقرب من عصبتها طفلا أو كافرا أو عبدا، ~~زوجها الأبعد من عصبتها. وجملة ذلك أن ms3497 الولاية لا تثبت لطفل ولا عبد ولا ~~كافر على مسلمة بحال، فعند ذلك يكون وجودهم كالعدم، فتثبت الولاية لمن هو ~~أبعد منهم كما لو ماتوا. وتعتبر لثبوت الولاية لمن سمينا ستة شروط؛ العقل، ~~والحرية، والإسلام، والذكورية، والبلوغ، والعدالة، على اختلاف نذكره. فأما ~~العقل، فلا خلاف في اعتباره؛ لأن الولاية إنما تثبت نظرا للمولى عليه عند ~~عجزه عن النظر لنفسه، ومن لا عقل له لا يمكنه النظر، ولا يلي نفسه، فغيره ~~أولى، وسواء في هذا من لا عقل له لصغره كطفل، أو من ذهب عقله بجنون أو كبر، ~~كالشيخ إذا أفند # قال القاضي: والشيخ الذي قد ضعف لكبره، فلا يعرف موضع الحظ لها، لا ولاية ~~له. فأما الإغماء فلا يزيل الولاية؛ لأنه يزول عن قرب، فهو كالنوم، ولذلك ~~لا تثبت الولاية عليه، ويجوز على الأنبياء - عليهم السلام -. ومن كان يجن ~~في الأحيان لم تزل ولايته؛ لأنه لا يستديم زوال عقله، فهو كالإغماء. الشرط ~~الثاني، الحرية، فلا ولاية لعبد في قول جماعة أهل العلم، فإن العبد لا ~~ولاية له على نفسه، فعلى غيره أولى. وقال أصحاب الرأي: يجوز أن يزوجها ~~العبد بإذنها، بناء منهم على أن المرأة تزوج نفسها، وقد مضى الكلام في هذه ~~المسألة # الشرط الثالث، الإسلام، فلا يثبت لكافر ولاية على مسلمة. وهو قول عامة ~~أهل العلم أيضا. قال ابن المنذر: أجمع عامة من نحفظ عنه من أهل العلم على ~~هذا. قال أحمد: بلغنا أن عليا أجاز نكاح أخ، ورد نكاح الأب وكان نصرانيا. ~~الشرط الرابع، الذكورية شرط للولاية في قول الجميع؛ لأنه يعتبر فيها ~~الكمال، والمرأة ناقصة قاصرة، تثبت الولاية عليها لقصورها عن النظر لنفسها، ~~فلأن لا تثبت لها ولاية على غيرها أولى. الشرط الخامس، البلوغ شرط في ظاهر ~~المذهب. # قال أحمد: لا يزوج الغلام حتى يحتلم، ليس له أمر. # وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم الثوري والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، ~~وأبو ثور. وعن أحمد، # PageV07P021 # رواية أخرى، أنه إذا بلغ عشرا زوج، وتزوج، وطلق، وأجيزت وكالته في ~~الطلاق. وهذا ms3498 يحتمله كلام الخرقي؛ لتخصيصه المسلوب الولاية بكونه طفلا، ~~ووجه ذلك أنه يصح بيعه ووصيته وطلاقه، فثبتت له الولاية كالبالغ. والأول ~~اختيار أبي بكر، وهو الصحيح؛ لأن الولاية يعتبر لها كمال الحال، لأنها ~~تنفيذ التصرف في حق غيره اعتبرت نظرا له، والصبي مولى عليه لقصوره، فلا ~~تثبت له الولاية، كالمرأة. # الشرط السادس، العدالة. في كونها شرطا روايتان؛ إحداهما، هي شرط. قال ~~أحمد: إذا كان القاضي مثل ابن الحلبي وابن الجعدي استقبل النكاح. فظاهر هذا ~~أنه أفسد النكاح لانتفاء عدالة المتولي له. وهذا قول الشافعي؛ وذلك لما روي ~~عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد. ~~قال أحمد: أصح شيء في هذا قول ابن عباس، وقد روي - يعني عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل. ~~وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه، فنكاحها باطل» # وروي عن أبي بكر البرقاني بإسناده عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل» . ولأنها ولاية نظرية، ~~فلا يستبد بها الفاسق، كولاية المال. والرواية الأخرى، ليست بشرط. نقل مثنى ~~بن جامع، أنه سأل أحمد: إذا تزوج بولي فاسق، وشهود غير عدول؟ فلم ير أنه ~~يفسد من النكاح شيء، وهذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه ذكر الطفل والعبد ~~والكافر، ولم يذكر الفاسق. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي؛ ~~لأنه يلي نكاح نفسه، فتثبت له الولاية على غيره، كالعدل، ولأن سبب الولاية ~~القرابة، وشرطها النظر، وهذا قريب ناظر، فيلي كالعدل # (5171) فصل: ولا يشترط أن يكون بصيرا؛ لأن شعيبا - عليه السلام -، زوج ~~ابنته وهو أعمى، ولأن المقصود في النكاح يعرف بالسماع والاستفاضة، فلا ~~يفتقر إلى النظر. ولا يشترط كونه ناطقا، بل يجوز أن يلي الأخرس إذا كان ~~مفهوم الإشارة؛ لأن إشارته تقوم مقام نطقه في سائر العقود والأحكام، فكذلك ~~في النكاح. ### | [فصل من لم تثبت له الولاية في النكاح لا يصح توكيله] # (5172) فصل: ومن لم ms3499 تثبت له الولاية، لا يصح توكيله؛ لأن وكيله نائب عنه ~~وقائم مقامه. وإن وكله الولي في تزويج موليته، لم يجز؛ لأنها ولاية، وليس ~~هو من أهلها، ولأنه لما لم يملك تزويج مناسبته بولاية النسب، فلأن لا يملك ~~تزويج مناسبة غيره بالتوكيل أولى. # PageV07P022 # ويحتمل أن يصح توكيل العبد والفاسق والصبي المميز في العقد؛ لأنهم من أهل ~~اللفظ بالعقد، وعبارتهم فيه صحيحة، ولذلك صح قبولهم النكاح لأنفسهم، وإنما ~~سلبوا الولاية نفسها؛ لأنه يعتبر لها الكمال، ولا حاجة إليه في اللفظ به # فأما إن وكله الزوج في قبول النكاح له، أو وكله الأب في قبول النكاح ~~لابنه الصغير، فقال أصحابنا: لا يصح؛ لأنه أحد طرفي العقد، فلم يجز توكيله ~~فيه كالإيجاب. ويحتمل جواز توكيل من ذكرنا فيه؛ لأنهم من أهله، ويصح قبولهم ~~النكاح لأنفسهم، فجاز أن ينوبوا فيه عن غيرهم، كالبيع. وهذا أحد الوجهين ~~لأصحاب الشافعي في العبد. ### | [مسألة يزوج أمة المرأة بإذنها من يزوجها] # (5173) مسألة؛ قال: (ويزوج أمة المرأة بإذنها من يزوجها) اختلفت الرواية ~~عن أحمد في من يزوج أمة المرأة، فروي عنه، أنه يلي نكاحها ولي سيدتها. قال ~~القاضي: هذا هو الصحيح. وهو مذهب الشافعي؛ لأن مقتضى الدليل كون الولاية ~~لها، فامتنعت في حقها لقصورها، فتثبت لأوليائها، كولاية نفسها، ولأنهم ~~يلونها لو عتقت، ففي حال رقها أولى. ثم إن كانت سيدتها رشيدة، لم يجز تزويج ~~أمتها إلا بإذنها؛ لأنها مالها، ولا يجوز التصرف في مال رشيد بغير إذنه، ~~ويعتبر نطقها بذلك وإن كانت بكرا؛ لأن صماتها إنما اكتفي به في تزويج نفسها ~~لحيائها. # ولا تستحيي من تزويج أمتها، وإن كانت صغيرة أو مجنونة أو سفيهة، ولوليها ~~ولاية على مالها، فله تزويج أمتها، إن كان الحظ في تزويجها، وإلا فلا يملك ~~تزويجها. وكذلك الحكم في أمة ابنه الصغير. وقال بعض الشافعية: ليس له ~~تزويجها بحال؛ لأن فيه تغريرا بمال الصغيرة؛ لأنها ربما حملت. فتلفت. ولنا، ~~أن له التصرف بما فيه الحظ، والتزويج هاهنا فيه الحظ؛ لأن الكلام فيه، ~~فجاز، كسائر التصرفات الجائزة ms3500 واحتمال الخطر مرجوح لما فيه من تحصيل مهرها، ~~وولدها، وكفاية مؤنتها، وصيانتها عن الزنى الموجب للحد في حقها، ونقص ~~قيمتها، والمرجوح كالمعدوم # وإن كان وليها في مالها غير ولي تزويجها، فولاية تزويجها للولي في المال ~~دون ولي التزويج؛ لأنه هو المتصرف في المال، وهي مال. والرواية الثانية، أن ~~للمرأة أن تولي أمر أمتها رجلا يزوجها. نقلها عن أحمد جماعة؛ لأن سبب ~~الولاية الملك، وقد تحقق في المرأة، وامتنعت المناشزة لنقص الأنوثة، فملكت ~~التوكيل، كالرجل المريض والغائب. # PageV07P023 # ونقل عن أحمد كلام يحتمل رواية ثالثة، وهو أن سيدتها تزوجها، فإنه قيل ~~له: تزوج أمتها؟ قال: قد قيل ذلك، هي مالها. وهذا يحتمل أنه ذهب إليه # وهو قول أبي حنيفة؛ لأنها مالكة لها، وولايتها تامة عليها، فملكت ~~تزويجها، كالسيد، ولأنها تملك بيعها وإجارتها، فملكت تزويجها، كسيدها، ولأن ~~الولاية إنما تثبت على المرأة لتحصيل الكفاية، وصيانة لحظ الأولياء في ~~تحصيلها، فلا تثبت عليها الولاية في أمتها؛ لعدم اعتبار الكفاية، وعدم الحق ~~للأولياء فيها. ويحتمل أن أحمد قال هذا حكاية لمذهب غيره، فإنه قد قال في ~~سياقها: أحب إلي أن تأمر من يزوجها؛ لأن النساء لا يعقدن. وقد ذكرنا في خبر ~~أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تنكح المرأة ~~المرأة» . # وقالت عائشة - رضي الله عنها -: زوجوا، فإن النساء لا يزوجن، واعقدوا، ~~فإن النساء لا يعقدن. ولأن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها، فغيرها أولى. ### | [مسألة يزوج مولاتها من يزوج أمتها] # مسألة؛ قال: ويزوج مولاتها من يزوج أمتها يعني عتيقتها. وهذه فيها ~~روايتان؛ إحداهما، أن لمولاتها التوكيل في تزويجها رجلا؛ لأنها عصبتها، ~~وترثها بالتعصيب، فأشبهت المعتق. والثانية، ولي سيدتها وليها. وهي الأصح؛ ~~لأن هذه ولاية لنكاح حرة، والمرأة ليست من أهل ذلك، فيكون إلى عصباتها، ~~لأنهم الذين يعقلون عنها، ويرثونها بالتعصيب عند عدم سيدتها، فكانوا ~~أولياءها، كما لو تعذر على المعتق تزويج معتقته لموت أو جنون. وقد ذكرنا ~~أنه إذا انقرض العصبة من النسب، ولي المولى المعتق ثم عصباته من بعده، ms3501 ~~الأقرب فالأقرب، كذا هاهنا، إلا أن ظاهر كلام الخرقي هاهنا تقديم أبي ~~المعتقة على ابنها، لأنه الذي يزوجها. # وذكرنا ثم خلاف هذا. ويعتبر في ولايته شرطان؛ أحدهما، عدم العصبة من ~~النسب؛ لأن المناسب أقرب من المعتق، وأولى منه. الثاني، إذن المزوجة؛ لأنها ~~حرة، وليست له ولاية إجبار، فإنه أبعد العصبات، ولا يفتقر إلى إذن مولاتها؛ ~~لأنها لا ولاية لها ولا ملك، فأشبهت قريب الطفل إذا زوج البعيد. ### | [فصل إن كان للأمة مولى فهو وليها في نكاحها وإن كان لها موليان فالولاية لهما] # (5175) فصل: وإذا كان للأمة مولى، فهو وليها، وإن كان لها موليان، ~~فالولاية لهما، وليس لواحد منهما الاستقلال بالولاية بغير إذن صاحبه؛ لأنه ~~لا يملك إلا نصفها. وإن اشتجرا لم يكن للسلطان أن ينوب عنهما؛ لأن تزويجها ~~تصرف في المال، بخلاف الحرة، فإن نكاحها حق لها، ونفعه عائد إليها، ونكاح ~~الأمة حق لسيدها، ونفعه عائد إليه، فلم يثبت للسلطان عنه فيه. فإن أعتقاها ~~ولها عصبة مناسب، فهو أولى منهما، وإن لم يكن لها عصبة، فهما ولياها، ولا ~~يستقل أحدهما بالتزويج؛ لأن ولايته على نصفها # فإن اشتجرا أمام # PageV07P024 # الحاكم أقام الحاكم مقام الممتنع منهما؛ لأنها صارت حرة، وصار نكاحها حقا ~~لها. وإن كان المعتق أو المعتقة واحدا، وله عصبتان في درجة واحدة، كالابنين ~~أو الأخوين، فلأحدهما الاستقلال بتزويجها، كما يملك تزويج سيدتها. ### | [مسألة أراد أن يتزوج امرأة هو وليها] # (5176) مسألة؛ قال: (ومن أراد أن يتزوج امرأة هو وليها، جعل أمرها إلى ~~رجل يزوجها منه بإذنها) وجملته أن ولي المرأة التي يحل له نكاحها، وهو ابن ~~العم، أو المولى أو الحاكم، أو السلطان، إذا أذنت له أن يتزوجها، فله ذلك، ~~وهل له أن يلي طرفي العقد بنفسه؟ فيه روايتان؛ إحداهما، له ذلك. وهو قول ~~الحسن، وابن سيرين، وربيعة، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأبي ثور، ~~وابن المنذر؛ لما روى البخاري، قال: قال عبد الرحمن بن عوف، لأم حكيم ابنة ~~قارظ: أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم. قال: قد تزوجتك. # ولأنه يملك الإيجاب ms3502 والقبول، فجاز أن يتولاهما، كما لو زوج أمته عبده ~~الصغير، ولأنه عقد وجد فيه الإيجاب من ولي ثابت الولاية، والقبول من زوج هو ~~أهل للقبول، فصح، كما لو وجدا من رجلين. وقد روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها.» فإن قيل: فقد روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح: زوج، وولي، ~~وشاهدان» . قلنا: هذا لا نعرف صحته، وإن صح فهو مخصوص بمن زوج أمته عبده ~~الصغير، فيخص منه محل النزاع أيضا # وهل يفتقر إلى ذكر الإيجاب والقبول، أم يكتفى بمجرد الإيجاب؟ فيه وجهان؛ ~~أحدهما، يحتاج أن يقول: زوجت نفسي فلانة، وقبلت هذا النكاح. لأن ما افتقر ~~إلى الإيجاب افتقر إلى القبول، كسائر العقود. والثاني، يكفيه أن يقول: زوجت ~~نفسي فلانة، أو تزوجت فلانة. وهو قول مالك، وأبي حنيفة؛ لحديث عبد الرحمن ~~بن عوف، ولأن إيجابه يتضمن القبول، فأشبه إذا تقدم الاستدعاء، ولهذا قلنا: ~~إذا قال لأمته: قد أعتقتك، وجعلت عتقك صداقك. انعقد النكاح بمجرد هذا القول # والرواية الثانية، لا يجوز أن يتولى طرفي العقد، ولكن يوكل رجلا يزوجه ~~إياها بإذنها. قال أحمد - رحمه الله - في رواية ابن منصور: لا يزوج نفسه ~~حتى يولي رجلا، على حديث المغيرة بن شعبة، وهو ما روى # PageV07P025 # أبو داود، بإسناده عن عبد الملك بن عمير، أن المغيرة بن شعبة أمر رجلا ~~زوجه امرأة المغيرة أولى به منه. ولأنه عقد ملكه بالإذن، فلم يجز أن يتولى ~~طرفيه، كالبيع. وبهذا فارق ما إذا زوج أمته عبده الصغير # وعلى هذه الرواية، إن وكل من يقبل له النكاح، وتولى هو الإيجاب، جاز. ~~وقال الشافعي في ابن العم والمولى: لا يزوجها إلا الحاكم، ولا يجوز أن ~~يتولى طرفي العقد، ولا أن يوكل من يزوجه؛ لأن وكيله بمنزلته، وهذا عقد ملكه ~~بالإذن، فلا يتولى طرفيه، كالبيع. ولا يجوز أن يزوجه من هو أبعد منه من ~~الأولياء؛ لأنه لا ولاية لهم مع وجوده. ولنا، ما ذكرناه من فعل الصحابة، ms3503 ~~ولم يظهر خلافه، ولأن وكيله يجوز أن يلي العقد عليها لغيره، فصح أن يليه ~~عليها له إذا كانت تحل له، كالإمام إذا أراد أن يزوج موليته # ولأن هذه امرأة، ولها ولي حاضر غير عاضل، فلم يلها الحاكم، كما لو أراد ~~أن يزوجها غيره. ومفهوم قوله - عليه السلام -: «السلطان ولي من لا ولي له» ~~. أنه لا ولاية له على هذه. (5177) فصل: وإذا أذنت له في تزويجها، ولم تعين ~~الزوج، لم يجز أن يزوجها نفسه؛ لأن إطلاق الإذن يقتضي تزويجها غيره، ويجوز ~~تزويجها لولده؛ لأنه غيره. فإن زوجها لابنه الكبير، قبل لنفسه، وإن زوجها ~~لابنه الصغير، ففيه الروايتان في تولي طرفي العقد؛ فإن قلنا: لا يتولاه # فوكل رجلا يزوجها لولده، وقبل هو النكاح له، افتقر إلى إذنها للوكيل، على ~~ما قدمنا من أن الوكيل لا يزوجها إلا بإذنها. وإن وكل رجلا يقبل لولده ~~النكاح، وأوجب هو النكاح، لم يحتج إلى إذنها؛ لأنها قد أذنت له. ### | [فصل زوج أمته عبده الصغير] # (5178) فصل: وإذا زوج أمته عبده الصغير، جاز له أن يتولى طرفي العقد؛ ~~لأنه مالك ذلك بحكم الملك، لا بحكم الإذن، في قولهم جميعا. وإن كان مالكا ~~لأحد طرفي العقد، فوكله مالك الطرف الآخر فيه، أو وكله الولي في الإيجاب ~~والزوج في القبول، خرج فيه وجهان، بناء على الروايتين؛ لأنه ملك ذلك بالإذن # وإن زوج ابنته الكبيرة عبده الصغير، لم يجز ذلك إلا برضاها؛ لأنه لا يكاد ~~يكافئها، فيخرج فيه أيضا وجهان. وإن زوجه ابنته الصغيرة، لم يجز؛ لأنه لا ~~يجوز له تزويجها ممن لا يكافئها. وعنه يجوز. وسنذكر ذلك، إن شاء الله ~~تعالى. ### | [مسألة لا يزوج كافر مسلمة بحال ولا مسلم كافرة] # (5179) مسألة؛ قال: (ولا يزوج كافر مسلمة بحال، ولا مسلم كافرة إلا أن ~~يكون المسلم سلطانا، أو سيد أمة) # PageV07P026 # أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال، بإجماع أهل العلم، منهم؛ مالك، ~~والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي. وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من ~~نحفظ عنه من أهل العلم. وقال ms3504 أبو الخطاب في الذمي: إذا أسلمت أم ولده، هل ~~يلي نكاحها؟ على وجهين؛ أحدهما، يليه؛ لأنها مملوكته، فيلي نكاحها كالمسلم، ~~ولأنه عقد عليها فيليه كإجارتها. والثاني، لا يليه؛ لقول الله تعالى ~~{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] ولأنها مسلمة فلا يلي ~~نكاحها كابنته. فعلى هذا يزوجها الحاكم # وهذا أولى؛ لما ذكرنا من الإجماع. وأما المسلم فلا ولاية له على الكافرة، ~~غير السيد والسلطان وولي سيد الأمة الكافرة؛ وذلك لقول الله تعالى {والذين ~~كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] . ولأن مختلفي الدين لا يرث أحدهما ~~الآخر، ولا يعقل عنه، فلم يل عليه، كما لو كان أحدهما رقيقا. وأما سيد ~~الأمة الكافرة، فله تزويجها لكافر؛ لكونها لا تحل للمسلمين، وكذلك ولي سيد ~~الأمة الكافرة يلي تزويجها لكافر؛ لأنها ولاية بالملك، فلم يمنعها كون سيد ~~الأمة الكافرة مسلما، كسائر الولايات، ولأن هذه تحتاج إلى التزويج. ولا ولي ~~لها غير سيدها # فأما السلطان، فله الولاية على من لا ولي لها من أهل الذمة؛ لأن ولايته ~~عامة على أهل دار الإسلام، وهذه من أهل الدار، فتثبت له الولاية عليها، ~~كالمسلمة. وأما الكافر، فتثبت له الولاية على أهل دينه، على حسب ما ذكرناه ~~في المسلمين، ويعتبر فيهم الشروط المعتبرة في المسلمين، ويخرج في اعتبار ~~عدالته في دينه وجهان، بناء على الروايتين في اعتبارها في المسلمين. ### | [فصل إذا تزوج المسلم ذمية فوليها الكافر يزوجها إياه] # (5180) فصل: إذا تزوج المسلم ذمية، فوليها الكافر يزوجها إياه. ذكره أبو ~~الخطاب. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه وليها، فصح تزويجه لها، كما لو ~~زوجها كافرا، ولأن هذه امرأة لها ولي مناسب، فلم يجز أن يليها غيره، كما لو ~~تزوجها ذمي # وقال القاضي: لا يزوجها إلا الحاكم؛ لأن أحمد قال: لا يعقد يهودي ولا ~~نصراني عقدة نكاح لمسلم ولا مسلمة. ووجهه أنه عقد يفتقر إلى شهادة مسلمين، ~~فلم يصح بولاية كافر، كنكاح المسلمين، والأول أصح، والشهود يرادون لإثبات ~~النكاح عند الحاكم، بخلاف الولاية. # PageV07P027 ### | [مسألة إذا زوجها من غيره أولى منه وهو حاضر ولم ms3505 يعضلها] # (5181) مسألة؛ قال (وإذا زوجها من غيره أولى منه، وهو حاضر، ولم يعضلها، ~~فالنكاح فاسد) . هذه المسألة تشتمل على أحكام ثلاثة؛ أحدها، أنه إذا زوجها ~~الولي الأبعد، مع حضور الولي الأقرب، فأجابته إلى تزويجها من غير إذنه، لم ~~يصح. وبهذا قال الشافعي وقال مالك: يصح؛ لأن هذا ولي، فصح له أن يزوجها ~~بإذنها كالأقرب. ولنا، أن هذا مستحق بالتعصيب، فلم يثبت للأبعد مع وجود ~~الأقرب، كالميراث، وبهذا فارق القريب البعيد. # الحكم الثاني، أن هذا العقد يقع فاسدا، لا يقف على الإجازة، ولا يصير ~~بالإجازة صحيحا، وكذلك الحكم إذا زوج الأجنبي أو زوجت المرأة المعتبر إذنها ~~بغير إذنها، أو تزوج العبد بغير إذن سيده، فالنكاح في هذا كله باطل، في أصح ~~الروايتين. نص عليه أحمد في مواضع. وهو قول الشافعي، وأبي عبيد وأبي ثور. ~~وعن أحمد رواية أخرى، أنه يقف على الإجازة؛ فإن أجازه جاز، وإن لم يجزه ~~فسد. قال أحمد، في صغير زوجه عمه: فإن رضي به في وقت من الأوقات، جاز، وإن ~~لم يرض، فسخ # وإذا زوجت اليتيمة، فلها الخيار إذا بلغت. وقال: إذا زوج العبد بغير إذن ~~سيده، ثم علم السيد، فإن شاء أن يطلق عليه فالطلاق بيد السيد، فإن أذن في ~~التزويج فالطلاق بيد العبد. وهذا قول أصحاب الرأي، في كل مسألة يعتبر فيها ~~الإذن. وروي ذلك في النكاح بغير ولي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~وعن ابن سيرين، والقاسم بن محمد، والحسن بن صالح، وإسحاق، وأبي يوسف، ~~ومحمد؛ لما روي «أن جارية بكرا أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ~~أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم -» رواه أبو ~~داود، وابن ماجه. وروي «أن فتاة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه، ليرفع بي خسيسته. قال: فجعل الأمر إليها. ~~فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكني أردت أن أعلم أن للنساء من الأمر شيئا.» ~~رواه ابن ماجه والنسائي. # وفي رواية ms3506 ابن ماجه: «أردت أن يعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر ~~شيء» . ولأنه عقد يقف على الفسخ، فوقف على الإجازة، كالوصية # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير ~~إذن وليها، فنكاحها باطل.» وقال: «إذا نكح العبد بغير إذن سيده، فنكاحه ~~باطل» ، رواه أبو داود، وابن ماجه. # PageV07P028 # إلا أن أبا داود قال: هو موقوف على ابن عمر ولأنه عقد لا تثبت فيه ~~أحكامه؛ من الطلاق، والخلع، واللعان، والتوارث، وغيرها، فلم ينعقد، كنكاح ~~المعتدة. فأما حديث المرأة التي خيرها النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ~~مرسل عن عكرمة، رواه الناس كذلك، ولم يذكروا ابن عباس # قاله أبو داود. ثم يحتمل أن هذه المرأة هي التي قالت: زوجني من ابن أخيه ~~ليرفع بي خسيسته. فخيرها لتزويجها من غير كفئها، وهذا يثبت الخيار ولا يبطل ~~النكاح، والوصية يتراخى فيها القبول، وتجوز بعد الموت، فهي معدول بها عن ~~سائر التصرفات، ولا تفريع على هذه الرواية لوضوحها. فأما على الرواية ~~الأخرى، فإن الشهادة تعتبر في العقد؛ لأنها شرط له، فيعتبر وجودها معه، ~~كالقبول، ولا تعتبر في الإجازة؛ لأنها ليست بعقد، ولأنها إذا وجدت، استند ~~الملك إلى حالة العقد، حتى لو كان في العقد نماء ملك من حين العقد، لا من ~~حين الإجازة، وإن مات أحدهما قبل الإجازة، لم يرثه الآخر؛ لأنه مات قبل ~~تمام العقد وصحته # وفيه وجه آخر، إن كان مما لو رفع إلى الحاكم أجازه، ورثه الآخر؛ لأنه عقد ~~يلزمه إجازته، فهو كالصحيح، وإن كان مما يفسخه، لم يرثه. # (5182) فصل: ومتى تزوجت المرأة بغير إذن وليها، أو الأمة بغير إذن سيدها، ~~فقد ذكره أصحابنا من جملة الصور التي فيها الروايتان. والصحيح عندي أنه لا ~~يدخل فيها؛ لتصريح النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه بالبطلان. ولأن ~~الإجازة إنما تكون لعقد صدر من أهله في محله. فأما ما لم يصدر من الأهل، ~~كالذي عقده المجنون أو الطفل، فلا يقف على الإجازة، وهذا عقد لم يصدر من ~~أهله؛ فإن المرأة ليست ms3507 أهلا له، بدليل أنه لو أذن لها فيه، لم يصح منها، ~~وإذا لم يصح مع الإذن المقارن، فلأن لا يصح بالإجازة المتأخرة أولى، ولا ~~تفريع على هذا # فأما على القول الآخر، فمتى تزوجت المرأة بغير إذن الولي، فرفع إلى ~~الحاكم، لم يملك إجازته، والأمر فيه إلى الولي، فمتى رده بطل؛ لأن من وقف ~~الحكم على إجازته، بطل برده، كالمرأة إذا زوجت بغير إذنها. # PageV07P029 # وفيه وجه آخر، أنه إذا كان الزوج كفؤا، أمر الحاكم الولي بإجازته، فإن لم ~~يفعل أجازه الحاكم، لأنه لما امتنع من الإجازة صار عاضلا، فانتقلت الولاية ~~عنه إلى الحاكم، كما في ابتداء العقد، ومتى حصلت الإصابة قبل الإجازة ثم ~~أجيز، فالمهر واحد؛ إما المسمى، وإما مهر المثل إن لم يكن مسمى؛ لأن ~~الإجازة مستندة إلى حالة العقد، فيثبت الحل والملك من حين العقد، كما ذكرنا ~~في البيع، ولذلك لم يجب الحد # ومتى تزوجت الأمة بغير إذن سيدها، ثم خرجت من ملكه قبل الإجازة إلى من ~~تحل له، انفسخ النكاح؛ لأنه قد طرأت استباحة صحيحة على موقوفة فأبطلتها، ~~ولأنها أقوى فأزالت الأضعف، كما لو طرأ ملك يمينه على ملك نكاحه. وإن خرجت ~~إلى من لا تحل له، كالمرأة أو اثنين، فكذلك أيضا؛ لأن العقد إذا وقف على ~~إجازة شخص، لم يجز بإجازة غيره، كما لو باع أمة غيره ثم باعها المالك، ~~فأجاز المشتري الثاني بيع الأجنبي. وفيه وجه آخر، أنه يجوز بإجازة المالك ~~الثاني؛ لأنه يملك ابتداء العقد، فملك إجازته كالأول، ولا فرق بين أن يخرج ~~ببيع أو إرث أو هبة أو غيره # فأما إن أعتقها السيد، احتمل أن يجوز النكاح؛ لأنه إنما وقف لحق المولى، ~~فإذا أعتق سقط حقه، فصح العقد، واحتمل أن لا يجوز؛ لأن إبطال حق المولى ليس ~~بإجازة، ولأن حق المولى إن بطل من الملك، فلم يبطل من ولاية التزويج، فإنه ~~يليها بالولاء. # (5183) فصل: إذا زوجت التي يعتبر إذنها بغير إذنها، وقلنا: يقف على ~~إجازتها. فإجازتها بالنطق، أو ما يدل على الرضى من التمكين ms3508 من الوطء، أو ~~المطالبة بالمهر والنفقة. # ولا فرق في ذلك بين البكر والثيب؛ لأن أدلة الرضى تقوم مقام النطق به، ~~ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبريرة: «إن وطئك زوجك، فلا خيار ~~لك.» جعل تمكينها دليلا على إسقاط حقها والمطالبة بالمهر والنفقة، والتمكين ~~من الوطء دليل على الرضى؛ لأن ذلك من خصائص العقد الصحيح، فوجوده من المرأة ~~دليل رضاها به. # الحكم الثالث، إذا عضلها وليها الأقرب، انتقلت الولاية إلى الأبعد. نص ~~عليه أحمد وعنه رواية أخرى، تنتقل إلى السلطان. وهو اختيار أبي بكر وذكر ~~ذلك عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وشريح وبه قال الشافعي لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له» . ولأن ~~ذلك حق عليه امتنع من أدائه، فقام الحاكم مقامه، كما لو كان عليه دين ~~فامتنع من قضائه. ولنا، أنه تعذر التزويج من جهة الأقرب، فملكه الأبعد، كما ~~لو جن. ولأنه يفسق بالعضل، فتنتقل # PageV07P030 # الولاية عنه، كما لو شرب الخمر. فإن عضل الأولياء كلهم زوج الحاكم. ~~والحديث حجة لنا؛ لقوله: «السلطان ولي من لا ولي له» . # وهذه لها ولي. ويمكن حمله على ما إذا عضل الكل، لأن قوله: (فإن اشتجروا) ~~. ضمير جمع يتناول الكل. والولاية تخالف الدين من وجوه ثلاثة؛ أحدها، أنها ~~حق للولي، والدين حق عليه. الثاني، أن الدين لا ينتقل عنه، والولاية تنتقل ~~لعارض؛ من جنون الولي. أو فسقه أو موته. الثالث، أن الدين لا يعتبر في ~~بقائه العدالة، والولاية يعتبر لها ذلك، وقد زالت العدالة بما ذكرنا. فإن ~~قيل: فلو زالت ولايته لما صح منه التزويج إذا أجاب إليه # قلنا: فسقه بامتناعه، فإذا أجاب فقد نزع عن المعصية، وراجع الحق، فزال ~~فسقه، فلذلك صح تزويجه. والله أعلم. (5184) فصل: ومعنى العضل منع المرأة من ~~التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه. قال معقل بن ~~يسار: «زوجت أختا لي من رجل، فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت ~~له: زوجتك، وأفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ms3509 ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود ~~إليك أبدا. وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية: {فلا تعضلوهن} [البقرة: 232] . فقلت: الآن أفعل يا ~~رسول الله. قال: فزوجها إياه.» رواه البخاري. وسواء طلبت التزويج بمهر ~~مثلها أو دونه. # وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لهم منعها من التزويج ~~بدون مهر مثلها؛ لأن عليهم في ذلك عارا، وفيه ضرر على نسائها، لنقص مهر ~~مثلهن. ولنا، أن المهر خالص حقها، وعوض يختص بها، فلم يكن لهم الاعتراض ~~عليها فيه، كثمن عبدها، وأجرة دارها، ولأنها لو أسقطته بعد وجوبه، سقط كله، ~~فبعضه أولى، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قال لرجل أراد أن يزوجه: ~~التمس ولو خاتما من حديد» . «وقال لامرأة زوجت بنعلين: أرضيت بنعلين من ~~نفسك؟» # قالت: نعم. فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقولهم: فيه عار عليهم. ~~ليس كذلك، فإن عمر قال: لو كان مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان ~~أولاكم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. يعني غلو الصداق. فإن رغبت ~~في كفء بعينه، وأراد تزويجها لغيره من أكفائها، وامتنع من تزويجها من الذي ~~أرادته، كان عاضلا لها. فأما إن طلبت التزويج بغير كفئها، فله منعها من ~~ذلك، ولا يكون عاضلا # PageV07P031 # لها بهذا؛ لأنه لو زوجت من غير كفئها، كان له فسخ النكاح، فلأن تمنع منه ~~ابتداء أولى. ### | [مسألة كان وليها في النكاح غائبا في موضع لا يصل إليه الكتاب أو يصل] ### | [الفصل الأول الولي الأقرب إذا غاب غيبة منقطعة] # مسألة؛ قال: وإذا كان وليها غائبا في موضع لا يصل إليه الكتاب، أو يصل ~~فلا يجيب عنه، زوجها من هو أبعد منه من عصباتها، فإن لم يكن، فالسلطان. ~~الكلام في هذه المسألة في فصلين: (5186) الفصل الأول: أن الأقرب إذا غاب ~~غيبة منقطعة، فللأبعد من عصبتها تزويجها دون الحاكم. وبهذا قال أبو حنيفة ~~وقال الشافعي: يزوجها الحاكم؛ لأنه تعذر الوصول إلى النكاح من الأقرب، مع ~~بقاء ولايته، ms3510 فيقوم الحاكم مقامه، كما لو عضلها، ولأن الأبعد محجوب بولاية ~~الأقرب، فلا يجوز له التزويج، كما لو كان حاضرا، ودليل بقاء ولايته أنه لو ~~زوج من حيث هو، أو وكل، صح # ولنا، قوله - عليه السلام - «السلطان ولي من لا ولي له» . وهذه لها ولي، ~~فلا يكون السلطان وليا لها، ولأن الأقرب تعذر حصول التزويج منه، فتثبت ~~الولاية لمن يليه من العصبات، كما لو جن أو مات، ولأنها حالة يجوز فيها ~~التزويج لغير الأقرب، فكان ذلك للأبعد، كالأصل، وإذا عضلها الأقرب، فهو ~~كمسألتنا. ### | [الفصل الثاني الغيبة المنقطعة التي يجوز للأبعد التزويج في مثلها] # (5187) والفصل الثاني: في الغيبة المنقطعة، التي يجوز للأبعد التزويج في ~~مثلها. ففي قول الخرقي: هي من لا يصل إليه الكتاب، أو يصل فلا يجيب عنه؛ ~~لأن مثل هذا تتعذر مراجعته بالكلية، فتكون منقطعة، أي ينقطع عن إمكان ~~تزويجها. وقال القاضي: يجب أن يكون حد المسافة أن لا تردد القوافل فيه في ~~السنة إلا مرة؛ لأن الكفء ينتظر سنة، ولا ينتظر أكثر منها، فيلحق الضرر ~~بترك تزويجها. وقد قال أحمد في موضع: إذا كان الأب بعيد السفر، يزوج الأخ # قال أبو الخطاب: فيحتمل أنه أراد بالسفر البعيد ما تقصر فيه الصلاة؛ لأن ~~ذلك هو السفر الذي علقت عليه الأحكام. وذهب أبو بكر إلى أن حدها ما لا يقطع ~~إلا بكلفة ومشقة؛ لأن أحمد قال: إذا لم يكن ولي حاضر من عصبتها، كتب إليهم ~~حتى يأذنوا، إلا أن تكون غيبة منقطعة، لا تدرك إلا بكلفة ومشقة، فالسلطان ~~ولي من لا ولي له. وهذا القول، إن شاء الله تعالى أقربها إلى الصواب، فإن ~~التحديدات بابها التوقيف، ولا توقيف في هذه المسألة، فترد إلى ما يتعارفه ~~الناس بينهم، مما لم تجر العادة بالانتظار فيه، ويلحق المرأة الضرر بمنعها ~~من التزويج في مثله، فإنه يتعذر في ذلك الوصول إلى المصلحة من نظر الأقرب، ~~فيكون كالمعدوم، والتحديد بالعام كبير؛ فإن الضرر # PageV07P032 # يلحق بالانتظار في مثل ذلك، ويذهب الخاطب، ومن لا يصل الكتاب منه أبعد، ms3511 ~~ومن هو على مسافة القصر لا تلحق المشقة في مكاتبته. # والتوسط أولى. والله أعلم. واختلف أصحاب أبي حنيفة في الغيبة المنقطعة، ~~فقال بعضهم كقول القاضي، وبعضهم قال: من الري إلى بغداد. وبعضهم قال: من ~~البصرة إلى الرقة وهذان القولان يشبهان قول أبي بكر. واختلف أصحاب الشافعي ~~في الغيبة التي يزوج فيها الحاكم، فقال بعضهم: مسافة القصر. وقال بعضهم: ~~يزوجها الحاكم، وإن كان الولي قريبا. وهو ظاهر نص الشافعي # وظاهر كلام أحمد، أنه إذا كانت الغيبة غير منقطعة، أنه ينتظر ويراسل حتى ~~يقدم أو يوكل. # فصل: وإن كان القريب محبوسا، أو أسيرا في مسافة قريبة، لا تمكن مراجعته، ~~فهو كالبعيد، فإن البعد لم يعتبر لعينه، بل لتعذر الوصول إلى التزويج ~~بنظره، وهذا موجود هاهنا، وكذلك إن كان غائبا لا يعلم أقريب أم بعيد، أو ~~علم أنه قريب، ولم يعلم مكانه، فهو كالبعيد. ### | [مسألة اشتراط الكفاءة لصحة النكاح] # (5189) مسألة؛ قال: وإذا زوجت من غير كفء، فالنكاح باطل اختلفت الرواية ~~عن أحمد في اشتراط الكفاءة لصحة النكاح، فروي عنه أنها شرط له. قال: إذا ~~تزوج المولى العربية فرق بينهما. وهذا قول سفيان وقال أحمد في الرجل يشرب ~~الشراب: ما هو بكفء لها، يفرق بينهما. وقال: لو كان المتزوج حائكا فرقت ~~بينهما؛ لقول عمر - رضي الله عنه -: لأمنعن فروج ذوات الأحساب، إلا من ~~الأكفاء. رواه الخلال بإسناده. وعن أبي إسحاق الهمداني قال: خرج سلمان ~~وجرير في سفر، فأقيمت الصلاة، فقال جرير لسلمان: تقدم أنت. قال سلمان: بل ~~أنت تقدم، فإنكم معشر العرب لا يتقدم عليكم في صلاتكم، ولا تنكح نساؤكم، إن ~~الله فضلكم علينا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وجعله فيكم. ولأن التزويج، ~~مع فقد الكفاءة، تصرف في حق من يحدث من الأولياء بغير إذنه، فلم يصح، كما ~~لو زوجها بغير إذنها. # وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا تنكحوا النساء إلا من ~~الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء» . رواه الدارقطني، إلا أن ابن عبد البر ~~قال: هذا ضعيف، لا أصل له، ms3512 ولا يحتج بمثله. والرواية الثانية عن أحمد أنها ~~ليست شرطا في النكاح. وهذا قول أكثر أهل العلم. # روي نحو هذا عن عمر وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز، وعبيد بن عمير وحماد ~~بن أبي سليمان وابن سيرين وابن عون ومالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لقوله ~~تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] . # PageV07P033 # وقالت عائشة - رضي الله عنها -. إن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنى ~~سالما، وأنكحه ابنة أخيه هند ابنة الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من ~~الأنصار: أخرجه البخاري. «وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فاطمة بنت قيس ~~أن تنكح أسامة بن زيد مولاه، فنكحها بأمره» . متفق عليه # «وزوج أباه زيد بن حارثة ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية.» وقال ابن ~~مسعود لأخته: أنشدك الله أن تتزوجي مسلما، وإن كان أحمر روميا، أو أسود ~~حبشيا. ولأن الكفاءة لا تخرج عن كونها حقا للمرأة، أو الأولياء، أو لهما، ~~فلم يشترط وجودها، كالسلامة من العيوب. وقد روي «أن أبا هند حجم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في اليافوخ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا ~~بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه» . رواه أبو داود، إلا أن أحمد ~~ضعفه، وأنكره إنكارا شديدا. والصحيح أنها غير مشترطة، وما روي فيها يدل على ~~اعتبارها في الجملة، ولا يلزم منه اشتراطها؛ وذلك لأن للزوجة ولكل واحد من ~~الأولياء فيها حقا، ومن لم يرض منهم فله الفسخ # ولذلك لما زوج رجل ابنته من ابن أخيه، ليرفع بها خسيسته، جعل لها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - الخيار، فأجازت ما صنع أبوها. ولو فقد الشرط لم يكن ~~لها خيار. # فإذا قلنا باشتراطها، فإنما يعتبر وجودها حال العقد، فإن عدمت بعده، لم ~~يبطل النكاح؛ لأن شروط النكاح إنما تعتبر لدى العقد. وإن كانت معدومة حال ~~العقد، فالنكاح فاسد، حكمه حكم العقود الفاسدة، على ما مضى. فإن قلنا: ليست ~~شرطا. فرضيت المرأة والأولياء كلهم، صح النكاح، وإن لم يرض بعضهم، فهل يقع ~~العقد باطلا من أصله أو صحيحا؟ فيه ms3513 روايتان عن أحمد وقولان للشافعي أحدهما، ~~هو باطل؛ لأن الكفاءة حق لجميعهم، والعاقد متصرف فيها بغير رضاهم، فلم يصح، ~~كتصرف الفضولي. # والثانية، هو صحيح؛ بدليل أن المرأة التي رفعت إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن أباها زوجها من غير كفئها خيرها، ولم يبطل النكاح من أصله. ولأن ~~العقد وقع بالإذن، والنقص الموجود فيه لا يمنع # PageV07P034 # صحته، وإنما يثبت الخيار، كالعيب من العنة وغيرها. فعلى هذه الرواية لمن ~~لم يرض الفسخ. وبهذا قال الشافعي ومالك وقال أبو حنيفة إذا رضيت المرأة ~~وبعض الأولياء، لم يكن لباقي الأولياء فسخ؛ لأن هذا الحق لا يتجزأ، وقد ~~أسقط بعض الشركاء حقه، فسقط جميعه، كالقصاص. ولنا، أن كل واحد من الأولياء ~~يعتبر رضاه، فلم يسقط برضا غيره، كالمرأة مع الولي # فأما القصاص فلا يثبت لكل واحد كاملا، فإذا سقط بعضه، تعذر استيفاؤه، ~~وهاهنا بخلافه، ولأنه لو زوجها بدون مهر مثلها، ملك الباقون عندهم ~~الاعتراض، مع أنه خالص حقها، فهاهنا مع أنه حق لهم أولى. وسواء كانوا ~~متساوين في الدرجة، أو متفاوتين، فزوج الأقرب، مثل أن يزوج الأب بغير كفء، ~~فإن للإخوة الفسخ. وقال مالك والشافعي ليس لهم فسخ إذا زوج الأقرب؛ لأنه لا ~~حق للأبعد معه، فرضاؤه لا يعتبر. ولنا، أنه ولي في حال يلحقه العار بفقد ~~الكفاءة، فملك الفسخ كالمتساويين. ### | [مسألة شروط الكفاءة في النكاح] # (5190) مسألة؛ قال: والكفء ذو الدين والمنصب يعني بالمنصب الحسب، وهو ~~النسب. واختلفت الرواية عن أحمد في شروط الكفاءة، فعنه هما شرطان؛ الدين، ~~والمنصب، لا غير. وعنه أنها خمسة؛ هذان، والحرية، والصناعة، واليسار. وذكر ~~القاضي، في (المجرد) أن فقد هذه الثلاثة لا يبطل النكاح، رواية واحدة، ~~وإنما الروايتان في الشرطين الأولين. قال: ويتوجه أن المبطل عدم الكفاءة في ~~النسب لا غير؛ لأنه نقص لازم، وما عداه غير لازم، ولا يتعدى نقصه إلى الولد # وذكر في (الجامع) الروايتين في جميع الشروط. وذكره أبو الخطاب أيضا. وقال ~~مالك: الكفاءة في الدين لا غير. قال ابن عبد البر: هذا جملة مذهب مالك ms3514 ~~وأصحابه. وعن الشافعي كقول مالك، وقول آخر أنها الخمسة التي ذكرناها، ~~والسلامة من العيوب الأربعة فتكون ستة، وكذلك قول أبي حنيفة، والثوري، ~~والحسن بن حي إلا في الصنعة والسلامة من العيوب الأربعة. ولم يعتبر محمد بن ~~الحسن الدين، إلا أن يكون ممن يسكر ويخرج ويسخر منه الصبيان، فلا يكون ~~كفؤا؛ لأن الغالب على الجند الفسق، ولا يعد ذلك نقصا، والدليل على اعتبار ~~الدين قوله تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} [السجدة: 18] # ولأن الفاسق مرذول مردود الشهادة والرواية، غير مأمون على النفس والمال، ~~مسلوب الولايات، ناقص عند الله تعالى وعند خلقه، قليل الحظ في الدنيا ~~والآخرة، # PageV07P035 # فلا يجوز أن يكون كفؤا لعفيفة، ولا مساويا لها، لكن يكون كفؤا لمثله. ~~فأما الفاسق من الجند، فهو ناقص عند أهل الدين والمروآت. والدليل على ~~اعتبار النسب في الكفاءة، قول عمر - رضي الله عنه -: لأمنعن فروج ذوات ~~الأحساب إلا من الأكفاء. قال: قلت: وما الأكفاء؟ قال في الحسب. رواه أبو ~~بكر عبد العزيز، بإسناده. ولأن العرب يعدون الكفاءة في النسب، ويأنفون من ~~نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصا وعارا، فإذا أطلقت الكفاءة، وجب حملها على ~~المتعارف، ولأن في فقد ذلك عارا ونقصا، فوجب أن يعتبر في الكفاءة كالدين. # (5191) فصل: واختلفت الرواية عن أحمد، فروي عنه أن غير قريش من العرب لا ~~يكافئها، وغير بني هاشم لا يكافئهم. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي؛ لما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد ~~إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني ~~هاشم» . ولأن العرب فضلت على الأمم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقريش أخص به من سائر العرب، وبنو هاشم أخص به من قريش # وكذلك قال عثمان وجبير بن مطعم إن إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم ~~علينا، لمكانك الذي وضعك الله به منهم. وقال أبو حنيفة لا تكافئ العجم ~~العرب ولا العرب قريشا، وقريش كلهم أكفاء؛ لأن ابن عباس قال: ms3515 قريش بعضهم ~~أكفاء بعض. والرواية الثانية عن أحمد أن العرب بعضهم لبعض أكفاء، والعجم ~~بعضهم لبعض أكفاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج ابنتيه عثمان، ~~وزوج أبا العاص بن الربيع زينب، وهما من بني عبد شمس، وزوج علي عمر ابنته ~~أم كلثوم، وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين بن علي، وتزوج ~~المصعب بن الزبير أختها سكينة، وتزوجها أيضا عبد الله بن عثمان بن حكيم بن ~~حزام، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب ابنة عم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوج أبو بكر أخته أم فروة الأشعث بن ~~قيس، وهما كنديان، وتزوج أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس، وهي من قريش، ولأن ~~العجم والموالي بعضهم لبعض أكفاء، وإن تفاضلوا، وشرف بعضهم على بعض، فكذلك ~~العرب. # PageV07P036 # (5192) فصل: فأما الحرية، فالصحيح أنها من شروط الكفاءة، فلا يكون العبد ~~كفؤا لحرة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير بريرة حين عتقت تحت عبد. ~~فإذا ثبت الخيار بالحرية الطارئة، فبالحرية المقارنة أولى. ولأن نقص الرق ~~كبير، وضرره بين، فإنه مشغول عن امرأته بحقوق سيده، ولا ينفق نفقة ~~الموسرين، ولا ينفق على ولده، وهو كالمعدوم بالنسبة إلى نفسه. ولا يمنع صحة ~~النكاح؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قال لبريرة: لو راجعتيه. قالت: ~~يا رسول الله، أتأمرني؟ قال: إنما أنا شفيع. قالت: فلا حاجة لي فيه» رواه ~~البخاري. # ومراجعتها له ابتداء النكاح، فإنه قد انفسخ نكاحها باختيارها، ولا يشفع ~~إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أن تنكح عبدا إلا والنكاح صحيح. # (5193) فصل: فأما اليسار، ففيه روايتان؛ إحداهما، هو شرط في الكفاءة؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحسب المال. وقال: إن أحساب الناس ~~بينهم في هذه الدنيا هذا المال. وقال لفاطمة بنت قيس، حين أخبرته أن معاوية ~~خطبها: أما معاوية فصعلوك، لا مال له» # ولأن على الموسرة ضررا في إعسار زوجها؛ لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولادها، ~~ولهذا ملكت الفسخ بإخلاله بالنفقة، فكذلك إذا كان مقارنا، ولأن ms3516 ذلك معدود ~~نقصا في عرف الناس، يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب وأبلغ، قال نبيه بن ~~الحجاج السهمي: # سألتاني الطلاق أن رأتاني ... قل مالي قد جئتماني بنكر # ويكأن من له نشب محبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضر # فكان من شروط الكفاءة، كالنسب. والرواية الثانية، ليس بشرط؛ لأن الفقر ~~شرف في الدين، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم أحيني مسكينا، ~~وأمتني مسكينا» . وليس هو أمرا لازما، فأشبه العافية من المرض، واليسار ~~المعتبر ما يقدر به على الإنفاق عليها، حسب ما يجب لها، ويمكنه أداء مهرها. # PageV07P037 # (5194) فصل: فأما الصناعة، ففيها روايتان أيضا؛ إحداهما، أنها شرط، فمن ~~كان من أهل الصنائع الدنيئة، كالحائك، والحجام، والحارس، والكساح، والدباغ، ~~والقيم، والحمامي، والزبال، فليس بكفء لبنات ذوي المروءات، أو أصحاب ~~الصنائع الجليلة، كالتجارة، والبناية؛ لأن ذلك نقص في عرف الناس، فأشبه نقص ~~النسب، وقد جاء في الحديث: «العرب بعضهم لبعض أكفاء، إلا حائكا، أو حجاما» ~~. قيل لأحمد - رحمه الله -: وكيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه. ~~يعني أنه ورد موافقا لأهل العرف. وروي أن ذلك ليس بنقص، ويروى نحو ذلك عن ~~أبي حنيفة لأن ذلك ليس بنقص في الدين، ولا هو لازم، فأشبه الضعف والمرض، ~~قال بعضهم: # ألا إنما التقوى هي العز والكرم ... وحبك للدنيا هو الذل والسقم # وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم # وأما السلامة من العيوب، فليس من شروط الكفاءة، فإنه لا خلاف في أنه لا ~~يبطل النكاح بعدمها، ولكنها تثبت الخيار للمرأة دون الأولياء؛ لأن ضرره ~~مختص بها. # ولوليها منعها من نكاح المجذوم والأبرص والمجنون، وما عدا هذا فليس ~~بمعتبر في الكفاءة. ### | [فصل من أسلم أو عتق من العبيد فهو كفء لمن له أبوان في الإسلام والحرية] # . وقال أبو حنيفة: ليس بكفء. وليس بصحيح؛ فإن الصحابة - رضي الله عنهم -، ~~أكثرهم أسلموا، وكانوا أفضل الأمة، فلا يجوز أن يقال: إنهم غير أكفاء ~~للتابعين. ### | [فصل ولد الزنى يحتمل أن لا يكون كفؤا لذات نسب] # (5196) فصل: فأما ولد ms3517 الزنا، فيحتمل أن لا يكون كفؤا لذات نسب؛ فإن أحمد ~~- رحمه الله - ذكر له أنه ينكح وينكح إليه؟ فكأنه لم يجب. وذلك لأن المرأة ~~تعير به هي وأولياؤها، ويتعدى ذلك إلى ولدها. وأما كونه ليس بكفء لعربية، ~~فلا إشكال فيه؛ لأنه أدنى حالا من المولى. ### | [فصل الموالي بعضهم لبعض أكفاء في النكاح] # (5197) فصل: والموالي بعضهم لبعض أكفاء، وكذلك العجم، قال أحمد - رحمه ~~الله - في رجل من بني هاشم له مولاة: يزوجها الخراساني، وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «موالي القوم من أنفسهم» . هو في الصدقة، # PageV07P038 # فأما في النكاح فلينكح. وذكر القاضي رواية عن أحمد، أن مولى القوم ~~يكافئهم؛ لهذا الخبر، «ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج زيدا وأسامة ~~عربيتين» ولأن موالي بني هاشم ساووهم في حرمان الصدقة، فيساوونهم في ~~الكفاءة # وليس هذا بصحيح؛ فإنه يوجب أن يكون الموالي أكفاء للعرب، فإن المولى إذا ~~كان كفء سيده كان كفؤا لمن يكافئه سيده، فيبطل اعتبار المنصب، وقد قال أحمد ~~هذا الحديث في الصدقة، لا في النكاح. ولهذا لا يساوونهم في استحقاق الخمس، ~~ولا في الإمامة، ولا في الشرف. وأما زيد وأسامة، فقد استدل بنكاحهما ~~عربيتين على أن فقد الكفاءة لا يبطل النكاح، واعتذر أحمد عن تزويجهما، ~~بأنهما عربيان، فإنهما من كلب، وإنما طرأ عليهما رق. فعلى هذا يكون هذا حكم ~~كل عربي الأصل. ### | [فصل لا يزوج بنته من حروري مرق من الدين ولا من الرافضي ولا من القدري] # (5198) فصل: فأما أهل البدع، فإن أحمد قال في الرجل يزوج الجهمي: يفرق ~~بينهما. وكذلك إذا زوج الواقفي، إذا كان يخاصم ويدعو، وإذا زوج أخته من ~~هؤلاء اللفظية، وقد كتب الحديث، فهذا شر من جهمي، يفرق بينهما. وقال: لا ~~يزوج بنته من حروري مرق من الدين، ولا من الرافضي، ولا من القدري، فإذا كان ~~لا يدعو فلا بأس. وقال: من لم يربع بعلي في الخلافة، فلا تناكحوه، ولا ~~تكلموه. قال القاضي: المقلد منهم يصح تزويجه، ومن كان داعية منهم فلا يصح ~~تزويجه. ### | [فصل الكفاءة ms3518 في النكاح معتبرة في الرجل دون المرأة] # (5199) فصل: والكفاءة معتبرة في الرجل دون المرأة؛ فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لا مكافئ له، وقد تزوج من أحياء العرب، وتزوج صفية بنت حيي، ~~وتسرى بالإماء، وقال: «من كانت عنده جارية، فعلمها، وأحسن تعليمها، وأحسن ~~إليها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران» . متفق عليه. ولأن الولد يشرف بشرف ~~أبيه، لا بأمه، فلم يعتبر ذلك في الأم. # PageV07P039 ### | [مسألة زوج الرجل ابنته البكر فوضعها في كفاءة] # (5200) مسألة؛ قال: وإذا زوج الرجل ابنته البكر، فوضعها في كفاءة، ~~فالنكاح ثابت، وإن كرهت، كبيرة كانت أو صغيرة. أما البكر الصغيرة، فلا خلاف ~~فيها. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أن نكاح الأب ~~ابنته البكر الصغيرة جائز، إذا زوجها من كفء، ويجوز له تزويجها مع كراهيتها ~~وامتناعها. وقد دل على جواز تزويج الصغيرة قول الله تعالى: {واللائي يئسن ~~من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} ~~[الطلاق: 4] فجعل للائي لم يحضن عدة ثلاثة أشهر، ولا تكون العدة ثلاثة أشهر ~~إلا من طلاق في نكاح أو فسخ، فدل ذلك على أنها تزوج وتطلق، ولا إذن لها ~~فيعتبر # وقالت عائشة - رضي الله عنهما -: «تزوجني النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأنا ابنة ست، وبنى بي وأنا ابنة تسع» . متفق عليه. ومعلوم أنها لم تكن في ~~تلك الحال ممن يعتبر إذنها. وروى الأثرم، أن قدامة بن مظعون تزوج ابنة ~~الزبير حين نفست، فقيل له، فقال: ابنة الزبير إن مت ورثتني، وإن عشت كانت ~~امرأتي. وزوج علي ابنته أم كلثوم وهي صغيرة عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما ~~-. وأما البكر البالغة العاقلة، فعن أحمد روايتان؛ إحداهما، له إجبارها على ~~النكاح، وتزويجها بغير إذنها، كالصغيرة # وهذا مذهب مالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق والثانية، ليس له ذلك، ~~اختارها أبو بكر. وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب ~~الرأي، وابن المنذر؛ لما روى أبو هريرة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: لا تنكح الأيم ms3519 حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن. فقالوا: يا ~~رسول الله، فكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» . متفق عليه. وروى أبو داود، وابن ~~ماجه، عن ابن عباس، «أن جارية بكرا، أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم -.» ~~ولأنها جائزة التصرف في مالها، فلم يجز إجبارها، كالثيب، والرجل # ووجه الرواية الأولى، ما روي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، وإذنها صماتها» ~~رواه مسلم وأبو داود. # فلما قسم النساء قسمين، وأثبت الحق لأحدهما، دل على نفيه عن الآخر، وهي ~~البكر فيكون وليها أحق منها بها، ودل الحديث # PageV07P040 # على أن الاستئمار هاهنا، والاستئذان في حديثهم مستحب، ليس بواجب، لما روى ~~ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «آمروا النساء في ~~بناتهن» . رواه أبو داود. وحديث التي خيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- مرسل، # ويحتمل أنها التي زوجها أبوها من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته، فتخييرها ~~لذلك، ولأن ما لا يشترط في نكاح الصغيرة لا يشترط في نكاح الكبيرة، كالنطق. ~~وقول الخرقي فوضعها في كفاءة يدل على أنه إذا زوجها من غير كفء، فنكاحها ~~باطل. وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي لأنه لا يجوز له ~~تزويجها من غير كفء، فلم يصح. كسائر الأنكحة المحرمة، ولأنه عقد لموليته ~~عقدا لا حظ لها فيه بغير إذنها، فلم يصح، كبيعه عقارها من غير غبطة ولا ~~حاجة، أو بيعه بدون ثمن مثله، ولأنه نائب عنها شرعا، فلم يصح تصرفه لها ~~شرعا بما لا حظ لها فيه كالوكيل # والثانية، يصح؛ لأنه عيب في المعقود عليه، فلم يمنع الصحة، كشراء المعيب ~~الذي لا يعلم عيبه. ويحتمل أن لا يصح النكاح، إذا علم أن الزوج ليس بكفء، ~~ويصح إذا لم يعلم؛ لأنه إذا علم حرم عليه العقد، فبطل لتحريمه، بخلاف ما لم ~~يعلمه، كما لو اشترى لها معيبا يعلم عيبه. ويحتمل أن يصح ms3520 نكاح الكبيرة؛ ~~لأنه يمكن استدراك الضرر، بإثبات الخيار لها، فتفسخ إن كرهت، وإن لم تفسخ ~~كان كإجازتها وإذنها، بخلاف نكاح الصغيرة. # وعلى القول بصحته؛ فإن كانت كبيرة، فلها الخيار، ولا خيار لأبيها إذا كان ~~عالما؛ لأنه أسقط حقه برضاه، وإن كانت صغيرة، فعليه الفسخ، ولا يسقط برضاه؛ ~~لأنه يفسخ لحظها، وحقها لا يسقط برضاه. ويحتمل أن لا يكون له الفسخ، ولكن ~~يمنع الدخول عليها حتى تبلغ فتختار. وإن كان لها ولي غير الأب، فلها الفسخ ~~على ما مضى. وعلى كلتا الروايتين، فلا يحل له تزويجها من غير كفء، ولا من ~~معيب؛ لأن الله تعالى أقامه مقامها، ناظرا لها فيما فيه الحظ، ومتصرفا لها، ~~لعجزها عن التصرف في نفسها، فلا يجوز له فعل ما لا حظ لها فيه، كما في ~~مالها، ولأنه إذا حرم عليه التصرف في مالها بما لا حظ فيه، ففي نفسها أولى. ### | [مسألة ليس لغير الأب إجبار كبيرة ولا تزويج صغيرة جدا] # (5201) مسألة؛ قال: وليس هذا لغير الأب. يعني ليس لغير الأب إجبار كبيرة، ~~ولا تزويج صغيرة، جدا كان أو غيره. وبهذا قال مالك، وأبو عبيد والثوري، ~~وابن أبي ليلى. وبه قال الشافعي إلا في الجد، فإنه جعله كالأب؛ لأن ولايته ~~ولاية إيلاد، فملك إجبارها كالأب. وقال الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، ~~وطاوس، وقتادة، وابن شبرمة، والأوزاعي، وأبو حنيفة: لغير الأب تزويج ~~الصغيرة، ولها الخيار إذا بلغت. وقال هؤلاء # PageV07P041 # غير أبي حنيفة: إذا زوج الصغيرين غير الأب، فلهما الخيار إذا بلغا. قال ~~أبو الخطاب: وقد نقل عبد الله، عن أبيه، كقول أبي حنيفة؛ لأن الله تعالى ~~قال: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ~~[النساء: 3] . # فمفهومه أنه إذا لم يخف، فله تزويج اليتيمة، واليتيم من لم يبلغ؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يتم بعد احتلام» . قال عروة: سألت عائشة ~~عن قول الله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} [النساء: 3] . فقالت: ~~يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، ms3521 فيشركها في مالها، ويعجبه ~~مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما ~~يعطيها غيره، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا فيهن، ويبلغوا أعلى سنتهن في ~~الصداق. متفق عليه. ولأنه ولي في النكاح، فملك التزويج كالأب. ولنا، قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو ~~إذنها، وإن أبت، فلا جواز عليها» . رواه أبو داود، والنسائي. # وروي ابن عمر، «أن قدامة بن مظعون زوج ابن عمر ابنة أخيه عثمان، فرفع ذلك ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنها يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها» ~~. واليتيمة: الصغيرة التي مات أبوها. ولأن غير الأب قاصر الشفقة، فلا يلي ~~نكاح الصغيرة، كالأجنبي، وغير الجد لا يلي مالها، فلا يستبد بنكاحها، ~~كالأجنبي. ولأن الجد يدلي بولاية غيره، فأشبه سائر العصبات، وفارق الأب، ~~فإنه يدلي بغير واسطة، ويسقط الإخوة والجد، ويحجب الأم عن ثلث المال إلى ~~ثلث الباقي في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين. والآية محمولة على البالغة بدليل ~~قول الله تعالى: {تؤتونهن ما كتب لهن} [النساء: 127] . وإنما يدفع إلى ~~الكبيرة، أو نحملها على بنت تسع. ### | [فصل الحكم إذا بلغت الجارية تسع سنين في إذنها في النكاح] # (5202) فصل: وإذا بلغت الجارية تسع سنين، ففيها روايتان؛ إحداهما، أنها ~~كمن لم تبلغ تسعا، نص عليه في رواية الأثرم. وهو قول مالك، والشافعي وأبي ~~حنيفة، وسائر الفقهاء. قالوا: حكم بنت تسع سنين، حكم بنت ثمان؛ لأنها غير ~~بالغة، ولأن إذنها لا يعتبر في سائر التصرفات، فكذلك في النكاح. والرواية ~~الثانية، حكمها حكم البالغة. نص عليه في رواية ابن منصور؛ لمفهوم الآية، ~~ودلالة الخبر بعمومها، على أن اليتيمة تنكح بإذنها، وإن أبت فلا جواز ~~عليها، وقد انتفى به الإذن في من دونها، فيجب حمله على من بلغت تسعا. وقد ~~روى الإمام أحمد، بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: إذا بلغت ~~الجارية تسع سنين فهي # PageV07P042 # امرأة ورواه القاضي بإسناده عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. بمعناه: في ms3522 حكم المرأة. # ولأنها بلغت سنا يمكن فيه حيضها، ويحدث لها حاجة إلى النكاح، فيباح ~~تزويجها كالبالغة. فعلى هذا إذا زوجت ثم بلغت، لم يكن لها خيار، كالبالغة ~~إذا زوجت. وقد خطب عمر - رضي الله عنه - أم كلثوم ابنة أبي بكر بعد موته ~~إلى عائشة - رضي الله عنها - فأجابته، وهي لدون عشر، لأنها إنما ولدت بعد ~~موت أبيها، وإنما كانت ولاية عمر عشرا، فكرهته الجارية، فتزوجها طلحة بن ~~عبيد الله، ولم ينكره منكر، فدل على اتفاقهم على صحة تزويجها قبل بلوغها ~~بولاية غير أبيها. والله أعلم. ### | [مسألة استأذن البكر البالغة والدها] # (5203) مسألة؛ قال: ولو استأذن البكر البالغة والدها، كان حسنا. لا نعلم ~~خلافا في استحباب استئذانها، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر به، ~~ونهى عن النكاح بدونه، وأقل أحوال ذلك الاستحباب، ولأن فيه تطييب قلبها، ~~وخروجا من الخلاف. وقالت عائشة: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الجارية ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: (نعم، تستأمر) . وقال: «استأمروا النساء في أبضاعهن؛ فإن البكر ~~تستحيي، فتسكت، فهو إذنها» . متفق عليهما # وروي عن عطاء، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأمر بناته إذا ~~أنكحهن. قال: كان يجلس عند خدر المخطوبة، فيقول: إن فلانا يذكر فلانة فإن ~~حركت الخدر لم يزوجها، وإن سكتت زوجها» . ### | [فصل استئذان المرأة في تزويج ابنتها] # (5204) فصل: ويستحب استئذان المرأة في تزويج ابنتها؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «آمروا النساء في بناتهن» . ولأنها تشاركه في النظر ~~لابنتها، وتحصيل المصلحة لها، لشفقتها عليها، وفي استئذانها تطييب قلبها، ~~وإرضاء لها فتكون أولى. ### | [مسألة زوج ابنته الثيب بغير إذنها] # (5205) مسألة؛ قال: (وإذا زوج ابنته الثيب بغير إذنها، فالنكاح باطل، وإن ~~رضيت بعد) وجملة ذلك أن الثيب تنقسم قسمين؛ كبيرة، وصغيرة، فأما الكبيرة، ~~فلا يجوز للأب ولا لغيره تزويجها إلا بإذنها، في قول عامة أهل العلم، إلا ~~الحسن قال: له تزويجها وإن كرهت. والنخعي قال: يزوج بنته # PageV07P043 # إذا كانت في عياله، فإن ms3523 كانت بائنة في بيتها مع عيالها استأمرها. قال ~~إسماعيل بن إسحاق: لا أعلم أحدا قال في البنت. بقول الحسن، وهو قول شاذ، ~~خالف فيه أهل العلم والسنة الثابتة، فإن الخنساء ابنة خذام الأنصارية، روت ~~أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فرد نكاحه # رواه البخاري، والأئمة كلهم. وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على ~~صحته، والقول به، لا نعلم مخالفا له إلا الحسن، وكانت الخنساء من أهل قباء، ~~وكانت تحت أنيس بن قتادة، فقتل عنها يوم أحد، فزوجها أبوها رجلا من بني ~~عمرو بن عوف، فكرهته، وشكت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرد ~~نكاحها، ونكحت أبا لبابة بن عبد المنذر. وروى أبو هريرة، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر» . متفق عليه. وقال: ~~«الأيم أحق بنفسها من وليها» . وروى ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس للولي مع الثيب أمر» رواهما النسائي وأبو ~~داود. # ولأنها رشيدة عالمة بالمقصود من النكاح مختبرة، فلم يجز إجبارها عليه، ~~كالرجل. القسم الثاني، الثيب الصغيرة، وفي تزويجها وجهان؛ أحدهما، لا يجوز ~~تزويجها، وهو ظاهر قول الخرقي. واختاره ابن حامد، وابن بطة، والقاضي، ومذهب ~~الشافعي؛ لعموم الأخبار، ولأن الإجبار يختلف بالبكارة والثيوبة، لا بالصغر ~~والكبر، وهذه ثيب، ولأن في تأخيرها فائدة، وهو أن تبلغ فتختار لنفسها ~~ويعتبر إذنها، فوجب التأخير، بخلاف البكر. الوجه الثاني، أن لأبيها ~~تزويجها، ولا يستأمرها. اختاره أبو بكر وعبد العزيز وهو قول مالك، وأبي ~~حنيفة؛ لأنها صغيرة، فجاز إجبارها كالبكر والغلام # يحقق ذلك أنها لا تزيد بالثيوبة على ما حصل للغلام بالذكورية، ثم الغلام ~~يجبر إن كان صغيرا فكذا هذه، والأخبار محمولة على الكبيرة، فإنه جعلها أحق ~~بنفسها من وليها، والصغيرة لا حق لها. ويتخرج وجه ثالث، وهو أن ابنة تسع ~~سنين يزوجها وليها بإذنها، ومن دون ذلك، على ما ذكرنا من الخلاف؛ لما ذكرنا ~~في البكر. والله أعلم. ms3524 ### | [مسألة إذن الثيب الكلام وإذن البكر الصمات] # (5206) مسألة؛ قال: (وإذن الثيب الكلام، وإذن البكر الصمات) . أما الثيب، ~~فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن إذنها الكلام؛ للخبر، ولأن اللسان هو ~~المعبر عما في القلب، # PageV07P044 # وهو المعتبر في كل موضع يعتبر فيه الإذن، غير أشياء يسيرة أقيم فيها ~~الصمت مقامه لعارض. وأما البكر فإذنها صماتها، في قول عامة أهل العلم، ~~منهم؛ شريح، والشعبي، وإسحاق، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وابن شبرمة، ~~وأبو حنيفة. ولا فرق بين كون الولي أبا أو غيره. وقال أصحاب الشافعي: في ~~صمتها في حق غير الأب وجهان؛ أحدهما، لا يكون إذنا؛ لأن الصمات عدم الإذن، ~~فلا يكون إذنا، ولأنه محتمل الرضا والحياء وغيرهما، فلا يكون إذنا، كما في ~~حق الثيب، وإنما اكتفي به في حق الأب، لأن رضاءها غير معتبر # وهذا شذوذ عن أهل العلم، وترك للسنة الصحيحة الصريحة، يصان الشافعي عن ~~إضافته إليه، وجعله مذهبا له، مع كونه من أتبع الناس لسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا يعرج منصف على هذا القول، وقد تقدمت روايتنا عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح ~~البكر حتى تستأذن. فقالوا: يا رسول الله، فكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» . وفي ~~رواية عن عائشة، أنها قالت: «يا رسول الله، إن البكر تستحيي. قال: رضاها ~~صماتها» . متفق عليه # وفي رواية: «واليتيمة تستأمر، فصمتها إقرارها» . رواه النسائي. وفي ~~رواية: «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها» . وهذا صريح في غير ~~ذات الأب. وروى الأثرم، عن عدي الكندي، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها» . والأخبار في هذا ~~كثيرة. ولأن الحياء عقلة على لسانها، يمنعها النطق بالإذن، ولا تستحيي من ~~إبائها وامتناعها، فإذا سكتت غلب على الظن أنه لرضاها، فاكتفي به # وما ذكروه يفضي إلى أن لا يكون صماتها إذنا في حق الأب أيضا؛ لأنهم جعلوا ~~وجوده كعدمه، فيكون إذا ردا على النبي - صلى الله ms3525 عليه وسلم - بالكلية، ~~واطراحا للأخبار الصريحة الجلية، وخرقا لإجماع الأمة المرضية. # (5207) فصل: فإن نطقت بالإذن، فهو أبلغ وأتم في الإذن من صمتها، وإن بكت ~~أو ضحكت، فهو بمنزلة سكوتها. وقال أبو يوسف ومحمد: إن بكت فليس بإذن؛ لأنه ~~يدل على الكراهية، وليس بصمت، فيدخل في عموم الحديث. # PageV07P045 # ولنا، ما روى أبو بكر بإسناده، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «تستأمر اليتيمة، فإن بكت أو سكتت فهو رضاها، وإن أبت ~~فلا جواز عليها» # ولأنها غير ناطقة بالامتناع مع سماعها للاستئذان، فكان إذنا منها كالصمات ~~أو الضحك. والبكاء يدل على فرط الحياء، لا على الكراهة، ولو كرهت لامتنعت، ~~فإنها لا تستحي من الامتناع، والحديث يدل بصريحه على أن الصمت إذن، وبمعناه ~~على ما في معناه من الضحك والبكاء، وكذلك أقمنا الضحك مقامه. ### | [فصل الثيب المعتبر نطقها هي الموطوءة في القبل] # (5208) فصل: والثيب المعتبر نطقها،، هي الموطوءة في القبل، سواء كان ~~الوطء حلالا أو حراما. وهذا مذهب الشافعي. وقال مالك، وأبو حنيفة في ~~المصابة بالفجور: حكمها حكم البكر في إذنها وتزويجها؛ لأن علة الاكتفاء ~~بصمات البكر الحياء، والحياء من الشيء لا يزول إلا بمباشرته، وهذه لم تباشر ~~بالإذن في النكاح، فيبقى حياؤها منه بحاله. ولنا، قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الثيب تعرب عن نفسها» . ولأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، وإذنها أن تسكت» يدل ~~على أنه لا بد من نطق الثيب؛ لأنه قسم النساء قسمين، فجعل السكوت إذنا ~~لأحدهما، فوجب أن يكون الآخر بخلافه وهذه ثيب، فإن الثيب هي الموطوءة في ~~القبل، وهذه كذلك. ولأنه لو أوصى لثيب النساء دخلت في الوصية، ولو أوصى ~~للأبكار لم تدخل، ولو اشترطها في التزويج أو الشراء بكرا فوجدها مصابة ~~بالزنا، ملك الفسخ، ولأنها موطوءة في القبل، فأشبهت الموطوءة بشبهة، ~~والتعليل بالحياء غير صحيح، فإنه أمر خفي لا يمكن اعتباره بنفسه، وإنما ~~يعتبر بمظنته، وهي البكارة، ثم هذا التعليل يفضي إلى إبطال ms3526 منطوق الحديث، ~~فيكون باطلا في نفسه، ولا فرق بين المكرهة والمطاوعة، وعلى هذا ليس لأبيها ~~إجبارها إذا كانت بالغة، وفي تزويجها إن كانت صغيرة وجهان. وقولهم: إنها لم ~~تباشر الإذن. قلنا: يبطل بالموطوءة بشبهة، أو في ملك يمين، والمزوجة وهي ~~صغيرة. ### | [فصل الحكم إذا ذهبت عذرتها بغير جماع في إذنها في النكاح] # (5209) فصل: وإن ذهبت عذرتها بغير جماع، كالوثبة، أو شدة حيضة، أو بإصبع ~~أو عود ونحوه، فحكمها حكم الأبكار # ذكره ابن حامد؛ لأنها لم تختبر المقصود، ولا وجد وطؤها في القبل، فأشبهت ~~من لم تزل # PageV07P046 # عذرتها. ولو وطئت في الدبر لم تصر ثيبا، ولا حكمها حكمهن؛ لأنها غير ~~موطوءة في القبل. ### | [فصل اختلف الزوج والمرأة في إذنها لوليها في تزويجها قبل الدخول] # (5210) فصل: إذا اختلف الزوج والمرأة في إذنها لوليها في تزويجها قبل ~~الدخول، فالقول قولها، في قول أكثر الفقهاء. وقال زفر في الثيب كقول أهل ~~العلم، وفي البكر: القول قول الزوج؛ لأن الأصل السكوت، والكلام حادث والزوج ~~يدعي الأصل، فالقول قوله. ولنا، أنها منكرة الإذن، والقول قول المنكر، ~~ولأنه يدعي أنها استؤذنت وسمعت فصمتت، والأصل عدم ذلك، وهذا جواب على قوله ~~إن الأصل معه. وإن اختلفا بعد الدخول، فقال القاضي: القول قول الزوج؛ ولأن ~~التمكين من الوطء دليل على الإذن وصحة النكاح، فكان الظاهر معه # وهل تستحلف المرأة إذا قلنا: القول قولها؟ قال القاضي: قياس المذهب أنه ~~لا يمين عليها كما لو ادعى زوجيتها فأنكرته. وبه قال أبو حنيفة. وقال ~~الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد: تستحلف. فإن نكلت، فقال أبو يوسف، ومحمد: يثبت ~~النكاح. وقال الشافعي: يستحلف الزوج، ويثبت النكاح. ولنا، أنه اختلاف في ~~زوجية، فلا يثبت بالنكول، ولا يحلف المدعي معه، كما لو ادعى الزوج أصل ~~التزويج فأنكرته، فإن كانت المرأة ادعت أنها أذنت فأنكر ورثة الزوج، فالقول ~~قولها؛ لأنه اختلاف في أمر يختص بها، صادر من جهتها، فالقول قولها فيه، كما ~~لو اختلفوا في نيتها فيما تعتبر فيه نيتها، ولأنها تدعي صحة العقد، وهم ~~يدعون فساده، فالظاهر ms3527 معها. ### | [فصل إذن المجنونة في النكاح] # (5211) فصل: في المجنونة، إن كانت ممن تجبر لو كانت عاقلة، جاز تزويجها ~~لمن يملك إجبارها؛ لأنه إذا ملك إجبارها مع عقلها وامتناعها، فمع عدمه ~~أولى. وإن كانت ممن لا تجبر، انقسمت ثلاثة أقسام؛ أحدها، أن يكون وليها ~~الأب أو وصيه، كالثيب الكبيرة، فهذه يجوز لوليها تزويجها. ذكره القاضي. وهو ~~ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه جعل للأب تزويج المعتوه، فالمرأة أولى. وهذا قول ~~الشافعي، وأبي حنيفة. ومنع منه أبو بكر؛ لأنها ولاية إجبار، وليس على الثيب ~~ولاية إجبار # والأول أصح؛ فإن ولاية الإجبار إنما انتفت عن العاقلة لرأيها، لحصول ~~المباشرة منها والخبرة، وهذه بخلاف ذلك. وكذلك الحكم في الثيب الصغيرة، إذا ~~قلنا بعدم الإجبار في حقها، إذا كانت عاقلة. القسم الثاني، أن يكون وليها ~~الحاكم، ففيها وجهان؛ # PageV07P047 # أحدهما، ليس له تزويجها بحال؛ لأن هذه ولاية إجبار، فلا تثبت لغير الأب، ~~كحال عقلها. والثاني، له تزويجها إذا ظهر منها شهوة الرجال، كبيرة كانت أو ~~صغيرة. وهو اختيار ابن حامد، وأبي الخطاب، وقول أبي حنيفة؛ لأن بها حاجة ~~إليه لدفع ضرر الشهوة عنها، وصيانتها عن الفجور، وتحصيل المهر والنفقة، ~~والعفاف، وصيانة العرض، ولا سبيل إلى إذنها، فأبيح تزويجها كالثيب مع أبيها # وكذلك ينبغي أن يملك تزويجها إن قال أهل الطب: إن علتها تزول بتزويجها؛ ~~لأن ذلك من أعظم مصالحها. وقال الشافعي: لا يملك تزويج صغيرة بحال، ويملك ~~تزويج الكبيرة إذا قال أهل الطب إن علتها تزول بتزويجها. ولنا، أن المعنى ~~المبيح للتزويج وجد في حق الصغيرة، فأبيح تزويجها، كالكبيرة إذا ظهرت منها ~~شهوة الرجال، ففي تزويجها مصلحتها ودفع حاجتها، فأشبه ما لو قال أهل الطب ~~إنه يزيل علتها. وتعرف شهوتها من كلامها، وقرائن أحوالها، كتتبعها للرجال، ~~وميلها إليهم، وأشباه ذلك # القسم الثالث، من وليها غير الأب والحاكم. فقال القاضي: لا يزوجها إلا ~~الحاكم، فيكون حكمها حكم القسم الثاني، على ما بيناه. وقال أبو الخطاب: لهم ~~تزويجها في الحال التي يملك الحاكم تزويج موليته فيها. وهذا قول أبي حنيفة؛ ms3528 ~~لأن ولايتهم مقدمة على ولاية الحاكم، فقدموا عليه في التزويج، كما لو كانت ~~عاقلة. ووجه قول القاضي، أن الحاكم هو الناظر لها في مالها دونهم، فيكون ~~وليا دونهم، كتزويج أمتها، ولأن هذا دفع حاجة ظاهرة، فكانت إلى الحاكم، ~~كدفع حاجة الجوع والعري. فإن كان لها وصي في مالها، لم يملك تزويجها؛ لأنه ~~لا ولاية له في نكاحها. والحكم في تزويجها حكم من وليها غير الأب والحاكم، ~~على ما ذكرنا. ### | [مسألة زوج ابنته بدون صداق مثلها] # (5212) مسألة؛ قال: (وإذا زوج ابنته بدون صداق مثلها، ثبت النكاح ~~بالمسمى. وإن فعل ذلك غير الأب ثبت النكاح، وكان لها مهر مثلها) . وجملة ~~ذلك أن للأب تزويج ابنته بدون صداق مثلها، بكرا كانت أو ثيبا، صغيرة كانت ~~أو كبيرة. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك. وقال الشافعي: ليس له ذلك، فإن فعل ~~فلها مهر مثلها؛ لأنه عقد معاوضة فلم يجز أن ينقص فيه عن قيمة المعوض ~~كالبيع، ولأنه تفريط في مالها، وليس له ذلك. ولنا، أن عمر، - رضي الله عنه ~~- خطب الناس فقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فما أصدق # PageV07P048 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا من نسائه، ولا أحدا من بناته، ~~أكثر من اثنتي عشرة أوقية # وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكروه، فكان اتفاقا منهم على أن له أن ~~يزوج بذلك وإن كان دون صداق المثل. وزوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين، وهو ~~من سادات قريش، شرفا وعلما ودينا، ومن المعلوم أنه لم يكن مهر مثلها، ولأنه ~~ليس المقصود من النكاح العوض، وإنما المقصود السكن والازدواج، ووضع المرأة ~~في منصب عند من يكفيها، ويصونها، ويحسن عشرتها، والظاهر من الأب، مع تمام ~~شفقته، وبلوغ نظره، أنه لا ينقصها من صداقها إلا لتحصيل المعاني المقصودة ~~بالنكاح، فلا ينبغي أن يمنع من تحصيل المقصود بتفويت غيره، ويفارق سائر ~~عقود المعاوضات. # فإن المقصود فيها العوض، فلم يجز تفويته فأما غير الأب، فليس له أن ~~ينقصها من مهر مثلها، فإن زوج بدون ذلك، صح النكاح؛ لأن فساد ms3529 التسمية ~~وعدمها لا يؤثر في النكاح، ويكون لها مهر مثلها؛ لأنه قيمة بضعها، وليس ~~للولي نقصها منه، فرجعت إلى مهر المثل. والله أعلم. ### | [فصل تمام المهر على الزوج] # فصل: وتمام المهر على الزوج؛ لأن التسمية هاهنا فاسدة؛ لكونها غير مأذون ~~فيها شرعا، فوجب على الزوج مهر المثل، كما لو زوجها بمحرم. وعلى الولي ~~ضمانه؛ لأنه المفرط، فكان عليه الضمان، كما لو باع مالها بدون ثمن مثله. ~~قال أحمد: أخاف أن يكون ضامنا. وليس الأب مثل الولي، ولا تملك المرأة ~~الفسخ؛ لأنه قد حصل لها وجوب مهر مثلها. والله أعلم. ### | [مسألة زوج غلاما غير بالغ أو معتوها] # (5214) مسألة؛ قال: (ومن زوج غلاما غير بالغ، أو معتوها، لم يجز إلا أن ~~يزوجه والده، أو وصي ناظر له في التزويج) الكلام في هذه المسألة في فصول ~~أربعة: (5215) الفصل الأول: أنه ليس لغير الأب أو وصيه تزويج الغلام قبل ~~بلوغه. وقال القاضي، في " المجرد ": للحاكم تزويجه؛ لأنه # PageV07P049 # يلي ماله. وقال الشافعي: يملك ولي الصبي تزويجه، ليألف حفظ فرجه عند ~~بلوغه. وليس بسديد؛ فإن غير الأب لم يملك تزويج الجارية الصغيرة، فالغلام ~~أولى. وفارق الأب ووصيه؛ فإن لهما تزويج الصغيرة، وولاية الإجبار # وسواء أذن الغلام في تزويجه أو لم يأذن، فإنه لا إذن له. (5216) الفصل ~~الثاني: أن المعتوه؛ وهو الزائل العقل بجنون مطبق، ليس لغير الأب ووصيه ~~تزويجه. وهذا قول مالك. وقال أبو عبد الله بن حامد: للحاكم تزويجه إذا ظهر ~~منه شهوة النساء، بأن يتبعهن ويريدهن. وهذا مذهب الشافعي؛ لأن ذلك من ~~مصالحه، وليس له حال ينتظر فيها إذنه. وقد ذكرنا توجيه الوجهين في تزويج ~~المجنونة. وينبغي على هذا القول أن يجوز تزويجه إذا قال أهل الطب: إن في ~~تزويجه ذهاب علته. لأنه من أعظم مصالحه. والله أعلم # (5217) الفصل الثالث: أن للأب أو وصيه تزويجهما، سواء كان الغلام عاقلا ~~أو مجنونا، وسواء كان الجنون، مستداما أو طارقا، فأما الغلام السليم من ~~الجنون، فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن لأبيه تزويجه، كذلك قال ms3530 ابن ~~المنذر. وممن هذا مذهبه الحسن، والزهري، وقتادة، ومالك، والثوري، ~~والأوزاعي، وإسحاق، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لما روي أن ابن عمر زوج ابنه ~~وهو صغير، فاختصما إلى زيد، فأجازاه جميعا. رواه الأثرم بإسناده. وأما ~~الغلام المعتوه، فلأبيه تزويجه # وقال الشافعي: لا يجوز؛ لأنه يلزمه بالتزويج حقوقا من المهر والنفقة، مع ~~عدم حاجته، فلم يجز له ذلك، كغيره من الأولياء. ولنا، أنه غير بالغ، فملك ~~أبوه تزويجه، كالعاقل، ولأنه إذا ملك تزويج العاقل مع أن له عند احتياجه ~~إلى التزويج رأيا ونظرا لنفسه فلأن يجوز تزويج من لا يتوقع فيه ذلك أولى. ~~وفارق غير الأب، فإنه لا يملك تزويج العاقل. وأما البالغ المعتوه، فظاهر ~~كلام أحمد، والخرقي، أن للأب تزويجه مع ظهور أمارات الشهوة وعدمها # وقال القاضي: إنما يجوز تزويجه إذا ظهرت منه أمارات الشهوة باتباع النساء ~~ونحوه. وهو مذهب الشافعي؛ لأن في تزويجه مع عدم حاجته إضرارا به، بإلزامه ~~حقوقا لا مصلحة له في التزامها. وقال أبو بكر: ليس للأب تزويجه بحال؛ لأنه ~~رجل، فلم يجز إجباره على النكاح كالعاقل. وقال زفر: إن طرأ عليه الجنون بعد ~~البلوغ، لم يجز تزويجه، وإن كان مستداما، جاز. # PageV07P050 # ولنا، أنه غير مكلف، فجاز لأبيه تزويجه كالصغير، فإنه إذا جاز تزويج ~~الصغير، مع عدم حاجته في الحال، وتوقع نظره عند الحاجة، فهاهنا أولى. ولنا، ~~على التسوية بين الطارئ والمستدام، أنه معنى يثبت الولاية، فاستوى طارئه ~~ومستدامه، كالرق، ولأنه جنون يثبت الولاية على ماله، فأثبتها عليه في ~~نكاحه، كالمستدام # فأما اعتبار الحاجة، فلا بد منها، فإنه لا يجوز لوليه تزويجه، إلا إذا ~~رأى المصلحة فيه، غير أن الحاجة لا تنحصر في قضاء الشهوة، فقد تكون حاجته ~~إلى الإيواء والحفظ، وربما كان دواء له، ويترجى به شفاؤه، فجاز التزويج له، ~~كقضاء الشهوة. والله أعلم. ### | [فصل من يفيق في الأحيان لا يجوز تزويجه إلا بإذنه] # (5218) فصل: ومن يفيق في الأحيان، لا يجوز تزويجه إلا بإذنه؛ لأن ذلك ~~ممكن، ومن أمكن أن يتزوج لنفسه، لم تثبت الولاية عليه كالعاقل. ms3531 ولو زال ~~عقله ببرسام أو مرض مرجو الزوال، فهو كالعاقل، فإن ذلك لا يثبت الولاية على ~~ماله، فعلى نفسه أولى. وإن لم يرج زواله، فهو داخل فيما ذكرناه. ### | [فصل وصي الأب في النكاح] # (5219) الفصل الرابع: أن وصي الأب في النكاح بمنزلته، على ما ذكرنا في ~~ثبوت الولاية للوصي على المرأة. وفي هذا من الخلاف مثل ما فيه، وإنما يثبت ~~ذلك لوصي الأب في التزويج خاصة، فإن كان وصيا في المال، لم تكن له ولاية في ~~التزويج؛ لأنه إنما يستفيد التصرف بالوصية، فلا يملك ما لم يوص به إليه، ~~ووصي غير الأب، لا ولاية له على صبي ولا مجنون؛ لأن الموصي لا يملك ذلك، ~~فوصيه أولى. ### | [فصل تزوج لصغير أو مجنون] # (5220) فصل: وإن تزوج لصغير أو مجنون، فإنه يقبل لهما النكاح، ولا يجوز ~~أن يأذن لهما في قبوله؛ لأنهما ليسا من أهل التصرف. وإن كان الغلام ابن ~~عشر، وهو مميز، فقياس المذهب جواز تفويض القبول إليه، حتى يتولاه لنفسه، ~~كما يفوض أمر البيع إليه، ولأنه يملك إيقاع الطلاق بنفسه. وإن تزوج له ~~الولي جاز، كما يجوز أن يبتاع له، وهذا على الرواية التي تقول بصحة بيعه، ~~ووقوع طلاقه. وإن قلنا: لا يصح ذلك منه. فهذا أولى # (5221) فصل: وذكر القاضي أنه لا يجوز أن يتزوج لهما بزيادة على مهر ~~المثل؛ لأنه معاوضة في حق الغير، فلم تجز # PageV07P051 # الزيادة فيها على عوض المثل، كبيع ماله. وهذا مذهب الشافعي. وقد ذكرنا أن ~~للأب تزويج ابنته بدون صداق مثلها، فهذا مثله، فإنه قد يرى المصلحة في ذلك، ~~فجاز له بذل المال فيه، كما يجوز في مداواته، بل الجواز هاهنا أولى؛ فإن ~~الغالب أن المرأة لا ترضى بتزويج مجنون، إلا أن ترغب بزيادة على مهر مثلها، ~~فيتعذر الوصول إليه بدون ذلك بخلاف المرأة. وذكر القاضي، في " المجرد "، أن ~~قياس المذهب أنه لا يزوجه بأكثر من امرأة واحدة؛ لعدم حاجته إلى زيادة ~~عليها، فيكون بذلا لماله فيما لا حاجة به إليه # وذكر في " الجامع "، أن له تزويج ms3532 ابنه الصغير بأربع؛ لأنه قد يرى المصلحة ~~فيه، وليس له تزويجه بمعيبة عيبا يرد به في النكاح؛ لأن فيه ضررا به ~~وتفويتا لماله فيما لا مصلحة له فيه، فإن فعل، خرج في صحة النكاح وجهان. ~~فإن قلنا: يصح. فهل للولي الفسخ في الحال؟ على وجهين، مضى توجيهها في تزويج ~~الصغيرة بمعيب. ومتى لم يفسخ حتى بلغ الصبي، أو عقل المجنون، فلهما الفسخ، ~~وليس له تزويجه بأمة؛ لأن إباحتها مشروطة بخوف العنت، وهو معدوم في حق ~~الصبي، غير معدوم في المجنون. ### | [فصل إذا زوج ابنه تعلق الصداق بذمة الابن] # (5222) فصل: وإذا زوج ابنه، تعلق الصداق بذمة الابن، موسرا كان أو معسرا؛ ~~لأنه عقد للابن، فكان عليه بذله، كثمن المبيع. وهل يضمنه الأب؟ فيه ~~روايتان؛ إحداهما، يضمنه. نص عليه، فقال: تزويج الأب لابنه الطفل جائز، ~~ويضمن الأب المهر؛ لأنه التزم العوض عنه، فضمنه، كما لو نطق بالضمان. ~~والأخرى، لا يضمنه؛ لأنه عقد معاوضة، ناب فيه عن غيره، فلم يضمن عوضه، كثمن ~~مبيعه، أو كالوكيل. قال القاضي: هذا أصح. وقال: إنما الروايتان فيما إذا ~~كان الابن معسرا، أما الموسر، فلا يضمن الأب عنه رواية واحدة، فإن طلق قبل ~~الدخول، سقط نصف الصداق # فإن كان ذلك بعد دفع الأب الصداق عنه، رجع نصفه إلى الابن، وليس للأب ~~الرجوع فيه، بمعنى الرجوع في الهبة؛ لأن الابن ملكه بالطلاق عن غير أبيه، ~~فأشبه ما لو وهبه الأب أجنبيا ثم وهبه الأجنبي للابن. ويحتمل أن يرجع فيه؛ ~~لأنه تبرع عن ابنه، فلم يستقر الملك حتى استرجعه الابن. وكذلك الحكم فيما ~~لو قضى الصداق عن ابنه الكبير، ثم طلق قبل الدخول. وإن ارتدت قبل الدخول، ~~فالحكم في الرجوع في جميعه، كالحكم في الرجوع في النصف بالطلاق. # PageV07P052 ### | [فصل حكم نكاح المحجور عليه للسفه] # (5223) فصل: في المحجور عليه للسفه والكلام في نكاحه في ثلاثة أحوال؛ ~~أحدها، أن لوليه تزويجه، إذا علم حاجته إلى النكاح؛ لأنه نصب لمصالحه، وهذا ~~من مصالحه، لأنه يصون به دينه وعرضه ونفسه، فإنه ربما تعرض بترك ms3533 التزويج ~~للإثم بالزنا، والحد، وهتك العرض، وسواء علم بحاجته بقوله أو بغير قوله، ~~وسواء كانت حاجته إلى الاستمتاع أو إلى الخدمة، فيزوجه امرأة لتحل له؛ لأنه ~~يحتاج إلى الخلوة بها. وإن لم يكن به حاجة إليه، لم يجز تزويجه؛ لأنه يلزمه ~~بالنكاح حقوقا؛ من المهر، والنفقة، والعشرة، والمبيت، والسكنى، فيكون ~~تضييعا لماله ونفسه في غير فائدة، فلم يجز، كتبذير ماله # وإذا أراد تزويجه، استأذنه في تزويجه، فإن زوجه بغير إذنه، فقال أصحابنا: ~~يصح؛ لأنه عقد معاوضة، فملكه الولي في حق المولى عليه، كالبيع، ولأنه محجور ~~عليه، أشبه الصغير والمجنون، ويحتمل أن لا يملك تزويجه بغير إذنه؛ لأنه ~~يملك الطلاق فلم يجبر على النكاح، كالرشيد والعبد الكبير؛ وذلك لأن إجباره ~~على النكاح مع ملك الطلاق، مجرد إضرار، فإنه يطلق فيلزمه الصداق مع فوات ~~النكاح، ولأنه قد يكون له غرض في امرأة، ولا يكون له في أخرى، فإذا أجبر ~~على من يكرهها، لم تحصل له المصلحة منها، وفات عليه غرضه من الأخرى، فيحصل ~~مجرد ضرر مستغنى عنه. # وإنما جاز ذلك في حق المجنون والطفل، لعدم إمكان الوصول إلى ذلك من ~~قولهما، ولم يتعذر ذلك هاهنا، فوجب أن لا يفوت ذلك عليه، كالرشيد. الحال ~~الثاني، أن للولي أن يأذن له في التزويج في الحالة التي للولي تزويجه فيها، ~~وهي حالة الحاجة؛ لأنه من أهل النكاح، فإنه عاقل مكلف، ولذلك يملك الطلاق ~~والخلع، فجاز أن يفوض إليه ذلك، ثم هو مخير بين أن يعين له المرأة، أو يأذن ~~له مطلقا. وقال بعض الشافعية: يحتاج إلى التعيين له؛ لئلا يتزوج شريفة يكثر ~~مهرها ونفقتها، فيتضرر بذلك. ولنا، أنه أذن في النكاح، فجاز من غير تعيين، ~~كالإذن للعبد، وبهذا يبطل ما ذكروه. # ولا يتزوج إلا بمهر المثل، فإن زاد على مهر المثل، بطلت الزيادة؛ لأنها ~~محاباة بماله، وهو لا يملكها. وإن نقص عن مهر المثل، جاز؛ لأنه ربح من غير ~~خسران. الحال الثالث، إذا تزوج بغير إذن. فقال أبو بكر: يصح النكاح، أومأ ~~إليه أحمد، قال ms3534 القاضي: يعني إذا كان محتاجا، # PageV07P053 # فإن عدمت الحاجة لم يجز؛ لأنه إتلاف لماله في غير فائدة. وقال أصحاب ~~الشافعي: إن أمكنه استئذان وليه، لم يصح إلا بإذنه؛ لأنه محجور عليه، فلم ~~يصح منه التصرف بغير إذنه، كالعبد، وإن طلب منه النكاح، فأبى أن يزوجه، ~~ففيه وجهان. ولنا، أنه إذا احتاج إلى النكاح، فحقه متعين فيه، فصح استيفاؤه ~~بنفسه، كما لو استوفى دينه الحال عند امتناع وليه من استيفائه، فأما إن ~~تزوج من غير حاجة، لم يصح، فإن وطئ الزوجة، فعليه مهر المثل؛ لأنه أتلف ~~بضعها بشبهة، فلزمه عوض ما أتلف، كما لو أتلف مالها. ### | [فصل ليس لغير الأب تطليق امرأة المولى عليه] # (5224) فصل: وليس لغير الأب تطليق امرأة المولى عليه، سواء كان ممن يملك ~~التزويج، كوصي الأب والحاكم على قول ابن حامد، أو لا يملكه. لا نعلم في هذا ~~خلافا. فأما الأب إذا زوج ابنه الصغير أو المجنون، فقد قال أحمد، في رجلين ~~زوج أحدهما ابنه بابنة الآخر، وهما صغيران، ثم إن الأبوين كرها، هل لهما أن ~~يفسخا؟ فقال: قد اختلف في ذلك. وكأنه رآه. قال أبو بكر: لم يبلغني عن أبي ~~عبد الله في هذه المسألة إلا هذه الرواية، فتخرج على قولين؛ أحدهما، يملك ~~ذلك. وهو قول عطاء، وقتادة؛ لأنها ولاية يستفيد بها تمليك البضع، فجاز أن ~~يملك بها إزالته إذا لم يكن متهما، كالحاكم يملك الطلاق على الصغير ~~والمجنون بالإعسار. والقول الثاني: لا يملك ذلك. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ~~والشافعي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الطلاق لمن أخذ ~~بالساق» . ولأنه لا يملك البضع، فلا يملك الطلاق بنفسه، كوصي الأب والحاكم، ~~وكالسيد يزوج عبده الصغير، وبهذه الأصول يبطل دليل القول الأول. ### | [فصل ادعت امرأة المجنون عنته] # (5225) فصل: وإذا ادعت امرأة المجنون عنته، لم تضرب له مدة؛ لأنها لا ~~تثبت إلا بإقرار الزوج، ولا حكم لإقراره. وإن أقر بالعنة وهو صحيح، فضربت ~~له المدة ثم جن، وانقضت المدة، وطالبت المرأة بالفسخ، لم يفسخ؛ لأنها إن ~~كانت ثيبا ms3535 فالقول قوله، وإن كانت بكرا فادعى منعها إياه نفسها، أو أنه ~~وطئها فعادت عذرتها، فله استحلافها. فإذا كان لا يعبر عن نفسه، لم يستحلف، ~~ولا يثبت ما قالته، فلم يفسخ عليه. # PageV07P054 ### | [مسألة إذا زوج أمته بغير إذنها] # (5226) مسألة؛ قال: (وإذا زوج أمته بغير إذنها، فقد لزمها النكاح، كبيرة ~~كانت أو صغيرة) . لا نعلم في هذا خلافا؛ وذلك لأن منافعها مملوكة له، ~~والنكاح عقد على منفعتها، فأشبه عقد الإجارة، ولذلك ملك الاستمتاع بها، ~~وبهذا فارقت العبد، ولأنه ينتفع بتزويجها؛ لما حصل له من مهرها وولدها، ~~ويسقط عنه من نفقتها وكسوتها، بخلاف العبد. ### | [فصل المدبرة والمعلق عتقها بصفة وأم الولد كالأمة القن في إجبارها على النكاح] # (5227) فصل: والمدبرة، والمعلق عتقها بصفة، وأم الولد، كالأمة القن، في ~~إجبارها على النكاح. وقال مالك آخر أمره: ليس له تزويج أم ولده بغير إذنها. ~~وكرهه ربيعة وللشافعي فيه قولان؛ لأنه لا يملك التصرف في رقبتها، فكذلك لا ~~يملك تزويجها بغير إذنها، كأخته. ولنا، أنها مملوكته، يملك الاستمتاع بها ~~وإجارتها، فملك تزويجها، كالقن، ولأنها إحدى منفعتيها، فملك أخذ عوضها، ~~كسائر منافعها. وما ذكروه يبطل بابنته الصغيرة، لا يملك رقبتها، ويملك ~~تزويجها. وإذا ملك أخته من الرضاع، أو مجوسية، فله تزويجهما، وإن كانتا ~~محرمتين عليه؛ لأن منافعهما ملكه، وإنما حرمتا عليه لعارض. فأما التي بعضها ~~حر، فلا يملك سيدها إجبارها؛ لأنه لا يملك جميعها. ولا يملك إجبار ~~المكاتبة؛ لأنها بمنزلة الخارجة عن ملكه، ولذلك لا يملك وطأها ولا إجارتها، ~~ولا تلزمه نفقتها، ولا يصل إليه مهرها، فهي كالعبد. ### | [فصل طلبت الأمة من سيدها تزويجها] # (5228) فصل: فإن طلبت الأمة من سيدها تزويجها، فإن كان يطؤها، لم يجبر ~~على تزويجها؛ لأن عليه ضررا في تزويجها، ووطؤه لها يدفع حاجتها. فإن كان لا ~~يطؤها؛ لكونها محرمة عليه، كالمجوسية وأخته من الرضاع، أو محللة له لكن لا ~~يرغب في وطئها، أجبر على تزويجها أو وطئها إن كانت محللة له، وإزالة ملكه ~~عنها؛ لأنه وليها، فأجبر على تزويجها، كالحرة، ولأن حاجتها قد تشتد ms3536 إلى ~~ذلك، فأجبر على دفعها، كالإطعام والكسوة. وإذا امتنع أجبره الحاكم. وإن ~~طلبت منه من نصفها حر، أو المكاتبة، أو أم الولد، التزويج، أجبر عليه؛ لأنه ~~وليهن، فأجبر على تزويجهن، كالحرائر. ### | [فصل اشترى عبده المأذون أمة وركبته ديون] # (5229) فصل: وإذا اشترى عبده المأذون أمة، وركبته ديون، ملك سيده تزويجها ~~وبيعها وإعتاقها. نص عليه أحمد، # PageV07P055 # وذكره أبو بكر، وقال: وللسيد وطؤها. وقال الشافعي: ليس له شيء من ذلك؛ ~~لما فيه من الإضرار بالغرماء. وأصل الخلاف ينبني على دين المأذون له في ~~التجارة، فعندنا يلزم السيد، فلا يلحق الغرماء ضرر بتصرف السيد في الأمة، ~~فإن الدين ما تعلق بها، وعنده أن الدين يتعلق بالعبد وبما في يده، فيلحقهم ~~الضرر. والكلام على هذا يذكر في موضعه. ### | [فصل ليس للسيد إكراه أمته على التزويج بمعيب عيبا يرد به] # (5230) فصل: وليس للسيد إكراه أمته على التزويج بمعيب عيبا يرد به في ~~النكاح؛ لأنه يؤثر في الاستمتاع، وذلك حق لها، ولذلك ملكت الفسخ بالجب ~~والعنة والامتناع من العبد دون السيد. وفارق بيعها من معيب لأنه لا يراد ~~للاستمتاع، ولهذا ملك شراء الأمة المحرمة ولم تملك الأمة الفسخ لعيبه ولا ~~عنته ولا إيلائه وإن زوجها من معيب فهل يصح؟ على وجهين؛ فإن قلنا يصح. فلها ~~الفسخ. وإن كانت صغيرة فهل له الفسخ في الحال أو ينتظر بلوغها؟ على وجهين. ~~ومذهب الشافعي هكذا في هذا الفصل كله. ### | [زوج عبده وهو كاره] # (5231) قال: ومن زوج عبده وهو كاره لم يجز إلا أن يكون صغيرا الكلام في ~~هذه المسألة في فصلين: (5232) الفصل الأول: أن السيد لا يملك إجبار عبده ~~البالغ العاقل على النكاح وبهذا قال الشافعي في أحد قوليه، وقال مالك وأبو ~~حنيفة: له ذلك؛ لقول الله تعالى {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من ~~عبادكم} [النور: 32] ؛ ولأنه يملك رقبته فملك إجباره على النكاح كالأمة؛ ~~ولأنه يملك إجارته فأشبه الأمة، ولنا أنه مكلف يملك الطلاق، فلا يجبر على ~~النكاح كالحر؛ ولأن النكاح خالص حقه ونفعه له فأشبه الحر، والأمر بإنكاحه ~~مختص بحال ms3537 طلبه بدليل عطفه على الأيامى وإنما يزوجن عند الطلب. ومقتضى ~~الأمر الوجوب وإنما يجب تزويجه عند طلبه. # وأما الأمة فإنه يملك منافع بضعها والاستمتاع بها، بخلاف العبد. ويفارق ~~النكاح الإجارة؛ لأنها عقد على منافع بدنه، وهو يملك استيفاءها. . ### | [العبد الصغير الذي لم يبلغ للسيد تزويجه] # (5233) الفصل الثاني: في العبد الصغير الذي لم يبلغ، فللسيد تزويجه، في ~~قول أكثر أهل العلم، إلا أن بعض الشافعية قال: فيه قولان. وقال أبو الخطاب ~~يحتمل ألا يملك تزويجه. # PageV07P056 # ولنا أنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير، فعبده مع ملكه له وتمام ولايته عليه ~~أولى، وكذلك الحكم في عبده المجنون. . ### | [المهر والنفقة على السيد في زواج العبد] # (5234) فصل: والمهر والنفقة على السيد، سواء ضمنهما أو لم يضمنهما، وسواء ~~باشر العقد أو أذن لعبده فعقده، وسواء كان مأذونا له في التجارة أو محجورا ~~عليه. نص عليه أحمد وعنه ما يدل على أن ذلك يتعلق بكسبه، فإنه قال: نفقته ~~من ضريبته. وقال: إن كان بقيمة ضريبته أنفق عليها، ولا يعطي المولى، وإن لم ~~يكن عنده ما ينفق، يفرق بينهما. وهذا قول للشافعي. وفائدة الخلاف أن من ~~ألزم السيد المهر والنفقة أوجبهما عليه وإن لم يكن للعبد كسب، وليس للمرأة ~~الفسخ؛ لعدم كسب العبد، وللسيد استخدامه ومنعه من الاكتساب، ومن علقه بكسبه ~~فلم يكن له كسب، فللمرأة الفسخ، وليس للسيد منعه من الكسب. # ولنا أنه حق تعلق بالعبد برضا سيده، فتعلق بسيده، وجاز بيعه فيه، كما لو ~~رهنه بدين. فعلى هذا، لو باعه سيده، أو أعتقه، لم يسقط المهر عن السيد. نص ~~عليه؛ لأنه حق تعلق بذمته، فلم يسقط ببيعه وعتقه، كأرش جنايته. # فأما النفقة: فإنها تتجدد، فتكون في الزمن المستقبل على المشتري أو على ~~العبد إذا أعتق. ### | [تزوج السيد لعبده بإذنه] # (5235) فصل: ويجوز أن يتزوج السيد لعبده بإذنه. ويجوز أن يأذن للعبد ~~فيتزوج لنفسه؛ لأنه مكلف يصح طلاقه، فكان من أهل مباشرة النكاح كالحر. # ويجوز أن يأذن له مطلقا ومقيدا، فإن عين له امرأة أو نساء بلد أو ms3538 قبيلة ~~أو حرة، أو أمة، فتزوج غيرها، لم يصح؛ لأنه متصرف بالإذن فتقيد تصرفه بما ~~أذن له فيه كالوكيل. وإن أذن له مطلقا؛ فله أن يتزوج من شاء، لكن إن تزوج ~~امرأة من بلدة أخرى فلسيده منعه من الخروج إليها، وإن كانت في البلد، فعلى ~~سيده إرساله ليلا للاستمتاع. # وإن أحب سيده أن يسكنها في مسكن من داره، فله ذلك إذا كان مسكن مثلها، ~~ولا يلزمه إرساله نهارا؛ لأنه يحتاج إلى استخدامه، وليس النهار محلا ~~للاستمتاع. ولسيده المسافرة به، فإن حق امرأة العبد عليه لا يزيد على حق ~~امرأة الحر، والحر يملك المسافرة وإن كرهت امرأته، كذا ها هنا. ### | [للسيد أن يعين للعبد المهر وله أن يطلق] # (5236) فصل: وللسيد أن يعين له المهر، وله أن يطلق، فإن تزوج بما عينه أو ~~دونه، أو بمهر المثل عند الإطلاق أو دونه، لزم المسمى، وإن تزوج بأكثر من ~~ذلك لم يلزم السيد الزيادة. وهل تتعلق برقبة العبد أو بذمته # PageV07P057 # يتبع بها بعد العتق؟ على روايتين، بناء على استدانة العبد المحجور عليه. ~~وقد ذكر في باب المصراة. ### | [تزوج أمة ثم اشتراها بإذن سيده لسيده] # (5237) فصل: وإن تزوج أمة، ثم اشتراها بإذن سيده لسيده، لم يؤثر ذلك في ~~نكاحه، وإن اشتراها لنفسه، وقلنا: إن العبد لا يملك بالتمليك. فكذلك، وإن ~~قلنا: يملك بالتمليك. انفسخ نكاحه، كما لو اشترى الحر امرأته، وله وطؤها ~~بملك اليمين إذا أذن له السيد، فإن كان نصفه حرا، فاشتراها في ذمته، أو بما ~~يختص بملكه، انفسخ نكاحه؛ لأنه ملكها وحلت له بملك يمينه، وإن ملك بعضها، ~~انفسخ نكاحه، ولم تحل له؛ لأنه لا يملك جميعها. # وإن اشتراها بعين مال مشترك بينه وبين سيده بغير إذنه، وقلنا: لا تفرق ~~الصفقة. لم يصح البيع، والنكاح بحاله. وإن قلنا بتفريقها، صح في قدر ماله، ~~وانفسخ النكاح؛ لملكه بعضها. ### | [اشترت الحرة زوجها أو ملكته بهبة أو غيرها] # (5238) فصل: وإن اشترت الحرة زوجها، أو ملكته بهبة أو غيرها، انفسخ ~~النكاح؛ لأن ملك النكاح واليمين يتنافيان، لاستحالة ms3539 كون الشخص مالكا ~~لمالكه؛ ولأن المرأة تقول: أنفق علي؛ لأنني امرأتك، وأنا أسافر بك؛ لأنك ~~عبدي. ويقول هو: أنفقي علي؛ لأنني عبدك، وأنا أسافر بك؛ لأنك امرأتي. ~~فيتنافى ذلك، فيثبت أقواهما، وهو ملك اليمين، وينفسخ النكاح؛ لأنه أضعف، ~~ولها على سيده المهر إن كان بعد الدخول، وله عليها الثمن، فإن كانا دينين ~~من جنس تقاصا وتساقطا إن كانا متساويين، وإن تفاضلا سقط الأقل منهما بمثله، ~~وبقي الفاضل، وإن اختلف جنسهما لم يتساقطا، وعلى كل واحد منهما تسليم ما ~~عليه إلى صاحبه. # وقال الشافعي في أحد قوليه: يسقط مهرها؛ لأنه دين في ذمة العبد، فإذا ~~ملكته لم يجز أن يثبت لها دين في ذمة عبدها، كما لو أتلف لها مالا. وهذا ~~بناء منه على أن المهر يتعلق بذمة العبد، وقد بينا أنه يتعلق بذمة سيده، ~~فلا يؤثر ملك العبد في إسقاطه. وذكر القاضي فيه وجها: أنه يسقط؛ لأن ثبوت ~~الدين في ذمة السيد تبع لثبوته في ذمة العبد، فإذا سقط من ذمة العبد سقط من ~~ذمة السيد تبعا، كالدين الذي على الضامن إذا سقط من ذمة المضمون عنه # ولا يعرف هذا في المذهب، ولا أنه يثبت في الذمتين جميعا، إحداهما تبع ~~للأخرى، بل المذهب على أنه لا يسقط بعد الدخول بحال، فأما إن كان الشراء ~~قبل الدخول سقط نصفه، كما لو طلقها قبل دخوله بها. وفي سقوط باقيه وجهان ~~أحدهما: لا يسقط؛ لأن زوال الملك إنما هو بفعل البائع، فالفسخ إذا من جهته، ~~فلم يسقط جميع المهر كالخلع. # PageV07P058 # والثاني يسقط؛ لأن الفسخ إنما تم بشراء المرأة، فأشبه الفسخ بالعيب في ~~أحدهما، وفسخها لإعساره، وشراء الرجل امرأته. ### | [ابتاعت الحرة زوجها بصداقها] # (5239) فصل: فإن ابتاعته بصداقها، صح. نص عليه أحمد وذكره أبو بكر، ~~والقاضي، ويرجع عليها بنصفه إن قلنا: يسقط نصفه. أو بجميعه، إن قلنا: يسقط ~~جميعه. ويحتمل أن لا يصح البيع. وهو قول أصحاب الشافعي، لأن ثبوته يقتضي ~~نفيه، فإن صحة البيع؛ تقتضي فسخ النكاح وسقوط المهر، وسقوط المهر يقتضي ~~بطلان البيع؛ ms3540 لأنه عوضه ولا يصح بغير عوض. # ولنا أنه يجوز أن يكون ثمنا لغير هذا العبد، فجاز أن يكون ثمنا له، كغيره ~~من الديون، وما سقط منه رجع عليها به. ### | [إذا زوج الوليان فالنكاح للأول منهما] # (5240) قال: فإذا زوج الوليان فالنكاح للأول منهما وجملة ذلك أنه إذا كان ~~للمرأة وليان فأذنت لكل واحد منهما في تزويجها، جاز، سواء أذنت في رجل معين ~~أو مطلقا، فقالت: قد أذنت لكل واحد من أوليائي في تزويجي من أراد. فإذا ~~زوجها الوليان لرجلين، وعلم السابق منهما، فالنكاح له، دخل بها الثاني أو ~~لم يدخل. وهذا قول الحسن، والزهري، وقتادة، وابن سيرين، والأوزاعي، ~~والثوري، والشافعي، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي. وبه قال عطاء، ومالك، ما لم ~~يدخل بها الثاني، فإن دخل بها الثاني صار أولى. # لقول عمر إذا أنكح الوليان فالأول أحق، ما لم يدخل بها الثاني. # ولأن الثاني اتصل بعقده القبض، فكان أحق. ولنا، ما روى سمرة، وعقبة، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيما امرأة زوجها وليان، فهي ~~للأول.» أخرج حديث سمرة أبو داود، والترمذي، وأخرجه النسائي عنه وعن عقبة ~~وروي نحو ذلك عن علي، وشريح # ولأن الثاني تزوج امرأة في عصمة زوج، فكان باطلا، كما لو علم أن لها ~~زوجا؛ ولأنه نكاح باطل لو عري عن الدخول، فكان باطلا وإن دخل، كنكاح ~~المعتدة والمرتدة، وكما لو علم. فأما حديث عمر - رضي الله عنه - فلم يصححه ~~أصحاب الحديث، وقد خالفه قول علي - رضي الله عنه - وجاء على خلاف حديث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وما ذكروه من القبض لا معنى له، فإن النكاح ~~يصح بغير قبض، على أنه لا أصل له فيقاس عليه، ثم يبطل بسائر الأنكحة ~~الفاسدة. . # PageV07P059 ### | [استوى الأولياء في الدرجة في النكاح] # (5241) فصل: إذا استوى الأولياء في الدرجة، كالإخوة وبنيهم، والأعمام ~~وبنيهم، فالأولى تقديم أكبرهم وأفضلهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما تقدم إليه محيصة وحويصة وعبد الرحمن بن سهل، فتكلم عبد الرحمن بن سهل، ~~وكان أصغرهم، فقال النبي: - صلى ms3541 الله عليه وسلم - كبر كبر. أي قدم الأكبر، ~~قدم الأكبر، فتكلم حويصة. وإن تشاحوا ولم يقدموا الأكبر، أقرع بينهم؛ لأن ~~حقهم استوى في القرابة، وقد «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد ~~سفرا أقرع بين نسائه» لتساوي حقوقهن. # كذا ها هنا. فإن بدر واحد منهم فزوج كفؤا بإذن المرأة، صح، وإن كان هو ~~الأصغر المفضول الذي وقعت القرعة لغيره؛ لأنه تزويج صدر من ولي كامل ~~الولاية، بإذن موليته، فصح، كما لو انفرد. وإنما القرعة لإزالة المشاحة. ### | [إن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج] # (5242) قال: فإن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج، فرق بينهما، ~~وكان لها عليه مهر مثلها، ولم يصبها زوجها حتى تحيض ثلاث حيض بعد آخر وقت ~~وطئها الثاني. أما إذا علم الحال قبل وطء الثاني لها، فإنها تدفع إلى ~~الأول، ولا شيء على الثاني؛ لأن عقده عقد فاسد لا يوجب شيئا. وإن وطئها ~~الثاني، وهو لا يعلم، فهو وطء بشبهة يجب لها به مهر المثل، وترد إلى الأول، ~~ولا يحل له وطؤها حتى تنقضي عدتها بثلاث حيض، إن كانت من ذوات الأقراء ولم ~~تحمل. نص عليه أحمد وهو قول قتادة، والشافعي، وابن المنذر وقال أحمد - رحمه ~~الله -: لها صداق بالمسيس، وصداق من هذا. ولا يرد الصداق الذي يؤخذ من ~~الداخل بها على الذي دفعت إليه؛ وذلك لأن الصداق في مقابلة الاستمتاع بها، ~~فكان لها دون زوجها، كما لو وطئت بشبهة أو مكرهة. ولا يحتاج هذا النكاح ~~الثاني إلى فسخ؛ لأنه باطل. ولا يجب لها المهر إلا بالوطء، دون مجرد الدخول ~~والوطء دون الفرج؛ لأنه نكاح باطل لا حكم له. ويجب مهر المثل؛ لأنه يجب ~~بالإصابة لا بالتسمية. وذكر أبو بكر أن الواجب المسمى. # قال القاضي: هو قياس المذهب. والأول هو الصحيح؛ لما قلناه، والله أعلم. ### | [إن جهل الأول من النكاحين فسخا] # (5243) قال: فإن جهل الأول منهما، فسخ النكاحان # PageV07P060 # وجملة ذلك أنه إذا جهل الأول منهما، فلا فرق بين أن لا يعلم ms3542 كيفية ~~وقوعهما، أو يعلم أن أحدهما قبل الآخر لا بعينه، أو يعلم بعينه ثم يشك، ~~فالحكم في جميعها واحد، وهو أن يفسخ الحاكم النكاحين جميعا. نص عليه أحمد ~~في رواية الجماعة، ثم تتزوج من شاءت منهما أو من غيرهما. وهذا قول أبي ~~حنيفة، ومالك وعن أحمد رواية أخرى، أنه يقرع بينهما، فمن تقع له القرعة أمر ~~صاحبه بالطلاق. # ثم يجدد القارع نكاحه، فإن كانت زوجته، لم يضره تجديد النكاح شيئا، وإن ~~كانت زوجة الآخر، بانت منه بطلاقه، وصارت زوجة هذا بعقده الثاني؛ لأن ~~القرعة تدخل بتميز الحقوق عند التساوي، كالسفر بإحدى نسائه، والبداءة ~~بالمبيت عند إحداهن، وتعيين الأنصباء في القسمة. # وقال الثوري وأبو ثور: يجبرهما السلطان على أن يطلق كل واحد منهما طلقة، ~~فإن أبيا فرق بينهما. وهذا قريب من قولنا الأول؛ لأنه تعذر إمضاء العقد ~~الصحيح، فوجب إزالة الضرر بالتفريق. وقال الشافعي، وابن المنذر: النكاح ~~مفسوخ؛ لأنه تعذر إمضاؤه # وهذا لا يصح، فإن العقد الصحيح لا يبطل بمجرد إشكاله، كما لو اختلف ~~المتبايعان في قدر الثمن، فإن العقد لا يزول إلا بفسخه، كذا هاهنا. وقد روي ~~عن شريح، وعمر بن عبد العزيز، وحماد بن أبي سليمان: أنها تخير، فأيهما ~~اختارته فهو زوجها. وهذا غير صحيح، فإن أحدهما ليس بزوج لها، فلم تخير ~~بينهما، كما لو لم يعقد إلا أحدهما، أو كما لو أشكل على الرجل امرأته في ~~النساء، أو على المرأة زوجها، إلا أن يريدوا بقولهم أنها إذا اختارت ~~أحدهما، فرق بينها وبين الآخر، ثم عقد المختار نكاحها # فهذا حسن، فإنه يستغنى بالتفريق بينها وبين أحدهما، عن التفريق بينها ~~وبينهما جميعا، وبفسخ أحد النكاحين عن فسخهما. فإن أبت أن تختار، لم تجبر. ~~وكذلك ينبغي أنه إذا أقرع بينهما، فوقعت القرعة لأحدهما، لم تجبر على ~~نكاحه؛ لأنه لا يعلم أنه زوجها، فيتعين إذا فسخ النكاحين، ولها أن تتزوج من ~~شاءت منهما أو من غيرهما في الحال، إن كان قبل الدخول، وإن كان أحدهما دخل ~~بها، لم تنكح حتى تنقضي عدتها ms3543 من وطئه. ### | [ادعى كل واحد منهما أنني السابق بالعقد في النكاح ولا بينة لهما] # (5244) فصل: فإن ادعى كل واحد منهما أنني السابق بالعقد، ولا بينة لهما، ~~لم يقبل قولهما. وإن أقرت المرأة لأحدهما، لم يقبل إقرارها. نص عليه أحمد ~~وقال أصحاب الشافعي: يقبل: كما لو أقرت ابتداء. ولنا أن الخصم في ذلك هو ~~الزوج الآخر، فلم يقبل إقرارها في إبطال حقه، كما لو أقرت عليه بطلاق. وإن ~~ادعى الزوجان على المرأة أنها تعلم السابق منهما، فأنكرت، لم تستحلف لذلك. ~~وقال أصحاب الشافعي: تستحلف، بناء منهم على أن إقرارها مقبول. # فإن فرق بينها وبين أحدهما، لاختيارها لصاحبه، # PageV07P061 # أو لوقوع القرعة له، وأقرت له أن عقده سابق، فينبغي أن يقبل إقرارها؛ ~~لأنهما اتفقا على ذلك من غير خصم منازع، فأشبه ما لو لم يكن صاحب عقد آخر. ### | [إن علم أن عقدي النكاح وقعا معا لم يسبق أحدهما الآخر] # (5245) فصل: وإن علم أن العقدين وقعا معا، لم يسبق أحدهما الآخر، فهما ~~باطلان لا حاجة إلى فسخهما؛ لأنهما باطلان من أصلهما، ولا مهر لها على واحد ~~منهما، ولا ميراث لها منهما، ولا يرثها واحد منهما لذلك، وإن لم يعلم ذلك ~~فسخ نكاحهما، فروي عن أحمد أنه يجب لها نصف المهر، ويقترعان عليه؛ لأن عقد ~~أحدهما صحيح، وقد انفسخ نكاحه قبل الدخول، فوجب عليه نصف مهرها، كما لو ~~خالعها. وقال أبو بكر: لا مهر لها؛ لأنهما مجبران على الطلاق، فلم يلزمهما ~~مهر، كما لو فسخ الحاكم نكاح رجل لعسره أو عنته. # وإن ماتت قبل الفسخ والطلاق فلأحدهما نصف ميراثها، فيوقف الأمر حتى ~~يصطلحا عليه. ويحتمل أن يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، حلف أنه المستحق ~~وورث. وإن مات الزوجان، فلها ربع ميراث أحدهما. فإن كانت قد أقرت أن أحدهما ~~سابق بالعقد، فلا ميراث لها من الآخر، وهي تدعي ربع ميراث من أقرت له. فإن ~~كان قد ادعى ذلك أيضا دفع إليها ربع ميراثه، وإن لم يكن ادعى ذلك وأنكر ~~الورثة، فالقول قولهم مع أيمانهم، فإن ms3544 نكلوا قضي عليهم. وإن لم تكن المرأة ~~أقرت بسبق أحدهما، احتمل أن يحلف ورثة كل واحد منهما ويبرأ، واحتمل أن يقرع ~~بينهما، فمن خرجت قرعته فلها ربع ميراثه. # وقد روى حنبل عن أحمد، في رجل له ثلاث بنات، زوج إحداهن من رجل، ثم مات ~~الأب، ولم يعلم أيتهن زوج؟ يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة فهي زوجته، ~~وإن مات الزوج فهي التي ترثه. والله أعلم. ### | [ادعى كل واحد منهما أنه السابق في النكاح فأقرت لأحدهما ثم فرق بينهما] # . (5246) فصل: وإن ادعى كل واحد منهما أنه السابق فأقرت لأحدهما، ثم فرق ~~بينهما، وقلنا بوجوب المهر، وجب على المقر له دون صاحبه؛ لإقراره لها به، ~~وإقرارها ببراءة صاحبه. وإن ماتا، ورثت المقر له دون صاحبه؛ لذلك. وإن ماتت ~~هي قبلهما، احتمل أن يرثها المقر له كما ترثه، واحتمل أن لا يقبل إقرارها ~~له، كما لم تقبله في نفسها. وإن لم تقر لأحدهما إلا بعد موته، فهو كما لو ~~أقرت في حياته. وليس لورثة واحد منهما الإنكار لاستحقاقها؛ لأن موروثه قد ~~أقر لها بدعواه صحة نكاحها وسبقه بالعقد عليها. # وإن لم تقر لواحد منهما، أقرع بينهما، وكان لها ميراث من تقع عليه ~~القرعة. وإن كان أحدهما قد أصابها، فإن كان هو المقر له، أو كانت لم تقر ~~لواحد منهما، فلها المسمى؛ لأنه مقر لها به، وهي لا تدعي سواه، وإن كانت ~~مقرة للآخر، فهي تدعي مهر المثل، وهو يقر لها بالمسمى. فإن استويا أو ~~اصطلحا، فلا كلام، # PageV07P062 # وإن كان مهر المثل أكثر، حلف على الزائد، وسقط. وإن كان المسمى أكثر، فهو ~~مقر لها بالزيادة، وهي تنكرها، فلا تستحقها. والله أعلم. ### | [ادعى زوجية امرأة ابتداء فأقرت له بذلك] # (5247) فصل: وإن ادعى زوجية امرأة ابتداء، فأقرت له بذلك، ثبت النكاح ~~وتوارثا. وقال أبو الخطاب في ذلك روايتان، والصحيح أنه مقبول؛ لأنها رشيدة ~~أقرت بعقد، يلزمها حكمه، فقبل إقرارها، كما لو أقرت أن وليها باع أمتها قبل ~~بلوغها، فأنكر أبوها تزويجها، لم يقبل إنكاره؛ لأن الحق على ms3545 غيره وقد أقر ~~به. وكذلك لو ادعى أنه تزوج امرأة بولي وشاهدين عينهما، فأقرت المرأة بذلك، ~~وأنكر الشاهدان، لم يلتفت إلى إنكارهما؛ لأن الشهادة إنما يحتاج إليها مع ~~الإنكار. # ويحتمل أن لا يقبل إقرارها مع إنكار أبيها؛ لأن تزويجها إليه دونها. فإن ~~ادعى نكاحها، فلم تصدقه حتى ماتت، لم يرثها. وإن مات قبلها، فاعترفت بما ~~قال، ورثته؛ لكمال الإقرار منهما بتصديقها. وكذلك لو أقرت المرأة دونه، ~~فمات قبل أن يصدقها، لم ترثه. وإن ماتت فصدقها، ورثها؛ لما ذكرنا. ### | [تزوج العبد بغير إذن سيده] # (5248) قال: وإذا تزوج العبد بغير إذن سيده، فنكاحه باطل أجمع أهل العلم ~~على أنه ليس للعبد أن ينكح بغير إذن سيده، فإن نكح لم ينعقد نكاحه، في ~~قولهم جميعا. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن نكاحه باطل. والصواب ما قلنا ~~- إن شاء الله -، فإنهم اختلفوا في صحته، فعن أحمد في ذلك روايتان؛ ~~أظهرهما: أنه باطل. وهو قول عثمان، وابن عمر وبه قال شريح وهو مذهب ~~الشافعي. # وعن أحمد، أنه موقوف على إجازة السيد، فإن أجازه جاز، وإن رده بطل. وهو ~~قول أصحاب الرأي؛ لأنه عقد يقف على الفسخ، فوقف على الإجازة، كالوصية. ~~ولنا، ما روى جابر، قال: قال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - «أيما عبد ~~تزوج بغير إذن مواليه، فهو عاهر.» رواه الأثرم، وأبو داود، وابن ماجه. وروى ~~الخلال، بإسناده عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول ~~الله: - صلى الله عليه وسلم - «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه، فهو زان.» ~~قال حنبل: ذكرت هذا الحديث لأبي عبد الله، فقال: هذا حديث منكر. ورواه أيضا ~~عن ابن عمر موقوفا عليه من قوله: # ولأنه نكاح فقد شرطه، فلم يصح كما لو تزوجها بغير شهود. # PageV07P063 ### | [زواج العبد بغير إذن سيده] # (5249) ؛ قال: فإن دخل بها، فعلى سيده خمسا المهر. كما قال عثمان - رضي ~~الله عنه - إلا أن يجاوز الخمسان قيمته، فلا يلزم سيده أكثر من قيمته، أو ~~يسلمه. في هذه المسألة خمسة فصول: (5250) الفصل الأول: ms3546 في وجوب المهر، وله ~~حالان أحدهما: أن لا يدخل بها، فلا مهر لها؛ لأنه عقد باطل، فلا نوجب ~~بمجرده شيئا، كالبيع الباطل. # وهكذا سائر الأنكحة الفاسدة، لا نوجب بمجردها شيئا. # الحال الثاني: أن يصيبها، فالصحيح في المذهب أن المهر يجب. رواه عنه ~~جماعة. وروى عنه حنبل أنه لا مهر لها إذا تزوج العبد بغير إذن سيده. وهذا ~~يمكن حمله على ما قبل الدخول، فيكون موافقا لرواية الجماعة، ويمكن حمله على ~~عمومه في عدم الصداق. وهو قول ابن عمر # رواه الأثرم، عن نافع قال: كان إذا تزوج مملوك لابن عمر بغير إذنه، جلده ~~الحد، وقال للمرأة: إنك أبحت فرجك. وأبطل صداقها. ووجهه أنه وطئ امرأة ~~مطاوعة في غير نكاح صحيح، فلم يجب به مهر، كالمطاوعة على الزنا. قال ~~القاضي: هذا إذا كانا عالمين بالتحريم، فأما إن جهلت المرأة ذلك، فلها ~~المهر؛ لأنه لا ينقص عن وطء الشبهة، ويمكن حمل هذه الرواية على أنه لا مهر ~~لها في الحال، بل يجب في ذمة العبد يتبع به بعد العتق. وهو قول الشافعي ~~الجديد؛ لأن هذا حق لزمه برضا من له الحق، فكان محله الذمة، كالدين # والصحيح أن المهر واجب؛ لقوله: - عليه السلام - «أيما امرأة نكحت نفسها ~~بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها.» ~~وهذا قد استحل فرجها، فيكون مهرها عليه؛ ولأنه استوفى منافع البضع باسم ~~النكاح، فكان المهر واجبا، كسائر الأنكحة الفاسدة. ### | [فصل المهر يتعلق برقبته يباع فيه إلا أن يفديه السيد] # (5251) الفصل الثاني: أن المهر يتعلق برقبته، يباع فيه إلا بفدية السيد. ~~وقد ذكرنا احتمالا آخر: أنه يتعلق بذمة العبد. والأول أظهر؛ إلا أن الوطء ~~أجري مجرى الجناية الموجبة للضمان بغير إذن المولى، ولذلك وجب المهر هاهنا، ~~وفي سائر الأنكحة الفاسدة، ولو لم تجر مجراها ما وجب شيء؛ لأنه برضا ~~المستحق والله أعلم. ### | [فصل الواجب من مهر العبد خمساه] # (5252) الفصل الثالث: أن الواجب من المهر خمساه. وهو قول عثمان بن عفان - ~~رضي الله عنه - وعمل به ms3547 أبو موسى. وعن # PageV07P064 # أحمد أنها إن علمت أنه عبد، فلها خمسا المهر، وإذا لم تعلم فلها المهر في ~~رقبة العبد. وعنه أن الواجب مهر المثل. وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنه وطء ~~يوجب المهر، فأوجب مهر المثل بكماله، كالوطء في النكاح بلا ولي، وفي سائر ~~الأنكحة الفاسدة. ووجه الأولى ما روى الإمام أحمد، بإسناده عن خلاس، أن ~~غلاما لأبي موسى تزوج بمولاة تيجان التيمي، بغير إذن أبي موسى، فكتب في ذلك ~~إلى عثمان، فكتب إليه عثمان، أن فرق بينهما، وخذ لها الخمسين من صداقها. ~~وكان صداقها خمسة أبعرة. # ولأن المهر أحد موجبي الوطء، فجاز أن ينقص العبد فيه عن الحر كالحد فيه؛ ~~أو أحد العوضين في النكاح، فينقص العبد، كعدد المنكوحات. # الفصل الرابع: أنه يجب خمسا المسمى؛ لأنه صار فيه إلى قصة عثمان - رضي ~~الله عنه - وظاهرها أنه أوجب خمسي المسمى، ولهذا قال: وكان صداقها خمسة ~~أبعرة. ولأنه لو اعتبر مهر المثل أوجب جميعه، كسائر قيم المتلفات، ولأوجب ~~القيمة، وهي الأثمان دون الأبعرة # ويحتمل أنه يجب خمسا مهر المثل؛ لأنه عوض عن جناية، فكان المرجع فيه إلى ~~قيمة المحل، كسائر أروش الجنايات، وقيمة المحل مهر المثل. ### | [فصل الواجب من مهر العبد إن كان زائدا على قيمة العبد لم تلزم السيد الزيادة] # (5254) الفصل الخامس: أن الواجب إن كان زائدا على قيمة العبد، لم تلزم ~~السيد الزيادة؛ لأن الواجب عليه ما يقابل قيمة العبد؛ بدليل أنه لو سلم ~~العبد لم يلزمه شيء، فإذا أعطى القيمة فقد أعطى ما يقابل الرقبة، فلم تلزمه ~~زيادة عليه. وإن كان الواجب أقل من قيمة العبد، لم يلزمه أكثر من ذلك؛ لأنه ~~أرش الجناية، فلا يجب عليه أكثر منها، والخيرة في تسليم العبد وفدائه إلى ~~السيد. وهذا قد ذكرناه في غير هذا الموضع بأبين من هذا. ### | [فصل أذن السيد لعبده في تزويجه فنكح غير ذلك] # (5255) فصل: إذا أذن السيد لعبده في تزويجه بمعينة، أو من بلد معين، أو ~~من جنس معين، فنكح غير ذلك، فنكاحه فاسد، والحكم فيه ms3548 كما ذكرنا. وإن أذن له ~~في تزويج صحيح، فنكح نكاحا فاسدا فكذلك؛ لأنه غير مأذون له فيه. وإن أذن له ~~في النكاح، وأطلق، فنكح نكاحا فاسدا، احتمل أن يكون كذلك؛ لأن الإذن في ~~النكاح لا يتناول الفاسد، واحتمل أن يتناوله إذنه؛ لأن اللفظ بإطلاقه ~~يتناوله. وإن أذن له في نكاح فاسد، وحصلت الإصابة فيه، فعلى سيده جميع ~~المهر؛ لأنه بإذنه والله أعلم. ### | [مسألة تزوج الأمة على أنها حرة فأصابها وولدت منه] ### | [فصل النكاح لا يفسد بالغرور] # (5256) ؛ قال: وإذا تزوج الأمة على أنها حرة، فأصابها، وولدت منه، فالولد ~~حر، وعليه أن يفديهم، والمهر # PageV07P065 # المسمى، ويرجع به على من غره، ويفرق بينهما إن لم يكن ممن يجوز له أن ~~ينكح الإماء، وإن كان ممن يجوز له أن ينكح، فرضي بالمقام، فما ولدت بعد ~~الرضى فهو رقيق، في هذه المسألة ستة فصول: (5257) الفصل الأول: أن النكاح ~~لا يفسد بالغرور. وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه: يفسد؛ لأنه ~~عقد على حرة، ولم يوجد، فأشبه ما لو قال: بعتك هذا الفرس. # فإذا هو حمار. ولنا أن المعقود عليه في النكاح الشخص دون الصفات، فلا ~~يؤثر عدمها في صحته، كما لو قال: زوجتك هذه البيضاء. فإذا هي سوداء. أو هذه ~~الحسناء. فإذا هي شوهاء. وكذا يقول في الأصل الذي ذكره: إن العقد الذي ~~ذكروه صحيح؛ لأن المعقود عليه العين المشار إليها. وإن سلمناه، فالفرق ~~بينهما من وجهين: أحدهما: أن ثم فاتت الذات، فإن ذات الفرس غير ذات الحمار، ~~وهاهنا اختلفا في الصفات. # والثاني: أن البيع يؤثر فيه فوات الصفات، بدليل أنه يرد بفوات أي شيء كان ~~فيه نفع منها، والنكاح بخلافه. ### | [فصل أولاد العبد من الحرة التي ظن أنها أمة أحرار] # (5258) الفصل الثاني: أن أولاده منها أحرار. بغير خلاف نعلمه؛ لأنه اعتقد ~~حريتها. فكان أولاده أحرارا؛ لاعتقاده ما يقتضي حريتهم، كما لو اشترى أمة ~~يعتقدها ملكا لبائعها، فبانت مغصوبة بعد أن أولدها. ### | [فصل على الزوج فداء أولاده من الحرة التي ظن أنها أمة] ms3549 # (5259) الفصل الثالث: أن على الزوج فداء أولاده. كذلك قضى عمر وعلي، وابن ~~عباس - رضي الله عنهم - وهو قول مالك، والثوري والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب ~~الرأي. وعن أحمد، رواية أخرى، ليس عليه فداؤهم؛ لأن الولد ينعقد حر الأصل، ~~فلم يضمنه لسيد الأمة؛ لأنه لم يملكه. وعنه أنه يقال له: افد أولادك، وإلا ~~فهم يتبعون أمهم. # فظاهر هذا أنه خيره بين فدائهم وبين تركهم رقيقا؛ لأنهم رقيق بحكم الأصل، ~~فلم يلزمه فداؤهم، كما لو وطئها وهو يعلم رقها. # وقال الخلال: اتفق عن أبي عبد الله أنه يفدي ولده. وقال إسحاق عنه في ~~موضع: إن الولد له، وليس عليه أن يفديهم. وأحسبه قولا أول لأبي عبد الله ~~والصحيح أن عليه فداءهم؛ لقضاء الصحابة - صلوات الله عليهم أجمعين - به، ~~ولأنه نماء الأمة المملوكة، فسبيله أن يكون مملوكا لمالكها. وقد فوت رقه ~~باعتقاد الحرية، فلزمه ضمانهم، كما لو فوت رقهم بفعله. # وفي فدائهم ثلاث مسائل: (5260) المسألة الأولى في وقته، وذلك حين وضع ~~الولد. قضى بذلك عمر، وعلي، وابن عباس، - رضي الله عنهم - وهو قول الشافعي # PageV07P066 # وقال أبو ثور والثوري، وأصحاب الرأي: يضمنهم بقيمتهم يوم الخصومة؛ لأنه ~~إنما يضمنهم بالمنع، ولم يمنعهم إلا حال الخصومة. ولنا أنه محكوم بحريته ~~عند الوضع، فوجب أن يضمنه؛ لأنه فات رقه من حينئذ؛ ولأن القيمة التي تزيد ~~بعد الوضع، لم تكن مملوكة لمالك الأمة، فلم يضمنها، كما بعد الخصومة. # فإن قيل: فقد كان محكوما بحريته، وهو جنين. قلنا: إلا أنه لم يمكن تضمينه ~~حينئذ، لعدم قيمته والاطلاع عليه، فأوجبنا ضمانه في أول حال يمكن تضمينه، ~~وهو حال الوضع. # (5261) في صفة الفداء، وفيها ثلاث روايات؛ إحداهن بقيمتهم. وهو قول أكثر ~~الفقهاء؛ لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «من أعتق شقصا من عبد، قوم ~~عليه نصيب شريكه.» ولأن الحيوان من المتقومات، لا من ذوات الأمثال، فيجب ~~ضمانه بقيمته، كما لو أتلفه. والثانية: يضمنهم بمثلهم عبيدا، الذكر بذكر، ~~والأنثى بأنثى؛ لما روى سعيد بن المسيب، قال: أبقت جارية لرجل من العرب، ~~وانتمت إلى ms3550 بعض العرب، فتزوجها رجل من بني عذرة، ثم إن سيدها دب، فاستاقها ~~واستاق ولدها، فاختصموا إلى عمر - رضي الله عنه - فقضى للعذري بفداء ولده ~~بغرة، غرة مكان كل غلام، ومكان كل جارية بجارية، وكان عمر يقوم الغرة على ~~أهل القرى ومن لم يجد غرة ستين دينارا. # ولأن ولد المغرور حر، فلا يضمن بقيمته كسائر الأحرار. فعلى هذه الرواية ~~ينبغي أن ينظر إلى مثلهم في الصفات تقريبا؛ لأن الحيوان ليس من ذوات ~~الأمثال # ويحتمل أن يجب مثلهم في القيمة. وهو قول أبي بكر. والثالثة: هو مخير بين ~~فدائهم بمثلهم أو قيمتهم. قال أحمد، في رواية الميموني: إما القيمة أو رأس ~~برأس؛ # PageV07P067 # لأنهما جميعا يرويان عن عمر، ولكن لا أدري أي الإسنادين أقوى. # وهذا اختيار أبي بكر، وقال في المقنع: الفدية غرة بغرة بقدر القيمة أو ~~القيمة، وأيهما أعطى أجزأه. ووجه ذلك أنه تردد بين الجنين الذي يضمن بغرة، ~~وبين إلحاقه بغيره من المضمونات، فاقتضى التخيير بينهما. # والصحيح أنه يضمن بالقيمة، كسائر المضمونات المتقومات. وقول عمر قد اختلف ~~عنه فيه، قال أحمد في رواية أبي طالب: وعليه قيمتهم مثل قول عمر وإذا ~~تعارضت الروايات عنه، وجب الرجوع إلى القياس. (5262) المسألة الثالثة: في ~~من يضمن منهم، وهو من ولد حيا لوقت يعيش لمثله، سواء عاش أو مات بعد ذلك ~~وقال مالك، والثوري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: لا ضمان على الأب لمن مات ~~منهم قبل الخصومة. وهذا مبني على وقت الضمان، وقد ذكرناه # فأما السقط، ومن ولد لوقت لا يعيش لمثله، وهو دون ستة أشهر، فلا ضمان؛ ~~لأنه لا قيمة له. (5263) ### | [فصل كان ممن يجوز له نكاح الإماء وقد نكحها نكاحا صحيحا] # الفصل الرابع: في المهر، ولا يخلو أن يكون ممن يجوز له نكاح الإماء أو ~~لا؛ فإن كان ممن يجوز له نكاح الإماء، وقد نكحها نكاحا صحيحا، فلها المسمى، ~~وإن لم يدخل بها واختار الفسخ، فلا مهر لها؛ لأن الفسخ تعذر من جهتها، فهي ~~كالمعيبة يفسخ نكاحها. وإن كان ممن لا يجوز له ms3551 نكاح الإماء، فالعقد فاسد من ~~أصله، ولا مهر فيه قبل الدخول. فإن دخل بها، فعليه مهرها. وهل يجب المسمى ~~أو مهر المثل؟ على روايتين، ذكرناهما فيما مضى. وكذلك إن كان ممن يجوز له ~~نكاح الإماء، لكن تزوجها بغير إذن سيدها، أو نحو ذلك مما يفسد به النكاح. ### | [فصل يرجع بما غرمه على من غره في المهر وقيمة الأولاد] # (5264) الفصل الخامس: أنه يرجع بما غرمه على من غره، في المهر وقيمة ~~الأولاد. وهذا اختاره الخرقي، ورواية عن أحمد قال ابن المنذر كذلك قضى عمر، ~~وعلي، وابن عباس وبه قال الشافعي في القديم. والرواية الأخرى: لا يرجع ~~بالمهر. وهو اختيار أبي بكر قال: وهو قول علي وبه قال الثوري، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد؛ لأنه وجب عليه في مقابلة نفع وصل إليه ~~وهو الوطء، فلم يرجع به، كما لو اشترى مغصوبا فأكله، بخلاف قيمة الولد، ~~فإنها لم تحصل في مقابلة عوض؛ لأنها وجبت بحرية الولد، وحرية الولد للولد ~~لا لأبيه. # قال القاضي: والمذهب أنه يرجع بالمهر؛ لأن أحمد قال: كنت أذهب إلى حديث ~~علي، ثم كأني هبته، وكأنى أميل إلى حديث عمر يعني في الرجوع. ولأن العاقد ~~ضمن له سلامة الوطء، كما ضمن له سلامة الولد، # PageV07P068 # فكما يرجع عليه بقيمة الولد كذلك يرجع بالمهر. قال: وعلى هذا الأصل يرجع ~~بأجرة الخدمة إذا غرمها، كما يرجع بالمهر، ولا أعرف عن أصحابنا بينهما فرقا # إذا ثبت هذا، فإن كان الغرور من السيد فقال: هي حرة. عتقت. وإن كان بلفظ ~~غير هذا، لم تثبت به الحرية، فلا شيء له؛ لأنه لا فائدة في أن يجب له ما ~~يرجع به عليه. وإن كان الغرور من وكيله، رجع عليه في الحال. وإن كان من ~~أجنبي، رجع عليه أيضا. وإن كان منها، فليس لها في الحال مال، فيتخرج فيها ~~وجهان بناء على دين العبد بغير إذن سيده، هل يتعلق برقبته أو بذمته يتبع به ~~بعد العتق؟ قال القاضي: قياس قول الخرقي أنه يتعلق بذمتها؛ لأنه قال ms3552 في ~~الأمة إذا خالعت زوجها بغير إذن سيدها: يتبعها به إذا عتقت # كذا هاهنا، ويتبعها بجميعه. # وظاهر كلام أحمد، أن الغرور إذا كان من الأمة، لم يرجع على أحد، فإنه ~~قال: إذا جاءت الأمة فقالت: إني حرة. فولت أمرها رجلا، فزوجها من رجل، ثم ~~ظهر عليها مولاها، قال: فكاك ولده على الأب؛ لأنه لم يغره أحد. وأما إذا ~~غره رجل، فزوجها على أنها حرة، فالفداء على من غره. يروى هذا عن علي، ~~وإبراهيم وحماد وكذلك قال الشعبي وإن قلنا: يتعلق برقبتها. فالسيد مخير بين ~~فدائها بقيمتها إن كانت أقل مما يرجع به عليها، أو يسلمها، فإن اختار ~~فداءها بقيمتها، سقط قدر ذلك عن الزوج، فإنه لا فائدة في أن نوجبه عليه ثم ~~نرده إليه. وإن اختار تسليمها، سلمها، وأخذ ما وجب له. وذكر القاضي أن ~~الغرور الموجب للرجوع أن يكون اشتراط الحرية مقارنا للعقد، فيقول: زوجتكها ~~على أنها حرة. فإن لم تكن كذلك، لم تملك الفسخ. وهذا مذهب الشافعي # والصحيح خلاف هذا، فإن الصحابة الذين قضوا بالرجوع لم يفرقوا بين أنواع ~~الغرور، ولم يستفصلوا، والظاهر أن العقد لم يقع هكذا، ولم تجر العادة به في ~~العقود، فلا يجوز حمل قضائهم المطلق على صورة نادرة لم تنقل؛ ولأن الغرور ~~قد يكون من المرأة، ولا لفظ لها في العقد؛ ولأنه متى أخبره بحريتها، أو ~~أوهمه ذلك بقرائن تغلب على ظنه حريتها، فنكحها على ذلك، ورغب فيها بناء ~~عليه، وأصدقها صداق الحرائر، ثم لزمه الغرم، فقد استضر بناء على قول المخبر ~~له والغار، فتجب إزالة الضرر عنه، بإثبات الرجوع على من غره وأضر به # فعلى هذا إن كان الغرور من اثنين أو أكثر، فالرجوع على جميعهم، وإن كان ~~الغرر منها ومن الوكيل، فعلى كل واحد منهما نصفه. والله أعلم. ### | [فصل كان ممن يحرم عليه نكاح الإماء] # (5265) الفصل السادس: أن الزوج إن كان ممن يحرم عليه نكاح الإماء، وهو من ~~يجد الطول، أو لا يخشى العنت، # PageV07P069 # فإنه يفرق بينهما؛ لأننا بينا أن النكاح فاسد ms3553 من أصله؛ لعدم شرطه. وهكذا ~~لو كان تزويجها بغير إذن سيدها، أو اختل شرط من شروط النكاح، فهو فاسد، ~~يفرق بينهما. والحكم في الرجوع على ما ذكرنا. وإن كان ممن يجوز له نكاح ~~الإماء، وكانت شرائط النكاح مجتمعة، فالعقد صحيح، وللزوج الخيار بين الفسخ ~~والمقام على النكاح. # وهذا معنى قول الخرقي " فرضي بالمقام " معها، وهذا الظاهر من مذهب ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا خيار له؛ لأن الكفاءة غير معتبرة في جانب ~~المرأة؛ لأنه يملك الطلاق. ولنا، أنه عقد غر فيه أحد الزوجين بحرية الآخر، ~~فثبت له الخيار كالآخر؛ لأن الكفاءة وإن لم تعتبر فإن عليه ضررا في استرقاق ~~ولده، ورق امرأته، وذلك أعظم من فقد الكفاءة. وأما الطلاق يندفع به الضرر، ~~فإنه يسقط نصف المسمى، والفسخ يسقط جميعه، فإذا فسخ قبل الدخول فلا مهر ~~لها، وإن رضي بالمقام معها، فله ذلك؛ لأنه يحل له نكاح الإماء، وما ولدت ~~بعد ذلك فهو رقيق لسيدها؛ لأن المانع من رقهم في الغرور اعتقاد الزوج ~~حريتها، وقد زال ذلك بالعلم # ولو وطئها قبل علمه، فعلقت منه، ثم علم قبل الوضع، فهو حر؛ لأنه وطئها ~~يعتقد حريتها. ### | [فصل الحكم في المدبرة وأم الولد والمعتقة بصفة كالأمة القن] # فصل: والحكم في المدبرة وأم الولد والمعتقة بصفة، كالأمة القن؛ لأنها ~~ناقصة بالرق، إلا أن ولد أم الولد والمدبرة يقوم كأنه عبد له حكم أمه، ~~وكذلك من أعتق بعضها، إلا أنه إذا فدى الولد، لم يلزمه إلا فداء ما فيه من ~~الرق؛ لأن بقيته حر بحرية أمه، لا باعتقاد الوطء. فإن كانت مكاتبة فكذلك، ~~إلا أن مهرها لها؛ لأنه من كسبها، وكسبها لها. وتجب قيمة ولدها، على ~~الرواية المشهورة. قال أبو بكر: ويكون ذلك لها تستعين به في كتابتها. # فإن كان الغرور منها، فلا شيء لها، إذ لا فائدة في إيجاب شيء لها يرجع به ~~عليها، وإن كان الغرور من غيرها، غرمه لها، ويرجع به على من غره. ### | [فصل لا يثبت أنها أمة بمجرد الدعوى] # (5267) فصل: ولا يثبت ms3554 أنها أمة بمجرد الدعوى، فإن أقام بذلك بينة، ثبت. ~~وإن أقرت أنها أمة، فقال أحمد، في رواية أبي الحارث: لا يستحقها بإقرارها؛ ~~وذلك لأن إقرارها يزيل النكاح عنها، ويثبت حقا على غيرها، فلم يقبل، ~~كإقرارها بمال على غيرها. وقال في رواية حنبل: لا شيء له حتى يثبت، أو تقر ~~هي أنها أمته. فظاهر هذا أنه يقبل إقرارها؛ لأنها مقرة على نفسها بالرق، ~~أشبه غير الزوجة. والأول أولى ولا نسلم أنه يقبل من غير ذات الزوج إقرارها ~~بالرق بعد إقرارها بالحرية؛ لأنها أقرت بما يتعلق به حق الله تعالى. # PageV07P070 ### | [فصل حملت المغرور بها فضرب بطنها ضارب فألقت جنينا ميتا] # (5268) فصل: إذا حملت المغرور بها، فضرب بطنها ضارب، فألقت جنينا ميتا، ~~فعلى الضارب غرة؛ لأن هذا الجنين محكوم بحريته، ويرثها ورثته من كانوا، ~~وعلى الضارب كفارة القتل. وإن كان الضارب أباه، لم يرثه، وورثه أقاربه. ولا ~~يجب بذل هذا الولد للسيد؛ لأنه إنما يستحق بذل حي، وهذا ميت. ويحتمل أن يجب ~~له عشر قيمة أمه؛ لأن الواطئ فوت ذلك عليه باعتقاد الحرية، ولولاه لوجب له ~~ذلك. ### | [فصل تزوجت المرأة عبدا على أنه حر] # (5269) فصل: إذا تزوجت المرأة عبدا على أنه حر، فالنكاح صحيح. وهذا قول ~~أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي؛ لأن اختلاف الصفة لا يمنع صحة العقد، كما لو ~~تزوج أمة على أنها حرة. وهذا إذا كملت شروط النكاح، وكان ذلك بإذن سيده. ~~وإن كانت المرأة حرة، وقلنا: الحرية ليست من شروط الكفاءة. أو أن فقد ~~الكفاءة لا يبطل النكاح. فهو صحيح، وللمرأة الخيار بين الفسخ والإمضاء، فإن ~~اختارت إمضاءه فلأوليائها الاعتراض عليها لعدم الكفاءة. وإن كانت أمة ~~فينبغي أن يكون لها الخيار أيضا؛ لأنه لما ثبت الخيار للعبد إذا غر بأمة، ~~ثبت للأمة إذا غرت بعبد. # وكل موضع حكمنا بفساد العقد ففرق بينهما قبل الدخول، فلا مهر لها، وإن ~~كان بعده فلها مهر المثل، أو المسمى، على ما قدمنا من الاختلاف. وكل موضع ~~فسخ النكاح مع القول بصحته قبل الدخول، فلا ms3555 شيء لها، وإن كان بعده فلها ~~المسمى؛ لأنه فسخ طرأ على نكاح، فأشبه الطلاق. ### | [فصل غرها بنسب فبان دونه] # (5270) فصل: فإن غرها بنسب، فبان دونه، وكان ذلك مخلا بالكفاءة، وقلنا ~~بصحة النكاح، فلها الخيار، فإن اختارت الإمضاء، فلأوليائها الاعتراض عليها، ~~وإن لم يخل بالكفاءة، فلا خيار لها؛ لأن ذلك ليس بمعتبر في النكاح، فأشبه ~~ما لو شرطه فقيها، فبان بخلافه. وكذلك إن شرطت غير النسب، فإن كان مما ~~يعتبر في الكفاءة، فهو كما لو تبين أنه غير مكافئ لها في النسب، وإن لم ~~يعتبر في الكفاءة، كالفقه والجمال وأشباه ذلك، فلا خيار لها؛ لأن ذلك مما ~~لا يعتبر في النكاح، فلا يؤثر اشتراطه. # وذكر فيما إذا بان نسبه دون ما ذكر وجه في ثبوت الخيار لها إن لم يخل ~~بالكفاءة، والأولى ما ذكرناه. والله أعلم. ### | [إن كان المغرور عبدا فولده أحرار] # (5271) قال: وإن كان المغرور عبدا فولده أحرار، ويفديهم إذا عتق، ويرجع ~~به على من غره، # PageV07P071 # وجملة ذلك أن المغرور إذا كان عبدا، فولده أحرار. وقال أبو حنيفة: يكون ~~رقيقا؛ لأن أبويه رقيق. وليس ذلك بصحيح، فإنه وطئها معتقدا حريتها، فكان ~~ولده حرا، كولد الحر، فإن هذا هو العلة المقتضية للحرية في محل الوفاق، ~~ولولا ذلك لكان رقيقا، فإن علة رق الولد رق الأم خاصة، ولا عبرة بحال الأب، ~~بدليل ولد الحر من الأمة، وولد الحرة من العبد. # وعلى العبد فداؤهم؛ لأنه فوت رقهم باعتقاده وفعله، ولا مال له في الحال، ~~فيخرج في ذلك وجهان، أحدهما: يتعلق برقبته بمنزلة جنايته. والثاني، بذمته ~~يتبع به بعد العتق، بمنزلة عوض الخلع من الأمة إذا بذلته بغير إذن سيدها. ~~ويفارق الاستدانة والجناية؛ لأنه إذا استدان أتلف مال الغريم، فكان جناية ~~منه، وهاهنا لم يجن في الأولاد جناية، وإنما عتقوا من طريق الحكم، وما حصل ~~له منهم عوض، فيكون ذلك في ذمته يتبع به بعد العتق، ويرجع به حين يغرمه، ~~فإنه لا ينبغي أن يجب له بذل ما لم يفت عليه. # وأما الحرية فتتعجل ms3556 في الحال. وإن قلنا: إن الفداء يتعلق برقبته. وجب في ~~الحال، ويرجع به سيده في الحال، ويثبت للعبد الخيار إذا علم، كما ثبت للحر ~~لمن يحل له نكاح الإماء؛ لأن عليه ضررا في رق ولده، ونقصا في استمتاعه، ~~فإنها لا تبيت معه ليلا ونهارا، ولم يرض به. ويحتمل أن لا يثبت له خيار؛ ~~لأنه فقد صفة لا ينقص بها عن رتبته، فأشبه ما لو شرط نسب امرأة فبانت ~~بخلافه؛ لأنها مساوية لنسبه، بخلاف تغرير الحر. وقال بعض الشافعية: لا خيار ~~له، قولا واحدا. وقال بعضهم: فيه قولان # والأولى ما ذكرناه. وإذا اختار الإقامة، فالمهر واجب، لا يرجع به على ~~أحد. وإن اختار الفسخ قبل الدخول، فلا مهر، وإن كان بعده والنكاح بإذن ~~سيده، فالمهر واجب عليه، وفي الرجوع به خلاف ذكرناه فيما مضى، وإن كان بغير ~~إذنه، فالنكاح فاسد، فإن دخل بها ففي قدر ما يجب عليه وجهان، أحدهما: مهر ~~المثل. والثاني: الخمسان. وهل يرجع به؟ على وجهين. ### | [فصل شرط في النكاح أنها مسلمة فبانت كافرة] # (5272) فصل: فإن شرط أنها مسلمة، فبانت كافرة، فله الخيار؛ لأنه نقص وضرر ~~يتعدى إلى الولد، فأشبه ما لو شرطها حرة فبانت أمة. ### | [فصل شرط في النكاح بكرا فبانت ثيبا] # (5273) فصل: فإن شرطها بكرا، فبانت ثيبا. فعن أحمد كلام يحتمل أمرين، ~~أحدهما: لا خيار له؛ لأن النكاح لا يرد فيه بعيب سوى ثمانية عيوب، فلا يرد ~~منه بمخالفة الشرط. والثاني، له الخيار؛ لأنه شرط صفة مقصودة، # PageV07P072 # فبان خلافها، فيثبت له الخيار، كما لو شرط الحرية. وعلى هذا لو شرطها ذات ~~نسب، فبانت دونه، أو شرطها بيضاء، فبانت سوداء، أو شرطها طويلة، فبانت ~~قصيرة، أو حسناء فبانت شوهاء، خرج في ذلك كله وجهان. ونحو هذا مذهب ~~الشافعي. وقال أبو ثور: القياس أن له الرد إن كان فيه اختلاف، وإن كان ~~إجماعا فالإجماع أولى من النظر. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا وافق أبا ثور ~~على مقالته. وممن ألزم الزوج من هذه صفتها الثوري والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ms3557 ~~وأصحاب الرأي. وروى الزهري، أن رجلا تزوج امرأة، فلم يجدها عذراء، كانت ~~الحيضة خرقت عذرتها، فأرسلت إليه عائشة إن الحيضة تذهب العذرة يقينا. # وعن الحسن، والشعبي، وإبراهيم في الرجل إذا لم يجد امرأته عذراء: ليس ~~عليه شيء، العذرة تذهبها الوثبة، وكثرة الحيض، والتعنس، والحمل الثقيل. ~~والله أعلم. ### | [فصل تزوج امرأة يظنها حرة فبانت أمة أو يظنها مسلمة فبانت كافرة] # (5274) فصل: وإذا تزوج امرأة يظنها حرة، فبانت أمة، أو يظنها مسلمة، ~~فبانت كافرة، أو تزوجت عبدا تظنه حرا، فلهم الخيار، كما لو شرطوا ذلك. نص ~~عليه أحمد، في امرأة تزوجت عبدا تظنه حرا، فلها الخيار. وقال الشافعي في ~~الأمة: لا خيار له. وفي الكافرة: له الخيار. وقال بعضهم فيهما جميعا قولان. ~~ولنا أن بعض الرق أعظم ضررا، فإنه يؤثر في رق ولده، ويمنع كمال استمتاعه، ~~فكان له الخيار، كما لو كانت كافرة. ### | [فصل شرط في النكاح أمة فبانت حرة] # (5275) فصل: وإن شرطها أمة، فبانت حرة، أو ذات نسب، فبانت أشرف منه، أو ~~على صفة دنيئة، فبانت خيرا من شرطه، أو كافرة، فبانت مسلمة، فلا خيار له في ~~ذلك؛ لأنه زيادة. وقال أبو بكر له الخيار إذا بانت مسلمة؛ لأنه قد يكون له ~~غرض في عدم وجوب العبادات. والأول أولى. ### | [فصل كل موضع ثبت له الخيار ففسخ قبل الدخول فلا مهر عليه] # (5276) فصل: وكل موضع ثبت له الخيار ففسخ قبل الدخول، فلا مهر عليه. وإن ~~فسخ بعده، وكان التغرير ممن له المهر، فلا شيء عليه أيضا، وإن كان من غيره، ~~فعليه المهر، يدفعه ثم يرجع به على الغار، فإن كان التغرير من أوليائها، ~~رجع عليهم، وإن علم بعضهم احتمل أن يرجع عليه وحده؛ لأنه الغار، واحتمل أن ~~يرجع على جميعهم؛ لأن حقوق الآدميين في العمد والسهو سواء. # PageV07P073 ### | [قال قد جعلت عتق أمتي صداقها بحضرة شاهدين] # (5277) ؛ قال: وإذا قال: قد جعلت عتق أمتي صداقها. بحضرة شاهدين، فقد ثبت ~~العتق والنكاح. وإذا قال: أشهد أني قد أعتقتها، وجعلت عتقها صداقها. كان ~~العتق والنكاح أيضا ms3558 ثابتين، سواء تقدم العتق أو تأخر، إذا لم يكن بينهما ~~فصل، فإن طلقها قبل الدخول، رجع عليها بنصف قيمتها. في هذه المسألة خمسة ~~فصول: (5278) الفصل الأول: أن ظاهر المذهب أن الرجل إذا أعتق أمته، وجعل ~~عتقها صداقها، فهو نكاح صحيح نص عليه أحمد في رواية الجماعة. وروي ذلك عن ~~علي - رضي الله عنه - وفعله أنس بن مالك وبه قال سعيد بن المسيب وأبو سلمة ~~بن عبد الرحمن، والحسن، والزهري وإسحاق. # وقال الأوزاعي: يلزمها أن تتزوجه. وروى المروذي عن أحمد: إذا أعتق أمته، ~~وجعل عتقها صداقها، يوكل رجلا يزوجه. وظاهر هذا أنه لم يحكم بصحة النكاح. # قال أبو الخطاب هي الصحيحة. واختارها القاضي، وابن عقيل. وهو قول أبي ~~حنيفة، ومالك، والشافعي؛ لأنه لم يوجد إيجاب وقبول، فلم يصح لعدم أركانه، ~~كما لو قال: أعتقتك. وسكت؛ ولأنها بالعتق تملك نفسها، فيجب أن يعتبر رضاها، ~~كما لو فصل بينهما؛ ولأن العتق يزيل ملكه عن الاستمتاع بحق الملك، فلا يجوز ~~أن يستبيح الوطء بالمسمى، فإنه لو قال: بعتك هذه الأمة، على أن تزوجنيها ~~بالثمن. لم يصح # ولنا ما روى أنس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أعتق صفية، وجعل ~~عتقها صداقها.» متفق عليه. وفي لفظ: أعتقها وتزوجها. فقلت: يا أبا حمزة، ما ~~أصدقها؟ قال: نفسها. وروى الأثرم، بإسناده عن صفية. قالت: «أعتقني رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وجعل عتقي صداقي.» وبإسناده عن علي - رضي الله ~~عنه - أنه كان يقول: إذا أعتق الرجل أم ولده، فجعل عتقها صداقها، فلا بأس ~~بذلك. ومتى ثبت العتق صداقا، ثبت النكاح؛ لأن الصداق لا يتقدم النكاح، ولو ~~تأخر العتق عن النكاح لم يجز، فدل على أنه انعقد بهذا اللفظ. # ولأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه استأنف عقدا، ولو ~~استأنفه لظهر، ونقل كما نقل غيره؛ ولأن من جاز له تزويج امرأة لغيره من غير ~~قرابة، جاز له أن يتزوجها، كالإمام. # وقولهم: لم يوجد إيجاب ولا قبول. عديم الأثر؛ فإنه لو وجد لم يحكموا ~~بصحته، ms3559 وعلى أنه إن لم يوجد فقد وجد ما يدل عليه، وهو جعل العتق صداقا، ~~فأشبه ما لو تزوج امرأة هو وليها، وكما لو قال الخاطب للولي: أزوجت؟ فقال: ~~نعم. وقال للزوج: أقبلت؟ فقال: نعم. عند أصحابنا، وكما لو أتى بالكنايات ~~عند أبي حنيفة ومن وافقه. # PageV07P074 # (5279) الفصل الثاني: أن النكاح ينعقد بقوله: أعتقتك، وجعلت عتقك صداقك ~~وتزوجتك # وبذلك خاليا عن قوله: وتزوجتك. وهذا لفظ الخرقي، وهو الذي جاء في حديث ~~أنس. وبقوله: جعلت عتقك صداقك. أو جعلت صداقك عتقك. وهذا معنى قول الخرقي: ~~" سواء تقدم العتق أو تأخر ". ونص أحمد على هذا، في رواية صالح: إذا قال: ~~جعلت عتقك صداقك، أو صداقك عتقك. كل ذلك جائز. (5280) الفصل الثالث: أن لا ~~يكون بينهما فصل. ولو قال: أعتقتك. وسكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم ~~بكلام أجنبي، ثم قال: جعلت عتقك صداقك # لم يصح النكاح؛ لأنها صارت بالعتق حرة، فيحتاج أن يتزوجها برضاها بصداق ~~جديد. # (5281) الفصل الرابع: أنه لا بد من شاهدين إذا قلنا باشتراط الشهادة في ~~النكاح. نص عليه أحمد، في رواية الجماعة، وذلك لقوله: «لا نكاح إلا بولي ~~وشاهدين.» ### | [فصل طلاق الأمة قبل الدخول] # (5282) الفصل الخامس: أنه إذا طلقها قبل الدخول، رجع عليها بنصف قيمتها؛ ~~لأن الطلاق قبل الدخول يوجب الرجوع في نصف ما فرض لها، وقد فرض لها نفسها، ~~ولا سبيل إلى الرجوع في الرق بعد زواله، فرجع بنصف قيمة نفسها. وبهذا قال ~~الحسن، والحكم. وقال الأوزاعي يرجع بربع قيمتها. # ولنا أنه طلاق قبل الدخول، فأوجب الرجوع في النصف، كسائر الطلاق. # وتعتبر القيمة حالة الإعتاق؛ لأنها حالة الإتلاف. فإن لم تكن قادرة على ~~نصف القيمة، فهل تستسعى فيها، أو تكون دينا تنظر به إلى حال القدرة؟ على ~~روايتين. وإن قلنا: إن النكاح لا ينعقد بهذا القول. فعليها قيمة نفسها؛ ~~لأنه أزال ملكه بعوض لم يسلم له، فرجع إلى قيمة المفوت، كالبيع الفاسد. ~~وكذلك إن قلنا: إن النكاح انعقد به. فارتدت قبل الدخول، أو فعلت ما ينفسخ ~~به نكاحها، مثل أن ms3560 أرضعت زوجة له صغيرة، ونحو ذلك، انفسخ نكاحها، وعليها ~~قيمة نفسها. ### | [فصل قال لأمته أعتقتك على أن تزوجيني نفسك] # (5283) فصل: وإن قال لأمته: أعتقتك على أن تزوجيني نفسك، ويكون عتقك ~~صداقك. أو لم يقل: ويكون عتقك صداقك. فقبلت، عتقت، ولم يلزمها أن تزوجه ~~نفسها؛ لأنه سلف في نكاح، فلم يلزمها، كما لو كان أسلف حرة # PageV07P075 # ألفا على أن يتزوجها، ولأنها أسقطت حقها من الخيار قبل وجود سببه، فلم ~~يسقط، كالشفيع يسقط شفعته قبل البيع، ويلزمها قيمة نفسها. أومأ إليه أحمد، ~~في رواية عبد الله. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه أزال ملكه منها بشرط عوض لم ~~يسلم له، فاستحق الرجوع بقيمته، كالبيع الفاسد إذا تلفت السلعة في يد ~~المشتري، والنكاح الفاسد إذا اتصل به الدخول. # ويحتمل أن لا يلزمها شيء، بناء على ما إذا قال لعبده: أعتقتك على أن ~~تعطيني ألفا. # وهذا قول مالك، وزفر؛ لأن هذا ليس بلفظ شرط، فأشبه ما لو قال: أعتقتك، ~~وزوجيني نفسك. وتعتبر القيمة حالة العتق، ويطالبها بها في الحال إن كانت ~~قادرة عليها، وإن كانت معسرة، فهل تنظر إلى الميسرة، أو تجبر على الكسب؟ ~~على وجهين، أصلهما في المفلس هل يجبر على الكسب؟ على روايتين. ### | [فصل اتفق السيد وأمته على أن يعتقها وتزوجه نفسها فتزوجها على ذلك] # (5284) فصل: وإن اتفق السيد وأمته على أن يعتقها، وتزوجه نفسها، فتزوجها ~~على ذلك، صح، ولا مهر لها غير ما شرط من العتق. وبه قال أبو يوسف وقال أبو ~~حنيفة، والشافعي: لا يكون العتق صداقا، لكن إن تزوجها على القيمة التي له ~~في ذمتها، وهما يعلمان القيمة، صح الصداق. ولنا أن العتق صلح صداقا في حق ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجوز في حق أمته كالدراهم؛ ولأنه يصلح عوضا ~~في البيع، فإنه لو قال: أعتق عبدك على ألف. # جاز، فلأن يكون عوضا في النكاح أولى، فإن النكاح لا يقصد فيه العوض. وعلى ~~هذا لو تزوجها على أن يعتق أباها، صح. نص عليه أحمد، في رواية عبد الله. ~~إذا ثبت هذا، ms3561 فإن العتق يصير صداقا، كما لو دفع إليها مالا ثم تزوجها عليه. ~~فإن بذلت له نفسها ليتزوجها فامتنع، لم يجبر، وكانت له القيمة؛ لأنها إذا ~~لم تجبر على تزويجه نفسها، لم يجبر هو على قبولها. وحكم المدبرة، والمعتقة ~~بصفة، وأم الولد، حكم الأمة القن في جميع ما ذكرناه. ### | [فصل أعتقت امرأة عبدها بشرط أن يتزوجها] # (5285) فصل: وإن أعتقت امرأة عبدها، بشرط أن يتزوجها، عتق، ولا شيء عليه؛ ~~لأن النكاح يحصل به الملك للزوج، وليس بمملوك به، فإذا اشترطت عليه إثبات ~~الملك له، لم يلزمه ذلك، كما لو اشترطت عليه أن تملكه دارا. ولو أراد العبد ~~تزوجها لم تجبر؛ لأن الشرط لها، فلا يوجب عليها، كما لو شرط السيد على أمته ~~أن تزوجه نفسها، لم يلزمه ذلك. ### | [فصل أعتق الأمة ثم تزوجها] # (5286) فصل: ولا بأس أن يعتق الرجل الأمة ثم يتزوجها، سواء أعتقها لوجه ~~الله تعالى، أو أعتقها ليتزوجها. وكره # PageV07P076 # أنس تزويج من أعتقها لله تعالى. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله روى شعبة، ~~عن قتادة، عن أنس، أنه كره أن يعتق الأمة، ثم يتزوجها؟ فقال: نعم، إذا ~~أعتقها لله، كره أن يرجع في شيء منها. ولنا، ما روى أبو موسى، قال: قال ~~رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - «من كانت عنده جارية، فعلمها، وأحسن ~~إليها، ثم أعتقها، وتزوجها، فذلك له أجران.» متفق عليه. # ولأنه إذا تزوجها، فقد أحسن إليها بإعفافها وصيانتها، فلم يكره، كما لو ~~زوجها غيره، وليس في هذا رجوع فيما جعل لله تعالى، فإنه إنما يتزوجها ~~بصداقها، فهو بمنزلة من اشترى منها شيئا. ### | [فصل أراد أن يتزوج أمته بعد عتقها] # (5287) فصل: وإذا أراد أن يتزوجها بعد عتقها، لم يحتج إلى استبراء، سواء ~~كان يطؤها أو لم يكن؛ لأن الاستبراء لصيانة الماء، ولا يصان ذلك عنه. فإن ~~اشترى أمة فأعتقها قبل أن يستبرئها، لم يحل له أن يتزوجها ولا يزوجها حتى ~~يستبرئها؛ لأنه كان واجبا، فلا يسقط بإعتاقه لها. # قال أحمد، في الرجل تكون له الأمة لا يطؤها فيعتقها: ms3562 لا يتزوجها من يومها ~~حتى يستبرئها، فإن كان يطؤها فأعتقها، تزوجها من يومه، ومتى شاء؛ لأنها في ~~مائه. # قال القاضي: معنى قوله: إن كان يطؤها. أي يحل له وطؤها وهي التي قد ~~استبرأها. وقوله: إن كان لا يطؤها. أي: لا يحل له وطؤها وهي التي لم يمض ~~عليها زمان الاستبراء، فلا يحل له تزوجها حتى يستبرئها. وإذا مضى لها بعض ~~الاستبراء قبل عتقها، أتمته بعده، ولا يلزمها استئناف الاستبراء؛ لأن ~~الاستبراء وجب بالشراء، لا بالعتق، فيحسب ابتداؤه من حين وجد سببه. ### | [فصل قال أعتق عبدك على أن أزوجك ابنتي فأعتقه] # (5288) فصل: وإن قال: أعتق عبدك، على أن أزوجك ابنتي. فأعتقه، لم يلزمه ~~أن يزوجه ابنته؛ لأنه سلف في النكاح، وعليه قيمة العبد. وقال الشافعي، في ~~أحد قوليه: لا يلزمه شيء؛ لأنه لا فائدة له في العتق. ولنا أنه أزال ملكه ~~عن عبده بعوض شرطه، فلزمه عوضه، كما لو قال: أعتق عبدك عني، وعلي ثمنه. ~~وكما لو قال: طلق زوجتك، وعلي ألف. فطلقها، أو قال: ألق متاعك في البحر، ~~وعلي ثمنه. # وبهذه الأصول يبطل قولهم: إنه لا فائدة له في العتق. ### | [قال الخاطب للولي أزوجت فقال نعم وقال للزوج أقبلت فقال نعم] # (5289) ؛ قال: (وإذا قال الخاطب للولي: أزوجت. فقال: نعم. وقال للزوج: ~~أقبلت. فقال: نعم. فقد انعقد النكاح إذا حضره شاهدان) # PageV07P077 # وقال الشافعي: لا ينعقد حتى يقول معه: زوجتك ابنتي، ويقول الزوج: قبلت ~~هذا التزويج؛ لأن هذين ركنا العقد، فلا ينعقد بدونهما. ولنا أن نعم جواب ~~لقوله: أزوجت وقبلت، والسؤال يكون مضمرا في الجواب معادا فيه، فيكون معنى ~~نعم من الولي: زوجته ابنتي. # ومعنى نعم من المتزوج: قبلت هذا التزويج. ولا احتمال فيه، فيجب أن ينعقد ~~به، ولذلك لما قال الله تعالى: {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} ~~[الأعراف: 44] كان إقرارا منهم بوجدان ذلك أنهم وجدوا ما وعدهم ربهم حقا. ~~ولو قيل لرجل: لي عليك ألف درهم؟ فقال: نعم. كان إقرارا صحيحا لا يفتقر إلى ~~نية، ولا يرجع في ms3563 ذلك إلى تفسيره، وبمثله تقطع اليد في السرقة، فوجب أن ~~ينعقد به التزويج، كما لو لفظ بذلك. ### | [فصل قال زوجتك ابنتي فقال قبلت] # (5290) فصل: ولو قال: زوجتك ابنتي. فقال: قبلت. انعقد النكاح. وقال ~~الشافعي في أحد قوليه: لا ينعقد حتى يقول: قبلت هذا النكاح، أو هذا ~~التزويج؛ لأنه كناية في النكاح يفتقر إلى النية والإضمار، فلم ينعقد به، ~~كلفظ الهبة والبيع. ولنا أن القبول صريح في الجواب، فانعقد به، كما ينعقد ~~به البيع وسائر العقود. وقولهم: يفتقر إلى النية. ممنوع، فإنه جواب فلا ~~ينصرف إلا إلى المذكور. ### | [فصل النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج] # (5291) فصل: وينعقد النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج. والجواب عنهما إجماعا، ~~وهما اللذان ورد بهما نص الكتاب في قوله سبحانه: {زوجناكها} [الأحزاب: 37] ~~. وقوله سبحانه: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] . ~~وسواء اتفقا من الجانبين أو اختلفا، مثل أن يقول: زوجتك بنتي هذه. فيقول: ~~قبلت هذا النكاح، أو هذا التزويج. ولا ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج. ~~وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وربيعة، والشافعي. وقال الثوري، ~~والحسن بن صالح، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود: ينعقد ~~بلفظ الهبة والصدقة والبيع والتمليك. وفي لفظ الإجارة عن أبي حنيفة ~~روايتان. وقال مالك ينعقد بذلك إذا ذكر المهر. واحتجوا بأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - زوج رجلا امرأة، فقال: «قد ملكتكها بما معك من القرآن» . ~~رواه البخاري. # ولأنه لفظ ينعقد به تزويج # PageV07P078 # النبي - صلى الله عليه وسلم - فانعقد به نكاح أمته، كلفظ الإنكاح ~~والتزويج؛ ولأنه أمكن تصحيحه بمجازه، فوجب تصحيحه، كإيقاع الطلاق ~~بالكنايات. # ولنا قوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن ~~يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] . فذكر ذلك خالصا لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنه لفظ ينعقد به غير النكاح فلم ينعقد به ~~النكاح، كلفظ الإجارة والإباحة والإحلال؛ ولأنه ليس بصريح في النكاح، فلا ~~ينعقد به، كالذي ذكرنا؛ وهذا لأن الشهادة شرط في النكاح، والكناية إنما ~~تعلم بالنية، ولا يمكن الشهادة ms3564 على النية، لعدم اطلاعهم عليها، فيجب أن لا ~~ينعقد، وبهذا فارق بقية العقود والطلاق. # وأما الخبر، فقد روي: " زوجتكها " و " أنكحتكها " و " زوجناكها ". من طرق ~~صحيحة. والقصة واحدة، والظاهر أن الراوي روى بالمعنى ظنا منه أن معناها ~~واحد، فلا تكون حجة، وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين ~~الألفاظ، فلا حجة لهم فيه؛ لأن النكاح انعقد بأحدها، والباقي فضلة. ### | [فصل من قدر على لفظ النكاح بالعربية لم يصح بغيرها] # (5292) فصل: ومن قدر على لفظ النكاح بالعربية، لم يصح بغيرها. وهذا أحد ~~قولي الشافعي وعند أبي حنيفة ينعقد؛ لأنه أتى بلفظه الخاص، فانعقد به، كما ~~ينعقد بلفظ العربية. ولنا، أنه عدل عن لفظ الإنكاح والتزويج مع القدرة، فلم ~~يصح، كلفظ الإحلال. فأما من لا يحسن العربية، فيصح منه عقد النكاح بلسانه؛ ~~لأنه عاجز عما سواه، فسقط عنه كالأخرس، ويحتاج أن يأتي بمعناهما الخاص، ~~بحيث يشتمل على معنى اللفظ العربي. # وليس على من لا يحسن العربية تعلم ألفاظ النكاح بها. وقال أبو الخطاب: ~~عليه أن يتعلم؛ لأن ما كانت العربية شرطا فيه، لزمه أن يتعلمها مع القدرة، ~~كالتكبير. ووجه الأول أن النكاح غير واجب، فلم يجب تعلم أركانه بالعربية ~~كالبيع، بخلاف التكبير. فإن كان أحد المتعاقدين يحسن العربية دون الآخر، ~~أتى الذي يحسن العربية بها، والآخر يأتي بلسانه. فإن كان أحدهما لا يحسن ~~لسان الآخر، احتاج أن يعلم أن اللفظة التي أتى بها صاحبه لفظة الإنكاح، بأن ~~يخبره بذلك ثقة يعرف اللسانين جميعا. ### | [فصل الأخرس إن فهمت إشارته صح نكاحه بها] # (5293) فصل: فأما الأخرس فإن فهمت إشارته صح نكاحه بها؛ لأنه معنى لا ~~يستفاد إلا من جهة واحدة، فصح # PageV07P079 # بإشارته، كبيعه وطلاقه ولعانه، وإن لم تفهم إشارته، لم يصح منه. كما لم ~~يصح غيره من التصرفات القولية؛ ولأن النكاح عقد بين شخصين، فلا بد من فهم ~~كل واحد منهما ما يصدر من صاحبه. ولو فهم ذلك صاحبه العاقد معه، لم يصح حتى ~~يفهم الشهود أيضا؛ لأن الشهادة شرط، ولا يصح ms3565 على ما لا يفهم. قال أحمد: لا ~~يزوجه وليه. يعني إذا كان بالغا؛ لأن الخرس لا يوجب الحجر، فهو كالصمم. ### | [فصل تقدم القبول على الإيجاب في النكاح] # (5294) فصل: إذا تقدم القبول على الإيجاب. لم يصح. رواية واحدة، سواء كان ~~بلفظ الماضي، مثل أن يقول: تزوجت ابنتك. فيقول: زوجتك. أو بلفظ الطلب، ~~كقوله: زوجني ابنتك. فيقول: زوجتكها. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: يصح ~~فيهما جميعا؛ لأنه قد وجد الإيجاب والقبول، فيصح كما لو تقدم الإيجاب. # ولنا، أن القبول إنما يكون للإيجاب، فمتى وجد قبله لم يكن قبولا؛ لعدم ~~معناه، فلم يصح، كما لو تقدم بلفظ الاستفهام، ولأنه لو تأخر عن الإيجاب ~~بلفظ الطلب، لم يصح، فإذا تقدم كان أولى، كصيغة الاستفهام؛ ولأنه لو أتى ~~بالصيغة المشروعة متقدمة فقال: قبلت هذا النكاح. فقال الولي: زوجتك ابنتي. ~~لم يصح، فلأن لا يصح إذا أتى بغيرها أولى. وأما البيع فلا يشترط فيه صيغة ~~الإيجاب والقبول، بل يصح بالمعاطاة؛ ولأنه لا يتعين فيه لفظ، بل يصح بأي ~~لفظ كان مما يؤدي المعنى، ولا يلزم الخلع؛ لأنه يصح تعليقه على الشروط. ### | [فصل عقد النكاح هازلا أو تلجئة] # (5295) فصل: وإذا عقد النكاح هازلا أو تلجئة، صح؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «ثلاث هزلهن جد، وجدهن جد؛ الطلاق، والنكاح، والرجعة.» ~~رواه الترمذي. وعن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~نكح لاعبا، أو طلق لاعبا، أو أعتق لاعبا، جاز.» وقال عمر أربع جائزات إذا ~~تكلم بهن؛ الطلاق، والنكاح، والعتاق، والنذر. # وقال علي أربع لا لعب فيهن: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والنذر. ### | [فصل تراخى القبول عن الإيجاب في النكاح] # (5296) فصل: إذا تراخى القبول عن الإيجاب، صح، ما داما في المجلس، ولم ~~يتشاغلا عنه بغيره؛ لأن حكم المجلس # PageV07P080 # حكم حالة العقد، بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه، وثبوت الخيار في عقود ~~المعاوضات. فإن تفرقا قبل القبول، بطل الإيجاب؛ فإنه لا يوجد معناه، فإن ~~الإعراض قد وجد من جهته بالتفرق، فلا يكون قبولا. وكذلك إن تشاغلا عنه ms3566 بما ~~يقطعه؛ لأنه معرض عن العقد أيضا بالاشتغال عن قبوله. # وقد نقل أبو طالب، عن أحمد، في رجل مشى إليه قوم فقالوا له: زوج فلانا. ~~قال: قد زوجته على ألف. فرجعوا إلى الزوج فأخبروه، فقال: قد قبلت. هل يكون ~~هذا نكاحا؟ قال: نعم. قال القاضي: هذا محمول على أنه وكل من قبل العقد في ~~المجلس. وقال أبو بكر: مسألة أبي طالب تتوجه على قولين. واختار أنه لا بد ~~من القبول في المجلس، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. ### | [فصل أوجب النكاح ثم زال عقله بجنون أو إغماء] # (5297) فصل: فإن أوجب النكاح، ثم زال عقله بجنون أو إغماء، بطل حكم ~~الإيجاب، ولم ينعقد بالقبول بعده؛ لأنه ما لم يضامه القبول لم يكن عقدا، ~~فبطل بزوال العقل، كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون. وهذا مذهب ~~الشافعي، وإن زال عقله بنوم، لم يبطل حكم الإيجاب؛ لأنه لا يبطل العقود ~~الجائزة، فكذلك هذا. ### | [فصل لا يثبت في النكاح خيار] # (5298) فصل: ولا يثبت في النكاح خيار، وسواء في ذلك خيار المجلس وخيار ~~الشرط. ولا نعلم أحدا خالف في هذا، وذلك لأن الحاجة غير داعية إليه، فإنه ~~لا يقع في الغالب إلا بعد ترو، وفكر، ومسألة كل واحد من الزوجين عن صاحبه، ~~والمعرفة بحاله، بخلاف البيع الواقع في الأسواق من غير فكر ولا روية؛ ولأن ~~النكاح ليس بمعاوضة محضة، ولهذا لا يعتبر فيه العلم بالمعقود عليه برؤية ~~ولا صفة، ويصح من غير تسمية العوض، ومع فساده؛ ولأن ثبوت الخيار فيه يفضي ~~إلى فسخه بعد ابتذال المرأة، فإن في فسخه بعد العقد ضررا بالمرأة، ولذلك ~~أوجب الطلاق قبل الدخول نصف الصداق. ### | [فصل خطبة النكاح] # (5299) فصل: ويستحب أن يخطب العاقد أو غيره قبل التواجب، ثم يكون العقد ~~بعده؛ لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ~~بالحمد لله، فهو أقطع» . وقال: «كل خطبة ليس فيها شهادة، فهي كاليد ~~الجذماء.» رواهما ابن المنذر. ويجزئ من ذلك أن يحمد الله تعالى، ويتشهد، ~~ويصلي على رسول الله ms3567 # - صلى الله عليه وسلم - والمستحب أن يخطب بخطبة عبد الله بن مسعود التي ~~قال: «علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في الصلاة، والتشهد ~~في الحاجة، قال: التشهد في الحاجة: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ~~ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله # PageV07P081 # فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~عبده ورسوله، ويقرأ ثلاث آيات: {اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} [آل عمران: 102] . و: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن ~~الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1] . و: {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} ~~[الأحزاب: 70] {يصلح لكم أعمالكم} [الأحزاب: 71] الآية» رواه أبو داود، ~~والترمذي. وقال: حديث حسن. # قال الخلال: حدثنا أبو سليمان إمام طرسوس، قال: كان الإمام أحمد بن حنبل ~~إذا حضر عقد نكاح لم يخطب فيه بخطبة عبد الله بن مسعود، قام وتركهم. وهذا ~~كان من أبي عبد الله على طريق المبالغة في استحبابها، لا على الإيجاب، فإن ~~حرب بن إسماعيل قال: قلت لأحمد: فيجب أن تكون خطبة النكاح مثل قول ابن ~~مسعود؟ فوسع في ذلك. وقد روي عن ابن عمر، أنه كان إذا دعي ليزوج قال: لا ~~تفضضوا علينا الناس، الحمد لله، وصلى الله على محمد، إن فلانا يخطب إليكم، ~~فإن أنكحتموه فالحمد لله، وإن رددتموه فسبحان الله. # والمستحب خطبة واحدة يخطبها الولي، أو الزوج، أو غيرهما، # وقال الشافعي: المسنون خطبتان، هذه التي ذكرناها في أوله، وخطبة من الزوج ~~قبل قبوله. والمنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن السلف، خطبة ~~واحدة، وهو أولى ما اتبع. (5300) فصل: والخطبة غير واجبة عند أحد من أهل ~~العلم علمناه، إلا داود، فإنه أوجبها؛ لما ذكرناه. ولنا «أن رجلا قال ~~للنبي: - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله، زوجنيها. فقال رسول الله: - ~~صلى الله عليه وسلم - زوجتكها بما معك من القرآن.» متفق عليه. ولم يذكر ~~خطبة # وخطب إلى عمر مولاة له، فما زاد على أن قال: قد أنكحناك على ما ms3568 أمر الله، ~~على إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. وقال جعفر بن محمد، عن أبيه: إن كان ~~الحسين ليزوج بعض بنات الحسن، وهو يتعرق العرق. رواهما ابن المنذر. وروى ~~أبو داود، بإسناده عن رجل من بني سليم، قال: «خطبت إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أمامة بنت عبد المطلب، فأنكحني من غير أن يتشهد» . ولأنه ~~عقد معاوضة، فلم تجب فيه الخطبة كالبيع، وما استدلوا به يدل على عدم الكمال ~~بدون الخطبة، لا على الوجوب. ### | [فصل إعلان النكاح والضرب فيه بالدف] # (5301) فصل: ويستحب إعلان النكاح، والضرب فيه بالدف قال أحمد: يستحب أن ~~يظهر النكاح، ويضرب # PageV07P082 # فيه بالدف، حتى يشتهر ويعرف. وقيل له: ما الدف؟ قال: هذا الدف. قال: لا ~~بأس بالغزل في العرس بمثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: ~~«أتيناكم أتيناكم، فحيونا نحييكم، لولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم، ولولا ~~الحنطة السوداء ما سرت عذاريكم.» لا على ما يصنع الناس اليوم. # ومن غير هذا الوجه: «ولولا الحنطة الحمراء، ما سمنت عذاريكم» . وقال أحمد ~~أيضا: يستحب ضرب الدف، والصوت في الإملاك. فقيل له: ما الصوت؟ قال: يتكلم ~~ويتحدث ويظهر. والأصل في هذا ما روى محمد بن حاطب، قال: قال رسول الله: - ~~صلى الله عليه وسلم - «فصل ما بين الحلال والحرام والصوت والدف في النكاح.» ~~رواه النسائي. وقال - عليه السلام -: «أعلنوا النكاح» وفي لفظ: «أظهروا ~~النكاح.» وكان يحب أن يضرب عليه بالدف، وفي لفظ: «واضربوا عليه بالغربال» . ~~وعن عائشة، أنها زوجت يتيمة رجلا من الأنصار، وكانت عائشة في من أهداها إلى ~~زوجها، قالت: فلما رجعنا قال لنا رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - " ما ~~قلتم يا عائشة؟ ". قالت: سلمنا، ودعونا بالبركة، ثم انصرفنا. فقال: " إن ~~الأنصار قوم فيهم غزل، ألا قلتم يا عائشة: «أتيناكم أتيناكم، فحيانا ~~وحياكم.» روى هذا كله أبو عبد الله بن ماجه، في " سننه ". # وقال أحمد - رحمه الله -: لا بأس بالدف في العرس والختان، وأكره الطبل، ~~وهو المنكر، وهو الكوبة، التي نهى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم ms3569 -. ### | [فصل نكاح السر] # (5302) فصل: فإن عقده بولي وشاهدين، فأسروه، أو تواصوا بكتمانه، كره ذلك، ~~وصح النكاح. وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي، وابن المنذر وممن كره نكاح السر ~~عمر - رضي الله عنه - وعروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والشعبي، ~~ونافع مولى ابن عمر. وقال أبو بكر عبد العزيز النكاح باطل؛ لأن أحمد قال: ~~إذا تزوج بولي وشاهدين: لا، حتى يعلنه. # وهذا مذهب مالك والحجة لهما ما تقدم في الفصل الذي قبل هذا. # PageV07P083 # ولنا قوله: «لا نكاح إلا بولي.» مفهومه انعقاده بذلك وإن لم يوجد ~~الإظهار؛ ولأنه عقد معاوضة، فلم يشترط إظهاره كالبيع، وأخبار الإعلان يراد ~~بها الاستحباب، بدليل أمره فيها بالضرب بالدف والصوت، وليس ذلك بواجب، ~~فكذلك ما عطف عليه. وقول أحمد لا. نهي كراهة، فإنه قد صرح فيما حكينا عنه ~~قبل هذا باستحباب ذلك؛ ولأن إعلان النكاح والضرب فيه بالدف إنما يكون في ~~الغالب بعد عقده، ولو كان شرطا لاعتبر حال العقد، كسائر الشروط. ### | [فصل عقد النكاح يوم الجمعة] # (5303) فصل: ويستحب عقد النكاح يوم الجمعة؛ لأن جماعة من السلف استحبوا ~~ذلك؛ منهم ضمرة بن حبيب، وراشد بن سعد، وحبيب بن عتبة؛ ولأنه يوم شريف، ~~ويوم عيد، فيه خلق الله آدم - عليه السلام - والمساية أولى. فإن أبا حفص ~~روى بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «مسوا بالإملاك، فإنه أعظم للبركة.» ولأنه أقرب إلى مقصوده، ~~وأقل لانتظاره. ### | [فصل يقال للمتزوج بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير وعافية] # (5304) فصل: ويستحب أن يقال للمتزوج: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع ~~بينكما في خير وعافية. وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى على ~~عبد الرحمن أثر صفرة، فقال: ما هذا؟ . فقال: إني تزوجت امرأة على وزن نواة ~~من ذهب. قال: بارك الله لك، أولم ولو بشاة.» متفق عليه. قال بعض أهل العلم: ~~وزن النواة خمسة دراهم، وذلك ثلاثة مثاقيل ونصف من الذهب. وقال المبرد: ~~الصواب عند أهل العلم بالعربية ms3570 أن يقال: على نواة. # فحسب، فإن النواة عندهم اسم لخمسة دراهم، كما أن الأوقية أربعون درهما، ~~والنش عشرون. والله أعلم. ### | [فصل ما يقول إذا زفت إليه] # (5305) فصل: ويستحب أن يقول إذا زفت إليه، ما روى صالح بن أحمد، في " ~~مسائله "، عن أبيه، حدثنا داود عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد، ~~قال: تزوج، فحضره عبد الله بن مسعود، وأبو ذر، وحذيفة، وغيرهم من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحضرت الصلاة، فقدموه وهو مملوك، فصلى ~~بهم، ثم قالوا له: إذا دخلت على أهلك فصل ركعتين، ثم خذ برأس أهلك، فقل: ~~اللهم بارك لي في أهلي، وبارك لأهلي في، وارزقهم مني، وارزقني منهم. ثم ~~شأنك وشأن أهلك. # وروى أبو داود، بإسناده عن عمرو بن شعيب، # PageV07P084 # عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا تزوج ~~أحدكم امرأة أو اشترى خادما، فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها ~~عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه. وإذا اشترى بعيرا، فليأخذ ~~بذروة سنامه، وليقل مثل ذلك.» ### | [ليس للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات] # (5306) ؛ قال: (وليس للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات) أجمع أهل ~~العلم على هذا، ولا نعلم أحدا خالفه منهم، إلا شيئا يحكى عن القاسم بن ~~إبراهيم، أنه أباح تسعا؛ لقول الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] . والواو للجمع؛ ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مات عن تسع. وهذا ليس بشيء؛ لأنه خرق للإجماع، وترك للسنة، فإن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «قال لغيلان بن سلمة، حين أسلم وتحته عشر ~~نسوة: أمسك أربعا، وفارق سائرهن» . # وقال نوفل بن معاوية: «أسلمت وتحتي خمس نسوة، فقال لي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: فارق واحدة منهن.» رواهما الشافعي، في " مسنده ". وإذا منع من ~~استدامة زيادة عن أربع، فالابتداء أولى، فالآية أريد بها التخيير بين ~~اثنتين وثلاث وأربع، كما قال: {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} [فاطر: ms3571 1] . ~~ولم يرد أن لكل ملك تسعة أجنحة، ولو أراد ذلك لقال: تسعة. # ولم يكن للتطويل معنى، ومن قال غير هذا فقد جهل اللغة العربية. وأما ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فمخصوص بذلك، ألا ترى أنه جمع بين أربعة عشر. ### | [للعبد أن ينكح اثنتين] # (5307) ؛ قال: (وليس للعبد أن يجمع إلا اثنتين) أجمع أهل العلم على أن ~~للعبد أن ينكح اثنتين، واختلفوا في إباحة الأربع، فمذهب أحمد، أنه لا يباح ~~له إلا اثنتان وهو قول عمر بن الخطاب، - رضي الله عنه - وعلي، وعبد الرحمن ~~بن عوف، - عليه السلام - وبه قال عطاء، والحسن، والشعبي، وقتادة، والثوري، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال القاسم بن محمد، وسالم # PageV07P085 # بن عبد الله، وطاوس، ومجاهد، والزهري، وربيعة، ومالك، وأبو ثور،، وداود: ~~له نكاح أربع؛ لعموم الآية؛ ولأن هذا طريقه اللذة والشهوة، فساوى العبد ~~الحر فيه، كالمأكول. ولنا قول من سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف في ~~عصرهم، فكان إجماعا. وقد روى ليث بن أبي سليم، عن الحكم بن عتيبة، قال: ~~أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن العبد لا ينكح أكثر من ~~اثنتين # ويقوي هذا ما روى الإمام أحمد، بإسناده عن محمد بن سيرين، أن عمر - رضي ~~الله عنه - سأل الناس: كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: باثنتين، ~~وطلاقه باثنتين. فدل هذا على أن ذلك كان بمحضر من الصحابة وغيرهم، فلم ~~ينكر، وهذا يخص عموم الآية، على أن فيها ما يدل على إرادة الأحرار، وهو ~~قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] . ويفارق النكاح المأكول، ~~فإنه مبني على التفضل. ولهذا فارق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه أمته؛ ~~ولأن فيه ملكا، والعبد ينقص في الملك عن الحر. ### | [تسري العبد] # (5308) ؛ قال: (وله أن يتسرى بإذن سيده) هذا هو المنصوص عن أحمد في رواية ~~الجماعة. وهو قول ابن عمر، وابن عباس، والشعبي، والنخعي، والزهري، ومالك، ~~والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور. وكره ذلك ابن سيرين، وحماد بن أبي سليمان، ~~والثوري، وأصحاب الرأي. # وللشافعي قولان مبنيان على أن ms3572 العبد هل يملك بتمليك سيده أو لا؟ وقال ~~القاضي أبو يعلى: يجب أن يكون في مذهب أحمد في تسري العبد وجهان مبنيان على ~~الروايتين في ثبوت الملك له بتمليك سيده. واحتج من منع ذلك بأن العبد لا ~~يملك المال، ولا يجوز له الوطء إلا في نكاح أو ملك يمين؛ لقول الله تعالى: ~~{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] {فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] . # ولنا قول ابن عمر وابن عباس، ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفا. روى ~~الأثرم، بإسناده عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسا أن يتسرى العبد، ونحوه عن ~~ابن عباس. ولأن العبد يملك النكاح، فملك التسري، كالحر. وقولهم: إن العبد ~~لا يملك المال. ممنوع؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من اشترى ~~عبدا، وله مال.» فجعل المال له؛ ولأنه آدمي، فملك المال كالحر، وذلك لأنه ~~بآدميته يتمهد لأهلية الملك، إذ كان الله تعالى خلق الأموال للآدميين. # ليستعينوا بها على القيام بوظائف التكاليف، وأداء العبادات، قال الله ~~تعالى: # PageV07P086 # {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] . والعبد داخل في ~~العموم، ومن أهل التكليف والعبادات، فيكون أهلا للملك، ولذلك ملك في ~~النكاح، وإذا ثبت الملك للجنين، مع كونه نطفة لا حياة فيها، باعتبار مآله ~~إلى الآدمية، فالعبد الذي هو آدمي مكلف أولى. إذا ثبت هذا، فلا يجوز له ~~التسري إلا بإذن سيده، ولو ملكه سيده جارية، لم يبح له وطؤها حتى يأذن له ~~فيه؛ لأن ملكه ناقص، ولسيده نزعه منه متى شاء من غير فسخ عقد، فلم يكن له ~~التصرف فيه إلا بإذن سيده # فإن أذن له فقال: تسراها. أو: أذنت لك في وطئها. أو ما دل عليه، أبيح له، ~~وما ولد له من التسري فحكمه حكم ملكه؛ لأن الجارية مملوكة له، فكذلك ولدها. ~~وإن تسرى بغير إذن سيده، فالولد ملك لسيده. (5309) فصل: وله التسري بما ~~شاء، إذا أذن له السيد في ذلك. نص عليه أحمد؛ لأن من جاز ms3573 له التسري، جاز من ~~غير حصر كالحر. # فإن أذن له وأطلق التسري تسرى بواحدة. وكذلك إذا أذن له في التزويج، لم ~~يجز أن يتزوج أكثر من واحدة # وبهذا قال أصحاب الرأي. وأبو ثور: إذا أذن له في التزويج، فعقد على ~~اثنتين في عقد، جاز. ولنا أن الإذن المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم ~~يقينا، وما زاد مشكوك فيه، فيبقى على الأصل، كما لو أذن له في طلاق امرأته، ~~لم يكن له أن يطلق أكثر من واحدة. ولأن الزائد على الواحدة يحتمل أن يكون ~~غير مراد، فيبقى على أصل التحريم، كما لو شك هل أذن له أو لا؟ . ### | [فصل المكاتب كالعبد القن لا يتزوج ولا يتسرى إلا بإذن سيده] # (5310) فصل: والمكاتب كالعبد القن، لا يتزوج ولا يتسرى إلا بإذن سيده؛ ~~لأن في ذلك إتلافا للمال الذي في يديه، وقد قال - عليه السلام -: «المكاتب ~~عبد ما بقي عليه درهم.» وأما المعتق بعضه، فإذا ملك بجزئه الحر جارية، ~~فملكه تام، وله الوطء بغير إذن سيده؛ لقوله سبحانه: {أو ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 3] ولأن ملكه عليها تام، له التصرف فيها بما شاء بغير إذن سيده، ~~فكذلك الوطء، وما فيه من الرق لا يمنعه من استيفاء ما يملكه، كما له أن ~~يتصرف ويأكل ما ملكه بنصفه الحر. وقال القاضي: حكمه حكم القن. # PageV07P087 # وهو منصوص الشافعي. # وقال بعض أصحابه كقولنا، واحتج من منع ذلك بأنه لا يمكنه الوطء بنصفه ~~الحر وحده، وكذلك منعناه التزويج حتى يأذن له سيده ولنا أنه لا حق لسيده ~~فيها، ولا يلحقه ضرر باستمتاعه منها، فلم يعتبر إذنه فيها، كاستخدامها، ~~وأما التزويج فإنه يلزمه به حقوق تتعلق بجملته فاعتبر رضا السيد، ليكون ~~راضيا بتعلق الحق بملكه، بخلاف مسألتنا، فإن الحق له لا عليه. فأما إن أذن ~~له سيده فيه جاز، إلا عند من منع العبد التسري؛ لأنه كالقن في قولهم ### | [فصل للعبد أن يتسرى إذا أذن له سيده] # (5311) فصل: نقل محمد بن ماهان، عن أحمد: لا بأس للعبد أن يتسرى إذا ms3574 أذن ~~له سيده، فإن رجع السيد، فليس له أن يرجع إذا أذن له مرة وتسرى، وكذلك نقل ~~عنه إبراهيم بن هانئ، ويعقوب بن بختان، ولم أر عنه خلاف هذا، فظاهر هذا أنه ~~إذا تسرى بإذن السيد لم يملك السيد الرجوع؛ لأنه يملك به البضع، فلم يملك ~~سيده فسخه، قياسا على النكاح. وقال القاضي: يحتمل أنه أراد بالتسري هاهنا ~~التزويج وسماه تسريا مجازا، ويكون للسيد الرجوع فيما ملك عبده. # وظاهر كلام أحمد خلاف هذا، وذلك لأنه ملكه بضعا أبيح له وطؤه، فلم يملك ~~رجوعه فيه، كما لو زوجه، وما ذكره في هذا الفصل مناقض لما ذكر قبله في صدر ~~المسألة، من قوله: ولسيده نزعه منه متى شاء من غير فسخ. ### | [متى طلق الحر أو العبد لم يكن له أن يتزوج أختها حتى تنقضي عدتها] # (5312) قال: (ومتى طلق الحر أو العبد طلاقا يملك الرجعة أو لا يملك، لم ~~يكن له أن يتزوج أختها حتى تنقضي عدتها، وكذلك إذا طلق واحدة من أربع، لم ~~يتزوج حتى تنقضي عدتها، وكذلك العبد إذا طلق إحدى زوجتيه) . وجملة ذلك أن ~~الرجل إذا تزوج امرأة، حرمت عليه أمها على التأبيد، وتحرم عليه أختها ~~وعمتها وخالتها وبنت أخيها وبنت أختها تحريم جمع وكذلك إن تزوج الحر أربعا، ~~حرمت الخامسة تحريم جمع وإن تزوج العبد اثنتين، حرمت الثالثة تحريم جمع ~~فإذا طلق زوجته طلاقا رجعيا، فالتحريم باق بحاله في قولهم جميعا وإن كان ~~الطلاق بائنا أو فسخا، فكذلك عند إمامنا حتى تنقضي عدتها وروي ذلك عن علي ~~وابن عباس وزيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب ومجاهد والنخعي والثوري ~~وأصحاب الرأي. # وقال القاسم بن محمد وعروة وابن أبي ليلى ومالك والشافعي وأبو ثور، وأبو ~~عبيد وابن المنذر: له نكاح جميع من سمينا في تحريم الجمع وروي ذلك عن زيد ~~بن ثابت؛ لأن المحرم الجمع # PageV07P088 # بينهما في النكاح، بدليل قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] ~~أي: نكاحهن، ثم قال: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النساء: 23] ~~معطوفا ms3575 عليه، والبائن ليست في نكاحه؛ ولأنها بائن فأشبهت المطلقة قبل ~~الدخول # ، ولنا قول علي وابن عباس وروي عن عبيدة السلماني أنه قال: ما أجمعت ~~الصحابة على شيء كإجماعهم على أربع قبل الظهر، وأن لا تنكح امرأة في عدة ~~أختها وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر، فلا يجمع ماءه في رحم أختين» وروي عن أبي الزناد، قال: كان ~~للوليد بن عبد الملك أربع نسوة، فطلق واحدة ألبتة، وتزوج قبل أن تحل فعاب ~~ذلك عليه كثير من الفقهاء، وليس كلهم عابه، قال سعيد بن منصور: إذا عاب ~~عليه سعيد بن المسيب فأي شيء بقي؟ ،. ولأنها محبوسة عن النكاح لحقه، أشبه ~~ما لو كان الطلاق رجعيا؛ ولأنها معتدة في حقه، أشبهت الرجعية، وفارق ~~المطلقة قبل الدخول بها. ### | [فصل أسلم زوج المجوسية أو الوثنية] # (5313) فصل: ولو أسلم زوج المجوسية أو الوثنية، أو انفسخ النكاح بين ~~الزوجين بخلع أو رضاع أو فسخ بعيب أو إعسار أو غيره، لم يكن له أن يتزوج ~~أحدا ممن يحرم الجمع بينه وبين زوجته حتى تنقضي عدتها سواء قلنا بتعجيل ~~الفرقة أو لم نقل. وإن أسلمت زوجته، فتزوج أختها في عدتها، ثم أسلما في عدة ~~الأولى اختار منهما واحدة، كما لو تزوجهما معا. وإن أسلم بعد انقضاء عدة ~~الأولى، بانت، وثبت نكاح الثانية. ### | [فصل أعتق أم ولده أو أمة كان يصيبها] # (5314) فصل: إذا أعتق أم ولده أو أمة كان يصيبها فليس له أن يتزوج أختها ~~حتى ينقضي استبراؤها. نص عليه أحمد في أم الولد، وقال أبو يوسف، ومحمد بن ~~الحسن: يجوز؛ لأنها ليست زوجة، ولا في عدة من نكاح ولنا، أنها معتدة منه، ~~فلم يجز له نكاح أختها، كالمعتدة من نكاح أو وطء بشبهة؛ ولأنه لا يأمن أن ~~يكون ماؤه في رحمها، فيكون داخلا في عموم من جمع ماءه في رحم أختين، ولا ~~يمنع من نكاح أربع سواها. # ومنعه زفر وهو غلط؛ لأن ذلك جائز قبل إعتاقها، فبعده أولى. ### | [فصل لا ms3576 يمنع من نكاح أمة في عدة حرة بائن] # (5315) فصل: ولا يمنع من نكاح أمة في عدة حرة بائن ومنعه أبو حنيفة، كما ~~يحرم عليه أن يتزوجها في صلب نكاحها، # PageV07P089 # ولنا أنه عادم للطول، خائف للعنت، فأبيح له نكاحها، لقوله تعالى: {ومن لم ~~يستطع منكم طولا} [النساء: 25] الآية ولا نسلم أنه لا يجوز في صلب نكاح ~~الحرة، بل يجوز إذا تحقق الشرطان. ### | [فصل إن زنى بامرأة فليس له أن يتزوج بأختها] # (5316) فصل: وإن زنى بامرأة، فليس له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها، ~~وحكم العدة من الزنا والعدة من وطء الشبهة كحكم العدة من النكاح فإن زنى ~~بأخت امرأته فقال أحمد: يمسك عن وطء امرأته حتى تحيض ثلاث حيض وقد ذكر عنه ~~في المزني بها أنها تستبرأ بحيضة؛ لأنه وطء من غير نكاح، ولا أحكامه أحكام ~~النكاح. ويحتمل أن لا تحرم بذلك أختها، ولا أربع سواها؛ لأنها ليست منكوحة، ~~ومجرد الوطء لا يمنع، بدليل الوطء في ملك اليمين لا يمنع أربعا سواها. ### | [فصل ادعى الزوج أن امرأته أخبرته بانقضاء عدتها في مدة يجوز انقضاؤها فيها وكذبته] # (5317) فصل: وإذا ادعى الزوج أن امرأته أخبرته بانقضاء عدتها في مدة يجوز ~~انقضاؤها فيها، وكذبته أبيح له نكاح أختها وأربع سواها في الظاهر، فأما في ~~الباطن فيبنى على صدقه في ذلك؛ لأنه حق فيما بينه وبين الله تعالى، فيقبل ~~قوله فيه، ولا يصدق في نفي نفقتها وسكناها ونفي النسب؛ لأنه حق لها ~~ولولدها، فلا يقبل قوله فيه. # وبه قال الشافعي وغيره. وقال زفر: لا يصدق في شيء؛ لأنه قول واحد لا يصدق ~~في بعض حكمه، فلا يصدق في البعض الآخر، قياسا لأحدهما على الآخر، وذلك لأنه ~~لا يمكن أن يكون القول الواحد صدقا وكذبا، ولنا أنه قول يتضمن إبطال حق ~~لغيره، وحقا له لا ضرر على غيره فيه، فوجب أن يصدق في أحدهما دون الآخر، ~~كما لو اشترى عبدا ثم أقر أن البائع كان أعتقه، صدق في حريته، ولم يصدق في ~~الرجوع بثمنه. وكما لو ms3577 أقر أن امرأته أخته من الرضاع قبل الدخول، صدق في ~~بينونتها وتحريمها عليه، ولم يصدق في سقوط مهرها. ### | [مسألة خطب امرأة فزوج بغيرها] # (5318) مسألة: قال: (ومن خطب امرأة فزوج بغيرها، لم ينعقد النكاح) معنى ~~ذلك أن يخطب الرجل امرأة بعينها، فيجاب إلى ذلك، ثم يوجب له النكاح في ~~غيرها، وهو يعتقد أنها التي خطبها، فيقبل، فلا ينعقد النكاح؛ لأن القبول ~~انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه، فلم يصح، كما لو ساومه بثوب وأوجب العقد ~~في غيره بغير علم المشتري، فلو علم الحال بعد ذلك، # PageV07P090 # فرضي، لم يصح. قال أحمد، في رجل خطب جارية، فزوجوه أختها، ثم علم بعد: ~~يفرق بينهما، ويكون الصداق على وليها؛ لأنه غره، ويجهز إليه أختها التي ~~خطبها بالصداق الأول، فإن كانت تلك قد ولدت منه، يلحق به الولد. # وقوله: يجهز إليه أختها يعني - والله أعلم - بعقد جديد، بعد انقضاء عدة ~~هذه إن كان أصابها؛ لأن العقد الذي عقده لم يصح في واحدة منهما؛ لأن ~~الإيجاب صدر في إحداهما، والقبول في الأخرى، فلم ينعقد في هذه ولا في تلك ~~فإن اتفقوا على تجديد عقد في إحداهما أيتهما كان، جاز. وقال أحمد في رجل ~~تزوج امرأة فأدخلت عليه أختها: لها المهر بما أصاب منها، ولأختها المهر. ~~قيل: يلزمه مهران؟ قال: نعم، ويرجع على وليها، هذه مثل التي بها برص أو ~~جذام. علي يقول: ليس عليه غرم وهذا ينبغي أن يكون في امرأة جاهلة بالحال أو ~~بالتحريم. # أما إذا علمت أنها ليست زوجة، وأنها محرمة عليه، وأمكنته من نفسها، فلا ~~ينبغي أن يجب لها صداق؛ لأنها زانية مطاوعة، فأما إن جهلت الحال فلها ~~المهر، ويرجع به على من غره، وروي عن علي - رضي الله عنه - في رجلين تزوجا ~~امرأتين، فزفت كل امرأة إلى زوج الأخرى: لهما الصداق، ويعتزل كل واحد منهما ~~امرأته حتى تنقضي عدتها. وبه قال النخعي والشافعي، وإسحاق وأصحاب الرأي. ### | [فصل من شرط صحة النكاح تعيين الزوجين] # (5319) فصل: من شرط صحة النكاح تعيين الزوجين؛ لأن كل ms3578 عاقد ومعقود عليه ~~يجب تعيينهما، كالمشتري والمبيع، ثم ينظر، فإن كانت المرأة حاضرة، فقال: ~~زوجتك هذه صح، فإن الإشارة تكفي في التعيين، فإن زاد على ذلك، فقال: بنتي ~~هذه، أو هذه فلانة كان تأكيدا، وإن كانت غائبة فقال: زوجتك بنتي وليس له ~~سواها جاز. فإن سماها باسمها مع ذلك، كان تأكيدا. فإن كان له ابنتان أو ~~أكثر، فقال: زوجتك ابنتي لم يصح حتى يضم إلى ذلك ما تتميز به، من اسم أو ~~صفة، فيقول: زوجتك ابنتي الكبرى أو الوسطى أو الصغرى فإن سماها مع ذلك كان ~~تأكيدا # وإن قال: زوجتك ابنتي عائشة أو فاطمة صح، وإن كانت له ابنة واحدة اسمها ~~فاطمة، فقال: زوجتك فاطمة لم يصح؛ لأن هذا الاسم مشترك بينها وبين سائر ~~الفواطم، حتى يقول مع ذلك: ابنتي. # وقال بعض الشافعية: يصح إذا نوياها جميعا. وليس بصحيح؛ لأن النكاح تعتبر ~~فيه الشهادة على وجه يمكن أداؤها إذا ثبت به العقد، وهذا متعذر في النية، ~~ولذلك لو قال: زوجتك ابنتي وله بنات لم يصح حتى يميزها بلفظه وإن قال: ~~زوجتك فاطمة ابنة فلان احتاج أن يرفع في نسبها حتى يبلغ ما تتميز به عن ~~النساء. # PageV07P091 ### | [فصل له ابنتان كبرى وصغرى فقال زوجتك الكبرى وقبل الزوج ذلك وهما ينويان الصغرى] # (5320) فصل: فإن كان له ابنتان، كبرى اسمها عائشة وصغرى اسمها فاطمة ~~فقال: زوجتك ابنتي عائشة وقبل الزوج ذلك، وهما ينويان الصغرى، لم يصح. ذكره ~~أبو حفص وقال القاضي: يصح في التي نوياها، وهذا غير صحيح، لوجهين: أحدهما: ~~أنهما لم يتلفظا بما يصح العقد بالشهادة عليه، فأشبه ما لو قال: زوجتك ~~عائشة فقط أو ما لو قال: زوجتك ابنتي ولم يسمها، وإذا لم يصح فيما إذا لم ~~يسمها، ففيما إذا سماها بغير اسمها أولى أن لا يصح والثاني: أنه لا يصح ~~النكاح حتى تذكر المرأة بما تتميز به ولم يوجد ذلك، فإن اسم أختها لا ~~يميزها، بل يصرف العقد عنها. # وإن كان الولي يريد الكبرى، والزوج يقصد الصغرى، لم يصح، كمسألة ms3579 الخرقي، ~~فيما إذا خطب امرأة وزوج غيرها؛ لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب ~~فيه، ويحتمل أن يصح إذا لم يتقدم ذلك ما يصرف القبول إلى الصغرى، من خطبة ~~ونحوها، فإن العقد بلفظه متناول للكبرى، ولم يوجد ما يصرفه عنها، فصح، كما ~~لو نوياها. ولو نوى الولي الصغرى، والزوج الكبرى، أو نوى الولي الكبرى، ولم ~~يدر الزوج أيتهما هي، فعلى الأول لا يصح التزويج، لعدم النية منهما في التي ~~يتناولها لفظهما. # وعلى الاحتمال الذي ذكرناه يصح في المعينة باللفظ، لما ذكرناه. ### | [فصل كان له ابنة واحدة فقال لرجل زوجتك ابنتي وسماها بغير اسمها] # (5321) فصل: فإن كان له ابنة واحدة، فقال لرجل: زوجتك ابنتي وسماها بغير ~~اسمها، فقال القاضي: يصح وهو قول أصحاب الشافعي؛ لأن قوله ابنتي آكد من ~~التسمية؛ لأنها لا مشاركة فيها، والاسم مشترك. ولو قال: زوجتك هذه وأشار ~~إليها، وسماها بغير اسمها، يجب أن يصح على هذا التعليل. ### | [فصل قال زوجتك حمل هذه المرأة] # (5322) فصل: ولو قال: زوجتك حمل هذه المرأة لم يصح؛ لأنه لم يثبت له حكم ~~البنات قبل الظهور، في غير الإرث والوصية؛ ولأنه لم يتحقق أن في البطن ~~بنتا، فأشبه ما لو قال: زوجتك من في هذه الدار، وهما لا يعلمان من فيها. ~~ولو قال: إذا ولدت امرأتي بنتا زوجتكها. لم يصح؛ لأنه تعليق للنكاح على ~~شرط، والنكاح لا يتعلق على شرط؛ ولأن هذا مجرد وعد لا ينعقد به عقد. ### | [تزوجها وشرط لها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها] # قال: (وإذا تزوجها، وشرط لها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها فلها شرطها ~~لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أحق ما أوفيتم به من ~~الشروط ما استحللتم به الفروج» وإن تزوجها، وشرط لها أن لا يتزوج عليها، ~~فلها فراقه إذا تزوج عليها) # PageV07P092 # وجملة ذلك أن الشروط في النكاح تنقسم أقساما ثلاثة، أحدها ما يلزم الوفاء ~~به، وهو ما يعود إليها نفعه وفائدته، مثل أن يشترط لها أن لا يخرجها ms3580 من ~~دارها أو بلدها أو لا يسافر بها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرى عليها، فهذا ~~يلزمه الوفاء لها به، فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح. يروى هذا عن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية وعمرو بن العاص - رضي ~~الله عنهم - وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وطاوس، ~~والأوزاعي، وإسحاق. وأبطل هذه الشروط الزهري، وقتادة وهشام بن عروة ومالك، ~~والليث، والثوري، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. قال أبو حنيفة، ~~والشافعي: ويفسد المهر دون العقد، ولها مهر المثل. واحتجوا بقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة ~~شرط» وهذا ليس في كتاب الله. # لأن الشرع لا يقتضيه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «المسلمون على ~~شروطهم، إلا شرطا أحل حراما، أو حرم حلالا» وهذا يحرم الحلال، وهو التزويج ~~والتسري والسفر؛ ولأن هذا شرط ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه، ولم يبن على ~~التغليب والسراية، فكان فاسدا، كما لو شرطت أن لا تسلم نفسها. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما ~~استحللتم به الفروج» رواه سعيد وفي لفظ: «إن أحق الشروط أن توفوا بها، ما ~~استحللتم به الفروج» متفق عليه # وأيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «المسلمون على شروطهم» ولأنه قول ~~من سمينا من الصحابة، ولا نعلم لهم مخالفا في عصرهم، فكان إجماعا. وروى ~~الأثرم بإسناده: أن رجلا تزوج امرأة، وشرط لها دارها، ثم أراد نقلها، ~~فخاصموه إلى عمر فقال: لها شرطها فقال الرجل: إذا تطلقينا. فقال عمر: مقاطع ~~الحقوق عند الشروط؛ ولأنه شرط لها فيه منفعة ومقصود لا يمنع المقصود من ~~النكاح، فكان لازما، كما لو شرطت عليه زيادة في المهر أو غير نقد البلد. ~~وقوله - عليه السلام - «كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل» أي: ليس في حكم ~~الله وشرعه، وهذا مشروع وقد ذكرنا ما دل على مشروعيته وعلى من ادعى الخلاف ms3581 ~~في مشروعيته وعلى من نفى ذلك الدليل، وقولهم: إن هذا يحرم الحلال. # قلنا: لا يحرم حلالا، وإنما يثبت للمرأة خيار الفسخ إن لم يف لها به. ~~وقولهم: ليس من مصلحته قلنا: لا نسلم ذلك فإنه من مصلحة المرأة، وما كان من ~~مصلحة العاقد كان من مصلحة عقده، كاشتراط الرهن والضمين في البيع، ثم يبطل ~~بالزيادة على مهر المثل. وشرط غير نقد البلد # PageV07P093 # فإذا ثبت أنه شرط لازم فلم يف لها به، فلها الفسخ، ولهذا قال الذي قضى ~~عليه عمر بلزوم الشرط: إذا تطلقنا فلم يلتفت عمر إلى ذلك، وقال: مقاطع ~~الحقوق عند الشروط؛ ولأنه شرط لازم في عقد فيثبت حق الفسخ بترك الوفاء به، ~~كالرهن والضمين في البيع. ### | [فصل شرطت عليه أن يطلق ضرتها] # فصل: فإن شرطت عليه أن يطلق ضرتها لم يصح الشرط لما روى أبو هريرة قال: ~~«نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تشترط المرأة طلاق أختها» وفي لفظ أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما ~~في صحفتها ولتنكح فإن لها ما قدر لها» رواهما البخاري. والنهي يقتضي فساد ~~المنهي عنه؛ ولأنها شرطت عليه فسخ عقده، وإبطال حقه وحق امرأته، فلم يصح، ~~كما لو شرطت عليه فسخ بيعه. وقال أبو الخطاب: هو شرط لازم؛ لأنه لا ينافي ~~العقد، ولها فيه فائدة، فأشبه ما لو شرطت عليه أن لا يتزوج عليها. # ولم أر هذا لغيره، وقد ذكرنا ما يدل على فساده، وعلى قياس هذا لو شرطت ~~عليه بيع أمته. # ما يبطل الشرط، ويصح العقد، مثل أن يشترط أن لا مهر لها، أو أن لا ينفق ~~عليها أو إن أصدقها رجع عليها، أو تشترط عليه أن لا يطأها، أو يعزل عنها أو ~~يقسم لها أقل من قسم صاحبتها أو أكثر أو لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة، ~~أو شرط لها النهار دون الليل، أو شرط على المرأة أن تنفق عليه أو تعطيه ~~شيئا. فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها؛ لأنها تنافي ms3582 مقتضى العقد؛ ولأنها ~~تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده، فلم يصح، كما لو أسقط الشفيع ~~شفعته قبل البيع، فأما العقد في نفسه فصحيح؛ لأن هذه الشروط تعود إلى معنى ~~زائد في العقد، لا يشترط ذكره، ولا يضر الجهل به، فلم يبطله. # كما لو شرط في العقد صداقا محرما؛ ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض، فجاز ~~أن ينعقد مع الشرط الفاسد، كالعتاق وقد نص أحمد في رجل تزوج امرأة، وشرط ~~عليها أن يبيت عندها في كل جمعة ليلة، ثم رجعت وقالت: لا أرضى إلا ليلة ~~وليلة فقال: لها أن تنزل بطيب نفس منها، فإن ذلك جائز، وإن قالت: لا أرضى ~~إلا بالمقاسمة كان ذلك حقا لها، تطالبه إن شاءت، ونقل عنه الأثرم في الرجل ~~يتزوج المرأة ويشترط عليها أن يأتيها في الأيام يجوز الشرط، فإن شاءت رجعت، ~~وقال في الرجل يتزوج المرأة على أن تنفق عليه في كل شهر خمسة دراهم، أو ~~عشرة دراهم، # PageV07P094 # النكاح جائز ولها أن ترجع في هذا الشرط. # وقد نقل عن أحمد كلام في بعض هذه الشروط. # يحتمل إبطال العقد، نقل عنه المروزي في النهاريات والليليات: ليس هذا من ~~نكاح أهل الإسلام، وممن كره تزويج النهاريات حماد بن أبي سليمان وابن شبرمة ~~وقال الثوري: الشرط باطل. وقال أصحاب الرأي: إذا سألته أن يعدل لها، عدل. ~~وكان الحسن، وعطاء لا يريان بنكاح النهاريات بأسا وكان الحسن لا يرى بأسا ~~أن يتزوجها، على أن يجعل لها من الشهر أياما معلومة، ولعل كراهة من كره ذلك ~~راجع إلى إبطال الشرط، وإجازة من أجازه راجع إلى أصل النكاح، فتكون أقوالهم ~~متفقة على صحة النكاح وإبطال الشرط، كما قلنا. والله أعلم. # وقال القاضي: إنما كره أحمد هذا النكاح؛ لأنه يقع على وجه السر، ونكاح ~~السر منهي عنه، فإن شرط عليه ترك الوطء، احتمل أن يفسد العقد؛ لأنه شرط ~~ينافي المقصود من النكاح، وهذا مذهب الشافعي، وكذلك إن شرط عليه أن لا تسلم ~~إليه، فهو بمنزلة ما لو اشترى شيئا على أن ms3583 لا يقبضه وإن شرط عليها أن لا ~~يطأها، لم يفسد؛ لأن الوطء حقه عليها، وهي لا تملكه عليه ويحتمل أن يفسد؛ ~~لأن لها فيه حقا، ولذلك تملك مطالبته به إذا آلى، والفسخ إذا تعذر بالجب ~~والعنة. # القسم الثالث: ما يبطل النكاح من أصله، مثل أن يشترطا تأقيت النكاح، وهو ~~نكاح المتعة أو أن يطلقها في وقت بعينه، أو يعلقه على شرط، مثل أن يقول: ~~زوجتك إن رضيت أمها أو فلان أو يشترط الخيار في النكاح لهما، أو لأحدهما، ~~فهذه شروط باطلة في نفسها، ويبطل بها النكاح. وكذلك إن جعل صداقها تزويج ~~امرأة أخرى، وهو نكاح الشغار ونذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. # وذكر أبو الخطاب فيما إذا شرط الخيار، إن رضيت أمها أو إن جاءها بالمهر ~~في وقت كذا، وإلا فلا نكاح بينهما، روايتين. # إحداهما: النكاح صحيح والشرط باطل. وبه قال أبو ثور فيما إذا شرط الخيار ~~وحكاه عن أبي حنيفة وزعم أنه لا خلاف فيها، وقال ابن المنذر: قال أحمد ~~وإسحاق إذا تزوجها على أنه إن جاء بالمهر في وقت كذا وكذا وإلا فلا نكاح ~~بينهما، الشرط باطل والعقد جائز وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة والأوزاعي ~~وروي ذلك عن الزهري وروى ابن منصور عن أحمد في هذا، أن العقد والشرط جائزان ~~لقوله - عليه السلام - «المسلمون على شروطهم» . # PageV07P095 # والرواية الأخرى: يبطل العقد من أصله في هذا كله؛ لأن النكاح لا يكون إلا ~~لازما، وهذا يوجب جوازه؛ ولأنه إذا قال: إن رضيت أمها، أو إن جئتني بالمهر ~~في وقت كذا فقد وقف النكاح على شرط ولا يجوز وقفه على شرط وهذا قول ~~الشافعي، ونحوه عن مالك وأبي عبيد. ### | [فصل شرط الخيار في الصداق خاصة] # (5325) فصل: وإن شرط الخيار في الصداق خاصة لم يفسد النكاح؛ لأن النكاح ~~ينفرد عن ذكر الصداق، ولو كان الصداق حراما أو فاسدا لم يفسد النكاح، فلأن ~~لا يفسد بشرط الخيار فيه أولى، ويخالف البيع فإنه إذا فسد أحد العوضين فيه ~~فسد الآخر. فإذا ثبت ms3584 هذا، ففي الصداق ثلاثة أوجه، أحدها: يصح الصداق، ويبطل ~~شرط الخيار، كما يفسد الشرط في النكاح، ويصح النكاح. والثاني: يصح، ويثبت ~~الخيار فيه؛ لأن عقد الصداق عقد منفرد يجري مجرى الأثمان، فثبت فيه الخيار ~~كالبياعات. والثالث: يبطل الصداق؛ لأنها لم ترض به، فلم يلزمها، كما لو لم ~~يوافقه على شيء. ### | [من أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها] # (5326) قال: (ومن أراد أن يتزوج امرأة، فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو ~~بها) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد ~~نكاحها وقد روى جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا خطب ~~أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل قال: ~~فخطبت امرأة، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، ~~فتزوجتها» . رواه أبو داود وفي هذا أحاديث كثيرة سوى هذا؛ ولأن النكاح عقد ~~يقتضي التمليك، فكان للعاقد النظر إلى المعقود عليه، كالنظر إلى الأمة ~~المستامة ولا بأس بالنظر إليها بإذنها وغير إذنها. # لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالنظر وأطلق، وفي حديث جابر: " ~~فكنت أتخبأ لها " وفي حديث عن المغيرة بن شعبة، أنه استأذن أبويها في النظر ~~إليها، فكرها، فأذنت له المرأة رواه سعيد ولا يجوز له الخلوة بها؛ لأنها ~~محرمة ولم يرد الشرع بغير النظر، فبقيت على التحريم؛ ولأنه لا يؤمن مع ~~الخلوة مواقعة المحظور، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يخلون ~~رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان» ولا ينظر إليها نظر تلذذ وشهوة، ولا ~~لريبة قال أحمد في رواية # PageV07P096 # صالح # ينظر إلى الوجه ولا يكون عن طريق لذة وله أن يردد النظر إليها، ويتأمل ~~محاسنها؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك. (5327) فصل: ولا خلاف بين أهل ~~العلم في إباحة النظر إلى وجهها، وذلك لأنه ليس بعورة، وهو مجمع المحاسن، ~~وموضع النظر ولا يباح له النظر إلى ما لا يظهر عادة وحكي عن الأوزاعي أنه ~~ينظر ms3585 إلى مواضع اللحم وعن داود أنه ينظر إلى جميعها، لظاهر قوله - عليه ~~السلام - انظر إليها ولنا قول الله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها} [النور: 31] وروي عن ابن عباس أنه قال: الوجه، وباطن الكف. # ولأن النظر محرم أبيح للحاجة، فيختص بما تدعو الحاجة إليه، وهو ما ذكرنا. ~~والحديث مطلق، ومن نظر إلى وجه إنسان سمي ناظرا إليه، ومن رآه وعليه أثوابه ~~سمي رائيا له، كما قال الله تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} ~~[المنافقون: 4] {وإذا رآك الذين كفروا} [الأنبياء: 36] فأما ما يظهر غالبا ~~سوى الوجه، كالكفين والقدمين ونحو ذلك، مما تظهره المرأة في منزلها ففيه ~~روايتان؛ إحداهما: لا يباح النظر إليه؛ لأنه عورة فلم يبح النظر إليه، ~~كالذي لا يظهر، فإن عبد الله روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«المرأة عورة» حديث حسن ولأن الحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه. # فبقي ما عداه على التحريم والثانية: له النظر إلى ذلك. قال أحمد في رواية ~~حنبل: لا بأس أن ينظر إليها، وإلى ما يدعوه إلى نكاحها، من يد أو جسم ونحو ~~ذلك. # قال أبو بكر: لا بأس أن ينظر إليها عند الخطبة حاسرة. وقال الشافعي: ينظر ~~إلى الوجه والكفين. ووجه جواز النظر ما يظهر غالبا، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما أذن في النظر إليها من غير علمها، علم أنه أذن في النظر ~~إلى جميع ما يظهر عادة إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في ~~الظهور؛ ولأنه يظهر غالبا، فأبيح النظر إليه كالوجه. # ولأنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إلى ~~ذلك، كذوات المحارم. وقد روى سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر ~~قال: خطب عمر بن الخطاب ابنة علي فذكر منها صغرا، فقالوا له: إنما ردك ~~فعاوده، فقال: نرسل بها إليك تنظر إليها فرضيها، فكشف عن ساقها. فقالت: ~~أرسل، فلولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك. # PageV07P097 ### | [فصل للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبا] ms3586 # (5328) فصل: ويحوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبا ~~كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك وليس له النظر إلى ما يستتر ~~غالبا، كالصدر والظهر ونحوهما. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الرجل ~~ينظر إلى شعر امرأة أبيه أو امرأة ابنه. فقال: هذا في القرآن: {ولا يبدين ~~زينتهن} [النور: 31] إلا لكذا وكذا قلت: ينظر إلى ساق امرأة أبيه وصدرها ~~قال: لا ما يعجبني ثم قال: أنا أكره أن ينظر من أمه وأخته إلى مثل هذا، ~~وإلى كل شيء لشهوة. وذكر القاضي أن حكم الرجل مع ذوات محارمه حكم الرجل مع ~~الرجل، والمرأة مع المرأة. وقال أبو بكر: كراهية أحمد النظر إلى ساق أمه ~~وصدرها على التوقي؛ لأن ذلك يدعو إلى الشهوة يعني أنه يكره ولا يحرم. ومنع ~~الحسن والشعبي والضحاك، النظر إلى شعر ذوات المحارم فروي عن هند ابنة ~~المهلب قالت: قلت للحسن: ينظر الرجل إلى قرط أخته أو إلى عنقها؟ قال: لا، ~~ولا كرامة. وقال الضحاك: لو دخلت على أمي لقلت: أيتها العجوز، غطي شعرك. ~~والصحيح أنه يباح النظر إلى ما يظهر غالبا، لقول الله تعالى: {ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن} [النور: 31] الآية وقالت سهلة بنت سهيل: «يا رسول ~~الله إنا كنا نرى سالما ولدا، كان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ~~ويراني فضلا وقد أنزل الله تعالى فيهم ما علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أرضعيه فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ~~ولدها» رواه أبو داود وغيره وهذا دليل على أنه كان ينظر منها إلى ما يظهر ~~غالبا، فإنها قالت: يراني فضلا ومعناه في ثياب البذلة التي لا تستر ~~أطرافها. # وقال امرؤ القيس: # فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل # ومثل هذا يظهر منه الأطراف والشعر، فكان يراها كذلك إذا اعتقدته ولدا، ثم ~~دلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما يستديمون به ما كانوا يعتقدونه ~~ويفعلونه. وروى الشافعي في " مسنده " عن زينب بنت أبي سلمة، ms3587 أنها ارتضعت من ~~أسماء امرأة الزبير قالت: فكنت أراه أبا، وكان يدخل علي وأنا أمشط رأسي، ~~فيأخذ ببعض قرون رأسي، ويقول: أقبلي علي. # PageV07P098 # ولأن التحرز من هذا لا يمكن. # فأبيح كالوجه، وما لا يظهر غالبا لا يباح؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى نظره، ~~ولا تؤمن معه الشهوة ومواقعة المحظور، فحرم النظر إليه كما تحت السرة ~~(5329) فصل: وذوات محارمه: كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد، بنسب أو ~~رضاع أو تحريم المصاهرة بسبب مباح لما ذكرنا من حديث سالم وزينب. وعن عائشة ~~«أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعد ما أنزل الحجاب، فأبت أن تأذن ~~له، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ائذني له، فإنه عمك، تربت يمينك» ~~متفق عليه # وقد ذكر الله تعالى آباء بعولتهن، وأبناء بعولتهن، كما ذكر آباءهن ~~وأبناءهن في إبداء الزينة لهم وتوقف أحمد عن النظر إلى شعر أم امرأته ~~وبنتها؛ لأنهما غير مذكورتين في الآية قال القاضي: إنما حكى سعيد بن جبير ~~ولم يأخذ به وقد صرح في رواية المروذي أنه محرم يجوز له المسافرة بها وقال، ~~في رواية أبي طالب: ساعة يعقد عقدة النكاح تحرم عليه أم امرأته، فله أن يرى ~~شعرها ومحاسنها، ليست مثل التي يزني بها، لا يحل له أبدا أن ينظر إلى ~~شعرها، ولا إلى شيء من جسدها، وهي حرام عليه. ### | [فصل أم المزني بها وابنتها لا يحل له النظر إليهن وإن حرم نكاحهن] # (5330) فصل: فأما أم المزني بها وابنتها، فلا يحل له النظر إليهن، وإن ~~حرم نكاحهن؛ لأن تحريمهن بسبب محرم، فلم يفد إباحة النظر، كالمحرمة ~~باللعان، وكذلك بنت الموطوءة بشبهة وأمها، ليست من ذوات محارمه وكذلك ~~الكافر ليس بمحرم لقرابته المسلمة. قال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت ~~بنته: لا يسافر بها، ليس هو محرما لها. والظاهر أنه أراد ليس محرما لها في ~~السفر، أما النظر فلا يجب عليها الحجاب منه «؛ لأن أبا سفيان أتى المدينة ~~وهو مشرك، فدخل على ابنته أم حبيبة فطوت فراش رسول الله - صلى الله ms3588 عليه ~~وسلم - لئلا يجلس عليه، ولم تحتجب منه، ولا أمرها بذلك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -» . ### | [فصل عبد المرأة له النظر إلى وجهها وكفيها] # (5331) فصل: وعبد المرأة له النظر إلى وجهها وكفيها لقول الله تعالى {أو ~~ما ملكت أيمانهن} [النور: 31] وروت أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال «إذا كان لإحداكن مكاتب، فملك ما يؤدي، فلتحتجب منه» قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وعن أبي قلابة قال: كان أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار رواه سعيد في (سننه) وعن ~~أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى ~~فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ ~~رأسها، فلما # PageV07P099 # رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تلقى، قال: إنه ليس عليك بأس، ~~إنما هو أبوك وغلامك» رواه أبو داود وكره أبو عبد الله له أن ينظر إلى شعر ~~مولاته وهو قول سعيد بن المسيب وطاوس ومجاهد والحسن وأباح له ذلك ابن عباس ~~لما ذكرنا من الآيتين والخبرين؛ ولأن الله تعالى قال: {ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} [النور: 58] إلى ~~قوله: {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض} ~~[النور: 58] ولأنه يشق التحرز منه، فأبيح له ذلك كذوي المحارم. # وقال أصحاب الشافعي: هو محرم حكمه حكم المحارم من الأقارب، في أحد ~~الوجهين لما ذكرنا من الدليل؛ ولأنه محرم عليها، فكان محرما كالأقارب ولنا ~~ما روى ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سفر المرأة مع ~~عبدها ضيعة» رواه سعيد؛ ولأنها لا تحرم عليه على التأبيد ولا يحل له ~~استمتاعها، فلم يكن محرما كزوج أختها؛ ولأنه غير مأمون عليها، إذ ليست ~~بينهما نفرة المحرمية، والملك لا يقتضي النفرة الطبيعية، بدليل السيد مع ~~أمته. وإنما أبيح له من النظر ما تدعو الحاجة إليه، كالشاهد والمبتاع ~~ونحوهما وجعله بعض أصحابنا ms3589 كالأجنبي، لما ذكرناه والصحيح ما قلنا إن شاء ~~الله تعالى. ### | [فصل الغلام ما دام طفلا غير مميز لا يجب الاستتار منه] # (5332) فصل: فأما الغلام، فما دام طفلا غير مميز، لا يجب الاستتار منه في ~~شيء، وإن عقل، ففيه روايتان إحداهما: حكمه حكم ذي المحرم في النظر. ~~والثانية: له النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة؛ لأن الله تعالى قال ~~{ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم} [النور: 58] ~~إلى قوله تعالى {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على ~~بعض} [النور: 58] إلى قوله: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما ~~استأذن الذين من قبلهم} [النور: 59] فدل على التفريق بين البالغ وغيره. # وقال أبو عبد الله: أبو طيبة حجم نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~غلام. ووجه الرواية الأولى قوله {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء} [النور: 31] وقيل لأبي عبد الله: متى تغطي المرأة رأسها من الغلام؟ ~~قال: إذا بلغ عشر سنين. ### | [فصل يباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه] # (5333) فصل: ويباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه ~~حتى الفرج لما روى بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده قال: «قلت: يا رسول الله، ~~عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال: احفظ عورتك، # PageV07P100 # إلا من زوجتك، وما ملكت يمينك» رواه الترمذي وقال: حديث حسن؛ ولأن الفرج ~~يحل له الاستمتاع به، فجاز النظر إليه ولمسه، كبقية البدن. # ويكره النظر إلى الفرج فإن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما رأيت فرج ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط رواه ابن ماجه وفي لفظ قالت: ما رأيته ~~من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا رآه مني. وقال أحمد في رواية جعفر ~~بن محمد في المرأة تقعد بين يدي زوجها وفي بيتها مكشوفة في ثياب رقاق: فلا ~~بأس به قلت: تخرج من الدار إلى بيت مكشوفة الرأس وليس في الدار إلا هي ~~وزوجها؟ فرخص في ذلك. ### | [فصل يباح للسيد النظر ms3590 إلى جميع بدن أمته] # (5334) فصل: ويباح للسيد النظر إلى جميع بدن أمته حتى فرجها لما ذكرنا في ~~الزوجين، وسواء في ذلك سريته وغيرها؛ لأنه مباح له الاستمتاع من جميع ~~بدنها، فأبيح له النظر إليه فإن زوج أمته حرم عليه الاستمتاع، والنظر منها ~~إلى ما بين السرة والركبة؛ لأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه، عن جده، قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره، فلا ~~ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة، فإنه عورة» . رواه أبو داود # ومفهومه إباحة النظر إلى ما عداه، وأما تحريم الاستمتاع بها فلا شك فيه ~~ولا اختلاف فإنها قد صارت مباحة للزوج، ولا تحل المرأة لرجلين فإن وطئها، ~~لزمه الإثم والتعزير، وإن ولدت فقال أحمد: لا يلحقه الولد؛ لأنها فراش ~~لغيره، فلم يلحقه ولدها، كالأجنبية. ### | [فصل من يباح له النظر من الأجانب] # (5335) فصل: في من يباح له النظر من الأجانب. ويباح للطبيب النظر إلى ما ~~تدعو إليه الحاجة من بدنها، من العورة وغيرها، فإنه موضع حاجة، وقد روي «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حكم سعدا في بني قريظة كان يكشف عن ~~مؤتزرهم» وعن عثمان أنه أتي بغلام قد سرق، فقال: انظروا إلى مؤتزره فلم ~~يجدوه أنبت الشعر، فلم يقطعه وللشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها، لتكون ~~الشهادة واقعة على عينها قال أحمد: لا يشهد على امرأة إلا أن يكون قد عرفها ~~بعينها وإن عامل امرأة في بيع أو إجارة. # فله النظر إلى وجهها، ليعلمها بعينها، فيرجع عليها بالدرك، وقد روي عن ~~أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز. ولعله كرهه لمن يخاف الفتنة، أو ~~يستغني عن المعاملة، فأما مع الحاجة وعدم الشهوة، فلا بأس. # PageV07P101 ### | [فصل نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب] # (5336) فصل: فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب، فإنه محرم إلى ~~جميعها، في ظاهر كلام أحمد. قال أحمد: لا يأكل مع مطلقته، هو أجنبي لا يحل ~~له أن ينظر إليها، كيف يأكل ms3591 معها ينظر إلى كفها؟ ، لا يحل له ذلك. وقال ~~القاضي: يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفين؛ لأنه عورة، ويباح له ~~النظر إليها مع الكراهة إذا أمن الفتنة، ونظر لغير شهوة. وهذا مذهب الشافعي ~~لقول الله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال ابن ~~عباس: الوجه والكفين وروت عائشة «أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في ثياب رقاق، فأعرض عنها، وقال: يا أسماء، إن ~~المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه ~~وكفيه» رواه أبو بكر، وغيره؛ ولأنه ليس بعورة، فلم يحرم النظر إليه بغير ~~ريبة، كوجه الرجل. # ولنا قول الله تعالى {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} ~~[الأحزاب: 53] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا كان لإحداكن مكاتب، ~~فملك ما يؤدي، فلتحتجب منه» «وعن أم سلمة، قالت: كنت قاعدة عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - احتجبن منه» رواه أبو داود «وكان الفضل بن عباس رديف رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فجاءته الخثعمية تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها ~~وتنظر إليه، فصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهه عنها» وعن جرير بن ~~عبد الله، قال «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظرة الفجاءة، ~~فأمرني أن أصرف بصري» حديث صحيح وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، ~~وليست لك الآخرة» رواهما أبو داود # وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها دليل على التحريم عند ~~عدم ذلك، إذ لو كان مباحا على الإطلاق، فما وجه التخصيص لهذه؟ ، وأما حديث ~~أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب، فنحمله عليه. # (5337) فصل: والعجوز التي لا يشتهى مثلها، لا بأس بالنظر إلى ما يظهر ~~منها غالبا؛ لقول الله تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا ms3592 يرجون نكاحا} ~~[النور: 60] الآية قال ابن عباس، في قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم} [النور: 30] {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور: 31] الآية # PageV07P102 # قال: فنسخ واستثنى من ذلك: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا} ~~[النور: 60] الآية وفي معنى ذلك الشوهاء التي لا تشتهى. ### | [فصل الأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبا] # (5338) فصل: والأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبا، كالوجه، والرأس، ~~واليدين، والساقين؛ لأن عمر - رضي الله عنه - رأى أمة متلثمة فضربها بالدرة ~~وقال: يا لكاع، تتشبهين بالحرائر. وروى أبو حفص بإسناده، أن عمر كان لا يدع ~~أمة تقنع في خلافته، وقال: إنما القناع للحرائر. ولو كان نظر ذلك منها ~~محرما لم يمنع من ستره، بل أمر به وقد روى أنس «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما أخذ صفية قال الناس: لا ندري، أجعلها أم المؤمنين، أم أم ولد؟ ~~فقالوا: إن حجبها فهي أم المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي أم ولد. فلما ركب، ~~وطأ لها خلفه، ومد الحجاب بينه وبين الناس» متفق عليه # وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا، وأن الحجب ~~لغيرهن كان معلوما. وقال أصحاب الشافعي: يباح النظر منها إلى ما ليس بعورة، ~~وهو ما فوق السرة وتحت الركبة وسوى بعض أصحابنا بين الحرة والأمة لقوله ~~تعالى {ولا يبدين زينتهن} [النور: 31] الآية؛ ولأن العلة في تحريم النظر ~~الخوف من الفتنة والفتنة المخوفة تستوي فيها الحرة والأمة، فإن الحرية حكم ~~لا يؤثر في الأمر الطبيعي، وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص، ويوجب الفرق ~~بينهما، وإن لم يفترقا فيما ذكروه افترقا في الحرمة، وفي مشقة الستر، لكن ~~إن كانت الأمة جميلة يخاف الفتنة بها، حرم النظر إليها، كما يحرم النظر إلى ~~الغلام الذي تخشى الفتنة بالنظر إليه. قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة: ~~تنتقب، ولا ينظر إلى المملوكة، كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل. ### | [فصل الطفلة التي لا تصلح للنكاح لا بأس بالنظر إليها] # (5339) فصل: فأما الطفلة التي لا ms3593 تصلح للنكاح، فلا بأس بالنظر إليها قال ~~أحمد، في رواية الأثرم في رجل يأخذ الصغيرة فيضعها في حجره، ويقبلها: فإن ~~كان يجد شهوة فلا، وإن كان لغير شهوة، فلا بأس. وقد روى أبو بكر بإسناده عن ~~عمر بن حفص المديني أن الزبير بن العوام أرسل بابنة له إلى عمر بن الخطاب ~~مع مولاة له، فأخذها عمر بيده، وقال: ابنة أبي عبد الله. فتحركت الأجراس من ~~رجلها فأخذها عمر فقطعها، وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مع ~~كل جرس شيطان» فأما إذا بلغت حدا تصلح للنكاح. # كابنة تسع، فإن عورتها مخالفة لعورة البالغة، بدليل قوله - عليه السلام ~~-: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» فدل على صحة الصلاة ممن لم تحض ~~مكشوفة الرأس، فيحتمل أن يكون حكمها حكم ذوات المحارم، كقولنا في الغلام ~~المراهق مع النساء. وقد روى أبو بكر عن ابن جريج، قال: قالت عائشة: دخلت ~~علي ابنة أخي # PageV07P103 # مزينة، فدخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعرض، فقلت: يا رسول ~~الله، إنها ابنة أخي وجارية فقال: «إذا عركت المرأة لم يجز لها أن تظهر إلا ~~وجهها وإلا ما دون هذا وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل ~~قبضة أخرى أو نحوها» # وذكر حديث أسماء: «إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا ~~وأشار إلى وجهه وكفيه» واحتج أحمد بهذا الحديث، وتخصيص الحائض بهذا التحديد ~~دليل على إباحة أكثر من ذلك في حق غيرها. ### | [فصل من ذهبت شهوته من الرجال لكبر أو عنة أو مرض لا يرجى برؤه] # (5340) فصل: ومن ذهبت شهوته من الرجال، لكبر، أو عنة، أو مرض لا يرجى ~~برؤه، أو الخصي، أو الشيخ، أو المخنث الذي لا شهوة له، فحكمه حكم ذي المحرم ~~في النظر لقول الله تعالى: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} ~~[النور: 31] أي: غير أولي الحاجة إلى النساء قال ابن عباس: هو الذي لا ~~تستحي منه النساء وعنه: هو المخنث الذي لا يقوم زبه وعن ms3594 مجاهد وقتادة الذي ~~لا أرب له في النساء فإن كان المخنث ذا شهوة. # ويعرف أمر النساء، فحكمه حكم غيره؛ لأن عائشة قالت: «دخل على أزواج النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - مخنث، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل علينا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ينعت امرأة، أنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، ~~وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا أرى هذا ~~يعلم ما هاهنا؟ لا يدخلن عليكم هذا فحجبوه» رواه أبو داود وغيره. قال ابن ~~عبد البر ليس المخنث الذي تعرف فيه الفاحشة خاصة، وإنما التخنيث شدة ~~التأنيث في الخلقة، حتى يشبه المرأة في اللين، والكلام، والنظر، والنغمة، ~~والعقل، فإذا كان كذلك، لم يكن له في النساء إرب، وكان لا يفطن لأمور ~~النساء، وهو من غير أولي الإربة الذين أبيح لهم الدخول على النساء، ألا ترى ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع ذلك المخنث من الدخول على نسائه، ~~فلما سمعه يصف ابنة غيلان، وفهم أمر النساء، أمر بحجبه؟ . # PageV07P104 ### | [فصل عورة الرجل مع الرجل] # (5341) فصل: فأما الرجل مع الرجل، فلكل واحد منهما النظر من صاحبه إلى ما ~~ليس بعورة وفي حدها روايتان إحداهما: ما بين السرة والركبة. والأخرى: ~~الفرجان. وقد ذكرناهما في كتاب الصلاة ولا فرق بين الأمرد وذي اللحية، إلا ~~أن الأمرد إن كان جميلا، يخاف الفتنة بالنظر إليه لم يجز تعمد النظر إليه. ~~وقد روي عن الشعبي قال: «قدم وفد عبد القيس على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وفيهم غلام أمرد، ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وراء ظهره» رواه أبو حفص. قال المروذي: سمعت أبا بكر الأعين يقول: قدم ~~علينا إنسان من خراسان، صديق لأبي عبد الله، ومعه غلام ابن أخت له، وكان ~~جميلا، فمضى إلى أبي عبد الله فحدثه، فلما قمنا خلا بالرجل، وقال له: من ~~هذا الغلام منك؟ قال: ابن أختي. قال: إذا جئتني لا يكون معك، والذي أرى لك ~~أن لا يمشي معك في طريق. فأما الغلام ms3595 الذي لم يبلغ سبعا فلا عورة له يحرم ~~النظر إليها وقد روي عن ابن أبي ليلى عن أبيه قال: «كنا جلوسا عند النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: فجاء الحسن فجعل يتمرغ عليه فوقع مقدم قميصه، ~~أراه قال: فقبل زبيبته.» رواه أبو حفص. ### | [فصل حكم نظر المرأة إلى المرأة] # (5342) فصل: وحكم المرأة مع المرأة حكم الرجل مع الرجل سواء، ولا فرق بين ~~المسلمتين، وبين المسلمة والذمية، كما لا فرق بين الرجلين المسلمين، وبين ~~المسلم والذمي، في النظر. قال أحمد: ذهب بعض الناس إلى أنها لا تضع خمارها ~~عند اليهودية والنصرانية، وأما أنا فأذهب إلى أنها لا تنظر إلى الفرج، ولا ~~تقبلها حين تلد. وعن أحمد رواية أخرى: أن المسلمة لا تكشف قناعها عند ~~الذمية، ولا تدخل معها الحمام. وهو قول مكحول وسليمان بن موسى # لقوله تعالى {أو نسائهن} [النور: 31] والأول أولى؛ لأن النساء الكوافر من ~~اليهوديات وغيرهن، قد كن يدخلن على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ~~يكن يحتجبن، ولا أمرن بحجاب وقد «قالت عائشة: جاءت يهودية تسألها، فقالت: ~~أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وذكر الحديث.» وقالت أسماء: «قدمت علي أمي، وهي راغبة - يعني عن الإسلام - ~~فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصلها؟ قال نعم» ؛ ولأن الحجب بين ~~الرجال والنساء لمعنى لا يوجد بين المسلمة والذمية، فوجب أن لا يثبت الحجب ~~بينهما، كالمسلم # PageV07P105 # مع الذمي؛ ولأن الحجاب إنما يجب بنص أو قياس ولم يوجد واحد منهما فأما ~~قوله {أو نسائهن} [النور: 31] فيحتمل أن يكون المراد به جملة النساء. ### | [فصل نظر المرأة إلى الرجل] # (5343) فصل: فأما نظر المرأة إلى الرجل، ففيه روايتان، إحداهما: لها ~~النظر إلى ما ليس بعورة. والأخرى: لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ~~ما ينظر إليه منها. اختاره أبو بكر وهذا أحد قولي الشافعي لما روى الزهري ~~عن نبهان عن أم سلمة قالت: «كنت قاعدة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنا وحفصة فاستأذن ابن ms3596 أم مكتوم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: احتجبن ~~منه فقلت: يا رسول الله، إنه ضرير لا يبصر قال: أفعمياوان أنتما لا ~~تبصرانه» رواه أبو داود، وغيره؛ ولأن الله تعالى أمر النساء بغض أبصارهن، ~~كما أمر الرجال به؛ ولأن النساء أحد نوعي الآدميين، فحرم، عليهن النظر إلى ~~النوع الآخر قياسا على الرجال، يحققه أن المعنى المحرم للنظر خوف الفتنة، ~~وهذا في المرأة أبلغ، فإنها أشد شهوة، وأقل عقلا، فتسارع الفتنة إليها ~~أكثر. ولنا «، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت قيس: اعتدي في ~~بيت ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك فلا يراك» متفق عليه # «. وقالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسترني بردائه، ~~وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد» متفق عليه «. ويوم فرغ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من خطبة العيد، مضى إلى النساء فذكرهن، ومعه بلال فأمرهن ~~بالصدقة» ؛ ولأنهن لو منعن النظر، لوجب على الرجال الحجاب، كما وجب على ~~النساء، لئلا ينظرن إليهم. فأما حديث نبهان فقال أحمد: نبهان روى حديثين ~~عجيبين. يعني هذا الحديث، وحديث: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فلتحتجب منه» ~~وكأنه أشار إلى ضعف حديثه. # إذ لم يرو إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول. وقال ابن عبد البر: نبهان ~~مجهول، لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث، وحديث فاطمة صحيح فالحجة ~~به لازمة ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كذلك قال أحمد وأبو داود قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كان حديث نبهان ~~لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة وحديث # PageV07P106 # فاطمة لسائر الناس؟ قال: نعم، وإن قدر التعارض فتقديم الأحاديث الصحيحة ~~أولى من الأخذ بحديث مفرد، في إسناده مقال. ### | [مسألة زوج أمته وشرط عليه أن تكون عندهم بالنهار ويبعث بها إليه بالليل] # (5344) مسألة: قال: (وإذا زوج أمته، وشرط عليه أن تكون عندهم بالنهار، ~~ويبعث بها إليه بالليل، فالعقد والشرط جائزان، وعلى الزوج النفقة مدة ~~مقامها عنده) أما الشرط: فصحيح؛ لأنه لا يخل بمقصود النكاح، ms3597 فإن الاستمتاع ~~إنما يكون ليلا، وإذا كان الشرط صحيحا لم يمنع صحة العقد، فيكونان صحيحين. ~~وعلى الزوج النفقة في الليل؛ لأنها سلمت إليه فيه، وليس عليه نفقة النهار؛ ~~لأنها في مقابلة الاستمتاع، وهو لا يتمكن من الاستمتاع بها في تلك الحال. # وإذا لم تجب نفقة النهار على الزوج، وجبت على السيد؛ لأنها في خدمته ~~حينئذ؛ ولأنها باقية على الأصل في وجوبها على السيد، فتكون نفقتها بينهما ~~نصفين وكذلك الكسوة. وقال بعض أصحاب الشافعي: ليس على الزوج شيء من النفقة؛ ~~لأنها لا تجب إلا بالتمكين التام، ولم يوجد، فلم يجب منها شيء كالحرة إذا ~~بذلت التسليم في بعض الزمان دون بعض. ولنا أن النفقة عوض في مقابلة ~~المنفعة، فوجب منها بقدر ما يستوفيه، كالأجرة في الإجارة، وفارقت الحرة؛ ~~لأن التسليم عليها واجب في جميع الزمان، فإذا امتنعت منه في البعض، فلم ~~تسلم ما وجب عليها تسليمه، وهاهنا قد سلم السيد جميع ما وجب عليه. # فصل: فإن زوجها من غير شرط فقال القاضي: الحكم فيه كما لو شرط، وله ~~استخدامها نهارا، وعليه إرسالها ليلا للاستمتاع بها؛ لأنه زمانه، وذلك لأن ~~السيد يملك من أمته منفعتين، منفعة الاستخدام والاستمتاع، فإذا عقد على ~~إحداهما، لم يلزمه تسليمها إلا في زمن استيفائها، كما لو أجرها للخدمة، لم ~~يلزمه تسليمها إلا في زمنها وهو النهار، والنفقة بينهما على قدر إقامتها ~~عندهما وإن تبرع السيد بإرسالها ليلا ونهارا، فالنفقة كلها على الزوج، وإن ~~تبرع الزوج بتركها عند السيد ليلا ونهارا، لم تسقط نفقتها عنه. # ولو تبرع كل واحد منهما بتركها عند الآخر، وتدافعاها، كانت نفقتها كلها ~~على الزوج؛ لأن الزوجية تقتضي وجوب النفقة، ما لم يمنع من استمتاعها، ~~عدوانا أو بشرط أو نحوه، ولذلك تجب نفقتها مع تعذر استمتاعها بمرض أو حيض ~~أو نحوهما فإذا لم يكن من السيد هاهنا منع # PageV07P107 # فالنفقة على الزوج؛ لوجود الزوجية المقتضية لها، وعدم المانع منها. ~~(5346) فصل: فإن أراد الزوج السفر بها، لم يملك ذلك؛ لأنه يفوت خدمتها ~~المستحقة لسيدها، وإن أراد ms3598 السيد السفر بها، فقد توقف أحمد عن ذلك، وقال: ~~ما أدري. # فيحتمل المنع منه؛ لأنه يفوت حق الزوج منها، فمنع منه، قياسا على ما لو ~~منعه منه مع الإقامة؛ ولأنه مالك لإحدى منفعتيها، فلم يملك منع الآخر من ~~السفر بها، كالسيد، وكما لو أجرها ثم أراد السفر بها ويحتمل أن له السفر ~~بها؛ لأنه مالك رقبتها، كسيد العبد إذا زوجه، وإن شرط الزوج أن تسلم إليه ~~الأمة ليلا ونهارا، جاز وعليه نفقتها كلها، وليس للسيد السفر بها؛ لأنه لا ~~حق له في نفعها. ### | [فصل يستحب لمن أراد التزوج أن يختار ذات الدين] # (5347) فصل: ويستحب لمن أراد التزوج أن يختار ذات الدين لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «تنكح المرأة لمالها، ولحسبها، ولجمالها ولدينها، فاظفر ~~بذات الدين تربت يداك» متفق عليه ويختار البكر لقول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أتزوجت يا جابر؟ قال: قلت: نعم قال: بكرا أم ثيبا؟ قال: قلت: ~~بل ثيبا قال: فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟» متفق عليه وعن عطاء عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواها وأنقى ~~أرحاما» رواه الإمام أحمد وفي رواية: «وأنتق أرحاما وأرضى باليسير» ويستحب ~~أن تكون من نساء يعرفن بكثرة الولادة لما روي عن أنس قال: «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيا شديدا، ويقول: ~~تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» رواه سعيد # وروى معقل بن يسار، قال: «جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب، إلا أنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فنهاه، ~~ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: تزوجوا الودود الولود، ~~فإني مكاثر بكم» رواه النسائي وعن علي بن الحسين، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «يا بني هاشم عليكم بنساء الأعاجم، فالتمسوا أولادهن فإن في ~~أرحامهن البركة» ويختار الجميلة؛ لأنها أسكن لنفسه، وأغض لبصره، وأكمل ~~لمودته، # PageV07P108 # ولذلك شرع النظر قبل النكاح. # وقد روي عن أبي بكر ms3599 بن محمد بن عمرو بن حزم عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «إنما النساء لعب، فإذا اتخذ أحدكم لعبة فليستحسنها» . # وعن أبي هريرة، قال: «قيل يا رسول الله: أي النساء خير؟ قال التي تسره ~~إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره» رواه ~~النسائي # وعن يحيى بن جعدة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «خير فائدة ~~أفادها المرء المسلم بعد إسلامه، امرأة جميلة، تسره إذا نظر إليها، وتطيعه ~~إذا أمرها، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها» رواه سعيد. ويختار ذات العقل، ~~ويجتنب الحمقاء؛ لأن النكاح يراد للعشرة، ولا تصلح العشرة مع الحمقاء ولا ~~يطيب العيش معها، وربما تعدى ذلك إلى ولدها. وقد قيل: اجتنبوا الحمقاء، فإن ~~ولدها ضياع، وصحبتها بلاء. ويختار الحسيبة، ليكون ولدها نجيبا، فإنه ربما ~~أشبه أهلها، ونزع إليهم. # وكان يقال: إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلى أبيها وأخيها. وعن عائشة، ~~قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «تخيروا لنطفكم، وانكحوا ~~الأكفاء، وأنكحوا إليهم» ويختار الأجنبية، فإن ولدها أنجب، ولهذا يقال: ~~اغتربوا لا تضووا يعني: انكحوا الغرائب كي لا تضعف أولادكم. وقال بعضهم: ~~الغرائب أنجب، وبنات العم أصبر؛ ولأنه لا تؤمن العداوة في النكاح، وإفضاؤه ~~إلى الطلاق، فإذا كان في قرابته أفضى إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها والله ~~أعلم. ### | [باب ما يحرم نكاحه والجمع بينه وغير ذلك] # التحريم للنكاح ضربان: تحريم عين، وتحريم جمع. ويتنوع أيضا نوعين: تحريم ~~نسب، وتحريم سبب. والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب: فقول ~~الله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] والآية التي قبلها والتي ~~بعدها، وأما السنة: فروى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: «لا يجمع الرجل ~~بين المرأة وعمتها، ولا بينها وبين خالتها» متفق عليه # وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» أخرجه مسلم وأجمعت الأمة على تحريم ~~ما نص الله تعالى على تحريمه. # PageV07P109 ### | [المحرمات ms3600 نكاحهن بالأنساب] # (5348) قال: (والمحرمات نكاحهن بالأنساب: الأمهات، والبنات، والأخوات، ~~والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. والمحرمات بالأسباب: الأمهات ~~المرضعات، والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء، وبنات النساء اللاتي دخل ~~بهن، وحلائل الأبناء، وزوجات الأب، والجمع بين الأختين) وجملة ذلك أن ~~المنصوص على تحريمهن في الكتاب أربع عشرة، سبع بالنسب، واثنتان بالرضاع، ~~وأربع بالمصاهرة، وواحدة بالجمع. فأما اللواتي بالنسب فأولهن الأمهات، وهن ~~كل من انتسبت إليها بولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة، وهي التي ~~ولدتك. # أو مجازا، وهي التي ولدت من ولدك وإن علت، من ذلك جدتاك: أم أمك وأم ~~أبيك، وجدتا أمك وجدتا أبيك، وجدات جداتك وجدات أجدادك وإن علون، وارثات كن ~~أو غير وارثات، كلهن أمهات محرمات ذكر أبو هريرة هاجر أم إسماعيل فقال: تلك ~~أمكم يا بني ماء السماء وفي الدعاء: اللهم صل على أبينا آدم وأمنا حواء. ~~والبنات، وهن كل أنثى انتسبت إليك بولادتك كابنة الصلب، وبنات البنين ~~والبنات، وإن نزلت درجتهن. # وارثات أو غير وارثات، كلهن بنات محرمات لقوله تعالى: {وبناتكم} [النساء: ~~23] فإن كل امرأة بنت آدم، كما أن كل رجل ابن آدم، قال الله تعالى {يا بني ~~آدم} [الأعراف: 26] والأخوات من الجهات الثلاث، من الأبوين أو من الأب، أو ~~من الأم لقوله تعالى: {وأخواتكم} [النساء: 23] ولا تفريع عليهن، والعمات ~~أخوات الأب من الجهات الثلاث، وأخوات الأجداد من قبل الأب ومن قبل الأم، ~~قريبا كان الجد أو بعيدا، وارثا أو غير وارث، لقوله تعالى: {وعماتكم} ~~[النساء: 23] والخالات أخوات الأم من الجهات الثلاث، وأخوات الجدات وإن ~~علون وقد ذكرنا أن كل جدة أم، فكذلك كل أخت لجدة خالة محرمة؛ لقوله تعالى ~~{وخالاتكم} [النساء: 23] وبنات الأخ، كل امرأة انتسبت إلى أخ بولادة فهي ~~بنت أخ محرمة من أي جهة كان الأخ # لقوله تعالى تعالى: {وبنات الأخ} [النساء: 23] وبنات الأخت كذلك أيضا ~~محرمات لقوله سبحانه وتعالى {وبنات الأخت} [النساء: 23] فهؤلاء المحرمات ~~بالأنساب # النوع الثاني، المحرمات تحريم السبب وهو قسمان: رضاع ومصاهرة، فأما ~~الرضاع: فالمنصوص على التحريم فيه اثنتان؛ الأمهات ms3601 المرضعات، وهن اللاتي ~~أرضعنك وأمهاتهن # PageV07P110 # وجداتهن وإن علت درجتهن، على حسب ما ذكرنا في النسب، محرمات بقوله تعالى ~~{وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] كل امرأة ~~أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت ~~وهي من لبن رجل واحد، كرجل له امرأتان، لهما لبن أرضعتك إحداهما، وأرضعتها ~~الأخرى، فهي أختك. # محرمة عليك لقوله سبحانه: {وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] القسم ~~الثاني: تحريم المصاهرة، والمنصوص عليه أربع، أمهات النساء، فمن تزوج امرأة ~~حرم عليه كل أم لها، من نسب أو رضاع، قريبة أو بعيدة بمجرد العقد نص عليه ~~أحمد وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وجابر وعمران بن حصين ~~وكثير من التابعين وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وحكي عن علي - رضي ~~الله عنه - أنها لا تحرم إلا بالدخول بابنتها، كما لا تحرم ابنتها إلا ~~بالدخول ولنا قول الله تعالى {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] والمعقود عليها ~~من نسائه، فتدخل أمها في عموم الآية. # قال ابن عباس: أبهموا ما أبهم القرآن يعني عمموا حكمها في كل حال، ولا ~~تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من تزوج امرأة فطلقها قبل أن دخل بها، ~~فلا بأس أن يتزوج ربيبته ولا يحل له أن يتزوج أمها» رواه أبو حفص بإسناده ~~وقال زيد تحرم بالدخول أو بالموت؛ لأنه يقوم مقام الدخول. وقد ذكرنا ما ~~يوجب التحريم مطلقا، سواء وجد الدخول أو الموت أو لا؛ ولأنها حرمت ~~بالمصاهرة بقول مبهم، فحرمت بنفس العقد، كحليلة الابن والأب. # الثانية: بنات النساء اللاتي دخل بهن، وهن الربائب، فلا يحرمن إلا ~~بالدخول بأمهاتهن، وهن كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع، قريبة أو بعيدة، ~~وارثة أو غير وارثة، على حسب ما ذكرنا في البنات، إذا دخل بالأم حرمت عليه، ~~سواء كانت في حجره أو لم تكن، في قول عامة الفقهاء، إلا أنه روي عن عمر ~~وعلي - رضي الله ms3602 تعالى عنهما - أنهما رخصا فيها إذا لم تكن في حجره وهو قول ~~داود لقول الله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} [النساء: 23] قال ابن ~~المنذر: وقد أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول # وقد ذكرنا حديث عبد الله بن عمرو في هذا «وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لأم حبيبة: لا تعرضن علي بناتكن، ولا أخواتكن» ولأن التربية لا ~~تأثير لها في التحريم كسائر المحرمات، وأما الآية فلم تخرج مخرج الشرط، ~~وإنما وصفها بذلك تعريفا لها بغالب حالها، وما خرج مخرج الغالب لا يصح ~~التمسك بمفهومه # PageV07P111 # وإن لم يدخل بالمرأة لم تحرم عليه بناتها، في قول عامة علماء الأمصار إذا ~~بانت من نكاحه، إلا أن يموت قبل الدخول، ففيه روايتان، إحداهما: تحرم ~~ابنتها. وبه قال زيد بن ثابت وهي اختيار أبي بكر لأن الموت أقيم مقام ~~الدخول في تكميل العدة والصداق، فيقوم مقامه في تحريم الربيبة. # والثانية: لا تحرم وهو قول علي ومذهب عامة العلماء قال ابن المنذر: أجمع ~~عوام علماء الأمصار على أن الرجل إذا تزوج المرأة، ثم طلقها، أو ماتت قبل ~~الدخول بها جاز له أن يتزوج ابنتها كذلك قال مالك، والثوري، والأوزاعي، ~~والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومن تبعهم؛ لأن الله تعالى قال: {من ~~نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: ~~23] وهذا نص لا يترك لقياس ضعيف وحديث عبد الله بن عمرو وقد ذكرناه ولأنها ~~فرقة قبل الدخول، فلم تحرم الربيبة. # كفرقة الطلاق، والموت لا يجري مجرى الدخول في الإحصان والإحلال وعدة ~~الأقراء، وقيامه مقامه من وجه ليس بأولى من مفارقته إياه من وجه آخر، ولو ~~قام مقامه من كل وجه، فلا يترك صريح نص الله تعالى ونص رسوله لقياس ولا ~~غيره إذا ثبت هذا، فإن الدخول بها هو وطؤها، كني عنه بالدخول، فإن خلا بها ~~ولم يطأها، لم تحرم ابنتها؛ لأنها غير مدخول بها. وظاهر قول الخرقي ~~تحريمها؛ لقوله: فإن خلا بها وقال لم أطأها وصدقته لم يلتفت إلى قولهما ~~وكان ms3603 حكمها حكم المدخول في جميع أمورها، إلا في الرجوع إلى زوج طلقها ~~ثلاثا، وفي الزنا، فإنهما يجلدان ولا يرجمان وسنذكره فيما بعد إن شاء الله. # الثالثة: حلائل الأبناء، يعني أزواجهم، سميت امرأة الرجل حليلته لأنها ~~محل إزار زوجها، وهي محللة له، فيحرم على الرجل أزواج أبنائه، وأبناء ~~بناته، من نسب أو رضاع، قريبا كان أو بعيدا بمجرد العقد لقوله تعالى: ~~{وحلائل أبنائكم} [النساء: 23] ولا نعلم في هذا خلافا. الرابعة: زوجات ~~الأب، فتحرم على الرجل امرأة أبيه، قريبا كان أو بعيدا، وارثا كان أو غير ~~وارث، من نسب أو رضاع لقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ~~إلا ما قد سلف} [النساء: 22] وقال البراء بن عازب: «لقيت خالي، ومعه ~~الراية، فقلت: أين تريد؟ قال: أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله» رواه النسائي. وفي ~~رواية قال: لقيت عمي الحارث بن عمرو، ومعه الراية فذكر الخبر كذلك. رواه ~~سعيد وغيره # وسواء في هذا امرأة أبيه، أو امرأة جده لأبيه، وجده لأمه، قرب أم بعد ~~وليس في هذا بين أهل العلم خلاف علمناه والحمد لله. ويحرم # PageV07P112 # عليه من وطئها أبوه، أو ابنه، بملك يمين أو شبهة، كما يحرم عليه من وطئها ~~في عقد نكاح. قال ابن المنذر: الملك في هذا والرضاع بمنزلة النسب، وممن ~~حفظنا ذلك عنه عطاء وطاوس والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والثوري ~~والأوزاعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نحفظ عن أحد خلافهم. # الضرب الثاني: تحريم الجمع. والمذكور في الكتاب الجمع بين الأختين سواء ~~كانتا من نسب أو رضاع، حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة، من أبوين كانتا ~~أو من أب أو أم، وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده، لعموم الآية. فإن ~~تزوجهما في عقد واحد فسد؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى، وسواء علم ~~بذلك حال العقد أو بعده، فإن تزوج إحداهما بعد الأخرى فنكاح الأولى صحيح؛ ~~لأنه لم يحصل فيه ms3604 جمع، ونكاح الثانية باطل؛ لأن به يحصل الجمع، وليس في هذا ~~- بحمد الله - اختلاف وليس عليه تفريع. ### | [مسألة يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب] # (5349) مسألة: (ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) كل امرأة حرمت من ~~النسب حرم مثلها من الرضاع، وهن الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، ~~والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت على الوجه الذي شرحناه في النسب لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» متفق عليه ~~وفي رواية مسلم: «الرضاع يحرم ما تحرم الولادة» «وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في درة بنت أبي سلمة: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت ~~لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة» متفق عليه # ولأن الأمهات والأخوات منصوص عليهن، والباقيات يدخلن في عموم لفظ سائر ~~المحرمات. ولا نعلم في هذا خلافا. ### | [مسألة لبن الفحل محرم] # (5350) مسألة: قال: (ولبن الفحل محرم) معناه أن المرأة إذا أرضعت طفلا ~~بلبن ثاب من وطء رجل حرم الطفل على الرجل وأقاربه، كما يحرم ولده من النسب؛ ~~لأن اللبن من الرجل كما هو من المرأة، فيصير الطفل ولدا للرجل، والرجل ~~أباه، وأولاد الرجل إخوته، سواء كانوا من تلك المرأة أو من غيرها، وإخوة ~~الرجل وأخواته أعمام الطفل وعماته، وآباؤه وأمهاته أجداده وجداته. قال أحمد ~~لبن الفحل أن يكون للرجل امرأتان، فترضع هذه صبية وهذه صبيا لا يزوج هذا من ~~هذا وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان، أرضعت إحداهما جارية والأخرى # PageV07P113 # غلاما، فقال: لا، اللقاح واحد. قال الترمذي: هذا تفسير لبن الفحل. وممن ~~قال بتحريمه علي، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، ~~والقاسم وعروة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، ~~وأبو ثور، وابن المنذر وأصحاب الرأي. # قال ابن عبد البر: وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام ~~وجماعة أهل الحديث، ورخص في لبن الفحل سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد ~~الرحمن، وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والنخعي، وأبو قلابة # ويروى ذلك عن ابن الزبير ms3605 وجماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- غير مسمين؛ لأن الرضاع من المرأة لا من الرجل. ويروى عن زينب بنت أبي ~~سلمة أنها أرضعتها أسماء بنت أبي بكر، امرأة الزبير قالت: وكان الزبير يدخل ~~علي وأنا أمتشط، فيأخذ بقرن من قرون رأسي، فيقول: أقبلي علي فحدثيني. أراه ~~والدا، وما ولد فهم إخوتي، ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل إلي يخطب أم ~~كلثوم ابنتي، على حمزة بن الزبير وكان حمزة للكلبية، فقلت لرسوله: وهل تحل ~~له وإنما هي ابنة أخته؟ فقال عبد الله: إنما أردت بهذا المنع لما قبلك، أما ~~ما ولدت أسماء فهم إخوتك، وما كان من غير أسماء فليسوا لك بإخوة، فأرسلي ~~فسلي عن هذا، فأرسلت فسألت وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~متوافرون، فقالوا لها: إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا فأنكحتها ~~إياه، فلم تزل عنده حتى هلك عنها. ولنا # ما روت عائشة - رضي الله عنها - «أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي ~~بعدما أنزل الحجاب، فقلت: والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي ~~القعيس، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله إن ~~الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته فقال ائذني له، فإنه عمك، تربت ~~يمينك قال عروة: فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من ~~النسب» متفق عليه. وهذا نص قاطع في محل النزاع، فلا يعول على ما خالفه. # فأما حديث زينب فإن صح فهو حجة لنا، فإن الزبير كان يعتقدها ابنته ~~وتعتقده أباها، والظاهر أن هذا كان مشهورا عندهم، وقوله مع إقرار أهل عصره ~~أولى من قول ابنه وقول قوم لا يعرفون. # PageV07P114 ### | [مسألة الجمع بين المرأة وعمتها] # (5351) مسألة: قال: (والجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها) قال ~~ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به وليس فيه - بحمد الله - اختلاف، ~~إلا أن بعض أهل البدع ms3606 ممن لا تعد مخالفته خلافا، وهم الرافضة والخوارج، لم ~~يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهي ما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا ~~يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» متفق عليه وفي رواية أبي ~~داود «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على ~~خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، لا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى ~~على الكبرى» ولأن العلة في تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين ~~الأقارب، وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم وهذا موجود فيما ذكرنا فإن احتجوا ~~بعموم قوله سبحانه: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] خصصناه بما ~~رويناه وبلغنا أن رجلين من الخوارج أتيا عمر بن عبد العزيز فكان مما أنكرا ~~عليه رجم الزانيين وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ~~وقالا: ليس هذا في كتاب الله تعالى فقال لهما: كم فرض الله عليكم من ~~الصلاة؟ قالا: خمس صلوات في اليوم والليلة وسألهما عن عدد ركعاتها، فأخبراه ~~بذلك وسألهما عن مقدار الزكاة ونصبها، فأخبراه، فقال: فأين تجدان ذلك في ~~كتاب الله؟ قالا: لا نجده في كتاب الله قال: فمن أين صرتما إلى ذلك؟ قالا: ~~فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون بعده: قال فكذلك هذا. ثم ~~لا فرق بين الخالة والعمة، حقيقة أو مجازا، كعمات آبائها وخالاتهم، وعمات ~~أمهاتها وخالاتهن، وإن علت درجتهن، من نسب كان ذلك أو من رضاع فكل شخصين لا ~~يجوز لأحدهما أن يتزوج الآخر، لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لأجل ~~القرابة، لا يجوز الجمع بينهما لتأدية ذلك إلى قطيعة الرحم القريبة، لما في ~~الطباع من التنافس والغيرة بين الضرائر ولا يجوز الجمع بين المرأة وأمها في ~~العقد، لما ذكرناه؛ ولأن الأم إلى ابنتها أقرب من الأختين، فإذا لم يجمع ~~بين الأختين فالمرأة وبنتها أولى. ### | [فصل لا يحرم الجمع بين ابنتي العم وابنتي الخال] # فصل: ولا يحرم الجمع بين ابنتي ms3607 العم، وابنتي الخال في قول عامة أهل العلم ~~لعدم النص فيهما بالتحريم، ودخولهما # PageV07P115 # في عموم قوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ولأن إحداهما ~~تحل لها الأخرى لو كانت ذكرا، وفي كراهة ذلك روايتان؛ إحداهما: يكره. روي ~~ذلك عن ابن مسعود. وبه قال جابر بن زيد وعطاء والحسن وسعيد بن عبد العزيز ~~وروى أبو حفص بإسناده عن عيسى بن طلحة، قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن تزوج المرأة على ذي قرابتها، كراهية القطيعة؛ ولأنه مفض إلى ~~قطيعة الرحم المأمور بصلتها، فأقل أحواله الكراهة. والأخرى: لا يكره وهو ~~قول # سليمان بن يسار والشعبي وحسن بن حسن، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي ~~عبيد؛ لأنه ليست بينهما قرابة تحرم الجمع، فلا يقتضي كراهته، كسائر ~~الأقارب. ### | [مسألة عقد على المرأة ولم يدخل بها] # (5353) مسألة: قال: (وإذا عقد على المرأة، ولم يدخل بها، فقد حرمت على ~~ابنه وأبيه، وحرمت عليه أمها، والجد وإن علا فيما قلت بمنزلة الأب، وابن ~~الابن فيه وإن سفل بمنزلة الابن) وجملة ذلك أن المرأة إذا عقد الرجل عقد ~~النكاح عليها، حرمت على أبيه بمجرد العقد عليها؛ لقول الله تعالى: {وحلائل ~~أبنائكم} [النساء: 23] وهذه من حلائل أبنائه، وتحرم على ابنه لقوله سبحانه: ~~{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء: 22] وهذه قد نكحها أبوه، وتحرم أمها ~~عليه لقوله سبحانه {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] وهذه منهن وليس في هذا ~~اختلاف - بحمد الله -، إلا شيء ذكرناه فيما تقدم، والجد كالأب في هذا، وابن ~~الابن كالابن. # فيه؛ لأنهم يدخلون في اسم الآباء والأبناء، وسواء في هذا القريب والبعيد، ~~والوارث وغيره، من قبل الأب والأم، ومن ولد البنين أو ولد البنات وقد تقدم ~~ذلك. ### | [مسألة كل محرمة تحرم ابنتها] # (5354) مسألة: قال: (وكل من ذكرنا من المحرمات من النسب والرضاع، فبناتهن ~~في التحريم كهن، إلا بنات العمات والخالات وبنات من نكحهن الآباء والأبناء، ~~فإنهن محللات، وكذلك بنات الزوجة التي لم يدخل بها) وجملة ذلك أن كل محرمة ~~تحرم ابنتها، لتناول التحريم لها، فالأمهات تحرم بناتهن؛ لأنهن ms3608 # PageV07P116 # أخوات أو عمات أو خالات، والبنات تحرم بناتهن؛ لأنهن بنات ويحرم بنات ~~الأخوات وبناتهن؛ لأنهن بنات الأخت، وكذلك بنات بنات الأخ، إلا بنات العمات ~~والخالات فلا يحرمن بالإجماع لقول الله تعالى: {وبنات عمك وبنات عماتك ~~وبنات خالك وبنات خالاتك} [الأحزاب: 50] . فأحلهن الله لنبيه - عليه السلام ~~- ولأنهن لم يذكرن في التحريم فيدخلن في قول الله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم} [النساء: 24] وكذلك لا يحرم بنات زوجات الآباء والأبناء؛ لأنهن حرمن ~~لكونهن حلائل الآباء والأبناء ولم يوجد ذلك في بناتهن، ولا وجدت فيهن علة ~~أخرى تقتضي تحريمهن فدخلن في قوله سبحانه: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ~~[النساء: 24] . # وكذلك بنات الزوجة التي لم يدخل بها محللات؛ لقوله سبحانه {فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: 23] وهن الربائب، وليس هؤلاء ممن حرمت ~~أمهن، وإنما ذكرها؛ لأنها محللة، فيشتبه حكمها فإن قيل: فلم حرمت ابنة ~~الربيبة، ولم تحرم ابنة حليلة الابن؟ قلنا: لأن ابنة الربيبة ربيبة، وابنة ~~الحليلة ليست حليلة؛ ولأن علة تحريم الربيبة أنه يشق التحرز من النظر ~~إليها، والخلوة بها، بكونها في حجره في بيته، وهذا المعنى يوجد في بنتها ~~وإن سفلت، والحليلة حرمت بنكاح الأب والابن لها، ولا يوجد ذلك في ابنتها. ### | [مسألة وطء الحرام محرم] # (5355) مسألة: قال: (ووطء الحرام محرم كما يحرم وطء الحلال والشبهة) يعني ~~أنه يثبت به تحريم المصاهرة، فإذا زنى بامرأة حرمت على أبيه وابنه، وحرمت ~~عليه أمها وابنتها، كما لو وطئها بشبهة أو حلالا ولو وطئ أم امرأته أو ~~بنتها حرمت عليه امرأته نص أحمد على هذا، في رواية جماعة وروي نحو ذلك عن ~~عمران بن حصين وبه قال الحسن وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والشعبي والنخعي، ~~والثوري، وإسحاق وأصحاب الرأي، وروى # ابن عباس أن الوطء الحرام لا يحرم. وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن ~~يعمر، وعروة، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبو ثور وابن المنذر؛ لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يحرم الحرام الحلال» ولأنه وطء ~~لا تصير به الموطوءة فراشا، ms3609 فلا يحرم كوطء الصغيرة. ولنا قوله تعالى تعالى: ~~{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] والوطء يسمى نكاحا قال ~~الشاعر: # PageV07P117 # إذا زنيت فأجد نكاحا # فحمل في عموم الآية، وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطء، وهو قوله سبحانه ~~وتعالى: {إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} [النساء: 22] # وهذا التغليظ إنما يكون في الوطء وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها» وروى الجوزجاني ~~بإسناده عن وهب بن منبه قال: (ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها) فذكرته ~~لسعيد بن المسيب فأعجبه ولأن ما تعلق من التحريم بالوطء المباح تعلق ~~بالمحظور كوطء الحائض؛ ولأن النكاح عقد يفسده الوطء بالشبهة، فأفسده الوطء ~~الحرام كالإحرام، وحديثهم لا نعرف صحته، وإنما هو من كلام ابن أشوع وبعض ~~قضاة العراق كذلك قال الإمام أحمد وقيل: إنه من قول ابن عباس ووطء الصغيرة ~~ممنوع، ثم يبطل بوطء الشبهة. ### | [فصل الوطء على ثلاثة أضرب] # (5356) فصل: والوطء على ثلاثة أضرب؛ مباح، وهو الوطء في نكاح صحيح أو ملك ~~يمين، فيتعلق به تحريم المصاهرة بالإجماع، ويعتبر محرما لمن حرمت عليه؛ ~~لأنها حرمت عليه على التأبيد، بسبب مباح، أشبه النسب. الثاني: الوطء ~~بالشبهة، وهو الوطء في نكاح فاسد، أو شراء فاسد، أو وطء امرأة ظنها امرأته ~~أو أمته، أو وطء الأمة. المشتركة بينه وبين غيره، وأشباه هذا يتعلق به ~~التحريم كتعلقه بالوطء المباح إجماعا. # قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار، على أن الرجل إذا ~~وطئ امرأة بنكاح فاسد، أو بشراء فاسد، أنها تحرم على أبيه وابنه وأجداده ~~وولد ولده. وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ~~وأبي ثور وأصحاب الرأي. ولأنه وطء يلحق به النسب، فأثبت التحريم، كالوطء ~~المباح. ولا يصير به الرجل محرما لمن حرمت عليه، ولا يباح له به النظر ~~إليها؛ لأن الوطء ليس بمباح؛ ولأن المحرمية تتعلق بكمال حرمة الوطء؛ لأنها ~~إباحة؛ ولأن الموطوءة لم يستبح النظر إليها فلأن لا يستبيح ms3610 النظر إلى غيرها ~~أولى. # الثالث: الحرام المحض، وهو الزنا، فيثبت به التحريم، على الخلاف المذكور، ~~ولا تثبت به المحرمية، ولا إباحة النظر؛ لأنه إذا لم يثبت بوطء الشبهة، ~~فبالحرام المحض أولى، ولا يثبت به نسب، ولا يجب به المهر إذا طاوعته فيه. # PageV07P118 ### | [فصل الزنى في القبل والدبر] # (5357) فصل: ولا فرق فيما ذكرنا بين الزنى في القبل والدبر؛ لأنه يتعلق ~~به التحريم فيما إذا وجد في الزوجة والأمة، فكذلك في الزنى. فإن تلوط ~~بغلام، فقال بعض أصحابنا: يتعلق به التحريم أيضا، فيحرم على اللائط أم ~~الغلام وابنته، وعلى الغلام أم اللائط وابنته. قال: ونص عليه أحمد. # وهو قول الأوزاعي؛ لأنه وطء في الفرج، فنشر الحرمة، كوطء المرأة، ولأنها ~~بنت من وطئه وأمه، فحرمتا عليه، كما لو كانت الموطوءة أنثى. # وقال أبو الخطاب: يكون ذلك كالمباشرة دون الفرج، يكون فيه روايتان. ~~والصحيح أن هذا لا ينشر الحرمة، فإن هؤلاء غير منصوص عليهن في التحريم، ~~فيدخلن في عموم قوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ولأنهن ~~غير منصوص عليهن، ولا في معنى المنصوص عليه، فوجب أن لا يثبت حكم التحريم ~~فيهن، فإن المنصوص عليهن في هذا حلائل الأبناء، ومن نكحهن الآباء وأمهات ~~النساء وبناتهن، وليس هؤلاء منهن، ولا في معناهن # ؛ لأن الوطء في المرأة يكون سببا للبعضية، ويوجب المهر، ويلحق به النسب، ~~وتصير به المرأة فراشا، ويثبت أحكاما لا يثبتها اللواط، فلا يجوز إلحاقه ~~بهن؛ لعدم العلة، وانقطاع الشبه، ولذلك لو أرضع الرجل طفلا، لم يثبت به حكم ~~التحريم، فهاهنا أولى. وإن قدر بينهما شبه من وجه ضعيف، فلا يجوز تخصيص ~~عموم الكتاب به، واطراح النص بمثله. ### | [فصل نكاح بنته من الزنى وأخته وبنت ابنه وبنت بنته وبنت أخيه وأخته من الزنى] # (5358) فصل: ويحرم على الرجل نكاح بنته من الزنى، وأخته، وبنت ابنه، وبنت ~~بنته، وبنت أخيه، وأخته من الزنى. وهو قول عامة الفقهاء. وقال مالك، ~~والشافعي في المشهور من مذهبه: يجوز ذلك كله؛ لأنها أجنبية منه ولا تنسب ~~إليه شرعا، ولا ms3611 يجري التوارث بينهما، ولا تعتق عليه إذا ملكها، ولا تلزمه ~~نفقتها، فلم تحرم عليه، كسائر الأجانب. ولنا، قول الله تعالى: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23] . # وهذه بنته، فإنها أنثى مخلوقة من مائه، وهذه حقيقة لا تختلف بالحل ~~والحرمة، ويدل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في امرأة هلال بن ~~أمية: «انظروه. يعني ولدها فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك ابن سحماء» . ~~يعني الزاني. ولأنها مخلوقة من مائه وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة، ~~فأشبهت المخلوقة من وطء بشبهة، ولأنها بضعة منه، فلم تحل له، كبنته من ~~النكاح، وتخلف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتا، كما لو تخلف لرق أو اختلاف ~~دين. # PageV07P119 # إذا ثبت هذا، فلا فرق بين علمه بكونها منه، مثل أن يطأ امرأة في طهر لم ~~يصبها فيه غيره، ثم يحفظها حتى تضع، أو مثل أن يشترك جماعة في وطء امرأة، ~~فتأتي بولد لا يعلم هل هو منه أو من غيره؟ فإنها تحرم على جميعهم لوجهين؛ ~~أحدهما، أنها بنت موطوءتهم. والثاني، أننا نعلم أنها بنت بعضهم، فتحرم على ~~الجميع، كما لو زوج الوليان، ولم يعلم السابق منهما، وتحرم على أولادهم؛ ~~لأنها أخت بعضهم غير معلوم، فإن ألحقتها القافة بأحدهم، حلت لأولاد ~~الباقين، ولم تحل لأحد ممن وطئ أمها؛ لأنها في معنى ربيبته. ### | [فصل وطء الميتة] # (5359) فصل: ووطء الميتة يحتمل وجهين؛ أحدهما، ينشر الحرمة؛ لأنه معنى ~~ينشر الحرمة المؤبدة، فلم يختص بالحياة كالرضاع. والثاني، لا ينشرها. وهو ~~قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه ليس بسبب للبعضية، ولأن التحريم يتعلق ~~باستيفاء منفعة الوطء، والموت يبطل المنافع. وأما الرضاع، فيحرم؛ لما يحصل ~~به من إنبات اللحم وإنشاز العظم، وهذا يحصل من لبن الميتة. وفي وطء الصغيرة ~~أيضا وجهان؛ أحدهما، ينشرها. # وهو قول أبي يوسف؛ لأنه وطء لآدمية حية في القبل، أشبه وطء الكبيرة. ~~والثاني، لا ينشرها. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه ليس بسبب للبعضية أشبه وطء ~~الميتة. ### | [فصل المباشرة فيما دون الفرج] # (5360) فصل: فأما المباشرة فيما دون الفرج، فإن ms3612 كانت لغير شهوة، لم تنشر ~~الحرمة. بغير خلاف نعلمه. وإن كانت لشهوة، وكانت في أجنبية، لم تنشر الحرمة ~~أيضا. قال الجوزجاني: سألت أحمد عن رجل نظر إلى أم امرأته في شهوة، أو ~~قبلها، أو باشرها. فقال: أنا أقول لا يحرمه شيء من ذلك إلا الجماع. وكذلك ~~نقل أحمد بن القاسم، وإسحاق بن منصور. وإن كانت المباشرة لامرأة محللة له، ~~كامرأته، أو مملوكته، لم تحرم عليه ابنتها. # قال ابن عباس: لا يحرم الربيبة إلا جماع أمها. وبه قال طاوس، وعمرو بن ~~دينار؛ لأن الله تعالى قال {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} ~~[النساء: 23] . وهذا ليس بدخول فلا يجوز ترك النص الصريح من أجله. وأما ~~تحريم أمها، وتحريمها على أبي المباشر لها وابنه؛ فإنها في النكاح تحرم ~~بمجرد العقد قبل المباشرة، فلا يظهر للمباشرة أثر. وأما الأمة، فمتى باشرها ~~دون الفرج لشهوة، فهل يثبت تحريم المصاهرة؟ فيه روايتان؛ إحداهما، ينشرها. # روي ذلك عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، ومسروق. وبه قال القاسم بن محمد، ~~والحسن، ومكحول، والنخعي، والشعبي، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وعلي بن ~~المديني. وهو # PageV07P120 # أحد قولي الشافعي؛ لأنه نوع استمتاع، فتعلق به تحريم المصاهرة، كالوطء في ~~الفرج، ولأنه تلذذ بمباشرة، فيتعلق به التحريم كما لو وطئ. # والثانية، لا يثبت به التحريم؛ لأنها ملامسة لا توجب الغسل، فلم يثبت بها ~~التحريم، كما لو لم يكن لشهوة، ولأن ثبوت التحريم إما أن يكون بنص، أو قياس ~~على المنصوص، ولا نص في هذا، ولا هو في معنى المنصوص عليه، ولا المجمع ~~عليه، فإن الوطء يتعلق به من الأحكام استقرار المهر، والإحصان، والاغتسال، ~~والعدة، وإفساد الإحرام، والصيام، بخلاف اللمس. وذكر أصحابنا الروايتين في ~~جميع الصور من غير تفصيل، وهذا الذي ذكرناه أقرب إلى الصواب، إن شاء الله ~~سبحانه. ### | [فصل نظر إلى فرج امرأة بشهوة] # (5361) فصل: ومن نظر إلى فرج امرأة بشهوة، فهو كلمسها لشهوة، فيه أيضا ~~روايتان؛ إحداهما، ينشر الحرمة في الموضع الذي ينشرها اللمس. روي عن عمر، ~~وابن عمر، وعامر ms3613 بن ربيعة، وكان بدريا وعبد الله بن عمرو في من يشتري ~~الخادم، ثم يجردها أو يقبلها، لا يحل لابنه وطؤها. وهو قول القاسم، والحسن، ~~ومجاهد، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة. # لما روى عبد الله بن مسعود، عن النبي، أنه قال: «من نظر إلى فرج امرأة، ~~لم تحل له أمها وبنتها. وفي لفظ: لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة ~~وابنتها» . والثانية، لا يتعلق به التحريم. وهو قول الشافعي، وأكثر أهل ~~العلم؛ لقوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] . ولأنه نظر من ~~غير مباشرة، فلم يوجب التحريم، كالنظر إلى الوجه، والخبر ضعيف. قاله ~~الدارقطني. وقيل: هو موقوف على ابن مسعود. ثم يحتمل أنه كنى بذلك عن الوطء. # وأما النظر إلى سائر البدن فلا ينشر حرمة. وقال بعض أصحابنا: لا فرق بين ~~النظر إلى الفرج وسائر البدن لشهوة. والصحيح، خلاف هذا؛ فإن غير الفرج لا ~~يقاس عليه، لما بينهما من الفرق، ولا خلاف نعلمه في أن النظر إلى الوجه لا ~~يثبت الحرمة، فكذلك غيره، ولا خلاف أيضا في أن النظر إذا وقع من غير شهوة ~~لا ينشر حرمة؛ لأن اللمس الذي هو أبلغ منه لا يؤثر إذا كان لغير شهوة، ~~فالنظر أولى. وموضع الخلاف في اللمس والنظر في من بلغت سنا يمكن الاستمتاع ~~منها، كابنة تسع فما زاد، فأما الطفلة فلا يثبت فيها ذلك. # وقد روي عن أحمد، في بنت سبع: إذا قبلها حرمت عليه أمها. قال القاضي: هذا ~~عندي محمول على السن الذي توجد معه الشهوة. (5362) فصل: فإن نظرت المرأة ~~إلى فرج رجل لشهوة، فحكمه في التحريم حكم نظره إليها. نص عليه أحمد؛ لأنه ~~معنى # PageV07P121 # يوجب التحريم، فاستوى فيه الرجل والمرأة كالجماع. وكذلك ينبغي أن يكون ~~حكم لمسها له، وقبلتها إياه لشهوة؛ لما ذكرنا. ### | [فصل الخلوة بالمرأة] # (5363) فصل: فأما الخلوة بالمرأة، فالصحيح أنها لا تنشر حرمة. وقد روي عن ~~أحمد: إذا خلا بالمرأة، وجب الصداق والعدة، ولا يحل له أن يتزوج أمها ~~وابنتها. قال القاضي: هذا ms3614 محمول على أنه حصل مع الخلوة مباشرة، فيخرج كلامه ~~على إحدى الروايتين اللتين ذكرناهما، فأما مع خلوة من ذلك، فلا يؤثر في ~~تحريم الربيبة؛ لما في ذلك من مخالفة قوله سبحانه {فإن لم تكونوا دخلتم بهن ~~فلا جناح عليكم} [النساء: 23] . وقوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: ~~24] . # وأما الخلوة بأجنبية، أو أمته، فلا تنشر تحريما. لا نعلم في ذلك خلافا. ~~وكل من حرم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين؛ لأنه إذا حرم العقد المراد ~~للوطء، فالوطء أولى. ### | [مسألة تزوج أختين] # مسألة: قال: (وإن تزوج أختين من نسب أو رضاع، في عقد واحد، فسد. وإن ~~تزوجهما في عقدين، فالأولى زوجته، والقول فيهما القول في المرأة وعمتها، ~~والمرأة وخالتها) وجملة ذلك أن الجمع بين المرأة وأختها، أو عمتها، أو ~~خالتها، محرم. فمتى جمع بينهما، فعقد عليهما معا، لم يصح العقد في واحدة ~~منهما؛ لأنه لا يمكن تصحيحه فيهما، ولا مزية لإحداهما على الأخرى، فيبطل ~~فيهما، كما لو زوجت المرأة لرجلين. وهكذا لو تزوج خمسا في عقد واحد، بطل في ~~الجميع لذلك. # وإن تزوجهما في عقدين، فنكاح الأولى صحيح؛ لأنه لا جمع فيه، ونكاح ~~الثانية باطل؛ لأن الجمع يحصل به، فبالعقد على الأولى تحرم الثانية، ولا ~~يصح عقده عليها حتى تبين الأولى منه، ويزول نكاحها وعدتها. (5365) فصل: فإن ~~تزوجهما في عقدين، ولم يدر أولاهما، فعليه فرقتهما معا. قال أحمد، في رجل ~~تزوج أختين، لا يدري أيتهما تزوج أولا: نفرق بينه وبينهما. وذلك لأن ~~إحداهما محرمة عليه، ونكاحها باطل، ولا نعرف المحللة له، فقد اشتبهتا عليه، ~~ونكاح إحداهما صحيح، ولا تتيقن بينونتها منه إلا بطلاقهما جميعا، أو فسخ ~~نكاحهما، فوجب ذلك، كما لو زوج الوليان، ولم يعرف الأول منهما. # وإن أحب أن يفارق إحداهما، ثم يجدد عقد الأخرى ويمسكها، فلا بأس، وسواء ~~فعل ذلك بقرعة أو بغير قرعة، ولا يخلو من ثلاثة أقسام؛ أحدها، أن لا يكون ~~دخل بواحدة منهما، فله أن يعقد على إحداهما في الحال بعد فراق الأخرى. ~~الثاني، إذا دخل بإحداهما، فإن ms3615 أراد نكاحها، فارق التي لم يصبها بطلقة، ثم ~~ترك المصابة حتى تنقضي # PageV07P122 # عدتها، ثم نكحها؛ لأننا لا نأمن أن تكون هي الثانية، فيكون قد أصابها في ~~نكاح فاسد، فلهذا اعتبرنا انقضاء عدتها، ويحتمل أن يجوز له العقد عليها في ~~الحال؛ لأن النسب لاحق به، ولا يصان ذلك عن مائه. # وإن أحب نكاح الأخرى، فارق المصابة بطلقة، ثم انتظرها حتى تنقضي عدتها، ~~ثم تزوج أختها. القسم الثالث، إذا دخل بهما، فليس له نكاح واحدة منهما حتى ~~يفارق الأخرى، وتنقضي عدتها من حين فرقتها، وتنقضي عدة الأخرى من حين ~~أصابها. وإن ولدت منه إحداهما، أو هما جميعا، فالنسب لاحق به؛ لأنه إما من ~~نكاح صحيح أو نكاح فاسد، وكلاهما يلحق النسب فيه. وإن لم يرد نكاح واحدة ~~منهما، فارقهما بطلقة طلقة. # (5366) فصل: فأما المهر، فإن لم يدخل بواحدة منهما، فلإحداهما نصف المهر، ~~ولا نعلم من يستحقه منهما، فيصطلحان عليه، فإن لم يفعلا، أقرع بينهما، فكان ~~لمن خرجت قرعتها مع يمينها. وقال أبو بكر: اختياري أن يسقط المهر إذا كان ~~مجبرا على الطلاق قبل الدخول. وإن دخل بواحدة منهما أقرع بينهما، فإن وقعت ~~لغير المصابة، فلها نصف المهر، وللمصابة مهر المثل بما استحل من فرجها، وإن ~~وقعت على المصابة، فلا شيء للأخرى، وللمصابة المسمى جميعه. وإن أصابهما ~~معا، فلإحداهما المسمى، وللأخرى مهر المثل، يقرع بينهما فيه. # إن قلنا: إن الواجب في النكاح الفاسد مهر المثل. وإن قلنا بوجوب المسمى ~~فيه، وجب هاهنا لكل واحدة منهما. ### | [فصل تزوج امرأة ثم تزوج أختها ودخل بها] # (5367) فصل: قال أحمد: إذا تزوج امرأة، ثم تزوج أختها، ودخل بها، اعتزل ~~زوجته حتى تنقضي عدة الثانية. إنما كان كذلك؛ لأنه لو أراد العقد على أختها ~~في الحال، لم يجز له حتى تنقضي عدة الموطوءة، كذلك لا يجوز الوطء لامرأته، ~~حتى تنقضي عدة أختها التي أصابها. ### | [مسألة تزوج أخته من الرضاع وأجنبية في عقد واحد] # (5368) مسألة: قال: (وإن تزوج أخته من الرضاع وأجنبية في عقد واحد، ثبت ~~نكاح الأجنبية) وجملة ms3616 ذلك أنه إذا عقد النكاح على أخته وأجنبية معا، بأن ~~يكون لرجل أخت وابنة عم، إحداهما رضيعة المتزوج، فيقول له: زوجتكها معا. ~~فيقبل ذلك. فالمنصوص هنا صحة نكاح الأجنبية. ونص في من تزوج حرة وأمة، على ~~أنه يثبت نكاح الحرة، ويفارق الأمة. # وقيل: فيه روايتان؛ إحداهما، يفسد فيهما، وهو أحد قولي الشافعي، واختيار ~~أبي بكر لأنها لفظة واحدة، جمعت حلالا وحراما، فلم يصح، كما لو جمع بين ~~أختين. والثانية، يصح في الحرة. وهي أظهر الروايتين. وهذا قول مالك، ~~والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنها محل قابل للنكاح، أضيف إليها عقد صادر من ~~أهله، لم يجتمع معها فيه مثلها، فصح، كما لو انفردت به، # PageV07P123 # وفارق العقد على الأختين؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى، وهاهنا قد ~~تعينت التي بطل النكاح فيها، فعلى هذا القول يكون لها من المسمى بقسط مهر ~~مثلها منه. # وفيه وجه آخر، أن لها نصف المسمى. وأصل هذين الوجهين، إذا تزوج امرأتين، ~~يجوز له نكاحهما بمهر واحد، هل يكون بينهما على قدر صداقهما، أو نصفين؟ على ~~وجهين، يأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى. ### | [فصل تزوج يهودية ومجوسية أو محللة ومحرمة في عقد واحد] # (5369) فصل: ولو تزوج يهودية ومجوسية، أو محللة ومحرمة، في عقد واحد، فسد ~~في المجوسية والمحرمة، وفي الأخرى وجهان. وإن نكح أربع حرائر وأمة، فسد في ~~الأمة، وفي الحرائر وجهان. وإن نكح العبد حرتين وأمة، بطل نكاح الجميع. وإن ~~تزوج امرأة وابنتها، فسد فيهما؛ لأن الجمع بينهما محرم، فلم يصح فيهما، ~~كالأختين. ### | [مسألة اشترى أختين فأصاب إحداهما] ### | [الفصل الأول الجمع بين الأختين في الملك] # (5370) مسألة؛ قال: (وإذا اشترى أختين، فأصاب إحداهما، لم يصب الأخرى حتى ~~تحرم الأولى ببيع أو نكاح أو هبة، وما أشبهه، ويعلم أنها ليست بحامل، فإن ~~عادت إلى ملكه، لم يصب واحدة منهما، حتى تحرم عليه الأولى) الكلام في هذه ~~المسألة في فصول ستة: (5371) الفصل الأول: أنه يجوز الجمع بين الأختين في ~~الملك. بغير خلاف بين أهل العلم. وكذلك بينها وبين عمتها وخالتها. # ولو اشترى ms3617 جارية، فوطئها، حل له شراء أختها وعمتها وخالتها؛ لأن الملك ~~يقصد به التمول دون الاستمتاع، وكذلك حل له شراء المجوسية، والوثنية، ~~والمعتدة، والمزوجة، والمحرمات عليه بالرضاع وبالمصاهرة. ### | [الفصل الثاني الجمع بين الأختين من إمائه في الوطء] # (5372) الفصل الثاني: أنه لا يجوز الجمع بين الأختين من إمائه في الوطء. ~~نص عليه أحمد، في رواية الجماعة. وكرهه عمر، وعثمان، وعلي، وعمار، وابن ~~عمر، وابن مسعود. وممن قال بتحريمه؛ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وجابر ~~بن زيد، وطاوس، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي. وروي عن ابن عباس، ~~أنه قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله. ويروى ذلك عن علي ~~أيضا. # يريد بالمحرمة قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23] . ~~وبالمحللة قوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] ~~. # PageV07P124 # وقد روى ابن منصور، عن أحمد، وسأله عن الجمع بين الأختين المملوكتين، ~~أحرام هو؟ قال: لا أقول حرام ولكن ننهى عنه. وظاهر هذا أنه مكروه غير محرم. ~~وقال داود، وأهل الظاهر: لا يحرم. استدلالا بالآية المحللة؛ لأن حكم ~~الحرائر في الوطء مخالف لحكم الإماء، ولهذا تحرم الزيادة على أربع في ~~الحرائر، وتباح في الإماء بغير حصر، والمذهب تحريمه؛ للآية المحرمة، فإنه ~~يريد بها الوطء والعقد جميعا، بدليل أن سائر المذكورات في الآية يحرم وطؤهن ~~والعقد عليهن، وآية الحل مخصوصة بالمحرمات جميعهن، وهذه منهن، ولأنها امرأة ~~صارت فراشا، فحرمت أختها كالزوجة. ### | [الفصل الثالث كان في ملكه أختان] # (5373) الفصل الثالث: أنه إذا كان في ملكه أختان، فله وطء إحداهما، في ~~قول أكثر أهل العلم. وقال الحكم، وحماد: لا يقرب واحدة منهما. وروي ذلك عن ~~النخعي. وذكره أبو الخطاب مذهبا لأحمد. ولنا، أنه ليس يجمع بينهما في ~~الفراش، فلم يحرم، كما لو كان في ملكه إحداهما فقط. ### | [الفصل الرابع كان في ملكه أختان وطئ إحداهما] # (5374) الفصل الرابع: أنه إذا وطئ إحداهما، فليس له وطء الأخرى قبل تحريم ~~الموطوءة على نفسه، بإخراج عن ملكه أو تزويج. هذا قول علي، وابن عمر، ~~والحسن، والأوزاعي، وإسحاق، ms3618 والشافعي. فإن رهنها، لم تحل له أختها؛ لأن ~~منعه من وطئها لحق المرتهن لا لتحريمها، ولهذا يحل له بإذن المرتهن في ~~وطئها، ولأنه يقدر على فكها متى شاء واسترجاعها إليه. # وقال قتادة: إن استبرأها، حلت له أختها؛ لأنه قد زال فراشه، ولهذا لو أتت ~~بولد، فنفاه بدعوى الاستبراء انتفى، فأشبه ما لو زوجها. ولنا، قول علي، ~~وابن عمر، ولأنه لم يزل ملكه عنها، ولا حلها له، فأشبه ما لو وطئت بشبهة ~~فاستبرأها من ذلك الوطء، ولأن ذلك لا يمنعه وطأها، فلا يأمن عوده إليها، ~~فيكون ذلك ذريعة إلى الجمع بينهما. وإن حرم إحداهما على نفسه، لم تبح ~~الأخرى؛ لأن هذا لا يحرمها، إنما هو يمين يكفر، ولو كان يحرمها إلا أنه ~~لعارض، متى شاء أزاله بالكفارة، فهو كالحيض والنفاس والإحرام والصيام. # وإن كاتب إحداهما، فظاهر كلام الخرقي أنه لا تحل له الأخرى. وقال أصحاب ~~الشافعي: تحل له الأخرى. وقال أصحاب الشافعي: تحل له الأخرى؛ لأنها حرمت ~~عليه بسبب لا يقدر على رفعه، فأشبه التزويج. ولنا، أنه بسبيل من استباحتها ~~بما لا يقف على غيرهما، فلم تبح له أختها، كالمرهونة. # PageV07P125 ### | [الفصل الخامس كان في ملكه أختان أخرج إحداهما من ملكه] # (5375) الفصل الخامس: أنه إذا أخرجها من ملكه، لم تحل له أختها، حتى ~~يستبرئ المخرجة، ويعلم براءتها من الحمل. ومتى كانت حاملا منه، لم تحل له ~~أختها حتى تضع حملها؛ لأنه يكون جامعا ماءه في رحم أختين، بمنزلة نكاح ~~الأخت في عدة أختها. ### | [فصل وطئ أمتيه الأختين معا] # (5376) فصل: فإن وطئ أمتيه الأختين معا، فوطء الثانية محرم، ولا حد فيه، ~~لأن وطأه في ملكه ولأنها مختلف في حكمها، وله سبيل إلى استباحتها، بخلاف ~~أخته من الرضاع المملوكة له. ولا يحل له وطء إحداهما حتى يحرم الأخرى ~~ويستبرئها. وقال القاضي، وأصحاب الشافعي: الأولى باقية على الحل؛ لأن الوطء ~~الحرام لا يحرم الحلال. إلا أن القاضي قال: لا يطؤها حتى يستبرئ الثانية. # ولنا، أن الثانية قد صارت فراشا له يلحقه نسب ولدها، فحرمت عليه ms3619 أختها، ~~كما لو وطئها ابتداء. وقولهم: إن الحرام لا يحرم الحلال. ليس بخبر صحيح، ~~وهو متروك بما لو وطئ الأولى في حيض أو نفاس أو إحرام، حرمت عليه أختها، ~~وتحرم عليه أمها وابنتها على التأبيد، وكذلك لو وطئ امرأة بشبهة في هذه ~~الحال. ولو وطئ امرأة حرمت عليه ابنتها، سواء وطئها حراما أو حلالا. ### | [الفصل السادس زال ملكه عن الموطوءة زوالا أحل له أختها فوطئها ثم عادت الأولى إلى ملكه] # (5377) الفصل السادس: أنه متى زال ملكه عن الموطوءة زوالا أحل له أختها، ~~فوطئها، ثم عادت الأولى إلى ملكه، فليس له وطء إحداهما حتى تحرم الأخرى، ~~بإخراج عن ملكه أو تزويج. نص عليه أحمد. وقال أصحاب الشافعي: لا يحرم عليه ~~واحدة منهما؛ لأن الأولى لم تبق فراشا، فأشبه ما لو وطئ أمة ثم اشترى ~~أختها. ولنا، أن هذه صارت فراشا، وقد رجعت إليه التي كانت فراشا، فحرمت ~~عليه كل واحدة منهما تكون أختها فراشا، كما لو انفردت به. # فأما إن استفرش أمة ثم اشترى أختها، فإن المشتراة لم تكن فراشا له، لكن ~~هي محرمة عليه بافتراش أختها. ولو أخرج الموطوءة عن ملكه، ثم عادت إليه قبل ~~وطء أختها، فهي حلال له، وأختها محرمة عليه؛ لأن أختها فراشه. ### | [فصل حكم مباشرة الإماء فيما دون الفرج والنظر إلى الفرج بشهوة] # (5378) فصل: وحكم المباشرة من الإماء فيما دون الفرج، والنظر إلى الفرج ~~بشهوة، فيما يرجع إلى تحريم الأخت، # PageV07P126 # كحكمه في تحريم الربيبة. والصحيح أنه لا يحرم؛ لأن الحل ثابت بقوله: {أو ~~ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] . ومخالفة ذلك إنما ثبتت بقوله: {وأن تجمعوا ~~بين الأختين} [النساء: 23] . والمراد به الجمع في العقد أو الوطء، ولم يوجد ~~واحد منهما، ولا ما في معناهما. ### | [فصل وطئ أمته ثم أراد نكاح أختها] # (5379) فصل: وإن وطئ أمته، ثم أراد نكاح أختها، فقد سئل أحمد عن هذا، ~~فقال: لا يجمع بين الأختين الأمتين. فيحتمل أنه أراد أن النكاح لا يصح. وهي ~~إحدى الروايات عن مالك. قال القاضي: هو ظاهر كلام أحمد؛ ms3620 لأن النكاح تصير به ~~المرأة فراشا، فلم يجز أن ترد على فراش الأخت، كالوطء، ولأنه فعل في الأخت ~~ما ينافي إباحة أختها المفترشة، فلم يجز، كالوطء. ويحتمل أن يصح النكاح، ~~ولا تباح المنكوحة حتى تحرم أختها. وهو مذهب أبي حنيفة. # قال أبو الخطاب: وهو ظاهر كلام أحمد؛ لأنه سبب يستباح به الوطء، فجاز أن ~~يرد على وطء الأخت، ولا يبيح كالشراء. وقال الشافعي: يصح النكاح، وتحل له ~~المنكوحة، وتحرم أختها؛ لأن النكاح أقوى من الوطء بملك اليمين فإذا اجتمعا ~~وجب تقديم الأقوى. ووجه الأول ما ذكرنا، ولأن وطء مملوكته معنى يحرم أختها ~~لعلة الجمع، فمنع صحة نكاحها كالزوجية، ويفارق الشراء، فإنه لا يقصد به ~~الوطء، ولهذا صح شراء الأختين، ومن لا يحل له. # وقولهم: النكاح أقوى من الوطء بملك اليمين. ممنوع. وإن سلم، فالوطء أسبق، ~~فيقدم ويمنع صحة ما يطرأ عليه مما ينافيه، كالعدة تمنع ابتداء نكاح الأخت، ~~وكذلك وطء الأمة يحرم نكاح ابنتها وأمها، ولأن هذا بمنزلة نكاح الأخت في ~~عدة أختها، لكونه لم يستبرئ الموطوءة. ### | [فصل إن زوج الأمة الموطوءة أو أخرجها عن ملكه فله نكاح أختها] # (5380) فصل: فإن زوج الأمة الموطوءة، أو أخرجها عن ملكه، فله نكاح أختها. ~~وإن عادت الأمة إلى ملكه، فالزوجية بحالها، وحلها باق؛ لأن النكاح صحيح، ~~وهو أقوى، ولا تحل له الأمة. وعنه أنه ينبغي أن تحرم إحداهما؛ لأن أمته ~~التي كانت فراشا قد عادت إليه، والمنكوحة مستفرشة، فأشبه أمتيه التي وطئ ~~إحداهما بعد تزويج الأخرى، ثم طلق الزوج أختها. وإن تزوج امرأة، ثم اشترى ~~أختها، صح الشراء، ولم تحل له؛ لأن النكاح كالوطء، فأشبه ما لو وطئ أمته ثم ~~اشترى أختها. # فإن وطئ أمته حرمتا عليه حتى يستبرئ الأمة، ثم تحل له زوجته دون أمته؛ ~~لأن النكاح أقوى وأسبق، وإنما وجب الاستبراء لئلا يكون جامعا لمائه في رحم ~~أختين. ويحتمل أن يحرما عليه جميعا، حتى تحرم إحداهما، كالأمتين. # PageV07P127 ### | [مسألة عمة الأمة وخالتها في الجمع بينهما في الوطء كأختها] # (5381) مسألة؛ قال: (وعمة الأمة ms3621 وخالتها في ذلك كأختها) يعني في تحريم ~~الجمع بينهما في الوطء، والتفصيل فيهما كالتفصيل في الأختين، على ما ذكرنا. ### | [مسألة الجمع بين المرأة وربيبتها] # (5382) مسألة؛ قال: (ولا بأس أن يجمع بين من كانت زوجة رجل وابنته من ~~غيرها) أكثر أهل العلم يرون الجمع بين المرأة وربيبتها جائزا، لا بأس به، ~~فعله عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن صفوان بن أمية. وبه قال سائر الفقهاء، ~~إلا الحسن، وعكرمة، وابن أبي ليلى. رويت عنهم كراهته؛ لأن إحداهما لو كانت ~~ذكرا حرمت عليه الأخرى، فأشبه المرأة وعمتها. ولنا، قول الله تعالى {وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] . # ولأنهما لا قرابة بينهما، فأشبهتا الأجنبيتين، ولأن الجمع حرم خوفا من ~~قطيعة الرحم القريبة بين المتناسبتين، ولا قرابة بين هاتين، وبهذا يفارق ما ~~ذكروه. ### | [فصل لرجل ابن من غير زوجته ولها بنت من غيره] # (5383) فصل: ولو كان لرجل ابن من غير زوجته، ولها بنت من غيره، أو كان له ~~بنت ولها ابن، جاز تزويج أحدهما من الآخر. في قول عامة الفقهاء. وحكي عن ~~طاوس كراهيته إذا كان مما ولدته المرأة بعد وطء الزوج لها. والأول أولى؛ ~~لعموم الآية، والمعنى الذي ذكرناه، فإنه ليس بينهما نسب ولا سبب يقتضي ~~التحريم، وكونه أخا لأختها، لم يرد الشرع بأنه سبب للتحريم، فبقي على ~~الإباحة؛ لعموم الآية. ومتى ولدت المرأة من ذلك الرجل ولدا، صار عما لولد ~~ولديهما وخالا. ### | [فصل تزوج امرأة وزوج ابنه أمها] # (5384) فصل: وإن تزوج امرأة لم تحرم أمها ولا ابنتها على أبيه ولا ابنه، ~~فمتى تزوج امرأة وزوج ابنه أمها جاز؛ لعدم أسباب التحريم. فإذا ولد لكل ~~واحد منهما ولد، كان ولد الابن خال ولد الأب، وولد الأب عم ولد الابن ويروى ~~أن رجلا أتى عبد الملك بن مروان، فقال: يا أمير المؤمنين، إني تزوجت امرأة، ~~وزوجت ابني بأمها، فأخبرنا. فقال عبد الملك: إن أخبرتني بقرابة ولدك من ولد ~~ابنك أخبرتك. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، هذا العريان بن الهيثم الذي ~~وليته قائم سيفك، إن ms3622 علم ذلك فلا تخبرني. فقال العريان: أحدهما عم الآخر، ~~والآخر خاله. # PageV07P128 ### | [فصل تزوج رجل بامرأة وزوج ابنه بنتها أو أمها] # (5385) فصل: وإذا تزوج رجل بامرأة، وزوج ابنه بنتها أو أمها، فزفت امرأة ~~كل واحد منهما إلى صاحبه، فوطئها، فإن وطء الأول يوجب عليه مهر مثلها؛ لأنه ~~وطء شبهة، ويفسخ به نكاحها من زوجها؛ لأنها صارت بالوطء حليلة ابنه أو ~~أبيه، ويسقط به مهر الموطوءة عن زوجها؛ لأن الفسخ جاء من قبلها، بتمكينها ~~من وطئها، ومطاوعتها عليه، ولا شيء لزوجها على الواطئ؛ لأنه لم يلزمه شيء ~~يرجع به، ولأن المرأة مشاركة في إفساد نكاحها بالمطاوعة، فلم يجب على زوجها ~~شيء، كما لو انفردت به. ويحتمل أن يلزمه لزوجها نصف مهر مثلها؛ لأنه أفسد ~~نكاحها قبل الدخول، أشبه المرأة تفسد نكاحه بالرضاع. # وينفسخ نكاح الواطئ أيضا؛ لأن امرأته صارت أما لموطوءته أو بنتا لها، ~~ولها نصف المسمى. فأما وطء الثاني، فيوجب مهر المثل للموطوءة خاصة. فإن ~~أشكل الأول، انفسخ النكاحان، ولكل واحدة مهر مثلها على واطئها، ولا يثبت ~~رجوع أحدهما على الآخر، ويجب لامرأة كل واحد منهما على الآخر نصف المسمى، ~~ولا يسقط بالشك. ### | [مسألة حرائر نساء أهل الكتاب وذبائحهم] # (5386) مسألة؛ قال: (وحرائر نساء أهل الكتاب وذبائحهم حلال للمسلمين) ليس ~~بين أهل العلم، بحمد الله، اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب. وممن روي ~~عنه ذلك عمر، وعثمان، وطلحة، وحذيفة وسلمان، وجابر، وغيرهم. قال ابن ~~المنذر: ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك. وروى الخلال، بإسناده، أن ~~حذيفة، وطلحة، والجارود بن المعلى، وأذينة العبدي، تزوجوا نساء من أهل ~~الكتاب. وبه قال سائر أهل العلم. # وحرمته الإمامية، تمسكا بقوله تعالى {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ~~[البقرة: 221] ، {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] ، ولنا، قول ~~الله تعالى {اليوم أحل لكم الطيبات} [المائدة: 5] /إلى قوله: {والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن} [المائدة: 5] . وإجماع ~~الصحابة، فأما قوله سبحانه {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] . فروي عن ~~ابن عباس أنها نسخت بالآية التي في ms3623 سورة المائدة. # وكذلك ينبغي أن يكون ذلك في الآية الأخرى؛ لأنهما متقدمتان، والآية التي ~~في أول المائدة متأخرة عنهما. وقال آخرون: # PageV07P129 # ليس هذا نسخا، فإن لفظة المشركين بإطلاقها لا تتناول أهل الكتاب، بدليل ~~قوله سبحانه {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} [البينة: ~~1] . وقال {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} [البينة: 6] . وقال ~~{لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} [المائدة: 82] . ~~وقال {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين} [البقرة: 105] . # وسائر آي القرآن يفصل بينهما، فدل على أن لفظة المشركين بإطلاقها غير ~~متناولة لأهل الكتاب، وهذا معنى قول سعيد بن جبير، وقتادة، ولأن ما احتجوا ~~به عام في كل كافرة، وآيتنا خاصة في حل أهل الكتاب، والخاص يجب تقديمه. إذا ~~ثبت هذا، فالأولى أن لا يتزوج كتابية؛ لأن عمر قال للذين تزوجوا من نساء ~~أهل الكتاب: طلقوهن. فطلقوهن إلا حذيفة، فقال له عمر: طلقها. قال: تشهد ~~أنها حرام؟ قال: هي جمرة، طلقها. قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي جمرة. قال: ~~قد علمت أنها جمرة، ولكنها لي حلال. فلما كان بعد طلقها، فقيل له: ألا ~~طلقتها حين أمرك عمر؟ قال: كرهت أن يرى الناس أني ركبت أمرا لا ينبغي لي. ~~ولأنه ربما مال إليها قلبه ففتنته، وربما كان بينهما ولد فيميل إليها. ~~(5387) فصل: وأهل الكتاب الذين هذا حكمهم، هم أهل التوراة والإنجيل. قال ~~الله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} [الأنعام: ~~156] . فأهل التوراة اليهود والسامرة، وأهل الإنجيل النصارى، ومن وافقهم في ~~أصل دينهم من الإفرنج والأرمن وغيرهم. # وأما الصابئون فاختلف فيهم السلف كثيرا، فروي عن أحمد أنهم جنس من ~~النصارى. ونص عليه الشافعي، وعلق القول فيهم في موضع آخر. وعن أحمد أنه ~~قال: بلغني أنهم يسبتون. فهؤلاء إذا يشبهون اليهود. والصحيح فيهم أنهم إن ~~كانوا يوافقون النصارى أو اليهود في أصل دينهم، ويخالفونهم في فروعه، فهم ~~ممن وافقوه، وإن خالفوهم في أصل الدين، فليس هم منهم. والله أعلم. # وأما من سوى ms3624 هؤلاء من الكفار، مثل المتمسك بصحف إبراهيم، وشيث وزبور ~~داود، فليسوا بأهل كتاب، ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم. وهذا قول الشافعي. ~~وذكر القاضي فيهم وجها آخر، أنهم من أهل الكتاب، وتحل ذبائحهم، ونكاح ~~نسائهم، ويقرون بالجزية؛ لأنهم تمسكوا بكتاب من كتب الله عز وجل، فأشبهوا ~~اليهود والنصارى. # PageV07P130 # ولنا، قول الله تعالى {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} ~~[الأنعام: 156] . ولأن تلك الكتب كانت مواعظ وأمثالا، لا أحكام فيها، فلم ~~يثبت لها حكم الكتب المشتملة على الأحكام. ### | [فصل ليس للمجوس كتاب ولا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم] # (5388) فصل: وليس للمجوس كتاب، ولا تحل ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم. نص ~~عليه أحمد. وهو قول عامة العلماء، إلا أبا ثور، فإنه أباح ذلك؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . ولأنه يروى أن حذيفة ~~تزوج مجوسية. ولأنهم يقرون بالجزية، فأشبهوا اليهود والنصارى. ولنا، قول ~~الله تعالى {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] . # وقوله {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] . فرخص من ذلك في أهل ~~الكتاب، فمن عداهم يبقى على العموم، ولم يثبت أن للمجوس كتابا. وسئل أحمد، ~~أيصح عن علي أن للمجوس كتابا؟ فقال: هذا باطل واستعظمه جدا. ولو ثبت أن لهم ~~كتابا، فقد بينا أن حكم أهل الكتاب لا يثبت لغير أهل الكتابين. وقوله - ~~عليه السلام -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . # دليل على أنه لا كتاب لهم، وإنما أراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في حقن دمائهم، وإقرارهم بالجزية لا غير، وذلك أنهم لما كانت لهم شبهة ~~كتاب، غلب ذلك في تحريم دمائهم، فيجب أن يغلب حكم التحريم لنسائهم ~~وذبائحهم، فإننا إذا غلبنا الشبهة في التحريم فتغليب الدليل الذي عارضته ~~الشبهة في التحريم أولى، ولم يثبت أن حذيفة تزوج مجوسية، وضعف أحمد رواية ~~من روى عن حذيفة أنه تزوج مجوسية. وقال: أبو وائل يقول: تزوج يهودية. وهو ~~أوثق ممن روي عنه أنه تزوج مجوسية. وقال: ابن سيرين: كانت امرأة حذيفة ~~نصرانية. # ومع تعارض الروايات لا يثبت حكم إحداهن إلا ms3625 بترجيح، على أنه لو ثبت ذلك ~~عن حذيفة، فلا يجوز الاحتجاج به مع مخالفته الكتاب وقول سائر العلماء. وأما ~~إقرارهم بالجزية، فلأننا غلبنا حكم التحريم لدمائهم، فيجب أن يغلب حكم ~~التحريم في ذبائحهم ونسائهم. ### | [فصل النكاح من الكفار غير أهل الكتاب] # (5389) فصل: وسائر الكفار غير أهل الكتاب، كمن عبد ما استحسن من الأصنام ~~والأحجار والشجر والحيوان، فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم ~~وذبائحهم؛ وذلك لما ذكرنا من الآيتين، وعدم المعارض لهما. والمرتدة يحرم ~~نكاحها على أي دين كانت؛ لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين الذي انتقلت إليه ~~في إقرارها عليه، ففي حلها أولى. # PageV07P131 ### | [مسألة النكاح إذا كان أحد أبوي الكافرة كتابيا والآخر وثنيا] # (5390) مسألة؛ قال: (وإذا كان أحد أبوي الكافرة كتابيا، والآخر وثنيا، لم ~~ينكحها مسلم) وجملته أنه إذا كان أحد أبوي الكتابية غير كتابي، لم يحل ~~نكاحها، سواء كان وثنيا أو مجوسيا أو مرتدا. وبهذا قال الشافعي، فيما إذا ~~كان الأب غير كتابي؛ لأن الولد ينسب إلى أبيه، ويشرف بشرفه وينسب إلى ~~قبيلته، وإن كانت الأم غير كتابية فله فيه قولان. ولنا، أنها غير متمحضة من ~~أهل الكتاب، فلم يجز للمسلم نكاحها، كما لو كان أبوها وثنيا، ولأنها متولدة ~~بين من يحل وبين من لا يحل، فلم يحل، كالسمع والبغل. # ويحتمل أن تحل بكل حال، لدخولها في عموم الآية المبيحة، ولأنها كتابية ~~تقر على دينها، فأشبهت من أبواها كتابيان. والحكم في من أبواها غير ~~كتابيين، كالحكم في من أحد أبويها كذلك؛ لأنها إذا حرمت لكون أحد أبويها ~~وثنيا، فلأن تحرم إذا كانا وثنيين أولى. والاحتمال الذي ذكرناه ثم متحقق ~~هاهنا، اعتبارا بحال نفسها دون أبويها. ### | [مسألة تزوج كتابية فانتقلت إلى دين آخر من الكفر غير دين أهل الكتاب] # (5391) مسألة؛ قال: (وإذا تزوج كتابية، فانتقلت إلى دين آخر من الكفر غير ~~دين أهل الكتاب، أجبرت على الإسلام، فإن لم تسلم حتى انقضت عدتها، انفسخ ~~نكاحها) الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة: (5392) الأول: أن الكتابي ~~إذا انتقل ms3626 إلى غير دين أهل الكتاب، لم يقر عليه. لا نعلم في هذا خلافا، ~~فإنه إذا انتقل إلى دين لا يقر أهله بالجزية، كعبادة الأوثان وغيرها، مما ~~يستحسنه، فالأصلي منهم لا يقر على دينه، فالمنتقل إليه أولى. # وإن انتقل إلى المجوسية، لم يقر أيضا؛ لأنه انتقل إلى أنقص من دينه، فلم ~~يقر عليه، كالمسلم إذا ارتد. فأما إن انتقل إلى دين آخر من دين أهل الكتاب، ~~كاليهودي يتنصر، أو النصراني يتهود، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يقر أيضا؛ ~~لأنه انتقل إلى دين باطل، قد أقر ببطلانه، فلم يقر عليه، كالمرتد. ~~والثانية، يقر عليه. نص عليه أحمد. # وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال وصاحبه، وقول أبي حنيفة؛ لأنه لم ~~يخرج عن دين أهل الكتاب، فأشبه غير المنتقل. وللشافعي قولان. كالروايتين. ~~فأما المجوسي إذا انتقل إلى دين لا يقر أهله عليه، لم يقر، كأهل ذلك الدين. ~~وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب، خرج فيه الروايتان، وسواء فيما ذكرنا الرجل ~~والمرأة؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «من بدل # PageV07P132 # دينه فاقتلوه» . ولعموم المعنى الذي ذكرناه فيهما جميعا. # (5393) الفصل الثاني: أن المنتقل إلى غير دين أهل الكتاب، لا يقبل منه ~~إلا الإسلام. نص عليه أحمد. واختاره الخلال وصاحبه. وهو أحد أقوال الشافعي؛ ~~لأن غير الإسلام أديان باطلة. قد أقر ببطلانها، فلم يقر عليها كالمرتد. وعن ~~أحمد أنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه؛ لأن دينه الأول ~~قد أقررناه عليه مرة. # ولم ينتقل إلى خير منه، فنقره عليه إن رجع إليه، ولأنه منتقل من دين يقر ~~أهله عليه، إلى دين لا يقر أهله عليه، فيقبل منه الرجوع إليه، كالمرتد إذا ~~رجع إلى الإسلام. وعن أحمد، رواية ثالثة، أنه يقبل منه أحد ثلاثة أشياء؛ ~~الإسلام، أو الرجوع إلى دينه الأول، أو دين يقر أهله عليه؛ لعموم قوله ~~تعالى {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] . وإن انتقل إلى ~~دين أهل الكتاب، وقلنا: لا يقر. ففيه الروايتان؛ إحداهما، لا يقبل منه إلا ~~الإسلام. والأخرى، لا يقبل ms3627 منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه. # (5394) الفصل الثالث: في صفة إجباره على ترك ما انتقل إليه. وفيه ~~روايتان؛ إحداهما، أنه يقتل إن لم يرجع، رجلا كان أو امرأة؛ لعموم قوله - ~~عليه السلام -: «من بدل دينه فاقتلوه» . ولأنه ذمي نقض العهد، فأشبه ما لو ~~نقضه بترك التزام الذمة. وهل يستتاب؟ يحتمل وجهين؛ أحدهما، يستتاب؛ لأنه ~~يسترجع عن دين باطل انتقل إليه، فيستتاب، كالمرتد. والثاني: لا يستتاب؛ ~~لأنه كافر أصلي أبيح قتله، فأشبه الحربي. # فعلى هذا إن بادر وأسلم، أو رجع إلى ما يقر عليه، عصم دمه وإلا قتل. ~~والرواية الثانية، عن أحمد قال: إذا دخل اليهودي في النصرانية، رددته إلى ~~اليهودية، ولم أدعه فيما انتقل إليه، فقيل له: أتقتله؟ قال: لا، ولكن يضرب ~~ويحبس. قال: وإن كان نصرانيا أو يهوديا، فدخل في المجوسية، كان أغلظ؛ لأنه ~~لا تؤكل ذبيحته، ولا تنكح له امرأة، ولا يترك حتى يرد إليها. فقيل له: ~~تقتله إذا لم يرجع؟ قال: إنه لأهل ذلك. # وهذا نص في أن الكتابي المنتقل إلى دين آخر من دين أهل الكتاب لا يقتل، ~~بل يكره بالضرب والحبس. # PageV07P133 # (5395) الفصل الرابع: أن امرأة المسلم الذمية، إذا انتقلت إلى دين غير ~~دين أهل الكتاب، فهي كالمرتدة؛ لأن غير أهل الكتاب لا يحل نكاح نسائهم، ~~فمتى كان قبل الدخول، انفسخ نكاحها في الحال، ولا مهر لها؛ لأن الفسخ من ~~قبلها، وإن كان بعده، وقف على انقضاء العدة، في إحدى الروايتين، والأخرى ~~ينفسخ في الحال أيضا. ### | [مسألة الأمة الكتابية حلال] ### | [الفصل الأول أمته الكتابية حلال] # (5396) مسألة؛ قال: (وأمته الكتابية حلال له، دون أمته المجوسية) الكلام ~~في هذه المسألة في فصلين: (5397) أحدهما: أن أمته الكتابية حلال له. وهذا ~~قول عامة أهل العلم، إلا الحسن، فإنه كرهه؛ لأن الأمة الكتابية يحرم نكاحها ~~فحرم التسري بها كالمجوسية. ولنا، قول الله تعالى {إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] . ولأنها ممن يحل نكاح ~~حرائرهم، فحل له التسري بها، كالمسلمة. # فأما نكاحها فيحرم لأن فيه ms3628 إرقاق ولده، وإبقاءه مع كافرة، بخلاف التسري. ~~(5398) ### | [الفصل الثاني من حرم نكاح حرائرهم من المجوسيات وغيرهم لا يباح وطء الإماء منهن بملك اليمين] # الفصل الثاني: أن من حرم نكاح حرائرهم من المجوسيات، وسائر الكوافر سوى ~~أهل الكتاب، لا يباح وطء الإماء منهن بملك اليمين. في قول أكثر أهل العلم، ~~منهم؛ مرة الهمداني، والزهري، وسعيد بن جبير، والأوزاعي، والثوري، وأبو ~~حنيفة، ومالك، والشافعي. وقال ابن عبد البر: على هذا جماعة فقهاء الأمصار، ~~وجمهور العلماء، وما خالفه فشذوذ لا يعد خلافا. ولم يبلغنا إباحة ذلك إلا ~~عن طاوس، ووجه قوله عموم قوله تعالى {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم} [النساء: 24] . # والآية الأخرى. # PageV07P134 # وروى أبو سعيد، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث يوم حنين بعثا ~~قبل أوطاس، فأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - تحرجوا من غشيانهن، من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز ~~وجل في ذلك {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] . قال: ~~فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن.» وعنه «، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض ~~حيضة» . رواهما أبو داود. وهو حديث صحيح. وهم عبدة أوثان. # وهذا ظاهر في إباحتهن، ولأن الصحابة في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان أكثر سباياهم من كفار العرب، وهم عبدة أوثان، فلم يكونوا يرون تحريمهن ~~لذلك، ولا نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريمهن، ولا أمر الصحابة ~~باجتنابهن، وقد دفع أبو بكر إلى سلمة بن الأكوع امرأة من بعض السبي، نفلها ~~إياه، وأخذ عمر وابنه من سبي هوازن، وكذلك غيرهما من الصحابة، والحنفية أم ~~محمد ابن الحنفية من سبي بني حنيفة، وقد أخذ الصحابة سبايا فارس، وهم مجوس، ~~فلم يبلغنا أنهم اجتنبوهن، وهذا ظاهر في إباحتهن، لولا اتفاق أهل العلم على ~~خلافه. # وقد أجبت عن حديث أبي سعيد بأجوبة، منها أنه يحتمل أنهن أسلمن، كذلك روي ms3629 ~~عن أحمد أنه سأله محمد بن الحكم قال: قلت لأبي عبد الله: هوازن أليس كانوا ~~عبدة أوثان؟ قال: لا أدري كانوا أسلموا أو لا. وقال ابن عبد البر: إباحة ~~وطئهن منسوخة بقوله تعالى {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] . ~~(5399) ### | [مسألة ليس للمسلم وإن كان عبدا أن يتزوج أمة كتابية] # مسألة؛ قال: (وليس للمسلم وإن كان عبدا أن يتزوج أمة كتابية) لأن الله ~~تعالى قال {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] . هذا ظاهر مذهب أحمد، رواه ~~عنه جماعة، وهو قول الحسن، والزهري، ومكحول، ومالك، والشافعي، والثوري، ~~والأوزاعي، والليث، وإسحاق. وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، ومجاهد. وقال أبو ~~ميسرة وأبو حنيفة: يجوز للمسلم نكاحها؛ لأنها تحل بملك اليمين، فحلت ~~بالنكاح كالمسلمة. # ونقل ذلك عن أحمد، قال: لا بأس بتزويجها. إلا أن الخلال رد هذه الرواية، ~~وقال: إنما توقف أحمد فيها، ولم ينفذ له قول، ومذهبه أنها لا تحل؛ لقول ~~الله تعالى {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] . فشرط ~~في إباحة نكاحهن الإيمان، ولم يوجد، وتفارق المسلمة، لأنه لا يؤدي إلى ~~استرقاق الكافر ولدها، لأن الكافر لا يقر ملكه على مسلمة، والكافرة تكون ~~ملكا لكافر، ويقر ملكه عليها. وولدها # PageV07P135 # مملوك لسيدها، ولأنه قد اعتورها نقصان، نقص الكفر والملك، فإذا اجتمعا ~~منعا، كالمجوسية لما اجتمع فيها نقص الكفر، وعدم الكتاب، لم يبح نكاحها. # ولا فرق بين الحر والعبد في تحريم نكاحها؛ لعموم ما ذكرنا من الدليل، ~~ولأن ما حرم على الحر تزويجه لأجل دينه، حرم على العبد، كالمجوسية. ### | [مسألة نكاح الأمة المسلمة] # (5400) مسألة؛ قال: (ولا لحر مسلم أن يتزوج أمة مسلمة، إلا أن لا يجد ~~طولا بحرة مسلمة، ويخاف العنت) الكلام في هذه المسألة في شيئين؛ أحدهما، ~~أنه يحل له نكاح الأمة المسلمة إذا وجد فيه الشرطان، عدم الطول، وخوف ~~العنت. وهذا قول عامة العلماء، لا نعلم بينهم اختلافا فيه. والأصل فيه قول ~~الله سبحانه {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25] . # الآية. والصبر عنها مع ذلك خير وأفضل؛ لقول الله تعالى {وأن تصبروا ms3630 خير ~~لكم} [النساء: 25] . والثاني: إذا عدم الشرطان أو أحدهما، لم يحل نكاحها ~~لحر. روي ذلك عن جابر، وابن عباس. وبه قال عطاء، وطاوس، والزهري، وعمرو بن ~~دينار، ومكحول، ومالك، والشافعي، وإسحاق. وقال مجاهد: مما وسع الله على هذه ~~الأمة، نكاح الأمة، وإن كان موسرا. # وبه قال أبو حنيفة، إلا أن يكون تحته حرة؛ لأن القدرة على النكاح لا تمنع ~~النكاح، كما يمنعه وجود النكاح، كنكاح الأخت والخامسة. وقال قتادة، ~~والثوري: إذا خاف العنت حل له نكاح الأمة، وإن وجد الطول؛ لأن إباحتها ~~لضرورة خوف العنت، وقد وجدت، فلا يندفع إلا بنكاح الأمة، فأشبه عادم الطول. ~~ولنا، قول الله تعالى {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ~~فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] إلى قوله {ذلك لمن ~~خشي العنت منكم} [النساء: 25] . # فشرط في نكاحها عدم استطاعة الطول، فلم يجز مع الاستطاعة كالصوم في كفارة ~~الظهار مع عدم استطاعة الإعتاق، ولأن في تزويج الأمة إرقاق ولده مع الغنى ~~عنه، فلم يجز، كما لو كان تحته حرة. وقياسهم ليس بصحيح؛ فإن نكاح الخامسة ~~والأخت، إنما حرم لأجل الجمع، وبالقدرة على الجمع لا يصير جامعا، والعلة ~~هاهنا، هو الغنى عن إرقاق ولده، وذلك يحصل بالقدرة على نكاح الحرة. وأما من ~~يجد الطول ويخاف العنت، فإن كان ذلك لكونه لا يجد إلا حرة صغيرة أو غائبة ~~أو مريضة لا يمكن وطؤها، أو وجد مالا ولم يتزوج لقصور نسبه، فله نكاح ~~الأمة؛ لأنه عاجز عن حرة تعفه. # وإن # PageV07P136 # كانت الحرة في حبالة غيره، فله نكاح أمة. نص عليه أحمد في الغائبة. وهو ~~ظاهر مذهب الشافعي. وقال بعضهم: لا يجوز؛ لوجدان الطول. ولنا، أنه غير ~~مستطيع للطول إلى حرة تعفه، فأشبه من لا يجد شيئا، ألا ترى أن الله سبحانه ~~جعل ابن السبيل الذي له اليسار في بلده فقيرا؛ لعدم قدرته عليه في الحال، ~~وإن كانت له حرة يتمكن من وطئها، والعفة بها، فليس بخائف العنت. ### | [فصل إن قدر على تزويج كتابية تعفه ms3631 لم يحل له نكاح الأمة] # (5401) فصل: وإن قدر على تزويج كتابية تعفه، لم يحل له نكاح الأمة. وهذا ~~ظاهر مذهب الشافعي، وذكروا وجها آخر أنه يجوز له؛ لقول الله تعالى {ومن لم ~~يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات} [النساء: 25] . وهذا غير ~~مستطيع لذلك. ولنا، قول الله تعالى {ذلك لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25] ~~. وهذا غير خائف له، ولأنه قدر على صيانة ولده عن الرق، فلم يجز له إرقاقه، ~~كما لو قدر على نكاح مؤمنة. ### | [فصل من كانت تحته حرة يمكنه أن يستعف بها لم يجز له نكاح أمة] # (5402) فصل: ومن كانت تحته حرة يمكنه أن يستعف بها، لم يجز له نكاح أمة. ~~لا نعلم في هذا خلافا، ولا فرق بين الكتابية والمسلمة في ذلك؛ لما ذكرنا من ~~قبل. ### | [فصل نكاح الأمة إن لم يجد طولا لكن وجد من يقرضه ذلك] # (5403) فصل: فإن لم يجد طولا، لكن وجد من يقرضه ذلك، لم يلزمه؛ لأن عليه ~~ضررا في بقاء الدين في ذمته، ولصاحبه مطالبته به في الحال. وكذلك إن رضيت ~~الحرة بتأخير صداقها، أو تفويض بضعها؛ لأن لها مطالبته بعوضه. وكذلك إن بذل ~~له باذل أن يزنه عنه، أو يهبه إياه، لم يلزمه قبوله؛ لما عليه من ضرر ~~المنة، وله في ذلك كله نكاح الأمة. وإن لم يجد من يزوجه إلا بأكثر من مهر ~~المثل، وكان قادرا عليه، ولا يجحف به، لم يكن له نكاح الأمة. # وقال أصحاب الشافعي: له ذلك، كما لو لم يجد الماء إلا بزيادة عن ثمن ~~المثل، فله التيمم. ولنا، قول الله تعالى {ومن لم يستطع منكم طولا} ~~[النساء: 25] . وهذا مستطيع، ولأنه قادر على نكاح حرة بما لا يضره، فلم يجز ~~له إرقاق ولده، كما لو كان بمهر مثلها، ولا نسلم ما ذكروه في التيمم، ثم ~~هذا مفارق للتيمم من وجهين؛ أحدهما، أن التيمم رخصة عامة، وهذا أبيح ~~للضرورة، ومع القدرة على الحرة لا ضرورة. # PageV07P137 # والثاني، أن التيمم يتكرر، فإيجاب شرائه بزيادة على ثمن المثل يفضي إلى ms3632 ~~الإجحاف به، وهذا لا يتكرر، فلا ضرر فيه. ### | [فصل تزوج الأمة ثم أقر أنه كان موسرا حال النكاح] # (5404) فصل: وإن كان في يده مال، فذكر أنه معسر، وأن المال لغيره. فالقول ~~قوله؛ لأنه حكم بينه وبين الله تعالى، فقبل قوله فيه، كما لو ادعى مخافة ~~العنت. ومتى تزوج الأمة، ثم أقر أنه كان موسرا حال النكاح، فرق بينهما؛ ~~لأنه أقر بفساد نكاحه. وهكذا إن أقر أنه لم يكن يخشى العنت. فإن كان قبل ~~الدخول وصدقه السيد، فلا مهر، وإن كذبه، فله نصف المسمى؛ لأنه يدعي صحة ~~النكاح والأصل معه، وإن كان بعد الدخول، فعليه المسمى جميعه، إلا أن يكون ~~مهر المثل أكثر، فعلى قول من أوجب مهر المثل في النكاح الفاسد، يلزمه مهر ~~المثل؛ لإقراره به. # وإن كان المسمى أكثر، وجب وللسيد ألا يصدقه فيما قال، فيكون له من المهر ~~ما يجب في النكاح الفاسد. وهل ذلك المسمى أو مهر المثل؟ على روايتين. ### | [مسألة عقد علي الأمة وفيه الشرطان عدم الطول وخوف العنت ثم أيسر] # (5405) مسألة؛ قال: (ومتى عقد عليها وفيه الشرطان؛ عدم الطول، وخوف ~~العنت، ثم أيسر، لم ينفسخ النكاح) هذا ظاهر المذهب، وهو مذهب الشافعي، وفي ~~المذهب وجه آخر، أنه يفسد النكاح. وهو قول المزني؛ لأنه إنما أبيح للحاجة، ~~فإذا زالت الحاجة لم يجز له استدامته، كمن أبيح له أكل الميتة للضرورة، ~~فإذا وجد الحلال لم يستدمه. ولنا، أن فقد الطول أحد شرطي إباحة نكاح الأمة، ~~فلم تعتبر استدامته، كخوف العنت، ويفارق أكل الميتة، فإن أكلها بعد القدرة ~~ابتداء للأكل، وهذا لا يبتدئ النكاح. # إنما يستديمه، والاستدامة للنكاح تخالف ابتداءه، بدليل أن العدة والردة ~~وأمن العنت يمنعن ابتداءه دون استدامته. ### | [فصل تزوج على الأمة حرة] # (5406) فصل: وإن تزوج على الأمة حرة، صح. وفي بطلان نكاح الأمة روايتان؛ ~~إحداهما، لا يبطل. وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والشافعي، وأصحاب الرأي. ~~وروي معنى ذلك عن علي - رضي الله عنه -. والرواية الثانية، ينفسخ نكاح ~~الأمة. وهو قول ابن عباس ومسروق، وإسحاق، ms3633 والمزني. ووجه الروايتين ما تقدم ~~في المسألة. # PageV07P138 # وقال النخعي إن كان له من الأمة ولد، لم يفارقها، وإلا فارقها. # ولا يصح؛ لأن ما كان مبطلا للنكاح في غير ذات الولد أبطله في ذات الولد، ~~كسائر مبطلاته، ولأن ولده منها مملوك لسيدها، ونفقته عليه. وقد استدل على ~~بقاء النكاح بما روي عن علي أنه قال: إذا تزوج الحرة على الأمة، قسم للحرة ~~ليلتين، وللأمة ليلة. فإنه لو بطل بنكاح الحرة، لبطل بالقدرة عليه، فإن ~~القدرة على المبدل كاستعماله، بدليل الماء مع التراب. ### | [مسألة له أن ينكح من الإماء أربعا] # (5407) مسألة؛ قال: (وله أن ينكح من الإماء أربعا، إذا كان الشرطان فيه ~~قائمين) اختلفت الرواية عن أحمد، في إباحة أكثر من أمة إذا لم تعفه فعنه ~~أنه قال: إذا خشي العنت تزوج أربعا، إذا لم يصبر كيف يصنع؟ وهذا قول ~~الزهري، والحارث العكلي، ومالك، وأصحاب الرأي. والرواية الثانية، قال أحمد: ~~لا يعجبني أن يتزوج إلا أمة واحدة. يذهب إلى حديث ابن عباس، وهو ما روي عن ~~ابن عباس: أن الحر لا يتزوج من الإماء إلا واحدة، وقرأ {ذلك لمن خشي العنت ~~منكم} [النساء: 25] . # وبه قال قتادة والشافعي، وابن المنذر؛ لأن من له زوجة يمكنه وطؤها لا ~~يخشى العنت. ووجه الأولى قوله تعالى {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25] ~~. الآية. وهذا داخل في عمومها، ولأنه عادم للطول، خائف للعنت، فجاز له نكاح ~~أمة كالأولى، وقولهم: لا يخشى العنت. قلنا: الكلام في من يخشاه، ولا نبيحه ~~إلا له. وقول ابن عباس يحمل على من لم يخش العنت، وكذلك الرواية الأخرى عن ~~أحمد. # وإن تزوج حرة فلم تعفه، فذكر فيها أبو الخطاب روايتين، مثل نكاح الأمة في ~~حق من تحته أمة لم تعفه؛ لما ذكرنا. وإن كانت الحرة تعفه، فلا خلاف في ~~تحريم نكاح الأمة. وإن نكح أمة تعفه، لم يكن له أن ينكح أخرى، فإن نكحها، ~~فنكاحها باطل. لأنه يبطل في إحداهما، وليست إحداهما بأولى من الأخرى، فبطل، ~~كما لو جمع بين أختين. ### | [فصل ms3634 للعبد أن ينكح الأمة] # (5408) فصل: وللعبد أن ينكح الأمة، وإن فقد فيه الشرطان؛ لأنه مساو لها، ~~فلم يعتبر فيه هذان الشرطان، كالحر # PageV07P139 # مع الحرة. وله نكاح أمتين معا، وواحدة بعد واحدة؛ لأن خشية العنت غير ~~مشروطة فيه. وإن تزوج حرة، وقلنا: ليست الحرية شرطا في نكاح الحرة، فهل له ~~أن ينكح أمة؟ فيه روايتان؛ إحداهما، له ذلك. وهو قول مالك، والشافعي؛ لأنها ~~مساوية له، فلم يشترط لصحة نكاحها عدم الحرة، كالحر مع الحرة، ولأنه لو ~~اشترط عدم الحرة، لاشترط عدم القدرة عليها، كما في حق الحر. # والثانية، لا يجوز. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنه يروى عن سعيد بن المسيب، ~~أنه قال: تنكح الحرة على الأمة، ولا تنكح الأمة على الحرة. ولأنه مالك لبضع ~~حرة فلم يكن له أن يتزوج أمة، كالحر. وإن عقد النكاح عليهما جميعا، صح ~~فيهما؛ لأن كل واحدة يجوز إفرادها بالعقد، فجاز بالجمع بينهما، كالأمتين. ### | [فصل إذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين] # (5409) فصل: وإذا زنت المرأة، لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين؛ ~~أحدهما، انقضاء عدتها، فإن حملت من الزنى فقضاء عدتها بوضعه، ولا يحل ~~نكاحها قبل وضعه. وبهذا قال مالك وأبو يوسف. وهو إحدى الروايتين عن أبي ~~حنيفة. وفي الأخرى قال: يحل نكاحها ويصح. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه وطء لا ~~يلحق به النسب، فلم يحرم النكاح، كما لو لم تحمل. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر، فلا يسقي ماءه زرع غيره» . يعني وطء الحوامل. وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا توطأ حامل حتى تضع» . صحيح # ، وهو عام، وروي عن سعيد بن المسيب، «أن رجلا تزوج امرأة، فلما أصابها ~~وجدها حبلى، فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ففرق بينهما، وجعل ~~لها الصداق، وجلدها مائة.» رواه سعيد # «. ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة مجحا على باب فسطاط، فقال: ~~لعله يريد أن يلم بها؟ قالوا: نعم. قال: لقد هممت أن ألعنه لعنا ms3635 يدخل معه ~~قبره، كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ أم كيف يورثه وهو لا يحل له؟» . أخرجه ~~مسلم. ولأنها حامل من غيره، فحرم عليه نكاحها، كسائر الحوامل. # PageV07P140 # وإذا ثبت هذا لزمتها العدة، وحرم عليها النكاح فيها؛ لأنها في الأصل ~~لمعرفة براءة الرحم، ولأنها قبل العدة يحتمل أن تكون حاملا، فيكون نكاحها ~~باطلا، فلم يصح، كالموطوءة بشبهة. # وقال أبو حنيفة والشافعي: لا عدة عليها؛ لأنه وطء لا تصير به المرأة ~~فراشا، فأشبه وطء الصغير. ولنا، ما ذكرناه، لأنه إذا لم يصح نكاح الحامل، ~~فغيرها أولى، لأن وطء الحامل لا يفضي إلى اشتباه النسب، وغيرها يحتمل أن ~~يكون ولدها من الأول، ويحتمل أن يكون من الثاني، فيفضي إلى اشتباه الأنساب، ~~فكان بالتحريم أولى، ولأنه وطء في القبل، فأوجب العدة، كوطء الشبهة، ولا ~~نسلم وطء الصغير الذي يمكن منه الوطء. والشرط الثاني، أن تتوب من الزنا، ~~وبه قال قتادة، وإسحاق، وأبو عبيد. # وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يشترط ذلك؛ لما روي أن عمر ضرب رجلا ~~وامرأة في الزنى، وحرص أن يجمع بينهما، فأبى الرجل. وروي أن رجلا سأل ابن ~~عباس عن نكاح الزانية، فقال: يجوز، أرأيت لو سرق من كرم، ثم ابتاعه، أكان ~~يجوز؟ . ولنا، قول الله تعالى {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} ~~[النور: 3] /إلى قوله: {وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3] . # وهي قبل التوبة في حكم الزنى، فإذا تابت زال ذلك؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» . وقوله «التوبة تمحو الحوبة» ~~. وروي «أن مرثدا دخل مكة، فرأى امرأة فاجرة يقال لها عناق، فدعته إلى ~~نفسها، فلم يجبها، فلما قدم المدينة سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال له: أنكح عناقا؟ فلم يجبه، فأنزل الله تعالى {الزاني لا ينكح إلا ~~زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] . فدعاه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلا عليه الآية، وقال: لا تنكحها» . # ولأنها إذا كانت مقيمة على الزنا لم يأمن أن ms3636 تلحق به ولدا من غيره، وتفسد ~~فراشه. فأما حديث عمر، فالظاهر أنه استتابها. وحديث ابن عباس ليس فيه بيان، ~~ولا تعرض له لمحل النزاع. # PageV07P141 # إذا ثبت هذا فإن عدة الزانية كعدة المطلقة؛ لأنه استبراء لحرة، فأشبه عدة ~~الموطوءة بشبهة. وحكى ابن أبي موسى، أنها تستبرأ بحيضه؛ لأنه ليس من نكاح ~~ولا شبهة نكاح، فأشبه استبراء أم الولد إذا عتقت. وأما التوبة، فهي ~~الاستغفار والندم والإقلاع عن الذنب، كالتوبة من سائر الذنوب. # وروي عن ابن عمر، أنه قيل له: كيف تعرف توبتها؟ قال: يريدها على ذلك، فإن ~~طاوعته فلم تتب، وإن أبت فقد تابت. فصار أحمد إلى قول ابن عمر اتباعا له. ~~والصحيح الأول، فإنه لا ينبغي لمسلم أن يدعو امرأة إلى الزنى، ويطلبه منها. ~~ولأن طلبه ذلك منها إنما يكون في خلوة، ولا تحل الخلوة بأجنبية، ولو كان في ~~تعليمها القرآن، فكيف يحل في مراودتها على الزنى، ثم لا يأمن إن أجابته إلى ~~ذلك أن تعود إلى المعصية، فلا يحل للتعرض لمثل هذا، ولأن التوبة من سائر ~~الذنوب، وفي حق سائر الناس، وبالنسبة إلى سائر الأحكام، على غير هذا الوجه، ~~فكذلك يكون هذا. ### | [إذا زنت الأمة حل نكاحها للزاني وغيره] # (5410) فصل: وإذا وجد الشرطان حل نكاحها للزاني وغيره، في قول أكثر أهل ~~العلم، منهم أبو بكر، وعمر، وابنه، وابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيب، ~~وطاوس، وجابر بن زيد، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، والثوري، والشافعي، ~~وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وروي عن ابن مسعود، والبراء بن عازب، وعائشة، ~~أنها لا تحل للزاني بحال، قالوا: لا يزالان زانيين ما اجتمعا؛ لعموم الآية ~~والخبر. # ويحتمل أنهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة، أو قبل استبرائها، فيكون ~~كقولنا. فأما تحريمها على الإطلاق فلا يصح؛ لقوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] . ولأنها محللة لغير الزاني، فحلت ~~له، كغيرها. ### | [فصل إن زنت امرأة رجل أو زنى زوجها لم ينفسخ النكاح] # (5411) فصل: وإن زنت امرأة رجل، أو زنى زوجها، لم ينفسخ النكاح، سواء ms3637 كان ~~قبل الدخول أو بعده، في قول عامة أهل العلم. وبذلك قال مجاهد، وعطاء، ~~والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وعن جابر بن عبد الله، ~~أن المرأة إذا زنت يفرق بينهما، وليس لها شيء. وكذلك روي عن الحسن. وعن علي ~~- رضي الله عنه - أنه فرق بين رجل وامرأته زنى قبل الدخول بها. # واحتج لهم بأنه لو قذفها ولاعنها بانت منه؛ لتحقيقه الزنى عليها، فدل على ~~أن الزنى يبينها. ولنا، أن دعواه الزنى عليها لا يبينها، ولو كان النكاح ~~ينفسخ به لانفسخ بمجرد دعواه، كالرضاع، ولأنها معصية لا تخرج عن الإسلام، ~~فأشبهت السرقة، فأما اللعان فإنه يقتضي الفسخ بدون الزنى، بدليل أنها إذا ~~لاعنته فقد قابلته، # PageV07P142 # فلم يثبت زناها، ولذلك أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - الحد على من ~~قذفها، والفسخ واقع. ولكن أحمد استحب للرجل مفارقة امرأته إذا زنت، وقال: ~~لا أرى أن يمسك مثل هذه. # وذلك أنه لا يؤمن أن تفسد فراشه، وتلحق به ولدا ليس منه. قال ابن المنذر: ~~لعل من كره هذه المرأة إنما كرهها على غير وجه التحريم، فيكون مثل قول أحمد ~~هذا. قال أحمد: ولا يطؤها حتى يستبرئها بثلاث حيض. وذلك لما روى رويفع بن ~~ثابت، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يوم حنين: «لا يحل ~~لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره» . يعني إتيان ~~الحبالى. # ولأنها ربما تأتي بولد من الزنى فينسب إليه. والأولى أنه يكفي استبراؤها ~~بالحيضة الواحدة؛ لأنها تكفي في استبراء الإماء، وفي أم الولد إذا عتقت ~~بموت سيدها، أو بإعتاق سيدها، فيكفي هاهنا، والمنصوص هاهنا مجرد الاستبراء، ~~وقد حصل بحيضة فيكتفى بها. ### | [فصل علم الرجل من جاريته الفجور] # (5412) فصل: وإذا علم الرجل من جاريته الفجور، فقال أحمد: لا يطؤها؛ ~~لعلها تلحق به ولدا ليس منه. قال ابن مسعود: أكره أن أطأ أمتي وقد بغت. ~~وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه كان ينهى أن يطأ الرجل ~~أمته وفي بطنها ولد جنين ms3638 لغيره. قال ابن عبد البر: هذا مجمع على تحريمه. ~~وكان ابن عباس يرخص في وطء الأمة الفاجرة. # وروي ذلك عن سعيد بن المسيب. ولعل من كره ذلك كرهه قبل الاستبراء، أو إذا ~~لم يحصنها ويمنعها من الفجور، ومن أباحه بعدهما، فيكون القولان متفقين. ~~والله تعالى أعلم. ### | [مسألة خطب امرأة فلم تسكن إليه] # (5413) مسألة؛ قال: (ومن خطب امرأة، فلم تسكن إليه، فلغيره خطبتها) ~~الخطبة، بالكسر: خطبة الرجل المرأة لينكحها. والخطبة، بالضم: هي حمد الله، ~~والتشهد؛ ولا يخلو حال المخطوبة من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تسكن إلى الخاطب ~~لها، فتجيبه، أو تأذن لوليها في إجابته أو تزويجه، فهذه يحرم على غير ~~خاطبها خطبتها؛ لما روى ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ~~يخطب أحدكم على خطبة أخيه» . وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، حتى ينكح أو يترك» . متفق عليهما. # ولأن في ذلك إفسادا على الخاطب الأول، وإيقاع العداوة بين الناس، ولذلك ~~نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV07P143 # عن بيع الرجل على بيع أخيه. ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم، إلا أن ~~قوما حملوا النهي على الكراهة، والظاهر أولى. القسم الثاني: أن ترده أو لا ~~تركن إليه. فهذه يجوز خطبتها؛ لما روت فاطمة بنت قيس، «أنها أتت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فذكرت أن معاوية وأبا جهم خطباها، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم، فلا يضع ~~عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة بن زيد» . متفق عليه. # فخطبها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد إخبارها إياه بخطبة معاوية وأبي ~~جهم لها، ولأن تحريم خطبتها على هذا الوجه إضرار بها، فإنه لا يشاء أحد أن ~~يمنع المرأة النكاح إلا منعها بخطبته إياها، وكذلك لو عرض لها في عدتها ~~بالخطبة، فقال: لا تفوتيني بنفسك. وأشباه هذا، لم تحرم خطبتها؛ لأن في قصة ~~فاطمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها «لا ms3639 تفوتينا بنفسك. ولم ~~ينكر خطبة أبي جهم ومعاوية لها» . # وذكر ابن عبد البر، أن ابن وهب روى بإسناده عن الحارث بن سعد بن أبي ~~ذباب، أن عمر بن الخطاب خطب امرأة على جرير بن عبد الله، وعلى مروان بن ~~الحكم، وعلى عبد الله بن عمر، فدخل على المرأة وهي جالسة في بيتها، فقال ~~عمر: إن جرير بن عبد الله يخطب، وهو سيد أهل المشرق، ومروان يخطب، وهو سيد ~~شباب قريش، وعبد الله بن عمر يخطب، وهو من قد علمتم، وعمر بن الخطاب، فكشفت ~~المرأة الستر، فقالت: أجاد أمير المؤمنين؟ فقال: نعم. فقالت: فقد أنكحت ~~أمير المؤمنين، فأنكحوه. فهذا عمر قد خطب على واحد بعد واحد، قبل أن يعلم ~~ما تقول المرأة في الأول. # القسم الثالث: أن يوجد من المرأة ما يدل على الرضى والسكون، تعريضا لا ~~تصريحا، كقولها: ما أنت إلا رضى، وما عنك رغبة. فهذه في حكم القسم الأول، ~~لا يحل لغيره خطبتها. هذا ظاهر كلام الخرقي، وظاهر كلام أحمد؛ فإنه قال: ~~إذا ركن بعضهم إلى بعض، فلا يحل لأحد أن يخطب. والركون يستدل عليه بالتعريض ~~تارة، وبالتصريح أخرى. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد إباحة خطبتها. وهو مذهب ~~الشافعي في الجديد؛ لحديث فاطمة، حيث خطبها النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وزعموا أن الظاهر من كلامها ركونها إلى أحدهما. واستدل القاضي بخطبته لها ~~قبل سؤالها هل وجد منها ما دل على الرضى أو لا؟ ولنا، عموم قوله - عليه ~~السلام -: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه» . ولأنه وجد منها ما دل على الرضى ~~به، وسكونها إليه، فحرمت خطبتها، كما لو صرحت بذلك. وأما حديث فاطمة فلا ~~حجة لهم فيه، فإن فيه ما يدل على أنها لم تركن إلى واحد منهما، من وجهين؛ ~~أحدهما، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان قال لها: «لا تسبقيني ~~بنفسك. وفي لفظ: لا تفوتيني # PageV07P144 # بنفسك. وفي رواية: إذا حللت فآذنيني. فلم تكن لتفتات بالإجابة قبل أن ~~تؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . والثاني، أنها ms3640 ذكرت ذلك لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كالمستشيرة له فيهما، أو في العدول عنهما إلى ~~غيرهما، وليس في الاستشارة دليل على ترجيح أحد الأمرين، ولا ميل إلى ~~أحدهما، على أنها إنما ذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - لترجع إلى ~~قوله ورأيه، وقد أشار عليها بتركهما؛ لما ذكر من عيبهما، فجرى ذلك مجرى ~~ردها لهما، وتصريحها بمنعهما. ومن وجه آخر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قد سبقهما بخطبتها تعريضا، بقوله لها ما ذكرنا، فكانت خطبته بعدهما مبنية ~~على الخطبة السابقة لهما، بخلاف ما نحن فيه. (5414) فصل: والتعويل في الرد ~~والإجابة على الولي إن كانت مجبرة، وعليها إن لم تكن مجبرة؛ لأنها أحق ~~بنفسها من وليها، ولو أجاب هو، ورغبت عن النكاح، كان الأمر أمرها. وإن أجاب ~~وليها، فرضيت، فهو كإجابتها، وإن سخطت فلا حكم لإجابته؛ لأن الحق لها. ولو ~~أجاب الولي في حق المجبرة، فكرهت المجاب، واختارت غيره، سقط حكم إجابة ~~وليها، لكون اختيارها مقدما على اختياره. وإن كرهته ولم تجز سواه، فينبغي ~~أن يسقط حكم الإجابة أيضا؛ لأنه قد أمر باستئمارها، فلا ينبغي له أن يكرهها ~~على من لا ترضاه. # وإن أجابته، ثم رجعت عن الإجابة وسخطته، زال حكم الإجابة؛ لأن لها ~~الرجوع. وكذلك إذا رجع الولي المجبر عن الإجابة، زال حكمها؛ لأن له النظر ~~في أمر موليته، ما لم يقع العقد. وإن لم ترجع هي ولا وليها، ولكن ترك ~~الخاطب الخطبة، أو أذن فيها، جازت خطبتها؛ لما روي في حديث ابن عمر، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «، أنه نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى ~~يأذن له أو يترك.» رواه البخاري. # PageV07P145 # (5415) فصل: وخطبة الرجل على خطبة أخيه في موضع النهي محرمة. قال أحمد: ~~لا يحل لأحد أن يخطب في هذه الحال. وقال أبو حفص العكبري: هي مكروهة غير ~~محرمة، وهذا نهي تأديب لا تحريم. # ولنا، ظاهر النهي، فإن مقتضاه التحريم، ولأنه نهي عن الإضرار بالآدمي ~~المعصوم، فكان على التحريم، كالنهي عن أكل ماله وسفك ms3641 دمه، فإن فعل فنكاحه ~~صحيح. نص عليه أحمد فقال: لا يفرق بينهما. وهو مذهب الشافعي. وروي عن مالك ~~وداود، أنه لا يصح. وهو قياس قول أبي بكر؛ لأنه قال في البيع على بيع أخيه: ~~هو باطل. وهذا في معناه، ووجهه أنه نكاح منهي عنه، فكان باطلا كنكاح ~~الشغار. ولنا، أن المحرم لم يقارن العقد، فلم يؤثر فيه، كما لو صرح بالخطبة ~~في العدة. ### | [فصل الرجوع عن الإجابة إلى الخطبة] # (5416) فصل: ولا يكره للولي الرجوع عن الإجابة، إذا رأى المصلحة لها في ~~ذلك؛ لأن الحق لها، وهو نائب عنها في النظر لها، فلم يكره له الرجوع الذي ~~رأى المصلحة فيه، كما لو ساوم في بيع دارها، ثم تبين له المصلحة في تركها. ~~ولا يكره لها أيضا الرجوع إذا كرهت الخاطب؛؛ لأنه عقد عمر يدوم الضرر فيه، ~~فكان لها الاحتياط لنفسها، والنظر في حظها. وإن رجعا عن ذلك لغير غرض، كره؛ ~~لما فيه من إخلاف الوعد، والرجوع عن القول، ولم يحرم؛ لأن الحق بعد لم ~~يلزمهما، كمن ساوم بسلعته، ثم بدا له أن لا يبيعها. ### | [فصل إن كان الخاطب الأول ذميا لم تحرم الخطبة على خطبته] # (5417) فصل: فإن كان الخاطب الأول ذميا، لم تحرم الخطبة على خطبته. نص ~~عليه أحمد، فقال: لا يخطب على خطبة أخيه، ولا يساوم على سوم أخيه، إنما هو ~~للمسلمين، ولو خطب على خطبة يهودي أو نصراني، أو استام على سومهم، لم يكن ~~داخلا في ذلك؛ لأنهم ليسوا بإخوة للمسلمين. وقال ابن عبد البر: لا يجوز ~~أيضا؛ لأن هذا خرج مخرج الغالب، لا لتخصيص المسلم به. ولنا، أن لفظ النهي ~~خاص في المسلمين، وإلحاق غيره به إنما يصح إذا كان مثله، وليس الذمي ~~كالمسلم. ولا حرمته كحرمته، ولذلك لم تجب إجابتهم في دعوة الوليمة ونحوها. # وقوله: خرج مخرج الغالب. قلنا: متى كان في المخصوص بالذكر معنى يصح أن ~~يعتبر في الحكم، لم يجز حذفه ولا تعدية الحكم بدونه، وللأخوة الإسلامية ~~تأثير في وجوب الاحترام، وزيادة الاحتياط في رعاية ms3642 حقوقه، وحفظ قلبه، ~~واستبقاء مودته، فلا يجوز بخلاف ذلك. والله أعلم. # PageV07P146 ### | [مسألة التعريض بالخطبة في العدة] # (5418) مسألة؛ قال: (ولو عرض لها وهي في العدة، بأن يقول: إني في مثلك ~~لراغب. وإن قضي شيء كان. وما أشبهه من الكلام، مما يدلها على رغبته فيها، ~~فلا بأس إذا لم يصرح) وجملة ذلك أن المعتدات على ثلاثة أضرب؛ معتدة من ~~وفاة، أو طلاق ثلاث، أو فسخ لتحريمها على زوجها، كالفسخ برضاع، أو لعان، أو ~~نحوه مما لا تحل بعده لزوجها، فهذه يجوز التعريض بخطبتها في عدتها؛ لقول ~~الله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] ~~. # ولما روت فاطمة بنت قيس «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها لما ~~طلقها زوجها ثلاثا: إذا حللت فآذنيني. وفي لفظ: لا تسبقيني بنفسك. وفي لفظ: ~~لا تفوتينا بنفسك» . وهذا تعريض بخطبتها في عدتها. ولا يجوز التصريح؛ لأن ~~الله تعالى لما خص التعريض بالإباحة، دل على تحريم التصريح، ولأن التصريح ~~لا يحتمل غير النكاح، فلا يؤمن أن يحملها الحرص عليه على الإخبار بانقضاء ~~عدتها قبل انقضائها، والتعريض بخلافه. القسم الثاني، الرجعية، فلا يحل لأحد ~~التعريض بخطبتها، ولا التصريح؛ لأنها في حكم الزوجات، فهي كالتي في صلب ~~نكاحه. # القسم الثالث، بائن يحل لزوجها نكاحها، كالمختلعة، والبائن بفسخ لعيب أو ~~إعسار ونحوه، فلزوجها التصريح بخطبتها والتعريض؛ لأنها مباحة له نكاحها في ~~عدتها، فهي كغير المعتدة. وهل يجوز لغيره التعريض بخطبتها؟ فيه وجهان. ~~وللشافعي فيه أيضا قولان؛ أحدهما، يجوز؛ لعموم الآية، ولأنها بائن فأشبهت ~~المطلقة ثلاثا. والثاني، لا يجوز؛ لأن الزوج يملك أن يستبيحها، فهي ~~كالرجعية. والمرأة في الجواب، كالرجل في الخطبة، فيما يحل ويحرم؛ لأن ~~الخطبة للعقد، فلا يختلفان في حله وحرمته؛ إذا ثبت هذا، فالتعريض أن يقول: ~~إني في مثلك لراغب. # ورب راغب فيك. وقال القاسم بن محمد التعريض أن يقول: إنك علي لكريمة. ~~وإني فيك لراغب. وإن الله لسائق إليك خيرا أو رزقا. وقال الزهري: أنت ~~جميلة. وأنت مرغوب فيك. وإن قال: لا ms3643 تسبقينا بنفسك. أو لا تفوتينا بنفسك. ~~أو إذا حللت فآذنيني. ونحو ذلك، جاز. قال مجاهد: مات رجل، وكانت امرأته ~~تتبع الجنازة، فقال لها رجل: لا تسبقينا بنفسك. فقالت: سبقك غيرك. وتجيبه ~~المرأة: إن قضي شيء كان. وما نرغب عنك. وما أشبهه. # PageV07P147 # والتصريح: هو اللفظ الذي لا يحتمل غير النكاح، نحو أن يقول: زوجيني نفسك. ~~أو إذا انقضت عدتك تزوجتك. ويحتمل أن هذا معنى قوله تعالى {ولكن لا ~~تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] . فإن النكاح يسمى سرا، قال الشاعر: # فلن تطلبوا سرها للغنى ... ولن تسلموها لإزهادها # وقال الشافعي: السر: الجماع. وأنشد لامرئ القيس: # ألا زعمت بسباسة القوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي # ومواعدة السر أن يقول: عندي جماع يرضيك. ونحوه، وكذلك إن قال: رب جماع ~~يرضيك. # فنهي عنه لما فيه من الهجر والفحش والدناءة والسخف. ### | [فصل صرح بالخطبة أو عرض في موضع يحرم التعريض ثم تزوجها بعد حلها] # (5419) فصل: فإن صرح بالخطبة، أو عرض في موضع يحرم التعريض، ثم تزوجها ~~بعد حلها، صح نكاحه. وقال مالك: يطلقها تطليقة، ثم يتزوجها. وهذا غير صحيح؛ ~~لأن هذا المحرم لم يقارن العقد، فلم يؤثر فيه، كما في النكاح الثاني، أو ~~كما لو رآها متجردة ثم تزوجها. ### | [فصل نكاح المرأة عبدها] # (5420) فصل: ويحرم على العبد نكاح سيدته. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم ~~على أن نكاح المرأة عبدها باطل. وروى الأثرم، بإسناده عن أبي الزبير، قال: ~~سألت جابرا عن العبد ينكح سيدته، فقال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب، ونحن ~~بالجابية، وقد نكحت عبدها، فانتهرها عمر وهم أن يرجمها، وقال: لا يحل لك. ~~ولأن أحكام النكاح مع أحكام الملك يتنافيان، فإن كل واحد منهما يقتضي أن ~~يكون الآخر بحكمه، يسافر بسفره، ويقيم بإقامته، وينفق عليه، فيتنافيان. ### | [فصل ليس للسيد أن يتزوج أمته] # (5421) فصل: وليس للسيد أن يتزوج أمته؛ لأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة، ~~وإباحة البضع، فلا يجتمع معه عقد أضعف منه. ولو ملك زوجته وهي أمة، انفسخ ~~نكاحها. وكذلك لو ملكت المرأة زوجها، انفسخ ms3644 نكاحها. ولا نعلم في هذا خلافا. ~~ولا يجوز أن يتزوج أمة له فيها ملك. ولا يتزوج مكاتبته؛ لأنها مملوكته. ### | [فصل لا يجوز للحر أن يتزوج أمة ابنه] # (5422) فصل: ولا يجوز للحر أن يتزوج أمة ابنه؛ لأن له فيها شبهة ملك. ~~وهذا قول أهل الحجاز. وقال أهل العراق: له ذلك؛ لأنها ليست مملوكة له، ولا ~~تعتق بإعتاقه لها. # PageV07P148 # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» . ولأنه لو ~~ملك جزءا من أمة، لم يصح نكاحه لها، فما هي مضافة إليه بجملتها شرعا أولى ~~بالتحريم. وكذلك لا يجوز للعبد نكاح أم سيده أو سيدته، مع ما ذكرنا من ~~الخلاف. ويجوز للعبد أن يتزوج أمة ابنه؛ لأن الرق يقطع ولايته عن أبيه ~~وماله، ولهذا لا يلي ماله ولا نكاحه، ولا يرث أحدهما صاحبه، فهو كالأجنبي ~~منه. ### | [فصل للابن نكاح أمة أبيه] # (5423) فصل: وللابن نكاح أمة أبيه؛ لأنه لا ملك له فيها، ولا شبهة ملك، ~~فأشبه الأجنبي، وكذلك سائر القرابات. ويجوز أن يزوج الرجل ابنته لمملوكه، ~~إذا قلنا: ليست الحرية شرطا في الصحة. ومتى مات الأب، فورث أحد الزوجين ~~صاحبه، أو جزءا منه، انفسخ النكاح. وكذلك إن ملكه أو جزءا منه بغير الإرث. ~~لا نعلم فيه خلافا، إلا أن الحسن قال: إذا اشترى امرأته للعتق، فأعتقها حين ~~ملكها، فهما على نكاحهما. ولا يصح؛ لأنهما متنافيان، فلا يجتمعان قليلا ولا ~~كثيرا، فبمجرد الملك لها انفسخ نكاحه سابقا على عتقها. # وحكم المكاتب يتزوج بنت سيده أو سيدته، حكم العبد، في أنه إذا مات سيده، ~~انفسخ نكاحه. وقال أصحاب الرأي: النكاح بحاله؛ لأنها لم تملكه، إنما لها ~~عليه دين. وليس بصحيح؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المكاتب عبد ~~ما بقي عليه درهم» . ولأنه لو زال الملك عنه، لما عاد بعجزه، كما لو أعتق. ### | [فصل ملكت المرأة زوجها أو بعضه فانفسخ نكاحها] # (5424) فصل: وإذا ملكت المرأة زوجها أو بعضه، فانفسخ نكاحها، فليس ذلك ~~بطلاق، فمتى أعتقته، ثم تزوجها، لم تحتسب عليه بتطليقة. وبهذا قال ms3645 الحكم، ~~وحماد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، وإسحاق. وقال الحسن، والزهري، ~~وقتادة، والأوزاعي: هي تطليقة. وليس بصحيح؛ لأنه لم يلفظ بطلاق صريح ولا ~~كناية، وإنما انفسخ النكاح بوجود ما ينافيه، فأشبه انفساخه بإسلام أحدهما ~~أو ردته. # ولو ملك الرجل بعض زوجته، انفسخ نكاحها، وحرم وطؤها، في قول عامة ~~المفتين، حتى يستخلصها، فتحل له بملك اليمين. وروي عن قتادة أنه قال: لم ~~يزده ملكه فيها إلا قربا. وليس بصحيح؛ لأن النكاح لا يبقى في بعضها، وملكه ~~لم يتم عليها، ولا يثبت الحل فيما لا يملكه ولا نكاح فيه. # PageV07P149 ### | [فصل لا يجوز للرجل وطء جارية ابنه] # (5425) فصل: ولا يجوز للرجل وطء جارية ابنه؛ لأن الله تعالى قال: {إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] . وليست هذه زوجة له، ولا ~~مملوكته، ولأنه يحل لابنه وطؤها، ولا تحل المرأة لرجلين. فإن وطئها، فلا حد ~~عليه. نص عليه أحمد. وقال داود: يحد. وقال بعض الشافعية: إن كان ابنه وطئها ~~حد؛ لأنها محرمة عليه على التأبيد. ولنا، أن له فيها شبهة؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» . والحد يدرأ بالشبهات، ولأن الأب ~~لا يقتل بقتل ابنه، والقصاص حق آدمي، فإذا سقط بشبهة الملك، فالحد الذي هو ~~حق الله تعالى بطريق الأولى، ولأنه لا يقطع بسرقة ماله، ولا يحد بقذفه، ~~فكذلك لا يحد بالزنى بجاريته. # فإذا ثبت هذا، فإنها تحرم على الابن على التأبيد. وإن كان الابن قد ~~وطئها، حرمت عليهما على التأبيد. وإذا لم تعلق من الأب، لم يزل ملك الابن ~~عنها، ولم يلزمه قيمتها. وقال أبو حنيفة: يلزمه ضمانها؛ لأنه أتلفها عليه، ~~وحرمه وطأها، فأشبه ما لو قتلها. ولنا، أنه لم يخرجها عن ملكه، ولم تنقص ~~قيمتها، فأشبه ما لو أرضعتها امرأته، فإنها تحرم على الابن، ولا يجب له ~~ضمانها. وإن علقت منه، فالولد حر، يلحق به النسب؛ لأنه من وطء لا يجب به ~~الحد، لأجل الشبهة، فأشبه ولد الجارية المشتركة، وتصير الجارية أم ولد ~~للأب. # وقال الشافعي، في أحد قوليه: لا ms3646 تصير أم ولد؛ لأنها غير مملوكة له، فأشبه ~~ما لو وطئ جارية أجنبي بشبهة. ولنا، أنها علقت منه بحر لأجل الملك، فأشبهت ~~الجارية المشتركة إذا كان موسرا. قال أصحابنا: ولا يلزم الأب قيمة الجارية، ~~ولا قيمة ولدها ولا مهرها. وقال الشافعي: يلزمه ذلك كله، إذا حكم بأنها أم ~~ولد. وهذا يبنى على أصل، وهو أن للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، وأنه ~~ليس للابن مطالبة أبيه بدين له عليه، ولا قيمة متلف، وعندهم بخلاف ذلك، ~~وهذا يذكر في موضع آخر، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل وطئ الابن جارية أبيه عالما بتحريم ذلك] # (5426) فصل: وإن وطئ الابن جارية أبيه، عالما بتحريم ذلك، فعليه الحد، ~~ولا يلحقه النسب، ولا تصير به الجارية أم ولد؛ لأنه لا ملك له ولا شبهة ~~ملك، فأشبه وطء الأجنبية، وكذلك سائر الأقارب. ### | [فصل وطئ الأب وابنه جارية الابن في طهر واحد فأتت بولد] # (5427) فصل: وإن وطئ الأب وابنه جارية الابن في طهر واحد، فأتت بولد أري ~~القافة، فألحق بمن ألحقته به # PageV07P150 # منهما، وصارت أم ولد له، كما لو انفرد بوطئها. وإن ألحقته بهما، لحق ~~بهما. وإن أولدها أحدهما بعد الآخر، فهي أم ولد للأول منهما خاصة؛ لأنها ~~بولادتها منه صارت له أم ولد، لانفراده بإيلادها، فلا تنتقل بعد ذلك إلى ~~غيره؛ لأن أم الولد لا ينتقل الملك فيها إلى غير مالكها. وقد نقل عن أحمد، ~~في رجل وقع على جارية ابنه، فإن كان الأب قابضا لها، ولم يكن الابن وطئها، ~~فأحبلها الأب، فالولد ولده، والجارية له، وليس للابن فيها شيء # قال القاضي: ظاهر هذا أن الابن إن كان وطئها، لم تصر أم ولد للأب، لأنه ~~يحرم عليه وطؤها وأخذها، فتكون قد علقت بمملوك. وإن كان الأب قبضها، ولم ~~يكن الابن وطئها، ملكها؛ لأن للأب أن يأخذ من مال ولده ما زاد على قدر ~~نفقته، ولم تتعلق به حاجته، فيتملكه. ### | [باب نكاح أهل الشرك] # أنكحة الكفار صحيحة، يقرون عليها إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا، إذا كانت ms3647 ~~المرأة ممن يجوز ابتداء نكاحها في الحال، ولا ينظر إلى صفة عقدهم وكيفيته، ~~ولا يعتبر له شروط أنكحة المسلمين، من الولي، والشهود، وصيغة الإيجاب ~~والقبول، وأشباه ذلك. بلا خلاف بين المسلمين. قال ابن عبد البر: أجمع ~~العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معا، في حال واحدة، أن لهما المقام على ~~نكاحهما، ما لم يكن بينهما نسب ولا رضاع # وقد أسلم خلق في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسلم نساؤهم، ~~وأقروا على أنكحتهم، ولم يسألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شروط ~~النكاح، ولا كيفيته، وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة، فكان يقينا، ولكن ~~ينظر في الحال، فإذا كانت المرأة على صفة يجوز له ابتداء نكاحها، أقر، وإن ~~كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها، كأحد المحرمات بالنسب أو السبب، أو ~~المعتدة، والمرتدة، والوثنية، والمجوسية، والمطلقة ثلاثا، لم يقر. وإن ~~تزوجها في العدة، وأسلما بعد انقضائها، أقرا؛ لأنها يجوز ابتداء نكاحها. ### | [مسألة أسلم الوثني وقد تزوج بأربع وثنيات ولم يدخل بهن] ### | [الفصل الأول أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين قبل الدخول] # (5428) مسألة؛ قال أبو القاسم: وإذا أسلم الوثني، وقد تزوج بأربع وثنيات، ~~ولم يدخل بهن، بن منه، وكان لكل واحدة نصف ما سمى لها إن كان حلالا، أو نصف ~~صداق مثلها إن كان ما سمى لها حراما. ولو أسلم النساء قبله، وقبل الدخول، ~~بن منه أيضا، ولا شيء عليه لواحدة منهن. فإن كان إسلامه وإسلامهن قبل ~~الدخول معا، فهن زوجات # فإن كان دخل بهن، ثم أسلم فمن لم تسلم منهن قبل انقضاء عدتها حرمت عليه ~~منذ اختلف الدينان في هذه المسألة فصول خمسة: # PageV07P151 # (5429) الفصل الأول: أنه إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين، أو ~~كتابي متزوج بوثنية أو مجوسية قبل الدخول، تعجلت الفرقة بينهما من حين ~~إسلامه، ويكون ذلك فسخا لا طلاقا # وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة لا تتعجل الفرقة، بل إن كانا في دار ~~الإسلام عرض الإسلام على الآخر، فإن أبى وقعت الفرقة حينئذ، وإن كانا في ~~دار ms3648 الحرب، وقف ذلك على انقضاء عدتها، فإن لم يسلم الآخر، وقعت الفرقة. فإن ~~كان الإباء من الزوج، كان طلاقا؛ لأن الفرقة حصلت من قبله، فكان طلاقا، كما ~~لو لفظ به، وإن كان من المرأة، كان فسخا؛ لأن المرأة لا تملك الطلاق. وقال ~~مالك: إن كانت هي المسلمة، عرض عليه الإسلام فإن أسلم، وإلا وقعت الفرقة، ~~وإن كان هو المسلم، تعجلت الفرقة؛ لقوله سبحانه: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ~~[الممتحنة: 10] # ولنا، أنه اختلاف دين يمنع الإقرار على النكاح، فإذا وجد قبل الدخول، ~~تعجلت الفرقة، كالردة. وعلى مالك كإسلام الزوج، أو كما لو أبى الآخر ~~الإسلام، ولأنه إن كان هو المسلم، فليس له إمساك كافرة؛ لقوله تعالى: {ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] وإن كانت هي المسلمة، فلا يجوز ~~إبقاؤها في نكاح مشرك. ولنا، على أنها فرقة فسخ، أنها فرقة باختلاف الدين، ~~فكان فسخا، كما لو أسلم الزوج وأبت المرأة، ولأنها فرقة بغير لفظ، فكانت ~~فسخا، كفرقة الرضاع. ### | [الفصل الثاني الفرقة إذا حصلت قبل الدخول بإسلام الزوج] # (5430) الفصل الثاني: أن الفرقة إذا حصلت قبل الدخول بإسلام الزوج، ~~فللمرأة نصف المسمى إن كانت التسمية صحيحة، أو نصف مهر مثلها إن كانت ~~فاسدة، مثل أن يصدقها خمرا أو خنزيرا؛ لأن الفرقة حصلت بفعله، وإن كانت ~~بإسلام المرأة، فلا شيء لها؛ لأن الفرقة من جهتها. وبهذا قال الحسن، ومالك، ~~والزهري، والأوزاعي، وابن شبرمة، والشافعي. وعن أحمد، رواية أخرى، أن لها ~~نصف المهر إذا كانت هي المسلمة # واختارها أبو بكر. وبه قال قتادة، والثوري. ويقتضيه قول أبي حنيفة؛ لأن ~~الفرقة حصلت من قبله بإبائه الإسلام وامتناعه منه، وهي فعلت ما فرض الله ~~عليها، فكان لها نصف ما فرض الله لها، كما لو علق طلاقها على الصلاة فصلت. ~~ونقل عن أحمد، في مجوسي أسلم قبل أن يدخل بامرأته: لا شيء لها من الصداق. ~~ووجهها ما ذكرناه، ووجه الأولى أن الفرقة حصلت باختلاف الدين، واختلاف ~~الدين حصل بإسلامها، فكانت الفرقة حاصلة بفعلها، فلم يجب لها شيء، كما لو ~~ارتدت، ويفارق ms3649 تعليق الطلاق، فإنه من جهة الزوج، ولهذا لو علقه على دخول ~~الدار فدخلت، وقعت الفرقة ولها نصف المهر. # PageV07P152 ### | [الفصل الثالث الزوجين إذا أسلما معا] # (5431) الفصل الثالث: أن الزوجين إذا أسلما معا، فهما على النكاح، سواء ~~كان قبل الدخول أو بعده. وليس بين أهل العلم في هذا اختلاف بحمد الله. ذكر ~~ابن عبد البر أنه إجماع من أهل العلم؛ وذلك لأنه لم يوجد منهم اختلاف دين # وقد روى أبو داود، عن ابن عباس، «أن رجلا جاء مسلما على عهد رسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم جاءت امرأته مسلمة بعده، فقال: يا رسول الله إنها كانت ~~أسلمت معي. فردها عليه» ويعتبر تلفظهما بالإسلام دفعة واحدة، لئلا يسبق ~~أحدهما صاحبه، فيفسد النكاح # ويحتمل أن يقف على المجلس، كالقبض ونحوه، فإن حكم المجلس كله حكم حالة ~~العقد، ولأنه يبعد اتفاقهما على النطق بكلمة الإسلام دفعة واحدة، فلو اعتبر ~~ذلك، لوقعت الفرقة بين كل مسلمين قبل الدخول، إلا في الشاذ النادر، فيبطل ~~الإجماع. ### | [الفصل الرابع إسلام أحدهما بعد الدخول في النكاح] # (5432) الفصل الرابع: أنه إذا كان إسلام أحدهما بعد الدخول، ففيه عن أحمد ~~روايتان؛ إحداهما، يقف على انقضاء العدة، فإن أسلم الآخر قبل انقضائها، ~~فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة، وقعت الفرقة منذ اختلف ~~الدينان، فلا يحتاج إلى استئناف العدة # وهذا قول الزهري، والليث، والحسن بن صالح، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق. ~~ونحوه عن مجاهد، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن الحسن. والرواية الثانية، ~~تتعجل الفرقة. وهو اختيار الخلال وصاحبه، وقول الحسن، وطاوس، وعكرمة، ~~وقتادة، والحكم. وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، ونصره ابن المنذر وقول أبي ~~حنيفة هاهنا كقوله فيما قبل الدخول، إلا أن المرأة إذا كانت في دار الحرب، ~~فانقضت عدتها، وحصلت الفرقة، لزمها استئناف العدة. وقال مالك: إن أسلم ~~الرجل قبل امرأته، عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت، وإلا وقعت الفرقة، وإن ~~كانت غائبة تعجلت الفرقة، وإن أسلمت المرأة قبله وقفت على انقضاء العدة # واحتج من قال بتعجيل الفرقة بقوله سبحانه: ms3650 {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ~~[الممتحنة: 10] ولأن ما يوجب فسخ النكاح لا يختلف بما قبل الدخول وبعده، ~~كالرضاع # ولنا، ما روى مالك في موطئه، عن ابن شهاب قال: كان بين إسلام صفوان بن ~~أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر، أسلمت يوم الفتح، وبقي ~~صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر، ثم أسلم، # PageV07P153 # فلم يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما، واستقرت عنده امرأته بذلك ~~النكاح. قال ابن عبد البر: وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده وقال ابن شهاب: ~~أسلمت أم حكيم يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن، فارتحلت حتى ~~قدمت عليه اليمن، فدعته إلى الإسلام، فأسلم، وقدم فبايع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فثبتا على نكاحهما # وقال ابن شبرمة: كان الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة ~~المرأة، فهي امرأته، وإن أسلم بعد العدة، فلا نكاح بينهما. ولأن أبا سفيان ~~خرج فأسلم عام الفتح قبل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، ولم تسلم ~~هند امرأته حتى فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، فثبتا على النكاح. ~~وأسلم حكيم بن حزام قبل امرأته. وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي ~~أمية فلقيا النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح بالأبواء فأسلما قبل ~~نسائهما ولم يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بين أحد ممن أسلم ~~وبين امرأته، ويبعد أن يتفق إسلامهما دفعة واحدة، ويفارق ما قبل الدخول، ~~فإنه لا عدة لها فتتعجل البينونة، كالمطلقة واحدة، وهاهنا لها عدة، فإذا ~~انقضت، تبينا وقوع الفرقة من حين أسلم الأول، فلا يحتاج إلى عدة ثانية؛ لأن ~~اختلاف الدين سبب الفرقة، فتحتسب الفرقة منه كالطلاق. ### | [الفصل الخامس أسلم أحد الزوجين وتخلف الآخر حتى انقضت عدة المرأة] # (5433) الفصل الخامس: أنه إذا أسلم أحد الزوجين. وتخلف الآخر حتى انقضت ~~عدة المرأة، انفسخ النكاح. في قول عامة العلماء. قال ابن عبد البر: لم ~~يختلف العلماء في ms3651 هذا، إلا شيء روي عن النخعي، شذ فيه عن جماعة العلماء، ~~فلم يتبعه عليه أحد، زعم أنها ترد إلى زوجها، وإن طالت المدة؛ لما روى ابن ~~عباس «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد زينب على زوجها أبي العاص ~~بنكاحها الأول.» رواه أبو داود. # واحتج # PageV07P154 # به أحمد. قيل له: أليس يروى أنه ردها بنكاح مستأنف؟ قال: ليس له أصل. ~~وقيل: كان بين إسلامها وردها إليه ثمان سنين. ولنا قول الله تعالى: {لا هن ~~حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] . وقوله سبحانه: {ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر} [الممتحنة: 10] والإجماع المنعقد على تحريم تزوج المسلمات على ~~الكفار. فأما قصة أبي العاص مع امرأته، فقال ابن عبد البر: لا يخلو من أن ~~تكون قبل نزول تحريم المسلمات على الكفار، فتكون منسوخة بما جاء بعدها، أو ~~تكون حاملا استمر حملها حتى أسلم زوجها، أو مريضة لم تحض ثلاث حيضات حتى ~~أسلم، أو تكون ردت إليه بنكاح جديد، فقد روى ابن أبي شيبة، في (سننه) عن ~~عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ردها على ~~أبي العاص بنكاح جديد.» رواه الترمذي، وقال: سمعت عبد بن حميد يقول: سمعت ~~يزيد بن هارون يقول: حديث ابن عباس أجود إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن ~~شعيب. ### | [فصل وقعت الفرقة بإسلام أحدهما بعد الدخول] # (5434) فصل: وإذا وقعت الفرقة بإسلام أحدهما بعد، الدخول، فلها المهر ~~كاملا؛ لأنه استقر بالدخول، فلم يسقط بشيء، فإن كان مسمى صحيحا، فهو لها؛ ~~لأن أنكحة الكفار صحيحة، يثبت لها أحكام الصحة، وإن كان محرما، وقد قبضته ~~في حال الكفر، فليس لها غيره؛ لأننا لا نتعرض لما مضى من أحكامهم، وإن لم ~~تقبضه، وهو حرام، فلها مهر مثلها؛ لأن الخمر والخنزير لا يجوز أن يكون ~~صداقا لمسلمة، ولا في نكاح مسلم، وقد صارت أحكامهم أحكام المسلمين # فأما نفقة العدة، فإن كانت هي المسلمة قبله، فلها نفقة عدتها؛ لأنه يتمكن ~~من إبقاء نكاحها، واستمتاعه منها، بإسلامه معها، فكانت لها النفقة ms3652 ~~كالرجعية، وإن كان هو المسلم قبلها، فلا نفقة لها عليه؛ لأنه لا سبيل له ~~إلى استبقاء نكاحها، وتلافي حالها، فأشبهت البائن، وسواء أسلمت في عدتها أو ~~لم تسلم. فإن قيل: إذا لم تسلم تبينا أن نكاحها انفسخ باختلاف الدينين، ~~فكيف تجب النفقة للبائن؟ قلنا: لأنه كان يمكن الزوج تلافي نكاحها إذا أسلمت ~~قبله، بل يجب عليه ذلك، فكانت في معنى الرجعية # فإن قيل: الرجعية جرت إلى البينونة بسبب منه، وهذه السبب منها؟ قلنا: إلا ~~أنه كان فرضا عليها مضيقا، ويمكنه تلافيه، بخلاف ما إذا أسلمت قبل الدخول، ~~فإنه يسقط مهرها جميعه؛ لأنه ما أمكنه تلافيه. # PageV07P155 ### | [فصل اختلاف الزوجين في زمن إسلامهما] # (5435) فصل: في اختلاف الزوجين، لا يخلو اختلافهما من حالين؛ أحدهما، أن ~~يكون قبل الدخول، ففيه مسألتان (5436) : المسألة الأولى: أن يقول الزوج: ~~أسلمنا معا، فنحن على النكاح. وتقول هي: بل أسلم أحدنا قبل صاحبه، فانفسخ ~~النكاح. فقال القاضي: القول قول المرأة؛ لأن الظاهر معه؛ إذ يبعد اتفاق ~~الإسلام منهما دفعة واحدة، والقول قول من الظاهر معه، ولذلك كان القول قول ~~صاحب اليد. وذكر أبو الخطاب فيها وجها آخر، أن القول قول الزوج؛ لأن الأصل ~~بقاء النكاح، والفسخ طارئ عليه، فكان القول قول من يوافق قوله الأصل ~~كالمنكر، وللشافعي قولان، كهذين الوجهين # (5437) المسألة الثانية، أن يقول الزوج: أسلمت قبلي، فلا صداق لك. وتقول ~~هي: أسلمت قبلي، فلي نصف الصداق. فالقول قولها؛ لأن المهر وجب بالعقد، ~~والزوج يدعي ما يسقطه، والأصل بقاؤه، ولم يعارضه ظاهر فبقي. فإن اتفقا على ~~أن أحدهما أسلم قبل صاحبه، ولا يعلمان عينه، فلها نصف الصداق. كذلك ذكره ~~أبو الخطاب. وقال القاضي: إن لم تكن قبضت، فلا شيء؛ لها لأنها تشك في ~~استحقاقها، فلا تستحق بالشك، وإن كان بعد القبض، لم يرجع عليها؛ لأنه يشك ~~في استحقاق الرجوع، ولا يرجع مع الشك # والأول أصح؛ لأن اليقين لا يزال بالشك، وكذلك إذا تيقن الطهارة وشك في ~~الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة، بنى على اليقين، وهذه قد كان ms3653 صداقها ~~واجبا لها، وشكا في سقوطه، فيبقى على الوجوب. # وأما إن اختلفا بعد الدخول، ففيه أيضا مسألتان؛ (5438) المسألة الأولى: ~~أن يقول: أسلمنا معا. أو أسلم الثاني في العدة، فنحن على النكاح. وتقول هي: ~~بل أسلم الثاني بعد العدة، فانفسخ النكاح. ففيه وجهان؛ أحدهما، القول قوله؛ ~~لأن الأصل بقاء النكاح. والثاني، القول قولها؛ لأن الأصل عدم إسلام الثاني # (5439) المسألة الثانية، أن تقول: أسلمت قبلك، فلي نفقة العدة. ويقول هو: ~~أسلمت قبلك فلا نفقة لك فالقول قولها؛ لأن الأصل وجوب النفقة. وهو يدعي ~~سقوطها. وإن قال: أسلمت بعد شهرين من إسلامي، فلا نفقة لك فيهما. وقالت: ~~بعد شهر. فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم إسلامها في الشهر الثاني. # فأما إن ادعى هو ما يفسخ النكاح، وأنكرته، انفسخ النكاح، لأنه يقر على ~~نفسه بزوال نكاحه وسقوط حقه، فأشبه ما لو ادعى أنها أخته من الرضاع، ~~فكذبته. # PageV07P156 ### | [فصل أسلم أحد الزوجين وهما في دار الحرب ودخل دار الإسلام] # (5440) فصل: وسواء فيما ذكرنا اتفقت الداران أو اختلفتا. وبه قال مالك، ~~والأوزاعي، والليث، والشافعي. وقال أبو حنيفة: إن أسلم أحدهما وهما في دار ~~الحرب، ودخل دار الإسلام، انفسخ النكاح، ولو تزوج حربي حربية، ثم دخل دار ~~الإسلام، وعقد الذمة، انفسخ نكاحه؛ لاختلاف الدارين # ويقتضي مذهبه أن أحد الزوجين الذميين إذا دخل دار الحرب، ناقضا للعهد، ~~انفسخ نكاحه؛ لأن الدار اختلفت بهما فعلا وحكما، فوجب أن تقع الفرقة ~~بينهما، كما لو أسلمت في دار الإسلام قبل الدخول ولنا، أن أبا سفيان أسلم ~~بمر الظهران، وامرأته بمكة لم تسلم، وهي دار حرب، وأم حكيم أسلمت بمكة، ~~وهرب زوجها عكرمة إلى اليمن، وامرأة صفوان بن أمية أسلمت يوم الفتح، وهرب ~~زوجها، ثم أسلموا، وأقروا على أنكحتهم مع اختلاف الدين والدار بهم، ولأنه ~~عقد معاوضة، فلم ينفسخ باختلاف الدار كالبيع، ويفارق ما قبل الدخول، فإن ~~القاطع للنكاح اختلاف الدين، المانع من الإقرار على النكاح، دون ما ذكروه # فعلى هذا، لو تزوج مسلم مقيم بدار الإسلام حربية من أهل الكتاب، صح ~~نكاحه، ms3654 وعندهم لا يصح. ولنا عموم قوله تعالى {والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] ولأنها امرأة يباح نكاحها إذا كانت في دار ~~الإسلام، فأبيح نكاحها في دار الحرب، كالمسلمة. ### | [مسألة نكح أكثر من أربع في عقد واحد أو في عقود متفرقة ثم أصابهن ثم أسلم] # (5441) مسألة؛ قال: ولو نكح أكثر من أربع، في عقد واحد، أو في عقود ~~متفرقة، ثم أصابهن، ثم أسلم، ثم أسلمت كل واحدة منهن في عدتها، اختار أربعا ~~منهن، وفارق ما سواهن، سواء كان من أمسك منهن أول من عقد عليهن أو آخرهن ~~وجملة ذلك أن الكافر إذا أسلم، ومعه أكثر من أربع نسوة، فأسلمن في عدتهن، ~~أو كن كتابيات، لم يكن له إمساكهن كلهن. بغير خلاف نعلمه # ولا يملك إمساك أكثر من أربع. فإذا أحب ذلك، اختار أربعا منهن، وفارق ~~سائرهن، سواء تزوجهن في عقد أو في عقود، وسواء اختار الأوائل أو الأواخر. ~~نص عليه أحمد. وبه قال الحسن، ومالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، ~~والشافعي، وإسحاق، ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: إن كان ~~تزوجهن في عقد، انفسخ نكاح جميعهن، وإن كان في عقود، فنكاح الأوائل صحيح، ~~ونكاح ما زاد على أربع باطل؛ لأن العقد إذا تناول أكثر من أربع، فتحريمه من ~~طريق الجمع، فلا يكون فيه مخيرا بعد الإسلام، كما لو تزوجت المرأة زوجين في ~~حال الكفر، ثم أسلما # PageV07P157 # ولنا، ما روى قيس بن الحارث، قال: «أسلمت وتحتي ثمان نسوة، فأتيت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقلت له ذلك، فقال: اختر منهن أربعا.» رواه أحمد، ~~وأبو داود. وروى محمد بن سويد الثقفي، «أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر ~~نسوة، فأسلمن معه، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتخير منهن ~~أربعا» رواه الترمذي، ورواه مالك في موطئه، عن الزهري مرسلا، ورواه الشافعي ~~في مسنده عن ابن علية، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، إلا أنه غير ~~محفوظ، غلط فيه معمر، وخالف فيه أصحاب الزهري. كذلك قال الحفاظ؛ الإمام ms3655 ~~أحمد، والترمذي، وغيرهما. ولأن كل عدد جاز له ابتداء العقد عليه، جاز له ~~إمساكه بنكاح مطلق في حال الشرك، كما لو تزوجهن بغير شهود # وأما إذا تزوجت بزوجين، فنكاح الثاني باطل؛ لأنها ملكته ملك غيرها. وإن ~~جمعت بينهما، لم يصح؛ لأنها لم تملكه جميع بضعها، ولأن ذلك ليس بشائع عند ~~أحد من أهل الأديان، ولأن المرأة ليس لها اختيار النكاح وفسخه، بخلاف ~~الرجل. # (5442) فصل: ويجب عليه أن يختار أربعا فما دون، ويفارق سائرهن، أو يفارق ~~الجميع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر غيلان وقيسا بالاختيار، ~~وأمره يقتضي الوجوب، ولأن المسلم لا يجوز إقراره على نكاح أكثر من أربع، ~~فإن أبى، أجبر، بالحبس والتعزير إلى أن يختار؛ لأن هذا حق عليه يمكنه ~~إيفاؤه، وهو ممتنع منه، فأجبر عليه، كإيفاء الدين # وليس للحاكم أن يختار عنه، كما يطلق على المولي إذا امتنع من الطلاق؛ لأن ~~الحق هاهنا لغير معين، وإنما تتعين الزوجات باختياره وشهوته، وذلك لا يعرفه ~~الحاكم فينوب عنه فيه، بخلاف المولي، فإن الحق المعين يمكن الحاكم إيفاءه، ~~والنيابة عن المستحق فيه. فإن جن خلي حتى يعود عقله، ثم يجبر على الاختيار، ~~وعليه نفقة الجميع إلى أن يختار؛ لأنهن محبوسات عليه، ولأنهن في حكم ~~الزوجات أيتهن اختار جاز. ### | [فصل زوج الكافر ابنه الصغير أكثر من أربع ثم أسلموا جميعا] # (5443) فصل: ولو زوج الكافر ابنه الصغير أكثر من أربع، ثم أسلموا جميعا، ~~لم يكن له الاختيار قبل بلوغه، فإنه لا حكم لقوله، وليس لأبيه الاختيار ~~عنه؛ لأن ذلك حق يتعلق بالشهوة، فلا يقوم غيره مقامه فيه، فإذا بلغ الصبي، ~~كان له أن يختار حينئذ، وعليه النفقة إلى أن يختار. ### | [فصل مات الزوج قبل أن يختار لم يقم وارثه مقامه وعلى جميعهن العدة] # (5444) فصل: فإن مات قبل أن يختار، لم يقم وارثه مقامه؛ لما ذكرنا في ~~الحاكم، وعلى جميعهن العدة؛ لأن الزوجات لم يتعين منهن، فمن كانت منهن ~~حاملا فعدتها بوضعه، ومن كانت آيسة أو صغيرة فعدتها أربعة # PageV07P158 # أشهر وعشر؛ لأنها أطول ms3656 العدتين في حقها، وإن كانت من ذوات القروء، فعدتها ~~أطول الأجلين، من ثلاثة قروء أو أربعة أشهر وعشر، لتقضي العدة بيقين، لأن ~~كل واحدة منهن يحتمل أن تكون مختارة أو مفارقة، وعدة المختارة عدة الوفاة، ~~وعدة المفارقة ثلاثة قروء، فأوجبنا أطولهما، لتقضي العدة بيقين، كما قلنا ~~في من نسي صلاة من يوم، لا يعلم عينها: عليه خمس صلوات. وهذا مذهب الشافعي ~~فأما الميراث، فإن اصطلحن عليه، فهو جائز كيفما اصطلحن؛ لأن الحق لهن، لا ~~يخرج عنهن، وإن أبين الصلح، فقياس المذهب أن يقرع بينهن، فتكون الأربع منهن ~~بالقرعة # وعند الشافعي، يوقف الميراث حتى يصطلحن. وأصل هذا يذكر في غير هذا ~~الموضع، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل صفة اختيار من يثبت نكاحهن] # (5445) فصل: وصفة الاختيار أن يقول: اخترت نكاح هؤلاء، أو اخترت هؤلاء، ~~أو أمسكتهن، أو اخترت حبسهن، أو إمساكهن، أو نكاحهن، أو أمسكت نكاحهن، أو ~~ثبت نكاحهن، أو أثبتهن. وإن قال لما زاد على الأربع: فسخت نكاحهن. كان ~~اختيارا للأربع. وإن طلق إحداهن، كان اختيارا لها؛ لأن الطلاق لا يكون إلا ~~في زوجة. وإن قال: قد فارقت هؤلاء، أو اخترت فراق هؤلاء. فإن لم ينو به ~~الطلاق، كان اختيارا لغيرهن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لغيلان: ~~«اختر منهن أربعا، وفارق سائرهن» # وهذا يقتضي أن يكون لفظ الفراق صريحا فيه، كما كان لفظ الطلاق صريحا فيه، ~~وكذا في حديث فيروز الديلمي قال: فعمدت إلى أقدمهن صحبة، ففارقتها. وهذا ~~الموضع أخص بهذا اللفظ. فيجب أن يتخصص فيه بالفسخ. وإن نوى به الطلاق، كان ~~اختيارا لهن دون غيرهن. وذكر القاضي فيه عند الإطلاق وجهين: أحدهما، أنه ~~يكون اختيارا للمفارقات؛ لأن لفظ الفراق صريح في الطلاق، والأولى ما ذكرناه # وإن وطئ إحداهن، كان اختيارا لها، في قياس المذهب؛ لأنه لا يجوز إلا في ~~ملك، فيدل على الاختيار، كوطء الجارية المبيعة بشرط الخيار، ووطء الرجعية ~~أيضا اختيارا لها. وإن آلى من واحدة منهن، أو ظاهر منها، لم يكن اختيارا ~~لها؛ لأنه يصح في غير ms3657 زوجة، في أحد الوجهين، وفي الآخر، يكون اختيارا لها؛ ~~لأن حكمه لا يثبت في غير زوجة. وإن قذفها، لم يكن اختيارا لها؛ لأنه يقع في ~~غير زوجة. ### | [فصل اختار الزوج منهن أربعا وفارق البواقي] # (5446) فصل: وإذا اختار منهن أربعا، وفارق البواقي، فعدتهن من حين اختار؛ ~~لأنهن بن منه بالاختيار. ويحتمل أن تكون عدتهن من حين أسلم؛ لأنهن بن ~~بإسلامه، وإنما يتبين ذلك باختياره، فيثبت حكمه من حين الإسلام، # PageV07P159 # كما إذا أسلم أحد الزوجين ولم يسلم الآخر حتى انقضت عدتها وفرقتهن فسخ؛ ~~لأنها تثبت بإسلامه من غير لفظ فيهن، وعدتهن كعدة المطلقات؛ لأن عدة من ~~انفسخ نكاحها كذلك # وإن ماتت إحدى المختارات، أو بانت منه وانقضت عدتها، فله أن ينكح من ~~المفارقات، وتكون عنده على طلاق ثلاث؛ لأنه لم يطلقها قبل ذلك. وإن اختار ~~أقل من أربع، أو اختار ترك الجميع، أمر بطلاق أربع، أو تمام أربع؛ لأن ~~الأربع الزوجات لا يبن منه إلا بطلاق، أو ما يقوم مقامه، فإذا طلق أربعا ~~منهن، وقع طلاقه بهن، وانفسخ نكاح الباقيات، لاختياره لهن، وتكون عدة ~~المطلقات من حين طلق، وعدة الباقيات على الوجهين # وإن طلق الجميع، أقرع بينهن، فإذا وقعت القرعة على أربع منهن، كن ~~المختارات ووقع طلاقه بهن، وانفسخ نكاح البواقي. وإن كان الطلاق ثلاثا، ~~فمتى انقضت عدتهن، فله أن ينكح من الباقيات؛ لأنهن لم يطلقن منه، ولا تحل ~~له المطلقات إلا بعد زوج وإصابة # ولو أسلم، ثم طلق الجميع قبل إسلامهن، ثم أسلمن في العدة، أمر أن يختار ~~أربعا منهن فإذا اختارهن تبينا أن طلاقه وقع بهن، لأنهن زوجات، ويعتددن من ~~حين طلاقه وبان البواقي منه باختياره لغيرهن، ولا يقع بهن طلاقه، وله نكاح ~~أربع منهن إذا انقضت عدة المطلقات؛ لأن هؤلاء غير مطلقات. والفرق بين هذه ~~وبين التي قبلها، أن طلاقهن قبل إسلامهن في زمن ليس له الاختيار فيه، فإذا ~~أسلمن تجدد له الاختيار حينئذ، وفي التي قبلها طلقهن وله الاختيار، والطلاق ~~يصلح اختيارا، وقد أوقعه في الجميع، وليس بعضهن ms3658 أولى من بعض، فصرنا إلى ~~القرعة، لتساوي الحقوق # (5447) فصل: إذا أسلم قبلهن، وقلنا بتعجيل الفرقة باختلاف الدين، فلا ~~كلام. وإن قلنا: يقف على انقضاء العدة. ولم يسلمن حتى انقضت عدتهن، تبينا ~~أنهن بن منذ اختلف الدينان، فإن كان قد طلقهن قبل انقضاء عدتهن، تبينا أن ~~طلاقه لم يقع بهن، وله نكاح أربع منهن إذا أسلمن، وإن كان وطئهن تبينا أنه ~~وطئ غير نسائه، وإن آلى منهن، أو ظاهر، أو قذف تبينا أن ذلك كان في غير ~~زوجه، وحكمه حكم ما لو خاطب بذلك أجنبية. فإن أسلم بعضهن في العدة تبينا ~~أنها زوجته، فوقع طلاقه بها، وكان وطؤه لها وطئا لمطلقته. وإن كانت المطلقة ~~غيرها، فوطؤه لها وطء لامرأته. وكذلك إن كان وطؤه لها قبل طلاقها # وإن طلق الجميع فأسلم أربع نسوة منهن، أو أقل في عدتهن، ولم تسلم ~~البواقي، تعينت الزوجية في المسلمات، ووقع الطلاق بهن، فإذا أسلم البواقي، ~~فله أن يتزوج بهن؛ لأنه لم يقع طلاقه بهن. ### | [فصل أسلم وتحته ثمان نسوة فأسلم أربع منهن] # (5448) فصل: إذا أسلم وتحته ثمان نسوة، فأسلم أربع منهن، فله اختيارهن، ~~وله الوقوف إلى أن يسلم البواقي. فإن # PageV07P160 # مات اللاتي أسلمن، ثم أسلم الباقيات، فله اختيار الميتات، وله اختيار ~~الباقيات، وله اختيار بعض هؤلاء؛ وبعض هؤلاء؛ لأن الاختيار ليس بعقد، وإنما ~~هو تصحيح للعقد الأول فيهن، والاعتبار في الاختيار بحال ثبوته، وحال ثبوته ~~كن أحياء # وإن أسلمت واحدة منهن، فقال: اخترتها. جاز، فإذا اختار أربعا على هذا ~~الوجه، انفسخ نكاح البواقي. وإن قال للمسلمة: اخترت فسخ نكاحها. لم يصح؛ ~~لأن الفسخ إنما يكون فيما زاد على الأربع، والاختيار للأربع، وهذه من جملة ~~الأربع، إلا أن يريد بالفسخ الطلاق، فيقع؛ لأنه كناية، ويكون طلاقه لها ~~اختيارا لها # وإن قال: اخترت فلانة. قبل أن تسلم، لم يصح؛ لأنه ليس بوقت للاختيار، ~~لأنها جارية إلي بينونة، فلا يصح إمساكها. وإن فسخ نكاحها، لم ينفسخ؛ لأنه ~~لما لم يجز الاختيار، لم يجز الفسخ. وإن نوى بالفسخ الطلاق، أو ms3659 قال: أنت ~~طالق. فهو موقوف، فإن أسلمت ولم يسلم زيادة على أربع، أو أسلم زيادة ~~فاختارها، تبينا وقوع الطلاق بها، وإلا فلا # (5449) فصل: وإن قال: كلما أسلمت واحدة اخترتها. لم يصح؛ لأن الاختيار لا ~~يصح تعليقه على شرط، ولا يصح في غير معين # وإن قال: كلما؛ أسلمت واحدة اخترت فسخ نكاحها. لم يصح أيضا؛ لأن الفسخ لا ~~يتعلق بالشرط، ولا يملكه في واحدة حتى يزيد عدد المسلمات على الأربع، وإن ~~أراد به الطلاق، فهو كما لو قال: كلما أسلمت واحدة فهي طالق. وفي ذلك ~~وجهان: أحدهما، يصح؛ لأن الطلاق يصح تعليقه بالشرط، ويتضمن الاختيار لها، ~~فكلما أسلمت واحدة كان اختيارا لها، وتطلق بطلاقه. والثاني، لا يصح؛ لأن ~~الطلاق يتضمن الاختيار، والاختيار لا يصح تعليقه بالشرط # (5450) فصل: وإذا أسلم، ثم أحرم بحج أو عمرة، ثم أسلمن، فله الاختيار؛ ~~لأن الاختيار استدامة للنكاح، وتعيين للمنكوحة، وليس بابتداء له. وقال ~~القاضي: ليس له الاختيار. وهو ظاهر مذهب الشافعي. ولنا أنه استدامة نكاح، ~~لا يشترط له رضاء المرأة، ولا ولي، ولا شهود، ولا يتجدد به مهر، فجاز له في ~~الإحرام، كالرجعة # PageV07P161 # (5451) فصل: وإذا أسلمن معه، ثم متن قبل اختياره، فله أن يختار منهن ~~أربعا، فيكون له ميراثهن، ولا يرث الباقيات؛ لأنهن لسن بزوجات له. وإن مات ~~بعضهن، فله الاختيار من الأحياء، وله الاختيار من الميتات # وكذلك لو أسلم بعضهن فمتن، ثم أسلم البواقي، فله الاختيار من الجميع، فإن ~~اختار الميتات، فله ميراثهن؛ لأنهن متن وهن نساؤه، وإن اختار غيرهن، فلا ~~ميراث له منهن؛ لأنهن أجنبيات. وإن لم يسلم البواقي، لزم النكاح في ~~الميتات، وله ميراثهن # فإن وطئ الجميع قبل إسلامهن، ثم أسلمن، فاختار أربعا منهن، فليس لهن إلا ~~المسمى؛ لأنهن زوجات، ولسائرهن المسمى بالعقد الأول، ومهر المثل للوطء ~~الثاني؛ لأنهن أجنبيات. وإن وطئهن بعد إسلامهن، فالموطوآت أولاهن ~~المختارات، والبواقي أجنبيات، والحكم في المهر على ما ذكرناه. ### | [مسألة أسلم وتحته أختان] # (5452) مسألة؛ قال: ولو أسلم وتحته أختان، اختار منهما واحدة هذا قول ~~الحسن، والأوزاعي، والشافعي، ms3660 وإسحاق، وأبي عبيد. وقال أبو حنيفة في هذه، ~~كقوله في عشر نسوة. ولنا، ما روى الضحاك بن فيروز، عن أبيه، قال: قلت: يا ~~رسول الله، «إني أسلمت وتحتي أختان قال: طلق أيتهما شئت» . رواه أبو داود، ~~وابن ماجه، وغيرهما. ولأن أنكحة الكفار صحيحة، وإنما حرم الجمع في الإسلام، ~~وقد أزاله، فصح، كما لو طلق إحداهما قبل إسلامه، ثم أسلم والأخرى في حباله. ~~وهكذا الحكم في المرأة وعمتها أو خالتها؛ لأن المعنى في الجميع واحد # (5453) فصل: ولو تزوج وثنية، فأسلمت قبله، ثم تزوج في شركه أختها، ثم ~~أسلما في عدة الأولى، فله أن يختار منهما؛ لأنه أسلم وتحته أختان مسلمتان. ~~وإن أسلم هو قبلها، لم يكن له أن يتزوج أختها في عدتها، ولا أربعا سواها. ~~فإن فعل، لم يصح النكاح الثاني. وإذا أسلمت الأولى في عدتها، فنكاحها لازم؛ ~~لأنها انفردت به # (5454) فصل: وإن تزوج أختين، ودخل بهما، ثم أسلم وأسلمتا معه، فاختار ~~إحداهما، لم يطأها حتى تنقضي عدة أختها لئلا يكون واطئا لإحدى الأختين في ~~عدة الأخرى. وكذلك إذا أسلم وتحته أكثر من أربع، قد دخل بهن، # PageV07P162 # فأسلمن معه، وكن ثمانيا، فاختار أربعا منهن، وفارق أربعا، لم يطأ واحدة ~~من المختارات حتى تنقضي عدة المفارقات، لئلا يكون واطئا لأكثر من أربع. فإن ~~كن خمسا، ففارق إحداهن، فله وطء ثلاث من المختارات، ولا يطأ الرابعة حتى ~~تنقضي عدة المفارقة. وإن كن ستا، ففارق اثنتين، فله وطء اثنتين من ~~المختارات وإن كن سبعا ففارق ثلاثا فله وطء واحدة من المختارات، ولا يطأ ~~الباقيات حتى تنقضي عدة المفارقات، فكلما انقضت عدة واحدة من المفارقات، ~~فله وطء واحدة من المختارات. هذا قياس المذهب # (5455) فصل: إذا تزوج أختين في حال كفره، فأسلم وأسلمتا معا قبل الدخول، ~~فاختار أحداهما، فلا مهر للأخرى؛ لأننا تبينا أن الفرقة وقعت بإسلامهم ~~جميعا، فلا تستحق مهرا، كما لو فسخ النكاح لعيب في إحداهما، ولأنه نكاح لا ~~يقر عليه في الإسلام، فلا يجب به مهر إذا لم يدخل بها، كما لو تزوج ms3661 المجوسي ~~أخته، ثم أسلما قبل الدخول. وهكذا الحكم فيما زاد على الأربع إذا أسلموا ~~جميعا قبل الدخول، فاختار أربعا، وانفسخ نكاح البواقي، فلا مهر لهن؛ لما ~~ذكرنا. والله أعلم. ### | [مسألة كانتا أما وبنتا فأسلم الزوج وأسلمتا معا] # (5456) مسألة؛ قال: وإن كانتا أما وبنتا، فأسلم وأسلمتا معا قبل الدخول، ~~فسد نكاح الأم، وإن كان دخل بالأم فسد نكاحهما الكلام في هذه المسألة في ~~فصلين: (5457) الفصل الأول: إذا كان إسلامهم جميعا قبل الدخول، فإنه يفسد ~~نكاح الأم، ويثبت نكاح البنت. وهذا أحد قولي الشافعي، واختيار المزني. وقال ~~في الآخر: يختار أيتهما شاء؛ لأن عقد الشرك إنما يثبت له حكم الصحة إذا ~~انضم إليه الاختيار، فإذا اختار الأم فكأنه لم يعقد على البنت # ولنا قول الله تعالى: {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] . وهذه أم زوجته، ~~فتدخل في عموم الآية، ولأنها أم زوجته، فتحرم عليه، كما لو طلق ابنتها في ~~حال شركه، ولأنه لو تزوج البنت وحدها، ثم طلقها، حرمت عليه أمها إذا أسلم، ~~فإذا لم يطلقها وتمسك بنكاحها أولى. وقولهم: إنما يصح العقد بانضمام ~~الاختيار إليه. غير صحيح؛ فإن أنكحة الكفار صحيحة، ثبت لها أحكام الصحة # وكذلك لو انفردت كان نكاحها صحيحا لازما من غير اختيار، ولهذا فوض إليه ~~الاختيار هاهنا. ولا يصح أن يختار من ليس نكاحها صحيحا، # PageV07P163 # وإنما اختصت الأم بفساد نكاحها؛ لأنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها على ~~التأبيد، فلم يمكن اختيارها، والبنت لا تحرم قبل الدخول بأمها، فتعين ~~النكاح فيها بخلاف الأختين # (5458) الفصل الثاني: إذا دخل بهما، حرمتا على التأبيد، الأم لأنها أم ~~زوجته، والبنت لأنها ربيبته من زوجته التي دخل بها قال. ابن المنذر: أجمع ~~على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. وهذا قول الحسن، وعمر بن عبد العزيز، ~~وقتادة، ومالك، وأهل الحجاز، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، ومن تبعهم. ~~وإن دخل بالأم وحدها، فكذلك؛ أن البنت تكون ربيبته مدخولا بأمها، والأم ~~حرمت بمجرد العقد على ابنتها # وإن دخل بالبنت وحدها، ثبت نكاحها، وفسد نكاح أمها، كما لو لم ms3662 يدخل بهما. ~~ولو لم تسلم معه إلا إحداهما، كان الحكم كما لو أسلمتا معه معا؛ فإن كانت ~~المسلمة هي الأم، فهي محرمة عليه على كل حال، وإن كانت البنت، ولم يكن دخل ~~بأمها، ثبت نكاحها، وإن كان دخل بأمها، فهي محرمة على التأبيد. ولو أسلم ~~وله جاريتان، إحداهما أم الأخرى، وقد وطئهما جميعا حرمتا عليه على التأبيد، ~~وإن كان قد وطئ إحداهما، حرمت الأخرى على التأبيد، ولم تحرم الموطوءة، وإن ~~كان لم يطأ واحدة منهما، فله وطء أيتهما شاء، فإذا وطئها، حرمت الأخرى على ~~التأبيد. والله أعلم. ### | [مسألة أسلم عبد وتحته زوجتان قد دخل بهما فأسلمتا في العدة] # (5459) مسألة؛ قال: ولو أسلم عبد، وتحته زوجتان، قد دخل بهما، فأسلمتا في ~~العدة، فهما زوجتاه، ولو كن أكثر، اختار منهن اثنتين وجملة ذلك أن حكم ~~العبد فيما زاد على الاثنتين حكم الحر فيما زاد على الأربع، فإذا أسلم ~~وتحته زوجتان، فأسلمتا معه، أو في عدتهما، لزم نكاحهما، حرتين كانتا أو ~~أمتين، أو حرة وأمة؛ لأن له الجمع بينهما في ابتداء نكاحه، فكذلك في ~~اختياره # وإن كن أكثر، اختار منهن اثنتين، أيتهن شاء، على ما مضى في الحر، فلو كان ~~تحته حرتان وأمتان، فله أن يختار الحرتين أو الأمتين، أو حرة، وأمة، وليس ~~للحرة إذا أسلمت معه الخيار في فراقه؛ لأنها رضيت بنكاحه وهو عبد، ولم ~~يتجدد رقه بالإسلام، ولا تجددت حريتها بذلك، فلم يكن لها خيار، كما لو ~~تزوجت معيبا تعلم عيبه ثم أسلما. وذكر القاضي وجها، أن لها الخيار؛ لأن ~~الرق عيب تجددت أحكامه بالإسلام، فكأنه عيب حادث. والأول أصح؛ فإن الرق لم ~~يزل عيبا ونقصا عند العقلاء، ولم يتجدد نقصه بالإسلام، فهو كسائر العيوب # PageV07P164 # (5460) فصل: وإن أسلم وتحته أربع حرائر، فأعتق، ثم أسلمن في عدتهن، أو ~~أسلمن قبله، ثم أعتق، ثم أسلم، لزمه نكاح الأربع؛ لأنه ممن يجوز له الأربع ~~في وقت اجتماع إسلامهم، فإنه حر. فأما إن أسلموا كلهم، ثم أعتق قبل أن ~~يختار، لم يكن له أن يختار ms3663 إلا اثنتين؛ لأنه كان عبدا حين ثبت له الاختيار، ~~وهو حال اجتماعهم على الإسلام، فتغير حاله بعد ذلك لا يغير الحكم، كمن أسلم ~~وتحته إماء، فأسلمن معه، ثم أيسر. ولو أسلم معه اثنتان، ثم أعتق، ثم أسلم ~~الباقيات لم يختر إلا اثنتين؛ لأنه ثبت له الخيار بإسلام الأوليين # (5461) فصل: وإن تزوج أربعا، فأسلمن، وأعتقن قبل إسلامه، فلهن فسخ ~~النكاح؛ لأنهن عتقن تحت عبد، وإنما ملكن الفسخ وإن كن جاريات إلى بينونة؛ ~~لأنه قد يسلم فيقطع جريانهن إلى البينونة، فإذا فسخن ولم يسلم الزوج، بن ~~باختلاف الدين من حين أسلمن، وإن أسلم في العدة، بن لفسخ النكاح، وعليهن ~~عدة الحرائر في الموضعين؛ لأنهن هاهنا وجبت عليهن العدة وهن حرائر، وفي ~~التي قبلها عتقن في أثناء العدة التي يمكن الزوج تلافي النكاح فيها، فأشبهن ~~الرجعية # فإن أخرن الفسخ حتى أسلم الزوج، لم يسقط بذلك حقهن في الفسخ؛ لأن تركهن ~~للفسخ اعتماد على جريانهن لبينونة، فلم يتضمن الرضى بالنكاح كالرجعية إذا ~~أعتقت وأخرت الفسخ، ولو أسلم قبلهن، ثم أعتقن، فاخترن الفسخ، صح؛ لأنهن ~~إماء عتقن تحت عبد. وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وقال بعضهم: لا خيار لهن؛ لأنه ~~لا حاجة بهن إلى الفسخ، لكونه يحصل بإقامتهن على الشرك، بخلاف التي قبلها. ~~وليس بصحيح؛ فإن السبب متحقق، وقد يبدو لهن الإسلام، وهو واجب عليهن # فإن قيل: فإذا أسلمن اخترن الفسخ. قلنا: يتضررن بطول العدة، فإن ابتداءها ~~من حين الفسخ، ولذلك ملكن الفسخ فيما إذا أسلمن وعتقن قبله. فأما إن اخترن ~~المقام، وقلن: قد رضينا بالزوج. فذكر القاضي أنه يسقط خيارهن؛ لأنها حالة ~~يصح فيها اختيار الفسخ، فصح فيها اختيار الإقامة، كحالة اجتماعهم على ~~الإسلام. وقال أصحاب الشافعي: لا يسقط خيارهن؛ لأن اختيارهن للإقامة ضد ~~للحالة التي هن عليها، وهي جريانهن إلى البينونة، فلم يصح كما لو ارتدت ~~الرجعية، فراجعها الزوج حال ردتها. وهذا يبطل بما إذا قال: إذا جاء رأس ~~الشهر فأنت طالق. ثم عتقت، فاختارت زوجها. # PageV07P165 ### | [فصل أسلم الحر وتحته إماء فأعتقت إحداهن ثم ms3664 أسلمت ثم أسلم البواقي] # (5462) فصل: إذا أسلم الحر وتحته إماء، فأعتقت إحداهن، ثم أسلمت، ثم أسلم ~~البواقي، لم يكن له أن يختار من الإماء؛ لأنه مالك لعصمة حرة حين اجتماعها ~~على الإسلام. وإن أسلمت إحداهن معه، ثم أعتقت، ثم أسلم البواقي، فله أن ~~يختار من الإماء؛ لأن العبرة بحال الاختيار، وهي حالة اجتماعهم على ~~الإسلام، وحالة اجتماعهما على الإسلام كانت أمة # (5463) فصل: ولو أسلم وتحته أربع إماء، وهو عادم للطول خائف للعنت، ~~فأسلمن معه، فله أن يختار منهن واحدة، فإن كانت لا تعفه، فله أن يختار منهن ~~من تعفه، في إحدى الروايتين، والأخرى لا يختار إلا واحدة. وهذا مذهب ~~الشافعي. وتوجيههما قد مضى في ابتداء نكاح الإماء. وإن عدم فيه الشرطان، ~~انفسخ النكاح في الكل، ولم يكن له خيار. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو ثور: ~~له أن يختار منهن؛ لأنه استدامة للعقد، لا ابتداء له، بدليل أنه لا يشترط ~~له شروط العقد، فأشبه الرجعة # ولنا، أن هذه امرأة لا يجوز ابتداء العقد عليها حال الإسلام، فلم يملك ~~اختيارها، كالمعتدة من غيره، وكذوات محارمه. وأما الرجعة فهي قطع جريان ~~النكاح إلى البينونة، وهذا إثبات النكاح في امرأة. وإن كان دخل بهن، ثم ~~أسلم، ثم أسلمن في عدتهن، فالحكم كذلك # وقال أبو بكر: لا يجوز له هاهنا اختيار، بل يبن بمجرد إسلامه، لئلا يفضي ~~إلى استدامة نكاح مسلم في أمة كافرة. ولنا، أن إسلامهن في العدة بمنزلة ~~إسلامهن معه، ولهذا لو كن حرائر مجوسيات أو وثنيات، فأسلمن في عدتهن، كان ~~ذلك كإسلامهن معه، وإن لم يسلمن حتى انقضت عدتهن، انفسخ نكاحهن، سواء كن ~~كتابيات أو غير كتابيات؛ لأنه لا يجوز له استدامة النكاح في أمة كتابية # (5464) فصل: ولو أسلم وهو واجد للطول، فلم يسلمن حتى أعسر، ثم أسلمن، فله ~~أن يختار منهن؛ لأن شرائط النكاح تعتبر في وقت الاختيار، وهو وقت اجتماعهم ~~على الإسلام، وهو حينئذ عادم للطول خائف للعنت، فكان له الاختيار. وإن أسلم ~~وهو معسر، فلم يسلمن حتى أيسر، لم ms3665 يكن له الاختيار؛ لذلك. وإن أسلمت واحدة ~~منهن وهو موسر، ثم أسلم البواقي بعد إعساره، لم يكن له أن يختار منهن شيئا؛ ~~لأن وقت # PageV07P166 # الاختيار دخل بإسلام الأولى، ألا ترى أنه لو كان معسرا، كان له اختيارها، ~~فإذا كان موسرا، بطل اختياره. وإن أسلمت الأولى وهو معسر، فلم تسلم البواقي ~~حتى أيسر، لزم نكاح الأولى، ولم يكن له الاختيار من البواقي؛ لأن الأولى ~~اجتمعت معه في حالة يجوز له ابتداء نكاحها، بخلاف البواقي # ولو أسلم وأسلمن معه وهو معسر، فلم يختر حتى أيسر، كان له أن يختار؛ لأن ~~حال ثبوت الاختيار كان له ذلك، فتغير حاله لا يسقط ما ثبت له، كما لو تزوج ~~أو اختار ثم أيسر، لم يحرم عليه استدامة النكاح # (5465) فصل: فإن أسلم وأسلمت معه واحدة منهن، وهو ممن يجوز له نكاح ~~الإماء، فله أن يختار من أسلمت معه؛ لأن له أن يختارها لو أسلمن كلهن، ~~فكذلك إذا أسلمت وحدها. وإن أحب انتظار البواقي جاز؛ لأن له غرضا صحيحا، ~~وهو أن يكون منهن من هي أبر عنده من هذه. فإن انتظرهن، فلم يسلمن حتى انقضت ~~عدتهن، تبين أن نكاح هذه كان لازما، وبان البواقي منذ اختلف الدينان. # وإن أسلمن في العدة، اختار منهن واحدة، وانفسخ نكاح الباقيات حين ~~الاختيار، وعددهن من حين الاختيار. وإن أسلم بعضهن دون بعض، بان اللائي لم ~~يسلمن منذ اختلف الدينان، والبواقي من حين اختاره. وإن اختار التي أسلمت ~~معه حين أسلمت، انقطعت عصمة البواقي، وثبت نكاحها # فإن أسلم البواقي في العدة، تبين أنهن بن منه باختياره، وعدتهن من حينئذ. ~~وإن لم يسلمن، بن باختلاف الدين، وعدتهن منه. وإن طلق التي أسلمت معه، ~~طلقت، وكان اختيارا لها. وحكم ذلك حكم ما لو اختارها صريحا؛ لأن إيقاع ~~طلاقه عليها يتضمن اختيارها. فأما إن اختار فسخ نكاحها، لم يكن له؛ لأن ~~الباقيات لم يسلمن معه، فما زاد العدد على ما له إمساكه في هذه الحال، ولا ~~ينفسخ النكاح، ثم ننظر؛ فإن لم يسلم البواقي، لزمه ms3666 نكاحها، وإن أسلمن ~~فاختار منهن واحدة، انفسخ نكاح البواقي، والأولى معهن. وإن اختار الأولى ~~التي فسخ نكاحها، صح اختياره لها؛ لأن فسخه لنكاحها لم يصح # وفيه وجه آخر ذكره القاضي، أنه لا يصح اختياره لها؛ لأن فسخه إنما لم يصح ~~مع إقامة البواقي على الكفر حتى تنقضي العدة، لأننا نتبين أن نكاحها كان ~~لازما، فإذا أسلمن لحق إسلامهن بتلك الحال، وصار كأنهن أسلمن في ذلك الوقت، ~~فإذا فسخ نكاح إحداهن، صح الفسخ، ولم يكن له أن يختارها. وهذا يبطل بما لو ~~فسخ نكاح إحداهن قبل إسلامها، فإنه لا يصح، ولا يجعل إسلامهن الموجود في ~~الثاني كالموجود سابقا، كذلك هاهنا. ### | [فصل أسلم وتحته إماء وحرة] # (5466) فصل: فإن أسلم وتحته إماء وحرة، ففيه ثلاث مسائل؛ # PageV07P167 # إحداهن، أسلم وأسلمن معه كلهن، فإنه يلزم نكاح الحرة، وينفسخ نكاح ~~الإماء؛ لأنه قادر على الحرة، فلا يختار أمه. وقال أبو ثور: له أن يختار. ~~وقد مضى الكلام معه. الثانية، أسلمت الحرة معه دون الإماء، فقد ثبت نكاحها، ~~وانقطعت عصمة الإماء، فإن لم يسلمن حتى انقضت عدتهن، بن باختلاف الدين، ~~وابتداء عددهن من حين أسلم. وإن أسلمن في عددهن، بن من حين إسلام الحرة، ~~وعددهن من حين إسلامها. فإن ماتت الحرة بعد إسلامها، لم يتغير الحكم ~~بموتها؛ لأن موتها بعد ثبوت نكاحها وانفساخ نكاح الإماء، لا يؤثر في ~~إباحتهن. الثالثة، أسلم الإماء دون الحرة وهو معسر، فلا يخلو؛ إما أن تنقضي ~~عدتها قبل إسلامها، فتبين باختلاف الدين، وله أن يختار من الإماء؛ لأنه لم ~~يقدر على الحرة، أو تسلم في عدتها فيثبت نكاحها، ويبطل نكاح الإماء، كما لو ~~أسلمن دفعة واحدة، وليس له أن يختار من الإماء قبل إسلامها وانقضاء عدتها؛ ~~لأننا لا نعلم، أنها لا تسلم، فإن طلق الحرة ثلاثا قبل إسلامها، ثم لم ~~تسلم، لم يقع الطلاق؛ لأنا تبينا أن النكاح انفسخ باختلاف الدين، وله ~~الاختيار من الإماء، وإن أسلمت في عدتها، بان أن نكاحها كان ثابتا، وأن ~~الطلاق وقع فيه، والإماء بن بثبوت نكاحها ms3667 قبل الطلاق # (5467) فصل: وإن أسلم وتحته إماء وحرة، فأسلمن، ثم عتقن قبل إسلامها، لم ~~يكن له أن يختار منهن؛ لأن نكاح الأمة لا يجوز لقادر على حرة وإنما يعتبر ~~حالهن حال ثبوت الاختيار، وهو حالة اجتماع إسلامه وإسلامهن، ثم ننظر؛ فإن ~~لم تسلم الحرة، فله الاختيار منهن، ولا يختار إلا واحدة، اعتبارا بحالة ~~اجتماع إسلامه وإسلامهن، وإن أسلمت في عدتها، ثبت نكاحها، وانقطعت عصمتهن، ~~فإن كان قد اختار واحدة من المعتقات في عدة الحرة، ثم لم تسلم فلا عبرة ~~باختياره، وله أن يختار غيرها؛ لأن الاختيار لا يكون موقوفا، فأما إن عتقن ~~قبل أن يسلمن، ثم أسلمن واجتمعن معه على الإسلام وهن حرائر، فإن كان جميع ~~الزوجات أربعا فما دون، ثبت نكاحهن، وإن كن زائدات على أربع، فله أن يختار ~~منهن أربعا، وتبطل عصمة الخامسة؛ لأنهن صرن حرائر في حالة الاختيار، وهي ~~حالة اجتماع إسلامه وإسلامهن، فصار حكمهن حكم الحرائر الأصليات، وكما لو ~~أعتقن قبل إسلامه وإسلامهن، ولو أسلمن قبله، ثم أعتقن، ثم أسلم، فكذلك، ~~ويكون الحكم في هذا كما لو أسلم وتحته خمس حرائر أو أكثر، على ما مر ~~تفصيله. # PageV07P168 ### | [فصل أسلم وتحته خمس حرائر] # (5468) فصل: ولو أسلم وتحته خمس حرائر، فأسلم معه منهن اثنتان، احتمل أن ~~يجبر على اختيار إحداهما؛ لأنه لا بد أن يلزمه نكاح واحدة منهما، فلا معنى ~~لانتظار البواقي. فإذا اختار واحدة، ولم يسلم البواقي، لزمه نكاح الثانية. ~~وكذلك إن لم يسلم من البواقي إلا اثنتان، لزمه نكاح الأربع. وإن أسلم ~~الجميع في العدة، كلف أن يختار ثلاثا مع التي اختارها أولا، وينفسخ نكاح ~~الباقية. وعلى هذا لو أسلم معه ثلاث، كلف اختيار اثنتين. وإن أسلم معه ~~أربع، كلف اختيار ثلاث منهن، إذ لا معنى لانتظاره الخامسة. ونكاح ثلاث منهن ~~لازم له على كل حال # ويحتمل أن لا يجبر على الاختيار؛ لأنه إنما يكون عند زيادة العدد على ~~أربع، وما وجد ذلك، وكذلك لو أسلمت معه واحدة من الإماء، لم يجبر على ~~اختيارها، كذا هاهنا. ms3668 والصحيح هاهنا أن يجبر على اختيارها؛ لما ذكرنا من ~~المعنى. وأما الأمة، فقد يكون له غرض في اختيار غيرها؛ بخلاف مسألتنا. ### | [مسألة تزوجها وهما كتابيان فأسلم قبل الدخول أو بعده] # (5469) مسألة؛ قال: وإذا تزوجها، وهما كتابيان، فأسلم قبل الدخول، أو ~~بعده، فهي زوجته، وإن كانت هي المسلمة قبله وقبل الدخول، انفسخ النكاح، ولا ~~مهر لها وجملة ذلك أنه إذا أسلم زوج الكتابية قبل الدخول أو بعده، أو أسلما ~~معا، فالنكاح باق بحاله، سواء كان زوجها كتابيا أو غير كتابي؛ لأن للمسلم ~~أن يبتدئ نكاح كتابية، فاستدامته أولى # ولا خلاف في هذا بين القائلين بإجازة نكاح الكتابية. فأما إن أسلمت ~~الكتابية قبله وقبل الدخول، تعجلت الفرقة، سواء كان زوجها كتابيا أو غير ~~كتابي؛ إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من ~~نحفظ عنه من أهل العلم # وإن كان إسلامها بعد الدخول، فالحكم فيه كالحكم فيما لو أسلم أحد الزوجين ~~الوثنيين، على ما تقدم. وإذا كانت هي المسلمة قبل الدخول، فلا مهر لها؛ لأن ~~الفسخ منها. وقد مضى الكلام في هذا أيضا بما فيه كفاية. ### | [فصل تزوج المجوسي كتابية ثم ترافعا إلينا قبل الإسلام] # (5470) فصل: إذا تزوج المجوسي كتابية، ثم ترافعا إلينا قبل الإسلام، فرق ~~بينهما قال أحمد، في مجوسي تزوج كتابية: يحال بينه وبينها. قيل: من يحول ~~بينه وبين ذلك؟ قال: الإمام ويحتمل هذا الكلام أن يحال بينهما وإن لم ~~يترافعا إلينا؛ لأنها أعلى دينا منه، فيمنع نكاحها كما يمنع الذمي نكاح ~~المسلمة # وإن تزوج الذمي وثنية أو مجوسية، ثم ترافعوا إلينا، ففيه وجهان: # PageV07P169 # أحدهما، يقر على نكاحها؛ لأنها ليست أعلى دينا منه، فيقر على نكاحها، كما ~~يقر المسلم على نكاح الكتابية. والثاني، لا يقر على نكاحها؛ لأنها ممن لا ~~يقر المسلم على نكاحها، فلا يقر الذمي على نكاحها، كالمرتدة. ### | [مسألة سمى لها وهما كافران فقبضته ثم أسلما] # (5471) مسألة؛ قال: وما سمي لها، وهما كافران، فقبضته، ثم أسلما، فليس ~~لها غيره، وإن كان حراما. ولو ms3669 لم تقبضه، وهو حرام، فلها عليه مهر مثلها، أو ~~نصفه، حيث أوجب ذلك وجملته أن الكفار إذا أسلموا، وتحاكموا إلينا بعد العقد ~~والقبض، لم نتعرض لما فعلوه، وما قبضت من المهر فقد نفذ، وليس لها غيره، ~~حلالا كان أو حراما، بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربا} [البقرة: 278] . فأمر بترك ما بقي دون ما قبض # وقال تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله} ~~[البقرة: 275] . ولأن التعرض للمقبوض بأبطاله يشق، لتطاول الزمان، وكثرة ~~تصرفاتهم في الحرام، ففيه تنفيرهم عن الإسلام، فعفي عنه، كما عفي عما تركوه ~~من الفرائض والواجبات، ولأنهما تقابضا بحكم الشرك، فبرئت ذمة من هو عليه ~~منه، كما لو تبايعا بيعا فاسدا وتقابضا. وإن لم يتقابضا، فإن كان المسمى ~~حلالا، وجب ما سمياه؛ لأنه مسمى صحيح في نكاح صحيح، فوجب، كتسمية المسلم ~~وإن كان حراما، كالخمر والخنزير، بطل، ولم يحكم به؛ لأن ما سمياه لا يجوز ~~إيجابه في الحكم، ولا يجوز أن يكون صداقا لمسلمة، ولا في نكاح مسلم، ويجب ~~مهر المثل إن كان بعد الدخول، ونصفه إن وقعت الفرقة قبل الدخول. وهذا معنى ~~قوله: حيث أوجب ذلك # وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف. وقال أبو حنيفة: إن كان أصدقها خمرا أو ~~خنزيرا معينين، فليس لها إلا ذلك وإن كانا غير معينين، فلها في الخمر ~~القيمة، وفي الخنزير مهر المثل، استحسانا. ولنا أن الخمر لا قيمة لها في ~~الإسلام، فكان الواجب مهر المثل، كما لو أصدقها خنزيرا، ولأنه محرم، فأشبه ~~ما ذكرنا # (5472) فصل: وإن قبضت بعض الحرام دون بعض، سقط من المهر بقدر ما قبض، ~~ووجب بحصة ما بقي من مهر المثل، فإن كان الصداق عشرة زقاق خمر متساوية، ~~فقبضت خمسا منها سقط نصف المهر، ووجب لها نصف مهر المثل، # PageV07P170 # وإن كانت مختلفة، اعتبر ذلك بالكيل، في أحد الوجهين؛ لأنه إذا وجب ~~اعتباره، اعتبر بالكيل فيما له مثل يتأتى الكيل فيه. والثاني، يقسم على ~~عددها؛ لأنه لا ms3670 قيمة لها، فاستوى صغيرها وكبيرها # وإن أصدقها عشرة خنازير، ففيه الوجهان؛ أحدهما، يقسم على عددها؛ لما ~~ذكرنا، والثاني، يعتبر قيمتها كأنها مما يجوز بيعه، كما تقوم شجاج الحر ~~كأنه عبد. وإن أصدقها كلبا وخنزيرين وثلاثة زقاق خمر، ففيه ثلاثة أوجه؛ ~~أحدها، يقسم على قدر قيمتها عندهم. والثاني، يقسم على عدد الأجناس، فيجعل ~~لكل جنس ثلث المهر. والثالث، يقسم على العدد كله، فلكل واحد سدس المهر، ~~فللكلب سدسه، ولكل واحد من الخنزيرين والزقاق سدسه. ومذهب الشافعي فيه على ~~نحو من هذا. ### | [فصل نكحها نكاحا فاسدا فأسلما قبل الدخول أو ترافعوا إلينا] # (5473) فصل: فإن نكحها نكاحا فاسدا، وهو ما لا يقرون عليه إذا أسلموا، ~~كنكاح ذوات الرحم المحرم، فأسلما قبل الدخول، أو ترافعوا إلينا، فرق ~~بينهما، ولا مهر لها. قال أحمد، في المجوسية تكون تحت أخيها أو أبيها، ~~فيطلقها أو يموت عنها، فترتفع إلى المسلمين بطلب مهرها: لا مهر لها. وذلك ~~لأنه نكاح باطل من أصله، لا يقر عليه في الإسلام، وحصل فيه الفرقة قبل ~~الدخول. فأما إن دخل بها، فهل يجب لها مهر المثل؟ يخرج على الروايتين في ~~المسلم إذا وطئ امرأة من محارمه بشبهة. ### | [فصل تزوج ذمي ذمية على أن لا صداق لها] # (5474) فصل: إذا تزوج ذمي ذمية، على أن لا صداق لها، أو سكت عن ذكره، ~~فلها المطالبة بفرضه، إن كان قبل الدخول، وإن كان بعده، فلها مهر المثل، ~~كما في نكاح المسلمين. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن تزوجها على ~~أن لا مهر لها، فلا شيء لها، وإن سكت عن ذكره، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا ~~مهر لها. والأخرى: لها مهر المثل. واحتج بأن المهر يجب لحق الله تعالى ~~وحقها، وقد أسقطت حقها، والذمي لا يطالب بحق الله تعالى. ولنا، أن هذا نكاح ~~خلا عن تسمية، فيجب للمرأة فيه مهر المثل كالمسلمة، وإنما وجب المهر في حق ~~المفوضة لئلا تصير كالموهوبة والمباحة، وهذا يوجد في حق الذمي. ### | [فصل إذا ارتفع أهل الشرك إلى الحاكم في ابتداء العقد لم ms3671 يزوجهم إلا بشروط نكاح المسلمين] # (5475) فصل: إذا ارتفعوا إلى الحاكم في ابتداء العقد، لم يزوجهم إلا ~~بشروط نكاح المسلمين؛ لقول الله عز وجل: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} ~~[المائدة: 42] . وقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] . ~~ولأنه لا حاجة # PageV07P171 # إلى عقده، بخلاف ذلك # وإن أسلموا، أو ترافعوا إلينا بعد العقد، لم نتعرض لكيفية عقدهم، ونظرنا ~~في الحال؛ فإن كانت المرأة ممن يجوز عقد النكاح عليها ابتداء، أقرهما، وإن ~~كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها، كذوات محرمه، فرق بينهما. فإن تزوج معتدة ~~وأسلما، أو ترافعا في عدتها، فرق بينهما؛ لأنه لا يجوز ابتداء نكاحها، وإن ~~كان بعد انقضائها، أقر لجواز ابتداء نكاحها. وإن كان بينهما نكاح متعة، لم ~~يقرا عليه؛ لأنه إن كان بعد المدة، فلم يبق بينها نكاح، وإن كان في المدة، ~~فهما لا يعتقدان تأبيده، والنكاح عقد مؤبد، إلا أن يكونا ممن يعتقد إفساد ~~الشرط وصحة النكاح مؤبدا، فيقران عليه # وإن كان بينهما نكاح شرط فيه الخيار متى شاءا أو شاء أحدهما، لم يقرا ~~عليه؛ لأنهما لا يعتقدان لزومه، إلا أن يعتقدا فساد الشرط وحده. وإن كان ~~خيار مدة، فأسلما فيها، لم يقرا؛ لذلك. وإن كان بعدها أقرا؛ لأنهما يعتقدان ~~لزومه. وكل ما اعتقدوه، فهو نكاح يقرون عليه، وما لا فلا، فلو مهر حربي ~~حربية، فوطئها، أو طاوعته، ثم أسلما، فإن كان ذلك في اعتقادهم نكاحا، أقرا ~~عليه؛ لأنه نكاح لهم في من يجوز ابتداء نكاحها، فأقرا عليه، كالنكاح بلا ~~ولي، وإن لم يعتقداه نكاحا، لم يقرا عليه. ### | [فصل أنكحة الكفار تتعلق بها أحكام النكاح الصحيح] # (5476) فصل: وأنكحة الكفار تتعلق بها أحكام النكاح الصحيح، من وقوع ~~الطلاق، والظهار، والإيلاء، ووجوب المهر، والقسم، والإباحة للزوج الأول ~~والإحصان، وغير ذلك. وممن أجاز طلاق الكفار، عطاء، والشعبي، والنخعي، ~~والزهري، وحماد، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولم يجوزه ~~الحسن، وقتادة، وربيعة، ومالك. ولنا، أنه طلاق من بالغ عاقل في نكاح صحيح، ~~فوقع، كطلاق المسلم # فإن قيل: لا نسلم صحة أنكحتهم. قلنا: دليل ms3672 ذلك أن الله تعالى أضاف النساء ~~إليهم فقال: {وامرأته حمالة الحطب} [المسد: 4] . وقال: {امرأت فرعون} ~~[القصص: 9] . وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة. وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ولدت من نكاح، لا من سفاح» . وإذا ثبت صحتها، ثبتت أحكامها، ~~كأنكحة المسلمين. # PageV07P172 # فعلى هذا، إذا طلق الكافر ثلاثا، ثم تزوجها قبل زوج، وأصابها، ثم أسلما، ~~لم يقرا عليه # وإن طلق امرأته أقل من ثلاث، ثم أسلما، فهي عنده على ما بقي من طلاقها. ~~وإن نكحها كتابي وأصابها، حلت لمطلقها ثلاثا، سواء كان المطلق مسلما أو ~~كافرا. وإن ظاهر الذمي من امرأته، ثم أسلما، فعليه كفارة الظهار؛ لقوله ~~تعالى {والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] وإن آلى، ثبت حكم الإيلاء؛ ~~لقوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} [البقرة: 226] . ### | [فصل يحرم على الكفار في النكاح ما يحرم على المسلمين] # (5477) فصل: ويحرم عليهم في النكاح ما يحرم على المسلمين، على ما ذكرنا ~~في الباب قبله، إلا أنهم يقرون على الأنكحة المحرمة بشرطين؛ أحدهما، أن لا ~~يترافعوا إلينا. والثاني أن يعتقدوا إباحة ذلك في دينهم؛ لأن الله تعالى ~~قال: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا} ~~[المائدة: 42] فدل هذا على أنهم يخلون وأحكامهم إذا لم يجيئوا إلينا، ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر، ولم يعترض عليهم في ~~أحكامهم ولا في أنكحتهم، مع علمه أنهم يستبيحون نكاح محارمهم # وقد روي عن أحمد، في مجوسي تزوج نصرانية، قال: يحال بينه وبينها. قيل: من ~~يحول بينهما؟ قال الإمام. قال أبو بكر؛ لأن علينا ضررا في ذلك. يعني بتحريم ~~أولاد النصرانية علينا. وهكذا يجيء على قوله في تزويج النصراني المجوسية، ~~ويجيء على هذا القول أن يحال بينهم وبين نكاح محارمهم؛ فإن عمر - رضي الله ~~عنه - كتب، أن فرقوا بين كل محرم من المجوس. وقال أحمد، في مجوسي ملك أمة ~~نصرانية: يحال بينه وبينها، ويجبر على بيعها؛ لأن النصارى لهم دين. فإن ملك ~~نصراني مجوسية، فلا بأس أن يطأها. وقال أبو بكر ms3673 عبد العزيز: لا يجوز له ~~وطؤها أيضا؛ لما ذكرناه من الضرر. ### | [مسألة ارتد أحد الزوجين قبل الدخول] # مسألة؛ قال: (ولو تزوجها، وهما مسلمان، فارتدت قبل الدخول، انفسخ النكاح، ~~ولا مهر لها. وإن كان هو المرتد قبلها وقبل الدخول، فكذلك، إلا أن عليه نصف ~~المهر) . وجملة ذلك أنه إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول، انفسخ النكاح، في ~~قول عامة أهل العلم، إلا أنه حكي عن داود، أنه لا ينفسخ بالردة، لأن الأصل ~~بقاء النكاح # ولنا، قول الله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] وقال ~~تعالى: {فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: ~~10] ولأنه اختلاف دين يمنع الإصابة، فأوجب فسخ النكاح، # PageV07P173 # كما لو أسلمت تحت كافر. ثم ينظر؛ فإن كانت المرأة هي المرتدة، فلا مهر ~~لها؛ لأن الفسخ من قبلها، وإن كان الرجل هو المرتد، فعليه نصف المهر؛ لأن ~~الفسخ من جهته، فأشبه ما لو طلق، وإن كانت التسمية فاسدة، فعليه نصف مهر ~~المثل. ### | [مسألة ارتد أحد الزوجين بعد الدخول] # (5479) مسألة؛ قال: (وإن كانت ردتها بعد الدخول، فلا نفقة لها. وإن لم ~~تسلم حتى انقضت عدتها، انفسخ نكاحها، ولو كان هو المرتد بعد الدخول، فلم ~~يعد إلى الإسلام حتى انقضت عدتها، انفسخ النكاح منذ اختلف الدينان) اختلفت ~~الرواية عن أحمد، فيما إذا ارتد أحد الزوجين بعد الدخول، حسب اختلافها فيما ~~إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين، ففي إحداهما تتعجل الفرقة # وهو قول أبي حنيفة، ومالك. وروي ذلك عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز، ~~والثوري، وزفر، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأن ما أوجب فسخ النكاح استوى فيه ~~ما قبل الدخول وبعده، كالرضاع. والثانية، يقف على انقضاء العدة، فإن أسلم ~~المرتد قبل انقضائها، فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت، بانت منذ ~~اختلف الدينان # وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه لفظ تقع به الفرقة، فإذا وجد بعد الدخول، جاز أن ~~يقف على انقضاء العدة، كالطلاق الرجعي، أو اختلاف دين بعد الإصابة، فلا ~~يوجب فسخه في الحال، كإسلام الحربية تحت الحربي، ms3674 وقياسه، على إسلام أحد ~~الزوجين أقرب من قياسه على الرضاع. فأما النفقة، فإن قلنا بتعجيل الفرقة، ~~فلا نفقة لها؛ لأنها بائن منه # وإن قلنا: يقف على انقضاء العدة. وكانت المرأة المرتدة، فلا نفقة لها؛ ~~لأنه لا سبيل للزوج إلى رجعتها، وتلافي نكاحها، فلم يكن لها نفقة، كما بعد ~~العدة. وإن كان هو المرتد، فعليه النفقة للعدة، لأنه بسبيل من الاستمتاع ~~بها بأن يسلم، ويمكنه تلافي نكاحها، فكانت النفقة واجبة عليه، كزوج ~~الرجعية. ### | [فصل ارتد الزوجان معا] # (5480) فصل: فإن ارتد الزوجان معا، فحكمهما حكم ما لو ارتد أحدهما؛ إن ~~كان قبل الدخول تعجلت الفرقة، وإن كان بعده، فهل تتعجل، أو يقف على انقضاء ~~العدة؟ على روايتين. وهذا مذهب الشافعي. قال أحمد، في رواية ابن منصور: إذا ~~ارتدا معا، أو أحدهما، ثم تابا، أو تاب، فهو أحق بها، ما لم تنقض العدة. ~~وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ النكاح استحسانا؛ لأنه لم يختلف بهما الدين، ~~فأشبه ما لو أسلما. # PageV07P174 # ولنا، أنها ردة طارئة على النكاح، فوجب أن يتعلق بها فسخه، كما لو ارتد ~~أحدهما، ولأن كل ما زال عنه ملك المرتد إذا ارتد وحده، زال إذا ارتد غيره ~~معه، كماله، وما ذكروه يبطل بما إذا انتقل المسلم واليهودية إلى دين ~~النصرانية، فإن نكاحهما ينفسخ، وقد انتقلا إلى دين واحد # وأما إذا أسلما، فقد انتقلا إلى دين الحق، ويقران عليه، بخلاف الردة. ### | [فصل ارتد أحد الزوجين أو ارتدا معا] # (5481) فصل: إذا ارتد أحد الزوجين، أو ارتدا معا، منع وطؤها، فإن وطئها ~~في عدتها، وقلنا: إن الفرقة تعجلت. فلها عليه مهر مثلها لهذا الوطء، مع ~~الذي يثبت عليه بالنكاح؛ لأنه وطئ أجنبية، فيكون عليه مهر مثلها. وإن قلنا: ~~إن الفرقة موقوفة على انقضاء العدة. فأسلم المرتد منهما، أو أسلما جميعا في ~~عدتها، وكانت الردة منهما، فلا مهر لها عليه بهذا الوطء؛ لأنا تبينا أن ~~النكاح لم يزل، وأنه وطئها وهي زوجته. وإن ثبتا، أو ثبت المرتد منهما على ~~الردة، حتى انقضت عدتها، فلها عليه مهر ms3675 المثل لهذا الوطء؛ لأنه وطء في غير ~~نكاح يشبه النكاح، لأننا تبينا أن الفرقة وقعت منذ اختلف الدينان # وكذا الحكم فيما إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول، فوطئها في العدة قبل ~~إسلام الآخر، فالحكم فيه مثل الحكم هاهنا؛ لما ذكرنا من التعليل فيه. ### | [فصل أسلم أحد الزوجين ثم ارتد] # (5482) فصل: وإذا أسلم أحد الزوجين، ثم ارتد، نظرت؛ فإن لم يسلم الآخر في ~~العدة، تبينا أن وقوع الفرقة كان منذ اختلف الدينان، وعدتها من حين أسلم ~~المسلم منهما، وإن أسلم الأخر منهما في العدة قبل ارتداد الأول، اعتبر ~~ابتداء العدة من حين ارتد؛ لأن حكم اختلاف الدين بإسلام الأول زال بإسلام ~~الثاني في العدة # ولو أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، فأسلمن معه، ثم ارتد، لم يكن له أن ~~يختار منهن؛ لأنه لا يجوز أن يبتدئ العقد عليهن في هذه الحال. وكذلك لو ~~ارتددن دونه أو معه لم يكن له أن يختار منهن لذلك. ### | [فصل تزوج الكافر بمن لا يقر على نكاحه في الإسلام] # (5483) فصل: وإذا تزوج الكافر بمن لا يقر على نكاحه في الإسلام، مثل أن ~~جمع بين الأختين، أو بين عشر نسوة، أو نكح معتدة أو مرتدة، ثم طلقها ثلاثا، ~~ثم أسلما، لم يكن له أن ينكحها؛ لأننا أجرينا أحكامهم على الصحة فيما ~~يعتقدونه في النكاح، فكذلك في الطلاق، ولهذا جاز له إمساك الثانية من ~~الأختين، والخامسة المعقود عليها آخرا. # PageV07P175 ### | [مسألة نكاح الشغار] # (5484) مسألة؛ قال: (وإذا زوجه وليته، على أن يزوجه الآخر وليته، فلا ~~نكاح بينهما، وإن سموا مع ذلك صداقا أيضا) . هذا النكاح يسمى الشغار. فقيل: ~~إنما سمي شغارا لقبحه، تشبيها برفع الكلب رجله ليبول، في القبح. يقال: شغر ~~الكلب: إذا رفع رجله ليبول، وحكي عن الأصمعي أنه قال: الشغار: الرفع. فكأن ~~كل واحد منهما رفع رجله للآخر عما يريد. ولا تختلف الرواية عن أحمد، في أن ~~نكاح الشغار فاسد. رواه عنه جماعة. قال أحمد: وروي عن عمر، وزيد بن ثابت، ~~أنهما فرقا فيه. وهو قول مالك، والشافعي ms3676 وإسحاق حكي عن عطاء، وعمرو بن ~~دينار، ومكحول، والزهري، والثوري، أنه يصح، وتفسد التسمية، ويجب مهر المثل؛ ~~لأن الفساد من قبل المهر لا يوجب فساد العقد، كما لو تزوج على خمر أو ~~خنزير، وهذا كذلك # ولنا، ما روى ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن ~~الشغار» . متفق عليه. وروى أبو هريرة مثله. أخرجه مسلم. وروى الأثرم بإسناد ~~عن عمران بن حصين، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا جلب، ولا ~~جنب، ولا شغار في الإسلام» . ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلفا في الآخر، ~~فلم يصح، كما لو قال: بعني ثوبك على أن أبيعك ثوبي. وقولهم: إن فساده من ~~قبل التسمية. قلنا: لا بل فساده من جهة أنه وقفه على شرط فاسد، أو لأنه شرط ~~تمليك البضع لغير الزوج، فإنه جعل تزويجه إياها مهرا للأخرى، فكأنه ملكه ~~إياه بشرط انتزاعه منه # إذا ثبت هذا، فلا فرق بين أن يقول: على أن صداق كل واحدة منهما بضع ~~الأخرى. أو لم يقل ذلك. وقال الشافعي: هو أن يقول ذلك، ولا يسمي لكل واحدة ~~صداقا؛ لما روى ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن الشغار» ~~، والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك. ويكون بضع ~~كل واحدة منهما مهر الأخرى # ولنا ما روى ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن ~~الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته، وليس بينهما ~~صداق.» هذا لفظ الحديث الصحيح المتفق عليه. وفي حديث أبي هريرة: « # PageV07P176 # والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك، وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك، ~~وأزوجك أختي.» رواه مسلم. وهذا يجب تقديمه لصحته، وعلى أنه قد أمكن الجمع ~~بينهما بأن يعمل بالجميع. ويفسد النكاح بأي ذلك كان # ولأنه إذا شرط في نكاح إحداهما تزويج الأخرى، فقد جعل بضع كل واحدة صداق ~~الأخرى، ففسد، كما لو لفظ به، فأما إن سموا مع ذلك صداقا، فقال: زوجتك ~~ابنتي، على ms3677 أن تزوجني ابنتك، ومهر كل واحدة منهما مائة، أو مهر ابنتي مائة ~~ومهر ابنتك خمسون، أو أقل أو أكثر، فالمنصوص عن أحمد، فيما وقفنا عليه، ~~صحته. وهو قول الشافعي لما تقدم من حديث ابن عمر، ولأنه قد سمى صداقا، فصح، ~~كما لو لم يشترط ذلك. وقال الخرقي: لا يصح؛ لحديث أبي هريرة، ولما روى أبو ~~داود، عن الأعرج، أن العباس بن عبيد الله بن العباس، أنكح عبد الرحمن بن ~~الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقا، فكتب معاوية إلى ~~مروان، فأمره أن يفرق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. ولأنه شرط نكاح إحداهما لنكاح الأخرى، فلم ~~يصح، كما لو لم يسميا صداقا # يحققه أن عدم التسمية ليس بمفسد للعقد، بدليل نكاح المفوضة، فدل على أن ~~المفسد هو الشرط، وقد وجد، ولأنه سلف في عقد، فلم يصح، كما لو قال: بعتك ~~ثوبي بعشرة، على أن تبيعني ثوبك بعشرين. وهذا الاختلاف فيما إذا لم يصرح ~~بالتشريك، فأما إذا قال: زوجتك ابنتي، على أن تزوجني ابنتك، ومهر كل واحدة ~~منهما مائة وبضع الأخرى. فالنكاح فاسد؛ لأنه صرح بالتشريك، فلم يصح العقد، ~~كما لو لم يذكر مسمى # (5485) فصل: ومتى قلنا بصحة العقد إذا سميا صداقا، ففيه وجهان: أحدهما، ~~تفسد التسمية، ويجب مهر المثل. وهذا قول الشافعي لأن كل واحد منهما لم يرض ~~بالمسمى إلا بشرط أن يزوج وليه صاحبه، فينقص المهر لهذا الشرط، وهو باطل، ~~فإذا احتجنا إلى ضمان النقص، صار المسمى مجهولا، فبطل. والوجه الذي ذكره ~~القاضي في (الجامع) ، أنه يجب المسمى؛ لأنه ذكر قدرا معلوما يصح أن يكون ~~مهرا، فصح، كما لو قال: زوجتك ابنتي على ألف، على أن لي منها مائة. والله ~~أعلم. ### | [فصل سمى لإحداهما مهرا دون الأخرى] # (5486) فصل: وإن سمى لإحداهما مهرا دون الأخرى، فقال أبو بكر: يفسد ~~النكاح فيهما؛ لأنه فسد في إحداهما، ففسد في الأخرى. والأولى أنه يفسد في ~~التي لم يسم لها صداقا؛ لأن نكاحها ms3678 خلا من صداق سوى نكاح # PageV07P177 # الأخرى، ويكون في التي سمى لها صداقا روايتان؛ لأن فيه تسمية وشرطا، ~~فأشبه ما لو سمى لكل واحدة منهما مهرا ذكره القاضي هكذا. (5487) فصل: فإن ~~قال: زوجتك جاريتي هذه، على أن تزوجني ابنتك وتكون رقبتها صداقا لابنتك. لم ~~يصح تزويج الجارية، في قياس المذهب؛ لأنه لم يجعل لها صداقا سوى تزويج ~~ابنته # وإذا زوجه ابنته، على أن يجعل رقبة الجارية صداقا لها، صح؛ لأن الجارية ~~تصلح أن تكون صداقا. وإن زوج عبده امرأة، وجعل رقبته صداقا لها، لم يصح ~~الصداق؛ لأن ملك المرأة زوجها يمنع صحة النكاح، فيفسد الصداق، ويصح النكاح، ~~ويجب مهر المثل. ### | [مسألة نكاح المتعة] # (5488) مسألة؛ قال: (ولا يجوز نكاح المتعة) معنى نكاح المتعة أن يتزوج ~~المرأة مدة، مثل أن يقول: زوجتك ابنتي شهرا، أو سنة، أو إلى انقضاء الموسم، ~~أو قدوم الحاج. وشبهه، سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة. فهذا نكاح باطل. ~~نص عليه أحمد، فقال: نكاح المتعة حرام. وقال أبو بكر: فيها رواية أخرى، ~~أنها مكروهة غير حرام؛ لأن ابن منصور سأل أحمد عنها، فقال: يجتنبها أحب ~~إلى. وقال فظاهر هذا الكراهة دون التحريم. وغير أبي بكر من أصحابنا يمنع ~~هذا، ويقول: في المسألة رواية واحدة في تحريمها. وهذا قول عامة الصحابة ~~والفقهاء. وممن روي عنه تحريمها عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن ~~الزبير قال ابن عبد البر: وعلى تحريم المتعة مالك، وأهل المدينة، وأبو ~~حنيفة في أهل العراق، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أهل مصر، ~~والشافعي، وسائر أصحاب الآثار # وقال زفر: يصح النكاح، ويبطل الشرط. وحكي عن ابن عباس، أنها جائزة. وعليه ~~أكثر أصحاب عطاء وطاوس. وبه قال ابن جريج وحكي ذلك عن أبي سعيد الخدري، ~~وجابر وإليه ذهب الشيعة؛ لأنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن ~~فيها، وروي أن عمر قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أفأنهى عنهما، وأعاقب عليهما؛ متعة النساء، ومتعة الحج.» ولأنه عقد ~~على منفعة، فيكون ms3679 مؤقتا، كالإجارة. ولنا ما روى الربيع بن سبرة، أنه قال ~~أشهد على أبي، أنه حدث «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه في حجة ~~الوداع» . وفي لفظ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «حرم متعة ~~النساء.» . رواه أبو داود # PageV07P178 # وفي لفظ رواه ابن ماجه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «يا ~~أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم ~~القيامة» . # وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية.» رواه مالك، ~~في (الموطأ) وأخرجه الأئمة النسائي وغيره # واختلف أهل العلم في الجمع بين هذين الخبرين، فقال قوم: في حديث علي ~~تقديم وتأخير، وتقديره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لحوم الحمر ~~الأهلية يوم خيبر، ونهى عن متعة النساء، ولم يذكر ميقات النهي عنها، وقد ~~بينه الربيع بن سبرة في حديثه، أنه كان في حجة الوداع. حكاه الإمام أحمد عن ~~قوم، وذكره ابن عبد البر وقال الشافعي: لا أعلم شيئا أحله الله ثم حرمه، ثم ~~أحله ثم حرمه، إلا المتعة. فحمل الأمر على ظاهره، وأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حرمها يوم خيبر، ثم أحلها في حجة الوداع ثلاثة أيام، ثم حرمها، ~~ولأنه لا تتعلق به أحكام النكاح، من الطلاق، والظهار، واللعان، والتوارث، ~~فكان باطلا، كسائر الأنكحة الباطلة. وأما قول ابن عباس، فقد حكي عنه الرجوع ~~عنه، فروى أبو بكر، بإسناده عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: لقد كثرت ~~القالة في المتعة، حتى قال فيها الشاعر: # أقول وقد طال الثواء بنا معا ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس # هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مصدر الناس # فقام خطيبا، وقال: إن المتعة كالميتة والدم ولحم الخنزير. فأما إذن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فيها فقد ثبت نسخه. # وأما حديث عمر إن صح عنه فالظاهر ms3680 أنه إنما قصد الإخبار عن تحريم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لها، ونهيه عنها، إذ لا يجوز أن ينهى عما كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أباحه، وبقي على إباحته. ### | [فصل تزوجها بغير شرط إلا أن في نيته طلاقها] # (5489) فصل: وإن تزوجها بغير شرط، إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا ~~انقضت حاجته في هذا البلد، فالنكاح # PageV07P179 # صحيح، في قول عامة أهل العلم، إلا الأوزاعي قال: هو نكاح متعة. والصحيح ~~أنه لا بأس به، ولا تضر نيته، وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته وحسبه إن ~~وافقته، وإلا طلقها. ### | [مسألة تزوجها على أن يطلقها في وقت بعينه] # (5490) مسألة؛ قال: (ولو تزوجها على أن يطلقها في وقت بعينه، لم ينعقد ~~النكاح) . يعني إذا تزوجها بشرط أن يطلقها في وقت معين، لم يصح النكاح سواء ~~كان معلوما أو مجهولا، مثل أن يشترط عليه طلاقها إن قدم أبوها أو أخوها. ~~وقال أبو حنيفة: يصح النكاح، ويبطل الشرط. وهو أظهر قولي الشافعي، قاله في ~~عامة كتبه؛ لأن النكاح وقع مطلقا، وإنما شرط على نفسه شرطا، وذلك لا يؤثر ~~فيه، كما لو شرط أن لا يتزوج عليها، ولا يسافر بها # ولنا، أن هذا شرط مانع من بقاء النكاح، فأشبه نكاح المتعة، ويفارق ما ~~قاسوا عليه، فإنه لم يشترط قطع النكاح. ### | [مسألة نكاح المحلل] # (5491) مسألة؛ قال: (وكذلك إن شرط عليه أن يحلها لزوج كان قبله) وجملته ~~أن نكاح المحلل حرام باطل، في قول عامة أهل العلم؛ منهم الحسن والنخعي، ~~وقتادة، ومالك، والليث، والثوري، وابن المبارك، والشافعي، وسواء قال: ~~زوجتكها إلى أن تطأها. أو شرط أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما، أو أنه إذا ~~أحلها للأول طلقها # وحكي عن أبي حنيفة أنه يصح النكاح، ويبطل الشرط. وقال الشافعي في ~~الصورتين الأوليين: لا يصح. وفي الثالثة على قولين. ولنا، ما روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعن الله المحلل، والمحلل له.» رواه أبو ~~داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، والعمل عليه ms3681 عند أهل ~~العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم عمر بن الخطاب، وعثمان، ~~وعبد الله بن عمر. وهو قول الفقهاء من التابعين. وروي ذلك عن علي، وابن ~~مسعود، وابن عباس وقال ابن مسعود: «المحلل والمحلل له ملعون، على لسان محمد ~~- صلى الله عليه وسلم -.» وروى ابن ماجه، عن عقبة بن عامر، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ . # PageV07P180 # قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلل. لعن الله المحلل والمحلل له.» ~~وروى الأثرم، بإسناده عن قبيصة بن جابر، قال: سمعت عمر، وهو يخطب الناس، ~~وهو يقول: والله لا أوتى بمحل ولا محلل له إلا رجمتهما. ولأنه نكاح إلى ~~مدة، أو فيه شرط يمنع بقاءه فأشبه نكاح المتعة. ### | [فصل شرط عليه التحليل قبل عقد النكاح ولم يذكره في العقد ونواه فيه] # (5492) فصل: فإن شرط عليه التحليل قبل العقد، ولم يذكره في العقد ونواه ~~في العقد أو نوى التحليل من غير شرط فالنكاح باطل أيضا. قال. إسماعيل بن ~~سعيد: سألت أحمد عن الرجل يتزوج المرأة، وفي نفسه أن يحللها لزوجها الأول، ~~ولم تعلم المرأة بذلك. قال: هو محلل، إذا أراد بذلك الإحلال، فهو ملعون. ~~وهذا ظاهر قول الصحابة - رضي الله عنهم - وروى نافع، عن ابن عمر، أن رجلا ~~قال له: امرأة تزوجتها، أحلها لزوجها، لم يأمرني، ولم يعلم. قال: لا، إلا ~~نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكها، وإن كرهتها فارقها # قال: وإن كنا نعده على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفاحا. ~~وقال: لا يزالان زانيين، وإن مكثا عشرين سنة، إذا علم أنه يريد أن يحلها. ~~وهذا قول عثمان - رضي الله عنه -. وجاء رجل إلى ابن عباس، فقال له إن عمي ~~طلق امرأته ثلاثا، أيحلها له رجل؟ قال: من يخادع الله يخدعه. وهذا قول ~~الحسن، والنخعي، والشعبي، وقتادة، وبكر المزني، والليث، ومالك، والثوري، ~~وإسحاق، وقال أبو حنيفة، والشافعي: العقد صحيح. وذكر القاضي في صحته وجها ~~مثل قولهما؛ لأنه خلا عن شرط يفسده، فأشبه ما لو نوى ms3682 طلاقها لغير الإحلال، ~~أو ما لو نوت المرأة ذلك، ولأن العقد إنما يبطل بما شرط لا بما قصد، بدليل ~~ما لو اشترى عبدا فشرط أن يبيعه، لم يصح، ولو نوى ذلك، لم يبطل # ولأنه روي عن عمر، - رضي الله عنه -، ما يدل على إجازته. وروى أبو حفص، ~~بإسناده عن محمد بن سيرين، قال: قدم مكة رجل، ومعه إخوة له صغار، وعليه ~~إزار، من بين يديه رقعة، ومن خلفه رقعة، فسأل عمر، فلم يعطه شيئا، فبينما ~~هو كذلك إذ نزغ الشيطان بين رجل من قريش وبين امرأته # PageV07P181 # فطلقها، فقال لها: هل لك أن تعطي ذا الرقعتين شيئا، ويحلك لي؟ قالت: نعم ~~إن شئت فأخبروه بذلك. قال: نعم، وتزوجها، ودخل بها. فلما أصبحت أدخلت إخوته ~~الدار. فجاء القرشي يحوم حول الدار، ويقول: يا ويله، غلب على امرأته، فأتى ~~عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، غلبت على امرأتي. قال: من غلبك؟ قال: ذو ~~الرقعتين. قال: أرسلوا إليه. فلما جاء الرسول، قالت له المرأة: كيف موضعك ~~من قومك؟ قال: ليس بموضعي بأس. قالت: إن أمير المؤمنين يقول لك: طلق ~~امرأتك. فقل: لا، والله لا أطلقها. فإنه لا يكرهك. وألبسته حلة، فلما رآه ~~عمر من بعيد قال: الحمد لله الذي رزق ذا الرقعتين. فدخل عليه، فقال: أتطلق ~~امرأتك؟ قال: لا، والله لا أطلقها. قال عمر: لو طلقتها لأوجعت رأسك بالسوط. ~~ورواه سعيد، عن هشيم، عن يونس بن عبيد، عن ابن سيرين نحوا من هذا، وقال: من ~~أهل المدينة. وهذا قد تقدم فيه الشرط على العقد، ولم ير به عمر بأسا # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله المحلل والمحلل له» . ~~وقول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم، فيكون إجماعا، ولأنه قصد به ~~التحليل، فلم يصح، كما لو شرطه. أما حديث ذي الرقعتين، فقال أحمد: ليس له ~~إسناد، يعني أن ابن سيرين لم يذكر إسناده إلى عمر. وقال أبو عبيد: هو مرسل. ~~فأين هو من الذي سمعوه يخطب به على المنبر: لا أوتى بمحلل ms3683 ولا محلل له إلا ~~رجمتهما. ولأنه ليس فيه أن ذا الرقعتين قصد التحليل، ولا نواه، وإذا كان ~~كذلك، لم يتناول محل النزاع. ### | [فصل شرط عليه أن يحلها قبل العقد فنوى بالعقد غير ما شرطوا عليه وقصد نكاح رغبة] # (5493) فصل: فإن شرط عليه أن يحلها قبل العقد، فنوى بالعقد غير ما شرطوا ~~عليه، وقصد نكاح رغبة، صح العقد؛ لأنه خلا عن نية التحليل وشرطه، فصح، كما ~~لو لم يذكر ذلك، وعلى هذا يحمل حديث ذي الرقعتين. وإن قصدت المرأة التحليل ~~أو وليها دون الزوج، لم يؤثر ذلك في العقد. وقال الحسن، وإبراهيم: إذا هم ~~أحد الثلاثة، فسد النكاح # قال أحمد: كان الحسن وإبراهيم والتابعون يشددون في ذلك. قال أحمد: الحديث ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ". ونية ~~المرأة ليس بشيء، إنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله المحلل ~~والمحلل له» . ولأن العقد إنما يبطل بنية الزوج؛ لأنه الذي إليه المفارقة ~~والإمساك، أما المرأة فلا تملك رفع العقد، فوجود نيتها وعدمها سواء، وكذلك ~~الزوج الأول لا يملك شيئا من العقد، ولا من رفعه، فهو أجنبي كسائر الأجانب # PageV07P182 # فإن قيل: فكيف لعنه النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قلنا: إنما لعنه إذا ~~رجع إليها بذلك التحليل؛ لأنها لم تحل له، فكان زانيا، فاستحق اللعنة لذلك. ### | [فصل طلقها ثلاثا وأراد أن يراجعها فاشترى عبدا فأعتقه وزوجها إياه] # (5494) فصل: فإن اشترى عبدا، فزوجها إياه، ثم وهبها إياه لينفسخ النكاح ~~بملكها له، لم يصح. قال أحمد في رواية حنبل: إذا طلقها ثلاثا، وأراد أن ~~يراجعها، فاشترى عبدا، فأعتقه، وزوجها إياه، فهذا الذي نهى عنه عمر، يؤدبان ~~جميعا، وهذا فاسد ليس بكفء، وهو شبه المحلل. وعلل أحمد فساده بشيئين؛: ~~أحدهما، شبهه بالمحلل، لأنه إنما زوجه إياها ليحلها له # والثاني، كونه ليس بكفء لها، وتزويجه لها في حال كونه عبدا أبلغ في هذا ~~المعنى؛ لأن العبد في عدم الكفاءة أشد من المولى، والسيد له سبيل إلى إزالة ~~نكاحه من غير إرادته، بأن ms3684 يهبه للمرأة، فينفسخ نكاحه بملكها إياه، والمولى ~~بخلاف ذلك. ويحتمل أن يصح النكاح، إذا لم يقصد العبد التحليل؛ لأن المعتبر ~~في الفساد نية الزوج، لا نية غيره، ولم ينو. وإذا كان مولى ولم ينو ~~التحليل، فهو أولى بالصحة؛ لأنه لا سبيل لمعتقه إلى فسخ نكاحه، فلا عبرة ~~بنيته. ### | [فصل نكاح المحلل فاسد يثبت فيه سائر أحكام العقود الفاسدة] # (5495) فصل: ونكاح المحلل فاسد، يثبت فيه سائر أحكام العقود الفاسدة، ولا ~~يحصل به الإحصان، ولا الإباحة للزوج الأول، كما لا يثبت في سائر العقود ~~الفاسدة # فإن قيل: فقد سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - محللا، وسمى الزوج محللا ~~له، ولو لم يحصل الحل لم يكن محللا ولا محللا له. قلنا: إنما سماه محللا؛ ~~لأنه قصد التحليل في موضع لا يحصل فيه الحل، كما قال: «ما آمن بالقرآن من ~~استحل محارمه» . وقال الله تعالى: {يحلونه عاما ويحرمونه عاما} [التوبة: ~~37] . ولو كان محللا في الحقيقة والآخر محللا له، لم يكونا ملعونين. ### | [مسألة عقد المحرم نكاحا لنفسه أو لغيره] # (5496) مسألة؛ قال: وإذا عقد المحرم نكاحا لنفسه أو لغيره، أو عقد أحد ~~نكاحا لمحرم أو على محرمة، فالنكاح فاسد وجملته أن المحرم إذا تزوج لنفسه، ~~أو عقد النكاح لغيره، ككونه وليا أو وكيلا، فإنه # PageV07P183 # لا يصح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ~~ولا يخطب» . رواه مسلم. وإن عقد الحلال نكاحا لمحرم، بأن يكون وكيلا له، أو ~~وليا عليه، أو عقده على محرمة، لم يصح؛ لدخوله في عموم الحديث، لأنه إذا ~~تزوج له وكيله فقد نكح # وحكى القاضي في كون المحرم وليا لغيره روايتين؛ إحداهما، لا تصح. وهي ~~اختيار الخرقي والثانية، تصح. وهي اختيار أبي بكر لأن النكاح حرم على ~~المحرم، لأنه من دواعي الوطء المفسد للحج، ولا يحصل ذلك فيه بكونه وليا فيه ~~لغيره. والأول أولى؛ لدخوله في عموم الخبر، ولأنه عقد لا يصح للمحرم، فلا ~~يصح منه كشراء الصيد. وقد مضت هذه المسألة في الحج بأبسط من هذا الشرح. ### | [مسألة ms3685 الخيار في فسخ النكاح] ### | [فصل خيار الفسخ يثبت لكل واحد من الزوجين لعيب يجده في صاحبه] # (5497) مسألة قال: وأي الزوجين وجد بصاحبه جنونا، أو جذاما، أو برصا، أو ~~كانت المرأة رتقاء، أو قرناء، أو عفلاء، أو فتقاء، أو الرجل مجنونا، فلمن ~~وجد ذلك منهما بصاحبه الخيار في فسخ النكاح # الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة: (5498) الفصل الأول: أن خيار الفسخ ~~يثبت لكل واحد من الزوجين لعيب يجده في صاحبه في الجملة. روي ذلك عن عمر بن ~~الخطاب، وابنه، وابن عباس. وبه قال جابر بن زيد، والشافعي، وإسحاق. وروي عن ~~علي: لا ترد الحرة بعيب. وبه قال النخعي، والثوري، وأصحاب الرأي. وعن ابن ~~مسعود: لا ينفسخ النكاح بعيب. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، إلا أن يكون ~~الرجل مجبوبا أو عنينا، فإن للمرأة الخيار، فإن اختارت الفراق، فرق الحاكم ~~بينهما بطلقة، ولا يكون فسخا؛ لأن وجود العيب لا يقتضي فسخ النكاح، كالعمى ~~والزمانة وسائر العيوب # ولنا أن المختلف فيه عيب يمنع الوطء، فأثبت الخيار، كالجب والعنة، ولأن ~~المرأة أحد العوضين في عقد النكاح، فجاز ردها بالعيب، كالصداق، أو أحد ~~العوضين في عقد النكاح، فجاز رده بالعيب، أو أحد # PageV07P184 # الزوجين، فثبت له الخيار بالعيب في الآخر كالمرأة. وأما غير هذه العيوب، ~~فلا يمنع المقصود بعقد النكاح، وهو الوطء، بخلاف العيوب المختلف فيها # فإن قيل: فالجنون والجذام والبرص لا يمنع الوطء. قلنا: بل يمنعه؛ فإن ذلك ~~يوجب نفرة تمنع قربانه بالكلية ومسه، ويخاف منه التعدي إلى نفسه ونسله، ~~والمجنون يخاف منه الجناية، فصار كالمانع الحسي. ### | [فصل العيوب المجوزة لفسخ النكاح] # الفصل الثاني: في عدد العيوب المجوزة للفسخ، وهي فيما ذكر الخرقي ثمانية: ~~ثلاثة يشترك فيها الزوجان؛ وهي: الجنون، والجذام، والبرص. واثنان يختصان ~~الرجل؛ وهما الجب، والعنة. وثلاثة تختص بالمرأة؛ وهي الفتق، والقرن، والعفل # وقال القاضي: هي سبعة. جعل القرن والعفل شيئا واحدا، وهو الرتق أيضا، ~~وذلك لحم ينبت في الفرج. وحكي ذلك عن أهل الأدب، وحكي نحوه عن أبي بكر، ~~وذكره أصحاب الشافعي. ms3686 وقال الشافعي: القرن عظم في الفرج يمنع الوطء. وقال ~~غيره: لا يكون في الفرج عظم، إنما هو لحم ينبت فيه. وحكي عن أبي حفص، أن ~~العفل كالرغوة في الفرج، يمنع لذة الوطء. فعلى هذا يكون عيبا ناميا # وقال أبو الخطاب: الرتق أن يكون الفرج مسدودا. يعني أن يكون ملتصقا لا ~~يدخل الذكر فيه. والقرن والعفل لحم ينبت في الفرج فيسده، فهما في معنى ~~الرتق، إلا أنهما نوع آخر. وأما الفتق فهو انخراق ما بين مجرى البول ومجرى ~~المني. وقيل: ما بين القبل والدبر. # وذكرها أصحاب الشافعي سبعة، أسقطوا منها الفتق، ومنهم من جعلها ستة، جعل ~~القرن والعفل شيئا واحدا. وإنما اختص الفسخ بهذه العيوب؛ لأنها تمنع ~~الاستمتاع المقصود بالنكاح، فإن الجذام والبرص يثيران نفرة في النفس تمنع ~~قربانه، ويخشى تعديه إلى النفس والنسل، فيمنع الاستمتاع، والجنون يثير نفرة ~~ويخشى ضرره، والجب والرتق يتعذر معه الوطء، والفتق يمنع لذة الوطء وفائدته، ~~وكذلك العفل، على قول من فسره بالرغوة # فإن اختلفا في وجود العيب، مثل أن يكون بجسده بياض يمكن أن يكون بهقا أو ~~مرارا، واختلفا في كونه برصا، أو كانت به علامات الجذام، من ذهاب شعر ~~الحاجبين، فاختلفا في كونه جذاما، فإن كانت للمدعي بينة من أهل الخبرة ~~والثقة، يشهدان له بما قال، ثبت قوله، وإلا حلف المنكر، والقول قوله؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن اليمين على المدعى عليه» . وإن اختلفا ~~في عيوب النساء، أريت # PageV07P185 # النساء الثقات، ويقبل فيه قول امرأة واحدة، فإن شهدت بما قال الزوج، وإلا ~~فالقول قول المرأة # وأما الجنون، فإنه يثبت الخيار، سواء كان مطبقا أو كان يجن في الأحيان؛ ~~لأن النفس لا تسكن إلى من هذه حاله، إلا أن يكون مريضا يغمى عليه، ثم يزول، ~~فذلك مرض لا يثبت به خيار. فإن زال المرض، ودام به الإغماء، فهو كالجنون، ~~يثبت به الخيار، وأما الجب، فهو أن يكون جميع ذكره مقطوعا، أو لم يبق منه ~~إلا ما لا يمكن الجماع به، فإن بقي منه ما ms3687 يمكن الجماع به، ويغيب منه في ~~الفرج قدر الحشفة، فلا خيار لها؛ لأن الوطء يمكن. وإن اختلفا في ذلك، ~~فالقول قول المرأة؛ لأنه يضعف بالقطع، والأصل عدم الوطء # ويحتمل أن القول قوله، كما لو ادعى الوطء في العنة، ولأن له ما يمكن ~~الجماع بمثله، فأشبه من له ذكر قصير # (5500) الفصل الثالث: أنه لا يثبت الخيار لغير ما ذكرناه؛ لأنه لا يمنع ~~من الاستمتاع المعقود عليه، ولا يخشى تعديه، فلم يفسخ به النكاح، كالعمى ~~والعرج، ولأن الفسخ إنما يثبت بنص أو إجماع أو قياس، ولا نص في غير هذه ولا ~~إجماع، ولا يصح قياسها على هذه العيوب؛ لما بينهما من الفرق # وقال أبو بكر. وأبو حفص: إذا كان أحدهما لا يستمسك بوله ولا خلاءه فللآخر ~~الخيار. قال أبو الخطاب: ويتخرج على ذلك من به الباسور، والناصور، والقروح ~~السيالة في الفرج، لأنها تثير نفرة، وتتعدى نجاستها، وتسمى من لا تحبس ~~نجوها الشريم، ومن لا تحبس بولها المشولة، ومثلها من الرجال الأفين # قال أبو حفص: والخصاء عيب يرد به. وهو أحد قولي الشافعي لأن فيه نقصا ~~وعارا، ويمنع الوطء أو يضعفه. وقد روى أبو عبيد، بإسناده عن سليمان بن ~~يسار، أن ابن سندر تزوج امرأة وهو خصي، فقال له عمر: أعلمتها؟ قال: لا. ~~قال: أعلمها، ثم خيرها. وفي البخر، وكون أحد الزوجين خنثى، وجهان؛ أحدهما، ~~يثبت الخيار؛ لأن فيه نفرة ونقصا وعارا، والبخر: نتن الفم. وقال ابن حامد: ~~هو نتن في الفرج، يثور عند الوطء. وهذا إن أراد به أنه يسمى أيضا بخرا ~~ويثبت الخيار، وإلا فلا معنى له، فإن نتن الفم يسمى بخرا، ويمنع مقاربة ~~صاحبه إلا على كره # وما عدا هذه فلا يثبت الخيار، وجها واحدا، كالقرع، والعمى، والعرج، وقطع ~~اليدين والرجلين؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع، ولا يخشى تعديه. ولا نعلم في هذا ~~بين أهل العلم خلافا، إلا أن الحسن قال: إذا وجد الآخر عقيما يخير. وأحب ~~أحمد أن يتبين أمره، # PageV07P186 # وقال: عسى امرأته تريد الولد # وهذا في ابتداء النكاح، فأما ms3688 الفسخ فلا يثبت به، ولو ثبت بذلك لثبت في ~~الآيسة، ولأن ذلك لا يعلم، فإن رجالا لا يولد لأحدهم وهو شاب، ثم يولد له ~~وهو شيخ، ولا يتحقق ذلك منهما. وأما سائر العيوب فلا يثبت بها فسخ عندهم. ~~والله أعلم. ### | [فصل أصاب أحد الزوجين بالآخر عيبا وبه عيب من غير جنسه] # (5501) الفصل الرابع: أنه إذا أصاب أحدهما بالآخر عيبا، وبه عيب من غير ~~جنسه، كالأبرص يجد المرأة مجنونة أو مجذومة، فلكل واحد منهما الخيار؛ لوجود ~~سببه، إلا أن يجد المجبوب المرأة رتقاء، فلا ينبغي أن يثبت لهما خيار؛ لأن ~~عيبه ليس هو المانع لصاحبه من الاستمتاع، وإنما امتنع لعيب نفسه # وإن وجد أحدهما بصاحبه عيبا به مثله، ففيه وجهان: أحدهما، لا خيار لهما؛ ~~لأنهما متساويان، ولا مزية لأحدهما على صاحبه، فأشبها الصحيحين. والثاني، ~~له الخيار؛ لوجود سببه، فأشبه ما لو غر عبد بأمة. ### | [فصل حدث العيب بأحد الزوجين بعد العقد] # (5502) فصل: وإن حدث العيب بأحدهما بعد العقد، ففيه وجهان؛ أحدهما، يثبت ~~الخيار. وهو ظاهر قول الخرقي لأنه قال: فإن جب قبل الدخول، فلها الخيار في ~~وقتها؛ لأنه عيب في النكاح يثبت الخيار مقارنا، فأثبته طارئا، كالإعسار ~~وكالرق، فإنه يثبت الخيار إذا قارن، مثل أن تغر الأمة من عبد، ويثبته إذا ~~طرأت الحرية، مثل إن عتقت الأمة تحت العبد، ولأنه عقد على منفعة، فحدوث ~~العيب بها يثبت الخيار، كالإجارة. والثاني، لا يثبت الخيار. وهو قول أبي ~~بكر وابن حامد ومذهب مالك لأنه عيب حدث بالمعقود عليه بعد لزوم العقد، أشبه ~~الحادث بالمبيع. وهذا ينتقض بالعيب الحادث في الإجارة # وقال أصحاب الشافعي: إن حدث بالزوج، أثبت الخيار، وإن حدث بالمرأة، ~~فكذلك، في أحد الوجهين، والآخر، لا يثبته؛ لأن الرجل يمكنه طلاقها، بخلاف ~~المرأة. ولنا، أنهما تساويا فيما إذا كان العيب سابقا، فتساويا فيه لاحقا، ~~كالمتبايعين. ### | [فصل من شرط ثبوت الخيار بعيوب النكاح أن لا يكون عالما بها وقت العقد ولا يرضى بها بعده] # (5503) فصل: ومن شرط ثبوت الخيار بهذه العيوب، أن لا ms3689 يكون عالما بها وقت ~~العقد، ولا يرضى بها بعده، فإن علم بها في العقد، أو بعده فرضي، فلا خيار ~~له. لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه رضي به، فأشبه مشتري المعيب. وإن ظن العيب ~~يسيرا فبان كثيرا، كمن ظن أن البرص في قليل من جسده، فبان في كثير منه، فلا ~~خيار له أيضا؛ لأنه من جنس ما رضي به، وإن رضي بعيب، فبان به غيره، # فله الخيار؛ لأنه وجد به عيبا لم يرض به، ولا بجنسه، فثبت له الخيار، ~~كالمبيع إذا رضي بعيب فيه، فوجد به غيره. وإن رضي بعيب، فزاد بعد العقد، ~~كأن به # PageV07P187 # قليل من البرص، فانبسط في جلده، فلا خيار له؛ لأن رضاه به رضى بما يحدث ~~منه. ### | [فصل خيار عيب النكاح ثابت على التراخي] # (5504) فصل: وخيار العيب ثابت على التراخي، لا يسقط، ما لم يوجد منه ما ~~يدل على الرضى به، من القول، أو الاستمتاع من الزوج، أو التمكين من المرأة. ~~هذا ظاهر كلام الخرقي لقوله: فإن علمت أنه عنين، فسكتت عن المطالبة، ثم ~~طالبت بعد، فلها ذلك، وذكر القاضي أنه على الفور. وهو مذهب الشافعي فمتى ~~أخر الفسخ مع العلم والإمكان، بطل خياره؛ لأنه خيار الرد بالعيب. فكان على ~~الفور، كالذي في البيع. ولنا، أنه خيار لدفع ضرر متحقق، فكان على التراخي، ~~كخيار القصاص، وخيار العيب في المبيع يمنعه، ثم الفرق بينهما أن ضرره في ~~المبيع غير متحقق؛ لأنه قد يكون المقصود ماليته أو خدمته، ويحصل ذلك مع ~~عيبه. وهاهنا المقصود الاستمتاع، ويفوت ذلك بعيبه. وأما خيار المجبرة ~~والشفعة والمجلس، فهو لدفع ضرر غير متحقق # (5505) فصل: ويحتاج الفسخ إلى حكم حاكم؛ لأنه مجتهد فيه، فهو كفسخ العنة، ~~والفسخ للإعسار بالنفقة. ويخالف خيار المعتقة؛ فإنه متفق عليه. ### | [مسألة إذا فسخ قبل المسيس فلا مهر] ### | [الفصل الأول الفسخ إذا وجد قبل الدخول] # (5506) مسألة؛ قال: وإذا فسخ قبل المسيس، فلا مهر، وإن كان بعده، وادعى ~~أنه ما علم، حلف، وكان له أن يفسخ، وعليه المهر، يرجع به على من ms3690 غره # الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة: (5507) الفصل الأول: أن الفسخ إذا ~~وجد قبل الدخول، فلا مهر لها عليه، سواء كان من الزوج أو المرأة. وهذا قول ~~الشافعي لأن الفسخ إن كان منها، فالفرقة من جهتها، فسقط مهرها، كما لو ~~فسخته برضاع زوجة له أخرى، وإن كان منه، فإنما فسخ لعيب بها دلسته ~~بالإخفاء، فصار الفسخ كأنه منها. فإن قيل: فهلا جعلتم فسخها لعيبه، كأنه ~~منه؛ لحصوله بتدليسه؟ قلنا: العوض من الزوج في مقابلة منافعها، فإذا اختارت ~~فسخ العقد مع سلامة ما عقدت عليه، رجع العوض إلى العاقد معها، وليس من ~~جهتها عوض في مقابلة منافع الزوج، وإنما ثبت لها الخيار لأجل ضرر يلحقها، ~~لا لتعذر ما استحقت عليه في مقابلته عوضا، فافترقا. ### | [الفصل الثاني الفسخ إذا كان بعد الدخول في النكاح] # (5508) الفصل الثاني: أن الفسخ إذا كان بعد الدخول، فلها المهر؛ لأن ~~المهر يجب بالعقد، ويستقر بالدخول، فلا يسقط # PageV07P188 # بحادث بعده، ولذلك لا يسقط بردتها، ولا بفسخ من جهتها، ويجب المهر ~~المسمى. وذكر القاضي، في " المجرد " فيه روايتين؛ إحداهما، يجب المسمى. ~~والأخرى، مهر المثل، بناء على الروايتين في العقد الفاسد # وقال الشافعي: الواجب مهر المثل؛ لأن الفسخ استند إلى العقد، فصار كالعقد ~~الفاسد. ولنا، أنها فرقة بعد الدخول في نكاح صحيح فيه مسمى صحيح، فوجب ~~المسمى، كغير المعيبة، وكالمعتقة تحت عبد # والدليل على أن النكاح صحيح، أنه وجد بشروطه وأركانه، فكان صحيحا، كما لو ~~لم يفسخه، ولأنه لو لم يفسخه لكان صحيحا، فكذلك إذا فسخه، كنكاح الأمة إذا ~~عتقت تحت عبد، ولأنه تترتب عليه أحكام الصحة من ثبوت الإحصان والإباحة ~~للزوج الأول، وسائر أحكام الصحيح، ولأنه لو كان فاسدا لما جاز إبقاؤه وتعين ~~فسخه. وما ذكروه غير صحيح؛ فإن الفسخ يثبت حكمه من حينه، غير سابق عليه، ~~وما وقع على صفة يستحيل أن يكون واقعا على غيرها # وكذلك لو فسخ البيع بعيب، لم يصر العقد فاسدا، ولا يكون النماء لغير ~~المشتري، ولو كان المبيع أمة، فوطئها، لم يجب ms3691 به مهرها، فكذلك النكاح. ### | [الفصل الثالث علم بالعيب وقت عقد النكاح أو بعده ثم وجد منه رضى] # (5509) الفصل الثالث: إذا علم بالعيب وقت العقد، أو بعده ثم وجد منه رضا، ~~أو دلالة عليه، كالدخول بالمرأة، أو تمكينها إياه من الوطء، لم يثبت له ~~الفسخ؛ لأنه رضي بإسقاط حقه فسقط، كما لو علم المشتري بالعيب فرضيه. وإذا ~~اختلفا في العلم، فالقول قول من ينكره؛ لأن الأصل عدمه. ### | [الفصل الرابع الرجوع بالمهر على من غره في عيوب النكاح] # (5510) الفصل الرابع: أنه يرجع بالمهر على من غره. وقال أبو بكر: فيه ~~روايتان؛ إحداهما، يرجع به. والأخرى: لا يرجع. والصحيح أن المذهب رواية ~~واحدة، وأنه يرجع به؛ فإن أحمد قال: كنت أذهب إلى قول علي فهبته، فملت إلى ~~قول عمر: إذا تزوجها، فرأى جذاما أو برصا، فإن لها المهر بمسيسه إياها، ~~ووليها ضامن للصداق # وهذا يدل على أنه رجع إلى هذا القول، وبه قال الزهري، وقتادة، ومالك، ~~والشافعي في القديم. وروي عن علي أنه قال: لا يرجع. وبه قال أبو حنيفة، ~~والشافعي في الجديد؛ لأنه ضمن ما استوفى بدله، وهو الوطء، فلا يرجع به على ~~غيره، كما لو كان المبيع معيبا فأكله. ولنا ما روى مالك، عن يحيى بن سعيد، ~~عن سعيد بن المسيب، قال قال: عمر بن الخطاب: أيما رجل تزوج بامرأة بها جنون ~~أو جذام أو برص، فمسها، فلها صداقها، وذلك لزوجها غرم على وليها. # ولأنه غره # PageV07P189 # في النكاح بما يثبت الخيار، فكان المهر عليه، كما لو غره بحرية أمة. وإذا ~~ثبت هذا، فإن كان الولي علم غرم، وإن لم يكن علم فالتغرير من المرأة، فيرجع ~~عليها بجميع الصداق. وإن اختلفوا في علم الولي، فشهدت بينة عليه بالإقرار ~~بالعلم، وإلا فالقول قوله مع يمينه # قال الزهري، وقتادة: إن علم الولي غرم، وإلا استحلف بالله العظيم؛ أنه ما ~~علم، ثم هو على الزوج. وقال القاضي: إن كان أبا، أو جدا، أو ممن يجوز له أن ~~يراها، فالتغرير من جهته، علم أو لم يعلم. ms3692 وإن كان ممن لا يجوز له أن ~~يراها، كابن العم، والمولى، وعلم غرم، وإن أنكر، ولم تقم بينة بإقراره، ~~فالقول قوله، ويرجع على المرأة بجميع الصداق # وهذا قول مالك إلا أنه قال: إذا ردت المرأة ما أخذت، ترك لها قدر ما ~~تستحل به، لئلا تصير كالموهوبة. وللشافعي قولان، كقول مالك والقاضي. ولنا، ~~على أن الولي إذا لم يعلم لا يغرم، أن التغرير من غيره، فلم يغرم، كما لو ~~كان ابن عم. وعلى أنه يرجع بكل الصداق، أنه مغرور منها، فرجع بكل الصداق، ~~كما لو غره الولي. وقولهم: لا يخفى على من يراها. لا يصح؛ فإن عيوب الفرج ~~لا اطلاع له عليها، ولا يحل له رؤيتها، وكذلك العيوب تحت الثياب، فصار في ~~هذا كمن لا يراها، إلا في الجنون، فإنه لا يكاد يخفى على من يراها، إلا أن ~~يكون غائبا. وأما الرجوع بالمهر، فإنه لسبب آخر، فيكون بمنزلة ما لو وهبته ~~إياه، بخلاف الموهوبة. ### | [فصل طلقها قبل الدخول ثم علم أنه كان بها عيب من عيوب النكاح] # (5511) فصل: إذا طلقها قبل الدخول، ثم علم أنه كان بها عيب، فعليه نصف ~~الصداق، ولا يرجع به؛ لأنه رضي بالتزام نصف الصداق، فلم يرجع على أحد. وإن ~~ماتت أو مات قبل العلم بالعيب، فلها الصداق كاملا، ولا يرجع على أحد؛ لأن ~~سبب الرجوع الفسخ، ولم يوجد، وهاهنا استقر الصداق بالموت، فلا يرجع به. ### | [مسألة المطلقة قبل الدخول لا سكنى لها ولا نفقة] # (5512) مسألة؛ قال: ولا سكنى لها، ولا نفقة؛ لأن السكنى والنفقة إنما تجب ~~لمرأة لزوجها عليها الرجعة. وإنما كان كذلك؛ لأنها تبين بالفسخ، كما تبين ~~بطلاق ثلاث، ولا يستحق زوجها عليها رجعة، فلم تجب لها سكنى ولا نفقة؛ لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت قيس: «إنما السكنى والنفقة ~~للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة» . رواه النسائي. # وهذا إذا كانت حائلا، فإن كانت حاملا، فلها النفقة؛ لأنها بائن من نكاح ~~صحيح في حال حملها، فكانت لها النفقة كالمطلقة ثلاثا والمختلعة. وفي ms3693 السكنى ~~روايتان # وقال القاضي: لا نفقة لها إن كانت حاملا، في أحد الوجهين؛ لأنها بائن من ~~نكاح فاسد. وكذلك # PageV07P190 # قال أصحاب الشافعي، في أحد الوجهين، وفي الآخر: لها النفقة؛ لأن النفقة ~~للحمل، والحمل لاحق به، وبنوه على أن النكاح فاسد، وقد بينا صحته فيما مضى. ### | [فصل ليس لولي الصغيرة والصغير وسيد الأمة تزويجهم ممن به أحد عيوب النكاح] # (5513) فصل: وليس لولي الصغيرة والصغير وسيد الأمة تزويجهم ممن به أحد ~~هذه العيوب؛ لأنه ناظر لهم بما فيه الحظ، ولا حظ لهم في هذا العقد # فإن زوجهم مع العلم بالعيب، لم يصح النكاح؛ لأنه عقد لهم عقدا لا يجوز ~~عقده، فلم يصح، كما لو باع عقاره لغير غبطة ولا حاجة. وإن لم يعلم بالعيب، ~~صح، كما لو اشترى لهم معيبا لا يعلم عيبه، ويجب عليه الفسخ إذا علم؛ لأن ~~عليه النظر لهم بما فيه الحظ، والحظ في الفسخ # ويحتمل أن لا يصح النكاح؛ لأنه زوجهم ممن لا يملك تزويجهم إياه، فلم يصح، ~~كما لو زوجهم ممن يحرم عليهم. ### | [فصل تزويج كبيرة بمعيب بغير رضاها] # (5514) فصل: وليس له تزويج كبيرة بمعيب بغير رضاها. بغير خلاف نعلمه؛ ~~لأنها تملك الفسخ إذا علمت به بعد العقد، فالامتناع أولى. وإن أرادت أن ~~تتزوج معيبا، فله منعها، في أحد الوجهين. قال أحمد ما يعجبني أن يزوجها ~~بعنين، وإن رضيت الساعة تكرهه إذا دخلت عليه؛ لأن من شأنهن النكاح، ويعجبهن ~~من ذلك ما يعجبنا # وذلك لأن الضرر في هذا دائم، والرضى غير موثوق بدوامه، ولا يتمكن من ~~التخلص إذا كانت عالمة في ابتداء العقد، وربما أفضى إلى الشقاق والعداوة، ~~فيتضرر وليها وأهلها، فملك الولي منعها، كما لو أرادت نكاح من ليس بكفء. ~~والثاني، ليس له منعها؛ لأن الحق لها. وقال القاضي: له منعها من نكاح ~~المجنون، وليس له منعها من نكاح المجبوب والعنين؛ لأن ضررهما عليها خاصة. ~~وفي الأبرص والمجذوم وجهان؛ أحدهما، لا يملك منعها؛ لأن الحق لها، والضرر ~~عليها، فأشبها المجبوب والعنين. والثاني، له منعها؛ لأن عليه ms3694 ضررا منه، ~~فإنه يعير به، ويخشى تعديه إلى الولد، فأشبه التزويج بمن لا يكافئها. وهذا ~~مذهب الشافعي والأولى أن له منعها في جميع الصور؛ لأن عليها فيه ضررا ~~دائما، وعارا عليها وعلى أهلها، فملك منعها منه، كالتزويج بغير كفء. فأما ~~إن اتفقا على ذلك، ورضيا به، جاز، وصح النكاح؛ لأن الحق لهما، ولا يخرج ~~عنهما # ويكره لهما ذلك؛ لما ذكره الإمام أبو عبد الله، من أنها وإن رضيت الآن، ~~تكرهه فيما بعد. ويحتمل أن يملك سائر الأولياء الاعتراض عليها ومنعها من ~~هذا التزويج؛ لأن العار يلحقهم، وينالهم الضرر، فأشبه ما لو زوجها بغير كفء # فأما إن حدث العيب بالزوج، ورضيته المرأة، لم يملك وليها إجبارها على ~~الفسخ؛ لأن حقه في ابتداء العقد لا في دوامه، # PageV07P191 # ولهذا لو دعت وليها إلى تزويجها بعبد لم يلزمه إجابتها، ولو عتقت تحت ~~عبد، لم يملك إجبارها على الفسخ. ### | [مسألة عتقت الأمة وزوجها عبد] # (5515) مسألة؛ قال: وإذا عتقت الأمة، وزوجها عبد، فلها الخيار في فسخ ~~النكاح. أجمع أهل العلم على هذا، ذكره ابن المنذر، وابن عبد البر، وغيرهما # والأصل فيه خبر بريرة، قالت عائشة: «كاتبت بريرة، فخيرها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في زوجها، وكان عبدا، فاختارت نفسها.» قال عروة: ولو كان ~~حراما ما خيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه مالك، في " الموطأ ~~"، وأبو داود، والنسائي.، ولأن عليها ضررا في كونها حرة تحت عبد، فكان لها ~~الخيار كما لو تزوج حرة على أنه حر، فبان عبدا، فإن اختارت الفسخ فلها ~~فراقه، وإن رضيت المقام معه لم يكن لها فراقه بعد ذلك؛ لأنها أسقطت حقها. ~~وهذا مما لا خلاف فيه بحمد الله تعالى. ### | [فصل عتقت تحت حر] # (5516) فصل: وإن عتقت تحت حر، فلا خيار لها. وهذا قول ابن عمر، وابن ~~عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وسليمان بن يسار، وأبي قلابة، وابن ~~أبي ليلى ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق وقال طاوس، وابن سيرين، ~~ومجاهد، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والثوري وأصحاب الرأي: لها الخيار؛ ms3695 ~~لما روى الأسود، عن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «خير بريرة، ~~وكان زوجها حرا.» رواه النسائي. ولأنها كملت بالحرية، فكان لها الخيار، كما ~~لو كان زوجها عبدا # ولنا، أنها كافأت زوجها في الكمال، فلم يثبت لها الخيار، كما لو أسلمت ~~الكتابية تحت مسلم. فأما خبر الأسود عن عائشة، فقد روى عنها القاسم بن محمد ~~وعروة، أن زوج بريرة كان عبدا. وهما أخص بها من الأسود؛ لأنهما ابن أخيها ~~وابن أختها وقد روى الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أن زوج بريرة ~~كان عبدا. فتعارضت روايتاه. وقال ابن عباس: كان زوج بريرة عبدا أسود لبني ~~المغيرة، يقال له: مغيث. رواه البخاري، وغيره. # وقالت صفية بنت أبي عبيد: كان زوج بريرة عبدا أسود. # قال أحمد هذا ابن عباس وعائشة قالا في زوج بريرة: إنه عبد. رواية علماء ~~المدينة وعملهم، وإذا روى أهل المدينة حديثا وعملوا به، فهو أصح شيء، وإنما ~~يصح أنه حر عن الأسود وحده، فأما غيره فليس بذاك # قال: والعقد صحيح، فلا يفسخ بالمختلف فيه، والحر فيه اختلاف، والعبد لا ~~اختلاف فيه، ويخالف الحر العبد؛ لأن العبد ناقص، فإذا كملت تحته تضررت ~~ببقائها عنده، بخلاف الحر. # PageV07P192 ### | [فصل فرقة الخيار في النكاح فسخ] # (5517) فصل: وفرقة الخيار فسخ، لا ينقص بها عدد الطلاق. نص عليه أحمد ولا ~~أعلم فيه خلافا. قيل لأحمد: لم لا يكون طلاقا؟ قال: لأن الطلاق ما تكلم به ~~الرجل. ولأنها فرقة لاختيار المرأة، فكانت فسخا، كالفسخ لعنته أو عتهه. ### | [مسألة أعتق قبل أن تختار أو وطئها] # (5518) مسألة؛ قال: فإن أعتق قبل أن تختار، أو وطئها، بطل خيارها، علمت ~~أن الخيار لها أو لم تعلم وجملة ذلك أن خيار المعتقة على التراخي، ما لم ~~يوجد أحد هذين الأمرين؛ عتق زوجها، أو وطئه لها، ولا يمنع الزوج من وطئها # وممن قال: إنه على التراخي؛ مالك، والأوزاعي. وروي ذلك عن عبد الله بن ~~عمر وأخته حفصة وبه قال سليمان بن يسار، ونافع، والزهري، وقتادة وحكاه بعض ~~أهل العلم ms3696 عن الفقهاء السبعة. وقال أبو حنيفة، وسائر العراقيين: لها الخيار ~~في مجلس العلم # وللشافعي ثلاثة أقوال؛ أظهرها كقولنا. والثاني، أنه على الفور، كخيار ~~الشفعة. والثالث، أنه إلى ثلاثة أيام. ولنا، ما روى الإمام أحمد، في " ~~المسند "، بإسناده عن الحسن بن عمرو بن أمية، قال: سمعت رجالا يتحدثون عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا عتقت الأمة، فهي بالخيار، ما ~~لم يطأها، إن شاءت فارقته، وإن وطئها فلا خيار لها» . رواه الأثرم أيضا. # وروى أبو داود، «أن بريرة عتقت وهي عند مغيث، عبد لآل أبي أحمد، فخيرها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال لها: إن قربك فلا خيار لك» . ولأنه قول ~~من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم # قال ابن عبد البر: لا أعلم لابن عمر وحفصة مخالفا من الصحابة. ولأن ~~الحاجة داعية إلى ذلك، فثبت، كخيار القصاص، أو خيار لدفع ضرر متحقق، فأشبه ~~ما قلنا. إذا ثبت هذا، فمتى عتق قبل أن تختار، سقط خيارها؛ لأن الخيار لدفع ~~الضرر بالرق، وقد زال بعتقه، فسقط، كالمبيع إذا زال عيبه. وهذا أحد قولي ~~الشافعي وإن وطئها بطل خيارها، علمت بالخيار أو لم تعلم. نص عليه أحمد وهو ~~قول من سمينا في صدر المسألة. وذكر القاضي وأصحابه: أن لها الخيار وإن ~~أصيبت، # PageV07P193 # ما لم تعلم، فإن أصابها بعد علمها، فلا خيار لها. وهذا قول عطاء، والحكم، ~~وحماد، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق؛ لأنها إذا أمكنت من وطئها ~~قبل علمها، فلم يوجد منها ما يدل على الرضى، فهو كما لو لم تصب. ولنا، ما ~~تقدم من الحديث # وروى مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، أن مولاة لبني عدي، يقال لها: زبراء، ~~أخبرته أنها كانت تحت عبد، فعتقت، قالت: فأرسلت إلى حفصة، فدعتني، فقالت: ~~إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك، فإن مسك، فليس لك من الأمر شيء. فقلت: هو ~~الطلاق، ثم الطلاق [ثم الطلاق] . ففارقته ثلاثا # وقال مالك، عن نافع، عن ابن عمر: إن لها الخيار ما لم يمسها. ولأنه خيار ms3697 ~~عيب، فيسقط بالتصرف فيه مع الجهالة، كخيار الرد بالعيب. ولا تفريع على هذا ~~القول، فأما على القول الآخر، فإذا وطئها، وادعت الجهالة بالعتق، وهي ممن ~~يجوز خفاء ذلك عليها، مثل أن يعتقها سيدها في بلد آخر، فالقول قولها مع ~~يمينها؛ لأن الأصل عدم ذلك # وإن كانت ممن لا يخفى ذلك عليها، لكونهما في بلد واحد، وقد اشتهر ذلك، لم ~~يقبل قولها؛ لأنه خلاف الظاهر. وإن علمت العتق، وادعت الجهالة بثبوت ~~الخيار، فالقول قولها؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا خواص الناس، فالظاهر صدقها ~~فيه. وللشافعي في قبول قولها في ذلك قولان. ### | [فصل عتق الزوجان العبد والأمة دفعة واحدة] # (5519) فصل: فإن أعتق العبد والأمة دفعة واحدة، فلا خيار لها، والنكاح ~~بحاله، سواء أعتقهما رجل واحد أو رجلان. نص عليه أحمد وعنه: لها الخيار. ~~والأول أولى؛ لأن الحرية الطارئة بعد عتقها تمنع الفسخ، فالمقارنة أولى، ~~كإسلام الزوجين. وعن أحمد: إن عتقا معا انفسخ النكاح. ومعناه - والله أعلم ~~- أنه إذا وهب لعبده سرية، وأذن له في التسري بها، ثم أعتقهما جميعا، صارا ~~حرين، وخرجت عن ملك العبد، فلم يكن له إصابتها إلا بنكاح جديد # هكذا روى جماعة من أصحابه، في من وهب لعبده سرية، أو اشترى له سرية، ثم ~~أعتقهما، لا يقربها إلا بنكاح جديد. واحتج أحمد على ذلك، بما روى نافع، عن ~~ابن عمر، أن عبدا له كان له سريتان، فأعتقهما وأعتقه، فنهاه أن يقربهما إلا ~~بنكاح جديد. ولأنها بإعتاقها خرجت عن أن تكون مملوكة، فلم يبح له التسري ~~بها، كالحرة الأصلية # وأما إذا كانت امرأته، فعتقا، لم ينفسخ نكاحه بذلك؛ لأنه إذا لم ينفسخ ~~بإعتاقها وحدها. فلأن لا ينفسخ بإعتاقهما معا أولى. ويحتمل أن أحمد إنما ~~أراد بقوله: انفسخ # PageV07P194 # نكاحهما. أن لها فسخ النكاح. وهذا تخريج على الرواية التي تقول بأن لها ~~الفسخ إذا كان زوجها حرا قبل العتق. ### | [فصل له عبد وأمة متزوجان فأراد عتقهما] # (5520) فصل: ويستحب لمن له عبد وأمة متزوجان، فأراد عتقهما، البداية ~~بالرجل؛ لئلا يثبت للمرأة خيار عليه ms3698 فيفسخ نكاحه. وقد روى أبو داود، ~~والأثرم، بإسنادهما عن عائشة، أنه «كان لها غلام وجارية، فتزوجا، فقالت ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني أريد أن أعتقهما. فقال لها: فابدئي ~~بالرجل قبل المرأة» . وعن صفية بنت أبي عبيد، أنها فعلت ذلك، وقالت للرجل: ~~إني بدأت بعتقك لئلا يكون لها عليك خيار. ### | [فصل إذا عتقت المتزوجة المجنونة والصغيرة فلا خيار لهما في الحال] # (5521) فصل: إذا عتقت المجنونة والصغيرة، فلا خيار لهما في الحال؛ لأنه ~~لا عقل لهما، ولا قول معتبر، ولا يملك وليهما الاختيار عنهما؛ لأن هذا ~~طريقه الشهوة، فلا يدخل تحت الولاية كالاقتصاص. فإذا بلغت الصغيرة، وعقلت ~~المجنونة، فلهما الخيار حينئذ؛ لكونهما صارتا على صفة لكل منهما حكم، وهذا ~~الحكم فيما لو كان بزوجيهما عيب يوجب الفسخ، فإن كان زوجاهما قد وطئاهما، ~~فظاهر كلام الخرقي أنه لا خيار لهما، لأن مدة الخيار انقضت # وعلى قول القاضي وأصحابه: لهما الخيار؛ لأنه لا رأي لهما، فلا يكون ~~تمكينهما من الوطء دليلا على الرضى، بخلاف الكبيرة العاقلة، ولا يمنع ~~زوجاهما من وطئهما. ### | [مسألة إذا كانت لنفسين فأعتق أحدهما فلا خيار لها إذا كان المعتق معسرا] # (5522) مسألة؛ قال: فإن كانت لنفسين، فأعتق أحدهما، فلا خيار لها، إذا ~~كان المعتق معسرا. إنما شرط الإعسار في المعتق؛ لأن الموسر يسري عتقه إلى ~~جميعها، فتصير حرة، ويثبت لها الخيار، والمعسر لا يسري عتقه، بل يعتق منها ~~ما أعتق، وباقيها رقيق، فلا تكمل حريتها، فلا يثبت لها الخيار حينئذ. وهذا ~~قول الشافعي وعن أحمد، أن لها الخيار. حكاها أبو بكر، واختارها؛ لأنها أكمل ~~منه، فإنها ترث، وتورث، وتحجب بقدر ما فيها من الحرية # ووجه قول الخرقي، أنه لا نص في المعتق بعضها، ولا هي في معنى الحرة ~~الكاملة؛ لأنها كاملة الأحكام، وأيضا ما علل به أحمد وهو أن العقد صحيح، ~~فلا يفسخ بالمختلف فيه، وهذه مختلف فيها. # PageV07P195 ### | [فصل زوج أمة قيمتها عشرة بصداق عشرين ثم أعتقها في مرضه بعد الدخول بها ثم مات] # فصل: ولو زوج أمة قيمتها عشرة ms3699 بصداق عشرين، ثم أعتقها في مرضه بعد الدخول ~~بها، ثم مات، ولا يملك غيرها وغير مهرها بعد استيفائه، عتقت؛ لأنها تخرج من ~~الثلث، ولها الخيار. وإن لم تكن قبضته، عتق ثلثها في الحال. وفي الخيار لها ~~وجهان، فكلما اقتضي من مهرها شيء عتق منها بقدر ثلثه، فإذا استوفي كله عتقت ~~كلها، ولها الخيار حينئذ عند من لم يثبت لها الخيار قبل ذلك # فإن كان زوجها قد وطئها قبل استيفاء مهرها، فقد بطل خيارها عند من جعل ~~لها الخيار حينئذ؛ لأنها أسقطته بتمكينه من وطئها. وعلى قول الخرقي لا ~~يبطل؛ لأنها مكنت منه قبل ثبوت الخيار لها، فأشبه ما لو مكنت منه قبل ~~عتقها. فأما إن عتقت قبل الدخول بها، فلا خيار لها، على قول الخرقي؛ لأن ~~فسخها النكاح يسقط به صداقها، فيعجز الثلث عن كمال قيمتها، فيرق ثلثاها، ~~ويسقط خيارها، فيفضي إثبات الخيار لها إلى إسقاطه، فيسقط. وهذا مذهب ~~الشافعي # وعند أبي بكر، لها الخيار. فعلى قول من أوجب لسيدها نصف المهر، فإذا ~~استوفي عتق ثلثاها، وعلى قول من أسقطه، يعتق ثلثها. ### | [مسألة المعتقة إن اختارت المقام مع زوجها قبل الدخول أو بعده أو اختارت الفسخ بعد الدخول] # (5524) مسألة؛ قال: فإن اختارت المقام معه قبل الدخول، أو بعده، فالمهر ~~للسيد، وإن اختارت فراقه قبل الدخول، فلا مهر لها، وإن اختارته بعد الدخول، ~~فالمهر للسيد # وجملته أن المعتقة إن اختارت المقام مع زوجها قبل الدخول أو بعده أو ~~اختارت الفسخ بعد الدخول، فالمهر واجب؛ لأنه واجب بالعقد، فإذا اختارت ~~المقام، فلم يوجد له مسقط، وإن فسخت بعد الدخول، فقد استقر بالدخول، فلم ~~يسقط بشيء، وهو للسيد في الحالين؛ لأنه وجب بالعقد في ملكه، والواجب المسمى ~~في الحالين، سواء كان الدخول قبل العتق أو بعده # وقال أصحاب الشافعي: إن كان الدخول قبل العتق، فالواجب المسمى، وإن كان ~~بعده، فالواجب مهر المثل؛ لأن الفسخ استند إلى حالة العتق، فصار الوطء في ~~نكاح فاسد. ولنا، أنه عقد صحيح، فيه مسمى صحيح، اتصل به الدخول ms3700 قبل الفسخ، ~~فأوجب المسمى، كما لو لم يفسخ، ولأنه لو وجب بالوطء بعد الفسخ، لكان المهر ~~لها؛ لأنها حرة حينئذ # وقولهم: إن الوطء في نكاح فاسد. غير صحيح؛ فإنه كان صحيحا، ولم يوجد ما ~~يفسده، ويثبت فيه أحكام الوطء في النكاح الصحيح، من الإحلال للزوج الأول، ~~والإحصان، وكونه حلالا. وأما إن اختارت الفسخ قبل الدخول، فلا مهر لها. نص ~~عليه أحمد وهو مذهب الشافعي # وعن أحمد، رواية أخرى، للسيد نصف المهر؛ لأنه وجب للسيد، فلا يسقط بفعل ~~غيره. # PageV07P196 # ولنا، أن الفرقة جاءت من قبلها، فسقط مهرها، كما لو أسلمت، أو ارتدت، أو ~~أرضعت من يفسخ نكاحها رضاعه. وقوله: وجب للسيد. قلنا: لكن بواسطتها ولهذا ~~سقط نصفه بفسخها، وجميعه بإسلامها وردتها # (5525) فصل: ولو كانت مفوضة، ففرض لها مهر المثل، فهو للسيد أيضا؛ لأنه ~~وجب بالعقد في ملكه لا بالفرض. وكذلك لو مات أحدهما، وجب، والموت لا يوجب، ~~فدل على أنه وجب بالعقد. وإن كان الفسخ قبل الدخول والفرض، فلا شيء، إلا ~~على الرواية الأخرى، ينبغي أن تجب المتعة؛ لأنها تجب بالفرقة قبل الدخول في ~~موضع لو كان مسمى وجب نصفه. ### | [فصل طلقها طلاقا بائنا ثم أعتقت] # (5526) فصل: فإن طلقها طلاقا بائنا، ثم أعتقت، فلا خيار لها؛ لأن الفسخ ~~إنما يكون في نكاح، ولا نكاح هاهنا. وإن كان رجعيا، فلها الخيار في العدة؛ ~~لأن نكاحها باق، فيمكن فسخه، ولها في الفسخ فائدة؛ لأنها لا تأمن رجعته لها ~~في آخر عدتها، فتحتاج إلى استئناف عدة أخرى إذا فسخت، فإذا فسخت انقطعت ~~الرجعة، وثبتت على ما مضى من عدة الطلاق، ولا تحتاج إلى استئناف عدة؛ لأنها ~~معتدة من الطلاق إذا لم يفسخ. فإن قيل: فيفسخ حينئذ؟ قلنا: إذا تحتاج إلى ~~عدة أخرى. وإذا فسخت في عدتها، ثبتت على ما مضى من عدتها، ولم تحتج إلى عدة ~~أخرى؛ لأنها معتدة من الطلاق، والفسخ لا ينافيها ولا يقطعها، فهو كما لو ~~طلقها طلقة أخرى، وينبني على عدة حرة؛ لأنها عتقت في أثناء العدة وهي ~~رجعية. فإن ms3701 اختارت المقام، بطل خيارها # وقال الشافعي: لا يبطل؛ لأنها اختارت المقام مع جريانها إلى البينونة، ~~وذلك ينافي اختيار المقام. ولنا، أنها حالة يصح فيها اختيار الفسخ، فصح ~~اختيار المقام، كصلب النكاح. وإن لم تختر شيئا، لم يسقط خيارها؛ لأنه على ~~التراخي، ولأن سكوتها لا يدل على رضاها؛ لاحتمال أنه كان لجريانها إلى ~~البينونة، اكتفاء منها بذلك # فإن ارتجعها، فلها الفسخ حينئذ، فإن فسخت، ثم عاد فتزوجها، بقيت معه ~~بطلقة واحدة؛ لأن طلاق العبد اثنتان. وإن تزوجها بعد أن أعتق، رجعت معه على ~~طلقتين؛ لأنه صار حرا، فملك ثلاث طلقات، كسائر الأحرار. ### | [فصل طلقها بعد عتقها وقبل اختيارها] # (5527) فصل: فإن طلقها بعد عتقها، وقبل اختيارها، أو طلق الصغيرة ~~والمجنونة بعد العتق، وقع طلاقه، وبطل خيارها؛ لأنه طلاق من زوج جائز ~~التصرف، في نكاح صحيح، فنفذ كما لو لم يعتق. وقال القاضي: طلاقه موقوف. فإن ~~اختارت الفسخ لم يقع الطلاق؛ لأن طلاقه يتضمن إبطال حقها من الخيار، وإن لم ~~تختر وقع. وللشافعي # PageV07P197 # قولان، كهذين الوجهين. وبنوا عدم الوقوع على أن الفسخ استند إلى حالة ~~العتق، فيكون الطلاق واقعا في نكاح مفسوخ # ولنا، أنه طلاق من زوج مكلف مختار، في نكاح صحيح، فوقع، كما لو طلقها قبل ~~عتقها، أو كما لو لم تختر، وقد ذكرنا أن الفسخ يوجب الفرقة من حينه، ولا ~~يجوز تقديم الفرقة عليه، إذ الحكم لا يتقدم سببه، ولأن العدة تبتدأ من حين ~~الفسخ، لا من حين العتق، وما سبقه من الوطء وطء في نكاح صحيح، يثبت الإحصان ~~والإحلال للزوج الأول، ولو كان الفسخ سابقا عليه لانعكست الحال # وقول القاضي: إنه يبطل حقها من الفسخ. غير صحيح؛ فإن الطلاق يحصل به ~~مقصود الفسخ، مع زيادة وجوب نصف المهر، وتقصير العدة عليها، فإن ابتداءها ~~من حين طلاقه، لا من حين فسخه، ثم لو كان مبطلا لحقها، لم يقع وإن لم تختر ~~الفسخ، كما لم يصح تصرف المشتري في المبيع في مدة الخيار، سواء فسخ البائع ~~أو لم يفسخ # وهذا فيما إذا ms3702 كان الطلاق بائنا، فإن كان رجعيا، لم يسقط خيارها، على ما ~~ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا، فعلى قولهم: إذا طلقها قبل الدخول، ثم اختارت ~~الفسخ، سقط مهرها؛ لأنها بانت بالفسخ، وإن لم يفسخ، فلها نصف الصداق؛ لأنها ~~بانت بالطلاق. وهكذا لو ارتدت أو أسلمت الكافرة. ### | [فصل للمعتقة الفسخ من غير حكم حاكم] # فصل: وللمعتقة الفسخ من غير حكم حاكم؛ لأنه مجمع عليه، غير مجتهد فيه، ~~فلم يفتقر إلى حاكم، كالرد بالعيب في المبيع، بخلاف خيار العيب في النكاح، ~~فإنه مجتهد فيه، فافتقر إلى حكم الحاكم، كالفسخ للإعسار. ### | [فصل إذا اختارت المعتقة الفراق كان فسخا ليس بطلاق] # (5529) فصل: وإذا اختارت المعتقة الفراق، كان فسخا ليس بطلاق. وبهذا قال ~~أبو حنيفة، والثوري والحسن بن حي، والشافعي. وذهب مالك، والأوزاعي، والليث، ~~إلى أنه طلاق بائن. قال مالك: إلا أن تطلق نفسها ثلاثا، فتطلق ثلاثا. واحتج ~~له بقصة زبراء حين طلقت نفسها ثلاثا، فلم يبلغنا أن أحدا من الصحابة أنكر ~~ذلك، ولأنها تملك الفراق، فملكت الطلاق كالرجل # ولنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الطلاق لمن أخذ بالساق» . ولأنها ~~فرقة من قبل الزوجة، فكانت فسخا، كما لو اختلف دينهما، أو أرضعت من يفسخ ~~نكاحها برضاعه، وفعل زبراء ليس بحجة، ولم يثبت انتشاره في الصحابة. فعلى ~~هذا، لو قالت: اخترت نفسي، أو فسخت النكاح. انفسخ. ولو قالت: طلقت نفسي. ~~ونوت المفارقة، كان كناية عن الفسخ؛ لأنه يؤدي معناه، فصار كناية عنه، ~~كالكناية بالفسخ عن الطلاق. # PageV07P198 ### | [فصل إن عتق زوج الأمة لم يثبت له خيار] # (5530) فصل: وإن عتق زوج الأمة، لم يثبت له خيار؛ لأن عدم الكمال في ~~الزوجة لا يؤثر في النكاح، ولذلك لا تعتبر الكفاءة إلا في الرجل دون ~~المرأة. ولو تزوج امرأة مطلقا، فبانت أمة، لم يثبت له خيار. ولو تزوجت ~~المرأة رجلا مطلقا، فبان عبدا كان لها الخيار، وكذلك في الاستدامة، لكن إن ~~عتق ووجد الطول لحرة، فهل يبطل نكاحه؟ على وجهين، تقدم ذكرهما. ### | [فصل عتقت الأمة فقالت لزوجها زدني في مهري] ms3703 # (5531) فصل: وإذا عتقت الأمة، فقالت لزوجها: زدني في مهري. ففعل، ~~فالزيادة لها دون سيدها، سواء كان زوجها حرا أو عبدا، وسواء عتق معها، أو ~~لم يعتق. نص عليه أحمد، فيم إذا زوج عبده من أمته ثم عتقا جميعا، فقالت ~~الأمة: زدني في مهري. فالزيادة للأمة لا للسيد. فقيل: أرأيت إن كان الزوج ~~لغير السيد، لمن تكون الزيادة؟ قال: للأمة # وعلى قياس هذا، لو زوجها سيدها، ثم باعها، فزادها زوجها في مهرها، ~~فالزيادة للثاني. وقال القاضي: الزيادة للسيد المعتق في الموضعين، على قياس ~~المذهب؛ لأن من أصلنا أن الزيادة في الصداق تلحق بالعقد الأول، فتكون ~~كالمذكورة فيه. والذي قلناه أصح؛ لأن الملك في الزيادة إنما ثبت حال ~~وجودها، بعد زوال ملك سيدها عنها، فيكون لها، ككسبها والموهوب لها # وقولنا: إن الزيادة تلحق بالعقد. معناه أنها تلزم ويثبت الملك فيها، ~~ويصير الجميع صداقا، وليس معناه أنا تبينا أن الملك كان ثابتا فيها، وكان ~~لسيدها، فإن هذا محال، ولأن سبب ملك هذه الزيادة وجد بعد العتق، فلا يجوز ~~أن يتقدم الملك عليه؛ لأنه يؤدي إلى تقدم الحكم قبل سببه، ولو كان الملك ~~ثابتا للمعتق فيه حين التزويج للزمته زكاته، وكان له نماؤه. وهذا أظهر من ~~أن نطيل فيه. ### | [باب أجل العنين والخصي غير المجبوب] # العنين: هو العاجز عن الإيلاج. وهو مأخوذ من عن. أي: اعترض؛ لأن ذكره يعن ~~إذا أراد إيلاجه، أي يعترض، والعنن الاعتراض. وقيل: لأنه يعن لقبل المرأة ~~عن يمينه وشماله، فلا يقصده. فإذا كان الرجل كذلك فهو عيب به، ويستحق به ~~فسخ النكاح، بعد أن تضرب له مدة يختبر فيها، ويعلم حاله بها. وهذا قول عمر، ~~وعثمان، وابن مسعود، والمغيرة بن شعبة، - رضي الله عنهم - # وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وعمرو بن دينار، والنخعي، وقتادة، وحماد ~~بن أبي سليمان. وعليه فتوى فقهاء الأمصار، منهم؛ مالك، وأبو حنيفة وأصحابه ~~والثوري، والأوزاعي والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد وشذ الحكم بن عيينة، ~~وداود، فقالا: لا يؤجل، وهي امرأته # وروي ذلك عن علي - رضي ms3704 الله عنه -؛ لأن # PageV07P199 # امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: «يا رسول الله، إن رفاعة ~~طلقني، فبت طلاقي، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير، وإنما له مثل هدبة الثوب، ~~فقال: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» . ~~ولم يضرب له مدة. ولنا، ما روي أن عمر - رضي الله عنه - أجل العنين سنة. ~~وروى ذلك الدارقطني، بإسناده عن عمر وابن مسعود، والمغيرة بن شعبة ولا ~~مخالف لهم. ورواه أبو حفص عن علي ولأنه عيب يمنع الوطء، فأثبت الخيار، ~~كالجب في الرجل، والرتق في المرأة، فأما الخبر، فلا حجة لهم فيه؛ فإن المدة ~~إنما تضرب له مع اعترافه، وطلب المرأة ذلك، ولم يوجد واحد منهما # وقد روي أن الرجل أنكر ذلك، وقال: إني لأعركها عرك الأديم. وقال ابن عبد ~~البر: وقد صح أن ذلك كان بعد طلاقه، فلا معنى لضرب المدة. وصحح ذلك قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: (تريدين أن ترجعي إلى رفاعة) . ولو كان قبل ~~طلاقه لما كان ذلك إليها. وقيل: إنها ذكرت ضعفه، وشبهته بهدبة الثوب ~~مبالغة، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (حتى تذوقي عسيلته) ~~والعاجز عن الوطء لا يحصل منه ذلك. ### | [مسألة ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إليها] # (5532) مسألة؛ قال: وإذا ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إليها، أجل ~~سنة منذ ترافعه، فإن لم يصبها فيها، خيرت في المقام معه أو فراقه، فإن ~~اختارت فراقه، كان ذلك فسخا بلا طلاق. وجملة ذلك أن المرأة إذا ادعت عجز ~~زوجها عن وطئها لعنة سئل عن ذلك، فإن أنكر والمرأة عذراء، فالقول قولها، ~~وإن كانت ثيبا، فالقول قوله مع يمينه. في ظاهر المذهب؛ لأن هذا أمر لا يعلم ~~إلا من جهته، والأصل السلامة # وقال القاضي: هل يستحلف أو لا؟ على وجهين، بناء على دعوى الطلاق. فإن أقر ~~بالعجز، أو ثبت ببينة على إقراره به، أو أنكر وطلبت يمينه فنكل، ثبت عجزه، ~~ويؤجل سنة. في قول عامة أهل العلم. وعن الحارث بن ربيعة، ms3705 أنه أجل عشرة ~~أشهر. ولنا قول من سمينا من الصحابة، ولأن هذا العجز قد يكون لعنة، وقد ~~يكون لمرض، فضربت له سنة لتمر به الفصول الأربعة، فإن كان من يبس زال في ~~فصل الرطوبة، وإن كان من رطوبة زال في فصل # PageV07P200 # الحرارة، وإن كان من انحراف مزاج زال في فصل الاعتدال. فإذا مضت الفصول ~~الأربعة، واختلفت عليه الأهوية فلم تزل، علم أنه خلقة # وحكي عن أبي عبيد، أنه قال: أهل الطب يقولون: الداء لا يستجن في البدن ~~أكثر من سنة، ثم يظهر. وابتداء السنة منذ ترافعه. قال ابن عبد البر: على ~~هذا جماعة القائلين بتأجيله. قال معمر في حديث عمر: يؤجل سنة: من يوم ~~مرافعته، فإذا انقضت المدة فلم يطأ، فلها الخيار، فإن اختارت الفسخ، لم يجز ~~إلا بحكم حاكم؛ لأنه مختلف فيه، فإما أن يفسخ، وإما أن يرده إليها فتفسخ ~~هي. في قول عامة القائلين به # ولا يفسخ حتى تختار الفسخ وتطلبه؛ لأنه لحقها، فلا تجبر على استيفائه، ~~كالفسخ للإعسار، فإذا فسخ فهو فسخ وليس بطلاق. وهذا قول الشافعي وقال أبو ~~حنيفة، ومالك والثوري يفرق الحاكم بينهما، وتكون تطليقة؛ لأنه فرقة لعدم ~~الوطء، فكانت طلاقا، كفرقة المولي. ولنا، أن هذا خيار ثبت لأجل العيب، فكان ~~فسخا، كفسخ المشتري لأجل العيب. ### | [فصل اتفقا بعد الفرقة على الرجعة] # (5533) فصل: فإن اتفقا بعد الفرقة على الرجعة، لم يجز إلا بنكاح جديد؛ ~~لأنها قد بانت عنه، وانفسخ النكاح. فإذا تزوجها كانت عنده على طلاق ثلاث. ~~نص عليه أحمد. وذكر أبو بكر فيها قولا ثانيا، أنهما لا يجتمعان أبدا؛ لأنها ~~فرقة تتعلق بحكم الحاكم، فحرمت النكاح، كفرقة اللعان # والمذهب أنها تحل له؛ لأنها فرقة لأجل العيب، فلم تمنع النكاح، كفرقة ~~المعتقة، والفرقة في سائر العيوب. وأما فرقة اللعان فإنها حصلت بلعانهما ~~قبل تفريق الحاكم، وهاهنا بخلافه، ولأن اللعان يحرم المقام على النكاح، ~~فمنع ابتداءه، ويوجب الفرقة، فمنع الاجتماع، وهاهنا بخلافه. ولو رضيت ~~المرأة بالمقام، أو لم تطلب الفسخ، لم يجز الفسخ، فكيف يصح القياس ms3706 مع هذه ~~الفروق؟ . ### | [فصل من علم أن عجزه عن الوطء لعارض من صغر أو مرض مرجو الزوال] # (5534) فصل: ومن علم أن عجزه عن الوطء لعارض؛ من صغر، أو مرض مرجو ~~الزوال، لم تضرب له مدة؛ لأن ذلك عارض يزول، والعنة خلقة وجبلة لا تزول. ~~وإن كان لكبر، أو مرض لا يرجى زواله، ضربت له المدة؛ لأنه في معنى من خلق ~~كذلك. وإن كان لجب، أو شلل، ثبت الخيار في الحال؛ لأن الوطء ميئوس منه فلا ~~معنى لانتظاره. وإن كان قد بقي من الذكر ما يمكن الوطء به، فالأولى ضرب ~~المدة له؛ لأنه في معنى العنين خلقة. وإن اختلف في القدر الباقي هل يمكن ~~الوطء بمثله أو لا؟ رجع إلى أهل الخبرة في معرفة ذلك. ### | [فصل الخصي من عيوب النكاح] # (5535) فصل: فأما الخصي، فإن الخرقي ذكره في ترجمة الباب، ولم يفرده ~~بحكم، فظاهر كلامه أنه ألحقه بغيره، في أنه # PageV07P201 # متى لم يصل إليها أجل، وإن وصل إليها، فلا خيار لها؛ لأن الوطء ممكن، ~~والاستمتاع حاصل بوطئه. وقد قيل: إن وطأه أكثر من وطء غيره؛ لأنه لا ينزل ~~فيفتر بالإنزال. وقد ذكرنا اختلاف أصحابنا في ذلك فيما مضى. ولا فرق بين من ~~قطعت خصيتاه والموجور، وهو الذي رضت خصيتاه، والمسلول الذي سلت خصيتاه، فإن ~~الحكم في الجميع واحد؛ فإنه لا ينزل، ولا يولد له. ### | [مسألة قال قد علمت أني عنين قبل أن أنكحها] # (5536) مسألة؛ قال: وإن قال: قد علمت أني عنين قبل أن أنكحها. فإن أقرت، ~~أو ثبت ببينة، فلا يؤجل، وهي امرأته. وجملة ذلك أن المرأة إذا علمت عنة ~~الرجل وقت العقد، مثل أن يعلمها بعنته، أو تضرب له المدة وهي امرأته، ~~فينفسخ النكاح، ثم يتزوجها ونحو ذلك، لم تضرب له المدة، وهي امرأته. في قول ~~أكثر أهل العلم، منهم؛ عطاء، والثوري وابن القاسم، وأصحاب الرأي. وهو قول ~~الشافعي القديم. وقال في الجديد: يؤجل؛ لأنه قد يكون عنينا في نكاح دون ~~نكاح # ولنا أنها رضيت بالعيب، ودخلت في العقد عالمة به، ms3707 فلم يثبت لها خيار، كما ~~لو علمته مجبوبا، ولأنها لو رضيت به بعد العقد أو بعد المدة، لم يكن لها ~~الفسخ، فكذلك إذا رضيت به في العقد، كسائر العيوب، ولو أنها رضيت بالمقام ~~معه، ثم طلقها، ثم ارتجعها، لم يثبت لها المطالبة، كذا هاهنا. وقولهم: إنها ~~تكون في نكاح دون نكاح. احتمال بعيد؛ فإن العنة جبلة وخلقة لا تتغير ظاهرا، ~~ولذلك ثبت لها الفسخ بعد المدة. فإن ادعى عليها العلم بعنته، فأنكرته، ~~فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل عدم العلم، وإن أقرت، أو ثبتت ببينة، ~~ثبت نكاحها، وبطل خيارها. ### | [مسألة علمت أنه عنين بعد الدخول فسكتت عن المطالبة] # (5537) مسألة؛ قال: وإن علمت أنه عنين بعد الدخول، فسكتت عن المطالبة، ثم ~~طالبت بعد، فلها ذلك، ويؤجل سنة من يوم ترافعه لا نعلم في هذا اختلافا. ~~وذلك لأن سكوتها بعد العقد ليس بدليل على الرضى؛ لأنه زمن لا تملك فيه ~~الفسخ، ولا الامتناع من استمتاعه، فلم يكن سكوتها مسقطا لحقها، كسكوتها بعد ~~ضرب المدة وقبل انقضائها. ولو سكتت بعد المدة، لم يبطل خيارها أيضا؛ لأن ~~الخيار لا يثبت إلا بعد رفعه إلى الحاكم، وثبوت عجزه، فلا يضر السكوت قبله. # PageV07P202 ### | [مسألة قالت في وقت من الأوقات قد رضيت به عنينا] # (5538) مسألة؛ قال: وإن قالت في وقت من الأوقات: قد رضيت به عنينا. لم ~~يكن لها المطالبة بعد. وجملة الأمر، أنها متى رضيت به عنينا، بطل خيارها، ~~سواء قالته عقيب العقد، أو بعد ضرب المدة، أو بعد انقضائها، ولا نعلم في ~~بطلان خيارها بقولها ذلك بعد انقضاء المدة خلافا، فأما قبلها فإن الشافعي ~~قال في الجديد: لا يبطل خيارها؛ لأن حقها في الفسخ إنما يثبت بعد انقضاء ~~المدة، فلم يصح إسقاطه قبلها، كالشفيع يسقط حقه قبل البيع # ولنا، أنها رضيت بالعيب بعد العقد، فسقط خيارها، كسائر العيوب، وكما بعد ~~انقضاء المدة. وما ذكروه غير صحيح؛ فإن العنة التي هي سبب الفسخ موجودة، ~~وإنما المدة ليعلم وجودها، ويتحقق علمها، فهي كالبينة في سائر العيوب # ويفارق ms3708 الشفعة؛ فإن سببها البيع، ولم يوجد بعد. فإن قيل: فلو رضيت المرأة ~~بالإعسار، ثم اختارت الفسخ، ملكته، ولو آلى منها، فرضيت بالمقام معه، ثم ~~طالبت بالعنة، كان لها ذلك؟ قلنا: الفرق بينهما أن النفقة يتجدد وجوبها كل ~~يوم، فإذا رضيت بإسقاط ما يجب لها في المستقبل، لم يسقط؛ لأنها أسقطته قبل ~~وجوبه، فأشبه إسقاط الشفعة قبل البيع، بخلاف العيب، ولأن الإعسار يعقبه ~~اليسار، فترضى بالمقام رجاء ذلك، وكذلك المولي يجوز أن يكفر عن يمينه، ~~ويطأ، فإذا لم يوجد ذلك، ثبت لها الخيار، فأما العنين إذا رضيته، فقد رضيت ~~بالعجز من طريق الخلقة، وهو معنى لا يزول في العادة، فافترقا. # PageV07P203 ### | [مسألة إن اعترفت أنه قد وصل إليها مرة بطل أن يكون عنينا] # (5539) مسألة؛ قال: وإن اعترفت أنه قد وصل إليها مرة، بطل أن يكون عنينا. ~~أكثر أهل العلم على هذا، يقولون: متى وطىء امرأته مرة، ثم ادعت عجزه، لم ~~تسمع دعواها، ولم تضرب له مدة، منهم؛ عطاء، وطاوس، والحسن، ويحيى الأنصاري، ~~والزهري، وعمرو بن دينار، وقتادة، وابن هاشم، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، ~~وإسحاق، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: إن عجز عن وطئها أجل لها؛ ~~لأنه عجز عن وطئها، فثبت حقها، كما لو جب بعد الوطء. # ولنا، أنه قد تحققت قدرته على الوطء في هذا النكاح، وزوال عنته، فلم تضرب ~~له مدة، كما لو لم يعجز، ولأن حقوق الزوجية، من استقرار المهر والعدة، تثبت ~~بوطء واحد، وقد وجد. وأما الجب، فإنه يتحقق به العجز فافترقا. ### | [فصل الوطء الذي يخرج به عن العنة] # (5540) فصل: والوطء الذي يخرج به عن العنة، هو تغييب الحشفة في الفرج؛ ~~لأن الأحكام المتعلقة بالوطء تتعلق بتغييب الحشفة، فكان وطئا صحيحا، فإن ~~كان الذكر مقطوع الحشفة، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يخرج عن العنة إلا بتغييب ~~جميع الباقي؛ لأنه لا حد هاهنا يمكن اعتباره، فاعتبر تغييب جميعه؛ لأنه ~~المعنى الذي يتحقق به حصول حكم الوطء. والثاني، يعتبر تغييب قدر الحشفة، ~~ليكون ما يجزئ من المقطوع مثل ما يجزئ من ms3709 الصحيح # وللشافعي قولان كهذين. (5541) فصل: ولا يخرج عن العنة بالوطء في الدبر؛ ~~لأنه ليس بمحل للوطء، فأشبه الوطء فيما دون الفرج، ولذلك لا يتعلق به ~~الإحلال للزوج الأول، ولا الإحصان. وإن وطئها في القبل حائضا، أو نفساء، أو ~~محرمة، أو صائمة، خرج عن العنة. وذكر القاضي أن قياس المذهب أن لا يخرج من ~~العنة؛ لنص أحمد على أنه لا يحصل به الإحصان والإباحة للزوج الأول، ولأنه ~~وطء محرم، أشبه الوطء في الدبر # ولنا، أنه وطء في محل الوطء، فخرج به عن العنة، كما لو وطئها وهي مريضة ~~يضرها الوطء، ولأن العنة العجز عن الوطء، ولا يبقى مع وجود الوطء، فإن ~~العجز ضد القدرة، فلا يبقى مع وجود ضده، وما ذكره غير صحيح؛ لأن تلك أحكام ~~يجوز أن تنتفي مع وجود سببها لمانع، أو لفوات شرط، والعنة في نفسها أمر ~~حقيقي، لا يتصور بقاؤه مع انتفائه # فأما الوطء في الدبر، فليس بوطء في محله، بخلاف مسألتنا. وقد اختار ابن ~~عقيل أنه تنتفي به العنة؛ لأنه أصعب، فمن قدر عليه فهو على غيره أقدر. ### | [فصل إن وطئ امرأة لم يخرج به عن العنة في حق غيرها] # (5542) فصل: وإن وطئ امرأة، لم يخرج به عن العنة في حق غيرها. واختار ابن ~~عقيل أنه يخرج عن العنة في حق جميع النساء، فلا تسمع دعواها عليه منها ولا ~~من غيرها. وهذا مقتضى قول أبي بكر، وهو قول كل من قال: إنه يختبر بتزويج ~~امرأة أخرى. وحكي ذلك عن سمرة، وعمر بن عبد العزيز. وذلك لأن العنة خلقة ~~وجبلة لا تتغير بتغير النساء، فإذا انتفت في حق امرأة، لم تبق في حق غيرها # ولنا، أن حكم كل امرأة معتبر بنفسها، ولذلك لو ثبتت عنته في حقهن، فرضي ~~بعضهن، سقط حقها # PageV07P204 # وحدها دون الباقيات، ولأن الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن وطئها، وهو ~~ثابت في حقها لا يزول بوطء غيرها. وقوله: كيف يصح عجزه عن واحدة دون أخرى؟ ~~قلنا: قد تنهض شهوته في حق إحداهما، لفرط حبه ms3710 إياها، وميله إليها، ~~واختصاصها بجمال ونحوه دون الأخرى. فعلى هذا، لو تزوج امرأة فأصابها، ثم ~~أبانها، ثم تزوجها، فعن عنها، فلها المطالبة؛ لأنه إذا جاز أن يعن عن امرأة ~~دون أخرى، ففي نكاح دون نكاح أولى. وعلى قول أبي بكر ومن وافقه: لا يصح ~~هذا، بل متى وطئ مرة، لم تثبت عنته أبدا. ### | [مسألة إن جب قبل الحول فلها الخيار في وقتها] # (5543) مسألة؛ قال: وإن جب قبل الحول، فلها الخيار في وقتها كأن الخرقي ~~أراد: إذا ضربت له المدة فلم يصبها حتى جب، ثبت لها الخيار في الحال. لأننا ~~ننتظر الحول لنعلم عجزه، وقد علمناه هاهنا يقينا، فلا حاجة إلى الانتظار. ~~قال القاضي: ويلزم على هذا أن سائر العيوب الحادثة بعد العقد، يثبت بها ~~الخيار؛ فإن الخيار هاهنا إنما ثبت بالجب الحادث، ولولاه لم يثبت الفسخ؛ ~~لأننا لم نتيقن عنته، والجب حادث، فلما ثبت الفسخ به، علم أنه إنما استحق ~~بالعيب الحادث. وفي بعض النسخ: قبل الدخول ومعناهما واحد. ويحتمل أنه إنما ~~استحق الفسخ هاهنا بالجب الحادث؛ لأنه متضمن مقصود العنة في العجز عن ~~الوطء، ومحقق للمعنى الذي ادعته المرأة، بخلاف غيره من العيوب. والله أعلم. ### | [مسألة زعم أنه قد وصل إليها وادعت أنها عذراء] # (5544) مسألة؛ قال: وإن زعم أنه قد وصل إليها، وادعت أنها عذراء، أريت ~~النساء الثقات، فإن شهدن بما قالت، أجل سنة وجملته أن المرأة إذا ادعت عنة ~~زوجها، فزعم أنه وطئها، وقالت: إنها عذراء. أريت النساء، فإن شهدن بعذرتها، ~~فالقول قولها، ويؤجل. وبهذا قال الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي # وإنما كان كذلك؛ لأن الوطء يزيل عذرتها، فوجودها يدل على عدم الوطء، فإن ~~ادعى أن عذرتها عادت بعد الوطء، فالقول قولها؛ لأن هذا بعيد جدا، وإن كان ~~متصورا. وهل تستحلف المرأة؟ يحتمل وجهين؛ أحدهما، تستحلف؛ لإزالة هذا ~~الاحتمال، كما يستحلف سائر من قلنا: القول قوله. والآخر، لا تستحلف؛ لأن ما ~~يبعد جدا لا التفات إليه، كاحتمال كذب البينة العادلة، وكذب المقر في ~~إقراره # وهل يقبل قول امرأة ms3711 واحدة؟ على روايتين. وهذا الذي ذكره الخرقي فيما إذا ~~اختلفا في ابتداء الأمر قبل ضرب الأجل، فإن اختلفا في ذلك بعد ضرب المدة، ~~وشهد النساء بعذرتها، لم تنقطع المدة. وإن كان بعد انقضاء المدة فحكمه حكم ~~من اعترف # PageV07P205 # أنه لم يطأها. وفي كل موضع شهد النساء بزوال عذرتها، فالقول قوله، فيسقط ~~حكم قولها؛ لأنه تبين كذبها. وإن ادعت أن عذرتها زالت بسبب آخر، فالقول ~~قوله؛ لأن الأصل عدم الأسباب. ### | [مسألة كانت ثيبا وادعى أنه يصل إليها] # (5545) مسألة؛ قال: وإن كانت ثيبا، وادعى أنه يصل إليها، أخلي معها في ~~بيت، وقيل له: أخرج ماءك على شيء. فإن ادعت أنه ليس بمني، جعل على النار، ~~فإن ذاب فهو مني، وبطل قولها # وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله، رواية أخرى، أن القول قوله مع يمينه. ~~اختلفت الرواية عن أبي عبد الله، رحمه الله، في هذه المسألة، فحكى الخرقي ~~فيها روايتين؛ إحداهما، أنه يخلى معها، ويقال له: أخرج ماءك على شيء. فإن ~~أخرجه، فالقول قوله؛ لأن العنين يضعف عن الإنزال، فإذا أنزل تبينا صدقه، ~~فنحكم به. وهذا مذهب عطاء فإن ادعت أنه ليس بمني، جعل على النار، فإن ذاب ~~فهو مني؛ لأنه شبيه ببياض البيض، وذاك إذا وضع على النار تجمع ويبس، وهذا ~~يذوب، فيتميز بذلك أحدهما من الآخر، فيختبر به، وعلى هذا متى عجز عن إخراج ~~مائه، فالقول قول المرأة؛ لأن الظاهر معها. والرواية الثانية، القول قول ~~الرجل مع يمينه # وبهذا قال الثوري، والشافعي وإسحاق، وأصحاب الرأي وابن المنذر؛ لأن هذا ~~مما يتعذر إقامة البينة عليه، وجنبته أقوى، فإن في دعواه سلامة العقد، ~~وسلامة نفسه من العيوب، والأصل السلامة، فكان القول قوله، كالمنكر في سائر ~~الدعاوى، وعليه اليمين على صحة ما قال # وهذا قول من سمينا هاهنا؛ لأن قوله محتمل للكذب، فقوينا قوله بيمينه، كما ~~في سائر الدعاوى التي يستحلف فيها. فإن نكل، قضي عليه بنكوله، ويدل على ~~وجوب اليمين عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن اليمين على ~~المدعى ms3712 عليه.» قال القاضي: ويتخرج أن لا يستحلف، بناء على إنكاره دعوى ~~الطلاق، فإن فيها روايتين، كذا هاهنا. والصحيح ما قال الخرقي لدلالة الخبر ~~والمعنى عليه # وروي عن أحمد، رواية ثالثة، أن القول قول المرأة مع يمينها. حكاها القاضي ~~في المجرد؛ لأن الأصل عدم الإصابة، فكان القول قولها، لأن قولها موافق ~~للأصل، واليقين معها. وفي كل موضع حكمنا بوطئه، # PageV07P206 # بطل حكم عنته، فإن كان في ابتداء الأمر، لم تضرب له مدة. وإن كان بعد ضرب ~~المدة، انقطعت. وإن كان بعد انقضائها، لم يثبت لها خيار. وكل موضع حكمنا ~~بعدم الوطء منه، ثبت حكم عنته، كما لو أقر بها # واختار أبو بكر أنه يزوج امرأة لها حظ من الجمال، وتعطى صداقها من بيت ~~المال، ويخلى معها، وتسأل عنه، ويؤخذ بما تقول، فإن أخبرت أنه يطأ، كذبت ~~الأولى، والثانية بالخيار بين الإقامة والفسخ وصداقها من بيت المال. وإن ~~كذبته، فرق بينه وبينهما، وصداق الثانية من ماله هاهنا، لما روي أن امرأة ~~جاءت إلى سمرة، فشكت إليه أنه لا يصل إليها زوجها، فكتب إلى معاوية، فكتب ~~إليه، أن زوجه بامرأة ذات جمال يذكر عنها الصلاح، وسق إليها المهر من بيت ~~المال عنه، فإن أصابها فقد كذبت، وإن لم يصبها فقد صدقت. ففعل ذلك سمرة، ~~فجاءت المرأة فقالت: ليس عنده شيء. ففرق بينهما. # وقال الأوزاعي: يشهده امرأتان، ويترك بينهما ثوب، ويجامع امرأته، فإذا ~~قام عنها نظرتا إلى فرجها، فإن كان فيه رطوبة الماء فقد صدق، وإلا فلا. ~~وحكي عن مالك مثل ذلك، إلا أنه اكتفى بواحدة. والصحيح أن القول قوله، كما ~~لو ادعى الوطء في الإيلاء، ولما قدمنا. # واعتبار خروج الماء ضعيف؛ لأنه قد يطأ ولا ينزل، وقد ينزل من غير وطء، ~~فإن ضعف الذكر لا يمنع سلامة الظهر ونزول الماء، وقد يعجز السليم القادر عن ~~الوطء في بعض الأحوال، وليس كل من عجز عن الوطء في حال من الأحوال، أو وقت ~~من الأوقات، يكون عنينا، ولذلك جعلنا مدته سنة، وتزويجه بامرأة ثانية، لا ~~يصح ms3713 لذلك أيضا، ولأنه قد يعن عن امرأة دون أخرى، ولأن نكاح الثانية إن كان ~~مؤقتا أو غير لازم، فهو نكاح باطل، والوطء فيه حرام، وإن كان صحيحا لازما، ~~ففيه إضرار بالثانية، ولا ينبغي أن يقبل قولها؛ لأنها تريد بذلك تخليص ~~نفسها، فهي متهمة فيه، وليست بأحق أن يقبل قولها من الأولى، ولأن الرجل لو ~~أقر بالعجز عن الوطء في يوم أو شهر، لم تثبت عنته بذلك، وأكثر ما في الذي ~~ذكروه، أن يثبت عجزه عن الوطء في اليوم الذي اختبروه فيه، فإذا لم يثبت حكم ~~عنته بإقراره بعجزه، فلأن لا تثبت بدعوى غيره ذلك عليه أولى. ### | [مسألة قال الخنثي المشكل أنا رجل] # (5546) مسألة؛ قال: وإذا قال الخنثى المشكل: أنا رجل. لم يمنع من نكاح ~~النساء، ولم يكن له أن ينكح بغير ذلك بعد، وكذلك لو سبق، فقال: أنا امرأة. ~~لم ينكح إلا رجلا. # الخنثى: هو الذي له في قبله فرجان؛ ذكر رجل، وفرج امرأة. ولا يخلو من أن ~~يكون ذكرا أو أنثى، قال الله تعالى: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} ~~[النجم: 45] . وقال تعالى {وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} [النساء: 1] . ~~فليس ثم خلق ثالث. ولا يخلو الخنثى من أن يكون مشكلا، أو غير مشكل، فإن لم ~~يكن مشكلا بأن تظهر فيه علامات الرجال، فهو رجل له أحكام الرجال، أو تظهر ~~فيه علامات النساء، فهو امرأة له أحكامهن. # PageV07P207 # وإن كان مشكلا، فلم تظهر فيه علامات الرجال ولا النساء، فاختلف أصحابنا ~~في نكاحه، فذكر الخرقي أنه يرجع إلى قوله، فإن ذكر أنه رجل، وأنه يميل طبعه ~~إلى نكاح النساء، فله نكاحهن. وإن ذكر أنه امرأة، يميل طبعه إلى الرجال، ~~زوج رجلا؛ لأنه معنى لا يتوصل إليه إلا من جهته، وليس فيه إيجاب حق على ~~غيره، فقبل قوله فيه، كما يقبل قول المرأة في حيضها وعدتها. # وقد يعرف نفسه بميل طبعه إلى أحد الصنفين وشهوته له، فإن الله تعالى أجرى ~~العادة في الحيوانات بميل الذكر إلى الأنثى وميلها إليه، وهذا الميل أمر في ~~النفس ms3714 والشهوة لا يطلع عليه غيره، وقد تعذرت علينا معرفة علاماته الظاهرة، ~~فرجع فيه إلى الأمور الباطنة، فيما يختص هو بحكمه. وأما الميراث والدية، ~~فإن أقر على نفسه بما يقلل ميراثه أو ديته، قبل منه، وإن ادعى ما يزيد ذلك، ~~لم يقبل؛ لأنه متهم فيه، فلا يقبل قوله على غيره. # وما كان من عباداته وسترته وغير ذلك، فينبغي أن يقبل قوله فيه؛ لأنه حكم ~~بينه وبين الله تعالى. قال القاضي: ويقبل قوله في الإمامة، وولاية النكاح، ~~وما لا يثبت حقا على غيره. وإذا زوج امرأة أو رجلا، ثم عاد فقال خلاف قوله ~~الأول، لم يقبل قوله في التزويج بغير الجنس الذي زوجه أولا؛ لأنه مكذب ~~لنفسه، ومدع ما يوجب الجمع بين تزويج الرجال والنساء، لكن إن تزوج امرأة، ~~ثم قال: أنا امرأة، انفسخ نكاحه؛ لإقراره ببطلانه، ولا يقبل قوله في سقوط ~~المهر عنه. # وإن تزوج رجلا ثم قال: أنا رجل. لم يقبل قوله في فسخ نكاحه؛ لأن الحق ~~عليه. وهذا قول الشافعي. وقال أبو بكر: لا يجوز أن يتزوج حتى يبين أمره. ~~وذكره نصا عن أحمد، في رواية الميموني. وهذا الذي ذكره أبو إسحاق مذهب ~~للشافعي؛ وذلك لأنه لم يتحقق وجود ما يبيح له النكاح. فلم يبح له، كما لو ~~اشتبهت عليه أخته بنسوة، وكما لو لم يقل: إني رجل ولا امرأة، ولأن قوله لا ~~يرجع إليه في شيء من أحكامه من الميراث والدية وغيرهما، فكذلك، في نكاحه، ~~ولأنه لا يعرف نفسه كما لا يعرفه غيره، ولأنه قد اشتبه المباح بالمحظور في ~~حقه، فحرم كما ذكرناه. ### | [مسألة أصاب الرجل أو أصيبت المرأة بعد الحرية والبلوغ بنكاح صحيح] # (5547) مسألة؛ قال: وإذا أصاب الرجل أو أصيبت المرأة بعد الحرية والبلوغ ~~بنكاح صحيح، وليس واحد منهما بزائل العقل، رجما إذا زنيا، والمسلم والكافر ~~الحران فيما وصفت سواء. ذكر الخرقي - رحمه الله - في هذا الباب شرائط ~~الإحصان. ونحن نؤخره إلى الحدود، فإنه أخص به. والله تعالى أعلم. # PageV07P208 ### | [كتاب الصداق] # الأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع؛ ms3715 أما الكتاب فقوله تعالى: ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} [النساء: ~~24] وقال تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] . قال أبو عبيد: ~~يعني عن طيب نفس، بالفريضة التي فرض الله تعالى. وقيل: النحلة: الهبة، ~~والصداق في معناها؛ لأن كل واحد من الزوجين يستمتع بصاحبه، وجعل الصداق ~~للمرأة، فكأنه عطية بغير عوض. # وقيل: نحلة من الله تعالى للنساء. وقال تعالى: {فآتوهن أجورهن فريضة} ~~[النساء: 24] . # وأما السنة؛ فروى أنس، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى على عبد ~~الرحمن بن عوف ردع زعفران، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مهيم؟ فقال: ~~يا رسول الله، تزوجت امرأة. فقال: ما أصدقتها؟ . قال: وزن نواة من ذهب. ~~فقال: بارك الله لك، أولم ولو بشاة» . وعنه، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها.» متفق عليهما. وأجمع المسلمون على ~~مشروعية الصداق في النكاح. # (5548) فصل: وللصداق تسعة أسماء؛ الصداق، والصدقة، والمهر، والنحلة، ~~والفريضة، والأجر، والعلائق، والعقر، والحباء. روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «أدوا العلائق. قيل: يا رسول الله، وما العلائق؟ قال: ~~ما تراضى به الأهلون» . وقال عمر: لها عقر نسائها. وقال مهلهل: # أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم # PageV07P209 # لو بأبانين جاء يخطبها ... خضب ما وجه خاطب بدم # يقال: أصدقت المرأة ومهرتها. ولا يقال: أمهرتها. ### | [فصل تعرية النكاح عن تسمية الصداق] # (5549) فصل: ويستحب أن لا يعرى النكاح عن تسمية الصداق؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يزوج بناته وغيرهن ويتزوج، فلم يكن يخلي ذلك من صداق. ~~وقال للذي زوجه الموهوبة: «هل من شيء تصدقها به؟ . فالتمس فلم يجد شيئا. ~~قال: التمس ولو خاتما من حديد. فلم يجد شيئا، فزوجه إياها بما معه من ~~القرآن.» ولأنه أقطع للنزاع وللخلاف فيه، وليس ذكره شرطا؛ بدليل قوله ~~تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} ~~[البقرة: 236] . وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوج رجلا امرأة، ~~ولم ms3716 يسم لها مهرا. ### | [مسألة حكم الصداق إذا كانت المرأة بالغة رشيدة أو صغيرة عقد عليها أبوها] # (5550) مسألة؛ قال: وإذا كانت المرأة بالغة رشيدة، أو صغيرة عقد عليها ~~أبوها، فأي صداق اتفقوا عليه فهو جائز، إذا كان شيئا له نصف يحصل في هذه ~~المسألة ثلاثة فصول: (5551) الفصل الأول: أن الصداق غير مقدر، لا أقله ولا ~~أكثره، بل كل ما كان مالا جاز أن يكون صداقا. وبهذا قال الحسن وعطاء، وعمرو ~~بن دينار، وابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، ~~وأبو ثور، وداود وزوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين، وقال: لو أصدقها سوطا ~~لحلت. وعن سعيد بن جبير، والنخعي، وابن شبرمة، ومالك وأبي حنيفة: هو مقدر ~~الأقل. ثم اختلفوا، فقال مالك وأبو حنيفة: أقله ما يقطع به السارق. وقال ~~ابن شبرمة: خمسة دراهم. وعن النخعي: أربعون درهما. وعنه عشرون. وعنه عشرون. ~~وعنه رطل من الذهب. وعن سعيد بن جبير: خمسون درهما. # PageV07P210 # واحتج أبو حنيفة بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «لا ~~مهر أقل من عشرة دراهم» . ولأنه يستباح به عضو، فكان مقدرا كالذي يقطع به ~~السارق. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي زوجه: «هل عندك من ~~شيء تصدقها؟ قال: لا أجد. قال: التمس، ولو خاتما من حديد» . متفق عليه. وعن ~~عامر بن ربيعة، أن امرأة من بني فزارة، تزوجت على نعلين، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم. فأجازه.» ~~أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # وعن جابر، أن رسول الله قال: «لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا ملء يده ~~طعاما، كانت له حلالا» . رواه الإمام أحمد، في المسند. وفي لفظ عن جابر، ~~قال: «كنا ننكح على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القبضة من ~~الطعام» . رواه الأثرم. ولأن قول الله عز وجل: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن ~~تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] . يدخل فيه القليل والكثير. ولأنه بدل ~~منفعتها، فجاز ما تراضيا عليه من المال، ms3717 كالعشرة وكالأجرة. # وحديثهم غير صحيح، رواه مبشر بن عبيد، وهو ضعيف، عن الحجاج بن أرطاة، وهو ~~مدلس. ورووه عن جابر، وقد روينا عنه خلافه. أو نحمله على مهر امرأة بعينها، ~~أو على الاستحباب. وقياسهم لا يصح؛ فإن النكاح استباحة الانتفاع بالجملة، ~~والقطع إتلاف عضو دون استباحته، وهو عقوبة وحد، وهذا عوض، فقياسه على ~~الأعواض أولى. وأما أكثر الصداق، فلا توقيت فيه، بإجماع أهل العلم. قاله ~~ابن عبد البر وقد قال الله عز وجل: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] . وروى أبو حفص بإسناده، ~~أن عمر أصدق أم كلثوم ابنة علي أربعين ألفا. وعن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~قال: خرجت وأنا أريد أن أنهى عن كثرة الصداق، فذكرت هذه الآية: {وآتيتم ~~إحداهن قنطارا} [النساء: 20] . قال أبو صالح: القنطار مائة رطل. وقال أبو ~~سعيد الخدري ملء مسك ثور ذهبا وعن مجاهد: # PageV07P211 # سبعون ألف مثقال. ### | [فصل غلاء الصداق] # (5552) فصل: ويستحب أن لا يغلي الصداق؛ لما روي عن عائشة، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «أعظم النساء بركة، أيسرهن مؤنة» . رواه أبو حفص ~~بإسناده. # وعن أبي العجفاء، قال: قال عمر - رضي الله عنه -: «ألا لا تغلوا صداق ~~النساء، فإنه لو كان مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته، أكثر من ثنتي عشرة أوقية، وإن ~~الرجل ليغلي بصدقة امرأته، حتى يكون لها عداوة في قلبه، وحتى يقول: كلفت ~~لكم علق القربة.» أخرجه النسائي، وأبو داود مختصرا. وعن أبي سلمة قال: ~~«سألت عائشة عن صداق النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ثنتا عشرة أوقية ~~ونش. فقلت: وما نش؟ قالت: نصف أوقية.» أخرجاه أيضا. # والأوقية أربعون درهما، فلا تستحب الزيادة على هذا؛ لأنه إذا كثر ربما ~~تعذر عليه، فيتعرض للضرر في الدنيا والآخرة. ### | [فصل كل ما جاز ثمنا في البيع أو ms3718 أجرة في الإجارة جاز أن يكون صداقا] # (5553) فصل: وكل ما جاز ثمنا في البيع، أو أجرة في الإجارة، من العين ~~والدين، والحال والمؤجل، والقليل والكثير، ومنافع الحر والعبد وغيرهما، جاز ~~أن يكون صداقا. وقد روى الدارقطني، بإسناده، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أنكحوا الأيامى، وأدوا العلائق. قيل: ما العلائق بينهم يا ~~رسول الله؟ قال: ما تراضى عليه الأهلون، ولو قضيبا من أراك» . ورواه ~~الجوزجاني. وبهذا قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: منافع الحر لا تكون ~~صداقا؛ لأنها ليست مالا، وإنما قال الله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} ~~[النساء: 24] . # ولنا قول الله تعالى: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ~~ثماني حجج} [القصص: 27] . والحديث الذي ذكرناه. ولأنها منفعة يجوز العوض ~~عنها في الإجارة، فجازت صداقا، كمنفعة العبد. وقولهم: ليست مالا. ممنوع؛ ~~فإنها تجوز المعاوضة عنها وبها. ثم إن لم تكن مالا، فقد أجريت مجرى المال ~~في هذا، فكذلك في النكاح. # PageV07P212 # وقد نقل مهنا، عن أحمد إذا تزوجها على أن يخدمها سنة أو أكثر، كيف يكون ~~هذا؟ قيل له: فامرأة يكون لها ضياع وأرضون، لا تقدر على أن تعمرها؟ ، قال: ~~لا يصلح هذا: قال أبو بكر: إن كانت الخدمة معلومة جاز، وإن كانت مجهولة لا ~~تنضبط فلها صداق مثلها. كأنه تأول مسألة مهنا على أن الخدمة مجهولة، فلذلك ~~لم يصح. # ونقل أبو طالب، عن أحمد التزويج على بناء الدار، وخياطة الثوب، وعمل شيء، ~~جائز؛ وذلك لأنه معلوم يجوز أخذ العوض عنه، فجاز أن يكون صداقا كالأعيان. ~~ولو تزوجها على أن يأتيها بعبدها الآبق من مكان معين، صح؛ لأنه عمل معلوم ~~يجوز أخذ الأجرة عنه. وإن أصدقها الإتيان به أين كان، لم يصح؛ لأنه مجهول. ### | [فصل نكحها على أن يحج بها] # (5554) فصل: ولو نكحها على أن يحج بها، لم تصح التسمية. وبهذا قال ~~الشافعي وقال النخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي وأبو عبيد: ~~يصح، ولنا أن الحملان مجهول، لا يوقف له على حد، فلم يصح، كما لو أصدقها ms3719 ~~شيئا. فعلى هذا لها مهر المثل، وكذلك كل موضع قلنا: لا تصح التسمية. ### | [فصل أصدقها خياطة ثوب بعينه فهلك الثوب] # (5555) فصل: وإن أصدقها خياطة ثوب بعينه، فهلك الثوب، لم تفسد التسمية، ~~ولم يجب مهر المثل؛ لأن تعذر تسليم ما أصدقها بعينه لا يوجب مهر المثل، كما ~~لو أصدقها قفيز حنطة فهلك قبل تسليمه، ويجب عليه أجر مثل خياطته؛ لأن ~~المعقود على العمل فيه تلف فوجب الرجوع إلى عوض العمل، كما لو أصدقها تعليم ~~عبدها صناعة فمات قبل التعليم، وإن عجز عن خياطته مع بقاء الثوب لمرض أو ~~نحوه، فعليه أن يقيم مقامه من يخيطه، وإن طلقها قبل خياطته قبل الدخول ~~فعليه خياطة نصفه إن أمكن معرفة نصفه وإن لم يمكن فعليه نصف أجر خياطته إلا ~~أن يبذل خياطة أكثر من نصفه بحيث يعلم أنه قد خاط النصف يقينا، وإن كان ~~الطلاق بعد خياطته رجع عليه بنصف أجره. ### | [فصل إن أصدقها تعليم صناعة أو تعليم عبدها صناعة صح] # (5556) فصل: وإن أصدقها تعليم صناعة أو تعليم عبدها صناعة صح؛ لأنه منفعة ~~معلومة يجوز بذل العوض عنها فجاز جعلها صداقا كخياطة ثوبها. وإن أصدقها ~~تعليمه أو تعليمها شعرا مباحا معينا أو فقها أو لغة أو نحوا أو غير ذلك من ~~العلوم الشرعية التي يجوز أخذ الأجرة على تعليمها جاز وصحت التسمية؛ لأنه ~~يجوز أخذ الأجرة عليه فجاز صداقا كمنافع الدار. # PageV07P213 ### | [فصل جعل صداقها تعليم القرآن] # (5557) فصل: فأما تعليم القرآن فاختلفت الرواية عن أحمد في جعله صداقا. # فقال في موضع: أكرهه، وقال في موضع: لا بأس أن يتزوج الرجل المرأة على أن ~~يعلمها سورة من القرآن أو على نعلين وهذا مذهب الشافعي قال أبو بكر: في ~~المسألة قولان يعني روايتين. # قال واختياري أنه لا يجوز وهو مذهب مالك، والليث، وأبي حنيفة، ومكحول، ~~وإسحاق واحتج من أجازه بما روى سهل بن سعد الساعدي «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - جاءته امرأة فقالت: إني وهبت نفسي لك فقامت طويلا فقال ~~رجل: يا رسول الله زوجنيها ms3720 إن لم يكن لك بها حاجة فقال هل عندك من شيء ~~تصدقها؟ فقال ما عندي إلا إزاري فقال رسول الله إزارك إن أعطيتها جلست ولا ~~إزار لك فالتمس شيئا قال لا أجد. قال التمس ولو خاتما من حديد. فالتمس فلم ~~يجد شيئا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوجتكها بما معك من ~~القرآن» متفق عليه ولأنها منفعة معينة مباحة، فجاز جعلها صداقا كتعليم ~~قصيدة من الشعر المباح. # ووجه الراوية الأخرى أن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لقوله تعالى {أن ~~تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] وقوله تعالى {ومن لم يستطع منكم طولا أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات} [النساء: 25] والطول المال. وقد روي «أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - زوج رجلا على سورة من القرآن ثم قال لا تكون لأحد ~~بعدك مهرا» رواه النجاد بإسناده. ولأن تعليم القرآن لا يجوز أن يقع إلا ~~قربة لفاعله فلم يصح أن يكون صداقا، كالصوم والصلاة وتعليم الإيمان. ولأن ~~التعليم من المعلم، والمتعلم مختلف، ولا يكاد ينضبط فأشبه الشيء المجهول. # فأما حديث الموهوبة فقد قيل: معناه أنكحتكها بما معك من القرآن أي ~~زوجتكها لأنك من أهل القرآن كما زوج أبا طلحة على إسلامه فروى ابن عبد البر ~~بإسناده عن أنس أن أبا طلحة أتى أم سليم يخطبها قبل أن يسلم، فقالت: أتزوج ~~بك وأنت تعبد خشبة نحتها عبد بنى فلان؟ إن أسلمت تزوجت بك. قال فأسلم أبو ~~طلحة، فتزوجها على إسلامه وليس في الحديث الصحيح ذكر التعليم ويحتمل أن ~~يكون خاصا لذلك الرجل؛ بدليل ما رواه النجاد ولا تفريع على هذه الرواية، ~~فأما على الأخرى فلا بد من تعيين ما يعلمها إياه؛ إما سورة معينة أو سورا ~~أو آيات بعينها؛ لأن السور # PageV07P214 # تختلف وكذلك الآيات، وهل تحتاج إلى تعيين قراءة مرتبة؟ فيه وجهان، أحدهما ~~يحتاج إلى ذلك؛ لأن الأغراض تختلف والقراءات تختلف فمنها صعب كقراءة حمزة، ~~وسهل فأشبه تعيين الآيات. والثاني لا يفتقر إلى التعيين؛ لأن هذا اختلاف ~~يسير وكل حرف ينوب مناب صاحبه ويقوم مقامه، ولذلك ms3721 لم يعين النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - للمرأة قراءة وقد كانوا يختلفون في القراءة أشد من اختلاف ~~القراء اليوم فأشبه ما لو أصدقها قفيزا من صبرة وللشافعي في هذا وجهان ~~كهذين. ### | [فصل أصدقها تعليم سورة لا يحسنها] # (5558) فصل: فإن أصدقها تعليم سورة لا يحسنها # نظرت، فإن قال: أحصل لك تعليم هذه السورة صح لأن هذه منفعة في ذمته لا ~~تختص به فجاز أن يستأجر عليها من لا يحسنها كالخياطة إذا استأجر من يحصلها ~~له، وإن قال: علي أن أعلمك فذكر القاضي في الجامع أنه لا يصح، لأنه تعين ~~بفعله وهو لا يقدر عليه فأشبه ما لو استأجر من لا يحسن الخياطة ليخيط له، ~~وذكر في المجرد أنه يحتمل الصحة؛ لأن هذه تكون في ذمته، فأشبه ما لو أصدقها ~~مالا في ذمته لا يقدر عليه في الحال. ### | [فصل جاءته بغيرها فقالت علمه السورة التي جعلت تعليمي إياها صداقي] # (5559) فصل: فإن جاءته بغيرها، فقالت: علمه السورة التي تريد تعليمي ~~إياها # لم يلزمه؛ لأن المستحق عليه العمل في عين، فلم يلزمه إيقاعه في غيره، كما ~~لو استأجرته لخياطة ثوب فأتته بغيره، فقالت: خط هذا، ولأن المتعلمين ~~يختلفون في التعلم اختلافا كثيرا. ولأن له غرضا في تعليمها فلا يجبر على ~~تعليم غيرها، وإن أتاها بغيره يعلمها، لم يلزمها قبول ذلك؛ لأن المعلمين ~~يختلفون في التعليم، ولأن لها غرضا في التعلم منه، لكونه زوجها تحل له ويحل ~~لها، ولأنه لما لم يلزمه تعليم غيرها، لم يلزمها التعلم من غيره، قياسا ~~لأحدهما على الآخر. ### | [فصل تعلمت السورة التي أصدقها إياها من غيره أو تعذر عليه تعليمها] # (5560) فصل: فإن تعلمتها من غيره أو تعذر عليه تعليمها # فعليه أجر تعليمها، فإن اختلفا، فقال: علمتكها فأنكرت فالقول قولها؛ لأن ~~الأصل عدم تعليمها، وفيه وجه آخر أنهما إن اختلفا بعد أن تعلمتها فالقول ~~قوله؛ لأن الظاهر معها، وإن علمها السورة ثم أنسيتها فلا شيء عليه؛ لأنه قد ~~وفى لها بما شرط، وإنما تلف الصداق بعد القبض، وإن لقنها الجميع وكلما ms3722 ~~لقنها آية أنسيتها لم يعتد بذلك تعليما؛ لأن ذلك لا يعد تعليما ولو جاز ذلك ~~لأفضى إلى أنه متى قرأها فقرأتها بلسانها من غير حفظ كان تلقينا. ويحتمل أن ~~يكون ذلك تلقينا؛ لأنه قد لقنها الآية وحفظتها، فأما ما دون الآية فليس ~~بتلقين وجها واحدا. # PageV07P215 ### | [فصل طلقها قبل الدخول بعد تعليمها السورة التي أصدقها إياها] # (5561) فصل: فإن طلقها قبل الدخول بعد تعليمها السورة # رجع عليها بنصف أجر تعليمها؛ لأن الطلاق قبل الدخول يوجب الرجوع بنصف ~~الصداق، وإن لم يكن علمها ففيه وجهان؛: أحدهما، عليه نصف أجر تعليمها، ~~لأنها قد صارت أجنبية، فلا يؤمن في تعليمها الفتنة. والثاني يباح له ~~تعليمها من وراء حجاب من غير خلوة بها، كما يجوز له سماع كلامها في ~~المعاملات، وإن كان الطلاق بعد الدخول ففي تعليمها السورة الوجهان. وإن ~~أصدقها رد عبدها من مكان معين، فطلقها قبل الدخول وقبل الرد، فعليه نصف أجر ~~الرد؛ لأنه لا يمكنه نصف الرد، وإن طلقها بعد الرد رجع عليها بنصف أجره. ### | [فصل أصدق الكتابية تعليم سورة من القرآن] # (5562) فصل: ولو أصدق الكتابية تعليم سورة من القرآن لم يجز، ولها مهر ~~المثل وقال الشافعي: يصح؛ لقول الله تعالى {حتى يسمع كلام الله} [التوبة: ~~6] ولنا أن الجنب يمنع قراءة القرآن مع إيمانه واعتقاده أنه حق فالكافر ~~أولى، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض ~~العدو، مخافة أن تناله أيديهم» فالتحفظ أولى أن يمنع منه، فأما الآية التي ~~احتجوا بها، فلا حجة لهم فيها؛ فإن السماع غير الحفظ وإن أصدقها أو أصدق ~~المسلمة تعليم شيء من التوراة والإنجيل لم يصح في المذهبين؛ لأنه مبدل ~~مغير. # ولو أصدق الكتابي الكتابية شيئا من ذلك كان كما لو أصدقها محرما. ### | [فصل الصداق ما اتفقوا عليه ورضوا به] # (5563) الفصل الثاني أن الصداق ما اتفقوا عليه، ورضوا به لقول الله تعالى ~~{ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} [النساء: 24] وقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «العلائق ما تراضى عليه الأهلون» ms3723 ؛ ولأنه عقد ~~معاوضة، فيعتبر رضى المتعاقدين، كسائر عقود المعاوضات. # فإن كان الولي الأب فمهما اتفق هو والزوج عليه، جاز أن يكون صداقا قليلا ~~كان أو كثيرا، بكرا كانت أو ثيبا صغيرة كانت أو كبيرة على ما أسلفناه فيما ~~مضى، ولذلك زوج شعيب - عليه السلام - موسى - عليه السلام - ابنته وجعلا ~~الصداق إجارة ثماني حجج من غير مراجعة الزوجة، وإن كان الولي غير الأب ~~اعتبر رضى المرأة والزوج، لأن الصداق لها وهو عوض # PageV07P216 # لمنفعتها فأشبه أجر دارها وصداق أمتها. فإن لم يستأذنها الولي في الصداق، ~~فحكمه حكم الوكيل المطلق في البيع إن جعل الصداق مهر المثل فما زاد صح ~~ولزم، وإن نقص عنه فلها مهر المثل. ### | [فصل الصداق لا يكون إلا مالا] # (5564) الفصل الثالث: أن الصداق لا يكون إلا مالا؛ لقول الله تعالى {أن ~~تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] ويشترط أن يكون له نصف يتمول عادة، بحيث إذا ~~طلقها قبل الدخول بقي لها من النصف مال حلال. وهذا معنى قول الخرقي: له نصف ~~يحصل، وما لا يجوز أن يكون ثمنا في البيع، كالمحرم والمعدوم والمجهول وما ~~لا منفعة فيه، وما لا يتم ملكه عليه كالمبيع من المكيل والموزون قبل قبضه، ~~وما لا يقدر على تسليمه، كالطير في الهواء والسمك في الماء، وما لا يتمول ~~عادة كحبة حنطة وقشرة جوزة لا يجوز أن يكون صداقا؛ لأنه نقل للملك فيه بعوض ~~فلم يجز فيه ما ذكرناه كالمبيع ويعتبر أن يكون نصفه مما يتمول عادة ويبذل ~~العوض في مثله عرفا، لأن الطلاق يعرض فيه قبل الدخول، فلا يبقى للمرأة إلا ~~نصفه، فيجب أن يبقى لها مال تنتفع به. ويعتبر نصف القيمة، لا نصف عين ~~الصداق؛ فإنه لو أصدقها عبدا جاز، وإن لم تمكن قسمته. ### | [مسألة أصدقها عبدا بعينه فوجدت به عيبا فردته] # مسألة؛ قال وإذا أصدقها عبدا بعينه، فوجدت به عيبا فردته، فلها عليه ~~قيمته. وجملة ذلك أن الصداق إذا كان معينا فوجدت به عيبا فلها رده كالمبيع ~~المعيب، ولا نعلم في هذا خلافا إذا كان العيب ms3724 كثيرا، فإن كان يسيرا، فحكي ~~عن أبي حنيفة، أنه لا يرد به. ولنا أنه عيب يرد به المبيع، فرد به الصداق، ~~كالكثير، وإذا ردته، فلها قيمته؛ لأن العقد لا ينفسخ برده، فيبقى سبب ~~استحقاقه، فيجب عليه قيمته، كما لو غصبها إياه فأتلفه، وإن كان الصداق ~~مثليا، كالمكيل والموزون، فردته، فلها عليه مثله؛ لأنه أقرب إليه، وإن ~~اختارت إمساك المعيب، وأخذ أرشه فلها ذلك، في قياس المذهب. # وإن حدث به عيب عندها، ثم وجدت به عيبا خيرت بين أخذ أرشه، وبين رده ورد ~~أرش عيبه؛ لأنه عوض في عقد معاوضة، فيثبت فيه ذلك، كالبيع، وسائر فروع الرد ~~بالعيب، فيثبت فيها ها هنا مثل ما يثبت في البيع؛ لما ذكرنا. ### | [فصل شرطت في الصداق صفة مقصودة] # (5566) فصل: وإن شرطت في الصداق صفة مقصودة، كالكتابة والصناعة، فبان ~~بخلافها، فلها الرد، كما ترد به في البيع وهكذا إن دلسه تدليسا يرد به ~~المبيع، مثل تحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها وتجعيده، # PageV07P217 # وتضمير الماء على الحجر، وأشباه ذلك، فلها الرد به، وإن وجدت الشاة مصراة ~~فلها ردها ورد صاع من تمر، قياسا على البيع، وقد نقل مهنا، عن أحمد، في من ~~تزوج امرأة على ألف ذراع فإذا هي تسعمائة: هي بالخيار، إن شاءت أخذت الدار، ~~وإن شاءت أخذت قيمة ألف ذراع والنكاح جائز. # وهذا فيما إذا أصدقها دارا بعينها على أنها ألف ذراع، فخرجت تسعمائة، ~~فهذا كالعيب في ثبوت الرد؛ لأنه شرط شرطا مقصودا، فبان بخلافه، فأشبه ما لو ~~شرط العبد كاتبا، فبان بخلافه. وجوز أحمد الإمساك؛ لأن المرأة رضيت بها ~~ناقصة، ولم يجعل لها مع الإمساك أرشا؛ لأن ذلك ليس بعيب، ويحتمل أن لها ~~الرجوع بقيمة نقصها، أو ردها وأخذ قيمتها. ### | [مسألة تزوجها على عبد فخرج حرا] # (5567) مسألة؛ قال وكذلك إذا تزوجها على عبد فخرج حرا، أو استحق، سواء ~~سلمه إليها أو لم يسلمه. وجملة ذلك أنه إذا تزوجها على عبد بعينه، تظنه ~~عبدا مملوكا فخرج حرا، أو مغصوبا، فلها قيمته. وبهذا قال أبو يوسف، ms3725 ~~والشافعي في قديم قوليه. وقال في الجديد: لها مهر المثل، وقال أبو حنيفة ~~ومحمد في المغصوب كقولنا، وفي الحر كقوله؛ لأن العقد تعلق بعين الحر ~~بإشارته إليه، فأشبه ما لو علماه حرا. # ولنا، أن العقد وقع على التسمية، فكان لها قيمته، كالمغصوب، ولأنها رضيت ~~بقيمته، إذ ظنته مملوكا، فكان لها قيمته، كما لو وجدته معيبا فردته، بخلاف ~~ما إذا قال: أصدقتك هذا الحر، أو هذا المغصوب. فإنها رضيت بلا شيء، لرضاها ~~بما تعلم أنه ليس بمال، أو بما لا يقدر على تمليكه إياها، فكان وجود ~~التسمية كعدمها، فكان لها مهر المثل، وقول الخرقي: " سواء سلمه إليها أو لم ~~يسلمه " يعني أن تسليمه لا يفيد شيئا، لأنه سلم ما لا يجوز تسليمه، ولا ~~تثبت اليد عليه، فكان وجوده كعدمه. ### | [فصل أصدقها مثليا فبان مغصوبا] # (5568) فصل: فإن أصدقها مثليا، فبان مغصوبا فلها مثله لأن المثل أقرب ~~إليه، ولهذا يضمن به في الإتلاف وإن أصدقها جرة خل، فخرجت خمرا أو مغصوبة، ~~فلها مثل ذلك خلا لأن الخل من ذوات الأمثال، وهذا مذهب أبي حنيفة وبعض ~~أصحاب الشافعي، وقال القاضي: لها قيمته؛ لأن الخمر ليس بمال ولا من ذوات ~~الأمثال. والصحيح ما قلناه؛ لأنه سماه خلا، فرضيت به على ذلك، فكان لها بدل ~~المسمى كالحر، # PageV07P218 # وما ذكره يبطل بما إذا أصدقها عبدا فبان حرا؛ ولأنه إن أوجب قيمة الخمر، ~~فالخمر لا قيمة له، وإن أوجب قيمة الخل، فقد اعتبر التسمية في إيجاب قيمته، ~~ففي إيجاب مثله أولى. ### | [فصل قال أصدقتك هذا الخمر وأشار إلى الخل] # (5569) فصل: وإن قال: أصدقتك هذا الخمر - وأشار إلى الخل - أو عبد فلان ~~هذا - وأشار إلى عبده - صحت التسمية، ولها المشار إليه؛ لأن المعقود عليه ~~يصح العقد عليه، فلا يختلف حكمه باختلاف صفته، كما لو قال: بعتك هذا ~~الأسود. وأشار إلى أبيض. أو هذا الطويل. وأشار إلى قصير. ### | [فصل تزوجها على عبدين فخرج أحدهما حرا أو مغصوبا] # (5570) فصل: وإن تزوجها على عبدين، فخرج أحدهما حرا أو مغصوبا، صح الصداق ~~فيما ms3726 تملكه ولها قيمة الآخر. نص عليه أحمد، وإن كان عبدا واحدا، فخرج نصفه ~~حرا أو مغصوبا، فلها الخيار بين رده وأخذ قيمته، وبين إمساك نصفه وأخذ قيمة ~~باقيه. نص عليه أحمد، لأن الشركة عيب، فكان لها الفسخ، كما لو وجدته معيبا. # فإن قيل: فلم لا تقولون ببطلان التسمية في الجميع، وترجع بالقيمة كلها في ~~المسألتين، كما في تفريق الصفقة؟ قلنا: إن القيمة بدل، إنما يصار إليها عند ~~العجز عن الأصل، وها هنا العبد المملوك مقدور عليه، ولا عيب فيه وهو مسمى ~~في العقد، فلا يجوز الرجوع إلى بدله. أما تفريق الصفقة، فإنه إذا بطل العقد ~~في الجميع، صرنا إلى الثمن، وليس هو بدلا عن المبيع، وإنما انفسخ العقد، ~~فرجع في رأس ماله، وها هنا لا ينفسخ العقد وإنما رجع إلى قيمة الحر منهما؛ ~~لتعذر تسليمه. والعبد مقدور على تسليمه فلا وجه لإيجاب قيمته. # وأما إذا كان نصفه حرا، ففيه عيب، فجاز رده بعيبه. وقال أبو حنيفة: إذا ~~أصدقها عبدين، فإذا أحدهما حر، فلها العبد وحده صداقا، ولا شيء لها سواه. ~~ولنا أنه أصدقها حرا، فلم تسقط تسميته إلى غير شيء، كما لو كان منفردا. آخر ~~الجزء الرابع من ربع النكاح من أجزاء الشيخ رحمه الله ### | [مسألة تزوجها على أن يشتري لها عبدا بعينه] # (5571) مسألة؛ قال: وإذا تزوجها على أن يشتري لها عبدا بعينه، فلم يبع، ~~أو طلب فيه أكثر من قيمته، أو لم يقدر عليه، فلها قيمته. نص أحمد على هذا ~~في رواية الأثرم، وقال الشافعي: لا تصح التسمية، ولها مهر المثل؛ لأنه جعل ~~ملك غيره عوضا، فلم يصح، كالبيع. # PageV07P219 # ولنا أنه أصدقها تحصيل عبد معين، فصح، كما لو تزوجها على رد عبدها الآبق ~~من مكان معلوم ولا نسلم أنه جعل ملك غيره عوضا، وإنما العوض تحصيله ~~وتمليكها إياه. # إذا ثبت هذا، فإنه إذا قدر عليه بثمن مثله، لزمه تحصيله ودفعه إليها، وإن ~~جاءها بقيمته، لم يلزمها قبوله؛ لأنه قدر على دفع صداقها إليها، فلزمه، كما ~~لو أصدقها عبدا يملكه. ms3727 وإن لم يبعه سيده أو تعذر عليه الوصول إليه؛ لتلفه ~~أو غير ذلك، أو طلب فيه أكثر من قيمته، فلها قيمته؛ لأنه تعذر الوصول إلى ~~قبض المسمى المتقوم فوجبت قيمته، كما لو تلف، وإن كان الذي جعل لها مثليا، ~~فتعذر شراؤه، وجب لها مثله؛ لأن المثل أقرب إليه. ### | [فصل تزوجها على عبد موصوف في الذمة] # (5572) فصل: وإن تزوجها على عبد موصوف في الذمة؛ صح لأنه يصح أن يكون ~~عوضا في البيع. فإن جاءها بقيمته، لم يلزمها قبولها. وبهذا قال الشافعي. ~~واختاره أبو الخطاب وقال القاضي: يلزمها قبولها، قياسا على الإبل في الدية. ~~ولنا أنها استحقت عليه بعقد معاوضة، فلم يلزمها أخذ قيمته، كالمسلم فيه، ~~ولأنه عبد وجب صداقا فأشبه ما لو كان معيبا، وأما الدية فلا يلزم أخذ قيمة ~~الإبل، وإنما الأثمان أصل في الدية، كما أن الإبل أصل، فيتخير بين دفع أي ~~الأصول شاء، فيلزم الولي قبوله لها على طريق القيمة، بخلاف مسألتنا، ولأن ~~الدية خارجة عن القياس، فلا يناقض بها، ولا يقاس عليها، ثم قياس العوض على ~~سائر الأعواض أولى من قياسه على غير عقود المعاوضات، ثم ينتقض بالعبد ~~المعين. ### | [فصل تزوجها على أن يعتق أباها] # (5573) فصل: وإن تزوجها على أن يعتق أباها صح، نص عليه أحمد فإن طلب به ~~أكثر من قيمته، أو لم يقدر عليه، فلها قيمته. وهذا قول الشعبي. ووجهه ما ~~تقدم. فإن جاءها بقيمته مع إمكان شرائه، لم يلزمها قبولها؛ لما ذكرنا، ~~ولأنه يفوت عليها العوض في عتق أبيها. ### | [فصل لا يصح الصداق إلا معلوما يصح بمثله البيع] # (5574) فصل: ولا يصح الصداق إلا معلوما يصح بمثله البيع. وهذا اختيار أبي ~~بكر، ومذهب الشافعي. وقال القاضي: يصح مجهولا، ما لم تزد جهالته على مهر ~~المثل؛ لأن جعفر بن محمد نقل عن أحمد في رجل تزوج امرأة على ألف درهم ~~وخادم، فطلقها قبل أن يدخل بها: يقوم الخادم وسطا على قدر ما يخدم مثلها. ~~ونحو هذا قول أبي حنيفة فعلى هذا إذا تزوجها على عبد، أو ms3728 أمة، أو فرس، أو ~~بغل، أو حيوان من جنس معلوم، أو ثوب هروي أو مروي، وما أشبهه مما يذكر ~~جنسه، فإنه يصح، ولها الوسط. وكذلك قفيز حنطة، وعشرة # PageV07P220 # أرطال زيت. # وإن كانت الجهالة تزيد على جهالة مهر المثل، كثوب أو دابة أو حيوان، أو ~~على حكمها أو حكمه أو حكم أجنبي، أو على حنطة أو شعير أو زيت، أو على ما ~~اكتسبه في العام، لم يصح؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة الوسط، فيتعذر تسليمه. ~~وفي الأول يصح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «العلائق ما تراضى عليه ~~الأهلون» . # وهذا قد تراضوا عليه، ولأنه موضع يثبت فيه الحيوان في الذمة بدلا عما ليس ~~المقصود فيه المال، فثبت مطلقا كالدية، ولأن جهالة التسمية ها هنا أقل من ~~جهالة مهر المثل، لأنه يعتبر بنسائها ممن يساويها في صفاتها وبلدها وزمانها ~~ونسبها، ثم لو تزوجها على مهر مثلها صح، فهاهنا مع قلة الجهل فيه أولى ~~ويفارق البيع؛ فإنه لا يحتمل فيه الجهالة بحال، وقال مالك: يصح مجهولا؛ لأن ~~ذلك ليس بأكثر من ترك ذكره وقال أبو الخطاب: إن تزوجها على عبد من عبيده، ~~أو قميص من قمصانه، أو عمامة من عمائمه ونحو ذلك صح، لأن؛ أحمد قال في ~~رواية مهنا، في من تزوج على عبد من عبيده: جائز، فإن كانوا عشرة عبيد، تعطى ~~من أوسطهم، فإن تشاحا أقرع بينهم. قلت: وتستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم. ~~ووجهه أن الجهالة ها هنا يسيرة، ويمكن التعيين بالقرعة، بخلاف ما إذا ~~أصدقها عبدا مطلقا، فإن الجهالة تكثر، فلا يصح. # ولنا أن الصداق عوض في عقد معاوضة، فلم يصح مجهولا، كعوض البيع والإجارة، ~~ولأن المجهول لا يصلح عوضا في البيع، فلم تصح تسميته كالمحرم، وكما لو زادت ~~جهالته على مهر المثل، وأما الخبر، فالمراد به ما تراضوا عليه مما يصلح ~~عوضا، بدليل سائر ما لا يصلح، وأما الدية، فإنها تثبت بالشرع، لا بالعقد، ~~وهي خارجة عن القياس في تقديرها، ومن وجبت عليه فلا ينبغي أن تجعل أصلا، ثم ms3729 ~~إن الحيوان الثابت فيها موصوف بسنه، مقدر بقيمته، فكيف يقاس عليه العبد ~~المطلق في الأمرين؟ ثم ليست عقدا، وإنما الواجب بدل متلف، لا يعتبر فيه ~~التراضي، فهو كقيم المتلفات، فكيف يقاس عليها عوض في عقد يعتبر تراضيهما ~~به؟ ثم إن قياس العوض في عقد معاوضة على عوض في معاوضة أخرى، أصح وأولى من ~~قياسه على بدل متلف، وأما مهر المثل، فإنما يجب عند عدم التسمية الصحيحة، ~~كما تجب قيم المتلفات، وإن كانت تحتاج إلى نظر، ألا ترى أنا نصير إلى مهر ~~المثل عند عدم التسمية، ولا نصير إلى عبد مطلق، ولو باع ثوبا بعبد مطلق ~~فأتلفه المشتري، فإنا نصير إلى تقويمه، ولا نوجب العبد المطلق، ثم لا نسلم ~~أن جهالة المطلق من الجنس الواحد دون جهالة مهر المثل، فإن العادة في ~~القبائل والقرى أن يكون لنسائهم مهر لا يكاد يختلف إلا بالبكارة والثيوبة ~~فحسب، فيكون إذا معلوما، والوسط من الجنس يبعد الوقوف عليه، لكثرة أنواع # PageV07P221 # الجنس واختلافها، واختلاف الأعيان في النوع الواحد. # وأما تخصيص التصحيح بعبد من عبيده، فلا نظير له يقاس عليه، ولا نعلم فيه ~~نصا يصار إليه، فكيف يثبت الحكم فيه بالتحكم؟ وأما نصوص أحمد على الصحة ~~فتأولها أبو بكر على أنه تزوجها على عبد معين، ثم أشكل عليه. إذا ثبت هذا، ~~فإن لها مهر المثل في كل موضع حكمنا بفساد التسمية، ومن قال بصحتها، أوجب ~~الوسط من المسمى، والوسط من العبيد السندي؛ لأن الأعلى التركي والرومي، ~~والأسفل الزنجي والحبشي، والوسط السندي والمنصوري. قال القاضي: وإن أعطاها ~~قيمة العبد، لزمها قبولها، إلحاقا بالإبل في الدية. ### | [فصل الصداق معجل ومؤجل] # (5575) فصل: ويجوز أن يكون الصداق معجلا، ومؤجلا، وبعضه معجلا وبعضه ~~مؤجلا؛ لأنه عوض في معاوضة، فجاز ذلك فيه كالثمن. ثم إن أطلق ذكره اقتضى ~~الحلول، كما لو أطلق ذكر الثمن. وإن شرطه مؤجلا إلى وقت، فهو إلى أجله. وإن ~~أجله ولم يذكر أجله، فقال القاضي: المهر صحيح. ومحله الفرقة؛ فإن أحمد قال: ~~إذا تزوج على العاجل والآجل، لا يحل ms3730 الآجل إلا بموت أو فرقة. # وهذا قول النخعي والشعبي، وقال الحسن، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، ~~والثوري، وأبو عبيد: يبطل الأجل، ويكون حالا، وقال إياس بن معاوية وقتادة: ~~لا يحل حتى يطلق، أو يخرج من مصرها، أو يتزوج عليها. وعن مكحول، والأوزاعي، ~~والعنبري: يحل إلى سنة بعد دخوله بها واختار أبو الخطاب أن المهر فاسد، ~~ولها مهر المثل. وهو قول الشافعي؛ لأنه عوض مجهول المحل، ففسد كالثمن في ~~البيع. # ووجه القول الأول، أن المطلق يحمل على العرف، والعادة في الصداق الآجل ~~ترك المطالبة به إلى حين الفرقة، فحمل عليه، فيصير حينئذ معلوما بذلك. فأما ~~إن جعل للآجل مدة مجهولة، كقدوم زيد ومجيء المطر، ونحوه، لم يصح؛ لأنه ~~مجهول، وإنما صح المطلق لأن أجله الفرقة بحكم العادة وها هنا صرفه عن ~~العادة بذكر الأجل، ولم يبينه فبقي مجهولا، فيحتمل أن تبطل التسمية، ويحتمل ~~أن يبطل التأجيل ويحل. ### | [مسألة تزوجها على محرم] # (5576) مسألة قال: وإذا تزوجها على محرم، وهما مسلمان، ثبت النكاح، وكان ~~لها مهر المثل، أو نصفه إن كان طلقها قبل الدخول. في هذه المسألة ثلاث ~~مسائل: # PageV07P222 # (5577) المسألة الأولى أنه إذا سمى في النكاح صداقا محرما، كالخمر ~~والخنزير، فالتسمية فاسدة، والنكاح صحيح. نص عليه أحمد وبه قال عامة ~~الفقهاء؛ منهم الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وحكي عن أبي عبيد أن النكاح فاسد. واختاره أبو بكر عبد العزيز، قال لأن ~~أحمد قال في رواية المروذي: إذا تزوج على مال غير طيب، فكرهه. فقلت: ترى ~~استقبال النكاح؟ فأعجبه. وحكي عن مالك أنه إن كان بعد الدخول، ثبت النكاح، ~~وإن كان قبله، فسخ، واحتج من أفسده بأنه نكاح جعل الصداق فيه محرما، فأشبه ~~نكاح الشغار. # ولنا أنه نكاح لو كان عوضه صحيحا كان صحيحا فوجب أن يكون صحيحا وإن كان ~~عوضه فاسدا، كما لو كان مغصوبا أو مجهولا، ولأنه عقد لا يفسد بجهالة العوض، ~~فلا يفسد بتحريمه كالخلع، ولأن فساد العوض لا يزيد على عدمه، ولو عدم كان ~~العقد صحيحا، فكذلك إذا فسد، ms3731 وكلام أحمد في رواية المروذي، محمول على ~~الاستحباب؛ فإن مسألة المروذي في المال الذي ليس بطيب، وذلك لا يفسد العقد ~~بتسميته فيه اتفاقا. # وما حكي عن مالك لا يصح؛ فإن ما كان فاسدا قبل الدخول، فهو بعده فاسد، ~~كنكاح ذوات المحارم، فأما إذا فسد الصداق لجهالته أو عدمه، أو العجز عن ~~تسليمه، فإن النكاح ثابت. لا نعلم فيه خلافا، وقول الخرقي: " وهما مسلمان ~~". احتراز من الكافرين إذا عقد النكاح بمحرم، فإن هذه قد مر تفصيلها. # (5578) المسألة الثانية: أنه يجب مهر المثل. وهذا قول أكثر أهل العلم ~~منهم مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وذلك لأن فساد العوض يقتضي ~~رد المعوض وقد تعذر رده لصحة النكاح، فيجب رد قيمته، وهو مهر المثل، كمن ~~اشترى شيئا بثمن فاسد، فقبض المبيع، وتلف في يده فإنه يجب عليه رد قيمته. ~~فإن دخل بها استقر مهر المثل، في قولهم جميعا وإن مات أحدهما، فكذلك، لأن ~~الموت يقوم مقام الدخول في تكميل الصداق وتقريره، وقال أبو الخطاب: فيه ~~رواية أخرى، لا يستقر بالموت، إلا أن يكون قد فرضه لها. وإن طلق قبل ~~الدخول، فلها نصف مهر المثل وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي: لها ~~المتعة؛ لأنه لو لم يسم لها صداقا كان لها المتعة، فكذلك إذا سمى لها تسمية ~~فاسدة؛ لأن هذه التسمية كعدمها. وذكر القاضي، في الجامع أنه لا فرق بين من ~~لم يسم لها صداقا، وبين من سمى لها محرما كالخمر، أو مجهولا كالثوب وفي ~~الجميع روايتان؛ # PageV07P223 # إحداهما، لها المتعة إذا طلقها قبل الدخول، لأن ارتفاع العقد يوجب رفع ما ~~أوجبه من العوض كالبيع، لكن تركناه في نصف المسمى لتراضيهما عليه، فكان ما ~~تراضيا عليه أولى ففي مهر المثل يبقى على الأصل في أنه يرتفع وتجب المتعة. # والثانية، أن لها نصف مهر المثل؛ لأن ما أوجبه عقد النكاح يتنصف بالطلاق ~~قبل الدخول، ومهر المثل قد أوجبه العقد، فيتنصف به كالمسمى. والخرقي فرق ~~بينهما، فأوجب في التسمية الفاسدة نصف مهر المثل، وفي المفوضة المتعة. وهو ms3732 ~~مذهب الشافعي؛ لأن المفوضة رضيت بلا عوض، وعاد إليها بضعها سليما، وإيجاب ~~نصف المهر لها لا وجه له؛ لأن الله تعالى أوجب لها المتعة، ففي إيجاب نصف ~~المهر جمع بينهما أو إسقاط للمتعة المنصوص عليها، وكلاهما فاسد. # وأما التي اشترطت لنفسها مهرا، فلم ترض إلا بعوض، ولم يحصل لها العوض ~~الذي اشترطته، فوجب لها بدل ما فات عليها من العوض، وهو مهر المثل، أو نصفه ~~إن كان قبل الدخول، ولأن الأصل وجوب مهر المثل، لأنه وجب بالعقد، بدليل أنه ~~يستقر بالدخول والموت، وإنما خولف هذا في المفوضة بالنص الوارد فيها، ففيما ~~عداها يبقى على الأصل. ### | [مسألة إذا سمى لها تسمية فاسدة وجب مهر المثل] # (5579) المسألة الثالثة: أنه إذا سمى لها تسمية فاسدة، وجب مهر المثل ~~بالغا ما بلغ، وبه قال الشافعي، وزفر. وقال أبو حنيفة، وصاحباه: يجب الأقل ~~من المسمى أو مهر المثل؛ لأن البضع لا يقوم إلا بالعقد، فإذا رضيت بأقل من ~~مهر مثلها، لم يقوم بأكثر مما رضيت به؛ لأنها رضيت بإسقاط الزيادة. ولنا أن ~~ما يضمن بالعقد الفاسد، اعتبرت قيمته بالغا ما بلغ، كالمبيع. # وما ذكروه فغير مسلم، ثم لا يصح عندهم، فإنه لو وطئها وجب مهر المثل، ولو ~~لم يكن له قيمة لم يجب. فإن قيل: إنما وجب لحق الله تعالى. قيل: لو كان ~~كذلك لوجب أقل المهر، ولم يجب مهر المثل. ### | [مسألة تزوجها على ألف لها وألف لأبيها] # (5580) مسألة قال وإذا تزوجها على ألف لها، وألف لأبيها، كان ذلك جائزا، ~~فإن طلقها قبل الدخول، رجع عليها بنصف الألفين، ولم يكن على الأب شيء أخذه. ~~وجملة الأمر أنه يجوز لأبي المرأة أن يشترط شيئا من صداق ابنته لنفسه. ~~وبهذا قال إسحاق. وقد روي عن مسروق، أنه لما زوج ابنته، اشترط لنفسه عشرة ~~آلاف، فجعلها في الحج والمساكين، ثم قال للزوج: جهز امرأتك. # وروي نحو ذلك عن علي بن الحسين، وقال عطاء، وطاوس، وعكرمة، # PageV07P224 # وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وأبو عبيد: يكون كل ذلك للمرأة. وقال ~~الشافعي: ms3733 إذا فعل ذلك، فلها مهر المثل، وتفسد التسمية، لأنه نقص من صداقها ~~لأجل هذا الشرط الفاسد، لأن المهر لا يجب إلا للزوجة، لأنه عوض بضعها، ~~فيبقى مجهولا، لأننا نحتاج أن نضم إلى المهر ما نقص منه لأجل هذا الشرط، ~~وذلك مجهول فيفسد. # ولنا، قول الله تعالى، في قصة شعيب - عليه السلام - {إني أريد أن أنكحك ~~إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] فجعل الصداق ~~الإجارة على رعاية غنمه، وهو شرط لنفسه، ولأن للوالد الأخذ من مال ولده، ~~بدليل قوله - عليه السلام - «أنت ومالك لأبيك» وقوله: «إن أولادكم من أطيب ~~كسبكم، فكلوا من أموالهم» أخرجه أبو داود، ونحوه الترمذي وقال: حديث حسن، ~~فإذا شرط لنفسه شيئا من الصداق، يكون ذلك أخذا من مال ابنته، وله ذلك. # وقولهم: إنه شرط فاسد. ممنوع، قال القاضي: ولو شرط جميع الصداق لنفسه، ~~صح؛ بدليل قصة شعيب، فإنه شرط الجميع لنفسه. وإذا تزوجها على ألف لها، وألف ~~لأبيها، فطلقت قبل الدخول، رجع الزوج في الألف الذي قبضته ولم يكن على الأب ~~شيء مما أخذ؛ لأن الطلاق قبل الدخول يوجب نصف الصداق، والألفان جميع ~~صداقها، فرجع عليها بنصفهما، وهو ألف، ولم يكن على الأب شيء؛ لأنه أخذ من ~~مال ابنته ألفا، فلا يجوز الرجوع عليه به، وهذا فيما إذا كان قد قبضها ~~الألفين، ولو طلقها قبل قبضهما، سقط عن الزوج ألف، وبقي عليه ألف للزوجة ~~يأخذ الأب منها ما شاء. وقال القاضي: يكون بينهما نصفين. # وقال: نقله مهنا عن أحمد، لأنه شرط لنفسه النصف ولم يحصل من الصداق إلا ~~النصف، وليس هذا القول على سبيل الإيجاب، فإن للأب أن يأخذ ما شاء، ويترك ~~ما شاء، وإذا ملك أن يأخذ من غير شرط، فكذلك إذا شرط. (5581) فصل: فإن شرط ~~ذلك غير الأب من الأولياء، كالجد والأخ والعم، فالشرط باطل. نص عليه أحمد ~~وجميع المسمى لها. ذكره أبو حفص، وهو قول من سمينا في أول المسألة. وقال ~~الشافعي: يجب مهر المثل. # وهكذا ذكر القاضي، في " المجرد "؛ لأن ms3734 الشرط إذا بطل احتجنا أن نرد إلى ~~الصداق ما نقصت الزوجة لأجله، ولا يعرف قدره، فيصير الكل مجهولا فيفسد. وإن ~~أصدقها ألفين، على أن تعطي أخاها ألفا، فالصداق صحيح؛ لأنه شرط لا يزاد في ~~المهر من أجله، ولا ينقص منه، فلا يؤثر في المهر، بخلاف التي قبلها. # ولنا، أن جميع ما اشترطته عوض في تزويجها، فيكون صداقا لها، كما لو جعله ~~لها، وإذا كان صداقا انتفت الجهالة وهكذا لو كان الأب هو المشترط، لكان ~~الجميع صداقا، وإنما هو أخذ من مال ابنته؛ لأن له # PageV07P225 # ذلك ويشترط أن لا يكون ذلك مجحفا بمال ابنته، فإن كان مجحفا بمالها، لم ~~يصح الشرط، وكان الجميع لها، كما لو اشترطه سائر أوليائها. ذكره القاضي في ~~المجرد. ### | [فصل شرط لنفسه جميع الصداق] # (5582) فصل: فإن شرط لنفسه جميع الصداق، ثم طلق قبل الدخول بعد تسليم ~~الصداق إليه، رجع في نصف ما أعطى الأب؛ لأنه الذي فرضه لها، فنرجع في نصفه؛ ~~لقوله تعالى: {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] ويحتمل أن يرجع عليها بقدر ~~نصفه، ويكون ما أخذه الأب له، لأننا قدرنا أن الجميع صار لها، ثم أخذه الأب ~~منها، فتصير كأنها قبضته ثم أخذه منها. وهكذا لو أصدقها ألفا لها وألفا ~~لأبيها، ثم ارتدت قبل الدخول، فهل يرجع في الألف الذي قبضه الأب، أو عليها؟ ~~على وجهين. ### | [مسألة أصدقها عبدا صغيرا فكبر] # (5583) مسألة؛ قال وإذا أصدقها عبدا صغيرا فكبر، ثم طلقها قبل الدخول، ~~فإن شاءت دفعت إليه نصف قيمته يوم وقع عليه العقد، أو تدفع إليه نصفه ~~زائدا، إلا أن يكون يصلح صغيرا لما لا يصلح له كبيرا، فيكون له عليها نصف ~~قيمته يوم وقع عليه العقد، إلا أن يشاء أخذ ما بذلته له من نصفه. في هذه ~~المسألة أحكام؛ منها أن المرأة تملك الصداق بالعقد. وهذا قول عامة أهل ~~العلم، إلا أنه حكي عن مالك أنها لا تملك إلا نصفه. وروي عن أحمد ما يدل ~~على ذلك. # وقال ابن عبد البر: هذا موضع اختلف فيه السلف والآثار، ms3735 وأما الفقهاء ~~اليوم فعلى أنها تملكه. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن أعطيتها ~~إزارك، جلست ولا إزار لك» دليل على أن الصداق كله للمرأة، لا يبقى للرجل ~~منه شيء؛ ولأنه عقد تملك به العوض بالعقد، فملك فيه العوض كاملا كالبيع ~~وسقوط نصفه بالطلاق، لا يمنع وجوب جميعه بالعقد، ألا ترى أنها لو ارتدت، ~~سقط جميعه، وإن كانت قد ملكت نصفه. إذا ثبت هذا فإن نماءه وزيادته لها، ~~سواء قبضته أو لم تقبضه، متصلا كان أو منفصلا، وإن كان مالا زكاتيا فحال ~~عليه الحول، فزكاته عليها. نص عليه أحمد وإن نقص بعد قبضها له أو تلف، فهو ~~من ضمانها ولو زكته ثم طلقت قبل الدخول، كان ضمان الزكاة كلها عليها. # وأما قبل القبض، فهو من ضمان الزوج، إن كان مكيلا أو موزونا، وإن كان ~~غيرهما، فإن منعها منه، ولم يمكنها من قبضه، فهو من ضمانه؛ لأنه # PageV07P226 # بمنزلة الغاصب، وإن لم يحل بينه وبينها، فهل يكون من ضمانها، أو من ~~ضمانه؟ على وجهين، بناء على المبيع، وقد ذكرنا حكمه في بابه. # الحكم الثاني، أن الصداق يتنصف بالطلاق قبل الدخول؛ لقوله تعالى {وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: ~~237] وليس في هذا اختلاف بحمد الله، وقياس المذهب أن نصف الصداق يدخل في ~~ملك الزوج حكما، كالميراث لا يفتقر إلى اختياره وإرادته، فما يحدث من ~~النماء يكون بينهما وهو قول زفر وذكر القاضي احتمالا آخر، أنه لا يدخل في ~~ملكه حتى يختاره، كالشفيع وهو قول أبي حنيفة وللشافعي قولان، كالوجهين. # ولنا قوله تعالى {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] . أي لكم أو لهن، فاقتضى ~~ذلك أن النصف لها والنصف له، بمجرد الطلاق، ولأن الطلاق سبب يملك به بغير ~~عوض فلم يقف الملك على إرادته واختياره، كالإرث، ولأنه سبب لنقل الملك، ~~فنقل الملك بمجرده، كالبيع وسائر الأسباب. ولا تلزم الشفعة؛ فإن سبب الملك ~~فيها الأخذ بها، ومتى أخذ بها ثبت الملك من غير إرادته واختياره، وقبل ~~الأخذ ما وجد ms3736 السبب. # وإنما استحق بمباشرة سبب الملك، ومباشرة الأسباب موقوفة على اختياره، كما ~~أن الطلاق مفوض إلى اختياره فالأخذ بالشفعة نظير الطلاق، وثبوت الملك للآخذ ~~بالشفعة نظير ثبوت الملك للمطلق، فإن ثبوت الملك حكم لها، وثبوت أحكام ~~الأسباب بعد مباشرتها لا يقف على اختيار أحد، ولا إرادته. فإن نقص الصداق ~~في يد المرأة بعد الطلاق، فإن كان قد طالبها به فمنعته، فعليها الضمان؛ ~~لأنها غاصبة، وإن تلف قبل مطالبته، فقياس المذهب أنه لا ضمان عليها؛ لأنه ~~حصل في يدها بغير فعلها، ولا عدوان من جهتها فلم تضمنه، كالوديعة وإن ~~اختلفا في مطالبته لها، فالقول قولها؛ لأنها منكرة. # وإن ادعى أن التلف أو النقص كان قبل الطلاق. وقالت: بعده. فالقول أيضا ~~قولها؛ لأنه يدعي ما يوجب الضمان عليها وهي تنكره، والقول قول المنكر. ~~وظاهر قول أصحاب الشافعي، أن على المرأة الضمان لما تلف أو نقص في يدها بعد ~~الطلاق؛ لأنه حصل في يدها بحكم قطع العقد، فأشبه المبيع إذا ارتفع العقد ~~بالفسخ. # ولنا ما ذكرناه، وأما المبيع فيحتمل أن يمنع وإن سلمنا فإن الفسخ إن كان ~~منهما، أو من المشتري، فقد حصل منه التسبب إلى جعل ملك غيره في يده، وفي ~~مسألتنا ليس من المرأة فعل، وإنما حصل ذلك بفعل الزوج وحده، فأشبه ما لو ~~ألقى ثوبه في دارها بغير أمرها. ### | [فصل خالع امرأته بعد الدخول] # (5584) فصل: ولو خالع امرأته بعد الدخول، ثم تزوجها في عدتها، ثم طلقها ~~قبل دخوله بها، فلها في النكاح الثاني # PageV07P227 # نصف الصداق المسمى فيه. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: لها جميعه؛ ~~لأن حكم الوطء موجود فيه، بدليل أنها لو أتت بولد لزمه. ولنا قول الله ~~سبحانه {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} ~~[البقرة: 237] ولأنه طلاق من نكاح لم يمسها فيه، فوجب أن يتنصف به المهر، ~~كما لو تزوجها بعد العدة، وما ذكره غير صحيح، فإن لحوق النسب لا يقف على ~~الوطء عنده، ولا يقوم مقامه. فأما إن كان لم ms3737 يدخل بها في النكاح الأول ~~أيضا، فعليه نصف الصداق الأول، ونصف الصداق الثاني. بغير خلاف. # الحكم الثالث، أن الصداق إذا زاد بعد العقد، لم يخل من أن تكون الزيادة ~~غير متميزة، كعبد يكبر أو يتعلم صناعة أو يسمن، أو متميزة، كالولد والكسب ~~والثمرة، فإن كانت متميزة أخذت الزيادة، ورجع بنصف الأصل، وإن كانت غير ~~متميزة، فالخيرة إليها، إن شاءت دفعت إليه نصف قيمته يوم العقد؛ لأن ~~الزيادة لها لا يلزمها بذلها ولا يمكنها دفع الأصل بدونها، فصرنا إلى نصف ~~القيمة، وإن شاءت دفعت إليه نصفا زائدا، فيلزمه قبوله؛ لأنها دفعت إليه حقه ~~وزيادة لا تضر ولا تتميز، فإن كان محجورا عليها، لم يكن لها الرجوع إلا في ~~نصف القيمة لأن الزيادة لها، ولا يجوز لها ولا لوليها التبرع بشيء لا يجب ~~عليها. # وإن نقص الصداق بعد العقد، فهو من ضمانها، ولا يخلو أيضا من أن يكون ~~النقص متميزا أو غير متميز، فإن كان متميزا، كعبدين تلف أحدهما، فإنه يرجع ~~بنصف الباقي ونصف قيمة التالف، أو مثل نصف التالف إن كان من ذوات الأمثال، ~~وإن لم يكن متميزا، كعبد كان شابا فصار شيخا، فنقصت قيمته، أو نسي ما كان ~~يحسن من صناعة أو كتابة، أو هزل، فالخيار إلى الزوج، إن شاء رجع بنصف قيمته ~~وقت ما أصدقها؛ لأن ضمان النقص عليها، فلا يلزمه أخذ نصفه؛ لأنه دون حقه، ~~وإن شاء رجع بنصفه ناقصا، فتجبر المرأة على ذلك، لأنه رضي أن يأخذ حقه ~~ناقصا، وإن اختار أن يأخذ أرش النقص مع هذا، لم يكن له هذا في ظاهر كلام ~~الخرقي وهو قول أكثر الفقهاء. وقال القاضي: القياس أن له ذلك، كالمبيع ~~يمسكه ويطالب بالأرش. # وبما ذكرناه كله قال أبو حنيفة، والشافعي وقال محمد بن الحسن: الزيادة ~~غير المتميزة تابعة للعين، فله الرجوع فيها؛ لأنها تتبع في الفسوخ، فأشبهت ~~زيادة السوق. ولنا أنها زيادة حدثت في ملكها، فلم تنصف بالطلاق، كالمتميزة، ~~وأما زيادة السوق فليست ملكه، وفارق نماء المبيع، لأن سبب الفسخ العيب، ms3738 وهو ~~سابق على الزيادة، وسبب تنصيف المهر الطلاق، وهو حادث بعدها، ولأن الزوج ~~يثبت حقه في نصف المفروض دون العين، ولهذا لو وجدها ناقصة، كان له # PageV07P228 # الرجوع إلى نصف مثلها أو قيمتها، بخلاف المبيع المعيب، والمفروض لم يكن ~~سمينا، فلم يكن له أخذه، والمبيع تعلق حقه بعينه، فتبعه ثمنه فأما إن نقص ~~الصداق من وجه وزاد من وجه، مثل أن يتعلم صنعة وينسى أخرى، أو هزل وتعلم، ~~ثبت الخيار لكل واحد منهما، وكان له الامتناع من العين والرجوع إلى القيمة. # فإن اتفقا على نصف العين جاز، وإن امتنعت المرأة من بذل نصفها، فلها ذلك ~~لأجل الزيادة، وإن امتنع هو من الرجوع في نصفها، فله ذلك لأجل النقص، وإذا ~~امتنع أحدهما، رجع في نصف قيمتها. # (5585) فصل: فإن كانت العين تالفة وهي من ذوات الأمثال، رجع في نصف ~~مثلها، وإلا رجع في نصف قيمتها أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض أو ~~إلى حين التمكين منه، على ما ذكرنا من الاختلاف؛ لأن العين إن زادت، ~~فالزيادة لها تختص بها، وإن نقصت قبل ذلك، فالنقص من ضمانه. وإن طلقها قبل ~~قبض الصداق وقبل الدخول، وقد زادت زيادة منفصلة، فهي لها، تنفرد بها، وتأخذ ~~نصف الأصل. وإن كانت الزيادة متصلة، فلها الخيار بين أن تأخذ النصف ويبقى ~~له النصف، وبين أن تأخذ الكل وتدفع إليه قيمة النصف غير زائدة. وإن كان ~~ناقصا، فلها الخيار بين أخذه ناقصا وبين مطالبته بنصف قيمته غير ناقص. ### | [فصل أصدقها نخلا حائلا فأطلعت ثم طلقها قبل الدخول] # (5586) فصل: إذا أصدقها نخلا حائلا، فأطلعت، ثم طلقها قبل الدخول، فله ~~نصف قيمتها وقت ما أصدقها، وليس له الرجوع في نصفها؛ لأنها زائدة زيادة ~~متصلة، فأشبهت الجارية إذا سمنت، وسواء كان الطلع مؤبرا أو غير مؤبر؛ لأنه ~~متصل بالأصل، ولا يجب فصله عنه في هذه الحال، فأشبه السمن وتعلم الصناعة. ~~فإن بذلت له المرأة الرجوع فيها مع طلعها، أجبر على ذلك؛ لأنها زيادة متصلة ~~لا يجب فصلها. # وإن قال: اقطعي ms3739 ثمرتك، حتى أرجع في نصف الأصل. لم يلزمها، لأن عرف هذه ~~الثمرة أنها لا تؤخذ إلا بالجذاذ، بدليل البيع، ولأن حق الزوج انتقل إلى ~~القيمة، فلم يعد إلى العين إلا برضاها، فإن قالت المرأة: اترك الرجوع حتى ~~أجذ ثمرتي وترجع في نصف الأصل، أو ارجع في الأصل وأمهلني حتى أقطع الثمرة. ~~أو قال الزوج: أنا أصبر حتى إذا جذذت ثمرتك رجعت في الأصل، أو قال: أنا ~~أرجع في الأصل وأصبر حتى تجذي ثمرتك. لم يلزم واحدا منهما قبول قول الآخر؛ ~~لأن الحق انتقل إلى القيمة، فلم يعد إلى العين إلا برضاهما. # ويحتمل أن يلزمها قبول ما عرض عليها؛ لأن الضرر عليه فأشبه ما لو بذلت له ~~نصفها مع طلعها، وكما لو وجد العين ناقصة فرضي بها، وإن تراضيا على شيء من ~~ذلك، جاز والحكم في سائر الشجر، كالحكم في النخل. وإخراج النور في الشجر ~~بمنزلة الطلع الذي لم يؤبر، # PageV07P229 # وإن كانت أرضا فحرثتها، فتلك زيادة محضة، إن بذلتها له بزيادتها، لزمه ~~قبولها، كالزيادات المتصلة كلها، وإن لم تبذلها، دفعت نصف قيمتها. # وإن زرعتها، فحكمها حكم النخل إذا أطلعت إلا في موضع واحد، وهو أنها إذا ~~بذلت نصف الأرض مع نصف الزرع، لم يلزمه قبوله، بخلاف الطلع مع النخل، ~~والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الثمرة لا ينقص بها الشجر، والأرض تنقص ~~بالزرع وتضعف. الثاني: أن الثمرة متولدة من النخل، فهي تابعة له، والزرع ~~ملكها أودعته في الأرض، فلا يجبر على قبوله. وقال القاضي: يجبر على قبوله، ~~كالطلع سواء. وقد ذكرنا ما يقتضي الفرق. # ومسائل الغراس كمسائل الزرع. فإن طلقها بعد الحصاد، ولم تكن الأرض زادت ~~ولا نقصت، رجع في نصفها، وإن نقصت بالزرع أو زادت به رجع في نصف قيمتها، ~~إلا أن يرضى بأخذها ناقصة، أو ترضى هي ببذلها زائدة. ### | [فصل أصدقها خشبا فشقته أبوابا] # (5587) فصل: وإذا أصدقها خشبا فشقته أبوابا، فزادت قيمته، لم يكن له ~~الرجوع في نصفه لزيادته، ولا يلزمه قبول نصفه؛ لأنه نقص من وجه فإنه لم ms3740 يبق ~~مستعدا لما كان يصلح له من التسقيف وغيره. وإن أصدقها ذهبا أو فضة، فصاغته ~~حليا فزادت قيمته، فلها منعه من نصفه. وإن بذلت له النصف، لزمه القبول، لأن ~~الذهب لا ينقص بالصياغة، ولا يخرج عن كونه مستعدا لما كان يصلح له قبل ~~صياغته، وإن أصدقها دنانير أو دراهم أو حليا، فكسرته، ثم صاغته على غير ما ~~كان عليه، لم يلزمه قبول نصفه، لأنه نقص في يدها، ولا يلزمها بذل نصفه؛ ~~لزيادة الصناعة التي أحدثتها فيه، وإن عادت الدنانير والدراهم إلى ما كانت ~~عليه، فله الرجوع في نصفها، وليس له طلب قيمتها؛ لأنها عادت إلى ما كانت ~~عليه من غير نقص ولا زيادة، فأشبه ما لو أصدقها عبدا فمرض ثم بريء. # وإن صاغت الحلي على ما كان عليه، ففيه وجهان: أحدهما: له الرجوع كالدراهم ~~إذا أعيدت. والثاني: ليس له الرجوع في نصفه؛ لأنها جددت فيه صناعة، فأشبه ~~ما لو صاغته على صفة أخرى، ولو أصدقها جارية، فهزلت ثم سمنت، فعادت إلى ~~حالتها الأولى، فهل يرجع في نصفها؟ على وجهين. ### | [فصل الصداق إذا اكان مكيلا أو موزونا] # (5588) فصل: وحكم الصداق حكم البيع، في أن ما كان مكيلا أو موزونا لا ~~يجوز لها التصرف فيه قبل قبضه، # PageV07P230 # وما عداه لا يحتاج إلى قبض، ولها التصرف فيه قبل قبضه. وقال القاضي: ما ~~كان متعينا فلها التصرف فيه، وما لم يكن متعينا، كالقفيز من صبرة، والرطل ~~من زيت من دن، لا تملك التصرف فيه حتى تقبضه، كالمبيع، وقد ذكرنا في المبيع ~~رواية أخرى، أنها لا تملك التصرف في شيء منه قبل قبضه. وهذا مذهب الشافعي. ~~وهذا أصل ذكر في البيع. # وذكر القاضي في موضع آخر أن ما لم ينتقض العقد بهلاكه، كالمهر وعوض الخلع ~~يجوز التصرف فيه قبل قبضه؛ لأنه بذل لا ينفسخ السبب الذي ملك به بهلاكه، ~~فجاز التصرف فيه قبل قبضه، كالوصية والميراث. وقد نص أحمد على هبة المرأة ~~زوجها صداقها قبل قبضها، وهو نوع تصرف فيه، وقياس المذهب أن ما جاز ms3741 لها ~~التصرف فيه، فهو من ضمانها إن تلف أو نقص، وما لا تصرف لها فيه فهو من ضمان ~~الزوج. وإن منعها الزوج قبضه، أو لم يمكنها منه فهو من ضمانه على كل حال؛ ~~لأن يده عادية فضمنه كالغاصب. وقد نقل مهنا، عن أحمد في رجل تزوج امرأة على ~~هذا الغلام، ففقئت عينه، فقال: إن كانت قبضته، فهو لها، وإن لم تكن قبضته، ~~فهو على الزوج. فظاهر هذا أنه جعله قبل قبضه من ضمان الزوج بكل حال وهو ~~مذهب الشافعي. # وكل موضع قلنا: هو من ضمان الزوج قبل القبض. إذا تلف قبل قبضه لم يبطل ~~الصداق بتلفه، ويضمنه بمثله إن كان مثليا، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي ~~في القديم وقال في الجديد: يرجع إلى مهر المثل لأن تلف العوض يوجب الرجوع ~~في المعوض، فإذا تعذر رده رجع إلى قيمته، كالمبيع، ومهر المثل هو القيمة، ~~فوجب الرجوع إليه. ولنا أن كل عين يجب تسليمها مع وجودها إذا تلفت مع بقاء ~~سبب استحقاقها، فالواجب بدلها، كالمغصوب والقرض والعارية، وفارق المبيع إذا ~~تلف فإن البيع انفسخ، وزال سبب الاستحقاق. # إذا ثبت هذا، فإن التالف في يد الزوج لا يخلو من أربعة أحوال؛ أحدها، أن ~~يتلف بفعلها، فيكون ذلك قبضا منها، ويسقط عن الزوج ضمانه. والثاني، تلف ~~بفعل الزوج، فهو من ضمانه على كل حال، ويضمنه لها بما ذكرناه. والثالث، ~~أتلفه أجنبي، فلها الخيار بين الرجوع على الأجنبي بضمانه، وبين الرجوع على ~~الزوج، ويرجع الزوج على المتلف. الرابع، تلف بفعل الله تعالى، فهو على ما ~~ذكرناه من التفصيل في صدر المسألة. ### | [فصل طلق المرأة قبل الدخول] # (5589) فصل: إذا طلق المرأة قبل الدخول، وقد تصرفت في الصداق بعقد من ~~العقود، لم يخل من ثلاثة أقسام: # PageV07P231 # أحدها، ما يزيل الملك عن الرقبة، كالبيع والهبة والعتق، فهذا يمنع ~~الرجوع، وله نصف القيمة؛ لزوال ملكها، وانقطاع تصرفها. فإن عادت العين ~~إليها قبل طلاقها، ثم طلقها وهي في يدها بحالها، فله الرجوع في نصفها؛ لأنه ~~وجدها بعينها، فأشبه ما لو ms3742 لم يخرجها، ولا يلزم الوالد إذا وهب لولده شيئا ~~فخرج عن ملكه، ثم عاد إليه، حيث لا يملك الرجوع فيه، لأننا نمنع ذلك، وإن ~~سلمناه فإن حق الوالد سقط بخروجه عن يد الولد بكل حال، بدليل أنه لا يطالب ~~ببذله، والزوج لم يسقط حقه بالكلية، بل يرجع بنصف قيمته عند عدمه، فإذا وجد ~~كان الرجوع في عينه أولى. # وفي معنى هذه التصرفات الرهن، فإنه وإن لم يزل الملك عن الرقبة، لكنه ~~يراد للبيع المزيل للملك، ولذلك لا يجوز رهن ما لا يجوز بيعه، ففي الرجوع ~~في العين إبطال لحق المرتهن من الوثيقة، فلم يجز، وكذلك الكتابة، فإنها ~~تراد للعتق المزيل للملك، وهي عقد لازم، فجرت مجرى الرهن. فإن طلق الزوج ~~قبل إقباض الهبة أو الرهن، أو في مدة الخيار في البيع، ففيه وجهان: أحدهما، ~~لا تجبر على رد نصفه إليه؛ لأنه عقد عقدته في ملكها، فلم تملك إبطاله، ~~كاللازم، ولأن ملكها قد زال، فلم تملك الرجوع فيما ليس بمملوك لها. ~~والثاني، تجبر على تسليم نصفه؛ لأنها قادرة على ذلك، ولا زيادة فيها. # وللشافعي قولان، كهذين الوجهين. فأما إن طلقها بعد تقبيض الهبة والرهن، ~~ولزوم البيع، فلم يأخذ قيمة النصف حتى فسخ البيع والرهن والهبة، لم يكن له ~~الرجوع في نصفها؛ لأن حقه يثبت في القيمة. الثاني تصرف غير لازم لا ينقل ~~الملك، كالوصية والشركة والمضاربة فهذا لا يبطل حق الرجوع في نصفه، ويكون ~~وجود هذا التصرف كعدمه؛ لأنه تصرف لم ينقل الملك، ولم يمنع المالك من ~~التصرف، فلا يمنع من له الرجوع على المالك من الرجوع، كالإيداع والعارية. ~~فأما إن دبرته، فظاهر المذهب أنه لا يمنع الرجوع لأنه وصية، أو تعليق نصفه، ~~وكلاهما لا يمنع الرجوع، ولأنه لا يمنع البيع، فلم يمنع الرجوع كالوصية. # ولا يجبر الزوج على الرجوع في نصفه، بل يخير بين ذلك وبين أخذ نصف قيمته؛ ~~لأن شركة من نصفه مدبر نقص، ولا يؤمن أن يرفع إلى حاكم حنفي فيحكم بعتقه. ~~وإن كانت أمة فدبرتها، خرج على ms3743 الروايتين، إن قلنا: تباع في الدين فهي ~~كالعبد، وإن قلنا: لا تباع. لم يجبر الزوج على الرجوع في نصفها. وإن كاتبت ~~الأمة أو العبد، لم يجبر الزوج على الرجوع في العبد؛ لأنه نقص. وإن اختار ~~الرجوع، وقلنا: الكتابة تمنع البيع. منعت الرجوع. # وإن قلنا: لا تمنع # PageV07P232 # البيع. احتمل أن لا تمنع الرجوع كالتدبير، واحتمل أن تمنعه؛ لأن الكتابة ~~عقد لازم يراد لإزالة الملك، فمنعت الرجوع كالرهن. الثالث: تصرف لازم لا ~~يراد لإزالة الملك، كالإجارة والتزويج، فهذا نقص، فيتخير بين أن يرجع في ~~نصفه ناقصا؛ لأنه رضي بحقه ناقصا، وبين الرجوع في نصف قيمته، فإن رجع في ~~نصف المستأجر، صبر حتى تنفسخ الإجارة. فإن قيل: فقد قلتم في الطلع الحادث ~~في النخل: إذا قال: أنا أصبر حتى تنتهي الثمرة، لم يكن له ذلك قلنا: الفرق ~~بينهما أن في تلك المسألة تكون المنة له، فلا يلزمها قبول منته، بخلاف ~~مسألتنا، ولأن ذلك يؤدي إلى التنازع في سقي الثمرة، ووقت جذاذها، وقطعها ~~لخوف العطش أو غيره، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل أصدقها شقصا فهل للشفيع أخذه] # (5590) فصل: فإن أصدقها شقصا، فهل للشفيع أخذه؟ على وجهين: فإن قلنا: له ~~أخذه. فأخذه، ثم طلق الزوج، رجع في نصف قيمته؛ لأنه قد زال ملكها عنه، وإن ~~طلقها قبل أخذه بالشفعة، وطالب الشفيع، ففيه وجهان: أحدهما: يقدم الشفيع؛ ~~لأن حقه أسبق، فإنه ثبت بالنكاح، وحق الزوج ثبت بالطلاق ولأن الزوج يرجع ~~إلى بدله وهو نصف القيمة، وحق الشفيع إذا بطل بطل إلى غير بدل. والثاني: ~~يقدم الزوج؛ لأن حقه آكد، فإنه ثبت بنص القرآن والإجماع، وحق الشفعة مجتهد ~~فيه، غير مجمع عليه، فعلى هذا يكون للشفيع أخذ النصف الباقي بنصف ما كان ~~يأخذ به الجميع. ### | [مسألة اختلفا في قدر الصداق بعد العقد] # (5591) مسألة؛ قال وإذا اختلفا في الصداق بعد العقد في قدره، ولا بينة ~~على مبلغه فالقول قولها ما ادعت مهر مثلها. وجملة ذلك أن الزوجين إذا ~~اختلفا في قدر المهر، ولا بينة على مبلغه، فالقول قول من يدعي ms3744 مهر المثل ~~منهما؛ فإن ادعت المرأة مهر مثلها أو أقل، فالقول قولها، وإن ادعى الزوج ~~مهر المثل أو أكثر، فالقول قوله. # وبهذا قال أبو حنيفة وعن الحسن والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبي عبيد ~~نحوه. وعن أحمد رواية أخرى، أن القول قول الزوج بكل حال. وهذا قول الشعبي، ~~وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي ثور. وبه قال أبو يوسف إلا أن يدعي ~~مستنكرا، وهو أن يدعي مهرا لا يتزوج بمثله في العادة، لأنه منكر للزيادة، ~~ومدعى عليه، فيدخل تحت قوله - عليه السلام - «ولكن اليمين على المدعى عليه» ~~وقال الشافعي: يتحالفان، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، ثبت ما قاله، وإن حلفا ~~وجب مهر المثل. # وبه # PageV07P233 # قال الثوري لأنهما اختلفا في العوض المستحق في العقد، ولا بينة، ~~فيتحالفان قياسا على المتبايعين إذا اختلفا في الثمن. وقال مالك: إن كان ~~الاختلاف قبل الدخول، تحالفا وفسخ النكاح، وإن كان بعده فالقول قول الزوج. ~~وبناه على أصله في البيع؛ فإنه يفرق في التحالف بين ما قبل القبض وبعده، ~~ولأنها إذا أسلمت نفسها بغير إشهاد، فقد رضيت بأمانته. # ولنا، أن الظاهر قول من يدعي مهر المثل، فكان القول قوله، قياسا على ~~المنكر في سائر الدعاوى، وعلى المودع إذا ادعى التلف أو الرد ولأنه عقد لا ~~ينفسخ بالتحالف فلا يشرع فيه كالعفو عن دم العمد ولأن القول بالتحالف يفضي ~~إلى إيجاب أكثر مما يدعيه أو أقل مما يقر لها به فإنها إذا كان مهر مثلها ~~مائة فادعت ثمانين وقال: بل هو خمسون أوجب لها عشرين يتفقان على أنها غير ~~واجبة. # ولو ادعت مائتين، وقال: بل هو مائة وخمسون ومهر مثلها مائة، فأوجب مائة ~~لأسقط خمسين يتفقان على وجوبها. ولأن مهر المثل إن لم يوافق دعوى أحدهما، ~~لم يجز إيجابه؛ لاتفاقهما على أنه غير ما أوجبه العقد، وإن وافق قول ~~أحدهما، فلا حاجة في إيجابه إلى يمين من ينفيه؛ لأنها لا تؤثر في إيجابه، ~~وفارق البيع؛ فإنه ينفسخ بالتحالف، ويرجع كل واحد منهما في ماله. # وما ادعاه مالك ms3745 من أنها استأمنته، لا يصح؛ فإنها لم تجعله أمينها، ولو ~~كان أمينا لها لوجب أن تكون أمينة له، حين لم يشهد عليها، على أنه لا يلزم ~~من الاختلاف عدم الإشهاد، فقد تكون بينهما بينة، فتموت أو تغيب أو تنسى ~~الشهادة، إذا ثبت هذا فكل من قلنا: القول قوله فهو مع يمينه؛ لأنه اختلاف ~~فيما يجوز بذله، تشرع فيه اليمين، كسائر الدعاوى في الأموال. وحكي عن ~~القاضي، أن اليمين لا تشرع في الأحوال كلها؛ لأنها دعوى في النكاح. ### | [فصل ادعى أقل من مهر المثل وادعت هي أكثر منه] # (5592) فصل: فإن ادعى أقل من مهر المثل، وادعت هي أكثر منه رد، إلى مهر ~~المثل. ولم يذكر أصحابنا يمينا. والأولى أن يتحالفا؛ فإن ما يقوله كل واحد ~~منهما محتمل للصحة، فلا يعدل عنه إلا بيمين من صاحبه، كالمنكر في سائر ~~الدعاوى، ولأنهما تساويا في عدم الظهور، فيشرع التحالف، كما لو اختلف ~~المتبايعان. وهذا قول أبي حنيفة، والباقون على أصولهم. ### | [فصل قال تزوجتك على هذا العبد] # (5593) فصل: فإن قال: تزوجتك على هذا العبد. فقالت: بل على هذه الأمة. ~~وكانت قيمة العبد مهر المثل، أو أكثر، وقيمة الأمة فوق ذلك، حلف الزوج ~~ووجبت لها قيمة العبد؛ لأن قوله يوافق الظاهر، ولا تجب # PageV07P234 # عين العبد، لئلا يدخل في ملكها ما ينكره وإن كان قيمة الأمة مهر المثل، ~~أو أقل، وقيمة العبد أقل من ذلك، فالقول قول الزوجة مع يمينها. وهل تجب ~~الأمة أو قيمتها؟ فيه وجهان: أحدهما: تجب عين الأمة؛ لأننا قبلنا قولها في ~~القدر، فكذلك في العين، وليس في ذلك إدخال ما ينكره في ملكها. والثاني، تجب ~~لها قيمتها، لأن قولها إنما وافق الظاهر في القدر لا في العين، فأوجبنا لها ~~ما وافقت الظاهر فيه، وإن كان كل واحد منهما قدر مهر المثل، أو كان العبد ~~أقل من مهر المثل، والأمة أكثر منه، وجب مهر المثل إذا تحالفا. وظاهر قول ~~القاضي أن اليمين لا يشرع في هذا كله. ### | [مسألة أنكر أن يكون لها عليه صداق] ms3746 # (5594) مسألة؛ قال وإن أنكر أن يكون لها عليه صداق، فالقول أيضا قولها ~~قبل الدخول وبعده، ما ادعت مهر مثلها، إلا أن يأتي ببينة تبرئه منه. وجملة ~~ذلك أن الزوج إذا أنكر صداق امرأته، وادعت ذلك عليه فالقول قولها فيما ~~يوافق مهر مثلها، سواء ادعى أنه وفى ما لها، أو أبرأته منه، أو قال: لا ~~تستحق علي شيئا. # وسواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده، وبه قال سعيد بن جبير، والشعبي وابن ~~شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وحكي عن ~~فقهاء المدينة السبعة أنهم قالوا: إن كان بعد الدخول، فالقول قول الزوج، ~~والدخول بالمرأة يقطع الصداق. وبه قال مالك قال أصحابه: إنما قال ذلك إذا ~~كانت العادة تعجيل الصداق، كما كان بالمدينة، أو كان الخلاف فيما تعجل منه ~~في العادة؛ لأنها لا تسلم نفسها في العادة إلا بقبضه، فكان الظاهر معه. # ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «اليمين على المدعى عليه» ~~ولأنه ادعى تسليم الحق الذي عليه فلم يقبل بغير بينة، كما لو ادعى تسليم ~~الثمن، أو كما قبل الدخول. ### | [فصل دفع إليها ألفا ثم اختلفا فقال دفعتها إليك صداقا] # (5595) فصل: فإن دفع إليها ألفا ثم اختلفا، فقال: دفعتها إليك صداقا. ~~وقالت: بل هبة فإن كان اختلافهما # PageV07P235 # في نيته كأن قالت: قصدت الهبة. وقال: قصدت دفع الصداق. فالقول قول الزوج ~~بلا يمين؛ لأنه أعلم بما نواه، ولا تطلع المرأة على نيته، وإن اختلفا في ~~لفظه، فقالت: قد قلت خذي هذا هبة أو هدية. فأنكر ذلك، فالقول قوله مع ~~يمينه؛ لأنها تدعي عقدا على ملكه، وهو ينكره، فأشبه ما لو ادعت عليه بيع ~~ملكه لها، لكن إن كان المدفوع من غير جنس الواجب عليه، كأن أصدقها دراهم، ~~فدفع إليها عوضا، ثم اختلفا، وحلف أنه دفع إليها ذلك من صداقها، فللمرأة رد ~~العرض، ومطالبته بصداقها. # قال أحمد في رواية الفضل بن زياد، في رجل تزوج امرأة على صداق ألف، فبعث ~~إليها بقيمته متاعا وثيابا، ولم يخبرهم أنه من ms3747 الصداق، فلما دخل سألته ~~الصداق، فقال لها: قد بعثت إليك بهذا المتاع، واحتسبته من الصداق. فقالت ~~المرأة: صداقي دراهم: ترد الثياب والمتاع، وترجع عليه بصداقها. فهذه ~~الرواية إذا لم يخبرهم أنه صداق، فأما إذا ادعى أنها احتسبت به من الصداق، ~~وادعت هي أنه قال: هو هبة. فينبغي أن يحلف كل واحد منهما، ويتراجعان بما ~~لكل واحد منهما. # وحكي عن مالك، أنه قال إن كان مما جرت العادة بهديته، كالثوب والخاتم، ~~فالقول قولها؛ لأن الظاهر معها، وإلا فالقول قوله. ولنا أنهما اختلفا في ~~صفة انتقال ملكه إلى يدها، فكان القول قول المالك، كما لو قال: أودعتك هذه ~~العين. قالت: بل وهبتها. ### | [فصل مات الزوجان واختلف ورثتهما] # (5596) فصل: إذا مات الزوجان، واختلف ورثتهما، قام ورثة كل إنسان مقامه، ~~إلا أن من يحلف منهم على الإثبات يحلف على البت، ومن يحلف على النفي يحلف ~~على نفي العلم؛ لأنه يحلف على نفي فعل الغير. وبه قال الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة إن مات أحد الزوجين فكذلك، وإن مات الزوجان، فادعى ورثة المرأة ~~التسمية، وأنكرها ورثة الزوج جملة، لم يحكم عليهم بشيء. قال أصحابه: إنما ~~قال ذلك إذا تقادم العهد؛ لأنه تعذر الرجوع إلى مهر المثل، لأنه تعتبر فيه ~~الصفات والأوقات. وقال محمد بن الحسن: يقضى بمهر المثل. # وقال زفر: بعشرة دراهم؛ لأنه أقل الصداق. ولنا أن ما اختلف فيه ~~المتعاقدان، قام ورثتهما مقامهما، كالمتبايعين. وما ذكروه ليس بصحيح؛ لأنه ~~لا يسقط الحق لتقادم العهد، ولا يتعذر الرجوع في ذلك، كقيم سائر المتلفات. ### | [فصل اختلف الزوج وأبو الصغيرة والمجنونة] # (5597) فصل: وإن اختلف الزوج وأبو الصغيرة والمجنونة، قام الأب مقام ~~الزوجة في اليمين؛ لأنه يحلف على فعل # PageV07P236 # نفسه، ولأن قوله مقبول فيما اعترف به من الصداق، فسمعت يمينه فيه، ~~كالزوجة، فإن لم يحلف حتى بلغت وعقلت، فاليمين عليها دونه؛ لأن الحق لها، ~~وإنما يحلف هو لتعذر اليمين من جهتها، فإذا أمكن في حقها، صارت اليمين ~~عليها، كالوصي إذا بلغ الأطفال قبل يمينه فيما يحلف فيه. فأما أبو ms3748 البكر ~~البالغة العاقلة، فلا تسمع مخالفته؛ لأن الكبيرة قولها مقبول في الصداق، ~~والحق لها دونه. # وأما سائر الأولياء، فليس له تزويج صغيرة، إلا على رواية في بنت تسع، ~~وليس لهم أن يزوجوا بدون مهر المثل. ولو زوجوها بدون مهر المثل، ثبت مهر ~~المثل من غير يمين. فإن ادعى أنه زوجها بأكثر من مهر مثلها، فاليمين على ~~الزوج لأن القول قوله في قدر مهر المثل. ### | [فصل أنكر الزوج تسمية الصداق] # (5598) فصل: إذا أنكر الزوج تسمية الصداق، وادعى أنه تزوجها بغير صداق، ~~فإن كان بعد الدخول نظرنا فإن ادعت المرأة مهر المثل أو دونه وجب ذلك من ~~غير يمين؛ لأنها لو صدقته في ذلك لوجب مهر المثل، فلا فائدة في الاختلاف، ~~وإن ادعت أقل من مهر المثل، فهي مقرة بنقصها عما يجب لها بدعوى الزوج، فيجب ~~أن يقبل قولها بغير يمين، وإن ادعت أكثر من مهر المثل، لزمته اليمين على ~~نفي، ذلك ويجب لها مهر المثل. # وإن كان اختلافهما قبل الدخول انبنى على الروايتين فيما إذا اختلفا في ~~قدر الصداق، فإن قلنا: القول قول الزوج. فلها المتعة، وإن قلنا: القول قول ~~من يدعي مهر المثل. قبل قولها ما ادعت مهر مثلها. هذا إذا طلقها، وإن لم ~~يطلقها، فرض لها مهر المثل على الروايتين، وكل من قلنا: القول قوله. فعليه ~~اليمين. ### | [مسألة تزوجها بغير صداق] # (5599) مسألة؛ قال: وإذا تزوجها بغير صداق، لم يكن لها عليه إذا طلقها ~~قبل الدخول إلا المتعة. وجملته أن النكاح يصح من غير تسمية صداق، في قول ~~عامة أهل العلم. وقد دل على هذا قول الله تعالى {لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236] ومتعوهن وروي «أن ~~ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقا، ولم يدخل بها حتى ~~مات، فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها ~~الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: قضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في بروع ms3749 بنت واشق، امرأة منا مثل # PageV07P237 # ما قضيت» أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، ولأن القصد من ~~النكاح الوصلة والاستمتاع دون الصداق فصح من غيره ذكره كالنفقة. # وسواء تركا ذكر المهر، أو شرطا نفيه، مثل أن يقول: زوجتك بغير مهر. ~~فيقبله كذلك. ولو قال: زوجتك بغير مهر في الحال، ولا في الثاني. صح أيضا. ~~وقال بعض الشافعية: لا يصح في هذه الصورة، لأنها تكون كالموهوبة. وليس ~~بصحيح؛ لأنه قد صح فيما إذا قال: زوجتك بغير مهر. فيصح هاهنا؛ لأن معناهما ~~واحد، وما صح في إحدى الصورتين المتساويتين، صح في الأخرى. # وليست كالموهوبة؛ لأن الشرط يفسد، ويجب المهر. إذا ثبت هذا، فإن المزوجة ~~بغير مهر تسمى مفوضة، بكسر الواو وفتحها، فمن كسر أضاف الفعل إليها على ~~أنها فاعلة، مثل مقومة، ومن فتح أضافه إلى وليها. ومعنى التفويض الإهمال، ~~كأنها أهملت أمر المهر، حيث لم تسمه؛ ومنه قول الشاعر: # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا # يعني مهملين. # والتفويض على ضربين؛ تفويض بضع، وتفويض مهر. فأما تفويض البضع، فهو الذي ~~ذكره الخرقي، وفسرناه، وهو الذي ينصرف إليه إطلاق التفويض، وأما تفويض ~~المهر، فهو أن يجعل الصداق إلى رأي أحدهما، أو رأي أجنبي، فيقول: زوجتك على ~~ما شئت، أو على حكمك أو على حكمي، أو حكمها، أو حكم أجنبي. ونحوه. فهذه لها ~~مهر المثل، في ظاهر # PageV07P238 # كلام الخرقي لأنها لم تزوج نفسها إلا بصداق، لكنه مجهول، فسقط لجهالته، ~~ووجب مهر المثل. # والتفويض الصحيح، أن تأذن المرأة الجائزة الأمر لوليها في تزويجها بغير ~~مهر، أو بتفويض قدره، أو يزوجها أبوها كذلك. فأما إن زوجها غير أبيها، ولم ~~يذكر مهرا، بغير إذنها في ذلك، فإنه يجب مهر المثل. وقال الشافعي لا يكون ~~التفويض إلا في الصورة الأولى. وقد سبق الكلام معه في أن للأب أن يزوج ~~ابنته بدون صداق مثلها، فكذلك يجوز تفويضه. فإذا طلقت المفوضة البضع قبل ~~الدخول، فليس لها إلا المتعة. # نص عليه أحمد، في رواية جماعة، ms3750 وهو قول ابن عمر، وابن عباس، والحسن، ~~وعطاء، وجابر بن زيد، والشعبي، والزهري، والنخعي، والثوري والشافعي، ~~وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي. وعن أحمد، رواية أخرى، أن الواجب لها نصف ~~مهر مثلها؛ لأنه نكاح صحيح يوجب مهر المثل بعد الدخول، فيوجب نصفه بالطلاق ~~قبل الدخول، كما لو سمى محرما. وقال مالك، والليث، وابن أبي ليلى: المتعة ~~مستحبة غير واجبة؛ لأن الله تعالى قال: {حقا على المحسنين} [البقرة: 236] ~~فخصهم بها فيدل أنها على سبيل الإحسان والتفضل، والإحسان ليس بواجب، ولأنها ~~لو كانت واجبة لم تختص المحسنين دون غيرهم. # ولنا، قوله تعالى: {ومتعوهن} [البقرة: 236] . أمر، والأمر يقتضي الوجوب. ~~وقال تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] . ~~وقال تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن} [الأحزاب: 49] . ولأنه طلاق في نكاح يقتضي ~~عوضا، فلم يعر عن العوض، كما لو سمى مهرا. وأداء الواجب من الإحسان، فلا ~~تعارض بينهما. ### | [فصل فرض لها بعد العقد ثم طلقها قبل الدخول] # (5600) فصل: فإن فرض لها بعد العقد، ثم طلقها قبل الدخول، فلها نصف ما ~~فرض لها، ولا متعة. وهذا قول ابن عمر، وعطاء، والشعبي، والنخعي، والشافعي، ~~وأبي عبيد وعن أحمد أن لها المتعة، يسقط المهر. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه ~~نكاح عري عن تسميته، فوجبت به المتعة، كما لو لم يفرض لها. ولنا قوله ~~تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} ~~[البقرة: 237] . ولأنه مفروض يستقر بالدخول، فتنصف بالطلاق قبله كالمسمى في ~~العقد. # PageV07P239 ### | [فصل أوجب لها نصف المهر] # (5601) فصل: ومن أوجب لها نصف المهر، لم تجب لها متعة، سواء كانت ممن سمي ~~لها صداق أو لم يسم لها لكن فرض بعد العقد. وبهذا قال أبو حنيفة، في من سمي ~~لها. وهو قديم قولي الشافعي وروي عن أحمد: لكل مطلقة متاع. وروي ذلك عن علي ~~بن أبي طالب، والحسن، وسعيد بن جبير، وأبي قلابة، والزهري، وقتادة، ~~والضحاك، وأبي ثور؛ لظاهر قوله تعالى {وللمطلقات ms3751 متاع بالمعروف حقا على ~~المتقين} [البقرة: 241] . # ولقوله تعالى لنبيه: - عليه السلام - {قل لأزواجك} [الأحزاب: 28] إلى ~~قوله {فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] وعلى هذه ~~الرواية، لكل مطلقة متاع، سواء كانت مفوضة أو مسمى لها، مدخولا بها أو ~~غيرها؛ لما ذكرنا. وظاهر المذهب أن المتعة لا تجب إلا للمفوضة التي لم يدخل ~~بها إذا طلقت. قال أبو بكر: كل من روى عن أبي عبد الله فيما أعلم، روى عنه ~~أنه لا يحكم بالمتعة إلا لمن لم يسم لها مهر، إلا حنبلا، فإنه روى عن أحمد ~~أن لكل مطلقة متاعا. قال أبو بكر: والعمل عليه عندي لولا تواتر الروايات ~~عنه بخلافها. # ولنا: قوله تعالى {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا ~~لهن فريضة ومتعوهن} [البقرة: 236] . ثم قال: {وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] . فخص الأولى ~~بالمتعة، والثانية بنصف المفروض، مع تقسيمه النساء قسمين، وإثباته لكل قسم ~~حكما، فيدل ذلك على اختصاص كل قسم بحكمه، وهذا يخص ما ذكروه. # ويحتمل أن يحمل الأمر بالمتاع في غير المفوضة على الاستحباب؛ لدلالة ~~الآيتين اللتين ذكرناهما على نفي وجوبها، جمعا بين دلالة الآيات والمعنى، ~~فإنه عوض واجب في عقد، فإذا سمي فيه عوض صحيح، لم يجب غيره، كسائر عقود ~~المعاوضة، ولأنها لا تجب لها المتعة قبل الفرقة، ولا ما يقوم مقامها، فلم ~~تجب لها عند الفرقة، كالمتوفى عنها زوجها. ### | [فصل طلق المسمى لها أو المفوضة المفروض لها بعد الدخول] # فصل: ولو طلق المسمى لها بعد الدخول، أو المفوضة المفروض لها بعد الدخول، ~~فلا متعة لواحدة منهما إلا على رواية حنبل. وقد ذكرنا ذلك، وذكرنا قول من ~~ذهب إليه. وظاهر المذهب: أنه لا متعة لواحدة منهما، وهو قول أبي حنيفة. ~~وللشافعي قولان، كالروايتين، وقد ذكرنا ذلك. إذا ثبت هذا، فإنه يستحب أن ~~يمتعهما. نص عليه أحمد، فقال: أنا أوجبها على من لم يسم لها صداقا، # PageV07P240 # فإن كان سمى صداقا، فلا أوجبها عليه، وأستحب أن يمتع ms3752 وإن سمى لها صداقا. ~~وإنما استحب ذلك لعموم النص الوارد فيها، ودلالتها على إيجابها. # وقول علي - رضي الله عنه - ومن سمينا من الأئمة بها، فلما امتنع الوجوب ~~لدلالة الآيتين المذكورتين على نفي الوجوب، ودلالة المعنى المذكور عليه، ~~تعين حمل الأدلة الدالة عليها على الاستحباب، أو على أنه أريد به الخصوص. ~~وأما المتوفى عنها، فلا متعة لها بالإجماع؛ لأن النص العام لم يتناولها، ~~وإنما تناول المطلقات، ولأنها أخذت العوض المسمى لها في عقد المعاوضة، فلم ~~يجب لها به سواه، كما في سائر العقود. ### | [فصل المتعة تجب على كل زوج] # (5603) فصل: والمتعة تجب على كل زوج، لكل زوجة مفوضة طلقت قبل الدخول، ~~وسواء في ذلك الحر والعبد، والمسلم والذمي، والحرة والأمة، والمسلمة ~~والذمية. وحكي عن أبي حنيفة: لا متعة للذمية. وقال الأوزاعي: إن كان ~~الزوجان أو أحدهما رقيقا، فلا متعة. ولنا عموم النص ولأنها قائمة مقام نصف ~~المهر في حق من سمي، فتجب لكل زوجة على كل زوج كنصف المسمى، ولأن ما يجب من ~~العوض يستوي فيه المسلم والكافر، والحر والعبد، كالمهر. ### | [فصل في المفوضة المهر] # (5604) فصل: فأما المفوضة المهر، وهي التي يتزوجها على ما شاء أحدهما، أو ~~التي زوجها غير أبيها بغير صداق بغير إذنها، أو التي مهرها فاسد، فإنه يجب ~~لها مهر المثل، ويتنصف بالطلاق قبل الدخول، ولا متعة لها. هذا ظاهر كلام ~~الخرقي وقد صرح به في التي مهرها فاسد. وهو مذهب الشافعي وعن أحمد، أن لها ~~المتعة دون نصف المهر، كالمفوضة البضع. # وهو مذهب أبي حنيفة لأنه خلا عقدها من تسمية صحيحة، فأشبهت التي لم يسم ~~لها شيء. ولنا، أن هذه لها مهر واجب قبل الطلاق، فوجب أن يتنصف، كما لو ~~سماه. أو نقول: لم ترض بغير صداق، فلم تجب المتعة، كالمسمى لها. وتفارق ~~التي رضيت بغير عوض؛ فإنها رضيته بغير صداق، وعاد بضعها سليما، فعوضت ~~المتعة، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل كل فرقة يتنصف بها المسمى توجب المتعة] # (5605) فصل: وكل فرقة يتنصف بها المسمى، توجب المتعة، إذا كانت مفوضة، ms3753 ~~وما يسقط به المسمى من الفرق، # PageV07P241 # كاختلاف الدين والفسخ بالرضاع ونحوه، إذا جاء من قبلها، لا تجب به متعة؛ ~~لأنها أقيمت مقام نصف المسمى، فسقطت في موضع يسقط، كما تسقط الأبدال بما ~~يسقط مبدلها. ### | [فصل تزوج امرأة ولم يكن فرض لها مهرا ثم وهب لها غلاما ثم طلقها قبل الدخول] # (5606) فصل: قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يكن فرض ~~لها مهرا، ثم وهب لها غلاما، ثم طلقها قبل الدخول. قال: لها المتعة. وذلك ~~لأن الهبة لا تنقضي بها المتعة، كما لا ينقضي بها نصف المسمى، ولأن المتعة ~~إنما تجب بالطلاق فلا يصح قضاؤها قبله، ولأنها واجبة فلا تنقضي بالهبة، ~~كالمسمى. ### | [مسألة المتعة معتبرة بحال الزوج في يساره وإعساره] # (5607) مسألة؛ قال: (على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، فأعلاه خادم، ~~وأدناه كسوة يجوز لها أن تصلي فيها، إلا أن يشاء هو أن يزيدها، أو تشاء هي ~~أن تنقصه) وجملة ذلك أن المتعة معتبرة بحال الزوج، في يساره وإعساره. نص ~~عليه أحمد. وهو وجه لأصحاب الشافعي. والوجه الآخر قالوا: هو معتبر بحال ~~الزوجة؛ لأن المهر معتبر بها، كذلك المتعة القائمة مقامه. ومنهم من قال: ~~يجزئ في المتعة ما يقع عليه الاسم، كما يجزئ في الصداق ذلك. # ولنا، قول الله تعالى: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] ~~وهذا نص في أنها معتبرة بحال الزوج وأنها تختلف، ولو أجزأ ما يقع عليه ~~الاسم سقط الاختلاف، ولو اعتبر بحال المرأة لما كان على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره، إذا ثبت هذا فاختلفت الرواية عن أحمد فيها؛ فروي عنه مثل قول ~~الخرقي، أعلاها خادم، هذا إذا كان موسرا، وإن كان فقيرا متعها كسوتها درعا ~~وخمارا وثوبا تصلي فيه. # ونحو ذلك قال ابن عباس، والزهري، والحسن قال ابن عباس: أعلى المتعة ~~الخادم ثم دون ذلك النفقة، ثم دون ذلك الكسوة. ونحو ما ذكرنا في أدناها قال ~~الثوري، والأوزاعي، وعطاء، ومالك، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، قالوا: درع ~~وخمار وملحفة. والرواية الثانية: يرجع في ms3754 تقديرها إلى الحاكم. وهو أحد قولي ~~الشافعي؛ لأنه أمر لم يرد الشرع بتقديره، وهو مما يحتاج إلى الاجتهاد، فيجب ~~الرجوع فيه إلى الحاكم، كسائر المجتهدات. # PageV07P242 # وذكر القاضي في " المجرد " رواية ثالثة: أنها مقدرة بما يصادف نصف مهر ~~المثل؛ لأنها بدل عنه. فيجب أن تتقدر به. وهذه الرواية تضعف لوجهين؛ ~~أحدهما، أن نص الكتاب يقتضي تقديرها بحال الزوج، وتقديرها بنصف مهر المثل ~~يوجب اعتبارها بحال المرأة؛ لأن مهرها معتبر بها لا بزوجها. الثاني، أنا لو ~~قدرناها بنصف المهر لكانت نصف المهر، إذ ليس المهر معينا في شيء ولا ~~المتعة. ووجه قول الخرقي قول ابن عباس: أعلى المتعة الخادم، ثم دون ذلك ~~الكسوة. رواه أبو حفص بإسناده. وقدرها بكسوة تجوز لها الصلاة فيها؛ لأن ~~الكسوة الواجبة بمطلق الشرع تتقدر بذلك، كالكسوة في الكفارة، والسترة في ~~الصلاة. # وروى كنيف السلمي، أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر الكلبية، ~~فحممها بجارية سوداء. يعني متعها. قال إبراهيم النخعي: العرب تسمي المتعة ~~التحميم. وهذا فيما إذا تشاحا في قدرها، فإن سمح لها بزيادة على الخادم، أو ~~رضيت بأقل من الكسوة، جاز؛ لأن الحق لهما، لا يخرج عنهما، وهو مما يجوز ~~بذله، فجاز ما اتفقا عليه، كالصداق. وقد روي عن الحسن بن علي - رضي الله ~~عنهما -، أنه متع امرأة بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق. ### | [مسألة طالبته قبل الدخول أن يفرض لها] # (5608) مسألة؛ قال: (ولو طالبته قبل الدخول أن يفرض لها، أجبر على ذلك. ~~فإن فرض لها مهر مثلها لم يكن لها غيره، وكذلك إن فرض لها أقل منه فرضيته) ~~وجملة ذلك أن المفوضة لها المطالبة بفرض المهر؛ لأن النكاح لا يخلو من ~~المهر فوجبت لها المطالبة ببيان قدره. وبهذا قال الشافعي. ولا نعلم فيه ~~مخالفا. فإن اتفق الزوجان على فرضه، جاز ما فرضاه، قليلا كان أو كثيرا، ~~سواء كانا عالمين بمهر المثل أو غير عالمين به. # وقال الشافعي في قول له: لا يصح الفرض بغير مهر المثل إلا مع علمها بمهر ~~المثل؛ ms3755 لأن ما يفرضه بدل عن مهر المثل، فيحتاج أن يكون المبدل معلوما. ولنا ~~أنه إذا فرض لها كثيرا، فقد بذل من ماله فوق ما يلزمه، وإن رضيت باليسير، ~~فقد رضيت بدون ما يجب لها، فلا تمنع من ذلك. وقولهم إنه بدل غير صحيح فإن ~~البدل غير المبدل، والمفروض إن كان ناقصا فهو بعضه. # وإن كان أكثر فهو الواجب وزيادة، فلا يصح جعله بدلا، ولو # PageV07P243 # كان بدلا لما جاز مع العلم؛ لأنه يبدل ما فيه الربا بجنسه متفاضلا، وقد ~~روى عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل: «أترضى ~~أني أزوجك فلانة؟ قال: نعم. وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: ~~نعم. فزوج أحدهما صاحبه، ودخل عليها، ولم يفرض لها صداقا، فلما حضرته ~~الوفاة قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوجني فلانة، ولم يفرض ~~لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وإني قد أعطيتها عن صداقها سهمي بخيبر، فأخذت ~~سهمه، فباعته بمائة ألف» . # فأما إن تشاحا فيه، ففرض لها مهر مثلها، أو أكثر منه، فليس لها المطالبة ~~بسواه. فإن لم ترض به، لم يستقر لها حتى ترضاه، فإن طلقها قبل الدخول، فليس ~~لها إلا المتعة؛ لأنه لا يثبت لها بفرضه ما لم ترض به، كحالة الابتداء. وإن ~~فرض لها أقل من مهر المثل، فلها المطالبة بتمامه، ولا يثبت لها ما لم ترض ~~به. وإن تشاحا، وارتفعا، إلى الحاكم، فليس له أن يفرض لها إلا مهر المثل؛ ~~لأن الزيادة ميل عليه، والنقصان ميل عليها، والعدل المثل، لأنه إنما يفرض ~~بدل البضع، فيقدر به، كالسلعة إذا تلفت فرجعا في تقويمها إلى أهل الخبرة. # ويعتبر معرفة مهر المثل ليتوصل إلى إمكان فرضه. ومتى صح الفرض صار ~~كالمسمى في العقد، في أنه يتنصف بالطلاق، ولا تجب المتعة معه. وإذا فرضه ~~الحاكم، لزم ما فرضه، سواء رضيته أو لم ترضه. كما يلزم ما حكم به. ### | [فصل فرض لها أجنبي مهر مثلها فرضيته] # (5609) فصل: وإن فرض لها أجنبي مهر مثلها، فرضيته، لم يصح ms3756 فرضه، وكان ~~وجوده كعدمه؛ لأنه ليس بزوج ولا حاكم. فإن سلم إليها ما فرضه لها، فرضيته، ~~احتمل أن لا يصح؛ لما ذكرنا، ويكون حكمها حكم من لم يفرض لها، ويسترجع ما ~~أعطاها؛ لأن تصرفه، ما صح، ولا برئت به ذمة الزوج. ويحتمل أن يصح؛ لأنه ~~يقوم مقام الزوج في قضاء المسمى، فيقوم مقامه في قضاء ما يوجبه العقد غير ~~المسمى. فعلى هذا، إذا طلقت قبل الدخول، رجع نصفه إلى الزوج؛ لأنه ملكه ~~إياه حين قضى به دينا عليه، فيعود إليه كما لو دفعه هو. # ولأصحاب الشافعي مثل هذين الوجهين، وذكروا وجها ثالثا، أنه يرجع نصفه إلى ~~الأجنبي. وذكره القاضي وجها لنا ثالثا. وقد ذكرنا ما يدل على صحة ما قلناه. ~~ولو أن رجلا قضى المسمى عن الزوج، صح، ثم إن طلقها الزوج قبل الدخول، رجع ~~نصفه إليه، وإن فسخت نكاح نفسها بفعل من جهتها، رجع جميعه إليه. وعلى الوجه ~~الآخر، يرجع إلى من قضاه. والله أعلم. # PageV07P244 ### | [فصل يجب المهر للمفوضة بالعقد] # (5610) فصل: ويجب المهر للمفوضة، بالعقد، وإنما يسقط إلى المتعة بالطلاق. ~~وهذا مذهب أبي حنيفة. واختلف أصحاب الشافعي؛ فمنهم من قال: الصحيح أنه يجب ~~بالعقد. وقال بعضهم: لا يجب بالعقد، قولا واحدا. ولا يجيء على أصل الشافعي ~~غير هذا؛ لأنه لو وجب بالعقد لتنصف بالطلاق، كالمسمى في العقد. # ولنا، أنها تملك المطالبة به، فكان واجبا، كالمسمى، ولأنه لو لم يجب ~~بالعقد، لما استقر بالموت، كما في العقد الفاسد، ولأن النكاح لا يجوز أن ~~يخلو عن المهر، والقول بعدم وجوبه يفضي إلى خلوه عنه، وإلى أن النكاح انعقد ~~صحيحا وملك الزوج الوطء ولا مهر فيه، وإنما لم يتنصف؛ لأن الله تعالى نقل ~~غير المسمى لها بالطلاق إلى المتعة كما نقل من سمي لها إلى نصف المسمى لها. ~~والله أعلم. # فعلى هذا لو فوض الرجل مهر أمته، ثم أعتقها أو باعها، ثم فرض لها المهر، ~~كان لمعتقها أو بائعها لأن المهر وجب بالعقد في ملكه. ولو فوضت المرأة ~~نفسها، ثم طالبت بفرض ms3757 مهرها بعد تغير مهر مثلها، أو دخل بها، لوجب مهر ~~مثلها حالة العقد؛ لما ذكرنا. ووافق أصحاب الشافعي على ذلك؛ لأن الوجوب ~~يستند إلى حالة العقد، إلا في الأمة التي أعتقها أو باعها، في أحد الوجهين. ### | [فصل الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئا] # (5611) فصل: ويجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئا، سواء كانت مفوضة أو ~~مسمى لها. وبهذا قال سعيد بن المسيب، والحسن، النخعي، والثوري، والشافعي ~~وروي عن ابن عباس، وابن عمر، والزهري، وقتادة، ومالك: لا يدخل بها حتى ~~يعطيها شيئا. قال الزهري: مضت السنة أن لا يدخل بها حتى يعطيها شيئا. قال ~~ابن عباس: يخلع إحدى نعليه، ويلقيها إليها. # وقد روى أبو داود، بإسناده عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«، أن عليا لما تزوج فاطمة، أراد أن يدخل بها، فمنعه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى يعطيها شيئا، فقال: يا رسول الله، ليس لي شيء. فقال له ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: أعطها درعك. فأعطاها درعه، ثم دخل بها.» ~~ورواه ابن عباس أيضا، قال: «لما تزوج علي فاطمة، قال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: أعطها شيئا. قال: ما عندي. قال: أين # PageV07P245 # درعك الحطمية؟ .» رواه أبو داود، والنسائي. ولنا حديث عقبة بن عامر، في ~~الذي زوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - ودخل بها ولم يعطها شيئا. # وروت عائشة، قالت: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أدخل ~~امرأة على زوجها، قبل أن يعطيها شيئا.» رواه ابن ماجه. ولأنه عوض في عقد ~~معاوضة، فلم يقف جواز تسليم المعوض على قبض شيء منه، كالثمن في البيع، ~~والأجرة في الإجارة. وأما الأخبار فمحمولة على الاستحباب، فإنه يستحب أن ~~يعطيها قبل الدخول شيئا، موافقة للأخبار، ولعادة الناس فيما بينهم، ولتخرج ~~المفوضة عن شبه الموهوبة، وليكون ذلك أقطع للخصومة. ويمكن حمل قول ابن عباس ~~ومن وافقه على الاستحباب، فلا يكون بين القولين فرق. والله أعلم. ### | [مسألة مات أحد الزوجين قبل الإصابة وقبل الفرض] # (5612) مسألة؛ قال: (ولو مات أحدهما قبل الإصابة، ms3758 وقبل الفرض، ورثه ~~صاحبه، وكان لها مهر نسائها) أما الميراث فلا خلاف فيه؛ فإن الله تعالى فرض ~~لكل واحد من الزوجين فرضا وعقد الزوجية هاهنا صحيح ثابت، فيورث به؛ لدخوله ~~في عموم النص. وأما الصداق، فإنه يكمل لها مهر نسائها، في الصحيح من ~~المذهب. وإليه ذهب ابن مسعود، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وإسحاق. ~~وروي عن علي، وابن عباس، وابن عمر، والزهري، وربيعة، ومالك، والأوزاعي: لا ~~مهر لها؛ لأنها فرقة وردت على تفويض صحيح قبل فرض ومسيس، فلم يجب بها مهر ~~كفرقة الطلاق. # وقال أبو حنيفة كقولنا في المسلمة وكقولهم في الذمية. وعن أحمد رواية ~~أخرى، لا يكمل، ويتنصف وللشافعي قولان، كالروايتين. ولنا: ما روي «أن عبد ~~الله بن مسعود - رضي الله عنه -. قضى لامرأة لم يفرض لها زوجها صداقا، ولم ~~يدخل بها حتى مات، فقال: لها صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ~~ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: قضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في بروع ابنة واشق مثل ما قضيت.» قال الترمذي: هذا حديث صحيح. # وهو نص في محل النزاع، ولأن الموت معنى يكمل به المسمى، فكمل به مهر ~~المثل للمفوضة، كالدخول. وقياس الموت على الطلاق غير صحيح فإن الموت يتم به ~~النكاح فيكمل به الصداق، والطلاق يقطعه ويزيله قبل إتمامه، ولذلك وجبت ~~العدة بالموت قبل الدخول، ولم تجب # PageV07P246 # بالطلاق وكمل المسمى بالموت، ولم يكمل بالطلاق، وأما الذمية فإنها مفارقة ~~بالموت، فكمل لها الصداق كالمسلمة، أو كما لو سمى لها ولأن المسلمة والذمية ~~لا يختلفان في الصداق في موضع، فيجب أن لا يختلفا هاهنا. (5613) فصل: قوله: ~~" مهر نسائها ". يعني مهر مثلها من أقاربها. وقال مالك تعتبر بمن هي في مثل ~~كمالها ومالها وشرفها، ولا يختص بأقربائها؛ لأن الأعواض إنما تختلف بذلك ~~دون الأقارب. # ولنا قوله في حديث ابن مسعود: لها مهر نسائها. ونساؤها أقاربها. وما ذكره ~~فنحن نشترطه، ونشترط معه أن تكون من نساء أقاربها؛ لأنها أقرب إليهن. ~~وقوله: لا يختلف ذلك ms3759 باختلاف الأقارب. لا يصح؛ فإن المرأة تطلب لحسبها، كما ~~جاء في الأثر، وحسبها يختص به أقاربها، فيزداد المهر لذلك ويقل، وقد يكون ~~الحي وأهل القرية لهم عادة في الصداق، ورسم مقرر، لا يشاركهم فيه غيرهم، ~~ولا يغيرونه بتغير الصفات، فيكون الاعتبار بذلك دون سائر الصفات. # واختلفت الرواية عن أحمد، في من يعتبر من أقاربها، فقال في رواية حنبل: ~~لها مهر مثلها من نسائها من قبل أبيها. فاعتبرها بنساء العصبات خاصة. وهذا ~~مذهب الشافعي. وقال في رواية إسحاق بن هانئ: لها مهر نسائها، مثل أمها أو ~~أختها أو عمتها أو بنت عمها. اختاره أبو بكر. وهو مذهب أبي حنيفة، وابن أبي ~~ليلى؛ لأنهن من نسائها. # والأولى أولى؛ فإنه قد روي في قصة بروع، «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى في بروع بنت واشق بمثل مهر نساء قومها.» ولأن شرف المرأة معتبر ~~في مهرها، وشرفها بنسبها، وأمها وخالتها لا تساويانها في نسبها، فلا ~~تساويانها في شرفها، وقد تكون أمها مولاة وهي شريفة، وقد تكون أمها شريفة ~~وهي غير شريفة. وينبغي أن يعتبر الأقرب فالأقرب، فأقرب نساء عصباتها إليها ~~أخواتها، ثم عماتها ثم بنات عمها، الأقرب فالأقرب. ويعتبر أن يكن في مثل ~~حالها؛ في دينها، وعقلها، وجمالها، ويسارها وبكارتها وثيوبتها، وصراحة ~~نسبها، وكل ما يختلف لأجله الصداق، وأن يكن من أهل بلدها؛ لأن عادات البلاد ~~تختلف في المهر. # وإنما اعتبرت هذه الصفات كلها؛ لأن مهر المثل إنما هو بدل متلف فاعتبرت ~~الصفات المقصودة فيه. فإن لم يكن في عصباتها من هو في مثل حالها، فمن نساء ~~أرحامها، كأمها وجداتها وخالاتها وبناتهن، فإن لم يكن، فأهل بلدها، فإن لم ~~يكن فنساء أقرب البلدان إليها، فإن لم يوجد إلا دونها، زيد لها بقدر ~~فضيلتها، وإن لم يوجد إلا خير منها، نقصت بقدر نقصها. # PageV07P247 ### | [فصل لا يجب مهر المثل إلا حالا] # (5614) فصل: ولا يجب مهر المثل إلا حالا؛ لأنه بدل متلف، فأشبه قيم ~~المتلفات. ولا يكون إلا من نقد البلد؛ لما ذكرناه. ولا يلزم ms3760 كالدية؛ لأنها ~~لا تختلف باختلاف صفات المتلف؛ لأنها مقدرة بالشرع، فكانت بحكم ما جعل من ~~الحلول والتأجيل، فلا يعتبر بها غيرها، ولأنها عدل بها عن سائر الأبدال في ~~من وجبت عليه، فكذلك في تأجيلها تخفيفا عنه، بخلاف غيرها، فإن كانت عادة ~~نسائها تأجيل المهر، ففيه وجهان؛ أحدهما: يفرض حالا؛ لذلك. والثاني يفرض ~~مؤجلا لأن مهر مثلها مؤجل. وإن كان عادتهم أنهم إذا زوجوا من عشيرتهم ~~خففوا، وإن زوجوا غيرهم ثقلوا اعتبر ذلك. # وهذا مذهب الشافعي؛ فإن قيل: فإذا كان مهر المثل بدل متلف، يجب أن لا ~~يختلف باختلاف المتلف، كسائر المتلفات. قلنا: النكاح يخالف سائر المتلفات، ~~فإن سائر المتلفات المقصود بها المالية خاصة، فلم تختلف باختلاف المتلفين، ~~والنكاح يقصد به أعيان الزوجين، فاختلف باختلافهم، ولأن سائر المتلفات لا ~~تختلف باختلاف العوائد، والمهر يختلف بالعادات، فإن المرأة إذا كانت من قوم ~~عادتهم تخفيف مهور نسائهم، وجب مهر المرأة منهم خفيفا، وإن كانت أفضل وأشرف ~~من نساء من عادتهم تثقيل المهر، وعلى هذا متى كانت عادتهم التخفيف لمعنى، ~~مثل الشرف أو اليسار ونحو ذلك اعتبر جريا على عادتهم. والله أعلم. ### | [فصل زوج السيد عبده أمته] # (5615) فصل: إذا زوج السيد عبده أمته، فقال القاضي: لا يجب مهر لأنه لو ~~وجب لوجب لسيدها، ولا يجب للسيد على عبده مال. وقال أبو الخطاب: يجب ~~المسمى، أو مهر المثل إن لم يكن مسمى، كي لا يخلو النكاح عن مهر، ثم يسقط ~~لتعذر إثباته. وقال أبو عبد الله: إذا زوج عبده من أمته، فأحب أن يكون بمهر ~~وشهود. قيل: فإن طلقها؟ قال: يكون الصداق عليه إذا أعتق قيل: فإن زوجها منه ~~بغير مهر؟ قال: قد اختلفوا فيه، فذهب جابر إلى أنه جائز. ### | [مسألة خلا بها بعد العقد فقال لم أطأها وصدقته] # مسألة؛ قال: (وإذا خلا بها بعد العقد، فقال: لم أطأها وصدقته، لم يلتفت ~~إلى قولهما، وكان حكمهما حكم الدخول، في جميع أمورهما، إلا في الرجوع إلى ~~زوج طلقها ثلاثا، أو في الزنى، فإنهما يجلدان، ولا يرجمان) ms3761 وجملة ذلك أن ~~الرجل إذا خلا بامرأته بعد العقد الصحيح استقر عليه مهرها ووجبت عليها ~~العدة، # PageV07P248 # وإن لم يطأ. روي ذلك عن الخلفاء الراشدين وزيد، وابن عمر. وبه قال علي بن ~~الحسين وعروة، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وهو قديم ~~قولي الشافعي وقال شريح، والشعبي، وطاوس، وابن سيرين، والشافعي في الجديد: ~~لا يستقر إلا بالوطء. وحكي ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس. وروي نحو ذلك عن ~~أحمد وروى عنه يعقوب بن بختان، أنه قال: إذا صدقته المرأة، أنه لم يطأها، ~~لم يكمل لها الصداق، وعليها العدة. وذلك لقول الله تعالى: {وإن طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] وهذه قد ~~طلقها قبل أن يمسها. وقال تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} ~~[النساء: 21] والإفضاء: الجماع. ولأنها مطلقة لم تمس، أشبهت من لم يخل بها. # ولنا: إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، روى الإمام أحمد، والأثرم، ~~بإسنادهما، عن زرارة بن أوفى، قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون، أن من ~~أغلق بابا، أو أرخى سترا، فقد وجب المهر، ووجبت العدة. ورواه الأثرم أيضا، ~~عن الأحنف، عن عمر وعلي وعن سعيد بن المسيب. وعن زيد بن ثابت: عليها العدة، ~~ولها الصداق كاملا. وهذه قضايا تشتهر، ولم يخالفهم أحد في عصرهم، فكان ~~إجماعا. # وما رووه عن ابن عباس، لا يصح، قال أحمد: يرويه ليث، وليس بالقوي، وقد ~~رواه حنظلة خلاف ما رواه ليث، وحنظلة أقوى من ليث. وحديث ابن مسعود منقطع. ~~قاله ابن المنذر. ولأن التسليم المستحق وجد من جهتها، فيستقر به البدل، كما ~~لو وطئها، أو كما لو أجرت دارها، أو باعتها وسلمتها. وأما قوله تعالى: {من ~~قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237] فيحتمل أنه كنى بالمسبب عن السبب، الذي هو ~~الخلوة، بدليل ما ذكرناه. # وأما قوله: {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} [النساء: 21] فقد حكي عن الفراء، ~~أنه قال: الإفضاء الخلوة، دخل بها أو لم يدخل. وهذا صحيح؛ فإن الإفضاء ~~مأخوذ من الفضاء، وهو الخالي، فكأنه قال: وقد خلا ms3762 بعضكم إلى بعض. وقول ~~الخرقي: حكمها حكم الدخول في جميع أمورهما. يعني في حكم ما لو وطئها، من ~~تكميل المهر، ووجوب العدة، وتحريم أختها وأربع سواها إذا طلقها حتى تنقضي ~~عدتها، وثبوت الرجعة له عليها في عدتها. وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا رجعة ~~له عليها، إذا أقر أنه لم يصبها. # PageV07P249 # ولنا: قوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228] ولأنها ~~معتدة من نكاح صحيح، لم ينفسخ نكاحها، ولا كمل عدد طلاقها، ولا طلقها بعوض ~~فكان له عليها الرجعة، كما لو أصابها. ولها عليه نفقة العدة والسكنى؛ لأن ~~ذلك لمن لزوجها عليها الرجعة. # ولا تثبت بها الإباحة للزوج المطلق ثلاثا؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لامرأة رفاعة القرظي: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ، لا حتى تذوقي ~~عسيلته ويذوق عسيلتك.» ولا الإحصان لأنه يعتبر لإيجاب الحد، والحدود تدرأ ~~بالشبهات، ولا الغسل لأن موجبات الغسل خمسة وليس هذا منها. ولا يخرج به من ~~العنة؛ لأن العنة العجز عن الوطء فلا يزول إلا بحقيقة الوطء. ولا تحصل به ~~الفيئة، لأنها الرجوع عما حلف عليه، وإنما حلف على ترك الوطء، ولأن حق ~~المرأة لا يحصل إلا بنفس الوطء. ولا تفسد به العبادات. ولا تجب به الكفارة. # وأما تحريم الربيبة، فعن أحمد أنه يحصل بالخلوة. وقال القاضي، وابن عقيل: ~~لا تحرم. وحمل القاضي كلام أحمد على أنه حصل مع الخلوة نظر أو مباشرة، ~~فيخرج كلامه على إحدى الروايتين في أن ذلك يحرم والصحيح أنها لا تحرم؛ لقول ~~الله تعالى {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: 23] والدخول ~~كناية عن الوطء، والنص صريح في إباحتها بدونه، فلا يجوز خلافه. ### | [مسألة خلا بها وبهما أو بأحدهما مانع من الوطء] # (5617) مسألة؛ قال: (وسواء خلا بها وهما محرمان، أو صائمان، أو حائض، أو ~~سالمان من هذه الأشياء) اختلفت الرواية عن أحمد فيما إذا خلا بها، وبهما أو ~~بأحدهما مانع من الوطء، كالإحرام والصيام والحيض والنفاس، أو مانع حقيقي، ~~كالجب والعنة، أو الرتق في المرأة، فعنه أن الصداق ms3763 يستقر بكل حال. وبه قال ~~عطاء، وابن أبي ليلى، والثوري لعموم ما ذكرناه من الإجماع. # وقال عمر في العنين: يؤجل سنة، فإن هو غشيها، وإلا أخذت الصداق كاملا، ~~وفرق بينهما، وعليها العدة. ولأن التسليم المستحق عليها قد وجد، وإنما ~~الحيض والإحرام والرتق من غير جهتها، فلا يؤثر في المهر، كما لا يؤثر في ~~إسقاط النفقة. وروي أنه لا يكمل به الصداق، وهو قول شريح، وأبي ثور؛ لأنه ~~لم يتمكن من تسلمها، فلم تستحق عليه مهرا بمنعها، كما لو منعت تسليم نفسها ~~إليه يحققه أن المنع من التسليم لا فرق بين كونه من أجنبي أو من العاقد ~~كالإجارة. # PageV07P250 # وعن أحمد، رواية ثالثة: إن كانا صائمين صوم رمضان، لم يكمل الصداق، وإن ~~كان غيره، كمل. قال أبو داود سمعت أحمد وسئل عن رجل دخل على أهله، وهما ~~صائمان في غير رمضان فأغلق الباب، وأرخى الستر؟ قال: وجب الصداق. قيل لأحمد ~~فشهر رمضان؟ قال: شهر رمضان خلاف لهذا. قيل له: فكان مسافرا في رمضان. قال: ~~هذا مفطر يعني وجب الصداق. وهذا يدل على أنه متى كان المانع متأكدا، ~~كالإحرام وصوم رمضان، لم يكمل الصداق. # وقال القاضي: إن كان المانع لا يمنع دواعي الوطء، كالجب، والعنة، والرتق، ~~والمرض، والحيض، والنفاس، وجب الصداق، وإن كان يمنع دواعيه، كالإحرام، ~~وصيام الفرض، فعلى روايتين. وقال أبو حنيفة: إن كان المانع من جهتها، لم ~~يستقر الصداق، وإن كان من جهته؛ صيام فرض أو إحرام، لم يستقر الصداق، وإن ~~كان جبا أو عنة، كمل الصداق؛ لأن المانع من جهته وذلك لا يمنع وجود التسليم ~~المستحق منها، فكمل حقها، كما يلزم الصغير نفقة امرأته إذا سلمت نفسها ~~إليه. ### | [فصل خلا بها وهي صغيرة لا يمكن وطؤها] # (5618) فصل: وإن خلا بها، وهي صغيرة لا يمكن وطؤها، أو كانت كبيرة فمنعته ~~نفسها، أو كان أعمى فلم يعلم بدخولها عليه، لم يكمل صداقها. نص عليه أحمد، ~~في المكفوف يتزوج المرأة، فأدخلت عليه، فأرخي الستر وأغلق الباب، فإن كان ~~لا يعلم بدخولها عليه، فلها ms3764 نصف الصداق، وأومأ إلى أنها إذا نشزت عليه، أو ~~منعته نفسها، لا يكمل صداقها. وذكره ابن حامد. وذلك لأنه لم يوجد التمكن من ~~جهتها، فأشبه ما لو لم يخل بها. وكذلك إن خلا بها، وهو طفل لا يتمكن من ~~الوطء، لم يكمل الصداق؛ لأنه في معنى الصغيرة في عدم التمكن من الوطء. ### | [فصل الخلوة في النكاح الفاسد لا يجب بها شيء من المهر] # (5619) فصل: والخلوة في النكاح الفاسد لا يجب بها شيء من المهر؛ لأن ~~الصداق لم يجب بالعقد وإنما يوجبه الوطء، ولم يوجد، ولذلك لا يتنصف بالطلاق ~~قبل الدخول، فأشبه ذلك الخلوة بالأجنبية. وقد روي عن أحمد ما يدل على أن ~~الخلوة فيه كالخلوة في الصحيح؛ لأن الابتداء بالخلوة فيه كالابتداء بذلك في ~~النكاح الصحيح فيتقرر به المهر كالصحيح، والأولى أولى. ### | [فصل استمتع بامرأته بمباشرة فيما دون الفرج] # (5620) فصل: فإن استمتع بامرأته بمباشرة فيما دون الفرج، من غير خلوة، ~~كالقبلة ونحوها، فالمنصوص عن أحمد، أنه يكمل به الصداق؛ فإنه قال: إذا ~~أخذها فمسها، وقبض عليها، من غير أن يخلو بها، لها الصداق كاملا إذا نال ~~منها شيئا لا يحل لغيره وقال في رواية مهنا: إذا تزوج امرأة ونظر إليها وهي ~~عريانة تغتسل، أوجب عليه المهر. ورواه عن إبراهيم: إذا اطلع منها على ما ~~يحرم على غيره، فعليه المهر؛ لأنه نوع استمتاع، فهو كالقبلة. # قال القاضي: يحتمل أن هذا ينبني على ثبوت تحريم المصاهرة بذلك، وفيه ~~روايتان، فيكون في تكميل الصداق # PageV07P251 # به وجهان؛ أحدهما يكمل به الصداق؛ لما روى الدارقطني، عن محمد بن عبد ~~الرحمن بن ثوبان، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كشف خمار ~~امرأة، ونظر إليها، وجب الصداق، دخل بها، أو لم يدخل.» ولأنه مسيس، فيدخل ~~في قوله تعالى: {من قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237] . ولأنه استمتاع بامرأته ~~فكمل به الصداق، كالوطء. والوجه الآخر: لا يكمل به الصداق وهو قول أكثر ~~الفقهاء؛ لأن قوله تعالى: {تمسوهن} [البقرة: 236] إنما أريد به في الظاهر ~~الجماع، ومقتضى قوله: {وإن ms3765 طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237] أن لا ~~يكمل الصداق لغير من وطئها، ولا تجب عليها العدة، ترك عمومه في من خلا بها، ~~للإجماع الوارد عن الصحابة، فيبقى فيما عداه على مقتضى العموم. ### | [فصل دفع زوجته فأذهب عذرتها] # فصل: إذا دفع زوجته، فأذهب عذرتها، ثم طلقها قبل الدخول، فليس عليه إلا ~~نصف صداقها، وقال أبو يوسف، ومحمد: عليه الصداق كاملا؛ لأنه أذهب عذرتها في ~~نكاح صحيح، فكان عليه المهر كاملا، كما لو وطئها. ولنا، قول الله تعالى: ~~{وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} ~~[البقرة: 237] وهذه مطلقة قبل المسيس، فأشبه ما لو لم يدفعها، ولأنه أتلف ~~ما يستحق إتلافه بالعقد، فلم يضمنه لغيره، كما لو أتلف عذرة أمته. # ويتخرج أن يجب لها الصداق كاملا؛ لأن أحمد قال: إن فعل ذلك أجنبي، عليه ~~الصداق. ففيما إذا فعله الزوج أولى، فإن ما يجب به الصداق ابتداء أحق ~~بتقرير المهر. ونص أحمد في من أخذ امرأته، وقبض عليها، وفي من نظر إليها ~~وهي عريانة: عليه الصداق كاملا. فهذا أولى. ### | [فصل دفع امرأة أجنبية فأذهب عذرتها] # (5622) فصل: وإن دفع امرأة أجنبية، فأذهب عذرتها، أو فعل ذلك بأصبعه أو ~~غيرها، فقال أحمد: لها صداق نسائها. وقال: إن تزوج امرأة عذراء، فدفعها هو ~~وأخوه، فأذهبا عذرتها، ثم طلقها قبل الدخول، فعلى الزوج نصف الصداق، وعلى ~~الأخ نصف العقر. وروي نحو ذلك عن علي، وابنه الحسن، وعبد الله بن معقل، ~~وعبد الملك بن مروان وقال الشافعي: ليس عليه إلا أرش بكارتها؛ لأنه إتلاف ~~جزء لم يرد الشرع بتقدير عوضه، فرجع في ديته إلى الحكومة، كسائر ما لم ~~يقدر، ولأنه إذا لم يكمل به الصداق في حق الزوج، ففي حق الأجنبي أولى. # PageV07P252 # ولنا، ما روى سعيد قال: حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة، عن إبراهيم، أن رجلا ~~كانت عنده يتيمة، فخافت امرأته أن يتزوجها، فاستعانت بنسوة فضبطنها لها، ~~فأفسدت عذرتها، وقالت لزوجها: إنها فجرت. فأخبر عليا، - رضي الله عنه - ~~بذلك، فأرسل علي إلى امرأته ms3766 والنسوة، فلما أتينه، لم يلبثن إن اعترفن بما ~~صنعن، فقال للحسن بن علي: اقض فيها يا حسن فقال: الحد على من قذفها، والعقر ~~عليها وعلى الممسكات. قال علي: لو كلفت الإبل طحنا لطحنت. وما يطحن يومئذ ~~بعير. # وقال: حدثنا هشيم، أخبرنا إسماعيل بن سالم، حدثنا الشعبي، أن جواري أربعا ~~قالت إحداهن: هي رجل، وقالت الأخرى، هي امرأة، وقالت الثالثة،: هي أبو التي ~~زعمت أنها رجل، وقالت الرابعة،: هي أبو التي زعمت أنها امرأة. فخطبت التي ~~زعمت أنها أبو الرجل إلى التي زعمت أنها أبو المرأة، فزوجوها إياها فعمدت ~~إليها فأفسدتها بأصبعها، فرفع ذلك إلى عبد الملك بن مروان، فجعل الصداق ~~بينهن أرباعا، وألغى حصة التي أمكنت من نفسها، فبلغ عبد الله بن معقل، ~~فقال: لو وليت أنا، لجعلت الصداق على التي أفسدت الجارية وحدها. وهذه قصص ~~تنتشر فلم تنكر، فكانت إجماعا، ولأن إتلاف العذرة مستحق بعقد النكاح، فإذا ~~أتلفه أجنبي، وجب المهر، كمنفعة البضع. ### | [مسألة الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح] # مسألة؛ قال: (والزوج هو الذي بيده عقدة النكاح، فإذا طلق قبل الدخول، ~~فأيهما عفا لصاحبه عما وجب له من المهر، وهو جائز الأمر في ماله، برئ منه ~~صاحبه) اختلف أهل العلم في الذي بيده عقدة النكاح، فظاهر مذهب أحمد - رحمه ~~الله -، أنه الزوج. وروي ذلك عن علي وابن عباس، وجبير بن مطعم - رضي الله ~~عنهم - وبه قال سعيد بن المسيب، وشريح، وسعيد بن جبير، ونافع بن جبير مولى ~~ابن عمر، ومجاهد، وإياس بن معاوية وجابر بن زيد، وابن سيرين، والشعبي، ~~والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد. # وعن أحمد أنه الولي إذا كان أبا الصغيرة. وهو قول الشافعي القديم، إذا ~~كان أبا أو جدا. وحكي عن ابن عباس، وعلقمة، والحسن، وطاوس، والزهري، ~~وربيعة، ومالك أنه الولي؛ لأن الولي بعد الطلاق هو الذي بيده عقدة النكاح، ~~لكونها قد خرجت عن يد الزوج، ولأن الله تعالى ذكر عفو النساء عن نصيبهن، ~~فينبغي أن يكون عفو الذي بيده عقدة النكاح عنه، ليكون ms3767 المعفو عنه في ~~الموضعين واحدا، ولأن الله تعالى بدأ بخطاب الأزواج على المواجهة، بقوله: ~~{وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237] ثم قال: {أو يعفو الذي بيده ~~عقدة النكاح} [البقرة: 237] وهذا خطاب غير حاضر. # PageV07P253 # ولنا، ما روى الدارقطني، بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده عن ~~«النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ولي العقدة الزوج.» ولأن الذي بيده ~~عقدة النكاح بعد العقد هو الزوج، فإنه يتمكن من قطعه وفسخه وإمساكه، وليس ~~إلى الولي منه شيء، ولأن الله تعالى قال: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: ~~237] والعفو الذي هو أقرب إلى التقوى هو عفو الزوج عن حقه، أما عفو الولي ~~عن مال المرأة، فليس هو أقرب إلى التقوى، ولأن المهر مال للزوجة، فلا يملك ~~الولي هبته وإسقاطه، كغيره من أموالها وحقوقها، وكسائر الأولياء، ولا يمتنع ~~العدول عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب، كقوله تعالى: {حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم بريح طيبة} [يونس: 22] وقال تعالى: {قل أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} [النور: 54] ~~فعلى هذا متى طلق الزوج قبل الدخول تنصف المهر بينهما، فإن عفا الزوج لها ~~عن النصف الذي له، كمل لها الصداق جميعه، وإن عفت المرأة عن النصف الذي لها ~~منه، وتركت له جميع الصداق، جاز، إذا كان العافي منهما رشيدا جائزا تصرفه ~~في ماله، وإن كان صغيرا، أو سفيها، لم يصح عفوه؛ لأنه ليس له التصرف في ~~ماله بهبة ولا إسقاط. # ولا يصح عفو الولي عن صداق الزوجة، أبا كان أو غيره صغيرة كانت أو كبيرة. ~~نص عليه أحمد، في رواية الجماعة. وروى عنه ابن منصور: إذا طلق امرأته وهي ~~بكر قبل أن يدخل بها، فعفا أبوها أو زوجها، ما أرى عفو الأب إلا جائزا. قال ~~أبو حفص: ما أرى ما نقله ابن منصور إلا قولا لأبي عبد الله قديما. # وظاهر قول أبي حفص أن المسألة رواية واحدة، وأن أبا عبد الله رجع عن قوله ~~بجواز عفو الأب. ms3768 وهو الصحيح؛ لأن مذهبه أنه لا يجوز للأب إسقاط ديون ولده ~~الصغير، ولا إعتاق عبيده، ولا تصرفه له إلا بما فيه مصلحته، ولا حظ لها في ~~هذا الإسقاط، فلا يصح. # وإن قلنا برواية ابن منصور، لم يصح إلا بخمس شرائط؛: أولها أن يكون أبا؛ ~~لأنه الذي يلي مالها، ولا يتهم عليها. الثاني، أن تكون صغيرة، ليكون وليا ~~على مالها، فإن الكبيرة تلي مال نفسها. الثالث، أن تكون بكرا لتكون غير ~~مبتذلة، ولأنه لا يملك تزويج الثيب وإن كانت صغيرة، فلا تكون ولايته عليها ~~تامة. الرابع، أن تكون مطلقة؛ لأنها قبل الطلاق معرضة لإتلاف البضع. ~~الخامس، أن تكون قبل الدخول؛ لأن ما بعده قد أتلف البضع، فلا يعفو عن بدل ~~متلف. ومذهب الشافعي على نحو من هذا، إلا أنه يجعل الجد كالأب. # PageV07P254 ### | [فصل بانت امرأة الصغير أو السفيه أو المجنون على وجه يسقط صداقها عنهم] # (5624) فصل: ولو بانت امرأة الصغير أو السفيه أو المجنون، على وجه يسقط ~~صداقها عنهم، مثل أن تفعل امرأته ما ينفسخ به نكاحها؛ من رضاع من ينفسخ ~~نكاحها برضاعه، أو ردة، أو بصفة لطلاق من السفيه، أو رضاع من أجنبية لمن ~~ينفسخ نكاحها برضاعه، أو نحو ذلك، لم يكن لوليهم العفو عن شيء من الصداق، ~~رواية واحدة. وكذلك لا يجوز عند الشافعي قولا واحدا. والفرق بينهم وبين ~~الصغيرة أن وليها أكسبها المهر بتزويجها، وهاهنا لم يكسبه شيئا، إنما رجع ~~المهر إليه بالفرقة. ### | [فصل عفت المرأة عن صداقها الذي لها على زوجها أو عن بعضه أو وهبته له بعد قبضه] # (5625) فصل: وإذا عفت المرأة عن صداقها الذي لها على زوجها أو عن بعضه أو ~~وهبته له بعد قبضه، وهي جائزة الأمر في مالها جاز ذلك وصح. ولا نعلم فيه ~~خلافا؛ لقول الله تعالى: {إلا أن يعفون} [البقرة: 237] يعني الزوجات. وقال ~~تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] قال ~~أحمد، في رواية المروذي: ليس شيء، قال الله تعالى: {فكلوه هنيئا مريئا} ~~[النساء: 4] سماه غير ms3769 المهر تهبه المرأة للزوج. وقال علقمة لامرأته: هبي لي ~~من الهنيء المريء. يعني من صداقها. وهل لها الرجوع فيما وهبت زوجها؟ فيه عن ~~أحمد روايات، واختلاف بين أهل العلم ذكرناه فيما مضى. ### | [فصل طلقت قبل الدخول وتنصف المهر بينهما] # (5626) فصل: إذا طلقت قبل الدخول، وتنصف المهر بينهما، لم يخل من أن يكون ~~دينا أو عينا، فإن كان دينا لم يخل إما أن يكون دينا في ذمة الزوج لم يسلمه ~~إليها، أو في ذمتها، بأن تكون قد قبضته، وتصرفت فيه أو تلف في يدها، وأيهما ~~كان فإن للذي له الدين أن يعفو عن حقه منه، بأن يقول: عفوت عن حقي من ~~الصداق، أو أسقطته، أو أبرأتك منه أو ملكتك إياه، أو وهبتك، أو أحللتك منه، ~~أو أنت منه في حل، أو تركته لك. وأي ذلك قال: سقط به المهر، وبرئ منه ~~الآخر، وإن لم يقبله، لأنه إسقاط حق فلم يفتقر إلى قبول، كإسقاط القصاص ~~والشفعة والعتق والطلاق، ولذلك صح إبراء الميت مع عدم القبول منه، ولو رد ~~ذلك لم يرتد، وبرئ منه، لما ذكرناه. # وإن أحب العفو من الصداق في ذمته، لم يصح العفو؛ لأنه إن كان في ذمة ~~الزوج فقد سقط عنه بالطلاق وإن كان في ذمة الزوجة، فلا يثبت في ذمتها إلا ~~النصف الذي يستحقه الزوج، وأما النصف الذي لها، فهو حقها تصرفت فيه، فلم ~~يثبت في ذمتها منه شيء، ولأن الجميع كان ملكا لها تصرفت فيه، وإنما يتجدد ~~ملك الزوج للنصف بطلاقه، فلا يثبت في ذمتها غير ذلك. وأيهما أراد تكميل ~~الصداق لصاحبه، فإنه يجدد له هبة مبتدأة. # وأما إن كان الصداق عينا في يد أحدهما، فعفا الذي هو # PageV07P255 # في يده للآخر، فهو هبة له تصح بلفظ العفو والهبة والتمليك، ولا تصح بلفظ ~~الإبراء والإسقاط، ويفتقر إلى القبض فيما يشترط القبض فيه. وإن عفا غير ~~الذي هو في يده، صح بهذه الألفاظ، وافتقر إلى مضي زمن يتأتى القبض فيه، إن ~~كان الموهوب مما يفتقر إلى القبض. ### | [فصل أصدق ms3770 امرأته عينا] # (5627) فصل: إذا أصدق امرأته عينا، فوهبتها له، ثم طلقها قبل الدخول بها، ~~فعن أحمد فيه روايتان؛: إحداهما، يرجع عليها بنصف قيمتها. وهو اختيار أبي ~~بكر وأحد قولي الشافعي لأنها عادت إلى الزوج بعقد مستأنف، فلا تمنع ~~استحقاقها بالطلاق، كما لو عادت إليه بالبيع، أو وهبتها لأجنبي ثم وهبتها ~~له. والرواية الثانية، لا يرجع عليها. وهو قول مالك والمزني، وأحد قولي ~~الشافعي، وهو قول أبي حنيفة إلا أن تزيد العين أو تنقص، ثم تهبها له؛ لأن ~~الصداق عاد إليه ولو لم تهبه لم يرجع بشيء، وعقد الهبة لا يقتضي ضمانا، ~~ولأن نصف الصداق تعجل له بالهبة. # فإن كان الصداق دينا، فأبرأته منه، فإن قلنا: لا يرجع ثم. فهاهنا أولى، ~~وإن قلنا: يرجع ثم. خرج هاهنا وجهان؛ أحدهما، لا يرجع؛ لأن الإبراء إسقاط ~~حق، وليس بتمليك كتمليك الأعيان ولهذا لا يفتقر إلى قبول، ولو شهد شاهدان ~~على رجل بدين، فأبرأه مستحقه، ثم رجع الشاهدان، لم يغرما شيئا، ولو كان ~~قبضه منه، ثم وهبه له، ثم رجع الشاهدان، غرما. والثاني، يرجع؛ لأنه عاد ~~إليه بغير الطلاق، فهو كالعين، والإبراء بمنزلة الهبة، ولهذا يصح بلفظها ~~وإن قبضت الدين منه، ثم وهبته له، ثم طلقها، فهو كهبة لأنه تعين بقبضه. # وقال أبو حنيفة: يرجع هاهنا؛ لأن الصداق قد استوفته كله، ثم تصرفت فيه، ~~فوجب الرجوع عليها، كما لو وهبته أجنبيا. ويحتمل أن لا يرجع؛ لأنه عاد إليه ~~ما أصدقها، فأشبه ما لو كان عينا، فقبضتها، ثم وهبتها. أو وهبته العين، أو ~~أبرأته من الدين، ثم فسخت النكاح بفعل من جهتها، كإسلامها، أو ردتها، أو ~~إرضاعها لمن ينفسخ نكاحها برضاعه، ففي الرجوع بجميع الصداق عليها روايتان، ~~كما في الرجوع بالنصف سواء. ### | [فصل أصدقها عبدا فوهبته نصفه ثم طلقها قبل الدخول] # (5628) فصل: وإن أصدقها عبدا، فوهبته نصفه، ثم طلقها قبل الدخول، انبنى ~~ذلك على الروايتين؛ فإن قلنا: إذا وهبته الكل لم يرجع بشيء. رجع هاهنا في ~~ربعه، وعلى الرواية الأخرى، يرجع في النصف الباقي كله؛ ms3771 لأنه وجده # PageV07P256 # بعينه. وبهذا قال أبو يوسف ومحمد والمزني وقال أبو حنيفة: لا يرجع بشيء؛ ~~لأن النصف حصل في يده، فقد استعجل حقه. وقال الشافعي، في أحد أقواله ~~كقولنا. والثاني، له نصف النصف الباقي، ونصف قيمة الموهوب. والثالث، يتخير ~~بين هذا وبين الرجوع بقيمة النصف. ولنا، أنه وجد نصف ما أصدقها بعينه، ~~فأشبه ما لم تهبه شيئا. ### | [فصل خالع امرأته بنصف صداقها قبل دخوله] # (5629) فصل: فإن خالع امرأته بنصف صداقها، قبل دخوله، بها صح وصار الصداق ~~كله؛ له نصفه بالطلاق، ونصفه بالخلع. ويحتمل أن يصير له ثلاثة أرباعه؛ لأنه ~~إذا خالعها بنصفه، مع علمه أن النصف يسقط عنه، صار مخالعا بنصف النصف الذي ~~يبقى لها، فيصير له النصف بالطلاق، والربع بالخلع. وإن خالعها بمثل نصف ~~الصداق في ذمتها، صح، وسقط جميع الصداق؛ نصفه بالطلاق بالمقاصة بما في ~~ذمتها له من عوض الخلع. ولو قالت له: اخلعني بما تسلم لي من صداقي. ففعل، ~~صح، وبرئ من جميع الصداق. وكذلك إن قالت: اخلعني على أن لا تبعة عليك في ~~المهر. صح، وسقط جميعه عنه. # وإن خالعته بمثل جميع الصداق في ذمتها، صح، ويرجع عليها بنصفه؛ لأنه يسقط ~~نصفه بالمقاصة بالنصف الذي لها عليه، ويسقط عنه النصف بالطلاق، يبقى لها ~~عليها النصف. وإن خالعته بصداقها كله فكذلك، في أحد الوجهين. وفي الآخر، لا ~~يرجع عليها بشيء لأنه لما خالعها به، مع علمه بسقوط نصفه بالطلاق، كان ~~مخالعا لها بنصفه، ويسقط عنه بالطلاق نصفه، ولا يبقى لها شيء. ### | [فصل أبرأت المفوضة من المهر] # (5630) فصل: وإذا أبرأت المفوضة من المهر، صح قبل الدخول وبعده، وسواء في ~~ذلك مفوضة البضع ومفوضة المهر. وكذلك من سمي لها مهر فاسد كالخمر والمجهول؛ ~~لأن المهر واجب في هذه المواضع، وإنما جهل قدره، والبراءة من المجهول ~~صحيحة؛ لأنها إسقاط، فصحت في المجهول كالطلاق. وقال الشافعي: لا تصح ~~البراءة في شيء من هذا؛ لأن المفوضة لم يجب لها مهر، فلا يصح الإبراء مما ~~لم يجب، وغيرها مهرها مجهول، والبراءة من المجهول ms3772 لا تصح، إلا أن تقول: ~~أبرأتك من درهم إلى ألف. فيبرأ من مهرها إذا كان دون الألف. # وقد دللنا على وجوبه فيما مضى، فيصح الإبراء منه، كما لو قالت: أبرأتك من ~~درهم إلى ألف. وإذا أبرأت المفوضة، ثم طلقت قبل الدخول، فإن قلنا: لا يرجع ~~إلى المسمى لها. لم يرجع هاهنا، وإن قلنا: يرجع ثم. احتمل أن لا يرجع ~~هاهنا؛ لأن المهر كله سقط بالطلاق، ووجبت المتعة بالطلاق ابتداء. # ويحتمل أن يرجع؛ # PageV07P257 # لأنه عاد إليه مهرها بسبب غير الطلاق. وبكم يرجع؟ يحتمل أن يرجع بنصف مهر ~~المثل؛ لأنه الذي وجب بالعقد، فهو كنصف المفروض، ويحتمل أن يرجع بنصف ~~المتعة؛ لأنها التي تجب بالطلاق، فأشبهت المسمى. ### | [فصل أبرأته المفوضة من نصف صداقها] # (5631) فصل: وإن أبرأته المفوضة من نصف صداقها، ثم طلقها قبل الدخول، فلا ~~متعة لها؛ لأن المتعة قائمة مقام نصف الصداق، وقد أبرأت منه، فصار كما لو ~~قبضته. ويحتمل أن يجب لها نصف المتعة إذا قلنا: إن الزوج لا يرجع عليها ~~بشيء إذا أبرأت من جميع صداقها. ### | [فصل باع رجلا عبدا بمائة فأبرأه البائع من الثمن أو قبضه ثم وهبه إياه ثم وجد المشتري بالعبد عيبا] # (5632) فصل: ولو باع رجلا عبدا بمائة، فأبرأه البائع من الثمن، أو قبضه ~~ثم وهبه إياه، ثم وجد المشتري بالعبد عيبا، فهل له رد المبيع، والمطالبة ~~بالثمن، أو أخذ أرش العيب مع إمساكه؟ على وجهين، بناء على الروايتين في ~~الصداق إذا وهبته المرأة لزوجها ثم طلقها قبل الدخول. وإن كانت بحالها، ~~فوهب المشتري العبد للبائع، ثم أفلس المشتري، والثمن في ذمته، فللبائع أن ~~يضرب بالثمن مع الغرماء، وجها واحدا؛ لأن الثمن ما عاد إلى البائع منه شيء، ~~ولذلك كان يجب أداؤه إليه قبل الفلس، بخلاف التي قبلها. # ولو كاتب عبدا، ثم أسقط عنه مال الكتابة، برئ، وعتق، ولم يرجع على سيده ~~بالقدر الذي كان يجب على السيد أن يؤتيه إياه، كذلك لو أسقط عنه القدر الذي ~~يلزمه إيتاؤه إياه، واستوفى الباقي، لم يلزمه أن يؤتيه ms3773 شيئا؛ لأن إسقاطه ~~عنه يقوم مقام الإيتاء. # وخرجه بعض أصحابنا على وجهين، بناء على الروايتين في الصداق، ولا يصح؛ ~~لأن المرأة أسقطت الصداق الواجب لها قبل وجود سبب استحقاق الزوج عليها ~~نصفه، وهاهنا أسقط السيد عن المكاتب ما وجد سبب إيتائه إياه، فكان إسقاطه ~~مقام إيتائه، ولهذا لو قبضه السيد منه، ثم آتاه إياه، لم يرجع بشيء. ولو ~~قبضت المرأة صداقها، ووهبته لزوجها، ثم طلقها قبل الدخول لرجع عليها، ~~فافترقا. ### | [فصل لا يبرأ الزوج من الصداق إلا بتسليمه إلى من يتسلم مالها] # (5633) فصل: ولا يبرأ الزوج من الصداق إلا بتسليمه إلى من يتسلم مالها، ~~فإن كانت رشيدة، لم يبرأ إلا بالتسليم إليها، أو إلى وكيلها، ولا يبرأ ~~بالتسليم إلى أبيها ولا إلى غيره؛ بكرا كانت أو ثيبا. قال أحمد: إذا أخذ ~~مهر ابنته، وأنكرت، فذاك لها، ترجع على زوجها بالمهر، ويرجع الزوج على ~~أبيها. فقيل له: أليس قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» ~~؟ قال: نعم، ولكن هذا لم يأخذ منها، إنما أخذ من زوجها. وهذا مذهب الشافعي ~~وقال أبو حنيفة: له قبض صداق البكر دون الثيب؛ لأن ذلك العادة، ولأن البكر ~~تستحي، فقام أبوها مقامها، كما قام مقامها في تزويجها. # PageV07P258 # ولنا، أنها رشيدة، فلم يكن لغيرها قبض صداقها، كالثيب، أو عوض ملكته وهي ~~رشيدة، فلم يكن لغيرها قبضه بغير إذنها، كثمن مبيعها، وأجر دارها. وإن كانت ~~غير رشيدة، سلمه إلى وليها في مالها، من أبيها، أو وصيه، أو الحاكم؛ لأنه ~~من جملة أموالها، فهو كثمن مبيعها، وأجر دارها. ### | [مسألة ليس عليه دفع نفقة زوجته إذا كان مثلها لا يوطأ] # (5634) مسألة؛ قال: (وليس عليه دفع نفقة زوجته، إذا كان مثلها لا يوطأ، ~~أو منع منها بغير عذر، فإن كان المنع من قبله، لزمته النفقة) وجملة ذلك أن ~~المرأة إذا كانت لا يوطأ مثلها؛ لصغرها، فطلب وليها تسلمها، والإنفاق ~~عليها، لم يجب ذلك على الزوج؛ لأن النفقة في مقابلة الاستمتاع، ولهذا تسقط ~~بالنشوز، وهذه لا يمكنه الاستمتاع بها. وإن ms3774 كانت كبيرة فمنعته نفسها، أو ~~منعها أولياؤها، فلا نفقة لها أيضا؛ لأنها في معنى الناشز؛ لكونها لم تسلم ~~الواجب عليها، فلا يجب تسليم ما في مقابلته من الإنفاق. # وكل موضع لزمته النفقة، لزمه تسليم الصداق الحال إذا طولب به. فأما ~~الموضع الذي لا تلزمه نفقتها فيه، كالصغيرة، والمانعة نفسها، فقال أبو عبد ~~الله بن حامد: يجب تسليم الصداق. وهو قول الشافعي؛ لأن المهر في مقابلة ملك ~~البضع، وقد ملكه، بخلاف النفقة، فإنها في مقابلة التمكين. ورد قوم هذا ~~وقالوا: المهر قد ملكته في مقابلة ما ملكه من بضعها، فليس لها المطالبة ~~بالاستيفاء إلا عند إمكان الزوج استيفاء العوض. ### | [فصل إمكان الوطء في الصغيرة معتبر بحالها واحتمالها لذلك] # (5635) فصل: وإمكان الوطء في الصغيرة معتبر بحالها واحتمالها لذلك. قاله ~~القاضي. وذكر أنهن يختلفن، فقد تكون صغيرة السن تصلح، وكبيرة لا تصلح. وحده ~~أحمد بتسع سنين، فقال في رواية أبي الحارث في الصغيرة يطلبها زوجها: فإن ~~أتى عليها تسع سنين، دفعت إليه، ليس لهم أن يحبسوها بعد التسع. وذهب في ذلك ~~إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى بعائشة وهي ابنة تسع. قال القاضي: ~~وهذا عندي ليس على طريق التحديد، وإنما ذكره لأن الغالب أن ابنة تسع يتمكن ~~من الاستمتاع بها، فمتى كانت لا تصلح للوطء، لم يجب على أهلها تسليمها ~~إليه، وإن ذكر أنه يحضنها ويربيها وله من يخدمها، لأنه لا يملك الاستمتاع ~~بها، وليست له بمحل، ولا يؤمن شره نفسه إلى مواقعتها، فيفضها أو يقتلها. # وإن طلب أهلها دفعها إليه، فامتنع، فله ذلك، ولا تلزمه نفقتها؛ لأنه لا ~~يمكن من استيفاء حقه منها. وإن كانت كبيرة إلا أنها مريضة مرضا مرجو ~~الزوال، لم يلزمها تسليم نفسها قبل برئها؛ لأنه مانع مرجو # PageV07P259 # الزوال، فهو كالصغر، ولأن العادة لم تجر بزف المريضة إلى زوجها، والتسليم ~~في العقد يجب على حسب العرف. فإن سلمت نفسها، فتسلمها الزوج، فعليه نفقتها؛ ~~لأن المرض عارض يعرض ويتكرر، فيشق إسقاط النفقة به، فجرى مجرى الحيض، ولهذا ~~لو ms3775 مرضت بعد تسليمها، لم تسقط نفقتها. # وإن امتنع من تسلمها، فله ذلك، ولا تلزمه نفقتها؛ لأنه لما لم يجب ~~تسليمها إليه، لم يجب عليه تسلمها، كالصغيرة، ولأن العادة لم تجر بتسلمها ~~على هذه الصفة. وقال القاضي: يلزمه تسلمها، وإن امتنع، فعليه نفقتها؛ لما ~~ذكرنا من أنه عارض لا يمكن التحرز منه، ويتكرر، فأشبه الحيض. # فأما إن كان المرض غير مرجو الزوال، لزم تسليمها إلى الزوج إذا طلبها، ~~ولزمه تسلمها إذا عرضت عليه؛ لأنها ليست لها حالة يرجى زوال ذلك فيها، فلو ~~لم تسلم نفسها لم يفد التزويج فائدة، وله أن يستمتع بها، فإن كانت نضوة ~~الخلق، وهو جسيم، تخاف على نفسها الإفضاء من عظم خلقه، فلها منعه من ~~جماعها، وله الاستمتاع بها فيما دون الفرج، وعليه نفقتها، ولا يثبت له خيار ~~الفسخ؛ لأن هذه يمكن الاستمتاع بها لغيره، وإنما امتناع الاستمتاع لمعنى ~~فيه، وهو عظم خلقه، بخلاف الرتقاء. # وإن طلب تسليمها إليه وهي حائض، احتمل أن لا يجب ذلك؛ لأنه خلاف العادة، ~~فأشبه المرض المرجو الزوال، واحتمل وجوب التسليم؛ لأنه يزول قريبا، ولا ~~يمنع من الاستمتاع بما دون الفرج، فإذا طلب ذلك لم يجز منعه منه، كما لم ~~يجز لها منعه منه بعد تسلمها. وإن عرضت عليه، فأباها حتى تطهر، فعلى قول ~~القاضي، يلزمه تسلمها ونفقتها إن امتنع منه، ويتخرج على ما ذكرنا أن لا ~~يلزمه ذلك كالمرض المرجو الزوال. ### | [فصل منعت نفسها حتى تتسلم صداقها] # (5636) فصل: فإن منعت نفسها حتى تتسلم صداقها، وكان حالا، فلها ذلك. قال ~~ابن المنذر وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للمرأة أن تمتنع من دخول ~~الزوج عليها، حتى يعطيها مهرها. وإن قال الزوج: لا أسلم إليها الصداق حتى ~~أتسلمها. أجبر الزوج على تسليم الصداق أولا، ثم تجبر هي على تسليم نفسها. ~~ومذهب الشافعي في هذا على نحو مذهبه في البيع. # ولنا، أن في إجبارها على تسليم نفسها أولا خطر إتلاف البضع، والامتناع من ~~بذل الصداق، ولا يمكن الرجوع في البضع، بخلاف ms3776 المبيع الذي يجبر على تسليمه ~~قبل تسليمه ثمنه. فإذا تقرر هذا، فلها النفقة ما امتنعت لذلك، وإن كان ~~معسرا بالصداق؛ لأن امتناعها بحق. وإن كان الصداق مؤجلا، فليس لها منع ~~نفسها قبل قبضه؛ لأن رضاها بتأجيله رضى بتسليم نفسها قبل قبضه، كالثمن ~~المؤجل في البيع. # فإن حل # PageV07P260 # المؤجل قبل تسليم نفسها، لم يكن لها منع نفسها أيضا؛ لأن التسليم قد وجب ~~عليها، واستقر قبل قبضه، فلم يكن لها أن تمتنع منه. وإن كان بعضه حالا ~~وبعضه مؤجلا، فلها منع نفسها قبل قبض العاجل دون الآجل. وإن كان الكل حالا، ~~فلها منع نفسها على ما ذكرنا. فإن سلمت نفسها قبل قبضه، ثم أرادت منع نفسها ~~حتى تقبضه، فقد توقف أحمد عن الجواب فيها. وذهب أبو عبد الله ابن بطة وأبو ~~إسحاق بن شاقلا إلى أنها ليس لها ذلك. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي يوسف، ~~ومحمد؛ لأن التسليم استقر به العوض برضى المسلم، فلم يكن لها أن تمتنع منه ~~بعد ذلك، كما لو سلم البائع المبيع. # وذهب أبو عبد الله بن حامد، إلى أن لها ذلك. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه ~~تسليم يوجبه عليها عقد النكاح فملكت أن تمتنع منه قبل قبض صداقها، كالأول. ~~فأما إن وطئها مكرهة، لم يسقط به حقها من الامتناع؛ لأنه حصل بغير رضاها، ~~كالمبيع إذا أخذه المشتري من البائع كرها وإن أخذت الصداق، فوجدته معيبا، ~~فلها منع نفسها حتى يبدله، أو يعطيها أرشه؛ لأن صداقها صحيح. وإن لم تعلم ~~عيبه حتى سلمت نفسها، خرج على الوجهين فيما إذا سلمت نفسها قبل قبض صداقها ~~ثم بدا لها أن تمتنع. # وكل موضع قلنا: لها الامتناع من تسليم نفسها. فلها السفر بغير إذن الزوج؛ ~~لأنه لم يثبت للزوج عليها حق الحبس، فصارت كمن لا زوج لها. ولو بقى منه ~~درهم، كان كبقاء جميعه؛ لأن كل من ثبت له الحبس بجميع البدل، ثبت له الحبس ~~ببعضه، كسائر الديون. ### | [فصل أعسر الزوج بالمهر الحال قبل الدخول] # (5637) فصل: وإن أعسر الزوج بالمهر الحال ms3777 قبل الدخول، فلها الفسخ؛ لأنه ~~تعذر الوصول إلى عوض العقد قبل تسليم المعوض، فكان لها الفسخ، كما لو أعسر ~~المشتري بالثمن قبل تسليم المبيع. وأجاز ابن حامد أنه لا فسخ لها. وإن أعسر ~~بعد الدخول، فعلى وجهين، مبنيين على منع نفسها، فإن قلنا: لها منع نفسها ~~بعد الدخول. فلها الفسخ كما قبل الدخول، وإن قلنا: ليس لها منع نفسها. فليس ~~لها الفسخ، كما لو أفلس بدين لها آخر. ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم؛ لأنه ~~مجتهد فيه. ### | [مسألة تزوجها على صداقين سر وعلانية] # (5638) مسألة؛ قال: (وإذا تزوجها على صداقين سر وعلانية، أخذ بالعلانية، ~~وإن كان السر قد انعقد به النكاح) ظاهر كلام الخرقي، أن الرجل إذا تزوج ~~المرأة في السر بمهر، ثم عقد عليها في العلانية بمهر آخر، أنه يؤخذ ~~بالعلانية. وهذا ظاهر قول أحمد في رواية الأثرم. وهو قول الشعبي، وابن أبي ~~ليلى، والثوري، وأبي عبيد وقال القاضي: الواجب المهر الذي انعقد به النكاح ~~سرا كان أو علانية. # وحمل كلام أحمد، # PageV07P261 # والخرقي على أن المرأة لم تقر بنكاح السر فثبت مهر العلانية؛ لأنه الذي ~~ثبت به النكاح. وهذا قول سعيد بن عبد العزيز، وأبي حنيفة، والأوزاعي، ~~والشافعي. ونحوه عن شريح، والحسن، والزهري، والحكم بن عتيبة، ومالك، ~~وإسحاق؛ لأن العلانية ليس بعقد، ولا يتعلق به وجوب شيء. ووجه قول الخرقي، ~~أنه إذا عقد في الظاهر عقدا بعد عقد السر، فقد وجد منه بذل الزائد على مهر ~~السر، فيجب ذلك عليه، كما لو زادها على صداقها. ومقتضى ما ذكرنا من التعليل ~~لكلام الخرقي، أنه إن كان مهر السر أكثر من العلانية، وجب مهر السر؛ لأنه ~~وجب عليه بعقده، ولم تسقطه العلانية فبقي وجوبه، فأما إن اتفقا على أن ~~المهر ألف وأنهما يعقدان العقد بألفين تجملا، ففعلا ذلك فالمهر ألفان؛ ~~لأنها تسمية صحيحة في عقد صحيح، فوجبت، كما لو لم يتقدمها اتفاق على ~~خلافها. # وهذا أيضا قول القاضي، ومذهب الشافعي ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون ~~السر من جنس العلانية، نحو ms3778 أن يكون السر ألفا والعلانية ألفين، أو يكونا من ~~جنسين، مثل أن يكون السر مائة درهم والعلانية مائة دينار. وإذا قلنا: إن ~~الواجب مهر العلانية. فيستحب للمرأة أن تفي للزوج بما وعدت به، وشرطته على ~~نفسها، من أنها لا تأخذ إلا مهر السر. قال أحمد، في رواية ابن منصور: إذا ~~تزوج امرأة في السر بمهر، وأعلنوا مهرا، ينبغي لهم أن يفوا، ويؤخذ ~~بالعلانية. # فاستحب الوفاء بالشرط، لئلا يحصل منهم غرور، ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «المؤمنون على شروطهم.» وعلى قول القاضي، إذا ادعى الزوج عقدا ~~في السر انعقد به النكاح، فيه مهر قليل، فصدقته، فليس لها سواه، وإن ~~أنكرته، فالقول قولها؛ لأنها منكرة. وإن أقرت به، وقالت: هما مهران في ~~نكاحين. وقال: بل نكاح واحد، أسررناه ثم أظهرناه. # فالقول قولها؛ لأن الظاهر أن الثاني عقد صحيح يفيد حكما كالأول، ولها ~~المهر في العقد الثاني، ونصف المهر في العقد الأول، إن ادعى سقوط نصفه ~~بالطلاق قبل الدخول وإن أصر على الإنكار، سئلت المرأة فإن ادعت أنه دخل بها ~~في النكاح الأول، ثم طلقها طلاقا بائنا، ثم نكحها نكاحا ثانيا، حلفت على ~~ذلك واستحقت، وإن أقرت بما يسقط نصف المهر أو جميعه، لزمها ما أقرت به. ### | [فصل تزوج أربع نسوة في عقد واحد بمهر واحد] # (5639) فصل إذا تزوج أربع نسوة في عقد واحد بمهر واحد، مثل أن يكون لهن ~~ولي واحد كبنات الأعمام، أو # PageV07P262 # موليات لمولى واحد، أو من ليس لهن ولي، فزوجهن الحاكم، أو كان لهن أولياء ~~فوكلوا وكيلا واحدا، فعقد نكاحهن مع رجل، فقبله، فالنكاح صحيح، والمهر ~~صحيح. وبهذا قال أبو حنيفة. وهو أشهر قولي الشافعي والقول الثاني، أن المهر ~~فاسد، ويجب مهر المثل؛ لأن ما يجب لكل واحدة منهن من المهر غير معلوم. # ولنا، أن الفرض في الجملة معلوم، فلا يفسد لجهالته في التفصيل، كما لو ~~اشترى أربعة أعبد من رجل بثمن واحد وكذلك الصبرة بثمن واحد، وهو لا يعلم ~~قدر قفزانها. إذا ثبت هذا، فإن الصداق ms3779 يقسم بينهن على قدر مهورهن في قول ~~القاضي، وابن حامد وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، والشافعي وقال أبو بكر: ~~يقسم بينهن بالسوية؛ لأنه أضافه إليهن إضافة واحدة، فكان بينهن بالسواء، ~~كما لو وهبه لهن، أو أقر به لهن، وكما لو اشترى جماعة ثوبا بأثمان مختلفة، ~~ثم باعوه مرابحة أو مساومة، كان الثمن بينهم بالسواء، وإن اختلفت رءوس ~~أموالهم، ولأن القول بتقسيطه يفضي إلى جهالة العوض لكل واحدة منهن وذلك ~~يفسده. # ولنا، أن الصفقة اشتملت على شيئين مختلفي القيمة، فوجب تقسيط العوض ~~عليهما بالقيمة، كما لو باع شقصا وسيفا، أو كما لو ابتاع عبدين، فوجد ~~أحدهما حرا أو مغصوبا. وقد نص أحمد، في من ابتاع عبدين، فإذا أحدهما حر، ~~أنه يرجع بقيمته من الثمن. وكذلك نص في من تزوج على جاريتين، فإذا إحداهما ~~حرة، أنه يرجع بقيمة الحرة ولو اشترى عبدين فوجد أحدهما معيبا فرده لرجع ~~بقسطه من الثمن. # ما ذكره من المسألة غير مسلم له، وإن سلم فالقيمة ثم واحدة، بخلاف ~~مسألتنا. وأما الهبة والإقرار، فليس فيهما قيمة يرجع إليها، وتقسم الهبة ~~عليهما، بخلاف مسألتنا، وإفضاؤه إلى جهالة التفصيل، لا يمنع الصحة إذا كان ~~معلوم الجملة، ويتفرع عن هذه المسألة، إذا خالع امرأتين بعوض واحد، أو كاتب ~~عبيدا بعوض واحد، أنه يصح مع الخلاف فيه ويقسم العوض في الخلع على قدر ~~المهرين، وفي الكتابة على قدر قيمة العبيد. وعلى قول أبي بكر، يقسم بالسوية ~~في المسألتين. ### | [فصل تزوج امرأتين بصداق واحد] # (5640) فصل: وإذا تزوج امرأتين بصداق واحد، وإحداهما ممن لا يصح العقد ~~عليها؛ لكونها محرمة عليه، أو غير ذلك وقلنا بصحة النكاح في الأخرى، فلها ~~بحصتها من المسمى. وبه قال الشافعي على قول وأبو يوسف. وقال أبو حنيفة: ~~المسمى كله للتي يصح نكاحها؛ لأن العقد الفاسد لا يتعلق به حكم بحال، فصار ~~كأنه تزوجها والحائط بالمسمى. # PageV07P263 # ولنا، أنه عقد على عينين، إحداهما لا يجوز العقد عليها، فلزمه في الأخرى ~~بحصتها، كما لو باع عبده وأم ولده. ما ذكروه ليس بصحيح؛ ms3780 فإن المرأة في ~~مقابلة نكاحها مهر بخلاف الحائط. ### | [فصل جمع بين نكاح وبيع] # (5641) فصل: فإن جمع بين نكاح وبيع، فقال: زوجتك ابنتي، وبعتك داري هذا ~~بألف. صح، ويقسط الألف، على صداقها، وقيمة الدار. وإن قال زوجتك ابنتي، ~~واشتريت منك عبدك هذا بألف. فقال: بعتكه، وقبلت النكاح. صح، ويقسط الألف ~~على العبد ومهر المثل. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يصح البيع والمهر؛ ~~لإفضائه إلى الجهالة. # ولنا، أنهما عقدان يصح كل واحد منهما منفردا، فصح جمعهما، كما لو باعه ~~ثوبين. فإن قال: زوجتك ولك هذا الألف بألفين. لم يصح المهر؛ لأنه كمسألة مد ~~عجوة. ### | [فصل تزوجها على ألف إن كان أبوها حيا وعلى ألفين إن كان أبوها ميتا] # (5642) فصل: وإن تزوجها على ألف إن كان أبوها حيا، وعلى ألفين إن كان ~~أبوها ميتا، فالتسمية فاسدة، ولها صداق نسائها. نص عليه أحمد، في رواية ~~مهنا؛ لأن حال الأب غير معلومة، فيكون مجهولا. وإن قال: تزوجتك على ألف إن ~~لم أخرجك من دارك، وعلى ألفين إن أخرجتك منها. أو على ألف إن لم يكن لي ~~امرأة، وعلى ألفين إن كانت لي امرأة. فنص أحمد على صحة التسمية في هاتين ~~المسألتين. وقال القاضي، وأبو بكر: في الجميع روايتان؛ إحداهما، لا يصح. ~~واختاره أبو بكر؛ لأن سبيله سبيل الشرطين، فلم يجز، كالبيع. # والرواية الثانية، يصح؛ لأن ألفا معلوم، وإنما جهل الثاني وهو معلوم على ~~شرط، فإن وجد الشرط كان زيادة في الصداق والصداق تجوز الزيادة فيه. والأولى ~~أولى. والقول بأن هذا تعليق على شرط لا يصح لوجهين؛ أحدهما، أن الزيادة لا ~~يصح تعليقها على شرط، فلو قال: إن مات أبوك، فقد زدتك في صداقك ألفا. لم ~~تصح، ولم تلزم الزيادة عند موت الأب. والثاني، أن الشرط هاهنا لم يتجدد في ~~قوله: إن كان لي زوجة، أو إن كان أبوك ميتا. ولا الذي جعل الألف فيه معلوم ~~الوجود، ليكون الألف الثاني زيادة عليه. # ويمكن الفرق بين المسألة التي نص أحمد على إبطال التسمية فيها، وبين التي ms3781 ~~نص على الصحة فيها، بأن الصفة التي جعل الزيادة فيها ليس للمرأة فيها غرض ~~يصح بذل العوض فيه، وهو كون أبيها ميتا، # PageV07P264 # بخلاف المسألتين اللتين صحت التسمية فيهما، فإن خلو المرأة من ضرة ~~تغيرها، وتقاسمها، وتضيق عليها، من أكبر أغراضها، وكذلك إقرارها في دارها ~~بين أهلها وفي وطنها، فلذلك خففت صداقها لتحصيل غرضها، وثقلته عند فواته. ~~فعلى هذا يمتنع قياس إحدى الصورتين على الأخرى، ولا يكون في كل مسألة إلا ~~رواية واحدة، وهي الصحة في المسألتين الآخرتين، والبطلان في المسألة ~~الأولى، وما جاء من المسائل ألحق بأشبههما به. ### | [فصل تزوجها على طلاق امرأة له أخرى] # (5643) فصل: وإن تزوجها على طلاق امرأة له أخرى، لم تصح التسمية، ولها ~~مهر مثلها. وهذا اختيار أبي بكر، وقول أكثر الفقهاء؛ لأن هذا ليس بمال. ~~وإنما قال الله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها، ~~ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها.» صحيح. # وروى عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ~~يحل لرجل أن ينكح امرأة بطلاق أخرى.» ولأن هذا لا يصلح ثمنا في بيع، ولا ~~أجرا في إجارة، فلم يصح صداقا، كالمنافع المحرمة، فعلى هذا يكون حكمه حكم ~~ما لو أصدقها خمرا ونحوه، يكون لها مهر المثل أو نصفه إن طلقها قبل الدخول ~~أو المتعة عند من يوجبها في التسمية الفاسدة. # وعن أحمد، رواية أخرى، أن التسمية صحيحة؛ لأنه شرط فعلا لها فيه نفع ~~وفائدة، لما يحصل لها من الراحة بطلاقها من مقاسمتها، وضررها، والغيرة ~~منها، فصح صداقا، كعتق أبيها، وخياطة قميصها، ولهذا صح بذل العوض في طلاقها ~~بالخلع. فعلى هذا إن لم يطلق ضرتها، فلها مثل صداق الضرة؛ لأنه سمى لها ~~صداقا لم يصل إليه، فكان لها قيمته، كما لو أصدقها عبدا، فخرج حرا، ويحتمل ~~أن لها مهر مثلها؛ لأن الطلاق لا قيمة له. # وإن جعل صداقها أن طلاق ضرتها إليها إلى سنة، فلم ms3782 تطلقها، فقال أحمد إذا ~~تزوج امرأة، وجعل طلاق الأولى مهر الأخرى إلى سنة أو إلى وقت، فجاء الوقت ~~ولم تقض شيئا، رجع الأمر إليه. فقد أسقط أحمد حقها؛ لأنه جعله لها إلى وقت، ~~فإذا مضى الوقت ولم تقض فيه شيئا، بطل تصرفها كالوكيل، وهل يسقط حقها من ~~المهر؟ فيه وجهان، ذكرهما أبو بكر؛ أحدهما، يسقط؛ لأنها تركت ما شرط لها ~~باختيارها، فسقط حقها، كما لو تزوجها على عبد فأعتقته. # PageV07P265 # والثاني، لا يسقط؛ لأنها أخرت استيفاء حقها، فلا يسقط، كما لو أجلت قبض ~~دراهمها. وهل ترجع إلى مهر مثلها، أو إلى مهر الأخرى؟ يحتمل وجهان. ### | [فصل الزيادة في الصداق بعد العقد تلحق به] # (5644) فصل: الزيادة في الصداق بعد العقد تلحق به. نص عليه أحمد، قال، في ~~الرجل يتزوج المرأة على مهر، فلما رآها زادها في مهرها: فهو جائز، فإن ~~طلقها قبل أن يدخل بها، فلها نصف الصداق الأول، والذي زادها. وهذا قول أبي ~~حنيفة وقال الشافعي: لا تلحق الزيادة بالعقد، فإن زادها فهي هبة تفتقر إلى ~~شروط الهبة، وإن طلقها بعد هبتها، لم يرجع بشيء من الزيادة. قال القاضي: ~~وعن أحمد مثل ذلك، فإنه قال: إذا زوج رجل أمته عبده، ثم أعتقهما جميعا، ~~فقالت الأمة: زدني في مهري حتى أختارك فالزيادة للأمة، ولو لحقت بالعقد، ~~كانت الزيادة للسيد. # وليس هذا دليلا على أن الزيادة لا تلحق بالعقد، فإن معنى لحوق الزيادة ~~بالعقد، أنها تلزم ويثبت فيها أحكام الصداق؛ من التنصيف بالطلاق قبل الدخول ~~وغيره، وليس معناه أن الملك يثبت فيها قبل وجودها، وأنها تكون للسيد. واحتج ~~الشافعي بأن الزوج ملك البضع بالمسمى في العقد، فلم يحصل بالزيادة شيء من ~~المعقود عليه، فلا تكون عوضا في النكاح، كما لو وهبها شيئا، ولأنها زيادة ~~في عوض العقد بعد لزومه، فلم يلحق به، كما في البيع. # ولنا، قول الله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} ~~[النساء: 24] ولأن ما بعد العقد زمن لفرض المهر، فكان حالة الزيادة كحالة ~~العقد وبهذا فارق ms3783 البيع والإجارة وقولهم: إنه لم يملك به شيئا من المعقود ~~عليه. قلنا: هذا يبطل بجميع الصداق فإن الملك ما حصل به، ولهذا صح خلوه ~~عنه، وهذا ألزم عندهم، فإنهم قالوا: مهر المفوضة إنما وجب بفرضه لا بالعقد، ~~وقد ملك البضع بدونه. # ثم إنه يجوز أن يستند ثبوت هذه الزيادة إلى حالة العقد، فيكون كأنه ثبت ~~بهما جميعا، كما قالوا في مهر المفوضة إذا فرضه، وكما قلنا جميعا فيما إذا ~~فرض لها أكثر من مهر مثلها. إذا ثبت هذا، فإن معنى لحوق الزيادة بالعقد أنه ~~يثبت لها حكم المسمى في العقد، في أنها تتنصف بالطلاق، ولا تفتقر إلى شروط ~~الهبة، وليس معناه أن الملك يثبت فيها من حين العقد، ولأنها تثبت لمن كان ~~الصداق له؛ لأن الملك لا يجوز تقدمه على سببه، ولا وجوده في حال عدمه، ~~وإنما يثبت الملك بعد سببه من حينئذ. وقال القاضي: في الزيادة وجه آخر، ~~أنها تسقط بالطلاق. # ولا أعرف وجه ذلك، فإن من جعلها صداقا، جعلها تستقر بالدخول وتتنصف ~~بالطلاق قبله، وتسقط كلها إذا جاء الفسخ من قبل المرأة، ومن جعلها هبة # PageV07P266 # جعلها جميعها للمرأة، لا تتنصف بطلاقها، إلا أن تكون غير مقبوضة، فإنها ~~تسقط لكونها عدة غير لازمة، فإن كان القاضي أراد ذلك فهذا وجه، وإلا فلا. ### | [مسألة أصدقها غنما فتوالدت ثم طلقها قبل الدخول] # (5645) مسألة؛ قال: (وإذا أصدقها غنما فتوالدت، ثم طلقها قبل الدخول، ~~كانت الأولاد لها، ورجع بنصف الأمهات، إلا أن تكون الولادة نقصتها، فيكون ~~مخيرا بين أن يأخذ نصف قيمتها وقت ما أصدقها أو يأخذ نصفها ناقصة) قد ذكرنا ~~أن المهر يدخل في ملك المرأة بمجرد العقد، فإذا زاد فالزيادة لها، وإن نقص ~~فعليها. وإذا كانت غنما فتوالدت، فالأولاد زيادة منفصلة، تنفرد بها دونه، ~~لأنه نماء ملكها. # ويرجع في نصف الأمهات، إن لم تكن نقصت ولا زادت زيادة متصلة؛ لأنه نصف ما ~~فرض لها، وقد قال الله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم} ms3784 [البقرة: 237] وإن كانت نقصت بالولادة أو بغيرها، ~~فله الخيار بين أخذ نصفها ناقصا؛ لأنه راض بدون حقه، وبين أخذ نصف قيمتها: ~~وقت ما أصدقها؛ لأن ضمان النقص عليها، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: ~~لا يرجع في نصف الأصل وإنما يرجع في نصف القيمة؛ لأنه لا يجوز فسخ العقد في ~~الأصل دون النماء؛ لأنه موجب العقد، فلم يجز رجوعه في الأصل بدونه. # ولنا، أن هذا نماء منفصل عن الصداق، فلم يمنع رجوع الزوج، كما لو انفصل ~~قبل القبض، وما ذكروه فغير صحيح؛ لأن الطلاق ليس برفع للعقد، ولا النماء من ~~موجبات العقد، إنما هو من موجبات الملك. إذا ثبت هذا، فلا فرق بين كون ~~الولادة قبل تسليمه إليها أو بعده، إلا أن يكون قد منعها قبضه. فيكون النقص ~~من ضمانه، والزيادة لها، فتنفرد بالأولاد. وإن نقصت الأمهات، خيرت بين أخذ ~~نصفها ناقصة، وبين أخذ نصف قيمتها أكثر ما كانت من يوم أصدقها إلى يوم ~~طلقها. وإن أراد الزوج نصف قيمة الأمهات من المرأة، لم يكن له ذلك. # وقال أبو حنيفة: إذا ولدت في يد الزوج، ثم طلقها قبل الدخول، رجع في نصف ~~الأولاد أيضا؛ لأن الولد دخل في التسليم المستحق بالعقد، لأن حق التسليم ~~تعلق بالأم، فسرى إلى الولد، كحق الاستيلاد، وما دخل في التسليم المستحق ~~يتنصف بالطلاق، كالذي دخل في العقد. ولنا قول الله تعالى: {فنصف ما فرضتم} ~~[البقرة: 237] وما فرض ها هنا إلا الأمهات، فلا يتنصف سواها، # PageV07P267 # ولأن الولد حدث في ملكها، فأشبه ما حدث في يدها، ولا يشبه حق التسليم حق ~~الاستيلاد، فإن حق الاستيلاد يسري، وحق التسليم لا سراية له، فإن تلف في يد ~~الزوج، وكانت المرأة قد طالبت به فمنعها، ضمنه كالغاصب، وإلا لم يضمنه؛ ~~لأنه تبع لأمه. ### | [فصل حكم الصداق إذا كان جارية] # (5646) فصل: والحكم في الصداق إذا كان جارية، كالحكم في الغنم، فإذا ولدت ~~كان الولد لها، كولد الغنم، إلا أنه ليس له الرجوع في نصف الأصل؛ لأنه يفضي ~~إلى التفريق بين الأم ms3785 وولدها في بعض الزمان، وكما لا يجوز التفريق بينهما ~~وبين ولدها في جميع الزمان، لا يجوز في بعضه، فيرجع أيضا في نصف قيمتها وقت ~~ما أصدقها لا غير. ### | [فصل كان الصداق بهيمة حائلا فحملت] # (5647) فصل: وإن كان الصداق بهيمة حائلا، فحملت فالحمل فيها زيادة متصلة، ~~إن بذلتها له بزيادتها، لزمه قبولها، وليس ذلك معدودا نقصا، ولذلك لا يرد ~~به المبيع، وإن كانت أمة، فحملت، فقد زادت من وجه لأجل ولدها، ونقصت من ~~وجه؛ لأن الحمل في النساء نقص، لخوف التلف عليها حين الولادة، ولهذا يرد ~~بها المبيع، فحينئذ لا يلزمها بذلها لأجل الزيادة، ولا يلزمه قبولها لأجل ~~النقص، وله نصف قيمتها. وإن اتفقا على تنصيفها، جاز. # وإن أصدقها حاملا، فولدت، فقد أصدقها عينين الجارية وولدها، وزاد الولد ~~في ملكها، فإن طلقها، فرضيت ببذل النصف من الأم والولد جميعا، أجبر على ~~قبولهما؛ لأنها زيادة غير متميزة وإن لم تبذله، لم يجز له الرجوع في نصف ~~الولد؛ لزيادته، ولا في نصف الأم؛ لما فيه من التفرقة بينها وبين ولدها، ~~ويرجع بنصف قيمة الأم، وفي نصف الولد وجهان؛ أحدهما، لا يستحق نصف قيمته؛ ~~لأنه حالة العقد لا قيمة له، وحالة الانفصال قد زاد في ملكها، فلا يقوم ~~الزوج بزيادته. # ويفارق ولد المغرور، فإن وقت الانفصال وقت الحيلولة، فلهذا قوم فيها، ~~بخلاف مسألتنا. والثاني، له نصف قيمته؛ لأنه أصدقها عينين، فلا يرجع في ~~إحداهما دون الأخرى، ويقوم حالة الانفصال؛ لأنها أول حالة إمكان تقويمه. ~~وفي المسألة وجه آخر وهو أن الحمل لا حكم له، فيكون كأنه حادث. ### | [فصل كان الصداق مكيلا أو موزونا فنقص في يد الزوج قبل تسليمه إليها] # (5648) فصل: إذا كان الصداق مكيلا أو موزونا، فنقص في يد الزوج قبل ~~تسليمه إليها، أو كان غير المكيل والموزون، # PageV07P268 # فمنعها أن تتسلمه، فالنقص عليه؛ لأنه من ضمانه، وتتخير المرأة بين أخذ ~~نصفه ناقصا مع أرش النقص، وبين أخذ نصف قيمته أكثر ما كانت، من يوم أصدقها ~~إلى يوم طلقها؛ لأنه إن زاد فلها، وإن ms3786 نقص فعليه، فهو بمنزلة الغاصب، ولا ~~يضمن زيادة القيمة لتغير الأسعار؛ لأنها ليست من ضمان الغاصب، فهاهنا أولى. ### | [مسألة أصدقها أرضا فبنتها دارا أو ثوبا فصبغته ثم طلقها قبل الدخول] # (5649) مسألة قال: (وإذا أصدقها أرضا، فبنتها دارا، أو ثوبا فصبغته ثم ~~طلقها قبل الدخول، رجع بنصف قيمته وقت ما أصدقها، إلا أن يشاء أن يعطيها ~~نصف قيمة البناء والصبغ، فيكون له النصف، أو تشاء هي أن تعطيه زائدا، فلا ~~يكون له غيره) . إنما كان له نصف القيمة؛ لأنه قد صار في الأرض والثوب ~~زيادة للمرأة، وهي البناء والصبغ، فإن دفعت إليه نصف الجميع زائدا، فعليه ~~قبوله؛ لأنه حقه وزيادة. وإن بذل لها نصف قيمة البناء والصبغ، ويكون له ~~النصف، فقال الخرقي: " له ذلك ". قال القاضي: هذا محمول على أنهما تراضيا ~~بذلك، لا أنها تجبر على قبوله؛ لأن بيع البناء معاوضة، فلا تجبر المرأة ~~عليها. # والصحيح أنها تجبر؛ لأن الأرض حصلت له، وفيها بناء لغيره، فإذا بذل ~~القيمة، لزم الآخر قبوله، كالشفيع إذا أخذ الأرض بعد بناء المشتري فيها، ~~فبذل الشفيع قيمته، لزم المشتري، قبولها، وكذلك إذا رجع المعير في أرضه، ~~وفيها بناء أو غرس للمستعير، فبذل المعير قيمة ذلك لزم المستعير قبولها. . ### | [فصل أصدقها نخلا حائلا فأثمرت في يده] # (5650) فصل: إذا أصدقها نخلا حائلا، فأثمرت في يده، فالثمرة لها؛ لأنها ~~نماء ملكها، فإن جذها بعد تناهيها، وجعلها في ظروف، وألقى عليها صقرا، من ~~صقرها، وهو سيلان الرطب بغير طبخ، وهذا يفعله أهل الحجاز حفظا لرطوبتها، لم ~~يخل من ثلاثة أحوال: أحدها، أن لا تنقص قيمة الثمرة والصقر، بل كانا ~~بحالهما، أو زادا، فإنه يردهما عليها، ولا شيء عليه. الثاني، أن تنقص ~~قيمتها، وذلك على ضربين: أحدهما، أن يكون نقصهما متناهيا، فإنه يدفعهما ~~إليها وأرش نقصهما؛ لأنه تعدى بما فعله من ذلك. الضرب الثاني، أن لا ~~يتناهى، بل يتزايد، ففيه وجهان؛ أحدهما، أنها تأخذ قيمتها؛ لأنها ~~كالمستهلكة والثاني، هي مخيرة بين ذلك وبين تركها حتى يستقر نقصها، وتأخذها ~~وأرشها، كالمغصوب منه. ms3787 الحال الثالث، أن لا تنقص قيمتها لكن إن أخرجها من ~~ظروفها نقصت قيمتها، فللزوج إخراجها وأخذ ظروفها، إن كانت الظروف ملكه. # وإذا نقصت، فالحكم على ما ذكرناه. # PageV07P269 # وإن قال الزوج: أنا أعطيكها مع ظروفها. فقال القاضي: يلزمها قبولها؛ لأن ~~ظروفها كالمتصلة بها التابعة لها. ويحتمل أن لا يلزمها قبولها؛ لأن الظروف ~~عين ماله، فلا يلزمها قبولها، كالمنفصلة عنها. (5651) فصل: فإن كانت ~~بحالها، إلا أن الصقر المتروك على الثمرة ملك الزوج، فإنه ينزع الصقر، ويرد ~~الثمرة، والحكم فيها إن نقصت أو لم تنقص، كالتي قبلها. # وإن قال: أنا أسلمها مع الصقر والظروف. فعلى الوجهين اللذين ذكرناهما. ~~وفي الموضع الذي حكمنا أن له رده، إذا قالت: أنا أرد الثمرة، وآخذ الأصل. ~~فلها ذلك في أحد الوجهين. والآخر، ليس لها ذلك. مبنيان على تفريق الصفقة في ~~البيع، وقد ذكرناها في موضعها. ### | [فصل كان الصداق جارية فوطئها الزوج عالما بزوال ملكه] # (5652) فصل: إذا كان الصداق جارية فوطئها الزوج، عالما بزوال ملكه، ~~وتحريم الوطء عليه، فعليه الحد؛ لأنه وطء في غير ملكه، وعليه المهر ~~لسيدتها، أكرهها أو طاوعته؛ لأن المهر لمولاتها، فلا يسقط ببذلها ~~ومطاوعتها، كما لو بذلت يدها للقطع، والولد رقيق للمرأة. # وإن اعتقد أن ملكه لم يزل عن جميعها، كما حكي عن مالك، أو كان غير عالم ~~بتحريمها عليه فلا حد عليه، فلا حد عليه للشبهة، وعليه المهر، والولد حر لا ~~حق نسبه به، وعليه قيمته يوم ولادته، ولا تصير أم ولد له، وإن ملكها بعد ~~ذلك، لأنه لا ملك فيها، وتخير المرأة بين أخذها في حال حملها، وبين أخذ ~~قيمتها؛ لأنه نقصها بإحبالها، وهل لها الأرش مع ذلك؟ يحتمل أن لها الأرش؛ ~~لأنها نقصت بعدوانه أشبه ما لو نقصها الغاصب بذلك. # وقال بعض أصحاب الشافعي في الأرش هاهنا قولان. وقال بعضهم: ينبغي أن يكون ~~لها المطالبة بالأرش، قولا واحدا؛ لأن النقص حصل بفعله الذي تعدى به، فهو ~~كالغاصب، وكما لو طالبته فمنع تسليمها. وهذا أصح. ### | [فصل أصدق ذمي ذميه خمرا فتخللت في ms3788 يدها] # (5653) فصل: إذا أصدق ذمي ذميه خمرا، فتخللت في يدها، ثم طلقها قبل ~~الدخول، احتمل أن لا يرجع عليها بشيء؛ لأنها قد زادت في يدها بالتخلل، ~~والزيادة لها، وإن أراد الرجوع بنصف قيمتها قبل التخلل، فلا قيمة لها، ~~وإنما يرجع إذا زادت في نصف قيمتها أقل ما كانت من حين العقد إلى حين ~~القبض، وحينئذ لا قيمة لها، وإن تخللت في يد الزوج، ثم طلقها، فلها؛ لأن ~~الزيادة لها. ويحتمل أن يكون الخل له، وعليه نصف مهر مثلها، إذا ترافعا ~~إلينا قبل القبض، أو أسلما، أو أحدهما. # PageV07P270 ### | [فصل تزوج امرأة فضمن أبوه نفقتها عشر سنين] # فصل: إذا تزوج امرأة فضمن أبوه نفقتها عشر سنين، صح ذكره أبو بكر؛ لأن ~~أكثر ما فيه أنه ضمان مجهول، أو ضمان ما لم يجب، وكلاهما صحيح، ولا فرق بين ~~كون الزوج موسرا أو معسرا. واختلف أصحاب الشافعي؛ فمنهم من قال كقولنا، ~~ومنهم من قال: لا يصح إلا ضمان نفقة المعسر؛ لأن غير المعسر يتغير حاله، ~~فيكون عليه نفقة الموسر أو المتوسط، فيكون ضمان مجهول، والمعسر معلوم ما ~~عليه. ومنهم من قال: لا يصح أصلا، لأنه ضمان ما لم يجب. ولنا أن الحبل لا ~~يمنع صحة الضمان، بدليل صحة ضمان نفقة المعسر، مع احتمال أن يموت أحدهما ~~فتسقط النفقة، ومع ذلك صح الضمان، فكذلك هذا. ### | [فصل يجب المهر للمنكوحة نكاحا صحيحا والموطوءة في نكاح فاسد] # (5655) فصل: ويجب المهر للمنكوحة نكاحا صحيحا، والموطوءة في نكاح فاسد، ~~والموطوءة بشبهة. بغير خلاف نعلمه. ويجب للمكرهة على الزنى. وعن أحمد، ~~رواية أخرى: أنه لا مهر لها إن كانت ثيبا. واختاره أبو بكر. ولا يجب مع ذلك ~~أرش البكارة. وذكر القاضي، أن أحمد قد قال في رواية أبي طالب، في حق ~~الأجنبية إذا أكرهها على الزنى، وهي بكر: فعليه المهر، وأرش البكارة. وهذا ~~قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا مهر للمكرهة على الزنى. # ولنا «قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: فلها المهر بما استحل من فرجها» ~~. وهذا حجة على أبي ms3789 حنيفة؛ فإن المكره مستحل لفرجها، فإن الاستحلال الفعل ~~في غير موضع الحل، كقوله - عليه السلام -: «ما آمن بالقرآن من استحل ~~محارمه» . وهو حجة على من أوجب الأرش لكونه أوجب المهر وحده من غير أرش، ~~ولأنه استوفى ما يجب بدله بالشبهة، وفي العقد الفاسد كرها، فوجب بدله ~~كإتلاف المال، وأكل طعام الغير. # ولنا، على أنه لا يجب الأرش، أنه وطء ضمن بالمهر، فلم يجب معه أرش، كسائر ~~الوطء، يحققه أن المهر بدل المنفعة المستوفاة بالوطء، وبدل المتلف لا يختلف ~~بكونه في عقد فاسد، وكونه تمحض عدوانا، ولأن الأرش يدخل في المهر، لكون ~~الواجب لها مهر المثل، ومهر البكر يزيد على مهر الثيب ببكارتها، فكانت ~~الزيادة في المهر مقابلة لما أتلف من البكارة، فلا يجب عوضها مرة ثانية. # يحققه أنه إذا أخذ أرش البكارة مرة، لم يجز أخذه مرة أخرى، فتصير كأنها ~~معدومة، فلا يجب لها إلا مهر ثيب، ومهر الثيب مع أرش البكارة هو مهر مثل ~~البكر، فلا تجوز الزيادة عليه. والله أعلم. # PageV07P271 ### | [فصل لا فرق بين كون الموطوءة أجنبية أو من ذوات محارمه] # (5656) فصل: ولا فرق بين كون الموطوءة أجنبية أو من ذوات محارمه. وهو ~~اختيار أبي بكر. ومذهب النخعي، ومكحول، وأبي حنيفة، والشافعي. وعن أحمد، ~~رواية أخرى، أن ذوات محارمه من النساء لا مهر لهن. وهو قول الشعبي؛ لأن ~~تحريمهن تحريم أصل، فلا يستحق به مهر. كاللواط، وفارق من حرمت تحريم ~~المصاهرة، فإن تحريمها طارئ، وكذلك ينبغي أن يكون الحكم في من حرمت ~~بالرضاع؛ لأنه طارئ أيضا. # وعن أحمد، رواية أخرى، أن من تحرم ابنتها لا مهر لها، كالأم والبنت ~~والأخت، ومن تحل ابنتها، كالعمة والخالة، فلها المهر؛ لأن تحريمها أخف. ~~ولنا، أن ما ضمن للأجنبي، ضمن للمناسب، كالمال ومهر الأمة، ولأنه أتلف ~~منفعة بضعها بالوطء، فلزمه مهرها، كالأجنبية، ولأنه محل مضمون على غيره، ~~فوجب عليه ضمانه، كالمال، وبهذا فارق اللواط؛ فإنه ليس بمضمون على أحد. ### | [فصل لا يجب المهر بالوطء في الدبر ولا اللواط] # (5657) فصل: ولا يجب المهر ms3790 بالوطء في الدبر ولا اللواط؛ لأن الشرع لم يرد ~~ببدله، ولا هو إتلاف لشيء، فأشبه القبلة والوطء دون الفرج، ولا يجب ~~للمطاوعة على الزنى، لأنها باذلة لما يجب بذله لها، فلم يجب لها شيء، كما ~~لو أذنت له في قطع يدها فقطعها، إلا أن تكون أمة، فيكون المهر لسيدها، ولا ~~يسقط ببذلها؛ لأن الحق لغيرها، فأشبه ما لو بذلت قطع يدها. ### | [فصل طلق امرأته قبل الدخول طلقة وظن أنها لا تبين بها فوطئها] # (5658) فصل: ولو طلق امرأته قبل الدخول طلقة، وظن أنها لا تبين بها، ~~فوطئها، لزمه مهر المثل، ونصف المسمى. وقال مالك: لا يلزمه إلا مهر واحد. ~~ولنا أن المفروض يتنصف بطلاقه، بقوله سبحانه: {فنصف ما فرضتم} [البقرة: ~~237] . ووطؤه بعد ذلك عري عن العقد، فوجب به مهر المثل، كما لو علم أو ~~كغيرها، أو كما لو وطئها غيره. ### | [فصل ومن نكاحها باطل إذا نكحها رجل فوطئها عالما بالحال وتحريم الوطء وهي مطاوعة عالمة فلا مهر لها] # (5659) فصل: ومن نكاحها باطل بالإجماع كالمزوجة، والمعتدة، إذا نكحها رجل ~~فوطئها عالما بالحال، وتحريم الوطء، وهي مطاوعة عالمة، فلا مهر لها؛ لأنه ~~زنى يوجب الحد، وهي مطاوعة عليه. وإن جهلت تحريم ذلك، أو كونها في العدة ~~فالمهر لها؛ لأنه وطء شبهة. وقد روى أبو داود، بإسناده، «أن رجلا يقال له ~~بصرة بن أكثم، نكح امرأة، فولدت لأربعة أشهر، # PageV07P272 # فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها الصداق. وفي لفظ قال: لها الصداق ~~بما استحللت من فرجها، فإذا ولدت فاجلدوها» . # وروى سعيد، في " سننه "، عن عمران بن كثير أن عبيد الله بن الحر تزوج ~~جارية من قومه، يقال لها الدرداء، فانطلق عبيد الله، فلحق بمعاوية، ومات ~~أبو الجارية فزوجها أهلها رجلا، يقال له عكرمة، فبلغ ذلك عبيد الله، فقدم ~~فخاصمهم إلى علي - رضي الله عنه - فقصوا عليه قصتهم، فرد عليه المرأة، ~~وكانت حاملا من عكرمة، فوضعت على يدي عدل، فقالت المرأة لعلي: أنا أحق ~~بمالي أو عبيد الله؟ قال: بل أنت أحق بمالك. قالت: فاشهدوا ms3791 أن ما كان لي ~~على عكرمة من صداق فهو له، فلما وضعت ما في بطنها، ردها على عبيد الله بن ~~الحر، وألحق الولد بأبيه. ### | [فصل الصداق إذا كان في الذمة فهو دين] # (5660) فصل: والصداق إذا كان في الذمة، فهو دين، إذا مات من هو عليه ~~وعليه دين سواه، قسم ماله بينهم بالحصص. قال أحمد في مريض تزوج في مرضه ~~وعليه دين ومات: ما ترك بين الغرماء والمرأة بالحصص. وذلك لأن نكاح المريض ~~صحيح، والصداق دين، فتساوى سائر الديون. ### | [فصل كانت الفرقة قبل الدخول من قبل المرأة] # فصل: وكل فرقة كانت قبل الدخول من قبل المرأة، مثل إسلامها، أو ردتها، أو ~~إرضاعها من ينفسخ النكاح بإرضاعه، أو ارتضاعها وهي صغيرة، أو فسخت لإعسارة، ~~أو عيبه، أو لعتقها تحت عبد، أو فسخه بعيبها، فإنه يسقط به مهرها، ولا يجب ~~لا متعة؛ لأنها أتلفت المعوض قبل تسليمه، فسقط البدل كله، كالبائع يتلف ~~المبيع قبل تسليمه. # وإن كانت بسبب الزوج، كطلاقه، وخلعه، وإسلامه، وردته، أو جاءت من أجنبي، ~~كالرضاع، أو وطء ينفسخ به النكاح، سقط نصف المهر، ووجب نصفه أو المتعة لغير ~~من سمي لها، ثم يرجع الزوج على من فسخ النكاح إذا جاء الفسخ من قبل أجنبي. ~~وإن قتلت المرأة، استقر المهر جميعه؛ لأنها فرقة حصلت بالموت، وانتهاء ~~النكاح، فلا يسقط بها المهر، كما لو ماتت حتف أنفها، سواء قتلها زوجها أو ~~أجنبي، أو قتلت نفسها، أو قتل الأمة سيدها. # وإن طلق الحاكم على الزوج في الإيلاء، فهو كطلاقه؛ لأنه قام مقامه في ~~إيفاء الحق عليه عند امتناعه منه. وفي فرقة اللعان روايتان؛ إحداهما، هي ~~كطلاقه؛ لأن سبب اللعان قذفه الصادر منه. والثانية، يسقط به مهرها؛ لأن ~~الفسخ عقيب لعانها، فهو كفسخها لعنته. وفي فرقة شرائها لزوجها أيضا ~~روايتان؛ # PageV07P273 # إحداهما، يتنصف بها مهرها؛ لأن البيع الموجب للفسخ تم بالسيد القائم مقام ~~الزوج وبالمرأة، فأشبه الخلع. والثانية، يسقط المهر؛ لأن الفسخ وجد عقيب ~~قبولها، فأشبه فسخها لعنته. # وفيما إذا اشترى الحر امرأته وجهان، مبنيان ms3792 على الروايتين في شرائها ~~لزوجها. وإذا جعل لها الخيار، فاختارت نفسها، أو وكلها في الطلاق، فطلقت ~~نفسها، فهو كطلاقه. لا يسقط مهرها؛ لأن المرأة وإن باشرت الطلاق، فهي نائبة ~~عنه، ووكيلة له، وفعل الوكيل كفعل الموكل، فكأنه صدر عن مباشرته. # وإن علق طلاقها على فعل من قبلها، لم يسقط مهرها؛ لأن السبب وجد منه، ~~وإنما هي حققت شرطه، والحكم ينسب إلى صاحب السبب والله أعلم. # PageV07P274 ### | [كتاب الوليمة] # الوليمة: اسم للطعام في العرس خاصة، لا يقع هذا الاسم على غيره. كذلك ~~حكاه ابن عبد البر عن ثعلب وغيره من أهل اللغة. وقال بعض الفقهاء من ~~أصحابنا وغيرهم: إن الوليمة تقع على كل طعام لسرور حادث، إلا أن استعمالها ~~في طعام العرس أكثر. وقول أهل اللغة أقوى؛ لأنهم أهل اللسان، وهم أعرف ~~بموضوعات اللغة، وأعلم بلسان العرب. والعذيرة: اسم لدعوة الختان، وتسمى ~~الإعذار. والخرس والخرسة: عند الولادة. والوكيرة: دعوة البناء. يقال: وكر ~~وخرس، مشدد. والنقيعة: عند قدوم الغائب، يقال: نقع، مخفف. والعقيقة: الذبح ~~لأجل الولد، قال الشاعر: # كل الطعام تشتهي ربيعة ... الخرس والإعذار والنقيعة # والحذاق: الطعام عند حذاق الصبي. والمأدبة: اسم لكل دعوة لسبب كانت أو ~~لغير سبب. والآدب، صاحب المأدبة، قال الشاعر: # نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا يرى الآدب منا ينتقر # والجفلى في الدعوة: أن يعم الناس بدعوته. والنقرى: هو أن يخص قوما دون ~~قوم. ### | [مسألة يستحب لمن تزوج أن يولم ولو بشاة] # مسألة (5662) ؛ قال (ويستحب لمن تزوج أن يولم ولو بشاة) . # لا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة سنة في العرس مشروعة؛ لما روي «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بها وفعلها. فقال لعبد الرحمن بن عوف، ~~حين قال: تزوجت: أولم ولو بشاة» . وقال أنس: «ما أولم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، جعل يبعثني فأدعو له ~~الناس، فأطعمهم خبزا ولحما حتى شبعوا. وقال أنس: إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - اصطفى صفية لنفسه، # PageV07P275 # فخرج بها حتى بلغ ms3793 ثنية الصهباء، فبنى بها، ثم صنع حيسا في نطع صغير، ثم ~~قال: ائذن لمن حولك. فكانت وليمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~صفية.» متفق عليهن. # ويستحب أن يولم بشاة، إن أمكنه ذلك؛ لقول «رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لعبد الرحمن: أولم ولو بشاة» . وقال أنس: «ما أولم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة.» لفظ البخاري. ~~فإن أولم بغير هذا جاز؛ فقد أولم النبي - صلى الله عليه وسلم - على صفية ~~بحيس، وأولم على بعض نسائه بمدين من شعير. رواه البخاري. # (5663) فصل: وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم. وقال بعض أصحاب الشافعي: ~~هي واجبة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بها عبد الرحمن بن عوف، ~~ولأن الإجابة إليها واجبة؛ فكانت واجبة. ولنا، أنها طعام لسرور حادث؛ فأشبه ~~سائر الأطعمة، والخبر محمول على الاستحباب؛ بدليل ما ذكرناه، وكونه أمر ~~بشاة ولا خلاف في أنها لا تجب، وما ذكروه من المعنى لا أصل له، ثم هو باطل ~~بالسلام، ليس بواجب وإجابة المسلم واجبة. ### | [مسألة وجوب الإجابة إلى الوليمة لمن دعي إليها] # مسألة قال: (وعلى من دعي أن يجيب) قال ابن عبد البر لا خلاف في وجوب ~~الإجابة إلى الوليمة لمن دعي إليها، إذا لم يكن فيها لهو. وبه يقول مالك، ~~والشافعي والعنبري، وأبو حنيفة وأصحابه. ومن أصحاب الشافعي من قال: هي من ~~فروض الكفايات؛ لأن الإجابة إكرام وموالاة، فهي كرد السلام. # ولنا ما روى ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دعي ~~أحدكم إلى الوليمة فليأتها» . وفي لفظ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم إليها» . وقال أبو هريرة: شر الطعام ~~طعام الوليمة؛ يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يجب فقد عصى الله ~~ورسوله. رواهن البخاري. وهذا عام، ومعنى قوله: شر الطعام طعام الوليمة - ~~والله أعلم - أي # PageV07P276 # طعام الوليمة التي يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء، ولم يرد أن كل ms3794 ~~وليمة طعامها شر الطعام؛ فإنه لو أراد ذلك لما أمر بها، ولا ندب إليها، ولا ~~أمر بالإجابة إليها، ولا فعلها؛ ولأن الإجابة تجب بالدعوة، فكل من دعي فقد ~~وجبت عليه الإجابة. # (5665) فصل: وإنما تجب الإجابة على من عين بالدعوة، بأن يدعو رجلا بعينه، ~~أو جماعة معينين. فإن دعا الجفلى؛ بأن يقول: يا أيها الناس، أجيبوا إلى ~~الوليمة. أو يقول الرسول: أمرت أن أدعو كل من لقيت، أو من شئت. لم تجب ~~الإجابة، ولم تستحب؛ لأنه لم يعين بالدعوة، فلم تتعين عليه الإجابة، ولأنه ~~غير منصوص عليه، ولا يحصل كسر قلب الداعي بترك إجابته، وتجوز الإجابة بهذا؛ ~~لدخوله في عموم الدعاء. ### | [فصل إذا صنعت الوليمة أكثر من يوم جاز] # (5666) فصل: وإذا صنعت الوليمة أكثر من يوم، جاز؛ فقد روى الخلال، ~~بإسناده عن أبي، أنه أعرس ودعا الأنصار ثمانية أيام. وإذا دعي في اليوم ~~الأول وجبت الإجابة، وفي اليوم الثاني تستحب الإجابة، وفي اليوم الثالث لا ~~تستحب. قال أحمد: الأول يجب، والثاني إن أحب، والثالث فلا. وهكذا مذهب ~~الشافعي. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الوليمة أول ~~يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة» . رواه أبو داود، وابن ماجه، ~~وغيرهما. وقاله سعيد بن المسيب أيضا. ودعي سعيد إلى وليمة مرتين فأجاب، ~~فدعي الثالثة، فحصب الرسول. رواه أبو داود، والخلال. ### | [فصل الدعاء إلى الوليمة إذن في الدخول والأكل] # (5667) فصل: والدعاء إلى الوليمة إذن في الدخول والأكل؛ بدليل ما روى أبو ~~هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا دعي أحدكم، فجاء مع ~~الرسول، فذلك إذن له» . رواه أبو داود. وقال عبد الله بن مسعود: إذا دعيت ~~فقد أذن لك. رواه الإمام أحمد بإسناده. ### | [فصل دعاه ذمي إلى وليمة] # (5668) فصل: فإن دعاه ذمي، فقال أصحابنا: لا تجب إجابته؛ لأن الإجابة ~~للمسلم للإكرام والموالاة وتأكيد المودة # PageV07P277 # والإخاء، فلا تجب على المسلم للذمي، ولأنه لا يأمن اختلاط طعامهم بالحرام ~~والنجاسة، ولكن تجوز إجابتهم؛ لما روى أنس، أن يهوديا «دعا النبي ms3795 - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى خبز شعير، وإهالة سنخة، فأجابه» . ذكره الإمام أحمد، ~~في " الزهد ". ### | [فصل دعاه رجلان إلى وليمة ولم يمكن الجمع بينهما] # فصل: فإن دعاه رجلان، ولم يمكن الجمع بينهما، وسبق أحدهما، أجاب السابق؛ ~~لأن إجابته وجبت حين دعاه، فلم يزل الوجوب بدعاء الثاني، ولم تجب إجابة ~~الثاني؛ لأنها غير ممكنة مع إجابة الأول، فإن استويا، أجاب أقربهما منه ~~بابا؛ لما روى أبو داود، بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إذا اجتمع داعيان، فأجب أقربهما بابا؛ فإن أقربهما جوارا، فإن سبق أحدهما، ~~فأجب الذي سبق» . وروى البخاري بإسناده «عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول ~~الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال أقربهما منك بابا» . ولأن هذا من ~~أبواب البر؛ فقدم بهذه المعاني، فإن استويا، أجاب أقربهما رحما؛ لما فيه من ~~صلة الرحم، فإن استويا، أجاب أدينهما، فإن استويا أقرع بينهما؛ لأن القرعة ~~تعين المستحق عند استواء الحقوق. ### | [مسألة في الوليمة إن لم يحب أن يطعم دعا وانصرف] # (5670) مسألة؛ قال: (فإن لم يحب أن يطعم، دعا وانصرف) . وجملة ذلك أن ~~الواجب الإجابة إلى الدعوة؛ لأنها الذي أمر به وتوعد على تركه، أما الأكل ~~فغير واجب، صائما كان أو مفطرا. نص عليه أحمد، لكن إن كان المدعو صائما ~~صوما واجبا أجاب، ولم يفطر؛ لأن الفطر غير جائز؛ فإن الصوم واجب، والأكل ~~غير واجب، وقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليدع - وإن كان مفطرا فليطعم» . رواه ~~أبو داود، وفي رواية " فليصل ". يعني: يدعو. ودعي ابن عمر إلى وليمة، فحضر ~~ومد يده وقال: # PageV07P278 # بسم الله، ثم قبض يده، وقال: كلوا، فإني صائم. # وإن كان صوما تطوعا، استحب له الأكل؛ لأن له الخروج من الصوم، فإذا كان ~~في الأكل إجابة أخيه المسلم، وإدخال السرور على قلبه، كان أولى. وقد روي ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في دعوة، ومعه جماعة، فاعتزل رجل من ~~القوم ناحية، ms3796 فقال: إني صائم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: دعاكم ~~أخوكم، وتكلف لكم، كل، ثم صم يوما مكانه إن شئت» وإن أحب إتمام الصيام جاز؛ ~~لما روينا من الخبر المتقدم، ولكن يدعو لهم، ويترك، ويخبرهم بصيامه؛ ~~ليعلموا عذره، فتزول عنه التهمة في ترك الأكل. # وقد روى أبو حفص، بإسناده عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه أجاب ~~عبد المغيرة وهو صائم، فقال: إني صائم، ولكني أحببت أن أجيب الداعي، فأدعو ~~بالبركة. وعن عبد الله قال: إذا عرض على أحدكم الطعام وهو صائم، فليقل: إني ~~صائم. وإن كان مفطرا، فالأولى له الأكل؛ لأنه أبلغ في إكرام الداعي، وجبر ~~قلبه. ولا يجب عليه ذلك. وقال أصحاب الشافعي: فيه وجه آخر، أنه يلزمه ~~الأكل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وإن كان مفطرا فليطعم» . # ولأن المقصود منه الأكل، فكان واجبا. ولنا قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن شاء أكل، وإن شاء ترك» . حديث صحيح. ~~ولأنه لو وجب الأكل، لوجب على المتطوع بالصوم، فلما لم يلزمه الأكل، لم ~~يلزمه إذا كان مفطرا. وقولهم: المقصود الأكل. قلنا: بل المقصود الإجابة، ~~ولذلك وجبت على الصائم الذي لا يأكل. ### | [فصل إذا دعي إلى وليمة فيها معصية] # (5671) فصل: إذا دعي إلى وليمة، فيها معصية، كالخمر، والزمر، والعود ~~ونحوه، وأمكنه الإنكار، وإزالة المنكر، لزمه الحضور والإنكار؛ لأنه يؤدي ~~فرضين؛ إجابة أخيه المسلم، وإزالة المنكر. وإن لم يقدر على الإنكار، لم ~~يحضر. وإن لم يعلم بالمنكر حتى حضر، أزاله، فإن لم يقدر انصرف. ونحو هذا ~~قال الشافعي. وقال مالك: # PageV07P279 # أما اللهو الخفيف، كالدف والكير فلا يرجع. وقاله ابن القاسم. وقال أصبغ: ~~أرى أن يرجع؛ وقال أبو حنيفة: إذا وجد اللعب، فلا بأس أن يقعد فيأكل. وقال ~~محمد بن الحسن: إن كان ممن يقتدى به، فأحب إلي أن يخرج. وقال الليث: إذا ~~كان فيها الضرب بالعود، فلا ينبغي له أن يشهدها. # والأصل في هذا ما روى سفينة «أن رجلا أضافه علي، فصنع له طعاما، فقالت ms3797 ~~فاطمة: لو دعونا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأكل معنا؟ فدعوه، ~~فجاء. فوضع يده على عضادتي الباب، فرأى قراما في ناحية البيت، فرجع، فقالت ~~فاطمة لعلي: الحقه، فقل له: ما رجعك يا رسول الله؟ فقال: إنه ليس لي أن ~~أدخل بيتا مزوقا» . حديث حسن. وروى أبو حفص، بإسناده. أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقعد على مائدة ~~يدار عليها الخمر» . # «وعن نافع، قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر، فسمع زمارة راع، فوضع ~~أصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يا نافع أتسمع؟ حتى قلت: ~~لا. فأخرج أصبعيه من أذنيه، ثم رجع إلى الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - صنع.» رواه أبو داود والخلال. ولأنه يشاهد ~~المنكر ويسمعه، من غير حاجة إلى ذلك، فمنع منه، كما لو قدر على إزالته. ~~ويفارق من له جار مقيم على المنكر والزمر، حيث يباح له المقام، فإن تلك حال ~~حاجة؛ لما في الخروج من المنزل من الضرر. ### | [فصل رأى نقوشا وصور شجر بعدما لبى دعاء الوليمة] # (5672) فصل: فإن رأى نقوشا، وصور شجر، ونحوها، فلا بأس بذلك؛ لأن تلك ~~نقوش، فهي كالعلم في الثوب. وإن كانت فيه صور حيوان، في موضع يوطأ أو يتكأ ~~عليها، كالتي في البسط، والوسائد، جاز أيضا. وإن كانت على الستور والحيطان، ~~وما لا يوطأ، وأمكنه حطها، أو قطع رءوسها، فعل وجلس، وإن لم يمكن ذلك، ~~انصرف ولم يجلس؛ وعلى هذا أكثر أهل العلم، قال ابن عبد البر: هذا أعدل ~~المذاهب. وحكاه عن سعد بن أبي وقاص، وسالم، وعروة، وابن سيرين، وعطاء، ~~وعكرمة بن خالد، وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير. # PageV07P280 # وهو مذهب الشافعي، وكان أبو هريرة يكره التصاوير، ما نصب منها وما بسط. ~~وكذلك مالك، إلا أنه كان يكرهها تنزها، ولا يراها محرمة. # ولعلهم يذهبون إلى عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الملائكة ~~لا تدخل بيتا فيه صورة» . متفق ms3798 عليه وروي عن ابن مسعود، أنه دعي إلى طعام، ~~فلما قيل له: إن في البيت صورة أبى أن يذهب حتى كسرت. # ولنا ما روت عائشة، قالت «قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - من سفر، وقد ~~سترت لي سهوة بنمط فيه تصاوير، فلما رآه قال: أتسترين الخدر بستر فيه ~~تصاوير؟ فهتكه. قالت: فجعلت منه منتبذتين، كأني أنظر إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - متكئا على إحداهما» . رواه ابن عبد البر. ولأنها إذا كانت ~~تداس وتبتذل، لم تكن معززة ولا معظمة، فلا تشبه الأصنام التي تعبد وتتخذ ~~آلهة، فلا تكرم. # وما رويناه أخص مما رووه، وقد روي عن «أبي طلحة. أنه قيل له: ألم يقل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب؟ ~~قال: ألم تسمعه قال: إلا رقما في ثوب؟» # PageV07P281 # متفق عليه. وهو محمول على ما ذكرناه من أن المباح ما كان مبسوطا، ~~والمكروه منه ما كان معلقا، بدليل حديث عائشة. ### | [فصل قطع رأس الصورة التي رآها عند صاحب الوليمة] # (5673) فصل: فإن قطع رأس الصورة، ذهبت الكراهة. قال ابن عباس: الصورة ~~الرأس، فإذا قطع الرأس فليس بصورة. وحكي ذلك عن عكرمة. وقد روي عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله «- صلى الله عليه وسلم -: أتاني جبريل، فقال: ~~أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، ~~وكان في البيت ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي ~~على الباب فيقطع، فيصير كهيئة الشجر، ومر بالستر فلتقطع منه وسادتان ~~منبوذتان يوطآن، ومر بالكلب فليخرج. ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-.» وإن قطع منه ما لا يبقي الحيوان بعد ذهابه، كصدره أو بطنه، أو جعل له ~~رأس منفصل عن بدنه، لم يدخل تحت النهي، لأن الصورة لا تبقي بعد ذهابه، فهو ~~كقطع الرأس. # وإن كان الذاهب يبقي الحيوان بعده، كالعين واليد والرجل، فهو صورة داخلة ~~تحت النهي. وكذلك إذا كان في ابتداء التصوير صورة بدن بلا رأس، أو رأس ms3799 بلا ~~بدن، أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان، لم يدخل في النهي؛ لأن ذلك ~~ليس بصورة حيوان. ### | [فصل صنعة التصاوير] # (5674) فصل: وصنعة التصاوير محرمة على فاعلها؛ لما روى ابن عمر عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم ~~القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» . وعن «مسروق قال: دخلنا مع عبد الله ~~بيتا فيه تماثيل، فقال لتمثال منها: تمثال من هذا؟ قالوا: تمثال مريم، قال ~~عبد الله: قال رسول الله: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون» . متفق ~~عليهما، والأمر بعمله محرم. كعمله. # PageV07P282 ### | [فصل دخول منزل فيه صورة] # (5675) فصل: فأما دخول منزل فيه صورة، فليس بمحرم، وإنما أبيح ترك الدعوة ~~من أجله عقوبة للداعي، بإسقاط حرمته؛ لإيجاده المنكر في داره. ولا يجب على ~~من رآه في منزل الداعي الخروج، في ظاهر كلام أحمد؛ فإنه قال، في رواية ~~الفضل بن زياد، إذا رأى صورا على الستر، لم يكن رآها حين دخل؟ قال: هو أسهل ~~من أن يكون على الجدار. قيل: فإن لم يره إلا عند وضع الخوان بين أيديهم، ~~أيخرج؟ فقال: لا تضيق علينا، ولكن إذا رأى هذا وبخهم ونهاهم. يعني لا يخرج. ~~وهذا مذهب مالك فإنه كان يكرهها تنزها، ولا يراها محرمة. وقال أكثر أصحاب ~~الشافعي: إذا كانت الصور على الستور، أو ما ليس بموطوء، لم يجز له الدخول؛ ~~لأن الملائكة لا تدخله، ولأنه لو لم يكن محرما، لما جاز ترك الدعوة الواجبة ~~من أجله. # ولنا ما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة، فرأى فيها ~~صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فقال: قاتلهم الله، لقد علموا ~~أنهما ما استقسما بها قط» . رواه أبو داود. وما ذكرنا من خبر عبد الله أنه ~~دخل بيتا فيه تماثيل، وفي شروط عمر - رضي الله عنه - على أهل الذمة: أن ~~يوسعوا أبواب كنائسهم وبيعهم، ليدخلها المسلمون للمبيت بها، والمارة ~~بدوابهم، وروى ابن عائذ في " فتوح الشام "، أن النصارى صنعوا لعمر - رضي ~~الله عنه -، حين قدم ms3800 الشام، طعاما، فدعوه، فقال: أين هو؟ قالوا: في ~~الكنيسة، فأبى أن يذهب، وقال لعلي: امض بالناس، فليتغدوا. فذهب علي - رضي ~~الله عنه - بالناس، فدخل الكنيسة، وتغدى هو والمسلمون، وجعل علي ينظر إلى ~~الصور، وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل فأكل، # وهذا اتفاق منهم على إباحة دخولها وفيها الصور، ولأن دخول الكنائس والبيع ~~غير محرم، فكذلك المنازل التي فيها الصور، وكون الملائكة لا تدخله لا يوجب ~~تحريم دخوله علينا، كما لو كان فيه كلب، ولا يحرم علينا صحبة رفقة فيها ~~جرس، مع أن الملائكة لا تصحبهم، وإنما أبيح ترك الدعوة من أجله عقوبة ~~لفاعله، وزجرا له عن فعله، والله أعلم. ### | [فصل ستر الحيطان بستور غير مصورة] # (5676) فصل: فأما ستر الحيطان بستور غير مصورة؛ فإن كان لحاجة من وقاية ~~حر أو برد، فلا بأس به؛ لأنه يستعمله في حاجته، فأشبه الستر على الباب، وما ~~يلبسه على بدنه، وإن كان لغير حاجة، فهو مكروه، وعذر في الرجوع عن الدعوة ~~وترك الإجابة؛ بدليل ما روى سالم بن عبد الله بن عمر، قال: أعرست في عهد ~~أبي فآذن أبي الناس، فكان أبو أيوب فيمن آذن، وقد ستروا بيتي بخباء أخضر، ~~فأقبل أبو أيوب مسرعا، فاطلع، فرأى البيت # PageV07P283 # مستترا بخباء أخضر، فقال: يا عبد الله أتسترون الجدر؟ فقال أبي، واستحيا: ~~غلبتنا النساء يا أبا أيوب. فقال: من خشيت أن يغلبه النساء، فلم أخش أن ~~يغلبنك ثم قال: لا أطعم لكم طعاما، ولا أدخل لكم بيتا، ثم خرج. رواه الأثرم # وروي عن عبد الله بن يزيد الخطمي، أنه دعي إلى طعام، فرأى البيت منجدا، ~~فقعد خارجا وبكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رأى رجلا قد رقع بردة له بقطعة أدم، فقال: «تطالعت عليكم الدنيا. ~~ثلاثا، ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى، ويغدوا ~~أحدكم في حلة ويروح في أخرى، وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة؟ . قال عبد ~~الله: أفلا أبكي، وقد بقيت حتى رأيتكم تسترون ms3801 بيوتكم كما تستر الكعبة؟ .» # وقد روى الخلال، بإسناده عن ابن عباس، وعلي بن الحسين، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أنه نهى أن تستر الجدر.» وروت عائشة، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يأمر فيما رزقنا أن نستر الجدر.» # إذا ثبت هذا، فإن ستر الحيطان مكروه غير محرم وهذا مذهب الشافعي؛ إذ لم ~~يثبت في تحريمه دليل، وقد فعله ابن عمر، وفعل في زمن الصحابة - رضي الله ~~عنهم -، وإنما كره لما فيه من السرف، كالزيادة في الملبوس، والمأكول. وقد ~~قيل: هو محرم؛ للنهي عنه. والأول أولى؛ فإن النهي لم يثبت، ولو ثبت الحمل ~~على الكراهة؛ لما ذكرناه. ### | [فصل الستور فيها القرآن] # (5677) فصل: وسئل أحمد عن الستور فيها القرآن؟ فقال: لا ينبغي أن يكون ~~شيئا معلقا فيه القرآن، يستهان به، ويمسح به. قيل له: فيقلع؟ فكره أن يقلع ~~القرآن، وقال: إذا كان ستر فيه ذكر الله تعالى، فلا بأس به. وكره أن يشترى ~~الثوب فيه ذكر الله، مما يجلس عليه أو يداس. # PageV07P284 ### | [فصل يكتري البيت فيه تصاوير] # (5678) فصل: قيل لأبي عبد الله: الرجل يكتري البيت فيه تصاوير، ترى أن ~~يحكها؟ قال: نعم. قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: دخلت حماما، فرأيت صورة، ~~أترى أن أحك الرأس؟ قال: نعم. إنما جاز ذلك لأن اتخاذ الصورة منكر، فجاز ~~تغييرها، كآلة اللهو والصليب، والصنم، ويتلف منها ما يخرجها عن حد الصورة، ~~كالرأس ونحوه؛ لأن ذلك يكفي. قال أحمد: ولا بأس باللعب ما لم تكن صورة؛ لما ~~روي عن عائشة، قالت: «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ألعب ~~باللعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ . فقلت: هذه خيل سليمان. فجعل يضحك.» رواه ~~مسلم بنحوه. ### | [فصل الدف ليس بمنكر] # (5679) فصل: والدف ليس بمنكر؛ لما ذكرنا من الأحاديث فيه، وأمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - به في النكاح، وروت عائشة؛ «أن أبا بكر دخل عليها ~~وعندها جاريتان في أيام منى تدفان وتضربان، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ms3802 - صلى الله عليه وسلم - عن ~~وجهه، فقال: دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد» . متفق عليه. ### | [فصل اتخاذ آنية الذهب والفضة محرم] # (5680) فصل: واتخاذ آنية الذهب والفضة محرم، فإذا رآه المدعو في منزل ~~الداعي، فهو منكر يخرج من أجله. وكذلك ما كان من الفضة مستعملا كالمكحلة ~~ونحوها. قال الأثرم: سئل أحمد: إذا رأى حلقة مرآة فضة، ورأس مكحلة، يخرج من ~~ذلك؟ فقال: هذا تأويل تأولته، وأما الآنية نفسها فليس فيها شك. وقال: ما لا ~~يستعمل فهو أسهل، مثل الضبة في السكين والقدح؛ وذلك لأن رؤية المنكر ~~كسماعه، فكما لا يجلس في موضع يسمع فيه صوت الزمر، لا يجلس في موضع يرى فيه ~~من يشرب الخمر وغيره من المنكر. ### | [فصل علم أن عند أهل الوليمة منكرا] # (5681) فصل: وإن علم أن عند أهل الوليمة منكرا، لا يراه ولا يسمعه، لكونه ~~بمعزل عن موضع الطعام، أو يخفونه وقت حضوره فله أن يحضر ويأكل. نص عليه ~~أحمد، وله الامتناع من الحضور في ظاهر كلامه؛ فإنه سئل عن الرجل يدعى إلى ~~الختان أو العرس، وعنده المخنثون، فيدعوه بعد ذلك بيوم أو ساعة، وليس عنده ~~أولئك؟ قال: أرجو أن لا يأثم إن لم يجب، وإن أجاب فأرجو أن لا يكون آثما. ~~فأسقط الوجوب؛ لإسقاط الداعي حرمة نفسه باتخاذ المنكر، ولم يمنع الإجابة؛ ~~لكون المجيب لا يرى منكرا ولا يسمعه. # وقال أحمد: إنما تجب الإجابة إذا كان المكسب طيبا، ولم ير منكرا. فعلى ~~قوله هذا، لا تجب # PageV07P285 # إجابة من طعامه من مكسب خبيث؛ لأن اتخاذه منكر، والأكل منه منكر، فهو ~~أولى بالامتناع، وإن حضر لم يسغ له الأكل منه. ### | [مسألة دعوة الختان] # (5682) مسألة: قال: (ودعوة الختان لا يعرفها المتقدمون، ولا على من دعي ~~إليها أن يجيب، وإنما وردت السنة في إجابة من دعي إلى وليمة تزويج) يعني ~~بالمتقدمين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللذين يقتدى بهم؛ وذلك ~~لما روي «أن عثمان بن أبي العاص، دعي إلى ختان، فأبى أن يجيب، فقيل له؟ ~~فقال: إنا كنا ms3803 لا نأتي الختان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا ندعى إليه.» رواه الإمام أحمد بإسناده، إذا ثبت هذا، فحكم الدعوة ~~للختان وسائر الدعوات غير الوليمة أنها مستحبة؛ لما فيها من إطعام الطعام، ~~والإجابة إليها مستحبة غير واجبة. # وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه. وقال العنبري: تجب إجابة ~~كل دعوة؛ لعموم الأمر به. فإن ابن عمر روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه، عرسا كان أو غير عرس» . أخرجه أبو ~~داود. # ولنا، أن الصحيح من السنة إنما ورد في إجابة الداعي إلى الوليمة، وهي ~~الطعام في العرس خاصة، كذلك قال الخليل، وثعلب، وغيرهما من أهل اللغة. وقد ~~صرح بذلك في بعض روايات ابن عمر، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب» . رواه ابن ماجه، وقال عثمان بن ~~أبي العاص: «كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا ندعى إليه.» ولأن التزويج يستحب إعلانه، وكثرة الجمع فيه، والتصويت، ~~والضرب بالدف، بخلاف غيره. # فأما الأمر بالإجابة إلى غيره، فمحمول على الاستحباب؛ بدليل أنه لم يخص ~~به دعوة ذات سبب دون غيرها، وإجابة كل داع مستحبة لهذا الخبر، ولأن فيه جبر ~~قلب الداعي، وتطييب قلبه، وقد دعي أحمد إلى ختان، فأجاب وأكل. فأما الدعوة ~~في حق فاعلها، فليست لها فضيلة تختص بها؛ لعدم ورود الشرع بها، ولكن هي ~~بمنزلة الدعوة لغير سبب حادث، فإذا قصد فاعلها شكر نعمة الله عليه، وإطعام ~~إخوانه، وبذل طعامه، فله أجر ذلك، إن شاء الله تعالى. # PageV07P286 ### | [مسألة النثار مكروه] # (5683) مسألة؛ قال: (والنثار مكروه؛ لأنه شبه النهبة، وقد يأخذه من غيره ~~أحب إلى صاحب النثار منه) . اختلفت الرواية عن أحمد في النثار والتقاطه؛ ~~فروي أن ذلك مكروه في العرس وغيره. وروي ذلك عن أبي مسعود البدري، وعكرمة، ~~وابن سيرين وعطاء، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وطلحة، وزبيد اليامي. وبه قال ~~مالك، والشافعي، وروي عن أحمد، ms3804 رواية ثانية: ليس بمكروه. اختارها أبو بكر. ~~وهو قول الحسن، وقتادة، والنخعي، وأبي حنيفة، وأبي عبيد، وابن المنذر؛ لما ~~روى عبد الله بن قرط، قال: «قرب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس ~~بدنات أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فنحرها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقال كلمة لم أسمعها، فسألت من قرب منه، فقال: قال: من شاء ~~اقتطع» . رواه أبو داود. # وهذا جار مجرى النثار، وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعي إلى ~~وليمة رجل من الأنصار، ثم أتوا بنهب فأنهب عليه. قال الراوي: ونظرت إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزاحم الناس أو نحو ذلك. قلت: يا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أوما نهيتنا عن النهبة؟ قال: نهيتكم عن نهبة ~~العساكر» . ولأنه نوع إباحة فأشبه إباحة الطعام للضيفان. # ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تحل النهبى ~~والمثلة» رواه البخاري. وفي لفظ «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~النهبى والمثلة.» ولأن فيه نهبا، وتزاحما، وقتالا، وربما أخذه من يكره صاحب ~~النثار، لحرصه وشرهه ودناءة نفسه، ويحرمه من يحب صاحبه؛ لمروءته وصيانة ~~نفسه وعرضه، والغالب هذا، فإن أهل المروآت يصونون أنفسهم عن مزاحمة سفلة ~~الناس على شيء من الطعام أو غيره، ولأن في هذا دناءة، والله يحب معالي ~~الأمور، ويكره سفسافها. فأما خبر البدنات؛ فيحتمل أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - علم أنه لا نهبة في ذلك؛ لكثرة اللحم، وقلة الآخذين، أو فعل ذلك ~~لاشتغاله بالمناسك عن تفريقها. # PageV07P287 # وفي الجملة فالخلاف إنما هو في كراهية ذلك، وأما إباحته فلا خلاف فيها، ~~ولا في الالتقاط؛ لأنه نوع إباحة لماله، فأشبه سائر الإباحات. ### | [مسألة قسم المولم على الحاضرين ما ينثر مثل اللوز والسكر وغيره] # (5684) مسألة؛ قال: (فإن قسم على الحاضرين، فلا بأس بأخذه) . كذا روي عن ~~أبي عبد الله - رحمه الله -، أن بعض أولاده حذق، فقسم على الصبيان الجوز. ~~أما إذا قسم على الحاضرين ما ينثر مثل ms3805 اللوز، والسكر، وغيره، فلا خلاف في ~~أن ذلك حسن، غير مكروه. وقد روي عن أبي هريرة، قال:: «قسم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يوما بين أصحابه تمرا، فأعطى كل إنسان سبع تمرات، فأعطاني سبع ~~تمرات إحداهن حشفة، لم تكن فيهن تمرة أعجب إلي منها، شدت إلى مضاغي.» رواه ~~البخاري. # وكذلك إن وضعه بين أيديهم، وأذن لهم في أخذه على وجه لا يقع تناهب، فلا ~~يكره أيضا. قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن الجوز ينثر؟ فكرهه، وقال: ~~يعطون يقسم عليهم. وقال محمد بن علي بن بحر: سمعت حسن أم ولد أحمد بن حنبل ~~تقول: لما حذق ابني حسن، قال لي مولاي: حسن، لا تنثري عليه. فاشترى تمرا ~~وجوزا، فأرسله إلى المعلم، قالت: وعملت أنا عصيدة، وأطعمت الفقراء، فقال: ~~أحسنت أحسنت. وفرق أبو عبد الله على الصبيان الجوز، لكل واحد خمسة خمسة. ### | [فصل من حصل في حجره شيء من النثار في الوليمة] # (5685) فصل: ومن حصل في حجره شيء من النثار فهو له، غير مكروه؛ لأنه مباح ~~حصل في حجره فملكه، كما لو وثبت سمكة من البحر فوقعت في حجره، وليس لأحد أن ~~يأخذه من حجره؛ لما ذكرناه. ### | [فصل لا بأس أن يخلط المسافرون أزوادهم ويأكلوا جميعا] # (5686) فصل: ولا بأس أن يخلط المسافرون أزوادهم ويأكلوا جميعا. وإن بعضهم ~~أكثر من بعض، فلا بأس. وقد كان السلف يتعاهدون في الغزو والحج. ويفارق ~~النثار؛ فإنه يؤخذ بنهب وتسالب وتجاذب، بخلاف هذا. # PageV07P288 ### | [فصل آداب الطعام] # (5687) فصل: في آداب الطعام يستحب غسل اليدين قبل الطعام وبعده، وإن كان ~~على وضوء، قال المروذي: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده، وإن ~~كان على وضوء. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أحب ~~أن يكثر خير بيته، فليتوضأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع.» رواه ابن ماجه. وروى ~~أبو بكر، بإسناده عن الحسن بن علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم.» يعني به غسل ms3806 اليدين. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من نام وفي يده ريح غمر، فأصابه ~~شيء، فلا يلومن إلا نفسه» . رواه أبو داود، ولا بأس بترك الوضوء؛ لما روى ~~أبو هريرة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من الغائط فأتي بطعام، ~~فقال رجل: يا رسول الله، ألا آتيك بوضوء؟ قال: لا أريد الصلاة» . رواه ابن ~~ماجه. وعن جابر قال: «أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شعب الجبل، ~~وقد قضى حاجته، وبين أيدينا تمر على ترس أو جحفة، فدعوناه فأكل معنا، وما ~~مس ماء» . رواه أبو داود. # وروي عنه، «أنه كان يحتز من كتف شاة في يده، فدعي إلى الصلاة، فألقاها من ~~يده، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ» . رواه البخاري،. ولا بأس بتقطيع اللحم ~~بالسكين؛ لهذا الحديث. وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث يروى عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا تقطعوا اللحم بالسكين، فإنه من صنع الأعاجم، وانهشوه ~~نهشا؛ فإنه أهنأ وأمرأ» . قال: ليس بصحيح. واحتج بهذا الحديث الذي ذكرناه. ### | [فصل التسمية عند الأكل] # (5688) فصل: وتستحب التسمية عند الأكل، وأن يأكل بيمينه مما يليه؛ لما ~~روى عمر بن أبي سلمة قال: «كنت يتيما في حجر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» . متفق عليه. وعن ابن عمر عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، فإن ~~الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» رواه مسلم # وعن عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أكل أحدكم # PageV07P289 # فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل: بسم الله أوله ~~وآخره. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا ورجل يأكل، فلم يسم ~~حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله ~~وآخره. فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: ما زال الشيطان يأكل ~~معه، فلما ms3807 ذكر اسم الله قاء ما في بطنه» . رواهن أبو داود. وعن عكراش بن ~~ذؤيب قال: «أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بجفنة كثيرة الثريد والودك، ~~فأقبلنا نأكل، فخبطت يدي في نواحيها، فقال: يا عكراش، كل من موضع واحد؛ ~~فإنه طعام واحد. ثم أتينا بطبق فيه ألوان الرطب، فجالت يد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في الطبق، وقال: يا عكراش، كل من حيث شئت؛ فإنه غير لون ~~واحد» . رواه ابن ماجه. ولا يأكل من ذروة الثريد، لما روى ابن عباس، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أكل أحدكم طعاما، فلا يأكل من ~~أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها» . وفي حديث ~~آخر: «كلوا من جوانبها، ودعوا ذروتها، يبارك فيها» رواهما ابن ماجه. ### | [فصل الأكل بالأصابع الثلاث] # (5689) فصل: ويستحب الأكل بالأصابع الثلاث، ولا يمسح يده حتى يلعقها. قال ~~مثنى: سألت أبا عبد الله عن الأكل بالأصابع كلها؟ فذهب إلى ثلاث أصابع، ~~فذكرت له الحديث الذي يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأكل ~~بكفه كلها. فلم يصححه، ولم ير إلا ثلاث أصابع. وقد روى كعب بن مالك، قال: ~~«كان رسول الله يأكل بثلاث أصابع، ولا يمسح يده حتى يلعقها» . رواه الخلال ~~بإسناده. # ويكره الأكل متكئا؛ لما روى أبو جحيفة، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا آكل متكئا» . رواه البخاري. ولا يمسح يده بالمنديل حتى ~~يلعقها؛ لما روينا، ولما روي عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إذا أكل أحدكم طعاما، فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها» . رواه أبو ~~داود. وعن نبيشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. «من أكل في ~~قصعة فلحسها، استغفرت له القصعة» . رواه الترمذي. # وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقعت اللقمة ~~من يد أحدكم، فليمسح ما عليها من الأرض، وليأكلها» . رواه ابن ماجه. # PageV07P290 ### | [فصل حمد الله تعالى إذا فرغ من الطعام] # (5690) فصل: ويحمد الله ms3808 تعالى إذا فرغ؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة، فيحمده ~~عليها» . رواه مسلم. وعن أبي سعيد، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا أكل طعاما، قال: الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وجعلنا مسلمين» . رواه ~~أبو داود. . # وعن أبي أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه كان يقول إذا رفع ~~طعامه الحمد لله كثيرا، مباركا فيه، غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه، ~~ربنا» . وعن معاذ بن أنس الجهني، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«من أكل طعاما، فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه، من غير حول مني ~~ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه» . رواهن ابن ماجه وروي «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أكل طعاما، هو وأبو بكر وعمر، ثم قال: من قال في أوله: ~~بسم الله، وبركة الله. وفي آخره: الحمد لله الذي أطعم وأروى وأنعم وأفضل، ~~فقد أدى شكره» . # ويستحب الدعاء لصاحب الطعام؛ لما روى جابر بن عبد الله، قال: صنع أبو ~~الهيثم للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه طعاما فدعا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه، فلما فرغ قال: " أثيبوا صاحبكم ". قالوا: يا رسول ~~الله، وما إثابته؟ قال: «إن الرجل إذا دخل بيته، وأكل طعامه، وشرب شرابه، ~~فدعوا له، فذلك إثابته» . وعن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء ~~إلى سعد بن عبادة، قال: فجاء بخبز وزيت، فأكل، ثم قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم ~~الملائكة» . رواهما أبو داود. ### | [فصل الجمع بين طعامين] # (5691) فصل: ولا بأس بالجمع بين طعامين؛ فإن عبد الله بن جعفر قال: «رأيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يأكل القثاء بالرطب. ويكره عيب الطعام؛ لقول ~~أبي هريرة: ما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما قط، إذا اشتهى ~~شيئا أكله، وإن لم يشتهه تركه» . متفق عليهما. وإذا حضر فصادف قوما يأكلون، ~~فدعوه، لم يكره له ms3809 الأكل؛ لما قدمنا من حديث جابر، «حين دعوا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فأكل معهم» . # ولا يجوز أن يتحين وقت # PageV07P291 # أكلهم، فيهجم عليهم ليطعم معهم؛ لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} [الأحزاب: ~~53] أي غير منتظرين بلوغ نضجه. وعن أنس قال: «ما أكل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على خوان، ولا في سكرجة» . قال: فعلام كنتم تأكلون؟ قال: على ~~السفر. وقال ابن عباس: «لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفخ في ~~طعام ولا شراب، ولا يتنفس في الإناء» . وفي المتفق عليه من حديث أبي قتادة: ~~«ولا يتنفس أحدكم في الإناء» . # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وضعت ~~المائدة، فلا يقوم رجل حتى ترفع المائدة، ولا يرفع يده وإن شبع حتى يفرغ ~~والقوم، وليعذر؛ فإن الرجل يخجل جليسه فيقبض يده، وعسى أن يكون له في ~~الطعام حاجة» . رواهن كلهن ابن ماجه. ### | [فصل الإناء يؤكل فيه ثم تغسل فيه اليد] # (5692) فصل: قال محمد بن يحيى: قلت لأبي عبد الله: الإناء يؤكل فيه، ثم ~~تغسل فيه اليد؟ فقال: لا بأس. وقيل لأبي عبد الله: ما تقول في غسل اليد ~~بالنخالة؟ فقال: لا بأس به، نحن نفعله. واستدل الخطابي على جواز ذلك، بما ~~روى أبو داود بإسناده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه أمر امرأة ~~أن تجعل مع الماء ملحا، ثم تغسل به الدم من حيضة.» والملح طعام، ففي معناه ~~ما أشبهه. والله أعلم. # PageV07P292 # كتاب عشرة النساء والخلع قال الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: ~~19] . وقال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228] . وقال ~~أبو زيد: يتقون الله فيهن، كما عليهن أن يتقين الله فيهم. وقال ابن عباس: ~~إني لأحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى يقول: ~~{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228] وقال الضحاك في تفسيرها: إذا ~~أطعن الله، وأطعن أزواجهن، فعليه أن يحسن ms3810 صحبتها، ويكف عنها أذاه، وينفق ~~عليها من سعته. # وقال بعض أهل العلم: التماثل هاهنا في تأدية كل واحد منهما ما عليه من ~~الحق لصاحبه بالمعروف، ولا يمطله به، ولا يظهر الكراهة، بل ببشر وطلاقة، ~~ولا يتبعه أذى ولا منة؛ لقول الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] ~~. وهذا من المعروف، ويستحب لكل واحد منهما تحسين الخلق مع صاحبه، والرفق ~~به، واحتمال أذاه؛ لقول الله تعالى: {وبالوالدين إحسانا وبذي القربى} ~~[النساء: 36] إلى قوله {والصاحب بالجنب} [النساء: 36] قيل: هو كل واحد من ~~الزوجين. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن ~~عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» . رواه ~~مسلم. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، لن ~~تستقيم على طريقة، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها ~~وفيها عوج» . متفق عليه. # وقال «خياركم خياركم لنسائهم» . رواه ابن ماجه. وحق الزوج عليها أعظم من ~~حقها عليه لقول الله تعالى: {وللرجال عليهن درجة} [البقرة: 228] . وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت ~~النساء أن يسجدن لأزواجهن؛ لما جعل الله لهم عليهن من الحق» . رواه أبو ~~داود. وقال: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى ترجع» ~~. متفق عليه # ، «وقال لامرأة أذات زوج أنت؟ قالت: نعم، قال: فإنه جنتك ونارك. وقال: لا ~~يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، ~~وما أنفقت من نفقة من غير إذنه فإنه يرد إليه شطره» . رواه البخاري. ### | [فصل تزوج امرأة مثلها يوطأ فطلب تسليمها إليه] # (5693) فصل: إذا تزوج امرأة، مثلها يوطأ، فطلب تسليمها، إليه وجب ذلك وإن ~~عرضت نفسها عليه، لزمه تسلمها، # PageV07P293 # ووجبت نفقتها. وإن طلبها، فسألت الإنظار، أنظرت مدة جرت العادة أن تصلح ~~أمرها فيها، كاليومين والثلاثة؛ لأن ذلك يسير جرت العادة بمثله، وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تطرقوا النساء ليلا، حتى تمتشط الشعثة، ~~وتستحد المغيبة» . فمنع من الطروق، وأمر بإمهالها لتصلح ms3811 أمرها؛ مع تقدم ~~صحبته لها، فهاهنا أولى. # ثم إن كانت حرة، وجب تسليمها ليلا ونهارا، وله السفر بها؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يسافر بنسائه، إلا أن يكون سفرا مخوفا، فلا ~~يلزمها ذلك؛ وإن كانت أمة، لم يلزم تسليمها إلا بالليل؛ لأنها مملوكة عقد ~~على إحدى منفعتيها، فلم يلزم تسليمها في غير وقتها، كما لو أجرها لخدمة ~~النهار، لم يلزم تسليمها بالليل. ويجوز للمولى بيعها؛ «لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أذن لعائشة في شراء بريرة، وهي ذات زوج. ولا ينفسخ النكاح ~~بذلك، بدليل أن بيع بريرة لم يبطل نكاحها» . ### | [فصل إجبار زوجته على الغسل من الحيض والنفاس] # (5694) فصل: وللزوج إجبار زوجته على الغسل من الحيض والنفاس، مسلمة كانت ~~أو ذمية، حرة كانت أو مملوكة؛ لأنه يمنع الاستمتاع الذي هو حق له، فملك ~~إجبارها على إزالة ما يمنع حقه. وإن احتاجت إلى شراء الماء فثمنه عليه؛ ~~لأنه لحقه. وله إجبار المسلمة البالغة على الغسل من الجنابة؛ لأن الصلاة ~~واجبة عليها، ولا تتمكن منها إلا بالغسل. فأما الذمية، ففيها روايتان؛: ~~إحداهما، له إجبارها عليه؛ لأن كمال الاستمتاع يقف عليه، فإن النفس تعاف من ~~لا يغتسل من جنابة. والثانية، ليس له إجبارها عليه. وهو قول مالك والثوري؛ ~~لأن الوطء لا يقف عليه، فإنه مباح بدونه؛ وللشافعي قولان كالروايتين. # وفي إزالة الوسخ والدرن وتقليم الأظفار وجهان؛ بناء على الروايتين في غسل ~~الجنابة. وتستوي في هذا المسلمة والذمية، لاستوائهما في حصول النفرة ممن ~~ذلك حالها. وله إجبارها على إزالة شعر العانة، إذا خرج عن العادة، رواية ~~واحدة. ذكره القاضي. وكذلك الأظفار. وإن طالا قليلا، بحيث تعافه النفس، ~~ففيه وجهان. وهل له منعها من أكل ما له رائحة كريهة، كالبصل والثوم ~~والكرات؟ على وجهين؛ أحدهما، له منعها من ذلك؛ لأنه يمنع القبلة، وكمال ~~الاستمتاع. # PageV07P294 # والثاني، ليس له منعها منه؛ لأنه لا يمنع الوطء. وله منعها من السكر وإن ~~كانت ذمية؛ لأنه يمنع الاستمتاع بها، فإنه يزيل عقلها، ويجعلها كالزق ~~المنفوخ، ولا يأمن أن ms3812 تجني عليه. # وإن أرادت شرب ما لا يسكرها، فله منع المسلمة؛ لأنهما يعتقدان تحريمه، ~~وإن كانت ذمية لم يكن له منعها منه. نص عليه أحمد؛ لأنها تعتقد إباحته في ~~دينها. وله إجبارها على غسل فمها منه ومن سائر النجاسات ليتمكن من ~~الاستمتاع بفيها. ويتخرج أن يملك منعها منه؛ لما فيه من الرائحة الكريهة، ~~وهو كالثوم. وهكذا الحكم لو تزوج مسلمة تعتقد إباحة يسير النبيذ، هل له ~~منعها منه؟ على وجهين. ومذهب الشافعي على نحو من هذا الفصل كله. ### | [فصل للزوج منعها من الخروج من منزله] # (5695) فصل: وللزوج منعها من الخروج من منزله إلى ما لها منه بد سواء ~~أرادت زيارة والديها، أو عيادتهما، أو حضور جنازة أحدهما. قال أحمد، في ~~امرأة لها زوج وأم مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها، إلا أن يأذن لها. ~~وقد روى ابن بطة، في " أحكام النساء "، عن أنس، «أن رجلا سافر ومنع زوجته ~~من الخروج، فمرض أبوها، فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~عيادة أبيها، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتقي الله، ولا ~~تخالفي زوجك. فمات أبوها، فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~حضور جنازته، فقال لها: اتقي الله، ولا تخالفي زوجك. فأوحى الله إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - إني قد غفرت لها بطاعة زوجها» . # ولأن طاعة الزوج واجبة، والعيادة غير واجبة، فلا يجوز ترك الواجب لما ليس ~~بواجب؛ ولا يجوز لها الخروج إلا بإذنه، ولكن لا ينبغي للزوج منعها من عيادة ~~والديها، وزيارتهما؛ لأن في ذلك قطيعة لهما، وحملا لزوجته على مخالفته، وقد ~~أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف، وليس هذا من المعاشرة بالمعروف. وإن ~~كانت زوجته ذمية، فله منعها من الخروج إلى الكنيسة؛ لأن ذلك ليس بطاعة، ولا ~~نفع. # وإن كانت مسلمة، فقال القاضي: له منعها من الخروج إلى المساجد. وهو مذهب ~~الشافعي. وظاهر الحديث يمنعه من منعها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» . وروي أن الزبير تزوج عاتكة ms3813 بنت زيد بن ~~عمرو بن نفيل، فكانت تخرج إلى المساجد، وكان غيورا، فيقول لها: لو صليت في ~~بيتك. فتقول: لا أزال أخرج أو تمنعني. فكره منعها لهذا الخبر. وقال أحمد في ~~الرجل تكون له المرأة أو الأمة النصرانية يشتري لها زنارا؟ قال: لا بل تخرج ~~هي تشتري لنفسها. فقيل له: جاريته تعمل الزنانير؟ قال: لا. ### | [فصل ليس على المرأة خدمة زوجها] # (5696) فصل: وليس على المرأة خدمة زوجها، من العجن، والخبز، والطبخ ~~وأشباهه. نص عليه أحمد. وقال # PageV07P295 # أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو إسحاق الجوزجاني: عليها ذلك. واحتجا «بقصة علي ~~وفاطمة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى على ابنته فاطمة بخدمة ~~البيت، وعلى علي ما كان خارجا من البيت من عمل» . رواه الجوزجاني من طرق. ~~قال الجوزجاني: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو كنت آمرا أحدا ~~أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلا أمر امرأته أن ~~تنقل من جبل أسود إلى جبل أحمر، أو من جبل أحمر إلى جبل أسود، كان عليها أن ~~تفعل» . ورواه بإسناده. # قال: فهذه طاعته فيما لا منفعة فيه، فكيف بمؤنة معاشه؟ «وقد كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يأمر نساءه بخدمته. فقال: يا عائشة اسقينا، يا عائشة ~~أطعمينا، يا عائشة هلمي الشفرة، واشحذيها بحجر» . # وقد روي «أن فاطمة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تشكو إليه ما ~~تلقى من الرحى، وسألته خادما يكفيها ذلك.» ولنا - أن المعقود عليه من جهتها ~~الاستمتاع، فلا يلزمها غيره، كسقي دوابه، وحصاد زرعه. فأما قسم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بين علي وفاطمة، فعلى ما تليق به الأخلاق المرضية، ومجرى ~~العادة، لا على سبيل الإيجاب، كما قد روي عن أسماء بنت أبي بكر، أنها كانت ~~تقوم بفرس الزبير، وتلتقط له النوى، وتحمله على رأسها. ولم يكن ذلك واجبا ~~عليها، ولهذا لا يجب على الزوج القيام بمصالح خارج البيت، ولا الزيادة على ~~ما يجب لها من النفقة والكسوة، ولكن الأولى لها فعل ما جرت ms3814 العادة بقيامها ~~به؛ لأنه العادة، ولا تصلح الحال إلا به، ولا تنتظم المعيشة بدونه. ### | [فصل وطء الزوجة في الدبر] # (5697) فصل: ولا يحل وطء الزوجة في الدبر، في قول أكثر أهل العلم؛ منهم ~~علي، وعبد الله، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وأبو هريرة. ~~وبه قال سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، ومجاهد، وعكرمة، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. ورويت إباحته عن ابن عمر، وزيد بن ~~أسلم، ونافع، ومالك. وروي عن مالك أنه قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني ~~في أنه حلال. # PageV07P296 # وأهل العراق من أصحاب مالك ينكرون ذلك واحتج من أحله، بقول الله تعالى: ~~{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] . وقوله سبحانه: ~~{والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم} [المؤمنون: 6] . ولنا ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء من أعجازهن.» وعن أبي ~~هريرة، وابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ينظر الله إلى ~~رجل جامع امرأة في دبرها» . رواهما ابن ماجه. # وعن ابن مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «محاش النساء حرام ~~عليكم» . وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أتى ~~حائضا أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على ~~محمد» . رواهن كلهن الأثرم. فأما الآية، فروى جابر قال: كان اليهود يقولون: ~~إذا جامع الرجل امرأته في فرجها من ورائها، جاء الولد أحول. فأنزل الله ~~{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] . من بين يديها، ومن ~~خلفها، غير أن لا يأتيها إلا في المأتى. متفق عليه. # وفي رواية: «ائتها مقبلة ومدبرة، إذا كان ذلك في الفرج» . والآية الأخرى ~~المراد بها ذلك. ### | [فصل وطئ زوجته في دبرها] # (5698) فصل: فإن وطئ زوجته في دبرها، فلا حد عليه؛ لأن له في ذلك شبهة، ~~ويعزر لفعله المحرم، وعليها الغسل؛ لأنه إيلاج فرج في ms3815 فرج، وحكمه حكم الوطء ~~في القبل في إفساد العبادات، وتقرير المهر، ووجوب العدة. وإن كان الوطء ~~لأجنبية، وجب حد اللوطي، ولا مهر عليه؛ لأنه لم يفوت منفعة لها عوض في ~~الشرع. ولا يحصل بوطء زوجته في الدبر إحصان، إنما يحصل بالوطء الكامل، وليس ~~هذا بوطء كامل، والإحلال للزوج الأول؛ لأن المرأة لا تذوق به عسيلة الرجل. ~~ولا تحصل به الفينة، ولا الخروج من العنة؛ لأن الوطء فيهما لحق المرأة، ~~وحقها الوطء في القبل. ولا يزول به الاكتفاء بصمتها في الإذن بالنكاح؛ لأن ~~بكارة الأصل باقية. # (5699) فصل: ولا بأس بالتلذذ بها بين الأليتين من غير إيلاج؛ لأن السنة ~~إنما وردت بتحريم الدبر، فهو مخصوص بذلك، ولأنه حرم لأجل الأذى، وذلك مخصوص ~~بالدبر، فاختص التحريم به. # PageV07P297 ### | [فصل العزل مكروه] # (5700) فصل: والعزل مكروه، ومعناه أن ينزع إذا قرب الإنزال، فينزل خارجا ~~من الفرج، رويت كراهته عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود. وروي ذلك عن ~~أبي بكر الصديق أيضا؛ لأن فيه تقليل النسل، وقطع اللذة عن الموطوءة، وقد حث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على تعاطي أسباب الولد، فقال: «تناكحوا، ~~تناسلوا، تكثروا» . # وقال: «سوداء ولود، خير من حسناء عقيم» إلا أن يكون لحاجة، مثل أن يكون ~~في دار الحرب، فتدعوه حاجته إلى الوطء، فيطأ ويعزل، ذكر الخرقي هذه الصورة، ~~أو تكون زوجته أمة، فيخشى الرق على ولده، أو تكون له أمة، فيحتاج إلى وطئها ~~وإلى بيعها، وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يعزل عن إمائه فإن ~~عزل من غير حاجة كره ولم يحرم، ورويت الرخصة فيه عن علي، وسعد بن أبي وقاص، ~~وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن عباس، والحسن بن علي، وخباب بن ~~الأرت، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وعطاء، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأصحاب ~~الرأي. # وروى أبو سعيد، قال: «ذكر - يعني - العزل، عند رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: ولم يفعل ذلك أحدكم؟ . ولم يقل: فلا يفعل فإنه ليس من نفس ~~مخلوقة، إلا الله خالقها» . متفق عليه. وعنه ms3816 «أن رجلا قال: يا رسول الله، ~~إن لي جارية، وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد ~~الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى. قال: كذبت يهود، لو ~~أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه.» رواه أبو داود. ### | [فصل العزل عن أمته بغير إذنها] # (5701) فصل: ويجوز العزل عن أمته بغير إذنها نص عليه أحمد. وهو قول مالك، ~~وأبي حنيفة، والشافعي؛ وذلك لأنه لا حق لها في الوطء، ولا في الولد، ولذلك ~~لم تملك المطالبة بالقسم ولا الفيئة، فلأن لا تملك المنع من العزل أولى. ~~ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها. قال القاضي: ظاهر كلام أحمد وجوب ~~استئذان الزوجة في العزل، ويحتمل أن يكون مستحبا؛ لأن حقها في الوطء دون ~~الإنزال، بدليل أنه يخرج به من الفيئة والعنة. وللشافعية في ذلك وجهان. ~~والأول أولى؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - قال: «نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها.» رواه الإمام أحمد، في " ~~المسند " وابن ماجه. ولأن لها في الولد حقا، وعليها في العزل ضرر، فلم يجز ~~إلا بإذنها. # PageV07P298 # فأما زوجته الأمه، فيحتمل جواز العزل عنها بغير إذنها. وهو قول الشافعي ~~استدلالا بمفهوم هذا الحديث. وقال ابن عباس: تستأذن الحرة، ولا تستأذن ~~الأمة. ولأن عليه ضررا في استرقاق ولده، بخلاف الحرة. ويحتمل أن لا يجوز ~~إلا بإذنها؛ لأنها زوجة تملك المطالبة بالوطء في الفيئة، والفسخ عند تعذره ~~بالعنة، وترك العزل من تمامه، فلم يجز بغير إذنها، كالحرة. ### | [فصل عزل عن زوجته أو أمته ثم أتت بولد] # (5702) فصل: فإن عزل عن زوجته أو أمته، ثم أتت بولد، لحقه نسبه لما روى ~~أبو داود، عن جابر، قال: «جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: إن لي جارية، وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل، فقال: ~~اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها» وقال أبو سعيد: كنت أعزل عن ~~جارية لي، فولدت أحب الناس إلي. ms3817 ولأن لحوق النسب حكم يتعلق بالوطء، فلم ~~يعتبر فيه الإنزال، كسائر الأحكام. وقد قيل: إن الوطء في الفرج يحصل به ~~الإنزال، ولا يحس به. ### | [فصل آداب الجماع] # . تستحب التسمية قبله؛ لقول الله تعالى: {وقدموا لأنفسكم} [البقرة: 223] ~~. قال عطاء: هي التسمية عند الجماع. وروى ابن عباس، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: بسم الله اللهم ~~جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فولد بينهما ولد، لم يضره الشيطان ~~أبدا.» متفق عليه. ويكره التجرد عند المجامعة؛ لما روى عتبة بن عبد، قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتى أحدكم أهله، فليستتر ولا ~~يتجرد تجرد العيرين» ، رواه ابن ماجه. # وعن عائشة، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء ~~غطى رأسه، وإذا أتى أهله غطى رأسه» . ولا يجامع بحيث يراهما أحد، أو يسمع ~~حسهما. ولا يقبلها ويباشرها عند الناس. قال أحمد: ما يعجبني إلا أن يكتم ~~هذا كله. وقال الحسن، في الذي يجامع المرأة، والأخرى تسمع، قال: كانوا ~~يكرهون الوجس وهو الصوت الخفي. # ولا يتحدث بما كان بينه وبين أهله؛ لما روي عن الحسن، قال: «جلس رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بين الرجال والنساء، فأقبل على الرجال، فقال: ~~لعل أحدكم يحدث بما يصنع بأهله إذا خلا؟ . ثم أقبل على النساء فقال: لعل ~~إحداكن تحدث النساء بما يصنع بها زوجها؟ . قال: فقالت امرأة: إنهم ليفعلون، ~~وإنا لنفعل. فقال: لا تفعلوا، فإنما مثل ذلكم كمثل شيطان لقي شيطانة، ~~فجامعها والناس ينظرون.» # PageV07P299 # وروى أبو داود، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ~~بمعناه. # ولا يستقبل القبلة حال الجماع؛ لأن عمرو بن حزم، وعطاء، كرها ذلك. ويكره ~~الإكثار من الكلام حال الجماع؛ لما روى قبيصة بن ذؤيب، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء؛ فإن منه يكون ~~الخرس والفأفاء» . ولأنه يكره الكلام حالة البول، وحال الجماع في معناه، ~~وأولى بذلك منه. ويستحب ms3818 أن يلاعب امرأته قبل الجماع؛ لتنهض شهوتها، فتنال ~~من لذة الجماع مثل ما ناله. # وقد روي عن عمر بن عبد العزيز، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«لا تواقعها إلا وقد أتاها من الشهوة مثل ما أتاك، لكي لا تسبقها بالفراغ. ~~قلت: وذلك إلي؟ قال: نعم، إنك تقبلها، وتغمزها، وتلمزها، فإذا رأيت أنه قد ~~جاءها مثل ما جاءك، واقعتها» . فإن فرغ قبلها، كره له النزع حتى تفرغ؛ لما ~~روى أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جامع ~~الرجل أهله فليصدقها، ثم إذا قضى حاجته، فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها» . ~~ولأن في ذلك ضررا عليها، ومنعا لها من قضاء شهوتها. # ويستحب للمرأة أن تتخذ خرقة، تناولها الزوج بعد فراغه، فيتمسح بها؛ فإن ~~عائشة قالت: ينبغي للمرأة إذا كانت عاقلة، أن تتخذ خرقة، فإذا جامعها ~~زوجها، ناولته، فمسح عنه، ثم تمسح عنها، فيصليان في ثوبهما ذلك، ما لم تصبه ~~جنابة. ولا بأس أن يجمع بين نسائه وإمائه بغسل واحد؛ لما روي عن أنس، قال: ~~«سكبت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه غسلا واحدا، في ليلة ~~واحدة» . فإن حدث الجنابة لا يمنع الوطء؛ بدليل إتمام الجماع. # قال أحمد: إذا أراد أن يعود، فأعجب إلي الوضوء، فإن لم يفعل، فأرجو أن لا ~~يكون به بأس. ولأن الوضوء يزيده نشاطا ونظافة، فاستحب. وإن اغتسل بين كل ~~وطأين، فهو أفضل، فإن أبا رافع روى، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~طاف على نسائه جميعا، فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلا، فقلت: يا رسول الله، ~~لو جعلته غسلا واحدا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر» . رواه أحمد، في " المسند ~~" وروى أحاديث هذا الفصل كلها أبو حفص العكبري، وروى ابن بطة، بإسناده عن ~~أبي سعيد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جامع الرجل أول ~~الليل، ثم أراد أن يعود، توضأ وضوءه للصلاة.» ### | [فصل ليس للرجل أن يجمع بين امرأتيه في مسكن واحد بغير رضاهما] # (5704) فصل: وليس ms3819 للرجل أن يجمع بين امرأتيه في مسكن واحد بغير رضاهما، ~~صغيرا كان أو كبيرا؛ لأن عليهما ضررا؛ لما بينهما من العداوة والغيرة، ~~واجتماعهما يثير المخاصمة والمقاتلة، وتسمع كل واحدة منهما حسه إذا # PageV07P300 # أتى إلى الأخرى، أو ترى ذلك، فإن رضيتا بذلك جاز؛ لأن الحق لهما، فلهما ~~المسامحة بتركه، وكذلك إن رضيتا بنومه بينهما في لحاف واحد، وإن رضيتا بأن ~~يجامع واحدة بحيث تراه الأخرى، لم يجز؛ لأن فيه دناءة وسخفا وسقوط مروءة، ~~فلم يبح برضاهما. وإن أسكنهما في دار واحدة، كل واحدة في بيت، جاز، إذا كان ~~ذلك مسكن مثلها. ### | [فصل لا خير في من لا يغار] # (5705) فصل: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أتعجبون من ~~غيرة سعد؟ ؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني» وعن علي - رضي الله عنه - قال: ~~بلغني أن نساءكم ليزاحمن العلوج في الأسواق، أما تغارون؟ إنه لا خير في من ~~لا يغار. وقال محمد بن علي بن الحسين: كان إبراهيم - عليه السلام - غيورا، ~~وما من امرئ لا يغار إلا منكوس القلب. ### | [مسألة التسوية بين الزوجات في القسم] # (5706) مسألة: قال أبو القاسم: (وعلى الرجل أن يساوي بين زوجاته في ~~القسم) لا نعلم بين أهل العلم في وجوب التسوية بين الزوجات في القسم خلافا، ~~وقد قال الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] . وليس مع الميل ~~معروف. وقال الله تعالى: {فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} [النساء: ~~129] . وروى أبو هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» . وعن ~~عائشة، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم بيننا فيعدل، ثم ~~يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» . رواهما أبو ~~داود. # إذا ثبت هذا، فإنه إذا كان عنده نسوة، لم يجز له أن يبتدئ بواحدة منهن ~~إلا بقرعة؛ لأن البداءة بها، تفضيل لها، والتسوية واجبة، ولأنهن متساويات ~~في الحق، ولا يمكن الجمع بينهن، فوجب المصير إلى القرعة، كما لو أراد ms3820 السفر ~~بإحداهن. فإن كانتا اثنتين، كفاه قرعة واحدة، ويصير في الليلة الثانية إلى # PageV07P301 # الثانية بغير قرعة؛ لأن حقها متعين. وإن كن ثلاثا، أقرع في الليلة ~~الثانية للبداية بإحدى الباقيتين. # وإن كن أربعا أقرع في الليلة الثالثة، ويصير في الليلة الرابعة إلى ~~الرابعة بغير قرعة. ولو أقرع في الليلة الأولى، فجعل سهما للأولى، وسهما ~~للثانية، وسهما للثالثة، وسهما للرابعة، ثم أخرجها عليهن مرة واحدة، جاز، ~~وكان لكل واحدة ما خرج لها. ### | [فصل يقسم المريض والمجبوب والعنين والخنثى والخصي لزوجته] # (5707) فصل: ويقسم المريض والمجبوب والعنين والخنثى والخصي. وبذلك قال ~~الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن القسم للأنس، وذلك حاصل ممن لا يطأ. ~~وقد روت عائشة، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان في مرضه، جعل ~~يدور في نسائه، ويقول: أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟» . رواه البخاري. فإن شق ~~عليه ذلك، استأذنهن في الكون عند إحداهن، كما فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قالت عائشة «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى النساء ~~فاجتمعن، قال: إني لا أستطيع أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذن لي، فأكون ~~عند عائشة، فعلتن. فأذن له» . رواه أبو داود. فإن لم يأذن له، أقام عند ~~إحداهن بالقرعة أو اعتزلهن جميعا إن أحب. # فإن كان الزوج مجنونا لا يخاف منه، طاف به الولي عليهن، وإن كان يخاف ~~منه، فلا قسم عليه؛ لأنه لا يحصل منه أنس ولا فائدة. وإن لم يعدل الولي في ~~القسم بينهن، ثم أفاق المجنون، فعليه أن يقضي للمظلومة؛ لأنه حق ثبت في ~~ذمته، فلزمه إيفاؤه حال الإفاقة كالمال. ### | [فصل يقسم للمريضة والرتقاء والحائض والنفساء والمحرمة والصغيرة الممكن وطؤها] # (5708) فصل: ويقسم للمريضة، والرتقاء، والحائض، والنفساء، والمحرمة، ~~والصغيرة الممكن وطؤها، وكلهن سواء في القسم. وبذلك قال مالك، والشافعي، ~~وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. وكذلك التي ظاهر منها؛ لأن القصد ~~الإيواء والسكن والأنس، وهو حاصل لهن، وأما المجنونة، فإن كانت لا يخاف ~~منها، فهي كالصحيحة، وإن خاف منها، فلا قسم لها؛ ms3821 لأنه لا يأمنها على نفسه، ~~ولا يحصل لها أنس ولا بها. ### | [فصل قسم الابتداء بين الزوجات] # (5709) فصل: ويجب قسم الابتداء، ومعناه أنه إذا كانت له امرأة، لزمه ~~المبيت عندها ليلة من كل أربع ليال، ما لم يكن عذر، وإن كان له نساء فلكل ~~واحدة منهن ليلة من كل أربع. وبه قال الثوري، وأبو ثور. # PageV07P302 # وقال القاضي، في " المجرد " لا يجب قسم الابتداء، إلا أن يترك الوطء ~~مصرا، فإن تركه غير مصر لم يلزمه قسم، ولا وطء؛ لأن أحمد قال: إذا وصل ~~الرجل إلى امرأته مرة، بطل أن يكون عنينا. أي لا يؤجل. # وقال الشافعي: لا يجب قسم الابتداء بحال؛ لأن القسم لحقه، فلم يجب عليه. ~~ولنا قول «النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو بن العاص: يا ~~عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟ قلت: بلى يا رسول الله. ~~قال: فلا تفعل، صم، وأفطر، وقم ونم؛ فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك ~~حقا، وإن لزوجك عليك حقا» . متفق عليه. فأخبر أن للمرأة عليه حقا. # وقد اشتهرت قصة كعب بن سور، ورواها عمر بن شبة في كتاب " قضاة البصرة " ~~من وجوه؛ إحداهن عن الشعبي، أن كعب بن سور كان جالسا عند عمر بن الخطاب، ~~فجاءت امرأة، فقالت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي، ~~والله إنه ليبيت ليله قائما، ويظل نهاره صائما. فاستغفر لها، وأثنى عليها. ~~واستحيت المرأة، وقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، هلا أعديت ~~المرأة على زوجها؟ فقال: وما ذاك؟ فقال إنها جاءت تشكوه، إذا كانت حاله هذه ~~في العبادة، متى يتفرغ لها؟ فبعث عمر إلى زوجها، فجاء، فقال لكعب: اقض ~~بينهما، فإنك فهمت من أمرهما ما لم أفهم. قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ~~ثلاث نسوة، هي رابعتهن، فأقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها ~~يوم وليلة. فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب إلي من الآخر، اذهب فأنت ~~قاض على أهل البصرة وفي رواية، فقال عمر: نعم ms3822 القاضي أنت. # وهذه قضية انتشرت فلم تنكر، فكانت إجماعا. ولأنه لو لم يكن حقا، لم تستحق ~~فسخ النكاح لتعذره بالجب والعنة، وامتناعه بالإيلاء. ولأنه لو لم يكن حقا ~~للمرأة، لملك الزوج تخصيص إحدى زوجتيه به، كالزيادة في النفقة على قدر ~~الواجب. إذا ثبت هذا، فقال أصحابنا: حق المرأة ليلة من كل أربع، وللأمة ~~ليلة من كل سبع؛ لأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاث حرائر، ولها السابعة، ~~والذي يقوى عندي، أن لها ليلة من ثمان، لتكون على النصف مما للحرة، فإن حق ~~الحرة من كل ثمان ليلتان، ليس لها أكثر من ذلك، فلو كان للأمة ليلة من سبع ~~لزاد على النصف، ولم يكن للحرة ليلتان وللأمة ليلة، ولأنه إذا كان تحته ~~ثلاث حرائر وأمه، فلم يرد أن يزيدهن على الواجب لهن، فقسم بينهن سبعا، ~~فماذا يصنع في الليلة الثامنة؟ إن أوجبنا عليه مبيتها عند # PageV07P303 # حرة، فقد زادها على ما يجب لها، وإن باتها عند الأمة جعلها كالحرة، ولا ~~سبيل إليه، وعلى ما اخترن تكون هذه الليلة الثامنة له، إن أحب انفرد فيها، ~~وإن أحب بات عند الأولى مستأنفا للقسم. # وإن كان عنده حرة وأمة، قسم لهن ليال من ثمان، وله الانفراد في خمس. وإن ~~كان تحته حرتان وأمة، فلهن خمس وله ثلاث. وإن كان حرتان وأمتان، فلهن ست ~~وله اثنتان. وإن كانت أمة واحدة، فلها ليلة وله سبع، وعلى قولهم لها ليلة ~~وله ست. ### | [فصل الوطء واجب على الرجل] # (5710) فصل والوطء واجب على الرجل، إذا لم يكن له عذر. وبه قال مالك. ~~وعلى قول القاضي: لا يجب إلا أن يتركه للإضرار. وقال الشافعي لا يجب عليه؛ ~~لأنه حق له فلا يجب عليه، كسائر حقوقه. ولنا، ما تقدم في الفصل الذي قبله، ~~وفي بعض روايات حديث كعب أنه حين قضى بين الرجل وامرأته، قال: # إن لها عليك حقا يا بعل ... تصيبها في أربع لمن عدل # فأعطها ذاك ودع عنك العلل # ، فاستحسن عمر قضاءه، ورضيه. # ولأنه حق واجب بالاتفاق، وإذا حلف ms3823 على تركه، فيجب قبل أن يحلف، كسائر ~~الحقوق الواجبة، يحقق هذا أنه لو لم يكن واجبا، لم يصر باليمين على تركه ~~واجبا، كسائر ما لا يجب، ولأن النكاح شرع لمصلحة الزوجين، ودفع الضرر ~~عنهما، وهو مفض إلى دفع ضرر الشهوة عن المرأة كإفضائه إلى دفع ذلك عن ~~الرجل، فيجب تعليله بذلك، ويكون النكاح حقا لهما جميعا، ولأنه لو لم يكن ~~لها فيه حق، لما وجب استئذانها في العزل، كالأمة. # إذا ثبت وجوبه، فهو مقدر بأربعة أشهر. نص عليه أحمد ووجهه إن الله تعالى ~~قدره بأربعة أشهر في حق المولي، فكذلك في حق غيره؛ لأن اليمين لا توجب ما ~~حلف على تركه، فيدل على أنه واجب بدونها. فإن أصر على ترك الوطء، وطالبت ~~المرأة، فقد روى ابن منصور، عن أحمد في رجل تزوج امرأة، ولم يدخل بها، ~~يقول: غدا أدخل بها، إلى شهر، هل يجبر على الدخول؟ فقال: أذهب إلى أربعة ~~أشهر، إن دخل بها، وإلا فرق بينهما. فجعله أحمد كالمولي. # وقال أبو بكر بن جعفر: لم يرو مسألة ابن منصور غيره، وفيها نظر، وظاهر ~~قول أصحابنا أنه لا يفرق بينهما لذلك، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنه لو ضرب ~~له المدة لذلك، وفرق بينهم، لم يكن للإيلاء أثر، ولا خلاف في اعتباره. ### | [فصل كم يغيب الرجل عن زوجته] # (5711) فصل: وإن سافر عن امرأته لعذر وحاجة، سقط حقها من القسم والوطء، ~~وإن طال سفره، ولذلك لا يصح # PageV07P304 # نكاح المفقود إذا ترك لامرأته نفقة. وإن لم يكن له عذر مانع من الرجوع، ~~فإن أحمد ذهب إلى توقيته بستة أشهر، فإنه قيل له: كم يغيب الرجل عن زوجته؟ ~~قال: ستة أشهر، يكتب إليه، فإن أبى أن يرجع، فرق الحاكم بينهما. # وإنما صار إلى تقديره بهذا الحديث عمر رواه أبو حفص، بإسناده عن زيد بن ~~أسلم قال: بينما عمر بن الخطاب يحرس المدينة، فمر بامرأة في بيتها وهي ~~تقول: # تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وطال علي أن لا خليل ألاعبه # ووالله لولا خشية الله وحده ms3824 ... لحرك من هذا السرير جوانبه # فسأل عنها عمر فقيل له: هذه فلانة، زوجها غائب في سبيل الله. فأرسل إليها ~~امرأة تكون معها، وبعث إلى زوجها فأقفله، ثم دخل على حفصة، فقال: يا بنية، ~~كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: سبحان الله، مثلك يسأل مثلي عن هذا، فقال: ~~لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك. قالت: خمسة أشهر. ستة أشهر. فوقت ~~للناس في مغازيهم ستة أشهر؛ يسيرون شهرا، ويقيمون أربعة، ويسيرون شهرا ~~راجعين # وسئل أحمد كم للرجل أن يغيب عن أهله؟ قال: يروى ستة أشهر. وقد يغيب الرجل ~~أكثر من ذلك لأمر لا بد له، فإن غاب أكثر من ذلك لغير عذر، فقال بعض ~~أصحابنا: يراسله الحاكم فإن أبى أن يقدم، فسخ نكاحه. ومن قال: لا يفسخ ~~نكاحه إذا ترك الوطء وهو حاضر، فهاهنا أولى. وفي جميع ذلك، لا يجوز الفسخ ~~عند من يراه إلا بحكم حاكم؛ لأنه مختلف فيه. ### | [فصل يؤجر الرجل أن يأتي أهله وليس له شهوة] # (5712) فصل وسئل أحمد يؤجر الرجل أن يأتي أهله وليس له شهوة؟ فقال: إي ~~والله، يحتسب الولد، وإن لم يرد الولد؟ يقول: هذه امرأة شابة، لم لا يؤجر؟ ~~وهذا صحيح، فإن أبا ذر روى، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~مباضعتك أهلك صدقة. قلت يا رسول الله أنصيب شهوتنا ونؤجر؟ قال: أرأيت لو ~~وضعه في غير حقه، كان عليه وزر؟ قال: قلت: بلى. قال: أفتحتسبون بالسيئة، ~~ولا تحتسبون بالخير.» ولأنه وسيلة إلى الولد، وإعفاف نفسه وامرأته، وغض ~~بصره، وسكون نفسه، أو إلى بعض ذلك. ### | [فصل التسوية بين نسائه في النفقة والكسوة] # (5713) فصل وليس عليه التسوية بين نسائه في النفقة والكسوة إذا قام ~~بالواجب لكل واحدة منهن. قال أحمد في الرجل له امرأتان: له أن يفضل إحداهما ~~على الأخرى في النفقة والشهوات والكسى، إذا كانت الأخرى # PageV07P305 # في كفاية، ويشتري لهذه أرفع من ثوب هذه، وتكون تلك في كفاية. وهذا لأن ~~التسوية في هذا كله تشق، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا ms3825 بحرج، فسقط وجوبه، ~~كالتسوية في الوطء. . ### | [مسألة وعماد القسم بين الزوجات الليل] # مسألة قال: (وعماد القسم الليل) لا خلاف في هذا؛ وذلك لأن الليل للسكن ~~والإيواء، يأوي فيه الإنسان إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام في فراشه مع ~~زوجته عادة، والنهار للمعاش، والخروج، والتكسب، والاشتغال. قال الله تعالى ~~{وجعل الليل سكنا} [الأنعام: 96] وقال تعالى: {وجعلنا الليل لباسا} [النبأ: ~~10] {وجعلنا النهار معاشا} [النبأ: 11] وقال {ومن رحمته جعل لكم الليل ~~والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} [القصص: 73] فعلى هذا يقسم الرجل ~~بين نسائه ليلة وليلة، ويكون في النهار في معاشه، وقضاء حقوق الناس، وما ~~شاء مما يباح له، إلا أن يكون ممن معاشه بالليل، كالحراس ومن أشبههم، فإنه ~~يقسم بين نسائه بالنهار، ويكون الليل في حقه كالنهار في حق غيره. ### | [فصل النهار يدخل في القسم بين الزوجات تبعا لليل] # (5715) فصل: والنهار يدخل في القسم تبعا لليل؛ بدليل ما روي أن سودة وهبت ~~يومها لعائشة. متفق عليه. وقالت عائشة «قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في بيتي، وفي يومي. وإنما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - نهارا.» ~~ويتبع اليوم الليلة الماضية؛ لأن النهار تابع لليل، ولهذا يكون أول الشهر ~~الليل ولو نذر اعتكاف شهر دخل معتكفه قبل غروب شمس الشهر الذي قبله، ويخرج ~~منه بعد غروب شمس آخر يوم منه، فيبدأ بالليل، وإن أحب أن يجعل النهار مضافا ~~إلى الليل الذي يتعقبه جاز؛ لأن ذلك لا يتفاوت. # (5716) فصل: وإن خرج من عند بعض نسائه في زمانها فإن كان ذلك في النهار ~~أو أول الليل، أو آخره الذي جرت العادة بالانتشار فيه، والخروج إلى الصلاة، ~~جاز؛ فإن المسلمين يخرجون لصلاة العشاء، ولصلاة الفجر قبل طلوعه، وأما ~~النهار، فهو للمعاش والانتشار. وإن خرج في غير ذلك، ولم يلبث أن عاد، لم ~~يقض لها؛ لأنه لا فائدة في قضاء ذلك. وإن أقام، قضاه لها سواء كانت إقامته ~~لعذر؛ من شغل أو حبس، أو لغير عذر؛ لأن حقها قد فات بغيبته عنها. وإن أحب ~~أن يجعل ms3826 قضاءه لذلك غيبته عن الأخرى، مثل ما غاب عن هذه، # PageV07P306 # جاز؛ لأن التسوية تحصل بذلك؛ ولأنه إذا جاز له ترك الليلة بكمالها في حق ~~كل واحدة منهما، فبعضها أولى. # ويستحب أن يقضي لها في مثل ذلك الوقت؛ لأنه أبلغ في المماثلة، والقضاء ~~تعتبر المماثلة فيه، كقضاء العبادات والحقوق. وإن قضاه في غيره من الليل، ~~مثل إن فاتها في أول الليل، فقضاه في آخره، أو من آخره، فقضاه في أوله، ~~ففيه وجهان؛ أحدهما يجوز؛ لأنه قد قضى قدر ما فاته من الليل. والآخر، لا ~~يجوز؛ لعدم المماثلة. إذا ثبت هذا، فإنه لا يمكن قضاؤه كله من ليلة الأخرى، ~~لئلا يفوت حق الأخرى، فتحتاج إلى قضاء، ولكن إما أن ينفرد بنفسه في ليلة، ~~فيقضي منها، وإما أن يقسم ليلة، بينهن، ويفضل هذه بقدر ما فات من حقها، ~~وإما أن يترك من ليلة كل واحدة مثل ما فات من ليلة هذه، وإما أن يقسم ~~المتروك بينهما، مثل أن يترك من ليلة إحداهما ساعتين، فيقضي لها من ليلة ~~الأخرى ساعة واحدة، فيصير الفائت على كل واحدة منهما ساعة. ### | [فصل الدخول على ضرتها في زمنها] # فصل: وأما الدخول على ضرتها في زمنها، فإن كان ليلا لم يجز إلا الضرورة، ~~مثل أن تكون منزولا بها، فيريد أن يحضرها، أو توصي إليه، أو ما لا بد منه، ~~فإن فعل ذلك، ولم يلبث أن خرج، لم يقض. وإن أقام وبرئت المرأة المريضة، قضى ~~للأخرى من ليلتها بقدر ما أقام عندها. وإن خرج لحاجة غير ضرورية، أتم. ~~والحكم في القضاء، كما لو دخل لضرورة، لأنه لا فائدة في قضاء اليسير. وإن ~~دخل عليها، فجامعها في زمن يسير، ففيه وجهان: أحدهما لا يلزمه قضاؤه؛ لأن ~~الوطء لا يستحق في القسم، والزمن اليسير لا يقضى. والثاني، يلزمه أن يقضيه، ~~وهو أن يدخل على المظلومة في ليلة المجامعة، فيجامعها، ليعدل بينهما، ولأن ~~اليسير مع الجماع يحصل به السكن، فأشبه الكثير. # وأما الدخول في النهار إلى المرأة في يوم غيرها، فيجوز للحاجة، من ms3827 دفع ~~النفقة، أو عيادة، أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته، أو زيارتها لبعد عهده ~~بها، ونحو ذلك؛ لما روت عائشة، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يدخل علي في يوم غيري، فينال مني كل شيء إلا الجماع.» وإذا دخل إليها لم ~~يجامعها، ولم يطل عندها؛ لأن السكن يحصل بذلك، وهي لا تستحقه، وفي ~~الاستمتاع منها بما دون الفرج وجهان: # PageV07P307 # أحدهما، يجوز؛ لحديث عائشة. والثاني، لا يجوز؛ لأنه يحصل لها به السكن، ~~فأشبه الجماع. فإن أطال المقام عندها، قضاه. وإن جامعها في الزمن اليسير، ~~ففيه وجهان على ما ذكرنا. ومذهب الشافعي على نحو ما ذكرنا، إلا أنهم قالوا: ~~لا يقضي إذا جامع في النهار. ولنا، أنه زمن يقضيه إذا طال المقام، فيقضيه ~~إذا جامع فيه، كالليل. # (5718) فصل: والأولى أن يكون لكل واحدة منهن مسكن يأتيها فيه؛ لأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم هكذا، ولأنه أصون لهن وأستر، حتى لا ~~يخرجن من بيوتهن. وإن اتخذ لنفسه منزلا يستدعي إليه كل واحدة منهن في ~~ليلتها ويومها، كان له ذلك؛ لأن للرجل نقل زوجته حيث شاء، ومن امتنعت منهن ~~من إجابته سقط حقها من القسم؛ لنشوزها. وإن اختار أن يقصد بعضهن في ~~منازلهن، ويستدعي البعض، كان له ذلك؛ لأن له أن يسكن كل واحدة منهن حيث ~~شاء. # وإن حبس الزوج، فأحب القسم بين نسائه، بأن يستدعي كل واحدة في ليلتها، ~~فعليهن طاعته، إن كان ذلك سكنى مثلهن، وإن لم يكن، لم تلزمهن إجابته؛ لأن ~~عليهن في ذلك ضررا. وإن أطعنه، لم يكن له أن يترك العدل بينهن، ولا استدعاء ~~بعضهن دون بعض، كما في غير الحبس. ### | [مسألة وطئ زوجته ولم يطأ الأخرى] # (5719) مسألة قال: (ولو وطئ زوجته، ولم يطأ الأخرى، فليس بعاص) لا نعلم ~~خلافا بين أهل العلم، في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع، وهو ~~مذهب مالك والشافعي وذلك لأن الجماع طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى ~~التسوية بينهن في ذلك، فإن قلبه قد يميل ms3828 إلى إحداهما دون الأخرى، قال الله ~~تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] قال ~~عبيدة السلماني في الحب والجماع. # وإن أمكنت التسوية بينهما في الجماع، كان أحسن وأولى؛ فإنه أبلغ في ~~العدل، «وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم بينهن فيعدل، ثم يقول: ~~اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك.» وروي أنه كان يسوي ~~بينهن حتى في القبل. ولا تجب التسوية بينهن في الاستمتاع فيما دون الفرج؛ ~~من القبل، واللمس، ونحوهما؛ لأنه إذا لم تجب التسوية في الجماع، ففي دواعيه ~~أولى. ### | [مسألة يقسم لزوجته الأمة ليلة وللحرة ليلتين] # (5720) مسألة؛ قال: (ويقسم لزوجته الأمة ليلة، وللحرة ليلتين، وإن كانت ~~كتابية) # PageV07P308 # وبهذا قال علي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب، ومسروق والشافعي وإسحاق وأبو ~~عبيد وذكر أبو عبيد أنه مذهب الثوري والأوزاعي وأهل الرأي. وقال مالك في ~~إحدى الروايتين عنه: يسوي بين الحرة والأمة في القسم؛ لأنهما سواء في حقوق ~~النكاح؛ من النفقة، والسكنى، وقسم الابتداء، كذلك هاهنا. # ولنا، ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يقول: إذا تزوج الحرة على ~~الأمة، قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين. رواه الدارقطني، واحتج به أحمد ولأن ~~الحرة يجب تسليمها ليلا ونهارا، فكان حظها أكثر في الإيواء، ويخالف النفقة ~~والسكنى، فإنه مقدر بالحاجة، وحاجتها إلى ذلك كحاجة الحرة. وأما قسم ~~الابتداء فإنما شرع ليزول الاحتشام من كل واحد منهما من صاحبه، ولا يختلفان ~~في ذلك، وفي مسألتنا يقسم لهما لتساوي حظهما. # (5721) فصل: والمسلمة والكتابية سواء في القسم، فلو كانت له امرأتان، أمه ~~مسلمة، وحرة كتابية، قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين، وإن كانتا جميعا حرتين، ~~فليلة وليلة. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن ~~القسم بين المسلمة والذمية سواء. كذلك قال سعيد بن المسيب والحسن والشعبي ~~والنخعي والزهري والحكم، وحماد، ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب ~~الرأي؛ وذلك لأن القسم من حقوق الزوجية، فاستوت فيه المسلمة والكتابية، ~~كالنفقة والسكنى. # ويفارق الأمة؛ لأن الأمة ms3829 لا يتم تسليمها، ولا يحصل لها الإيواء التام، ~~بخلاف الكتابية. ### | [فصل أعتقت الأمة في أثناء مدتها] # (5722) فصل: فإن أعتقت الأمة في أثناء مدتها، أضاف إلى ليلتها ليلة أخرى، ~~لتساوي الحرة، وإن كان بعد انقضاء مدتها، استؤنف القسم متساويا، ولم يقض ~~لها ما مضى؛ لأن الحرية حصلت بعد استيفاء حقها. وإن عتقت، وقد قسم للحرة ~~ليلة، لم يزدها على ذلك؛ لأنهما تساويا، فيسوي بينهما. # PageV07P309 ### | [فصل الحق في القسم للأمة دون سيدها] # (5723) فصل: والحق في القسم للأمة دون سيدها، فلها أن تهب ليلتها لزوجها، ~~ولبعض ضرائرها، كالحرة، وليس لسيدها الاعتراض عليها، ولا أن يهبه دونها؛ ~~لأن الإيواء والسكن حق لها دون سيدها، فملكت إسقاطه. وذكر القاضي، أن قياس ~~قول أحمد إنه يستأذن سيد الأمة في العزل عنها. أن لا تجوز هبتها لحقها من ~~القسم إلا بإذنه. ولا يصح هذا؛ لأن الوطء لا يتناوله القسم، فلم يكن للولي ~~فيه حق، ولأن المطالبة بالفيئة للأمة دون سيدها، وفسخ النكاح بالجب والعنة ~~لها دون سيدها، فلا وجه لإثبات الحق له هاهنا. ### | [فصل لا قسم على الرجل في ملك يمينه] # (5724) فصل: ولا قسم على الرجل في ملك يمينه، فمن كان له نساء وإماء، فله ~~الدخول على الإماء كيف شاء، والاستمتاع بهن إن شاء كالنساء، وإن شاء أقل، ~~وإن شاء أكثر، وإن شاء ساوى بين الإماء، وإن شاء فضل، وإن شاء استمتع من ~~بعضهن دون بعض؛ بدليل قول الله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ~~ملكت أيمانكم} [النساء: 3] وقد «كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - مارية ~~القبطية، وريحانة، فلم يكن يقسم لهما.» ولأن الأمة لا حق لها في الاستمتاع، ~~ولذلك لا يثبت، لها الخيار بكون السيد مجبوبا أو عنينا، ولا تضرب لها مدة ~~الإيلاء، لكن إن احتاجت إلى النكاح، فعليه إعفافها، إما بوطئها، أو ~~تزويجها، أو بيعها. ### | [فصل يقسم بين نسائه ليلة ليلة] # (5725) فصل ويقسم بين نسائه ليلة ليلة فإن أحب الزيادة على ذلك لم يجز ~~إلا برضاهن. وقال القاضي: له أن يقسم ليلتين ليلتين، ms3830 وثلاثا ثلاثا. ولا ~~تجوز الزيادة على ذلك إلا برضاهن. والأولى مع هذا ليلة وليلة؛ لأنه أقرب ~~لعهدهن به، وتجوز الثلاث لأنها في حد القلة، فهي كالليلة، وهذا مذهب ~~الشافعي ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قسم ليلة وليلة، ولأن ~~التسوية واجبة، وإنما جوز بالبداية بواحدة، لتعذر الجمع، فإذا بات عند ~~واحدة ليلة، تعينت الليلة الثانية حقا للأخرى، فلم يجز جعلها للأولى بغير ~~رضاها، ولأنه تأخير لحقوق بعضهن، فلم يجز بغير رضاهن، كالزيادة على الثلاث، ~~ولأنه إذا كان له أربع نسوة، فجعل لكل واحدة ثلاثا، حصل تأخير الأخيرة في ~~تسع ليال، وذلك كثير، فلم يجز، كما لو كان له امرأتان، فأراد أن يجعل لكل ~~واحدة تسعا، ولأن للتأخير آفات، فلا يجوز مع إمكان التعجيل بغير رضى ~~المستحق، # PageV07P310 # كتأخير الدين الحال، والتحديد بالثلاث تحكم لا يسمع من غير دليل، وكونه ~~في حد القلة لا يوجب جواز تأخير الحق، كالديون الحالة وسائر الحقوق. ### | [فصل قسم لإحداهما، ثم طلق الأخرى قبل قسمها] # (5726) فصل: فإن قسم لإحداهما، ثم طلق الأخرى قبل قسمها، أثم؛ لأنه فوت ~~حقها الواجب لها، فإن عادت إليه، برجعة أو نكاح؛ قضى لها؛ لأنه قدر على ~~إيفاء حقها، فلزمه، كالمعسر إذا أيسر بالدين. فإن قسم لإحداهما، ثم جاء ~~ليقسم للثانية، فأغلقت الباب دونه، أو منعته من الاستمتاع بها، أو قالت: لا ~~تدخل علي، أو لا تبت عندي. أو ادعت الطلاق، سقط حقها من القسم. # فإن عادت بعد ذلك إلى المطاوعة، استأنف القسم بينهما، ولم يقض الناشز؛ ~~لأنها أسقطت حق نفسها. وإن كان له أربع نسوة، فأقام عند ثلاث منهن ثلاثين ~~ليلة، لزمه أن يقيم عند الرابعة عشرا؛ لتساويهن، فإن نشزت إحداهن عليه، ~~وظلم واحدة فلم يقسم لها، وأقام عند الاثنتين ثلاثين ليلة، ثم أطاعته ~~الناشز، وأراد القضاء للمظلومة، فإنه يقسم لها ثلاثا، وللناشز ليلة خمسة ~~أدوار، فيكمل للمظلومة خمس عشرة ليلة، ويحصل للناشز خمس، ثم يستأنف القسم ~~بين الجميع، فإن كان له ثلاث نسوة، فقسم بين اثنتين ثلاثين ليلة، وظلم ms3831 ~~الثالثة، ثم تزوج جديدة، ثم أراد أن يقضي للمظلومة، فإنه يخص الجديدة بسبع ~~إن كانت بكرا، وثلاث إن كانت ثيبا لحق العقد، ثم يقسم، بينها وبين المظلومة ~~خمسة أدوار، على ما قدمنا للمظلومة من كل دور ثلاثا، وواحدة للجديدة. ### | [فصل كانت امرأتاه في بلدين القسم بين الزوجات] # (5727) فصل: فإن كانت امرأتاه في بلدين، فعليه العدل بينهما؛ لأنه اختار ~~المباعدة بينهما، فلا يسقط حقهما عنه بذلك، فإما أن يمضي إلى الغائبة في ~~أيامها، وإما أن يقدمها إليه، ويجمع بينهما في بلد واحد، فإن امتنعت من ~~القدوم مع الإمكان، سقط حقها لنشوزها. وإن أحب القسم بينهما في بلديهما، لم ~~يمكن أن يقسم ليلة وليلة، فيجعل المدة بحسب ما يمكن، كشهر وشهر، أو أكثر، ~~أو أقل، على حسب ما يمكنه، وعلى حسب تقارب البلدين وتباعدهما. ### | [فصل للمرأة أن تهب حقها من القسم لزوجها] # (5728) فصل: ويجوز للمرأة أن تهب حقها من القسم لزوجها، أو لبعض ضرائرها، ~~أو لهن جميعا، ولا يجوز إلا برضى الزوج؛ لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط ~~إلا برضاه، فإذا رضيت هي والزوج جاز؛ لأن الحق في ذلك لهما، لا يخرج عنهما، ~~فإن أبت الموهوبة قبول الهبة، لم يكن لها ذلك؛ لأن حق الزوج في الاستمتاع ~~بها ثابت في كل وقت، إنما منعته المزاحمة بحق صاحبتها، فإذا زالت المزاحمة ~~بهبتها، ثبت حقه في الاستمتاع بها، وإن كرهت، كما # PageV07P311 # لو كانت منفردة. وقد ثبت أن «سودة وهبت يومها لعائشة، فكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقسم لعائشة يومها ويوم سودة.» متفق عليه. # ويجوز ذلك في جميع الزمان وفي بعضه، فإن سودة وهبت يومها في جميع زمانها. ~~وروى ابن ماجه، عن عائشة، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد على ~~صفية بنت حيي في شيء، فقالت صفية لعائشة: هل لك أن ترضي عني رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولك يومي؟ فأخذت خمارا مصبوغا بزعفران، فرشته ليفوح ~~ريحه، ثم اختمرت به، وقعدت إلى جنب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ms3832 رسول ~~الله: إليك يا عائشة، إنه ليس يومك. قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ~~فأخبرته بالأمر، فرضي عنها.» فإذا ثبت هذا، فإن وهبت ليلتها لجميع ضرائرها، ~~صار القسم بينهن كما لو طلق الواهبة. # وإن وهبتها للزوج، فله جعله لمن شاء؛ لأنه لا ضرر على الباقيات في ذلك، ~~إن شاء جعله للجميع، وإن شاء خص بها واحدة منهن، وإن شاء جعل لبعضهن فيها ~~أكثر من بعض. وإن وهبتها لواحدة منهن كفعل سودة، جاز. ثم إن كانت تلك ~~الليلة تلي ليلة الموهوبة، وإلى بينهما، وإن كانت لا تليها، لم يجز له ~~الموالاة بينهما، إلا برضى الباقيات، ويجعلها لها في الوقت الذي كان ~~للواهبة؛ ولأن الموهوبة قامت مقام الواهبة في ليلتها، فلم يجز تغييرها عن ~~موضعها، كما لو كانت باقية للواهبة، ولأن في ذلك تأخير حق غيرها، وتغييرا ~~لليلتها بغير رضاها، فلم يجز. وكذلك الحكم إذا وهبتها للزوج، فآثر بها ~~امرأة منهن بعينها. # وفيه وجه آخر، إنه يجوز الموالاة بين الليلتين؛ لعدم الفائدة في التفريق. ~~والأول أصح، وقد ذكرنا فيه فائدة، فلا يجوز اطراحها. ومتى رجعت الواهبة في ~~ليلتها، فلها ذلك في المستقبل؛ لأنها هبة لم تقبض، وليس لها الرجوع فيما ~~مضى؛ لأنه بمنزلة المقبوض. ولو رجعت في بعض الليل، كان على الزوج أن ينتقل ~~إليها، فإن لم يعلم حتى أتم الليلة، لم يقض لها شيئا؛ لأن التفريط منها. # (5729) فصل: فإن بذلت ليلتها بمال، لم يصح؛ لأن حقها في كون الزوج عندها، ~~وليس ذلك بمال، فلا يجوز مقابلته بمال، فإذا أخذت عليه مالا، لزمها رده، ~~وعليه أن يقضي لها، لأنها تركته بشرط العوض، ولم يسلم لها، وإن كان عوضها ~~غير المال، مثل إرضاء زوجها، أو غيره عنها، جاز؛ فإن عائشة أرضت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن صفية، وأخذت يومها، وأخبرت بذلك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فلم ينكره. # PageV07P312 ### | [مسألة إذا سافرت زوجته بإذنه فلا نفقة لها] # مسألة؛ قال: (وإذا سافرت زوجته بإذنه، فلا نفقة لها، ولا قسم، وإن كان ms3833 هو ~~أشخصها، فهي على حقها من ذلك) وجملة الأمر أنها إذا سافرت في حاجتها، بإذن ~~زوجها، لتجارة لها، أو زيارة، أو حج تطوع، أو عمرة، لم يبق لها حق في نفقة ~~ولا قسم. هكذا ذكر الخرقي والقاضي. وقال أبو الخطاب في ذلك وجهان. وللشافعي ~~فيه قولان؛: أحدهما، لا يسقط حقها؛ لأنها سافرت بإذنه، أشبه ما لو سافرت ~~معه. # ولنا، أن القسم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد تعذر ذلك بسبب ~~من جهتها، فسقط، كما لو تعذر ذلك قبل دخول بها. وفارق ما إذا سافرت معه؛ ~~لأنه لم يتعذر ذلك. ويحتمل أن يسقط القسم، وجها واحدا؛ لأنه لو سافر عنها ~~لسقط قسمها، والتعذر من جهته، فإذا تعذر من جهتها بسفرها، كان أولى، ويكون ~~في النفقة الوجهان. وفي هذا تنبيه على سقوطهما إذا سافرت بغير إذنه، فإنه ~~إذا سقط حقها من ذلك لعدم التمكين بأمر ليس فيه نشوز ولا معصية، فلأن يسقط ~~بالنشوز والمعصية أولى. وهذا لا خلاف فيه نعلمه. # فأما إن أشخصها، وهو أن يبعثها لحاجته، أو يأمرها بالنقلة من بلدها، لم ~~يسقط حقها من نفقة ولا قسم؛ لأنها لم تفوت عليه التمكين، ولا فات من جهتها، ~~وإنما حصل بتفويته، فلم يسقط حقها، كما لو أتلف المشتري المبيع، لم يسقط حق ~~البائع من تسليم ثمنه إليه. فعلى هذا، يقضي لها بحسب ما أقام عند ضرتها. ~~وإن سافرت معه، فهي على حقها منهما جميعا. ### | [مسألة الزوج إذا أراد سفرا فلا يخرج معه منهن إلا بقرعة] # (5731) مسألة؛ قال: (وإذا أراد سفرا، فلا يخرج معه منهن إلا بقرعة، فإذا ~~قدم ابتدأ القسم بينهن) وجملته أن الزوج إذا أراد سفرا، فأحب حمل نسائه معه ~~كلهن، أو تركهن كلهن، لم يحتج إلى قرعة؛ لأن القرعة لتعيين المخصوصة منهن ~~بالسفر، وهاهنا قد سوى، وإن أراد السفر ببعضهن لم يجز له أن يسافر بها إلا ~~بقرعة. وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكي عن مالك أن له ذلك من غير قرعة. وليس ~~بصحيح، فإن عائشة روت «أن النبي - صلى ms3834 الله عليه وسلم - كان إذا أراد سفرا، ~~أقرع بين نسائه، وأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه.» متفق عليه. # ولأن في المسافرة ببعضهن من غير قرعة تفضيلا لها، وميلا إليها، فلم يجز ~~بغير قرعة كالبداية بها في القسم. وإن أحب المسافرة بأكثر من واحدة، أقرع ~~أيضا، فقد روت عائشة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج أقرع ~~بين نسائه، فصارت القرعة لعائشة وحفصة.» رواه البخاري. ومتى سافر بأكثر من ~~واحدة، # PageV07P313 # سوى بينهن كما يسوي بينهن في الحضر، ولا يلزمه القضاء للحاضرات بعد ~~قدومه. وهذا معنى قول الخرقي " فإذا قدم ابتدأ القسم بينهن ". وهذا قول ~~أكثر أهل العلم. # وحكي عن داود أنه يقضي؛ لقول الله تعالى: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: ~~129] ولنا، أن عائشة لم تذكر قضاء في حديثها، ولأن هذه التي سافر بها ~~يلحقها من مشقة السفر بإزاء ما حصل لها من السكن، ولا يحصل لها من السكن ~~مثل ما يحصل في الحضر، فلو قضي للحاضرات، لكان قد مال على المسافرة كل ~~الميل، لكن إن سافر بإحداهن بغير قرعة، أثم، وقضى للبواقي بعد سفره. وبهذا ~~قال الشافعي وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يقضي؛ لأن قسم الحضر ليس بمثل لقسم ~~السفر، فيتعذر القضاء. ولنا، أنه خص بعضهن بمدة، على وجه تلحقه التهمة فيه، ~~فلزمه القضاء، كما لو كان حاضرا. إذا ثبت هذا، فينبغي أن لا يلزمه قضاء ~~المدة، وإنما يقضي منها ما أقام منها معها بمبيت ونحوه، فأما زمان السير، ~~فلم يحصل لها منه إلا التعب والمشقة فلو جعل للحاضرة في مقابلة ذلك مبيتا ~~عندها، واستمتاعا بها، لمال كل الميل. ### | [فصل إذا خرجت القرعة لإحداهن لم يجب عليه السفر بها] # (5732) فصل: إذا خرجت القرعة لإحداهن، لم يجب عليه السفر بها، وله تركها ~~والسفر وحده؛ لأن القرعة لا توجب، وإنما تعين من تستحق التقديم. وإن أراد ~~السفر بغيرها، لم يجز؛ لأنها تعينت بالقرعة، فلم يجز العدول عنها إلى ~~غيرها. وإن وهبت حقها من ذلك لغيرها، جاز إذا رضي الزوج؛ لأن الحق ms3835 لها، ~~فصحت هبتها له، كما لو وهبت ليلتها في الحضر. ولا يجوز بغير رضى الزوج؛ لما ~~ذكرنا في هبة الليلة في الحضر. # وإن وهبته للزوج، أو للجميع، جاز. وإن امتنعت من السفر معه، سقط حقها إذا ~~رضي الزوج، وإن أبى، فله إكراهها على السفر معه؛ لما ذكرنا. وإن رضي بذلك، ~~أستأنف القرعة بين البواقي. وإن رضي الزوجات كلهن بسفر واحدة معه من غير ~~قرعة، جاز؛ لأن الحق لهن، إلا أن لا يرضى الزوج، ويريد غير من اتفقن عليها، ~~فيصار إلى القرعة. ولا فرق في جميع ما ذكرنا بين السفر الطويل والقصير؛ ~~لعموم الخبر والمعنى. وذكر القاضي احتمالا ثانيا، أنه يقضي للبواقي في ~~السفر القصير؛ لأنه في حكم الإقامة، وهو وجه لأصحاب الشافعي. # ولنا، أنه سافر بها بقرعة، فلم يقض كالطويل، ولو كان في حكم الإقامة لم ~~يجز المسافرة بإحداهن # PageV07P314 # دون الأخرى، كما لا يجوز إفراد إحداهن بالقسم دون الأخرى. ومتى سافر ~~بإحداهن بقرعة، ثم بدا له بعد السفر، نحو أن يسافر إلى بيت المقدس، ثم يبدو ~~له فيمضي إلى مصر، فله استصحابها معه؛ لأنه سفر واحد قد أقرع له. وإن أقام ~~في بلدة مدة إحدى وعشرين صلاة فما دون، لم يحتسب عليه بها؛ لأنه في حكم ~~السفر، تجري عليه أحكامه. وإن زاد على ذلك، قضى الجميع مما أقامه؛ لأنه خرج ~~عن حكم السفر. # وإن أزمع على المقام قضى ما أقامه، وإن قل؛ لأنه خرج عن حكم السفر. ثم ~~إذا خرج بعد ذلك إلى بلده، أو بلد أخرى، لم يقض ما سافره؛ لأنه في حكم ~~السفر الواحد، وقد أقرع له. ### | [فصل أراد الانتقال بنسائه إلى بلد آخر] # (5733) فصل: وإذا أراد الانتقال بنسائه إلى بلد آخر، فأمكنه استصحابهن ~~كلهن في سفره فعل، ولم يكن له إفراد إحداهن به؛ لأن هذا السفر لا يختص ~~بواحدة، بل يحتاج إلى نقل جميعهن، فإن خص إحداهن، قضى للباقيات كالحاضر، ~~فإن لم يمكنه صحبة جميعهن، أو شق عليه ذلك، وبعث بهن جميعا مع غيره ممن هو ~~محرم ms3836 لهن، جاز، ولا يقضي لأحد، ولا يحتاج إلى قرعة؛ لأنه سوى بينهن. وإن ~~أراد إفراد بعضهن بالسفر معه، لم يجز إلا بقرعة. فإذا وصل إلى البلد الذي ~~انتقل إليه، فأقامت معه فيه، قضى للباقيات مدة كونها معه في البلد خاصة؛ ~~لأنه صار مقيما، وانقطع حكم السفر عنه. ### | [فصل له امرأة فتزوج أخرى وأراد السفر بهما جميعا] # فصل: إذا كانت له امرأة، فتزوج أخرى، وأراد السفر بهما جميعا، قسم ~~للجديدة سبعا إن كانت بكرا، وثلاثا إن كانت ثيبا، ثم يقسم بعد ذلك بينها ~~وبين القديمة. وإن أراد السفر بإحداهما، أقرع بينهما، فإن خرجت قرعة ~~الجديدة، سافر بها معه، ودخل حق العقد في قسم السفر؛ لأنه نوع قسم. وإن ~~وقعت القرعة للأخرى، سافر بها، فإذا حضر، قضى للجديدة حق العقد؛ لأنه سافر ~~بعد وجوبه عليه. # وإن تزوج اثنتين، وعزم على السفر، أقرع بينهما، فسافر بالتي تخرج لها ~~القرعة، ويدخل حق العقد في قسم السفر، فإذا قدم، قضى للثانية حق العقد، في ~~أحد الوجهين؛ لأنه حق وجب لها قبل سفره، لم يؤده إليها، فلزمه قضاؤه، كما ~~لو لم يسافر بالأخرى معه. والثاني، لا يقضيه؛ لئلا يكون تفضيلا لها على ~~التي سافر بها، لأنه لا يحصل للمسافرة من الإيواء والسكن والمبيت عندها، ~~مثل ما يحصل في الحضر، فيكون ميلا فيتعذر قضاؤه. # فإن قدم من سفره قبل مضي مدة ينقضي فيها حق عقد الأولى، أتمه في الحضر، ~~وقضى للحاضرة مثله، وجها واحدا، وفيما زاد الوجهان. ويحتمل في المسألة ~~الأولى وجها ثالثا، وهو أن يستأنف قضاء حق العقد لكل واحدة منهما، ولا ~~يحتسب # PageV07P315 # على المسافرة بمدة سفرها، كما لا يحتسب به عليها فيما عدا حق العقد. وهذا ~~أقرب إلى الصواب من إسقاط حق العقد الواجب بالشرع بغير مسقط. ### | [مسألة إذا أعرس عند بكر أقام عندها سبعا] # (5735) مسألة؛ قال: (وإذا أعرس عند بكر، أقام عندها سبعا، ثم دار، ولا ~~يحتسب عليها بما أقام عندها، وإن كانت ثيبا، أقام عندها ثلاثا ثم دار، ولا ~~يحتسب عليها أيضا بما ms3837 أقام عندها) متى تزوج صاحب النسوة امرأة جديدة، قطع ~~الدور، وأقام عندها سبعا إن كانت بكرا، ولا يقضيها للباقيات، وإن كانت ثيبا ~~أقام عندها ثلاثا، ولا يقضيها، إلا أن تشاء هي أن يقيم عندها سبعا، فإنه ~~يقيمها عندها، ويقضي الجميع للباقيات. روي ذلك عن أنس وبه قال الشعبي ~~والنخعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد، وابن المنذر وروي عن سعيد بن ~~المسيب والحسن وخلاس بن عمرو، ونافع مولى ابن عمر: للبكر ثلاث وللثيب ~~ليلتان. ونحوه قال الأوزاعي وقال الحكم وحماد وأصحاب الرأي: لا فضل للجديدة ~~في القسم، فإن أقام عندها شيئا قضاه للباقيات؛ لأنه فضلها بمدة، فوجب ~~قضاؤها، كما لو أقام عند الثيب سبعا. # ولنا، ما روى أبو قلابة، عن أنس، قال: من السنة إذا تزوج البكر على ~~الثيب، أقام عندها سبعا وقسم، وإذا تزوج الثيب، أقام عندها ثلاثا، ثم قسم. ~~قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: أن أنسا رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. متفق عليه. وعن أم سلمة، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما تزوج ~~أم سلمة، أقام عندها ثلاثا، وقال: ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت لك، ~~وإن سبعت لك سبعت لنسائي» . رواه مسلم. وفي لفظ: «وإن شئت ثلثت ثم درت» . ~~وفي لفظ: «وإن شئت زدتك، ثم حاسبتك به، للبكر سبع، وللثيب ثلاث» ، وفي لفظ ~~رواه الدارقطني: «إن شئت أقمت عندك ثلاثا خالصة لك، وإن شئت سبعت لك، ثم ~~سبعت لنسائي.» # وهذا يمنع قياسهم. ويقدم عليه. قال ابن عبد البر الأحاديث المرفوعة في ~~هذا الباب على ما قلناه، وليس مع من خالفنا حديث مرفوع، والحجة مع من أدلى ~~بالسنة # (5736) فصل: والأمة والحرة في هذا سواء. ولأصحاب الشافعي في هذا ثلاثة ~~أوجه: # أحدهما: كقولنا. والثاني: الأمة على النصب من الحرة، كسائر القسم. # والثالث: للبكر من الإماء أربع، وللثيب ليلتان، تكميلا لبعض الليلة. # PageV07P316 # ولنا عموم قوله - عليه السلام -: «للبكر سبع، وللثيب ثلاث.» ولأنه يراد ~~للأنس وإزالة الاحتشام، والأمة والحرة سواء في الحاجة إليه، فاستويا فيه، ms3838 ~~كالنفقة. ### | [فصل يكره أن يزف إليه امرأتان في ليلة واحدة] # (5737) فصل: يكره أن يزف إليه امرأتان في ليلة واحدة، أو في مدة حق عقد ~~إحداهما؛ لأنه لا يمكنه أن يوفيهما حقهما، وتستضر التي لا يوفيها حقها ~~وتستوحش. فإن فعل، فأدخلت إحداهما قبل الأخرى، بدأ بها، فوفاها حقها، ثم ~~عاد فوفى الثانية، ثم ابتدأ القسم. وإن زفت الثانية في أثناء مدة حق العقد، ~~أتمه للأولى، ثم قضى حق الثانية. وإن أدخلتا عليه جميعا في مكان واحد، أقرع ~~بينهما، وقدم من خرجت لها القرعة منهما، ثم وفى الأخرى بعدها. ### | [فصل عنده امرأتان فبات عند إحداهما ليلة ثم تزوج ثالثة قبل ليلة الثانية] # (5738) فصل: وإذا كانت عنده امرأتان، فبات عند إحداهما ليلة، ثم تزوج ~~ثالثة قبل ليلة الثانية، قدم المزفوفة بلياليها؛ لأن حقها آكد، لأنه ثبت ~~بالعقد، وحق الثانية ثبت بفعله، فإذا قضى حق الجديدة، بدأ بالثانية، فوفاها ~~ليلتها، ثم يبيت عند الجديدة، ثم يبتدئ القسم. وذكر القاضي أنه إذا وفى ~~الثانية ليلتها، بات عند الجديدة نصف ليلة ثم يبتدئ القسم؛ لأن الليلة التي ~~يوفيها للثانية نصفها من حقها ونصفها من حق الأخرى، فيثبت للجديدة في ~~مقابلة ذلك نصف ليلة بإزاء ما حصل لكل واحدة من ضرتيها، وعلى هذا القول ~~يحتاج أن ينفرد بنفسه في نصف ليلة، وفيه حرج؛ فإنه ربما لا يجد مكانا ينفرد ~~فيه، أو لا يقدر على الخروج إليه في نصف الليلة، أو المجيء منه، وفيما ~~ذكرناه من البداية بها بعد الثانية وفاء بحقها بدون هذا الحرج، فيكون أولى، ~~إن شاء الله. ### | [فصل حكم السبعة والثلاثة التي يقيمها عند المزفوفة] # (5739) فصل: وحكم السبعة والثلاثة التي يقيمها عند المزفوفة حكم سائر ~~القسم، في أن عماده الليل، وله الخروج نهارا لمعاشه، وقضاء حقوق الناس. وإن ~~تعذر عليه المقام عندها ليلا؛ لشغل، أو حبس، أو ترك ذلك لغير عذر، قضاه ~~لها، وله الخروج لصلاة الجماعة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ~~يترك الجماعة لذلك، ويخرج لما لا بد له منه؛ فإن ms3839 أطال قضاه، وإن كان يسيرا ~~فلا قضاء عليه. # PageV07P317 ### | [مسألة ظهر منها ما يخاف معه نشوزها] # (5740) مسألة؛ قال: (وإذا ظهر منها ما يخاف معه نشوزها وعظها، فإن أظهرت ~~نشوزا هجرها، فإن أردعها، وإلا فله أن يضربها ضربا لا يكون مبرحا) معنى ~~النشوز معصية الزوج فيما فرض الله عليها من طاعته، مأخوذ من النشز، وهو ~~الارتفاع، فكأنها ارتفعت وتعالت عما فرض الله عليها من طاعته، فمتى ظهرت ~~منها أمارات النشوز، مثل أن تتثاقل وتدافع إذا دعاها، ولا تصير إليه إلا ~~بتكره ودمدمة، فإنه يعظها، فيخوفها الله سبحانه، ويذكر ما أوجب الله له ~~عليها من الحق والطاعة، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة والمعصية، وما يسقط ~~بذلك من حقوقها، من النفقة والكسوة، وما يباح له من ضربها وهجرها؛ لقول ~~الله تعالى {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن} [النساء: 34] فإن أظهرت النشوز، ~~وهو أن تعصيه، وتمتنع من فراشه، أو تخرج من منزله بغير إذنه، فله أن يهجرها ~~في المضجع؛ لقول الله تعالى: {واهجروهن في المضاجع} [النساء: 34] . # قال ابن عباس لا تضاجعها في فراشك. فأما الهجران في الكلام، فلا يجوز ~~أكثر من ثلاثة أيام؛ لما روى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» وظاهر كلام الخرقي أنه ~~ليس له ضربها في النشوز في أول مرة. وقد روي عن أحمد إذا عصت المرأة زوجها، ~~فله ضربها ضربا غير مبرح. فظاهر هذا إباحة ضربها بأول مرة؛ لقول الله ~~تعالى: {واضربوهن} [النساء: 34] . ولأنها صرحت بالمنع فكان له ضربها، كما ~~لو أصرت ولأن عقوبات المعاصي لا تختلف بالتكرار وعدمه، كالحدود ووجه قول ~~الخرقي المقصود زجرها عن المعصية في المستقبل، وما هذا سبيله يبدأ فيه ~~بالأسهل فالأسهل، كمن هجم منزله فأراد إخراجه. # وأما قوله: {واللاتي تخافون نشوزهن} [النساء: 34] الآية، ففيها إضمار ~~تقديره واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع، فإن ~~أصررن فاضربوهن، كما قال سبحانه: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو ms3840 تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] والذي يدل على هذا أنه رتب هذه العقوبات ~~على خوف النشوز؛ ولا خلاف في أنه لا يضربها لخوف النشوز قبل إظهاره. ~~وللشافعي قولان كهذين فإن لم ترتدع بالوعظ والهجر، فله ضربها؛ لقوله تعالى: ~~{واضربوهن} [النساء: 34] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن لكم عليهن ~~أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح.» رواه ~~مسلم. # ومعنى " غير مبرح " أي ليس بالشديد. قال الخلال: سألت أحمد بن يحيى عن ~~قوله: " ضربا غير مبرح " قال: غير شديد. وعليه أن يجتنب الوجه والمواضع ~~المخوفة؛ لأن المقصود # PageV07P318 # التأديب لا الإتلاف. وقد روى أبو داود، عن «حكيم بن معاوية القشيري، عن ~~أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا ~~طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا يقبح، ولا يهجر إلا في البيت.» وروى عبد ~~الله بن زمعة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يجلد أحدكم امرأته ~~جلد العبد، ثم يضاجعها في آخر اليوم ولا يزيد في ضربها على عشرة أسواط؛ ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط، إلا ~~في حد من حدود الله.» متفق عليه. ### | [فصل له تأديبها على ترك فرائض الله] # (5741) فصل: وله تأديبها على ترك فرائض الله. وسأل إسماعيل بن سعيد أحمد ~~عما يجوز ضرب المرأة عليه، قال: على ترك فرائض الله. وقال في الرجل له ~~امرأة لا تصلي: يضربها ضربا رفيقا غير مبرح. وقال علي - رضي الله عنه - في ~~تفسير قوله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] قال: علموهم ~~أدبوهم. وروى أبو محمد الخلال، بإسناده عن جابر، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «رحم الله امرأ علق في بيته سوطا يؤدب أهله» . # فإن لم تصل فقد قال أحمد أخشى أن لا يحل لرجل أن يقيم مع امرأة لا تصلي، ~~ولا تغتسل من جنابة، ولا تتعلم القرآن. قال أحمد في الرجل يضرب امرأته: لا ~~ينبغي ms3841 لأحد أن يسأله ولا أبوها، لم ضربها؟ والأصل في هذا ما روى «الأشعث، ~~عن عمر، أنه قال يا أشعث، احفظ عني شيئا سمعته من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: لا تسألن رجلا فيما ضرب امرأته» . رواه أبو داود. ولأنه قد ~~يضربها لأجل الفراش، فإن أخبر بذلك استحيا، وإن أخبر بغيره كذب. ### | [فصل خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضه عنها] # (5742) فصل: وإذا خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضه عنها، لرغبة عنها، إما ~~لمرض بها، أو كبر، أو دمامة، فلا بأس أن تضع عنه بعض حقوقها تسترضيه بذلك؛ ~~لقول الله تعالى {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما ~~أن يصلحا بينهما صلحا} [النساء: 128] روى البخاري، عن عائشة {وإن امرأة ~~خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ~~والصلح خير} [النساء: 128] قالت: هي المرأة تكون عند الرجل، لا يستكثر ~~منها، فيريد طلاقها، ويتزوج عليها، فتقول له أمسكني، ولا تطلقني، ثم تزوج ~~غيري، فأنت في حل من النفقة علي، والقسمة لي. # وعن عائشة، «أن سودة بنت زمعة، حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قالت: يا رسول الله، يومي لعائشة. فقبل ذلك رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - منها.» قالت: وفي ذلك أنزل الله جل # PageV07P319 # ثناؤه وفي أشباهها أراه قال: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} ~~[النساء: 128] رواه أبو داود. ومتى صالحته على ترك شيء من قسمها أو نفقتها، ~~أو على ذلك كله، جاز. # فإن رجعت، فلها ذلك. قال أحمد في الرجل يغيب عن امرأته، فيقول لها: إن ~~رضيت على هذا، وإلا فأنت أعلم. فتقول: قد رضيت. فهو جائز، فإن شاءت رجعت. # (5743) مسألة؛ قال: (والزوجان إذا وقعت بينهما العداوة، وخشي عليهما أن ~~يخرجهما ذلك إلى العصيان بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها، مأمونين، ~~برضى الزوجين، وتوكيلهما، بأن يجمعا إذا رأيا أو يفرقا، فما فعلا من ذلك ~~لزمهما) # وجملة ذلك أن الزوجين إذا وقع بينهما شقاق، نظر الحاكم، فإن ms3842 بان له أنه ~~من المرأة، فهو نشوز، قد مضى حكمه، وإن بان أنه من الرجل، أسكنهما إلى جانب ~~ثقة، يمنعه من الإضرار بها، والتعدي عليها. وكذلك إن بان من كل واحد منهما ~~تعد، أو ادعى كل واحد منهما أن الآخر ظلمه، أسكنهما إلى جانب من يشرف ~~عليهما ويلزمهما الإنصاف، فإن لم يتهيأ ذلك، وتمادى الشر بينهما، وخيف ~~الشقاق عليهما والعصيان، بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها، فنظرا ~~بينهما، وفعلا ما يريان # المصلحة # فيه، من جمع أو تفريق؛ لقول الله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا ~~حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} [النساء: ~~35] . # واختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله -، في الحكمين، ففي إحدى الروايتين ~~عنه، أنهما وكيلان لهما، لا يملكان التفريق إلا بإذنهما. وهذا مذهب عطاء ~~وأحد قولي الشافعي وحكي ذلك عن الحسن وأبي حنيفة لأن البضع حقه، والمال ~~حقها، وهما رشيدان، فلا يجوز لغيرهما التصرف فيه إلا بوكالة منهما، أو ~~ولاية عليهما. والثانية، أنهما حاكمان، ولهما أن يفعلا ما يريان من جمع ~~وتفريق، بعوض وغير عوض، ولا يحتاجان إلى توكيل الزوجين ولا رضاهما. # وروي نحو ذلك عن علي وابن عباس وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي والنخعي ~~وسعيد بن جبير ومالك والأوزاعي وإسحاق وابن المنذر لقول الله تعالى ~~{فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35] . فسماهما حكمين، ولم ~~يعتبر رضى الزوجين، ثم قال: {إن يريدا إصلاحا} [النساء: 35] فخاطب الحكمين ~~بذلك. # وروى أبو بكر، بإسناده عن عبيدة السلماني، أن رجلا وامرأة أتيا عليا مع ~~كل واحد منهما فئام من الناس، فقال علي - رضي الله عنه - ابعثوا حكما من ~~أهله، وحكما من أهلها، فبعثوا حكمين، ثم قال علي للحكمين: هل تدريان ما ~~عليكما من الحق؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما # PageV07P320 # فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله علي ولي. فقال الرجل: أما الفرقة فلا. ~~فقال علي كذبت حتى ترضى بما رضيت به. # وهذا يدل على أنه أجبره على ذلك، ويروى ms3843 أن عقيلا تزوج فاطمة بنت عتبة، ~~فتخاصما، فجمعت ثيابها، ومضت إلى عثمان فبعث حكما من أهله عبد الله بن ~~عباس، وحكما من أهلها معاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما. وقال معاوية: ~~ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف. فلما بلغا الباب كانا قد غلقا ~~الباب واصطلحا. ولا يمتنع أن تثبت الولاية على الرشيد عند امتناعه من أداء ~~الحق، كما يقضي الدين عنه من ماله إذا امتنع، ويطلق الحاكم على المولي إذا ~~امتنع. # إذا ثبت هذا، فإن الحكمين لا يكونان إلا عاقلين بالغين عدلين مسلمين؛ لأن ~~هذه من شروط العدالة سواء قلنا: هما حاكمان أو وكيلان؛ لأن الوكيل إذا كان ~~متعلقا بنظر الحاكم، لم يجز أن يكون إلا عدلا، كما لو نصب وكيلا لصبي أو ~~مفلس، يكونان ذكرين؛ لأنه مفتقر إلى الرأي والنظر. قال القاضي: يشترط ~~كونهما حرين. وهو مذهب الشافعي لأن العبد عنده لا تقبل شهادته، فتكون ~~الحرية من شروط العدالة. والأولى أن يقال: إن كانا وكيلين، لم تعتبر ~~الحرية؛ لأن توكيل العبد جائز، وإن كانا حكمين، اعتبرت الحرية؛ لأن الحاكم ~~لا يجوز أن يكون عبدا. # ويعتبر أن يكونا عالمين بالجمع والتفريق؛ لأنهما يتصرفان في ذلك، فيعتبر ~~علمهما به. والأولى أن يكونا من أهلهما؛ لأمر الله تعالى بذلك، ولأنهما ~~أشفق وأعلم بالحال، فإن كانا من غير أهلهما جاز؛ لأن القرابة ليست شرطا في ~~الحكم ولا الوكالة، فكان الأمر بذلك إرشادا واستحبابا، فإن قلنا: هما ~~وكيلان فلا يفعلان شيئا حتى يأذن الرجل لوكيله فيما يراه من طلاق أوصلح، ~~وتأذن المرأة لوكيلها في الخلع والصلح على ما يراه، فإن امتنعا من التوكيل، ~~لم يجبرا. وإن قلنا: إنهما حكمان. فإنهما يمضيان ما يريانه من طلاق وخلع، ~~فينفذ ذلك عليهما، رضياه أو أبياه. ### | [فصل غاب الزوجان أو أحدهما بعد بعث حكمين] # (5744) فصل: فإن غاب الزوجان أو أحدهما بعد بعث حكمين، جاز للحكمين إمضاء ~~رأيهما إن قلنا: إنهما وكيلان. لأن الوكالة لا تبطل بالغيبة، وإن قلنا: ~~إنهما حاكمان. لم يجز لهما إمضاء الحكم؛ ms3844 لأن كل واحد من الزوجين محكوم له ~~وعليه، والقضاء للغائب لا يجوز، إلا أن يكونا قد وكلاهما، فيفعلان ذلك بحكم ~~التوكيل، لا بالحكم. وإن كان أحدهما قد وكل، جاز لوكيله فعل ما وكله فيه مع ~~غيبته. # وإن جن أحدهما، بطل حكم وكيله؛ لأن الوكالة تبطل # PageV07P321 # بجنون الموكل. وإن كان حاكما لم يجز له الحكم؛ لأن من شرط ذلك بقاء ~~الشقاق، وحضور المتداعيين، ولا يتحقق ذلك مع الجنون. ### | [فصل شرط الحكمان شرطا أو شرطه الزوجان] # (5745) فصل: فإن شرط الحكمان شرطا أو شرطه الزوجان لم يلزم، مثل أن ~~يشترطا ترك بعض النفقة والقسم، لم يلزم الوفاء به؛ لأنه إذا لم يلزم برضى ~~الموكلين، فبرضى الوكلين أولى. وإن أبرأ وكيل المرأة من الصداق أو دين لها، ~~لم يبرأ الزوج إلا في الخلع. وإن أبرأ وكيل الزوج من دين له، أو من الرجل، ~~لم تبرأ الزوجة؛ لأنهما وكيلان فيما يتعلق بالإصلاح، لا في إسقاط الحقوق. # PageV07P322 ### | [كتاب الخلع] # (5746) مسألة؛ قال: (والمرأة إذا كانت مبغضة للرجل، وتكره أن تمنعه ما ~~تكون عاصية بمنعه فلا بأس أن تفتدي نفسها منه) وجملة الأمر أن المرأة إذا ~~كرهت زوجها، لخلقه، أو خلقه، أو دينه، أو كبره، أو ضعفه، أو نحو ذلك، وخشيت ~~أن لا تؤدي حق الله تعالى في طاعته، جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها ~~منه؛ لقول الله تعالى {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به} [البقرة: 229] وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج ~~إلى الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا ثابت، لزوجها، فلما جاء ثابت، ~~قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذه حبيبة بنت سهل، فذكرت ما شاء ~~الله أن تذكر وقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس: خذ منها. فأخذ منها، وجلست في ~~أهلها.» وهذا حديث صحيح، ms3845 ثابت الإسناد، رواه الأئمة مالك وأحمد وغيرهما، # وفي رواية البخاري، قال: «جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين # PageV07P323 # ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فردتها عليه، وأمره ففارقها» . # وفي رواية، فقال له: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» وبهذا قال جميع ~~الفقهاء بالحجاز والشام. قال ابن عبد البر ولا نعلم أحدا خالفه، إلا بكر بن ~~عبد الله المزني؛ فإنه لم يجزه، وزعم أن آية الخلع منسوخة بقوله سبحانه: ~~{وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} [النساء: 20] . الآية وروي عن ابن سيرين ~~وأبي قلابة أنه لا يحل الخلع حتى يجد على بطنها رجلا؛ لقول الله تعالى: ~~{ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} ~~[النساء: 19] . # ولنا الآية التي تلوناها، والخبر، وأنه قول عمر وعثمان وعلي وغيرهم من ~~الصحابة، لم نعرف لهم في عصرهم مخالفا، فيكون إجماعا، ودعوى النسخ لا تسمع ~~حتى يثبت تعذر الجمع، وأن الآية الناسخة متأخرة، ولم يثبت شيء من ذلك. إذا ~~ثبت هذا، فإن هذا يسمى خلعا؛ لأن المرأة تنخلع من لباس زوجها. قال الله ~~تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} [البقرة: 187] ويسمى افتداء؛ لأنها ~~تفتدي نفسها بمال تبذله. قال الله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ~~[البقرة: 229] ### | [فصل لا يفتقر الخلع إلى حاكم] # (5747) فصل: ولا يفتقر الخلع إلى حاكم. نص عليه أحمد، فقال: يجوز الخلع ~~دون السلطان. وروى البخاري ذلك عن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - وبه قال ~~شريح والزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأهل الرأي. وعن الحسن، وابن سيرين ~~لا يجوز إلا عند السلطان. ولنا، قول عمر وعثمان، ولأنه معاوضة، فلم يفتقر ~~إلى السلطان، كالبيع والنكاح، ولأنه قطع عقد بالتراضي، أشبه الإقالة. ### | [فصل بالخلع في الحيض والطهر] # (5748) فصل: ولا بأس بالخلع في الحيض والطهر الذي أصابها فيه؛ لأن المنع ~~من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحقها بطول ms3846 العدة، والخلع لإزالة ~~الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه، وذلك أعظم من ~~ضرر طول العدة، فجاز دفع أعلاهما بأدناهما، ولذلك لم يسأل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # PageV07P324 # المختلعة عن حالها، ولأن ضرر تطويل العدة عليها، والخلع يحصل بسؤالها، ~~فيكون ذلك رضاء منها به، ودليلا على رجحان مصلحتها فيه. ### | [مسألة لا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها] # (5749) مسألة؛ قال: (ولا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها) هذا القول ~~يدل على صحة الخلع بأكثر من الصداق، وأنهما إذا تراضيا على الخلع بشيء صح. ~~وهذا قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن عثمان وابن عمر وابن عباس وعكرمة ~~ومجاهد وقبيصة بن ذؤيب والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. ويروى عن ابن ~~عباس وابن عمر أنهما قالا: لو اختلعت امرأة من زوجها بميراثها، وعقاص رأسها ~~كان ذلك جائزا. # وقال عطاء وطاوس والزهري وعمرو بن شعيب: لا يأخذ أكثر مما أعطاها. وروي ~~ذلك عن علي بإسناد منقطع. واختاره أبو بكر قال: فإن فعل رد الزيادة. وعن ~~سعيد بن المسيب قال: ما أرى أن يأخذ كل مالها، ولكن ليدع لها شيئا. واحتجوا ~~بما روي «أن جميلة بنت سلول أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: والله ~~ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه ~~بغضا. فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: أتردين عليه حديقته؟ قالت: ~~نعم. فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد.» ~~رواه ابن ماجه. # ولأنه بدل في مقابلة فسخ، فلم يزد على قدره في ابتداء العقد، كالعوض في ~~الإقالة. ولنا، قول الله تعالى {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: ~~229] . ولأنه قول من سمينا من الصحابة، قالت الربيع بنت معوذ: اختلعت من ~~زوجي بما دون عقاص رأسي، فأجاز ذلك عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. ومثل ~~هذا يشتهر، فلم ينكر، فيكون إجماعا ولم يصح عن علي خلافه. # فإذا ثبت هذا فإنه لا يستحب له أن يأخذ ms3847 أكثر مما أعطاها. وبذلك قال سعيد ~~بن المسيب والحسن والشعبي والحكم وحماد وإسحاق وأبو عبيد فإن فعل جاز مع ~~الكراهية، ولم يكرهه أبو حنيفة ومالك والشافعي قال مالك لم أزل أسمع إجازة ~~الفداء بأكثر من الصداق. # ولنا، حديث جميلة. وروي عن عطاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه ~~كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها.» رواه أبو حفص بإسناده. وهو صريح ~~في الحكم، فنجمع بين الآية والخبر، فنقول: الآية دالة على الجواز، والنهي ~~عن الزيادة للكراهية. والله أعلم. # PageV07P325 ### | [مسألة خالعته بأكثر من صداقها] # (5750) مسألة؛ قال: (ولو خالعته لغير ما ذكرنا، كره لها ذلك، ووقع الخلع) ~~في بعض النسخ " بغير ما ذكرنا " بالباء، فيحتمل أنه أراد بأكثر من صداقها. ~~وقد ذكرنا ذلك في المسألة التي قبل هذه، والظاهر أنه أراد إذا خالعته لغير ~~بغض، وخشية من أن لا تقيم حدود الله، لأنه لو أراد الأول لقال: كره له. ~~فلما قال: كره لها. # دل على أنه أراد مخالعتها له، والحال عامرة، والأخلاق ملتئمة، فإنه يكره ~~لها ذلك، فإن فعلت صح الخلع، في قول أكثر أهل العلم؛ منهم أبو حنيفة ~~والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي ويحتمل كلام أحمد تحريمه؛ فإنه قال: ~~الخلع مثل حديث سهلة، تكره الرجل فتعطيه المهر، فهذا الخلع. وهذا يدل على ~~أنه لا يكون الخلع صحيحا إلا في هذه الحال. # وهذا قول ابن المنذر وداود وقال ابن المنذر وروي معنى ذلك عن ابن عباس ~~وكثير من أهل العلم؛ وذلك لأن الله تعالى قال: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} [البقرة: 229] وهذا صريح ~~في التحريم إذا لم يخافا إلا يقيما حدود الله، ثم قال: {فإن خفتم ألا يقيما ~~حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] فدل بمفهومه على ~~أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلظ بالوعيد فقال: {تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} [البقرة: 229] ~~وروي ثوبان قال: قال رسول ms3848 الله «- صلى الله عليه وسلم -: أيما امرأة سألت ~~زوجها الطلاق، من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة.» رواه أبو داود. # وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المختلعات ~~والمنتزعات هن المنافقات» رواه أبو حفص، ورواه أحمد، في " المسند "، وذكره ~~محتجا به، وهذا يدل على تحريم المخالعة لغير حاجة، ولأنه إضرار بها ~~وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة، فحرم لقوله - عليه السلام -: ~~«لا ضرر ولا ضرار» . واحتج من أجازه بقول الله سبحانه: {فإن طبن لكم عن شيء ~~منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] # PageV07P326 # قال ابن المنذر لا يلزم من الجواز في غير عقد، الجواز في المعاوضة؛ بدليل ~~الربا، حرمه الله في العقد وأباحه في الهبة. # والحجة مع من حرمه، وخصوص الآية في التحريم، يجب تقديمه على عموم آية ~~الجواز، مع ما عضدها من الأخبار. والله أعلم. ### | [فصل عضل زوجته وضارها بالضرب] # (5751) فصل: فأما إن عضل زوجته، وضارها بالضرب والتضييق عليها، أو منعها ~~حقوقها؛ من النفقة، والقسم ونحو ذلك، لتفتدي نفسها منه، ففعلت، فالخلع ~~باطل، والعوض مردود. روي ذلك عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والشعبي والنخعي ~~والقاسم بن محمد وعروة وعمرو بن شعيب وحميد بن عبد الرحمن والزهري وبه قال ~~مالك والثوري وقتادة والشافعي وإسحاق وقال أبو حنيفة: العقد صحيح، والعوض ~~لازم، وهو آثم عاص. # ولنا قول الله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن ~~يخافا ألا يقيما حدود الله} [البقرة: 229] وقال الله تعالى: {لا يحل لكم أن ~~ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} [النساء: 19] . ~~ولأنه عوض أكرهن على بذله بغير حق، فلم يستحق، كالثمن في البيع، والأجر في ~~الإجارة. وإذا لم يملك العوض، وقلنا: الخلع طلاق. وقع الطلاق بغير عوض، فإن ~~كان أقل من ثلاث، فله رجعها؛ لأن الرجعة إنما سقطت بالعوض، فإذا سقط العوض، ~~ثبتت الرجعة. # وإن قلنا: هو فسخ. ولم ينو به الطلاق لم يقع شيء؛ لأن الخلع بغير عوض لا ~~يقع على إحدى الروايتين، وعلى الرواية ms3849 الأخرى، إنما رضي بالفسخ هاهنا ~~بالعوض، فإذا لم يحصل له العوض، لا يحصل المعوض. وقال مالك إن أخذ منها ~~شيئا على هذا الوجه، رده، ومضى الخلع عليه. ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا: ~~يصح الخلع بغير عوض. ### | [فصل ضربها على نشوزها ومنعها حقها] # (5752) فصل: فأما إن ضربها على نشوزها، ومنعها حقها، لم يحرم خلعها لذلك؛ ~~لأن ذلك لا يمنعهما أن لا يخافا أن لا يقيما حدود الله وفي بعض حديث حبيبة، ~~أنها «كانت تحت ثابت بن قيس، فضربها فكسر ضلعها، فأتت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابتا، فقال: خذ بعض مالها، ~~وفارقها ففعل.» رواه أبو داود وهكذا لو ضربها ظلما؛ لسوء خلقه أو غيره، لا ~~يريد بذلك أن تفتدي نفسها، لم يحرم عليه مخالعتها؛ لأنه لم يعضلها ليذهب ~~ببعض ما آتاها، ولكن عليه إثم الظلم. # PageV07P327 ### | [فصل أتت بفاحشة فعضلها لتفتدي نفسها منه ففعلت] # (5753) فصل: فإن أتت بفاحشة، فعضلها لتفتدي نفسها منه، ففعلت، صح الخلع؛ ~~لقول الله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة} [النساء: 19] والاستثناء من النهي إباحة، ولأنها متى زنت، لم ~~يأمن أن تلحق به ولدا من غيره، وتفسد فراشه، فلا تقيم حدود الله في حقه، ~~فتدخل في قول الله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به} [البقرة: 229] وهذا أحد قولي الشافعي والقول الآخر: لا يصح؛ ~~لأنه عوض أكرهت عليه، أشبه ما لو لم تزن. والنص أولى. ### | [فصل خالع زوجته أو بارأها بعوض] # (5754) فصل: إذا خالع زوجته، أو بارأها بعوض، فإنهما يتراجعان بما بينهما ~~من الحقوق، فإن كان قبل الدخول، فلها نصف المهر، وإن كانت قبضته كله، ردت ~~نصفه، وإن كانت مفوضة، فلها المتعة. وهذا قول عطاء، والنخعي، والزهري، ~~والشافعي وقال أبو حنيفة ذلك براءة لكل واحد منهما مما لصاحبه عليه من ~~المهر. وأما الديون التي ليست من حقوق الزوجية، فعنه فيها روايتان، ولا ~~تسقط النفقة في المستقبل؛ لأنها ما وجبت بعد. ms3850 # ولنا أن المهر حق لا يسقط بالخلع، إذا كان بلفظ الطلاق، فلا يسقط بلفظ ~~الخلع، والمبارأة، كسائر الديون ونفقة العدة إذا كانت حاملا، ولأن نصف ~~المهر الذي يصير له لم يجب له قبل الخلع، فلم يسقط بالمبارأة، كنفقة العدة، ~~والنصف لها لا يبرأ منه بقولها: بارأتك. لأن ذلك يقتضي براءتها من حقوقه، ~~لا براءته من حقوقها. ### | [مسألة الخلع فسخ] # (5755) مسألة؛ قال: (والخلع فسخ، في إحدى الروايتين، والأخرى أنه تطليقة ~~بائنة) . اختلفت الرواية عن أحمد في الخلع؛ ففي إحدى الروايتين أنه فسخ. ~~وهذا اختيار أبي بكر وقول ابن عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأبي ثور وأحد قولي ~~الشافعي والرواية الثانية، أنه طلقة بائنة. روي ذلك عن سعيد بن المسيب ~~والحسن وعطاء وقبيصة، وشريح ومجاهد وأبي سلمة بن عبد الرحمن والنخعي ~~والشعبي والزهري ومكحول وابن أبي نجيح، ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي. # وقد روي عن عثمان وعلي وابن مسعود لكن ضعف أحمد الحديث عنهم، وقال: ليس ~~لنا في الباب شيء أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ. واحتج ابن عباس بقوله ~~تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] ثم قال: {فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به} [البقرة: 229] ثم قال: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره} [البقرة: 230] فذكر تطليقتين والخلع وتطليقة بعدها، فلو # PageV07P328 # كان الخلع طلاقا لكان أربعا، ولأنها فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته، ~~فكانت فسخا كسائر الفسوخ. # ووجه الثانية أنها بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها ~~هي الطلاق دون الفسخ، فوجب أن يكون طلاقا، ولأنه أتى بكناية الطلاق، قاصدا ~~فراقها، فكان طلاقا، كغير الخلع. وفائدة الروايتين، أنا إذا قلنا: هو طلقة. ~~فخالعها مرة، حسبت طلقة. فنقص، بها عدد طلاقها. وإن خالعها ثلاثا طلقت ~~ثلاثا، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره. وإن قلنا: هو فسخ. لم تحرم ~~عليه، وإن خالعها مائة مرة. وهذا الخلاف فيما إذا خالعها بغير لفظ الطلاق، ~~ولم ينوه. # فأما إن بذلت له العوض على فراقها، فهو طلاق، لا اختلاف فيه، وإن وقع ~~بغير ms3851 لفظ الطلاق، مثل كنايات الطلاق، أو لفظ الخلع والمفاداة، ونحوهما، ~~ونوى به الطلاق، فهو طلاق أيضا؛ لأنه كناية نوى الطلاق، فكانت طلاقا، كما ~~لو كان بغير عوض، فإن لم ينو به الطلاق، فهو الذي فيه الروايتان. والله ~~أعلم. ### | [فصل ألفاظ الخلع] # (5756) فصل: وألفاظ الخلع تنقسم إلى صريح وكناية؛ فالصريح ثلاثة ألفاظ؛ ~~خالعتك؛ لأنه ثبت له العرف. والمفاداة؛ لأنه ورد به القرآن، بقوله سبحانه: ~~{فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] وفسخت نكاحك؛ لأنه حقيقة ~~فيه، فإذا أتى بأحد هذه الألفاظ، وقع من غير نية، وما عدا هذه مثل: بارأتك، ~~وأبرأتك، وأبنتك. فهو كناية؛ لأن الخلع أحد نوعي الفرقة، فكان له صريح ~~وكناية، كالطلاق. وهذا قول الشافعي إلا أن له في لفظ الفسخ وجهين، فإذا ~~طلبت الخلع، وبذلت العوض فأجابها بصريح الخلع أو كنايته، صح من غير نية؛ ~~لأن دلالة الحال من سؤال الخلع وبذل العوض، صارفة إليه، فأغنى عن النية ~~فيه، وإن لم يكن دلالة حال، فأتى بصريح الخلع، وقع من غير نية، سواء قلنا: ~~هو فسخ أو طلاق. ولا يقع بالكناية إلا بنية ممن تلفظ به منهما، ككنايات ~~الطلاق مع صريحه. والله أعلم. ### | [فصل الخلع بمجرد بذل المال] # (5757) فصل: ولا يحصل الخلع بمجرد بذل المال وقبوله، من غير لفظ الزوج. ~~قال القاضي: هذا الذي عليه شيوخنا البغداديون. وقد أومأ إليه أحمد وذهب أبو ~~حفص العكبري وابن شهاب، إلى وقوع الفرقة بقبول الزوج للعوض. وأفتى بذلك ابن ~~شهاب بعكبرا واعترض عليه أبو الحسين بن هرمز، واستفتى عليه من كان ببغداد ~~من أصحابنا، فقال ابن شهاب: المخلعة على وجهين، مستبرئة، ومفتدية، ~~فالمفتدية هي التي تقول: # PageV07P329 # لا أنا ولا أنت، ولا أبر لك قسما، وأنا أفتدي نفسي منك. فإذا قبل الفدية، ~~وأخذ المال، انفسخ النكاح؛ لأن إسحاق بن منصور روى، قال: قلت لأحمد كيف ~~الخلع؟ قال: إذا أخذ المال، فهي فرقة. وقال إبراهيم النخعي أخذ المال ~~تطليقة بائنة. # ونحو ذلك عن الحسن وعن علي - رضي الله عنه - من قبل مالا على فراق، ms3852 فهي ~~تطليقة بائنة، لا رجعة له فيها. واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لجميلة: «أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، ففرق رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بينهما. وقال: خذ ما أعطيتها، ولا تزدد» ولم يستدع منه لفظا. ولأن ~~دلالة الحال تغني عن اللفظ؛ بدليل ما لو دفع ثوبه إلى قصار أو خياط معروفين ~~بذلك، فعملاه، استحقا الأجرة، وإن لم يشترطا عوضا. # ولنا أن هذا أحد نوعي الخلع، فلم يصح بدون اللفظ، كما لو سألته أن يطلقها ~~بعوض، ولأنه تصرف في البضع بعوض، فلم يصح بدون اللفظ، كالنكاح والطلاق، ~~ولأن أخذ المال قبض لعوض، فلم يقم بمجرده مقام الإيجاب، كقبض أحد العوضين ~~في البيع، ولأن الخلع إن كان طلاقا، فلا يقع بدون صريحة أو كنايته، وإن كان ~~فسخا فهو أحد طرفي عقد النكاح، فيعتبر فيه اللفظ، كابتداء العقد. وأما حديث ~~جميلة، فقد رواه البخاري: (اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة) . وهذا صريح في ~~اعتبار اللفظ. # وفي رواية: فأمره ففارقها. ومن لم يذكر الفرقة، فإنما اقتصر على بعض ~~القصة، بدليل رواية من روى الفرقة والطلاق، فإن القصة واحدة، والزيادة من ~~الثقة مقبولة، ويدل على ذلك أنه قال: ففرق النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بينهما، وقال (خذ ما أعطيتها) . فجعل التفريق قبل العوض، ونسب التفريق إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يباشر التفريق، فدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به، ولعل ~~الراوي استغنى بذكر العوض عن ذكر اللفظ؛ لأنه معلوم منه. # وعلى هذا يحمل كلام أحمد وغيره من الأئمة، ولذلك لم يذكروا من جانبها ~~لفظا ولا دلالة حال، ولا بد منه اتفاقا. ### | [مسألة لا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق] # (5758) مسألة؛ قال: ولا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق، ولو واجهها به وجملة ~~ذلك أن المختلعة لا يلحقها طلاق بحال. وبه قال ابن عباس وابن الزبير ~~وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن، والشعبي ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور ~~وحكي عن أبي حنيفة أنه يلحقها الطلاق الصريح ms3853 المعين، دون الكناية والطلاق ~~المرسل، وهو أن يقول: كل امرأة لي طالق. وروي نحو ذلك عن سعيد بن # PageV07P330 # المسيب، وشريح، وطاوس، والنخعي والزهري والحكم وحماد، والثوري؛ لما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المختلعة يلحقها الطلاق، ما ~~دامت في العدة» ولنا، أنه قول ابن عباس وابن الزبير، ولا نعرف لهما مخالفا ~~في عصرهما. # ولأنها لا تحل له إلا بنكاح جديد، فلم يلحقها طلاقه، كالمطلقة قبل ~~الدخول، أو المنقضية عدتها، ولأنه لا يملك بضعها، فلم يلحقها طلاقه، ~~كالأجنبية، ولأنها لا يقع بها الطلاق المرسل، ولا تطلق بالكناية، فلا ~~يلحقها الصريح المعين، كما قبل الدخول. ولا فرق بين أن يواجهها به، فيقول: ~~أنت طالق. أو لا يواجهها به، مثل أن يقول: فلانة طالق. وحديثهم لا نعرف له ~~أصلا، ولا ذكره أصحاب السنن. ### | [فصل لا يثبت في الخلع رجعة] # (5759) فصل: ولا يثبت في الخلع رجعة، سواء قلنا: هو فسخ أو طلاق. في قول ~~أكثر أهل العلم؛ منهم الحسن وعطاء وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي ومالك ~~والشافعي وإسحاق وحكي عن الزهري وسعيد بن المسيب أنهما قالا: الزوج بالخيار ~~بين إمساك العوض ولا رجعة له وبين رده وله الرجعة. وقال أبو ثور إن كان ~~الخلع بلفظ الطلاق، فله الرجعة؛ لأن الرجعة؛ من حقوق الطلاق، فلا تسقط ~~بالعوض، كالولاء مع العتق. # ولنا، قوله سبحانه وتعالى: {فيما افتدت به} [البقرة: 229] . وإنما يكون ~~فداء إذا خرجت به عن قبضته وسلطانه، وإذا كانت له الرجعة، فهي تحت حكمه، ~~ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة، فلو جاز ارتجاعها، لعاد الضرر، وفارق ~~الولاء؛ فإن العتق لا ينفك منه، والطلاق ينفك عن الرجعة فيما قبل الدخول، ~~وإذا أكمل العدد. ### | [فصل شرط في الخلع أن له الرجعة] # (5760) فصل: فإن شرط في الخلع أن له الرجعة، فقال ابن حامد يبطل الشرط، ~~ويصح الخلع. وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك لأن الخلع لا يفسد ~~بكون عوضه فاسدا، فلا يفسد بالشرط الفاسد، كالنكاح، ولأنه لفظ يقتضي ~~البينونة. فإذا شرط الرجعة معه، بطل ms3854 الشرط، كالطلاق الثلاث. ويحتمل أن يبطل ~~الخلع وتثبت الرجعة. وهو منصوص الشافعي لأن شرط العوض والرجعة متنافيان، ~~فإذا شرطاهما سقطا، وبقي مجرد الطلاق فتثبت الرجعة بالأصل لا بالشرط، ولأنه ~~شرط في العقد ما ينافي مقتضاه، فأبطله، كما لو شرط أن لا يتصرف في المبيع. # وإذا حكمنا بالصحة، فقال القاضي: يسقط المسمى في العوض؛ لأنه لم يرض به ~~عوضا حتى ضم إليه الشرط، فإذا سقط الشرط، وجب ضم النقصان الذي نقصه من أجله ~~إليه، فيصير مجهولا، # PageV07P331 # فيسقط، ويجب المسمى في العقد. ويحتمل أن يجب المسمى؛ لأنهما تراضيا به ~~عوضا، فلم يجب غيره، كما لو خلا عن شرط الرجعة. (5761) فصل: فإن شرط الخيار ~~لها أو له، يوما أو أكثر، وقبلت المرأة، صح الخلع، وبطل الخيار. وبه قال ~~أبو حنيفة فيما إذا كان الخيار للرجل. وقال: إذا جعل الخيار. للمرأة، ثبت ~~لها الخيار، ولم يقع الطلاق. ولنا، أن سبب وقوع الطلاق وجد، وهو اللفظ به، ~~فوقع، كما لو أطلق، ومتى وقع، فلا سبيل إلى رفعه. ### | [فصل قالت له امرأته اجعل أمري بيدي وأعطيك عبدي هذا] # (5762) فصل: نقل مهنا، في رجل قالت له امرأته: اجعل أمري بيدي، وأعطيك ~~عبدي هذا. فقبض العبد، وجعل أمرها بيدها، وباع العبد قبل أن تقول المرأة ~~شيئا هو له، إنما قالت: اجعل أمري بيدي وأعطيك. فقيل له: متى شاءت تختار؟ ~~قال: نعم، ما لم يطأها، أو ينقض. فجعل له الرجوع ما لم تطلق. وإذا رجع ~~فينبغي أن ترجع عليه بالعوض؛ لأنه استرجع ما جعل لها، فتسترجع منه ما ~~أعطته. ولو قال: إذا جاء رأس الشهر فأمرك بيدك. ملك إبطال هذه الصفة؛ لأن ~~هذا يجوز الرجوع فيه لو لم يكن معلقا، فمع التعليق أولى، كالوكالة. # قال أحمد ولو جعلت له امرأته ألف درهم على أن يخيرها، فاختارت الزوج، لا ~~يرد عليها شيئا، ووجهه أن الألف في مقابلة تمليكه إياها الخيار، وقد فعل، ~~فاستحق الألف، وليست الألف في مقابلة الفرقة. ### | [فصل قالت امرأته طلقني بدينار فطلقها ثم ارتدت] # (5763) فصل: إذا قالت ms3855 امرأته: طلقني بدينار. فطلقها، ثم ارتدت، لزمها ~~الدينار، ووقع الطلاق بائنا، ولا تؤثر الردة؛ لأنها وجدت بعد البينونة. وإن ~~طلقها بعد ردتها وقبل دخوله بها، بانت بالردة، ولم يقع الطلاق؛ لأنه صادفها ~~بائنا، فإن كان بعد الدخول، وقلنا: إن الردة ينفسخ بها النكاح في الحال. ~~فكذلك، وإن قلنا: يقف على انقضاء العدة. كان الطلاق مراعى. # فإن أقامت على ردتها حتى انقضت عدتها، تبينا أنها لم تكن زوجته حين ~~طلقها، فلم يقع، ولا شيء له عليها، وإن رجعت إلى الإسلام، بان أن الطلاق ~~صادف زوجته، فوقع، واستحق عليها العوض. ### | [مسألة الخلع بالمجهول] # (5764) مسألة؛ قال: وإذا قالت له اخلعني على ما في يدي من الدراهم. ففعل ~~فلم يكن في يدها شيء، لزمها ثلاثة دراهم # PageV07P332 # وجملة ذلك أن الخلع بالمجهول جائز، وله ما جعل له. وهذا قول أصحاب الرأي. ~~وقال أبو بكر: لا يصح الخلع، ولا شيء له؛ لأنه معاوضة، فلا يصح بالمجهول، ~~كالبيع. وهذا قول أبي ثور وقال الشافعي يصح الخلع، وله مهر مثلها؛ لأنه ~~معاوضة بالبضع، فإذا كان العوض مجهولا وجب مهر المثل، كالنكاح. ولنا، أن ~~الطلاق معنى يجوز تعليقه بالشرط، فجاز أن يستحق به العوض المجهول كالوصية، ~~ولأن الخلع إسقاط لحقه من البضع، ليس فيه تمليك شيء، والإسقاط تدخله ~~المسامحة، ولذلك جاز من غير عوض، بخلاف النكاح. # وإذا صح الخلع، فلا يجب مهر المثل؛ لأنها لم تبذله، ولا فوتت عليه ما ~~يوجبه، فإن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم، بدليل ما لو أخرجته من ملكه ~~بردتها، أو رضاعها لمن ينفسخ به نكاحها، لم يجب عليها شيء، ولو قتلت نفسها ~~أو قتلها أجنبي، لم يجب للزوج عوض عن بضعها، ولو وطئت بشبهة أو مكرهة، لوجب ~~المهر لها دون الزوج، ولو طاوعت لم يكن للزوج شيء، وإنما يتقوم البضع على ~~الزوج في النكاح خاصة، وأباح لها افتداء نفسها لحاجتها إلى ذلك فيكون ~~الواجب ما رضيت ببذله، فأما إيجاب شيء لم ترض به فلا وجه له. # فعلى هذا، إن خالعها على ما ms3856 في يدها من الدراهم، صح، فإن كان في يدها ~~دراهم فهي له، وإن لم يكن في يدها شيء فله عليها ثلاثة. نص عليه أحمد لأنه ~~أقل ما يقع عليه اسم الدراهم حقيقة، لفظها دل على ذلك، فاستحقه كما لو وصى ~~له بدراهم. وإن كان في يدها أقل من ثلاثة، احتمل أن لا يكون له غيره؛ لأنه ~~من الدراهم، وهو في يدها. واحتمل أن يكون له ثلاثة كاملة؛ لأن اللفظ ~~يقتضيها فيما إذا لم يكن في يدها شيء، فكذلك إذا كان في يدها. ### | [فصل الخلع على مجهول] # (5765) فصل: والخلع على مجهول ينقسم أقساما؛: أحدها، أن يخالعها على عدد ~~مجهول من شيء غير مختلف، كالدنانير والدراهم، كالتي يخالعها على ما في يدها ~~من الدراهم، فهي هذه التي ذكر الخرقي حكمها. والثاني، أن يكون ذلك من شيء ~~مختلف لا يعظم اختلافه، مثل أن يخالعها على عبد مطلق أو عبيد، أو يقول: إن ~~أعطيتني عبدا فأنت طالق. فإنها تطلق بأي عبد أعطته إياه، ويملكه بذلك، ولا ~~يكون له غيره. وكذلك إن خالعته عليه، فليس له إلا ما يقع عليه اسم العبد. ~~وإن خالعته على عبيد فله ثلاثة. هذا ظاهر كلام أحمد وقياس قوله وقول الخرقي ~~في المسألة التي قبلها. وقد قال أحمد فيما إذا قال: إذا أعطيتني عبدا # PageV07P333 # فأنت طالق. فأعطته عبدا: فهي طالق. # والظاهر من كلامه ما قلناه. وقال القاضي: له عليها عبد وسط. وتأول كلام ~~أحمد على أنها أعطته عبدا وسطا، والظاهر خلافه. ولنا، أنها خالعته على مسمى ~~مجهول، فكان له أقل ما يقع عليه الاسم، كما لو خالعها على ما في يدها من ~~الدراهم، ولأنه إذا قال: إن أعطيتني عبدا فأنت طالق. فأعطته عبدا، فقد وجد ~~شرطه، فيجب أن يقع الطلاق، كما لو قال: إن رأيت عبدا فأنت طالق. ولا يلزمها ~~أكثر منه؛ لأنها لم تلتزم له شيئا فلا يلزمها شيء، كما لو طلقها بغير خلع. ~~الثالث، أن يخالعها على مسمى تعظم الجهالة فيه، مثل أن يخالعها على دابة، ~~أو بعير، ms3857 أو بقرة، أو ثوب، أو يقول: إن أعطيتني ذلك فأنت طالق. # فالواجب في الخلع ما يقع عليه الاسم من ذلك، ويقع الطلاق بها إذا أعطته ~~إياه، فيما إذا علق طلاقها على عطيته إياه، ولا يلزمها غير ذلك، في قياس ما ~~قبلها. وقال القاضي وأصحابه من الفقهاء: ترد عليه ما أخذت من صداقها؛ لأنها ~~فوتت البضع، ولم يحصل له العوض؛ لجهالته، فوجب عليها قيمة ما فوتت، وهو ~~المهر. ولنا، ما تقدم ولأنها ما التزمت له المهر المسمى ولا مهر المثل، فلم ~~يلزمها، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، ولأن المسمى قد استوفي بدله ~~بالوطء، فكيف يجب بغير رضى ممن يجب عليه، والأشبه بمذهب أحمد، أن يكون ~~الخلع بالمجهول كالوصية به. # ومن هذا القسم، لو خالعها على ما في بيتها من المتاع، فإن كان فيه متاع، ~~فهو له، قليلا كان أو كثيرا، معلوما أو مجهولا، وإن لم يكن فيه متاع، فله ~~أقل ما يقع عليه اسم المتاع. وعلى قول القاضي، عليها المسمى في الصداق. وهو ~~قول أصحاب الرأي. والوجه للقولين ما تقدم. الرابع، أن يخالعها على حمل ~~أمتها، أو غنمها، أو غيرهما من الحيوان، أو قال: على ما في بطونها أو ~~ضروعها، فيصح الخلع. # وحكي عن أبي حنيفة أنه يصح الخلع على ما في بطنها، ولا يصح على حملها. ~~ولنا أن حملها هو ما في بطنها، فصح الخلع عليه، كما لو قال: على ما في ~~بطنها. إذا ثبت هذا، فإنه إن خرج الولد سليما، أو كان في ضروعها شيء من ~~اللبن فهو له، وإن لم يخرج شيء، فقال القاضي: لا شيء له. وهو قول مالك ~~وأصحاب الرأي، وقال ابن عقيل: لها مهر المثل، وقال أبو الخطاب: له المسمى. ~~وإن خالعها على ما يثمر نخلها، أو تحمل أمتها، صح. # قال أحمد: إذا خالع امرأته على ثمرة نخلها سنين، فجائز، فإن لم يحمل ~~نخلها، ترضيه # PageV07P334 # بشيء، قيل له: فإن حمل نخلها؟ قال: هذا أجود من ذاك. قيل له: يستقيم هذا؟ ~~قال: نعم ms3858 جائز. فيحتمل قول أحمد: ترضيه بشيء. أي: له أقل ما يقع عليه اسم ~~الثمرة أو الحمل، فتعطيه عن ذلك شيئا، أي شيء كان مثل ما ألزمناه في مسألة ~~المتاع. وقال القاضي: لا شيء له، وتأول قول أحمد ترضيه بشيء على الاستحباب؛ ~~لأنه لو كان كان واجبا، لتقدر بتقدير يرجع إليه. # وفرق بين هاتين المسألتين ومسألة الدراهم والمتاع، حيث يرجع فيهما بأقل ~~ما يقع عليه الاسم إذا لم يجد شيئا، وها هنا لا يرجع بشيء إذا لم يجد حملا ~~ولا ثمرة ثم أوهمته أن معها دراهم، وفي بيتها متاع؛ لأنها خاطبته بلفظ ~~يقتضي الوجود مع إمكان علمها به، فكان ما دل عليه لفظها، كما لو خالعته على ~~عبد فوجد حرا، وفي هاتين المسألتين دخل معها في العقد مع تساويهما في العلم ~~في الحال، ورضاهما بما فيه من الاحتمال، فلم يكن له شيء غيره، كما لو قال: ~~خالعتك على هذا الحر. وقال أبو حنيفة: لا يصح العوض ها هنا؛ لأنه معدوم. # ولنا، أن ما جاز في الحمل في البطن، جاز فيما كان يحمل، كالوصية. واختار ~~أبو الخطاب أن له في هذه الأقسام الثلاثة المسمى في الصداق. وأوجب له ~~الشافعي مهر المثل. ولم يصحح أبو بكر الخلع في هذا كله. وقد ذكرنا نصوص ~~أحمد على جوازه، والدليل عليه. والله أعلم. ### | [فصل خالعته على رضاع ولده سنتين] # (5766) فصل: إذا خالعته على رضاع ولده سنتين، صح، وكذلك إن جعلا وقتا ~~معلوما، قل أو كثر. وبهذا قال الشافعي لأن هذا مما تصح المعاوضة عليه في ~~غير الخلع، ففي الخلع أولى فإن خالعته على رضاع ولده مطلقا، ولم يذكرا ~~مدته، صح أيضا، وينصرف إلى ما بقي من الحولين. نص عليه أحمد، قيل له: ~~ويستقيم هذا الشرط رضاع ولدها ولا يقول: ترضعه سنتين؟ قال: نعم. وقال أصحاب ~~الشافعي لا يصح حتى يذكرا مدة الرضاع، كما لا تصح الإجارة حتى يذكرا المدة. # ولنا، أن الله تعالى قيده بالحولين، فقال تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين} [البقرة: 233] . وقال سبحانه: {وفصاله ms3859 في عامين} [لقمان: 14] ~~وقال {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] ولم يبين مدة الحمل هاهنا ~~والفصال، فحمل على ما فسرته الآية الأخرى وجعل الفصال عامين، والحمل ستة ~~أشهر، وقال النبي # PageV07P335 # - صلى الله عليه وسلم - «لا رضاع بعد فصال» يعني بعد العامين، فيحمل ~~المطلق من كلام الآدمي على ذلك أيضا، ولا يحتاج إلى وصف الرضاع، لأن جنسه ~~كاف، كما لو ذكر جنس الخياطة في الإجارة، فإن ماتت المرضعة، أو جف لبنها، ~~فعليها أجر المثل لما بقي من المدة. وإن مات الصبي فكذلك. # وقال الشافعي، في أحد قوليه: لا ينفسخ، ويأتيها بصبي ترضعه مكانه؛ لأن ~~الصبي مستوفى به، لا معقود عليه، فأشبه ما لو استأجر دابة ليركبها فمات. ~~ولنا أنه عقد على فعل في عين، فينفسخ بتلفها، كما لو ماتت الدابة ~~المستأجرة، ولأن ما يستوفيه من اللبن إنما يتقدر بحاجة الصبي، وحاجات ~~الصبيان تختلف ولا تنضبط، فلم يجز أن يقوم غيره مقامه، كما لو أراد إبداله ~~في حياته، ولأنه لا يجوز إبداله في حياته، فلم يجز بعد موته، كالمرضعة، ~~بخلاف راكب الدابة. وإن وجد أحد هذه الأمور قبل مضي شيء من المدة، فعليها ~~أجر رضاع مثله. # وعن مالك كقولنا، وعنه: لا يرجع بشيء. وعن الشافعي كقولنا، وعنه: يرجع ~~بالمهر. ولنا، أنه عوض معين تلف قبل قبضه، فوجبت قيمته أو مثلها، كما لو ~~خالعها على قفيز، فهلك قبل قبضه. ### | [فصل خالعها على كفالة ولده عشر سنين] # فصل: وإن خالعها على كفالة ولده عشر سنين، صح، وإن لم يذكر مدة الرضاع ~~منها، ولا قدر الطعام والأدم، ويرجع عند الإطلاق إلى نفقة مثله. وقال ~~الشافعي لا يصح حتى يذكر مدة الرضاع، وقدر الطعام وجنسه، وقدر الإدام ~~وجنسه، ويكون المبلغ معلوما مضبوطا بالصفة كالمسلم فيه، وما يحل منه كل ~~يوم. ومبنى الخلاف على اشتراط الطعام للأجير مطلقا، وقد ذكرناه في الإجارة ~~ودللنا عليه بقصة موسى - عليه السلام -، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «رحم الله أخي موسى، آجر نفسه بطعام بطنه وعفة فرجه» ولأن نفقة الزوجة ~~مستحقة ms3860 بطريق المعاوضة، وهي غير مقدرة، كذا هاهنا. # وللوالد أن يأخذ منها ما يستحقه من مؤنة الصبي، وما يحتاج إليه؛ لأنه بدل ~~ثبت له في ذمتها، فله أن يستوفيه بنفسه وبغيره، فإن أحب أنفقه بعينه، وإن ~~أحب أخذه لنفسه، وأنفق عليه غيره. وإن أذن لها في إنفاقه على الصبي، جاز ~~فإن مات الصبي بعد انقضاء مدة الرضاع، فلأبيه أن يأخذ ما بقي من المؤنة. ~~وهل يستحقه دفعة أو يوما بيوم؟ فيه وجهان؛ # PageV07P336 # أحدهما يستحقه دفعة واحدة. # ذكره القاضي، في " الجامع "، واحتج بقول أحمد: إذا خالعها على رضاع ولده، ~~فمات في أثناء الحولين. قال: يرجع عليها ببقية ذلك. ولم يعتبر الأجل. ولأنه ~~إنما فرق لحاجة الولد إليه متفرقا، فإذا زالت الحاجة إلى التفريق استحق ~~جملة واحدة. والثاني لا يستحقه إلا يوما بيوم. ذكره القاضي، في " المجرد "، ~~وهو الصحيح؛ لأنه ثبت منجما، فلا يستحقه معجلا، كما لو أسلم إليه في خبز ~~يأخذه منه كل يوم أرطالا معلومة، فمات المستحق له، ولأن الحق لا يحل بموت ~~المستوفي، كما لو مات وكيل صاحب الحق، وإن وقع الخلاف في استحقاقه بموت من ~~هو عليه. # ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان، كهذين. وإن ماتت المرأة خرج في استحقاقه ~~في الحال وجهان، كهذين، بناء على أن الدين هل يحل بموت من هو عليه أم لا؟ ### | [فصل العوض في الخلع] # (5768) فصل: والعوض في الخلع، كالعوض في الصداق والبيع، إن كان مكيلا أو ~~موزونا، لم يدخل في ضمان الزوج، ولم يملك التصرف فيه إلا بقبضه، وإن كان ~~غيرهما، دخل في ضمانه بمجرد الخلع، وصح تصرفه فيه. قال أحمد، في امرأة قالت ~~لزوجها: اجعل أمري بيدي، ولك هذا العبد. ففعل، ثم خيرت فاختارت نفسها بعدما ~~مات العبد: جائز، وليس عليها شيء. قال: ولو أعتقت العبد، ثم اختارت نفسها، ~~لم يصح عتقها له. # فلم يصحح عتقها له؛ لأن ملكها زال عنه بجعلها له عوضا في الخلع، ولم ~~يضمنها إياه إذا تلف؛ لأنه عوض معين غير مكيل ولا موزون فدخل في ضمان الزوج ~~بمجرد ms3861 العقد. ويخرج فيه وجه، أنه لا يدخل في ضمانه، ولا يصح تصرفه فيه، حتى ~~يقبضه، كما ذكرنا في عوض البيع، وفي الصداق. وأما المكيل والموزون، فلا يصح ~~تصرفه فيه، ولا يدخل في ضمانه حتى يقبضه. فإن تلف قبل قبضه، فالواجب مثله؛ ~~لأنه من ذوات الأمثال. وقد ذكر القاضي في الصداق، أنه يجوز التصرف فيه قبل ~~قبضه، وإن كان مكيلا أو موزونا؛ لأنه لا ينفسخ سببه بتلفه، فها هنا مثله. ### | [مسألة خالعها على غير عوض] # مسألة؛ قال: (وإن خالعها على غير عوض، كان خلعا، ولا شيء له) اختلفت ~~الرواية عن أحمد في هذه المسألة؛ فروى عنه ابنه عبد الله، قال: قلت لأبي: ~~رجل علقت به امرأته تقول: اخلعني. قال: قد خلعتك. قال يتزوج بها، ويجدد ~~نكاحا جديدا، وتكون عنده على ثنتين. فظاهر هذا صحة الخلع بغير عوض. وهو قول ~~مالك؛ لأنه قطع للنكاح، فصح من غير عوض، كالطلاق، ولأن الأصل في مشروعية ~~الخلع أن # PageV07P337 # توجد من المرأة رغبة عن زوجها، وحاجة إلى فراقه، فتسأله فراقها، فإذا ~~أجابها، حصل المقصود من الخلع، فصح، كما لو كان بعوض قال أبو بكر: لا خلاف ~~عن أبي عبد الله، أن الخلع ما كان من قبل النساء، فإذا كان من قبل الرجال، ~~فلا نزاع في أنه طلاق تملك به الرجعة، ولا يكون فسخا. # والرواية الثانية، لا يكون خلع إلا بعوض. روى عنه مهنا، إذا قال لها: ~~اخلعي نفسك. فقالت: خلعت نفسي. لم يكن خلعا إلا على شيء، إلا أن يكون نوى ~~الطلاق، فيكون ما نوى. فعلى هذه الرواية، لا يصح الخلع إلا بعوض، فإن تلفظ ~~به بغير عوض، ونوى الطلاق، كان طلاقا رجعيا؛ لأنه يصلح كناية عن الطلاق. ~~وإن لم ينو به الطلاق، لم يكن شيئا. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأن ~~الخلع إن كان فسخا، فلا يملك الزوج فسخ النكاح إلا لعيبها. وكذلك لو قال: ~~فسخت النكاح. ولم ينو به الطلاق، لم يقع شيء، بخلاف ما إذا دخله العوض، ~~فإنه يصير معاوضة، فلا يجتمع له ms3862 العوض والمعوض. # وإن قلنا: الخلع طلاق فليس بصريح فيه اتفاقا، وإنما هو كناية، والكناية ~~لا يقع بها الطلاق إلا بنية، أو بذل العوض، فيقوم مقام النية، وما وجد واحد ~~منهما. ثم إن وقع الطلاق، فإذا لم يكن بعوض، لم يقتض البينونة إلا أن تكمل ~~الثلاث. ### | [فصل قالت بعني عبدك هذا وطلقني بألف ففعل] # (5770) فصل: إذا قالت: بعني عبدك هذا وطلقني بألف. ففعل، صح، وكان بيعا ~~وخلعا بعوض واحد؛ لأنهما عقدان، يصح إفراد كل واحد منهما بعوض، فصح جمعهما، ~~كبيع ثوبين. وقد نص أحمد على الجمع بين بيع وصرف، أنه يصح، وهو نظير لهذا. ~~وذكر أصحابنا فيه وجها آخر، أنه لا يصح؛ لأن أحكام العقدين تختلف. والأول ~~أصح؛ لما ذكرنا وللشافعي فيه قولان أيضا. فعلى قولنا يتقسط الألف على ~~الصداق المسمى وقيمة العبد، فيكون عوض الخلع ما يخص المسمى، وعوض العبد ما ~~يخص قيمته، حتى لو ردته بعيب رجعت بذلك، وإن وجدته حرا أو مغصوبا، رجعت به؛ ~~لأنه عوضه. فإن كان مكان العبد شقص مشفوع، ففيه الشفعة، ويأخذ الشفيع بحصة ~~قيمته من الألف؛ لأنها عوضه. ### | [فصل خالعها على نصف دار] # (5771) فصل: وإن خالعها على نصف دار، صح، ولا شفعة فيه لأنه عوض عما لا ~~قيمة له، ويتخرج أن فيه شفعة، لأن له عوضا. وهل يأخذه الشفيع بقيمته أو ~~بمثل المهر، على وجهين: فأما إن خالعها، ودفع إليها ألفا بنصف دارها، صح، ~~ولا شفعة أيضا. وقال أبو يوسف ومحمد: تجب الشفعة فيما قابل الألف؛ لأنه عوض ~~مال ولنا، أن إيجاب الشفعة تقويم للبضع في حق غير الزوج، والبضع لا يتقوم ~~في حق غيره، ولأن الزوج # PageV07P338 # ملك الشقص صفقة واحدة من شخص واحد فلا يجوز للشفيع أخذ بعضه، كما لو ~~اشتراه بثمن واحد. ### | [مسألة خالعها على ثوب فخرج معيبا] # (5772) مسألة؛ قال: (ولو خالعها على ثوب، فخرج معيبا، فهو مخير بين أن ~~يأخذ أرش العيب، أو قيمة الثوب ويرده) وجملة ذلك أن الخلع يستحق فيه رد ~~عوضه بالعيب، أو أخذ الأرش؛ لأنه عوض في ms3863 معاوضة، فيستحق فيه ذلك، كالبيع ~~والصداق. ولا يخلو إما أن يكون على معين، مثل أن تقول: اخلعني على هذا ~~الثوب. فيقول: خلعتك. ثم يجد به عيبا لم يكن علم به، فهو مخير بين رده وأخذ ~~قيمته، وبين أخذ أرشه وإن قال: إن أعطيتني هذا الثوب فأنت طالق. فأعطته ~~إياه، طلقت، وملكه. قال أصحابنا: والحكم فيه كما لو خالعها عليه. وهذا مذهب ~~الشافعي، إلا أنه لم يجعل له المطالبة بالأرش مع إمكان رده. وهذا أصل ~~ذكرناه في البيع. وله أيضا قول: إنه إذا رده رجع بمهر المثل. وهذا الأصل ~~ذكر في الصداق. # وإن خالعها على ثوب موصوف في الذمة، واستقصى صفات السلم، صح، وعليها أن ~~تعطيه إياه سليما؛ لأن إطلاق ذلك يقتضي السلامة، كما في البيع والصداق. فإن ~~دفعته إليه معيبا، أو ناقصا عن الصفات المذكورة، فله الخيار بين إمساكه، أو ~~رده والمطالبة بثوب سليم على تلك الصفة؛ لأنه إنما وجب في الذمة سليما تام ~~الصفات، فيرجع بما وجب له، لأنها ما أعطته الذي وجب له عليها، وإن قال: إن ~~أعطيتني ثوبا صفته كذا وكذا. فأعطته ثوبا على تلك الصفات، طلقت، وملكه. وإن ~~أعطته ناقصا صفة، لم يقع الطلاق، ولم يملكه؛ لأنه ما وجد الشرط. فإن كان ~~على الصفة، لكن به عيب، وقع الطلاق لوجود شرطه. قال القاضي: ويتخير بين ~~إمساكه، ورده والرجوع بقيمته. وهذا قول الشافعي، إلا أن له قولا، أنه يرجع ~~بمهر المثل، على ما ذكرنا. # وعلى ما قلنا نحن فيما تقدم: أنه إذا قال: إذا أعطيتني ثوبا، أو عبدا، أو ~~هذا الثوب، أو هذا العبد. فأعطته إياه معيبا، طلقت، وليس له شيء سواه. وقد ~~نص أحمد على من قال: إن أعطيتني هذا الألف، فأنت طالق فأعطته إياه، فوجده ~~معيبا، فليس له البدل. وقال أيضا: إذا قال: إن أعطيتني عبدا فأنت طالق. ~~فإذا أعطته عبدا، فهي طالق، ويملكه. وهذا يدل على أن كل موضع قال: إن ~~أعطيتني كذا. فأعطته إياه، فليس له غيره؛ وذلك لأن الإنسان لا يلزمه في ms3864 ~~ذمته شيء إلا بإلزام، أو التزام، ولم يرد الشرع بإلزامها هذا، ولا هي ~~التزمته له، وإنما علق طلاقها على شرط، وهو عطيتها له ذلك، فلا يلزمها شيء ~~سواه، ولأنها لم تدخل معه في معاوضة، وإنما حققت شرط الطلاق، # PageV07P339 # فأشبه ما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق. فدخلت أو ما لو قال: إن أعطيت ~~أباك عبدا فأنت طالق. فأعطته إياه. ### | [فصل قال إن أعطيتني ألف درهم فأنت طالق فأعطته ألفا أو أكثر] # (5773) فصل إذا قال: إن أعطيتني ألف درهم فأنت طالق. فأعطته ألفا أو ~~أكثر، طلقت؛ لوجود الصفة، وإن أعطته دون ذلك، لم تطلق؛ لعدمها. وإن أعطته ~~ألفا وازنة، تنقص في العدد، طلقت، وإن أعطته ألفا عددا، تنقص في الوزن، لم ~~تطلق؛ لأن إطلاق الدرهم ينصرف إلى الوازن من دراهم الإسلام، وهي ما كل عشرة ~~منها وزن سبعة مثاقيل. ويحتمل أن الدراهم متى كانت تنفق برءوسها من غير ~~وزن، طلقت؛ لأنها يقع عليها اسم الدراهم، ويحصل منها مقصودها، ولا تطلق إذا ~~أعطته وازنة تنقص في العدد؛ لذلك. # وإن أعطته ألفا رديئة، كنحاس فيها أو رصاص أو نحوه، لم تطلق؛ لأن إطلاق ~~الألف يتناول ألفا من الفضة، وليس في هذه ألف من الفضة. وإن زادت على الألف ~~بحيث يكون فيها ألف فضة. طلقت؛ لأنها قد أعطته ألفا فضة. وإن أعطته سبيكة ~~تبلغ ألفا، لم تطلق؛ لأنها لا تسمى دراهم، فلم توجد الصفة، بخلاف المغشوشة، ~~فإنها تسمى دراهم. وإن أعطته ألفا رديء الجنس لخشونة، أو سواد، أو كانت ~~وحشة السكة، طلقت؛ لأن الصفة وجدت. قال القاضي: وله ردها، وأخذ بدلها. وهذا ~~قد ذكرناه في المسألة التي قبلها. ### | [فصل قال إن أعطيتني ثوبا مرويا فأنت طالق فأعطته هرويا] # (5774) فصل: وإن قال: إن أعطيتني ثوبا مرويا فأنت طالق. فأعطته هرويا، لم ~~تطلق؛ لأن الصفة التي علق الطلاق عليها لم توجد، وإن أعطته مرويا طلقت. وإن ~~خالعها على مروي، فأعطته هرويا، فالخلع واقع، ويطالبها بما خالعها عليه. ~~وإن خالعها على ثوب بعينه، على أنه مروي، ms3865 فبان هرويا، فالخلع صحيح؛ لأن ~~جنسهما واحد، وإنما ذلك اختلاف صفة، فجرى مجرى العيب في العوض، وهو مخير ~~بين إمساكه ولا شيء له غيره، وبين رده وأخذ قيمته لو كان مرويا؛ لأن ~~مخالفته الصفة بمنزلة العيب في جواز الرد. وقال أبو الخطاب: وعندي لا يستحق ~~شيئا سواه؛ لأن الخلع على عينه، وقد أخذه. وإن خالعها على ثوب، على أنه ~~قطن، فبان كتانا، لزم رده، ولم يكن له إمساكه؛ لأنه جنس آخر، واختلاف ~~الأجناس كاختلاف الأعيان، بخلاف ما لو خالعها على مروي فخرج هرويا، فإن ~~الجنس واحد. # PageV07P340 # (5775) فصل: وكل موضع علق طلاقها على عطيتها إياه، فمتى أعطته على صفة ~~يمكنه القبض، وقع الطلاق، سواء قبضه منها أو لم يقبضه؛ لأن العطية وجدت، ~~فإنه يقال: أعطته فلم يأخذ. ولأنه علق اليمين على فعل من جهتها، والذي من ~~جهتها في العطية البذل على وجه يمكنه قبضه، فإن هرب الزوج أو غاب قبل ~~عطيتها، أو قالت: يضمنه لك زيد، أو اجعله قصاصا مما لي عليك. أو أعطته به ~~رهنا، أو أحالته به لم يقع الطلاق؛ لأن العطية ما وجدت، ولا يقع الطلاق ~~بدون شرطه. وكذلك كل موضع تعذرت العطية فيه، لا يقع الطلاق، سواء كان ~~التعذر من جهته، أو من جهتها، أو من جهة غيرهما؛ لانتفاء الشرط. # ولو قالت: طلقني بألف. فطلقها، استحق الألف. وبانت وإن لم يقبض. نص عليه ~~أحمد. قال أحمد: ولو قالت: لا أعطيك شيئا. يأخذها بالألف. يعني ويقع ~~الطلاق؛ لأن هذا ليس بتعليق على شرط، بخلاف الأول. ### | [فصل تعليق الطلاق على شرط العطية أو الضمان أو التمليك] # (5776) فصل: وتعليق الطلاق على شرط العطية، أو الضمان، أو التمليك، لازم ~~من جهة الزوج لزوما لا سبيل إلى دفعه؛ فإن الغالب فيها حكم التعليق المحض؛ ~~بدليل صحة تعليقه على الشروط. ويقع الطلاق بوجود الشرط، سواء كانت العطية ~~على الفور أو التراخي. وقال الشافعي: إن قال: متى أعطيتني، أو متى ما ~~أعطيتني، أو أي حين أو أي زمان أعطيتني ألفا فأنت طالق. فذلك على ms3866 التراخي. ~~وإن قال: إن أعطيتني، أو إذا أعطيتني ألفا فأنت طالق. فذلك على الفور. فإن ~~أعطته جوابا لكلامه، وقع الطلاق، وإن تأخر العطاء لم يقع الطلاق؛ لأن قبول ~~المعاوضات على الفور، فإذا لم يوجد منه تصريح بخلافه، وجب حمل ذلك على ~~المعاوضات، بخلاف متى وأي، فإن فيهما تصريحا بالتراخي، ونصا فيه. وإن صارا ~~معاوضة، فإن تعليقه بالصفة جائز، أما إن وإذا، فإنهما يحتملان الفور ~~والتراخي، فإذا تعلق بهما العوض، حملا على الفور. # ولنا، أنه علق الطلاق بشرط الإعطاء، فكان على التراخي، كسائر التعليق. أو ~~نقول: علق الطلاق بحرف مقتضاه التراخي، فكان على التراخي، كما لو خلا عن ~~العوض، والدليل على أن مقتضاه التراخي، أنه يقتضي التراخي إذا خلا عن ~~العوض، ومقتضيات الألفاظ لا تختلف بالعوض وعدمه، وهذه المعاوضة معدول بها ~~عن سائر المعاوضات؛ بدليل جواز تعليقها على الشروط، ويكون على التراخي فيما ~~إذا علقها بمتى أو بأي، فكذلك في مسألتنا، ولا يصح قياس # PageV07P341 # ما نحن فيه على غيره من المعاوضات؛ لما ذكرنا من الفرق، ثم يبطل قياسهم ~~بقول السيد لعبده: إن أعطيتني ألفا فأنت حر. فإنه كمسألتنا، وهو على ~~التراخي، على أننا قد ذكرنا أن حكم هذا اللفظ حكم الشرط المطلق. ### | [فصل قال لامرأته أنت طالق بألف إن شئت] # (5777) فصل: إذا قال لامرأته: أنت طالق بألف إن شئت لم تطلق حتى تشاء، ~~فإذا شاءت وقع الطلاق بائنا، ويستحق الألف سواء سألته الطلاق فقالت: طلقني ~~بألف. فأجابها، أو قال ذلك لها ابتداء؛ لأنه علق طلاقها على شرط، فلم يوجد ~~قبل وجوده. وتعتبر مشيئتها بالقول، فإنها وإن كان محلها القلب، فلا يعرف ما ~~في القلب إلا بالنطق، فيعلق الحكم به، ويكون ذلك على التراخي، فمتى شاءت ~~طلقت. نص عليه أحمد. ومذهب الشافعي كذلك، إلا في أنه على الفور عنده. ولو ~~أنه قال لامرأته: أمرك بيدك إن ضمنت لي ألفا. # فقياس قول أحمد أنه على التراخي؛ لأنه نص على أن أمرك بيدك، على التراخي، ~~ونص على أنه إذا قال لها: أنت طالق إن ms3867 شئت. أن لها المشيئة بعد مجلسها. ~~ومذهب الشافعي أنه على الفور؛ لما تقدم. ولنا، أنه لو قال لعبده: إن ضمنت ~~لي ألفا فأنت حر كان على التراخي. ولو قال له: أنت حر على ألف إن شئت. كان ~~على التراخي. والطلاق نظير العتق. فعلى هذا، متى ضمنت له ألفا، كان أمرها ~~بيدها، وله الرجوع فيما جعل إليها؛ لأن أمرك بيدك توكيل منه لها، فله ~~الرجوع فيه، كما يرجع في الوكالة. # وكذلك لو قال لزوجته: طلقي نفسك إن ضمنت لي ألفا. فمتى ضمنت له ألفا، ~~وطلقت نفسها، وقع، ما لم يرجع. وإن ضمنت الألف ولم تطلق، أو طلقت ولم تضمن، ~~لم يقع الطلاق. ### | [مسألة خالعها على عبد فخرج حرا] # (5778) مسألة؛ قال: (وإذا خالعها على عبد، فخرج حرا أو استحق، فله عليها ~~قيمته) وجملة ذلك أن الرجل إذا خالع امرأته على عوض يظنه مالا، فبان غير ~~مال، مثل أن يخالعها على عبد تعينه فيبين حرا، أو مغصوبا، أو على خل فيبين ~~خمرا، فإن الخلع صحيح في قول أكثر أهل العلم؛ لأن الخلع معاوضة بالبضع، فلا ~~يفسد بفساد العوض، كالنكاح، ولكنه يرجع عليها بقيمته لو كان عبدا وبهذا قال ~~أبو ثور، وصاحبا أبي حنيفة. وإن خالعها على هذا الدن الخل، فبان خمرا، رجع ~~عليها بمثله خلا؛ لأن الخل من ذوات الأمثال، وقد دخل على أن هذا المعين خل، ~~فكان له مثله، كما لو كان خلا فتلف قبل قبضه، وقد قيل: يرجع بقيمة مثله ~~خلا؛ لأن الخمر ليس من ذوات الأمثال. # والصحيح الأول؛ # PageV07P342 # لأنه إنما وجب عليها مثله لو كان خلا، كما توجب قيمة الحر بتقدير كونه ~~عبدا، فإن الحر لا قيمة له. وقال أبو حنيفة في المسألة كلها: يرجع بالمسمى. ~~وقال الشافعي: يرجع بمهر المثل لأنه عقد على البضع بعوض فاسد، فأشبه النكاح ~~بخمر. واحتج أبو حنيفة بأن خروج البضع لا قيمة له، فإذا غر به، رجع عليها ~~بما أخذت. # ولنا، أنها عين يجب تسليمها مع سلامتها، وبقاء سبب الاستحقاق، فوجب بدلها ~~مقدرا بقيمتها ms3868 أو مثلها، كالمغصوب والمستعار. وإذا خالعها على عبد، فخرج ~~مغصوبا، أو أم ولد، فإن أبا حنيفة يسلمه، يوافقنا فيه. ### | [فصل خالعها على محرم يعلمان تحريمه] # (5779) فصل: وإن خالعها على محرم يعلمان تحريمه، كالحر، والخمر، ~~والخنزير، والميتة، فهو كالخلع بغير عوض سواء، لا يستحق شيئا. وبه قال ~~مالك، وأبو حنيفة. وقال الشافعي: له عليها مهر المثل؛ لأنه معاوضة بالبضع، ~~فإذا كان العوض محرما وجب مهر المثل، كالنكاح. ولنا، أن خروج البضع من ملك ~~الزوج غير متقوم، على ما أسلفنا، فإذا رضي بغير عوض، لم يكن له شيء، كما لو ~~طلقها أو علق طلاقها على فعل شيء، ففعلته، وفارق النكاح؛ فإن دخول البضع في ~~ملك الزوج متقوم، ولا يلزم إذا خالعها على عبد فبان حرا لأنه لم يرض بغير ~~عوض متقوم، فيرجع بحكم الغرور، وها هنا رضي بما لا قيمة له. # إذا تقرر هذا، فإن كان الخلع بلفظ الطلاق، فهو طلاق رجعي؛ لأنه خلا عن ~~عوض، وإن كان بلفظ الخلع وكنايات الخلع، ونوى به الطلاق، فكذلك لأن الكناية ~~مع النية كالصريح، وإن كان بلفظ الخلع، ولم ينو الطلاق، انبنى على أصل. وهو ~~أنه هل يصح الخلع بغير عوض؟ وفيه روايتان؛ فإن قلنا: يصح. صح هاهنا. وإن ~~قلنا: لا يصح. لم يصح، ولم يقع شيئا. وإن قال: إن أعطيتني خمرا أو ميتة، ~~فأنت طالق. فأعطته ذلك، طلقت، ولا شيء عليها. وعند الشافعي، عليها مهر ~~المثل، كقوله في التي قبلها. ### | [فصل قال إن أعطيتني عبدا فأنت طالق فأعطته مدبرا أو معتقا نصفه] # (5780) فصل: فإن قال: إن أعطيتني عبدا فأنت طالق. فأعطته مدبرا أو معتقا ~~نصفه، وقع الطلاق بهما؛ لأنهما كالقن في التمليك، وإن أعطته حرا، أو ~~مغصوبا، أو مرهونا، لم تطلق؛ لأن العطية إنما تتناول ما يصح تمليكه، وما لا ~~يصح تمليكه لا تكون معطية له. وإن قال: إن أعطيتني هذا العبد، فأنت طالق. ~~فأعطته إياه، فإذا هو حر # PageV07P343 # أو مغصوب، لم تطلق أيضا؛ لما ذكره أبو بكر، وأومأ إليه أحمد. وذكر القاضي ~~وجها ms3869 آخر، أنه يقع الطلاق؛ قال: وأومأ إليه أحمد في موضع آخر لأنه إذا عينه ~~فقد قطع اجتهادها فيه، فإذا أعطته إياه، وجدت الصفة، فوقع الطلاق، بخلاف ~~غير المعين. # ولأصحاب الشافعي أيضا وجهان كذلك. وعلى قولهم: يقع الطلاق، هل يرجع ~~بقيمته أو بمهر المثل؟ على وجهين. ولنا، أن العطية إنما معناها المتبادر ~~إلى الفهم منها عند إطلاقها التمكين من تملكه، بدليل غير المعين؛ ولأن ~~العطية ها هنا التمليك، بدليل حصول الملك بها فيما إذا كان العبد مملوكا ~~لها، وانتفاء الطلاق فيما إذا كان غير معين. ### | [مسألة قالت له طلقني ثلاثا بألف فطلقها واحدة] # (5781) مسألة قال (وإذا قالت له: طلقني ثلاثا بألف فطلقها واحدة لم يكن ~~له شيء، ولزمها التطليقة) أما وقوع الطلاق بها، فلا خلاف فيه وأما الألف، ~~فلا يستحق منه شيئا. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: له ثلث الألف؛ لأنها ~~استدعت منه فعلا بعوض، فإذا فعل بعضه استحق بقسطه من العوض، كما لو قال: من ~~رد عبيدي فله ألف. فرد ثلثهم، استحق ثلث الألف، وكذلك في بناء الحائط، ~~وخياطة الثوب. ولنا، أنها بذلت العوض في مقابلة شيء لم يجبها إليه، فلم ~~يستحق شيئا، كما لو قال في المسابقة: من سبق إلى خمس إصابات فله ألف. فسبق ~~إلى بعضها. أو قالت: بعني عبديك بألف. فقال: بعتك أحدهما بخمسمائة. وكما لو ~~قالت: طلقني ثلاثا على ألف فطلقها واحدة، فإن أبا حنيفة وافقنا في هذه ~~الصورة على أنه لا يستحق شيئا. # فإن قيل: الفرق بينهما أن الباء للعوض دون الشرط، وعلى للشرط، فكأنها ~~شرطت في استحقاقه الألف أن يطلقها ثلاثا. قلنا: لا نسلم أن على للشرط، ~~فإنها ليست مذكورة في حروفه، وإنما معناها ومعنى الباء واحد، وقد سوي ~~بينهما فيما إذا قالت: طلقني وضرتي بألف، أو على ألف. ومقتضى اللفظ لا ~~يختلف بكون المطلقة واحدة أو اثنتين. # (5782) فصل: فإن: قالت: طلقني ثلاثا ولك ألف. فهي كالتي قبلها، إن طلقها ~~أقل من ثلاث، وقع الطلاق، ولا شيء له، وإن طلقها ثلاثا، استحق الألف. ومذهب ms3870 ~~الشافعي وأبي يوسف ومحمد فيها كمذهبهم في # PageV07P344 # التي قبلها. وقال أبو حنيفة: لا يستحق شيئا، وإن طلقها ثلاثا؛ لأنه لم ~~يعلق الطلاق بالعوض. ولنا أنها استدعت منه الطلاق بالعوض، فأشبه ما لو ~~قالت: رد عبدي ولك ألف. فرده. وقوله: لم يعلق الطلاق بالعوض. غير مسلم؛ فإن ~~معنى الكلام، ولك ألف عوضا عن طلاقي. فإن قرينة الحال دالة عليه. # وإن قالت: طلقني وضرتي بألف، أو على ألف علينا. فطلقها وحدها، طلقت، ~~وعليها قسطها من الألف؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين، وخلعه ~~للمرأتين بعوض عليهما خلعان، فجاز أن ينعقد أحدهما صحيحا موجبا للعوض دون ~~الآخر. وإن كان العوض منها وحدها، فلا شيء له، في قياس المذهب؛ لأن العقد ~~لا يتعدد بتعدد العوض، وكذلك لو اشترى منه عبدين بثمن واحد، كان عقدا ~~واحدا، بخلاف ما إذا كان العاقد من أحد الطرفين اثنين، فإنه يكون عقدين. ### | [فصل قالت طلقني ثلاثا بألف ولم يبق من طلاقها إلا واحدة فطلقها واحدة أو ثلاثا] # (5783) فصل: وإن قالت: طلقني ثلاثا بألف. ولم يبق من طلاقها إلا واحدة ~~فطلقها واحدة أو ثلاثا، بانت بثلاث. قال أصحابنا: ويستحق الألف، علمت أو لم ~~تعلم. وهو منصوص الشافعي. وقال المزني: لا يستحق إلا ثلث الألف لأنه إنما ~~طلقها ثلث ما طلبت منه، فلا يستحق إلا ثلث الألف، كما لو كان طلاقها ثلاثا. ~~وقال ابن سريج: إن علمت أنه لم يبق من طلاقها إلا طلقة، استحق الألف، وإن ~~لم تعلم، كقول المزني؛ لأنها إن كانت عالمة، كان معنى كلامها كمل لي ~~الثلاث، وقد فعل ذلك. ووجه قول أصحابنا، أن هذه الواحدة كملت الثلاث، وحصلت ~~ما يحصل بالثلاث من البينونة، وتحريم العقد، فوجب بها العوض، كما لو طلقها ~~ثلاثا. ### | [فصل لم يبق من طلاقها إلا واحدة فقالت طلقني بألف واحدة أبين بها] # (5784) فصل: فإن لم يبق من طلاقها إلا واحدة، فقالت: طلقني بألف واحدة ~~أبين بها، واثنتين في نكاح آخر. فقال أبو بكر: قياس قول أحمد، أنه إذا ~~طلقها واحدة، استحق العوض، ms3871 فإن تزوج بها بعد ذلك، ولم يطلقها، رجعت عليه ~~بالعوض؛ لأنها بذلت العوض في مقابلة ثلاث، فإذا لم يوقع الثلاث، لم يستحق ~~العوض، كما لو كانت ذات طلقات ثلاث، فقالت: طلقني ثلاثا. فلم يطلقها إلا ~~واحدة، ومقتضى هذا، أنه إذا لم ينكحها نكاحا آخر، أنها ترجع عليه بالعوض، ~~وإنما يفوت نكاحه إياها بموت أحدهما. وإن نكحها نكاحا آخر وطلقها اثنتين، ~~لم ترجع عليه بشيء، وإن لم يطلقها إلا واحدة، رجعت عليه بالعوض كله. # وقال القاضي: الصحيح في المذهب أن هذا لا يصح في الطلقتين الآخرتين؛ لأنه ~~سلف في طلاق، ولا يصح السلم في الطلاق، # PageV07P345 # ولأنه معاوضة على الطلاق قبل النكاح، والطلاق قبل النكاح لا يصح، ~~فالمعاوضة عليه أولى، فإذا بطل فيهما انبنى ذلك على تفريق الصفقة، فإن ~~قلنا: تفرق. فله ثلث الألف، وإن قلنا: لا تفرق. فسد العوض في الجميع، ويرجع ~~بالمسمى في عقد النكاح. ### | [فصل قالت طلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثا] # (5785) فصل: وإن قالت: طلقني واحدة بألف. فطلقها ثلاثا. استحق الألف. ~~وقال محمد بن الحسن: قياس قول أبي حنيفة إنه لا يستحق شيئا؛ لأن الثلاث ~~مخالفة للواحدة، لأن تحريمها لا يرتفع إلا بزوج وإصابة، وقد لا تريد ذلك، ~~ولا تبذل العوض فيه، فلم يكن ذلك إيقاعا لما استدعته، بل هو إيقاع مبتدأ، ~~فلم يستحق به عوضا. ولنا، أنه أوقع ما استدعته وزيادة؛ لأن الثلاث واحدة ~~واثنتان. وكذلك لو قال: طلقي نفسك ثلاثا. فطلقت نفسها واحدة، وقع، فيستحق ~~العوض بالواحدة، وما حصل من الزيادة التي لم تبذل العوض فيها لا يستحق بها ~~شيئا. # فإن قال لها: أنت طالق بألف، وطالق، وطالق. وقعت الأولى بائنة، ولم تقع ~~الثانية، ولا الثالثة؛ لأنهما جاءا بعد بينونتها. وهذا مذهب الشافعي. وإن ~~قال لها: أنت طالق وطالق وطالق بألف. وقع الثلاث. وإن قال: أنت طالق وطالق ~~وطالق. ولم يقل بألف. قيل له أيتهن أوقعت بالألف؟ فإن قال: الأولى. بانت ~~بها، ولم يقع ما بعدها. وإن قال: الثانية. بانت بها، ووقعت بها طلقتان، ولم ~~تقع الثالثة. ms3872 وإن قال: الثالثة. وقع الكل. وإن قال: نويت أن الألف في ~~مقابلة الكل. بانت بالأولى وحدها. ولم يقع بها ما بعدها؛ لأن الأولى حصل في ~~مقابلتها عوض، وهو قسطها من الألف، فبانت بها، وله ثلث الألف؛ لأنه رضي بأن ~~يوقعها بذلك، مثل أن تقول: طلقني بألف. فيقول: أنت طالق بخمسمائة. هكذا ~~ذكره القاضي. وهو مذهب الشافعي. # ويحتمل أن يستحق الألف؛ لأنه أتى بما بذلت العوض فيه بنية العوض، فلم ~~يسقط بعضه بنيته، كما لو قالت: رد عبدي بألف فرده ينوي خمسمائة. وإن لم ينو ~~شيئا، استحق الألف بالأولى، ولم يقع بها ما بعدها. ويحتمل أن تقع الثلاث؛ ~~لأن الواو للجمع، ولا تقتضي ترتيبا، فهو كقوله: أنت طالق ثلاثا بألف. وكذلك ~~لو قال ذلك لغير مدخول بها، أو قال: أنت طالق وطالق وطالق بألف طلقت ثلاثا. # PageV07P346 ### | [فصل قالت طلقني بألف أو على أن لك ألفا أو إن طلقتني فلك على ألف فقال أنت طالق] # (5786) فصل: وإذا قالت: طلقني بألف، أو على أن لك ألفا، أو إن طلقتني فلك ~~علي ألف. فقال: أنت طالق. استحق الألف، وإن لم يذكره؛ لأن قوله جواب لما ~~استدعته منه، والسؤال معاد في الجواب، فأشبه ما لو قالت: بعني عبدك بألف. ~~فقال: بعتكه. وإن قالت: اخلعني بألف. فقال: أنت طالق. فإن قلنا: الخلع طلقة ~~بائنة. وقع، واستحق العوض؛ لأنه أجابها إلى ما بذلت العوض فيه. وإن قلنا: ~~هو فسخ. احتمل أن يستحق العوض أيضا؛ لأن الطلاق يتضمن ما طلبته، وهو ~~بينونتها، وفيه زيادة نقصان العدد، فأشبه ما لو قالت: طلقني واحدة بألف. ~~فطلقها ثلاثا. احتمل أن لا يستحق شيئا؛ لأنها استدعت منه فسخا، فلم يجبها ~~إليه، وأوقع طلاقا ما طلبته، ولا بذلت فيه عوضا. # فعلى هذا، يحتمل أن يقع الطلاق رجعيا؛ لأنه أوقعه مبتدئا به، غير مبذول ~~فيه عوض، فأشبه ما لو طلقها ابتداء، ويحتمل أن لا يقع؛ لأنه أوقعه بعوض، ~~فإذا لم يحصل العوض لم يقع؛ لأنه كالشرط فيه، فأشبه ما لو قال: إن أعطيتني ~~ألفا ms3873 فأنت طالق. وإن قالت: طلقني بألف. فقال: خلعتك. فإن قلنا: هو طلاق. ~~استحق الألف؛ لأنه طلقها، وإن نوى به الطلاق، فكذلك؛ لأنه كناية فيه، وإن ~~لم ينو الطلاق، وقلنا: ليس بطلاق. لم يستحق عوضا لأنه ما أجابها إلى ما ~~بذلت العوض فيه، ولا يتضمنه؛ لأنها سألته طلاقا ينقص به عدد طلاقه، فلم ~~يجبها إليه، وإذا لم يجب العوض لم يصح الخلع؛ لأنه إنما خالعها معتقدا ~~لحصول العوض فإذا لم يحصل لم يصح. ويحتمل أن يكون كالخلع بغير عوض، وفيه من ~~الخلاف ما فيه. ### | [فصل قالت له طلقني عشرا بألف فطلقها واحدة أو اثنتين] # (5787) فصل: ولو قالت له: طلقني عشرا بألف. فطلقها واحدة أو اثنتين، فلا ~~شيء له؛ لأنه لم يجبها إلى ما سألت، فلم يستحق عليها ما بذلت. وإن طلقها ~~ثلاثا، استحق الألف، على قياس قول أصحابنا فيما إذا قالت: طلقني ثلاثا ~~بألف. ولم يبق. من طلاقها إلا واحدة، فطلقها واحدة، استحق الألف؛ لأنه قد ~~حصل بذلك جميع المقصود. ### | [فصل لم يبق من طلاقها إلا واحدة فقالت طلقني ثلاثا بألف فقال أنت طالق طلقتين] # (5788) فصل: ولو: لم يبق من طلاقها إلا واحدة؛ فقالت: طلقني ثلاثا بألف. ~~فقال: أنت طالق طلقتين، الأولى بألف، والثانية بغير شيء. وقعت الأولى، ~~واستحق الألف، ولم تقع الثانية. وإن قال: الأولى بغير شيء. وقعت وحدها، ولم ~~يستحق شيئا؛ لأنه لم يجعل لها عوضا، وكملت الثلاث. وإن قال: إحداهما بألف. ~~لزمها الألف؛ لأنها طلبت منه طلقة بألف، فأجابها إليها، وزادها أخرى. # PageV07P347 ### | [فصل قالت طلقني بألف إلى شهر أو أعطته ألفا على أن يطلقها إلى شهر] # (5789) فصل: وإن قالت: طلقني بألف إلى شهر. أو أعطته ألفا على أن يطلقها ~~إلى شهر، فقال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق. صح ذلك، واستحق العوض ووقع ~~الطلاق عند رأس الشهر بائنا؛ لأنه بعوض. وإن طلقها قبل مجيء الشهر، طلقت ~~ولا شيء له. ذكره أبو بكر، وقال: روى ذلك عن أحمد علي بن سعيد. وذلك لأنه ~~إذا طلقها قبل رأس الشهر، فقد ms3874 اختار إيقاع الطلاق من غير عوض. وقال ~~الشافعي: إذا أخذ منها ألفا على أن يطلقها إلى شهر، فطلقها بألف، بانت، ~~وعليها مهر المثل؛ لأن هذا سلف في طلاق، فلم يصح، لأن الطلاق لا يثبت في ~~الذمة، ولأنه عقد تعلق بعين، فلا يجوز شرط تأخير التسليم فيه. # ولنا، أنها جعلت له عوضا صحيحا على طلاقها، فإذا طلقها استحقه، كما لو لم ~~يقل: إلى شهر، ولأنها جعلت له عوضا صحيحا على طلاقها، فلم يستحق أكثر منه، ~~كالأصل. وإن قالت: لك ألف على أن تطلقني أي وقت شئت، من الآن إلى شهر. صح ~~في قياس المسألة التي قبلها. وقال القاضي: لا يصح؛ لأن زمن الطلاق مجهول ~~فإذا طلقها فله مهر المثل. وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه طلقها على عوض لم يصح، ~~لفساده. ولنا، ما تقدم في التي قبلها، ولا تضر الجهالة في وقت الطلاق؛ لأنه ~~مما يصح تعليقه على الشرط، فصح بذل العوض فيه مجهول الوقت كالجعالة، ولأنه ~~لو قال: متى أعطيتني ألفا فأنت طالق. صح، وزمنه مجهول أكثر من الجهالة ها ~~هنا، فإن الجهالة ها هنا في شهر واحد، وثم في العمر كله. وقول القاضي: له ~~مهر المثل. مخالف لقياس المذهب؛ فإنه ذكر في المواضع التي يفسد فيها العوض، ~~أن له المسمى. فكذلك يجب أن يكون ها هنا إن حكمنا بفساده. والله أعلم. ### | [فصل قال لها أنت طالق وعليك ألف] # (5790) فصل: إذا قال لها: أنت طالق وعليك ألف. وقعت طلقة رجعية؛ ولا شيء ~~عليها؛ لأنه لم يجعل له العوض في مقابلتها، ولا شرطا فيها، وإنما عطف ذلك ~~على طلاقها، فأشبه ما لو قال: أنت طالق، وعليك الحج فإن أعطته المرأة عن ~~ذلك عوضا، لم يكن له عوض؛ لأنه لم يقابله شيء، وكان ذلك هبة مبتدأة، يعتبر ~~فيه شرائط الهبة. وإن قالت المرأة: ضمنت لك ألفا. لم يصح؛ لأن الضمان إنما ~~يكون عن غير الضامن لحق واجب، أو مآله إلى الوجوب، وليس ها هنا شيء من ذلك. ~~وذكر القاضي أنه يصح؛ لأن ضمان ما ms3875 لم يجب يصح، ولم أعرف لذلك وجها، إلا أن ~~يكون أراد أنها إذا قالت قبل طلاقها: ضمنت لك ألفا، على أن تطلقني. فقال: ~~أنت طالق، وعليك ألف. فإنه يستحق الألف. وكذلك إذا قالت: طلقني طلقة بألف. ~~فقال: أنت طالق، وعليك ألف. وقع الطلاق، وعليها ألف؛ لأن قوله: أنت طالق. ~~يكفي في صحة الخلع، واستحقاق العوض، وما وصل به تأكيد. # فإن اختلفا # PageV07P348 # فقال: أنت استدعيت مني الطلاق بالألف. فأنكرته، فالقول قولها؛ لأن الأصل ~~عدمه، فإذا حلفت برئت من العوض وبانت؛ لأن قوله مقبول في بينونتها لأنها ~~حقه، غير مقبول في العوض لأنه عليها. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وإن ~~قال: ما استدعيت مني الطلاق، وإنما أنا ابتدأت به، فلي عليك الرجعة. وادعت ~~أن ذلك كان جوابا لاستدعائها، فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل معه، ولا يلزمها ~~الألف؛ لأنه لا يدعيه. وإن قال أنت طالق على الألف. فالمنصوص عن أحمد أن ~~الطلاق يقع رجعيا كقوله: أنت طالق، وعليك ألف. فإنه قال في رواية مهنا، في ~~الرجل يقول لامرأته أنت طالق على ألف درهم فلم تقل هي شيئا: فهي طالق يملك ~~الرجعة ثانيا. # وقال القاضي، في " المجرد ": ذلك للشرط، تقديره إن ضمنت لي ألفا فأنت ~~طالق فإن ضمنت له ألفا، وقع الطلاق بائنا، وإلا لم يقع. وكذلك الحكم إذا ~~قال: أنت طالق على أن عليك. فقياس قول أحمد، الطلاق يقع رجعيا، ولا شيء له. ~~وعلى قول القاضي إن قبلت ذلك لزمها الألف، وكان خلعا وإلا لم يقع الطلاق. ~~وهو قول أبي حنيفة، والشافعي. وهو أيضا ظاهر كلام الخرقي، لأنه استعمل على ~~بمعنى الشرط في مواضع من كتابه، منها قوله: وإذا أنكحها على أن لا يتزوج ~~عليها، فلها فراقه إن تزوج عليها. وذلك أن على تستعمل بمعنى الشرط؛ بدليل ~~قول الله تعالى في قصة شعيب: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] . وقال {فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا} [الكهف: 94] وقال موسى {هل أتبعك على ms3876 أن تعلمني مما علمت رشدا} ~~[الكهف: 66] ولو قال في النكاح: زوجتك ابنتي على صداق كذا. صح، وإذا أوقعه ~~بعوض لم يقع بدونه، وجرى مجرى قوله: أنت طالق، إن أعطيتني ألفا، أو ضمنت لي ~~ألفا. ووجه الأول، أنه أوقع الطلاق غير معلق بشرط، وجعل عليها عوضا لم ~~تبذله، فوقع رجعيا من غير عوض، كما لو قال: أنت طالق، وعليك ألف. ولأن على ~~ليست للشرط، ولا للمعاوضة، ولذلك لا يصح أن يقول: بعتك ثوبي على دينار. ### | [فصل قال أنت طالق ثلاثا بألف فقالت قبلت واحدة منها بألف] # (5791) فصل: وإذا قال: أنت طالق ثلاثا بألف. فقالت: قبلت واحدة منها ~~بألف. وقع الثلاث، واستحق الألف؛ لأن إيقاع الطلاق إليه إنما علقه بعوض ~~يجري مجرى الشرط من جهتها، وقد وجد الشرط، فيقع الطلاق. وإن # PageV07P349 # قالت: قبلت بألفين وقع، ولم يلزمها الألف الزائدة؛ لأن القبول لما أوجبه ~~دون ما لم يوجبه. وإن قالت: قبلت بخمسمائة. لم يقع لأن الشرط لم يوجد. وإن ~~قالت: قبلت واحدة من الثلاث بثلث الألف لم يقع؛ لأنه لم يرض بانقطاع رجعته ~~عنها إلا بألف. وإن قال: أنت طالق طلقتين، إحداهما بألف. وقعت بها واحدة؛ ~~لأنها بغير عوض، ووقعت الأخرى على قبولها؛ لأنها بعوض. ### | [مسألة خالعته الأمة بغير إذن سيدها على شيء معلوم] # (5792) مسألة؛ قال: (وإذا خالعته الأمة بغير إذن سيدها على شيء معلوم كان ~~الخلع واقعا، ويتبعها إذا عتقت بمثله، إن كان له مثل، وإلا فقيمته) في هذه ~~المسألة ثلاثة فصول: (5793) الفصل الأول: أن الخلع مع الأمة صحيح، سواء كان ~~بإذن سيدها، أو بغير إذنه؛ لأن الخلع يصح مع الأجنبي فمع الزوجة أولى، يكون ~~طلاقها على عوض بائنا، والخلع معها كالخلع مع الحرة سواء. (5794) الفصل ~~الثاني: أن الخلع إذا كان بغير إذن سيدها على شيء في ذمتها، فإنه يتبعها ~~إذا عتقت؛ لأنه رضي بذمتها، ولو كان على عين، فالذي ذكر الخرقي، أنه يثبت ~~في ذمتها مثله أو قيمته إن لم يكن مثليا؛ لأنها لا تملك العين، وما في يدها ~~من شيء ms3877 فهو لسيدها، فيلزمها بذله، كما لو خالعها على عبد فخرج حرا أو ~~مستحقا. # وقياس المذهب أنه لا شيء له؛ لأنه إذا خالعها على عين، وهو يعلم أنها ~~أمة، فقد علم أنها لا تملك العين، فيكون راضيا بغير عوض، فلا يكون له شيء، ~~كما لو قال: خالعتك على هذا المغصوب، أو هذا الحر. وكذلك ذكر القاضي في " ~~المجرد " قال: هو كالخلع على المغصوب؛ لأنها لا تملكها. وهذا قول مالك. ~~وقال الشافعي: يرجع عليها بمهر المثل، كقوله في الخلع على الحر والمغصوب. ~~ويمكن حمل كلام الخرقي على أنها ذكرت لزوجها أن سيدها أذن لها في هذا الخلع ~~بهذه، العين ولم تكن صادقة، أو جهل أنها لا تملك العين، أو يكون اختاره ~~فيما إذا خالعها على مغصوب أنه يرجع عليها بقيمته، ويكون الرجوع عليها في ~~حال عتقها؛ لأنه الوقت الذي تملك فيه، فهي كالمعسر، يرجع عليه في حال ~~يساره، ويرجع بقيمته أو مثله، لأنه مستحق تعذر تسليمه مع بقاء سبب ~~الاستحقاق، فوجب الرجوع بمثله أو قيمته، كالمغصوب. # PageV07P350 # (5795) الفصل الثالث: إذا كان الخلع بإذن السيد، تعلق العوض بذمته. هذا ~~قياس المذهب، كما لو أذن لعبده في الاستدانة. ويحتمل أن يتعلق برقبة الأمة. ~~وإن خالعت على معين بإذن السيد فيه، ملكه. وإن أذن في قدر المال، فخالعت ~~بأكثر منه فالزيادة في ذمتها. وإن أطلق الإذن، اقتضى الخلع بالمسمى لها، ~~فإن خالعت به أو بما دونه، لزم السيد، وإن كان بأكثر منه تعلقت الزيادة ~~بذمتها، كما لو عين لها قدرا فخالعت بأكثر منه. وإن كانت مأذونا لها في ~~التجارة، سلمت العوض مما في يدها. # (5796) فصل: والحكم في المكاتبة كالحكم في الأمة القن سواء؛ لأنها لا ~~تملك التصرف فيما في يدها بتبرع، وما لاحظ فيه، وبذل المال في الخلع لا ~~فائدة فيه من حيث تحصيل المال، بل فيه ضرر بسقوط نفقتها، وبعض مهرها إن ~~كانت غير مدخول بها. وإذا كان الخلع بغير إذن السيد، فالعوض في ذمتها، ~~يتبعها به بعد العتق، وإن كان بإذن السيد، سلمه مما ms3878 في يدها، وإن لم يكن في ~~يدها شيء، فهو على سيدها. ### | [فصل خلع المحجور عليها لفلس] # (5797) فصل: يصح خلع المحجور عليها لفلس، وبذلها للعوض صحيح؛ لأن لها ذمة ~~يصح تصرفها فيها، ويرجع عليها بالعوض إذا أيسرت وفك الحجر عنها، وليس له ~~مطالبتها في حال حجرها، كما لو استدانت منه، أو باعها شيئا في ذمتها. ~~(5798) فصل: فأما المحجور عليها لسفه، أو صغر، أو جنون، فلا يصح بذل العوض ~~منها في الخلع؛ لأنه تصرف في المال، وليس هي من أهله، وسواء أذن فيه الولي ~~أو لم يأذن؛ لأنه ليس له الإذن في التبرعات، وهذا كالتبرع. وفارق الأمة، ~~فإنها أهل التصرف. ولهذا تصح منها الهبة وغيرها من التصرفات بإذنه، ويفارق ~~المفلسة؛ لأنها من أهل التصرف. فإن خالع المحجور عليها بلفظ يكون طلاقا، ~~فهو طلاق رجعي، ولا يستحق عوضا، وإن لم يكن اللفظ مما يقع به الطلاق، كان ~~كالخلع بغير عوض. # ويحتمل أن لا يقع الخلع ها هنا؛ لأنه إنما رضي به بعوض، لم يحصل له، ولا ~~أمكن الرجوع ببدله. قال أصحابنا: وليس لولي هؤلاء المخالعة بشيء من مالهن؛ ~~لأنه إنما يملك التصرف بما لها فيه الحظ، وهذا لا حظ فيه، بل فيه إسقاط ~~نفقتها ومسكنها وبذل مالها، # PageV07P351 # ويحتمل أن يملك ذلك، إذا رأى الحظ فيه، ويمكن أن يكون الحظ لها فيه ~~بتخليصها ممن يتلف مالها، وتخاف منه على نفسها وعقلها، ولذلك لم يعد بذل ~~المال في الخلع تبذيرا ولا سفها، فيجوز له بذل مالها لتحصيل حظها، وحفظ ~~نفسها ومالها، كما يجوز بذله في مداواتها، وفكها من الأسر. وهذا مذهب مالك. ~~والأب وغيره من أوليائها في هذا سواء. وإن خالعها بشيء من ماله، جاز؛ لأنه ~~يجوز من الأجنبي، فمن الولي أولى. ### | [فصل قال الأب طلق ابنتي وأنت بريء من صداقها فطلقها] # (5799) فصل: إذا قال الأب: طلق ابنتي، وأنت بريء من صداقها. فطلقها، وقع ~~الطلاق رجعيا، ولم يبرأ من شيء، ولم يرجع على الأب، ولم يضمن له؛ لأنه ~~أبرأه مما ليس له الإبراء منه، فأشبه ms3879 الأجنبي. قال القاضي: وقد قال أحمد: ~~إنه يرجع على الأب. قال وهذا محمول على أن الزوج كان جاهلا بأن إبراء الأب ~~لا يصح، فكان له الرجوع عليه؛ لأنه غره، فرجع عليه، كما لو غره فزوجه ~~معيبة، وإن علم أن إبراء الأب لا يصح، لم يرجع بشيء، ويقع الطلاق رجعيا؛ ~~لأنه خلا عن العوض. وفي الموضع الذي يرجع، عليه، يقع الطلاق بائنا؛ لأنه ~~بعوض. # فإن قال الزوج: هي طالق إن أبرأتني من صداقها. فقالت: قد أبرأتك. لم يقع ~~الطلاق؛ لأنه لا يبرأ. وروي عن أحمد، أن الطلاق واقع. فيحتمل أنه أوقعه إذا ~~قصد الزوج تعليق الطلاق على مجرد التلفظ بالإبراء، دون حقيقة البراءة. وإن ~~قال الزوج: هي طالق إن برئت من صداقها. لم يقع؛ لأنه علقه على شرط ولم ~~يوجد. وإن قال الأب: طلقها على ألف من مالها، وعلي الدرك. فطلقها، طلقت ~~بائنا؛ لأنه بعوض، وهو ما لزم الأب من ضمان الدرك، ولا يملك الألف؛ لأنه ~~ليس له بذلها. ### | [فصل قال لامرأتيه أنتما طالقتان بألف إن شئتما فقالتا قد شئنا] # (5800) فصل: وإن قال لامرأتيه: أنتما طالقتان بألف إن شئتما. فقالتا: قد ~~شئنا. وقع الطلاق بهما بائنا، ولزمهما العوض بينهما على قدر مهريهما. وإن ~~شاءت إحداهما دون الأخرى، لم يطلق واحدة منهما؛ لأنه جعل ما شئتما صفة في ~~طلاق كل واحدة منهما. ويخالف هذا ما لو قال: أنتما طالقتان بألف. فقبلت ~~إحداهما دون الأخرى، لزمه الطلاق بعوضه؛ لأنه لم يجعل في طلاقها شرطا، ~~وهاهنا علق طلاق كل واحدة منهما بمشيئتهما جميعا، فيتعلق الحكم بقولهما: قد ~~شئنا لفظا؛ لأن ما في القلب لا سبيل إلى معرفته، فلو قال الزوج: ما شئتما ~~وإنما قلتما ذلك بألسنتكما. أو قالتا: ما شئنا بقلوبنا. لم يقبل. # PageV07P352 # فإذا ثبت هذا، فإن العوض يتقسط عليهما على قدر مهر كل واحدة منهما، في ~~الصحيح من الذهب. وهو قول ابن حامد، ومذهب أهل الرأي. وأحد قولي الشافعي. ~~وقال في الآخر: يلزم كل واحدة منهما مهر مثلها. وعلى قول أبي بكر من ms3880 ~~أصحابنا، يكون ذلك عليهما نصفين. وأصل هذا في النكاح إذا تزوج اثنتين بصداق ~~واحد. وقد ذكرناه في موضعه. فإن كانت إحداهما رشيدة، والأخرى محجورا عليها ~~لسفه، فقالتا: قد شئنا. وقع الطلاق عليهما، ووجب على الرشيدة قسطها من ~~العوض، ووقع طلاقها بائنا، ولا شيء على المحجور عليها، ويكون طلاقها رجعيا؛ ~~لأن لها مشيئة، ولكن الحجر مع صحة تصرفها ونفوذه، ولهذا يرجع إلى مشيئة ~~المحجور عليه في النكاح، وفيما تأكله. # وكذلك إن كانت غير بالغة، إلا أنها مميزة، فإن لها مشيئة صحيحة، ولهذا ~~يخير الغلام بين أبويه إذا بلغ سبعا. وإن كانت إحداهما مجنونة أو صغيرة غير ~~مميزة، لم تصح المشيئة منهما ولم يقع الطلاق. وفي كل موضع حكمنا بوقوع ~~الطلاق، فإن الرشيدة يلزمها قسطها من العوض، وهو قسط مهرها من العوض، في ~~أحد الوجهين، وفي الآخر نصفه. وإن قالت له امرأتاه: طلقنا بألف بيننا ~~نصفين. فطلقهما، فعلى كل واحدة منهما نصفه، وجها واحدا. وإن طلق إحداهما ~~وحدها، فعليها نصف الألف. وإن قالتا: طلقنا بألف. فطلقهما، فالألف عليهما ~~على قدر صداقيهما، في أصح الوجهين. وإن طلق إحداهما، فعليها حصتها منه. وإن ~~كانت إحداهما غير رشيدة، فطلقهما، فعلى الرشيدة حصتها من الألف، يقع طلاقها ~~بائنا، وتطلق الأخرى طلاقا رجعيا، ولا شيء عليها. ### | [فصل الخلع مع الأجنبي بغير إذن المرأة] # (5801) فصل: ويصح الخلع مع الأجنبي، بغير إذن المرأة، مثل أن يقول ~~الأجنبي للزوج: طلق امرأتك بألف علي. وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو ~~ثور: لا يصح؛ لأنه سفه، فإنه يبذل عوضا في مقابلة ما لا منفعة له فيه، فإن ~~الملك لا يحصل له، فأشبه ما لو قال: بع عبدك لزيد بألف علي. ولنا، أنه بذل ~~مال في مقابلة إسقاط حق عن غيره فصح، كما لو قال: أعتق عبدك، وعلي ثمنه. ~~ولأنه لو قال: ألق متاعك في البحر وعلي ثمنه. صح، لزمه ذلك، مع أنه لا يسقط ~~حقا عن أحد، فهاهنا أولى؛ ولأنه حق على المرأة، يجوز أن يسقط عنها بعوض، ~~فجاز لغيرها، كالدين. ms3881 وفارق البيع، فإنه تمليك، فلا يجوز بغير رضاء من يثبت ~~له الملك. وإن قال: طلق امرأتك بمهرها، وأنا ضامن له. صح. يرجع عليه ~~بمهرها. # PageV07P353 ### | [فصل قالت له امرأته طلقني وضرتي بألف فطلقهما] # (5802) فصل: وإن قالت له امرأته: طلقني وضرتي بألف. فطلقهما، وقع الطلاق ~~بهما بائنا، واستحق الألف على باذلته؛ لأن الخلع مع الأجنبي جائز. وإن طلق ~~إحداهما، فقال القاضي: تطلق طلاقا بائنا، ولزم الباذلة بحصتها من الألف. ~~وهذا مذهب الشافعي، إلا أن بعضهم قال: يلزمها مهر مثل المطلقة. وقياس قول ~~أصحابنا، فيما إذا قالت: طلقني ثلاثا بألف. فطلقها واحدة، لم يلزمها شيء، ~~ووقعت بها التطليقة، أن لا يلزم الباذلة ها هنا شيء؛ لأنه لم يجبها إلى ما ~~سألت، فلم يجب عليها ما بذلت، ولأنه قد يكون غرضها في بينونتها جميعا منه، ~~فإذا طلق إحداهما، لم يحصل غرضها، فلا يلزمها عوضها. ### | [فصل قالت طلقني بألف على أن تطلق ضرتي أو على أن لا تطلق ضرتي] # (5803) فصل: وإن قالت: طلقني بألف على أن تطلق ضرتي، أو على أن لا تطلق ~~ضرتي. فالخلع صحيح، والشرط والبذل لازم. وقال الشافعي: الشرط والعوض ~~باطلان، ويرجع إلى مهر المثل؛ لأن الشرط سلف في الطلاق، والعوض بعضه في ~~مقابلة الشرط الباطل، فيكون الباقي مجهولا. وقال أبو حنيفة: الشرط باطل، ~~والعوض صحيح؛ لأن العقد يستقل بذلك العوض. ولنا أنها بذلت عوضا في طلاقها ~~وطلاق ضرتها، فصح، كما لو قالت: طلقني وضرتي بألف. فإن لم يف لها بشرطها، ~~فعليها الأقل من المسمى، أو الألف الذي شرطته. ويحتمل أن لا يستحق شيئا من ~~العوض؛ لأنها إنما بذلته بشرط لم يوجد، فلا يستحقه، كما لو طلقها بغير عوض. ### | [مسألة ما خالع العبد به زوجته من شيء جاز] # (5804) مسألة؛ قال: (وما خالع العبد به زوجته من شيء، جاز. وهو لسيده) ~~وجملة ذلك أن كل زوج صح طلاقه، صح خلعه؛ لأنه إذا ملك الطلاق، وهو مجرد ~~إسقاط من غير تحصيل شيء، فلأن يملكه محصلا للعوض أولى، والعبد يملك الطلاق، ~~فملك الخلع، وكذلك المكاتب ms3882 والسفيه، وفي الصبي المميز وجهان، بناء على صحة ~~طلاقه. ومن لا يصح طلاقه، كالطفل والمجنون، لا يصح خلعه؛ لأنه ليس من أهل ~~التصرف، فلا حكم لكلامه. # ومتى خالع العبد، كان العوض لسيده؛ لأنه من اكتسابه، واكتسابه لسيده، ~~وسائر من ذكرنا العوض لهم. ويجب تسليم العوض إلى سيد العبد، وولي المحجور ~~عليه؛ لأن العوض في خلع العبد ملك لسيده، فلم يجز تسليمه إلى غيره إلا ~~بإذنه، وولي المحجور عليه هو الذي يقبض حقوقه وأمواله، وهذا من حقوقه. وأما ~~المكاتب، فيدفع العوض إليه؛ لأنه هو الذي يتصرف لنفسه. # PageV07P354 # وقال القاضي: يصح قبض العبد والمحجور عليه العوض؛ لأن من صح خلعه، صح ~~قبضه للعوض، كالمحجور عليه لفلس. واحتج بقول أحمد: ما ملكه العبد من خلع ~~فهو لسيده، وإن استهلكه لم يرجع على الواهب والمختلعة بشيء، والمحجور عليه ~~في معنى العبد. # والأولى أن لا يجوز؛ لأن العوض في الخلع لسيد العبد، فلا يجوز دفعه إلى ~~غير من هو له بغير إذن مالكه، والعوض في خلع المحجور عليه ملك له، إلا أنه ~~لا يجوز تسليمه إليه؛ لأن الحجر أفاد منعه من التصرف، وكلام أحمد يحمل على ~~ما إذا أتلفه العبد قبل تسليمه إليه، وعلى أن عدم الرجوع عليها لا يلزم منه ~~جواز الدفع إليه، فإنه لو رجع عليها لرجعت على العبد، وتعلق حقها برقبته، ~~وهي ملك للسيد، فلا فائدة في الرجوع عليها بما ترجع به على ماله. وإن أسلمت ~~العوض إلى المحجور عليه، لم تبرأ، فإن أخذه الولي منه، برئت، وإن أتلفه، أو ~~تلف، كان لوليه الرجوع عليها به. ### | [فصل طلاق الأب زوجة ابنه الصغير وخلعه إياها] # (5805) فصل: وقد توقف أحمد في طلاق الأب زوجة ابنه الصغير، وخلعه إياها، ~~وسأله أبو الصقر عن ذلك، فقال: قد اختلف فيه. وكأنه رآه قال أبو بكر: لم ~~يبلغني في هذه المسألة إلا ما رواه أبو الصقر، فيخرج على قولين؛ أحدهما، ~~يملك ذلك. وهو قول عطاء، وقتادة؛ لأن ابن عمر طلق على ابن له معتوه. رواه ~~الإمام أحمد. وعن ms3883 عبد الله بن عمرو، أن المعتوه إذا عبث بأهله، طلق عليه ~~وليه. قال عمرو بن شعيب: وجدنا ذلك في كتاب عبد الله بن عمرو. # ولأنه يصح أن يزوجه، فصح أن يطلق عليه، إذا لم يكن متهما، كالحاكم يفسخ ~~للإعسار، ويزوج الصغير. والقول الآخر، لا يملك ذلك. وهو قول أبي حنيفة ~~والشافعي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «الطلاق لمن أخذ بالساق.» ~~رواه ابن ماجه. وعن عمر أنه قال: إنما الطلاق بيد الذي يحل له الفرج. ولأنه ~~إسقاط لحقه. فلم يملكه، كالإبراء من الدين، وإسقاط القصاص، ولأن طريقه ~~الشهوة، فلم يدخل في الولاية. والقول في زوجة عبده الصغير، كالقول في زوجة ~~ابنه الصغير، لأنه في معناه. ### | [مسألة قال خالعت المرأة في مرض موتها بأكثر من ميراثه منها] # (5806) مسألة؛ قال: (وإذا خالعت المرأة في مرض موتها بأكثر من ميراثه ~~منها، فالخلع واقع، وللورثة أن يرجعوا عليه بالزيادة) وجملة الأمر أن ~~المخالعة في المرض صحيحة، سواء كان المريض الزوج أو الزوجة، أو هما # PageV07P355 # جميعا؛ لأنه معاوضة، فصح في المرض، كالبيع. ولا نعلم في هذا خلافا. ثم ~~إذا خالعته المريضة بميراثه منها فما دونه، صح، ولا رجوع، إن خالعته ~~بزيادة، بطلت الزيادة. وهذا قول الثوري وإسحاق وقال أبو حنيفة له العوض ~~كله، فإن حابته فمن الثلث؛ لأنه ليس بوارث لها، فصحت محاباتها له من الثلث، ~~كالأجنبي. وعن مالك كالمذهبين. وعنه: يعتبر بخلع مثلها. وقال الشافعي: إن ~~خالعت بمهر مثلها، جاز، وإن زاد، فالزيادة من الثلث. # ولنا، على أنه لا يعتبر مهر المثل، أن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم ~~بما قدمنا، واعتبار مهر المثل تقويم له. وعلى إبطال الزيادة، أنها متهمة في ~~أنها قصدت الخلع لتوصل إليه شيئا من مالها بغير عوض، على وجه لم تكن قادرة ~~عليه وهو وارث لها، فبطل، كما لو أوصت له، أو أقرت له، وأما قدر الميراث، ~~فلا تهمة فيه، فإنها لو لم تخالعه لورث ميراثه. وإن صحت من مرضها ذلك، صح ~~الخلع، وله جميع ما خالعها ms3884 به؛ لأننا تبينا أنه ليس بمرض الموت، والخلع في ~~غير مرض الموت، كالخلع في الصحة. ### | [مسألة خالعها في مرض موته وأوصى لها بأكثر مما كانت ترث] # (5807) مسألة؛ قال: (ولو خالعها في مرض موته، وأوصى لها بأكثر مما كانت ~~ترث، فللورثة أن لا يعطوها أكثر من ميراثها) أما خلعه لزوجته، فلا إشكال في ~~صحته، سواء كان بمهر مثلها، أو أكثر، أو أقل، ولا يعتبر من الثلث؛ لأنه لو ~~طلق بغير عوض لصح، فلأن يصح بعوض أولى، ولأن الورثة لا يفوتهم بخلعه شيء، ~~فإنه لو مات وله امرأة، لبانت بموته، ولم تنتقل إلى ورثته. فأما إن أوصى ~~لها بمثل ميراثها، أو أقل، صح؛ لأنه لا تهمة في أنه أبانها ليعطيها ذلك، ~~فإنه لو لم يبنها لأخذته بميراثها. وإن أوصى لها بزيادة عليه، فللورثة ~~منعها ذلك؛ لأنه اتهم في أنه قصد إيصال ذلك إليها، لأنه لم يكن له سبيل إلى ~~إيصاله إليها وهي في حباله، فطلقها ليوصل ذلك إليها، فمنع منه، كما لو أوصى ~~لوارث. ### | [فصل خالع امرأته على نفقة عدتها] # (5808) فصل: وإذا خالع امرأته على نفقة عدتها، فحكي عن أحمد، وأبي حنيفة، ~~أنه يجوز ذلك وهذا إنما يخرج على أصل أحمد إذا كانت حاملا، أما غير الحامل ~~فلا نفقة لها عليه، فلا تصح عوضا. وقال الشافعي: لا تصح النفقة عوضا، فإن ~~خالعها به وجب مهر المثل؛ لأن النفقة لم تجب، فلا يصح الخلع عليها، كما لو ~~خالعها على عوض ما يتلفه عليها. ولنا، أنها إحدى النفقتين، فصحت المخالعة ~~عليها، كنفقة الصبي فيما إذا خالعته على كفالة ولده # PageV07P356 # وقتا معلوما. وقولهم: إنها لم تجب. ممنوع؛ فإنه قد قيل: إن النفقة تجب ~~بالعقد، ثم إنها إن لم تجب، فقد وجد سبب وجوبها، كنفقة الصبي، بخلاف عوض ما ~~يتلفه. ### | [مسألة خالعته بمحرم وهما كافران فقبضه ثم أسلما أو أحدهما] # (5809) مسألة؛ قال: (ولو خالعته بمحرم، وهما كافران، فقبضه، ثم أسلما، أو ~~أحدهما، لم يرجع عليها بشيء) وجملة ذلك أن الخلع من الكفار جائز، سواء ~~كانوا أهل ms3885 الذمة أو أهل حرب؛ لأن كل من ملك الطلاق، ملك المعاوضة عليه، ~~كالمسلم، فإن تخالعا بعوض صحيح، ثم أسلما وترافعا إلى الحاكم، أمضى ذلك ~~عليهما كالمسلمين، وإن كان بمحرم كخمر وخنزير فقبضه، ثم أسلما، وترافعا ~~إلينا، أو أسلم أحدهما أمضى ذلك عليهما، ولم يعوض له، ولم يرده، ولا يبقى ~~له عليها شيء، كما لو أصدقها خمرا ثم أسلما، أو تبايعا خمرا أو تقابضا ثم ~~أسلما. # وإن كان إسلامهما أو ترافعهما قبل القبض، لم يمضه الحاكم، ولم يأمر ~~بإقباضه؛ لأن الخمر والخنزير لا يجوز أن يكون عوضا لمسلم أو من مسلم، فلا ~~يأمر الحاكم بإقباضه. قال القاضي، في " الجامع ": ولا شيء له؛ لأنه رضي ~~منها بما ليس بمال، كالمسلمين إذا تخالعا بخمر وقال، في " المجرد ": يجب ~~مهر المثل. وهو مذهب الشافعي؛ لأن العوض فاسد، فيرجع إلى قيمة المتلف، وهو ~~مهر المثل. وكلام الخرقي يدل بمفهومه على أنه يجب له شيء؛ لأن تخصيصه حالة ~~القبض بنفي الرجوع، يدل على الرجوع مع عدم القبض، والفرق بينه وبين المسلم، ~~أن المسلم لا يعتقد الخمر والخنزير مالا، فإذا رضي به عوضا، فقد رضي بالخلع ~~بغير مال، فلم يكن له شيء، والمشرك يعتقده مالا، فلم يرض بالخلع بغير عوض، ~~فيكون العوض واجبا له، كما لو خالعها على حر يظنه عبدا، أو خمر يظنه خلا. # إذا ثبت أنه يجب له العوض، فذكر القاضي أنه مهر المثل، كما لو تزوجها على ~~خمر ثم أسلما. وعلى ما عللنا به يقتضي وجوب قيمة ما سمى لها، على تقدير ~~كونه مالا، فإنه رضي بمالية ذلك، فيكون له قدره من المال، كما لو خالعها ~~على خمر يظنه خلا. وإن حصل القبض في بعضه دون بعض، سقط ما قبض، وفيما لم ~~يقبض الوجوه الثلاثة. والأصل فيه قول الله تعالى {وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] . ### | [فصل التوكيل في الخلع] # (5810) فصل: ويصح التوكيل في الخلع، من كل واحد من الزوجين، ومن أحدهما ~~منفردا. وكل من صح أن يتصرف بالخلع لنفسه، جاز ms3886 توكيله ووكالته؛ حرا؛ كان أو ~~عبدا، ذكرا أو أنثى، مسلما أو كافرا، # PageV07P357 # محجورا عليه أو رشيدا؛ لأن كل واحد منهم يجوز أن يوجب الخلع، فصح أن يكون ~~وكيلا وموكلا فيه، كالحر الرشيد. وهذا مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا ~~أعلم فيه خلافا. يكون توكيل المرأة في ثلاثة أشياء استدعاء الخلع أو ~~الطلاق، وتقدير العوض، وتسليمه. وتوكيل الرجل في ثلاثة أشياء؛ شرط العوض، ~~وقبضه، وإيقاع الطلاق أو الخلع. # ويجوز التوكيل مع تقدير العوض، ومن غير تقدير؛ لأنه عقد معاوضة، فصح ~~كذلك، كالبيع والنكاح. والمستحب التقدير؛ لأنه أسلم من الغرر، وأسهل على ~~الوكيل؛ لاستغنائه عن الاجتهاد. فإن وكل الزوج، لم يخل من حالين: الحال ~~الأول، أن يقدر له العوض، فخالع به أو بما زاد، صح، ولزم المسمى؛ لأنه فعل ~~ما أمر به، وإن خالع بأقل منه، ففيه وجهان؛: أحدهما، لا يصح الخلع وهذا ~~اختيار ابن حامد، ومذهب الشافعي؛ لأنه خالف موكله، فلم يصح تصرفه، كما لو ~~وكله في خلع امرأة فخالع أخرى، ولأنه لم يأذن له في الخلع بهذا العوض، فلم ~~يصح منه، كالأجنبي. والثاني، يصح، ويرجع على الوكيل بالنقص. وهذا قول أبي ~~بكر؛ لأن المخالفة في قدر العوض لا تبطل الخلع، كحالة الإطلاق، والأول ~~أولى. # وأما إن خالف في الجنس، مثل أن يأمره بالخلع على دراهم، فخالع على عبد، ~~أو بالعكس، أو يأمره بالخلع حالا، فخالع بعوض نسيئة، فالقياس أنه لا يصح؛ ~~لأنه مخالف لموكله في جنس العوض، فلم يصح تصرفه، كالوكيل في البيع، ولأن ما ~~خالع به لا يملكه الموكل، لكونه لم يأذن فيه، ولا الوكيل؛ لأنه لم يوجد ~~السبب بالنسبة إليه. وفارق المخالفة في القدر؛ لأنه أمكن جبره بالرجوع ~~بالنقص على الوكيل. # وقال القاضي: القياس أن يلزم الوكيل القدر الذي أذن فيه، ويكون له ما ~~خالع، قياسا على المخالفة في القدر، وهذا يبطل بالوكيل في البيع، ولأن هذا ~~خلع لم يأذن فيه الزوج، فلم يصح، كما لو لم يوكله في شيء، ولأنه يفضي إلى ~~أن يملك عوضا ما ملكته إياه ms3887 المرأة، ولا قصد هو تملكه، وتنخلع المرأة من ~~زوجها بغير عوض لزمها له بغير إذنه. وأما المخالفة في القدر، فلا يلزم فيها ~~ذلك، مع أن الصحيح أنه لا يصح الخلع فيها أيضا، لما قدمناه. والحال الثاني، ~~إذا أطلق الوكالة، فإنه يقتضي الخلع بمهرها المسمى حالا من جنس نقد البلد، ~~فإن خالع بذلك فما زاد، صح؛ لأنه زاده خيرا، وإن خالع بدونه، ففيه الوجهان ~~المذكوران فيما إذا قدر له العوض فخالع بدونه. # وذكر القاضي احتمالين آخرين: أحدهما، أن يسقط المسمى، ويجب مهر المثل؛ ~~لأنه خالع بما لم يؤذن له فيه. والثاني، أن يتخير الزوج بين قبول العوض ~~ناقصا ولا رجعة له، وبين رده وله الرجعة. وإن خالع # PageV07P358 # بغير نقد البلد، فحكمه حكم ما لو عين له عوضا فخالع بغير جنسه. وإن خالع ~~الوكيل بما ليس بمال كالخمر والخنزير، لم يصح الخلع، ولم يقع الطلاق؛ لأنه ~~غير مأذون له فيه إنما أذن له في الخلع، وهو إبانة المرأة بعوض، وما أتى ~~به، وإنما أتى بطلاق غير مأذون له فيه. ذكره القاضي، في " المجرد ". وهو ~~مذهب الشافعي. وسواء عين له العوض أو أطلق، وذكر، في " الجامع " أن الخلع ~~يصح. # ويرجع على الوكيل بالمسمى، ولا شيء على المرأة. هذا إذا قلنا: الخلع بلا ~~عوض يصح. وإن قلنا: لا يصح. لم يصح إلا أن يكون بلفظ الطلاق، فيقع طلقة ~~رجعية. واحتج بأن وكيل الزوجة لو خالع بذلك صح، فكذلك وكيل الزوج. وهذا ~~القياس غير صحيح؛ فإن وكيل الزوج يوقع الطلاق فلا يصح أن يوقعه على غير ما ~~أذن له فيه، ووكيل الزوجة لا يوقع، وإنما يقبل، ولأن وكيل الزوج إذا خالع ~~على محرم، فوت على موكله العوض، ووكيل الزوجة يخلصها منه، فلا يلزم من ~~الصحة في موضع يخلص موكله من وجوب العوض عليه، الصحة في موضع يفوته عليه، ~~ألا ترى أن وكيل الزوجة لو صالح بدون العوض الذي قدرته له، صح ولزمها، ولو ~~خالع وكيل الزوج بدون العوض الذي قدره له، لم يلزمه، وأما وكيل ms3888 الزوجة فله ~~حالان؛: أحدهما، أن تقدر له العوض، فمتى خالع به فما دون، صح، ولزمها ذلك: ~~لأنه زادها خيرا، وإن خالع بأكثر منه، صح ولم تلزمها الزيادة؛ لأنها لم ~~تأذن فيها، ولزم الوكيل، لأنه التزمه للزوج، فلزمه الضمان، كالمضارب إذا ~~اشترى من يعتق على رب المال. # وقال القاضي، في " المجرد ": عليها مهر مثلها، ولا شيء على وكيلها؛ لأنه ~~لا يقبل العقد لنفسه، إنما يقبله لغيره. ولعل هذا مذهب الشافعي، والأولى ~~أنه لا يلزمها أكثر مما بذلته؛ لأنها ما التزمت أكثر منه، ولا وجد منها ~~تغرير للزوج، ولا ينبغي أن يجب للزوج أيضا أكثر مما بذل له الوكيل؛ لأنه ~~رضي بذلك عوضا، وهو عوض صحيح معلوم، فلم يكن له أكثر منه، كما لو بذلته ~~المرأة. الثاني، أن يطلق الوكالة، فيقتضي خلعها بمهرها من جنس نقد البلد، ~~فإن خالعها بذلك فما دون، صح، ولزمها، وإن خالعها بأكثر منه، فهو كما لو ~~خالعها بأكثر مما قدرت له، على ما مضى من القول فيه. ### | [فصل اختلفا في الخلع فادعاه الزوج وأنكرته المرأة] # (5811) فصل: إذا اختلفا في الخلع، فادعاه الزوج، وأنكرته المرأة بانت ~~بإقراره، ولم يستحق عليها عوضا؛ لأنها منكرة، وعليها اليمين، وإن ادعته ~~المرأة، وأنكره الزوج، فالقول قوله لذلك، ولا يستحق عليها عوضا # PageV07P359 # لأنه لا يدعيه، فإن اتفقا على الخلع، واختلفا في قدر العوض، أو جنسه، أو ~~حلوله، أو تأجيله، أو صفته، فالقول قول المرأة. حكاه أبو بكر نصا عن أحمد. ~~وهو قول مالك، وأبي حنيفة وذكر القاضي رواية أخرى عن أحمد، أن القول قول ~~الزوج؛ لأن البضع يخرج من ملكه، فكان القول قوله في عوضه، كالسيد مع ~~مكاتبته. # وقال الشافعي: يتحالفان لأنه اختلاف في عوض العقد، فيتحالفان فيه، ~~كالمتبايعين إذا اختلفا في الثمن. ولنا، أنه أحد نوعي الخلع، فكان القول ~~قول المرأة، كالطلاق على مال إذا اختلفا في قدره، ولأن المرأة منكرة ~~للزيادة في القدر أو الصفة، فكان القول قولها؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «اليمين على المدعى عليه» . وأما التحالف في ms3889 البيع، فيحتاج إليه ~~لفسخ العقد، والخلع في نفسه فسخ، فلا يفسخ. # وإن قال: خالعتك بألف. فقالت: إنما خالعك غيري بألف في ذمته. بانت، ~~والقول قولها في نفي العوض عنها؛ لأنها منكرة له. وإن قالت: نعم، ولكن ~~ضمنها لك أبي أو غيره. لزمها الألف، لإقرارها به، والضمان لا يبرئ ذمتها ~~وكذلك إن قالت: خالعتك على ألف يزنه لك أبي. لأنها اعترفت بالألف وادعت على ~~أبيها دعوى، فقبل قولها على نفسها دون غيرها. وإن قال: سألتني طلقة بألف ~~فقالت: بل سألتك ثلاثا بألف، فطلقتني واحدة. بانت بإقرار، والقول قولها في ~~سقوط العوض. وعند أكثر الفقهاء، يلزمها ثلث الألف. بناء على أصلهم فيما إذا ~~قالت: طلقني ثلاثا بألف. فطلقها واحدة، أنه يلزمها ثلث الألف، وإن خالعها ~~على ألف، فادعى أنها دنانير، وقالت: بل هي دراهم. فالقول قولها؛ لما ذكرنا ~~في أول الفصل. ولو قال أحدهما: كانت دراهم قراضية. وقال الآخر: مطلقة. ~~فالقول قولها، إلا على الرواية التي حكاها القاضي، فإن القول قول الزوج في ~~هاتين المسألتين. وإن اتفقا على الإطلاق لزم الألف من غالب نقد البلد. # وإن اتفقا على أنهما أرادا دراهم قراضية، لزمها ما اتفقت إرادتهما عليه. ~~وإن اختلفا في الإرادة، كان حكمها حكم المطلقة، يرجع إلى غالب نقد البلد. ~~وقال القاضي: إذا اختلفا في الإرادة، وجب المهر المسمى في العقد؛ لأن ~~اختلافهما يجعل البدل مجهولا، فيجب المسمى في النكاح. والأول أصح؛ لأنهما ~~لو أطلقا، لصحت التسمية، ووجب الألف من غالب نقد البلد، ولم يكن إطلاقهما ~~جهالة تمنع صحة العوض، فكذلك إذا اختلفا، ولأنه يجيز العوض المجهول إذا لم ~~تكن جهالته تزيد على جهالة مهر المثل، كعبد مطلق وبعير وفرس، والجهالة ها ~~هنا أقل، فالصحة أولى. # PageV07P360 ### | [فصل علق طلاق امرأته بصفة ثم أبانها بخلع أو طلاق ثم عاد فتزوجها ووجدت الصفة] # (5812) فصل: إذا علق طلاق امرأته بصفة، ثم أبانها بخلع أو طلاق، ثم عاد ~~فتزوجها، ووجدت. الصفة، طلقت. ومثاله إذا قال: إن كلمت أباك فأنت طالق. ثم ~~أبانها بخلع، ثم تزوجها، فكلمت ms3890 أباها، فإنها تطلق. نص عليه أحمد. فأما إن ~~وجدت الصفة في حال البينونة، ثم تزوجها، ثم وجدت مرة أخرى، فظاهر المذهب ~~أنها تطلق. وعن أحمد ما يدل على أنها لا تطلق. نص عليه في العتق، في رجل ~~قال لعبده: أنت حر إن دخلت الدار. فباعه، ثم رجع، يعني فاشتراه، فإن رجع ~~وقد دخل الدار لم يعتق. # وإن لم يكن دخل فلا يدخل إذا رجع إليه، فإن دخل عتق. فإذا نص في العتق ~~على أن الصفة لا تعود، وجب أن يكون في الطلاق مثله، بل أولى؛ لأن العتق ~~يتشوف الشرع إليه، ولذلك قال الخرقي: وإذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق. لم ~~تطلق إن تزوجها. ولو قال: إن ملكت فلانا فهو حر. فملكه صار حرا. وهذا ~~اختيار أبي الحسن التميمي. وأكثر أهل العلم يرون أن الصفة لا تعود إذا ~~أبانها بطلاق ثلاث، وإن لم توجد الصفة في حال البينونة. هذا مذهب مالك، ~~وأبي حنيفة، وأحد أقوال الشافعي. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من ~~أهل العلم، على أن الرجل إذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار. ~~فطلقها ثلاثا، ثم نكحت غيره، ثم نكحها الحالف، ثم دخلت الدار، أنه لا يقع ~~عليها الطلاق. وهذا على مذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي، لأن إطلاق الملك ~~يقتضي ذلك فإن أبانها دون الثلاث فوجدت الصفة، ثم تزوجها، انحلت يمينه في ~~قولهم، وإن لم توجد الصفة في البينونة، ثم نكحها، لم تنحل في قول مالك، ~~وأصحاب الرأي، وأحد أقوال الشافعي. وله قول آخر: لا تعود الصفة بحال. وهو ~~اختيار المزني، وأبي إسحاق؛ لأن الإيقاع وجد قبل النكاح فلم يقع، كما لو ~~علقه بالصفة قبل أن يتزوج بها، فإنه لا خلاف في أنه لو قال لأجنبية: أنت ~~طالق إذا دخلت الدار. ثم تزوجها، ودخلت الدار لم تطلق. وهذا في معناه. # فأما إذا وجدت الصفة في حال البينونة، انحلت اليمين؛ لأن الشرط وجد في ~~وقت لا يمكن وقوع الطلاق فيه، فسقطت اليمين، وإذا انحلت مرة، ms3891 لم يمكن عودها ~~إلا بعقد جديد. ولنا أن عقد الصفة ووقوعها وجدا في النكاح، فيقع، كما لو لم ~~يتخلله بينونة، أو كما لو بانت بما دون الثلاث عند مالك، وأبي حنيفة، ولم ~~تفعل الصفة. وقولهم: أن هذا طلاق قبل نكاح. قلنا: يبطل بما إذا لم يكمل ~~الثلاث. وقولهم: تنحل الصفة بفعلها. قلنا: إنما تنحل بفعلها على وجه يحنث ~~به؛ وذلك لأن اليمين حل وعقد، ثم ثبت أن عقدها يفتقر إلى الملك، فكذلك ~~حلها، والحنث لا يحصل بفعل الصفة حال بينونتها، فلا تنحل اليمين. # وأما العتق ففيه روايتان: # PageV07P361 # إحداهما، أن العتق كالنكاح في أن الصفة لا تنحل بوجودها بعد بيعه، فيكون ~~كمسألتنا. والثانية، تنحل؛ لأن الملك الثاني لا يبنى على الأول في شيء من ~~أحكامه. وفارق النكاح، فإنه يبنى على الأول في بعض أحكامه، وهو عدد الطلاق، ~~فجاز أن يبنى عليه في عود الصفة، ولأن هذا يفعل حيلة على إبطال الطلاق ~~المعلق، والحيل خداع لا تحل ما حرم الله، فإن ابن ماجه وابن بطة رويا ~~بإسنادهما، عن أبي موسى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما بال ~~أقوام يلعبون بحدود الله، ويستهزئون بآياته: قد طلقتك، قد راجعتك، قد ~~طلقتك» . وفي لفظ رواه ابن بطة: " خالعتك، وراجعتك طلقتك، راجعتك " وروى ~~بإسناده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» . # (5813) فصل: فإن كانت الصفة لا تعود بعد النكاح الثاني، مثل إن قال: إن ~~أكلت هذا الرغيف فأنت طالق ثلاثا. ثم أبانها، فأكلته، ثم نكحها، لم يحنث؛ ~~لأن حنثه بوجود الصفة في النكاح الثاني، وما وجدت، ولا يمكن إيقاع الطلاق ~~بأكلها له حال البينونة؛ لأن الطلاق لا يلحق البائن. والله تعالى أعلم. # PageV07P362 ### | [كتاب الطلاق] ### | [فصل الطلاق على خمسة أضرب] # الطلاق: حل قيد النكاح. وهو مشروع، والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة ~~والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله تعالى {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . وقال تعالى {يا أيها النبي إذا ms3892 طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] . وأما السنة فما روى «ابن عمر أنه طلق امرأته ~~وهي حائض، فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم ~~تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة ~~التي أمر الله أن يطلق لها النساء» . متفق عليه. في آي وأخبار سوى هذين ~~كثير. # وأجمع الناس على جواز الطلاق، والعبرة دالة على جوازه، فإنه ربما فسدت ~~الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة، وضررا مجردا بإلزام ~~الزوج النفقة والسكنى، وحبس المرأة، مع سوء العشرة، والخصومة الدائمة من ~~غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح، لتزول المفسدة الحاصلة منه. ~~(5814) فصل: والطلاق على خمسة أضرب؛ واجب، وهو طلاق المولي بعد التربص إذا ~~أبى الفيئة، وطلاق الحكمين في الشقاق، إذا رأيا ذلك. ومكروه، وهو الطلاق من ~~غير حاجة إليه. وقال القاضي: فيه روايتان؛ إحداهما: أنه محرم؛ لأنه ضرر ~~بنفسه وزوجته، وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه، فكان حراما، ~~كإتلاف المال، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» . ~~والثانية، أنه مباح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «أبغض الحلال إلى ~~الله الطلاق.» وفي لفظ # PageV07P363 # : «ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق.» رواه أبو داود # وإنما يكون مبغضا من غير حاجة إليه، وقد سماه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- حلالا، ولأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها، فيكون ~~مكروها. والثالث، مباح، وهو عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة، وسوء عشرتها، ~~والتضرر بها من غير حصول الغرض بها. والرابع، مندوب إليه، وهو عند تفريط ~~المرأة في حقوق الله الواجبة عليها، مثل الصلاة ونحوها، ولا يمكنه إجبارها ~~عليها، أو تكون له امرأة غير عفيفة. قال أحمد: لا ينبغي له إمساكها؛ وذلك ~~لأن فيه نقصا لدينه، ولا يأمن إفسادها لفراشه، وإلحاقها به ولدا ليس هو ~~منه، ولا بأس بعضلها في هذه ms3893 الحال، والتضييق عليها؛ لتفتدي منه، قال الله ~~تعالى {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} ~~[النساء: 19] . # ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب. ومن المندوب إليه الطلاق في حال ~~الشقاق، وفي الحال التي تحوج المرأة إلى المخالعة لتزيل عنها الضرر. وأما ~~المحظور، فالطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، أجمع العلماء في جميع ~~الأمصار وكل الأعصار على تحريمه، ويسمى طلاق البدعة؛ لأن المطلق خالف ~~السنة، وترك أمر الله تعالى ورسوله، قال الله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن شاء طلق قبل أن يمس، ~~فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» # وفي لفظ رواه الدارقطني بإسناده عن «ابن عمر، أنه طلق امرأته تطليقة وهي ~~حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين آخرتين عند القرأين، فبلغ ذلك رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ابن عمر، ما هكذا أمرك الله؛ إنك أخطأت ~~السنة، والسنة أن تستقبل الطهر، فتطلق لكل قرء.» ولأنه إذا طلق في الحيض ~~طول العدة عليها؛ فإن الحيضة التي طلق فيها لا تحسب من عدتها، ولا الطهر ~~الذي بعدها عند من يجعل الأقراء الحيض، وإذا طلق في طهر أصابها فيه، لم ~~يأمن أن تكون حاملا، فيندم، وتكون مرتابة لا تدري أتعتد بالحمل أو الأقراء؟ ### | [مسألة طلاق السنة] # (5815) مسألة؛ قال: (وطلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع واحدة، ثم ~~يدعها حتى تنقضي عدتها) # PageV07P364 # معنى طلاق السنة الطلاق الذي وافق أمر الله تعالى وأمر رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الآية والخبرين المذكورين، وهو الطلاق في طهر لم يصبها فيه، ~~ثم يتركها حتى تنقضي عدتها ولا خلاف في أنه إذا طلقها في طهر لم يصبها فيه، ~~ثم تركها حتى تنقضي عدتها، أنه مصيب للسنة، مطلق للعدة التي أمر الله بها. ~~قاله ابن عبد البر، وابن المنذر وقال ابن مسعود: طلاق السنة أن يطلقها من ~~غير جماع. وقال في قوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] . وقال: طاهرا ~~من غير جماع. ونحوه ms3894 عن ابن عباس وفي حديث ابن عمر الذي رويناه: «ليتركها ~~حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك ~~العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» . فأما قوله: ثم يدعها حتى تنقضي ~~عدتها. فمعناه أنه لا يتبعها طلاقا آخر قبل قضاء عدتها، ولو طلقها ثلاثا في ~~ثلاثة أطهار، كان حكم ذلك حكم جمع الثلاث في طهر واحد. قال أحمد: طلاق ~~السنة واحدة، ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض. وكذلك قال مالك والأوزاعي، ~~والشافعي وأبو عبيد وقال أبو حنيفة، والثوري: السنة أن يطلقها ثلاثا، في كل ~~قرء طلقة. وهو قول سائر، الكوفيين واحتجوا بحديث ابن عمر، حين قال له النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «راجعها، ثم أمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر.» ~~قالوا: وإنما أمره بإمساكها في هذا الطهر؛ لأنه لم يفصل بينه وبين الطلاق ~~طهر كامل، فإذا مضى ومضت الحيضة التي بعده، أمره بطلاقها، وقوله في حديثه ~~الآخر: " والسنة أن يستقبل الطهر، فيطلق لكل قرء ". # وروى النسائي بإسناده عن عبد الله، قال: طلاق السنة أن يطلقها تطليقة، ~~وهي طاهر، في غير جماع، فإذا حاضت وطهرت، طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت ~~طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة. ولنا، ما روي عن علي - رضي الله عنه - ~~أنه قال: لا يطلق أحد للسنة فيندم. رواه الأثرم. وهذا إنما يحصل في حق من ~~لم يطلق ثلاثا. وقال ابن سيرين: أن عليا كرم الله وجهه قال: لو أن الناس ~~أخذوا بما أمر الله من الطلاق، ما يتبع رجل نفسه امرأة أبدا، يطلقها ~~تطليقة، ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاثة، فمتى شاء راجعها. رواه ~~النجاد بإسناده. # وروى ابن عبد البر، بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: طلاق السنة أن يطلقها ~~وهي طاهر، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، أو يراجعها إن شاء. فأما حديث ابن عمر ~~الأول، فلا حجة فيه؛ لأنه ليس فيه جمع الثلاث، وأما حديثه الآخر، فيحتمل أن ~~يكون ذلك بعد ارتجاعها، ms3895 ومتى ارتجع بعد الطلقة ثم طلقها، # PageV07P365 # كان للسنة على كل حال، حتى قد قال أبو حنيفة: لو أمسكها بيده لشهوة، ثم ~~والى بين الثلاث، كان مصيبا للسنة؛ لأنه يكون مرتجعا لها. # والمعنى فيه أنه إذا ارتجعها، سقط حكم الطلقة الأولى، فصارت كأنها لم ~~توجد، ولا غنى به عن الطلقة الأخرى إذا احتاج إلى فراق امرأته، بخلاف ما ~~إذا لم يرتجعها؛ فإنه مستغن عنها، لإفضائها إلى مقصوده من إبانتها، ~~فافترقا، ولأن ما ذكروه إرداف طلاق من غير ارتجاع، فلم يكن للسنة، كجمع ~~الثلاث في طهر واحد، وتحريم المرأة لا يزول إلا بزوج وإصابة من غير حاجة، ~~فلم يكن للسنة، كجمع الثلاث. ### | [فصل طلاق البدعة] # (5816) فصل: فإن طلق للبدعة، وهو أن يطلقها حائضا، أو في طهر أصابها فيه، ~~أثم، ووقع طلاقه. في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر، وابن عبد البر: ~~لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال. وحكاه أبو نصر عن ابن علية، وهشام ~~بن الحكم، والشيعة قالوا: لا يقع طلاقه؛ لأن الله تعالى أمر به في قبل ~~العدة، فإذا طلق في غيره لم يقع، كالوكيل إذا أوقعه في زمن أمره موكله ~~بإيقاعه في غيره. # ولنا حديث ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فأمره النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يراجعها. وفي رواية الدارقطني قال: «فقلت: يا رسول الله، ~~أفرأيت لو أني طلقتها ثلاثا، أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين ~~منك، وتكون معصية.» وقال نافع: وكان عبد الله طلقها تطليقة، فحسبت من ~~طلاقه، وراجعها كما أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومن رواية يونس ~~بن جبير، عن ابن عمر، قال: قلت لابن عمر: أفتعتد عليه، أو تحتسب عليه؟ قال: ~~نعم أرأيت إن عجز واستحمق، وكلها أحاديث صحاح. لأنه طلاق من مكلف في محل ~~الطلاق، فوقع، كطلاق الحامل، ولأنه ليس بقربه، فيعتبر لوقوعه موافقة السنة، ~~بل هو إزالة عصمة، وقطع ملك، فإيقاعه في زمن البدعة أولى، تغليظا عليه، ~~وعقوبة له، أما غير الزوج، فلا يملك ms3896 الطلاق، والزوج يملكه بملكه محله. ### | [فصل مراجعة المطلقة] # (5817) فصل: ويستحب أن يراجعها، لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بمراجعتها، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، ولأنه بالرجعة يزيل المعنى الذي ~~حرم الطلاق. ولا يجب ذلك في ظاهر المذهب. وهو قول الثوري، والأوزاعي، ~~والشافعي، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي. وحكى ابن أبي موسى، عن أحمد، رواية ~~أخرى، # PageV07P366 # أن الرجعة تجب. واختارها. وهو قول مالك، وداود؛ لظاهر الأمر في الوجوب، ~~ولأن الرجعة تجري مجرى استبقاء النكاح، واستبقاؤه هاهنا واجب؛ بدليل تحريم ~~الطلاق، ولأن الرجعة إمساك للزوجة، بدليل قوله تعالى {فأمسكوهن بمعروف} ~~[البقرة: 231] فوجب ذلك كإمساكها قبل الطلاق. # وقال مالك، وداود: يجبر على رجعتها. قال أصحاب مالك: يجبر على رجعتها ما ~~دامت في العدة. إلا أشهب، قال: ما لم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر؛ لأنه لا يجب ~~عليه إمساكها في تلك الحال، فلا يجب عليه رجعتها فيه. ولنا، أنه طلاق لا ~~يرتفع بالرجعة، فلم تجب عليه الرجعة فيه، كالطلاق في طهر مسها فيه، فإنهم ~~أجمعوا على أن الرجعة لا تجب. حكاه ابن عبد البر عن جميع العلماء. وما ~~ذكروه من المعنى ينتقض بهذه الصورة. # وأما الأمر بالرجعة فمحمول على الاستحباب؛ لما ذكرنا. (5818) فصل: فإن ~~راجعها، وجب إمساكها حتى تطهر، واستحب إمساكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر، ~~على ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر الذي رويناه. ~~قال ابن عبد البر: ذلك من وجوه عند أهل العلم؛ منها، أن الرجعة لا تكاد ~~تعلم صحتها؛ إلا بالوطء؛ لأنه المبغي من النكاح، ولا يحصل الوطء إلا في ~~الطهر، فإذا وطئها حرم طلاقها فيه حتى تحيض ثم تطهر، واعتبرنا مظنة الوطء ~~ومحله لا حقيقته، ومنها أن الطلاق كره في الحيض لتطويل العدة، فلو طلقها ~~عقيب الرجعة من غير وطء، كانت في معنى المطلقة قبل الدخول، وكانت تبني على ~~عدتها، فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع حكم الطلاق بالوطء، ~~واعتبر الطهر الذي هو موضع الوطء، فإذا وطئ حرم طلاقها حتى تحيض ثم ms3897 تطهر، ~~وقد جاء في حديث عن ابن عمر، أن رسول # PageV07P367 # الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مره أن يراجعها، فإذا طهرت مسها، حتى ~~إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها» . رواه ابن عبد البر. # ومنها، أنه عوقب على إيقاعه في الوقت المحرم بمنعه منه في الوقت الذي ~~يباح له. وذكر غير هذا. فإن طلقها في الطهر الذي يلي الحيضة قبل أن يمسها، ~~فهو طلاق سنة. وقال أصحاب مالك: لا يطلقها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، على ~~ما جاء في الحديث. # ولنا، قوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] وهذا مطلق للعدة، فيدخل ~~في الأمر. وقد روى يونس بن جبير، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وزيد بن أسلم، ~~وأبو الزبير، عن ابن عمر «، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن ~~يراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق، وإن شاء أمسك. ولم يذكروا تلك الزيادة» . ~~وهو حديث صحيح متفق عليه. ولأنه طهر لم يمسها فيه، فأشبه الثاني، وحديثهم ~~محمول على الاستحباب. ### | [مسألة طلقها ثلاثا في طهر لم يصبها فيه] # (5819) مسألة؛ قال: (ولو طلقها ثلاثا في طهر لم يصبها فيه، كان أيضا ~~للسنة، وكان تاركا للاختيار) اختلفت الرواية عن أحمد في جمع الثلاث؛ فروي ~~عنه أنه غير محرم. اختاره الخرقي. وهو مذهب الشافعي وأبي ثور، وداود، وروي ~~ذلك عن الحسن بن علي، وعبد الرحمن بن عوف، والشعبي «؛ لأن عويمر العجلاني ~~لما لاعن امرأته، قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا ~~قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . متفق عليه. ولم ينقل ~~إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وعن عائشة «أن امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني، فبت طلاقي» . متفق عليه. وفي حديث ~~فاطمة بنت قيس، أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات. ولأنه طلاق جاز تفريقه، ~~فجاز جمعه، كطلاق النساء. والرواية الثانية، أن جمع الثلاث طلاق بدعة، ~~محرم. اختارها أبو بكر، وأبو حفص. روي ذلك ms3898 عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن ~~عباس، وابن عمر. وهو قول مالك، وأبي حنيفة،. قال علي، - رضي الله عنه -: لا ~~يطلق أحد للسنة فيندم. وفي رواية قال: يطلقها واحدة، ثم يدعها ما بينها ~~وبين أن تحيض ثلاث حيض، فمتى شاء راجعها،. وعن، عمر - رضي الله عنه - أنه ~~كان إذا أتي برجل طلق ثلاثا، أوجعه ضربا. # وعن مالك بن الحارث قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ~~ثلاثا. فقال: إن عمك عصى الله، وأطاع الشيطان، فلم يجعل الله له مخرجا، ~~ووجه ذلك قول الله تعالى {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] إلى قوله {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] . ~~ثم قال بعد ذلك {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] {ومن يتق الله ~~يجعل له من أمره يسرا} [الطلاق: 4] . ومن جمع الثلاث لم يبق له أمر يحدث، ~~ولا يجعل الله له مخرجا ولا من أمره يسرا. # وروى النسائي، بإسناده عن محمود بن لبيد قال: «أخبر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فغضب، ثم قال: أيلعب ~~بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ . حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله» ~~وفي حديث ابن عمر قال: «قلت: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ قال: ~~إذا عصيت ربك، وبانت منك امرأتك» . وروى الدارقطني، بإسناده عن علي، قال: ~~«سمع النبي # PageV07P368 # - صلى الله عليه وسلم - رجلا طلق امرأته ألبتة، فغضب، وقال: تتخذون آيات ~~الله هزوا، أو لعبا؟ من طلق ألبتة ألزمناه ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا ~~غيره» . # ولأنه تحريم للبضع بقول الزوج من غير حاجة، فحرم كالظهار، بل هذا أولى؛ ~~لأن الظهار يرتفع تحريمه بالتكفير، وهذا لا سبيل للزوج إلى رفعه بحال، ~~ولأنه ضرر وإضرار بنفسه وبامرأته من غير حاجة، فيدخل في عموم النهي، وربما ~~كان وسيلة إلى عوده إليها حراما، أو بحيلة لا تزيل التحريم، ووقوع الندم، ~~وخسارة الدنيا والآخرة، فكان أولى بالتحريم من الطلاق ms3899 في الحيض، الذي ضرره ~~بقاؤها في العدة أياما يسيرة، أو الطلاق في طهر مسها فيه، الذي ضرره احتمال ~~الندم بظهور الحمل؛ فإن ضرر جمع الثلاث يتضاعف على ذلك أضعافا كثيرة، ~~فالتحري ثم تنبيه على التحريم هاهنا، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، رواه ~~الأثرم وغيره، ولم يصح عندنا في عصرهم خلاف قولهم، فيكون ذلك إجماعا. # وأما حديث المتلاعنين فغير لازم؛ لأن الفرقة لم تقع بالطلاق، فإنها وقعت ~~بمجرد لعانهما. وعند الشافعي بمجرد لعان الزوج، فلا حجة فيه. ثم إن اللعان ~~يوجب تحريما مؤبدا، فالطلاق بعده كالطلاق بعد انفساخ النكاح بالرضاع أو ~~غيره، ولأن جمع الثلاث إنما حرم لما يعقبه من الندم، ويحصل به من الضرر، ~~ويفوت عليه من حل نكاحها، ولا يحصل ذلك بالطلاق بعد اللعان، لحصوله ~~باللعان، وسائر الأحاديث لم يقع فيها جمع الثلاث بين يدي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيكون مقرا عليه، ولا حضر المطلق عند النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حين أخبر بذلك لينكر عليه. على أن حديث فاطمة، قد جاء فيه أنه أرسل ~~إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وحديث امرأة رفاعة جاء فيه أنه ~~طلقها آخر ثلاث تطليقات، متفق عليه، فلم يكن في شيء من ذلك جمع الثلاث، ولا ~~خلاف بين الجميع في أن الاختيار والأولى أن يطلق واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي ~~عدتها، إلا ما حكينا من قول من قال: إنه يطلقها في كل قرء طلقة. # والأول أولى؛ فإن في ذلك امتثالا لأمر الله سبحانه وموافقة لقول السلف. ~~وأمنا من الندم، فإنه متى ندم راجعها، فإن فاته ذلك بانقضاء عدتها، فله ~~نكاحها. قال محمد بن سيرين: إن عليا كرم الله وجهه قال: لو أن الناس أخذوا ~~بما أمر الله من الطلاق، ما يتبع رجل نفسه امرأة أبدا، يطلقها تطليقة ثم ~~يدعها، ما بينها وبين أن تحيض ثلاثا، فمتى شاء راجعها. رواه النجاد ~~بإسناده. وعن عبد الله قال: من أراد أن يطلق الطلاق الذي هو الطلاق، ~~فليمهل، حتى إذا حاضت ثم طهرت، طلقها ms3900 تطليقة في غير جماع، ثم يدعها حتى ~~تنقضي عدتها، ولا يطلقها ثلاثا وهي حامل، فيجمع الله عليه نفقتها وأجر ~~رضاعها، ويندمه الله، فلا يستطيع إليها سبيلا. # PageV07P369 ### | [فصل طلق ثلاثا بكلمة واحدة] # (5820) فصل: وإن طلق ثلاثا بكلمة واحدة، وقع الثلاث، وحرمت عليه حتى تنكح ~~زوجا غيره، ولا فرق بين قبل الدخول وبعده. روي ذلك عن ابن عباس، وأبي ~~هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وأنس. وهو قول أكثر أهل ~~العلم من التابعين والأئمة بعدهم. وكان عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وأبو ~~الشعثاء، وعمرو بن دينار، يقولون: من طلق البكر ثلاثة فهي واحدة. وروى طاوس ~~عن ابن عباس، قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة» . رواه أبو داود # وروى سعيد بن جبير، وعمرو بن دينار، ومجاهد، ومالك بن الحارث، عن ابن ~~عباس، خلاف رواية طاوس، أخرجه أيضا أبو داود. وأفتى ابن عباس بخلاف ما رواه ~~عنه طاوس. وقد ذكرنا حديث ابن عمر: أرأيت لو طلقتها ثلاثا. وروى الدارقطني، ~~بإسناده عن عبادة بن الصامت، قال: «طلق بعض آبائي امرأته ألفا، فانطلق بنوه ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، إن أبانا طلق ~~أمنا ألفا، فهل له مخرج؟ فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره ~~مخرجا، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبعة وتسعون إثما في عنقه» ~~. # ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقا، فصح مجتمعا، كسائر الأملاك. فأما ~~حديث ابن عباس، فقد صحت الرواية عنه بخلافه، وأفتى أيضا بخلافه. قال ~~الأثرم: سألت أبا عبد الله، عن حديث ابن عباس، بأي شيء تدفعه؟ فقال: أدفعه ~~برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه. ثم ذكر عن عدة، عن ابن عباس من ~~وجوه، أنها ثلاث. وقيل: معنى حديث ابن عباس، أن الناس كانوا يطلقون واحدة ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وإلا فلا يجوز أن ~~يخالف عمر ما ms3901 كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، ولا ~~يسوغ لابن عباس أن يروي هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويفتي ~~بخلافه. ### | [فصل طلق اثنتين في طهر ثم تركها حتى انقضت عدتها] # فصل: وإن طلق اثنتين في طهر، ثم تركها حتى انقضت عدتها، فهو للسنة؛ لأنه ~~لم يحرمها على نفسه، ولم يسد على نفسه المخرج من الندم، ولكنه ترك ~~الاختيار؛ لأنه فوت على نفسه طلقة جعلها الله له من غير فائدة تحصل بها، ~~فكان مكروها، كتضييع المال. ### | [مسألة قال لها أنت طالق للسنة وكانت حاملا أو طاهرا] # (5822) مسألة؛ قال: (وإذا قال لها: أنت طالق للسنة. وكانت حاملا أو طاهرا ~~لم يجامعها فيه، فقد وقع الطلاق، وإن # PageV07P370 # كانت حائضا، لزمها الطلاق إذا طهرت، وإن كانت طاهرة مجامعة فيه، فإذا ~~طهرت من الحيضة المستقبلة، لزمها الطلاق) . وجملة ذلك أنه إذا قال لامرأته: ~~أنت طالق للسنة. فمعناه في وقت السنة، فإن كانت طاهرا غير مجامعة فيه، فهو ~~وقت السنة على ما أسلفناه، وكذلك إن كانت حاملا. قال ابن عبد البر: لا خلاف ~~بين العلماء أن الحمل طلاقها للسنة. # وقال أحمد: أذهب إلى حديث سالم عن أبيه: «ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا» . ~~أخرجه مسلم وغيره. فأمره بالطلاق في الطهر أو في الحمل، فطلاق السنة ما ~~وافق الأمر، ولأن مطلق الحامل التي استبان حملها قد دخل على بصيرة، فلا ~~يخاف ظهور أمر يتجدد به الندم، وليست مرتابة؛ لعدم اشتباه الأمر عليها، ~~فإذا قال لها: أنت طالق للسنة. في هاتين الحالتين، طلقت؛ لأنه وصف الطلقة ~~بصفتها، فوقعت في الحال. وإن قال ذلك لحائض، لم تقع في الحال؛ لأن طلاقها ~~طلاق بدعة. لكن إذا طهرت طلقت؛ لأن الصفة وجدت حينئذ، فصار كأنه قال: أنت ~~طالق في النهار. فإن كانت في النهار طلقت، وإن كانت في الليل طلقت إذا جاء ~~النهار. # وإن كانت في طهر جامعها فيه، لم يقع حتى تحيض ثم تطهر؛ لأن الطهر الذي ~~جامعها فيه والحيض بعده زمان بدعة، فإذا ms3902 طهرت من الحيضة المستقبلة، طلقت ~~حينئذ، لأن الصفة وجدت. وهذا كله مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ولا أعلم فيه ~~مخالفا. فإن أولج في آخر الحيضة، واتصل بأول الطهر، أو أولج مع أول الطهر، ~~لم يقع الطلاق في ذلك الطهر، لكن متى جاء طهر لم يجامعها فيه، طلقت في ~~أوله. وهذا كله. مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه مخالفا. (5823) فصل: إذا انقطع ~~الدم من الحيض فقد دخل زمان السنة، ويقع عليها طلاق السنة وإن لم تغتسل. ~~كذلك قال أحمد. وهو ظاهر كلام الخرقي. وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض مثل ذلك، وإن انقطع الدم لدون ~~أكثره، لم يقع حتى تغتسل، أو تتيمم عند عدم الماء وتصلي، أو يخرج عنها وقت ~~صلاة؛ لأنه متى لم يوجد، فما حكمنا بانقطاع حيضها. ولنا، أنها طاهر. فوقع ~~بها طلاق السنة، كالتي طهرت لأكثر الحيض؛ والدليل على أنها طاهر، أنها تؤمر ~~بالغسل، ويلزمها ذلك، ويصح منها، وتؤمر بالصلاة، وتصح صلاتها، ولأن في حديث ~~ابن عمر: «فإذا طهرت، طلقها إن شاء» . وما قاله غير صحيح، فإننا لو لم نحكم ~~بالطهر، لما أمرناها بالغسل، ولا صح منها. # PageV07P371 ### | [مسألة قال لها أنت طالق للبدعة وهي في طهر لم يصبها فيه] # (5824) مسألة؛ قال: (ولو قال لها: أنت طالق للبدعة. وهي في طهر لم يصبها ~~فيه، لم تطلق حتى يصيبها أو تحيض) . هذه المسألة عكس تلك؛ فإنه وصف الطلقة ~~بأنها للبدعة، إن قال ذلك لحائض أو طاهر مجامعة فيه، وقع الطلاق في الحال؛ ~~لأنه وصف الطلقة بصفتها. وإن كانت في طهر لم يصبها فيه، لم يقع في الحال، ~~فإذا حاضت طلقت بأول جزء من الحيض، وإن أصابها طلقت بالتقاء الختانين، فإن ~~نزع من غير توقف، فلا شيء عليها، وإن أولج بعد النزع، فقد وطئ مطلقته، ~~ويأتي بيان حكم ذلك. وإن أصابها، واستدام ذلك، فسنذكرها أيضا إن شاء الله ~~تعالى فيما بعد. ### | [فصل قال لطاهر أنت طالق للبدعة في الحال] # (5825) فصل: فإن قال لطاهر: أنت طالق للبدعة في الحال. فقد ms3903 قيل: إن الصفة ~~تلغو، ويقع الطلاق؛ لأنه وصفها بما لا تتصف به، فلغت الصفة دون الطلاق. ~~ويحتمل أن تطلق في الحال ثلاثا؛ لأن ذلك طلاق بدعة، فانصرف الوصف بالبدعة ~~إليه، لتعذر صفة البدعة من الجهة الأخرى. وإن قال لحائض: أنت طالق للسنة في ~~الحال، لغت الصفة، ووقع الطلاق؛ لأنه وصف الطلقة بما لا تتصف به. وإن قال: ~~أنت طالق ثلاثا للسنة، وثلاثا للبدعة. طلقت ثلاثا في الحال، بناء على ما ~~سنذكره. ### | [فصل قال أنت طالق ثلاثا للسنة] # (5826) فصل: وإن قال: أنت طالق ثلاثا للسنة. فالمنصوص عن أحمد، أنها تطلق ~~ثلاثا إن كانت طاهرا طهرا غير مجامعة فيه، وإن كانت حائضا، طلقت ثلاثا إذا ~~طهرت. وهذا مذهب الشافعي. وقال القاضي، وأبو الخطاب: هذا على الرواية التي ~~قال فيها: إن جمع الثلاث يكون سنة، فأما على الرواية الأخرى، فإذا طهرت ~~طلقت واحدة، وتطلق الثانية والثالثة في نكاحين آخرين، أو بعد رجعتين. وقد ~~أنكر أحمد هذا، فقال في رواية مهنا: إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا ~~للسنة. قد اختلفوا فيه، فمنهم من يقول: يقع عليها الساعة واحدة، فلو راجعها ~~تقع عليها تطليقة أخرى، وتكون عنده على أخرى. وما يعجبني قولهم هذا. # فيحتمل أن أحمد أوقع الثلاث؛ لأن ذلك عنده سنة، ويحتمل أنه أوقعها لوصفه ~~الثلاث بما لا تتصف به فألغى الصفة، وأوقع الطلاق، كما لو قال لحائض: أنت ~~طالق في الحال للسنة. وقد قال، في رواية أبي الحارث، ما يدل على هذا، قال: ~~يقع عليها الثلاث، ولا معنى لقوله: للسنة. وقال أبو حنيفة: يقع في كل قرء ~~طلقة، وإن كانت من ذوات الأشهر وقع في كل شهر طلقة. وبناه على أصله في أن ~~السنة تفريق الثلاث على الأطهار، وقد بينا أن ذلك في حكم جمع الثلاث. إن ~~قال: أردت # PageV07P372 # بقولي: للسنة إيقاع واحدة في الحال، واثنتين في نكاحين آخرين. قبل منه، ~~وإن قال: أردت أن يقع في كل قرء طلقة. قبل أيضا؛ لأنه مذهب طائفة من أهل ~~العلم، وقد ورد به الأثر، فلا ms3904 يبعد أن يريده. وقال أصحابنا: يدين. وهل يقبل ~~في الحكم؟ على وجهين؛: أحدهما لا يقبل؛ لأن ذلك ليس بسنة. والثاني، يقبل؛ ~~لما قدمنا. # فإن كانت في زمن البدعة، فقال: سبق لساني إلى قول: للسنة، ولم أرده، ~~وإنما أردت الإيقاع في الحال. وقع في الحال؛ لأنه مالك لإيقاعها، فإذا ~~اعترف بما يوقعها، قبل منه. ### | [فصل قال أنت طالق ثلاثا بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة] # (5827) فصل: إذا قال: أنت طالق ثلاثا بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة. طلقت ~~في الحال طلقتين وتأخرت الثالثة إلى الحال الأخرى؛ لأنه سوى بين الحالين، ~~فاقتضى الظاهر أن يكونا سواء فيقع في الحال طلقة ونصف ثم يكمل النصف؛ لكون ~~الطلاق لا يتبعض، فيقع طلقتان. ويحتمل أن تقع طلقة، وتتأخر اثنتان إلى ~~الحال الأخرى؛ لأن البعض يقع على ما دون الكل، ويتناول القليل من ذلك ~~والكثير، فيقع أقل ما يقع عليه الاسم؛ لأنه اليقين، وما زاد لا يقع بالشك، ~~فيتأخر إلى الحال الأخرى. فإن قيل: فلم لا يقع من كل طلقة بعضها، ثم تكمل، ~~فيقع الثلاث؟ قلنا: متى أمكنت القسمة من غير تكسير، وجب القسمة على الصحة. # وإن قال: نصفهن للسنة، ونصفهن للبدعة. وقع في الحال طلقتان، وتأخرت ~~الثالثة. وإن قال: طلقتان للسنة، وواحدة للبدعة، أو طلقتان للبدعة، وواحدة ~~للسنة. فهو على ما قال. وإن أطلق، ثم قال: نويت ذلك. فإن فسر نيته بما يوقع ~~في الحال طلقتين، قبل؛ لأنه مقتضى الإطلاق، ولأنه غير متهم فيه. وإن فسرها ~~بما يوقع طلقة واحدة، ويؤخر اثنتين، دين فيما بينه وبين الله تعالى. وهل ~~يقبل في الحكم؟ فيه وجهان؛ أظهرهما، أنه يقبل؛ لأن البعض حقيقة في القليل ~~والكثير، فما فسر كلامه به لا يخالف الحقيقة، فيجب أن يقبل. والثاني، لا ~~يقبل؛ لأنه فسر كلامه بأخف مما يلزمه حالة الإطلاق. ومذهب الشافعي على نحو ~~هذا. # فإن قال: أنت طالق ثلاثا، بعضها للسنة. ولم يذكر شيئا آخر، احتمل أن تكون ~~كالتي قبلها؛ لأنه يلزم من ذلك أن يكون بعضها للبدعة، فأشبه ما لو صرح به. ~~ويحتمل ms3905 أنه لا يقع في الحال إلا واحدة؛ لأنه لم يسو بين الحالين، والبعض لا ~~يقتضي النصف، فتقع الواحدة؛ لأنها اليقين، والزائد لا يقع بالشك. وكذلك لو ~~قال بعضها للسنة وباقيها للبدعة، أو سائرها للبدعة. # PageV07P373 ### | [فصل قال أنت طالق إذا قدم زيد فقدم وهي حائض] # (5828) فصل: إذا قال: أنت طالق إذا قدم زيد. فقدم وهي حائض، طلقت للبدعة، ~~ولم يأثم؛ لأنه لم يقصده. وإن قال: أنت طالق إذا قدم زيد للسنة. فقدم في ~~زمان السنة، طلقت. وإن قدم في زمان البدعة، لم يقع، حتى إذا صارت إلى زمان ~~السنة وقع، ويصير كأنه قال حين قدم زيد: أنت طالق للسنة؛ لأنه أوقع الطلاق ~~بقدوم زيد على صفة، فلا يقع إلا عليها. وإن قال لها: أنت طالق للسنة إذا ~~قدم زيد. قبل أن يدخل بها، طلقت عند قدومه، حائضا كانت أو طاهرا؛ لأنها لا ~~سنة لطلاقها ولا بدعة. وإن قدم بعد دخوله بها، وهي في طهر لم يصبها فيه، ~~طلقت. # وإن قدم في زمن البدعة، لم تطلق حتى يجيء زمن السنة؛ لأنها صارت ممن ~~لطلاقها سنة وبدعة. وإن قال لامرأته: أنت طالق إذا جاء رأس الشهر للسنة. ~~فكان رأس الشهر في زمان السنة، وقع، وإلا وقع إذا جاء زمان السنة. ### | [مسألة قال لها وهي حائض ولم يدخل بها أنت طالق للسنة] # (5829) مسألة؛ قال: (ولو قال لها، وهي حائض، ولم يدخل بها: أنت طالق ~~للسنة. طلقت من وقتها؛ لأنه لا سنة فيه ولا بدعة) قال ابن عبد البر: أجمع ~~العلماء أن طلاق السنة إنما هو للمدخول بها، أما غير المدخول بها، فليس ~~لطلاقها سنة ولا بدعة، إلا في عدد الطلاق، على اختلاف بينهم فيه؛ وذلك لأن ~~الطلاق في حق المدخول بها إذا كانت من ذوات الأقراء إنما كان له سنة وبدعة؛ ~~لأن العدة تطول عليها بالطلاق في الحيض، وترتاب بالطلاق في الطهر الذي ~~جامعها فيه، وينتفي عنها الأمران بالطلاق في الطهر الذي لم يجامعها فيه، ~~أما غير المدخول بها، فلا عدة عليها تنفي تطويلها ms3906 أو الارتياب فيها، وكذلك ~~ذوات الأشهر؛ كالصغيرة التي لم تحض، والآيسات من المحيض لا سنة لطلاقهن ولا ~~بدعة؛ لأن العدة لا تطول بطلاقها في حال، ولا تحمل فترتاب. # وكذلك الحامل التي استبان حملها، فهؤلاء كلهن ليس لطلاقهن سنة ولا بدعة ~~من جهة الوقت، في قول أصحابنا. وهو مذهب الشافعي، وكثير من أهل العلم. فإذا ~~قال لإحدى هؤلاء: أنت طالق للسنة أو للبدعة. وقعت الطلقة في الحال، ولغت ~~الصفة؛ لأن طلاقها لا يتصف بذلك، فصار كأنه قال: أنت طالق. ولم يزد. # وكذلك إن قال: أنت طالق للسنة والبدعة. أو قال: أنت طالق لا للسنة ولا ~~للبدعة. طلقت في الحال؛ لأنه وصف الطلقة بصفتها. ويحتمل كلام الخرقي أن ~~يكون للحامل طلاق سنة؛ لأنه طلاق أمر به بقوله - عليه السلام -: " ثم ~~ليطلقها طاهرا أو حاملا ". وهو أيضا ظاهر كلام # PageV07P374 # أحمد، فإنه قال: أذهب إلى حديث سالم عن أبيه. يعني هذا الحديث. ولأنها في ~~حال انتقلت إليها بعد زمن البدعة، ويمكن أن تنتقل عنها إلى زمان البدعة، ~~فكان طلاقها طلاق سنة، كالطاهر من الحيض من غير مجامعة. # ويتفرع من هذا، أنه لو قال لها: أنت طالق للبدعة. لم تطلق في الحال، فإذا ~~وضعت الحمل طلقت؛ لأن النفاس زمان بدعة، كالحيض. ### | [فصل قال لصغيرة أو غير مدخول بها أنت طالق للبدعة] # (5830) فصل: وإن قال لصغيرة أو غير مدخول بها: أنت طالق للبدعة. ثم قال: ~~أردت إذا حاضت الصغيرة، أو أصيبت غير المدخول بها. أو قال لهما: أنتما ~~طالقتان للسنة. وقال: أردت طلاقهما في زمن يصير طلاقهما فيه للسنة. دين ~~فيما بينه وبين الله تعالى. وهل يقبل في الحكم؟ فيه وجهان، ذكرهما القاضي؛ ~~أحدهما، لا يقبل. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه خلاف الظاهر، فأشبه ما لو قال: ~~أنت طالق. ثم قال: أردت إذا دخلت الدار. والثاني: يقبل. وهو الأشبه بمذهب ~~أحمد؛ لأنه فسر كلامه بما يحتمله، فقبل: كما لو قال: أنت طالق، أنت طالق. ~~وقال: أردت بالثانية إفهامها. ### | [فصل قال لها في طهر جامعها فيه أنت طالق ms3907 للسنة فيئست من المحيض] # (5831) فصل: وإذا قال لها في طهر جامعها فيه: أنت طالق للسنة. فيئست من ~~المحيض، لم تطلق؛ لأنه وصف طلاقها بأنه للسنة في زمن يصلح له، فإذا صارت ~~آيسة، فليس لطلاقها سنة، فلم توجد الصفة، فلا يقع. وكذلك إن استبان حملها، ~~لم يقع أيضا، إلا على قول من جعل طلاق الحامل طلاق سنة، فإنه ينبغي أن يقع؛ ~~لوجود الصفة، كما لو حاضت ثم طهرت. ### | [فصل قال أنت طالق في كل قرء طلقة] # (5832) فصل: إذا قال: أنت طالق في كل قرء طلقة. وهي من ذوات القرء، وقع ~~في كل قرء طلقة. فإن كانت في القرء، وقعت بها واحدة في الحال، ووقع بها ~~طلقتان في قرأين آخرين في أولهما، سواء قلنا: القرء الحيض أو الأطهار. ~~وسواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها، إلا أن غير المدخول بها تبين ~~بالطلقة الأولى، فإن تزوجها، وقع بها في القرء الثاني طلقة أخرى. وكذلك ~~الحكم في الثالثة. وإن كانت صغيرة، وقلنا: القرء الحيض. لم تطلق حتى تحيض، ~~فتطلق في كل حيضة طلقة. وإن قلنا: القرء الأطهار. احتمل أن تطلق في الحال ~~واحدة، ثم لا تطلق حتى تحيض، ثم تطهر فتطلق الثانية، ثم الثالثة في الطهر ~~الآخر؛ لأن # PageV07P375 # الطهر قبل الحيض كله قرء واحد. # ويحتمل أن لا تطلق حتى تطهر بعد الحيض؛ لأن القرء هو الطهر بين الحيضتين. ~~وكذلك لو حاضت الصغيرة في عدتها، لم تحتسب بالطهر الذي قبل الحيض من عدتها، ~~في أحد الوجهين. والحكم في الحامل كالحكم في الصغيرة؛ لأن زمن الحمل كله ~~قرء واحد، في أحد الوجهين، إذا قلنا: الأقراء الأطهار. والوجه الآخر، ليس ~~بقرء على كل حال. وإن كانت آيسة، فقال القاضي: تطلق واحدة على كل حال؛ لأنه ~~علق طلاقها بصفة تستحيل فيها، فلغت ووقع بها الطلاق، كما لو قال لها: أنت ~~طالق للبدعة. وإذا طلقت الحامل في حال حملها، بانت بوضعه؛ لأن عدتها تنقضي ~~به، فلم يلحقها طلاق آخر. فإن استأنف نكاحها، أو راجعها قبل وضع حملها، ثم ms3908 ~~طهرت من النفاس، طلقت أخرى، ثم إذا حاضت ثم طهرت، وقعت الثالثة. ### | [فصل قال أنت طالق للسنة إن كان الطلاق يقع عليك للسنة] # (5833) فصل: فإن قال: أنت طالق للسنة، إن كان الطلاق يقع عليك للسنة. وهي ~~في زمن السنة، طلقت بوجود الصفة. وإن لم تكن في زمن السنة، انحلت الصفة، ~~ولم يقع بحال؛ لأن الشرط ما وجد. وكذلك إن قال: أنت طالق للبدعة، إن كان ~~الطلاق يقع عليك للبدعة. إن كانت في زمن البدعة، وقع، وإلا لم يقع بحال. ~~فإن كانت ممن لا سنة لطلاقها ولا بدعة، فذكر القاضي فيها احتمالين؛ أحدهما، ~~لا يقع في المسألتين؛ لأن الصفة ما وجدت، فأشبه ما لو قال: أنت طالق، إن ~~كنت هاشمية. ولم تكن هاشمية. والثاني، تطلق؛ لأنه شرط لوقوع الطلقة شرطا ~~مستحيلا، فلغى، ووقع الطلاق، كما لو قال: أنت طالق للسنة. والأول أشبه. ~~وللشافعية وجهان كهذين. ### | [فصل قال أنت طالق أحسن الطلاق] # (5834) فصل: فإن قال: أنت طالق أحسن الطلاق، أو أجمله، أو أعدله، أو ~~أكمله، أو أتمه، أو أفضله، أو قال: طلقة حسنة، أو جميلة، أو عدلة أو سنية. ~~كان ذلك كله عبارة عن طلاق السنة. وبه قال الشافعي. وقال محمد بن الحسن: ~~إذا قال: أعدل الطلاق أو أحسنه، ونحوه، كقولنا. وإن قال: طلقة سنية أو ~~عدلة. وقع الطلاق في الحال؛ لأن الطلاق لا يتصف بالوقت، والسنة والبدعة ~~وقت، فإذا وصفها بما لا تتصف به، سقطت الصفة، كما لو قال لغير المدخول بها: ~~أنت طالق طلقة رجعية. أو قال لها: أنت طالق للسنة أوالبدعة. # PageV07P376 # ولنا، أن ذلك عبارة عن طلاق السنة، ويصح وصف الطلاق بالسنة والحسن؛ لكونه ~~في ذلك الوقت موافقا للسنة، مطابقا للشرع، فهو كقوله: أحسن الطلاق. وفارق ~~قوله: طلقة رجعية؛ لأن الرجعة لا تكون إلا في عدة، ولا عدة لها، فلا يحصل ~~ذلك بقوله. فإن قال: نويت بقولي: أعدل الطلاق. وقوعه في حال الحيض؛ لأنه ~~أشبه بأخلاقها القبيحة، ولم أرد الوقت. وكانت في الحيض، وقع الطلاق؛ لأنه ~~إقرار على نفسه ms3909 بما فيه تغليظ. وإن كانت في حال السنة، دين فيما بينه وبين ~~الله تعالى. # وهل يقبل في الحكم؟ على وجهين، كما تقدم. (5835) فصل: فإن عكس، فقال: أنت ~~طالق أقبح الطلاق، وأسمجه، أو أفحشه، أو أنتنه، أو أردأه. حمل على طلاق ~~البدعة، فإن كانت في وقت البدعة، وإلا وقف على مجيء زمان البدعة. وحكي عن ~~أبي بكر أنه يقع ثلاثا، إن قلنا: إن جمع الثلاث بدعة. وينبغي أن تقع الثلاث ~~في وقت البدعة؛ ليكون جامعا لبدعتي الطلاق، فيكون أقبح الطلاق. # وإن نوى بذلك غير طلاق البدعة، نحو أن يقول: إنما أردت أن طلاقك أقبح ~~الطلاق؛ لأنك لا تستحقينه؛ لحسن عشرتك، وجميل طريقتك. وقع في الحال. وإن ~~قال: أردت بذلك طلاق السنة، ليتأخر الطلاق عن نفسه إلى زمن السنة. لم يقبل؛ ~~لأن لفظه لا يحتمله. وإن قال: أنت طالق طلقة حسنة قبيحة، فاحشة جميلة، تامة ~~ناقصة. وقع في الحال؛ لأنه وصفها بصفتين متضادتين، فلغيا، وبقي مجرد ~~الطلاق. # فإن قال: أردت أنها حسنة لكونها في زمان السنة، وقبيحة لإضرارها بك. أو ~~قال أردت أنها حسنة لتخليصي من شرك وسوء خلقك، وقبيحة لكونها في زمان ~~البدعة. وكان ذلك يؤخر وقوع الطلاق عنه، دين وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على ~~وجهين. ### | [فصل قال أنت طالق طلاق الحرج] # (5836) فصل: فإن قال أنت طالق طلاق الحرج، فقال القاضي: معناه طلاق ~~البدعة؛ لأن الحرج الضيق والإثم، فكأنه قال: طلاق الإثم، وطلاق البدعة طلاق ~~إثم. وحكى ابن المنذر، عن علي - رضي الله عنه - أنه يقع ثلاثا؛ لأن الحرج ~~الضيق، والذي يضيق عليه، ويمنعه الرجوع إليها، ويمنعها الرجوع إليه، هو ~~الثلاث، وهو مع ذلك طلاق بدعة، وفيه إثم، فيجتمع عليه الأمران: الضيق ~~والإثم. وإن قال: طلاق الحرج والسنة. كان كقوله: طلاق البدعة والسنة. # PageV07P377 ### | [مسألة طلاق الزائل العقل بلا سكر] # (5837) مسألة؛ قال: (وطلاق الزائل العقل بلا سكر، لا يقع) . أجمع أهل ~~العلم على العلم أن الزائل العقل بغير سكر، أو ما في معناه، لا يقع طلاقه. ~~كذلك قال عثمان، وعلي، وسعيد ms3910 بن المسيب، والحسن والنخعي، والشعبي، وأبو ~~قلابة، وقتادة، والزهري، ويحيى الأنصاري، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب ~~الرأي وأجمعوا على أن الرجل إذا طلق في حال نومه، لا طلاق له. # وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رفع القلم عن ثلاثة؛ عن ~~النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق.» وروي عن ~~أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كل الطلاق جائز، إلا ~~طلاق المعتوه المغلوب على عقله.» رواه النجاد. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا ~~من حديث عطاء بن عجلان، وهو ذاهب الحديث. وروي بإسناد عن علي مثل ذلك. ~~ولأنه قول يزيل الملك، فاعتبر له العقل، كالبيع. # وسواء زال عقله لجنون، أو إغماء، أو نوم، أو شرب دواء، أو إكراه على شرب ~~خمر، أو شرب ما يزيل عقله شربه، ولا يعلم أنه مزيل للعقل، فكل هذا يمنع ~~وقوع الطلاق، رواية واحدة، ولا نعلم فيه خلافا. فأما إن شرب البنج ونحوه ~~مما يزيل عقله، عالما به، متلاعبا، فحكمه حكم السكران في طلاقه. وبهذا قال ~~أصحاب الشافعي، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يقع طلاقه؛ لأنه لا يلتذ بشربها. ~~ولنا، أنه زال عقله بمعصية، فأشبه السكران. ### | [فصل المغمى عليه إذا طلق] # (5838) فصل: قال أحمد، في المغمى عليه إذا طلق، فلما أفاق علم أنه كان ~~مغمى عليه، وهو ذاكر لذلك، فقال: إذا كان ذاكرا لذلك، فليس هو مغمى عليه، ~~يجوز طلاقه. وقال، في رواية أبي طالب، في المجنون يطلق، فقيل له بعدما ~~أفاق: إنك طلقت امرأتك. فقال: أنا أذكر أني طلقت، ولم يكن عقلي معي. فقال: ~~إذا كان يذكر أنه طلق، فقد طلقت. فلم يجعله مجنونا إذا كان يذكر الطلاق، ~~ويعلم به. وهذا، والله أعلم، في من جنونه بذهاب معرفته بالكلية، وبطلان ~~حواسه، فأما من كان جنونه لنشاف أو كان مبرسما، فإنه يسقط حكم تصرفه، مع أن ~~معرفته غير ذاهبة بالكلية، فلا يضره ذكره للطلاق، إن شاء الله تعالى. # PageV07P378 ### | [مسألة طلاق السكران] # (5839) مسألة؛ قال: (وعن أبي عبد الله ms3911 رحمه الله، في السكران روايات؛ ~~رواية يقع الطلاق. ورواية لا يقع. ورواية يتوقف عن الجواب، ويقول: قد اختلف ~~فيه أصحاب رسول الله) - صلى الله عليه وسلم - أما التوقف عن الجواب، فليس ~~بقول في المسألة، إنما هو ترك للقول فيها، وتوقف عنها، لتعارض الأدلة فيها، ~~وإشكال دليلها. ويبقى في المسألة روايتان: إحداهما، يقع طلاقه. اختارها أبو ~~بكر الخلال، والقاضي. وهو مذهب سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، ~~وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وميمون بن مهران، والحكم، ومالك، والثوري، ~~والأوزاعي، والشافعي في أحد قوليه وابن شبرمة، وأبي حنيفة، وصاحبيه، ~~وسليمان بن حرب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل الطلاق جائز، إلا ~~طلاق المعتوه» . # ومثل هذا عن علي، ومعاوية، وابن عباس، قال ابن عباس: طلاق السكران جائز، ~~إن ركب معصية من معاصي الله نفعه ذلك، ولأن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد ~~بالقذف؛ بدليل ما روى أبو وبرة الكلبي، قال: أرسلني خالد إلى عمر، فأتيته ~~في المسجد، ومعه عثمان، وعلي، وعبد الرحمن وطلحة، والزبير، فقلت: إن خالدا ~~يقول: إن الناس انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة. فقال عمر: هؤلاء عندك ~~فسلهم. فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. ~~فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال. فجعلوه كالصاحي، ولأنه إيقاع للطلاق من مكلف ~~غير مكره صادف ملكه، فوجب أن يقع، كطلاق الصاحي، ويدل على تكليفه أنه يقتل ~~بالقتل، ويقطع بالسرقة، وبهذا فارق المجنون. # والرواية الثانية، لا يقع طلاقه. اختارها أبو بكر عبد العزيز. وهو قول ~~عثمان - رضي الله عنه -. ومذهب عمر بن عبد العزيز، والقاسم، وطاوس، وربيعة، ~~ويحيى الأنصاري، والليث، والعنبري، وإسحاق، وأبي ثور، والمزني. قال ابن ~~المنذر: هذا ثابت عن عثمان، ولا نعلم أحدا من الصحابة خالفه. وقال أحمد: ~~حديث عثمان أرفع شيء فيه، وهو أصح. يعني من حديث علي، وحديث الأعمش، منصور ~~لا يرفعه إلى علي. ولأنه زائل العقل، أشبه المجنون، والنائم، ولأنه مفقود ~~الإرادة، أشبه المكره، ولأن العقل شرط للتكليف؛ إذ هو عبارة عن الخطاب بأمر ~~أو نهي، ولا ms3912 يتوجه ذلك إلى من لا يفهمه، ولا فرق بين زوال الشرط # PageV07P379 # بمعصية أو غيرها؛ بدليل أن من كسر ساقيه جاز له أن يصلي قاعدا، ولو ضربت ~~المرأة بطنها، فنفست، سقطت عنها الصلاة، ولو ضرب رأسه فجن، سقط التكليف. ~~وحديث أبي هريرة لا يثبت، وأما قتله وسرقته، فهو كمسألتنا. # (5840) فصل: والحكم في عتقه، ونذره، وبيعه، وشرائه، وردته، وإقراره، ~~وقتله، وقذفه، وسرقته، كالحكم في طلاقه؛ لأن المعنى في الجميع واحد. وقد ~~روي عن أحمد في بيعه وشرائه الروايات الثلاث. وسأله ابن منصور: إذا طلق ~~السكران، أو سرق، أو زنى، أو افترى، أو اشترى، أو باع فقال: أجبن عنه، لا ~~يصح من أمر السكران شيء. وقال أبو عبد الله بن حامد: حكم السكران حكم ~~الصاحي فيما له وفيما عليه؛ فأما فيما له وعليه، كالبيع، والنكاح، ~~والمعاوضات، فهو كالمجنون، لا يصح له شيء. وقد أومأ إليه أحمد، والأولى أن ~~ماله أيضا لا يصح منه؛ لأن تصحيح تصرفاته فيما عليه مؤاخذة له، وليس من ~~المؤاخذة تصحيح تصرف له. ### | [فصل حد السكر في الطلاق] # (5841) فصل: وحد السكر الذي يقع الخلاف في صاحبه، هو الذي يجعله يخلط في ~~كلامه، ولا يعرف رداءه من رداء غيره، ونعله من نعل غيره، ونحو ذلك لأن الله ~~تعالى قال {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون} [النساء: 43] فجعل علامة زوال السكر علمه ما يقول. وروي عن عمر ~~- رضي الله عنه - أنه قال: استقرئوه القرآن، أو ألقوا رداءه في الأردية، ~~فإن قرأ أم القرآن، أو عرف رداءه، وإلا فأقم عليه الحد. ولا يعتبر أن لا ~~يعرف السماء من الأرض، ولا الذكر من الأنثى؛ لأن ذلك لا يخفى على المجنون، ~~فعليه أولى. ### | [مسألة عقل الصبي الطلاق فطلق] # (5842) مسألة؛ قال: (وإذا عقل الصبي الطلاق، فطلق، لزمه) وأما الصبي الذي ~~لا يعقل؛ فلا خلاف في أنه لا طلاق له، وأما الذي يعقل الطلاق، ويعلم أن ~~زوجته تبين به، وتحرم عليه، فأكثر الروايات عن أحمد أن طلاقه يقع. اختارها ~~أبو ms3913 بكر، والخرقي، وابن حامد. وروي # PageV07P380 # نحو ذلك عن سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، والشعبي، وإسحاق. وروى أبو ~~طالب، عن أحمد: لا يجوز طلاقه حتى يحتلم. وهو قول النخعي، والزهري، ومالك، ~~وحماد، والثوري، وأبي عبيد، وذكر أبو عبيد، أنه قول أهل العراق وأهل ~~الحجاز. وروي نحو ذلك عن ابن عباس؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم.» ولأنه غير مكلف، فلم يقع طلاقه كالمجنون. ~~ووجه الأولى قوله - عليه السلام -: «الطلاق لمن أخذ بالساق» . # وقوله: «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله» . وروي عن علي ~~- رضي الله عنه - أنه قال: اكتموا الصبيان النكاح فيفهم منه أن فائدته أن ~~لا يطلقوا. ولأنه طلاق من عاقل صادف محل الطلاق، فوقع كطلاق البالغ. ### | [فصل من يقع طلاقه من الصبيان] # (5843) فصل: وأكثر الروايات عن أحمد، تحديد من يقع طلاقه من الصبيان ~~بكونه يعقل وهو اختيار القاضي. وروى عن أحمد أبو الحارث: إذا عقل الطلاق، ~~جاز طلاقه، ما بين عشر إلى اثنتي عشرة. وهذا يدل على أنه لا يقع لدون ~~العشر. وهو اختيار أبي بكر؛ لأن العشر حد للضرب على الصلاة والصيام، وصحة ~~الوصية، فكذلك هذا. وعن سعيد بن المسيب: إذا أحصى الصلاة، وصام رمضان، جاز ~~طلاقه. وقال عطاء إذا بلغ أن يصيب النساء. وعن الحسن: إذا عقل، وحفظ ~~الصلاة، وصام رمضان. وقال إسحاق: إذا جاوز اثنتي عشرة. ### | [فصل طلاق الصبي] # (5844) فصل: ومن أجاز طلاق الصبي، اقتضى مذهبه أن يجوز توكيله فيه، ~~وتوكله لغيره. وقد أومأ إليه أحمد، فقال، في رجل قال لصبي: طلق امرأتي. ~~فقال: قد طلقتك ثلاثا. لا يجوز عليها حتى يعقل الطلاق فقيل له: فإن كانت له ~~زوجة صبية فقالت: صير أمري إلي. فقال لها: أمرك بيدك. فقالت: قد اخترت ~~نفسي. فقال أحمد: ليس بشيء حتى يكون مثلها يعقل الطلاق. وقال أبو بكر: لا ~~يصح أن يوكل حتى يبلغ. وحكاه عن أحمد. # ولنا، أن من صح تصرفه في شيء مما تجوز الوكالة فيه بنفسه، صح توكيله ~~ووكالته ms3914 فيه، كالبالغ، وما روي عن أحمد من منع ذلك، فهو على الرواية التي ~~لا تجيز طلاقه، إن شاء الله تعالى. # PageV07P381 ### | [فصل طلاق السفيه] # (5845) فصل: فأما السفيه، فيقع طلاقه، في قول أكثر رأي أهل العلم؛ منهم ~~القاسم بن محمد، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه. ومنع منه عطاء. ~~والأولى صحته؛ لأنه مكلف، مالك لمحل الطلاق، فوقع طلاقه كالرشيد، والحجر ~~عليه في ماله لا يمنع تصرفه في غير ما هو محجور عليه فيه، كالمفلس. ### | [مسألة أكره على الطلاق] # (5846) مسألة؛ قال: (ومن أكره على الطلاق، لم يلزمه) لا تختلف الرواية عن ~~أحمد، أن طلاق المكره لا يقع. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر وابن عباس، ~~وابن الزبير، وجابر بن سمرة. وبه قال عبد الله بن عبيد بن عمير، وعكرمة، ~~والحسن، وجابر بن زيد، وشريح، وعطاء، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، وابن عون، ~~وأيوب السختياني، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق وأبو ثور، وأبو عبيد. ~~وأجازه أبو قلابة، والشعبي، والنخعي، والزهري والثوري، وأبو حنيفة وصاحباه؛ ~~لأنه طلاق من مكلف، في محل يملكه، فينفذ، كطلاق غير المكره. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، ~~والنسيان، وما استكرهوا عليه.» رواه ابن ماجه. وعن عائشة - رضي الله عنها - ~~قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا طلاق في إغلاق» . ~~رواه أبو داود، والأثرم، قال أبو عبيد، والقتيبي: معناه: في إكراه. وقال ~~أبو بكر: سألت ابن دريد وأبا طاهر النحويين، فقالا: يريد الإكراه؛ لأنه إذا ~~أكره انغلق عليه رأيه. ويدخل في هذا المعنى المبرسم والمجنون ولأنه قول من ~~سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعا؛ ولأنه قول حمل عليه ~~بغير حق، فلم يثبت له حكم، ككلمة الكفر إذا أكره عليها. # PageV07P382 ### | [فصل إكراه الحاكم المولي على الطلاق] # (5847) فصل: وإن كان الإكراه بحق، نحو إكراه الحاكم المولي على الطلاق ~~بعد التربص إذا لم يفيئ، وإكراهه الرجلين اللذين زوجهما وليان، ولا يعلم ~~السابق منهما على الطلاق، وقع الطلاق؛ لأنه قول حمل عليه ms3915 بحق، فصح، كإسلام ~~المرتد إذا أكره عليه، ولأنه إنما جاز إكراهه على الطلاق ليقع طلاقه، فلو ~~لم يقع لم يحصل المقصود. ### | [مسألة الإكراه على الطلاق] # (5848) مسألة؛ قال: (ولا يكون مكرها حتى ينال بشيء من العذاب، مثل الضرب ~~أو الخنق أو عصر الساق وما أشبه، ولا يكون التواعد إكراها) أما إذا نيل ~~بشيء من العذاب، كالضرب، والخنق، والعصر، والحبس، والغط في الماء مع ~~الوعيد، فإنه يكون إكراها بلا إشكال، لما روي أن المشركين أخذوا عمارا، ~~فأرادوه على الشرك، فأعطاهم، فانتهى إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~يبكي، فجعل يمسح الدموع عن عينيه، ويقول: «أخذك المشركون فغطوك في الماء، ~~وأمروك أن تشرك بالله، ففعلت، فإن أخذوك مرة أخرى، فافعل ذلك بهم» رواه أبو ~~حفص بإسناده، وقال عمر - رضي الله عنه - ليس الرجل أمينا على نفسه إذا ~~أجعته، أو ضربته، أو أوثقته. وهذا يقتضي وجود فعل يكون به إكراها. # فأما الوعيد بمفرده، فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما، ليس بإكراه؛ لأن ~~الذي ورد الشرع بالرخصة معه، هو ما ورد في حديث عمار، وفيه أنهم: " أخذوك ~~فغطوك في الماء ". فلا يثبت الحكم إلا فيما كان مثله. والرواية الثانية، أن ~~الوعيد بمفرده إكراه. قال في رواية ابن منصور: حد الإكراه إذا خاف القتل، ~~أو ضربا شديدا. وهذا قول أكثر الفقهاء. وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي؛ لأن ~~الإكراه لا يكون إلا بالوعيد، فإن الماضي من العقوبة لا يندفع بفعل ما أكره ~~عليه، ولا يخشى من وقوعه، وإنما أبيح له فعل المكره عليه دفعا لما يتوعده ~~به من العقوبة فيما بعد، وهو في الموضعين واحد، ولأنه متى توعده بالقتل، ~~وعلم أنه يقتله، فلم يبح له الفعل، أفضى إلى قتله، وإلقائه بيده إلى ~~التهلكة، ولا يفيد ثبوت الرخصة بالإكراه شيئا؛ لأنه إذا طلق في هذه الحال، ~~وقع طلاقه، فيصل المكره إلى مراده، ويقع الضرر # PageV07P383 # بالمكره، وثبوت الإكراه في حق من نيل بشيء من العذاب لا ينفي ثبوته في حق ~~غيره، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - في ms3916 الذي تدلى يشتار عسلا، فوقفت ~~امرأته على الحبل، وقالت: طلقني ثلاثا، وإلا قطعته، فذكرها الله والإسلام، ~~فقالت: لتفعلن أو لأفعلن. فطلقها ثلاثا، فرده إليها. رواه سعيد بإسناده. ~~وهذا كان وعيدا. ### | [فصل من شرط الإكراه في الطلاق ثلاثة أمور] # (5849) فصل: ومن شرط الإكراه ثلاثة أمور؛ أحدها: أن يكون من قادر بسلطان ~~أو تغلب، كاللص ونحوه. وحكي عن الشعبي: إن أكرهه اللص، لم يقع طلاقه، وإن ~~أكرهه السلطان وقع. قال ابن عيينة: لأن اللص يقتله. وعموم ما ذكرناه في ~~دليل الإكراه يتناول الجميع، والذين أكرهوا عمارا لم يكونوا لصوصا، وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمار: «إن عادوا فعد» . ولأنه إكراه، فمنع ~~وقوع الطلاق، كإكراه اللصوص. الثاني، أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به، إن ~~لم يجبه إلى ما طلبه. الثالث، أن يكون مما يستضر به ضررا كثيرا، كالقتل، ~~والضرب الشديد، والقيد، والحبس الطويل، فأما الشتم، والسب، فليس بإكراه، ~~رواية واحدة، وكذلك أخذ المال اليسير. # فأما الضرر اليسير فإن كان في حق من لا يبالي به، فليس بإكراه، وإن كان ~~في بعض ذوي المروءات، على وجه يكون إخراقا بصاحبه، وغضا له، وشهرة في حقه، ~~فهو كالضرب الكثير في حق غيره. وإن توعد بتعذيب ولده، فقد قيل: ليس بإكراه؛ ~~لأن الضرر لا حق بغيره، والأولى أن يكون إكراها؛ لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ~~ماله، والوعيد بذلك إكراه، فكذلك هذا. ### | [فصل أكره على طلاق امرأة فطلق غيرها] # فصل: وإن أكره على طلاق امرأة، فطلق غيرها، وقع؛ لأنه غير مكره عليه. وإن ~~أكره على طلقة، فطلق ثلاثا، وقع أيضا؛ لأنه لم يكره على الثلاث وإن طلق من ~~أكره على طلاقها وغيرها، وقع طلاق غيرها دونها. وإن خلصت نيته في الطلاق ~~دون دفع الإكراه، وقع؛ لأنه قصده واختاره، ويحتمل أن لا يقع؛ لأن اللفظ ~~مرفوع عنه، فلا يبقى إلا مجرد النية، فلا يقع بها طلاق. وإن طلق، ونوى ~~بقلبه غير امرأته، أو تأول # PageV07P384 # في يمينه، فله تأويله، يقبل قوله في نيته؛ لأن الإكراه دليل ms3917 له على ~~تأويله. وإن لم يتأول وقصدها بالطلاق، لم يقع؛ لأنه معذور. وذكر أصحاب ~~الشافعي وجها أنه يقع؛ لأنه لا مكره له على نيته. # ولنا، أنه مكره عليه، فلم يقع؛ لعموم ما ذكرنا من الأدلة، ولأنه قد لا ~~يحضره التأويل في تلك الحال، فتفوت الرخصة. ### | [باب تصريح الطلاق وغيره] # وجملة ذلك أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ، فلو نواه بقلبه من غير لفظ، لم يقع ~~في قول عامة أهل العلم؛ منهم عطاء، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ويحيى بن ~~أبي كثير، والشافعي، وإسحاق. وروي أيضا عن القاسم، وسالم، والحسن، والشعبي. ~~وقال الزهري: إذا عزم على ذلك طلقت. وقال ابن سيرين، في من طلق في نفسه: ~~أليس قد علمه الله؟ . ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ~~تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل» . رواه النسائي، ~~والترمذي. وقال: هذا حديث صحيح ولأنه تصرف يزيل الملك، فلم يحصل بالنية ~~كالبيع والهبة. وإن نواه بقلبه، وأشار بأصابعه، لم يقع أيضا؛ لما ذكرناه. # إذا ثبت أنه يعتبر فيه اللفظ، فاللفظ ينقسم فيه إلى صريح وكناية، فالصريح ~~يقع به الطلاق من غير نية، والكناية لا يقع بها الطلاق حتى ينويه، أو يأتي ~~بما يقوم مقام نيته. ### | [مسألة قال قد طلقتك أو قد فارقتك أو قد سرحتك] # (5851) مسألة؛ قال: (وإذا قال: قد طلقتك، أو قد فارقتك، أو قد سرحتك. ~~لزمها الطلاق) هذا يقتضي أن صريح الطلاق ثلاثة ألفاظ؛ الطلاق، والفراق، ~~والسراح، وما تصرف منهن. وهذا مذهب الشافعي. وذهب أبو عبد الله بن حامد، ~~إلى أن صريح الطلاق لفظ الطلاق وحده، وما تصرف منه لا غير. وهو مذهب أبي ~~حنيفة، ومالك، إلا أن مالكا يوقع الطلاق به بغير نية؛ لأن الكنايات الظاهرة ~~لا تفتقر عنده إلى النية. وحجة هذا القول أن لفظ الفراق والسراح يستعملان ~~في غير الطلاق كثيرا، فلم يكونا صريحين فيه كسائر كناياته. # ووجه الأول أن هذه الألفاظ ورد بها الكتاب بمعنى الفرقة بين الزوجين، ~~فكانا صريحين ms3918 فيه، كلفظ الطلاق، قال الله تعالى {فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان} [البقرة: 229] وقال {فأمسكوهن بمعروف} [البقرة: 231] وقال سبحانه ~~{وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130] وقال # PageV07P385 # سبحانه {فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] وقول ابن ~~حامد أصح؛ فإن الصريح في الشيء ما كان نصا فيه لا يحتمل غيره، إلا احتمالا ~~بعيدا، ولفظة الفراق والسراح إن وردا في القرآن بمعنى الفرقة بين الزوجين، ~~فقد وردا لغير ذلك المعنى وفي العرف كثيرا، قال الله تعالى {واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] وقال {وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب} [البينة: 4] فلا معنى لتخصيصه بفرقة الطلاق، على أن قوله {أو ~~فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 2] لم يرد به الطلاق، وإنما هو ترك ارتجاعها، ~~وكذلك قوله {أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] # ولا يصح قياسه على لفظ الطلاق، فإنه مختص بذلك، سابق إلى الأفهام من غير ~~قرينة ولا دلالة، بخلاف الفراق والسراح. فعلى كلا القولين، إذا قال: طلقتك، ~~أو أنت طالق، أو مطلقة. وقع الطلاق من غير نية. وإن قال: فارقتك. أو: أنت ~~مفارقة، أو سرحتك، أو أنت مسرحة. فمن يراه صريحا أوقع به الطلاق من غير ~~نية، ومن لم يره صريحا لم يوقعه به، إلا أن ينويه. # فإن قال: أردت بقولي: فارقتك أي بجسمي، أو بقلبي أو بمذهبي، أو سرحتك من ~~يدي، أو شغلي، أو من حبسي، أو أي سرحت شعرك. قبل قوله. وإن قال: أردت ~~بقولي: أنت طالق أي: من وثاقي. أو قال: أردت أن أقول: طلبتك. فسبق لساني، ~~فقلت: طلقتك. ونحو ذلك، دين فيما بينه وبين الله تعالى، فمتى علم من نفسه ~~ذلك، لم يقع عليه فيما بينه وبين ربه. قال أبو بكر: لا خلاف عن أبي عبد ~~الله، أنه إذا أراد أن يقول لزوجته: اسقيني ماء. فسبق لسانه فقال: أنت ~~طالق، أو أنت حرة. أنه لا طلاق فيه. ونقل ابن منصور عنه، أنه سئل عن رجل ~~حلف، فجرى على لسانه غير ما في قلبه، فقال: أرجو أن يكون الأمر فيه واسعا. # وهل تقبل ms3919 دعواه في الحكم؟ ينظر؛ فإن كان في حال الغضب، أو سؤالها الطلاق، ~~لم يقبل في الحكم؛ لأن لفظه ظاهر في الطلاق، وقرينة حاله تدل عليه، فكانت ~~دعواه مخالفة للظاهر من وجهين، فلا تقبل، وإن لم تكن في هذه الحال فظاهر ~~كلام أحمد، في رواية ابن منصور، وأبي الحارث، أنه يقبل قوله. وهو قول جابر ~~بن زيد، والشعبي، والحكم، حكاه عنهم أبو حفص؛ لأنه فسر كلامه بما يحتمله ~~احتمالا غير بعيد، فقيل: كما لو قال؛ أنت طالق، أنت طالق. وقال: أردت ~~بالثانية إفهامها. وقال القاضي: فيه روايتان، هذه التي ذكرنا، قال: وهي ~~ظاهر كلام أحمد. والثانية، لا يقبل. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه خلاف ما يقتضيه ~~الظاهر في العرف، فلم يقبل في الحكم، كما لو أقر بعشرة، ثم قال: زيوفا، أو ~~صغارا، أو إلى شهر. # فأما إن صرح بذلك في اللفظ، فقال: طلقتك # PageV07P386 # من وثاقي، أو فارقتك بجسمي، أو سرحتك من يدي. فلا شك في أن الطلاق لا ~~يقع؛ لأن ما يتصل بالكلام يصرفه عن مقتضاه، كالاستثناء والشرط. وذكر أبو ~~بكر، في قوله: أنت مطلقة. أنه إن نوى أنها مطلقة طلاقا ماضيا، أو من زوج ~~كان قبله، لم يكن عليه شيء، وإن لم ينو شيئا، فعلى قولين؛ أحدهما يقع. ~~والثاني، لا يقع. وهذا من قوله يقتضي أن تكون هذه اللفظة غير صريحة، في أحد ~~القولين. قال القاضي: والمنصوص عن أحمد، أنه صريح، وهو الصحيح؛ لأن هذه ~~متصرفة من لفظ الطلاق، فكانت صريحة فيه، كقوله: أنت طالق. # (5852) فصل: فأما لفظة الإطلاق، فليست صريحة في الطلاق؛ لأنها لم يثبت ~~لها عرف الشرع، ولا الاستعمال، فأشبهت سائر كناياته. وذكر القاضي فيها ~~احتمالا، أنها صريحة؛ لأنه لا فرق بين فعلت وأفعلت، نحو عظمته وأعظمته، ~~وكرمته وأكرمته. وليس هذا الذي ذكره بمطرد؛ فإنهم يقولون: حييته من التحية، ~~وأحييته من الحياة، وأصدقت المرأة صداقا، وصدقت حديثها تصديقا، ويفرقون بين ~~أقبل وقبل، وأدبر ودبر، وأبصر وبصر، ويفرقون بين المعاني المختلفة بحركة أو ~~حرف، فيقولون: حمل لما في البطن، وبالكسر ms3920 لما على الظهر، والوقر بالفتح ~~الثقل في الأذن، وبالكسر لثقل الحمل. # وها هنا فرق بين حل قيد النكاح وبين غيره، بالتضعيف في أحدهما، والهمزة ~~في الآخر، ولو كان معنى اللفظين واحدا لقيل طلقت الأسيرين، والفرس، ~~والطائر، فهو طالق، وطلقت الدابة، فهي طالق، ومطلقة. ولم يسمع هذا في ~~كلامهم، وهذا مذهب الشافعي. ### | [فصل قال أنت الطلاق] # فصل: فإن قال: أنت الطلاق. فقال القاضي: لا تختلف الرواية عن أحمد في أن ~~الطلاق يقع به، نواه أو لم ينوه. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك. ولأصحاب ~~الشافعي فيه وجهان؛ أحدهما، أنه غير صريح؛ لأنه مصدر، والأعيان لا توصف ~~بالمصادر إلا مجازا. والثاني، أن الطلاق لفظ صريح، فلم يفتقر إلى نية، ~~كالمتصرف منه، وهو مستعمل في عرفهم، قال الشاعر: # نوهت باسمي في العالمين ... وأفنيت عمري عاما فعاما # فأنت الطلاق وأنت الطلاق ... وأنت الطلاق ثلاثا تماما # وقولهم: إنه مجاز. قلنا: نعم، إلا أنه يتعذر حمله على الحقيقة، ولا محمل ~~له يظهر سوى هذا المحمل، فتعين فيه. # PageV07P387 ### | [فصل صريح الطلاق بالعجمية] # (5854) فصل: وصريح الطلاق بالعجمية بهشتم، فإذا أتى بها العجمي، وقع ~~الطلاق منه بغير نية. وقال النخعي، وأبو حنيفة: هو كناية، لا يطلق به إلا ~~بنية؛ لأن معناه خليتك، وهذه اللفظة كناية. ولنا، أن هذه اللفظة بلسانهم ~~موضوعة للطلاق، يستعملونها فيه، فأشبهت لفظ الطلاق بالعربية، ولو لم تكن ~~هذه صريحة، لم يكن في العجمية صريح للطلاق، وهذا بعيد، ولا يضر كونها بمعنى ~~خليتك، فإن معنى طلقتك خليتك أيضا، إلا أنه لما كان موضوعا له، يستعمل فيه، ~~كان صريحا، كذا هذه، ولا خلاف في أنه إذا نوى بها الطلاق، كانت طلاقا، كذلك ~~قال الشعبي، والنخعي، والحسن، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، وزفر، والشافعي. ### | [مسألة قال لها في الغضب أنت حرة أو لطمها فقال هذا طلاقك] # (5855) مسألة؛ قال: (وإذا قال لها في الغضب: أنت حرة، أو لطمها، فقال: ~~هذا طلاقك فقد وقع الطلاق) الكلام في هذه المسألة في فصلين: (5856) الفصل ~~الأول: في أن هذا اللفظ كناية في الطلاق، إذا نواه ms3921 به وقع، ولا يقع من غير ~~نية، ولا دلالة حال، ولا نعلم خلافا في: أنت حرة، أنه كناية. فأما إذا ~~لطمها، وقال: هذا طلاقك. فإن كثيرا من الفقهاء قالوا: ليس هذا كناية، ولا ~~يقع به طلاق، وإن نوى؛ لأن هذا لا يؤدي معنى الطلاق، ولا هو سبب له، ولا ~~حكم فلم يصح التعبير به عنه، كقوله: غفر الله لك. وقال ابن حامد: يقع به ~~الطلاق من غير نية؛ لأن تقديره: أوقعت عليك طلاقا، هذا الضرب من أجله، فعلى ~~قوله يكون هذا صريحا. # وقول الخرقي محتمل لهذا أيضا، ويحتمل أنه إنما يوقعه إذا كان في حال ~~الغضب، فيكون الغضب قائما مقام النية، كما قام مقامها في قوله: أنت حرة. ~~ويحتمل أن يكون لطمه لها قرينة تقوم مقام النية؛ لأنه يصدر عن الغضب، فجرى ~~مجراه. والصحيح أنه كناية في الطلاق؛ لأنه محتمل بالتقدير الذي ذكره ابن ~~حامد، ويحتمل أن يريد أنه سبب لطلاقك، لكون الطلاق معلقا عليه، فصح أن يعبر ~~به عنه، وليس بصريح؛ لأنه احتاج إلى تقدير، ولو كان صريحا لم يحتج إلى ذلك، ~~ولأنه غير موضوع له، ولا مستعمل فيه شرعا، ولا عرفا، فأشبه سائر الكنايات. # وعلى قياسه ما لو أطعمها، أو سقاها، أو كساها، وقال: هذا طلاقك. أو لو ~~فعلت المرأة فعلا من قيام، أو قعود، أو فعل هو فعلا، وقال: هذا طلاقك. فهو ~~مثل لطمها، إلا في أن اللطم يدل على الغضب القائم مقام النية، فيكون هو ~~أيضا قائما مقامها في وجه، وما ذكرنا لا يقوم مقام النية عند من اعتبرها. # PageV07P388 ### | [فصل أتى بالكناية في حال الغضب في الطلاق] # (5857) الفصل الثاني: # أنه إذا أتى بالكناية في حال الغضب، فذكر الخرقي في هذا الموضع أنه يقع ~~الطلاق. وذكر القاضي وأبو بكر، وأبو الخطاب في ذلك روايتين؛: إحداهما، يقع ~~الطلاق. قال في رواية الميموني: إذا قال لزوجته: أنت حرة لوجه الله. في ~~الرضى، لا في الغضب، فأخشى أن يكون طلاقا. والرواية الأخرى، ليس بطلاق. وهو ~~قول أبي حنيفة، والشافعي، إلا ms3922 أن أبا حنيفة يقول في: اعتدي، واختاري، وأمرك ~~بيدك. كقولنا في الوقوع. # واحتجا بأن هذا ليس بصريح في الطلاق، ولم ينوه به، فلم يقع به الطلاق، ~~كحال الرضى، ولأن مقتضى اللفظ لا يتغير بالرضى والغضب. ويحتمل أن ما كان من ~~الكنايات لا يستعمل في غير الفرقة إلا نادرا، نحو قوله: أنت حرة لوجه الله. ~~واعتدي. واستبرئي. وحبلك على غاربك. وأنت بائن. وأشباه ذلك، أنه يقع في حال ~~الغضب. وجواب سؤال الطلاق من غير نية، وما كثر استعماله لغير ذلك، نحو: ~~اذهبي. واخرجي. وروحي. وتقنعي. لا يقع الطلاق به إلا بنية. # ومذهب أبي حنيفة قريب من هذا. وكلام أحمد، والخرقي في الوقوع، إنما ورد ~~في قوله: أنت حرة. وهو مما لا يستعمله الإنسان في حق زوجته غالبا إلا كناية ~~عن الطلاق، ولا يلزم من الاكتفاء بذلك بمجرد الغضب وقوع غيره من غير نية؛ ~~لأن ما كثر استعماله يوجد كثيرا غير مراد به الطلاق في حال الرضى، فكذلك في ~~حال الغضب، إذ لا حجر عليه في استعماله، والتكلم به، بخلاف ما لم تجر ~~العادة بذكره، فإنه لما قل استعماله في غير الطلاق، كان مجرد ذكره يظن منه ~~إرادة الطلاق، فإذا انضم إلى ذلك مجيئه عقيب سؤال الطلاق، أو في حال الغضب، ~~قوي الظن، فصار ظنا غالبا. # ووجه الرواية الأخرى، أن دلالة الحال تغير حكم الأقوال والأفعال؛ فإن من ~~قال لرجل: يا عفيف ابن العفيف. حال تعظيمه، كان مدحا له، وإن قاله في حال ~~شتمه وتنقصه، كان قذفا وذما. ولو قال: إنه لا يغدر بذمه، ولا يظلم حبة ~~خردل، وما أحد أوفى ذمة منه. في حال المدح، كان مدحا بليغا، كما قال حسان: # فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد # ولو قاله في حال الذم كان هجاء قبيحا، كقول النجاشي: # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # وقال آخر: # كأن ربي لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا # PageV07P389 # وهذا في هذا الموضع هجاء قبيح وذم، حتى ms3923 حكي عن حسان أنه قال: ما أراه إلا ~~قد سلح عليهم. # ولولا القرينة ودلالة الحال، كان من أحسن المدح وأبلغه. وفي الأفعال لو ~~أن رجلا قصد رجلا بسيف، والحال يدل على المزح واللعب، لم يجز قتله، ولو دلت ~~الحال على الجد، جاز دفعه بالقتل. والغضب هاهنا يدل على قصد الطلاق، فيقوم ~~مقامه. ### | [فصل أتى بالكناية في حال سؤال الطلاق] # (5858) فصل: وإن أتى بالكناية في حال سؤال الطلاق، فالحكم فيه كالحكم ~~فيما إذا أتى بها في حال الغضب، على ما فيه من الخلاف والتفصيل. والوجه ~~لذلك ما تقدم من التوجيه، إلا أن المنصوص عن أحمد هاهنا، أنه لا يصدق في ~~عدم النية، قال، في رواية أبي الحارث: إذا قال: لم أنوه. صدق في ذلك، إذا ~~لم تكن سألته الطلاق، فإن كان بينهما غضب قبل ذلك فيفرق بين كونه جوابا ~~للسؤال، وكونه في حال الغضب؛ وذلك لأن الجواب ينصرف إلى السؤال، فلو قال: ~~لي عندك دينار؟ قال: نعم، أو: صدقت. كان إقرارا به، ولم يقبل منه تفسيره ~~بغير الإقرار. ولو قال: زوجتك ابنتي أو بعتك ثوبي هذا. فقال: قبلت. صح ~~وكفى، ولم يحتج إلى زيادة عليه. # ولو أراد بالكناية حال الغضب، أو سؤال الطلاق غير الطلاق، لم يقع الطلاق؛ ~~لأنه لو أراده بالصريح لم يقع، فبالكناية أولى. وإذا ادعى ذلك دين. وهل ~~يقبل في الحكم؟ فظاهر كلام أحمد، في رواية أبي الحارث، أنه يصدق إن كان في ~~الغضب، ولا يصدق إن كان جوابا لسؤال الطلاق. ونقل عنه في موضع آخر، أنه إذا ~~قال: أنت خلية، أو بريئة، أو بائن. ولم يكن بينهما ذكر طلاق ولا غضب، صدق. ~~فمفهومه أنه لا يصدق مع وجودهما. # وحكي هذا عن أبي حنيفة، إلا في الأربعة المذكورة والصحيح أنه يصدق؛ لما ~~روى سعيد بإسناده أن رجلا خطب إلى قوم فقالوا: لا نزوجك حتى تطلق امرأتك. ~~فقال: قد طلقت ثلاثا. فزوجوه، ثم أمسك امرأته، فقالوا: ألم تقل إنك طلقت ~~ثلاثا؟ قال: ألم تعلموا أني تزوجت فلانة وطلقتها، ثم ms3924 تزوجت فلانة وطلقتها، ~~ثم تزوجت فلانة وطلقتها؟ فسئل عثمان عن ذلك، فقال: له نيته. ولأنه أمر ~~يعتبر نيته فيه، فقبل قوله فيما يحتمله، كما لو كرر لفظا، وقال: أردت ~~التوكيد. ### | [مسألة الطلاق يقع بالكنايات] # (5859) مسألة؛ (قال أبو عبد الله: وإذا قال لها: أنت خلية، أو أنت برية، ~~أو أنت بائن، أو حبلك على غاربك، أو الحقي بأهلك. فهو عندي ثلاث ولكني أكره ~~أن أفتي به، سواء دخل بها أو لم يدخل) أكثر الروايات عن أبي عبد الله، ~~كراهية الفتيا في هذه الكنايات، مع ميله إلى أنها ثلاث، وحكى ابن أبي موسى، ~~في " الإرشاد " عنه روايتين؛ # PageV07P390 # إحداهما، أنها ثلاث. والثانية، يرجع إلى ما نواه. اختارها أبو الخطاب. ~~وهو مذهب الشافعي، قال: يرجع إلى ما نوى، فإن لم ينو شيئا وقعت واحدة. # ونحوه قول النخعي، إلا أنه قال: يقع طلقة بائنة؛ لأن لفظه يقتضي ~~البينونة، ولا يقتضي عددا. وروى حنبل، عن أحمد، ما يدل على هذا؛ فإنه قال: ~~يزيدها في مهرها إن أراد رجعتها. ولو وقع ثلاثا لم يبح له رجعتها، ولو لم ~~تبن لم يحتج إلى زيادة في مهرها. واحتج الشافعي بما روى أبو داود بإسناده، ~~«أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة ألبتة، فأخبر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بذلك، وقال: والله ما أردت إلا واحدة. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: آلله ما أردت إلا ~~واحدة. فردها إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطلقها الثانية في زمن ~~عمر، والثالثة في زمن عثمان» . قال علي بن محمد الطنافسي: ما أشرف هذا ~~الحديث. # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابنة الجون: " الحقي بأهلك ". ~~ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليطلق ثلاثا وقد نهى عن ذلك، ولأن ~~الكنايات مع النية كالصريح، فلم يقع به عند الإطلاق أكثر من واحدة، كقوله: ~~أنت طالق. وقال الثوري، وأصحاب الرأي: إن نوى ثلاثا فثلاث، وإن نوى اثنتين ~~أو واحدة وقعت واحدة، ولا يقع اثنتان؛ ms3925 لأن الكناية تقضي البينونة دون ~~العدد، والبينونة بينونتان صغرى وكبرى، فالصغرى بالواحدة، والكبرى بالثلاث، ~~ولو أوقعنا اثنتين كان موجبه العدد، وهي لا تقتضيه. # وقال ربيعة، ومالك: يقع بها الثلاث، وإن لم ينو إلا في خلع أو قبل ~~الدخول، فإنها تطلق واحدة؛ لأنها تقتضي البينونة، والبينونة تحصل في الخلع ~~وقبل الدخول بواحدة، فلم يزد عليها؛ لأن اللفظ لا يقتضي زيادة عليها، وفي ~~غيرهما يقع الثلاث ضرورة أن البينونة لا تحصل إلا بها، ووجه أنها ثلاث أنه ~~قول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فروي عن علي، وابن عمر، وزيد ~~بن ثابت، أنها ثلاث. قال أحمد في الخلية والبرية والبتة: قول علي وابن عمر ~~قول صحيح ثلاثا. وقال علي، والحسن، والزهري، في البائن: إنها ثلاث. # وروى النجاد، بإسناده عن نافع، أن رجلا جاء إلى عاصم وابن الزبير فقال: ~~إن ظئري هذا طلق امرأته ألبتة قبل أن يدخل بها، فهل تجدان له رخصة؟ فقالا: ~~لا، ولكنا تركنا ابن عباس وأبا هريرة عند عائشة، فسلهم، ثم ارجع إلينا، ~~فأخبرنا. فسألهم، فقال أبو هريرة: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وقال ابن ~~عباس هي ثلاث. وذكر عن عائشة متابعتهما. # PageV07P391 # وروى النجاد بإسناده، أن عمر - رضي الله عنه - جعل ألبتة واحدة، ثم جعلها ~~بعد ثلاث تطليقات. وهذه أقوال علماء الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، ~~فكان إجماعا، ولأنه طلق امرأته بلفظ يقتضي البينونة، فوجب الحكم بطلاق تحصل ~~به البينونة، كما لو طلق ثلاثا، أو نوى الثلاث، واقتضاؤه للبينونة ظاهر في ~~قوله: أنت بائن. وكذا في قوله: ألبتة؛ لأن البت القطع، فكأنه قطع النكاح ~~كله، ولذلك يعبر به عن الطلاق الثلاث، كما قالت امرأة رفاعة إن رفاعة طلقني ~~فبت طلاقي. وبتله هو القطع أيضا؛ ولذلك قيل في مريم البتول؛ لانقطاعها عن ~~النكاح. # ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التبتل، وهو الانقطاع عن النكاح ~~بالكلية. وكذلك الخلية والبرية يقتضيان الخلو من النكاح والبراءة منه، وإذا ~~كان للفظ معنى، فاعتبره الشرع، إنما يعتبر فيما يقتضيه ms3926 ويؤدي معناه، ولا ~~سبيل إلى البينونة بدون الثلاث، فوقعت ضرورة الوفاء بما يقتضيه لفظه، ولا ~~يمكن إيقاع واحدة بائن؛ لأنه لا يقدر على ذلك بصريح الطلاق، فكذلك ~~بكناياته، ولم يفرقوا بين المدخول بها وغيرها؛ لأن الصحابة لم يفرقوا، ولأن ~~كل لفظة أوجبت الثلاث في المدخول بها، أوجبتها في غيرها، كقوله: أنت طالق ~~ثلاثا. فأما حديث ركانة؛ فإن أحمد ضعف إسناده، فلذلك تركه. وأما قوله - ~~عليه السلام - لابنة الجون: " الحقي بأهلك ". # فيدل على أن هذه اللفظة لا تقتضي الثلاث، وليست من اللفظات التي قال ~~الصحابة فيها بالثلاث، ولا هي مثلها، فيقصر الحكم عليها. وقولهم: إن ~~الكناية بالنية كالصريح. قلنا: نعم، إلا أن الصريح ينقسم إلى ثلاث تحصل بها ~~البينونة، وإلى ما دونها مما لا تحصل به البينونة، فكذلك الكناية تنقسم ~~كذلك، فمنها ما يقوم مقام الصريح المحصل للبينونة، وهو هذه الظاهرة، ومنها ~~ما يقوم مقام الواحدة، وهو ما عداها، والله أعلم. (5860) فصل: وذكر القاضي ~~أن ظاهر كلام أحمد، والخرقي؛ أن الطلاق يقع بهذه الكنايات من غير نية، كقول ~~مالك؛ لأنه اشتهر استعمالها فيه، فلم تحتج إلى نية كالصريح. # ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يقع إلا بنية؛ لقوله: وإذا أتى بصريح الطلاق ~~وقع نواه أو لم ينوه. فمفهومه أن غير الصريح لا يقع إلا بنية، ولأن هذا ~~كناية، فلم يثبت حكمه بغير نية، كسائر الكنايات. ### | [فصل الطلاق بصفة البينونة] # (5861) فصل: والكناية ثلاثة أقسام؛ # PageV07P392 # ظاهرة، وهي ستة ألفاظ؛ خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وأمرك بيدك. ~~الحكم فيها ما بيناه في هذا الفصل. وإن قال: أنت طالق بائن، أو ألبتة. ~~فكذلك إلا أنه لا يحتاج إلى نية؛ لأنه وصف بها الطلاق الصريح. وإن قال: أنت ~~طالق لا رجعة لي عليك. وهي مدخول بها، فهي ثلاث. قال أحمد: إذا قال ~~لامرأته: أنت طالق لا رجعة فيها، ولا مثنوية. هذه مثل الخلية والبرية ~~ثلاثا، هكذا هو عندي. وهذا قول أبي حنيفة، وإن قال: ولا رجعة لي فيها. ~~بالواو، فكذلك. وقال أصحاب أبي حنيفة: تكون رجعية؛ لأنه ms3927 لم يصف الطلقة ~~بذلك، وإنما عطف عليها. # ولنا، أن الصفة تصح مع العطف، كما لو قال: بعتك بعشرة وهي مغربية صح، ~~وكان صفة للثمن. قال الله تعالى: {إلا استمعوه وهم يلعبون} [الأنبياء: 2] . ~~وإن قال: أنت طالق واحدة بائنا أو واحدة بتة. ففيها ثلاث روايات؛ إحداهن، ~~أنها واحدة رجعية، ويلغو ما بعدها. قال أحمد: لا أعرف شيئا متقدما، إن نوى ~~واحدة تكون بائنا وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه وصف الطلقة بما لا تتصف به، فلغت ~~الصفة، كما لو قال: أنت طالق لا تقع عليك. والثانية: هي ثلاث. قاله أبو ~~بكر، وقال: هو قول أحمد؛ لأنه أتى بما يقتضي الثلاث، فوقع، ولغا قوله: ~~واحدة. كما لو قال: أنت طالق واحدة ثلاثا. والثالثة، رواها حنبل عن أحمد، ~~إذا طلق امرأته واحدة ألبتة، فإن أمرها بيدها، يزيدها في مهرها إن أراد ~~رجعتها. # فهذا يدل على أنه أوقع بها واحدة بائنا؛ لأنه جعل أمرها بيدها، ولو كانت ~~رجعية لما كان أمرها بيدها، ولا احتاجت إلى زيادة في مهرها، ولو وقع ثلاث ~~لما حلت له رجعتها. وقال أبو الخطاب: هذه الرواية تخرج في جميع الكنايات ~~الظاهرة، فيكون ذلك مثل قول إبراهيم النخعي. ووجهه أنه أوقع الطلاق بصفة ~~البينونة، فوقع على ما أوقعه، ولم يزد على واحدة؛ لأن لفظه لم يقتض عددا، ~~فلم يقع أكثر من واحدة، كما لو قال: أنت طالق. وحمل القاضي رواية حنبل على ~~أن ذلك بعد انقضاء العدة. القسم الثاني، مختلف فيها، وهي ضربان؛ منصوص ~~عليها، وهي عشرة؛ الحقي بأهلك. وحبلك على غاربك. ولا سبيل لي عليك. وأنت ~~علي حرج. وأنت علي حرام. واذهبي فتزوجي من شئت. # PageV07P393 # وغطي شعرك. وأنت حرة. وقد أعتقتك. فهذه عن أحمد فيها روايتان؛: إحداهما، ~~أنها ثلاث. والثانية، ترجع إلى ما نواه، وإن لم ينو شيئا، فواحدة، كسائر ~~الكنايات. # والضرب الثاني، مقيس على هذه، وهي استبرئي رحمك. وحللت للأزواج. وتقنعي. ~~ولا سلطان لي عليك. فهذه في معنى المنصوص عليها، فيكون حكمها حكمها. ~~والصحيح في قوله: الحقي بأهلك. أنها واحدة، ولا ms3928 تكون ثلاثا إلا بنية؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابنة الجون: «الحقي بأهلك» . متفق عليه ~~ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليطلق ثلاثا وقد نهى أمته عن ذلك. ~~قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابنة ~~الجون: " الحقي بأهلك ". ولم يكن طلاقا غير هذا، ولم يكن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ليطلق ثلاثا، فيكون غير طلاق السنة. فقال: لا أدري. وكذلك ~~قوله: اعتدي واستبرئي رحمك. لا يختص الثلاث؛ فإن ذلك يكون من الواحدة، كما ~~يكون من الثلاث. # وقد روى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال لسودة ~~ابنة زمعة: اعتدي» ، فجعلها تطليقة. وروى هشيم أنبأنا الأعمش، عن المنهال ~~بن عمرو، أن نعيم بن دجاجة الأسدي طلق امرأته تطليقتين، ثم قال: هي علي ~~حرج. وكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال: أما إنها ليست بأهونهن. وأما ~~سائر اللفظات، فإن قلنا: هي ظاهرة؛ فلأن معناها معنى الظاهرة، فإن قوله: لا ~~سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك. إنما يكون في المبتوتة، أما الرجعية فله ~~عليها سبيل وسلطان. وقوله: أنت حرة، أو أعتقتك. يقتضي ذهاب الرق عنها، ~~وخلوصها منه، والرق هاهنا النكاح. وقوله: أنت حرام يقتضي بينونتها منه؛ لأن ~~الرجعية غير محرمة. وكذلك: حللت للأزواج، لأنك بنت مني. وكذلك سائرها. وإن ~~قلنا: هي واحدة. فلأنها محتملة، فإن قوله: حللت للأزواج. أي بعد انقضاء ~~عدتك، إذ لا يمكن حلها قبل ذلك، والواحدة تحلها. وكذلك: انكحي من شئت. # وسائر الألفاظ، يتحقق معناها بعد قضاء عدتها. القسم الثالث، الخفية نحو: ~~اخرجي. واذهبي. وذوقي. وتجرعي. وأنت مخلاة. واختاري. ووهبتك لأهلك. وسائر ~~ما يدل على الفرقة، ويؤدي معنى الطلاق سوى ما تقدم ذكره، فهذه ثلاث إن نوى ~~ثلاثا، واثنتان إن نواهما، وواحدة إن نواها أو أطلق. قال أحمد: ما ظهر من ~~الطلاق فهو على ما ظهر، وما عنى به الطلاق فهو على ما عنى، مثل: حبلك على ~~غاربك. إذا نوى واحدة، أو اثنتين، أو ms3929 ثلاثا، فهو على ما نوى، ومثل: لا سبيل ~~لي عليك. وإذا نص في هاتين على أنه يرجع إلى نيته، فكذلك # PageV07P394 # سائر الكنايات. وهذا قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يقع اثنتان، وإن ~~نواهما وقع واحدة. وقد تقدم ذكر ذلك. # وإن قال: أنت واحدة. فهي كناية خفية، لكنها لا تقع بها إلا واحدة. وإن ~~نوى ثلاثا؛ لأنها لا تحتمل غير الواحدة. وإن قال: أغناك الله. فهي كناية ~~خفية؛ لأنه يحتمل: أغناك الله بالطلاق. لقول الله تعالى: {وإن يتفرقا يغن ~~الله كلا من سعته} [النساء: 130] . ### | [فصل الطلاق الواقع بالكنايات] # (5862) فصل: والطلاق الواقع بالكنايات رجعي، ما لم يقع الثلاث في ظاهر ~~المذهب. وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة كلها بوائن، إلا: اعتدي. واستبرئي ~~رحمك. وأنت واحدة؛ لأنها تقتضي البينونة، فتقع البينونة، كقوله: أنت طالق ~~ثلاثا. ولنا أنه طلاق صادف مدخولا بها من غير عوض، ولا استيفاء عدد، فوجب ~~أن يكون رجعيا، كصريح الطلاق، وما سلموه من الكنايات. وقولهم: إنها تقتضي ~~البينونة قلنا: فينبغي أن تبين بثلاث؛ لأن المدخول بها لا تبين إلا بثلاث ~~أو عوض. ### | [فصل ما لا يشبه الطلاق ولا يدل على الفراق] # (5863) فصل: فأما ما لا يشبه الطلاق، ولا يدل على الفراق، كقوله: اقعدي. ~~وقومي. وكلي. واشربي. واقربي. وأطعميني واسقيني. وبارك الله عليك. وغفر ~~الله لك. وما أحسنك. وأشباه ذلك، فليس بكناية، ولا تطلق به، وإن نوى؛ لأن ~~اللفظ لا يحتمل الطلاق، فلو وقع الطلاق به لوقع بمجرد النية، وقد ذكرنا أنه ~~لا يقع بها. وبهذا قال أبو حنيفة. واختلف أصحاب الشافعي في قوله: كلي. ~~واشربي. فقال بعضهم: كقولنا، وقال بعضهم: هو كناية؛ لأنه يحتمل: كلي ألم ~~الطلاق. واشربي كأس الفراق. فوقع به، كقولنا: ذوقي، وتجرعي. # ولنا، أن هذا اللفظ لا يستعمل بمفرده إلا فيما لا ضرر فيه، كنحو قوله ~~تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} [الطور: 19] . وقال: {فكلوه ~~هنيئا مريئا} [النساء: 4] . فلم يكن كناية، كقوله: أطعميني. وفارق ذوقي. ~~وتجرعي؛ فإنه يستعمل في المكاره، كقول الله تعالى: {ذق إنك أنت ms3930 العزيز ~~الكريم} [الدخان: 49] # PageV07P395 # {وذوقوا عذاب الحريق} [الأنفال: 50] . {ذوقوا مس سقر} [القمر: 48] . ~~وكذلك التجرع، قال الله تعالى: {يتجرعه ولا يكاد يسيغه} [إبراهيم: 17] . ~~فلم يصح أن يلحق بهما ما ليس مثلهما. ### | [فصل قال أنا منك طالق] # (5864) فصل: فإن قال: أنا منك طالق. أو جعل أمر امرأته بيدها، فقالت: أنت ~~طالق. لم تطلق زوجته. نص عليه، في رواية الأثرم. وهو قول ابن عباس، ~~والثوري، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وروي ذلك عن عثمان بن عفان ~~- رضي الله عنه -. وقال مالك، والشافعي: تطلق إذا نوى به الطلاق وروي نحو ~~ذلك عن عمر، وابن مسعود، وعطاء، والنخعي، والقاسم، وإسحاق؛ لأن الطلاق ~~إزالة النكاح، وهو مشترك بينهما، فإذا صح في أحدهما صح في الآخر. ولا خلاف ~~في أنه لا يقع به الطلاق من غير نية. # ولنا، أنه محل لا يقع الطلاق بإضافته إليه من غير نية، فلم يقع وإن نوى، ~~كالأجنبي، ولأنه لو قال: أنا طالق ولم يقل: منك. لم يقع، ولو كان محلا ~~للطلاق لوقع بذلك، كالمرأة، ولأن الرجل مالك في النكاح، والمرأة مملوكة، ~~فلم يقع إزالة الملك بإضافة الإزالة إلى المالك، كالعتق، ويدل على هذا أن ~~الرجل لا يوصف بأنه مطلق، بخلاف المرأة. وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: ملكت ~~امرأتي أمرها، فطلقتني ثلاثا. فقال ابن عباس: خطأ الله نواها، إن الطلاق لك ~~وليس لها عليك. رواه أبو عبيد، والأثرم، واحتج به أحمد (5865) فصل: وإن ~~قال: أنا منك بائن. أو بريء. فقد توقف أحمد فيه. # قال أبو عبد الله بن حامد: يتخرج على وجهين؛ أحدهما، لا يقع؛ لأن الرجل ~~محل لا يقع الطلاق بإضافة صريحه إليه، فلم يقع بإضافة كنايته إليه، ~~كالأجنبي. والثاني، يقع؛ لأن لفظ البينونة والبراءة يوصف بهما كل واحد من ~~الزوجين، يقال: بان منها، وبانت منه. وبرئ منها، وبرئت منه. وكذلك لفظ ~~الفرقة يضاف إليهما، قال الله تعالى: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} ~~[النساء: 130] . وقال تعالى: {يفرقون به بين المرء وزوجه} [البقرة: 102] . ~~ويقال: فارقته المرأة وفارقها. ولا يقال: ms3931 طلقته. ولا سرحته. ولا تطلقا. ولا ~~تسرحا. # PageV07P396 # وإن قال: أنا بائن. ولم يقل: منك. فذكر القاضي فيما إذا قال لها: أمرك ~~بيدك. فقالت: أنت بائن. ولم تقل: مني. أنه لا يقع، وجها واحدا. وإن قالت: ~~أنا بائن. ونوت، وقع. وإن قالت: أنت مني بائن. فعلى الوجهين، فيخرج هاهنا ~~مثل ذلك. ### | [مسألة أتى بصريح الطلاق] # (5866) مسألة؛ قال: (وإذا أتى بصريح الطلاق لزمه، نواه، أو لم ينوه) قد ~~ذكرنا أن صريح الطلاق لا يحتاج إلى نية، بل يقع من غير قصد، ولا خلاف في ~~ذلك. ولأن ما يعتبر له القول يكتفي فيه به، من غير نية، إذا كان صريحا فيه، ~~كالبيع. وسواء قصد المزح أو الجد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح، والطلاق، والرجعة» رواه أبو داود، ~~والترمذي، وقال: حديث حسن. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل ~~العلم، على أن جد الطلاق وهزله سواء. روي هذا عن عمر بن الخطاب، وابن ~~مسعود. ونحوه عن عطاء، وعبيدة. وبه قال الشافعي، وأبو عبيد. قال أبو عبيد: ~~وهو قول سفيان، وأهل العراق. # فأما لفظ الفراق والسراح، فينبي على الخلاف فيه؛ فمن جعله صريحا أوقع به ~~الطلاق من غير نية، ومن لم يجعله صريحا لم يوقع به الطلاق حتى ينويه، ويكون ~~بمنزلة الكنايات الخفية. ### | [فصل قال الأعجمي لامرأته أنت طالق ولا يفهم معناه] # (5867) فصل: فإن قال الأعجمي لامرأته: أنت طالق، ولا يفهم معناه، لم ~~تطلق؛ لأنه ليس بمختار للطلاق، فلم يقع طلاقه، كالمكره. فإن نوى موجبه عند ~~أهل العربية، لم يقع أيضا؛ لأنه لا يصح منه اختيار ما لا يعلمه، ولذلك لو ~~نطق بكلمة الكفر من لا يعلم معناها لم يكفر. ويحتمل أن تطلق إذا نوى ~~موجبها؛ لأنه لفظ بالطلاق ناويا موجبه، فأشبه العربي. وكذلك الحكم إذا قال ~~العربي: بهشتم. وهو لا يعلم معناها. ### | [فصل قال لزوجته وأجنبية إحداكما طالق] # (5868) فصل: فإن قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق. أو قال لحماته: ابنتك ~~طالق. ولها بنت سوى امرأته. ms3932 أو كان اسم زوجته زينب، فقال: زينب طالق. طلقت ~~زوجته؛ لأنه لا يملك طلاق غيرها. فإن قال: أردت الأجنبية. لم يصدق. نص عليه ~~أحمد، في رجل تزوج امرأة، فقال لحماته: ابنتك طالق. وقال: أردت ابنتك ~~الأخرى، التي ليست بزوجتي، فقال: يحنث، ولا يقبل منه. وقال في رواية أبي ~~داود، في رجل له امرأتان، اسماهما فاطمة، فماتت إحداهما، فقال: فاطمة طالق. ~~ينوي الميتة، فقال: الميتة تطلق، قال أبو داود: كأنه لا يصدقه في الحكم. # PageV07P397 # وقال القاضي، فيما إذا نظر إلى امرأته، وأجنبية، فقال: إحداكما طالق. ~~وقال: أردت الأجنبية. فهل يقبل؟ على روايتين. وقال الشافعي: يقبل هاهنا، ~~ولا يقبل فيما إذا قال: زينب طالق. وقال: أردت أجنبية اسمها زينب. لأن زينب ~~لا يتناول الأجنبية بصريحه، بل من جهة الدليل، وقد عارضه دليل آخر وهو أنه ~~لا يطلق غير زوجته أظهر، فصار اللفظ في زوجته أظهر، فلم يقبل خلافه، أما ~~إذا قال: إحداهما. فإنه يتناول الأجنبية بصريحه. وقال أصحاب الرأي، وأبو ~~ثور: يقبل في الجميع؛ لأنه فسر كلامه بما يحتمله. # ولنا، أنه لا يحتمل غير امرأته على وجه صحيح، فلم يقبل تفسيره بها، كما ~~لو فسر كلامه بما لا يحتمله، وكما لو قال: زينب طالق. عند الشافعي، وما ~~ذكروه من الفرق لا يصح، فإن إحداكما ليس بصريح في واحدة منهما، إنما يتناول ~~واحدة لا بعينها، وزينب يتناول واحدة لا بعينها، ثم تعينت الزوجة لكونها ~~محل الطلاق، وخطاب غيرها به عبث، كما إذا قال: إحداكما طالق. ثم لو تناولها ~~بصريحه لكنه صرفه عنها دليل، فصار ظاهرا في غيرها، ولما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - للمتلاعنين: " أحدكما كاذب ". لم ينصرف إلا إلى الكاذب ~~منهما وحده، ولما قال حسان، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا سفيان: ~~فشركما لخيركما الفداء لم ينصرف شرهما إلا إلى أبي سفيان وحده، وخيرهما ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده. # وهذا في الحكم، فأما فيما بينه وبين الله تعالى، فيدين فيه، فمتى علم من ~~نفسه أنه أراد الأجنبية، لم تطلق ms3933 زوجته؛ لأن اللفظ محتمل له، وإن كان غير ~~مقيد. ولو كانت ثم قرينة دالة على إرادته الأجنبية، مثل أن يدفع بيمينه ~~ظلما، أو يتخلص بها من مكروه، قبل قوله في الحكم؛ لوجود الدليل الصارف ~~إليها. وإن لم ينو زوجته، ولا الأجنبية، طلقت زوجته؛ لأنها محل الطلاق، ~~واللفظ يحتملها ويصلح لها، ولم يصرفه عنها، فوقع به، كما لو نواها. ### | [فصل له امرأتان حفصة وعمرة فقال يا حفصة فأجابته عمرة فقال أنت طالق] # (5869) فصل: فإن كانت له امرأتان؛ حفصة وعمرة، فقال: يا حفصة فأجابته ~~عمرة، فقال: أنت طالق. فإن لم تكن له نية، أو نوى المجيبة وحدها، طلقت ~~وحدها؛ لأنها المطلقة دون غيرها. وإن قال: ما خاطبت بقولي: أنت طالق. إلا ~~حفصة، وكانت حاضرة، طلقت وحدها. وإن قال: علمت أن المجيبة عمرة، فخاطبتها ~~بالطلاق، وأردت طلاق حفصة. طلقتا معا، في قولهم جميعا. وإن قال: ظننت ~~المجيبة حفصة فطلقتها. طلقت حفصة، رواية واحدة، وفي عمرة روايتان؛ إحداهما، ~~تطلق أيضا. وهو قول النخعي، وقتادة، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. واختاره ابن ~~حامد؛ لأنه خاطبها بالطلاق، وهي محل له، فطلقت، كما لو قصدها. # PageV07P398 # والثانية، لا تطلق. وهو قول الحسن، والزهري، وأبي عبيد، قال أحمد، في ~~رواية مهنا، في رجل له امرأتان، فقال: فلانة أنت طالق. فالتفتت، فإذا هي ~~غير التي حلف عليها، قال: قال إبراهيم: يطلقان. # والحسن يقول: تطلق التي نوى. قيل له: ما تقول أنت؟ قال: تطلق التي نوى. ~~ووجهه أنه لم يقصدها بالطلاق، فلم تطلق، كما لو أراد أن يقول: أنت طاهر. ~~فسبق لسانه، فقال: أنت طالق. وقال أبو بكر: لا يختلف كلام أحمد أنها لا ~~تطلق. وقال الشافعي: تطلق المجيبة وحدها؛ لأنها مخاطبة بالطلاق، فطلقت، كما ~~لو لم ينو غيرها، ولا تطلق المنوية؛ لأنه لم يخاطبها بالطلاق، ولم تعترف ~~بطلاقها، وهذا يبطل بما لو علم أن المجيبة عمرة، فإن المنوية تطلق بإرادتها ~~بالطلاق، ولولا ذلك لم تطلق بالاعتراف به؛ لأن الاعتراف بما لا يوجب لا ~~يوجب، ولأن الغائبة مقصودة بلفظ الطلاق، فطلقت كما لو ms3934 علم الحال. (5870) ~~فصل: وإن أشار إلى عمرة، فقال: يا حفصة، أنت طالق. وأراد طلاق عمرة، فسبق ~~لسانه إلى نداء حفصة، طلقت عمرة وحدها؛ لأنه لم يرد بلفظه إلا طلاقها، ~~وإنما سبق لسانه إلى غير ما أراده، فأشبه ما لو أراد أن يقول: أنت طاهر. ~~فسبق لسانه إلى أنت طالق. # وإن أتى باللفظ مع علمه أن المشار إليها عمرة، طلقتا معا، عمرة بالإشارة ~~إليها، وإضافة الطلاق إليها، وحفصة بنيته، وبلفظه بها. وإن ظن أن المشار ~~إليها حفصة، طلقت حفصة، وفي عمرة روايتان، كالتي قبلها. ### | [فصل لقي أجنبية ظنها زوجته فقال فلانة أنت طالق] # (5871) فصل: وإن لقي أجنبية، ظنها زوجته، فقال: فلانة أنت طالق. فإذا هي ~~أجنبية، طلقت زوجته، نص عليه أحمد. وقال الشافعي: لا تطلق؛ لأنه خاطب ~~بالطلاق غيرها، فلم يقع، كما لو علم أنها أجنبية، فقال: أنت طالق. ولنا، ~~أنه قصد زوجته بلفظ الطلاق، فطلقت، كما لو قال: علمت أنها أجنبية، وأردت ~~طلاق زوجتي. وإن قال لها: أنت طالق. ولم يذكر اسم زوجته، احتمل؛ وذلك أيضا ~~لأنه قصد امرأته بلفظ الطلاق، واحتمل أن لا تطلق؛ لأنه لم يخاطبها بالطلاق، ~~ولا ذكر اسمها معه. وإن علمها أجنبية، وأراد بالطلاق زوجته، طلقت. وإن لم ~~يردها بالطلاق، لم تطلق. # PageV07P399 ### | [فصل لقي امرأته فظنها أجنبية فقال أنت طالق] # (5872) فصل: وإن لقي امرأته، فظنها أجنبية، فقال: أنت طالق، أو تنحي يا ~~مطلقة. أو لقي أمته، فظنها أجنبية، فقال: أنت حرة، أو تنحي يا حرة. فقال ~~أبو بكر، فيمن لقي امرأته، فقال: تنحي يا مطلقة، أو يا حرة. وهو لا يعرفها، ~~فإذا هي زوجته أو أمته: لا يقع بهما طلاق ولا حرية؛ لأنه لم يرد بهما ذلك، ~~فلم يقع بهما شيء، كسبق اللسان إلى ما لم يرده. ويحتمل أن لا تعتق الأمة؛ ~~لأن العادة من الناس مخاطبة من لا يعرفها بقوله: يا حرة. وتطلق الزوجة؛ ~~لعدم العادة بالمخاطبة بقوله: يا مطلقة. ### | [فصل الطلاق من غير نية] # (5873) فصل: فأما غير الصريح؛ فلا يقع الطلاق به إلا بنية، ms3935 أو دلالة حال. ~~وقال مالك الكنايات الظاهرة، كقوله: أنت بائن، وبتة، وبتلة، وحرام. يقع بها ~~الطلاق من غير نية. قال القاضي، في " الشرح ": وهذا ظاهر كلام أحمد، ~~والخرقي؛ لأنها مستعملة في الطلاق في العرف، فصارت كالصريح. ولنا، أن هذه ~~كناية لم تعرف بإرادة الطلاق بها، ولا اختصت به، فلم يقع الطلاق بها بمجرد ~~اللفظ، كسائر الكنايات، وإذا ثبت اعتبار النية، فإنها تعتبر مقارنة للفظ، ~~فإن وجدت في ابتدائه، وعريت عنه في سائره، وقع الطلاق. وقال بعض أصحاب ~~الشافعي لا يقع، فلو قال: أنت بائن ينوي الطلاق، وعريت نيته حين قال: أنت ~~بائن، لا يقع؛ لأن القدر الذي صاحبته النية لا يقع به شيء. ولنا أن ما ~~تعتبر له النية يكتفي فيه بوجودها في أوله، كالصلاة وسائر العبادات، فأما ~~إن تلفظ بالكناية غير ناو، ثم نوى بها بعد ذلك، لم يقع بها الطلاق، وكما لو ~~نوى الطهارة بالغسل بعد فراغه منه. ### | [مسألة قيل له ألك امرأة فقال لا وأراد به الكذب] # (5874) مسألة؛ قال: (ولو قيل له: ألك امرأة؟ فقال: لا. وأراد به الكذب، ~~لم يلزمه شيء. ولو قال: قد طلقتها. وأراد به الكذب، لزمه الطلاق) إنما لم ~~يلزمه إذا أراد الكذب؛ لأن قوله: ما لي امرأة. كناية تفتقر إلى نية الطلاق، ~~وإذا نوى الكذب فما نوى الطلاق، فلم يقع. وهكذا لو نوى أنه ليس لي امرأة ~~تخدمني، أو ترضيني، أو أني كمن # PageV07P400 # لا امرأة له، أو لم ينو شيئا لم تطلق؛ لعدم النية المشترطة في الكناية، ~~وإن أراد بهذا اللفظ طلاقها، طلقت؛ لأنها كناية صحبتها النية. # وبهذا قال الزهري، ومالك، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، والشافعي، ~~وقال أبو يوسف، ومحمد: لا تطلق؛ فإن هذا ليس بكناية، وإنما هو خبر هو كاذب ~~فيه، وليس بإيقاع. ولنا، أنه محتمل الطلاق؛ لأنه إذا طلقها فليست له ~~بامرأة، فأشبه قوله: أنت بائن. وغيرها من الكنايات الظاهرة، وهذا يبطل ~~قولهم. فأما إن قال: طلقتها. وأراد الكذب طلقت؛ لأن لفظ الطلاق صريح، يقع ~~به الطلاق من ms3936 غير نية. وإن قال: خليتها، أو أبنتها. افتقر إلى النية؛ لأنه ~~كناية لا يقع به الطلاق من غير نية. (5875) فصل: فإن قيل له: أطلقت امرأتك؟ ~~فقال: نعم. أو قيل له: امرأتك طالق؟ فقال: نعم. طلقت امرأته، وإن لم ينو. # وهذا الصحيح من مذهب الشافعي، واختيار المزني؛ لأن نعم صريح في الجواب، ~~والجواب الصريح للفظ الصريح صريح، ألا ترى أنه لو قيل له: ألفلان عليك ألف؟ ~~فقال: نعم. وجب عليه. وإن قيل له: طلقت امرأتك؟ فقال: قد كان بعض ذلك. ~~وقال: أردت الإيقاع. وقع. وإن قال: أردت أني علقت طلاقها بشرط. قبل؛ لأنه ~~محتمل لما قاله. وإن قال: أردت الإخبار عن شيء ماض. أو قيل له: ألك امرأة؟ ~~فقال: قد طلقتها. ثم قال: إنما أردت أني طلقتها في نكاح آخر. دين فيما بينه ~~وبين الله تعالى، فأما في الحكم؛ فإن لم يكن ذلك وجد منه، لم يقبل؛ لأنه لا ~~يحتمل ما قاله، وإن كان وجد، فعلى وجهين. ### | [فصل قال علي يمين بالطلاق ولم يكن حلف] # فصل: فإن قال: حلفت بالطلاق. أو قال: علي يمين بالطلاق. ولم يكن حلف، لم ~~يلزمه شيء فيما بينه وبين الله تعالى، ولزمه ما أقر به في الحكم. ذكره ~~القاضي، وأبو الخطاب. وقال أحمد، في رواية محمد بن الحكم، في الرجل يقول: ~~حلفت بالطلاق. ولم يكن حلف: هي كذبة، ليس عليه يمين. وذلك لأن قوله: له ~~حلفت. ليس بحلف، وإنما هو خبر عن الحلف، فإذا كان كاذبا فيه، لم يصر حالفا، ~~كما لو قال: حلفت بالله. وكان كاذبا. واختار أبو بكر أنه يلزمه ما أقر به ~~في الحكم. وحكى في زاد المسافر عن الميموني، عن أحمد، أنه قال: إذا قال: ~~حلفت بالطلاق. ولم يكن حلف، يلزمه الطلاق، ويرجع إلى نيته في الطلاق الثلاث ~~أو الواحد. # وقال القاضي: معنى قول أحمد: يلزمه الطلاق. أي في الحكم، ويحتمل أنه أراد ~~يلزمه الطلاق إذا نوى به الطلاق، فجعله كناية عنه؛ ولذلك قال: يرجع إلى ~~نيته. أما الذي قصد الكذب، # PageV07P401 # فلا ms3937 نية له في الطلاق، فلا يقع به شيء؛ لأنه ليس بصريح في الطلاق، ولا ~~نوى به الطلاق، فلم يقع به طلاق كسائر الكنايات. وذكر القاضي، في كتاب ~~الأيمان، في من قال: حلفت بالطلاق. ولم يكن حلف، فهل يقع به الطلاق؟ على ~~روايتين. ### | [مسألة وهب زوجته لأهلها] # (5877) مسألة؛ قال: (وإذا وهب زوجته لأهلها، فإن قبلوها فواحدة، يملك ~~الرجعة إن كانت مدخولا بها، وإن لم يقبلوها فلا شيء) هذا المنصوص عن أحمد ~~في هذه المسألة. وبه قال ابن مسعود، وعطاء، ومسروق، والزهري، ومكحول، ~~ومالك، وإسحاق. وروي عن علي - رضي الله عنه - والنخعي: إن قبلوها فواحدة ~~بائنة، وإن لم يقبلوها فواحدة رجعية. وعن زيد بن ثابت، والحسن: إن قبلوها ~~فثلاث، وإن لم يقبلوها فواحدة رجعية. وروي عن أحمد مثل ذلك. وقال ربيعة، ~~ويحيى بن سعيد، وأبو الزناد، ومالك: هي ثلاث على كل حال، قبلوها أو ردوها. ~~وقال أبو حنيفة فيها كقوله في الكناية الظاهرة، قبلوها أو ردوها. وكذلك قال ~~الشافعي. واختلفا هاهنا بناء على اختلافهما. # ولنا، على أنها لا تطلق إذا لم يقبلوها، أنه تمليك للبضع، فافتقر إلى ~~القبول، كقوله: اختاري، وأمرك بيدك. وكالنكاح. وعلى أنها لا تكون ثلاثا أنه ~~لفظ محتمل، فلا يحمل على الثلاث عند الإطلاق، كقوله: اختاري. وعلى أنها ~~رجعية، أنها طلقة لمن عليها عدة بغير عوض، قبل استيفاء العدد، فكانت رجعية، ~~كقوله: أنت طالق. وقوله: إنها واحدة. محمول على ما إذا أطلق النية، أو نوى ~~واحدة، فأما إن نوى ثلاثا، أو اثنتين، فهو على ما نوى؛ لأنها كناية غير ~~ظاهرة فيرجع إلى نيته في عددها كسائر الكنايات. ولا بد من أن ينوي بذلك ~~الطلاق، أو تكون ثم دلالة حال، لأنها كناية، والكنايات لا بد فيها من النية ~~كذلك. # قال القاضي: وينبغي أن تعتبر النية من الذي يقبل أيضا، كما تعتبر في ~~اختيار الزوجة إذا قال لها: اختاري، أو أمرك بيدك. إذا ثبت هذا؛ فإن صيغة ~~القبول أن يقول أهلها: قبلناها. نص عليه أحمد. والحكم في هبتها لنفسها، أو ~~لأجنبي، ms3938 كالحكم في هبتها لأهلها. ### | [فصل باع امرأته لغيره] # (5878) فصل: فإن باع امرأته لغيره، لم يقع به طلاق، وإن نوى. وبهذا قال ~~الثوري، وإسحاق. وقال مالك: تطلق، واحدة، وهي أملك بنفسها؛ لأنه أتى بما ~~يقتضي خروجها عن ملكه، أشبه ما لو وهبها. # PageV07P402 # ولنا، أن البيع لا يتضمن معنى الطلاق؛ لأنه نقل ملك بعوض، والطلاق مجرد ~~إسقاط لا يقتضي العوض، فلم يقع به طلاق كقوله: أطعميني، واسقيني. ### | [مسألة جعل أمر امرأته بيدها] # (5879) مسألة؛ قال: (وإذا قال لها: أمرك بيدك. فهو بيدها، وإن تطاول، ما ~~لم يفسخ أو يطأها) وجملة ذلك أن الزوج مخير بين أن يطلق بنفسه، وبين أن ~~يوكل فيه، وبين أن يفوضه إلى المرأة، ويجعله إلى اختيارها؛ بدليل أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - خير نساءه، فاخترنه. ومتى جعل أمر امرأته بيدها، ~~فهو بيدها أبدا، لا يتقيد ذلك بالمجلس. روي ذلك عن علي - رضي الله عنه -. ~~وبه قال الحكم، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: ~~هو مقصور على المجلس، ولا طلاق لها بعد مفارقته؛ لأنه تخيير لها، فكان ~~مقصورا على المجلس، كقوله: اختاري. ولنا، قول علي - رضي الله عنه - في رجل ~~جعل أمر امرأته بيدها، قال: هو لها حتى تنكل. ولا نعرف له في الصحابة ~~مخالفا، فيكون إجماعا. ولأنه نوع توكيل في الطلاق، فكان على التراخي، كما ~~لو جعله لأجنبي، وفارق قوله: اختاري. فإنه تخيير. فإن رجع الزوج فيما جعل ~~إليها، أو قال: فسخت ما جعلت إليك. بطل. # وبذلك قال عطاء، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، وإسحاق. وقال ~~الزهري، والثوري، ومالك، وأصحاب الرأي: ليس له الرجوع؛ لأنه ملكها ذلك، فلم ~~يملك الرجوع، كما لو طلقت. ولنا، أنه توكيل، فكان له الرجوع فيه كالتوكيل ~~في البيع، وكما لو خاطب بذلك أجنبيا. وقولهم: تمليك. لا يصح؛ فإن الطلاق لا ~~يصح تمليكه، ولا ينتقل عن الزوج، وإنما ينوب فيه غيره عنه، فإذا استناب ~~غيره فيه كان توكيلا لا غير، ثم وإن سلم أنه تمليك، فالتمليك يصح الرجوع ~~فيه قبل اتصال القبول ms3939 به، كالبيع. وإن وطئها الزوج كان رجوعا؛ لأنه نوع ~~توكيل، والتصرف فيما وكل فيه يبطل الوكالة. وإن ردت المرأة ما جعل إليها ~~بطل، كما تبطل الوكالة بفسخ الوكيل. # (5880) فصل: ولا يقع الطلاق بمجرد هذا القول، ما لم ينو به إيقاع طلاقها ~~في الحال، أو تطلق نفسها. ومتى ردت الأمر الذي جعل إليها، بطل، ولم يقع ~~شيء، في قول أكثر أهل العلم؛ منهم ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد ~~العزيز، ومسروق، وعطاء، ومجاهد، والزهري والثوري والأوزاعي والشافعي. وقال ~~قتادة: إن ردت، فواحدة رجعية. ولنا، أنه توكيل، أو تمليك لم يقبله المملك، ~~فلم يقع به شيء، كسائر التوكيل والتمليك، # PageV07P403 # فأما إن نوى بهذا تطليقها في الحال، طلقت في الحال، ولم يحتج إلى قبولها، ~~كما لو قال: حبلك على غاربك. ### | [مسألة المملكة والمخيرة إذا قالت اخترت نفسي] # (5881) مسألة؛ قال: (فإن قالت: اخترت نفسي. فواحدة، تملك الرجعة) . وجملة ~~الأمر أن المملكة والمخيرة إذا قالت: اخترت نفسي. فهي واحدة رجعية. وروي ~~ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس. وبه قال عمر بن عبد العزيز، والثوري، ~~وابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور. وروي عن علي أنها ~~واحدة بائنة. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه؛ لأن تمليكه إياها أمرها يقتضي ~~زوال سلطانه عنها، وإذا قبلت ذلك بالاختيار، وجب أن يزول عنها، ولا يحصل ~~ذلك مع بقاء الرجعة. وعن زيد بن ثابت أنها ثلاث. # وبه قال الحسن، ومالك، والليث، إلا أن مالكا قال: إذا لم تكن مدخولا بها ~~قبل منه، إذا أراد واحدة أو اثنتين، وحجتهم أن ذلك يقتضي زوال سلطانه عنها، ~~ولا يكون ذلك إلا بثلاث. وفي قول مالك أن غير المدخول بها يزول سلطانه عنها ~~بواحدة، فاكتفي بها. ولنا أنها لم تطلق بلفظ الثلاث، ولا نوت ذلك، فلم تطلق ~~ثلاثا، كما لو أتى الزوج بالكناية الخفية. # (5882) فصل: وهذا إذا لم تنو أكثر من واحدة، فإن نوت أكثر من واحدة، وقع ~~ما نوت؛ لأنها تملك الثلاث بالتصريح، فتملكها بالكناية، كالزوج. وهكذا إن ~~أتت ms3940 بشيء من الكنايات، فحكمها فيها حكم الزوج، إن كانت مما يقع بها الثلاث ~~من الزوج، وقع بها الثلاث إذا أتت بها، وإن كانت من الكنايات الخفية، نحو ~~قولها: لا يدخل علي. ونحوها، وقع ما نوت. قال أحمد: إذا قال لها: أمرك ~~بيدك. فقالت: لا يدخل علي إلا بإذن. تنوي في ذلك، إن قالت: واحدة، فواحدة، ~~وإن قالت: أردت أن أغيظه. قبل منها. يعني لا يقع شيء. # وكذلك لو جعل أمرها في يد أجنبي فأتى بهذه الكنايات، لا يقع شيء حتى ينوي ~~الوكيل الطلاق. ثم إن طلق بلفظ صريح ثلاثا، أو بكناية ظاهرة. طلقت ثلاثا، ~~وإن كان بكناية خفية، وقع ما نواه. ### | [فصل قال إن تكلمت فأنت طالق فتكلمت] # (5883) فصل: وقوله: أمرك بيدك. وقوله: اختاري نفسك كناية في حق الزوج، ~~يفتقر إلى نية أو دلالة حال، كما في سائر الكنايات، فإن عدم لم يقع به ~~طلاق؛ لأنه ليس بصريح، وإنما هو كناية، # PageV07P404 # فيفتقر إلى ما يفتقر إليه سائر الكنايات. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. ~~وقال مالك: لا يفتقر إلى نية؛ لأنه من الكنايات الظاهرة، وقد سبق الكلام ~~معه فيها. وهو أيضا كناية في حق المرأة، إن قبلته بلفظ الكناية. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يفتقر وقوع الطلاق إلى نيتها، إذا نوى الزوج؛ ~~لأن الزوج علق الطلاق بفعل من جهتها، فلم يفتقر إلى نيتها، كما لو قال: إن ~~تكلمت فأنت طالق فتكلمت، وقال: لا يقع إلا واحدة بائن. وإن نوت ثلاثا؛ لأن ~~ذلك تخيير، والتخيير لا يدخله عدد، كخيار المعتقة. # ولنا، أنها موقعة للطلاق بلفظ الكناية، فافتقر إلى نيتها، كالزوج. وعلى ~~أنه يقع الثلاث إذا نوت، أن اللفظ يحتمل الثلاث؛ لأنها تختار نفسها ~~بالواحدة، وبالثلاث، فإذا نوياه وقع، كقوله: أنت بائن. ### | [مسألة طلقت نفسها ثلاثا وقال لم أجعل إليها إلا واحدة] # (5884) مسألة؛ قال: (وإن طلقت نفسها ثلاثا، وقال: لم أجعل إليها إلا ~~واحدة. لم يلتفت إلى قوله، والقضاء ما قضت) وممن قال: القضاء ما قضت عثمان، ~~وابن عمر، وابن عباس. ms3941 وروي ذلك عن علي، وفضالة بن عبيد. وبه قال سعيد بن ~~المسيب، وعطاء، والزهري. وعن عمر، وابن مسعود: أنها تطليقة واحدة. وبه قال ~~عطاء ومجاهد، والقاسم، وربيعة، ومالك والأوزاعي، والشافعي. وقال الشافعي: ~~إن نوى ثلاثا، فلها أن تطلق ثلاثا، وإن نوى غير ذلك، لم تطلق ثلاثة، والقول ~~قوله في نيته. قال القاضي: ونقل عبد الله عن أحمد، ما يدل على أنه إذا نوى ~~واحدة، فهي واحدة؛ لأنه نوع تخيير، فيرجع إلى نيته فيه، كقوله: اختاري. # ولنا، أنه لفظ يقتضي العموم في جميع أمرها؛ لأنه اسم جنس مضاف، فيتناول ~~الطلقات الثلاث، كما لو قال: طلقي نفسك ما شئت. ولا يقبل قوله: أردت واحدة؛ ~~لأنه خلاف ما يقتضيه اللفظ، ولا يدن في هذا؛ لأنه من الكنايات الظاهرة، ~~والكنايات الظاهرة تقتضي ثلاثا. ### | [مسألة جعل أمر امرأته بيد غيرها] # (5885) مسألة؛ قال: (وكذلك الحكم إذا جعله في يد غيرها) . وجملة ذلك أنه ~~إذا جعل أمر امرأته بيد غيرها، صح، وحكمه حكم ما لو جعله بيدها، في أنه ~~بيده في المجلس وبعده. ووافق الشافعي على هذا في حق غيرها؛ لأنه توكيل. ~~وسواء قال له: أمر امرأتي بيدك أو قال: جعلت # PageV07P405 # لك الخيار في طلاق امرأتي. أو قال: طلق امرأتي. وقال أصحاب أبي حنيفة: ~~ذلك مقصور على المجلس؛ لأنه نوع تخيير، أشبه ما لو قال: اختاري. ولنا، أنه ~~توكيل مطلق، فكان على التراخي، كالتوكيل في البيع. وإذا ثبت هذا فله أن ~~يطلقها، ما لم يفسخ أو يطأها، وله أن يطلق واحدة وثلاثا كالمرأة، وليس له ~~أن يجعل الأمر إلا بيد من يجوز توكيله، وهو العاقل، فأما الطفل والمجنون، ~~فلا يصح أن يجعل الأمر بأيديهم، فإن فعل، فطلق واحد منهم، لم يقع طلاقه. ~~وقال أصحاب الرأي: يصح. # ولنا أنهما ليسا من أهل التصرف، فلم يصح تصرفهم، كما لو وكلهم في العتق. ~~وإن جعله في يد كافر، أو عبد صح؛ لأنه ممن يصح طلاقه لنفسه، فصح توكيلهما ~~فيه. وإن جعله في يد امرأة، صح؛ لأنه يصح توكيلها في العتق، ms3942 فصح في الطلاق، ~~كالرجل. وإن جعله في يد صبي يعقل الطلاق، انبنى ذلك على صحة طلاقه لزوجته، ~~وقد مضى ذلك. وقد نص أحمد هاهنا على اعتبار وكالته بطلاقه، فقال: إذا قال ~~الصبي: طلق امرأتي ثلاثا. فطلقها ثلاثا، لا يجوز عليها حتى يعقل الطلاق، ~~أرأيت لو كان لهذا الصبي امرأة فطلقها، أكان يجوز طلاقه؟ فاعتبر طلاقه ~~بالوكالة بطلاقه لنفسه. وهكذا لو جعل أمر الصغيرة والمجنونة بيدها، لم تملك ~~ذلك. نص عليه أحمد، في امرأة صغيرة قال لها: أمرك بيدك. فقالت: اخترت نفسي. ~~ليس بشيء حتى يكون مثلها يعقل. وهذا لأنه تصرف بحكم التوكيل، وليست من أهل ~~التصرف وظاهر كلام أحمد أنها إذا عقلت الطلاق، وقع طلاقها. وإن لم تبلغ، ~~كما قررناه في الصبي إذا طلق. # وفي الصبي رواية أخرى: لا يقع طلاقه حتى يبلغ، فكذلك يخرج في هذه؛ لأنها ~~مثله في المعنى. والله أعلم. # (5886) فصل: فإن جعله في يد اثنين، أو وكل اثنين في طلاق زوجته، صح، وليس ~~لأحدهما أن يطلق على الانفراد، إلا أن يجعل إليه ذلك؛ لأنه إنما رضي ~~بتصرفهما جميعا. وبهذا قال الحسن، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، ~~وأبو عبيد، وابن المنذر. وإن طلق أحدهما واحدة، والآخر ثلاثا، وقعت واحدة، ~~وبهذا قال إسحاق. وقال الثوري: لا يقع شيء. ولنا، أنهما طلقا جميعا واحدة، ~~مأذونا فيها، فصح لو جعل إليهما واحدة. # PageV07P406 ### | [فصل فوض أمر الطلاق إلى من يملكه] # (5887) فصل: ويصح تعليق: أمرك بيدك، واختاري نفسك. بالشروط، وكذلك إن جعل ~~ذلك إلى أجنبي، صح مطلقا ومقيدا ومعلقا؛ نحو أن يقول: اختاري نفسك، أو أمرك ~~بيدك، شهرا، أو إذا قدم فلان فأمرك بيدك. أو اختاري نفسك يوما. أو يقول ذلك ~~لأجنبي. قال أحمد: إذا قال: [إذا] كان سنة، أو أجل مسمى. فأمرك بيدك. فإذا ~~وجد ذلك. فأمرها بيدها، وليس لها قبل ذلك أمر. وقال أيضا: إذا تزوج امرأة، ~~وقال لأبيها: إن جاءك خبري إلى ثلاث سنين، وإلا فأمر ابنتك إليك. فلما مضت ~~السنون لم يأت خبره، فطلقها الأب، فإن كان الزوج لم ms3943 يرجع فيما جعل إلى ~~الأب، فطلاقه جائز، ورجوعه أن يشهد أنه قد رجع فيما جعل إليه. # ووجه هذا أنه فوض أمر الطلاق إلى من يملكه، فصح تعليقه على شرط، كالتوكيل ~~الصريح، فإذا صح هذا، فإن الطلاق إلى من فوض إليه، على حسب ما جعله إليه، ~~في الوقت الذي عينه له، لا قبله ولا بعده، وللزوج الرجوع في هذا؛ لأنه عقد ~~جائز. قال أحمد: ولا تقبل دعواه للرجوع إلا ببينة؛ لأنه مما يمكن إقامة ~~البينة عليه. فإن طلق الوكيل والزوج غائب، كره للمرأة التزوج؛ لأنه يحتمل ~~أن الزوج رجع في الوكالة. وقد نص أحمد على منعها من التزوج لهذه العلة. ~~وحمله القاضي على الاستحباب والاحتياط. فإن غاب الوكيل، كره للزوج الوطء، ~~مخافة أن يكون الوكيل طلق، ومنع منه أحمد أيضا؛ لهذه العلة. وحمله القاضي ~~أيضا على الاستحباب؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فحمل الأمر فيه على اليقين. ~~وقول أحمد: رجوعه أن يشهد على أنه قد رجع فيما جعل إليه. معناه أنه لا يقبل ~~قوله إنه قد رجع، إلا ببينة. ولو صدقته المرأة في أنه قد رجع، قبل، وإن لم ~~تكن له بينة. ### | [مسألة التخيير على الفور في الطلاق] # (5888) مسألة؛ قال: (ولو خيرها، فاختارت فرقته من وقتها، وإلا فلا خيار ~~لها) أكثر أهل العلم على أن التخيير على الفور، إن اختارت في وقتها، وإلا ~~فلا خيار لها بعده. روي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وجابر - رضي الله ~~عنهم -، وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، ومالك، ~~والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال الزهري، وقتادة، وأبو ~~عبيد، وابن المنذر، ومالك في إحدى الروايتين عنه: هو على التراخي، ولها ~~الاختيار في المجلس وبعده، ما لم يفسخ أو يطأ. واحتج ابن المنذر «بقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة لما خيرها: إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك ~~أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك.» وهذا يمنع قصره على المجلس، ولأنه جعل ~~أمرها إليها، فأشبه أمرك بيدك. # PageV07P407 # ولنا، أنه قول من سمينا من الصحابة. ms3944 روى النجاد، بإسناده عن سعيد بن ~~المسيب، أنه قال: قضى عمر وعثمان، في الرجل يخير امرأته، أن لها الخيار ما ~~لم يتفرقا. وعن عبد الله بن عمر، قال: ما دامت في مجلسها. ونحوه عن ابن ~~مسعود، وجابر، ولم نعرف لهم مخالفا في الصحابة، فكان إجماعا. ولأنه خيار ~~تمليك، فكان على الفور، كخيار القبول. فأما الخبر؛ فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - جعل لها الخيار على التراخي، وخلافنا في المطلق. وأما أمرك ~~بيدك، فهو توكيل، والتوكيل يعم الزمان ما لم يقيده بقيد، بخلاف مسألتنا. ~~(5889) فصل: وقوله في وقتها. أي عقيب كلامه، ما لم يخرجا من الكلام الذي ~~كانا فيه إلى غير ذكر الطلاق، فإن تفرقا عن ذلك الكلام إلى كلام غيره، بطل ~~خيارها. # قال أحمد: إذا قال لامرأته: اختاري. فلها الخيار ما داموا في ذلك الكلام، ~~فإن طال المجلس، وأخذوا في كلام غير ذلك، ولم تختر، فلا خيار لها. وهذا ~~مذهب أبي حنيفة. ونحوه مذهب الشافعي، على اختلاف عنه، فقيل عنه: إنه يتقيد ~~بالمجلس. وقيل: هو على الفور. وقال أحمد أيضا: الخيار على مخاطبة الكلام أن ~~تجاوبه ويجاوبها، إنما هو جواب كلام، إن أجابته من ساعته، وإلا فلا شيء. ~~ووجهه أنه تمليك مطلق، تأخر قبوله عن أول حال الإمكان، فلم يصح، كما لو ~~قامت من مجلسها، فإن قام أحدهما عن المجلس قبل اختيارها، بطل خيارها. وقال ~~أبو حنيفة: يبطل بقيامها دون قيامه؛ بناء على أصله في أن الزوج لا يملك ~~الرجوع. وعندنا أنه يملك الرجوع، فبطل بقيامه، كما يبطل بقيامها. وإن كان ~~أحدهما قائما، أو مشى، بطل الخيار، وإن قعد، لم يبطل. # والفرق بين القيام والقعود، أن القيام يبطل الفكر والارتياء في الخيار، ~~فيكون إعراضا، والقعود بخلافه. ولو كانت قاعدة فاتكأت، أو متكئة فقعدت، لم ~~يبطل؛ لأن ذلك لا يبطل الفكرة. وإن تشاغل أحدهما بالصلاة، بطل الخيار. وإن ~~كانت في صلاة فأتمتها، لم يبطل خيارها. وإن أضافت إليها ركعتين أخريين، بطل ~~خيارها. وإن أكلت شيئا يسيرا، أو قالت: بسم الله. أو ms3945 سبحت شيئا يسيرا، لم ~~يبطل؛ لأن ذلك ليس بإعراض. وإن قالت: ادع لي شهودا أشهدهم على ذلك. لم يبطل ~~خيارها. وإن كانت راكبة فسارت، بطل خيارها. وهذا كله قول أصحاب الرأي. ### | [فصل جعل لها الخيار متى شاءت في الطلاق] # (5890) فصل: فإن جعل لها الخيار متى شاءت، أو في مدة، فلها ذلك في تلك ~~المدة. وإذا قال: اختاري إذا شئت أو متى شئت. فلها ذلك؛ لأن هذه تفيد جعل ~~الخيار لها في عموم الأوقات. وإن قال: اختاري اليوم وغدا وبعد غد. فلها ~~ذلك، فإن ردت الخيار في الأول، بطل كله. وكذلك إن قال لا تعجلي # PageV07P408 # حتى تستأمري أبويك. ونحوه، فلها الخيار على التراخي؛ فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال ذلك لعائشة، فدل على أن خيارها لا يبطل بالتأخير. وإن ~~قال: اختاري نفسك اليوم، واختاري نفسك غدا. فردته في اليوم الأول، لم يبطل ~~في الثاني. وقال أبو حنيفة: لا يبطل في المسألة الأولى أيضا؛ لأنهما خياران ~~في زمنين، فلم يبطل أحدهما برد الآخر، قياسا على المسألة الثانية. # ولنا، أنه خيار واحد، في مدة واحدة، فإذا بطل أوله بطل ما بعده، كما لو ~~كان الخيار في يوم واحد، وكخيار الشرط وخيار المعتقة، ولا نسلم أنهما ~~خياران، وإنما هو خيار واحد في يومين، وفارق ما إذا قال: اختاري نفسك ~~اليوم، واختاري نفسك غدا. فإنهما خياران؛ لأن كل واحد ثبت بسبب مفرد. ولو ~~خيرها شهرا، فاختارت نفسها، ثم تزوجها، لم يكن لها عليه خيار، وعند أبي ~~حنيفة لها الخيار. ولنا أنها استوفت ما جعل لها في هذا العقد، فلم يكن لها ~~في عقد ثان، كما لو اشترط الخيار في سلعة مدة، ثم فسخ، ثم اشتراها بعقد آخر ~~في تلك المدة. ولو لم تختر نفسها، أو اختارت زوجها، وطلقها الزوج، ثم ~~تزوجها، بطل خيارها؛ لأن الخيار المشروط في عقد لا يثبت في عقد سواه، كما ~~في البيع. # والحكم في قوله: أمرك بيدك. في هذا كله، كالحكم في التخيير؛ لأنه نوع ~~تخيير. ولو قال لها: اختاري، ms3946 أو أمرك بيدك، اليوم وبعد الغد، فردت في اليوم ~~الأول، لم يبطل بعد في غد؛ لأنهما خياران ينفصل أحدهما من صاحبه، فلم يبطل ~~أحدهما ببطلان الآخر، بخلاف ما إذا كان الزمان متصلا واللفظ واحدا، فإنه ~~خيار واحد، فبطل كله ببطلان بعضه. وإن قال: لك الخيار يوما. أو أمرك بيدك ~~يوما. فابتداؤه من حين نطق به إلى مثله من الغد؛ لأنه لا يمكن استكمال يوم ~~بتمامه إلا بذلك. وإن قال شهرا. فمن ساعة نطق إلى استكمال ثلاثين يوما إلى ~~مثل تلك الساعة. وإن قال: الشهر. أو اليوم. أو السنة. فهو على ما بقي من ~~اليوم والشهر والسنة. ### | [مسألة قال اختاري من الثلاث ما شئت في الطلاق] # (5891) مسألة؛ قال: (وليس لها أن تختار من واحدة، إلا أن يجعل إليها أكثر ~~من ذلك) وجملة الأمر أن لفظة التخيير لا تقتضي بمطلقها أكثر من تطليقة ~~رجعية. قال أحمد هذا قول ابن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعمر، وعائشة ~~- رضي الله عنهم -. وروي ذلك عن جابر، وعبد الله بن عمر. وقال أبو حنيفة: ~~هي واحدة بائن. وهو قول ابن شبرمة، لأن اختيارها نفسها يقتضي زوال سلطانه ~~عنها، ولا يكون إلا بالبينونة. وقال مالك: هي ثلاث في المدخول بها؛ لأن ~~المدخول بها لا تبين بأقل من ثلاث، إلا أن تكون بعوض. ولنا إجماع الصحابة - ~~رضي الله عنهم -، فإن من سمينا منهم قالوا: إن اختارت نفسها، فهي واحدة، # PageV07P409 # وهو أحق بها. رواه النجاد عنهم بأسانيده. # ولأن قوله: اختاري تفويض مطلق، فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم، وذلك طلقة ~~واحدة، ولا يجوز أن تكون بائنا؛ لأنها طلقة بغير عوض، لم يكمل بها العدد ~~بعد الدخول، فأشبه ما لو طلقها واحدة. ويخالف قوله: أمرك بيدك، فإنه ~~للعموم، فإنه اسم جنس، فيتناول جميع أمرها، لكن إن جعل إليها أكثر من ذلك، ~~فلها ما جعل إليها، سواء جعله بلفظه، مثل أن يقول: اختاري ما شئت. أو ~~اختاري الطلقات الثلاث إن شئت. فلها أن تختار ذلك. فإن قال: اختاري من ~~الثلاث ms3947 ما شئت. فلها أن تختار واحدة أو اثنتين، وليس لها اختيار الثلاث ~~بكمالها؛ لأن من للتبعيض، فقد جعل لها اختيار بعض الثلاث، فلا يكون لها ~~اختيار الجميع، أو جعله نيته، وهو أن ينوي بقوله: اختاري. عددا، فإنه يرجع ~~إلى ما نواه؛ لأن قوله: اختاري كناية خفية، فيرجع في قدر ما يقع بها إلى ~~نيته، كسائر الكنايات الخفية، فإن نوى ثلاثا، أو اثنتين، أو واحدة، فهو على ~~ما نوى، وإن أطلق النية، فهي واحدة، وإن نوى ثلاثا، فطلقت أقل منها، وقع ما ~~طلقته؛ لأنه يعتبر قولهما جميعا، فيقع ما اجتمعا عليه، كالوكيلين إذا طلق ~~واحد منهما واحدة والآخر ثلاثا. ### | [فصل خيرها فاختارت زوجها أو ردت الخيار] # (5892) فصل: وإن خيرها، فاختارت زوجها، أو ردت الخيار، أو الأمر، لم يقع ~~شيء. نص عليه أحمد، في رواية الجماعة. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وزيد، وابن ~~مسعود، وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، ~~والثوري، والشافعي، وابن المنذر. وعن الحسن: تكون واحدة رجعية، وروي ذلك عن ~~علي. ورواه إسحاق بن منصور عن أحمد. قال: فإن اختارت زوجها، فواحدة يملك ~~الرجعة، وإن اختارت نفسها فثلاث. قال أبو بكر: انفرد بهذا إسحاق بن منصور، ~~والعمل على ما رواه الجماعة. # ووجه هذه الرواية، أن التخيير كناية نوى بها الطلاق، فوقع بها بمجردها، ~~كسائر كناياته. وكقوله: انكحي من شئت. ولنا، قول عائشة: قد خيرنا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أفكان طلاقا، وقالت: «لما أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بتخيير أزواجه، بدأ بي، فقال: إني لمخبرك خبرا، فلا عليك أن لا ~~تعجلي حتى تستأمري أبويك. ثم قال: إن الله تعالى قال: {يا أيها النبي قل ~~لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها} [الأحزاب: 28] . حتى بلغ: ~~{فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} [الأحزاب: 29] . فقلت: في أي هذا ~~استأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ما فعلت. متفق عليهما.» قال مسروق: ما ~~أبالي خيرت ms3948 امرأتي واحدة، أو مائة، أو ألفا، بعد أن تختارني، ولأنها مخيرة ~~اختارت النكاح، فلم يقع بها الطلاق، كالمعتقة تحت عبد. # فأما إن قالت: اخترت نفسي # PageV07P410 # فيفتقر إلى نيتها؛ لأنه لفظ كناية منها. فإن نوى أحدهما دون الآخر، لم ~~يقع؛ لأن الزوج إذا لم ينو فما فوض إليها الطلاق، فلا يصح أن يوقعه، وإن ~~نوى ولم تنو هي، فقد فوض إليها الطلاق، فما أوقعته، فلم يقع شيء، كما لو ~~وكل وكيلا في الطلاق، فلم يطلق. وإن نويا جميعا، وقع ما نوياه من العدد إن ~~اتفقا فيه، وإن نوى أحدهما أقل من الآخر، وقع الأقل؛ لأن ما زاد انفرد به ~~أحدهما، فلم يقع. ### | [فصل قال لامرأته أمرك بيدك فقالت قبلت] # (5893) فصل: وإن قال: أمرك بيدك، أو اختاري. فقالت: قبلت. لم يقع شيء؛ ~~لأن أمرك بيدك. توكيل، فقولها في جوابه: قبلت. ينصرف إلى قبول الوكالة، فلم ~~يقع شيء، كما لو قال لأجنبي: أمر امرأتي بيدك. فقال: قبلت. وقوله: اختاري. ~~في معناه. وكذلك إن قالت: أخذت أمري. نص عليهما أحمد في رواية إبراهيم بن ~~هانئ، إذا قال لامرأته: أمرك بيدك. فقالت: قبلت. ليس بشيء حتى تبين. وقال: ~~إذا قالت: أخذت أمري. ليس بشيء. قال: وإذا قال لامرأته: اختاري. فقالت: ~~قبلت نفسي. أو قالت: اخترت نفسي. كان أبين. قال القاضي: ولو قالت: اخترت. ~~ولم تقل: نفسي. لم تطلق، وإن نوت. ولو قال الزوج: اختاري. ولم يقل: نفسك. ~~ولم ينوه، لم تطلق، ما لم تذكر نفسها، ما لم يكن في كلام الزوج أو جوابها ~~ما يصرف الكلام إليه؛ لأن ذلك في حكم التفسير، فإذا عري عن ذلك لم يصح. وإن ~~قالت: اخترت زوجي. أو اخترت البقاء على النكاح. أو رددت الخيار، أو رددت ~~عليك سفهتك. بطل الخيار. وإن قالت: اخترت أهلي. أو أبوي. ونوت، وقع الطلاق؛ ~~لأن هذا يصلح كناية من الزوج، فيما إذا قال: الحقي بأهلك. فكذلك منها. وإن ~~قالت: اخترت الأزواج. فكذلك؛ لأنهم لا يحلون إلا بمفارقة هذا الزوج، ولذلك ~~كان كناية منه في ms3949 قوله: انكحي من شئت. # (5894) فصل: فإن كرر، لفظة الخيار، فقال: اختاري، اختاري، اختاري. فقال: ~~أحمد إن كان إنما يردد عليها ليفهمها، وليس نيته ثلاثا، فهي واحدة، وإن كان ~~أراد بذلك ثلاثا، فهي ثلاث، فرد الأمر إلى نيته في ذلك. وبهذا قال الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة إذا قبلت، وقع ثلاثا؛ لأنه كرر ما يقع به الطلاق، فتكرر، ~~كما لو كرر الطلاق. ولنا، أنه يحتمل التأكيد، فإذا قصده قبل منه، كما لو ~~قال: أنت طالق الطلاق. وإن أطلق، فقد روي عن أحمد ما يدل على أنها واحدة ~~يملك الرجعة. وهذا اختيار القاضي، ومذهب عطاء، وأبي ثور؛ # PageV07P411 # لأن تكرير التخيير لا يزيد به الخيار، كشرط الخيار في البيع. # وروي عن أحمد، إذا قال لامرأته: اختاري. فقالت: اخترت نفسي. هي واحدة، ~~إلا أن يقول: اختاري، اختاري، اختاري. وهذا يدل على أنها تطلق ثلاثا. ونحوه ~~قال الشعبي، والنخعي، وأصحاب الرأي ومالك؛ لأن اللفظة الواحدة تقتضي طلقة، ~~فإذا تكررت اقتضت ثلاثا، كلفظة الطلاق. ### | [فصل قال لزوجته طلقي نفسك ونوى عددا] # (5895) فصل: فإن قال لزوجته: طلقي نفسك. ونوى عددا، فهو على ما نوى. وإن ~~أطلق من غير نية، لم يملك إلا واحدة؛ لأن الأمر المطلق يتناول أقل ما يقع ~~عليه الاسم. وكذلك الحكم لو وكل أجنبيا، فقال: طلق زوجتي. فالحكم على ما ~~ذكرناه. قال أحمد: إذا قال لامرأته: طلقي نفسك. ونوى ثلاثا فطلقت نفسها ~~ثلاثا، فهي ثلاث، وإن كان نوى واحدة، فهي واحدة؛ وذلك لأن الطلاق يكون ~~واحدة وثلاثا، فأيهما نواه فقد نوى بلفظه ما احتمله، وإن لم ينو تناول ~~اليقين، وهو الواحدة. فإن طلقت نفسها، أو طلقها الوكيل في المجلس، أو بعده، ~~وقع الطلاق؛ لأنه توكيل. وقال القاضي: إذا قال لها: طلقي نفسك، تقيد ~~بالمجلس؛ لأنه تفويض للطلاق إليها، فتقيد بالمجلس، كقوله: اختاري. # ولنا، أنه توكيل في الطلاق، فكان على التراخي، كتوكيل الأجنبي، وكقوله: ~~أمرك بيدك. وفارق: اختاري. فإنه تخيير. وما ذكره ينتقض بقوله: أمرك بيدك. ~~ولها أن توقع الطلاق بلفظ الصريح، وبالكناية مع النية. وقال ms3950 بعض أصحاب ~~الشافعي: ليس لها أن توقعه بالكناية؛ لأنه فوضه إليها بلفظ الصريح، فلا يصح ~~أن توقع غير ما فوض إليها. ولنا، أنه فوض إليها الطلاق، وقد أوقعته، فوقع، ~~كما لو أوقعته بلفظ الصريح. وما ذكره غير صحيح؛ فإن التوكيل في شيء لا ~~يقتضي أن يكون إيقاعه بلفظ الأمر من جهته، كما لو قال لوكيله: بع داري. جاز ~~له بيعها بلفظ التمليك. وإن قال لها: طلقي ثلاثا فطلقت واحدة، وقع. نص ~~عليه. وقال مالك: لا يقع شيء؛ لأنها لم تمتثل أمره. # ولنا، أنها ملكت إيقاع ثلاث، فملكت إيقاع واحدة، كالموكل، ولأنه لو قال: ~~وهبتك هؤلاء العبيد الثلاثة. فقالت: قبلت واحدا منهم. صح. كذا هاهنا. وإن ~~قال: طلقي واحدة. فطلقت ثلاثا، وقعت واحدة. نص عليه أيضا. وبه قال مالك، ~~والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يقع شيء؛ لأنها لم تأت بما يصلح قبولا، فلم ~~يصح، كما لو قال: بعتك نصف هذا العبد. فقال: قبلت البيعة في جميعه. # PageV07P412 # ولنا، أنها وقعت طلاقا مأذونا فيه، وغيره، فوقع المأذون فيه دون غيره، ~~كما لو قال: طلقي نفسك. فطلقت نفسها وضرائرها. فإن قال: طلقي نفسك. فقالت: ~~أنا طالق إن قدم زيد. لم يصح؛ لأن إذنه انصرف إلى المنجز، فلم يتناول ~~المعلق على شرط. وحكم توكيل الأجنبي في الطلاق، كحكمها فيما ما ذكرناه كله. ### | [فصل قال طلقي نفسك طلاق السنة قالت قد طلقت نفسي ثلاثا] # (5896) فصل: نقل عنه أبو الحارث إذا قال: طلقي نفسك طلاق السنة. قالت: قد ~~طلقت نفسي ثلاثا. هي واحدة، وهو أحق برجعتها. إنما كان كذلك؛ لأن التوكيل ~~بلفظ يتناول أقل ما يقع عليه اللفظ، وهو طلقة واحدة لا سيما وطلاق السنة في ~~الصحيح طلقة واحدة، في طهر لم يصبها فيه. ### | [فصل جعل أمر امرأته بيدها بعوض] # (5897) فصل: ويجوز أن يجعل أمر امرأته بيدها بعوض، وحكمه حكم ما لا عوض ~~له، في أن له الرجوع فيما جعل لها، وأنه يبطل بالوطء. قال أحمد: إذا قالت ~~امرأته: اجعل أمري بيدي، وأعطيك عبدي هذا. قبض العبد، ms3951 وجعل أمرها بيدها، ~~فلها أن تختار ما لم يطأها أو ينقضه؛ وذلك لأنه توكيل، والتوكيل لا يلزم ~~بدخول العوض فيه، وكذلك التمليك بعوض لا يلزم، ما لم يتصل به القبول ~~كالبيع. ### | [فصل اختلفا فقال الزوج لم أنو الطلاق بلفظ الاختيار وأمرك بيدك] # (5898) فصل: إذا اختلفا، فقال الزوج: لم أنو الطلاق بلفظ الاختيار وأمرك ~~بيدك. وقالت: بل نويت. كان القول قوله؛ لأنه أعلم بنيته، ولا سبيل إلى ~~معرفته إلا من جهته، ما لم يكن جواب سؤال، أو معها دلالة حال. وإن قال: لم ~~تنو الطلاق باختيار نفسك. وقالت: بل نويت. فالقول قولها؛ لما ذكرنا. وإن ~~قالت: قد اخترت نفسي. وأنكر وجود الاختيار منها، فالقول قوله؛ لأنه منكر ~~له، وهو مما يمكنه علمه، ويمكنها إقامة البينة عليه، فأشبه ما لو علق ~~طلاقها على دخول الدار، فادعته، فأنكره. ### | [فصل قال لزوجته أنت على حرام وأطلق] # (5899) فصل: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام. وأطلق، فهو ظهار. وقال ~~الشافعي: لا شيء عليه. وله قول آخر: عليه كفارة يمين، وليس بيمين. وقال أبو ~~حنيفة: هو يمين. وقد روي ذلك عن أبي بكر، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود - رضي ~~الله عنهم -. وقال سعيد: حدثنا خالد بن عبد الله، عن جويبر، عن الضحاك، أن ~~أبا بكر، وعمر، وابن مسعود قالوا في الحرام: يمين. وبه قال ابن عباس، وسعيد ~~بن المسيب، وسعيد بن جبير. وعن أحمد ما يدل على ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ~~{لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] . # PageV07P413 # ثم قال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] . وقال ابن عباس: ~~{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] . ولأنه تحريم للحلال، ~~أشبه تحريم الأمة. # ولنا، أنه تحريم للزوجة بغير طلاق، فوجبت به كفارة الظهار، كما لو قال: ~~أنت علي حرام كظهر أمي. فأما إن نوى غير الظهار، فالمنصوص عن أحمد في رواية ~~جماعة، أنه ظهار، نوى الطلاق أو لم ينوه. وذكره الخرقي في موضع غير هذا. ~~وممن قال: إنه ظهار؛ عثمان بن عفان، وابن عباس، ms3952 وأبو قلابة، وسعيد بن جبير، ~~وميمون بن مهران، والبتي. روى الأثرم، بإسناده عن ابن عباس، في الحرام، أنه ~~تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. ولأنه ~~صريح في تحريمها، فكان ظهارا، وإن نوى غيره، كقوله: أنت علي كظهر أمي. # وعن أحمد؛ أنه إذا نوى الطلاق، كان طلاقا. وقال: إذا قال: ما أحل الله ~~علي حرام يعني به الطلاق، أخاف أن يكون ثلاثا، ولا أفتي به. وهذا مثل قوله ~~في الكنايات الظاهرة، فكأنه جعله من كنايات الطلاق، يقع به الطلاق إذا ~~نواه. ونقل عنه البغوي في رجل قال لامرأته: أمرك بيدك. فقالت: أنا عليك ~~حرام. فقد حرمت عليه. فجعله منها كناية في الطلاق، فكذلك من الرجل. واختاره ~~ابن عقيل. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي. وروي ذلك عن ابن مسعود. وممن روي ~~عنه أنه طلاق ثلاث؛ علي وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، والحسن البصري، وابن أبي ~~ليلى. # وهو مذهب مالك في المدخول بها؛ لأن الطلاق نوع تحريم، فصح أن يكنى به ~~عنه، كقوله: أنت بائن. فأما إن لم ينو الطلاق، فلا يكون طلاقا بحال؛ لأنه ~~ليس بصريح في الطلاق، فإذا لم ينو معه، لم يقع به طلاق كسائر الكنايات. وإن ~~قلنا: إنه كناية في الطلاق. ونوى به، فحكمه حكم الكنايات الظاهرة، على ما ~~مضى من الاختلاف فيها. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، كل على أصله، ~~ويمكن حمله على الكنايات الخفية إذا قلنا: إن الرجعة محرمة؛ لأن أقل ما ~~تحرم به الزوجة طلقة رجعية، فحمل على اليقين. وقد روي عن أحمد ما يدل عليه؛ ~~فإنه قال: إذا قال: أنت علي حرام، أعني به طلاقا. فهي واحدة. وروي هذا عن ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - والزهري. # وقد روي عن مسروق، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي: ليس بشيء؛ لأنه قول ~~هو كاذب فيه. وهذا يبطل بالظهار؛ فإنه منكر من القول وزور، وقد وجبت ~~الكفارة، ولأن هذا إيقاع للطلاق فأشبه قوله: أنت بائن. أو أنت طالق. وروي ~~عن ms3953 أحمد، أنه إذا نوى اليمين كان يمينا. فإنه قال في رواية مهنا: إنه إذا ~~قال: أنت علي حرام. ونوى يمينا، ثم تركها أربعة أشهر، قال: هو يمين، وإنما ~~الإيلاء أن يحلف بالله أن لا يقرب امرأته. # PageV07P414 # فظاهر هذا أنه إذا نوى اليمين كانت يمينا. وهذا مذهب ابن مسعود، وقول أبي ~~حنيفة، والشافعي. وممن روي عنه عليه كفارة يمين أبو بكر الصديق، وعمر، وابن ~~عباس، وعائشة، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وطاوس، وسليمان بن يسار، ~~وقتادة، والأوزاعي. # وفي المتفق عليه عن سعيد بن جبير، أنه سمع ابن عباس يقول: إذا حرم الرجل ~~عليه امرأته، فهي يمين يكفرها. وقال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} ~~[الأحزاب: 21] . ولأن الله تعالى قال: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله ~~لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم} [التحريم: 1] {قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] . فجعل الحرام يمينا. ومعنى قوله: نوى يمينا ~~والله أعلم أنه نوى بقوله: أنت علي حرام. ترك وطئها، واجتنابها، وأقام ذلك ~~مقام قوله: والله لا وطئتك. ### | [فصل قال أنت علي حرام أعني به الطلاق] # (5900) فصل: وإن قال: أنت علي حرام. أعني به الطلاق. فهو طلاق. رواه ~~الجماعة عن أحمد. وروى عنه أبو عبد الله النيسابوري، أنه قال: إذا قال: أنت ~~علي حرام، أريد به الطلاق. كنت أقول: إنها طالق، يكفر كفارة الظهار. وهذا ~~كأنه رجوع عن قوله: إنه طلاق. ووجهه أنه صريح في الظهار، فلم يصر طلاقا ~~بقوله: أريد به الطلاق. كما لو قال: أنت علي كظهر أمي، أعني به الطلاق. قال ~~القاضي: ولكن جماعة أصحابنا على أنه طلاق. وهي الرواية المشهورة التي رواها ~~عنه الجماعة؛ لأنه صرح بلفظ الطلاق، فكان طلاقا، كما لو ضربها، وقال: هذا ~~طلاقك. وليس هذا صريحا في الظهار، إنما هو صريح في التحريم، والتحريم يتنوع ~~إلى تحريم بالظهار، وإلى تحريم بالطلاق، فإذا بين بلفظه إرادة تحريم ~~الطلاق، وجب صرفه إليه، وفارق قوله: أنت علي كظهر أمي فإنه صريح في الظهار، ~~وهو تحريم لا ms3954 يرتفع إلا بالكفارة، فلم يمكن جعل ذلك طلاقا، بخلاف مسألتنا. # ثم إن قال: أعني به الطلاق. أو نوى به ثلاثا، فهي ثلاث. نص عليه أحمد؛ ~~لأنه أتى بالألف واللام التي للاستغراق، تفسيرا للتحريم، فيدخل فيه الطلاق ~~كله، وإذا نوى الثلاث فقد نوى بلفظه ما يحتمله من الطلاق، فوقع، كما لو ~~قال: أنت بائن. وعنه: لا يكون ثلاثا حتى ينويها، سواء كانت فيه الألف ~~واللام أو لم تكن؛ لأن الألف واللام تكون لغير الاستغراق في أكثر أسماء ~~الأجناس. وإن قال: أعني به طلاقا. فهو واحدة؛ لأنه ذكره منكرا، فيكون طلاقا ~~واحدا. نص عليه أحمد. وقال، في رواية حنبل؛ إذا قال: أعني طلاقا. فهي واحدة ~~أو اثنتان، إذا لم تكن فيه ألف ولام. # PageV07P415 ### | [فصل قال أنت علي كظهر أمي ونوى به الطلاق] # (5901) فصل: فإن قال: أنت علي كظهر أمي ونوى به الطلاق، لم يكن طلاقا؛ ~~لأنه صريح في الظهار، فلم يصلح كناية في الطلاق، كما لا يكون الطلاق كناية ~~في الظهار، ولأن الظهار تشبيه بمن هي محرمة على التأبيد، والطلاق يفيد ~~تحريما غير مؤبد، فلم تصلح الكناية بأحدهما عن الآخر. ولو صرح به فقال: ~~أعني به الطلاق. لم يصر طلاقا؛ لأنه لا يصلح الكناية به عنه. ### | [فصل قال أنت علي كالميتة والدم ونوى به الطلاق] # (5902) فصل: وإن قال: أنت علي كالميتة والدم. ونوى به الطلاق، كان طلاقا؛ ~~لأنه يصلح أن يكون كناية فيه، فإذا اقترنت به النية وقع به الطلاق، ويقع به ~~من عدد الطلاق ما نواه، فإن لم ينو شيئا وقعت واحدة؛ لأنه من الكنايات ~~الخفية، وهذا حكمها. وإن نوى به الظهار، وهو أن يقصد تحريمها عليه مع بقاء ~~نكاحها، احتمل أن يكون ظهارا، كما قلنا في قوله: أنت علي حرام. واحتمل أن ~~لا يكون ظهارا، كما لو قال: أنت علي كظهر البهيمة، أو كظهر أمي. وإن نوى ~~اليمين، وهو أن يريد بذلك ترك وطئها، لا تحريمها، ولا طلاقها، فهو يمين وإن ~~لم ينو شيئا، لم يكن طلاقا؛ لأنه ليس بصريح ms3955 في الطلاق، ولا نواه به. # وهل يكون ظهارا أو يمينا؟ على وجهين أحدهما، يكون ظهارا؛ لأن معناه أنت ~~حرام علي كالميتة والدم، فإن تشبيهها بهما يقتضي التشبيه بهما في الأمر ~~الذي اشتهرا به، وهو التحريم؛ لقول الله تعالى فيها: {حرمت عليكم الميتة ~~والدم} [المائدة: 3] . والثاني، يكون يمينا؛ لأن الأصل براءة الذمة، فإذا ~~أتى بلفظ محتمل، ثبت به أقل الحكمين؛ لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه، فلا ~~نثبته بالشك، ولا نزول عن الأصل إلا بيقين. وعند الشافعي، هو كقوله: أنت ~~علي حرام سواء. ### | [مسألة طلقها بلسانه واستثنى شيئا بقلبه] # (5903) مسألة؛ قال: (وإذا طلقها بلسانه، واستثنى شيئا بقلبه، وقع الطلاق، ~~ولم ينفعه الاستثناء) وجملة ذلك أن ما يتصل باللفظ من قرينة، أو استثناء، ~~على ثلاثة أضرب؛ أحدها، ما لا يصح نطقا ولا نية، وذلك نوعان؛ أحدهما، ما ~~يرفع حكم اللفظ كله، مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا. أو: أنت طالق ~~طلقة لا تلزمك. أو: لا تقع عليك. فهذا لا يصح بلفظه ولا بنيته؛ لأنه يرفع ~~حكم اللفظ كله، فيصير الجميع لغوا، فلا يصح هذا في اللغة بالاتفاق، وإذا ~~كان كذلك سقط الاستثناء والصفة، ووقع الطلاق. # PageV07P416 # الضرب الثاني، ما يقبل لفظا، ولا يقبل نية، لا في الحكم ولا فيما بينه ~~وبين الله تعالى، وهو استثناء الأقل، فهذا يصح لفظا؛ لأنه من لسان العرب، ~~ولا يصح بالنية، مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا. ويستثني بقلبه: إلا واحدة أو ~~أكثر. فهذا لا يصح؛ لأن العدد نص فيما تناوله، لا يحتمل غيره، فلا يرتفع ~~بالنية ما ثبت بنص اللفظ، فإن اللفظ أقوى من النية، ولو نوى بالثلاث ~~اثنتين، كان مستعملا للفظ في غير ما يصلح له فوقع مقتضى اللفظ، ولغت نيته. # وحكي عن بعض الشافعية، أنه يقبل فيما بينه وبين الله تعالى، كما لو قال: ~~نسائي طوالق. واستثنى بقلبه: إلا فلانة. والفرق بينهما أن نسائي اسم عام ~~يجوز التعبير به عن بعض ما وضع له، وقد استعمل العموم بإزاء الخصوص كثيرا، ~~فإذا أراد به ms3956 البعض صح، وقوله: ثلاثا. اسم عدد للثلاث، لا يجوز التعبير به ~~عن عدد غيرها، ولا يحتمل سواها بوجه، فإذا أراد بذلك اثنتين، فقد أراد ~~باللفظ مالا يحتمله، وإنما تعمل النية في صرف اللفظ المحتمل إلى أحد ~~محتملاته، فأما ما لا يحتمل فلا، فإنا لو عملنا به فيما لا يحتمل، كان عملا ~~بمجرد النية، ومجرد النية لا تعمل في نكاح، ولا طلاق، ولا بيع. ولو قال: ~~نسائي الأربع طوالق. أو قال لهن: أربعتكن طوالق. واستثنى بعضهن بالنية، # لم يقبل، على قياس ما ذكرناه، ولا يدين فيه؛ لأنه عنى باللفظ ما لا ~~يحتمل. الضرب الثالث، ما يصح نطقا، وإذا نواه دين فيما بينه وبين الله ~~تعالى، وذلك مثل تخصيص اللفظ العام، أو استعمال اللفظ في مجازه، مثل قوله: ~~نسائي طوالق. يريد بعضهن، أو ينوي بقوله: طوالق. أي من وثاق، فهذا يقبل إذا ~~كان لفظا. وجها واحدا؛ لأنه وصل كلامه بما بين مراده، وإن كان بنيته، قبل ~~فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه أراد تخصيص اللفظ العام، واستعماله في ~~الخصوص، وهذا سائغ في اللغة، شائع في الكلام، فلا يمنع من استعماله والتكلم ~~به، ويكون اللفظ بنيته منصرفا إلى ما أراده، دون ما لم يرده. # وهل يقبل ذلك في الحكم؟ يخرج على روايتين؛: إحداهما، يقبل؛ لأنه فسر ~~كلامه بما يحتمله، فصح، كما لو قال: أنت طالق، أنت طالق. وأراد بالثانية ~~إفهامها. والثانية، لا يقبل؛ لأنه خلاف الظاهر. وهو مذهب الشافعي. # ومن شرط هذا أن تكون النية مقارنة للفظ، وهو أن يقول: نسائي طوالق. يقصد ~~بهذا اللفظ بعضهن، فأما إن كانت النية متأخرة عن اللفظ، فقال: نسائي طوالق. ~~ثم بعد فراغه نوى بقلبه بعضهن، لم تنفعه النية، ووقع الطلاق بجميعهن. # PageV07P417 # وكذلك لو طلق نساءه، ونوى بعد طلاقهن، أي من وثاق، لزمه الطلاق؛ لأنه ~~مقتضى اللفظ، والنية الأخيرة نية مجردة، لا لفظ معها، فلا تعمل. ومن هذا ~~الضرب تخصيص حال دون حال، مثل أن يقول: أنت طالق. ثم يصله بشرط أو صفة، مثل ~~قوله: إن دخلت ms3957 الدار، أو بعد شهر، أو قال: إن دخلت الدار بعد شهر. فهذا يصح ~~إذا كان نطقا، بغير خلاف. وإن نواه، ولم يلفظ به دين. وهل يقبل في الحكم؟ ~~على روايتين. قال في رواية إسحاق بن إبراهيم، في من حلف لا تدخل الدار، ~~وقال: نويت شهرا. يقبل منه. أو قال: إذا دخلت دار فلان فأنت طالق. ونوى تلك ~~الساعة، وذلك اليوم. قبلت نيته. والرواية الأخرى، لا تقبل؛ فإنه قال: إذا ~~قال لامرأته: أنت طالق. ونوى في نفسه إلى سنة، تطلق. ليس ينظر إلى نيته. ~~وقال: إذا قال: أنت طالق. وقال: نويت إن دخلت الدار. لا يصدق. # ويمكن الجمع بين هاتين الروايتين، بأن يحمل قوله في القبول، على أنه يدين ~~فيما بينه وبين الله تعالى، وقوله في عدم القبول، على الحكم فلا يكون ~~بينهما اختلاف، والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها، أن إرادة الخاص بالعام ~~شائع كثير، وإرادة الشرط من غير ذكره غير سائغ، فهو قريب من الاستثناء. ~~ويمكن أن يقال: هذا كله من جملة التخصيص. ### | [فصل قالت له امرأة من نسائه طلقني فقال نسائي طوالق] # (5904) فصل: وإذا قالت له امرأة من نسائه: طلقني. فقال: نسائي طوالق. ولا ~~نية له، طلقن كلهن. بغير خلاف؛ لأن لفظه عام. إن قالت له: طلق نساءك. فقال: ~~نسائي طوالق. فكذلك. وحكي عن مالك، أن السائلة لا تطلق في هذه الصورة؛ لأن ~~الخطاب العام يقصر على سببه الخاص، وسببه سؤال طلاق من سواها. ولنا، أن ~~اللفظ عام فيها، ولم يرد به غير مقتضاه، فوجب العمل بعمومه، كالصورة ~~الأولى، والعمل بعموم اللفظ أولى من خصوص السبب؛ لأن دليل الحكم هو اللفظ، ~~فيجب اتباعه، والعمل بمقتضاه في خصوصه وعمومه، ولذلك لو كان أخص من السبب، ~~لوجب قصره على خصوصه، واتباع صفة اللفظ دون صفة السبب، فإن أخرج السائلة ~~بنيته، دين فيما بينه وبين الله تعالى في الصورتين، وقبل في الحكم في ~~الصورة الثانية؛ لأن خصوص السبب دليل على نيته، ولم يقبل في الصورة الأولى. # قاله ابن حامد؛ لأن طلاقه ms3958 جواب لسؤالها الطلاق لنفسها، فلا يصدق في صرفه ~~عنها لأنه يخالف الظاهر من وجهين. ولأنها سبب # PageV07P418 # الطلاق، وسبب الحكم لا يجوز إخراجه من العموم بالتخصيص. وقال القاضي: ~~يحتمل أن لا تطلق؛ لأن لفظه عام، والعام يحتمل التخصيص. ### | [فصل قال أنت طالق إن دخلت الدار] # (5905) فصل: فإن قال: أنت طالق إن دخلت الدار. ثم قال: إنما أردت الطلاق ~~في الحال، لكن سبق لساني إلى الشرط. طلقت في الحال؛ لأنه أقر على نفسه بما ~~يوجب الطلاق، فلزمه، كما لو قال: قد طلقتها. فإن قال بعد ذلك: كذبت، وإنما ~~أردت طلاقها عند الشرط. دين في ذلك، ولم يقبل في الحكم؛ لأنه رجوع عما أقر ~~به. ### | [فصل قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا واحدة] # (5906) فصل: وقول الخرقي: واستثنى شيئا بقلبه. يدل بمفهومه على أنه إذا ~~استثنى بلسانه صح، ولم يقع ما استثناه. # وهو قول جماعة أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل ~~العلم، على أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة. أنها تطلق ~~طلقتين. منهم؛ الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وحكي عن أبي بكر أن ~~الاستثناء لا يؤثر في عدد الطلقات، ويجوز في المطلقات، فلو قال: أنت طالق ~~ثلاثا إلا واحدة. وقع الثلاث. ولو قال نسائي طوالق إلا فلانة. لم تطلق؛ لأن ~~الطلاق لا يمكن رفعه بعد إيقاعه، والاستثناء يرفعه لو صح. # وما ذكره من التعليل باطل بما سلمه من الاستثناء في المطلقات، وليس ~~الاستثناء رفعا لما وقع، إذ لو كان كذلك، لما صح في المطلقات، ولا الإعتاق، ~~ولا في الإقرار، ولا الإخبار، وإنما هو مبين أن المستثنى غير مراد بالكلام، ~~فهو يمنع أن يدخل فيه ما لولاه لدخل، فقوله: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما} [العنكبوت: 14] . عبارة عن تسعمائة وخمسين. وقوله: {إنني براء مما ~~تعبدون} [الزخرف: 26] {إلا الذي فطرني} [الزخرف: 27] . تبرؤ من غير الله، ~~فكذلك قوله: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة. عبارة عن اثنتين لا غير، وحرف ~~الاستثناء المستولى عليه إلا، ويشبه به أسماء وأفعال ms3959 وحروف؛ فالأسماء غير ~~وسوى، والأفعال ليس ولا يكون وعدا، والحروف حاشا وخلا، فبأي كلمة استثنى ~~بها صح الاستثناء. ### | [فصل قال أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين] # (5907) فصل: ولا يصح استثناء الأكثر. نص عليه أحمد. فلو قال: أنت طالق ~~ثلاثا إلا اثنتين. وقع ثلاث. والأكثرون على أن ذلك جائز. وقد ذكرناه في ~~الإقرار. وذكرنا أن أهل العربية إنما أجازوه في القليل # PageV07P419 # من الكثير، وحكينا ذلك عن جماعة من أئمة أهل اللغة. فإذا قال: أنت طالق ~~ثلاثا إلا واحدة. وقع اثنتان. وإن قال: إلا اثنتين. وقع ثلاث. وإن قال: ~~طلقتين إلا طلقة. ففيه وجهان؛ أحدهما، يقع طلقة. والثاني، طلقتان؛ بناء على ~~استثناء النصف، هل يصح أو لا؟ على وجهين. وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا ~~ثلاثا وقع ثلاث. بغير خلاف؛ لأن الاستثناء لرفع بعض المستثنى منه، فلا يصح ~~أن يرفع جميعه. # وإن قال: أنت طالق خمسا إلا ثلاثا. وقع ثلاث؛ لأن الاستثناء إن عاد إلى ~~الخمس، فقد استثنى الأكثر، وإن عاد إلى الثلاث التي يملكها، فقد رفع ~~جميعها. وكلاهما لا يصح. وإن قال: خمسا إلا طلقة. ففيه وجهان؛ أحدهما، يقع ~~ثلاث؛ لأن الكلام مع الاستثناء كأنه نطق بما عدا المستثنى، فكأنه قال: أنت ~~طالق أربعا. والثاني، يقع اثنتان. # ذكره القاضي؛ لأن الاستثناء يرجع إلى ما ملكه من الطلقات، وهي الثلاث، ~~وما زاد عليها يلغو، وقد استثنى واحدة من الثلاث، فيصح، ويقع طلقتان. وإن ~~قال: أنت طالق أربعا إلا اثنتين، فعلى الوجه الأول، يصح الاستثناء، ويقع ~~اثنتان، وعلى قول القاضي، ينبغي أن لا يصح الاستثناء، ويقع ثلاث؛ لأن ~~الاستثناء يرجع إلى الثلاث، فيكون استثناء الأكثر. ### | [فصل قال أنت طالق اثنتين وواحدة إلا واحدة] # (5908) فصل: فإن قال: أنت طالق اثنتين وواحدة إلا واحدة ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، لا يصح الاستثناء؛ لأن الاستثناء يرفع الجملة الأخيرة بكمالها من ~~غير زيادة عليها، فيصير ذكرها واستثناؤها لغوا، وكل استثناء أفضى تصحيحه ~~إلى الغاية وإلغاء المستثنى منه بطل، كاستثناء الجميع، ولأن إلغاءه وحده ~~أولى من إلغائه مع إلغاء غيره، ولأن ms3960 الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة في ~~أحد الوجهين، فيكون استثناء للجميع. والوجه الثاني، يصح الاستثناء، ويقع ~~طلقتان؛ لأن العطف بالواو يجعل الجملتين كالجملة الواحدة، فيصير مستثنيا ~~لواحدة من ثلاث، ولذلك لو قال له: علي مائة وعشرون درهما إلا خمسين. صح. ~~والأول أصح، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي. # وإن قال: أنت طالق واحدة واثنتين إلا واحدة. فعلى الوجه الثاني، يصح ~~الاستثناء، وعلى الوجه الأول، يخرج في صحته وجهان؛ بناء على استثناء النصف. ~~وإن قال: أنت طالق، وطالق، إلا # PageV07P420 # طلقة. أو قال: طالق طلقتين ونصفا إلا طلقة. فالحكم في ذلك كالحكم في ~~المسألة الأولى سواء. وإن كان العطف بغير واو، كقوله: أنت طالق فطالق ~~فطالق، أو طالق ثم طالق ثم طالق إلا طلقة، لم يصح الاستثناء؛ لأن هذا حرف ~~يقتضي الترتيب وكون الطلقة الأخيرة مفردة عما قبلها، فيعود الاستثناء إليها ~~وحدها فلا يصح. وإن قال: أنت طالق اثنتين واثنتين إلا اثنتين. لم يصح ~~الاستثناء؛ لأنه إن عاد إلى الجملة التي تليه، فهو رفع لجميعها، وإن عاد ~~إلى الثلاث التي يملكها، فهو رفع لأكثرها، وكلاهما لا يصح. # ويحتمل أن يصح؛ بناء على أن العطف بالواو يجعل الجملتين جملة واحدة، وأن ~~استثناء النصف يصح، فكأنه قال: أربعا إلا اثنتين. وإن قال: أنت طالق اثنتين ~~واثنتين إلا واحدة. احتمل أن يصح؛ لأنه استثنى واحدة من ثلاث. واحتمل أن لا ~~يصح؛ لأنه إن عاد إلى الرابعة، فقد بقي بعدها ثلاث، وإن عاد إلى الواحدة ~~الباقية من الاثنتين، فهو استثناء الجميع. ### | [فصل قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقة وطلقة وطلقة] # (5909) فصل: وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا طلقة وطلقة وطلقة. ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، يلغو الاستثناء، ويقع ثلاث؛ لأن العطف يوجب اشتراك المعطوف مع ~~المعطوف عليه، فيصير مستثنيا لثلاث من ثلاث. وهذا وجه لأصحاب الشافعي، وقول ~~أبي حنيفة. والثاني، يصح الاستثناء في طلقة؛ لأن الاستثناء الأقل جائز، ~~وإنما لا يصح استثناء الثانية والثالثة، فيلغو وحده. وقال أبو يوسف ومحمد: ~~يصح استثناء اثنتين، ويلغو في الثالثة؛ بناء على أصلهم ms3961 في أن استثناء ~~الأكثر جائز. وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي. وإن قال: أنت طالق طلقتين ~~إلا طلقة وطلقة. ففيه الوجهان. # وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا طلقة ونصفا. احتمل وجهين أيضا؛ أحدهما، يلغو ~~الاستثناء؛ لأن النصف يكمل، فيكون مستثنيا للأكثر، فيلغو. والثاني، يصح في ~~طلقة، فتقع طلقتان؛ لما ذكرنا في التي قبلها. فإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا ~~واحدة وإلا واحدة. كان عاطفا الاستثناء على استثناء، فيصح الأول، ويلغو ~~الثاني؛ لأننا لو صححناه لكان مستثنيا للأكثر، فيقع به طلقتان، ويجيء على ~~قول من أجاز استثناء الأكثر أن يصح فيهما، فتقع طلقة واحدة. وإن قال: أنت ~~طالق ثلاثا إلا واحدة، إلا واحدة. كان مستثنيا من الواحدة المستثناة واحدة، ~~فيحتمل أن يلغو الاستثناء الثاني، ويصح الأول، فيقع به طلقتان. # ويحتمل أن يقع به الثلاث؛ لأن الاستثناء الثاني معناه إثبات طلقة في ~~حقها؛ لكون الاستثناء من النفي إثباتا، فيقبل ذلك # PageV07P421 # في إيقاع طلاقه، وإن لم يقبل في نفيه، كما لو قال: أنت طالق طلقتين ~~ونصفا. وقع به ثلاث. ولو قال: أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة. وقع به ثلاث، ~~فكمل النصف في الإثبات، ولم يكمل في النفي. ### | [فصل قوله أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة] # (5910) فصل: ويصح الاستثناء من الاستثناء. ولا يصح منه في الطلاق إلا ~~مسألة واحدة، على اختلاف فيها، وهي قوله: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا ~~واحدة. فإنه يصح إذا أجزنا استثناء النصف، فيقع به طلقتان. فإن قيل: فكيف ~~أجزتم استثناء الاثنتين من الثلاث، وهي أكثرها؟ قلنا: لأنه لم يسكت عليهما، ~~بل وصلهما بأن استثنى منها طلقة، فصار عبارة عن واحدة. وإن قال: أنت طالق ~~ثلاثا إلا ثلاثا إلا اثنتين. لم يصح؛ لأن استثناء الاثنتين من الثلاث لا ~~يصح؛ لأنهما أكثرها، واستثناء الثلاث من الثلاث لا يصح؛ لأنها جميعها. وإن ~~قال: ثلاثا إلا ثلاثا إلا واحدة. لم يصح، ووقع ثلاث؛ لأنه إذا استثنى واحدة ~~من ثلاث، بقي اثنتان، لا يصح استثناؤهما من الثلاث الأولى، فيقع الثلاث. # وذكر أبو الخطاب ms3962 فيها وجها آخر، أنه يصح؛ لأن الاستثناء الأول يلغو؛ ~~لكونه استثناء الجميع، فيرجع قوله: إلا واحدة إلى الثلاث المثبتة، فيقع ~~منها طلقتان. والأول أولى؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، ~~فإذا استثنى من الثلاث المنفية طلقة، كان مثبتا لها، فلا يجوز جعلها من ~~الثلاث المثبتة؛ لأنه يكون إثباتا من إثبات. ولا يصح الاستثناء في جميع ذلك ~~إلا متصلا بالكلام، وقد ذكر في الإقرار. والله أعلم. ### | [مسألة قال لها أنت طالق في شهر كذا] # (5911) مسألة: قال: (وإذا قال لها: أنت طالق في شهر كذا، لم تطلق حتى ~~تغيب شمس اليوم الذي يلي الشهر المشترط) وجملة ذلك أنه إذا قال: أنت طالق. ~~في شهر عينه، كشهر رمضان، وقع الطلاق في أول جزء من الليلة الأولى منه، ~~وذلك حين تغرب الشمس من آخر يوم من الشهر الذي قبله، وهو شهر شعبان. وبهذا ~~قال أبو حنيفة، وقال أبو ثور: يقع الطلاق في آخر رمضان؛ لأن ذلك يحتمل ~~وقوعه في أوله وآخره، فلا يقع إلا بعد زوال الاحتمال. # ولنا، أنه جعل الشهر ظرفا للطلاق، فإذا وجد ما يكون ظرفا له طلقت، كما لو ~~قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق. فإذا دخلت أول جزء منها طلقت. فأما إن قال: ~~إن لم أقضك حقك في شهر رمضان فامرأتي طالق، لم تطلق حتى يخرج رمضان قبل ~~قضائه؛ لأنه إذا قضاه في آخره لم توجد الصفة، وفي الموضعين لا يمنع من وطء ~~زوجته قبل الحنث. وقال مالك: يمنع. وكذلك # PageV07P422 # كل يمين على فعل يفعله، يمنع من الوطء قبل فعله؛ لأن الظاهر أنه على حنث، ~~لأن الحنث بترك الفعل، وليس بفاعل. # ولنا، أن طلاقه لم يقع، فلا يمنع من الوطء لأجل اليمين، كما لو حلف: لا ~~فعلت كذا. ولو صح ما ذكره لوجب إيقاع الطلاق. (5912) فصل: ومتى جعل زمنا ~~ظرفا للطلاق، وقع الطلاق في أول جزء منه، مثل أن يقول: أنت طالق اليوم، أو ~~غدا، أو في سنة كذا، أو شهر المحرم؛ لما ذكرنا. فإن قال: أردت في ms3963 آخره، أو ~~أوسطه، أو يوم كذا منه، أو في النهار دون الليل. قبل منه فيما بينه وبين ~~الله تعالى. وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين. وإن قال: أنت طالق في ~~أول رمضان، أو غرة رمضان، أو في رأس شهر رمضان، أو دخول شهر رمضان، أو ~~استقبال رمضان، أو مجيء شهر رمضان. طلقت بأول جزء منه، ولم يقبل قوله: أردت ~~أوسطه، أو آخره. لا ظاهرا، ولا باطنا؛ لأنه لا يحتمله لفظه. وإن قال: ~~بانقضاء رمضان، أو انسلاخه، أو نفاده، أو مضيه. طلقت في آخر جزء منه. # وإن قال: أنت طالق في أول نهار شهر رمضان، أو في أول يوم منه. طلقت بطلوع ~~فجر أول يوم منه؛ لأن ذلك أول النهار واليوم. ولهذا لو نذر اعتكاف يوم، أو ~~صيام يوم، لزمه من طلوع الفجر. وإن قال: أنت طالق إذا كان رمضان، أو إلى ~~رمضان، أو إلى هلال رمضان، أو في هلال رمضان، طلقت ساعة يستهل، إلا أن يكون ~~نوى من الساعة إلى الهلال، فتطلق في الحال. وإن قال: أنت طالق في مجيء ~~ثلاثة أيام، طلقت في أول اليوم الثالث. ### | [فصل أوقع الطلاق في زمن أو علقه بصفة] # (5913) فصل: وإذا أوقع الطلاق في زمن، أو علقه بصفة، تعلق بها، ولم يقع ~~حتى تأتي الصفة والزمن. وهذا قول ابن عباس، وعطاء، وجابر بن زيد، والنخعي، ~~وأبي هاشم، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي. وقال سعيد ~~بن المسيب، والحسن، والزهري، وقتادة، ويحيى الأنصاري، وربيعة، ومالك: إذا ~~علق الطلاق بصفة، تأتي لا محالة، كقوله: أنت طالق إذا طلعت الشمس، أو دخل ~~رمضان. طلقت في الحال؛ لأن النكاح لا يكون مؤقتا بزمان، ولذلك لا يجوز أن ~~يتزوجها شهرا. # ولنا، أن ابن عباس كان يقول، في الرجل يقول لامرأته: أنت طالق إلى رأس ~~السنة. قال: يطأ فيما بينه وبين رأس السنة. ولأنه إزالة ملك يصح تعليقه ~~بالصفات، فمتى علقه بصفة لم يقع قبلها، كالعتق، # PageV07P423 # فإنهم سلموه. وقد احتج أحمد بقول أبي ذر: إن لي إبلا يرعاها ms3964 عبد لي، وهو ~~عتيق إلى الحول. ولأنه تعليق للطلاق بصفة لم توجد، فلم يقع، كما لو قال: ~~أنت طالق إذا قدم الحاج. وليس هذا توقيتا للنكاح، وإنما هو توقيت للطلاق. ~~وهذا لا يمنع، كما أن النكاح لا يجوز أن يكون معلقا بشرط، والطلاق يجوز فيه ~~التعليق. ### | [فصل قال أنت طالق إلى شهر كذا أو سنة] # فصل: ولو قال: أنت طالق إلى شهر كذا، أو سنة كذا. فهو كما لو قال: في شهر ~~كذا أو سنة كذا. ولا يقع الطلاق إلا في أول ذلك الوقت، وبه قال الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: يقع في الحال؛ لأن قوله: أنت طالق. إيقاع في الحال، وقوله: ~~إلى شهر كذا. تأقيت له غاية، وهو لا يقبل التأقيت، فبطل التأقيت، ووقع ~~الطلاق. ولنا، قول ابن عباس وقول أبي ذر، ولأن هذا يحتمل أن يكون توقيتا ~~لإيقاعه، كقول الرجل: أنا خارج إلى سنة. أي بعد سنة. وإذا احتمل الأمرين، ~~لم يقع الطلاق بالشك. وقد ترجح ما ذكرناه من وجهين؛ أحدهما، أنه جعل للطلاق ~~غاية، ولا غاية لآخره، وإنما الغاية لأوله. والثاني، أن ما ذكرناه عمل ~~باليقين، وما ذكروه أخذ بالشك. # فإن قال: أردت أنها طالق في الحال إلى سنة كذا. وقع في الحال؛ لأنه يقر ~~على نفسه بما هو أغلظ، ولفظه يحتمله. وإن قال: أنت طالق من اليوم إلى سنة. ~~طلقت في الحال؛ لأن من لابتداء الغاية، فيقتضي أن طلاقها من اليوم. فإن ~~قال: أردت أن عقد الصفة من اليوم، ووقوعه بعد سنة. لم يقع إلا بعدها. وإن ~~قال: أردت تكرير وقوع طلاقها من حين لفظت به إلى سنة، طلقت من ساعتها ~~ثلاثا، إذا كانت مدخولا بها. قال أحمد: إذا قال لها: أنت طالق من اليوم إلى ~~سنة. يريد التوكيد، وكثرة الطلاق، فتلك طالق من ساعتها. ### | [فصل قال أنت طالق في آخر أول الشهر] # (5915) فصل: إذا قال: أنت طالق في آخر أول الشهر. طلقت في آخر أول يوم ~~منه، لأنه أوله، وإن قال: في أول آخره، طلقت في ms3965 أول آخر يوم منه؛ لأنه ~~آخره. وقال أبو بكر في الأولى: تطلق بغروب الشمس من اليوم الخامس عشر منه. ~~وفي الثانية: تطلق بدخول أول ليلة السادس عشر منه؛ لأن الشهر نصفان، أول، ~~وآخر، فآخر أوله يلي أول آخره. وهذا قول أبي العباس بن سريج. وقال أكثرهم ~~كقولنا، وهو أصح؛ فإن # PageV07P424 # ما عدا اليوم الأول لا يسمى أول الشهر، ويصح نفيه عنه، وكذلك لا يسمى ~~أوسط الشهر آخره ولا يفهم ذلك من إطلاق لفظه، فوجب أن لا يصرف كلام الحالف ~~إليه، ولا يحمل كلامه عليه. ### | [فصل قال إذا مضت سنة فأنت طالق] # (5916) فصل: وإذا قال: إذا مضت سنة فأنت طالق، أو أنت طالق إلى سنة. فإن ~~ابتداء السنة من حين حلف إلى تمام اثني عشر شهرا بالأهلة؛ لقوله تعالى: ~~{يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة: 189] . فإن حلف في ~~أول شهر، فإذا مضى اثنا عشر شهرا وقع طلاقه. وإن حلف في أثناء شهر، عددت ما ~~بقي منه، ثم حسبت بعد بالأهلة، فإذا مضت أحد عشر شهرا نظرت ما بقي من الشهر ~~الأول، فكملته ثلاثين يوما لأن الشهر اسم لما بين هلالين. فإن تفرق كان ~~ثلاثين يوما. وفيه وجه آخر، أنه تعتبر الشهور كلها بالعدد. نص عليه أحمد، ~~في من نذر صيام شهرين متتابعين، فاعترض الأيام. قال: يصوم ستين يوما. # وإن ابتدأ من شهر، فصام شهرين، فكانا ثمانية وخمسين يوما، أجزأه؛ وذلك ~~إنه لما صام نصف شهر، وجب تكميله من الذي يليه، فكان ابتداء الثاني من نصفه ~~أيضا، فوجب أن يكمله بالعدد، وهذا المعنى موجود في السنة. ووجه الأول أنه ~~أمكن استيفاء أحد عشر بالأهلة، فوجب الاعتبار بها، كما لو كانت يمينه في ~~أول شهر، ولا يلزم أن يتم الأول من الثاني، بل يتمه من آخر الشهور. وإن ~~قال: أردت بقولي: سنة. إذا انسلخ ذو الحجة. قبل؛ لأنه يقر على نفسه بما هو ~~أغلظ. وإن قال: إذا مضت السنة فأنت طالق. # طلقت بانسلاخ ذي الحجة؛ لأنه لما عرفها فاللام التعريف، ms3966 انصرفت إلى السنة ~~المعروفة، التي آخرها ذو الحجة. فإن قال: أردت بالسنة اثني عشر شهرا. قبل؛ ~~لأن السنة اسم لها حقيقة. ### | [فصل قال أنت طالق في كل سنة طلقة] # (5917) فصل: فإن قال: أنت طالق، في كل سنة طلقة. فهذه صفة صحيحة؛ لأنه ~~يملك إيقاعه في كل سنة، فإذا جعل ذلك صفة، جاز، ويكون ابتداء المدة عقيب ~~يمينه؛ لأن كل أجل ثبت بمطلق العقد، ثبت عقيبه، كقوله: والله لا كلمتك سنة. ~~فيقع في الحال طلقة؛ لأنه جعل السنة ظرفا للطلاق، فتقع في أول جزء منها، ~~وتقع الثانية في أول الثانية، والثالثة في أول الثالثة، إن دخلتا عليها وهي ~~في نكاحه، لكونها لم تنقض عدتها، أو ارتجعها في عدة الطلقة الأولى وعدة ~~الثانية، أو جدد نكاحها بعد أن بانت، فإن انقضت عدتها فبانت منه، ودخلت ~~السنة الثانية وهي بائن، لم تطلق؛ لكونها غير زوجة له. فإن تزوجها في ~~أثنائها، اقتضى قول # PageV07P425 # أكثر أصحابنا وقوع الطلاق عقيب تزويجه لها؛ لأنه جزء من السنة الثانية ~~التي جعلها ظرفا للطلاق، ومحلا له، وكان سبيله أن تقع في أولها، فمنع منه ~~كونها غير محل لطلاقه؛ لعدم نكاحه حينئذ، فإذا عادت الزوجية، وقع في أولها. ~~وقال القاضي: تطلق بدخول السنة الثالثة. وعلى قول التميمي ومن وافقه، تنحل ~~الصفة بوجودها في حال البينونة، فلا تعود بحال. # وإن لم يتزوجها حتى دخلت السنة الثالثة، ثم نكحها، طلقت عقيب تزويجها، ثم ~~طلقت الثالثة بدخول السنة الرابعة. وعلى قول القاضي، لا تطلق إلا بدخول ~~الرابعة، ثم تطلق الثالثة بدخول الخامسة. وعلى قول التميمي، قد انحلت ~~الصفة. واختلف في مبدإ السنة الثانية؛ فظاهر ما ذكره القاضي، أن أولها بعد ~~انقضاء اثني عشر شهرا من حين يمينه؛ لأنه جعل ابتداء المدة حين يمينه. ~~وكذلك قال أصحاب الشافعي. وقال أبو الخطاب: ابتداء السنة الثانية أول ~~المحرم؛ لأنها السنة المعروفة، فإذا علق ما يتكرر على تكرر السنين، انصرف ~~إلى السنين المعروفة، كقول الله تعالى: {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام} ~~[التوبة: 126] . # وإن قال: أردت ms3967 بالسنة اثني عشر شهرا؛ قبل؛ لأنها سنة حقيقة. وإن قال: ~~نويت أن ابتداء السنين أول السنة الجديدة من المحرم. دين. قال القاضي: ولا ~~يقبل منه في الحكم؛ لأنه خلاف الظاهر. والأولى أن يخرج على روايتين؛ لأنه ~~محتمل مخالف للظاهر. ### | [فصل قال أنت طالق إذا رأيت هلال رمضان] # (5918) فصل: إذا قال: أنت طالق إذا رأيت هلال رمضان طلقت برؤية الناس له ~~في أول الشهر. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تطلق إلا أن يراه؛ ~~لأنه علق الطلاق برؤية نفسه، فأشبه ما لو علقه على رؤية زيد. ولنا، أن ~~الرؤية للهلال في عرف الشرع العلم به في أول الشهر؛ بدليل قوله - عليه ~~السلام -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» . والمراد به ~~رؤية البعض، وحصول العلم، فانصرف لفظ الحالف إلى عرف الشرع، كما لو قال: ~~إذا صليت فأنت طالق. فإنه ينصرف إلى الصلاة الشرعية، لا إلى الدعاء. وفارق ~~رؤية زيد، فإنه لم يثبت له عرف شرعي يخالف الحقيقة. # وكذلك لو لم يره أحد، لكن ثبت الشهر بتمام العدد طلقت؛ لأنه قد علم طلوعه ~~بتمام العدد. وإن قال: أردت إذا رأيته بعيني. قبل؛ لأنها رؤية حقيقة. ~~وتتعلق الرؤية برؤية الهلال بعد الغروب، فإن رأى قبل ذلك لم تطلق؛ لأن هلال ~~الشهر ما كان في أوله، ولأننا جعلنا رؤية الهلال عبارة عن دخول أول الشهر. ~~ويحتمل أن تطلق برؤيته قبل الغروب؛ لأنه يسمى رؤية، والحكم متعلق به في ~~الشرع. فإن قال: أردت إذا رأيته أنا بعيني. فلم يره # PageV07P426 # حتى أقمر، لم تطلق؛ لأنه ليس بهلال. واختلف فيما يصير به قمرا، فقيل: بعد ~~ثالثة. وقيل: إذا استدار. وقيل: إذا بهر ضوءه. ### | [فصل قال لها أنت طالق ليلة القدر] # (5919) فصل: قال أحمد: إذا قال لها: أنت طالق ليلة القدر. يعتزلها إذا ~~دخل العشر وقبل العشر، أهل المدينة يرونها في السبع عشرة، إلا أن المثبت عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر. إنما أمره باجتنابها في ~~العشر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ms3968 بالتماس ليلة القدر في العشر ~~الأواخر، فيحتمل أن تكون أول ليلة منه، ويمكن أن هذا منه على سبيل ~~الاحتياط، ولا يتحقق حنثه إلى آخر ليلة من الشهر؛ لاحتمال أن تكون هي تلك ~~الليلة. ### | [فصل علق طلاقها على شرط مستقبل] # (5920) فصل: وإذا علق طلاقها على شرط مستقبل، ثم قال: عجلت لك تلك ~~الطلقة. لم تتعجل؛ لأنها معلقة بزمن مستقبل، فلم يكن له إلى تغييرها سبيل. ~~وإن أراد تعجيل طلاق سوى تلك الطلقة، وقعت بها طلقة، فإذا جاء الزمن الذي ~~علق الطلاق به، وهي في حباله، وقع بها الطلاق المعلق. ### | [فصل قال أنت طالق غدا إذا قدم زيد] # (5921) فصل: إذا قال: أنت طالق غدا إذا قدم زيد، لم تطلق حتى يقدم؛ لأن ~~إذا اسم زمن مستقبل، فمعناه أنت طالق غدا وقت قدوم زيد. وإن لم يقدم زيد في ~~غد لم تطلق، وإن قدم بعده؛ لأنه قيد طلاقها بقدوم مقيد بصفة، فلا تطلق حتى ~~توجد. وإن ماتت غدوة. وقدم زيد بعد موتها، لم تطلق؛ لأن الوقت الذي أوقع ~~طلاقها فيه لم يأت، وهي محل للطلاق، فلم تطلق، كما لو ماتت قبل دخول ذلك ~~اليوم. وإن قال: أنت طالق يوم يقدم زيد. فقدم ليلا، لم تطلق؛ لأنه لم يوجد ~~الشرط، إلا أن يريد باليوم الوقت، فتطلق وقت قدومه؛ لأن الوقت يسمى يوما، ~~قال الله تعالى {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] . وإن ماتت المرأة ~~غدوة، وقدم زيد ظهرا، ففيه وجهان؛ أحدهما، نتبين أن طلاقها وقع من أول ~~اليوم؛ لأنه لو قال: أنت طالق يوم الجمعة. طلقت من أوله فكذا إذا قال: أنت ~~طالق يوم يقدم زيد. # فينبغي أن تطلق بطلوع فجره. والثاني، لا يقع الطلاق؛ لأن شرطه قدوم زيد، ~~ولم يوجد إلا بعد موت المرأة، فلم يقع، بخلاف يوم الجمعة، فإن شرط الطلاق ~~مجيء يوم الجمعة، وقد وجد، وها هنا شرطان، فلا يؤخذ بأحدهما. # PageV07P427 # والأول أولى، وليس هذا شرطا، إنما هو بيان للوقت الذي يقع فيه الطلاق ~~معرفا بفعل يقع فيه، فيقع في أوله، كقوله: ms3969 أنت طالق اليوم الذي نصلي فيه ~~الجمعة. ولو قال: أنت طالق في اليوم الذي يقدم فيه زيد. فكذلك. ولو مات ~~الرجل غدوة، ثم قدم زيد، أو مات الزوجان قبل قدوم زيد، كان الحكم كما لو ~~ماتت المرأة. ولو قال: أنت طالق في شهر رمضان إن قدم زيد. فقدم فيه، خرج ~~فيه وجهان؛ أحدهما، لا تطلق حتى يقدم زيد؛ لأن قدومه شرط، فلا يتقدمه ~~المشروط، بدليل ما لو قال: أنت طالق إن قدم زيد. فإنها لا تطلق قبل قدومه ~~بالاتفاق. وكما لو قال: إذا قدم زيد. والثاني، أنه إن قدم زيد تبينا وقوع ~~الطلاق من أول الشهر، قياسا على المسألة التي قبل هذه. ### | [فصل قال أنت طالق اليوم وطالق غدا] # (5922) فصل: إذا قال: أنت طالق اليوم وطالق غدا. طلقت واحدة؛ لأن من طلقت ~~اليوم فهي طالق غدا. وإن قال: أردت أن تطلق اليوم، وتطلق غدا. طلقت طلقتين ~~في اليومين. وإن قال: أردت أنها تطلق في أحد اليومين. طلقت اليوم، ولم تطلق ~~غدا، لأنه جعل الزمان كله ظرفا لوقوع الطلاق، فوقع في أوله. وإن قال: أردت ~~نصف طلقة اليوم ونصف طلقة غدا، طلقت اليوم واحدة، وأخرى غدا؛ لأن النصف ~~يكمل فيصير طلقة تامة. وإن قال: أردت نصف طلقة اليوم وباقيها غدا. احتمل ~~ذلك أيضا، واحتمل أن لا تطلق إلا واحدة؛ لأنه إذا قال: نصفها، كملت اليوم ~~كلها، فلم يبق لها بقية تقع غدا، ولم يقع شيء غيرها؛ لأنه ما أوقعه. وذكر ~~القاضي هذا الاحتمال أيضا في المسألة الأولى أيضا. وهو مذهب الشافعي، ذكر ~~أصحابه فيها الوجهين. ### | [فصل قال أنت طالق اليوم إذا جاء غد] # (5923) فصل: إذا قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غد. فاختار القاضي أن ~~الطلاق يقع في الحال؛ لأنه علقه بشرط محال، فلغا الشرط، ووقع الطلاق. كما ~~لو قال لمن لا سنة لطلاقها ولا بدعة: أنت طالق للسنة. وقال في " المجرد ": ~~لا يقع؛ لأن شرطه لم يتحقق، لأن مقتضاه وقوع الطلاق إذا جاء غد في اليوم، ~~ولا يأتي غد إلا ms3970 بعد فوات اليوم وذهاب محل الطلاق. وهو قول أصحاب الشافعي. ### | [فصل قال أنت طالق أمس ولا نية له] # (5924) فصل: إذا قال: أنت طالق أمس. ولا نية له، فظاهر كلام أحمد، أن ~~الطلاق لا يقع فروي عنه في من قال لزوجته: أنت طالق أمس. وإنما تزوجها ~~اليوم: ليس بشيء وهذا قول أبي بكر. وقال القاضي في بعض كتبه: يقع الطلاق. ~~وهو مذهب الشافعي؛ لأنه وصف الطلقة بما لا تتصف به، فلغت الصفة، ووقع # PageV07P428 # الطلاق، كما لو قال لمن لا سنة لها ولا بدعة: أنت طالق للسنة. أو قال: ~~أنت طالق طلقة لا تلزمك. ووجه الأول أن الطلاق رفع الاستباحة، ولا يمكن ~~رفعها في الزمن الماضي، فلم يقع، كما لو قال: أنت طالق قبل قدوم زيد ~~بيومين. فقدم اليوم، فإن أصحابنا لم يختلفوا في أن الطلاق لا يقع. وهو قول ~~أكثر أصحاب الشافعي، وهذا طلاق في زمن ماض، ولأنه علق الطلاق بمستحيل فلغا، ~~كما لو قال: أنت طالق إن قلبت الحجر ذهبا. # وإن قال: أنت طالق قبل أن أتزوجك. فالحكم فيه كما لو قال: أنت طالق أمس. ~~قال القاضي: ورأيت بخط أبي بكر، في " جزء مفرد "، أنه قال: إذا قال: أنت ~~طالق قبل أن أتزوجك. طلقت. ولو قال: أنت طالق أمس. لم يقع؛ لأن أمس لا يمكن ~~وقوع الطلاق فيه، وقبل تزويجها متصور الوجود، فإنه يمكن أن يتزوجها ثانيا، ~~وهذا الوقت قبله، فوقع في الحال، كما لو قال: أنت طالق قبل قدوم زيد. وإن ~~قصد بقوله: أنت طالق أمس، أو قبل أن أتزوجك. إيقاع الطلاق في الحال، مستندا ~~إلى ذلك الزمان، وقع في الحال. # وإن أراد الإخبار أنه كان قد طلقها هو، أو زوج قبله، في ذلك الزمان الذي ~~ذكره، وكان قد وجد ذلك، قبل منه، وإن لم يكن وجد، وقع طلاقه. ذكره أبو ~~الخطاب. وقال القاضي: يقبل على ظاهر كلام أحمد؛ لأنه فسره بما يحتمله، ولم ~~يشترط الوجود. وإن أراد أني كنت طلقتك أمس. فكذبته، لزمته الطلقة، وعليها ~~العدة من يومها؛ ms3971 لأنها اعترفت أن أمس لم يكن من عدتها. وإن مات ولم يبين ~~مراده، فعلى وجهين؛ بناء على اختلاف القولين في المطلق، إن قلنا: لا يقع به ~~شيء. لم يلزمه هاهنا شيء. وإن قلنا بوقوعه ثم، وقع هاهنا. ### | [فصل قال لز وجته أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر] # (5925) فصل: وإن قال لزوجته: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر. فقدم بعد شهر ~~وجزء يقع الطلاق فيه، تبينا أن طلاقه وقع قبل الشهر؛ لأنه إيقاع للطلاق بعد ~~عقده. وبهذا قال الشافعي، وزفر. وقال أبو حنيفة وصاحباه: يقع الطلاق عند ~~قدوم زيد؛ لأنه جعل الشهر شرطا لوقوع الطلاق، فلا يسبق الطلاق شرطه. ولنا، ~~أنه أوقع الطلاق في زمن على صفة، فإذا حصلت الصفة وقع فيه، كما لو قال: أنت ~~طالق قبل رمضان بشهر، أو قبل موتك بشهر. فإن أبا حنيفة خاصة يسلم ذلك، ولا ~~يسلم أنه جعل الشهر شرطا، وليس فيه حرف شرط. وإن قدم قبل مضي شهر، لم يقع، ~~بغير اختلاف بين أصحابنا. # وهو قول أكثر أصحاب الشافعي؛ لأنه تعليق للطلاق على صفة كان وجودها ~~ممكنا، فوجب اعتبارها. وإن قدم زيد مع مضي الشهر، لم تطلق؛ لأنه لا بد من ~~جزء يقع الطلاق فيه. فإن خالعها بعد تعليق طلاقها بيوم، ثم قدم زيد # PageV07P429 # بعد الخلع بشهر وساعة، تبينا أن الخلع وقع صحيحا، ولم يقع الطلاق؛ لأنه ~~صادفها بائنا. وإن قدم بعد عقد الصفة بشهر وساعة، وقع الطلاق، وبطل الخلع، ~~ولها الرجوع بالعوض، إلا أن يكون الطلاق رجعيا؛ لأن الرجعية يصح خلعها. وإن ~~كانت بحالها، فمات أحدهما بعد عقد الصفة بيوم، ثم قدم زيد بعد شهر وساعة من ~~حين عقد الصفة، لم يرث أحدهما الآخر، لأنا تبينا أن الطلاق كان قد وقع قبل ~~موت الميت منهما، فلم يرثه صاحبه، إلا أن يكون الطلاق رجعيا، فإنه لا يقطع ~~التوارث، ما دامت في العدة. # فإن قدم بعد الموت بشهر وساعة، تبينا أن الفرقة وقعت بالموت، ولم يقع ~~طلاق. فإن قال: أنت طالق قبل موتي بشهر. فمات ms3972 أحدهما قبل مضي شهر، لم يقع ~~طلاق؛ لأن الطلاق لا يقع في الماضي. وإن مات بعد عقد اليمين بشهر وساعة، ~~تبينا وقوع الطلاق في تلك الساعة، ولم يتوارثا، إلا أن يكون الطلاق رجعيا، ~~ويموت في عدتها. وإن قال: أنت طالق قبل موتي. ولم يزد شيئا، طلقت في الحال؛ ~~لأن ما قبل موته من حين عقد الصفة محل للطلاق، فوقع في أوله. وإن قال: قبل ~~موتك أو موت زيد. فكذلك. # وإن قال: أنت طالق قبل قدوم زيد، أو قبل دخولك الدار. فقال القاضي: تطلق ~~في الحال، سواء قدم زيد أو لم يقدم؛ بدليل قول الله تعالى: {يا أيها الذين ~~أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها ~~على أدبارها} [النساء: 47] ولم يوجد الطمس في المأمورين. ولو قال لغلامه: ~~اسقني قبل أن أضربك. فسقاه في الحال، عد ممتثلا وإن لم يضربه. ولو قال: أنت ~~طالق قبيل موتي، أو قبيل قدوم زيد. لم يقع في الحال، وإنما يقع ذلك في ~~الجزء الذي يلي الموت؛ لأن ذلك تصغير يقتضي الجزء اليسير الذي يبقى. # وإن قال: أنت طالق قبل موت زيد وعمرو بشهر. فقال القاضي: تتعلق الصفة ~~بأولهما موتا؛ لأن اعتباره بالثاني يفضي إلى وقوعه بعد موت الأول، واعتباره ~~بالأول لا يفضي إلى ذلك فكان أولى. ### | [مسألة قال لها إذا طلقتك فأنت طالق] # (5926) مسألة: قال: (وإذا قال لها: إذا طلقتك فأنت طالق. فإذا طلقها لزمه ~~اثنتان، إذا كانت مدخولا بها، وإن كانت غير مدخول بها، لزمته واحدة) وجملة ~~ذلك أنه إذا قال لمدخول بها: إذا طلقتك فأنت طالق. ثم قال: أنت طالق. وقعت ~~واحدة بالمباشرة، وأخرى بالصفة؛ لأنه جعل تطليقها شرطا لوقوع طلاقها، فإذا ~~وجد الشرط وقع الطلاق. وإن كانت غير مدخول بها، بانت بالأولى، ولم تقع ~~الثانية؛ لأنها لا عدة عليها، ولا تمكن رجعتها، فلا يقع طلاقها إلا بائنا، ~~فلا يقع الطلاق ببائن. # PageV07P430 # (5927) فصل: فإن قال: عنيت بقولي هذا، أنك تكونين طالقا بما أوقعته عليك. ~~ولم أرد إيقاع ms3973 طلاق سوى ما باشرتك به. دين. # وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين؛ إحداهما، لا يقبل. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأنه خلاف الظاهر، إذ الظاهر أن هذا تعليق للطلاق بشرط الطلاق، ~~ولأن إخباره إياها بوقوع طلاقه بها لا فائدة فيه. والوجه الثاني، يقبل ~~قوله؛ لأنه يحتمل ما قاله، فقبل، كما لو قال لها: أنت طالق أنت طالق. وقال ~~أردت بالثاني التأكيد أو إفهامها. ### | [فصل قال إذا طلقتك فأنت طالق] # (5928) فصل: فإن قال: إذا طلقتك فأنت طالق. ثم علق طلاقها بشرط، مثل ~~قوله: إن خرجت فأنت طالق. فخرجت، طلقت بخروجها، ثم طلقت بالصفة أخرى؛ لأنه ~~قد طلقها بعد عقد الصفة. # ولو قال أولا: إن خرجت فأنت طالق. ثم قال: إن طلقتك فأنت طالق. فخرجت، ~~طلقت بالخروج، ولم تطلق بتعليق الطلاق بطلاقها؛ لأنه لم يطلقها بعد ذلك، ~~ولم يحدث عليها طلاقا؛ لأن إيقاعه الطلاق بالخروج كان قبل تعليقه الطلاق ~~بتطليقها، فلم توجد الصفة، فلم يقع. وإن قال: إن خرجت فأنت طالق. ثم قال: ~~إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق. فخرجت، طلقت بالخروج، ثم تطلق الثانية بوقوع ~~الطلاق عليها، إن كانت مدخولا بها. ### | [فصل قال لها كلما طلقتك فأنت طالق] # (5929) فصل: وإن قال لها: كلما طلقتك فأنت طالق. فهذا حرف يقتضي التكرار، ~~فإذا قال لها بعد ذلك: أنت طالق. وقع بها طلقتان، إحداهما بالمباشرة، ~~والأخرى بالصفة. ولا تقع ثالثة؛ لأن الثانية لم تقع بإيقاعه بعد عقد الصفة، ~~لأن قوله: كلما طلقتك. يقتضي كلما أوقعت عليك الطلاق. وهذا يقتضي تجديد ~~إيقاع طلاق بعد هذا القول، وإنما وقعت الثانية بهذا القول. وإن قال لها بعد ~~عقد الصفة: إن خرجت فأنت طالق. فخرجت، طلقت بالخروج طلقة، وبالصفة أخرى؛ ~~لأنه قد طلقها، ولم تقع الثالثة. وإن قال لها: كلما أوقعت عليك طلاقا فأنت ~~طالق. فهو بمنزلة قوله: كلما طلقتك فأنت طالق. وذكر القاضي في هذه، أنه إذا ~~وقع عليها طلاقه بصفة عقدها بعد قوله: إذا أوقعت عليك طلاقا فأنت طالق. لم ~~تطلق؛ لأن ذلك ليس بإيقاع منه. وهذا ms3974 قول بعض أصحاب الشافعي. وفيه نظر؛ فإنه ~~قد أوقع الطلاق عليها بشرط، فإذا وجد الشرط فهو الموقع للطلاق عليها، فلا ~~فرق بين هذا وبين قوله: إذا طلقتك فأنت طالق. # وإن قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق. ثم وقعت عليها طلقة بالمباشرة، ~~أو بصفة عقدها قبل # PageV07P431 # ذلك أو بعده، طلقت ثلاثا. فلو قال لها: إن خرجت فأنت طالق. ثم قال: كلما ~~وقع عليك طلاقي فأنت طالق. ثم خرجت، وقعت عليها طلقة بالخروج، ثم وقعت ~~الثانية بوقوع الأولى، ثم وقعت الثالثة بوقوع الثانية؛ لأن كلما تقتضي ~~التكرار، وقد عقد الصفة بوقوع الطلاق، فكيفما وقع يقتضي وقوع أخرى. ولو قال ~~لها: إذا طلقتك فأنت طالق، ثم قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق. ثم قال: ~~أنت طالق. طلقت ثلاثا؛ واحدة بالمباشرة، واثنتين بالصفتين؛ لأن تطليقه لها ~~يشتمل على الصفتين؛ هو تطليق منه، وهو وقوع طلاقه، ولأنه إذا قال: أنت ~~طالق. طلقت بالمباشرة واحدة، فتطلق الثانية بكونه طلقها، وذلك طلاق منه ~~واقع عليها، فتطلق به الثالثة. وهذا كله في المدخول بها. # فأما غير المدخول بها، فلا تطلق إلا واحدة في جميع هذا. وهذا كله مذهب ~~الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا. ### | [فصل قال كلما طلقتك طلاقا أملك فيه رجعتك فأنت طالق] # (5930) فصل: فإن قال: كلما طلقتك طلاقا أملك فيه رجعتك، فأنت طالق. ثم ~~قال: أنت طالق. طلقت اثنتين؛ إحداهما بالمباشرة. والأخرى بالصفة، إلا أن ~~تكون الطلقة بعوض، أو في غير مدخول بها، فلا تقع بها ثانية؛ لأنها تبين ~~بالطلقة التي باشرها بها، فلا يملك رجعتها، فإن طلقها اثنتين، طلقت ~~الثالثة. وقال أبو بكر: قيل: تطلق، وقيل: لا تطلق. واختياري أنها تطلق. # وقال أصحاب الشافعي: لا تطلق الثالثة؛ لأنا لو أوقعناها، لم يملك الرجعة، ~~ولم يوجد شرط طلاقها، فيفضي ذلك إلى الدور، فيقطعه بمنع وقوعه. ولنا أنه ~~طلاق لم يكمل به العدد بغير عوض في مدخول بها، فيقع بها التي بعدها ~~كالأولى، وامتناع الرجعة هاهنا لعجزه عنها، لا لعدم الملك، كما لو طلقها ms3975 ~~واحدة وأغمي عليه عقيبها، فإن الثانية تقع، وإن امتنعت الرجعة؛ لعجزه عنها. ~~وإن كان الطلاق بعوض، أو في غير مدخول بها، لم يقع بها إلا الطلقة التي ~~باشرها بها؛ لأنه لا يملك رجعتها. وإن قال: كلما وقع عليك طلاق أملك فيه ~~رجعتك، فأنت طالق، ثم وقع عليها طلقة بمباشرة أو صفة، طلقت ثلاثا. وعندهم ~~لا تطلق؛ لما ذكرناه في التي قبلها. # ولو قال لامرأته: إذا طلقتك طلاقا أملك فيه الرجعة، فأنت طالق ثلاثا. ثم ~~طلقها، طلقت ثلاثا. وقال المزني: لا تطلق. وهو قياس قول أصحاب الشافعي؛ لما ~~تقدم. ### | [فصل قال لزوجته إذا طلقتك أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا] # فصل: وإن قال لزوجته: إذا طلقتك، أو إذا وقع عليك طلاقي، فأنت طالق قبله ~~ثلاثا. فلا نص فيها. وقال القاضي: تطلق ثلاثا؛ واحدة بالمباشرة، واثنتان من ~~المعلق. وهو قياس قول الشافعي، وقول بعض # PageV07P432 # أصحابه. وقال ابن عقيل: تطلق واحدة بالمباشرة، ويلغو المعلق؛ لأنه طلاق ~~في زمن ماض، فلا يتصور وقوع الطلاق فيه. # وهو قياس نص أحمد وأبي بكر، في أن الطلاق لا يقع في زمن ماض، وبه قال أبو ~~العباس بن القاص من أصحاب الشافعي. وقال أبو العباس بن سريج، وبعض ~~الشافعية: لا تطلق أبدا؛ لأن وقوع الواحدة يقتضي وقوع ثلاث قبلها، وذلك ~~يمنع وقوعها، فإثباتها يؤدي إلى نفيها، فلا تثبت، ولأن إيقاعها يفضي إلى ~~الدور؛ لأنها إذا وقعت وقع قبلها ثلاث، فيمتنع وقوعها، وما أفضى إلى الدور ~~وجب قطعه من أصله. ولنا أنه طلاق من مكلف مختار، في محل لنكاح صحيح، فيجب ~~أن يقع، كما لو لم يعقد هذه الصفة، ولأن عمومات النصوص تقتضي وقوع الطلاق، ~~مثل قوله سبحانه: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] . وقوله سبحانه: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] . # وكذلك سائر النصوص، ولأن الله تعالى شرع الطلاق لمصلحة تتعلق به، وما ~~ذكروه يمنعه بالكلية، ويبطل شرعيته، فتفوت مصلحته، فلا يجوز ذلك بمجرد ~~الرأي والتحكم، وما ذكروه غير ms3976 مسلم؛ فإنا إن قلنا: لا يقع الطلاق المعلق، ~~فله وجه؛ لأنه أوقعه في زمن ماض، ولا يمكن وقوعه في الماضي، فلم يقع، كما ~~لو قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بيوم. فقدم في اليوم، ولأنه جعل الطلقة ~~الواقعة شرطا لوقوع الثلاث، ولا يوجد المشروط قبل شرطه، فعلى هذا لا يمتنع ~~وقوع الطلقة المباشرة، ولا يفضي إلى دور ولا غيره. وإن قلنا بوقوع الثلاث، ~~فوجهه أنه وصف الطلاق المعلق بما يستحيل وصفه به، فلغت الصفة، ووقع الطلاق، ~~كما لو قال: أنت طالق طلقة لا تنقص عدد طلاقك، أو لا تلزمك. أو قال للآيسة: ~~أنت طالق للسنة. أو قال: للبدعة. # وبيان استحالته، أن تعليقه بالشرط يقتضي وقوعه بعده؛ لأن الشرط يتقدم ~~مشروطه، ولذلك لو أطلق لوقع بعده، وتعقيبه بالفاء في قوله: فأنت طالق. ~~يقتضي كونه عقيبه، وكون الطلاق المعلق بعده قبله محال، لا يصح الوصف به، ~~فلغت الصفة، ووقع الطلاق، كما لو قال: إذا طلقتك فأنت طالق ثلاثا لا تلزمك. ~~ثم يبطل ما ذكروه بقوله: إذا انفسخ نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثا. ثم وجد ما ~~يفسخ نكاحها؛ من رضاع، أو ردة، أو وطء أمها أو ابنتها بشبهة، فإنه يرد عليه ~~ما ذكروه، ولا خلاف في انفساخ النكاح. قال القاضي: ما ذكروه ذريعة إلى أن ~~لا يقع عليها الطلاق جملة. وإن قال: أنت طالق ثلاثا قبيل وقوع طلاقي بك ~~واحدة. أو قال: أنت طالق اليوم ثلاثا إن طلقتك غدا واحدة. # فالكلام عليها من وجه آخر، وهو وارد على المسألتين جميعا، وذلك أن الطلقة ~~الموقعة يقتضي وقوعها # PageV07P433 # وقوع ما لا يتصور وقوعها معه، فيجب أن يقضى بوقوع الطلقة الموقعة دون ما ~~تعلق بها؛ لأن ما تعلق بها تابع، ولا يجوز إبطال المتبوع لامتناع حصول ~~التبع، فيبطل التابع وحده، كما لو قال في مرضه: إذا أعتقت سالما فغانم حر. ~~ولم يخرج من ثلثه إلا أحدهما، فإن سالما يعتق وحده، ولا يقرع بينهما؛ لأن ~~ذلك ربما أدى إلى عتق المشروط دون الشرط، وذلك غير جائز، ولا ms3977 فرق بين أن ~~يقول: فغانم حر قبله، أو معه أو بعده. أو تطلق. كذا هاهنا. ### | [فصل الحلف بالطلاق] # (5932) فصل: اختلف أصحابنا في الحلف بالطلاق، فقال القاضي في " الجامع "، ~~وأبو الخطاب: هو تعليقه على شرط، أي شرط كان، إلا قوله: إذا شئت فأنت طالق. ~~ونحوه، فإنه تمليك. وإذا حضت فأنت طالق. فإنه طلاق بدعة. وإذا طهرت فأنت ~~طالق. فإنه طلاق سنة. وهذا قول أبي حنيفة؛ لأن ذلك يسمى حلفا عرفا، فيتعلق ~~الحكم به، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق. ولأن في الشرط معنى القسم، ~~من حيث كونه جملة غير مستقلة دون الجواب، فأشبه قوله: والله، وبالله، ~~وتالله. # وقال القاضي في " المجرد " هو تعليقه على شرط يقصد به الحث على الفعل، أو ~~المنع منه، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن لم تدخلي فأنت طالق. أو ~~على تصديق خبره، مثل قوله: أنت طالق لقد قدم زيد أو لم يقدم. فأما التعليق ~~على غير ذلك، كقوله: أنت طالق إن طلعت الشمس، أو قدم الحاج، أو إن لم يقدم ~~السلطان. فهو شرط محض ليس بحلف؛ لأن حقيقة الحلف القسم، وإنما سمي تعليق ~~الطلاق على شرط حلفا تجوزا، لمشاركته الحلف في المعنى المشهور، وهو الحث، ~~أو المنع، أو تأكيد الخبر، نحو قوله: والله لأفعلن، أو لا أفعل، أو لقد ~~فعلت، أو لم أفعل. وما لم يوجد فيه هذا المعنى، لا يصح تسميته حلفا. وهذا ~~مذهب الشافعي. فإذا قال لزوجته: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق. ثم قال: إذا ~~طلعت الشمس فأنت طالق. لم تطلق في الحال، على القول الثاني؛ لأنه ليس بحلف، ~~وتطلق على الأول؛ لأنه حلف. وإن قال: كلما كلمت أباك فأنت طالق. طلقت على ~~القولين جميعا؛ لأنه علق طلاقها على شرط يمكن فعله وتركه، فكان حلفا، كما ~~لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق. # وإن قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق. ثم أعاد ذلك، طلقت واحدة، ثم كلما ~~أعاده مرة طلقت، حتى تكمل الثلاث؛ لأن كل مرة يوجد بها شرط الطلاق، وينعقد ms3978 ~~شرط طلقة أخرى. وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: ليس ذلك ~~بحلف، ولا يقع الطلاق بتكراره؛ لأنه تكرار للكلام، فيكون تأكيدا لاحقا. ~~ولنا، أنه تعليق للطلاق على شرط يمكن فعله وتركه، فكان حلفا، كما لو قال: ~~إن دخلت الدار فأنت طالق. وقوله: إنه تكرار للكلام. حجة عليه، فإن تكرار ~~الشيء عبارة عن وجوده مرة أخرى، # PageV07P434 # فإذا كان في الأول حلفا، فوجد مرة أخرى، فقد وجد الحلف مرة أخرى، وأما ~~التأكيد فإنما يحمل عليه الكلام المكرر إذا قصده، وها هنا إن قصد إفهامها، ~~لم يقع بالثاني شيء، كما لو قال: أنت طالق أنت طالق. يعني بالثانية ~~إفهامها، فأما إن كرر ذلك لغير مدخول بها، بانت بطلقة، ولم يقع أكثر منها، ~~فإذا قال لها ذلك ثلاثا، بانت بالمرة الثانية، ولم تطلق بالثالثة، فإن جدد ~~نكاحها، ثم أعاد ذلك لها، أو قال لها: إن تكلمت فأنت طالق، أو نحو ذلك، لم ~~تطلق بذلك؛ لأن شرط طلاقها إنما كان بعد بينونتها. ### | [فصل قال لامرأتيه كلما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان] # (5933) فصل: وإن قال لامرأتيه: كلما حلفت بطلاقكما، فأنتما طالقتان. ثم ~~أعاد ذلك ثلاثا، طلقت كل واحدة منهما ثلاثا؛ لما ذكرنا. فإن كانت إحداهما ~~غير مدخول بها بانت بالمرة الثانية، فإذا أعاده مرة ثالثة، لم تطلق واحدة ~~منهما؛ لأن غير المدخول بها بائن، فلم تكن إعادة هذا القول حلفا بطلاقها. ~~وهي غير زوجه، فلم يوجد الشرط، فإن شرط طلاقهما الحلف بطلاقهما جميعا، فإن ~~جدد نكاح البائن، ثم قال لها: إن تكلمت فأنت طالق. فقد قيل: يطلقان حينئذ؛ ~~لأنه صار بهذا حالفا بطلاقها، وقد حلف بطلاق المدخول بها بإعادة قوله في ~~المرة الثالثة، فطلقتا حينئذ، يقوى عندي أنه لا يقع الطلاق بهذه التي جدد ~~نكاحها؛ لأنها حين إعادته المرة الثالثة بائن، فلم تنعقد الصفة بالإضافة ~~إليها، كما لو قال لأجنبية: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق. ثم تزوجها، وحلف ~~بطلاقها. ولكن تطلق المدخول بها حينئذ؛ لأنه قد حلف بطلاقها في المرة ~~الثالثة، وحلف بطلاق هذه حينئذ، ms3979 فكمل شرط طلاقها. فطلقت وحدها. ### | [فصل له امرأتان حفصة وعمرة فقال إن حلفت بطلاقكما فعمرة طالق] # (5934) فصل: فإن كانت له امرأتان، حفصة وعمرة، فقال: إن حلفت بطلاقكما ~~فعمرة طالق. ثم أعاده، لم تطلق واحدة منهما؛ لأن هذا حلف بطلاق عمرة وحدها ~~فلم يوجد الحلف بطلاقهما. وإن قال بعد ذلك: إن حلفت بطلاقكما فحفصة طالق. ~~طلقت عمرة؛ لأنه حلف بطلاقهما بعد تعليقه طلاقها على الحلف بطلاقهما، ولم ~~تطلق حفصة لأنه ما حلف بطلاقهما بعد تعليقه طلاقها عليه. فإن قال بعد هذا: ~~إن حلفت بطلاقكما، فعمرة طالق. لم تطلق واحدة منهما؛ لأنه لم يحلف ~~بطلاقهما، إنما حلف بطلاق عمرة وحدها. فإن قال بعد هذا: إن حلفت بطلاقكما، ~~فحفصة طالق. طلقت حفصة. وعلى هذا القياس. ### | [فصل قال لإحداهما إن حلفت بطلاقك فضرتك طالق] # (5935) فصل: وإن قال لإحداهما: إن حلفت بطلاقك، فضرتك طالق. ثم قال ~~للأخرى مثل ذلك طلقت الثانية؛ لأن إعادته للثانية هو حلف بطلاق الأولى، ~~وذلك شرط وقوع طلاق الثانية، ثم إن أعاد للأولى، طلقت، ثم كلما أعاده على ~~هذا الوجه لامرأة طلقت، حتى يكمل للثانية ثلاث، ثم إذا أعاده للأولى لم ~~تطلق؛ لأن # PageV07P435 # الثانية قد بانت منه، فلم يكن ذلك حلفا بطلاقها. ولو قال هذا القول ~~لامرأة، ثم أعاده لها، لم تطلق به واحدة منهما؛ لأن ذلك ليس بحلف بطلاقها، ~~إنما هو حلف بطلاق ضرتها، ولم يعلق على ذلك طلاقا. وإن قال للأولى؛ إن حلفت ~~بطلاق ضرتك، فأنت طالق. ثم قال للأخرى مثل ذلك. طلقت الأولى؛ لأن قوله ذلك ~~للثانية حلف بطلاقها، وشرط لوقوع الطلاق بالأولى. ثم إن أعاده للأولى. طلقت ~~الثانية، ثم كلما أعاده لامرأة منهما على هذا الوجه، طلقت الأخرى. # فإن كانت إحداهما غير مدخول بها، فطلقت مرة، بانت، ولم تطلق صاحبتها ~~بإعادة ذلك لها؛ لأنه ليس بحلف بطلاقها، لكونها بائنا، فهي كسائر ~~الأجنبيات. إن قال لإحداهما: إذا حلفت بطلاق ضرتك، فهي طالق. ثم قال للأخرى ~~مثل ذلك. لم تطلق واحدة منهما. ثم إن أعاد ذلك لإحداهما، طلقت الأخرى، ms3980 ثم ~~إن أعاده للأخرى، طلقت صاحبتها، ثم كلما أعاده لامرأة، طلقت الأخرى، إلا أن ~~تكون إحداهما غير مدخول بها، أو لم يبق من طلاقها إلا دون الثلاث، فإنها ~~إذا بانت صارت كالأجنبية. ولو قال ذلك لامرأة ابتداء، ثم أعاده لها، طلقت ~~ضرتها بكل إعادة مرة، حتى تكمل الثلاث. وإن قال لامرأة: إذا حلفت بطلاق ~~ضرتك، فهي طالق. ثم قال للأخرى: إذا حلفت بطلاقك، فأنت طالق. طلقت في ~~الحال. # ثم إن قال للأولى مثل ما قال لها، أو قال للثانية مثل ما قال لها طلقت ~~الثانية، وكذلك الثالثة، ولا يقع بالأولى بهذا طلاق؛ لأن الحلف في الموضعين ~~إنما هو بطلاق الثانية. ولو قال للأولى: إن حلفت بطلاقك، فأنت طالق. ثم قال ~~للثانية: إن حلفت بطلاق ضرتك فهي طالق. طلقت الأولى، ثم متى أعاد أحد هذين ~~الشرطين مرة أخرى، طلقت الأولى مرة ثانية، وكذلك الثالثة، ولا يقع بالثانية ~~بهذا طلاق. ولو قال لإحداهما: إذا حلفت بطلاقك، فضرتك طالق. ثم قال للأخرى: ~~إذا حلفت بطلاق ضرتك، فأنت طالق. لم تطلق واحدة منهما؛ لأنه في الموضعين ~~علق طلاق الثانية على الحلف بطلاق الأولى، ولم يحلف بطلاقها. # ولو أعاد ذلك لهما، لم يقع طلاق بواحدة منهما، وسواء تقدم القول للثانية ~~على القول للأولى، أو تأخر عنه. ### | [فصل قال كلما حلفت بطلاق واحدة منكن فأنتن طوالق] # (5936) فصل: وإن كان له ثلاث نسوة فقال: إن حلفت بطلاق زينب فعمرة طالق. ~~ثم قال: إن حلفت بطلاق عمرة فحفصة طالق. ثم قال: إن حلفت بطلاق حفصة فزينب ~~طالق. طلقت عمرة. وإن جعل مكان زينب عمرة، طلقت حفصة. ثم متى أعاده # PageV07P436 # بعد ذلك طلقت منهن واحدة، على الوجه الذي ذكرناه. وإن قال: إن حلفت بطلاق ~~زينب، فنسائي طوالق. ثم قال: إن حلفت بطلاق عمرة فنسائي طوالق. ثم قال: إن ~~حلفت بطلاق حفصة، فنسائي طوالق. طلقت كل واحدة منهن طلقتين؛ لأنه لما قال: ~~إن حلفت بطلاق عمرة فنسائي طوالق. فقد حلف بطلاق زينب بعد تعليقه طلاق ~~نسائه على الحلف بطلاقها، فطلقت ms3981 كل واحدة منهن طلقة، ولما قال: إن حلفت ~~بطلاق حفصة فنسائي طوالق. فقد حلف بطلاق عمرة وزينب، فطلقت كل واحدة منهن ~~طلقة بحلفه بطلاق عمرة، ولم يقع بحلفه بطلاق زينب شيء؛ لأنه قد حنث به مرة ~~فلا يحنث ثانية. # ولو كان مكان قوله: إن - كلما، طلقت كل واحدة منهن ثلاثا؛ لأن " كلما " ~~تقتضي التكرار. ولو قال: كلما حلفت بطلاق واحدة منكن، فأنتن طوالق. ثم أعاد ~~ذلك مرة ثانية، طلقن ثلاثا ثلاثا؛ لأنه بإعادته حالف بطلاق كل واحدة منهن، ~~وحلفه بطلاق كل واحدة منهن شرط لطلاقهن جميعا. وإن قال: إن حلفت بطلاق ~~واحدة منكن، فأنتن طوالق. ثم أعاد ذلك، طلقت كل واحدة منهن طلقة؛ لأن " إن ~~" لا تقتضي التكرار. وإن قال بعد ذلك لإحداهن: إن قمت فأنت طالق. طلقت كل ~~واحدة منهن طلقة أخرى. ولو قال: كلما حلفت بطلاقكن، فأنتن طوالق. ثم أعاد ~~ذلك، طلقت كل واحدة طلقة. وإن قال بعد ذلك لإحداهن: إن قمت فأنت طالق. لم ~~تطلق واحدة منهن. وإن قال ذلك للاثنتين الباقيتين، طلق الجميع طلقة طلقة. ### | [فصل قال لزوجته إن حلفت بعتق عبدي فأنت طالق ثم قال إن حلفت بطلاقك فعبدي حر] # (5937) فصل: وإن قال لزوجته: إن حلفت بعتق عبدي، فأنت طالق. ثم قال: إن ~~حلفت بطلاقك، فعبدي حر. طلقت. ثم إن قال لعبده: إن حلفت بعتقك، فامرأتي ~~طالق. عتق العبد. وإن قال له: إن حلفت بطلاق امرأتي، فأنت حر. ثم قال لها: ~~إن حلفت بعتق عبدي، فأنت طالق. عتق العبد. ولو قال لعبده: إن حلفت بعتقك، ~~فأنت حر، ثم أعاد ذلك، عتق العبد. ### | [فصل استعمل الطلاق والعتاق استعمال القسم] # (5938) فصل: وقد استعمل الطلاق والعتاق استعمال القسم، جوابا له، فإذا ~~قال: أنت طالق لأقومن. وقام، لم تطلق زوجته، فإن لم يقم في الوقت الذي عينه ~~حنث. هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، ~~والزهري، وسعيد بن جبير، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي. وقال شريح: يقع ~~طلاقه وإن قام؛ لأنه طلق طلاقا غير معلق بشرط، ms3982 فوقع، كما لو لم يقم. ولنا، ~~أنه حلف بر فيه، فلم يحنث، كما لو حلف بالله تعالى. وإن قال: أنت طالق إن ~~أخاك لعاقل. # PageV07P437 # وكان أخوها عاقلا، لم يحنث، وإن لم يكن عاقلا، حنث، كما لو قال: والله إن ~~أخاك لعاقل، وإن شك في عقله لم يقع الطلاق؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فلا ~~يزول بالشك. # وإن قال: أنت طالق لا أكلت هذا الرغيف. فأكله، حنث، وإلا فلا. وإن قال: ~~أنت طالق ما أكلته. وكان صادقا، لم يحنث، وإن كان كاذبا، حنث كما لو قال: ~~والله ما أكلته. وإن قال: أنت طالق لولا أبوك لطلقتك. وكان صادقا، لم تطلق، ~~وإن كان كاذبا طلقت. ولو قال: إن حلفت بطلاقك، فأنت طالق. ثم قال: أنت طالق ~~لأكرمنك. طلقت في الحال. ولو قال: إن حلفت بعتق عبدي، فأنت طالق. ثم قال: ~~عبدي حر لأقومن. طلقت المرأة. وإن قال: إن حلفت بطلاق امرأتي، فعبدي حر. ثم ~~قال: أنت طالق لقد صمت أمس. عتق العبد. ### | [فصل قال لإحدى زوجتيه كلما طلقت ضرتك فأنت طالق] # (5939) فصل: وإن قال: إن طلقت حفصة فعمرة طالق. ثم قال: إن طلقت عمرة ~~فحفصة طالق. ثم طلق حفصة. طلقتا معا؛ حفصة بالمباشرة، وعمرة بالصفة، ولم ~~تزد كل واحدة منهما على طلقة. وإن بدأ بطلاق عمرة، طلقت طلقتين، وطلقت حفصة ~~طلقة واحدة؛ لأنه إذا طلق حفصة طلقت عمرة بالصفة؛ لكونه علق طلاقها على ~~طلاق حفصة، ولم يعد على حفصة طلاق آخر؛ لأنه ما أحدث في عمرة طلاقا، إنما ~~طلقت بالصفة السابقة على تعليقه طلاقها. وإن بدأ بطلاق عمرة، طلقت حفصة؛ ~~لكون طلاقها معلقا على طلاق عمرة، ووقوع الطلاق بها تطليق منه لها؛ لأنه ~~أحدث فيها طلاقا، بتعليقه طلاقها على تطليق عمرة، بعد قوله: إن طلقت حفصة ~~فعمرة طالق. ومتى وجد التعليق والوقوع معا، فهو تطليق. فإن وجدا معا بعد ~~تعليق الطلاق بطلاقها، وقع الطلاق المعلق بطلاقها. وطلاق عمرة هاهنا معلق ~~بطلاقها، فوجب القول بوقوعه. # ولو قال لعمرة: كلما طلقت حفصة، فأنت طالق. ثم ms3983 قال لحفصة: كلما طلقت ~~عمرة، فأنت طالق. ثم قال لعمرة: أنت طالق. طلقت طلقتين، وطلقت حفصة طلقة ~~واحدة. وإن طلق حفصة ابتداء، لم يقع بكل واحدة منهما إلا طلقة؛ لأن هذه ~~المسألة كالتي قبلها سواء، فإنه بدأ بتعليق طلاق عمرة على تطليق حفصة، ثم ~~ثنى بتعليق طلاق حفصة على تطليق عمرة. ولو قال لعمرة: إن طلقتك، فحفصة ~~طالق. ثم قال لحفصة: إن طلقتك، فعمرة طالق. ثم طلق حفصة، طلقت طلقتين، ~~وطلقت عمرة طلقة. وإن طلق عمرة، طلقت كل واحدة منهما طلقة؛ لأنها عكس التي ~~قبلها. # ذكر هاتين المسألتين القاضي، في " المجرد ". ولو قال لإحدى زوجتيه: كلما ~~طلقت ضرتك، فأنت طالق. ثم قال للأخرى مثل # PageV07P438 # ذلك، ثم طلق الأولى، طلقت طلقتين، وطلقت الثانية طلقة. وإن طلق الثانية، ~~طلقت كل واحدة منهما طلقة. وإن قال: كلما طلقتك فضرتك طالق. ثم قال للأخرى ~~مثل ذلك، ثم طلق الأولى، طلقت كل واحدة منهما طلقة طلقة. وإن طلق الثانية، ~~طلقت طلقتين، وطلقت الأولى طلقة، وتعليل ذلك على ما ذكرنا في المسألة ~~الأولى. ### | [فصل قال لكل واحدة منهن كلما طلقت إحدى ضرتيك، فأنت طالق] # (5940) فصل: وإن كان له ثلاث نسوة، فقال: إن طلقت زينب فعمرة طالق، وإن ~~طلقت عمرة فحفصة طالق، وإن طلقت حفصة فزينب طالق. ثم طلق زينب، طلقت عمرة، ~~ولم تطلق حفصة؛ لأنه ما أحدث في عمرة طلاقا بعد تعليق طلاق حفصة بتطليقها، ~~وإنما طلقت بالصفة السابقة على ذلك، فيكون وقوعا للطلاق، وليس بتطليق. وإن ~~طلق عمرة، طلقت حفصة، ولم تطلق زينب لذلك. وإن طلق حفصة، طلقت زينب، ثم ~~طلقت عمرة، فيقع الطلاق بالثلاث؛ لأنه أحدث في زينب طلاقا بعد تعليقه طلاق ~~عمرة بطلاقها، فإنه علق طلاقها بعد ذلك على تطليق حفصة، ثم طلق حفصة، ~~والتعليق مع تحقق شرطه تطليق، وقد وجد التعليق وشرطه معا بعد تعليقه طلاق ~~عمرة بتطليقها، فكان وقوع الطلاق بزينب تطليقا، فطلقت به عمرة، بخلاف ~~غيرها. وإن قال لزينب: إن طلقت عمرة فأنت طالق. ثم قال لعمرة: إن طلقت حفصة ms3984 ~~فأنت طالق. ثم قال لحفصة: إن طلقت زينب فأنت طالق. ثم طلق زينب، طلق ~~الثلاث؛ زينب بالمباشرة، وحفصة بالصفة، ووقوع الطلاق بحفصة تطليق لها، ~~وتطليقها شرط طلاق عمرة، فتطلق به أيضا. # والدليل على أنه تطليق لحفصة، أنه أحدث فيها طلاقا، بتعليقه طلاقها على ~~تطليق زينب، بعد تعليق طلاق عمرة بتطليقها، وتحقق شرطه، والتعليق مع شرطه ~~تطليق، وقد وجدا معا بعد جعل تطليقها صفة لطلاق عمرة. وإن طلق عمرة، طلقت ~~هي وزينب، ولم تطلق حفصة. وإن طلق حفصة، طلقت هي وعمرة، ولم تطلق زينب؛ لما ~~ذكرنا في المسألة التي قبلها. وإن قال لزينب: إن طلقتك فضرتاك طالقتان، ثم ~~قال لعمرة مثل ذلك، ثم قال لحفصة مثل ذلك، ثم طلق زينب، طلقت كل واحدة منهن ~~طلقة واحدة؛ لأنه لم يحدث في غير زينب طلاقا، إنما طلقتا بالصفة السابقة ~~على تعليق الطلاق بطلاقها. وإن طلق عمرة، طلقت زينب طلقة، وطلقت عمرة وحفصة ~~كل واحدة منهما طلقتين؛ لأن عمرة طلقت واحدة بالمباشرة، وطلقت زينب وحفصة ~~بطلاقها واحدة واحدة، وطلاق زينب تطليق لهما؛ لأنه وقع بها بصفة أحدثها بعد ~~تعليق طلاقهما بتطليقها، فعاد على عمرة وحفصة بذلك طلقتان، ولم يعد على ~~زينب بطلاقهما طلاق؛ لما تقدم. # وإن طلق حفصة، طلقت ثلاثا؛ لأنها طلقت واحدة بالمباشرة، فطلقت بها ~~ضرتاها، ووقوع الطلاق بكل واحدة منهما تطليق، لأنه بصفة أحدثها فيهما بعد ~~تعليق طلاقها بطلاقهما، فعاد عليها من طلاق كل واحدة منهما طلقة، فكمل لها ~~ثلاث، وطلقت عمرة طلقتين، واحدة بتطليق حفصة، وأخرى بوقوع الطلاق على زينب؛ ~~لأنه تطليق لزينب؛ لما ذكرناه، # PageV07P439 # وطلقت زينب واحدة؛ لأن طلاق ضرتها بالصفة، ليس بتطليق في حقها. وإن قال ~~لكل واحدة منهن: كلما طلقت إحدى ضرتيك، فأنت طالق. ثم طلق الأولى، طلقت ~~ثلاثا، وطلقت الثانية طلقتين، والثالثة طلقة واحدة؛ لأن تطليقه للأولى شرط ~~لطلاق ضرتيها، ووقوع الطلاق بهما تطليق بالنسبة إليها، لكونه واقعا بصفة ~~أحدثها بعد تعليق طلاقها بطلاقهما، فعاد عليها من تطليق كل واحدة منهما ~~طلقة، فكمل لها الثلاث، وعاد على ms3985 الثانية من طلاق الثالثة طلقة ثانية لذلك، ~~ولم يعد على الثالثة من طلاقهما الواقع بالصفة شيء؛ لأنه ليس بتطليق في ~~حقها. # وإن طلق الثانية طلقت أيضا طلقتين، وطلقت الأولى ثلاثا، والثالثة طلقة. ~~وإن طلق الثالثة، طلقت الأولى طلقتين، وطلقت كل واحدة من الباقيتين طلقة ~~طلقة. ### | [فصل قال لامرأته إن طلقتك فعبدي حر ثم قال لعبدة إن قمت فامرأتي طالق فقام] # (5941) فصل: ولو قال لامرأته: إن طلقتك فعبدي حر. ثم قال لعبده: إن قمت ~~فامرأتي طالق. فقام، طلقت المرأة، وعتق العبد. ولو قال لعبده: إن قمت ~~فامرأتي طالق. ثم قال لامرأته: إن طلقتك فعبدي حر. فقام العبد، طلقت ~~المرأة، ولم يعتق العبد؛ لأن وقوع الطلاق بالصفة إنما يكون تطليقا مع وجود ~~الصفة، ففي الصورة الأولى وجدت الصفة والوقوع بعد قوله: إن طلقتك فعبدي حر. ~~وفي الصورة الأخرى لم يوجد بعد ذلك إلا الوقوع وحده، فكانت الصفة سابقة، ~~فلذلك لم يعتق العبد. ولو قال لعبده: إن أعتقتك فامرأتي طالق. ثم قال ~~لامرأته: إن حلفت بطلاقك فعبدي حر. ثم قال لعبده: إن لم أضربك فامرأتي ~~طالق. عتق العبد، وطلقت المرأة. ### | [فصل علق الطلاق على صفات فاجتمعن في شيء واحد] # (5942) فصل: ومتى علق الطلاق على صفات، فاجتمعن في شيء واحد، وقع بكل صفة ~~ما علق عليها، كما لو وجدت مفترقة، وكذلك العتاق، فلو قال لامرأته: إن كلمت ~~رجلا فأنت طالق، وإن كلمت طويلا فأنت طالق، وإن كلمت أسود فأنت طالق. فكلمت ~~رجلا أسود طويلا، طلقت ثلاثا. وإن قال: إن ولدت بنتا فأنت طالق، وإن ولدت ~~سوداء فأنت طالق، وإن ولدت ولدا فأنت طالق. فولدت بنتا سوداء، طلقت ثلاثا. ~~وإن قال: إن أكلت رمانة فأنت طالق، وإن أكلت نصف رمانة فأنت طالق. فأكلت ~~رمانة، طلقت اثنتين. وإن قال: كلما أكلت رمانة فأنت طالق، وكلما أكلت نصف ~~رمانة فأنت طالق. فأكلت رمانة، طلقت ثلاثا؛ لأن كلما تقتضي التكرار، وفي ~~الرمانة نصفان، فتطلق بأكلهما طلقتين، وبأكل الرمانة طلقة. فإن نوى بقوله: ~~نصف رمانة. نصفا مفردا عن الرمانة ms3986 المشروطة، أو كانت مع الكلام # PageV07P440 # قرينة تقتضي ذلك، لم يحنث حتى تأكل ما نوى تعليق الطلاق به؛ لأن مبنى ~~الأيمان على النية. ### | [فصل قال إن دخل الدار رجل فعبد من عبيدي حر] # (5943) فصل: فإن قال: إن دخل الدار رجل فعبد من عبيدي حر، وإن دخلها طويل ~~فعبدان حران، وإن دخلها أسود فثلاثة أعبد أحرار، وإن دخلها فقيه فأربعة ~~أعبد أحرار. فدخلها فقيه طويل أسود، عتق من عبيده عشرة. وإن كان له أربع ~~نسوة، فقال: إن طلقت امرأة منكن فعبد من عبيدي حر، وإن طلقت اثنتين فعبدان ~~حران، وإن طلقت ثلاثة، فثلاثة أعبد أحرار، وإن طلقت أربعا، فأربعة أعبد ~~أحرار، ثم طلق الأربع مجتمعات أو متفرقات عتق من عبيده عشرة؛ بالواحدة ~~واحد، وبالاثنتين اثنان، وبالثلاث ثلاثة، وبالأربع أربعة؛ لاجتماع هذه ~~الصفات الأربع فيهن. ولو علق ذلك بلفظة " كلما "، فقد قيل: يعتق عشرة أيضا. # والصحيح أنه يعتق خمسة عشر عبدا؛ لأن فيهن أربع صفات، هن أربع، فيعتق ~~أربعة، وهن أربعة آحاد، فيعتق بذلك أربعة، وهن اثنتان واثنتان، فيعتق بذلك ~~أربعة، وفيهن ثلاث، فيعتق بهن ثلاثة. وإن شئت قلت: يعتق بالواحدة واحد، ~~وبالثانية ثلاثة؛ لأن فيها صفتين هي واحدة، وهي مع الأولى اثنتان، ويعتق ~~بالثالثة أربعة؛ لأنها واحدة، وهي مع الأولى والثانية ثلاث، ويعتق بالرابعة ~~سبعة؛ لأن فيها ثلاث صفات، هي واحدة، وهي مع الثالثة اثنتان، وهي مع الثلاث ~~التي قبلها أربع. وهذا أولى من الأول؛ لأن قائله لا يعتبر صفة طلاق الواحدة ~~في غير الأولى، ولا صفة التثنية في الثالثة والرابعة، ولفظ " كلما " يقتضي ~~التكرار، فيجب تكرار الطلاق بتكرار الصفات. وقيل: يعتق سبعة عشر؛ لأن صفة ~~التثنية قد وجدت ثلاث مرات، فإنها توجد بضم الثانية إلى الثالثة. وقيل: ~~يعتق عشرون. # وهو قول أبي حنيفة؛ لأن صفة الثلاث وجدت مرة ثانية بضم الثانية والثالثة ~~إلى الرابعة، وكلا القولين غير سديد؛ لأنهما عدوا الثانية مع الأولى في صفة ~~التثنية مرة، ثم عدوها مع الثالثة مرة أخرى، وعدوا الثانية والثالثة في صفة ~~التثليث مرتين، مرة ms3987 مع الأولى، ومرة مع الرابعة، وما عد في صفة مرة، لا ~~يجوز عده في تلك الصفة مرة أخرى. ولذلك لو قال: كلما أكلت نصف رمانة فأنت ~~طالق. فأكلت رمانة، لم تطلق إلا اثنتين؛ لأن الرمانة نصفان. ولا يقال: إنها ~~تطلق ثالثة، بأن يضم الربع الثاني إلى الربع الثالث فيصيران نصفا ثالثا، ~~وكذلك في مسألتنا، لم تضم الأولى إلى الرابعة، فيصيران اثنتين. # وعلى سياق هذا القول، ينبغي أن يعتق اثنان وثلاثون؛ واحد بطلاق واحدة، ~~وثلاثة بطلاق الثانية، وثمانية بطلاق الثالثة؛ لأنها واحدة وهي مع ما قبلها ~~ثلاثة، وهي مع ضمها إلى الأولى اثنتان، ومع ضمها إلى الثانية اثنتان، ففيها ~~صفة التثنية مرتان، ويعتق بطلاق الرابعة عشرون؛ لأن فيها ثماني صفات، هي ~~واحدة، وهي مع ما قبلها أربع، وفيها صفة التثليث ثلاث مرات، هي مع الأولى ~~والثانية ثلاث، ومع الثانية والثالثة ثلاث، ومع الأولى # PageV07P441 # والثالثة ثلاث، فيعتق بذلك تسعة، وفيها صفة التثنية ثلاث مرات، هي مع ~~الأولى اثنتان، وهي مع الثانية اثنتان، وهي مع الثالثة اثنتان، فيعتق بذلك ~~ستة، ويصير الجميع اثنين وثلاثين، وما نعلم بهذا قائلا. # وهذا مع الإطلاق. فأما إن نوى بلفظه غير ما يقتضيه الإطلاق، مثل أن ينوي ~~بقوله: اثنتين. غير الواحدة، فيمينه على ما نواه، ومتى لم يعين العبيد ~~المعتقين، أخرجوا بالقرعة. ولو قال: كلما أعتقت عبدا من عبيدي فامرأة من ~~نسائي طالق، وكلما أعتقت اثنين فامرأتان طالقتان. ثم أعتق اثنين، طلق ~~الأربع، على القول الصحيح، وعلى القول الأول، يطلق ثلاث، ويخرجن بالقرعة. ~~ولو قال: كلما أعتقت عبدا من عبيدي فجارية من جواري حرة، وكلما أعتقت اثنين ~~فجاريتان حرتان، وكلما أعتقت ثلاثة فثلاث أحرار، وكلما أعتقت أربعة فأربع ~~أحرار، ثم أعتق أربعة، عتق من جواريه بعدد ما طلق من النساء على ما ذكرنا. ~~وإن أعتق خمسا فعلى القول الأول، يعتق من جواريه هاهنا خمس عشرة. وعلى ~~القول الثاني، يعتق إحدى وعشرون؛ لأن عتق الخامس عتق به ست، لكونه واحدا، ~~وهو مع ما قبله خمسة، ولم يمكن عده في ms3988 سائر الصفات، لأن ما قبله قد عد في ~~ذلك مرة، فلا يعد ثانية. ### | [قال إن لم أطلقك فأنت طالق ولم ينو وقتا ولم يطلقها حتى مات أو ماتت] # (5944) مسألة: قال: (وإذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق. ولم ينو وقتا، ولم ~~يطلقها حتى مات أو ماتت، وقع الطلاق بها في آخر أوقات الإمكان) وجملة ذلك ~~أن حرف " إن " موضوع للشرط، لا يقتضي زمنا، ولا يدل عليه إلا من حيث إن ~~الفعل المعلق به من ضرورته الزمان، وما حصل ضرورة لا يتقيد بزمن معين، ولا ~~يقتضي تعجيلا، فما علق عليه كان على التراخي، سواء في ذلك الإثبات والنفي. ~~فعلى هذا إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق. ولم ينو وقتا، ولم يطلقها، كان ~~ذلك على التراخي، ولم يحنث بتأخيره؛ لأن كل وقت يمكن أن يفعل ما حلف عليه، ~~فلم يفت الوقت، فإذا مات أحدهما علمنا حنثه حينئذ؛ لأنه لا يمكن إيقاع ~~الطلاق بها بعد موت أحدهما، فتبين أنه وقع، إذ لم يبق من حياته ما يتسع ~~لتطليقها. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي ولا نعلم فيه بين أهل العلم ~~خلافا. # ولو قال: إن لم أطلق عمرة فحفصة طالق. فأي الثلاثة مات أولا، وقع الطلاق ~~قبيل موته؛ لأن تطليقه لحفصة على وجه تنحل به يمينه، إنما يكون في حياتهم ~~جميعا. وكذلك لو قال: إن لم أعتق عبدي، أو إن لم أضربه، فامرأتي طالق. وقع ~~بها الطلاق في آخر جزء من حياة أولهم موتا. فأما إن عين وقتا بلفظه، أو ~~بنيته، تعين، وتعلقت يمينه به. قال أحمد، - رحمه الله -: إذا قال: إن لم ~~أضرب فلانا، فأنت طالق ثلاثا. فهو على ما أراد من ذلك؛ # PageV07P442 # وذلك لأن الزمان المحلوف على ترك الفعل فيه تعين بنيته وإرادته، فصار ~~كالمصرح به في لفظه؛ فإن مبنى الأيمان على النية، لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إنما لامرئ ما نوى» . (5945) فصل: ولا يمنع من وطء زوجته قبل ~~فعل ما حلف عليه. # وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال سعيد بن ms3989 المسيب، والحسن، والشعبي، ~~ويحيى الأنصاري، وربيعة، ومالك، وأبو عبيد: لا يطأ حتى يفعل؛ لأن الأصل عدم ~~الفعل، ووقوع الطلاق. وروى الأثرم عن أحمد مثل ذلك. وقال الأنصاري، وربيعة، ~~ومالك: يضرب له أجل المولي، كما لو حلف أن لا يطأها. ولنا، أنه نكاح صحيح، ~~لم يقع فيه طلاق ولا غيره من أسباب التحريم، فحل له الوطء فيه، كما لو قال: ~~إن طلقتك فأنت طالق. وقولهم: الأصل عدم الفعل ووقوع الطلاق. قلنا: هذا ~~الأصل لم يقتض وقوع الطلاق، فلم يقتض حكمه، ولو وقع الطلاق بعد وطئه لم ~~يضر، كما لو طلقها ناجزا، وعلى أن الطلاق هاهنا إنما يقع في زمن لا يمكن ~~الوطء بعده، بخلاف قوله: إن وطئتك فأنت طالق. ### | [فصل إذا كان المعلق طلاقا بائنا فماتت لم يرثها] # (5946) فصل: إذا كان المعلق طلاقا بائنا فماتت، لم يرثها؛ لأن طلاقه ~~أبانها منه، فلم يرثها، كما لو طلقها ناجزا عند موتها. وإن مات ورثته. نص ~~عليه أحمد، في رواية أبي طالب، إذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا إن لم أتزوج ~~عليك. ومات ولم يتزوج عليها، ورثته، وإن ماتت لم يرثها؛ وذلك لأنها تطلق في ~~آخر حياته، فأشبه طلاقه لها في تلك الحال. ونحو هذا قال عطاء، ويحيى ~~الأنصاري. ويتخرج لنا أنها لا ترثه أيضا. وهذا قول سعيد بن المسيب، والحسن، ~~والشعبي، وأبي عبيد؛ لأنه إنما طلقها في صحته، وإنما تحقق شرط وقوعه في ~~المرض، فلم ترثه، كما لو علقه على فعلها، ففعلته في مرضه. وقال أبو حنيفة ~~إن حلف إن لم تأت البصرة فأنت طالق. فلم تفعل، فإنهما لا يتوارثان. # وإن قال: إن لم آت البصرة فأنت طالق. فمات، ورثته، وإن ماتت لم يرثها؛ ~~لأنه في الأولى علق الطلاق على فعلها، فإذا امتنعت منه فقد حققت شرط ~~الطلاق، فلم ترثه، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق. فدخلتها. وإذا ~~علقه على فعل نفسه، فامتنع، كان الطلاق منه، فأشبه ما لو نجزه في الحال. ~~ووجه الأول أنه طلاق في مرض موته، فمنعه ميراثه، ms3990 ولم يمنعها، كما لو طلقها ~~ابتداء، ولأن الزوج أخر الطلاق اختيارا منه حتى وقع ما علق عليه في مرضه، ~~فصار كالمباشر له. فأما ما ذكر عن # PageV07P443 # أبي حنيفة، فحسن إذا كان الفعل مما لا مشقة عليها فيه؛ لأن تركها له ~~كفعلها لما حلف عليها لتتركه، وإن كان مما فيه مشقة، فلا ينبغي أن يسقط ~~ميراثها بتركه، كما لو حلف عليها لترك ما لا بد لها من فعله، ففعلته. # (5947) فصل إذا حلف ليفعلن شيئا، ولم يعين له وقتا بلفظه ولا بنيته، فهو ~~على التراخي أيضا؛ فإن لفظه مطلق بالنسبة إلى الزمان كله، فلا يتقيد بدون ~~تقييده، ولذلك لما قال الله تعالى في الساعة: {قل بلى وربي لتأتينكم} [سبأ: ~~3] . وقال: {قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم} [التغابن: 7] . ولما ~~قال: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} [الفتح: 27] كان ذلك على ~~التراخي؛ فإن الآية أنزلت في نوبة الحديبية في سنة ست، وتأخر الفتح إلى سنة ~~ثمان. # ولذلك روي «عن عمر أنه قال: قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أو ليس ~~كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال بلى، فأخبرتك أنك آتيه العام؟ . ~~قلت: لا. قال: فإنك آتيه، ومطوف به» . وهذا مما لا خلاف فيه نعلمه. ### | [فصل إذا قال لامرأته أنت طالق اليوم إن لم أطلقك اليوم ولم يطلقها] # (5948) فصل: إذا قال لامرأته: أنت طالق اليوم، إن لم أطلقك اليوم. ولم ~~يطلقها، طلقت إذا بقي من اليوم ما لا يتسع لتطليقها فيه، على مقتضى هذه ~~المسألة. وهذا اختيار أبي الخطاب، وقول أصحاب الشافعي. وحكى القاضي فيها ~~وجهين؛ هذا، ووجها آخر أن الطلاق لا يقع. وحكي ذلك عن أبي بكر، وابن سريج، ~~لأن محل الطلاق اليوم، ولا يوجد شرط طلاقها إلا بخروجه، فلا يبقى من محل ~~طلاقها ما يقع الطلاق فيه. # ولنا، أن خروج اليوم يفوت به طلاقها، فوجب وقوعه قبله في آخر وقت الإمكان ~~كموت أحدهما في اليوم؛ وذلك لأن معنى يمينه؛ إن فاتني طلاقك اليوم فأنت ~~طالق فيه. فإذا بقي ms3991 من اليوم ما لا يتسع لتطليقها، فقد فاته طلاقها فيه، ~~فوقع حينئذ، كما يقع طلاقه في مسألتنا في آخر حياة أولهما موتا. وما ذكروه ~~باطل بما لو مات أحدهما في اليوم؛ فإن محل طلاقها يفوت بموته، ومع ذلك فإن ~~الطلاق يقع قبيل موته، كذا هاهنا. ولو قال لها: أنت طالق اليوم، إن لم ~~أتزوج عليك اليوم، أو إن لم اشتر لك اليوم ثوبا. ففيه الوجهان. والصحيح ~~منهما وقوع الطلاق بها، إذا بقي من اليوم ما لا يتسع لفعل المحلوف عليه ~~فيه. وإن قال لها: أنت طالق إن لم أطلقك اليوم طلقت، بغير خلاف. # وفي محل وقوعه وجهان؛ # PageV07P444 # أحدهما، في آخر اليوم. والثاني، بعد خروجه. وإن قال لها: أنت طالق اليوم، ~~إن لم أطلقك. فهو كقوله: أنت طالق اليوم، إن لم أطلقك اليوم. لأنه جعل عدم ~~طلاقها شرطا لطلاقها اليوم، والشرط يتقدم المشروط. # (5949) فصل: وإن قال لعبده: [إن] لم أبعك اليوم، فامرأتي طالق اليوم. ولم ~~يبعه حتى خرج اليوم، ففيه الوجهان. وإن أعتق العبد، أو مات، أو مات الحالف، ~~أو المرأة، في اليوم، طلقت زوجته حينئذ؛ لأنه قد فات بيعه، وإن دبره، أو ~~كاتبه، لم تطلق امرأته؛ لأن بيعه جائز. ومن منع بيعهما قال: يقع الطلاق ~~بذلك، كما لو مات. وإن وهب العبد لإنسان، لم يقع الطلاق؛ لأنه يمكن عوده ~~إليه، فيبيعه، فلم يفت بيعه. ولو قال: إن لم أبع عبدي، فامرأتي طالق. ولم ~~يقيده باليوم، فكاتب العبد، لم يقع الطلاق؛ لأنه يمكن عجزه، فلم يعلم فوات ~~البيع، فإن عتق بالكتابة أو غيرها، وقع الطلاق حينئذ، لأنه فات بيعه. ### | [مسألة قال كلما لم أطلقك فأنت طالق] # مسألة: قال: (وإن قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق) . (وقع بها الثلاث في ~~الحال، إذا كان مدخولا بها) إنما كان كذلك، لأن كلما تقتضي التكرار، قال ~~الله تعالى: {كل ما جاء أمة رسولها كذبوه} [المؤمنون: 44] . وقال: {كلما ~~دخلت أمة لعنت أختها} [الأعراف: 38] . فيقتضي تكرار الطلاق بتكرر الصفة، ~~والصفة عدم تطليقه لها، فإذا مضى بعد يمينه ms3992 زمن يمكن أن يطلقها فيه، فلم ~~يطلقها، فقد وجدت الصفة، فيقع طلقة، وتتبعها الثانية والثالثة، إن كانت ~~مدخولا بها، وإن لم تكن مدخولا بها، بانت بالأولى، ولم يلزمها ما بعدها؛ ~~لأن البائن لا يلحقها طلاق. # فأما إن قال: إذا لم أطلقك فأنت طالق. أو: متى لم أطلقك فأنت طالق. أو: ~~أي وقت لم أطلقك فأنت طالق. فإنها تطلق واحدة، ولا يتكرر إلا على قول أبي ~~بكر في " متى "، فإنه يراها للتكرار، فيتكرر الطلاق بها مثل " كلما " إلا ~~أن " متى " و " أي وقت " يقتضيان الطلاق على الفور فمتى مضى زمن يمكن أن ~~يطلقها فيه، ولم يطلقها في الحال. وأما " إذا " ففيها وجهان؛ أحدهما، هي ~~على الفور؛ لأنها اسم وقت فهي كمتى. والثاني، أنها على التراخي؛ لأنها كثر ~~استعمالها في الشرط، فهي كإن. فعلى هذا إذا قال: إذا لم أطلقك فأنت طالق. ~~ولم ينو وقتا، لم تطلق إلا في آخر جزء من حياة أحدهما. # وإن قال: متى لم أحلف بطلاقك # PageV07P445 # فأنت طالق. أو: أي وقت لم أحلف بطلاقك فأنت طالق. وكرره ثلاثا متواليات، ~~طلقت مرة واحدة؛ لأنه لم يحنث في المرة الأولى، ولا الثانية؛ لكونه حلف ~~عقيبيهما، وحنث في الثالثة. وإن سكت بين كل يمينين سكوتا يمكنه الحلف فيه، ~~طلقت ثلاثا. وإن قال ذلك بلفظة إذا، وقلنا: هي على الفور. فهي كمتى، وإلا ~~لم تطلق إلا واحدة في آخر حياة أحدهما. ### | [فصل الحروف المستعملة للشرط وتعليق الطلاق بها] # (5951) فصل: والحروف المستعملة للشرط وتعليق الطلاق بها ستة؛ إن، وإذا، ~~ومتى، ومن، وأي وكلما. فمتى علق الطلاق بإيحاد فعل بواحد منها كان على ~~التراخي، مثل قوله: إن خرجت، وإذا خرجت، ومتى خرجت، وأي حين، وأي زمان، وأي ~~وقت خرجت، وكلما خرجت، ومن خرجت منكن، وأيتكن خرجت فهي طالق. فمتى وجد ~~الخروج طلقت. وإن مات أحدهما، سقطت اليمين. فأما إن علق الطلاق بالنفي ~~بواحد من هذه الحروف، كانت " إن " على التراخي، ومتى، وأي، ومن، وكلما، على ~~الفور؛ لأن قوله: متى دخلت فأنت طالق. يقتضي أي ms3993 زمان دخلت فأنت طالق. وذلك ~~شائع في الزمان كله، فأي زمن دخلت وجدت الصفة. وإذا قال: متى لم تدخلي فأنت ~~طالق. فإذا مضى عقيب اليمين زمن لم تدخل فيه، وجدت الصفة؛ لأنها اسم لوقت ~~الفعل، فيقدر به، ولهذا يصح السؤال به، فيقال: متى دخلت؟ أي: أي وقت دخلت. # وأما " إن " فلا تقتضي وقتا، فقوله: إن لم تدخلي. لا يقتضي وقتا، إلا ~~ضرورة أن الفعل لا يقع إلا في وقت، فهي مطلقة في الزمان كله. وأما إذا، ~~ففيها وجهان؛ أحدهما، هي على التراخي. وهو قول أبي حنيفة. ونصره القاضي؛ ~~لأنها تستعمل شرطا بمعنى إن، قال الشاعر: # استغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتجمل # فجزم بها كما يجزم بأن، ولأنها تستعمل بمعنى متى وإن، وإذا احتملت ~~الأمرين، فاليقين بقاء النكاح، فلا يزول بالاحتمال. والوجه الآخر أنها على ~~الفور. وهو قول أبي يوسف، ومحمد. وهو المنصوص عن الشافعي؛ لأنها اسم لزمن ~~مستقبل، فتكون كمتى. # وأما المجازاة بها فلا تخرجها عن موضوعها، فإن متى يجازى بها ألا ترى إلى ~~قول الشاعر: # PageV07P446 # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # و" من " يجازى بها أيضا، وكذلك " أي " وسائر الحروف، وليس في هذه الحروف ~~ما يقتضي التكرار إلا كلما، وذكر أبو بكر في " متى " أنها تقتضي التكرار ~~أيضا؛ لأنها تستعمل للتكرار، بدليل قوله: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # أي: في كل وقت. ولأنها تستعمل في الشرط والجزاء، ومتى وجد الشرط ترتب ~~عليه جزاؤه. والصحيح أنها لا تقتضيه؛ لأنها اسم زمن بمعنى أي وقت، وبمعنى ~~إذا، فلا تقتضي ما لا يقتضيانه، وكونها تستعمل للتكرار في بعض أحيانها، لا ~~يمنع استعمالها في غيره، مثل إذا وأي وقت، فإنهما يستعملان في الأمرين، قال ~~الله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره} [الأنعام: 68] {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} ~~[الأنعام: 54] . {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها} [الأعراف: ms3994 203] ~~. وقال الشاعر: # قوم إذا الشر أبدى ناجذيه ... لهم ساروا إليه زرافات ووحدانا # وكذلك أي وقت وأي زمان، فإنهما يستعملان للتكرار، وسائر الحروف يجازى ~~بها، إلا أنها لما كانت تستعمل للتكرار وغيره، لا تحمل على التكرار إلا ~~بدليل، كذلك متى. # (5952) فصل: وهذه الحروف إذا تقدم جزاؤها عليها، لم تحتج إلى حرف في ~~الجزاء، كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار. وإن تأخر جزاؤها، احتاجت في الجزاء ~~إلى حرف الفاء إذا كان جملة من مبتدإ وخبر، كقوله: إن دخلت الدار فأنت ~~طالق. وإنما اختصت بالفاء لأنها للتعقيب، فتربط بين الجزاء وشرطه، وتدل على ~~تعقيبه به. فإن قال: إن دخلت الدار أنت طالق. لم تطلق حتى تدخل. وبه قال ~~بعض الشافعية، وقال محمد بن الحسن: تطلق في الحال؛ لأنه لم يعلقه بدخول ~~الدار، لأنه إنما # PageV07P447 # يعلق بالفاء، وهذه لا فاء فيها، فيكون كلاما مستأنفا غير معلق بشرط، ~~فيثبت حكمه في الحال. # ولنا، أنه أتي بحرف الشرط، فيدل ذلك على أنه أراد التعليق به، وإنما حذف ~~الفاء وهي مرادة، كما يحذف المبتدأ تارة، ويحذف الخبر أخرى، لدلالة باقي ~~الكلام على المحذوف، ويجوز أن يكون حذف الفاء على التقديم والتأخير، فكأنه ~~أراد: أنت طالق إن دخلت الدار. فقدم الشرط، ومراده التأخير، ومهما أمكن حمل ~~كلام العاقل على فائدة، وتصحيحه عن الفساد، وجب، وفيما ذكرنا تصحيحه، وفيما ~~ذكروه إلغاؤه. وإن قال: أردت الإيقاع في الحال. وقع لأنه يقر على نفسه بما ~~هو أغلظ. # وإن قال: أنت طالق وإن دخلت الدار. وقع الطلاق في الحال؛ لأن معناه أنت ~~طالق في كل حال، ولا يمنع من ذلك دخولك الدار، كقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: " من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى، وإن سرق ". وقال: " ~~صلهم وإن قطعوك، وأعطهم وإن حرموك ". وإن قال: أردت الشرط، دين. وهل يقبل ~~في الحكم؟ يخرج على روايتين. فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وإن دخلت ~~الأخرى. فمتى دخلت الأولى طلقت، سواء دخلت الأخرى أو لم تدخل، ولا تطلق ~~بدخول ms3995 الأخرى. وقال ابن الصباغ: تطلق بدخول كل واحدة منهما. وقد ذكرنا أن ~~مقتضي اللغة ما قلناه. # وإن قال: أردت جعل الثاني شرطا لطلاقها أيضا. طلقت بكل واحد منهما؛ لأنه ~~يقر على نفسه بما هو أغلظ. وإن قال: أردت أن دخول الثانية شرط لطلاق ~~الثانية، فهو على ما أراده. وإن قال: أنت طالق إن دخلت الدار وإن دخلت ~~الأخرى. طلقت بدخول إحداهما؛ لأنه عطف شرطا على شرط. فإن قال: أردت أن دخول ~~الثانية يمنع وقوع الطلاق. قبل منه؛ لأنه محتمل، وطلقت بدخول الأولى وحدها. ~~وإن قال: إن دخلت الدار وإن دخلت هذه الأخرى فأنت طالق. فقد قيل: لا تطلق ~~إلا بدخولهما؛ لأنه جعل طلاقها جزاء لهذين الشرطين. # ويحتمل أن تطلق بأحدهما أيهما كان؛ لأنه ذكر شرطين بحرفين، # PageV07P448 # فيقتضي كل واحد منهما جزاء، فترك ذكر جزاء الأول، وكان الجزاء الآخر دالا ~~عليه، كما لو قال: ضربت وضربني زيد. قال الفرزدق: # ولكن نصفا لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من قريش، وهاشم # والتقدير سبني هؤلاء وسببتهم. وقال الله تعالى: {عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد} [ق: 17] . أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد. وإن قال: إن دخلت ~~الدار وأنت طالق طلقت؛ لأن الواو ليست للجزاء، وقد تكون للابتداء. فإن قال: ~~أردت بها الجزاء. أو قال: أردت أن أجعل دخولها في حال كونها طالقا شرطا ~~لشيء، ثم أمسكت. دين. # وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين. وإن جعل لهذا جزاء، فقال: إن دخلت ~~الدار وأنت طالق فعبدي حر. صح، ولم يعتق العبد حتى تدخل الدار. وهي طالق؛ ~~لأن الواو هاهنا للحال، كقول الله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ~~[المائدة: 95] . وقوله: {فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} [آل عمران: 143] . ولو ~~قال: أنت طالق إن دخلت الدار طالقا. فدخلت وهي طالق، طلقت أخرى، وإن دخلتها ~~غير طالق، لم تطلق؛ لأن هذا حال، فجرى مجرى قوله: أنت طالق إن دخلت الدار ~~راكبة. وإن قال: أنت طالق لو قمت. كان ذلك شرطا بمنزلة قوله: إن قمت. # وهذا يحكى عن أبي ms3996 يوسف، ولأنها لو لم تكن للشرط كانت لغوا، والأصل اعتبار ~~كلام المكلف. وقيل: يقع الطلاق في الحال. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي؛ ~~لأنها بعد الإثبات تستعمل لغير المنع، كقوله تعالى: {وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم} [الواقعة: 76] ، {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} [القصص: 64] . ~~وإن قال: أردت أن أجعل لها جوابا. دين. وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على ~~روايتين. # (5953) فصل: فإن قال: إن أكلت ولبست فأنت طالق. لم تطلق إلا بوجودهما ~~جميعا سواء تقدم الأكل أو تأخر؛ لأن الواو للعطف ولا تقتضي ترتيبا. وإن ~~قال: إن أكلت أو لبست فأنت طالق. طلقت بوجود أحدهما؛ لأن أو لأحد الشيئين. ~~وكذلك إن قال: إن أكلت، أو إن لبست، أو لا أكلت ولا لبست. وإن قال: أنت ~~طالق لا أكلت ولبست. لم تطلق إلا بفعلهما، إلا على الرواية التي تقول: يحنث ~~بفعل بعض المحلوف عليه. فإنه يحنث بأحدهما هاهنا. # وإن قال: أنت طالق إن أكلت فلبست، أو إن أكلت ثم لبست. لم تطلق حتى تأكل ~~ثم تلبس، لأن الفاء وثم للترتيب. وإن قال: أنت طالق إن أكلت # PageV07P449 # إذا لبست. أو: إن أكلت متى لبست. أو: إن أكلت إن لبست. لم تطلق حتى تلبس ~~ثم تأكل؛ لأن اللفظ اقتضى تعليق الطلاق بالأكل بعد اللبس، ويسميه النحويون ~~اعتراض الشرط على الشرط، فيقتضي تقديم المتأخر وتأخير المتقدم؛ لأنه جعل ~~الثاني في اللفظ شرطا للذي قبله، والشرط يتقدم المشروط، قال الله تعالى: ~~{ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} [هود: ~~34] . فلو قال لامرأته: إن أعطيتك، إن وعدتك، إن سألتني، فأنت طالق. لم ~~تطلق حتى تسأله، ثم يعدها ثم يعطيها؛ لأنه شرط في العطية الوعد، وفي الوعد ~~السؤال، فكأنه قال: إن سألتني، فوعدتك، فأعطيتك، فأنت طالق. وبهذا قال أبو ~~حنيفة، والشافعي. # وقال القاضي إذا كان الشرط بإذا كقولنا، وفيما إذا كان بإن مثل قوله: إن ~~شربت إن أكلت. أنها تطلق بوجودهما كيفما وجدا؛ لأن أهل العرف لا يعرفون ما ~~يقوله أهل العربية ms3997 في هذا، فتعلقت اليمين بما يعرفه أهل العرف، بخلاف ما ~~إذا كان الشرط بإذا. والصحيح الأول، وليس لأهل العرف في هذا عرف؛ فإن هذا ~~الكلام غير متداول بينهم، ولا ينطقون به إلا نادرا، فيجب الرجوع فيه إلى ~~مقتضاه عند أهل الشأن، كسائر مسائل هذا الفصل. # (5954) فصل: فإن قال: أنت طالق أن قمت. بفتح الهمزة، فقال أبو بكر: تطلق ~~في الحال؛ لأن " أن " المفتوحة ليست للشرط، وإنما هي للتعليل، فمعناه: أنت ~~طالق لأنك قمت، أو لقيامك. كقول الله تعالى: {يمنون عليك أن أسلموا} ~~[الحجرات: 17] . {وتخر الجبال هدا} [مريم: 90] {أن دعوا للرحمن ولدا} ~~[مريم: 91] . {يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} [الممتحنة: 1] . ~~وقال القاضي: قياس قول أحمد، أنه إن كان نحويا وقع طلاقه، وإن لم يكن نحويا ~~فهي للشرط؛ لأن العامي لا يريد بذلك إلا الشرط، ولا يعرف أن مقتضاها ~~التعليل، فلا يريده فلا يثبت له حكم ما لا يعرفه، ولا يريده، كما لو نطق ~~بكلمة الطلاق بلسان لا يعرفه. وحكي عن ابن حامد، أنه قال في النحوي أيضا: ~~لا يقع طلاقه بذلك، إلا أن ينويه؛ لأن الطلاق يحمل على العرف في حقهما ~~جميعا. # واختلف أصحاب الشافعي على ثلاثة أوجه؛ أحدها، يقع طلاقه في الحال. ~~والثاني، يكون شرطا في حق العامي، وتعليلا في حق النحوي. والثالث، يقع ~~الطلاق إلا أن لا يكون من أهل الإعراب، فيقول: أردت # PageV07P450 # الشرط. فيقبل؛ لأنه لا يجوز صرف الكلام عما يقتضيه إلا بقصده. وإن قال: ~~أنت طالق إذ دخلت الدار. طلقت في الحال؛ لأن إذ للماضي. ويحتمل أن لا يقع؛ ~~لأن الطلاق لا يقع في زمن ماض، فأشبه قوله: أنت طالق أمس. # (5955) فصل: وإذا علق الطلاق بشرطين، لم يقع قبل وجودهما جميعا، في قول ~~عامة أهل العلم. وخرج القاضي وجها في وقوعه بوجود أحدهما، بناء على إحدى ~~الروايتين في من حلف أن لا يفعل شيئا، ففعل بعضه. وهذا بعيد جدا، يخالف ~~الأصول ومقتضى اللغة والعرف، وعامة أهل العلم؛ فإنه لا خلاف بينهم في ~~المسائل التي ذكرناها في ms3998 الشرطين جميعا، وإذا اتفق العلماء على أنه لا يقع ~~طلاقه؛ لإخلاله بالترتيب في الشرطين المرتبين في مثل قوله: إن أكلت ثم ~~لبست. فلإخلاله بالشرط كله أولى، ثم يلزم على هذا ما لو قال: إن أعطيتني ~~درهمين فأنت طالق، وإذا مضى شهران فأنت طالق. فإنه لا خلاف في أنها لا تطلق ~~قبل وجودهما جميعا، وكان قوله يقتضي أن يقع الطلاق بإعطائه بعض درهم ومضي ~~بعض يوم، وأصول الشرع تشهد بأن الحكم المعلق بشرطين لا يثبت إلا بهما، وقد ~~نص أحمد على أنه إذا قال: إن حضت حيضة فأنت طالق. وإذا قال: إذا صمت يوما ~~فأنت طالق. أنها لا تطلق حتى تحيض حيضة كاملة، وإذا غابت الشمس من اليوم ~~الذي تصوم فيه طلقت، وأما اليمين، فإنه متى كان في لفظه أو نيته ما يقتضي ~~جميع المحلوف عليه، لم يحنث إلا بفعل جميعه. # وفي مسألتنا ما يقتضي تعليق الطلاق بالشرطين معا؛ لتصريحه بهما، وجعلهما ~~شرطا للطلاق، والحكم لا يثبت بدون شرطه، على أن اليمين مقتضاها المنع مما ~~حلف عليه، فيقتضي المنع من فعل جميعه، لنهي الشارع عن شيء يقتضي المنع من ~~كل جزء منه، كما يقتضي المنع من جملته، وما علق على شرط جعل جزاء وحكما له، ~~والجزاء لا يوجد بدون شرطه، والحكم لا يتحقق قبل تمام شرطه، لغة وعرفا ~~وشرعا. ### | [فصول في تعليق الطلاق] # (5956) فصول في تعليق الطلاق: إذا قال لامرأته: إن حضت فأنت طالق، فقالت: ~~قد حضت. فصدقها، طلقت، وإن كذبها، ففيه روايتان؛ إحداهما، يقبل قولها؛ ~~لأنها أمينة على نفسها. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي. وهو ظاهر المذهب؛ ~~لأن الله تعالى قال: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} ~~[البقرة: 228] . قيل: هو الحيض والحمل. ولولا أن قولها فيه مقبول، لما حرم ~~عليها كتمانه، وصار هذا كما قال الله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة} [البقرة: ~~283] . # PageV07P451 # لما حرم كتمانها دل على قبولها، كذا هاهنا. ولأنه معنى فيها لا يعرف إلا ~~من جهتها، فوجب الرجوع إلى قولها فيه، كقضاء عدتها. والرواية الثانية، ms3999 لا ~~يقبل قولها، ويختبرها النساء، بإدخال قطنة في الفرج في الزمان الذي ادعت ~~الحيض فيه، فإن ظهر الدم فهي حائض، وإلا فلا. # قال أحمد، في رواية مهنا، في رجل قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالق وعبدي ~~حر. فقالت: قد حضت: ينظر إليها النساء، فتعطى قطنة وتخرجها، فإن خرج الدم ~~فهي حائض، تطلق ويعتق العبد. وقال أبو بكر: وبهذا أقول. وهذا لأن الحيض ~~يمكن التوصل إلى معرفته من غيرها، فلم يقبل فيه مجرد قولها، كدخول الدار. ~~والأول المذهب، ولعل أحمد إنما اعتبر البينة في هذه الرواية من أجل عتق ~~العبد، فإن قولها إنما يقبل في حق نفسها دون غيرها. وهل يعتبر يمينها إذا ~~قلنا: القول قولها؟ على وجهين، بناء على ما إذا ادعت أن زوجها طلقها، ~~فأنكرها ولا يقبل قولها إلا في حق نفسها خاصة دون غيرها، من طلاق أخرى، أو ~~عتق عبد. # نص عليه أحمد، في رجل قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالق وهذه معك. لامرأته ~~الأخرى. قالت: قد حضت. من ساعتها أو بعد ساعة، تطلق هي، ولا تطلق هذه حتى ~~تعلم؛ لأنها مؤتمنة على نفسها، ولا يجعل طلاق هذه بيدها. وهذا مذهب الشافعي ~~وغيره؛ لأنها مؤتمنة في حق نفسها، دون غيرها، فصارت كالمودع يقبل قوله في ~~الرد على المودع دون غيره. ولو قال: قد حضت. فأنكرت. طلقت بإقراره. فإن ~~قال: إن حضت فأنت وضرتك طالقتان. فقالت: قد حضت. فصدقها، طلقتا بإقراره. ~~وإن كذبها، طلقت وحدها. # وإن ادعت الضرة أنها قد حاضت، لم يقبل؛ لأن معرفتها بحيض غيرها كمعرفة ~~الزوج به، وإنما اؤتمنت على نفسها في حيضها. وإن قال: قد حضت. فأنكرت، ~~طلقتا بإقراره. ولو قال لامرأتيه: إن حضتما فأنتما طالقتان. فقالتا: قد ~~حضنا. فصدقهما، طلقتا، وإن كذبهما، لم تطلق واحدة منهما؛ لأن طلاق كل واحدة ~~منهما معلق على شرطين، حيضها، وحيض ضرتها، ولا يقبل قول ضرتها عليها، فلم ~~يوجد الشرطان. وإن صدق إحداهما، وكذب الأخرى، طلقت المكذبة وحدها؛ لأن ~~قولها مقبول في حقها. وقد صدق الزوج ضرتها، فوجد الشرطان ms4000 في طلاقها، ولم ~~تطلق المصدقة؛ لأن قول ضرتها غير مقبول في حقها، وما صدقها الزوج، فلم يوجد ~~شرط طلاقها. ### | [فصل قال لأربع إن حضتن فأنتن طوالق] # فصل: فإن قال لأربع: إن حضتن فأنتن طوالق. فقلن: قد حضنا. فصدقهن، طلقن ~~وإن كذبهن، لم تطلق واحدة منهن؛ لأن شرط طلاقهن حيض الأربع، ولم يوجد. وإن ~~صدق واحدة أو اثنتين، لم تطلق، واحدة # PageV07P452 # منهن؛ لأنه لم يوجد الشرط. وإن صدق ثلاثا، طلقت المكذبة وحدها؛ لأن قولها ~~مقبول في حيضها، وقد صدق الزوج صواحبها، فوجد حيض الأربع في حقها، فطلقت، ~~ولا يطلق المصدقات؛ لأن قول المكذبة غير مقبول في حقهن. ### | [فصل قال لهن كلما حاضت إحداكن أو أيتكن حاضت فضراتها طوالق فقلن قد حضنا] # (5958) فصل: وإن قال لهن: كلما حاضت إحداكن، أو أيتكن حاضت، فضراتها ~~طوالق. فقلن: قد حضنا، فصدقهن، طلقت كل واحدة منهن ثلاثا ثلاثا. وإن كذبهن، ~~لم تطلق واحدة منهن. وإن صدق واحدة، طلقت كل واحدة من ضرائرها طلقة طلقة، ~~ولم تطلق هي؛ لأنه لم يثبت حيض ضرة لها. وإن صدق اثنتين، طلقت كل واحدة من ~~المصدقتين طلقة طلقة؛ لأن لكل واحدة منهما ضرة مصدقة، وطلقت كل واحدة من ~~المكذبتين طلقتين. وإن صدق ثلاثا، طلقت المكذبة ثلاثا، وطلقت كل واحدة من ~~المصدقات طلقتين طلقتين. ### | [فصل قال لطاهر إذا حضت فأنت طالق] # (5959) فصل: إذا قال لطاهر: إذا حضت فأنت طالق. فرأت الدم في وقت يمكن أن ~~يكون حيضا، حكمنا بوقوع الطلاق، كما يحكم بكونه حيضا في المنع من الصلاة ~~وغيرها مما يمنع منه الحيض. وإن بان أنه ليس بحيض، لانقطاعه لدون أقل ~~الحيض، بان أن الطلاق لم يقع. وبهذا قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. ~~قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قال غير ذلك إلا مالكا فإن ابن القاسم روى ~~عنه، أنه يحنث حين تكلم به. وقد سبق الكلام معه في هذا. وإن قال لحائض: إذا ~~حضت فأنت طالق. لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض. ولو قال لطاهر: إذا طهرت فأنت ~~طالق. لم تطلق ms4001 حتى تحيض ثم تطهر. وهذا يحكى عن أبي يوسف. # وقال بعض أصحاب الشافعي: الذي يقتضيه مذهب الشافعي أنها تطلق بما يتجدد ~~من حيضها وطهرها في المسألتين؛ لأنه قد وجد منها الحيض والطهر، فوقع الطلاق ~~لوجود صفته. ولنا، أن إذا اسم زمن مستقبل، يقتضي فعلا مستقبلا، وهذا الحيض ~~والطهر مستدام غير متجدد، ولا يفهم من إطلاق: حاضت المرأة وطهرت. إلا ~~ابتداء ذلك، فتعلقت الصفة به. ولو قال لطاهر: إذا حضت حيضة فأنت طالق. لم ~~تطلق حتى تحيض ثم تطهر. نص عليه أحمد؛ لأنه لا توجد حيضة كاملة إلا بذلك. # ولو قال لحائض: إذا طهرت فأنت طالق. طلقت بأول الطهر، وتطلق في الموضعين ~~بانقطاع دم الحيض قبل الغسل. نص عليه أحمد، في رواية إبراهيم الحربي. وذكر ~~أبو بكر، في " التنبيه " فيها قولا، أنها لا تطلق حتى تغتسل، بناء على أن ~~العدة لا تنقضي بانقطاع الدم حتى تغتسل. # PageV07P453 # ولنا، أن الله تعالى قال: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] . أي: ~~ينقطع دمهن، {فإذا تطهرن} [البقرة: 222] . أي: اغتسلن. ولأنه قد ثبت لها ~~أحكام الطاهرات في وجوب الصلاة وصحة الطهارة والصيام، وإنما بقي بعض ~~الأحكام موقوفا على وجود الغسل، ولأنها ليست حائضا فيلزم أن تكون طاهرا؛ ~~لأنهما ضدان على التعيين، فيلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر. ### | [فصل قال لها إذا حضت حيضة فأنت طالق وإذا حضت حيضتين فأنت طالق فحاضت حيضة] # (5960) فصل: فإن قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق، وإذا حضت حيضتين فأنت ~~طالق. فحاضت حيضة، طلقت واحدة، فإذا حاضت الثانية، طلقت الثانية عند طهرها ~~منها. وإن قال إذا حضت حيضة فأنت طالق، ثم إذا حضت حيضتين فأنت طالق. لم ~~تطلق الثانية حتى تطهر من الحيضة الثالثة؛ لأن ثم للترتيب، فتقتضي حيضتين ~~بعد الطلقة الأولى، لكونهما مرتبتين عليها. ### | [فصل قال إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق] # (5961) فصل: فإن قال: إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق. طلقت إذا ذهب نصف ~~الحيضة، وينبغي أن يحكم بوقوع الطلاق إذا حاضت نصف عادتها، لأن الأحكام ~~تعلقت بالعادة، فيتعلق بها ms4002 وقوع الطلاق. ويحتمل أنه لا يحكم بوقوع الطلاق ~~حتى يمضي سبعة أيام ونصف؛ لأننا لا نتيقن مضي نصف الحيضة إلا بذلك، إلا أن ~~تطهر لأقل من ذلك، ومتى طهرت تبينا وقوع الطلاق في نصف الحيضة. وقيل: يلغو ~~قوله: نصف حيضة. ويبقى طلاقها معلقا بوجود الحيض. والأول أصح؛ فإن الحيض له ~~مدة، أقلها يوم وليلة، وله نصف حقيقة، والجهل بقدر ذلك لا يمنع وجوده، ~~وتعلق الحكم به، كالحمل. ### | [فصل قال لامرأتيه إذا حضتما حيضة واحدة فأنتما طالقتان] # (5962) فصل: وإن قال لامرأتيه: إذا حضتما حيضة واحدة، فأنتما طالقتان. لم ~~تطلق واحدة منهما حتى تحيض كل واحدة منهما حيضة واحدة، ويكون التقدير: إن ~~حاضت كل واحدة منكما حيضة واحدة، فأنتما طالقتان. كقول الله تعالى: ~~{فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . أي: اجلدوا كل واحد منهم ثمانين ~~ويحتمل أن يتعلق الطلاق بحيض إحداهما حيضة؛ لأنه لما تعذر وجود الفعل ~~منهما، وجبت إضافته إلى إحداهما، كقوله تعالى {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} ~~[الرحمن: 22] . وإنما يخرج من أحدهما. وقال القاضي: يلغو قوله: حيضة # PageV07P454 # واحدة؛ لأن حيضة واحدة من امرأتين محال، فيبقى كأنه قال: إن حضتما فأنتما ~~طالقتان. # وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والوجه الآخر، لا تنعقد هذه الصفة؛ ~~لأنها مستحيلة، فتصير كتعليق الطلاق بالمستحيلات. والوجه الأول أولى؛ لأن ~~فيه تصحيح كلام المكلف بحمله على محمل سائغ، وتبعيد لوقوع الطلاق، واليقين ~~بقاء النكاح، فلا يزول حتى يوجد ما يقع به الطلاق يقينا، وغير هذا الوجه لا ~~يحصل به اليقين. فإن أراد بكلامه أحد هذه الوجوه، حمل عليه، وإذا ادعى ذلك، ~~قبل منه. وإذا قال: أردت أن تكون الحيضة الواحدة منهما، فهو تعليق للطلاق ~~بمستحيل، فيحتمل أن يلغو قوله: حيضة. ويحتمل أن لا يقع الطلاق؛ لأن هذه ~~الصفة لا توجد، فلا يوجد ما علق عليها، ويحتمل أن يقع الطلاق في الحال، ~~ويلغو الشرط، بناء على ما ذكرناه في تعليق الطلاق على المستحيل. ### | [فصل كان له أربع نسوة فقال أيتكن لم أطأها فضرائرها طوالق] # فصل: وإذا كان له أربع نسوة، فقال: أيتكن ms4003 لم أطأها، فضرائرها طوالق. ~~وقيده بوقت، فمضى الوقت ولم يطأهن، طلقن ثلاثا ثلاثا؛ لأن لكل واحدة ثلاث ~~ضرائر غير موطوءات. وإن وطئ ثلاثا وترك واحدة، لم تطلق المتروكة؛ لأنها ~~ليست لها ضرة غير موطوءة، وتطلق كل واحدة من الموطوآت طلقة طلقة. وإن وطئ ~~اثنتين طلقتا طلقتين طلقتين، وطلقت المتروكتان طلقة طلقة. وإن وطئ واحدة ~~طلقت ثلاثا، وطلقت كل واحدة من المتروكات طلقتين طلقتين. وإن لم يقيده ~~بوقت، كان وقت الطلاق مقيدا بعمره وعمرهن، فأيتهن ماتت طلقت كل واحدة من ~~ضرائرها طلقة طلقة، وإذا ماتت أخرى فكذلك، وإن مات هو طلقن كلهن في آخر جزء ~~من حياته. ### | [فصل قال إن لم تكوني حاملا فأنت طالق ولم تكن حاملا] # (5964) فصل: فإن قال: إن لم تكوني حاملا فأنت طالق. ولم تكن حاملا، طلقت. ~~وإن أتت بولد لأقل من ستة أشهر من حين اليمين، أو لأقل من أربع سنين، ولم ~~يكن يطؤها، لم تطلق؛ لأنا تبينا أنها كانت حاملا بذلك الولد. وإن مضت أربع ~~سنين ولم تلد، تبينا أنها طلقت حين عقد اليمين. وإن كان يطؤها، وأتت بولد ~~لأكثر من ستة أشهر وأقل من أربع سنين، نظرت؛ فإن ظهرت علامات الحمل، من ~~انقطاع الحيض ونحوه، قبل وطئه، أو قريبا منه، بحيث لا يحتمل أن يكون من ~~الوطء الثاني، لم تطلق. وإن حاضت أو وجد ما يدل على براءتها من الحمل طلقت. # وإن لم يظهر ذلك، واحتمل أن يكون من الثاني، ففيه وجهان؛ أحدهما، تطلق؛ ~~لأن الأصل عدم الحمل قبل الوطء. والثاني، لا تطلق؛ لأن اليقين بقاء النكاح، ~~فلا يزول بشك واحتمال، ولا يجوز للزوج وطؤها قبل الاستبراء؛ لأن الأصل عدم ~~الحمل ووقوع الطلاق، والاستبراء هاهنا بحيضة، فإن وجدت الحيضة على عادتها، ~~تبينا وقوع طلاقها، وإن لم تأت في عادتها، # PageV07P455 # كان ذلك دليلا على حملها وحل وطئها. وإن قال: إن كنت حاملا فأنت طالق. ~~فهي عكس المسألة التي قبلها، ففي الموضع الذي يقع الطلاق ثم لا يقع هاهنا، ~~وفي الموضع الذي لا يقع ثم يقع ms4004 هاهنا، إلا أنها إذا أتت بولد لأكثر من ستة ~~أشهر، من حين وطء الزوج بعد اليمين، ولأقل من أربع سنين من حين عقد الصفة، ~~لم تطلق؛ لأن تعين النكاح باق، والظاهر حدوث الولد من الوطء، لأن الأصل ~~عدمه قبله. ولا يحل له الوطء حتى يستبرئها. نص عليه أحمد. # قال القاضي: يحرم الوطء سواء قلنا: الرجعية مباحة أو محرمة؛ لأنه يمنع ~~المعرفة بوقوع الطلاق وعدمه. وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى، لا يحرم ~~الوطء؛ لأن الأصل بقاء النكاح، وبراءة الرحم من الحمل. وإذا استبرأها، حل ~~وطؤها على الروايتين. ويكون الاستبراء بحيضة. قال أحمد، في رواية أبي طالب: ~~إذا قال لامرأته: متى حملت فأنت طالق. لا يقربها حتى تحيض، فإذا طهرت ~~وطئها، فإن تأخر حيضها أريت النساء من أهل المعرفة، فإن لم يوجدن أو خفي ~~عليهن، انتظر عليها تسعة أشهر غالب مدة الحمل. # وذكر القاضي فيها رواية أخرى، أنها تستبرأ بثلاثة قروء؛ ولأنه استبراء ~~الحرة. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. والصحيح ما ذكرناه؛ لأن المقصود ~~معرفة براءة رحمها، وقد حصل بحيضة، ولهذا قال - عليه السلام -: «لا توطأ ~~حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» . يعني: تعلم براءتها بحيضة، ~~ولأن ما يعلم به البراءة في حق الأمة والحرة واحد؛ لأنه أمر حقيقي لا يختلف ~~بالحرية والرق. وأما العدة، ففيها نوع تعبد لا يجوز أن يعدى بالقياس. # وهل تعتد بالاستبراء قبل عقد اليمين، أو بالحيضة التي حلف فيها؟ على ~~وجهين، أصحهما الاعتداد به؛ لأنه يحصل به ما يحصل بالاستبراء بعد اليمين. ~~والثاني، لا يعتد به؛ لأن الاستبراء لا يتقدم على سببه، ولأنه لا يعتد به ~~في استبراء الأمة. قال أحمد إذا قال لامرأته: إذا حبلت فأنت طالق. يطؤها في ~~كل طهر مرة. يعني إذا حاضت ثم طهرت حل وطؤها؛ لأن الحيض علم على براءتها من ~~الحمل، ووطؤها سبب له، فإذا وطئها اعتزلها، لاحتمال أن تكون قد حملت من ~~وطئه، فطلقت به. ### | [فصل قال إن كنت حاملا بغلام فأنت طالق واحدة فولدت غلاما كانت ms4005 حاملا به وقت اليمين] # (5965) فصل: إذا قال: إن كنت حاملا بغلام فأنت طالق واحدة، وإن ولدت أنثى ~~فأنت طالق اثنتين. فولدت # PageV07P456 # غلاما، كانت حاملا به وقت اليمين. تبينا أنها طلقت واحدة حين حلف، وانقضت ~~عدتها بوضعه. وإن ولدت أنثى، طلقت بولادتها طلقتين، واعتدت بالقروء. وإن ~~ولدت غلاما وجارية، وكان الغلام أولهما ولادة، تبينا أنها طلقت واحدة، ~~وبانت بوضع الجارية، ولم تطلق بها، وإن كانت الجارية أولهما ولادة، طلقت ~~ثلاثا؛ واحدة بحمل الغلام، واثنتين بولادة الجارية، وانقضت عدتها بوضع ~~الغلام. وإن قال لها: إن كنت حاملا بغلام فأنت طالق واحدة، وإن كنت حاملا ~~بجارية، فأنت طالق اثنتين. فولدت غلاما وجارية، طلقت ثلاثا. # وإن قال: إن كان حملك غلاما فأنت طالق واحدة، وإن كان حملك جارية فأنت ~~طالق اثنتين. فولدت غلاما وجارية، لم تطلق؛ لأن حملها كله ليس بغلام ولا هو ~~جارية. ذكره القاضي، في " المجرد "، وأبو الخطاب. وبه قال الشافعي، وأبو ~~ثور، وأصحاب الرأي. وقال: القاضي، في " الجامع ": في وقوع الطلاق وجهان؛ ~~بناء على الروايتين في من حلف: لا لبست ثوبا من غزلها. فلبس ثوبا فيه من ~~غزلها. ### | [فصل قال كلما ولدت ولدا فأنت طالق فولدت ثلاثا] # (5966) فصل: فإن قال: كلما ولدت ولدا فأنت طالق. فولدت ثلاثا، دفعة ~~واحدة، طلقت ثلاثا؛ لأن صفة الثلاث وجدت وهي زوجة. وإن ولدتهم في دفعات من ~~حمل واحد، طلقت بالأولين، وبانت بالثالث، ولم تطلق. ذكره أبو بكر. وهو قول ~~الشافعي، وأصحاب الرأي. وحكي عن ابن حامد أنها تطلق؛ لأن زمان البينونة زمن ~~الوقوع، ولا تنافي بينهما. ولنا، أن العدة انقضت بوضع الحمل، فصادفها ~~الطلاق بائنا ولم يقع، كما لو قال: إذا مت فأنت طالق. وقد نص أحمد، في من ~~قال: أنت طالق مع موتي. أنها لا تطلق. فهذا أولى. # وإن قال: إن ولدت ذكرا فأنت طالق واحدة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق اثنتين. ~~فولدتهما دفعة واحدة، طلقت ثلاثا. وإن ولدتهما في دفعتين، وقع بالأول ما ~~علق عليه، وبانت بالثاني، ولم يقع به شيء، إلا على ms4006 قول ابن حامد. فإن أشكل ~~الأول منهما، أو كيفية وضعهما، طلقت واحدة بيقين، ولا تلزمه الثانية، ~~والورع أن يلتزمها. وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي. وقال القاضي: قياس ~~المذهب أن يقرع بينهما. وإن قال: إن كان أول ما تلدين ذكرا فأنت طالق ~~واحدة، وإن كان أنثى فأنت طالق اثنتين. فولدتهما دفعة واحدة، لم يقع بها ~~شيء؛ لأنه لا أول فيهما، فلم توجد الصفة. وإن ولدتهما في دفعتين، وقع ~~بالأول ما علق عليه، ولم يقع بالثاني شيء. # PageV07P457 ### | [فصل له أربع نسوة فقال كلما ولدت واحدة منكن فضرائرها طوالق فولدن دفعة واحدة] # (5967) فصل: فإن كان له أربع نسوة، فقال: كلما ولدت واحدة منكن، فضرائرها ~~طوالق. فولدن دفعة واحدة، طلقن كلهن ثلاثا ثلاثا. وإن ولدن في دفعات، وقع ~~بضرائر الأولى طلقة طلقة، فإذا ولدت الثانية بانت بوضعه، ولم تطلق. وهل ~~يطلق سائرهن؟ فيه احتمالان أحدهما، لا يقع بهن طلاق؛ لأنها لما انقضت عدتها ~~بانت، فلم يبقين ضرائرها، والزوج إنما علق على ولادتها طلاق ضرائرها. ~~والوجه الثاني: يقع بكل واحدة طلقة؛ لأنهن ضرائرها في حال ولادتها. # فعلى هذا يقع بكل واحدة من اللتين لم يلدن طلقتان طلقتان، وتبين هذه، ~~وتقع بالوالدة الأولى طلقة، فإذا ولدت الثالثة بانت. وفي وقوع الطلاق ~~بالباقيتين وجهان؛ فإذا قلنا: يقع بهن. طلقت الرابعة ثلاثا، والأولى ~~طلقتين، وبانت الثانية والثالثة، وليس فيهن من له رجعتها إلا الأولى، ما لم ~~تنقض عدتها، وإذا ولدت الرابعة لم تطلق واحدة منهن، وتنقضي عدتها بذلك. وإن ~~قال: كلما ولدت واحدة منكن، فسائركن طوالق. أو: فباقيكن طوالق. فكلما ولدت ~~واحدة، وقع بباقيهن طلقة طلقة، وتبين الوالدة بوضع ولدها إلا الأولى. # والفرق بين هذه وبين التي قبلها، أن الثانية والثالثة يقع الطلاق بباقيهن ~~بولادتهما هاهنا، وفي الأولى لا يقع؛ لأنهن لم يبقين ضرائرها، وهاهنا لم ~~يعلقه بذلك. وإن قال: كلما ولدت واحدة منكن فأنتن طوالق. فكذلك، إلا أنه ~~يقع على الأولى طلقة بولادتها، فإن كانت الثانية حاملا باثنين، فوضعت الأول ~~منهما، وقع بكل واحدة من ضرائرها طلقة ms4007 في المسائل كلها، ووقع بها طلقة في ~~المسألة الثالثة. وإذا وضعت الثالثة، أو كانت حاملا باثنين، فكذلك، فتطلق ~~الرابعة ثلاثا، وتطلق كل واحدة من الوالدات طلقتين طلقتين، في المسألتين ~~الأوليين، وثلاثا ثلاثا، في المسألة الثالثة، ثم كلما وضعت واحدة منهن تمام ~~حملها، انقضت به عدتها. قال القاضي: إذا كانت له زوجتان، فقال: كلما ولدت ~~واحدة منكما، فأنتما طالقتان. فولدت إحداهما يوم الخميس، طلقتا جميعا، ثم ~~ولدت الثانية يوم الجمعة، بانت، وانقضت عدتها، ولم تطلق، وطلقت الأولى ~~ثانية، فإن كانت كل واحدة منهما حاملا باثنين، طلقتا بوضع الثانية طلقة ~~طلقة أيضا، ثم إذا ولدت الأولى تمام حملها، انقضت عدتها به، وطلقت الثانية ~~ثلاثا، فإذا ولدت الثانية تمام حملها، انقضت عدتها به، وطلقت الثانية ~~ثلاثا. ### | [فصل قال لامرأته إن كلمتك فأنت طالق ثم أعاد ذلك ثانية] # (5968) فصل: وإذا قال لامرأته: إن كلمتك فأنت طالق. ثم أعاد ذلك ثانية، ~~طلقت واحدة؛ لأن إعادته تكليم لها # PageV07P458 # وشرط لطلاقها، فإن أعاده ثالثة، طلقت ثانية، إلا أن يكون غير مدخول بها ~~فتبين بالأولى، ولا يلحقها طلاق ثان، وإن أعاده رابعة، طلقت الثالثة. وإن ~~قال: إن كلمتك فأنت طالق، فاعلمي ذلك، أو فتحققي ذلك. حنث لأنه كلمها بعد ~~عقد اليمين، إلا أن ينوي كلاما مبتدأ، وإن زجرها، فقال: تنحي، أو اسكتي أو ~~اذهبي. حنث؛ لأنه كلام. وإن سمعها تذكره، فقال: الكاذب عليه لعنة الله. ~~حنث. نص عليه أحمد؛ لأنه كلمها. وإن كلمها وهي نائمة، أو مغلوبة على عقلها ~~بإغماء أو جنون، لا تسمع، أو بعيدة لا تسمع كلامه، أو صماء بحيث لا تفهم ~~كلامه ولا تسمع، أو حلف لا يكلم فلانا، فكلمه ميتا، لم يحنث. # وقال أبو بكر يحنث في جميع ذلك؛ لقول أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ . ولنا، أن التكلم فعل يتعدى إلى ~~المتكلم، وقد قيل: إنه مأخوذ من الكلم، وهو الجرح؛ لأنه يؤثر فيه كتأثير ~~الجرح، ولا يكون ذلك إلا بإسماعه، فأما تكليم النبي - صلى الله عليه وسلم ms4008 - ~~الموتى، فمن معجزاته، فإنه قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» ولم يثبت ~~هذا لغيره، وقول أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: كيف تكلم أجسادا لا ~~أرواح فيها؟ حجة لنا، فإنهم قالوا ذلك استبعادا، أو سؤالا عما خفي عنهم ~~سببه وحكمته، حتى كشف لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حكمة ذلك بأمر مختص ~~به، فيبقى الأمر في حق من سواه على النفي. # وإن حلف: لا كلمت فلانا. فكلمته سكران، حنث؛ لأن السكران يكلم ويحنث، ~~وربما كان تكليمه في حال سكره أضر من تكليمه في صحوه، وإن كلمته سكرانة، ~~حنث؛ لأن حكمها حكم الصاحي، وإن كلمته، وهو صبي أو مجنون يسمع، ويعلم أنه ~~مكلم حنث. وإن جنت هي، ثم كلمته، لم يحنث؛ لأن القلم مرفوع عنها، ولم يبق ~~لكلامها حكم. ### | [فصل حلف لا يكلم إنسانا فكلمه بحيث يسمع فلم يسمع] # (5969) فصل: فإن حلف لا يكلم إنسانا، فكلمه بحيث يسمع، فلم يسمع لتشاغله ~~أو غفلته، حنث؛ لأنه كلمه، وإنما لم يسمع لغفلته، أو شغل قلبه. وإن كلمه، ~~ولم يعرفه؛ فإن كانت يمينه بالطلاق، حنث. قال أحمد، في رجل حلف بالطلاق، أن ~~لا يكلم حماته، فرآها بالليل، فقال: من هذا؟ : حنث، قد كلمها. وإن كانت ~~يمينه بالله تعالى، أو يمينا مكفرة، فالصحيح أنه لا يحنث؛ لأنه لم يقصد ~~تكليمه، فأشبه الناسي، ولأنه ظن المحلوف عليه غيره، # PageV07P459 # فأشبه لغو اليمين. وإن سلم عليه، حنث؛ لأنه كلمه بالسلام. # وإن سلم على جماعة هو فيهم، وأراد جميعهم بالسلام، حنث؛ لأنه كلمهم كلهم، ~~وإن قصد بالسلام من عداه، لم يحنث؛ لأنه إنما كلم غيره وهو يسمع، وإن لم ~~يعلم أنه فيهم، ففيه روايتان؛ إحداهما: يحنث؛ لأنه كلمهم جميعهم وهو فيهم. ~~والثانية، لا يحنث؛ لأنه لم يقصده. ويمكن حمل قوله في الحنث على اليمين ~~بالطلاق والعتاق؛ لأنه لا يعذر فيهما بالنسيان والجهل، في الصحيح من ~~المذهب، وعدم الحنث على اليمين المكفرة. فإن كان الحالف إماما، والمحلوف ~~عليه مأموما، لم يحنث بتسليم الصلاة؛ لأنه للخروج منها، إلا أن ينوي ms4009 ~~بتسليمه المأمومين فيكون حكمه حكم ما لو سلم عليهم في غير الصلاة. ويحتمل ~~أن لا يحنث بحال؛ لأن هذا لا يعد تكليما، ولا يريده الحالف. # وإن حلف لا يكلم فلانا، فكلم إنسانا، وفلانا يسمع، يقصد بذلك إسماعه، كما ~~قال: # إياك أعني واسمعي يا جاره # حنث نص. عليه أحمد، قال: إذا حلف لا يكلم فلانا، فكلم إنسانا، وفلان ~~يسمع، يريد بكلامه إياه المحلوف عليه، حنث؛ لأنه قد أراد تكليمه. وروي عن ~~أبي بكرة ما يدل على أنه لا يحنث، فإنه كان حلف أن لا يكلم أخاه زيادا، ~~فعزم زياد على الحج، فجاء أبو بكرة فدخل قصره، وأخذ ابنه في حجره، فقال: إن ~~أباك يريد الحج والدخول على زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا ~~السبب، وقد علم أنه غير صحيح. ثم خرج، ولم ير أنه كلمه. والأول الصحيح؛ ~~لأنه أسمعه كلامه يريده به، فأشبه ما لو خاطبه به، ولأن به مقصود تكليمه قد ~~حصل بإسماعه كلامه. ### | [فصل كتب إليه أو أرسل إليه رسولا وكان قد حلف ألا يكلمه] # فصل: فإن كتب إليه، أو أرسل إليه رسولا، حنث، إلا أن يكون قصد أن لا ~~يشافهه. نص عليه أحمد، وذكره الخرقي [في] موضع آخر، وذلك لقول الله تعالى: ~~{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا} ~~[الشورى: 51] . ولأن القصد بالترك لكلامه هجرانه، ولا يحصل مع مواصلته ~~بالرسل والكتب. ويحتمل أن لا يحنث إلا أن ينوي ترك ذلك؛ لأن هذا ليس بتكليم ~~حقيقة، ولو حلف ليكلمنه، لم يبر بذلك، إلا أن ينويه، فكذلك لا يحنث به. ولو ~~حلف لا يكلمه، فأرسل إنسانا يسأل أهل العلم عن مسألة أو حديث، فجاء الرسول، ~~فسأل المحلوف عليه، لم يحنث بذلك. # وإن حلف لا يكلم امرأته، # PageV07P460 # فجامعها، لم يحنث، إلا أن تكون نيته هجرانها. قال أحمد، في رجل قال ~~لامرأته: إن كلمتك خمسة أيام فأنت طالق. أله أن يجامعها ولا يكلمها؟ فقال: ~~أي شيء كان بدو هذا أيسوءها أو يغيظها؟ ms4010 فإن لم يكن له نية، فله أن يجامعها ~~ولا يكلمها. وإن حلف لا يقرأ كتاب فلان. فقرأه في نفسه، ولم يحرك شفتيه به، ~~حنث؛ لأن هذا قراءة الكتب في عرف الناس، فتنصرف يمينه إليه، إلا أن ينوي ~~حقيقة القراءة. قال أحمد: إذا حلف: لا قرأت لفلان كتابا. ففتحه حتى استقصى ~~آخره، إلا أنه لم يحرك شفتيه، فإن أراد أن لا يعلم ما فيه، فقد علم ما فيه ~~وقرأه. ### | [فصل قال لامرأته إن بدأتك بالكلام فأنت طالق فقالت إن بدأتك بالكلام فعبدي حر] # (5971) فصل: فإن قال لامرأته: إن بدأتك بالكلام فأنت طالق. فقالت: إن ~~بدأتك بالكلام فعبدي حر. انحلت يمينه؛ لأنها لما خاطبته بيمينها، فاتته ~~البداية بكلامها، وبقيت يمينها معلقة، فإن بدأها بكلام انحلت يمينها أيضا، ~~وإن بدأته هي، عتق عبدها. هكذا ذكره أصحابنا. ويحتمل أنه إن بدأها بالكلام ~~في وقت آخر، حنث؛ لأن ذلك يسمى بداية، فتناولته يمينه، إلا أن ينوي ترك ~~البداية في هذا الوقت، أو هذا المجلس، فيتقيد به. ### | [فصل قال لامرأتيه إن كلمتما هذين الرجلين فأنتما طالقتان] # (5972) فصل: فإن قال لامرأتيه: إن كلمتما هذين الرجلين فأنتما طالقتان. ~~فكلمت كل واحدة رجلا، ففيه وجهان؛ أحدهما، يحنث؛ لأن تكليمهما وجد منهما، ~~فحنث، كما لو قال: إن حضتما فأنتما طالقتان. فحاضت كل واحدة حيضة. وكذلك لو ~~قال: إن ركبتما دابتيكما فأنتما طالقتان. فركبت كل واحدة دابتها. والوجه ~~الثاني، لا يحنث حتى تكلم كل واحدة منهما الرجلين معا؛ لأنه علق طلاقهما ~~بكلامهما لهما فلا تطلق واحدة بكلام الأخرى وحدها. وهذا أظهر الوجهين ~~لأصحاب الشافعي. وهكذا لو قال: إن دخلتما هاتين الدارين. فالحكم فيها ~~كالأولى. وهذا فيما لم تجر العادة بانفراد الواحد به، فأما ما جرى العرف ~~فيه بانفراد الواحد فيه بالواحد، كنحو: ركبا دابتيهما، ولبسا ثوبيهما، ~~وتقلدا سيفيهما، واعتقلا رمحيهما، ودخلا بزوجيهما. # وأشباه هذا، فإنه يحنث إذا وجد منهما منفردين، وما لم تجر العادة فيه ~~بذلك، فهو على الوجهين. والله أعلم. ولو قال: إن أكلتما هذين الرغيفين. ~~فأكلت كل واحدة منهما ms4011 رغيفا، حنث؛ لأنه يستحيل أن تأكل كل واحدة منهما ~~الرغيفين، بخلاف الرجلين والدارين. # PageV07P461 ### | [فصل قال أنت طالق إن كلمت زيدا ومحمد مع خالد] # فصل: فإن قال: أنت طالق إن كلمت زيدا، ومحمد مع خالد. لم تطلق حتى تكلم ~~زيدا في حال يكون فيه محمد مع خالد. وذكر القاضي أنه يحنث بكلام زيد فقط؛ ~~لأن قوله: محمد مع خالد استئناف كلام؛ بدليل أنه مرفوع. والصحيح ما قلنا؛ ~~لأنه متى أمكن جعل الكلام متصلا كان أولى من قطعه، والرفع لا ينفي كونه ~~حالا، فإن الجملة من المبتدإ والخبر تكون حالا، كقوله تعالى: {اقترب للناس ~~حسابهم وهم في غفلة معرضون} [الأنبياء: 1] . وقال: {إلا استمعوه وهم ~~يلعبون} [الأنبياء: 2] . {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} [يوسف: ~~13] . وهذا كثير، فلا يجوز قطعه عن الكلام الذي هو في سياقه مع إمكان وصله ~~به، ولو قال: إن كلمت زيدا ومحمد مع خالد فأنت طالق. لم تطلق حتى تكلم زيدا ~~في حال كون محمد مع خالد، فكذلك إذا تأخر قوله: محمد مع خالد. # ولو قال: أنت طالق إن كلمت زيدا وأنا غائب، لم تطلق حتى تكلمه في حال ~~غيبته. وكذلك لو قال: أنت طالق إن كلمت زيدا وأنت راكبة. أو وهو راكب. أو: ~~ومحمد راكب. لم تطلق حتى تكلمه في تلك الحال. ولو قال: أنت طالق إن كلمت ~~زيدا ومحمد أخوه مريض. لم تطلق حتى تكلمه وأخوه محمد مريض. ### | [فصل قال إن كلمتني إلى أن يقدم زيد أو حتى يقدم زيد فأنت طالق] # (5974) فصل: فإن قال: إن كلمتني إلى أن يقدم زيد. أو: حتى يقدم زيد، فأنت ~~طالق. فكلمته قبل قدومه، حنث؛ لأنه مد المنع إلى غاية هي قدوم زيد، فلا ~~يحنث بعدها. فإن قال: أردت إن استدمت كلامي من الآن إلى أن يقدم زيد. دين. ~~وهل يقبل في الحكم؟ يحتمل وجهين. ### | [فصل قال أنت طالق إن شئت] # (5975) فصل: فإن قال: أنت طالق إن شئت. أو: إذا شئت. أو: متى شئت. أو: ~~كلما شئت. أو: كيف شئت. أو: ms4012 حيث شئت. أو: أنى شئت. لم تطلق حتى تشاء، وتنطق ~~بالمشيئة بلسانها، فتقول: قد شئت. لأن ما في القلب لا يعلم حتى يعبر عنه ~~اللسان، فتعلق الحكم بما ينطق به، دون ما في القلب، فلو شاءت بقلبها دون ~~نطقها، لم يقع طلاق، ولو قالت: قد شئت. بلسانها وهي كارهة، لوقع الطلاق، ~~اعتبارا بالنطق. وكذلك إن علق الطلاق بمشيئة غيرها. ومتى وجدت المشيئة ~~باللسان، وقع الطلاق، سواء كان على الفور أو التراخي. # نص عليه أحمد، في تعليق الطلاق بمشيئة فلان، وفيما إذا قال: أنت طالق حيث ~~شئت. أو: أنى شئت. ونحو هذا قال الزهري، وقتادة. وقال أبو حنيفة دون ~~صاحبيه: إذا قال: أنت # PageV07P462 # طالق كيف شئت. تطلق في الحال طلقة رجعية؛ لأن هذا ليس بشرط، وإنما هو صفة ~~للطلاق الواقع بمشيئتها. ولنا، أنه أضاف الطلاق إلى مشيئتها، فأشبه ما لو ~~قال: حيث شئت. وقال الشافعي في جميع الحروف: إن شاءت في الحال، وإلا فلا ~~تطلق؛ لأن هذا تمليك للطلاق، فكان على الفور، كقوله: اختاري. وقال أصحاب ~~الرأي في " إن " كقوله، وفي سائر الحروف كقولنا؛ لأن هذه الحروف صريحة في ~~التراخي، فحملت على مقتضاها، بخلاف " إن "، فإنها لا تقتضي زمانا، وإنما هي ~~لمجرد الشرط فتقيد، بالفور بقضية التمليك. وقال الحسن، وعطاء: إذا قال: أنت ~~طالق إن شئت. إنما ذلك لها ما داما في مجلسهما. # ولنا، أنه تعليق للطلاق على شرط، فكان على التراخي، كسائر التعليق، ولأنه ~~إزالة ملك معلق على المشيئة، فكان على التراخي كالعتق، وفارق: اختاري. فإنه ~~ليس بشرط، إنما هو تخيير، فتقيد بالمجلس، كخيار المجلس. وإن مات من له ~~المشيئة، أو جن، لم يقع الطلاق؛ لأن شرط الطلاق لم يوجد. وحكي عن أبي بكر، ~~أنه يقع. وليس بصحيح؛ لأن الطلاق المعلق على شرط لا يقع إذا تعذر شرطه، كما ~~لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، وإن شاء. وهو مجنون، لم يقع طلاقه؛ لأنه ~~لا حكم لكلامه. وإن شاء، وهو سكران. فالصحيح أنه لا يقع؛ لأنه زائل العقل، ~~فهو كالمجنون. ms4013 # وقال أصحابنا: يخرج على الروايتين في طلاقه، والفرق بينهما أن إيقاع ~~طلاقه تغليظ عليه، كي لا تكون المعصية سببا للتخفيف عنه، وهاهنا إنما يقع ~~الطلاق بغيره، فلا يصح منه في حال زوال عقله، وإن شاء، وهو طفل، لم يقع؛ ~~لأنه كالمجنون. وإن كان يعقل الطلاق، وقع؛ لأن له مشيئة، ولذلك صح اختياره ~~لأحد أبويه. وإن كان أخرس، فشاء بالإشارة، وقع الطلاق؛ لأن إشارته تقوم ~~مقام نطق الناطق، ولذلك وقع طلاقه بها، وإن كان ناطقا حال التعليق، فخرس، ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، يقع الطلاق بها؛ لأن طلاقه في نفسه يقع بها، فكذلك ~~طلاق من علقه بمشيئة. والثاني، لا يقع بها؛ لأنه حال التعليق، كان لا يقع ~~إلا بالنطق، فلم يقع بغيره، كما لو قال في التعليق: إن نطق فلان بمشيئته ~~فهي طالق. ### | [فصل قيد المشيئة بوقت فقال أنت طالق إن شئت اليوم] # (5976) فصل: فإن قيد المشيئة بوقت، فقال: أنت طالق إن شئت اليوم. تقيد ~~به، فإن خرج اليوم قبل مشيئتها لم تطلق. وإن علقه على مشيئة اثنين، لم يقع ~~حتى توجد مشيئتهما، وخرج القاضي وجها أنه يقع بمشيئة # PageV07P463 # أحدهما، كما يحنث بفعل بعض المحلوف عليه، وقد بينا فساد هذا. فإن قال: ~~أنت طالق إن شئت وشاء أبوك. فقالت: قد شئت إن شاء أبي. فقال أبوها: قد شئت. ~~لم تطلق؛ لأنها لم تشأ، فإن المشيئة أمر خفي، لا يصح تعليقها على شرط. ~~وكذلك لو قال: أنت طالق إن شئت. فقالت: قد شئت إن شئت. فقال: قد شئت. أو ~~قالت: قد شئت إن طلعت الشمس. لم يقع. # نص أحمد، على معنى هذا، وهو قول سائر أهل العلم؛ منهم الشافعي، وإسحاق، ~~وأبو ثور، وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم ~~على أن الرجل إذا قال لزوجته: أنت طالق إن شئت. فقالت: قد شئت إن شاء فلان. ~~أنها قد ردت الأمر، ولا يلزمها الطلاق وإن شاء فلان؛ وذلك لأنه لم توجد ~~منها مشيئة، وإنما وجد منها تعليق مشيئتها بشرط، وليس ms4014 تعليق المشيئة بشرط ~~مشيئة. وإن علق الطلاق على مشيئة اثنين، فشاء أحدهما على الفور، والآخر على ~~التراخي، وقع الطلاق؛ لأن المشيئة قد وجدت منهما جميعا. ### | [فصل قال أنت طالق إلا أن تشائي أو يشاء زيد فقالت قد شئت] # (5977) فصل: فإن قال: أنت طالق إلا أن تشائي. أو: يشاء زيد. فقالت: قد ~~شئت. لم تطلق. وإن أخرا ذلك طلقت وإن. جن من علق الطلاق بمشيئته، طلقت في ~~الحال؛ لأنه أوقع الطلاق وعلق رفعه بشرط لم يوجد، وكذلك إن مات. فإن خرس ~~فشاء بالإشارة، خرج فيه وجهان، بناء على وقوع الطلاق بإشارته إذا علقه على ~~مشيئته. ### | [فصل قال أنت طالق واحدة إلا أن تشائي ثلاثا فلم تشأ] # فصل: فإن قال: أنت طالق واحدة إلا أن تشائي ثلاثا. فلم تشأ، أو شاءت أقل ~~من ثلاث، طلقت واحدة. وإن قالت: قد شئت ثلاثا. فقال أبو بكر: تطلق ثلاثا. ~~وقال أصحاب الشافعي وأبي حنيفة: لا تطلق إذا شاءت ثلاثا؛ لأن الاستثناء من ~~الإثبات نفي، فتقديره: أنت طالق واحدة إلا أن تشائي ثلاثا فلا تطلقي، ولأنه ~~لو لم يقل: ثلاثا لما طلقت بمشيئتها ثلاثا، فكذلك إذا قال: ثلاثا؛ لأنه ~~إنما ذكر الثلاث صفة لمشيئتها الرافعة لطلاق الواحدة، فيصير كما لو قال: ~~أنت طالق إلا أن تكرري بمشيئتك ثلاثا. وقال القاضي: فيها وجهان؛ أحدهما، لا ~~تطلق؛ لما ذكرنا. والثاني، تطلق ثلاثا؛ لأن السابق إلى الفهم من هذا الكلام ~~إيقاع الثلاث إذا شاءتها، كما لو قال: له علي درهم إلا أن يقيم البينة ~~بثالثة، وخذ درهما إلا أن تريد أكثر منه. ومنه قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - # PageV07P464 # : «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار» . أي إن بيع الخيار ~~ثبت الخيار فيه بعد تفرقهما. وإن قال: أنت طالق ثلاثا، إلا أن تشائي واحدة. ~~فقالت: قد شئت واحدة. طلقت واحدة، على قول أبي بكر. وعلى قولهم: لا تطلق ~~شيئا. ### | [فصل قال أنت طالق لمشيئة فلان أو لرضاه أو له] # (5979) فصل: فإن قال: أنت طالق لمشيئة فلان. أو: لرضاه. ms4015 أو: له. طلقت في ~~الحال؛ لأن معناه أنت طالق لكونه قد شاء ذلك، أو رضيه، أو ليرضى به، كقوله: ~~هو حر لوجه الله، أو لرضى الله. فإن قال: أردت به الشرط. دين. قال القاضي: ~~يقبل في الحكم؛ لأنه محتمل؛ فإن ذلك يستعمل للشرط، كقوله: أنت طالق للسنة. ~~وهذا أظهر الوجهين لأصحاب الشافعي. ### | [فصل قال أنت طالق إن أحببت أو إن أردت أو إن كرهت] # (5980) فصل: فإن قال: أنت طالق إن أحببت. أو: إن أردت. أو: إن كرهت. ~~احتمل أن يتعلق الطلاق بقولها بلسانها: قد أحببت. أو: أردت. أو: كرهت. لأن ~~هذه المعاني في القلب، لا يمكن الاطلاع عليها إلا من قبلها، فتعلق الحكم ~~بقولها، كالمشيئة. ويحتمل أن يتعلق الحكم بما في القلب من ذلك، ويكون ~~اللسان دليلا عليه. فعلى هذا، لو أقر الزوج بوجوده، وقع طلاقه، وإن لم ~~يتلفظ به، ولو قالت: أنا أحب ذلك. ثم قالت: كنت كاذبة. لم تطلق. # وإن قال: إن كنت تحبين أن يعذبك الله بالنار فأنت طالق. فقالت: أنا أحب ~~ذلك. فقد سئل أحمد عنها، فلم يجب فيها بشيء، وفيها احتمالان؛ أحدهما، لا ~~تطلق. وهو قول أبي ثور؛ لأن المحبة في القلب، ولا توجد من أحد محبة ذلك، ~~وخبرها بحبها له كذب معلوم، فلم يصلح دليلا على ما في قلبها. والاحتمال ~~الثاني، أنها تطلق. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأن ما في القلب لا يوقف عليه إلا ~~من لسانها، فاقتضى تعليق الحكم بلفظها به، كاذبة كانت أو صادقة، كالمشيئة، ~~ولا فرق بين قوله: إن كنت تحبين ذلك. وبين قوله: إن كنت تحبينه بقلبك. لأن ~~المحبة لا تكون إلا بالقلب. # PageV07P465 ### | [فصل قال أنت طالق إن شاء الله تعالى] # (5981) فصل: فإن قال: أنت طالق إن شاء الله تعالى. طلقت. وكذلك إن قال: ~~عبدي حر إن شاء الله تعالى. عتق، نص عليه أحمد، في رواية جماعة، وقال: ليس ~~هما من الأيمان. وبهذا قال سعيد بن المسيب، والحسن ومكحول، وقتادة، ~~والزهري، ومالك، والليث، والأوزاعي، وأبو عبيد. وعن أحمد ما يدل ms4016 على أن ~~الطلاق لا يقع، وكذلك العتاق. وهو قول طاوس، والحكم، وأبي حنيفة، والشافعي ~~لأنه علقه على مشيئة لم يعلم وجودها، فلم يقع، كما لو علقه على مشيئة زيد، ~~وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على يمين، فقال: إن شاء ~~الله. لم يحنث» . رواه الترمذي. وقال حديث حسن. # ولنا، ما روى أبو جمرة، قال: سمعت ابن عباس يقول: إذا قال الرجل لامرأته: ~~أنت طالق إن شاء الله. فهي طالق. رواه أبو حفص بإسناده. وعن أبي بردة نحوه. ~~وروى ابن عمر، وأبو سعيد قالا: كنا معاشر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نرى الاستثناء جائزا في كل شيء، إلا في العتاق والطلاق. ذكره أبو ~~الخطاب. وهذا نقل للإجماع، وإن قدر أنه قول بعضهم فانتشر، ولم يعلم له ~~مخالف، فهو إجماع، ولأنه استثناء يرفع جملة الطلاق، فلم يصح، كقوله: أنت ~~طالق ثلاثا إلا ثلاثا. ولأنه استثناء حكم في محل، فلم يرتفع بالمشيئة، ~~كالبيع والنكاح، ولأنه إزالة ملك، فلم يصح تعليقه على مشيئة الله، كما لو ~~قال: أبرأتك إن شاء الله، أو تعليق على ما لا سبيل إلى علمه، فأشبه تعليقه ~~على المستحيلات. # والحديث لا حجة لهم فيه؛ فإن الطلاق والعتاق إنشاء، وليس بيمين حقيقة، ~~وإن سمي بذلك فمجاز، لا تترك الحقيقة من أجله، ثم إن الطلاق إنما سمي يمينا ~~إذا كان معلقا على شرط يمكن تركه وفعله، ومجرد قوله: أنت طالق. ليس بيمين ~~حقيقة، ولا مجازا، فلم يمكن الاستثناء بعد يمين. وقولهم: علقه على مشيئة لا ~~تعلم. قلنا: قد علمت مشيئة الله الطلاق بمباشرة الآدمي سببه. قال قتادة: قد ~~شاء الله حين أذن أن يطلق. ولو سلمنا أنها لم، تعلم، لكن قد علقه على شرط ~~يستحيل علمه، فيكون كتعليقه على المستحيلات، يلغو، ويقع الطلاق في الحال. ### | [فصل قال أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله] # (5982) فصل: فإن قال: أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله. فعن أحمد فيه ~~روايتان؛ إحداهما، يقع الطلاق بدخول الدار، ولا ms4017 ينفعه الاستثناء؛ لأن ~~الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان، ولما ذكرناه في الفصل الأول. والثانية، لا ~~تطلق. وهو قول أبي عبيد؛ لأنه إذا علق الطلاق بشرط صار يمينا وحلفا، فصح ~~الاستثناء # PageV07P466 # فيه، لعموم قوله - عليه السلام -: «من حلف على يمين؛ فقال: إن شاء الله ~~لم يحنث» . وفارق ما إذا لم يعلقه، فإنه ليس بيمين، فلا يدخل في العموم. ### | [فصل قال أنت طالق إلا أن يشاء الله] # (5983) فصل: فإن قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله. طلقت، ووافق أصحاب ~~الشافعي على هذا في الصحيح من المذهب؛ لأنه أوقع الطلاق. وعلق رفعه بمشيئة ~~لم تعلم. وإن قال: أنت طالق إن لم يشأ الله. أو: ما لم يشأ الله. وقع أيضا ~~في الحال؛ لأن وقوع طلاقها إذا لم يشأ الله محال، فلغت هذه الصفة، ووقع ~~الطلاق. ويحتمل أن لا يقع، بناء على تعليق الطلاق على المحال، مثل قوله: ~~أنت طالق إن جمعت بين الضدين. أو: شربت الماء الذي في الكوز. ولا ماء فيه. ~~وإن قال: أنت طالق لتدخلن الدار إن شاء الله. لم تطلق، دخلت أو لم تدخل؛ ~~لأنها إن دخلت، فقد فعلت المحلوف عليه، وإن لم تدخل، علمنا أن الله لم ~~يشأه؛ لأنه لو شاءه لوجد، فإن ما شاء الله كان. # وكذلك إن قال: أنت طالق لا تدخلي الدار إن شاء الله. لما ذكرنا. وإن أراد ~~بالاستثناء والشرط رده إلى الطلاق دون الدخول، خرج فيه من الخلاف ما ذكرنا ~~في المنجز. وإن لم تعلم نيته، فالظاهر رجوعه إلى الدخول، ويحتمل أن يرجع ~~إلى الطلاق. ### | [فصل علق الطلاق على مستحيل فقال أنت طالق إن قتلت الميت] # (5984) فصل: فإن علق الطلاق على مستحيل، فقال: أنت طالق إن قتلت الميت. ~~أو شربت الماء الذي في الكوز. ولا ماء فيه. أو: جمعت بين الضدين. أو: كان ~~الواحد أكثر من اثنين. أو على ما يستحيل عادة، كقوله: إن طرت. أو: صعدت إلى ~~السماء. أو: قلبت الحجر ذهبا. أو: شربت هذا النهر كله. أو: حملت الجبل. أو: ~~شاء الميت. ms4018 ففيه وجهان؛ أحدهما، يقع الطلاق في الحال؛ لأنه أردف الطلاق بما ~~يرفع جملته، ويمنع وقوعه في الحال وفي الثاني، فلم يصح، كاستثناء الكل، كما ~~لو قال: أنت طالق طلقة لا تقع عليك. أو: لا تنقص عدد طلاقك. والثاني، لا ~~يقع؛ لأنه علق الطلاق بصفة لم توجد، ولأن ما يقصد تبعيده يعلق على المحال، ~~كقوله: # إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب # PageV07P467 # أي لا آتيهم أبدا. # وقيل: إن علقه على ما يستحيل عقلا، وقع في الحال؛ لأنه لا وجود له، فلم ~~تعلق به الصفة، وبقي مجرد الطلاق، فوقع. وإن علقه على مستحيل عادة، ~~كالطيران، وصعود السماء، لم يقع؛ لأن له وجودا، وقد وجد جنس ذلك في معجزات ~~الأنبياء - عليهم السلام -، وكرامات الأولياء، فجاز تعليق الطلاق به، ولم ~~يقع قبل وجوده. فأما إن علق طلاقها على نفي فعل المستحيل، فقال: أنت طالق ~~إن لم تقتلي الميت. أو: تصعدي السماء. طلقت في الحال؛ لأنه علقه على عدم ~~ذلك، وعدمه معلوم في الحال وفي الثاني، فوقع الطلاق، كما لو قال: أنت طالق ~~إن لم أبع عبدي. فمات العبد. وكذلك لو قال: أنت طالق لأشربن الماء الذي في ~~الكوز. ولا ماء فيه. أو: لأقتلن الميت. وقع الطلاق في الحال، لما ذكرناه. # وحكى أبو الخطاب، عن القاضي، أنه لا يقع طلاقه، كما لو حلف ليصعدن ~~السماء، أو ليطيرن، فإنه لا يحنث. والصحيح أنه يحنث؛ فإن الحالف على فعل ~~الممتنع كاذب حانث، قال الله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث ~~الله من يموت} [النحل: 38] إلى قوله: {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين} [النحل: 39] . ولو حلف على فعل متصور، فصار ممتنعا، حنث بذلك، فلأن ~~يحنث بكونه ممتنعا حال يمينه أولى. ### | [فصل حلف لا شربت من هذا النهر فاغترف منه وشرب] # (5985) فصل: وإذا حلف: لا شربت من هذا النهر. فاغترف منه، وشرب، حنث. وإن ~~حلف: لا شربت من هذا الإناء. فصب منه في إناء آخر، وشرب، وكان الإناء كبيرا ~~لا يمكن الشرب به، حنث أيضا، وإن ms4019 كان الشرب به ممكنا، لم يحنث؛ لأن الإناء ~~الصغير آلة للشرب، فتنصرف يمينه إلى الشرب به، بخلاف النهر والإناء الكبير، ~~فإنه لا تنصرف يمينه إلا إلى الشرب من مائه. ولو حلف لا يشرب من بردى، فشرب ~~من نهر يأخذ منه، لم يحنث. وإن حلف لا يشرب من ماء بردى، فشرب من نهر يأخذ ~~منه، حنث. ذكر نحو ذلك القاضي؛ لأن بردى اسم لمكان خاص، فإذا تجاوزه إلى ~~مكان سواه، فشرب منه، فما شرب من بردى، وإذا كانت يمينه على مائه، فماؤه ~~ماؤه حيث كان، وأين نقل. وكذلك لو حلف لا يأكل من تمر البصرة، فأكله في ~~غيرها، حنث. # وإن اغترف من بردى بإناء، ونقله إلى مكان آخر، فشربه، حنث في المسألتين ~~جميعا؛ لأن اغتراف الماء من بردى. ولو حلف لا يشرب من ماء الفرات، لم يحنث ~~إلا بالشرب من ماء النهر المعروف بالفرات. وإن حلف لا يشرب من ماء فرات، ~~حنث بالشرب من كل ماء عذب؛ لأنه إذا عرفه فاللام التعريف انصرف إلى النهر ~~المعروف، وإذا أنكره # PageV07P468 # صار للعموم، فيتناول كل ما يسمى فراتا، وكل عذب فرات، قال الله تعالى: ~~{وأسقيناكم ماء فراتا} [المرسلات: 27] . وقال: {وما يستوي البحران هذا عذب ~~فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج} [فاطر: 12] . ومتى نوى بيمينه المحتمل ~~الآخر، انصرف إليه، ويقبل منه ذلك؛ لأنه قريب لا تبعد إرادته. ### | [فصل حلف لا يشتمه ولا يكلمه في المسجد ففعل ذلك في المسجد] # (5986) فصل: ولو حلف لا يشتمه، ولا يكلمه في المسجد، ففعل ذلك في المسجد، ~~والمحلوف عليه في غيره، حنث، وإن فعله في غير المسجد، والمحلوف عليه في ~~المسجد، لم يحنث. ولو حلف لا يضربه، ولا يشجه، ولا يقتله في المسجد، ففعله، ~~والحالف في المسجد، والمحلوف عليه في غيره، لم يحنث، وإن كان الحالف في غير ~~المسجد، والمحلوف عليه في المسجد، حنث؛ لأن الشتم والكلام قول يستقل به ~~القائل، فلا يعتبر فيه حضور المشتوم، فيوجد من الشاتم في المسجد وإن لم يكن ~~المشتوم فيه، والكلام قول؛ فهو كالشتم، ms4020 وسائر الأفعال المذكورة فعل متعد ~~محله المضروب والمقتول والمشجوج، فإذا كان محله في غير المسجد كان الفعل في ~~غيره، فيعتبر محل المفعول به. # ولو حلف ليقتلنه يوم الجمعة، فجرحه يوم الخميس، ومات يوم الجمعة. فقال ~~القاضي: لا يحنث. وإن جرحه يوم الجمعة فمات يوم السبت، فقال: يحنث؛ لأنه لا ~~يكون مقتولا حتى يموت، فاعتبر يوم موته لا يوم ضربه. ويتوجه أن يكون الحكم ~~بالعكس في المسألتين، فيعتبر يوم جرحه لا يوم موته؛ لأن القتل فعل القاتل، ~~ولهذا يصح الأمر به والنهي عنه، قال الله تعالى: {فاقتلوا المشركين} ~~[التوبة: 5] . {ولا تقتلوا أولادكم} [الأنعام: 151] . والأمر والنهي إنما ~~يتوجه إلى فعل ممكن فعله وتركه، وذلك فعل الآدمي من الجرح ونحوه، أما ~~الزهوق ففعل الله تعالى لا يؤمر به، ولا ينهى عنه، ولا سبيل للآدمي إلا ~~تعاطي سببه، وهو شرط في القتل، فإذا وجد تبينا أن الفعل المفضي إليه كان ~~قتلا، ولذلك جاز تقديم الكفارة بعد الجرح، وقبل الزهوق. # ولو حلف لأقتلنه، فمات من جرح كان جرحه، لم يبر. ولو حلف لا يقتله، لم ~~يحنث بذلك أيضا. ويحتمل أن لا يبر حتى يوجد السبب والزهوق معا في يوم؛ لأن ~~القتل لا يتم إلا بسببه وشرطه، فأما بنسبته إلى الشرط وحده دون السبب، ~~فبعيد. ### | [فصل قال من بشرتني بقدوم أخي فهي طالق] # (5987) فصل: إذا قال: من بشرتني بقدوم أخي، فهي طالق، فبشرته إحداهن، وهي ~~صادقة، طلقت، وإن كانت كاذبة، لم # PageV07P469 # تطلق؛ لأن التبشير خبر صدق، يحصل به ما يغير البشرة من سرور أو غم. وإن ~~أخبرته به أخرى، لم تطلق؛ لأن السرور إنما يحصل بالخبر الأول، فإن كانت ~~الأولى كاذبة، والثانية صادقة، طلقت الثانية؛ لأن السرور إنما يحصل بخبرها، ~~فكان هو البشارة. وإن بشره بذلك اثنتان، أو ثلاث، أو الأربع في دفعة واحدة، ~~طلقن كلهن؛ لأن " من " تقع على الواحد فما زاد، قال الله تعالى: {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: ~~8] . وقال {ومن يقنت منكن لله ورسوله ms4021 وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين} ~~[الأحزاب: 31] . # ولو قال: من أخبرتني بقدوم أخي، فهي طالق. فقال القاضي: هو كالبشارة، لا ~~تطلق إلا المخبرة الأولى الصادقة دون غيرها؛ لأن مراده خبر يحصل له به ~~العلم بقدومه، ولا يحصل ذلك بكذب، ولا بغير الأول. ويحتمل أن تطلق كل ~~مخبرة، صادقة كانت أو كاذبة، أولا كان أو غيره؛ لأن الخبر يكون صدقا وكذبا، ~~وأولا ومكررا. وهو اختيار أبي الخطاب. والأول قول القاضي. ومذهب الشافعي ~~على نحو هذا التفصيل. ### | [فصل قال أول من تقوم منكن فهي طالق] # (5988) فصل: وإن قال: أول من تقوم منكن، فهي طالق. أو قال لعبيده: أول من ~~قام منكم، فهو حر. فقام الكل دفعة واحدة، لم يقع طلاق ولا عتق؛ لأنه لا أول ~~فيهم. وإن قام واحد أو واحدة، ولم يقم بعده أحد، احتمل وجهين؛ أحدهما، يقع ~~الطلاق والعتق؛ لأن الأول ما لم يسبقه شيء، وهذا كذلك. والثاني، لا يقع ~~طلاق ولا عتق؛ لأن الأول ما كان بعده شيء، ولم يوجد. # فعلى هذا لا يحكم بوقوع ذلك ولا انتفائه، حتى يتبين من قيام أحد منهم ~~بعده، فتنحل يمينه، وإن قام اثنان، أو ثلاثة، دفعة واحدة، وقام بعدهم آخر، ~~وقع الطلاق والعتق بالجماعة الذين قاموا في الأول؛ لأن الأول يقع على ~~الكثير والقليل، قال الله تعالى: {ولا تكونوا أول كافر به} [البقرة: 41] . ~~وحكي عن القاضي في من قال: أول من يدخل من عبيدي، فهو حر. فدخل اثنان دفعة ~~واحدة، ثم دخل بعدهما، ثالث، لم يعتق واحد منهم. وهذا بعيد؛ فإنهم قد دخل ~~بعضهم بعد بعض، ولا أول فيهم، وهذا لا يستقيم إلا أن يكون قال: أول من يدخل ~~منكم وحده. ولم يدخل بعد الثالث أحد؛ فإنه لو دخل بعد الثالث أحد، عتق ~~الثالث، لكونه أول من دخل وحده، وإذا لم يقل وحده، فإن لفظة " الأول " ~~تتناول الجماعة كما ذكرنا وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أول من يدخل ~~الجنة فقراء المهاجرين» . # PageV07P470 # ولو قال: آخر من يدخل منكن الدار، فهي طالق. فدخل بعضهن، ms4022 لم يحكم بطلاق ~~واحدة منهن، حتى يتبين من دخول غيرها بموته، أو موتهن، أو غير ذلك، فيتبين ~~وقوع الطلاق بآخرهن دخولا، من حين دخلت، وكذلك الحكم في العتق. ### | [فصل حلف يمينا على فعل بلفظ عام وأراد به شيئا خاصا] # (5989) فصل: وإذا حلف يمينا على فعل بلفظ عام، وأراد به شيئا خاصا؛ مثل ~~إن حلف لا يغتسل الليلة، وأراد الجنابة، أو: لا قربت لي فراشا. وأراد ترك ~~جماعها. أو قال: إن تزوجت، فعبدي حر. وأراد امرأة معينة. أو قال: إن دخل ~~إلي رجل. أو قال: أحد، فامرأتي طالق. وأراد رجلا بعينه. أو حلف لا يأكل ~~خبزا. يريد خبز البر. أو لا يدخل دارا، يريد دار فلان. أو قال: إن خرجت ~~فأنت طالق. يريد الخروج إلى الحمام. أو قال: إن مشيت. وأراد استطلاق البطن؛ ~~فإن ذلك يسمى مشيا، «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لامرأة: ثم تستمشين» ~~. ويقال: شربت مشيا، ومشوا. إذا شرب دواء يمشيه، فإن يمينه في ذلك على ما ~~نواه، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى. # وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين. قال أحمد في الظهار، في من قال ~~لامرأته: إن قربت لي فراشا، فأنت علي كظهر أمي، فجاءت فقامت على فراشه، ~~فقال: أردت الجماع. لا يلزمه شيء. وقال الشافعي، ومحمد بن الحسن: لا يقبل ~~قوله في الحكم في هذا كله؛ لأنه خلاف الظاهر. ولنا، أنه فسر كلامه بما ~~يحتمله، فقبل، كما لو قال: أنت طالق، أنت طالق. وقال: أردت بالثانية ~~التوكيد. ### | [فصل حلف يمينا عامة لسبب خاص وله نية] # (5990) فصل: وإن حلف يمينا عامة، لسبب خاص، وله نية، حمل عليها، ويقبل ~~قوله في الحكم؛ لأن السبب دليل على صدقه. وإن لم ينو شيئا، فقد روي عن أحمد ~~ما يدل على أن يمينه تختص بما وجد فيه السبب. وذكره الخرقي، فقال: فإن لم ~~يكن له نية، رجع إلى سبب اليمين وما هيجها. فظاهر هذا أن يمينه مقصورة على ~~محل السبب. وهذا قول أصحاب أبي حنيفة. وروي عن أحمد ما ms4023 يدل على أن يمينه ~~تحمل على العموم؛ فإنه قال، في من قال: لله علي أن لا أصيد في هذا النهر. ~~لظلم رآه، فتغير حاله، فقال: النذر يوفى به. وذلك لأن اللفظ دليل الحكم، ~~فيجب الاعتبار به في الخصوص والعموم، كما في لفظ الشارع. # PageV07P471 # ووجه الأول، أن السبب الخاص يدل على قصد الخصوص، ويقوم مقام النية عند ~~عدمها؛ لدلالته عليها، فوجب أن يختص به اللفظ العام كالنية، وفارق لفظ ~~الشارع؛ فإنه يريد بيان الأحكام، فلا يختص بمحل السبب، لكون # الحاجة # داعية إلى معرفة الحكم في غير محل السبب. فعلى هذا، لو قامت امرأته ~~لتخرج، فقال: إن خرجت فأنت طالق. فرجعت، ثم خرجت بعد ذلك، أو دعاه إنسان ~~إلى غدائه، فقال: امرأتي طالق إن تغديت. ثم رجع فتغدى في منزله، لم يحنث ~~على الأول، ويحنث على الثاني. # وإن حلف لعامل أن لا يخرج إلا بإذنه، أو حلف بذلك على امرأته أو مملوكه، ~~فعزل العامل، وطلق المرأة، وباع المملوك، أو حلف على وكيل فعزله، خرج في ~~ذلك كله وجهان. ### | [فصل قال إن دخل داري أحد فامرأتي طالق] # (5991) فصل: وإن قال: إن دخل داري أحد، فامرأتي طالق. فدخلها هو. أو قال ~~لإنسان: إن دخل دارك أحد، فعبدي حر. فدخلها صاحبها، فقال القاضي: لا يحنث؛ ~~لأن قرينة حال المتكلم تدل على أنه إنما يحلف على غيره، ويمنع من سواه، ~~فيخرج هو من العموم بالقرينة، ويخرج المخاطب من اليمين بها أيضا. ويحتمل أن ~~يحنث أخذا بعموم اللفظ، وإعراضا عن السبب، كما في التي قبلها. ### | [فصل قال لامرأته إن وطئتك فأنت طالق] # (5992) فصل: وإذا قال لامرأته: إن وطئتك فأنت طالق. انصرفت يمينه إلى ~~جماعها. وقال محمد بن الحسن يمينه على الوطء بالقدم؛ لأنه الحقيقة. وحكي ~~عنه أنه لو قال: أردت به الجماع. لم يقبل في الحكم. ولنا، أن الوطء إذا ~~أضيف إلى المرأة، كان في العرف عبارة عن الجماع؛ ولهذا يفهم منه الجماع في ~~لفظ الشارع، في مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا توطأ حامل ms4024 حتى ~~تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» . # فيجب حمله عند الإطلاق عليه، كسائر الأسماء العرفية، من الظعينة، ~~والراوية، وأشباههما. ولا يحنث حتى تغيب الحشفة في الفرج. وإن حلف ~~ليجامعها، أو لا يجامعها، انصرف إلى الوطء في الفرج، ولم يحنث بالجماع دون ~~الفرج، وإن أنزل؛ لأن مبنى الأيمان على العرف، والعرف ما قلناه. وإن حلف ~~لافتضضتك، فافتضها بأصبع، لم يحنث؛ لأن المعهود من إطلاق هذه اللفظة وطء ~~البكر. وإن حلف على امرأة لا يملكها، أن لا ينكحها، فيمينه على العقد؛ لأن ~~إطلاق النكاح ينصرف إليه. وإن كان مالكا لها بنكاح أو ملك يمين، فهو على ~~وطئها؛ لأن قرينة الحال صارفة عن العقد عليها؛ لكونها معقودا عليها. # PageV07P472 ### | [فصل قال إن أمرتك فخالفتني فأنت طالق ثم نهاها فخالفته] # (5993) فصل: وإن قال: إن أمرتك فخالفتني، فأنت طالق. ثم نهاها، فخالفته، ~~فقال أبو بكر: لا يحنث. وهو قول الشافعي؛ لأنها خالفت نهيه لا أمره. وقال ~~أبو الخطاب: يحنث، إذا قصد أن لا تخالفه، أو لم يكن ممن يعرف حقيقة الأمر ~~والنهي؛ لأنه إذا كان كذلك، فإنما يريد نفي المخالفة. ويحتمل أن تطلق بكل ~~حال؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عنه أمر بضده، فقد خالفت أمره. ~~وإن قال لها: إن نهيتني عن نفع أمي، فأنت طالق. فقالت له: لا تعطها من مالي ~~شيئا. لم يحنث؛ لأن إعطاءها من مالها لا يجوز، ولا يجوز النفع به، فيكون ~~هذا النفع محرما، فلا يتناوله يمينه. ويحتمل أن يحنث؛ لأنه نفع، ولفظه عام، ~~فيدخل المحرم فيه. ### | [فصل قال لامرأته إن خرجت إلى غير الحمام فأنت طالق فخرجت] # (5994) فصل: فإن قال لامرأته: إن خرجت إلى غير الحمام، فأنت طالق. فخرجت ~~إلى غير الحمام، طلقت، سواء عدلت إلى الحمام، أو لم تعدل. وإن خرجت إلى ~~الحمام، ثم عدلت إلى غيره، فقياس المذهب أنه يحنث؛ لأن ظاهر هذه اليمين ~~المنع من غير الحمام، فكيفما صارت إليه حنث، كما لو خالفت لفظه. ويحتمل أن ~~لا يحنث. وهو قول الشافعي؛ لأنها لم تفعل ms4025 ما حلف عليه ويتناوله لفظه. وإن ~~خرجت إلى الحمام وغيره، وجمعتهما في القصد، ففيه وجهان؛ أحدهما، يحنث؛ ~~لأنها خرجت إلى غير الحمام، وانضم إليه غيره، فحنث بما حلف عليه، كما لو ~~حلف لا يكلم زيدا، فكلم زيدا وعمرا. والثاني، لا يحنث؛ لأنها ما خرجت إلى ~~غير الحمام، بل الخروج مشترك. # ونقل الفضل بن زياد، عن أحمد، أنه سئل: إذا حلف بالطلاق أن لا يخرج من ~~بغداد إلا لنزهة. فخرج إلى النزهة، ثم مر إلى مكة، فقال: النزهة لا تكون ~~إلى مكة. فظاهر هذا أنه أحنثه، ووجهه ما تقدم، وقال، في رجل حلف بالطلاق أن ~~لا يأتي أرمينية إلا بإذن امرأته. فقالت له امرأته: اذهب حيث شئت. فقال: ~~لا، حتى تقول: إلى أرمينية. والصحيح أنه متى أذنت له إذنا عاما، لم يحنث. ~~قال القاضي: وهذا من كلام أحمد، محمول على أن هذا خرج مخرج الغضب والكراهة، ~~ولو قالت هذا بطيب قلبها، كان إذنا منها، وله الخروج، وإن كان بلفظ عام. ### | [فصل حلف ليرحلن من هذه الدار أو ليخرجن من هذه المدينة ففعل ثم عاد إليها] # (5995) فصل: فإن حلف ليرحلن من هذه الدار، أو ليخرجن من هذه المدينة. ~~ففعل ثم عاد إليها، لم يحنث، إلا أن تكون نيته أو سبب يمينه يقتضي عدم ~~الرجوع إليها؛ لأن الحلف على الخروج والرحيل، وقد فعلهما. وقد نقل عنه ~~إسماعيل بن سعيد، إذا حلف على رجل أن يخرج من بغداد، فخرج ثم رجع: قد مضت # PageV07P473 # يمينه، لا شيء عليه. ونقل عنه مثنى بن جامع، في من قال لامرأته: أنت ~~طالق، إن لم نرحل من هذه الدار: إن لم يدركه الموت، ولم ينو شيئا، هي إلى ~~أن تموت، فإن رحل لم يرجع. ومعنى هذا، أنه إن أدركه الموت قبل إمكان ~~الرحيل، لم يحنث، وإن أمكنه الرحيل، فلم يفعل، لم يحنث حتى يموت أحدهما، ~~فيقع بها الطلاق في آخر أوقات الإمكان. # وأما قوله: إن رحل لم يرجع. فمحمول على من كان ليمينه سبب يقتضي هجران ~~الدار على الدوام. ms4026 ونقل مهنا، في رجل قال لامرأته: إن وهبت كذا فأنت طالق. ~~فإذا هي قد وهبت. قال: أخاف أن يكون قد حنث. قال القاضي: هذا محمول على أنه ~~قال: إن كنت وهبته. وإلا فلا يحنث حتى تبتدئ هبته؛ لأن اليمين تقتضي فعلا ~~مستقبلا يحنث به، وما فعلت ما حلف عليه بعد يمينه. # ونقل عنه أيضا، في رجل قال لامرأته: إن رأيتك تدخلين الدار، فأنت طالق: ~~فهو على نيته، إن أراد أن لا تدخلها حنث، وإن كان نوى إذا رآها، لم يحنث ~~حتى يراها تدخل. وهو كما قال؛ فإن مبنى اليمين على النيات، سيما والرؤية ~~تطلق على العلم، كقول الله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد} [الفجر: 6] . ~~ونحوه. ومتى لم تكن له نية ولا هناك سبب يدل على إرادته مع الدخول بمجرده، ~~لم يحنث حتى يراها تدخل الدار؛ لأنه الذي تناوله لفظه. ونقل عنه المروي، في ~~رجل أقرض رجلا دراهم، فحلف أن لا يقبلها، وكان الرجل ميتا: تعطى الورثة. ~~يعني إذا مات الحالف يوفى الورثة، ولا يبرأ بيمينه؛ لأنها ليست إبراء، فلا ~~يسقط الحق بها. ### | [فصل قال امرأتي طالق إن كنت أملك إلا مائة وكان يملك أكثر من مائة] # (5996) فصل: ولو قال: امرأتي طالق، إن كنت أملك إلا مائة. وكان يملك أكثر ~~من مائة، أو أقل، حنث. فإن نوى أني لا أملك أكثر من مائة، لم يحنث بملك ما ~~دونها. وإن قال: إن كنت أملك أكثر من مائة، فامرأتي طالق. وكان يملك أقل من ~~المائة، لم يحنث؛ لأنه صادق. ### | [فصل قال لامرأته يا طالق أنت طالق إن دخلت الدار] # (5997) فصل: فإن قال لامرأته: يا طالق، أنت طالق إن دخلت الدار طلقت ~~واحدة بقوله: يا طالق. وبقيت أخرى معلقة بدخول الدار. ولو قال: أنت طالق ~~ثلاثا يا طالق، إن دخلت الدار. فإن كانت له نية، رجع إليها، وإلا وقعت ~~واحدة بالنداء، وبقيت الثلاث معلقة على دخول الدار. # وكذا لو قال: أنت طالق يا زانية، إن دخلت الدار. وعاد الشرط إلى الطلاق، ~~دون ms4027 القذف. وقال محمد بن الحسن: يرجع الشرط إليهما في المسألتين، فلا يقع ~~بها في الحال شيء. والأولى أن يرجع الشرط إلى الخبر الذي يصح فيه التصديق # PageV07P474 # والتكذيب، وجرت العادة بتعليقه بالشرط، بخلاف النداء والقذف، الذي لا ~~يوجد ذلك فيه. ### | [فصل قال لامرأته أنت طالق مريضة بالنصب أو الرفع] # (5998) فصل: فإن قال لامرأته: أنت طالق مريضة. بالنصب، أو الرفع، ونوى به ~~وصفها بالمرض في الحال، طلقت في الحال. وإن نوى به أنت طالق في حال مرضك. ~~لم تطلق حتى تمرض؛ لأن هذا حال، والحال مفعول فيه، كالظرف، ويكون الرفع ~~لحنا؛ لأن الحال منصوب. وإن أطلق ونصب، انصرف إلى الحال؛ لأن مريضة اسم ~~نكرة، جاء بعد تمام الكلام وصفا لمعرفة، فيكون حالا، وإن رفع، فالأولى وقوع ~~الطلاق في الحال، ويكون ذلك وصفا لطالق، الذي هو خبر المبتدأ، وإن أسكن ~~احتمل وجهين؛ أحدهما؛ وقوع الطلاق في الحال؛ لأن قوله: أنت طالق. يقتضي ~~وقوع الطلاق في الحال، فقد تيقنا وجود المقتضي، وشككنا فيما يمنع حكمه، فلا ~~نزول عن اليقين بالشك. والثاني، لا يقع إلا في حال مرضها؛ لأن ذكره للمرض ~~في سياق الطلاق يدل على تعليقه به، وتأثيره فيه، ولا يؤثر فيه إلا إذا كان ~~حالا. ### | [مسألة قال أنت طالق إذا قدم فلان فقدم به ميتا] # (5999) مسألة؛ قال: (وإذا قال: أنت طالق إذا قدم فلان. فقدم به ميتا، أو ~~مكرها، لم تطلق) أما إذا قدم به ميتا، أو مكرها محمولا، فلا تطلق؛ لأنه لم ~~يقدم، إنما قدم به. وهذا قول الشافعي. ونقل عن أبي بكر، أنه يحنث؛ لأن ~~الفعل ينسب إليه، ولذلك يقال: دخل الطعام البلد. إذا حمل إليه. ولو قال: ~~أنت طالق إذا دخل الطعام البلد. طلقت إذا حمل إليه. ولنا، أن الفعل ليس ~~منه، والفعل لا ينسب إلى غير فاعله إلا مجازا، والكلام عند إطلاقه لحقيقته ~~إذا أمكن، وأما الطعام، فلا يمكن وجود الفعل منه حقيقة، فتعين حمل الدخول ~~فيه على مجازه. # وأما إن قدم بنفسه لإكراه، فعلى قول الخرقي: لا يحنث. ms4028 وهو أحد الوجهين ~~لأصحاب الشافعي. وقال أبو بكر: يحنث. وحكاه عن أحمد؛ لأن الفعل منه حقيقة، ~~وينسب إليه، قال الله تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا ~~جاءوها} [الزمر: 71] . ويصح أمر المكره بالفعل، قال الله تعالى: {ادخلوا ~~أبواب جهنم} [الزمر: 72] . ولولا أن الفعل يتحقق منه، لما صح أمره به. ووجه ~~الأول، أنه بالإكراه زال اختياره، فإذا وجدت الصفة منه، كان كوجود الطلاق ~~منه مكرها، وهذا فيما إذا أطلق. # وإن كانت له نية، حمل عليها كلامه، وتقيد بها. # PageV07P475 # (6000) فصل: وإن قدم مختارا، حنث الحالف، سواء علم القادم باليمين أو ~~جهلها. قال أبو بكر الخلال: يقع الطلاق، قولا واحدا. وقال أبو عبد الله بن ~~حامد: إن كان القادم ممن لا يمتنع من القدوم بيمينه، كالسلطان، والحاج، ~~والرجل الأجنبي، حنث الحالف، ولا يعتبر علمه ولا جهله، وإن كان ممن يمتنع ~~باليمين من القدوم، كقرابة لهما، أو لأحدهما، أو غلام لأحدهما، فجهل ~~اليمين، أو نسيها، فالحكم فيه كما لو حلف على فعل نفسه، ففعله ناسيا أو ~~جاهلا، وفي ذلك روايتان، كذلك هاهنا؛ وذلك لأنه إذا لم يكن ممن تمنعه ~~اليمين، كان تعليقا للطلاق على صفة، ولم يكن يمينا، فأشبه ما لو علقه على ~~طلوع الشمس، وإن كان ممن يمتنع، كان يمينا، فيعذر فيها بالنسيان والجهل، ~~وينبغي أن تعتبر على هذا القول نية الحالف، وقرائن أحواله، الدالة على ~~قصده، فإن كان قصده بيمينه منع القادم من القدوم، كان يمينا، وإن كان قصده ~~جعله صفة في مطلقة، لم يكن يمينا، ويستوي فيه علم القادم وجهله، ونسيانه، ~~وجنونه وإفاقته، مثل أن يقصد طلاقها إذا حصل معها محرمها، ولا يطلقها ~~وحدها، وتعتبر قرائن الأحوال؛ فمتى علق اليمين على قدوم غائب بعيد، يعلم ~~أنه لا يعلم اليمين ولا يمتنع بها، أو على فعل صغير، أو مجنون، أو من لا ~~يمتنع بها، لم تكن يمينا. # وإن علق ذلك على فعل حاضر يعلم بيمينه، ويمتنع لأجلها من فعل ما علق ~~الطلاق عليه، كان يمينا. ومتى أشكلت الحال، فينبغي أن ms4029 يقع الطلاق؛ لأن لفظه ~~يقتضي وقوع الطلاق عند وجود هذه الصفة على العموم، وإنما ينصرف عن ذلك ~~بدليل، فمتى شككنا في الدليل المخصص، وجب العمل بمقتضى العموم. ### | [فصل قال إن تركت هذا الصبي يخرج فأنت طالق] # (6001) فصل: فإن قال: إن تركت هذا الصبي يخرج، فأنت طالق. فانفلت الصبي ~~بغير اختيارها، فخرج، فإن كان نوى أن لا يخرج فقد حنث، وإن نوى أن لا تدعه، ~~لم يحنث. نص أحمد على معنى هذا؛ وذلك لأن اليمين إذا وقعت على فعلها، فقد ~~فعل الخروج على غير اختيار منها، فكانت كالمكره إذ لم يمكنها حفظه ومنعه. ~~وإن نوى فعله، فقد وجد، وحنث. وإن لم تعلم نيته، انصرفت يمينه إلى فعلها؛ ~~لأنه الذي تناوله لفظه، فلا يحنث إلا إذا خرج بتفريطها في حفظه أو ~~اختيارها. ### | [فصل حلف لا تأخذ حقك مني فأكره على دفعه إليه] # (6002) فصل: فإن حلف لا تأخذ حقك مني، فأكره على دفعه إليه، وأخذه منه ~~قهرا، حنث؛ لأن المحلوف عليه فعل الأخذ، وقد أخذه مختارا. وإن أكره صاحب ~~الحق على أخذه، خرج على الوجهين، في من أكره على القدوم. وإن وضعه الحالف ~~في حجره، أو بين يديه، أو إلى جنبه، فلم يأخذه، لم يحنث؛ لأن الأخذ ما وجد. ~~وإن أخذه الحاكم أو السلطان من الغريم، فدفعه إلى المستحق فأخذه، فقال ~~القاضي: لا يحنث. # PageV07P476 # وهو مذهب الشافعي؛ لأنه ما أخذه منه. وإن قال: لا تأخذ حقك علي. حنث؛ ~~لأنه قد أخذ حقه الذي عليه. # والمنصوص عن أحمد، أنه يحنث في الصورتين. قاله أبو بكر وهو الذي يقتضيه ~~مذهبه؛ لأن الأيمان عنده على الأسباب، لا على الأسماء، ولأنه لو وكل وكيلا، ~~فأخذه منه، كان آخذا لحقه منه عرفا، ويسمى آخذا؛ قال الله تعالى: {وأخذنا ~~منهم ميثاقا غليظا} [النساء: 154] . وقال: {ولقد أخذ الله ميثاق بني ~~إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] . وإن كانت اليمين من ~~صاحب الحق، فحلف: لا أخذت حقي منك. فالتفريع فيها كالتي قبلها. فإن تركها ~~الغريم في أثناء متاع في خرج، ms4030 ثم دفع الخرج إلى الحالف، فأخذه ولم يعلم ~~أنها فيه، لم يحنث؛ لأن هذا ليس بمعدود أخذا، ولا يبرأ به الغريم منها. فإن ~~كانت اليمين: لا أعطيتك حقك، فأخذه الحاكم منه كرها، فدفعه إلى الغريم، لم ~~يحنث. # وإن أكرهه على دفعه إليه، فدفعه، خرج على الوجهين في المكره. وإن أعطاه ~~باختياره، حنث. وإن وضعه في حجره، أو جيبه، أو صندوقه، وهو يعلم، حنث؛ لأنه ~~أعطاه. وإن دفعه إلى الحاكم اختيارا، ليدفعه إلى الغريم، فدفعه، أو أخذه من ~~ماله باختياره، فدفعه إلى الغريم، حنث. وقال القاضي: لا يحنث. وقياس المذهب ~~أنه يحنث؛ لأنه أوصله إليه مختارا، فأشبه ما لو دفعه إلى وكيله، فأعطاه ~~إياه، ولأن الأيمان على الأسباب، لا على الأسماء، على ما ذكرناه فيما مضى. ### | [فصل قال إن رأيت أباك فأنت طالق فرأته ميتا أو نائما] # (6003) فصل: فإن قال: إن رأيت أباك، فأنت طالق. فرأته ميتا، أو نائما، أو ~~مغمى عليه، أو رأته من خلف زجاج، أو جسم شفاف، طلقت؛ لأنها رأته، وإن رأت ~~خياله في ماء، أو مرآة، أو صورته على حائط، أو غيره، لم تطلق؛ لأنها لم ~~تره، وإن أكرهت على رؤيته، خرج على الوجهين. ### | [مسألة قال لمدخول بها أنت طالق أنت طالق] # (6004) مسألة؛ قال: (وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق. لزمه ~~تطليقتان، إلا أن يكون أراد بالثانية إفهامها أن قد وقعت بها الأولى، ~~فتلزمه واحدة. وإن كانت غير مدخول بها، بانت بالأولى، ولم يلزمها ما بعدها؛ ~~لأنه ابتداء كلام) وجملة ذلك أنه إذا قال لامرأته المدخول بها: أنت طالق. ~~مرتين. ونوى بالثانية إيقاع طلقة ثانية، وقعت بها طلقتان بلا خلاف، وإن نوى ~~بها إفهامها أن الأولى قد وقعت بها، أو التأكيد، لم تطلق إلا واحدة. وإن لم ~~تكن له نية، وقع طلقتان. وبه قال أبو حنيفة، ومالك. وهو الصحيح من قولي # PageV07P477 # الشافعي، وقال في الآخر: تطلق واحدة؛ لأن التكرار يكون للتأكيد والإفهام، ~~ويحتمل الإيقاع، فلا توقع طلقة بالشك. # ولنا، أن هذا اللفظ للإيقاع، ويقتضي الوقوع، ms4031 بدليل ما لو لم يتقدمه مثله، ~~وإنما ينصرف عن ذلك بنية التأكيد والإفهام، فإذا لم يوجد ذلك وقع مقتضاه، ~~كما يجب العمل بالعموم. في العام إذا لم يوجد المخصص، وبالإطلاق في المطلق ~~إذا لم يوجد المقيد. فأما غير المدخول بها، فلا تطلق إلا طلقة واحدة، سواء ~~نوى الإيقاع أو غيره، وسواء قال ذلك منفصلا، أو متصلا. وهذا قول أبي بكر بن ~~عبد الرحمن بن الحارث، وعكرمة، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والحكم، ~~والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي وأبي عبيد، وابن المنذر. وذكره الحكم عن ~~علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود. # وقال مالك، والأوزاعي، والليث يقع بها تطليقتان، وإن قال ذلك ثلاثا، طلقت ~~ثلاثا، إذا كان متصلا؛ لأنه طلق ثلاثا بكلام متصل، أشبه قوله: أنت طالق ~~ثلاثا. ولنا، أنه طلاق مفرق، في غير المدخول بها، فلم تقع الأولى، كما لو ~~فرق كلامه، ولأن غير المدخول بها تبين بطلقة، لأنه لا عدة عليها، فتصادفها ~~الطلقة الثانية بائنا، فلم يمكن وقوع الطلاق بها؛ لأنها غير زوجة، وإنما ~~تطلق الزوجة، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا نعلم لهم مخالفا في ~~عصرهم، فيكون إجماعا. ### | [فصل قال أنت طالق ثم مضى زمن طويل ثم أعاد ذلك للمدخول بها] # (6005) فصل: فإن قال: أنت طالق. ثم مضى زمن طويل، ثم أعاد ذلك للمدخول ~~بها، طلقت ثانية، ولم يقبل قوله: نويت التوكيد؛ لأن التوكيد تابع للكلام، ~~فشرطه أن يكون متصلا به، كسائر التوابع؛ من العطف، والصفة، والبدل. ### | [فصل كل طلاق يترتب في الوقوع ويأتي بعضه بعد بعض لا يقع بغير المدخول بها منه أكثر من طلقة واحدة] # فصل: وكل طلاق يترتب في الوقوع، ويأتي بعضه بعد بعض، لا يقع بغير المدخول ~~بها منه أكثر من طلقة واحدة؛ لما ذكرناه. ويقع بالمدخول بها ثلاث إذا ~~أوقعها، مثل قوله: أنت طالق، فطالق، فطالق. أو: أنت طالق، ثم طالق، ثم ~~طالق. أو: أنت طالق ثم طالق وطالق. أو: فطالق. وأشباه ذلك؛ لأن هذه حروف ~~تقتضي الترتيب، فتقع بها الأولى فتبينها، فتأتي الثانية ms4032 فتصادفها بائنا غير ~~زوجة، فلا تقع بها. وأما المدخول بها، فتأتي الثانية فتصادف محل النكاح، ~~فتقع، وكذلك الثالثة. وكذلك لو قال: أنت طالق، بل، طالق، وطالق. ذكره أبو ~~الخطاب. ولو قال: أنت طالق طلقة قبل طلقة. أو: بعد طلقة. أو بعدها طلقة. ~~أو: طلقة فطلقة. أو: طلقة ثم طلقة. وقع بغير المدخول بها طلقة، وبالمدخول ~~بها طلقتان؛ لما ذكرنا من أن هذا يقتضي طلقة بعد طلقة. # PageV07P478 ### | [فصل قال أنت طالق طلقة قبلها طلقة] # (6007) فصل: وإن قال: أنت طالق طلقة قبلها طلقة. فكذلك، ذكره القاضي. ~~وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وقال بعضهم: لا يقع بغير المدخول بها شيء، بناء ~~على قولهم في المسألة السريجية. وقال أبو بكر: يقع طلقتان. وهو قول أبي ~~حنيفة؛ لأنه استحال وقوع الطلقة الأخرى قبل الطلقة الموقعة، فوقعت معها، ~~لأنها لما تأخرت عن الزمن الذي قصد إيقاعها فيه لكونه زمنا ماضيا، وجب ~~إيقاعها في أقرب الأزمنة إليه، وهو معها، ولا يلزم تأخرها إلى ما بعدها؛ ~~لأن قبله زمن يمكن الوقوع فيه، وهو زمن قريب، فلا يؤخر إلى البعيد مع إمكان ~~القريب. # ولنا، أن هذا طلاق بعضه قبل بعض، فلم يقع بغير المدخول بها جميعه، كما لو ~~قال: طلقة بعد طلقة. ولا يمتنع أن يقع المتأخر في لفظه متقدما، كما لو قال: ~~طلقة بعد طلقة. أو قال: أنت طالق طلقة غدا، وطلقة اليوم. ولو قال: جاء زيد ~~بعد عمرو. أو: جاء زيد وقبله عمرو. أو: أعط زيدا بعد عمرو. وكان كلاما ~~صحيحا، يفيد تأخير المتقدم لفظا، عن المذكور بعده، وليس هذا طلاقا في زمن ~~ماض، وإنما يقع إيقاعه في المستقبل مرتبا على الوجه الذي رتبه، ولو قدر أن ~~إحداهما موقعة في زمن ماض، لامتنع وقوعها وحدها، ووقعت الأخرى وحدها، وهذا ~~تعليل القاضي، لكونه لا يقع إلا واحدة، والأول من التعليل أصح إن شاء الله ~~تعالى. ### | [فصل قال أنت طالق طلقة معها طلقة] # (6008) فصل: فإن قال: أنت طالق طلقة معها طلقة. وقع بها طلقتان. وإن قال: ~~معها اثنتان. وقع بها ms4033 ثلاث، في قياس المذهب. وهو أحد الوجهين لأصحاب ~~الشافعي وقال أبو يوسف: يقع طلقة؛ لأن الطلقة إذا وقعت مفردة، لم يمكن أن ~~يكون معها شيء. ولنا، أنه أوقع ثلاث طلقات، بلفظ يقتضي وقوعهن معا، فوقعن ~~كلهن، كما لو قال: أنت طالق ثلاثا. ولا نسلم أن الطلقة تقع مفردة، فإن ~~الطلاق لا يقع بمجرد التلفظ به، إذ لو وقع بذلك، لما صح تعليقه بشرط، ولا ~~صح وصفه بالثلاث، ولا بغيرها، وكذلك الحكم لو قال: إذا طلقتك فأنت طالق ~~معها طلقة. ثم قال: أنت طالق. فإنها تطلق طلقتين؛ لما ذكرنا. ### | [فصل قال أنت طالق طلقة بعدها طلقة ثم قال أردت أني أوقع بعدها طلقة] # فصل: فإن قال: أنت طالق طلقة بعدها طلقة. ثم قال: أردت أني أوقع بعدها ~~طلقة. دين، وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين. وإن قال: أنت طالق طلقة ~~قبلها طلقة. وقال: أردت أني طلقتها قبل هذا في # PageV07P479 # نكاح آخر، أو أن زوجا قبلي طلقها. دين، وهل يقبل في الحكم؟ على ثلاثة ~~أوجه؛ أحدها، يقبل. والآخر، لا يقبل. والثالث، يقبل إن كان وجد، وإن لم يكن ~~وجد لم يقبل. والصحيح أنه إذا لم يكن وجد لا يقبل؛ لأنه لا يحتمل ما قاله. ### | [فصل قال أنت طالق طالق طالق وقال أردت التوكيد] # (6010) فصل: فإن قال: أنت طالق طالق طالق. وقال: أردت التوكيد. قبل منه؛ ~~لأن الكلام يكرر للتوكيد، كقوله - عليه السلام -: " فنكاحها باطل باطل باطل ~~". وإن قصد الإيقاع، وكرر الطلقات، طلقت ثلاثا. وإن لم ينو شيئا، لم يقع ~~إلا واحدة؛ لأنه لم يأت بينهما بحرف يقتضي المغايرة، فلا يكن متغايرات. وإن ~~قال: أنت طالق وطالق وطالق. وقال: أردت بالثانية التأكيد. لم يقبل؛ لأنه ~~غاير بينها وبين الأولى بحرف يقتضي العطف والمغايرة، وهذا يمنع التأكيد، ~~وأما الثالثة فهي كالثانية في لفظها. فإن قال: أردت بها التوكيد. دين، وهل ~~يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين؛ إحداهما، يقبل. وهي مذهب الشافعي؛ لأنه ~~كرر لفظ الطلاق مثل الأول، فقبل تفسيره بالتأكيد. # كما لو قال: ms4034 أنت طالق، أنت طالق. والثانية، لا يقبل؛ لأن حرف العطف ~~للمغايرة، فلا يقبل ما يخالف ذلك، كما لا يقبل في الثانية. ولو قال: أنت ~~طالق فطالق فطالق. أو: أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق. فالحكم فيها كالتي ~~عطفها بالواو. وإن غاير بين الحروف، فقال: أنت طالق وطالق، ثم طالق. أو: ~~طالق ثم طالق وطالق. أو: طالق وطالق فطالق. ونحو ذلك، لم يقبل في شيء منها ~~إرادة التوكيد؛ لأن كل كلمة مغايرة لما قبلها، مخالفة لها في لفظها، ~~والتوكيد إنما يكون بتكرير الأول بصورته. ### | [فصل قال أنت مطلقة أنت مسرحة أنت مفارقة] # (6011) فصل: ولو قال: أنت مطلقة، أنت مسرحة، أنت مفارقة. وقال: أردت ~~التوكيد بالثانية والثالثة. قبل؛ لأنه لم يغاير بينهما بالحروف الموضوعة ~~للمغايرة بين الألفاظ، بل أعاد اللفظة بمعناها، ومثل هذا يعاد توكيدا. وإن ~~قال: أنت مطلقة، ومسرحة، ومفارقة. وقال: أردت التوكيد. احتمل أن يقبل منه؛ ~~لأن اللفظ المختلف يعطف بعضه على بعض توكيدا، كقوله: # فألفى قولها كذبا ومينا # ويحتمل أن لا يقبل؛ لأن الواو تقتضي المغايرة، فأشبه ما لو كان بلفظ ~~واحد. ### | [مسألة قال لغير مدخول بها أنت طالق وطالق وطالق] # (6012) مسألة؛ قال: (وإذا قال لغير مدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق. ~~لزمه الثلاث؛ لأنه نسق، وهو مثل قوله: أنت طالق ثلاثا) # PageV07P480 # وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والليث، وربيعة، وابن أبي ليلى. وحكي عن ~~الشافعي في القديم ما يدل عليه. وقال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأبو ~~ثور: لا يقع إلا واحدة؛ لأنه أوقع الأولى قبل الثانية، فلم يقع عليها شيء ~~آخر، كما لو فرقها. # ولنا، أن الواو تقتضي الجمع، ولا ترتيب فيها، فيكون موقعا للثلاث جميعا، ~~فيقعن عليها، كقوله: أنت طالق ثلاثا. أو: طلقة معها طلقتان. ويفارق ما إذا ~~فرقها، فإنها لا تقع جميعا، وكذلك إذا عطف بعضها على بعض بحرف يقتضي ~~الترتيب، فإن الأولى تقع قبل الثانية بمقتضى إيقاعه، وهاهنا لا تقع الأولى ~~حين نطقه بها حتى يتم كلامه، بدليل أنه لو ألحقه استثناء، أو شرطا، أو صفة، ~~لحق ms4035 به، ولم يقع الأول مطلقا، ولو كان يقع حين تلفظه، لم يلحقه شيء من ذلك، ~~وإذا ثبت أنه يقف وقوعه على تمام الكلام، فإنه يقع عند تمام كلامه على ~~الوجه الذي اقتضاه لفظه، ولفظه يقتضي وقوع الطلقات الثلاث مجتمعات، وهو ~~معنى قول الخرقي: لأنه نسق. أي غير مفترق. # فإن قيل: إنما وقف أول الكلام على آخره، مع الشرط والاستثناء؛ لأنه مغير ~~له، والعطف لا يغير فلا يقف عليه، ونتبين أنه وقع أول ما لفظ به، ولذلك لو ~~قال لها: أنت طالق، أنت طالق. لم يقع إلا واحدة. قلنا: ما لم يتم الكلام، ~~فهو عرضة للتغيير، إما بما يخصه بزمن، أو يقيده بقيد كالشرط، وإما بما يمنع ~~بعضه كالاستثناء، وإما بما يبين عدد الواقع، كالصفة بالعدد، وأشباه هذا، ~~فيجب أن يكون واقعا، ولولا ذلك لما وقع بغير المدخول بها ثلاث بحال؛ لأنه ~~لو قال لها: أنت طالق ثلاثا. فوقعت بها طلقة قبل قوله ثلاثا. لم يمكن أن ~~يقع بها شيء آخر. # وأما إذا قال: أنت طالق، أنت طالق. فهاتان جملتان لا تتعلق إحداهما ~~بالأخرى، ولو تعقب إحداهما شرط أو استثناء أو صفة، لم يتناول الأخرى، ولا ~~وجه لوقوف إحداهما على الأخرى، والمعطوف مع المعطوف عليه شيء واحد، لو ~~تعقبه شرط لعاد إلى الجميع، ولأن المعطوف لا يستقل بنفسه، ولا يفيد بمفرده، ~~بخلاف قوله: أنت طالق. فإنها جملة مفيدة، لا تعلق لها بالأخرى، فلا يصح ~~قياسها عليها. ### | [فصل قال أنت طالق طلقتين ونصفا] # (6013) فصل: فإن قال: أنت طالق طلقتين ونصفا. فهي عندنا كالتي قبلها، يقع ~~الثلاث. وقال مخالفونا: يقع طلقتان. # وإن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق. وكرر ذلك ثلاثا، فدخلت، طلقت، في قول ~~الجميع؛ لأن الصفة وجدت، فاقتضى وقوع دفعة واحدة. وإن قال: إن دخلت الدار ~~فأنت طالق وطالق وطالق، فدخلت الدار، طلقت ثلاثا. وبه قال أبو يوسف، ومحمد، ~~وأصحاب الشافعي في أحد # PageV07P481 # الوجهين. وقال أبو حنيفة: يقع واحدة؛ لأن الطلاق المعلق إذا وجدت الصفة، ~~يكون كأنه أوقعه في تلك الحال ms4036 على صفته، ولو أوقعه كذلك، لم يقع إلا واحدة. ~~ولنا، أنه وجد شرط وقوع ثلاث طلقات، غير مرتبات، فوقع الثلاث، كالتي قبلها. ~~وإن قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق طلقة معها طلقتان. فدخلت، طلقت ثلاثا. ~~وذكر مثل هذا بعض أصحاب الشافعي، ولم يحك عنهم فيه خلافا. ### | [فصل قال لغير مدخول بها أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار] # (6014) فصل: وإن قال لغير مدخول بها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق، إن دخلت ~~الدار. أو: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق. أو: إن دخلت فأنت ~~طالق فطالق فطالق. فدخلت، طلقت واحدة، فبانت بها، ولم يقع غيرها. وبهذا قال ~~الشافعي. وذهب القاضي إلى أنها تطلق في الحال واحدة، تبين بها. وهو قول أبي ~~حنيفة في الصورة الأولى؛ لأن " ثم " تقطع الأولى عما بعدها، لأنها للمهلة، ~~فتكون الأولى موقعة، والثانية معلقة بالشرط. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقع ~~حتى تدخل الدار، فيقع بها ثلاث؛ لأن دخول الدار شرط لثلاث، فوقعت، كما لو ~~قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق. # ولنا، أن " ثم " للعطف، وفيها ترتيب، فتعلقت التطليقات كلها بالدخول؛ لأن ~~العطف لا يمنع تعليق الشرط بالمعطوف عليه، ويجب الترتيب فيها، كما يجب لو ~~لم يعلقه بالشرط، وفي هذا انفصال عما ذكروه، ولأن الأولى تلي الشرط، فلم ~~يجز وقوعها بدونه، كما لو لم يعطف عليها، ولأنه جعل الأولى جزاء للشرط، ~~وعقبه إياها بفاء التعقيب، الموضوعة للجزاء، فلم يجز تقديمها عليه كسائر ~~نظائره، ولأنه لو قال: إن دخل زيد داري، فأعطه درهما لم يجز أن يعطيه قبل ~~دخوله، فكذا هاهنا. وما ذكروه تحكم، ليس له شاهد في اللغة، ولا أصل في ~~الشرع. ### | [فصل قال لمدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق] # (6015) فصل: وإن قال لمدخول بها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم ~~طالق. لم يقع بها شيء حتى تدخل الدار، فتقع بها الثلاث. وبهذا قال الشافعي ~~وأبو يوسف، ومحمد. وذهب القاضي إلى وقوع ms4037 طلقتين في الحال، وتبقى الثالثة ~~معلقة بالدخول. وهو ظاهر الفساد، فإنه يجعل الشرط المتقدم للمعطوف، دون ~~المعطوف عليه، ويعلق به ما يبعد عنه، دون ما يليه، ويجعل جزاءه ما لم توجد ~~فيه الفاء التي يجازى بها، دون ما وجدت فيه، تحكما لا يعرف عليه دليلا، ولا ~~نعلم له نظيرا. وإن قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق. فدخلت، ~~طلقت ثلاثا. في قولهم جميعا. # PageV07P482 ### | [مسألة طلق ثلاثا وهو ينوي واحدة] # (6016) مسألة؛ قال: (وإذا طلق ثلاثا، وهو ينوي واحدة، فهي ثلاث) وجملة ~~ذلك أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا. فهي ثلاث، وإن نوى واحدة، ~~لا نعلم فيه خلافا؛ لأن اللفظ صريح في الثلاث، والنية لا تعارض الصريح؛ ~~لأنها أضعف من اللفظ، ولذلك لا نعمل بمجردها، والصريح قوي يعمل بمجرده، من ~~غير نية، فلا يعارض القوي بالضعيف، كما لا يعارض النص بالقياس، ولأن النية ~~إنما تعمل في صرف اللفظ إلى بعض محتملاته، والثلاث نص فيها، لا يحتمل ~~الواحدة بحال، فإذا نوى واحدة، فقد نوى ما لا يحتمله، فلا يصح، كما لو قال: ~~له علي ثلاثة دراهم. وقال: أردت واحدا. ### | [مسألة طلق واحدة وهو ينوي ثلاثا] # (6017) مسألة؛ قال: (وإن طلق واحدة، وهو ينوي ثلاثا، فهي واحدة) أما إذا ~~قال: أنت طالق واحدة. ونوى ثلاثا، لم يقع إلا واحدة؛ لأن لفظه لا يحتمل ~~أكثر منها، فإذا نوى ثلاثا، فقد نوى ما لا يحتمله لفظه، فلو وقع أكثر من ~~ذلك، لوقع بمجرد النية، ومجرد النية لا يقع بها طلاق. وقال أصحاب الشافعي، ~~في أحد الوجهين: يقع ثلاث؛ لأنه يحتمل واحدة معها اثنتان. وهذا فاسد، فإن ~~قوله: معها اثنتان. لا يؤديه معنى الواحدة، ولا يحتمله، فنيته فيه نية ~~مجردة، فلا تعمل، كما لو نوى الطلاق من غير لفظ. وأما إذا قال: أنت طالق. ~~ونوى ثلاثا، فهذا فيه روايتان؛ إحداهما، لا يقع إلا واحدة، وهو قول الحسن، ~~وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي؛ لأن هذا اللفظ لا يتضمن ~~عددا، ولا بينونة، فلم تقع ms4038 به الثلاث، كما لو قال: أنت طالق واحدة. # بيانه أن قوله: أنت طالق. إخبار عن صفة هي عليها، فلم يتضمن العدد، ~~كقوله: قائمة، وحائض، وطاهر. والرواية الثانية، إذا نوى ثلاثا، وقع الثلاث. ~~وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد، وابن المنذر؛ لأنه لفظ لو قرن به لفظ ~~الثلاث، كان ثلاثا، فإذا نوى به الثلاث، كان ثلاثا، كالكنايات، ولأنه نوى ~~بلفظه ما يحتمله، فوقع ذلك به، كالكناية. وبيان احتمال اللفظ للعدد، أنه ~~يصح تفسيره به؛ فيقول: أنت طالق ثلاثا. ولأن قوله: طالق. # اسم فاعل، واسم الفاعل يقتضي المصدر، كما يقتضيه الفعل، والمصدر يقع على ~~القليل والكثير، وفارق قوله: أنت حائض وطاهر؛ لأن الحيض والطهر لا يمكن ~~تعدده في حقها، والطلاق يمكن تعدده. ### | [فصل قال أنت طالق طلاقا ونوى ثلاثا] # (6018) فصل: فإن قال: أنت طالق طلاقا. ونوى ثلاثا، وقع؛ لأنه صرح ~~بالمصدر، والمصدر يقع على القليل والكثير، # PageV07P483 # فقد نوى بلفظه ما يحتمله، وإن نوى واحدة، فهي واحدة، وإن أطلق فهي واحدة؛ ~~لأنه اليقين. وإن قال: أنت طالق الطلاق. وقع ما نواه، وإن لم ينو شيئا، ~~فحكى فيها القاضي روايتين؛ إحداهما: يقع الثلاث. نص عليها أحمد، في رواية ~~مهنا؛ لأن الألف واللام للاستغراق، فيقتضي استغراق الكل، وهو ثلاث. ~~والثانية، إنها واحدة؛ لأنه يحتمل أن تعود الألف واللام إلى معهود، يريد ~~الطلاق الذي أوقعته. ولأن اللام في أسماء الأجناس تستعمل لغير الاستغراق ~~كثيرا، كقوله: ومن أكره على الطلاق. وإذا عقل الصبي الطلاق. واغتسلت ~~بالماء. وتيممت بالتراب. # وقرأت العلم والحديث والفقه. هذا مما يراد به ذلك الجنس، ولا يفهم منه ~~الاستغراق، فعند ذلك لا يحمل على التعميم، إلا بنية صارفة إليه. وهكذا لو ~~قال لامرأته: أنت الطلاق. فإن أحمد قال: إن أراد ثلاثا، فهي ثلاث، وإن نوى ~~واحدة، فهي واحدة، وإن لم ينو شيئا، فكلام أحمد يقتضي أن تكون ثلاثا؛ لأنه ~~إذا قال: أنت الطلاق. فهذا قد بين. أي شيء بقي. هي ثلاث. وهذا اختيار أبي ~~بكر. ويخرج فيها أنها واحدة، بناء على المسألة قبلها. ووجه ms4039 القولين ما ~~تقدم، ومما يبين أنه يراد بها الواحد قول الشاعر: # فأنت الطلاق وأنت الطلاق ... وأنت الطلاق ثلاثا تماما # فجعل المكرر ثلاثا ثلاثا، ولو كان للاستغراق لكان ذلك تسعا. ### | [فصل قال الطلاق يلزمني أو الطلاق لي لازم] # (6019) فصل: ولو قال: الطلاق يلزمني. أو: الطلاق لي لازم. فهو صريح؛ فإنه ~~يقال لمن وقع طلاقه: لزمه الطلاق. وقالوا: إذا عقل الصبي الطلاق، فطلق، ~~لزمه. ولعلهم أرادوا: لزمه حكمه. فحذفوا المضاف، وأقاموا المضاف إليه ~~مقامه، ثم اشتهر ذلك، حتى صار من الأسماء العرفية، وانغمرت الحقيقة فيه. ~~ويقع به ما نواه من واحدة، أو اثنتين، أو ثلاث. وإن أطلق ففيه روايتان، ~~وجههما ما تقدم. وإن قال: علي الطلاق. فهو بمثابة قوله: الطلاق يلزمني، لأن ~~من لزمه شيء فهو عليه كالدين، وقد اشتهر استعمال هذا في إيقاع الطلاق. # ويخرج فيه في حالة الإطلاق الروايتان؛ هل هو ثلاث أو واحدة؟ والأشبه في ~~هذا جميعه أن يكون واحدة؛ لأن أهل العرف لا يعتقدونه ثلاثا، ولا يعلمون أن ~~الألف واللام للاستغراق، ولهذا ينكر أحدهم أن يكون طلق ثلاثا، ولا يعتقد ~~أنه طلق إلا واحدة، فمقتضى اللفظ في ظنهم واحدة، فلا يريدون إلا ما ~~يعتقدونه مقتضى للفظهم، فيصير كأنهم نووا الواحدة. # PageV07P484 ### | [فصل قال أنت طالق للسنة] # (6020) فصل: وإن قال: أنت طالق للسنة. طلقت واحدة في وقت السنة. وذهب أبو ~~حنيفة إلى أنها تطلق ثلاثا، في ثلاثة قروء، بناء منه على أن هذا هو السنة. ~~وقد بينا أن طلاق السنة طلقة واحدة، في طهر لم يصبها فيه. وإن قال: أنت ~~طالق طلاق السنة. وقعت بها واحدة في طهر لم يصبها فيه أيضا، إلا أن ينوي ~~الثلاث، فتكون ثلاثا؛ لأنه ذكر المصدر، والمصدر يقع على الكثير والقليل، ~~بخلاف التي قبلها. ### | [فصل قال العجمي بهشتم لبسيار طلقت امرأته ثلاثا] # (6021) فصل: وإن قال العجمي: بهشتم لبسيار. طلقت امرأته ثلاثا. نص عليه ~~أحمد؛ لأن معناه: أنت طالق كثيرا. وإن قال: بهشتم. فحسب، طلقت واحدة، إلا ~~أن ينوي ثلاثا، فتكون ثلاثا. نص عليه أحمد، في ms4040 رواية ابن منصور. وقال ~~القاضي: يتخرج فيه روايتان؛ بناء على قوله: أنت طالق؛ لأن هذا صريح، وذاك ~~صريح، فهما سواء. والصحيح أنه يقع ما نواه؛ لأن معناها خليتك، وخليتك يقع ~~بها ما نواه، وكذا هاهنا، وإنما صارت صريحة لشهرة استعمالها في الطلاق، ~~وتعينها له، وذلك لا ينفي معناها، ولا يمنع العمل به إذا أراده. وإن قال: ~~فارقتك. أو: سرحتك. ونوى واحدة، أو أطلق، فهي واحدة. وإن نوى ثلاثا، فهي ~~ثلاث؛ لأنه فعل يمكن أن يعبر به عن القليل والكثير، وكذلك لو قال: طلقتك. ### | [فصل لا يقع الطلاق بغير لفظ الطلاق إلا في موضعين] # (6022) فصل: ولا يقع الطلاق بغير لفظ الطلاق، إلا في موضعين؛ أحدهما، من ~~لا يقدر على الكلام، كالأخرس إذا طلق بالإشارة، طلقت زوجته. وبهذا قال ~~مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم عن غيرهم خلافهم؛ وذلك لأنه لا ~~طريق له إلى الطلاق إلا بالإشارة، فقامت إشارته مقام الكلام من غير نية، ~~كالنكاح، فأما القادر، فلا يصح طلاقه بالإشارة، كما لا يصح نكاحه بها، فإن ~~أشار الأخرس بأصابعه الثلاث إلى الطلاق، طلقت ثلاثا؛ لأن إشارته جرت مجرى ~~نطق غيره. # ولو قال الناطق: أنت طالق. وأشار بأصابعه الثلاث. لم يقع إلا واحدة؛ لأن ~~إشارته لا تكفي. وإن قال: أنت طالق هكذا. وأشار بأصابعه الثلاث، طلقت ~~ثلاثا؛ لأن قوله هكذا تصريح بالتشبيه بالأصابع في العدد، # PageV07P485 # وذلك يصلح بيانا، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الشهر هكذا ~~وهكذا وهكذا» . وأشار بيديه مرة ثلاثين، ومرة تسعا وعشرين. وإن قال: أردت ~~الإشارة بالأصبعين المقبوضتين قبل منه؛ لأنه يحتمل ما يدعيه الموضع الثاني، ~~إذا كتب الطلاق، فإن نواه طلقت زوجته وبهذا قال الشعبي، والنخعي، والزهري، ~~والحكم، وأبو حنيفة، ومالك وهو المنصوص عن الشافعي # وذكر بعض أصحابه، أن له قولا آخر، أنه لا يقع به طلاق، وإن نواه؛ لأنه ~~فعل من قادر على النطق، فلم يقع به الطلاق، كالإشارة ولنا أن الكتابة حروف، ~~يفهم منها الطلاق، فإذا أتى فيها بالطلاق، وفهم منها، ونواه، وقع كاللفظ، ~~ولأن ms4041 الكتابة تقوم مقام قول الكاتب؛ بدلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان مأمورا بتبليغ رسالته، فحصل ذلك في حق البعض بالقول، وفي حق آخرين ~~بالكتابة إلى ملوك الأطراف، ولأن كتاب القاضي يقوم مقام لفظه في إثبات ~~الديون والحقوق؛ فأما إن كان كتب ذلك من غير نية، فقال أبو الخطاب: قد ~~خرجها القاضي الشريف في " الإرشاد " على روايتين؛ إحداهما، يقع وهو قول ~~الشعبي، والنخعي، والزهري، والحكم؛ لما ذكرنا والثانية: لا يقع إلا بنية ~~وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ومنصوص الشافعي؛ لأن الكتابة محتملة، فإنه يقصد ~~بها تجربة القلم، وتجويد الخط، وغم الأهل، من غير نية، ككنايات الطلاق # فإن نوى بذلك تجويد خطه، أو تجربة قلمه، لم يقع؛ لأنه لو نوى باللفظ غير ~~الإيقاع، لم يقع، فالكتابة أولى وإذا ادعى ذلك دين فيما بينه وبين الله ~~تعالى، ويقبل أيضا في الحكم في أصح الوجهين؛ لأنه يقبل ذلك في اللفظ ~~الصريح، في أحد الوجهين؛ فهاهنا مع أنه ليس بلفظ أولى وإن قال: نويت غم ~~أهلي فقد قال، في رواية أبي طالب، في من كتب طلاق زوجته، ونوى الطلاق: وقع، ~~وإن أراد أن يغم أهله، فقد عمل في ذلك أيضا يعني أنه يؤاخذ به؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم ~~أو تعمل به» فظاهر هذا أنه أوقع الطلاق؛ لأن غم أهله يحصل بالطلاق، فيجتمع ~~غم أهله ووقوع طلاقه، كما لو قال: أنت طالق يريد به غمها # ويحتمل # PageV07P486 # أن لا يقع؛ لأنه أراد غم أهله بتوهم الطلاق، دون حقيقته، فلا يكون ناويا ~~للطلاق، والخبر إنما يدل على مؤاخذته بما نواه عند العمل به، أو الكلام، ~~وهذا لم ينو طلاقا، فلا يؤاخذ به ### | [فصل كتب الأخرس الطلاق بشيء لا يبين] # (6023) فصل: وإن كتبه بشيء لا يبين مثل أن كتب بأصبعه على وسادة، أو في ~~الهواء، فظاهر كلام أحمد، أنه لا يقع وقال أبو حفص العكبري: يقع ورواه ~~الأثرم عن الشعبي؛ لأنه كتب حروف الطلاق، ms4042 فأشبه ما لو كتبه بشيء يبين ~~والأول أولى؛ لأن الكتابة التي لا تبين، كالهمس بالفم، بما لا يتبين، وثم ~~لا يقع، فهاهنا أولى. ### | [فصل كتب لزوجته أنت طالق ثم استمد] # (6024) فصل: إذا كتب لزوجته: أنت طالق ثم استمد، فكتب: إذا أتاك كتابي أو ~~علقه بشرط، أو استثناء، وكان في حال كتابته للطلاق مريدا للشرط، لم يقع ~~طلاقه في الحال؛ لأنه لم ينو الطلاق في الحال، بل نواه في وقت آخر، وإن كان ~~نوى الطلاق في الحال، غير معلق بشرط، طلقت للحال وإن لم ينو شيئا، وقلنا: ~~إن المطلق يقع به الطلاق نظرنا، فإن كان استمدادا لحاجة، أو عادة، لم يقع ~~طلاق قبل وجود الشرط؛ لأنه لو قال: أنت طالق ثم أدركه النفس، أو شيء يسكته، ~~فسكت لذلك، ثم أتى بشرط تعلق به، فالكتابة أولى # وإن استمد لغير حاجة ولا عادة، وقع الطلاق، كما لو سكت بعد قوله: أنت ~~طالق لغير حاجة، ثم ذكر شرطا وإن قال: إنني كتبته مريدا للشرط فقياس قول ~~أصحابنا، أنها لا تطلق قبل الشرط إلا أنه يدين وهل يقبل في الحكم؟ على ~~وجهين بناء على قولهم في من قال: أنت طالق ثم قال: أردت تعليقه على شرط وإن ~~كتب إلى امرأته: أما بعد، فأنت طالق طلقت في الحال، سواء وصل إليها الكتاب، ~~أو لم يصل وعدتها من حين كتبه # وإن كتب إليها: إذا وصلك كتابي فأنت طالق فأتاها الكتاب، طلقت عند وصوله ~~إليها، وإن ضاع ولم يصلها، لم تطلق؛ لأن الشرط وصوله وإن ذهبت كتابته بمحو، ~~أو غيره، ووصل الكاغد، لم تطلق؛ لأنه ليس بكتاب وكذلك إن انطمس ما فيه ~~لعرق، أو غيره؛ لأن الكتاب عبارة عما فيه الكتابة وإن ذهبت حواشيه، أو تخرق ~~منه شيء لا يخرجه عن كونه كتابا، ووصل باقيه طلقت؛ لأن الباقي كتاب # وإن تخرق بعض ما فيه الكتابة سوى ما فيه ذكر الطلاق فوصل طلقت؛ لأن ~~المقصود باق، فينصرف الاسم إليه وإن تخرق ما فيه ذكر الطلاق فذهب، ووصل ~~باقيه، لم ms4043 تطلق؛ لأن المقصود ذاهب فإن قال لها: إذا أتاك طلاقي فأنت طالق ~~ثم كتب إليها: إذا أتاك كتابي فأنت طالق فأتاها الكتاب، طلقت طلقتين؛ لوجود ~~الصفتين في مجيء الكتاب فإن قال: أردت إذا أتاك كتابي، فأنت طالق بذلك # PageV07P487 # الطلاق الذي علقته دين وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين. ### | [فصل لا يثبت الكتاب بالطلاق إلا بشاهدين عدلين] # (6025) فصل: ولا يثبت الكتاب بالطلاق إلا بشاهدين عدلين، أن هذا كتابه ~~قال أحمد، في رواية حرب في امرأة أتاها كتاب زوجها بخطه وخاتمه بالطلاق: لا ~~تتزوج حتى يشهد عندها شهود عدول قيل له: فإن شهد حامل الكتاب؟ قال: لا، إلا ~~شاهدان فلم يقبل قول حامل الكتاب وحده حتى يشهد معه غيره؛ لأن الكتب ~~المثبتة للحقوق لا تثبت إلا بشاهدين، ككتاب القاضي وظاهر كلام أحمد، أن ~~الكتاب يثبت عندها بشهادتهما بين يديها، وإن لم يشهدا به عند الحاكم؛ لأن ~~أثره في حقها في العدة، وجواز التزويج بعد انقضائها، وهذا معنى يختص به لا ~~يثبت به حق على الغير، فاكتفي فيه بسماعها للشهادة # ولو شهد شاهدان، أن هذا خط فلان، لم يقبل؛ لأن الخط يشبه به ويزور، ولهذا ~~لم يقبله الحاكم، ولو اكتفي بمعرفة الخط، لاكتفي بمعرفتها له من غير شهادة ~~وذكر القاضي أنه لا يصح شهادة الشاهدين، حتى يشاهداه يكتبه، ثم لا يغيب ~~عنهما حتى يؤديا الشهادة وهذا مذهب الشافعي والصحيح أن هذا ليس بشرط فإن ~~كتاب القاضي لا يشترط فيه ذلك فهذا أولى، وقد يكون صاحب الكتاب لا يعرف ~~الكتابة وإنما يستنيب فيها وقد يستنيب فيها من يعرفها بل متى أتاها بكتاب ~~وقرأه عليهما وقال: هذا كتابي كان لهما أن يشهدا به. ### | [باب الطلاق بالحساب] ### | [مسألة قال لها نصفك طالق أو يدك أو عضو من أعضائك طالق] ### | [الفصل الأول أنه إذا طلق جزءا منها] # مسألة: قال: (وإذا قال لها: نصفك طالق أو يدك أو عضو من أعضائك طالق أو ~~قال لها: أنت طالق نصف تطليقة أو ربع تطليقة وقعت بها واحدة) الكلام في ms4044 هذه ~~المسألة في فصلين: (6027) الفصل الأول أنه إذا طلق جزءا منها والثاني إذا ~~طلق جزءا من طلقة فأما الأول فإنه متى طلق من المرأة جزءا من أجزائها ~~الثابتة طلقت كلها سواء كان جزءا شائعا كنصفها أو سدسها أو جزءا من ألف جزء ~~منها أو جزءا معينا كيدها أو رأسها أو أصبعها وهذا قول الحسن ومذهب الشافعي ~~وأبي ثور وابن القاسم صاحب مالك وذهب أصحاب الرأي إلى أنه إن أضافه إلى جزء ~~شائع أو واحد من أعضاء خمسة؛ الرأس والوجه والرقبة والظهر والفرج # PageV07P488 # طلقت # وإن أضافه إلى جزء معين غير هذه الخمسة لم تطلق؛ لأنه جزء تبقى الجملة ~~منه بدونه أو جزء لا يعبر به عن الجملة فلم تطلق المرأة بإضافة الطلاق إليه ~~كالسن والظفر ولنا أنه أضاف الطلاق إلى جزء ثابت استباحه بعقد النكاح فأشبه ~~الجزء الشائع والأعضاء الخمسة ولأنها جملة لا تتبعض في الحل والحرمة وجد ~~فيها ما يقتضي التحريم والإباحة فغلب فيها حكم التحريم كما لو اشترك مسلم ~~ومجوسي في قتل صيد وفارق ما قاسوا عليه؛ فإنه ليس بثابت والشعر والظفر ليس ~~بثابت فإنهما يزولان ويخرج غيرهما ولا ينقض مسهما الطهارة. ### | [الفصل الثاني طلقها نصف تطليقة أو جزءا منها] # (6028) الفصل الثاني: إذا طلقها نصف تطليقة أو جزءا منها وإن قل فإنه يقع ~~بها طلقة كاملة في قول عامة أهل العلم إلا داود قال: لا تطلق بذلك قال ابن ~~المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أنها تطلق بذلك؛ منهم الشعبي ~~والحارث العكلي والزهري وقتادة والشافعي وأصحاب الرأي وأبو عبيد قال أبو ~~عبيد: وهو قول مالك وأهل الحجاز والثوري وأهل العراق وذلك لأن ذكر بعض ما ~~لا يتبعض في الطلاق ذكر لجميعه كما لو قال: نصفك طالق. ### | [فصل قال أنت طالق نصفي طلقة] # (6029) فصل: فإن قال: أنت طالق نصفي طلقة وقعت طلقة؛ لأن نصفي الشيء كله ~~وإن قال: ثلاثة أنصاف طلقة طلقت طلقتين؛ لأن ثلاثة أنصاف طلقة ونصف فكمل ~~النصف فصارا طلقتين وهذا وجه لأصحاب الشافعي ms4045 ولهم وجه آخر أنها لا تطلق إلا ~~واحدة؛ لأنه جعل الأنصاف من طلقة واحدة فيسقط ما ليس منها وتقع طلقة ولا ~~يصح؛ لأن إسقاط الطلاق الموقع من الأهل في المحل لا سبيل إليه وإنما ~~الإضافة إلى الطلقة الواحدة غير صحيحة فلغت الإضافة وإن قال: أنت طالق نصف ~~طلقتين طلقت واحدة؛ لأن نصف الطلقتين طلقة وذكر أصحاب الشافعي وجها آخر أنه ~~يقع طلقتان؛ لأن اللفظ يقتضي النصف من كل واحدة منهما ثم يكمل # وما ذكرناه أولى؛ لأن التنصيف يتحقق به وفيه عمل باليقين وإلغاء الشك ~~وإيقاع ما أوقعه من غير زيادة فكان أولى وإن قال: أنت طالق نصفي طلقتين ~~وقعت طلقتان؛ لأن نصفي الشيء جميعه فهو كما لو قال: أنت طالق طلقتين وإن ~~قال: أنت طالق نصف ثلاث طلقات طلقت طلقتين؛ لأن نصفها طلقة ونصف ثم يكمل ~~النصف فتصير طلقتين. ### | [فصل قال أنت طالق نصف وثلث وسدس طلقة] # (6030) فصل: وإن قال: أنت طالق نصف وثلث وسدس طلقة وقعت طلقة؛ لأنها ~~أجزاء الطلقة ولو قال: أنت # PageV07P489 # طالق نصف طلقة وثلث طلقة وسدس طلقة فقال أصحابنا: يقع ثلاث؛ لأنه عطف ~~جزءا من طلقة على جزء من طلقة فظاهره أنها طلقات متغايرة ولأنها لو كانت ~~الثانية هي الأولى لجاء بها فاللام التعريف فقال: ثلث الطلقة وسدس الطلقة ~~فإن أهل العربية قالوا: إذا ذكر لفظ ثم أعيد منكرا فالثاني غير الأول وإن ~~أعيد معرفا بالألف واللام فالثاني هو الأول كقوله تعالى: {فإن مع العسر ~~يسرا} [الشرح: 5] {إن مع العسر يسرا} [الشرح: 6] فالعسر الثاني هو الأول؛ ~~لإعادته معرفا واليسر الثاني غير الأول؛ لإعادته منكرا ولهذا قيل: لن يغلب ~~عسر يسرين # وقيل: لو أراد بالثانية الأولى لذكرها بالضمير؛ لأنه الأولى وإن قال: أنت ~~طالق نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة طلقت طلقة؛ لأنه لم يعطف بواو العطف فيدل ~~على أن هذه الأجزاء من طلقة غير متغايرة ولأنه يكون الثاني هاهنا بدلا من ~~الأول والثالث من الثاني والبدل هو المبدل أو بعضه فلم يقتض المغايرة وعلى ~~هذا التعليل ms4046 لو قال: أنت طالق طلقة نصف طلقة أو طلقة طلقة لم تطلق إلا طلقة ~~فإن قال: أنت طالق نصفا وثلثا وسدسا لم يقع إلا طلقة؛ لأن هذه أجزاء الطلقة ~~إلا أن يريد من كل طلقة جزءا فتطلق ثلاثا ولو قال: أنت طالق نصفا وثلثا ~~وربعا طلقت طلقتين؛ لأنه يزيد على الطلقة نصف سدس ثم يكمل # وإن أراد من كل طلقة جزءا طلقت ثلاثا وإن قال: أنت طلقة أو: أنت نصف طلقة ~~أو أنت نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة أو أنت نصف طالق وقع بها طلقة؛ بناء على ~~قولنا في: أنت الطلاق أنه صريح في الطلاق وهاهنا مثله. ### | [فصل قال لأربع نسوة له أوقعت بينكن طلقة] # (6031) فصل: فإن قال لأربع نسوة له: أوقعت بينكن طلقة طلقت كل واحدة منهن ~~طلقة كذلك قال الحسن والشافعي وابن القاسم وأبو عبيد وأصحاب الرأي؛ لأن ~~اللفظ اقتضى قسمها بينهن لكل واحدة ربعها ثم تكملت وإن قال: بينكن طلقة ~~فكذلك نص عليه أحمد؛ لأن معناه أوقعت بينكن طلقة وإن قال: أوقعت بينكن ~~طلقتين وقع بكل واحدة طلقة ذكره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة والشافعي ~~وقال أبو بكر والقاضي: تطلق كل واحدة طلقتين وروي عن أحمد ما يدل عليه فإنه ~~روي عنه في رجل قال: أوقعت بينكن ثلاث تطليقات: ما أرى إلا قد بن منه؛ ~~لأننا إذا قسمنا كل طلقة بينهن حصل لكل واحدة جزءان من طلقتين ثم تكمل ~~والأول أولى؛ لأنه لو قال: أنت طالق نصف # PageV07P490 # طلقتين طلقت واحدة ويكمل نصيبها من الطلاق في واحدة فيكون لكل واحدة نصف ~~ثم يكمل طلقة واحدة وإنما يقسم بالأجزاء مع الاختلاف كالدور ونحوها من ~~المختلفات أما الجمل المتساوية من جنس كالنقود فإنما تقسم برءوسها # ويكمل نصيب كل واحد من واحد كأربعة لهم درهمان صحيحان فإنه يجعل لكل واحد ~~نصف من درهم واحد والطلقات لا اختلاف فيها؛ ولأن فيما ذكرناه أخذا باليقين ~~فكان أولى من إيقاع طلقة زائدة بالشك فإن أراد قسمة كل طلقة بينهن فهو على ~~ما ms4047 قال أبو بكر وإن قال: أوقعت بينكن ثلاث طلقات أو أربع طلقات فعلى قولنا: ~~تطلق كل واحدة طلقة وعلى قولهما يطلقن ثلاثا ثلاثا، وإن قال: أوقعت بينكن ~~خمس طلقات وقع بكل واحدة طلقتان كذلك قال الحسن وقتادة والشافعي وأبو ثور ~~وأصحاب الرأي؛ لأن نصيب كل واحدة طلقة وربع ثم تكمل وكذلك إن قال: ستا أو ~~سبعا أو ثمانيا وإن قال: أوقعت بينكن تسعا طلقن ثلاثا ثلاثا. ### | [فصل قال بين نسائه أوقعت بينكن طلقة وطلقة وطلقة] # (6032) فصل: فإن قال: أوقعت بينكن طلقة وطلقة وطلقة وقع بكل واحدة منهن ~~ثلاث؛ لأنه لما عطف وجب قسم كل طلقة على حدتها ويستوي في ذلك المدخول بها ~~وغيرها في قياس المذهب؛ لأن الواو لا تقتضي ترتيبا وإن قال: أوقعت بينكن ~~نصف طلقة وثلث طلقة وسدس طلقة فكذلك؛ لأن هذا يقتضي وقوع ثلاث على ما قدمنا ~~وإن قال: أوقعت بينكن طلقة فطلقة فطلقة أو طلقة ثم طلقة ثم طلقة أو أوقعت ~~بينكن طلقة وأوقعت بينكن طلقة وأوقعت بينكن طلقة طلقن ثلاثا إلا التي لم ~~يدخل بها فإنها لا تطلق إلا واحدة؛ لأنها بانت بالأولى فلم يلحقها ما ~~بعدها. ### | [فصل قال لنسائه أنتن طوالق ثلاثا] # (6033) فصل: فإن قال لنسائه: أنتن طوالق ثلاثا أو: طلقتكن ثلاثا طلقن ~~ثلاثا ثلاثا نص عليه أحمد؛ لأن قوله طلقتكن يقتضي تطليق كل واحدة منهن ~~وتعميمهن به ثم وصف ما عمهن به من الطلاق بأنه ثلاث فصار لكل واحدة ثلاث ~~بخلاف قوله: أوقعت بينكن ثلاثا فإنه يقتضي قسمة الثلاث عليهن لكل واحدة ~~منهن جزء منها وجزء الواحدة من الثلاث ثلاثة أرباع تطليقة. ### | [مسألة قال لها شعرك أو ظفرك طالق] # (6034) مسألة: قال: (وإن قال لها: شعرك أو ظفرك طالق لم تطلق) # PageV07P491 # لأن الشعر والظفر يزولان ويخرج غيرهما فليس هما كالأعضاء الثابتة وبهذا ~~قال أصحاب الرأي وقال مالك والشافعي: تطلق بذلك، ونحوه عن الحسن؛ لأنه جزء ~~يستباح بنكاحها فتطلق بطلاقه كالأصبع ولنا أنه جزء ينفصل عنها في حال ~~السلامة فلم تطلق بطلاقه كالحمل والريق فإنه ms4048 لا خلاف فيهما وفارق الأصبع ~~فإنها لا تنفصل في حال السلامة ولأن الشعر لا روح فيه ولا ينجس بموت ~~الحيوان ولا ينقض الوضوء مسه فأشبه العرق والريق واللبن ولأن الحمل متصل ~~بها وإنما لم تطلق بطلاقه؛ لأن مآله إلى الانفصال وهذه كذلك والسن في ~~معناهما؛ لأنها تزول من الصغير ويخلف غيرها وتنقلع من الكبير. ### | [فصل تطليق بعض المرأة] # فصل: وإن أضافه إلى الريق والدمع والعرق والحمل لم تطلق لا نعلم فيه ~~خلافا؛ لأن هذه ليست من جسمها وإنما الريق والدمع والعرق فضلات تخرج من ~~جسمها فهو كلبنها والحمل مودع فيها قال الله تعالى: {وهو الذي أنشأكم من ~~نفس واحدة فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] قيل: مستودع في بطن الأم وإن ~~أضافه إلى الزوج فقال أبو بكر: لا يختلف قول أحمد في الطلاق والعتاق ~~والظهار والحرام أن هذه الأشياء لا تقع إذا ذكر أربعة أشياء؛ الشعر والسن ~~والظفر والروح جرد القول عنه مهنا بن يحيى والفضل بن زياد القطان فبذلك ~~أقول ووجهه أن الروح ليست عضوا ولا شيئا يستمتع به. ### | [مسألة شك في طلاقه فلم يدر أطلق أم لا] # (6036) مسألة؛ قال: (وإذا لم يدر أطلق أم لا فلا يزول يقين النكاح بشك ~~الطلاق) وجملة ذلك أن من شك في طلاقه لم يلزمه حكمه نص عليه أحمد وهو مذهب ~~الشافعي وأصحاب الرأي؛ لأن النكاح ثابت بيقين فلا يزول بشك والأصل في هذا ~~حديث عبد الله بن زيد عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الرجل ~~يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ~~ريحا» متفق عليه فأمره بالبناء على اليقين واطراح الشك ولأنه شك طرأ على ~~يقين فوجب اطراحه كما لو شك المتطهر في الحدث أو المحدث في الطهارة، والورع ~~التزام الطلاق، فإن كان المشكوك فيه طلاقا رجعيا راجع امرأته إن كانت ~~مدخولا بها أو جدد نكاحها إن كانت غير مدخول بها أو قد انقضت عدتها # وإن شك في طلاق ثلاث طلقها واحدة وتركها؛ لأنه ms4049 إذا لم يطلقها فيقين نكاحه ~~باق فلا تحل لغيره، وحكي عن شريك أنه إذا شك في طلاقه طلقها واحدة ثم ~~راجعها؛ لتكون الرجعة عن طلقة فتكون صحيحة في الحكم وليس بشيء؛ لأن التلفظ ~~بالرجعة ممكن مع الشك # PageV07P492 # في الطلاق ولا يفتقر إلى ما تفتقر إليه العبادات من النية ولأنه لو شك في ~~طلقتين فطلق واحدة لصار شاكا في تحريمها عليه فلا تفيده الرجعة. ### | [مسألة طلق فلم يدر واحدة طلق أم ثلاثا] # (6037) مسألة: قال: (وإذا طلق فلم يدر أواحدة طلق أم ثلاثا اعتزلها وعليه ~~نفقتها ما دامت في العدة، فإن راجعها في العدة لزمته النفقة ولم يطأها حتى ~~يتيقن كم الطلاق؛ لأنه متيقن للتحريم شاك في التحليل) وجملة ذلك أنه إذا ~~طلق وشك في عدد الطلاق فإنه يبني على اليقين نص عليه أحمد في رواية ابن ~~منصور في رجل لفظ بطلاق امرأته لا يدري واحدة أم ثلاثا؟ قال: أما الواحدة ~~فقد وجبت عليه وهي عنده حتى يستيقن وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي؛ لأن ما ~~زاد على القدر الذي تيقنه طلاق مشكوك فيه فلم يلزمه كما لو شك في أصل ~~الطلاق، وإذا ثبت هذا فإنه تبقى أحكام المطلق دون الثلاث من إباحة الرجعة. # وإذا راجع وجبت النفقة وحقوق الزوجية قال الخرقي: ويحرم وطؤها ونحوه قول ~~مالك إلا أنه حكي عنه أنه يلزمه الأكثر من الطلاق المشكوك فيه وقولهما: ~~تيقن في التحريم؛ لأنه تيقن وجوده بالطلاق وشك في رفعه بالرجعة فلا يرتفع ~~بالشك كما لو أصاب ثوبه نجاسة وشك في موضعها فإنه لا يزول حكم النجاسة بغسل ~~موضع من الثوب ولا يزول إلا بغسل جميعه وفارق لزوم النفقة فإنها لا تزول ~~بالطلقة الواحدة فهي باقية؛ لأنها كانت باقية ولم يتيقن زوالها وظاهر قول ~~غير الخرقي من أصحابنا أنه إذا راجعها حلت له. # وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور؛ لأن ~~التحريم المتعلق بما ينفيه يزول بالرجعة يقينا فإن التحريم أنواع؛ تحريم ~~تزيله الرجعة وتحريم يزيله نكاح جديد ms4050 وتحريم يزيله نكاح بعد زوج وإصابة ومن ~~تيقن الأدنى لا يثبت فيه حكم الأعلى كمن تيقن الحدث الأصغر لا يثبت فيه حكم ~~الأكبر ويزول تحريم الصلاة بالطهارة الصغرى، ويخالف الثوب فإن غسل بعضه لا ~~يرفع ما تيقنه من النجاسة فنظير مسألتنا أن يتيقن نجاسة كم الثوب ويشك في ~~نجاسة سائره فإن حكم النجاسة فيه يزول بغسل الكم وحدها كذا هاهنا ويمكن منع ~~حصول التحريم هاهنا ومنع يقينه فإن الرجعة مباحة لزوجها في ظاهر المذهب فما ~~هو إذا متيقن للتحريم بل شاك فيه متيقن للإباحة. ### | [فصل رأى رجلان طائرا فحلف أحدهما بالطلاق أنه غراب وحلف الآخر بالطلاق أنه حمام] # (6038) فصل: إذا رأى رجلان طائرا فحلف أحدهما بالطلاق أنه غراب وحلف ~~الآخر بالطلاق أنه حمام فطار ولم يعلما لم يحكم بحنث واحد منهما؛ لأن يقين ~~النكاح ثابت ووقوع الطلاق مشكوك فيه، فإن ادعت # PageV07P493 # امرأة أحدهما حنثه فيها فالقول قوله؛ لأن الأصل معه واليقين في جانبه ولو ~~كان الحالف واحدا فقال: إن كان غرابا فنساؤه طوالق وإن كان حماما فعبيده ~~أحرار أو قال: إن كان غرابا فزينب طالق وإن كان حماما فهند طالق ولم يعلم ~~ما هو لم يحكم بحنثه في شيء؛ لأنه متيقن للنكاح شاك في الحنث فلا يزول عن ~~يقين النكاح والملك بالشك # فأما إن قال أحد الرجلين: إن كان غرابا فامرأته طالق ثلاثا وقال الآخر: ~~إن لم يكن غرابا فامرأته طالق ثلاثا فطار ولم يعلما فقد حنث أحدهما لا ~~بعينه ولا يحكم به في حق واحد منهما بعينه بل تبقى في حقه أحكام النكاح من ~~النفقة والكسوة والسكنى؛ لأن كل واحد منهما يقين نكاحه باق ووقوع طلاقه ~~مشكوك فيه فأما الوطء فذكر القاضي أنه يحرم عليهما؛ لأن أحدهما حانث بيقين، ~~وامرأته محرمة عليه وقد أشكل فحرم عليهما جميعا كما لو حنث في إحدى امرأتيه ~~لا بعينها وقال أصحاب الرأي والشافعي: لا يحرم على واحد منهما وطء امرأته؛ ~~لأنه محكوم ببقاء نكاحه ولم يحكم بوقوع الطلاق عليه وفارق الحانث في إحدى ms4051 ~~امرأتيه؛ لأنه معلوم زوال نكاحه عن إحدى زوجتيه قلنا: إنما تحقق حنثه في ~~واحدة غير معينة وبالنظر إلى كل واحدة مفردة فيقين نكاحها باق وطلاقها ~~مشكوك فيه لكن لما تحققنا أن إحداهما حرام ولم يمكن تمييزها حرمتا عليه ~~جميعا # وكذلك هاهنا قد علمنا أن أحد هذين الرجلين قد طلقت امرأته وحرمت عليه ~~وتعذر التمييز فيحرم الوطء عليهما ويصير كما لو تنجس أحد الإناءين لا بعينه ~~فإنه يحرم استعمال كل واحد منهما سواء كانا لرجلين أو لرجل واحد وقال ~~مكحول: يحمل الطلاق عليهما جميعا، ومال إليه أبو عبيد فإن ادعى كل واحد ~~منهما أنه علم الحال وأنه لم يحنث دين فيما بينه وبين الله تعالى ونحو هذا ~~قال عطاء والشعبي والزهري والحارث العكلي والثوري والشافعي؛ لأن كل واحد ~~منهما يمكن صدقه فيما ادعاه وإن أقر كل واحد منهما أنه الحانث طلقت ~~زوجتاهما بإقرارهما على أنفسهما # وإن أقر أحدهما حنث وحده، وإن ادعت امرأة أحدهما عليه الحنث فأنكر فالقول ~~قوله وهل يحلف؟ يخرج على روايتين. # (6039) فصل: فإن قال أحدهما: إن كان هذا غرابا فعبدي حر، وقال الآخر: إن ~~لم يكن غرابا فعبدي حر، فطار ولم يعلما لم نحكم بعتق واحد من العبدين، فإن ~~اشترى أحدهما عبد صاحبه بعد أن أنكر حنث نفسه عتق الذي اشتراه؛ لأن إنكاره ~~حنث نفسه اعتراف منه بحنث صاحبه وإقرار بعتق الذي اشتراه. # وإذا اشترى من أقر بحريته عتق عليه، وإن لم يكن منه إنكار ولا اعتراف فقد ~~صار العبدان في يده وأحدهما # PageV07P494 # حر ولم يعلم بعينه، ويرجع في تعيينه إلى القرعة وهذا قول أبي الخطاب، ~~وذهب القاضي إلى أنه يعتق الذي اشتراه في الموضعين؛ لأن تمسكه بعبده اعتراف ~~منه برقه وحرية صاحبه، وهذا مذهب الشافعي ولنا أنه لم يعترف لفظا ولا فعل ~~ما يلزم منه الاعتراف فإن الشرع يسوغ له إمساك عبده مع الجهل استنادا إلى ~~الأصل فكيف يكون معترفا مع تصريحه بأنني لا أعلم الحر منهما؟ وإنما اكتفينا ~~في إبقاء رق عبده باحتمال الحنث في حق ms4052 صاحبه فإذا صار العبدان له وأحدهما ~~حر لا بعينه صار كأنهما كانا له فحلف بعتق أحدهما وحده فيقرع بينهما حينئذ # ولو كان الحالف واحدا فقال: إن كان غرابا فعبدي حر وإن لم يكن غرابا ~~فأمتي حرة، ولم يعلم، فإنه يقرع بينهما فيعتق أحدهما فإن ادعى أحدهما أنه ~~الذي عتق أو ادعى كل واحد منهما ذلك فالقول قول السيد مع يمينه. ### | [فصل قال إن كان غرابا فهذه طالق وإن لم يكن غرابا فهذه الأخرى طالق فطار ولم يعلم] # (6040) فصل: وإن قال: إن كان غرابا فهذه طالق وإن لم يكن غرابا فهذه ~~الأخرى طالق فطار ولم يعلم فقد طلقت إحداهما فيحرم عليه قربانهما ويؤخذ ~~بنفقتهما حتى تبين المطلقة منهما؛ لأنهما محبوستان عليه لحقه وذهب أصحابنا ~~إلى أنه يقرع بينهما فتخرج بالقرعة المطلقة منهما كقولنا في العبيد والصحيح ~~أن القرعة لا مدخل لها هاهنا؛ لما سنذكره فيما إذا طلق واحدة وأنسيها وهو ~~قول أكثر أهل العلم فعلى هذا يبقى التحريم فيهما إلى أن يعلم المطلقة منهما ~~ويؤخذ بنفقتهما، فإن قال: هذه التي حنثت فيها حرمت عليه ويقبل قوله في حل ~~الأخرى فإن ادعت التي لم يعترف بطلاقها أنها المطلقة فالقول قوله؛ لأنه ~~منكر، وهل يحلف؟ يخرج على روايتين. ### | [فصل قال إن كان غرابا فنساؤه طوالق وإن لم يكن غرابا فعبيده أحرار وطار ولم يعلم] # (6041) فصل: فإن قال: إن كان غرابا فنساؤه طوالق وإن لم يكن غرابا فعبيده ~~أحرار وطار ولم يعلم منع من التصرف في الملكين حتى يتبين وعليه نفقة ~~الجميع، فإن قال: كان غرابا طلق نساؤه ورق عبيده، فإن ادعى العبيد أنه لم ~~يكن غرابا ليعتقوا فالقول قوله وهل يحلف؟ يخرج على روايتين وإن قال: لم يكن ~~غرابا عتق عبيده ولم تطلق النساء، فإن ادعين أنه كان غرابا ليطلقن، فالقول ~~قوله، وفي تحليفه وجهان وكل موضع قلنا: يستحلف، فنكل عن اليمين قضي عليه ~~بنكوله. # وإن قال: لا أعلم ما الطائر؟ فقياس المذهب أن يقرع بينهما، فإن وقعت ~~القرعة على الغراب طلق النساء، ms4053 ورق العبيد، وإن وقعت على العبيد عتقوا ولم ~~تطلق النساء، وهذا قول أبي ثور وقال أصحاب الشافعي: إن وقعت القرعة على ~~العبيد عتقوا وإن وقعت على النساء لم يطلقن، ولم يعتق العبيد؛ لأن القرعة ~~لها مدخل في العتق لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرع بين العبيد ~~الستة # PageV07P495 # ولا مدخل لها في الطلاق؛ لأنه لم ينقل مثل ذلك فيه ولا يمكن قياسه على ~~العتق؛ لأن الطلاق حل قيد النكاح، والقرعة لا تدخل في النكاح، والعتق حل ~~الملك والقرعة تدخل في تمييز الأملاك قالوا: ولا يقرع بينهم إلا بعد موته ~~ويمكن أن يقال على هذا: إن ما لا يصلح للتعيين في حق الموروث لا يصلح في حق ~~الوارث كما لو كانت اليمين في زوجتين ولأن الإماء محرمات على الموروث ~~تحريما لا تزيله القرعة فلم ينجز للوارث بها كما لو تعين العتق فيهن. ### | [مسألة قال لزوجاته إحداكن طالق ولم ينو واحدة بعينها] # (6042) مسألة؛ قال: (وإذا قال لزوجاته: إحداكن طالق ولم ينو واحدة بعينها ~~أقرع بينهن فأخرجت بالقرعة المطلقة منهن) وجملته أنه إذا طلق امرأة من ~~نسائه لا بعينها فإنها تخرج بالقرعة نص عليه في رواية جماعة وبه قال الحسن ~~وأبو ثور وقال قتادة ومالك: يطلقن جميعا وقال حماد بن أبي سليمان والثوري ~~وأبو حنيفة والشافعي: له أن يختار أيتهن شاء فيوقع عليها الطلاق؛ لأنه يملك ~~إيقاعه ابتداء وتعيينه، فإذا أوقعه ولم يعينه ملك تعيينه؛ لأنه استيفاء ما ~~ملكه # ولنا أن ما ذكرناه مروي عن علي وابن عباس - رضي الله عنهما - ولا مخالف ~~لهما في الصحابة؛ ولأنه إزالة ملك بني على التغليب والسراية فتدخله القرعة ~~كالعتق وقد ثبت الأصل؛ بكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرع بين العبيد ~~الستة ولأن الحق لواحد غير معين فوجب تعيينه بالقرعة كالحرية في العبيد إذا ~~أعتقهم في مرضه ولم يخرج جميعهم من الثلث وكالسفر بإحدى نسائه والبداية ~~بإحداهن في القسم وكالشريكين إذا اقتسما ولأنه طلق واحدة من نسائه لا يعلم ~~عينها فلم يملك تعيينها باختياره كالمنسية، وأما ms4054 الدليل على أنهن لا يطلقن ~~جميعا؛ أنه أضاف الطلاق إلى واحدة فلم يطلق الجميع كما لو عينها # قولهم: إنه كان يملك الإيقاع والتعيين قلنا: ملكه للتعيين بالإيقاع لا ~~يلزم أن يملكه بعده كما لو طلق واحدة بعينها وأنسيها، وأما إن نوى واحدة ~~بعينها طلقت وحدها؛ لأنه عينها بنيته فأشبه ما لو عينها بلفظه وإن قال: ~~إنما أردت فلانة قبل منه؛ لأنه يحتمل ما قاله، وإن مات قبل القرعة والتعيين ~~أقرع الورثة بينهن فمن وقعت عليها قرعة الطلاق فحكمها في الميراث حكم ما لو ~~عينها بالتطليق. ### | [فصل قال لنسائه إحداكن طالق غدا فجاء غد] # (6043) فصل: وإذا قال لنسائه: إحداكن طالق غدا فجاء غد طلقت واحدة منهن، ~~وأخرجت بالقرعة، فإن مات # PageV07P496 # قبل الغد ورثنه كلهن، وإن ماتت إحداهن ورثها؛ لأنها ماتت قبل وقوع ~~الطلاق، فإذا جاء غد أقرع بين الميتة والأحياء، فإن وقعت القرعة على الميتة ~~لم يطلق شيء من الأحياء وصارت كالمعينة بقوله: أنت طالق غدا وقال القاضي: ~~قياس المذهب أن يتعين الطلاق في الأحياء فلو كانتا اثنتين فماتت إحداهما ~~طلقت الأخرى كما لو قال لامرأته وأجنبية: إحداكما طالق وهو قول أبي حنيفة # والفرق بينهما ظاهر فإن الأجنبية ليست محلا للطلاق وقت قوله فلا ينصرف ~~قوله إليها وهذه قد كانت محلا للطلاق، وإرادتها بالطلاق ممكنة وإرادتها ~~بالطلاق كإرادة الأخرى، وحدوث الموت بها لا يقتضي في حق الأخرى طلاقا فتبقى ~~على ما كانت عليه والقول في تعليق العتق كالقول في تعليق الطلاق، وإذا جاء ~~غد وقد باع بعض العبيد أقرع بينه وبين العبيد الأخر، فإن وقعت على المبيع ~~لم يعتق منهم شيء. # وعلى قول القاضي ينبغي أن يتعين العتق في الباقين وكذلك ينبغي أن يكون ~~مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لأن له تعيين العتق عندهم بقوله: فبيع أحدهم صرف ~~للعتق عنه فيتعين في الباقين، وإن باع نصف العبد أقرع بينه وبين الباقين، ~~فإن وقعت قرعة العتق عليه عتق نصفه وسرى إلى باقيه إن كان المعتق موسرا، ~~وإن كان معسرا لم يعتق إلا نصفه. ms4055 ### | [فصل قال امرأتي طالق وأمتي حرة وله نساء وإماء ونوى بذلك معينة] # (6044) فصل: وإذا قال: امرأتي طالق وأمتي حرة، وله نساء وإماء ونوى بذلك ~~معينة انصرف إليها، وإن نوى واحدة مبهمة فهي مبهمة فيهن، وإن لم ينو شيئا؛ ~~فقال أبو الخطاب: يطلق نساؤه كلهن، ويعتق إماؤه؛ لأن الواحد المضاف يراد به ~~الكل كقوله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [النحل: 18] و {أحل لكم ~~ليلة الصيام} [البقرة: 187] ولأن ذلك يروى عن ابن عباس وقال الجماعة: يقع ~~على واحدة مبهمة وحكمه حكم ما لو قال: إحداكن طالق وإحداكن حرة؛ لأن لفظ ~~الواحد لا يستعمل في الجمع إلا مجازا والكلام لحقيقته ما لم يصرفه عنها ~~دليل ولو تساوى الاحتمالان لوجب قصره على الواحدة؛ لأنها اليقين فلا يثبت ~~الحكم فيما زاد عليها بأمر مشكوك فيه، وهذا أصح والله أعلم. ### | [مسألة طلق واحدة من نسائه وأنسيها] # (6045) مسألة؛ قال: (وإذا طلق واحدة من نسائه وأنسيها أخرجت بالقرعة) ~~أكثر أصحابنا على أنه إذا طلق امرأة من نسائه وأنسيها أنها تخرج بالقرعة ~~فيثبت حكم الطلاق فيها ويحل له الباقيات وقد روى إسماعيل بن سعيد عن أحمد ~~ما يدل على أن القرعة لا تستعمل هاهنا # PageV07P497 # لمعرفة الحل وإنما تستعمل لمعرفة الميراث، فإنه قال: سألت أحمد عن الرجل ~~يطلق امرأة من نسائه ولا يعلم أيتهن طلق؟ قال: أكره أن أقول في الطلاق ~~بالقرعة قلت: أرأيت إن مات هذا؟ قال: أقول بالقرعة، وذلك لأنه تصير القرعة ~~على المال وجماعة من روي عنه القرعة في المطلقة المنسية إنما هو في التوريث ~~فأما في الحل فلا ينبغي أن يثبت بالقرعة # وهذا قول أكثر أهل العلم فالكلام إذن في المسألة في شيئين؛ أحدهما في ~~استعمال القرعة في المنسية للتوريث، والثاني في استعمالها فيها للحل أما ~~الأول فوجهه ما روى عبد الله بن حميد قال: سألت أبا جعفر عن رجل قدم من ~~خراسان وله أربع نسوة قدم البصرة فطلق إحداهن، ونكح ثم مات لا يدري الشهود ~~أيتهن طلق؟ فقال: قال علي - رضي الله عنه ms4056 -: أقرع بين الأربع وأنذر منهن ~~واحدة وأقسم بينهن الميراث ولأن الحقوق إذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز ~~إلا بالقرعة صح استعمالها كالشركاء في القسمة والعبيد في الحرية # وأما القرعة في الحل في المنسية فلا يصح استعمالها؛ لأنه اشتبهت عليه ~~زوجته فلم تحل له إحداهما بالقرعة كما لو اشتبهت بأجنبية لم يكن له عليها ~~عقد ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة ولا ترفع الطلاق عمن وقع عليه ~~ولا احتمال كون المطلقة غير من خرجت عليها القرعة ولهذا لو ذكر أن المطلقة ~~غيرها حرمت عليه ولو ارتفع التحريم أو زال الطلاق لما عاد بالذكر فيجب بقاء ~~التحريم بعد القرعة كما كان قبلها وقد قال الخرقي في من طلق امرأته فلم يدر ~~أواحدة طلق أم ثلاثا؟ ومن حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل ~~منه واحدة: لا تحل له امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت عليها اليمين ~~فحرمها مع أن الأصل بقاء النكاح ولم يعارضه يقين التحريم فهاهنا أولى # وهكذا الحكم في كل موضع وقع الطلاق على امرأة بعينها ثم اشتبهت بغيرها؛ ~~مثل أن يرى امرأة في روزنة أو مولية فيقول: أنت طالق ولا يعلم عينها من ~~نسائه، وكذلك إذا أوقع الطلاق على إحدى نسائه في مسألة الطائر وشبهها، فإنه ~~يحرم جميع نسائه عليه حتى تتبين المطلقة ويؤخذ بنفقة الجميع؛ لأنهن محبوسات ~~عليه، وإن أقرع بينهن لم تفد القرعة شيئا ولا يحل لمن وقعت عليها القرعة ~~التزوج؛ لأنه يجوز أن تكون غير المطلقة ولا يحل للزوج غيرها؛ لاحتمال أن ~~تكون المطلقة، وقال أصحابنا: إذا أقرع بينهن، فخرجت القرعة على إحداهن ثبت ~~حكم الطلاق فيها فحل لها النكاح بعد قضاء عدتها وحل # PageV07P498 # للزوج من سواها كما لو كان الطلاق في واحدة غير معينة # واحتجوا بما ذكرنا من حديث علي ولأنها مطلقة لم تعلم بعينها فأشبه ما لو ~~قال: إحداكن طالق ولأنه إزالة أحد الملكين المبنيين على التغليب والسراية ~~أشبه العتق والصحيح إن شاء الله أن القرعة لا تدخل ms4057 هاهنا لما قدمنا وفارق ~~ما قاسوا عليه، فإن الحق لم يثبت لواحد بعينه فجعل الشرع القرعة معينة، ~~فإنها تصلح للتعيين وفي مسألتنا؛ الطلاق واقع في معينة لا محالة، والقرعة ~~لا ترفعه عنها، ولا توقعه على غيرها ولا يؤمن وقوع القرعة على غيرها ~~واحتمال وقوع القرعة على غيرها كاحتمال وقوعها عليها بل هو أظهر في غيرها؛ ~~فإنهن إذا كن أربعا فاحتمال وقوعه في واحدة منهن بعينها أندر من احتمال ~~وقوعه في واحدة من ثلاث ولذلك لو اشتبهت أخته بأجنبية أو ميتة بمذكاة أو ~~زوجته بأجنبية أو حلف بالطلاق لا يأكل تمرة فوقعت في تمر وأشباه ذلك مما ~~يطول ذكره لا تدخله قرعة فكذا هاهنا # وأما حديث علي فهو في الميراث لا في الحل وما نعلم بالقول بها في الحل من ~~الصحابة قائلا (6046) فصل: فعلى قول أصحابنا إذا ذكر أن المطلقة غير التي ~~وقعت عليها القرعة فقد تبين أنها كانت محرمة عليه ويكون وقوع الطلاق من حين ~~طلق لا من حين ذكر، وقوله في هذا مقبول؛ لأنه يقر على نفسه وترد إليه التي ~~خرجت عليها القرعة؛ لأننا تبينا أنها غير مطلقة، والقرعة ليست بطلاق لا ~~صريح ولا كناية، فإن لم تكن تزوجت ردت إليه وقبل قوله في هذا؛ لأنه أمر من ~~جهته لا يعرف إلا من قبله إلا أن تكون قد تزوجت أو يكون بحكم حاكم؛ لأنها ~~إذا تزوجت تعلق بها حق الزوج الثاني فلا يقبل قوله في فسخ نكاحه، والقرعة ~~من جهة الحاكم بالفرقة لا يمكن الزوج رفعها فتقع الفرقة بالزوجين # قال أحمد في رواية الميموني: إذا كان له أربع نسوة فطلق واحدة منهن ولم ~~يدر أيتهن طلق يقرع بينهن، فإن أقرع بينهن فوقعت القرعة على واحدة ثم ذكر ~~التي طلق، فقال: هذه ترجع إليه والتي ذكر أنه طلق يقع الطلاق عليها، فإن ~~تزوجت فهذا شيء قد مر، فإن كان الحاكم أقرع بينهن فلا أحب أن ترجع إليه؛ ~~لأن الحاكم في ذلك أكبر منه وقال أبو بكر وابن حامد: متى أقرع ms4058 ثم قال بعد ~~ذلك: إن المطلقة # PageV07P499 # غيرها وقع الطلاق بهما جميعا ولا ترجع إليه واحدة منهما؛ إلا أن التي ~~عينها بالطلاق تحرم بقوله: وترثه إن مات ولا يرثها ويجيء على قياس قولهما ~~أن تلزمه نفقتها ولا يحل وطؤها # (6047) فصل: فإن قال: هذه المطلقة قبل منه، وإن قال: هذه المطلقة بل هذه ~~طلقتا؛ لأنه أقر بطلاق الأولى فقبل إقراره ثم قبل إقراره بطلاق الثانية ولم ~~يقبل رجوعه عما أقر به من طلاق الأولى وكذلك لو كن ثلاثا فقال: هذه بل هذه ~~بل هذه طلقن كلهن، وإن قال: هذه أو هذه بل هذه طلقت الثالثة وإحدى الأوليين ~~وإن قال: طلقت هذه بل هذه أو هذه طلقت الأولى وإحدى الآخرتين، وإن قال: أنت ~~طالق وهذه أو هذه فقال القاضي: هي كذلك، وذكر أنه قول الكسائي، وقال محمد ~~بن الحسن: تطلق الثانية ويبقى الشك في الأولى والثالثة، وجه الأول أنه عطف ~~الثانية على الأولى بغير شك ثم فصل بين الثانية والثالثة بحرف الشك فيكون ~~الشك فيهما # ولو قال: طلقت هذه أو هذه وهذه طلقت الثالثة، وكان الشك في الأوليين ~~ويحتمل في هاتين المسألتين أن يكون الشك في الجميع؛ لأنه في الأولى أتى ~~بحرف الشك بعدهما فيعود إليهما وفي المسألة الثانية عطف الثالثة على الشك ~~فعلى هذا إذا قال: طلقت هذه وهذه أو هذه طولب بالبيان، فإن قال: هي الثالثة ~~طلقت وحدها، وإن قال: لم أطلقها طلقت الأوليان، وإن لم يبين أقرع بين ~~الأوليين والثالثة قال القاضي في " المجرد ": وهذا أصح، وإن قال: طلقت هذه ~~أو هذه وهذه أخذ بالبيان فإن قال: هي الأولى طلقت وحدها # وإن قال: ليست الأولى طلقت الأخريان كما لو قال: طلقت هذه أو هاتين وليس ~~له الوطء قبل التعيين، فإن وطئ لم يكن تعيينا وإن ماتت إحداهما لم يتعين ~~الطلاق في الأخرى وقال أبو حنيفة: يتعين الطلاق في الأخرى؛ لأنها ماتت قبل ~~ثبوت طلاقها ولنا أن موت إحداهما أو وطأها لا ينفي احتمال كونها مطلقة فلم ~~يكن تعيينا لغيرها كمرضها ms4059 وإن قال: طلقت هذه وهذه أو هذه وهذه فالظاهر أنه ~~طلق اثنتين لا يدري أهما الأوليان أم الآخرتان كما لو قال: طلقت هاتين أو ~~هاتين، فإن قال: هما الأوليان تعين الطلاق فيهما، وإن قال: لم أطلق ~~الأوليين تعين الآخرتان # وإن قال: إنما أشك في طلاق الثانية والآخرتين طلقت الأولى وبقي الشك في ~~الثلاث، ومتى فسر كلامه بشيء محتمل قبل منه. # PageV07P500 ### | [مسألة مات قبل تحديد من التي طلقها من نسائه] # (6048) مسألة؛ قال: (فإن مات قبل ذلك أقرع الورثة، وكان الميراث للبواقي ~~منهن) نص أحمد على هذا وقال أبو حنيفة: يقسم الميراث بينهن كلهن؛ لأنهن ~~تساوين في احتمال استحقاقه ولا يخرج الحق عنهن وقال الشافعي: يوقف الميرات ~~المختص بهن حتى يصطلحن عليه؛ لأنه لا يعلم المستحق منهن # ووجه قول الخرقي قول علي - رضي الله عنه - ولأنهن قد تساوين ولا سبيل إلى ~~التعيين فوجب المصير إلى القرعة كمن أعتق عبيدا في مرضه لا مال له سواهم ~~وقد ثبت الحكم فيهم بالنص ولأن توريث الجميع توريث لمن لا يستحق يقينا ~~والوقف لا إلى غاية حرمان لمن يستحق يقينا والقرعة يسلم بها من هذين ~~المحذورين ولها نظير في الشرع (6049) فصل: فإن مات بعضهن أو جميعهن قرعنا ~~بين الجميع فمن خرجت القرعة لها حرمناه ميراثها وإن مات بعضهن قبله وبعضهن ~~بعده وخرجت القرعة لميتة قبله حرمناه ميراثها، وإن خرجت لميتة بعده حرمناها ~~ميراثه، والباقيات يرثهن ويرثنه، فإن قال الزوج بعد موتها: هذه التي طلقتها ~~أو قال في غير المعينة: هذه التي أردتها حرم ميراثها؛ لأنه يقر على نفسه ~~ويرث الباقيات سواء صدقه ورثتهن أو كذبوه؛ لأن علم ذلك إنما يعرف من جهته ~~ولأن الأصل بقاء النكاح بينهما وهم يدعون طلاقه لها والأصل عدمه # وهل يستحلف على ذلك؟ فيه روايتان؛ فإن قلنا: يستحلف فنكل حرمناه ميراثها؛ ~~لنكوله ولم يرث الأخرى لإقراره بطلاقها، فإن مات فقال ورثته لإحداهن: هذه ~~المطلقة فأقرت أو أقر ورثتها بعد موتها حرمناها ميراثه وإن أنكرت أو أنكر ~~ورثتها فقياس ما ذكرناه أن القول ms4060 قولها؛ لأنها تدعي بقاء نكاحها وهم يدعون ~~زواله والأصل معها فلا يقبل قولهم عليها إلا ببينة، وإن شهد اثنان من ورثته ~~أنه طلقها قبلت شهادتهما إذا لم يكونا ممن يتوفر عليهما ميراثها ولا على من ~~لا تقبل شهادتهما له كأمهما وجدتهما؛ لأن ميراث إحدى الزوجات لا يرجع إلى ~~ورثة الزوج وإنما يتوفر على ضرائرها # وإن ادعت إحدى الزوجات أنه طلقها طلاقا تبين به فأنكرها فالقول قوله، وإن ~~مات لم ترثه لإقرارهما بأنها لا تستحق ميراثه فقبلنا قولها فيما عليها دون ~~ما لها وعليها العدة؛ لأننا لم نقبل قولها فيما عليها، وهذا التفريع فيما ~~إذا كان الطلاق يبينها، فأما إن كان رجعيا ومات في عدتها أو ماتت ورت كل ~~واحد منهما صاحبه. # PageV07P501 ### | [فصل له أربع نسوة فطلق إحداهن ثم نكح أخرى بعد قضاء عدتها ثم مات ولم يعلم أيتهن طلق] # (6050) فصل: وإذا كان له أربع نسوة فطلق إحداهن ثم نكح أخرى بعد قضاء ~~عدتها ثم مات ولم يعلم أيتهن طلق فللتي تزوجها ربع ميراث النسوة نص عليه ~~أحمد ولا خلاف فيه بين أهل العلم ثم يقرع بين الأربع فأيتهن خرجت قرعتها ~~خرجت وورث الباقيات نص عليه أحمد أيضا وذهب الشعبي والنخعي وعطاء الخراساني ~~وأبو حنيفة إلى أن الباقي بين الأربع وزعم أبو عبيد أنه قول أهل الحجاز ~~وأهل العراق جميعا # وقال الشافعي: يوقف الباقي بينهن حتى يصطلحن ووجه الأقوال ما تقدم وقال ~~أحمد في رواية ابن منصور في رجل له أربع نسوة طلق واحدة منهن ثلاثا وواحدة ~~اثنتين وواحدة واحدة ومات على أثر ذلك ولا يدري أيتهن طلق ثلاثا وأيتهن طلق ~~اثنتين وأيتهن واحدة: يقرع بينهن فالتي أبانها تخرج ولا ميراث لها هذا فيما ~~إذا مات في عدتهن، وكان طلاقه في صحته، فإنه لا يحرم الميراث إلا المطلقة ~~ثلاثا والباقيتان رجعيتان يرثنه في العدة ويرثهن ومن انقضت عدتها منهن لم ~~ترثه ولم يرثها ولو كان طلاقه في مرضه الذي مات فيه لورثه الجميع في العدة ~~وفيما بعدها قبل التزويج روايتان. ### | [فصل ms4061 طلق واحدة من نسائه لا يعينها أو يعينها فأنسيها] # (6051) فصل: إذا طلق واحدة من نسائه لا يعينها أو يعينها فأنسيها فانقضت ~~عدة الجميع فله نكاح خامسة قبل القرعة وخرج ابن حامد وجها في أنه لا يصح ~~نكاح الخامسة؛ لأن المطلقة في حكم نسائه بالنسبة إلى وجوب الإنفاق عليها ~~وحرمة النكاح في حقها ولا يصح؛ لأننا علمنا أن منهن واحدة بائنا منه ليست ~~في نكاحه ولا في عدة من نكاحه فكيف تكون زوجته؟ وإنما الإنفاق عليها لأجل ~~حبسها ومنعها من التزوج بغيره؛ لأجل اشتباهها ومتى علمناها بعينها إما ~~بتعيينه أو قرعة فعدتها من حين طلقها لا من حين عينها وذكر أبو حنيفة وبعض ~~أصحاب الشافعي أن عدتها من حين التعيين # وهذا فاسد؛ فإن الطلاق وقع حين إيقاعه وثبت حكمه في تحريم الوطء وحرمان ~~الميراث من الزوج وحرمانه منها قبل التعيين فكذلك العدة وإنما التعيين تبين ~~لما كان واقعا وإن مات الزوج قبل البيان فعلى الجميع عدة الوفاة في قول ~~الشعبي والنخعي وعطاء الخراساني قال أبو عبيد: وهو قول أهل الحجاز والعراق؛ ~~لأن كل واحدة منهن يحتمل أنها باقية على النكاح والأصل بقاؤه فتلزمها # PageV07P502 # عدته # والصحيح أنه يلزم كل واحدة أطول الأجلين من عدة الوفاة وعدة الطلاق لكن ~~عدة الطلاق من حين طلق وعدة الوفاة من حين موته؛ لأن كل واحدة منهن يحتمل ~~أن يكون عليها عدة الوفاة ويحتمل أنها المطلقة فعليها عدة الطلاق فلا تبرأ ~~يقينا إلا بأطولهما وهذا في الطلاق البائن فأما الرجعي؛ فعليها عدة الوفاة ~~بكل حال؛ لأن الرجعية زوجة. ### | [فصل ادعت المرأة أن زوجها طلقها فأنكرها] # (6052) فصل: إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها فأنكرها فالقول قوله؛ لأن ~~الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق إلا أن يكون لها بما ادعته بينة ولا يقبل ~~فيه إلا عدلان ونقل ابن منصور عن أحمد أنه سئل: أتجوز شهادة رجل وامرأتين ~~في الطلاق؟ قال: لا والله إنما كان كذلك لأن الطلاق ليس بمال، ولا المقصود ~~منه المال ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال فلم ms4062 يقبل فيه إلا عدلان ~~كالحدود والقصاص، فإن لم تكن بينة فهل يستحلف؟ فيه روايتان؛ نقل أبو الخطاب ~~أنه يستحلف وهو الصحيح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن اليمين ~~على المدعى عليه» وقوله: «اليمين على من أنكر» ولأنه يصح من الزوج بذله ~~فيستحلف فيه كالمهر # ونقل أبو طالب عنه: لا يستحلف في الطلاق والنكاح؛ لأنه لا يقضى فيه ~~بالنكول فلا يستحلف فيه كالنكاح إذا ادعى زوجيتها فأنكرته، وإن اختلفا في ~~عدد الطلاق فالقول قوله؛ لما ذكرناه فإذا طلق ثلاثا وسمعت ذلك وأنكر أو ثبت ~~ذلك عندها بقول عدلين لم يحل لها تمكينه من نفسها وعليها أن تفر منه ما ~~استطاعت وتمتنع منه إذا أرادها وتفتدي منه إن قدرت قال أحمد: لا يسعها أن ~~تقيم معه وقال أيضا: تفتدي منه بما تقدر عليه، فإن أجبرت على ذلك فلا تزين ~~له ولا تقر به وتهرب إن قدرت وإن شهد عندها عدلان غير متهمين فلا تقيم معه ~~وهذا قول أكثر أهل العلم # قال جابر بن زيد وحماد بن أبي سليمان وابن سيرين: تفر منه ما استطاعت ~~وتفتدي منه بكل ما يمكن وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف وأبو عبيد: تفر ~~منه وقال مالك: لا تتزين له ولا تبدي له شيئا من شعرها ولا عريتها ولا ~~يصيبها إلا وهي مكرهة، وروي عن الحسن والزهري والنخعي يستحلف ثم يكون الإثم ~~عليه والصحيح ما قاله الأولون؛ لأن هذه تعلم أنها أجنبية منه محرمة عليه ~~فوجب عليها الامتناع والفرار منه كسائر الأجنبيات وهكذا لو ادعى نكاح امرأة ~~كذبا وأقام بذلك شاهدي زور فحكم له الحاكم بالزوجية أو لو تزوجها تزويجا ~~باطلا وسلمت إليه بذلك فالحكم في هذا كله كالحكم في المطلقة ثلاثا. ### | [فصل طلقها ثلاثا ثم جحد طلاقها] # (6053) فصل: ولو طلقها ثلاثا ثم جحد طلاقها لم ترثه نص عليه أحمد وبه قال ~~قتادة وأبو حنيفة وأبو يوسف # PageV07P503 # والشافعي وابن المنذر وقال الحسن: ترثه؛ لأنها في حكم الزوجات ظاهرا ولنا ~~أنها تعلم أنها أجنبية فلم ترثه كسائر الأجنبيات، ms4063 وقال أحمد في رواية أبي ~~طالب: تهرب منه ولا تتزوج حتى يظهر طلاقها وتعلم ذلك يجيء فيدعيها فترد ~~عليه وتعاقب وإن مات ولم يقر بطلاقها لا ترثه لا تأخذ ما ليس لها تفر منه ~~ولا تخرج من البلد ولكن تختفي في بلدها قيل له: فإن بعض الناس قال: تقتله ~~هي بمنزلة من يدفع عن نفسه فلم يعجبه ذلك # فمنعها من التزويج قبل ثبوت طلاقها لأنها في ظاهر الحكم زوجة هذا المطلق ~~فإذا تزوجت غيره وجب عليها في ظاهر الشرع العقوبة والرد إلى الأول ويجتمع ~~عليها زوجان هذا بظاهر الأمر وذاك بباطنه ولم يأذن لها في الخروج من البلد؛ ~~لأن ذلك يقوي التهمة في نشوزها ولأن في قتله قصدا؛ لأن الدافع عن نفسه لا ~~يقتل قصدا فأما إن قصدت الدفع عن نفسها فآل إلى نفسه فلا إثم عليها ولا ~~ضمان في الباطن فأما في الظاهر، فإنها تؤخذ بحكم القتل ما لم يثبت صدقها. ### | [فصل طلقها ثلاثا فشهد عليه أربعة أنه وطئها] # (6054) فصل: قال أحمد: إذا طلقها ثلاثا فشهد عليه أربعة أنه وطئها أقيم ~~عليه الحد إنما أوجبه لأنها صارت بالطلاق أجنبية فهي كسائر الأجنبيات بل هي ~~أشد تحريما؛ لأنها محرمة وطئا ونكاحا، فإن جحد طلاقها ووطئها ثم قامت ~~البينة بطلاقه فلا حد عليه وبهذا قال الشعبي ومالك وأهل الحجاز والثوري ~~والأوزاعي وربيعة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر؛ لأن جحده لطلاقه يوهمنا ~~أنه نسيه وذلك شبهة في درء الحد عنه ولا سبيل لنا إلى علم معرفته بالطلاق ~~حالة وطئه إلا بإقراره بذلك، فإن قال: وطئتها عالما بأنني كنت طلقتها ثلاثا ~~كان إقرارا منه بالزنى فيعتبر فيه ما يعتبر في الإقرار بالزنى. ### | [مسألة المطلق إذا بانت زوجته منه ثم تزوجها لم يخل من ثلاثة أحوال] # (6055) مسألة؛ قال: (وإذا طلق زوجته أقل من ثلاث فقضت العدة ثم تزوجت ~~غيره ثم أصابها ثم طلقها أو مات عنها وقضت العدة ثم تزوجها الأول فهي عنده ~~على ما بقي من الثلاث) وجملة ذلك أن المطلق إذا بانت ms4064 زوجته منه ثم تزوجها ~~لم يخل من ثلاثة أحوال؛ أحدها أن تنكح غيره ويصيبها ثم يتزوجها الأول فهذه ~~ترجع إليه على طلاق ثلاث بإجماع أهل العلم قاله ابن المنذر # PageV07P504 # والثاني أن يطلقها دون الثلاث ثم تعود إليه برجعة، أو نكاح جديد قبل زوج ~~ثان فهذه ترجع إليه على ما بقي من طلاقها بغير خلاف نعلمه، والثالث طلقها ~~دون الثلاث فقضت عدتها ثم نكحت غيره ثم تزوجها الأول فعن أحمد فيها روايتان ~~إحداهما ترجع إليه على ما بقي من طلاقها # وهذا قول الأكابر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر وعلي ~~وأبي ومعاذ وعمران بن حصين وأبي هريرة وروي ذلك عن زيد وعبد الله بن عمرو ~~بن العاص وبه قال سعيد بن المسيب وعبيدة والحسن ومالك والثوري وابن أبي ~~ليلى والشافعي وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر ~~والرواية الثانية عن أحمد أنها ترجع إليه على طلاق ثلاث وهذا قول ابن عمر ~~وابن عباس وعطاء والنخعي وشريح وأبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن وطء الزوج الثاني ~~مثبت للحل فيثبت حلا يتسع لثلاث تطليقات كما بعد الثلاث لأن وطء الثاني ~~يهدم الطلقات الثلاث فأولى أن يهدم ما دونها # ولنا أن وطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول فلا يغير حكم ~~الطلاق كوطء السيد ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث فأشبه ما لو رجعت إليه ~~قبل وطء الثاني وقولهم: إن وطء الثاني يثبت الحل لا يصح؛ لوجهين؛ أحدهما: ~~منع كونه مثبتا للحل أصلا وإنما هو في الطلاق الثلاث غاية التحريم بدليل ~~قوله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] وحتى ~~للغاية، وإنما سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الزوج الذي قصد الحيلة ~~محللا تجوزا بدليل أنه لعنه ومن أثبت حلالا يستحق لعنا، والثاني أن الحل ~~إنما يثبت في محل فيه تحريم وهي المطلقة ثلاثا وهاهنا هي حلال له فلا يثبت ~~فيها حل، وقولهم: إنه يهدم الطلاق قلنا: بل هو غاية لتحريمه وما دون الثلاث ms4065 ~~لا تحريم فيها فلا يكون غاية له. ### | [مسألة كان المطلق عبدا وكان طلاقه اثنتين] # (6056) مسألة؛ قال: (وإذا كان المطلق عبدا وكان طلاقه اثنتين لم تحل له ~~زوجته حتى تنكح زوجا غيره حرة كانت الزوجة أو مملوكة؛ لأن الطلاق بالرجال ~~والعدة بالنساء) وجملة ذلك أن الطلاق معتبر بالرجال، فإن كان الزوج حرا؛ ~~فطلاقه ثلاث حرة كانت الزوجة أو أمة وإن كان عبدا؛ فطلاقه اثنتان حرة كانت ~~زوجته أو أمة فإذا طلق اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا # PageV07P505 # غيره روي ذلك عن عمر وعثمان وزيد وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب ومالك ~~والشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال ابن عمر: أيهما رق نقص الطلاق برقه فطلاق ~~العبد اثنتان وإن كان تحته حرة وطلاق الأمة اثنتان وإن كان زوجها حرا. # وروي عن علي وابن مسعود أن الطلاق معتبر بالنساء فطلاق الأمة اثنتان حرا ~~كان الزوج أو عبدا وطلاق الحرة ثلاث حرا كان زوجها أو عبدا وبه قال الحسن ~~وابن سيرين وعكرمة وعبيدة ومسروق والزهري والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة؛ ~~لما روت عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان» رواه أبو داود وابن ماجه ولأن المرأة ~~محل للطلاق فيعتبر بها كالعدة ولنا أن الله تعالى خاطب الرجال بالطلاق فكان ~~حكمه معتبرا بهم # ولأن الطلاق خالص حق الزوج وهو مما يختلف بالرق والحرية فكان اختلافه به ~~كعدد المنكوحات، وحديث عائشة قال أبو داود: راويه مظاهر بن أسلم وهو منكر ~~الحديث وقد أخرجه الدارقطني في " سننه " عن عائشة قالت: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «طلاق العبد اثنتان فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ~~وقرء الأمة حيضتان وتتزوج الحرة على الأمة ولا تتزوج الأمة على الحرة» وهذا ~~نص ولأن الحر يملك أن يتزوج أربعا فملك طلقات ثلاثا كما لو كان تحته حرة ~~ولا خلاف في أن الحر الذي زوجته حرة طلاقه ثلاث وأن العبد الذي تحته أمة ~~طلاقه اثنتان، وإنما الخلاف فيما إذا كان ms4066 أحد الزوجين حرا والآخر رقيقا. ### | [فصل أحكام المكاتب في الطلاق] # (6057) فصل: قال أحمد: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وطلاقه وأحكامه كلها ~~أحكام العبيد، وهذا صحيح؛ فإنه جاء في الحديث: «المكاتب عبد ما بقي عليه ~~درهم» ولأنه يصح عتقه ولا ينكح إلا اثنتين ولا يتزوج ولا يتسرى إلا بإذن ~~سيده، وهذه أحكام العبيد فيكون طلاقه كطلاق سائر العبيد، وقد روى الأثرم في ~~" سننه " عن سليمان بن يسار أن نفيعا مكاتب أم سلمة طلق امرأة حرة تطليقتين ~~فسأل عثمان وزيد بن ثابت عن ذلك فقالا: حرمت عليك والمدبر كالعبد القن في ~~نكاحه وطلاقه، وكذلك المعلق عتقه بصفة؛ لأنه عبد فتثبت فيه أحكام العبيد. ### | [فصل حكم الزواج والطلاق للعبد الذي نصفه حرا ونصفه عبدا] # (6058) فصل: قال أحمد في رواية محمد بن الحكم: العبد إذا كان نصفه حرا ~~ونصفه عبدا يتزوج ثلاثا ويطلق ثلاث # PageV07P506 # تطليقات، وكذلك كل ما تجزأ بالحساب إنما جعل له نكاح ثلاث لأن عدد ~~المنكوحات يتبعض فوجب أن يتبعض في حقه كالحد فلذلك كان له أن ينكح نصف ما ~~ينكح الحر ونصف ما ينكح العبد وذلك ثلاث، وأما الطلاق فلا يمكن قسمته في ~~حقه؛ لأن مقتضى حاله أن يكون له ثلاثة أرباع الطلاق وليس له ثلاثة أرباع ~~فكمل في حقه ولأن الأصل إثبات الطلقات الثلاث في حق كل مطلق، وإنما خولف في ~~من كمل الرق في حقه ففي من عداه يبقى على الأصل. ### | [فصل طلق العبد زوجته اثنتين ثم عتق] # (6059) فصل: إذا طلق العبد زوجته اثنتين ثم عتق لم تحل له زوجته حتى تنكح ~~زوجا غيره؛ لأنها حرمت عليه بالطلاق تحريما لا ينحل إلا بزوج وإصابة ولم ~~يوجد ذلك فلا يزول التحريم وهذا ظاهر المذهب، وقد روي عن أحمد أنه يحل له ~~أن يتزوجها وتبقى عنده على واحدة، وذكر حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في المملوكين: «إذا طلقها تطليقتين ثم عتقا فله أن يتزوجها» ~~وقال: لا أرى شيئا يدفعه وغير واحد يقول به؛ أبو سلمة وجابر ms4067 وسعيد بن ~~المسيب، ورواه الإمام أحمد في " المسند " وأكثر الروايات عن أحمد الأول، ~~وقال: حديث عثمان وزيد في تحريمها عليه جيد وحديث ابن عباس يرويه عمرو بن ~~مغيث ولا أعرفه وقد قال ابن المبارك: من أبو حسن هذا؟ لقد حمل صخرة عظيمة ~~منكرا لهذا الحديث، قال أحمد: أما أبو حسن فهو عندي معروف ولكن لا أعرف ~~عمرو بن مغيث قال أبو بكر: إن صح الحديث فالعمل عليه، وإن لم يصح فالعمل ~~على حديث عثمان وزيد وبه أقول # PageV07P507 # قال أحمد: ولو طلق عبد زوجته الأمة تطليقتين ثم عتق واشتراها لم تحل له ~~ولو تزوج وهو عبد فلم يطلقها أو طلقها واحدة ثم عتق فله عليها ثلاث تطليقات ~~أو طلقتان إن كان طلقها واحدة؛ لأنه في حال الطلاق حر فاعتبر حاله حينئذ ~~كما يعتبر حال المرأة في العدة حين وجودها، ولو تزوجها وهو حر كافر فسبي ~~واسترق ثم أسلما جميعا لم يملك إلا طلاق العبيد اعتبارا بحاله حين الطلاق # ولو طلقها في كفره واحدة وراجعها ثم سبي واسترق لم يملك إلا طلقة واحدة ~~ولو طلقها في كفره طلقتين ثم استرق وأراد التزوج بها جاز وله طلقة واحدة؛ ~~لأن الطلقتين وقعتا غير محرمتين فلا يعتبر حكمهما بما يطرأ بعدهما كما أن ~~الطلقتين من العبد لما أن وقعتا محرمتين لم يعتبر ذلك بالعتق بعدهما. ### | [مسألة قال لزوجته أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين] # (6060) مسألة؛ قال: (وإذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين ~~طلقت بثلاث) نص أحمد على هذا في رواية مهنا وقال أبو عبد الله بن حامد: تقع ~~طلقتان؛ لأن معناه ثلاثة أنصاف من طلقتين وذلك طلقة ونصف ثم تكمل فتصير ~~طلقتين وقيل: بل ثلاث؛ لأن النصف الثالث من طلقتين محال ولأصحاب الشافعي ~~وجهان كهذين ولنا أن نصف الطلقتين طلقة وقد أوقعه ثلاثا فيقع ثلاثا كما لو ~~قال: أنت طالق ثلاث طلقات، وقولهم: معناه ثلاثة أنصاف من طلقتين تأويل ~~يخالفه ظاهر اللفظ، فإنه على ما ذكروه يكون ثلاثة أنصاف طلقة وينبغي أن ~~يكون ثلاثة ms4068 أنصاف طلقتين مخالفة لثلاثة أنصاف طلقة # وقولهم: إنه محال قلنا: وقوع نصف الطلقتين عليها ثلاث مرات ليس بمحال ~~فيجب أن يقع. ### | [فصل قال أنت طالق ملء الدنيا] # (6061) فصل:، فإن قال: أنت طالق ملء الدنيا ونوى الثلاث وقع الثلاث، وإن ~~لم ينو شيئا أو نوى واحدة فهي واحدة قال أحمد في من قال لامرأته: أنت طالق ~~ملء البيت: فإن أراد الغلظة عليها - يعني يريد أن تبين منه - فهي ثلاث ~~فاعتبر نيته فدل على أنه إذا لم ينو يقع واحدة؛ وذلك لأن الوصف لا يقتضي ~~عددا وهذا لا نعلم فيه خلافا إلا أن الواحدة إذا وقعت كانت رجعية، وبهذا ~~قال الشافعي، # PageV07P508 # وقال أبو حنيفة وأصحابه: تكون بائنا؛ لأنه وصف الطلاق بصفة زائدة تقتضي ~~الزيادة عليها، وذلك هو البينونة. # ولنا أنه طلاق صادف مدخولا بها من غير استيفاء عدد ولا عوض فكان رجعيا ~~كقوله: أنت طالق وما ذكروه لا يصح؛ لأن الطلاق حكم فإذا ثبت ثبت في الدنيا ~~كلها فلا يقتضي ذلك زيادة، وإن قال: أنت طالق أشد الطلاق أو أغلظه أو أطول ~~الطلاق أو أعرضه أو أقصره أو مثل الجبل أو مثل عظم الجبل ولا نية له وقعت ~~طلقة رجعية، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة في جميعها: يقع بائنا وقال ~~صاحباه: إن قال: مثل الجبل كانت رجعية وإن قال: مثل عظم الجبل كانت بائنا # ووجه القولين ما تقدم ولأنه لا يملك إيقاع البينونة، فإنها حكم وليس ذلك ~~إليه وإنما تثبت البينونة بأسباب معينة كالخلع والطلاق الثلاث والطلاق قبل ~~الدخول فيملك مباشرة سببها فيثبت وإن أراد إثباتها بدون ذلك لم يثبت ويحتمل ~~أن يكون أشد الطلاق عليه أو عليها وأغلظ؛ لتعجلهما أو لحب أحدهما صاحبه ~~ومشقة فراقه عليه فلم يقع أمر زائد بالشك، وإن قال: أنت طالق أقصى الطلاق ~~أو أكبره فكذلك في قياس المذهب ويحتمل أن يكون أقصى الطلاق ثلاثا؛ لأن ~~أقصاه آخره وآخر الطلاق الثالثة، ومن ضرورة كونها ثالثة وقوع اثنتين # وإن قال: أتم الطلاق أو أكمله فواحدة إلا أنها ms4069 تكون سنية؛ لأنها أكمل ~~الطلاق وأتمه. ### | [فصل قال أنت طالق أكثر الطلاق أو كله أو جميعه أو منتهاه أو مثل عدد الحصى] # (6062) فصل: وإن قال: أنت طالق أكثر الطلاق أو كله، أو جميعه أو منتهاه، ~~أو مثل عدد الحصى أو الرمل أو القطر طلقت ثلاثا؛ لأن هذا يقتضي عددا ولأن ~~للطلاق أقل وأكثر فأقله واحدة وأكثره ثلاث وإن قال: كعدد التراب أو الماء ~~وقع ثلاثا وقال أبو حنيفة: يقع واحدة بائن؛ لأن الماء والتراب من أسماء ~~الأجناس لا عدد له. # ولنا أن الماء تتعدد أنواعه وقطراته والتراب تتعدد أنواعه وأجزاؤه فأشبه ~~الحصا، وإن قال: يا مائة طالق أو: أنت مائة طالق طلقت ثلاثا وإن قال: أنت ~~طالق كمائة أو ألف فهي ثلاث قال أحمد في من قال: أنت طالق كألف تطليقة: فهي ~~ثلاث، وبه قال محمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعي وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ~~إن لم تكن له نية وقعت واحدة؛ لأنه لم يصرح بالعدد وإنما شبهها بالألف وليس ~~الموقع الشبه به ولنا أن قوله: كألف تشبيه بالعدد خاصة؛ لأنه لم يذكر إلا ~~ذلك فوقع العدد كقوله: أنت طالق كعدد ألف وفي هذا انفصال عما قال # وإن قال: أردت أنها طلقة كألف في صعوبتها دين، وهل يقبل في الحكم؟ يخرج ~~على روايتين. ### | [فصل قال أنت طالق من واحدة إلى ثلاث] # (6063) فصل: وإن قال: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث وقع طلقتان وبهذا قال ~~أبو حنيفة؛ لأن ما بعد الغاية # PageV07P509 # لا يدخل فيها كقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] ~~وإنما يدخل إذا كانت بمعنى مع وذلك خلاف موضوعها وقال زفر: يقع طلقة؛ لأن ~~ابتداء الغاية ليس منها كقوله: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط وقال أبو ~~يوسف ومحمد: يقع الثلاث؛ لأنه نطق بها فلم يجز إلغاؤها # ولنا أن ابتداء الغاية يدخل كما لو قال: خرجت من البصرة، فإنه يدل على ~~أنه كان فيها وأما انتهاء الغاية فلا يدخل بمقتضى اللفظ ولو احتمل دخوله ~~وعدم دخوله لم ms4070 نجز الطلاق بالشك وإن قال: أنت طالق ما بين واحدة وثلاث وقعت ~~واحدة؛ لأنها التي بينهما. ### | [فصل قال أنت طالق طلقة في اثنتين] # (6064) فصل: فإن قال: أنت طالق طلقة في اثنتين أو واحدة في اثنتين ونوى ~~به ثلاثا فهي ثلاث؛ لأنه يعبر؛ بفي عن " مع " كقوله: {فادخلي في عبادي} ~~[الفجر: 29] فتقدير الكلام أنت طالق طلقة مع طلقتين فإذا أقر بذلك على نفسه ~~قبل منه # وإن قال: أردت واحدة قبل أيضا حاسبا كان أو غير حاسب وقال القاضي: إذا ~~كان عارفا بالحساب لم يقبل منه ووقع طلقتان؛ لأنه خلاف ما اقتضاه اللفظ ~~ولنا أنه فسر كلامه بما يحتمله فإنه لا يبعد أن يريد بكلامه ما يريده ~~العامي وإن لم تكن له نية وكان عارفا بالحساب وقع طلقتان وقال القاضي: إن ~~أطلق لم يقع إلا واحدة؛ لأن لفظ الإيقاع إنما هو بلفظ الواحدة وما زاد ~~عليها لم يحصل فيه لفظ الإيقاع وإنما يقع الزائد بالقصد فإذا خلا عن القصد ~~لم يقع إلا ما أوقعه وقال بعض أصحابه كقولنا # وقال أبو حنيفة: لا يقع إلا واحدة سواء قصد به الحساب أو لم يقصد إذا لم ~~يقصد به واحدة مع اثنتين؛ لأن الضرب إنما يصح فيما له مساحة فأما ما لا ~~مساحة له فلا حقيقة فيه للحساب وإنما حصل منه الإيقاع في واحدة فوقعت دون ~~غيرها، ولنا أن هذا اللفظ موضوع في اصطلاحهم لاثنتين فإذا لفظ به وأطلق وقع ~~كما لو قال: أنت طالق اثنتين وبهذا يحصل الانفصال عما قاله الشافعي، فإن ~~اللفظ الموضوع لا يحتاج معه إلى نية، فأما ما قاله أبو حنيفة، فإنما ذلك في ~~وضع الحساب في الأصل ثم صار مستعملا في كل ما له عدد فصار حقيقة فيه فأما ~~الجاهل بمقتضى ذلك في الحساب إذا أطلق وقعت طلقة واحدة؛ لأن لفظ الإيقاع ~~إنما هو لفظة واحدة وإنما صار مصروفا إلى الاثنتين بوضع أهل الحساب ~~واصطلاحهم فمن لا يعرف اصطلاحهم لا يلزمه مقتضاه كالعربي ينطق بالطلاق ~~بالعجمية وهو لا يعرف معناها. ms4071 # ولم يفرق أصحابنا في ذلك بين أن يكون المتكلم بذلك # PageV07P510 # ممن لهم عرف في هذا اللفظ أولا والظاهر أنه إن كان المتكلم بذلك ممن ~~عرفهم أن " في " هاهنا بمعنى " مع " وقع به ثلاث؛ لأن كلامه يحمل على عرفهم ~~والظاهر منه إرادته وهو المتبادر إلى الفهم من كلامه فإن نوى موجبه عند أهل ~~الحساب فقال القاضي: لا يلزمه مقتضاه كالعربي ينطق بالطلاق بالعجمية ولا ~~يعرف معناها، وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي؛ لأنه إذا لم يكن يعرف موجبه فلم ~~يقصد إيقاعه ولا يصح منه قصد ما لا يعرفه. ### | [فصل قال أنت طالق طلقة بل طلقتين] # (6065) فصل: فإن قال: أنت طالق طلقة بل طلقتين وقع طلقتان نص عليه أحمد، ~~وقال أصحاب الشافعي: يقع ثلاثا في أحد الوجهين؛ لأن قوله: أنت طالق إيقاع ~~فلا يجوز إيقاع الواحدة مرتين فيدل على أنه أوقعها ثم أراد رفعها وأوقع ~~اثنتين آخرتين فتقع الثلاث ولنا أن ما لفظ به قبل الإضراب بعض ما لفظ به ~~بعده فلم يلزمه أكثر مما بعده كقوله: له علي درهم بل درهمان وقولهم: لا ~~يجوز إيقاع ما أوقعه قلنا: يجوز أن يخبر بوقوعه مع وقوع غيره فلا يقع ~~الزائد بالشك قال أحمد: فإن قال: أنت طالق لا بل أنت طالق: هي واحدة وهذا ~~اختيار أبي بكر # واختار القاضي أنه يقع طلقتان؛ لأنه أراد رفع الأولى وإيقاع الثانية فلم ~~ترتفع الأولى ووقعت الثانية ووجه الأول أنه لو قال: له علي درهم بل درهم ~~لزمه درهم واحد كذا هاهنا فعلى هذا القول إن نوى بقوله: بل أنت طالق طلقة ~~أخرى وقع اثنتان؛ لأنه قصد إيقاع طلقتين بلفظين فوقع كما لو قال: أنت طالق ~~أنت طالق وذكر القاضي احتمالا آخر؛ أنه لا يقع إلا طلقة؛ لأن اللفظ موضوع ~~لواحدة فلا يصح أن ينوي به اثنتين قال أحمد: ولو كان له امرأتان فقال ~~لإحداهما: أنت طالق ثم قال للأخرى: لا بل أنت طالق طلقتا جميعا # ووجهه أنه أوقع طلاق الأولى ثم أضرب عنه وأوقع طلاق الأخرى فوقع ms4072 بها ولم ~~يرتفع عن الأولى وفارق ما إذا قال ذلك لواحدة؛ لأن الطلقة يجوز أن تكون هي ~~الثانية كرر الإخبار بها ولا يجوز في المرأتين أن يكون طلاق إحداهما هو ~~طلاق الأخرى ونظيره في الإقرار ما لو قال: له علي درهم بل درهم لزمه درهم ~~ولو قال: له علي درهم بل دينار لزماه جميعا، ولو قال: أنت طالق واحدة بل ~~هذه ثلاثا طلقت الأولى واحدة والثانية ثلاثا # ولو قال لامرأة غير مدخول بها: أنت طالق واحدة بل ثلاثا طلقت واحدة؛ ~~لأنها بانت الأولى فلم يقع بها ما بعدها وإن قال: أنت طالق واحدة بل ثلاثا ~~إن دخلت الدار، ونوى تعليق الجميع بدخول الدار تعلق، وإن نوى تعليق الثلاث ~~حسب، وقعت الواحدة في الحال وإن أطلق ففيه وجهان؛ # PageV07P511 # أحدهما يتعلق الجميع بالشرط؛ لأنه بعدهما فيعود إليهما والثاني تقع ~~الواحدة في الحال وتبقى الثلاث معلقة بدخول الدار؛ لأنه إنما ذكر الشرط ~~عقيبها فتختص به، وإن قال: أنت طالق إن دخلت الدار؛ بل هذه فدخلت الأولى ~~طلقتا # وإن دخلت الثانية لم تطلق واحدة منهما، فإن قال: أردت أن الثانية تطلق إن ~~دخلت الدار قبل منه؛ لأنه محتمل لما قاله، وإن قال: أردت أنك تطلقين إذا ~~دخلت الثانية الدار قبل منه؛ لأنه محتمل لما قاله، وكان طلاق الأولى وحدها ~~معلقا على دخول كل واحدة منهما. ### | [فصل قال أنت طالق طلقة لا تقع عليك] # (6066) فصل: إذا قال: أنت طالق طلقة لا تقع عليك أو: طالق لا أو: طالق ~~طلقة لا ينقص بها عدد طلاقك أو: طالق لا شيء أو: ليس بشيء طلقت واحدة؛ لأن ~~ذلك رفع لجميع ما أوقعه فلم يصح كاستثناء الجميع وإن قال ذلك خبرا فهو كذب؛ ~~لأن الواحدة إذا أوقعها وقعت وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا # وإن قال: أنت طالق أو لا؟ لم يقع؛ لأن هذا استفهام فإذا اتصل به خرج من ~~أن يكون لفظا لإيقاع ويخالف ما قبل ذلك؛ فإنه إيقاع ويحتمل أن يقع؛ لأن ~~لفظه لفظ الإيقاع لا ms4073 لفظ الاستفهام؛ لكون الاستفهام يكون بالهمزة أو نحوها ~~فيقع ما أوقعه ولا يرتفع بما ذكره بعده كالتي قبلها وإن قال: أنت طالق ~~واحدة أو لا؟ فكذلك وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف وهو قياس قول الشافعي وقال ~~محمد: يقع واحدة؛ لأن قوله: أو لا يرجع إلى ما يليه من اللفظ وهو واحدة دون ~~لفظ الإيقاع، وليس بصحيح؛ لأن الواحدة صفة للطلقة الواقعة فما اتصل بها ~~يرجع إليها فصار كقوله: أنت طالق أو لا شيء. ### | [فصل قال أنت طالق بعد موتي أو موتك أو مع موتي أو موتك] # (6067) فصل: فإن قال: أنت طالق بعد موتي أو موتك أو مع موتي أو موتك لم ~~تطلق نص عليه أحمد وبه قال الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا؛ لأنها تبين بموت ~~أحدهما فلا يصادف الطلاق نكاحا يزيله، وإن تزوج أمة أبيه ثم قال: إذا مات ~~أبي فأنت طالق فمات أبوه لم يقع الطلاق اختاره القاضي؛ لأنه بالموت يملكها ~~فينفسخ نكاحها بالملك وهو زمن الطلاق فلم يقع كما لو قال: أنت طالق مع موتي ~~واختار أبو الخطاب أنه يقع؛ لأن الموت سبب ملكها وطلاقها وفسخ النكاح يترتب ~~على الملك فيوجد الطلاق في زمن الملك السابق على الفسخ فيثبت حكمه. # وإن قال: إن اشتريتك فأنت طالق ثم اشتراها خرج على الوجهين، وإن قال ~~الأب: إذا مت فأنت حرة وقال الابن: إذا مات أبي فأنت طالق وكانت تخرج من # PageV07P512 # الثلث ثم مات الأب وقع العتق والطلاق معا وإن لم تخرج من الثلث، فإن ~~بعضها ينتقل إلى الورثة فيملك الابن جزءا منها ينفسخ به النكاح فيكون كملك ~~جميعها في فسخ النكاح ومنع وقوع الطلاق، فإن أجاز الورثة عتقها فذكر بعض ~~أهل العلم أن هذا ينبني على الإجازة هل هي تنفيذ أو عطية مبتدأة؟ فإن قلنا: ~~هي عطية مبتدأة، فقد انفسخ النكاح قبلها فلم يقع الطلاق، وإن قلنا: هي ~~تنفيذ لما فعل السيد وقع الطلاق # وهكذا إن أجاز الزوج وحده عتق أبيه، فإن كان على الأب دين يستغرق تركته ~~لم ms4074 يعتق والصحيح أن ذلك لا يمنع نقل التركة إلى الورثة فهو كما لو لم يكن ~~عليه دين في فسخ النكاح وإن كان الدين لا يستغرق التركة وكانت تخرج من ~~الثلث بعد أداء الدين عتقت وطلقت، وإن لم يخرج من الثلث لم تعتق كلها فيكون ~~حكمها في فسخ النكاح ومنع الطلاق كما لو استغرق الدين التركة، وإن أسقط ~~الغريم الدين بعد الموت لم يقع الطلاق؛ لأن النكاح انفسخ قبل إسقاطه. ### | [فصل مسائل في الطلاق تنبني على نية الحالف وتأويله] # (6068) فصل: في مسائل تنبني على نية الحالف وتأويله؛ إذا قال: إن لم ~~تخبريني بعدد حب هذه الرمانة فأنت طالق أو أكل تمرا فقال: إن لم تخبريني ~~بعدد ما أكلت فأنت طالق ولم تعلم ذلك، فإنها تعد له عددا يعلم أنه قد أتى ~~على عدد ذلك مثل أن يعلم أن عدد ذلك ما بين مائة إلى ألف فتعد ذلك كله ولا ~~يحنث إذا كانت نيته ذلك وإن نوى الإخبار بكميته من غير نقص ولا زيادة لم ~~يبرأ إلا بذلك وإن أطلق فقياس المذهب أنه لا يبرأ إلا بذلك أيضا؛ لأن ظاهر ~~حال الحالف إرادته فتنصرف يمينه إليه كالأسماء العرفية التي تنصرف اليمين ~~إلى مسماها عرفا دون مسماها حقيقة ولو أكلا تمرا فقال: إن لم تميزي نوى ما ~~أكلت من نوى ما أكلت فأنت طالق فأفردت كل نواة وحدها فالقول فيها كالتي ~~قبلها # وإن وقعت في ماء جار فحلف عليها: إن خرجت منه أو أقمت فيه فأنت طالق فقال ~~القاضي: قياس المذهب أنه يحنث إلا أن ينوي عين الماء الذي هي فيه؛ لأن ~~إطلاق يمينه يقتضي خروجها من النهر أو إقامتها فيه وقال أبو الخطاب: لا ~~يحنث؛ لأن الماء المحلوف عليه جرى عنها وصارت في غيره فلم يحنث سواء أقامت ~~أو خرجت؛ لأنها إنما تقف في غيره أو تخرج منه وكذلك قال القاضي في " المجرد ~~" وهو مذهب الشافعي؛ لأن الأيمان عندهم تنبني على اللفظ لا على القصد وكذلك ~~قالوا: لا يحنث في هذه الأيمان ms4075 السابقة كلها # ولو قال: إن كانت امرأتي في السوق فعبدي حر، وإن كان عبدي في السوق ~~فامرأتي طالق فكانا جميعا في السوق فقيل: يعتق العبد ولا تطلق المرأة؛ لأنه ~~لما حنث في اليمين الأولى عتق العبد فلم يبق له في السوق عبد ويحتمل أن ~~يحنث؛ بناء على قولنا في من حلف على معين تعلقت اليمين بعينه دون صفته كمن # PageV07P513 # قال: إن كلمت عبدي سعدا فأنت طالق ثم أعتقه وكلمته طلقت فكذلك هاهنا؛ لأن ~~يمينه تعلقت بعبد معين وإن لم يرد عبدا بعينه لم تطلق المرأة؛ لأنه لم يبق ~~له عبد في السوق # ولو كان في فيها تمرة فقال: أنت طالق إن أكلتها أو ألقيتها أو أمسكتها ~~فأكلت بعضها وألقت بعضها لم يحنث إلا على قول من قال: إنه يحنث بفعل بعض ~~المحلوف عليه، وإن نوى الجميع لم يحنث بحال، ولو كانت عنده وديعة لإنسان ~~فأحلفه ظالم أن ليس لفلان عندك وديعة فإنه يحلف: ما لفلان عندي وديعة وينوي ~~بما " الذي " ويبر في يمينه # وكذلك لو سرقت امرأته منه شيئا فحلف عليها بالطلاق: لتصدقني أسرقت مني أم ~~لا؟ وخافت أن تصدقه، فإنها تقول: سرقت منك ما سرقت منك، وتعني الذي سرقت ~~منك: ولو استحلفه ظالم: هل رأيت فلانا أو لا؟ ، فإنه يعني برأيت أي ضربت ~~رئته وذكرته أي قطعت ذكره، وما طلبت منه حاجة أي الشجرة التي حبسها الحاج ~~ولا أخذت منه فروجا يعني القباء، ولا حصيرا وهو الحبس وأشباه هذا فمتى لم ~~يكن ظالما فحلف وعنى به هذا تعلقت يمينه بما عناه # ولو كانت له امرأة على درجة فحلف عليها أن لا تنزل عنها ولا تصعد منها ~~ولا تقف عليها، فإنها تنتقل عنها إلى سلم آخر، وتنزل إن شاءت أو تصعد أو ~~تقف عليه؛ لأن نزولها إنما حصل من غيرها إن كان في يمينه ولا انتقلت عنها ~~فإنها تحمل مكرهة ولو كان في سلم وله امرأتان إحداهما في الغرفة والأخرى في ~~البيت السفلاني فحلف: لا صعدت إلى هذه ولا نزلت ms4076 إلى الأخرى، فإن السفلى ~~تصعد وتنزل العليا ثم ينزل إن شاء أو يصعد. ### | [فصل قال لامرأته أنت طالق إن لم أجامعك اليوم وأنت طالق إن اغتسلت منك اليوم] # (6069) فصل: قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن رجل قال لامرأته: أنت ~~طالق إن لم أجامعك اليوم وأنت طالق إن اغتسلت منك اليوم قال: يصلي العصر ثم ~~يجامعها فإذا غابت الشمس اغتسل إن لم يكن أراد بقوله: اغتسلت المجامعة وقال ~~في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك في رمضان فسافر مسيرة أربعة أيام ~~أو ثلاثة ثم وطئها قال: لا يعجبني؛ لأنها حيلة ولا تعجبني الحيلة في هذا ~~ولا في غيره قال القاضي: إنما كره أحمد هذا؛ لأن السفر الذي يبيح الفطر أن ~~يكون سفرا مقصودا مباحا وهذا لا يقصد به غير حل اليمين # والصحيح أن هذا تنحل به اليمين ويباح له الفطر فيه؛ لأنه سفر بعيد مباح ~~لقصد صحيح، وإرادة حل يمينه من المقاصد الصحيحة وقد أبحنا لمن له طريقان ~~قصيرة لا تقصر فيها الصلاة، وبعيدة أن يسلك البعيدة ليقصر فيها الصلاة ~~ويفطر مع أنه لا قصد له سوى الترخص فهاهنا أولى. # PageV07P514 ### | [كتاب الرجعة] # وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله سبحانه وتعالى: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] إلى قوله: {وبعولتهن ~~أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} [البقرة: 228] والمراد به الرجعة عند ~~جماعة العلماء وأهل التفسير وقال تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف} [البقرة: 231] أي بالرجعة ومعناه إذا قاربن بلوغ أجلهن أي ~~انقضاء عدتهن وأما السنة، فما روى ابن عمر قال «طلقت امرأتي وهي حائض فسأل ~~عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: مره فليراجعها» متفق عليه. # وروى أبو داود عن عمر قال: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلق حفصة ثم ~~راجعها» وأجمع أهل العلم أن الحر إذا طلق الحرة دون الثلاث أو العبد إذا ~~طلق دون الاثنتين أن لهما الرجعة في العدة ذكره ابن المنذر (6070) مسألة؛ ~~قال: (والزوجة إذا لم يدخل ms4077 بها تبينها تطليقة وتحرمها الثلاث من الحر ~~والاثنتان من العبد) أجمع أهل العلم على أن غير المدخول بها تبين بطلقة ~~واحدة ولا يستحق مطلقها رجعتها؛ وذلك لأن الرجعة إنما تكون في العدة ولا ~~عدة قبل الدخول؛ لقول الله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ~~فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} [الأحزاب: 49] فبين الله سبحانه أنه لا عدة ~~عليها فتبين بمجرد طلاقها وتصير كالمدخول بها بعد انقضاء عدتها لا رجعة ~~عليها ولا نفقة لها # وإن رغب مطلقها فيها فهو خاطب من الخطاب يتزوجها برضاها بنكاح جديد وترجع ~~إليه بطلقتين وإن طلقها اثنتين ثم تزوجها رجعت إليه بطلقة واحدة بغير خلاف ~~بين أهل العلم وإن طلقها ثلاثا بلفظ واحد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره في ~~قول أكثر أهل العلم وقد ذكرنا ذلك فيما مضى ولا خلاف بينهم في أن المطلقة ~~ثلاثا بعد الدخول لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره لقول الله سبحانه: {فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] # وروت عائشة: «أن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها فتزوجت بعده عبد ~~الرحمن بن الزبير فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV07P515 # فقالت: إنها كانت عند رفاعة فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجت بعده بعبد ~~الرحمن بن الزبير وإنه والله ما معه إلا مثل هذه الهدبة، وأخذت بهدبة من ~~جلبابها قالت: فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضاحكا وقال: لعلك ~~تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته» متفق عليه ~~وفي إجماع أهل العلم على هذا غنية عن الإطالة فيه، وجمهور أهل العلم على ~~أنها لا تحل للأول حتى يطأها الزوج الثاني وطئا يوجد فيه التقاء الختانين ~~إلا أن سعيد بن المسيب من بينهم قال: إذا تزوجها تزويجا صحيحا لا يريد به ~~إحلالا فلا بأس أن يتزوجها الأول # قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا من أهل العلم قال بقول سعيد بن ms4078 المسيب هذا ~~إلا الخوارج أخذوا بظاهر قوله سبحانه: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ~~ومع تصريح النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيان المراد من كتاب الله تعالى ~~وأنها لا تحل للأول حتى يذوق الثاني عسيلتها وتذوق عسيلته لا يعرج على شيء ~~سواه، ولا يسوغ لأحد المصير إلى غيره مع ما عليه جملة أهل العلم؛ منهم علي ~~بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة - رضي الله عنهم - وممن بعدهم ~~مسروق والزهري ومالك وأهل المدينة والثوري وأصحاب الرأي والأوزاعي وأهل ~~الشام والشافعي وأبو عبيدة وغيرهم. ### | [فصل يشترط للمطلقة البائن لحلها للأول ثلاثة شروط] # (6071) فصل: ويشترط لحلها للأول ثلاثة شروط؛ أحدها أن تنكح زوجا غيره فلو ~~كانت أمة فوطئها سيدها لم يحلها؛ لقول الله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] وهذا ليس بزوج، ولو وطئت بشبهة لم تبح؛ لما ذكرنا، ولو كانت ~~أمة فاستبرأها مطلقها لم يحل له وطؤها في قول أكثر أهل العلم وقال بعض ~~أصحاب الشافعي: تحل له؛ لأن الطلاق يختص الزوجية فأثر في التحريم بها وقول ~~الله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] صريح في ~~تحريمها فلا يعول على ما خالفه ولأن الفرج لا يجوز أن يكون محرما مباحا ~~فسقط هذا الشرط الثاني أن يكون النكاح صحيحا، فإن كان فاسدا لم يحلها الوطء ~~فيه وبهذا قال الحسن والشعبي وحماد ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبو ~~عبيد وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد وقال في القديم: يحلها ذلك وهو قول ~~الحكم وخرجه أبو الخطاب وجها في المذهب؛ لأنه زوج فيدخل في عموم النص ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن المحلل والمحلل له فسماه محللا مع # PageV07P516 # فساد نكاحه # ولنا قول الله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، وإطلاق ~~النكاح يقتضي الصحيح ولذلك لو حلف لا يتزوج فتزوج تزويجا فاسدا لم يحنث ولو ~~حلف ليتزوجن لم يبر بالتزوج الفاسد ولأن أكثر أحكام الزوج غير ثابتة فيه من ~~الإحصان واللعان، والظهار، والإيلاء والنفقة وأشباه ذلك، وأما تسميته محللا ~~فلقصده ms4079 التحليل فيما لا يحل ولو أحل حقيقة لما لعن ولا لعن المحلل له وإنما ~~هذا كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما آمن بالقرآن من استحل محارمه» ~~وقال الله تعالى: {يحلونه عاما ويحرمونه عاما} [التوبة: 37] ولأنه وطء في ~~غير نكاح صحيح أشبه وطء الشبهة الشرط الثالث؛ أن يطأها في الفرج فلو وطئها ~~دونه أو في الدبر لم يحلها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق الحل على ~~ذوق العسيلة منهما ولا يحصل إلا بالوطء في الفرج وأدناه تغييب الحشفة في ~~الفرج؛ لأن أحكام الوطء تتعلق به ولو أولج الحشفة من غير انتشار لم تحل له؛ ~~لأن الحكم يتعلق بذواق العسيلة ولا تحصل من غير انتشار # وإن كان الذكر مقطوعا، فإن بقي منه قدر الحشفة فأولجه أحلها وإلا فلا، ~~فإن كان خصيا أو مسلولا أو موجوءا حلت بوطئه؛ لأنه يطأ كالفحل ولم يفقد إلا ~~الإنزال وهو غير معتبر في الإحلال وهذا قول الشافعي قال أبو بكر: وقد روي ~~عن أحمد في الخصي أنه لا يحلها؛ فإن أبا طالب سأله في المرأة تتزوج الخصي ~~تستحل به؟ قال: لا خصي يذوق العسيلة قال أبو بكر: والعمل على ما رواه مهنا ~~أنها تحل ووجه الأول أن الخصي لا يحصل منه الإنزال فلا ينال لذة الوطء فلا ~~يذوق العسيلة # ويحتمل أن أحمد قال ذلك؛ لأن الخصي في الغالب لا يحصل منه الوطء أو ليس ~~بمظنة الإنزال فلا يحصل الإحلال بوطئه كالوطء من غير انتشار. ### | [فصل حلال نكاح ووطء المطلقة البائن] # (6072) فصل: واشترط أصحابنا أن يكون الوطء حلالا، فإن وطئها في حيض، أو ~~نفاس، أو إحرام من أحدهما، أو منهما، أو وأحدهما صائم فرضا، لم تحل. وهذا ~~قول مالك؛ لأنه وطء حرام لحق الله تعالى فلم يحصل به الإحلال، كوطء ~~المرتدة. وظاهر النص حلها وهو قوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: ~~230] . وهذه قد نكحت زوجا غيره، وأيضا قوله «حتى تذوقي عسيلته، ويذوق ~~عسيلتك» . وهذا قد وجد، ولأنه وطء في نكاح صحيح في محل الوطء على ms4080 سبيل ~~التمام، فأحلها، كالوطء الحلال، وكما لو وطئها وقد ضاق وقت الصلاة، أو ~~وطئها مريضة يضرها الوطء. وهذا أصح إن شاء الله تعالى. وهو مذهب أبي حنيفة، ~~والشافعي. # PageV07P517 # وأما وطء المرتدة، فلا يحلها، سواء وطئها في حال ردتهما، أو ردتها، أو ~~وطئ المرتد المسلمة؛ لأنه إن لم يعد المرتد منهما إلى الإسلام، تبين أن ~~الوطء في غير نكاح، وإن عاد إلى الإسلام في العدة، فقد كان الوطء في نكاح ~~غير تام؛ لأن سبب البينونة حاصل فيه. وهكذا لو أسلم أحد الزوجين، فوطئها ~~الزوج قبل إسلام الآخر، لم يحلها لذلك. ### | [فصل تزوج المملوك المطلقة البائن ووطئها] # (6073) فصل: فإن تزوجها مملوك، ووطئها، أحلها. وبذلك قال عطاء، ومالك، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم لهم مخالفا، ولأنه دخل في عموم النص، ~~ووطؤه كوطء الحر. وإن تزوجها مراهق، فوطئها، أحلها في قولهم، إلا مالكا ~~وأبا عبيد، فإنهما قالا: لا يحلها. ويروى ذلك عن الحسن؛ لأنه وطء من غير ~~بالغ، فأشبه وطء الصغير. ولنا، ظاهر النص، وأنه وطء من زوج في نكاح صحيح، ~~فأشبه البالغ، ويخالف الصغير؛ فإنه لا يمكن الوطء منه، ولا تذاق عسيلته. ~~قال القاضي: ويشترط أن يكون له اثنتا عشرة سنة؛ لأن من دون ذلك لا يمكنه ~~المجامعة. ولا معنى لهذا؛ فإن الخلاف في المجامع، ومتى أمكنه الجماع، فقد ~~وجد منه المقصود فلا معنى لاعتبار سن ما ورد الشرع باعتبارها، وتقديره ~~بمجرد الرأي والتحكم. # وإن كانت ذمية، فوطئها زوجها الذمي، أحلها لمطلقها المسلم. نص عليه أحمد. ~~وقال: هو زوج، وبه تجب الملاعنة والقسم. وبه قال الحسن، والزهري، والثوري، ~~والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي وابن المنذر. وقال ربيعة، ومالك: لا ~~يحلها. ولنا، ظاهر الآية، ولأنه وطء من زوج في نكاح صحيح تام، أشبه وطء ~~المسلم. وإن كانا مجنونين، أو أحدهما، فوطئها، أحلها وقال أبو عبد الله بن ~~حامد: لا يحلها؛ لأنه لا يذوق العسيلة. # ولنا، ظاهر الآية، ولأنه وطء مباح في نكاح صحيح، أشبه العاقل. وقوله: لا ~~يذوق العسيلة. لا يصح، فإن الجنون إنما ms4081 هو تغطية العقل. وليس العقل شرطا في ~~الشهوة وحصول اللذة، بدليل البهائم، لكن إن كان المجنون ذاهب الحس، ~~كالمصروع، والمغمى عليه، لم يحصل الحل بوطئه، ولا بوطء مجنونة في هذه ~~الحال؛ لأنه لا يذوق العسيلة ولا تحصل له لذة. ولعل ابن حامد إنما أراد ~~المجنون الذي هذه حاله، فلا يكون هاهنا اختلاف ولو وطئ مغمى عليها، أو ~~نائمة لا تحس بوطئه، فينبغي أن لا تحل بهذا؛ لما ذكرناه. وحكاه ابن المنذر. ~~ويحتمل حصول الحل في ذلك كله، أخذا من عموم النص. والله أعلم. # PageV07P518 ### | [فصل وجد على فراشه امرأة فظنها أجنبية أو ظنها جاريته فوطئها] # (6074) فصل: ولو وجد على فراشه امرأة، فظنها أجنبية، أو ظنها جاريته ~~فوطئها، فإذا هي امرأته، أحلها، لأنه صادف نكاحا صحيحا. ولو وطئها فأفضاها، ~~أو وطئها - وهي مريضة - تتضرر بوطئه، أحلها؛ لأن التحريم هاهنا لحقها. وإن ~~استدخلت ذكره وهو نائم، أو مغمى عليه، لم تحل؛ لأنه لا يذوق عسيلتها. ~~ويحتمل أن تحل؛ لعموم الآية. والله أعلم. ### | [مسألة طلق الحر زوجته أقل من ثلاث] # (6075) مسألة قال: (وإذا طلق الحر زوجته أقل من ثلاث، فله عليها الرجعة ~~ما كانت في العدة) أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق الحرة بعد دخوله بها ~~أقل من ثلاث، بغير عوض، ولا أمر يقتضي بينونتها، فله عليها الرجعة ما كانت ~~في عدتها، وعلى أنه لا رجعة له عليها بعد قضاء عدتها؛ لما ذكرنا في أول ~~الباب. وإن طلق الحر امرأته الأمة، فهو كطلاق الحرة، إلا أن فيه خلافا ~~ذكرناه فيما مضى، وذكرنا أن الطلاق معتبر بالرجال، فيكون له رجعتها ما لم ~~يطلقها ثلاثا كالحرة. ### | [فصل لا يعتبر في الرجعة رضى المرأة] # (6076) فصل: ولا يعتبر في الرجعة رضى المرأة؛ لقول الله تعالى: {وبعولتهن ~~أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} [البقرة: 228] . فجعل الحق لهم. وقال ~~سبحانه: {فأمسكوهن بمعروف} [البقرة: 231] . فخاطب الأزواج بالأمر، ولم يجعل ~~لهن اختيارا. ولأن الرجعة إمساك للمرأة بحكم الزوجية، فلم يعتبر رضاها في ~~ذلك، كالتي في صلب نكاحه. وأجمع أهل ms4082 العلم على هذا. ### | [فصل مفهوم الرجعية] # (6077) فصل: والرجعية زوجة يلحقها طلاقه، وظهاره، وإيلاؤه، ولعانه، ويرث ~~أحدهما صاحبه، بالإجماع. وإن خالعها صح خلعه. وقال الشافعي، في أحد قوليه: ~~لا يصح؛ لأنه يراد للتحريم، وهي محرمة. ولنا، أنها زوجة صح طلاقها، فصح ~~خلعها، كما قبل الطلاق، وليس مقصود الخلع التحريم، بل الخلاص من مضرة الزوج ~~ونكاحه الذي هو سببها، والنكاح باق، ولا نأمن رجعته، وعلى أننا نمنع كونها ~~محرمة (6078) فصل: وظاهر كلام الخرقي، أن الرجعية محرمة؛ لقوله: " وإذا لم ~~يدر أواحدة طلق أم ثلاثا؟ فهو متيقن للتحريم، # PageV07P519 # شاك في التحليل ". وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا. وهو مذهب الشافعي. ~~وحكي ذلك عن عطاء، ومالك. وقال القاضي: ظاهر المذهب أنها مباحة. قال أحمد، ~~في رواية أبي طالب: لا تحتجب عنه. # وفي رواية أبي الحارث: تتشرف له ما كانت في العدة. فظاهر هذا أنها مباحة، ~~وله أن يسافر بها، ويخلو بها، ويطأها. وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأنها في حكم ~~الزوجات، فأبيحت له كما قبل الطلاق. ووجه الأولى، أنها طلقة واقعة، فأثبتت ~~التحريم، كالتي بعوض. ولا خلاف في أنه لا حد عليه بالوطء. ولا ينبغي أن ~~يلزمه مهر، سواء راجع أو لم يراجع؛ لأنه وطئ زوجته التي يلحقها طلاقه، فلم ~~يكن عليه مهر، كسائر الزوجات. # ويفارق ما لو وطئ الزوج بعد إسلام أحدهما في العدة؛ حيث يجب المهر إذا لم ~~يسلم الآخر في العدة؛ لأنه إذا لم يسلم، تبينا أن الفرقة وقعت من حين إسلام ~~المسلم الأول منهما، وهي فرقة فسخ تبين به من نكاحه، فأشبهت التي أرضعت من ~~ينفسخ نكاحها برضاعه، وفي مسألتنا لا تبين إلا بانقضاء العدة، فافترقا. ~~وقال أبو الخطاب: إذا أكرهها على الوطء، وجب عليه المهر عند من حرمها. وهو ~~المنصوص عن الشافعي؛ لأنه وطء حرمه الطلاق، فوجب به المهر، كوطء البائن. ~~والفرق ظاهر؛ فإن البائن ليست زوجة له وهذه زوجته، وقياس الزوجة على ~~الأجنبية في الوطء وأحكامه بعيد. ### | [مسألة للعبد في الطلاق بعد الواحدة ما للحر قبل الثلاث] ms4083 # (6079) مسألة قال: (وللعبد بعد الواحدة، ما للحر قبل الثلاث) أجمع ~~العلماء على أن للعبد رجعة امرأته بعد الطلقة الواحدة، إذا وجدت شروطها. ~~فإن طلقها ثانية، فلا رجعة له، سواء كانت امرأته حرة، أو أمة؛ لأن طلاق ~~العبد اثنتان، وفي هذا خلاف ذكرناه فيما مضى. ### | [مسألة كانت حاملا باثنين فوضعت أحدهما] # (6080) مسألة قال: (ولو كانت حاملا باثنين، فوضعت أحدهما، فله مراجعتها، ~~ما لم تضع الثاني) هذا قول عامة العلماء، إلا أنه حكي عن عكرمة، أن العدة ~~تنقضي بوضع الأول. وما عليه سائر أهل العلم أصح؛ فإن العدة لا تنقضي إلا ~~بوضع الحمل كله؛ لقول الله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 4] واسم الحمل متناول لكل ما في البطن، فتبقى العدة مستمرة إلى ~~حين وضع باقي الحمل، فتبقى الرجعة ببقائها. # ولو انقضت العدة بوضع بعض الحمل، لحل لها التزويج وهي حامل من زوج آخر، ~~ولا قائل به. وأظن أن قتادة ناظر عكرمة في هذا فقال عكرمة: تنقضي عدتها ~~بوضع أحد الولدين. فقال له قتادة: أيحل لها بأن تتزوج؟ . قال: لا قال: خصم ~~العبد. ولو خرج بعض الولد، فارتجعها قبل أن تضع باقيه صح؛ لأنها لم تضع ~~جميع حملها، فصارت كمن ولدت أحد الولدين. # PageV07P520 ### | [فصل انقطع حيض المرأة في المرة الثالثة ولما تغتسل فهل تنقضي عدتها بطهرها] # (6081) فصل: إذا انقطع حيض المرأة في المرة الثالثة، ولما تغتسل، فهل ~~تنقضي عدتها بطهرها؟ فيه روايتان، ذكرهما ابن حامد؛ إحداهما، لا تنقضي ~~عدتها حتى تغتسل، ولزوجها رجعتها في ذلك. وهذا ظاهر كلام الخرقي، فإنه قال ~~في العدة: فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة، أبيحت للأزواج. وهذا قول كثير من ~~أصحابنا، وروي ذلك عن عمر وعلي، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، والثوري، ~~وأبي عبيد وروي نحوه عن أبي بكر الصديق، وأبي موسى، وعبادة، وأبي الدرداء ~~وروي عن شريك: له الرجعة وإن فرطت في الغسل عشرين سنة. # ووجه هذا قول من سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، فيكون ~~إجماعا، ولأن أكثر أحكام الحيض لا ms4084 تزول إلا بالغسل، وكذلك هذا. والرواية ~~الثانية، أن العدة تنقضي بمجرد الطهر قبل الغسل. وهو قول طاوس، وسعيد بن ~~جبير، والأوزاعي. واختاره أبو الخطاب؛ لقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . والقرء: الحيض. وقد زالت، فيزول ~~التربص. وفيما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وقرء الأمة ~~حيضتان. وقال: دعي الصلاة أيام أقرائك» . يعني أيام حيضك. # ولأن انقضاء العدة تتعلق به بينونتها من الزوج، وحلها لغيره، فلم يتعلق ~~بفعل اختياري من جهة المرأة بغير تعليق الزوج، كالطلاق وسائر العدد، ولأنها ~~لو تركت الغسل اختيارا أو لجنون أو نحوه، لم تحل؛ أما أن يقال بقول شريك، ~~أنها تبقى معتدة ولو بقيت عشرين سنة. وذلك خلاف قول الله: {ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] . فإنها تصير عدتها أكثر من مائتي قرء. أو يقال: تنقضي العدة ~~قبل الغسل، فيكون رجوعا عن قولهم ويحمل قول الصحابة في قولهم: حتى تغتسل. ~~أي: يلزمها الغسل. ### | [فصل تزوجت الرجعية في عدتها وحملت من الزوج الثاني] # (6082) فصل: إذا تزوجت الرجعية في عدتها، وحملت من الزوج الثاني، انقطعت ~~عدتها من الأول بوطء الثاني. وهل يملك الزوج رجعتها في عدة الحمل؟ يحتمل ~~وجهين: # PageV07P521 # أولهما، أنه له رجعتها؛ لأنها لم تقض عدته، فحكم نكاحه باق، يلحقها طلاقه ~~وظهاره، وإنما انقطعت عدته لعارض، فهو كما لو وطئت في صلب نكاحه، فإنها ~~تحرم عليه وتبقى سائر أحكام الزوجية، ولأنه يملك ارتجاعها إذا عادت إلى ~~عدته، فملكه قبل ذلك، كما لو ارتفع حيضها في أثناء عدتها. والوجه الثاني، ~~ليس له رجعتها؛ لأنها ليست في عدته، فإذا وضعت الحمل، انقضت عدة الثاني، ~~وبنت على ما مضى من عدة الأول، وله ارتجاعها حينئذ وجها واحدا، ولو كانت في ~~نفاسها؛ لأنها بعد الوضع تعود إلى عدة الأول، وإن لم تحتسب به، فكان له ~~الرجعة فيه، كما لو طلق حائضا، فإن له رجعتها في حيضها، وإن كانت لا تعتد ~~بها # وإن حملت حملا يمكن أن يكون منهما، فعلى الوجه الذي لا يملك رجعتها في ~~حملها من الثاني، إذا ms4085 راجعها في هذا الحمل، ثم بان أنه من الثاني، لم يصح؛ ~~وإن بان من الأول، احتمل أن يصح؛ لأنه راجعها في عدتها منه، واحتمل أن لا ~~يصح؛ لأنه راجعها مع الشك في إباحة الرجعة. والأول أصح؛ فإن الرجعة ليست ~~بعبادة يبطلها الشك في صحتها، وعلى أن العبادة تصح مع الشك فيما إذا نسي ~~صلاة من يوم لا يعلم عينها، فصلى خمس صلوات، فإن كل صلاة يشك في أنها هل هي ~~المنسية أو غيرها؟ ولو شك في الحدث، فتطهر ينوي رفع الحدث، صحت طهارته، ~~وارتفع حدثه، فهنا أولى. فإن راجعها بعد الوضع، وبان أن الحمل من الثاني ~~صحت رجعته، وإن بان من الأول، لم تصح الرجعة؛ لأن العدة انقضت بوضعه. ### | [مسألة المراجعة في الطلاق] # (6083) مسألة قال: (والمراجعة أن يقول لرجلين من المسلمين: اشهدا أني قد ~~راجعت امرأتي. بلا ولي يحضره، ولا صداق يزيده. وقد روي عن أبي عبد الله - ~~رحمه الله - رواية أخرى، أنه تجوز الرجعة بلا شهادة) وجملته أن الرجعة لا ~~تفتقر إلى ولي، ولا صداق، ولا رضى المرأة، ولا علمها. بإجماع أهل العلم؛ ~~لما ذكرنا من أن الرجعية في أحكام الزوجات، والرجعة إمساك لها، واستبقاء ~~لنكاحها، ولهذا سمى الله - سبحانه وتعالى - الرجعة إمساكا، وتركها فراقا ~~وسراحا، فقال: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} ~~[الطلاق: 2] . وفي آية أخرى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: ~~229] . وإنما تشعث النكاح بالطلقة وانعقد بها سبب زواله، فالرجعة تزيل ~~شعثه، وتقطع مضيه، إلى البينونة، فلم يحتج لذلك إلى ما يحتاج إليه ابتداء ~~النكاح. # فأما الشهادة ففيها روايتان؛ إحداهما، تجب. وهذا أحد قولي الشافعي؛ لأن ~~الله تعالى قال: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم} ~~[الطلاق: 2] . وظاهر الأمر الوجوب، ولأنه استباحة بضع مقصود، فوجبت الشهادة ~~فيه، كالنكاح، وعكسه البيع. # PageV07P522 # والرواية الثانية، لا تجب الشهادة. وهي اختيار أبي بكر، وقول مالك، وأبي ~~حنيفة؛ لأنها لا تفتقر إلى قبول، فلم تفتقر إلى شهادة، كسائر حقوق الزوج، ~~ولأن ما لا يشترط فيه الولي لا يشترط ms4086 فيه الإشهاد، كالبيع. وعند ذلك يحمل ~~الأمر على الاستحباب. # ولا خلاف بين أهل العلم، في أن السنة الإشهاد. فإن قلنا: هي شرط. فإنه ~~يعتبر وجودها حال الرجعة، فإن ارتجع بغير شهادة، لم يصح؛ لأن المعتبر ~~وجودها في الرجعة، دون الإقرار بها، إلا أن يقصد بذلك الإقرار الارتجاع، ~~فيصح. ### | [فصل الرجعة لا تحصل إلا بالقول] # (6084) فصل: وظاهر كلام الخرقي، أن الرجعة لا تحصل إلا بالقول؛ لقوله: ~~المراجعة أن يقول. وهذا مذهب الشافعي؛ لأنها استباحة بضع مقصود، أمر ~~بالإشهاد فيه، فلم تحصل من القادر بغير قول، كالنكاح، ولأن غير القول فعل ~~من قادر على القول، فلم تحصل به الرجعة، كالإشارة من الناطق، وهذه إحدى ~~الروايتين عن أحمد. والرواية الثانية، تحصل الرجعة بالوطء، سواء نوى به ~~الرجعة، أو لم ينو. اختارها ابن حامد، والقاضي وهو قول سعيد بن المسيب، ~~والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ~~ليلى، وأصحاب الرأي. قال بعضهم. ويشهد. # وقال مالك، وإسحاق: تكون رجعة إذا أراد به الرجعة؛ لأن هذه مدة تفضي إلى ~~بينونة، فترتفع بالوطء، كمدة الإيلاء، ولأن الطلاق سبب لزوال الملك ومعه ~~خيار، فتصرف المالك بالوطء يمنع عمله، كوطء البائع الأمة المبيعة في مدة ~~الخيار. وذكر أبو الخطاب أننا إذا قلنا: الوطء مباح. حصلت الرجعة به، كما ~~ينقطع به التوكيل في طلاقها. وإن قلنا: هو محرم. لم تحصل الرجعة به؛ لأنه ~~فعل محرم، فلا يكون سببا للحل، كوطء المحلل. ### | [فصل تحصل الرجعة إذا قبلها أو لمسها لشهوة أو كشف فرجها ونظر إليه] # (6085) فصل: فأما إن قبلها، أو لمسها لشهوة، أو كشف فرجها ونظر إليه، ~~فالمنصوص عن أحمد أنه ليس برجعة. وقال ابن حامد: فيه وجهان: أحدهما، هو ~~رجعة. وهذا قول الثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنه استمتاع يستباح بالزوجية، فحصلت ~~الرجعة به كالوطء. والثاني، أنه ليس برجعة؛ لأنه أمر لا يتعلق به إيجاب عدة ~~ولا مهر، فلا تحصل به الرجعة، كالنظر. # PageV07P523 # فأما الخلوة بها، فليس برجعة؛ لأنه ليس باستمتاع. وهذا اختيار أبي ~~الخطاب. وحكي عن غيره من ms4087 أصحابنا، أن الرجعة تحصل به؛ لأنه معنى يحرم من ~~الأجنبية، ويحل من الزوجة، فحصلت به الرجعة، كالاستمتاع. # والصحيح أنه لا تحصل الرجعة بها؛ لأنها لا تبطل اختيار المشتري للأمة، ~~فلم تكن رجعة، كاللمس لغير شهوة، فأما اللمس لغير شهوة، والنظر لذلك ونحوه، ~~فليس برجعة لأنه يجوز في غير الزوجة عند الحاجة، فأشبه الحديث معها. ### | [فصل الألفاظ التي تحصل بها الرجعة] # (6086) فصل: فأما القول فتحصل به الرجعة. بغير خلاف. وألفاظه: راجعتك، ~~وارتجعتك، ورددتك، وأمسكتك. لأن هذه الألفاظ ورد بها الكتاب والسنة، فالرد ~~والإمساك ورد بهما الكتاب بقوله سبحانه: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} ~~[البقرة: 228] . وقال: {فأمسكوهن بمعروف} [البقرة: 231] يعني: الرجعة. # والرجعة وردت بها السنة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مره ~~فليراجعها» . وقد اشتهر هذا الاسم فيها بين أهل العرف، كاشتهار اسم الطلاق ~~فيه، فإنهم يسمونها رجعة، والمرأة رجعية. ويتخرج أن يكون لفظها هو الصريح ~~وحده، لاشتهاره دون غيره، كقولنا في صريح الطلاق، والاحتياط أن يقول: راجعت ~~امرأتي إلى نكاحي أو زوجتي. أو راجعتها لما وقع عليها من طلاقي. فإن قال: ~~نكحتها. أو: تزوجتها. فهذا ليس بصريح فيها؛ لأن الرجعة ليست بنكاح. وهل ~~تحصل به الرجعة؟ فيه وجهان؛ أحدهما، لا تحصل به الرجعة؛ لأن هذا كناية، ~~والرجعة استباحة بضع مقصود، ولا تحصل بالكناية، كالنكاح. والثاني، تحصل به ~~الرجعة. أومأ إليه أحمد. واختاره ابن حامد؛ لأنه تباح به الأجنبية، ~~فالرجعية أولى. # وعلى هذا، يحتاج أن ينوي به الرجعة؛ لأن ما كان كناية تعتبر له النية، ~~ككنايات الطلاق. ### | [فصل قال راجعتك للمحبة أو قال للإهانة وقال أردت أنني راجعتك لمحبتي] # (6087) فصل: فإن قال: راجعتك للمحبة. أو قال: للإهانة. وقال: أردت أنني ~~راجعتك لمحبتي إياك، أو إهانة لك. صحت الرجعة؛ لأنه أتى بالرجعة، وبين ~~سببها. وإن قال: أردت أنني كنت أهنتك، أو أحبك، وقد رددتك بفراقي إلى ذلك. ~~فليس برجعة. # وإن أطلق ولم ينو شيئا، صحت الرجعة. ذكره القاضي؛ لأنه أتى بصريح الرجعة، ~~وضم إليه ما يحتمل أن يكون بيانا لسببها، ويحتمل غيره، فلا ms4088 يزول اللفظ عن ~~مقتضاه بالشك. وهذا مذهب الشافعي. # PageV07P524 ### | [فصل تعليق الرجعة على شرط] # (6088) فصل: ولا يصح تعليق الرجعة على شرط؛ لأنه استباحة فرج مقصود، ~~فأشبه النكاح، ولو قال: راجعتك إن شئت. لم يصح كذلك. ولو قال: كلما طلقتك ~~فقد راجعتك. لم يصح كذلك. ولأنه راجعها قبل أن يملك الرجعة، فأشبه الطلاق ~~قبل النكاح. وإن قال: إن قدم أبوك، فقد راجعتك. لم يصح؛ لأنه تعليق على ~~شرط. (6089) فصل: فإن راجعها في الردة من أحدهما، فذكر أبو الخطاب أنه لا ~~يصح. وهو صحيح مذهب الشافعي؛ لأنه استباحة بضع مقصود، فلم يصح مع الردة، ~~كالنكاح، ولأن الرجعة تقرير النكاح، والردة تنافي ذلك، فلم يصح اجتماعهما. # وقال القاضي: إن قلنا: تتعجل الفرقة بالردة. لم تصح الرجعة؛ لأنها قد ~~بانت بها. وإن قلنا: لا تتعجل الفرقة. فالرجعة موقوفة، إن أسلم المرتد ~~منهما في العدة صحت الرجعة؛ لأننا تبينا أنه ارتجعها في نكاحه، ولأنه نوع ~~إمساك، فلم تمنع منه الردة، كما لو لم يطلق، وإن لم يسلم في العدة تبينا أن ~~الفرقة وقعت قبل الرجعة. وهذا قول المزني. واختيار أبي حامد وهكذا ينبغي أن ~~يكون فيما إذا راجعها بعد إسلام أحدهما. ### | [مسألة قال قد ارتجعتك] # (6090) مسألة قال: (وإذا قال: قد ارتجعتك. فقالت: قد انقضت عدتي قبل ~~رجعتك. فالقول قولها ما ادعت من ذلك ممكنا) وجملة ذلك أن المرأة إذا ادعت ~~انقضاء عدتها، في مدة يمكن انقضاؤها فيها، قبل قولها؛ لقول الله تعالى: ~~{ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228] . قيل في ~~التفسير: هو الحيض والحمل. فلولا أن قولهن مقبول، لم يحرجن بكتمانه، ولأنه ~~أمر تختص بمعرفته، فكان القول قولها فيه، كالنية من الإنسان فيما تعتبر فيه ~~النية، أو أمر لا يعرف إلا من جهتها، فقبل قولها فيه، كما يجب على التابعي ~~قبول خبر الصحابي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # فأما ما تنقضي به العدة، فلا يخلو من ثلاثة أقسام؛: القسم الأول أن تدعي ~~انقضاء عدتها بالقروء، وأقل ذلك ينبني على ms4089 الخلاف في أقل الطهر بين ~~الحيضتين، وعلى الخلاف في القروء، هل هي الحيض أو الأطهار؟ فإن قلنا: هي ~~الحيض، وأقل الطهر ثلاثة عشر يوما، فأقل ما تنقضي به العدة تسعة وعشرون ~~يوما ولحظة، وذلك أن يطلقها مع آخر الطهر، ثم تحيض بعده يوما وليلة، ثم ~~تطهر ثلاثة عشر يوما، ثم تحيض يوما وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوما، ثم تحيض ~~يوما وليلة، # PageV07P525 # ثم تطهر لحظة، ليعرف بها انقطاع الحيض، وإن لم تكن هذه اللحظة من عدتها ~~فلا بد منها، لمعرفة انقطاع حيضها، ولو صادفتها رجعته لم تصح. # ومن اعتبر الغسل في قضاء العدة، فلا بد من وقت يمكن الغسل فيه بعد انقطاع ~~الحيض. وإن قلنا: القرء الحيض، والطهر خمسة عشر يوما. فأقل ما تنقضي به ~~العدة ثلاثة وثلاثون يوما ولحظة تزيد أربعة أيام في الطهرين. وإن قلنا: ~~القروء الأطهار. وأقل الطهر ثلاثة عشر يوما، فإن عدتها تنقضي بثمانية ~~وعشرين يوما ولحظتين، وهو أن يطلقها في آخر لحظة من طهرها، فتحتسب بها ~~قرءا، ثم تحتسب طهرين آخرين ستة وعشرين يوما، وبينهما حيضتان يومين، فإذا ~~طعنت في الحيضة الثالثة لحظة، انقضت عدتها. وإن قلنا: الطهر خمسة عشر يوما. ~~زدنا على هذا أربعة أيام في الطهرين، فيكون اثنين وثلاثين يوما ولحظتين. ~~وهذا قول الشافعي فإن كانت أمة، انقضت عدتها بخمسة عشر يوما ولحظة على ~~الوجه الأول، وتسعة عشر يوما ولحظة على الوجه الثاني، وبأربعة عشر يوما ~~ولحظتين على الوجه الثالث، وبستة عشر يوما ولحظتين على الوجه الرابع. فمتى ~~ادعت انقضاء عدتها بالقروء في أقل من هذا، لم يقبل قولها عند أحد فيما ~~أعلم؛ لأنه لا يحتمل صدقها. وإن ادعت انقضاء عدتها في أقل من شهر، لم يقبل ~~قولها إلا ببينة؛ لأن شريحا قال: إذا ادعت أنها حاضت ثلاث حيض في شهر، ~~وجاءت ببينة من النساء العدول من بطانة أهلها، ممن يرضى صدقه وعدله، أنها ~~رأت ما يحرم عليها الصلاة من الطمث، وتغتسل عند كل قرء وتصلي، فقد انقضت ~~عدتها، وإلا فهي كاذبة. فقال ms4090 له علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: قالون. ~~ومعناه بالرومية: أصبت أو أحسنت. # فأخذ أحمد بقول علي في الشهر. فإن ادعت ذلك في أكثر من شهر، صدقها، على ~~حديث: «إن المرأة اؤتمنت على فرجها» . ولأن حيضها في الشهر ثلاث حيض يندر ~~جدا، فرجح ببينة ولا يندر فيما زاد على الشهر كندرته فيه، فقبل قولها من ~~غير بينة. وقال: الشافعي: لا يقبل قولها في أقل من اثنين وثلاثين يوما ~~ولحظتين، ولا يقبل في أقل من ذلك بحال؛ لأنه لا يتصور عدة أقل من ذلك. وقال ~~النعمان: لا تصدق في أقل من ستين يوما. وقال صاحباه: لا تصدق في أقل من ~~تسعة وثلاثين يوما؛ لأن أقل الحيض عندهم ثلاثة أيام، فثلاث حيض تسعة أيام، ~~وطهران ثلاثون يوما. # PageV07P526 # والخلاف في هذا ينبني على الخلاف في أقل الحيض، وأقل الطهر، وفي القروء ~~ما هي، وقد سبق ومما يدل عليه في الجملة قبول علي وشريح بينتها على انقضاء ~~عدتها في شهر. ولولا تصوره لما قبلت عليه بينة، ولا سمعت فيه دعوى، ولا ~~يتصور إلا بما قلناه. فأما إن ادعت انقضاء العدة في أقل من ذلك، لم تسمع ~~دعواها، ولا يصغى إلى بينتها؛ لأننا نعلم كذبها. فإن بقيت على دعواها حتى ~~أتى عليها ما يمكن صدقها فيه نظرنا؛ فإن بقيت على دعواها المردودة، لم يسمع ~~قولها؛ لأنها تدعي محالا، وإن ادعت أنها انقضت عدتها في هذه المدة كلها، أو ~~فيما يمكن منها، قبل قولها؛ لأنه أمكن صدقها. ولا فرق في ذلك بين الفاسقة ~~والمرضية، والمسلمة والكافرة؛ لأن ما يقبل فيه قول الإنسان على نفسه، لا ~~يختلف باختلاف حاله، كإخباره عن بينة فيما تعتبر فيه بينة. # القسم الثاني، أن تدعي انقضاء عدتها بوضع الحمل، فلا يخلو؛ إما أن تدعي ~~وضع الولد لتمام، أو أنها أسقطته قبل كماله، فإن ادعت وضعه لتمام، فلا يقبل ~~قولها في أقل من ستة أشهر من حين إمكان الوطء بعد العقد؛ لأنه لا يكمل في ~~أقل من ذلك، وإن ادعت أنها أسقطته، ms4091 لم يقبل قولها في أقل من ثمانين يوما من ~~حين إمكان الوطء بعد عقد النكاح؛ لأن أقل سقط تنقضي به العدة ما أتى عليه ~~ثمانون يوما، لأنه يكون نطفة أربعين يوما، ثم يكون علقة أربعين يوما، ثم ~~يصير مضغة بعد الثمانين، ولا تنقضي به العدة قبل أن يصير مضغة بحال. وهذا ~~ظاهر قول الشافعي. # القسم الثالث، أن تدعي انقضاء عدتها بالشهور، فلا يقبل قولها فيه؛ لأن ~~الخلاف في ذلك ينبني على الاختلاف في وقت الطلاق، والقول قول الزوج فيه، ~~فيكون القول قوله فيما ينبني عليه، إلا أن يدعي الزوج انقضاء عدتها؛ ليسقط ~~عن نفسه نفقتها، مثل أن يقول: طلقتك في شوال. فتقول هي: بل في ذي الحجة. ~~فالقول قولها؛ لأنه يدعي ما يسقط النفقة، والأصل وجوبها، فلا يقبل إلا ~~ببينة. ولو ادعت ذلك، ولم يكن لها نفقة، قبل قولها؛ لأنها تقر على نفسها ~~بما هو أغلظ. ولو انعكست الدعوى، فقال: طلقتك في ذي الحجة، فلي رجعتك. ~~فقالت: بل طلقتني في شوال، فلا رجعة لك. # فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء نكاحه، ولأن القول قوله، في إثبات الطلاق ~~ونفيه فكذلك في وقته. إذا ثبت هذا، فكل موضع قلنا: القول قولها. فأنكرها ~~الزوج، فقال الخرقي: عليها اليمين. وهو قول الشافعي، وأبي يوسف ومحمد. وقد ~~أومأ إليه أحمد، في رواية أبي طالب. # PageV07P527 # وقال القاضي: قياس المذهب أن لا يجب عليها يمين. وقد أومأ إليه أحمد، ~~فقال: لا يمين في نكاح ولا طلاق. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الرجعة لا يصح ~~بذلها، فلا يستحلف فيها، كالحدود. والأول؛ أولى؛ لقول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «اليمين على المدعى عليه» . ولأنه حق آدمي يمكن صدق مدعيه، ~~فيجب اليمين فيه، كالأموال. # فإن نكلت عن اليمين، فقال القاضي: لا يقضى بالنكول؛ لأنه مما لا يصح ~~بذله. ويحتمل أن يستحلف الزوج، وله رجعتها، بناء على القول برد اليمين على ~~المدعي؛ وذلك؛ لأنه لما وجد النكول منها، ظهر صدق الزوج، وقوي جانبه، ~~واليمين تشرع في حق من قوي جانبه، ولذلك ms4092 شرعت في حق المدعى عليه لقوة جانبه ~~باليد في العين، وبالأصل في براءة الذمة في الدين. هذا مذهب الشافعي. ### | [فصل ادعى الزوج في عدتها أنه كان راجعها أمس أو منذ شهر] # (6091) فصل: وإذا ادعى الزوج في عدتها أنه كان راجعها أمس، أو منذ شهر ~~قبل قوله؛ لأنه لما ملك الرجعة، ملك الإقرار بها، كالطلاق. وبهذا قال ~~الشافعي، وأصحاب الرأي، وغيرهم. # وإن قال بعد انقضاء عدتها: كنت راجعتك في عدتك. فأنكرته، فالقول قولها ~~بإجماعهم؛ لأنه ادعاها في زمن لا يملكها، والأصل عدمها وحصول البينونة. فإن ~~كان اختلافهما في زمن يمكن فيه انقضاء عدتها، وبقاؤها، فبدأت فقالت: انقضت ~~عدتي. فقال: قد كنت راجعتك. فأنكرته، لم يقبل قوله؛ لأن خبرها بانقضاء ~~عدتها مقبول؛ لإمكانه، فصارت دعواه للرجعة بعد الحكم بانقضاء عدتها، فلم ~~تقبل. فإن سبقها بالدعوى، فقال: قد كنت راجعتك أمس. فقالت: قد انقضت عدتي ~~قبل دعواك. فالقول قوله؛ لأن دعواه للرجعة قبل الحكم بانقضاء عدتها في زمن ~~الظاهر قبول قوله فيه، فلا يقبل قولها بعد ذلك في إبطاله. # ولو سبق فقال: قد راجعتك. فقالت: قد انقضت عدتي قبل رجعتك. فأنكرها، فقال ~~القاضي: القول قوله؛ لما ذكرنا. وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي. وظاهر ~~كلام الخرقي، أن قولها مقبول، سواء سبقها بالدعوى، أو سبقته. وهو وجه ثان ~~لأصحاب الشافعي؛ لأن الظاهر البينونة، والأصل عدم الرجعة، فكان الظاهر ~~معها، ولأن من قبل قوله سابقا، قبل قوله مسبوقا، كسائر من يقبل قوله. # ولهم وجه ثالث، أن القول قول الزوج بكل حال؛ لأن المرأة تدعي ما يرفع ~~النكاح وهو ينكره، فكان القول قوله، كما لو ادعى المولي والعنين إصابة ~~امرأته، فأنكرته. وهذا لا يصح، فإنه قد انعقد سبب البينونة، وهو مفض إليها، ~~ما لم يوجد ما يرفعه ويزيل حكمه، والأصل عدمه، فكان القول [قول] من ينكره، ~~بخلاف ما قاسوا عليه. وإن وقع القول منهما جميعا، فلا رجعة؛ لأن خبرها ~~بانقضاء عدتها يكون # PageV07P528 # بعدها، فيكون قوله بعد العدة، فلا يقبل. قال أبو الخطاب: ويحتمل أن يقرع ~~بينهما فيكون ms4093 القول قول من تقع له القرعة. والصحيح الأول. ### | [فصل اختلفا في الإصابة فقال قد أصبتك فلى رجعتك فأنكرته] # (6092) فصل: وإن اختلفا في الإصابة فقال: قد أصبتك، فلي رجعتك. فأنكرته، ~~أو قالت: قد أصابني، فلي المهر كاملا. فالقول قول المنكر منهما؛ لأن الأصل ~~معه، فلا يزول إلا بيقين، وليس له رجعتها في الموضعين؛ لأنه أنكر الإصابة، ~~فهو يقر على نفسه ببينونتها، وأنه لا رجعة له عليها. وإن أنكرتها هي، ~~فالقول قولها، ولا تستحق إلا نصف المهر في الموضعين؛ لأنها إن أنكرتها، فهي ~~مقرة أنها لا تستحق إلا نصف المهر، وإن أنكرها، فالقول قوله. هذا إن كان ~~غير مقبوض، فإن كان اختلافهما بعد قبضها له وادعى إصابتها فأنكرته، لم يرجع ~~عليها بشيء؛ لأنه يقر لها به ولا يدعيه. وإن كان هو المنكر، رجع عليها ~~بنصفه. وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي. # فإن قيل: فلم قبلتم قول المولي والعنين في الإصابة، ولم تقبلوه هاهنا؟ ~~قلنا: لأن المولي والعنين يدعيان ما يبقي النكاح على الصحة، ويمنع فسخه، ~~والأصل صحة العقد وسلامته، فكان قولهما موافقا للأصل، فقبل، وفي مسألتنا قد ~~وقع ما يرفع النكاح ويزيله، وهو ما والى بينونة، وقد اختلفا فيما يرفع حكم ~~الطلاق ويثبت له الرجعة، والأصل عدم ذلك، فكان قوله مخالفا للأصل، فلم ~~يقبل، ولأن المولي والعنين يدعيان الإصابة في موضع تحققت فيه الخلوة ~~والتمكين من الوطء، لأنه لو لم يوجد ذلك لما استحقتا الفسخ بعدم الوطء، ~~فكان الاختلاف فيما يختص به، وفي مسألتنا لم تتحقق خلوة ولا تمكين، لأنه لو ~~تحقق ذلك لوجب المهر كاملا، فكان الاختلاف في أمر ظاهر لا يختص به، فلم ~~يقبل فيه قول مدعيه إلا ببينة. وهل يشرع اليمين في حق من القول قوله هاهنا؟ ~~على وجهين. ### | [فصل والخلوة كالإصابة في إثبات الرجعة للزوج على المرأة التي خلا بها] # (6093) فصل: والخلوة كالإصابة، في إثبات الرجعة للزوج على المرأة التي ~~خلا بها، في ظاهر قول الخرقي؛ لقوله: حكمها حكم الدخول في جميع أمورها. ~~وهذا قول الشافعي، في القديم. وقال ms4094 أبو بكر: لا رجعة له عليها إلا أن ~~يصيبها. وبه قال النعمان، وصاحباه والشافعي في الجديد؛ لأنها غير مصابة، ~~فلا تستحق رجعتها، كغير التي خلا بها. ولنا قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: ~~228] /إلى قوله: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228] . ولأنها معتدة ~~من طلاق لا عوض فيه، # PageV07P529 # ولم تستوف عدده، فثبت عليها الرجعة كالمصابة، ولأنها معتدة يلحقها طلاقه، ~~فملك رجعتها، كالتي أصابها. وفارق التي لم يخل بها، فإنها بائن منه لا عدة ~~لها، ولا يلحقها طلاقه، وإنما تكون الرجعة للمعتدة التي يلحقها طلاقه. ### | [فصل ادعى زوج الأمة بعد عدتها أنه كان راجعها في عدتها فكذبته وصدقه مولاها] # (6094) فصل: وإن ادعى زوج الأمة بعد عدتها أنه كان راجعها في عدتها، ~~فكذبته وصدقه مولاها، فالقول قولها. نص عليه أحمد، وبذلك قال أبو حنيفة، ~~ومالك. وقال أبو يوسف ومحمد: القول قول الزوج، وهو أحق بها؛ لأن إقرار ~~مولاها مقبول في نكاحها، فقبل قوله في رجعتها، كالحرة إذا أقرت. ولنا أن ~~قولها في انقضاء عدتها مقبول، فقبل في إنكارها للرجعة كالحرة، ولأنه اختلاف ~~منهما فيما يثبت به النكاح، فيكون المنازع هي دون سيدها، كما لو اختلفا في ~~الإصابة، وإنما قبل قول السيد في النكاح؛ لأنه يملك إنشاءه، فملك الإقرار ~~به، بخلاف الرجعة. # وإن صدقته هي وكذبه مولاها، لم يقبل إقرارها؛ لأن حق السيد يتعلق بها، ~~وحلت له بانقضاء عدتها، فلم يقبل قولها في إبطال حقه، كما لو تزوجت ثم أقرت ~~أن مطلقها كان راجعها، ولا يلزم من قبول إنكارها قبول تصديقها، كالتي ~~تزوجت، فإنه يقبل إنكارها، ولا يقبل تصديقها. إذا ثبت هذا، فإن مولاها إذا ~~علم صدق الزوج في رجعتها، لم يحل له وطؤها، ولا تزويجها. وإن علمت هي صدق ~~الزوج في رجعتها، فهي حرام على سيدها، ولا يحل لها تمكينه من وطئها إلا ~~مكرهة، كما قبل طلاقها. ### | [فصل قالت انقضت عدتي ثم قالت ما انقضت الرجعة بعد] # (6095) فصل: ولو قالت: ms4095 انقضت عدتي. ثم قالت: ما انقضت بعد. فله رجعتها؛ ~~لأنها أقرت بكذبها فيما يثبت به حق عليها، فقبل إقرارها. ولو قال: أخبرتني ~~بانقضاء عدتها، ثم راجعتها. ثم أقرت بكذبها في انقضاء عدتها، وأنكرت ما ذكر ~~عنها، وأقرت أن عدتها، لم تنقض، فالرجعة صحيحة؛ لأنه لم يقر بانقضاء عدتها، ~~وإنما أخبر بخبرها عن ذلك، وقد رجعت عن خبرها، فقبل رجوعها؛ لما ذكرناه. ### | [مسألة طلقها واحدة فلم تنقض عدتها حتى طلقها ثانية] # (6096) مسألة قال: (وإذا طلقها واحدة، فلم تنقض عدتها حتى طلقها ثانية، ~~بنت على ما مضى من العدة) # PageV07P530 # وبهذا قال أبو حنيفة وهو قول الشافعي وله قول ثان، أنها تستأنف العدة؛ ~~لأنها طلقة واقعة في حق مدخول بها، فاقتضت عدة كاملة، كالأولى. # ولنا، أنهما طلاقان لم يتخللهما إصابة، ولا خلوة، فلم يجب بهما أكثر من ~~عدة، كما لو والى بينهما، أو كما لو انقضت عدتها ثم نكحها وطلقها قبل دخوله ~~بها. وهكذا الحكم لو طلقها، ثم فسخ نكاحها لعيب في أحدهما، أو لعتقها تحت ~~عبد أو غيره، أو انفسخ نكاحها لرضاع أو اختلاف دين أو غير ذلك؛ لأن الفسخ ~~في معنى الطلاق. ### | [فصل طلقها ثم راجعها ثم طلقها قبل دخوله بها] # (6097) فصل: وإن طلقها، ثم راجعها، ثم طلقها قبل دخوله بها، ففيه ~~روايتان؛ إحداهما، تبني على ما مضى من العدة. نقلها الميموني. وهي اختيار ~~أبي بكر، وقول عطاء، وأحد قولي الشافعي؛ لأنهما طلاقان لم يتخللهما دخول ~~بها، فكانت العدة من الأول منهما، كما لو لم يرتجعها، ولأن الرجعة لم يتصل ~~بها دخول، فلم يجب بالطلاق منها عدة، كما لو نكحها ثم طلقها قبل الدخول. ~~والثانية، تستأنف العدة. نقلها ابن منصور. وهي أصح. وهذا قول طاوس، وأبي ~~قلابة، وعمرو بن دينار، وجابر، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق، وأبي ثور، ~~وأبي عبيد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. # وقال الثوري: أجمع الفقهاء على هذا. وحكى أبو الخطاب، عن مالك، إن قصد ~~الإضرار بها بنت، وإلا استأنفت؛ لأن الله تعالى إنما جعل الرجعة لمن أراد ~~الإصلاح ms4096 بقوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} ~~[البقرة: 228] . والذي قصد الإضرار لم يقصد الإصلاح. ولنا أنه طلاق في نكاح ~~مدخول بها فيه، فأوجب عدة كاملة، كما لو لم يتقدمه طلاق؛ وهذا لأن الطلقة ~~الأولى شعثت النكاح، والرجعة لمت شعثه، وقطعت عمل الطلاق، فصار الطلاق ~~الثاني في نكاح غير مشعث مدخول بها فيه، فأوجب عدة كالأول، وكما لو ارتدت ~~ثم أسلمت ثم طلقها، فإنها تستأنف عدة، كذا هاهنا. # ويفارق الطلاق قبل الرجعة. فإنه جاء بعد طلاق مفض إلى بينونة. فإن راجعها ~~ثم دخل بها، ثم طلقها، فإنها تستأنف عدة بغير اختلاف بين أهل العلم؛ لأنه ~~بالوطء بعد الرجعة صار كالناكح ابتداء إذا وطئ. # PageV07P531 ### | [فصل خالع زوجته أو فسخ النكاح ثم نكحها في عدتها ثم طلقها] # (6098) فصل: وإن خالع زوجته، أو فسخ النكاح ثم نكحها في عدتها، ثم طلقها؛ ~~فإن كان دخل بها، فعليها العدة، بلا خلاف؛ لأنه طلاق في نكاح مدخول بها ~~فيه، لم يتقدمه طلاق سواه. وإن لم يكن دخل بها، بنت على العدة الأولى، في ~~الصحيح من المذهب. وعنه، أنها تستأنف العدة. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن النكاح ~~أقوى من الرجعة، ولو طلقها بعد الرجعة، استأنفت العدة، فهاهنا أولى. ولنا، ~~أنه طلاق من نكاح لم يصبها فيه، فلم تجب به عدة، كما لو نكحها بعد انقضاء ~~عدتها. وفارق الرجعة؛ لأنها ردت المرأة إلى النكاح الأول، فكان الطلاق ~~الثاني في نكاح اتصل به الدخول، وهذا النكاح جديد بعد البينونة من الأول، ~~ولم يوجد فيه دخول، فأشبه التزويج بعد قضاء العدة. # وأما بناؤها على العدة الأولى، فلأنها إنما قطع في حكمها النكاح، وقد ~~زال، فيعود إليها. ولو أسلمت زوجته ثم أسلم في عدتها، أو أسلم هو ثم أسلمت ~~هي في عدتها، وطلقها قبل وطئه أو بعده، أو ارتدت ثم أسلمت ثم طلقها، فعليها ~~عدة مستأنفة، بلا خلاف؛ لأنه طلاق في نكاح وطئ فيه، أشبه الطلاق في النكاح ~~الأول. ### | [فصل متى وطئ الرجعية] # (6099) فصل: ومتى وطئ الرجعية، وقلنا: إن ms4097 الوطء لا تحصل به الرجعة، ~~فعليها أن تستأنف العدة من الوطء، ويدخل فيها بقية عدة الطلاق؛ لأنهما ~~عدتان من رجل واحد، فتداخلتا، كما لو طلقها واحدة فلم تنقض عدتها حتى ~~طلقها، وله ارتجاعها في بقية العدة الأولى؛ لأنها عدة من الطلاق، فإذا مضت ~~البقية، لم يكن له ارتجاعها في بقية عدة الوطء؛ لأنها عدة من وطء شبهة، فإن ~~حبلت من الوطء، صارت في عدة الوطء، وتدخل فيها البقية الأولى؛ لأنهما عدتان ~~لواحد، فأشبه ما لو كانا بالأقراء، وتنقضي العدتان جميعا بوضع الحمل؛ لأنه ~~لا يتبعض، وله مراجعتها قبل وضعه؛ لأنها في عدة من الطلاق. # ويحتمل أن لا يتداخلا؛ لأنهما من جنسين. فعلى هذا تصير معتدة من الوطء ~~خاصة. وهل له رجعتها في مدة الحمل؟ على وجهين، مضى توجيههما فيما إذا حملت ~~من وطء زوج ثان، فإذا وضعت أتمت عدة الطلاق، وله ارتجاعها في هذه البقية؛ ~~لأنها من عدة الطلاق. ولو طلقها حاملا، ثم وطئها انقضت عدتها بوضع الحمل ~~منهما جميعا. ويحتمل أن تستأنف عدة للوطء بعد وضع الحمل؛ لما ذكرنا. ولا ~~رجعة له بعد وضع الحمل في هذه الصورة بكل حال. ومذهب الشافعي في هذا الفصل ~~كله على ما ذكرنا سواء. # PageV07P532 ### | [مسألة طلقها ثم أشهد على المراجعة من حيث لا تعلم فاعتدت ثم نكحت من أصابها] # (6100) مسألة؛ قال: وإذا طلقها، ثم أشهد على المراجعة من حيث لا تعلم، ~~فاعتدت، ثم نكحت من أصابها، ردت إليه، ولا يصيبها حتى تنقضي عدتها في إحدى ~~الروايتين، والأخرى هي زوجة الثاني وجملة ذلك، أن زوج الرجعية إذا راجعها، ~~وهي لا تعلم، صحت المراجعة؛ لأنها لا تفتقر إلى رضاها، فلم تفتقر إلى علمها ~~كطلاقها. فإذا راجعها ولم تعلم، فانقضت عدتها، وتزوجت، ثم جاء وادعى أنه ~~كان راجعها قبل انقضاء عدتها، وأقام البينة على ذلك، ثبت أنها زوجته، وأن ~~نكاح الثاني فاسد؛ لأنه تزوج امرأة غيره، وترد إلى الأول، سواء دخل بها ~~الثاني أو لم يدخل بها. # هذا هو الصحيح، وهو مذهب أكثر الفقهاء؛ منهم الثوري، ms4098 والشافعي، وأبو ~~عبيد، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه -. وعن أبي عبد الله، ~~- رحمه الله -، رواية ثانية، إن دخل بها الثاني فهي امرأته، ويبطل نكاح ~~الأول. روي ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وهو قول مالك. وروي ~~معناه عن سعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن القاسم، ونافع؛ لأن كل واحد منهما ~~عقد عليها، وهي ممن يجوز له العقد في الظاهر، ومع الثاني مزية الدخول، فقدم ~~بها. ولنا أن الرجعة قد صحت، وتزوجت وهي زوجة الأول، فلم يصح نكاحها، كما ~~لو لم يطلقها. # فإذا ثبت هذا، فإن كان الثاني ما دخل بها، فرق بينهما، وردت إلى الأول، ~~ولا شيء على الثاني. وإن كان دخل بها، فلها عليه مهر المثل؛ لأن هذا وطء ~~شبهة، وتعتد، ولا تحل للأول حتى تنقضي عدتها منه. وإن أقام البينة قبل دخول ~~الثاني بها، ردت إلى الأول، بغير خلاف في المذهب. وهو إحدى الروايتين عن ~~مالك. وأما إن تزوجها مع علمها بالرجعة، أو علم أحدهما، فالنكاح باطل بغير ~~خلاف، والوطء محرم على من علم منهما، وحكمه حكم الزاني في الحد وغيره؛ لأنه ~~وطئ امرأة غيره مع علمه. فأما إن لم يكن لمدعي الرجعة بينة، فأنكره أحدهما، ~~لم يقبل قوله، ولكن إن أنكراه جميعا، فالنكاح صحيح في حقهما، وإن اعترفا له ~~بالرجعة، ثبتت، والحكم فيه كما لو قامت به البينة سواء. # وإن أقر له الزوج وحده، فقد اعترف بفساد نكاحه، فتبين منه، وعليه مهرها ~~إن كان بعد الدخول، أو نصفه إن كان قبله، لأنه لا يصدق على المرأة في إسقاط ~~حقها عنه، ولا تسلم المرأة إلى المدعي؛ لأنه لا يقبل قول الزوج الثاني ~~عليها، وإنما يلزمه في حقه، ويكون القول قولها. وهل هو مع يمينها أو لا؟ ~~على وجهين. والصحيح أنها لا تستحلف؛ لأنها لو أقرت، لم يقبل إقرارها، فإذا ~~أنكرت لم تجب اليمين بإنكارها. وإن اعترفت المرأة وأنكر الزوج، # PageV07P533 # لم يقبل اعترافها على الزوج في فسخ النكاح؛ لأن قولها إنما يقبل على ms4099 ~~نفسها في حقها. # وهل يستحلف؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يستحلف. اختاره القاضي؛ لأنه دعوى ~~في النكاح، فلم يستحلف، كما لو ادعى زوجية امرأة فأنكرته. والثاني، يستحلف. ~~قال القاضي: وهو قول الخرقي؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «ولكن اليمين على ~~المدعى عليه» . ولأنه دعوى في حق آدمي، فيستحلف فيه كالمال. فإن حلف فيمينه ~~على نفي العلم؛ لأنه على نفي فعل الغير. فإن زال نكاحه بطلاق، أو فسخ، أو ~~موت، ردت إلى الأول من غير عقد؛ لأن المنع من ردها إنما كان لحق الثاني، ~~فإذا زال، زال المانع، وحكم بأنها زوجة الأول، كما لو شهد بحرية عبد ثم ~~اشتراه، عتق عليه. ولا يلزمها للأول مهر بحال. # وذكر القاضي، أن عليها له مهرا. وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأنها أقرت ~~أنها حالت بينه وبين بضعها بغير حق، فأشبه شهود الطلاق إذا رجعوا. ولنا أن ~~ملكها استقر على المهر، فلم يرجع به عليها، كما لو ارتدت، أو أسلمت، أو ~~قتلت نفسها، فإن مات الأول وهي في نكاح الثاني، فينبغي أن ترثه؛ لإقراره ~~بزوجيتها، أو إقرارها بذلك. وإن ماتت، لم يرثها، لأنها لا تصدق في إبطال ~~ميراث الزوج الثاني، كما لم تصدق في إبطال نكاحه، ويرثها الزوج الثاني؛ ~~لذلك. وإن مات الزوج الثاني، لم ترثه؛ لأنها تنكر صحة نكاحه فتنكر ميراثه. ### | [مسألة المطلقة المبتوتة إذا مضى زمن بعد طلاقها يمكن فيه انقضاء عدتين] # (6101) مسألة قال: وإذا طلقها ثلاثا، وانقضت عدتها منه، ثم أتته فذكرت ~~أنها نكحت من أصابها، ثم طلقها، أو مات عنها، وانقضت عدتها منه، وكان ذلك ~~ممكنا، فله أن ينكحها إذا كان يعرف منها الصدق والصلاح، وإن لم تكن عنده في ~~هذه الحال، لم ينكحها حتى يصح عنده قولها وجملة ذلك أن المطلقة المبتوتة، ~~إذا مضى زمن بعد طلاقها، يمكن فيه انقضاء عدتين بينهما نكاح ووطء، فأخبرته ~~بذلك، وغلب على ظنه صدقها؛ إما لمعرفته بأمانتها، أو بخبر غيرها ممن يعرف ~~حالها، فله أن يتزوجها، في قول عامة أهل العلم؛ منهم الحسن، وقتادة، ~~والأوزاعي، والثوري، ms4100 والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأن المرأة ~~مؤتمنة على نفسها، وعلى ما أخبرت به عنها، ولا سبيل إلى معرفة هذه الحال ~~على الحقيقة إلا من جهتها، فيجب الرجوع إلى قولها، كما لو أخبرت بانقضاء ~~عدتها. # فأما إن لم يعرف ما يغلب على ظنه صدقها، لم يحل له نكاحها. وقال الشافعي: ~~له نكاحها؛ لما ذكرنا أولا، والورع أن لا ينكحها. # PageV07P534 # ولنا أن الأصل التحريم، ولم يوجد غلبة ظن تنقل عنه، فوجب البقاء عليه، ~~كما لو أخبره فاسق عنها. ### | [فصل أخبرت الزوج أصابها فأنكر الرجعة] # فصل: وإذا أخبرت أن الزوج أصابها، فأنكر، فالقول قولها في حلها للأول، ~~والقول قول الزوج في المهر، ولا يلزمه إلا نصفه إذا لم يقر بالخلوة بها. # فإن قال الزوج الأول: أنا أعلم أنه ما أصابها. لم يحل له نكاحها؛ لأنه ~~يقر على نفسه بتحريمها. فإن عاد فأكذب نفسه وقال: قد علمت صدقها. دين فيما ~~بينه وبين الله تعالى؛ لأن الحل والحرمة من حقوق الله تعالى. فإذا علم حلها ~~له، لم تحرم بكذبه. وهذا مذهب الشافعي. ولأنه قد يعلم ما لم يكن علمه. ولو ~~قال: ما أعلم أنه أصابها. لم تحرم عليه بهذا؛ لأن المعتبر في حلها له خبر ~~يغلب على ظنه صدقه، لا حقيقة العلم. ### | [فصل طلقها طلاقا رجعيا وغاب وقضت عدتها وأرادت التزوج] # (6103) فصل: وإذا طلقها طلاقا رجعيا، وغاب، وقضت عدتها، وأرادت التزوج، ~~فقال وكيله: توقفي كي لا يكون راجعك. لم يجب عليها التوقف، لأن الأصل عدم ~~الرجعة، وحل النكاح، فلا يجب الزوال عنه بأمر مشكوك فيه، ولأنه أمر لو وجب ~~عليها التوقف في هذه الحال، لوجب عليها التوقف قبل قوله؛ لأن احتمال الرجعة ~~موجود، سواء قال أو لم يقل، فيفضي إلى تحريم النكاح على كل رجعية غاب عنها ~~زوجها أبدا. ### | [فصل قالت قد تزوجت من أصابني ثم رجعت عن ذلك قبل أن يعقد عليها] # (6104) فصل: فإذا قالت: قد تزوجت من أصابني. ثم رجعت عن ذلك قبل أن يعقد ~~عليها، لم يجز العقد، لأن الخبر ms4101 المبيح للعقد قد زال، فزالت الإباحة. وإن ~~كان بعد ما عقد عليها، لم يقبل؛ لأن ذلك إبطال للعقد الذي لزمها بقولها، ~~فلم يقبل، كما لو ادعى زوجية امرأة، فأقرت له بذلك، ثم رجعت عن الإقرار. # PageV07P535 ### | [كتاب الإيلاء] # [شروط الإيلاء] # الإيلاء في اللغة: الحلف. يقال: آلى يولي إيلاء وألية. وجمع الألية ~~ألايا، قال الشاعر: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا صدرت منه الألية برت # ويقال: تألى يتألى. وفي الخبر: «من يتأل على الله يكذبه» . فأما الإيلاء ~~في الشرع، فهو الحلف على ترك وطء المرأة. والأصل فيه قول الله تعالى {للذين ~~يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] . وكان أبي بن كعب وابن ~~عباس يقرآن: " يقسمون ". # (6105) مسألة قال: والمولي الذي يحلف بالله عز وجل أن لا يطأ زوجته أكثر ~~من أربعة أشهر وجملته أن ### | شروط الإيلاء # أربعة أحدها، أن يحلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته. ولا خلاف بين أهل ~~العلم في أن الحلف بذلك إيلاء. فأما إن حلف على ترك الوطء بغير هذا، مثل أن ~~حلف بطلاق، أو عتاق، أو صدقة المال، أو الحج، أو الظهار، ففيه روايتان؛ ~~إحداهما، لا يكون موليا وهو قول الشافعي القديم. والرواية الثانية، هو مول. ~~وروي عن ابن عباس، أنه قال: كل يمين منعت جماعها، فهي إيلاء. # وبذلك قال الشعبي، والنخعي، ومالك، وأهل الحجاز والثوري، وأبو حنيفة، ~~وأهل العراق والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وغيرهم؛ لأنها يمين منعت ~~جماعها فكانت إيلاء، كالحلف بالله تعالى، ولأن تعليق الطلاق والعتاق على ~~وطئها حلف، بدليل أنه لو قال: متى حلفت بطلاقك، فأنت طالق. ثم قال: إن ~~وطئتك، فأنت طالق. طلقت في الحال. وقال أبو بكر: كل يمين من حرام أو غيرها، ~~يجب بها كفارة، يكون الحالف بها موليا. وأما الطلاق والعتاق، فليس الحلف به ~~إيلاء؛ لأنه يتعلق به حق آدمي، وما أوجب كفارة تعلق بها حق الله تعالى. # والرواية الأولى هي المشهورة؛ لأن الإيلاء المطلق إنما هو القسم، ولهذا ~~قرأ أبي وابن عباس " يقسمون ". مكان: يؤلون. وروي عن ابن عباس ms4102 في تفسير ~~يؤلون. قال: يحلفون بالله. هكذا ذكره الإمام أحمد والتعليق بشرط ليس بقسم ~~ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم، ولا يجاب # PageV07P536 # بجوابه، ولا يذكره أهل العربية في باب القسم، فلا يكون إيلاء، وإنما يسمى ~~حلفا تجوزا، لمشاركته القسم في المعنى المشهور في القسم، وهو الحث على ~~الفعل أو المنع منه، أو توكيد الخبر، والكلام عند إطلاقه لحقيقته؛ ويدل على ~~هذا قول الله تعالى {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 226] . وإنما ~~يدخل الغفران في اليمين بالله. وأيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من حلف بغير الله فقد أشرك» . وقوله: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» ~~متفق عليه. # وإن سلمنا أن غير القسم حلف، لكن الحلف بإطلاقه إنما ينصرف إلى القسم، ~~وإنما يصرف إلى غير القسم بدليل، ولا خلاف في أن القسم بغير الله تعالى ~~وصفاته لا يكون إيلاء؛ لأنه لا يوجب كفارة ولا شيئا يمنع من الوطء، فلا ~~يكون إيلاء، كالخبر بغير القسم. # وإذا قلنا بالرواية الثانية فلا يكون موليا إلا أن يحلف بما يلزمه بالحنث ~~فيه حق كقوله: إن وطئتك فعبدي حر. أو: فأنت طالق. أو: فأنت علي كظهر أمي. ~~أو: فأنت علي حرام. أو: فلله علي صوم سنة أو الحج أو صدقة. فهذا يكون ~~إيلاء؛ لأنه يلزمه بوطئها حق يمنعه من وطئها خوفه من وجوبه. وإن قال: إن ~~وطئتك فأنت زانية. لم يكن موليا؛ لأنه لا يلزمه بالوطء حق، ولا يصير قاذفا ~~بالوطء؛ لأن القذف لا يتعلق بالشرط، ولا يجوز أن تصير زانية بوطئه لها، كما ~~لا تصير زانية بطلوع الشمس. # وإن قال: إن وطئتك، فلله علي صوم هذا الشهر. لم يكن موليا؛ لأنه لو وطئها ~~بعد مضيه، لم يلزمه حق، فإن صوم هذا الشهر لا يتصور بعد مضيه، فلا يلزم ~~بالنذر، كما لو قال: إن وطئتك، فلله علي صوم أمس. وإن قال: إن وطئتك، فلله ~~علي أن أصلي عشرين ركعة. كان موليا. وقال أبو حنيفة: لا يكون موليا؛ لأن ~~الصلاة لا يتعلق بها مال، ولا ms4103 تتعلق بمال، فلا يكون الحالف بها موليا، كما ~~لو قال: إن وطئتك، فلله علي أن أمشي في السوق. ولنا، أن الصلاة تجب بالنذر، ~~فكان الحالف بها موليا، كالصوم والحج، وما ذكره لا يصح؛ فإن الصلاة تحتاج ~~إلى الماء والسترة. # وأما المشي في السوق، فقياس المذهب على هذه الرواية، أنه يكون موليا؛ ~~لأنه يلزمه بالحنث في هذا النذر أحد شيئين؛: إما الكفارة، وإما المشي، فقد ~~صار الحنث موجبا لحق عليه، فعلى هذا يكون موليا بنذر فعل المباحات والمعاصي ~~أيضا، فإن نذر المعصية موجب للكفارة في ظاهر المذهب، وإن سلمنا، فالفرق ~~بينهما أن المشي لا يجب بالنذر، بخلاف مسألتنا. وإذا استثنى في يمينه، لم ~~يكن موليا في قول الجميع؛ لأنه لا يلزمه كفارة بالحنث، فلم يكن الحنث موجبا ~~لحق عليه. وهذا إذا كانت اليمين # PageV07P537 # بالله تعالى، أو كانت يمينا مكفرة، فأما الطلاق والعتاق، فمن جعل ~~الاستثناء فيهما غير مؤثر، فوجوده كعدمه، ويكون موليا بهما، سواء استثنى أو ~~لم يستثن. ### | [فصل حلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر] # (6106) فصل: الشرط الثاني، أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر. ~~وهذا قول ابن عباس، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، ~~وأبي ثور، وأبي عبيد. وقال عطاء، والثوري، وأصحاب الرأي: إذا حلف على أربعة ~~أشهر فما زاد، كان موليا. وحكى ذلك القاضي وأبو الحسين رواية عن أحمد؛ لأنه ~~ممتنع من الوطء باليمين أربعة أشهر، فكان موليا، كما لو حلف على ما زاد. ~~وقال النخعي، وقتادة، وحماد، وابن أبي ليلى، وإسحاق: من حلف على ترك الوطء ~~في قليل من الأوقات أو كثير، وتركها أربعة أشهر، فهو مول؛ لقول الله تعالى ~~{للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] . وهذا مول؛ فإن ~~الإيلاء الحلف، وهذا حالف # ولنا أنه لم يمنع نفسه من الوطء باليمين أكثر من أربعة أشهر، فلم يكن ~~موليا، كما لو حلف على ترك قبلتها. والآية حجة لنا؛ لأنه جعل له تربص أربعة ~~أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر أو ما دونها، ms4104 فلا معنى للتربص؛ لأن مدة ~~الإيلاء تنقضي قبل ذلك ومع انقضائه. وتقدير التربص بأربعة أشهر يقتضي كونه ~~في مدة تناولها الإيلاء، ولأن المطالبة إنما تكون بعد أربعة أشهر، فإذا ~~انقضت المدة بأربعة فما دون، لم تصح المطالبة من غير إيلاء وأبو حنيفة ومن ~~وافقه بنوا ذلك على قولهم في الفيئة إنها تكون في مدة الأربعة الأشهر، ~~وظاهر الآية خلافه؛ فإن الله تعالى قال {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة ~~أشهر فإن فاءوا} [البقرة: 226] . فعقب الفيء عقيب التربص بفاء التعقيب، ~~فيدل على تأخرها عنه. # إذا ثبت هذا، فحكي عن ابن عباس، أن المولي من يحلف على ترك الوطء أبدا أو ~~مطلقا؛ لأنه إذا حلف على ما دون ذلك، أمكنه التخلص بغير حنث، فلم يكن ~~موليا، كما لو حلف لا وطئها في مدينة بعينها. ولنا أنه لا يمكنه التخلص بعد ~~التربص من يمينه بغير حنث، فأشبه المطلقة، بخلاف اليمين على مدينة معينة، ~~فإنه يمكن التخلص بغير الحنث، ولأن الأربعة الأشهر مدة تتضرر المرأة بتأخير ~~الوطء عنها، فإذا حلف على أكثر منها كان موليا كالأبد. # ودليل الوصف ما روي أن عمر، - رضي الله عنه - كان يطوف ليلة في المدينة، ~~فسمع امرأة تقول: # تطاول هذا الليل وازور جانبه ... وليس إلى جنبي خليل ألاعبه # PageV07P538 # فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه # مخافة ربي والحياء يكفني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه # فسأل عمر نساء: كم تصبر المرأة عن الزوج؟ فقلن: شهرين، وفي الثالث يقل ~~الصبر، وفي الرابع ينفد الصبر. فكتب إلى أمراء الأجناد، أن لا تحبسوا رجلا ~~عن امرأته أكثر من أربعة أشهر. ### | [فصل علق الإيلاء بشرط مستحيل] # (6107) فصل: وإذا علق الإيلاء بشرط مستحيل، كقوله: والله لا وطئتك حتى ~~تصعدي السماء، أو تقلبي الحجر ذهبا، أو يشيب الغراب. فهو مول؛ لأن معنى ذلك ~~ترك وطئها؛ فإن ما يراد إحالة وجوده يعلق على المستحيلات. قال الله تعالى ~~في الكفار {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] . ~~ومعناه لا يدخلون الجنة ms4105 أبدا. وقال بعضهم: # إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب # وإن قال: والله لا وطئتك حتى تحبلي. فهو مول؛ لأن حبلها بغير وطء مستحيل ~~عادة، فهو كصعود السماء. وقال القاضي وأبو الخطاب، وأصحاب الشافعي: ليس ~~بمول إلا أن تكون صغيرة يغلب على الظن أنها لا تحمل في أربعة أشهر، أو ~~آيسة، فأما إن كانت من ذوات الأقراء، فلا يكون موليا؛ لأنه يمكن حملها. # قال القاضي وإذا كانت الصغيرة بنت تسع سنين، لم يكن موليا؛ لأن حملها ~~ممكن. ولنا، أن الحمل بدون الوطء مستحيل عادة، فكان تعليق اليمين عليه ~~إيلاء، كصعود السماء. ودليل استحالته قول مريم {أنى يكون لي غلام ولم ~~يمسسني بشر ولم أك بغيا} [مريم: 20] . وقولهم {يا أخت هارون ما كان أبوك ~~امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} [مريم: 28] ولولا استحالته لما نسبوها إلى ~~البغاء بوجود الولد، وأيضا قول عمر - رضي الله عنه -: الرجم حق على من زنى ~~وقد أحصن، إذا قامت به البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. # ولأن العادة أن الحبل لا يوجد من غير وطء. فإن قالوا: يمكن حبلها من وطء ~~غيره، أو باستدخال منيه. قلنا: أما الأول فلا يصح؛ فإنه لو صرح به فقال: لا ~~وطئتك حتى تحبلي من غيري، أو: ما دمت في نكاحي. أو: حتى تزني. كان موليا، ~~ولو صح ما ذكروه لم يكن موليا. وأما الثاني فهو من المستحيلات عادة، إن وجد ~~كان من خوارق العادات، بدليل ما ذكرناه. وقد قال أهل الطب: إن المني إذا ~~برد لم يخلق منه ولد. وصحح قولهم قيام الأدلة التي ذكرنا بعضها، وجريان ~~العادة على وفق ما قالوه. # وإذا # PageV07P539 # كان تعليقه على موته أو موتها أو موت زيد إيلاء، فتعليقه على حبلها بغير ~~وطء أولى. وإن قال: أردت بقولي: حتى تحبلي. السببية، ولم أرد الغاية. ~~ومعناه لا أطؤك لتحبلي. قبل منه، ولم يكن موليا؛ لأنه ليس بحالف على ترك ~~الوطء، وإنما هو حالف على قصد ترك الحبل به، فإن حتى تستعمل بمعنى السببية. ### | [فصل ms4106 علق الإيلاء على غير مستحيل] # (6108) فصل: وإن علقه على غير مستحيل، فذلك على خمسة أضرب: أحدها، ما ~~يعلم أنه لا يوجد قبل أربعة أشهر، كقيام الساعة، فإن لها علامات تسبقها، ~~فلا يوجد ذلك في أربعة أشهر. وكذلك إن قال: حتى تأتي الهند. أو نحوه. فهذا ~~مول؛ لأن يمينه على أكثر من أربعة أشهر. الثاني، ما الغالب أنه لا يوجد في ~~أربعة أشهر، كخروج الدجال، والدابة، وغيرهما من أشراط الساعة، أو يقول: حتى ~~أموت. أو: تموتي. أو: يموت ولدك. أو: زيد. أو: حتى يقدم زيد من مكة. ~~والعادة أنه لا يقدم في أربعة أشهر، فيكون موليا؛ لأن الغالب أن ذلك لا ~~يوجد في أربعة أشهر، فأشبه ما لو قال: والله لا وطئتك في نكاحي هذا. وكذلك ~~لو علق الطلاق على مرضها، أو مرض إنسان بعينه. الثالث - أن يعلقه على أمر ~~يحتمل الوجود في أربعة أشهر، ويحتمل أن لا يوجد، احتمالا متساويا، كقدوم ~~زيد من سفر قريب، أو من سفر لا يعلم قدره، فهذا ليس بإيلاء؛ لأنه لا يعلم ~~حلفه على أكثر من أربعة أشهر، ولا يظن ذلك. الرابع أن يعلقه على ما يعلم ~~أنه يوجد في أقل من أربعة أشهر، أو يظن ذلك، كذبول بقل، وجفاف ثوب، ومجيء ~~المطر في أوانه، وقدوم الحاج في زمانه. فهذا لا يكون موليا؛ لما ذكرناه، ~~ولأنه لم يقصد الإضرار بترك وطئها أكثر من أربعة أشهر، فأشبه ما لو قال: ~~والله لا وطئتك شهرا. الخامس - أن يعلقه على فعل منها، هي قادرة عليه، أو ~~فعل من غيرها. وذلك ينقسم أقساما ثلاثة: أحدها، أن يعلقه على فعل مباح لا ~~مشقة فيه، كقوله: والله لا أطؤك حتى تدخلي الدار. أو: تلبسي هذا الثوب. أو: ~~حتى أتنفل بصوم يوم. أو: حتى أكسوك فهذا ليس بإيلاء؛ لأنه ممكن الوجود بغير ~~ضرر عليها فيه، فأشبه الذي قبله. والثاني، أن يعلقه على محرم، كقوله: والله ~~لا أطؤك حتى تشربي الخمر. أو: تزني. أو: تسقطي ولدك. أو: تتركي صلاة الفرض. ~~أو: حتى أقتل ms4107 زيدا. أو نحوه. فهذا إيلاء؛ لأنه علقه بممتنع شرعا، فأشبه ~~الممتنع حسا. الثالث، أن يعلقه على ما على فاعله فيه مضرة، مثل أن يقول: ~~والله لا أطؤك حتى تسقطي صداقك عني. أو: حتى تكفلي ولدي. أو: تهبيني دارك. ~~أو: حتى يبيعني أبوك داره. أو: نحو ذلك. فهذا إيلاء؛ لأن # PageV07P540 # أخذه لمالها أو مال غيرها من غير رضى صاحبه محرم، فجرى مجرى شرب الخمر. # وإن قال: والله لا أطؤك حتى أعطيك مالا. أو: أفعل في حقك جميلا. لم يكن ~~إيلاء؛ لأن فعله لذلك ليس بمحرم ولا ممتنع، فجرى مجرى قوله: حتى أصوم يوما. ### | [فصل قال والله لا وطئتك إلا برضاك] # (6109) فصل: وإن قال: والله لا وطئتك إلا برضاك. لم يكن موليا؛ لأنه ~~يمكنه وطؤها بغير حنث، ولأنه محسن في كونه ألزم نفسه اجتناب سخطها. وعلى ~~قياس ذلك كل حال يمكنه الوطء فيها بغير حنث، كقوله: والله لا وطئتك مكرهة، ~~أو محزونة. ونحو ذلك فإنه لا يكون موليا. وإن قال: والله لا وطئتك مريضة. ~~لم يكن موليا لذلك، إلا أن يكون بها مرض لا يرجى برؤه، أو لا يزول في أربعة ~~أشهر، فينبغي أن يكون موليا؛ لأنه حالف على ترك وطئها أربعة أشهر. فإن قال ~~ذلك لها وهي صحيحة، فمرضت مرضا يمكن برؤه قبل أربعة أشهر، لم يصر موليا، ~~وإن لم يرج برؤه فيها، صار موليا. # وكذلك إن كان الغالب أنه لا يزول في أربعة أشهر، صار موليا؛ لأن ذلك ~~بمنزلة ما لا يرجى زواله. وإن قال: والله لا وطئتك حائضا. ولا نفساء، ولا ~~محرمة، ولا صائمة. ونحو هذا، لم يكن موليا؛ لأن ذلك محرم ممنوع منه شرعا، ~~فقد أكد منع نفسه منه بيمينه. وإن قال: والله لا وطئتك طاهرا. أو: لا وطئتك ~~وطئا مباحا. صار موليا؛ لأنه حالف على ترك الوطء الذي يطالب به في الفيئة، ~~فكان موليا، كما لو قال: والله لا وطئتك في قبلك. وإن قال: والله لا وطئتك ~~ليلا. أو: والله لا وطئتك نهارا. لم يكن موليا؛ لأن ms4108 الوطء يمكن بدون الحنث. # وإن قال: والله لا وطئتك في هذه البلدة. أو: في هذا البيت. أو نحو ذلك من ~~الأمكنة المعينة، لم يكن موليا. وهذا قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، ~~والنعمان، وصاحبيه. وقال ابن أبي ليلى، وإسحاق: هو مول؛ لأنه حالف على ترك ~~وطئها. ولنا أنه يمكن وطؤها بغير حنث، فلم يكن موليا، كما لو استثنى في ~~يمينه. ### | [فصل حلف على ترك وطئها عاما ثم كفر عن يمينه] # (6110) فصل: وإن حلف على ترك وطئها عاما، ثم كفر عن يمينه، انحل الإيلاء. ~~قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: المولي يكفر عن يمينه قبل مضي الأربعة ~~الأشهر؟ قال يذهب عنه الإيلاء، ولا يوقف بعد الأربعة، وذهب الإيلاء حين ~~ذهبت اليمين. وذلك لأنه لم يبق ممنوعا من الوطء بيمينه، فأشبه من حلف ~~واستثنى. فإن كان تكفيره قبل مضي الأربعة الأشهر، انحل الإيلاء حين ~~التكفير، وصار كالحالف على ترك الوطء أقل من أربعة أشهر. وإن كفر بعد ~~الأربعة وقبل الوقوف، صار كالحالف على أكثر منها، إذا مضت مدة يمينه قبل ~~وقفه. # PageV07P541 ### | [فصل قال في الإيلاء والله لا وطئتك إن شاء فلان] # (6111) فصل: فإن قال: والله لا وطئتك إن شاء فلان. لم يصر موليا حتى ~~يشاء، فإذا شاء صار موليا. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ ~~لأنه يصير ممتنعا من الوطء حتى يشاء، فلا يكون موليا حتى يشاء. وإن قال: ~~والله لا وطئتك إن شئت. فكذلك. وقال أصحاب الشافعي: إن شاءت على الفور ~~جوابا لكلامه صار موليا، وإن أخرت المشيئة، انحلت يمينه؛ لأن ذلك تخيير ~~لها، فكان على الفور، كقوله: اختاري في الطلاق. ولنا أنه علق اليمين على ~~المشيئة بحرف إن، فكان على التراخي، كمشيئة غيرها. # فإن قيل: فهلا قلتم: لا يكون موليا؛ فإنه علق ذلك بإرادتها، فأشبه ما لو ~~قال: لا وطئتك إلا برضاك. قلنا: الفرق بينهما، أنها إذا شاءت، انعقدت يمينه ~~مانعة من وطئها، بحيث لا يمكنه بعد ذلك الوطء بغير حنث. وإذا قال: والله لا ~~وطئتك إلا برضاك. فما حلف إلا ms4109 على ترك وطئها في بعض الأحوال، وهو حال ~~سخطها، فيمكنه الوطء في الحال الأخرى بغير حنث. وإذا طالبته بالفيئة، فهو ~~برضاها. ولو قال: والله لا وطئتك حتى تشائي. فهو كقوله: إلا برضاك. ولا ~~يكون موليا بذلك. وإن قال: والله لا وطئتك إلا أن يشاء أبوك. أو: فلان. لم ~~يكن موليا؛ لأنه علقه بفعل منه يمكن وجوده في الأربعة الأشهر إمكانا غير ~~بعيد، وليس بمحرم، ولا فيه مضرة، فأشبه ما لو قال: والله لا وطئتك إلا أن ~~تدخلي الدار. # وإن قال: والله لا وطئتك إلا أن تشائي. لم يكن موليا، وكان بمنزلة قوله: ~~إلا برضاك. أو: حتى تشائي. وقال أبو الخطاب: إن شاءت في المجلس، لم يصر ~~موليا، وإلا صار موليا. وقال أصحاب الشافعي: إن شاءت على الفور عقيب كلامه، ~~لم يصر موليا، وإلا صار موليا؛ لأن المشيئة عندهم على الفور، وقد فاتت ~~بتراخيها. وقال القاضي: تنعقد يمينه، فإن شاءت انحلت، وإلا فهي منعقدة. ~~ولنا أنه منع نفسه بيمينه من وطئها إلا عند إرادتها، فأشبه ما لو قال: إلا ~~برضاك. أو: حتى تشائي. ولأنه علقه على وجود المشيئة، أشبه ما لو علقه على ~~مشيئة غيرها. فأما قول القاضي: فإن أراد وجود المشيئة على الفور. فهو ~~كقولهم. # وإن أراد وجود المشيئة على التراخي، تنحل به اليمين، لم يكن ذلك إيلاء؛ ~~لأن تعليق اليمين على فعل يمكن وجوده في مدة الأربعة الأشهر، إمكانا غير ~~بعيد، ليس بإيلاء. والله أعلم. ### | [فصل قال والله لا وطئتك] # (6112) فصل: فإن قال: والله لا وطئتك. فهو إيلاء؛ لأنه قول يقتضي ~~التأبيد. وإن قال: والله لا وطئتك مدة. # PageV07P542 # أو: ليطولن تركي لجماعك. ونوى مدة تزيد على أكثر من أربعة أشهر، فهو ~~إيلاء؛ لأن اللفظ يحتمله، فانصرف إليه بنيته. وإن نوى مدة قصيرة، لم يكن ~~إيلاء لذلك. وإن لم ينو شيئا، لم يكن إيلاء؛ لأنه يقع على القليل والكثير، ~~فلا يتعين للكثير. # فإن قال: والله لا وطئتك أربعة أشهر، فإذا مضت، فوالله لا وطئتك أربعة ~~أشهر. أو: فإذا مضت، فوالله ms4110 لا وطئتك شهرين. أو: لا وطئتك شهرين، فإذا مضت، ~~فوالله لا وطئتك أربعة أشهر. ففيه وجهان أحدهما: ليس بمول؛ لأنه حالف بكل ~~يمين على مدة ناقصة عن مدة الإيلاء، فلم يكن موليا، كما لو لم ينو إلا ~~مدتها، ولأنه يمكنه الوطء بالنسبة إلى كل يمين عقيب مدتها من غير حنث فيها، ~~فأشبه ما لو اقتصر عليها والثاني، يصير موليا؛ لأنه منع نفسه من الوطء ~~بيمينه أكثر من أربعة أشهر متوالية، فكان موليا، كما لو منعها بيمين واحدة، ~~ولأنه لا يمكنه الوطء بعد المدة إلا بحنث في يمينه، فأشبه ما لو حلف على ~~ذلك بيمين واحدة، ولو لم يكن هذا إيلاء، أفضى إلى أن يمنع من الوطء طول ~~دهره باليمين، فلا يكون موليا. # وهكذا الحكم في كل مدتين متواليتين يزيد مجموعهما على أربعة، كثلاثة أشهر ~~وثلاثة، أو ثلاثة وشهرين، لما ذكرنا من التعليلين. والله أعلم. ### | [فصل قال إن وطئتك فوالله لا وطئتك] # (6113) فصل: فإن قال: إن وطئتك، فوالله لا وطئتك. لم يكن موليا في الحال؛ ~~لأنه لا يلزمه بالوطء حق، لكن إن وطئها صار موليا؛ لأنها تبقى يمينا تمنع ~~الوطء على التأبيد. وهذا الصحيح عن الشافعي وحكي عنه قول قديم، أنه يكون ~~موليا من الأول؛ لأنه لا يمكنه الوطء إلا بأن يصير موليا، فيلحقه بالوطء ~~ضرر. # وكذلك على هذا القول، إن قال: وطئتك فوالله لا دخلت الدار. لم يكن موليا ~~من الأول، فإن وطئها انحل الإيلاء؛ لأنه لم يبق ممتنعا من وطئها بيمين ولا ~~غيرها، وإنما بقي ممتنعا باليمين من دخول الدار. ولنا أن يمينه معلقة بشرط، ~~ففيما قبله ليس بحالف، فلا يكون موليا، ولأنه يمكنه الوطء من غير حنث، فلم ~~يكن موليا، كما لو لم يقل شيئا. وكونه يصير موليا، لا يلزمه به شيء، وإنما ~~يلزمه بالحنث. ولو قال: والله لا وطئتك في السنة إلا مرة. لم يصر موليا في ~~الحال؛ لأنه يمكنه الوطء متى شاء بغير حنث، فلم يكن ممنوعا من الوطء بحكم ~~يمينه، فإذا وطئها وقد بقي من ms4111 السنة أكثر من أربعة أشهر، صار موليا. # وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي، وظاهر مذهب الشافعي. وفي قوله القديم، ~~يكون موليا في الابتداء؛ لما ذكرنا في التي قبلها. وقد أجبنا عنه. وإن قال: ~~والله لا وطئتك سنة إلا يوما. فكذلك. وبهذا قال أبو حنيفة؛ لأن اليوم منكر، ~~فلم # PageV07P543 # يختص يوما دون يوم، ولذلك لو قال: صمت رمضان إلا يوما. لم يختص اليوم ~~الآخر. ولو قال: لا أكلمك في السنة إلا يوما. لم يختص يوما منها. وفيه وجه ~~آخر، أنه يصير موليا في الحال. وهو قول زفر؛ لأن اليوم المستثنى يكون من ~~آخر المدة، كالتأجيل ومدة الخيار، بخلاف قوله: لا وطئتك في السنة إلا مرة، ~~فإن المرة لا تختص وقتا بعينه. # ومن نصر الأول فرق بين هذا وبين التأجيل ومدة الخيار، من حيث إن التأجيل ~~ومدة الخيار، تجب الموالاة فيهما، ولا يجوز أن يتخللهما يوم لا أجل فيه ولا ~~خيار؛ لأنه لو جازت له المطالبة في أثناء الأجل، لزم قضاء الدين، فيسقط ~~التأجيل بالكلية، ولو لزم العقد في أثناء مدة الخيار، لم يعد إلى الجواز، ~~فتعين جعل اليوم المستثنى من آخر المدة، بخلاف ما نحن فيه، فإن جواز الوطء ~~في يوم من أول السنة أو أوسطها، لا يمنع ثبوت حكم اليمين فيما بقي من ~~المدة، فصار ذلك كقوله: لا وطئتك في السنة إلا مرة. والله أعلم. ### | [فصل قال والله لا وطئتك عاما ثم قال والله لا وطئتك عاما] # (6114) فصل: فإن قال: والله لا وطئتك عاما. ثم قال: والله لا وطئتك عاما. ~~فهو إيلاء واحد، حلف عليه بيمينين، إلا أن ينوي عاما آخر سواه. وإن قال: ~~والله لا وطئتك عاما. ثم قال: والله لا وطئتك نصف عام. أو قال: والله لا ~~وطئتك نصف عام. ثم قال: والله لا وطئتك عاما. دخلت المدة القصيرة في ~~الطويلة؛ لأنها بعضها، ولم يجعل إحداهما بعد الأخرى، فأشبه ما لو أقر ~~بدرهم، ثم أقر بنصف درهم، أو أقر بنصف درهم، ثم أقر بدرهم، فيكون إيلاء ~~واحدا، لهما ms4112 وقت واحد، وكفارة واحدة. # وإن نوى بإحدى المدتين غير الأخرى في هذه أو في التي قبلها، أو قال: ~~والله لا وطئتك عاما. ثم: والله لا وطئتك عاما آخر. أو: نصف عام آخر. أو ~~قال: والله لا وطئتك عاما، فإذا مضى فوالله لا وطئتك عاما. # فهما إيلاءان في زمانين، لا يدخل حكم أحدهما في الآخر، أحدهما منجز، ~~والآخر متأخر، فإذا مضى حكم أحدهما، بقي حكم الآخر؛ لأنه أفرد كل واحد ~~منهما بزمن غير زمن صاحبه، فيكون له حكم ينفرد به. فإن قال في المحرم: ~~والله لا وطئتك هذا العام. ثم قال: والله لا وطئتك عاما من رجب إلى تمام ~~اثني عشر شهرا. أو قال في المحرم: والله لا وطئتك عاما. ثم قال في رجب: ~~والله لا وطئتك عاما. فهما إيلاءان في مدتين، بعض إحداهما داخل في الأخرى. ~~فإن فاء في رجب، أو فيما بعده من بقية العام الأول، حنث في اليمينين، ~~وتجزئه كفارة واحدة، وينقطع حكم الإيلاءين. وإن فاء قبل رجب، أو بعد العام ~~الأول، حنث في إحدى اليمينين دون الأخرى. وإن فاء في الموضعين حنث في ~~اليمينين، وعليه كفارتان. # PageV07P544 ### | [فصل قال لأربع نسوة والله لا أقربكن] # (6115) فصل: فإن قال لأربع نسوة: والله لا أقربكن. انبنى ذلك على أصل، ~~وهو الحنث بفعل بعض المحلوف عليه أولا، فإن قلنا: يحنث. فهو مول منهن كلهن ~~في الحال؛ لأنه لا يمكنه وطء واحدة بغير حنث، فصار مانعا لنفسه من وطء كل ~~واحدة منهن في الحال، فإن وطئ واحدة منهن، حنث، وانحلت يمينه، وزال الإيلاء ~~من البواقي. وإن طلق بعضهن أو مات، لم ينحل الإيلاء في البواقي. وإن قلنا: ~~لا يحنث بفعل البعض. لم يكن موليا منهن في الحال؛ لأنه يمكنه وطء كل واحدة ~~منهن من غير حنث، فلم يمنع نفسه بيمينه من وطئها، فلم يكن موليا منها. # فإن وطئ ثلاثا، صار موليا من الرابعة؛ لأنه لا يمكنه وطؤها من غير حنث في ~~يمينه. وإن مات بعضهن، أو طلقها، انحلت يمينه، وزال الإيلاء؛ لأنه لا ms4113 يحنث ~~بوطئهن، وإنما يحنث بوطء الأربع. فإن راجع المطلقة، أو تزوجها بعد ~~بينونتها، عاد حكم يمينه. وذكر القاضي، أنا إذا قلنا: يحنث بفعل البعض. ~~فوطئ واحدة، حنث، ولم ينحل الإيلاء في البواقي؛ لأن الإيلاء من امرأة لا ~~ينحل بوطء غيرها. ولنا أنها يمين واحدة حنث فيها، فوجب أن تنحل، كسائر ~~الأيمان، ولأنه إذا وطئ واحدة حنث، ولزمته الكفارة، فلا يلزمه بوطء ~~الباقيات شيء، فلم يبق ممتنعا من وطئهن بحكم يمينه، فانحل الإيلاء، كما لو ~~كفرها. # واختلف أصحاب الشافعي، فقال بعضهم: لا يكون موليا منهن حتى يطأ ثلاثا، ~~فيصير موليا من الرابعة. وحكى المزني، عن الشافعي، أنه يكون موليا منهن ~~كلهن، يوقف لكل واحدة منهن، فإذا أصاب بعضهن، خرجت من حكم الإيلاء، ويوقف ~~لمن بقي حتى يفيء أو يطلق، ولا يحنث حتى يطأ الأربع. وقال أصحاب الرأي: ~~يكون موليا منهن كلهن، فإن تركهن أربعة أشهر، بن منه جميعا بالإيلاء، وإن ~~وطئ بعضهن، سقط الإيلاء في حقها، ولا يحنث إلا بوطئهن جميعا. ولنا، أن من ~~لا يحنث بوطئها، لا يكون موليا منها، كالتي لم يحلف عليها. ### | [فصل قال والله لا وطئت واحدة منكن ونوى واحدة بعينها] # (6116) فصل: فإن قال: والله لا وطئت واحدة منكن. ونوى واحدة بعينها، ~~تعلقت يمينه بها وحدها، وصار موليا منها دون غيرها. وإن نوى واحدة مبهمة ~~منهن، لم يصر موليا منهن في الحال، فإذا وطئ ثلاثا، كان موليا من الرابعة، ~~ويحتمل أن تخرج المولى منها بالقرعة، كالطلاق إذا أوقعه في مبهمة من نسائه. ~~وإن أطلق، صار موليا منهن كلهن في الحال؛ لأنه لا يمكنه وطء واحدة منهن إلا ~~بالحنث، فإن طلق واحدة منهن، أو ماتت، كان موليا من البواقي. # وإن وطئ واحدة منهن، حنث وانحلت يمينه. وسقط حكم الإيلاء في الباقيات؛ ~~لأنها يمين واحدة، # PageV07P545 # فإذا حنث فيها مرة، لم يحنث مرة ثانية. ولا يبقى حكم اليمين بعد حنثه ~~فيها، بخلاف ما إذا طلق واحدة أو ماتت، فإنه لم يحنث، فبقي حكم يمينه في من ~~بقي منهن. وهذا مذهب ms4114 الشافعي. وذكر القاضي، أنه إذا أطلق، كان الإيلاء في ~~واحدة غير معينة. وهو اختيار بعض أصحاب الشافعي؛ لأن لفظه تناول واحدة ~~منكرة، فلا يقتضي العموم. ولنا أن النكرة في سياق النفي تعم، كقوله {ما ~~اتخذ صاحبة} [الجن: 3] . وقوله {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] . وقوله ~~{ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] . # ولو قال إنسان: والله لا شربت ماء من إداوة. حنث بالشرب من أي إداوة ~~كانت، فيجب حمل اللفظ عند الإطلاق على مقتضاه في العموم. وإن قال: نويت ~~واحدة معينة، أو واحدة مبهمة. قبل منه؛ لأن اللفظ يحتمله احتمالا غير بعيد. ~~وهذا مذهب الشافعي، إلا أنه إذا أبهم المحلوف عليها، فله أن يعينها بقوله. ~~وأصل هذا مذكور في الطلاق. ### | [فصل قال والله لا وطئت كل واحدة منكن] # (6117) فصل: فإن قال: والله لا وطئت كل واحدة منكن. صار موليا منهن كلهن ~~في الحال، ولا يقبل قوله: نويت واحدة منهن معينة، ولا مبهمة؛ لأن لفظة كل ~~أزالت احتمال الخصوص، ومتى حنث في البعض، انحل الإيلاء في الجميع، كالتي ~~قبلها. وقال القاضي، وبعض أصحاب الشافعي: لا تنحل في الباقيات. ولنا أنها ~~يمين واحدة حنث فيها، فسقط حكمها، كما لو حلف على واحدة، ولأن اليمين ~~الواحدة إذا حنث فيها مرة، لم يمكن الحنث فيها مرة أخرى، فلم يبق ممتنعا من ~~وطء الباقيات بحكم اليمين، فلم يبق الإيلاء كسائر الأيمان التي حنث فيها، ~~وفي هذه المواضع التي قلنا بكونه موليا منهن كلهن إذا طالبن كلهن بالفيئة، ~~وقف لهن كلهن، وإن طالبن في أوقات مختلفة ففيه روايتان؛ إحداهما، يوقف ~~للجميع وقت مطالبة أولاهن. قال القاضي: وهو ظاهر كلام أحمد. والثانية، يوقف ~~لكل واحدة منهن عند مطالبتها. اختاره أبو بكر. # وهو مذهب الشافعي، فإذا وقف للأولى، وطلقها ووقف للثانية، فإن طلقها، وقف ~~للثالثة، فإن طلقها، وقف للرابعة. وكذلك من مات منهن، لم يمنع من وقفه ~~للأخرى؛ لأن يمينه لم تنحل، وإيلاؤه باق؛ لعدم حنثه فيهن. وإن وطئ إحداهن ~~حين وقف لها، أو ms4115 قبله انحلت يمينه، وسقط حكم الإيلاء في الباقيات، على ما ~~قلناه. وعلى قول القاضي، ومن وافقه يوقف للباقيات، كما لو طلق التي وقف ~~لها. # PageV07P546 ### | [فصل قال كلما وطئت واحدة منكن فضرائرها طوالق] # (6118) فصل: فإن قال: كلما وطئت واحدة منكن فضرائرها طوالق. فإن قلنا: ~~ليس هذا بإيلا. فلا كلام. وإن قلنا: هو إيلاء. فهو مول منهن جميعا؛ لأنه لا ~~يمكنه وطء واحدة منهن إلا بطلاق ضرائرها، فيوقف لهن، فإن فاء إلى واحدة، ~~طلق ضرائرها، فإن كان الطلاق بائنا، انحل الإيلاء؛ لأنه لم يبق ممنوعا من ~~وطئها بحكم يمينه. وإن كان رجعيا، فراجعهن، بقي حكم الإيلاء في حقهن؛ لأنه ~~لا يمكنه وطء واحدة إلا بطلاق ضرائرها. وكذلك إن راجع بعضهن لذلك، إلا أن ~~المدة تستأنف من حين الرجعة. # ولو كان الطلاق بائنا، فعاد فتزوجهن، أو تزوج بعضهن، عاد حكم الإيلاء، ~~واستؤنفت المدة من حين النكاح. وسواء تزوجهن في العدة، أو بعدها، أو بعد ~~زوج آخر وإصابة؛ لما سنذكره فيما بعد. وإن قال: نويت واحدة بعينها. قبل ~~منه، وتعلقت يمينه بها، فإذا وطئها طلق ضرائرها، وإن وطئ غيرها، لم يطلق ~~منهن شيء، ويكون موليا من المعينة دون غيرها؛ لأنها التي يلزمه بوطئها ~~الطلاق دون غيرها. ### | [فصل حلف على ترك الوطء في الفرج] # (6119) فصل: الشرط الثالث أن يحلف على ترك الوطء في الفرج. ولو قال: ~~والله لا وطئتك في الدبر. لم يكن موليا؛ لأنه لم يترك الوطء الواجب عليه، ~~ولا تتضرر المرأة بتركه، وإنما هو وطء محرم، وقد أكد منع نفسه منه بيمينه. ~~وإن قال: والله لا وطئتك دون الفرج. لم يكن موليا؛ لأنه لم يحلف على الوطء ~~الذي يطالب به في الفيئة، ولا ضرر على المرأة في تركه. وإن قال: والله لا ~~جامعتك إلا جماع سوء. سئل عما أراد فإن قال أردت الجماع في الدبر. فهو مول؛ ~~لأنه حلف على ترك الوطء في الفرج. وكذلك إن قال أردت أن لا أطأها إلا دون ~~الفرج. وإن قال: أردت جماعا ضعيفا، لا يزيد على التقاء ms4116 الختانين. لم يكن ~~موليا؛ لأنه يمكنه الوطء الواجب عليه في الفيئة بغير حنث. # وإن قال: أردت وطئا لا يبلغ التقاء الختانين. فهو مول؛ لأنه لا يمكنه ~~الوطء الواجب عليه في الفيئة بغير حنث. وإن لم تكن له نية، فليس بمول؛ لأنه ~~محتمل، فلا يتعين ما يكون به موليا. وإن قال: والله لا جامعتك جماع سوء. لم ~~يكن موليا بحال؛ لأنه لم يحلف على ترك الوطء، إنما حلف على ترك صفته ~~المكروهة. ### | [فصل كون المحلوف عليها في الإيلاء امرأة] # (6120) فصل: الشرط الرابع، أن يكون المحلوف عليها امرأة؛ لقول الله تعالى ~~{للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] . ولأن غير الزوجة ~~لا حق لها في وطئه، فلا يكون موليا منها، كالأجنبية. فإن حلف على ترك وطء # PageV07P547 # أمته، لم يكن موليا؛ لما ذكرنا. وإن حلف على ترك وطء أجنبية، ثم نكحها، ~~لم يكن موليا؛ لذلك. وبه قال الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال ~~مالك: يصير موليا إذا بقي من مدة يمينه أكثر من أربعة أشهر؛ لأنه ممتنع من ~~وطء امرأته بحكم يمينه مدة الإيلاء، فكان موليا، كما لو حلف في الزوجية. # وحكي عن أصحاب الرأي، أنه إن مرت به امرأة، فحلف أن لا يقربها، ثم ~~تزوجها، لم يكن موليا. وإن قال: إن تزوجت فلانة، فوالله لا قربتها. صار ~~موليا؛ لأنه أضاف اليمين إلى حال الزوجية، فأشبه ما لو حلف بعد تزويجها. ~~ولنا قول الله تعالى {للذين يؤلون من نسائهم} [البقرة: 226] . وهذه ليست من ~~نسائه، ولأن الإيلاء حكم من أحكام النكاح، فلم يتقدمه كالطلاق والقسم، ولأن ~~المدة تضرب له لقصده الإضرار بها بيمينه، وإذا كانت اليمين قبل النكاح، لم ~~يكن قاصدا للإضرار، فأشبه الممتنع بغير يمين. قال الشريف أبو جعفر: وقد قال ~~أحمد: يصح الظهار قبل النكاح؛ لأنه يمين. فعلى هذا التعليل يصح الإيلاء قبل ~~النكاح. والمنصوص أنه لا يصح؛ لما ذكرناه. ### | [فصل آلى من الرجعية] # (6121) فصل: فإن آلى من الرجعية، صح إيلاؤه. وهذا قول مالك؛ والشافعي، ~~وأصحاب الرأي. وذكر ابن حامد، ms4117 أن فيه رواية أخرى، أنه لا يصح إيلاؤه؛ لأن ~~الطلاق يقطع مدة الإيلاء إذا طرأ، فلأن يمنع صحته ابتداء أولى. ولنا، أنها ~~زوجة يلحقها طلاقه، فصح إيلاؤه منها، كغير المطلقة. وإذا آلى منها احتسب ~~بالمدة من حين آلى، وإن كانت في العدة. ذكره ابن حامد. وهو قول أبي حنيفة. ~~ويجيء على قول الخرقي أن لا يحتسب عليه بالمدة إلا من حين راجعها، لأن ظاهر ~~كلامه أن الرجعية محرمة. # وهذا مذهب الشافعي؛ لأنها معتدة منه، فأشبهت البائن، ولأن الطلاق إذا طرأ ~~قطع المدة، ثم لا يحتسب عليه بشيء من المدة قبل رجعتها، فأولى أن لا يستأنف ~~المدة في العدة. ووجه الأول، أن من صح إيلاؤه، احتسب عليه بالمدة من حين ~~إيلائه، كما لو لم تكن مطلقة، ولأنها مباحة، فاحتسب عليه بالمدة فيها، كما ~~لو لم يطلقها. وفارق البائن، فإنها ليست زوجة، ولا يصح الإيلاء منها بحال، ~~فهي كسائر الأجنبيات. ### | [فصل ممن يصح الإيلاء] # (6122) فصل: ويصح الإيلاء من كل زوجة، مسلمة كانت أو ذمية، حرة كانت أو ~~أمة؛ لعموم قوله سبحانه {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: ~~226] . ولأن كل واحدة منهن زوجة، فصح الإيلاء منها كالحرة المسلمة. ويصح # PageV07P548 # الإيلاء قبل الدخول وبعده. وبهذا قال النخعي، ومالك، والأوزاعي، ~~والشافعي. وقال عطاء، والزهري، والثوري: إنما يصح الإيلاء بعد الدخول. ولنا ~~عموم الآية والمعنى، لأنه ممتنع من جماع زوجته بيمينه، فأشبه ما بعد ~~الدخول. ويصح الإيلاء من المجنونة والصغيرة، إلا أنه لا يطالب بالفيئة في ~~الصغر والجنون؛ لأنهما ليسا من أهل المطالبة. # فأما الرتقاء والقرناء، فلا يصح الإيلاء منهما؛ لأن الوطء متعذر دائما، ~~فلم تنعقد اليمين على تركه، كما لو حلف لا يصعد السماء. ويحتمل أن يصح، ~~وتضرب له المدة؛ لأن المنع بسبب من جهتها، فهي كالمريضة. فعلى هذا ينبغي أن ~~يفيء فيئة المعذور؛ لأن الفيئة بالوطء في حقها متعذرة، فلا تمكن المطالبة ~~به، فأشبه المجبوب. # (6123) فصل: ويصح الإيلاء من كل زوج مكلف قادر على الوطء. # وأما الصبي والمجنون، فلا يصح إيلاؤهما؛ لأن ms4118 القلم مرفوع عنهما، ولأنه ~~قول تجب بمخالفته كفارة أو حق، فلم ينعقد منهما كالنذر. وأما العاجز عن ~~الوطء، فإن كان لعارض مرجو زواله كالمرض والحبس، صح إيلاؤه؛ لأنه يقدر على ~~الوطء، فصح منه الامتناع منه، وإن كان غير مرجو الزوال كالجب والشلل، لم ~~يصح إيلاؤه؛ لأنها يمين على ترك مستحيل، فلم تنعقد، كما لو حلف أن لا يقلب ~~الحجارة ذهبا، ولأن الإيلاء اليمين المانعة من الوطء، وهذا لا يمنعه يمينه، ~~فإنه متعذر منه، ولا تضر المرأة يمينه. قال أبو الخطاب: ويحتمل أن يصح ~~الإيلاء منه قياسا على العاجز بمرض أو حبس وللشافعي في ذلك قولان. والأول ~~أولى؛ لما ذكرنا. # فأما الخصي الذي سلت بيضتاه، أو رضت، فيمكن منه الوطء، وينزل ماء رقيقا ~~فيصح إيلاؤه. وكذلك المجبوب الذي بقي من ذكره ما يمكن الجماع به. ### | [فصل إيلاء الذمي] # (6124) فصل: ويصح إيلاء الذمي ويلزمه ما يلزم المسلم إذا تقاضوا إلينا. ~~وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور. وإن أسلم، لم ينقطع حكم إيلائه. ~~وقال مالك: إن أسلم، سقط حكم يمينه. وقال أبو يوسف، ومحمد: إن حلف بالله، ~~لم يكن موليا؛ لأنه لا يحنث إذا جامع، لكونه غير مكلف، وإن كانت يمينه ~~بطلاق أو عتاق، فهو مول؛ لأنه يصح عتقه وطلاقه. ولنا قول الله تعالى {للذين ~~يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] . ولأنه مانع نفسه باليمين ~~من جماعها، فكان موليا كالمسلم، ولأن من صح طلاقه، صح إيلاؤه، كالمسلم، ومن ~~صحت يمينه عند الحاكم، صح إيلاؤه كالمسلم. # PageV07P549 ### | [فصل لا يشترط في الإيلاء الغضب ولا قصد الإضرار] # (6125) فصل: ولا يشترط في الإيلاء الغضب، ولا قصد الإضرار. روي ذلك عن ~~ابن مسعود. وبه قال الثوري، والشافعي، وأهل العراق وابن المنذر. وروي عن ~~علي - رضي الله عنه -: ليس في إصلاح إيلاء. وعن ابن عباس، قال: إنما ~~الإيلاء في الغضب. ونحو ذلك عن الحسن، والنخعي، وقتادة. وقال مالك، ~~والأوزاعي، وأبو عبيد: من حلف لا يطأ زوجته حتى تفطم ولده، لا يكون إيلاء، ~~إذا أراد الإصلاح لولده. # ولنا ms4119 عموم الآية، ولأنه، مانع نفسه عن جماعها بيمينه فكان موليا، كحال ~~الغضب، يحققه أن حكم الإيلاء يثبت لحق الزوجة، فيجب أن يثبت سواء قصد ~~الإضرار أو لم يقصد، كاستيفاء ديونها، وإتلاف مالها، ولأن الطلاق والظهار ~~وسائر الأيمان سواء في الغضب والرضى، فكذلك الإيلاء، ولأن حكم اليمين في ~~الكفارة وغيرها سواء في الغضب والرضى، فكذلك في الإيلاء. # وأما إذا حلف أن لا يطأها حتى تفطم ولده، فإن أراد وقت الفطام، وكانت ~~مدته تزيد على أربعة أشهر، فهو مول، وإن أراد فعل الفطام، لم يكن موليا؛ ~~لأنه ممكن قبل الأربعة الأشهر، وليس بمحرم، ولا فيه تفويت حق لها، فلم يكن ~~موليا، كما لو حلف لا يطأها حتى تدخل الدار. ### | [فصل الألفاظ التي يكون بها موليا] # (6126) فصل: في الألفاظ التي يكون بها موليا، وهي ثلاثة أقسام: أحدها - ~~ما هو صريح في الحكم والباطن جميعا، وهي ثلاثة ألفاظ قوله: والله لا آتيك، ~~ولا أدخل، ولا أغيب أو أولج ذكري في فرجك. ولا افتضضتك. للبكر خاصة، فهذه ~~صريحة، ولا يدين فيها؛ لأنها لا تحتمل غير الإيلاء. القسم الثاني، صريح في ~~الحكم، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، وهي عشرة ألفاظ: لا وطئتك، ولا ~~جامعتك، ولا أصبتك، ولا باشرتك، ولا مسستك، ولا قربتك، ولا أتيتك، ولا ~~باضعتك، ولا باعلتك، ولا اغتسلت منك. فهذه صريحة في الحكم؛ لأنها تستعمل في ~~العرف في الوطء. # وقد ورد القرآن ببعضها فقال الله سبحانه {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا ~~تطهرن فأتوهن} [البقرة: 222] . وقال {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد} [البقرة: 187] . وقال تعالى {من قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237] . # PageV07P550 # وأما الجماع والوطء، فهما أشهر الألفاظ في الاستعمال، فلو قال: أردت ~~بالوطء الوطء بالقدم، وبالجماع اجتماع الأجسام، وبالإصابة الإصابة باليد. ~~دين فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يقبل في الحكم؛ لأنه خلاف الظاهر ~~والعرف. وقد اختلف قول الشافعي فيما عدا الوطء والجماع من هذه الألفاظ، ~~فقال في موضع: ليس بصريح في الحكم؛ لأنه حقيقة في غير الجماع. وقال في: لا ~~باضعتك: ليس بصريح؛ لأنه ms4120 يحتمل أن يكون من التقاء البضعتين، البضعة من ~~البدن بالبضعة منه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فاطمة بضعة ~~مني» . # ولنا أنه مستعمل في الوطء عرفا، وقد ورد به القرآن والسنة، فكان صريحا، ~~كلفظ الوطء والجماع، وكونه حقيقة في غير الجماع يبطل بلفظة الوطء والجماع، ~~وكذلك قوله: فارقتك، وسرحتك. في ألفاظ الطلاق، فإنهم قالوا: هي صريحة في ~~الطلاق، مع كونها حقيقة في غيره، وأما قوله: باضعتك. فهو مشتق من البضع، ~~ولا يستعمل هذا اللفظ في غير الوطء، فهو أولى أن يكون صريحا من سائر ~~الألفاظ؛ لأنها تستعمل في غيره. وبهذا قال أبو حنيفة. القسم الثالث، ما لا ~~يكون إيلاء إلا بالنية، وهو ما عدا هذه الألفاظ، مما يحتمل الجماع، كقوله: ~~والله لا يجمع رأسي ورأسك شيء. لا ساقف رأسي رأسك. لأسوأنك. لأغيظنك. ~~لتطولن غيبتي عنك. لا مس جلدي جلدك. لا قربت فراشك. لا آويت معك. لا نمت ~~عندك. فهذه إن أراد بها الجماع، واعترف بذلك، كان موليا، وإلا فلا؛ لأن هذه ~~الألفاظ ليست ظاهرة في الجماع، كظهور التي قبلها، ولم يرد النص باستعمالها ~~فيه، إلا أن هذه الألفاظ منقسمة إلى ما يفتقر فيه إلى نية الجماع والمدة ~~معا، وهي قوله: لأسوأنك، ولأغيظنك، ولتطولن غيبتي عنك. فلا يكون موليا حتى ~~ينوي ترك الجماع في مدة تزيد على أربعة أشهر؛ لأن غيظها يكون بترك الجماع ~~فيما دون ذلك، وفي سائر هذه الألفاظ يكون موليا بنية الجماع فقط. # وإن قال: والله ليطولن تركي لجماعك، أو لوطئتك، أو لإصابتك. فهذا صريح في ~~ترك الجماع، وتعتبر نية المدة دون نية الوطء؛ لأنه صريح فيه. وإن قال: ~~والله لا جامعتك إلا جماعا ضعيفا. لم يكن موليا، إلا أن ينوي جماعا لا يبلغ ~~التقاء الختانين. وإن قال: والله لا أدخلت جميع ذكري في فرجك. لم يكن ~~موليا؛ لأن الوطء الذي يحصل به الفيئة، يحصل بدون إيلاج جميع الذكر. وإن ~~قال: والله لا أولجت حشفتي في فرجك. كان موليا؛ لأن الفيئة لا تحصل بدون ~~ذلك. ### | [فصل قال ms4121 لإحدى زوجتيه والله لا وطئتك ثم قال للأخرى أشركتك معها] # (6127) فصل: وإذا قال لإحدى زوجتيه: والله لا وطئتك. ثم قال للأخرى: ~~أشركتك معها. لم يصر موليا من الثانية؛ # PageV07P551 # لأن اليمين بالله لا يصح إلا بلفظ صريح من اسم أو صفة، والتشريك بينهما ~~كناية، فلم تصح به اليمين. وقال القاضي: يكون موليا منهما. وإن قال: إن ~~وطئتك، فأنت طالق. ثم قال للأخرى: أشركتك معها. ونوى، فقد صار طلاق الثانية ~~معلقا على وطئها أيضا؛ لأن الطلاق يصح بالكناية، فإن قلنا: إن ذلك إيلاء في ~~الأولى. صار إيلاء في الثانية؛ لأنها صارت في معناها، وإلا فليس بإيلاء في ~~واحدة منهما. # وكذلك لو آلى رجل من زوجته، فقال آخر لامرأته: أنت مثل فلانة. لم يكن ~~موليا. وقال أصحاب الرأي: هو مول. ولنا أنه ليس بصريح في القسم، فلا يكون ~~موليا به، كما لو لم يشبها بها. ### | [فصل الإيلاء بكل لغة من العجمية وغيرها ممن يحسن العربية] # (6128) فصل: ويصح الإيلاء بكل لغة من العجمية وغيرها، ممن يحسن العربية، ~~وممن لا يحسنها؛ لأن اليمين تنعقد بغير العربية، وتجب بها الكفارة. والمولي ~~هو الحالف بالله على ترك وطء زوجته، الممتنع من ذلك بيمينه. فإن آلى ~~بالعجمية من لا يحسنها، وهو لا يدري معناها، لم يكن موليا، وإن نوى موجبها ~~عند أهلها. وكذلك الحكم إذا آلى بالعربية من لا يحسنها؛ لأنه لا يصح منه ~~قصد الإيلاء بلفظ لا يدري معناه. فإن اختلف الزوجان في معرفته بذلك، فالقول ~~قوله إذا كان متكلما بغير لسانه؛ لأن الأصل عدم معرفته بها. # فأما إن آلى العربي بالعربية، ثم قال: جرى على لساني من غير قصد. أو قال ~~ذلك العجمي في إيلائه بالعجمية، لم يقبل في الحكم؛ لأنه خلاف الظاهر. ### | [فصل مدة الإيلاء في حق الأحرار والعبيد والمسلمين وأهل الذمة] # (6129) فصل: ومدة الإيلاء في حق الأحرار والعبيد والمسلمين وأهل الذمة ~~سواء، ولا فرق بين الحرة والأمة، والمسلمة والذمية، والصغيرة والكبيرة، في ~~ظاهر المذهب. وهو قول الشافعي، وابن المنذر. وعن أحمد، رواية أخرى، أن ms4122 مدة ~~إيلاء العبيد شهران. # وهو اختيار أبي بكر. وقول عطاء، والزهري، ومالك، وإسحاق؛ لأنهم على النصف ~~في الطلاق، وعدد المنكوحات، فكذلك في مدة الإيلاء. وقال الحسن، والشعبي: ~~إيلاؤه من الأمة شهران، ومن الحرة أربعة. وقال الشعبي: إيلاء الأمة نصف ~~إيلاء الحرة. وهذا قول أبي حنيفة؛ لأن ذلك تتعلق به البينونة عنده، فاختلف ~~بالرق والحرية كالطلاق، ولأنها مدة يثبت ابتداؤها بقول الزوج، فوجب أن ~~يختلف برق المرأة وحريتها، كمدة العدة. ولنا، عموم الآية، ولأنها مدة ضربت ~~للوطء، فاستوى فيها الرق والحرية، كمدة العنة، ولا نسلم أن البينونة تتعلق ~~بها، ثم يبطل ذلك بمدة العنة، ويخالف مدة العدة؛ لأن العدة مبنية على ~~الكمال، بدليل أن الاستبراء يحصل بقرء واحد، وأما مدة الإيلاء فإن ~~الاستمتاع بالحرة أكثر، وكان ينبغي أن تتقدم مطالبتها مطالبة # PageV07P552 # الأمة، والحق على الحر في الاستمتاع - أكثر منه على العبد، فلا تجوز ~~الزيادة في مطالبة العبد عليه. ### | [مسألة مضت أربعة أشهر ورافعته أمر بالفيئة] # (6130) مسألة قال: (فإذا مضت أربعة أشهر ورافعته، أمر بالفيئة، والفيئة ~~الجماع) وجملة ذلك أن المولى يتربص أربعة أشهر، كما أمر الله تعالى، ولا ~~يطالب فيهن، فإذا مضت أربعة أشهر، ورافعته امرأته إلى الحاكم، وقفه، وأمره ~~بالفيئة، فإن أبى أمره بالطلاق، ولا تطلق زوجته بنفس مضي المدة. قال أحمد ~~في الإيلاء: يوقف، عن الأكابر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ عن ~~عمر شيء يدل على ذلك، وعن عثمان، وعلي وجعل يثبت حديث علي. وبه قال ابن ~~عمر، وعائشة. وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقال سليمان بن يسار: كان تسعة عشر ~~رجلا من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يوقفون في الإيلاء. # وقال سهيل بن أبي صالح: سألت اثني عشر من أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فكلهم يقول: ليس عليه شيء، حتى يمضي أربعة أشهر، فيوقف، فإن فاء، ~~وإلا طلق. وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعروة، ومجاهد، وطاوس، ومالك، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال ابن مسعود، وابن ~~عباس، وعكرمة، وجابر بن زيد، ms4123 وعطاء، والحسن، ومسروق، وقبيصة، والنخعي، ~~والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي: إذا مضت أربعة أشهر، فهي تطليقة ~~بائنة. وروي ذلك عن عثمان، وعلي، وزيد، وابن عمر، وروي عن أبي بكر بن عبد ~~الرحمن، ومكحول، والزهري، تطليقة رجعية. # ويحكى عن ابن مسعود أنه كان يقرأ {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} ~~[البقرة: 226] . ولأن هذه مدة ضربت لاستدعاء الفعل منه، فكان ذلك في المدة ~~كمدة العنة. ولنا قول الله تعالى {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ~~فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 226] . وظاهر ذلك أن الفيئة بعد ~~أربعة أشهر؛ لذكره الفيئة بعدها بالفاء المقتضية للتعقيب، ثم قال {وإن ~~عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] . ولو وقع بمضي المدة، لم ~~يحتج إلى عزم عليه، وقوله {سميع عليم} [البقرة: 227] يقتضي أن الطلاق ~~مسموع، ولا يكون المسموع إلا كلاما، ولأنها مدة ضربت له تأجيلا، فلم يستحق ~~المطالبة فيها، كسائر الآجال، ولأن هذه مدة لم يتقدمها إيقاع، فلا يتقدمها ~~وقوع، كمدة العنة. # ومدة العنة حجة لنا؛ فإن الطلاق لا يقع إلا بمضيها، ولأن مدة العنة ضربت ~~له ليختبر فيها، ويعرف عجزه عن الوطء بتركه # PageV07P553 # في مدتها، وهذه ضربت تأخيرا له وتأجيلا، ولا يستحق المطالبة إلا بعد مضي ~~الأجل، كالدين. ### | [فصل ابتداء مدة الإيلاء] # (6131) فصل: وابتداء المدة من حين اليمين، ولا يفتقر إلى ضرب مدة؛ لأنها ~~ثبتت بالنص والإجماع، فلم تفتقر إلى ضرب، كمدة العنة. ولا يطالب بالوطء ~~فيها؛ لما ذكرنا، فإن وطئها فيها فقد عجل حقها قبل محله، وخرج من الإيلاء، ~~كمن عليه دين دفعه قبل الأجل. وهكذا إن وطئ بعد المدة، قبل المطالبة أو ~~بعدها، خرج من الإيلاء. وسواء وطئها وهي عاقلة أو مجنونة، أو يقظانة أو ~~نائمة؛ لأنه فعل ما حلف عليه، فإن وطئها وهو مجنون، لم يحنث. ذكره ابن ~~حامد. وهو قول الشعبي. وقال أبو بكر: يحنث، وعليه الكفارة؛ لأنه فعل ما حلف ~~عليه. # والأول أصح؛ لأنه غير مكلف، والقلم عنه مرفوع، ويخرج بوطئه عن الإيلاء؛ ~~لأنه قد وفاها حقها، ms4124 وحصل منه في حقها ما يحصل من العاقل، وإنما تسقط ~~الكفارة عنه لرفع القلم عنه. ذكر هذا ابن حامد. وهو أحد الوجهين لأصحاب ~~الشافعي. وذكر القاضي ما يدل على أنه يبقى موليا؛ فإنه قال: إذا وطئ بعد ~~إفاقته، تجب عليه الكفارة؛ لأن وطأه الأول ما حنث به، وإذا بقيت يمينه، بقي ~~الإيلاء، كما لو لم يطأ. وهذا قول المزني. وينبغي أن يستأنف له مدة الإيلاء ~~من حين وطئ؛ لأنه لا ينبغي أن يطالب بالفيئة مع وجودها منه، ولا يطلق عليه؛ ~~لانتفائها وهي موجودة، ولكن تضرب له مدة لبقاء حكم يمينه. وقيل: تضرب له ~~المدة إذا عقل؛ لأنه حينئذ يمنع من الوطء بحكم يمينه. # ومن قال بالأول قال: قد وفاها حقها، فلم يبق الإيلاء، كما لو حنث، ولا ~~يمتنع انتفاء الإيلاء مع اليمين، كما لو حلف لا يطأ أجنبية، ثم تزوجها. ### | [فصل وطئ العاقل ناسيا ليمينه] # (6132) فصل: وإن وطئ العاقل ناسيا ليمينه، فهل يحنث؟ على روايتين. فإن ~~قلنا: يحنث. انحل إيلاؤه، وذهبت يمينه. وإن قلنا: لا يحنث. فهل ينحل ~~إيلاؤه؟ على وجهين، قياسا على المجنون. وكذلك يخرج فيما إذا آلى من إحدى ~~زوجتيه، ثم وجدها على فراشه، فظنها الأخرى، فوطئها؛ لأنه جاهل بها، والجاهل ~~كالناسي في الحنث. وكذلك إن ظنها أجنبية فبانت زوجته. وإن استدخلت ذكره وهو ~~نائم، لم يحنث؛ لأنه لم يفعل ما حلف عليه، ولأن القلم مرفوع عنه. وهل يخرج ~~من حكم الإيلاء؟ يحتمل وجهين: أحدهما، يخرج؛ لأن المرأة وصلت إلى حقها، ~~فأشبه ما لو وطئ. # PageV07P554 # والثاني، لا يخرج من حكم الإيلاء؛ لأنه ما وفاها حقها، وهو باق على ~~الامتناع من الوطء بحكم اليمين، فكان موليا، كما لو لم يفعل به ذلك. والحكم ~~فيما إذا وطئ وهو نائم كذلك؛ لأنه لا يحنث به. ### | [فصل وطئها وطئا محرما] # (6133) فصل: وإن وطئها وطئا محرما، مثل أن وطئها حائضا، أو نفساء، أو ~~محرمة، أو صائمة صوم فرض، أو كان محرما، أو صائما، أو مظاهرا، حنث، وخرج من ~~الإيلاء. وهذا مذهب الشافعي. وقال ms4125 أبو بكر: قياس المذهب أن لا يخرج من ~~الإيلاء؛ لأنه وطء لا يؤمر به في الفيئة، فلم يخرج به من الإيلاء، كالوطء ~~في الدبر. ولا يصح هذا؛ لأن يمينه انحلت، ولم يبق ممتنعا من الوطء بحكم ~~اليمين، فلم يبق الإيلاء، كما لو كفر عن يمينه، أو كما لو وطئها مريضة. وقد ~~نص أحمد، في من حلف، ثم كفر يمينه؛ أنه لا يبقى موليا، لعدم حكم اليمين مع ~~أنه ما وفاها حقها، فلأن يزول بزوال اليمين بحنثه فيها أولى. # وقد ذكر القاضي في المحرم والمظاهر، أنهما إذا وطئا فقد وفياها حقها. ~~وفارق الوطء في الدبر؛ فإنه لا يحنث به، وليس بمحل للوطء، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل آلى منها وثم عذر يمنع الوطء من جهة الزوج] # (6134) فصل: وإذا آلى منها، وثم عذر يمنع الوطء من جهة الزوج، كمرضه، أو ~~حبسه، أو إحرامه، أو صيامه، حسبت عليه المدة من حين إيلائه؛ لأن المانع من ~~جهته، وقد وجد التمكين الذي عليها. ولذلك لو أمكنته من نفسها، وكان ممتنعا ~~لعذر، وجبت لها النفقة. وإن طرأ شيء من هذه الأعذار بعد الإيلاء، أو جن، لم ~~تنقطع المدة؛ للمعنى الذي ذكرناه. وإن كان المانع من جهتها، نظرنا؛ فإن كان ~~حيضا، لم يمنع ضرب المدة؛ لأنه لو منع لم يمكن ضرب المدة؛ لأن الحيض في ~~الغالب لا يخلو منه شهر، فيؤدي ذلك إلى إسقاط حكم الإيلاء، وإن طرأ الحيض، ~~لم يقطع المدة؛ لما ذكرناه. # وفي النفاس وجهان؛ أحدهما، هو كالحيض؛ لأن أحكامه أحكام الحيض. والثاني، ~~هو كسائر الأعذار التي من جهتها؛ لأنه نادر غير معتاد، فأشبه سائر الأعذار. ~~وأما سائر الأعذار التي من جهتها؛ كصغرها ومرضها، وحبسها، وإحرامها، ~~وصيامها واعتكافها المفروضين، ونشوزها، وغيبتها، فمتى وجد منها شيء حال ~~الإيلاء، لم تضرب له المدة حتى يزول؛ لأن المدة تضرب لامتناعه من وطئها، ~~والمنع هاهنا من قبلها. وإن وجد شيء من هذه الأسباب، استؤنفت المدة، ولم ~~يبن على ما مضى؛ لأن قوله سبحانه {تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] يقتضي ~~متوالية. فإذا قطعتها، ms4126 وجب استئنافها، كمدة الشهرين في صوم الكفارة. # PageV07P555 # وإن حنث وهربت من يده، انقطعت المدة. # وإن بقيت في يده وأمكنه وطؤها، احتسب عليه بها. فإن قيل: فهذه الأسباب ~~منها ما لا صنع لها فيه، فلا ينبغي أن تقطع المدة، كالحيض. قلنا: إذا كان ~~المنع لمعنى فيها، فلا فرق بين كونه بفعلها، أو بغير فعلها. كما أن البائع ~~إذا تعذر عليه تسليم المعقود عليه، لم يتوجه له المطالبة بعوضه، سواء كان ~~لعذر أو غير عذر. وإن آلى في الردة، لم تضرب له المدة إلا من حين رجوع ~~المرتد منهما إلى الإسلام. وإن طرأت الردة في أثناء المدة، انقطعت؛ لأن ~~النكاح قد تشعث وحرم الوطء، فإذا عاد إلى الإسلام، استؤنفت المدة، سواء ~~كانت الردة منهما أو من أحدهما. وكذلك إن أسلم أحد الزوجين الكافرين، أو ~~خالعها، ثم تزوجها. والله أعلم. ### | [فصل إذا انقضت مدة الإيلاء] # (6135) فصل: وإذا انقضت المدة، فلها المطالبة بالفيئة إن لم يكن عذر. فإن ~~طالبته، فطلب الإمهال، فإن لم يكن له عذر، لم يمهل؛ لأنه حق توجه عليه، لا ~~عذر له فيه، فلم يمهل به، كالدين الحال، ولأن الله تعالى جعل المدة أربعة ~~أشهر، فلا تجوز الزيادة عليها بغير عذر، وإنما يؤخر قدر ما يتمكن من الجماع ~~في حكم العادة؛ فإنه لا يلزمه الوطء في مجلسه، وليس ذلك بإمهال. فإن قال: ~~أمهلوني حتى آكل فإني جائع، أو حتى ينهضم الطعام فإني كظيظ. أو أصلي الفرض، ~~أو أفطر من صومي. أمهل بقدر ذلك؛ فإنه يعتبر أن يصير إلى حال يجامع في ~~مثلها في العادة. وكذلك يمهل حتى يرجع إلى بيته؛ لأن العادة فعل ذلك في ~~بيته. # وإن كان لها عذر يمنع من وطئها، لم يكن لها المطالبة بالفيئة؛ لأن الوطء ~~ممتنع من جهتها، فلم يكن لها مطالبته بما يمنعه منه، ولأن المطالبة مع ~~الاستحقاق، وهي لا تستحق الوطء في هذه الأحوال، وليس لها المطالبة بالطلاق؛ ~~لأنه إنما يستحق عند امتناعه من الفيئة الواجبة، ولم يجب عليه شيء، ولكن ~~تتأخر المطالبة إلى ms4127 حال زوال العذر، إن لم يكن العذر قاطعا للمدة كالحيض، ~~أو كان العذر حدث بعد انقضاء المدة. ### | [فصل عفت الزوجة عن المطالبة بعد وجوبها الإيلاء] # (6136) فصل: فإن عفت عن المطالبة بعد وجوبها، فقال بعض أصحابنا: يسقط ~~حقها، وليس لها المطالبة بعده. وقال القاضي: هذا قياس المذهب؛ لأنها رضيت ~~بإسقاط حقها من الفسخ لعدم الوطء، فسقط حقها منه، كامرأة العنين إذا رضيت ~~بعنته. ويحتمل أن لا يسقط حقها، ولها المطالبة متى شاءت. وهذا مذهب ~~الشافعي؛ لأنها تثبت لرفع الضرر بترك ما يتجدد مع الأحوال، فكان لها ~~الرجوع، كما لو أعسر بالنفقة، فعفت عن المطالبة بالفسخ، ثم طالبت، وفارق ~~الفسخ للعنة؛ فإنه فسخ لعيبه، فمتى رضيت بالعيب، سقط حقها، كما لو عفا ~~المشتري عن # PageV07P556 # عيب المبيع، وإن سكتت عن المطالبة، ثم طالبت بعد، فلها ذلك؛ لأن حقها ~~يثبت على التراخي، فلم يسقط بتأخير المطالبة، كاستحقاق النفقة. ### | [فصل الأمة كالحرة في استحقاق المطالبة الاستيلاء] # (6137) فصل: والأمة كالحرة في استحقاق المطالبة، سواء عفا السيد عن ذلك ~~أو لم يعف؛ لأن الحق لها، حيث كان الاستمتاع يحصل لها. فإن تركت المطالبة، ~~لم يكن لمولاها الطلب؛ لأنه لا حق له. فإن قيل: حقه في الولد، ولهذا لم يجز ~~العزل عنها إلا بإذنه. قلنا: لا يستحق على الزوج استيلاد المرأة؛ ولذلك لو ~~حلف ليعزلن عنها أو لا يستولدها، لم يكن موليا، ولو أن المولي وطئ بحيث ~~يوجد التقاء الختانين، حصلت الفيئة، وزالت عنه المطالبة، وإن لم ينزل، ~~وإنما استؤذن السيد في العزل؛ لأنه يضر بالأمة، فربما نقص قيمتها. ### | [فصل كانت المرأة صغيرة أو مجنونة في الإيلاء] # (6138) فصل: فإن كانت المرأة صغيرة، أو مجنونة، فليس لهما المطالبة؛ لأن ~~قولهما غير معتبر، وليس لوليهما المطالبة لهما؛ لأن هذا طريقه الشهوة، فلا ~~يقوم غيرهما مقامهما فيه. فإن كانتا ممن لا يمكن وطؤهما، لم يحتسب عليه ~~بالمدة؛ لأن المنع من جهتهما. وإن كان وطؤهما ممكنا. فإن أفاقت المجنونة، ~~أو بلغت الصغيرة، قبل انقضاء المدة، تممت المدة، ثم لها المطالبة، وإن كان ms4128 ~~ذلك بعد انقضاء المدة، فلهما المطالبة يومئذ؛ لأن الحق لهما ثابت، وإنما ~~تأخر لعدم إمكان المطالبة. وقال الشافعي: لا تضرب المدة في الصغيرة حتى ~~تبلغ. وقال أبو حنيفة: تضرب المدة، سواء أمكن الوطء أو لم يمكن الوطء، فإن ~~لم يمكن فاء بلسانه، وإلا بانت بانقضاء المدة. # وكذلك الحكم عنده في الناشز، والرتقاء، والقرناء، والتي غابت في المدة؛ ~~لأن هذا إيلاء صحيح، فوجب أن تتعقبه المدة، كالتي يمكنه جماعها. ولنا أن ~~حقها من الوطء يسقط بتعذر جماعها، فوجب أن تسقط المدة المضروبة له، كما ~~يسقط أجل الدين بسقوطه. وأما التي أمكنه جماعها، فتضرب له المدة في حقها؛ ~~لأنه إيلاء صحيح ممن يمكنه جماعها، فتضرب له المدة كالبالغة، ومتى قصد ~~الإضرار بها بترك الوطء أثم، ويستحب أن يقال له: اتق الله فإما أن تفيئ، ~~وإما أن تطلق، فإن الله تعالى قال {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] . وقال ~~تعالى {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . وليس الإضرار من ~~المعاشرة بالمعروف. ### | [مسألة الفيئة من المولي] # (6139) مسألة قال: (والفيئة: الجماع) ليس في هذا اختلاف بحمد الله. قال ~~ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن الفيء الجماع. # PageV07P557 # كذلك قال ابن عباس. وروي ذلك عن علي، وابن مسعود. وبه قال مسروق، وعطاء، ~~والشعبي، والنخعي وسعيد بن جبير والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيدة، ~~وأصحاب الرأي، إذا لم يكن عذر. وأصل الفيء الرجوع، ولذلك يسمى الظل بعد ~~الزوال فيئا؛ لأنه رجع من المغرب إلى المشرق، فسمي الجماع من المولي فيئة؛ ~~لأنه رجع إلى فعل ما تركه. وأدنى الوطء الذي تحصل به الفيئة، أن تغيب ~~الحشفة في الفرج؛ فإن أحكام الوطء تتعلق به. # ولو وطئ دون الفرج، أو في الدبر، لم يكن فيئة؛ لأنه ليس بمحلوف على تركه، ~~ولا يزول الضرر بفعله. ### | [فصل إذا فاء في الإيلاء] # (6140) فصل: وإذا فاء، لزمته الكفارة، في قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن ~~زيد، وابن عباس. وبه قال ابن سيرين، والنخعي، والثوري، وقتادة، ومالك، وأهل ~~المدينة، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، ms4129 وابن المنذر. وهو ظاهر مذهب الشافعي. ~~وله قول آخر: لا كفارة عليه. وهو قول الحسن. وقال النخعي: كانوا يقولون ~~ذلك؛ لأن الله تعالى قال {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 226] . ~~قال قتادة: هذا خالف الناس. يعني قول الحسن. # ولنا قول الله تعالى {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين} [المائدة: 89] الآية إلى قوله: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} ~~[المائدة: 89] . وقال سبحانه {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] ~~. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا ~~منها، فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» . متفق عليه. ولأنه حالف حانث في ~~يمينه، فلزمته الكفارة كما لو حلف على ترك فريضة ثم فعلها، والمغفرة لا ~~تنافي الكفارة، فإن الله تعالى قد غفر لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد كان يقول: «إني والله لا أحلف على يمين فأرى ~~غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها» . متفق عليه. ### | [فصل كان الإيلاء بتعليق عتق أو طلاق] # (6141) فصل: وإن كان الإيلاء بتعليق عتق أو طلاق، وقع بنفس الوطء؛ لأنه ~~معلق بصفة، وقد وجدت. وإن كان على نذر، أو عتق، أو صوم، أو صلاة، أو صدقة، ~~أو حج، أو غير ذلك من الطاعات أو المباحات، فهو مخير بين الوفاء به وبين ~~كفارة يمين؛ لأنه نذر لجاج وغضب، فهذا حكمه. وإن علق طلاقها الثلاث بوطئها، ~~لم يؤمر بالفيئة، # PageV07P558 # وأمر بالطلاق؛ لأن الوطء غير ممكن؛ لكونها تبين منه بإيلاج الحشفة، فيصير ~~مستمتعا بأجنبية. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. وأكثرهم قالوا: تجوز الفيئة؛ ~~لأن النزع ترك للوطء، وترك الوطء ليس بوطء. وقد ذكر القاضي أن كلام أحمد ~~يقتضي روايتين، كهذين الوجهين. # واللائق بمذهب أحمد تحريمه؛ لوجوه ثلاثة: أحدها أن آخر الوطء حصل في ~~أجنبية كما ذكرنا؛ فإن النزع يلتذ به كما يلتذ بالإيلاج، فيكون في حكم ~~الوطء، ولذلك قلنا في من طلع عليه الفجر وهو مجامع، فنزع: أنه يفطر. ~~والتحريم هاهنا أولى؛ لأن الفطر ms4130 بالوطء. ويمكن منع كون النزع وطئا، والمحرم ~~هاهنا الاستمتاع، والنزع استمتاع، فكان محرما، ولأن لمسها على وجه التلذذ ~~بها محرم، فلمس الفرج بالفرج أولى بالتحريم. فإن قيل: فهذا إنما يحصل ضرورة ~~ترك الوطء المحرم. قلنا: فإذا لم يمكن الوطء إلا بفعل محرم حرم ضرورة ترك ~~الحرام. # كما لو اختلط لحم الخنزير بلحم مباح، لا يمكنه أكله إلا بأكل لحم ~~الخنزير، حرم، ولو اشتبهت ميتة بمذكاة، أو امرأته بأجنبية، حرم الكل. الوجه ~~الثاني، أنه بالوطء يحصل الطلاق بعد الإصابة، وهو طلاق بدعة، وكما يحرم ~~إيقاعه بلسانه، يحرم تحقيق سببه. الثالث، أن يقع به طلاق البدعة من وجه ~~آخر، وهو جمع الثلاث، فإن وطئ فعليه أن ينزع حين يولج الحشفة، ولا يزيد على ~~ذلك، ولا يلبث ولا يتحرك عند النزع؛ لأنها أجنبية، فإذا فعل ذلك، فلا حد ~~ولا مهر؛ لأنه تارك للوطء، وإن لبث أو تمم الإيلاج، فلا حد عليه، لتمكن ~~الشبهة منه، لكونه وطئا بعضه في زوجته، وفي المهر وجهان: أحدهما - يلزمه؛ ~~لأنه حصل منه وطء محرم في محل غير مملوك، فأوجب المهر، كما لو أولج بعد ~~النزع. # والثاني - لا يجب؛ لأنه تابع الإيلاج في محل مملوك، فكان تابعا له في ~~سقوط المهر. وإن نزع، ثم أولج، وكانا جاهلين بالتحريم، فلا حد عليهما، ~~وعليه المهر لها، ويلحقه النسب. وإن كانا عالمين بالتحريم، فعليهما الحد؛ ~~لأنه إيلاج في أجنبية بغير شبهة، فأشبه ما لو طلقها ثلاثا، ثم وطئها، ولا ~~مهر لها؛ لأنها مطاوعة على الزنا، ولا يلحقه النسب؛ لأنه من زنا لا شبهة ~~فيه. وذكر القاضي وجها، أنه لا حد عليهما؛ لأن هذا مما يخفى على كثير من ~~الناس، وهو وجه لأصحاب الشافعي. والصحيح الأول؛ لأن الكلام في العالمين، ~~وليس هو في مظنة الخفاء؛ فإن أكثر المسلمين يعلمون أن الطلاق الثلاث محرم ~~للمرأة. # وإن كان أحدهما عالما، والآخر جاهلا، نظرت؛ فإن كان هو العالم، فعليه ~~الحد، ولها # PageV07P559 # المهر، ولا يلحقه النسب؛ لأنه زان محدود. وإن كانت هي العالمة دونه، ~~فعليها الحد وحدها، ms4131 ولا مهر لها، والنسب لاحق بالزوج، لأن وطأه وطء شبهة. ### | [فصل قال إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي] # (6142) فصل: فإن قال: إن وطئتك، فأنت علي كظهر أمي. فقال أحمد: لا يقربها ~~حتى يكفر. وهذا نص في تحريمها قبل التكفير، وهو دليل على تحريم الوطء في ~~المسألة التي قبلها بطريق التنبيه؛ لأن المطلقة ثلاثا أعظم تحريما من ~~المظاهر منها. وإذا وطئ هاهنا، فقد صار مظاهرا من زوجته، وزال حكم الإيلاء. ~~ويحتمل أن أحمد إنما أراد، إذا وطئها مرة، فلا يطأها حتى يكفر؛ لكونه صار ~~بالوطء مظاهرا، إذ لا يصح تقديم الكفارة على الظهار؛ لأنه سببها، ولا يجوز ~~تقديم الحكم على سببه. ولو كفر قبل الظهار لم يجزئه. # وقد روى إسحاق، قال: قلت لأحمد، في من قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي إن ~~قربتك إلى سنة. قال: إن جاءت تطلب، فليس له أن يعضلها بعد مضي الأربعة ~~الأشهر، يقال له: إما أن تفيء، وإما أن تطلق. فإن وطئها، فقد وجب عليه ~~كفارة، وإن أبى، وأرادت مفارقته، طلقها الحاكم عليه. فينبغي أن تحمل ~~الرواية الأولى على المنع من الوطء بعد الوطء الذي صار به مظاهرا؛ لما ~~ذكرناه، فتكون الروايتان متفقتين. والله تعالى أعلم. ### | [مسألة يكون له عذر من مرض أو إحرام أو شيء لا يمكن معه الجماع المظاهر] # (6143) مسألة قال: (أو يكون له عذر من مرض، أو إحرام، أو شيء لا يمكن معه ~~الجماع، فيقول: متى قدرت جامعتها. فيكون ذلك من قوله فيئة للعذر) وجملة ذلك ~~أنه إذا مضت المدة، وبالمولي عذر يمنع الوطء من مرض، أو حبس بغير حق، أو ~~غيره، لزمه أن يفيء بلسانه، فيقول: متى قدرت جامعتها. ونحو هذا. وممن قال: ~~يفيء بلسانه إذا كان ذا عذر. ابن مسعود، وجابر بن زيد، والنخعي، والحسن، ~~والزهري، والثوري، والأوزاعي، وعكرمة، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي. وقال سعيد ~~بن جبير: لا يكون الفيء إلا بالجماع، في حال العذر وغيره. # وقال أبو ثور: إذا لم يقدر، لم يوقف حتى يصح، أو يصل إن كان غائبا، ms4132 ولا ~~تلزمه الفيئة بلسانه؛ لأن الضرر بترك الوطء لا يزول بالقول. وقال بعض ~~الشافعية: يحتاج أن يقول: قد ندمت على ما فعلت، إن قدرت وطئت. ولنا أن ~~القصد بالفيئة ترك ما قصده من الإضرار، وقد ترك قصد الإضرار بما أتى به من ~~الاعتذار، والقول مع العذر يقوم مقام فعل القادر، بدليل أن إشهاد الشفيع ~~على الطلب بالشفعة عند العجز عن طلبها، # PageV07P560 # يقوم مقام طلبها في الحضور في إثباتها. ولا يحتاج أن يقول: ندمت؛ لأن ~~الغرض أن يظهر رجوعه عن المقام على اليمين، وقد حصل بظهور عزمه عليه. وحكى ~~أبو الخطاب عن القاضي، أن فيئة المعذور أن يقول: فئت إليك. وهو قول الثوري، ~~وأبي عبيد، وأصحاب الرأي. # والذي ذكره القاضي في " المجرد " مثل ما ذكر الخرقي، وهو أحسن؛ لأن وعده ~~بالفعل عند القدرة عليه، دليل على ترك قصد الإضرار، وفيه نوع من الاعتذار، ~~وإخبار بإزالته للضرر عند إمكانه، ولا يحصل بقوله: فئت إليك شيء من هذا. ~~فأما العاجز لجب أو شلل، ففيئته أن يقول: لو قدرت لجامعتها؛ لأن ذلك يزيل ~~ما حصل بإيلائه. ### | [فصل المظاهر لا يمهل ويؤمر بالطلاق] # (6144) فصل: والإحرام كالمرض في ظاهر قول الخرقي. وكذلك على قياسه ~~الاعتكاف المنذور والظهار. وذكر أصحابنا أن المظاهر لا يمهل، ويؤمر ~~بالطلاق. فيخرج من هذا أن كل عذر من فعله يمنعه الوطء لا يمهل من أجله. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأن الامتناع بسبب منه، فلا يسقط حكما واجبا عليه. فعلى هذا ~~لا يؤمر بالوطء؛ لأنه محرم عليه، ولكن يؤمر بالطلاق. ووجه القول الأول، أنه ~~عاجز عن الوطء بأمر لا يمكنه الخروج منه، فأشبه المريض. فأما المظاهر، ~~فيقال له: إما أن تكفر وتفيء، وإما أن تطلق. فإن قال: أمهلوني حتى أطلب ~~رقبة، أو أطعم. فإن علم أنه قادر على التكفير في الحال، وإنما يقصد ~~المدافعة والتأخير، لم يمهل؛ لأن الحق حال عليه. وإنما يمهل للحاجة، ولا ~~حاجة. # وإن لم يعلم ذلك، أمهل ثلاثة أيام؛ لأنها قريبة، ولا يزاد على ذلك. وإن ~~كان فرضه الصيام، فطلب ms4133 الإمهال ليصوم شهرين متتابعين، لم يمهل؛ لأنه كثير. ~~ويتخرج أن يفيء بلسانه فيئة المعذور، ويمهل حتى يصوم، كقولنا في المحرم. ~~فإن وطئها فقد عصى، وانحل إيلاؤه. ولها منعه منه؛ لأن هذا الوطء محرم ~~عليهما. وقال القاضي: يلزمها التمكين، وإن امتنعت سقط حقها؛ لأن حقها في ~~الوطء، وقد بذله لها، ومتى وطئها فقد وفاها حقها، والتحريم عليه دونها. ~~ولنا أنه وطء حرام، فلا يلزم التمكين منه، كالوطء في الحيض والنفاس. وهذا ~~ينقض دليلهم. # ولا نسلم كون التحريم عليه دونها؛ فإن الوطء متى حرم على أحدهما حرم على ~~الآخر؛ لكونه فعلا واحدا، ولو جاز اختصاص أحدهما بالتحريم، لاختصت المرأة ~~بتحريم الوطء في الحيض والنفاس وإحرامها وصيامها؛ لاختصاصها بسببه. ### | [فصل انقضت مدة الإيلاء وهو محبوس بحق يمكن أداؤه] # (6145) فصل: وإن انقضت المدة وهو محبوس بحق يمكن أداؤه، طولب بالفيئة؛ ~~لأنه قادر عليها بأداء ما عليه. فإن لم # PageV07P561 # يفعل، أمر بالطلاق. وإن كان عاجزا عن أدائه، أو حبس ظلما، أمر بفيئة ~~المعذور. وإن انقضت وهو غائب، والطريق آمن، فلها أن توكل من يطالبه بالمسير ~~إليها، أو حملها إليه، فإن لم يفعل، أخذ بالطلاق. وإن كان الطريق مخوفا، أو ~~له عذر يمنعه، فاء فيئة المعذور. ### | [فصل كان مغلوبا على عقله بجنون أو إغماء في مدة الإيلاء] # (6146) فصل: فإن كان مغلوبا على عقله بجنون أو إغماء لم يطالب؛ لأنه لا ~~يصلح للخطاب، ولا يصح منه الجواب، وتتأخر المطالبة إلى حال القدرة، وزوال ~~العذر، ثم يطالب حينئذ. وإن كان مجبوبا، وقلنا: يصح إيلاؤه. فاء فيئة ~~المعذور، فيقول: لو قدرت جامعتها. ### | [فصل انقضت مدة الإيلاء فادعى أنه عاجز عن الوطء] # (6147) فصل: وإذا انقضت المدة، فادعى أنه عاجز عن الوطء، فإذا كان قد ~~وطئها مرة، لم تسمع دعواه العنة، كما لا تسمع دعواها عليه، ويؤخذ بالفيئة، ~~أو بالطلاق، كغيره، وإن لم يكن وطئها، ولم تكن حاله معروفة، فقال القاضي: ~~تسمع دعواه، ويقبل قوله؛ لأن التعنين من العيوب التي لا يقف عليها غيره. ~~وهذا ظاهر نص الشافعي. ولها أن تسأل ms4134 الحاكم، فيضرب له مدة العنة بعد أن ~~يفيء فيئة أهل الأعذار. وفيه وجه آخر، أنه لا يقبل قوله؛ لأنه متهم في دعوى ~~ما يسقط عنه حقا توجه عليه الطلب به، والأصل سلامته منه. وإن ادعت أنه قد ~~أصابها مرة، وأنكر ذلك، لم يكن لها المطالبة بضرب مدة العنة، لاعترافها ~~بعدم عنته، والقول قوله في عدم الإصابة. ### | [مسألة متى قدر على الجماع فلم يفعل أمر بالطلاق بعد الإيلاء] # (6148) مسألة قال: (فمتى قدر، فلم يفعل، أمر بالطلاق) وجملة الأمر أن ~~المولي إذا وقف، وطولب بالفيئة وهو قادر عليها، فلم يفعل، أمر بالطلاق. ~~وهذا قول كل من يقول: يوقف المولي؛ لأن الله تعالى قال {فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . فإذا امتنع من أداء الواجب عليه، فقد امتنع ~~من الإمساك بالمعروف، فيؤمر بالتسريح بالإحسان. وإن كان معذورا، ففاء ~~بلسانه، ثم قدر على الوطء، أمر به، فإن فعل، وإلا أمر بالطلاق. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو بكر: إذا فاء بلسانه، لم يطالب بالفيئة مرة أخرى، وخرج ~~من الإيلاء. # وهو قول الحسن، وعكرمة، والأوزاعي؛ لأنه فاء مرة، فخرج من الإيلاء، ولم ~~تلزمه فيئة ثانية، كما لو فاء بالوطء. وقال أبو حنيفة: تستأنف له مدة ~~الإيلاء؛ لأنه وفاها حقها بما أمكنه من الفيئة، فلا يطالب إلا بعد استئناف ~~مدة الإيلاء، كما لو طلقها. # PageV07P562 # ولنا أنه أخر حقها لعجزه عنه، فإذا قدر عليه، لزمه أن يوفيها إياه، ~~كالدين على المعسر إذا قدر عليه. وما ذكروه فليس بحقها، ولا يزول الضرر ~~عنها به، وإنما وعدها بالوفاء، ولزمها الصبر عليه وإنظاره. كالغريم المعسر. ~~(6149) فصل: وليس على من فاء بلسانه كفارة، ولا حنث؛ لأنه لم يفعل المحلوف ~~عليه، وإنما وعد بفعله، فهو كمن عليه دين حلف أن لا يوفيه، ثم أعسر به، ~~فقال: متى قدرت وفيته. ### | [مسألة لم يطلق الزوج عند امتناعه عن الزوجة بعد الإيلاء] # (6150) مسألة قال: (فإن لم يطلق، طلق الحاكم عليه) وجملة الأمر أن المولي ~~إذا امتنع من الفيئة بعد التربص، أو امتنع المعذور من الفيئة بلسانه، ms4135 أو ~~امتنع من الوطء بعد زوال عذره، أمر بالطلاق. فإن طلق، وقع طلاقه الذي ~~أوقعه، واحدة كانت أو أكثر. وليس للحاكم إجباره على أكثر من طلقة؛ لأنه ~~يحصل الوفاء بحقها بها؛ فإنها تفضي إلى البينونة، والتخلص من ضرره. وإن ~~امتنع من الطلاق، طلق الحاكم عليه. وبهذا قال مالك. وعن أحمد، رواية أخرى، ~~ليس للحاكم الطلاق عليه؛ لأن ما خير الزوج فيه بين أمرين، لم يقم الحاكم ~~مقامه فيه كالاختيار لبعض الزوجات في حق من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، ~~أو أختان. فعلى هذا يحبسه، ويضيق عليه، حتى يفيء، أو يطلق. وللشافعي قولان، ~~كالروايتين. # ولنا، أن ما دخلته النيابة، وتعين مستحقه، وامتنع من هو عليه، قام الحاكم ~~مقامه فيه، كقضاء الدين، وفارق الاختيار، فإنه ما تعين مستحقه. وهذا أصح في ~~المذهب. وليس للحاكم أن يأمر بالطلاق ولا يطلق إلا أن تطلب المرأة ذلك؛ ~~لأنه حق لها، وإنما الحاكم يستوفي لها الحق، فلا يكون إلا عند طلبها. ### | [فصل الطلاق الواجب على المولي] # (6151) فصل: والطلاق الواجب على المولي رجعي، سواء أوقعه بنفسه، أو طلق ~~الحاكم عليه. وبهذا قال الشافعي. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله في المولي: ~~فإن طلقها. قال: تكون واحدة، وهو أحق بها. وعن أحمد، رواية أخرى، أن فرقة ~~الحاكم تكون بائنا. ذكر أبو بكر الروايتين جميعا. وقال القاضي: المنصوص عن ~~أحمد، في فرقة الحاكم، أنها تكون بائنا؛ فإن في رواية الأثرم: وقد سئل إذا ~~طلق عليه السلطان، أتكون واحدة؟ فقال: إذا طلق فهي واحدة، وهو أحق بها، ~~فأما تفريق السلطان، فليس فيه رجعة. وقال أبو ثور: طلاق المولي بائن، سواء ~~طلق هو، أو طلق عليه الحاكم؛ لأنها فرقة لرفع # PageV07P563 # الضرر، فكان بائنا، كفرقة العنة، ولأنها لو كانت رجعية، لم يندفع الضرر؛ ~~لأنه يرتجعها، فيبقى الضرر. # وقال أبو حنيفة: يقع الطلاق بانقضاء العدة بائنا. ووجه الأول؛ أنه طلاق ~~صادف مدخولا بها من غير عوض، ولا استيفاء عدد، فكان رجعيا، كالطلاق في غير ~~الإيلاء. ويفارق فرقة العنة؛ لأنها فسخ لعيب، وهذه ms4136 طلقة، ولأنه لو أبيح له ~~ارتجاعها، لم يندفع عنها الضرر، وهذه يندفع عنها الضرر؛ فإنه إذا ارتجعها، ~~ضربت له مدة أخرى، ولأن العنين قد يئس من وطئه، فلا فائدة في رجعته، وهذا ~~غير عاجز، ورجعته دليل على رغبته وإقلاعه عن الإضرار بها، فافترقا. والله ~~تعالى أعلم. ### | [مسألة طلق المولي وامتنع عن الطلاق والفيئة] # (6152) مسألة قال: (فإن طلق عليه ثلاثا، فهي ثلاث) وجملة الأمر أن المولي ~~إذا امتنع من الفيئة والطلاق معا، وقام الحاكم مقامه، فإنه يملك من الطلاق ~~ما يملكه المولي، وإليه الخيرة فيه، إن شاء طلق واحدة، وإن شاء اثنتين، وإن ~~شاء ثلاثا، وإن شاء فسخ. قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد. وقال الشافعي: ~~ليس له إلا واحدة؛ لأن إيفاء الحق يحصل بها، فلم يملك زيادة عليها، كما لم ~~يملك الزيادة على وفاء الدين في حق الممتنع. ولنا أن الحاكم قائم مقامه، ~~فملك من الطلاق ما يملكه، كما لو وكله في ذلك. وليس ذلك زيادة على حقها؛ ~~فإن حقها الفرقة، غير أنها تتنوع، وقد يرى الحاكم المصلحة في تحريمها عليه، ~~ومنعه رجعتها؛ لعلمه بسوء قصده، وحصول المصلحة ببعده. # قال أبو عبد الله: إذا قال: فرقت بينكما. فإنما هو فسخ. وإذا قال: طلقت ~~واحدة. فهي واحدة. وإذا قال: ثلاثا. فهي ثلاث. ### | [مسألة طلق واحدة وراجع وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر] # (6153) مسألة قال: (وإن طلق واحدة، وراجع، وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر ~~من أربعة أشهر، كان الحكم كما حكمنا في الأول) وجملة الأمر أنه إذا طلق ~~المولي، أو؛ طلق الحاكم عليه أقل من ثلاث، فله رجعتها. وعن أبي عبد الله - ~~رحمه الله - رواية أخرى، أن تفريق الحاكم ليس فيه رجعة؛ فإنه قال: وأما ~~تفريق السلطان، فليس فيه رجعة في العدة، ولا بعدها. فعلى هذه الرواية، يكون ~~طلاق الحاكم بائنا، ليس فيه رجعة. وقال أبو بكر: في كل فرقة فرقها الحاكم ~~روايتان، لعانا كانت أو غيره؛ إحداهما، تحرم على التأبيد. واختارها. ~~والثانية، له المراجعة فيها بعقد جديد. ms4137 وهذا الصحيح. # وليس في كلام أحمد ما يقتضي تحريمها عليه. # PageV07P564 # وقوله: ليس فيه رجعة في العدة ولا بعدها. يمكن حمله على أنه ليس له ~~رجعتها بغير نكاح جديد؛ لأنه قد صرح في سائر الروايات به، ولأنه لم يوجد ~~سبب يقتضي تحريمها عليه، وتفريق الحاكم لا يقتضي سوى التفريق بينهما في هذا ~~النكاح، ولذلك لو فرق بينهما لأجل العنة، لم تحرم عليه. وأما فرقة اللعان، ~~فإنها تحصل بدون تفريق الحاكم. ولو حصلت بتفريق الحاكم غير أن المقتضي ~~للتفريق والتحريم اللعان، بدليل أنه لا يجوز إقرارهما على النكاح وإن ~~تراضوا به، بخلاف مسألتنا. وأما على قول الخرقي، فإن الطلاق إذا كان دون ~~الثلاث، فهو رجعي، سواء كان من المولي، أو الحاكم. وهذا مذهب الشافعي؛ لأن ~~الحاكم نائبه، فلا يقع طلاقه مفيدا، كما لم يفده طلاق المولي كالوكيل. # فإن لم يراجع حتى انقضت عدتها، بانت، ولم يلحقها طلاق ثان. وهذا مذهب ~~الشافعي، وروي عن علي: إذا سبق حد الإيلاء حد الطلاق، فهما تطليقتان، وإن ~~سبق حد الطلاق حد الإيلاء، فهي واحدة. ويقتضيه مذهب الزهري. وهذا مبني على ~~أن الطلاق يقع بانقضاء مدة الإيلاء، من غير إيقاع. وقد سبق ذكر ذلك. فأما ~~إن فسخ الحاكم النكاح، فليس للمولي الرجوع عليها إلا بنكاح جديد، سواء كان ~~في العدة أو بعدها. ولا ينقص به عدد طلاقه؛ لأنه ليس بطلاق، فأشبه فسخ ~~النكاح لعيبه أو عنته. وإن طلق المولي أو الحاكم ثلاثا، لم تحل له إلا بعد ~~زوج ثان وإصابة ونكاح جديد. # إذا ثبت هذا، فإنه إذا طلق دون الثلاث، فراجعها في عدتها، فإن مدة ~~الإيلاء تنقطع بالطلاق، ولا يحتسب عليه بما قبل الرجعة من المدة؛ لأنها ~~صارت ممنوعة منه بغير اليمين، فانقطعت المدة كما لو كان الطلاق بائنا، فإن ~~راجع استؤنفت المدة من حين رجعته، فإن كان الباقي منها أقل من أربعة أشهر، ~~سقط الإيلاء، وإن كان أكثر منها تربصنا به أربعة أشهر، ثم وقفناه ليفيء أو ~~يطلق، ثم يكون الحكم هاهنا كالحكم في وقفه الأول، ms4138 فإن طلق أو طلق الحاكم ~~عليه واحدة، ثم راجع، وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، انتظرناه ~~أربعة أشهر، ثم طولب بالفيئة أو الطلاق، فإن طلق، فقد كملت الثلاث، وحرمت ~~عليه. وهذا مذهب الشافعي. ويقتضي مذهب أبي عبد الله بن حامد، أنه إذا طلق ~~استؤنفت المدة الأخرى من حين طلق، فلو تمت أربعة أشهر قبل انقضاء عدة ~~الطلاق، وقف ثانيا، فإن فاء، وإلا أمر بالطلاق. # ونحو هذا مذهب مالك، وأبي عبيد. وإن انقضت العدة قبل مدة الإيلاء، بانت، ~~وانقطع الإيلاء، فإن راجع في العدة قبل مدة الإيلاء، تربص به تمام أربعة ~~أشهر من حين طلق. وعن ابن مسعود، وعطاء، والحسن، والنخعي، وقتادة، ~~والأوزاعي، أن الطلاق يهدم الإيلاء. وهذا يحتمل أن يكون معناه أنه يقطع ~~مدته، فلا يحتسب بمدته قبل الرجعة؛ فيكون قول الخرقي مثله. ويحتمل أنه يزيل ~~حكمه بالكلية؛ لأنه قد وفاها حقها بالطلاق، فسقط حكم الإيلاء، كما لو # PageV07P565 # وطئها. والجواب عن هذا، أن حكم اليمين باق في المنع من الوطء فيبقى ~~الإيلاء، كما لو لم يطلق، بخلاف الفيئة، فإنها ترفع اليمين، لحصول الحنث ~~فيها. ### | [مسألة وقفناه بعد الأربعة أشهر فقال قد أصبتها في الإيلاء] # (6154) مسألة قال: (ولو وقفناه بعد الأربعة أشهر، فقال: قد أصبتها. فإن ~~كانت ثيبا، كان القول قوله مع يمينه) وهذا قول الشافعي؛ لأن الأصل بقاء ~~النكاح، والمرأة تدعي ما يلزمه به رفعه، وهو يدعي ما يوافق الأصل، ويبقيه، ~~فكان القول قوله. كما لو ادعى الوطء في العنة، ولأن هذا أمر خفي ولا يعلم ~~إلا من جهته، فقبل قوله فيه، كقول المرأة في حيضها. وتلزمه اليمين؛ لأن ما ~~تدعيه المرأة محتمل، فوجب نفيه باليمين. ونص أحمد، في رواية الأثرم، على ~~أنه لا يلزمه يمين؛ لأنه لا يقضى فيه بالنكول. وهذا اختيار أبي بكر. فأما ~~إن كانت بكرا، واختلفا في الإصابة، أريت النساء الثقات، فإن شهدن بثيوبتها، ~~فالقول قوله، وإن شهدن ببكارتها، فالقول قولها؛ لأنه لو وطئها زالت ~~بكارتها. # وظاهر قول الخرقي، أنه لا يمين هاهنا؛ ms4139 لقوله في باب العنين: فإن شهدن بما ~~قالت، أجل سنة. ولم يذكر يمينه. وهذا قول أبي بكر؛ لأن البينة تشهد لها، ~~فلا تجب اليمين معها. (6155) فصل: ولو كانت هذه المرأة غير مدخول بها، ~~فادعى أنه أصابها، وكذبته، ثم طلقها، وأراد رجعتها، كان القول قولها، فنقبل ~~قوله في الإصابة في الإيلاء، ولا نقبله في إثبات الرجعة له، وقد سبق تعليل ~~ذلك في كتاب الرجعة. ### | [مسألة قال آلى منها فلم يصبها حتى طلقها وانقضت عدتها منه ثم نكحها] # (6156) مسألة قال: (ولو آلى منها، فلم يصبها حتى طلقها، وانقضت عدتها ~~منه؛ ثم نكحها، وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، وقف لها، كما ~~وصفت) وجملة الأمر أن المولي إذا أبان زوجته، انقطعت مدة الإيلاء، بغير ~~خلاف علمناه سواء بانت بفسخ، أو طلاق ثلاث، أو بخلع، أو بانقضاء عدتها من ~~الطلاق الرجعي؛ لأنها صارت أجنبية منه، ولم يبق شيء من أحكام نكاحها. فإن ~~عاد فتزوجها، عاد حكم الإيلاء من حين تزوجها، واستؤنفت المدة حينئذ، فإن ~~كان الباقي من مدة يمينه أربعة أشهر فما دون، لم يثبت حكم الإيلاء؛ لأن مدة ~~التربص أربعة أشهر، وإن كان أكثر من أربعة أشهر، تربص أربعة أشهر، ثم وقف ~~لها، فإما أن يفيء، أو يطلق، وإن لم يطلق، طلق الحاكم عليه. # وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: إن كان الطلاق أقل من ثلاث، ثم تركها حتى ~~انقضت عدتها، ثم نكحها، عاد الإيلاء، وإن استوفى عدد الطلاق، لم يعد ~~الإيلاء؛ لأن حكم النكاح الأول زال بالكلية، ولهذا ترجع إليه على طلاق # PageV07P566 # ثلاث، فصار إيلاؤه في النكاح الأول كإيلائه من أجنبية. وقال أصحاب ~~الشافعي: يتحصل من أقواله ثلاثة أقاويل: قولان كالمذهبين، وقول ثالث: لا ~~يعود حكم الإيلاء بحال. وهو قول ابن المنذر؛ لأنها صارت بحال لو آلى منها ~~لم يصح إيلاؤه، فبطل حكم الإيلاء منها، كالمطلقة ثلاثا. ولنا أنه ممتنع من ~~وطء امرأته بيمين في حال نكاحها، فثبت له حكم الإيلاء، كما لو لم يطلق، ~~وفارق الإيلاء من الأجنبية؛ ms4140 فإنه لا يقصد باليمين عليها الإضرار بها، بخلاف ~~مسألتنا. ### | [فصل آلى من امرأته الأمة ثم اشتراها ثم أعتقها وتزوجها] # (6157) فصل: ولو آلى من امرأته الأمة، ثم اشتراها، ثم أعتقها، وتزوجها، ~~عاد الإيلاء. ولو كان المولي عبدا، فاشترته امرأته، ثم أعتقته، وتزوجته، ~~عاد الإيلاء. ولو بانت الزوجة بردة، أو إسلام من أحدهما أو غيره، ثم تزوجها ~~تزويجا جديدا، عاد الإيلاء، وتستأنف المدة في جميع ذلك. وسواء عادت إليه ~~بعد زوج ثان أو قبله؛ لأن اليمين كانت منه في حال الزوجية، فيبقى حكمها ما ~~وجدت الزوجية. وهكذا لو قال لزوجته: إن دخلت الدار فوالله لا جامعتك. ثم ~~طلقها، ثم نكحت غيره، ثم تزوجها الأول، عاد حكم الإيلاء؛ لأن الصفة ~~المعقودة في حال الزوجية لا تنحل بزوال الزوجية، فإن دخلت الدار في حال ~~البينونة، ثم عاد فتزوجها، لم يثبت حكم الإيلاء في حقه؛ لأن الصفة وجدت في ~~حال كونها أجنبية، ولا ينعقد الإيلاء بالحلف على الأجنبية بخلاف ما إذا ~~دخلت وهي امرأته. ### | [مسألة آلى منها واختلفا في مضي الأربعة أشهر] # (6158) مسألة قال: (ولو آلى منها، واختلفا في مضي الأربعة أشهر، كان ~~القول قوله في أنها لم تمض مع يمينه) إنما كان كذلك؛ لأن الاختلاف في مضي ~~المدة ينبني على الخلاف في وقت يمينه؛ فإنهما لو اتفقا على وقت اليمين، حسب ~~من ذلك الوقت، فعلم هل انقضت المدة أو لا. وزال الخلاف. أما إذا اختلفا في ~~وقت اليمين، فقال: حلفت في غرة رمضان. وقالت: بل حلفت في غرة شعبان. فالقول ~~قوله؛ لأنه صدر من جهته، وهو أعلم به. فكان القول قوله، كما لو اختلفا في ~~أصل الإيلاء ولأن الأصل عدم الحلف في غرة شعبان، فكان قوله في نفيه موافقا ~~للأصل. قال الخرقي: ويكون ذلك مع يمينه. وهو مذهب الشافعي. # وذهب أبو بكر، إلى أنه لا يمين عليه. قال القاضي: وهو أصح؛ لأنه اختلاف ~~في أحكام النكاح، فلم تشرع فيه يمين، كما لو ادعى زوجية امرأة فأنكرته. ~~ووجه قول الخرقي، قول النبي - صلى الله عليه ms4141 وسلم -: «اليمين على المدعى ~~عليه» . ولأنه حق لآدمي يجوز بذله، فيستحلف فيه، كالديون. # PageV07P567 ### | [فصل ترك الوطء بغير يمين] # (6159) فصل: فإن ترك الوطء بغير يمين، لم يكن موليا؛ لأن الإيلاء الحلف. ~~ولكن إن ترك ذلك لعذر من مرض، أو غيبة، ونحوه، لم تضرب له مدة، وإن تركه ~~مضرا بها، فهل تضرب له مدة؟ على روايتين؛ إحداهما، تضرب له مدة أربعة أشهر، ~~فإن وطئها، وإلا دعي بعدها إلى الوطء، فإن امتنع منه، أمر بالطلاق، كما ~~يفعل في الإيلاء، سواء؛ لأنه أضر بها بترك الوطء في مدة الإيلاء، فيلزم ~~حكمه، كما لو حلف، ولأن ما وجب أداؤه إذا حلف على تركه، وجب أداؤه إذا لم ~~يحلف، كالنفقة وسائر الواجبات، يحققه أن اليمين لا تجعل غير الواجب واجبا ~~إذا أقسم على تركه، فوجوبه معها يدل على، وجوبه قبلها، ولأن وجوبه في ~~الإيلاء إنما كان لدفع حاجة المرأة، وإزالة الضرر عنها، وضررها لا يختلف ~~بالإيلاء وعدمه، فلا يختلف الوجوب. # فإن قيل: فلا يبقى للإيلاء أثر، فلم أفردتم له بابا؟ قلنا: بل له أثر؛ ~~فإنه يدل على قصد الإضرار، فيتعلق الحكم به، وإن لم يظهر منه قصد الإضرار، ~~اكتفي بدلالته، وإذا لم توجد اليمين، احتجنا إلى دليل سواه يدل على ~~المضارة، فيعتبر الإيلاء لدلالته على المقتضى لا لعينه. والثانية، لا تضرب ~~له مدة. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه ليس بمول، فلم تضرب له مدة، ~~كما لو لم يقصد الإضرار، ولأن تعليق الحكم بالإيلاء يدل على انتفائه عند ~~عدمه، إذ لو ثبت هذا الحكم بدونه، لم يكن له أثر. والله أعلم. # PageV07P568 ### | [كتاب الظهار] # الظهار: مشتق من الظهر، وإنما خصوا الظهر بذلك من بين سائر الأعضاء؛ لأن ~~كل مركوب يسمى ظهرا، لحصول الركوب على ظهره في الأغلب، فشبهوا الزوجة بذلك. ~~وهو محرم؛ لقول الله تعالى: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} ~~[المجادلة: 2] . ومعناه أن الزوجة ليست كالأم في التحريم. قال الله تعالى: ~~{ما هن أمهاتهم} [المجادلة: 2] . وقال تعالى: {وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم} [الأحزاب: 4] . والأصل ms4142 في الظهار الكتاب والسنة؛ أما ~~الكتاب فقوله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم} ~~[المجادلة: 2] . والآية التي بعدها. # وأما السنة، فروى أبو داود، بإسناده عن «خويلة بنت مالك بن ثعلبة، قالت: ~~ظاهر مني أوس بن الصامت، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشكو، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجادلني فيه، ويقول: اتقي الله؛ فإنه ~~ابن عمك. فما برحت حتى نزل القرآن: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} ~~[المجادلة: 1] . فقال: يعتق رقبة. فقلت: لا يجد. قال: فيصوم شهرين ~~متتابعين. فقلت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: فليطعم ~~ستين مسكينا. قلت: ما عنده من شيء يتصدق به. قال: فإني سأعينه بعرق من تمر. ~~فقلت: يا رسول الله، فإني أعينه بعرق آخر. قال: قد أحسنت، اذهبي فأطعمي عنه ~~ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك.» قال الأصمعي: العرق، بفتح العين والراء: ~~هو ما سف من خوص، كالزنبيل الكبير. # وروى أيضا، بإسناده عن سليمان بن يسار، عن «سلمة بن صخر البياضي، قال: ~~كنت أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان، خفت أن أصيب من ~~امرأتي شيئا يتتابع حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي ~~تخدمني ذات ليلة، إذ تكشف لي منها شيء، فلم ألبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت ~~خرجت إلى قومي، فأخبرتهم الخبر، وقلت: امشوا معي إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. قالوا: لا والله. فانطلقت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأخبرته الخبر، # PageV08P003 # فقال: أنت بذاك يا سلمة؟ . فقلت: أنا بذاك يا رسول الله، وأنا صابر لحكم ~~الله، فاحكم في ما أراك الله. قال: حرر رقبة. قلت: والذي بعثك بالحق ما ~~أملك رقبة غيرها. وضربت صفحة رقبتي. قال: فصم شهرين متتابعين. قلت: وهل ~~أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ . قال: فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا. ~~قلت: والذي بعثك بالحق، لقد بتنا وحشين، ما لنا طعام. قال: فانطلق إلى صاحب ~~صدقة بني زريق، ms4143 فليدفعها إليك. قال: فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، وكل ~~أنت وعيالك بقيتها. فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ~~ووجدت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي ~~بصدقتكم.» ### | [فصل كل زوج صح طلاقه صح ظهاره] # (6160) فصل: وكل زوج صح طلاقه صح ظهاره، وهو البالغ العاقل، سواء كان ~~مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا. قال أبو بكر: وظهار السكران مبني على طلاقه. ~~قال القاضي: وكذلك ظهار الصبي مبني على طلاقه. والصحيح أن ظهار الصبي غير ~~صحيح؛ لأنها يمين موجبة للكفارة، فلم تنعقد منه، كاليمين بالله تعالى، ولأن ~~الكفارة وجبت لما فيه من قول المنكر والزور، وذلك مرفوع عن الصبي؛ لكون ~~القلم مرفوعا عنه. وقد قيل: لا يصح ظهار العبد؛ لأن الله تعالى قال: ~~{فتحرير رقبة} [النساء: 92] . والعبد لا يملك الرقاب، ولنا، عموم الآية، ~~ولأنه يصح طلاقه، فصح ظهاره، كالحر. # فأما إيجاب الرقبة، فإنما هو على من يجدها، ولا يبقى الظهار في حق من لا ~~يجدها، كالمعسر، فرضه الصيام. ويصح ظهار الذمي. وبه قال الشافعي وقال مالك ~~وأبو حنيفة لا يصح منه؛ لأن الكفارة لا تصح منه، وهي الرافعة للتحريم، فلا ~~يصح منه التحريم، ودليل أن الكفارة لا تصح منه، أنها عبادة تفتقر إلى ~~النية، فلا تصح منه، كسائر العبادات. ولنا أن من صح طلاقه صح ظهاره، ~~كالمسلم. فأما ما ذكروه فيبطل بكفارة الصيد إذا قتله في الحرم، وكذلك الحد ~~يقام عليه. ولا نسلم أن التكفير لا يصح منه؛ فإنه يصح منه العتق والإطعام، ~~وإنما لا يصح منه الصوم، فلا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة، ~~كما في حق العبد. # والنية إنما تعتبر لتعيين الفعل للكفارة، فلا يمتنع ذلك في حق الكافر، ~~كالنية في كنايات الطلاق. ومن يخنق في الأحيان، يصح ظهاره في إفاقته، كما ~~يصح طلاقه فيه. # PageV08P004 ### | [فصل من لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره] # (6161) فصل: ومن لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره، كالطفل، والزائل العقل ~~بجنون، أو إغماء، أو نوم، ms4144 أو غيره. لا نعلم في هذا خلافا، وبه قال الشافعي ~~وأبو ثور وأصحاب الرأي. ولا يصح ظهار المكره. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، ~~وابن المنذر وقال أبو يوسف يصح ظهاره. والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في ~~صحة طلاقه. وقد مضى ذلك. ### | [فصل يصح الظهار من كل زوجة] # (6162) فصل: ويصح الظهار من كل زوجة، كبيرة كانت أو صغيرة، مسلمة كانت أو ~~ذمية، ممكنا وطؤها أو غير ممكن. وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو ثور: لا ~~يصح الظهار من التي لا يمكن وطؤها لأنه لا يمكن وطؤها، والظهار لتحريم ~~وطئها. ولنا عموم الآية، ولأنها زوجة يصح طلاقها، فصح الظهار منها، كغيرها. ### | [مسألة قال لزوجته أنت علي كظهر أمي] ### | [الفصل الأول شبه امرأته بمن تحرم عليه على التأبيد] # (6163) مسألة قال: (وإذا قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو كظهر امرأة ~~أجنبية، أو أنت علي حرام. أو حرم عضوا من أعضائها، فلا يطؤها حتى يأتي ~~بالكفارة) (6164) في هذه المسألة فصول خمسة: أحدها أنه متى شبه امرأته بمن ~~تحرم عليه على التأبيد: أحدها: أنه متى شبه امرأته بمن تحرم عليه على ~~التأبيد، فقال: أنت علي كظهر أمي، أو أختي، أو غيرهما. فهو مظاهر. وهذا على ~~ثلاثة أضرب: أحدها، أن يقول: أنت علي كظهر أمي. فهذا ظهار إجماعا، قال ابن ~~المنذر أجمع أهل العلم على أن تصريح الظهار أن يقول: أنت علي كظهر أمي. وفي ~~حديث خويلة امرأة أوس بن الصامت، أنه قال لها: أنت علي كظهر أمي. فذكر ذلك ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمره بالكفارة. # الضرب الثاني، أن يشبهها بظهر من تحرم عليه من ذوي رحمه، كجدته وعمته ~~وخالته وأخته. فهذا ظهار في قول أكثر أهل العلم؛ منهم الحسن، وعطاء، وجابر ~~بن زيد، والشعبي، والنخعي، والزهري، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، ~~وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وهو جديد قولي الشافعي. وقال في ~~القديم: لا يكون الظهار إلا بأم أو جدة؛ لأنها أم أيضا، لأن اللفظ الذي ورد ~~به القرآن مختص بالأم، فإذا ms4145 عدل عنه، لم يتعلق به ما أوجبه الله تعالى فيه. # ولنا أنهن محرمات بالقرابة، فأشبهن الأم فأما الآية فقد قال فيها: {وإنهم ~~ليقولون منكرا من القول وزورا} [المجادلة: 2] . # PageV08P005 # وهذا موجود في مسألتنا، فجرى مجراه. وتعليق الحكم بالأم لا يمنع ثبوت ~~الحكم في غيرها إذا كانت مثلها. الضرب الثالث، أن يشبهها بظهر من تحرم عليه ~~على التأبيد سوى الأقارب، كالأمهات المرضعات، والأخوات من الرضاعة، وحلائل ~~الآباء والأبناء، وأمهات النساء، والربائب اللائي دخل بأمهن، فهو ظهار ~~أيضا. والخلاف فيها كالتي قبلها. ووجه المذهبين ما تقدم، ويزيد في الأمهات ~~المرضعات دخولها في عموم الأمهات، فتكون داخلة في النص، وسائرهن في معناها، ~~فيثبت فيهن حكمها. ### | [الفصل الثاني شبه امرأته بظهر من تحرم عليه تحريما مؤقتا] # (6165) الفصل الثاني: إذا شبهها بظهر من تحرم عليه تحريما مؤقتا؛ كأخت ~~امرأته، وعمتها، أو الأجنبية. فعن أحمد فيه روايتان؛ إحداهما، أنه ظهار. ~~وهو اختيار الخرقي وقول أصحاب مالك. والثانية، ليس بظهار. وهو مذهب الشافعي ~~لأنها غير محرمة على التأبيد، فلا يكون التشبيه بها ظهارا، كالحائض، ~~والمحرمة من نسائه. ووجه الأول، أنه شبهها بمحرمة، فأشبه ما لو شبهها ~~بالأم، ولأن مجرد قوله: أنت علي حرام. ظهار إذا نوى به الظهار، والتشبيه ~~بالمحرمة تحريم، فكان ظهارا، فأما الحائض فيباح الاستمتاع بها في غير ~~الفرج، والمحرمة يحل له النظر إليها، ولمسها من غير شهوة،، وليس في وطء ~~واحدة منهما حد بخلاف مسألتنا. # واختار أبو بكر أن الظهار لا يكون إلا من ذوات المحارم من النساء، قال: ~~فبهذا أقول. ### | [فصل شبهها بظهر أبيه أو بظهر غيره من الرجال] # (6166) فصل: وإن شبهها بظهر أبيه، أو بظهر غيره من الرجال، أو قال: أنت ~~علي كظهر البهيمة. أو: أنت علي كالميتة والدم. ففي ذلك كله روايتان؛ ~~إحداهما، أنه ظهار. قال الميموني: قلت لأحمد: إن ظاهر من ظهر الرجل؟ . قال: ~~فظهر الرجل حرام، يكون ظهارا. وبهذا قال ابن القاسم صاحب مالك، فيما إذا ~~قال: أنت علي كظهر أبي. وروي ذلك عن جابر بن زيد. والرواية الثانية، ليس ms4146 ~~بظهار. وهو قول أكثر العلماء؛ لأنه تشبيه بما ليس بمحل للاستمتاع، أشبه ما ~~لو قال: أنت علي كمال زيد. وهل فيه كفارة؟ على روايتين إحداهما - فيه ~~كفارة؛ لأنه نوع تحريم، فأشبه ما لو حرم ماله. والثانية، ليس فيه شيء. # نقل ابن القاسم عن أحمد، في من شبه امرأته بظهر الرجل: لا يكون # PageV08P006 # ظهارا. ولم أره يلزمه فيه شيء؛ وذلك لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل ~~للاستمتاع، أشبه التشبيه بمال غيره. وقال أبو الخطاب في قوله: أنت علي ~~كالميتة والدم: إن نوى به الطلاق كان طلاقا، وإن نوى الظهار كان ظهارا، وإن ~~نوى اليمين كان يمينا، وإن لم ينو شيئا ففيه روايتان؛ إحداهما، هو ظهار. ~~والأخرى، هو يمين. ولم يتحقق عندي معنى إرادته الظهار واليمين. والله أعلم. ### | [فصل قال لزوجته أنت عندي، أو مني أو معي كظهر أمي] # (6167) فصل: فإن قال: أنت عندي، أو مني، أو معي، كظهر أمي. كان ظهارا ~~بمنزلة علي؛ لأن هذه الألفاظ في معناه. وإن قال: جملتك، أو بدنك، أو جسمك، ~~أو ذاتك، أو كلك علي كظهر أمي. كان ظهارا؛ لأنه أشار إليها. فهو كقوله: ~~أنت. وإن قال: أنت كظهر أمي. كان ظهارا؛ لأنه أتى بما يقتضي تحريمها عليه ~~فانصرف الحكم إليه، كما لو قال: أنت طالق. وقال بعض الشافعية: ليس بظهار؛ ~~لأنه فيه ما يدل على أن ذلك في حقه. وليس بصحيح، فإنها إذا كانت كظهر أمه، ~~فظهر أمه، محرم عليه. ### | [فصل قال أنت علي كأمي أو مثل أمي ونوى به الظهار] # (6168) فصل: وإن قال: أنت علي كأمي. أو: مثل أمي. ونوى به الظهار، فهو ~~ظهار، في قول عامة العلماء؛ منهم أبو حنيفة، وصاحباه، والشافعي، وإسحاق. ~~وإن نوى به الكرامة والتوقير، أو أنها مثلها في الكبر، أو الصفة، فليس ~~بظهار. والقول قوله في نيته. وإن أطلق، فقال أبو بكر: هو صريح في الظهار. ~~وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وقال ابن أبي موسى: فيه روايتان، أظهرهما ~~أنه ليس بظهار حتى ينويه. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي؛ ms4147 لأن هذا اللفظ ~~يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم، فلم ينصرف إليه بغير نية، ~~ككنايات الطلاق. # ووجه الأول أنه شبه امرأته بجملة أمه، فكان مشبها لها بظهرها، فيثبت ~~الظهار كما لو شبهها به منفردا. والذي يصح عندي في قياس المذهب، أنه إن ~~وجدت قرينة تدل على الظهار، مثل أن يخرجه مخرج الحلف، فيقول: إن فعلت كذا ~~فأنت علي مثل أمي. أو قال ذلك حال الخصومة والغضب، فهو ظهار؛ لأنه إذا خرج ~~مخرج الحلف، فالحلف يراد للامتناع من شيء، أو الحث عليه، وإنما يحصل ذلك ~~بتحريمها عليه، ولأن كونها مثل أمه في صفتها أو كرامتها. لا يتعلق على شرط، ~~فيدل على أنه إنما أراد الظهار، ووقوع ذلك في حال الخصومة والغضب، دليل على ~~أنه أراد به ما يتعلق بأذاها، ويوجب اجتنابها، وهو الظهار. وإن عدم هذا ~~فليس بظهار؛ لأنه محتمل لغير الظهار احتمالا كثيرا، # PageV08P007 # فلا يتعين الظهار فيه بغير دليل. ونحو هذا قول أبي ثور. # وهكذا لو قال: أنت علي كأمي أو: مثل أمي. أو قال: أنت أمي، أو: امرأتي ~~أمي. مع الدليل الصارف له إلى الظهار، كان ظهارا؛ إما بنية، أو ما يقوم ~~مقامها. وإن قال: أمي امرأتي. أو: مثل امرأتي. لم يكن ظهارا؛ لأنه تشبيه ~~لأمه، ووصف لها، وليس بوصف لامرأته. ### | [الفصل الثالث قال أنت علي حرام] # الفصل الثالث: أنه إذا قال: أنت علي حرام. فإن نوى به الظهار، فهو ظهار، ~~في قول عامتهم. وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي. وإن نوى به الطلاق، فقد ~~ذكرناه في باب الطلاق، وإن أطلق ففيه روايتان؛ إحداهما، هو ظهار. ذكره ~~الخرقي في موضع آخر. ونص عليه أحمد، في رواية جماعة من أصحابه. وذكره ~~إبراهيم الحربي عن عثمان، وابن عباس، وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، وميمون بن ~~مهران، والبتي، أنهم قالوا: الحرام ظهار. وروي عن أحمد ما يدل على أن ~~التحريم يمين. وروي عن ابن عباس، أنه قال: إن التحريم يمين في كتاب الله عز ~~وجل، قال الله عز وجل: {يا أيها ms4148 النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: ~~1] ثم قال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] وأكثر الفقهاء على ~~أن التحريم إذا لم ينو به الظهار، ليس بظهار. # وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي ووجه ذلك الآية المذكورة، وأن ~~التحريم يتنوع، منه ما هو بظهار وبطلاق وبحيض وإحرام وصيام، فلا يكون ~~التحريم صريحا في واحد منها، ولا ينصرف إليه بغير نية، كما لا ينصرف إلى ~~تحريم الطلاق. ووجه الأول، أنه تحريم أوقعه في امرأته، فكان بإطلاقه ظهارا، ~~كتشبيهها بظهر أمه. وقولهم: إن التحريم يتنوع. قلنا: إلا أن تلك الأنواع ~~منتفية، ولا يحصل بقوله منها إلا الطلاق، وهذا أولى منه؛ لأن الطلاق تبين ~~به المرأة، وهذا يحرمها مع بقاء الزوجية، فكان أدنى التحريمين، فكان أولى. ~~فأما إن قال ذلك لمحرمة عليه بحيض أو نحوه، وقصد الظهار، فهو ظهار، وإن قصد ~~أنها محرمة عليه بذلك السبب، فلا شيء فيه. وإن أطلق، فليس بظهار؛ لأنه ~~يحتمل الخبر عن حالها، ويحتمل إنشاء التحريم فيها بالظهار، فلا يتعين ~~أحدهما بغير تعيين. ### | [فصل قال الزوج الحل علي حرام أو ما أحل الله علي حرام] # (6170) فصل: فإن قال: الحل علي حرام. أو: ما أحل الله علي حرام. أو: ما ~~أنقلب إليه حرام. وله امرأة، فهو مظاهر. نص عليه أحمد في الصور الثلاث؛ ~~وذلك لأن لفظه يقتضي العموم، فيتناول المرأة بعمومه. وإن صرح بتحريم ~~المرأة، أو نواها، فهو آكد. قال أحمد، في من قال: ما أحل الله علي حرام من ~~أهل # PageV08P008 # ومال: عليه كفارة الظهار، هو يمين. وتجزئه كفارة واحدة، في ظاهر كلام ~~أحمد هذا. واختار ابن عقيل، أنه يلزمه كفارتان للظهار ولتحريم المال؛ لأن ~~التحريم تناولهما، وكل واحد منهما لو انفرد أوجب كفارة، فكذلك إذا اجتمعا. ~~ولنا أنها يمين واحدة فلا توجب كفارتين، كما لو تظاهر من امرأتين، أو حرم ~~من ماله شيئين. وما ذكره ينتقض بهذا. وفي قول أحمد: هو يمين. إشارة إلى ~~التعليل بما ذكرناه؛ لأن اليمين الواحدة لا توجب أكثر من كفارة. # وإن ms4149 نوى بقوله: ما أحل الله علي حرام. وغيره من لفظات العموم المال، لم ~~يلزمه إلا كفارة يمين؛ لأن اللفظ العام يجوز استعماله في الخاص. وعلى ~~الرواية الأخرى التي تقول: إن الحرام بإطلاقه ليس بظهار. لا يكون هاهنا ~~مظاهرا إلا أن ينوي الظهار. ### | [فصل قال أنت علي كظهر أمي حرام] # (6171) فصل: وإن ` قال: أنت علي كظهر أمي حرام. فهو صريح في الظهار، لا ~~ينصرف إلى غيره، سواء نوى الطلاق أو لم ينوه. وليس فيه اختلاف بحمد الله؛ ~~لأنه صرح بالظهار، وبينه بقوله: حرام. وإن قال: أنت علي حرام كظهر أمي. أو: ~~كأمي. فكذلك. وبه قال أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي. # والقول الثاني، إذا نوى الطلاق فهو طلاق. وهو قول أبي يوسف ومحمد إلا أن ~~أبا يوسف قال: لا أقبل قوله في نفي الظهار. ووجه قولهم، أن قوله: أنت علي ~~حرام. إذا نوى به الطلاق فهو طلاق، وزيادة قوله: كظهر أمي. بعد ذلك لا ينفي ~~الطلاق، كما لو قال: أنت طالق كظهر أمي. ولنا، أنه أتى بصريح الظهار، فلم ~~يكن طلاقا، كالتي قبلها. وقولهم: إن التحريم مع نية الطلاق طلاق. لا نسلمه. ~~وإن سلمناه لكنه فسر لفظه هاهنا بصريح الظهار بقوله، فكان العمل بصريح ~~القول أولى من العمل بالنية. ### | [فصل قال الزوج أنت طالق كظهر أمي] # (6172) فصل: وإن قال: أنت طالق كظهر أمي. طلقت، وسقط قوله: كظهر أمي. ~~لأنه أتى بصريح الطلاق أولا، وجعل قوله: كظهر أمي صفة له. فإن نوى بقوله: ~~كظهر أمي. تأكيد الطلاق، لم يكن ظهارا، كما لو أطلق، وإن نوى به الظهار، ~~وكان الطلاق بائنا، فهو كالظهار من الأجنبية؛ لأنه أتى به بعد بينونتها ~~بالطلاق. وإن كان رجعيا، كان ظهارا صحيحا. ذكره القاضي. وهو مذهب الشافعي؛ ~~لأنه أتى بلفظ الظهار في من هي زوجة. وإن نوى بقوله: أنت طالق. الظهار، لم ~~يكن ظهارا؛ لأنه نوى الظهار بصريح الطلاق. وإن قال: أنت علي كظهر أمي طالق. ~~وقع الظهار والطلاق معا، سواء كان الطلاق بائنا، أو رجعيا؛ لأن الظهار ms4150 سبق ~~الطلاق. # PageV08P009 ### | [فصل قال أنت علي حرام ونوى الطلاق والظهار معا] # (6173) فصل: فإن قال: أنت علي حرام. ونوى الطلاق والظهار معا، كان ظهارا، ~~ولم يكن طلاقا؛ لأن اللفظ الواحد لا يكون ظهارا وطلاقا، والظهار أولى بهذا ~~اللفظ فينصرف إليه. وقال بعض أصحاب الشافعي: يقال له: اختر أيهما شئت. وقال ~~بعضهم: إن قال: أردت الطلاق والظهار. كان طلاقا؛ لأنه بدأ به. وإن قال: ~~أردت الظهار والطلاق، كان ظهارا؛ لأنه بدأ به، فيكون ذلك اختيارا له، ~~ويلزمه ما بدأ به. ولنا أنه أتى بلفظة الحرام ينوي بها الظهار، فكانت ~~ظهارا، كما لو انفرد الظهار بنيته، ولا يكون طلاقا؛ لأنه زاحمت نيته نية ~~الظهار، وتعذر الجمع، والظهار أولى بهذه اللفظة؛ لأن معناهما واحد، وهو ~~التحريم، فيجب أن يغلب ما هو الأولى، أما الطلاق فإن معناه الإطلاق، وهو حل ~~قيد النكاح، وإنما التحريم حكم له في بعض أحواله، وقد ينفك عنه؛ فإن ~~الرجعية مطلقة مباحة. # وأما التخيير فلا يصح؛ لأن هذه اللفظة قد ثبت حكمها حين لفظ بها؛ لكونه ~~أهلا والمحل قابلا، ولهذا لو حكمنا بأنه طلاق، لكانت عدتها من حين أوقع ~~الطلاق، وليس إليه رفع حكم ثبت في المحل باختياره، وإبداله بإرادته، والقول ~~الآخر مبني على أن له الاختيار. وهو فاسد على ما ذكرنا. ثم إن الاعتبار ~~بجميع لفظه، لا بما بدأ به، ولذلك لو قال: طلقت هذه أو هذه. لم يلزم طلاق ~~الأولى. ### | [الفصل الرابع شبه عضوا من امرأته بظهر أمه] # (6174) الفصل الرابع: أنه إذا شبه عضوا من امرأته بظهر أمه أو عضو من ~~أعضائها، فهو مظاهر، فلو قال: فرجك، أو ظهرك، أو رأسك، أو جلدك علي كظهر ~~أمي، أو بدنها، أو رأسها، أو يدها. فهو مظاهر. وبهذا قال مالك. وهو نص ~~الشافعي. وعن أحمد، رواية أخرى، أنه ليس بمظاهر حتى يشبه جملة امرأته؛ لأنه ~~لو حلف بالله لا يمس عضوا منها، لم يسر إلى غيره، فكذلك المظاهرة، ولأن هذا ~~ليس بمنصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص؛ لأن تشبيه جملتها تشبيه ms4151 لمحل ~~الاستمتاع بما يتأكد تحريمه، وفيه تحريم لجملتها، فيكون آكد. وقال أبو ~~حنيفة: إن شبهها بما يحرم النظر إليه من الأم، كالفرج، والفخذ، ونحوهما، ~~فهو مظاهر، وإن لم يحرم النظر إليه، كالرأس، والوجه، لم يكن مظاهرا؛ لأنه ~~شبهها بعضو لا يحرم النظر إليه، فلم يكن مظاهرا، كما لو شبهها بعضو زوجة له ~~أخرى. # ولنا أنه شبهها بعضو من أمه، فكان مظاهرا، كما لو شبهها بظهرها، وفارق ~~الزوجة؛ فإنه لو شبهها بظهرها لم يكن مظاهرا، والنظر إن لم يحرم، فإن ~~التلذذ يحرم، وهو المستفاد بعقد النكاح. # PageV08P010 ### | [فصل قال كشعر أمي أو سنها أو ظفرها أو شبه شيئا من ذلك من امرأته بأمه] # (6175) فصل: وإن قال: كشعر أمي، أو سنها، أو ظفرها. أو شبه شيئا من ذلك ~~من امرأته بأمه، أو بعضو من أعضائها، لم يكن مظاهرا؛ لأنها ليست من أعضاء ~~الأم الثابتة، ولا يقع الطلاق بإضافته إليها، فكذلك الظهار. وكذلك لو قال: ~~كزوج أمي. فإن الزوج لا يوصف بالتحريم، ولا هو محل للاستمتاع. وكذلك الريق، ~~والعرق، والدمع. وإن قال: وجهي من وجهك حرام. فليس بظهار، نص عليه أحمد، ~~وقال: هذا شيء يقوله الناس، ليس بشيء. وذلك لأن هذا يستعمل كثيرا في غير ~~الظهار، ولا يؤدي معنى الظهار، فلم يكن ظهارا، كما لو قال: لا أكلمك. ### | [فصل قال الزوج أنا مظاهر أو علي الظهار أو علي الحرام أو الحرام لي] # (6176) فصل: فإن قال: أنا مظاهر، أو علي الظهار، أو علي الحرام، أو ~~الحرام لي لازم. ولا نية له، لم يلزمه شيء؛ لأنه ليس بصريح في الظهار، ولا ~~نوى به الظهار. وإن نوى به الظهار، أو اقترنت به قرينة تدل على إرادته ~~الظهار، مثل أن يعلقه على شرط، فيقول: علي الحرام إن كلمتك. احتمل أن يكون ~~ظهارا؛ لأنه أحد نوعي تحريم الزوجة، فصح بالكناية مع النية، كالطلاق. ~~ويحتمل أن لا يثبت به الظهار؛ لأن الشرع إنما ورد به بصريح لفظه، وهذا ليس ~~بصريح فيه، ولأنه يمين موجبة للكفارة، فلم يثبت حكمه بغير الصريح، ms4152 كاليمين ~~بالله تعالى. ### | [فصل يكره أن يسمي الرجل امرأته بمن تحرم عليه كأمه أو أخته أو بنته] # (6177) فصل: يكره أن يسمي الرجل امرأته بمن تحرم عليه، كأمه، أو أخته، أو ~~بنته؛ لما روى أبو داود، بإسناده عن أبي تميمة الهجيمي، «أن رجلا قال ~~لامرأته: يا أخية. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أختك هي،. فكره ~~ذلك، ونهى عنه.» ولأنه لفظ يشبه لفظ الظهار. ولا تحرم بهذا، ولا يثبت حكم ~~الظهار؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل له: حرمت عليك. ولأن هذا ~~اللفظ ليس بصريح في الظهار ولا نواه به، فلا يثبت التحريم. وفي الحديث عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن إبراهيم - عليه السلام - أرسل إليه جبار، ~~فسأله عنها يعني عن سارة فقال: إنها أختي. ولم يعد ذلك ظهارا. ### | [الفصل الخامس المظاهر يحرم عليه وطء امرأته قبل أن يكفر] # (6178) الفصل الخامس: أن المظاهر يحرم عليه وطء امرأته قبل أن يكفر. وليس ~~في ذلك اختلاف إذا كانت الكفارة عتقا أو صوما؛ لقول الله تعالى: {فتحرير ~~رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] . وقوله سبحانه: {فمن لم يجد فصيام ~~شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 4] . # PageV08P011 # وأكثر أهل العلم على أن التكفير بالإطعام مثل ذلك، وأنه يحرم وطؤها قبل ~~التكفير؛ منهم عطاء، والزهري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وذهب أبو ثور إلى ~~إباحة الجماع قبل التكفير بالإطعام. وعن أحمد ما يقتضي ذلك؛ لأن الله تعالى ~~لم يمنع المسيس قبله، كما في العتق والصيام. # ولنا ما روى عكرمة، عن ابن عباس، «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: يا رسول الله، إني تظاهرت من امرأتي، فوقعت عليها قبل أن ~~أكفر. فقال: ما حملك على ذلك، يرحمك الله؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. ~~قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله.» رواه أبو داود، والترمذي، وقال: ~~حديث حسن. ولأنه مظاهر لم يكفر، فحرم عليه جماعها، كما لو كانت كفارته ~~العتق أو الصيام، وترك النص عليها لا يمنع قياسها على المنصوص الذي ms4153 في ~~معناها. (6179) فصل: فأما التلذذ بما دون الجماع، من القبلة، واللمس، ~~والمباشرة فيما دون الفرج، ففيه روايتان: إحداهما يحرم. وهو اختيار أبي بكر ~~وهو قول الزهري، ومالك، والأوزاعي، وأبي عبيد وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن ~~النخعي، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأن ما حرم الوطء من القول حرم دواعيه، ~~كالطلاق والإحرام. والثانية، لا يحرم. قال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس. ~~وهو قول الثوري، وإسحاق، وأبي حنيفة. وحكي عن مالك. وهو القول الثاني ~~للشافعي؛ لأنه وطء يتعلق بتحريمه مال، فلم يتجاوزه التحريم، كوطء الحائض. ### | [فصل لا يصح الظهار من أمته، ولا أم ولده] # (6180) فصل: ولا يصح الظهار من أمته، ولا أم ولده. روي ذلك عن ابن عمر، ~~وعبد الله بن عمرو، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، وربيعة، والأوزاعي، ~~والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه. وروي عن الحسن، وعكرمة، والنخعي، وعمرو بن ~~دينار، وسليمان بن يسار، والزهري، وقتادة، والحكم، والثوري، ومالك، في ~~الظهار من الأمة كفارة تامة؛ لأنها مباحة له، فصح الظهار منها كالزوجة. وعن ~~الحسن، والأوزاعي، إن كان يطؤها فهو ظهار، وإلا فلا؛ لأنه إذا لم يطأها فهو ~~كتحريم ماله. # PageV08P012 # وقال عطاء: عليه نصف كفارة حرة؛ لأن الأمة على النصف من الحرة في كثير من ~~أحكامها، وهذا من أحكامها، فتكون على النصف. # ولنا قول الله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] فخصهن ~~به؛ ولأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجة، فلا تحرم به الأمة، كالطلاق، ولأن ~~الظهار كان طلاقا في الجاهلية، فنقل حكمه وبقي محله. قال أحمد: قال أبو ~~قلابة، وقتادة: إن الظهار كان طلاقا في الجاهلية. وروي عن أحمد، أن على ~~المظاهر من أمته كفارة ظهار. وقال أبو بكر: لا يتوجه هذا على مذهبه؛ لأنه ~~لو كانت عليه كفارة ظهار كان ظهارا، ولكن عليه كفارة يمين؛ لأنه تحريم ~~لمباح من ماله، فكانت فيه كفارة يمين، كتحريم سائر ماله. قال نافع: «حرم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاريته، فأمره الله أن يكفر يمينه» . # ويحتمل أن لا يلزمه شيء، بناء على قوله في ms4154 المرأة إذا قالت لزوجها: أنت ~~علي كظهر أبي. لا يلزمها شيء. وإن قال لأمته: أنت علي حرام. فعليه كفارة ~~يمين؛ لقول الله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: ~~1] . إلى قوله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] نزلت في ~~تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - لجاريته في قول بعضهم. ويخرج على ~~الرواية الأخرى أن تلزمه كفارة ظهار؛ لأن التحريم ظهار. والأول هو الصحيح، ~~إن شاء الله تعالى. ### | [فصل الظهار مؤقتا] # (6181) فصل: ويصح الظهار مؤقتا، مثل أن يقول: أنت علي كظهر أمي شهرا، أو ~~حتى ينسلخ شهر رمضان. فإذا مضى الوقت زال الظهار، وحلت المرأة بلا كفارة، ~~ولا يكون عائدا إلا بالوطء في المدة. وهذا قول ابن عباس، وعطاء، وقتادة، ~~والثوري، وإسحاق، وأبي ثور، وأحد قولي الشافعي. وقوله الآخر: لا يكون ~~ظهارا. وبه قال ابن أبي ليلى، والليث؛ لأن الشرع ورد بلفظ الظهار مطلقا، ~~وهذا لم يطلق، فأشبه ما لو شبهها بمن تحرم عليه في وقت دون وقت. وقال طاوس: ~~إذا ظاهر في وقت، فعليه الكفارة، وإن بر. وقال مالك: يسقط التأقيت، ويكون ~~ظهارا مطلقا؛ لأن هذا لفظ يوجب تحريم الزوجة، فإذا وقته لم يتوقت كالطلاق. # ولنا حديث سلمة بن صخر، وقوله: ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان. ~~وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أصابها في الشهر، فأمره بالكفارة. ~~ولم يعتبر عليه تقييده، ولأنه منع نفسه منها بيمين لها كفارة، فصح مؤقتا ~~كالإيلاء، وفارق الطلاق؛ فإنه يزيل الملك، وهو يوقع تحريما # PageV08P013 # يرفعه التكفير، فجاز تأقيته. ولا يصح قول من أوجب الكفارة وإن بر؛ لأن ~~الله تعالى إنما أوجب الكفارة على الذين يعودون لما قالوا، ومن بر وترك ~~العود في الوقت الذي ظاهر فلم يعد لما قال، فلا تجب عليه كفارة. وفارق ~~التشبيه بمن لا تحرم على التأبيد؛ لأن تحريمها غير كامل، وهذه حرمها في هذه ~~المدة تحريما مشبها بتحريم ظهر أمه. على أننا نمنع الحكم فيها. # إذا ثبت هذا، فإنه لا يكون عائدا ms4155 إلا بالوطء في المدة. وهذا هو المنصوص ~~عن الشافعي. وقال بعض أصحابه: إن لم يطلقها عقيب الظهار، فهو عائد عليه ~~الكفارة. وقال أبو عبيد: إذا أجمع على غشيانها في الوقت، لزمته الكفارة. ~~وإلا فلا؛ لأن العود العزم على الوطء. ولنا حديث سلمة بن صخر، وأنه لم يوجب ~~عليه الكفارة إلا بالوطء، ولأنها يمين لم يحنث فيها، فلا يلزمه كفارتها، ~~كاليمين بالله تعالى، ولأن المظاهر في وقت، عازم على إمساك زوجته في ذلك ~~الوقت، فمن أوجب عليه الكفارة بذلك، كان قوله كقول طاوس، فلا معنى لقوله: ~~يصح الظهار مؤقتا لعدم تأثير الوقت. ### | [فصل تعليق الظهار بشروط] # (6182) فصل: ويصح تعليق الظهار بالشروط، نحو أن يقول: إن دخلت الدار، ~~فأنت علي كظهر أمي، وإن شاء زيد، فأنت علي كظهر أمي. فمتى شاء زيد أو دخلت ~~الدار، صار مظاهرا، وإلا فلا. وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه يمين، ~~فجاز تعليقه على شرط كالإيلاء، ولأن أصل الظهار أنه كان طلاقا، والطلاق يصح ~~تعليقه بالشرط، فكذلك الظهار، ولأنه قول تحرم به الزوجة، فصح تعليقه على ~~شرط كالطلاق. ولو قال لامرأته: إن تظاهرت من امرأتي الأخرى، فأنت علي كظهر ~~أمي. ثم تظاهر من الأخرى، صار مظاهرا منهما جميعا. وإن قال: إن تظاهرت من ~~فلانة الأجنبية، فأنت علي كظهر أمي. ثم قال للأجنبية: أنت علي كظهر أمي. ~~صار مظاهرا من امرأته، عند من يرى الظهار من الأجنبية، ومن لا فلا. وسنذكر ~~ذلك، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل قال أنت علي كظهر أمي إن شاء الله] # (6183) فصل: فإن قال: أنت علي كظهر أمي إن شاء الله. لم ينعقد ظهاره. نص ~~عليه أحمد، فقال: إذا قال لامرأته: هي عليه كظهر أمه إن شاء الله، فليس ~~عليه شيء، هي يمين. وإذا قال: ما أحل الله علي حرام، إن شاء الله. وله أهل، ~~هي يمين، ليس عليه شيء. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. ولا ~~نعلم عن غيرهم خلافهم؛ وذلك لأنها يمين مكفرة، فصح الاستثناء فيها، كاليمين ~~بالله تعالى، أو كتحريم ms4156 ماله. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~حلف على يمين، فقال: إن شاء الله. فلا حنث عليه» . رواه # PageV08P014 # الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. # وفي لفظ: «من حلف فاستثنى، فإن شاء فعل، وإن شاء رجع غير حنث» . رواه ~~الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي. # وإن قال: " أنت علي حرام "، " ووالله لا أكلمك إن شاء الله ". عاد ~~الاستثناء إليهما، في أحد الوجهين؛ لأن الاستثناء إذا تعقب جملا، عاد إلى ~~جميعها، إلا أن ينوي الاستثناء في بعضها، فيعود إليه وحده. وإن قال: أنت ~~علي حرام إذا شاء الله، أو إلا ما شاء الله، أو إلى أن يشاء الله، أو ما ~~شاء الله. فكله استثناء يرفع حكم الظهار. وإن قال: إن شاء الله فأنت حرام. ~~فهو استثناء يرفع حكم الظهار؛ لأن الشرط إذا تقدم يجاب بالفاء. وإن قال: إن ~~شاء الله أنت حرام. فهو استثناء؛ لأن الفاء مقدرة. وإن قال: إن شاء الله ~~فأنت حرام. صح أيضا، والفاء زائدة. # وإن قال: أنت حرام إن شاء الله، وشاء زيد. فشاء زيد، لم يصر مظاهرا؛ لأنه ~~علقه على مشيئتين، فلا يحصل بإحداهما. ### | [مسألة قال مات المظاهر أو ماتت أو طلقها] ### | [الفصل الأول الكفارة لا تجب بمجرد الظهار] # (6184) مسألة، قال: فإن مات، أو ماتت، أو طلقها، لم تلزمه الكفارة. فإن ~~عاد فتزوجها، لم يطأها حتى يكفر؛ لأن الحنث بالعود، وهو الوطء؛ لأن الله عز ~~وجل أوجب الكفارة على المظاهر قبل الحنث الكلام في هذه المسألة في ثلاثة ~~فصول: (6185) أحدها أن الكفارة لا تجب بمجرد الظهار أحدها: أن الكفارة لا ~~تجب بمجرد الظهار، فلو مات أحدهما أو فارقها قبل العود، فلا كفارة عليه. ~~وهذا قول عطاء، والنخعي، والأوزاعي، والحسن والثوري، ومالك، وأبي عبيد، ~~وأصحاب الرأي. وقال طاوس، ومجاهد، والشعبي، والزهري، وقتادة: عليه الكفارة ~~بمجرد الظهار؛ لأنه سبب للكفارة وقد وجد، ولأن الكفارة وجبت لقول المنكر ~~والزور، وهذا يحصل بمجرد الظهار وقال الشافعي: متى أمسكها بعد ظهاره زمنا ~~يمكنه طلاقها فيه، فلم يطلقها، فعليه الكفارة. لأن ذلك هو ms4157 العود عنده. # ولنا قول الله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ~~فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] . فأوجب الكفارة بأمرين، ظهار وعود، فلا تثبت ~~بأحدهما، ولأن الكفارة في الظهار كفارة يمين بغير الحنث، كسائر الأيمان، ~~والحنث فيها هو العود، وذلك فعل ما حلف على تركه وهو الجماع، وترك طلاقها ~~ليس بحنث فيها، ولا فعل لا حلف على تركه، فلا تجب به الكفارة، ولأنه لو كان ~~الإمساك عودا، لوجبت الكفارة على المظاهر الموقت وإن بر. وقد نص الشافعي ~~على أنها لا تجب عليه. # PageV08P015 # إذا ثبت هذا، فإنه لا كفارة عليه إذا مات أحدهما قبل وطئها. وكذلك إن ~~فارقها، سواء كان ذلك متراخيا عن يمينه، أو عقيبه وأيهما مات ورثه صاحبه في ~~قول الجمهور. وقال قتادة: إن ماتت، لم يرثها حتى يكفر. ولنا أن من ورثها ~~إذا كفر ورثها وإن لم يكفر، كالمولي منها. ### | [الفصل الثاني طلق من ظاهر منها ثم تزوجها] # (6186) الفصل الثاني: أنه إذا طلق من ظاهر منها، ثم تزوجها، لم يحل له ~~وطؤها حتى يكفر. سواء كان الطلاق ثلاثا، أو أقل منه. وسواء رجعت إليه بعد ~~زوج آخر، أو قبله. نص عليه أحمد. # وهو قول عطاء، والحسن، والزهري، والنخعي، ومالك وأبي عبيد. وقال قتادة: ~~إذا بانت سقط الظهار، فإذا عاد فنكحها، فلا كفارة عليه. وللشافعي قولان ~~كالمذهبين، وقول ثالث، إن كانت البينونة بالثلاث، لم يعد الظهار، وإلا عاد. ~~وبناه على الأقاويل في عود صفة الطلاق في النكاح الثاني. ولنا، عموم قول ~~الله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من ~~قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] . وهذا قد ظاهر من امرأته، فلا يحل أن يتماسا ~~حتى يكفر، ولأنه ظاهر من امرأته، فلا يحل له مسها قبل التكفير، كالتي لم ~~يطلقها، ويمين الظهار يمين مكفرة، فلم يبطل حكمها بالطلاق، كالإيلاء. ### | [الفصل الثالث العود في الظهار بعد الكفارة] # (6187) الفصل الثالث: أن العود هو الوطء، فمتى وطئ لزمته الكفارة، ولا ~~تجب قبل ذلك، إلا أنها شرط لحل الوطء، فيؤمر بها ms4158 من أراده ليستحله بها، كما ~~يؤمر بعقد النكاح من أراد حل المرأة. وحكي نحو ذلك عن الحسن، والزهري. وهو ~~قول أبي حنيفة. إلا أنه لا يوجب الكفارة على من وطئ، وهي عنده في حق من وطئ ~~كمن لم يطأ. وقال القاضي وأصحابه: العود العزم على الوطء. إلا أنهم لم ~~يوجبوا الكفارة على العازم على الوطء، إذا مات أحدهما أو طلق قبل الوطء، ~~إلا أبا الخطاب، فإنه قال: إذا مات بعد العزم، أو طلق، فعليه الكفارة. # وهذا قول مالك، وأبي عبيد. وقد أنكر أحمد هذا، فقال: مالك يقول: إذا أجمع ~~لزمته الكفارة. فكيف يكون هذا، إذا طلقها بعدما يجمع كان عليه كفارة، إلا ~~أن يكون يذهب إلى قول طاوس: إذا تكلم بالظهار لزمه مثل الطلاق. ولم يعجب ~~أحمد قول طاوس. وقال أحمد، في قوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا} ~~[المجادلة: 3] . قال: العود الغشيان، إذا أراد أن يغشى كفر. واحتج من ذهب ~~إلى هذا بقوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} ~~[المجادلة: 3] . فأوجب # PageV08P016 # الكفارة بعد العود قبل التماس، وما حرم قبل الكفارة، لا يجوز كونه متقدما ~~عليها، ولأنه قصد بالظهار تحريمها، فالعزم على وطئها عود فيما قصده، ولأن ~~الظهار تحريم، فإذا أراد استباحتها، فقد رجع في ذلك التحريم، فكان عائدا. # وقال الشافعي: العود إمساكها بعد ظهاره زمنا يمكنه طلاقها فيه؛ لأن ظهاره ~~منها يقتضي إبانتها، فإمساكها عود فيما قال. وقال داود: العود، تكرار ~~الظهار مرة ثانية؛ لأن العود في الشيء إعادته. ولنا أن العود فعل ضد قوله، ~~ومنه العائد في هبته، هو الراجع في الموهوب، والعائد في عدته، التارك ~~للوفاء بما وعد، والعائد فيما نهي عنه فاعل المنهي عنه. قال الله تعالى: ~~{ثم يعودون لما نهوا عنه} [المجادلة: 8] . فالمظاهر محرم للوطء على نفسه، ~~ومانع لها منه، فالعود فعله. # وقولهم: إن العود يتقدم التكفير، والوطء يتأخر عنه. قلنا: المراد بقوله: ~~ثم يعودون. أي يريدون العود، كقول الله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} ~~[المائدة: 6] . أي أردتم ذلك. وقوله تعالى: ms4159 {فإذا قرأت القرآن فاستعذ} ~~[النحل: 98] . فإن قيل: فهذا تأويل، ثم هو رجوع إلى إيجاب الكفارة بالعزم ~~المجرد. قلنا: دليل التأويل، ما ذكرنا. وأما الأمر بالكفارة عند العزم ~~فإنما أمر بها شرطا للحل، كالأمر بالطهارة لمن أراد صلاة النافلة، والأمر ~~بالنية لمن أراد الصيام. # فأما الإمساك فليس بعود؛ لأنه ليس بعود في الظهار المؤقت، فكذلك في ~~المطلق، ولأن العود فعل ضد ما قاله، والإمساك ليس بضد له، وقولهم: إن ~~الظهار يقتضي إبانتها. لا يصح، وإنما يقتضي تحريمها واجتنابها، ولذلك صح ~~توقيته، ولأنه قال: {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] . وثم للتراخي، ~~والإمساك غير متراخ. وأما قول داود فلا يصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر أوسا وسلمة بن صخر بالكفارة من غير إعادة اللفظ، ولأن العود ~~إنما هو في مقوله دون قوله، كالعود في الهبة والعدة، والعود لما نهي عنه، ~~ويدل على إبطال هذه الأقوال كلها أن الظهار يمين مكفرة، فلا تجب الكفارة ~~إلا بالحنث فيها، وهو فعل ما حلف على تركه كسائر الأيمان، وتجب الكفارة ~~بذلك كسائر الأيمان، ولأنها يمين تقتضي ترك الوطء، فلا تجب كفارتها إلا به، ~~كالإيلاء. ### | [مسألة الظهار من الأجنبية] # (6188) مسألة قال: (وإذا قال لامرأة أجنبية: أنت علي كظهر أمي. لم يطأها ~~إن تزوجها حتى يأتي بالكفارة) # PageV08P017 # وجملته، أن الظهار من الأجنبية يصح، سواء قال ذلك لامرأة بعينها، أو قال: ~~كل النساء علي كظهر أمي. وسواء أوقعه مطلقا، أو علقه على التزويج، فقال: كل ~~امرأة أتزوجها، فهي علي كظهر أمي. ومتى تزوج التي ظاهر منها، لم يطأها حتى ~~يكفر. يروى نحو هذا عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وبه قال سعيد بن ~~المسيب، وعروة، وعطاء، والحسن، ومالك، وإسحاق. ويحتمل أن لا يثبت حكم ~~الظهار قبل التزويج. وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، والشافعي. # ويروى ذلك عن ابن عباس؛ لقول الله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} ~~[المجادلة: 3] . والأجنبية ليست من نسائه، ولأن الظهار يمين ورد الشرع ~~بحكمها مقيدا بنسائه، فلم يثبت حكمها في الأجنبية، كالإيلاء؛ فإن الله ~~تعالى ms4160 قال: {والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] . كما قال: {للذين ~~يؤلون من نسائهم} [البقرة: 226] ولأنها ليست بزوجة، فلم يصح الظهار منها، ~~كأمته، ولأنه حرم محرمة، فلم يلزمه شيء، كما لو قال: أنت حرام. ولأنه نوع ~~تحريم، فلم يتقدم النكاح، كالطلاق. # ولنا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن عمر بن الخطاب، أنه قال في رجل قال: ~~إن تزوجت فلانة، فهي علي كظهر أمي. فتزوجها. قال: عليه كفارة الظهار. ~~ولأنها يمين مكفرة، فصح انعقادها قبل النكاح، كاليمين بالله تعالى. أما ~~الآية، فإن التخصيص خرج مخرج الغالب؛ فإن الغالب أن الإنسان إنما يظاهر من ~~نسائه، فلا يوجب تخصيص الحكم بهن، كما أن تخصيص الربيبة التي في حجره ~~بالذكر، لم يوجب اختصاصها بالتحريم، وأما الإيلاء، فإنما اختص حكمه بنسائه؛ ~~لكونه يقصد الإضرار بهن دون غيرهن والكفارة وجبت هاهنا لقول المنكر والزور، ~~ولا يختص ذلك بنسائه، ويفارق الظهار الطلاق من وجهين: أحدهما، أن الطلاق حل ~~قيد النكاح، ولا يمكن حله قبل عقده والظهار تحريم للوطء، فيجوز تقديمه على ~~العقد كالحيض. الثاني، أن الطلاق يرفع العقد، فلم يجز أن يسبقه، وهذا لا ~~يرفعه، وإنما تتعلق الإباحة على شرط، فجاز تقدمه. # وأما الظهار من الأمة، فقد انعقد يمينا وجبت به الكفارة، ولم تجب به ~~كفارة الظهار؛ لأنها ليست امرأة له حال التكفير، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي ثم تزوج نساء وأراد العود] # (6189) فصل: وإذا قال: كل امرأة أتزوجها، فهي علي كظهر أمي. ثم تزوج نساء ~~وأراد العود، فعليه كفارة # PageV08P018 # واحدة، سواء تزوجهن في عقد واحد أو في عقود متفرقة. نص عليه أحمد. وهو ~~قول عروة، وإسحاق؛ لأنها يمين واحدة، فكفارتها واحدة. كما لو ظاهر من أربع ~~نساء بكلمة واحدة. وعنه أن لكل عقد كفارة؛ فلو تزوج اثنتين في عقد، وأراد ~~العود فعليه كفارة واحدة، ثم إذا تزوج أخرى، وأراد العود، فعليه كفارة ~~أخرى. وروي ذلك عن إسحاق؛ لأن المرأة الثالثة وجد العقد عليها الذي يثبت به ~~الظهار، وأراد العود إليها بعد التكفير ms4161 عن الأوليين، فكانت عليه لها كفارة، ~~كما لو ظاهر منها ابتداء. # ولو قال لأجنبية: أنت علي كظهر أمي. وقال: أردت أنها مثلها في التحريم في ~~الحال. دين في ذلك. وهل يقبل في الحكم؟ يحتمل وجهين: أحدهما، لا يقبل؛ لأنه ~~صريح للظهار، فلا يقبل صرفه إلى غيره. والثاني: يقبل؛ لأنها حرام عليه، كما ~~أن أمه حرام عليه. ### | [مسألة قال أنت علي حرام وأراد في تلك الحال] # (6190) مسألة قال: ولو قال: أنت علي حرام. وأراد في تلك الحال، لم يكن ~~عليه شيء وإن تزوجها؛ لأنه صادق. وإن أراد في كل حال، لم يطأها إن تزوجها ~~حتى يأتي بكفارة الظهار أما إذا أراد بقوله لها: أنت علي حرام. الإخبار عن ~~حرمتها في الحال، فلا شيء عليه؛ لأنه صادق؛ لكونه وصفها بصفتها، ولم يقل ~~منكرا ولا زورا. # وكذلك لو أطلق هذا القول، ولم يكن له نية، فلا شيء عليه لذلك. وإن أراد ~~تحريمها في كل حال، فهو ظهار؛ لأن لفظة الحرام، إذا أريد بها الظهار، ظهار ~~في الزوجة، فكذلك في الأجنبية، فصار كقوله: أنت علي كظهر أمي. ### | [مسألة ظاهر من زوجته وهي أمة] # مسألة قال: (ولو ظاهر من زوجته، وهي أمة، فلم يكفر حتى ملكها، انفسخ ~~النكاح، ولم يطأها حتى يكفر) وجملته أن الظهار يصح من كل زوجة، أمة كانت أو ~~حرة. فإذا ظاهر من زوجته الأمة، ثم ملكها. انفسخ النكاح. واختلف أصحابنا في ~~بقاء حكم الظهار؛ فذكر الخرقي هاهنا أنه باق، ولا يحل له الوطء حتى يكفر. ~~وبه يقول مالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. ونص عليه الشافعي. وقال القاضي: ~~المذهب ما ذكر الخرقي. وهو قول أبي عبد الله بن حامد؛ لقول الله تعالى: ~~{والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا} [المجادلة: 3] . # وهذا قد ظاهر من امرأته، فلم يحل له مسها حتى يكفر، ولأن الظهار قد صح ~~فيها، وحكمه لا يسقط بالطلاق المزيل للملك والحل، # PageV08P019 # فبملك اليمين أولى، ولأنها يمين انعقدت موجبة لكفارة، فوجبت دون غيرها، ~~كسائر ms4162 الأيمان. وقال أبو بكر عبد العزيز: يسقط الظهار بملكه لها، وإن وطئها ~~حنث، وعليه كفارة يمين، كما لو تظاهر منها، وهي أمته؛ لأنها خرجت عن ~~الزوجات، وصار وطؤه لها بملك اليمين، فلم يكن موجبا لكفارة الظهار، كما لو ~~تظاهر منها وهي أمته. ويقتضي قول أبي بكر هذا أن تباح قبل التكفير؛ لأنه ~~أسقط الظهار، وجعله يمينا، كتحريم أمته. # فإن أعتقها عن كفارته، صح على القولين. فإن تزوجها بعد ذلك، حلت له بغير ~~كفارة؛ لأنه كفر عن ظهاره بإعتاقها، ولا يمتنع إجزاؤها عن الكفارة التي ~~وجبت بسببها، كما لو قال: إن ملكت أمة، فلله علي عتق رقبة فملك أمة، ~~فأعتقها. وإن أعتقها عن غير الكفارة، ثم تزوجها، عاد حكم الظهار، ولم تحل ~~له حتى يكفر. ### | [مسألة تظاهر من أربع نسائه بكلمة واحدة] # (6192) مسألة قال: ولو تظاهر من أربع نسائه بكلمة واحدة، لم يكن عليه ~~أكثر من كفارة وجملته أنه إذا ظاهر من نسائه الأربع بلفظ واحد، فقال: أنتن ~~علي كظهر أمي. فليس عليه أكثر من كفارة. بغير خلاف في المذهب. وهو قول علي، ~~وعمر وعروة، وطاوس، وعطاء، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور ~~والشافعي في القديم. وقال الحسن، والنخعي، والزهري، ويحيى الأنصاري، ~~والحكم، والثوري، وأصحاب الرأي، والشافعي، في الجديد: عليه لكل امرأة ~~كفارة؛ لأنه وجد الظهار والعود في حق كل امرأة منهن، فوجب عليه عن كل واحدة ~~كفارة، كما لو أفردها به. # ولنا، عموم قول عمر وعلي - رضي الله عنهما - رواه عنهما الأثرم، ولا نعرف ~~لهما في الصحابة مخالفا، فكان إجماعا، ولأن الظهار كلمة تجب بمخالفتها ~~الكفارة، فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة، كاليمين بالله تعالى. ~~وفارق ما إذا ظاهر بكلمات؛ فإن كل كلمة تقتضي كفارة ترفعها، وتكفر إثمها. ~~وهاهنا الكلمة واحدة، فالكفارة الواحدة ترفع حكمها، وتمحوا إثمها، فلا يبقى ~~لها حكم. ### | [فصل ظاهر منهن بكلمات فقال لكل واحدة أنت علي كظهر أمي] # (6193) فصل: ومفهوم كلام الخرقي، أنه إذا ظاهر منهن بكلمات، فقال لكل ~~واحدة: أنت علي كظهر أمي. فإن ms4163 لكل يمين كفارة. وهذا قول عروة، وعطاء. قال ~~أبو عبد الله بن حامد: المذهب رواية واحدة في هذا. قال القاضي: المذهب عندي ~~ما ذكر الشيخ أبو عبد الله وقال أبو بكر: فيه رواية أخرى، أنه يجزئه كفارة ~~واحدة. واختار ذلك، وقال: هذا الذي قلناه اتباعا لعمر بن الخطاب، والحسن، ~~وعطاء، وإبراهيم، وربيعة، وقبيصة، وإسحاق؛ لأن كفارة الظهار حق لله تعالى، ~~فلم تتكرر بتكرر سببها، كالحد، وعليه يخرج الطلاق. # PageV08P020 # ولنا أنها أيمان متكررة على أعيان متفرقة، فكان لكل واحدة كفارة، كما لو ~~كفر ثم ظاهر، ولأنها أيمان لا يحنث في إحداها بالحنث في الأخرى، فلا تكفرها ~~كفارة واحدة، كالأصل، ولأن الظهار معنى يوجب الكفارة، فتتعدد الكفارة ~~بتعدده في المحال المختلفة، كالقتل، ويفارق الحد، فإنه عقوبة تدرأ ~~بالشبهات. فأما إن ظاهر من زوجته مرارا ولم يكفر، فكفارة واحدة؛ لأن الحنث ~~واحد، فوجبت كفارة واحدة، كما لو كانت اليمين واحدة. ### | [فصل ظاهر من امرأة ثم قال لأخرى أشركتك معها] # (6194) فصل: إذا ظاهر من امرأة، ثم قال لأخرى: أشركتك معها، أو أنت ~~شريكتها، أو كهي. ونوى المظاهرة من الثانية، صار مظاهرا منها. بغير خلاف ~~علمناه. وبه يقول مالك، والشافعي. وإن أطلق صار مظاهرا أيضا، إذا كان عقيب ~~مظاهرته من الأولى، ذكره أبو بكر. وبه قال مالك قال أبو الخطاب: ويحتمل أن ~~لا يكون مظاهرا. وبه قال الشافعي؛ لأنه ليس بصريح في الظهار، ولا نوى به ~~الظهار فلم يكن ظهارا، كما لو قال ذلك قبل أن يظاهر من الأولى، ولأنه يحتمل ~~أنها شريكتها في دينها، أو في الخصومة، أو في النكاح، أو سوء الخلق، فلم ~~تخصص بالظهار إلا بالنية، كسائر الكنايات. # ولنا، أن الشركة والتشبيه لا بد أن يكون في شيء، فوجب تعليقه بالمذكور ~~معه، كجواب السؤال فيما إذا قيل له: ألك امرأة؟ فقال: قد طلقتها. وكالعطف ~~مع المعطوف عليه، والصفة مع الموصوف وقولهم: إنه كناية لم ينو بها الظهار. ~~قلنا: قد وجد دليل النية، فيكتفى بها. وقولهم: إنه يحتمل. قلنا: ما ذكرنا ~~من القرينة ms4164 يزيل الاحتمال. وإن بقي احتمال ما، كان مرجوحا، فلا يلتفت إليه، ~~كالاحتمال في اللفظ الصريح. ### | [مسألة كفارة الظهار] ### | [مسألة كفارة المظاهر القادر على الإعتاق] # (6195) مسألة قال: (والكفارة عتق رقبة مؤمنة سالمة من العيوب المضرة ~~بالعمل) في هذه المسألة ثلاث مسائل (6196) المسألة الأولى: أن كفارة ~~المظاهر القادر على الإعتاق، عتق رقبة، لا يجزئه غير ذلك. بغير خلاف علمناه ~~بين أهل العلم. # والأصل في ذلك قول الله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] إلى قوله: {فمن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 4] . «وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لأوس بن الصامت، حين ظاهر من امرأته: يعتق رقبة. قلت: لا ~~يجد. قال: فيصوم» . وقوله لسلمة بن صخر مثل ذلك. فمن وجد رقبة يستغني عنها، ~~أو وجد # PageV08P021 # ثمنها فاضلا عن حاجته، ووجدها به، لم يجزئه إلا الإعتاق؛ لأن وجود المبدل ~~إذا منع الانتقال إلى البدل، كانت القدرة على ثمنه تمنع الانتقال، كالماء ~~وثمنه، يمنع الانتقال إلى التيمم. # (6197) المسألة الثانية: أنه لا يجزئه إلا عتق رقبة مؤمنة في كفارة ~~الظهار، وسائر الكفارات. هذا ظاهر المذهب. وهو قول الحسن، ومالك، والشافعي، ~~وإسحاق، وأبي عبيد. وعن أحمد، رواية ثانية، أنه يجزئ فيما عدا كفارة القتل ~~من الظهار وغيره، عتق رقبة ذمية. وهو قول عطاء، والنخعي، والثوري، وأبي ~~ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لأن الله تعالى أطلق الرقبة في هذه ~~الكفارة، فوجب أن يجزئ ما تناوله الإطلاق. # ولنا، ما روى «معاوية بن الحكم، قال: كانت لي جارية، فأتيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقلت: علي رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ . قالت: أنت رسول ~~الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أعتقها؛ فإنها مؤمنة» . ~~أخرجه مسلم، والنسائي. فعلل جواز إعتاقها عن الرقبة التي عليه بأنها مؤمنة، ~~فدل على أنه لا يجزئ عن الرقبة التي عليه إلا مؤمنة، ولأنه تكفير بعتق، فلم ms4165 ~~يجز إلا مؤمنة، ككفارة القتل. والمطلق يحمل على المقيد من جهة القياس إذا ~~وجد المعنى فيه، ولا بد من تقييده، فإنا أجمعنا على أنه لا يجزئ إلا رقبة ~~سليمة من العيوب المضرة بالعمل ضررا بينا، فالتقييد بالسلامة من الكفر ~~أولى. ### | [مسألة ما يشترط في كفارة الظهار] # (6198) المسألة الثالثة: أنه لا يجزئه إلا رقبة سالمة من العيوب المضرة ~~بالعمل ضررا بينا؛ لأن المقصود تمليك العبد منافعه، ويمكنه من التصرف ~~لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررا بينا، فلا يجزئ الأعمى؛ لأنه لا ~~يمكنه العمل في أكثر الصنائع، ولا المقعد، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين؛ ~~لأن اليدين آلة البطش، فلا يمكنه العمل مع فقدهما، والرجلان آلة المشي، فلا ~~يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما. والشلل كالقطع في هذا. ولا يجزئ المجنون ~~جنونا مطبقا، لأنه وجد فيه المعنيان، ذهاب منفعة الجنس، وحصول الضرر ~~بالعمل. وبهذا كله قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وحكي عن داود، أنه جوز عتق كل رقبة يقع عليها الاسم، أخذا بإطلاق اللفظ. ~~ولنا أن هذا نوع كفارة، فلم يجزئ ما يقع عليه الاسم كالإطعام؛ فإنه لا يجزئ ~~أن يطعم مسوسا ولا عفنا، وإن كان يسمى طعاما. والآية مقيدة بما ذكرناه. # PageV08P022 # (6199) فصل: ولا يجزئ مقطوع اليد، أو الرجل، ولا أشلها، ولا مقطوع إبهام ~~اليد، أو سبابتها، أو الوسطى؛ لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء، ولا يجزئ ~~مقطوع الخنصر والبنصر من يد واحدة؛ لأن نفع اليدين يزول أكثره بذلك. وإن ~~قطعت كل واحدة من يد جاز؛ لأن نفع الكفين باق، وقطع أنملة الإبهام كقطع ~~جميعها؛ فإن نفعها يذهب بذلك؛ لكونها أنملتين، وإن كان من غير الإبهام لم ~~يمنع؛ لأن منفعتها لا تذهب؛ فإنها تصير كالأصابع القصار، حتى لو كانت ~~أصابعه كلها غير الإبهام قد قطعت من كل واحدة منها أنملة، لم يمنع. وإن قطع ~~من الإصبع أنملتان، فهو كقطعها؛ لأنه يذهب بمنفعتها. # وهذا جميعه مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجزئ مقطوع إحدى اليدين أو ~~إحدى الرجلين، ولو ms4166 قطعت يده ورجله جميعا من خلاف أجزأت؛ لأن منفعة الجنس ~~باقية، فأجزأت في الكفارة، كالأعور، فأما إن قطعتا من وفاق، أي من جانب ~~واحد، لم يجزئ؛ لأن منفعة الشيء تذهب. ولنا أن هذا يؤثر في العمل، ويضر ~~ضررا بينا، فوجب أن يمنع إجزاءها، كما لو قطعتا من وفاق ويخالف العور؛ فإنه ~~لا يضر ضررا بينا. والاعتبار بالضرر أولى من الاعتبار بمنفعة الجنس؛ فإنه ~~لو ذهب شمه، أو قطعت أذناه معا، أجزأ مع ذهاب منفعة الجنس، ولا يجزئ الأعرج ~~إذا كان عرجا كثيرا فاحشا؛ لأنه يضر بالعمل، فهو كقطع الرجل. وإن كان عرجا ~~يسيرا، لم يمنع الإجزاء؛ لأنه قليل الضرر. # (6200) فصل: ويجزئ الأعور في قولهم جميعا. وقال أبو بكر: فيه قول آخر، لا ~~يجزئ؛ لأنه نقص يمنع التضحية والإجزاء في الهدي، فأشبه العمى. والصحيح ما ~~ذكرناه؛ فإن المقصود تكميل الأحكام، وتمليك العبد المنافع، والعور لا يمنع ~~ذلك، ولأنه لا يضر بالعمل، فأشبه قطع إحدى الأذنين. ويفارق العمى؛ فإنه يضر ~~بالعمل ضررا بينا، ويمنع كثيرا من الصنائع، ويذهب بمنفعة الجنس. ويفارق قطع ~~إحدى اليدين والرجلين؛ فإنه لا يعمل بإحداهما ما يعمل بهما، والأعور يدرك ~~بإحدى العينين ما يدرك بهما. وأما الأضحية والهدي، فإنه لا يمنع منهما مجرد ~~العور، وإنما يمنع انخساف العين، وذهاب العضو المستطاب، ولأن الأضحية يمنع ~~فيها قطع الأذن والقرن، والعتق لا يمنع فيه إلا ما يضر بالعمل. # ويجزئ المقطوع الأذنين. وبذلك قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك، وزفر: ~~لا يجزئ. لأنهما عضوان فيهما الدية، أشبها اليدين. ولنا، أن قطعهما لا يضر ~~بالعمل الضرر البين، فلم يمنع، كنقص السمع، بخلاف قطع اليدين. ويجزئ مقطوع ~~الأنف كذلك. ويجزئ الأصم إذا فهم بالإشارة. ويجزئ الأخرس إذا فهمت إشارته ~~وفهم بالإشارة. وهذا مذهب الشافعي، وأبي ثور. وقال أصحاب الرأي: لا يجزئ؛ ~~لأن منفعة الجنس # PageV08P023 # ذاهبة، فأشبه زائل العقل. وهذا المنصوص عليه عن أحمد؛ لأن الخرس نقص ~~كثير، يمنع كثيرا من الأحكام، مثل القضاء، والشهادة، وأكثر الناس لا يفهم ~~إشارته، فيتضرر في ترك استعماله. ms4167 # وإن اجتمع الخرس والصمم، فقال القاضي: لا يجزئ. وهو قول بعض الشافعية؛ ~~لاجتماع النقصين فيه، وذهاب منفعتي الجنس. ووجه الإجزاء، أن الإشارة تقوم ~~مقام الكلام في الإفهام، ويثبت في حقه أكثر الأحكام فيجزئ في العتق، كالذي ~~ذهب شمه. فأما الذي ذهب شمه فيجزئ؛ لأنه لا يضر بالعمل ولا بغيره فأما ~~المريض، فإن كان مرجو البرء كالحمى وما أشبهها، أجزأ في الكفارة. وإن كان ~~غير مرجو الزوال، كالسل، ونحوه، لم يجزئ؛ لأن زواله يندر، ولا يتمكن من ~~العمل مع بقائه. وأما نضو الخلق، فإن كان يتمكن معه من العمل أجزأ، وإلا ~~فلا. # ويجزئ الأحمق، وهو الذي يخطئ على بصيرة، ويصنع الأشياء لغير فائدة، ويرى ~~الخطأ صوابا، ومن يخنق في الأحيان، والخصي، والمجبوب، والرتقاء، والكبير ~~الذي يقدر على العمل؛ لأن ما لا يضر بالعمل، لا يمنع تمليك العبد منافعه، ~~وتكميل أحكامه، فيحصل الإجزاء به كالسالم من العيوب. ### | [فصل يجزئ عتق الجاني والمرهون وعتق المفلس عبده] # (6201) فصل: ويجزئ عتق الجاني والمرهون، وعتق المفلس عبده، إذا قلنا بصحة ~~عتقهم، وعتق المدبر، والخصي، وولد الزنا؛ لكمال العتق فيهم. ### | [فصل لا يجزئ عتق المغصوب في الظهار] # (6202) فصل: ولا يجزئ عتق المغصوب؛ لأنه لا يقدر على تمكينه من منافعه، ~~ولا غائب غيبة منقطعة لا يعلم خبره؛ لأنه لا يعلم حياته، فلا يعلم صحة ~~عتقه. # وإن لم ينقطع خبره، أجزأ عتقه؛ لأنه عتق صحيح. ولا يجزئ عتق الحمل؛ لأنه ~~لم تثبت له أحكام الدنيا، ولذلك لم تجب فطرته، ولا يتيقن أيضا وجوده، ~~وحياته، ولا عتق أم الولد؛ لأن عتقها مستحق بسبب غير الكفارة، والملك فيها ~~غير كامل، ولهذا لا يجوز بيعها. وقال طاوس، والبتي: يجزئ عتقها؛ لأنه عتق ~~صحيح. ولا يجزئ عتق مكاتب أدى من كتابته شيئا. وسنذكر هذا في الكفارات، إن ~~شاء الله تعالى. ### | [مسألة أقل الكفارة في الظهار] # (6203) مسألة قال: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] أجمع ~~أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد رقبة، أن فرضه صيام شهرين متتابعين؛ ~~وذلك لقول الله # PageV08P024 # تعالى: ms4168 {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} [المجادلة: ~~4] . وحديث أوس بن الصامت، وسلمة بن صخر. وأجمعوا على أن من وجد رقبة فاضلة ~~عن حاجته، فليس له الانتقال إلى الصيام، وإن كانت له رقبة يحتاج إلى خدمتها ~~لزمن، أو كبر، أو مرض، أو عظم خلق، ونحوه مما يعجزه عن خدمة نفسه، أو يكون ~~ممن لا يخدم نفسه في العادة، ولا يجد رقبة فاضلة عن خدمته، فليس عليه ~~الإعتاق. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: متى وجد رقبة، لزمه إعتاقها، ولم يجز ~~له الانتقال إلى الصيام، سواء كان محتاجا إليها، أو لم يكن؛ لأن الله تعالى ~~شرط في الانتقال إلى الصيام أن لا يجد رقبة، بقوله: {فمن لم يجد} ~~[المجادلة: 4] . وهذا واجد. وإن وجد ثمنها، وهو محتاج إليه، لم يلزمه ~~شراؤها. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: يلزمه؛ لأن وجدان ثمنها كوجدانها. ~~ولنا أن ما استغرقته حاجة الإنسان، فهو كالمعدوم، في جواز الانتقال إلى ~~البدل، كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش، يجوز له الانتقال إلى التيمم. وإن ~~كان له خادم، وهو ممن يخدم نفسه عادة، لزمه إعتاقها؛ لأنه فاضل عن حاجته. # بخلاف من لم تجر عادته بخدمة نفسه، فإن عليه مشقة في إعتاق خادمه، ~~وتضييعا لكثير من حوائجه. وإن كان له خادم يخدم امرأته، وهي ممن عليه ~~إخدامها، أو كان له رقيق يتقوت بخراجهم، أو دار يسكنها، أو عقار يحتاج إلى ~~غلته لمؤنته، أو عرض للتجارة لا يستغني عن ربحه في مؤنته، لم يلزمه العتق. ~~وإن استغنى عن شيء من ذلك مما يمكنه أن يشتري به رقبة، لزمه؛ لأنه واجد ~~للرقبة. وإن كانت له رقبة تخدمه، يمكنه بيعها وشراء رقبتين بثمنها، يستغني ~~بخدمة إحداهما، ويعتق الأخرى، لزمه؛ لأنه لا ضرر في ذلك. وهكذا لو كانت له ~~ثياب فاخرة، تزيد على ملابس مثله، يمكنه بيعها، وشراء ما يكفيه في لباسه ~~ورقبة، لزمه ذلك. # وإن كانت له دار، يمكنه بيعها، وشراء ما يكفيه لسكنى مثله ورقبة، أو ضيعة ~~يفضل ms4169 منها عن كفايته ما يمكنه شراء رقبة، لزمه. ويراعى في ذلك الكفاية التي ~~يحرم معها أخذ الزكاة، فإذا فضل عن ذلك شيء، وجبت فيه الكفارة. ومذهب ~~الشافعي في هذا الفصل جميعه على نحو مما قلنا. وإن كانت له سرية، لم يلزمه ~~إعتاقها؛ لأنه يحتاج إليها. وإن أمكنه بيعها، وشراء سرية أخرى، ورقبة ~~يعتقها، لم يلزمه ذلك؛ لأن الفرض قد يتعلق بعينها، فلا يقوم غيرها مقامها، ~~سيما إذا كان بدون ثمنها. ### | [فصل كان موسرا حين وجوب كفارة الظهار] # فصل: فإن كان موسرا حين وجوب الكفارة، إلا أن ماله غائب، فإن كان مرجو ~~الحضور قريبا، لم يجز الانتقال إلى الصيام؛ لأن ذلك بمنزلة الانتظار لشراء ~~الرقبة، وإن كان بعيدا، لم يجز الانتقال إلى الصيام في غير كفارة الظهار؛ ~~لأنه لا ضرر في الانتظار وهل يجوز ذلك في كفارة الظهار؟ فيه وجهان: # PageV08P025 # أحدهما، لا يجوز؛ لوجود الأصل في ماله، فأشبه سائر الكفارات. والثاني، ~~يجوز؛ لأنه يحرم عليه المسيس، فجاز له الانتقال لموضع الحاجة. فإن قيل: فلو ~~عدم الماء وثمنه، جاز له الانتقال إلى التيمم وإن كان قادرا عليهما في ~~بلده. قلنا: الطهارة تجب لأجل الصلاة، وليس له تأخيرها عن وقتها، فدعت ~~الحاجة إلى الانتقال، بخلاف مسألتنا، ولأننا لو منعناه من التيمم لوجود ~~القدرة في بلده، بطلت رخصة التيمم، فإن كل أحد يقدر على ذلك. ### | [فصل وجد ثمن الرقبة ولم يجد رقبة كفارة الظهار] # (6205) فصل: إن وجد ثمن الرقبة، ولم يجد رقبة يشتريها، فله الانتقال إلى ~~الصيام، كما لو وجد ثمن الماء ولم يجد ما يشتريه. وإن وجد رقبة تباع بزيادة ~~على ثمن المثل تجحف بماله، لم يلزمه شراؤها؛ لأن فيه ضررا، وإن كانت لا ~~تجحف بماله، احتمل وجهين: أحدهما، يلزمه؛ لأنه قادر على الرقبة بثمن يقدر ~~عليه، لا يجحف به، فأشبه ما لو بيعت بثمن مثلها. والثاني، لا يلزمه؛ لأنه ~~لم يجد رقبة بثمن مثلها، أشبه العادم. وأصل الوجهين، العادم للماء إذا وجده ~~بزيادة على ثمن مثله، فإن وجد رقبته بثمن مثلها، إلا ms4170 أنها رقبة رفيعة، يمكن ~~أن يشتري بثمنها رقابا من غير جنسها، لزمه شراؤها؛ لأنها بثمن مثلها، ولا ~~يعد شراؤها بذلك الثمن ضررا، وإنما الضرر في إعتاقها، وذلك لا يمنع الوجوب، ~~كما لو كان مالكا لها. ### | [مسألة وجوب التتابع في الصيام في كفارة الظهار] # (6206) مسألة قال: (فإن أفطر فيها من عذر بنى، وإن أفطر من غير عذر ~~ابتدأ) أجمع أهل العلم على وجوب التتابع في الصيام في كفارة الظهار، ~~وأجمعوا على أن من صام بعض الشهر، ثم قطعه لغير عذر، وأفطر، أن عليه ~~استئناف الشهرين؛ وإنما كان كذلك لورود لفظ الكتاب والسنة به، ومعنى ~~التتابع الموالاة بين صيام أيامها، فلا يفطر فيهما، ولا يصوم عن غير ~~الكفارة. ولا يفتقر التتابع إلى نية، ويكفي فعله؛ لأنه شرط، وشرائط ~~العبادات لا تحتاج إلى نية، وإنما تجب النية لأفعالها. وهذا أحد الوجوه ~~لأصحاب الشافعي، والوجه الآخر، أنها واجبة لكل ليلة؛ لأن ضم العبادة إلى ~~العبادة إذا كان شرطا، وجبت النية فيه، كالجمع بين الصلاتين. والثالث، يكفي ~~نية التتابع في الليلة الأولى. # ولنا، أنه تتابع واجب في العبادة، فلم يفتقر إلى نية، كالمتابعة بين ~~الركعات. ويفارق الجمع بين الصلاتين، فإن ذلك رخصة، فافتقر إلى نية الترخص. ~~وما ذكروه ينتقض بالمتابعة بين الركعات. # PageV08P026 # وأجمع أهل العلم على أن الصائمة متتابعا، إذا حاضت قبل إتمامه، تقضي إذا ~~طهرت، وتبني. وذلك؛ لأن الحيض لا يمكن التحرز منه في الشهرين إلا بتأخيره ~~إلى الإياس، وفيه تغرير بالصوم؛ لأنها ربما ماتت قبله. والنفاس كالحيض، في ~~أنه لا يقطع التتابع في أحد الوجهين؛ لأنه بمنزلته في أحكامه، ولأن الفطر ~~لا يحصل فيهما بفعلهما، وإنما ذلك الزمان كزمان الليل في حقهما. والوجه ~~الثاني، أن النفاس يقطع التتابع؛ لأنه فطر أمكن التحرز منه، لا يتكرر كل ~~عام. فقطع التتابع، كالفطر لغير عذر. ولا يصح قياسه على الحيض؛ لأنه أندر ~~منه، ويمكن التحرز عنه. # وإن أفطر لمرض مخوف، لم ينقطع التتابع أيضا. روي ذلك عن ابن عباس. وبه ~~قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، ms4171 وطاوس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، ~~وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم. وقال في الجديد: ~~ينقطع التتابع. وهذا قول سعيد بن جبير، والنخعي، والحكم، والثوري، وأصحاب ~~الرأي؛ لأنه أفطر بفعله، فلزمه الاستئناف، كما لو أفطر لسفر. # ولنا، أنه أفطر لسبب لا صنع له فيه، فلم يقطع التتابع، كإفطار المرأة ~~للحيض. وما ذكروه من الأصل ممنوع. وإن كان المرض غير مخوف، لكنه يبيح ~~الفطر، فقال أبو الخطاب: فيه وجهان أحدهما، لا يقطع التتابع؛ لأنه مرض أباح ~~الفطر، أشبه المخوف. والثاني، يقطع التتابع؛ لأنه أفطر اختيارا، فانقطع ~~التتابع، كما لو أفطر لغير عذر. فأما الحامل والمرضع، فإن أفطرتا خوفا على ~~أنفسهما، فهما كالمريض، وإن أفطرتا خوفا على ولديهما. ففيهما وجهان أحدهما، ~~لا ينقطع التتابع. اختاره أبو الخطاب؛ لأنه فطر أبيح لهما بسبب لا يتعلق ~~باختيارهما، فلم ينقطع التتابع، كما لو أفطرتا خوفا على أنفسهما. والثاني، ~~ينقطع؛ لأن الخوف على غيرهما، ولذلك يلزمهما الفدية مع القضاء. # وإن أفطر لجنون، أو إغماء، لم ينقطع التتابع؛ لأنه عذر لا صنع له فيه، ~~فهو كالحيض. ### | [فصل صام في كفارة الظهار ثم أفطر لسفر مبيح للفطر] # (6207) فصل: وإن أفطر لسفر مبيح للفطر، فكلام أحمد يحتمل الأمرين؛ ~~وأظهرهما، أنه لا يقطع التتابع؛ فإنه قال في رواية الأثرم: كان السفر غير ~~المرض، وما ينبغي أن يكون أوكد من رمضان. فظاهر هذا أنه لا يقطع التتابع. ~~وهذا قول الحسن. ويحتمل أن ينقطع به التتابع. وهو قول مالك وأصحاب الرأي. ~~واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال: فيه قولان كالمرض. ومنهم من يقول: ~~ينقطع التتابع، وجها واحدا؛ لأن السفر يحصل باختياره، فقطع التتابع، كما لو ~~أفطر لغير عذر. # PageV08P027 # ووجه الأول، أنه فطر لعذر مبيح للفطر، فلم ينقطع به التتابع، كإفطار ~~المرأة بالحيض، وفارق الفطر لغير عذر، فإنه لا يباح. وإن أكل يظن أن الفجر ~~لم يطلع، وقد كان طلع، أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت، ولم تغب، أفطر. ~~ويتخرج في انقطاع التتابع وجهان: أحدهما، لا ينقطع؛ لأنه فطر لعذر. والثاني ms4172 ~~- يقطع التتابع؛ لأنه بفعل أخطأ فيه، فأشبه ما لو ظن أنه قد أتم الشهرين ~~فبان خلافه. وإن أفطر ناسيا لوجوب التتابع، أو جاهلا به أو ظنا منه أنه قد ~~أتم الشهرين، انقطع التتابع؛ لأنه أفطر لجهله، فقطع التتابع، كما لو ظن أن ~~الواجب شهر واحد. وإن أكره على الأكل أو الشرب، بأن أوجر الطعام أو الشراب، ~~لم يفطر. وإن أكل خوفا، فقال القاضي: لا يفطر. ولم يذكر غير ذلك. # وفيه وجه آخر، أنه يفطر. فعلى ذلك هل يقطع التتابع؟ فيه وجهان أحدهما، لا ~~يقطعه؛ لأنه عذر مبيح للفطر، فأشبه المرض. والثاني: ينقطع التتابع. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأنه أفطر بفعله لعذر نادر. ### | [فصل أفطر في كفارة الظهار لغير عذر أو قطع التتابع بصوم نذر أو قضاء أو تطوع أو كفارة أخرى] # (6208) فصل: وإن أفطر في أثناء الشهرين لغير عذر، أو قطع التتابع بصوم ~~نذر، أو قضاء، أو تطوع، أو كفارة أخرى، لزمه استئناف الشهرين؛ لأنه أخل ~~بالتتابع المشروط، ويقع صومه عما نواه، لأن هذا الزمان ليس بمستحق متعين ~~للكفارة، ولهذا يجوز صومها في غيره، بخلاف شهر رمضان، فإنه متعين لا يصلح ~~لغيره. وإذا كان عليه صوم نذر غير معين، أخره إلى فراغه من الكفارة. وإن ~~كان متعينا في وقت بعينه، أخر الكفارة عنه، أو قدمها عليه إن أمكن. وإن كان ~~أياما من كل شهر، كيوم الخميس، أو أيام البيض، قدم الكفارة عليه، وقضاه ~~بعدها؛ لأنه لو وفى بنذره لانقطع التتابع، ولزمه الاستئناف، فيفضي إلى أن ~~لا يتمكن من التكفير، والنذر يمكن قضاؤه، فيكون هذا عذرا في تأخيره كالمرض. ### | [مسألة أصاب الصائم في كفارة الظهار زوجته في ليالي الصوم] # (6209) مسألة قال: (وإن أصابها في ليالي الصوم، أفسد ما مضى من صيامه، ~~وابتدأ الشهرين) وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي؛ لأن ~~الله تعالى قال: {فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 4] . ~~فأمر بهما خاليين عن وطء، ولم يأت بهما على ما أمر، فلم يجزئه، كما لو وطئ ~~نهارا، ولأنه تحريم ms4173 للوطء لا يختص النهار، فاستوى فيه الليل والنهار ~~كالاعتكاف. وروى الأثرم عن أحمد، أن التتابع لا ينقطع بهذا، ويبني. وهو ~~مذهب الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر؛ # PageV08P028 # لأنه وطء لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف، كوطء غيرها، ولأن التتابع ~~في الصيام عبارة عن إتباع صوم يوم للذي قبله، من غير فارق، وهذا متحقق، وإن ~~وطئ ليلا، وارتكاب النهي في الوطء قبل إتمامه إذا لم يخل بالتتابع المشترط، ~~لا يمنع صحته وإجزاءه، كما لو وطئ قبل الشهرين، أو وطئ ليلة أول الشهرين ~~وأصبح صائما، والإتيان بالصيام قبل التماس في حق هذا لا سبيل إليه، سواء ~~بنى أو استأنف. # وإن وطئها، أو وطئ، غيرها، في نهار الشهرين عامدا، أفطر، وانقطع التتابع ~~إجماعا، إذا كان غير معذور وإن وطئها، أو وطئ غيرها، نهارا ناسيا أفطر، ~~وانقطع التتابع، في إحدى الروايتين؛ لأن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان. وعن ~~أحمد، رواية أخرى، أنه لا يفطر، ولا ينقطع التتابع. وهو قول الشافعي، وأبي ~~ثور، وابن المنذر؛ لأنه فعل المفطر ناسيا، أشبه ما لو أكل ناسيا. وإن أبيح ~~له الفطر لعذر، فوطئ غيرها نهارا لم ينقطع التتابع؛ لأن الوطء لا أثر له في ~~قطع التتابع. وإن وطئها، كان كوطئها ليلا، هل ينقطع التتابع؟ على وجهين. # وإن وطئ غيرها ليلا، لم ينقطع التتابع؛ لأن ذلك ليس بمحرم عليه، ولا هو ~~مخل بإتباع الصوم الصوم، فلم ينقطع التتابع، كالأكل ليلا. وليس في هذا ~~اختلاف نعلمه. وإن لمس المظاهر منها، أو باشرها دون الفرج على وجه يفطر به، ~~قطع التتابع؛ لإخلاله بموالاة الصيام، وإلا فلا ينقطع. والله أعلم. ### | [مسألة لم يجد في كفارة الظهار فعليه إطعام ستين مسكينا] # (6210) مسألة قال: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] ، ~~أجمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد الرقبة، ولم يستطع الصيام، أن ~~فرضه إطعام ستين مسكينا، على ما أمر الله تعالى في كتابه، وجاء في سنة نبيه ~~- صلى الله عليه وسلم - سواء عجز عن الصيام لكبر، أو مرض يخاف بالصوم ~~تباطؤه أو ms4174 الزيادة فيه، أو الشبق فلا يصبر فيه عن الجماع «، فإن أوس بن ~~الصامت، لما أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصيام، قالت امرأته: ~~يا رسول الله، إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: فليطعم ستين مسكينا» . ~~«ولما أمر سلمة بن صخر بالصيام قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام، ~~قال: فأطعم» . فنقله إلى الإطعام لما أخبر أن به من الشبق والشهوة ما يمنعه ~~من الصيام. وقسنا على هذين ما يشبههما في معناهما. # ويجوز أن ينتقل إلى الإطعام إذا عجز عن الصيام للمرض، وإن كان مرجو ~~الزوال؛ لدخوله في قوله سبحانه وتعالى: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} ~~[المجادلة: 4] . ولأنه لا يعلم أن له نهاية، فأشبه الشبق. ولا يجوز أن ~~ينتقل لأجل السفر؛ لأن السفر لا يعجزه عن الصيام، وله نهاية ينتهي إليها، ~~وهو من أفعاله الاختيارية. والواجب في الإطعام إطعام ستين مسكينا، لا يجزئه ~~أقل من ذلك. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكينا واحدا في ~~ستين يوما، # PageV08P029 # أجزأه. وحكاه القاضي أبو الحسين رواية عن أحمد؛ لأن هذا المسكين لم يستوف ~~قوت يومه من هذه الكفارة، فجاز أن يعطى منها، كاليوم الأول. # ولنا قول الله تعالى: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] . وهذا لم يطعم ~~إلا واحدا، فلم يمتثل الأمر، ولأنه لم يطعم ستين مسكينا، فلم يجزئه، كما لو ~~دفعها إليه في يوم واحد، ولأنه لو جاز الدفع إليه في أيام، لجاز في يوم ~~واحد، كالزكاة وصدقة الفطر، يحقق هذا أن الله أمر بعدد المساكين، لا بعدد ~~الأيام، وقائل هذا يعتبر عدد الأيام دون عدد المساكين، والمعنى في اليوم ~~الأول أنه لم يستوف حقه من هذه الكفارة، وفي اليوم الثاني قد استوفى حقه ~~منها، وأخذ منها قوت يوم، فلم يجز أن يدفع إليه في اليوم الثاني، كما لو ~~أوصى إنسان بشيء لستين مسكينا. ### | [مسألة مقدار إطعام المسكين في الظهار] # (6211) مسألة قال: (لكل مسكين مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير) وجملة ~~الأمر، أن قدر ms4175 الطعام في الكفارات كلها مد من بر لكل مسكين، أو نصف صاع من ~~تمر أو شعير. وممن قال: مد بر. زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر. حكاه ~~عنهم الإمام أحمد، ورواه عنهم الأثرم، وعن عطاء، وسليمان بن موسى. وقال ~~سليمان بن يسار: أدركت الناس إذا أعطوا في كفارة اليمين مدا من حنطة بالمد ~~الأصغر، مد النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو هريرة: يطعم مدا من أي ~~الأنواع كان. # وبهذا قال عطاء، والأوزاعي، والشافعي؛ لما روى أبو داود، بإسناده عن ~~عطاء، عن «أوس ابن أخي عبادة بن الصامت، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أعطاه يعني المظاهر خمسة عشر صاعا من شعير، إطعام ستين مسكينا.» وروى ~~الأثرم، بإسناده عن أبي هريرة في حديث المجامع في رمضان، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أتي بعرق فيه خمسة عشر صاعا، فقال: خذه وتصدق به» . وإذا ~~ثبت في المجامع بالخبر، ثبت في المظاهر بالقياس عليه، ولأنه إطعام واجب، ~~فلم يختلف باختلاف أنواع المخرج، كالفطرة وفدية الأذى. وقال مالك: لكل ~~مسكين مدان من جميع الأنواع. وممن قال: مدان من قمح؛ مجاهد، وعكرمة، ~~والشعبي، والنخعي؛ لأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام، فكان لكل مسكين نصف ~~صاع، كفدية الأذى. # وقال الثوري وأصحاب الرأي: من القمح مدان، ومن التمر والشعير صاع، لكل ~~مسكين؛ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث سلمة بن صخر: فأطعم ~~وسقا من تمر» . رواه الإمام أحمد، في المسند، وأبو داود، وغيرهما. وروى ~~الخلال، بإسناده عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن «خويلة: فقال لي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر» . وفي رواية ~~أبي داود: والعرق ستون صاعا. وروى ابن ماجه، بإسناده عن ابن عباس، قال: ~~«كفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاع من تمر، وأمر الناس: فمن لم ~~يجد فنصف صاع من بر» . # PageV08P030 # وروى الأثرم، بإسناده عن عمر - رضي الله عنه - قال: أطعم عني صاعا من تمر ~~أو شعير، أو نصف صاع من ms4176 بر. ولأنه إطعام للمساكين، فكان صاعا من التمر ~~والشعير، أو نصف صاع من بر، كصدقة الفطر. # ولنا ما روى الإمام أحمد، ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن أبي يزيد المدني ~~قال: «جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - للمظاهر: أطعم هذا؛ فإن مدي شعير مكان مد بر» . وهذا نص. ويدل على ~~أنه مد بر، أنه قول زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، ولم نعرف لهم في ~~الصحابة مخالفا، فكان إجماعا، وعلى أنه نصف صاع من التمر أو الشعير، ما روى ~~عطاء بن يسار، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لخويلة امرأة أوس ~~بن الصامت اذهبي إلى فلان الأنصاري، فإن عنده شطر وسق من تمر، أخبرني أنه ~~يريد أن يتصدق به، فلتأخذيه، فليتصدق به على ستين مسكينا» . # وفي حديث أوس بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني ~~سأعينه بعرق من تمر. قلت: يا رسول الله، فإني سأعينه بعرق آخر. قال: قد ~~أحسنت، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك» . وروى أبو ~~داود، بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه قال: العرق زنبيل يأخذ خمسة ~~عشر صاعا. فعرقان يكونان ثلاثين صاعا، لكل مسكين نصف صاع، ولأنها كفارة ~~تشتمل على صيام وإطعام، فكان لكل مسكين نصف صاع من التمر والشعير، كفدية ~~الأذى. فأما رواية أبي داود أن " العرق ستون صاعا ". فقد ضعفها وقال: غيرها ~~أصح منها. وفي الحديث ما يدل على الضعف؛ لأن ذلك في سياق قوله: (إني سأعينه ~~بعرق) . فقالت امرأته: إني سأعينه بعرق آخر. قال: (فأطعمي بها عنه ستين ~~مسكينا) . فلو كان العرق ستين صاعا، لكانت الكفارة مائة وعشرين صاعا، ولا ~~قائل به. # وأما حديث المجامع الذي أعطاه خمسة عشر صاعا، فقال: (تصدق به) . فيحتمل ~~أنه اقتصر عليه إذ لم يجد سواه، ولذلك لما أخبره بحاجته إليه أمره بأكله. ~~وفي الحديث المتفق عليه: (قريب من عشرين صاعا) . وليس ذلك مذهبا لأحمد، ~~فيدل على أنه اقتصر ms4177 على البعض الذي لم يجد سواه. وحديث أوس بن أخي عبادة ~~مرسل، يرويه عنه عطاء ولم يدركه، على أنه حجة لنا؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أعطاه عرقا، وأعانته امرأته بآخر، فصارا جميعا ثلاثين صاعا. # وسائر الأخبار نجمع بينها وبين أخبارنا بحملها على الجواز، وأخبارنا على ~~الإجزاء، وقد عضد هذا أن ابن عباس راوي بعضها، ومذهبه أن المد من البر ~~يجزئ، وكذلك أبو هريرة، وسائر ما ذكرنا من الأخبار، مع الإجماع الذي نقله ~~سليمان بن يسار. والله أعلم. # PageV08P031 ### | [فصل جنس الطعام وكيفيته ومستحقه في كفارة الظهار] # (6212) فصل: وبقي الكلام في الإطعام في أمور ثلاثة: كيفيته، وجنس الطعام، ~~ومستحقه. فأما كيفيته فظاهر المذهب أن الواجب تمليك كل إنسان من المساكين ~~القدر الواجب له من الكفارة، ولو غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه، سواء فعل ~~ذلك بالقدر الواجب، أو أقل، أو أكثر، ولو غدى كل واحد بمد، لم يجزئه، إلا ~~أن يملكه إياه. وهذا مذهب الشافعي وعن أحمد، رواية أخرى، أنه يجزئه إذا ~~أطعمهم القدر الواجب لهم. وهو قول النخعي، وأبي حنيفة. وأطعم أنس في فدية ~~الصيام. قال أحمد: أطعم شيئا كثيرا، وصنع الجفان. وذكر حديث حماد بن سلمة، ~~عن ثابت، عن أنس، وذلك لقول الله تعالى: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: ~~4] . وهذا قد أطعمهم، فينبغي أن يجزئه، ولأنه أطعم المساكين، فأجزأه، كما ~~لو ملكهم. ولنا، أن المنقول عن الصحابة إعطاؤهم؛ ففي قول زيد، وابن عباس، ~~وابن عمر، وأبي هريرة، مد لكل فقير. # «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لكعب في فدية الأذى: أطعم ثلاثة آصع ~~من تمر، بين ستة مساكين» . ولأنه مال وجب للفقراء شرعا، فوجب تمليكهم إياه ~~كالزكاة. فإن قلنا: يجزئ. اشترط أن يغديهم بستين مدا فصاعدا؛ ليكون قد ~~أطعمهم قدر الواجب. وإن قلنا: لا يجزئه أن يغديهم، فقدم إليهم ستين مدا، ~~وقال: هذا بينكم بالسوية. فقبلوه، أجزأ؛ لأنه ملكهم التصرف فيه والانتفاع ~~قبل القسمة. وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وقال أبو عبد الله بن حامد: يجزئه، ~~وإن لم يقل: بالسوية؛ ms4178 لأن قوله: خذوها عن كفارتي. يقتضي التسوية، لأن ذلك ~~حكمها. # وقال القاضي: إن علم أنه وصل إلى كل واحد قدر حقه أجزأ، وإن لم يعلم لم ~~يجزئه؛ لأن الأصل شغل ذمته، ما لم يعلم وصول الحق إلى مستحقه. ووجه الأول، ~~أنه دفع الحق إلى مستحقه مشاعا، فقبلوه، فبرئ منه، كديون غرمائه. ### | [فصل التتابع في الإطعام في كفارة الظهار] # (6213) فصل: ولا يجب التتابع في الإطعام. نص عليه أحمد، في رواية الأثرم، ~~وقيل له: تكون عليه كفارة يمين، فيطعم اليوم واحدا، وآخر بعد أيام، وآخر ~~بعد حتى يستكمل عشرة؟ فلم ير بذلك بأسا؛ وذلك لأن الله تعالى لم يشترط ~~التتابع فيه. ولو وطئ في أثناء الإطعام، لم تلزمه إعادة ما مضى منه. وبه ~~قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك: يستأنف؛ لأنه وطئ في أثناء كفارة ~~الظهار، فوجب الاستئناف، كالصيام. ولنا أنه وطئ في أثناء ما لا يشترط ~~التتابع فيه، فلم يوجب الاستئناف، كوطء غير المظاهر منها، أو كالوطء في ~~كفارة اليمين، وبهذا فارق الصيام. # PageV08P032 ### | [مسألة أعطى مسكينا مدين من كفارتين في يوم واحد في كفارة الظهار] # مسألة قال: (ولو أعطى مسكينا مدين من كفارتين في يوم واحد، أجزأ، في إحدى ~~الروايتين) وهذا مذهب الشافعي، لأنه دفع القدر الواجب إلى العدد الواجب، ~~فأجزأ، كما لو دفع إليه المدين في يومين. والأخرى، لا يجزئه. وهو قول أبي ~~حنيفة؛ لأنه استوفى قوت يوم من كفارة، فلم يجزئه الدفع إليه ثانيا في يومه، ~~كما لو دفعهما إليه من كفارة واحدة. فعلى هذه الرواية، يجزئه عن إحدى ~~الكفارتين. وهل له الرجوع في الأخرى؟ ينظر؛ فإذا كان أعلمه أنها عن كفارة، ~~فله الرجوع، وإلا فلا. ويتخرج أن لا يرجع بشيء، على ما ذكرناه في الزكاة. ~~والرواية الأولى أقيس وأصح، فإن اعتبار عدد المساكين، أولى من اعتبار عدد ~~الأيام، ولو دفع إليه ذلك في يومين أجزأ، ولأنه لو كان الدافع اثنين، أجزأ ~~عنهما، فكذلك إذا كان الدافع واحدا. # ولو دفع ستين مدا إلى ثلاثين فقيرا من كفارة واحدة، أجزأه ms4179 من ذلك ثلاثون، ~~ويطعم ثلاثين آخرين، وإن دفع الستين من كفارتين. أجزأه ذلك. على إحدى ~~الروايتين، ولا يجزئ في الأخرى إلا عن ثلاثين. والأمر الثاني، أن المجزئ في ~~الإطعام ما يجزئ في الفطرة، وهو البر، والشعير، والتمر، والزبيب، سواء كانت ~~قوته أو لم تكن، وما عداها. فقال القاضي: لا يجزئ إخراجه، سواء كان قوت ~~بلده أو لم يكن؛ لأن الخبر ورد بإخراج هذه الأصناف، على ما جاء في الأحاديث ~~التي رويناها، ولأنه الجنس المخرج في الفطرة، فلم يجزئ غيره، كما لو لم يكن ~~قوت بلده. وقال أبو الخطاب: عندي أنه يجزئه الإخراج من جميع الحبوب التي هي ~~قوت بلده، كالذرة، والدخن، والأرز؛ لأن الله تعالى قال: {من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم} [المائدة: 89] . # وهذا مما يطعمه أهله، فوجب أن يجزئه بظاهر النص. وهذا مذهب الشافعي. فإن ~~أخرج غير قوت بلده، أجود منه، فقد زاد خيرا، وإن كان أنقص، لم يجزئه، وهذا ~~أجود. (6215) فصل: والأفضل عند أبي عبد الله، إخراج الحب؛ لأنه يخرج به من ~~الخلاف، وهي حالة كماله، لأنه يدخر فيها، ويتهيأ لمنافعه كلها، بخلاف غيره. ~~فإن أخرج دقيقا جاز، لكن يزيد على قدر المد قدرا يبلغ المد حبا، أو يخرجه ~~بالوزن؛ لأن للحب ريعا، فيكون في مكيال الحب أكثر مما في مكيال الدقيق. قال ~~الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فيعطي البر والدقيق؟ فقال: أما الذي جاء فالبر، ~~ولكن إن # PageV08P033 # أعطاهم الدقيق بالوزن، جاز. وقال الشافعي لا يجزئ؛ لأنه ليس بحال الكمال، ~~لأجل ما يفوت به من وجوه الانتفاع، فلم يجز، كالهريسة. # ولنا قول الله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم} [المائدة: 89] . والدقيق من أوسط ما يطعمه أهله، ولأن الدقيق أجزاء ~~الحنطة، وقد كفاهم مؤنته وطحنه، وهيأه وقربه من الأكل، وفارق الهريسة، ~~فإنها تتلف على قرب، ولا يمكن الانتفاع بها في غير الأكل في تلك الحال، ~~بخلاف مسألتنا. وعن أحمد في إخراج الخبز روايتان؛ إحداهما، يجزئ. اختارها ~~الخرقي. ونص عليه أحمد، في رواية الأثرم، فإنه قال: قلت ms4180 لأبي عبد الله: رجل ~~أخذ ثلاثة عشر رطلا وثلثا دقيقا، وهو كفارة اليمين، فخبزه للمساكين، وقسم ~~الخبز على عشرة مساكين، أيجزئه ذلك؟ قال ذلك أعجب إلي، وهو الذي جاء فيه ~~الحديث أن يطعمهم مد بر، وهذا إن فعل فأرجو أن يجزئه. قلت: إنما قال الله ~~تعالى: {إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] . فهذا قد أطعم عشرة مساكين، ~~وأوفاهم المد. قال: أرجو أن يجزئه. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. # ونقل الأثرم، في موضع آخر، أن أحمد سأله رجل عن الكفارة، قال: أطعمهم ~~خبزا وتمرا؟ قال: ليس فيه تمر. قال: فخبز؟ . قال: لا، ولكن برا أو دقيقا ~~بالوزن، رطل وثلث لكل مسكين. فظاهر هذا أنه لا يجزئه. وهو مذهب الشافعي؛ ~~لأنه خرج عن حالة الكمال والادخار فأشبه الهريسة. والأول أحسن؛ لأن الله ~~تعالى قال: {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] . ~~وهذا من أوسط ما يطعم أهله، وليس الادخار مقصودا في الكفارة، فإنها مقدرة ~~بما يقوت المسكين في يومه، فيدل ذلك على أن المقصود كفايته في يومه، وهذا ~~قد هيأه للأكل المعتاد للاقتيات، وكفاهم مؤنته، فأشبه ما لو نقى الحنطة ~~وغسلها. # وأما الهريسة والكبول ونحوهما، فلا يجزئ؛ لأنهما خرجا عن الاقتيات ~~المعتاد إلى حيز الإدام. وأما السويق، فالصحيح أنه لا يجزئ؛ لذلك. ويحتمل ~~أن يجزئ؛ لأنه يقتات في بعض البلدان، ولا يجزئه من الخبز والسويق أقل من ~~شيء يعمل من مد، فإن أخذ مد حنطة، أو رطلا وثلثا من الدقيق، وصنعه خبزا، ~~أجزأه. وقال الخرقي: يجزئه رطلان. قال القاضي: المد يجيء منه رطلان؛ وذلك ~~لأن الغالب أن رطلين من الخبز لا تكون إلا من مد، وذلك بالرطل الدمشقي خمس ~~أواق وأقل من خمس أوقية، وهذا في البر، فأما إن كان المخرج من الشعير، فلا ~~يجزئه إلا ضعف ذلك، على ما قررناه. # PageV08P034 ### | [فصل لا تجزئ القيمة في كفارة الظهار] # (6216) فصل: ولا تجزئ القيمة في الكفارة. نقلها الميموني، والأثرم. وهو ~~مذهب الشافعي وخرج بعض أصحابنا من كلام أحمد، رواية أخرى، أنه يجزئه. وهو ~~ما ms4181 روى الأثرم، أن رجلا سأل أحمد، قال أعطيت في كفارة خمسة دوانيق؟ فقال: ~~لو استشرتني قبل أن تعطي لم أشر عليك، ولكن أعط ما بقي من الأثمان على ما ~~قلت لك. وسكت عن الذي أعطى. وهذا ليس برواية، وإنما سكت عن الذي أعطى؛ ~~[لأنه] مختلف فيه، فلم ير التضييق عليه فيه. # الأمر الثالث، أن مستحق الكفارة هم المساكين الذين يعطون من الزكاة، لقول ~~الله تعالى: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] . والفقراء يدخلون فيهم؛ ~~لأن فيهم المسكنة وزيادة، ولا خلاف في هذا. فأما الأغنياء فلا حق لهم في ~~الكفارة، سواء كانوا من أصناف الزكاة، كالغزاة والمؤلفة، أو لم يكونوا، لأن ~~الله تعالى خص بها المساكين، واختلف أصحابنا في المكاتب؛ فقال القاضي في ~~(المجرد) ، وأبو الخطاب، في (الهداية) : لا يجوز دفعها إليه. وهو مذهب ~~الشافعي. وقال الشريف أبو جعفر، وأبو الخطاب، في (مسائلهما) : يجوز الدفع ~~إليه. وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي ثور؛ لأنه يأخذ من الزكاة لحاجته، فأشبه ~~المسكين. # ووجه الأولى أن الله تعالى خص بها المساكين، والمكاتبون صنف آخر، فلم يجز ~~الدفع إليهم، كالغزاة والمؤلفة، ولأن الكفارة قدرت بقوت يوم لكل مسكين، ~~وصرفت إلى من يحتاج إليها للاقتيات، والمكاتب لا يأخذ لذلك، فلا يكون في ~~معنى المسكين. ويفارق الزكاة، فإن الأغنياء يأخذون منها، وهم الغزاة، ~~والعاملون عليها، والمؤلفة، والغارمون، ولأنه غني بكسبه أو بسيده، فأشبه ~~العامل. ولا خلاف بينهم في أنه لا يجوز دفعها إلى عبد؛ لأن نفقته واجبة على ~~سيده، وليس هو من أصناف الزكاة، ولا إلى أم ولد؛ لأنها أمة نفقتها على ~~سيدها، وكسبها له، ولا إلى من تلزمه نفقته. وقد ذكرنا ذلك في الزكاة، وفي ~~دفعها إلى الزوج وجهان؛ بناء على دفع الزكاة إليه. ولا يجوز دفعها إلى ~~كافر. وبهذا قال الشافعي. # وخرج أبو الخطاب وجها في إعطائهم، بناء على الرواية في إعتاقهم. وهو قول ~~أبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأن الله تعالى قال: {إطعام عشرة مساكين} [المائدة: ~~89] . وأطلق فيدخلون في الإطلاق. ولنا أنه كافر، فلم يجز الدفع إليه، ~~كمساكين ms4182 أهل الحرب، وقد سلمه أصحاب الرأي، والآية مخصوصة بأهل الحرب، فنقيس ~~عليهم سائر الكفار، ويجوز صرفها إلى الكبير، والصغير، إن كان ممن يأكل ~~الطعام. وإذا أراد صرفه إلى الصغير، فإنه يدفعه إلى وليه، يقبض له؛ فإن ~~الصغير لا يصح منه # PageV08P035 # القبض. فأما من لا يأكل الطعام، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز الدفع ~~إليه؛ لأنه لا يأكله، فيكون بمنزلة دفع القيمة. وقال أبو الخطاب: يجزئ؛ ~~لأنه مسكين يدفع إليه من الزكاة، فأشبه الكبير. # وإذا قلنا: يجوز الدفع إلى المكاتب، جاز للسيد الدفع من كفارته إلى ~~مكاتبه؛ لأنه يجوز أن يدفع إليه من زكاته (6217) فصل: ويجوز دفع الكفارة ~~إلى من ظاهره الفقر، فإن بان غنيا، فهل تجزئه؟ فيه وجهان؛ بناء على ~~الروايتين في الزكاة. وإن بان كافرا، أو عبدا، لم يجزئه، وجها واحدا. ### | [مسألة ابتدأ المظاهر صوم الظهار من أول شعبان] # (6218) مسألة قال: ومن ابتدأ صوم الظهار من أول شعبان، أفطر يوم الفطر، ~~وبنى، وكذلك إن ابتدأ من أول ذي الحجة، أفطر يوم النحر وأيام التشريق. وبنى ~~على ما مضى من صيامه وجملة ذلك، أنه إذا تخلل صوم الظهار زمان لا يصح صومه ~~عن الكفارة، مثل أن يبتدئ الصوم من أول شعبان، فيتخلله رمضان ويوم الفطر، ~~أو يبتدئ من ذي الحجة، فيتخلله يوم النحر وأيام التشريق، فإن التتابع لا ~~ينقطع بهذا، ويبني على ما مضى من صيامه. وقال الشافعي: ينقطع التتابع، ~~ويلزمه الاستئناف؛ لأنه أفطر في أثناء الشهرين بما كان يمكنه التحرز منه، ~~فأشبه إذا أفطر بغير ذلك، أو صام عن نذر، أو كفارة أخرى. # ولنا أنه زمن منعه الشرع عن صومه في الكفارة، فلم يقطع التتابع، كالحيض ~~والنفاس. فإن قال: الحيض والنفاس غير ممكن التحرز منه. قلنا: قد يمكن ~~التحرز من النفاس بأن لا تبتدئ الصوم في حال الحمل، ومن الحيض إذا كان ~~طهرها يزيد على الشهرين، بأن تبتدئ الصوم عقيب طهرها من الحيضة، ومع هذا ~~فإنه لا ينقطع التتابع به، ولا يجوز للمأموم مفارقة إمامه لغير عذر، ويجوز ~~أن ms4183 يدخل معه المسبوق في أثناء الصلاة، مع علمه بلزوم مفارقته قبل إتمامها. ~~ويتخرج في أيام التشريق رواية أخرى، أنه يصومها عن الكفارة، ولا يفطر إلا ~~يوم النحر وحده. فعلى هذا، إن أفطرها استأنف؛ لأنها أيام أمكنه صيامها في ~~الكفارة، ففطرها يقطع التتابع كغيرها. إذا ثبت هذا، فإنه إن ابتدأ الصوم من ~~أول شعبان، أجزأه صوم شعبان عن شهر، ناقصا كان أو تاما. # وأما شوال، فلا يجوز أن يبدأ به من أوله؛ لأن أوله يوم الفطر، وصومه ~~حرام، فيشرع في صومه من اليوم الثاني، ويتمم شهرا بالعدد ثلاثين يوما. وإن ~~بدأ من أول ذي الحجة إلى آخر المحرم، قضى أربعة أيام، وأجزأه؛ لأنه بدأ ~~بالشهرين من أولهما. ولو ابتدأ صوم الشهرين من يوم الفطر، لم يصح صوم يوم # PageV08P036 # الفطر، وصح صوم بقية الشهر، وصوم ذي القعدة، ويحتسب له بذي القعدة، ناقصا ~~كان أو تاما؛ لأنه بدأه من أوله. وأما شوال، فإن كان تاما صام يوما من ذي ~~الحجة، مكان يوم الفطر، وأجزأه، وإن كان ناقصا، صام من ذي الحجة يومين؛ ~~لأنه لم يبدأه من أوله. وإن بدأ بالصيام من أول أيام التشريق، وقلنا: يصح ~~صومها عن الفرض. # فإنه يحتسب له بالمحرم، ويكمل صوم ذي الحجة بتمام ثلاثين يوما من صفر. ~~وإن قلنا: لا يصح صومها عن الفرض. صام مكانها من صفر. (6219) فصل: ويجوز أن ~~يبتدئ صوم الشهرين من أول شهر، ومن أثنائه، لا نعلم في هذا خلافا؛ لأن ~~الشهر اسم لما بين الهلالين ولثلاثين يوما، فأيهما صام فقد أدى الواجب، فإن ~~بدأ من أول شهر، فصام شهرين بالأهلة، أجزأه ذلك، تامين كانا أو ناقصين، ~~إجماعا. وبهذا قال الثوري، وأهل العراق، ومالك في أهل الحجاز، والشافعي، ~~وأبو ثور، وأبو عبيد، وغيرهم؛ لأن الله تعالى قال: {فصيام شهرين متتابعين} ~~[المجادلة: 4] . وهذان شهران متتابعان. # وإن بدأ من أثناء شهر، فصام ستين يوما. أجزأه، بغير خلاف أيضا. قال ابن ~~المنذر: أجمع على هذا من نحفظ عنه من أهل العلم. فأما إن صام شهرا بالهلال، ~~وشهرا ms4184 بالعدد، فصام خمسة عشر يوما من المحرم، وصفر جميعه، وخمسة عشر يوما ~~من ربيع، فإنه يجزئه، سواء كان صفر تاما أو ناقصا؛ لأن الأصل اعتبار الشهور ~~بالأهلة، لكن تركناه في الشهر الذي بدأ من وسطه لتعذره، ففي الشهر الذي ~~أمكن اعتباره يجب أن يعتبر. وهذا مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي. ويتوجه أن ~~يقال: لا يجزئه إلا شهران بالعدد؛ لأننا لما ضممنا إلى الخمسة عشر من ~~المحرم خمسة عشر من صفر، فصار ذلك شهرا صار ابتداء صوم الشهر الثاني من ~~أثناء شهر أيضا. وهذا قول الزهري. ### | [فصل نوى صوم شهر رمضان عن كفارة الظهار] # فصل: فإن نوى صوم شهر رمضان عن الكفارة، لم يجزئه عن رمضان، ولا عن ~~الكفارة، وانقطع التتابع، حاضرا كان أو مسافرا؛ لأنه تخلل صوم الكفارة فطر ~~غير مشروع. وقال مجاهد، وطاوس: يجزئه عنهما. وقال أبو حنيفة: إن كان حاضرا، ~~أجزأه عن رمضان دون الكفارة؛ لأن تعيين النية غير مشترط لرمضان، وإن كان في ~~سفر، أجزأه عن الكفارة دون رمضان. وقال صاحباه: يجزئ عن رمضان دون الكفارة، ~~سفرا وحضرا. ولنا، أن رمضان متعين لصومه، محرم صومه عن غيره، فلم يجزئه عن ~~غيره، كيومي العيدين، ولا يجزئ عن رمضان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى» . وهذا ما نوى رمضان، فلا ~~يجزئه، ولا فرق بين الحضر والسفر؛ لأن الزمان متعين، # PageV08P037 # وإنما جاز فطره في السفر رخصة، فإذا تكلف وصام، رجع إلى الأصل. # فإن سافر في رمضان المتخلل لصوم الكفارة وأفطر، لم ينقطع التتابع؛ لأنه ~~زمن لا يستحق صومه عن الكفارة، فلم ينقطع التتابع بفطره كالليل. ### | [مسألة كان المظاهر عبدا] # (6221) مسألة قال: وإذا كان المظاهر عبدا، لم يكفر إلا بالصيام، وإذا ~~صام، فلا يجزئه إلا شهران متتابعان قد ذكرنا أن ظهار العبد صحيح وكفارته ~~بالصيام؛ لأن الله تعالى قال: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} ~~[المجادلة: 4] . والعبد لا يستطيع الإعتاق، فهو كالحر المعسر، وأسوأ منه ~~حالا، وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزئه غير الصيام، ms4185 سواء أذن له سيده في ~~التكفير بالعتق، أو لم يأذن. # وحكي هذا عن الحسن، وأبي حنيفة، والشافعي. وعن أحمد، رواية أخرى، إن أذن ~~له سيده في التكفير بالمال جاز. وهو مذهب الأوزاعي، وأبي ثور؛ لأنه بإذن ~~سيده يصير قادرا على التكفير بالمال، فجاز له ذلك، كالحر. وعلى هذه ~~الرواية، يجوز له التكفير بالإطعام عند العجز عن الصيام. وهل له العتق؟ على ~~روايتين؛ إحداهما، لا يجوز. وحكي هذا عن مالك، وقال: أرجو أن يجزئه ~~الإطعام. وأنكر ذلك ابن القاسم صاحبه، وقال: لا يجزئه إلا الصيام؛ وذلك لأن ~~العتق يقتضي الولاء، والولاية، والإرث، وليس ذلك للعبد. والرواية الثانية، ~~له العتق. وهو قول الأوزاعي. # واختارها أبو بكر؛ لأن من صح تكفيره بالإطعام، صح بالعتق، ولا يمتنع صحة ~~العتق مع انتفاء الإرث. كما لو أعتق من يخالفه في دينه، ولأن المقصود ~~بالعتق إسقاط الملكية عن العبد، وتمليكه نفع نفسه، وخلوصه من ضرر الرق، وما ~~يحصل من توابع ذلك ليس هو المقصود، فلا يمنع من صحته ما يحصل منه المقصود، ~~لامتناع بعض توابعه. ووجه الأولى، أن العبد مال، لا يملك المال، فيقع ~~تكفيره بالمال بمال غيره، فلم يجزئه، كما لو أعتق عبد غيره عن كفارته. وعلى ~~كلتا الروايتين، لا يلزمه التكفير بالمال، وإن أذن له سيده فيه؛ لأن فرضه ~~الصيام، فلم يلزمه غيره، كما لو أذن موسر لحر معسر في التكفير من ماله. # وإن كان عاجزا عن الصيام، فأذن له سيده في التكفير بما شاء من العتق ~~والإطعام، فإن له التكفير بالإطعام؛ لأن من لا يلزمه الإعتاق مع قدرته على ~~الصيام، لا يلزمه مع عجزه عنه، كالحر المعسر، ولأن عليه ضررا في التزام ~~المنة الكبيرة في قبول الرقبة، ولا يلزم مثل ذلك في الطعام؛ لقلة المنة ~~فيه. وهذا فيما إذا أذن له سيده في التكفير قبل العود، فإن عاد وجبت ~~الكفارة في ذمته، ثم أذن له سيده في التكفير، انبني مع ذلك على أصل آخر، ~~وهو أن التكفير هل هو معتبر بحالة الوجوب، أو بأغلظ ms4186 الأحوال؟ وسنذكر ذلك - ~~إن شاء الله تعالى -. وعلى كل حال، فإذا صام، لا يجزئه إلا شهران متتابعان؛ ~~لدخوله في عموم قوله تعالى: # PageV08P038 # {فصيام شهرين متتابعين} [المجادلة: 4] . ولأنه صوم في كفارة فاستوى فيه ~~الحر والعبد، ككفارة اليمين. # وبهذا قال الحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، والشافعي، وإسحاق. ولا نعلم ~~لهم مخالفا، إلا ما روي عن عطاء، أنه: لو صام شهرا، أجزأه. وقاله النخعي، ~~ثم رجع عنه إلى قول الجماعة. ### | [فصل الاعتبار في كفارة الظهار بحالة الوجوب] # (6222) فصل: والاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب، في أظهر الروايتين، وهو ~~ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه قال: إذا حنث وهو عبد، فلم يكفر حتى عتق، فعليه ~~الصوم لا يجزئه غيره. وكذلك قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن عبد حلف ~~على يمين، فحنث فيها وهو عبد، فلم يكفر حتى عتق، أيكفر كفارة حر أو كفارة ~~عبد؟ قال: يكفر كفارة عبد؛ لأنه إنما يكفر ما وجب عليه يوم حنث، لا يوم ~~حلف. قلت له: حلف وهو عبد، وحنث وهو حر؟ قال: يوم حنث. واحتج فقال: افترى ~~وهو عبد أي ثم أعتق فإنما يجلد جلد العبد. وهو أحد أقوال الشافعي. # فعلى هذه الرواية يعتبر يساره وإعساره حال وجوبها عليه، فإن كان موسرا ~~حال الوجوب، استقر وجوب الرقبة عليه، فلم يسقط بإعساره بعد ذلك. وإن كان ~~معسرا، ففرضه الصوم، فإذا أيسر بعد ذلك، لم يلزمه الانتقال إلى الرقبة. ~~والرواية الثانية، الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التكفير، ~~فمتى وجد رقبة فيما بين الوجوب إلى حين التكفير، لم يجزئه إلا الإعتاق. ~~وهذا قول ثان للشافعي؛ لأنه حق يجب في الذمة بوجود مال، فاعتبر فيه أغلظ ~~الحالين كالحج. وله قول ثالث، أن الاعتبار بحالة الأداء. وهو قول أبي ~~حنيفة، ومالك؛ لأنه حق له بدل من غير جنسه، فكان الاعتبار فيه بحالة ~~الأداء، كالوضوء. # ولنا أن الكفارة تجب على وجه الطهارة، فكان الاعتبار فيها بحالة الوجوب ~~كالحد، أو نقول: من وجب عليه الصيام في الكفارة، لم يلزمه غيره، كالعبد إذا ~~أعتق، ويفارق ms4187 الوضوء، فإنه لو تيمم ثم وجد الماء، بطل تيممه، وهاهنا لو ~~صام، ثم قدر على الرقبة، لم يبطل صومه، وليس الاعتبار في الوضوء بحالة ~~الأداء، فإن أداءه فعله، وليس الاعتبار به، وإنما الاعتبار بأداء الصلاة، ~~وهي غير الوضوء. وأما الحج فهو عبادة العمر، وجميعه وقت لها، فمتى قدر عليه ~~في جزء من وقته وجب، بخلاف مسألتنا. ثم يبطل ما ذكروه بالعبد إذا أعتق، ~~فإنه لا يلزمه الانتقال إلى العتق مع ما ذكروه. فإن قيل: العبد لم يكن ممن ~~تجب عليه الرقبة، ولا تجزئه، فلما لم تجزئه الزيادة، لم تلزمه بتغير الحال، ~~بخلاف مسألتنا. # قلنا: هذا لا أثر له. # PageV08P039 # إذا ثبت هذا، فإنه إذا أيسر، فأحب أن ينتقل إلى الإعتاق، جاز له، في ظاهر ~~كلام الخرقي؛ فإنه قال: ومن دخل في الصوم، ثم قدر على الهدي، لم يكن عليه ~~الخروج إلا أن يشاء. وهذا يدل على أنه إذا شاء فله الانتقال إليه، ويجزئه، ~~إلا أن يكون الحانث عبدا، فليس له إلا الصوم وإن عتق. وهو قول الشافعي، على ~~القول الذي توافقنا فيه؛ وذلك لأن العتق هو الأصل، فوجب أن يجزئه كسائر ~~الأصول. فأما إن استمر به العجز حتى شرع في الصيام، لم يلزمه الانتقال إلى ~~العتق. بغير خلاف في المذهب. # وهو مذهب الشعبي، وقتادة، ومالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأبي ثور، ~~وابن المنذر. وهو أحد قولي الحسن. وذهب ابن سيرين، وعطاء، والنخعي، والحكم، ~~وحماد، والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، إلى أنه يلزمه العتق؛ لأنه قدر ~~على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل، فلزمه العود إليه، كالمتيمم يجد الماء قبل ~~الصلاة، أو في أثنائها. ولنا أنه لم يقدر على العتق قبل تلبسه بالصيام، فلم ~~يسقط عنه، كما لو استمر العجز إلى بعد الفراغ، ولا يشبه الوضوء، فإنه لو ~~وجد الماء بعد التيمم بطل، وهاهنا بخلافه، ولأنه وجد المبدل بعد الشروع في ~~صوم البدل. فلم يلزمه الانتقال إليه، كالمتمتع يجد الهدي بعد الشروع في ~~صيام السبعة. # (6223) فصل: إذا قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب، فوقته في الظهار ms4188 زمن ~~العود، لا وقت المظاهرة؛ لأن الكفارة لا تجب حتى يعود، وقته في اليمين زمن ~~الحنث، لا وقت اليمين، وفي القتل زمن الزهوق، لا زمن الجرح، وتقديم الكفارة ~~قبل الوجوب تعجيل لها قبل وجوبها، لوجود سببها، كتعجيل الزكاة قبل الحول ~~وبعد وجوب النصاب. ### | [فصل كان المظاهر ذميا] # (6224) فصل: وإذا كان المظاهر ذميا، فتكفيره بالعتق، أو الإطعام؛ لأنه ~~يصح منه في غير الكفارة، فصح منه فيها، ولا يجوز بالصيام؛ لأنه عبادة محضة، ~~والكافر ليس من أهلها، ولأنه لا يصح منه في غير الكفارة، فلا يصح منه فيها، ~~ولا يجزئه في العتق إلا عتق رقبة مؤمنة، فإن كانت في ملكه، أو ورثها، أجزأت ~~عنه، وإن لم يكن كذلك، فلا سبيل له إلى شراء رقبة مؤمنة؛ لأن الكافر لا يصح ~~منه شراء المسلم، ويتعين تكفيره بالإطعام، إلا أن يقول لمسلم: أعتق عبدك عن ~~كفارتي، وعلي ثمنه. فيصح، في إحدى الروايتين. وإن أسلم الذمي قبل التكفير ~~بالإطعام، فحكمه حكم العبد، يعتق قبل التكفير بالصيام، على ما مضى؛ لأنه في ~~معناه. # وإن ظاهر وهو مسلم، ثم ارتد، فصام في ردته عن كفارته، لم يصح. وإن كفر ~~بعتق أو إطعام، فقد أطلق أحمد القول أنه لا يجزئه. وقال القاضي: المذهب أن ~~ذلك موقوف. # PageV08P040 # فإن أسلم تبينا أنه أجزأه، وإن مات أو قتل تبينا أنه لم يصح منه، كسائر ~~تصرفاته. ### | [مسألة وطئ قبل أن يأتي بكفارة الظهار] # (6225) مسألة قال: ومن وطئ قبل أن يأتي بالكفارة، كان عاصيا، وعليه ~~الكفارة المذكورة قد ذكرنا أن المظاهر يحرم عليه وطء زوجته قبل التكفير؛ ~~لقول الله تعالى في العتق والصيام: {من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] . فإن ~~وطئ عصى ربه لمخالفة أمره، وتستقر الكفارة في ذمته، فلا تسقط بعد ذلك بموت، ~~ولا طلاق، ولا غيره، وتحريم زوجته عليه باق بحاله، حتى يكفر. هذا قول أكثر ~~أهل العلم. روي ذلك عن سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، ومورق ~~العجلي، وأبي مجلز، والنخعي، وعبد الله بن أذينة، ومالك، والثوري، ~~والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ms4189 وأبي ثور. # وروى الخلال عن الصلت بن دينار، قال: سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر ~~يجامع قبل أن يكفر؟ قالوا: ليس عليه إلا كفارة واحدة. الحسن، وابن سيرين، ~~وبكر المزني، ومورق العجلي، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وقال ~~وكيع: وأظن العاشر نافعا. وحكي عن عمرو بن العاص، أن عليه كفارتين. وروي ~~ذلك عن قبيصة، وسعيد بن جبير، والزهري، وقتادة؛ لأن الوطء يوجب كفارة، ~~والظهار موجب للأخرى. وقال أبو حنيفة: لا تثبت الكفارة في ذمته، وإنما هي ~~شرط للإباحة بعد الوطء. كما كانت قبله. # وحكي عن بعض الناس أن الكفارة تسقط؛ لأنه فات وقتها؛ لكونها وجبت قبل ~~المسيس. ولنا حديث «سلمة بن صخر حين ظاهر ثم وطئ قبل التكفير، فأمره النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بكفارة واحدة» . ولأنه وجد الظهار والعود، فيدخل في ~~عموم قوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] . فأما ~~قولهم: فات وقتها. فيبطل بما ذكرناه، وبالصلاة، وسائر العبادات يجب قضاؤها ~~بعد فوات وقتها. ### | [مسألة قالت المرأة لزوجها أنت علي كظهر أبي] # (6226) مسألة قال: وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي. لم تكن ~~مظاهرة، ولزمتها كفارة الظهار؛ لأنها قد أتت بالمنكر من القول والزور وجملة ~~ذلك أن المرأة إذا قالت لزوجها: أنت علي كظهر أبي. أو قالت: إن تزوجت ~~فلانا، فهو علي كظهر أبي. فليس ذلك بظهار. قال القاضي: لا تكون مظاهرة، ~~رواية واحدة. وهذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ~~ثور، وأصحاب الرأي. وقال الزهري، والأوزاعي: هو ظهار. وروي ذلك عن الحسن، ~~والنخعي، إلا أن النخعي قال: إذا قالت ذلك بعد # PageV08P041 # ما تزوج، فليس بشيء. ولعلهم يحتجون بأنها أحد الزوجين ظاهر من الآخر، ~~فكان مظاهرا كالرجل. # ولنا قول الله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] . فخصهم ~~بذلك، ولأنه قول يوجب تحريما في الزوجة، يملك الزوج رفعه، فاختص به الرجل، ~~كالطلاق، ولأن الحل في المرأة حق للرجل، فلم تملك المرأة إزالته، كسائر ~~حقوقه. إذا ثبت هذا، فاختلف عن أحمد في الكفارة، فنقل عنه ms4190 جماعة: عليها ~~كفارة الظهار. لما روى الأثرم، بإسناده عن إبراهيم، أن عائشة بنت طلحة ~~قالت: إن تزوجت مصعب بن الزبير، فهو علي كظهر أبي. فسألت أهل المدينة، ~~فرأوا أن عليها الكفارة. وروى علي بن مسهر، عن الشيباني، قال: كنت جالسا في ~~المسجد، أنا وعبد الله بن مغفل المزني، فجاء رجل حتى جلس إلينا، فسألته من ~~أنت؟ فقال: أنا مولى لعائشة بنت طلحة، التي أعتقتني عن ظهارها، خطبها مصعب ~~بن الزبير، فقالت: هو علي كظهر أبي إن تزوجته. ثم رغبت فيه بعد، فاستفتت ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يومئذ كثير، فأمروها أن تعتق ~~رقبة وتتزوجه، فأعتقتني وتزوجته. # وروى سعيد هذين الخبرين مختصرين، ولأنها زوج أتى بالمنكر من القول ~~والزور، فلزمه كفارة الظهار كالآخر، ولأن الواجب كفارة يمين، فاستوى فيها ~~الزوجان، كاليمين بالله تعالى. والرواية الثانية: ليس عليها كفارة. وهو قول ~~مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور؛ لأنه قول منكر وزور، وليس بظهار، فلم ~~يوجب كفارة، كالسب والقذف. ولأنه قول ليس بظهار، فلم يوجب كفارة الظهار، ~~كسائر الأقوال، أو تحريم مما لا يصح منه الظهار، فأشبه الظهار من أمته. ~~والرواية الثالثة: عليها كفارة اليمين. قال أحمد: قد ذهب عطاء مذهبا حسنا، ~~جعله بمنزلة من حرم على نفسه شيئا مثل الطعام وما أشبه. # وهذا أقيس على مذهب أحمد، وأشبه بأصوله؛ لأنه ليس بظهار، ومجرد القول من ~~المنكر والزور لا يوجب كفارة الظهار، بدليل سائر الكذب، والظهار قبل العود، ~~والظهار من أمته وأم ولده، ولأنه تحريم لا يثبت التحريم في المحل، فلم يوجب ~~كفارة الظهار، كتحريم سائر الحلال. ولأنه ظهار من غير امرأته، فأشبه الظهار ~~من أمته، وما روي عن عائشة بنت طلحة، في عتق الرقبة، فيجوز أن يكون إعتاقها ~~تكفيرا ليمينها، فإن عتق الرقبة أحد خصال كفارة اليمين، ويتعين حمله على ~~هذا؛ لكون الموجود منها ليس بظهار، وكلام أحمد، في رواية الأثرم، لا يقتضي ~~وجوب كفارة الظهار، إنما قال: الأحوط أن تكفر. وكذا حكاه ابن المنذر. # ولا شك في أن الأحوط ms4191 التكفير بأغلظ الكفارات، ليخرج من الخلاف، ولكن ليس ~~ذلك بواجب عليه؛ لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص، وإنما هو ~~تحريم للحلال من غير ظهار، فأشبه ما لو حرم أمته، أو طعامه. وهذا قول عطاء. ~~والله أعلم. # PageV08P042 # (6227) فصل: وإذا قلنا بوجوب الكفارة عليها، فلا تجب عليها حتى يطأها وهي ~~مطاوعة، فإن طلقها، أو مات أحدهما قبل وطئها، أو إكراهها على الوطء، فلا ~~كفارة عليها؛ لأنها يمين، فلا تجب كفارتها قبل الحنث فيها، كسائر الأيمان. ~~ولا يجب تقديمها قبل المسيس، ككفارات سائر الأيمان، ويجوز تقديمها لذلك، ~~وعليها تمكين زوجها من وطئها قبل التكفير؛ لأنه حق له عليها، فلا يسقط ~~بيمينها، ولأنه ليس بظهار، وإنما هو تحريم لحلال، فلا يثبت تحريما، كما لو ~~حرم طعامه. # وحكي أن ظاهر كلام أبي بكر، أنها لا تمكنه قبل التكفير، إلحاقا بالرجل. ~~وليس ذلك بجيد؛ لأن الرجل الظهار منه صحيح، ولا يصح ظهار المرأة، ولأن الحل ~~حق الرجل، فملك رفعه، والحل حق عليها، فلا تملك إزالته. والله أعلم. ### | [مسألة ظاهر من زوجته مرارا] # (6228) مسألة قال: وإذا ظاهر من زوجته مرارا، فلم يكفر، فكفارة واحدة هذا ~~ظاهر المذهب، سواء كان في مجلس أو مجالس، ينوي بذلك التأكيد، أو الاستئناف، ~~أو أطلق. نقله عن أحمد جماعة. واختاره أبو بكر، وابن حامد، والقاضي. # وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه -. وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، وطاوس، ~~والشعبي، والزهري، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور. وهو قول الشافعي ~~القديم ونقل عن أحمد، في من حلف أيمانا كثيرة، فإن أراد تأكيد اليمين، ~~فكفارة واحدة. فمفهومه أنه إن نوى الاستئناف فكفارتان. وبه قال الثوري، ~~والشافعي في الجديد. وقال أصحاب الرأي: إن كان في مجلس واحد، فكفارة واحدة، ~~وإن كان في مجالس، فكفارات. وروي ذلك عن علي، وعمرو بن دينار، وقتادة؛ لأنه ~~قول يوجب تحريم الزوجة، فإذا نوى الاستئناف تعلق بكل مرة حكم حالها، ~~كالطلاق. # ولنا، أنه قول لم يؤثر تحريما في الزوجة، فلم تجب به كفارة الظهار، ~~كاليمين بالله ms4192 تعالى، ولا يخفى أنه لم يؤثر تحريما، فإنها قد حرمت بالقول ~~الأول، ولم يزد تحريمها، ولأنه لفظ يتعلق به كفارة، فإذا كرره كفاه واحدة، ~~كاليمين بالله تعالى. وأما الطلاق، فما زاد عن ثلاث، لا يثبت له حكم ~~بالإجماع، وبهذا ينتقض ما ذكروه. وأما الثالثة، فإنها تثبت تحريما زائدا، ~~وهو التحريم قبل زوج وإصابة، بخلاف الظهار الثاني، فإنه لا يثبت به تحريم، ~~فنظيره ما زاد على الطلقة الثالثة، لا يثبت له حكم، فكذلك الظهار الثاني. ~~فأما إن كفر عن الأول، ثم ظاهر، لزمته للثاني كفارة، بلا خلاف؛ لأن الظهار ~~الثاني مثل الأول، فإنه حرم الزوجة المحللة، فأوجب الكفارة كالأول، بخلاف ~~ما قبل التكفير. # PageV08P043 ### | [فصل شرط النية في صحة كفارة الظهار] # (6229) فصل: والنية شرط في صحة الكفارة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إنما الأعمال بالنيات» . ولأن العتق يقع متبرعا به، وعن كفارة أخرى، أو ~~نذر، فلم ينصرف إلى هذه الكفارة إلا بنية، وصفتها أن ينوي العتق، أو ~~الصيام، أو الإطعام عن الكفارة، فإن زاد الواجبة كان تأكيدا، وإلا أجزأت ~~نيته الكفارة. وإن نوى وجوبها، ولم ينو الكفارة، لم يجزئه؛ لأن الوجوب ~~يتنوع عن كفارة ونذر، فوجب تمييزه. وموضع النية مع التكفير، أو قبله بيسير. ~~وهذا الذي نص عليه الشافعي، وقال به بعض أصحابه. # وقال بعضهم: لا يجزئ حتى يستصحب النية، وإن كانت الكفارة صياما اشترط نية ~~الصيام عن الكفارة في كل ليلة؛ لقوله: - عليه السلام - «لا صيام لمن لم ~~يبيت الصيام من الليل» . وإن اجتمعت عليه كفارات من جنس واحد، لم يجب تعيين ~~سببها. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه مخالفا. ~~فعلى هذا، لو كان مظاهرا من أربع نساء، فأعتق عبدا عن ظهاره، أجزأه عن ~~إحداهن، وحلت له واحدة غير معينة؛ لأنه واجب من جنس واحد، فأجزأته نية ~~مطلقة، كما لو كان عليه صوم يومين من رمضان. وقياس المذهب أن يقرع بينهن، ~~فتخرج بالقرعة المحللة منهن. وهذا قول أبي ثور وقال الشافعي: له أن يصرفها ~~إلى أيتهن ms4193 شاء، فتحل. وهذا يفضي إلى أنه يتخير بين كون هذه المرأة محللة ~~له، أو محرمة عليه. # وإن كان الظهار من ثلاث نسوة، فأعتق عبدا عن إحداهن، ثم صام شهرين ~~متتابعين عن أخرى، ثم مرض، فأطعم ستين مسكينا عن أخرى، أجزأه، وحل له ~~الجميع، من غير قرعة ولا تعيين. وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أبو ~~ثور: يقرع بينهن، فمن تقع لها القرعة، فالعتق لها، ثم يقرع بين الباقيتين، ~~فمن تقع لها القرعة فالصيام لها، والإطعام عن الثالثة؛ لأن كل واحدة من هذه ~~الخصال لو انفردت، احتاجت إلى قرعة، فكذلك إذا اجتمعت. ولنا أن التكفير قد ~~حصل عن الثلاث، وزالت حرمة الظهار، فلم يحتج إلى قرعة، كما لو أعتق ثلاثة ~~أعبد عن ظهارهن دفعة واحدة. فأما إن كانت الكفارة من أجناس؛ كظهار، وقتل، ~~وجماع في رمضان، ويمين، فقال أبو الخطاب: لا يفتقر إلى تعيين السبب. # وهذا مذهب الشافعي؛ لأنها عبادة واجبة، فلم تفتقر صحة أدائها إلى تعيين ~~سببها، كما لو كانت من جنس واحد. وقال القاضي: يحتمل أن يشترط تعيين سببها، ~~ولا تجزئ نية مطلقة. وحكاه أصحاب الشافعي عن أحمد. وهو مذهب أبي حنيفة؛ ~~لأنهما عبادتان من جنسين، فوجب تعيين النية لهما، كما لو وجب عليه صوم من ~~قضاء ونذر، # PageV08P044 # فعلى هذا لو كانت عليه كفارة واحدة، لا يعلم سببها، فكفر كفارة واحدة، ~~أجزأه، على الوجه الأول. قاله أبو بكر. # وعلى الوجه الثاني، ينبغي أن يلزمه التكفير بعدد أسباب الكفارات، كل ~~واحدة عن سبب، كمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها، فإنه يلزمه خمس صلوات، ~~ولو علم أن عليه صوم يوم، لا يعلم أمن قضاء هو، أو نذر، لزمه صوم يومين. ~~فإن كان عليه صوم ثلاثة أيام، لا يدري أهي من كفارة يمين، أو قضاء، أو نذر، ~~لزمه صوم تسعة أيام، كل ثلاثة عن واحدة من الجهات الثلاث. ### | [فصل كانت على رجل كفارتان فأعتق عنهما عبدين] # (6230) فصل: وإذا كانت على رجل كفارتان، فأعتق عنهما عبدين، لم يخل من ~~أربعة أحوال: ms4194 أحدها، أن يقول: أعتقت هذا عن هذه الكفارة، وهذا عن هذه. ~~فيجزئه، إجماعا. الثاني، أن يقول: أعتقت هذا عن إحدى الكفارتين، وهذا عن ~~الأخرى. من غير تعيين، فينظر؛ فإن كانا من جنس واحد، ككفارتي ظهار، أو ~~كفارتي قتل، أجزأه. # وإن كانتا من جنسين، ككفارة ظهار، وكفارة قتل، خرج على الوجهين في اشتراط ~~تعيين السبب؛ إن قلنا: يشترط. لم يجزئه واحد منهما. وإن قلنا: لا يشترط. ~~أجزأه عنهما. الثالث، أن يقول: أعتقتهما عن الكفارتين. فإن كانتا من جنس ~~واحد أجزأ عنهما، ويقع كل واحد عن كفارة، ولأن عرف الشرع والاستعمال إعتاق ~~الرقبة عن الكفارة، فإذا أطلق ذلك وجب حمله عليه، وإن كانتا من جنسين، خرج ~~على الوجهين. الرابع - أن يعتق كل واحدة عنهما جميعا، فيكون معتقا عن كل ~~واحدة من الكفارتين نصف العبدين، فينبني ذلك على أصل آخر، وهو إذا أعتق نصف ~~رقبتين عن كفارة، هل يجزئه أو لا؟ فعلى قول الخرقي يجزئه؛ لأن الأشقاص ~~بمنزلة الأشخاص، فيما لا يمنع منه العيب اليسير، بدليل الزكاة، فإن من ملك ~~نصف ثمانين شاة، كان بمنزلة من ملك أربعين، ولا تلزم الأضحية، فإنه يمنع ~~منه العيب اليسير. # وقال أبو بكر، وابن حامد: لا يجزئه. وهو قول مالك، وأبي حنيفة؛ لأن ما ~~أمر بصرفه إلى شخص في الكفارة، لم يجز تفريقه على اثنين، كالمد في الإطعام ~~ولأصحاب الشافعي كهذين الوجهين، ولهم وجه ثالث، وهو أنه إن كان باقيهما حرا ~~أجزأ، وإلا فلا؛ لأنه متى كان باقيهما حرا، حصل تكميل الأحكام والتصرف. ~~وخرجه القاضي وجها لنا أيضا، إلا أن للمعترض عليه أن يقول: إن تكميل ~~الأحكام ما حصل بعتق هذا، وإنما حصل بانضمامه إلى عتق النصف الآخر، فلم ~~يجزئه. فإذا قلنا: لا يجزئ. عتق النصفين. لم يجزئ في هذه المسألة عن شيء من ~~الكفارتين. وإن قلنا: يجزئ. وكانت # PageV08P045 # الكفارتان من جنس، أجزأ العتق عنهما. وإن كانتا من جنسين، فقد قيل: يخرج ~~على الوجهين. # والصحيح أنه يجزئ وجها واحدا؛ لأن عتق النصفين عنهما كعتق عبدين عنهما. ### | [فصل ms4195 تقديم كفارة الظهار قبل الظهار] # (6231) فصل: ولا يجوز تقديم كفارة الظهار قبله؛ لأن الحكم لا يجوز تقديمه ~~على سببه، فلو قال لعبده: أنت حر الساعة عن ظهاري إن تظاهرت عتق ولم يجزئه ~~عن ظهاره إن ظاهر؛ لأنه قدم الكفارة على سببها المختص، فلم يجز، كما لو قدم ~~كفارة اليمين عليها، أو كفارة القتل على الجرح. ولو قال لامرأته: إن دخلت ~~الدار فأنت علي كظهر أمي. لم يجز التكفير قبل دخول الدار؛ لأنه تقديم ~~للكفارة قبل الظهار. فإن أعتق عبدا عن ظهاره، ثم دخلت الدار، عتق العبد، ~~وصار مظاهرا، ولم يجزئه؛ لأن الظهار معلق على شرط، فلا يوجد قبل وجود شرطه. # وإن قال لعبده: إن تظاهرت، فأنت حر عن ظهاري. ثم قال لامرأته: أنت علي ~~كظهر أمي. عتق العبد، لوجود الشرط، وهل يجزئه عن الظهار؟ فيه وجهان: أحدهما ~~- يجزئه؛ لأنه عتق بعد الظهار، وقد نوى إعتاقه عن الكفارة. والثاني - لا ~~يجزئه؛ لأن عتقه مستحق بسبب آخر، وهو الشرط، ولأن النية لم توجد عند العتق، ~~والنية عند التعليق لا تجزئ؛ لأنه تقديم لها على سببها. وإن قال لعبده: إن ~~تظاهرت فأنت حر عن ظهاري. فالحكم فيه كذلك؛ لأنه تعليق لعتقه على المظاهرة. # PageV08P046 ### | [كتاب اللعان] # قال - رحمه الله تعالى - وهو مشتق من اللعن؛ لأن كل واحد من الزوجين يلعن ~~نفسه في الخامسة إن كان كاذبا. وقال القاضي: سمي بذلك لأن الزوجين لا ~~ينفكان من أن يكون أحدهما كاذبا، فتحصل اللعنة عليه، وهي الطرد والإبعاد. ~~والأصل فيه قول الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا ~~أنفسهم} [النور: 6] الآيات. وروى سهل بن سعد الساعدي، «أن عويمرا العجلاني ~~أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا وجد ~~مع امرأته رجلا فيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها. قال سهل: ~~فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما فرغا، ~~قال عويمر: ms4196 كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا بحضرة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -.» متفق عليه. # وروى أبو داود، بإسناده عن «ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاء هلال ~~بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فجاء من أرضه عشاء، فوجد ~~عند أهله رجلا فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يهجه حتى أصبح، ثم غدا على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي، فوجدت ~~عندهم رجلا، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني. فكره رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ما جاء به، واشتد عليه، فنزلت {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] الآيتين ~~كلتيهما فسري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أبشر يا هلال، فقد ~~جعل الله لك فرجا ومخرجا قال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي تبارك وتعالى. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرسلوا إليها. فأرسلوا إليها، ~~فتلاها عليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكرهما، وأخبرهما أن عذاب ~~الآخرة أشد من عذاب الدنيا. فقال هلال: والله لقد صدقت عليها. فقالت: كذب. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لاعنوا بينهما. فقيل لهلال: اشهد. ~~فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة قيل: يا هلال ~~اتق # PageV08P047 # الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب ~~عليك العذاب. فقال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها. فشهد ~~الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل لها: اشهدي. فشهدت ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل لها: اتقي ~~الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب ~~عليك العذاب. فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي. فشهدت الخامسة، أن ~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بينهما، وقضى أن لا بيت لها عليه، ولا قوت، ms4197 من أجل أنهما يتفرقان من غير ~~طلاق، ولا متوفى عنها، وقال: إن جاءت به أصيهب أريصح أثيبج حمش الساقين، ~~فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فهو ~~للذي رميت به. فجاءت به أورق، جعدا، جماليا، خدلج الساقين، سابغ الأليتين، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن. ~~قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرا على مصر، وما يدعى لأب. ولأن الزوج يبتلى ~~بقذف امرأته لينفي العار والنسب الفاسد، وتتعذر عليه البينة، فجعل اللعان ~~بينة له، ولهذا لما نزلت آية اللعان، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا.» ### | [مسألة قذف الرجل زوجته البالغة الحرة المسلمة فقال لها زنيت] ### | [فصل صفة الزوجين اللذين يصح اللعان بينهما] # (6232) مسألة قال أبو القاسم - رحمه الله -: (وإذا قذف الرجل زوجته ~~البالغة الحرة المسلمة، فقال لها: زنيت. أو: يا زانية. أو: رأيتك تزنين. ~~ولم يأت بالبينة، لزمه الحد، إن لم يلتعن، مسلما كان أو كافرا، حرا كان أو ~~عبدا) . الكلام في هذه المسألة في فصول: (6233) الفصل الأول في صفة الزوجين ~~اللذين يصح اللعان بينهما. وقد اختلفت الرواية فيهما، فروي أنه # PageV08P048 # يصح من كل زوجين مكلفين، سواء كانا مسلمين أو كافرين، أو عدلين أو ~~فاسقين، أو محدودين في قذف، أو كان أحدهما كذلك. # وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن، وربيعة، ومالك، ~~وإسحاق. قال أحمد، في رواية ابن منصور: جميع الأزواج يلتعنون؛ الحر من ~~الحرة والأمة إذا كانت زوجة، وكذلك العبد من الحرة والأمة إذا كانت زوجة. ~~وكذلك المسلم من اليهودية والنصرانية. وعن أحمد، رواية أخرى: لا يصح اللعان ~~إلا من زوجين مسلمين، عدلين، حرين، غير محدودين في قذف. وروي هذا عن ~~الزهري، والثوري، والأوزاعي، وحماد، وأصحاب الرأي. وعن مكحول: ليس بين ~~المسلم والذمية لعان. وعن عطاء، والنخعي، في المحدود في القذف: يضرب الحد، ~~ولا يلاعن. وروي فيه حديث لا يثبت. # كذلك قال الشافعي، والساجي. لأن اللعان شهادة، بدليل ms4198 قوله سبحانه: {ولم ~~يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} [النور: 6] . فاستثنى أنفسهم من الشهداء. وقال ~~تعالى: {فشهادة أحدهم أربع شهادات} [النور: 6] . فلا يقبل ممن ليس من أهل ~~الشهادة. وإن كانت المرأة ممن لا يحد بقذفها، لم يجب اللعان؛ لأنه يراد ~~لإسقاط الحد، بدليل قوله تعالى: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات ~~بالله} [النور: 8] . ولا حد هاهنا، فينتفي اللعان لانتفائه. وذكر القاضي في ~~(المجرد) أن من لا يجب الحد بقذفها، وهي الأمة، والذمية، والمحدودة في ~~الزنا، لزوجها لعانها؛ لنفي الولد خاصة، وليس له لعانها لإسقاط القذف ~~والتعزير، لأن الحد لا يجب، واللعان إنما يشرع لإسقاط حد، أو نفي ولد، فإذا ~~لم يكن واحد منهما لم يشرع اللعان. # ولنا، عموم قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] . الآية، ولأن ~~اللعان يمين، فلا يفتقر إلى ما شرطوه، كسائر الأيمان، ودليل أنه يمين قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن» . وأنه ~~يفتقر إلى الله تعالى، ويستوي فيه الذكر والأنثى. وأما تسميته شهادة، ~~فلقوله في يمينه: أشهد بالله. فسمى ذلك شهادة وإن كان يمينا، كما قال الله ~~تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} [المنافقون: 1] ~~ولأن الزوج يحتاج إلى نفي الولد، فيشرع له طريقا إلى نفيه، كما لو كانت ~~امرأته ممن يحد بقذفها وهذه الرواية هي المنصوصة عن أحمد في رواية الجماعة ~~وما يخالفها شاذ في النقل. # وأما قول الخرقي: وإذا قذف زوجته البالغة الحرة المسلمة. فيحتمل أنه شرط ~~هذا لوجوب الحد عليه، لا لنفي اللعان. ويحتمل أن يكون هذا شرطا عنده في ~~المرأة، لتكون ممن يجب عليه الحد بقذفها، فينفيه باللعان، ولا يشترط في ~~الزوج شيء من ذلك؛ لأن الحد يجب عليه بقذف المحصنة، وإن كان ذميا أو فاسقا. ~~فأما قوله: مسلما كان أو كافرا. ففيه نظر؛ لأنه أوجب عليه بقذف زوجته ~~المسلمة، والكافر لا يكون زوجا لمسلمة، فيحتاج إلى تأويل لفظه بحمله على ~~أحد شيئين # PageV08P049 # أحدهما: أنه أراد أن الزوج يلاعن زوجته، وإن كان كافرا، فرد ذلك ms4199 إلى ~~اللعان، لا إلى الحد. الثاني، أنه أراد ما إذا أسلمت زوجته، فقذفها في ~~عدتها، ثم أسلم الزوج، فإنه يلاعن. # (6234) فصل: ولا فرق بين كون الزوجة مدخولا بها، أو غير مدخول بها، في ~~أنه يلاعنها. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من علماء ~~الأمصار؛ منهم عطاء، والحسن، والشعبي، والنخعي، وعمرو بن دينار، وقتادة، ~~ومالك، وأهل المدينة، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، بظاهر قول الله ~~تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] . فإن كانت غير مدخول بها، فلها ~~نصف الصداق؛ لأنها فرقة منه. كذلك قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، ~~ومالك. وفيه رواية أخرى، لا صداق لها؛ لأن الفرقة حصلت بلعانهما جميعا، ~~فأشبه الفرقة لعيب في أحدهما. ### | [فصل كان أحد الزوجين غير مكلف في اللعان] # (6235) فصل: فإن كان أحد الزوجين غير مكلف، فلا لعان بينهما؛ لأنه قول ~~تحصل به الفرقة، ولا يصح من غير مكلف، كالطلاق، أو يمين، فلا تصح من غير ~~المكلف، كسائر الأيمان. ولا يخلو غير المكلف من أن يكون الزوج، أو الزوجة، ~~أو هما؛ فإن كان الزوج فله حالان: أحدهما، أن يكون طفلا. والثاني، أن يكون ~~بالغا زائل العقل. فإن كان طفلا لم يصح منه القذف، ولا يلزمه به حد؛ لأن ~~القلم مرفوع عنه، وقوله غير معتبر، وإن أتت امرأته بولد نظرنا، فإن كان ~~لدون عشر سنين، لم يلحقه الولد، ويكون منفيا عنه؛ لأن العلم يحيط بأنه ليس ~~منه، فإن الله عز وجل لم يجر العادة بأن يولد له لدون ذلك، فينتفي عنه، كما ~~لو أتت به المرأة لدون ستة أشهر منذ تزوجها. وإن كان ابن عشر فصاعدا، فقال ~~أبو بكر: لا يلحق به إلا بعد البلوغ أيضا؛ لأن الولد لا يخلق إلا من ماء ~~الرجل والمرأة، ولو أنزل لبلغ. # وقال ابن حامد: يلحق به. قال القاضي: وهو ظاهر كلام أحمد. وهذا مذهب ~~الشافعي؛ لأن الولد يلحق بالإمكان، وإن خالف الظاهر، ولهذا لو أتت بولد ~~لستة أشهر من حين العقد، لحق بالزوج، وإن كان خلاف الظاهر، وكذلك ms4200 يلحق به ~~إذا أتت به لأربع سنين، مع ندرته. وليس له نفيه في الحال، حتى يتحقق بلوغه ~~بأحد أسباب البلوغ، فله نفي الولد واستلحاقه. فإن قيل: فإذا ألحقتم به ~~الولد، فقد حكمتم ببلوغه، فهلا سمعتم نفيه ولعانه؟ قلنا: إلحاق الولد يكفي ~~فيه الإمكان، والبلوغ لا يثبت إلا بسبب ظاهر، ولأن إلحاق الولد به حق عليه، ~~واللعان حق له، فلم يثبت # PageV08P050 # مع الشك. فإن قيل: فإن لم يكن بالغا انتفى عنه الولد، وإن كان بالغا ~~انتفى عنه اللعان. # قلنا: إلا أنه لا يجوز أن يبتدئ اليمين مع الشك في صحتها، فسقطت للشك ~~فيها. الثاني، إذا كان زائل العقل لجنون، فلا حكم لقذفه؛ لأن القلم عنه ~~مرفوع أيضا، وإن أتت امرأته بولد، فنسبه لاحق به، لإمكانه، ولا سبيل إلى ~~نفيه مع زوال عقله، فإذا عقل، فله نفي الولد حينئذ واستلحاقه. وإن ادعى أنه ~~كان ذاهب العقل حين قذفه، وأنكرت ذلك، ولأحدهما بينة بما قال، ثبت قوله. ~~وإن لم يكن لواحد منهما بينة، ولم يكن له حالة علم فيها زوال عقله، فالقول ~~قولها مع يمينها؛ لأن الأصل والظاهر الصحة والسلامة. وإن عرفت له حالة ~~جنون، ولم تعرف له حالة إفاقة، فالقول قوله مع يمينه، وإن عرفت له حالة ~~جنون وحالة إفاقة، ففيه وجهان: أحدهما، القول قولها. # قال القاضي: هذا قياس قول أصحابنا في الملفوف إذا ضربه فقده، ثم ادعى أنه ~~كان ميتا، وقال الولي: كان حيا. والوجه الثاني، أن القول قوله؛ لأن الأصل ~~براءة ذمته من الحد، فلا يجب بالشك، ولأن الحد يسقط بالشبهة، ولا يشبه هذا ~~الملفوف، لأن الملفوف قد علم أنه كان حيا، ولم يعلم منه ضد ذلك، فنظيره في ~~مسألتنا أنه يعرف له حالة إفاقة، ولا يعلم منه ضدها، وفي مسألتنا قد تقدم ~~له حالة جنون، فيجوز أن تكون قد استمرت إلى حين قذفه. وأما إن كانت الزوجة ~~غير مكلفة، فقذفها الزوج؛ نظرنا، فإن كانت طفلة لا يجامع مثلها، فلا حد على ~~قاذفها؛ لأنه قول يتيقن كذبه فيه، وبراءة عرضها ms4201 منه، فلم يجب به حد كما لو ~~قال: أهل الدنيا زناة. ولكنه يعزر للسب، لا للقذف، ولا يحتاج في التعزير ~~إلى مطالبة؛ لأنه مشروع لتأديبه، وللإمام فعله إذا رأى ذلك. # فإن كانت يجامع مثلها، كابنة تسع سنين، فعليه الحد، وليس لوليها ولا لها ~~المطالبة به حتى تبلغ، فإذا بلغت فطالبت، فلها الحد، وله إسقاطه باللعان، ~~وليس له لعانها قبل البلوغ؛ لأن اللعان يراد لإسقاط الحد أو نفي الولد، ولا ~~حد عليه قبل بلوغها، ولا ولد فينفيه، فإن أتت بولد حكم ببلوغها؛ لأن الحمل ~~أحد أسباب البلوغ، ولأنه لا يكون إلا من نطفتها، فمن ضرورته إنزالها، وهو ~~من أسباب بلوغها. وإن قذف امرأته المجنونة بزنا أضافه إلى حال إفاقتها، أو ~~قذفها وهي عاقلة، ثم حنث، لم يكن لها المطالبة، ولا لوليها قبل إفاقتها؛ ~~لأن هذا طريقه التشفي، فلا ينوب عنه الولي فيه، كالقصاص، فإذا أفاقت فلها ~~المطالبة بالحد، وللزوج إسقاطه باللعان، وإن أراد لعانها في حال جنونها، ~~ولا ولد ينفيه، لم يكن له ذلك؛ لعدم الحاجة إليه، لأنه لم يتوجه عليه حد ~~فيسقطه، ولا نسب فينفيه. # وإن كان هناك ولد يريد نفيه، فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يلاعن، ويلحقه ~~الولد؛ لأن الولد إنما ينتفي باللعان من الزوجين، وهذه لا يصح منها لعان ~~وقد نص أحمد، في الخرساء، أن زوجها لا يلاعن. فهذه أولى. # PageV08P051 # وقال الخرقي في العاقلة: لا يعرض له حتى تطالبه زوجته. وهذا قول أصحاب ~~الرأي؛ لأنها أحد الزوجين، فلم يشرع اللعان مع جنونه، كالزوج، ولأن لعان ~~الزوج وحده لا ينتفي به الولد، فلا فائدة في مشروعيته. وقال القاضي: له أن ~~يلاعن لنفي الولد؛ لأنه محتاج إلى نفيه، فشرع له طريق إلى نفيه. وقال ~~الشافعي: له أن يلاعن. وظاهر مذهبه أن له لعانها مع عدم الولد، لدخوله في ~~عموم قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] . # ولأنه زوج مكلف، قاذف لامرأته، التي يولد لمثلها، فكان له أن يلاعنها، ~~كما لو كانت عاقلة. ### | [فصل حكم الأخرس والخرساء في اللعان] # (6236) فصل: فأما الأخرس ms4202 والخرساء؛ فإن كانا غير معلومي الإشارة ~~والكتابة، فهما كالمجنونين فيما ذكرناه؛ لأنه لا يتصور منهما لعان، ولا ~~يعلم من الزوج قذف، ولا من المرأة مطالبة. وإن كانا معلومي الإشارة ~~والكتابة، فقد قال أحمد؛ إذا كانت المرأة خرساء لم تلاعن؛ لأنه لا تعلم ~~مطالبتها. وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وأبي عبيد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. ~~وكذلك ينبغي أن يكون في الأخرس؛ وذلك لأن اللعان لفظ يفتقر إلى الشهادة، ~~فلم يصح من الأخرس، كالشهادة الحقيقية، ولأن الحد يدرأ بالشبهات، والإشارة ~~ليست صريحة كالنطق، فلا تخلو من احتمال وتردد، فلا يجب الحد بها، كما لا ~~يجب على أجنبي بشهادته. وقال القاضي، وأبو الخطاب: هو كالناطق في قذفه ~~ولعانه. # وهو مذهب الشافعي؛ لأنه يصح طلاقه، فصح قذفه ولعانه، كالناطق، ويفارق ~~الشهادة؛ لأنه يمكن حصولها من غيره، فلم تدع الحاجة إلى الأخرس، وفي اللعان ~~لا يحصل إلا منه، فدعت الحاجة إلى قبوله منه، كالطلاق. والأول أحسن؛ لأن ~~موجب القذف وجوب الحد، وهو يدرأ بالشبهات، ومقصود اللعان الأصلي نفي النسب، ~~وهو يثبت بالإمكان، مع ظهور انتفائه، فلا ينبغي أن يشرع ما ينفيه، ولا ما ~~يوجب الحد مع الشبهة العظيمة، ولذلك لم تقبل شهادته. وقولهم: إن الشهادة ~~تحصل من غيره. قلنا: قد لا تحصل إلا منه؛ لاختصاصه برؤية المشهود به، أو ~~سماعه إياه. ### | [فصل قذف الأخرس أو لاعن ثم تكلم فأنكر القذف واللعان] # (6237) فصل: فإن قذف الأخرس أو لاعن ثم تكلم، فأنكر القذف واللعان، لم ~~يقبل إنكاره للقذف؛ لأنه قد تعلق به حق لغيره بحكم الظاهر، فلا يقبل إنكاره ~~له، ويقبل إنكاره للعان فيما عليه، فيطالب بالحد، ويلحقه النسب، ولا تعود ~~الزوجية، فإن قال: أنا ألاعن للحد ونفي النسب. كان له ذلك؛ لأنه إنما لزمه ~~بإقراره أنه لم يلاعن، فإذا أراد أن يلاعن كان له ذلك. # PageV08P052 ### | [فصل قذفها وهو ناطق ثم خرس وأيس من نطقه] # (6238) فصل: فإن قذفها وهو ناطق، ثم خرس، وأيس من نطقه، فحكمه حكم الأخرس ~~الأصلي، وإن رجي عود نطقه، وزوال خرسه، انتظر به ذلك، ms4203 ويرجع في معرفة ذلك ~~إلى قول عدلين من أطباء المسلمين. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. وذكر بعضهم ~~أنه يلاعن في الحالين بالإشارة؛ لأن أمامة بنت أبي العاص أصمتت، فقيل لها: ~~لفلان كذا، ولفلان كذا؟ فأشارت أن نعم، فرأوا أنها وصية. وهذا لا حجة فيه؛ ~~لأنه لم يذكر من الراوي لذلك، ولم يعلم أنه قول من قوله حجة، ولا علم هل ~~كان ذلك لخرس يرجى زواله أو لا؟ وقال أبو الخطاب في من اعتقل لسانه، وأيس ~~من نطقه: هل يصح لعانه بالإشارة؟ على وجهين. ### | [فصل كل موضع لا لعان فيه فالنسب لاحق فيه] # (6239) فصل: وكل موضع لا لعان فيه، فالنسب لاحق فيه، ويجب بالقذف موجبه ~~من الحد والتعزير، إلا أن يكون القاذف صبيا، أو مجنونا، فلا ضرب فيه، ولا ~~لعان. كذلك قال الثوري، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي، وابن المنذر، وقال: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم. ### | [فصل لا لعان بين غير الزوجين] # (6240) الفصل الثاني: أنه لا لعان بين غير الزوجين، فإذا قذف أجنبية ~~محصنة، حد ولم يلاعن، وإن لم تكن محصنة عزر، ولا لعان أيضا. ولا خلاف في ~~هذا؛ وذلك لأن الله تعالى قال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . ثم خص الزوجات من عموم هذه الآية ~~بقوله سبحانه وتعالى: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] . ففيما عداهن ~~يبقى على قضية العموم. وإن ملك أمة، ثم قذفها، فلا لعان، سواء كانت فراشا ~~له، أو لم تكن، ولا حد عليه بقذفها، ويعزر. فإن أتت بولد نظرنا؛ فإن لم ~~يعترف بوطئها، لم يلحقه نسبه، ولم يحتج إلى نفيه، وإن اعترف بوطئها، صارت ~~فراشا له. # وإذا أتت بولد لمدة الحمل من يوم الوطء لحقه. وبهذا قال مالك، والشافعي. ~~وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا تصير فراشا له حتى يقر بولدها، فإذا أقر به ~~صارت فراشا له، ولحقه أولادها بعد ذلك؛ لأنها لو صارت فراشا بالوطء، لصارت ~~فراشا بإباحته، كالزوجة. ولنا، أن سعدا نازع عبد بن زمعة في ابن ms4204 وليدة ~~زمعة، فقال: هو أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر» . متفق ~~عليه. # PageV08P053 # وروى ابن عمر، أن عمر - رضي الله عنه - قال: ما بال رجال يطئون ولائدهم، ~~ثم يعزلونهن، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها، إلا ألحقت به ~~ولدها، فاعزلوا بعد ذلك، أو اتركوا. # ولأن الوطء يتعلق به تحريم المصاهرة، فإذا كان مشروعا صارت به المرأة ~~فراشا، كالنكاح، ولأن المرأة إنما سميت فراشا تجوزا، إما لمضاجعته لها على ~~الفراش، وإما لكونها تحته في حال المجامعة، وكلا الأمرين يحصل في الجماع، ~~وقياسهم الوطء على الملك لا يصح؛ لأن الملك لا يتعلق به تحريم المصاهرة، ~~ولا يحصل منه الولد بدون الوطء، ويفارق النكاح؛ فإنه لا يرد إلا للوطء، ~~ويتعلق به تحريم المصاهرة، ولا ينعقد في محل يحرم الوطء فيه، كالمجوسية ~~والوثنية وذوات محارمه. إذا ثبت هذا، فإن أراد نفي ولد أمته التي يلحقه ~~ولدها، فطريقه أن يدعي أنه استبرأها بعد وطئه لها بحيضة، فينتفي بذلك. # وإن ادعى أنه كان يعزل عنها، لم ينتف عنه بذلك؛ لما روى جابر قال: جاء ~~رجل من الأنصار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن لي جارية، ~~وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل. فقال: «اعزل عنها إن شئت، فإنه ~~سيأتيها ما قدر لها. قال: فلبث الرجل، ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حملت. ~~قال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها» . رواه أبو داود. وروي عن أبي ~~سعيد، أنه قال: كنت أعزل عن جاريتي، فولدت أحب الخلق إلي. يعني ابنه. # ولحديث عمر الذي ذكرناه. ولأنه حكم تعلق بالوطء، فلم يعتبر معه الإنزال، ~~كسائر الأحكام. وقد قيل: إنه ينزل من الماء ما لا يحس به. وإن أقر بالوطء ~~دون الفرج، أو في الدبر، لم تصر بذلك فراشا؛ لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في ~~معنى المنصوص، ولأنه ينتفي عنه الولد بدعوى الاستبراء إذا أتت به بعد ~~الاستبراء بمدة ms4205 الحمل، فهاهنا أولى. وروي عن أحمد أنها تصير فراشا؛ لأنه قد ~~يجامع، فيسبق الماء إلى الفرج. ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين، وإذا ادعى ~~الاستبراء، قبل قوله بغير يمين، في أحد الوجهين؛ لأن من قبل قوله في ~~الاستبراء، قبل بغير يمين، كالمرأة تدعي انقضاء عدتها. وفي الآخر، يستحلف. # وهو مذهب الشافعي؛ لعموم قوله - عليه السلام -: " ولكن اليمين على المدعى ~~عليه ". ولأن الاستبراء غير مختص به، فلم يقبل قوله فيه بغير يمين، كسائر ~~الحقوق، بخلاف العدة. ومتى لم يدع الاستبراء، لحقه ولدها، ولم ينتف عنه. ~~وقال الشافعي، في أحد قوليه: له نفيه باللعان؛ لأنه لم يرض به، فأشبه ولد ~~المرأة. # ولنا، قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] . فخص بذلك ~~الأزواج، ولأنه ولد يلحقه نسبه من غير الزوجة، فلم يملك نفيه باللعان، كما ~~لو وطئ أجنبية بشبهة، فألحقت القافة ولدها به، ولأن له طريقا إلى نفي الولد ~~بغير اللعان، فلم يحتج إلى نفيه باللعان، فلا يشرع، ولأنه إذا وطئ أمته ولم ~~يستبرئها، # PageV08P054 # فأتت بولد، احتمل أن يكون منه، فلم يجز له نفيه؛ لكون النسب يلحق ~~بالإمكان، فكيف مع ظهور وجود سببه، ولو ادعى الاستبراء. فأتت بولدين، فأقر ~~بأحدهما ونفى الآخر، لحقاه معا؛ لأنه لا يمكن جعل أحدهما منه والآخر من ~~غيره، وهما حمل واحد، ولا يجوز نفي الولد المقر به عنه مع إقراره به، فوجب ~~إلحاقهما به معا. وكذلك إن أتت أمته التي لم يعترف بوطئها بتوأمين، فاعترف ~~بأحدهما، ونفى الآخر. ### | [فصل نكح امرأة نكاحا فاسدا ثم قذفها وبينهما ولد يريد نفيه] # (6241) فصل: وإذا نكح امرأة نكاحا فاسدا، ثم قذفها، وبينهما ولد يريد ~~نفيه، فله أن يلاعن لنفيه، ولا حد عليه. وإن لم يكن بينهما ولد، حد ولا ~~لعان بينهما. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يلحقه الولد، وليس له ~~نفيه، ولا اللعان؛ لأنها أجنبية، فأشبهت سائر الأجنبيات، أو إذا لم يكن ~~بينهما ولد. ولنا، أن هذا ولد يلحقه بحكم عقد النكاح، فكان له نفيه، كما لو ~~كان النكاح صحيحا، ويفارق إذا لم يكن ms4206 ولد، فإنه لا حاجة إلى القذف؛ لكونها ~~أجنبية، ويفارق سائر الأجنبيات؛ لأنه لا يلحقه ولدهن، فلا حاجة به إلى ~~قذفهن، ويفارق الزوجة. # فإنه يحتاج إلى قذفها مع عدم الولد، لكونها خانته وغاظته وأفسدت فراشه، ~~فإذا كان له منها ولد، فالحاجة موجودة فيهما، وإذا لاعن سقط الحد؛ لأنه ~~لعان مشروع لنفي الحد، فأسقط الحد، كاللعان في النكاح الصحيح. وهل يثبت ~~التحريم المؤبد؟ فيه وجهان: أحدهما، يثبته؛ لأنه لعان صحيح، أشبه لعان ~~الزوجة. والثاني، لا يثبته؛ لأن الفرقة لم تحصل به، فإنه لا نكاح بينهما ~~يحصل قطعه به، بخلاف لعان الزوجة، فإن الفرقة حصلت به. ولو لاعنها من غير ~~ولد، لم يسقط الحد، ولم يثبت التحريم المؤبد؛ لأنه لعان فاسد، فلم تثبت ~~أحكامه. # وسواء اعتقد أن النكاح صحيح أو لم يعتقد ذلك؛ لأن النكاح في نفسه ليس ~~بنكاح صحيح، فأشبه ما لو لاعن أجنبية يظنها زوجته. ### | [فصل أبان زوجته ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية] # (6242) فصل: فلو أبان زوجته، ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية، فهي ~~كالمسألة قبلها؛ إن كان بينهما ولد يريد نفيه، فله أن ينفيه باللعان، وإلا ~~حد ولم يلاعن. وبهذا قال مالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة: يحد، ويلحقه ~~الولد، ولا يلاعن. وهو قول عطاء. ووجه المذهبين ما تقدم في التي قبلها. # PageV08P055 # وقال عثمان البتي: له أن يلاعن، وإن لم يكن بينهما ولد. وروي عن ابن ~~عباس، والحسن، أنه يلاعنها؛ لأنه قذف مضاف إلى حال الزوجية، أشبه ما لو ~~كانت زوجته. # ولنا أنه إذا كان بينهما ولد فبه حاجة إلى القذف، فشرع، كما لو قذفها وهي ~~زوجته، وإذا لم يكن له ولد، فلا حاجة به إليه، وقد قذفها وهي أجنبية، فأشبه ~~ما لو لم يضفه إلى حال الزوجية. ومتى لاعنها لنفي ولدها انتفى، وسقط عنه ~~الحد. وفي ثبوت التحريم المؤبد وجهان. وهل له أن يلاعنها قبل وضع الولد؟ ~~فيه وجهان: أحدهما، له ذلك؛ لأن من كان له لعانها بعد الوضع، كان له لعانها ~~قبله، كالزوجة. والثاني، ليس له ms4207 ذلك، وهو ظاهر قول الخرقي؛ لأن الولد عنده ~~لا ينتفي في حال الحمل، ولأن اللعان إنما يثبت هاهنا لأجل الولد، فلم يجز ~~أن يلاعن إلا بعد تحققه بوضعه، بخلاف الزوجة، فإنه يجوز لعانها مع عدم ~~الولد. وهكذا الحكم في نفي الحمل في النكاح الفاسد. ### | [فصل اشترى زوجته الأمة ثم أقر بوطئها ثم أتت بولد لستة أشهر] # (6243) فصل: إذا اشترى زوجته الأمة، ثم أقر بوطئها، ثم أتت بولد لستة ~~أشهر، كان لاحقا به، ولم ينتف عنه إلا بدعوى الاستبراء؛ لأنه ملحق به ~~بالوطء في الملك دون النكاح، لكون الملك حاضرا، فصار كالزوج الثاني، يلحق ~~به الولد وإن أمكن أن يكون من الأول. وإن لم يكن أقر بوطئها، أو أقر به ~~فأتت بولد لدون ستة أشهر منذ وطئ، كان ملحقا بالنكاح، إن أمكن ذلك، وله ~~نفيه باللعان، وهل يثبت هذا اللعان التحريم المؤبد؟ على وجهين. ### | [فصل قذف مطلقته الرجعية] # (6244) فصل: إذا قذف مطلقته الرجعية، فله لعانها، سواء كان بينهما ولد أو ~~لم يكن. قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله، عن الرجل يطلق تطليقة أو ~~تطليقتين، ثم يقذفها. قال: قال ابن عباس: لا يلاعن، ويجلد. وقال ابن عمر: ~~يلاعن ما دامت في العدة. قال: وقول ابن عمر أجود؛ لأنها زوجته، وهو يرثها ~~وترثه، فهو يلاعن. وبهذا قال جابر بن زيد، والنخعي، والزهري، وقتادة، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن ابن ~~عمر؛ لأن الرجعية زوجة فكان له لعانها، كما لو لم يطلقها. ### | [فصل قذف زوجته ثم أبانها] # (6245) فصل: وإن قذف زوجته ثم أبانها، فله لعانها. نص عليه أحمد، سواء ~~كان له ولد أو لم يكن. وروي ذلك # PageV08P056 # عن ابن عباس. وبه قال الحسن، والقاسم بن محمد، ومكحول، ومالك، والشافعي، ~~وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال الحارث العكلي، وجابر بن زيد، ~~وقتادة، والحكم: يجلد. وقال حماد بن أبي سليمان، وأصحاب الرأي: لا حد ولا ~~لعان؛ لأن اللعان إنما يكون بين الزوجين، وليس هذان بزوجين، ولا يحد؛ لأنه ~~لم ms4208 يقذف أجنبية. ولنا قول الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] . ~~وهذا قد رمى زوجته، فيدخل في عموم الآية، وإذا لم يلاعن وجب الحد بعموم ~~قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة} [النور: 4] . ولأنه قاذف لزوجته، فوجب أن يكون له أن يلاعن، ~~كما لو كانا على النكاح إلى حالة اللعان. ### | [فصل قالت قذفني قبل أن يتزوجني وقال بل بعده] # (6246) فصل: وإن قالت: قذفني قبل أن يتزوجني. وقال: بل بعده. أو قالت: ~~قذفني بعد ما بنت منه. وقال: بل قبله. فالقول قوله؛ لأن القول قوله في أصل ~~القذف، فكذلك في وقته. وإن قالت أجنبية: قذفني. فقال: كنت زوجتي حينئذ. ~~فأنكرت الزوجية، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدمها. ### | [فصل قذف أجنبية ثم تزوجها] # (6247) فصل: ولو قذف أجنبية، ثم تزوجها، فعليه الحد، ولا يلاعن؛ لأنه وجب ~~في حال كونها أجنبية، فلم يملك اللعان من أجله، كما لو لم يتزوجها. وإن ~~قذفها بعد تزوجها بزنا أضافه إلى ما قبل النكاح، حد، ولم يلاعن، سواء كان ~~ثم ولد أو لم يكن. وهو قول مالك وأبي ثور. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، ~~والشعبي. وقال الحسن، وزرارة بن أبي أوفى، وأصحاب الرأي: له أن يلاعن؛ لأنه ~~قذف امرأته، فيدخل في عموم قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] ~~. ولأنه قذف امرأته، فأشبه ما لو قذفها ولم يضفه إلى ما قبل النكاح. وحكى ~~الشريف أبو جعفر عن أحمد رواية أخرى كذلك. وقال الشافعي: إن لم يكن ثم ولد، ~~لم يلاعن، وإن كان بينهما ولد، ففيه وجهان. # ولنا أنه قذفها قذفا مضافا إلى حال البينونة، أشبه ما لو قذفها وهي بائن، ~~وفارق قذف الزوجة، لأنه محتاج إليه لأنها غاظته وخانته، وإن كان بينهما ~~ولد، فهو محتاج إلى نفيه، وهاهنا إذا تزوجها وهو يعلم زناها، فهو المفرط في ~~نكاح حامل من الزنا، فلا يشرع له طريق إلى نفيه. # PageV08P057 ### | [فصل قال لامرأته أنت طالق ثلاثا يا زانية] # (6248) فصل: ولو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا يا زانية. فنقل ms4209 مهنا، قال: ~~سألت أحمد، عن رجل قال لامرأته: أنت طالق يا زانية. ثلاثا، فقال: يلاعن. ~~قلت: فإنهم يقولون: يحد، ولا يلزمها إلا واحدة. قال: بئس ما يقولون. فهذا ~~يلاعن؛ لأنه قذفها قبل الحكم ببينونتها، فأشبه قذف الرجعية. وأما في ~~المسألة الأولى، فإن كان بينهما ولد، فإنه يلاعن؛ لنفيه، وإلا حد ولم ~~يلاعن؛ لأنه يتعين إضافة القذف إلى حال الزوجية؛ لاستحالة الزنا منها بعد ~~طلاقه لها، فصار كأنه قال لها بعد إبانتها: زنيت إذ كنت زوجتي. على ما ~~قررناه. ### | [فصل كل قذف للزوجة يجب به اللعان] # (6249) الفصل الثالث: أن كل قذف للزوجة يجب به اللعان، سواء قال لها: ~~زنيت. أو: رأيتك تزنين. سواء كان القاذف أعمى أو بصيرا. نص عليه أحمد. ~~وبهذا قال الثوري، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور. وهو قول عطاء. وقال يحيى ~~الأنصاري، وأبو الزناد، ومالك: لا يكون اللعان إلا بأحد أمرين: إما رؤية، ~~وإما إنكار للحمل؛ لأن آية اللعان نزلت في هلال بن أمية، وكان قال: رأيت ~~بعيني، وسمعت بأذني. فلا يثبت اللعان إلا في مثله. # ولنا قول الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] الآية. وهذا رام ~~لزوجته، فيدخل في عموم الآية، ولأن اللعان معنى يتخلص به من موجب القذف، ~~فيشرع في حق كل رام لزوجته، كالبينة. والأخذ بعموم اللفظ أولى من خصوص ~~السبب، ثم لم يعملوا به في قوله: وسمعت بأذني. وسواء قذفها بزنا في القبل ~~أو في الدبر. وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يثبت اللعان بالقذف ~~بالوطء في الدبر. وبناه على أصله، في أن ذلك لا يجب به الحد. ولنا، أنه رام ~~لزوجته بوطء في فرجها، فأشبه ما لو قذفها بالوطء في قبلها. وأما إن قذفها ~~بالوطء دون الفرج، أو بشيء من الفواحش غير الزنا، فلا حد عليه، ولا لعان؛ ~~لأنه قذفها بما لا يجب به الحد فلم يثبت به الحد واللعان، كما لو قذفها ~~بضرب الناس وأذاهم. ### | [فصل قذف زوجته المحصنة] # (6250) الفصل الرابع: أنه إذا قذف زوجته المحصنة، وجب عليه الحد، وحكم ~~بفسقه، ms4210 ورد شهادته، إلا أن يأتي ببينة أو يلاعن، فإن لم يأت بأربعة شهداء، ~~أو امتنع من اللعان، لزمه ذلك كله. وبهذا قال مالك، والشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: يجب اللعان دون الحد، فإن أبى حبس حتى يلاعن؛ لأن الله تعالى قال: ~~{والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات} [النور: 6] الآيات. # PageV08P058 # فلم يوجب بقذف الأزواج إلا اللعان. ولنا قول الله تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] وهذا عام في الزوج وغيره، وإنما ~~خص الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة، في نفي الحد والفسق ورد الشهادة ~~عنه. # وأيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البينة وإلا حد في ظهرك» . ~~وقوله لما لاعن: " عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ". ولأنه قاذف يلزمه ~~الحد لو أكذب نفسه، فلزمه إذا لم يأت بالبينة المشروعة، كالأجنبي. فأما إن ~~قذف غيرها كالكتابية والأمة، والمجنونة، والطفلة، فإنه يجب عليه التعزير ~~بذلك؛ لأنه أدخل عليهن المعرة بالقذف، ولا يحد لهن حدا كاملا لنقصانهن ~~بذلك، ولا يتعلق به فسق، ولا رد شهادة؛ لأنه لا يوجب الحد. قال القاضي: ~~وليس له إسقاط هذا التعزير باللعان؛ لأن اللعان إما لنفي النسب، أو لدرء ~~الحد، وليس هاهنا واحد منهما. # وقال الشافعي: له إسقاطه باللعان؛ لأنه إذا ملك إسقاط الحد الكامل ~~باللعان، فإسقاط ما دونه أولى. وللقاضي أن يقول: لا يلزم من مشروعيته لدفع ~~الحد الذي يعظم ضرره، مشروعيته لدفع ما يقل ضرره، كما لو قذف طفلة لا يتصور ~~وطؤها، فإنه يعزر تعزير السب والأذى، وليس له إسقاطه باللعان. كذا هاهنا. ~~وأما إن كان لأحد هؤلاء، ولا يريد نفيه، فقال القاضي: له أن يلاعن لنفيه. ~~وهذا قول الشافعي، وهو ظاهر كلام أحمد، في الأمة والكتابية، سواء كان لهما ~~ولد أو لم يكن. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى. ### | [مسألة لا يعرض للزوج في الحد حتى تطالبه زوجته باللعان] # (6251) مسألة قال: (ولا يعرض له، حتى تطالبه ms4211 زوجته) . يعني لا يتعرض له ~~بإقامة الحد عليه، ولا طلب اللعان منه، حتى تطالبه زوجته بذلك؛ فإن ذلك حق ~~لها، فلا يقام من غير طلبها، كسائر حقوقها. وليس لوليها المطالبة عنها إن ~~كانت مجنونة أو محجورا عليها، ولا لولي الصغيرة وسيد الأمة المطالبة ~~بالتعزير من أجلهما؛ لأن هذا حق ثبت للتشفي، فلا يقوم الغير فيه مقام ~~المستحق، كالقصاص. فإن أراد الزوج اللعان من غير مطالبة، نظرنا؛ فإن لم يكن ~~هناك نسب يريد نفيه، لم يكن له أن يلاعن، وكذلك كل موضع سقط فيه الحد، مثل ~~إن أقام البينة بزناها، أو أبرأته من قذفها، أو حد لها ثم أراد لعانها، ولا ~~نسب هناك ينفى، فإنه لا يشرع اللعان. وهذا قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم ~~فيه مخالفا، إلا بعض أصحاب الشافعي قالوا: له الملاعنة؛ لإزالة الفراش. # والصحيح عندهم مثل قول الجماعة؛ لأن إزالة الفراش تمكنه بالطلاق، ~~والتحريم المؤبد ليس # PageV08P059 # بمقصود يشرع اللعان من أجله، وإنما حصل ذلك ضمنا. فأما إن كان هناك ولد ~~يريد نفيه، فقال القاضي: له أن يلاعن لنفيه. وهذا مذهب الشافعي؛ لأن هلال ~~بن أمية لما قذف امرأته، وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، أرسل ~~إليها، فلاعن بينهما، ولم تكن طالبته. ولأنه محتاج إلى نفيه، فشرع له طريق ~~إليه، كما لو طالبته، ولأن نفي النسب الباطل حق له، فلا يسقط برضاها به، ~~كما لو طالبت باللعان ورضيت بالولد. ويحتمل أن لا يشرع اللعان هاهنا، كما ~~لو قذفها فصدقته، وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنه أحد موجبي القذف فلا يشرع مع ~~عدم المطالبة، كالحد. ### | [فصل قذفها ثم مات قبل لعانهما أو قبل إتمام لعانه] # (6252) فصل: وإذا قذفها ثم مات قبل لعانهما، أو قبل إتمام لعانه، سقط ~~اللعان، ولحقه الولد، وورثته، في قول الجميع؛ لأن اللعان لم يوجد، فلم يثبت ~~حكمه. وإن مات بعد أن أكمل لعانه، وقبل لعانها، فكذلك. وقال الشافعي: تبين ~~بلعانه، ويسقط التوارث، وينتفي الولد، ويلزمها الحد، إلا أن تلتعن. ولنا ~~أنه مات قبل إكمال اللعان، أشبه ms4212 ما لو مات قبل إكمال التعانه، وذلك لأن ~~الشرع إنما رتب هذه الأحكام على اللعان التام، والحكم لا يثبت قبل كمال ~~سببه. وإن ماتت المرأة قبل اللعان، فقد ماتت على الزوجية، ويرثها في قول ~~عامة أهل العلم. وروي عن ابن عباس: إن التعن، لم يرث. ونحو ذلك عن الشعبي، ~~وعكرمة؛ لأن اللعان يوجب فرقة تبين بها، فيمنع التوارث، كما لو التعن في ~~حياتها. # ولنا، أنها ماتت على الزوجية، فورثها، كما لو لم يلتعن، ولأن اللعان سبب ~~الفرقة فلم يثبت حكم بعد موتها كالطلاق، وفارق اللعان في الحياة، فإنه يقطع ~~الزوجية، على أننا قد ذكرنا أنه لو لاعنها ولم تلتعن هي، لم تنقطع الزوجية ~~أيضا، فهاهنا أولى. فإن قيل: أليس قد قلتم: لو التعن من الولد الميت ونفاه ~~لم يرثه فكذلك الزوجة؟ قلنا: لو التعن الزوج وحده دونها، لم ينتف الولد، ~~ولم يثبت حكم اللعان، على ما ذكرنا، ثم الفرق بينهما أنه إذا نفى الولد، ~~تبينا أنه لم يكن منه أصلا في حال من الأحوال، والزوجة قد كانت امرأته فيما ~~قبل اللعان، وإنما يزيل نكاحها اللعان، كما يزيله الطلاق. # فإذا ماتت قبله، فقد ماتت قبل وجود ما يزيله، فيكون موجودا حال الموت، ~~فيوجب التوارث، وينقطع بالموت، فلا يمكن انقطاعه مرة أخرى. وإن أراد الزوج ~~اللعان، ولم تكن طالبت بالحد في حياتها، لم يكن له أن يلتعن، سواء كان ثم ~~ولد يريد نفيه أو لم يكن. وقال الشافعي: إن كان ثم ولد يريد نفيه، فله أن ~~يلتعن. وهذا ينبني على أصل، وهو أن اللعان إنما يكون بين الزوجين، فإن لعان ~~الرجل وحده لا يثبت به حكم، وعندهم بخلاف ذلك. فأما إن كانت طالبت بالحد في ~~حياتها، فإن أولياءها يقومون في الطلب به مقامها، فإن طولب به، فله إسقاطه ~~باللعان. ذكره القاضي، وإلا فلا؛ لأنه لا حاجة إليه مع عدم الطلب، فإنه لا ~~حد عليه. # وقال أصحاب الشافعي: إن كان للمرأة وارث غير الزوج، فله اللعان، ليسقط ~~الحد عن نفسه، وإلا فلا؛ لعدم ms4213 الحاجة إليه. # PageV08P060 ### | [فصل مات المقذوف قبل المطالبة بالحد] # (6253) فصل: وإذا مات المقذوف قبل المطالبة بالحد، سقط، ولم يكن لورثته ~~الطلب به. وقال أصحاب الشافعي يورث، وإن لم يكن طالب به؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من ترك حقا فلورثته» . ولأنه حق ثبت له في الحياة، يورث ~~إذا طالب به، فيورث وإن لم يطالب به، كحق القصاص. ولنا، أنه حد تعتبر فيه ~~المطالبة، فإذا لم يوجد الطلب من المالك، لم يجب، كحد القطع في السرقة، ~~والحديث يدل على أن الحق المتروك يورث، وهذا ليس بمتروك، وأما حق القصاص، ~~فإنه حق يجوز الاعتياض عنه، وينتقل إلى المال، بخلاف ما نحن فيه، فأما إن ~~طالب به ثم مات، فإنه ترثه العصبات من النسب دون غيرهم؛ لأنه حق يثبت لدفع ~~العار، فاختص به العصبات، كولاية النكاح. وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي. ~~ومتى ثبت للعصبات، فلهم استيفاؤه. وإن طلب أحدهم وحده، فله استيفاؤه. # وإن عفى بعضهم، لم يسقط، وكان للباقين استيفاؤه. ولو بقي واحد، كان له ~~استيفاء جميعه؛ لأنه حق يراد للردع والزجر، فلم يتبعض، كسائر الحدود، ولا ~~يسقط بإسقاط البعض؛ لأنه يراد لدفع العار عن المقذوف، وكل واحد من العصبات ~~يقوم مقامه في استيفائه، فيثبت له جميعه، كولاية النكاح، ويفارق حق القصاص؛ ~~لأن ذلك يفوت إلى بدل، ولو أسقطناه هاهنا، لسقط حق غير العافي إلى غير بدل. ~~فعلى هذا، لو قذف امرأته فماتت بعد المطالبة، ولها أحد من عصباتها غيره، ~~فله استيفاؤه، وإن كان زوجها عصبتها، وليس لها أحد سواه، سقط. وإن كان لها ~~من عصبتها غيره، فله الطلب به، ولا يسقط؛ بما ذكرنا، من أنه يكمل لكل واحد، ~~بخلاف القصاص. ### | [فصل قذف امرأته وله بينة تشهد بزناها] # (6254) فصل: وإذا قذف امرأته، وله بينة، تشهد بزناها، فهو مخير بين ~~لعانها وبين إقامة البينة؛ لأنهما بينتان، فكانت له الخيرة في إقامة أيتهما ~~شاء، كمن له بدين شاهدان وشاهد وامرأتان، ولأن كل واحدة منهما يحصل بها ما ~~لا يحصل بالأخرى، فإنه يحصل باللعان نفي النسب ms4214 الباطل، ولا يحصل ذلك ~~بالبينة، ويحصل بالبينة ثبوت زناها، وإقامة الحد عليها، ولا يحصل باللعان، ~~فإن لاعنها ونفى ولدها، ثم أراد إقامة البينة، فله ذلك، فإذا أقامها، ثبت ~~موجب اللعان وموجب البينة، وإن أقام البينة أولا، ثبت الزنا وموجبه، ولم ~~ينتف عنه الولد؛ فإنه لا يلزم من الزنا كون الولد منه. وإن أراد لعانها بعد ~~ذلك، وليس بينهما ولد يريد نفيه، لم يكن له ذلك؛ لأن الحد قد انتفى عنه ~~بإقامة البينة، فلا حاجة إليه، وإن كان بينهما ولد يريد نفيه، فعلى قول ~~القاضي، له أن يلاعن وقد ذكرنا ذلك فيما مضى. ### | [فصل قذفها فطالبته بالحد فأقام شاهدين على إقرارها بالزنا] # (6255) فصل: وإن قذفها، فطالبته بالحد، فأقام شاهدين على إقرارها بالزنا، ~~سقط عنه الحد؛ لأنه ثبت تصديقها إياه، # PageV08P061 # ولم يجب عليها الحد؛ لأن الحد لا يجب إلا بالإقرار أربع مرات، ويسقط ~~بالرجوع عن الإقرار، وهل يثبت الإقرار بالزنا بشاهدين؟ قال أبو بكر: فيه ~~قولان: أحدهما، يثبت بشاهدين، كسائر الأقارير. واختاره. والثاني، لا يثبت ~~لأنه لا يثبت به المقر به، فلا يثبت به الإقرار به، كرجل وامرأتين. وإن لم ~~تكن له بينة حاضرة، فقال: لي بينة غائبة، أقيمها على الزنا. أمهل اليومين ~~والثلاثة؛ لأن ذلك قريب، فإن أتى بالبينة، وإلا حد، إلا أن يلاعن إذا كان ~~زوجا. فإن قال: قذفتها وهي صغيرة. وقالت: قذفني وأنا كبيرة. وأقام كل واحد ~~منهما بينة بما قال، فهما قذفان. # وكذلك إن اختلفا في الكفر والرق أو الوقت؛ لأنه لا تنافي بينهما، إلا أن ~~يكونا مؤرخين تأريخا واحدا، فيسقطان في أحد الوجهين، وفي الآخر، يقرع ~~بينهما، فمن خرجت قرعته، قدمت بينته. ### | [فصل شهد شاهدان أنه قذف فلانة وقذفنا] # (6256) فصل: فإن شهد شاهدان أنه قذف فلانة وقذفنا. لم تقبل شهادتهما؛ ~~لاعترافهما بعداوته لهما، وشهادة العدو لا تقبل على عدوه. فإن أبرآه وزالت ~~العداوة، ثم شهدا عليه بذلك القذف، لم تقبل؛ لأنها ردت للتهمة، فلم تقبل ~~بعد، كالفاسق إذا شهد فردت شهادته لفسقه ثم تاب وأعادها. ولو أنهما ms4215 ادعيا ~~عليه أنه قذفهما، ثم أبرآه وزالت العداوة، ثم شهدا عليه بقذف زوجته، قبلت ~~شهادتهما؛ لأنهما لم يردا في هذه الشهادة. ولو شهدا أنه قذف امرأته، ثم ~~ادعيا بعد ذلك أنه قذفهما، فإن أضافا دعواهما إلى ما قبل شهادتهما، بطلت ~~شهادتهما؛ لاعترافهما أنه كان عدوا لهما حين شهدا عليه. # وإن لم يضيفاها إلى ذلك الوقت، وكان ذلك قبل الحكم بشهادتهما، لم يحكم ~~بها؛ لأنه لا يحكم عليه بشهادة عدوين، وإن كانا بعد الحكم، لم يبطل؛ لأن ~~الحكم تم قبل وجود المانع، كظهور الفسق. وإن شهدا أنه قذف امرأته وأمنا، لم ~~تقبل شهادتهما؛ لأنها ردت في البعض للتهمة، فوجب أن ترد للكل. وإن شهدا على ~~أبيهما أنه قذف ضرة أمهما، قبلت شهادتهما. # وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد. وقال في القديم: لا ~~تقبل؛ لأنهما يجران إلى أمهما نفعا، وهو أنه يلاعنها، فتبين، ويتوفر على ~~أمهما. وليس بشيء، لأن لعانه لها ينبني على معرفته بزناها، لا على الشهادة ~~عليه بما لا يعترف به. وإن شهدا بطلاق الضرة، ففيه وجهان: أحدهما، لا تقبل؛ ~~لأنهما يجران إلى أمهما نفعا، وهو توفيره على أمهما. والثاني، تقبل، لأنهما ~~لا يجران إلى أنفسهما نفعا. ### | [فصل شهد شاهد أنه أقر بالعربية أنه قذفها وشهد آخر أنه أقر بذلك بالعجمية] # (6257) فصل: ولو شهد شاهد أنه أقر بالعربية أنه قذفها، وشهد آخر أنه أقر ~~بذلك بالعجمية، تمت الشهادة، لأن # PageV08P062 # الاختلاف في العربية والعجمية عائد إلى الإقرار دون القذف، ويجوز أن يكون ~~القذف واحدا والإقرار به في مرتين، وكذلك لو شهد أحدهما أنه أقر يوم الخميس ~~بقذفها، وشهد آخر أنه أقر بذلك يوم الجمعة، تمت الشهادة؛ لما ذكرناه. وإن ~~شهد أحدهما أنه قذفها بالعربية، وشهد الآخر أنه قذفها بالعجمية، أو شهد ~~أحدهما أنه قذفها يوم الخميس، وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة، أو شهد ~~أحدهما أنه أقر أنه قذفها بالعربية أو يوم الخميس، وشهد الآخر أنه أقر أنه ~~قذفها بالعجمية أو يوم الجمعة، ففيه وجهان: أحدهما، تكمل الشهادة. # وهو ms4216 قول أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة؛ لأن الوقت ليس ذكره شرطا في الشهادة ~~بالقذف، وكذلك اللسان، فلم يؤثر الاختلاف، كما لو شهد أحدهما أنه أقر ~~بقذفها يوم الخميس بالعربية، وشهد الآخر أنه أقر بقذفها يوم الجمعة ~~بالعجمية. والآخر لا تكمل الشهادة. وهو مذهب الشافعي؛ لأنهما قذفان لم تتم ~~الشهادة على واحد منهما، فلم تثبت، كما لو شهد أحدهما أنه تزوجها يوم ~~الخميس، وشهد الآخر أنه تزوجها يوم الجمعة، وفارق الإقرار بالقذف، فإنه ~~يجوز أن يكون المقر به واحدا، أقر به في وقتين بلسانين. ### | [مسألة متى تلاعنا وفرق الحاكم بينهما لم يجتمعا أبدا] # (6258) مسألة قال: (فمتى تلاعنا وفرق الحاكم بينهما، لم يجتمعا أبدا) . ~~في هذه المسألة مسألتان: (6259) المسألة الأولى: أن الفرقة بين المتلاعنين ~~لا تحصل إلا بلعانهما جميعا، وهل يعتبر تفريق الحاكم بينهما؟ فيه روايتان: ~~إحداهما، أنه معتبر فلا تحصل الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما. وهو ظاهر كلام ~~الخرقي، وقول أصحاب الرأي؛ لقول ابن عباس في حديثه: ففرق رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بينهما. وهذا يقتضي أن الفرقة لم تحصل قبله. وفي حديث ~~عويمر، قال: كذبت عليها يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أمسكتها. ~~فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا يقتضي ~~إمكان إمساكها، وأنه وقع طلاقه، ولو كانت الفرقة وقعت قبل ذلك، لما وقع ~~طلاقه، ولا أمكنه إمساكها. # ولأن سبب هذه الفرقة يقف على الحاكم، فالفرقة المتعلقة به لم تقع إلا ~~بحكم الحاكم، كفرقة العنة. والرواية الثانية، تحصل الفرقة بمجرد لعانهما. ~~وهي اختيار أبي بكر، وقول مالك، وأبي عبيد، عنه وأبي ثور، وداود، وزفر، ~~وابن المنذر. وروي ذلك عن ابن عباس؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - # PageV08P063 # أنه قال: المتلاعنان يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبدا. رواه سعيد. ولأنه ~~معنى يقتضي التحريم المؤبد، فلم يقف على حكم الحاكم، كالرضاع، ولأن الفرقة ~~لو لم تحصل إلا بتفريق الحاكم، لساغ ترك التفريق إذا كرهاه، كالتفريق للعيب ~~والإعسار، ولوجب أن الحاكم إذا لم يفرق بينهما، ms4217 أن يبقى النكاح مستمرا، ~~وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا سبيل لك عليها» . يدل على هذا، ~~وتفريقه بينهما، بمعنى إعلامه لهما بحصول الفرقة، وعلى كلتا الروايتين، لا ~~تحصل الفرقة قبل تمام اللعان منهما. # وقال الشافعي، - رحمه الله تعالى -: تحصل الفرقة بلعان الزوج وحده، وإن ~~لم تلتعن المرأة؛ لأنها فرقة حاصلة بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده، ~~كالطلاق. ولا نعلم أحدا وافق الشافعي على هذا القول، وحكي عن البتي أنه لا ~~يتعلق باللعان فرقة؛ لما روي أن العجلاني لما لاعن امرأته طلقها ثلاثا، ~~فأنفذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو وقعت الفرقة، لما نفذ طلاقه، ~~وكلا القولين لا يصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بين ~~المتلاعنين. # رواه عبد الله بن عمر، وسهل بن سعد، وأخرجهما مسلم. وقال سهل: فكانت سنة ~~لمن كان بعدهما، أن يفرق بين المتلاعنين. وقال عمر: المتلاعنان يفرق ~~بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا. وأما القول الآخر، فلا يصح؛ لأن الشرع إنما ~~ورد بالتفريق بين المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين بلعان أحدهما، وإنما فرق ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما بعد تمام اللعان منهما، فالقول بوقوع ~~الفرقة قبله، تحكم يخالف مدلول السنة وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولأن لفظ اللعان لا يقتضي فرقة؛ فإنه إما أيمان على زناها، أو شهادة بذلك، ~~ولولا ورود الشرع بالتفريق بينهما، لم يحصل التفريق، وإنما ورد الشرع به ~~بعد لعانهما، فلا يجوز تعليقه على بعضه، كما لم يجز تعليقه على بعض لعان ~~الزوج، ولأنه فسخ ثبت بأيمان مختلفين، فلم يثبت بيمين أحدهما، كالفسخ ~~لتحالف المتبايعين عند الاختلاف، ويبطل ما ذكروه بالفسخ بالعيب أو العتق، ~~وقول الزوج: اختاري. وأمرك بيدك. أو: وهبتك لأهلك أو لنفسك. وأشباه ذلك ~~كثير. إذا ثبت هذا، فإن قلنا: إن الفرقة تحصل بلعانهما. فلا تحصل إلا بعد ~~إكمال اللعان منهما. # وإن قلنا: لا تحصل إلا بتفريق الحاكم. لم يجز له أن يفرق بينهما إلا بعد ~~كمال لعانهما، فإن فرق قبل ذلك كان تفريقه باطلا، وجوده كعدمه. وبهذا قال ms4218 ~~مالك. وقال الشافعي: لا تقع الفرقة حتى يكمل الزوج لعانه. وقال أبو حنيفة، ~~ومحمد بن الحسن: إذا فرق بينهما بعد أن لاعن كل واحد منهما ثلاث مرات، أخطأ ~~السنة، والفرقة جائزة، وإن فرق بينهما بأقل من ثلاث، فالفرقة باطلة؛ لأن من ~~أتى بالثلاث فقد أتى بالأكثر، فيتعلق الحكم به. # PageV08P064 # ولنا أنه تفريق قبل تمام اللعان، فلم يصح، كما لو فرق بينهما لأقل من ~~ثلاث، أو قبل لعان المرأة، ولأنها أيمان مشروعة، لا يجوز للحاكم الحكم ~~قبلها بالإجماع، فإذا حكم، لم يصح حكمه. كأيمان المختلفين في البيع. # وكما قبل الثلاث، ولأن الشرع إنما ورد بالتفريق بعد كمال السبب فلم يجز ~~قبله، كسائر الأسباب، وما ذكروه تحكم لا دليل عليه، ولا أصل له، ثم يبطل ~~بما إذا شهد بالدين رجل وامرأة واحدة. أو بمن توجهت عليه اليمين إذا أتى ~~بأكثر حروفها، وبالمسابقة إذا قال: من سبق إلى خمس إصابات. فسبق إلى ثلاثة، ~~وبسائر الأسباب، فأما إذا تم اللعان فللحاكم أن يفرق بينهما من غير ~~استئذانهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بين المتلاعنين، ولم ~~يستأذنهما. وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، «أن رجلا لاعن امرأته في زمن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بينهما، وألحق الولد بالمرأة» . وروى سفيان، عن الزهري، ~~عن سهل بن سعد، قال: «شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرق بين ~~المتلاعنين» . أخرجهما سعيد. # ومتى قلنا: إن الفرقة لا تحصل إلا بتفريق الحاكم. فلم يفرق بينهما، ~~فالنكاح باق بحاله؛ لأن ما يبطل النكاح لم يوجد، فأشبه ما لو لم يلاعن. ### | [فصل فرقة اللعان فسخ] # (6260) فصل: وفرقة اللعان فسخ. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: هي ~~طلاق؛ لأنها فرقة من جهة الزوج، تختص النكاح، فكانت طلاقا، كالفرقة بقوله: ~~أنت طالق. # ولنا أنها فرقة توجب تحريما مؤبدا، فكانت فسخا، كفرقة الرضاع، ولأن ~~اللعان ليس بصريح في الطلاق، ولا نوى به الطلاق، فلم يكن طلاقا، كسائر ما ~~ينفسخ به ms4219 النكاح، ولأنه لو كان طلاقا، لوقع بلعان الزوج دون لعان المرأة. ### | [فصل تحصل الفرقة باللعان] # (6261) فصل: وذكر بعض أهل العلم، أن الفرقة إنما حصلت باللعان؛ لأن لعنة ~~الله وغضبه قد وقع بأحدهما لتلاعنهما، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال عند الخامسة: إنها الموجبة. أي إنها توجب لعنة الله وغضبه، ولا نعلم من ~~هو منهما يقينا، ففرقنا بينهما خشية أن يكون هو الملعون، فيعلو امرأة غير # PageV08P065 # ملعونة، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز أن يعلو المسلمة كافر، ويمكن أن يقال ~~على هذا: لو كان هذا الاحتمال مانعا من دوام نكاحهما، لمنعه من نكاح غيرها، ~~فإن هذا الاحتمال متحقق فيه. # ويحتمل أن يكون الموجب للفرقة وقوع اللعنة والغضب بأحدهما غير معين، ~~فيفضي إلى علو ملعون لغير ملعونة، أو إلى إمساكه لملعونة مغضوب عليها. ~~ويحتمل أن سبب الفرقة النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه، ~~فإن الرجل إن كان صادقا، فقد أشاع فاحشتها، وفضحها على رءوس الأشهاد، ~~وأقامها مقام خزي، وحقق عليها اللعنة والغضب، وقطع نسب ولدها، وإن كان ~~كاذبا، فقد أضاف إلى ذلك بهتها وقذفها بهذه الفرية العظيمة، والمرأة إن ~~كانت صادقة، فقد أكذبته على رءوس الأشهاد، وأوجبت عليه لعنة الله، وإن كانت ~~كاذبة، فقد أفسدت فراشه، وخانته في نفسها، وألزمته العار والفضيحة، وأحوجته ~~إلى هذا المقام المخزي، فحصل لكل واحد منهما نفرة من صاحبه، لما حصل إليه ~~من إساءة لا يكاد يلتئم لهما معها حال، فاقتضت حكمة الشارع انحتام الفرقة ~~بينهما، وإزالة الصحبة المتمحضة مفسدة، ولأنه إن كان كاذبا عليها، فلا ~~ينبغي أن يسلط على إمساكها، مع ما صنع من القبيح إليها، وإن كان صادقا، فلا ~~ينبغي أن يمسكها مع علمه بحالها، ولهذا قال العجلاني: كذبت عليها إن ~~أمسكتها. # (6262) المسألة الثانية، أنها تحرم عليه باللعان تحريما مؤبدا، فلا تحل ~~له، وإن أكذب نفسه، في ظاهر المذهب. ولا خلاف بين أهل العلم، في أنه إذا لم ~~يكذب نفسه لا تحل له، إلا أن يكون قولا شاذا، وأما إذا أكذب ms4220 نفسه، فالذي ~~رواه الجماعة عن أحمد، أنها لا تحل له أيضا. وجاءت الأخبار عن عمر بن ~~الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود - رضي الله عنهم -، أن المتلاعنين لا ~~يجتمعان أبدا. وبه قال الحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، والنخعي، والزهري، ~~والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو ~~يوسف. وعن أحمد رواية أخرى: إن أكذب نفسه، حلت له، وعاد فراشه بحاله. وهي ~~رواية شاذة. شذ بها حنبل عن أصحابه. قال أبو بكر: لا نعلم أحدا رواها غيره. # وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق بينهما الحاكم، فأما مع ~~تفريق الحاكم بينهما، فلا وجه لبقاء النكاح بحاله، وقد ذكرنا أن مذهب ~~البتي، أن اللعان لا يتعلق به فرقة. وعن سعيد بن المسيب: إن أكذب نفسه، فهو ~~خاطب من الخطاب، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن؛ لأن فرقة اللعان ~~عندهما طلاق. وقال سعيد بن جبير: إن أكذب نفسه، ردت إليه ما دامت في العدة. ~~ولنا ما روى سهل بن سعد، قال: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم ~~لا يجتمعان أبدا. # PageV08P066 # رواه الجوزجاني، في كتابه بإسناده. # وروي مثل هذا عن الزهري ومالك، ولأنه تحريم لا يرتفع قبل الحد والتكذيب، ~~فلم يرتفع بهما، كتحريم الرضاع. ### | [فصل كانت أمة فاشتراها ملاعنها] # (6263) فصل: فإن كانت أمة، فاشتراها ملاعنها، لم تحل له؛ لأن تحريمها ~~تحريم مؤبد، فحرمت به على مشتريها، كالرضاع، ولأن المطلق ثلاثا إذا اشترى ~~مطلقته، لا تحل له قبل زوج وإصابة، فهاهنا أولى؛ لأن هذا التحريم مؤبد، ~~وتحريم الطلاق ليس بمؤبد، ولأن تحريم الطلاق يختص النكاح، وهذا لا يختص به. ~~وهذا مذهب الشافعي. ### | [مسألة أكذب الزوج نفسه في اللعان] # (6264) مسألة قال: (فإن أكذب نفسه، فلها عليه الحد) وجملة ذلك أن الرجل ~~إذا قذف امرأته، ثم أكذب نفسه، فلها عليه الحد، سواء أكذبها قبل لعانها أو ~~بعده. وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، ولا نعلم لهم مخالفا؛ ~~وذلك لأن اللعان أقيم مقام البينة في حق الزوج، فإذا ms4221 أكذب نفسه بان أن ~~لعانها كذب، وزيادة في هتكها، وتكرار لقذفها، فلا أقل من أن يجب الحد الذي ~~كان واجبا بالقذف المجرد. فإن عاد عن إكذاب نفسه، وقال: لي بينة أقيمها ~~بزناها. أو أراد إسقاط الحد عنه باللعان، لم يسمع منه؛ لأن البينة واللعان ~~لتحقيق ما قاله، وقد أقر بكذب نفسه، فلا يسمع منه خلافه، وهذا فيما إذا ~~كانت المقذوفة محصنة، فإن كانت غير محصنة، فعليه التعزير. ### | [فصل لمن يلحق ولد الملاعنة] # (6265) فصل: ويلحقه نسب الولد، سواء كان الولد حيا أو ميتا، غنيا كان أو ~~فقيرا. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور. وقال الثوري: إذا استلحق الولد الميت ~~نظرنا؛ فإن كان ذا مال، لم يلحقه؛ لأنه إنما يدعي مالا، وإن لم يكن ذا مال، ~~لحقه. وقال أصحاب الرأي: إن كان الولد الميت ترك ولدا، ثبت نسبه من ~~المستلحق، وتبعه نسب ابنه، وإن لم يكن ترك ولدا، لم يصح استلحاقه، ولم يثبت ~~نسبه، ولا يرث منه المدعي شيئا؛ لأن نسبه منقطع بالموت، فلم يصح استلحاقه، ~~فإذا كان له ولد كان مستلحقا لولده، وتبعه نسب الميت. # ولنا أن هذا ولد نفاه باللعان، فكان له استلحاقه، كما لو كان حيا، أو كان ~~له ولد، ولأن ولد الولد يتبع نسب الولد، وقد جعل أبو حنيفة نسب الولد تابعا ~~لنسب ابنه، فجعل الأصل تابعا للفرع، وذلك # PageV08P067 # باطل. فأما قول الثوري: إنه إنما يدعي مالا. قلنا: إنما يدعي النسب ~~والميراث، والمال تبع له. فإن قيل: فهو متهم في أن غرضه حصول الميراث. ~~قلنا: إن النسب لا تمنع التهمة لحوقه، بدليل أنه لو كان له أخ يعاديه، فأقر ~~بابن، لزمه، وسقط ميراث أخيه، ولو كان الابن حيا وهو غني، والأب فقير، ~~فاستلحقه، فهو متهم في إيجاب نفقته على ابنه، ويقبل قوله، فكذلك هاهنا، ثم ~~كان ينبغي أن يثبت النسب هاهنا؛ لأنه حق للولد، ولا تهمة فيه، ولا يثبت ~~الميراث المختص بالتهمة، ولا يلزم من انقطاع التبع انقطاع الأصل. # قال القاضي: ويتعلق باللعان أربعة أحكام: حقان عليه، وجوب الحد، ms4222 ولحوق ~~النسب. وحقان له: الفرقة، والتحريم المؤبد، فإذا أكذب نفسه، قبل قوله فيما ~~عليه، فلزمه الحد والنسب، ولم يقبل فيما له، فلم تزل الفرقة، ولا التحريم ~~المؤبد. ### | [فصل لم يكذب الزوج نفسه ولم يكن له بينة ولا لاعن] # (6266) فصل: فإن لم يكذب نفسه، ولكن لم يكن له بينة، ولا لاعن، أقيم عليه ~~الحد. فإن أقيم عليه بعضه، فبذل اللعان، وقال: أنا ألاعن. قبل منه؛ لأن ~~اللعان يسقط جميع الحد، فيسقط بعضه، كالبينة. # فإن ادعت زوجته أنه قذفها بالزنا، فأنكر، فأقامت عليه بينة أنه قذفها ~~بالزنا، فقال: صدقت البينة، وليس ذلك قذفا؛ لأن القذف الرمي بالزنا كذبا، ~~وأنا صادق فيما رميتها به. لم يكن ذلك إكذابا لنفسه؛ لأنه مصر على رميها ~~بالزنا، وله إسقاط الحد باللعان. ومذهب الشافعي في هذا الفصل كمذهبنا. فإن ~~قال: ما زنت، ولا رميتها بالزنا. فقامت البينة عليه بقذفها، لزمه الحد، ولم ~~تسمع بينته ولا لعانه. نص عليه أحمد؛ لأن قوله: ما زنت. تكذيب للبينة ~~واللعان، فلا تثبت له حجة قد أكذبها. وجرى هذا مجرى قوله في الوديعة إذا ~~ادعيت عليه، فقال: ما أودعتني. فقامت: عليه البينة الوديعة، فادعى الرد أو ~~التلف، لم يقبل. ولو أجاب بأنه ما له عندي شيء. ولا يستحق علي شيئا. فقامت ~~عليه البينة فادعى الرد أو التلف، قبل منه. ### | [مسألة قذفها وانتفى من ولدها وتم اللعان بينهما بتفريق الحاكم] # (6267) مسألة قال: (وإن قذفها، وانتفى من ولدها، وتم اللعان بينهما ~~بتفريق الحاكم، نفي عنه، إذا ذكره في اللعان) وجملة ذلك أن الزوج إذا ولدت ~~امرأته ولدا يمكن كونه منه، فهو ولده في الحكم؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الولد للفراش» . ولا ينتفي عنه إلا أن ينفيه باللعان التام، الذي ~~اجتمعت شروطه، وهي أربعة: # PageV08P068 # أحدها، أن يوجد اللعان منهما جميعا. وهذا قول عامة أهل العلم. وقال ~~الشافعي: ينتفي بلعان الزوج وحده؛ لأن نفي الولد إنما كان بيمينه والتعانه، ~~لا بيمين المرأة على تكذيبه، ولا معنى ليمين المرأة في نفي النسب، وهي ~~تثبته وتكذب ms4223 قول من ينفيه، وإنما لعانها لدرء الحد عنها، كما قال الله ~~تعالى: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين} ~~[النور: 8] . # ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نفى الولد عنه بعد تلاعنهما، ~~فلا يجوز النفي ببعضه، كبعض لعان الزوج. والثاني: أن تكمل ألفاظ اللعان ~~منهما جميعا. الشرط الثالث، أن يبدأ بلعان الزوج قبل المرأة، فإن بدأ بلعان ~~المرأة لم يعتد به. وبه قال أبو ثور، وابن المنذر. وقال مالك، وأصحاب ~~الرأي: إن فعل أخطأ السنة، والفرقة جائزة، وينتفي الولد عنه؛ لأن الله ~~تعالى عطف لعانها على لعانه بالواو، وهي لا تقتضي ترتيبا، ولأن اللعان قد ~~وجد منهما جميعا، فأشبه ما لو رتبت. وعند الشافعي، لا يتم اللعان إلا ~~بالترتيب، إلا أنه يكفي عنده لعان الرجل وحده لنفي الولد، وذلك حاصل مع ~~إخلاله بالترتيب، وعدم كمال ألفاظ اللعان من المرأة. # ولنا، أنه أتى باللعان على غير ما ورد به القرآن والسنة، فلم يصح، كما لو ~~اقتصر على لفظة واحدة، ولأن لعان الرجل بينته لإثبات زناها ونفي ولدها، ~~ولعان المرأة للإنكار، فقدمت بينة الإثبات، كتقديم الشهود على الأيمان، ~~ولأن لعان المرأة لدرء العذاب عنها، ولا يتوجه عليها ذلك إلا بلعان الرجل، ~~فإذا قدمت لعانها على لعانه، فقد قدمته على وقته، فلم يصح، كما لو قدمته ~~على القذف. الشرط الرابع: أن يذكر نفي الولد في اللعان، فإذا لم يذكر، لم ~~ينتف، إلا أن يعيد اللعان ويذكر نفيه. وهذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار ~~القاضي، ومذهب الشافعي وقال أبو بكر: ولا يحتاج إلى ذكر الولد ونفيه، ~~وينتفي بزوال الفراش؛ ولأن حديث سهل بن سعد، الذي وصف فيه اللعان، لم يذكر ~~فيه الولد، وقال فيه: ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وقضى ~~أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها. رواه أبو داود. # وفي حديث رواه مسلم، عن عبد الله، أن «رجلا لاعن امرأته على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ففرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما، ms4224 ~~وألحق الولد بأمه» . ولنا، أن من سقط حقه باللعان، كان ذكره شرطا، كالمرأة، ~~ولأن غاية ما في اللعان أن يثبت زناها، وذلك لا يوجب نفي الولد، كما لو ~~أقرت به، أو قامت به بينة، فأما حديث سهل بن سعد، فقد روي فيه: وكانت ~~حاملا، فأنكر حملها. من رواية البخاري. وروى ابن عمر أن «رجلا لاعن امرأته ~~في زمن # PageV08P069 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بينهما، وألحق الولد بالمرأة» . والزيادة من الثقة ~~مقبولة. # فعلى هذا، لا بد من ذكر الولد في كل لفظة، ومع اللعن في الخامسة؛ لأنها ~~من لفظات اللعان. وذكر الخرقي شرطا خامسا، وهو تفريق الحاكم بينهما. وهذا ~~على الرواية التي تشترط تفريق الحاكم لوقوع الفرقة، فأما على الرواية ~~الأخرى، فلا يشترط تفريق الحاكم لنفي الولد، كما لا يشترط لدرء الحد عنه، ~~ولا لفسخ النكاح. وشرط أيضا شرطا سادسا، وهو أن يكون قد قذفها. وهذا شرط ~~اللعان، فإنه لا يكون إلا بعد القذف، وسنذكره إن شاء الله تعالى. ### | [فصل ولدت امرأته توأمين وهو أن يكون بينهما دون ستة أشهر فاستلحق أحدهما ونفى نسب الآخر] # (6268) فصل: وإن ولدت امرأته توأمان، وهو أن يكون بينهما دون ستة أشهر. ~~فاستلحق أحدهما، ونفى الآخر، لحقا به؛ لأن الحمل الواحد لا يجوز أن يكون ~~بعضه منه وبعضه من غيره، فإذا ثبت نسب أحدهما منه، ثبت نسب الآخر ضرورة، ~~فجعلنا ما نفاه تابعا لما استلحقه، ولم نجعل ما أقر به تابعا لما نفاه؛ لأن ~~النسب يحتاط لإثباته لا لنفيه، ولهذا لو أتت امرأته بولد يمكن كونه منه، ~~ويمكن أن يكون من غيره، ألحقناه به احتياطا، ولم نقطعه عنه احتياطا لنفيه. ~~فإن كان قد قذف أمهما وطالبته بالحد، فله إسقاطه باللعان. وحكي عن القاضي، ~~أنه يحد، ولا يملك إسقاطه باللعان. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه باستلحاقه اعترف ~~بكذبه في قذفه، فلم يسمع إنكاره بعد ذلك. # ووجه الأول، أنه لا يلزم من كون الولد منه، انتفاء الزنا عنها، ms4225 كما لا ~~يلزم من وجود الزنا منها كون الولد منه، ولذلك لو أقرت بالزنا، أو قامت به ~~بينة، لم ينتف الولد عنه، فلا تنافي بين لعانه وبين استلحاقه للولد. وإن ~~استلحق أحد التوأمين وسكت عن الآخر، لحقه؛ لأنه لو نفاه للحقه، فإذا سكت ~~عنه كان أولى، ولأن امرأته متى أتت بولد، لحقه ما لم ينفه عنه باللعان. وإن ~~نفى أحدهما، وسكت عن الآخر، لحقاه جميعا. فإن قيل: ألا نفيتم المسكوت عنه؛ ~~لأنه قد نفى أخاه، وهما حمل واحد؟ قلنا لحوق النسب مبني على التغليب، وهو ~~يثبت بمجرد الإمكان، وإن كان لم يثبت الوطء، ولا ينتفي الإمكان للنفي، ~~فافترقا. # فإن أتت بولد، فنفاه، ولاعن لنفيه، ثم ولدت آخر لأقل من ستة أشهر، لم ~~ينتف الثاني باللعان الأول؛ لأن اللعان تناول الأول وحده، ويحتاج في نفي ~~الثاني إلى لعان ثان. ويحتمل أنه ينتفي بنفيه من غير حاجة إلى لعان ثان؛ ~~لأنهما حمل واحد، وقد لاعن لنفيه مرة، فلا يحتاج إلى لعان ثان. ذكره ~~القاضي. فإن أقر بالثاني، لحقه هو والأول؛ لما ذكرناه، وإن سكت عن نفيه، ~~لحقاه أيضا. فأما إن نفى الولد باللعان، ثم أتت بولد آخر بعد ستة أشهر، ~~فهذا من حمل آخر، فإنه لا يجوز أن يكون بين ولدين من حمل واحد # PageV08P070 # مدة الحمل، ولو أمكن لم تكن هذه مدة حمل كامل. # فإن نفى هذا الولد باللعان انتفى، ولا ينتفي بغير اللعان؛ لأنه حمل ~~منفرد، وإن استلحقه، أو ترك نفيه، لحقه وإن كانت قد بانت باللعان؛ لأنه ~~يمكن أن يكون قد وطئها بعد وضع الأول. وإن لاعنها قبل وضع الأول، فأتت ~~بولد، ثم ولدت آخر بعد ستة أشهر، لم يلحقه الثاني؛ لأنها بانت باللعان، ~~وانقضت عدتها بوضع الأول، وكان حملها الثاني بعد انقضاء عدتها في غير نكاح، ~~فلم يحتج إلى نفيه. ### | [فصل مات أحد التوأمين أو ماتا معا في الملاعنة] # (6269) فصل: وإن مات أحد التوأمين، أو ماتا معا، فله أن يلاعن لنفي ~~نسبهما. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يلزمه ms4226 نسب الحي، ولا يلاعن إلا ~~لنفي الحد؛ لأن الميت لا يصح نفيه باللعان، فإن نسبه قد انقطع بموته، فلا ~~حاجة إلى نفيه باللعان، كما لو ماتت امرأته، فإنه لا يلاعنها بعد موتها، ~~لقطع النكاح، لكونه قد انقطع، وإذا لم ينتف الميت لم ينتف الحي؛ لأنهما حمل ~~واحد. # ولنا أن الميت ينسب إليه، فيقال: ابن فلان. ويلزمه تجهيزه، وتكفينه، فكان ~~له نفي نسبه، وإسقاط مؤنته، كالحي، وكما لو كان للميت ولد. ### | [مسألة أكذب الزوج نفسه في اللعان يلحق الولد به] # (6270) مسألة قال: (وإن أكذب نفسه بعد ذلك، لحقه الولد) . وجملة ذلك أن ~~الرجل إذا لاعن امرأته، ونفى ولدها، ثم أكذب نفسه، لحقه الولد إذا كان حيا. ~~بغير خلاف بين أهل العلم. وإن كان ميتا، لحقه نسبه أيضا. في قول أكثر أهل ~~العلم، سواء كان له ولد أو لم يكن، وسواء خلف مالا أو لم يخلف؛ وذلك لأن ~~النسب حق للولد، فإذا أقر به، لزمه، وسواء تقدم إنكاره له أو لم يكن، ولأن ~~سبب نفيه عنه نفيه له، فإذا أكذب نفسه. فقد زال سبب النفي، وبطل، فوجب أن ~~يلحقه نسبه بحكم النكاح الموجب للحوق نسبه به. ### | [فصل القذف على ثلاثة أضرب] # (6271) فصل: والقذف على ثلاثة أضرب: واجب، وهو أن يرى امرأته تزني في طهر ~~لم يطأها فيه، فإنه يلزمه اعتزالها حتى تنقضي عدتها، فإذا أتت بولد لستة ~~أشهر من حين الزنا، وأمكنه نفيه عنه، لزمه قذفها، ونفي ولدها؛ لأن ذلك يجري # PageV08P071 # مجرى اليقين في أن الولد من الزاني، فإذا لم ينفه لحقه الولد، وورثه، ~~وورث أقاربه، وورثوا منه، ونظر إلى بناته وأخواته، وليس ذلك بجائز، فيجب ~~نفيه لإزالة ذلك. ولو أقرت بالزنا، ووقع في قلبه صدقها، فهو كما لو رآها. # الثاني - أن يراها تزني، أو يثبت عنده زناها، وليس ثم ولد يلحقه نسبه، أو ~~ثم ولد لكن لا يعلم أنه من الزنا، أو يخبره بزناها ثقة يصدقه، أو يشيع في ~~الناس أن فلانا يفجر بفلانة، ويشاهده عندها، أو داخلا إليها أو خارجا ms4227 من ~~عندها، أو يغلب على ظنه فجورها، فهذا له قذفها؛ لأنه روي عن عبد الله، «أن ~~رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرأيت رجلا وجد مع امرأته ~~رجلا، فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ. فذكر أنه يتكلم ~~أو يسكت، ولم ينكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.» ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم ينكر على هلال والعجلاني قذفهما حين رأيا. # وإن سكت جاز، وهو أحسن؛ لأنه يمكنه فراقها بطلاقها، ويكون فيه سترها وستر ~~نفسه، وليس ثم ولد يحتاج إلى نفيه. الحال الثالث، محرم، وهو ما عدا ذلك، من ~~قذف أزواجه والأجانب؛ فإنه من الكبائر، قال الله تعالى: {إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} ~~[النور: 23] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة أدخلت على ~~قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل ~~جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين» ~~. رواه أبو داود. # قوله: " وهو ينظر إليه ". يعني يراه منه، فكما حرم على المرأة أن تدخل ~~على قوم من ليس منهم، حرم على الرجل جحد ولده. ولا يجوز قذفها بخبر من لا ~~يوثق بخبره؛ لأنه غير مأمون على الكذب عليها، ولا برؤيته رجلا خارجا من ~~عندها من غير أن يستفيض زناها؛ لأنه يجوز أن يكون دخل سارقا، أو هاربا، أو ~~لحاجة، أو لغرض فاسد، فلم يمكنه، ولا لاستفاضة ذلك في الناس من غير قرينة ~~تدل على صدقهم؛ لاحتمال أن يكون أعداؤها أشاعوا ذلك عنها. وفيه وجه آخر، ~~أنه يجوز؛ لأن الاستفاضة # PageV08P072 # أقوى من خبر الثقة. ولا بمخالفة الولد لون والديه أو شبههما، ولا لشبهه ~~بغير والديه؛ لما روى أبو هريرة قال: «جاء رجل من بني فزارة إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود. يعرض بنفيه، فقال له ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ms4228 فما ألوانها؟ ~~. قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ . قال: إن فيها أورق. قال: فأنى أتاها ~~ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: فهذا عسى أن يكون نزعه عرق» . قال: " ~~ولم يرخص له في الانتفاء منه. متفق عليه. # ولأن الناس كلهم من آدم وحواء، وألوانهم وخلقهم مختلفة، فلولا مخالفتهم ~~شبه والديهم، لكانوا على خلقة واحدة، ولأن دلالة الشبه ضعيفة، ودلالة ~~ولادته على الفراش قوية، فلا يجوز ترك القوي لمعارضة الضعيف، ولذلك لما ~~تنازع سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة، في ابن وليدة زمعة، ورأى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيه شبها بينا بعتبة، ألحق الولد بالفراش، وترك الشبه. ~~وهذا اختيار أبي عبد الله بن حامد، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي. # وذكر القاضي، وأبو الخطاب، أن ظاهر كلام أحمد، جواز نفيه. وهو الوجه ~~الثاني لأصحاب الشافعي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث اللعان: ~~«إن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فهو للذي رميت ~~به. فأتت به على النعت المكروه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لولا ~~الأيمان، لكان لي ولها شأن» . فجعل الشبه دليلا على نفيه عنه، والصحيح ~~الأول. وهذا الحديث إنما يدل على نفيه عنه، مع ما تقدم من لعانه ونفيه إياه ~~عن نفسه، فجعل الشبه مرجحا لقوله، ودليلا على تصديقه، وما تقدم من الأحاديث ~~يدل على عدم استقلال الشبه بالنفي، ولأن هذا كان في # PageV08P073 # موضع زال الفراش، وانقطع نسب الولد عن صاحبه، فلا يثبت مع بقاء الفراش ~~المقتضي لحوق نسب الولد بصاحبه. # وإن كان يعزل عن امرأته، فأتت بولد، لم يبح له نفيه؛ لما ذكرنا من حديث ~~جابر وأبي سعيد. وعن أبي سعيد، أنه قال: يا رسول الله، إنا نصيب من النساء، ~~ونحب الأثمان، أفنعزل عنهن؟ قال: «إن الله إذا قضى خلق نسمة خلقها» . ولأنه ~~قد يسبق من الماء ما لا يحس به فتعلق. وأما إن كان لا يطؤها إلا دون الفرج، ~~أو في الدبر، فأتت بولد، فذكر أصحابنا أنه ليس له نفيه؛ ms4229 لأنه لا يأمن أن ~~يسبق الماء إلى الفرج فيعلق به. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وهو ~~بعيد؛ لأنه من أحكام الوطء في الفرج، فلا يتعلق بما دونه كسائر الأحكام، ~~ودلالة عدم الوطء في الفرج على انتفاء الولد أشد من دلالة مخالفة الولد لون ~~والديه. # فأما إن وجد أحد هذه الوجوه التي ذكرنا مع الزنا، ويحتمل كونه منه أو من ~~الزاني، مثل إن زنت في طهر أصابها فيه، أو زنت فلم يعتزلها، ولكنه كان يعزل ~~عنها، أو كان لا يطؤها إلا دون الفرج، لو كان الولد شبيها بالزاني دونه، ~~لزمه نفيه؛ لأن هذا مع الزنا يوجب نسبته إلى الزاني، بدليل أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حكم بولد امرأة هلال لشريك ابن سحماء، بشبهه له، مع لعان ~~هلال لها، وقذفه إياها. وأما إذا أتت زوجته بولد، فشك فيه من غير معرفته ~~لزناها، فلا يحل له قذفها، ولا لعانها؛ لما تقدم من حديث الفزاري. وكذلك إن ~~عرف زناها، ولم يعلم أن الولد من الزاني، ولا وجد دليل عليه، فليس له نفيه؛ ~~لأن الولد للفراش وللعاهر الحجر. ### | [فصل أكرهت زوجته على الزنا في طهر لم يصبها فيه فأتت بولد] # (6272) فصل: فإن أكرهت زوجته على الزنا في طهر لم يصبها فيه، فأتت بولد ~~يمكن أن يكون من الواطئ، فهو منه، وليس للزوج قذفها بالزنا؛ لأن هذا ليس ~~بزنا منها. وقياس المذهب أنه ليس له نفيه، ويلحقه النسب؛ لأن نفي الولد لا ~~يكون إلا باللعان، ومن شرط اللعان القذف، ولأن اللعان لا يتم إلا بلعان ~~المرأة، ولا يصح اللعان من المرأة هاهنا؛ لأنها لا تكذب الزوج في إكراهها ~~على ذلك. وهذا قول أصحاب الرأي. وذكر بعض أصحابنا في ذلك روايتين؛ # PageV08P074 # إحداهما، له نفيه باللعان؛ لأنه محتاج إلى نفيه، فكان له نفيه، كما لو ~~زنت مطاوعة. وهذا مذهب الشافعي. وهذا إنما يصح عند الشافعي لأنه يرى نفي ~~الولد بلعان الزوج وحده. وأما من لا يرى ذلك، فلا يصح عنده النفي باللعان ~~هاهنا. والله تعالى أعلم. ### | [مسألة ms4230 نفى الحمل في التعانه] # (6273) مسألة قال: (وإن نفى الحمل في التعانه، لم ينتف عنه حتى ينفيه عند ~~وضعها له ويلاعن) اختلف أصحابنا فيما إذا لاعن امرأته وهي حامل، ونفى حملها ~~في لعانه، فقال الخرقي وجماعة: لا ينتفي الحمل بنفيه قبل الوضع، ولا ينتفي ~~حتى يلاعنها بعد الوضع، وينتفي الولد فيه. وهذا قول أبي حنيفة، وجماعة من ~~أهل الكوفة؛ لأن الحمل غير مستيقن يجوز أن يكون ريحا، أو غيرها، فيصير نفيه ~~مشروطا بوجوده، ولا يجوز تعليق اللعان بشرط. وقال مالك، والشافعي، وجماعة ~~من أهل الحجاز: يصح نفي الحمل، وينتفي عنه، محتجين بحديث هلال، وأنه نفى ~~حملها فنفاه عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وألحقه بالأول. # ولا خفاء بأنه كان حملا، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«انظروها، فإن جاءت به كذا وكذا» . قال ابن عبد البر: الآثار الدالة على ~~صحة هذا القول كثيرة. وأوردها. ولأن الحمل مظنون بأمارات تدل عليه، ولهذا ~~ثبتت للحامل أحكام تخالف بها الحائل: من النفقة، والفطر في الصيام، وترك ~~إقامة الحد عليها، وتأخير القصاص عنها، وغير ذلك مما يطول ذكره. ويصح ~~استلحاق الحمل، فكان كالولد بعد وضعه. وهذا القول هو الصحيح؛ لموافقته ~~ظواهر الأحاديث وما خالف الحديث لا يعبأ به كائنا ما كان. وقال أبو بكر: ~~ينتفي الولد بزوال الفراش، ولا يحتاج إلى ذكره في اللعان احتجاجا بظاهر ~~الأحاديث، حيث لم ينقل فيها نفي الحمل، ولا التعرض لنفيه. وقد ذكرنا ذلك، ~~فأما من قال: إن الولد لا ينتفي إلا بنفيه بعد الوضع، فإنه يحتاج في نفيه ~~إلى إعادة اللعان بعد الوضع. # وقال أبو حنيفة ومن وافقه: إن لاعنها حاملا، ثم أتت بالولد لزمه، ولم ~~يتمكن من نفيه؛ لأن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين، وهذه قد بانت بلعانها ~~في حال حملها. وهذا فيه إلزامه ولدا ليس منه، وسد باب الانتفاء من أولاد ~~الزنا - والله تعالى قد جعل له إلى ذلك طريقا، فلا يجوز سده وإنما تعتبر ~~الزوجية في الحال التي أضاف الزنا إليها فيه؛ لأن الولد ms4231 الذي تأتي به يلحقه ~~إذا لم ينفه، فيحتاج إلى نفيه، وهذه كانت زوجة في تلك الحال، فملك نفي ~~ولدها. والله أعلم. # PageV08P075 ### | [فصل استلحق الحمل في الملاعنة] # (6274) فصل: وإن استلحق الحمل، فمن قال: لا يصح نفيه. قال: لا يصح ~~استلحاقه. وهو المنصوص عن أحمد. ومن أجاز نفيه، قال: لا يصح استلحاقه. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأنه محكوم بوجوده، بدليل وجوب النفقة، ووقف الميراث، فصح ~~الإقرار به كالمولود، وإذا استلحقه لم يملك نفيه بعد ذلك، كما لو استلحقه ~~بعد الوضع. ومن قال: لا يصح استلحاقه. قال: لو صح استلحاقه لزمه بترك نفيه ~~كالمولود، ولا يلزمه ذلك بالإجماع. ولأن للشبه أثرا في الإلحاق، بدليل حديث ~~الملاعنة، وذلك مختص بما بعد الوضع، فاختص صحة الاستلحاق به. فعلى هذا، لو ~~استلحقه ثم نفاه بعد وضعه، كان له ذلك، فأما إن سكت عنه، فلم ينفه، ولم ~~يستلحقه، لم يلزمه عند أحد علمنا قوله؛ لأن تركه يحتمل أن يكون لأنه لا ~~يتحقق وجوده إلا أن يلاعنها، فإن أبا حنيفة ألزمه الولد، على ما أسلفناه. ### | [فصل ولدت امرأته ولدا فسكت عن نفيه مع إمكانه الملاعنة] # (6275) فصل: وإذا ولدت امرأته ولدا، فسكت عن نفيه، مع إمكانه، لزمه نسبه، ~~ولم يكن له نفيه بعد ذلك. وبهذا قال الشافعي، قال أبو بكر: لا يتقدر ذلك ~~بثلاث، بل هو على ما جرت به العادة، إن كان ليلا فحتى يصبح وينتشر الناس، ~~وإن كان جائعا أو ظمآن فحتى يأكل أو يشرب، أو ينام إن كان ناعسا، أو يلبس ~~ثيابه ويسرج دابته ويركب ويصلي إن حضرته الصلاة، ويحرز ماله إن كان غير ~~محرز، وأشباه ذلك من أشغاله، فإن أخره بعد هذا كله، لم يكن له نفيه. وقال ~~أبو حنيفة: له تأخير نفيه يوما ويومين استحسانا؛ لأن النفي عقيب الولادة ~~يشق، فقدر باليومين لقلته. وقال أبو يوسف ومحمد: يتقدر بمدة النفاس؛ لأنها ~~جارية مجرى الولادة في الحكم. # وحكي عن عطاء، ومجاهد، أن له نفيه ما لم يعترف به فكان له نفيه، كحالة ~~الولادة. ولنا، أنه خيار ms4232 لدفع ضرر متحقق، فكان على الفور، كخيار الشفعة، ~~وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولد للفراش» . عام خرج منه ما ~~اتفقنا عليه مع السنة الثابتة، فما عداه يبقى على عموم الحديث، وما ذكره ~~أبو حنيفة يبطل بخيار الرد بالعيب، والأخذ بالشفعة، وتقديره بمدة النفاس ~~تحكم لا دليل عليه، وما قاله عطاء يبطل أيضا بما ذكرناه، ولا يلزم القصاص؛ ~~لأنه لاستيفاء حق لا لدفع ضرر، ولا الحمل؛ لأنه لم يتحقق ضرره. # إذا ثبت هذا، فهل يتقدر الخيار في النفي بمجلس العلم، أو بإمكان النفي؟ ~~على وجهين: بناء على # PageV08P076 # المطالبة بالشفعة، فإن أخر نفيه عن ذلك، ثم ادعى أنه لا يعلم بالولادة، ~~وأمكن صدقه، بأن يكون في موضع يخفى عليه ذلك، مثل أن يكون في محلة أخرى، ~~فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العلم، وإن لم يمكن، مثل أن يكون معها ~~في الدار، لم يقبل؛ لأن ذلك لا يكاد يخفى عليه. وإن قال: علمت ولادته، ولم ~~أعلم أن لي نفيه. أو علمت ذلك، ولم أعلم أنه على الفور. وكان ممن يخفى عليه ~~ذلك، كعامة الناس، قبل منه؛ لأن هذا مما يخفى عليهم، فأشبه ما لو كان حديث ~~عهد بإسلام، وإن كان فقيها، لم يقبل ذلك منه؛ لأنه مما لا يخفى عليه ذلك. ~~ويحتمل أن يقبل منه؛ لأن الفقيه يخفى عليه كثير من الأحكام. # وقال أصحابنا: لا يقبل ذلك من الفقيه، ويقبل من الناشئ ببادية، وحديث ~~العهد بالإسلام، وهل يقبل من سائر العامة؟ على وجهين. وإن كان له عذر يمنعه ~~من الحضور لنفيه، كالمرض والحبس، أو الاشتغال بحفظ مال يخاف ضيعته، أو ~~بملازمة غريم يخاف فوته أو غيبته، نظرت؛ فإن كانت مدة ذلك قصيرة فأخره إلى ~~الحضور ليزول عذره، لم يبطل نفيه؛ لأنه بمنزلة من علم ذلك ليلا فأخره إلى ~~الصبح، وإن كانت تتطاول، فأمكنه التنفيذ إلى الحاكم ليبعث إليه من يستوفي ~~عليه اللعان والنفي، فلم يفعل، سقط نفيه، فإن لم يمكنه، أشهد على نفسه أنه ~~ناف لولد امرأته، فإن لم يفعل، ms4233 بطل خياره؛ لأنه إذا لم يقدر على نفيه كان ~~الإشهاد قائما مقامه، كما يقيم المريض الفيئة بقوله، بدلا عن الفيئة ~~بالجماع. فإن قال: لم أصدق المخبر عنه. نظرت؛ فإن كان مستفيضا منتشرا، لم ~~يقبل قوله، وإن لم يكن مستفيضا، وكان المخبر مشهور العدالة، لم يقبل، وإلا ~~قبل. # وإن قال: لم أعلم أن علي ذلك. قبل قوله؛ لأنه مما يخفى، وإن علم وهو ~~غائب، فأمكنه السير، فاشتغل به، لم يبطل خياره، وإن أقام من غير حاجة بطل؛ ~~لأنه أخره لغير عذر، وإن كانت له حاجة تمنعه من السير، فهو على ما ذكرنا من ~~قبل. وإن أخر نفيه لغير عذر، وقال: أخرت نفيه رجاء أن يموت، فأستر عليه ~~وعلي. بطل خياره؛ لأنه أخر نفيه مع الإمكان لغير عذر. ### | [فصل هنئ على الولد في اللعان فأمن على الدعاء] # (6276) فصل: فإن هنئ به، فأمن على الدعاء، لزمه. في قولهم جميعا. وإن ~~قال: أحسن الله جزاءك. أو: بارك الله عليك. أو: رزقك الله مثله. لزمه ~~الولد. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يلزمه؛ لأنه جازاه على قصده. ~~وإذا قال: رزقك الله مثله. فليس ذلك إقرارا، ولا متضمنا له. ولنا، أن ذلك ~~جواب الراضي في العادة، فكان إقرارا، كالتأمين على الدعاء. وإن سكت، كان ~~إقرارا. ذكره أبو بكر؛ لأن السكوت صلح دالا على الرضى في حق البكر، وفي ~~مواضع أخر، فهاهنا أولى. # وفي كل موضع لزمه الولد، لم يكن له نفيه بعد ذلك. في قول جماعة من أهل ~~العلم؛ منهم الشعبي، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وابن ~~المنذر؛ وأصحاب الرأي. وقال الحسن: له # PageV08P077 # أن يلاعن لنفيه ما دامت أمه عنده يصير لها الولد، ولو أقر به، والذي عليه ~~الجمهور أولى؛ فإنه أقر به، فلم يملك جحده، كما لو بانت منه أمه، ولأنه أقر ~~بحق عليه، فلم يقبل منه جحده، كسائر الحقوق. ### | [مسألة جاءت امرأته بولد فقال لم تزن ولكن ليس هذا الولد مني] # (6277) مسألة قال: (ولو جاءت امرأته بولد، فقال: لم تزن، ولكن ms4234 ليس هذا ~~الولد مني. فهو ولده في الحكم، ولا حد عليه لها) وجملة ذلك أن المرأة إذا ~~ولدت. فقال زوجها: ليس هذا الولد مني. أو قال ليس هذا ولدي. فلا حد عليه؛ ~~لأن هذا ليس بقذف بظاهره، لاحتمال أنه يريد أنه من زوج آخر، أو من وطء ~~بشبهة، أو غير ذلك، ولكنه يسأل، فإن قال: زنت، فولدت هذا من الزنا. فهذا ~~قذف يثبت به اللعان، وإن قال: أردت أنه لا يشبهني خلقا ولا خلقا. فقالت: بل ~~أردت قذفي. فالقول قوله؛ لأنه أعلم بمراده، لا سيما إذا صرح بقوله: لم تزن. # وإن قال: وطئت بشبهة، والولد من الواطئ. فلا حد عليه أيضا؛ لأنه لم ~~يقذفها، ولا قذف واطئها. وإن قال: أكرهت على الزنا. فلا حد أيضا، لأنه لم ~~يقذفها، ولا لعان في هذه المواضع؛ لأنه لم يقذفها، ومن شرط اللعان القذف، ~~ويلحقه نسب الولد. وبهذا قال أبو حنيفة. وذكر القاضي أن في هذه الصورة ~~الآخرة رواية أخرى، أن له اللعان؛ لأنه محتاج إلى نفي الولد، بخلاف ما إذا ~~قال: وطئت بشبهة. فإنه يمكن نفي النسب بعرض الولد على القافة، فيستغنى بذلك ~~عن اللعان. فلا يشرع، كما لا يشرع لعان أمته، لما أمكن نفي نسب ولدها بدعوى ~~الاستبراء. وهذا مذهب الشافعي. # ولنا أن اللعان إنما ورد به الشرع بعد القذف، في قوله تعالى {والذين ~~يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} [النور: 6] الآية. ولما لاعن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بين هلال وامرأته كان بعد قذفه إياها، وكذلك ~~لما لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته كان بعد قذفه إياها، ولا يثبت الحكم ~~إلا في مثله، ولأن نفي اللعان إنما ينتفي به الولد بتمامه منهما، ولا يتحقق ~~اللعان من المرأة هاهنا. فأما إن قال: وطئك فلان بشبهة، وأنت تعلمين الحال. ~~فقد قذفها، وله لعانها، ونفي نسب ولدها، وقال القاضي: ليس له نفيه باللعان. # وكذلك قال أصحاب الشافعي لأنه يمكنه نفي نسبه بعرضه على القافة، فأشبه ما ~~لو قال: واشتبه عليك أيضا. ولنا أنه ms4235 رام لزوجته، فيدخل في عموم قوله تعالى ~~{والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] ولأنه رام لزوجته بالزنا، فملك لعانها ~~ونفى ولدها، كما لو قال: زنى بك فلان. وما ذكروه لا يصح؛ فإنه قد لا يوجد # PageV08P078 # قافة، وقد لا يعترف الرجل بما نسب إليه، أو يغيب أو يموت، فلا ينتفي ~~الولد. وإن قال: ما ولدته وإنما التقطته أو استعرته فقالت: بل هو ولدي منك. ~~لم يقبل قول المرأة إلا ببينة. وهذا قول الشافعي، وأبي ثور وأصحاب الرأي؛ ~~لأن الولادة يمكن إقامة البينة عليها، والأصل عدمها، فلم تقبل دعواها من ~~غير بينة، كالدين. # قال القاضي: وكذلك لا تقبل دعواها للولادة، فيما إذا علق طلاقها بها، ولا ~~دعوى الأمة لها لتصير بها أم ولد، ويقبل قولها فيها لتقضي عدتها بها. فعلى ~~هذا لا يلحقه الولد إلا أن تقيم بينة، وهي امرأة مرضية، تشهد بولادتها له ~~فإذا ثبتت ولادتها له، لحقه نسبه؛ لأنه ولد على فراشه، والولد للفراش. وذكر ~~القاضي، في موضع آخر، أن القول قول المرأة؛ لقول الله تعالى {ولا يحل لهن ~~أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228] . وتحريم كتمانه دليل على ~~قبول قولها فيه، ولأنه خارج من المرأة، تنقضي به عدتها، فقبل قولها فيه، ~~كالحيض، ولأنه حكم يتعلق بالولادة، فقبل قولها فيه، كالحيض. # فعلى هذا، النسب لاحق به، وهل نفيه باللعان؟ فيه وجهان أحدهما، ليس له ~~نفيه؛ لأن إنكاره لولادتها إياه، إقرار بأنها لم تلده من زنا، فلا يقبل ~~إنكاره لذلك، لأنه تكذيب لنفسه. والثاني، له نفيه؛ لأنه رام لزوجته، وناف ~~لولدها، فكان له نفيه باللعان، كغيره. ### | [فصل ولدت امرأته ولدا لا يمكن كونه منه في النكاح] # (6278) فصل: ومن ولدت امرأته ولدا لا يمكن كونه منه في النكاح، لم يلحقه ~~نسبه، ولم يحتج إلى نفيه؛ لأنه يعلم أنه ليس منه، فلم يلحقه، كما لو أتت به ~~عقيب نكاحه لها، وذلك مثل أن تأتي به لدون ستة أشهر من حين تزوجها، فلا ~~يلحق به، في قول كل من علمنا قوله من أهل العلم؛ ms4236 لأننا نعلم أنها علقت به ~~قبل أن يتزوجها. وإن كان الزوج طفلا له أقل من عشر سنين، فأتت امرأته بولد، ~~لم يلحقه؛ لأنه لم يوجد ولد لمثله، ولا يمكنه الوطء. وإن كان له عشر، فحملت ~~امرأته، لحقه ولدها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «واضربوهم على ~~الصلاة لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» وقال القاضي: يلحق به، إذا أتت به ~~لتسعة أعوام ونصف عام مدة الحمل؛ لأن الجارية يولد لها لتسع، فكذلك الغلام. # وقال أبو بكر: لا يلحقه حتى يبلغ؛ لأن الولد إنما يكون من الماء، ولا ~~ينزل حتى يبلغ. # PageV08P079 # ولنا أنه زمن يمكن البلوغ فيه، فيلحقه الولد، كالبالغ، وقد روي أن عمرو ~~بن العاص، وابنه عبد الله، لم يكن بينهما إلا اثنا عشر عاما، وأمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بالتفريق بينهم، دليل على إمكان الوطء الذي هو سبب ~~الولادة، وأما قياس الغلام على الجارية، فغير صحيح، فإن الجارية يمكن ~~الاستمتاع بها لتسع عادة، والغلام لا يمكنه الاستمتاع لتسع، وقد تحيض لتسع، ~~وما عهد بلوغ غلام لتسع. # ولو تزوج رجل امرأة في مجلس، ثم طلقها فيه قبل غيبته عنهم، ثم أتت امرأته ~~بولد لستة أشهر من حين العقد، أو تزوج مشرقي بمغربية، ثم مضت ستة أشهر، ~~وأتت بولد، لم يلحقه. وبذلك قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يلحقه ~~نسبه؛ لأن الولد إنما يلحقه بالعقد، ومدة الحمل، ألا ترى أنكم قلتم: إذا ~~مضى زمان الإمكان، لحق الولد، وإن علم أنه لم يحصل منه الوطء. ولنا أنه لم ~~يحصل إمكان الوطء بهذا العقد، فلم يلحق به الولد، كزوجة ابن سنة، أو كما لو ~~ولدته لدون ستة أشهر، وفارق ما قاسوا عليه؛ لأن الإمكان إذا وجد لم يعلم ~~أنه ليس منه قطعا، لجواز أن يكون وطئها من حيث لا يعلم، ولا سبيل لنا إلى ~~معرفة حقيقة الوطء، فعلقنا الحكم على إمكانه في النكاح، ولم يجز حذف ~~الإمكان عن الاعتبار، لأنه إذا انتفى حصل اليقين بانتفائه عنه، فلم يحز ~~إلحاقه به مع يقين كونه ms4237 ليس منه. # وإن ولدت امرأة مقطوع الذكر والأنثيين، لم يلحق نسبه به. في قول عامة أهل ~~العلم؛ لأنه يستحيل منه الإنزال والإيلاج. وإن قطعت أنثياه دون ذكره، ~~فكذلك؛ لأنه لا ينزل ما يخلق منه الولد. وقال أصحابنا: يلحقه النسب؛ لأنه ~~يتصور منه الإيلاج، وينزل ماء رقيقا. ولنا. أن هذا لا يخلق منه ولد عادة، ~~ولا وجد ذلك، فأشبه ما لو قطع ذكره معهما، ولا اعتبار بإيلاج لا يخلق منه ~~الولد، كما لو أولج إصبعه. وأما قطع ذكره وحده، فإنه يلحقه الولد؛ لأنه ~~يمكن أن يساحق، فينزل ماء يخلق منه الولد. ولأصحاب الشافعي اختلاف في ذلك، ~~على نحو ما ذكرنا من الخلاف عندنا. # قال ابن اللبان: لا يلحقه الولد في هاتين الصورتين. في قول الجمهور. وقال ~~بعضهم: يلحقه بالفراش. وهو غلط؛ لأن الولد إنما يلحق بالفراش إذا أمكن، ألا ~~ترى أنها إذا ولدت بعد شهر منذ تزوجها لم يلحقه، وهاهنا لا يمكن؛ لفقد ~~المني من المسلول، وتعذر إيصال المني إلى قعر الرحم من المجبوب. ولا معنى ~~لقول من قال: يجوز أن تستدخل المرأة مني الرجل، فتحمل؛ لأن الولد مخلوق من ~~مني الرجل والمرأة جميعا، ولذلك يأخذ الشبه منهما، وإذا استدخلت المني بغير ~~جماع، لم تحدث لها لذة تمني بها، فلا يختلط نسبهما، ولو صح ذلك لكان ~~الأجنبيان الرجل والمرأة إذا تصادقا أنها استدخلت منيه، وأن الولد من ذلك ~~المني، يلحقه نسبه، وما قال ذلك أحد. # PageV08P080 ### | [فصل طلق امرأته وهي حامل فوضعت ولدا ثم ولدت آخر قبل مضي ستة أشهر] # (6279) فصل: وإن طلق امرأته وهي حامل، فوضعت ولدا، ثم ولدت آخر قبل مضي ~~ستة أشهر، فهو من الزوج؛ لأننا نعلم أنهما حمل واحد، فإذا كان أحدهما منه، ~~فالآخر منه. وإن كان بينهما أكثر من ستة أشهر، لم يلحق الزوج، وانتفى عنه ~~من غير لعان؛ لأنه لا يمكن أن يكون الولدان حملا واحدا وبينهما مدة الحمل، ~~فعلم أنها علقت به بعد زوال الزوجية، وانقضاء العدة، وكونها أجنبية، فهي ~~كسائر الأجنبيات. وإن طلقها، فاعتدت ms4238 بالأقراء، ثم ولدت ولدا قبل مضي ستة ~~أشهر من آخر إقرائها، لحقه؛ لأننا تيقنا أنها لم تحمله بعد انقضاء عدتها، ~~ونعلم أنها كانت حاملا به في زمن رؤية الدم، فيلزم أن لا يكون الدم حيضا، ~~فلم تنقض عدتها به وإن أتت به لأكثر من ذلك، لم يلحق بالزوج. # وهذا قول أبي العباس بن سريج. وقال غيره من أصحاب الشافعي: يلحق به؛ لأنه ~~يمكن أن يكون منه، والولد يلحق بالإمكان. ولنا، أنها أتت به بعد الحكم ~~بانقضاء عدتها، في وقت يمكن أن لا يكون منه، فلم يلحقه، كما لو انقضت عدتها ~~بوضع الحمل، وإنما يعتبر الإمكان مع بقاء الزوجية أو العدة، وأما بعدهما، ~~فلا يكتفى بالإمكان للحاقه، وإنما يكتفى بالإمكان لنفيه، وذلك لأن الفراش ~~سبب، ومع وجود السبب يكتفى بإمكان الحكمة واحتمالها، فإذا انتفى السبب ~~وآثاره، فينتفي الحكم لانتفائه، ولا يلتفت إلى مجرد الإمكان. والله أعلم. # فأما إن وضعته قبل انقضاء العدة لأقل من أربع سنين، لحق بالزوج، ولم ينتف ~~عنه إلا باللعان. وإن وضعته لأكثر من أربع سنين من حين الطلاق، وكان بائنا، ~~انتفى عنه بغير لعان؛ لأننا علمنا أنها علقت به بعد زوال الفراش. وإن كان ~~رجعيا، فوضعته لأكثر من أربع سنين منذ انقضت العدة، فكذلك؛ لأنها علقت به ~~بعد البينونة. وإن وضعته لأكثر من أربع سنين منذ الطلاق، ولأقل منها منذ ~~انقضت العدة، ففيه روايتان: إحداهما - لا يلحقه؛ لأنها لم تعلق به قبل ~~طلاقها، فأشبهت البائن. والثانية، يلحقه؛ لأنها في حكم الزوجات في السكنى ~~والنفقة والطلاق والظهار والإيلاء والحل، في رواية، فأشبه ما قبل الطلاق. ### | [فصل غاب عن زوجته سنين فبلغتها وفاته فاعتدت ونكحت نكاحا صحيحا] # (6280) فصل: فإن غاب عن زوجته سنين، فبلغتها وفاته، فاعتدت، ونكحت نكاحا ~~صحيحا في الظاهر، ودخل بها الثاني، وأولدها أولادا، ثم قدم الأول، فسخ نكاح ~~الثاني، وردت إلى الأول، وتعتد من الثاني، # PageV08P081 # ولها عليه صداق مثلها، والأولاد له؛ لأنهم ولدوا على فراشه. روي ذلك عن ~~علي - رضي الله عنه - وهو قول الثوري، وأهل ms4239 العراق، وابن أبي ليلى، ومالك، ~~وأهل الحجاز، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف، وغيرهم من أهل العلم إلا أبا ~~حنيفة، قال: الولد للأول؛ لأنه صاحب الفراش، لأن نكاحه صحيح ثابت، ونكاح ~~الثاني غير ثابت، فأشبه الأجنبي. ولنا أن الثاني انفرد بوطئها في نكاح يلحق ~~النسب في مثله، فكان الولد له دون غيره، كولد الأمة من زوجها يلحقه دون ~~سيدها، وفارق الأجنبي، فإنه ليس له نكاح. ### | [فصل وطئ رجل امرأة لا زوج لها بشبهة، فأتت بولد] # (6281) فصل: وإن وطئ رجل امرأة لا زوج لها بشبهة، فأتت بولد، لحقه نسبه. ~~وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة. وقال القاضي: وجدت بخط أبي بكر، أنه لا يلحق ~~به؛ لأن النسب لا يلحق إلا في نكاح صحيح، أو فاسد، أو ملك، أو شبهة ملك، ~~ولم يوجد شيء من ذلك، ولأنه وطء لا يستند إلى عقد، فلم يلحق الولد فيه ~~بالوطء، كالزنا. والصحيح في المذهب الأول. قال أحمد: كل من درأت عنه الحد ~~ألحقت به الولد. ولأنه وطء اعتقد الواطئ حله، فلحق به النسب، كالوطء في ~~النكاح الفاسد. وفارق وطء الزنا، فإنه لا يعتقد الحل فيه. ولو تزوج رجلان ~~أختين، فغلط بهما عند الدخول، فزفت كل واحدة منهما إلى زوج الأخرى، فوطئها، ~~وحملت منه، لحق الولد بالواطئ؛ لأنه وطء يعتقد حله، فلحق به النسب، كالوطء ~~في نكاح فاسد وقال أبو بكر: لا يكون الولد للواطئ، وإنما يكون للزوج. وهذا ~~الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة، لأن الولد للفراش. # ولنا أن الواطئ انفرد بوطئها فيما يلحق به النسب، فلحق به كما لو لم تكن ~~ذات زوج، وكما لو تزوجت امرأة المفقود عند الحكم بوفاته ثم بان حيا، والخبر ~~مخصوص بهذا، فنقيس عليه ما كان في معناه. وإن وطئت امرأته أو أمته بشبهة في ~~طهر لم يصبها فيه، فاعتزلها حتى أتت بولد لستة أشهر من حين الوطء، لحق ~~الواطئ، وانتفى عن الزوج من غير لعان، وعلى قول أبي بكر، وأبي حنيفة يلحق ~~بالزوج؛ لأن الولد للفراش. وإن أنكر الواطئ الوطء، فالقول قوله ms4240 بغير يمين، ~~ويلحق نسب الولد بالزوج؛ لأنه لا يمكن إلحاقه بالمنكر، ولا تقبل دعوى الزوج ~~في قطع نسب الولد. وإن أتت بالولد لدون ستة أشهر من حين الوطء لحق الزوج ~~بكل حال؛ لأننا نعلم أنه ليس من الواطئ. # وإن اشتركا في وطئها # PageV08P082 # في طهر، فأتت بولد يمكن أن يكون منهما، لحق الزوج؛ لأن الولد للفراش، وقد ~~أمكن كونه منه. وإن ادعى الزوج أنه من الواطئ. فقال بعض أصحابنا: يعرض على ~~القافة معهما فيلحق بمن ألحقته منهما، فإن ألحقته بالواطئ لحقه، ولم يملك ~~نفيه عن نفسه، وانتفى عن الزوج بغير لعان، وإن ألحقته بالزوج لحقه، ولم ~~يملك نفيه باللعان في أصح الروايتين. والأخرى، له ذلك. وإن ألحقته بهما، ~~لحق بهما، ولم يملك الواطئ نفيه عن نفسه. وهل يملك الزوج نفيه باللعان؟ على ~~روايتين. # وإن لم توجد قافة، أو أنكر الواطئ الوطء، أو اشتبه على القافة، لحق ~~الزوج؛ لأن المقتضي للحاق النسب به متحقق، ولم يوجد ما يعارضه، فوجب إثبات ~~حكمه. ويحتمل أن يلحق الزوج بكل حال؛ لأن دلالة قول القافة ضعيفة، ودلالة ~~الفراش قوية، فلا يجوز ترك دلالته لمعارضة دلالة ضعيفة. ### | [فصل أتت بولد، فادعى أنه من زوج قبله] # (6282) فصل: وإن أتت بولد، فادعى أنه من زوج قبله، نظرنا؛ فإن كانت تزوجت ~~بعد انقضاء العدة، لم يلحق بالأول بحال، وإن كان بعد أربع سنين منذ بانت من ~~الأول، لم يلحق به أيضا، وإن وضعته لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني، لم ~~يلحق به، وينتفي عنهما، وإن كان لأكثر من ستة أشهر، فهو ولده، وإن كان ~~لأكثر من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني، ولأقل من أربع سنين من طلاق الأول، ~~ولم يعلم انقضاء العدة، عرض على القافة، ولحق بمن ألحقته به منهما، فإن ~~ألحقته بالأول، انتفى عن الزوج بغير لعان، وإن ألحقته بالزوج انتفى عن ~~الأول ولحق الزوج. وهل له نفيه باللعان؟ على روايتين. ### | [مسألة اللعان الذي يبرأ به من الحد] # (6283) مسألة قال: (واللعان الذي يبرأ به من الحد أن يقول ms4241 الزوج بمحضر من ~~الحاكم: أشهد بالله لقد زنت. ويشير إليها. وإن لم تكن حاضرة سماها، ونسبها، ~~حتى يكمل ذلك أربع مرات، ثم يوقف عند الخامسة، ويقال له: اتق الله، فإنها ~~الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فإن أبى إلا أن يتم، فليقل: ~~ولعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا، وتقول هي: ~~أشهد بالله لقد كذب. أربع مرات، ثم توقف عند الخامسة، وتخوف كما خوف الرجل، ~~فإن أبت إلا أن تتم، فلتقل: وغضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني ~~به من الزنا) # في هذه المسألة مسألتان: (6284) المسألة الأولى: أن اللعان لا يصح إلا ~~بمحضر من الحاكم، أو من يقوم مقامه. وهذا مذهب الشافعي؛ لأن النبي # PageV08P083 # - صلى الله عليه وسلم - أمر هلال بن أمية أن يستدعي زوجته إليه، ولاعن ~~بينهما. ولأنه إما يمين، وإما شهادة، وأيهما كان، فمن شرطه الحاكم. # وإن تراضى الزوجان بغير الحاكم يلاعن بينهما، لم يصح ذلك؛ لأن اللعان ~~مبني على التغليظ والتأكيد، فلم يجز بغير الحاكم، كالحد. وسواء كان الزوجان ~~حرين أو مملوكين، في ظاهر كلام الخرقي. وقال أصحاب الشافعي: للسيد أن يلاعن ~~بين عبده وأمته؛ لأن له إقامة الحد عليهما. ولنا أنه لعان بين زوجين، فلم ~~يجز لغير الحاكم أو نائبه، كاللعان بين الحرين. ولا نسلم أن السيد يملك ~~إقامة الحد على أمته المزوجة، ثم لا يشبه اللعان الحد؛ لأن الحد زجر ~~وتأديب، واللعان إما شهادة وإما يمين، فافترقا، ولأن اللعان دارئ للحد، ~~وموجب له، فجرى مجرى إقامة البينة على الزنا والحكم به أو بنفيه وإن كانت ~~المرأة خفرة لا تبرز لحوائجها، بعث الحاكم نائبه، وبعث معه عدولا، ليلاعنوا ~~بينهما، وإن بعث نائبه وحده جاز؛ لأن الجمع غير واجب. ### | [فصل يستحب أن يكون اللعان بمحضر جماعة من المسلمين] # (6285) فصل: ويستحب أن يكون اللعان بمحضر جماعة من المسلمين، لأن ابن ~~عباس وابن عمر وسهل بن سعد حضروه مع حداثة أسنانهم، فدل ذلك على أنه حضره ~~جمع كثير؛ لأن الصبيان إنما ms4242 يحضرون المجالس تبعا للرجال، ولأن اللعان بني ~~على التغليظ، مبالغة في الردع به والزجر، وفعله في الجماعة أبلغ في ذلك. # ويستحب أن لا ينقصوا عن أربعة، لأن بينة الزنا الذي شرع اللعان من أجل ~~الرمي به أربعة، وليس شيء من هذا واجبا، ويستحب أن يتلاعنا قياما، فيبدأ ~~الزوج فيلتعن وهو قائم، فإذا فرغ قامت المرأة فالتعنت وهي قائمة؛ لما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لهلال بن أمية: «قم فاشهد أربع ~~شهادات» ولأنه إذا قام شاهده الناس، فكان أبلغ في شهرته، فاستحب كثرة ~~الجمع، وليس ذلك واجبا. وبهذا كله قال أبو حنيفة، والشافعي ولا أعلم فيه ~~مخالفا. # PageV08P084 ### | [فصل لا يستحب التغليظ في اللعان بمكان ولا زمان] # (6286) فصل: قال القاضي: ولا يستحب التغليظ في اللعان بمكان، ولا زمان. ~~وبهذا قال أبو حنيفة؛ لأن الله تعالى أطلق الأمر بذلك، ولم يقيده بزمان ولا ~~مكان، فلا يجوز تقييده إلا بدليل، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~الرجل بإحضار امرأته، ولم يخصه بزمن، ولو خصه بذلك لنقل ولم يهمل. وقال أبو ~~الخطاب يستحب أن يتلاعنا في الأزمان والأماكن التي تعظم. وهذا مذهب ~~الشافعي، إلا أن عنده في التغليظ بالمكان قولين: أحدهما، أن التغليظ به ~~مستحب كالزمان. والثاني، أنه واجب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لاعن ~~عند المنبر، فكان فعله بيانا للعان. # ومعنى التغليظ بالمكان، أنهما إذا كانا بمكة لاعن بينهما بين الركن ~~والمقام، فإنه أشرف البقاع، وإن كان في المدينة فعند منبر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في جوامعها. ~~وأما الزمان فبعد العصر؛ لقول الله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة ~~فيقسمان بالله} [المائدة: 106] . وأجمع المفسرون على أن المراد بالصلاة ~~صلاة العصر. قال أبو الخطاب في موضع أو بين الأذانين؛ لأن الدعاء بينهما لا ~~يرد. والصحيح الأول، ولو استحب ذلك لفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو ~~فعله لنقل، ولم يسغ تركه وإهماله. # وأما قولهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم ms4243 - لاعن بينهما عند المنبر. ~~فليس هذا في شيء من الأحاديث المشهورة. وإن ثبت هذا، فيحتمل أنه كان بحكم ~~الاتفاق؛ لأن مجلسه كان عنده، فلاعن بينهما في مجلسه. وإن كان اللعان بين ~~كافرين، فالحكم فيه كالحكم في اللعان بين المسلمين. ويحتمل أن يغلظ في ~~المكان؛ لقوله في الأيمان: وإن كان لهم مواضع يعظمونها، ويتوقون أن يحلفوا ~~فيها كاذبين، حلفوا فيها. فعلى هذا، يلاعن بينهما في مواضعهم اللاتي ~~يعظمونها؛ النصراني في الكنيسة، واليهودي في البيعة والمجوسي في بيت النار. # وإن لم يكن لهم مواضع يعظمونها، حلفهم الحاكم في مجلسه؛ لتعذر التغليظ ~~بالمكان. وإن كانت المسلمة حائضا، وقلنا: إن اللعان بينهما يكون في المسجد. ~~وقفت على بابه، ولم تدخله؛ لأن ذلك أقرب المواضع إليه. # (6287) المسألة الثانية: في ألفاظ اللعان وصفته، أما ألفاظه فهي خمسة في ~~حق كل واحد منهما. وصفته أن الإمام يبدأ بالزوج، فيقيمه، له: ويقول له: # PageV08P085 # قل أربع مرات: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من ~~الزنا. ويشير إليها إن كانت حاضرة، ولا يحتاج مع الحضور والإشارة إلى نسبه ~~وتسميته، كما لا يحتاج إلى ذلك في سائر العقود، وإن كانت غائبة أسماها ~~ونسبها، فقال: امرأتي فلانة بنت فلان. ويرفع في نسبها حتى ينفي المشاركة ~~بينها وبين غيرها. فإذا شهد أربع مرات، وقفه الحاكم، وقال له: اتق الله، ~~فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكل شيء أهون من لعنة ~~الله. ويأمر رجلا فيضع يده على فيه، حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة، ثم ~~يأمر الرجل، فيرسل يده عن فيه، فإن رآه يمضي في ذلك، قال له: قل: وإن لعنة ~~الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا. ثم يأمر ~~المرأة بالقيام، ويقول لها قولي: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما ~~رماني به من الزنا. وتشير إليه، وإن كان غائبا أسمته ونسبته، فإذا كررت ذلك ~~أربع مرات، وقفها، ووعظها كما ذكرنا في حق الزوج، ويأمر امرأة فتضع يدها ~~على فيها، ms4244 فإن رآها تمضي على ذلك، قال لها: قولي: وإن غضب الله علي إن كان ~~زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنا. # قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: كيف يلاعن؟ قال: على ما في كتاب الله ~~تعالى، يقول أربع مرات: أشهد بالله إني فيما رميتها به لمن الصادقين. ثم ~~يوقف عند الخامسة، فيقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. والمرأة مثل ~~ذلك، توقف عند الخامسة، فيقال لها اتق الله، فإنها الموجبة، توجب عليك ~~العذاب. فإن حلفت، قالت: غضب الله عليها إن كان من الصادقين. # وعدد هذه الألفاظ الخمسة شرط في اللعان، فإن أخل بواحدة منها، لم يصح على ~~ما ذكرناه فيما مضى، وإن أبدل لفظا منها، فظاهر كلام الخرقي أنه يجوز أن ~~يبدل قوله: إني لمن الصادقين. بقوله: لقد زنت. لأن معناهما واحد، ويجوز لها ~~إبدال: إنه لمن الكاذبين. بقولها: لقد كذب. لأنه ذكر صفة اللعان كذلك. ~~واتباع لفظ النص أولى وأحسن. وإن أبدل لفظة: (أشهد) بلفظ من ألفاظ اليمين، ~~فقال: أحلف أو أقسم أو أولي. لم يعتد به. وقال أبو الخطاب: فيه وجه آخر، ~~أنه يعتد به؛ لأنه أتى بالمعنى، فأشبه ما لو أبدل: إني لمن الصادقين. ~~بقوله: لقد زنت. # وللشافعي وجهان في هذا. والصحيح أنه لا يصح؛ لأن ما اعتبر فيه لفظ ~~الشهادة، لم يقم غيره مقامه، كالشهادات في الحقوق، ولأن اللعان يقصد فيه ~~التغليظ، واعتبار لفظ الشهادات أبلغ في التغليظ، فلم يجز تركه، ولهذا لم ~~يجز أن يقسم بالله من غير كلمة تقوم مقام أشهد. والثاني، يعتد به؛ لأنه أتى ~~بالمعنى، أشبه ما قبله. وللشافعي وجهان كهذين. وإن أبدل لفظة اللعنة # PageV08P086 # بالإبعاد، لم يجز؛ لأن لفظ اللعنة أبلغ في الزجر وأشد في أنفس الناس، ~~ولأنه عدل عن المنصوص. وقيل: يجوز؛ لأن معناهما واحد. # وإن أبدلت المرأة لفظة الغضب باللعنة، لم يجز؛ لأن الغضب أغلظ، ولهذا خصت ~~المرأة به؛ لأن المعرة بزناها أقبح، وإثمها بفعل الزنا أعظم من إثمه ~~بالقذف. وإن أبدلتها بالسخط، خرج على وجهين ms4245 فيما إذا أبدل الرجل لفظ اللعنة ~~بالإبعاد. وإن أبدل الرجل لفظة اللعنة بالغضب احتمل أن يجوز لأنه أبلغ، ~~واحتمل أن لا يجوز؛ لمخالفته المنصوص. قال الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة - ~~رحمه الله تعالى -: من الفقهاء من اشترط أن يزاد بعد قوله: من الصادقين: ~~فيما رميتها به من الزنا. واشترط في نفيها عن نفسها: فيما رماني به من ~~الزنى. ولا أراه يحتاج إليه؛ لأن الله سبحانه أنزل ذلك وبينه، ولم يذكر هذا ~~الاشتراط. # وأما موعظة الإمام لهما بعد الرابعة وقبل الخامسة فهي مستحبة في قول أكثر ~~أهل العلم؛ لما روى ابن عباس قال: لما كانت الخامسة، قيل: يا هلال، اتق ~~الله، فإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال: والله لا يعذبني الله ~~عليها، كما لم يجلدني عليها. فشهد الخامسة. فلما كانت الخامسة، قيل لها: ~~اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب ~~عليك العذاب. فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي. فشهدت الخامسة أن ~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين. # وروى أبو إسحاق الجوزجاني، بإسناده، حديث المتلاعنين، قال: «فشهد أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه، وقال: ويحك ~~كل شيء أهون عليك من لعنة الله ثم أرسل، فقال: لعنة الله عليه إن كان من ~~الكاذبين. ثم دعاها، فقرأ عليها، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين، ثم أمر بها فأمسك على فيها، وقال: ويحك كل شيء أهون عليك من عذاب ~~الله» وذكر الحديث. ### | [فصل يشترط في صحة اللعان شروط ستة] # (6288) فصل: ويشترط في صحة اللعان شروط ستة: أحدها، أن يكون بمحضر الإمام ~~أو نائبه. الثاني، أن يأتي كل واحد منهما باللعان بعد إلقائه عليه، فإن ~~بادر به قبل أن يلقيه الإمام عليه، لم يصح، كما لو حلف قبل أن يحلفه ~~الحاكم. الثالث، استكمال لفظات اللعان الخمسة، فإن نقص منها لفظة، لم يصح. ~~الرابع أن يأتي بصورته، إلا ما ذكرنا من الاختلاف في إبدال لفظة بمثلها في ms4246 ~~المعنى. الخامس، الترتيب، فإن قدم لفظة اللعنة على شيء من الألفاظ الأربعة، ~~أو قدمت المرأة لعانها على لعان الرجل، لم يعتد به. السادس، الإشارة من كل ~~واحد منهما إلى صاحبه إن كان حاضرا، وتسميته ونسبته إن كان غائبا. ولا ~~يشترط # PageV08P087 # حضورهما معا، بل لو كان أحدهما غائبا عن صاحبه، مثل إن لاعن الرجل في ~~المسجد والمرأة على بابه، لعدم إمكان دخولها، جاز. ### | [فصل كان الزوجان يعرفان العربية في اللعان] # (6289) فصل: وإن كان الزوجان يعرفان العربية، لم يجز أن يلتعنا بغيرها؛ ~~لأن اللعان ورد في القرآن بلفظ العربية. وإن كانا لا يحسنان ذلك، جاز لهما ~~الالتعان بلسانهما؛ لموضع الحاجة، فإن كان الحاكم يحسن لسانهما، أجزأ ذلك، ~~ويستحب أن يحضر معه أربعة يحسنون لسانهما، وإن كان الحاكم لا يحسن لسانهما، ~~فلا بد من ترجمان. قال القاضي: ولا يجزئ في الترجمة أقل من اثنين عدلين. ~~وهو قول الشافعي وظاهر قول الخرقي؛ لأنه قال: ولا يقبل في الترجمة عن أعجمي ~~حاكم إليه، إذا لم يعرف لسانه؛ أقل من عدلين يعرفان لسانه. وذكر أبو الخطاب ~~رواية أخرى، أنه يجزئ قول عدل واحد. وهو قول أبي حنيفة، وسنذكر ذلك في موضع ~~آخر إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة كان بينهم في اللعان ولد] # (6290) مسألة قال: (وإن كان بينهم في اللعان ولد، ذكر الولد، فإذا قال: ~~أشهد بالله، لقد زنت. يقول: وما هذا الولد ولدي. وتقول هي: أشهد بالله لقد ~~كذب، وهذا الولد ولده) وجملة ذلك، أنه متى كان اللعان لنفي ولد، فلا بد من ~~ذكره في لعانهما. وقال الشافعي: لا تحتاج المرأة إلى ذكره؛ لأنها لا تنفيه، ~~وإنما احتاج الزوج إلى ذكره لنفيه. وقال أبو بكر: لا يحتاج واحد منهما إلى ~~ذكره، وينتفي بزوال الفراش. # ولنا، أن من سقط حقه باللعان، اشترط ذكره فيه، كالمرأة، والمرأة أحد ~~الزوجين، فكان ذكر الولد شرطا في لعانها كالزوج، ولأنهما متحالفان على شيء، ~~فاشترط ذكره في تحالفهما كالمختلفين في اليمين. وظاهر كلام الخرقي أنه ~~يكتفى بقول الزوج: وما هذا الولد ولدي. ms4247 ومن المرأة بقولها: وهذا الولد ~~ولده. وقال القاضي: يشترط أن يقول: هذا الولد من زنا، وليس هو مني. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأنه قد يريد بقوله: ليس هو مني. يعني خلقا وخلقا. ولم تقتصر ~~على قوله: من زنا؛ لأنه قد يعتقد أن الوطء في نكاح فاسد زنا، فأكدنا ~~بذكرهما جميعا. # ولنا أنه نفى الولد في اللعان فاكتفي به، كما لو ذكر اللفظين، وما ذكروه ~~من التأكيد تحكم بغير دليل، ولا ينتفي الاحتمال بضم إحدى اللفظتين إلى ~~الأخرى، فإنه إذا اعتقد أنه من وطء فاسد، # PageV08P088 # واعتقد أن ذلك زنا صح منه أن يقول اللفظين جميعا، وقد يريد أنه لا يشبهني ~~خلقا وخلقا، أو أنه من وطء فاسد. فإن لم يذكر الولد في اللعان، لم ينتف ~~عنه. فإن أراد نفيه، أعاد اللعان، ويذكر نفي الولد فيه. ### | [فصل قذف امرأته بالزنا برجل بعينه] # (6291) فصل: وإذا قذف امرأته بالزنا برجل بعينه، فقد قذفهما، وإذا لاعنها ~~سقط الحد عنه لهما، سواء ذكر الرجل في لعانه أو لم يذكره، وإن لم يلاعن، ~~فلكل واحد منهما المطالبة، وأيهما طالب، حد له، ومن لم يطالب، فلا يحد له، ~~كما لو قذف رجلا بالزنا بامرأة معينة. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، إلا في ~~أنه لا يسقط حده بلعانها. وقال بعض أصحابنا: القذف للزوجة وحدها، ولا يتعلق ~~بغيرها حق في المطالبة ولا الحد؛ لأن هلال بن أمية قذف زوجته بشريك ابن ~~سحماء، فلم يحده النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عزره له. # وقال بعض أصحاب الشافعي: يجب الحد لهما، وهل يجب حد واحد أو حدان؟ على ~~وجهين. وقال بعضهم: لا يجب إلا حد واحد، قولا واحدا. ولا خلاف بينهم أنه ~~إذا لاعن، وذكر الأجنبي في لعانه، أنه يسقط عنه حكمه، وإن لم يذكره، فعلى ~~وجهين. ولنا، أن اللعان بينة في أحد الطرفين، فكان بينة في الطرف الآخر، ~~كالشهادة، ولأن به حاجة إلى قذف الزاني، لما أفسد عليه من فراشه، وربما ~~يحتاج إلى ذكره ليستدل بشبه الولد للمقذوف على صدق قاذفه. كما ms4248 استدل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - على صدق هلال بشبه الولد لشريك ابن سحماء، فوجب أن ~~يسقط حكم قذفه ما أسقط حكم قذفها، قياسا له عليها. ### | [فصل قذف امرأته وأجنبية أو أجنبيا بكلمتين] # (6292) فصل: ولو قذف امرأته وأجنبية أو أجنبيا بكلمتين، فعليه حدان لهما، ~~فيخرج من حد الأجنبية بالبينة خاصة، ومن حد الزوجة بالبينة أو اللعان. وإن ~~قذفهما بكلمة، فكذلك، إلا أنه إذا لم يلاعن، ولم تقم بينة، فهل يحد لهما ~~حدا واحدا أو حدين؟ على روايتين: إحداهما، يحد حدا واحدا. وبه قال أبو ~~حنيفة، والشافعي في القديم. وزاد أبو حنيفة: سواء كان بكلمة أو بكلمات؛ ~~لأنهما حدود من جنس، فوجب أن تتداخل، كحدود الزنا. والثانية: إن طالبوا ~~مجتمعين فحد واحد، وإن طالبوا متفرقين فلكل واحد حد؛ لأنهم إذا اجتمعوا في ~~الطلب، أمكن إيفاؤهم بالحد الواحد، وإذا تفرقوا لم يمكن جعل الحد الواحد ~~إيفاء لمن لم يطالب؛ لأنه لا يجوز إقامة الحد له قبل المطالبة منه. # وقال الشافعي، في الجديد: يقام لكل واحد حد بكل حال؛ لأنها حقوق لآدميين، ~~فلم تتداخل، كالديون. # PageV08P089 # ولنا أنه إذا قذفهما بكلمة واحدة يجزئ حد واحد، أنه يظهر كذبه في قذفه، ~~وبراءة عرضهما من رميه بحد واحد، فأجزأ، كما لو كان القذف لواحد. وإذا ~~قذفهما بكلمتين، وجب حدان؛ لأنهما قذفان لشخصين، فوجب لكل واحد حد، كما لو ~~قذف الثاني بعد حد الأول. وهكذا الحكم فيما إذا قذف أجنبيتين أو أجنبيات، ~~فالتفصيل فيه على ما ذكرناه. # وإن قذف أربع نسائه، فالحكم في الحد كذلك. وإن أراد اللعان، فعليه أن ~~يلاعن لكل واحدة لعانا مفردا، ويبدأ بلعان التي تبدأ بالمطالبة، فإن طالبن ~~جميعا، وتشاححن، بدأ بإحداهن بالقرعة، وإن لم يتشاححن، بدأ بلعان من شاء ~~منهن، ولو بدأ بواحدة منهن من غير قرعة مع المشاحة صح. ويحتمل أن يجزئه ~~لعان واحد، فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به كل واحدة من ~~زوجاتي هؤلاء الأربع من الزنا. وتقول كل واحدة: أشهد بالله إنه لمن ~~الكاذبين فيما رماني ms4249 به من الزنى. لأنه يحصل المقصود بذلك. والأول أصح؛ لأن ~~اللعان أيمان فلا تتداخل لجماعة، كالأيمان في الديون. ### | [فصل قال لزوجته يا زانية بنت الزانية] # (6293) فصل: ولو قال لزوجته: يا زانية بنت الزانية. فقد قذفها، وقذف أمها ~~بكلمتين، والحكم في الحد لهما على ما مضى من التفصيل فيه، فإن اجتمعا في ~~المطالبة، ففي أيتهما يقدم؟ فيه وجهان: أحدهما الأم؛ لأن حقها آكد، لكونه ~~لا يسقط إلا بالبينة، ولأن لها فضيلة الأمومة. والثاني، تقديم البنت؛ لأنه ~~بدأ بقذفها. ومتى حد لإحداهما، ثم وجب عليه الحد للأخرى، لم يحد حتى يبرأ ~~جلده من حد الأولى. فإن قيل: إن الحد هاهنا حق لآدمي، فلم لا يوالى بينهما ~~كالقصاص، فإنه لو قطع يدي رجلين، قطعنا يديه لهما، ولم نؤخره؟ قلنا: لأن حد ~~القذف لا يتكرر بتكرر سببه قبل إقامة حده، فالموالاة بين حدين فيه تخرجه عن ~~موضوعه، والقصاص يجوز أن تقطع الأطراف كلها في قصاص واحد، فإذا جاز لواحد، ~~فلاثنين أولى. ### | [فصل قذف محصنا مرات] # (6294) فصل: وإن قذف محصنا مرات، فحد واحد، رواية واحدة، سواء قذفه بزنا ~~آخر، أو كرر القذف بالأول؛ لأنهما حدان ترادف سببهما، فتداخلا، كالزنا ~~مرارا. وإن قذفه فحد له، ثم قذفه مرة أخرى بذلك الزنا، فلا حد عليه؛ لأنه ~~قد تحقق كذبه فيه بالحد، فلا حاجة إلى إظهار كذبه فيه ثانيا، ولما جلد عمر ~~أبا بكرة حين شهد على المغيرة بن شعبة، أعاد قذفه، فهم عمر بإعادة الحد ~~عليه، فقال له علي: إن جلدته فارجم # PageV08P090 # صاحبه. فتركه. ولكنه يعزر تعزير السب والشتم. وذكر القاضي أن فيه رواية ~~أخرى، أن عليه الحد ثانيا؛ لأنه قذف ثان بعد إقامة الحد عليه، فأشبه ما لو ~~قذفه بزنا ثان. # وأما إن قذفه بزنا آخر، فعليه حد آخر؛ لأنه قذف لمحصن لم يحد فيه، فوجب ~~أن يتعقبه الحد كالأول، ولأن سبب الحد وجد بعد إقامته، فأعيد عليه، كالزنا ~~والسرقة. وعن أحمد رواية أخرى، لا حد عليه في الثاني؛ لأنه حد لصاحبه مرة، ~~فلا يعاد عليه ms4250 الحد، كما لو قذفه بالزنا الأول. وعلى هذه الرواية يعزر ~~تعزير السب والشتم. وهذه الرواية الثانية فيما إذا تقارب القذف الثاني من ~~الحد، فأما إذا تباعد زمانهما، وجب الحد بكل حال؛ لأنه لا يجوز أن يكون حده ~~مرة من أجله فوجب إطلاق عرضه له. ومذهب الشافعي في هذا كمذهبنا، إلا أنهم ~~حكوا عن الشافعي، فيما إذا أعاد القذف بزنا ثان قبل إقامة الحد، قولين: ~~أحدهما، يجب حد واحد. والثاني، يجب حدان. # فأما إن قذف أجنبية، ثم تزوجها، ثم قذفها، فعليه الحد للقذف الأول، ولا ~~شيء عليه للثاني. في قول أبي بكر وحكي نحو ذلك عن الزهري، والثوري، وأصحاب ~~الرأي؛ لأنه لو قذف أجنبية قذفين، لم يجب عليه أكثر من حد واحد. واختار ~~القاضي أنه إن قذفها بالزنا الأول، لم يكن عليه أكثر من حد واحد، وليس له ~~إسقاطه إلا بالبينة، وإن قذفها بزنا آخر، فهو على الروايتين فيما إذا قذف ~~الأجنبية، ثم حد لها، ثم قذفها بزنا آخر، فإن قلنا: يجب حدان. فطالبت ~~المرأة بموجب القذف الأول، فأقام به بينة، سقط عنه حده، ولم يجب في الثاني ~~حد؛ لأنها غير محصنة، وإن لم يقم بينة، حد لها. # ومتى طالبته بموجب الثاني، فأقام به بينة، أو لاعنها، سقط، وإلا وجب عليه ~~الحد أيضا؛ لأن هذا القذف موجبه غير موجب الأول، فإن الأول موجبه الحد على ~~الخصوص، والثاني موجبه اللعان أو الحد. وإن بدأت بالمطالبة بموجب الثاني، ~~فأقام بينة به، أو لاعن، سقط حده، ولها المطالبة بموجب الأول، فإن أقام به ~~بينة، وإلا حد. قال القاضي: إن أقام بالثاني بينة، سقط موجب الأول. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأنها صارت غير محصنة، فلا يثبت لها حد المحصنات. ولنا أن ~~سقوط إحصانها في الثاني، لا يوجب سقوطه فيما قبل ذلك، كما لو استوفى حده ~~قبل إقامة البينة. ولعل هذا ينبني على ما إذا قذف رجلا فلم يقم الحد على ~~القاذف حتى زنى المقذوف. # وإن لم يقم بينة عليهما، ولم يلتعن للثاني، لم يجب إلا حد ms4251 واحد. نص عليه ~~أحمد؛ ولأنهما حدان من جنسين ترادفا، فلم يقم أحدهما، فتداخلا، كما لو ~~قذفها وهي أجنبية قذفين. ولو قذف زوجته، فحد لها، ثم أعاد قذفها بذلك # PageV08P091 # الزنا، لم يحد لها؛ لما ذكرنا في إعادة قذف الأجنبي، لكن يعزر للأذى ~~والسب، وليس له إسقاط التعزير باللعان؛ لأنه تعزير سب، لا تعزير قذف، إلا ~~على الرواية التي تلزم الأجنبي حدا ثانيا بإعادة القذف، فإنه يلزمه هاهنا ~~حد، وله إسقاطه باللعان. وإن ولد له ولد بعد حده، فذكر أنه من ذلك الزنا، ~~فله اللعان لإسقاطه، على كلتا الروايتين؛ لأنه محتاج إلى نفيه. # وإن قذفها في الزوجية قذفين بزناءين، فليس عليه إلا حد واحد، ويكفيه لعان ~~واحد؛ لأنه يمين، فإذا كان الحقان لواحد كفته، يمين واحدة، لكنه يحتاج أن ~~يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزناءين. وفارق ما ~~إذا قذف زوجتين، حيث لا يكفيه لعان واحد؛ لأن اليمين وجبت لكل واحد منهما، ~~فلا تتداخل، كسائر الأيمان. وإن أقام البينة بالأول، سقط عنه موجب الثاني؛ ~~لأنه زال إحصانها، ولا لعان، إلا أن يكون فيه نسب يريد نفيه. وإن أقامها ~~بالثاني لم يسقط الحد الأول، وله إسقاطه باللعان، إلا على قول القاضي، فإنه ~~يسقط بإقامة البينة على الثاني. # وإن قذفها في الزوجية ولاعنها ثم قذفها بالزنا الأول، فلا حد عليه؛ لأنه ~~قد حققه بلعانه، ويحتمل أن يحد، كما لو قذفها به أجنبي. وهو قول القاضي. ~~ولو قذفها به أجنبي، أو بزنا غيره، فعليه الحد، في قول عامة أهل العلم، ~~منهم ابن عباس، والزهري، والشعبي، والنخعي، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأبو ~~عبيد وذكر أبو عبيد عن أصحاب الرأي، أنهم قالوا: إن لم ينف بلعانها ولدا، ~~حد قاذفها، وإن نفاه، فلا حد على قاذفها؛ لأنه منتف عن زوجها بالشرع. ولنا ~~ما روى ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من رماها، أو ~~ولدها، فعليه الحد» . رواه أبو داود. # وهذا نص، فإنه نص على من رماها، مع أن ولدها منفي عن ms4252 الملاعن شرعا، ولأنه ~~لم يثبت زناها، ولا زال إحصانها، فيلزم قاذفها الحد بقوله تعالى {والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] ~~، وكما لو لم ينف ولدها. فأما إن أقام بينة، فقذفها قاذف بذلك الزنا، أو ~~بغيره، فلا حد عليه؛ لأنه قد زال إحصانها، ولأن هذا القذف لم يدخل المعرة ~~عليها، وإنما دخلت المعرة بقيام البينة، ولكنه يعزر تعزير السب والأذى. ~~وهكذا كل من قامت البينة بزناه، لا حد على قاذفه. وبه قال الشافعي، وأصحاب ~~الرأي. ولكنه يعزر تعزير السب والأذى، ولا يملك الزوج إسقاطه عن نفسه ~~باللعان؛ لما قدمناه. # وإن قذف زوجته ولاعنها، ثم قذفها بزنا آخر، فعليه الحد؛ لأنها بانت منه ~~باللعان، وصارت أجنبية، إلا أن يضيف الزنا إلى حال الزوجية، فعند ذلك إن ~~كان ثم نسب يريد نفيه، فله الملاعنة لنفيه، وإلا لزمه الحد، ولا لعان ~~بينهما. # PageV08P092 ### | [مسألة التعن هو ولم تلتعن هي] # (6295) مسألة قال: (فإن التعن هو، ولم تلتعن هي، فلا حد عليها، والزوجية ~~بحالها) وجملة ذلك أنه إذا لاعنها، وامتنعت هي من الملاعنة، فلا حد عليها. ~~وبه قال الحسن، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. # وروي ذلك عن الحارث العكلي وعطاء الخراساني وذهب مكحول، والشعبي، ومالك، ~~والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو إسحاق الجوزجاني، وابن المنذر، إلى أن ~~عليها الحد؛ لقول الله تعالى: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات} ~~[النور: 8] والعذاب الذي يدرؤه لعانها، هو الحد المذكور في قوله سبحانه: ~~{وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] ولأنه بلعانه حقق زناها، ~~فوجب عليها الحد، كما لو شهد عليها أربعة. # ولنا، أنه لم يتحقق من زناها، فلا يجب عليها الحد، كما لو لم يلاعن، ~~ودليل ذلك أن تحقق زناها لا يخلو إما أن يكون بلعان الزوج، أو بنكولها، أو ~~بهما، لا يجوز أن يكون بلعان الزوج وحده؛ لأنه لو ثبت زناها به، لما سمع ~~لعانها، ولا وجب الحد على قاذفها، ولأنه إما يمين، وإما شهادة، وكلاهما لا ~~يثبت له الحق على غيره، ولا يجوز أن ms4253 يثبت بنكولها؛ لأن الحد لا يثبت ~~بالنكول، فإنه يدرأ بالشبهات، فلا يثبت بها؛ وذلك لأن النكول يحتمل أن يكون ~~لشدة خفرها، أو لعقلة على لسانها، أو غير ذلك، فلا يجوز إثبات الحد الذي ~~اعتبر في بينته من العدد ضعف ما اعتبر في سائر الحدود، واعتبر في حقهم أن ~~يصفوا صورة الفعل، وأن يصرحوا بلفظه، وغير ذلك، مبالغة في نفي الشبهات عنه، ~~وتوسلا إلى إسقاطه، ولا يجوز أن يقضى فيه بالنكول الذي هو في نفسه شبهة، لا ~~يقضى به في شيء من الحدود ولا العقوبات، ولا ما عدا الأموال، مع أن الشافعي ~~لا يرى القضاء بالنكول في شيء، فكيف يقضي به في أعظم الأمور وأبعدها ثبوتا، ~~وأسرعها سقوطا، ولأنها لو أقرت بلسانها، ثم رجعت، لم يجب عليها الحد فلأن ~~لا يجب بمجرد امتناعها من اليمين على براءتها أولى، ولا يجوز أن يقضى فيه ~~بهما؛ لأن ما لا يقضى فيه باليمين المفردة، لا يقضى فيه باليمين مع النكول، ~~كسائر الحقوق، ولأن ما في كل واحد منهما من الشبهة لا ينتفي بضم أحدهما إلى ~~الآخر، فإن احتمال نكولها، لفرط حيائها وعجزها عن النطق باللعان في مجمع ~~الناس، لا يزول بلعان الزوج، والعذاب يجوز أن يكون الحبس أو غيره، فلا ~~يتعين في الحد، وإن احتمل أن يكون هو المراد، فلا يثبت الحد بالاحتمال، وقد ~~يرجح ما ذكرناه بقول عمر - رضي الله عنه -، إن الحد على من زنى وقد أحصن، ~~إذا كانت بينة، أو كان الحمل، أو الاعتراف. # فذكر موجبات الحد، ولم يذكر اللعان. واختلفت الرواية فيما يصنع بها؛ فروي ~~أنها تحبس حتى تلتعن أو تقر أربعا. قال أحمد: فإن أبت # PageV08P093 # المرأة أن تلتعن بعد التعان الرجل، أجبرتها عليه، وهبت أن أحكم عليها ~~بالرجم؛ لأنها لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت، فكيف إذا أبت اللعان، ~~ولا يسقط النسب إلا بالتعانهما جميعا؛ لأن الفراش قائم حتى تلتعن، والولد ~~للفراش. قال القاضي: هذه الرواية أصح. وهذا قول من وافقنا في أنه لا حد ~~عليها؛ وذلك لقول ms4254 الله تعالى: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات ~~بالله} [النور: 8] فيدل على أنها إذا لم تشهد لا يدرأ عنها العذاب. ~~والرواية الثانية، يخلى سبيلها. وهو قول أبي بكر؛ لأنه لم يجب عليها الحد، ~~فيجب تخلية سبيلها، كما لو لم تكمل البينة. # فأما الزوجية، فلا تزول، والولد لا ينتفي ما لم يتم اللعان بينهما، في ~~قول عامة أهل العلم، إلا الشافعي، فإنه قضى بالفرقة ونفي الولد بمجرد لعان ~~الرجل. وقد ذكرنا ذلك. ### | [مسألة أقرت الزوجة بالزنا دون الأربع مرات في اللعان] # مسألة قال: (وكذلك إن أقرت دون الأربع مرات) وجملته أن الرجل إذا قذف ~~امرأته، فصدقته، وأقرت بالزنا مرة، أو مرتين، أو ثلاثا، لم يجب عليها الحد؛ ~~لأنه لا يثبت إلا بإقرار أربع مرات، على ما يذكر في الحدود، ثم إن كان ~~تصديقها له قبل لعانه، فلا لعان بينهما؛ لأن اللعان كالبينة، إنما يقام مع ~~الإنكار، وإن كان بعد لعانه، لم تلاعن هي؛ لأنها لا تحلف مع الإقرار، ~~وحكمها حكم ما لو امتنعت من غير إقرار. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: ~~إن صدقته قبل لعانه، فعليها الحد، وليس له أن يلاعن، إلا أن يكون ثم نسب ~~ينفيه، فيلاعن وحده، وينتفي النسب بمجرد لعانه، وإن كان بعد لعانه، فقد ~~انتفى النسب، ولزمها الحد؛ بناء على أن النسب ينتفي بمجرد لعانه، وتقع ~~الفرقة، ويجب الحد، فإن الحد يجب بإقرار مرة. وهذه الأصول قد مضى أكثرها. # ولو أقرت أربعا، وجب الحد، ولا لعان بينهما إذا لم يكن ثم نسب ينفى. وإن ~~رجعت سقط الحد عنها، بغير خلاف علمناه. وبه يقول الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي. فإن الرجوع عن الإقرار بالحد مقبول، وليس له أن يلاعن للحد، فإنه لم ~~يجب عليه لتصديقها إياه. وإن أراد لعانها لنفي نسب، فظاهر قول الخرقي، أنه ~~ليس له ذلك في جميع هذه الصور. وهو قول أصحاب الرأي. وقال الشافعي: له ~~لعانها لنفي النسب فيها كلها؛ لأنها لو كانت عفيفة صالحة فكذبته، ملك نفي ~~ولدها، فإذا كانت فاجرة ms4255 فصدقته، فلأن يملك نفي ولدها أولى، ووجه الأول، أن ~~نفي الولد إنما يكون بلعانهما معا، وقد تعذر اللعان منهما؛ ولأنها لا ~~تستحلف على نفي ما تقربه، فتعذر نفي الولد لتعذر سببه، كما لو مات بعد ~~القذف وقبل اللعان. ### | [فصل قال لامرأته يا زانية فقالت بك زنيت] # (6297) فصل: ولو قال لامرأته: يا زانية. فقالت: بك زنيت. فلا حد عليها، ~~ولا عليه وقال أصحاب الشافعي: # PageV08P094 # عليه حد القذف؛ لأنه يحتمل أنها أرادت بذلك نفي الزنا عن نفسها، كما ~~يستعمل أهل العرف فيما إذا قال قائل: سرقت. قال: معك سرقت. أي أنا لم أسرق؛ ~~لكونك أنت لم تسرق. ولنا أنها صدقته في قذفه إياها، فأشبه ما لو قالت: ~~صدقت. ولا حد عليها؛ لأن حد الزنا لا يثبت إلا بالإقرار أربع مرات، وليس ~~عليها حد القذف؛ لأنها لم تقذفه، وإنما أقرت على نفسها بزناها به، ويمكن ~~ذلك من غير كونه زانيا، بأن يظنها زوجته وهي عالمة أنه أجنبي، ولأنه يحتمل ~~أن تريد نفي ذلك عنهما، كما ذكروه، أو أنه لم يطأني سواك، فإن لم يكن زنا ~~فأنت شريكي فيه. # ولا يجب الحد مع الاحتمال، ولا يلزم من سقوطه عن الرجل بظاهر تصديقها، ~~وجوبه عليها مع الاحتمال؛ فإن الحد يدرأ بالشبهات، ولا يجب بها. ولو قال: ~~يا زانية. فقالت: أنت أزنى مني. فقال أبو بكر فيها كالتي قبلها: لا حد على ~~الزوج؛ بتصديقها له، ولا على المرأة؛ لما ذكرنا في التي قبلها. وقال ~~الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: ليس قولها قذفا. قال الشافعي: إلا أن ~~تريد القذف؛ لأنه يحتمل أن تريد أنه أصابني وهو زوجي، فإن كان ذلك، فهو ~~أبلغ مني فيه. وقال القاضي: عليها حد لقذفها، ولا حد عليه لتصديقها إياه، ~~وقد أتت بصريح قذفه بالزنا، فوجب عليها الحد، كما لو قالت: أنت زان. ~~والاحتمال مع التصريح بالقذف، لا يمنع الحد، كما لو قالت: أنت زان. # فأما إن قال: يا زانية. فقالت: بل أنت زان. فكل واحد منهما قاذف لصاحبه، ~~عليه حد القذف؛ إلا ms4256 أن المرأة لا تملك إسقاط حدها إلا بالبينة، والزوج يملك ~~إسقاطه ببينة أو لعان. # PageV08P095 ### | [كتاب العدد] # الأصل في وجوب العدة: الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله ~~تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] وقوله سبحانه: ~~{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] وقوله تعالى: ~~{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 234] . وأما السنة، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، ~~أربعة أشهر وعشرا» . «وقال لفاطمة بنت قيس: اعتدي في بيت ابن أم مكتوم» في ~~آي وأحاديث كثيرة. وأجمعت الأمة على وجوب العدة في الجملة، وإنما اختلفوا ~~في أنواع منها. # وأجمعوا على أن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها؛ لقول الله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} [الأحزاب: 49] ولأن ~~العدة تجب لبراءة الرحم، وقد تيقناها هاهنا. وهكذا كل فرقة في الحياة، ~~كالفسخ لرضاع، أو عيب، أو عتق، أو لعان، أو اختلاف دين. ### | [فصل تجب العدة على الذمية من الذمي والمسلم] # (6298) فصل: وتجب العدة على الذمية من الذمي والمسلم. وقال أبو حنيفة: إن ~~لم تكن من دينهم، لم تلزمها؛ لأنهم لا يخاطبون بفروع الدين. ولنا عموم ~~الآيات، ولأنها بائن بعد الدخول، أشبه المسلمة. وعدتها كعدة المسلمة، في ~~قول علماء الأمصار؛ منهم مالك، والثوري، والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي ~~ومن تبعهم، إلا ما روي عن مالك، أنه قال: تعتد من الوفاة بحيضة. ولنا عموم ~~قول الله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ولأنها معتدة من الوفاة، أشبهت المسلمة. # PageV08P096 ### | [فصل المعتدات ثلاثة أقسام] # (6299) فصل: والمعتدات ثلاثة أقسام: معتدة بالحمل، وهي كل امرأة حامل من ~~زوج، إذا فارقت زوجها بطلاق أو فسخ أو موته عنها، حرة كانت ms4257 أو أمة، مسلمة ~~أو كافرة، فعدتها بوضع الحمل، ولو بعد ساعة؛ لقول الله تعالى: {وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] . والثاني، معتدة بالقروء، وهي ~~كل معتدة من فرقة في الحياة، أو وطء في غير نكاح، إذا كانت ذات قرء، فعدتها ~~القرء؛ لقول الله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: ~~228] . والثالث، معتدة بالشهور، وهي كل من تعتد بالشهر إذا لم تكن ذات قرء؛ ~~لصغر، أو يأس، لقول الله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] . # وذوات القرء إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه، اعتدت بتسعة أشهر للحمل. ~~وعدة الآيسة، وكل من توفي عنها زوجها ولا حمل بها قبل الدخول أو بعده، حرة ~~أو أمة، فعدتها بالشهور؛ لقول الله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ### | [فصل كل فرقة بين زوجين فعدتها عدة الطلاق] # (6300) فصل: وكل فرقة بين زوجين فعدتها عدة الطلاق، سواء كانت بخلع أو ~~لعان أو رضاع، أو فسخ بعيب، أو إعسار، أو إعتاق، أو اختلاف دين، أو غيره، ~~في قول أكثر أهل العلم. وروي عن ابن عباس، أن عدة الملاعنة تسعة أشهر. وأبى ~~ذلك سائر أهل العلم، وقالوا: عدتها عدة الطلاق؛ لأنها مفارقة في الحياة، ~~فأشبهت المطلقة. وأكثر أهل العلم يقولون: عدة المختلعة عدة المطلقة؛ منهم ~~سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وعروة، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد ~~العزيز، والحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وقتادة وخلاس بن عمرو، وأبو ~~عياض ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وروي عن عثمان بن عفان، وابن ~~عمر، وابن عباس، وأبان بن عثمان، وإسحاق، وابن المنذر، أن عدة المختلعة ~~حيضة. ورواه ابن القاسم عن أحمد لما روى ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس ~~اختلعت منه، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عدتها حيضة. رواه النسائي. ~~وعن ربيع بنت معوذ مثل ذلك، وأن عثمان قضى به. رواه النسائي، وابن ماجه. # PageV08P097 # ولنا قول الله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ms4258 قروء} [البقرة: ~~228] . ولأنها فرقة بعد الدخول في الحياة، فكانت ثلاثة قروء، كغير الخلع، ~~وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قرء الأمة حيضتان» . عام، وحديثهم ~~يرويه عكرمة مرسلا، قال أبو بكر: هو ضعيف مرسل وقول عثمان وابن عباس، قد ~~خالفه قول عمر وعلي، فإنهما قالا: عدتها ثلاث حيض. وقولهما أولى. وأما ابن ~~عمر، فقد روى مالك، عن نافع، أنه قال: عدة المختلعة عدة مطلقة. وهو أصح ~~عنه. ### | [فصل الموطوءة بشبهة] # (6301) فصل: والموطوءة بشبهة تعتد عدة المطلقة، وكذلك الموطوءة في نكاح ~~فاسد. وبهذا قال الشافعي؛ لأن وطء الشبهة في النكاح الفاسد، في شغل الرحم ~~ولحوق النسب، كالوطء في النكاح الصحيح، فكان مثله فيما تحصل به البراءة. ~~وإن وطئت المزوجة بشبهة، لم يحل لزوجها وطؤها قبل انقضاء عدتها، كي لا يفضي ~~إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وله الاستمتاع منها بما دون الفرج، في ~~أحد الوجهين؛ لأنها زوجة حرم وطؤها لعارض مختص بالفرج، فأبيح الاستمتاع ~~منها بما دونه، كالحائض. ### | [فصل المزني بها كالموطوءة بشبهة في العدة] # (6302) فصل: والمزني بها، كالموطوءة بشبهة في العدة. وبهذا قال الحسن، ~~والنخعي. وعن أحمد رواية أخرى، أنها تستبرأ بحيضة ذكرها ابن أبي موسى. وهذا ~~قول مالك، وروي عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - لا عدة عليها. وهو قول ~~الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن العدة لحفظ النسب، ولا يلحقه نسب. وقد ~~روي عن علي - رضي الله عنه - ما يدل على ذلك. ولنا أنه وطء يقتضي شغل ~~الرحم، فوجبت العدة منه، كوطء الشبهة. # وأما وجوبها كعدة المطلقة، فلأنها حرة فوجب استبراؤها بعدة كاملة، ~~كالموطوءة بشبهة. وقولهم: إنما تجب لحفظ النسب. لا يصح، فإنها لو اختصت ~~بذلك، لما وجبت على الملاعنة المنفي ولدها، والآيسة، والصغيرة، ولما وجب ~~استبراء الأمة التي لا يلحق ولدها بالبائع، ولو وجبت لذلك، لكان استبراء ~~الأمه على البائع، ثم لو ثبت أنها وجبت لذلك، فالحاجة إليها داعية؛ فإن ~~المزني بها إذا تزوجت قبل الاعتداد، اشتبه ولد الزوج بالولد من الزنا، فلا ~~يحصل حفظ النسب. # PageV08P098 ### | [مسألة طلق الرجل ms4259 زوجته وقد خلا بها] ### | [الفصل الأول العدة تجب على كل من خلا بها زوجها وإن لم يمسها] # (6303) مسألة قال - رحمه الله تعالى -: (وإذا طلق الرجل زوجته وقد خلا ~~بها، فعدتها ثلاث حيض غير الحيضة التي طلقها فيها) في هذه المسألة ثلاثة ~~فصول: (6304) الفصل الأول: أن العدة تجب على كل من خلا بها زوجها، وإن لم ~~يمسها. ولا خلاف بين أهل العلم في وجوبها على المطلقة بعد المسيس، فأما إن ~~خلا بها ولم يصبها، ثم طلقها، فإن مذهب أحمد وجوب العدة عليها. وروي ذلك عن ~~الخلفاء الراشدين وزيد، وابن عمر. وبه قال عروة، وعلي بن الحسين، وعطاء، ~~والزهري، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي في قديم ~~قوليه. # وقال الشافعي في الجديد: لا عدة عليها؛ وقوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من ~~عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] وهذا نص، ولأنها مطلقة لم تمس، فأشبهت من لم ~~يخل بها. ولنا إجماع الصحابة، روى الإمام أحمد، الأثرم، بإسنادهما عن زرارة ~~بن أوفى، قال: قضى الخلفاء الراشدون أن من أرخى سترا، أو أغلق بابا، فقد ~~وجب المهر، ووجبت العدة. ورواه الأثرم أيضا عن الأحنف، عن عمر وعلي، وعن ~~سعيد بن المسيب، عن عمر وزيد بن ثابت. وهذه قضايا اشتهرت، فلم تنكر، فصارت ~~إجماعا. وضعف أحمد ما روي في خلاف ذلك، وقد ذكرناه في كتاب الصداق. # ولأنه عقد على المنافع، والتمكين فيه يجري مجرى الاستيفاء في الأحكام ~~المتعلقة، كعقد الإجارة، والآية مخصوصة بما ذكرناه، ولا يصح القياس على من ~~لم يخل بها؛ لأنه لم يوجد منها التمكين. ### | [فصل لا فرق بين أن يخلو الرجل بمطلقته مع المانع من الوطء أو مع عدمه] # (6305) فصل: وظاهر كلام الخرقي، أنه لا فرق بين أن يخلو بها مع المانع من ~~الوطء، أو مع عدمه، سواء كان المانع حقيقيا، كالجب والعنة والفتق والرتق، ~~أو شرعيا كالصوم والإحرام والحيض والنفاس والظهار؛ لأن الحكم علق هاهنا على ~~الخلوة التي هي مظنة الإصابة دون ms4260 حقيقتها، ولهذا لو خلا بها فأتت بولد لمدة ~~الحمل، لحقه نسبه، وإن لم يطأ. وقد روي عن أحمد، أن الصداق لا يكمل مع وجود ~~المانع، # PageV08P099 # فكذلك يخرج في العدة. # وروي عنه، أن صوم شهر رمضان يمنع كمال الصداق مع الخلوة، وهذا يدل على ~~أنه متى كان المانع متأكدا، كالإحرام وشبهه، منع كمال الصداق، ولم تجب ~~العدة؛ لأن الخلوة إنما أقيمت مقام المسيس؛ لأنها مظنة له، ومع المانع لا ~~تتحقق المظنة. فأما إن خلا بها، وهي صغيرة لا يمكن وطؤها، أو كان أعمى فلم ~~يعلم بها، فلا عدة عليها، ولا يكمل صداقها؛ لأن المظنة لا تتحقق مع ظهور ~~استحالة المسيس. ### | [الفصل الثاني عدة المطلقة إذا كانت حرة وهي من ذوات القروء] # (6306) الفصل الثاني: إن عدة المطلقة، إذا كانت حرة وهي من ذوات القروء، ~~ثلاثة قروء. بلا خلاف بين أهل العلم؛ وذلك لقول الله تعالى: {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . والقرء في كلام العرب يقع على ~~الحيض والطهر جميعا، فهو من الأسماء المشتركة، قال أحمد بن يحيى بن ثعلب: ~~القروء الأوقات، الواحد قرء، وقد يكون حيضا وقد يكون طهرا؛ لأن كل واحد ~~منهما يأتي لوقت. قال الشاعر: # كرهت العقر عقر بني تميم ... إذا هبت لقاريها الرياح # يعني: لوقتها. وقال الخليل بن أحمد يقال: أقرأت المرأة: إذا دنا حيضها ~~وأقرأت: إذا دنا طهرها، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دعي ~~الصلاة أيام أقرائك. فهذا الحيض.» وقال الشاعر: # مورثة عزا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا # فهذا الطهر. # واختلف أهل العلم في المراد بقوله سبحانه: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] . # PageV08P100 # واختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فروي أنها الحيض. روي ذلك عن عمر، وعلي، ~~وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والثوري، والأوزاعي، والعنبري، وإسحاق وأبي ~~عبيد، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان - رضي ~~الله عنهما - وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء. قال القاضي: ~~الصحيح عن أحمد، أن الأقراء الحيض. # وإليه ذهب أصحابنا، ورجع ms4261 عن قوله بالأطهار، فقال: في رواية النيسابوري: ~~كنت أقول: إنه الأطهار، وأنا أذهب اليوم إلى أن الأقراء الحيض. وقال في ~~رواية الأثرم: كنت أقول الأطهار، ثم وقفت لقول الأكابر. والرواية الثانية ~~عن أحمد، أن القروء الأطهار. وهو قول زيد، وابن عمر، وعائشة، وسليمان بن ~~يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبان بن عثمان، وعمر بن عبد ~~العزيز، والزهري ومالك، والشافعي، وأبي ثور. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ~~ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك. قال ابن عبد البر: رجع أحمد ~~إلى أن القروء الأطهار، قال في رواية الأثرم: رأيت الأحاديث عمن قال: ~~القروء الحيض. # تختلف، والأحاديث عمن قال: إنه أحق بها حتى تدخل في الحيضة الثالثة. ~~أحاديثها صحاح وقوية. واحتج من قال ذلك بقول الله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] . أي في عدتهن. كقوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة} [الأنبياء: 47] /أي: في يوم القيامة. وإنما أمر بالطلاق في الطهر ~~لا في الحيض. ويدل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر: ~~مره «فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء طلق، وإن شاء أمسك، ~~فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء» . متفق عليه. وفي ~~رواية ابن عمر: (فطلقوهن في قبل عدتهن) . # ولأنها عدة عن طلاق مجرد مباح، فوجب أن يعتبر عقيب الطلاق، وكعدة الآيسة ~~والصغيرة ولنا قول الله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] . فنقلهن عند عدم ~~الحيض إلى الاعتداد بالأشهر، فدل ذلك على أن الأصل الحيض، كما قال تعالى: ~~{فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا} [المائدة: 6] . الآية، ولأن المعهود في لسان ~~الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تدع ~~الصلاة أيام أقرائها.» رواه أبو داود. # وقال لفاطمة بنت أبي حبيش: «انظري، فإذا أتى قرؤك، فلا تصلي، وإذا مر ~~قرؤك، فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء» رواه النسائي. ولم يعهد في ~~لسانه استعماله ms4262 بمعنى الطهر في موضع، فوجب أن يحمل كلامه على المعهود في ~~لسانه. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «طلاق الأمة طلقتان، ~~وقرؤها حيضتان» . # PageV08P101 # رواه أبو داود، وغيره. فإن قالوا: هذا يرويه مظاهر بن مسلم، وهو منكر ~~الحديث. قلنا: قد رواه عبد الله بن عيسى، عن عطية العوفي، عن ابن عمر، كذلك ~~أخرجه ابن ماجه، في (سننه) ، وأبو بكر الخلال، في (جامعه) ، وهو نص في عدة ~~الأمة، فكذلك عدة الحرة. # ولأن ظاهر قوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . وجوب ~~التربص ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الأطهار، لم يوجب ثلاثة؛ لأنه يكتفي ~~بطهرين وبعض الثالث، فيخالف ظاهر النص، ومن جعله الحيض، أوجب ثلاثة كاملة، ~~فيوافق ظاهر النص، فيكون أولى من مخالفته، ولأن العدة استبراء، فكانت ~~بالحيض، كاستبراء الأمة، وذلك لأن الاستبراء لمعرفة براءة الرحم من الحمل، ~~والذي يدل عليه الحيض، فوجب أن يكون الاستبراء به. فإن قيل: لا نسلم أن ~~استبراء الأمة بالحيضة، وإنما هو بالطهر الذي قبل الحيضة. كذلك قال ابن عبد ~~البر، وقال: قولهم: إن استبراء الأمة حيضة بإجماع. # ليس كما ظنوا، بل جائز لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة، واستيقنت ~~أن دمها دم حيض، كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين دخل عليه في ~~مناظرته إياه. قلنا: هذا يرده قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا توطأ ~~حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» . ولأن الاستبراء تعرف براءة ~~الرحم، وإنما يحصل بالحيضة، لا بالطهر الذي قبلها، ولأن العدة تتعلق بخروج ~~خارج من الرحم، فوجب أن تتعلق بالطهر، كوضع الحمل، يحققه أن العدة مقصودها ~~معرفة براءة المرأة من الحمل، فتارة تحصل بوضعه، وتارة تحصل بما ينافيه، ~~وهو الحيض الذي لا يتصور وجوده معه. # فأما قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] فيحتمل أنه أراد قبل ~~عدتهن، إذ لا يمكن حمله على الطلاق في العدة، ضرورة أن الطلاق سبق العدة، ~~لكونه سببها، والسبب يتقدم على الحكم، فلا يوجد قبله، والطلاق في الطهر ~~تطليق قبل ms4263 العدة إذا كانت الأقراء الحيض. ### | [الفصل الثالث الحيضة التي تطلق فيها في العدة] # الفصل الثالث: أن الحيضة التي تطلق فيها، لا تحسب من عدتها. بغير خلاف ~~بين أهل العلم؛ لأن الله تعالى أمر بثلاثة قروء، فتناول ثلاثة كاملة، والتي ~~طلق فيها لم يبق منها ما تتم به مع اثنتين ثلاثة كاملة، فلا يعتد بها. ولأن ~~الطلاق إنما حرم في الحيض؛ لما فيه من تطويل العدة عليها، فلو احتسبت بتلك ~~الحيضة قرءا، كان أقصر لعدتها، وأنفع لها، فلم يكن محرما، ومن قال: القروء ~~الأطهار. احتسب لها بالطهر الذي طلقها فيه قرءا، فلو طلقها وقد بقي من ~~قرئها لحظة، حسبها قرءا، وهذا قول كل من قال: القروء الأطهار. إلا الزهري ~~وحده، قال: تعتد بثلاثة قروء سوى الطهر الذي طلقها فيه. # . وحكي عن أبي عبيد، أنه إن كان جامعها # PageV08P102 # في الطهر، لم يحتسب ببقيته؛ لأنه زمن حرم فيه الطلاق، فلم يحتسب به من ~~العدة، كزمن الحيض. ولنا أن الطلاق حرم في زمن الحيض دفعا لضرر تطويل العدة ~~عليها، فلو لم يحتسب ببقية الطهر قرءا، كان الطلاق في الطهر أضر بها، وأطول ~~عليها، وما ذكر عن أبي عبيد لا يصح؛ لأن تحريم الطلاق في الحيض لكونها لا ~~تحتسب ببقيته، فلا يجوز أن تجعل العلة في عدم الاحتساب تحريم الطلاق، فتصير ~~العلة معلولا، وإنما تحريم الطلاق في الطهر الذي أصابها فيه، لكونها ~~مرتابة، ولكونه لا يأمن الندم بظهور حملها، فأما إن انقضت حروف الطلاق مع ~~انقضاء الطهر، فإن الطلاق يقع في أول الحيضة، ويكون محرما، ولا تحتسب بتلك ~~الحيضة من عدتها، وتحتاج أن تعتد بثلاث حيض بعدها، أو ثلاثة أطهار، على ~~الرواية الأخرى. # ولو قال لها: أنت طالق في آخر طهرك. أو في آخر جزء من طهرك. أو انقضت ~~حروف الإيقاع، ولم يبق من الطهر إلا زمن الوقوع، فإنها لا تحتسب بالطهر ~~الذي وقع فيه الطلاق؛ لأن العدة لا تكون إلا بعد وقوع الطلاق، وليس بعده ~~طهر تعتد به، ولا يجوز الاعتداد بما قبله. ولا ms4264 بما قاربه، ومن جعل القرء ~~الحيض، اعتد لها بالحيضة التي تلي الطلاق؛ لأنها حيضة كاملة، لم يقع فيها ~~طلاق، فوجب أن تعتد بها قرءا. وإن اختلفا، فقال الزوج: وقع الطلاق في أول ~~الحيض. وقالت: بل في آخر الطهر. أو قال: انقضت حروف الطلاق مع انقضاء ~~الطهر. وقالت: بل قد بقي منه بقية. فالقول قولها؛ لأن قولها مقبول في ~~الحيض، وفي انقضاء العدة. ### | [مسألة اغتسلت من الحيضة الثالثة في العدة أبيحت للأزواج] # (6308) مسألة: قال: (فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة، أبيحت للأزواج) حكى ~~أبو عبد الله بن حامد، في هذه المسألة روايتين: إحداهما، أنها في العدة ما ~~لم تغتسل، فيباح لزوجها ارتجاعها، ولا يحل لغيره نكاحها. قال أحمد عمر وعلي ~~وابن مسعود يقولون: قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة. وروي ذلك عن سعيد بن ~~المسيب والثوري وإسحاق. وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وأبي ~~موسى وعبادة وأبي الدرداء - رضي الله عنهم - قال شريك له الرجعة وإن فرطت ~~في الغسل عشرين سنة. قال أبو بكر وروي عن أبي عبد الله أنها في عدتها، ~~ولزوجها رجعتها حتى يمضي وقت الصلاة التي طهرت في وقتها. وهذا قول الثوري ~~وبه قال أبو حنيفة إذا انقطع الدم لدون أكثر الحيض. # فإن انقطع لأكثره، انقضت العدة بانقطاعه. ووجه اعتبار الغسل قول الأكابر ~~من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم، فيكون إجماعا. ولأنها ممنوعة من ~~الصلاة بحكم حدث الحيض، فأشبهت الحائض، # PageV08P103 # والرواية الثانية أن العدة تنقضي بطهرها من الحيضة الثالثة وانقطاع دمها. ~~اختاره أبو الخطاب وهو قول سعيد بن جبير والأوزاعي والشافعي في القديم لأن ~~الله تعالى قال: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . وقد كملت ~~القروء، بدليل وجوب الغسل عليها، ووجوب الصلاة، وفعل الصيام، وصحته منها، ~~ولأنه لم يبق حكم العدة في الميراث، ووقوع الطلاق بها، واللعان، والنفقة، ~~فكذلك فيما نحن فيه. # قال القاضي: إذا شرطنا الغسل، أفاد عدمه إباحة الرجعة وتحريمها على ~~الأزواج، فأما سائر الأحكام، فإنها تنقطع بانقطاع دمها. فصل: (6309) وإن ~~قلنا: القروء الأطهار. ms4265 فطلقها وهي طاهر، انقضت عدتها برؤية الدم من الحيضة ~~الثالثة، وإن طلقها حائضا، انقضت عدتها برؤية الدم من الحيضة الرابعة. وهذا ~~قول زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وأبان ~~بن عثمان ومالك، وأبي ثور. وهو ظاهر مذهب الشافعي. وحكي عنه قول آخر، لا ~~تنقضي العدة حتى يمضي من الدم يوم وليلة؛ لجواز أن يكون الدم دم فساد، فلا ~~نحكم بانقضاء العدة حتى يزول الاحتمال. وحكى القاضي هذا احتمالا في مذهبنا ~~أيضا. # ولنا أن الله تعالى جعل العدة ثلاثة قروء، فالزيادة عليها مخالفة للنص، ~~فلا يعول عليه، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، رواه الأثرم عنهم بإسناده، ~~ولفظ حديث زيد بن ثابت «إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، ~~وبرئ منها، ولا ترثه ولا يرثها.» وقولهم: إن الدم يجوز أن يكون دم فساد. ~~قلنا: قد حكم بكونه حيضا في ترك الصلاة، وتحريمها على الزوج، وسائر أحكام ~~الحيض، فكذلك في انقضاء العدة. ثم إن كان التوقف عن الحكم بانقضاء العدة ~~للاحتمال، فإذا تبين أنه حيض، علمنا أن العدة قد انقضت حين رأت الدم، كما ~~لو قال لها: إن حضت فأنت طالق. اختلف القائلون بهذا القول، فمنهم من قال: ~~اليوم والليلة من العدة؛ لأنه دم تكمل به العدة، فكان منها، كالذي في أثناء ~~الأطهار. # ومنهم من قال: ليس منها، إنما يتبين به انقضاؤها، ولأننا لو جعلناه منها، ~~أوجبنا الزيادة على ثلاثة قروء، ولكنا نمنعها من النكاح حتى يمضي يوم ~~وليلة، ولو راجعها زوجها فيها، لم تصح الرجعة. وهذا أصح الوجهين. ### | [مسألة اغتسلت الأمة من الحيضة الثانية في العدة] # (6310) مسألة قال: (وإن كانت أمة، فإذا اغتسلت من الحيضة الثانية) . أكثر ~~أهل العلم يقولون: عدة الأمة بالقرء قرءان. منهم؛ عمر وعلي وابن عمر وسعيد ~~بن المسيب وعطاء وعبد الله بن عتبة والقاسم وسالم وزيد بن أسلم والزهري ~~وقتادة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي.، وعن ابن ~~سيرين، عدتها عدة الحرة، إلا أن تكون ms4266 # PageV08P104 # قد مضت بذلك سنة. وهو قول داود لقول الله تعالى {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «قرء الأمة حيضتان» . وقد ذكرناه، ~~وقول عمر وعلي وابن عمر، ولم نعرف لهم مخالفا في الصحابة، فكان إجماعا، ~~وهذا يخص عموم الآية. ولأنه معنى ذو عدد، بني على التفاضل، فلا تساوي فيه ~~الأمة الحرة، كالحد. وكان القياس يقتضي أن تكون حيضة ونصفا، كما كان حدها ~~على النصف من حد الحرة، إلا أن الحيض لا يتبعض، فكمل حيضتين، ولهذا قال عمر ~~- رضي الله عنه -: لو أستطيع أن أجعل العدة حيضة ونصفا لفعلت. فإذا تقرر ~~هذا، فانقضاء عدتها بالغسل من الحيضة الثانية، في إحدى الروايتين، وفي ~~الأخرى، بانقطاع الدم من الحيضة الثانية. # وعلى الرواية التي تقول: إن القروء الأطهار. فانقضاء عدتها برؤية الدم من ~~الحيضة الثانية. ### | [مسألة عدة من كانت من الآيسات أو ممن لم يحضن] # (6311) مسألة قال: (وإن كانت من الآيسات، أو ممن لم يحضن، فعدتها ثلاثة ~~أشهر) أجمع أهل العلم على هذا؛ لأن الله تعالى ذكره في كتابه بقوله سبحانه: ~~{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن} [الطلاق: 4] فإن كان الطلاق في أول الهلال، اعتبر ثلاثة أشهر ~~بالأهلة؛ لقول الله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} ~~[البقرة: 189] . وقال سبحانه: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم} [التوبة: 36] . # ولم يختلف الناس في أن الأشهر الحرم معتبرة بالأهلة. وإن وقع الطلاق في ~~أثناء شهر اعتدت بقيته، ثم اعتدت شهرين بالأهلة، ثم اعتدت من الشهر الثالث ~~تمام ثلاثين يوما. وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة تحتسب بقية الأول، ~~وتعتد من الرابع بقدر ما فاتها من الأول، تاما كان أو ناقصا؛ لأنه لو كان ~~من أول الهلال، كانت العدة بالأهلة، فإذا كان من بعض الشهر، وجب قضاء ما ~~فات منه. وخرج أصحابنا وجها ثانيا، أن جميع الشهور محسوبة بالعدد. وهو ms4267 قول ~~ابن بنت الشافعي لأنه إذا حسب الأول بالعدد، كان ابتداء الثاني من بعض ~~الشهر، فيجب أن يحسب بالعدد، وكذلك الثالث. # ولنا أن الشهر يقع على ما بين الهلالين وعلى الثلاثين، ولذلك إذا غم ~~الشهر كمل ثلاثين، والأصل الهلال، فإذا أمكن اعتبار الهلال، اعتبروا، وإذا ~~تعذر، رجع إلى العدد. وفي هذا انفصال عما ذكر لأبي حنيفة. وأما التخريج ~~الذي ذكرناه، فإنه لا يلزم إتمام الشهر الأول من الثاني، ويجوز أن يكون ~~تمامه من الرابع. # PageV08P105 ### | [فصل متى تحتسب العدة] # (6312) فصل: وتحسب العدة من الساعة التي فارقها زوجها فيها، فلو فارقها ~~نصف الليل، أو نصف النهار، اعتدت من ذلك الوقت إلى مثله. في قول أكثر أهل ~~العلم. وقال أبو عبد الله بن حامد: لا تحتسب بالساعات، وإنما تحتسب بأول ~~الليل والنهار، فإذا طلقها نهارا، احتسبت من أول الليل الذي يليه، وإن ~~طلقها ليلا، احتسبت بأول النهار الذي يليه، وهذا قول مالك؛ لأن حساب ~~الساعات يشق، فسقط اعتباره. # ولنا قول الله تعالى {فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] فلا تجوز الزيادة ~~عليها بغير دليل، وحساب الساعات ممكن، إما يقينا، وإما استظهارا، فلا وجه ~~للزيادة على ما أوجبه الله تعالى. ### | [مسألة عدة الأمة] # (6313) مسألة قال: والأمة شهران اختلفت الروايات عن أبي عبد الله في عدة ~~الأمة، فأكثر الروايات عنه، أنها شهران. رواه عنه جماعة من أصحابه، واحتج ~~فيه بقول عمر - رضي الله عنه -: عدة أم الولد حيضتان، ولو لم تحض كان عدتها ~~شهرين. رواه الأثرم عنه بإسناده. وهذا قول عطاء، والزهري وإسحاق وأحد قولي ~~الشافعي لأن الأشهر بدل من القروء، وعدة ذات القروء قرءان، فبدلهما شهران، ~~ولأنها معتدة بالشهور عن غير الوفاة، فكان عددها كعدد القروء، لو كانت ذات ~~قروء، كالحرة. والرواية الثانية، أن عدتها شهر ونصف. نقلها الميموني، ~~والأثرم، واختارها أبو بكر. وهذا قول علي - رضي الله عنه - وروي ذلك عن ابن ~~عمر وابن المسيب وسالم والشعبي والثوري وأصحاب الرأي. # وهو قول ثان للشافعي؛ لأن عدة الأمة نصف عدة الحرة، وعدة الحرة ثلاثة ~~أشهر، فنصفها ms4268 شهر ونصف، وإنما كملنا لذات الحيض حيضتين، لتعذر تبعيض ~~الحيضة، فإذا صرنا إلى الشهور، أمكن التنصيف، فوجب المصير إليه، كما في عدة ~~الوفاة، ويصير هذا كالمحرم، إذا وجب عليه في جزاء الصيد نصف مد، أجزأه ~~إخراجه، فإن أراد الصيام مكانه، صام يوما كاملا. ولأنها عدة أمكن تنصيفها، ~~فكانت على النصف من عدة الحرة، كعدة الوفاة، ولأنها معتدة بالشهور فكانت ~~على النصف من عدة الحرة كالمتوفى عنها زوجها. # والرواية الثالثة، أن عدتها ثلاثة أشهر، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد وعمر ~~بن عبد العزيز والنخعي ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك، وهو القول الثالث ~~للشافعي لعموم قوله تعالى {فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] . ولأنه استبراء ~~للأمة الآيسة بالشهور، فكان ثلاثة أشهر، كاستبراء الأمة إذا ملكها، # PageV08P106 # أو مات سيدها، ولأن اعتبار الشهور هاهنا للعلم ببراءة رحمها، ولا يحصل ~~هذا بدون ثلاثة أشهر في الحرة والأمة جميعا، لأن الحمل يكون نطفة أربعين ~~يوما، وعلقة أربعين يوما، ثم يصير مضغة، ثم يتحرك، ويعلو بطن المرأة، فيظهر ~~الحمل، وهذا معنى لا يختلف بالرق والحرية، ولذلك كان استبراء الأمة في حق ~~سيدها ثلاثة أشهر. # ومن رد هذه الرواية قال: هي مخالفة لإجماع الصحابة؛ لأنهم اختلفوا على ~~القولين الأولين، ومتى اختلف الصحابة على قولين، لم يجز إحداث قول ثالث؛ ~~لأنه يفضي إلى تخطئتهم، وخروج الحق عن قول جميعهم، ولا يجوز ذلك، ولأنها ~~معتدة لغير الحمل، فكانت دون عدة الحرة، كذات القروء المتوفى عنها زوجها. ### | [فصل السن الذي تصير به المرأة من الآيسات] # (6314) فصل: واختلف عن أحمد في السن الذي تصير به المرأة من الآيسات، ~~فعنه: أوله خمسون سنة؛ لأن عائشة قالت: لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد ~~خمسين سنة. وعنه: إن كانت من نساء العجم فخمسون، وإن كانت من نساء العرب ~~فستون؛ لأنهن أقوى طبيعة. وقد ذكر الزبير بن بكار في كتاب " النسب "، أن ~~هندا بنت أبي عبيدة ابن عبد الله بن زمعة، ولدت موسى بن عبد الله بن حسن بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب ولها ستون سنة. ms4269 # وقال: يقال: إنه لن تلد بعد خمسين سنة إلا عربية، ولا تلد لستين إلا ~~قرشية. وللشافعي قولان: أحدهما، يعتبر السن الذي يتيقن أنه إذا بلغته لم ~~تحض. قال بعضهم: هو اثنان وستون سنة. والثاني، يعتبر السن الذي ييأس فيه ~~نساء عشيرتها؛ لأن الظاهر أن نشأها كنشئهن، وطبعها كطبعهن. والصحيح - إن ~~شاء الله تعالى - أنه متى بلغت المرأة خمسين سنة، فانقطع حيضها عن عادتها ~~مرات لغير سبب، فقد صارت آيسة؛ لأن وجود الحيض في حق هذه نادر، بدليل قول ~~عائشة وقلة وجوده، فإذا انضم إلى هذا انقطاعه عن العادات مرات، حصل اليأس ~~من وجوده، فلها حينئذ أن تعتد بالأشهر، وإن انقطع قبل ذلك، فحكمها حكم من ~~ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه. على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى. # وإن رأت الدم بعد الخمسين، على العادة التي كانت تراه فيها، فهو حيض في ~~الصحيح؛ لأن دليل الحيض الوجود في زمن الإمكان، وهذا يمكن وجود الحيض فيه، ~~وإن كان نادرا. وإن رأته بعد الستين، فقد تيقن أنه ليس بحيض؛ لأنه لم يوجد ~~ذلك. قال الخرقي وإذا رأته بعد الستين، فقد تيقن أنه ليس بحيض. فعند ذلك لا ~~تعتد به، وتعتد بالأشهر، كالتي لا ترى دما. # PageV08P107 ### | [فصل أقل سن الحيض للمرأة المعتدة] # (6315) فصل: وأقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين؛ لأن المرجع فيه إلى ~~الوجود، وقد وجد من تحيض لتسع. وقد روي عن الشافعي أنه قال: رأيت جدة لها ~~إحدى وعشرون سنة. فهذه إذا أسقطت من عمرها مدة الحملين في الغالب عاما ~~ونصفا، وقسمت الباقي بينها وبين ابنتها، كانت كل واحدة منهما قد حلمت لدون ~~عشر سنين. فإن رأت دما قبل ذلك، فليس بحيض؛ لأنه لم يوجد مثلها متكررا، ~~والمعتبر من ذلك ما تكرر ثلاث مرات في حال الصحة، ولم يوجد ذلك، فلا يعتد ~~به. (6316) فصل: فإن بلغت سنا تحيض فيه النساء في الغالب، فلم تحض، كخمس ~~عشرة سنة، فعدتها ثلاثة أشهر، في ظاهر قول الخرقي، وهو قول أبي بكر وهو ~~مذهب أبي ms4270 حنيفة ومالك والشافعي وضعف أبو بكر الرواية المخالفة لهذا، وقال: ~~رواها أبو طالب فخالف فيها أصحابه، وذلك ما روى أبو طالب عن أحمد أنها تعتد ~~سنة. قال القاضي: هذه الرواية أصح؛ لأنه متى أتى عليها زمان الحيض فلم تحض، ~~صارت مرتابة، يجوز أن يكون بها حمل منع حيضها، فيجب أن تعتد بسنة، كالتي ~~ارتفع حيضها بعد وجوده. # ولنا قول الله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] وهذه من اللائي لم يحضن، ~~ولأن الاعتبار بحال المعتدة، لا بحال غيرها، ولهذا لو حاضت قبل بلوغ سن ~~يحيض لمثله النساء في الغالب، مثل أن تحيض ولها عشر سنين، اعتدت بالحيض، ~~وفارق من ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه؛ فإنها من ذوات القروء، وهذه لم تكن ~~منهن. ### | [مسألة طلقها طلاقا يملك فيه الرجعة وهي أمة] # مسألة قال: وإذا طلقها طلاقا يملك فيه الرجعة، وهي أمة، فلم تنقض عدتها ~~حتى أعتقت، بنت على عدة حرة. وإن طلقها طلاقا لا يملك فيه الرجعة، فأعتقت، ~~اعتدت عدة أمة هذا قول الحسن والشعبي والضحاك وإسحاق وأصحاب الرأي. وهو أحد ~~أقوال. الشافعي والقول الثاني، تكمل عدة أمة، سواء كانت بائنا أو رجعية. ~~وهو قول مالك وأبي ثور؛ لأن الحرية طرأت بعد وجوب العدة عليها، فلا يعتبر ~~حكمها، كما لو كانت بائنا. أو كما لو طرأت بعد وجوب الاستبراء، ولأنه معنى ~~يختلف بالرق والحرية، فكان الاعتبار بحالة الوجوب، كالحد. # وقال عطاء والزهري وقتادة تبني على عدة حرة بكل حال. وهو القول الثالث ~~للشافعي؛ لأن سبب العدة الكاملة إذا وجد في أثناء العدة، انتقلت إليها وإن ~~كانت بائنا، كما لو اعتدت بالشهور ثم رأت الدم. # PageV08P108 # ولنا أنها إذا أعتقت وهي رجعية، فقد وجدت الحرية، وهي زوجة تعتد عدة ~~الوفاة لو مات، فوجب أن تعتد عدة الحرائر، كما لو أعتقت قبل الطلاق. وإن ~~أعتقت وهي بائن، فلم توجد الحرية في الزوجية، فلم تجب عليها عدة الحرائر، ~~كما لو أعتقت بعد مضي القرأين. ms4271 ولأن الرجعية تنتقل إلى عدة الوفاة لو مات، ~~فتنتقل إلى عدة الحرائر، والبائن لا تنتقل إلى عدة الوفاة، فلا تنتقل إلى ~~عدة الحرائر، كما لو انقضت عدتها. # وما ذكرناه لمالك يبطل بما إذا مات زوج الرجعية، فإنها تنتقل إلى عدة ~~الوفاة، والفرق بين ما نحن فيه وبين ما إذا حاضت الصغيرة، أن الشهور بدل عن ~~الحيض، فإذا وجد المبدل، زال حكم البدل، كالمتيمم يجد الماء، وليس كذلك ~~هاهنا، فإن عدة الأمة ليست ببدل، ولذلك تبني الأمة على ما مضى من عدتها ~~اتفاقا، وإذا حاضت الصغيرة استأنفت العدة فافترقا، وتخالف الاستبراء؛ فإن ~~الحرية لو قارنت سبب وجوبه، لم تكمل، ألا ترى أن أم الولد إذا مات سيدها ~~عتقت لموته، ووجب الاستبراء، كما يجب على التي لم تعتق، ولأن الاستبراء لا ~~يختلف بالرق والحرية، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل عتقت الأمة تحت العبد فاختارت نفسها] # (6318) فصل: إذا عتقت الأمة تحت العبد، فاختارت نفسها، اعتدت عدة الحرة؛ ~~لأنها بانت من زوجها وهي حرة. وقد روى الحسن، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «، أمر بريرة أن تعتد عدة الحرة.» وإن طلقها العبد طلاقا رجعيا، ~~فأعتقها سيدها، بنت على عدة الحرة. سواء فسخت، أو أقامت على النكاح؛ لأنها ~~عتقت في عدة رجعية. # وإن لم تفسخ، فراجعها في عدتها، فلها الخيار بعد رجعتها، فإن اختارت ~~الفسخ قبل المسيس، فهل تستأنف العدة، أم تبني على ما مضى من عدتها؟ . على ~~وجهين. فإن قلنا: تستأنف. فإنها تستأنف عدة حرة. وإن قلنا: تبني. بنت على ~~عدة حرة. ### | [مسألة طلقها وهي ممن قد حاضت فارتفع حيضها لا تدري ما رفعه] # (6319) مسألة قال: وإذا طلقها وهي ممن قد حاضت، فارتفع حيضها، لا تدري ما ~~رفعه، اعتدت سنة وجملة ذلك، أن الرجل إذا طلق امرأته، وهي من ذوات الأقراء، ~~فلم تر الحيض في عادتها، ولم تدر ما رفعه، فإنها تعتد سنة؛ تسعة أشهر منها ~~تتربص فيها لتعلم براءة رحمها؛ لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل، فإذا لم ~~يبن الحمل فيها، علم براءة الرحم ms4272 ظاهرا، فتعتد بعد ذلك عدة الآيسات، ثلاثة ~~أشهر. هذا قول عمر - رضي الله عنه -، قال الشافعي هذا قضاء عمر بين ~~المهاجرين والأنصار، لا ينكره منهم منكر علمناه. وبه قال مالك، والشافعي في ~~أحد قوليه. # وروي ذلك عن الحسن وقال الشافعي في قول آخر: تتربص أربع سنين، أكثر مدة ~~الحمل، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ لأن هذه المدة هي التي يتيقن بها براءة رحمها، ~~فوجب اعتبارها احتياطا. وقال في الجديد: تكون في عدة أبدا، حتى تحيض، أو ~~تبلغ سن الإياس، تعتد حينئذ بثلاثة أشهر. # PageV08P109 # وهذا قول جابر بن زيد وعطاء وطاوس والشعبي والنخعي والزهري وأبي الزناد ~~والثوري وأبي عبيد وأهل العراق؛ لأن الاعتداد بالأشهر جعل بعد الإياس، فلم ~~يجز قبله، وهذه ليست آيسة، ولأنها ترجو عود الدم، فلم تعتد بالشهور، كما لو ~~تباعد حيضها لعارض ولنا الإجماع الذي حكاه الشافعي، ولأن الغرض بالاعتداد ~~معرفة براءة رحمها، وهذا تحصل به براءة رحمها، فاكتفي به، ولهذا اكتفي في ~~حق ذات القرء بثلاثة قروء، وفي حق الآيسة بثلاثة أشهر، ولو روعي اليقين، ~~لاعتبر أقصى مدة الحمل، ولأن عليها في تطويل العدة ضررا، فإنها تمنع من ~~الأزواج، وتحبس دائما، ويتضرر الزوج بإيجاب السكنى والنفقة عليه. وقد قال ~~ابن عباس: لا تطولوا عليها الشقة، كفاها تسعة أشهر. # فإن قيل: فإذا مضت تسعة أشهر، فقد علم براءة رحمها ظاهرا، فلم اعتبرتم ~~ثلاثة أشهر بعدها؟ قلنا: الاعتداد بالقروء والأشهر إنما يكون عند عدم ~~الحمل، وقد تجب العدة مع العلم ببراءة الرحم، بدليل ما لو علق طلاقها بوضع ~~الحمل، فوضعته، وقع الطلاق، ولزمتها العدة. ### | [فصل عاد الحيض إليها في السنة ولو في آخرها] # (6320) فصل: فإن عاد الحيض إليها في السنة، ولو في آخرها، لزمها الانتقال ~~إلى القروء؛ لأنها الأصل، فبطل بها حكم البدل. وإن عاد بعد مضيها ونكاحها، ~~لم تعد إلى القروء؛ لأن عدتها انقضت وحكمنا بصحة نكاحها، فلم تبطل، كما لو ~~اعتدت الصغيرة بثلاثة أشهر، وتزوجت، ثم حاضت. وإن حاضت بعد السنة، وقبل ~~نكاحها، ففيه وجهان: أحدهما، لا تعود؛ ms4273 لأن العدة انقضت بالشهور، فلم تعد، ~~كالصغيرة. والثاني، تعود؛ لأنها من ذوات القروء، وقد قدرت على المبدل قبل ~~تعلق حق زوج بها، فلزمها العود، كما لو حاضت في السنة. ### | [مسألة عدة الأمة إذا وجد حمل أو لم يوجد] # (6321) مسألة قال: وإن كانت أمة، اعتدت بأحد عشر شهرا، تسعة أشهر للحمل، ~~وشهران للعدة هذه المسألة مبنية على أصلين: أحدهما، أن الحرة تعتد بسنة إذا ~~ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه. الثاني أن عدة الأمة الآيسة شهران، فتتربص ~~تسعة أشهر؛ لأن مدة الحمل تتساوى فيها الحرة والأمة، لكونه أمرا حقيقيا، ~~فإذا يئست من الحمل، اعتدت عدة الآيسة شهرين. وعلى الرواية التي جعل عدتها ~~شهرا ونصفا، تكون عدتها عشرة أشهر ونصفا. ومن جعلها ثلاثة أشهر، فعدتها سنة ~~كالحرة. # PageV08P110 ### | [مسألة إن عرفت ما رفع الحيض] # (6322) مسألة قال: وإن عرفت ما رفع الحيض، كانت في عدة حتى يعود الحيض، ~~فتعتد به، إلا أن تصير من الآيسات، فتعتد بثلاثة أشهر من وقت تصير في عداد ~~الآيسات أما إذا عرفت أن ارتفاع الحيض بعارض؛ من مرض، أو نفاس، أو رضاع، ~~فإنها تنتظر زوال العارض، وعود الدم وإن طال، إلا أن تصير في سن الإياس، ~~وقد ذكرناه. فعند ذلك تعتد عدة الآيسات. وقد روى الشافعي، في مسنده بإسناده ~~عن حبان بن منقذ أنه طلق امرأته طلقة واحدة، وكانت لها منه بنية ترضعها، ~~فتباعد حيضها، ومرض حبان، فقيل له: إنك إن مت ورثتك. فمضى إلى عثمان وعنده ~~علي وزيد بن ثابت فسأله عن ذلك، فقال عثمان لعلي وزيد ما تريان؟ فقالا: نرى ~~أنها إن ماتت ورثها، وإن مات ورثته؛ لأنها ليست من القواعد اللائي يئسن من ~~المحيض، ولا من الأبكار اللائي لم يبلغن المحيض. فرجع حبان إلى أهله، ~~فانتزع البنت منها، فعاد إليها الحيض، فحاضت حيضتين، ومات حبان قبل انقضاء ~~الثالثة، فورثها عثمان - رضي الله عنه -. # وروى الأثرم بإسناده عن محمد بن يحيى بن حبان، أنه كانت عند جده امرأتان؛ ~~هاشمية، وأنصارية، فطلق الأنصارية وهي مرضع، فمرت بها سنة، ms4274 ثم هلك ولم تحض، ~~فقالت الأنصارية: لم أحض. فاختصموا إلى عثمان - رضي الله عنه - فقضى لها ~~بالميراث، فلامت الهاشمية عثمان فقال: هذا عمل ابن عمك، هو أشار علينا ~~بهذا. يعني علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه -. ### | [مسألة حاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه] # (6323) مسألة قال: وإن حاضت حيضة أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها لا تدري ما ~~رفعه، لم تنقض عدتها إلا بعد سنة بعد انقطاع الحيض وذلك لما روي عن عمر - ~~رضي الله عنه - أنه قال، في رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين، فارتفع ~~حيضها، لا تدري ما رفعه: تجلس تسعة أشهر، فإذا لم يستبن بها حمل، تعتد ~~بثلاثة أشهر، فذلك سنة. ولا نعرف له مخالفا. قال ابن المنذر: قضى به عمر ~~بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر. # وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، يسأل عن الرجل يطلق امرأته، فتحيض حيضة، ~~ثم يرتفع حيضها. قال: أذهب إلى حديث عمر إذا رفعت حيضتها فلم تدر مما ~~ارتفعت، فإنها تنتظر سنة. قيل له: فحاضت دون السنة. فقال: ترجع إلى الحيضة، ~~قيل له: فإن ارتفعت حيضتها أيضا لا تدري مما ارتفعت؟ قال: تقعد سنة أخرى. ~~وهذا قول كل من وافقنا في المسألة الأولى؛ وذلك لأنها لما ارتفعت حيضتها، ~~حصلت مرتابة، فوجب أن تنتقل إلى الاعتداد بسنة، كما لو ارتفع حيضها حين ~~طلقها،، ووجب عليها سنة كاملة؛ لأن العدة # PageV08P111 # لا تنبني على عدة أخرى، ولذلك لو حاضت حيضة أو حيضتين، ثم يئست، انتقلت ~~إلى ثلاثة أشهر كاملة، ولو اعتدت الصغيرة شهرا أو شهرين، ثم حاضت، انتقلت ~~إلى ثلاثة قروء. ### | [فصل كانت عادة المرأة أن يتباعد ما بين حيضتيها] # (6324) فصل: فإن كانت عادة المرأة أن يتباعد ما بين حيضتيها، لم تنقض ~~عدتها حتى تحيض ثلاث حيض، وإن طالت؛ لأن هذه لم يرتفع حيضها، ولم تتأخر عن ~~عادتها، فهي من ذوات القروء، باقية على عادتها، فأشبهت من لم يتباعد حيضها. ~~ولا نعلم في هذا مخالفا. ### | [فصل عدة المستحاضة] # (6325) فصل: ms4275 في عدة المستحاضة لا تخلو إما أن يكون لها حيض محكوم به ~~بعادة أو تمييز، أو لا تكون كذلك، فإن كان لها حيض محكوم به بذلك، فحكمها ~~فيه حكم غير المستحاضة، إذا مرت لها ثلاثة قروء، فقد انقضت عدتها. قال أحمد ~~المستحاضة تعتد أيام أقرائها التي كانت تعرف. وإن علمت أن لها في كل شهر ~~حيضة، ولم تعلم موضعها، فعدتها ثلاثة أشهر. وإن شكت في شيء، تربصت حتى ~~تستيقن أن القروء الثلاث قد انقضت. وإن كانت مبتدأة لا تمييز لها، أو ناسية ~~لا تعرف لها وقتا ولا تمييزا، فعن أحمد فيها روايتان: إحداهما، أن عدتها ~~ثلاثة أشهر. وهو قول عكرمة وقتادة وأبي عبيد # لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر حمنة بنت جحش أن تجلس في كل شهر ~~ستة أيام أو سبعة، فجعل لها حيضة في كل شهر تترك فيها الصلاة والصيام، ~~ويثبت فيها سائر أحكام الحيض، فيجب أن تنقضي به العدة؛ لأن ذلك من أحكام ~~الحيض. والرواية الثانية، تعتد سنة بمنزلة من رفعت حيضتها لا تدري ما ~~رفعها. قال أحمد إذا كانت قد اختلطت، ولم تعلم إقبال الدم وإدباره، اعتدت ~~سنة؛ لحديث عمر؛ لأن به يتبين الحمل. وهو قول مالك وإسحاق لأنها لم تتيقن ~~لها حيضا، مع أنها من ذوات القروء، فكانت عدتها سنة، كالتي ارتفع حيضها. # وعلى الرواية الأولى، ينبغي أن يقال: إننا متى حكمنا بأن حيضها سبعة أيام ~~من كل شهر، فمضى لها شهران بالهلال وسبعة أيام من أول الثالث، فقد انقضت ~~عدتها. وإن قلنا: القروء الأطهار. فطلقها في آخر شهر، ثم مر لها شهران وهل ~~الثالث، انقضت عدتها. وهذا مذهب الشافعي. # PageV08P112 ### | [مسألة طلقها وهي من اللائي لم يحضن] # (6326) مسألة قال: ولو طلقها وهي من اللائي لم يحضن، فلم تنقض عدتها ~~بالشهور حتى حاضت، استقبلت العدة بثلاث حيض إن كانت حرة، وبحيضتين إن كانت ~~أمة وجملته أن الصغيرة التي لم تحض أو البالغ التي لم تحض إذا اعتدت ~~بالشهور، فحاضت قبل انقضاء عدتها ولو بساعة، لزمها استئناف ms4276 العدة. في قول ~~عامة علماء الأمصار، منهم سعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وقتادة والشعبي ~~والنخعي والزهري والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي ~~وأهل المدينة، وأهل البصرة وذلك لأن الشهور بدل عن الحيض، فإذا وجد المبدل ~~بطل حكم البدل، كالتيمم مع الماء. # ويلزمها أن تعتد بثلاث حيض إن قلنا: القروء الحيض. وإن قلنا: القروء ~~الأطهار. فهل تعتد بما مضى من الطهر قبل الحيض قرءا؟ فيه وجهان: أحدهما، ~~تعتد به؛ لأنه طهر انتقلت منه إلى حيض، فأشبه الطهر بين الحيضتين. والثاني، ~~لا تعتد به. وهو ظاهر كلام الشافعي لأن القرء هو الطهر بين حيضتين. وهذا لم ~~يتقدمه حيض، فلم يكن قرءا. # فأما إن انقضت عدتها بالشهور، ثم حاضت بعدها ولو بلحظة، لم يلزمها ~~استئناف العدة؛ لأنه معنى حدث بعد انقضاء العدة، كالتي حاضت بعد انقضاء ~~العدة بزمن طويل، ولا يمكن منع هذا الأصل؛ لأنه لو صح منعه، لم يحصل لمن لم ~~تحض الاعتداد بالشهور بحال. ### | [فصل حاضت حيضة أو حيضتين ثم صارت من الآيسات] # (6327) فصل: ولو حاضت حيضة أو حيضتين، ثم صارت من الآيسات، استأنفت العدة ~~بثلاثة أشهر؛ لأن العدة لا تلفق من جنسين، وقد تعذر إتمامها بالحيض، فوجب ~~تكميلها بالأشهر. وإن ظهر بها حمل من الزوج، سقط حكم ما مضى وتبين أن ما ~~رأته من الدم لم يكن حيضا؛ لأن الحامل لا تحيض. ولو حاضت ثلاث حيض، ثم ظهر ~~بها حمل لأقل من ستة أشهر منذ انقضت الحيضة الثالثة، تبينا أن الدم ليس ~~بحيض؛ لأنها كانت حاملا مع رؤية الدم، والحامل لا تحيض. ولو حاضت ثلاث حيض، ~~ثم ظهر بها حمل يمكن أن يكون حادثا بعد قضاء العدة، بأن تأتي به لستة أشهر ~~منذ فرغت من عدتها، لم تلحق بالزوج، وحكمنا بصحة الاعتداد، وكان هذا الولد ~~حادثا. # وإن أتت به لدون ذلك، تبينا أن الدم ليس بحيض؛ لأنه لا يجوز وجوده في مدة ~~الحمل. # PageV08P113 ### | [فصل ارتابت المعتدة بأن ترى أمارات الحمل] # (6328) فصل وإذا ارتابت المعتدة، ومعناه أن ترى أمارات ms4277 الحمل من حركة أو ~~نفخة ونحوهما وشكت هل هو حمل أم لا؟ فلا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها، أن ~~تحدث بها الريبة قبل انقضاء عدتها، فإنما تبقى في حكم الاعتداد حتى تزول ~~الريبة، فإن بان حملا، انقضت عدتها بوضعه، فإن زالت وبان أنه ليس بحمل، ~~تبينا أن عدتها انقضت بالقروء أو الشهور. فإن زوجت قبل زوال الريبة، ~~فالنكاح باطل؛ لأنها تزوجت وهي في حكم المعتدات في الظاهر. # ويحتمل أنه إذا تبين عدم الحمل، أنه يصح النكاح؛ لأنا تبينا أنها تزوجت ~~بعد انقضاء عدتها. # الثاني: أن تظهر الريبة بعد قضاء عدتها والتزوج، فالنكاح صحيح؛ لأنه وجد ~~بعد قضاء العدة ظاهرا، والحمل مع الريبة مشكوك فيه، فلا يزول به ما حكم ~~بصحته، لكن، لا يحل لزوجها وطؤها؛ لأننا شككنا في صحة النكاح، ولأنه لا يحل ~~لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره، ثم ننظر؛ فإن وضعت ~~الولد لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني ووطئها، فنكاحه باطل؛ لأنه نكحها ~~وهي حامل، وإن أتت به لأكثر من ذلك، فالولد لاحق به، ونكاحه صحيح. الحال ~~الثالث، ظهرت الريبة بعد قضاء العدة وقبل النكاح، ففيه وجهان أحدهما، لا ~~يحل لها أن تتزوج، وإن تزوجت فالنكاح باطل؛ لأنها تتزوج مع الشك في انقضاء ~~العدة، فلم يصح، كما لو وجدت الريبة في العدة، ولأننا لو صححنا النكاح، ~~لوقع موقوفا، ولا يجوز كون النكاح موقوفا، ولهذا لو أسلم وتخلفت امرأته في ~~الشرك، لم يجز أن يتزوج أختها؛ لأن نكاحها يكون موقوفا على إسلام الأولى. # والثاني، يحل لها النكاح ويصح؛ لأننا حكمنا بانقضاء العدة، وحل النكاح، ~~وسقوط النفقة والسكنى، فلا يجوز زوال ما حكم به بالشك الطارئ، ولهذا لا ~~ينقض الحاكم ما حكم به بتغير اجتهاده ورجوع الشهود. ### | [فصل طلق واحدة من نسائه لا بعينها] # فصل: وإذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها، أخرجت بالقرعة، وعليها العدة ~~دون غيرها، وتحسب عدتها من حين طلق، لا من حين القرعة. وإن طلق واحدة ~~بعينها وأنسيها، ففي قول أصحابنا، ms4278 الحكم فيها # PageV08P114 # كذلك. والصحيح أنه يحرم عليه الجميع، فإن مات فعلى الجميع الاعتداد بأقصى ~~الأجلين، من عدة الطلاق والوفاة؛ لأن النكاح كان ثابتا بيقين، وكل واحدة ~~منهن يجوز أن تكون هي المطلقة، وأن تكون زوجة، فوجب أقصى الأجلين إن كان ~~الطلاق بائنا، ليسقط الفرض بيقين، كمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها، لزمه ~~أن يصلي خمس صلوات، لكن ابتداء القرء من حين طلق، وابتداء عدة الوفاة من ~~حين الموت. وهذا مذهب الشافعي وإن طلق الجميع ثلاثا بعد ذلك، فعليهن كلهن ~~تكميل عدة الطلاق من حين طلقهن. وإن طلق ثلاثا وأنسيهن، فهو كما لو طلق ~~واحدة. ### | [مسألة مات عنها وهو حر أو عبد قبل الدخول أو بعده] # (6330) مسألة قال: (ولو مات عنها، وهو حر أو عبد، قبل الدخول أو بعده، ~~انقضت عدتها لتمام أربعة أشهر وعشر، إن كانت حرة، ولتمام شهرين وخمسة أيام، ~~إن كانت أمة) أجمع أهل العلم على أن عدة الحرة المسلمة غير ذات الحمل من ~~وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر، مدخولا بها، أو غير مدخول بها، سواء كانت ~~كبيرة بالغة أو صغيرة لم تبلغ؛ وذلك لقوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] . وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا» . متفق عليه. # فإن قيل: ألا حملتم الآية على المدخول بها، كما قلتم في قوله تعالى: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . قلنا: إنما خصصنا ~~هذه بقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] . ولم يرد ~~تخصيص عدة الوفاة، ولا أمكن قياسها على المطلقة في التخصيص لوجهين: أحدهما، ~~أن النكاح عقد عمر، فإذا مات انتهى، والشيء إذا انتهى تقررت أحكامه، كتقرر ~~أحكام الصيام بدخول الليل، وأحكام الإجارة بانقضائها، والعدة من أحكامه. ~~الثاني أن المطلقة إذا أتت بولد يمكن الزوج تكذيبها ونفيه ms4279 باللعان، وهذا ~~ممتنع في حق الميت، فلا يؤمن أن تأتي بولد، فيلحق الميت نسبه، وما له من ~~ينفيه، فاحتطنا بإيجاب العدة عليها لحفظها عن التصرف والمبيت في غير ~~منزلها، حفظا لها. # إذا ثبت هذا، فإنه لا يعتبر وجود الحيض في عدة الوفاة. في قول عامة أهل ~~العلم. # وحكي عن مالك أنها إذا كانت مدخولا بها، وجبت أربعة أشهر وعشر فيها حيضة، ~~واتباع الكتاب والسنة أولى، ولأنه لو # PageV08P115 # اعتبر الحيض في حقها، لاعتبر ثلاثة قروء، كالمطلقة. وهذا الخلاف يختص ~~بذات القرء، فأما الآيسة والصغيرة، فلا خلاف فيهما، وأما الأمة المتوفى ~~عنها زوجها، فعدتها شهران وخمسة أيام. في قول عامة أهل العلم؛ منهم سعيد بن ~~المسيب وعطاء وسليمان بن يسار، والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي ~~وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وغيرهم، إلا ابن سيرين فإنه قال: ما أرى عدة ~~الأمة إلا كعدة الحرة، إلا أن تكون قد مضت في ذلك سنة، فإن السنة أحق أن ~~تتبع. وأخذ بظاهر النص وعمومه. # ولنا، اتفاق الصحابة، - رضي الله عنهم - على أن عدة الأمة المطلقة على ~~النصف من عدة الحرة، فكذلك عدة الوفاة. ### | [فصل العشر المعتبرة في العدة] # (6331) فصل: والعشر المعتبرة في العدة هي عشر ليال بأيامها، فتجب عشرة ~~أيام مع الليالي. وبهذا قال مالك والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر وأصحاب ~~الرأي.، وقال الأوزاعي يجب عشر ليال وتسعة أيام؛ لأن العشر تستعمل في ~~الليالي دون الأيام،، وإنما دخلت الأيام اللاتي في أثناء الليالي تبعا. ~~قلنا: العرب تغلب اسم التأنيث في العدد خاصة على المذكر، فتطلق لفظ الليالي ~~وتريد الليالي بأيامها، كما قال الله تعالى لزكريا: {آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] . يريد بأيامها، بدليل أنه قال في موضع آخر: ~~{آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] . يريد ~~بلياليها. # ولو نذر اعتكاف العشر الأخير من رمضان، لزمه، الليالي والأيام. ويقول ~~القائل: سرنا عشرا، يريد الليالي بأيامها. فلم يجز نقلها عن العدة إلى ~~الإباحة بالشك. ### | [فصل مات زوج الرجعية] # (6332) فصل: وإذا مات زوج ms4280 الرجعية، استأنفت عدة الوفاة، أربعة أشهر ~~وعشرا، بلا خلاف. وقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ~~ذلك. وذلك لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه، وينالها ميراثه، فاعتدت للوفاة، ~~كغير المطلقة. وإن مات مطلق البائن في عدتها، بنت على عدة الطلاق، إلا أن ~~يطلقها في مرض موته، فإنها تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء. ~~نص على هذا أحمد وبه قال الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وقال مالك ~~والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر تبني على عدة الطلاق؛ لأنه مات ~~وليست زوجة له، لأنها بائن من النكاح، فلا تكون منكوحة. # ولنا أنها وارثة له، فيجب عليها عدة الوفاة، كالرجعية، وتلزمها عدة ~~الطلاق؛ لما ذكروه في دليلهم، وإن مات المريض المطلق بعد انقضاء عدتها ~~بالحيض، أو بالشهور، أو بوضع الحمل، أو كان طلاقه قبل # PageV08P116 # الدخول، فليس عليها عدة لموته، وقال القاضي: عليهن عدة الوفاة إذا قلنا: ~~يرثنه. لأنهن يرثنه بالزوجية، فتجب عليهن عدة الوفاة، كما لو مات بعد ~~الدخول وقبل قضاء العدة. ورواه أبو طالب عن أحمد، في التي انقضت عدتها. ~~وذكر ابن أبي موسى فيها روايتين. # والصحيح أنها لا عدة عليها؛ لأن الله تعالى قال: {إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] . ~~وقال {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . وقال: ~~{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن} [الطلاق: 4] فلا يجوز تخصيص هذه النصوص بالتحكم، ولأنها أجنبية تحل ~~للأزواج، ويحل للمطلق نكاح أختها وأربع سواها، فلم تجب عليها عدة لموته، ~~كما لو تزوجت، وتخالف التي مات في عدتها، فإنها لا تحل لغيره في هذه الحال، ~~ولم تنقض عدتها، ولا نسلم أنها ترثه، فإنها لو ورثته لأفضى إلى أن يرث ~~الرجل ثماني زوجات. # فأما إن تزوجت إحدى هؤلاء، فلا عدة عليها، بغير خلاف نعلمه، ولا ترثه ~~أيضا. وإن كانت المطلقة البائن لا ترث، كالأمة أو الحرة يطلقها العبد، أو ms4281 ~~الذمية يطلقها المسلم، والمختلعة أو فاعلة ما يفسخ نكاحها، لم تلزمها عدة، ~~سواء مات زوجها في عدتها أو بعدها، على قياس قول أصحابنا، فهم عللوا نقلها ~~إلى عدة الوفاة بإرثها وهذه ليست وارثة، فأشبهت المطلقة في الصحة، وأما ~~المطلقة في الصحة إذا كانت بائنا، فمات زوجها، فإنها تبني على عدة الطلاق، ~~ولا تعتد للوفاة. وهذا قول مالك والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر ~~وقال الثوري وأبو حنيفة عليها أطول الأجلين، كما لو طلقها في مرض موته. ~~ولنا قوله سبحانه {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ~~ولأنها أجنبية منه في نكاحه، وميراثه، والحل له ووقوع طلاقه، وظهاره، وتحل ~~له أختها وأربع سواها، فلم تعتد لوفاته كما لو انقضت عدتها. # وذكر القاضي، في المطلقة في المرض، أنها إذا كانت حاملا، تعتد أطول ~~الأجلين. وليس هذا بشيء؛ لأن وضع الحمل تنقضي به كل عدة، ولا يجوز أن يجب ~~عليها الاعتداد بغير الحمل، على ما سنذكره في المسألة التي تلي هذه إن شاء ~~الله تعالى. ### | [مسألة طلقها أو مات عنها وهي حامل] # (6333) مسألة قال: ولو طلقها، أو مات عنها، وهي حامل منه، لم تنقض عدتها ~~إلا بوضع الحمل، أمة كانت أو حرة أجمع أهل العلم في جميع الأعصار، على أن ~~المطلقة الحامل تنقضي عدتها بوضع حملها. وكذلك كل # PageV08P117 # مفارقة في الحياة. وأجمعوا أيضا على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت ~~حاملا، أجلها وضع حملها، إلا ابن عباس، وروي عن علي من وجه منقطع، أنها ~~تعتد بأقصى الأجلين. وقاله أبو السنابل بن بعكك، في حياة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله، وقد روي عن ابن ~~عباس أنه رجع إلى قول الجماعة لما بلغه حديث سبيعة، وكره الحسن والشعبي أن ~~تنكح في دمها. ويحكى عن حماد وإسحاق أن عدتها لا تنقضي حتى تطهر. # وأبى سائر أهل العلم هذا القول، وقالوا: لو وضعت بعد ساعة من وفاة زوجها، ~~حل لها أن تتزوج، ولكن، لا يطؤها زوجها حتى تطهر من ms4282 نفاسها وتغتسل؛ وذلك ~~لقول الله تعالى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] وروي عن ~~أبي بن كعب، قال: «قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأولات الأحمال أجلهن ~~أن يضعن حملهن للمطلقة ثلاثا أو للمتوفى عنها؟ قال هي للمطلقة ثلاثا، ~~وللمتوفى عنها» وقال ابن مسعود من شاء باهلته أو لاعنته: إن الآية التي في ~~سورة النساء القصرى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ~~نزلت بعد التي في سورة البقرة: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} ~~[البقرة: 234] يعني أن هذه الآية هي الأخيرة، فتقدم على ما خالفها من عموم ~~الآية المتقدمة، ويخص بها عمومها. # وروى عبد الله بن الأرقم، «أن سبيعة الأسلمية أخبرته، أنها كانت تحت سعد ~~بن خولة، وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد ~~وفاته، فلما تعلت من نفاسها، تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن ~~بعكك، فقال: ما لي أراك متجملة، لعلك ترجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح ~~حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت علي ~~ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن ذلك، ~~فأفتاني، بأني قد حللت حين وضعت حملي، فأمرني بالتزويج إن بدا لي» . متفق ~~عليه وقال ابن عبد البر هذا حديث صحيح، قد جاء من وجوه شتى، كلها ثابتة، ~~إلا ما روي عن ابن عباس وروي عن علي من وجه # PageV08P118 # منقطع. # ولأنها معتدة حامل، فتنقضي عدتها بوضعه كالمطلقة، يحققه أن العدة إنما ~~شرعت لمعرفة براءتها من الحمل، ووضعه أدل الأشياء على البراءة منه، فوجب أن ~~تنقضي به العدة، ولأنه لا خلاف في بقاء العدة ببقاء الحمل، فوجب أن تنقضي ~~به، كما في حق المطلقة. ### | [فصل كان الحمل واحدا انقضت العدة بوضعه] # (6334) فصل: وإذا كان الحمل واحدا، انقضت العدة بوضعه، وانفصال جميعه، ~~وإن ظهر بعضه، فهي في عدتها حتى ينفصل باقيه؛ لأنها لا تكون واضعة لحملها ~~ما لم يخرج كله. وإن كان الحمل اثنين أو أكثر، لم تنقض ms4283 عدتها إلا بوضع ~~الآخر؛ لأن الحمل هو الجميع. هذا قول جماعة أهل العلم، إلا أبا قلابة ~~وعكرمة، فإنهما قالا: تنقضي عدتها بوضع الأول، ولا تتزوج حتى تضع الآخر. ~~وذكر ابن أبي شيبة عن قتادة، عن عكرمة أنه قال: إذا وضعت أحدهما، فقد انقضت ~~عدتها. قيل له: فتتزوج؟ قال لا. قال قتادة خصم العبد. . # وهذا قول شاذ، يخالف ظاهر الكتاب وقول أهل العلم، والمعنى فإن العدة شرعت ~~لمعرفة البراءة من الحمل، فإذا علم وجود الحمل، فقد تيقن وجود الموجب ~~للعدة، وانتفت البراءة الموجبة لانقضائها، ولأنها لو انقضت عدتها بوضع ~~الأول، لأبيح لها النكاح، كما لو وضعت الآخر. فإن وضعت ولدا، وشكت في وجود ~~ثان، لم تنقض عدتها حتى تزول الريبة، وتتيقن أنها لم يبق معها حمل؛ لأن ~~الأصل بقاؤها، فلا يزول بالشك. ### | [مسألة الحمل الذي تنقضي به العدة] # (6335) مسألة قال: والحمل الذي تنقضي به العدة، ما يتبين فيه شيء من خلق ~~الإنسان، حرة كانت أو أمة وجملة ذلك، أن المرأة إذا ألقت بعد فرقة زوجها ~~شيئا، لم يخل من خمسة أحوال: أحدها، أن تضع ما بان فيه خلق الآدمي، من ~~الرأس واليد والرجل، فهذا تنقضي به العدة، بلا خلاف بينهم. قال ابن المنذر ~~أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن عدة المرأة تنقضي بالسقط إذا علم ~~أنه ولد، وممن نحفظ عنه ذلك: الحسن وابن سيرين وشريح والشعبي والنخعي ~~والزهري والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق قال الأثرم: قلت لأبي عبد ~~الله: إذا نكس في الخلق الرابع؟ يعني تنقضي به العدة. فقال: إذا نكس في ~~الخلق الرابع، فليس فيه اختلاف، ولكن إذا تبين خلقه هذا أدل وذلك لأنه إذا ~~بان # PageV08P119 # فيه شيء من خلق الآدمي، علم أنه حمل، فيدخل في عموم قوله تعالى: {وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] . الحال الثاني، ألقت نطفة أو ~~دما، لا تدري هل هو ما يخلق منه الآدمي أو لا؟ فهذا لا يتعلق به شيء من ~~الأحكام؛ لأنه لم يثبت أنه ولد، لا بالمشاهدة ms4284 ولا بالبينة. # الحال الثالث ألقت مضغة لم تبن فيها الخلقة، فشهد ثقات من القوابل، أن ~~فيه صورة خفية، بان بها أنها خلقة آدمي، فهذا في حكم الحال الأول، لأنه قد ~~تبين بشهادة أهل المعرفة أنه ولد. الحال الرابع، إذا ألقت مضغة لا صورة ~~فيها، فشهد ثقات من القوابل أنه مبتدأ خلق آدمي، فاختلف عن أحمد فنقل أبو ~~طالب أن عدتها لا تنقضي به، ولكن تصير به أم ولد؛ لأنه مشكوك في كونه ولدا، ~~فلم يحكم بانقضاء العدة المتيقنة بأمر مشكوك فيه، ولم يجز بيع الأمة ~~الوالدة له مع الشك في رقها، فيثبت كونها أم ولد احتياطا، ولا تنقضي العدة ~~احتياطا. ونقل حنبل أنها تصير أم ولد، ولم يذكر العدة، فقال بعض أصحابنا: ~~على هذا تنقضي به العدة. وهو قول الحسن وظاهر مذهب الشافعي لأنهم شهدوا ~~بأنه خلقة آدمي، أشبه ما لو تصور. . # والصحيح أن هذا ليس برواية في العدة، لأنه لم يذكرها، ولم يتعرض لها. ~~الحال الخامس، أن تضع مضغة لا صورة فيها، ولم تشهد القوابل بأنها مبتدأ خلق ~~آدمي، فهذا لا تنقضي به عدة، ولا تصير به أم ولد؛ لأنه لم يثبت كونه ولدا ~~ببينة ولا مشاهدة، فأشبه العلقة، فلا تنقضي العدة بوضع ما قبل المضغة بحال، ~~سواء كان نطفة أو علقة، وسواء قيل: إنه مبتدأ خلق آدمي أو لم يقل. نص عليه ~~أحمد فقال: أما إذا كان علقة، فليس بشيء، إنما هي دم، لا تنقضي به عدة، ولا ~~تعتق به أمة. ولا نعلم مخالفا في هذا، إلا الحسن، فإنه قال: إذا علم أنها ~~حمل، انقضت به العدة، وفيه الغرة. والأول أصح، وعليه الجمهور. # وأقل ما تنقضي به العدة من الحمل، أن تضعه بعد ثمانين يوما منذ أمكنه ~~وطؤها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن خلق أحدكم ليجمع في بطن ~~أمه، فيكون نطفة أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ~~". ولا تنقضي العدة بما دون المضغة، فوجب أن تكون بعد الثمانين، فأما ms4285 ما ~~بعد الأربعة أشهر، فليس فيه إشكال؛ لأنه منكس في الخلق الرابع. # PageV08P120 ### | [فصل أقل مدة الحمل] # (6336) فصل: وأقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لما روى الأثرم، بإسناده عن أبي ~~الأسود، أنه رفع إلى عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر، فهم عمر برجمها، فقال له ~~علي: ليس لك ذلك. قال الله تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} ~~[البقرة: 233] وقال تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] ~~فحولان وستة أشهر ثلاثون شهرا، لا رجم عليها. فخلى عمر سبيلها، وولدت مرة ~~أخرى لذلك الحد ورواه الأثرم أيضا عن عكرمة أن ابن عباس قال ذلك. قال عاصم ~~الأحول: فقلت لعكرمة إنا بلغنا أن عليا قال هذا. فقال عكرمة لا، ما قال هذا ~~إلا ابن عباس وذكر ابن قتيبة، في " المعارف " أن عبد الملك بن مروان ولد ~~لستة أشهر. وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وغيرهم. ### | [مسألة أقصى مدة الحمل أربع سنين] # (6337) مسألة قال: (ولو طلقها، أو مات عنها، فلم تنكح حتى أتت بولد بعد ~~طلاقه أو موته بأربع سنين، لحقه الولد، وانقضت عدتها به) ظاهر المذهب أن ~~أقصى مدة الحمل أربع سنين. وبه قال الشافعي وهو المشهور عن مالك. وروي عن ~~أحمد أن أقصى مدته سنتان. وروي ذلك عن عائشة وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة؛ ~~لما روت جميلة بنت سعد، عن عائشة لا تزيد المرأة على السنتين في الحمل، ~~ولأن التقدير إنما يعلم بتوقيف أو اتفاق، ولا توقيف هاهنا ولا اتفاق، إنما ~~هو على ما ذكرنا، وقد وجد ذلك، فإن الضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان حملت أم ~~كل واحد منهما به سنتين، وقال الليث أقصاه ثلاث سنين. حملت مولاة لعمر بن ~~عبد الله ثلاث سنين. # وقال عباد بن العوام: خمس سنين. وعن الزهري قال: قد تحمل المرأة ست سنين ~~وسبع سنين. وقال أبو عبيد: ليس لأقصاه وقت يوقف عليه. ولنا أن ما لا نص ~~فيه، يرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد الحمل لأربع سنين، فروى الوليد بن مسلم ~~قال: قلت لمالك بن أنس: حديث جميلة ms4286 بنت سعد، عن عائشة: لا تزيد المرأة على ~~السنتين في الحمل. قال مالك: سبحان الله، من يقول هذا؟ هذه جارتنا امرأة ~~محمد بن عجلان تحمل أربع سنين قبل أن تلد. وقال الشافعي بقي محمد بن عجلان ~~في بطن أمه أربع سنين. # وقال أحمد نساء بني عجلان يحملن أربع سنين وامرأة عجلان حملت ثلاث بطون، ~~كل دفعة أربع سنين. وبقي محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي في بطن ~~أمه أربع سنين. وهكذا إبراهيم بن نجيح العقيلي، حكى ذلك أبو الخطاب وإذا ~~تقرر # PageV08P121 # وجوده، وجب أن يحكم به، ولا يزاد عليه؛ لأنه ما وجد، ولأن عمر ضرب لامرأة ~~المفقود أربع سنين، ولم يكن ذلك إلا لأنه غاية الحمل، وروي ذلك عن عثمان ~~وعلي وغيرهما إذا ثبت هذا، فإن المرأة إذا ولدت لأربع سنين فما دون، من يوم ~~موت الزوج أو طلاقه، ولم تكن تزوجت، ولا وطئت، ولا انقضت عدتها بالقروء، ~~ولا بوضع الحمل، فإن الولد لاحق بالزوج، وعدتها منقضية به. ### | [فصل أتت بالولد لأربع سنين منذ مات أو بانت منه بطلاق أو فسخ] # (6338) فصل: وإن أتت بالولد لأربع سنين منذ مات، أو بانت منه بطلاق أو ~~فسخ أو انقضاء عدتها إن كانت رجعية لم يلحقه ولدها؛ لأننا نعلم أنها علقت ~~به بعد زوال النكاح، والبينونة منه، وكونها قد صارت منه أجنبية، فأشبهت ~~سائر الأجنبيات. ومفهوم كلام الخرقي أن عدتها لا تنقضي به؛ لأنه لا ينتفي ~~عنه بغير لعان، فلم تنقض عدتها منه بوضعه، كما لو أتت به لأقل من ستة أشهر ~~منذ نكحها. وقال أبو الخطاب: هل تنقضي به العدة؟ على وجهين. وذكر القاضي أن ~~عدتها تنقضي به، وهو مذهب الشافعي لأنه ولد يمكن أن يكون منه بعد نكاحه، ~~بأن يكون قد وطئها بشبهة، أو جدد نكاحها، فوجب أن تنقضي به العدة، وإن لم ~~يلحق به، كالولد المنفي باللعان، وبهذا فارق الذي أتت به لأقل من ستة أشهر، ~~فإنه ينتفي عنه يقينا. # ثم ناقضوا قولهم، فقالوا: لو تزوجت ms4287 في عدتها، وأتت بولد لأقل من ستة أشهر ~~من حين دخل بها الثاني، ولأكثر من أربع سنين من حين بانت من الأول، فالولد ~~منتف عنهما، ولا تنقضي عدتها بوضعه عن واحد منهما. وهذا أصح؛ فإن احتمال ~~كونه منه، لم يكف في إثبات نسب الولد منه، مع أنه يثبت بمجرد الإمكان، فلأن ~~لا يكفي في انقضاء العدة أولى وأحرى. وما ذكروه منتقض بما سلموه. وما ذكروه ~~من الفرق بين هذا وبين الذي أتت به لأقل من ستة أشهر غير صحيح؛ فإنه يحتمل ~~أن يكون أصابها قبل نكاحها بشبهة، أو بنكاح غير هذا النكاح الذي أتت بالولد ~~فيه، فاستويا. وأما المنفي باللعان فإنا نفينا الولد عن الزوج بالنسبة ~~إليه، ونفينا حكمه في كونه منه بالنسبة إليها، حتى أوجبنا الحد على قاذفها ~~وقاذف ولدها، وانقضاء عدتها من الأحكام المتعلقة بها دونه، فثبتت. ### | [فصل أقرت المرأة بانقضاء عدتها بالقروء ثم أتت بولد لستة أشهر فصاعدا من بعد انقضائها] # (6339) فصل: وإن أقرت المرأة بانقضاء عدتها بالقروء، ثم أتت بولد لستة ~~أشهر فصاعدا من بعد انقضائها، لم يلحق نسبه بالزوج. وبه قال أبو حنيفة، ~~وابن سريج، وقال مالك والشافعي يلحق به، ما لم تتزوج، أو يبلغ أربع سنين. ~~وكلام الخرقي يحتمل ذلك؛ فإنه أطلق قوله: إذا أتت بولد بعد طلاقه أو موته ~~بأربع سنين لحقه الولد؛ وذلك لأنه ولد يمكن كونه منه، وليس معه من هو أولى ~~منه، ولا من يساويه، فوجب أن يلحق به، كما لو أتت به بعد عقد النكاح. # PageV08P122 # ولنا أنها أتت به بعد الحكم بقضاء عدتها، وحل النكاح لها بمدة الحمل، فلم ~~يلحق به، كما لو أتت به بعد انقضاء عدتها بوضع حملها لمدة الحمل، وإنما ~~يعتبر الإمكان مع بقاء النكاح أو آثاره، وقد زال ذلك. # وإن انقضت عدتها بالشهور، ثم أتت بولد لدون أربع سنين، لحقه نسبه؛ لأنها ~~إن كانت تدعي الإياس، تبينا كذبها، فإن من تحمل ليست بآيسة، وإن كانت من ~~اللائي لم يحضن، أو متوفى عنها، لحقه ولدها؛ لأنه ms4288 لم يوجد في حقها ما ينافي ~~كونها حاملا. ### | [فصل مات الصغير الذي لا يولد لمثله عن زوجته فأتت بولد] # (6340) فصل: وإذا مات الصغير الذي لا يولد لمثله عن زوجته، فأتت بولد، لم ~~يلحقه نسبه، ولم تنقض العدة بوضعه، وتعتد بالأشهر وبهذا قال مالك والشافعي ~~وقال أبو حنيفة إن مات وبها حمل ظاهر، اعتدت عنه بالوضع، وإن ظهر الحمل بها ~~بعد موته، لم تعتد به. وقد روي عن أحمد في الصبي مثل قول أبي حنيفة. وذكره ~~ابن أبي موسى قال أبو الخطاب وفيه بعد. وهكذا الخلاف فيما إذا تزوج بامرأة، ~~ودخل بها، وأتت بولد لدون ستة أشهر من حين عقد النكاح، فإنها لا تعتد بوضعه ~~عندنا، وعنده تعتد به، واحتج بقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن} [الطلاق: 4] . # ولنا أن هذا حمل منفي عنه يقينا، فلم تعتد بوضعه، كما لو ظهر بعد موته، ~~والآية واردة في المطلقات، ثم هي مخصوصة بالقياس الذي ذكرناه. إذا ثبت هذا، ~~فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل من الوطء الذي علقت به منه، سواء كان هذا الولد ~~ملحقا بغير الصغير، مثل أن يكون من عقد فاسد، أو وطء شبهة، أو كان من زنا ~~لا يلحق بأحد؛ لأن العدة تجب من كل وطء، فإذا وضعته اعتدت من الصبي بأربعة ~~أشهر وعشر؛ لأن العدتين من رجلين لا يتداخلان. # وإن كانت الفرقة في الحياة بعد الدخول، كزوجة كبير دخل بها، ثم طلقها، ~~وأتت بولد لدون ستة أشهر منذ تزوجها، فإنها تعتد بعد وضعه بثلاثة قروء. ~~وكذلك إذا طلق الخصي المجبوب امرأته، أو مات عنها، فأتت بولد لم يلحقه ~~نسبه، ولم تنقض عدتها بوضعه، وتنقضي به عدة الوطء، ثم تستأنف عدة الطلاق، ~~أو عدة الوفاة، على ما بيناه. وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد أن الولد يلحق ~~به؛ لأنه قد يتصور منه الإنزال، بأن يحك موضع ذكره بفرجها فينزل. فعلى هذا ~~القول يلحق به؛ الولد، وتنقضي به العدة. والصحيح أن هذا لا يلحق به ولد؛ ~~لأنه لم تجر به عادة، ms4289 فلا يلحق به ولدها، كالصبي الذي لم يبلغ عشر سنين. # ولو تزوج امرأة في مجلس الحاكم، ثم طلقها في المجلس، أو تزوج المشرقي ~~بالمغربية ثم أتت بولد لا يمكن # PageV08P123 # أن يكون منه بعد اجتماعهما بمدة الحمل، فإنه لا يلحقه نسبه، ولا تنقضي ~~العدة بوضعه. ### | [مسألة طلقها أو مات عنها فلم تنقض عدتها حتى تزوجت من أصابها] # (6341) مسألة قال: (ولو طلقها، أو مات عنها، فلم تنقض عدتها حتى تزوجت من ~~أصابها، فرق بينهما، وبنت على ما مضى من عدة الأول، ثم استقبلت العدة من ~~الثاني) وجملة الأمر أن المعتدة لا يجوز لها أن تنكح في عدتها، إجماعا، أي ~~عدة كانت؛ لقول الله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} ~~[البقرة: 235] . ولأن العدة إنما اعتبرت لمعرفة براءة الرحم لئلا يفضي إلى ~~اختلاط المياه، وامتزاج الأنساب. وإن تزوجت، فالنكاح باطل؛ لأنها ممنوعة من ~~النكاح لحق الزوج الأول، فكان نكاحا باطلا، كما لو تزوجت وهي في نكاحه، ~~ويجب أن يفرق بينه وبينها، فإن لم يدخل بها فالعدة بحالها، ولا تنقطع ~~بالعقد الثاني؛ لأنه باطل لا تصير به المرأة فراشا، ولا يستحق عليه بالعقد ~~شيء، وتسقط سكناها ونفقتها عن الزوج الأول؛ لأنها ناشز، وإن وطئها، انقطعت ~~العدة سواء علم التحريم أو جهله. # وقال أبو حنيفة لا تنقطع؛ لأن كونها فراشا لغير من له العدة لا يمنعها، ~~كما لو وطئت بشبهة وهي زوجة، فإنها تعتد، وإن كانت فراشا للزوج. وقال ~~القاضي: إن وطئها عالما بأنها معتدة، وأنها تحرم، فهو زان، فلا تنقطع العدة ~~بوطئه؛ لأنها لا تصير به فراشا، ولا يلحق به نسب، وإن كان جاهلا أنها ~~معتدة، أو بالتحريم، انقطعت العدة بالوطء؛ لأنها تصير به فراشا، والعدة ~~تراد للاستبراء، وكونها فراشا ينافي ذلك، فوجب أن يقطعها، فأما طريانه ~~عليها، فلا يجوز. ولنا أن هذا وطء بشبهة نكاح، فتنقطع به العدة، كما لو ~~جهل. وقولهم: إنها لا تصير به فراشا. قلنا: لكنه لا يلحق نسب الولد الحادث ~~من وطئه بالزوج الأول، فهما شيئان. # إذا ms4290 ثبت هذا، فعليه فراقها، فإن لم يفعل، وجب التفريق بينهما، فإن فارقها ~~أو فرق بينهما، وجب عليها أن تكمل عدة الأول؛ لأن حقه أسبق، وعدته وجبت عن ~~وطء في نكاح صحيح، فإذا أكملت عدة الأول، وجب عليها أن تعتد من الثاني، ولا ~~تتداخل العدتان؛ لأنهما من رجلين. وهذا مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة ~~يتداخلان، فتأتي بثلاثة قروء بعد مفارقة الثاني، تكون عن بقية عدة الأول ~~وعدة الثاني؛ لأن القصد معرفة براءة الرحم، وهذا تحصل به براءة الرحم منهما ~~جميعا ولنا ما روى مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن ~~طليحة كانت تحت رشيد الثقفي، فطلقها، ونكحها غيره في عدتها، فضربها عمر بن ~~الخطاب وضرب زوجها ضربات # PageV08P124 # بمخفقة، وفرق بينهما. ثم قال: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها ~~الذي تزوجها لم يدخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ~~وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها ~~من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ولا ينكحها أبدا. # وروى، بإسناده عن علي أنه قضى في التي تزوج في عدتها، أنه يفرق بينهما، ~~ولها الصداق بما استحل من فرجها، وتكمل ما أفسدت من عدة الأول، وتعتد من ~~الآخر وهذان قولا سيدين من الخلفاء لم يعرف لهما في الصحابة مخالف، ولأنهما ~~حقان مقصودان لآدميين، فلم يتداخلا، كالدينين واليمينين، ولأنه حبس يستحقه ~~الرجال على النساء، فلم يجز أن تكون المرأة في حبس رجلين كحبس الزوجة. ### | [مسألة للزوج الثاني أن يتزوجها بعد قضاء العدتين] # (6342) مسألة قال: وله أن ينكحها بعد انقضاء العدتين يعني للزوج الثاني ~~أن يتزوجها بعد قضاء العدتين. فأما الزوج الأول، فإن كان طلاقه ثلاثا، لم ~~تحل له بهذا النكاح وإن وطئ فيه؛ لأنه نكاح باطل، وإن كان طلاقه دون ~~الثلاث، فله نكاحها أيضا بعد العدتين. وإن كانت رجعية، فله رجعتها في عدتها ~~منه. وعن أحمد رواية أخرى، أنها تحرم على الزوج الثاني على التأبيد. وهو ~~قول مالك وقديم ms4291 قولي الشافعي لقول عمر لا ينكحها أبدا. ولأنه استعجل الحق ~~قبل وقته فحرمه في وقته، كالوارث إذا قتل موروثه، ولأنه يفسد النسب فيوقع ~~التحريم المؤبد، كاللعان. # وقال الشافعي في الجديد: له نكاحها بعد قضاء عدة الأول، ولا يمنع من ~~نكاحها في عدتها منه؛ ولأنه وطء يلحق به النسب، فلا يمنع من نكاحها في ~~عدتها منه، كالوطء في النكاح، ولأن العدة إنما شرعت حفظا للنسب، وصيانة ~~للماء، والنسب، لاحق به هاهنا، فأشبه ما لو خالعها ثم نكحها في عدتها، وهذا ~~حسن موافق للنظر. ولنا على إباحتها بعد العدتين، أنه لا يخلو؛ إما أن يكون ~~تحريمها بالعقد أو بالوطء في النكاح الفاسد أو بهما، وجميع ذلك لا يقتضي ~~التحريم، بدليل ما لو نكحها بلا ولي ووطئها، ولأنه لو زنى بها، لم تحرم ~~عليه على التأبيد، فهذا أولى، ولأن آيات الإباحة عامة، كقوله تعالى {وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] وقوله {والمحصنات من المؤمنات} [المائدة: ~~5] . # فلا يجوز تخصيصها بغير دليل، وما روي عن عمر في تحريمها، فقد خالفه علي ~~فيه، وروي عن عمر، أنه رجع عن قوله في التحريم إلى قول علي، فإن عليا قال: ~~إذا انقضت عدتها، فهو خاطب من الخطاب. فقال عمر ردوا الجهالات إلى السنة. ~~ورجع إلى قول علي. # PageV08P125 # وقياسهم يبطل بما إذا زنى بها، فإنه قد استعجل وطأها، ولا تحرم عليه على ~~التأبيد. ووجه تحريمها قبل قضاء عدة الثاني عليه قول الله تعالى: {ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] ولأنه وطء يفسد به ~~النسب، فلم يجز النكاح في العدة منه، كوطء الأجنبي. ### | [فصل نكاح المعتدة من وطء فاسد] # (6343) فصل: وكل معتدة من غير النكاح الصحيح كالزانية، والموطوءة بشبهة، ~~أو في نكاح فاسد، فقياس المذهب تحريم نكاحها على الواطئ وغيره. والأولى حل ~~نكاحها لمن هي معتدة منه، إن كان يلحقه نسب ولدها؛ لأن العدة لحفظ مائه، ~~وصيانة نسبه، ولا يصان ماؤه المحرم عن مائه المحترم، ولا يحفظ نسبه عنه، ~~ولذلك أبيح للمختلعة نكاح من خالعها، ومن لا ms4292 يلحقه نسب ولدها كالزانية، لا ~~يحل له نكاحها؛ لأن نكاحها يفضي إلى اشتباه النسب، فالواطئ كغيره، في أن ~~الولد لا يلحق نسبه بواحد منهما. ### | [مسألة القافة بالتحاق الولد بوالديه] # (6344) مسألة قال: وإن أتت بولد يمكن أن يكون منهما، أري القافة وألحق ~~بمن ألحقوه منهما وانقضت عدتها منه، واعتدت للآخر وجملته أنها إذا كانت ~~حاملا، انقضت عدتها منه بوضع حملها؛ لقوله سبحانه {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن} [الطلاق: 4] . ثم ننظر؛ فإن كان يمكن أن يكون من الأول دون ~~الثاني، وهو أن تأتي به لدون ستة أشهر من وطء الثاني، وأربع سنين فما دونها ~~من فراق الأول، فإنه يلحق بالأول، وتنقضي عدتها به منه بوضعه، ثم تعتد ~~بثلاثة قروء عن الثاني. # وإن أمكن كونه من الثاني دون الأول وهو أن تأتي به لستة أشهر فما زاد إلى ~~أربع سنين من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين منذ بانت من الأول فهو ملصق ~~بالثاني دون الأول، فتنقضي به عدتها من الثاني، ثم تتم عدة الأول. وتقدم ~~عدة الثاني هاهنا على عدة الأول؛ لأنه لا يجوز أن يكون الحمل من إنسان ~~والعدة من غيره. وإن أمكن أن يكون منهما، وهو أن تأتي به لستة أشهر فصاعدا ~~من وطء الثاني، ولأربع سنين فما دونها من بينونتها من الأول، أري القافة، ~~فإن ألحقته بالأول، لحق به، كما لو أمكن أن يكون منه دون الثاني، وإن ~~ألحقته بالثاني، لحق به، وكان الحكم كما لو أمكن كونه من الثاني دون الأول ~~فإن أشكل أمره على القافة، أو لم تكن قافة لزمها أن تعتد بعد وضعه بثلاثة ~~قروء؛ لأنه إن كان من الأول فقد أتت بما عليها من عدة الثاني، وإن كان من ~~الثاني، فعليها أن تكمل عدة الأول، ليسقط # PageV08P126 # الفرض بيقين. # فأما الولد، فقال أبو بكر: يضيع نسبه؛ لأنه لا دليل على نسبته إلى واحد ~~منهما، فأشبه ما لو كان مجنونا، لم ينتسب إلى واحد منهما. وقال أبو عبد ~~الله بن حامد: يترك حتى يبلغ، فينتسب إلى ms4293 أحدهما، وإن ألحقته القافة بهما، ~~لحق بهما. ومقتضى المذهب أن تنقضي عدتها به منهما جميعا؛ لأن نسبه ثبت ~~منهما، كما تنقضي عدتها به من الواحد الذي يثبت نسبه منهما. وإن نفته ~~القافة عنهما، فحكمه حكم ما لو أشكل أمره، وتعتد بعد وضعه بثلاث قروء، ولا ~~ينتفي عنهما بقول القافة؛ لأن عمل القافة في ترجيح أحد صاحبي الفراش، لا في ~~النفي عن الفراش كله، ولهذا لو كان صاحب الفراش واحدا فنفته القافة عنه، لم ~~ينتف عنه بقولها. # فأما إن ولدت لدون ستة أشهر من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من فراق ~~الأول، لم يلحق بواحد منهما، ولا تنقضي به عدتها منه؛ لأننا نعلم أنه من ~~وطء آخر، فتنقضي به عدتها من ذلك الوطء، ثم تتم عدة الأول، وتستأنف عدة ~~الثاني؛ لأنه قد وجد ما يقتضي عدة ثالثة، وهو الوطء الذي حملت منه، فتجب ~~عليها عدتان، وإتمام العدة الأولى. ### | [فصل تزوج معتدة وهما عالمان بالعدة] # (6345) فصل: وإذا تزوج معتدة، وهما عالمان بالعدة، وتحريم النكاح فيها، ~~ووطئها، فهما زانيان، عليهما حد الزنا، ولا مهر لها، ولا يلحقه النسب. وإن ~~كانا جاهلين بالعدة، أو بالتحريم، ثبت النسب، وانتفى الحد، ووجب المهر. وإن ~~علم هو دونها، فعليه الحد والمهر، ولا نسب له. وإن علمت هي دونه، فعليها ~~الحد، ولا مهر لها، والنسب لاحق به. وإنما كان كذلك؛ لأن هذا نكاح متفق على ~~بطلانه، فأشبه نكاح ذوات محارمه. ### | [فصل خالع الرجل زوجته أو فسخ نكاحه] # (6346) فصل: وإذا خالع الرجل زوجته، أو فسخ نكاحه، فله أن يتزوجها في ~~عدتها. في قول جمهور الفقهاء. وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ~~والزهري، والحسن، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وشذ بعض ~~المتأخرين، فقال: لا يحل له نكاحها، ولا خطبتها؛ لأنها معتدة. ولنا، أن ~~العدة لحفظ نسبه، وصيانة مائه، ولا يصان ماؤه عن مائه إذا كانا من نكاح ~~صحيح، فإذا تزوجها، انقطعت العدة؛ لأن المرأة تصير فراشا له بعقده، ولا ~~يجوز أن تكون زوجته معتدة. # فإن وطئها، ثم طلقها، ms4294 لزمتها عدة مستأنفة، ولا شيء عليها من الأولى؛ ~~لأنها قد انقطعت وارتفعت. وإن طلقها قبل أن يمسها، فهل تستأنف العدة، أو ~~تبني على ما مضى؟ قال القاضي: فيه روايتان: إحداهما، # PageV08P127 # تستأنف. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه طلاق لا يخلو من عدة، فأوجب عدة ~~مستأنفة، كالأول. والثانية، لا يلزمها استئناف عدة. وهو قول الشافعي، ومحمد ~~بن الحسن؛ لأنه طلاق في نكاح قبل المسيس، فلم يوجب عدة، لعموم قوله سبحانه: ~~{ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: ~~49] . وذكر القاضي، في " كتاب الروايتين " أنه لا يلزمها استئناف العدة، ~~رواية واحدة، لكن يلزمها إتمام بقية العدة الأولى؛ لأن إسقاطها يفضي إلى ~~اختلاط المياه، لأنه يتزوج امرأة ويطؤها ويخلعها، ثم يتزوجها ويطلقها في ~~الحال، ويتزوجها الثاني، في يوم واحد. # فإن خلعها حاملا ثم تزوجها حاملا، ثم طلقها وهي حامل، انقضت عدتها بوضع ~~الحمل، على كلتا الروايتين، ولا نعلم فيه مخالفا، ولا تنقضي عدتها قبل ~~وضعها بغير خلاف نعلمه. وإن وضعت حملها قبل النكاح الثاني، فلا عدة عليها ~~للطلاق من النكاح الثاني، بغير خلاف أيضا؛ لأنه نكحها بعد قضاء عدة الأول. ~~وإن وضعته بعد النكاح الثاني، وقبل طلاقه، فمن قال: يلزمها استئناف عدة. ~~أوجب عليها الاعتداد بعد طلاق الثاني بثلاثة قروء. ومن قال: لا يلزمها ~~استئناف عدة. لم يوجب عليها هاهنا عدة؛ لأن العدة الأولى انقضت بوضع الحمل، ~~إذ لا يجوز أن تعتد الحامل بغير وضعه. # وإن كانت من ذوات القروء أو الشهور، فنكحها الثاني بعد مضي قرء أو شهر، ~~ثم مضى قرءان أو شهران قبل طلاقه من النكاح الثاني، فقد انقطعت العدة ~~بالنكاح الثاني، فإن قلنا: تستأنف العدة. فعليها عدة تامة، بثلاثة قروء، أو ~~ثلاثة أشهر. وإن قلنا: تبني. أتمت العدة الأولى بقرأين أو شهرين. ### | [فصل طلقها طلاقا رجعيا ثم ارتجعها في عدتها ووطئها ثم طلقها] # (6347) فصل: وإن طلقها طلاقا رجعيا، ثم ارتجعها في عدتها ووطئها، ثم ~~طلقها، انقطعت العدة الأولى برجعته؛ لأنه زال حكم الطلاق، وتستأنف عدة من ms4295 ~~الطلاق الثاني؛ لأنه طلاق من نكاح اتصل به المسيس. وإن طلقها قبل أن يمسها، ~~فهل تستأنف عدة، أو تبني على العدة الأولى؟ فيه روايتان: أولاهما: أنها ~~تستأنف؛ لأن الرجعة أزالت شعث الطلاق الأول. وردتها إلى النكاح الأول، فصار ~~الطلاق الثاني طلاقا من نكاح اتصل به المسيس. والثانية، تبني؛ لأن الرجعة ~~لا تزيد على النكاح الجديد، ولو نكحها ثم طلقها قبل المسيس، لم يلزمها لذلك ~~الطلاق عدة، فكذلك الرجعة. # فإن فسخ نكاحها قبل الرجعة بخلع أو غيره، احتمل أن يكون حكمه حكم الطلاق؛ ~~لأن موجبه في العدة موجب الطلاق، ولا فرق بينهما، واحتمل أن تستأنف العدة؛ # PageV08P128 # لأنهما جنسان، بخلاف الطلاق، وإن لم يرتجعها بلفظه، لكنه وطئها في عدتها، ~~فهل تحصل بذلك رجعة أو لا؟ فيه روايتان: إحداهما، تحصل به الرجعة، فيكون ~~حكمها حكم من ارتجعها بلفظه ثم وطئها، سواء. والثانية، لا تحصل الرجعة به، ~~ويلزمها استئناف عدة؛ لأنه وطء في نكاح تشعث، فهو كوطء الشبهة. وتدخل بقية ~~عدة الطلاق فيها؛ لأنهما من رجل واحد. # وإن حملت من هذا الوطء، فهل تدخل فيها بقية الأولى؟ على وجهين: أحدهما، ~~تدخل؛ لأنهما من رجل واحد. والثاني، لا تدخل؛ لأنهما من جنسين. فعلى هذا، ~~إذا وضعت حملها، أتمت عدة الطلاق. وإن وطئها وهي حامل، ففي تداخل العدتين ~~وجهان؛ فإن قلنا: يتداخلان. فانقضاؤهما معا بوضع الحمل. وإن قلنا: لا ~~يتداخلان. فانقضاء عدة الطلاق بوضع الحمل، وتستأنف عدة الوطء بالقروء. # (6348) فصل: فإن طلقها طلاقا رجعيا، فنكحت في عدتها من وطئها، فقد ذكرنا ~~أنها تبني على عدة الأول، ثم تستأنف عدة للثاني، ولزوجها الأول رجعتها في ~~بقية عدتها منه؛ لأن الرجعة إمساك للزوجة، وطريان الوطء من أجنبي على ~~النكاح، لا يمنع الزوج إمساك زوجته، كما لو كانت في صلب النكاح. وقيل: ليس ~~له رجعتها؛ لأنها محرمة عليه، فلم يصح له ارتجاعها، كالمرتدة. والصحيح ~~الأول؛ فإن التحريم لا يمنع الرجعة، كالإحرام. # ويفارق الردة؛ لأنها جارية إلى بينونة بعد الرجعة، بخلاف العدة. وإذا ~~انقضت عدتها منه، فليس له رجعتها في ms4296 عدة الثاني؛ لأنها ليست منه. وإذا ~~ارتجعها في عدتها من نفسه، وكانت بالقروء أو بالأشهر، انقطعت عدته بالرجعة، ~~وابتدأت عدة من الثاني، ولا يحل له وطؤها حتى تنقضي عدة الثاني، كما لو ~~وطئت بشبهة في صلب نكاحه. وإن كانت معتدة بالحمل، لم يمكن شروعها في عدة ~~الثاني قبل وضع الحمل؛ لأنها بالقروء، فإذا وضعت حملها، شرعت في عدة ~~الثاني، وإن كان الحمل ملحقا بالثاني، فإنها تعتد به عن الثاني وتقدم عدة ~~الثاني على عدة الأول، فإذا أكملتها، شرعت في إتمام عدة الأول، وله حينئذ ~~أن يرتجعها؛ لأنها في عدته. # وإن أحب أن يرتجعها في حال حملها، ففيه وجهان: أحدهما، ليس له ذلك؛ لأنها ~~ليست في عدته، وهي محرمة عليه، فأشبهت الأجنبية أو المرتدة. والثاني، له ~~رجعتها؛ لأن عدتها منه لم تنقض، وتحريمها لا يمنع رجعتها، كالمحرمة. # PageV08P129 ### | [فصل تزوج رجل امرأة لها ولد من غيره فمات ولدها] # (6349) فصل: إذا تزوج رجل امرأة لها ولد من غيره، فمات ولدها، فإن أحمد ~~قال: يعتزل امرأته حتى تحيض حيضة. وهذا يروى عن علي بن أبي طالب، والحسن ~~ابنه، ونحوه عن عمر بن الخطاب، وعن الحسين بن علي، والصعب بن جثامة. وبه ~~قال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد. # قال عمر بن عبد العزيز: لا يقربها حتى ينظر بها حمل أم لا؟ وإنما قالوا ~~ذلك؛ لأنها إن كانت حاملا حين موته، ورثه حملها، وإن حدث الحمل بعد الموت، ~~لم يرثه. فإن كان للميت ولد أو أب أو جد، لم يحتج إلى استبرائها؛ لأن الحمل ~~لا ميراث له، وإن كانت حاملا قد تبين حملها، لم يحتج إلى استبرائها؛ لأن ~~الحمل معلوم، وإن كانت آيسة، لم يحتج إلى استبرائها؛ لليأس من حملها، وإن ~~كانت ممن يمكن حملها، ولم يبن بها حمل، ولم يعتزلها زوجها، فأتت بولد قبل ~~ستة أشهر، ورث، وإن أتت به بعد ستة أشهر من حين وطئها بعد موت ولدها، لم ~~يرث، لأنا لا نتيقن وجوده حال موته. هذا يروى عن ms4297 سفيان. وهو قياس قول ~~الشافعي. ### | [فصل أحكام عدة زوجة المفقود] # (6350) فصل: في أحكام المفقود. # إذا غاب الرجل عن امرأته، لم يخل من حالين: أحدهما، أن تكون غيبة غير ~~منقطعة، يعرف خبره، ويأتي كتابه، فهذا ليس لامرأته أن تتزوج في قول أهل ~~العلم أجمعين، إلا أن يتعذر الإنفاق عليها من ماله، فلها أن تطلب فسخ ~~النكاح، فيفسخ نكاحه. وأجمعوا على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين ~~وفاته. وهذا قول النخعي، والزهري، ويحيى الأنصاري، ومكحول، والشافعي، وأبي ~~عبيد، وأبي ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وإن أبق العبد، فزوجته على الزوجية، ~~حتى تعلم موته أو ردته. وبه قال الأوزاعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق # وقال الحسن: إباقه طلاقه. ولنا أنه ليس بمفقود، فلم ينفسخ نكاحه، كالحر، ~~ومن تعذر الإنفاق من ماله على زوجته، فحكمها في الفسخ حكم ما ذكرنا، إلا أن ~~العبد نفقة زوجته على سيده، أو في كسبه، فيعتبر تعذر الإنفاق من محل ~~الوجوب. الحال الثاني، أن يفقد، وينقطع خبره، ولا يعلم له موضع، فهذا ينقسم ~~قسمين: أحدهما، أن يكون ظاهر غيبته السلامة، كسفر التجارة في غير مهلكة، ~~وإباق العبد، وطلب العلم والسياحة، فلا تزول الزوجية أيضا، ما لم يثبت ~~موته. # وروي ذلك عن علي. وإليه ذهب ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو ~~حنيفة، والشافعي في الجديد. وروي ذلك عن أبي قلابة، والنخعي، وأبي عبيد. # PageV08P130 # وقال مالك، والشافعي في القديم: تتربص أربع سنين، وتعتد للوفاة أربعة ~~أشهر وعشرا، وتحل للأزواج؛ لأنه إذا جاز الفسخ لتعذر الوطء بالعنة، وتعذر ~~النفقة بالإعسار، فلأن يجوز هاهنا لتعذر الجميع أولى، واحتجوا بحديث عمر في ~~المفقود، مع موافقة الصحابة له، وتركهم إنكاره. ونقل أحمد بن أصرم، عن ~~أحمد: إذا مضى عليه تسعون سنة، قسم ماله. وهذا يقتضي أن زوجته تعتد عدة ~~الوفاة ثم تتزوج. # قال أصحابنا: إنما اعتبر تسعين سنة من يوم ولادته؛ لأن الظاهر أنه لا ~~يعيش أكثر من هذا العمر، فإذا اقترن به انقطاع خبره، وجب الحكم بموته، كما ~~لو كان فقده بغيبة ظاهرها الهلاك. ms4298 والمذهب الأول؛ لأن هذه غيبة ظاهرها ~~السلامة، فلم يحكم بموته، كما قبل الأربع سنين، أو كما قبل التسعين، ولأن ~~هذا التقدير بغير توقيف، والتقدير لا ينبغي أن يصار إليه إلا بالتوقيف؛ لأن ~~تقديرها بتسعين سنة من يوم ولادته، يفضي إلى اختلاف العدة في حق المرأة ~~باختلاف عمر الزوج، ولا نظير لهذا، وخبر عمر ورد في من ظاهر غيبته الهلاك، ~~فلا يقاس عليه غيره. القسم الثاني، أن تكون غيبته ظاهرها الهلاك، كالذي ~~يفقد من بين أهله ليلا أو نهارا، أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يمضي إلى ~~مكان قريب ليقضي حاجته ويرجع، فلا يظهر له خبر، أو يفقد بين الصفين، أو ~~ينكسر بهم مركب فيغرق بعض رفقته، أو يفقد في مهلكة، كبرية الحجاز ونحوها، ~~فمذهب أحمد الظاهر عنه، أن زوجته تتربص أربع سنين، أكثر مدة الحمل، ثم تعتد ~~للوفاة أربعة أشهر وعشرا. # وتحل للأزواج قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: تذهب إلى حديث عمر؟ قال: هو ~~أحسنها يروى عن عمر من ثمانية وجوه. ثم قال: زعموا أن عمر رجع عن هذا. ~~هؤلاء الكذابين. قلت: فروي من وجه ضعيف أن عمر قال بخلاف هذا؟ قال: لا، إلا ~~أن يكون إنسان يكذب. وقلت له مرة: إن إنسانا قال لي: إن أبا عبد الله قد ~~ترك قوله في المفقود بعدك. فضحك، ثم قال: من ترك هذا القول أي شيء يقول، ~~وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن الزبير. قال أحمد: خمسة من أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وبه قال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، ~~والزهري، وقتادة، والليث، وعلي بن المديني، وعبد العزيز بن أبي سلمة. # وبه يقول مالك، والشافعي في القديم، إلا أن مالكا قال: ليس في انتظار من ~~يفقد في القتال وقت. وقال سعيد بن المسيب، في امرأة المفقود بين الصفين: ~~تتربص سنة؛ لأن غلبة هلاكه هاهنا أكثر من غلبة غيره، لوجود سببه. وقد نقل ~~عن أحمد، أنه قال: كنت أقول: إذا تربصت أربع سنين، ثم اعتدت أربعة أشهر ms4299 ~~وعشرا. # PageV08P131 # تزوجت. وقد ارتبت فيها، وهبت الجواب فيها، لما اختلف الناس فيها، فكأني ~~أحب السلامة. وهذا توقف يحتمل الرجوع عما قاله، وتتربص أبدا، ويحتمل ~~التورع، ويكون المذهب ما قاله أولا. # قال القاضي: أكثر أصحابنا على أن المذهب رواية واحدة، وعندي أن المسألة ~~على روايتين. وقال أبو بكر: الذي أقول به - إن صح الاختلاف في المسألة - أن ~~لا يحكم بحكم ثان إلا بدليل على الانتقال، وإن ثبت الإجماع، فالحكم فيه على ~~ما نص عليه. وظاهر المذهب على ما حكيناه أولا. نقله عن أحمد الجماعة، وقد ~~أنكر أحمد رواية من روى عنه الرجوع، على ما حكيناه من رواية الأثرم. وقال ~~أبو قلابة، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأصحاب الرأي، ~~والشافعي في الجديد: لا تتزوج امرأة المفقود حتى يتبين موته أو فراقه؛ لما ~~روى المغيرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «امرأة المفقود امرأته، ~~حتى يأتيها الخبر» . # . وروى الحكم وحماد عن علي: لا تتزوج امرأة المفقود، حتى يأتي موته أو ~~طلاقه. لأنه شك في زوال الزوجية، فلم تثبت به الفرقة، كما لو كان ظاهر ~~غيبته السلامة. ولنا، ما روى الأثرم. والجوزجاني، بإسنادهما عن عبيد بن ~~عمير، قال: فقد رجل في عهد عمر، فجاءت امرأته إلى عمر، فذكرت ذلك له، فقال: ~~انطلقي، فتربصي أربع سنين. ففعلت، ثم أتته، فقال: انطلقي، فاعتدي أربعة ~~أشهر وعشرا. ففعلت، ثم أتته، فقال: أين ولي هذا الرجل؟ فجاء وليه، فقال: ~~طلقها. ففعل، فقال لها عمر: انطلقي، فتزوجي من شئت. فتزوجت، ثم جاء زوجها ~~الأول، فقال له عمر: أين كنت؟ قال: يا أمير المؤمنين، استهوتني الشياطين، ~~فوالله ما أدري في أي أرض الله، كنت؟ عند قوم يستعبدونني، حتى اغتزاهم منهم ~~قوم مسلمون، فكنت في ما غنموه، فقالوا لي: أنت رجل من الإنس، وهؤلاء من ~~الجن، فما لك وما لهم؟ فأخبرتهم خبري، فقالوا: بأي أرض الله تحب أن تصبح؟ ~~قلت: المدينة هي أرضي. فأصبحت وأنا أنظر إلى الحرة. فخيره عمر؛ إن شاء ~~امرأته، وإن شاء الصداق، فاختار الصداق، ms4300 وقال: قد حبلت، لا حاجة لي فيها. # قال أحمد: يروى عن عمر، من ثلاثة وجوه، ولم يعرف في الصحابة له مخالف. ~~وروى الجوزجاني وغيره، بإسنادهم عن علي في امرأة المفقود: تعتد أربع سنين، ~~ثم يطلقها ولي زوجها، وتعتد بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا، فإن جاء زوجها ~~المفقود بعد ذلك، خير بين الصداق وبين امرأته. وقضى به عثمان أيضا، وقضى به ~~ابن الزبير في مولاة لهم. وهذه قضايا انتشرت في الصحابة فلم تنكر، فكانت ~~إجماعا. # PageV08P132 # فأما الحديث الذي رووه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يثبت، ولم ~~يذكره أصحاب السنن. وما رووه عن علي، فيرويه الحكم وحماد مرسلا، والمسند ~~عنه مثل قولنا، ثم يحمل ما رووه على المفقود الذي ظاهر غيبته السلامة، جمعا ~~بينه وبين ما رويناه. وقولهم: إنه شك في زوال الزوجية. ممنوع، فإن الشك ما ~~تساوى فيه الأمران، والظاهر في مسألتنا هلاكه. ### | [فصل هل يعتبر أن يطلقها ولي زوجها الغائب ثم تعتد بعد ذلك بثلاثة قروء] # (6351) فصل: وهل يعتبر أن يطلقها ولي زوجها، ثم تعتد بعد ذلك بثلاثة ~~قروء؟ فيه روايتان؛ إحداهما، يعتبر ذلك؛ لأنه في حديث عمر الذي رويناه، وقد ~~قال أحمد: هو أحسنها. وذكر في حديث علي، أنه يطلقها ولي زوجها. والثانية، ~~لا يعتبر ذلك، كذلك قال ابن عمر، وابن عباس. وهو القياس؛ فإن ولي الرجل لا ~~ولاية له في طلاق امرأته، ولأننا حكمنا عليها بعدة الوفاة، فلا يجب عليها ~~مع ذلك عدة الطلاق، كما لو تيقنت وفاته، ولأنه قد وجد دليل هلاكه على وجه ~~أباح لها التزويج، وأوجب عليها عدة الوفاة، فأشبه ما لو شهد به شاهدان. ### | [فصل متى تعتبر غيبة الزوج] # (6352) فصل: وهل يعتبر ابتداء المدة من حين الغيبة أو من حين ضرب الحاكم ~~المدة؟ على روايتين: إحداهما، يعتبر ابتداؤها من حين ضربها الحاكم؛ لأنها ~~مدة مختلف فيها، فافتقرت إلى ضرب الحاكم كمدة العنة. والثانية، من حين ~~انقطع خبره، وبعد أثره؛ لأن هذا ظاهر في موته، فكان ابتداء المدة منه، كما ~~لو شهد به ms4301 شاهدان. وللشافعي وجهان، كالروايتين. ### | [فصل قدم زوجها الأول قبل أن تتزوج] # (6353) فصل: فإن قدم زوجها الأول قبل أن تتزوج، فهي امرأته. وقال بعض ~~أصحاب الشافعي: إذا ضربت لها المدة، فانقضت، بطل نكاح الأول. والذي ذكرنا ~~أولى؛ لأننا إنما أبحنا لها التزويج لأن الظاهر موته، فإذا بان حيا، انخرم ~~ذلك الظاهر، وكان النكاح بحاله، كما لو شهدت البينة بموته ثم بان حيا، ~~ولأنه أحد الملكين، فأشبه ملك المال. فأما إن قدم بعد أن تزوجت نظرنا؛ فإن ~~كان قبل دخول الثاني بها، فهي زوجة الأول، ترد إليه، ولا شيء قال أحمد: أما ~~قبل الدخول، فهي امرأته، وإنما التخيير بعد الدخول. وهذا قول الحسن، وعطاء، ~~وخلاس بن عمرو، والنخعي، وقتادة، ومالك وإسحاق. # PageV08P133 # وقال القاضي: فيه رواية أخرى، أنه يخير. وأخذه من عموم قول أحمد: إذا ~~تزوجت امرأته فجاء، خير بين الصداق وبين امرأته. والصحيح أن عموم كلام أحمد ~~يحمل على خاصه في رواية الأثرم، وأنه لا تخيير إلا بعد الدخول، فتكون زوجة ~~الأول، رواية واحدة؛ لأن النكاح إنما صح في الظاهر دون الباطن، فإذا قدم ~~تبينا أن النكاح كان باطلا؛ لأنه صادف امرأة ذات زوج، فكان باطلا، كما لو ~~شهدت بينة بموته، وليس عليه صداق؛ لأنه نكاح فاسد لم يتصل به دخول، وتعود ~~إلى الزوج بالعقد الأول، كما لو لم تتزوج. وإن قدم بعد دخول الثاني بها. ~~خير الأول بين أخذها، فتكون زوجته بالعقد الأول، وبين أخذ صداقها، وتكون ~~زوجة الثاني. # وهذا قول مالك؛ لإجماع الصحابة عليه، فروى معمر، عن الزهري عن سعيد بن ~~المسيب، أن عمر وعثمان قالا: إن جاء زوجها الأول، خير بين المرأة وبين ~~الصداق الذي ساق هو، رواه الجوزجاني، والأثرم، وقضى به ابن الزبير في ~~مولاة. لهم وقال علي ذلك في الحديث الذي رويناه. ولم يعرف لهم مخالف في ~~عصرهم، فكان إجماعا. فعلى هذا، إن أمسكها الأول، فهي زوجته بالعقد الأول. ~~والمنصوص عن أحمد، أنه لا يحتاج الثاني إلى طلاق؛ لأن نكاحه كان باطلا في ~~الباطن. # وقال القاضي: قياس ms4302 قوله، أنه يحتاج إلى طلاق؛ لأن هذا نكاح مختلف في ~~صحته، فكان مأمورا بالطلاق ليقطع حكم العقد الثاني، كسائر الأنكحة الفاسدة، ~~ويجب على الأول اعتزالها حتى تقضي عدتها من الثاني. وإن لم يخترها الأول، ~~فإنها تكون مع الثاني، ولم يذكروا لها عقدا جديدا. والصحيح أنه يجب أن ~~يستأنف لها عقدا، لأننا تبينا بطلان عقده بمجيء الأول، ويحمل قول الصحابة ~~على هذا، لقيام الدليل عليه، فإن زوجة الإنسان لا تصير زوجة لغيره بمجرد ~~تركه لها. # وقال أبو الخطاب: القياس أننا إن حكمنا بالفرقة ظاهرا وباطنا، فهي امرأة ~~الثاني، ولا خيار للأول؛ لأنها بانت منه بفرقة الحاكم، فأشبه ما لو فسخ ~~نكاحها لعسرته، وإن لم نحكم بفرقته باطنا، فهي امرأة الأول، ولا خيار له. ### | [فصل زوجة الغائب إذا اختار الزوج الأول تركها] # (6354) فصل: ومتى اختار الأول تركها، فإنه يرجع على الثاني بصداقها؛ ~~لقضاء الصحابة بذلك، ولأنه حال بينه وبينها بعقده عليها، ودخوله بها. ~~واختلف عن أحمد فيما يرجع به؛ فروي عنه، أنه يرجع بالصداق الذي أصدقها هو. ~~وهو اختيار أبي بكر وقول الحسن، والزهري، وقتادة، وعلي بن المديني، لقضاء ~~علي وعثمان أنه يخير بينها وبين الصداق الذي ساق هو، ولأنه أتلف عليه ~~المعوض، فرجع عليه بالعوض، كشهود الطلاق إذا رجعوا عن الشهادة. فعلى هذا، ~~إن كان لم يدفع إليها الصداق، لم يرجع بشيء، وإن كان قد دفع بعضه، رجع بما ~~دفع. ويحتمل أن يرجع عليه بالصداق، وترجع المرأة بما بقي عليه من صداقها. # وعن # PageV08P134 # أحمد أنه يرجع عليه بالمهر الذي أصدقها الثاني؛ لأن إتلاف البضع من جهته، ~~والرجوع عليه بقيمته، والبضع لا يتقوم إلا على زوج أو من جرى مجراه، فيجب ~~الرجوع عليه بالمسمى الثاني دون الأول؛ وهل يرجع الزوج الثاني على الزوجة ~~بما أخذ منه؟ فيه روايتان. ذكر ذلك أبو عبد الله بن حامد: إحداهما، يرجع ~~به؛ لأنها غرامة لزمت الزوج بسبب وطئه لها، فرجع بها، كالمغرور. والثانية ~~لا يرجع بها. وهو أظهر؛ لأن الصحابة لم يقضوا بالرجوع، فإن سعيد بن ms4303 المسيب ~~روى، أن عمر وعثمان قضيا في المرأة التي لا تدري ما مهلك زوجها، أن تربص ~~أربع سنين، ثم تعتد عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، ثم تزوج إن ~~بدا لها، فإن جاء زوجها خير؛ إما امرأته، وإما الصداق، فإن اختار الصداق، ~~فالصداق على زوجها الآخر، وتثبت عنده، وإن اختار امرأته، عزلت عن زوجها ~~الآخر حتى تنقضي عدتها، وإن قدم زوجها وقد توفي زوجها الآخر، ورثت، واعتدت ~~عدة المتوفى عنها، وترجع إلى الأول. رواه الجوزجاني. # ولأن المرأة لا تغرير منها، فلم يرجع عليها بشيء، كغيرها. فإن قلنا: يرجع ~~عليها. فإن كان قد دفع إليها الصداق، رجع به، وإن كان لم يدفعه إليها، دفعه ~~إلى الأول، ولم يرجع عليها بشيء، وإن كان قد دفع بعضه، رجع بما دفع. وإن ~~قلنا: لا يرجع عليها. وكان قد دفع إليها الصداق، لم يرجع به، وإن لم يكن ~~دفعه إليها، لزمه دفعه ويدفع إلى الأول صداقا آخر. ### | [فصل اختارت امرأة المفقود المقام والصبر حتى يتبين أمره] # (6355) فصل: وإن اختارت امرأة المفقود المقام والصبر حتى يتبين أمره؛ ~~فلها النفقة ما دام حيا، وينفق عليها من ماله حتى يتبين أمره؛ لأنها محكوم ~~لها بالزوجية، فتجب لها النفقة، كما لو علمت حياته. فإذا تبين أنه كان حيا، ~~وقدم، فلا كلام، وإن تبين أنه مات، أو فارقها، فلها النفقة إلى يوم موته أو ~~بينونتها منه، ويرجع عليها بالباقي؛ لأنا تبينا أنها أنفقت مال غيره، أو ~~أنفقت من ماله وهي غير زوجة له. وإن رفعت أمرها إلى الحاكم، فضرب لها مدة، ~~فلها النفقة في مدة التربص ومدة العدة؛ لأن مدة التربص لم يحكم فيه ~~ببينونتها من زوجها، فهي محبوسة عليه بحكم الزوجية، فأشبه ما قبل المدة. # وأما مدة العدة، فلأنها غير متيقنة، بخلاف عدة الوفاة، فإن موته متيقن، ~~وما بعد العدة إن تزوجت أو فرق الحاكم بينهما، سقطت نفقتها؛ لأنها أسقطتها ~~بخروجها عن حكم نكاحه، وإن لم تتزوج ولا فرق الحاكم بينهما، فنفقتها باقية؛ ~~لأنها لم تخرج بعد من ms4304 نكاحه. وإن قدم الزوج بعد ذلك، وردت إليه، عادت ~~نفقتها من حين الرد. وقد روى الأثرم، والجوزجاني، عن ابن عمر، وابن عباس، ~~قالا: تنتظر امرأة المفقود أربع سنين. # PageV08P135 # قال ابن عمر: ينفق عليها من مال زوجها. وقال ابن عباس: إذا يجحف ذلك ~~بالورثة، ولكنها تستدين، فإن جاء زوجها أخذت من ماله، وإن مات أخذت من ~~نصيبها من الميراث. وقالا: ينفق عليها بعد في العدة بعد الأربع سنين من مال ~~زوجها جميعه، أربعة أشهر وعشرا # وإن قلنا: ليس لها أن تتزوج. لم تسقط نفقتها، ما لم تتزوج، فإن تزوجت، ~~سقطت نفقتها؛ لأنها بالتزويج تخرج عن يديه، وتصير ناشزا، وإن فرق بينهما، ~~فلا نفقة لها ما دامت في العدة، فإذا انقضت، فلم تعد إلى مسكن زوجها، فلا ~~نفقة لها أيضا؛ لأنها باقية على النشوز. وإن عادت إلى مسكنه، احتمل أن تعود ~~النفقة؛ لأن النشوز المسقط لنفقتها قد زال، ويحتمل ألا تعود؛ لأنها ما سلمت ~~نفسها إليه. وإن عاد فتسلمها، عادت نفقتها. # ومتى أنفق عليها، ثم بان أن الزوج كان قد مات قبل ذلك، حسب عليها ما أنفق ~~عليها من حين موته من ميراثها، فإن لم ترث شيئا، فهو عليها؛ لأنها أنفقت من ~~مال الوارث ما لا تستحقه، فأما نفقتها على الزوج الثاني، فإن قلنا: لها أن ~~تتزوج. فنكاحها صحيح، حكمه في النفقة حكم غيره من الأنكحة الصحيحة. وإن ~~قلنا: ليس لها أن تتزوج. فلا نفقة لها، فإن أنفق عليها، لم يرجع بشيء؛ لأنه ~~تطوع به، إلا أن يجبره على ذلك حاكم، فيحتمل أن يرجع بها؛ لأنه ألزمه أداء ~~ما لم يكن واجبا عليه، ويحتمل ألا يرجع به؛ لأن ما حكم به الحاكم لا يجوز ~~نقضه، ما لم يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا. فإن فارقها بتفريق الحاكم أو ~~غيره، فلا نفقة لها، إلا أن تكون حاملا، فينبني وجوب النفقة، على الروايتين ~~في النفقة؛ هل هي للحمل، أو لها من أجله؟ فإن قلنا: هي للحمل. فلها النفقة؛ ~~لأن نسب الحمل لاحق به، فيجب ms4305 عليه الإنفاق على ولده. # وإن قلنا: لها من أجله. فلا نفقة لها؛ لأنه في غير نكاح صحيح، فأشبه حمل ~~الموطوءة بشبهة. وإذا أتت بولد يمكن كونه من الثاني، لحقه نسبه؛ لأنها صارت ~~فراشا له، وقد علمنا أن الولد ليس من الأول؛ لأنها تربصت بعد فقده أكثر من ~~مدة الحمل، وتنقضي عدتها من الثاني بوضعه؛ لأن الولد منه، وعليها أن ترضعه ~~اللبأ؛ لأن الولد لا يقوم بدنه إلا به، فإن ردت إلى الأول، فله منعها من ~~إرضاعه، كما له أن يمنعها من رضاع أجنبي؛ لأن ذلك يشغلها عن حقوقه، إلا أن ~~يضطر إليها، ويخشى عليه التلف، فليس له منعها من إرضاعه؛ لأن هذا حال ~~ضرورة. فإن أرضعته في بيت الزوج الأول، لم تسقط نفقتها؛ لأنها في قبضته ~~ويده، وإن أرضعته في غير بيته بغير إذنه، فلا نفقة لها؛ لأنها ناشز، وإن ~~كان بإذنه، خرج على الروايتين فيما إذا سافرت لحاجتها بإذنه. ### | [فصل ميراث زوجة الغائب] # (6356) فصل: في ميراثها من الزوجين، وتوريثهما منها، متى مات زوجها ~~الأول، أو ماتت قبل تزوجها بالثاني، ورثته وورثها، وكذلك إن تزوجت الثاني ~~فلم يدخل بها؛ لأننا قد تبينا أنه متى قدم قبل الدخول بها، ردت إليه بغير ~~تخيير. # PageV08P136 # وقد ذكرنا أن القاضي ذكر أن فيها رواية أخرى، أنه يخير فيها. فعلى هذه ~~الرواية، حكمه حكم ما لو دخل بها الثاني. فأما إن دخل الثاني بها نظرنا؛ ~~فإن قدم الأول، فاختارها ردت إليه، ورثها وورثته، ولم ترث الثاني ولم ~~يرثها؛ لأنه لا زوجية بينهما. # وإن مات أحدهما قبل اختيارها؛ إما في الغيبة، أو بعد قدومه، فإن قلنا: ~~لها أن تتزوج. ورثت الزوج الثاني وورثها، ولم ترث الأول ولم يرثها؛ لأن من ~~خير بين شيئين، فتعذر أحدهما، تعين الآخر. وإن ماتت قبل اختيار الأول، خير، ~~فإن اختارها ورثها وإن لم يخترها ورثها الثاني. هذا ظاهر قول أصحابنا. وأما ~~على ما أختاره، فإنها لا ترث الثاني ولا يرثها بحال، إلا أن يجدد لها عقدا، ~~أو لا يعلم أن الأول ms4306 كان حيا، ومتى علم أن الأول كان حيا، ورثها وورثته، ~~إلا أن يختار تركها، فتبين منه بذلك، فلا ترثه ولا يرثها. # وعلى قول أبي الخطاب، إن حكمنا بوقوع الفرقة بتفريق الحاكم ظاهرا وباطنا، ~~ورثت الثاني وورثها، ولم ترث الأول ولم يرثها، وإن لم نحكم بوقوع الفرقة ~~باطنا، ورثت الأول وورثها، ولم ترث الثاني ولم يرثها. فأما عدتها منهما، ~~فمن ورثته اعتدت لوفاته عدة الوفاة، وإن مات الثاني في موضع لا ترثه، ~~فالمنصوص عن أحمد، أنها تعتد عدة الوفاة في النكاح الفاسد. فعلى هذا، عليها ~~عدة الوفاة لوفاته. وهو اختيار أبي بكر. وقال ابن حامد: لا عدة عليها ~~لوفاته، لكن تعتد من وطئه بثلاثة قروء؛ فإن ماتا معا، اعتدت لكل واحد ~~منهما، وبدأت بعدة الأول، فإذا أكملتها، اعتدت للآخر، وإن مات الأول أولا، ~~فكذلك، وإن مات الثاني أولا، بدأت بعدته، فإذا مات الأول، انقطعت عدة ~~الثاني، ثم ابتدأت عدة الأول، فإذا أكملتها، أتمت عدة الثاني. # وإن علم موت أحدهما، وجهل وقت موت الآخر، أو جهل موتهما، فعليها أن تعتد ~~عدتين من حين تيقنت الموت، وتبدأ بعدة الأول؛ لأنه أسبق وأولى، وإن كانت ~~حاملا، فبوضع الحمل تنقضي عدة الثاني؛ لأن الولد منه، ثم تبتدئ بعده بعدة ~~الوفاة، أربعة أشهر وعشرا. ### | [فصل تزوجت امرأة المفقود في وقت ليس لها أن تتزوج فيه] # (6357) فصل: وإذا تزوجت امرأة المفقود، في وقت ليس لها أن تتزوج فيه، مثل ~~أن تتزوج قبل مضي المدة التي يباح لها التزويج بعدها، أو كانت غيبة زوجها ~~ظاهرها السلامة، أو ما أشبه هذا، فنكاحها باطل. وقال القاضي: إن تبين أن ~~زوجها قد مات، وانقضت عدتها منه، أو فارقها وانقضت عدتها، ففي صحة نكاحها ~~وجهان: أحدهما، هو صحيح؛ لأنها ليست في نكاح ولا عدة، فصح تزويجها، كما لو ~~علمت ذلك. والثاني، لا يصح؛ لأنها معتقدة تحريم نكاحها وبطلانه. وأصل هذا ~~من باع عينا في يده يعتقدها # PageV08P137 # لموروثه، فبان موروثه ميتا والعين مملوكة له بالإرث، هل يصح البيع؟ فيه ~~وجهان. كذا هاهنا. ومذهب ms4307 الشافعي مثل هذا. # ولنا أنها تزوجت في مدة منعها الشرع من النكاح فيها، فلم يصح، كما لو ~~تزوجت المعتدة في عدتها، أو المرتابة قبل زوال ريبتها. ### | [فصل متى يقسم مال المفقود] # (6358) فصل: ويقسم مال المفقود في الوقت الذي تؤمر زوجته بعدة الوفاة ~~فيه. وبهذا قال قتادة. وقال الشافعي، ومالك، وأصحاب الرأي، وابن المنذر لا ~~يقسم ماله حتى تعلم وفاته؛ لأن الأصل البقاء، فلا يزول عنه بالشك، وإنما ~~صرنا إلى إباحة التزويج لامرأته، لإجماع الصحابة،، ولأن بالمرأة حاجة إلى ~~النكاح، وضررا في الانتظار، فاختص ذلك بها. # ولنا أن من اعتدت زوجته للوفاة قسم ماله، كمن قامت البينة بموته وما أجمع ~~عليه الصحابة يقاس عليه ما كان في معناه، وتأخير القسمة ضرر بالورثة، ~~وتعطيل لمنافع المال، وربما تلف أو قلت قيمته، فهو في معنى الضرر بتأخير ~~التزويج. ### | [فصل تصرف الزوج المفقود في زوجته بطلاق أو ظهار أو إيلاء أو قذف] # (6359) فصل: وإن تصرف الزوج المفقود في زوجته، بطلاق، أو ظهار، أو إيلاء، ~~أو قذف، صح تصرفه؛ لأن نكاحه باق، ولهذا خير في أخذها، وإنما حكمنا بإباحة ~~تزويجها؛ لأن الظاهر موته، فلا يبطل في الباطن، كما لو شهدت بموته بينة ~~كاذبة. ### | [فصل عدة الأمة التي فقدت زوجها] # (6360) فصل: وإذا فقدت الأمة زوجها، تربصت أربع سنين، ثم اعتدت للوفاة ~~شهرين وخمسة أيام. وهذا اختيار أبي بكر. وقال القاضي: تتربص نصف تربص ~~الحرة. ورواه أبو طالب عن أحمد. وهو قول الأوزاعي والليث؛ لأنها مدة مضروبة ~~للمرأة لعدم زوجها، فكانت الأمة فيه على النصف من الحرة، كالعدة. ولنا أن ~~الأربع سنين مضروبة لكونها أكثر مدة الحمل، ومدة الحمل في الحرة والأمة ~~سواء، فاستويا في التربص لها، كالتسعة الأشهر في حق من ارتفع حيضها لا تدري ~~ما رفعه، وكالحمل نفسه، وبهذا ينتقض قياسهم. # فأما العبد، فإن كانت زوجته حرة، فتربصها كتربص الحرة تحت الحر، وإن كانت ~~أمة، فهي كالأمة تحت الحر؛ لأن العدة معتبرة بالنساء دون الرجال، وكذلك مدة ~~التربص. وحكي عن الزهري، ومالك، أنه يضرب له ms4308 نصف أجل الحر. والأولى ما ~~قلناه؛ لأنه تربص مشروع في حق المرأة لفرقة زوجها، فأشبه العدة. # PageV08P138 ### | [فصل غاب رجل عن زوجته فشهد ثقات بوفاته] # (6361) فصل: فإن غاب رجل عن زوجته، فشهد ثقات بوفاته، فاعتدت زوجته ~~للوفاة، أبيح لها أن تتزوج. فإن عاد الزوج بعد ذلك، فحكمه حكم المفقود، ~~يخير زوجها بين أخذها، وتركها وله الصداق. وكذلك إن تظاهرت الأخبار بموته. ~~وقد روى الأثرم بإسناده عن أبي المليح، عن سهية، أن زوجها صيفي بن فسيل، ~~نعي لها من قندابيل، فتزوجت بعده، ثم إن زوجها الأول قدم، فأتينا عثمان وهو ~~محصور، فأشرف علينا، فقال: كيف أقضي بينكم وأنا على هذا الحال، فقلنا: قد ~~رضينا بقولك. فقضى أن يخير الزوج الأول بين الصداق وبين المرأة. فرجعنا. ~~فلما قتل عثمان أتينا عليا، فخير الزوج الأول بين الصداق وبين المرأة، ~~فاختار الصداق، فأخذ مني ألفين، ومن زوجي الآخر ألفين. فإن حصلت الفرقة ~~بشهادة محصورة، فما حصل من غرامة فعليهما؛ لأنهما سبب في إيجابها. # وإن شهدوا بموت رجل، فقسم ماله، ثم قدم، فما وجد من ماله أخذه. وما تلف ~~منه أو تعذر رجوعه فيه، فله تضمين الشاهدين؛ لأنهما سبب الاستيلاء عليه، ~~وللمالك تضمين المتلف؛ لأنه أتلف ماله بغير إذنه. ### | [فصل نكح رجل امرأة نكاحا متفقا على بطلانه] # (6362) فصل: وإذا نكح رجل امرأة نكاحا متفقا على بطلانه، مثل أن ينكح ذات ~~محرمه، أو معتدة يعلم حالها وتحريمها، فلا حكم لعقده، والخلوة بها كالخلوة ~~بالأجنبية، لا توجب عدة، وكذلك الموت عنها لا يوجب عدة الوفاة. وإن وطئها، ~~اعتدت لوطئه بثلاثة قروء منذ وطئها، سواء فارقها، أو مات عنها، كما لو زنى ~~بها من غير عقد. وإن نكحها نكاحا مختلفا فيه، فهو فاسد، فإن مات عنها، فنقل ~~جعفر بن محمد، أن عليها عدة الوفاة. وهذا اختيار أبي بكر. وقال أبو عبد ~~الله بن حامد: ليس عليها عدة الوفاة. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه نكاح لا يثبت ~~الحل، فأشبه الباطل. # فعلى هذا، إن كان قبل الدخول، فلا عدة عليها، وإن كان ms4309 بعده، اعتدت بثلاثة ~~قروء. ووجه الأول، أنه نكاح يلحق به النسب، فوجبت به عدة الوفاة، كالنكاح ~~الصحيح، وفارق الباطل، فإنه لا يلحق به النسب. وإن فارقها في الحياة بعد ~~الإصابة، اعتدت بعد فرقته بثلاثة قروء، ولا اختلاف فيه. وإن كان قبل ~~الخلوة، فلا عدة عليها، بلا خلاف؛ لأن المفارقة في الحياة في النكاح الصحيح ~~لا عدة عليها، بلا خلاف، ففي الفاسد أولى. # وإن كان بعد الخلوة قبل الإصابة، فالمنصوص عن أحمد، أن عليها العدة؛ لأنه ~~يجري مجرى النكاح الصحيح في لحوق النسب، فكذلك في العدة. وقال الشافعي: لا ~~عدة عليها؛ لوجهين: أحدهما، أنها خلوة في غير نكاح صحيح، أشبهت التي نكاحها ~~باطل. والثاني، أن الخلوة عنده في النكاح الصحيح لا توجب العدة، ففي الفاسد ~~أولى. وهذا مقتضى قول ابن حامد. # PageV08P139 ### | [فصل عدة المعتق بعضها] # (6363) فصل: في عدة المعتق بعضها. ومتى كانت معتدة بالحمل أو بالقروء، ~~فعدتها كعدة الحرة؛ لأن عدة الحامل لا تختلف بالرق والحرية، وعدة الأمة ~~بالقروء قرءان، فأدنى ما يكون فيها من الحرية يوجب قرءا ثالثا، لأنه لا ~~يتبعض. وإن كانت معتدة بالشهور؛ إما للوفاة، وإما للإياس أو الصغر، فعدتها ~~بالحساب من عدة حرة وأمة، فإذا كان نصفها حرا، فاعتدت للوفاة، فعليها ثلاثة ~~أشهر وثمان ليال؛ لأن الليل يحسب مع النهار، فيكون عليها ثلاثة أرباع ذلك، ~~وإن كانت معتدة بالشهور عن الطلاق، وقلنا: إن عدة الأمة شهر ونصف. كان عدة ~~المعتق نصفها شهرين وربعا. وإن قلنا: عدة الأمة شهران أو ثلاثة أشهر. فعدة ~~المعتق بعضها، كعدة الحرة، سواء. وأم الولد، والمدبرة، والمكاتبة، عدتهن ~~كعدة الأمة، سواء؛ لأنهن إماء. ### | [مسألة أم الولد إذا مات سيدها] # (6364) مسألة قال: (وأم الولد إذا مات سيدها، فلا تنكح حتى تحيض حيضة ~~كاملة) هذا المشهور عن أحمد. وهو قول ابن عمر. وروي ذلك عن عثمان، وعائشة، ~~والحسن، والشعبي، والقاسم بن محمد، وأبي قلابة، ومكحول، ومالك، والشافعي، ~~وأبي عبيد، وأبي ثور. وروي عن أحمد، أنها تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر ~~وعشرا. وهو قول سعيد بن ms4310 المسيب، وأبي عياض، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وخلاس بن عمرو، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ويزيد بن عبد الملك، ~~والأوزاعي، وإسحاق؛ لما روي عن عمرو بن العاص، أنه قال: لا تفسدوا علينا ~~سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة ~~أشهر وعشر. رواه أبو داود. # ولأنها حرة تعتد للوفاة، فكانت عدتها أربعة أشهر وعشرا، كالزوجة الحرة. ~~وحكى أبو الخطاب، رواية ثالثة، أنها تعتد شهرين وخمسة أيام. ولم أجد هذه ~~الرواية عن أحمد، في (الجامع) ، ولا أظنها صحيحة عن أحمد. وروي ذلك عن ~~عطاء، وطاوس، وقتادة؛ ولأنها حين الموت أمة، فكانت عدتها عدة الأمة، كما لو ~~مات رجل عن زوجته الأمة، فعتقت بعد موته ويروى عن علي، وابن مسعود، وعطاء، ~~والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، أن عدتها ثلاث حيض؛ لأنها حرة تستبرأ، ~~فكان استبراؤها بثلاث حيض، كالحرة المطلقة ولنا أنه استبراء لزوال الملك عن ~~الرقبة، فكان حيضة في حق من تحيض، كسائر استبراء المعتقات والمملوكات، ~~ولأنه استبراء لغير الزوجات والموطوآت بشبهة، فأشبه ما ذكرنا. # قال القاسم بن محمد: سبحان الله، يقول الله تعالى في كتابه: {والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا} [البقرة: 234] . ما هن # PageV08P140 # بأزواج. فأما حديث عمرو بن العاص، فضعيف. قال ابن المنذر: ضعف أحمد وأبو ~~عبيد حديث عمرو بن العاص. وقال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن حديث ~~عمرو بن العاص، فقال: لا يصح. وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يعجب من ~~حديث عمرو بن العاص هذا، ثم قال: أين سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~هذا؟ وقال: أربعة أشهر وعشر إنما هي عدة الحرة من النكاح، وإنما هذه أمة ~~خرجت من الرق إلى الحرية. # ويلزم من قال بهذا أن يورثها. وليس لقول: تعتد بثلاث حيض وجه، وإنما تعتد ~~بذلك المطلقة، وليست هذه مطلقة، ولا في معنى المطلقة. وأما قياسهم إياها ~~على الزوجات، فلا يصح؛ لأن هذه ليست زوجة، ولا في حكم الزوجة، ولا مطلقة، ~~ولا في حكم المطلقة. ### | [فصل ms4311 ما يكفي في الاستبراء من الحمل] # (6365) فصل: ولا يكفي في الاستبراء طهر واحد، ولا بعض حيضة. وهذا قول ~~أكثر أهل العلم. وقال بعض أصحاب مالك: متى طعنت في الحيضة، فقد تم ~~استبراؤها. وزعم أنه مذهب مالك وقال الشافعي، في أحد قوليه: يكفي طهر واحد ~~إذا كان كاملا، وهو أن يموت في حيضها، فإذا رأت الدم من الحيضة الثانية، ~~حلت، وتم استبراؤها. وهكذا الخلاف في الاستبراء كله، وبنوا هذا على أن ~~القروء الأطهار، وهذا يرده قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا توطأ ~~حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» . وقال رويفع بن ثابت: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يوم خيبر: «من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر، فلا يطأ جارية من السبي حتى يستبرئها بحيضة» . رواه الأثرم. وهذا ~~صريح فلا يعول على ما خالفه. # ولأن الواجب استبراء، والذي يدل على البراءة هو الحيض، فإن الحامل لا ~~تحيض. فأما الطهر فلا دلالة فيه على البراءة، فلا يجوز أن يعول في ~~الاستبراء على ما لا دلالة فيه عليه، دون ما يدل عليه. وبناؤهم قولهم هذا ~~على قولهم: إن القروء الأطهار. بناء للخلاف على الخلاف، وليس ذلك بحجة، ثم ~~لم يمكنهم بناء هذا على ذاك حتى خالفوه، فجعلوا الطهر الذي طلقها فيه قرءا، ~~ولم يجعلوا الطهر الذي مات فيه سيد أم الولد قرءا، وخالفوا الحديث والمعنى. ~~فإن قالوا: إن بعض الحيضة المقترن بالطهر يدل على البراءة. قلنا: فيكون ~~الاعتماد حينئذ على بعض الحيضة، وليس ذلك قرءا عند أحد. # فإذا تقرر هذا، فإن مات عنها وهي طاهر، فإذا طهرت من الحيضة # PageV08P141 # المستقبلة حلت، وإن كانت حائضا، لم تعتد ببقية تلك الحيضة، ولكن متى طهرت ~~من الحيضة الثانية حلت؛ لأن استبراء هذه بحيضة، فلا بد من حيضة كاملة. ### | [مسألة عدة الأيسة] # (6366) مسألة قال: (وإن كانت آيسا، فبثلاثة أشهر) وهذا المشهور عن أحمد ~~أيضا. وهو قول الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وأبي قلابة، وأحد قولي الشافعي. ~~وسأل عمر بن عبد العزيز أهل المدينة والقوابل، ms4312 فقالوا: لا تستبرأ الحبلى في ~~أقل من ثلاثة أشهر. فأعجبه قولهم. وعن أحمد، رواية أخرى، أنها تستبرأ بشهر. # وهو قول ثان للشافعي؛ لأن الشهر قائم مقام القرء في حق الحرة والأمة ~~المطلقة، فكذلك في الاستبراء. وذكر القاضي رواية ثالثة، أنها تستبرأ ~~بشهرين. كعدة الأمة المطلقة. ولم أر لذلك وجها، ولو كان استبراؤها بشهرين، ~~لكان استبراء ذات القرء بقرأين، ولم نعلم به قائلا. وقال سعيد بن المسيب، ~~وعطاء، والضحاك، والحكم، في الأمة التي لا تحيض: تستبرأ بشهر ونصف. ورواه ~~حنبل عن أحمد، فإنه قال: قال عطاء: إن كانت لا تحيض، فخمس وأربعون ليلة. ~~قال عمي: كذلك أذهب؛ لأن عدة الأمة المطلقة الآيسة كذلك. والمشهور عن أحمد ~~الأول. # قال أحمد بن القاسم: قلت لأبي عبد الله: كيف جعلت ثلاثة أشهر مكان حيضة، ~~وإنما جعل الله في القرآن مكان كل حيضة شهرا؟ فقال: إنما قلنا بثلاثة أشهر ~~من أجل الحمل، فإنه لا يتبين في أقل من ذلك، فإن عمر بن عبد العزيز سأل عن ~~ذلك، وجمع أهل العلم والقوابل، فأخبروه أن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة ~~أشهر، فأعجبه ذلك. ثم قال: ألا تسمع قول ابن مسعود: إن النطفة أربعين يوما، ~~ثم علقة أربعين يوما، ثم مضغة بعد ذلك. قال أبو عبد الله: فإذا خرجت ~~الثمانون، صار بعدها مضغة، وهي لحم، فتبين حينئذ. وقال لي: هذا معروف عند ~~النساء. فأما شهر، فلا معنى فيه، ولا نعلم به قائلا. ووجه استبرائها بشهر، ~~أن الله تعالى جعل الشهر مكان الحيضة، ولذلك اختلفت الشهور باختلاف ~~الحيضات، فكانت عدة الحرة الآيسة ثلاثة أشهر، مكان ثلاثة قروء، وعدة الأمة ~~شهرين، مكان قرأين، وللأمة المستبرأة التي ارتفع حيضها عشرة أشهر؛ تسعة ~~للحمل، وشهر مكان الحيضة، فيجب أن يكون مكان الحيضة هاهنا شهر، كما في حق ~~من ارتفع حيضها. # فإن قيل: فقد وجد ثم ما دل على البراءة، وهو تربص تسعة أشهر. قلنا: ~~وهاهنا ما يدل على البراءة، وهو الإياس، فاستويا. # PageV08P142 ### | [مسألة ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه العدة] ms4313 # (6367) مسألة قال: (وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه، اعتدت بتسعة أشهر، ~~وشهر مكان الحيضة) في هذه المسألة أيضا روايتان؛ إحداهما، أنها تستبرأ ~~بعشرة أشهر. والثانية بسنة؛ تسعة أشهر للحمل، لأنها غالب مدته، وثلاثة أشهر ~~مكان الثلاثة التي تستبرأ بها الآيسات. وقد ذكرنا الروايتين في الآيسة، ~~وذكرنا أن المختار عن أحمد استبراؤها بثلاثة أشهر، وهاهنا جعل مكان الحيضة ~~شهرا؛ لأن اعتبار تكرارها في الآيسة، لتعلم براءتها من الحمل، وقد علم ~~براءتها منه هاهنا بمضي غالب مدته، فجعل الشهر مكان الحيضة على وفق القياس. ### | [فصل علمت ما رفع الحيض في العدة] # (6368) فصل: وإن علمت ما رفع الحيض، لم تزل في الاستبراء حتى يعود الحيض، ~~فتستبرئ نفسها بحيضة، إلا أن تصير آيسة، فتستبرئ نفسها استبراء الآيسات. ~~وإن ارتابت بنفسها، فهي كالحرة المستريبة. وقد ذكرنا حكمها فيما مضى من هذا ~~الباب. والله تعالى أعلم. ### | [مسألة عدة الحامل] # (6369) مسألة قال: (وإن كانت حاملا، فحتى تضع) وهذه، بحمد الله، لا خلاف ~~فيها، فإن الله تعالى قال: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: ~~4] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا توطأ حامل حتى تضع» . ولأن ~~عدة الحرة والأمة والمتوفى عنها والمطلقة واستبراء كل أمة إذا كانت حاملا ~~بوضع حملها، وذلك لأن المقصود من العدة والاستبراء معرفة براءة الرحم من ~~الحمل، وهذا يحصل بوضعه، ومتى كانت حاملا باثنين أو أكثر. فلا ينقضي ~~استبراؤها حتى تضع آخر حملها، على ما ذكرنا في المعتدة. ### | [فصل زوج أم ولده ثم مات في العدة] # (6370) فصل: وإذا زوج أم ولده، ثم مات، عتقت، ولم يلزمها استبراء؛ لأنها ~~محرمة على المولى، وليست له فراشا، وإنما هي فراش للزوج، فلم يلزمها ~~الاستبراء ممن ليست له فراشا، ولأنه لم يزوجها حتى استبرأها، فإنه لا يحل ~~له تزويجها قبل استبرائها. فإن طلقها الزوج قبل دخوله بها، فلا عدة عليها ~~أيضا، وإن طلقها بعد # PageV08P143 # المسيس، أو مات عنها قبل ذلك أو بعده، فعليها عدة حرة كاملة؛ لأنها قد ~~صارت حرة في حال وجوب العدة عليها. وإن ms4314 مات سيدها وهي في عدة الزوج، عتقت، ~~ولم يلزمها استبراء، لما ذكرناه، ولأنه زال فراشه عنها قبل موته، فلم ~~يلزمها استبراء من أجله، كغير أم الولد إذا باعها ثم مات. # وتبني على عدة أمة إن كان طلاقها بائنا، أو كانت متوفى عنها، وإن كانت ~~رجعية، بنت على عدة حرة، على ما مضى. وإن بانت من الزوج قبل الدخول بطلاق، ~~أو بانت بموت زوجها، أو طلاقه بعد الدخول، فقضت عدته، ثم مات سيدها، فعليها ~~الاستبراء؛ لأنها عادت إلى فراشه. وقال أبو بكر: لا يلزمها استبراء، إلا أن ~~يردها السيد إلى نفسه؛ لأن فراشه قد زال بتزويجها، ولم يتجدد لها ما يردها ~~إليه، فأشبهت الأمة غير الموطوءة. ### | [فصل عدة الأمة التي مات زوجها وسيدها ولم تعلم أيهما مات أولا] # (6371) فصل: فإن مات زوجها وسيدها، ولم تعلم أيهما مات أولا، فعلى قول ~~أبي بكر، ليس عليها استبراء؛ لأن فراش سيدها قد زال عنها، ولم تعد إليه، ~~وعليها أن تعتد لوفاة زوجها عدة الحرائر؛ ولأنه يحتمل أن سيدها مات أولا، ~~ثم مات زوجها وهي حرة فلزمها عدة الحرة، لتخرج من العدة بيقين. وعلى القول ~~الآخر، إن كان بين موتهما شهران وخمسة أيام فما دون، فليس عليها استبراء؛ ~~لأن السيد إن كان مات أولا، فقد مات وهي زوجته، وإن كان مات آخرا، فقد مات ~~وهي معتدة، وليس عليها استبراء في هاتين الحالتين، وعليها أن تعتد بعد موت ~~الآخر منهما عدة الحرة؛ لما ذكرناه. # وإن كان بين موتهما أكثر من ذلك، فعليها بعد موت الآخر منهما أطول ~~الأجلين، من أربعة أشهر وعشر، واستبراء بحيضة؛ لأنه يحتمل أن السيد مات ~~أولا، فيكون عليها عدة الحرة من الوفاة، ويحتمل أنه مات آخرا، بعد انقضاء ~~عدتها من الزوج، وعودها إلى فراشه، فلزمها الاستبراء بحيضة، فوجب الجمع ~~بينهما ليسقط الفرض بيقين. قال ابن عبد البر: وعلى هذا جميع القائلين من ~~العلماء بأن عدة الأمة من سيدها بحيضة، ومن زوجها شهران وخمس ليال، فإن جهل ~~ما بين موتهما، فالحكم فيه كما ms4315 لو علمنا أن بينهما شهرين وخمس ليال، ~~احتياطا لإسقاط الفرض بيقين، كما أخذنا بالاحتياط في الإيجاب بين عدة حرة ~~وحيضة، فيما إذا علمنا أن بينهما شهرين وخمس ليال. # وقول أصحاب الشافعي في هذا الفصل مثل قولنا، وكذلك قول أبي حنيفة ~~وأصحابه، إلا أنهم جعلوا مكان الحيضة ثلاث حيضات، بناء على أصلهم في ~~استبراء أم الولد. وقال ابن المنذر حكمها حكم الإماء، وعليها شهران وخمسة ~~أيام، ولا أنقلها إلى حكم الحرائر إلا بإحاطة # PageV08P144 # أن الزوج مات بعد المولى. وقيل: إن هذا قول أبي بكر عبد العزيز أيضا. ~~والذي ذكرناه أحوط. فأما الميراث، فإنها لا ترث من زوجها شيئا؛ لأن الأصل ~~الرق، والحرية مشكوك فيها، فلم ترث مع الشك، والفرق بين الإرث والعدة، أن ~~إيجاب العدة عليها استظهار لا ضرر فيه على غيرها، وإيجاب الإرث إسقاط لحق ~~غيرها، ولأن الأصل تحريم النكاح عليها، فلا يزول إلا بيقين، والأصل عدم ~~الميراث لها، فلا ترث إلا بيقين. # فإن قيل: أفليس زوجة المفقود لو ماتت وقف ميراثه منها مع الشك في إرثه؟ ~~قلنا: الفرق بينهما أن الأصل هاهنا الرق، والشك في زواله وحدوث الحال التي ~~يرث فيها، والمفقود الأصل حياته، والشك في موته وخروجه عن كونه وارثا، ~~فافترقا. ### | [مسألة أعتق أم ولده أو أمة كان يصيبها فما عدتها] # (6372) مسألة قال: (وإن أعتق أم ولده، أو أمة كان يصيبها) ، (لم تنكح حتى ~~تحيض حيضة كاملة، وكذلك إن أراد أن يزوجها، وهي في ملكه، استبرأها بحيضة، ~~ثم زوجها) لا يختلف المذهب في أن الاستبراء هاهنا بحيضة في ذات القروء. وهو ~~قول الشافعي. وهو قول الزهري والثوري، في من أراد تزويج أمة كان يصيبها. ~~وقال أصحاب الرأي: ليس عليها استبراء؛ لأن له بيعها، فكان له تزويجها، ~~كالتي لا يصيبها. وقال عطاء، وقتادة: عدتها حيضتان، كعدة الأمة المطلقة. # ولنا أنها فراش لسيدها، فلم يجز أن تنتقل إلى فراش غيره بغير استبراء، ~~كما لو مات عنها، ولأن هذه موطوءة وطئا له حرمة، فلم يجز أن تتزوج قبل ~~الاستبراء، كالموطوءة بشبهة، ms4316 وهذا لأنه إذا وطئها سيدها اليوم، ثم زوجها، ~~فوطئها الزوج في آخر اليوم، أفضى إلى اختلاط المياه، وامتزاج الأنساب، وهذا ~~لا يحل، ويخالف البيع؛ فإنها لا تصير به فراشا، ولا يحل لمشتريها وطؤها حتى ~~يستبرئها، فلا يفضي إلى اختلاط المياه، ولهذا يصح في المعتدة والمزوجة، ~~بخلاف التزويج. ### | [فصل لم تكن من ذوات القروء فما هي عدتها] # (6373) فصل: فإن لم تكن من ذوات القروء، فاستبراؤها بما ذكرنا في أم ~~الولد، على ما شرحنا. ومفهوم كلام الخرقي، أنها إذا كانت أمة لا يطؤها ~~سيدها، لم يلزمها استبراء؛ لأنها ليست فراشا لسيدها، فلم يلزمها الاستبراء، ~~كالمزوجة والمعتدة، ولأن تركها بالاستبراء لا يفضي إلى اختلاط المياه، ~~وامتزاج الأنساب، بخلاف الموطوءة. ### | [فصل مات عن أمة كان يصيبها فما هي عدتها] # (6374) فصل: وإن مات عن أمة كان يصيبها، فاستبراؤها بما ذكرنا في أم ~~الولد؛ لأنها فراش لسيدها، فأشبهت # PageV08P145 # أم الولد، إلا أنها إذا كانت من ذوات القروء، فاستبراؤها بحيضة واحدة، ~~رواية واحدة؛ لأنها لا تصير حرة. ### | [فصل أعتق أم ولده أو أمته التي كان يصيبها فما هي عدتها] # فصل: وإن أعتق أم ولده، أو أمته التي كان يصيبها، أو غيرها ممن تحل له ~~إصابتها، فله أن يتزوجها في الحال، من غير استبراء؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أعتق صفية، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها» . وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ثلاثة يوفون أجرهم مرتين؛ رجل كانت له أمة، فأدبها ~~فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها» . ولم يذكر ~~استبراء، ولأن الاستبراء لصيانة مائه وحفظه عن الاختلاط بماء غيره، ولا ~~يصان ماؤه عن مائه، ولهذا كان له أن يتزوج مختلعته في عدتها. وقد روي عن ~~أحمد، في الأمة التي لا يطؤها إذا أعتقها: لا يتزوجها بغير استبراء؛ لأنه ~~لو باعها لم تحل للمشتري بغير استبراء. # والصحيح أنه يحل له ذلك؛ لأنه يحل له وطؤها بملك اليمين، فكذلك بالنكاح، ~~كالتي كان يصيبها، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتق صفية وتزوجها، ~~ولم ينقل أنه كان أصابها، والحديث ms4317 الآخر يدل على حلها له بظاهره، لدخولها ~~في العموم، ولأنها تحل لمن تزوجها سواه، فله أولى، ولأنه لو استبرأها، ثم ~~أعتقها وتزوجها في الحال، كان جائزا حسنا، فكذلك هذه، فإنه تارك لوطئها، ~~ولأن وجوب الاستبراء في حق غيره، إنما كان لصيانة مائه عن الاختلاط بغيره، ~~ولا يوجد ذلك هاهنا. وكلام أحمد، محمول على من اشتراها، ثم تزوجها قبل أن ~~يستبرئها. ### | [فصل اشترى أمة فأعتقها قبل استبرائها] # (6376) فصل: وإن اشترى أمة، فأعتقها قبل استبرائها، لم يجز أن يتزوجها ~~حتى يستبرئها. وبهذا قال الشافعي. وقال أصحاب الرأي: له ذلك. ويحكى أن ~~الرشيد اشترى جارية، فتاقت نفسه إلى جماعها قبل استبرائها، فأمره أبو يوسف ~~أن يعتقها ويتزوجها ويطأها. قال أبو عبد الله: وبلغني أن المهدي اشترى ~~جارية، فأعجبته، فقيل له: اعتقها وتزوجها. قال أبو عبد الله: سبحان الله، ~~ما أعظم هذا، أبطلوا الكتاب والسنة، جعل الله على الحرائر العدة من أجل ~~الحمل، فليس من امرأة تطلق أو يموت زوجها إلا تعتد من أجل الحمل، وسن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - استبراء الأمة بحيضة من أجل الحمل، ففرج يوطأ ~~يشتريه، ثم # PageV08P146 # يعتقها على المكان، فيتزوجها، فيطؤها، يطؤها رجل اليوم ويطؤها الآخر غدا، ~~فإن كانت حاملا كيف يصنع؟ هذا نقض الكتاب والسنة، قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا توطأ الحامل حتى تضع، ولا غير الحامل حتى تحيض» . وهذا لا ~~يدري أهي حامل أم لا. ما أسمج هذا، قيل له: إن قوما يقولون هذا: فقال: قبح ~~الله هذا، وقبح من يقوله. وفيما نبه عليه أبو عبد الله من الأحاديث كفاية ~~مع ما ذكرنا فيما قبل هذا الفصل. # إذا ثبت هذا، فليس له تزويجها لغيره قبل استبرائها، إذا لم يعتقها؛ لأنها ~~ممن يجب استبراؤها، فلم يجز أن يتزوج، كالمعتدة، وسواء في ذلك المشتراة من ~~رجل يطؤها، أو من رجل قد استبرأها ولم يطأها، أو ممن لا يمكنه الوطء، ~~كالصبي والمرأة والمجبوب. وقال الشافعي: إذا اشتراها ممن لا يطؤها، فله ~~تزويجها، سواء أعتقها أو لم يعتقها، ms4318 وله أن يتزوجها إذا أعتقها؛ لأنها ليست ~~فراشا، وقد كان لسيدها تزويجها قبل بيعها، فجاز ذلك بعد بيعها، ولأنها لو ~~عتقت على البائع بإعتاقه أو غيره، لجاز لكل أحد نكاحها، فكذلك إذا أعتقها ~~المشتري. # ولنا عموم قوله - عليه السلام -: «لا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة» . ~~ولأنها أمة يحرم عليه وطؤها قبل استبرائها، فحرم عليه تزويجها والتزوج بها، ~~كما لو كان بائعها يطؤها. فأما إن أعتقها في هذه الصورة، فله تزويجها ~~لغيره؛ لأنها حرة لم تكن فراشا، فأبيح لها النكاح، كما لو أعتقها البائع، ~~وفارق الموطوءة؛ فإنها فراش يجب عليها استبراء نفسها إذا عتقت، فحرم عليها ~~النكاح، كالمعتدة، وفارق ما إذا أراد سيدها نكاحها، فإنه لم يكن له وطؤها ~~بملك اليمين، فلم يكن له أن يتزوجها، كالمعتدة، ولأن هذا يتخذ حيلة على ~~إبطال الاستبراء، فمنع منه، بخلاف تزويجها لغيره. ### | [فصل كانت له أمة يطؤها فاستبرأها ثم أعتقها] # (6377) فصل: وإذا كانت له أمة يطؤها، فاستبرأها، ثم أعتقها، لم يلزمها ~~استبراء؛ لأنها خرجت عن كونها فراشا باستبرائه لها. وإن باعها، فأعتقها ~~المشتري قبل وطئها، لم تحتج إلى استبراء لذلك. وإن باعها قبل استبرائها، ~~فأعتقها المشتري قبل وطئها واستبرائها، فعليها استبراء نفسها. وإن مضى بعض ~~الاستبراء في ملك المشتري، لزمها إتمامه بعد عتقها، ولا ينقطع بانتقال ~~الملك فيها؛ لأنها لم تصر فراشا للمشتري، ولم يلزمها استبراء بإعتاقه. ### | [فصل كانت الأمة بين شريكين فوطئاها] # (6378) فصل: وإذا كانت الأمة بين شريكين، فوطئاها، لزمها استبراءان. وقال ~~أصحاب الشافعي، في أحد الوجهين: يلزمها استبراء واحد؛ لأن القصد معرفة ~~براءة الرحم، ولذلك لا يجب الاستبراء بأكثر من حيضة واحدة، وبراءة الرحم ~~تعلم باستبراء واحد. # PageV08P147 # ولنا أنهما حقان مقصودان لآدميين، فلم يتداخلا، كالعدتين، ولأنهما ~~استبراءان من رجلين، فأشبها العدتين، وما ذكروه يبطل بالعدتين من رجلين. ### | [مسألة ملك أمة يجب استبرائها أولا] # (6379) مسألة قال: (ومن ملك أمة، لم يصبها ولم يقبلها حتى يستبرئها بعد ~~تمام ملكه لها بحيضة، إن كانت ممن تحيض، أو بوضع الحمل، إن كانت حاملا، أو ~~بمضي ثلاثة ms4319 أشهر، إن كانت من الآيسات أو من اللائي لم يحضن) وجملته، أن من ~~ملك أمة بسبب من أسباب الملك؛ كالبيع، والهبة، والإرث، وغير ذلك. لم يحل له ~~وطؤها حتى يستبرئها، بكرا كانت أو ثيبا، صغيرة كانت أو كبيرة، ممن تحمل أو ~~ممن لا تحمل. وبهذا قال الحسن، وابن سيرين، وأكثر أهل العلم؛ منهم مالك، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي وقال ابن عمر: لا يجب استبراء البكر. وهو قول داود؛ ~~لأن الغرض بالاستبراء معرفة براءتها من الحمل، وهذا معلوم في البكر، فلا ~~حاجة إلى الاستبراء. # وقال الليث: إن كانت ممن لا يحمل مثلها، لم يجب استبراؤها لذلك. وقال ~~عثمان البتي: يجب الاستبراء على البائع دون المشتري، لأنه لو زوجها، لكان ~~الاستبراء على المزوج دون الزوج، كذلك هاهنا ولنا ما روى أبو سعيد، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عام أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع، ولا ~~غير حامل حتى تحيض.» رواه أحمد في المسند. وعن رويفع بن ثابت، قال: إنني لا ~~أقول إلا ما سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعته يقول: «لا ~~يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يقع على امرأة من السبي، حتى ~~يستبرئها بحيضة» رواه أبو داود. # وفي لفظ، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر يقول: «من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يسقي ماءه زرع غيره، ومن كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبي حتى يستبرئها بحيضة» رواه الأثرم. ~~ولأنه ملك جارية محرمة عليه، فلم تحل له قبل استبرائها، كالثيب التي تحمل، ~~ولأنه سبب موجب للاستبراء، فلم يفترق الحال فيه بين البكر والثيب، والتي ~~تحمل والتي لا تحمل، كالعدة. قال أبو عبد الله: قد بلغني أن العذراء تحمل. ~~فقال له بعض أهل المجلس: نعم، قد كان في جيراننا. وذكر ذلك بعض أصحاب ~~الشافعي. # وما ذكروه يبطل بما إذا اشتراها من امرأة أو صبي، أو ممن تحرم عليه برضاع ~~أو غيره، وما ذكره البتي لا يصح؛ لأن الملك قد ms4320 يكون بالسبي والإرث والوصية، ~~فلو لم يستبرئها المشتري، أفضى إلى اختلاط المياه، واشتباه الأنساب، والفرق ~~بين البيع والتزويج، أن النكاح لا يراد إلا للاستمتاع، فلا يجوز إلا في من ~~تحل له، فوجب أن يتقدمه الاستبراء، ولهذا لا يصح تزويج معتدة، ولا مرتدة، ~~ولا مجوسية، # PageV08P148 # ولا وثنية، ولا محرمة بالرضاع ولا المصاهرة، والبيع يراد لغير ذلك، فصح ~~قبل الاستبراء، ولهذا صح في هذه المحرمات، ووجب الاستبراء على المشتري؛ لما ~~ذكرناه. فأما الصغيرة التي لا يوطأ مثلها، فظاهر كلام الخرقي تحريم قبلتها ~~ومباشرتها لشهوة قبل استبرائها. # وهو ظاهر كلام أحمد، وفي أكثر الروايات عنه، قال: تستبرأ، وإن كانت في ~~المهد. وروي عنه أنه قال: إن كانت صغيرة بأي شيء تستبرأ إذا كانت رضيعة. ~~وقال في رواية أخرى: تستبرأ بحيضة إذا كانت ممن تحيض، وإلا بثلاثة أشهر إن ~~كانت ممن توطأ وتحبل. فظاهر هذا أنه لا يجب استبراؤها، ولا تحرم مباشرتها. ~~وهذا اختيار ابن أبي موسى، وقول مالك، وهو الصحيح؛ لأن سبب الإباحة متحقق. ~~وليس على تحريمها دليل، فإنه لا نص فيه، ولا معنى نص؛ لأن تحريم مباشرة ~~الكبيرة إنما كان لكونه داعيا إلى الوطء المحرم، أو خشية أن تكون أم ولد ~~لغيره، ولا يتوهم هذا في هذه، فوجب العمل بمقتضى الإباحة. فأما من يمكن ~~وطؤها، فلا تحل قبلتها، ولا الاستمتاع منها بما دون الفرج قبل الاستبراء، ~~إلا المسبية، على إحدى الروايتين. # وقال الحسن: لا يحرم من المشتراة إلا فرجها، وله أن يستمتع منها بما شاء، ~~ما لم يمس؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن الوطء، ولأنه ~~تحريم للوطء مع ثبوت الملك، فاختص بالفرج، كالحيض. ولنا أنه استبراء يحرم ~~الوطء، فحرم الاستمتاع، كالعدة، ولأنه لا يأمن من كونها حاملا من بائعها، ~~فتكون أم ولد، والبيع باطل، فيكون مستمتعا بأم ولد غيره، وبهذا فارق تحريم ~~الوطء للحيض. فأما المسبية، فظاهر كلام الخرقي تحريم مباشرتها فيما دون ~~الفرج لشهوة. وهو الظاهر عن أحمد؛ لأن كل استبراء حرم الوطء حرم دواعيه، ~~كالعدة، ولأنه ms4321 داعية إلى الوطء المحرم، لأجل اختلاط المياه، واشتباه ~~الأنساب، فأشبهت المبيعة. # وروي عن أحمد، أنه لا يحرم؛ لما روي عن ابن عمر، أنه قال: وقع في سهمي ~~يوم جلولاء جارية، كأن عنقها إبريق فضة، فما ملكت نفسي أن قمت إليها ~~فقبلتها، والناس ينظرون. ولأنه لا نص في المسبية، ولا يصح قياسها على ~~المبيعة؛ لأنها تحتمل أن تكون أم ولد للبائع، فيكون مستمتعا بأم ولد غيره، ~~ومباشرا لمملوكة غيره، والمسبية مملوكة له على كل حال، وإنما حرم وطؤها ~~لئلا يسقي ماءه زرع غيره. وقول الخرقي بعد تمام ملكه لها. يعني أن ~~الاستبراء لا يكون إلا بعد ملك المشتري لجميعها، ولو ملك بعضها، ثم ملك ~~باقيها، لم يحتسب الاستبراء إلا من حين ملك باقيها. وإن ملكها ببيع فيه ~~الخيار، انبنى على نقل الملك في مدته، فإن قلنا: ينتقل. # فابتداء الاستبراء من حين البيع. وإن قلنا: لا ينتقل. فابتداؤه من حين ~~انقطع الخيار. وإن كان المبيع معيبا، فابتداء الخيار من حين البيع؛ # PageV08P149 # لأن العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلاف. وهل يبتدأ الاستبراء من حين ~~البيع قبل القبض، أو من حين القبض؟ فيه وجهان: أحدهما، من حين البيع؛ لأن ~~الملك ينتقل به. والثاني، من حين القبض؛ لأن القصد معرفة براءتها من ماء ~~البائع، ولا يحصل ذلك مع كونها في يده. وإن اشترى عبده التاجر أمة، ~~فاستبرأها، ثم صارت إلى السيد، حلت له بغير استبراء؛ لأن ملكه ثابت على ما ~~في يد عبده، فقد حصل استبراؤها في ملكه. # وإن اشترى مكاتبه أمة، فاستبرأها، ثم صارت إلى سيده، فعليه استبراؤها؛ ~~لأن ملكه تجدد عليها، إذ ليس للسيد ملك على ما في يد مكاتبه، إلا أن تكون ~~الجارية من ذوات محارم المكاتب، فقال أصحابنا: تباح للسيد بغير استبراء؛ ~~لأنه يصير حكمها حكم المكاتب، إن رق رقت، وإن عتق عتقت، والمكاتب عبد ما ~~بقي عليه درهم، والاستبراء الواجب هاهنا في حق الحامل بوضعه بلا خلاف، وفي ~~ذات القروء بحيضة، في قول أكثر أهل العلم. وقال سعيد بن ms4322 المسيب، وعطاء: ~~بحيضتين. وهو مخالف للحديث الذي رويناه، وللمعنى؛ فإن المقصود معرفة ~~براءتها من الحمل، وهو حاصل بحيضة، وفي الآيسة والتي لم تحض والتي ارتفع ~~حيضها بما ذكرناه في أم الولد، على ما مضى من الخلاف فيه. ### | [فصل ملك مجوسية أو وثنية فأسلمت قبل استبرائها] # (6380) فصل: ومن ملك مجوسية، أو وثنية، فأسلمت قبل استبرائها، لم تحل له ~~حتى يستبرئها، أو تتم ما بقي من استبرائها؛ لما مضى. وإن استبرأها ثم ~~أسلمت، حلت له بغير استبرائها. وقال الشافعي: لا تحل له حتى تجدد استبراءها ~~بعد إسلامها؛ لأن ملكه تجدد على استمتاعها، فأشبهت من تجدد ملكه على ~~رقبتها. ولنا قوله - عليه السلام -: «لا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة» . ~~وهذا ورد في سبايا أوطاس، وكن مشركات، ولم يأمر في حقهن بأكثر من حيضة، ~~ولأنه لم يتجدد ملكه عليها، ولا أصابها وطء من غيره، فلم يلزمه استبراؤها، ~~كما لو حلت المحرمة، ولأن الاستبراء إنما وجب كي لا يفضي إلى اختلاط ~~المياه، وامتزاج الأنساب، ومظنة ذلك تجدد الملك على رقبتها، ولم يوجد. # ولو باع أمته، ثم ردت عليه بفسخ أو إقالة بعد قبضها أو افتراقهما، لزمه ~~استبراؤها؛ لأنه تجديد ملك، سواء كان المشتري لها امرأة أو غيرها. وإن كان ~~ذلك قبل افتراقهما، أو قبل غيبة المشتري بالجارية، ففيها روايتان: إحداهما، ~~عليه الاستبراء. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه تجديد ملك. والثانية، ليس عليه ~~استبراء، وهو قول أبي حنيفة إذا تقابلا قبل القبض؛ لأنه لا فائدة في ~~الاستبراء مع تعين البراءة. # PageV08P150 ### | [فصل زوج الرجل أمته فطلقها الزوج] # (6381) فصل: وإذا زوج الرجل أمته، فطلقها الزوج، لم يلزم السيد ~~استبراؤها، ولكن إن طلقت بعد الدخول، أو مات عنها، فعليها العدة. ولو ارتدت ~~أمته، أو كاتبها، ثم أسلمت المرتدة، وعجزت المكاتبة، حلت لسيدها بغير ~~استبراء، وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي: يجب عليه الاستبراء في هذا ~~كله؛ لأنه زال ملكه عن استمتاعها، ثم عاد، فأشبهت المشتراة. ولنا أنه لم ~~يتجدد ملكه عليها، فأشبهت المحرمة إذا حلت، والمرهونة إذا فكت، فإنه لا ms4323 ~~خلاف في حلهما بغير استبراء، ولأن الاستبراء شرع لمعنى مظنته تجدد الملك، ~~فلا يشرع مع تخلف المظنة والمعنى. ### | [فصل اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج قبل الدخول] # (6382) فصل: وإن اشترى أمة مزوجة، فطلقها الزوج قبل الدخول، لم تبح بغير ~~استبراء. نص عليه أحمد، وقال: هذه حيلة وضعها أهل الرأي، لا بد من استبراء. ~~ووجه ذلك أن هذه تجدد الملك فيها، ولم يحصل استبراؤها في ملكه، فلم تحل ~~بغير استبراء، كما لو لم تكن مزوجة، ولأن إسقاط الاستبراء هاهنا ذريعة إلى ~~إسقاطه في حق من أراد إسقاطه، بأن يزوجها عند بيعها، ثم يطلقها زوجها بعد ~~تمام البيع، والحيل حرام. فأما إن كان الزوج دخل بها، ثم طلقها. فعليها ~~العدة، ولا يلزم المشتري استبراؤها؛ لأن ذلك قد حصل بالعدة، ولأنها لو عتقت ~~لم يجب عليها مع العدة استبراء، ولأنها قد استبرأت نفسها ممن كانت فراشا ~~له، فأجزأ ذلك، كما لو كانت استبرأت نفسها من سيدها إذا كانت خالية من زوج. # وإن اشتراها، وهي معتدة من زوجها، لم يجب عليها استبراء؛ لأنها لم تكن ~~فراشا لسيدها، وقد حصل الاستبراء من الزوج بالعدة، ولذلك لو عتقت في هذه ~~الحال، لم يجب عليها استبراء. وقال أبو الخطاب، في المزوجة: هل يدخل ~~الاستبراء في العدة؟ على وجهين. وقال القاضي، في المعتدة: يلزم السيد ~~استبراؤها بعد قضاء العدة، ولا يتداخلان؛ لأنهما من رجلين. ومفهوم كلام ~~أحمد ما ذكرناه أولا؛ لأنه علل فيما قبل الدخول بأنها حيلة وضعها أهل ~~الرأي، ولا يوجد ذلك هاهنا، ولا يصح قولهم: إن الاستبراء من رجلين. فإن ~~السيد هاهنا ليس له استبراء. ### | [فصل كانت الأمة لرجلين فوطئاها ثم باعاها لرجل] # (6383) فصل: وإن كانت الأمة لرجلين، فوطئاها، ثم باعاها لرجل، أجزأه ~~استبراء واحد؛ لأنه يحصل به معرفة البراءة. فإن قيل: فلو أعتقها لألزمتموها ~~استبراءين. قلنا: وجوب الاستبراء في حق المعتقة معلل بالوطء، # PageV08P151 # ولذلك لو أعتقها وهي ممن لا يطؤها، لم يلزمها استبراء، وقد وجد الوطء من ~~اثنين، فلزمها حكم وطئهما، وفي مسألتنا هو معلل بتجديد ms4324 الملك لا غير، ولهذا ~~يجب على المشتري الاستبراء، سواء كان سيدها يطؤها أو لم يكن، والملك واحد، ~~فوجب أن يتجدد الاستبراء. ### | [فصل اشترى الرجل زوجته الأمة] # (6384) فصل: وإذا اشترى الرجل زوجته الأمة، لم يلزمه استبراؤها؛ لأنها ~~فراش له، فلم يلزمه استبراؤها من مائه، لكن يستحب ذلك؛ ليعلم هل الولد من ~~النكاح فيكون عليه ولاء له، لأنه عتق بملكه له، ولا تصير به الأمة أم ولد، ~~أو هو حادث في ملك يمينه، فلا يكون عليه ولاء، وتصير به الأمة أم ولد؟ ومتى ~~تبين حملها فله وطؤها؛ لأنه قد علم الحمل، وزال الاشتباه. ### | [فصل وطئ الجارية التي يلزمه استبراؤها قبل استبرائها] # (6385) فصل: وإن وطئ الجارية التي يلزمه استبراؤها قبل استبرائها، أثم، ~~والاستبراء باق بحاله؛ لأنه حق عليه، فلا يسقط بعدوانه. فإن لم تعلق منه، ~~استبرأها بما كان يستبرئها به قبل الوطء، وتبني على ما مضى من الاستبراء، ~~وإن علقت منه، فمتى وضعت حملها، استبرأها بحيضة، ولا يحل له الاستمتاع منها ~~في حال حملها؛ لأنه لم يستبرئها. وإن وطئها، وهي حامل حملا كان موجودا حين ~~البيع من غير البائع، فمتى وضعت حملها انقضى استبراؤها. قال أحمد: ولا يلحق ~~بالمشتري، ولا يتبعه، ولكن يعتقه؛ لأنه قد شرك فيه؛ لأن الماء يزيد في ~~الولد. # وقد روى أبو داود، بإسناده عن أبي الدرداء، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «، أنه مر بامرأة مجح، على باب فسطاط، فقال: لعله يريد أن يلم بها. ~~فقالوا: نعم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد هممت أن ألعنه ~~لعنا يدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، أو كيف يستخدمه وهو لا يحل ~~له» ومعناه أنه إن استلحقه وشركه في ميراثه، لم يحل له؛ لأنه ليس بولده، ~~وإن اتخذه مملوكا، لم يحل له؛ لأنه قد شرك فيه، لكون الوطء يزيد في الولد. # وعن ابن عباس، قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن وطء ~~الحبالى حتى يضعن ما في بطونهن» . رواه النسائي، والترمذي. # PageV08P152 # (6386) فصل: ومن أراد بيع ms4325 أمته، فإن كان لا يطؤها، لم يلزمه استبراؤها، ~~لكن يستحب ذلك، ليعلم خلوها من الحمل، فيكون أحوط للمشتري، وأقطع للنزاع # قال أحمد: وإن كانت لامرأة، فإني أحب أن لا تبيعها حتى تستبرئها بحيضة، ~~فهو أحوط لها. وإن كان يطؤها، وكانت آيسة، فليس عليه استبراؤها؛ لأن انتفاء ~~الحمل معلوم. وإن كانت ممن تحمل، وجب عليه استبراؤها. وبه قال النخعي، ~~والثوري. وعن أحمد رواية أخرى، لا يجب عليه استبراؤها. وهو قول أبي حنيفة، ~~ومالك، والشافعي؛ لأن عبد الرحمن بن عوف باع جارية كان يطؤها قبل ~~استبرائها. # ولأن الاستبراء على المشتري، فلا يجب على البائع، فإن الاستبراء في حق ~~الحرة آكد، ولا يجب قبل النكاح وبعده، كذلك لا يجب في الأمة قبل البيع ~~وبعده. ولنا، أن عمر أنكر على عبد الرحمن بن عوف بيع جارية كان يطؤها قبل ~~استبرائها، فروى عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: باع عبد الرحمن بن عوف ~~جارية كان يقع عليها قبل أن يستبرئها، فظهر بها حمل عند الذي اشتراها، ~~فخاصموه إلى عمر، فقال له عمر: كنت تقع عليها؟ قال: نعم. قال: فبعتها قبل ~~أن تستبرئها؟ قال: نعم. قال: ما كنت لذلك بخليق. قال: فدعا القافة، فنظروا ~~إليه، فألحقوه به. # ولأنه يجب على المشتري الاستبراء لحفظ مائه، فكذلك البائع؛ ولأنه قبل ~~الاستبراء مشكوك في صحة البيع وجوازه، لاحتمال أن تكون أم ولد، فيجب ~~الاستبراء لإزالة الاحتمال، فإن خالف وباع، فالبيع صحيح في الظاهر؛ لأن ~~الأصل عدم الحمل؛ ولأن عمر وعبد الرحمن، لم يحكما بفساد البيع في الأمة ~~التي باعها قبل استبرائها إلا بلحاق الولد به، ولو كان البيع باطلا قبل ~~ذلك، لم يحتج إلى ذلك. وذكر أصحابنا الروايتين في كل أمة يطؤها، من غير ~~تفريق بين الآيسة وغيرها. والأولى أن ذلك لا يجب في الآيسة؛ لأن علة الوجوب ~~احتمال الحمل، وهو وهم بعيد، والأصل عدمه، فلا نثبت به حكما بمجرده. ### | [فصل اشترى جارية فظهر بها حمل] # (6387) فصل: وإذا اشترى جارية، فظهر بها حمل، لم يخل من أحوال خمسة: ms4326 ~~أحدها: أن يكون البائع أقر بوطئها عند البيع أو قبله، وأتت بولد لدون الستة ~~أشهر، أو يكون البائع ادعى الولد، فصدقه المشتري، فإن الولد يكون للبائع، ~~والجارية أم ولد له، والبيع باطل. الحال الثاني، أن يكون أحدهما استبرأها، ~~ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر من حين وطئها المشتري، فالولد للمشتري، ~~والجارية أم ولد له. الحال الثالث: أن تأتي به لأكثر من ستة أشهر بعد ~~استبراء أحدهما لها، ولأقل من ستة أشهر # PageV08P153 # منذ وطئها المشتري، فلا يلحق نسبه بواحد منهما، ويكون ملكا للمشتري، ولا ~~يملك فسخ البيع؛ لأن الحمل تجدد في ملكه ظاهرا. # فإن ادعاه كل واحد منهما فهو للمشتري؛ لأنه ولد في ملكه مع احتمال كونه ~~منه، وإن ادعاه البائع وحده، فصدقه المشتري، لحقه، وكان البيع باطلا، وإن ~~كذبه فالقول قول المشتري في ملك الولد؛ لأن الملك انتقل إليه ظاهرا، فلم ~~تقبل دعوى البائع فيما يبطل حقه كما لو أقر بعد البيع أن الجارية مغصوبة أو ~~معتقة. وهل يثبت نسب الولد من البائع؟ فيه وجهان: أحدهما، يثبت؛ لأنه نفع ~~للولد من غير ضرر على المشتري، فيقبل قوله فيه، كما لو أقر لولده بمال. ~~والثاني، لا يقبل؛ لأن فيه ضررا على المشتري، فإنه لو أعتقه كان أبوه أحق ~~بميراثه منه؛ ولذلك لو أقر عبدان كل واحد منهما أنه أخو صاحبه، لم يقبل إلا ~~ببينة. # الحال الرابع: أن تأتي به بعد ستة أشهر منذ وطئها المشتري قبل استبرائها، ~~فنسبه لاحق بالمشتري، فإن ادعاه البائع، فأقر له المشتري، لحقه، وبطل ~~البيع، وإن كذبه، فالقول قول المشتري. وإن ادعى كل واحد منهما أنه من ~~الآخر، عرض على القافة، فألحق بمن ألحقته به، لحديث عبد الرحمن بن عوف؛ ~~ولأنه يحتمل كونه من كل واحد منهما وإن ألحقته القافة بهما لحق بهما، ~~وينبغي أن يبطل البيع، وتكون أم ولد للبائع؛ لأننا نتبين أنها كانت حاملا ~~منه قبل بيعها. # الحال الخامس، إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ باعها، ولم يكن أقر ~~بوطئها، فالبيع صحيح ms4327 في الظاهر، والولد مملوك للمشتري، فإن ادعاه البائع، ~~فالحكم فيه كما ذكرنا في الحال الثالث، سواء. ### | [مسألة تجتنب الزوجة المتوفى عنها زوجها الطيب والزينة] # (6388) مسألة: قال وتجتنب الزوجة المتوفى عنها زوجها الطيب والزينة، ~~والبيتوتة في غير منزلها، والكحل بالإثمد، والنقاب هذا يسمى الإحداد، ولا ~~نعلم بين أهل العلم خلافا في وجوبه على المتوفى عنها زوجها، إلا عن الحسن، ~~فإنه قال: لا يجب الإحداد. وهو قول شذ به أهل العلم وخالف به السنة، فلا ~~يعرج عليه، ويستوي في وجوبه الحرة والأمة، والمسلمة والذمية، والكبيرة ~~والصغيرة. وقال أصحاب الرأي: لا إحداد على ذمية ولا صغيرة؛ لأنهما غير ~~مكلفتين. # PageV08P154 # ولنا، عموم الأحاديث التي سنذكرها؛ ولأن غير المكلفة تساوي المكلفة في ~~اجتناب المحرمات، كالخمر والزنى، وإنما يفترقان في الإثم، فكذلك الإحداد، ~~ولأن حقوق الذمية في النكاح كحقوق المسلمة، فكذلك فيما عليها. (6389) فصل: ~~ولا إحداد على غير الزوجات، كأم الولد إذا مات سيدها، قال ابن المنذر: لا ~~أعلمهم يختلفون في ذلك. وكذلك الأمة التي يطؤها سيدها، إذا مات عنها، ولا ~~الموطوءة بشبهة، والمزني بها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، ~~أربعة أشهر وعشرا» . # ولا إحداد على الرجعية. بغير خلاف نعلمه؛ لأنها في حكم الزوجات، لها أن ~~تتزين لزوجها، وتستشرف له، ليرغب فيها، وتتفق عنده، كما تفعل في صلب ~~النكاح. ولا إحداد على المنكوحة نكاحا فاسدا؛ لأنها ليست زوجة على الحقيقة، ~~ولا لها من كانت تحل له ويحل لها، فتحزن على فقده. ### | [فصل تجتنب الحادة ما يدعو إلى جماعها] # (6390) فصل: وتجتنب الحادة ما يدعو إلى جماعها، ويرغب في النظر إليها، ~~ويحسنها، وذلك أربعة أشياء؛ أحدها الطيب، ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب ~~الإحداد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تمس طيبا، إلا عند أدنى ~~طهرها، إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو أظفار» . متفق عليه. # وروت زينب بنت أم سلمة، قالت: «دخلت على أم حبيبة، زوج النبي ms4328 - صلى الله ~~عليه وسلم - حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب فيه صفرة، خلوق أو غيره، ~~فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضها، ثم قالت: والله ما لي # PageV08P155 # بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا ~~يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا ~~على زوج أربعة أشهر وعشرا» . متفق عليه. ولأن الطيب يحرك الشهوة، ويدعو إلى ~~المباشرة. ولا يجوز لها استعمال الأدهان المطيبة، كدهن الورد والبنفسج ~~والياسمين والبان، وما أشبهه؛ لأنه استعمال للطيب. # فأما الأدهان بغير المطيب، كالزيت والشيرج والسمن، فلا بأس به؛ لأنه ليس ~~بطيب. الثاني: اجتناب الزينة، وذلك واجب في قول عامة أهل العلم؛ منهم ابن ~~عمر، وابن عباس، وعطاء. وجماعة أهل العلم يكرهون ذلك، وينهون عنه، وهو ~~ثلاثة أقسام: أحدها الزينة في نفسها، فيحرم عليها أن تختضب، وأن تحمر وجهها ~~بالكلكون، وأن تبيضه بأسفيداج العرائس، وأن تجعل عليه صبرا يصفره، وأن تنقش ~~وجهها ويديها، وأن تحفف وجهها، وما أشبهه مما يحسنها، وأن تكتحل بالإثمد من ~~غير ضرورة؛ وذلك لما روت أم سلمة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«المتوفى عنها زوجها، لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشق، ولا الحلي، ~~ولا تختضب، ولا تكتحل» . رواه النسائي، وأبو داود. # وروت أم عطية، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تحد المرأة ~~فوق ثلاثة أيام، إلا على زوج، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا ~~مصبوغا، إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها، إذا ~~طهرت من حيضها، بنبذة من قسط أو أظفار» . متفق عليه. # وعن أم سلمة، قالت: «جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، ~~أفتكحلها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا. مرتين # PageV08P156 # أو ثلاثا» . متفق عليه. وروت أم سلمة، قالت: «دخل علي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حين توفي أبو ms4329 سلمة، وقد جعلت على عيني صبرا، فقال: ماذا ~~يا أم سلمة؟ . قلت: إنما هو صبر، ليس فيه طيب. قال: إنه يشب الوجه، لا ~~تجعليه إلا بالليل، وتنزعينه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء، ~~فإنه خضاب. قالت: قلت: بأي شيء أمتشط؟ قال: بالسدر، تغلفين به رأسك» . # ولأن الكحل من أبلغ الزينة، والزينة تدعو إليها، وتحرك الشهوة، فهي ~~كالطيب وأبلغ منه. وحكي عن بعض الشافعية، أن للسوداء أن تكتحل. وهو مخالف ~~للخبر والمعنى، فإنه يزينها ويحسنها. وإن اضطرت الحادة إلى الكحل بالإثمد ~~للتداوي، فلها أن تكتحل ليلا، وتمسحه نهارا. ورخص فيه عند الضرورة عطاء، ~~والنخعي، ومالك، وأصحاب الرأي؛ لما روت أم حكيم بنت أسيد، عن أمها، أن ~~زوجها توفي، وكانت تشتكي عينيها، فتكتحل بالجلاء، فأرسلت مولاة لها إلى أم ~~سلمة، تسألها عن كحل الجلاء، فقالت: لا تكتحلي إلا لما لا بد منه، يشتد ~~عليك، فتكتحلين بالليل، وتغسلينه بالنهار. رواه أبو داود، والنسائي. وإنما ~~منع من الكحل بالإثمد، لأنه الذي تحصل به الزينة، فأما الكحل بالتوتيا ~~والعنزروت ونحوهما، فلا بأس به؛ لأنه لا زينة فيه، بل يقبح العين، ويزيدها ~~مرها. # ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها؛ لأنه إنما منع منه في ~~الوجه لأنه يصفره، فيشبه الخضاب، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إنه يشب الوجه» ، ولا تمنع من التنظيف بتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق ~~الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر، والامتشاط به، لحديث أم ~~سلمة، ولأنه يراد للتنظيف لا للطيب. القسم الثاني: زينة الثياب، فتحرم ~~عليها الثياب المصبغة للتحسين، كالمعصفر، والمزعفر، وسائر الأحمر، وسائر ~~الملون للتحسين، كالأزرق الصافي، والأخضر الصافي، والأصفر، فلا يجوز لبسه؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تلبس # PageV08P157 # ثوبا مصبوغا» . وقوله: «لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق» . # فأما ما لا يقصد بصبغه حسنه، كالكحلي، والأسود، والأخضر المشبع، فلا تمنع ~~منه؛ لأنه ليس بزينة. وما صبغ غزله ثم نسج فيه احتمالان؛ أحدهما: يحرم ~~لبسه؛ لأنه أرفع وأحسن؛ ولأنه مصبوغ للحسن، فأشبه ما ms4330 صبغ بعد نسجه. والثاني ~~لا يحرم؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم سلمة: «إلا ثوب ~~عصب» . وهو ما صبغ غزله قبل نسجه. ذكره القاضي؛ ولأنه لم يصبغ وهو ثوب، ~~فأشبه ما كان حسنا من الثياب غير مصبوغ، والأول أصح، وأما العصب، فالصحيح ~~أنه نبت تصبغ به الثياب. قال صاحب الروض الأنف الورس والعصب نبتان باليمن، ~~لا ينبتان إلا به. فأرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - للحادة في لبس ما ~~صبغ بالعصب؛ لأنه في معنى ما صبغ لغير التحسين، أما ما صبغ غزله للتحسين، ~~كالأحمر والأصفر، فلا معنى لتجويز لبسه، مع حصول الزينة بصبغه، كحصولها بما ~~صبغ بعد نسجه. # ولا تمنع من حسان الثياب غير المصبوغة، وإن كان رقيقا، سواء كان من قطن ~~أو كتان أو إبريسم؛ لأن حسنه من أصل خلقته، فلا يلزم تغييره، كما أن المرأة ~~إذا كانت حسنة الخلقة، لا يلزمها أن تغير لونها، وتشوه نفسها. القسم ~~الثالث: الحلي، فيحرم عليها لبس الحلي كله، حتى الخاتم، في قول عامة أهل ~~العلم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولا الحلي» . وقال عطاء: يباح ~~حلي الفضة دون الذهب. وليس بصحيح؛ لأن النهي عام؛ ولأن الحلي يزيد حسنها، ~~ويدعو إلى مباشرتها، قالت امرأة: # وما الحلي إلا زينة لنقيصة ... تتمم من حسن إذا الحسن قصرا # (6391) فصل: والثالث مما تجتنبه الحادة النقاب، وما في معناه، مثل البرقع ~~ونحوه؛ لأن المعتدة مشبهة بالمحرمة والمحرمة تمنع من ذلك، وإذا احتاجت إلى ~~ستر وجهها أسدلت عليه كما تفعل المحرمة. ### | [فصل المتوفى عنها زوجها تعتد في منزلها] # (6392) فصل: والرابع المبيت في غير منزلها. وممن أوجب على المتوفى عنها ~~زوجها الاعتداد في منزلها، عمر، وعثمان - رضي الله عنهما - وروي ذلك عن ابن ~~عمر، وابن مسعود، وأم سلمة، وبه يقول مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو ~~حنيفة، والشافعي، وإسحاق وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار، ~~بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر وقال جابر بن زيد، والحسن، وعطاء تعتد حيث ~~شاءت. # وروي ذلك عن علي، وابن عباس، ms4331 وجابر، وعائشة - رضي الله عنهم - قال ابن ~~عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهله، وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت؛ ~~لقول الله تعالى: # PageV08P158 # {فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن} [البقرة: 240] . قال ~~عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ السكنى، تعتد حيث شاءت. رواهما أبو داود. ولنا، ~~ما روت فريعة بنت مالك بن سنان، أخت أبي سعيد الخدري، «أنها جاءت إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته أن زوجها خرج في طلب أعبد له، فقتلوه ~~بطرف القدوم، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أرجع إلى أهلي، ~~فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة. قالت فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: نعم. قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد، ~~دعاني، أو أمر بي فدعيت له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف ~~قلت فرددت عليه القصة، فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. فاعتددت ~~فيه أربعة أشهر وعشرا، فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي، فسألني عن ذلك، ~~فأخبرته فاتبعه، وقضى به» . رواه مالك، في موطئه، والأثرم، وهو حديث صحيح، ~~قضى به عثمان في جماعة الصحابة فلم ينكروه. # إذا ثبت هذا، فإنه يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به، ~~سواء كان مملوكا لزوجها، أو بإجارة، أو عارية؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «قال لفريعة: امكثي في بيتك» . ولم تكن في بيت يملكه زوجها. وفي بعض ~~ألفاظه: «اعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك» وفي لفظ: «اعتدي حيث أتاك ~~الخبر» فإن أتاها الخبر في غير مسكنها، رجعت إلى مسكنها فاعتدت فيه. # وقال سعيد بن المسيب، والنخعي: لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي ~~زوجها، اتباعا للفظ الخبر الذي رويناه. ولنا قوله - عليه السلام -: «امكثي ~~في بيتك» واللفظ الآخر قضية في عين، والمراد به هذا، فإن قضايا الأعيان لا ~~عموم لها، ثم لا يمكن حمله على العموم؛ فإنه لا يلزمها الاعتداد في السوق ~~والطريق والبرية، ms4332 إذا أتاها الخبر وهي فيها. (6393) # فصل: فإن خافت هدما أو غرقا أو عدوا أو نحو ذلك، أو حولها صاحب المنزل ~~لكونه عارية رجع فيها، أو بإجارة انقضت مدتها، أو منعها السكنى تعديا، أو ~~امتنع من إجارته، أو طلب به أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به، أو ~~لم تجد إلا من مالها، فلها أن تنتقل؛ لأنها حال عذر، ولا يلزمها بذلك أجر ~~المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى، لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت ~~السكنى، سقطت، ولها أن تسكن حيث شاءت. ذكره القاضي وذكر أبو الخطاب، أنها ~~تنتقل إلى أقرب ما يمكنها النقلة # PageV08P159 # إليه. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه أقرب إلى موضع الوجود، فأشبه من وجبت عليه ~~الزكاة في موضع لا يجد فيه أهل السهمان، فإنه ينقلها إلى أقرب موضع يجدهم ~~فيه. # ولنا، أن الواجب سقط لعذر، ولم يرد الشرع له ببدل، فلا يجب، كما لو سقط ~~الحج للعجز عنه وفوات شرط، والمعتكف إذا لم يقدر على الاعتكاف في المسجد؛ ~~ولأن ما ذكروه إثبات حكم بلا نص، ولا معنى نص، فإن معنى الاعتداد في بيتها ~~لا يوجد في السكنى فيما قرب منه، ويفارق أهل السهمان؛ فإن القصد نفع ~~الأقرب، وفي نقلها إلى أقرب موضع يجده نفع الأقرب، فوجب لذلك. ### | [فصل السكنى للمتوفى عنها زوجها] # (6394) فصل: قال أصحابنا: ولا سكنى للمتوفى عنها، إذا كانت حائلا. رواية ~~واحدة. وإن كانت حاملا، فعلى روايتين. وللشافعي في سكنى المتوفى عنها ~~قولان. وجه الوجوب قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} [البقرة: 240] . فنسخ بعض المدة، وبقي ~~باقيها على الوجوب. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر فريعة بالسكنى ~~في بيتها، من غير استئذان الورثة، ولو لم تجب السكنى، لم يكن لها أن تسكن ~~إلا بإذنهم، كما أنها ليس لها أن تتصرف في شيء من مال زوجها بغير إذنهم. # ولنا، أن الله تعالى إنما جعل للزوجة ثمن التركة أو ربعها، وجعل باقيها ~~لسائر الورثة، والمسكن من التركة، فوجب ms4333 أن لا يستحق منه أكثر من ذلك؛ ~~ولأنها بائن من زوجها، فأشبهت المطلقة ثلاثا. وأما إذا كانت حاملا، وقلنا: ~~لها السكنى. فلأنها حامل من زوجها، فوجب لها السكنى. قياسا على المطلقة. # فأما الآية التي احتجوا بها، فإنها منسوخة، وأما أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فريعة بالسكنى، فقضية في عين، يحتمل أنه - عليه السلام - علم ~~أن الوارث يأذن في ذلك، أو يكون الأمر يدل على وجوب السكنى عليها، ويتقيد ~~ذلك بالإمكان، وإذن الوارث من جملة ما يحصل الإمكان به، فإذا قلنا لها ~~السكنى فهي أحق بسكنى المسكن الذي كانت تسكنه من الورثة والغرماء، من رأس ~~مال المتوفى، ولا يباع في دينه بيعا يمنعها السكنى، فيه حتى تقضي العدة، ~~وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وجمهور العلماء، وإن تعذر المسكن، ~~فعلى الوارث أن يكتري لها مسكنا من مال الميت، فإن لم يفعل، أجبره الحاكم، ~~وليس لها أن تنتقل من مسكنها إلا لعذر، كما ذكرنا. وإن اتفق الوارث والمرأة ~~على نقلها عنه، لم يجز؛ لأن هذه السكنى يتعلق بها حق الله تعالى، لأنها تجب ~~للعدة، والعدة يتعلق بها حق الله تعالى، فلم يجز اتفاقهما على إبطالها، ~~بخلاف سكنى النكاح؛ فإنها حق لهما؛ ولأن السكنى هاهنا من الإحداد، فلم يجز ~~الاتفاق على تركها، كسائر خصال الإحداد. # وليس لهم أن يخرجوها، إلا أن تأتي بفاحشة مبينة. لقول الله تعالى: {لا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] . وهي ~~أن تطول لسانها على أحمائها وتؤذيهم # PageV08P160 # بالسب ونحوه. روي ذلك عن ابن عباس. وهو قول الأكثرين. # وقال ابن مسعود، والحسن: هي الزنى لقول الله تعالى: {واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] . وإخراجهن هو ~~الإخراج لإقامة حد الزنى، ثم ترد إلى مكانها. ولنا أن الآية تقتضي الإخراج ~~عن السكنى، وهذا لا يتحقق فيما قالاه. # وأما الفاحشة فهي اسم للزنى وغيره من الأقوال الفاحشة، يقال: أفحش فلان ~~في مقاله. ولهذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قالت له ms4334 عائشة: ~~يا رسول الله، قلت لفلان: بئس أخو العشيرة. فلما دخل ألنت له القول. فقال: ~~يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش» . إذا ثبت هذا، فإن الورثة ~~يخرجونها عن ذلك المسكن، إلى مسكن آخر من الدار إن كانت كبيرة تجمعهم، فإن ~~كانت لا تجمعهم، أو لم يمكن نقلها إلى غيره في الدار، ولم يتخلصوا من أذاها ~~بذلك، فلهم نقلها. وقال بعض أصحابنا: ينتقلون هم عنها؛ لأن سكناها واجب في ~~المكان، وليس بواجب عليهم. # والنص يدل على أنها تخرج، فلا يعرج على ما خالفه؛ ولأن الفاحشة منها، ~~فكان الإخراج لها. وإن كان أحماؤها هم الذين يؤذونها، ويفحشون عليها، نقلوا ~~هم دونها، فإنها لم تأت بفاحشة، فلا تخرج بمقتضى النص، ولأن الذنب لهم ~~فيخصون بالإخراج. وإن كان المسكن لغير الميت فتبرع صاحبه بإسكانها فيه، ~~لزمها الاعتداد به، وإن أبى أن يسكنها إلا بأجرة، وجب بذلها من مال الميت، ~~إلا أن يتبرع إنسان ببذلها، فيلزمها الاعتداد به، فإن حولها صاحب المكان، ~~أو طلب أكثر من أجرة المثل، فعلى الورثة إسكانها إن كان للميت تركة يستأجر ~~لها به مسكن؛ لأنه حق لها يقدم على الميراث، فإن اختارت النقلة عن هذا ~~المسكن الذي ينقلونها إليه، فلها ذلك؛ لأن سكناها به حق لها، وليس بواجب ~~عليها، فإن المسكن الذي كان يجب عليها السكنى به، هو الذي كانت تسكنه حين ~~موت زوجها، وقد سقطت عنها السكنى به، وسواء كان المسكن الذي كانت به ~~لأبويها، أو لأحدهما، أو لغيرهم. # وإن كانت تسكن في دارها فاختارت الإقامة فيها، والسكنى بها متبرعة أو ~~بأجرة تأخذها من التركة، جاز، ويلزم الورثة بذل الأجرة إذا طلبتها، وإن ~~طلبت أن تسكنها غيرها، وتنتقل عنها، فلها ذلك؛ لأنه ليس عليها أن تؤجر ~~دارها ولا تعيرها، وعليهم إسكانها. ### | [فصل تطوع الورثة بإسكان المتوفى عنها زوجها] # (6395) فصل: فأما إذا قلنا: ليس لها السكنى. فتطوع الورثة بإسكانها في ~~مسكن زوجها، أو السلطان أو أجنبي، لزمها الاعتداد به، وإن منعت السكنى به، ~~أو طلبوا منها الأجرة، ms4335 فلها أن تنتقل عنه إلى غيره، كما ذكرنا فيما إذا # PageV08P161 # أخرجها المؤجر عند انقضاء الإجارة، وسواء قدرت على الأجرة، أو عجزت عنها ~~لأنه إنما تلزمها السكنى لا تحصيل المسكن. # وإن كانت في مسكن لزوجها، فأخرجها الورثة منه، وبذلوا لها مسكنا آخر، لم ~~تلزمها السكنى. وكذلك إن أخرجت من المسكن الذي هي به، أو خرجت لأي عارض ~~كان، لم تلزمها السكنى في موضع معين سواه، سواء بذله الورثة أو غيرهم لأنها ~~إنما يلزمها الاعتداد في بيتها الذي كانت فيه، لا في غيره. وكذلك إذا قلنا ~~لها السكنى، فتعذر سكناها في مسكنها وبذل لها سواه. وإن طلبت مسكنا سواه، ~~لزم الورثة تحصيله، بأجرة أو بغيرها، إن خلف الميت تركة تفي بذلك، ويقدم ~~ذلك على الميراث؛ لأنه حق على الميت، فأشبه الدين؛ فإن كان على الميت دين ~~يستغرق ماله، ضربت بأجرة المسكن مع الغرماء؛ لأن حقها مساو لحقوق الغرماء، ~~وتستأجر بما يصيبها موضعا تسكنه. وكذلك الحكم في المطلقة إذا حجر على الزوج ~~قبل أن يطلقها، ثم طلقها، فإنها تضرب بأجرة المسكن لمدة العدة مع الغرماء، ~~إذا كانت حاملا. # فإن قيل: فهلا قدمتم حق الغرماء؛ لأنه أسبق؟ قلنا: لأن حقها ثبت عليه ~~بغير اختيارها، فشاركت الغرماء فيه، كما لو أتلف المفلس مالا لإنسان أو جنى ~~عليه، وإن مات، وهي في مسكنه، لم يجز إخراجها منه؛ لأن حقها تعلق بعين ~~المسكن، قبل تعلق حقوق الغرماء بعينه، فكان حقها مقدما كحق المرتهن. وإن ~~طلب الغرماء بيع هذا المسكن، وتترك السكنى لها مدة العدة، لم يجز؛ لأنها ~~إنما تستحق السكنى إذا كانت حاملا، ومدة الحمل مجهولة، فتصير كما لو باعها ~~واستثنى نفعها مدة مجهولة. وإن أراد الورثة قسمة مسكنها على وجه يضر بها في ~~السكنى، لم يكن لهم ذلك. # وإن أرادوا التعليم بخطوط، من غير نقض ولا بناء، جاز؛ لأنه لا ضرر عليها ~~فيه. (6396) فصل: وإذا قلنا: إنها تضرب مع الغرماء بقدر مدة عدتها. فإنها ~~تضرب بمدة عادتها في وضع الحمل، إن كانت حاملا، وإن كانت مطلقة ms4336 من ذوات ~~القروء، وقلنا: لها السكنى. ضربت بمدة عادتها في القروء، فإن لم تكن لها ~~عادة، ضربت بغالب عادات النساء، وهو تسعة أشهر للحمل، وثلاثة أشهر، لكل قرء ~~شهر، أو بما بقي من ذلك، إن كان قد مضى من مدة حملها شيء؛ لأنه لا يمكن ~~تأخير القسمة لحق الغرماء، فإذا ضربت بذلك، فوافق الصواب، فلم تزد ولم ~~تنقص، استقر الحكم، وتستأجر بما يحصل لها مكانا تسكنه. # وإذا تعذر ذلك، سكنت حيث شاءت. وإن كانت المدة أقل مما ضربت به، مثل إن ~~وضعت حملها لستة أشهر، أو تربصت ثلاثة قروء في شهرين، فعليها رد الفضل ~~وتضرب فيه بحصتها منه. وإن طالت العدة أكثر من ذلك، مثل ذلك مثل إن وضعت ~~حملها في عام، أو رأت ثلاثة قروء في نصف عام، رجعت بذلك على الغرماء، كما ~~يرجعون عليها # PageV08P162 # في صورة النقص. ويحتمل أن لا ترجع به، ويكون في ذمة زوجها؛ لأننا قدرنا ~~ذلك مع تجويز الزيادة، فلم تكن لها الزيادة عليه. ### | [فصل للمعتدة الخروج في حوائجها نهارا] # (6397) فصل: وللمعتدة الخروج في حوائجها نهارا، سواء كانت مطلقة أو متوفى ~~عنها. لما روى «جابر قال طلقت خالتي ثلاثا، فخرجت تجذ نخلها، فلقيها رجل، ~~فنهاها، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال اخرجي، فجذي نخلك، ~~لعلك أن تصدقي منه، أو تفعلي خيرا» . رواه النسائي، وأبو داود. وروى مجاهد، ~~قال: «استشهد رجال يوم أحد فجاءت نساؤهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقلن، يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نستوحش بالليل، أفنبيت عند ~~إحدانا، فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: تحدثن عند إحداكن، حتى إذا أردتن النوم، فلتؤب كل واحدة إلى بيتها» ~~. وليس لها المبيت في غير بيتها، ولا الخروج ليلا، إلا لضرورة؛ لأن الليل ~~مظنة الفساد، بخلاف النهار، فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش، وشراء ما ~~يحتاج إليه. # وإن وجب عليها حق لا يمكن استيفاؤه إلا بها، كاليمين والحد، وكانت ذات ~~خدر، بعث إليها الحاكم من يستوفي الحق ms4337 منها في منزلها، وإن كانت برزة جاز ~~إحضارها لاستيفائه، فإذا فرغت رجعت إلى منزلها. (6398) فصل: والأمة كالحرة ~~في الإحداد والاعتداد في المنزل، إلا أن سكناها في العدة كسكناها في حياة ~~زوجها، للسيد إمساكها نهارا، وإرسالها ليلا، فإن أرسلها ليلا ونهارا، اعتدت ~~زمانها كله في المنزل، وعلى الورثة سكناها فيهما كالحرة سواء. (6399) # فصل: والبدوية كالحضرية في الاعتداد في منزلها الذي مات زوجها وهي ساكنة ~~فيه، فإن انتقلت الحلة، انتقلت معهم؛ لأنها لا يمكنها المقام وحدها، وإن ~~انتقل غير أهلها لزمها المقام معهم، وإن انتقل أهلها انتقلت معهم إلا أن ~~يبقى من الحلة من لا تخاف على نفسها معهم، فتكون مخيرة بين الإقامة ~~والرحيل. وإن هرب أهلها فخافت هربت معهم، وإن أمنت أقامت لقضاء العدة في ~~منزلها. # PageV08P163 ### | [فصل مات صاحب السفينة وامرأته في السفينة ولها مسكن في البر] # (6400) فصل فإن: مات صاحب السفينة وامرأته في السفينة، ولها مسكن في ~~البر، فحكمها حكم المسافرة في البر على ما سنذكره، وإن لم يكن لها مسكن ~~سواها، وكان فيها بيت يمكنها السكنى فيه، بحيث لا تجتمع مع الرجال، وأمكنها ~~المقام فيه، بحيث تأمن على نفسها ومعها محرمها، لزمها أن تعتد به، فإن كانت ~~ضيقة وليس معها محرمها، أو لا يمكنها الإقامة فيها إلا بحيث تختلط بالرجال، ~~لزمها الانتقال منها إلى موضع سواها. ### | [مسألة المطلقة ثلاثا تتوقى الطيب والزينة] # (6401) مسألة: قال: (والمطلقة ثلاثا، تتوقى الطيب، والزينة، والكحل ~~بالإثمد) اختلفت الرواية عن أحمد، في وجوب الإحداد على المطلقة البائن؛ ~~فعنه، يجب عليها. وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب ~~الرأي. والثانية، لا يجب عليها. وهو قول عطاء، وربيعة، ومالك، وابن المنذر ~~ونحوه قول الشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحل لامرأة ~~تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج، ~~أربعة أشهر وعشرا» . وهذه عدة الوفاة، فيدل على أن الإحداد إنما يجب في عدة ~~الوفاة؛ ولأنها معتدة عن غير وفاة، فلم يجب عليها الإحداد، كالرجعية، ~~والموطوءة ms4338 بشبهة، ولأن الإحداد في عدة الوفاة لإظهار الأسف على فراق زوجها ~~وموته، فأما الطلاق فإنه فارقها باختيار نفسه، وقطع نكاحها، فلا معنى ~~لتكليفها الحزن عليه؛ ولأن المتوفى عنها لو أتت بولد، لحق الزوج، وليس له ~~من ينفيه، فاحتيط عليها بالإحداد، لئلا يلحق بالميت من ليس منه، بخلاف ~~المطلقة، فإن زوجها باق، فهو يحتاط عليها بنفسه، وينفي ولدها إذا كان من ~~غيره. # ووجه الرواية الأولى، أنها معتدة بائن من نكاح، فلزمها الإحداد، كالمتوفى ~~عنها زوجها، وذلك لأن العدة تحرم النكاح، فحرمت دواعيه. ويخرج على هذا ~~الرجعية، فإنها زوجة، والموطوءة بشبهة ليست معتدة من نكاح، فلم تكمل ~~الحرمة. فأما الحديث، فإنما مدلوله تحريم الإحداد على ميت غير الزوج، ونحن ~~نقول به؛ ولهذا جاز الإحداد هاهنا بالإجماع، فإذا قلنا يلزمها الإحداد، ~~لزمها شيئان؛ توقي الطيب، والزينة في نفسها، على ما قدمنا فيها، ولا تمنع ~~من النقاب، ولا من الاعتداد في غير منزلها، ولذلك أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فاطمة بنت قيس، أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم. على ما سنذكره، ~~إن شاء الله تعالى. (6402) # فصل: وإذا كانت المبتوتة حاملا، وجب لها السكنى، رواية واحدة. ولا نعلم ~~بين أهل العلم خلافا فيه، وإن لم تكن حاملا ففيها روايتان؛ # PageV08P164 # إحداهما، لا يجب لها ذلك. وهو قول ابن عباس، وجابر. وبه قال عطاء، ~~وطاووس، والحسن، وعمرو بن ميمون، وعكرمة، وإسحاق، وأبو ثور، وداود. ~~والثانية يجب لها ذلك، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وسعيد بن ~~المسيب، والقاسم، وسالم، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وسليمان ~~بن يسار ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لقول الله تعالى: {لا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] . # وقال تعالى {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ~~وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] . فأوجب لهن ~~السكنى مطلقا، ثم خص الحامل بالإنفاق عليها. ولنا ما روت فاطمة بنت قيس، ~~«أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة، ms4339 وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، ~~فتسخطته، فقال والله ما لك علينا من شيء. فجاءت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فذكرت ذلك له، فقال لها: ليس لك عليه نفقة ولا سكنى. فأمرها أن ~~تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: إن تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي في بيت ابن ~~أم مكتوم» متفق عليه. فإن قيل: فقد أنكر عليها عمر، وقال ما كنا لندع كتاب ~~ربنا، وسنة نبينا، لقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت. # وقال عروة: لقد عابت عائشة ذلك أشد العيب،؟ وقال: إنها كانت في مكان وحش، ~~فخيف على ناحيتها.؟ وقال: سعيد بن المسيب، تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت ~~لسنة، فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى. قلنا: أما مخالفة الكتاب، فإن ~~فاطمة لما أنكروا عليها، قالت: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: {لا ~~تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] . فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ ~~فكيف # PageV08P165 # تقولون: لا نفقة لها، إذا لم تكن حاملا فعلام تحبسونها؟ فكيف تحبس امرأة ~~بغير نفقة؟ وأما قولهم: إن عمر قال: لا ندع كتاب ربنا. # فقد أنكر أحمد هذا القول عن عمر، قال ولكنه قال: لا نجيز في ديننا قول ~~امرأة. وهذا مجمع على خلافه، وقد أخذنا بخبر فريعة، وهي امرأة، وبرواية ~~عائشة وأزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كثير من الأحكام، وصار ~~أهل العلم إلى خبر فاطمة هذا في كثير من الأحكام، مثل سقوط نفقة المبتوتة ~~إذا لم تكن حاملا، ونظر المرأة إلى الرجال، وخطبة الرجل، على خطبة أخيه إذا ~~لم تكن سكنت إلى الأول. # وأما تأويل من تأول حديثها، فليس بشيء فإنها تخالفهم في ذلك، وهي أعلم ~~بحالها، ولم يتفق المتأولون على شيء، وقد رد على من رد عليها، فقال ميمون ~~بن مهران لسعيد بن المسيب، لما قال: تلك امرأة فتنت الناس: لئن كانت إنما ~~أخذت بما أفتاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فتنت الناس، وإن لنا ~~في رسول الله - صلى الله عليه ms4340 وسلم - أسوة حسنة، مع أنها أحرم الناس عليه، ~~ليس له عليها رجعة، ولا بينهما ميراث. وقول عائشة: إنها كانت في مكان وحش. ~~لا يصح؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل بغير ذلك، فقال: «يا ابنة آل ~~قيس، إنما السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك الرجعة» . هكذا رواه الحميدي، ~~والأثرم. ولأنه لو صح ما قالته عائشة أو غيرها من التأويل، ما احتاج عمر في ~~رده إلى أن يعتذر بأنه قول امرأة. # ثم فاطمة صاحبة القصة، وهي أعرف بنفسها وبحالها، وقد أنكرت على من أنكر ~~عليها، وردت على من رد خبرها، أو تأوله بخلاف ظاهره، فيجب تقديم قولها؛ ~~لمعرفتها بنفسها، وموافقتها ظاهر الخبر، كما في سائر ما هذا سبيله. ### | [فصل لا يتعين الموضع الذي تسكنه المعتدة في الطلاق] # (6403) فصل: قال أصحابنا: ولا يتعين الموضع الذي تسكنه في الطلاق، سواء ~~قلنا: لها السكنى. أو لم نقل، بل يتخير الزوج بين إقرارها في الموضع الذي ~~طلقها فيه، وبين نقلها إلى مسكن مثلها، والمستحب إقرارها، لقوله تعالى {لا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] . # ولأن فيه خروجا من الخلاف، فإن الذين ذكرنا عنهم أن لها السكنى، يرون ~~وجوب الاعتداد عليها في منزلها، فإن كانت في بيت يملك الزوج سكناه، ويصلح ~~لمثلها، اعتدت فيه، فإن ضاق عنهما، انتقل عنها وتركه لها؛ لأنه يستحب ~~سكناها في الموضع الذي طلقها فيه، وإن اتسع الموضع لهما، وفي الدار موضع ~~لها منفرد كالحجرة أو علو الدار أو سفلها، وبينهما باب مغلق، سكنت فيه، ~~وسكن الزوج في الباقي، لأنهما # PageV08P166 # كالحجرتين المتجاورتين، وإن لم يكن بينهما باب مغلق، لكن لها موضع تتستر ~~فيه، بحيث لا يراها، ومعها محرم تتحفظ به، جاز؛ لأن مع المحرم يؤمن الفساد، ~~ويكره في الجملة؛ لأنه لا يؤمن النظر، وإن لم يكن معها محرم، لم يجز؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يخلون رجل بامرأة ليست له بمحرم؛ فإن ~~ثالثهما الشيطان» وإن امتنع من إسكانها، وكانت ممن لها عليه السكنى، أجبره ms4341 ~~الحاكم، فإن كان الحاكم معدوما، رجعت على الزوج، وإن كان الحاكم موجودا، ~~فهل ترجع؟ على روايتين. وإن كان الزوج حاضرا، ولم يمنعها من المسكن، فاكترت ~~لنفسها موضعا، أو سكنت في موضع تملكه، لم ترجع بالأجرة لأنها تبرعت بذلك ~~فلم ترجع به على أحد. # وإن عجز الزوج عن إسكانها؛ لعسرته، أو غيبته، أو امتنع من ذلك مع قدرته؛ ~~سكنت حيث شاءت. وكذلك المتوفى عنها زوجها، إذا لم يسكنها ورثته؛ لأنه إنما ~~تلزمها السكنى في منزله لتحصين مائه، فإذا لم تفعل، لم يلزمها ذلك. ### | [مسألة خرجت المرأة إلى الحج فتوفي عنها زوجها وهي بالقرب] # (6404) مسألة: قال: (وإذا خرجت إلى الحج فتوفي عنها زوجها، وهي بالقرب، ~~رجعت لتقضي العدة، فإن كانت قد تباعدت، مضت في سفرها، فإن رجعت وقد بقي من ~~عدتها شيء، أتت به في منزلها) وجملته أن المعتدة من الوفاة ليس لها أن تخرج ~~إلى الحج، ولا إلى غيره. روي ذلك عن عمر، وعثمان، - رضي الله عنهما -. وبه ~~قال سعيد بن المسيب، والقاسم، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد وأصحاب الرأي، ~~والثوري. # وإن خرجت، فمات زوجها في الطريق، رجعت إن كانت قريبة؛ لأنها في حكم ~~الإقامة، وإن تباعدت، مضت في سفرها. وقال مالك: ترد ما لم تحرم. والصحيح أن ~~البعيدة لا ترد؛ لأنه يضر بها، وعليها مشقة، ولا لها من سفر وإن رجعت. قال ~~القاضي: ينبغي أن يحد القريب بما لا تقصر فيه الصلاة، والبعيد ما تقصر فيه؛ ~~لأن ما لا تقصر الصلاة فيه أحكامه أحكام الحضر. وهذا قول أبي حنيفة، إلا ~~أنه لا يرى القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام. فقال: متى كان بينها وبين ~~مسكنها دون ثلاثة أيام، فعليها الرجوع إليه، وإن كان فوق ذلك لزمها المضي ~~إلى مقصدها، والاعتداد فيه إذا كان بينها وبينه دون ثلاثة أيام، وإن كان ~~بينه وبينها ثلاثة أيام، وفي موضعها الذي هي به موضع يمكنها الإقامة فيه، ~~لزمها الإقامة، وإن لم يمكنها الإقامة، مضت إلى مقصدها. # وقال الشافعي: إن فارقت البنيان، فلها الخيار بين الرجوع ms4342 والتمام؛ لأنها ~~صارت في موضع أذن لها زوجها فيه، وهو السفر، فأشبه ما لو كانت قد بعدت. ~~ولنا، على وجوب الرجوع إذا كانت قريبة، ما روى سعيد، ثنا جرير، عن منصور، ~~عن سعيد بن # PageV08P167 # المسيب قال: توفي أزواج، نساؤهن حاجات أو معتمرات، فردهن عمر من ذي ~~الحليفة، حتى يعتددن في بيوتهن. ولأنه أمكنها الاعتداد في منزلها قبل أن ~~يبعد سفرها، فلزمها، كما لو لم تفارق البنيان. وعلى أن البعيدة لا يلزمها ~~الرجوع؛ لأن عليها مشقة وتحتاج إلى سفر في رجوعها، فأشبهت من بلغت مقصدها. # وإن اختارت البعيدة الرجوع، فلها ذلك إذا كانت تصل إلى منزلها قبل انقضاء ~~عدتها، ومتى كان عليها في الرجوع خوف أو ضرر، فلها المضي في سفرها، كما لو ~~بعدت، ومتى رجعت، وقد بقي عليها شيء، من عدتها، لزمها أن تأتي به في منزل ~~زوجها، بلا خلاف نعلمه بينهم في ذلك؛ لأنه أمكنها الاعتداد فيه، فلزمها كما ~~لو لم تسافر منه. (6405) فصل: ولو كانت عليها حجة الإسلام، فمات زوجها، ~~لزمتها العدة في منزلها وإن فاتها الحج؛ لأن العدة في المنزل تفوت، ولا بدل ~~لها، والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام. # وإن مات زوجها بعد إحرامها بحج الفرض، أو بحج أذن لها زوجها فيه، نظرت؛ ~~فإن كان وقت الحج متسعا، لا تخاف فوته، ولا فوت الرفقة، لزمها الاعتداد في ~~منزلها؛ لأنه أمكن الجمع بين الحقين، فلم يجز إسقاط أحدهما، وإن خشيت فوات ~~الحج، لزمها المضي فيه. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يلزمها المقام وإن فاتها الحج؛ لأنها معتدة، فلم يجز لها ~~أن تنشئ سفرا، كما لو أحرمت بعد وجوب العدة عليها. ولنا، أنهما عبادتان ~~استويا في الوجوب، وضيق الوقت، فوجب تقديم الأسبق منهما، كما لو كانت العدة ~~أسبق؛ ولأن الحج آكد؛ لأنه أحد أركان الإسلام، والمشقة بتفويته تعظم، فوجب ~~تقديمه كما لو مات زوجها بعد أن بعد سفرها إليه. # وإن أحرمت بالحج بعد موت زوجها، وخشيت فواته، احتمل أن يجوز لها المضي ~~إليه؛ لما في ms4343 بقائها في الإحرام من المشقة، واحتمل أن يلزمها الاعتداد في ~~منزلها؛ لأن العدة أسبق؛ ولأنها فرطت وغلطت على نفسها، فإذا قضت العدة، ~~وأمكنها السفر إلى الحج، لزمها ذلك، فإن أدركته، وإلا تحللت بعمل عمرة، ~~وحكمها في القضاء حكم من فاته الحج، وإن لم يمكنها السفر، فحكمها حكم ~~المحصر، كالتي يمنعها زوجها من السفر. وحكم الإحرام بالعمرة كذلك، إذا خيف ~~فوات الرفقة أو لم يخف. # PageV08P168 ### | [فصل معتدة أذن لها زوجها للسفر لغير النقلة فخرجت ثم مات] # (6406) فصل: وإذا أذن لها زوجها للسفر لغير النقلة، فخرجت ثم مات زوجها، ~~فالحكم في ذلك كالحكم في سفر الحج، على ما ذكرنا من التفصيل. وإذا مضت إلى ~~مقصدها، فلها الإقامة حتى تقضي ما خرجت إليه، وتنقضي حاجتها من تجارة أو ~~غيرها. وإن كان خروجها لنزهة أو زيارة، أو لم يكن قدر لها مدة، فإنها تقيم ~~إقامة المسافر ثلاثا، وإن قدر لها مدة، فلها إقامتها؛ لأن سفرها بحكم إذنه، ~~فكان لها إقامة ما أذن لها فيه، فإذا مضت مدتها، أو قضت حاجتها، ولم يمكنها ~~الرجوع؛ لخوف أو غيره، أتمت العدة في مكانها، وإن أمكنها الرجوع، لكن لا ~~يمكنها الوصول إلى منزلها حتى تنقضي عدتها، لزمتها الإقامة في مكانها؛ لأن ~~الاعتداد وهي مقيمة أولى من الإتيان بها في السفر. # وإن كانت تصل وقد بقي من عدتها شيء، لزمها العود؛ لتأتي بالعدة في ~~مكانها. (6407) فصل: وإن أذن الزوج لها في الانتقال إلى دار أخرى، أو بلد ~~آخر، فمات قبل انتقالها، لزمها الاعتداد في الدار التي هي بها؛ لأنها ~~بيتها، وسواء مات قبل نقل متاعها أو بعده؛ لأنها مسكنها، ما لم تنتقل عنه. ~~وإن مات بعد انتقالها إلى الثانية، اعتدت فيها؛ لأنها مسكنها، وسواء كانت ~~قد نقلت متاعها، أو لم تنقله. # وإن مات وهي بينهما، فهي مخيرة؛ لأنها لا مسكن لها منهما. فإن الأولى قد ~~خرجت عنها منتقلة، فخرجت عن كونها مسكنا لها، والثانية لم تسكن بها، فهما ~~سواء. وقيل: يلزمها الاعتداد في الثانية؛ لأنها المسكن الذي أذن لها ms4344 زوجها ~~في السكنى به. وهذا يمكن في الدارين، فأما إذا كانا بلدين، لم يلزمها ~~الانتقال إلى البلد الثاني بحال؛ لأنها إنما كانت تنتقل لغرض زوجها في ~~صحبتها إياه، وإقامتها معه، فلو ألزمناها ذلك بعد موته، لكلفناها السفر ~~الشاق، والتغرب عن وطنها وأهلها، والمقام مع غير محرمها، والمخاطرة بنفسها، ~~مع فوات الغرض، وظاهر حال الزوج أنه لو علم أنه يموت، لما نقلها، فصارت ~~الحياة مشروطة في النقلة. # فأما إن انتقلت إلى الثانية، ثم عادت إلى الأولى لنقل متاعها، فمات زوجها ~~وهي بها، فعليها الرجوع إلى الثانية؛ لأنها صارت مسكنها بانتقالها إليها، ~~وإنما عادت إلى الأولى لحاجة، والاعتبار بمسكنها دون موضعها. وإن مات وهي ~~في الثانية، فقالت: أذن لي زوجي في السكنى بهذا المكان. وأنكر ذلك الورثة، ~~أو قالت: إنما أذن لي زوجي في المجيء إليه، لا في الإقامة به. وأنكر ذلك ~~الورثة، فالقول قولها؛ لأنها أعرف بذلك منهم. وكل موضع قلنا: يلزمها السفر ~~عن بلدها. فهو مشروط بوجود محرمها مسافرا معها، والأمن على نفسها؛ لقول ~~رسول الله # PageV08P169 # - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن ~~تسافر مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم من أهلها» . أو كما قال. (6408) # مسألة: قال: (وإذا طلقها زوجها، أو مات عنها، وهو ناء عنها، فعدتها من ~~يوم مات أو طلق، إذا صح ذلك عندها، وإن لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة) هذا ~~المشهور في المذهب، وأنه متى مات زوجها أو طلقها، فعدتها من يوم موته ~~وطلاقه. قال أبو بكر لا خلاف عن أبي عبد الله أعلمه، أن العدة تجب من حين ~~الموت والطلاق، إلا ما رواه إسحاق بن إبراهيم وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، ~~وابن مسعود، ومسروق، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن سيرين، ومجاهد، وسعيد بن ~~جبير، وعكرمة، وطاوس، وسليمان بن يسار، وأبي قلابة، وأبي العالية، والنخعي، ~~ونافع، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور وأصحاب ~~الرأي وعن. أحمد: إن قامت بذلك بينة، فكما ذكرنا. وإلا فعدتها من يوم ~~يأتيها الخبر. ms4345 # وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز. ويروى عن علي، والحسن، ~~وقتادة، وعطاء الخراساني، وخلاس بن عمرو، أن عدتها من يوم يأتيها الخبر؛ ~~لأن العدة اجتناب أشياء، وما اجتنبتها. # ولنا، أنها لو كانت حاملا، فوضعت حملها غير عالمة بفرقة زوجها، لانقضت ~~عدتها، فكذلك سائر أنواع العدد؛ ولأنه زمان عقيب الموت أو الطلاق، فوجب أن ~~تعتد به، كما لو كان حاضرا، ولأن القصد غير معتبر في العدة، بدليل أن ~~الصغيرة والمجنونة تنقضي عدتهما من غير قصد، ولم يعدم هاهنا إلا القصد، ~~وسواء في هذا اجتنبت ما تجتنبه المعتدات، أو لم تجتنبه، فإن الإحداد الواجب ~~ليس بشرط في العدة، فلو تركته قصدا، أو عن غير قصد، لانقضت عدتها، فإن الله ~~تعالى قال: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . وقال: {فعدتهن ~~ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] . وقال: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 4] . وفي اشتراط الإحداد مخالفة هذه النصوص، فوجب أن لا يشترط. # PageV08P170 ### | [كتاب الرضاع] # الأصل في التحريم بالرضاع الكتاب والسنة والإجماع؛ وأما الكتاب فقول الله ~~تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] . ~~ذكرهما الله سبحانه في جملة المحرمات. وأما السنة، فما روت عائشة، أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» . متفق ~~عليه، وفي لفظ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . رواه النسائي. وعن ابن ~~عباس، قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بنت حمزة: لا تحل لي، ~~يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة» . متفق عليه. ~~في أخبار كثيرة، نذكر أكثرها إن شاء الله تعالى في تضاعيف الباب. # وأجمع علماء الأمة على التحريم بالرضاع. إذا ثبت هذا، فإن تحريم الأم ~~والأخت ثبت بنص الكتاب، وتحريم البنت ثبت بالتنبيه، فإنه إذا حرمت الأخت ~~فالبنت أولى، وسائر المحرمات ثبت تحريمهن بالسنة. وتثبت المحرمية؛ لأنها ~~فرع على التحريم إذا كان بسبب مباح، فأما بقية أحكام النسب؛ من النفقة، ~~والعتق، ورد الشهادة، وغير ذلك، فلا يتعلق به؛ لأن النسب أقوى ms4346 منه، فلا ~~يقاس عليه في جميع أحكامه، وإنما يشبه به فيما نص عليه فيه. ### | [مسألة الرضاع الذي لا يشك في تحريمه] # (6409) مسألة: قال أبو القاسم، - رحمه الله -: (والرضاع الذي لا يشك في ~~تحريمه، أن يكون خمس رضعات فصاعدا) في هذه المسألة مسألتان: (6410) المسألة ~~الأولى، أن الذي يتعلق به التحريم خمس رضعات فصاعدا. هذا الصحيح في المذهب. ~~وروي هذا عن عائشة، وابن مسعود، وابن الزبير، وعطاء، وطاوس. وهو قول ~~الشافعي. # وعن أحمد رواية ثانية أن قليل الرضاع وكثيره يحرم. وروي ذلك عن علي، وابن ~~عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، ومكحول، والزهري، وقتادة، والحكم، ~~وحماد، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وأصحاب الرأي. وزعم الليث أن ~~المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر به ~~الصائم. واحتجوا بقول الله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة} [النساء: 23] . وقوله - عليه السلام -: «يحرم من الرضاعة ما يحرم ~~من النسب» . # PageV08P171 # وعن عقبة بن الحارث، «أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، ~~فقالت: قد أرضعتكما. فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كيف، ~~وقد زعمت أن قد أرضعتكما» . متفق عليه. # ولأن ذلك فعل يتعلق به تحريم مؤبد، فلم يعتبر فيه العدد، كتحريم أمهات ~~النساء، ولا يلزم اللعان؛ لأنه قول. والرواية الثالثة لا يثبت التحريم إلا ~~بثلاث رضعات. وبه قال أبو ثور، وأبو عبيد، وداود، وابن المنذر؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «لا تحرم المصة ولا المصتان» . وعن أم الفضل بنت ~~الحارث، قالت: قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحرم الإملاجة ولا ~~الإملاجتان» . رواهما مسلم. ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار، يعتبر فيه ~~الثلاث. # وروي عن حفصة: لا يحرم دون عشر رضعات. وروي ذلك عن عائشة؛ لأن عروة روى ~~في حديث سهلة بنت سهيل: فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~بلغنا: «أرضعيه عشر رضعات، فيحرم بلبنها» . ووجه الأولى، ما روي عن عائشة، ~~أنها قالت: أنزل في القرآن " عشر رضعات معلومات يحرمن ". فنسخ من ms4347 ذلك خمس، ~~وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والأمر على ذلك. رواه مسلم. وروى مالك عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن ~~سهلة بنت سهيل: «أرضعي سالما خمس رضعات، فيحرم بلبنها» والآية فسرتها ~~السنة، وبينت الرضاعة المحرمة، وصريح ما رويناه يخص مفهوم ما رووه، فنجمع ~~بين الأخبار، ونحملها على الصريح الذي رويناه. (6411) # فصل: وإذا وقع الشك في وجود الرضاع، أو في عدد الرضاع المحرم، هل كملا أو ~~لا؟ لم يثبت التحريم؛ لأن الأصل عدمه، فلا نزول عن اليقين بالشك، كما لو شك ~~في وجود الطلاق وعدده. # PageV08P172 # (6412) المسألة الثانية: أن تكون الرضعات متفرقات، وبهذا قال الشافعي. ~~والمرجع في معرفة الرضعة إلى العرف لأن الشرع ورد بها مطلقا، ولم يحدها ~~بزمن ولا مقدار، فدل ذلك على أنه ردهم إلى العرف، فإذا ارتضع الصبي، وقطع ~~قطعا بينا باختياره، كان ذلك رضعة، فإذا عاد كانت رضعة، أخرى. # فأما إن قطع لضيق نفس، أو للانتقال من ثدي إلى ثدي، أو لشيء يلهيه، أو ~~قطعت عليه المرضعة، نظرنا؛ فإن لم يعد قريبا فهي رضعة، وإن عاد في الحال، ~~ففيه وجهان أحدهما، أن الأولى رضعة، فإذا عاد فهي رضعة أخرى. وهذا اختيار ~~أبي بكر، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل، فإنه قال: أما ترى الصبي يرتضع من ~~الثدي، فإذا أدركه النفس أمسك عن الثدي ليتنفس أو يستريح، فإذا فعل ذلك فهي ~~رضعة، وذلك لأن الأولى رضعة لو لم يعد، فكانت رضعة وإن عاد، كما لو قطع ~~باختياره. والوجه الآخر، أن جميع ذلك رضعة. وهو مذهب الشافعي، إلا فيما إذا ~~قطعت عليه المرضعة، ففيه وجهان؛ لأنه لو حلف: لا أكلت اليوم إلا أكلة ~~واحدة. # فاستدام الأكل زمنا، أو قطع لشرب الماء أو انتقال من لون إلى لون، أو ~~انتظار لما يحمل إليه من الطعام، لم يعد إلا أكلة واحدة، فكذا هاهنا. ~~والأول أصح؛ لأن اليسير من السعوط والوجور رضعة، فكذا هذا. ### | [مسألة السعوط كالرضاع وكذلك الوجور] # (6413) مسألة؛ قال: الشافعي: (والسعوط كالرضاع، ms4348 وكذلك الوجور) معنى ~~السعوط: أن يصب اللبن في أنفه من إناء أو غيره. والوجور: أن يصب في حلقه ~~صبا من غير الثدي. واختلفت الرواية في التحريم بهما، فأصح الروايتين أن ~~التحريم يثبت بذلك، كما يثبت بالرضاع. وهو قول الشعبي والثوري، وأصحاب ~~الرأي. وبه قال مالك في الوجور. # والثانية لا يثبت بهما التحريم. وهو اختيار أبي بكر، ومذهب داود وقول ~~عطاء الخراساني في السعوط؛ لأن هذا ليس برضاع، وإنما حرم الله تعالى ورسوله ~~بالرضاع، ولأنه حصل من غير ارتضاع، فأشبه ما لو دخل من جرح في بدنه. ولنا، ~~ما روى ابن مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا رضاع، إلا ما أنشز ~~العظم، وأنبت اللحم» رواه أبو داود. ولأن هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل ~~بالارتضاع، ويحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم ما يحصل من الارتضاع، ~~فيجب أن يساويه في التحريم، والأنف سبيل الفطر للصائم. فكان سبيلا للتحريم، ~~كالرضاع بالفم. # PageV08P173 # (6414) فصل: وإنما يحرم من ذلك مثل الذي يحرم بالرضاع، وهو خمس في ~~الرواية المشهورة، فإنه فرع على الرضاع، فيأخذ حكمه، فإن ارتضع وكمل الخمس ~~بسعوط أو وجور، أو استعط أو أوجر، وكمل الخمس برضاع، ثبت التحريم؛ لأنا ~~جعلناه كالرضاع في أصل التحريم، فكذلك في إكمال العدد، ولو حلبت في إناء ~~دفعة واحدة، ثم سقته غلاما في خمسة أوقات، فهو خمس رضعات، فإنه لو أكل من ~~طعام خمس أكلات متفرقات، لكان قد أكل خمس أكلات. # وإن حلبت في إناء حلبات في خمسة أوقات، ثم سقته دفعة واحدة كان رضعة ~~واحدة، كما لو جعل الطعام في إناء واحد في خمسة أوقات، ثم أكله دفعة واحدة، ~~كان أكلة واحدة. وحكي عن الشافعي قول في الصورتين عكس ما قلنا اعتبارا ~~لخروجه منها؛ لأن الاعتبار بالرضاع، والوجور فرعه. ولنا أن، الاعتبار بشرب ~~الصبي له؛ لأنه المحرم، ولهذا ثبت التحريم به من غير رضاع، ولو ارتضع بحيث ~~يصل إلى فيه، ثم مجه، لم يثبت التحريم، فكان الاعتبار به، وما وجد منه إلا ~~دفعة واحدة، ms4349 فكان رضعة واحدة، وإن سقته في أوقات، فقد وجد في خمسة أوقات، ~~فكان خمس رضعات، فأما إن سقته اللبن المجموع جرعة بعد جرعة متتابعة، فظاهر ~~قول الخرقي أنه رضعة واحدة؛ لاعتباره خمس رضعات متفرقات؛ ولأن المرجع في ~~الرضعة إلى العرف، وهم لا يعدون هذا رضعات، فأشبه ما لو أكل الآكل الطعام ~~لقمة بعد لقمة، فإنه لا يعد أكلات. # ويحتمل أن يرجع على ما إذا قطعت عليه المرضعة الرضاع، على ما قدمنا. ### | [فصل عمل اللبن جبنا ثم أطعمه الصبي هل يثبت به التحريم] # (6415) فصل: وإن عمل اللبن جبنا ثم أطعمه الصبي، ثبت به التحريم. وبهذا ~~قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يحرم به؛ لزوال الاسم. وكذلك على الرواية ~~التي تقول: لا يثبت التحريم بالوجور. لا يثبت هاهنا بطريق الأولى. ولنا، ~~أنه واصل من الحلق، يحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم، فحصل به التحريم، ~~كما لو شربه. (6416) # فصل: فأما الحقنة، فقال أبو الخطاب: المنصوص عن أحمد؛ أنها لا تحرم. وهو ~~مذهب أبي حنيفة، ومالك. وقال ابن حامد، وابن أبي موسى: تحرم، وهذا مذهب ~~الشافعي؛ لأنه سبيل يحصل بالواصل منه الفطر، فتعلق به التحريم، كالرضاع. # PageV08P174 # ولنا، أن هذا ليس برضاع، ولا يحصل به التغذي، فلم ينشر الحرمة، كما لو ~~قطر في إحليله؛ ولأنه ليس برضاع، ولا في معناه، فلم يجز إثبات حكمه فيه، ~~ويفارق فطر الصائم، فإنه لا يعتبر فيه إنبات اللحم، ولا إنشاز العظم، وهذا ~~لا يحرم فيه إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم؛ ولأنه وصل اللبن إلى الباطن من ~~غير الحلق، أشبه ما لو وصل من جرح. ### | [مسألة الرضاعة باللبن المختلط بغيره] # (6417) مسألة: قال: (واللبن المشوب كالمحض) المشوب: المختلط بغيره. ~~والمحض: الخالص الذي لا يخالطه سواه. وسوى الخرقي بينهما، سواء شيب بطعام ~~أو شراب أو غيره. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو بكر: قياس قول أحمد، أنه لا ~~يحرم؛ لأنه وجور. # وحكي عن ابن حامد أنه قال: إن كان الغالب اللبن حرم، وإلا فلا. وهو قول ~~أبي ثور، والمزني؛ لأن الحكم للأغلب، ms4350 ولأنه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد ~~به. ونحو هذا قول أصحاب الرأي، وزادوا، فقالوا: إن كانت النار قد مست اللبن ~~حتى أنضجت الطعام، أو حتى تغير، فليس برضاع. ووجه الأول، أن اللبن متى كان ~~ظاهرا، فقد حصل شربه، ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز العظم، فحرم، كما لو ~~كان غالبا، وهذا فيما إذا كانت صفات اللبن باقية، فأما إن صب في ماء كثير ~~لم يتغير به، لم يثبت به التحريم؛ لأن هذا ليس بلبن مشوب، ولا يحصل به ~~التغذي، ولا إنبات اللحم ولا إنشاز العظم. # وحكي عن القاضي، أن التحريم يثبت به. وهو قول الشافعي؛ لأن أجزاء اللبن ~~حصلت في بطنه، فأشبه ما لو كان لونه ظاهرا. ولنا، أن هذا ليس برضاع، ولا في ~~معناه، فوجب أن لا يثبت حكمه فيه. (6418) فصل: وإن حلب من نسوة، وسقيه ~~الصبي، فهو كما لو ارتضع من كل واحدة منهن؛ لأنه لو شيب بماء أو عسل، لم ~~يخرج عن كونه رضاعا محرما، فكذلك، إذا شيب بلبن آخر. ### | [مسألة الرضاع بلبن الميتة] # (6419) مسألة؛ قال: (ويحرم لبن الميتة، كما يحرم لبن الحية؛ لأن اللبن لا ~~يموت) المنصوص عن أحمد، في رواية إبراهيم الحربي، أنه ينشر الحرمة. وهو ~~اختيار أبي بكر. وهو قول أبي ثور، والأوزاعي، وابن القاسم، وأصحاب الرأي، ~~وابن المنذر. وقال الخلال: لا ينشر الحرمة. # PageV08P175 # وتوقف عنه أحمد، في رواية مهنا. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه لبن ممن ليس بمحل ~~للولادة، فلم يتعلق به التحريم. كلبن الرجل. # ولنا، أنه وجد الارتضاع، على وجه ينبت اللحم وينشز العظم من امرأة، فأثبت ~~التحريم، كما لو كانت حية؛ ولأنه لا فارق بين شربه في حياتها وموتها إلا ~~الحياة والموت أو النجاسة، وهذا لا أثر له، فإن اللبن لا يموت، والنجاسة لا ~~تمنع، كما لو حلب في وعاء نجس؛ ولأنه لو حلب منها في حياتها، فشربه بعد ~~موتها، لنشر الحرمة، وبقاؤه في ثديها لا يمنع ثبوت الحرمة؛ لأن ثديها لا ~~يزيد على الإناء في عدم الحياة، وهي لا تزيد على عظم ms4351 الميتة في ثبوت ~~النجاسة. (6420) # فصل: ولو حلبت المرأة لبنها في إناء، ثم ماتت، فشربه صبي، نشر الحرمة. في ~~قول كل من جعل الوجور محرما. وبه قال أبو ثور، والشافعي وأصحاب الرأي، ~~وغيرهم؛ وذلك لأنه لبن امرأة في حياتها، فأشبه ما لو شربه وهي في الحياة. ### | [مسألة حلبت ممن يلحق نسب ولدها به فثاب لها لبن فأرضعت به طفلا] # (6421) مسألة؛ قال: (وإذا حلبت ممن يلحق نسب ولدها به، فثاب لها لبن، ~~فأرضعت به طفلا خمس رضعات متفرقات، في حولين، حرمت عليه، وبناتها من أبي ~~هذا الحمل، ومن غيره، وبنات أبي هذا الحمل منها ومن غيرها. وإن أرضعت صبية، ~~فقد صارت ابنة لها ولزوجها؛ لأن اللبن من الحمل الذي هو منه) وجملة ذلك أن ~~المرأة إذا حملت من رجل وثاب لها لبن فأرضعت به طفلا رضاعا محرما، صار ~~الطفل المرتضع ابنا للمرضعة، بغير خلاف، وصار أيضا ابنا لمن ينسب الحمل ~~إليه، فصار في التحريم وإباحة الخلوة ابنا لهما، وأولاده من البنين والبنات ~~أولاد أولادهما، وإن نزلت درجتهم، وجميع أولاد المرضعة من زوجها ومن غيره، ~~وجميع أولاد الرجل الذي انتسب الحمل إليه من المرضعة ومن غيرها، إخوة ~~المرتضع، وأخواته، وأولاد أولادها أولاد إخوته وأخواته، وإن نزلت درجتهم، ~~وأم المرضعة جدته وأبوها جده، وإخوتها أخواله، وأخواتها خالاته، وأبو الرجل ~~جده، وأمه جدته، وإخوته أعمامه، وأخواته عماته، وجميع أقاربهما ينتسبون إلى ~~المرتضع كما ينتسبون إلى ولدهما من النسب؛ لأن اللبن الذي ثاب للمرأة مخلوق ~~من ماء الرجل والمرأة، فنشر التحريم إليهما، ونشر الحرمة إلى الرجل وإلى ~~أقاربه، وهو الذي يسمى لبن الفحل. # وفي التحريم به اختلاف، ذكرناه في باب ما يحرم نكاحه، والجمع بينه، ~~والحجة القاطعة فيه، ما روت عائشة «، أن أفلح # PageV08P176 # أخا أبي القعيس، استأذن علي بعد ما أنزل الحجاب، فقلت: والله لا آذن له ~~حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن أخا أبي القعيس ليس هو ~~أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس. فدخل علي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقلت: ms4352 يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الرجل ليس هو ~~أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته. قال: ائذني له، فإنه عمك، تربت يمينك. قال ~~عروة: فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب» . ~~متفق عليه. # وسئل ابن عباس، عن رجل تزوج امرأتين، فأرضعت إحداهما جارية، والأخرى ~~غلاما، هل يتزوج الغلام الجارية؟ فقال: لا، اللقاح واحد. قال مالك: اختلف ~~قديما في الرضاعة من قبل الأب، ونزل برجال من أهل المدينة في أزواجهم؛ منهم ~~محمد بن المنكدر، وابن أبي حبيبة، فاستفتوا في ذلك، فاختلف عليهم، ففارقوا ~~زوجاتهم. # فأما المرتضع، فإن الحرمة تنتشر إليه وإلى أولاده وإن نزلوا، ولا تنتشر ~~إلى من في درجته من إخوته وأخواته، ولا إلى أعلى منه، كأبيه وأمه وأعمامه ~~وعماته وأخواله وخالاته وأجداده وجداته، فلا يحرم على المرضعة نكاح أبي ~~الطفل المرتضع، ولا أخيه، ولا عمه، ولا خاله، ولا يحرم على زوجها نكاح أم ~~الطفل المرتضع، ولا أخته، ولا عمته، ولا خالته، ولا بأس أن يتزوج أولاد ~~المرضعة، وأولاد زوجها إخوة الطفل المرتضع وأخواته. # قال أحمد: لا بأس أن يتزوج الرجل أخت أخته من الرضاع، ليس بينهما رضاع ~~ولا نسب، وإنما الرضاع بين الجارية وأخته. # إذا ثبت هذا، فإن من شرط تحريم الرضاع أن يكون في الحولين. وهذا قول أكثر ~~أهل العلم، روي نحو ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، ~~وأبي هريرة. وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى عائشة وإليه ذهب ~~الشعبي، وابن شبرمة، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ~~ثور، ورواية عن مالك، وروي عنه، إن زاد شهرا جاز، وروي شهران. وقال أبو ~~حنيفة: يحرم الرضاع في ثلاثين شهرا؛ لقوله سبحانه: {وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا} [الأحقاف: 15] . ولم يرد بالحمل حمل الأحشاء؛ لأنه يكون سنتين فعلم ~~أنه أراد الحمل في الفصال. # وقال زفر: مدة الرضاع ثلاث سنين. وكانت عائشة ترى رضاعة الكبير تحرم. ~~ويروى هذا عن عطاء والليث، وداود؛ لما روي «أن سهلة بنت سهيل قالت: يا رسول ~~الله، ms4353 إنا كنا نرى سالما ولدا، فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ~~ويراني فضلا، وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: أرضعيه. فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها. ~~فبذلك كانت عائشة تأخذ، تأمر بنات أخواتها، وبنات إخوتها يرضعن من أحبت ~~عائشة أن يراها، ويدخل عليها، وإن كان كبيرا خمس رضعات، وأبت ذلك أم سلمة، ~~وسائر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV08P177 # أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس، حتى يرضع في المهد، وقلن ~~لعائشة: والله ما ندري، لعلها رخصة من النبي - صلى الله عليه وسلم - لسالم ~~دون الناس» . رواه النسائي، وأبو داود، وغيرهما. ولنا، قول الله تعالى: ~~{والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: ~~233] . فجعل تمام الرضاعة حولين، فيدل على أنه لا حكم لها بعدهما. وعن ~~عائشة، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها رجل، فتغير ~~وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إنه أخي من ~~الرضاعة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انظرن من إخوانكن، فإنما ~~الرضاعة من المجاعة» الشافعي. متفق عليه. # وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحرم من ~~الرضاع، إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام» . أخرجه الترمذي، وقال: حديث ~~حسن صحيح. وعند هذا يتعين حمل خبر أبي حذيفة على أنه خاص له دون الناس، كما ~~قال سائر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقول أبي حنيفة، تحكم يخالف ~~ظاهر الكتاب وقول الصحابة، فقد روينا عن علي وابن عباس، أن المراد بالحمل ~~حمل البطن. وبه استدل علي أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وقد دل على هذا قول ~~الله تعالى: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] . فلو حمل على ما قاله أبو ~~حنيفة، لكان مخالفا لهذه الآية. # إذا ثبت هذا، فالاعتبار بالعامين لا بالفطام، فلو فطم قبل الحولين، ثم ~~ارتضع فيهما، لحصل التحريم، ولو لم يفطم حتى تجاوز الحولين، ثم ms4354 ارتضع ~~بعدهما قبل الفطام. لم يثبت التحريم. وقال ابن القاسم، صاحب مالك: لو ارتضع ~~بعد الفطام في الحولين، لم تحرم؛ لقوله - عليه السلام -: «وكان قبل الفطام» ~~. # ولنا قول الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: ~~233] . وروي عنه - عليه السلام -: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين» . ~~والفطام معتبر بمدته لا بنفسه، قال أبو الخطاب: لو ارتضع بعد الحولين ~~بساعة، لم يحرم. وقال القاضي: لو شرع في الخامسة، فحال الحول قبل كمالها، ~~لم يثبت التحريم. ولا يصح هذا؛ لأن ما وجد من الرضعة في الحولين كاف في ~~التحريم، بدليل ما لو انفصل مما بعده، فلا ينبغي أن يسقط حكم بإيصال ما لا ~~أثر له به. واشترط الخرقي في نشر الحرمة بين المرتضع وبين الرجل الذي ثاب ~~اللبن بوطئه، أن يكون لبن حمل ينتسب إلى الواطئ، إما لكون الوطء في نكاح أو ~~ملك يمين، أو بشبهة، فأما لبن الزاني أو النافي للولد باللعان، فلا ينشر ~~الحرمة بينهما، في مفهوم كلام الخرقي. وهو قول أبي عبد الله بن حامد، ومذهب ~~الشافعي. # وقال أبو بكر عبد العزيز: تنتشر الحرمة بينهما؛ لأنه معنى ينشر الحرمة، ~~فاستوى في ذلك مباحه ومحظوره، كالوطء، يحققه أن الواطئ حصل منه لبن وولد، ~~ثم # PageV08P178 # إن الولد ينشر الحرمة بينه وبين الواطئ، كذلك اللبن، ولأنه رضاع ينشر ~~الحرمة إلى المرضعة، فنشرها إلى الواطئ، كصورة الإجماع. ووجه القول الأول، ~~أن التحريم بينهما فرع لحرمة الأبوة، فلما لم تثبت حرمة الأبوة، لم يثبت ما ~~هو فرع لها. ويفارق تحريم ابنته من الزنى؛ لأنها من نطفته حقيقة، بخلاف ~~مسألتنا. # ويفارق تحريم المصاهرة؛ فإن التحريم ثم لا يقف على ثبوت النسب، ولهذا ~~تحرم أم زوجته وابنتها من غير نسب، وتحريم الرضاع مبني على النسب، ولهذا ~~قال - عليه السلام -: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . فأما المرضعة، ~~فإن الطفل المرتضع محرم عليها، ومنسوب إليها عند الجميع. وكذلك يحرم جميع ~~أولادها، وأقاربها الذين يحرمون على أولادها، على هذا المرتضع، كما في ~~الرضاع باللبن المباح. # وإن ms4355 كان المرتضع جارية، حرمت على الملاعن، بغير خلاف أيضا؛ لأنها ربيبته، ~~فإنها بنت امرأته من الرضاع، وتحرم على الزاني، عند من يرى تحريم المصاهرة، ~~وكذلك يحرم بناتها وبنات المرتضع من الغلمان لذلك. ### | [فصل وطئ رجلان امرأة فأتت بولد فأرضعت بلبنه طفلا] # (6422) فصل: وإذا وطئ رجلان امرأة، فأتت بولد، فأرضعت بلبنه طفلا، صار ~~ابنا لمن ثبت نسب المولود منه، سواء ثبت نسبه منه بالقافة أو بغيرها. وإن ~~ألحقته القافة بهما، صار المرتضع ابنا لهما، فالمرتضع في كل موضع تبع ~~للمناسب، فمتى لحق المناسب بشخص، فالمرتضع مثله، وإن انتفى المناسب عن ~~أحدهما، فالمرتضع مثله، لأنه بلبنه ارتضع، وحرمته فرع على حرمته. # وإن لم يثبت نسبه منهما؛ لتعذر القافة، أو لاشتباهه عليهم، ونحو ذلك، حرم ~~عليهما، تغليبا للحظر؛ لأنه يحتمل أن يكون منهما، ويحتمل أن يكون ابن ~~أحدهما، فيحرم عليه أقاربه دون أقارب الآخر، وقد اختلطت أخته بغيرها، فحرم ~~الجميع، كما لو علم أخته بعينها، ثم اختلطت بأجنبيات. وإن انتفى عنهما ~~جميعا، بأن تأتي به لدون ستة أشهر من وطئهما، أو لأكثر من أربع سنين، أو ~~لدون ستة أشهر من وطء أحدهما، أو لأكثر من أربع سنين من وطء الآخر، انتفى ~~المرتضع عنهما أيضا؛ فإن كان المرتضع جارية، حرمت عليهما تحريم المصاهرة، ~~ويحرم أولادها عليها أيضا؛ لأنها ابنة موطوءتهما، فهي ربيبة لهما. ### | [فصل ارتضع اثنان من لبن بهيمة] # (6423) فصل: ولا تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية بحال، فلو ارتضع اثنان من ~~لبن بهيمة، لم يصيرا أخوين، في قول عامة أهل العلم؛ منهم الشافعي، وابن ~~القاسم وأبو ثور، وأصحاب الرأي. ولو ارتضعا من رجل، لم # PageV08P179 # يصيرا أخوين، ولم تنتشر الحرمة بينه وبينهما، في قول عامتهم. وقال ~~الكرابيسي: يتعلق به التحريم؛ لأنه لبن آدمي، أشبه لبن الآدمية. وحكي عن ~~بعض السلف، أنهما إذا ارتضعا من لبن بهيمة، صارا أخوين. وليس بصحيح؛ لأن ~~هذا لا يتعلق به تحريم الأمومة، فلا يثبت به تحريم الأخوة، لأن الأخوة فرع ~~على الأمومة، وكذلك لا يتعلق به تحريم الأبوة لذلك، ولأن ms4356 هذا اللبن لم يخلق ~~لغذاء المولود، فلم يتعلق به التحريم، كسائر الطعام. فإن ثاب لخنثى مشكل ~~لبن، لم يثبت به التحريم؛ لأنه لم يثبت كونه امرأة، فلا يثبت التحريم مع ~~الشك. # وقال ابن حامد:: يقف الأمر حتى ينكشف أمر الخنثى. فعلى قوله يثبت ~~التحريم، إلا أن يتبين كونه رجلا؛ لأنه لا يأمن كونه محرما. (6424) فصل: ~~وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء، فأرضعت به طفلا، نشر الحرمة، في أظهر ~~الروايتين. وهو قول ابن حامد، ومذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، ~~وأصحاب الرأي، وكل من يحفظ عنه ابن المنذر؛ لقول الله تعالى: {وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم} [النساء: 23] . ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم، كما لو ~~ثاب بوطء، ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال، وإن كان هذا نادرا، فجنسه ~~معتاد. والرواية الثانية، لا ينشر الحرمة؛ لأنه نادر، لم تجر العادة به ~~لتغذية الأطفال، فأشبه لبن الرجال. والأول أصح. ### | [فصل لرجل خمس أمهات أولاد له منهن لبن فارتضع طفل من كل واحدة منهن رضعة] # (6425) فصل: إذا كان لرجل خمس أمهات أولاد، له منهن لبن، فارتضع طفل من ~~كل واحدة منهن رضعة، لم يصرن أمهات له، وصار المولى أبا له. وهذا قول ابن ~~حامد؛ لأنه ارتضع من لبنه خمس رضعات. وفيه وجه آخر، لا تثبت الأبوة؛ لأنه ~~رضاع لم يثبت الأمومة، فلم يثبت الأبوة، كالارتضاع بلبن الرجل. والأول أصح؛ ~~فإن الأبوة إنما تثبت لكونه رضع من لبنه، لا لكون المرضعة أما له. # ولأصحاب الشافعي وجهان، كهذين. وإذا قلنا بثبوت الأبوة، حرمت عليه ~~المرضعات؛ لأنه ربيبهن، وهن موطوءات أبيه. وإن كان لرجل خمس بنات، فأرضعن ~~طفلا، كل واحدة رضعة، لم يصرن أمهات له. وهل يصير الرجل جدا له، وأولاده ~~أخوالا له وخالات؟ على وجهين: أحدهما: يصير جدا، وأخوهن خالا؛ لأنه قد كمل ~~للمرتضع خمس رضعات من لبن بناته أو أخواته، فأشبه ما لو كان من واحدة. # PageV08P180 # والآخر: لا يثبت ذلك؛ لأن كونه جدا فرع كون ابنته أما، وكونه خالا فرع ~~كون أخته أما، ولم يثبت ذلك، ms4357 فلا يثبت الفرع. وهذا الوجه يترجح في هذه ~~المسألة؛ لأن الفرعية متحققة، بخلاف التي قبلها. فإن قلنا: يصير أخوهن ~~خالا. لم تثبت الخئولة في حق واحدة منهن؛ لأنه لم يرتضع من لبن أخواتها خمس ~~رضعات، ولكن يحتمل التحريم؛ لأنه قد اجتمع من اللبن المحرم خمس رضعات. ولو ~~كمل للطفل خمس رضعات من أمه وأخته وابنته وزوجته وزوجة أبيه، من كل واحدة ~~رضعة، خرج على الوجهين. (6426) # فصل: إذا كان لامرأة لبن من زوج، فأرضعت طفلا ثلاث رضعات، وانقطع لبنها، ~~فتزوجت آخر، فصار لها منه لبن، فأرضعت منه الصبي رضعتين، صارت أما له، بغير ~~خلاف علمناه عند القائلين بأن الخمس محرمات، ولم يصر واحد من الزوجين أبا ~~له؛ لأنه لم يكمل عدد الرضاع من لبنه، ويحرم على الرجلين؛ لكونه ربيبها، لا ~~لكونه ولدهما. ### | [مسألة طلق زوجته ثلاثا وهي ترضع من لبن ولده] # (6427) مسألة: قال: (ولو طلق زوجته ثلاثا، وهي ترضع من لبن ولده، فتزوجت ~~بصبي مرضع، فأرضعته، فحرمت عليه، ثم تزوجت بآخر، ودخل بها ووطئها، ثم ~~طلقها، أو مات عنها، لم يجز أن يتزوجها الأول؛ لأنها صارت من حلائل الأبناء ~~لما أرضعت الصبي الذي تزوجت به) هذه المسألة من فروع المسألة التي قبلها، ~~وهو أن المرتضع يصير ابنا للرجل الذي ثاب اللبن بوطئه. فهذه المرأة لما ~~تزوجت صبيا، ثم أرضعته بلبن مطلقها، صار ابنا لمطلقها فحرمت عليه؛ لأنها ~~أمه، وبانت منه، وكانت زوجة له، فصارت زوجة لابن مطلقها، فحرمت على الأول ~~على التأبيد؛ لكونها صارت من حلائل أبنائه. # ولو تزوجت امرأة صبيا، فوجدت به عيبا، ففسخت نكاحه، ثم تزوجت كبيرا، فصار ~~لها منه لبن، فأرضعت به الصبي خمس رضعات، حرمت على زوجها؛ لأنها صارت من ~~حلائل أبنائه. ولو زوج الرجل أم ولده أو أمته بصبي مملوك، فأرضعته بلبن ~~سيدها خمس رضعات، انفسخ نكاحه، وحرمت على سيدها على التأبيد؛ لأنها صارت من ~~حلائل أبنائه. فإن كان الصبي حرا، لم يتصور هذا الفرع، لم يصح # PageV08P181 # نكاحه؛ لأن من شرط جواز نكاح الحر الأمة، خوف ms4358 العنت، ولا يوجد ذلك في ~~الطفل، فإن تزوج بها كان النكاح فاسدا، وإن أرضعته، لم تحرم على سيدها؛ ~~لأنه ليس بزوج في الحقيقة. ### | [فصل طلق الرجل زوجته ولها منه لبن فتزوجت آخر] # (6428) فصل: وإذا طلق الرجل زوجته، ولها منه لبن فتزوجت آخر، لم يخل من ~~خمسة أحوال؛ أحدها، أن يبقى لبن الأول بحاله، لم يزد ولم ينقص، ولم تلد من ~~الثاني، فهو للأول، سواء حملت من الثاني أو لم تحمل. لا نعلم فيه خلافا؛ ~~لأن اللبن كان للأول، ولم يتجدد ما يجعله من الثاني، فبقي للأول. الثاني: ~~أن لا تحمل من الثاني، فهو للأول، سواء زاد أو لم يزد، أو انقطع ثم عاد، أو ~~لم ينقطع. الثالث: أن تلد من الثاني، فاللبن له خاصة. قال ابن المنذر: أجمع ~~على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم. وهو قول أبي حنيفة والشافعي، سواء ~~زاد أو لم يزد، انقطع أو اتصل؛ لأن لبن الأول ينقطع بالولادة من الثاني، ~~فإن حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره. # الحال الرابع: أن يكون لبن الأول باقيا، وزاد بالحمل من الثاني، فاللبن ~~منهما جميعا، في قول أصحابنا. وقال أبو حنيفة: هو للأول، ما لم تلد من ~~الثاني. وقال الشافعي: إن لم ينته الحمل إلى حال ينزل منه اللبن، فهو ~~للأول، فإن بلغ إلى حال ينزل به اللبن، فزاد به، ففيه قولان؛ أحدهما، هو ~~للأول. والثاني، هو لهما. # ولنا، أن زيادته عند حدوث الحمل ظاهر في أنها منه، وبقاء لبن الأول يقتضي ~~كون أصله منه، فيجب أن يضاف إليهما، كما لو كان الولد منهما. الحال الخامس: ~~انقطع من الأول، ثم ثاب بالحمل من الثاني. فقال أبو بكر: هو منهما. وهو أحد ~~أقوال الشافعي إذا انتهى الحمل إلى حال ينزل به اللبن؛ وذلك لأن اللبن كان ~~للأول، فلما عاد بحدوث الحمل، فالظاهر أن لبن الأول ثاب بسبب الحمل الثاني، ~~فكان مضافا إليهما، كما لو لم ينقطع. واختار أبو الخطاب أنه من الثاني. وهو ~~القول الثاني للشافعي؛ لأن ms4359 لبن الأول انقطع، فزال حكمه بانقطاعه، وحدث ~~بالحمل من الثاني، فكان له، كما لو لم يكن لها لبن من الأول. وقال أبو ~~حنيفة: هو للأول، ما لم تلد من الثاني. وهو القول الثالث للشافعي؛ لأن ~~الحمل لا يقتضي اللبن، وإنما يخلقه الله تعالى للولد عند وجوده لحاجته ~~إليه، والكلام عليه قد سبق. ### | [مسألة تزوج كبيرة وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة قبل دخوله بها] # (6429) مسألة: قال: (ولو تزوج كبيرة وصغيرة، فلم يدخل بالكبيرة حتى أرضعت ~~الصغيرة في الحولين، حرمت # PageV08P182 # عليه الكبيرة، وثبت نكاح الصغيرة. وإن كان قد دخل بالكبيرة، حرمتا عليه ~~جميعا، ويرجع بنصف مهر الصغيرة على الكبيرة) نص أحمد على هذا كله. في هذه ~~المسألة فصول أربعة: (6430) الفصل الأول: أنه متى تزوج كبيرة وصغيرة، ~~فأرضعت الكبيرة الصغيرة قبل دخوله بها، فسد نكاح الكبيرة في الحال، وحرمت ~~على التأبيد. وبهذا قال الثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وقال الأوزاعي: نكاح الكبيرة ثابت، وتنزع منه الصغيرة. وليس بصحيح؛ فإن ~~الكبيرة صارت من أمهات النساء، فتحرم أبدا؛ لقول الله سبحانه: {وأمهات ~~نسائكم} [النساء: 23] . ولم يشترط دخوله بها، فأما الصغيرة، ففيها روايتان؛ ~~إحداهما، نكاحها ثابت؛ لأنها ربيبة، ولم يدخل بأمها، فلا تحرم؛ لقول الله ~~سبحانه: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: 23] . والرواية ~~الثانية، ينفسخ نكاحها. وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنهما صارتا أما ~~وبنتا، واجتمعتا في نكاحه، والجمع بينهما محرم، فانفسخ نكاحهما، كما لو ~~صارتا أختين، وكما لو عقد عليهما بعد الرضاع عقدا واحدا. # ولنا، أنه أمكن إزالة الجمع بانفساخ نكاح الكبيرة، وهي أولى به؛ لأن ~~نكاحها محرم على التأبيد، فلم يبطل نكاحهما به، كما لو ابتدأ العقد على ~~أخته وأجنبية، ولأن الجمع طرأ على نكاح الأم والبنت، فاختص الفسخ بنكاح ~~الأم، كما لو أسلم وتحته امرأة وبنتها. وفارق الأختين؛ لأنه ليست إحداهما ~~أولى بالفسخ من الأخرى، وفارق ما لو ابتدأ العقد عليهما؛ لأن الدوام أقوى ~~من الابتداء. (6431) الفصل الثاني: أنه إن كان دخل بالكبيرة، حرمتا جميعا ~~على الأبد، وانفسخ نكاحهما؛ لأن ms4360 الكبيرة صارت من أمهات النساء، والصغيرة ~~ربيبة قد دخل بأمها، فتحرم تحريما مؤبدا، وإن كان الرضاع بلبنه، صارت ~~الصغيرة بنتا محرمة عليه لوجهين؛ لكونها بنته، وربيبته التي دخل بأمها. # PageV08P183 # (6432) # الفصل الثالث: أن عليه نصف مهر الصغيرة؛ لأن نكاحها انفسخ قبل دخوله بها ~~من غير جهتها، والفسخ إذا جاء من أجنبي كان كطلاق الزوج في وجوب الصداق ~~عليه، ولا مهر للكبيرة إن لم يكن دخل بها؛ لأن فسخ نكاحها بسبب من جهتها، ~~فسقط صداقها، كما لو ارتدت. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي. ولا نعلم فيه خلافا. وإن كان دخل بالكبيرة، لم يسقط مهرها؛ لأنه ~~استقر بدخوله بها استقرارا لا يسقطه شيء، ولذلك لا يسقط بردتها ولا بغيرها. ~~(6433) الفصل الرابع: أنه يرجع على الكبيرة بما لزمه من صداق الصغيرة. ~~وبهذا قال الشافعي. # وحكي عن بعض أصحابه، أنه يرجع بجميع صداقها؛ لأنها أتلفت البضع، فوجب ~~ضمانه. وقال أصحاب الرأي: إن كانت المرضعة أرادت الفساد، رجع عليها بنصف ~~الصداق، وإلا فلا يرجع بشيء. وقال مالك: لا يرجع بشيء. ولنا أنه يرجع عليها ~~بالنصف، أنها قررته عليه، وألزمته إياه، وأتلفت عليه ما في مقابلته، فوجب ~~عليها الضمان، كما لو أتلفت عليه المبيع. ولنا، على أبي حنيفة، أن ما ضمن ~~في العمد ضمن في الخطأ، كالمال، ولأنها أفسدت نكاحه، وقررت عليه نصف ~~الصداق، فلزمها ضمانه، كما لو قصدت الإفساد. # ولنا، على أن الزوج إنما يرجع بالنصف، أن الزوج لم يغرم إلا النصف، فلم ~~يجب له أكثر مما غرم، ولأنه بالفسخ يرجع إليه بدل النصف الآخر، فلم يجب له ~~بدل ما أخذ بدله مرة أخرى، ولأن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له، وإنما ~~ضمنت المرضعة هاهنا لما ألزمت الزوج ما كان معرضا للسقوط بسبب يوجد من ~~الزوجة، فلم يرجع هاهنا بأكثر مما ألزمته. فصل: والواجب نصف المسمى، لا نصف ~~مهر المثل؛ لأنه إنما يرجع بما غرم، والذي غرم نصف ما فرض لها، فرجع به. ~~وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يرجع بنصف ms4361 مهر المثل؛ لأنه ضمان متلف، ~~فكان الاعتبار بقيمته، دون ما ملكه به، كسائر الأعيان. # ولنا، أن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له، بدليل ما لو قتلت نفسها، ~~أو ارتدت، أو أرضعت من ينفسخ نكاحها بإرضاعه، فإنها لا تغرم له شيئا، وإنما ~~الرجوع هاهنا بما غرم، فلا يرجع بغيره؛ ولأنه لو رجع بقيمة المتلف، لرجع ~~بمهر المثل كله، ولم يختص بنصفه؛ لأن التلف لم يختص بالنصف، ولأن شهود ~~الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا لزمهم نصف المسمى، كذا هاهنا. # PageV08P184 ### | [فصل كل امرأة تحرم ابنتها إذا أرضعت زوجته الصغيرة أفسدت نكاحه] # (6435) فصل: وكل امرأة تحرم ابنتها إذا أرضعت زوجته الصغيرة، أفسدت ~~نكاحه، وحرمتها عليه، ولزمها نصف الصداق، فإن أرضعتها أمه، صارت أخته، وإن ~~أرضعتها جدته، صارت عمته أو خالته، وإن أرضعتها بنته، صارت بنت بنته، وإن ~~أرضعتها أخته، صارت بنت أخته وكل امرأة تحرم بنت زوجها عليه، إذا أرضعتها ~~بلبن زوجها، حرمتها عليه، وعليها نصف مهرها، كامرأة ابنه، وامرأة أبيه، ~~وامرأة أخيه، وامرأة جده؛ لأنها إن أرضعتها امرأة أبيه بلبنه، صارت أخته، ~~وإن أرضعتها امرأة ابنه، صارت بنت ابنه، وإن أرضعتها امرأة أخيه، صارت بنت ~~أخيه، وإن أرضعتها امرأة جده بلبنه، صارت عمته أو خالته. # وإن أرضعتها امرأة أحد هؤلاء بلبن غيره، لم تحرم عليه؛ لأنها صارت ربيبة ~~زوجها. وإن أرضعتها من لا تحرم بنتها، كعمته وخالته، لم تحرمها عليه. ولو ~~تزوج ابنة عمه، فأرضعت جدتهما أحدهما صغيرا، انفسخ النكاح؛ لأنها إن أرضعت ~~الزوج صار عم زوجته، وإن أرضعت الزوجة صارت عمة، وإن أرضعتهما جميعا صار كل ~~واحد منهما عم الآخر. وإن تزوج بنت عمته، فأرضعت جدتهما أحدهما صغيرا، ~~انفسخ النكاح؛ لأنها إن أرضعت الزوج صار خالا لها، وإن أرضعت الزوجة صارت ~~عمته. # وإن تزوج ابنة خاله، فأرضعت جدتهما الزوج صار عم زوجته، وإن أرضعتها صارت ~~خالته. وإن تزوج ابنة خالته، فأرضعت جدتهما الزوج صار خال زوجته، وإن ~~أرضعتها صارت خالة زوجها. ### | [فصل تزوج كبيرة ثم طلقها فأرضعت صغيرة] # (6436) فصل: وإن ms4362 تزوج كبيرة، ثم طلقها، فأرضعت صغيرة بلبنه، صارت بنتا ~~له، وإن أرضعتها بلبن غيره صارت ربيبة، فإن كان قد دخل بالكبيرة، حرمت ~~الصغيرة على التأبيد، وإن كان لم يدخل بها لم تحرم؛ لأنها ربيبة لم يدخل ~~بأمها. وإن تزوج صغيرة، ثم طلقها، فأرضعتها امرأة، حرمت المرضعة على ~~التأبيد؛ لأنها من أمهات نسائه. # وإن تزوج كبيرة وصغيرة، ثم طلق الصغيرة، فأرضعتها الكبيرة، حرمت الكبيرة، ~~وانفسخ نكاحها، فإن كان لم يدخل بها، فلا مهر لها، وله نكاح الصغيرة، وإن ~~كان دخل بها، فلها مهرها، وتحرم هي والصغيرة على التأبيد. وإن طلق الكبيرة ~~وحدها قبل الرضاع، فأرضعت الصغيرة، ولم يكن دخل بالكبيرة، ثبت نكاح ~~الصغيرة، وإن كان دخل بها، حرمت الصغيرة، وانفسخ نكاحها، ويرجع على الكبيرة ~~بنصف صداقها. وإن طلقهما جميعا فالحكم في التحريم على ما مضى. ولو تزوج رجل ~~كبيرة، وآخر صغيرة، ثم طلقاهما، ونكح كل واحد منهما زوجة الآخر، ثم أرضعت ~~الكبيرة الصغيرة، حرمت عليهما الكبيرة، وانفسخ نكاحها، وإن كان زوج الصغيرة ~~دخل بالكبيرة، حرمت عليه، وانفسخ نكاحها، وإلا فلا. # PageV08P185 # (6437) # فصل: وإن أرضعت بنت الكبيرة الصغيرة، فالحكم في التحريم والفسخ حكم ما لو ~~أرضعتها الكبيرة؛ لأنها صارت جدتها، والرجوع بالصداق على المرضعة التي ~~أفسدت النكاح. وإن أرضعتها أم الكبيرة، انفسخ نكاحهما معا؛ لأنهما صارتا ~~أختين، فإن كان لم يدخل بالكبيرة، فله أن ينكح من شاء منهما، ويرجع على ~~المرضعة بنصف صداقهما، وإن كان قد دخل بالكبيرة، فله نكاحها؛ لأن الصغيرة ~~لا عدة عليها، وليس له نكاح الصغيرة حتى تنقضي عدة الكبيرة؛ لأنها قد صارت ~~أختها، فلا ينكحها في عدتها. وكذلك الحكم إن أرضعتها جدة الكبيرة؛ لأنها ~~تصير عمة الكبيرة أو خالتها، والجمع بينهما محرم. وكذلك الحكم إن أرضعتها ~~أختها أو زوجة أخيها بلبنه؛ لأنها صارت بنت أخت الكبيرة أو بنت أخيه. وكذلك ~~إن أرضعتها بنت أخيها أو بنت أختها. ولا يحرم في شيء من هذا واحدة منهن على ~~التأبيد؛ لأنه تحريم جمع، إلا إذا أرضعتها بنت الكبيرة وقد دخل بأمها. ### | [فصل ms4363 أفسد نكاح امرأة بالرضاع قبل الدخول] # (6438) فصل: ومن أفسد نكاح امرأة بالرضاع قبل الدخول، غرم نصف صداقها، ~~وإن كان بعد الدخول، فنص أحمد على أنه يرجع عليه بالمهر كله. وهو مذهب ~~الشافعي لأن المرأة تستحق المهر كله على زوجها، فيرجع بما لزمه، كنصف المهر ~~في غير المدخول بها. والصحيح، إن شاء الله تعالى، أنه لا يرجع على المرضعة ~~بعد الدخول بشيء؛ لأنها لم تقرر على الزوج شيئا، ولم تلزمه إياه، فلم يرجع ~~عليها بشيء، كما لو أفسدت نكاح نفسها، ولأنه لو ملك الرجوع بالصداق بعد ~~الدخول، لسقط إذا كانت المرأة هي المفسدة للنكاح، كالنصف قبل الدخول؛ ولأن ~~خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم، على ما ذكرناه فيما مضى، ولذلك لا يجب ~~مهر المثل، وإنما رجع الزوج بنصف المسمى قبل الدخول؛ لأنها قررته عليه، ~~ولذلك يسقط إذا كانت هي المفسدة لنكاحها، ولم يوجد ذلك هاهنا. وهذا قول بعض ~~أصحاب الشافعي. # ولأنه لو رجع بالمهر بعد الدخول، لم يخل إما أن يكون رجوعه ببدل البضع ~~الذي فوتته، أو بالمهر الذي أداه، لا يجوز أن يكون ببدل البضع؛ لأنه لو وجب ~~بدله، لوجب له على الزوجة إذا فات بفعلها أو بقتلها، ولكان الواجب له مهر ~~مثلها، ولا يجوز أن يجب له بدل ما أداه إليها لذلك؛ ولأنها ما أوجبته، ولا ~~لها أثر في إيجابه ولا أدائه ولا تقريره، ولا نعلم بينهم خلافا في أنها إذا ~~أفسدت نكاح نفسها بعد الدخول أنه لا يسقط مهرها، ولا يرجع عليها بشيء إن ~~كان أداه إليها، ولا في أنها إذا أفسدته قبل الدخول أنه يسقط صداقها، وأنه ~~يرجع عليها بما أعطاها، فلو دبت صغيرة إلى كبيرة، فارتضعت منها خمس رضعات ~~وهي نائمة، وهما زوجتا رجل، # PageV08P186 # انفسخ نكاح الكبيرة، وحرمت على التأبيد، فإن كان دخل بالكبيرة، حرمت ~~الصغيرة، وانفسخ نكاحها، ولا مهر للصغيرة؛ لأنها فسخت نكاح نفسها، وعليه ~~مهر الكبيرة، يرجع به على الصغيرة، عند أصحابنا، ولا يرجع به، على ما ~~اخترناه، وإن لم يكن دخل بالكبيرة، ms4364 فعليه نصف صداقها، يرجع به على مال ~~الصغيرة؛ لأنها فسخت نكاحها. # وإن ارتضعت الصغيرة منها رضعتين، وهي نائمة، ثم انتبهت الكبيرة، فأتمت ~~لها ثلاث رضعات، فقد حصل الفساد {بفعلهما، فيتقسط الواجب عليهما، وعليه مهر ~~الكبيرة، وثلاثة أعشار مهر الصغيرة، يرجع به على الكبيرة، وإن لم يكن دخل ~~بالكبيرة، فعليه خمس مهرها، يرجع به على الصغيرة. وهل ينفسخ نكاح الصغيرة؟ ~~على روايتين. ### | [فصل أفسد النكاح جماعة] # (6439) فصل: وإن أفسد النكاح جماعة، تقسط المهر عليهم، فلو جاء خمس فسقين ~~زوجة صغيرة من لبن أم الزوج خمس مرات، انفسخ نكاحها، ولزمهن نصف مهرها ~~بينهن. فإن سقتها واحدة شربتين، وأخرى ثلاثا، فعلى الأولى الخمس، وعلى ~~الثانية خمس وعشر. وإن سقتها واحدة شربتين، وسقاها ثلاث ثلاث شربات، فعلى ~~الأولى الخمس، وعلى كل واحدة من الثلاث عشر. # وإن كان له ثلاث نسوة كبار، وواحدة صغيرة، فأرضعت كل واحدة من الثلاث ~~الصغيرة أربع رضعات، ثم حلبن في إناء، وسقينه الصغيرة، حرم الكبار، وانفسخ ~~نكاحهن، فإن لم يكن دخل بهن، فنكاح الصغيرة ثابت، على إحدى الروايتين، ~~وعليه لكل واحدة منهن ثلث صداقها، ترجع به على ضرتيها؛ لأن فساد نكاحها حصل ~~بفعلها وفعلهما، فسقط ما قابل فعلها، وهو سدس الصداق، وبقي عليه الثلث، ~~فرجع به على ضرتيها، فإن كان صداقهن متساويا، سقط، ولم يجب شيء؛ لأنه يتقاص ~~ما لها على الزوج، بما يرجع به عليها، إذ لا فائدة في أن يجب لها عليه ما ~~يرجع به عليها، وإن كان مختلفا، وهو من جنس واحد، تقاصا منه بقدر أقلهما، ~~ووجبت الفضلة به لصاحبها، وإن كان من أجناس، ثبت التراجع، على ما ذكرنا. # وإن كان قد دخل بإحدى الكبار، حرمت الصغيرة أيضا، وانفسخ نكاحها، ووجب ~~لها نصف صداقها، ترجع به عليهن أثلاثا، وللتي دخل بها المهر كاملا، وفي ~~الرجوع به ما أسلفناه من الخلاف. وإن حلبن في إناء، فسقته إحداهن الصغيرة ~~خمس مرات، كان صداق ضراتها يرجع به عليها، إن كان قبل الدخول بهن؛ لأنها ~~أفسدت نكاحهن، ويسقط مهرها إن لم ms4365 يكن دخل بها، وإن كان دخل بها، فلها ~~مهرها، ولا ترجع به على أحد. وإن كانت كل واحدة من الكبار أرضعت الصغيرة ~~خمس رضعات، حرم الثلاث، فإن كان لم يدخل بهن، فلا مهر لهن عليه، وإن كان ~~دخل بهن، فعليه لكل واحدة مهرها، لا يرجع به على أحد، وتحرم الصغيرة، ويرجع ~~بما لزمه من صداقها على المرضعة الأولى؛ لأنها التي حرمتها عليه، وفسخت ~~نكاحها. # ولو أرضع الثلاث الصغيرة بلبن الزوج، فأرضعتها كل واحدة رضعتين، صارت ~~بنتا # PageV08P187 # لزوجها، في الصحيح، وينفسخ نكاحها، ويرجع بنصف صداقها عليهن، على ~~المرضعتين الأوليين منه أربعة أخماسه، وعلى الثالثة خمسه؛ لأن رضعتها ~~الأولى حصل بها التحريم، لكمال الخمس بها، والثانية لا أثر لها في التحريم، ~~فلم يجب عليها بها شيء، ولا ينفسخ نكاح الأكابر، لأنهن لم يصرن أمهات لها. ~~ولو كان لامرأته الكبيرة خمس بنات، لهن لبن، فأرضعن امرأته الصغيرة رضاعا ~~تصير به إحداهن أما لها، لحرمت أمها، وانفسخ نكاحها، وهل ينفسخ نكاح ~~الصغيرة؟ على روايتين. # وإن أرضعت كل واحدة منهن الصغيرة رضعة، فالصحيح أن الكبيرة لا تحرم بهذا؛ ~~لأن كونها جدة ينبني على كون ابنتها أما، وما صارت واحدة من بناتها أما، ~~ويحتمل أن تحرم؛ لأنه قد كمل لها من بناتها خمس رضعات. وكذلك الحكم لو ~~أرضعتها بنتها رضعة، وبنت ابنها رضعة، وبنات بناتها ثلاث رضعات. ولو كمل ~~لها من زوجته بلبنه ومن أمه وأخته وابنته وابنة ابنه خمس رضعات، فعلى ~~الوجهين؛ أصحهما، لا يثبت تحريمها. وفي الآخر، يثبت. فعلى هذا الوجه، ينفسخ ~~نكاحها، ويرجع عليهن بما غرم من صداقها، على قدر رضاعهن. فإن قيل: فلم لا ~~يرجع عليهن على عدد رءوسهن؛ لكون الرضاع مفسدا، فيستوي قليله وكثيره، كما ~~لو طرح النجاسة جماعة في مائع في حالة واحدة؟ قلنا: لأن التحريم يتعلق بعدد ~~الرضعات، فكان الضمان متعلقا بالعدد، بخلاف النجاسة، فإن التنجيس لا يتعلق ~~بقدر، فيستوي قليله وكثيره؛ لكون القليل والكثير سواء في الإفساد، فنظير ~~ذلك أن يشرب في الرضعة من إحداهما أكثر مما يشرب ms4366 من الأخرى. ### | [فصل تزوج أمة فأرضعت امرأته الصغيرة] # (6440) فصل: إذا كانت له زوجة أمة، فأرضعت امرأته الصغيرة، فحرمتها عليه، ~~وفسخت نكاحها، كان ما لزمه من صداق الصغيرة له في رقبة الأمة؛ لأن ذلك من ~~جنايتها. وإن أرضعتها أم ولده، أفسدت نكاحها، وحرمتها عليه؛ لأنها ربيبة ~~دخل بأمها، وتحرم أم الولد عليه أبدا؛ لأنها من أمهات نسائه، ولا غرامة ~~عليها؛ لأنها أفسدت على سيدها، فإن كان قد كاتبها، رجع عليها؛ لأن المكاتبة ~~يلزمها أرش جنايتها. وإن أرضعت أم ولده امرأة ابنه بلبنه، فسخت نكاحها ~~وحرمتها عليه؛ لأنها صارت أخته. # وإن أرضعت زوجة أبيه بلبنه، حرمتها عليه؛ لأنها صارت بنت ابنه، ويرجع ~~الأب على ابنه بأقل الأمرين مما غرمه لزوجته أو قيمتها؛ لأن ذلك من جناية ~~أم ولده. وإن أرضعت واحدة منهما بغير لبن سيدها، لم تحرمها؛ لأن كل واحدة ~~منهما صارت بنت أم ولده. ### | [مسألة تزوج بكبيرة وصغيرتين فأرضعت الكبيرة الصغيرتين] # (6441) مسألة؛ قال: (ولو تزوج بكبيرة وصغيرتين، فأرضعت الكبيرة ~~الصغيرتين، حرمت عليه الكبيرة، # PageV08P188 # وانفسخ نكاح الصغيرتين، ولا مهر عليه للكبيرة، ويرجع عليها بنصف صداق ~~الصغيرتين، وله أن ينكح من شاء منهما) أما تحريم الكبيرة فلأنها صارت من ~~أمهات النساء، وأما انفساخ نكاح الصغيرتين، فلأنهما صارتا أختين، واجتمعتا ~~في الزوجية، فينفسخ نكاحهما، كما لو ارتضعتا معا، ولا مهر للكبيرة؛ لأن ~~الفساد جاء من قبلها، ويرجع عليها بنصف صداق الصغيرتين؛ لأنها أفسدت ~~نكاحهما، وله أن ينكح من شاء منهما؛ لأن انفساخ نكاحهما للجمع، ولا يوجب ~~تحريما مؤبدا. وهذا على الرواية التي قلنا: إنها إذا أرضعت الصغيرة، اختص ~~الفسخ بالكبيرة. # فأما على الرواية التي تقول: ينفسخ نكاحهما معا. فإنه يثبت نكاح الأخيرة ~~من الصغيرتين؛ لأن الكبيرة لما أرضعت الأولى، انفسخ نكاحهما، ثم أرضعت ~~الأخرى، فلم تجتمع معهما في النكاح، فلم ينفسخ نكاحها. فأما إن كان دخل ~~بالكبيرة، حرمت، وحرمت الصغيرتان على التأبيد؛ لأنهما ربيبتان قد دخل ~~بأمهما. (6442) فصل: فإن أرضعت الصغيرتين أجنبية، انفسخ نكاحهما أيضا. وهذا ~~قول أبي حنيفة والمزني، وأحد قولي الشافعي، وقال ms4367 في الآخر: ينفسخ نكاح ~~الأخيرة وحدها؛ لأن سبب البطلان حصل بها، وهو الجمع، فأشبه ما لو تزوج إحدى ~~الأختين بعد الأخرى. ولنا، أنه جامع بين الأختين في النكاح، فانفسخ ~~نكاحهما، كما لو أرضعتهما معا، وفارق ما لو عقد على واحدة بعد الأخرى، فإن ~~عقد الثانية لم يصح، فلم يصر به جامعا بينهما، وهاهنا حصل الجمع برضاع ~~الثانية، ولا يمكن القول بأنه لم يصح، فحصلتا معا في نكاحه، وهما أختان لا ~~محالة. (6443) # فصل: وإن أرضعتهما بنت الكبيرة، فالحكم في الفسخ كما لو أرضعتهن الكبيرة ~~نفسها؛ لأن الكبيرة تصير جدة لهما، ولكن الرجوع يكون على المرضعة المفسدة ~~لنكاحهن. ### | [مسألة أرضعت امرأته الكبيرة زوجاته الثلاثة منفردات] # (6444) مسألة؛ قال: (وإن كن الأصاغر ثلاثا، فأرضعتهن منفردات، حرمت ~~الكبيرة، وانفسخ نكاح المرتضعتين أولا، وثبت نكاح آخرهن رضاعا. فإن أرضعت ~~إحداهن منفردة، واثنتين بعد ذلك معا، حرمت # PageV08P189 # الكبيرة، وانفسخ نكاح الأصاغر، وتزوج من شاء من الأصاغر. وإن كان دخل ~~بالكبيرة، حرم الكل عليه على الأبد) إنما حرمت الكبيرة؛ لأنها صارت من ~~أمهات النساء، وانفسخ نكاح المرضعتين أولا؛ لأنهما صارتا أختين في نكاحه، ~~وثبت نكاح الأخيرة؛ لأن رضاعها بعد انفساخ نكاح الصغيرتين اللتين قبلها، ~~فلم يصادف إخوتها جمعا في النكاح. وإن أرضعت إحداهن منفردة، واثنتين بعد ~~ذلك معا، بأن تلقم كل واحدة منهما ثديا، فيمتصان معا، أو تحلب من لبنها في ~~إناء فتسقيهما، انفسخ نكاح الجميع؛ لأنهن صرن أخوات في نكاحه، وله أن يتزوج ~~من شاء من الأصاغر؛ لأن تحريمهن تحريم جمع، لا تحريم تأبيد، فإنهن ربائب لم ~~يدخل بأمهن. # وإن دخل بالكبيرة، حرم الكل على الأبد؛ لأنهن ربائب مدخول بأمهن. هذا على ~~الرواية الأولى. وعلى الأخرى، لما أرضعت الأولى، انفسخ نكاحها ونكاح ~~الكبيرة؛ لأنها صارت أمها، واجتمعتا في نكاحه، ثم أرضعت الثانية، فلم ينفسخ ~~نكاحها؛ لأنها منفردة بالرضاع في النكاح،، فلما أرضعت الثالثة، صارتا ~~أختين، فانفسخ نكاحهما. (6445) فصل: فإن أرضعتهن بنت الكبيرة، فهو كما لو ~~أرضعتهن أمها. وإن كان لها ثلاث بنات، فأرضعت كل واحدة منهن زوجة ms4368 من ~~الأصاغر، حرمت الكبيرة بإرضاع أولاهن، ويرجع على مرضعتها بما لزمه من ~~مهرها؛ لأنها أفسدت نكاحها، ولا ينفسخ نكاح الأصاغر؛ لأنهن لم يصرن أخوات، ~~وإنما هن بنات خالات. وعلى الرواية الأخرى، ينفسخ نكاح المرضعة الأولى؛ ~~لاجتماعها مع جدتها في النكاح، ويثبت نكاح الأخيرتين، ويرجع بما لزمه من ~~مهر التي فسد نكاحها على التي أرضعتها. # وإن كان دخل بالكبيرة، حرم الكل عليه على الأبد، ورجع على كل واحدة بما ~~لزمه من مهر التي أرضعتها. وإن قلنا: إنه يرجع بمهر الكبيرة. رجع به على ~~المرضعة الأولى؛ لأنها التي أفسدت نكاحها. ### | [مسألة شهدت امرأة واحدة على الرضاع] # (6446) مسألة: قال: (وإذا شهدت امرأة واحدة على الرضاع، حرم النكاح إذا ~~كانت مرضية. وقد روي عن أبي عبد الله، - رحمه الله -، رواية أخرى: إن كانت ~~مرضية استحلفت، فإن كانت كاذبة، لم يحل الحول حتى تبيض ثدياها، وذهب في ذلك ~~إلى قول ابن عباس - رضي الله عنه -) وجملة ذلك أن شهادة المرأة الواحدة ~~مقبولة في الرضاع، إذا كانت مرضية. وبهذا قال طاوس، # PageV08P190 # والزهري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز. # وعن أحمد، رواية أخرى: لا يقبل إلا شهادة امرأتين. وهو قول الحكم؛ لأن ~~الرجال أكمل من النساء؛ ولا يقبل إلا شهادة رجلين، فالنساء أولى. وعن أحمد، ~~رواية ثالثة، أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة، وتستحلف مع شهادتها. وهو قول ~~ابن عباس، وإسحاق؛ لأن ابن عباس قال، في امرأة زعمت أنها أرضعت رجلا وأهله، ~~فقال: إن كانت مرضية، استحلفت، وفارق امرأته. وقال: إن كانت كاذبة، لم يحل ~~الحول حتى يبيض ثدياها. يعني يصيبها فيها برص، عقوبة على كذبها. وهذا لا ~~يقتضيه قياس، ولا يهتدي إليه رأي، فالظاهر أنه لا يقوله إلا توقيفا. وقال ~~عطاء، وقتادة، والشافعي: لا يقبل من النساء أقل من أربع؛ لأن كل امرأتين ~~كرجل. # وقال أصحاب الرأي: لا يقبل فيه إلا رجلان، أو رجل وامرأتان. وروي ذلك عن ~~عمر؛ لقول الله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين ~~فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] . ولنا، ما ms4369 روى عقبة بن الحارث، قال: «تزوجت ~~أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. فأتيت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، فقال: وكيف، وقد زعمت ذلك» . متفق ~~عليه وفي لفظ رواه النسائي، قال: «فأتيته من قبل وجهه، فقلت: إنها كاذبة. ~~قال: كيف، وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، خل سبيلها» . وهذا يدل على الاكتفاء ~~بالمرأة الواحدة. وقال الزهري: فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان - رضي الله ~~عنه - بشهادة امرأة في الرضاع. وقال الأوزاعي: فرق عثمان بين أربعة وبين ~~نسائهم، بشهادة امرأة في الرضاع. وقال الشعبي: كانت القضاة يفرقون بين ~~الرجل والمرأة، بشهادة امرأة واحدة في الرضاع. ولأن هذا شهادة على عورة، ~~فيقبل فيه شهادة النساء المنفردات، كالولادة. وعلل الشافعي، بأنه معنى يقبل ~~فيه قول النساء المنفردات، فيقبل فيه شهادة المرأة المنفردة، كالخبر. ### | [فصل شهادة المرضعة على فعل نفسها] # (6447) فصل: ويقبل فيه شهادة المرضعة على فعل نفسها؛ لما ذكرنا من حديث ~~عقبة، من أن الأمة السوداء قالت: قد أرضعتكما. فقبل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - شهادتها. ولأنه فعل لا يحصل لها به نفع مقصود، ولا تدفع عنها به ~~ضررا، فقبلت شهادتها به، كفعل غيرها. فإن قيل: فإنها تستبيح الخلوة به، ~~والسفر معه، وتصير محرما له. قلنا: ليس هذا من الأمور المقصودة، التي ترد ~~بها الشهادة، ألا ترى أن رجلين لو شهدا أن فلانا طلق زوجته، وأعتق أمته، ~~قبلت شهادتهما، وإن كان يحل لهما نكاحهما بذلك. # PageV08P191 ### | [فصل الشهادة على الرضاع] # (6448) فصل: ولا تقبل الشهادة على الرضاع إلا مفسرة، فلو قالت: أشهد أن ~~هذا ابن هذه من الرضاع. لا تقبل، لأن الرضاع المحرم يختلف الناس فيه، منهم ~~من يحرم بالقليل، ومنهم من يحرم بعد الحولين، فلزم الشاهد تبيين كيفيته، ~~ليحكم الحاكم فيه باجتهاده، فيحتاج الشاهد أن يشهد أن هذا ارتضع من ثدي هذه ~~خمس رضعات متفرقات، خلص اللبن فيهن إلى جوفه، في الحولين. فإن قيل: خلوص ~~اللبن إلى جوفه لا طريق لهم إلى مشاهدته، فكيف تجوز الشهادة؟ قلنا: ms4370 إذا علم ~~أن هذه المرأة ذات لبن، ورأي الصبي قد التقم ثديها، وحرك فمه في الامتصاص، ~~وحلقه في الاجتراع، حصل ظن يقرب إلى اليقين أن اللبن قد وصل إلى جوفه، وما ~~يتعذر الوقوف عليه بالمشاهدة، اكتفي فيه بالظاهر، كالشهادة بالملك، وثبوت ~~الدين في الذمة، والشهادة على النسب بالاستفاضة. # ولو قال الشاهد: أدخل رأسه تحت ثيابها، والتقم ثديها. لا يقبل؛ لأنه قد ~~يدخل رأسه ولا يأخذ الثدي، وقد يأخذ الثدي ولا يمص، فلا بد من ذكر ما يدل ~~عليه. وإن قال: أشهد أن هذه أرضعت هذا. فالظاهر أنه يكتفي به في ثبوت أصل ~~الرضاع؛ لأن المرأة التي قالت: قد أرضعتكما. اكتفي بقولها. ### | [مسألة تزوج امرأة ثم قال قبل الدخول هي أختي من الرضاعة] # (6449) مسألة: قال: (وإذا تزوج امرأة، ثم قال قبل الدخول: هي أختي من ~~الرضاعة. انفسخ النكاح، فإن صدقته المرأة، فلا مهر لها، وإن أكذبته، فلها ~~نصف المهر) وجملته أن الزوج إذا أقر أن زوجته أخته من الرضاعة، انفسخ ~~نكاحه، ويفرق بينهما. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا قال: وهمت، ~~أو أخطأت. قبل قوله؛ لأن قوله ذلك يتضمن أنه لم يكن بينهما نكاح، ولو جحد ~~النكاح، ثم أقر به، قبل، كذلك هاهنا. # ولنا، أنه أقر بما يتضمن تحريمها عليه، فلم يقبل رجوعه عنه، كما لو أقر ~~بالطلاق ثم رجع، أو أقر أن أمته أخته من النسب، وما قاسوا عليه غير مسلم، ~~وهذا الكلام في الحكم، فأما فيما بينه وبين ربه، فينبني ذلك على علمه ~~بصدقه، فإن علم أن الأمر كما قال، فهي محرمة عليه، ولا نكاح بينهما، وإن ~~علم كذب نفسه فالنكاح باق بحاله، وقوله كذب لا يحرمها عليه؛ لأن المحرم ~~حقيقة الرضاع، لا القول. وإن شك في ذلك، لم تزل عن اليقين بالشك. وقيل في ~~حلها له إذا علم كذب نفسه روايتان. والصحيح ما قلناه؛ لأن قوله ذلك إذا كان ~~كذبا، لم يثبت التحريم، كما لو قال لها وهي أكبر منه: هي ابنتي من الرضاعة. # PageV08P192 # إذا ثبت هذا، ms4371 فإنه إن كان قبل الدخول، وصدقته المرأة، فلا شيء لها؛ ~~لأنهما اتفقا على أن النكاح فاسد من أصله، لا يستحق فيه مهر، فأشبه ما لو ~~ثبت ذلك ببينة، وإن أكذبته، فالقول قولها؛ لأن قوله غير مقبول عليها في ~~إسقاط حقوقها، فلزمه إقراره فيما هو حق له، وهو تحريمها عليه، وفسخ نكاحه، ~~ولم يقبل قوله فيما عليه من المهر. (6450) فصل: وإن قال: هي عمتي، أو خالتي ~~أو ابنة أخي أو أختي أو أمي من الرضاع. وأمكن صدقه، فالحكم فيه كما لو قال: ~~هي أختي. وإن لم يمكن صدقه، مثل أن يقول لأصغر منه أو لمثله: هذه أمي. أو ~~لأكبر منه أو لمثله: هذه ابنتي. لم تحرم عليه. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو يوسف ومحمد: تحرم عليه؛ لأنه أقر بما يحرمها عليه، فوجب أن ~~يقبل، كما لو أمكن. ولنا، أنه أقر بما تحقق كذبه فيه، فأشبه ما لو قال: ~~أرضعتني وإياها حواء. أو كما لو قال: هذه حواء. وما ذكروه منتقض بهذه ~~الصور، ويفارق ما إذا أمكن، فإنه لا يتحقق كذبه، والحكم في الإقرار بقرابة ~~من النسب تحرمها عليه، كالحكم في الإقرار بالرضاع؛ لأنه في معناه. ### | [فصل ادعى أن زوجته أخته من الرضاع فأنكرته فشهدت بذلك أمه أو ابنته] # فصل: إذا ادعى أن زوجته أخته من الرضاع، فأنكرته، فشهدت بذلك أمه أو ~~ابنته، لم تقبل شهادتهما؛ لأن شهادة الوالدة لولدها والوالد لولده غير ~~مقبولة. وإن شهدت بذلك أمها أو ابنتها، قبلت. وعنه، لا يقبل؛ بناء على ~~شهادة الوالد على ولده والولد على والده. وفي ذلك روايتان. وإن ادعت ذلك ~~المرأة، وأنكره الزوج، فشهدت لها أمها أو ابنتها، لم تقبل، وإن شهدت لها أم ~~الزوج أو ابنته، فعلى روايتين. (6452) مسألة: قال: (وإن كانت المرأة هي ~~التي قالت: هو أخي من الرضاعة. فأكذبها، ولم تأت بالبينة على ما وصفت، فهي ~~زوجته في الحكم) وجملته أن المرأة إذا أقرت أن زوجها أخوها من الرضاعة ~~فأكذبها، لم يقبل قولها في فسخ النكاح؛ لأنه حق عليها، فإن ms4372 كان قبل الدخول، ~~فلا مهر لها؛ لأنها تقر بأنها لا تستحقه، فإن كانت قد قبضته، لم يكن للزوج ~~أخذه منها؛ لأنه يقر بأنه حق لها، وإن كان بعد الدخول، فأقرت أنها كانت ~~عالمة بأنها أخته وبتحريمها عليه، ومطاوعة له في الوطء، فلا مهر لها أيضا، ~~لإقرارها بأنها زانية مطاوعة، وإن أنكرت # PageV08P193 # شيئا من ذلك، فلها المهر؛ لأنه وطء بشبهة، وهي زوجته في ظاهر الحكم؛ لأن ~~قولها عليه غير مقبول، فأما فيما بينها وبين الله تعالى، فإن علمت صحة ما ~~أقرت به، لم يحل لها مساكنته وتمكينه من وطئها، وعليها أن تفر منه، وتفتدي ~~نفسها بما أمكنها؛ لأن وطأه لها زنى، فعليها التخلص منه مهما أمكنها، كما ~~قلنا في التي علمت أن زوجها طلقها ثلاثا، وجحدها ذلك. # وينبغي أن يكون الواجب لها من المهر بعد الدخول أقل الأمرين من المسمى أو ~~مهر المثل؛ لأنه إن كان المسمى أقل، فلا يقبل قولها في وجوب زائد عليه، وإن ~~كان الأقل مهر المثل، لم تستحق أكثر منه؛ لاعترافها بأن استحقاقها له ~~بوطئها لا بالعقد، فلا تستحق أكثر منه. وإن كان إقرارها بأخوته قبل النكاح ~~لم يجز لها نكاحه، ولا يقبل رجوعها عن إقرارها، في ظاهر الحكم؛ لأن إقرارها ~~لم يصادف زوجية عليها يبطلها، فقبل إقرارها على نفسها بتحريمه عليها. وكذلك ~~لو أقر الرجل أن هذه أخته من الرضاع، أو محرمة عليه برضاع أو غيره، وأمكن ~~صدقه، لم يحل له تزوجها فيما بعد ذلك، في ظاهر الحكم، وأما فيما بينه وبين ~~الله تعالى، فينبني على علمه بحقيقة الحال، على ما ذكرناه. (6453) # فصل: وإن ادعى أحد الزوجين على الآخر، أنه أقر أنه أخو صاحبه من الرضاع، ~~فأنكر، لم يقبل في ذلك شهادة النساء المنفردات؛ لأنها شهادة على الإقرار، ~~والإقرار مما يطلع عليه الرجال، فلم يحتج فيه إلى شهادة النساء المنفردات، ~~فلم يقبل ذلك، بخلاف الرضاع نفسه. ### | [فصل الارتضاع بلبن الفجور والمشركات] # (6454) فصل: كره أبو عبد الله الارتضاع بلبن الفجور والمشركات. وقال عمر ~~بن الخطاب، وعمر بن ms4373 عبد العزيز - رضي الله عنهما -: اللبن يشتبه، فلا تستق ~~من يهودية ولا نصرانية ولا زانية. ولا يقبل أهل الذمة المسلمة، ولا يرى ~~شعورهن ولأن لبن الفاجرة ربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور، ويجعلها أما ~~لولده، فيعتبر بها، ويتضرر طبعا وتعيرا، والارتضاع من المشركة يجعلها أما، ~~لها حرمة الأم مع شركها، وربما مال إليها في محبة دينها. ويكره الارتضاع ~~بلبن الحمقاء، كيلا يشبهها الولد في الحمق، فإنه يقال: إن الرضاع يغير ~~الطباع. والله تعالى أعلم. # PageV08P194 ### | [كتاب النفقات] # نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله تعالى: ~~{لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7] . ومعنى: (قدر عليه) أي: ضيق عليه. ~~ومنه قوله سبحانه: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} [الرعد: 26] . أي: يوسع لمن ~~يشاء، ويضيق على من يشاء. وقال الله تعالى: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في ~~أزواجهم وما ملكت أيمانهم} [الأحزاب: 50] . وأما السنة فما روى جابر، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس، فقال: «اتقوا الله في النساء، ~~فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن ~~عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» . رواه مسلم، وأبو داود، ورواه الترمذي، ~~بإسناده عن عمرو بن الأحوص، وقال: «ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم ~~عليكم حقا؛ فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في ~~بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» . ~~وقال: هذا حديث حسن صحيح. «وجاءت هند إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما ~~يكفيني وولدي. فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» . متفق عليه. وفيه دلالة ~~على وجوب النفقة لها على زوجها، وأن ذلك مقدر بكفايتها، وأن نفقة ولده عليه ~~دونها مقدر بكفايتهم، وأن ذلك بالمعروف، وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها من غير ~~علمه إذا لم يعطها إياه. وأما الإجماع، ms4374 فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات ~~الزوجات على أزواجهن، إذا كانوا بالغين، إلا الناشز منهن. ذكره ابن المنذر، ~~وغيره. وفيه ضرب من العبرة، وهو أن المرأة محبوسة على الزوج، يمنعها من ~~التصرف والاكتساب، فلا بد من أن ينفق عليها، كالعبد مع سيده. ### | [مسألة على الزوج نفقة زوجته] # (6455) مسألة: قال أبو القاسم - رحمه الله تعالى -: (وعلى الزوج نفقة ~~زوجته، ما لا غناء بها عنه، وكسوتها) وجملة الأمر أن المرأة إذا سلمت نفسها ~~إلى الزوج، على الوجه الواجب عليها، فلها عليه جميع حاجتها؛ من مأكول، ~~ومشروب، وملبوس، ومسكن. قال أصحابنا: ونفقتها معتبرة بحال الزوجين جميعا؛ ~~فإن كانا # PageV08P195 # موسرين، فعليه لها نفقة الموسرين، وإن كانا معسرين، فعليه نفقة المعسرين، ~~وإن كانا متوسطين، فلها عليه نفقة المتوسطين، وإن كان أحدهما موسرا، والآخر ~~معسرا، فعليه نفقة المتوسطين، أيهما كان الموسر. # وقال أبو حنيفة ومالك: يعتبر حال المرأة على قدر كفايتها؛ لقول الله ~~تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] . والمعروف ~~الكفاية، ولأنه سوى بين النفقة والكسوة، والكسوة على قدر حالها، فكذلك ~~النفقة، «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند: خذي ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف» . فاعتبر كفايتها دون حال زوجها، ولأن نفقتها واجبة لدفع حاجتها، ~~فكان الاعتبار بما تندفع به حاجتها، دون حال من وجبت عليه، كنفقة المماليك، ~~ولأنه واجب للمرأة على زوجها بحكم الزوجية لم يقدر، فكان معتبرا بها، ~~كمهرها وكسوتها. # وقال الشافعي: الاعتبار بحال الزوج وحده؛ لقول الله تعالى: {لينفق ذو سعة ~~من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما ~~آتاها} [الطلاق: 7] . ولنا، أن فيما ذكرناه جمعا بين الدليلين، وعملا بكلا ~~النصين، ورعاية لكلا الجانبين، فيكون أولى. ### | [فصل مقدار نفقة الزوجة] # (6456) فصل: والنفقة مقدرة بالكفاية، وتختلف باختلاف من تجب له النفقة في ~~مقدارها. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك. وقال القاضي: هي مقدرة بمقدار لا ~~يختلف في القلة والكثرة، والواجب رطلان من الخبز في كل يوم، في حق الموسر ~~والمعسر، اعتبارا بالكفارات، وإنما يختلفان في صفته ms4375 وجودته؛ لأن الموسر ~~والمعسر سواء في قدر المأكول، وفيما تقوم به البنية، وإنما يختلفان في ~~جودته، فكذلك النفقة الواجبة. # وقال الشافعي: نفقة المقتر مد بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن أقل ~~ما يدفع في الكفارة إلى الواحد مد. والله سبحانه اعتبر الكفارة بالنفقة على ~~الأهل، فقال سبحانه: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] . وعلى ~~الموسر مدان؛ لأن أكثر ما أوجب الله سبحانه للواحد مدين في كفارة الأذى، ~~وعلى المتوسط مد ونصف، نصف نفقة الموسر، ونصف نفقة الفقير. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند: «خذي ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف» . فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير، ورد الاجتهاد في ذلك ~~إليها، ومن المعلوم أن قدر كفايتها لا ينحصر في المدين، بحيث لا يزيد عنهما ~~ولا ينقص، ولأن الله تعالى قال: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ~~[البقرة: 233] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولهن عليكم رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف» . وإيجاب # PageV08P196 # أقل من الكفاية من الرزق ترك للمعروف، وإيجاب قدر الكفاية، وإن كان أقل ~~من مد أو من رطلي خبز، إنفاق بالمعروف، فيكون ذلك هو الواجب بالكتاب ~~والسنة. # واعتبار النفقة بالكفارة في القدر لا يصح؛ لأن الكفارة لا تختلف باليسار ~~والإعسار، ولا هي مقدرة بالكفاية، وإنما اعتبرها الشرع بها في الجنس دون ~~القدر، ولهذا لا يجب فيها الأدم. ### | [فصل لا يجب في النفقة الحب] # (6457) فصل: ولا يجب فيها الحب. وقال الشافعي: الواجب فيها الحب، اعتبارا ~~بالإطعام في الكفارة، حتى لو دفع إليها دقيقا أو سويقا أو خبزا، لم يلزمها ~~قبوله، كما لا يلزم ذلك المسكين في الكفارة. قال بعضهم: يجيء على قول ~~أصحابنا، أنه لا يجوز وإن تراضيا؛ لأنه بيع حنطة بجنسها متفاضلا. ولنا، قول ~~ابن عباس، في قوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] . قال: ~~الخبز والزيت. وعن ابن عمر: الخبز والسمن، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ~~ومن أفضل ما تطعمونهن الخبز واللحم. ففسر إطعام الأهل بالخبز مع غيره من ~~الأدم. # ولأن الشرع ورد بالإنفاق مطلقا من غير تقييد ms4376 ولا تقدير، فوجب أن يرد إلى ~~العرف، كما في القبض والإحراز، وأهل العرف إنما يتعارفون فيما بينهم في ~~الإنفاق على أهليهم الخبز والأدم، دون الحب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وصحابته إنما كانوا ينفقون ذلك، دون ما ذكروه، فكان ذلك هو الواجب، ولأنها ~~نفقة قدرها الشرع بالكفاية، فكان الواجب الخبز، كنفقة العبيد، ولأن الحب ~~تحتاج فيه إلى طحنه وخبزه، فمتى احتاجت إلى تكلف ذلك من مالها لم تحصل ~~الكفاية بنفقته، وفارق الإطعام في الكفارة، لأنها لا تقدر بالكفاية، ولا ~~يجب فيها الأدم. فعلى هذا لو طلبت مكان الخبز دراهم، أو حبا، أو دقيقا، أو ~~غير ذلك، لم يلزمه بذله، ولو عرض عليها بدل الواجب لها، لم يلزمها قبوله؛ ~~لأنها معاوضة، فلا يجبر واحد منهما على قبوله، كالبيع. # وإن تراضيا على ذلك، جاز؛ لأنه طعام وجب في الذمة، لآدمي معين، فجازت ~~المعاوضة عنه، كالطعام في القرض، ويفارق الطعام في الكفارة؛ لأنه حق الله ~~تعالى، وليس هو لآدمي معين، فيرضى بالعوض عنه. وإن أعطاها مكان الخبز حبا، ~~أو دقيقا، جاز إذا تراضيا عليه؛ لأن هذا ليس بمعاوضة حقيقة، فإن الشارع لم ~~يعين الواجب بأكثر من الكفاية، فبأي شيء حصلت الكفاية، كان ذلك هو الواجب، ~~وإنما صرنا إلى إيجاب الخبز عند الاختلاف، لترجحه بكونه القوت المعتاد. # PageV08P197 ### | [فصل تقدير نفقة الزوجة إن لم يتراضيا] # (6458) فصل: ويرجع في تقدير الواجب إلى اجتهاد الحاكم، أو نائبه، إن لم ~~يتراضيا على شيء، فيفرض للمرأة قدر كفايتها من الخبز والأدم، فيفرض للموسرة ~~تحت الموسر قدر حاجتها، من أرفع خبز البلد الذي يأكله أمثالهما، وللمعسرة ~~تحت المعسر قدر كفايتها، من أدنى خبز البلد، وللمتوسطة تحت المتوسط من ~~أوسطه، لكل أحد على حسب حاله، على ما جرت به العادة في حق أمثاله. وكذلك ~~الأدم للموسرة تحت الموسر قدر حاجتها من أرفع الأدم، من اللحم والأرز ~~واللبن، وما يطبخ به اللحم، والدهن على اختلاف أنواعه في بلدانه؛ السمن في ~~موضع، والزيت في آخر، والشحم، والشيرج في آخر. وللمعسرة تحت المعسر من ms4377 ~~الأدم أدونه، كالباقلا، والخل، والبقل، والكامخ، وما جرت به عادة أمثالهم، ~~وما يحتاج إليه من الدهن، وللمتوسطة تحت المتوسط أوسط ذلك، من الخبز، ~~والأدم، كل على حسب عادته. # وقال الشافعي: الواجب من جنس قوت البلدة، لا يختلف باليسار والإعسار سوى ~~المقدار. والأدم هو الدهن خاصة؛ لأنه أصلح للأبدان، وأجود في المؤنة؛ لأنه ~~لا يحتاج إلى طبخ وكلفة، ويعتبر الأدم بغالب عادة أهل البلد، كالزيت ~~بالشام، والشيرج بالعراق، والسمن بخراسان. ويعتبر قدر الأدم بالقوت، فإذا ~~قيل: إن الرطل تكفيه الأوقية من الدهن. فرض ذلك. # وفي كل يوم جمعة رطل لحم، فإن كان في موضع يرخص اللحم، زادها على الرطل ~~شيئا. وذكر القاضي في الأدم مثل هذا. وهذا مخالف لقول الله سبحانه وتعالى: ~~{لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: ~~7] . ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف» . ومتى أنفق الموسر نفقة المعسر، فما أنفق من سعته، ولا رزقها ~~بالمعروف. # وقد فرق الله عز وجل بين الموسر والمعسر في الإنفاق، وفي هذا جمع بين ما ~~فرق الله تعالى، وتقدير الأدم بما ذكروه تحكم لا دليل عليه، وخلاف العادة ~~والعرف بين الناس في إنفاقهم، فلا يعرج على مثل هذا، وقد قال ابن عمر: من ~~أفضل ما تطعمون أهليكم، الخبز واللحم. والصحيح ما ذكرناه، من رد النفقة ~~المطلقة في الشرع إلى العرف فيما بين الناس في نفقاتهم، في حق الموسر ~~والمعسر والمتوسط، كما رددناهم في الكسوة إلى ذلك، ولأن النفقة من مؤنة ~~المرأة على الزوج، فاختلف جنسها بالإيسار والإعسار، كالكسوة. (6459) فصل: ~~وحكم المكاتب والعبد حكم المعسر؛ لأنهما ليس بأحسن حالا منه. ومن نصفه حر، ~~إن كان موسرا، فحكمه حكم المتوسط؛ لأنه متوسط، نصفه موسر، ونصفه معسر. # PageV08P198 ### | [فصل يجب في نفقة المرأة ما تحتاج إليه من المشط والدهن لرأسها والسدر] # (6460) فصل: ويجب للمرأة ما تحتاج إليه، من المشط، والدهن لرأسها، ~~والسدر، أو نحوه مما تغسل به رأسها، وما يعود بنظافتها؛ لأن ذلك يراد ~~للتنظيف، فكان ms4378 عليه، كما أن على المستأجر كنس الدار وتنظيفها. فأما الخضاب، ~~فإنه إن لم يطلبه الزوج منها، لم يلزمه؛ لأنه يراد للزينة، وإن طلبه منها، ~~فهو عليه. وأما الطيب، فما يراد منه لقطع السهولة، كدواء العرق، لزمه؛ لأنه ~~يراد للتطيب، وما يراد منه للتلذذ والاستمتاع، لم يلزمه؛ لأن الاستمتاع حق ~~له، فلا يجب عليه ما يدعوه إليه. ولا يجب عليه شراء الأدوية، ولا أجرة ~~الطبيب؛ لأنه يراد لإصلاح الجسم، فلا يلزمه، كما لا يلزم المستأجر بناء ما ~~يقع من الدار، وحفظ أصولها، وكذلك أجرة الحجام والفاصد. (6461) # فصل: وتجب عليه كسوتها، بإجماع أهل العلم؛ لما ذكرنا من النصوص، ولأنها ~~لا بد منها على الدوام، فلزمته، كالنفقة، وهي معتبرة بكفايتها، وليست مقدرة ~~بالشرع، كما قلنا في النفقة، ووافق أصحاب الشافعي على هذا، ويرجع في ذلك ~~إلى اجتهاد الحاكم، فيفرض لها على قدر كفايتها، على قدر يسرهما وعسرهما، ~~وما جرت عادة أمثالهما به، من الكسوة، فيجتهد الحاكم في ذلك عند نزول ~~الأمر، كنحو اجتهاده في المتعة للمطلقة، وكما قلنا في النفقة، فيفرض ~~للموسرة تحت الموسر من أرفع ثياب البلد، من الكتان والخز والإبريسم، ~~وللمعسرة تحت المعسر، غليظ القطن والكتان، وللمتوسطة تحت المتوسط، من ذلك، ~~فأقل ما يجب من ذلك قميص، وسراويل، ومقنعة، ومداس، وجبة للشتاء، ويزيد من ~~عدد الثياب ما جرت العادة بلبسه، مما لا غنى عنه، دون ما للتجمل والزينة، ~~والأصل في هذا قول الله عز وجل: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ~~[البقرة: 233] . # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» ~~. والكسوة بالمعروف هي الكسوة التي جرت عادة أمثالها بلبسه، وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (6462) فصل: ~~وعليه لها ما تحتاج إليه للنوم، من الفراش واللحاف والوسادة، كل على حسب ~~عادته؛ فإن كانت ممن # PageV08P199 # عادته النوم في الأكسية والبساط، فعليه لها لنومها ما جرت عادتهم به، ~~ولجلوسها بالنهار البساط، والزلي، والحصير الرفيع أو الخشن، الموسر على حسب ~~يساره، والمعسر على قدر إعساره، على ms4379 حسب العوائد. # فصل: ويجب لها مسكن، بدليل قوله سبحانه وتعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من ~~وجدكم} [الطلاق: 6] . فإذا وجبت السكنى للمطلقة، فللتي في صلب النكاح أولى، ~~قال الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] . ومن المعروف أن يسكنها ~~في مسكن، ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون، وفي التصرف، ~~والاستمتاع، وحفظ المتاع، ويكون المسكن على قدر يسارهما وإعسارهما؛ لقول ~~الله تعالى: {من وجدكم} [الطلاق: 6] . ولأنه واجب لها لمصلحتها في الدوام، ~~فجرى مجرى النفقة والكسوة. ### | [فصل كانت المرأة ممن لا تخدم نفسها هل يجب لها خادم] # (6464) فصل: فإن كانت المرأة ممن لا تخدم نفسها؛ لكونها من ذوي الأقدار، ~~أو مريضة، وجب لها خادم: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] . ومن العشرة ~~بالمعروف، أن يقيم لها خادما، ولأنه مما تحتاج إليه في الدوام، فأشبه ~~النفقة. ولا يجب لها أكثر من خادم واحد؛ لأن المستحق خدمتها في نفسها، ~~ويحصل ذلك بواحد. وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. إلا أن مالكا ~~قال: إن كان لا يصلح للمرأة إلا أكثر من خادم، فعليه أن ينفق على أكثر من ~~واحد. ونحوه قال أبو ثور: إذا احتمل الزوج ذلك، فرض لخادمين. # ولنا، أن الخادم الواحد يكفيها لنفسها، والزيادة تراد لحفظ ملكها، أو ~~للتجمل، وليس عليه ذلك. إذا ثبت هذا، فلا يكون الخادم إلا ممن يحل له النظر ~~إليها، إما امرأة، وإما ذو رحم محرم؛ لأن الخادم يلزم المخدوم في غالب ~~أحواله، فلا يسلم من النظر. وهل يجوز أن يكون من أهل الكتاب؟ فيه وجهان. ~~الصحيح منهما جوازه؛ لأن استخدامهم مباح، وقد ذكرنا فيما مضى أن الصحيح ~~إباحة النظر لهم. # PageV08P200 # والثاني، لا يجوز؛ لأن في إباحة نظرهم اختلافا، وتعافهم النفس، ولا ~~يتنظفون من النجاسة، ولا يلزم الزوج أن يملكها خادما؛ لأن المقصود الخدمة، ~~فإذا حصلت من غير تمليك، جاز كما أنه إذا أسكنها دارا بأجرة جاز، ولا يلزمه ~~تمليكها مسكنا، فإن ملكها الخادم، فقد زاد خيرا، وإن أخدمها من يلازم ~~خدمتها من غير تمليك، جاز، سواء كان له، أو استأجره، حرا كان ms4380 أو عبدا. وإن ~~كان الخادم لها، فرضيت بخدمته لها، ونفقته على الزوج، جاز. # وإن طلبت منه أجر خادمها فوافقها، جاز. ` وإن قال: لا أعطيك أجر هذا، ~~ولكن أنا آتيك بخادم سواه. فله ذلك إذا أتاها بمن يصلح لها. وإن قالت: أنا ~~أخدم نفسي، وآخذ أجر الخادم. لم يلزم الزوج قبول ذلك؛ لأن الأجر عليه، ~~فتعيين الخادم إليه، ولأن في إخدامها توفيرها على حقوقه، وترفيهها، ورفع ~~قدرها، وذلك يفوت بخدمتها لنفسها. # وإن قال الزوج: أنا أخدمك بنفسي. لم يلزمها؛ لأنها تحتشمه، وفيه غضاضة ~~عليها، لكون زوجها خادما. وفيه وجه آخر، أنه يلزمها الرضى به؛ لأن الكفاية ~~تحصل به. (6465) فصل: وعلى الزوج نفقة الخادم، ومؤنته من الكسوة والنفقة، ~~مثل ما لامرأة المعسر، إلا أنه لا يجب لها المشط، والدهن لرأسها، والسدر؛ ~~لأن ذلك يراد للزينة والتنظيف، ولا يراد ذلك من الخادم، لكن إن احتاجت إلى ~~خف لتخرج إلى شراء الحوائج، لزمه ذلك. ### | [مسألة منع الزوج زوجته مما يجب لها من النفقة وقدرت له على مال] # مسألة: قال: (فإن منعها ما يجب لها، أو بعضه، وقدرت له على مال، أخذت منه ~~مقدار حاجتها بالمعروف، كما «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند حين ~~قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. ~~فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» ) وجملته أن الزوج إذا لم يدفع إلى ~~امرأته ما يجب لها عليه من النفقة والكسوة، أو دفع إليها أقل من كفايتها، ~~فلها أن تأخذ من ماله الواجب أو تمامه، بإذنه وبغير إذنه؛ بدليل قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» . وهذا إذن ~~لها في الأخذ من ماله بغير إذنه، ورد لها إلى اجتهادها في قدر كفايتها ~~وكفاية ولدها، وهو متناول لأخذ تمام الكفاية، فإن ظاهر الحديث دل على أنه ~~قد كان يعطيها بعض الكفاية، ولا يتممها لها، فرخص النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لها في أخذ تمام الكفاية بغير علمه؛ لأنه موضع حاجة، فإن النفقة لا ms4381 ~~غنى عنها، ولا قوام إلا بها، فإذا لم يدفعها الزوج ولم تأخذها، أفضى إلى ~~ضياعها وهلاكها، فرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لها في أخذ قدر نفقتها، ~~دفعا لحاجتها، ولأن النفقة تتجدد بتجدد الزمان شيئا فشيئا، فتشق المرافعة ~~إلى الحاكم، والمطالبة # PageV08P201 # بها في كل الأوقات؛ فلذلك رخص لها في أخذها بغير إذن من هي عليه. وذكر ~~القاضي بينها وبين الدين فرقا آخر، وهو أن نفقة الزوجة تسقط بفوات وقتها ~~عند بعض أهل العلم، ما لم يكن الحاكم فرضها لها، فلو لم تأخذ حقها أفضى إلى ~~سقوطها، والإضرار بها، بخلاف الدين، فإنه لا يسقط عند أحد بترك المطالبة، ~~فلا يؤدي ترك الأخذ إلى الإسقاط. ### | [فصل وقت دفع النفقة للزوجة] # (6467) فصل: ويجب عليه دفع نفقتها إليها في صدر نهار كل يوم إذا طلعت ~~الشمس، لأنه أول وقت الحاجة، فإن اتفقا على تأخيرها جاز؛ لأن الحق لها، ~~فإذا رضيت بتأخيره جاز، كالدين. وإن اتفقا على تعجيل نفقة عام أو شهر، أو ~~أقل من ذلك أو أكثر، أو تأخيره، جاز؛ لأن الحق لهما، لا يخرج عنهما، فجاز ~~من تعجيله وتأخيره ما اتفقا عليه، كالدين. # وليس بين أهل العلم في هذا خلاف علمناه. فإن سلم إليها نفقة يوم، ثم ماتت ~~فيه، لم يرجع عليها بها؛ لأنه دفع إليها ما وجب عليه دفعه إليها، وإن ~~أبانها بعد وجوب الدفع إليها، لم تسقط نفقتها فيه، ولها مطالبته بها؛ لأنها ~~قد وجبت، فلم تسقط بالطلاق، كالدين. وإن عجل لها نفقة شهر أو عام، ثم ~~طلقها، أو ماتت قبل انقضائه، أو بانت بفسخ أو إسلام أحدهما أو ردته، فله أن ~~يسترجع نفقة سائر الشهر. وبه قال الشافعي، ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة، ~~وأبو يوسف: لا يسترجعها؛ لأنها صلة، فإذا قبضتها، لم يكن له الرجوع فيها، ~~كصدقة التطوع. # ولنا، أنه سلم إليها النفقة سلفا عما يجب في الثاني، فإذا وجد ما يمنع ~~الوجوب، ثبت الرجوع، كما لو أسلفها إياها فنشزت، أو عجل الزكاة إلى الساعي ~~فتلف ماله قبل الحول. ms4382 وقولهم: إنها صلة. قلنا: بل هي عوض عن التمكين، وقد ~~فات التمكين. وذكر القاضي، أن زوج الوثنية والمجوسية، إذا دفع إليها نفقة ~~سنتين، ثم بانت بإسلامه، فإن لم يكن أعلمها أنها نفقة عجلها لها، لم يرجع ~~عليها؛ لأن الظاهر أنه تطوع بها، وإن أعلمها ذلك، انبنى على معجل الزكاة ~~إذا أعلم الفقير أنها زكاة معجلة ثم تلف المال، وفي الرجوع بها وجهان، كذلك ~~هاهنا. وكذلك ينبغي أن يكون في سائر الصور مثل هذا؛ لأنه تبرع بدفع ما لا ~~يلزمه من غير إعلام الآخذ بتعجيله، فلم يرجع به، كمعجل الزكاة. # ولو سلم إليها نفقة اليوم، فسرقت أو تلفت، لم يلزمه عوضها؛ لأنه برئ من ~~الواجب بدفعه، فأشبه ما لو تلفت الزكاة بعد قبض الساعي لها، أو الدين بعد ~~أخذ صاحبه له. (6468) فصل: وإذا دفع إليها نفقتها، فلها أن تتصرف فيها بما ~~أحبت، من الصدقة والهبة والمعاوضة، ما لم يعد ذلك # PageV08P202 # عليها بضرر في بدنها، وضعف في جسمها؛ لأنه حق لها، فلها التصرف فيه بما ~~شاءت كالمهر، وليس لها التصرف فيها على وجه يضر بها؛ لأن فيه تفويت حقه ~~منها، ونقصا في استمتاعه بها. ### | [فصل وقت دفع الكسوة للزوجة] # (6469) فصل: وعليه دفع الكسوة إليها في كل عام مرة؛ لأنها العادة، ويكون ~~الدفع إليها في أوله؛ لأنه أول وقت الوجوب. فإن بليت الكسوة في الوقت الذي ~~يبلى فيه مثلها، لزمه أن يدفع إليها كسوة أخرى؛ لأن ذلك وقت الحاجة إليها، ~~وإن بليت قبل ذلك، لكثرة دخولها وخروجها أو استعمالها، لم يلزمه إبدالها؛ ~~لأنه ليس بوقت الحاجة إلى الكسوة في العرف. وإن مضى الزمان الذي تبلى في ~~مثله بالاستعمال المعتاد ولم تبل، فهل يلزمه بدلها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا ~~يلزمه بدلها؛ لأنها غير محتاجة إلى الكسوة. والثاني، يلزمه؛ لأن الاعتبار ~~بمضي الزمان دون حقيقة الحاجة، بدليل أنها لو بليت قبل ذلك لم يلزمه بدلها. # ولو أهدي إليها كسوة، لم تسقط كسوتها. وإن أهدي إليها طعام فأكلته، وبقي ~~قوتها إلى الغد، لم يسقط قوتها فيه ms4383 وإن كساها، ثم طلقها قبل أن تبلى، فهل ~~له أن يسترجعها؟ فيه وجهان: أحدهما، له ذلك؛ لأنه دفعها للزمان المستقبل، ~~فإذا طلقها قبل مضيه، كان له استرجاعها، كما لو دفع إليها نفقة مدة، ثم ~~طلقها قبل انقضائها. والثاني، ليس له الاسترجاع؛ لأنه دفع إليها الكسوة بعد ~~وجوبها عليه، فلم يكن له الرجوع فيها، كما لو دفع إليها النفقة بعد وجوبها ~~ثم طلقها قبل أكلها، بخلاف النفقة المستقبلة. (6470) # فصل: وإذا دفع إليها كسوتها، فأرادت بيعها، أو التصدق بها، وكان ذلك يضر ~~بها، أو يخل بتجملها بها، أو بسترتها، لم تملك ذلك، كما لو أرادت الصدقة ~~بقوتها على وجه يضر بها، وإن لم يكن في ذلك ضرر، احتمل الجواز؛ لأنها ~~تملكها، فأشبهت النفقة، واحتمل المنع؛ لأن له استرجاعها لو طلقها، في أحد ~~الوجهين، بخلاف النفقة. (6471) فصل: والذمية كالمسلمة في النفقة والمسكن ~~والكسوة، في قول عامة أهل العلم. وبه يقول مالك، والشافعي، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي؛ لعموم النصوص والمعنى. # PageV08P203 ### | [مسألة منع امرأته النفقة لعسرته] # (6472) مسألة: قال: (فإذا منعها، ولم تجد ما تأخذه، واختارت فراقه، فرق ~~الحاكم بينهما) وجملته أن الرجل إذا منع امرأته النفقة، لعسرته، وعدم ما ~~ينفقه، فالمرأة مخيرة بين الصبر عليه، وبين فراقه. وروي نحو ذلك عن عمر، ~~وعلي، وأبي هريرة. وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، ~~وربيعة، وحماد، ومالك، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، والشافعي، ~~وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور. # وذهب عطاء، والزهري، وابن شبرمة، وأبو حنيفة وصاحباه، إلى أنها لا تملك ~~فراقه بذلك، ولكن يرفع يده عنها لتكتسب؛ لأنه حق لها عليه، فلا يفسخ النكاح ~~لعجزه عنه، كالدين. وقال العنبري: يحبس إلى أن ينفق ولنا، قول الله تعالى: ~~{فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . وليس الإمساك مع ترك ~~الإنفاق إمساكا بمعروف، فيتعين التسريح. # وروى سعيد، عن سفيان، عن ابن أبي الزناد، قال: سألت سعيد بن المسيب عن ~~الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، أيفرق بينهما؟ قال: نعم. قلت: سنة؟ قال: ~~سنة. وهذا ينصرف ms4384 إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن ~~المنذر ثبت أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد، في رجال غابوا عن ~~نسائهم، فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى. ولأنه ~~إذا ثبت الفسخ بالعجز عن الوطء، والضرر فيه، أقل، لأنه إنما هو فقد لذة ~~وشهوة يقوم البدن بدونه، فلأن يثبت بالعجز عن النفقة التي لا يقوم البدن ~~إلا بها أولى. إذا ثبت هذا، فإنه متى ثبت الإعسار بالنفقة على الإطلاق، ~~فللمرأة المطالبة بالفسخ، من غير إنظار. وهذا أحد قولي الشافعي. # وقال حماد بن أبي سليمان: يؤجل سنة قياسا على العنين. وقال عمر بن عبد ~~العزيز: اضربوا له شهرا أو شهرين. وقال مالك: الشهر ونحوه. وقال الشافعي في ~~القول الآخر: يؤجل ثلاثا؛ لأنه قريب. ولنا، ظاهر حديث عمر، ولأنه معنى يثبت ~~الفسخ، ولم يرد الشرع بالإنظار فيه، فوجب، أن يثبت الفسخ في الحال، كالعيب، ~~ولأن سبب الفسخ الإعسار، وقد وجد، فلا يلزم التأخير. ### | [فصل لم تجد الزوجة النفقة إلا يوما بيوم] # (6473) فصل: وإن لم يجد النفقة إلا يوما بيوم، فليس ذلك إعسارا يثبت به ~~الفسخ؛ لأن ذلك هو الواجب عليه، وقد قدر عليه. وإن وجد في أول النهار ما ~~يغديها، وفي آخره ما يعشيها، لم يكن لها الفسخ؛ لأنها تصل إلى كفايتها، وما ~~يقوم به بدنها. وإن كان صانعا يعمل في الأسبوع ما يبيعه في يوم بقدر ~~كفايتها # PageV08P204 # في الأسبوع كله، لم يثبت الفسخ؛ لأن هذا يحصل الكفاية به في جميع زمانه. ~~وإن تعذر عليه الكسب في بعض زمانه، أو تعذر البيع لم يثبت الفسخ؛ لأنه يمكن ~~الاقتراض إلى زوال العارض، وحصول الاكتساب. وإن عجز عن الاقتراض أياما ~~يسيرة لم يثبت الفسخ؛ لأن ذلك يزول عن قرب، ولا يكاد يسلم منه كثير من ~~الناس. # وإن مرض مرضا يرجى زواله في أيام يسيرة، لم يفسخ؛ لما ذكرناه. وإن كان ~~ذلك يطول، فلها الفسخ؛ لأن الضرر الغالب يلحقها، ولا يمكنها الصبر. وكذلك ~~إن كان لا يجد ms4385 من النفقة إلا يوما دون يوم، فلها الفسخ؛ لأنها لا يمكنها ~~الصبر على هذا، ويكون بمثابة من لا يجد إلا بعض القوت. وإن أعسر ببعض نفقة ~~المعسر، ثبت لها الخيار؛ لأن البدن لا يقوم بما دونها. وإن أعسر بما زاد ~~على نفقة المعسر، فلا خيار لها؛ لأن تلك الزيادة تسقط بإعساره، ويمكن الصبر ~~عنها، ويقوم البدن بما دونها. # وإن أعسر بنفقة الخادم، لم يثبت لها خيار؛ لما ذكرنا، وكذلك إن أعسر ~~بالأدم. وإن أعسر بالكسوة، فلها الفسخ؛ لأن الكسوة لا بد منها، ولا يمكن ~~الصبر عنها، ولا يقوم البدن بدونها. وإن أعسر بأجرة المسكن، ففيه وجهان؛ ~~أحدهما: لها الخيار؛ لأنه مما لا بد منه، فهو كالنفقة والكسوة. والثاني، لا ~~خيار لها؛ لأن البنية تقوم بدونه. وهذا الوجه هو الذي ذكره القاضي. وإن ~~أعسر بالنفقة الماضية، لم يكن لها الفسخ؛ لأنها دين يقوم البدن بدونها، ~~فأشبهت سائر الديون. الحال الثاني، أن يمتنع من الإنفاق مع يساره؛ فإن قدرت ~~له على مال، أخذت منه قدر حاجتها، ولا خيار لها؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر هندا بالأخذ، ولم يجعل لها الفسخ، وإن لم تقدر، رافعته إلى ~~الحاكم، فيأمره بالإنفاق، ويجبره عليه، فإن أبى حبسه، فإن صبر على الحبس، ~~أخذ الحاكم النفقة من ماله، فإن لم يجد إلا عروضا أو عقارا، باعها في ذلك. ~~وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور. # وقال أبو حنيفة: النفقة في ماله من الدنانير والدراهم، ولا يبيع عرضا إلا ~~بتسليم؛ لأن بيع مال الإنسان لا ينفذ إلا بإذنه، أو إذن وليه، ولا ولاية ~~على الرشيد. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند " خذي ما يكفيك ~~". ولم يفرق، ولأن ذلك مال له، فتؤخذ منه النفقة، كالدراهم والدنانير، ~~وللحاكم ولاية عليه إذا امتنع، بدليل ولايته على دراهمه ودنانيره. # وإن تعذرت النفقة في حال غيبته، وله وكيل، فحكم وكيله حكمه في المطالبة ~~والأخذ من المال عند امتناعه، وإن لم يكن له وكيل، ولم تقدر المرأة على ~~الأخذ، ms4386 أخذ لها الحاكم من ماله، ويجوز بيع عقاره وعروضه في ذلك، إذا لم تجد ~~ما تنفق سواه. وينفق على المرأة يوما بيوم. وبهذا قال الشافعي، ويحيى بن ~~آدم. وقال أصحاب الرأي: يفرض لها في كل شهر. # PageV08P205 # ولنا، أن هذا تعجيل للنفقة قبل وجوبها، فلم يجز، كما لو عجل لها نفقة ~~زيادة على شهر. ### | [فصل غيب ماله وصبر على الحبس ولم يقدر الحاكم له على مال يأخذه فهل لزوجته نفقة] # (6474) فصل: وإن غيب ماله، وصبر على الحبس، ولم يقدر الحاكم له على مال ~~يأخذه، أو لم يقدر على أخذ النفقة من مال الغائب، فلها الخيار في الفسخ، في ~~ظاهر قول الخرقي، واختيار أبي الخطاب. واختار القاضي أنها لا تملك الفسخ، ~~وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن الفسخ في المعسر لعيب الإعسار، ولم يوجد هاهنا، ~~ولأن الموسر في مظنة إمكان الأخذ من ماله، وإذا امتنع في يوم، فربما لا ~~يمتنع في الغد، بخلاف المعسر. # ولنا، أن عمر - رضي الله عنه - كتب في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم أن ~~ينفقوا أو يطلقوا. وهذا إجبار على الطلاق عند الامتناع من الإنفاق، ولأن ~~الإنفاق عليها من ماله متعذر، فكان لها الخيار، كحال الإعسار، بل هذا أولى ~~بالفسخ، فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور، فعلى غيره أولى، ولأن في الصبر ~~ضررا أمكن إزالته بالفسخ، فوجبت إزالته، ولأنه نوع تعذر يجوز الفسخ، فلم ~~يفترق الحال بين الموسر والمعسر، كأداء ثمن المبيع، فإنه لا فرق في جواز ~~الفسخ بين أن يكون المشتري معسرا، وبين أن يهرب قبل أداء الثمن، وعيب ~~الإعسار إنما جوز الفسخ لتعذر الإنفاق، بدليل أنه لو اقترض ما ينفق عليها، ~~أو تبرع له إنسان بدفع ما ينفقه لم تملك الفسخ. وقولهم: إنه يحتمل أن ينفق ~~فيما بعد هذا. قلنا: وكذلك المعسر يحتمل أن يغنيه الله، وأن يقترض، أو يعطى ~~ما ينفقه، فاستويا. ### | [فصل وجبت عليه نفقة امرأته وكان له عليها دين] # (6475) فصل: ومن وجبت عليه نفقة امرأته، وكان له عليها دين، فأراد أن ~~يحتسب عليها بدينه ms4387 مكان نفقتها، فإن كانت موسرة، فله ذلك لأن من عليه حق ~~فله أن يقضيه من أي أمواله شاء، وهذا من ماله، وإن كانت معسرة، لم يكن له ~~ذلك؛ لأن قضاء الدين إنما يجب في الفاضل من قوته، وهذا لا يفضل عنها، ولأن ~~الله تعالى أمر بإنظار المعسر، بقوله سبحانه: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة} [البقرة: 280] . فيجب إنظارها بما عليها. ### | [فصل كل المواضع التي يحق للزوجة فسخ النكاح لأجل النفقة ترجع لحكم الحاكم] # (6476) فصل: وكل موضع ثبت لها الفسخ لأجل النفقة، لم يجز إلا بحكم ~~الحاكم؛ لأنه فسخ مختلف فيه، فافتقر إلى الحاكم، كالفسخ بالعنة، ولا يجوز ~~له التفريق إلا أن تطلب المرأة ذلك؛ لأنه لحقها، فلم يجز من غير طلبها، ~~كالفسخ للعنة. فإذا فرق الحاكم بينهما، فهو فسخ لا رجعة له فيه. وبهذا قال ~~الشافعي وابن المنذر. # PageV08P206 # وقال مالك: هو تطليقة، وهو أحق بها إن أيسر في عدتها؛ لأنه تفريق ~~لامتناعه من الواجب عليه لها، فأشبه تفريقه بين المولى وامرأته إذا امتنع ~~من الفيئة والطلاق. # ولنا، أنها فرقة لعجزه عن الواجب لها عليه أشبهت فرقة العنة. فأما إن ~~أجبره الحاكم على الطلاق، فطلق أقل من ثلاث، فله الرجعة عليها ما دامت في ~~العدة، فإن راجعها، وهو معسر، أو امتنع من الإنقاق عليها، ولم يمكن الأخذ ~~من ماله، فطلبت المرأة الفسخ، فللحاكم الفسخ؛ لأن المقتضي له باق، أشبه ما ~~قبل الطلاق. ### | [فصل رضيت الزوجة بالمقام معه مع عسرته أو ترك إنفاقه ثم بدا لها الفسخ] # (6477) فصل: وإن رضيت بالمقام معه مع عسرته أو ترك إنفاقه، ثم بدا لها ~~الفسخ، أو تزوجت معسرا عالمة بحاله، راضية بعسرته، وترك إنفاقه، أو شرط ~~عليها أن لا ينفق عليها، ثم عن لها الفسخ، فلها ذلك. وبهذا قال الشافعي ~~وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد، ليس لها الفسخ، ويبطل خيارها في الموضعين. ~~وهو قول مالك؛ لأنها رضيت بعيبه، ودخلت في العقد عالمة به، فلم تملك الفسخ، ~~كما لو تزوجت عنينا. عالمة بعنته، أو قالت بعد ms4388 العقد: قد رضيت به عنينا. # ولنا، أن وجوب النفقة يتجدد في كل يوم، فيتجدد لها الفسخ، ولا يصح إسقاط ~~حقها فيما لم يجب لها، كإسقاط شفعتها قبل البيع، ولذلك لو أسقطت، النفقة ~~المستقبلة لم تسقط، ولو أسقطتها أو أسقطت المهر قبل النكاح لم يسقط، وإذا ~~لم يسقط وجوبها، لم يسقط الفسخ الثابت به. وإن أعسر بالمهر، وقلنا: لها ~~الفسخ لإعساره به. فرضيت بالمقام، لم يكن لها الفسخ؛ لأن وجوبه لم يتجدد ~~بخلاف النفقة، ولو تزوجته، عالمة بإعساره بالمهر، راضية بذلك، فينبغي أن لا ~~تملك الفسخ بإعساره به؛ لأنها رضيت بذلك في وقت لو أسقطته فيه سقط. (6478) ~~فصل: إذا رضيت بالمقام مع ذلك، لم يلزمها التمكين من الاستمتاع؛ لأنه لم ~~يسلم إليها عوضه، فلم يلزمها تسليمه، كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع، لم ~~يجب تسليمه إليه، وعليه تخلية سبيلها، لتكتسب لها، وتحصل ما تنفقه على ~~نفسها؛ لأن في حبسها بغير نفقة إضرارا بها. # ولو كانت موسرة، لم يكن له حبسها؛ لأنه إنما يملك حبسها إذا كفاها ~~المؤنة، وأغناها عما لا بد لها منه، ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب عليها، ~~فإذا انتفى الأمران، لم يملك حبسها. ### | [فصل ترك الإنفاق الواجب لامرأته مدة] # (6479) فصل: ومن ترك الإنفاق الواجب لامرأته مدة، لم يسقط بذلك، وكانت ~~دينا في ذمته، سواء تركها لعذر أو # PageV08P207 # غير عذر، في أظهر الروايتين. وهذا قول الحسن ومالك، والشافعي، وإسحاق، ~~وابن المنذر. والرواية الأخرى: تسقط نفقتها، ما لم يكن الحاكم قد فرضها ~~لها. وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأنها نفقة تجب يوما فيوما، فتسقط بتأخيرها إذا ~~لم يفرضها الحاكم كنفقة الأقارب، لأن نفقة الماضي قد استغني عنها بمضي ~~وقتها، فتسقط، كنفقة الأقارب. # ولنا، أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الأجناد، في رجال غابوا عن ~~نسائهم، يأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى. ~~ولأنها حق يجب مع اليسار والإعسار، فلم يسقط بمضي الزمان، كأجرة العقار ~~والديون. قال ابن المنذر هذه نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإجماع، ولا يزول ~~ما ms4389 وجب بهذه الحجج إلا بمثلها. ولأنها عوض واجب فأشبهت الأجرة. وفارق نفقة ~~الأقارب، فإنها صلة يعتبر فيها اليسار من المنفق والإعسار ممن تجب له، وجبت ~~لتزجية الحال، فإذا مضى زمنها استغنى عنها، فأشبه ما لو استغنى عنها ~~بيساره، وهذه بخلاف ذلك إذا ثبت هذا، فإنه إن ترك الإنفاق عليها مع يساره، ~~فعليه النفقة بكمالها، وإن تركها لإعساره، لم يلزمه [إلا] نفقة المعسر؛ لأن ~~الزائد سقط بإعساره. ### | [فصل ضمان النفقة ما وجب منها وما يجب في المستقبل] # (6480) فصل: ويصح ضمان النفقة، ما وجب منها وما يجب في المستقبل، إذا ~~قلنا: إنها تثبت في الذمة. وقال الشافعي يصح ضمان ما وجب، وفي ضمان ~~المستقبل وجهان، بناء على أن النفقة هل تجب بالعقد أو بالتمكين؟ ومبنى ~~الخلاف على ضمان ما لم يجب إذا كان ماله إلى الوجوب، فعندنا يصح، وعندهم لا ~~يصح. وقد ذكرنا ذلك في باب الضمان. ### | [فصل أعسر بنفقة الخادم أو الأدم أو المسكن] # (6481) فصل: وإن أعسر بنفقة الخادم أو الأدم أو المسكن، ثبت ذلك في ذمته. ~~وبهذا قال الشافعي. وقال القاضي: لا يثبت؛ لأنه من الزوائد، فلم يثبت في ~~ذمته، كالزائد عن الواجب عليه. ولنا، أنها نفقة تجب على سبيل العوض فتثبت ~~في الذمة، كالنفقة الواجبة للمرأة قوتا، وفارق الزائد عن نفقة المعسر، فإنه ~~يسقط بالإعسار. ### | [فصل أنفقت المرأة على نفسها من مال زوجها الغائب ثم بان أنه قد مات قبل إنفاقها] # (6482) فصل: وإذا أنفقت المرأة على نفسها من مال زوجها الغائب، ثم بان ~~أنه قد مات قبل إنفاقها، حسب عليها ما أنفقته من ميراثها، سواء أنفقته ~~بنفسها، أو بأمر الحاكم. وبهذا قال أبو العالية ومحمد بن سيرين، # PageV08P208 # والشافعي، وابن المنذر، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم؛ لأنها أنفقت ما لا ~~تستحق. وإن فضل لها شيء فهو لها وإن فضل عليها شيء، وكان لها صداق أو دين ~~على زوجها، حسب منه، وإن لم يكن لها شيء من ذلك، كان الفضل دينا عليها، ~~والله أعلم. ### | [فصل أعسر الزوج بالصداق] # (6483) فصل: وإن أعسر ms4390 الزوج بالصداق، ففيه ثلاثة أوجه؛ أصحها، ليس لها ~~الفسخ. وهو اختيار ابن حامد. والثاني، لها الفسخ. وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه ~~أعسر بالعوض، فكان لها الرجوع في المعوض، كما لو أعسر بثمن مبيعها. ~~والثالث، إن أعسر قبل الدخول، فلها الفسخ كما لو أفلس المشتري والمبيع ~~بحاله، وإن كان بعد الدخول، لم تملك الفسخ؛ لأن المعقود عليه قد استوفي، ~~فأشبه ما لو أفلس المشتري بعد تلف المبيع أو بعضه. # ولنا، أنه دين، فلم يفسخ النكاح للإعسار به، كالنفقة الماضية، ولأن ~~تأخيره ليس فيه ضرر مجحف، فأشبه نفقة الخادم والنفقة الماضية، ولأنه لا نص ~~فيه، ولا يصح قياسه على الثمن في المبيع؛ لأن الثمن كل مقصود البائع، ~~والعادة تعجيله، والصداق فضلة ونحلة، ليس هو المقصود في النكاح، ولذلك لا ~~يفسد النكاح بفساده، ولا بترك ذكره، والعادة تأخيره، ولأن أكثر من يشتري ~~بثمن حال يكون موسرا به، وليس الأكثر أن من تزوج بمهر يكون موسرا به، ولا ~~يصح قياسه على النفقة؛ لأن الضرورة لا تندفع إلا بها، بخلاف الصداق، فأشبه ~~شيء به النفقة الماضية. وللشافعي نحو هذه الوجوه. وإذا قلنا: لها الفسخ ~~للإعسار به. فتزوجته عالمة بعسرته، فلا خيار لها، وجها واحدا؛ لأنها رضيت ~~به كذلك. وكذلك إن علمت عسرته بعد العقد، فرضيت بالمقام سقط حقها من الفسخ، ~~لأنها رضيت بإسقاط حقها بعد وجوبه، فسقط كما لو رضيت بعنته. ### | [فصل نفقة الأمة المزوجة] # (6484) فصل: ونفقة الأمة المزوجة حق لها ولسيدها؛ لأن كل واحد منهما ~~ينتفع بها، ولكل واحد منهما طلبها إن امتنع الزوج من أدائها، ولا يملك واحد ~~منهما إسقاطها؛ لأن في سقوطها بإسقاط أحدهما ضررا بالآخر. وإن أعسر الزوج ~~بها، فلها الفسخ؛ لأنه عجز عن نفقتها، فملكت الفسخ، كالحرة، وإن لم تفسخ، ~~فقال القاضي: لسيدها الفسخ؛ لأن عليه ضررا في عدمها، لما يتعلق بفواتها من ~~فوات ملكه وتلفه، فإن أنفق عليها سيدها محتسبا بالرجوع، فله الرجوع بها على ~~الزوج، رضيت بذلك أو كرهت؛ لأن # PageV08P209 # الدين خالص حقه، لا حق لها فيه، وإنما ms4391 تعلق حقها بالنفقة الحاضرة، لوجوب ~~صرفها إليها، وقوام بدنها بها، بخلاف الماضية. # وقال أبو الخطاب، وأصحاب الشافعي: ليس لسيدها الفسخ لعسرة زوجها بالنفقة؛ ~~لأنها حق لها، فلم يملك سيدها الفسخ دونها، كالفسخ للعيب، فإن كانت معتوهة، ~~أنفق المولى، وتكون النفقة دينا في ذمة الزوج، وإن كانت عاقلة قال لها ~~السيد: إن أردت النفقة، فافسخي النكاح، وإلا فلا نفقة لك عندي. ### | [فصل اختلف الزوجان في الإنفاق عليها أو في تقبيضها نفقتها] # (6485) فصل: وإن اختلف الزوجان في الإنفاق عليها، أو في تقبيضها نفقتها، ~~فالقول قول المرأة؛ لأنها منكرة، والأصل معها. وإن اختلفا في التمكين ~~الموجب للنفقة، أو في وقته، فقالت: كان ذلك من شهر. فقال: بل من يوم. ~~فالقول قوله؛ لأنه منكر، والأصل معه. وإن اختلفا في يساره فادعته المرأة ~~ليفرض لها نفقة الموسرين، أو قالت: كنت موسرا. وأنكر ذلك، فإن عرف له مال، ~~فالقول قولها، وإلا فالقول قوله. وبهذا كله قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي. # وإن اختلفا في فرض الحاكم للنفقة، أو في وقتها، فقال: فرضها منذ شهر. ~~فقالت: بل منذ عام. فالقول قوله، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي. وقال ~~مالك: إن كان مقيما معها، فالقول قوله، وإن كان غائبا عنها، فالقول قول ~~المرأة من يوم رفعت أمرها إلى الحاكم. ولنا، أن قوله يوافق الأصل، فقدم، ~~كما لو كان مقيما معها، وكل من قلنا: القول قوله فلخصمه عليه اليمين؛ لأنها ~~دعاوى في المال، فأشبهت دعوى الدين، ولأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ولكن اليمين على المدعى عليه.» وإن دفع الزوج إلى امرأته نفقة وكسوة، ~~أو بعث به إليها فقالت إنما فعلت ذلك تبرعا وهبة. وقال: بل وفاء للواجب ~~علي. فالقول قوله؛ لأنه أعلم بنيته، أشبه ما لو قضى دينه واختلف هو وغريمه ~~في نيته. # وإن طلق امرأته، وكانت حاملا فوضعت، فقال: طلقتك حاملا، فانقضت عدتك بوضع ~~الحمل، وانقطعت نفقتك ورجعتك. وقالت: بل بعد الوضع، فلي النفقة، ولك ~~الرجعة. فالقول قولها؛ لأن الأصل بقاء النفقة، وعدم المسقط لها، وعليها ~~العدة، ms4392 ولا رجعة للزوج؛ لإقراره بعدمها. وإن رجع فصدقها، فله الرجعة؛ لأنها ~~مقرة له بها. ولو قال: طلقتك بعد الوضع، فلي الرجعة، ولك النفقة. وقالت: بل ~~وأنا حامل. فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء الرجعة، ولا نفقة لها، ولا عدة ~~عليها؛ لأنها حق لله تعالى، فالقول قولها فيها. # وإن عاد فصدقها، سقطت رجعته، ووجب لها النفقة. هذا في ظاهر الحكم، فأما ~~فيما بينه وبين الله تعالى، فينبني على ما يعلمه من حقيقة الأمر دون ما ~~قاله. # PageV08P210 ### | [فصل طلق الرجل امرأته فادعت أنها حامل لتكون لها النفقة] # (6486) فصل: وإن طلق الرجل امرأته، فادعت أنها حامل، لتكون لها النفقة ~~أنفق عليها ثلاثة أشهر، ثم ترى القوابل بعد ذلك؛ لأن الحمل يبين بعد ثلاثة ~~أشهر، إلا أن تظهر براءتها من الحمل بالحيض أو بغيره فتنقطع نفقتها، كما ~~تنقطع إذا قال القوابل: ليست حاملا. ويرجع عليها بما أنفق؛ لأنها أخذت منه ~~ما لا تستحقه، فرجع عليها، كما لو ادعت عليه دينا وأخذته منه، ثم تبين ~~كذبها. # وعن أحمد، رواية أخرى: لا يرجع عليها؛ لأنه أنفق عليها بحكم آثار النكاح، ~~فلم يرجع به، كالنفقة في النكاح الفاسد إذا تبين فساده وإن علمت براءتها من ~~الحمل بالحيض، فكتمته، فينبغي أن يرجع عليها، قولا واحدا؛ لأنها أخذت ~~النفقة مع علمها ببراءته منها كما لو أخذتها من ماله بغير علمه. # وإن ادعت الرجعية الحمل، فأنفق عليها أكثر من مدة عدتها، رجع عليها ~~بالزيادة، ويرجع في مدة العدة إليها؛ لأنها أعلم بها فالقول قولها فيها مع ~~يمينها. فإن قالت: قد ارتفع حيضي، ولم أدر ما رفعه. فعدتها سنة إن كانت ~~حرة. وإن قالت: قد انقضت بثلاثة قروء. وذكرت آخرها، فلها النفقة إلى ذلك، ~~ويرجع عليها بالزائد. وإن قالت: لا أدري متى آخرها. رجعنا إلى عادتها، ~~فحسبنا لها بها. وإن قالت: عادتي تختلف فتطول وتقصر. انقضت العدة بالأقصر؛ ~~لأنه اليقين. وإن قالت: عادتي تختلف، ولا أعلم. رددناها إلى غالب عادات ~~النساء، في كل شهر قرء؛ لأنا رددنا المتحيرة إلى ذلك في أحكامها، ms4393 فكذلك ~~هذه. # وإن بان أنها حامل من غيره، مثل أن تلده بعد أربع سنين، فلا نفقة عليه ~~لمدة حملها؛ لأنه من غيره. وإن كانت رجعية، فلها النفقة في مدة عدتها، فإن ~~كانت انقضت قبل حملها، فلها النفقة إلى انقضائها، وإن حملت في أثناء عدتها، ~~فلها النفقة إلى الوطء الذي حملت، ثم لا نفقة لها حتى تضع حملها، ثم تكون ~~لها النفقة في تمام عدتها. وإن وطئها زوجها في العدة الرجعية، حصلت الرجعة. ~~وإن قلنا: لا تحصل. فالنسب لاحق به، وعليه النفقة لمدة حملها. وإن وطئها ~~بعد انقضاء عدتها، أو وطئ البائن، عالما بذلك وبتحريمه، فهو زنى، لا يلحقه ~~نسب الولد، ولا نفقة عليه من أجله. # وإن جهل بينونتها، أو انقضاء عدة الرجعية، أو تحريم ذلك وهو ممن يجهله، ~~لحقه نسبه، وفي وجوب النفقة عليه روايتان. ### | [مسألة إجبار الرجل على نفقة والديه وولده] # (6487) مسألة قال: (ويجبر الرجل على نفقة والديه، وولده، الذكور والإناث، ~~إذا كانوا فقراء، وكان له ما ينفق عليهم) الأصل في وجوب نفقة الوالدين ~~والمولودين الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله # PageV08P211 # تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] . أوجب أجر رضاع الولد ~~على أبيه، وقال سبحانه: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: ~~233] . # وقال سبحانه: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} ~~[الإسراء: 23] . ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما. ومن السنة «قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» . متفق ~~عليه. وروت عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أطيب ما أكل ~~الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه.» رواه أبو داود. وأما الإجماع، فحكى ابن ~~المنذر قال: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب ~~لهما، ولا مال، واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، ~~على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم. # ولأن ولد الإنسان بعضه، وهو بعض والده، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه ~~وأهله كذلك ms4394 على بعضه وأصله. إذا ثبت هذا، فإن الأم تجب نفقتها، ويجب عليها ~~أن تنفق على ولدها إذا لم يكن له أب وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وحكي عن ~~مالك، أنه لا نفقة عليها، ولا لها لأنها ليست عصبة لولدها. ولنا، قوله ~~سبحانه: {وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] . «وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لرجل سأله: من أبر؟ قال أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم الأقرب ~~فالأقرب» رواه أبو داود، ولأنها أحد الوالدين، فأشبهت الأب، ولأن بينهما ~~قرابة توجب رد الشهادة، ووجوب العتق، فأشبهت الأب. فإن أعسر الأب، وجبت ~~النفقة على الأم، ولم ترجع بها عليه إن أيسر. # وقال أبو يوسف ومحمد: ترجع عليه. ولنا، أن من وجب عليه الإنفاق بالقرابة، ~~لم يرجع به، كالأب. ### | [فصل الإنفاق على الأجداد والجدات وإن علوا وولد الولد وإن سفلوا] # (6488) فصل: ويجب الإنفاق على الأجداد والجدات وإن علوا، وولد الولد وإن ~~سفلوا، وبذلك قال الشافعي والثوري، وأصحاب الرأي. وقال مالك: لا تجب النفقة ~~عليهم ولا لهم؛ لأن الجد ليس بأب حقيقي. ولنا، قوله سبحانه: {وعلى الوارث ~~مثل ذلك} [البقرة: 233] . ولأنه يدخل في مطلق اسم الولد والوالد، بدليل أن ~~الله تعالى قال: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: ~~11] . فيدخل فيهم ولد البنين. # وقال تعالى: ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد. وقال: # PageV08P212 # {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] . ولأن بينهما قرابة توجب العتق ورد ~~الشهادة، فأشبه الولد والوالد القريبين. ### | [فصل ويشترط لوجوب الإنفاق على الأجداد والجدات ثلاثة شروط] # (6489) فصل: ويشترط لوجوب الإنفاق ثلاثة شروط: أحدها، أن يكونوا فقراء، ~~لا مال لهم، ولا كسب يستغنون به عن إنفاق غيرهم، فإن كانوا موسرين بمال أو ~~كسب يستغنون به، فلا نفقة لهم؛ لأنها تجب على سبيل المواساة، والموسر مستغن ~~عن المواساة. الثاني، أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم، فاضلا عن ~~نفقة نفسه، إما من ماله، وإما من كسبه. فأما من لا يفضل عنه شيء، فليس عليه ~~شيء؛ لما روى جابر، أن ms4395 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان ~~أحدكم فقيرا، فليبدأ بنفسه، فإن فضل، فعلى عياله، فإن كان فضل، فعلى ~~قرابته.» وفي لفظ: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» . حديث صحيح. وروى أبو هريرة، ~~«أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، عندي ~~دينار. قال: تصدق به على نفسك قال: عندي آخر. قال: تصدق به على ولدك. قال: ~~عندي آخر. قال: تصدق به على زوجك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على خادمك. ~~قال: عندي آخر. قال: أنت أبصر.» رواه أبو داود، ولأنها مواساة، فلا تجب على ~~المحتاج، كالزكاة. الثالث، أن يكون المنفق وارثا؛ لقول الله تعالى: {وعلى ~~الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] . # ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث من سائر ~~الناس، فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم، فإن لم يكن وارثا لعدم ~~القرابة، لم تجب عليه النفقة لذلك. وإن امتنع الميراث مع وجود القرابة، لم ~~يخل من ثلاثة أقسام؛ أحدها، أن يكون أحدهما رقيقا، فلا نفقة لأحدهما على ~~صاحبه، بغير خلاف؛ لأنه لا ولاية بينهما ولا إرث، فأشبها الأجنبيين، ولأن ~~العبد لا مال له فتجب عليه النفقة وكسبه لسيده، ونفقته على سيده فيستغني ~~بها عن نفقة غيره. # PageV08P213 # الثاني: أن يكون دينهما مختلفا، فلا نفقة لأحدهما على صاحبه. وذكر القاضي ~~في عمودي النسب روايتين؛ إحداهما، تجب النفقة مع اختلاف الدين. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأنها نفقة تجب مع اتفاق الدين، فتجب مع اختلافه، كنفقة الزوجة ~~والمملوك، ولأنه يعتق على قريبه، فيجب عليه الإنفاق عليه، كما لو اتفق ~~دينهما. # ولنا، أنها مواساة على سبيل البر والصلة، فلم تجب مع اختلاف الدين، كنفقة ~~غير عمودي النسب، ولأنهما غير متوارثين فلم يجب لأحدهما على الآخر نفقة ~~بالقرابة، كما لو كان أحدهما رقيقا، وتفارق نفقة الزوجات؛ لأنها عوض يجب مع ~~الإعسار، فلم ينافها اختلاف الدين، كالصداق والأجرة، وكذلك تجب مع الرق ~~فيهما أو في أحدهما، وكذلك نفقة المماليك، والعتق عليه يبطل بسائر ذوي ~~الرحم المحرم، فإنهم ms4396 يعتقون مع اختلاف الدين، ولا نفقة لهم معه، ولأن هذه ~~صلة ومواساة، فلا تجب مع اختلاف الدين، كأداء زكاته إليه، وعقله عنه، وإرثه ~~منه. الثالث: أن يكون القريب محجوبا عن الميراث بمن هو أقرب منه، فينظر؛ ~~فإن كان الأقرب موسرا فالنفقة عليه، ولا شيء على المحجوب به؛ لأن الأقرب ~~أولى بالميراث منه، فيكون أولى بالإنفاق وإن كان الأقرب معسرا، وكان من ~~ينفق عليه من عمودي النسب، وجبت نفقته على الموسر. ذكر القاضي، في أب معسر ~~وجد موسر، أن النفقة على الجد. # وقال، في أم معسرة وجدة موسرة: النفقة على الجدة. وقد قال أحمد: لا يدفع ~~الزكاة إلى ولد ابنته؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن ابني هذا ~~سيد» . فسماه ابنه، وهو ابن ابنته، وإذا منع من دفع الزكاة إليهم لقرابتهم، ~~يجب أن تلزمه نفقتهم عند حاجتهم. وهذا مذهب الشافعي. وإن كان من غير عمودي ~~النسب، لم تجب النفقة عليه إذا كان محجوبا. قال القاضي، وأبو الخطاب، في ~~ابن فقير وأخ موسر لا نفقة عليهما؛ لأن الابن لا نفقة عليه لعسرته والأخ لا ~~نفقة عليه لعدم إرثه؛ ولأن قرابته ضعيفة لا تمنع شهادته له، فإذا لم يكن ~~وارثا لم تجب عليه النفقة كذوي الرحم. # ويتخرج في كل وارث، لولا الحجب، إذا كان من يحجبه معسرا وجهان: أحدهما: ~~لا نفقة عليه؛ لأنه ليس بوارث، أشبه الأجنبي. والثاني، عليه النفقة لوجود ~~القرابة المقتضية # PageV08P214 # للإرث والإنفاق، والمانع من الإرث لا يمنع من الإنفاق؛ لأنه معسر لا ~~يمكنه الإنفاق، فوجوده بالنسبة إلى الإنفاق كعدمه. ### | [فصل نفقة ذوي الأرحام الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب] # (6490) فصل: فأما ذوو الأرحام الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب، فإن كانوا ~~من غير عمودي النسب، فلا نفقة عليهم. نص عليه أحمد، فقال: الخالة والعمة لا ~~نفقة عليهما. قال القاضي: لا نفقة لهم رواية واحدة؛ وذلك لأن قرابتهم ~~ضعيفة، وإنما يأخذون ماله عند عدم الوارث، فهم كسائر المسلمين، فإن المال ~~يصرف إليهم إذا لم يكن للميت وارث، وذلك الذي يأخذه ms4397 بيت المال؛ ولذلك يقدم ~~الرد عليهم. وقال أبو الخطاب: يخرج فيهم رواية أخرى: أن النفقة تلزمهم عند ~~عدم العصبات وذوي الفروض؛ لأنهم وارثون في تلك الحال. # قال ابن أبي موسى: هذا يتوجه على معنى قوله، والأول هو المنصوص عنه. فأما ~~عمود النسب، فذكر القاضي ما يدل على أنه يجب الإنفاق عليهم، سواء كانوا من ~~ذوي الأرحام، كأبي الأم وابن البنت، أو من غيرهم، وسواء كانوا محجوبين أو ~~وارثين. وهذا مذهب الشافعي؛ وذلك لأن قرابتهم قرابة جزئية وبعضية، وتقتضي ~~رد الشهادة، وتمنع جريان القصاص على الوالد بقتل الولد وإن سفل، فأوجبت ~~النفقة على كل حال، كقرابة الأب الأدنى. ### | [فصل ما يشترط في وجوب نفقة الوالدين والمولودين] # (6491) فصل: ولا يشترط في وجوب نفقة الوالدين والمولودين نقص الخلقة، ولا ~~نقص الأحكام، في ظاهر المذهب، وظاهر كلام الخرقي؛ فإنه أوجب نفقتهم مطلقا ~~إذا كانوا فقراء وله ما ينفق عليهم. وقال القاضي: لا يشترط في الوالدين. ~~وهل يشترط ذلك في الولد؟ فكلام أحمد يقتضي روايتين؛ إحداهما، تلزمه نفقته؛ ~~لأنه فقير. والثانية: إن كان يكتسب فينفق على نفسه، لم تلزم نفقته. وهذا ~~القول يرجع إلى أن الذي لا يقدر على كسب ما يقوم به تلزم نفقته، رواية، ~~واحدة، سواء كان ناقص الأحكام، كالصغير والمجنون، أو ناقص الخلقة كالزمن، ~~وإنما الروايتان في من لا حرفة له ممن يقدر على الكسب ببدنه. # وقال الشافعي: يشترط نقصانه، إما، من طريق الحكم أو من طريق الخلقة. وقال ~~أبو حنيفة: ينفق على الغلام حتى يبلغ، فإذا بلغ صحيحا، انقطعت نفقته، ولا ~~تسقط نفقة الجارية حتى تتزوج. ونحوه قال مالك، إلا أنه قال: ينفق على ~~النساء حتى يتزوجن، ويدخل بهن الأزواج، ثم لا نفقة لهن، وإن طلقن، ولو طلقن ~~قبل البناء بهن، فهن على نفقتهن. ولنا، «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لهند: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.» لم يستثن منهم بالغا ولا صحيحا، ولأنه ~~والد أو ولد فقير، فاستحق النفقة على والده أو ولده الغني، كما لو كان زمنا ~~أو مكفوفا، ms4398 فأما الوالد، فإن أبا حنيفة وافقنا على وجوب نفقته صحيحا إذا لم ~~يكن ذا كسب، وللشافعي في ذلك قولان. ولنا أنه والد محتاج، فأشبه الزمن. # PageV08P215 ### | [فصل كان له أب من أهل الإنفاق لم تجب نفقته على سواه] # (6492) فصل: ومن كان له أب من أهل الإنفاق، لم تجب نفقته على سواه؛ لأن ~~الله تعالى قال: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] . وقال: {وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن} [البقرة: 233] . «وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لهند: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.» فجعل النفقة على أبيهم دونها. ~~ولا خلاف في هذا نعلمه، إلا أن لأصحاب الشافعي، فيما إذا اجتمع للفقير أب ~~وابن موسران، وجهين: أحدهما، أن النفقة على الأب وحده. والثاني، عليهما ~~جميعا؛ لتساويهما في القرب. ولنا، أن النفقة على الأب منصوص عليها، فيجب ~~اتباع النص، وترك ما عداه. ### | [فصل يلزم الرجل إعفاف أبيه إذا احتاج إلى النكاح] # (6493) فصل: ويلزم الرجل إعفاف أبيه، إذا احتاج إلى النكاح. وهذا ظاهر ~~مذهب الشافعي. ولهم في إعفاف الأب الصحيح وجه آخر، أنه لا يجب. وقال أبو ~~حنيفة: لا يلزم الرجل إعفاف أبيه، سواء وجبت نفقته أو لم تجب؛ لأن ذلك من ~~أعظم الملاذ، فلم تجب للأب، كالحلواء، ولأنه أحد الأبوين، فلم يجب له ذلك ~~كالأم. ولنا، أن ذلك مما تدعو حاجته إليه، ويستضر بفقده، فلزم ابنه له، ~~كالنفقة، ولا يشبه الحلواء؛ لأنه لا يستضر بفقدها، وإنما يشبه الطعام ~~والأدم، وأما الأم فإن إعفافها إنما هو تزويجها إذا طلبت ذلك، وخطبها ~~كفؤها، ونحن نقول بوجوب ذلك عليه، وهم يوافقوننا في ذلك إذا ثبت هذا، فإنه ~~يجب إعفاف من لزمت نفقته من الآباء والأجداد، فإن اجتمع جدان، ولم يمكن إلا ~~إعفاف أحدهما، قدم الأقرب، إلا أن يكون أحدهما من جهة الأب والآخر من جهة ~~الأم، فيقدم الذي من جهة الأب، وإن بعد؛ لأنه عصبة والشرع قد اعتبر جهته في ~~التوريث والتعصيب، فكذلك في الإنفاق والاستحقاق. (6494) # فصل: وإذا وجب عليه إعفاف أبيه، فهو مخير، إن شاء زوجه حرة، وإن ms4399 شاء ملكه ~~أمة، أو دفع إليه ما يتزوج به حرة أو يشتري به أمة، وليس للأب التخيير ~~عليه، إلا أن الأب إذا عين امرأة، وعين الابن أخرى، وصداقهما واحد، قدم ~~تعيين الأب؛ لأن النكاح له، والمؤنة واحدة، فقدم قوله كما لو عينت البنت ~~كفؤا، وعين الأب كفؤا، قدم تعيينها. وإن اختلفا في الصداق لم يلزم الابن ~~الأكثر؛ لأنه إنما يلزم أقل ما تحصل به الكفاية، ولكن ليس له أن يزوجه أو ~~يملكه قبيحة أو كبيرة لا استمتاع فيها، # PageV08P216 # وليس له أن يزوجه أمة؛ لأن فيه ضررا عليه، وهو إرقاق ولده، والنقص في ~~استمتاعه. # وإن رضي الأب بذلك لم يجز، لأن الضرر يلحق بغيره، وهو الولد، ولذلك لم ~~يكن للموسر أن يتزوج أمة. وإذا زوجه زوجة أو ملكه أمة، فعليه نفقته ~~ونفقتها. ومتى أيسر الأب، لم يكن للولد استرجاع ما دفعه إليه، ولا عوض ما ~~زوجه به؛ لأنه دفعه إليه في حال وجوبه عليه، فلم يملك استرجاعه، كالزكاة. ~~وإن زوجه أو ملكه أمة فطلق الزوجة أو أعتق الأمة، لم يكن عليه أن يزوجه أو ~~يملكه ثانيا؛ لأنه فوت ذلك على نفسه. وإن ماتتا، فعليه إعفافه ثانيا لأنه ~~لا صنع له في ذلك. ### | [فصل كل من لزمه إعفافه لزمته نفقة زوجته] # فصل: قال أصحابنا: وعلى الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه، نفقته، وكان ~~محتاجا إلى إعفافه. وهو قول بعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: لا يجب ذلك ~~عليه. ولنا، أنه من عمودي نسبه، وتلزمه نفقته، فيلزمه إعفافه عند حاجته ~~إليه، كأبيه. قال القاضي: وكذلك يجيء في كل من لزمته نفقته؛ من أخ، أو عم، ~~أو غيرهم؛ لأن أحمد قد نص في العبد: يلزمه أن يزوجه إذا طلب ذلك، وإلا بيع ~~عليه. وكل من لزمه إعفافه لزمته نفقة زوجته؛ لأنه لا يتمكن من الإعفاف إلا ~~بذلك. وقد روي عن أحمد، أنه لا يلزم الأب نفقة زوجة الابن. وهذا محمول على ~~أن الابن كان يجد نفقتها. ### | [مسألة قال الصبي إذا لم يكن له أب أجبر ms4400 وارثه على نفقته] # (6496) مسألة قال: (وكذلك الصبي إذا لم يكن له أب، أجبر وارثه على نفقته، ~~على قدر ميراثهم منه) ظاهر المذهب أن النفقة تجب على كل وارث لموروثه، إذا ~~اجتمعت الشروط التي تقدم ذكرنا لها. وبه قال الحسن، ومجاهد، والنخعي، ~~وقتادة، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وأبو ثور. وحكى ابن المنذر، عن ~~أحمد، في الصبي المرضع لا أب له ولا جد، نفقته وأجر رضاعه على الرجال دون ~~النساء. وكذلك روى بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد: النفقة على العصبات. وبه ~~قال الأوزاعي، وإسحاق. وذلك لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قضى على ~~بني عم منفوس بنفقته. احتج به أحمد. # وقال ابن المنذر: روي عن عمر أنه حبس عصبة ينفقون على صبي الرجال دون ~~النساء. ولأنها مواساة ومعونة تختص القرابة، فاختصت بها العصبات، كالعقل. ~~وقال أصحاب الرأي: تجب النفقة على كل ذي رحم محرم، ولا تجب على غيرهم؛ لقول ~~الله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] . ~~وقال مالك، والشافعي، وابن المنذر: لا نفقة إلا على المولودين والوالدين؛ ~~«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل سأله: عندي دينار؟ قال: أنفقه ~~على نفسك. قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على ولدك. قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه ~~على أهلك. # PageV08P217 # قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على خادمك. قال: عندي آخر؟ . قال: أنت أعلم» . ~~ولم يأمره بإنفاقه على غير هؤلاء، ولأن الشرع إنما ورد بنفقة الوالدين ~~والمولودين، ومن سواهم لا يلحق بهم في الولادة وأحكامها، فلا يصح قياسه ~~عليهم. ولنا، قول الله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ~~[البقرة: 233] . ثم قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] . فأوجب على ~~الأب نفقة الرضاع، ثم عطف الوارث عليه، فأوجب على الوارث مثل ما أوجب على ~~الوالد. # وروي «أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من أبر؟ قال: أمك ~~وأباك، وأختك وأخاك. وفي لفظ: ومولاك الذي هو أدناك، حقا واجبا، ورحما ~~موصولا.» رواه أبو داود. وهذا نص؛ لأن ms4401 النبي - صلى الله عليه وسلم - ألزمه ~~الصلة والبر والنفقة من الصلة، جعلها حقا واجبا، وما احتج به أبو حنيفة حجة ~~عليه، فإن اللفظ عام في كل ذي رحم فيكون حجة عليه في عداد الرحم المحرم، ~~وقد اختصت بالوارث في الإرث فكذلك في الإنفاق. # وأما خبر أصحاب الشافعي، فقضية في عين، يحتمل أنه لم يكن له غير من أمر ~~بالإنفاق عليه؛ ولهذا لم يذكر الوالد والأجداد وأولاد الأولاد. وقولهم: لا ~~يصح القياس. قلنا: إنما أثبتناه بالنص، ثم إنهم قد ألحقوا أولاد الأولاد ~~بالأولاد، مع التفاوت، فبطل ما قالوه. إذا ثبت هذا، فإنه يختص بالوارث بفرض ~~أو تعصيب، لعموم الآية، ولا يتناول ذوي الأرحام، على ما مضى بيانه، فإن كان ~~اثنان يرث أحدهما الآخر ولا يرثه الآخر، كالرجل مع عمته أو ابنة عمه وابنة ~~أخيه، والمرأة مع ابنة بنتها وابن بنتها، فالنفقة على الوارث دون الموروث. ~~نص عليه أحمد، في رواية ابن زياد، فقال: يلزم الرجل نفقة بنت عمه، ولا ~~يلزمه نفقة بنت أخته. # وذكر أصحابنا رواية أخرى لا تجب النفقة على الوارث هاهنا؛ لقول أحمد: ~~العمة والخالة لا نفقة لهما. إلا أن القاضي قال: هذه الرواية محمولة على ~~العمة من الأم فإنه لا يرثها؛ لكونه ابن أخيها من أمها. وقد ذكر الخرقي، أن ~~على الرجل نفقة معتقه؛ لأنه وارثه. ومعلوم أن المعتق لا يرث معتقه، ولا ~~تلزمه نفقته. فعلى هذا، يلزم الرجل نفقة عمته لأبويه أو لأبيه وابنة عمه ~~وابنة أخته كذلك، ولا يلزمهن نفقته. وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ ~~لقول الله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] . وكل واحد من هؤلاء ~~وارث. ### | [مسألة كان للصبي أم وجد فما يلزمهم من النفقة] # (6497) مسألة: قال: (فإن كان للصبي أم وجد فعلى الأم ثلث النفقة، وعلى ~~الجد ثلثا النفقة) # PageV08P218 # وجملته أنه إذا لم يكن للصبي أب، فالنفقة على وارثه. فإن كان له وارثان، ~~فالنفقة عليهما على قدر إرثهما منه، وإن كانوا ثلاثة أو أكثر، فالنفقة ~~بينهم على قدر إرثهم منه؛ فإذا ms4402 كان له أم وجد، فعلى الأم الثلث والباقي على ~~الجد؛ لأنهما يرثانه كذلك. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: النفقة كلها ~~على الجد؛ لأنه ينفرد بالتعصيب، فأشبه الأب. وقد ذكرنا رواية أخرى عن أحمد، ~~أن النفقة على العصبات خاصة. # ولنا، قول الله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] والأم وارثة، ~~فكان عليها بالنص، ولأنه معنى يستحق بالنسب، فلم يختص به الجد دون الأم ~~كالوراثة. ### | [فصل اجتمع ابن وبنت فالنفقة بينهما أثلاثا] # (6498) فصل: وإن اجتمع ابن وبنت، فالنفقة بينهما أثلاثا، كالميراث. وقال ~~أبو حنيفة: النفقة عليهما سواء؛ لأنهما سواء في القرب. وإن كان أم وابن، ~~فعلى الأم السدس والباقي على الابن. وإن كانت بنت وابن ابن، فالنفقة بينهما ~~نصفان. وقال أبو حنيفة: النفقة على البنت؛ لأنها أقرب. # وقال الشافعي في هذه المسائل الثلاث: النفقة على الابن؛ لأنه العصبة. وإن ~~كانت له أم وبنت، فالنفقة بينهما أرباعا؛ لأنهما يرثانه كذلك. وبه قال أبو ~~حنيفة وقال الشافعي: النفقة على البنت؛ لأنها تكون عصبة مع أخيها. وإن كانت ~~له بنت وابن بنت فالنفقة على البنت. وقال أصحاب الشافعي، في أحد الوجهين: ~~النفقة على ابن البنت؛ لأنه ذكر. ولنا، قول الله تعالى: {وعلى الوارث مثل ~~ذلك} [البقرة: 233] . فرتب النفقة على الإرث، فيجب أن تترتب في المقدار ~~عليه، وإيجابها على ابن البنت يخالف النص والمعنى، فإنه ليس بعصبة ولا ~~وارث، فلا معنى لإيجابها عليه دون البنت الوارثة. ### | [مسألة كانت جدة وأخا فما يلزمهم من النفقة] # (6499) مسألة: قال: (فإن كانت جدة وأخا، فعلى الجدة سدس النفقة والباقي ~~على الأخ، وعلى هذا المعنى حساب النفقات) يعني أن ترتيب النفقات على ترتيب ~~الميراث، فكما أن للجدة هاهنا سدس الميراث، فعليها سدس # PageV08P219 # النفقة، وكما أن الباقي للأخ فكذلك الباقي من النفقة عليه. وعند من لا ~~يرى النفقة على غير عمودي النسب، يجعل النفقة كلها على الجدة. وهذا أصل قد ~~سبق الكلام فيه. فإن اجتمع بنت وأخت، أو بنت وأخ، أو بنت وعصبة، أو أخت ~~وعصبة، أو أخت وأم، أو بنت ms4403 وبنت ابن، أو أخت لأبوين وأخت لأب، أو ثلاث ~~أخوات مفترقات، فالنفقة بينهم على قدر الميراث في ذلك، سواء كان في المسألة ~~رد أو عول أو لم يكن. وعلى هذا تحسب ما أتاك من المسائل. وإن اجتمع أم أم ~~وأم أب، فهما سواء في النفقة؛ لاستوائهما في الميراث. ### | [فصل اجتمع أبوا أم فالنفقة على أم الأم] # (6500) فصل: فإن اجتمع أبوا أم، فالنفقة على أم الأم؛ لأنها الوارثة. وإن ~~اجتمع أبوا أب، فعلى أم الأب السدس، والباقي على الجد. وإن اجتمع جد وأخ، ~~فهما سواء. وإن اجتمعت أم وأخ وجد، فالنفقة بينهم أثلاثا. وقال الشافعي ~~النفقة على الجد في هذه المسائل كلها، إلا المسألة الأولى، فالنفقة عليهما ~~بالسوية. وقد مضى الكلام على أصل هذا فيما تقدم. ### | [فصل كان فيمن عليه النفقة خنثى مشكل] # (6501) فصل: فإن كان فيمن عليه النفقة خنثى مشكل، فالنفقة عليه بقدر ~~ميراثه، فإن انكشف بعد ذلك حاله، فبان أنه أنفق أكثر من الواجب عليه، رجع ~~بالزيادة على شريكه في الإنفاق، وإن بان أنه أنفق أقل، رجع عليه، فلو كان ~~للرجل ابن وولد خنثى، عليهما نفقته، فأنفقا عليه، ثم بان أن الخنثى ابن رجع ~~عليه أخوه بالزيادة، وإن بان بنتا، رجعت على أخيها بفضل نفقتها؛ لأن من له ~~الفضل أدى ما لا يجب عليه أداؤه، معتقدا وجوبه، فإذا تبين خلافه، رجع بذلك ~~كما لو أدى ما يعتقده دينا فبان خلافه. ### | [فصل كان له قرابتان موسران وأحدهما محجوب عن ميراثه بفقير فعلى من تجب النفقة] # (6502) فصل: فإن كان له قرابتان موسران، وأحدهما محجوب عن ميراثه بفقير، ~~فقد ذكرنا أنه إن كان المحجوب من عمودي النسب، فالظاهر أن الحجب لا يسقط ~~النفقة عنه، وإن كان من غيرهما فلا نفقة عليه. فعلى هذا، إذا كان له أبوان ~~وجد، والأب معسر، كان الأب كالمعدوم، فيكون على الأم ثلث النفقة، والباقي ~~على الجد. وإن كان معهم زوجة، فكذلك. وإن قلنا: لا نفقة على المحجوب. فليس ~~على الأم هاهنا إلا ربع النفقة، ولا شيء على ms4404 الجد. # وإن كان أبوان وأخوان وجد، والأب معسر، فلا شيء على الأخوين؛ لأنهما ~~محجوبان، وليسا من عمودي النسب، ويكون على الأم الثلث، والباقي على الجد، ~~كما لو لم يكن أحد غيرهما. ويحتمل أن لا يجب على الأم إلا السدس؛ لأنه لو ~~كان الأب معدوما، لم ترث إلا السدس. # PageV08P220 # وإن قلنا: إن كل محجوب لا نفقة عليه. فليس على الأم إلا السدس، ولا شيء ~~على غيرها. وإن لم يكن في المسألة جد، فالنفقة كلها على الأم. على القول ~~الأول. وعلى الثاني، ليس عليها إلا السدس. وإن قلنا: إن على المحجوب ~~بالمعسر النفقة، وإن كان من غير عمودي النسب. فعلى الأم السدس، والباقي على ~~الجد والأخوين أثلاثا، كما يرثون إذا كان الأب معدوما. # وإن كان بعض من عليه النفقة غائبا، وله مال حاضر، أنفق الحاكم منه حصته، ~~وإن لم يوجد له مال حاضر، فأمكن الحاكم الاقتراض عليه، اقترض، فإذا قدم، ~~فعليه وفاؤه. ### | [فصل ومن لم يفضل عن قوته إلا نفقة شخص وله امرأة] # (6503) فصل: ومن لم يفضل عن قوته إلا نفقة شخص، وله امرأة، فالنفقة لها ~~دون الأقارب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جابر: «إذا كان ~~أحدكم فقيرا، فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل، فعلى عياله، فإن كان له فضل، ~~فعلى قرابته.» ولأن نفقة القريب مواساة، ونفقة المرأة تجب على سبيل ~~المعاوضة، فقدمت على مجرد المواساة، ولذلك وجبت مع يسارهما وإعسارهما، ~~ونفقة القريب بخلاف ذلك، ولأن نفقة الزوجة تجب لحاجته، فقدمت على نفقة ~~القريب، كنفقة نفسه، ثم من بعدها نفقة الرقيق؛ لأنها تجب مع اليسار ~~والإعسار، فقدمت على مجرد المواساة، ثم من بعد ذلك الأقرب فالأقرب. # فإن اجتمع أب وجد، أو وابن وابن ابن، قدم الأب على الجد، والابن على ~~ابنه. وقال أصحاب الشافعي، في أحد الوجهين: يستوي الأب والجد، والابن ~~وابنه؛ لتساويهم في الولادة والتعصيب. ولنا، أن الأب والابن أقرب وأحق ~~بميراثه، فكانا أحق، كالأب مع الأخ. وإن اجتمع ابن وجد، أو أب وابن ابن، ~~احتمل وجهين؛ أحدهما، ms4405 تقديم الابن؛ والأب؛ لأنهما أقرب، فإنهما يليانه بغير ~~واسطة، ولا يسقط إرثهما بحال، والجد وابن الابن بخلافهما، ويحتمل التسوية ~~بينهما؛ لأنهما سواء في الإرث والتعصيب والولادة. وإن اجتمع جد وابن ابن، ~~فهما سواء لتساويهما في القرب والإرث والولادة والتعصيب. ويحتمل فيهما ما ~~يحتمل في الأب والابن، على ما سنذكره. ### | [فصل اجتمع أب وابن فعلى من تجب النفقة] # (6504) فصل: وإن اجتمع أب وابن، فقال القاضي: إن كان الابن صغيرا، أو ~~مجنونا، قدم لأن نفقته وجبت بالنص، # PageV08P221 # مع أنه عاجز عن الكسب، والأب قد يقدر عليه، وإن كان الابن كبيرا، والأب ~~زمن، فهو أحق؛ لأن حرمته آكد، وحاجته أشد. ويحتمل تقديم الابن؛ لأن نفقته ~~وجبت بالنص. وإن كانا صحيحين فقيرين، ففيهما ثلاثة أوجه، أحدها، التسوية ~~بينهما؛ لتساويهما في القرب، وتقابل مرتبتهما. والثاني، تقديم الابن؛ لوجوب ~~نفقته بالنص. والثالث. تقديم الأب، لتأكد حرمته. # وإن اجتمع أبوان، ففيهما الوجوه الثلاثة؛ أحدها، التسوية؛ لما ذكرنا. ~~والثاني، تقديم الأم؛ لأنها أحق بالبر، ولها فضيلة الحمل والرضاع والتربية، ~~وزيادة الشفقة، وهي أضعف وأعجز. والثالث، تقديم الأب، لفضيلته، وانفراده ~~بالولاية على ولده، واستحقاق الأخذ من ماله، وإضافة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الولد وماله إليه بقوله: «أنت ومالك لأبيك.» والأول أولى. وإن اجتمع ~~جد وأخ احتمل التسوية بينهما؛ لاستوائهما في استحقاق ميراثه، والصحيح أن ~~الجد أحق؛ لأن له مزية الولادة والأبوة، ولأن ابن ابنه يرثه ميراث ابن، ~~ويرث الأخ ميراث أخ، وميراث الابن آكد فالنفقة الواجبة به تكون آكد. وإن ~~كان مكان الأخ ابن أخ أو عم فالجد أولى بكل حال. ### | [فصل نفقة القريب] # (6505) فصل: والواجب في نفقة القريب قدر الكفاية من الخبز والأدم ~~والكسوة، بقدر العادة، على ما ذكرناه في الزوجة لأنها وجبت للحاجة، فتقدرت ~~بما تندفع به الحاجة، وقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند: خذي ما ~~يكفيك وولدك بالمعروف فقدر نفقتها ونفقة ولدها بالكفاية. فإن احتاج إلى ~~خادم فعليه إخدامه» ، كما قلنا في الزوجة؛ لأن ذلك من تمام كفايته. ### | [مسألة على المعتق نفقة معتقه ms4406 إذا كان فقيرا] # (6506) مسألة: قال: (وعلى المعتق نفقة معتقه، إذا كان فقيرا؛ لأنه وارثه) ~~هذا مبني على الأصل الذي تقدم، وأن النفقة تجب على الوارث، والمعتق وارث ~~عتيقه، فتجب عليه نفقته إذا كان فقيرا، ولمولاه يسار ينفق عليه منه. وقال ~~مالك والشافعي، وأصحاب الرأي: لا تجب عليه نفقة، بناء على أصولهم التي ~~ذكرناها. # PageV08P222 # ولنا، قول الله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] . «وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك، ~~ومولاك الذي يلي ذاك، حقا واجبا، ورحما موصولا» . ولأنه يرثه بالتعصيب، ~~فكانت عليه نفقته كالأب. ويشترط في وجوب الإنفاق عليه الشروط المذكورة في ~~غيره. (6507) # فصل: فإن مات مولاه، فالنفقة على الوارث من عصباته، على ما بين في باب ~~الولاء ويجب على السيد نفقة أولاد عتيقه، إذا كان له عليهم ولاء؛ لأنه ~~عصبتهم ووارثهم، وعليه نفقة أولاد معتقته إذا كان أبوهم عبدا كذلك، فإن ~~أعتق أبوهم فانجر الولاء إلى معتقه، صار ولاؤهم لمعتق أبيهم، ونفقتهم عليه، ~~إذا كملت الشروط، وليس على العتيق نفقة معتقه وإن كان فقيرا؛ لأنه لا يرثه، ~~فإن كان كل واحد منهما مولى صاحبه، مثل أن يعتق الحربي عبدا، ثم يسبي العبد ~~سيده فيعتقه، فعلى كل واحد منهما نفقة الآخر؛ لأنه يرثه. ### | [مسألة زوجت الأمة لزم زوجها أو سيده إن كان مملوكا نفقتها] # (6508) مسألة: قال: (وإذا زوجت الأمة، لزم زوجها أو سيده، إن كان مملوكا، ~~نفقتها) وجملته أن زوج الأمة لا يخلو من أن يكون حرا أو عبدا، أو بعضه حرا ~~وبعضه عبدا، فإن كان حرا، فنفقتها عليه، للنص، واتفاق أهل العلم على وجوب ~~نفقة الزوجات على أزواجهن البالغين، والأمة داخلة في عمومهن، ولأنها زوجة ~~ممكنة من نفسها، فوجب على زوجها نفقتها، كالحرة، وإن كان زوجها مملوكا، ~~فالنفقة واجبة لزوجته لذلك. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل ~~العلم، على أن على العبد نفقة زوجته. هذا قول الشعبي، والحكم، والشافعي. ~~وبه قال أصحاب الرأي إذا بوأها بيتا. # وحكي عن مالك، ms4407 أنه قال: ليس عليه نفقتها؛ لأن النفقة مواساة، وليس هو من ~~أهلها، ولذلك لا تجب عليه نفقة أقاربه، ولا زكاة ماله. ولنا، أنها عوض واجب ~~في النكاح فوجبت على العبد كالمهر، والدليل على أنها عوض، أنها تجب في ~~مقابلة التمكين؛ ولهذا تسقط عن الحر بفوات التمكين، وفارق نفقة الأقارب. ~~إذا ثبت وجوبها على العبد، فإنها تلزم سيده؛ لأن السيد أذن له في النكاح ~~المفضي إلى إيجابها. وقال ابن أبي موسى: فيه رواية أخرى، أنها تجب في كسب ~~العبد. وهو قول أصحاب الشافعي؛ لأنه لم يمكن إيجابها # PageV08P223 # في ذمته، ولا رقبته، ولا ذمة سيده، ولا إسقاطها، فلم يبق إلا أن تتعلق ~~بكسبه. وقال القاضي: تتعلق برقبته؛ لأن الوطء في النكاح بمنزلة الجناية، ~~وأرش جناية العبد يتعلق برقبته، يباع فيها، أو يفديه سيده. وهذا قول أصحاب ~~الرأي. # ولنا، أنه دين أذن السيد فيه، فلزم ذمته، كالذي استدانه وكيله. وقولهم: ~~إنه في مقابلة الوطء غير صحيح؛ فإنه يجب من غير وطء، ويجب للرتقاء، والحائض ~~والنفساء، وزوجة المجبوب والصغير، وإنما يجب بالتمكين، وليس ذلك بجناية ولا ~~قائم مقامها. وقول من قال: إنه تعذر إيجابه في ذمة السيد. غير صحيح، فإنه ~~لا مانع من إيجابه، وقد ذكرنا وجود مقتضيه، فلا معنى لدعوى التعذر. ### | [مسألة أمة تأوي بالليل عند الزوج وبالنهار عند المولى فمن تلزمه نفقتها] # (6509) مسألة قال: (وإن كانت أمة تأوي بالليل عند الزوج، وبالنهار عند ~~المولى، أنفق كل واحد منهما مدة مقامها عنده) هذه المسألة قد تقدمت، وذكرنا ~~أن النفقة في مقابلة التمكين، وقد وجد منها في الليل، فتجب على الزوج ~~النفقة فيه، والباقي منها على السيد، بحكم أنها مملوكته لم تجب لها نفقة ~~على غيره في هذا الزمن، فيكون على هذا على كل واحد منهما نصف النفقة. وهذا ~~أحد قولي الشافعي. وقال في الآخر: لا نفقة لها على الزوج؛ لأنها لم تمكن من ~~نفسها في جميع الزمان، فلم يجب لها شيء من النفقة، كالحرة إذا بذلت نفسها ~~في أحد الزمانين دون الآخر. # ولنا، ms4408 أنه وجد التمكين الواجب بعقد النكاح فاستحقت النفقة كالحرة إذا ~~مكنت من نفسها في غير أوقات الصلوات المفروضات والصوم الواجب، والحج ~~المفروض. وفارق الحرة إذا امتنعت في أحد الزمانين، فإنها لم تبذل الواجب، ~~فتكون ناشزا، وهذه ليست ناشزا ولا عاصية. (6510) مسألة قال: (فإن كان لها ~~ولد، لم تلزمه نفقة ولده، حرا كان أو عبدا، ونفقتهم على سيدهم) يعني الأمة ~~ليس على زوجها نفقة ولدها منها، وإن كان حرا؛ لأن ولد الأمة عبد لسيدها، ~~فإن الولد يتبع أمه في الرق والحرية، فتكون نفقتهم على سيدهم دون أبيهم، ~~فإن العبد أخص بسيده من أبيه؛ ولذلك لا ولاية بينه وبين أبيه، ولا ميراث، ~~ولا إنفاق، وكل ذلك للسيد، وقد رويت عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى، ~~أن ولد العربي يكون حرا، وعلى أبيه فداؤه. فعلى هذا تكون نفقتهم عليه. # PageV08P224 # ولو أعتق الولد سيده، أو علق عتقه بولادته، أو تزوج الأمة على أنها حرة، ~~فولده منها أحرار، وعلى أبيهم نفقتهم في هذه المواضع كلها، إذا كان حرا، ~~وتحققت فيه شرائط الإنفاق. ### | [فصل طلق الأمة طلاقا رجعيا هل لها النفقة] # فصل: وإذا طلق الأمة طلاقا رجعيا، فلها النفقة في العدة؛ لأنها زوجة. وإن ~~أبانها وهي حائل، فلا نفقة لها؛ لأنها لو كانت حرة، لم يكن لها نفقة فالأمة ~~أولى، وإن كانت حاملا، فلها النفقة؛ لقوله تعالى: {وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] . نص على هذا أحمد. وبه قال ~~إسحاق وقد روي عن أبي عبد الله، رحمه الله، في نفقة الحامل روايتان، هل هي ~~للحمل أو للحامل بسببه؟ روايتان؛ إحداهما، هي للحمل. فعلى هذا لا تجب ~~للمملوكة الحامل البائن نفقة؛ لأن الحمل مملوك لسيدها، فنفقته عليه. ~~وللشافعي في هذا قولان، كالروايتين. ### | [فصل طلق العبد زوجته الحامل طلاقا بائنا هل لها النفقة] # (6512) فصل: وإن طلق العبد زوجته الحامل طلاقا بائنا، انبنى على وجوب ~~النفقة، على الروايتين في النفقة، هل هي للحمل أو للحامل؟ فإن قلنا: هي ~~للحمل. فلا نفقة على العبد. ms4409 وبه قال مالك. وروي ذلك عن الشعبي؛ لأنه لا تجب ~~عليه نفقة ولده. وإن قلنا: هي للحامل بسببه. وجبت لها النفقة. وهذا قول ~~الأوزاعي؛ لأن الله تعالى قال: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن ~~حملهن} [الطلاق: 6] . ولأنها حامل، فوجبت لها النفقة، كما لو كان زوجها ~~حرا. ### | [فصل والمعتق بعضه عليه من نفقة امرأته بقدر ما فيه من الحرية] # (6513) فصل: والمعتق بعضه عليه من نفقة امرأته بقدر ما فيه من الحرية، ~~وباقيها على سيده، أو في ضريبته، أو في رقبته، على ما ذكرنا في العبد. ~~والقدر الذي يجب عليه بالحرية، يعتبر فيه حاله؛ إن كان موسرا فنفقة ~~الموسرين، وإن كان معسرا فنفقة المعسرين، والباقي تجب فيه نفقة المعسرين؛ ~~لأن النفقة مما يتبعض، وما يتبعض بعضناه في حق المعتق بعضه كالميراث ~~والديات، وما لا يتبعض، فهو فيه كالعبد، ولأن الحرية إما شرط فيه، أو سبب ~~له، فلم يكمل. وهذا اختيار المزني. وقال الشافعي: حكمه حكم القن في الجميع، ~~إلحاقا لأحد الحكمين بالآخر. # PageV08P225 # ولنا، أنه يملك بنصفه الحر ملكا تاما؛ ولهذا يورث عنه، ويكفر بالإطعام، ~~ويجب فيه نصف دية الحر، فوجب أن تتبعض نفقته؛ لأنها من جملة الأحكام ~~القابلة للتبعيض، فأما نفقة أقاربه، فيلزمه منها بقدر ميراثه؛ لأن النفقة ~~تنبني على الميراث. وعند المزني، تلزمه كلها؛ لأنها لا تتبعض. وعند ~~الشافعي، لا يلزمه شيء؛ لأن حكمه حكم العبيد. وقد سبق الكلام في هذا. ### | [مسألة ليس على العبد نفقة ولده] # (6514) مسألة قال: (وليس على العبد نفقة ولده، حرة كانت الزوجة أو أمة) ~~أما إذا كانت زوجة العبد حرة فولدها أحرار؛ لأن الولد يتبع الأم في الرق ~~والحرية، وليس على العبد نفقة أقاربه الأحرار؛ لأن نفقتهم تجب على سبيل ~~المواساة، وليس هو من أهلها. وأما إذا كانت زوجته مملوكة، فولدها عبيد ~~لسيدها؛ لأنهم يتبعونها، فتكون نفقتهم على سيدهم. ### | [فصل حكم المكاتب في نفقة الزوجات والأولاد والأقارب] # فصل: وحكم المكاتب، في نفقة الزوجات والأولاد والأقارب، حكم العبد القن؛ ~~لأنه عبد ما بقي عليه درهم، ms4410 إلا أنه إذا كانت له زوجة أنفق عليها من كسبه؛ ~~لأن نفقة الزوجة واجبة بحكم المعاوضة مع اليسار والإعسار، ولذلك وجبت على ~~العبد فعلى المكاتب أولى، ولأن نفقة المرأة لا تسقط عن أحد من الناس، إذا ~~لم يوجد منها ما يسقط نفقتها، ولا يمكن إيجابها على سيده؛ لأن نفقة المكاتب ~~لا تجب على سيده، فنفقة امرأته أولى. # فأما نفقة أولاده وأقاربه الأحرار، فلا تجب عليه؛ لأنها تجب على سبيل ~~المواساة، وليس هو من أهلها؛ ولذلك لا تجب عليه الزكاة في ماله، ولا الفطرة ~~في بدنه، فإن كانت زوجته حرة، فنفقة أولادها عليها؛ لأنهم يتبعونها في ~~الحرية. وإن كان لهم أقارب أحرار، كجد حر وأخ حر مع الأم، أنفق كل واحد ~~منهم بحسب ميراثه، والمكاتب كأنه معدوم بالنسبة إلى النفقة. ### | [مسألة على المكاتبة نفقة ولدها دون أبيه المكاتب] # (6516) مسألة قال: (وعلى المكاتبة نفقة ولدها دون أبيه المكاتب) وجملته ~~أن المكاتب إذا كان له ولد، لم يخل؛ إما أن يكون من زوجة أو من أمة، فإن ~~كان من زوجة، وكانت مكاتبة، فولدها يتبعونها في الكتابة، ويكونون موقوفين ~~على كتابتها؛ إن رقت رقوا، وإن عتقت بالأداء عتقوا، فتكون نفقتهم عليها مما ~~في يديها؛ لأنهم في حكم نفسها، ونفقتها مما في يديها، فكذلك على ولدها. ~~وأما زوجها المكاتب، فليس عليه نفقتهم؛ لأنهم عبيد لسيد المكاتبة. # وإن كانت، زوجته حرة أو أمة، فقد بينا حكمهم. وإن أراد المكاتب التبرع ~~بالإنفاق على ولده، وكان من # PageV08P226 # أمة أو مكاتبة لغير سيده، أو حرة لم يكن له ذلك؛ لأن فيه تغريرا بمال ~~سيده، وإن كان من أمة لسيده، جاز؛ لأنه مملوك لسيده، فهو ينفق عليه من ~~المال الذي تعلق به حق سيده، وإن كان من مكاتبة لسيده، احتمل الجواز لأنه ~~في الحال بمنزلة أمه، وأمه مملوكة لسيدها. ويحتمل أن لا يجوز؛ لأن فيه ~~تغريرا، إذ لا يحتمل أن يعجز هو، وتؤدي المكاتبة، فيعتق ولدها، فيحصل ~~الإنفاق عليها من مال سيده، ويصير حرا. ### | [مسألة على المكاتب نفقة ولده من ms4411 أمته] # (6517) مسألة؛ قال: (وعلى المكاتب نفقة ولده من أمته) أما ولد المكاتب من ~~أمته، فنفقتهم عليه؛ لأن ولده من أمته تابع له، يرق برقه، ويعتق بعتقه، ~~فجرى مجرى نفسه في النفقة، فكما أن المكاتب ينفق على نفسه فكذلك على ولده ~~الذي هذا حاله، ولأن هذا الولد ليس له من ينفق عليه سوى أبيه، فإن أمه أمة ~~للمكاتب، وليس له من الأحرار أقارب، فيتعين على المكاتب الإنفاق عليه، ~~كأمه، ولأنه لا ضرر على السيد في إنفاق المكاتب على ولده من أمته؛ لأنه إن ~~أدى وعتق، فقد وفى مال الكتابة، وليس للسيد أكثر منها، وإن عجز ورق، عاد ~~إليه المكاتب وولده الذي أنفق عليه، فكأنه إنما أنفق على عبده، وتصير نفقته ~~عليه كنفقته على سائر رقيقه. ### | [فصل ليس للمكاتب أن يتسرى بأمته إلا بإذن سيده] # (6518) فصل: وليس للمكاتب أن يتسرى بأمته إلا بإذن سيده؛ لأن ملكه غير ~~تام، وعلى السيد ضرر في تسريه بها؛ لما فيه من التغرير بها. وإن أذن له ~~سيده في ذلك، جاز؛ لأن المنع لحقه، فجاز بإذنه، كما لو أذن لعبده القن. وإن ~~وطئ بغير إذنه، فلا حد عليه؛ لأنه وطئ مملوكته، فإن أولدها في الموضعين، ~~صارت أم ولد له ليس له بيعها، ولا يبع ولده، فإن عتق، عتق ولدها، وصارت ~~الأمة أم ولد، تعتق بموته، وإن رق، رقت هي وولدها، وصارت أمة لسيده، ~~والمكاتب وولده عبدان له. ويلزم المكاتب الإنفاق على عبيده، وإمائه، وأمهات ~~أولاده؛ لأنهم ملك له، فلزمه الإنفاق عليهم، كبهائمه. # PageV08P227 ### | [باب الحال التي تجب فيها النفقة على الزوج.] ### | [مسألة المرأة تستحق النفقة على زوجها بشرطين] # . (6519) مسألة؛ قال - رحمه الله -: (وإذا تزوج بامرأة مثلها يوطأ، فلم ~~تمنعه نفسها، ولا منعه أولياؤها، لزمته النفقة) وجملة ذلك أن المرأة تستحق ~~النفقة على زوجها بشرطين: أحدهما: أن تكون كبيرة يمكن وطؤها، فإن كانت ~~صغيرة لا تحتمل الوطء، فلا نفقة لها. وبهذا قال الحسن، وبكر بن عبد الله ~~المزني، والنخعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وهو المنصوص عن الشافعي. ~~وقال ms4412 في موضع لو قيل: لها النفقة. كان مذهبا. وهذا قول الثوري؛ لأن تعذر ~~الوطء لم يكن بفعلها، فلم يمنع وجوب النفقة لها، كالمرض. # ولنا، أن النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع، ولا يتصور ذلك مع تعذر ~~الاستمتاع، فلم تجب نفقتها، كما لو منعه أولياؤها من تسليم نفسها، وبهذا ~~يبطل ما ذكروه، ويفارق المريضة، فإن الاستمتاع بها ممكن، وإنما نقص بالمرض، ~~ولأن من لا تمكن الزوج من نفسها، لا يلزم الزوج نفقتها، فهذه أولى؛ لأن تلك ~~يمكن الزوج قهرها والاستمتاع بها كرها، وهذه لا يمكن ذلك فيها بحال. الشرط ~~الثاني، أن تبذل التمكين التام من نفسها لزوجها، فأما إن منعت نفسها أو ~~منعها أولياؤها، أو تساكتا بعد العقد، فلم تبذل ولم يطلب، فلا نفقة لها، ~~وإن أقاما زمنا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج عائشة ودخلت عليه ~~بعد سنتين، ولم ينفق إلا بعد دخوله، ولم يلتزم نفقتها لما مضى. ولأن النفقة ~~تجب في مقابلة التمكين المستحق بعقد النكاح، فإذا وجد استحقت، وإذا فقد لم ~~تستحق شيئا، ولو بذلت تسليما غير تام، بأن تقول: أسلم إليك نفسي في منزلي ~~دون غيره. أو في الموضع الفلاني دون غيره. لم تستحق شيئا، إلا أن تكون قد ~~اشترطت ذلك في العقد؛ لأنها لم تبذل التسليم الواجب بالعقد، فلم تستحق ~~النفقة، كما لو قال البائع: أسلم إليك السلعة على أن تتركها في موضعها، أو ~~في مكان بعينه. # وإن شرطت دارها أو بلدها، فسلمت نفسها في ذلك، استحقت النفقة؛ لأنها سلمت ~~التسليم الواجب عليها؛ ولذلك لو سلم السيد أمته المزوجة ليلا دون النهار، ~~استحقت النفقة، وفارق الحرة، فإنها لو بذلت تسليم نفسها في بعض الزمان، لم ~~تستحق شيئا؛ لأنها لم تسلم التسليم الواجب بالعقد. وكذلك إن أمكنته من ~~الاستمتاع، ومنعته استمتاعا، لم تستحق شيئا لذلك. # PageV08P228 ### | [فصل غاب الزوج بعد تمكينها ووجوب نفقتها عليه] # (6520) فصل: وإن غاب الزوج بعد تمكينها ووجوب نفقتها عليه، لم تسقط عنه، ~~بل تجب عليه في زمن غيبته؛ لأنها استحقت النفقة بالتمكين، ولم يوجد ms4413 منها ما ~~يسقطها. وإن غاب قبل تمكينها، فلا نفقة لها عليه؛ لأنه لم يوجد الموجب لها. ~~فإن بذلت التسليم وهو غائب، لم تستحق نفقة؛ لأنها بذلته في حال لا يمكنه ~~التسليم فيه، لكن إن مضت إلى الحاكم، فبذلت التسليم، كتب الحاكم إلى حاكم ~~البلد الذي هو فيه ليستدعيه ويعلمه ذلك، فإن سار إليها، أو وكل من يسلمها ~~إليه، فوصل، وتسلمها هو أو نائبه، وجبت النفقة حينئذ، وإن لم يفعل، فرض ~~الحاكم عليه نفقتها من الوقت الذي كان يمكن الوصول إليها وتسلمها فيه؛ لأن ~~الزوج امتنع من تسلمها مع إمكان ذلك، وبذلها إياه له، فلزمته نفقتها، كما ~~لو كان حاضرا. وإن كانت الزوجة صغيرة، يمكن وطؤها، أو مجنونة، فسلمت نفسها ~~إليه، فتسلمها، لزمته نفقتها كالكبيرة، وإن لم يتسلمها، لمنعها نفسها، أو ~~منع أوليائها، فلا نفقة لها عليه. # وإن غاب الزوج، فبذل وليها تسليمها، فهو كما لو بذلت المكلفة التسليم، ~~فإن وليها يقوم مقامها. وإن بذلت هي دون وليها، لم يفرض الحاكم النفقة لها؛ ~~لأنه لا حكم لكلامها. ### | [مسألة كانت المرأة كبيرة يمكن الاستمتاع بها فمكنت من نفسها] # (6521) مسألة: قال: (وإذا كانت بهذه الحال التي وصفت، وزوجها صبي، أجبر ~~وليه على نفقتها من مال الصغير، فإن لم يكن له مال، فاختارت فراقه، فرق ~~الحاكم # PageV08P229 # بينهما) يعني إذا كانت المرأة كبيرة، يمكن الاستمتاع بها، فمكنت من ~~نفسها، أو بذلت تسليمها، ولم تمنع نفسها، ولا منعها أولياؤها، فعلى زوجها ~~الصبي نفقتها وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي في أحد قوليه ~~وقال في الآخر: لا نفقة لها وهو قول مالك لأن الزوج لا يتمكن من الاستمتاع ~~بها، فلم تلزمه نفقتها، كما لو كانت غائبة أو صغيرة # ولنا، أنها سلمت نفسها تسليما صحيحا، فوجبت لها النفقة، كما لو كان الزوج ~~كبيرا، ولأن الاستمتاع بها ممكن، وإنما تعذر من جهة الزوج، كما لو تعذر ~~التسليم لمرضه أو غيبته، وفارق ما إذا غابت، أو كانت صغيرة، فإنها لم تسلم ~~نفسها تسليما صحيحا، ولم تبذل ذلك، فعلى ms4414 هذا يجبر الولي على نفقتها من مال ~~الصبي؛ لأن النفقة على الصبي، وإنما الولي ينوب عنه في أداء الواجبات عليه، ~~كما يؤدي أروش جناياته، وقيم متلفاته، وزكواته وإن لم يكن له مال، فاختارت ~~فراقه، فرق الحاكم بينهما، كما ذكرنا في حق الكبير # فإن كان له مال، وامتنع الولي من الإنفاق، أجبره الحاكم بالحبس، فإن لم ~~ينفق، أخذ الحاكم من مال الصبي، وأنفق عليها، فإن لم يمكنه، وصبر الولي على ~~الحبس، وتعذر الإنفاق، فرق الحاكم بينهما، إذا طلبت ذلك، على ما ذكرنا في ~~حق الكبير وذكر القاضي في الكبير، أنه لا يفرق بينهما، فكذلك هاهنا مثله؛ ~~لأنهما سواء في وجوب الإنفاق عليهما، فكذلك في أحكامه. ### | [فصل بذلت الرتقاء أو الحائض أو النفساء أو النضوة الخلق التي لا يمكن وطؤها أو المريضة تسليم نفسها] # (6522) فصل: وإن بذلت الرتقاء، أو الحائض، أو النفساء، أو النضوة الخلق ~~التي لا يمكنه وطؤها، أو المريضة، تسليم نفسها، لزمته نفقتها، وإن حدث بها ~~شيء من ذلك، لم تسقط نفقتها؛ لأن الاستمتاع ممكن، ولا تفريط من جهتها وإن ~~منع من الوطء، ويفارق الصغيرة، فإن لها حالا يتمكن من الاستمتاع بها فيها ~~استمتاعا تاما، والظاهر أنه تزوجها انتظارا لتلك الحال، بخلاف هؤلاء، ولذلك ~~لو طلب تسليم هؤلاء وجب تسليمهن، ولو طلب تسليم الصغيرة لم يجب فإن قيل: ~~فلو بذلت الصحيحة الاستمتاع بها دون الوطء، لم تجب لها النفقة، فكذلك هؤلاء ~~قلنا: لأن تلك منعت مما يجب عليها، وهؤلاء لا يجب عليهن التمكين مما فيه ~~ضرر فإن ادعت أن عليها ضررا في وطئه لضيق فرجها، أو قروح به، أو نحو ذلك، ~~وأنكر هو، أريت امرأة ثقة، وعمل بقولها # وإن ادعت عبالة ذكره وعظمه، جاز أن تنظر المرأة إليهما حال اجتماعهما؛ ~~لأنه موضع حاجة، ويجوز النظر إلى العورة للحاجة والشهادة. ### | [مسألة طالب الزوج بالدخول وقالت لا أسلم نفسي حتى أقبض صداقي] # (6523) مسألة: قال: (وإن طالب الزوج بالدخول، وقالت: لا أسلم نفسي حتى ~~أقبض صداقي كان ذلك لها، ولزمته النفقة إلى أن ms4415 يدفع إليها صداقها) وجملته، ~~أن للمرأة أن تمنع نفسها حتى تتسلم صداقها؛ لأن تسليم نفسها قبل تسليم ~~صداقها يفضي إلى أن يستوفي منفعتها المعقود عليها بالوطء، ثم لا يسلم ~~صداقها، فلا يمكنها الرجوع فيما استوفى منها، بخلاف المبيع إذا تسلمه ~~المشتري ثم أعسر بالثمن، فإنه يمكنه الرجوع فيه؛ فلهذا ألزمناه تسليم ~~صداقها أولا، وجعلنا لها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض صداقها؛ لأنه ~~إذا سلم إليها الصداق ثم امتنعت من تسليم نفسها، أمكن الرجوع فيه، فإذا ثبت ~~هذا، فمتى امتنعت من تسليم نفسها لتقبض صداقها، فلها نفقتها؛ لأنها امتنعت ~~بحق # فإن # PageV08P230 # قيل: فلو امتنعت لصغر أو مرض، لم يلزمه نفقتها قلنا: الفرق بينهما أن ~~امتناعها لمرض لمعنى من جهتها، وكذلك الامتناع للصغر، وها هنا الامتناع ~~لمعنى من جهة الزوج، وهو منعه لما وجب لها عليه، فأشبه ما لو تعذر ~~الاستمتاع لصغر الزوج، فإنه لا تسقط نفقتها عنه، ولو تعذر لصغرها، لا تلزمه ~~نفقتها. ### | [فصل سافرت زوجته بغير إذنه] # (6524) فصل: إذا سافرت زوجته بغير إذنه، سقطت نفقتها عنه؛ لأنها ناشز ~~وكذلك إن انتقلت من منزله بغير إذنه وإن سافرت بإذنه، في حاجته، فهي على ~~نفقتها؛ لأنها سافرت في شغله ومراده، وإن كان في حاجة نفسها، سقطت نفقتها؛ ~~لأنها فوتت التمكين لحظ نفسها، وقضاء حاجتها، فأشبه ما لو استنظرته قبل ~~الدخول مدة فأنظرها، إلا أن يكون مسافرا معها، متمكنا من استمتاعها، فلا ~~تسقط نفقتها؛ لأنها لم تفوت التمكين، فأشبهت غير المسافرة # ويحتمل أن لا تسقط نفقتها، وإن لم يكن معها؛ لأنها مسافرة بإذنه، أشبه ما ~~لو سافرت في حاجته، وسواء كان سفرها لتجارة، أو حج تطوع، أو زيارة ولو ~~أحرمت بحج تطوع بغير إذنه، سقطت نفقتها؛ لأنها في معنى المسافرة وإن أحرمت ~~به بإذنه، فقال القاضي: لها النفقة والصحيح أنها كالمسافرة؛ لأنها بإحرامها ~~مانعة له من التمكين، فهي كالمسافرة لحاجة نفسها، على ما ذكرناه وإن أحرمت ~~بالحج الواجب، أو العمرة الواجبة، في الوقت الواجب، من الميقات، فلها ~~النفقة؛ لأنها فعلت الواجب ms4416 عليها بأصل الشرع في وقته، فلم تسقط نفقتها، كما ~~لو صامت رمضان وإن قدمت الإحرام على الميقات، أو قبل الوقت خرج فيها من ~~القول ما في المحرمة بحج التطوع؛ لأنها فوتت عليه التمكين بشيء مستغنى عنه. ### | [فصل صامت الزوجة رمضان لم تسقط نفقتها] # (6525) فصل: فإن اعتكفت، فالقياس أنه كسفرها، إن كان بغير إذنه فهي ناشز؛ ~~لخروجها من منزل زوجها بغير إذنه فيما ليس بواجب بأصل الشرع، وإن كان ~~بإذنه، فلا نفقة لها في قول الخرقي وقال القاضي: لها النفقة وإن صامت رمضان ~~لم تسقط نفقتها؛ لأنه واجب مضيق بأصل الشرع، لا يملك منعها منه، فلم تسقط ~~نفقتها، كالصلاة؛ ولأنه يكون صائما معها، فيمتنع الاستمتاع لمعنى وجد فيه، ~~وإن كان تطوعا، لم تسقط نفقتها؛ لأنها لم تخرج عن قبضته، ولم تأت بما يمنعه ~~من الاستمتاع بها، فإنه يمكنه تفطيرها ووطؤها، فإن أراد ذلك منها فمنعته، ~~سقطت نفقتها بامتناعها من التمكين الواجب وإن كان صوما منذورا معلقا بوقت ~~معين، فقال القاضي: لها النفقة؛ لأن أحمد نص على أنه ليس له منعها # ويحتمل أنه إن كان نذرها قبل النكاح، أو كان النذر بإذنه، لم تسقط ~~نفقتها؛ لأنه كان واجبا عليها بحق سابق على # PageV08P231 # نكاحه، أو واجب أذن في سببه، وإن كان النذر في نكاحه بغير إذنه، فلا نفقة ~~لها؛ لأنها فوتت عليه حقه من الاستمتاع باختيارها بالنذر الذي لم يوجبه ~~الشرع عليها، ولا ندبها إليه وإن كان النذر مطلقا، أو كان صوم كفارة، فصامت ~~بإذنه، فلها النفقة؛ لأنها أدت الواجب بإذنه، فأشبه ما لو صامت المعين في ~~وقته، وإن صامت بغير إذنه، فقال القاضي: لا نفقة لها؛ لأنها يمكنها تأخيره، ~~فإنه على التراخي، وحق الزوج على الفور وإن كان قضاء رمضان قبل ضيق وقته، ~~فكذلك، وإن كان وقته مضيقا، مثل أن قرب رمضان الآخر، فعليه نفقتها؛ لأنه ~~واجب مضيق بأصل الشرع، أشبه أداء رمضان. ### | [مسألة طلق الرجل زوجته طلاقا لا يملك فيه الرجعة] # (6526) مسألة: قال: (وإذا طلق الرجل زوجته طلاقا لا يملك فيه ms4417 الرجعة، فلا ~~سكنى لها، ولا نفقة، إلا أن تكون حاملا) وجملة الأمر، أن الرجل إذا طلق ~~امرأته طلاقا بائنا، فإما أن يكون ثلاثا، أو بخلع، أو بانت بفسخ، وكانت ~~حاملا فلها النفقة والسكنى، بإجماع أهل العلم؛ لقول الله تعالى {أسكنوهن من ~~حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] وفي بعض أخبار فاطمة بنت قيس: «لا نفقة ~~لك إلا أن تكوني حاملا» ولأن الحمل ولده، فيلزمه الإنفاق عليه، ولا يمكنه ~~النفقة عليه، إلا بالإنفاق عليها، فوجب، كما وجبت أجرة الرضاع وإن كانت ~~حائلا، فلا نفقة لها # وفي السكنى روايتان:؛ إحداهما: لها ذلك وهو قول عمر، وابنه وابن مسعود، ~~وعائشة، وفقهاء المدينة السبعة ومالك، والشافعي؛ للآية، والرواية الثانية، ~~لا سكنى لها، ولا نفقة وهي ظاهر المذهب، وقول علي، وابن عباس، وجابر، ~~وعطاء، وطاوس، والحسن وعكرمة، وميمون بن مهران، وإسحاق، وأبي ثور، وداود ~~وقال أكثر الفقهاء العراقيين: لها السكنى والنفقة وبه قال ابن شبرمة، وابن ~~أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة وأصحابه، والبتي، والعنبري؛ ~~لأن ذلك يروى عن عمر، وابن مسعود ولأنها مطلقة، فوجبت لها النفقة والسكنى، ~~كالرجعية # وردوا خبر فاطمة بنت قيس بما روي عن عمر، أنه قال: لا ندع كتاب ربنا، ~~وسنة نبينا، لقول امرأة وأنكرته عائشة، وسعيد بن المسيب، وتأولوه ولنا، ما ~~روت فاطمة بنت قيس، «أن زوجها طلقها ألبتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله ~~بشعير فتسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة ولا سكنى فأمرها أن تعتد ~~في بيت أم شريك» متفق عليه وفي لفظ: «فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: انظري يا ابنة قيس إنما النفقة للمرأة على زوجها ما كانت له عليها ~~الرجعة، فإذا لم يكن له عليها الرجعة، # PageV08P232 # فلا نفقة ولا سكنى» رواه الإمام أحمد، والأثرم، والحميدي، وغيرهم قال ابن ~~عبد البر من طريق الحجة وما ms4418 يلزم منها، قول أحمد ابن حنبل ومن تابعه أصح ~~وأحج؛ لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصا صريحا، فأي شيء يعارض ~~هذا إلا مثله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، الذي هو المبين عن الله ~~مراده؟ ولا شيء يدفع ذلك ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله تعالى: {أسكنوهن ~~من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] # وأما قول عمر، ومن وافقه، فقد خالفه علي وابن عباس، ومن وافقهما، والحجة ~~معهم، ولو لم يخالفه أحد منهم، لما قبل قوله المخالف لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فإن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة على عمر ~~وعلى غيره، ولم يصح عن عمر أنه قال: لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا، لقول ~~امرأة فإن أحمد أنكره، وقال: أما هذا فلا، ولكن قال: لا نقبل في ديننا قول ~~امرأة وهذا أمر يرده الإجماع على قبول قول المرأة في الرواية، فأي حجة في ~~شيء يخالفه الإجماع، وترده السنة، ويخالفه فيه علماء الصحابة قال إسماعيل ~~بن إسحاق: نحن نعلم أن عمر لا يقول: لا ندع كتاب ربنا إلا لما هو موجود في ~~كتاب الله والذي في الكتاب أن لها النفقة إذا كانت حاملا، بقوله سبحانه: ~~{وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] # وأما غير ذوات الحمل فلا يدل الكتاب إلا على أنهن لا نفقة لهن؛ لاشتراطه ~~الحمل في الأمر بالإنفاق وقد روى أبو داود، وغيره من الأئمة، بإسنادهم عن ~~ابن عباس، قال «ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما يعني ~~المتلاعنين وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت» ولأن هذه محرمة عليه تحريما ~~لا تزيله الرجعة، فلم يكن لها سكنى ولا نفقة، كالملاعنة أو كالأجنبية، ~~وفارقت الرجعية في ذلك وأما الرجعية، فلها السكنى والنفقة؛ للآية والخبر ~~والإجماع، ولأنها زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه. ### | [فصل الملاعنة فلا سكنى لها ولا نفقة إن كانت غير حامل] # (6527) فصل: فأما الملاعنة فلا سكنى لها، ولا نفقة، إن كانت غير حامل، ~~للخبر وكذلك ms4419 إن كانت حاملا فنفى حملها، وقلنا: إنه ينتفي عنه أو قلنا: إنه ~~ينتفي بزوال الفراش وإن قلنا: لا ينتفي بنفيه أو لم ينفه، وقلنا: إنه يلحقه ~~نسبه فلها السكنى والنفقة؛ لأن ذلك للحمل، أو لها بسببه، وهو موجود، فأشبهت ~~المطلقة البائن فإن نفى الحمل، فأنفقت أمه، وسكنت من غير الزوج، وأرضعت، ثم ~~استلحقه الملاعن، لحقه، ولزمته النفقة وأجرة المسكن والرضاع؛ لأنها فعلت ~~ذلك على أنه لا أب له، فإذا ثبت له أب، لزمه ذلك، ورجع به عليه فإن قيل: ~~النفقة لأجل الحمل نفقة الأقارب، وهي تسقط بمضي الزمان، فكيف ترجع عليه بما # PageV08P233 # يسقط عنه؟ قلنا: بل النفقة للحامل من أجل الحمل، فلا تسقط، كنفقتها في ~~الحياة، وإن سلمنا أنها للحمل، إلا أنها مصروفة إليها، ويتعلق بها حقها، ~~فلا تسقط بمضي الزمان، كنفقتها. ### | [فصل المعتدة من الوفاة إن كانت حائلا] # فصل: فأما المعتدة من الوفاة، فإن كانت حائلا، فلا سكنى لها ولا نفقة؛ ~~لأن النكاح قد زال بالموت، وإن كانت حاملا، ففيها روايتان؛ إحداهما، لها ~~السكنى والنفقة؛ لأنها حامل من زوجها، فكانت لها السكنى والنفقة، كالمفارقة ~~في الحياة والثانية، لا سكنى لها ولا نفقة؛ لأن المال قد صار للورثة، ونفقة ~~الحامل وسكناها إنما هو للحمل أو من أجله، ولا يلزم ذلك الورثة؛ لأنه إن ~~كان للميت ميراث، فنفقة الحمل من نصيبه، وإن لم يكن له ميراث، لم يلزم وارث ~~الميت الإنفاق على حمل امرأته، كما بعد الولادة قال القاضي: وهذه الرواية ~~أصح. ### | [فصل نفقة الحامل] # (6529) فصل: وهل تجب نفقة الحمل للحامل من أجل الحمل أو للحمل، فيه ~~روايتان؛ إحداهما: تجب للحمل اختارها أبو بكر؛ لأنها تجب بوجوده، وتسقط عند ~~انفصاله، فدل على أنها له والثانية، تجب لها من أجله؛ لأنها تجب مع اليسار ~~والإعسار، فكانت له كنفقة الزوجات، ولأنها لا تسقط بمضي الزمان، فأشبهت ~~نفقتها في حياته وللشافعي قولان، كالروايتين وينبني على هذا الاختلاف فروع؛ ~~منها، أنها إذا كانت المطلقة الحامل أمة، وقلنا: النفقة للحمل فنفقتها على ~~سيدها؛ لأنه ملكه وإن ms4420 قلنا: لها فعلى الزوج؛ لأن نفقتها عليه وإن كان الزوج ~~عبدا، وقلنا: هي للحمل فليس عليه نفقة؛ لأنه لا تلزمه نفقة ولده وإن قلنا: ~~لها فالنفقة عليه؛ لما ذكرناه # وإن كانت حاملا من نكاح فاسد، أو وطء شبهة، وقلنا: النفقة للحمل فعلى ~~الزوج والواطئ؛ لأنه ولده، فلزمته نفقته كما بعد الوضع وإن قلنا: للحامل ~~فلا نفقة عليه؛ لأنها ليست زوجة يجب الإنفاق عليها وإن نشزت امرأة إنسان، ~~وهي حامل، وقلنا: النفقة للحمل لم تسقط نفقتها؛ لأن نفقة ولده لا تسقط ~~بنشوز أمه وإن قلنا: لها فلا نفقة لها؛ لأنها ناشز. ### | [فصل وقت دفع نفقة الحامل المطلقة إليها] # (6530) فصل: ويلزم الزوج دفع نفقة الحامل المطلقة إليها يوما فيوما، كما ~~يلزمه دفع نفقة الرجعية وقال الشافعي، في أحد قوليه: لا يلزمه دفعها إليها ~~حتى تضع؛ لأن الحمل غير متحقق؛ ولهذا: وقفنا الميراث وهذا خلاف قول الله # PageV08P234 # تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] ~~ولأنها محكوم لها بالنفقة، فوجب دفعها إليها، كالرجعية وما ذكره غير صحيح؛ ~~فإن الحمل يثبت بالأمارات، وتثبت أحكامه في النكاح، والحد، والقصاص، وفسخ ~~البيع في الجارية المبيعة، والمنع من الأخذ في الزكاة، ووجوب الدفع في ~~الدية، فهو كالمتحقق، ولا يشبه هذا الميراث؛ فإن كان الميراث لا يثبت بمجرد ~~الحمل، فإنه يشترط له الوضع والاستهلال بعد الوضع، ولا يوجد ذلك قبله، ~~ولأننا لا نعلم صفة الحمل وقدره ووجود شرط توريثه، بخلاف مسألتنا، فإن ~~النفقة تجب بمجرد الحمل، ولا تختلف باختلافه، فإذا ثبت هذا، فمتى ادعت ~~الحمل فصدقها، دفع إليها، فإن كان حملا، فقد استوفت حقها، وإن بان أنها ~~ليست حاملا، رجع عليها، سواء دفع إليها بحكم الحاكم أو بغيره، وسواء شرط ~~أنها نفقة أو لم يشترط، وعنه: لا يرجع والصحيح أنه يرجع؛ لأنه دفعه على أنه ~~واجب، فإذا بان أنه ليس بواجب، استرجعه، كما لو قضاها دينا، فبان أنه لم ~~يكن عليه دين # وإن أنكر حملها، نظر النساء الثقات، فرجع إلى قولهن، ويقبل قول المرأة ~~الواحدة ms4421 إذا كانت من أهل الخبرة والعدالة؛ لأنها شهادة على ما لا يطلع عليه ~~الرجال، أشبه الرضاع، وقد ثبت الأصل بالخبر. ### | [فصل النفقة على الزوج في النكاح الفاسد] # (6531) فصل: ولا تجب النفقة على الزوج في النكاح الفاسد؛ لأنه ليس بينهما ~~نكاح صحيح، فإن طلقها أو فرق بينهما قبل الوطء، فلا عدة عليها، وإن كان بعد ~~الوطء فعليها العدة، ولا نفقة لها ولا سكنى، إن كانت حائلا؛ لأنه إذا لم ~~يجب ذلك قبل التفريق، فبعده أولى، وإن كانت حاملا، فعلى ما ذكرنا من قبل؛ ~~فإن قلنا: لها النفقة إذا كانت حاملا فلها ذلك قبل التفريق؛ لأنه إذا وجب ~~بعد التفريق، فقبله أولى ومتى أنفق عليها قبل مفارقتها أو بعدها، لم يرجع ~~عليها بشيء؛ لأنه إن كان عالما بعدم الوجوب، فهو متطوع به، وإن لم يكن ~~عالما فهو مفرط، فلم يرجع به، كما لو أنفق على أجنبية وكل معتدة من الوطء ~~في غير نكاح صحيح، كالموطوءة بشبهة وغيرها، إن كان يلحق الواطئ نسب ولدها، ~~فهي كالموطوءة في النكاح الفاسد، وإن كان لا يلحقه نسب ولدها، كالزاني، ~~فليس عليه نفقتها، حاملا كانت أو حائلا؛ لأنه لا نكاح بينهما، ولا بينهما ~~ولد ينسب إليه. ### | [مسألة خالعت المرأة زوجها وأبرأته من حملها] # (6532) مسألة: قال: (وإذا خالعت المرأة زوجها، وأبرأته من حملها، لم يكن ~~لها نفقة، ولا للولد، حتى تفطمه) أما إذا خالعته ولم تبرئه من حملها، فلها ~~النفقة، كما لو طلقها ثلاثا وهي حامل؛ لأن الحمل ولده، فعليه نفقته، وإن ~~أبرأته من الحمل عوضا في الخلع، صح، سواء كان العوض كله أو بعضه، وقد ~~ذكرناه في الخلع، # PageV08P235 # ويبرأ حتى تفطمه، إذا كانت قد أبرأته من نفقة الحمل وكفالة الولد إلى ~~ذلك، أو أطلقت البراءة من نفقة الحمل وكفالته؛ لأن البراءة المطلقة تنصرف ~~إلى المدة التي تستحق المرأة العوض عليه فيها، وهي مدة الحمل والرضاع، لأن ~~المطلق إذا كان له عرف، انصرف إلى العرف وإن اختلفا في مدة الرضاع، انصرف ~~إلى حولين؛ لقوله سبحانه: {وفصاله في عامين} ms4422 [لقمان: 14] # وقال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة} [البقرة: 233] ثم قال: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا ~~جناح عليهما} [البقرة: 233] فدل على أنه لا يجوز فصاله قبل العامين إلا ~~بتراض منهما وتشاور وإن قدرا مدة البراءة بزمن الحمل، أو بعام، أو نحو ذلك، ~~فهو على ما قدراه، وهو أحسن؛ لأنه أقطع للنزاع، وأبعد من اللبس والاشتباه ~~ولو أبرأته من نفقة الحمل، انصرف ذلك إلى زمن الحمل قبل وضعه قال القاضي: ~~إنما صح مخالعتها على نفقة الولد، وهي للولد دونها؛ لأنها في حكم المالكة ~~لها، لأنها هي القابضة لها، المستحقة لها، المتصرفة فيها، فإنها في مدة ~~الحمل هي الآكلة لها، المنتفعة بها، وبعد الولادة هي أجر رضاعها له، وهي ~~الآخذة لها، المتصرفة فيها أيضا، فصارت كملك من أملاكها، فصح جعلها عوضا # فأما النفقة الزائدة على هذا، من كسوة الطفل ودهنه، ونحو ذلك فلا يصح أن ~~يعاوض به في الخلع، لأنه ليس هو لها، ولا هو في حكم ما هو لها. ### | [مسألة الناشز لا نفقة لها] # (6533) مسألة: قال: (والناشز لا نفقة لها، فإن كان لها منه ولد، أعطاها ~~نفقة ولدها) معنى النشوز معصيتها لزوجها فيما له عليها، مما أوجبه له ~~النكاح، وأصله من الارتفاع، مأخوذ من النشز، وهو المكان المرتفع، فكأن ~~الناشز ارتفعت عن طاعة زوجها، فسميت ناشزا فمتى امتنعت من فراشه، أو خرجت ~~من منزله بغير إذنه، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها، أو من ~~السفر معه، فلا نفقة لها ولا سكنى، في قول عامة أهل العلم؛ منهم الشعبي، ~~وحماد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو ثور وقال الحكم: ~~لها النفقة وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدا خالف هؤلاء إلا الحكم، ولعله ~~يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها، فكذلك نفقتها # ولنا، أن النفقة إنما تجب في مقابلة تمكينها، بدليل أنها لا تجب قبل ~~تسليمها إليه، وإذا منعها النفقة كان لها منعه التمكين، فإذا منعته التمكين ~~كان له منعها من النفقة، كما قبل ms4423 الدخول وتخالف المهر؛ فإنه يجب بمجرد ~~العقد، ولذلك لو مات أحدهما قبل الدخول وجب المهر دون النفقة فأما إذا كان ~~له منها ولد، فعليه نفقة ولده؛ لأنها واجبة له، فلا يسقط حقه بمعصيتها، ~~كالكبير، وعليه أن يعطيها إياها # PageV08P236 # إذا كانت هي الحاضنة له، أو المرضعة له، وكذلك أجر رضاعها، يلزمه تسليمه ~~إليها؛ لأنه أجر ملكته عليه بالإرضاع، لا في مقابلة الاستمتاع، فلا يزول ~~بزواله. ### | [فصل سقطت نفقة المرأة بنشوزها فعادت عن النشوز والزوج حاضر] # (6534) فصل: وإذا سقطت نفقة المرأة بنشوزها، فعادت عن النشوز والزوج ~~حاضر، عادت نفقتها؛ لزوال المسقط لها، ووجود التمكين المقتضي لها وإن كان ~~غائبا، لم تعد نفقتها حتى يعود التسليم بحضوره، أو حضور وكيله، أو حكم ~~الحاكم بالوجوب إذا مضى زمن الإمكان ولو ارتدت امرأته، سقطت نفقتها، فإن ~~عادت إلى الإسلام، عادت نفقتها بمجرد عودها؛ لأن المرتدة إنما سقطت نفقتها ~~بخروجها عن الإسلام، فإذا عادت إليه، زال المعنى المسقط، فعادت النفقة، وفي ~~النشوز، سقطت النفقة بخروجها عن يده، أو منعها له من التمكين المستحق ~~عليها، ولا يزول ذلك إلا بعودها إلى يده، وتمكينه منها، ولا يحصل ذلك في ~~غيبته، ولذلك لو بذلت تسليم نفسها قبل دخوله بها في حال غيبته، لم تستحق ~~النفقة بمجرد البذل، كذا هاهنا، والله أعلم. ### | [باب من أحق بكفالة الطفل] # كفالة الطفل وحضانته واجبة؛ لأنه يهلك بتركه، فيجب حفظه عن الهلاك، كما ~~يجب الإنفاق عليه، وإنجاؤه من المهالك ويتعلق بها حق لقرابته، لأن فيها ~~ولاية على الطفل واستصحابا له، فتعلق بها الحق، ككفالة اللقيط ولا تثبت ~~الحضانة لطفل، ولا معتوه؛ لأنه لا يقدر عليها، وهو محتاج إلى من يكفله، ~~فكيف يكفل غيره، ولا فاسق؛ لأنه غير موثوق به في أداء الواجب من الحضانة، ~~ولا حظ للولد في حضانته، لأنه ينشأ على طريقته، ولا الرقيق وبهذا قال عطاء، ~~والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي # وقال مالك، في حر له ولد حر من أمة: الأم أحق به، إلا أن تباع فتنقل، ~~فيكون الأب أحق به؛ لأنها أم ms4424 مشفقة، فأشبهت الحرة ولنا، أنها لا تملك ~~منافعها التي تحصل الكفالة بها، لكونها مملوكة لسيدها، فلم يكن لها حضانة، ~~كما لو بيعت ونقلت ولا تثبت لكافر على مسلم وبهذا قال مالك، والشافعي، ~~وسوار، والعنبري وقال ابن القاسم وأبو ثور، وأصحاب الرأي تثبت له؛ لما روي ~~عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جده رافع بن سنان، «أنه أسلم، وأبت ~~امرأته أن تسلم، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV08P237 # فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: اقعد ناحية، وقال لها: اقعدي ناحية، وقال: ادعواها فمالت ~~الصبية إلى أمها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اللهم اهدها فمالت ~~إلى أبيها، فأخذها» رواه أبو داود ولنا، أنها ولاية، فلا تثبت لكافر على ~~مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا لم تثبت للفاسق، فالكافر أولى، فإن ~~ضرره أكثر، فإنه يفتنه عن دينه، ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر، وتزيينه ~~له، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر والحضانة إنما تثبت لحظ الولد، فلا تشرع ~~على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه فأما الحديث، فقد روي على غير هذا ~~الوجه، ولا يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال قال ابن المنذر # ويحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنها تختار أباها بدعوته، ~~فكان ذلك خاصا في حقه فأما من بعضه حر، فإن لم يكن بينه وبين سيده مهايأة، ~~فلا حضانة له؛ لأنه لا يقدر عليها، لكون منافعه مشتركة بينه وبين سيده، وإن ~~كان بينهما مهايأة، فقياس قول أحمد، أن له الحضانة في أيامه؛ لأنه قال: كل ~~ما يتجزأ، فعليه النصف من كل شيء وهذا اختيار أبي بكر وقال الشافعي: لا ~~حضانة له لأنه كالقن عنده وهذا أصل قد تقدم. ### | [مسألة من أحق بكفالة الطفل والمعتوه] # (6535) مسألة: قال: (والأم أحق بكفالة الطفل والمعتوه، إذا طلقت) وجملته ~~أن الزوجين إذا افترقا، ولهما ولد طفل أو معتوه، فأمه أولى الناس بكفالته ~~إذا كملت الشرائط فيها، ذكرا كان أو أنثى، وهذا قول يحيى الأنصاري، ms4425 ~~والزهري، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ولا ~~نعلم أحدا خالفهم # والأصل فيه ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص، «أن امرأة قالت: يا رسول ~~الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن ~~أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أنت أحق به ما لم تنكحي» رواه أبو داود ويروي أن أبا بكر الصديق، حكم على ~~عمر بن الخطاب بعاصم # PageV08P238 # لأمه أم عاصم، وقال: ريحها وشمها ولطفها، خير له منك رواه سعيد، في " ~~سننه " ولأنها أقرب إليه، وأشفق عليه، ولا يشاركها في القرب إلا أبوه، وليس ~~له مثل شفقتها، ولا يتولى الحضانة بنفسه، وإنما يدفعه إلى امرأته، وأمه ~~أولى به من امرأة أبيه. ### | [فصل لم تكن الأم من أهل الحضانة] # (6536) فصل: فإن لم تكن الأم من أهل الحضانة، لفقدان الشروط التي ذكرنا ~~فيها، أو بعضها، فهي كالمعدومة، وتنتقل إلى من يليها في الاستحقاق ولو كان ~~الأبوان من غير أهل الحضانة، انتقلت إلى من يليهما؛ لأنهما كالمعدومين. ### | [فصل ولا تثبت الحضانة إلا على الطفل أو المعتوه] # (6537) فصل: ولا تثبت الحضانة إلا على الطفل أو المعتوه، فأما البالغ ~~الرشيد، فلا حضانة عليه، وإليه الخيرة في الإقامة عند من شاء من أبويه، فإن ~~كان رجلا، فله الانفراد بنفسه، لاستغنائه عنهما، ويستحب أن لا ينفرد عنهما، ~~ولا يقطع بره عنهما وإن كانت جارية لم يكن لها الانفراد ولأبيها منعها منه؛ ~~لأنه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها، ويلحق العار بها وبأهلها، وإن لم ~~يكن لها أب، فلوليها وأهلها منعها من ذلك. ### | [مسألة إذا بلغ الغلام سبع سنين] # (6538) مسألة: قال: (وإذا بلغ الغلام سبع سنين، خير بين أبويه، فكان مع ~~من اختار منهما) وجملته أن الغلام إذا بلغ سبعا، وليس بمعتوه، خير بين ~~أبويه، إذا تنازعا فيه، فمن اختاره منهما، فهو أولى به قضى بذلك عمر، وعلي، ~~وشريح وهو مذهب الشافعي، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يخير لكن ms4426 قال أبو ~~حنيفة: إذا استقل بنفسه، فأكل بنفسه، ولبس بنفسه، واستنجى بنفسه، فالأب أحق ~~به ومالك يقول: الأم أحق به حتى يثغر، وأما التخيير، فلا يصح؛ لأن الغلام ~~لا قول له، ولا يعرف حظه، # PageV08P239 # وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه، ويمكنه من شهواته، فيؤدي إلى ~~فساده، ولأنه دون البلوغ، فلم يخير، كمن دون السبع # ولنا، ما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «خير غلاما بين ~~أبيه وأمه» رواه سعيد، بإسناده والشافعي وفي لفظ عن أبي هريرة، قال: «جاءت ~~امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد ~~أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني فقال له النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -:» هذا أبوك، وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت «فأخذ بيد أمه، ~~فانطلقت به» رواه أبو داود، ولأنه إجماع الصحابة، فروي عن عمر، أنه خير ~~غلاما بين أبيه وأمه رواه سعيد، وروي عن عمارة الجرمي، أنه قال: خيرني علي ~~بين عمي وأمي، وكنت ابن سبع أو ثمان وروي نحو ذلك عن أبي هريرة # وهذه قصص في مظنة الشهرة، ولم تنكر، فكانت إجماعا، ولأن التقديم في ~~الحضانة لحق الولد، فيقدم من هو أشفق؛ لأن حظ الولد عنده أكثر، واعتبرنا ~~الشفقة بمظنتها إذا لم يمكن اعتبارها بنفسها، فإذا بلغ الغلام حدا يعرب عن ~~نفسه، ويميز بين الإكرام وضده، فمال إلى أحد الأبوين، دل على أنه أرفق به، ~~وأشفق عليه، فقدم بذلك وقيدناه بالسبع؛ لأنها أول حال أمر الشرع فيها ~~بمخاطبته بالأمر بالصلاة؛ ولأن الأم قدمت في حال الصغر، لحاجته إلى حمله، ~~ومباشرة خدمته، لأنها أعرف بذلك، وأقوم به، فإذا استغنى عن ذلك، تساوى ~~والداه، لقربهما منه، فرجح باختياره. ### | [فصل ومتى اختار أحدهما فسلم إليه ثم اختار الآخر رد إليه في الحضانة] # (6539) فصل: ومتى اختار أحدهما فسلم إليه، ثم اختار الآخر، رد إليه، فإن ~~عاد فاختار الأول، أعيد إليه، هكذا أبدا كلما اختار أحدهما صار إليه؛ لأنه ~~اختيار شهوة، لحظ ms4427 نفسه، فاتبع ما يشتهيه، كما يتبع ما يشتهيه في المأكول ~~والمشروب، وقد يشتهي المقام عند أحدهما في وقت، وعند الآخر في وقت، وقد ~~يشتهي التسوية بينهما، وأن لا ينقطع عنهما وإن خيرناه، فلم يختر واحدا ~~منهما، أو اختارهما معا، قدم أحدهما بالقرعة؛ لأنه لا مزية لأحدهما على ~~صاحبه، ولا يمكن اجتماعهما على حضانته، فقدم أحدهما بالقرعة، فإذا قدم بها، ~~ثم اختار الآخر، رد إليه؛ لأننا قدمنا اختياره الثاني على الأول، فعلى ~~القرعة التي هي بدل أولى. ### | [فصل كان الأب معدوما أو من غير أهل الحضانة] # (6540) فصل: فإن كان الأب معدوما، أو من غير أهل الحضانة، وحضر غيره من ~~العصبات، كالأخ والعم وابنه، قام مقام الأب فيخير الغلام بين أمه وعصبته ~~لأن عليا - رضي الله عنه - خير عمارة الجرمي بين أمه وعمه # PageV08P240 # ولأنه عصبة، فأشبه الأب وكذلك إن كانت الأم معدومة، أو من غير أهل ~~الحضانة، فسلم إلى الجدة، خير الغلام بينها وبين أبيه، أو من يقوم مقامه من ~~العصبات، فإن كان الأبوان معدومين، أو من غير أهل الحضانة، فسلم إلى امرأة ~~كأخته أو عمته أو خالته، قامت مقام أمه، في التخيير بينها وبين عصباته، ~~للمعنى الذي ذكرناه في الأبوين فإن كان الأبوان رقيقين، وليس له أحد من ~~أقاربه سواهما، فقال القاضي: لا حضانة لهما عليه، ولا نفقة له عليهما، ~~ونفقته في بيت المال، ويسلم إلى من يحضنه من المسلمين. ### | [فصل يخير الغلام في الحضانة بشرطين] # (6541) فصل: وإنما يخير الغلام بشرطين؛ أحدهما، أن يكونا جميعا من أهل ~~الحضانة، فإن كان أحدهما من غير أهل الحضانة، كان كالمعدوم، ويعين الآخر. ~~الثاني: أن لا يكون الغلام معتوها، فإن كان معتوها كان عند الأم، ولم يخير؛ ~~لأن المعتوه بمنزلة الطفل وإن كان كبيرا، ولذلك كانت الأم أحق بكفالة ولدها ~~المعتوه بعد بلوغه ولو خير الصبي، فاختار أباه، ثم زال عقله، رد إلى الأم، ~~وبطل اختياره؛ لأنه إنما خير حين استقل بنفسه، فإذا زال استقلاله بنفسه، ~~كانت الأم أولى؛ لأنها أشفق عليه، وأقوم بمصالحه، كما ms4428 في حال طفوليته. ### | [مسألة بلغت الجارية سبع سنين على من الحضانة] # (6542) مسألة: قال: (وإذا بلغت الجارية سبع سنين، فالأب أحق بها) وقال ~~الشافعي: تخير كالغلام؛ لأن كل سن خير فيه الغلام خيرت فيه الجارية، كسن ~~البلوغ وقال أبو حنيفة: الأم أحق بها، حتى تزوج أو تحيض وقال مالك: الأم ~~أحق بها حتى تزوج ويدخل بها الزوج؛ لأنها لا حكم لاختيارها، ولا يمكن ~~انفرادها، فكانت الأم أحق بها، كما قبل السبع # ولنا، أن الغرض بالحضانة الحظ، والحظ للجارية بعد السبع في الكون عند ~~أبيها؛ لأنها تحتاج إلى حفظ، والأب أولى بذلك، فإن الأم تحتاج إلى من ~~يحفظها ويصونها، ولأنها إذا بلغت السبع، قاربت الصلاحية للتزويج، وقد تزوج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة، وهي ابنة سبع، وإنما تخطب الجارية من ~~أبيها؛ لأنه وليها، والمالك لتزويجها، وهو أعلم بالكفاءة، وأقدر على البحث، ~~فينبغي أن يقدم على غيره، ولا يصار إلى تخييرها؛ لأن الشرع لم يرد به فيها، ~~ولا يصح قياسها على الغلام؛ لأنه لا يحتاج إلى الحفظ والتزويج، كحاجتها ~~إليه، ولا على سن البلوغ؛ لأن قولها حينئذ معتبر في إذنها، وتوكيلها، ~~وإقرارها، واختيارها، بخلاف مسألتنا، ولا يصح قياس ما بعد السبع على ما ~~قبلها؛ لما ذكرنا في دليلنا. # PageV08P241 ### | [فصل كانت الجارية عند الأم أو عند الأب] # (6543) فصل: إذا كانت الجارية عند الأم أو عند الأب، فإنها تكون عنده ~~ليلا ونهارا؛ لأن تأديبها وتخريجها في جوف البيت، من تعليمها الغزل والطبخ ~~وغيرهما، ولا حاجة بها إلى الإخراج منه، ولا يمنع أحدهما من زيارتها عند ~~الآخر، من غير أن يخلو الزوج بأمها، ولا يطيل، ولا يتبسط؛ لأن الفرقة ~~بينهما تمنع تبسط أحدهما في منزل الآخر وإن مرضت، فالأم أحق بتمريضها في ~~بيتها وإن كان الغلام عند الأم بعد السبع، لاختياره لها، كان عندها ليلا، ~~ويأخذه الأب نهارا ليسلمه في مكتب، أو في صناعة؛ لأن القصد حظ الغلام وحظه ~~فيما ذكرناه وإن كان عند الأب، كان عنده ليلا ونهارا، ولا يمنع من زيارة ~~أمه؛ لأن ms4429 منعه من ذلك إغراء بالعقوق، وقطيعة للرحم # وإن مرض، كانت الأم أحق بتمريضه في بيتها؛ لأنه صار بالمرض كالصغير، في ~~الحاجة إلى من يقوم بأمره، فكانت الأم أحق به كالصغير وإن مرض أحد الأبوين، ~~والولد عند الآخر، لم يمنع من عيادته، وحضوره عند موته، سواء كان ذكرا أو ~~أنثى؛ لأن المرض يمنع المريض من المشي إلى ولده، فمشي ولده إليه أولى فأما ~~في حال الصحة، فإن الغلام يزور أمه؛ لأنها عورة، فسترها أولى، والأم تزور ~~ابنتها؛ لأن كل واحدة منهما عورة، تحتاج إلى صيانة وستر، وستر الجارية ~~أولى؛ لأن الأم قد تخرجت وعقلت، بخلاف الجارية. ### | [فصل أي الأبوين أحق بحضانة الطفل إذا أراد أحدهما السفر] # (6544) فصل: وإذا أراد أحد الأبوين السفر لحاجة ثم يعود، والآخر مقيم، ~~فالمقيم أولى بالحضانة؛ لأن في المسافرة بالولد إضرارا به، وإن كان منتقلا ~~إلى بلد ليقيم به، وكان الطريق مخوفا أو البلد الذي ينتقل إليه مخوفا، ~~فالمقيم أولى بالحضانة؛ لأن في السفر به خطرا به، ولو اختار الولد السفر في ~~هذه الحال، لم يجب إليه؛ لأن فيه تغريرا به وإن كان البلد الذي ينتقل إليه ~~آمنا، وطريقه آمن، فالأب أحق به، سواء كان هو المقيم أو المنتقل، إلا أن ~~يكون بين البلدين قريب، بحيث يراهم الأب كل يوم ويرونه، فتكون الأم على ~~حضانتها وقال القاضي: إذا كان السفر دون مسافة القصر، فهو في حكم الإقامة ~~وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأن ذلك في حكم الإقامة في غير هذا الحكم، ~~فكذلك في هذا؛ ولأن مراعاة الأب له ممكنة والمنصوص عن أحمد ما ذكرناه، وهو ~~أولى؛ لأن البعد الذي يمنعه من رؤيته، يمنعه من تأديبه، وتعليمه، ومراعاة ~~حاله، فأشبه مسافة القصر # وبما ذكرناه من تقديم الأب عند افتراق الدار بهما، قال شريح، ومالك، ~~والشافعي وقال أصحاب الرأي: إن انتقل الأب، فالأم أحق به، وإن انتقلت الأم ~~إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح، فهي أحق، وإن انتقلت إلى غيره، فالأب ~~أحق # PageV08P242 # وحكي عن أبي حنيفة: إن انتقلت ms4430 من بلد إلى قرية، فالأب أحق، وإن انتقلت ~~إلى بلد آخر، فهي أحق؛ لأن في البلد يمكن تعليمه وتخريجه ولنا، أنه اختلف ~~مسكن الأبوين، فكان الأب أحق، كما لو انتقلت من بلد إلى قرية، أو إلى بلد ~~لم يكن فيه أصل النكاح، وما ذكروه لا يصح؛ لأن الأب في العادة هو الذي يقوم ~~بتأديب ابنه وتخريجه وحفظ نسبه، فإذا لم يكن في بلده ضاع، فأشبه ما لو كان ~~في قرية # وإن انتقلا جميعا إلى بلد واحد، فالأم باقية على حضانتها وكذلك إن أخذه ~~الأب لافتراق البلدين، ثم اجتمعا، عادت إلى الأم حضانتها وغير الأم ممن له ~~الحضانة من النساء، يقوم مقامها، وغير الأب من عصبات الولد، يقوم مقامه، ~~عند عدمهما، أو كونهما من غير أهل الحضانة. ### | [مسألة لم تكن أم أو تزوجت الأم على من الحضانة] # (6545) مسألة: قال: (فإن لم تكن أم، أو تزوجت الأم، فأم الأب أحق من ~~الخالة) في هذه المسألة: فصلان: (6546) الفصل الأول: أن الأم إذا تزوجت، ~~سقطت حضانتها قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم ~~قضى به شريح، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي وحكي عن الحسن، أنها لا ~~تسقط بالتزويج ونقل مهنا عن أحمد: إذا تزوجت الأم، وابنها صغير، أخذ منها ~~قيل له: فالجارية مثل الصبي؟ قال: لا، الجارية تكون معها إلى سبع سنين ~~فظاهر هذا أنه لم يزل الحضانة عن الجارية لتزويج أمها، وأزالها عن الغلام ~~ووجه ذلك ما روي، أن عليا وجعفرا وزيد بن حارثة، تنازعوا في حضانة ابنة ~~حمزة، فقال علي: ابنة عمي، وأنا أخذتها # وقال زيد: بنت أخي؛ لأن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخى بين زيد ~~وحمزة وقال جعفر: بنت عمي، وعندي خالتها فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: الخالة أم» وسلمها إلى جعفر رواه أبو داود بنحو هذا المعنى، فجعل ~~لها الحضانة وهي مزوجة والرواية الأولى هي الصحيحة قال ابن أبي موسى: ~~وعليها العمل؛ «لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms4431 - للمرأة: أنت أحق به، ~~ما لم تنكحي» ولأنها إذا تزوجت، اشتغلت حقوق الزوج عن الحضانة، فكان الأب ~~أحظ له، ولأن منافعها تكون مملوكة لغيرها، فأشبهت المملوكة # فأما بنت حمزة، فإنما # PageV08P243 # قضى بها لخالتها؛ لأن زوجها من أهل الحضانة، ولأنه لا يساويه في ~~الاستحقاق إلا علي، وقد ترجح جعفر بأن امرأته من أهل الحضانة، فكان أولى ~~وعلى هذا، متى كانت المرأة متزوجة لرجل من أهل الحضانة، كالجدة تكون متزوجة ~~للجد، لم تسقط حضانتها؛ لأنه يشاركها في الولادة والشفقة على الولد، فأشبه ~~الأم إذا كانت متزوجة للأب ولو تنازع العمان في الحضانة، وأحدهما متزوج ~~للأم، أو الخالة، فهو أحق، لحديث بنت حمزة وكذلك كل عصبتين تساويا، وأحدهما ~~متزوج بمن هي من أهل الحضانة، قدم بها لذلك وظاهر قول الخرقي، أن التزويج ~~بأجنبي يسقط الحضانة بمجرد العقد وإن عري عن الدخول وهو قول الشافعي، ~~ويحتمل أن لا تسقط إلا بالدخول وهو قول مالك؛ لأن به تشتغل عن الحضانة ووجه ~~الأول، قول «النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنت أحق به ما لم تنكحي» # وقد وجد النكاح قبل الدخول، ولأن بالعقد يملك منافعها، ويستحق زوجها ~~منعها من حضانته، فزال حقها، كما لو دخل بها # (6547) الفصل الثاني: أن الأم إذا عدمت، أو تزوجت، أو لم تكن من أهل ~~الحضانة، واجتمعت أم أب وخالة، فأم الأب أحق وبه قال أبو حنيفة، والشافعي ~~في الجديد وحكي ذلك عن مالك، وأبي ثور وروي عن أحمد أن الأخت والخالة أحق ~~من الأب فعلى هذا، يحتمل أن تكون الخالة أحق من أم الأب وهو قول الشافعي ~~القديم؛ لأنها تدلي بأم، وأم الأب تدلي به، فقدم من يدلي بالأم، كتقديم أم ~~الأم على أم الأب، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى ببنت حمزة ~~لخالتها، وقال: «الخالة أم» ولنا، أن أم الأب جدة وارثة، فقدمت على الخالة، ~~كأم الأم، ولأن لها ولادة ووراثة، فأشبهت أم الأم # فأما الحديث، فيدل على أن للخالة حقا في الجملة، وليس النزاع فيه، إنما ~~النزاع في الترجيح ms4432 عند الاجتماع وقولهم: تدلي بأم قلنا: لكن لا ولادة لها، ~~فيقدم عليها من له ولادة، كتقديم أم الأم على الخالة فعلى هذا، متى وجدت ~~جدة وارثة، فهي أولى ممن هو من غير عمودي النسب بكل حال وإن علت درجتها؛ ~~لفضيلة الولادة والوراثة، فأما أم أبي الأم فلا حضانة لها؛ لأنها تدلي بأبي ~~الأم، ولا حضانة له، ولا من أدلى به. ### | [فصل اجتمعت أم أم وأم أب فأيهم أحق بالحضانة] # (6548) فصل: فإن اجتمعت أم أم وأم أب، فأم الأم أحق، وإن علت درجتها؛ لأن ~~لها ولادة، وهي تدلي بالأم التي تقدم على الأب، فوجب تقديمها عليها، كتقديم ~~الأم على الأب وعن أحمد أن أم الأب أحق وهو قياس # PageV08P244 # قول الخرقي؛ لأنه قدم خالة الأب على خالة الأم، وخالة الأب أخت أمه، ~~وخالة الأم أخت أمها، فإذا قدم أخت أم الأب، دل على تقديمها، وذلك لأنها ~~تدلي بعصبة، مع مساواتها للأخرى في الولادة فوجب تقديمها، كتقديم الأخت من ~~الأب على الأخت من الأم، وإنما قدمت الأم على الأب؛ لأنها أنثى تلي الحضانة ~~بنفسها، فكذلك أمه، فإنها أنثى تلي بنفسها، فقدمت لما ذكرناه. ### | [مسألة عدم من يستحق الحضانة من الآباء والأمهات وإن علوا] # (6549) مسألة: قال: (والأخت من الأب أحق من الأخت من الأم، وأحق من ~~الخالة) وجملته أنه إذا عدم من يستحق الحضانة، من الآباء والأمهات وإن ~~علوا، انتقلت إلى الأخوات، وقدمن على سائر القرابات، كالخالات والعمات ~~وغيرهن؛ لأنهن شاركن في النسب، وقدمن في الميراث، ولأن العمات والخالات ~~إنما يدلين بأخوة الآباء والأمهات ولا ميراث لهن مع ذي فرض ولا عصبة، ~~فالمدلي إلى نفس المكفول ويرثه أقرب وأشفق، فكان أولى وأولى الأخوات من كان ~~لأبوين، لقوة قرابتها، ثم من كان لأب، ثم من كان لأم، نص عليه أحمد، وهو ~~ظاهر مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة: الأخت من الأم أولى من الأخت من الأب ~~وهو قول المزني، وابن سريج لأنها أدلت بالأم، فقدمت على المدلية بالأب، كأم ~~الأم مع أم الأب # وقال ابن سريج ms4433 تقدم الخالة على الأخت من الأب؛ لذلك ولأبي حنيفة فيه ~~روايتان ولنا، أن الأخت من الأب أقوى في الميراث، فقدمت، كالأخت من ~~الأبوين، ولا تخفى قوتها، فإنها أقيمت مقام الأخت من الأبوين عند عدمها، ~~وتكون عصبة مع البنات وتقاسم الجد، وما ذكروه من الإدلاء لا يلزم؛ لأن ~~الأخت تدلي بنفسها؛ لكونهما خلقا من ماء واحد، ولهما تعصيب، فكانت أولى ~~والله أعلم. ### | [مسألة عدمت الأمهات والآباء والأخوات على من تكون الحضانة] # (6550) مسألة: قال: (وخالة الأب أحق من خالة الأم) وجملته أنه إذا عدمت ~~الأمهات والآباء والأخوات، انتقلت الحضانة إلى الخالات، ويقدمن على العمات ~~نص عليه أحمد ويحتمل كلام الخرقي تقديم العمات؛ لأنه قدم خالة الأب، وهي ~~أخت أمه، على خالة الأم، وهي أخت أمها، فيدل ذلك على تقديم قرابة الأب على ~~قرابة الأم، ولأنهن يدلين بعصبة، فقدمن، كتقديم الأخت من الأب على الأخت من ~~الأم # وقال القاضي: مراد الخرقي بقوله: خالة الأب أي الخالة من الأب تقدم على ~~الخالة من الأم، كتقديم الأخت من الأب على الأخت من الأم؛ لأن الخالات ~~أخوات الأم، فيجرين في الاستحقاق والتقديم فيما # PageV08P245 # بينهن مجرى الأخوات المفترقات، وكذلك الحكم في العمات المفترقات فإن قلنا ~~بتقديم الخالات، فإذا انقرضن فالعمات بعدهن، وإن قلنا بتقديم العمات، ~~فالخالات بعدهن، فإذا عدمن، انتقلت إلى خالات الأب، على قول الخرقي، وعلى ~~القول الآخر، إلى خالات الأم وهل يقدم خالات الأب على عماته؟ على وجهين: ~~بناء على ما ذكرنا في الخالات والعمات فأما عمات الأم، فلا حضانة لهن؛ ~~لأنهن يدلين بأبي الأم، وهو رجل من ذوي الأرحام، لا حضانة له، ولا لمن أدلى ~~به. ### | [فصل وللرجال من العصبات مدخل في الحضانة] # (6551) فصل: وللرجال من العصبات مدخل في الحضانة، وأولاهم الأب، ثم الجد ~~أبو الأب وإن علا، ثم الأخ من الأبوين، ثم الأخ من الأب، ثم بنوهم وإن ~~سفلوا، على ترتيب الميراث، ثم العمومة، ثم بنوهم كذلك، ثم عمومة الأب، ثم ~~بنوهم وهذا قول الشافعي وقال بعض أصحابه: لا حضانة لغير الآباء والأجداد؛ ms4434 ~~لأنهم لا معرفة لهم بالحضانة، ولا لهم ولاية بأنفسهم، فلم يكن لهم حضانة، ~~كالأجانب ولنا، أن عليا وجعفرا اختصما في حضانة ابنة حمزة، فلم ينكر عليهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ادعاء الحضانة # ولأن لهم ولاية وتعصيبا بالقرابة، فتثبت لهم الحضانة، كالأب والجد، وفارق ~~الأجانب؛ فإنهم ليست لهم قرابة ولا شفقة، ولأن الأجانب تساووا في عدم ~~القرابة، فليس واحد منهم أولى بالتقديم من الآخر، والعصبات لهم قرابة ~~يمتازون بها، وأحقهم بالحضانة أحقهم بالميراث بعد الآباء والأجداد، ويقومون ~~مقام الأب في التخيير للصبي بينه وبين الأم، أو غيرهما ممن له الحضانة من ~~النساء، ويكونون أحق بالجارية إذا بلغت سبعا، إلا ابن العم فإن الجارية لا ~~تسلم إليه إذا بلغت سبعا؛ لأنه ليس بمحرم لها. ### | [فصل الرجال من ذوي الأرحام لا حضانة لهم مع وجود أحد من أهل الحضانة سواهم] # (6552) فصل: فأما الرجال من ذوي الأرحام، كالخال، والأخ من الأم، وأبي ~~الأم، وابن الأخت، فلا حضانة لهم مع وجود أحد من أهل الحضانة سواهم؛ لأنه ~~ليس بامرأة يتولى الحضانة، ولا له قوة قرابة كالعصبات، ولا حضانة إلا يدلي ~~بهم، كأم أبي الأم، وابنة الخال، وابنة الأخ من الأم؛ لأنهن يدلين بمن لا ~~حضانة له، فإذا لم تثبت للمدلي، فللمدلين به أولى فإن لم يكن هناك غيرهم، ~~احتمل وجهين: أحدهما:، هم أولى؛ لأن لهم رحما وقرابة يرثون بها عند عدم من ~~هو أولى منهم، كذلك الحضانة تكون لهم عند عدم من هو أولى بها منهم والثاني، ~~لا حق لهم في الحضانة، وينتقل الأمر إلى الحاكم والأول أولى. # PageV08P246 ### | [فصل بيان الأولى فالأولى من أهل الحضانة عند اجتماع الرجال والنساء] # (6553) فصل: في بيان الأولى فالأولى من أهل الحضانة، عند اجتماع الرجال ~~والنساء أولى الكل بها الأم، ثم أمهاتها وإن علون، يقدم منهن الأقرب ~~فالأقرب؛ لأنهن نساء ولادتهن متحققة، فهي في معنى الأم وعن أحمد: أن أم ~~الأب وأمهاتها مقدمات على أم الأم فعلى هذه الرواية، يكون الأب أولى ~~بالتقديم؛ لأنهن يدلين به، فيكون الأب بعد ms4435 الأم، ثم أمهاته والأولى هي ~~المشهورة عند أصحابنا، وإن المقدم الأم، ثم أمهاتها، ثم الأب، ثم أمهاته، ~~ثم الجد، ثم أمهاته، ثم جد الأب، ثم أمهاته وإن كن غير وارثات؛ لأنهن يدلين ~~بعصبة من أهل الحضانة، بخلاف أم أبي الأم # وحكي عن أحمد رواية أخرى؛ أن الأخت من الأم والخالة أحق من الأب فتكون ~~الأخت من الأبوين أحق منه ومنهما ومن جميع العصبات والأولى هي المشهورة في ~~المذهب فإذا انقرض الآباء والأمهات، انتقلت الحضانة إلى الأخوات، وتقدم ~~الأخت من الأبوين، ثم الأخت من الأب، ثم الأخت من الأم، وتقدم الأخت على ~~الأخ؛ لأنها امرأة من أهل الحضانة، فقدمت على من في درجتها من الرجال، ~~كالأم تقدم على الأب، وأم الأب على أبي الأب، وكل جدة في درجة جد تقدم ~~عليه؛ لأنها تلي الحضانة بنفسها، والرجل لا يليها بنفسه وفيه وجه آخر، أنه ~~يقدم عليها؛ لأنه عصبة بنفسه والأول أولى # وفي تقديم الأخت من الأبوين، أو من الأب على الجد، وجهان وإذا لم تكن ~~أخت، فالأخ للأبوين أولى، ثم الأخ للأب، ثم أبناؤهما، ولا حضانة للأخ للأم؛ ~~لما ذكرنا فإذا عدموا، صارت الحضانة للخالات، على الصحيح، وترتيبهن فيها ~~كترتيب الأخوات ولا حضانة للأخوال، فإذا عدمن صارت للعمات، ويقدمن على ~~الأعمام، كتقديم الأخوات على الإخوة، ثم للعم للأبوين، ثم للعم للأب، ولا ~~حضانة للعم من الأم، ثم أبناؤهما، ثم إلى خالات الأب، على قول الخرقي، وعلى ~~القول الآخر، إلى خالات الأم، ثم إلى عمات الأب، ولا حضانة لعمات الأم؛ ~~لأنهن يدلين بأبي الأم، ولا حضانة له وإن اجتمع شخصان أو أكثر من أهل ~~الحضانة في درجة، قدم المستحق منهم بالقرعة. ### | [فصل تركت الأم الحضانة مع استحقاقها لها] # (6554) فصل: وإن تركت الأم الحضانة مع استحقاقها لها، ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، تنتقل إلى الأب؛ لأن أمهاتها فرع عليها في الاستحقاق، فإذا أسقطت ~~حقها، سقط فروعها والثاني: تنتقل إلى أمها وهو أصح؛ لأن الأب أبعد، فلا ~~تنتقل الحضانة إليه مع وجود أقرب منه، # PageV08P247 # كما لا تنتقل ms4436 إلى الأخت، وكونهن فروعا لها، لا يوجب سقوط حقوقهن بسقوط ~~حقها، كما لو سقط حقها لكونها من غير أهل الحضانة، أو لتزوجها وهكذا الحكم ~~في الأب إذا أسقط حقه، هل يسقط حق أمهاته؟ على وجهين وإن كانت أخت من ~~أبوين، وأخت من أب، فأسقطت الأخت من الأبوين حقها، لم يسقط حق الأخت من ~~الأب؛ لأن استحقاقها من غير جهتها، وليست فرعا عليها. ### | [مسألة أخذ الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت هل ترجع حضانتها] # (6555) مسألة:؛ قال: (وإذا أخذ الولد من الأم إذا تزوجت، ثم طلقت، رجعت ~~على حقها من كفالته) وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، إلا أن ~~أبا حنيفة والمزني قالا: إن كان الطلاق رجعيا، لم يعد حقها؛ لأن الزوجية ~~قائمة، فأشبه ما لو كانت في صلب النكاح ولنا، أنها مطلقة، فعاد حقها من ~~الحضانة، كالبائن وقولهم: إنها زوجة قلنا: إلا أنه قد عزلها عن فراشه، ولم ~~يبق لها عليه قسم، ولا لها به شغل، وعقد سبب زوال نكاحها، فأشبهت البائن في ~~عدتها ويخرج عندنا مثل قولهما، لكون النكاح قبل الدخول مزيلا لحق الحضانة، ~~مع عدم القسم والشغل بالزوج. ### | [فصل ما يمنع الاستحقاق بالحضانة] # (6556) فصل: وكل قرابة تستحق بها الحضانة، منع منها مانع، كرق، أو كفر، ~~أو فسوق، أو جنون، أو صغر، إذا زال المانع، مثل أن عتق الرقيق، وأسلم ~~الكافر، وعدل الفاسق، وعقل المجنون، وبلغ الصغير، عاد حقهم من الحضانة؛ لأن ~~سببها قائم، وإنما امتنعت لمانع، فإذا زال المانع، عاد الحق بالسبب السابق ~~الملازم، كالزوجة إذا طلقت. ### | [مسألة تزوجت المرأة فهل لزوجها منعها من رضاع ولدها] # (6557) مسألة:؛ قال: (وإذا تزوجت المرأة، فلزوجها أن يمنعها من رضاع ~~ولدها، إلا أن يضطر إليها، ويخشى عليه التلف) وجملة ذلك أن للزوج منع ~~امرأته من رضاع ولدها من غيره، ومن رضاع ولد غيرها، إلا أن يضطر إليها؛ لأن ~~عقد النكاح يقتضي تمليك الزوج الاستمتاع في كل الزمان، من كل الجهات، سوى ~~أوقات الصلوات، والرضاع يفوت عليه الاستمتاع في بعض الأوقات، فكان ms4437 له المنع ~~كالخروج من منزله فإن اضطر الولد، بأن لا توجد مرضعة سواها، أو لا يقبل ~~الولد الارتضاع من غيرها، وجب التمكين من إرضاعه؛ لأنها حال ضرورة، وحفظ ~~لنفس ولدها، فقدم على حق الزوج، كتقديم المضطر على المالك إذا لم يكن ~~بالمالك مثل ضرورته. # PageV08P248 ### | [فصل فإن أرادت إرضاع ولدها منه هل للزوج منعها] # (6558) فصل: فإن أرادت إرضاع ولدها منه، فكلام الخرقي يحتمل وجهين ~~أحدهما: أن له منعها من رضاعه؛ لعموم لفظه وهو قول الشافعي؛ لأنه يخل ~~باستمتاعه منها، فأشبه ما لو كان الولد من غيره والثاني، ليس له منعها؛ ~~فإنه قال: وإن أرادت رضاع ولدها بأجرة مثلها، فهي أحق به من غيرها، سواء ~~كانت في حبال الزوج أو مطلقة، وذلك لقول الله تعالى: {والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] وهذا خبر يراد به أمر، وهو عام في كل ~~والدة، ولا يصح من أصحاب الشافعي حمله على المطلقات؛ لأنه جعل لهن رزقهن ~~وكسوتهن، وهم لا يجيزون جعل ذلك أجر الرضاع ولا غيره، وقولنا، في الوجه ~~الأول: إنه يخل باستمتاعه # قلنا: ولكن لإيفاء حق عليه، وليس ذلك ممتنعا، كما أن قضاء دينه بدفع ماله ~~فيه واجب، لا سيما إذا تعلق به حق الولد، في كونه مع أمه، وحق الأم في ~~الجمع بينها وبين ولدها وهذا الوجه ظاهر كلام ابن أبي موسى، وهو ظاهر كلام ~~القاضي أبي يعلى. ### | [فصل وإن أجرت المرأة نفسها للرضاع ثم تزوجت] # (6559) فصل: وإن أجرت المرأة نفسها للرضاع، ثم تزوجت، صح النكاح، ولم ~~يملك الزوج فسخ الإجارة، ولا منعها من الرضاع حتى تنقضي المدة؛ لأن منافعها ~~ملكت بعقد سابق على نكاحه، فأشبه ما لو اشترى أمة مستأجرة، أو دارا مشغولة ~~فإن نام الصبي، أو اشتغل بغيرها، فللزوج الاستمتاع، وليس لولي الصبي منعه ~~وبهذا قال الشافعي وقال مالك: ليس له وطؤها إلا برضاء الولي؛ لأن ذلك ينقص ~~اللبن ولنا، أن وطء الزوج مستحق بالعقد، فلا يسقط بأمر مشكوك فيه، كما لو ~~أذن الولي فيه، ولأنه يجوز له الوطء مع إذن ms4438 الولي، فجاز مع عدمه؛ لأنه ليس ~~للولي الإذن فيما يضر الصبي، ويسقط حقوقه. ### | [فصل أجرت المرأة المزوجة نفسها للرضاع بإذن زوجها] # (6560) فصل: وإن أجرت المرأة المزوجة نفسها للرضاع، بإذن زوجها، جاز، ~~ولزم العقد؛ لأن الحق لهما، ولا يخرج عنهما وإن أجرتها بغير إذن الزوج، لم ~~يصح؛ لما يتضمن من تفويت حق زوجها، وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي ~~والآخر، يصح؛ لأنه تناول محلا غير محل النكاح، لكن للزوج فسخه؛ لأنه يفوت ~~به الاستمتاع ويختل ولنا، أنه عقد يفوت به حق من ثبت له الحق بعقد سابق، ~~فلم يصح، كإجارة المستأجر. # PageV08P249 ### | [مسألة على الأب أن يسترضع لولده إلا أن تشاء الأم أن ترضعه] # [الفصل الأول أن رضاع الولد على الأب وحده] # (6561) مسألة: قال: (وعلى الأب أن يسترضع لولده، إلا أن تشاء الأم أن ~~ترضعه بأجرة مثلها، فتكون أحق به من غيرها، سواء كانت في حبال الزوج، أو ~~مطلقة) الكلام في هذه المسألة في فصلين: (6562) ### | الفصل الأول: أن رضاع الولد على الأب وحده، # وليس له إجبار أمه على رضاعه، دنيئة كانت أو شريفة، سواء كانت في حبال ~~الزوج أو مطلقة # ولا نعلم في عدم إجبارها على ذلك إذا كانت مفارقة خلافا، فأما إن كانت مع ~~الزوج، فكذلك عندنا، وبه يقول الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي وقال ابن أبي ~~ليلى، والحسن بن صالح: له إجبارها على رضاعها وهو قول أبي ثور، ورواية عن ~~مالك؛ لقول الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة} [البقرة: 233] والمشهور عن مالك، أنها إن كانت شريفة لم تجر ~~عادة مثلها بالرضاع لولدها، لم تجبر عليه، وإن كانت ممن ترضع في العادة، ~~أجبرت عليه # ولنا، قوله تعالى: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} [الطلاق: 6] وإذا اختلفا ~~فقد تعاسرا، ولأن الإجبار على الرضاع لا يخلو، إما أن يكون لحق الولد، أو ~~لحق الزوج، أو لهما، لا يجوز أن يكون لحق الزوج، فإنه لا يملك إجبارها على ~~رضاع ولده من غيرها، ولا على خدمته فيما يختص به ولا يجوز أن ms4439 يكون لحق ~~الولد، فإن ذلك لو كان له، للزمها بعد الفرقة، ولأنه مما يلزم الوالد ~~لولده، فلزم الأب على الخصوص، كالنفقة، أو كما بعد الفرقة ولا يجوز أن يكون ~~لهما؛ لأن ما لا مناسبة فيه، لا يثبت الحكم بانضمام بعضه إلى بعض؛ ولأنه لو ~~كان لهما، لثبت الحكم به بعد الفرقة، والآية محمولة على حال الإنفاق وعدم ~~التعاسر ### | [الفصل الثاني الأم إذا طلبت إرضاعه بأجر مثلها] # (6563) الفصل الثاني: إن الأم إذا طلبت إرضاعه بأجر مثلها، فهي أحق به، ~~سواء كانت في حال الزوجية أو بعدها، وسواء وجد الأب مرضعة متبرعة أو لم يجد ~~وقال أصحاب الشافعي: إن كانت في حبال الزوج، فلزوجها منعها من إرضاعه؛ لأنه ~~يفوت حق الاستمتاع بها في بعض الأحيان، وإن استأجرها على رضاعه، لم يجز؛ # PageV08P250 # لأن المنافع حق له، فلا يجوز أن يستأجر منها ما هو أو بعضه حق له، وإن ~~أرضعت الولد، فهل لها أجر المثل؟ على وجهين # وإن كانت مطلقة، فطلبت أجر المثل، فأراد انتزاعه منها ليسلمه إلى من ~~ترضعه بأجر المثل أو أكثر، لم يكن له ذلك، وإن وجد متبرعة، أو من ترضعه ~~بدون أجر المثل، فله انتزاعه منها، في ظاهر المذهب؛ لأنه لا يلزمه التزام ~~المؤنة مع دفع حاجة الولد بدونها وقال أبو حنيفة: إن طلبت الأجر، لم يلزم ~~الأب بذلها لها، ولا يسقط حقها من الحضانة، وتأتي المرضعة ترضعه عندها؛ ~~لأنه أمكن الجمع بين الحقين، فلم يجز الإخلال بأحدهما ولنا، على الأول، ما ~~تقدم، وعلى جواز الاستئجار، أنه عقد إجارة يجوز من غير الزوج إذا أذن فيه، ~~فجاز مع الزوج، كإجارة نفسها للخياطة أو الخدمة وقولهم: إن المنافع مملوكة ~~له غير صحيح؛ فإنه لو ملك منفعة الحضانة، لملك إجبارها عليها، ولم تجز ~~إجارة نفسها لغيره بإذنه، ولكانت الأجرة له، وإنما امتنع إجارة نفسها ~~لأجنبي بغير إذنه، لما فيه من تفويت الاستمتاع في بعض الأوقات؛ ولهذا جازت ~~بإذنه، وإذا استأجرها، فقد أذن لها في إجارة نفسها، فصح، كما يصح من ~~الأجنبي # وأما ms4440 الدليل على وجوب تقديم الأم، إذا طلبت أجر مثلها، على المتبرعة، ~~فقوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] وقوله ~~سبحانه: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] ولأن الأم أحنى وأشفق، ~~ولبنها أمرأ من لبن غيرها، فكانت أحق به من غيرها، كما لو طلبت الأجنبية ~~رضاعه بأجر مثلها؛ ولأن في رضاع غيرها تفويتا لحق الأم من الحضانة، وإضرارا ~~بالولد، ولا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب، والإضرار بالولد لغرض إسقاط حق ~~أوجبه الله تعالى على الأب # وقول أبي حنيفة يفضي إلى تفويت حق الولد من لبن أمه، وتفويت [حق] الأم في ~~إرضاعه لبنها، فلم يجز ذلك، كما لو تبرعت برضاعه فأما إن طلبت الأم أكثر من ~~أجر مثلها، ووجد الأب من ترضعه بأجر مثلها، أو متبرعة، جاز انتزاعه منها؛ ~~لأنها أسقطت حقها باشتطاطها، وطلبها ما ليس لها، فدخلت في عموم قوله: ~~{فسترضع له أخرى} [الطلاق: 6] وإن لم يجد مرضعة إلا بمثل تلك الأجرة، فالأم ~~أحق؛ لأنهما تساوتا في الأجر، فكانت الأم أحق، كما لو طلبت كل واحدة منهما ~~أجر مثلها. ### | [فصل طلبت ذات الزوج الأجنبي إرضاع ولدها بأجرة مثلها، بإذن زوجها] # (6564) فصل: وإن طلبت ذات الزوج الأجنبي إرضاع ولدها، بأجرة مثلها، بإذن ~~زوجها، ثبت حقها، وكانت أحق # PageV08P251 # به من غيرها؛ لأن الأم إنما منعت من الإرضاع لحق الزوج، فإذا أذن فيه، ~~زال المانع، فصارت كغير ذات الزوج، وإن منعها الزوج، سقط حقها؛ لتعذر ~~وصولها إلى ذلك. ### | [فصل أرضعت المرأة ولدها وهي في حبال والده فاحتاجت إلى زيادة نفقة] # (6565) فصل: وإن أرضعت المرأة ولدها، وهي في حبال والده، فاحتاجت إلى ~~زيادة نفقة، لزمه؛ لقول الله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف} [البقرة: 233] ولأنها تستحق عليه قدر كفايتها، فإذا زادت حاجتها، ~~زادت كفايتها والله أعلم. ### | [باب نفقة المماليك] ### | [مسألة على من تجب نفقة المماليك] # مسألة:؛ قال رحمه الله: (وعلى ملاك المملوكين أن ينفقوا عليهم ويكسوهم ~~بالمعروف) وجملة ذلك أن نفقة المملوكين ms4441 على ملاكهم ثابتة بالسنة والإجماع؛ ~~أما السنة، فما روى أبو ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما ~~يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» ~~متفق عليه وروى أبو هريرة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: للمملوك ~~طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق» رواه الشافعي، في " ~~مسنده " وأجمع العلماء على وجوب نفقة المملوك على سيده، ولأنه لا بد له من ~~نفقة، ومنافعه لسيده، وهو أخص الناس به، فوجبت نفقته عليه، كبهيمته والواجب ~~من ذلك قدر كفايته من غالب قوت البلد، سواء كان قوت سيده، أو دونه، أو ~~فوقه، وأدم مثله بالمعروف؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «للمملوك طعامه ~~وكسوته بالمعروف» والمستحب أن يطعمه من جنس طعامه؛ لقوله: " فليطعمه مما ~~يأكل " فجمعنا بين الخبرين، وحملنا خبر أبي هريرة على الإجزاء، وحديث خبر ~~أبي ذر على الاستحباب # والسيد مخير بين أن يجعل نفقته من كسبه، إن كان له كسب، وبين أن ينفق ~~عليه من ماله ويأخذ كسبه، أو يجعله برسم خدمته؛ لأن الكل ماله، فإن جعل ~~نفقته في كسبه، فكانت وفق الكسب، صرفه إليها، وإن فضل من الكسب شيء، فهو ~~لسيده، وإن كان فيه عوز، فعلى سيده تمامها # PageV08P252 # وأما الكسوة فبالمعروف من غالب الكسوة لأمثال العبد، في ذلك البلد الذي ~~هو به، والأولى أن يلبسه من لباسه؛ لقوله - عليه السلام -: " وليلبسه مما ~~يلبس " ويستحب أن يساوي بين عبيده الذكور في الكسوة والإطعام، وبين إمائه ~~إن كن للخدمة أو الاستمتاع، وإن كان فيهن من هو للخدمة، وفيهن من هو ~~للاستمتاع، فلا بأس بزيادة من يزيدها للاستمتاع في الكسوة؛ لأن ذلك حكم ~~العرف، ولأن غرضه تحميل من يزيدها للاستمتاع، بخلاف الخادمة. ### | [فصل تولى أحدهم طعامه استحب له أن يجلسه معه فيأكل الخادم] # (6567) فصل: إذا تولى أحدهم طعامه، استحب له أن يجلسه معه، فيأكل، فإن لم ~~يفعل استحب أن يطعمه منه، ولو ms4442 لقمة أو لقمتين؛ لما روى أبو هريرة، أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال «إذا كفى أحدكم خادمه طعامه، حره ودخانه، ~~فليدعه، وليجلسه فإن أبى، فليروغ له اللقمة واللقمتين» رواه البخاري ومعنى ~~ترويغ اللقمة، غمسها في المرق والدسم، وترويتها بذلك، ويدفعها إليه ولأنه ~~يشتهيه لحضوره فيه، وتوليه إياه، وقد قال الله تعالى: {وإذا حضر القسمة ~~أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} [النساء: 8] الآية، ولأن نفس ~~الحاضر تتوق ما لا تتوق نفس الغائب. ### | [فصل الترفق في معاملة الخادم] # (6568) فصل: ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، وهو ما يشق عليه، ويقرب من ~~العجز عنه؛ لحديث أبي ذر، ولأن ذلك يضر به ويؤذيه، وهو ممنوع من الإضرار ~~به. ### | [فصل لا يجبر المملوك على المخارجة] # (6569) فصل: ولا يجبر المملوك على المخارجة، ومعناه أن يضرب عليه خراجا ~~معلوما يؤديه، وما فضل للعبد؛ لأن ذلك عقد بينهما، فلا يجبر عليه، ~~كالكتابة. وإن طلب العبد ذلك، وأباه السيد، لم يجبر عليه أيضا؛ لما ذكرنا. ~~فإن اتفقا على ذلك، جاز؛ لما روي أن «أبا ظبية حجم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فأعطاه أجره، وأمر مواليه أن يخففوا عنه من خراجه» . وكان كثير من ~~الصحابة يضربون على رقيقهم خراجا، فروي أن الزبير كان له ألف مملوك، على كل ~~واحد منهم كل يوم درهم. وجاء أبو لؤلؤة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فسأله # PageV08P253 # أن يسأل المغيرة بن شعبة يخفف عنه من خراجه. ثم ينتظر، فإن كان ذا كسب، ~~فجعل عليه بقدر ما يفضل من كسبه عن نفقته وخراجه شيء، جاز، فإن لهما به ~~نفعا، فإن العبد يحرص على الكسب، وربما فضل معه شيء يزيده في نفقته، ويتسع ~~به. وإن وضع عليه أكثر من كسبه بعد نفقته، لم يجز. # وكذلك إن كلف من لا كسب له المخارجة، لم يجز؛ لما روي عن عثمان - رضي ~~الله عنه - أنه قال: لا تكلفوا الصغير الكسب، فإنكم متى كلفتموه الكسب سرق، ~~ولا تكلفوا المرأة غير ذات الصنعة فإنكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها. ~~ولأنه ms4443 متى كلف غير ذي الكسب خراجا، كلفه ما يغلبه، وقد قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - " لا تكلفوهم ما يغلبهم ". وربما حمله ذلك على أن يأتي به ~~من غير وجهه، فلم يكن للسيد أخذه. ### | [فصل مرض المملوك أو زمن أو عمي أو انقطع كسبه على من تلزم نفقته] # (6570) فصل: وإذا مرض المملوك، أو زمن، أو عمي، أو انقطع كسبه، فعلى سيده ~~القيام به، والإنفاق عليه؛ لأن نفقته تجب بالملك، ولهذا تجب مع الصغر، ~~والملك باق مع العمى والزمانة، فتجب نفقته معهما، مع عموم النصوص المذكورة ~~في أول الباب. ### | [مسألة للسيد أن يزوج المملوك إذا احتاج إلى ذلك] # (6571) مسألة: قال: (وأن يزوج المملوك إذا احتاج إلى ذلك) وجملة ذلك أنه ~~يجب على السيد إعفاف مملوكه، إذا طلب ذلك. وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة، ومالك: لا يجبر عليه؛ لأن فيه ضررا عليه، وليس مما تقوم به البنية، ~~فلم يجبر عليه، كإطعام الحلواء. ولنا قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] . والأمر يقتضي الوجوب، ولا يجب ~~إلا عند الطلب. # وروى عكرمة، عن ابن عباس، قال: من كانت له جارية، فلم يزوجها، ولم يصبها، ~~أو عبد فلم يزوجه، فما صنعا من شيء كان على السيد. ولولا وجوب إعفافهما لما ~~لحق السيد الإثم بفعلهما، ولأنه مكلف، محجور عليه، دعا إلى تزويجه، # PageV08P254 # فلزمته إجابته، كالمحجور عليه للسفه، ولأن النكاح مما تدعو إليه الحاجة ~~غالبا، ويتضرر بفواته، فأجبر عليه، كالنفقة، بخلاف الحلواء. إذا ثبت هذا، ~~فالسيد مخير بين تزويجه، أو تمليكه أمة يتسراها. وله أن يزوجه أمته؛ لأن ~~نكاح الأمة مباح للعبد من غير شرط. ولا يجب عليه تزويجه إلا عند طلبه؛ لأن ~~هذا مما يختلف الناس فيه، وفي الحاجة إليه، ولا تعلم حاجته إلا بطلبه. # ولا يجوز تزويجه إلا باختياره، فإن إجبار العبد الكبير على النكاح غير ~~جائز. فأما الأمة، فالسيد مخير بين تزويجها إذا طلبت ذلك، وبين أن يستمتع ~~بها، فيغنيها باستمتاعه عن غيره؛ لأن المقصود قضاء الحاجة، وإزالة ضرر ms4444 ~~الشهوة، وذلك يحصل بأحدهما، فلم يتعين أحدهما. ### | [فصل للسيد تمكين العبد من الاستمتاع من زوجته] # (6572) فصل: وإذا كان للعبد زوجة فعلى سيده تمكينه من الاستمتاع بها ليلا ~~لأن إذنه في النكاح إذن في الاستمتاع المعتاد والعادة جارية بذلك ليلا ~~وعليه نفقة زوجته على ما قدمنا. ### | [مسألة للعبد طلب بيعه إذا لم ينفق عليه سيده] # (6573) مسألة: قال: (فإن امتنع، أجبر على بيعه إذا طلب المملوك ذلك) ~~وجملته أن السيد إذا امتنع مما يجب للعبد عليه، من نفقة أو كسوة أو تزويج، ~~فطلب العبد البيع، أجبر سيده عليه، سواء كان امتناع السيد من ذلك لعجزه عنه ~~أو مع قدرته عليه؛ لأن بقاء ملكه عليه مع الإخلال بسد خلاته إضرار به، ~~وإزالة الضرر واجبة، فوجبت إزالته؛ ولذلك أبحنا للمرأة فسخ النكاح عند عجز ~~زوجها عن الإنفاق عليها. # وقد روي في بعض الحديث، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عبدك ~~يقول: أطعمني وإلا فبعني. وامرأتك تقول: أطعمني أو طلقني» . وهذا يدل ~~بمفهومه على أن السيد متى وفى بحقوق عبده، فطلب العبد بيعه، لم يجبر السيد ~~عليه. وقد نص عليه أحمد، قال أبو داود: قيل لأبي عبد الله، رحمه الله: ~~استباعت المملوكة، وهو يكسوها مما يلبس، ويطعمها مما يأكل. قال لا تباع، ~~وإن أكثرت من ذلك، إلا أن تحتاج إلى زوج، فتقول: زوجني. وقال عطاء، وإسحاق، ~~في العبد يحسن إليه سيده، وهو يستبيع: # PageV08P255 # لا يبعه؛ لأن الملك للسيد، والحق له، فلا يجبر على إزالته من غير ضرر ~~بالعبد، كما لا يجبر على طلاق زوجته مع القيام بما يجب لها، ولا على بيع ~~بهيمته مع الإنفاق عليها. ### | [مسألة قال وليس عليه نفقة مكاتبه إلا أن يعجز] # (6574) مسألة: قال: (وليس عليه نفقة مكاتبه، إلا أن يعجز) لا خلاف في أن ~~المكاتب لا تلزم سيده نفقته؛ لأن الكتابة عقد أوجب ملك المكاتب إكساب نفسه ~~ومنافعه، ومنع السيد من التصرف فيهما، فلا يملك استخدامه، ولا إجارته، ولا ~~إعارته، ولا أخذ كسبه، ولا أرش الجناية عليه، ولا يلزمه ms4445 أداء أرش جنايته، ~~فسقطت نفقته، عنه، كما لو باعه أو أعتقه، فإذا عجز، عاد رقيقا قنا، وعاد ~~إليه ملك نفعه، وأكسابه، فعادت عليه نفقته، كما لو اشتراه بعد بيعه. ### | [مسألة قال وليس له أن يسترضع الأمة لغير ولدها] # (6575) مسألة: قال: (وليس له أن يسترضع الأمة) لغير ولدها، إلا أن يكون ~~فيها فضل عن ريه أما إذا أراد استرضاع أمته لغير ولدها، مع كونه لا يفضل ~~عنه، فليس له ذلك؛ لأن فيه إضرارا بولدها؛ لنقصه من كفايته، وصرف اللبن ~~المخلوق لولدها إلى غيره، مع حاجته إليه، فلم يجز، كما لو أراد أن ينقص ~~الكبير من كفايته ومؤنته. فإن كان فيها فضل عن ري ولدها، جاز؛ لأنه ملكه، ~~وقد استغنى عنه الولد، فكان له استيفاؤه، كالفاضل من كسبها عن مؤنتها، أو ~~كما لو مات ولدها، وبقي لبنها. ### | [مسألة رهن المملوك على من نفقته] # (6576) مسألة: قال: (وإذا رهن المملوك، أنفق عليه سيده) وذلك لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «الرهن من راهنه، له غنمه، وعليه غرمه. ونفقته من ~~غرمه» . ولأنه ملك للراهن، ونماؤه له، فكانت عليه نفقته، كغير الرهن. وقد ~~ذكرت هذه المسألة في باب الرهن. ### | [مسألة أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه] # (6577) مسألة قال: (وإذا أبق العبد، فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه) # PageV08P256 # إنما كان كذلك؛ لأن نفقة العبد على سيده، وقد قام الذي جاء به مقام سيده ~~في أداء الواجب عليه، فرجع به عليه، كما لو أذن له. وقال الشافعي: لا يرجع ~~بشيء؛ لأنه متبرع بإنفاق لم يجب عليه. ولنا، أنه أدى عنه ما وجب عليه عند ~~تعذر أدائه منه، فرجع به عليه، كما لو أدى الحاكم عن الممتنع من الإنفاق ~~على امرأته ما يجب عليه من النفقة. ويتخرج أن لا يرجع بشيء، بناء على ~~الرواية الأخرى، في من أنفق على الرهن الذي عنده، أو الوديعة، أو الجمال ~~إذا هرب الجمال وتركها مع المستأجر. ### | [فصل لسيد تأديب عبده وأمته] # (6578) فصل: وله تأديب عبده وأمته إذا ms4446 أذنبا، بالتوبيخ، والضرب الخفيف، ~~كما يؤدب ولده، وامرأته في النشوز، وليس له ضربه على غير ذنب، ولا ضربه ~~ضربا مبرحا وإن أذنب، ولا لطمه في وجهه، وقد روي عن ابن مقرن المزني، قال: ~~«لقد رأيتني سابع سبعة، ليس لنا إلا خادم واحد، فلطمها أحدنا، فأمرنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بإعتاقها، فأعتقناها» . وروي عن أبي مسعود، ~~قال: «كنت أضرب غلاما لي، فإذا رجل من خلفي يقول: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا ~~مسعود فالتفت، فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: اعلم أبا مسعود، أن ~~الله أقدر عليك منك على هذا الغلام.» ### | [فصل من ملك بهيمة فله نفقتها] # (6579) فصل ومن ملك بهيمة، لزمه القيام بها، والإنفاق عليها ما تحتاج ~~إليه، من علفها، أو إقامة من يرعاها؛ لما روى ابن عمر، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا فلا هي أطعمتها ~~ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض» . متفق عليه. فإن امتنع من الإنفاق ~~عليها، أجبر على ذلك فإن أبى أو عجز، أجبر على بيعها، أو ذبحها إن كانت مما ~~يذبح. # وقال أبو حنيفة: لا يجبره السلطان، بل يأمره، كما يأمره بالمعروف، وينهاه ~~عن المنكر؛ لأن البهيمة لا يثبت لها حق من جهة الحكم، ألا ترى أنه لا تصح ~~منها الخصومة، ولا ينصب عنها خصم، فصارت كالزرع والشجر. ولنا، أنها نفقة ~~حيوان واجبة عليه، فكان للسلطان إجباره عليها، كنفقة العبيد، ويفارق نفقة ~~الشجر والزرع، فإنها لا تجب. فإن عجز عن الإنفاق، وامتنع من البيع، بيعت ~~عليه، كما يباع العبد # PageV08P257 # إذا طلب البيع عند إعسار سيده بنفقته، وكما يفسخ نكاحه إذا أعسر بنفقة ~~امرأته. وإن عطبت البهيمة فلم ينتفع بها، فإن كانت مما يؤكل، خير بين ذبحها ~~والإنفاق عليها، وإن كانت مما لا يؤكل، أجبر على الإنقاق عليها، كالعبد ~~الزمن، على ما ذكرناه فيما مضى. # ولا يجوز أن يحمل البهيمة ما لا تطيق؛ لأنها في معنى العبد، وقد منع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم ms4447 - تكليف العبد ما لا يطيق. ولأن فيه تعذيبا ~~للحيوان الذي له حرمة في نفسه، وإضرارا به، وذلك غير جائز. ولا يحلب من ~~لبنها إلا ما يفضل عن كفاية ولدها؛ لأن كفايته واجبة على مالكه، ولبن أمه ~~مخلوق له، فأشبه ولد الأمة. # PageV08P258 ### | [كتاب الجراح] ### | [فصل تحريم القتل بغير حق] # يعني كتاب الجنايات، وإنما عبر عنها بالجراح لغلبة وقوعها به، والجناية: ~~كل فعل عدوان على نفس أو مال. لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي ~~على الأبدان، وسموا الجنايات على الأموال غصبا، ونهبا، وسرقة، وخيانة، ~~وإتلافا. (6580) فصل: وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق، والأصل فيه ~~الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله تعالى: {ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: ~~33] . وقال تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92] . ~~وقال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] . الآية. # وأما السنة، فروى عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ~~إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق ~~للجماعة» . متفق عليه وروى عثمان، وعائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مثله، في آي وأخبار سوى هذه كثيرة. ولا خلاف بين الأمة في تحريمه، فإن فعله ~~إنسان متعمدا، فسق، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وتوبته ~~مقبولة في قول أكثر أهل العلم. وقال ابن عباس: إن توبته لا تقبل. للآية ~~التي ذكرناها، وهي من آخر ما نزل. قال ابن عباس: ولم ينسخها شيء. ولأن لفظ ~~الآية لفظ الخبر، والأخبار لا يدخلها نسخ ولا تغيير؛ لأن خبر الله تعالى لا ~~يكون إلا صدقا. # ولنا قول الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} [النساء: 48] . فجعله داخلا في المشيئة. وقال تعالى: {إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا} [الزمر: 53] . وفي الحديث، عن النبي - صلى ms4448 الله عليه وسلم - ~~«قال: إن رجلا قتل مائة رجل ظلما، ثم سأل: هل له من توبة؟ فدل على عالم، ~~فسأله، فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن اخرج من قرية السوء، إلى ~~القرية الصالحة، فاعبد الله فيها. # PageV08P259 # فخرج تائبا، فأدركه الموت في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة ~~العذاب، فبعث الله إليهم ملكا، فقال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيهما ~~كان أقرب، فاجعلوه من أهلها. فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، فجعلوه ~~من أهلها» . ولأن التوبة تصح من الكفر، فمن القتل أولى. والآية محمولة على ~~من لم يتب، أو على أن هذا جزاؤه إن جازاه، وله العفو إذا شاء. وقوله: لا ~~يدخلها النسخ. قلنا: لكن يدخلها التخصيص والتأويل. ### | [مسألة والقتل على ثلاثة أنواع] # (6581) مسألة: قال أبو القاسم، - رحمه الله -: (والقتل على ثلاثة أوجه؛ ~~عمد، وشبه العمد، وخطأ) أكثر أهل العلم يرون القتل منقسما إلى هذه الأقسام ~~الثلاثة، روي ذلك عن عمر، وعلي. وبه قال الشعبي، والنخعي، وقتادة، وحماد، ~~وأهل العراق، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وأنكر مالك شبه العمد، ~~وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فأما شبه العمد، فلا يعمل به ~~عندنا. وجعله من قسم العمد. # وحكي عنه مثل قول الجماعة. وهو الصواب؛ لما روى عبد الله بن عمرو بن ~~العاص، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا إن دية الخطإ شبه ~~العمد، ما كان بالسوط والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها ~~أولادها» رواه أبو داود وفي لفظ: " قتيل خطإ العمد ". وهذا نص يقدم على ما ~~ذكره. وقسمه أبو الخطاب أربعة أقسام، فزاد قسما رابعا، وهو ما أجري مجرى ~~الخطإ، نحو أن ينقلب نائم على شخص فيقتله، أو يقع عليه من علو، والقتل ~~بالسبب، كحفر البئر ونصب السكين، وقتل غير المكلف، أجري مجرى الخطإ وإن كان ~~عمدا. وهذه الصورة التي ذكرها عند الأكثرين من قسم الخطإ، فإن صاحبها لم ~~يعمد الفعل، أو عمده وليس هو من أهل القصد الصحيح، فسموه خطأ، فأعطوه حكمه. ~~وقد صرح ms4449 الخرقي بذلك، فقال في الصبي والمجنون: عمدهما خطأ. ### | [مسألة القتل العمد] # (6582) مسألة: قال: (فالعمد ما ضربه بحديدة، أو خشبة كبيرة فوق عمود ~~الفسطاط، أو حجر كبير الغالب أن يقتل مثله، أو أعاد الضرب بخشبة صغيرة، أو ~~فعل به فعلا الغالب من ذلك الفعل أنه يتلف) # وجملة ذلك أن العمد نوعان: أحدهما، أن يضربه بمحدد، وهو ما يقطع، ويدخل ~~في البدن، كالسيف والسكين والسنان، وما في معناه مما يحدد فيجرح، من ~~الحديد، والنحاس، والرصاص، والذهب، والفضة، والزجاج، والحجر، والقصب، # PageV08P260 # والخشب، فهذا كله إذا جرح به جرحا كبيرا، فمات، فهو قتل عمد، لا خلاف فيه ~~بين العلماء، فيما علمناه. # فأما إن جرحه جرحا صغيرا، كشرطة الحجام، أو غرزه بإبرة، أو شوكة، نظرت؛ ~~فإن كان في مقتل، كالعين، والفؤاد، والخاصرة، والصدغ، وأصل الأذن، فمات، ~~فهو عمد أيضا؛ لأن الإصابة بذلك في المقتل، كالجرح بالسكين في غير المقتل، ~~وإن كان في غير مقتل؛ نظرت، فإن كان قد بالغ في إدخالها في البدن، فهو ~~كالجرح الكبير؛ لأن هذا يشتد ألمه، ويفضي إلى القتل، كالكبير، وإن كان ~~الغور يسيرا، أو جرحه بالكبير جرحا لطيفا، كشرطة الحجام فما دونها، فقال ~~أصحابنا: إن بقي من ذلك ضمنا حتى مات، ففيه القود؛ لأن الظاهر أنه مات منه، ~~وإن مات في الحال، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا قصاص فيه. قال ابن حامد؛ لأن ~~الظاهر أنه لم يمت منه، ولأنه لا يقتل غالبا، فأشبه العصا والسوط، والتعليل ~~الأول أجود؛ لأنه لما احتمل حصول الموت بغيره ظاهرا، كان ذلك شبهة في درء ~~القصاص، ولو كانت العلة كونه لا يحصل به القتل غالبا، لم يفترق الحال بين ~~موته في الحال، وموته متراخيا عنه، كسائر ما لا يجب به القصاص والثاني، فيه ~~القصاص؛ لأن المحدد لا يعتبر فيه غلبة الظن في حصول القتل به، بدليل ما لو ~~قطع شحمة أذنه، أو قطع أنملته، ولأنه لما لم يمكن إدارة الحكم، وضبطه بغلبة ~~الظن، وجب ربطه بكونه محددا، ولا يعتبر ظهور الحكمة في آحاد صور المظنة، بل ms4450 ~~يكفي احتمال الحكمة، ولذلك ثبت الحكم به فيما إذا بقي ضمنا، مع أن العمد لا ~~يختلف مع اتحاد الآلة والفعل، بسرعة الإفضاء وإبطائه، ولأن في البدن مقاتل ~~خفية، وهذا له سراية ومور، فأشبه الجرح الكبير. # وهذا ظاهر كلام الخرقي؛ فإنه لم يفرق بين الصغير والكبير. وهو مذهب أبي ~~حنيفة، وللشافعي، من التفصيل نحو ما ذكرنا. # النوع الثاني، القتل بغير المحدد، مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند ~~استعماله # فهذا عمد موجب للقصاص أيضا. وبه قال النخعي، والزهري، وابن سيرين، وحماد، ~~وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو يوسف، ~~ومحمد. وقال الحسن: لا قود في ذلك. وروي ذلك عن الشعبي. وقال ابن المسيب، ~~وعطاء، وطاوس: العمد ما كان بالسلاح. # وقال أبو حنيفة: لا قود في ذلك، إلا أن يكون قتله بالنار. وعنه في مثقل ~~الحديد روايتان. واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا إن في قتيل ~~عمد الخطإ، قتيل السوط والعصا والحجر، مائة من الإبل» . فسماه عمد الخطإ، ~~وأوجب فيه الدية دون القصاص؛ ولأن العمد لا يمكن اعتباره بنفسه، فيجب ضبطه ~~بمظنته، ولا يمكن ضبطه بما يقتل غالبا، لحصول العمد بدونه في الجرح الصغير، ~~فوجب ضبطه بالجرح. # PageV08P261 # ولنا، قول الله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} ~~[الإسراء: 33] . وهذا مقتول ظلما، وقال الله تعالى: {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى} [البقرة: 178] . وروى أنس «، أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها ~~بحجر، فقتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين حجرين» . متفق عليه. # وروى أبو هريرة، قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ومن ~~قتل له قتيل، فهو بخير النظرين؛ إما يودي، وإما يقاد» . متفق عليه. ولأنه ~~يقتل غالبا، فأشبه المحدد. وأما الحديث، فمحمول على المثقل الصغير؛ لأنه ~~ذكر العصا والسوط، وقرن به الحجر. فدل على أنه أراد ما يشبههما. وقولهم: لا ~~يمكن ضبطه. ممنوع؛ فإننا نوجب القصاص بما نتيقن حصول الغلبة به، وإذا ~~شككنا، لم نوجبه مع الشك، وصغير الجرح قد سبق القول فيه، ms4451 ولأنه لا يصح ضبطه ~~بالجرح، بدليل ما لو قتله بالنار، أو بمثقل الحديد. إذا ثبت هذا، فإن هذا ~~النوع يتنوع أنواعا؛ أحدها، أن يضربه بمثقل كبير، يقتل مثله غالبا، سواء ~~كان من حديد، كاللت، والسندان، والمطرقة، أو حجر ثقيل، أو خشبة كبيرة، وحد ~~الخرقي الخشبة الكبيرة، بما فوق عمود الفسطاط، يعني العمد التي تتخذها ~~الأعراب لبيوتها، وفيها دقة، فأما عمد الخيام فكبيرة، تقتل غالبا، فلم ~~يردها الخرقي وإنما حد الموجب للقصاص بما فوق عمود الفسطاط «؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن المرأة التي ضربت جاريتها بعمود فسطاط ~~فقتلتها وجنينها، قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنين بغرة، وقضى ~~بالدية على عاقلتها» . والعاقلة لا تحمل العمد، فدل على أن القتل بعمود ~~الفسطاط ليس بعمد. # وإن كان أعظم منه، فهو عمد؛ لأنه يقتل غالبا، ومن هذا النوع أن يلقي عليه ~~حائطا، أو صخرة، أو خشبة عظيمة، أو ما أشبه مما يهلكه غالبا، فيهلكه، ففيه ~~القود؛ لأنه يقتل غالبا # النوع الثاني، أن يضربه بمثقل صغير، كالعصا، والسوط، والحجر الصغير، أو ~~يلكزه بيديه في مقتل، أو في حال ضعف من المضروب؛ لمرض أو صغر، أو في زمن ~~مفرط الحر أو البرد، بحيث تقتله تلك الضربة، أو كرر الضرب حتى قتله بما ~~يقتل غالبا، ففيه القود؛ لأنه قتله بما يقتل مثله غالبا، فأشبه الضرب بمثقل ~~كبير. ومن هذا النوع، لو عصر خصيته عصرا شديدا فقتله بعصر يقتل مثله غالبا، ~~فعليه القود. وإن لم يكن كذلك في جميع ما ذكرناه، فهو عمد الخطإ، وفيه ~~الدية، إلا أن يصغر جدا، كالضربة بالقلم والإصبع في غير مقتل، ونحو هذا مما ~~لا يتوهم القتل به، فلا قود فيه، ولا دية؛ لأنه لم يمت به. # PageV08P262 # وكذلك إن مسه بالكبير، ولم يضربه به؛ لأن الدية إنما تجب بالقتل، وليس ~~هذا بقتل. # النوع الثالث: أن يمنع خروج نفسه، وهو ضربان: أحدهما: أن يجعل في عنقه ~~خراطة، ثم يعلقه في خشبة أو شيء، بحيث يرتفع عن الأرض، فيختنق ويموت، ms4452 فهذا ~~عمد سواء مات في الحال، أو بقي زمنا، لأن هذا أوحى أنواع الحنق، وهو الذي ~~جرت العادة بفعله من الولاة في اللصوص وأشباههم من المفسدين. والضرب ~~الثاني: أن يخنقه وهو على الأرض بيديه، أو منديل، أو حبل، أو يغمه بوسادة، ~~أو شيء يضعه على فيه وأنفه، أو يضع يديه عليهما فيموت، فهذا إن فعل به ذلك ~~مدة يموت في مثلها غالبا فمات، فهو عمد فيه القصاص. وبه قال عمر بن عبد ~~العزيز، والنخعي، والشافعي، وإن فعله في مدة لا يموت في مثلها غالبا فمات، ~~فهو عمد الخطإ، إلا أن يكون ذلك يسيرا في العادة، بحيث لا يتوهم الموت منه، ~~فلا يوجب ضمانا؛ لأنه بمنزلة لمسه. # وإن خنقه، وتركه متألما حتى مات، ففيه القود؛ لأنه مات من سراية جنايته، ~~فهو كالميت من سراية الجرح، وإن تنفس وصح، ثم مات، فلا قود؛ لأن الظاهر أنه ~~لم يمت منه، فأشبه ما لو اندمل الجرح ثم مات # النوع الرابع: أن يلقيه في مهلكة، وذلك على أربعة أضرب، أحدها: أن يلقيه ~~من شاهق كرأس جبل، أو حائط عال، يهلك به غالبا، فيموت، فهو عمد. الثاني: أن ~~يلقيه في نار، أو ماء يغرقه، ولا يمكنه التخلص منه، إما لكثرة الماء ~~والنار، وإما لعجزه عن التخلص، لمرض، أو ضعف أو صغر، أو كونه مربوطا، أو ~~منعه الخروج، أو كونه في حفرة لا يقدر على الصعود منها، ونحو هذا، أو ألقاه ~~في بئر ذات نفس، فمات به، عالما بذلك، فهذا كله عمد؛ لأنه يقتل غالبا. وإن ~~ألقاه في ماء يسير يقدر على الخروج منه، فلبث فيه اختيارا حتى مات، فلا قود ~~فيه ولا دية؛ لأن هذا الفعل لم يقتله، وإنما حصل موته بلبثه فيه، وهو فعل ~~نفسه، فلم يضمنه غيره. # وإن تركه في نار يمكنه التخلص منها لقلتها، أو كونه في طرف منها يمكنه ~~الخروج بأدنى حركة؛ فلم يخرج حتى مات، فلا قود؛ لأن هذا لا يقتل غالبا، وهل ~~يضمنه؟ فيه وجهان: أحدهما، لا يضمنه؛ لأنه مهلك ms4453 لنفسه بإقامته، فلم يضمنه، ~~كما لو ألقاه في ماء يسير، لكن يضمن ما أصابت النار منه. والثاني: يضمنه؛ ~~لأنه جاء بالإلقاء المفضي إلى الهلاك، وترك التخلص لا يسقط الضمان، كما لو ~~فصده # PageV08P263 # فترك شد فصاده مع إمكانه، أو جرحه فترك مداواة جرحه، وفارق الماء؛ لأنه ~~لا يهلك بنفسه، ولهذا يدخله الناس للغسل والسباحة والصيد، وأما النار ~~فيسيرها يهلك. وإنما تعلم قدرته على التخلص بقوله: أنا قادر على التخلص. أو ~~نحو هذا؛ لأن النار لها حرارة شديدة، فربما أزعجته حرارتها عن معرفة ما ~~يتخلص به، أو أذهبت عقله بألمها وروعتها. وإن ألقاه في لجة لا يمكنه التخلص ~~منها، فالتقمه حوت، ففيه وجهان: أحدهما، عليه القود؛ لأنه ألقاه في مهلكة ~~فهلك، فأشبه ما لو غرق فيها. والثاني: لا قود عليه؛ لأنه لم يهلك بها، أشبه ~~ما لو قتله آدمي آخر. # وإن ألقاه في ماء يسير، فأكله سبع، أو التقمه حوت أو تمساح، فلا قود ~~عليه؛ لأن الذي فعله لا يقتل غالبا، وعليه ضمانه؛ لأنه هلك بفعله. # الضرب الثالث: أن يجمع بينه وبين أسد أو نمر، في مكان ضيق، كزبية ونحوها، ~~فيقتله، فهذا عمد، فيه القصاص إذا فعل السبع به فعلا يقتل مثله، وإن فعل به ~~فعلا لو فعله الآدمي لم يكن عمدا، لم يجب القصاص به؛ لأن السبع صار آلة ~~للآدمي، فكان فعله. كفعله. وإن ألقاه مكتوفا بين يدي الأسد، أو النمر، في ~~فضاء، فأكله، فعليه القود. وكذلك إن جمع بينه وبين حية في مكان ضيق، فنهشته ~~فقتلته، فعليه القود. وقال القاضي: لا ضمان عليه في الصورتين. وهو قول ~~أصحاب الشافعي؛ لأن الأسد والحية يهربان من الآدمي، ولأن هذا سبب غير ملجئ. ~~ولنا، أن هذا يقتل غالبا، فكان عمدا محضا، كسائر الصور. وقولهم: إنهما ~~يهربان. غير صحيح، فإن الأسد يأخذ الآدمي المطلق، فكيف يهرب من مكتوف ألقي ~~إليه ليأكله، والحية إنما تهرب في مكان واسع، أما إذا ضاق المكان، فالغالب ~~أنها تدفع عن نفسها بالنهش، على ما هو العادة وقد ذكر القاضي ms4454 في من ألقي ~~مكتوفا في أرض مسبعة، أو ذات حيات، فقتلته، أن في وجوب القصاص روايتين. ~~وهذا تناقض شديد؛ فإنه نفى الضمان بالكلية في صورة كان القتل فيها أغلب، ~~وأوجب القصاص في صورة كان فيها أندر، والصحيح أنه لا قصاص هاهنا، ويجب ~~الضمان؛ لأنه فعل به فعلا متعمدا تلف به. لا يقتل مثله غالبا. # وإن أنهشه حية أو سبعا فقتله، فعليه القود إذا كان ذلك مما يقتل غالبا، ~~فإن كان مما لا يقتل غالبا، كثعبان الحجاز، أو سبع صغير، ففيه وجهان: ~~أحدهما، فيه القود؛ لأن الجرح لا يعتبر فيه غلبة حصول القتل به، وهذا جرح، ~~ولأن الحية من جنس ما يقتل غالبا. # PageV08P264 # والثاني: هو شبه عمد؛ لأنه لا يقتل غالبا، أشبه الضرب بالعصا والحجر. وإن ~~كتفه وألقاه في أرض غير مسبعة فأكله سبع، أو نهشته حية، فمات فهو شبه عمد. ~~وقال أصحاب الشافعي: هو خطأ محض. ولنا، أنه فعل به فعلا لا يقتل مثله غالبا ~~عمدا، فأفضى إلى هلاكه، أشبه ما لو ضربه بعصا فمات. وكذلك إن ألقاه مشدودا ~~في موضع لم يعهد وصول زيادة الماء إليه. فأما إن كان في موضع يعلم وصول ~~زيادة الماء إليه في ذلك الوقت، فمات بها، فهو عمد محض. وإن كانت غير ~~معلومة، إما لكونها تحتمل الوجود وعدمه، أو لا تعهد أصلا، فهو شبه عمد. # الضرب الرابع: أن يحبسه في مكان، ويمنعه الطعام والشراب مدة لا يبقى فيها ~~حتى يموت، فعليه القود؛ لأن هذا يقتل غالبا، وهذا يختلف باختلاف الناس ~~والزمان والأحوال، فإذا كان عطشان في شدة الحر، مات في الزمن القليل، وإن ~~كان ريان والزمن بارد أو معتدل، لم يمت إلا في زمن طويل فيعتبر هذا فيه. ~~وإن كان في مدة يموت في مثلها غالبا ففيه القود. وإن كان لا يموت في مثلها ~~غالبا، فهو عمد الخطإ. وإن شككنا فيها، لم يجب القود؛ لأننا شككنا في ~~السبب، ولا يثبت الحكم مع الشك في سببه، لا سيما القصاص الذي يسقط بالشبهات # النوع الخامس: أن ms4455 يسقيه سما، أو يطعمه شيئا قاتلا، فيموت به، فهو عمد ~~موجب للقود، إذا كان مثله يقتل غالبا. وإن خلطه بطعام، وقدمه إليه، فأكله ~~أو أهداه إليه، أو خلطه بطعام رجل، ولم يعلم ذلك فأكله، فعليه القود؛ لأنه ~~يقتل غالبا. وقال الشافعي، في أحد قوليه: لا قود عليه؛ لأنه أكله مختارا، ~~فأشبه ما لو قدم إليه سكينا، فطعن بها نفسه، ولأن أنس بن مالك روى «، أن ~~يهودية أتت رسول الله بشاة مسمومة، فأكل منها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولم يقتلها النبي - صلى الله عليه وسلم -» قال: وهل تجب الدية؟ فيه قولان ~~ولنا، خبر اليهودية، فإن أبا سلمة قال فيه: فمات بشر بن البراء، فأمر بها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقتلت. أخرجه أبو داود، ولأن هذا يقتل غالبا، ~~ويتخذ طريقا إلى القتل كثيرا، فأوجب القصاص، كما لو أكرهه على شربه. فأما ~~حديث أنس، فلم يذكر فيه أن أحدا مات منه. ولا يجب القصاص إلا أن يقتل به، ~~ويجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتلها قبل أن يموت بشر بن ~~البراء فلما مات، أرسل إليها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسألها، ~~فاعترفت فقتلها، فنقل أنس صدر القصة دون آخرها. # PageV08P265 # ويتعين حمله عليه، جمعا بين الخبرين. ويجوز أن يترك قتلها؛ لكونها ما ~~قصدت بشر بن البراء، إنما قصدت قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - فاختل ~~العمد بالنسبة إلى بشر، وفارق تقديم السكين؛ لأنها لا تقدم إلى الإنسان ~~ليقتل بها نفسه، إنما تقدم إليه لينتفع بها، وهو عالم بمضرتها ونفعها، ~~فأشبه ما لو قدم إليه السم وهو عالم به. # فأما إن خلط السم بطعام نفسه وتركه في منزله، فدخل إنسان فأكله، فليس ~~عليه ضمان بقصاص ولا دية؛ لأنه لم يقتله، وإنما الداخل قتل نفسه، فأشبه ما ~~لو حفر في داره بئرا، فدخل رجل، فوقع فيها، وسواء قصد بذلك قتل الآكل، مثل ~~أن يعلم أن ظالما يريد هجوم داره، فترك السم في الطعام ليقتله، فهو كما لو ~~حفر بئرا في داره ms4456 ليقع فيها اللص إذا دخل ليسرق منها، ولو دخل رجل بإذنه، ~~فأكل الطعام المسموم بغير إذنه، لم يضمنه لذلك. وإن خلطه بطعام رجل، أو قدم ~~إليه طعاما مسموما، وأخبره بسمه فأكله، لم يضمنه؛ لأنه أكله عالما بحاله، ~~فأشبه ما لو قدم إليه سكينا، فوجأ بها نفسه. وإن سقى إنسانا سما، أو خلطه ~~بطعامه، فأكله ولم يعلم به، وكان مما لا يقتل مثله غالبا، فهو شبه عمد. فإن ~~اختلف فيه هل يقتل مثله غالبا أو لا؟ وثم بينة تشهد، عمل بها. وإن قالت ~~البينة: هو يقتل النضو الضعيف دون القوي. أو غير هذا، عمل على حسب ذلك. # وإن لم يكن مع أحدهما بينة، فالقول قول الساقي؛ لأن الأصل عدم وجوب ~~القصاص، فلا يثبت بالشك، ولأنه أعلم بصفة ما سقى. وإن ثبت أنه قاتل، فقال: ~~لم أعلم أنه قاتل. ففيه وجهان: أحدهما: عليه القود؛ لأن السم من جنس ما ~~يقتل غالبا، فأشبه ما لو جرحه، وقال: لم أعلم أنه يموت منه. والثاني: لا ~~قود عليه؛ لأنه يجوز أن يخفى عليه أنه قاتل. وهذه شبهة يسقط بها القود. # النوع السادس: أن يقتله بسحر يقتل غالبا، فيلزمه القود؛ لأنه قتله بما ~~يقتل غالبا، فأشبه ما لو قتله بسكين. وإن كان مما لا يقتل غالبا، أو كان ~~مما يقتل ولا يقتل، ففيه الدية دون القصاص؛ لأنه عمد الخطإ، فأشبه ضرب ~~العصا # النوع السابع: أن يتسبب إلى قتله بما يقتل غالبا، وذلك أربعة أضرب: ~~أحدها، أن يكره رجلا على قتل آخر، فيقتله، فيجب القصاص على المكره والمكره ~~جميعا، وبهذا قال مالك. وقال أبو حنيفة، ومحمد: يجب القصاص على المكره دون ~~المباشر؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - # PageV08P266 # : «عفي لأمتي عن الخطإ والنسيان وما استكرهوا عليه» . ولأن المكره آلة ~~للمكره، بدليل وجوب القصاص على المكره، ونقل فعله إليه، فلم يجب على ~~المكره، كما لو رمى به عليه فقتله. وقال زفر: يجب على المباشر دون المكره؛ ~~لأن المباشرة تقطع حكم السبب، كالحافر مع الدافع، والآمر مع القاتل. # وقال الشافعي: يجب ms4457 على المكره، وفي المكره قولان. وقال أبو يوسف: لا يجب ~~على واحد منهما؛ لأن المكره لم يباشر القتل، فهو كحافر البئر، والمكره ~~ملجأ، فأشبه المرمي به على إنسان. ولنا، على وجوبه على المكره، أنه تسبب ~~إلى قتله بما يفضي إليه غالبا، فأشبه ما لو ألسعه حية، أو ألقاه على أسد في ~~زبية. ولنا، على وجوبه على المكره، أنه قتله عمدا ظلما لاستبقاء نفسه، ~~فأشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله. وقولهم: إن المكره ملجأ. غير صحيح، ~~فإنه متمكن من الامتناع، ولذلك أثم بقتله، وحرم عليه، وإنما قتله عند ~~الإكراه ظنا منه أن في قتله نجاة نفسه، وخلاصه من شر المكره، فأشبه القاتل ~~في المخمصة ليأكله. وإن صار الأمر إلى الدية، وجبت عليهما، وبه قال ~~الشافعي. # وقال أبو حنيفة، ومحمد: لا دية على المكره؛ بناء منهما على أنه آلة. وقد ~~بينا فساده، وإنما هما شريكان، يجب القصاص عليهما جميعا، فوجبت الدية ~~عليهما، كالشريكين بالفعل، وكما يجب الجزاء على الدال على الصيد في الإحرام ~~والمباشر، والردء والمباشر في المحاربة. فعلى هذا، إن أحب الولي قتل ~~أحدهما، وأخذ نصف الدية من الآخر، أو العفو عنه، فله ذلك. # الضرب الثاني: إذا شهد رجلان على رجل بما يوجب قتله، فقتل بشهادتهما، ثم ~~رجعا، واعترفا بتعمد القتل ظلما، وكذبهما في شهادتهما، فعليهما القصاص. ~~وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قصاص عليهما؛ لأنه تسبب غير ملجئ، ~~فلا يوجب القصاص، كحفر البئر. ولنا، ما روى القاسم بن عبد الرحمن، أن رجلين ~~شهدا عند علي كرم الله وجهه على رجل أنه سرق، فقطعه، ثم رجعا عن شهادتهما، ~~فقال علي: لو أعلم أنكما تعمدتما، لقطعت أيديكما. وغرمهما دية يده. ولأنهما ~~توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبا، فوجب عليهما القصاص، كالمكره. # الضرب الثالث، الحاكم إذا حكم على رجل بالقتل، عالما بذلك متعمدا فقتله، ~~واعترف بذلك، # PageV08P267 # وجب القصاص، والكلام فيه كالكلام في الشاهدين، ولو أن الولي الذي باشر ~~قتله أقر بعلمه بكذب الشهود، وتعمد قتله، فعليه القصاص. لا أعلم فيه خلافا، ms4458 ~~فإن أقر الشاهدان والحاكم والولي جميعا بذلك، فعلى الولي القصاص؛ لأنه باشر ~~القتل عمدا وعدوانا، وينبغي أن لا يجب على غيره شيء؛ لأنهم متسببون، ~~والمباشرة تبطل حكم السبب، كالدافع مع الحافر. ويفارق هذا ما إذا لم يقر؛ ~~لأنه لم يثبت حكم مباشرة القتل في حقه ظلما، فكان وجوده كعدمه، ويكون ~~القصاص على الشاهدين والحاكم؛ لأن الجميع متسببون. وإن صار الأمر إلى ~~الدية، فهي عليهم أثلاثا. ويحتمل أن يتعلق الحكم بالحاكم وحده؛ لأن تسببه ~~أخص من تسببهم؛ فإن حكمه واسطة بين شهادتهم وقتله، فأشبه المباشر مع ~~المتسبب. # ولو كان الولي المقر بالتعمد لم يباشر القتل، وإنما وكل فيه، نظرت في ~~الوكيل؛ فإن أقر بالعلم، وتعمد القتل ظلما، فهو القاتل وحده؛ لأنه مباشر ~~للقتل عمدا ظلما من غير إكراه، فتعلق الحكم به، كما لو أمر بالقتل في غير ~~هذه الصورة، وإن لم يعترف بذلك، فالحكم متعلق بالولي، كما لو باشره. والله ~~أعلم. ### | [مسألة القتل العمد فيه القود إذا اجتمع عليه الأولياء] # (6583) مسألة: قال: (ففيه القود إذا اجتمع عليه الأولياء، وكان المقتول ~~حرا مسلما) أجمع العلماء على أن القود لا يجب إلا بالعمد، ولا نعلم بينهم ~~في وجوبه بالقتل العمد إذا اجتمعت شروطه خلافا، وقد دلت عليه الآيات ~~والأخبار بعمومها، فقال الله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33] . وقال تعالى: {كتب عليكم القصاص ~~في القتلى} [البقرة: 178] . وقال تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: ~~179] . يريد والله أعلم أن وجوب القصاص يمنع من يريد القتل منه، شفقة على ~~نفسه من القتل، فتبقى الحياة في من أريد قتله. وقيل: إن القاتل تنعقد ~~العداوة بينه وبين قبيلة المقتول، فيريد قتلهم خوفا منهم. ويريدون قتله ~~وقتل قبيلته استيفاء، ففي الاقتصاص منه بحكم الشرع قطع لسبب الهلاك بين ~~القبيلتين. # وقال الله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] . ~~الآية. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل له قتيل، فهو بخير ~~النظرين؛ إما أن يقتل، وإما أن يفدي» . متفق عليه. وروى ms4459 أبو شريح الخزاعي، ~~قال: قال رسول الله: «من أصيب بدم، أو خبل، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث؛ فإن ~~أراد الرابعة فخذوا على يديه؛ أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية» # PageV08P268 # رواه أبو داود. وفي لفظ: «فمن قتل له بعد مقالتي قتيل، فأهله بين خيرتين؛ ~~أن يأخذوا الدية، أو يقتلوا» . # وقال - عليه السلام -: «العمد قود، إلا أن يعفو ولي المقتول» . وفي لفظ: ~~«من قتل عامدا، فهو قود» ، رواه أبو داود. وفي لفظ رواه ابن ماجه: «من قتل ~~عامدا، فهو قود، ومن حال بينه وبينه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل» . وقول الخرقي: إذا اجتمع عليه الأولياء. ~~يعني إذا كان للمقتول أولياء يستحقون القصاص، فمن شرط وجوبه اجتماعهم على ~~طلبه، ولو عفا واحد منهم، سقط كله، وإن كان بعضهم غائبا، أو غير مكلف، لم ~~يكن لشركائه القصاص حتى يقدم الغائب، ويختار القصاص، أو يوكل، ويبلغ الصبي ~~ويفيق المجنون ويختاراه. وقوله: إذا كان المقتول حرا مسلما. يعني مكافئا ~~للقاتل، فإذا كان القاتل حرا مسلما. اشترط كون المقتول حرا مسلما لتتحقق ~~المكافأة بينهما، فإن الكافر لا يكافئ المسلم، والعبد لا يكافئ الحر. ### | [فصل الحر المسلم يقاد به قاتله] # فصل: وأجمع أهل العلم، على أن الحر المسلم يقاد به قاتله، وإن كان مجدع ~~الأطراف، معدوم الحواس، والقاتل صحيح سوي الخلق، أو كان بالعكس. وكذلك إن ~~تفاوتا في العلم والشرف، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف، ~~والكبر والصغر، والسلطان والسوقة، ونحو هذا من الصفات، لم يمنع القصاص، ~~بالاتفاق، وقد دلت عليه العمومات التي تلوناها، وقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» . ولأن اعتبار التساوي في الصفات ~~والفضائل، يفضي إلى إسقاط القصاص بالكلية، وفوات حكمة الردع والزجر، فوجب ~~أن يسقط اعتباره، كالطول والقصر، والسواد والبياض. ### | [فصل ولا يشترط في وجوب القصاص كون القتل في دار الإسلام] # فصل: (6585) ولا يشترط في وجوب القصاص كون القتل في دار الإسلام، بل متى ~~قتل في دار الحرب مسلما عامدا عالما بإسلامه، فعليه القود، ms4460 سواء كان قد ~~هاجر أو لم يهاجر. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجب القصاص ~~بالقتل في غير دار الإسلام، فإن لم يكن المقتول هاجر، لم يضمنه بقصاص ولا ~~دية، عمدا قتله أو خطأ، وإن كان قد هاجر، ثم عاد إلى دار الحرب، كرجلين ~~مسلمين دخلا دار الحرب بأمان، فقتل # PageV08P269 # أحدهما صاحبه، ضمنه بالدية، ولم يجب القود. # وحكي عن أحمد رواية كقوله. ولو قتل رجل أسيرا مسلما في دار الحرب، لم ~~يضمنه إلا بالدية، عمدا قتله أو خطأ. ولنا، ما ذكرنا من الآيات والأخبار، ~~ولأنه قتل من يكافئه عمدا ظلما، فوجب عليه القود، كما لو قتله في دار ~~الإسلام؛ ولأن كل دار يجب فيها القصاص إذا كان فيها إمام، يجب وإن لم يكن ~~فيها إمام، كدار الإسلام. ### | [فصل قتل الغيلة] # (6586) فصل: وقتل الغيلة وغيره سواء في القصاص والعفو، وذلك للولي دون ~~السلطان. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وابن المنذر. وقال مالك: الأمر ~~عندنا أن يقتل به، وليس لولي الدم أن يعفو عنه، وذلك إلى السلطان. والغيلة ~~عنده، أن يخدع الإنسان، فيدخل بيتا أو نحوه، فيقتل أو يؤخذ ماله. ولعله ~~يحتج بقول عمر، في الذي قتل غيلة: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم. به ~~وبقياسه على المحارب. # ولنا، عموم قوله تعالى: {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] . وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فأهله بين خيرتين» . ولأنه قتيل في غير ~~المحاربة، فكان أمره إلى وليه، كسائر القتلى، وقول عمر: لأقدتهم به. أي ~~أمكنت الولي من استيفاء القود منهم. ### | [فصل قتل رجلا، وادعى أنه وجده مع امرأته] # (6587) فصل: وإذا قتل رجلا، وادعى أنه وجده مع امرأته، أو أنه قتله دفعا ~~عن نفسه، أو أنه دخل منزله يكابره على ماله، فلم يقدر على دفعه إلا بقتله، ~~لم يقبل قوله إلا ببينة، ولزمه القصاص. روي نحو ذلك عن علي - رضي الله عنه ~~- وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. ولا أعلم فيه مخالفا، وسواء وجد ~~في دار القاتل، أو في غيرها، أو وجد معه ms4461 سلاح، أو لم يوجد؛ لما روي عن علي ~~- رضي الله عنه - أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله، فقال: إن لم يأت ~~بأربعة شهداء، فليعط برمته. ولأن الأصل عدم ما يدعيه، فلا يثبت بمجرد ~~الدعوى. # وإن اعترف الولي بذلك، فلا قصاص عليه ولا دية؛ لما روي عن عمر - رضي الله ~~عنه - أنه كان يوما يتغدى، إذ جاءه رجل يعدو، وفي يده سيف ملطخ بالدم، ~~ووراءه قوم يعدون خلفه، فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء الآخرون، فقالوا: يا ~~أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا. فقال له عمر: ما يقولون؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إني ضربت فخذي امرأتي، فإن كان بينهما أحد فقد قتلته. فقال عمر: ~~ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه ضرب بالسيف، فوقع في وسط الرجل ~~وفخذي المرأة. فأخذ عمر سيفه # PageV08P270 # فهزه، ثم دفعه إليه، وقال: إن عادوا فعد. رواه سعيد في " سننه "، وروي عن ~~الزبير، أنه كان يوما قد تخلف عن الجيش، ومعه جارية له، فأتاه رجلان فقالا: ~~أعطنا شيئا. فألقى إليهما طعاما كان معه، فقالا: خل عن الجارية. فضربهما ~~بسيفه، فقطعهما بضربة واحدة. ولأن الخصم اعترف بما يبيح قتله، فسقط حقه، ~~كما لو أقر بقتله قصاصا، أو في حد يوجب قتله. وإن ثبت ذلك ببينة، فكذلك. ### | [مسألة قتل شبه العمد] # (6588) فصل قال: (وشبه العمد ما ضربه بخشبة صغيرة، أو حجر صغير، أو لكزه، ~~أو فعل به فعلا، الأغلب من ذلك الفعل أنه لا يقتل مثله، فلا قود في هذا، ~~والدية على العاقلة) شبه العمد أحد أقسام القتل، وهو أن يقصد ضربه بما لا ~~يقتل غالبا؛ إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه، كالضرب ~~بالسوط، والعصا، والحجر الصغير، والوكز واليد، وسائر ما لا يقتل غالبا إذا ~~قتل، فهو شبه عمد؛ لأنه قصد الضرب دون القتل، ويسمى عمد الخطإ وخطأ العمد؛ ~~لاجتماع العمد والخطإ فيه، فإنه عمد الفعل، وأخطأ في القتل، فهذا لا قود ~~فيه. والدية على العاقلة، في قول أكثر أهل العلم. وجعله مالك ms4462 عمدا موجبا ~~للقصاص؛ ولأنه ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فمن زاد قسما ثالثا، زاد ~~على النص، ولأنه قتله بفعل عمده، فكان عمدا، كما لو غرزه بإبرة فقتله. # وقال أبو بكر من أصحابنا: تجب الدية في مال القاتل. وهو قول ابن شبرمة؛ ~~لأنه موجب فعل عمد، فكان في مال القاتل، كسائر الجنايات. ولنا. ما روى أبو ~~هريرة، قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها ~~وما في بطنها، فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن دية جنينها عبد أو ~~وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها» . متفق عليه. فأوجب ديتها على ~~العاقلة، والعاقلة لا تحمل عمدا، وأيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ألا إن في قتيل خطإ العمد، قتيل السوط والعصا والحجر، مائة من الإبل» . # وفي لفظ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال: «عقل شبه العمد مغلظ، ~~مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه» . رواه أبو داود. وهذا نص، وقوله هذا قسم ~~ثالث. قلنا: نعم، هذا ثبت بالسنة، والقسمان الأولان ثبتا بالكتاب، ولأنه ~~قتل لا يوجب القود، فكانت ديته على العاقلة، كقتل الخطإ. ### | [مسألة القتل الخطأ على ضربين] # (6589) مسألة: قال: (والخطأ على ضربين: أحدهما: أن يرمي الصيد، أو يفعل ~~ما يجوز له فعله، فيئول إلى إتلاف حر، مسلما كان أو كافرا، فتكون الدية على ~~عاقلته، وعليه عتق رقبة مؤمنة) # PageV08P271 # وجملته أن الخطأ أن يفعل فعلا لا يريد به إصابة المقتول، فيصيبه ويقتله، ~~مثل أن يرمي صيدا أو هدفا، فيصيب إنسانا فيقتله. قال ابن المنذر: أجمع كل ~~من نحفظ عنه من أهل العلم، أن القتل الخطأ، أن يرمي الرامي شيئا، فيصيب ~~غيره، لا أعلمهم يختلفون فيه. هذا قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة، والنخعي، ~~والزهري، وابن شبرمة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. فهذا الضرب ~~من الخطإ تجب به الدية على العاقلة والكفارة في مال القاتل، بغير خلاف ~~نعلمه. # والأصل في وجوب الدية والكفارة، قول الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا ms4463 أن يصدقوا} [النساء: 92] . ~~وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا له عهد؛ لقول الله تعالى: {وإن كان من ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: ~~92] . ولا قصاص في شيء من هذا؛ لأن الله تعالى أوجب به الدية، ولم يذكر ~~قصاصا، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، ~~وما استكرهوا عليه» . ولأنه لم يوجب القصاص في عمد الخطأ، ففي الخطأ أولى. ### | [فصل قصد فعلا محرما فقتل آدميا] # (6590) فصل: وإن قصد فعلا محرما، فقتل آدميا، مثل أن يقصد قتل بهيمة، أو ~~آدميا معصوما، فيصيب غيره، فيقتله، فهو خطأ أيضا؛ لأنه لم يقصد قتله. وهذا ~~مذهب الشافعي. وكذلك قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، ~~على أن القتل الخطأ، أن يرمي الرامي شيئا، فيصيب غيره. ويتخرج على قول أبي ~~بكر، أن هذا عمد؛ لقوله في من رمى نصرانيا، فلم يقع به السهم حتى أسلم، أنه ~~عمد يجب به القصاص؛ لكونه قصد فعلا محرما، قتل به إنسانا. ### | [مسألة والضرب الثاني من القتل الخطأ] # (6591) مسألة: قال: (والضرب الثاني: أن يقتل في بلاد الروم من عنده أنه ~~كافر، ويكون قد أسلم، وكتم إسلامه، إلى أن يقدر على التخلص إلى أرض ~~الإسلام، فيكون عليه في ماله عتق رقبة مؤمنة، بلا دية؛ لقول الله تعالى: ~~{فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] هذا ~~الضرب الثاني من الخطإ، وهو أن يقتل في أرض الحرب من يظنه كافرا، ويكون ~~مسلما. ولا خلاف في أن هذا خطأ، لا يوجب قصاصا؛ لأنه لم يقصد قتل مسلم، ~~فأشبه ما لو ظنه صيدا فبان آدميا وإلا أن هذا لا تجب به دية أيضا، ولا يجب ~~إلا الكفارة. وروي هذا عن ابن عباس. وبه قال عطاء، # PageV08P272 # ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور، وأبو حنيفة. # وعن أحمد، رواية أخرى، تجب به الدية والكفارة. وهو قول مالك، والشافعي؛ ~~لقول الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية ms4464 مسلمة إلى ~~أهله} [النساء: 92] . وقال - عليه السلام -: «ألا إن في قتيل خطإ العمد، ~~قتيل السوط والعصا، مائة من الإبل» . ولأنه قتل مسلما خطأ فوجبت ديته، كما ~~لو كان في دار الإسلام. ولنا، قول الله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو ~~مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] . ولم يذكر دية، وتركه ذكرها في هذا ~~القسم، مع ذكرها في الذي قبله وبعده، ظاهر في أنها غير واجبة، وذكره لهذا ~~قسما مفردا، يدل على أنه لم يدخل في عموم الآية التي احتجوا بها، ويخص بها ~~عموم الخبر الذي رووه. ### | [مسألة قتل المسلم بكافر] # (6592) مسألة: قال: (ولا يقتل مسلم بكافر) أكثر أهل العلم لا يوجبون على ~~مسلم قصاصا بقتل كافر، أي كافر كان. روي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ~~ثابت، ومعاوية، - رضي الله عنهم -، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، ~~والحسن، وعكرمة، والزهري، وابن شبرمة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال النخعي، ~~والشعبي، وأصحاب الرأي: يقتل المسلم بالذمي خاصة. # قال أحمد: الشعبي والنخعي قالا: دية المجوسي واليهودي والنصراني، مثل دية ~~المسلم، وإن قتله يقتل به. هذا عجب، يصير المجوسي مثل المسلم، سبحان الله، ~~ما هذا القول، واستبشعه. وقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا ~~يقتل مسلم بكافر» . وهو يقول: يقتل بكافر. فأي شيء أشد من هذا، واحتجوا ~~بالعمومات التي ذكرناها في أول الباب، وبما روى ابن البيلماني أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «أقاد مسلما بذمي، وقال: أنا أحق من وفى بذمته» . ~~ولأنه معصوم عصمة مؤبدة، فيقتل به قاتله، كالمسلم. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى ~~بذمتهم أدناهم، ولا يقتل # PageV08P273 # مؤمن بكافر» . رواه الإمام أحمد وأبو داود. وفي لفظ: «لا يقتل مسلم ~~بكافر» . رواه البخاري، وأبو داود. وعن علي - رضي الله عنه - قال: من السنة ~~أن لا يقتل مسلم بكافر. رواه الإمام أحمد. ولأنه منقوص بالكفر، فلا يقتل به ~~المسلم، كالمستأمن، والعمومات مخصوصات بحديثنا، وحديثهم ليس له إسناد. ms4465 قاله ~~أحمد. وقال الدارقطني. يرويه ابن البيلماني، وهو ضعيف إذا أسند، فكيف إذا ~~أرسل؟ والمعنى في المسلم أنه مكافئ للمسلم، بخلاف الذمي، فأما المستأمن، ~~فوافق أبو حنيفة الجماعة في أن المسلم لا يقاد به، وهو المشهور عن أبي ~~يوسف. وعنه: يقتل به؛ لما سبق في الذمي. ولنا، أنه ليس بمحقون الدم على ~~التأبيد، فأشبه الحربي، مع ما ذكرنا من الدليل في التي قبلها. ### | [فصل قتل كافر كافرا ثم أسلم القاتل] # (6593) فصل فإن قتل كافر كافرا ثم أسلم القاتل، أو جرحه ثم أسلم الجارح، ~~ومات المجروح. فقال أصحابنا: يقتص منه. وهو قول الشافعي؛ لأن القصاص عقوبة، ~~فكان الاعتبار فيها بحال وجوبها دون حال استيفائها، كالحدود، ولأنه حق وجب ~~عليه قبل إسلامه، فلم يسقط بإسلامه، كالدين. ويحتمل أن لا يقتل به. وهو قول ~~الأوزاعي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقتل مسلم بكافر» . ~~ولأنه مؤمن، فلا يقتل بكافر، كما لو كان مؤمنا حال قتله، ولأن إسلامه لو ~~قارن السبب، منع عمله، فإذا طرأ أسقط حكمه. ### | [فصل جرح مسلم كافرا فأسلم المجروح ثم مات مسلما] # (6594) فصل وإن جرح مسلم كافرا، فأسلم المجروح، ثم مات مسلما بسراية ~~الجرح، لم يقتل به قاتله؛ لأن التكافؤ معدوم حال الجناية، وعليه دية مسلم؛ ~~لأن اعتبار الأرش بحالة استقرار الجناية، بدليل ما لو قطع يدي رجل ورجليه، ~~فسرى إلى نفسه، دية واحدة ولو اعتبر حال الجرح، وجب ديتان، ولو قطع حر يد ~~عبد، ثم عتق ومات، لم يجب قصاص؛ لعدم التكافؤ حال الجناية، وعلى الجاني دية ~~حر اعتبارا بحال الاستقرار. وهذا قول ابن حامد، وهو مذهب الشافعي. # وللسيد أقل الأمرين، من نصف قيمته، أو نصف دية حر، والباقي لورثته؛ لأن ~~نصف قيمته إن كانت أقل، فهي التي وجدت في ملكه، فلا يكون له أكثر منها؛ لأن ~~الزائد حصل بحريته، ولا حق له فيما حصل بها، وإن كان الأقل الدية، لم يستحق ~~أكثر منها؛ لأن نقص القيمة حصل بسبب من جهة السيد، وإعتاقه. وذكر القاضي، ~~أن أحمد نص، ms4466 في رواية حنبل، في من فقأ عيني عبد، ثم أعتق ومات، أن على ~~الجاني قيمته للسيد. وهذا يدل على أن الاعتبار بحال الجناية. وهذا اختيار. ~~أبي بكر، والقاضي وأبي الخطاب. # PageV08P274 # قال أبو الخطاب: من قطع يد ذمي، ثم أسلم ومات، ضمنه بدية ذمي، ولو قطع يد ~~عبد، فأعتقه سيده ومات، فعلى الجاني قيمته للسيد؛ لأن حكم القصاص معتبر ~~بحال الجناية، دون حال السراية، فكذلك الدية والأول أصح، إن شاء الله؛ لأن ~~سراية الجرح مضمونة، فإذا أتلفت حرا مسلما، وجب ضمانه بدية كاملة، كما لو ~~قتله بجرح ثان. # وقول أحمد، في من فقأ عيني عبد: عليه قيمته للسيد. لا خلاف فيه، وإنما ~~الخلاف في وجوب الزائد على القيمة من دية الحر للورثة، ولم يذكره أحمد. ~~ولأن الواجب مقدر بما تفضي إليه السراية دون ما تتلفه الجناية بدليل أن من ~~قطعت يداه ورجلاه، فسرى القطع إلى نفسه، لم يلزم الجاني أكثر من دية، ولو ~~قطع إصبعا، فسرى إلى نفسه، لوجبت الدية كاملة، فكذلك إذا سرت إلى نفس حر ~~مسلم، تجب ديته كاملة. فأما إن جرح مرتدا، أو حربيا فسرى الجرح إلى نفسه، ~~فلا قصاص فيه ولا دية، سواء أسلم قبل السراية أو لم يسلم؛ لأن الجرح غير ~~مضمون، فلم يضمن سرايته، بخلاف التي قبلها. ### | [فصل قطع يد مسلم فارتد ثم مات بسراية الجرح] # (6595) فصل: ولو قطع يد مسلم فارتد، ثم مات بسراية الجرح، لم يجب في ~~النفس قصاص ولا دية ولا كفارة؛ لأنها نفس مرتد غير معصوم ولا مضمون، وكذلك ~~لو قطع يد ذمي فصار حربيا، ثم مات من جراحه. وأما اليد، فالصحيح أنه لا ~~قصاص فيها. وذكر القاضي وجها في وجوب القصاص فيها؛ لأن القطع استقر حكمه ~~بانقطاع حكم سرايته، فأشبه ما لو قطع طرفه ثم قتله، أو جاء آخر فقتله، ~~وللشافعي في وجوب القصاص قولان. # ولنا، أنه قطع هو قتل لم يجب به القتل، فلم يجب القطع، كما لو قطع من غير ~~مفصل، وفارق ما قاسوا عليه، فإن القطع لم ms4467 يصر قتلا. وهل تجب دية الطرف؟ فيه ~~وجهان؛ أحدهما: لا ضمان فيه؛ لأنه تبين أنه قتل لغير معصوم. والثاني: تجب؛ ~~لأن سقوط حكم سراية الجرح لا يسقط ضمانه، كما لو قطع طرف رجل، ثم قتله آخر. ~~فعلى هذا، هل يجب ضمانه بدية المقطوع، أو بأقل الأمرين من ديته أو دية ~~النفس؟ فيه وجهان: أحدهما: تجب دية المقطوع، فلو قطع يديه ورجليه، ثم ارتد ~~ومات، ففيه ديتان؛ لأن الردة قطعت حكم السراية، فأشبه انقطاع حكمها ~~باندمالها، أو بقتل آخر له. والثاني: يجب أقل الأمرين؛ لأنه لو لم يرتد لم ~~يجب أكثر من دية النفس، فمع الردة أولى؛ ولأنه قطع صار قتلا، فلم يجب أكثر ~~من دية، كما لو لم يرتد، وفارق أصل الوجه الأول، فإنه لم يصر قتلا؛ # PageV08P275 # ولأن الاندمال والقتل منع وجود السراية، والردة منعت ضمانها، ولم تمنع ~~جعلها قتلا. وللشافعي من التفصيل نحو مما قلنا. ### | [فصل قطع مسلم يد نصراني فتمجس] # فصل: وإن قطع مسلم يد نصراني فتمجس، وقلنا: لا يقر. فهو كما لو جنى على ~~مسلم فارتد. وإن قلنا: يقر عليه. وجبت دية مجوسي. وإن قطع يد مجوسي، فتنصر، ~~ثم مات، وقلنا: يقر. وجبت دية نصراني. ويجيء على قول أبي بكر والقاضي، أن ~~تجب دية نصراني في الأولى، ودية مجوسي في الثانية، كقولهم في من جنى على ~~عبد ذمي فأسلم وعتق، ثم مات من الجناية ضمنه بقيمة عبد ذمي، اعتبارا بحال ~~الجناية. ### | [فصل قطع يد مسلم فارتد ثم أسلم ومات] # (6597) فصل: وإن قطع يد مسلم فارتد، ثم أسلم ومات، وجب القصاص على قاتله. ~~نص عليه أحمد، - رحمه الله -، في رواية محمد بن الحكم. وقال القاضي: يتوجه ~~عندي أنه إن كان زمن الردة تسري في مثله الجناية، لم يجب القصاص في النفس. ~~وهل يجب في الطرف الذي قطع في إسلامه؟ على وجهين. وهذا مذهب الشافعي؛ لأن ~~القصاص يجب بالجناية والسراية كلها، فإذا لم يوجد جميعها في الإسلام، لم ~~يجب القصاص، كما لو جرحه جرحين، أحدهما: في الإسلام، والآخر: في ms4468 الردة، ~~فمات منهما. # ولنا، أنه مسلم حال الجناية والموت، فوجب القصاص بقتله، كما لو لم يرتد، ~~واحتمال السراية حال الردة لا يمنع؛ لأنها غير معلومة، فلا يجوز ترك السبب ~~المعلوم باحتمال المانع، كما لو لم يرتد، فإنه يحتمل أن يموت بمرض أو بسبب ~~آخر، أو بالجرح مع شيء آخر يؤثر في الموت، فأما الدية، فتجب كاملة، ويحتمل ~~وجوب نصفها؛ لأنه مات من جرح مضمون وسراية غير مضمونة، فوجب نصف الدية، كما ~~لو جرحه إنسان وجرح نفسه، فمات منهما. فأما إن كان زمن الردة لا تسري في ~~مثله الجناية، ففيه الدية أو القصاص. # وقال الشافعي، في أحد قوليه: لا قصاص فيه؛ لأنه انتهى إلى حال لو مات لم ~~يجب القصاص. ولنا، أنهما متكافئان حال الجناية والسراية والموت، فأشبه ما ~~لو لم يرتد. وإن كان الجرح خطأ وجبت الكفارة بكل حال؛ لأنه فوت نفسا ~~معصومة. ### | [فصل جرحه وهو مسلم فارتد ثم جرحه جرحا آخر ثم أسلم ومات] # (6598) فصل: وإن جرحه وهو مسلم فارتد، ثم جرحه جرحا آخر، ثم أسلم ومات ~~منهما، فلا قصاص فيه؛ لأنه مات من جرحين مضمون وغير مضمون، ويجب فيه نصف ~~الدية لذلك. وسواء تساوى الجرحان، أو زاد أحدهما، مثل إن قطع يديه، وهو ~~مسلم فارتد، فقطع رجله، أو كان بالعكس؛ لأن الجرح في الحالين كجرح رجلين. ~~وهل يجب القصاص في الطرف الذي قطعه في حال إسلامه؟ يحتمل وجهين، بناء على # PageV08P276 # من قطع طرفه وهو مسلم، فارتد، ومات في ردته. ولو قطع طرفه في ردته أولا، ~~فأسلم، ثم قطع طرفه الآخر، ومات منهما، فالحكم فيه كالتي قبلها. ### | [فصل يقتل الذمي بالمسلم] # (6599) فصل: ويقتل الذمي بالمسلم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قتل ~~اليهودي الذي رض رأس جارية من الأنصار على أوضاح لها» ولأنه إذا قتل بمثله ~~فبمن فوقه أولى. ويقتل الذمي بالذمي سواء اتفقت أديانهم أو اختلفت. فلو قتل ~~النصراني مجوسيا أو يهوديا، قتل به. نص عليه أحمد في النصراني يقتل ~~بالمجوسي إذا قتله، قيل: فكيف يقتل به، وديتهما ms4469 مختلفة؟ فقال: أذهب إلى أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل رجلا بامرأة. يعني أنه قتله بها مع ~~اختلاف ديتهما، ولأنهما تكافآ في العصمة بالذمة ونقيصة الكفر، فجرى القصاص ~~بينهما، كما لو تساوى دينهما. وهذا مذهب الشافعي. ### | [فصل لا يقتل ذمي بحربي] # (6600) فصل: ولا يقتل ذمي بحربي. لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه مباح الدم على ~~الإطلاق، أشبه الخنزير، ولا دية فيه لذلك ولا كفارة، ولا يجب بقتل المرتد ~~قصاص ولا دية ولا كفارة لذلك، سواء قتله مسلم أو ذمي. وهو قول بعض أصحاب ~~الشافعي. وقال بعض أصحاب الشافعي: يجب القصاص على الذمي بقتله، والديه إذا ~~عفا عنه؛ لأنه لا ولاية في قتله. وقال بعضهم: يجب القصاص دون الدية؛ لأنه ~~لا قيمة له. ولنا، أنه مباح الدم أشبه الحربي، ولأن من لا يضمنه المسلم لا ~~يضمنه الذمي، كالحربي. ### | [فصل قاتل الزاني المحصن] # (6601) فصل: وليس على قاتل الزاني المحصن قصاص ولا دية ولا كفارة. وهذا ~~ظاهر مذهب الشافعي. وحكى بعضهم وجها، أن على قاتله القود؛ لأن قتله إلى ~~الإمام، فيجب القود على من قتله سواه، كمن عليه القصاص إذا قتله غير ~~مستحقه. ولنا، أنه مباح الدم، وقتله متحتم، فلم يضمن كالحربي، ويبطل ما ~~قاله بالمرتد، وفارق القاتل، فإن قتله غير متحتم. وهو مستحق على طريق ~~المعاوضة، فاختص بمستحقه، وها هنا يجب قتله لله تعالى، فأشبه المرتد، وكذلك ~~الحكم في المحارب الذي تحتم قتله. ### | [فصل يقتل المرتد بالمسلم والذمي] # (6602) فصل: ويقتل المرتد بالمسلم والذمي، ويقدم القصاص على القتل ~~بالردة؛ لأنه حق آدمي. وإن عفا عنه ولي # PageV08P277 # القصاص، فله دية المقتول، فإن أسلم المرتد فهي في ذمته، وإن قتل بالردة ~~أو مات، تعلقت بماله. وإن قطع طرفا من أحدهما، فعليه القصاص فيه أيضا. وقال ~~بعض أصحاب الشافعي: لا يقتل المرتد بالذمي، ولا يقطع طرفه بطرفه؛ لأن أحكام ~~الإسلام في حقه باقية؛ بدليل وجوب العبادات عليه، ومطالبته بالإسلام. # ولنا، أنه كافر، فيقتل بالذمي، كالأصلي. وقولهم: إن أحكام الإسلام باقية. ~~غير صحيح، فإنه قد زالت عصمته ms4470 وحرمته، وحل نكاح المسلمات، وشراء العبيد ~~المسلمين، وصحة العبادات وغيرها، وأما مطالبته بالإسلام، فهو حجة عليهم، ~~فإنه يدل على تغليظ كفره، وأنه لا يقر على ردته؛ لسوء حاله، فإذا قتل ~~بالذمي مثله فمن هو دونه أولى. ### | [فصل جرح مسلم ذميا ثم ارتد ومات المجروح] # (6603) فصل: وإن جرح مسلم ذميا، ثم ارتد ومات المجروح، لم يقتل به؛ لأن ~~التكافؤ مشترط حال وجود الجناية، ولم يوجد. وإن قتل من يعرفه ذميا أو عبدا، ~~وكان قد أسلم وعتق، وجب القصاص؛ لأنه قتل من يكافئه عمدا عدوانا، فلزمه ~~القصاص، كما لو علم، وفارق من علمه حربيا؛ لأنه لم يعمد إلى قتل معصوم. ### | [مسألة قتل الحر بالعبد] # (6604) فصل: (ولا حر بعبد) وروي هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وزيد، وابن ~~الزبير، - رضي الله عنهم -. وبه قال الحسن، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، ~~وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. ويروى عن سعيد ~~بن المسيب، والنخعي، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي، أنه يقتل به؛ لعموم ~~الآيات والأخبار، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنون تتكافأ ~~دماؤهم» . ولأنه آدمي معصوم، فأشبه الحر. # ولنا، ما روى الإمام أحمد، بإسناده عن علي، - رضي الله عنه - أنه قال: ~~«من السنة أن لا يقتل حر بعبد» . وعن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا يقتل حر بعبد» . رواه الدارقطني. ولأنه لا يقطع طرفه بطرفه ~~مع التساوي في السلامة، فلا يقتل به، كالأب مع ابنه، ولأن العبد منقوص ~~بالرق، فلم يقتل به الحر، كالمكاتب إذا ملك ما يؤدي، والعمومات مخصوصات ~~بهذا، فنقيس عليه. ### | [فصل لا يقتل السيد بعبده] # (6605) فصل: ولا يقتل السيد بعبده، في قول أكثر أهل العلم. وحكي عن ~~النخعي وداود، أنه يقتل به؛ لما روى # PageV08P278 # قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتل ~~عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه» . رواه سعيد، والإمام أحمد، والترمذي، وقال: ~~حديث حسن غريب. مع العمومات والمعنى في التي قبلها. # ولنا، ما ذكرناه في التي قبلها، وعن ms4471 عمر، - رضي الله عنه - أنه قال: «لو ~~لم أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا يقاد المملوك من مولاه، ~~والولد من والده لأقدته منك» . رواه النسائي، وعن علي - رضي الله عنه -، ~~«أن رجلا قتل عبده، فجلده النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة جلدة، ونفاه ~~عاما، ومحا اسمه من المسلمين» . رواه سعيد، والخلال. وقال أحمد: ليس بشيء ~~من قبل إسحاق بن أبي فروة. ورواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن أبي ~~بكر وعمر، أنهما قالا: من قتل عبده، جلد مائة، وحرم سهمه مع المسلمين. فأما ~~حديث سمرة، فلم يثبت. قال أحمد: الحسن لم يسمع من سمرة، إنما هي صحيفة. # وقال عنه أحمد: إنما سمع الحسن من سمرة ثلاثة أحاديث، ليس هذا منها. ولأن ~~الحسن أفتى بخلافه، فإنه يقول: لا يقتل الحر بالعبد. وقال: إذا قتل السيد ~~عبده يضرب. ومخالفته له تدل على ضعفه. ### | [فصل لا يقطع طرف بطرف العبد] # (6606) فصل: ولا يقطع طرف الحر بطرف العبد، بغير خلاف علمناه بينهم، ~~ويقتل العبد بالحر، ويقتل بسيده؛ لأنه إذا قتل بمثله، فبمن هو أكمل منه ~~أولى، مع عموم النصوص الواردة في ذلك. ومتى وجب القصاص على العبد، فعفا ولي ~~الجناية إلى المال فله ذلك، ويتعلق أرشها برقبته؛ لأنه موجب جنايته، فتعلق ~~برقبته، كالقصاص. ثم إن شاء سيده أن يسلمه إلى ولي الجناية، لم يلزمه أكثر ~~من ذلك؛ لأنه سلم إليه ما تعلق حقه به. وإن قال ولي الجناية: بعه، وادفع ~~إلي ثمنه. لم يلزمه ذلك؛ لأنه لم يتعلق بذمته شيء، وإنما تعلق بالرقبة التي ~~سلمها، فبرئ منها. وفيه وجه آخر، أنه يلزمه ذلك، كما يلزمه بيع الرهن. وإن ~~امتنع من تسليمه، واختار فداءه، فهل تلزمه قيمته أو أرش الجناية جميعا؟ على ~~روايتين، ذكرناهما في غير هذا الموضع. # وإن عفا عن القصاص ليملك رقبة العبد، ففيه روايتان: إحداهما: يملكه بذلك؛ ~~لأنه يملك إتلافه، فكان ملكا له، كسائر أمواله. والثانية، لا يملكه؛ لأنه ~~محل تعلق به القصاص، فلا يملكه بالعفو كالحر. ms4472 فعلى هذه الرواية، يتعلق أرش ~~الجناية برقبته، كما لو عفا على مال؛ لأن العوض الذي عفا لأجله لم يصح له، ~~فكان له عوضه، كالعقود الفاسدة. # PageV08P279 ### | [فصل القصاص بين العبيد] # فصل: ويجري القصاص بين العبيد في النفس، في قول أكثر أهل العلم. روي ذلك ~~عن عمر بن عبد العزيز، وسالم، والنخعي، والشعبي، والزهري، وقتادة، والثوري، ~~ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة. وروي عن أحمد، رواية أخرى، أن من شرط القصاص ~~تساوي قيمتهم، وإن اختلفت قيمتهم لم يجر بينهم قصاص. وينبغي أن يختص هذا ~~بما إذا كانت قيمة القاتل أكثر، فإن كانت أقل فلا. وهذا قول عطاء. # وقال ابن عباس: ليس بين العبيد قصاص، في نفس ولا جرح؛ لأنهم أموال. ولنا، ~~أن الله تعالى قال {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر ~~بالحر والعبد بالعبد} [البقرة: 178] . وهذا نص من الكتاب، فلا يجوز خلافه، ~~لأن تفاوت القيمة كتفاوت الدية والفضائل، فلا يمنع القصاص كالعلم والشرف، ~~والذكورية والأنوثية. (6608) فصل: ويجري القصاص بينهم فيما دون النفس. وبه ~~قال عمر بن عبد العزيز، وسالم والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، ~~وابن المنذر. # وعن أحمد، رواية أخرى: لا يجري القصاص بينهم فيما دون النفس. وهو قول ~~الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة؛ لأن الأطراف مال، فلا يجري القصاص ~~فيها، كالبهائم، ولأن التساوي في الأطراف معتبر في جريان القصاص، بدليل أنا ~~لا نأخذ الصحيحة بالشلاء، ولا كاملة الأصابع بالناقصة، وأطراف العبيد لا ~~تتساوى. ولنا، قول الله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين} [المائدة: 45] ، الآية، ولأنه أحد نوعي القصاص، فجرى بين العبيد، ~~كالقصاص في النفس (6609) فصل: وإذا وجب القصاص في طرف العبد، وجب للعبد، ~~وله استيفاؤه والعفو عنه. ### | [فصل قتل عبد عبدا ثم عتق القاتل] # (6610) فصل: ولو قتل عبد عبدا، ثم عتق القاتل، قتل به. وكذلك لو جرح عبد ~~عبدا، ثم عتق الجارح، ومات المجروح، قتل به؛ لأن القصاص وجب، فلم يسقط ~~بالعتق بعده، ولأن التكافؤ موجود حال وجود الجناية، وهي السبب، فاكتفي به. ~~ولو جرح ms4473 حر ذمي عبدا ثم لحق بدار الحرب، فأسر واسترق، لم يقتل بالعبد؛ لأنه ~~حين وجوب القصاص حر. # PageV08P280 ### | [فصل قتل عبد عبدا عمدا] # (6611) فصل: وإذا قتل عبد عبدا عمدا، فسيد المقتول مخير بين القصاص ~~والعفو، فإن عفا إلى مال، تعلق المال برقبة القاتل؛ لأنه وجب بجنايته، ~~وسيده مخير بين فدائه وتسليمه، فإن اختار فداءه، فداه بأقل الأمرين من ~~قيمته أو قيمة المقتول؛ لأنه إن كان الأقل قيمته، لم يلزمه أكثر منها؛ ~~لأنها بدل عنه، وإن كان الأقل قيمة المقتول، فليس لسيده أكثر منها؛ لأنها ~~بدل عنه. # وعنه رواية أخرى، أن سيده إن اختار فداءه، لزمه أرش الجناية، بالغا ما ~~بلغ؛ لأنه إذا سلمه للبيع، ربما زاد فيه مزايد أكثر من قيمته. فإن قتل عشرة ~~أعبد عبدا لرجل عمدا، فعليهم القصاص، فإن اختار السيد قتلهم، فله قتلهم، ~~وإن عفا إلى مال، تعلقت قيمة عبده برقابهم، على كل واحد منهم عشرها، يباع ~~منه بقدرها أو يفديه سيده، فإن اختار قتل بعضهم والعفو عن البعض كان ذلك ~~له؛ لأن له قتل جميعهم والعفو عن جميعهم. # وإن قتل عبد عبدين لرجل واحد، فله قتله والعفو عنه، فإن قتله، سقط حقه، ~~وإن عفا إلى مال، تعلقت قيمة العبدين برقبته، فإن كانا لرجلين فكذلك، إلا ~~أن القاتل يقتل بالأول منهما؛ لأن حقه أسبق، فإن عفا عنه الأول، قتل ~~بالثاني. وإن قتلهما دفعة واحدة، أقرع بين السيدين، فأيهما خرجت له القرعة، ~~اقتص، وسقط حق الآخر. وإن عفا عن القصاص، أو عفا سيد القتيل الأول عن ~~القصاص إلى مال، تعلق برقبة العبد، وللثاني أن يقتص؛ لأن تعلق المال ~~بالرقبة لا يسقط حق القصاص، كما لو جنى العبد المرهون. فإن قتله الآخر، سقط ~~حق الأول من القيمة؛ لأنه لم يبق محل يتعلق به، وإن عفا الثاني، تعلقت قيمة ~~القتيل الثاني برقبته أيضا، ويباع فيهما، ويقسم ثمنه على قدر القيمتين، ولم ~~نقدم الأول بالقيمة، كما قدمناه بالقصاص؛ لأن القصاص لا يتبعض بينهما، ~~والقيمة يمكن تبعضها. فإن قيل: فحق الأول أسبق. قلنا: ms4474 لا يراعى السبق، كما ~~لو أتلف أموالا لجماعة، واحدا بعد واحد. # فأما إن قتل العبد عبدا بين شريكين كان لهما القصاص والعفو، فإن عفا ~~أحدهما، سقط القصاص، وينتقل حقهما إلى القيمة؛ لأن القصاص لا يتبعض. وإن ~~قتل عبدين لرجل واحد، فله أن يقتص منه لأحدهما، أيهما كان، ويسقط حقه من ~~الآخر، وله أن يعفو عنه إلى مال، وتتعلق قيمتهما جميعا برقبته. ### | [فصل العبد إذا قتل عبدا] # (6612) فصل: ويقتل العبد القن بالمكاتب، والمكاتب به، ويقتل كل واحد ~~منهما بالمدبر وأم الولد، ويقتل المدبر وأم الولد بكل واحد منهما؛ لأن الكل ~~عبيد، فيدخلون في عموم قوله تعالى {والعبد بالعبد} [البقرة: 178] . # PageV08P281 # وقد دل على كون المكاتب عبدا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المكاتب ~~عبد، ما بقي عليه درهم» . وسواء كان المكاتب قد أدى من كتابته شيئا، أو لم ~~يؤد، وسواء ملك ما يؤدي، أو لم يملك، إلا إذا قلنا: إنه إذا ملك ما يؤدي ~~فقد صار حرا. فإنه لا يقتل بالعبد؛ لأنه حر، فلا يقتل بالعبد. # وإن أدى ثلاثة أرباع مال الكتابة، لم يقتل به أيضا؛ لأنه يصير حرا، ومن ~~لم يحكم بحريته إلا بأداء جميع الكتابة، أجاز قتله به. وقال أبو حنيفة: إذا ~~قتل العبد مكاتبا، له وفاء ووارث سوى مولاه، لم يقتل به؛ لأنه حين الجرح ~~كان المستحق المولى، وحين الموت الوارث، ولا يجب القصاص إلا لمن يثبت حقه ~~في الطرفين. ولنا، قوله تعالى: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] . وقوله ~~تعالى: {والعبد بالعبد} [البقرة: 178] . ولأنه لو كان قنا، لوجب بقتله ~~القصاص، فإذا كان مكاتبا، كان أولى، كما لو لم يخلف وارثا. وما ذكروه شيء ~~بنوه على أصولهم، ولا نسلمه. ### | [مسألة قتل الكافر العبد عمدا] # (6613) مسألة: قال: وإذا قتل الكافر العبد عمدا، فعليه قيمته، ويقتل ~~لنقضه العهد يعني الكافر الحر، لا يقتل بالعبد المسلم؛ لأن الحر لا يقتل ~~بالعبد، لفقدان التكافؤ بينهما، ولأنه لا يحد بقذفه، فلا يقتل بقتله، كالأب ~~مع ابنه، وعليه قيمته، ويقتل لنقضه العهد؛ فإن قتل المسلم ينتقض به العهد، ms4475 ~~بدليل ما روي أن ذميا كان يسوق حمارا بامرأة مسلمة، فنخسه بها فرماها، ثم ~~أراد إكراهها على الزنى، فرفع إلى عمر - رضي الله عنه - فقال ما على هذا ~~صالحناهم. فقتله وصلبه. وروي في شروط عمر، أنه كتب إلى عبد الرحمن بن غنم: ~~أن ألحق بالشروط: من ضرب مسلما عمدا، فقد خلع عهده. ولأنه فعل ينافي ~~الأمان، وفيه ضرر على المسلمين، فكان نقضا للعهد، كالاجتماع على قتال ~~المسلمين، والامتناع من أداء الجزية. وفيه رواية أخرى؛ أنه لا ينتقض عهده ~~بذلك. فعلى هذا، عليه قيمته، ويؤدب بما يراه ولي الأمر. ### | [فصل قتل عبد مسلم حرا كافرا] # (6614) فصل: وإن قتل عبد مسلم حرا كافرا لم يقتل به؛ لأنا لا نقتل المسلم ~~بالكافر. وإن قتل من نصفه حر عبدا، لم يقتل به؛ لأنا لا نقتل نصف الحر ~~بعبد. وإن قتله حر، لم يقتل به؛ لأن النصف الرقيق لا يقتل به الحر. وإن قتل ~~من نصفه حر من نصفه حر، قتل به؛ لأن القصاص يقع بين الجملتين من غير تفصيل، ~~وهما متساويان. # PageV08P282 ### | [فصل القصاص بين الولاة والعمال وبين رعيتهم] # (6615) فصل: ويجري القصاص بين الولاة والعمال وبين رعيتهم؛ لعموم الآيات ~~والأخبار؛ ولأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم، ولا نعلم في هذا خلافا. وثبت عن ~~أبي بكر - رضي الله عنه -، أنه قال لرجل شكا إليه عاملا أنه قطع يده ظلما: ~~لئن كنت صادقا، لأقيدنك منه. وثبت أن عمر - رضي الله عنه - كان يقيد من ~~نفسه. وروى أبو داود، قال: خطب عمر، فقال: إني لم أبعث عمالي ليضربوا ~~أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل به ذلك، فليرفعه إلي، أقصه منه. ~~فقال عمرو بن العاص: لو أن رجلا أدب بعض رعيته، أتقصه منه؟ قال: أي والذي ~~نفسي بيده، أقصه منه، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقص من ~~نفسه. ولأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم، وهذان حران مسلمان، ليس بينهما إيلاد، ~~فيجري القصاص بينهما، كسائر الرعية. ### | [فصل قتل القاتل غير ولي الدم] # (6616) فصل: وإذا قتل القاتل غير ولي الدم، فعلى قاتله ms4476 القصاص، ولورثة ~~الأول الدية في تركة الجاني الأول. وبهذا قال الشافعي. وقال الحسن، ومالك: ~~يقتل قاتله، ويبطل دم الأول؛ لأنه فات محله، فأشبه ما لو قتل العبد الجاني. ~~وروي عن قتادة وأبي هاشم: لا قود على الثاني؛ لأنه قتل مباح الدم، فلم يجب ~~بقتله قصاص، كالزاني المحصن. ولنا، على وجوب القصاص على قاتله، أنه محل لم ~~يتحتم قتله، ولم يبح لغير ولي الدم قتله، فوجب القصاص بقتله، كما لو كان ~~عليه دين. ولنا، على وجوب الدية في تركة الجاني الأول، أن القصاص إذا تعذر ~~وجبت الدية، كما لو مات، أو عفا بعض الشركاء، أو حدث مانع. # وفارق العبد الجاني، فإنه ليس له مال ينتقل إليه؛ فإن عفا أولياء الثاني ~~على الدية، أخذوها ودفعوها إلى ورثة الأول، فإن كانت عليه ديون، ضم ما ~~قبضوا من الدية إلى سائر تركته، ثم ضرب أولياء المقتول الأول مع سائر أهل ~~الديون في تركته وديته، وإن أحال ورثة المقتول الثاني ورثة المقتول الأول ~~بالدية على القاتل الثاني، صحت الحوالة. ويتخرج أن تجب دية القتيل الأول ~~على قاتل قاتله ابتداء؛ لأنه أتلف محل حق ورثته، فكان غرامته عليه، كما لو ~~قتل العبد الجاني، وإن مات القاتل عمدا، وجبت الدية في تركته. بهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط حق ولي الجناية. وتوجيه المذهبين على ~~ما تقدم. # PageV08P283 ### | [مسألة لا قصاص على صبي ولا مجنون] # (6617) مسألة: قال: (والطفل، والزائل العقل، لا يقتلان بأحد) لا خلاف بين ~~أهل العلم، أنه لا قصاص على صبي ولا مجنون، وكذلك كل زائل العقل بسبب يعذر ~~فيه، مثل النائم، والمغمى عليه، ونحوهما. والأصل في هذا قول النبي «- صلى ~~الله عليه وسلم -: رفع القلم عن ثلاثة؛ عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى ~~يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» . ولأن القصاص عقوبة مغلظة، فلم تجب على ~~الصبي وزائل العقل كالحدود، ولأنهم ليس لهم قصد صحيح، فهم كالقاتل خطأ. ### | [فصل اختلف الجاني وولي الجناية في القصاص] # (6618) فصل: فإن اختلف الجاني وولي الجناية، فقال الجاني: كنت ms4477 صبيا حال ~~الجناية. وقال ولي الجناية: كنت بالغا. فالقول قول الجاني مع يمينه، إذا ~~احتمل الصدق؛ لأن الأصل الصغر، وبراءة ذمته من القصاص. وإن قال: قتلته وأنا ~~مجنون. وأنكر الولي جنونه، فإن عرف له حال جنون، فالقول قوله أيضا لذلك، إن ~~لم يعرف له حال جنون، فالقول قول الولي؛ لأن الأصل السلامة، وكذلك إن عرف ~~له جنون، ثم علم زواله قبل القتل، وإن ثبتت لأحدهما بينة بما ادعاه، حكم ~~له. # وإن أقاما بينتين تعارضتا، فإن شهدت البينة أنه كان زائل العقل، فقال ~~الولي: كنت سكران. وقال القاتل: كنت مجنونا. فالقول قول القاتل مع يمينه؛ ~~لأنه أعرف بنفسه، ولأن الأصل براءة ذمته، واجتناب المسلم فعل ما يحرم عليه. ### | [فصل قتله وهو عاقل ثم جن] # (6619) فصل: فإن قتله وهو عاقل، ثم جن، لم يسقط عنه القصاص، سواء ثبت ذلك ~~عليه ببينة أو إقرار؛ لأن رجوعه غير مقبول، ويقتص منه في حال جنونه. ولو ~~ثبت عليه الحد بإقراره، ثم جن لم يقم عليه حال جنونه؛ لأن رجوعه يقبل، ~~فيحتمل أنه لو كان صحيحا رجع. ### | [فصل يجب القصاص على السكران إذا قتل حال سكره] # (6620) فصل: ويجب القصاص على السكران إذا قتل حال سكره. ذكره القاضي، ~~وذكر أبو الخطاب، أن وجوب القصاص عليه مبني على وقوع طلاقه، وفيه روايتان، ~~فيكون في وجوب القصاص عليه وجهان؛ أحدهما: لا يجب عليه؛ لأنه زائل العقل، ~~أشبه المجنون، ولأنه غير مكلف، أشبه الصبي والمجنون. ولنا، أن الصحابة - ~~رضي الله عنهم -، أقاموا سكره مقام قذفه، فأوجبوا عليه حد القاذف، فلولا أن # PageV08P284 # قذفه موجب للحد عليه، لما وجب الحد بمظنته، وإذا وجب الحد، فالقصاص ~~المتمحض حق آدمي أولى، ولأنه حكم لو لم يجب عليه القصاص والحد، لأفضى إلى ~~أن من أراد أن يعصي الله تعالى، شرب ما يسكره، ثم يقتل ويزني ويسرق، ولا ~~يلزمه عقوبة ولا مأثم، ويصير عصيانه سببا لسقوط عقوبة الدنيا والآخرة عنه، ~~ولا وجه لهذا. وفارق هذا الطلاق، ولأنه قول يمكن إلغاؤه بخلاف القتل. فأما ~~إن شرب أو ms4478 أكل ما يزيل عقله غير الخمر، على وجه محرم، فإن زال عقله ~~بالكلية، بحيث صار مجنونا، فلا قصاص عليه، وإن كان يزول قريبا ويعود من غير ~~تداو، فهو كالسكر، على ما فصل فيه. ### | [مسألة لا يقتل والد بولده في القصاص] # (6621) مسألة: قال: (ولا يقتل والد بولده، وإن سفل) وجملته أن الأب لا ~~يقتل بولده، والجد لا يقتل بولد ولده، وإن نزلت درجته، وسواء في ذلك ولد ~~البنين أو ولد البنات. وممن نقل عنه أن الوالد لا يقتل بولده، عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه -. وبه قال ربيعة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، ~~وإسحاق، وأصحاب الرأي. # وقال ابن نافع، وابن عبد الحكم، وابن المنذر: يقتل به؛ لظاهر آي الكتاب، ~~والأخبار الموجبة للقصاص، ولأنهما حران مسلمان من أهل القصاص فوجب أن يقتل ~~كل واحد منهما بصاحبه، كالأجنبيين. وقال ابن المنذر: قد رووا في هذا الباب ~~أخبارا. وقال مالك: إن قتله حذفا بالسيف ونحوه، لم يقتل به، وإن ذبحه، أو ~~قتله قتلا لا يشك في أنه عمد إلى قتله دون تأديبه، أقيد به. ولنا، ما روى ~~عمر بن الخطاب، وابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ~~يقتل والد بولده» . أخرج النسائي حديث عمر، ورواهما ابن ماجه، وذكرهما ابن ~~عبد البر، وقال: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض ~~عندهم، يستغني بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكون الإسناد ~~في مثله مع شهرته تكلفا. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنت ~~ومالك لأبيك» . وقضية هذه الإضافة تمليكه إياه، فإذا لم تثبت حقيقة ~~الملكية، بقيت الإضافة شبهة في درء القصاص؛ لأنه يدرأ بالشبهات، ولأنه سبب ~~إيجاده، فلا ينبغي أن يتسلط بسببه على إعدامه. # وما ذكرناه يخص العمومات، ويفارق الأب سائر الناس، فإنهم لو قتلوا بالحذف ~~بالسيف، وجب عليهم القصاص، والأب بخلافه. (6622) فصل: والجد وإن علا كالأب ~~في هذا، وسواء كان من قبل الأب أو من قبل الأم، في قول أكثر مسقطي القصاص ~~عن الأب. وقال الحسن بن حي: ms4479 يقتل به. # PageV08P285 # ولنا أنه والد، فيدخل في عموم النص؛ ولأن ذلك حكم يتعلق بالولادة، فاستوى ~~فيه القريب والبعيد، كالمحرمية، والعتق إذا ملكه، والجد من قبل الأم كالجد ~~من قبل الأب؛ لأن ابن البنت يسمى ابنا، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«في الحسن: إن ابني هذا سيد» . ### | [مسألة الأم في القصاص كالأب] # (6623) مسألة: قال: (والأم في ذلك كالأب) هذا الصحيح من المذهب وعليه ~~العمل عند مسقطي القصاص عن الأب. وروي عن أحمد، - رحمه الله -، ما يدل على ~~أنه لا يسقط عن الأم فإن مهنا نقل عنه، في أم ولد قتلت سيدها عمدا: تقتل. ~~قال: من يقتلها؟ قال: ولدها. وهذا يدل على إيجاب القصاص على الأم بقتل ~~ولدها. وخرجها أبو بكر على روايتين؛ إحداهما: أن الأم تقتل بولدها؛ لأنه لا ~~ولاية لها عليه، فتقتل به، كالأخ. والصحيح الأول؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا يقتل والد بولده» . ولأنها أحد الوالدين، فأشبهت الأب، ~~ولأنها أولى بالبر، فكانت أولى بنفي القصاص عنها، والولاية غير معتبرة؛ ~~بدليل انتفاء القصاص عن الأب بقتل الكبير الذي لا ولاية عليه، وعن الجد، ~~ولا ولاية له، وعن الأب المخالف في الدين، أو الرقيق. والجدة وإن علت في ~~ذلك كالأم، وسواء في ذلك من قبل الأب، أو من قبل الأم؛ لما ذكرنا في الجد. # (6624) فصل: وسواء كان الوالد مساويا للولد في الدين والحرية، أو مخالفا ~~له في ذلك؛ لأن انتفاء القصاص لشرف الأبوة، وهو موجود في كل حال، فلو قتل ~~الكافر ولده المسلم، أو قتل المسلم أباه الكافر، أو قتل العبد ولده الحر، ~~أو قتل الحر ولده العبد، لم يجب القصاص لشرف الأبوة فيما إذا قتل ولده، ~~وانتفاء المكافأة فيما إذا قتل والده. ### | [فصل ادعى نفران نسب صغير مجهول النسب ثم قتلاه قبل إلحاقه بواحد منهما] # (6625) فصل: وإذا ادعى نفران نسب صغير مجهول النسب، ثم قتلاه قبل إلحاقه ~~بواحد منهما، فلا قصاص عليهما؛ لأنه يجوز أن يكون ابن كل واحد منهما أو ~~ابنهما. وإن ألحقته القافة بأحدهما ثم، ms4480 قتلاه، لم يقتل أبوه، وقتل الآخر؛ ~~لأنه شريك الأب في قتل ابنه. وإن رجعا جميعا عن الدعوى، لم يقبل رجوعهما؛ ~~لأن النسب حق للولد، فلم يقبل رجوعهما عن إقرارهما به، كما لو أقر له بحق ~~سواه، أو كما لو ادعاه واحد، فألحق # PageV08P286 # به، ثم جحده. وإن رجع أحدهما، صح رجوعه، وثبت نسبه من الآخر؛ لأن رجوعه ~~لم يبطل نسبه، ويسقط القصاص عن الذي لم يرجع، ويجب على الراجع؛ لأنه شارك ~~الأب، وإن عفي عنه، فعليه نصف الدية. # ولو اشترك رجلان في وطء امرأة في طهر واحد، وأتت بولد، يمكن أن يكون ~~منهما، فقتلاه قبل إلحاقه بأحدهما، لم يجب القصاص، وإن نفيا نسبه، لم ينتف ~~بقولهما، وإن نفاه أحدهما، لم ينتف بقوله؛ لأنه لحقه بالفراش، فلا ينتفي ~~إلا باللعان. وفارق التي قبلها من وجهين: أحدهما أن أحدهما إذا رجع عن ~~دعواه، لحق الآخر، وها هنا لا يلحق بذلك. والثاني، أن ثبوت نسبه ثم ~~بالاعتراف، فيسقط بالجحد، وها هنا يثبت بالاشتراك في الوطء، فلا ينتفي ~~بالجحد. ومذهب الشافعي في هذا الفصل كما قلنا، سواء. ### | [فصل قتل أحد الأبوين صاحبه ولهما ولد] # (6626) فصل: ولو قتل أحد الأبوين صاحبه، ولهما ولد، لم يجب القصاص؛ لأنه ~~لو وجب لوجب، لولده، ولا يجب للولد قصاص على والده؛ لأنه إذا لم يجب ~~بالجناية عليه، فلأن لا يجب له بالجناية على غيره أولى، وسواء كان الولد ~~ذكرا أو أنثى، أو كان للمقتول ولد سواه، أو من يشاركه في الميراث، أو لم ~~يكن؛ لأنه لو ثبت القصاص، لوجب له جزء منه، ولا يمكن وجوبه، وإذا لم يثبت ~~بعضه، سقط كله؛ لأنه لا يتبعض. وصار كما لو عفا بعض مستحقي القصاص عن نصيبه ~~منه. فإن لم يكن للمقتول ولد منهما، وجب القصاص، في قول أكثر أهل العلم؛ ~~منهم عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال الزهري: لا يقتل الزوج بامرأته؛ لأنه ملكها بعقد النكاح فأشبه ~~الأمة. ولنا، عمومات النص، ولأنهما شخصان متكافئان، يحد كل واحد منهما بقذف ms4481 ~~صاحبه، فيقتل به، كالأجنبيين. وقوله: إنه ملكها. غير صحيح، فإنها حرة، ~~وإنما ملك منفعة الاستمتاع، فأشبه المستأجرة؛ ولهذا تجب ديتها عليه، ويرثها ~~ورثتها، ولا يرث منها إلا قدر ميراثه، ولو قتلها غيره، كان ديتها أو القصاص ~~لورثتها، بخلاف الأمة. ### | [فصل قتل رجل أخاه فورثه ابنه أو أحدا يرث ابنه منه شيئا من ميراثه] # (6627) فصل: ولو قتل رجل أخاه، فورثه ابنه، أو أحدا يرث ابنه منه شيئا من ~~ميراثه، لم يجب القصاص؛ لما ذكرنا. ولو قتل خال ابنه، فورثت أم ابنه القصاص ~~أو جزءا منه، ثم ماتت بقتل الزوج أو غيره، فورثها ابنه، سقط القصاص؛ لأن ما ~~منع مقارنا أسقط طارئا، وتجب الدية. ولو قتلت المرأة أخا زوجها، فصار ~~القصاص أو جزء منه لابنها، سقط القصاص، سواء صار إليه ابتداء، أو انتقل ~~إليه من أبيه أو من غيره؛ لما ذكرنا. # PageV08P287 ### | [فصل قتل أحد أبوي المكاتب المكاتب أو عبدا له] # (6628) فصل: وإذا قتل أحد أبوي المكاتب المكاتب، أو عبدا له، لم يجب ~~القصاص؛ لأن الوالد لا يقتل بولده، ولا يثبت للولد على والده قصاص. وإن ~~اشترى المكاتب أحد أبويه، ثم قتله، لم يجب عليه قصاص؛ لأن السيد لا يقتل ~~بعبده. ### | [فصل ابنان قتل أحدهما أباه والآخر أمه] # (6629) فصل: ابنان قتل أحدهما أباه، والآخر أمه، فإن كانت الزوجية بينهما ~~موجودة حال قتل الأول، فالقصاص على قاتل الثاني دون الأول؛ لأن القتيل ~~الثاني ورث جزءا من دم الأول، فلما قتل ورثه قاتل الأول، فصار له جزء من دم ~~نفسه، فسقط القصاص عنه، ووجب له القصاص على أخيه، فإن قتله، ورثه إن لم يكن ~~وارث سواه؛ لأنه قتل بحق، وإن عفا عنه إلى الدية، وجبت، وتقاصا بما بينهما، ~~وما فضل لأحدهما فهو له على أخيه. وإن لم تكن الزوجية بين الأبوين قائمة، ~~فعلى كل واحد منهما القصاص لأخيه؛ لأنه ورث الذي قتله أخوه وحده دون قاتله، ~~فإن بادر أحدهما فقتل صاحبه، فقد استوفى حقه، وسقط القصاص عنه؛ لأنه يرث ~~أخاه؛ لكونه قتلا بحق، فلا يمنع ms4482 الميراث، إلا أن يكون للمقتول ابن، أو ابن ~~ابن يحجب القاتل، فيكون له قتل عمه، ويرثه إن لم يكن له وارث سواه. # وإن تشاحا في المبتدئ منهما بالقتل، احتمل أن يبدأ بقتل القاتل الأول؛ ~~لأنه أسبق، واحتمل أن يقرع بينهما. وهذا قول القاضي، ومذهب الشافعي؛ لأنهما ~~تساويا في الاستحقاق، فيصيرا إلى القرعة، وأيهما قتل صاحبه أولا، إما ~~بمبادرة أو قرعة، ورثه، في قياس المذهب، إن لم يكن له وارث سواه، وسقط عنه ~~القصاص، وإن كان محجوبا عن ميراثه كله، فلو ورث القتيل قتل الآخر. وإن عفا ~~أحدهما عن الآخر، ثم قتل المعفو عنه العافي، ورثه أيضا، وسقط عنه ما وجب ~~عليه من الدية. وإن تعافيا جميعا على الدية، تقاصا بما استويا فيه، ووجب ~~لقاتل الأم الفضل على قاتل الأب؛ لأن عقل الأم نصف عقل الأب. ويتخرج أن ~~يسقط القصاص عنهما؛ لتساويهما في استحقاقه، كسقوط الديتين إذا تساوتا، ~~ولأنه لا سبيل إلى استيفائهما معا، واستيفاء أحدهما دون الآخر حيف، فلا ~~يجوز، فتعين السقوط. # وإن كان لكل واحد منهما ابن يحجب عمه عن ميراث أبيه، فإذا قتل أحدهما ~~صاحبه، ورثه ابنه، ثم لابنه أن يقتل عمه، ويرثه ابنه، ويرث كل واحد من ~~الابنين مال أبيه ومال جده الذي قتله عمه دون الذي قتله أبوه. وإن كان لكل ~~واحد منهما بنت، فقتل أحدهما صاحبه، سقط القصاص عنه؛ لأنه ورث نصف مال أخيه ~~ونصف قصاص نفسه، فسقط عنه القصاص، وورث مال أبيه الذي قتله أخوه ونصف مال ~~أخيه # PageV08P288 # ونصف مال أبيه الذي قتله هو، وورثت البنت التي قتل أبوها نصف مال أبيها ~~ونصف مال جدها الذي قتله عمها، ولها على عمها نصف دية قتيله. ### | [فصل أربعة إخوة قتل الأول الثاني والثالث الرابع] # (6630) فصل: أربعة إخوة، قتل الأول الثاني، والثالث الرابع، فالقصاص على ~~الثالث؛ لأنه لما قتل الرابع، لم يرثه، وورثه الأول وحده، وقد كان للرابع ~~نصف قصاص الأول، فرجع نصف قصاصه إليه، فسقط، ووجب للثالث نصف الدية، وكان ~~للأول قتل الثالث؛ لأنه لم يرث ms4483 من دم نفسه شيئا، فإن قتله، ورثه في ظاهر ~~المذهب، ويرث ما يرثه عن أخيه الثاني، وإن عفا عنه إلى الدية، وجبت عليه ~~بكمالها يقاصه بنصفها. وإن كان لهما ورثة، كان فيها من التفصيل مثل الذي في ~~التي قبلها. ### | [مسألة يقتل الولد بكل واحد من الوالدين] # (6631) مسألة: قال: (ويقتل الولد بكل واحد منهما) هذا قول عامة أهل ~~العلم؛ منهم مالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وحكى أصحابنا عن أحمد، ~~رواية ثانية، أن الابن لا يقتل بأبيه؛ لأنه ممن لا تقبل شهادته له بحق ~~النسب، فلا يقتل به كالأب مع ابنه. والمذهب أنه يقتل به؛ للآيات، والأخبار، ~~وموافقة القياس، ولأن الأب أعظم حرمة وحقا من الأجنبي، فإذا قتل بالأجنبي، ~~فبالأب أولى، ولأنه يحد بقذفه، فيقتل به، كالأجنبي. ولا يصح قياس الابن على ~~الأب؛ لأن حرمة الوالد على الولد آكد، والابن مضاف إلى أبيه فاللام ~~التمليك، بخلاف الوالد مع الولد. # وقد ذكر أصحابنا حديثين متعارضين عن سراقة، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ أحدهما: # أنه قال: «لا يقاد الأب من ابنه، ولا الابن من أبيه» . # والثاني: أنه «كان يقيد الأب من ابنه، ولا يقيد الابن من أبيه.» رواه ~~الترمذي. وهذان الحديثان؛ الحديث الأول لا نعرفه، ولم نجده في كتب السنن ~~المشهورة، ولا أظن له أصلا، وإن كان له أصل فهما متعارضان متدافعان، يجب ~~اطراحهما، والعمل بالنصوص الواضحة الثابتة، والإجماع الذي لا تجوز مخالفته. ### | [مسألة يقتل الجماعة بالواحد] # (6632) مسألة: قال: (ويقتل الجماعة بالواحد) وجملته أن الجماعة إذا قتلوا ~~واحدا، فعلى كل واحد منهم القصاص، إذا كان كل واحد منهم لو انفرد # PageV08P289 # بفعله وجب عليه القصاص. روي ذلك عن عمر، وعلي، والمغيرة بن شعبة، وابن ~~عباس. وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة. وهو مذهب ~~مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور وأصحاب الرأي. وحكي ~~عن أحمد رواية أخرى، لا يقتلون به، وتجب عليهم الدية. وهذا قول ابن الزبير، ~~والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، وداود وابن ~~المنذر. ms4484 وحكاه ابن أبي موسى عن ابن عباس. # وروي عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري، أنه يقتل منهم ~~واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية؛ لأن كل واحد منهم مكافئ له، فلا ~~تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد، ولأن الله تعالى ~~قال: {الحر بالحر} [البقرة: 178] . وقال: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس} [المائدة: 45] . فمقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة، ~~ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع، بدليل أن الحر لا يؤخذ بالعبد، والتفاوت في ~~العدد أولى. قال ابن المنذر: لا حجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد. # ولنا، إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، روى سعيد بن المسيب، أن عمر بن ~~الخطاب، قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا، وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء ~~لقتلتهم جميعا. وعن علي - رضي الله عنه - أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلا. وعن ~~ابن عباس أنه قتل جماعة بواحد، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان إجماعا، ~~ولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد، فوجبت للواحد على الجماعة، كحد القذف. ~~ويفارق الدية، فإنها تتبعض، والقصاص لا يتبعض، ولأن القصاص لو سقط ~~بالاشتراك، أدى إلى التسارع إلى القتل به، فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع ~~والزجر. # (6633) فصل: ولا يعتبر في وجوب القصاص على المشتركين التساوي في سببه، ~~فلو جرحه رجل جرحا والآخر مائة، أو جرحه أحدهما موضحة والآخر آمة، أو ~~أحدهما جائفة والآخر غير جائفة، فمات، كانا سواء في القصاص والدية؛ لأن ~~اعتبار التساوي يفضي إلى سقوط القصاص عن المشتركين، إذ لا يكاد جرحان ~~يتساويان من كل وجه، ولو احتمل التساوي لم يثبت الحكم؛ لأن الشرط يعتبر ~~العلم بوجوده، ولا يكتفي باحتمال الوجود، بل الجهل بوجوده كالعلم بعدمه في ~~انتفاء الحكم، ولأن الجرح الواحد يحتمل أن يموت منه دون المائة، كما يحتمل ~~أن يموت من الموضحة دون الآمة، ومن غير الجائفة دون الجائفة، ولأن الجراح ~~إذا صارت نفسا سقط اعتبارها، فكان حكم الجماعة كحكم الواحد، ألا ترى أنه لو ~~قطع أطرافه كلها ms4485 فمات، وجبت دية واحدة، كما لو قطع طرفه فمات. # PageV08P290 ### | [فصل اشترك ثلاثة في قتل رجل فقطع أحدهم يده والآخر رجله وأوضحه الثالث فمات] # (6634) فصل: إذا اشترك ثلاثة في قتل رجل، فقطع أحدهم يده، والآخر رجله، ~~وأوضحه الثالث، فمات، فللولي قتل جميعهم، والعفو عنهم إلى الدية، فيأخذ من ~~كل واحد ثلثها، وله أن يعفو عن واحد، فيأخذ منه ثلث الدية، ويقتل الآخرين، ~~وله أن يعفو عن اثنين، فيأخذ منهما ثلثي الدية، ويقتل الثالث، فإن برأت ~~جراحة أحدهم، ومات من الجرحين الآخرين، فله أن يقتص من الذي برأ جرحه بمثل ~~جرحه، ويقتل الآخرين، أو يأخذ منهما دية كاملة، أو يقتل أحدهما ويأخذ من ~~الآخر نصف الدية، وله أن يعفو عن الذي برأ جرحه، ويأخذ منه دية جرحه. فإن ~~ادعى الموضح أن جرحه برأ قبل موته، وكذبه شريكاه، نظرت في الولي، فإن صدقه ~~ثبت حكم البرء بالنسبة إليه، فلا يملك قتله، ولا مطالبته بثلث الدية، وله ~~أن يقتص منه موضحه، أو يأخذ منه أرشها، ولم يقبل قوله في حق شريكه؛ لأن ~~الأصل عدم البرء فيها، لكن إن اختار الولي القصاص، فلا فائدة لهما في إنكار ~~ذلك؛ لأن له أن يقتلهما، سواء برأت أو لم تبرأ. # وإن اختار الدية، لم يلزمهما أكثر من ثلثيها. وإن كذبه الولي، حلف، وله ~~الاقتصاص منه، أو مطالبته بثلث الدية، ولم يكن له مطالبة شريكه بأكثر من ~~ثلثها. فإن شهد له شريكاه ببرئها، لزمهما الدية كاملة؛ لإقرارهما بوجوبها، ~~وللولي أخذها منهما إن صدقهما، وإن لم يصدقهما، وعفا ولي الدية، لم يكن له ~~أكثر من ثلثيها؛ لأنه لا يدعي أكثر من ذلك. وتقبل شهادتهما له، إن كانا قد ~~تابا وعدلا؛ لأنهما لا يجران إلى أنفسهما بذلك نفعا، فيسقط القصاص عنه، ولا ~~يلزمه أكثر من أرش موضحة. ### | [فصل قطع رجل يده من الكوع ثم قطعها آخر من المرفق ثم مات] # (6635) فصل: إذا قطع رجل يده من الكوع، ثم قطعها آخر من المرفق، ثم مات، ~~نظرت؛ فإن كانت جراحة الأول برأت قبل ms4486 قطع الثاني، فالثاني هو القاتل وحده، ~~وعليه القود، أو الدية كاملة، إن عفا عن قتله، وله قطع يد الأول، أو نصف ~~الدية، وإن لم تبرأ، فهما قاتلان، وعليهما القصاص في النفس، وإن عفا إلى ~~الدية، وجبت عليهما. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: القاتل هو الثاني ~~وحده، ولا قصاص على الأول في النفس؛ لأن قطع الثاني قطع سراية، قطعه ومات ~~بعد زوال جنايته، فأشبه ما لو اندمل جرحه. وقال مالك: إن قطعه الثاني عقيب ~~قطع الأول، قتلا جميعا، وإن عاش بعد قطع الأول حتى أكل وشرب، ومات عقيب قطع ~~الثاني، فالثاني هو القاتل وحده، وإن عاش بعدهما حتى أكل وشرب، فللأولياء ~~أن يقسموا على أيهما شاءوا ويقتلوه. # ولنا، أنهما قطعان لو مات بعد كل واحد منهما وحده، لوجب عليه القصاص، ~~فإذا مات بعدهما، وجب عليهما القصاص، كما لو كان في يدين، ولأن القطع ~~الثاني لا يمنع جنايته بعده، فلا يسقط حكم ما قبله، # PageV08P291 # كما لو كان في يدين، ولا نسلم زوال جنايته، ولا قطع سرايته، فإن الألم ~~الحاصل بالقطع الأول لم يزل، وإنما انضم إليه الألم الثاني، فضعفت النفس عن ~~احتمالهما، فزهقت بهما، فكان القتل بهما. ويخالف الاندمال؛ فإنه لا يبقى ~~معه الألم الذي حصل في الأعضاء الشريفة، فاختلفا. فإن ادعى الأول أن جرحه ~~اندمل، فصدقه الولي، سقط عنه القتل، ولزمه القصاص في اليد أو نصف الدية، ~~وإن كذبه شريكه، واختار الولي القصاص، فلا فائدة له في تكذيبه؛ لأن قتله ~~واجب، وإن عفا عنه إلى الدية فالقول قوله مع يمينه، ولا يلزمه أكثر من نصف ~~الدية. # وإن كذب الولي الأول، حلف، وكان له قتله؛ لأن الأصل عدم ما ادعاه. ولو ~~ادعى الثاني اندمال جرحه، فالحكم فيه كالحكم في الأول إذا ادعى ذلك. ### | [مسألة قطع يدا جماعة] # (6636) مسألة: قال: (وإذا قطعوا يدا، قطعت نظيرتها من كل واحد منهم) ~~وجملته أن الجماعة إذا اشتركوا في جرح موجب للقصاص، وجب القصاص على جميعهم. ~~وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وقال الحسن، والزهري، ms4487 والثوري، ~~وأصحاب الرأي، وابن المنذر: لا تقطع يدان بيد واحدة. ويتعين ذلك وجها في ~~مذهب أحمد؛ لأنه روي عنه أن الجماعة لا يقتلون بالواحد. # وهذا تنبيه على أن الأطراف لا تؤخذ بطرف واحد؛ لأن الأطراف يعتبر التساوي ~~فيها، بدليل أنا لا نأخذ الصحيحة بالشلاء، ولا كاملة الأصابع بناقصتها، ولا ~~أصلية بزائدة، ولا زائدة بأصلية، ولا يمينا بيسار، ولا يسارا بيمين، ولا ~~نساوي بين الطرف والأطراف، فوجب امتناع القصاص بينهما، ولا يعتبر التساوي ~~في النفس، فإننا نأخذ الصحيح بالمريض، وصحيح الأطراف بمقطوعها وأشلها، ~~ولأنه يعتبر في القصاص في الأطراف التساوي في نفس القطع، بحيث لو قطع كل ~~واحد من جانب، لم يجب القصاص، بخلاف النفس، ولأن الاشتراك الموجب للقصاص في ~~النفس يقع كثيرا، فوجب القصاص زجرا عنه، كي لا يتخذ وسيلة إلى كثرة القتل، ~~والاشتراك المختلف فيه لا يقع إلا في غاية الندرة، فلا حاجة إلى الزجر عنه. # ولأن إيجاب القصاص على المشتركين في النفس يحصل به الزجر عن كل اشتراك، ~~أو عن الاشتراك المعتاد، وإيجابه عن المشتركين في الطرف، لا يحصل به الزجر ~~عن الاشتراك المعتاد، ولا عن شيء من الاشتراك، إلا على صورة نادرة الوقوع ~~بعيدة الوجود، يحتاج في وجودها إلى تكلف، فإيجاب القصاص للزجر عنها يكون ~~منعا لشيء ممتنع بنفسه لصعوبته، وإطلاقا في القطع السهل المعتاد بنفي ~~القصاص عن فاعله، وهذا لا فائدة فيه، بخلاف الاشتراك في النفس، يحققه أن ~~وجوب القصاص على الجماعة بواحد في النفس والطرف على خلاف الأصل، لكونه يأخذ # PageV08P292 # في الاستيفاء زيادة على ما فوت عليه، ويخل بالتماثل المنصوص على النهي ~~عما عداه، وإنما خولف هذا الأصل في الأنفس، زجرا عن الاشتراك الذي يقع ~~القتل به غالبا، ففيما عداه يجب البقاء على أصل التحريم، ولأن النفس أشرف ~~من الطرف، ولا يلزم من المحافظة عليها بأخذ الجماعة بالواحد، المحافظة على ~~ما دونها بذلك. # ولنا، ما روي أن شاهدين شهدا عند علي، - رضي الله عنه - على رجل بالسرقة، ~~فقطع يده، ثم جاءا بآخر، فقالا: هذا هو ms4488 السارق وأخطأنا في الأول. فرد ~~شهادتهما على الثاني، وغرمهما دية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما، ~~لقطعتكما. فأخبر أن القصاص على كل واحد منهما لو تعمدا قطع يد واحدة. ولأنه ~~أحد نوعي القصاص، فتؤخذ الجماعة بالواحد كالأنفس، وأما اعتبار التساوي، ~~فمثله في الأنفس، فإننا نعتبر التساوي فيها، فلا نأخذ مسلما بكافر، ولا حرا ~~بعبد، وأما أخذ صحيح الأطراف بمقطوعها، فلأن الطرف ليس هو من النفس المقتص ~~منها، وإنما يفوت تبعا؛ ولذلك كانت ديتهما واحدة، بخلاف اليد الناقصة ~~والشلاء مع الصحيحة، فإن ديتهما مختلفة. # وأما اعتبار التساوي في الفعل، فإنما اعتبر في اليد؛ لأنه يمكن مباشرتها ~~بالقطع، فإذا قطع كل واحد منهما من جانب، كان فعل كل واحد منهما متميزا عن ~~فعل صاحبه، فلا يجب على إنسان قطع محل لم يقطع مثله، وأما النفس، فلا يمكن ~~مباشرتها بالفعل، وإنما أفعالهم في البدن، فيفضي ألمه إليها فتزهق، ولا ~~يتميز ألم فعل أحدهما من ألم فعل الآخر، فكانا كالقاطعين في محل واحد، ~~ولذلك لا يستوفي من الطرف إلا في المفصل الذي قطع الجاني منه، ولا يجوز ~~تجاوزه، وفي النفس لو قتله بجرح في بطنه أو جنبه أو غير ذلك، كان الاستيفاء ~~من العنق دون المحل الذي وقعت الجناية فيه. # وإذا ثبت هذا فإنما يجب القصاص على المشتركين في الطرف، إذا اشتركوا فيه ~~على وجه لا يتميز فعل أحدهم عن فعل الآخر؛ إما بأن يشهدوا عليه بما يوجب ~~قطعه، فيقطع، ثم يرجعون عن الشهادة، أو يكرهوا إنسانا على قطع طرف، فيجب ~~قطع المكرهين كلهم والمكره، أو يلقوا صخرة على طرف إنسان، فيقطعه، أو ~~يقطعوا يدا يقلعوا عينا، بضربة واحدة، أو يضعوا حديدة على مفصل، ويتحاملوا ~~عليها جميعا، أو يمدوها، فتبين، فإن قطع كل واحد منهم من جانب، أو قطع ~~أحدهم بعض المفصل، وأتمه غيره أو ضرب كل واحد ضربة، أو وضعوا منشارا على ~~مفصله، ثم مده كل واحد إليه مرة حتى بانت اليد، فلا قصاص فيه؛ لأن كل واحد ~~منهم لم يقطع اليد، ولم ms4489 يشارك في قطع جميعها، وإن كان فعل واحد منهم يمكن ~~الاقتصاص بمفرده، اقتص منه. وهذا مذهب الشافعي. ### | [مسألة قتل الأب وغيره عمدا] # (6637) مسألة: قال: (وإذا قتل الأب وغيره عمدا. قتل من سوى الأب) # PageV08P293 # وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وعن أحمد، رواية أخرى، لا قصاص على ~~واحد منهما. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنه قتل تركب من موجب وغير موجب، فلم ~~يوجب، كقتل العامد والخاطئ، والصبي والبالغ، والمجنون والعاقل. ولنا، أنه ~~شارك في القتل العمد العدوان فيمن يقتل به لو انفرد بقتله، فوجب عليه ~~القصاص، كشريك الأجنبي، ولا نسلم أن فعل الأب غير موجب؛ فإنه يقتضي الإيجاب ~~لكونه تمحض عمدا عدوانا، والجناية به أعظم إثما، وأكثر جرما؛ ولذلك خصه ~~الله تعالى بالنهي عنه، فقال: {ولا تقتلوا أولادكم} [الأنعام: 151] . ثم ~~قال: {إن قتلهم كان خطئا كبيرا} [الإسراء: 31] . ولما «سئل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن أعظم الذنب، قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، ثم أن ~~تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» . فجعله أعظم الذنوب بعد الشرك، ولأنه قطع ~~الرحم التي أمر الله تعالى بصلتها، ووضع الإساءة موضع الإحسان، فهو أولى ~~بإيجاب العقوبة والزجر عنه، وإنما امتنع الوجوب في حق الأب لمعنى مختص ~~بالمحل، لا لقصور في السبب الموجب، فلا يمتنع عمله في المحل الذي لا مانع ~~فيه، وأما شريك الخاطئ، فلنا فيه منع، ومع التسليم فامتناع الوجوب فيه ~~لقصور السبب عن الإيجاب، فإن فعل الخاطئ غير موجب للقصاص، ولا صالح له ~~والقتل منه ومن شريكه غير متمحض عمدا؛ لوقوع الخطأ في الفعل الذي حصل به ~~زهوق النفس، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل كل شريكين امتنع القصاص في حق أحدهما لمعنى فيه] # (6638) فصل: وكل شريكين امتنع القصاص في حق أحدهما، لمعنى فيه من غير ~~قصور في السبب فهو في وجوب القصاص على شريكه كالأب وشريكه، مثل أن يشترك ~~مسلم وذمي في قتل عبد، عمدا عدوانا، فإن القصاص لا يجب على المسلم والحر، ~~ويجب على الذمي والعبد، إذا قلنا بوجوبه على شريك الأب؛ لأن امتناع ms4490 القصاص ~~عن المسلم لإسلامه، وعن الحر لحريته، وانتقاء مكافأة المقتول له، وهذا ~~المعنى لا يتعدى إلى فعله، ولا إلى شريكه، فلم يسقط القصاص عنه. وقد نقل ~~عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي - رحمه الله - عن حر وعبد قتلا عبدا عمدا، ~~قال: أما الحر فلا يقتل بالعبد، وعلى الحر نصف قيمة العبد في ماله، والعبد ~~إن شاء سيده أسلمه، وإلا فداه بنصف قيمة العبد. وظاهر هذا أنه لا قصاص على ~~العبد، فيخرج مثل ذلك في كل قتل شارك فيه من لا يجب عليه القصاص. # PageV08P294 ### | [مسألة اشترك في القتل صبي ومجنون وبالغ] # (6639) مسألة: قال: (وإذا اشترك في القتل صبي ومجنون وبالغ، لم يقتل واحد ~~منهم، وعلى العاقل ثلث الدية في ماله، وعلى عاقلة كل واحد من الصبي ~~والمجنون ثلث الدية وعتق رقبتين في أموالهما؛ لأن عمدهما خطأ) أما إذا ~~شاركوا في القتل من لا قصاص عليه لمعنى في فعله؛ كالصبي والمجنون فالصحيح ~~في المذهب أنه لا قصاص عليه. وبهذا قال الحسن، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ~~حنيفة، وأصحابه. وهو أحد قولي الشافعي. # وعن أحمد، رواية أخرى أن القود يجب على البالغ العاقل. حكاها ابن المنذر ~~عن أحمد. وحكي ذلك عن مالك. وهو القول الثاني للشافعي، وروي ذلك عن قتادة، ~~والزهري، وحماد؛ لأن القصاص عقوبة تجب عليه جزاء لفعله، فمتى كان فعله عمدا ~~عدوانا، وجب القصاص عليه، ولا ننظر إلى فعل شريكه بحال، ولأنه شارك في ~~القتل عمدا عدوانا، فوجب عليه القصاص، كشريك الأجنبي، وذلك، لأن الإنسان ~~إنما يؤخذ بفعله لا بفعل غيره. فعلى هذا، يعتبر فعل الشريك منفردا، فمتى ~~تمحض عمدا عدوانا، وكان المقتول مكافئا له، وجب عليه القصاص. # وبنى الشافعي قوله على أن فعل الصبي والمجنون إذا تعمداه عمد؛ لأنهما ~~يقصدان القتل، وإنما سقوط القصاص عنهما لمعنى فيهما، وهو عدم التكليف، فلم ~~يقتض سقوطه عن شريكهما، كالأبوة. ولنا، أنه شارك من لا مأثم عليه في فعله، ~~فلم يلزمه قصاص، كشريك الخاطئ، ولأن الصبي والمجنون لا قصد لهما صحيح، ~~ولهذا لا يصح إقرارهما، ms4491 فكان حكم فعلهما حكم الخطأ، وهذا معنى قول الخرقي: ~~عمدهما خطأ أي في حكم الخطأ في انتفاء القصاص عنه، ومدار ديته، وحمل ~~عاقلتهما إياها، ووجوب الكفارة. # إذا ثبت هذا، فإن الدية تجب عليهم أثلاثا، على كل واحد منهم ثلثها؛ لأن ~~الدية بدل المحل، ولذلك اختلفت باختلافه، والمحل المتلف واحد، فكانت ديته ~~واحدة، ولأنها تتقدر بقدره، أما القصاص، فإنما كمل في كل واحد؛ لأنه جزاء ~~الفعل، وأفعالهم متعددة، فتعدد في حقهم، وكمل في حق كل واحد، كما لو قذف ~~جماعة واحدا، إلا أن الثلث الواجب على المكلف يلزم في ماله حالا؛ لأن فعله ~~عمد، والعاقلة لا تحمل العمد، وما يلزم الصبي والمجنون، فعلى عاقلتهما؛ لأن ~~عمدهما خطأ، والعاقلة تحمل جناية الخطأ إذا بلغت ثلث الدية، وتكون مؤجلة ~~عاما، فإن الواجب متى كان ثلث الدية، كان أجله عاما، ويلزم كل واحد منهما ~~الكفارة من ماله؛ لأن فعلهما خطأ، والقاتل الخاطئ والمشارك في القتل خطأ، ~~يلزمه كفارة؛ لأنها لا تجب بدلا عن المحل، ولهذا لم تختلف، وإنما وجبت ~~تكفيرا للفعل، ومحوا لأثره، فوجب تكميلها، كالقصاص. # PageV08P295 ### | [مسألة يقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر في القصاص] # (6640) مسألة: قال: (ويقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر) هذا قول عامة ~~أهل العلم؛ منهم النخعي، والشعبي، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، ~~وأهل المدينة، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وغيرهم. وروي عن علي - رضي ~~الله عنه -، أنه قال: يقتل الرجل بالمرأة، ويعطي أولياؤه نصف الدية. أخرجه ~~سعيد. وروي مثل هذا عن أحمد. وحكي ذلك عن الحسن، وعطاء. وحكي عنهما مثل قول ~~الجماعة. # ولعل من ذهب إلى القول الثاني يحتج بقول علي - رضي الله عنه - ولأن عقلها ~~نصف عقله، فإذا قتل بها بقي له بقية، فاستوفيت ممن قتله. ولنا، قوله تعالى: ~~{النفس بالنفس} [المائدة: 45] . وقوله: {الحر بالحر} [البقرة: 178] . مع ~~عموم سائر النصوص، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قتل يهوديا رض ~~رأس جارية من الأنصار» . وروى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن ~~جده، أن رسول الله ms4492 - صلى الله عليه وسلم - «كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه ~~الفرائض والأسنان، وأن الرجل يقتل بالمرأة.» وهو كتاب مشهور عند أهل العلم، ~~متلقى بالقبول عندهم، ولأنهما شخصان يحد كل واحد منهم بقذف صاحبه، فقتل كل ~~واحد منهما بالآخر، كالرجلين، ولا يجب مع القصاص شيء؛ لأنه قصاص واجب، فلم ~~يجب معه شيء على المقتص، كسائر القصاص، واختلاف الأبدال لا عبرة به في ~~القصاص، بدليل أن الجماعة يقتلون بالواحد، والنصراني يؤخذ بالمجوسي، مع ~~اختلاف دينيهما، ويؤخذ العبد بالعبد، مع اختلاف قيمتهما. ### | [فصل يقتل كل واحد من الرجل والمرأة بالخنثى ويقتل بهما] # (6641) فصل: ويقتل كل واحد من الرجل والمرأة بالخنثى، ويقتل بهما؛ لأنه ~~لا يخلو من أن يكون ذكرا أو أنثى. ### | [مسألة كان بينهما في النفس قصاص فهو بينهما في الجراح] # (6642) مسألة: قال: (ومن كان بينهما في النفس قصاص، فهو بينهما في ~~الجراح) وجملته أن كل شخصين جرى بينهما القصاص في النفس، جرى القصاص بينهما ~~في الأطراف، فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم، والعبد بالعبد، والذمي ~~بالذمي، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص # PageV08P296 # بالكامل، كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم. # ومن لا يقتل بقتله، لا يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر، ولا حر ~~بعبد، ولا والد بولد. وبهذا قال مالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، ~~وإسحاق، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا قصاص في الطرف بين مختلفي البدل، ~~فلا يقطع الكامل بالناقص، ولا الناقص بالكامل، ولا الرجل بالمرأة، ولا ~~المرأة بالرجل، ولا الحر بالعبد، ولا العبد بالحر، ويقطع المسلم بالكافر، ~~والكافر بالمسلم؛ لأن التكافؤ معتبر في الأطراف، بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ ~~بالشلاء، ولا الكاملة بالناقصة، فكذا لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المرأة، ولا ~~يؤخذ طرفها بطرفه، كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى. # ولنا، أن من جرى بينهما القصاص في النفس، جرى، في الطرف، كالحرين، وما ~~ذكروه يبطل بالقصاص في النفس، فإن التكافؤ معتبر، بدليل أن المسلم لا يقتل ~~بمستأمن، ثم يلزمه أن يأخذ الناقصة بالكاملة؛ لأن المماثلة قد وجدت وزيادة، ~~فوجب أخذها بها إذا رضي المستحق، ms4493 كما تؤخذ ناقصة الأصابع بكاملة الأصابع، ~~وأما اليسار واليمين، فيجريان مجرى النفس، لاختلاف محليهما؛ ولهذا استوى ~~بدلهما، فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعا، ولا العلة فيهما ذلك. ### | [مسألة قتلاه وأحدهما مخطئ والآخر متعمد] # (6643) مسألة: قال: (وإذا قتلاه، وأحدهما مخطئ، والآخر متعمد، فلا قود ~~على واحد منهما، وعلى العامد نصف الدية في ماله، وعلى عاقلة المخطئ نصفها، ~~وعليه في ماله عتق رقبة مؤمنة) أما المخطئ، فلا قصاص عليه؛ للكتاب والسنة ~~والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: ~~92] . وقال تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} [الأحزاب: 5] . وأما ~~السنة، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» ~~. وأجمع أهل العلم على أنه لا قصاص عليه، وأما شريكه فأكثر أهل العلم لا ~~يرون عليه قصاصا. وبه قال النخعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وروي عن أحمد، أن عليه القصاص. وحكي ذلك عن مالك؛ لأنه شارك في القتل ~~عمدا عدوانا، فوجب عليه القصاص، كشريك العامد؛ ولأن مؤاخذته بفعله، وفعله ~~عمد وعدوان لا عذر له فيه ولنا، أنه قتل لم يتمحض عمدا، فلم يوجب القصاص، ~~كشبه العمد، وكما لو قتله واحد بجرحين عمدا وخطأ، ولأن كل واحد من الشريكين ~~مباشر ومتسبب، فإذا كانا عامدين، فكل واحد متسبب إلى # PageV08P297 # فعل موجب للقصاص، فقام فعل شريكه مقام فعله لتسببه إليه، وها هنا إذا ~~أقمنا المخطئ مقام العامد، صار كأنه قتله بعمد وخطأ، وهذا غير موجب. ### | [فصل هل يجب القصاص على شريك نفسه وشريك السبع] # (6644) فصل: وهل يجب القصاص على شريك نفسه وشريك السبع؟ فيه وجهان، ~~ذكرهما أبو عبد الله بن حامد، وصورة ذلك، أن يجرحه سبع أو يجرحه إنسان ~~عمدا، إما قبل ذلك أو بعده، فيموت منهما، أو يجرح نفسه عمدا، ثم يجرحه غيره ~~عمدا، فيموت منهما، فهل يجب على المشارك له قصاص؟ فيه وجهان. واختلف عن ~~الشافعي فيه. وقال أصحاب الرأي: لا قصاص عليه؛ لأنه شارك ms4494 من لا يجب القصاص ~~عليه، فلم يلزمه قصاص، كشريك الخاطئ، ولأنه قتل تركب من موجب وغير موجب، ~~فلم يوجب، كالقتل الحاصل من عمد وخطأ؛ ولأنه إذا لم يجب على شريك الخاطئ ~~وفعله مضمون، فلأن لا يجب على شريك من لا يضمن فعله أولى. والوجه الثاني، ~~عليه القصاص. وهو قول أبي بكر. # وروي عن أحمد، أنه قال: إذا جرحه رجل، ثم جرح الرجل نفسه، فمات، فعلى ~~شريكه القصاص؛ لأنه قتل عمد متمحض، فوجب القصاص على الشريك فيه، كشريك ~~الأب، فأما إن جرح الرجل نفسه خطأ، كأنه أراد ضرب جارحة، فأصاب نفسه، أو ~~خاط جرحه، فصادف اللحم الحي، فلا قصاص على شريكه في أصح الوجهين. وفيه وجه ~~آخر، أن عليه القصاص، بناء على الروايتين في شريك الخاطئ. ### | [فصل جرحه إنسان فتداوى بسم فمات] # (6645) فصل: فإن جرحه إنسان، فتداوى بسم فمات، نظرت؛ فإن كان سم ساعة ~~يقتل في الحال، فقد قتل نفسه، وقطع سراية الجرح، وجرى مجرى من ذبح نفسه بعد ~~أن جرح، وننظر في الجرح، فإن كان موجبا للقصاص، فلوليه استيفاؤه، وإن لم ~~يكن موجبا له، فلوليه الأرش، وإن كان السم لا يقتل في الغالب، وقد يقتل، ~~بفعل الرجل في نفسه عمد خطأ، والحكم في شريكه كالحكم في شريك الخاطئ، وإذا ~~لم يجب القصاص، فعلى الجارح نصف الدية، وإن كان السم يقتل غالبا بعد مدة، ~~احتمل أن يكون عمد الخطأ أيضا؛ لأنه لم يقصد القتل، إنما قصد التداوي، ~~فيكون كالذي قتله، واحتمل أن يكون في حكم العمد، فيكون في شريكه الوجهان ~~المذكوران في الفصل الذي قبله. # وإن جرح رجل، فخاط جرحه، أو أمر غيره فخاطه له، وكان ذلك مما يجوز أن ~~يقتل، فحكمه حكم ما لو شرب سما يجوز أن يقتل، على ما مضى فيه. وإن خاطه ~~غيره بغير إذنه كرها، فهما قاتلان عليهما القود. وإن خاطه وليه، أو الإمام، ~~وهو ممن لا ولاية عليه، فهما كالأجنبي، وإن كان لهما عليه ولاية، فلا قود ~~عليهما؛ لأن فعلهما جائز لهما، إذ لهما # PageV08P298 # مداواته، ms4495 فيكون ذلك خطأ. وهل على الجارح القود؟ فيه وجهان، بناء على شريك ~~الخاطئ. ### | [مسألة دية العبد] # (6646) مسألة: قال: (ودية العبد قيمته، وإن بلغت ديات) أجمع أهل العلم أن ~~في العبد، الذي لا تبلغ قيمته دية الحر، قيمته. وإن بلغت قيمته دية الحر أو ~~زادت عليها، فذهب أحمد، - رحمه الله -، إلى أن فيه قيمته، بالغة ما بلغت، ~~وإن بلغت ديات، عمدا كان القتل أو خطأ، سواء ضمن باليد أو بالجناية. وهذا ~~قول سعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وإياس بن ~~معاوية، والزهري، ومكحول، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف. # وقال النخعي، والشعبي، والثوري، وأبو حنيفة، ومحمد: لا تبلغ به دية الحر. ~~وقال أبو حنيفة: ينتقص عن دية الحر دينارا، أو عشرة دراهم، القدر الذي يقطع ~~به السارق، وهذا إذا ضمن بالجناية، وإن ضمن باليد، بأن يغصب عبدا فيموت في ~~يده، فإن قيمته تجب وإن زادت على دية الحر. واحتجوا بأنه ضمان آدمي، فلم ~~يزد على دية الحر، كضمان الحر؛ وذلك؛ لأن الله تعالى لما أوجب في الحر دية ~~لا تزيد، وهو أشرف لخلوصه من نقيصة الرق، كان تنبيها على أن دية العبد ~~المنقوص لا يزاد عليها، فنجعل مالية العبد معيارا للقدر الواجب فيه، ما لم ~~يزد على الدية، فإذا زاد، علمنا خطأ ذلك، فنرده إلى دية الحر، كأرش ما دون ~~الموضحة، يجب فيه ما تخرجه الحكومة، ما لم يزد على أرش الموضحة، فنرده ~~إليها. # ولنا، أنه مال متقوم، فيضمن بكمال قيمته بالغة ما بلغت، كالفرس، أو مضمون ~~بقيمته، فكانت جميع القيمة، كما لو ضمنه باليد، ويخالف الحر، فإنه ليس ~~بمضمون بالقيمة، وإنما ضمن بما قدره الشرع، فلم يتجاوزه، ولأن ضمان الحر ~~ليس بضمان مال؛ ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته، وهذا ضمان مال، يزيد بزيادة ~~المالية، وينقص بنقصانها، فاختلفا. وقد حكى أبو الخطاب، عن أحمد - رحمه ~~الله - رواية أخرى، أنه لا يبلغ بالعبد دية الحر. والمذهب الأول. ### | [باب القود] # القود: القصاص. ولعله إنما سمي بذلك؛ لأن المقتص منه ms4496 في الغالب يقاد بشيء ~~يربط فيه أو بيده إلى القتل، فسمي القتل قودا لذلك # PageV08P299 # (6647) مسألة: قال: (ولو شق بطنه، فأخرج حشوته، فقطعها، فأبانها منه، ثم ~~ضرب عنقه آخر، فالقاتل هو الأول. ولو شق بطنه، ثم ضرب عنقه آخر، فالثاني هو ~~القاتل؛ لأن الأول لا يعيش مثله، والثاني قد يعيش مثله) وجملته أنه إذا جنى ~~عليه اثنان جنايتين، نظرنا؛ فإن كانت الأولى أخرجته من حكم الحياة، مثل قطع ~~حشوته، أي ما في بطنه، وإبانتها منه، أو ذبحه، ثم ضرب عنقه الثاني فالأول ~~هو القاتل؛ لأنه لا يبقى مع جنايته حياة، والقود عليه خاصة، وعلى الثاني ~~التعزير، كما لو جنى على ميت. # وإن عفا الولي إلى الدية، فهي على الأول وحده. وإن كان جرح الأول يجوز ~~بقاء الحياة معه، مثل شق البطن من غير إبانة الحشوة، أو قطع طرف، ثم ضرب ~~عنقه آخر، فالثاني هو القاتل؛ لأنه لم يخرج الأول من حكم الحياة، فيكون ~~الثاني هو المفوت لها، فعليه القصاص في النفس، والدية كاملة وإن عفا عنه. ~~ثم ننظر في جرح الأول، فإن كان موجبا للقصاص، كقطع الطرف، فالولي مخير بين ~~قطع طرفه والعفو عن ديته مطلقا، وإن كان لا يوجب القصاص، كالجائفة ونحوها، ~~فعليه الأرش. وإنما جعلنا عليه القصاص؛ لأن فعل الثاني قطع سراية جراحه، ~~فصار كالمندمل الذي لا يسري. وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه مخالفا. # ولو كان جرح الأول يفضي إلى الموت لا محالة، إلا أنه لا يخرج به من حكم ~~الحياة، وتبقى معه الحياة المستقرة، مثل خرق المعى، أو أم الدماغ، فضرب ~~الثاني عنقه، فالقاتل هو الثاني؛ لأنه فوت حياة مستقرة. وقيل: هو في حكم ~~الحياة، بدليل أن عمر، لما جرح دخل عليه الطبيب فسقاه لبنا، فخرج يصلد، ~~فعلم الطبيب أنه ميت، فقال: اعهد إلى الناس. فعهد إليهم، وأوصى، وجعل ~~الخلافة إلى أهل الشورى، فقبل الصحابة عهده، وأجمعوا على قبول وصاياه ~~وعهده. فلما كان حكم الحياة باقيا، كان الثاني مفوتا لها، فكان هو القاتل، ~~كما لو قتل عليلا ms4497 لا يرجى برء علته. ### | [فصل ألقي رجل من شاهق فتلقاه آخر بسيف فقتله] # (6648) فصل: إذا ألقي رجل من شاهق، فتلقاه آخر بسيف فقتله، فالقصاص على ~~من قتله؛ لأنه فوت حياته قبل المصير إلى حال يئسوا فيها من حياته، فأشبه ما ~~لو رماه إنسان بسهم قاتل، فقطع آخر عنقه قبل وقوع السهم به، أو ألقى عليه ~~صخرة، فأطار آخر رأسه بالسيف قبل وقوعها عليه. وبهذا قال الشافعي إن رماه ~~من مكان يجوز أن يسلم منه، وإن رماه من شاهق لا يسلم منه الواقع، ففيه ~~وجهان؛ # PageV08P300 # أحدهما، كقولنا. والثاني الضمان عليهما بالقصاص والدية عند سقوطه؛ لأن كل ~~واحد منهما سبب للإتلاف. ولنا، أن الرمي سبب والقتل مباشرة، فانقطع حكم ~~السبب، كالدافع مع الحافر، والجارح مع الذابح، وكالصور التي ذكرنا. وما ~~ذكروه باطل بهذه الأصول المذكورة. ### | [مسألة قطع يديه ورجليه ثم عاد فضرب عنقه قبل أن تندمل جراحه] # مسألة: قال: (وإذا قطع يديه ورجليه، ثم عاد فضرب عنقه قبل أن تندمل ~~جراحه، قتل، ولم تقطع يده ولا رجلاه، في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله، ~~رحمه الله. والرواية الأخرى، قال: إنه لأهل أن يفعل به كما فعل. فإن عفا ~~عنه الولي، فعليه دية واحدة) وجملة ذلك أن الرجل إذا جرح رجلا، ثم ضرب عنقه ~~قبل اندمال الجرح، فالكلام في المسألة في حالين؛ أحدهما، أن يختار الولي ~~القصاص، فاختلفت الرواية عن أحمد في كيفية الاستيفاء؛ فروي عنه؛ لا يستوفي ~~إلا بالسيف في العنق. وبه قال عطاء، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد؛ لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا قود إلا بالسيف.» رواه ابن ~~ماجه. ولأن القصاص أحد بدلي النفس، فدخل الطرف في حكم الجملة، كالدية، فإنه ~~لو صار الأمر إلى الدية، لم تجب إلا دية النفس؛ ولأن القصد من القصاص في ~~النفس تعطيل الكل، وإتلاف الجملة، وقد أمكن هذا بضرب العنق، فلا يجوز ~~تعذيبه بإتلاف أطرافه، كما لو قتله بسيف كال، فإنه لا يقتل بمثله. # والرواية الثانية عن أحمد، قال: إنه ms4498 لأهل أن يفعل به كما فعل. يعني أن ~~للمستوفي أن يقطع أطرافه، ثم يقتله. وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز، ومالك، ~~والشافعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور؛ لقول الله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] وقوله سبحانه: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] . ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «رض رأس يهودي لرضه رأس جارية من الأنصار بين حجرين.» ولأن الله ~~تعالى قال: {والعين بالعين} [المائدة: 45] . وهذا قد قلع عينه، فيجب أن ~~تقلع عينه، للآية. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حرق حرقناه، ومن غرق ~~غرقناه» . ولأن القصاص موضوع على المماثلة، ولفظه مشعر به، فوجب أن يستوفي ~~منه # PageV08P301 # مثل ما فعل، كما لو ضرب العنق آخر غيره. فأما حديث: «لا قود إلا بالسيف» ~~. فقال أحمد: ليس إسناده بجيد. الحال الثاني: أن يصير الأمر إلى الدية، إما ~~بعفو الولي، أو كون الفعل خطأ، أو شبه عمد، أو غير ذلك، فالواجب دية واحدة. ~~وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وقال بعضهم: تجب دية الأطراف المقطوعة ودية النفس؛ ~~لأنه لما قطع بسراية الجرح بقتله صار كالمستقر، فأشبه ما لو قتله غيره؛ ~~ولهذا لم يسقط القصاص فيه. # ولنا، أنه قاتل قبل استقرار الجرح، فدخل أرش الجراحة في أرش النفس، كما ~~لو سرت إلى نفسه، والقصاص في الأطراف على إحدى الروايتين لا يجب، وإن وجب ~~فإن القصاص لا يشبه الدية؛ لأن سراية الجرح لا تسقط القصاص فيه، وتسقط ~~ديته. (6650) فصل: ومتى قلنا: له أن يستوفي بمثل ما فعل بوليه. فأحب أن ~~يقتصر على ضرب عنقه، فله ذلك، وهو أفضل. وإن قطع أطرافه التي قطعها الجاني، ~~أو بعضها، ثم عفا عن قتله، فكذلك؛ لأنه تارك بعض حقه. وإن قطع بعض أطرافه، ~~ثم عفا إلى الدية، لم يكن له ذلك؛ لأن جميع ما فعل بوليه لا يجب به إلا دية ~~واحدة، فلا يجوز أن يستوفي بعضه ويستحق كمال الدية، فإن فعل فله ما بقي من ~~الدية، فإن لم يبق ms4499 منها شيء، فلا شيء له. # وإن قلنا: ليس له أن يستوفي إلا بضرب العنق. فاستوفى منه بمثل ما فعل، ~~فقد أساء، ولا شيء عليه سوى المأثم؛ لأن فعل الجاني في الأطراف لم يوجب ~~عليه شيئا يختص بها، فكذلك فعل المستوفي، إن قطع الجاني طرفا واحدا، ثم عفا ~~إلى الدية، لم يكن له إلا تمامها، وإن قطع ما تجب به الدية، ثم عفا، لم يكن ~~له شيء، وإن قطع ما يجب به أكثر من الدية، ثم عفا، احتمل أن يلزمه ما زاد ~~على الدية؛ لأنه لا يستحق أكثر من دية، وقد فعل ما يوجب أكثر منها، فكانت ~~الزيادة عليه. واحتمل أن لا يلزمه شيء؛ لأنه لو قتله لم يلزمه شيء، فإذا ~~ترك قتله، وعفا عنه، فأولى أن لا يلزمه شيء، ولأنه فعل بعض ما فعل بوليه، ~~فلم يلزمه شيء، كما لو قلنا: إن له أن يستوفي مثل ما فعل به. ### | [فصل قطع يديه ورجليه أو جرحه جرحا يوجب القصاص إذا انفرد فسرى إلى النفس] # (6651) فصل: فإن قطع يديه ورجليه، أو جرحه جرحا يوجب القصاص إذا انفرد، ~~فسرى إلى النفس، فله القصاص في النفس. وهل له أن يستوفي القطع قبل القتل؟ ~~على روايتين، ذكرهما القاضي، وبناهما على الروايتين المذكورتين في المسألة؛ # PageV08P302 # وإحداهما، ليس له قطع الطرف. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن ذلك يفضي إلى ~~الزيادة على ما جناه الأول، والقصاص يعتمد المماثلة، فمتى خيف فيه الزيادة ~~سقط، كما لو قطع يده من نصف الذراع. والثانية، يجب القصاص في الطرف، فإن ~~مات به، وإلا ضربت عنقه. وهذا مذهب الشافعي؛ لما ذكرناه في أول المسألة. # وذكر أبو الخطاب، أنه لا يقتص منه في الطرف، رواية واحدة، وأنه لا يصح ~~تخريجه على الروايتين في المسألة؛ لإفضاء هذا إلى الزيادة، بخلاف المسألة. ~~والصحيح تخريجه على الروايتين، وليس هذا بزيادة؛ لأن فوات النفس بسراية ~~فعله، وسراية فعله كفعله، فأشبه ما لو قطعه ثم قتله، ولأن زيادة الفعل في ~~الصورة محتمل في الاستيفاء، كما لو قتله بضربة، فلم ms4500 يمكن قتله في الاستيفاء ~~إلا بضربتين. ### | [فصل جرحه جرحا لا قصاص فيه] # (6652) فصل: وإن جرحه جرحا لا قصاص فيه، ولا يلزم فوات الحياة به، مثل إن ~~أجافه، أو أمه، أو قطع يده من نصف ذراعه، أو رجله من نصف ساقه، فمات منه، ~~أو قطع يدا ناقصة الأصابع، أو شلاء، أو زائدة، ويد القاطع أصلية صحيحة، ~~فالصحيح في المذهب أنه ليس له فعل مثل ما فعل، وليس له أن يقتص إلا في ~~العنق بالسيف ذكره أبو بكر، والقاضي. وقال غيرهما: فيه رواية أخرى، أن له ~~أن يقتص بمثل ما فعله؛ لأنه صار قتلا، فكان له القصاص بمثل فعله، كما لو رض ~~رأسه بحجر فقتله به. والصحيح الأول؛ لأن هذا لو انفرد لم يكن فيه قصاص، فلم ~~يجز القصاص فيه مع القتل، كما لو قطع يمينه، ولم يكن للقاطع يمين، لم يكن ~~له أن يستوفي من يساره. # وفارق ما إذا رض رأسه فمات؛ لأن ذلك الفعل قتل مفرد، وها هنا قتل وقطع، ~~والقطع لا يوجب قصاصا، فبقي مجرد القتل، فإذا جمع المستوفي بينهما، فقد زاد ~~قطعا لم يرد الشرع باستيفائه، فيكون حراما، وسواء في هذا ما إذا قطع ثم قتل ~~عقيبه، وبين ما إذا قطع فسرى إلى النفس. ### | [فصل قطع يده اليمنى ولا يمنى للقاطع] # فصل: فأما قطع اليمنى ولا يمنى للقاطع، أو اليد ولا يد له، أو قلع العين ~~ولا عين له، فمات المجني عليه، فإنه يقتل بالسيف في العنق، ولا قصاص في ~~طرفه. ولا أعلم فيه خلافا؛ لأن القصاص إنما يكون من مثل العضو المتلف، وهو ~~هاهنا معدوم، ولأن القصاص فعل مثل ما فعل الجاني، ولا سبيل إليه، ولأنه لو ~~قطع ثم عفا عن القتل، لصار مستوفيا رجلا ممن لم يقطع له مثلها، أو أذنا ~~بدلا عن عين، وهذا غير جائز. وهذا يدل على فساد الوجه الثاني في الفصل الذي ~~قبله. # PageV08P303 ### | [فصل قتله بغير السيف فهل يستوفي القصاص] # (6654) فصل: وإن قتله بغير السيف، مثل أن قتله بحجر، أو هدم أو ms4501 تغريق، أو ~~خنق، فهل يستوفي القصاص بمثل فعله؟ فيه روايتان؛ إحداهما، له ذلك. وهو قول ~~مالك، والشافعي. والثانية، لا يستوفي إلا بالسيف في العنق. وبه قال أبو ~~حنيفة، فيما إذا قتله بمثقل الحديد، على إحدى الروايتين عنده، أو جرحه ~~فمات. ووجه الروايتين ما تقدم في أول المسألة، ولأن هذا لا تؤمن معه ~~الزيادة على ما فعله الجاني، فلا يجب القصاص بمثل آلته، كما لو قطع الطرف ~~بآلة كالة، أو مسمومة، أو بالسيف، فإنه لا يستوفى بمثله، ولأن هذا لا يقتل ~~به المرتد، فلا يستوفى به القصاص، كما لو قتله بتجريع الخمر، أو بالسحر، ~~ولا تفريع على هذه الرواية. فأما على الرواية الأخرى، فإنه إذا فعل به مثل ~~فعله فلم يمت، قتله بالسيف. وهذا أحد قولي الشافعي، والقول الثاني، أنه ~~يكرر عليه ذلك الفعل حتى يموت به؛ لأنه قتله بذلك، فله قتله بمثله. # ولنا، أنه قد فعل به مثل فعله، فلم يزد عليه، كما لو جرحه جرحا، أو قطع ~~منه طرفا، فاستوفى منه الولي مثله فلم يمت به، فإنه لا يكرر عليه الجرح، ~~بغير خلاف، ويعدل إلى ضرب عنقه، فكذا هاهنا. ### | [فصل قتله بما لا يحل لعينه] # (6655) فصل: وإن قتله بما لا يحل لعينه، مثل إن لاط به فقتله، أو جرعه ~~خمرا أو سحره، لم يقتل بمثله اتفاقا، ويعدل إلى القتل بالسيف. وحكى أصحاب ~~الشافعي، في من قتله باللواط وتجريع الخمر، وجها آخر، أنه يدخل في دبره ~~خشبة يقتله بها، ويجرعه الماء حتى يموت. # ولنا، أن هذا محرم لعينه، فوجب العدول عنه إلى القتل بالسيف، كما لو قتله ~~بالسحر. وإن حرقه، فقال بعض أصحابنا: لا يحرق؛ لأن التحريق محرم لحق الله ~~تعالى؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يعذب بالنار إلا رب النار» ~~. ولأنه داخل في عموم الخبر. وهذا مذهب أبي حنيفة. وقال القاضي: الصحيح أن ~~فيه روايتين، كالتغريق؛ إحداهما، يحرق. وهو مذهب الشافعي؛ لما روى البراء ~~بن عازب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من «حرق حرقناه، ومن ms4502 غرق ~~غرقناه» . وحملوا الحديث الأول على غير القصاص في المحرق. # PageV08P304 ### | [فصل زاد مستوفي القصاص في النفس على حقه] # (6656) فصل: إذا زاد مستوفي القصاص في النفس على حقه، مثل أن يقتل وليه، ~~فيقطع المقتص أطرافه أو بعضها، نظرنا؛ فإن عفا عنه بعد قطع طرفه، فعليه ~~ضمان ما أتلف بديته. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال مالك، والشافعي، وابن ~~المنذر، وأبو يوسف، ومحمد: لا ضمان عليه، ولكن قد أساء، ويعزر، وسواء عفا ~~عن القاتل أو قتله؛ لأنه قطع طرفا من جملة استحق إتلافها، فلم يضمنه، كما ~~لو قطع أصبعا من يد يستحق قطعها. # ولنا، أنه قطع طرفا له قيمة حال القطع بغير حق، فوجب عليه ضمانه، كما لو ~~عفا عنه ثم قطعه، أو كما لو قطعه أجنبي. فأما إن قطعه ثم قتله، احتمل أن ~~يضمنه أيضا؛ لأنه يضمنه إذا عفا عنه، فكذلك إذا لم يعف عنه، لأن العفو ~~إحسان، فلا يكون موجبا للضمان، واحتمل أن لا يضمنه. وهو قول أبي حنيفة؛ ~~لأنه لو قطع متعديا ثم قتل، لم يضمن الطرف، فلأن يضمنه إذا كان القتل ~~مستحقا أولى. فأما القصاص، فلا يجب في العرف بحال. ولا نعلم في هذا خلافا؛ ~~لأن القصاص عقوبة تدرأ بالشبهات، والشبهة هاهنا متحققة، لأنه متحقق لإتلاف ~~هذا الطرف ضمنا لاستحقاقه إتلاف الجملة، ولا يلزم من سقوط القصاص أن لا تجب ~~الدية، بدليل امتناعه لعدم المكافآت. # فأما إن كان الجاني قطع طرفه ثم قتله، فاستوفى منه بمثل فعله، فقد ذكرناه ~~فيما مضى. وإن قطع طرفا غير الذي قطعه الجاني، كان الجاني قطع يده؛ فقطع ~~المستوفي رجله، احتمل أن يكون بمنزلة ما لو قطع يده؛ لأن ديتهما واحدة، ~~واحتمل أن تلزمه دية الرجل؛ لأن الجاني لم يقطعها، فأشبه ما لو لم يقطع ~~يده. ### | [فصل استحق قطع إصبع فقطع اثنتين] # (6657) فصل: فأما إن كانت الزيادة في الاستيفاء من الطرف، مثل أن استحق ~~قطع إصبع، فقطع اثنتين، فحكمه حكم القاطع ابتداء، إن كان عمدا من مفصل، أو ~~شجة يجب في مثلها القصاص، فعليه ms4503 القصاص في الزيادة، وإن كان خطأ أو جرحا لا ~~يوجب القصاص، مثل من يستحق موضحة فاستوفها هاشمة، فعليه أرش # PageV08P305 # الزيادة، إلا أن يكون ذلك بسبب من الجاني، كاضطرابه حال الاستيفاء، فلا ~~شيء على المقتص؛ لأنه حصل بفعل الجاني. فإن اختلفا هل فعله خطأ أو عمدا؟ ~~فالقول قول المقتص مع يمينه؛ لأن هذا مما يمكن الخطأ فيه، وهو أعلم بقصده، ~~وإن قال المقتص: حصل هذا باضطرابك، أو فعل من جهتك. فالقول قول المقتص منه؛ ~~لأنه منكر. # فإن سرى الاستيفاء الذي حصلت فيه الزيادة إلى نفس المقتص منه، فمات، أو ~~إلى بعض أعضائه، مثل أن قطع إصبعه، فسرى إلى جميع يده، أو اقتص منه بآلة ~~كالة أو مسمومة، أو في حال حر مفرط، أو برد شديد، فسرى، فقال القاضي: على ~~المقتص نصف الدية؛ لأنه تلف بفعلين؛ جائز ومحرم، ومضمون وغير مضمون، فانقسم ~~الواجب عليهما نصفين، كما لو جرحه جرحا في حال ردته وجرحا بعد إسلامه، فمات ~~منهما. وهذا كله مذهب الشافعي. ويحتمل أن يلزمه ضمان السراية كلها، فيما ~~إذا اقتص بآلة مسمومة أو كالة؛ لأن الفعل كله محرم، بخلاف قطع الإصبعين، ~~فإن أحدهما مباح. ### | [فصل لا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان] # (6658) فصل: قال القاضي: ولا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان. ~~وحكاه عن أبي بكر. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه أمر يفتقر إلى الاجتهاد ويحرم ~~الحيف فيه، فلا يؤمن الحيف مع قصد التشفي. # فإن استوفاه من غير حضرة السلطان، وقع الموقع، ويعزر؛ لافتياته بفعل ما ~~منع فعله. ويحتمل أن يجوز الاستيفاء بغير حضرة السلطان، إذا كان القصاص في ~~النفس؛ لأن «رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل يقوده بنسعة، ~~فقال: إن هذا قتل أخي. فاعترف بقتله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~اذهب، فاقتله» . رواه مسلم بمعناه. ولأن اشتراط حضور السلطان لا يثبت إلا ~~بنص أو إجماع أو قياس، ولم يثبت ذلك. ويستحب أن يحضر شاهدين، لئلا يجحد ~~المجني عليه الاستيفاء. وإذا أراد الولي الاستيفاء، فعلى السلطان أن يتفقد ~~الآلة التي ms4504 يستوفي بها، فإن كانت كالة منعه الاستيفاء بها، لئلا يعذب ~~المقتول. # وقد روى شداد بن أوس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله ~~كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا ~~الذبحة وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» . # PageV08P306 # وإن كانت مسمومة، منعه الاستيفاء بها؛ لأنها تفسد البدن، وربما منعت ~~غسله. # وإن عجل فاستوفى بآلة كالة أو مسمومة، عزر. وإن كان السيف صارما غير ~~مسموم، نظر في الولي؛ فإن كان يحسن الاستيفاء، ويكمله بالقوة والمعرفة، ~~مكنه منه، لقوله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: ~~33] . وقال - عليه السلام -: «من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين، إن أحبوا ~~قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية» . ولأنه حق له متميز، فكان له استيفاؤه ~~بنفسه إذا أمكنه، كسائر الحقوق، وإن لم يحسن الاستيفاء، أمره بالتوكيل؛ ~~لأنه عاجز عن استيفاء حقه، فإن ادعى الولي المعرفة بالاستيفاء، فأمكنه ~~السلطان من ضرب عنقه، فضرب عنقه فأبانه، فقد استوفى حقه، وإن أصاب غيره، ~~وأقر بتعمد ذلك، عزر. # وإن قال: أخطأت. وكانت الضربة في موضع قريب من العنق، كالرأس والمنكب، ~~قبل قوله مع يمينه؛ لأن هذا مما يجوز الخطأ في مثله، وإن كان بعيدا، كالوسط ~~والرجلين، لم يقبل قوله؛ لأن مثل هذا لا يقع الخطأ فيه. ثم إن أراد العود، ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يمكن منه؛ لأنه تبين منه أنه لا يحسن الاستيفاء، ~~ويحتمل العود إلى مثل فعله. والثاني: يمكن منه. قاله القاضي: لأن الظاهر ~~تحرزه عن مثل ذلك ثانيا. وإن كان الولي لا يحسن الاستيفاء، أمره بالتوكيل ~~فيه؛ لأنه حقه، فكان له التوكيل في استيفائه، كسائر حقوقه. فإن لم يجد من ~~يوكله إلا بعوض، أخذ العوض من بيت المال. # قال بعض أصحابنا: يرزق من بيت المال رجل يستوفي الحدود والقصاص؛ لأن هذا ~~من المصالح العامة. فإن لم يحصل ذلك، فالأجرة على الجاني؛ لأنها أجرة ~~لإيفاء الحق الذي عليه، فكانت عليه، كأجرة الكيال في بيع المكيل. ويحتمل أن ~~تكون على المقتص؛ لأنه وكيله، ms4505 فكانت الأجرة على موكله، كسائر المواضع، ~~والذي على الجاني التمكين دون الفعل؛ ولهذا لو أراد أن يقتص من نفسه، لم ~~يمكن منه، ولأنه لو كانت عليه أجرة التوكيل، للزمته أجرة الولي إذا استوفى ~~بنفسه. # وإن قال الجاني: أنا أقتص لك من نفسي. لم يلزم تمكينه، ولم يجز ذلك له؛ ~~لأن الله تعالى قال: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] . ولأن معنى القصاص ~~أن يفعل به كما فعل، ولأن القصاص حق عليه لغيره، فلم يجز أن يكون هو ~~المستوفي له كالبائع لا يستوفي من نفسه. # PageV08P307 ### | [فصل كان القصاص لجماعة من الأولياء وتشاحوا في المتولي منهم للاستيفاء] # (6659) فصل: وإن كان القصاص لجماعة من الأولياء، وتشاحوا في المتولي منهم ~~للاستيفاء، أمروا بتوكيل أحدهم، أو واحد من غيرهم، ولم يجز أن يتولاه ~~جميعهم؛ لما فيه من تعذيب الجاني، وتعدد أفعالهم. فإن لم يتفقوا على واحد، ~~وتشاحوا، وكان كل واحد منهم يحسن الاستيفاء، أقرع بينهم؛ لأن الحقوق إذا ~~تساوت وعدم الترجيح، صرنا إلى القرعة، كما لو تشاحوا في تزويج موليتهم، فمن ~~خرجت له القرعة، أمر الباقون بتوكيله، ولا يجوز له الاستيفاء بغير إذنهم؛ ~~لأن الحق لهم، فلا يجوز استيفاؤه بغير إذنهم. وإن لم يتفقوا على توكيل ~~واحد، منعوا الاستيفاء حتى يوكلوا. ### | [مسألة قطع يديه ورجليه فبرأت جراحه ثم قتله] # (6660) مسألة: قال: (وإن كانت الجراح برأت قبل قتله، فعلى المعفو عنه ~~ثلاث ديات، إلا أن يريدوا القود، فيقيدوا ويأخذوا من ماله ديتين) أما إذا ~~قطع يديه ورجليه فبرأت جراحه، ثم قتله، فقد استقر حكم القطع، ولولي القتيل ~~الخيار، إن شاء عفا وأخذ ثلاث ديات؛ دية لنفسه، ودية ليديه، ودية لرجليه، ~~وإن شاء قتله قصاصا بالقتل، وأخذ ديتين لأطرافه. وإن أحب قطع أطرافه ~~الأربعة، وأخذ دية لنفسه. وإن أحب قطع يديه، وأخذ ديتين لنفسه ورجليه. وإن ~~أحب قطع رجليه، وأخذ ديتين لنفسه ويديه. وإن أحب قطع طرفا واحدا، وأخذ دية ~~الباقي. وإن أحب قطع ثلاثة أطراف، وأخذ دية الباقي. وكذلك سائر فروعها؛ لأن ~~حكم القطع استقر قبل القتل بالاندمال، ms4506 فلم يتغير حكمه بالقتل الحادث بعده، ~~كما لو قتله أجنبي، ولا نعلم في هذا مخالفا. # (6661) فصل: فإن اختلف الجاني والولي في اندمال الجرح قبل القتل، وكانت ~~المدة بينهما يسيرة، لا يحتمل اندماله في مثلها، فالقول قول الجاني بغير ~~يمين. وإن اختلفا في مضي المدة، فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل عدم ~~مضيها، وإن كانت المدة مما يحتمل البرء فيها، فالقول قول الولي مع يمينه؛ ~~لأنه قد وجد سبب وجوب دية اليدين بقطعهما، والجاني يدعي سقوط ديتهما ~~بالقتل، والأصل عدم ذلك. فإن كانت للجاني بينة ببقاء المجني عليه ضمنا حتى ~~قتله، حكم له ببينته، وإن كان للولي بينة ببرئه، حكم له أيضا، وإن تعارضتا، ~~قدمت بينة الولي؛ لأنها مثبتة للبرء. # ويحتمل أن يكون القول قول الجاني، إذا لم يكن لهما بينة؛ لأن الأصل بقاء ~~الجراحة، وعدم اندمالها. # PageV08P308 # وإن قطع أطرافه فمات، واختلفا، هل برأ قبل الموت، أو مات بسراية الجرح؟ ~~أو قال الولي: إنه مات بسبب آخر، كأن لدغ، أو ذبح نفسه، أو ذبحه غيره. ~~فالحكم فيما إذا مات بغير سبب آخر، كالحكم فيما إذا قتله، سواء. وأما إذا ~~مات بقتل أو سبب آخر، ففيه وجهان؛ أحدهما، تقديم قول الجاني؛ لأن الظاهر ~~بقاء الجناية، والأصل عدم سبب آخر، فيكون الظاهر معه. والثاني: القول قول ~~ولي الجناية، لأن الأصل بقاء الديتين اللتين وجد سببهما، حتى يوجد ما ~~يزيلهما. فإن كانت دعواهما بالعكس، فقال الولي: مات من سراية قطعك، فعليك ~~القصاص في النفس. فقال الجاني: بل اندملت جراحه قبل موته. أو ادعى موته ~~بسبب آخر، فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الجرح سبب للموت، وقد تحقق، ~~والأصل عدم الاندمال، وعدم سبب آخر يحصل الزهوق به، وسواء كان الجرح فيما ~~يجب به القصاص في الطرف، كقطع اليد من مفصل ولا يوجبه، كالجائفة والقطع من ~~غير مفصل. وهذا كله مذهب الشافعي. ### | [مسألة رمى وهو مسلم كافرا عبدا فلم يقع به السهم حتى عتق وأسلم] # (6662) مسألة: قال: ولو رمى، وهو مسلم كافرا عبدا، فلم يقع ms4507 به السهم حتى ~~عتق وأسلم، فلا قود، وعليه دية حر مسلم، إذا مات من سهمه هذا قول ابن حامد، ~~ومذهب الشافعي. وقال أبو بكر: يجب القود؛ لأنه قتل مكافئا له ظلما عمدا، ~~فوجب القصاص، كما لو كان حرا مسلما حال الرمي، يحققه أن الاعتبار بحال ~~الجناية، بدليل ما لو رمى مسلما حيا، فلم يقع به السهم حتى ارتد أو مات، لم ~~يلزمه شيء، ولو رمى عبدا كافرا، فلم يقع به السهم حتى عتق وأسلم، فعليه دية ~~حر مسلم. # وقال أبو حنيفة: يلزمه في العبد دية عبد لمولاه؛ لأن الإصابة ناشئة عن ~~إرسال السهم، فكان الاعتبار بها، كحالة الجرح. فأما الكافر، فمذهبه أن ديته ~~دية المسلم، وأنه يقتل به المسلم، وكذلك يقتل الحر بالعبد. ولنا على درء ~~القصاص، أنه لم يتعد إلى نفس مكافئته له حال الرمي، فلم يجب عليه قصاص، كما ~~لو رمى حربيا أو مرتدا فأسلم. وعلى أبي حنيفة، أنه أتلف حرا، فضمنه ضمان ~~الأحرار، كما لو قصد صيدا. وما قاله يبطل بما إذا رمى حيا فأصابه ميتا، أو ~~صحيحا فأصابه معيبا. # ولنا على أن ديته تجب لورثته دون سيده، وأنه إذا أسلم تجب ديته لورثته ~~المسلمين دون الكفار، إن مات مسلما حرا، فكانت ديته لورثته المسلمين، كما ~~لو كان كذلك حال رميه، ولأن الميراث إنما # PageV08P309 # يستحق بالموت، فتعتبر حاله حينئذ، لا حين سبب الموت، بدليل ما لو مرض وهو ~~عبد كافر، ثم أسلم ومات بتلك العلة، والواجب بدل المحل، فيعتبر بالمحل الذي ~~فات بها، فيجب بقدره، وقد فات بها نفس حر مسلم، والقصاص جزاء الفعل، فيعتبر ~~الفعل فيه والإصابة معا؛ لأنهما طرفاه، فلذلك، لم يجب القصاص بقتله. # (6663) فصل: ولم يفرق الخرقي بين كون الكافر ذميا أو غيره، إلا أنه يتعين ~~التفريق فيه، فمتى رمى إلى حربي في دار الحرب، فأسلم قبل وقوع الرمية به، ~~فلا دية له، وفيه الكفارة؛ لأنه رمي مندوب إليه، مأمور به، فأشبه ما لو ~~قتله في دار الحرب يظنه حربيا، وكان قد أسلم وكتم ms4508 إسلامه. وفيه رواية أخرى، ~~أن فيه الدية على عاقلة القاتل؛ لأنه نوع خطأ، فكذلك هاهنا. ولو رمى مرتدا ~~في دار الإسلام، فأسلم ثم وقع السهم به، ضمنه؛ لأنه مفرط بإرسال سهمه عليه؛ ~~لأن قتل المرتد إلى الإمام، لا إلى آحاد الناس، وقتله بالسيف لا بالسهم. ### | [فصل رمى حربيا فتترس بمسلم فأصابه فقتله] # (6664) فصل: ولو رمى حربيا، فتترس بمسلم، فأصابه فقتله، نظرنا؛ فإن كان ~~تترس به بعد الرمي، ففيه الكفارة، وفي الدية على عاقلة الرامي روايتان، ~~كالتي قبلها، وإن تترس به قبل الرمي، لم يجز رميه، إلا أن يخاف على ~~المسلمين، فيرمي الكافر، ولا يقصد المسلم، فإذا قتله، ففي ديته أيضا ~~روايتان، وإن رماه من غير خوف على المسلم فقتله، فعليه ديته؛ لأنه لم يجز ~~له رميه. ### | [فصل قطع يد عبد ثم أعتق ومات أو يد ذمي ثم أسلم ومات] # (6665) فصل: ولو قطع يد عبد، ثم أعتق ومات، أو يد ذمي، ثم أسلم ومات، ~~ففيه وجهان: أحدهما: الواجب دية حر مسلم، لورثته ولسيده منها أقل الأمرين ~~من ديته أو أرش جنايته، اعتبارا بحال استقرار الجناية. وقال القاضي، وأبو ~~بكر: تجب قيمة العبد بالغة ما بلغت، مصروفة إلى السيد، اعتبارا بحال ~~الجناية؛ لأنها الموجبة للضمان، فاعتبرت حال وجودها. ومقتضى قولهما ضمان ~~الذمي الذي أسلم بدية ذمي، ويلزمهما على هذا أن يصرفاها إلى ورثته من أهل ~~الذمة، وهو غير صحيح؛ لأن الدية لا تخلو من أن تكون مستحقة # PageV08P310 # للمجني عليه، أو لورثته؛ فإن كانت له، وجب أن تكون لورثته المسلمين، ~~كسائر أمواله وأملاكه، كالذي كسبه بعد جرحه، وإن كانت تحدث على ملك ورثته، ~~فورثته هم المسلمون دون الكفار. ### | [فصل قطع أنف عبد قيمته ألف دينار فاندمل ثم أعتقه السيد] # (6666) فصل: وإذا قطع أنف عبد قيمته ألف دينار، فاندمل، ثم أعتقه السيد. ~~وجبت قيمته بكمالها للسيد. وإن أعتقه ثم اندمل، فكذلك؛ لأنه إنما استقر ~~بالاندمال ما وجب بالجناية، والجناية كانت في ملك سيده. وإن مات من سراية ~~الجرح، فكذلك في قول أبي بكر والقاضي. ms4509 وهو قول المزني؛ لأن الجناية يراعى ~~فيها حال وجودها. وذكر القاضي، أن أحمد نص عليه في رواية حنبل، في من فقأ ~~عيني عبد، ثم أعتق ومات، ففيه قيمته لا الدية. # ومقتضى قول الخرقي، أن الواجب فيه دية حر. وهو مذهب الشافعي؛ لأن اعتبار ~~الجناية بحالة الاستقرار، وقد ذكرناه. وتصرف إلى السيد؛ لأنه استحق أقل ~~الأمرين من ديته أو أرش الجرح، والدية هاهنا أقل الأمرين. وما ذكروه ينتقض ~~بما إذا قطع يديه ورجليه، فمات بسراية الجرح؛ فإن الواجب دية النفس، لا دية ~~الجرح. ### | [فصل قطع يد عبد فأعتق ثم عاد فقطع رجله واندمل القطعان] # (6667) فصل: وإن قطع يد عبد، فأعتق، ثم عاد فقطع رجله، واندمل القطعان، ~~فلا قصاص في اليد؛ لأنها قطعت في حال رقه، ويجب فيها نصف قيمته، أو ما نقصه ~~القطع لسيده، ويجب القصاص في الرجل التي قطعها حال حريته، أو نصف الدية إن ~~عفا عن القصاص لورثته. وإن اندمل قطع اليد، وسرى قطع الرجل إلى نفسه، ففي ~~اليد نصف القيمة لسيده، وعلى القاطع القصاص في النفس، أو الدية كاملة ~~لورثته. وإن اندمل قطع الرجل، وسرى قطع اليد، ففي الرجل القصاص بقطعها، أو ~~نصف الدية لورثته، ولا قصاص في اليد، ولا في سرايتها، وعلى الجاني دية حر، ~~لسيده منها أقل الأمرين من أرش القطع أو دية الحر، على قول ابن حامد. وعلى ~~قول أبي بكر والقاضي، تجب قيمة العبد لسيده، اعتبارا بحال جنايته. # وإن سرى الجرحان، لم يجب القصاص في النفس ولا اليد؛ لأنه مات من جرحين ~~موجب وغير موجب، فلم يجب القصاص، كما لو جرحه جرحين عمدا وخطأ، ولكن يجب ~~القصاص في الرجل؛ لأنه قطعها من حر، فإن اقتص منه، وجب نصف الدية؛ لأنه مات ~~من جنايته، وقد استوفى منه ما يقابل نصف الدية، وللسيد أقل الأمرين من نصف ~~القيمة أو نصف الدية، فإن زاد نصف الدية. على نصف القيمة، كان الزائد ~~للورثة، وإن عفا ورثته عن القصاص، فلهم أيضا نصف الدية. وإن كان قاطع الرجل ~~غير قاطع ms4510 اليد، واندمل الجرحان، فعلى قاطع اليد نصف القيمة لسيده، وعلى ~~قاطع الرجل القصاص فيها أو نصف الدية. # وإن سرى الجرحان إلى نفسه، فلا قصاص على الأول؛ لأنه # PageV08P311 # قطع يد عبد، وعليه نصف دية حر؛ لأن المجني عليه حر في حال قرار الجناية، ~~وعلى الثاني القصاص في النفس إذا كانا عمدا القطع؛ لأنه شارك في القتل عمدا ~~عدوانا، فهو كشريك الأب. ويتخرج أن لا قصاص عليه في النفس؛ لأن الروح خرجت ~~من سراية قطعين؛ موجب وغير موجب، بناء على شريك الأب. وإن عفا عنه إلى ~~الدية، فعليه نصف دية حر. وإن قلنا بوجوب القصاص في النفس، خرج في وجوبه في ~~الطرف روايتان، وإن قلنا: لا تجب في النفس. وجب في الرجل. ### | [فصل قلع عين عبد ثم أعتق ثم قطع آخر يده ثم قطع آخر رجله] # (6668) فصل: وإن قلع عين عبد، ثم أعتق، ثم قطع آخر يده، ثم قطع آخر رجله، ~~فلا قود على الأول، سواء اندمل جرحه أو سرى، وأما الآخران، فعليهما القود ~~في الطرفين إن وقف قطعهما، أو ديتهما إن عفا عنهما. وإن سرت الجراحات كلها، ~~فعليهما القصاص في النفس؛ لأن جنايتهما صارت نفسا. وفي ذلك وفي القصاص في ~~الطرف اختلاف، وقد ذكرناه، وإن عفا عنهما، فعليهم الدية أثلاثا، وفيما ~~يستحقه السيد وجهان؛ أحدهما: أقل الأمرين من نصف القيمة أو ثلث الدية. هذا ~~قياس قول أبي بكر؛ لأنه بالقطع استحق نصف القيمة، فإذا صارت نفسا، وجب فيها ~~ثلث الدية، فكان له أقل الأمرين. والثاني: له أقل الأمرين من ثلث القيمة أو ~~ثلث الدية؛ لأن الجناية إذا صارت نفسا، كان الاعتبار بما آلت إليه، ألا ترى ~~أنه لو جنى الجانيان الآخران قبل العتق أيضا، لم يكن على الأول إلا ثلث ~~القيمة، فلا يزيد حقه بالعتق، كما لو قلع رجل عينه، ثم باعه سيده، ثم قطع ~~آخر يده، وآخر رجله، ثم مات، فإنه يكون للأول ثلث القيمة. # وإن كان أرش الجناية نصف القيمة، فإذا قلنا بالوجه الأول، فلو كان الأول ~~قطع إصبعيه، ms4511 أو هشمه، والجانيان في الحرية قطعا يده، فالدية عليهم أثلاثا، ~~للسيد منها أقل الأمرين من أرش الإصبع وهو عشر القيمة أو ثلث الدية. ولو ~~كان الجاني في حال الرق قطع يديه، والجانيان في الحرية قطعا رجليه، وجبت ~~الدية أثلاثا، وكان للسيد منها أقل الأمرين من جميع قيمته أو ثلث الدية. ~~وعلى الوجه الآخر، يكون له في الفرعين أقل الأمرين من ثلث القيمة أو ثلث ~~الدية. (6669) فصل: فإن كان الجانيان في حال الرق، والواحد في حال الحرية، ~~فمات، فعليهم الدية، وللسيد من ذلك، # PageV08P312 # في أحد الوجهين، أقل الأمرين من أرش الجنايتين أو ثلثي الدية، وعلى الآخر ~~أقل الأمرين من ثلثي القيمة أو ثلثي الدية. # (6670) فصل: وإن كان الجناة أربعة؛ واحد في الرق، وثلاثة في الحرية، ~~ومات، كان للسيد في أحد الوجهين، الأقل من أرش الجناية أو ربع الدية، وعلى ~~الآخر الأقل من ربع القيمة أو ربع الدية. وإن كان الثلاثة في الرق، والواحد ~~في الحرية، كان للسيد أقل الأمرين من أرش الجنايات أو ثلاثة أرباع الدية، ~~في أحد الوجهين، وفي الآخر الأقل من ثلاثة أرباع القيمة أو ثلاثة أرباع ~~الدية. ولو كانوا عشرة، واحد في الرق، وتسعة في الحرية، فالدية عليهم، ~~وللسيد فيها بحساب ما ذكرنا، على اختلاف الوجهين. ### | [فصل قطع يده ثم أعتق فقطع آخر رجله ثم عاد الأول فقتله بعد الاندمال] # (6671) فصل: فإن قطع يده، ثم أعتق، فقطع آخر رجله، ثم عاد الأول فقتله ~~بعد الاندمال، فعليه القصاص للورثة، ونصف القيمة للسيد، وعلى الآخر القصاص ~~للورثة في الرجل أو نصف الدية. فإن كان قبل الاندمال، فعلى الجاني الأول ~~القصاص في النفس دون اليد؛ لأنه قطعها في رقه. فإن اختار الورثة القصاص في ~~النفس، سقط حق السيد؛ لأنه لا يجوز أن يستحق عليه النفس وأرش الطرف قبل ~~الاندمال، فإن الطرف داخل في النفس في الأرش. # وإن اختاروا العفو، فعليه الدية دون أرش الطرف؛ لأن أرش الطرف يدخل في ~~النفس، وللسيد أقل الأمرين من نصف القيمة أو أرش الطرف، والباقي للورثة، ms4512 ~~وأما الثاني، فعليه القصاص في الرجل؛ لأن القتل قطع سرايتها، فصار كما لو ~~اندملت. فإن عفا عنه فعليه نصف الدية. وإن كان الثاني هو الذي قتل قبل ~~الاندمال، فعليه القصاص في النفس. وهل يقطع طرفه؟ على روايتين. فإن عفا ~~الورثة، فعليه دية واحدة. وأما الأول، فعليه نصف القيمة للسيد، ولا قصاص ~~عليه. وإن كان القاتل ثالثا، فقد استقر القطعان، ويكون على الأول نصف ~~القيمة لسيده، وعلى الثاني القصاص في الرجل، أو نصف الدية لورثته، وعلى ~~الثالث القصاص في النفس أو الدية. ### | [فصل قطع رجل يد عبده ثم أعتقه ثم اندمل جرحه] # (6672) فصل: وإذا قطع رجل يد عبده، ثم أعتقه ثم اندمل جرحه، فلا قصاص ~~عليه ولا ضمان؛ لأنه إنما قطع يد عبده، وإنما استقر بالاندمال ما وجب ~~بالجراح. وإن مات بعد العتق بسراية الجرح، فلا قصاص فيه؛ لأن الجناية كانت ~~على مملوكه. وفي وجوب الضمان وجهان؛ أحدهما: لا يجب شيء؛ لأنه مات بسراية ~~جرح غير مضمون، أشبه ما لو مات بسراية القطع في الحد # PageV08P313 # وسراية القود، ولأنا تبينا أن القطع كان قتلا، فيكون قاتلا لعبده، فلا ~~يلزمه ضمانه، كما لو لم يعتقه. وهذا بمقتضى قول أبي بكر. والثاني: يضمنه ~~بما زاد على أرش القطع من الدية؛ لأنه مات وهو حر بسراية قطع عدوان، فيضمن، ~~كما لو كان القاطع أجنبيا، لكن يسقط أرش القطع؛ لأنه في ملكه، ويجب الزائد ~~لورثته، فإن لم يكن له وارث سواه، وجب لبيت المال، ولا يرث السيد شيئا؛ لأن ~~القاتل لا يرث. ### | [مسألة قتل رجل اثنين واحدا بعد واحد] # (6673) مسألة؛ قال: (وإذا قتل رجل اثنين، واحدا بعد واحد، فاتفق أولياء ~~الجميع على القود، أقيد لهما. وإن أراد ولي الأول القود، والثاني الدية، ~~أقيد للأول، وأعطي أولياء الثاني الدية من ماله. وكذلك إن أراد أولياء ~~الأول الدية، والثاني القود) وجملة ذلك أنه إذا قتل اثنين، فاتفق أولياؤهما ~~على قتله بهما، قتل بهما. وإن أراد أحدهما القود، والآخر الدية، قتل لمن ~~اختار أراد القود، وأعطي أولياء الثاني الدية ms4513 من ماله، سواء كان المختار ~~للقود الثاني أو الأول، وسواء قتلهما دفعة واحدة، أو دفعتين. فإن بادر ~~أحدهما فقتله، وجب للآخر الدية في ماله، أيهما كان. # وقال أبو حنيفة، ومالك: يقتل بالجماعة، ليس لهم إلا ذلك، وإن طلب بعضهم ~~الدية، فليس له، وإن بادر أحدهم فقتله، سقط حق الباقين؛ لأن الجماعة لو ~~قتلوا واحدا قتلوا به، فكذلك إذا قتلهم واحد قتل بهم، كالواحد بالواحد. ~~وقال الشافعي: لا يقتل إلا بواحد، سواء اتفقوا على طلب القصاص أو لم ~~يتفقوا؛ لأنه إذا كان لكل واحد استيفاء القصاص، فاشتراكهم في المطالبة لا ~~يوجب تداخل حقوقهم، كسائر الحقوق. ولنا على أبي حنيفة، قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «فمن قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين؛ إن أحبوا قتلوا، ~~وإن أحبوا أخذوا العقل» . فظاهر هذا أن أهل كل قتيل يستحقون ما اختاروه من ~~القتل أو الدية، فإذا اتفقوا على القتل وجب لهم، وإن اختار بعضهم الدية، ~~وجب له بظاهر الخبر، ولأنهما جنايتان لا يتداخلان إذا كانتا خطأ أو ~~إحداهما، فلم يتداخلا في العمد، كالجنايات على الأطراف، وقد سلموها. # ولنا على الشافعي، أنه محل تعلق به حقان، لا يتسع لهما معا، رضي ~~المستحقان به عنهما، فيكتفي به كما لو قتل عبد عبدين خطأ فرضي بأخذه عنهما، ~~ولأنهما رضيا بدون حقهما فجاز، كما لو رضي صاحب الصحيحة بالشلاء، أو ولي ~~الحر بالعبد، وولي المسلم بالكافر. وفارق ما إذا كان القتل خطأ؛ فإن ~~الجناية تجب في الذمة، والذمة تتسع لحقوق كثيرة. # وما ذكره مالك وأبو حنيفة فليس بصحيح؛ فإن الجماعة قتلوا بالواحد، لئلا ~~يؤدي الاشتراك إلى إسقاط القصاص، تغليظا للقصاص، ومبالغة في الزجر، وفي ~~مسألتنا # PageV08P314 # ينعكس هذا، فإنه إذا علم أن القصاص واجب عليه بقتل واحد، وأن قتل الثاني ~~والثالث لا يزداد به عليه حق، بادر إلى قتل من يريد قتله، وفعل ما يشتهي ~~فعله، فيصير هذا كإسقاط القصاص عنه ابتداء مع الدية. (6674) فصل: وإن طلب ~~كل ولي قتله بوليه، مستقلا من غير مشاركة، قدم الأول؛ لأن حقه ms4514 أسبق، ولأن ~~المحل صار مستحقا له بالقتل الأول. فإن عفا ولي الأول، فلولي الثاني قتله. ~~وإن طالب ولي الثاني قبل طلب الأول، بعث الحاكم إلى ولي الأول فأعلمه. وإن ~~بادر الثاني فقتله، أساء، وسقط حق الأول إلى الدية. وإن كان ولي الأول ~~غائبا أو صغيرا أو مجنونا، انتظر. # وإن عفا أولياء الجميع إلى الديات، فلهم ذلك. وإن قتلهم دفعة واحدة، ~~وتشاحوا في المستوفي، أقرع بينهم، فقدم من تقع له القرعة؛ لتساوي حقوقهم. ~~وإن بادر غيره فقتله، استوفى حقه، وسقط حق الباقين إلى الدية. وإن قتلهم ~~متفرقا، وأشكل الأول، أو ادعى كل ولي أنه الأول، ولا بينة لهم، فأقر القاتل ~~لأحدهم، قدم بإقراره، وإن لم يقر، أقرعنا بينهم؛ لاستواء حقوقهم. ### | [فصل قطع يميني رجلين] # (6675) فصل: وإن قطع يميني رجلين، فالحكم فيه كالحكم في الأنفس، على ما ~~ذكرنا من التفصيل والاختلاف، إلا أن أصحاب الرأي قالوا: يقاد لهما جميعا، ~~ويغرم لهما دية اليد في ماله نصفين. وهذا لا يصح؛ لأنه يفضي إلى إيجاب ~~القود في بعض العضو والدية في بعضه، والجمع بين البدل والمبدل في محل واحد، ~~ولم يرد الشرع به، ولا نظير له يقاس عليه. ### | [فصل قطع يد رجل ثم قتل آخر ثم سرى القطع إلى نفس المقطوع فمات] # (6676) فصل: وإن قطع يد رجل، ثم قتل آخر، ثم سرى القطع إلى نفس المقطوع ~~فمات، فهو قاتل لهما، فإذا تشاحا في المستوفي للقتل، قتل بالذي قتله؛ لأن ~~وجوب القتل عليه أسبق، فإن القتل بالذي قطعه إنما وجب عند السراية، وهي ~~متأخرة عن قتل الآخر، وأما القطع، فإن قلنا: إنه يستوفي منه مثل ما فعل. ~~فإنه يقطع له أولا، ثم يقتل للذي قتله، ويجب للأول نصف الدية. وإن قلنا: لا ~~يستوفي القطع. وجبت له الدية كاملة، ولم يقطع طرفه. ويحتمل أن يجب له القطع ~~على كل حال؛ لأن القطع إنما يدخل في القتل عند استيفاء القتل. فإذا تعذر ~~استيفاء القتل، وجب استيفاء الطرف لوجوب مقتضيه، وعدم المانع من استيفائه، ~~كما لو لم يسر. ms4515 ولو كان قطع اليد لم يسر إلى النفس، فإنه تقطع يده أولا، ثم ~~يقتل، وسواء # PageV08P315 # تقدم القطع أو تأخر. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. # وقال مالك: يقتل ولا يقطع؛ لأنه إذا قتل تلف الطرف، فلا فائدة في القطع، ~~فأشبه ما لو كانا لواحد. ولنا، أنهما جنايتان على رجلين، فلم يتداخلا، كقطع ~~يدي رجلين. وما ذكره من القياس غير صحيح؛ لأنه قد قال: لو قطع يد رجل، ثم ~~قتله يقصد المثلة به، قطع وقتل. ونحن نوافقه على هذا في رواية، فقد حصل ~~الإجماع منا ومنهم على انتفاء التداخل في الأصل، فكيف يقيس عليه، ولكنه ~~ينقلب دليلا عليه، فنقول: قطع وقتل، فيستوفى منه مثل ما فعل، كما لو فعله ~~برجل واحد يقصد المثلة به، ويثبت الحكم في محل النزاع بطريق التنبيه، فإنه ~~إذا لم يتداخل حق الواحد، فحق الاثنين أولى، ويبطل بهذا ما قاله من المعنى. ### | [فصل قطع إصبعا من يمين رجل ويمينا لآخر] # (6677) فصل: وإن قطع إصبعا من يمين رجل، ويمينا لآخر، وكان قطع الإصبع ~~أسبق، قطعت إصبعه قصاصا، وخير الآخر بين العفو إلى الدية، وبين القصاص وأخذ ~~دية الإصبع. ذكره القاضي، وهو اختيار ابن حامد، ومذهب الشافعي؛ لأنه وجد ~~بعض حقه، فكان له استيفاء الموجود، وأخذ بدل المفقود، كمن أتلف مثليا لرجل، ~~فوجد بعض المثل. وقال أبو بكر: يخير بين القصاص ولا شيء له معه، وبين ~~الدية. هذا قياس قوله، وهو مذهب أبي حنيفة لأنه لا يجمع في عضو واحد بين ~~قصاص ودية كالنفس. # وإن كان قطع اليد سابقا على قطع الإصبع، قطعت يمينه قصاصا، ولصاحب الإصبع ~~أرشها. ويفارق هذا ما إذا قتل رجلا، ثم قطع يد آخر، حيث قدمنا استيفاء ~~القطع مع تأخره؛ لأن قطع اليد لا يمنع التكافؤ في النفس، بدليل أنا نأخذ ~~كامل الأطراف بناقصها، وأن ديتهما واحدة، ونقص الإصبع يمنع التكافؤ في ~~اليد، بدليل أنا لا نأخذ الكاملة بالناقصة، واختلاف ديتهما. وإن عفا صاحب ~~اليد، قطعت الإصبع لصاحبها، إن اختار قطعها. ### | [مسألة جرحه جرحا يمكن الاقتصاص ms4516 منه بلا حيف] # (6678) مسألة: قال: (وإذا جرحه جرحا يمكن الاقتصاص منه بلا حيف، اقتص ~~منه) وجملة ذلك أن القصاص يجري فيما دون النفس من الجروح، إذا أمكن؛ للنص ~~والإجماع؛ أما النص فقول الله تعالى: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] . وروى ~~أنس بن مالك، أن الربيع بنت النضر بن أنس، «كسرت ثنية جارية، فعرضوا عليهم ~~الأرش، فأبوا إلا القصاص، فجاء أخوها أنس بن # PageV08P316 # النضر فقال: يا رسول الله، تكسر ثنية الربيع، والذي بعثك بالحق لا تكسر ~~ثنيتها. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا أنس، كتاب الله القصاص. ~~قال: فعفا القوم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن من عباد الله من ~~لو أقسم على الله لأبره» . متفق عليه. # وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن، ولأن ما دون ~~النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص، فكان كالنفس في وجوبه. ### | [فصل يشترط لوجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء] # (6679) فصل: ويشترط لوجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون ~~عمدا محضا، فأما الخطأ فلا قصاص فيه إجماعا، لأن الخطأ لا يوجب القصاص في ~~النفس، وهي الأصل، ففيما دونها أولى. ولا يجب بعمد الخطأ، وهو أن يقصد ضربه ~~بما لا يفضي إلى ذلك غالبا، مثل أن يضربه بحصاة لا يوضح مثلها، فتوضحه، فلا ~~يجب به القصاص؛ لأنه شبه العمد، ولا يجب القصاص إلا بالعمد المحض. # وقال أبو بكر: يجب به القصاص، ولا يراعى فيه ذلك؛ لعموم الآية. الثاني: ~~التكافؤ بين الجارح والمجروح، وهو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه لو ~~قتله، كالحر المسلم مع الحر المسلم، فأما من لا يقتل بقتله، فلا يقتص منه ~~فيما دون النفس له، كالمسلم مع الكافر، والحر مع العبد، والأب مع ابنه؛ ~~لأنه لا تؤخذ نفسه بنفسه، فلا يؤخذ طرفه بطرفه، ولا يجرح بجرحه، كالمسلم مع ~~المستأمن. الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله تعالى ~~قال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] . وقال: {فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ms4517 اعتدى عليكم} [البقرة: 194] . # ولأن دم الجاني معصوم إلا في قدر جنايته، فما زاد عليها يبقى على العصمة، ~~فيحرم استيفاؤه بعد الجناية، كتحريمه قبلها، ومن ضرورة المنع من الزيادة ~~المنع من القصاص؛ لأنها من لوازمه، فلا يمكن المنع منها إلا بالمنع منه. ~~وهذا لا خلاف فيه نعلمه. وممن منع القصاص فيما دون الموضحة الحسن، ~~والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي. ومنعه في العظام عمر بن عبد العزيز، ~~وعطاء، والنخعي، والزهري، والحكم، وابن شبرمة، والثوري، والشافعي، وأصحاب ~~الرأي. # إذا ثبت هذا، فإن الجرح الذي يمكن استيفاؤه من غير زيادة، هو كل جرح ~~ينتهي إلى عظم، كالموضحة # PageV08P317 # في الرأس والوجه، ولا نعلم في جواز القصاص في الموضحة خلافا، وهي كل جرح ~~ينتهي إلى العظم في الرأس والوجه؛ وذلك لأن الله تعالى نص على القصاص في ~~الجروح، فلو لم يجب هاهنا، لسقط حكم الآية، وفي معنى الموضحة كل جرح ينتهي ~~إلى عظم فيما سوى الرأس والوجه، كالساعد، والعضد، والساق، والفخذ، في قول ~~أكثر أهل العلم. وهو منصوص الشافعي. # وقال بعض أصحابه: لا قصاص فيها؛ لأنه لا يقدر فيها. وليس بصحيح، لقول ~~الله تعالى: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] . ولأنه أمكن استيفاؤها بغير حيف ~~ولا زيادة، لانتهائها إلى عظم، فهي كالموضحة، والتقدير في الموضحة ليس هو ~~المقتضي للقصاص، ولا عدمه مانعا، وإنما كان التقدير في الموضحة لكثرة ~~شينها، وشرف محلها؛ ولهذا قدر ما فوقها من شجاج الرأس والوجه، ولا قصاص ~~فيه، وكذلك الجائفة أرشها مقدر، لا قصاص فيه. ### | [فصل لا يستوفى القصاص فيما دون النفس بالسيف] # (6680) فصل: ولا يستوفى القصاص فيما دون النفس بالسيف، ولا بآلة يخشى ~~منها الزيادة، سواء كان الجرح بها أو بغيرها؛ لأن القتل إنما استوفي ~~بالسيف؛ لأنه آلته، وليس ثمة شيء يخشى التعدي إليه، فيجب أن يستوفى ما دون ~~النفس بآلته، ويتوقى ما يخشى منه الزيادة إلى محل لا يجوز استيفاؤه، ولأننا ~~منعنا القصاص بالكلية فيما تخشى الزيادة في استيفائه. فلأن نمنع الآلة التي ~~يخشى منها ذلك أولى. فإن كان الجرح موضحة أو ما ms4518 أشبهها، فبالموسى أو حديدة ~~ماضية معدة لذلك، ولا يستوفي ذلك إلا من له علم بذلك، كالجرائحي ومن أشبهه، ~~فإن لم يكن للولي علم بذلك، أمر بالاستبانة، وإن كان له علم، فقال القاضي: ~~ظاهر كلام أحمد، أنه يمكن منه؛ لأنه أحد نوعي القصاص، فيمكن من استيفائه ~~إذا كان يحسن، كالقتل. # ويحتمل أن لا يمكن من استيفائه بنفسه، ولا يليه إلا نائب الإمام، أو من ~~يستنيبه ولي الجناية. وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه لا يؤمن مع العداوة وقصد ~~التشفي الحيف في الاستيفاء بما لا يمكن تلافيه، وربما أفضى إلى النزاع ~~والاختلاف، بأن يدعي الجاني الزيادة وينكرها المستوفي. ### | [فصل أراد الاستيفاء من موضحة وشبهها] # (6681) فصل: وإذا أراد الاستيفاء من موضحة وشبهها، فإن كان على موضعها ~~شعر حلقه، ويعمد إلى موضع الشجة من رأس المشجوج، فيعلم منه طولها بخشبة أو ~~خيط، ويضعها على رأس الشاج، ويعلم طرفيه بخط بسواد أو غيره، ويأخذ حديدة ~~عرضها كعرض الشجة، فيضعها في أول الشجة، ويجرها إلى آخرها، ويأخذ مثل الشجة ~~طولا وعرضا، ولا يراعي العمق؛ لأن حده العظم، ولو روعي العمق لتعذر ~~الاستيفاء؛ لأن # PageV08P318 # الناس يختلفون في قلة اللحم وكثرته، وهذا كما يستوفي في الطرف مثله وإن ~~اختلفا في الصغر والكبر، والدقة والغلظ، ويراعي الطول والعرض؛ لأنه ممكن، ~~فإن كان رأس الشاج والمشجوج سواء، استوفى قدر الشجة، وإن كان رأس الشاج ~~أصغر، لكنه يتسع للشجة، استوفيت إن استوعب رأس الشاج كله، وهي بعض رأس ~~المشجوج؛ لأنه استوفاها بالمساحة، ولا يمنع الاستيفاء زيادتها على مثل ~~موضعها من رأس الجاني؛ لأن الجميع رأسه. وإن كان قدر الشجة يزيد على رأس ~~الجاني، فإنه يستوفي الشجة من جميع رأس الشاج، ولا يجوز أن ينزل إلى جبهته؛ ~~لأنه يقتص في عضو آخر غير العضو الذي جنى عليه. # وكذلك لا ينزل إلى قفاه؛ لما ذكرناه. ولا يستوفي بقية الشجة في موضع آخر ~~من رأسه؛ لأنه يكون مستوفيا لموضحتين، وواضعا للحديدة في غير الموضع الذي ~~وضعها فيه الجاني. واختلف أصحابنا في ماذا يصنع؟ فذكر القاضي أن ms4519 ظاهر كلام ~~أبي بكر، أنه لا أرش له فيما بقي؛ كي لا يجتمع قصاص ودية في جرح واحد. وهذا ~~مذهب أبي حنيفة. فعلى هذا يتخير بين الاستيفاء في جميع رأس الشاج ولا أرش ~~له، وبين العفو إلى دية موضحة. وقال أبو عبد الله بن حامد، وبعض أصحابنا: ~~له أرش ما بقي. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه تعذر القصاص فيما جنى عليه، فكان له ~~أرشه، كما لو تعذر في الجميع. فعلى هذا، تقدر شجة الجاني من الشجة في رأس ~~المجني عليه، ويستوفي أرش الباقي، فإن كانت بقدر ثلثها فله ثلث أرش موضحة، ~~وإن زادت أو نقصت عن هذا فبالحساب من أرش الموضحة. # ولا يجب له أرش موضحة كاملة؛ لئلا يفضي إلى إيجاب القصاص ودية موضحة في ~~موضحة واحدة، فإن أوضحه في جميع رأسه، ورأس الجاني أكبر، فللمجني عليه أن ~~يوضح منه بقدر مساحة موضحته من أي الطرفين شاء؛ لأنه جنى عليه في ذلك ~~الموضع كله، وإذا استوفى قدر موضحته، ثم تجاوزها، واعترف أنه عمد ذلك، ~~فعليه القصاص في ذلك القدر، فإذا اندملت موضحته، استوفي منه القصاص في موضع ~~الاندمال؛ لأنه موضع الجناية، وإن ادعى الخطأ، فالقول قوله؛ لأنه محتمل، ~~وهو أعلم بقصده، وعليه أرش موضحة. فإن قيل: فهذه الموضحة كلها لو كانت ~~عدوانا لم يجب فيها إلا دية موضحة، فكيف يجب في بعضها دية موضحة؟ قلنا: لأن ~~المستوفي، لم يكن جناية، إنما الجناية الزائد، والزائد لو انفرد لكان ~~موضحة، فكذلك إذا كان معه ما ليس بجناية، بخلاف ما إذا كانت كلها عدوانا؛ ~~فإن الجميع جناية واحدة. ### | [فصل أوضحه في جميع رأسه ورأس الجاني أكبر] # فصل: وإذا أوضحه في جميع رأسه، ورأس الجاني أكبر، فأحب أن يستوفي القصاص ~~بعضه من مقدم الرأس # PageV08P319 # وبعضه من مؤخره، احتمل أن يمنع منه؛ لأنه يأخذ موضحتين بواحدة، وديتهما ~~مختلفة، واحتمل الجواز؛ لأنه لا يجاوز موضع الجناية ولا قدرها، إلا أن يقول ~~أهل الخبرة: إن في ذلك زيادة ضرر أو شين، فلا يفعل. ولأصحاب الشافعي كهذين. ~~فإن كان ms4520 رأس المجني عليه أكبر، فأوضحه الجاني في مقدمه ومؤخره موضحتين، ~~قدرهما جميع رأس الجاني، فله الخيار بين أن يوضحه موضحة واحدة في جميع ~~رأسه، أو يوضحه موضحتين، يقتصر في كل واحدة منهما على قدر موضحته، ولا أرش ~~لذلك، وجها واحدا؛ لأنه ترك الاستيفاء مع إمكانه. وإن عفا إلى الأرش، فله ~~أرش موضحتين، وإن شاء اقتص من أحدهما، وأخذ دية الأخرى. ### | [فصل كانت الجناية في غير الرأس والوجه] # (6683) فصل: وإذا كانت الجناية في غير الرأس والوجه، فكانت في ساعد، ~~فزادت على ساعد الجاني، لم ينزل إلى الكف، ولم يصعد إلى العضد، وإن كانت في ~~الساق، لم ينزل إلى القدم، ولم يصعد إلى الفخذ؛ لأنه عضو آخر، فلا يقتص ~~منه، كما لم ينزل من الرأس إلى الوجه، ولم يصعد من الوجه إلى الرأس. ### | [فصل شج في مقدم رأسه أو مؤخره عرضا شجة لا يتسع لها مثل ذلك الموضع من رأس الشاج] # (6684) فصل: وإذا شج في مقدم رأسه أو مؤخره عرضا شجة لا يتسع لها مثل ذلك ~~الموضع من رأس الشاج، فأراد أن يستوفي من وسط الرأس، فيما بين الأذنين، ~~لكونه يتسع لمثل تلك الموضحة، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز؛ لأنه غير ~~الموضع الذي شجه فيه، فلم يجز له الاستيفاء منه، كما لو أمكنه استيفاء حقه ~~من محل شجته. واحتمل أن يجوز؛ لأن الرأس عضو واحد، فإذا لم يمكنه استيفاء ~~حقه من محل شجته، جاز من غيره، كما لو شجه في مقدم رأسه شجة قدرها جميع رأس ~~الشاج، جاز إتمام استيفائها في مؤخر رأس الجاني. وهذا منصوص الشافعي. وهكذا ~~يخرج فيما إذا كان الجرح في موضع من الساق والقدم والذراع والعضد. وإن أمكن ~~الاستيفاء من محل الجناية، لم يجز العدول عنه، وجها واحدا. ### | [مسألة جريان القصاص في الأطراف] # (6685) مسألة: قال: (وكذلك إذا قطع منه طرفا من مفصل، قطع منه مثل ذلك ~~المفصل، إذا كان الجاني يقاد من المجني عليه لو قتله) أجمع أهل العلم على ~~جريان القصاص في الأطراف، وقد ثبت ذلك بقوله ms4521 تعالى: {والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} [المائدة: 45] . # PageV08P320 # وبخبر الربيع بنت النضر بن أنس، ويشترط لجريان القصاص فيها شروط خمسة؛ ~~أحدها: أن يكون عمدا، على ما أسلفناه. والثاني: أن يكون المجني عليه مكافئا ~~للجاني بحيث يقاد به لو قتله. # والثالث: أن يكون الطرف مساويا للطرف، فلا يؤخذ صحيح بأشل، ولا كاملة ~~الأصابع بناقصة، ولا أصلية بزائدة، ولا يشترط التساوي في الدقة والغلظ، ~~والصغر والكبر، والصحة والمرض؛ لأن اعتبار ذلك يفضي إلى سقوط القصاص ~~بالكلية. والرابع: الاشتراك في الاسم الخاص، فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار ~~بيمين، ولا إصبع بمخالفة لها، ولا جفن أو شفة إلا بمثلها. والخامس: إمكان ~~الاستيفاء من غير حيف، وهو أن يكون القطع من مفصل، فإن كان من غير مفصل فلا ~~قصاص فيه من موضع القطع، بغير خلاف نعلمه. وقد روى نمر بن جابر، عن أبيه «، ~~أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف، فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر له بالدية، فقال: إني أريد القصاص. قال: ~~خذ الدية، بارك الله لك فيها» . ولم يقض له بالقصاص. رواه ابن ماجه. ### | [فصل في قطع اليد ثمان مسائل] # (6686) فصل: وفي قطع اليد ثمان مسائل؛ أحدها: قطع الأصابع من مفاصلها، ~~فالقصاص واجب؛ لأن لها مفاصل، ويمكن القصاص من غير حيف، وإن اختار الدية ~~فله نصفها؛ لأن في كل إصبع عشر الدية. الثانية: قطعها من نصف الكف، فليس له ~~القصاص من موضع القطع؛ لأنه ليس بمفصل، فلا يؤمن الحيف فيه. وإن أراد قطع ~~الأصابع ففيه وجهان؛ أحدهما: ليس له ذلك. وهذا اختيار أبي بكر؛ لأنه يقتص ~~من غير موضع الجناية، فلم يجز، كما لو كان القطع من الكوع، يحققه أن امتناع ~~قطع الأصابع إذا قطع من الكوع، إنما كان لعدم المقتضي، أو وجود مانع، ~~وأيهما كان فهو متحقق إذا كان القطع من نصف الكف. والثاني: له قطع الأصابع. ~~ذكره أصحابنا. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه يأخذ دون حقه لعجزه عن استيفاء حقه، ~~فأشبه ms4522 ما لو شجه هاشمة، فاستوفى موضحة. # PageV08P321 # ويفارق ما إذا قطع من الكوع؛ لأنه أمكنه استيفاء حقه، فلم يجز له العدول ~~إلى غيره. وهل له حكومة في نصف الكف؟ فيه وجهان؛ أحدهما، ليس له ذلك؛ لأنه ~~يجمع بين القصاص والأرش في عضو واحد، فلم يجز، كما لو قطع من الكوع. ~~والثاني: له أرش نصف الكف؛ لأنه حق له تعذر استيفاؤه، فوجب أرشه، كسائر ما ~~هذا حاله. وإن اختار الدية، فله نصفها، لأن قطع اليد من الكوع لا يوجب أكثر ~~من نصف الدية، فما دونه أولى. الثالثة: قطع من الكوع، فله قطع يده من ~~الكوع، لأنه مفصل، وليس له قطع الأصابع؛ لأنه غير محل الجناية، فلا يستوفي ~~منه مع إمكان الاستيفاء من محلها. الرابعة: قطع من نصف الذراع، فليس له أن ~~يقطع من ذلك الموضع؛ لأنه ليس بمفصل، وقد ذكرنا الخبر الوارد فيه، وله نصف ~~الدية، وحكومة في المقطوع من الذراع. وهل له أن يقطع من الكوع؟ فيه وجهان، ~~كما ذكرنا في من قطع من نصف الكف. # ومن جوز له القطع من الكوع، فعنده في وجوب الحكومة لما قطع من الذراع ~~وجهان. ويخرج أيضا في جواز قطع الأصابع وجهان. فإن قطع منها، لم يكن له ~~حكومة في الكف؛ لأنه أمكنه أخذه قصاصا، فلم يكن له طلب أرشه، كما لو كانت ~~الجناية من الكوع. الخامسة: قطع من المرفق، فله القصاص منه؛ لأنه مفصل، ~~وليس له القطع من الكوع؛ لأنه أمكنه استيفاء حقه بكماله، والاقتصاص من محل ~~الجناية عليه، فلم يجز له العدول إلى غيره. وإن عفا إلى الدية، فله دية ~~اليد، وحكومة للساعد. السادسة: قطعها من العضد، فلا قصاص فيها، في أحد ~~الوجهين، وله دية اليد، وحكومة للساعد وبعض العضد. والثاني: له القصاص من ~~المرفق. وهل له حكومة في الزائد؟ على وجهين: وهل له القطع من الكوع؟ يحتمل ~~وجهين. # السابعة: قطع من المنكب، فالواجب القصاص؛ لأنه مفصل، وإن اختار الدية، ~~فله دية اليد، وحكومة لما زاد. الثامنة: خلع عظم المنكب، ويقال له: مشط ms4523 ~~الكتف، فيرجع فيه إلى اثنين من ثقات أهل الخبرة، فإن قالوا: يمكن الاستيفاء ~~من غير أن تصير جائفة. استوفي، وإلا صار الأمر إلى الدية. وفي جواز ~~الاستيفاء من المرفق أو ما دونه مثل ما ذكرنا في نظائره. ومثل هذه المسائل ~~في الرجل، والساق كالذراع، والفخذ كالعضد، والورك كعظم الكتف، والقدم ~~كالكف. # PageV08P322 ### | [مسألة ليس في المأمومة ولا في الجائفة قصاص] # (6687) مسألة: قال: (وليس في المأمومة، ولا في الجائفة قصاص) المأمومة: ~~شجاج الرأس، وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وتسمى تلك الجلدة أم الدماغ؛ ~~لأنها تجمعه، فالشجة الواصلة إليها تسمى مأمومة وآمة، لوصولها إلى أم ~~الدماغ. والجائفة في البدن، وهي التي تصل إلى الجوف. وليس فيهما قصاص عند ~~أحد من أهل العلم نعلمه، إلا ما روي عن ابن الزبير أنه قص من المأمومة، ~~فأنكر الناس عليه، وقالوا: ما سمعنا أحدا قص منها قبل ابن الزبير. وممن لم ~~ير في ذلك قصاصا مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وروي عن علي - رضي الله عنه -: لا قصاص في المأمومة. وقاله مكحول، ~~والزهري، والشعبي. وقال عطاء، والنخعي: لا قصاص في الجائفة. وروى ابن ماجه، ~~في " سننه "، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «لا قود في المأمومة، ولا في الجائفة، ولا في المنقلة» . ولأنهما ~~جرحان لا تؤمن الزيادة فيهما، فلم يجب فيهما قصاص، ككسر العظام. ### | [فصل ليس في شيء من شجاج الرأس قصاص سوى الموضحة] # (6688) فصل: وليس في شيء من شجاج الرأس قصاص سوى الموضحة، وسواء في ذلك ~~ما دون الموضحة، كالحارصة، والبازلة، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، وما ~~فوقها، وهي الهاشمة والمنقلة والآمة. # وبهذا قال الشافعي. فأما ما فوق الموضحة، فلا نعلم أحدا أوجب فيها ~~القصاص، إلا ما روي عن ابن الزبير، أنه أقاد من المنقلة، وليس بثابت عنه. ~~وممن قال به؛ عطاء، وقتادة، وابن شبرمة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ~~وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدا خالف ذلك. ولأنهما جراحتان لا تؤمن الزيادة ~~فيهما، أشبها المأمومة والجائفة. وأما ما دون الموضحة، فقد ms4524 روي عن مالك ~~وأصحاب الرأي، أن القصاص يجب في الدامية والباضعة والسمحاق. # ولنا، أنها جراحة لا تنتهي إلى عظم، فلم يجب فيها قصاص، كالمأمومة، ولأنه ~~لا يؤمن فيها الزيادة، فأشبه كسر العظام، وبيان ذلك، أنه إن اقتص من غير ~~تقدير، أفضى إلى أن يأخذ أكثر من حقه، وإن اعتبر مقدار العمق، أفضى إلى أن ~~يقتص من الباضعة والسمحاق موضحة، ومن الباضعة سمحاقا؛ لأنه قد يكون لحم ~~المشجوج كثيرا، بحيث يكون عمق باضعته كعمق موضحة الشاج، أو سمحاقه، ولأننا ~~لم نعتبر في الموضحة قدر عمقها، فكذلك في غيرها. وبهذا قال الحسن، وأبو ~~عبيد. # PageV08P323 ### | [فصل كانت الشجة فوق الموضحة] # (6689) فصل: وإن كانت الشجة فوق الموضحة، فأحب أن يقتص موضحة، جاز ذلك ~~بغير خلاف بين أصحابنا. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه يقتص على بعض حقه، ويقتص من ~~محل جنايته، فإنه إنما يضع السكين في موضع وضعها الجاني؛ لأن سكين الجاني ~~وصلت إلى العظم، ثم تجاوزته، بخلاف قاطع الساعد، فإنه لم يضع سكينه في ~~الكوع. وهل له أرش ما زاد على الموضحة؟ فيه وجهان:؛ أحدهما: ليس له ذلك. ~~وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه جرح واحد، فلا يجمع فيه بين قصاص ودية، كما لو ~~قطع الشلاء بالصحيحة، وكما في الأنفس إذا قتل الكافر بالمسلم، والعبد ~~بالحر. والثاني: له أرش ما زاد على الموضحة، اختاره ابن حامد، وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأنه تعذر القصاص فيه، فانتقل إلى البدل، كما لو قطع إصبعيه ولم ~~يمكن الاستيفاء إلا من واحدة. وفارق الشلاء بالصحيحة؛ لأن الزيادة ثم من ~~حيث المعنى، وليست متميزة، بخلاف مسألتنا. ### | [مسألة تقطع الأذن بالأذن] # (6690) مسألة: قال: (وتقطع الأذن بالأذن) أجمع أهل العلم على أن الأذن ~~تؤخذ بالأذن، وذلك لقول الله تعالى: {والأذن بالأذن} [المائدة: 45] . ~~ولأنها تنتهي إلى حد فاصل، فأشبهت اليد. وتؤخذ الكبيرة بالصغيرة، وتؤخذ أذن ~~السميع بأذن السميع، وتؤخذ أذن الأصم بكل واحدة منهما؛ لتساويهما، فإن ذهاب ~~السمع نقص في الرأس، لأنه محله، وليس بنقص فيهما. وتؤخذ الصحيحة بالمثقوبة؛ ~~لأن الثقب ليس بعيب، وإنما يفعل في ms4525 العادة للقرط والتزين به، فإن كان الثقب ~~في غير محله، أو كانت مخرومة، أخذت بالصحيحة، ولم تؤخذ الصحيحة بها؛ لأن ~~الثقب إذا انخرم صار نقصا فيها، والثقب في غير محله عيب، ويخير المجني عليه ~~بين أخذ الدية إلا قدر النقص، وبين أن يقتص فيما سوى المعيب ويتركه من أذن ~~الجاني. # وفي وجوب الحكومة له في قدر الثقب وجهان. وإن قطعت بعض أذنه، فله أن يقتص ~~من أذن الجاني وتقدير ذلك بالأجزاء، فيؤخذ النصف بالنصف، والثلث بالثلث، ~~وعلى حساب ذلك. وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يجزئ القصاص في البعض؛ لأنه لا ~~ينتهي إلى حد. ولنا، أنه يمكن تقدير المقطوع، وليس فيها كسر عظم، فجرى ~~القصاص في بعضها، كالذكر، وبهذا ينتقض ما ذكروه. # PageV08P324 ### | [فصل تؤخذ الأذن المستحشفة بالصحيحة] # (6691) فصل: وتؤخذ الأذن المستحشفة بالصحيحة. وهل تؤخذ الصحيحة بها؟ فيه ~~وجهان؛ أحدهما: لا تؤخذ بها؛ لأنها ناقصة معيبة، فلم تؤخذ بها الصحيحة، ~~كاليد الشلاء وسائر الأعضاء. والثاني: تؤخذ بها؛ لأن المقصود منها جمع ~~الصوت، وحفظ محل السمع، والجمال، وهذا يحصل بها كحصوله بالصحيحة، بخلاف ~~سائر الأعضاء. ### | [فصل قطع أذنه فأبانها فألصقها صاحبها فالتصقت وثبتت] # (6692) فصل: وإن قطع أذنه فأبانها، فألصقها صاحبها فالتصقت وثبتت، فقال ~~القاضي: يجب القصاص. وهو قول الثوري، والشافعي، وإسحاق؛ لأنه وجب بالإبانة، ~~وقد وجدت الإبانة. وقال أبو بكر: لا قصاص فيها. وهو قول مالك؛ لأنها لم تبن ~~على الدوام، فلم يستحق إبانة أذن الجاني دواما. وإن سقطت بعد ذلك قريبا أو ~~بعيدا، فله القصاص، ويرد ما أخذ. # وعلى قول أبي بكر، إذا لم تسقط: له دية الأذن. وهو قول أصحاب الرأي. ~~وكذلك قول الأولين إذا اختار الدية. وقال مالك: لا عقل لها إذا عادت ~~مكانها، فأما إن قطع بعض أذنه فالتصق، فله أرش الجرح، ولا قصاص فيه. وإن ~~قطع أذن إنسان، فاستوفي منه، فألصق الجاني أذنه فالتصقت، وطلب المجني عليه ~~إبانتها، لم يكن له ذلك؛ لأن الإبانة قد حصلت، والقصاص قد استوفي، فلم يبق ~~له قبله حق. فأما إن كان المجني ms4526 عليه لم يقطع جميع الأذن، إنما قطع بعضها ~~فالتصق، كان للمجني عليه قطع جميعها؛ لأنه استحق إبانة جميعها، ولم يكن ~~إبانة. والحكم في السن كالحكم في الأذن. ### | [فصل ألصق أذنه بعد إبانتها أو سنه فهل تلزمه إبانتها] # (6693) فصل: ومن ألصق أذنه بعد إبانتها، أو سنه، فهل تلزمه إبانتها؟ فيه ~~وجهان، مبنيان على الروايتين، فيما بان من الآدمي، هل هو نجس أو طاهر؟ إن ~~قلنا: هو نجس. لزمته إزالتها، ما لم يخف الضرر بإزالتها، كما لو جبر عظمه ~~بعظم نجس. وإن قلنا بطهارتها. لم تلزمه إزالتها. وهذا اختيار أبي بكر، وقول ~~عطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وهو الصحيح؛ لأنه جزء آدمي طاهر في ~~حياته وموته، فكان طاهرا كحالة اتصاله، فأما إن قطع بعض أذنه فالتصق، لم ~~تلزمه إبانتها؛ لأنها طاهرة على الروايتين جميعا، لأنها لم تصر ميتة، لعدم ~~إبانتها. ولا قصاص فيها. قاله القاضي. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه لا يمكن ~~المماثلة في المقطوع منها. # PageV08P325 ### | [مسألة الأنف بالأنف] # (6694) مسألة:؛ قال: (والأنف بالأنف) وأجمعوا على جريان القصاص في الأنف ~~أيضا؛ للآية والمعنى. ويؤخذ الكبير بالصغير، والأقنى بالأفطس، وأنف الأشم ~~بأنف الأخشم الذي لا يشم؛ لأن ذلك لعلة في الدماغ والأنف صحيح. كما تؤخذ ~~أذن السميع بأذن الأصم. وإن كان بأنفه جذام، أخذ به الأنف الصحيح، ما لم ~~يسقط منه شيء؛ لأن ذلك مرض، فإن سقط منه شيء، لم يقطع به الصحيح، إلا أن ~~يكون من أحد جانبيه. فيأخذ من الصحيح مثل ما بقي منه، أو يأخذ أرش ذلك. ~~والذي يجب فيه القصاص أو الدية هو المارن، وهو مالان منه، دون قصبة الأنف؛ ~~لأن ذلك حد ينتهي إليه، فهو كاليد، يجب القصاص فيما انتهى إلى الكوع. وإن ~~قطع الأنف كله مع القصبة، فعليه القصاص في المارن، وحكومة للقصبة. هذا قول ~~ابن حامد، ومذهب الشافعي. وفيه وجه آخر، أنه لا يجب مع القصاص حكومة؛ كي لا ~~يجتمع في عضو واحد قصاص ودية. # وقياس قول أبي بكر، أنه لا يجب القصاص هاهنا؛ لأنه يضع الحديدة ms4527 في غير ~~الموضع الذي وضعها الجاني فيه، فلم يملك ذلك، كقوله في من قطع اليد من نصف ~~الذراع أو الكف. وذكر القاضي هاهنا كقول أبي بكر، وفي نظائره مثل قول ابن ~~حامد، ولا يصح التفريق مع التساوي. وإن قطع بعض الأنف، قدر بالأجزاء، وأخذ ~~منه بقدر ذلك، كقولنا في الأذن، ولا يؤخذ بالمساحة، لئلا يفضي إلى قطع جميع ~~أنف الجاني لصغره ببعض أنف المجني عليه لكبره، ويؤخذ المنخر الأيمن ~~بالأيمن، والأيسر بالأيسر، ولا يؤخذ أيمن بأيسر، ولا أيسر بأيمن، ويؤخذ ~~الحاجز بالحاجز؛ لأنه يمكن القصاص فيه، لانتهائه إلى حد. ### | [مسألة الذكر بالذكر] # مسألة: قال: (والذكر بالذكر) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن القصاص ~~يجري في الذكر؛ لقوله تعالى: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] . ولأن له حدا ~~ينتهي إليه، ويمكن القصاص فيه من غير حيف، فوجب فيه القصاص، كالأنف. ويستوي ~~في ذلك ذكر الصغير والكبير، والشيخ والشاب، والذكر الكبير والصغير، والصحيح ~~والمريض؛ لأن ما وجب فيه القصاص من الأطراف لم يختلف بهذه المعاني، كذلك ~~الذكر. ويؤخذ كل واحد من المختون والأغلف بصاحبه؛ لأن الغلفة زيادة تستحق ~~إزالتها، فهي كالمعدومة. # PageV08P326 # وأما ذكر الخصي والعنين، فذكر الشريف أن غيرهما لا يؤخذ بهما. وهو قول ~~مالك؛ لأنه لا منفعة فيهما، لأن العنين لا يطأ ولا ينزل، والخصي لا يولد له ~~ولا ينزل، ولا يكاد يقدر على الوطء، فهما كالأشل، ولأن كل واحد منهما ناقص، ~~فلا يؤخذ به الكامل، كاليد الناقصة بالكاملة. # وقال أبو الخطاب: يؤخذ غيرهما بهما، في أحد الوجهين. وهو مذهب الشافعي؛ ~~لأنهما عضوان صحيحان، ينقبضان وينبسطان، ويؤخذ بهما غيرهما، كذكر الفحل غير ~~العنين، وإنما عدم الإنزال لذهاب الخصية، والعنة لعلة في الظهر، فلم يمنع ~~ذلك من القصاص بهما، كأذن الأصم وأنف الأخشم. وقال القاضي: لا يؤخذ ذكر ~~الفحل بالخصي؛ لتحقق نقصه، والإياس من برئه. وفي أخذه بذكر العنين وجهان؛ ~~أحدهما، يؤخذ به غيره؛ لأنه غير ميئوس من زوال عنته، ولذلك يؤجل سنة، بخلاف ~~الخصي. والصحيح الأول؛ فإنه إذا ترددت الحال بين كونه ms4528 مساويا للآخر وعدمه، ~~لم يجب القصاص، لأن الأصل عدمه، فلا يجب بالشك، سيما وقد حكمنا بانتفاء ~~التساوي، لقيام الدليل على عنته، وثبوت عيبه. ويؤخذ كل واحد من الخصي ~~والعنين بمثله؛ لتساويهما، كما يؤخذ العبد بالعبد، والذمي بالذمي. # (6696) فصل: ويؤخذ بعضه ببعضه، ويعتبر ذلك بالأجزاء دون المساحة، فيؤخذ ~~النصف بالنصف، والربع بالربع، وما زاد أو نقص فبحسب ذلك، على ما ذكرناه في ~~الأنف والأذن. ### | [مسألة الأنثيان بالأنثيين] # (6697) مسألة: قال: (والأنثيان بالأنثيين) ويجري القصاص في الأنثيين؛ لما ~~ذكرنا من النص والمعنى. ولا نعلم فيه خلافا، فإن قطع إحداهما، وقال أهل ~~الخبرة، إنه ممكن أخذها مع سلامة الأخرى جاز. فإن قالوا: لا يؤمن تلف ~~الأخرى. لم تؤخذ خشية الحيف، ويكون فيها نصف الدية. وإن أمن تلف الأخرى، ~~أخذت اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى؛ لما ذكرناه في غيرهما. ### | [فصل القصاص في شفري المرأة] # (6698) فصل: وفي القصاص في شفري المرأة وجهان؛ # PageV08P327 # أحدهما: لا قصاص فيهما؛ لأنه لحم لا مفصل له ينتهي إليه، فلم يجب فيه ~~قصاص، كلحم الفخذين. هذا قول القاضي. والثاني: فيهما القصاص؛ لأن انتهاءهما ~~معروف، فأشبها الشفتين وجفني العين. وهذا قول أبي الخطاب. ولأصحاب الشافعي ~~وجهان، كهذين. ### | [فصل قطع ذكر خنثى مشكل أو أنثييه أو شفريه] # (6699) فصل: وإن قطع ذكر خنثى مشكل، أو أنثييه، أو شفريه، فاختار القصاص، ~~لم يكن له قصاص في الحال، ويقف الأمر حتى يتبين حاله؛ لأننا لا نعلم أن ~~المقطوع عضو أصلي. وإن اختار الدية، وكان يرجى انكشاف حاله، أعطيناه ~~اليقين، فيكون له حكومة في المقطوع. وإن كان قد قطع جميعها، فله دية امرأة ~~في الشفرين، وحكومة في الذكر والأنثيين. وإن يئس من انكشاف حاله، أعطي نصف ~~دية الذكر والأنثيين، ونصف دية الشفرين، وحكومة في نصف ذلك كله. ### | [فصل يجب القصاص في الأليتين الناتئتين بين الفخذين والظهر بجانبي الدبر] # (6700) فصل: يجب القصاص في الأليتين الناتئتين بين الفخذين والظهر بجانبي ~~الدبر. وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وقال المزني: لا قصاص فيهما؛ لأنهما لحم ~~متصل بلحم، فأشبه لحم الفخذ. ولنا، قوله تعالى: {والجروح ms4529 قصاص} [المائدة: ~~45] . ولأن لهما حدا ينتهيان إليه، فجرى القصاص فيهما، كالذكر والأنثيين. ### | [مسألة تقلع العين بالعين] # (6701) مسألة: قال: (وتقلع العين بالعين) أجمع أهل العلم على القصاص في ~~العين، وممن بلغنا قوله في ذلك مسروق، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، ~~والنخعي، والزهري، والثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي. وروي عن علي، - رضي الله عنه -. والأصل فيه قول الله تعالى: {والعين ~~بالعين} [المائدة: 45] . ولأنها تنتهي إلى مفصل، فجرى القصاص فيها كاليد. ~~وتؤخذ عين الشاب بعين الشيخ المريضة، وعين الكبير بعين الصغير والأعمش، ولا ~~تؤخذ صحيحة بقائمة؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه. # PageV08P328 ### | [فصل قلع عينه بإصبعه] # (6702) فصل: فإن قلع عينه بإصبعه، لم يجز أن يقتص بإصبعه؛ لأنه لا يمكن ~~المماثلة فيه. وإن لطمه فذهب ضوء عينه لم يجز أن يقتص منه باللطمة؛ لأن ~~المماثلة فيها غير ممكنة؛ ولهذا لو انفردت من إذهاب الضوء، لم يجب فيها ~~قصاص، ويجب القصاص في البصر، فيعالج بما يذهب ببصره من غير أن يقلع عينه، ~~كما روى يحيى بن جعدة، أن أعرابيا قدم بحلوبة له إلى المدينة، فساومه فيها ~~مولى لعثمان بن عفان - رضي الله عنه - فنازعه، فلطمه، ففقأ عينه، فقال له ~~عثمان: هل لك أن أضعف لك الدية، وتعفو عنه؟ فأبى، فرفعهما إلى علي - رضي ~~الله عنه - فدعا علي بمرآة فأحماها، ثم وضع القطن على عينه الأخرى، ثم أخذ ~~المرآة بكلبتين، فأدناها من عينه حتى سال إنسان عينه. وإن وضع فيها كافورا ~~يذهب بضوئها من غير أن يجني على الحدقة، جاز. # وإن لم يمكن إلا بالجناية على العضو، سقط القصاص؛ لتعذر المماثلة. وذكر ~~القاضي أنه يقتص منه باللطمة، فيلطمه المجني عليه مثل لطمته، فإن ذهب ضوء ~~عينه، وإلا كان له أن يذهبه بما ذكرنا. وهذا مذهب الشافعي. وهذا لا يصح؛ ~~فإن اللطمة لا يقتص منها منفردة، فلا يقتص منها إذا سرت إلى العين، كالشجة ~~إن كانت دون الموضحة، ولأن اللطمة إذا لم تكن في العين، لا يقتص منها ~~بمثلها مع الأمن من إفساد العضو، في العين ms4530 فمع خوف ذلك أولى؛ ولأنه قصاص ~~فيما دون النفس، فلم يجز بغير الآلة المعدة كالموضحة. وقال القاضي: لا يجب ~~القصاص، إلا أن تكون اللطمة تذهب بذلك غالبا، فإن كانت لا تذهب به غالبا ~~فذهب، فهو شبه عمد لا قصاص فيه. وهو قول الشافعي؛ لأنه فعل لا يفضي إلى ~~الفوات غالبا، فلم يجب به القصاص، كشبه العمد في النفس. # وقال أبو بكر: يجب القصاص بكل حال؛ لعموم قوله: {والعين بالعين} ~~[المائدة: 45] . ولأن اللطمة إذا أسالت إنسان العين، كانت بمنزلة الجرح، ~~ولا يعتبر في الجرح الإفضاء إلى التلف غالبا. ### | [فصل لطم عينه فذهب بصرها وابيضت وشخصت] # (6703) فصل: فلو لطم عينه، فذهب بصرها، وابيضت، وشخصت، فإن أمكن معالجة ~~عين الجاني حتى يذهب بصرها وتبيض وتشخص، من غير جناية على الحدقة، فعل ذلك، ~~وإن لم يمكن إلا ذهاب بعض ذلك، مثل أن يذهب البصر دون أن تبيض وتشخص، فعليه ~~حكومة للذي لم يمكن القصاص فيه، كما لو جرح هاشمة، فإنه يقتص موضحة، ويأخذ ~~أرش باقي جرحه. وعلى قول أبي بكر، لا يستحق مع القصاص أرش. وقال القاضي: ~~إذا اقتص منه يعني لطمه مثل لطمته فذهب ضوء عينه، ولم تبيض، ولم تشخص، فإن ~~أمكن # PageV08P329 # معالجتها حتى تبيض وتشخص، من غير ذهاب الحدقة، فعله، وإن تعذر ذلك، فلا ~~شيء عليه، كما لو اندملت موضحة المجني عليه وحشة قبيحة، وموضحة الجاني حسنة ~~جميلة، لم يجب شيء، كذلك هاهنا، وهذا بناه على أن اللطمة حصل بها القصاص، ~~كما حصل بجرح الموضحة، وقد بينا فساد هذا. ### | [فصل شجه شجة دون الموضحة فأذهب ضوء عينه القصاص] # (6704) فصل: وإن شجه شجة دون الموضحة، فأذهب ضوء عينه، لم يقتص منه مثل ~~شجته، بغير خلاف نعلمه؛ لأنها لا قصاص فيها إذا لم يذهب ضوء العين، فكذلك ~~إذا ذهب، ويعالج ضوء العين بمثل ما ذكرنا في اللطمة. وإن كانت الشجة فوق ~~الموضحة، فله أن يقتص موضحة. وهل له أرش الزيادة عليها؟ فيه وجهان. وإن ذهب ~~ضوء العين، وإلا استعمل فيه ما يزيله من غير ms4531 أن يجني على الحدقة. وإن شجه ~~موضحة، فله أن يقتص منها. وحكم القصاص في البصر على ما ذكرنا من قبل. ~~واختلف أصحاب الشافعي في القصاص في البصر، في هذه المواضع كلها، فقال ~~بعضهم: لا قصاص فيه؛ لأنه لا يجب بالسراية، كما لو قطع إصبعه، فسرى القطع ~~إلى التي تليها، فأذهبها عندهم. # وقال بعضهم: يجب القصاص هاهنا، قولا واحدا؛ لأن ضوء العين لا تمكن ~~مباشرته بالجناية، فيقتص منه بالسراية، كالنفس، فيقتص من البصر كما ذكرنا ~~فيما قبل هذا. ### | [فصل قلع الأعور عين صحيح القصاص] # (6705) فصل: إذا قلع الأعور عين صحيح، فلا قود، وعليه دية كاملة. روي ذلك ~~عن عمر، وعثمان، - رضي الله عنهما -. وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء. وقال ~~الحسن والنخعي: إن شاء اقتص وأعطاه نصف دية. وقال مالك: إن شاء اقتص، وإن ~~شاء أخذ دية كاملة. وقال مسروق والشعبي، وابن سيرين، وابن مغفل، والثوري، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر: له القصاص، ولا شيء عليه. # وإن عفا، فله نصف الدية، لقول الله تعالى: {والعين بالعين} [المائدة: 45] ~~. وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في العينين الدية. ولأنها إحدى شيئين ~~فيهما الدية، فوجب القصاص ممن له واحدة، أو نصف الدية، كما لو قطع الأقطع ~~يد من له يدان. ولنا، قول عمر وعثمان - رضي الله عنهما - ولم نعرف لهما ~~مخالفا في عصرهما، ولأنه لم يذهب بجميع بصره، فلم يجز له الاقتصاص منه ~~بجميع بصره، كما لو كان ذا عينين. وأما إذا قطع يد الأقطع، فلنا فيه منع، ~~ومع التسليم، فالفرق بينهما أن يد الأقطع لا تقوم مقام اليدين في النفع ~~الحاصل بهما، بخلاف عين الأعور، فإن النفع الحاصل بالعينين حاصل بها، وكل ~~حكم يتعلق بصحيح العينين، يثبت في الأعور مثله؛ ولهذا صح عتقه في الكفارة ~~دون الأقطع. # فأما وجوب الدية كاملة عليه، وهو قول مالك، فلأنه لما دفع عنه القصاص مع # PageV08P330 # إمكانه لفضيلته، ضوعفت الدية عليه، كالمسلم إذا قتل ذميا عمدا. ولو قلع ~~الأعور إحدى عيني الصحيح خطأ، لم يلزمه إلا نصف الدية، ms4532 بغير اختلاف؛ لعدم ~~المعنى المقتضي لتضعيف الدية. ### | [فصل قلع الأعور عين مثله القصاص] # (6706) فصل: ولو قلع الأعور عين مثله، ففيه القصاص، بغير خلاف؛ لتساويهما ~~من كل وجه، إذا كانت العين مثل العين، في كونها يمينا أو يسارا. وإن عفا ~~إلى الدية، فله جميعها، وكذلك إن قلعها خطأ، أو عفا بعض مستحقي القصاص؛ ~~لأنه ذهب بجميع بصره، فأشبه ما لو قلع عيني صحيح. ### | [فصل قلع الأعور عيني صحيح القصاص] # (6707) فصل: وإن قلع الأعور عيني صحيح، فقال القاضي: هو مخير، إن شاء ~~اقتص ولا شيء له سوى ذلك؛ لأنه قد أخذ جميع بصره، فإن اختار الدية، فله دية ~~واحدة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وفي العينين الدية» . ولأنه لم ~~يتعذر القصاص، فلم تتضاعف الدية، كما لو قطع الأشل يد صحيح، أو كان رأس ~~الشاج أصغر، أو يد القاطع أنقص. وقال القاضي: يقتضي الفقه أن يلزمه ديتان، ~~إحداهما للعين التي تقابل عينه، والدية الثانية لأجل العين الناتئة؛ لأنها ~~عين أعور. والصحيح ما قلنا، وهو قول أكثر أهل العلم، وأشد موافقة للنصوص، ~~وأصح في المعنى. ### | [فصل قلع صحيح العينين عين أعور القصاص] # (6708) فصل: وإن قلع صحيح العينين عين أعور، فله القصاص من مثلها، ويأخذ ~~نصف الدية. نص عليه أحمد؛ لأنه ذهب بجميع بصره، وأذهب الضوء الذي بدله دية ~~كاملة، وقد تعذر استيفاء جميع الضوء، إذ لا يمكن أخذ عينين بعين واحدة، ولا ~~أخذ يمين بيسرى، فوجب الرجوع ببدل نصف الضوء. ويحتمل أنه ليس له إلا القصاص ~~من غير زيادة، أو العفو على الدية، كما لو قطع الأشل يدا صحيحة، ولأن ~~الزيادة هاهنا غير متميزة، فلم يكن لها بدل، كزيادة الصحيحة على الشلاء، ~~هذا مع عموم قوله تعالى: {والعين بالعين} [المائدة: 45] . ### | [فصل قطع الأقطع يد من له يدان القصاص] # فصل: وإن قطع الأقطع يد من له يدان فعليه القصاص، وإن قطعت رجل الأقطع أو ~~يده، فله القصاص أو نصف الدية، لأن يد الأقطع لا تقوم مقام يديه في ~~الانتفاع والبطش، ولا يجزئ في العتق ms4533 عن الكفارة، # PageV08P331 # بخلاف عين الأعور، فإنها تقوم مقام عينيه جميعا وقال القاضي: إن كانت ~~المقطوعة أولا قطعت ظلما أو قصاصا، ففي الباقية نصف الدية، رواية واحدة، ~~وإن كانت الأولى قطعت في سبيل الله ففي الثانية روايتان، إحداهما: نصف ~~الدية، والثانية دية كاملة، لأنه عطل منافعه من العضوين جملة، وأما إن قطع ~~الأقطع يد من ليس بأقطع، فإن قلنا: إن في يد الأقطع دية كاملة فلا قصاص، ~~وإن قلنا: لا تكمل فيها الدية فالقصاص واجب فيها، واللائق بالفقه ما ذكرناه ~~أولا، والتعليل بتفويت منفعة العضوين ينتقض بما إذا قطعت الأولى قصاصا، ~~والقياس على عين الأعور غير صحيح، لما بينهما من الفرق، فأما إن قطعت أذن ~~من قطعت إحدى أذنيه، فليس له إلا نصف الدية، رواية واحدة، وإن قطع هو أذن ~~ذي أذنين، وجب عليه القصاص، بغير خلاف علمناه، لا في المذهب ولا في غيره؛ ~~لأن نفع كل أذن لا يتعلق بالأخرى. ### | [فصل يؤخذ الجفن بالجفن] # (6710) فصل: ويؤخذ الجفن بالجفن، لقوله تعالى {والجروح قصاص} [المائدة: ~~45] ولأنه يمكن القصاص فيه، لانتهائه إلى مفصل. وهذا مذهب الشافعي. ويؤخذ ~~جفن البصير بجفن البصير والضرير، وجفن الضرير، بكل واحد منهما، لأنهما ~~تساويا في السلامة من النقص، وعدم البصر نقص في غيره، لا يمنع أخذ أحدهما ~~بالآخر كالأذن إذا عدم السمع منها. ### | [مسألة السن بالسن] # (6711) مسألة قال: (والسن بالسن) أجمع أهل العلم على القصاص في السن ~~للآية وحديث الربيع، ولأن القصاص فيها ممكن، لأنها محدودة في نفسها، فوجب ~~فيها القصاص كالعين.، وتؤخذ الصحيحة بالصحيحة، وتؤخذ المكسورة بالصحيحة، ~~لأنه يأخذ بعض حقه، وهل يأخذ مع القصاص أرش الباقي؟ فيه وجهان، ذكرناهما ~~فيما مضى. ### | [فصل لا يقتص إلا من سن من أثغر] # (6712) فصل: ولا يقتص إلا من سن من أثغر، أي سقطت رواضعه، ثم نبتت، يقال ~~لمن سقطت رواضعه: ثغر، فهو مثغور، فإذا نبتت قيل: أثغر وأثغر. لغتان، وإن ~~قلع سن من لم يثغر، لم يقتص من الجاني في الحال، وهذا قول مالك والشافعي ~~وأصحاب الرأي، لأنها تعود بحكم ms4534 العادة، فلا يقتص منها كالشعر، ثم إن عاد ~~بدل # PageV08P332 # السن في محلها مثلها على صفتها، فلا شيء على الجاني، كما لو قلع شعرة ثم ~~نبتت، وإن عادت مائلة عن محلها، أو متغيرة عن صفتها، كان عليه حكومة، لأنها ~~لو لم تعد ضمن السن، فإذا عادت ناقصة ضمن ما نقص. منها بالحساب، ففي ثلثها ~~ثلث ديتها، وفي ربعها ربعها وعلى هذا، وإن عادت والدم يسيل، ففيها حكومة، ~~لأنه نقص حصل بفعله، وإن مضى زمن عودها ولم تعد، سئل أهل العلم بالطب، فإن ~~قالوا: قد يئس من عودها. # فالمجني عليه بالخيار بين القصاص أو دية السن، فإن مات المجني عليه قبل ~~الإياس من عودها، فلا قصاص، لأن الاستحقاق له غير متحقق، فيكون ذلك شبهة في ~~درئه، وتجب الدية، لأن القلع موجود، والعود مشكوك فيه، ويحتمل أنه إذا مات ~~قبل مجيء وقت عودها، أن لا يجب شيء، لأن العادة عودها، فأشبه ما لو حلق ~~شعره فمات قبل نباته، فأما إن قلع سن من قد أثغر، وجب القصاص له في الحال، ~~لأن الظاهر عدم عودها، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، # وقال القاضي: يسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: لا تعود، فله القصاص في الحال، ~~وإن قالوا: يرجى عودها إلى وقت ذكروه، لم يقتص حتى يأتي ذلك الوقت، وهذا ~~قول بعض أصحاب الشافعي لأنها تحتمل العود، فأشبهت سن من لم يثغر، وإذا ثبت ~~هذا، فإنها إن لم تعد بعد، فلا كلام، وإن عادت، لم يجب قصاص ولا دية، وهذا ~~قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر: لا يسقط الأرش، لأن هذه ~~السن لا تستخلف عادة، فإذا عادت كانت هبة مجددة؛ ولذلك لا ينتظر عودها في ~~الضمان ولنا، أنها سن عادت، فسقط الأرش، كسن من لم يثغر، وندرة وجودها لا ~~يمنع ثبوت حكمها إذا وجدت، فعلى هذا إن كان أخذ الأرش، رده، وإن كان استوفى ~~القصاص، لم يجز قلع هذه قصاصا، لأنه لم يقصد العدوان، وإن عادت سن الجاني ~~دون سن المجني عليه، ففيه وجهان، ms4535 أحدهما: لا، تقلع، لئلا يأخذ سنين بسن ~~واحدة، وإنما قال الله تعالى: {والسن بالسن} [المائدة: 45] والثاني، تقلع ~~وإن عادت مرات، لأنه قلع سنه وأعدمها، فكان له إعدام سنه، ولأصحاب الشافعي ~~وجهان، كهذين. ### | [فصل قلع سنا فاقتص منه ثم عادت سن المجني عليه فقلعها الجاني ثانية] # (6713) فصل: وإن قلع سنا، فاقتص منه، ثم عادت سن المجني عليه، فقلعها ~~الجاني ثانية فلا شيء عليه، لأن سن المجني عليه لما عادت، وجب للجاني عليه ~~دية سنه، فلما قلعها، وجب على الجاني ديتها للمجني عليه، فقد وجب لكل واحد ~~منهما دية سن، فيتقاصان. # PageV08P333 ### | [مسألة القصاص جار في بعض السن] # (6714) مسألة قال: (وإن كسر بعضها، برد من سن الجاني مثله) وجملته أن ~~القصاص جار في بعض السن لأن الربيع كسرت سن جارية، فأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بالقصاص؛ ولأن ما جرى القصاص في جملته، جرى في بعضه إذا أمكن ~~كالأذن، فيقدر ذلك بالأجزاء، فيؤخذ النصف بالنصف والثلث بالثلث، وكل جزء ~~بمثله، ولا يؤخذ ذلك بالمساحة، كي لا يفضي إلى أخذ جميع سن الجاني ببعض سن ~~المجني عليه، ويكون القصاص بالمبرد، ليؤمن أخذ الزيادة، فإنا لو أخذناها ~~بالكسر، لم نأمن أن تنصدع، أو تنقلع، أو تنكسر من غير موضع القصاص، ولا ~~يقتص حتى يقول أهل الخبرة: إنه يؤمن انقلاعها، أو السواد فيها لأن توهم ~~الزيادة يمنع القصاص في الأعضاء، كما لو قطعت يده من غير مفصل. # فإن قيل: فقد أجزتم القصاص في الأطراف مع توهم سرايتها إلى النفس، فلم ~~منعتم منه لتوهم السراية إلى بعض العضو؟ قلنا: وهم السراية إلى النفس لا ~~سبيل إلى التحرز منه، فلو اعتبرناه في المنع، لسقط القصاص في الأطراف ~~بالكلية، فسقط اعتباره، وأما السراية إلى بعض العضو، فتارة نقول إنما منع ~~القصاص فيها احتمال الزيادة في الفعل، لا في السراية، مثل من يستوفي بعض ~~الذراع، فإنه يحتمل أن يفعل أكثر مما فعل به، وكذلك من كسر سنا ولم يصدعها، ~~فكسر المستوفي سنه وصدعها، أو قلعها، أو كسر أكثر مما كسر، ms4536 فقد زاد على ~~المثل، والقصاص يعتمد المماثلة، وتارة نقول: إن السراية في بعض العضو إنما ~~تمنع إذا كانت ظاهرة، ومثل هذا يمنع في النفس، ولهذا منعناه من الاستيفاء ~~بآلة كالة، أو مسمومة، وفي وقت إفراط الحرارة أو البرودة، تحرزا من ~~السراية. ### | [فصل قلع سنا زائدة] # (6715) فصل: ومن قلع سنا زائدة وهي التي تنبت فضلة في غير سمت الأسنان، ~~خارجة عنها، إما إلى داخل الفم، وإما إلى الشفة، وكانت للجاني مثلها في ~~موضعها، فللمجني عليه، القصاص، أو أخذ حكومة في سنه، وإن لم يكن له مثلها ~~في محلها، فليس للمجني عليه إلا الحكومة، وإن كانت إحدى الزائدتين أكبر من ~~الأخرى، ففيه وجهان؛ أحدهما لا تؤخذ الكبرى بالصغرى، لأن الحكومة فيها ~~أكبر، فلا يقلع بها ما هو أقل قيمة منها والثاني، تؤخذ بها، لأنهما سنان ~~متساويان في الموضع، فتؤخذ كل واحدة منهما بالأخرى، # PageV08P334 # كالأصليتين، ولأن قول الله تعالى: {والسن بالسن} [المائدة: 45] عام فيدخل ~~فيه محل النزاع، وإن قلنا: يثبت القياس في الزائدتين بالاجتهاد، فالثابت ~~بالاجتهاد معتبر بما ثبت بالنص، واختلاف القيمة لا يمنع القصاص، بدليل ~~جريانه بين العبيد، وبين الذكر والأنثى، في النفس والأطراف، على أن كبر ~~السن لا يوجب كثرة قيمتها، فإن السن الزائدة نقص وعيب، وكثرة العيب زيادة ~~في النقص، لا في القيمة، ولأن كبر السن الأصلية لا يزيد قيمتها، فالزائدة ~~كذلك. ### | [فصل يؤخذ اللسان باللسان القصاص] # (6716) فصل: ويؤخذ اللسان باللسان، لقوله تعالى: {والجروح قصاص} ~~[المائدة: 45] . ولأن له حدا ينتهي إليه، فاقتص منه كالعين، ولا نعلم في ~~هذا خلافا، ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس، لأنه أفضل منه، ويؤخذ الأخرس ~~بالناطق، لأنه بعض حقه، ويؤخذ بعض اللسان ببعض، لأنه أمكن القصاص في جميعه، ~~فأمكن في بعضه، كالسن، ويقدر ذلك بالأجزاء، ويؤخذ منه بالحساب ### | [فصل تؤخذ الشفة بالشفة القصاص] # (6717) فصل: وتؤخذ الشفة بالشفة وهي ما جاوز الذقن والخدين علوا وسفلا؛ ~~لقول الله تعالى {والجروح قصاص} [المائدة: 45] . ولأن له حدا ينتهي إليه، ~~يمكن القصاص منه فوجب، كاليدين. ### | [مسألة لا تؤخذ يد يمين ms4537 بيسار القصاص] # (6718) مسألة قال: (ولا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين) هذا قول أكثر ~~أهل العلم، منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وحكي عن ابن سيرين، وشريك أن ~~إحداهما تؤخذ بالأخرى، لأنهما يستويان في الخلقة والمنفعة. ولنا، أن كل ~~واحدة منهما تختص باسم، فلا تؤخذ إحداهما بالأخرى، كاليد مع الرجل. فعلى ~~هذا كل ما انقسم إلى يمين ويسار، كاليدين والرجلين والأذنين والمنخرين ~~والثديين والأليتين والأنثيين، لا تؤخذ إحداهما بالأخرى # (6719) فصل: وما انقسم إلى أعلى وأسفل، كالجفنين والشفتين، لا يؤخذ ~~الأعلى بالأسفل، ولا الأسفل بالأعلى # PageV08P335 # لما ذكرنا، ولا تؤخذ إصبع بإصبع، إلا أن يتفقا في الاسم والموضع، ولا ~~تؤخذ أنملة بأنملة، إلا أن يتفقا في ذلك، ولا تؤخذ عليا بسفلى ولا وسطى، ~~والوسطى والسفلى لا تؤخذان بغيرهما، ولا تؤخذ السن بالسن إلا أن يتفق ~~موضعهما واسمهما. ولا تؤخذ إصبع ولا سن أصلية بزائدة، ولا زائدة بأصلية، ~~ولا زائدة بزائدة في غير محلها، لما ذكرناه. ### | [فصل ما لا يجوز أخذه قصاصا] # (6720) فصل: وما لا يجوز أخذه قصاصا، لا يجوز بتراضيهما واتفاقهما عليه؛ ~~لأن الدماء لا تستباح بالاستباحة والبذل، ولذلك لو بذلها له ابتداء، لا يحل ~~أخذها، ولا يحل لأحد قتل نفسه، ولا قطع طرفه، فلا يحل لغيره ببذله، فلو ~~تراضيا على قطع إحدى اليدين بدلا عن الأخرى، فقطعها المقتص، سقط القود، لأن ~~القود سقط في الأولى بإسقاط صاحبها، وفي الثانية بإذن صاحبها في قطعها، ~~ودياتهما متساوية، وهذا قول أبي بكر ولذلك قال: لو قطع المقتص اليد الأخرى ~~عدوانا، لسقط القصاص، لأنهما تساويا في الألم والدية والاسم، فتقاصا ~~وتساقطا، ولأن إيجاب القصاص يفضي إلى قطع يدي كل واحد منهما، وإذهاب منفعة ~~الجنس، وإلحاق الضرر العظيم بهما جميعا. ولا تفريع على هذا القول لوضوحه، ~~وكل واحد من القطعين مضمون بسرايته لأنه عدوان. # وقال ابن حامد: إن كان أخذها عدوانا، فلكل واحد منهما القصاص على صاحبه، ~~وإن أخذها بتراضيهما، فلا قصاص في الثانية، لرضا صاحبها ببذلها، وإذنه في ~~قطعها، وفي وجوبه في الأولى وجهان، أحدهما: يسقط، ms4538 لما ذكرنا. والثاني، لا ~~يسقط، لأنه رضي بتركه بعوض لم يثبت، فكان له الرجوع إلى حقه، كما لو باعه ~~سلعة بخمر وقبضه إياه. فعلى هذا، له القصاص إلا أنه لا يقتص إلا بعد اندمال ~~الأخرى، وللجاني دية يده، فإذا وجب للمجني عليه دية يده، وكانت الديتان ~~واحدة، تقاصا، وإن كانت إحداهما أكبر من الأخرى، كالرجل مع المرأة، وجب ~~القصاص لصاحبه. ### | [فصل طلب المقتص من الجاني إخراج اليمنى فأخرج اليسرى] # (6721) فصل: وإذا قال المقتص للجاني: أخرج يمينك لأقطعها. فأخرج يساره، ~~فقطعها، فعلى قول أبي بكر يجزئ ذلك، سواء قطعها عالما بها أو غير عالم، ~~وعلى قول ابن حامد إن أخرجها عمدا عالما بأنها يساره، وأنها لا تجزئ، فلا ~~ضمان على قاطعها ولا قود. لأنه بذلها بإخراجه لها لا على سبيل العوض، وقد ~~يقوم الفعل # PageV08P336 # في ذلك مقام النطق، بدليل أنه لا فرق بين قوله: خذ هذا فكله، وبين ~~استدعاء ذلك منه، فيعطيه إياه، ويفارق هذا ما لو قطع يد إنسان، وهو ساكت، ~~لأنه لم يوجد منه البذل، وينظر في المقتص، فإن فعل ذلك عالما بالحال عزر، ~~لأنه ممنوع منه لحق الله تعالى، وهل يسقط القصاص في اليمين؟ على وجهين: ~~أحدهما: يسقط، لأن قاطع اليسار تعدى بقطعها؛ ولأنه قطع إحدى يديه، فلم يملك ~~قطع اليد الأخرى، كما لو قطع يد السارق اليسرى مكان يمينه، فإنه لا يملك ~~قطع يمينه # والوجه الثاني، أنه لا يسقط، وهو مذهب الشافعي وفرقوا بين القصاص وقطع ~~السارق من ثلاثة أوجه، أحدها: أن الحد مبني على الإسقاط، بخلاف القصاص ~~والثاني، أن اليسار لا تقطع في السرقة، وإن عدمت يمينه، لأنه يفوت منفعة ~~الجنس في الحد، بخلاف القصاص، والثالث: أن اليد لو سقطت بأكلة أو قصاص سقط ~~القطع في السرقة، فجاز أن يسقط بقطع اليسار، بخلاف القصاص، فإنه لا يسقط، ~~وينتقل إلى البدل، لكن لا تقطع يمينه حتى تندمل يساره، لئلا يؤدي إلى ذهاب ~~نفسه، فإن قيل: أليس لو قطع يمين رجل ويسار آخر، لم يؤخر أحدهما إلى اندمال ms4539 ~~الآخر؟ قلنا: الفرق بينهما أن القطعين مستحقان قصاصا؛ فلهذا جمعنا بينهما، ~~وفي مسألتنا أحدهما غير مستحق، فلم نجمع بينهما، فإذا اندملت اليسار قطعنا ~~اليمين، فإن سرى قطع اليسار إلى نفسه، كانت هدرا، ويجب في تركته دية ~~اليمين؛ لتعذر الاستيفاء فيها بموته. وإن قال المقتص منه: لم أعلم أنها ~~اليسار، أو ظننت أنها تجزئ عن اليمين، نظرت في المستوفي، فإن علم أنها ~~يساره، وأنها لا تكون قصاصا، ضمنها بديتها ويعزر. # وقال بعض الشافعية: عليه القصاص، لأنه قطعها مع العلم بأنه ليس له قطعها. ~~ولنا، أنه قطعها ببذل صاحبها، فلم يجب عليه القصاص، كما لو علم باذلها. وإن ~~كان جاهلا، فلا تعزير عليه، وعليه الضمان بالدية، لأنه بذلها له على وجه ~~البدل، فكانت مضمونة عليه، ولأنها مضمونة لو كان القاطع عالما بها، وما وجب ~~ضمانه في العمد، وجب في الخطأ، كإتلاف المال، والقصاص باق له في اليمين، ~~ولا تقطع حتى تندمل اليسار، فإذا اندملت، فله قطع اليمين، فإن عفا، وجب ~~بدلها، ويتقاصان، وإن سرت اليسار إلى نفسه، كانت مضمونة بالدية الكاملة، ~~وقد تعذر قطع اليمين، ووجب له نصف الدية، فيتقاصان به، ويبقى نصف # PageV08P337 # الدية لورثة الجاني. # وإن اختلفا في بذلها فقال الجاني: إنما بذلتها بدلا عن اليمين، وقال ~~المجني عليه: بذلتها في غير عوض، أو قال: أخرجتها دهشة، فقال: بل عالما. ~~فالقول قول الجاني، لأنه أعلم بنيته، ولأن الظاهر أن الإنسان لا يبذل طرفه ~~للقطع تبرعا، مع أن عليه قطعا مستحقا، وهذا مذهب الشافعي وإن كان باذل ~~اليسار مجنونا مثل أن يجن بعد وجوب القصاص عليه، فعلى قاطعها ضمانها ~~بالقصاص إن كان عالما، وبالدية إن كان مخطئا لأن بذل المجنون ليس بشبهة، ~~وإن كان من له القصاص مجنونا ومن عليه القصاص عاقلا، فأخرج إليه يساره أو ~~يمينه فقطعها ذهبت هدرا، لأنه لا يصح منه الاستيفاء، ولا يجوز البدل له، ~~ولا ضمان عليه، لأنه أتلفها ببذل صاحبها، لكن إن كان المقطوع اليمنى، وقد ~~تعذر استيفاء القصاص فيها لتلفها، فيكون للمجنون ديتها. # وإن وثب ms4540 المجنون عليه فقطع يده التي لا قصاص فيها، فعلى عاقلته ديتها، ~~وله القصاص في الأخرى، وإن قطع الأخرى، فهو مستوف حقه في أحد الوجهين، لأن ~~حقه متعين فيها، فإذا أخذها قهرا، سقط حقه، كما لو أتلف وديعته، والثاني، ~~لا يسقط حقه، وله عقل يده، وعقل يد الجاني على عاقلته؛ لأن المجنون لا يصح ~~منه الاستيفاء ويفارق الوديعة إذا أتلفها؛ لأنها تلفت بغير تفريط، وليس لها ~~بدل إذا تلفت بذلك، واليد بخلافه فإنها لو تلفت بغير تفريط كانت عليه ~~ديتها، وكذلك الصغير، وكذلك الحكم فيهما إذا قتلا قاتل أبيهما عمدا، وإن ~~اقتصا من الجاني ما لا تحمله عاقلته، كما دون الثلث، كقطع إصبع ونحوها، سقط ~~حقهما، لأن ذلك يقتضي الدية في ذمتهما، ولهما في ذمة الجاني مثل ذلك، ~~فيتقاصان، وإن كانت ديتهما مختلفة، كالمسلم والذمي، والرجل والمرأة. # فإن قلنا: يكونان مستوفيين، لحقهما بالقطع، لم يبق لهما حق، كما لو أتلفا ~~وديعتهما، وإن قلنا: لا يكونان مستوفيين، يقاص من الديتين بقدر الأدنى ~~منهما، ووجب الفضل للصبي والمجنون، وإن كانت الجناية عليهما أو على وليهما ~~خطأ تحمله العاقلة، فاستوفيا القصاص، لم يسقط حقهما، وجها واحدا، وكانت دية ~~من استوفيا منه على عاقلتهما مؤجلة، ودية الجناية عليهما أو على وليهما على ~~عاقلة الجاني مؤجلة. ### | [فصل سراية القود ليس لها ضمان] # (6722) فصل: وسراية القود غير مضمونة، ومعناه أنه إذا قطع طرفا يجب القود ~~فيه فاستوفى منه المجني عليه، ثم مات الجاني بسراية الاستيفاء، لم يلزم ~~المستوفي شيء، وبهذا قال الحسن، وابن سيرين، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ~~يوسف، ومحمد، وابن المنذر وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي - رضي الله عنهم ~~-. وقال عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي، والشعبي، والنخعي، ~~والزهري، وأبو حنيفة: عليه الضمان. # قال أبو حنيفة: عليه كمال الدية في ماله. وقال غيره: هي على # PageV08P338 # عاقلته؛ لأنه فوت نفسه، ولا يستحق إلا طرفه فلزمته ديته، كما لو ضرب ~~عنقه، ولأنها سراية قطع مضمون، فكانت مضمونة، كسراية الجناية، والدليل على ~~أنه مضمون، أنه مضمون ms4541 بالقطع الأول؛ لأنه في مقابلته. ولنا، أن عمر وعليا - ~~رضي الله عنهما -، قالا: من مات من حد أو قصاص لا دية له، الحق قتله رواه ~~سعيد بمعناه. ولأنه قطع مستحق مقدر، فلا تضمن سرايته، كقطع السارق. # وفارق ما قاسوا عليه، فإنه ليس ما فعله مستحقا. إذا ثبت هذا، فلا فرق بين ~~سرايته إلى النفس، بأن يموت منها، أو إلى ما دونها، مثل أن يقطع إصبعا ~~فتسري إلى كفه. ### | [فصل سراية الجناية مضمونة] # (6723) فصل: وسراية الجناية مضمونة بلا خلاف؛ لأنها أثر الجناية، ~~والجناية مضمونة، فكذلك أثرها. ثم إن سرت إلى النفس، وما لا يمكن مباشرته ~~بالإتلاف، مثل أن يهشمه في رأسه فيذهب ضوء عينيه، وجب القصاص فيه، ولا خلاف ~~في ذلك في النفس، وفي ضوء العين خلاف قد ذكرناه فيما تقدم وإن سرت إلى ما ~~يمكن مباشرته بالإتلاف، مثل إن قطع إصبعا، فتآكلت أخرى وسقطت من مفصل، ففيه ~~القصاص أيضا، في قول إمامنا وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن # وقال أكثر الفقهاء: لا قصاص في الثانية، وتجب ديتها؛ لأن ما أمكن مباشرته ~~بالجناية لا يجب القود فيه بالسراية، كما لو رمى سهما فمرق منه إلى آخر. ~~ولنا، أن ما وجب فيه القود بالجناية وجب بالسراية، كالنفس وضوء العين، ~~ولأنه أحد نوعي القصاص، فأشبه ما ذكرنا، وفارق ما ذكروه، فإن ذلك فعل وليس ~~بسراية، ولأنه لو قصد ضرب رجل فأصاب آخر، لم يجب القصاص، ولو قصد قطع ~~إبهامه فقطع سبابته وجب القصاص، ولو ضرب إبهامه فمرق إلى سبابته، وجب ~~القصاص فيهما، فافترقا؛ ولأن الثانية تلفت بفعل أوجب القصاص، فوجب القصاص ~~فيها، كما لو رمى إحداهما فمرق إلى الأخرى. # فأما إن قطع إصبعا، فشلت إلى جانبها أخرى، وجب القصاص في المقطوعة وحسب ~~والأرش في الشلاء، وبهذا قال مالك، والشافعي وقال أبو حنيفة لا قصاص فيهما ~~ويجب أرشهما جميعا، لأن حكم السراية لا ينفرد عن الجناية، بدليل ما لو سرت ~~إلى النفس، فإذا لم يجب القصاص في إحداهما، لم يجب في الأخرى، # PageV08P339 # ولنا أنها جناية ms4542 موجبة للقصاص لو لم تسر، فأوجبته إذا سرت، كالتي تسري ~~إلى سقوط أخرى، وكما لو قطع يد حبلى فسرى إلى جنينها. وبهذا يبطل ما ذكره. # وفارق الأصل؛ لأن السراية مقتضية للقصاص، كاقتضاء الفعل له، فاستوى ~~حكمهما، وها هنا بخلافه، ولأن ما ذكره غير صحيح؛ فإن القطع إذا سرى إلى ~~النفس، سقط القصاص في القطع، ووجب في النفس، فخالف حكم الجناية حكم ~~السراية، فسقط ما قاله. إذا ثبت هذا، فإن الأرش يجب في ماله، ولا تحمله ~~العاقلة، لأنه جناية عمد، وإنما لم يجب القصاص فيه لعدم المماثلة في القطع ~~والشلل، فإذا قطع إصبعه فشلت أصابعه الباقية وكفه، فعفا عن القصاص، وجب له ~~نصف الدية، وإن اقتص من الإصبع، فله في الأصابع الباقية أربعون من الإبل، ~~ويتبعها ما حاذاها من الكف، وهو أربعة أخماسه، فيدخل أرشه فيها، ويبقى خمس ~~الكف فيه وجهان؛ أحدهما يتبعها في الأرش، ولا شيء فيه. # والثاني، فيه الحكومة؛ لأن ما يقابل الأربع تبعها في الأرش، لاستوائهما ~~في الحكم، وحكم التي اقتص منها مخالف لحكم الأرش، فلم يتبعها. ### | [فصل لا يجوز القصاص في الطرف إلا بعد اندمال الجرح] # (6724) فصل: ولا يجوز القصاص في الطرف إلا بعد اندمال الجرح في قول أكثر ~~أهل العلم، منهم؛ النخعي، والثوري، وأبو حنيفة، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور ~~وروي ذلك عن عطاء، والحسن. قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم ~~يرى الانتظار بالجرح حتى يبرأ. ويتخرج لنا، أنه يجوز الاقتصاص قبل البرء، ~~بناء على قولنا: إنه إذا سرى إلى النفس، يفعل كما فعل، وهذا قول الشافعي، ~~قال: ولو سأل القود ساعة قطعت إصبعه، أقدته، لما روى جابر، «أن رجلا طعن ~~رجلا بقرن في ركبته، فقال: يا رسول الله، أقدني. قال: حتى تبرأ. فأبى، ~~وعجل، فاستقاد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعييت رجل المستقيد، ~~وبرأت رجل المستقاد منه. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ليس لك شيء ~~عجلت» رواه سعيد مرسلا. # ولأن القصاص من الطرف لا يسقط بالسراية، فوجب أن يملكه ms4543 في الحال، كما لو ~~برأ. ولنا، ما روى جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى أن يستقاد ~~من الجروح حتى يبرأ المجروح.» ورواه الدارقطني، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، ~~عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأن الجرح # PageV08P340 # لا يدرى أقتل هو أم ليس بقتل، فينبغي أن ينتظر ليعلم ما حكمه؟ فأما ~~حديثهم، فقد رواه الدارقطني، وفي سياقه، فقال: يا رسول الله، عرجت. فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل ~~عرجك ". ثم نهى أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه. وهذه زيادة يجب قبولها، وهي ~~متأخرة عن الاقتصاص، فتكون ناسخة له. وفي نفس الحديث ما يدل على أن ~~استقادته قبل البرء معصية؛ لقوله: " قد نهيتك فعصيتني ". وما ذكروه ممنوع، ~~وهو مبني على الخلاف. ### | [فصل اقتص قبل اندمال الجرح] # (6725) فصل: فإن اقتص قبل الاندمال، هدرت سراية الجناية. وقال أبو حنيفة، ~~والشافعي: بل هي مضمونة؛ لأنها سراية جناية، فكانت مضمونة، كما لو لم يقتص. ~~ولنا، الخبر المذكور، ولأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله، فبطل حقه، كقاتل ~~موروثه، وبهذا فارق من لم يقتص. فعلى هذا، لو سرى القطعان جميعا، فمات ~~الجاني والمستوفي، فهما هدر. وقال أبو حنيفة: يجب ضمان كل واحد منهما، لأن ~~سراية كل واحد منهما مضمونة، ثم يتقاصان فيسقطان. # وقال الشافعي: إن مات المجني عليه أولا، ثم مات الجاني، كان قصاصا؛ لأنه ~~مات من سراية القطع، فقد مات بفعل المجني عليه، وإن مات الجاني، فكذلك في ~~أحد الوجهين، وفي الآخر، يكون موت الجاني هدرا، ولولي المجني عليه نصف ~~الدية. فأما إن سرى أحد القطعين دون صاحبه، فعندنا هو هدر، لا ضمان فيه. ~~وعند أبي حنيفة، يجب ضمان سرايته. وعند الشافعي، إن سرت الجناية فهي ~~مضمونة، وإن سرى الاستيفاء، لم يجب ضمانه. ومبنى ذلك على ما تقدم من ~~الخلاف. ### | [فصل اندمل جرح الجناية فاقتص منه ثم انتقض فسرى] # (6726) فصل: وإن اندمل جرح الجناية، فاقتص منه، ثم انتقض فسرى، فسرايته ~~مضمونة، وسراية الاستيفاء ms4544 غير مضمونة؛ لأنه اقتص بعد جواز الاقتصاص. فعلى ~~هذا، لو قطع يد رجل، فبرأ، فاقتص، ثم انتقض جرح المجني عليه، فمات، فلوليه ~~قتل الجاني، لأنه مات من جنايته، وإن عفا إلى الدية، فلا شيء له، لأنه ~~استوفى بالقطع ما قيمته دية، وهو يداه، وإن سرى الاستيفاء، لم يجب أيضا ~~شيء؛ لأن القصاص قد سقط بموته، والدية لا يمكن إيجابها؛ لما ذكرنا. وإن كان ~~المقطوع بالجناية يدا، فوليه بالخيار بين القصاص في النفس وبين العفو إلى ~~نصف الدية، ومتى سقط القصاص بموت الجاني أو غيره، وجب نصف الدية في تركة ~~الجاني، أو ماله إن كان حيا. # PageV08P341 ### | [فصل قطع كتابي يد مسلم فبرأ أو اقتص ثم انتقض جرح المسلم فمات] # (6727) فصل: ولو قطع كتابي يد مسلم، فبرأ أو اقتص، ثم انتقض جرح المسلم ~~فمات، فلوليه قتل الكتابي، والعفو إلى أرش الجرح، وفي قدره وجهان؛ أحدهما: ~~نصف الدية؛ لأنه قد استوفى بدل يده بالقصاص، وبدلها نصف ديته، فبقي له ~~نصفها، كما لو كان القاطع مسلما. والثاني، له ثلاثة أرباعها؛ لأن يد ~~اليهودي تعدل نصف ديته، وذلك ربع دية المسلم، فقد استوفى ربع ديته، وبقي له ~~ثلاثة أرباعها. # وإن كان قطع يدي المسلم، فاقتص منه، ثم مات المسلم، فعفا وليه إلى مال، ~~انبنى على الوجهين؛ إن قلنا: تعتبر قيمة اليهودي. فله هاهنا نصف الدية، وإن ~~قلنا: الاعتبار بقيمة يد المسلم. فلا شيء له هاهنا؛ لأنه قد استوفى بدل ~~يديه، وهما جميع ديته. ولو كان القطع في يديه ورجليه، فعفا إلى الدية، لم ~~يكن له شيء، وجها واحدا؛ لأن دية ذلك دية مسلم. ولو كان الجاني امرأة على ~~رجل، فالحكم على ما ذكرنا سواء؛ لأن ديتها نصف دية الرجل. ### | [فصل قطع يد رجل من الكوع ثم قطعها آخر من المرفق فمات بسرايتهما] # (6728) فصل: إذا قطع يد رجل من الكوع، ثم قطعها آخر من المرفق، فمات ~~بسرايتهما، فلوليه قتل القاطعين، وليس له أن يقطع طرفيهما، في أحد الوجهين، ~~وفي الآخر، له قطع يد القاطع من الكوع. ms4545 فإن قطعها، ثم عفا عنه، فله نصف ~~الدية، وأما الآخر، فإن كانت يده مقطوعة من الكوع، فقطعها من المرفق، ثم ~~عفا، فله دية، إلا قدر الحكومة في الذراع. ولو كانت يد القاطع من المرفق ~~صحيحة، لم يجز قطعها، رواية واحدة؛ لأنه يأخذ صحيحة بمقطوعة. # وإن قطع أيديهما، وهما صحيحتان، أو قطع رجلان يديه، فقطع يديهما، ثم سرت ~~الجناية، فمات من قطعهما، فليس لوليه العفو على الدية؛ لأنه قد استوفى ما ~~قيمته دية. وإن اختار قتلهما، فله ذلك. ### | [فصل لا يجوز أن يقتص من حامل قبل وضعها] # (6729) فصل: ولا يجوز أن يقتص من حامل قبل وضعها، سواء كانت حاملا وقت ~~الجناية، أو حملت بعدها قبل الاستيفاء، وسواء كان القصاص في النفس أو في ~~الطرف؛ أما في النفس فلقول الله تعالى: {فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33] ~~. وقتل الحامل قتل لغير القاتل، فيكون إسرافا. وروى ابن ماجه بإسناده عن ~~عبد الرحمن بن غنم، قال: ثنا معاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن # PageV08P342 # الجراح، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، قالوا: إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إذا قتلت المرأة عمدا، لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن ~~كانت حاملا، وحتى تكفل ولدها، وإن زنت، لم ترجم حتى تضع ما في بطنها، وحتى ~~تكفل ولدها» وهذا نص، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للغامدية ~~المقرة بالزنى: «ارجعي حتى تضعي ما في بطنك. ثم قال لها: ارجعي حتى ترضعيه» ~~. ولأن هذا إجماع من أهل العلم لا نعلم بينهم فيه اختلافا. # وأما القصاص في الطرف، فلأننا منعنا الاستيفاء فيه خشية السراية إلى ~~الجاني، أو إلى زيادة في حقه، فلأن تمنع منه خشية السراية إلى غير الجاني، ~~وتفويت نفس معصومة، أولى وأحرى، ولأن في القصاص منها قتلا لغير الجاني، وهو ~~حرام. وإذا وضعت، لم تقتل حتى تسقي الولد اللبأ؛ لأن الولد لا يعيش إلا به ~~في الغالب، ثم إن لم يكن للولد من يرضعه، لم يجز قتلها حتى يجيء أوان ~~فطامه؛ لما ذكرنا من ms4546 الخبرين، ولأنه لما أخر الاستيفاء لحفظه وهو حمل، فلأن ~~يؤخر لحفظه بعد وضعه أولى، إلا أن يكون القصاص فيما دون النفس، ويكون ~~الغالب بقاءها، وعدم ضرره بالاستيفاء منها، فيستوفى. # وإن وجد له مرضعة راتبة، جاز قتلها؛ لأنه يستغني بلبنها، وإن كانت ~~مترددة، أو جماعة يتناوبنه، أو أمكن أن يسقى من لبن شاة أو نحوها، جاز ~~قتلها. ويستحب للولي تأخيرها؛ لما على الولد، من الضرر، لاختلاف اللبن ~~عليه، وشرب لبن البهيمة (6730) فصل: وإذا ادعت الحمل، ففيه وجهان؛ أحدهما: ~~تحبس حتى يتبين حملها؛ لأن للحمل أمارات خفية، تعلمها من نفسها، ولا يعلمها ~~غيرها، فوجب أن يحتاط للحمل، حتى يتبين انتفاء ما ادعته، ولأنه أمر يختصها، ~~فقبل قولها فيه، كالحيض. والثاني، ذكره القاضي، أنها ترى أهل الخبرة، فإن ~~شهدن بحملها أخرت، وإن شهدن ببراءتها لم تؤخر؛ لأن الحق حال عليها، فلا ~~يؤخر بمجرد دعواها. ### | [فصل اقتص من حامل] # (6731) فصل: وإن اقتص من حامل فقد أخطأ، وأخطأ السلطان الذي مكنه من ~~الاستيفاء، وعليهما الإثم إن كانا عالمين، أو كان منهما تفريط، وإن علم ~~أحدهما أو فرط، فالإثم عليه، ثم ننظر؛ فإن لم تلق الولد، فلا ضمان فيه؛ ~~لأنا لم نتحقق وجوده وحياته، وإن انفصل ميتا أو حيا لوقت لا يعيش في مثله، ~~ففيه غرة، وإن انفصل حيا لوقت يعيش مثله، ثم مات من الجناية، وجبت فيه دية. ~~وعلى من يجب ضمانه؟ ننظر؛ فإن كان الإمام والولي عالمين بالحمل وتحريم ~~الاستيفاء، أو جاهلين بالأمرين، أو بأحدهما، أو كان الولي عالما بذلك # PageV08P343 # دون الممكن له من الاستيفاء، فالضمان عليه وحده؛ لأنه مباشر، والحاكم ~~الممكن له صاحب سبب، ومتى اجتمع المباشر مع المتسبب، كان الضمان على ~~المباشر دون المتسبب، كالحافر مع الدافع، وإن علم الحاكم دون الولي، ~~فالضمان على الحاكم وحده؛ لأن المباشر معذور، فكان الضمان على المتسبب، ~~كالسيد إذا أمر عبده بالقتل، والعبد أعجمي لا يعرف تحريم القتل، وكشهود ~~القصاص إذا رجعوا عن الشهادة بعد الاستيفاء. # وقال القاضي: إن كان أحدهما عالما وحده، فالضمان عليه وحده، ms4547 وإن كانا ~~عالمين، فالضمان على الحاكم؛ لأنه الذي يعرف الأحكام، والولي إنما يرجع إلى ~~حكمه واجتهاده، وإن كانا جاهلين، ففيه وجهان؛ أحدهما: الضمان على الإمام، ~~كما لو كانا عالمين. والثاني، على الولي. وهذا مذهب الشافعي. وقال أبو ~~الخطاب: الضمان على الحاكم، ولم يفرق. وقال المزني: الضمان على الولي في كل ~~حال؛ لأنه المباشر، والسبب، غير ملجئ، فكان الضمان عليه، كالحافر مع ~~الدافع، وكما لو أمر من يعلم تحريم القتل به فقتل. وقد ذكرنا ما يقتضي ~~التفريق. والله أعلم. ### | [مسألة كان القاطع سالم الطرف والمقطوعة شلاء] # (6732) مسألة: قال: (وإذا كان القاطع سالم الطرف، والمقطوعة شلاء، فلا ~~قود) لا نعلم أحدا من أهل العلم قال بوجوب قطع يد أو رجل أو لسان صحيح ~~بأشل، إلا ما حكي عن داود، أنه أوجب ذلك؛ لأن كل واحد منهما مسمى باسم ~~صاحبه، فيؤخذ به كالأذنين. ولنا، أن الشلاء لا نفع فيها سوى الجمال، فلا ~~يؤخذ بها ما فيه نفع، كالصحيحة لا تؤخذ بالقائمة، وما ذكر له قياس، وهو لا ~~يقول بالقياس، وإذا لم يوجب القصاص في العينين مع قول الله تعالى: {والعين ~~بالعين} [المائدة: 45] . لأجل تفاوتهما في الصحة والعمى، فلأن لا يجب ذلك ~~فيما لا نص فيه أولى. ### | [فصل قطع أذنا شلاء أو أنفا أشل فهل يؤخذ به الصحيح] # (6733) فصل: وإن قطع أذنا شلاء، أو أنفا أشل، فهل يؤخذ به الصحيح؟ فيه ~~وجهان: أحدهما، لا يؤخذ به، كسائر الأعضاء. والثاني، يؤخذ به؛ لأن نفعه لا ~~يذهب بشلله، فإن نفع الأذن جمع الصوت، ورد الهوام، وستر موضع # PageV08P344 # السمع، ونفع الأنف جمع الريح، ورد الهواء أو الهوام، فقد ساوى الصحيح في ~~الجمال والنفع، فوجب أخذ كل واحد منهما بالآخر، كالصحيح بالصحيح، بخلاف ~~اليد والرجل، وللشافعي قولان كالوجهين. ### | [فصل لا تؤخذ يد كاملة الأصابع بناقصة القصاص] # (6734) فصل: ولا تؤخذ يد كاملة الأصابع بناقصة الأصابع، فلو قطع من له ~~خمس أصابع يد من له أربع أو ثلاث، أو قطع من له أربع أصابع يد من له ثلاث، ~~لم يجب ms4548 القصاص؛ لأنها فوق حقه. وهل له أن يقطع من أصابع الجاني بعدد ~~أصابعه؟ فيه وجهان، ذكرناهما فيما إذا قطع من نصف الكف. وإن قطع ذو اليد ~~الكاملة يدا فيها إصبع شلاء وباقيها صحاح، لم يجز أخذ الصحيحة بها؛ لأنه ~~أخذ كامل بناقص، وفي الاقتصاص من الأصابع الصحاح وجهان، فإن قلنا: له أن ~~يقتص. فله الحكومة في الشلاء، وأرش ما تحتها من الكف. وهل يدخل ما تحت ~~الأصابع الصحاح في قصاصها، أو تجب فيه حكومة؟ على وجهين. ### | [فصل قطع اليد الكاملة ذو يد فيها إصبع زائد القصاص] # (6735) فصل: وإن قطع اليد الكاملة ذو يد فيها إصبع زائد، وجب القصاص ~~فيها. ذكره أبو عبد الله بن حامد لأن الزائدة عيب ونقص في المعنى، يرد بها ~~المبيع، فلم يمنع وجودها القصاص منها، كالسلعة فيها والخراج. واختار القاضي ~~أنها لا تقطع بها. وهو مذهب الشافعي؛ لأنها زيادة. فعلى هذا، إن كان للمجني ~~عليه أيضا إصبع زائدة في محل الزائدة من الجاني، وجب القصاص؛ لاستوائهما، ~~وإن كانت في غير محلها، أو لم يكن للمجني عليه إصبع زائدة، لم تؤخذ يد ~~الجاني. وهل يملك قطع الإصبع؟ ننظر؛ فإن كانت الزائدة ملصقة بأحد الأصابع، ~~فليس له قطع تلك الأصابع، لأن في قطعها إضرارا بالزائدة. # وهل له قطع الأصابع الأربع؟ على وجهين. وإن لم تكن ملصقة بواحدة منهن، ~~فهل له قطع الخمس؟ على وجهين. وإن كانت الزائدة ثابتة في إصبع في أنملتها ~~العليا، لم يجز قطعها، وإن كانت نابتة في السفلى أو الوسطى، فله قطع ما ~~فوقها من الأنامل، في أحد الوجهين. ويأخذ أرش الأنملة التي تعذر قطعها، في ~~أحد الوجهين، ويتبع ذلك خمس الكف. ### | [فصل قطع ذو يد لها أظفار يد من لا أظفار له القصاص] # (6736) فصل: وإن قطع ذو يد لها أظفار يد من لا أظفار له لم يجز القصاص؛ ~~لأن الكاملة لا تؤخذ بالناقصة. # PageV08P345 # وإن كانت المقطوعة ذات أظفار، إلا أنها خضراء، أو مستحشفة، أخذنا بها ~~السليمة؛ لأن ذلك علة ومرض، والمرض لا يمنع القصاص، ms4549 بدليل أنا نأخذ الصحيح ~~بالسقيم. ### | [مسألة كان القاطع أشل والمقطوعة سالمة القصاص] # (6737) مسألة: قال: (وإن كان القاطع أشل، والمقطوعة سالمة، فشاء المظلوم ~~أخذها، فذلك له، ولا شيء له غيرها، وإن شاء عفا، وأخذ دية يده) أما إذا ~~اختار الدية، فله دية يده، لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه عجز عن استيفاء حقه على ~~الكمال بالقصاص، فكانت له الدية، كما لو لم يكن للقاطع يد. وهذا قول أبي ~~حنيفة، ومالك، والشافعي. وإن اختار القصاص، سئل أهل الخبرة، فإن قالوا: إنه ~~إذا قطع لم تنسد العروق، ودخل الهواء إلى البدن فأفسده. سقط القصاص؛ لأنه ~~لا يجوز أخذ نفس بطرف. # وإن أمن هذا، فله القصاص؛ لأنه رضي بدون حقه، فكان له ذلك، كما لو رضي ~~المسلم بالقصاص من الذمي، والرجل من المرأة، والحر من العبد، وليس له مع ~~القصاص أرش؛ لأن الشلاء كالصحيحة في الخلقة، وإنما نقصت في الصفة، فلم يكن ~~له أرش، كالصور التي ذكرناها. وقال أبو الخطاب: عندي له أرش مع القصاص. على ~~قياس قوله في عين الأعور. والأول أصح؛ فإن إلحاق هذا الفرع بالأصول المتفق ~~عليها، أولى من إلحاقه بفرع مختلف فيه، خارج عن الأصول، مخالف للقياس. ### | [فصل تؤخذ الشلاء بالشلاء القصاص] # (6738) فصل: وتؤخذ الشلاء بالشلاء، إذا أمن في الاستيفاء الزيادة. وقال ~~أصحاب الشافعي، لا تؤخذ بها، في أحد الوجهين؛ لأن الشلل علة، والعلل يختلف ~~تأثيرها في البدن، فلا تتحقق المماثلة بينهما. ولنا، أنهما متماثلان في ذات ~~العضو وصفته، فجاز أخذ إحداهما بالأخرى، كالصحيحة بالصحيحة. ### | [فصل تؤخذ في القصاص اليد الناقصة بالناقصة] # (6739) فصل: وتؤخذ الناقصة بالناقصة، إذا تساوتا فيه، بأن يكون المقطوع ~~من يد الجاني كالمقطوع من يد المجني عليه؛ لأنهما تساوتا في الذات والصفة. ~~فأما إن اختلفا، فكان المقطوع من يد أحدهما الإبهام، ومن الأخرى إصبع ~~غيرها، لم يجز القصاص؛ لأن فيه أخذ إصبع بغيرها. وإن كانت يد أحدهما ناقصة ~~إصبعا، والأخرى ناقصة تلك الإصبع وأخرى، جاز أخذ الناقصة إصبعين بالناقصة ~~إصبعا. وهل له أرش إصبعه الزائدة؟ فيه وجهان. ولا ms4550 يجوز أخذ الأخرى بها؛ لأن ~~الكاملة لا تؤخذ بالناقصة. # PageV08P346 ### | [فصل يجوز أخذ الناقصة بالكاملة القصاص] # (6740) فصل: ويجوز أخذ الناقصة بالكاملة؛ لأنها دون حقه. وهل له أخذ دية ~~لأصابع الناقصة؟ على وجهين؛ أحدهما: له ذلك. وهو قول الشافعي، واختيار ابن ~~حامد. والثاني، ليس له مع القصاص أرش. وهو مذهب أبي حنيفة وقياس قول أبي ~~بكر؛ لئلا يفضي إلى الجمع بين قصاص ودية في عضو واحد. وقال القاضي: قياس ~~قوله سقوط القصاص، كقوله في من قطعت يده من نصف الذراع، وليس كذلك؛ لأنه ~~يقتص من موضع الجناية، ويضع الحديدة في موضع وضعها الجاني، فملك ذلك، كما ~~لو جنى عليه فوق الموضحة، أو كان رأس الشاج أصغر، أو أخذ الشلاء بالصحيحة. ~~ويفارق القاطع من نصف الذراع؛ لأنه لا يمكنه القصاص من موضع الجناية. هكذا ~~حكاه الشريف، عن أبي بكر. ### | [فصل كانت يد القاطع والمجني عليه كاملتين وفي يد المجني عليه إصبع زائدة] # (6741) فصل: وإن كانت يد القاطع والمجني عليه كاملتين، [و] في يد المجني ~~عليه إصبع زائدة، فعلى قول ابن حامد، لا عبرة بالزائدة؛ لأنها بمنزلة ~~الخراج والسلعة. وعلى قول غيره، له قطع يد الجاني. وهل له حكومة في ~~الزائدة؟ على وجهين.، وإن قطع من له خمس أصابع أصلية، كف من له أربع أصابع ~~أصلية وإصبع زائدة، أو قطع من له أربع أصابع وإصبع زائدة، كف من له خمس ~~أصابع أصلية، فلا قصاص في الصورة الأولى؛ لأن الأصلية لا تؤخذ بالزائدة. ~~وله القصاص في الصورة الثانية، في قول ابن حامد؛ لأن الزائدة لا عبرة بها. # وقال غيره: إن لم تكن الزائدة في محل الأصلية، فلا قصاص أيضا؛ لأن ~~الإصبعين مختلفان. وإن كانت في محل الأصلية، فقال القاضي: يجري القصاص. وهو ~~مذهب الشافعي، ولا شيء له لنقص الزائدة. وهذا فيه نظر؛ فإنها متى كانت في ~~محل الأصلية، كانت أصلية، لأن الزائدة هي التي زادت عن عدد الأصابع، أو ~~كانت في غير محل الأصابع، وهذا له خمس أصابع في محلها، فكانت كلها أصلية. ~~فإن قالوا: ms4551 معنى كونها زائدة، أنها ضعيفة مائلة عن سمت الأصابع. قلنا: ~~ضعفها لا يوجب كونها زائدة، كذكر العنين، وأما ميلها عن الأصابع، فإنها إن ~~لم تكن نابتة في محل الإصبع المعدومة، فسد قولهم إنها في محلها، وإن كانت ~~نابتة في موضعها، وإنما مال رأسها واعوجت، فهذا مرض لا يخرجها عن كونها ~~أصلية. ### | [فصل قطع إصبعه فأصابه من جرحها أكلة في يده وسقطت من مفصل] # (6742) فصل: وإذا قطع إصبعه، فأصابه من جرحها أكلة في يده، وسقطت من ~~مفصل، ففيها القصاص. وإن بادرها # PageV08P347 # صاحبها، فقطعها من الكوع، لئلا تسري إلى سائر جسده، ثم اندمل جرحه، فعلى ~~الجاني القصاص في الإصبع، والحكومة فيما تآكل من الكف، ولا شيء عليه فيما ~~قطعه المجني عليه؛ لأنه تلف بفعله. وإن لم يندمل، ومات من ذلك، فالجاني ~~شريك نفسه، فيحتمل وجوب القصاص عليه، ويحتمل أن لا يجب بحال؛ لأن فعل ~~المجني عليه، إنما قصد به المصلحة، فهو عمد الخطأ، وشريك الخاطئ لا قصاص ~~عليه، ويكون عليه نصف الدية. # وإن قطع المجني عليه موضع الأكلة، نظرت؛ فإن قطع لحما ميتا، ثم سرت ~~الجناية، فالقصاص على الجاني؛ لأنه سراية جرحه خاصة، وإن كان في لحم حي، ~~فمات، فالحكم فيه كما لو قطعها خوفا من سرايتها. ### | [فصل قطع أنملة لها طرفان إحداهما زائدة والأخرى أصلية] # (6743) فصل: وإذا قطع أنملة لها طرفان، إحداهما: زائدة والأخرى أصلية، ~~فإن كانت أنملة القاطع ذات طرفين أيضا، أخذت بها، وإن لم تكن ذات طرفين. ~~قطعت، وعليه حكومة في الزائدة. وإن كانت المقطوعة ذات طرف واحد، وأنملة ~~القاطع ذات طرفين، أخذت بها، في قول ابن حامد، وعلى قول غيره؛ لا قصاص ~~فيها، وله دية أنملته. وإن ذهب الطرف الزائد، فله الاستيفاء. وإن قال: أنا ~~أصبر حتى يذهب الزائد ثم أقتص. فله ذلك؛ لأن القصاص حقه، فلا يجبر على ~~تعجيل استيفائه. ### | [فصل قطع أنملة رجل العليا ثم قطع أنملة آخر الوسطى ثم قطع السفلى من ثالث] # (6744) فصل: ولو قطع أنملة رجل العليا، ثم قطع أنملة آخر الوسطى، ثم ms4552 قطع ~~السفلى من ثالث، فللأول القصاص من العليا، ثم للثاني أن يقتص من الوسطى، ثم ~~للثالث أن يقتص من السفلى، سواء جاءوا دفعة واحدة، أو واحدا بعد واحد. ~~وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قصاص إلا في العليا؛ لأنه لم يجب في ~~غيرها حال الجناية، لتعذر استيفائه، فلم يجب بعد ذلك كما لو كان غير مكافئ ~~حال الجناية، ثم صار مكافئا بعده. ولنا، أن تعذر القصاص لاتصال محله بغيره ~~لا يمنعه إذا زال الاتصال، كما لو جنت الحامل. # ويفارق عدم التكافؤ؛ لأنه تعذر لمعنى فيه، وها هنا تعذر لاتصال غيره به. ~~فأما إن جاء صاحب الوسطى أو السفلى يطلب القصاص قبل صاحب العليا، لم يعطه؛ ~~لأن في استيفائه إتلاف أنملة لا يستحقها، وقيل لهما: إما أن تصبرا حتى ~~تعلما ما يكون من الأول، فإن اقتص فلكما القصاص، وإن عفا فلا قصاص لكما، ~~وإما أن ترضيا بالعقل. فإذا جاء صاحب العليا فاقتص، فللثاني الاقتصاص، وحكم ~~الثالث مع الثاني كحكم الثاني مع الأول، وإن عفا، فلهما العقل، فإن قالا: ~~نحن نصبر وننظر بالقصاص أن تسقط العليا بمرض أو نحوه، ثم نقتص. لم يمنعا من ~~ذلك. وإن قطع صاحب الوسطى الوسطى والعليا، فعليه دية العليا، تدفع إلى صاحب ~~العليا. # وإن قطع الإصبع كلها، فعليه القصاص في الأنملة الثالثة، وعليه أرش # PageV08P348 # العليا للأول، وأرش السفلى على الجاني لصاحبها، وإن عفا الجاني عن ~~قصاصها، وجب أرشها، يدفعه إليه، ليدفعه إلى المجني عليه. ### | [فصل قطع أنملة رجل العليا ثم قطع أنملتي آخر العليا والوسطى من تلك الإصبع] # (6745) فصل: وإن قطع أنملة رجل العليا، ثم قطع أنملتي آخر العليا والوسطى ~~من تلك الإصبع، فللأول قطع العليا؛ لأن حقه أسبق، ثم يقطع الثاني الوسطى، ~~ويأخذ أرش العليا منه. فإن بادر الثاني فقطع الأنملتين، فقد استوفى حقه، ~~وتعذر استيفاء القصاص للأول، وله الأرش على الجاني. وإن كان قطع الأنملتين ~~أولا، قدمنا صاحبهما في القصاص، للأول، وله الأرش على الجاني. وإن بادر ~~صاحبها فقطعها، فقد استوفى حقه، وتقطع الوسطى ms4553 للأول، ويأخذ الأرش للعليا. ~~ولو قطع أنملة رجل العليا، ولم يكن للقاطع عليا، فاستوفى الجاني من الوسطى، ~~فإن عفا إلى الدية، تقاصا وتساقطا؛ لأن ديتهما واحدة، وإن اختار الجاني ~~القصاص، فله ذلك، ويدفع أرش العليا. ويجيء على قول أبي بكر، أن لا يجب ~~القصاص؛ لأن ديتهما واحدة، واسم الأنملة يشملهما، فتساقطا، كقوله في إحدى ~~اليدين بدلا عن الأخرى. ### | [مسألة قتل وله وليان بالغ وطفل أوغائب] # مسألة: قال: (وإذا قتل وله وليان؛ بالغ، وطفل أو غائب، لم يقتل، حتى يقدم ~~الغائب ويبلغ الطفل) وجملته أن ورثة القتيل إذا كانوا أكثر من واحد، لم يجز ~~لبعضهم استيفاء القود إلا بإذن الباقين، فإن كان بعضهم غائبا، انتظر قدومه، ~~ولم يجز للحاضر الاستقلال بالاستيفاء، بغير خلاف علمناه، وإن كان بعضهم ~~صغيرا أو مجنونا، فظاهر مذهب أحمد - رحمه الله - أنه ليس لغيرهما الاستيفاء ~~حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون. وبهذا قال ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، ~~والشافعي، وأبو يوسف، وإسحاق، ويروى عن عمر بن عبد العزيز، - رحمه الله - # وعن أحمد، رواية أخرى: للكبار العقلاء استيفاؤه. وبه قال حماد، ومالك، ~~والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة؛ لأن الحسن بن علي - رضي الله عنهما -، قتل ~~ابن ملجم، قصاصا، وفي الورثة صغار، فلم ينكر ذلك، ولأن ولاية القصاص هي ~~استحقاق استيفائه، وليس للصغير هذه الولاية. ولنا، أنه قصاص غير متحتم، ثبت ~~لجماعة معينين، فلم يجز لأحدهم استيفاؤه استقلالا، كما لو كان بين حاضر ~~وغائب، أو أحد بدلي النفس، فلم ينفرد به بعضهم كالدية، والدليل على أن ~~للصغير والمجنون فيه حقا أربعة أمور؛ أحدها، أنه لو كان منفردا لاستحقه، ~~ولو نافاه الصغر مع غيره لنافاه منفردا، كولاية النكاح. # والثاني، أنه لو بلغ لاستحق، ولو لم يكن مستحقا # PageV08P349 # عند الموت لم يكن مستحقا بعده، كالرقيق إذا عتق بعد موت أبيه. والثالث: ~~أنه لو صار الأمر إلى المال، لاستحق، ولو لم يكن مستحقا للقصاص لما استحق ~~بدله، كالأجنبي. والرابع: أنه لو مات الصغير لاستحقه ورثته، ولو لم يكن حقا ~~لم يرثه، كسائر ما لم ms4554 يستحقه، فأما ابن ملجم، فقد قيل: إنه قتله بكفره، ~~لأنه قتل عليا مستحلا لدمه، معتقدا كفره، متقربا بذلك إلى الله تعالى. ~~وقيل: قتله لسعيه في الأرض بالفساد، وإظهار السلاح، فيكون كقاطع الطريق إذا ~~قتل. وقتله متحتم، وهو إلى الإمام، والحسن هو الإمام، ولذلك لم ينتظر ~~الغائبين من الورثة. ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم، وإن قدر أنه قتله ~~قصاصا، فقد اتفقنا على خلافه، فكيف يحتج به بعضنا على بعض. ### | [فصل كان الوارث واحدا صغيرا] # (6747) فصل: وإن كان الوارث واحدا صغيرا، كصبي قتلت أمه، وليست زوجة ~~لأبيه، فالقصاص له، وليس لأبيه ولا غيره استيفاؤه. وبهذا قال الشافعي. وقال ~~أبو حنيفة، ومالك: له استيفاؤه. وكذلك الحكم في الوصي والحاكم، في الطرف ~~دون النفس. وذكر أبو الخطاب في موضع في الأب روايتين، وفي موضع وجهين، ~~أحدهما: كقولنا؛ لأن القصاص أحد بدلي النفس، فكان للأب استيفاؤه، كالدية. ~~ولنا، أنه لا يملك إيقاع الطلاق بزوجته، فلا يملك استيفاء القصاص له، ~~كالوصي؛ ولأن القصد التشفي ودرك الغيظ، ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي. # ويخالف الدية، فإن الغرض يحصل باستيفاء الأب له، فافترقا؛ ولأن الدية ~~إنما يملك استيفاءها إذا تعينت، والقصاص لا يتعين، فإنه يجوز العفو إلى ~~الدية، والصلح على مال أكثر منها وأقل، والدية بخلاف ذلك. ### | [فصل يحبس القاتل عند تأخير الاستيفاء] # فصل: وكل موضع وجب تأخير الاستيفاء، فإن القاتل يحبس حتى يبلغ الصبي، ~~ويعقل المجنون، ويقدم الغائب، وقد حبس معاوية هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ~~ابن القتيل، في عصر الصحابة، فلم ينكر ذلك، وبذل الحسن والحسين وسعيد بن ~~العاص لابن القتيل سبع ديات، فلم يقبلها. فإن قيل: فلم لا يخلى سبيله ~~كالمعسر بالدين؟ قلنا: لأن في تخليته تضييعا للحق، فإنه لا يؤمن هربه، ~~والفرق بينه وبين المعسر من وجوه؛ أحدها: أن قضاء الدين لا يجب مع الإعسار، ~~فلا يحبس بما لا يجب، والقصاص هاهنا واجب، وإنما تعذر المستوفي. # الثاني، أن المعسر إذا حبسناه تعذر الكسب لقضاء الدين، فلا يفيد، بل يضر ~~من الجانبين، وها ms4555 هنا الحق نفسه يفوت بالتخلية لا بالحبس. الثالث: أنه قد ~~استحق قتله، وفيه تفويت نفسه ونفعه، فإذا تعذر تفويت نفسه، جاز تفويت نفعه ~~لإمكانه. # PageV08P350 # فإن قيل: فلم يحبس من أجل الغائب، وليس للحاكم عليه ولاية إذا كان مكلفا ~~رشيدا؛ ولذلك لو وجد بعض ماله مغصوبا لم يملك انتزاعه؟ قلنا: لأن في القصاص ~~حقا للميت، وللحاكم عليه ولاية، ولهذا تنفذ وصاياه من الدية، وتقضى ديونه ~~منها، فنظيره أن يجد الحاكم من تركة الميت في يد إنسان شيئا غصبا، والوارث ~~غائب، فإنه يأخذه. # ولو كان القصاص لحي في طرفه، لم يتعرض لمن هو عليه. فإن أقام القاتل ~~كفيلا بنفسه ليخلي سبيله، لم يجز؛ لأن الكفالة لا تصح في القصاص، فإن ~~فائدتها استيفاء الحق من الكفيل إن تعذر إحضار المكفول به، ولا يمكن ~~استيفاؤه من غير القاتل، فلم تصح الكفالة به كالحد، ولأن فيه تغريرا بحق ~~المولى عليه، فإنه ربما خلى سبيله فهرب، فضاع الحق. ### | [فصل قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين] # (6749) فصل: فإن قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين، لم يجب عليه قصاص. ~~وبهذا قال أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي، والقول الأخير، عليه القصاص؛ ~~لأنه ممنوع من قتله، وبعضه غير مستحق له، وقد يجب القصاص بإتلاف بعض النفس، ~~بدليل ما لو اشترك الجماعة في قتل واحد. ولنا، أنه مشارك في استحقاق القتل، ~~فلم يجب عليه القصاص، كما لو كان مشاركا في ملك الجارية ووطئها، ولأنه محل ~~يملك بعضه، فلم تجب العقوبة المقدرة باستيفائه كالأصل. ويفارق إذا قتل ~~الجماعة واحدا، فإنا لا نوجب القصاص بقتل بعض النفس، وإنما نجعل كل واحد ~~منهم قاتلا لجميعها، وإن سلمنا وجوبه عليه لقتله بعض النفس، فمن شرطه ~~المشاركة لمن فعله، كفعله في العمد والعدوان، ولا يتحقق هاهنا. # إذا ثبت هذا، فإن للولي الذي لم يقتل قسطه من الدية؛ لأن حقه من القصاص ~~سقط بغير اختياره، فأشبه ما لو مات القاتل أو عفا بعض الأولياء. وهل يجب ~~ذلك على قاتل الجاني، أو في تركة الجاني؟ فيه وجهان. ms4556 وللشافعي قولان؛ ~~أحدهما: يرجع على قاتل الجاني؛ لأنه أتلف محل حقه، فكان الرجوع عليه بعوض ~~نصيبه، كما لو كانت له وديعة فأتلفها. والثاني، يرجع في تركة الجاني، كما ~~لو أتلفه أجنبي، أو عفا شريكه عن القصاص، وقولنا: أتلف محل حقه، يبطل بما ~~إذا أتلف مستأجره أو غريمه أو امرأته، أو كان المتلف أجنبيا، ويفارق ~~الوديعة، # PageV08P351 # فإنها مملوكة لهما، فوجب عوض ملكه، أما الجاني فليس بمملوك للمجني عليه، ~~وإنما له عليه حق، فأشبه ما لو قتل غريمه. فعلى هذا، يرجع ورثة الجاني على ~~قاتله بدية مورثهم إلا قدر حقه منها. فعلى هذا، لو كان الجاني أقل دية من ~~قاتله، مثل امرأة قتلت رجلا له ابنان، فقتلها أحدهما بغير إذن الآخر، ~~فللآخر نصف دية أبيه في تركة المرأة التي قتلته، ويرجع ورثتها بنصف ديتها ~~على قاتلها، وهو ربع دية الرجل. # وعلى الوجه الأول، يرجع الابن الذي لم يقتل على أخيه بنصف دية المرأة؛ ~~لأنه لم يفوت على أخيه إلا نصف المرأة، ولا يمكن أن يرجع على ورثة المرأة ~~بشيء؛ لأن أخاه الذي قتلها أتلف جميع الحق، وهذا يدل على ضعف هذا الوجه ومن ~~فوائده أيضا، صحة إبراء من حكمنا بالرجوع عليه، وملك مطالبته، فإن قلنا: ~~يرجع على ورثة الجاني. صح إبراؤهم، وملكوا الرجوع على قاتل موروثهم بقسط ~~أخيه العافي. وإن قلنا: يرجع على تركة الجاني. وله تركة، فله الأخذ منها، ~~سواء أمكن ورثته أن يستوفوا من الشريك، أو لم يمكنهم. وإن قلنا: يرجع على ~~شريكه. لم يكن له مطالبة ورثة الجاني، سواء كان شريكه موسرا أو معسرا. ### | [مسألة عفا بعض من ورثة المقتول عن القصاص] # (6750) مسألة:؛ قال: (ومن عفا من ورثة المقتول عن القصاص، لم يكن إلى ~~القصاص سبيل، وإن كان العافي زوجا أو زوجة) أجمع أهل العلم على إجازة العفو ~~عن القصاص، وأنه أفضل. والأصل فيه الكتاب والسنة؛ أما الكتاب، فقول الله ~~تعالى في سياق قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] {فمن عفي ~~له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء ms4557 إليه بإحسان} [البقرة: 178] وقال ~~تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] . إلى قوله: ~~{والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45] . قيل في تفسيره: ~~فهو كفارة للجاني، يعفو صاحب الحق عنه. وقيل: فهو كفارة للعافي بصدقته وأما ~~السنة، فإن أنس بن مالك قال: «ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رفع إليه شيء فيه قصاص، إلا أمر فيه بالعفو» رواه أبو داود. # وفي حديثه في قصة الربيع بنت النضر، حين كسرت سن جارية، فأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالقصاص، فعفا القوم. # PageV08P352 # إذا ثبت هذا، فالقصاص حق لجميع الورثة من ذوي الأنساب والأسباب، والرجال ~~والنساء، والصغار والكبار، فمن عفا منهم صح عفوه، وسقط القصاص، ولم يبق ~~لأحد إليه سبيل. هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم عطاء، والنخعي، والحكم، ~~وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي. وروي معنى ذلك عن عمر، وطاوس، ~~والشعبي. وقال الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي: ليس ~~للنساء عفو، والمشهور عن مالك، أنه موروث للعصبات خاصة. وهو وجه لأصحاب ~~الشافعي؛ لأنه ثبت لدفع العار، فاختص به العصبات. كولاية النكاح. # ولهم وجه ثالث، أنه لذوي الأنساب دون الزوجين؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين؛ بين أن يقتلوا أو يأخذوا ~~العقل» . وأهله ذوو رحمه. وذهب بعض أهل المدينة إلى أن القصاص لا يسقط بعفو ~~بعض الشركاء، وقيل: هو رواية عن مالك؛ لأن حق غير العافي لا يرضى بإسقاطه، ~~وقد تؤخذ النفس ببعض النفس، بدليل قتل الجماعة بالواحد. ولنا، عموم قوله - ~~عليه السلام -: " فأهله بين خيرتين ". وهذا عام في جميع أهله، والمرأة من ~~أهله، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من يعذرني من رجل يبلغني ~~أذاه في أهلي، وما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه ~~إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي. يريد عائشة. وقال له أسامة: يا ~~رسول الله، أهلك ولا نعلم إلا خيرا» . # وروى زيد بن وهب، أن عمر أتي برجل ms4558 قتل قتيلا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، ~~فقالت امرأة المقتول، وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي. فقال عمر: الله ~~أكبر، عتق القتيل. رواه أبو داود. وفي رواية عن زيد، قال: دخل رجل على ~~امرأته، فوجد عندها رجلا، فقتلها، فاستعدى إخوتها عمر، فقال بعض إخوتها: قد ~~تصدقت. فقضى لسائرهم بالدية. وروى قتادة، أن عمر رفع إليه رجل قتل رجلا، ~~فجاء أولاد المقتول، وقد عفا بعضهم، فقال عمر لابن مسعود: ما تقول؟ قال: ~~إنه قد أحرز من القتل. فضرب على كتفه، وقال: كنيف ملئ علما. # والدليل # PageV08P353 # على أن القصاص لجميع الورثة، ما ذكرناه في مسألة القصاص بين الصغير ~~والكبير، ولأن من ورث الدية ورث القصاص كالعصبة، فإذا عفا بعضهم، صح عفوه، ~~كعفوه عن سائر حقوقه، وزوال الزوجية لا يمنع استحقاق القصاص، كما لم يمنع ~~استحقاق الدية، وسائر حقوقه الموروثة. ومتى ثبت أنه حق مشترك بين جميعهم، ~~سقط بإسقاط من كان من أهل الإسقاط منهم؛ لأن حقه منه له، فينفذ تصرفه فيه، ~~فإذا سقط سقط جميعه؛ لأنه مما لا يتبعض، كالطلاق والعتاق، ولأن القصاص حق ~~مشترك بينهم لا يتبعض، مبناه على الدرء والإسقاط، فإذا أسقط بعضهم، سرى إلى ~~الباقي كالعتق، والمرأة أحد المستحقين، فسقط بإسقاطها كالرجل. # ومتى عفا أحدهم، فللباقين حقهم من الدية سواء عفا مطلقا أو إلى الدية. ~~وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. ولا أعلم لهما مخالفا ممن قال بسقوط ~~القصاص؛ وذلك لأن حقه من القصاص سقط بغير رضاه، فثبت له البدل كما لو ورث ~~القاتل بعض دمه أو مات، ولما ذكرنا من خبر عمر - رضي الله عنه -. ### | [فصل قتله الشريك الذي لم يعف عالما بعفو شريكه وسقوط القصاص به] # (6751) فصل: فإن قتله الشريك الذي لم يعف عالما بعفو شريكه، وسقوط القصاص ~~به، فعليه القصاص، سواء حكم به الحاكم أو لم يحكم. وبهذا قال أبو حنيفة، ~~وأبو ثور. وهو الظاهر من مذهب الشافعي. وقيل: له قول آخر، لا يجب القصاص؛ ~~لأن له فيه شبهة، لوقوع الخلاف ولنا. أنه قتل معصوما مكافئا له ms4559 عمدا، يعلم ~~أنه لا حق له فيه، فوجب عليه القصاص، كما لو حكم بالعفو حاكم، والاختلاف لا ~~يسقط القصاص، فإنه لو قتل مسلما بكافر، قتلناه، به مع الاختلاف في قتله. ~~وأما إن قتله قبل العلم بالعفو، فلا قصاص عليه. وبه قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي في أحد قوليه: عليه القصاص؛ لأنه قتل عمد عدوان لمن لا حق ~~له في قتله. ولنا، أنه قتله معتقدا ثبوت حقه فيه، مع أن الأصل بقاؤه، فلم ~~يلزمه قصاص، كالوكيل إذا قتل بعد عفو الموكل قبل علمه بعفوه، ولا فرق بين ~~أن يكون الحاكم قد حكم بالعفو أو لم يحكم به؛ لأن الشبهة موجودة مع انتفاء ~~العلم معدومة عند وجوده. وقال الشافعي: متى قتله بعد حكم الحاكم، لزمه ~~القصاص، علم بالعفو أو لم يعلم. وقد بينا الفرق بينهما. # ومتى حكمنا عليه بوجوب الدية؛ إما لكونه معذورا، وإما للعفو عن القصاص، ~~فإنه يسقط عنه منها ما قابل حقه على القاتل قصاصا، ويجب عليه الباقي، فإن ~~كان الولي عفا إلى غير مال، فالواجب لورثة القاتل، ولا شيء عليهم، وإن كان ~~عفا إلى الدية، فالواجب لورثة القاتل، # PageV08P354 # وعليهم نصيب العافي من الدية. وقيل فيه: إن حق العافي، من الدية على ~~القاتل. لا يصح؛ لأن الحق لم يبق متعلقا بعينه، وإنما الدية واجبة في ذمته، ~~فلم تنتقل إلى القاتل، كما لو قتل غريمه. ### | [فصل كان القاتل هو العافي في القصاص] # (6752) فصل: فإن كان القاتل هو العافي، فعليه القصاص سواء عفا مطلقا أو ~~إلى مال. وبهذا قال عكرمة، والثوري، ومالك، والشافعي، وابن المنذر. وروي عن ~~الحسن: تؤخذ منه الدية، ولا يقتل. وقال عمر بن عبد العزيز: الحكم فيه إلى ~~السلطان. ولنا، قوله تعالى: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: ~~178] . قال ابن عباس، وعطاء، والحسن، وقتادة في تفسيرها: أي بعد أخذه ~~الدية. وعن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية» . ولأنه قتل معصوما مكافئا، ~~فوجب ms4560 عليه القصاص، كما لو لم يكن قتل. ### | [فصل عفا عن القاتل مطلقا] # (6753) فصل: وإذا عفا عن القاتل مطلقا، صح، ولم تلزمه عقوبة. وبهذا قال ~~الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، وأبو ثور. وقال مالك، والليث، والأوزاعي: ~~يضرب، ويحبس سنة. ولنا، أنه، إنما كان عليه حق واحد، وقد أسقطه مستحقه، فلم ~~يجب عليه شيء آخر، كما لو أسقط الدية عن القاتل خطأ. ### | [فصل توكيل من يستوفي القصاص] # (6754) فصل: وإذا وكل من يستوفي القصاص، صح توكيله. نص عليه أحمد، - رحمه ~~الله -. فإن وكله، ثم غاب، وعفا عن القصاص، واستوفى الوكيل، نظرنا؛ فإن كان ~~عفوه بعد القتل، لم يصح؛ لأن حقه قد استوفي، وإن كان قتله وقد علم الوكيل ~~به، فقد قتله ظلما، فعليه القود، كما لو قتله ابتداء. وإن قتله قبل العلم ~~بعفو الموكل. فقال أبو بكر: لا ضمان على الوكيل؛ لأنه لا تفريط منه، فإن ~~العفو حصل على وجه لا يمكن الوكيل استدراكه، فلم يلزمه ضمان، كما لو عفا ~~بعد ما رماه. # وهل يلزم الموكل الضمان؟ فيه قولان؛ أحدهما: لا ضمان عليه؛ لأن عفوه غير ~~صحيح، لما ذكرنا من حصوله في حال لا يمكنه استدراك الفعل، فوقع القتل ~~مستحقا له، فلم يلزمه ضمان؛ ولأن العفو إحسان، فلا يقتضي وجوب الضمان. # PageV08P355 # والثاني، عليه الضمان؛ لأن قتل المعفو عنه حصل بأمره وتسليطه، على وجه لا ~~ذنب للمباشر فيه، فكان الضمان على الآمر، كما لو أمر عبده الأعجمي بقتل ~~معصوم. وقال غير أبي بكر: في صحة العفو وجهان؛ بناء على الروايتين في ~~الوكيل، هل ينعزل بعزل الموكل أو لا؟ وللشافعي قولان، كالوجهين. فإن قلنا: ~~لا يصح العفو فلا ضمان على أحد؛ لأنه قتل من يجب قتله بأمر يستحقه. # وإن قلنا: يصح العفو. فلا قصاص فيه؛ لأن الوكيل قتل من يعتقد إباحة قتله ~~بسبب هو معذور فيه، فأشبه ما لو قتل في دار الحرب من يعتقده حربيا. وتجب ~~الدية على الوكيل؛ لأنه لو علم لوجب عليه القصاص، فإذا لم يعلم تعلق به ~~الضمان، كما لو قتل مرتدا ms4561 قد أسلم قبل علمه بإسلامه، ويرجع بها على الموكل؛ ~~لأنه غره بتسليطه على القتل بتفريطه في ترك إعلامه بالعفو، فيرجع عليه، ~~كالغار في النكاح بحرية أمه، أو تزوج معيبة. ويحتمل أن لا يرجع عليه؛ لأن ~~العفو إحسان منه، فلا يقتضي الرجوع عليه. فعلى هذا، تكون الدية على عاقلة ~~الوكيل. وهذا اختيار أبي الخطاب؛ لأن هذا جرى مجرى الخطأ، فأشبه ما لو قتل ~~في دار الحرب مسلما يعتقده حربيا. # وقال القاضي: هو في مال الوكيل؛ لأنه عن عمد محض. وهذا لا يصح؛ لأنه لو ~~كان عمدا محضا لأوجب القصاص، ولأنه يشترط في العمد المحض أن يكون عالما ~~بحال المحل، وكونه معصوما، ولم يوجد هذا. وإن قال: هو عمد الخطأ. فعمد ~~الخطأ تحمله العاقلة. ذكره الخرقي ودل عليه خبر المرأة التي قتلت جاريتها ~~وجنينها بمسطح، فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدية على عاقلتها، ~~واختلف أصحاب الشافعي على هذين الوجهين، فعلى قول القاضي، إن كان الموكل ~~عفا إلى الدية، فله الدية في تركة الجاني، ولورثة الجاني مطالبة الوكيل ~~بديته، وليس للموكل مطالبة الوكيل بشيء. # فإن قيل: فقد قلتم فيما إذا كان القصاص لأخوين فقتله أحدهما فعليه نصف ~~الدية، ولأخيه مطالبته به، في وجه. قلنا: ثم أتلف حقه، فرجع ببدله عليه، ~~وها هنا أتلفه بعد سقوط حق الموكل عنه، فافترقا. وإن قلنا: إن الوكيل يرجع ~~على الموكل. احتمل أن تسقط الديتان؛ لأنه لا فائدة في أن يأخذها الورثة من ~~الوكيل، ثم يدفعونها إلى الموكل، ثم يردها الموكل إلى الوكيل، فيكون تكليفا ~~لكل واحد منهم بغير فائدة. ويحتمل أن يجب ذلك؛ لأن الدية الواجبة في ذمة ~~الوكيل لغير من للوكيل الرجوع عليه، وإنما تتساقط الديتان إذا كان لكل واحد ~~من الغريمين على صاحبه مثل ما له عليه، ولأنه قد تكون الديتان مختلفتين، ~~بأن يكون أحد المقتولين رجلا والآخر امرأة، فعلى هذا يأخذ ورثة الجاني ديته ~~من الوكيل، ويدفعون إلى الموكل دية وليه، ثم يرد الموكل إلى الوكيل قدر ما ~~غرمه، # PageV08P356 # وإن أحال ورثة الجاني ms4562 الموكل على الوكيل بدية وليهم، صح فإن كان الجاني ~~أقل دية، مثل أن تكون امرأة قتلت رجلا، فقتلها الوكيل، فلورثتها إحالة ~~الموكل بديتها؛ لأنه القدر الواجب لهم على الوكيل، فيسقط عن الوكيل والموكل ~~جميعا، ويرجع الموكل على ورثتها بنصف دية وليه، وإن كان الجاني رجلا قتل ~~امرأة، فقتله الوكيل، فلورثة الجاني إحالة الموكل بدية المرأة؛ لأن الموكل ~~لا يستحق عليهم أكثر من ديتها، ويطالبون الوكيل بنصف دية الجاني، ثم يرجع ~~به على الموكل. ### | [فصل حكم القصاص إذا عفا المجني عليه ثم سرت الجناية إلى نفسه فمات] # فصل: وإذا جنى على الإنسان فيما دون النفس جناية توجب القصاص، فعفا عن ~~القصاص، ثم سرت الجناية إلى نفسه، فمات، لم يجب القصاص. وبهذا قال أبو ~~حنيفة، والشافعي. وحكي عن مالك، أن القصاص واجب؛ لأن الجناية صارت نفسا، ~~ولم يعف عنها. ولنا، أنه يتعذر استيفاء القصاص في النفس دون ما عفا عنه، ~~فسقط في النفس، كما لو عفا بعض الأولياء، ولأن الجناية إذا لم يكن فيها ~~قصاص مع إمكانه، لم يجب في سرايتها، كما لو قطع يد مرتد ثم أسلم ثم مات ~~منها نظرنا، فإن كان عفا على مال، فله الدية كاملة، وإن عفا على غير مال، ~~وجبت الدية إلا أرش الجرح الذي عفا عنه. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة تجب الدية كاملة؛ لأن الجناية صارت نفسا، وحقه في النفس ~~لا فيما عفا عنه، وإنما سقط القصاص للشبهة. وإن قال: عفوت عن الجناية. لم ~~يجب شيء؛ لأن الجناية لا تختص بالقطع. وقال القاضي: فيما إذا عفا عن القطع: ~~ظاهر كلام أحمد أنه لا يجب شيء. وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ لأنه قطع غير ~~مضمون، فكذلك سرايته. ولنا، أنها سراية جناية أوجبت الضمان، فكانت مضمونة، ~~كما لو لم يعف، وإنما سقطت ديتها بعفوه عنها، فيختص السقوط بما عفا عنه دون ~~غيره، والمعفو عنه نصف الدية؛ لأن الجناية أوجبت نصف الدية، فإذا عفا، سقط ~~ما وجب دون ما لم يجب، فإذا صارت نفسا، وجب بالسراية ms4563 نصف الدية، ولم يسقط ~~أرش الجرح فيما إذا لم يعف، وإنما تكملت الدية بالسراية. ### | [فصل كان الجرح لا قصاص فيه فعفا عن القصاص فيه فسرى إلى النفس] # (6756) فصل: فإن كان الجرح لا قصاص فيه، كالجائفة، ونحوها، فعفا عن ~~القصاص فيه، فسرى إلى النفس، فلوليه القصاص؛ لأن القصاص لم يجب في الجرح، ~~فلم يصح العفو عنه، وإنما وجب القصاص بعد عفوه، وله العفو عن القصاص، وله ~~كمال الدية. وإن عفا عن دية الجرح، صح، وله بعد السراية دية النفس إلا أرش ~~الجرح. ولا يمتنع وجوب القصاص في النفس، مع أنه لا يجب كمال الدية بالعفو ~~عنه، كما لو قطع يدا، فاندملت # PageV08P357 # واقتص منها، ثم انتقضت وسرت إلى النفس، فله القصاص في النفس، وليس له ~~العفو إلا على نصف الدية. وإن قطع يده من نصف الساعد، فعفا عن القصاص، ثم ~~سرى فعلى قول أبي بكر، لا يسقط القصاص في النفس؛ لأن القصاص لم يجب، فهو ~~كالجائفة. ومن جوز له القصاص من الكوع، أسقط القصاص في النفس، كما لو كان ~~القطع من الكوع. # وقال المزني: لا يصح العفو عن دية الجرح قبل اندماله، فلو قطع يدا، فعفا ~~عن ديتها وقصاصها، ثم اندملت، لم تسقط ديتها، وسقط قصاصها؛ لأن القصاص قد ~~وجب فيها، فصح العفو عنه، بخلاف الدية. وليس بصحيح؛ لأن دية الجرح إنما ~~وجبت بالجناية، إذ هي السبب، ولهذا لو جنى على طرف عبد ثم باعه قبل برئه، ~~كان أرش الطرف لبائعه لا لمشتريه، وتأخير المطالبة به لا يلزم منه عدم ~~الوجوب، وامتناع صحة العفو، كالدين المؤجل لا تملك المطالبة به، ويصح العفو ~~عنه، كذا هاهنا. ### | [فصل قطع يده فعفا عنه ثم عاد الجاني فقتله] # (6757) فصل: فإن قطع يده، فعفا عنه، ثم عاد الجاني فقتله فلوليه القصاص. ~~وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وقال بعضهم: لا قصاص؛ لأن العفو حصل عن بعضه، فلا ~~يقتل به، كما لو سرى القطع إلى نفسه. ولنا، أن القتل انفرد عن القطع، فعفوه ~~عن القطع لا يمنع ما يلزم بالقتل، ms4564 كما لو كان القاطع غيره. وإن اختار ~~الدية، فقال القاضي: إن كان العفو عن الطرف إلى غير دية، فله بالقتل نصف ~~الدية. وهو ظاهر مذهب الشافعي، ولأن القتل إذا تعقب الجناية قبل الاندمال، ~~كان كالسراية، ولذلك لو لم يعف لم يجب أكثر من دية، والقطع يدخل في القتل ~~في الدية دون القصاص؛ ولذلك لو أراد القصاص كان له أن يقطع ثم يقتل، ولو ~~صار الأمر إلى الدية لم يجب إلا دية واحدة. # وقال أبو الخطاب: له العفو إلى دية كاملة. وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ ~~لأن القطع منفرد عن القتل، فلم يدخل حكم أحدهما في الآخر، كما لو اندمل، ~~ولأن القتل موجب للقتل، فأوجب الدية كاملة، كما لو لم يتقدمه عفو. وفارق ~~السراية، فإنها لم توجب قتلا، ولأن السراية عفي عن سببها، والقتل لم يعف عن ~~شيء منه، ولا عن سببه، سواء فيما ذكرنا كان العافي عن الجرح أخذ دية طرفه ~~أو لم يأخذها. ### | [فصل قطع إصبعا فعفا المجني عليه عن القصاص ثم سرت الجناية إلى الكف ثم اندمل الجرح] # (6758) فصل: وإن قطع إصبعا، فعفا المجني عليه عن القصاص، ثم سرت الجناية ~~إلى الكف، ثم اندمل الجرح، لم يجب القصاص؛ لما ذكرنا في النفس، ولأن القصاص ~~سقط في الإصبع بالعفو، فصارت اليد ناقصة لا تؤخذ # PageV08P358 # بها [اليد] الكاملة. ثم إن كان العفو إلى الدية، وجبت دية اليد كلها، وإن ~~كان على غير مال، خرج فيه من الخلاف ما ذكرنا فيما إذا قطع يدا فعفا المجني ~~عليه، ثم سرى إلى نفسه. فعلى هذا، تجب هاهنا دية الكف إلا دية الإصبع. ذكره ~~أبو الخطاب، وهو مذهب الشافعي. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد، أن لا يجب ~~شيء. وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن العفو عن الجناية عفو عما يحدث منها، وقد ~~قال القاضي: إن القياس فيما إذا قطع اليد، ثم سرى إلى النفس، أن يجب نصف ~~الدية، فيلزمه أن يقول مثل ذلك هاهنا. . ### | [فصل العفو عن الجناية] # (6759) فصل: فإن قال: عفوت عن الجناية، ms4565 وما يحدث منها، صح عفوه، ولم يكن ~~له في سرايتها قصاص ولا دية في ظاهر كلام أحمد. وسواء عفا بلفظ العفو أو ~~الوصية، وممن قال بصحة عفو المجروح عن دمه؛ مالك، وطاوس، والحسن، وقتادة، ~~والأوزاعي. وقال أصحاب الشافعي: إذا قال: عفوت عن الجناية، وما يحدث منها. ~~ففيه قولان؛ أحدهما: أنه وصية، فيبنى على الوصية للقاتل، وفيها قولان؛ ~~أحدهما: لا يصح، فتجب دية النفس إلا دية الجرح. والثاني، يصح، فإن خرجت من ~~الثلث سقط، وإلا سقط منها ما خرج من الثلث، ووجب الباقي. والقول الثاني، ~~ليس بوصية؛ لأنه إسقاط في الحياة، فلا يصح، وتلزمه دية النفس إلا دية ~~الجرح. # ولنا، أنه أسقط حقه بعد انعقاد سببه، فسقط، كما لو أسقط الشفعة بعد ~~البيع، إذا ثبت هذا، فلا فرق بين أن يخرج من الثلث أو لم يخرج؛ لأن موجب ~~العمد القود، في إحدى الروايتين، أو أحد شيئين، في الرواية الأخرى، فما ~~تعينت الدية، ولا تعينت الوصية بمال،؛ ولذلك صح العفو من المفلس إلى غير ~~مال. وأما جناية الخطأ، فإذا عفا عنها وعما يحدث منها، اعتبر خروجها من ~~الثلث، سواء عفا بلفظ العفو أو الوصية أو الإبراء أو غيرها، فإن خرجت من ~~الثلث، صح عفوه في الجميع، وإن لم تخرج من الثلث، سقط عنه من ديتها ما ~~احتمله الثلث. وبهذا قال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي. ونحوه قال عمر بن ~~عبد العزيز، والأوزاعي، وإسحاق؛ لأن الوصية هاهنا بمال. ### | [فصل اختلف الجاني والولي أو المجني عليه فقال الجاني عفوت مطلقا وقال المجني عليه بل عفوت إلى مال] # (6760) فصل: وإن قطع إصبعا، فعفا المجني عليه عن القصاص، ثم سرت الجناية ~~إلى الكف، ثم اندمل الجرح فصل: وإن قطع إصبعا، فعفا المجني عليه عن القصاص، ~~ثم سرت الجناية إلى الكف، ثم اندمل الجرح فصل: فإن اختلف الجاني والولي أو ~~المجني عليه.، فقال الجاني: عفوت مطلقا. وقال المجني عليه: بل عفوت # PageV08P359 # إلى مال. أو قال: عفوت عن الجناية وما يحدث منها. قال: بل عفوت عنها دون ~~ما يحدث ms4566 منها. فالقول قول المجني عليه أو وليه إن كان الخلاف معه؛ لأن ~~الأصل عدم العفو عن الجميع، وقد ثبت العفو عن البعض بإقراره، فيكون القول ~~في عدم سقوطه قوله. . ### | [مسألة اشترك الجماعة في القتل فأحب الأولياء أن يقتلوا الجميع] # (6761) مسألة: قال: (وإذا اشترك الجماعة في القتل، فأحب الأولياء أن ~~يقتلوا الجميع، فلهم ذلك، وإن أحبوا أن يقتلوا البعض، ويعفوا عن البعض، ~~ويأخذوا الدية من الباقين، فلهم ذلك) أما قتلهم للجميع، فقد ذكرناه فيما ~~مضى، وأما إن أحبوا قتل البعض فلهم ذلك، لأن كل من لهم قتله فلهم العفو ~~عنه، كالمنفرد، ولا يسقط القصاص عن البعض بعفو البعض؛ لأنهما شخصان، فلا ~~يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر، كما لو قتل كل واحد رجلا. # وأما إذا اختاروا أخذ الدية من القاتل، أو من بعض القتلة، فإن لهم هذا من ~~غير رضى الجاني. وبهذا قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين، والشافعي، وعطاء، ~~ومجاهد وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال النخعي ومالك وأبو حنيفة: ليس ~~للأولياء إلا القتل، إلا أن يصطلحا على الدية برضى الجاني. وعن مالك رواية ~~أخرى، كقولنا، واحتجوا بقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص} [البقرة: 178] . ~~والمكتوب لا يتخير فيه، ولأنه متلف يجب به البدل، فكان بدله معينا، كسائر ~~أبدال المتلفات. # ولنا، قول الله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء ~~إليه بإحسان} [البقرة: 178] . قال ابن عباس: كان في بني إسرائيل القصاص، ~~ولم يكن فيهم الدية، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى} [البقرة: 178] . الآية، {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] . ~~فالعفو أن تقبل في العمد الدية {فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178] يتبع ~~الطالب بالمعروف، ويؤدي إليه المطلوب {بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} ~~[البقرة: 178] . مما كتب على من قبلكم. رواه البخاري. # PageV08P360 # وروى أبو هريرة، قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من ~~«قتل له قتيل، فهو بخير النظرين، إما أن يودى، وإما يقاد» متفق عليه. # وروى أبو شريح، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ms4567 - قال: «ثم أنتم يا خزاعة، ~~قد قتلتم هذا القتيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين ~~خيرتين؛ إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية» رواه أبو داود، وغيره. ~~ولأن القتل المضمون إذا سقط فيه القصاص من غير إبراء، ثبت المال، كما لو ~~عفا بعض الورثة، ويخالف سائر المتلفات؛ لأن بدلها يجب من جنسها، وها هنا ~~يجب في الخطأ وعمد الخطأ من غير الجنس، فإذا رضي في العمد ببدل الخطأ، كان ~~له ذلك؛ لأنه أسقط بعض حقه، ولأن القاتل أمكنه إحياء نفسه ببذل الدية، ~~فلزمه وينتقض ما ذكروه بما إذا كان رأس الشاج أصغر، أو يد القاطع أنقص، ~~فإنهم سلموا فيهما. ### | [فصل اختلفت الرواية في موجب العمد] # (6762) فصل: واختلفت الرواية في موجب العمد، فروي عن أحمد - رحمه الله - ~~أن موجبه القصاص عينا لقوله عليه السلام: «من قتل عمدا، فهو قود» . ولما ~~ذكروه في دليلهم. وروي أن موجبه أحد شيئين؛ القصاص، أو الدية؛ لما ذكرناه ~~قبل هذا، ولأن الدية أحد بدلي النفس، فكانت بدلا عنها، لا عن بدلها، ~~كالقصاص. وأما الخبر، فالمراد به وجوب القود، ونحن نقول به، ويخالف القتل ~~سائر المتلفات؛ لأن بدلها لا يختلف بالقصد وعدمه، والقتل بخلافه. وللشافعي ~~قولان، كالروايتين. فإذا قلنا موجبه القصاص عينا، فله العفو إلى الدية، ~~والعفو مطلقا، فإذا عفا مطلقا، لم يجب شيء. وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال ~~بعضهم: تجب الدية؛ لئلا يطل الدم. وليس بشيء؛ لأنه لو عفا عن الدية بعد ~~وجوبها، صح عفوه، وإن عفا عن القصاص بغير مال، لم يجب شيء، فأما إن عفا عن ~~الدية؛ لم يصح عفوه؛ لأنها لم تجب. # وإن قلنا: الواجب أحد شيئين لا بعينه. فعفا عن القصاص مطلقا، أو إلى ~~الدية، وجبت الدية؛ لأن الواجب غير معين، فإذا ترك أحدهما وجب الآخر، وإن ~~اختار الدية، سقط القصاص، وإن اختار القصاص، تعين. وهل له بعد ذلك العفو ~~على الدية؟ قال القاضي: له ذلك؛ لأن القصاص أعلى، فكان له الانتقال إلى ~~الأدنى، ويكون بدلا عن القصاص، وليست ms4568 التي وجبت بالقتل، كما قلنا في ~~الرواية الأولى: إن الواجب القصاص عينا، وله العفو إلى الدية. ويحتمل أنه ~~ليس له ذلك؛ لأنه أسقطها باختياره القود فلم يعد إليها. # PageV08P361 ### | [فصل جنى عبد على حر جناية موجبة للقصاص فاشتراه المجني عليه بأرش الجناية] # (6763) فصل: وإذا جنى عبد على حر جناية موجبة للقصاص، فاشتراه المجني ~~عليه بأرش الجناية، سقط القصاص؛ لأن عدوله إلى الشراء اختيار للمال، ولا ~~يصح الشراء؛ لأنهما إن لم يعرفا قدر الأرش فالثمن مجهول، وإن عرفا عدد ~~الإبل وأسنانها فصفتها مجهولة، والجهل بالصفة كالجهل بالذات في فساد البيع؛ ~~ولذلك لو باعه شيئا بجمل جذع غير معروف الصفة، لم يصح، وإن قدر الأرش بذهب ~~أو فضة وباعه به صح. ### | [فصل القصاص لصغير هل لوليه العفو] # (6764) فصل: إذا وجب القصاص لصغير، لم يجز لوليه العفو إلى غير مال؛ لأنه ~~لا يملك إسقاط حقه. وإن أحب العفو إلى مال، وللصبي كفاية من غيره، لم يجز؛ ~~لأن فيه تفويت حقه من غير حاجة. فإن كان فقيرا محتاجا، ففيه وجهان؛ أحدهما: ~~له ذلك؛ لحاجته إلى المال لحفظه. قال القاضي: هذا أصح. والثاني، لا يجوز؛ ~~لأنه لا يملك إسقاط قصاصه، وأما حاجته فإن نفقته في بيت المال. والصحيح ~~الأول؛ فإن وجوب النفقة في بيت المال لا يغنيه إذا لم يحصل، فأما إن كان ~~مستحق القصاص مجنونا فقيرا فلوليه العفو على المال؛ لأنه ليست حالة معتادة ~~ينتظر فيها إفاقته. . ### | [فصل يصح عفو المفلس والمحجور عليه لسفه عن القصاص] # فصل: ويصح عفو المفلس والمحجور عليه لسفه عن القصاص؛ لأنه ليس بمال. وإن ~~أراد المفلس القصاص، لم يكن لغرمائه إجباره على تركه. وإن أحب العفو عنه ~~إلى مال، فله ذلك؛ لأن فيه حظا للغرماء. وإن أراد العفو على غير مال، انبنى ~~على الروايتين؛ إن قلنا الواجب القصاص، فله ذلك؛ لأنه لم يثبت له مال يتعلق ~~به حق الغرماء. وإن قلنا: الواجب أحد شيئين. لم يملك؛ لأن المال يجب بقوله: ~~عفوت عن القصاص. فقوله: على غير مال. إسقاط له بعد ms4569 وجوبه وتعيينه، ولا يملك ~~ذلك. وهكذا الحكم في السفيه ووارث المفلس. # وإن عفا المريض على غير مال، فذكر القاضي في موضع، أنه يصح، سواء خرج من ~~الثلث أو لم يخرج. وذكر أن أحمد نص على هذا. وقال في موضع: يعتبر خروجه من ~~ثلثه، ولعله ينبني على الروايتين في موجب العمد على ما مضى. ### | [فصل قتل من لا وارث له] # (6766) فصل: وإذا قتل من لا وارث له، فالأمر إلى السلطان؛ فإن أحب القصاص ~~فله ذلك، وإن أحب العفو على # PageV08P362 # مال فله ذلك، وإن أحب العفو إلى غير مال لم يملكه؛ لأن ذلك للمسلمين ولا ~~حظ لهم في هذا. وهذا قول أصحاب الرأي، إلا أنهم لا يرون العفو على مال إلا ~~برضى الجاني. ### | [فصل اشترك الجماعة في القتل فعفا عنهم إلى الدية] # (6767) فصل: وإذا اشترك الجماعة في القتل، فعفا عنهم إلى الدية، فعليهم ~~دية واحدة، وإن عفا عن بعضهم، فعلى المعفو عنه قسطه من الدية؛ لأن الدية ~~بدل المحل، وهو واحد، فتكون ديته واحدة، سواء أتلفه واحد أو جماعة. وقال ~~ابن أبي موسى: فيه رواية أخرى، أن على كل واحد دية كاملة لأن له قتل كل ~~واحد منهم، فكان على كل واحد منهم دية نفس كاملة، كما لو قلع الأعور عين ~~صحيح، فإنه تجب عليه دية عينه، وهو دية كاملة. والصحيح الأول؛ لأن الواجب ~~بدل المتلف، فلا يختلف باختلاف المتلف، ولذلك لو قتل عبد قيمته ألفان حرا، ~~لم يملك العفو على أكثر من الدية، وأما القصاص، فإنه عقوبة على الفعل، ~~فيتعدد بتعدده. ### | [مسألة قال قتل من للأولياء أن يقيدوا به فبذل القاتل أكثر من الدية] # (6768) مسألة: قال: (وإن قتل من للأولياء أن يقيدوا به، فبذل القاتل أكثر ~~من الدية على أن لا يقاد، فللأولياء قبول ذلك) وجملته أن من له القصاص، له ~~أن يصالح عنه بأكثر من الدية، وبقدرها وأقل منها، لا أعلم فيه خلافا؛ لما ~~روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم ms4570 - «من قتل عمدا دفع إلى أولياء المقتول؛ فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا ~~أخذوا الدية، ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، وما صولحوا عليه فهو ~~لهم. وذلك لتشديد القتل» . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وروينا أن ~~هدبة بن خشرم قتل قتيلا، فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول ~~سبع ديات، ليعفو عنه، فأبى ذلك، وقتله. ولأنه عوض عن غير مال، فجاز الصلح ~~عنه بما اتفقوا عليه، كالصداق، وعوض الخلع، ولأنه صلح عما لا يجري فيه ~~الربا، فأشبه الصلح عن العروض. # PageV08P363 ### | [مسألة أمسك رجلا وقتله آخر] # (6769) مسألة: قال: (وإذا أمسك رجلا وقتله آخر، قتل القاتل، وحبس الماسك ~~حتى يموت) يقال أمسك ومسك ومسك. وقد جمع الخرقي بين اللغتين، فقال: إذا ~~أمسك، وحبس الماسك. وهو اسم الفاعل من مسك مخففا. ولا خلاف في أن القاتل ~~يقتل؛ لأنه قتل من يكافئه عمدا بغير حق، وأما الممسك، فإن لم يعلم أن ~~القاتل يقتله، فلا شيء عليه؛ لأنه متسبب، والقاتل مباشر، فسقط حكم المتسبب ~~به. # وإن أمسكه له ليقتله، مثل إن ضبطه له حتى ذبحه له. فاختلفت الرواية فيه ~~عن أحمد؛ فروي عنه أنه يحبس حتى يموت. وهذا قول عطاء وربيعة. وروي ذلك عن ~~علي. وروي عن أحمد، أنه يقتل أيضا. وهو قول مالك قال سليمان بن أبي موسى: ~~الإجماع فينا أن يقتل؛ لأنه لو لم يمسكه، ما قدر على قتله، وبإمساكه تمكن ~~من قتله، فالقتل حاصل بفعلهما، فيكونان شريكين فيه، فيجب عليهما القصاص، ~~كما لو جرحاه. # وقال أبو حنيفة، والشافعي وأبو ثور وابن المنذر: يعاقب، ويأثم، ولا يقتل؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن أعتى الناس على الله، من قتل ~~غير قاتله ". والممسك غير قاتل، ولأن الإمساك سبب غير ملجئ، فإذا اجتمعت ~~معه المباشرة، كان الضمان على المباشر، كما لو لم يعلم الممسك أنه يقتله، ~~ولنا، ما روى الدارقطني، بإسناده عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال «إذا أمسك الرجل، وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك» ms4571 ~~ولأنه حبسه إلى الموت، فيحبس الآخر إلى الموت، كما لو حبسه عن الطعام ~~والشراب حتى مات، فإننا نفعل به ذلك حتى يموت. ### | [فصل اتبع رجلا ليقتله فأدركه أخر] # (6770) فصل: وإن اتبع رجلا ليقتله، فهرب منه، فأدركه آخر، فقطع رجله، ثم ~~أدركه الثاني فقتله، نظرت؛ فإن كان قصد الأول حبسه بالقطع ليقتله الثاني، ~~فعليه القصاص في القطع، وحكمه في القصاص في النفس حكم الممسك؛ لأنه حبسه ~~على القتل، وإن لم يقصد حبسه، فعليه القطع دون القتل، كالذي أمسكه غير ~~عالم. وفيه وجه آخر، ليس عليه إلا القطع بكل حال. والأول أصح؛ لأنه الحابس ~~له بفعله، فأشبه الحابس بإمساكه. فإن قيل: فلم اعتبرتم قصد الإمساك هاهنا ~~وأنتم لا تعتبرون إرادة القتل في الجارح؟ # PageV08P364 # قلنا إذا مات من الجرح، فقد مات من سرايته وأثره، فنعتبر قصد الجرح الذي ~~هو السبب دون قصد الأثر، وفي مسألتنا إنما كان موته بأمر غير السراية، ~~والفعل ممكن له عليه، فاعتبر قصده لذلك الفعل، كما لو أمسكه. ### | [مسألة أمر عبده أن يقتل رجلا وكان العبد أعجميا] # (6771) مسألة: قال: ومن (أمر عبده أن يقتل رجلا، وكان العبد أعجميا، لا ~~يعلم أن القتل محرم قتل السيد، وإن كان يعلم خطر القتل، قتل العبد، وأدب ~~السيد) إنما ذكر الخرقي كونه أعجميا، وهو الذي لا يفصح، ليتحقق منه الجهل، ~~وإنما يكن الجهل في حق من نشأ في غير بلاد الإسلام، فأما من أقام في بلاد ~~الإسلام بين أهله، فلا يخفى عليه تحريم القتل، ولا يعذر في فعله، ومتى كان ~~العبد يعلم تحريم القتل، فالقصاص عليه، ويؤدب سيده؛ لأمره بما أفضى إلى ~~القتل، بما يراه الإمام من الحبس والتعزير. # وإن كان غير عالم بخطره، فالقصاص على سيده، ويؤدب العبد. قال أحمد يضرب ~~ويؤدب. ونقل عنه أبو طالب، قال: يقتل الولي ويحبس العبد حتى يموت؛ لأن ~~العبد سوط المولى وسيفه. كذا قال علي، وأبو هريرة وقال علي - رضي الله عنه ~~- يستودع السجن، وممن قال بهذه الجملة الشافعي وممن قال: إن السيد يقتل علي ~~وأبو ms4572 هريرة. وقال قتادة: يقتلان جميعا. وقال سليمان بن موسى: لأن يقتل ~~الآمر، ولكن يديه، ويعاقب ويحبس؛ لأنه لم يباشر القتل، ولا ألجأ إليه، فلم ~~يجب عليه قصاص، كما لو علم العبد خطر القتل. # ولنا، أن العبد إذا كان غير عالم بخطر القتل، فهو معتقد إباحته، وذلك ~~شبهة تمنع القصاص كما لو اعتقده صيدا فرماه، فبان إنسانا، ولأن حكمة القصاص ~~الردع والزجر، ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة، وإذا لم يجب عليه، وجب على ~~السيد، لأنه آلة له، لا يمكن إيجاب القصاص عليه، فوجب على المتسبب به، كما ~~لو أنهشه حية أو كلبا أو ألقاه في زبية أسد فأكله. ويفارق هذا ما إذا علم ~~خطر القتل، فإن القصاص على العبد؛ لإمكان إيجابه عليه، وهو مباشر له، ~~فانقطع حكم الآمر، كالدافع مع الحافر، ويكون على السيد الأدب؛ لتعديه ~~بالتسبب إلى القتل. ### | [فصل أمر صبيا لا يميز أو مجنونا أو أعجميا لا يعلم خطر القتل يقتل] # (6772) فصل: ولو أمر صبيا لا يميز، أو مجنونا، أو أعجميا لا يعلم خطر ~~القتل، فقتل، فالحكم فيه كالحكم في العبد، يقتل الآمر دون المباشر. ولو ~~أمره بزنى، أو سرقة، لم يجب الحد على الآمر؛ لأن الحد لا يجب إلا على ~~المباشر، # PageV08P365 # والقصاص يجب بالتسبب، ولذلك وجب على المكره والشهود في القصاص. ### | [فصل أمر السلطان رجلا فقتل آخر] # (6773) فصل: ولو أمر السلطان رجلا، فقتل آخر، فإن كان القاتل يعلم أنه لا ~~يستحق قتله، فالقصاص عليه دون الآمر؛ لأنه غير معذور في فعله، فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . وعنه - عليه ~~السلام - أنه قال: «من أمركم من الولاة بغير طاعة الله تعالى، فلا تطيعوه» ~~. فلزمه القصاص، كما لو أمره غير السلطان. وإن لم يعلم ذلك، فالقصاص على ~~الآمر دون المأمور؛ لأن المأمور؛ معذور، لوجوب طاعة الإمام فيما ليس ~~بمعصية، والظاهر أنه لا يأمر إلا بالحق. # وإن أمره غير السلطان من الرعية بالقتل، فقتل، فالقود على المأمور بكل ~~حال، علم أو لم يعلم؛ ms4573 لأنه لا يلزمه طاعته، وليس له القتل بحال، بخلاف ~~السلطان، فإن إليه القتل للردة، والزنى وقطع الطريق إذا قتل القاطع، ~~ويستوفي القصاص للناس، وهذا ليس إليه شيء من ذلك. وإن أكرهه السلطان على ~~قتل أحد، أو جلده بغير حق، فمات، فالقصاص عليهما. وإن وجبت الدية، كانت ~~عليهما فإن كان الإمام يعتقد جواز القتل دون المأمور، كمسلم قتل ذميا، أو ~~حر قتل عبدا، فقتله، فقال القاضي: الضمان عليه دون الإمام؛ لأن الإمام؛ ~~أمره بما أدى اجتهاده إليه، والمأمور لا يعتقد جوازه، فلم يكن له أن يقبل ~~أمره، فإذا قتله، لزمه الضمان؛ لأنه قتل من لا يحل له قتله. وينبغي أن يفرق ~~بين العامي والمجتهد؛ فإن كان مجتهدا، فالحكم فيه على ما ذكر القاضي، وإن ~~كان مقلدا، فلا ضمان عليه؛ لأن له تقليد الإمام فيما رآه. # وإن كان الإمام يعتقد تحريمه، والقاتل يعتقد حله فالضمان على الآمر، كما ~~لو أمر السيد الذي لا يعتقد تحريم القتل به، والله أعلم. # PageV08P366 ### | [كتاب الديات] # الأصل في وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله ~~تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن ~~يصدقوا} [النساء: 92] الآية. وأما السنة، فروى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل ~~اليمن، فيه الفرائض والسنن والديات، وقال فيه: «وإن في النفس مائة من ~~الإبل» رواه النسائي، في سننه، ومالك، في " موطئه ". قال ابن عبد البر: وهو ~~كتاب مشهور عند أهل السير، ومعروف عند أهل العلم معرفة يستغني بشهرتها عن ~~الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر، في مجيئه في أحاديث كثيرة. تأتي في مواضعها ~~من الباب، إن شاء الله. وأجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة. ### | [مسألة دية الحر المسلم] # (6774) مسألة قال أبو القاسم - رحمه الله -: (ودية الحر المسلم مائة من ~~الإبل) أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل في الدية، وأن دية الحر المسلم ~~مائة من الإبل. وقد دلت عليه الأحاديث ms4574 الواردة؛ منها حديث عمرو بن حزم، ~~وحديث عبد الله بن عمر في دية خطأ العمد، وحديث ابن مسعود في دية الخطأ، ~~وسنذكرها إن شاء الله. وظاهر كلام الخرقي أن الأصل في الدية الإبل لا غير. ~~وهذا إحدى الروايتين عن أحمد - رحمه الله - ذكر ذلك أبو الخطاب. وهو قول ~~طاوس، والشافعي، وابن المنذر وقال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية ~~الإبل والذهب والورق والبقر والغنم، فهذه خمسة لا يختلف المذهب فيها. # وهذا قول عمر، وعطاء، وطاوس، وفقهاء المدينة السبعة. وبه قال الثوري، ~~وابن أبي ليلى، وأبو يوسف ومحمد؛ لأن عمرو بن حزم روى في كتابه، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن: «وأن في النفس المؤمنة ~~مائة من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار» رواه النسائي. # PageV08P367 # وروى ابن عباس «أن رجلا من بني عدي قتل، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ديته اثني عشر ألفا.» رواه أبو داود، وابن ماجه. وروى الشعبي، أن عمر جعل ~~على أهل الذهب ألف دينار. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن عمر قام ~~خطيبا، فقال: ألا إن الإبل قد غلت.: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى ~~أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي ~~شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. رواه أبو داود. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «ألا إن في قتيل عمد الخطأ، قتيل ~~السوط والعصا، مائة من الإبل» ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بين ~~دية العمد والخطأ، فغلظ بعضها، وخفف بعضها، ولا يتحقق هذا في غير الإبل، ~~ولأنه بدل متلف حقا لآدمي، فكان متعينا كعوض الأموال. وحديث ابن عباس يحتمل ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب الورق بدلا عن الإبل، والخلاف في ~~كونها أصلا. وحديث عمرو بن شعيب يدل على أن الأصل الإبل، فإن إيجابه لهذه ~~المذكورات على سبيل التقويم، لغلاء الإبل، ولو كانت أصولا بنفسها، لم يكن ~~إيجابها تقويما للإبل، ولا كان لغلاء ms4575 الإبل أثر في ذلك، ولا لذكره معنى. # وقد روي أنه كان يقوم الإبل قبل أن تغلو بثمانية آلاف درهم، ولذلك قيل: ~~إن دية الذمي أربعة آلاف درهم، وديته نصف الدية، فكان ذلك أربعة آلاف حين ~~كانت الدية ثمانية آلاف درهم. (6775) فصل: فإذا قلنا هي خمسة أصول، فإن ~~قدرها من الذهب ألف مثقال، ومن الورق اثنا عشر ألف درهم، ومن البقر والحلل ~~مائتان، ومن الشاء ألفان، ولم يختلف القائلون بهذه الأصول في قدرها من ~~الذهب، ولا من سائرها، إلا الورق، فإن الثوري وأبا حنيفة وصاحبيه قالوا: ~~قدرها عشرة آلاف من الورق. وحكي ذلك عن ابن شبرمة؛ لما روى الشعبي، أن عمر ~~جعل على أهل الورق عشرة آلاف. ولأن الدينار معدول في الشرع بعشرة دراهم، ~~بدليل أن نصاب الذهب عشرون مثقالا، ونصاب الفضة مائتان. # وبما ذكرناه قال الحسن، وعروة، ومالك، والشافعي في قول. وروي ذلك عن عمر، ~~وعلي وابن # PageV08P368 # عباس، لما ذكرنا من حديث ابن عباس، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، ~~عن عمر، ولأن الدينار معدول باثني عشر درهما، بدليل أن عمر فرض الجزية على ~~الغني أربعة دنانير أو ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط دينارين، أو ~~أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقير دينارا أو اثني عشر درهما. وهذا أولى مما ~~ذكروه في نصاب الزكاة، ولأنه لا يلزم أن يكون نصاب أحدهما معدولا بنصاب ~~الآخر، كما أن السائمة من بهيمة الأنعام ليس نصاب شيء منها معدولا بنصاب ~~غيره. # قال ابن عبد البر: ليس مع من جعل الدية عشرة آلاف عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وحديث مسند ولا مرسل، وحديث الشعبي عن عمر، يخالفه حديث عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده عنه. ### | [فصل الدية متى وجدت على الصفة المشروطة وجب أخذها] # (6776) فصل: وعلى هذا، أي شيء أحضره من عليه الدية من القاتل أو العاقلة ~~من هذه الأصول، لزم الولي أخذه، ولم يكن له المطالبة بغيره، سواء كان من ~~أهل ذلك النوع، أو لم يكن؛ لأنها أصول في قضاء الواجب، يجزئ ms4576 واحد منها، ~~فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه، كخصال الكفارة، وكشاتي الجبران في الزكاة ~~مع الدراهم. وإن قلنا: الأصل الإبل خاصة. فعليه تسليمها إليه سليمة من ~~العيوب، وأيهما أراد العدول عنها إلى غيرها، فللآخر منعه؛ لأن الحق متعين ~~فيها، فاستحقت، كالمثل في المثليات المتلفة. # وإن أعوزت الإبل، ولم توجد إلا بأكثر من ثمن المثل، فله العدول إلى ألف ~~دينار، أو اثني عشر ألف درهم. وهذا قول الشافعي القديم. وقال في الجديد: ~~تجب قيمة الإبل، بالغة ما بلغت؛ لحديث عمرو بن شعيب عن عمر في تقويم الإبل، ~~ولأن ما ضمن بنوع من المال، وجبت قيمته، كذوات الأمثال، ولأن الإبل إذا ~~أجزأت إذا قلت قيمتها، ينبغي أن تجزئ وإن كثرت قيمتها، كالدنانير إذا غلت ~~أو رخصت. وهكذا ينبغي أن نقول إذا غلت الإبل كلها، فأما إن كانت الإبل ~~موجودة بثمن مثلها، إلا أن # PageV08P369 # هذا لم يجدها، لكونها في غير بلده، ونحو ذلك، فإن عمر قوم الدية من ~~الدراهم اثني عشر ألفا وألف دينار. # (6777) فصل: وظاهر كلام الخرقي، أنه لا تعتبر قيمة الإبل، بل متى وجدت ~~على الصفة المشروطة، وجب أخذها، قلت قيمتها أو كثرت، وهذا ظاهر مذهب ~~الشافعي. وذكر أصحابنا أن ظاهر مذهب أحمد، أن تؤخذ مائة، قيمة كل بعير منها ~~مائة وعشرون درهما، فإن لم يقدر على ذلك، أدى اثني عشر ألف درهم، أو ألف ~~دينار؛ لأن عمر قوم الإبل على أهل الذهب ألف مثقال، وعلى أهل الورق اثني ~~عشر ألفا، فدل على أن ذلك قيمتها، ولأن هذه إبدال محل واحد، فيجب أن تتساوى ~~في القيمة، كالمثل والقيمة في بدل القرض، والمتلف في المثليات. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في النفس المؤمنة مائة من ~~الإبل» . وهذا مطلق فتقييده يخالف إطلاقه، فلم يجز إلا بدليل؛ ولأنها كانت ~~تؤخذ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيمتها ثمانية آلاف، وقول ~~عمر في حديثه: إن الإبل قد غلت. فقومها على أهل الورق اثني عشر ألفا، دليل ~~على أنها في حال رخصها ms4577 أقل قيمة من ذلك، وقد كانت تؤخذ في عصر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من ولاية عمر، مع رخصها وقلة قيمتها ~~ونقصها عن مائة وعشرين، فإيجاب ذلك فيها خلاف سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بين دية الخطأ والعمد، ~~فغلظ دية العمد، وخفف دية الخطأ، وأجمع عليه أهل العلم، واعتبارها بقيمة ~~واحدة تسوية بينهما، وجمع بين ما فرقه الشارع، وإزالة للتخفيف والتغليظ ~~جميعا، بل هو تغليظ لدية الخطأ؛ لأن اعتبار ابن مخاض بقيمة ثنية أو جذعة، # PageV08P370 # يشق جدا، فيكون تغليظا للدية في الخطأ، وتخفيفا لدية العمد، وهذا خلاف ما ~~قصده الشارع، وورد به، ولأن العادة نقص قيمة بنات المخاض عن قيمة الحقاق ~~والجذعات، فلو كانت تؤدى على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقيمة ~~واحدة، ويعتبر ذلك فيها لنقل، ولم يجز الإخلال به؛ لأن ما ورد به الشرع ~~مطلقا إنما يحمل على العرف والعادة، فإذا أريد به ما يخالف العادة، وجب ~~بيانه وإيضاحه؛ لئلا يكون تلبيسا في الشريعة وإيهامهم أن حكم الله خلاف ما ~~هو حكمه على الحقيقة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بعث للبيان، قال الله ~~تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] . # فكيف يحمل قوله على الإلباس والإلغاز، هذا مما لا يحل. ثم لو حمل الأمر ~~على ذلك لكان الأسنان عبثا غير مفيد، فإن فائدة ذلك إنما هو كون اختلاف ~~أسنانها مظنة اختلاف القيم، فأقيم مقامه؛ ولأن الإبل أصل في الدية، فلا ~~تعتبر قيمتها بغيرها، كالذهب والورق، ولأنها أصل في الوجوب، فلا تعتبر ~~قيمتها، كالإبل في السلم وشاة الجبران، وحديث عمرو بن شعيب حجة لنا؛ فإن ~~الإبل كانت تؤخذ قبل أن تغلو ويقومها عمر، وقيمتها أقل من اثني عشر ألفا، ~~وقد قيل: إن قيمتها كانت ثمانية آلاف. ولذلك قال عمر: دية الكتابي أربعة ~~آلاف. وقولهم: إنها أبدال محل واحد. فلنا أن نمنع، ونقول: البدل إنما هو ~~الإبل، وغيرها معتبر بها. # وإن سلمنا، فهو منتقض بالذهب والورق، ms4578 فإنه لا يعتبر تساويهما، وينتقض ~~أيضا بشاة الجبران مع الدراهم. وأما بدل القرض والمتلف، فإنما هو المثل ~~خاصة، والقيمة بدل عنه؛ ولذلك لا تجب إلا عند العجز عنه بخلاف مسألتنا. فإن ~~قيل: هذا حجة عليكم؛ لقولكم: إن الإبل هي الأصل، وغيرها بدل عنها فيجب أن ~~يساويها كالمثل والقيمة. قلنا: إذا ثبت لنا هذا، ينبغي أن يقوم غيرها بها، ~~ولا تقوم هي بغيرها؛ لأن البدل يتبع الأصل، ولا يتبع الأصل البدل، على أنا ~~نقول: إنما صير إلى التقدير بهذا؛ لأن عمر، - رضي الله عنه - قومها في وقته ~~بذلك، فوجب المصير إليه، كيلا يؤدي التنازع والاختلاف في قيمة الإبل ~~الواجبة، كما قدر لبن المصراة بصاع من التمر، نفيا للتنازع في قيمته، فلا ~~يوجب هذا أن يرد الأصل إلى التقويم، فيفضي إلى عكس حكمة الشرع، ووقوع ~~التنازع في قيمة الإبل مع وجوبها بعينها، على أن المعتبر في بدلي القرض ~~مساواة المحل المقرض، فاعتبر مساواة كل واحد من بدليه له. # والدية غير معتبرة بقيمة المتلف؛ ولهذا لا تعتبر صفاته. وهكذا قول ~~أصحابنا في تقويم البقر والشاة والحلل، يجب أن يكون مبلغ الواجب من كل صنف ~~منها اثني عشر ألفا، فتكون قيمة كل بقرة أو حلة ستين درهما، وقيمة كل شاة ~~ستة دراهم، لتتساوى الأبدال كلها، وكل حلة بردتان، فيكون أربعمائة برد. # PageV08P371 ### | [فصل ما لا يقبل في الأبل] # (6778) فصل: ولا يقبل في الإبل معيب، ولا أعجف، ولا يعتبر فيها أن تكون ~~من جنس إبله، ولا إبل بلده. وقال القاضي، وأصحاب الشافعي: الواجب عليه من ~~جنس إبله، سواء كان القاتل أو العاقلة؛ لأن وجوبها على سبيل المواساة، فيجب ~~كونها من جنس مالهم، كالزكاة، فإذا كان عند بعض العاقلة عراب، وعند بعضهم ~~بخاتي، أخذ من كل واحد من جنس ما عنده، وإن كان عند واحد صنفان، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما: يؤخذ من كل صنف بقسطه. والثاني، يؤخذ من الأكثر، فإن ~~استويا، دفع من أيهما شاء. فإن دفع من غير إبله خيرا من إبله أو مثلها، جاز ~~كما لو ms4579 أخرج في الزكاة خيرا من الواجب، وإن كان أدون، لم يقبل، إلا أن يرضى ~~المستحق. # وإن لم يكن له إبل، فمن غالب إبل البلد، فإن لم يكن في البلد إبل، وجب من ~~غالب إبل أقرب البلاد إليه. فإن كانت إبله عجافا أو مراضا، كلف تحصيل صحاح ~~من جنس ما عنده؛ لأنه بدل متلف، فلا تؤخذ فيه معيبة، كقيمة الثوب المتلف، ~~ونحو هذا قال أصحابنا في البقر والغنم. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في النفس المؤمنة مائة من ~~الإبل» . أطلق الإبل، فمن قيدها احتاج إلى دليل ولأنها بدل المتلف، فلم ~~يختص بجنس ماله، كبدل سائر المتلفات؛ ولأنها حق ليس سببه المال، فلم يعتبر ~~كونه من جنس ماله، كالمسلم فيه والقرض، ولأن المقصود بالدية جبر المفوت، ~~والجبر لا يختص بجنس مال من وجب عليه. وفارق الزكاة؛ فإنها وجبت على سبيل ~~المواساة، ليشارك الفقراء الأغنياء فيما أنعم الله تعالى به عليهم، فاقتضى ~~كونه من جنس أموالهم، وهذا بدل متلف، فلا وجه لتخصيصه بماله. # وقولهم: إنها مواساة. غير صحيح، وإنما وجبت جبرا للفائت كبدل المال ~~المتلف، وإنما العاقلة تواسي القاتل فيما وجب بجنايته، ولهذا لا يجب من جنس ~~أموالهم إذا لم يكونوا ذوي إبل، والواجب بجنايته إبل مطلقة، فتواسيه في ~~تحملها، ولأنها لو وجبت من جنس مالهم، لوجبت المريضة من المراض، والصغيرة ~~من الصغار، كالزكاة. ### | [مسألة كان القتل عمدا فالدية على مال القاتل] # (6779) مسألة: (قال: وإن كان القتل عمدا، فهي في مال القاتل، حالة ~~أرباعا؛ خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة، ~~وخمس وعشرون جذعة) # PageV08P372 # أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل، لا تحملها العاقلة. ~~وهذا قضية الأصل، وهو أن بدل المتلف، يجب على المتلف، وأرش الجناية على ~~الجاني، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجني جان إلا على نفسه» . # وقال لبعض أصحابه، حين رأى معه ولده: " ابنك هذا؟ ". قال: نعم. قال: «أما ~~إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه» ولأن موجب الجناية ms4580 أثر فعل الجاني، فيجب ~~أن يختص بضررها، كما يختص بنفعها، فإنه لو كسب كان كسبه له دون غيره، وقد ~~ثبت حكم ذلك في سائر الجنايات والأكساب، وإنما خولف هذا الأصل في قتل ~~المعذور فيه، لكثرة الواجب، وعجز الجاني في الغالب عن تحمله، مع وجوب ~~الكفارة عليه، وقيام عذره، تخفيفا عنه، ورفقا به، والعامد لا عذر له، فلا ~~يستحق التخفيف، ولا يوجد فيه المعنى المقتضي للمواساة في الخطأ. إذا ثبت ~~هذا فإنها تجب حالة. وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة تجب في ثلاث ~~سنين؛ لأنها دية آدمي، فكانت مؤجلة، كدية شبه العمد. # ولنا، أن ما وجب بالعمد المحض كان حالا، كالقصاص، وأرش أطراف العبد، ولا ~~يشبه شبه العمد؛ لأن القاتل معذور، لكونه لم يقصد القتل، وإنما أفضى إليه ~~من غير اختيار منه، فأشبه الخطأ؛ ولهذا تحمله العاقلة، ولأن القصد التخفيف ~~على العاقلة الذين لم تصدر منهم جناية، وحملوا أداء مال مواساة، فالأرفق ~~بحالهم التخفيف عنهم، وهذا موجود في الخطأ وشبه العمد على السواء، وأما ~~العمد، فإنما يحمله الجاني في غير حال العذر، فوجب أن يكون ملحقا ببدل سائر ~~المتلفات، ويتصور الخلاف معه، فيما إذا قتل ابنه، أو قتل أجنبيا، وتعذر ~~استيفاء القصاص، لعفو بعضهم، أو غير ذلك. واختلفت الرواية في مقدارها، فروى ~~جماعة عن أحمد أنها أرباع، كما ذكر الخرقي، وهو قول الزهري، وربيعة ومالك ~~وسليمان بن يسار، وأبي حنيفة. وروي ذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنه -. # وروى جماعة عن أحمد، أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في ~~بطونها أولادها. وبهذا قال عطاء، ومحمد بن الحسن والشافعي. وروي ذلك عن ~~عمر، وزيد، وأبي موسى، والمغيرة؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إن: «من قتل متعمدا، دفع إلى ~~أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، ~~وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم» . وذلك لتشديد القتل ~~رواه الترمذي، وقال: هو # PageV08P373 # حديث حسن ms4581 غريب. # وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا إن ~~في قتيل عمد الخطأ، قتيل السوط والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في ~~بطونها أولادها» . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهم وعن عمرو بن شعيب، ~~أن رجلا يقال له: قتادة حذف ابنه بالسيف، فقتله فأخذ عمر منه الدية؛ ثلاثين ~~حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة رواه مالك في " موطئه " ووجه الأول ما روى ~~الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كانت الدية على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أرباعا خمسا وعشرين جذعة، وخمسا وعشرين حقة، وخمسا وعشرين بنت ~~لبون، وخمسا وعشرين بنت مخاض. ولأنه قول ابن مسعود ولأنه حق يتعلق بجنس ~~الحيوان، فلا يعتبر فيه الحمل، كالزكاة والأضحية. # (6780) فصل: والخلفة: الحامل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في ~~بطونها أولادها» تأكيد، وقلما تحمل إلا ثنية، وهي التي لها خمس سنين ودخلت ~~في السادسة، وأي ناقة حملت فهي خلفة، تجزئ في الدية، وقد قيل: لا تجزئ إلا ~~ثنية؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: «أربعون خلفة، ما بين ثنية عامها إلى بازل» ~~. ولأن سائر أنواع الإبل مقدرة السن، فكذلك الخلفة. والذي ذكره القاضي هو ~~الأولى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق الخلفة، والخلفة هي الحامل، ~~فيقتضي أن تجزئ كل حامل. ولو أحضرها خلفة، فأسقطت قبل قبضها، فعليه بدلها، ~~فإن أسقطت بعد قبضها أجزأت؛ لأنه برئ منها بدفعها. ### | [فصل اختلفا في حملها الدية في القتل العمد] # (6781) فصل: فإن اختلفا في حملها، رجع إلى أهل الخبرة، كما يرجع في حمل ~~المرأة إلى القوابل. وإن تسلمها الولي، ثم قال: لم تكن حوامل، وقد ضمرت ~~أجوافها، فقال الجاني بل قد ولدت عندك. نظرت؛ فإن قبضها بقول أهل الخبرة، ~~فالقول قول الجاني؛ لأن الظاهر إصابتهم، وإن قبضها بغير قولهم، فالقول قول ~~الولي؛ لأن الأصل عدم الحمل. # PageV08P374 ### | [مسألة كان القول في أسنان دية شبه العمد] # (6782) مسألة: قال: وإن كان القتل شبه عمد فكما وصفت في أسنانها، إلا ~~أنها على العاقلة ms4582 في ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها. وجملته أن القول في أسنان ~~دية شبه العمد، كالقول في دية العمد، سواء في اختلاف الروايتين فيها، ~~واختلاف العلماء فيها، وقد سبق الكلام في ذلك، إلا أنها تخالف العمد في ~~أمرين؛ أحدهما أنها على العاقلة، في ظاهر المذهب. وبه قال الشعبي والنخعي، ~~والحكم، والشافعي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال ابن ~~سيرين، والزهري، والحارث العكلي وابن شبرمة، وقتادة، وأبو ثور: هي على ~~القاتل في ماله. واختاره أبو بكر عبد العزيز؛ لأنها موجب فعل قصده، فلم ~~تحمله العاقلة، كالعمد المحض، ولأنها دية مغلظة، فأشبهت دية العمد. # وهكذا يجب أن يكون مذهب مالك؛ لأن شبه العمد عنده من باب العمد. ولنا، ما ~~روى أبو هريرة، قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، ~~فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدية المرأة ~~على عاقلتها. متفق عليه. ولأنه نوع قتل لا يوجب قصاصا فوجبت ديته على ~~العاقلة، كالخطأ، ويخالف العمد المحض؛ لأنه يغلظ من كل وجه، لقصده الفعل، ~~وإرادته القتل، وعمد الخطأ يغلظ من وجه، وهو قصده الفعل، ويخفف من وجه، وهو ~~كونه لم يرد القتل، فاقتضى تغليظها من وجه وهو الأسنان، وتخفيفها من وجه ~~وهو حمل العاقلة لها وتأجيلها. # ولا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافا بين أهل العلم. وروي ذلك عن عمر، وعلي، ~~وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم -. وبه قال الشعبي، والنخعي، وقتادة، وأبو ~~هاشم، وعبيد الله بن عمر ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر ~~وقد حكي عن قوم من الخوارج، أنهم قالوا: الدية حالة؛ لأنها بدل متلف. ولم ~~ينقل إلينا ذلك عن من يعد خلافه خلافا. وتخالف الدية سائر المتلفات؛ لأنها ~~تجب على غير الجاني على سبيل المواساة له فاقتضت الحكمة تخفيفها عليهم، وقد ~~روي عن عمر، وعلي أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين. ولا مخالف ~~لهما في عصرهما، فكان إجماعا. ### | [فصل يجب في آخر كل حول ثلثها الدية] # (6783) فصل: ويجب في آخر ms4583 كل حول ثلثها، ويعتبر ابتداء السنة من حين وجوب ~~الدية. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: ابتداؤها من حين حكم الحاكم؛ ~~لأنها مدة مختلف فيها، فكان ابتداؤها من حين حكم الحاكم، كمدة العنة. # PageV08P375 # ولنا أنه مال مؤجل، فكان ابتداء أجله من حين وجوبه، كالدين المؤجل ~~والسلم، ولا نسلم الخلاف فيها، فإن الخوارج لا يعتد بخلافهم. إذا ثبت هذا، ~~فإن كان الواجب دية نفس، فابتداء حولها من حين الموت، سواء كان قتلا موجبا، ~~أو عن سراية جرح، وإن كان الواجب دية جرح، نظرت؛ فإن كان عن جرح اندمل من ~~غير سراية، مثل أن قطع يده فبرأت بعد مدة، فابتداء المدة من حين القطع؛ لأن ~~تلك حالة الوجوب، ولهذا لو قطع يده وهو ذمي، فأسلم، ثم اندملت، وجب نصف دية ~~يهودي. # وأما إن كان الجرح ساريا، مثل أن قطع إصبعه فسرى ذلك إلى كفه، ثم اندمل، ~~فابتداء المدة من حين الاندمال؛ لأنها إذا سرت، فما استقر الأرش إلا عند ~~الاندمال. هكذا ذكر القاضي، وأصحاب الشافعي وقال: أبو الخطاب تعتبر المدة ~~من حين الاندمال فيهما لأن الأرش لا يستقر إلا بالاندمال فيهما. ### | [فصل تقسم الدية على ثلاث سنين] # (6784) فصل: وإذا كان الواجب دية فإنها تقسم في ثلاث سنين، كل سنة ثلثها، ~~سواء كانت دية النفس أو دية الطرف، كدية جدع الأنف أو الأذنين، أو قطع ~~الذكر أو الأنثيين. وإن كان دون الدية نظرنا؛ فإن كان ثلث الدية، كدية ~~المأموم أو الجائفة، وجب في آخر السنة الأولى، ولم يجب منه شيء حالا لأن ~~العاقلة لا تحمل حالا وإن كان نصف الدية أو ثلثها، كدية اليد أو دية ~~المنخرين، وجب الثلث في آخر السنة الأولى، والباقي في آخر السنة الثانية. # وإن كان أكثر من الثلثين كدية ثمان أصابع، وجب الثلثان في السنتين، ~~والباقي في آخر الثالثة. وإن كان أكثر من دية مثل أن ذهب سمع إنسان وبصره، ~~ففي كل سنة ثلث؛ لأن الواجب لو كان دون الدية، لم ينقص في السنة عن الثلث، ~~فكذلك لا ms4584 يزيد عليه إذا زاد على الثلث. وإن كان الواجب الجناية على اثنين، ~~وجب لكل واحد ثلث في كل سنة؛ لأن كل واحد له دية، فيستحق ثلثها، كما لو ~~انفرد حقه. وإن كان الواجب دون ثلث الدية، كدية الإصبع، لم تحمله العاقلة؛ ~~لأنها لا تحمل ما دون الثلث، ويجب حالا؛ لأنه بدل متلف لا تحمله، فكان ~~حالا؛ كالجناية على المال. ### | [فصل الدية الناقصة] # (6785) فصل: وفي الدية الناقصة، كدية المرأة والكتابي، وجهان؛ أحدهما: ~~تقسم في ثلاث سنين؛ لأنها بدل النفس، فأشبهت الدية الكاملة. والثاني، يجب ~~منها في العام الأول قدر ثلث الدية الكاملة، وباقيها في العام الثاني؛ لأن ~~هذه تنقص عن الدية، فلم تقسم # PageV08P376 # في ثلاث سنين، كأرش الطرف. وهذا مذهب أبي حنيفة، وللشافعي كالوجهين. # وإن كانت الدية لا تبلغ ثلث الدية الكاملة، كدية المجوسي، وهو ثمانمائة ~~درهم، ودية الجنين، وهي خمس من الإبل، لم تحمله العاقلة؛ لأنها لا تحمل ما ~~دون الثلث، فأشبه دية السن والموضحة، إلا أن يقتل الجنين مع أمه، فتحمله ~~العاقلة؛ لأنها جناية واحدة، وتكون دية الأم على الوجهين، فإن قلنا: هي في ~~عامين. كانت دية الجنين واجبة مع ثلث دية الأم في العام الأول؛ لأنها دية ~~أخرى. # ويحتمل أن تجب مع باقي دية الأم في العام الثاني. وإن قلنا دية الأم في ~~ثلاث سنين. فهل يجب دية الجنين في ثلاثة أعوام أو لا؟ على وجهين؛ فإذا قلنا ~~بوجوبها في ثلاث سنين، وجبت في السنين التي وجبت فيها دية الأم؛ لأنهما ~~ديتان لمستحقين، فيجب في كل سنة ثلث ديتها وثلث ديته. ويحتمل أن تجب في ~~ثلاث سنين أخرى؛ لأن تلفها موجب جناية واحدة. . ### | [مسألة القتل الخطأ] # (6786) مسألة: قال: وإن كان القتل خطأ، كان على العاقلة مائة من الإبل، ~~تؤخذ في ثلاث سنين أخماسا، عشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض، وعشرون بنات ~~لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة لا يختلف المذهب في أن دية الخطأ أخماسا، ~~كما ذكر الخرقي. وهذا قول ابن مسعود، والنخعي، وأصحاب الرأي وابن المنذر ~~وقال عمر ms4585 بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري، والليث، وربيعة، ومالك، ~~والشافعي: هي أخماس، إلا أنهم جعلوا مكان بني مخاض بني لبون. # وهكذا رواه سعيد، في " سننه "، عن النخعي عن ابن مسعود وقال: الخطابي روي ~~أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ودى الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة. ~~وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض» . وروي عن علي والحسن، والشعبي، والحارث ~~العكلي وإسحاق، أنها أرباع، كدية العمد سواء. وعن زيد، أنها ثلاثون حقة، ~~وثلاثون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض. وقال طاوس: ثلاثون ~~حقة، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون بنت مخاض، وعشرون بني لبون ذكور؛ لما روى ~~عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى ~~أن من قتل خطأ، فديته من الإبل ثلاثون بنت # PageV08P377 # مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور» . رواه أبو ~~داود وابن ماجه. وقال أبو ثور: الديات كلها أخماس، كدية الخطأ؛ لأنها بدل ~~متلف، فلا تختلف بالعمد والخطأ، كسائر المتلفات. # وحكي عنه، أن دية العمد مغلظة، ودية شبه العمد والخطأ أخماس؛ لأن شبه ~~العمد تحمله العاقلة، فكان أخماسا، كدية الخطأ. ولنا، ما روى عبد الله بن ~~مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «في دية الخطأ عشرون ~~حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض» ~~رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجه. ولأن ابن لبون يجب على طريق البدل عن ~~ابنة مخاض في الزكاة إذا لم يجدها، فلا يجمع بين البدل والمبدل في واجب، ~~ولأن موجبهما واحد، فيصير كأنه أوجب أربعين ابنة مخاض؛ ولأن ما قلناه ~~الأقل، فالزيادة عليه لا تثبت إلا بتوقيف، يجب على من ادعاه الدليل، فأما ~~دية قتيل خيبر فلا حجة لهم فيه؛ لأنهم لم يدعوا على أهل خيبر قتله إلا ~~عمدا، فتكون ديته دية العمد، وهي من أسنان الصدقة، والخلاف في دية الخطأ. ~~وقول أبي ثور يخالف الآثار المروية التي ذكرناها، فلا يعول عليه. ### | [فصل الدية الخطأ على ms4586 العاقلة] # فصل: ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية الخطأ على العاقلة. قال ابن ~~المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. وقد ثبتت الأخبار عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع ~~أهل العلم على القول به. وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - دية عمد ~~الخطأ على العاقلة، بما قد رويناه من الأحاديث، وفيه تنبيه على أن العاقلة ~~تحمل دية الخطأ، والمعنى في ذلك أن جنايات الخطأ تكثر، ودية الآدمي كثيرة، ~~فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة، ~~على سبيل المواساة للقاتل، والإعانة له، تخفيفا عنه، إذ كان معذورا في ~~فعله، وينفرد هو بالكفارة. ### | [فصل كل دية تحملها العاقلة مؤجلة إلى ثلاث سنين] # (6788) فصل: ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين؛ فإن عمر، وعليا، ~~- رضي الله عنهما -، جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين. ولا نعرف ~~لهما في الصحابة مخالفا، واتبعهم على ذلك أهل العلم، ولأنه مال يجب على ~~سبيل المواساة، فلم يجب حالا كالزكاة، وكل دية تحملها العاقلة، تجب مؤجلة؛ ~~لما ذكرنا، وما لا تحمله # PageV08P378 # العاقلة يجب حالا، لأنه بدل متلف، فلزم المتلف حالا، كقيم المتلفات. # وفارق الذي تحمله العاقلة؛ فإنه يجب مواساة، فألزم التأجيل تخفيفا على ~~متحمله، وعدل به عن الأصل في التأجيل، كما عدل به عن الأصل في إلزامه غير ~~الجاني. ### | [فصل لا يلزم القاتل شيء من الدية] # (6789) فصل: ولا يلزم القاتل شيء من الدية. وبهذا قال مالك، والشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: هو كواحد من العاقلة؛ لأنها وجبت عليهم إعانة له، فلا ~~يزيدون عليه فيها. ولنا، ما روى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «قضى بدية المرأة على عاقلتها» متفق عليه. وهذا يقتضي أنه قضى بجميعها ~~عليهم، ولأنه قاتل لم تلزمه الدية، فلم يلزمه بعضها، كما لو أمره الإمام ~~بقتل رجل، فقتله يعتقد أنه بحق، فبان مظلوما، ولأن الكفارة تلزم القاتل في ~~ماله، وذلك ms4587 يعدل قسطه من الدية وأكثر منه، فلا حاجة إلى إيجاب شيء من الدية ~~عليه. ### | [فصل الكفارة في مال القاتل] # (6790) فصل: والكفارة في مال القاتل لا يدخلها تحمل. وقال أصحاب الشافعي، ~~في أحد الوجهين: تكون في بيت المال؛ لأنها تكثر، فإيجابها في ماله يجحف به. # ولنا، أنها كفارة، فلا تجب على غير من وجد منه سببها، كسائر الكفارات، ~~وكما لو كانت صوما، ولأن الكفارة شرعت للتكفير عن الجاني، ولا يكفر عنه ~~بفعل غيره، ويفارق الدية، فإنها إنما شرعت لجبر المحل، وذلك يحصل بها كيفما ~~كان؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قضى بالدية على العاقلة، لم ~~يكفر عن القاتلة وما ذكروه لا أصل له، ولا يصح قياسه على الدية لوجوه؛ ~~أحدها، أن الدية لم تجب في بيت المال؛ لأنها إنما وجبت على العاقلة، ولا ~~يجوز أن يثبت حكم الفرع مخالفا لحكم الأصل. الثاني: أن الدية كثيرة، ~~فإيجابها على القاتل يجحف به، والكفارة بخلافها. الثالث: أن الدية وجبت ~~مواساة للقاتل، وجعل حظ القاتل من الواجب الكفارة، فإيجابها على غيره يقطع ~~المواساة، ويوجب على غير الجاني أكثر مما وجب عليه، وهذا لا يجوز. # PageV08P379 ### | [فصل الدية تغلظ بثلاثة أشياء] # (6791) فصل: وذكر أصحابنا أن الدية تغلظ بثلاثة أشياء؛ إذا قتل في الحرم، ~~والشهور الحرم، وإذا قتل محرما. وقد نص أحمد، رحمه الله، على التغليظ على ~~من قتل محرما في الحرم وفي الشهر الحرام، فأما إن قتل ذا رحم، محرم، فقال ~~أبو بكر: تغلظ ديته. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنها لا تغلظ. وقال أصحاب ~~الشافعي: تغلظ بالحرم، والأشهر الحرم، وذي الرحم المحرم، وفي التغليظ ~~بالإحرام وجهان. وممن روي عنه التغليظ؛ عثمان، وابن عباس، والسعيدان، ~~وعطاء، وطاوس، والشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار وجابر بن زيد، وقتادة، ~~والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق. # واختلف القائلون بالتغليظ في صفته؛ فقال أصحابنا: تغلظ، لكل واحد من ~~الحرمات ثلث الدية، فإذا اجتمعت الحرمات الثلاث، وجبت ديتان. قال أحمد، في ~~رواية ابن منصور، في من قتل محرما في الحرم، وفي الشهر الحرام: ms4588 فعليه أربعة ~~وعشرون ألفا. وهذا قول التابعين القائلين بالتغليظ. وقال أصحاب الشافعي: ~~صفة التغليظ، إيجاب دية العمد في الخطأ لا غير، ولا يتصور التغليظ في غير ~~الخطأ، ولا يجمع بين تغليظين. وهذا قول مالك، إلا أنه يغلظ في العمد، فإذا ~~قتل ذا رحم محرم عمدا، فعليه ثلاثون حقة وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، ~~وتغليظها في الذهب والورق أن ننظر قيمة أسنان الإبل غير مغلظة، وقيمتها ~~مغلظة، ثم يحكم بزيادة ما بينهما، كان قيمتها مخففة ستمائة، وفي العمد ~~ثمانمائة، وذلك ثلث الدية المخففة. # وعند مالك تغلظ على الأب والأم والجد، دون غيرهم. واحتجا على صفة التغليظ ~~بما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه حين ~~حذفه بالسيف ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ولم يزد عليه في ~~العدد شيئا. وهذه قصة اشتهرت فلم تنكر، فكانت إجماعا، ولأن ما أوجب التغليظ ~~أوجبه في الأسنان دون القدر، كالضمان، ولا يجمع بين تغليظين؛ لأن ما أوجب ~~التغليظ بالضمان إذا اجتمع سببان تداخلا، كالحر والإحرام في قتل الصيد، ~~وعلى أنه لا يغلظ بالإحرام، أن الشرع لم يرد بتغليظه. # واحتج أصحابنا بما روى ابن أبي نجيح، أن امرأة وطئت في الطواف فقضى عثمان ~~- رضي الله عنه - فيها بستة آلاف وألفين تغليظا للحرم، وعن ابن عمر، أنه ~~قال: من قتل في الحرم، أو ذا رحم، أو في الشهر الحرام، فعليه دية وثلث. وعن ~~ابن عباس، أن رجلا قتل رجلا في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام. فقال: ديته ~~اثنا عشر ألفا وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف. وهذا ~~مما # PageV08P380 # يظهر وينتشر. ولم ينكر، فيثبت إجماعا. وهذا فيه الجمع بين تغليظات ثلاث؛ ~~ولأنه قول التابعين القائلين بالتغليظ. واحتجوا على التغليظ في العمد، أنه ~~إذا غلظ الخطأ مع العذر فيه، ففي العمد مع عدم العذر أولى. وكل من غلظ ~~الدية أوجب التغليظ في بدل الطرف، بهذه الأسباب؛ لأن ما أوجب تغليظ دية ~~النفس، أوجب تغليظ دية الطرف، كالعمد. # وظاهر كلام الخرقي أن الدية ms4589 لا تغلظ بشيء من ذلك. وهو قول الحسن، ~~والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة، والجورجاني، وابن المنذر. وروي ذلك عن ~~الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، «لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: في النفس المؤمنة مائة من الإبل» . لم يزد على ذلك. (وعلى أهل ~~الذهب ألف مثقال) وفي حديث أبي شريح، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«وأنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، من قتل له ~~قتيل بعد ذلك، فأهله بين خيرتين؛ إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية» . # وهذا القتل كان بمكة في حرم الله تعالى، فلم يزد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على الدية، ولم يفرق بين الحرم وغيره، وقول الله عز وجل: {ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] يقتضي أن ~~الدية واحدة في كل مكان، وفي كل حال، ولأن عمر - رضي الله عنه - أخذ من ~~قتادة المدلجي دية ابنه، ولم يزد على مائة. وروى الجوزجاني، بإسناده عن أبى ~~الزناد، أن عمر بن عبد العزيز، كان يجمع الفقهاء، فكان مما أحيي من تلك ~~السنن بقول فقهاء المدينة السبعة ونظرائهم، أن ناسا كانوا يقولون: إن الدية ~~تغلظ في الشهر الحرام أربعة آلاف، فتكون ستة عشر ألف درهم، فألغى عمر، - ~~رحمه الله -، ذلك بقول الفقهاء، وأثبتها اثني عشر ألف درهم في الشهر ~~الحرام، والبلد الحرام، وغيرهما. # قال ابن المنذر: وليس بثابت ما روي عن الصحابة في هذا. ولو صح فقول عمر ~~يخالفه، وقوله أولى من قول من خالفه، وهو أصح في الرواية، مع موافقته ~~الكتاب والسنة والقياس. ### | [فصل لا تغلظ الدية بموضع غير الحرم] # (6792) فصل: ولا تغلظ الدية بموضع غير الحرم. وقال أصحاب الشافعي: تغلظ ~~الدية بالقتل في المدينة. على قوله القديم؛ لأنها مكان يحرم صيده، فأشبهت ~~الحرم. وليس بصحيح؛ لأنها ليست محلا للمناسك، فأشبهت سائر # PageV08P381 # البلدان، ولا يصح قياسها على الحرم؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: أي بلد هذا؟ أليست البلدة الحرام؟ قال: فإن ms4590 دماءكم وأموالكم بينكم ~~حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» . وهذا يدل على أنه ~~أعظم البلاد حرمة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أعتى الناس على ~~الله رجل قتل في الحرم، ورجل قتل غير قاتله، ورجل قتل بدخل الجاهلية» . # وتحريم الصيد ليس هو العلة في التغليظ، وإن كان من جملة المؤثر فقد خالف ~~تحريمه تحريم الحرم، فإنه لا يجب الجزاء على من قتل فيه صيدا. ولا يحرم ~~الرعي فيه، ولا الاحتشاش منه، ولا ما يحتاج إليه من الرحل والعارضة ~~والقائمة وشبهه. ### | [مسألة في تحمل العاقلة الدية خمس مسائل] ### | [المسألة الأولى العاقلة لا تحمل العبد] # (6793) مسألة: قال: والعاقلة لا تحمل العبد، ولا العمد، ولا الصلح، ولا ~~الاعتراف، وما دون الثلث. في هذه المسألة خمس مسائل: (6794) المسألة ~~الأولى: أن العاقلة لا تحمل العبد. يعني إذا قتل العبد قاتل، وجبت قيمته في ~~مال القاتل، ولا شيء على عاقلته، خطأ كان أو عمدا. وهذا قول ابن عباس، ~~والشعبي، والثوري، ومكحول، والنخعي، والبتي، ومالك، والليث، وابن أبي ليلى، ~~وإسحاق، وأبي ثور وقال عطاء، والزهري، والحكم، وحماد، وأبو حنيفة تحمله ~~العاقلة؛ لأنه آدمي يجب بقتله القصاص والكفارة، فحملت العاقلة بدله، كالحر، ~~وعن الشافعي كالمذهبين، ووافقنا أبو حنيفة في دية أطرافه. # ولنا، ما روى ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ~~تحمل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا.» وروي عن ابن عباس ~~موقوفا عليه، ولم نعرف له في الصحابة مخالفا، فيكون إجماعا، ولأن الواجب ~~فيه قيمة تختلف باختلاف صفاته، فلم تحمله العاقلة، كسائر القيم، ولأنه ~~حيوان لا تحمل العاقلة قيمة أطرافه، فلم تحمل الواجب في نفسه، كالفرس. ~~وبهذا فارق الحر. ### | [المسألة الثانية لا تحمل العاقلة دية ما يجب في القصاص] # (6795) المسألة الثانية: أنها لا تحمل العمد، سواء كان مما يجب القصاص ~~فيه، أو لا يجب. ولا خلاف في أنها لا تحمل دية ما يجب فيه القصاص، وأكثر ~~أهل العلم على أنها لا تحمل العمد بكل حال. وحكي ms4591 عن مالك، أنها تحمل ~~الجنايات التي لا قصاص فيها، كالمأمومة والجائفة. وهذا قول قتادة؛ لأنها ~~جناية لا قصاص فيها، أشبهت جناية الخطأ. # PageV08P382 # ولنا، حديث ابن عباس، ولأنها جناية عمد، فلا تحملها العاقلة، كالموجبة ~~للقصاص، وجناية الأب على ابنه، ولأن حمل العاقلة إنما يثبت في الخطأ، لكون ~~الجاني معذورا، تخفيفا عنه، ومواساة له، والعامد غير معذور، فلا يستحق ~~التخفيف ولا المعاونة، فلم يوجد فيه المقتضي. وبهذا فارق العمد الخطأ. ثم ~~يبطل ما ذكروه بقتل الأب ابنه، فإنه لا قصاص فيه، ولا تحمله العاقلة. ### | [فصل اقتص بحديدة مسمومة فسرى إلى النفس] # (6796) فصل: وإن اقتص بحديدة مسمومة، فسرى إلى النفس، ففيه وجهان: ~~أحدهما: تحمله العاقلة؛ لأنه ليس بعمد محض، أشبه عمد الخطأ. والثاني: لا ~~تحمله؛ لأنه قتله بآلة يقتل مثلها غالبا، فأشبه من لا قصاص له. ولو وكل في ~~استيفاء القصاص، ثم عفا عنه، فقتله الوكيل من غير علم بعفوه، فقال القاضي: ~~لا تحمله العاقلة؛ لأنه عمد قتله. وقال أبو الخطاب: تحمله العاقلة؛ لأنه لم ~~يقصد الجناية، ومثل هذا يعد خطأ، بدليل ما لو قتل في دار الحرب مسلما يظنه ~~حربيا، فإنه عمد قتله، وهو أحد نوعي الخطأ. وهذا أصح. ولأصحاب الشافعي ~~وجهان، كهذين. ### | [فصل عمد الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة] # (6797) فصل: وعمد الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة. وقال الشافعي، في ~~أحد قوليه: لا تحمله؛ لأنه عمد يجوز تأديبهما عليه، فأشبه القتل من البالغ. ~~ولنا، أنه لا يتحقق منهما كمال القصد، فتحمله العاقلة، كشبه العمد، ولأنه ~~قتل لا يوجب القصاص، لأجل العذر، فأشبه الخطأ وشبه العمد. وبهذا فارق ما ~~ذكروه، ويبطل ما ذكروه بشبه العمد. ### | [المسألة الثالثة لا تحمل العاقلة الصلح] # (6798) المسألة الثالثة: أنها لا تحمل الصلح ومعناه أن يدعي عليه القتل، ~~فينكره ويصالح المدعي على مال، فلا تحمله العاقلة؛ لأنه مال ثبت بمصالحته ~~واختياره، فلم تحمله العاقلة، كالذي ثبت باعترافه. وقال القاضي: معناه أن ~~يصالح الأولياء عن دم العمد إلى الدية. والتفسير الأول أولى؛ لأن هذا عمد، ~~فيستغنى عنه بذكر العمد. وممن ms4592 قال: لا تحمل العاقلة الصلح. ابن عباس، ~~والزهري، والشعبي، والثوري، والليث، والشافعي، وقد ذكرنا حديث ابن عباس ~~فيه، ولأنه لو حملته العاقلة، أدى إلى أن يصالح بمال غيره، ويوجب عليه حقا ~~بقوله. # PageV08P383 ### | [المسألة الرابعة لا تحمل العاقلة الاعتراف] # (6799) المسألة الرابعة: أنها لا تحمل الاعتراف وهو أن يقر الإنسان على ~~نفسه بقتل خطأ، أو شبه عمد فتجب الدية عليه، ولا تحمله العاقلة، ولا نعلم ~~فيه خلافا. وبه قال ابن عباس، والشعبي، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، ~~والزهري، وسليمان بن موسى والثوري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ~~وأصحاب الرأي. وقد ذكرنا حديث ابن عباس فيه، ولأنه لو وجب عليهم، لوجب ~~بإقرار غيرهم، ولا يقبل إقرار شخص على غيره ولأنه يتهم في أن يواطئ من يقر ~~له بذلك ليأخذ الدية من عاقلته، فيقاسمه إياها. # إذا ثبت هذا، فإنه يلزمه ما اعترف به، وتجب الدية عليه حالة في ماله، في ~~قول أكثرهم. وقال أبو ثور، وابن عبد الحكم: لا يلزمه شيء، ولا يصح إقراره؛ ~~لأنه مقر على غيره لا على نفسه، ولأنه لم يثبت موجب إقراره، فكان باطلا، ~~كما لو أقر على غيره بالقتل. ولنا، قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] . ولأنه مقر على نفسه ~~بالجناية الموجبة للمال، فصح إقراره، كما لو أقر بإتلاف مال، أو بما لا ~~تحمل ديته العاقلة، ولأنه محل مضمون، فيضمن إذا اعترف به، كسائر المحال، ~~وإنما سقطت عنه الدية في محل الوفاق لتحمل العاقلة لها، فإذا لم تحملها، ~~وجبت عليه، كجناية المرتد. ### | [المسألة الخامسة لا تحمل العاقلة ما دون الثلث] # (6800) المسألة الخامسة: أنها لا تحمل ما دون الثلث. وبهذا قال سعيد بن ~~المسيب، وعطاء، ومالك، وإسحاق، وعبد العزيز، وعمرو بن أبي سلمة وبه قال ~~الزهري وقال: لا تحمل الثلث أيضا. وقال الثوري، وأبو حنيفة: تحمل السن، ~~والموضحة، وما فوقها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الغرة التي في ~~الجبين على العاقلة، وقيمتها نصف عشر الدية، ولا تحمل ما دون ذلك؛ لأنه ms4593 ليس ~~فيه أرش مقدر. والصحيح عن الشافعي، أنها تحمل الكثير والقليل؛ لأن من حمل ~~الكثير حمل القليل، كالجاني في العمد. ولنا، ما روي عن عمر - رضي الله عنه ~~- أنه قضى في الدية أن لا يحمل منها شيء حتى تبلغ عقل المأمومة. ولأن مقتضى ~~الأصل وجوب الضمان على الجاني؛ لأنه موجب جنايته، وبدل متلفه، فكان عليه، ~~كسائر المتلفات والجنايات، وإنما خولف في الثلث فصاعدا، تخفيفا عن الجاني، ~~لكونه كثيرا يجحف به، قال # PageV08P384 # النبي - صلى الله عليه وسلم -: الثلث كثير. # ففي ما دونه يبقى على قضية الأصل ومقتضى الدليل، وهذا حجة على الزهري؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الثلث كثيرا، فأما دية الجنين، فلا ~~تحملها العاقلة، إلا إذا مات مع أمه من الضربة؛ لكون ديتهما، جميعا موجب ~~جناية، تزيد على الثلث، وإن سلمنا وجوبها على العاقلة؛ فلأنها دية آدمي ~~كاملة. ### | [فصل تحمل العاقلة دية الطرف إذا بلغ الثلث] # (6801) فصل: وتحمل العاقلة دية الطرف إذا بلغ الثلث. وهو قول من سمينا في ~~المسألة التي قبل هذا. وحكي عن الشافعي، أنه قال في القديم: لا تحمل ما دون ~~الدية؛ لأن ذلك يجري مجرى ضمان الأموال، بدليل أنه لا تجب فيه كفارة. # ولنا قول عمر - رضي الله عنه - ولأن الواجب دية جناية على حر تزيد على ~~الثلث فحملتها العاقلة، كدية النفس، ولأنه كثير يجب ضمانا لحر أشبه ما ~~ذكرنا. وما ذكره يبطل بما إذا جنى على الأطراف بما يوجب الدية، أو زيادة ~~عليها. ### | [فصل تحمل العاقلة دية المرأة] # (6802) فصل: وتحمل العاقلة دية المرأة. بغير خلاف بينهم فيها. وتحمل من ~~جراحها ما بلغ أرشه ثلث دية الرجل كدية أنفها، وما دون ذلك كدية يدها، لا ~~تحمله العاقلة. وكذلك الحكم في دية الكتابي. ولا تحمل دية المجوسي؛ لأنها ~~دون الثلث، ولا دية الجنين إن مات منفردا، أو مات قبل موت أمه. نص عليه ~~أحمد لأنه دون الثلث. وإن مات مع أمه، حملتهما العاقلة. نص عليه؛ لأن وجوب ~~ديتهما حصل في حال واحدة، بجناية واحدة، مع ms4594 زيادتهما على الثلث، فحملتهما ~~العاقلة كالدية الواحدة. ### | [فصل كان الجاني ذميا فعقلته على من] # (6803) فصل: وإن كان الجاني ذميا، فعقله على عصبته من أهل ديته ~~المعاهدين، في إحدى الروايتين وهو قول الشافعي. وفي الأخرى، لا يتعاقلون؛ ~~لأن المعاقلة تثبت في حق المسلم على خلاف الأصل، تخفيفا عنه، ومعونة له، ~~فلا يلحق به الكافر لأن المسلم أعظم حرمة، وأحق بالمواساة والمعونة من ~~الذمي، ولهذا # PageV08P385 # وجبت الزكاة على المسلمين مواساة لفقرائهم، ولم تجب على أهل الذمة ~~لفقرائهم، فتبقى في حق الذمي على الأصل. ووجه الرواية الأولى، أنهم عصبة ~~يرثونه، فيعقلون عنه، كعصبة المسلم من المسلمين، ولا يعقل عنه عصبته ~~المسلمون؛ لأنهم لا يرثونه، ولا الحربيون؛ لأن الموالاة والنصرة منقطعة ~~بينهم. # ويحتمل أن يعقلوا عنه؛ إذا قلنا: إنهم يرثونه. لأنهم أهل دين واحد، يرث ~~بعضهم بعضا. ولا يعقل يهودي عن نصراني ولا نصراني، عن يهودي؛ لأنهم لا ~~موالاة بينهم، وهم أهل ملتين مختلفتين. ويحتمل أن يتعاقلا، بناء على ~~الروايتين في توارثهما. ### | [فصل تنصر يهودي أو تهود نصراني عقلته على من] # (6804) فصل: وإن تنصر يهودي، أو تهود نصراني، وقلنا: إنه يقر عليه. عقل ~~عنه عصبته من أهل الدين الذي انتقل إليه. وهل يعقل عنه الذين انتقل عن ~~دينهم؟ على وجهين. وإن قلنا: لا يقر. لم يعقل عنه أحد؛ لأنه كالمرتد، ~~والمرتد لا يعقل عنه أحد؛ لأنه ليس بمسلم فيعقل عنه المسلمون، ولا ذمي ~~فيعقل عنه أهل الذمة، وتكون جنايته في ماله. وكذلك كل من لا تحمل عاقلته ~~جنايته، يكون موجبها في ماله، كسائر الجنايات التي لا تحملها العاقلة. ### | [فصل رمى ذمي صيدا ثم أسلم ثم أصاب السهم آدميا فقتله] # (6805) فصل: ولو رمى ذمي صيدا، ثم أسلم، ثم أصاب السهم آدميا فقتله، لم ~~يعقله المسلمون؛ لأنه لم يكن مسلما حال رميه، ولا المعاهدون؛ لأنه قتله وهو ~~مسلم، فيكون في مال الجاني. وهكذا لو رمى وهو مسلم ثم ارتد، ثم قتل السهم ~~إنسانا، لم يعقله أحد. ولو جرح ذمي ذميا، ثم أسلم الجارح ومات المجروح، ~~وكان ms4595 أرش جراحه يزيد على الثلث، فعقله على عصبته من أهل الذمة، وما زاد على ~~أرش الجرح لا يحمله أحد، ويكون في مال الجاني؛ لما ذكرنا. # وإن لم يكن أرش الجرح مما تحمله العاقلة، فجميع الدية على الجاني. وكذلك ~~الحكم إذا جرح مسلم ثم ارتد. ويحتمل أن تحمل الدية كلها العاقلة في ~~المسألتين؛ لأن الجناية وجدت وهو ممن تحمل العاقلة جنايته؛ ولهذا وجب ~~القصاص في المسألة الأولى إذا كان عمدا. ويحتمل أن لا تحمل العاقلة شيئا؛ ~~لأن الأرش إنما يستقر باندمال الجرح أو سرايته. ### | [فصل تزوج عبد معتقة فأولدها أولادا] # (6806) فصل: إذا تزوج عبد معتقة، فأولدها أولادا، فولاؤهم لمولى أمهم، ~~فإن جنى أحدهم، فالعقل على مولى أمه؛ لأنه عصبته ووارثه، فإن أعتق أبوه ثم ~~سرت الجناية، أو رمي بسهم فلم يقع السهم حتى أعتق أبوه، لم # PageV08P386 # يحمل عقله أحد؛ لأن موالي الأم قد زال ولاؤهم عنه قبل قتله، وموالي الأب ~~لم يكن لهم عليه ولاء حال جنايته، فتكون الدية عليه في ماله إلا أن يكون ~~أرش الجرح مما تحمله العاقلة منفردا، فيخرج فيه مثل ما قلنا في المسألة ~~التي قبلها. ### | [فصل جنى الرجل على نفسه خطأ أو علي أطرافه] # (6807) فصل: وإن جنى الرجل على نفسه خطأ، أو على أطرافه، ففيه روايتان. ~~قال القاضي: أظهرهما أن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه، أو أرش جرحه ~~لنفسه إذا كان أكثر من الثلث. وهذا قول الأوزاعي، وإسحاق؛ لما روي أن رجلا ~~ساق حمارا فضربه بعصا كانت معه، فطارت منها شظية، فأصابت عينه ففقأتها فجعل ~~عمر، ديته على عاقلته، وقال: هي يد من أيدي المسلمين، لم يصبها اعتداء على ~~أحد. ولم نعرف له مخالفا في عصره. ولأنها جناية خطأ، فكان عقلها على ~~عاقلته، كما لو قتل غيره. # فعلى هذه الرواية، إن كانت العاقلة الورثة، لم يجب شيء؛ لأنه لا يجب ~~للإنسان شيء على نفسه، وإن كان بعضهم وارثا، سقط عنه ما يقابل نصيبه، وعليه ~~ما زاد على نصيبه، وله ما بقي إن كان نصيبه ms4596 من الدية أكثر من الواجب عليه. ~~والرواية الثانية، جنايته هدر. وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم؛ ربيعة، ~~ومالك، والثوري والشافعي، وأصحاب الرأي. وهي أصح؛ لأن عامر بن الأكوع بارز ~~مرحبا يوم خيبر، فرجع سيفه على نفسه، فمات، ولم يبلغنا أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قضى فيه بدية ولا غيرها، ولو وجبت لبينه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ولأنه جنى على نفسه، فلم يضمنه غيره، كالعمد، ولأن وجوب الدية على ~~العاقلة إنما كان مواساة للجاني، وتخفيفا عنه، وليس على الجاني هاهنا شيء ~~يحتاج إلى الإعانة والمواساة فيه، فلا وجه لإيجابه. ويفارق هذا ما إذا كانت ~~الجناية على غيره، فإنه لو لم تحمله العاقلة، لأجحف به وجوب الدية لكثرتها. ~~فأما إن كانت الجناية على نفسه شبه عمد، فهل تجري مجرى الخطأ؟ على وجهين: ~~أحدهما: هي كالخطأ؛ لأنها تساويه فيما إذا كانت على غيره. والثاني، لا ~~تحمله العاقلة؛ لأنه لا عذر له، فأشبه العمد المحض. ### | [فصل خطأ الإمام والحاكم في غير الحكم والاجتهاد] # (6808) فصل: وأما، خطأ الإمام والحاكم في غير الحكم والاجتهاد، فهو على ~~عاقلته. بغير خلاف، إذا كان مما تحمله العاقلة، وما حصل باجتهاده، ففيه ~~روايتان: إحداهما: على عاقلته أيضا؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~بعث إلى امرأة ذكرت بسوء، # PageV08P387 # فأجهضت جنينها، فقال عمر لعلي: عزمت عليك، لا تبرح حتى تقسمها على قومك. ~~ولأنه جان، فكان خطؤه على عاقلته، كغيره. والثانية، هو في بيت المال. وهو ~~مذهب الأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق؛ لأن الخطأ يكثر في أحكامه ~~واجتهاده، فإيجاب عقله على عاقلته يجحف بهم، ولأنه نائب عن الله تعالى في ~~أحكامه وأفعاله، فكان أرش جنايته في مال الله سبحانه. وللشافعي قولان، ~~كالروايتين. ### | [مسألة جناية العبد] # (6809) مسألة؛ قال: (وإذا جنى العبد، فعلى سيده أن يفديه أو يسلمه، فإن ~~كانت الجناية أكثر من قيمته، لم يكن على سيده أكثر من قيمته) . هذا في ~~الجناية التي تودى بالمال، إما لكونها لا توجب إلا المال، وإما لكونها ~~موجبة للقصاص، فعفا عنها إلى ms4597 المال، فإن، جناية العبد تتعلق برقبته إذ لا ~~يخلو من أن تتعلق برقبته، أو ذمته، أو ذمة سيده، أو لا يجب شيء، ولا يمكن ~~إلغاؤها؛ لأنها جناية آدمي، فيجب اعتبارها كجناية الحر، ولأن جناية الصغير ~~والمجنون غير ملغاة، مع عذره، وعدم تكليفه، فجناية العبد أولى، ولا يمكن ~~تعلقها بذمته؛ لأنه يفضي إلي إلغائها، أو تأخير حق المجني عليه إلى غير ~~غاية، ولا بذمة السيد؛ لأنه لم يجن، فتعين تعلقها برقبة العبد، ولأن الضمان ~~موجب جنايته، فتتعلق برقبته، كالقصاص. # ثم لا يخلو أرش الجناية من أن يكون بقدر قيمته فما دون، أو أكثر؛ فإن كان ~~بقدرها فما دون، فالسيد مخير بين أن يفديه بأرش جنايته، أو يسلمه إلى ~~الجناية فيملكه. وبهذا قال الثوري، ومحمد بن الحسن، وإسحاق. وروي ذلك عن ~~الشعبي، وعطاء، ومجاهد، وعروة، والحسن، والزهري، وحماد؛ لأنه إن دفع أرش ~~الجناية، فهو الذي وجب للمجني عليه، فلم يملك المطالبة بأكثر منه، وإن سلم ~~العبد، فقد أدى المحل الذي تعلق الحق به، ولأن حق المجني عليه لا يتعلق ~~بأكثر من الرقبة وقد أداها. وإن طالب المجني عليه بتسليمه إليه، وأبى ذلك ~~سيده، لم يجبر عليه؛ لما ذكرنا. وإن دفع السيد عبده، فأبى الجاني قبوله، ~~وقال: بعه، وادفع إلي ثمنه. فهل يلزم السيد ذلك؟ على روايتين. # وأما إن كانت الجناية أكثر من قيمته، ففيه روايتان؛ إحداهما: أن سيده ~~مخير بين أن يفديه بقيمته أو أرش جنايته، وبين أن يسلمه؛ لأنه إذا أدى # PageV08P388 # قيمته، فقد أدى قدر الواجب عليه، فإن حق المجني عليه لا يزيد على العبد، ~~فإذا أدى قيمته، فقد أدى الواجب عليه، فلم يلزمه أكثر من ذلك، كما لو كانت ~~الجناية بقدر قيمته. والرواية الثانية، يلزمه تسليمه، إلا أن يفديه بأرش ~~جنايته بالغة ما بلغت. # وهذا قول مالك؛ لأنه ربما إذا عرض للبيع رغب فيه راغب بأكثر من قيمته، ~~فإذا أمسكه فقد فوت تلك الزيادة على المجني عليه. وللشافعي قولان، ~~كالروايتين. ووجه الرواية الأولى، أن الشرع قد جعل له فداءه، فكان ms4598 له ~~فداؤه، فكان الواجب قدر قيمته، كسائر المتلفات. ### | [فصل كانت الجناية موجبة للقصاص] # (6810) فصل: فإن كانت الجناية موجبة للقصاص، فعفا ولي الجناية على أن ~~يملك العبد، لم يملكه بذلك؛ لأنه إذا لم يملكه بالجناية فلأن لا يملكه ~~بالعفو أولى، ولأنه أحد من عليه القصاص، فلا يملكه بالعفو، كالحر، ولأنه ~~إذا عفا عن القصاص. انتقل حقه إلى المال، فصار كالجاني جناية موجبة للمال. ~~وفيه رواية أخرى، أنه يملكه؛ لأنه مملوك استحق إتلافه، فاستحق إبقاءه على ~~ملكه، كعبده الجاني عليه. ### | [فصل أمر غلامه بجناية] # فصل: قال أبو طالب سمعت أبا عبد الله يقول: إذا أمر غلامه فجنى، فعليه ما ~~جنى، وإن كان أكثر من ثمنه، إن قطع يد حر، فعليه دية يد الحر، وإن كان ثمنه ~~أقل، وإن أمره سيده أن يجرح رجلا، فما جنى، فعليه قيمة جنايته، وإن كانت ~~أكثر من ثمنه؛ لأنه بأمره. وكان علي وأبو هريرة يقولان: إذا أمر عبده أن ~~يقتل، فإنما هو سوطه، ويقتل المولى، ويحبس العبد. وقال أحمد حدثنا بهز، ~~حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا قتادة، عن خلاس، أن عليا قال: إذا أمر الرجل ~~عبده فقتل، إنما هو كسوطه أو كسيفه، يقتل المولى، والعبد يستودع السجن. ~~ولأنه فوت شيئا بأمره، فكان على السيد ضمانه، كما لو استدان بأمره. ### | [فصل: جنى جنايات بعضها بعد بعض] # (6812) فصل: فإن جنى جنايات، بعضها بعد بعض، فالجاني بين أولياء الجنايات ~~بالحصص. وبهذا قال الحسن، وحماد، وربيعة، وأصحاب الرأي، والشافعي. وروي عن ~~شريح، أنه قال: يقضى به لآخرهم. وبه قال الشعبي، وقتادة؛ لأنها جناية وردت ~~على محل مستحق، فقدم صاحبه على المستحق قبله، كالجناية على المملوك الذي لم ~~يجن. وقال شريح، في عبد شج رجلا، ثم آخر، ثم آخر، فقال شريح: يدفع إلى ~~الأول، إلا أن يفديه مولاه، ثم يدفع إلى الثاني، ثم يدفع إلى الثالث، إلا ~~أن يفديه الأوسط. # PageV08P389 # ولنا، أنهم تساووا في سبب تعلق الحق به، فتساووا في الاستحقاق، كما لو ~~جنى عليهم دفعة واحدة، بل لو قدم بعضهم، كان ms4599 الأول أولى؛ لأن حقه أسبق، ولا ~~يصح القياس على الملك، فإن حق المجني عليه أقوى، بدليل أنهما لو وجدا دفعة ~~واحدة، قدم حق المجني عليه، ولأن حق المجني عليه ثبت بغير رضى صاحبه عوضا، ~~وحق المالك ثبت برضاه أو بغير عوض، فافترقا. ### | [فصل أعتق السيد عبده الجاني] # (6813) فصل: وإن أعتق السيد عبده الجاني، عتق، وضمن ما تعلق به من الأرش؛ ~~لأنه أتلف محل الجناية على من تعلق حقه به، فلزمه غرامته، كما لو قتله. ~~وينبني قدر الضمان على الروايتين، فيما إذا اختار إمساكه بعد الجناية؛ لأنه ~~امتنع من تسليمه بإعتاقه، فهو بمنزلة امتناعه من تسليمه باختيار فدائه. ~~ونقل ابن منصور عن أحمد، أنه إن أعتقه، عالما بجنايته، فعليه الدية، يعني ~~دية المقتول، وإن لم يكن عالما بجنايته، فعليه قيمة العبد؛ وذلك لأنه إذا ~~أعتقه مع العلم، كان مختارا لفدائه، بخلاف ما إذا لم يعلم، فإنه لم يختر ~~الفداء؛ لعدم علمه به، فلم يلزمه أكثر من قيمة ما فوته. ### | [فصل باع العبد أو وهبه] # (6814) فصل: فإن باعه، أو وهبه، صح بيعه؛ لما ذكرنا في البيع، ولم يزل ~~تعلق الجناية عن رقبته، فإن كان المشتري عالما بحاله، فلا خيار له؛ لأنه ~~دخل على بصيرة، وينتقل الخيار في فدائه وتسليمه إليه، كالسيد الأول، وإن لم ~~يعلم، فله الخيار بين إمساكه ورده، كسائر المعيبات. ### | [مسألة من هم العاقلة] # (6815) مسألة: قال: (والعاقلة العمومة، وأولادهم وإن سفلوا، في إحدى ~~الروايتين عن أبي عبد الله. والرواية الأخرى، الأب، والابن، والإخوة، وكل ~~العصبة من العاقلة) . العاقلة: من يحمل العقل. والعقل: الدية، تسمى عقلا؛ ~~لأنها تعقل لسان ولي المقتول. وقيل: إنما سميت العاقلة، لأنهم يمنعون عن ~~القاتل، والعقل: المنع، ولهذا سمي بعض العلوم عقلا؛ لأنه يمنع من الإقدام ~~على المضار. # ولا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة العصبات، وأن غيرهم من الإخوة من ~~الأم، وسائر ذوي الأرحام، والزوج، وكل من عدا العصبات، ليس هم من العاقلة. ~~واختلف في الآباء والبنين، هل هم من العاقلة أو لا. وعن أحمد ms4600 في ذلك ~~روايتان: إحداهما: أن كل العصبة من العاقلة، يدخل فيه آباء القاتل، ~~وأبناؤه، وإخوته، وعمومته، وأبناؤهم. وهذا # PageV08P390 # اختيار أبي بكر والشريف أبي جعفر، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة؛ لما روى ~~عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن عقل المرأة بين عصبتها، من كانوا، لا يرثون منها شيئا إلا ما فضل عن ~~ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها» . رواه أبو داود. # ولأنهم عصبة، فأشبهوا الإخوة، يحققه أن العقل موضوع على التناصر، وهم من ~~أهله، ولأن العصبة في تحمل العقل كهم في الميراث، في تقديم الأقرب فالأقرب، ~~وآباؤه وأبناؤه أحق العصبات بميراثه، فكانوا أولى بتحمل عقله. والرواية ~~الثانية، ليس آباؤه وأبناؤه من العاقلة، وهو قول الشافعي؛ لما روى أبو ~~هريرة، قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى، فقتلتها، ~~فاختصموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم» . متفق عليه. ~~وفي رواية: «ثم ماتت القاتلة، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ميراثها ~~لبنيها، والعقل على العصبة» . رواه أبو داود، والنسائي. وفي رواية عن جابر ~~بن عبد الله. قال: «فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دية المقتولة ~~على عاقلتها، وبرأ زوجها وولدها. قال: فقالت عاقلة المقتولة: ميراثها لنا. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ميراثها لزوجها وولدها» . رواه أبو ~~داود. # إذا ثبت هذا في الأولاد، قسنا عليه الوالد؛ لأنه في معناه، ولأن مال ولده ~~ووالده كماله؛ ولهذا لم تقبل شهادتهما له، ولا شهادته لهما، ووجب على كل ~~واحد منهما الإنفاق على الآخر إذا كان محتاجا، والآخر موسرا، وعتق عليه إذا ~~ملكه، فلا تجب في ماله دية، كما لم يجب في مال القاتل. وظاهر كلام الخرقي، ~~أن في الإخوة روايتين، كالولد والوالد، وغيره من أصحابنا يجعلونهم من ~~العاقلة بكل حال، ولا أعلم فيه عن غيرهم خلافا. ### | [فصل يعقل الولد ابن ابن عم] # (6816) فصل: فإن كان الولد ابن ابن ms4601 عم، أو كان الوالد أو الولد مولى أو ~~عصبة مولى، فإنه يعقل، في ظاهر كلام أحمد قاله القاضي. وقال أصحاب الشافعي: ~~لا يعقل؛ لأنه والد أو ولد، فلم يعقل، كما لو لم يكن كذلك. ولنا، أنه ابن ~~ابن عم أو مولى، فيعقل، كما لو يكن ولدا؛ وذلك لأن هذه القرابة أو الولاء ~~سبب # PageV08P391 # يستقل بالحكم منفردا، فإذا وجد مع ما لا يثبت به الحكم أثبته، كما لو وجد ~~مع الرحم المجرد، ولأنه يثبت حكمه مع القرابة الأخرى، بدليل أنه يلي ~~نكاحها، مع أن الابن لا يلي النكاح عندهم. ### | [فصل سائر العصبات من العاقلة بعدوا أو قربوا من النسب] # (6817) فصل: وسائر العصبات من العاقلة بعدوا أو قربوا من النسب، والمولى ~~وعصبته، ومولى المولى وعصبته، وغيرهم. وبهذا قال عمر بن عبد العزيز، ~~والنخعي، وحماد، ومالك، والشافعي، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم؛ وذلك لأنهم ~~عصبة يرثون المال إذا لم يكن وارث أقرب منهم، فيدخلون في العقل كالقريب، ~~ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب ~~عقلوا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بالدية بين عصبة المرأة من ~~كانوا، لا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها؛ ولأن الموالي من العصبات، ~~فأشبهوا المناسبين. ### | [فصل لا يدخل في العقل من ليس بعصبة ولا يعقل المولى من أسفل] # (6818) فصل: ولا يدخل في العقل من ليس بعصبة، ولا يعقل المولى من أسفل. ~~وبه قال أبو حنيفة، وأصحاب مالك. وقال الشافعي، في أحد قوليه: يعقل؛ لأنهما ~~شخصان يعقل أحدهما صاحبه، فيعقل الآخر عنه، كالأخوين. ولنا، أنه ليس بعصبة ~~له ولا وارث، فلم يعقل عنه، كالأجنبي. وما ذكروه يبطل بالذكر مع الأنثى، ~~والكبير مع الصغير، والعاقل مع المجنون. ### | [فصل لا يعقل مولى الموالاة] # (6819) فصل: ولا يعقل مولى الموالاة، وهو الذي يوالي رجلا يجعل له ولاءه ~~ونصرته، ولا الحليف، وهو الرجل يحالف الآخر على أن يتناصرا على دفع الظلم، ~~ويتضافرا على من قصدهما أو قصد أحدهما، ولا العديد، وهو الذي لا عشيرة له، ~~ينضم ms4602 إلى عشيرة، فيعد نفسه معهم. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يعقل ~~مولى الموالاة ويرث. وقال مالك: إذا كان الرجل في غير عشيرته، فعقله على ~~القوم الذي هو معهم. ولنا، أنه معنى يتعلق بالعصبة، فلا يستحق بذلك، كولاية ~~النكاح. ### | [فصل لا مدخل لأهل الديوان في المعاقلة] # (6820) فصل: ولا مدخل لأهل الديوان في المعاقلة. وبهذا قال الشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: يتحملون جميع الدية، # PageV08P392 # فإن عدموا فالأقارب حينئذ يعقلون؛ لأن عمر - رضي الله عنه - جعل الدية ~~على أهل الديوان في الأعطية في ثلاث سنين. ولنا، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى بالدية على العاقلة؛ ولأنه معنى لا يستحق به الميراث، فلم يحمل ~~به العقل كالجوار واتفاق المذاهب، وقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى ~~من قضاء عمر، على أنه إن صح ما ذكر عنه، فيحتمل أنهم كانوا عشيرة القاتل. ### | [فصل يشترك في العقل الحاضر والغائب] # (6821) فصل: ويشترك في العقل الحاضر والغائب. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال ~~مالك: يختص به الحاضر؛ لأن التحمل بالنصرة، وإنما هي بين الحاضرين، ولأن في ~~قسمته على الجميع مشقة. وعن الشافعي كالمذهبين. ولنا، الخبر، وأنهم استووا ~~في التعصيب والإرث، فاستووا في تحمل العقل، كالحاضرين، ولأنه معنى يتعلق ~~بالتعصيب، فاستوى فيه الحاضر والغائب، كالميراث والولاية. ### | [فصل القسمة بين العاقلة] # (6822) فصل: ويبدأ في قسمته بين العاقلة بالأقرب فالأقرب، يقسم على ~~الإخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم، ثم أعمام الأب ثم بنيهم، ثم أعمام الجد، ~~ثم بنيهم، كذلك أبدا، حتى إذا انقرض المناسبون، فعلى المولى المعتق، ثم على ~~عصباته، ثم على مولى المولى، ثم على عصباته، الأقرب فالأقرب، كالميراث ~~سواء. وإن قلنا: الآباء والأبناء من العاقلة، بدئ بهم؛ لأنهم أقرب. # ومتى اتسعت أموال قوم للعقل، لم يعدهم إلى من بعدهم؛ لأنه حق يستحق ~~بالتعصيب، فيقدم الأقرب فالأقرب، كالميراث وولاية النكاح. وهل يقدم من يدلي ~~بالأبوين على من يدلي بالأب؟ على وجهين: أحدهما: يقدم؛ لأنه يقدم في ~~الميراث، فقدم في العقل، كتقديم الأخ على ابنه. والثاني، يستويان؛ لأن ذلك ~~يستفاد بالتعصيب، ولا أثر ms4603 للأم في التعصيب. والأول أولى، إن شاء الله ~~تعالى؛ لأن قرابة الأم تؤثر في الترجيح والتقديم وقوة التعصيب، لاجتماع # PageV08P393 # القرابتين على وجه لا تنفرد كل واحدة بحكم، وذلك لأن القرابتين تنقسم إلى ~~ما تنفرد كل واحدة منهما بحكم، كابن العم إن كان أخا من أم، فإنه يرث بكل ~~واحدة من القرابتين ميراثا منفردا، يرث السدس بالأخوة، ويرث بالتعصيب ببنوة ~~العم، وحجب إحدى القرابتين لا يؤثر في حجب الأخرى، فهذا لا يؤثر في قوة ولا ~~ترجيح، ولذلك لا يقدم ابن العم الذي هو أخ من أم على غيره، وما لا ينفرد كل ~~واحد منهما بحكم، كابن العم من أبوين مع ابن عم من أب، لا تنفرد إحدى ~~القرابتين بميراث عن الأخرى، فتؤثر في الترجيح وقوة التعصيب؛ ولذلك أثرت في ~~التقديم في الميراث، فكذلك في غيره. # وبما ذكرناه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يسوى بين القريب والبعيد، ~~ويقسم على جميعهم؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل دية المقتولة على ~~عصبة القاتلة» . ولنا، أنه حكم تعلق بالتعصيب، فوجب أن يقدم فيه الأقرب ~~فالأقرب، كالميراث، والخبر لا حجة فيه؛ لأننا نقسمه على الجماعة إذا لم يف ~~به الأقرب، فنحمله على ذلك. ### | [فصل لا يحمل العقل إلا من يعرف نسبه من القاتل] # (6823) فصل: ولا يحمل العقل إلا من يعرف نسبه من القاتل، أو يعلم أنه من ~~قوم يدخلون كلهم في العقل، ومن لا يعرف ذلك منه لا يحمل، وإن كان من ~~قبيلته، فلو كان القاتل قرشيا، لم يلزم قريشا كلهم التحمل، فإن قريشا وإن ~~كانوا كلهم يرجعون إلى أب واحد، إلا أن قبائلهم تفرقت، وصار كل قوم ينتسبون ~~إلى أب يتميزون به، فيعقل عنهم من يشاركهم في نسبهم إلى الأب الأدنى، ألا ~~ترى أن الناس كلهم بنو آدم، فهم راجعون إلى أب واحد، لكن إن كان من فخذ ~~واحد، يعلم أن جميعهم يتحملون، وجب أن يحمل جميعهم، سواء عرف أحدهم نسبه أو ~~لم يعرف؛ للعلم بأنه متحمل على أي وجه كان. # وإن لم يثبت ms4604 نسب القاتل من أحد، فالدية في بيت المال؛ لأن المسلمين ~~يرثونه إذا لم يكن له وارث، بمعنى أنه يؤخذ ميراثه لبيت المال، فكذلك ~~يعقلونه على هذا الوجه. وإن وجد له من يحمل بعض العقل، فالباقي في بيت ~~المال كذلك. ### | [فصل عدم الإجحاف على العاقلة في المال] # (6824) فصل: ولا خلاف بين أهل العلم، في أن العاقلة لا تكلف من المال ما ~~يجحف بها، ويشق عليها؛ لأنه لازم لها من غير جنايتها على سبيل المواساة ~~للقاتل، والتخفيف عنه، فلا يخفف عن الجاني بما يثقل على غيره، ويجحف به، ~~كالزكاة، ولأنه لو كان الإجحاف مشروعا، كان الجاني أحق به؛ لأنه موجب ~~جنايته، وجزاء فعله، فإذا لم يشرع في حقه، ففي حق غيره أولى. # واختلف أهل العلم فيما يحمله كل واحد منهم فقال أحمد: يحملون على قدر ما ~~يطيقون. فعلى هذا لا يتقدر شرعا، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم، فيفرض ~~على كل واحد قدرا يسهل ولا يؤذي. وهذا # PageV08P394 # مذهب مالك؛ لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف، ولا يثبت بالرأي والتحكم، ~~ولا نص في هذه المسألة، فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم، كمقادير ~~النفقات. # وعن أحمد، رواية أخرى، أنه يفرض على الموسر نصف مثقال؛ لأنه أقل مال ~~يتقدر في الزكاة، فكان معتبرا بها، ويجب على المتوسط ربع مثقال؛ لأن ما دون ~~ذلك تافه، لكون اليد لا تقطع فيه، وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: لا ~~تقطع اليد في الشيء التافه، وما دون ربع دينار لا قطع فيه. وهذا اختيار أبي ~~بكر، ومذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: أكثر ما يجعل على الواحد أربعة دراهم، ~~وليس لأقله حد؛ لأن ذلك مال يجب على سبيل المواساة للقرابة، فلم يتقدر ~~أقله، كالنفقة. قال: ويسوى بين الغني والمتوسط لذلك. والصحيح الأول؛ لما ~~ذكرنا من أن التقدير إنما يصار إليه بتوقيف، ولا توقيف فيه، وأنه يختلف ~~بالغنى والتوسط، كالزكاة والنفقة، ولا يختلف بالقرب والبعد كذلك. # واختلف القائلون بالتقدير بنصف دينار وربعه؛ قال بعضهم: يتكرر الواجب في ~~الأعوام الثلاثة، فيكون الواجب ms4605 فيها على الغني دينارا ونصفا، وعلى المتوسط ~~ثلاثة أرباع دينار؛ لأنه حق يتعلق بالحول على سبيل المواساة، فيتكرر بتكرر ~~الحول، كالزكاة. وقال بعضهم: لا يتكرر؛ لأن في إيجاب زيادة على النصف، ~~إيجابا لزيادة على أقل الزكاة، فيكون مضرا. ويعتبر الغنى والتوسط عند رأس ~~الحول؛ لأنه حال الوجوب، فاعتبر الحال عنده، كالزكاة. # وإن اجتمع من عدد العاقلة في درجة واحدة عدد كثير، قسم الواجب على ~~جميعهم. فيلزم الحاكم كل إنسان على حسب ما يراه وإن قل. وعلى الوجه الآخر، ~~يجعل على المتوسط نصف ما على الغني، ويعم بذلك جميعهم. وهذا أحد قولي ~~الشافعي. وقال في الآخر: يخص الحاكم من شاء منهم، فيفرض عليهم هذا القدر ~~الواجب، لئلا ينقص عن القدر الواجب، ويصير إلى الشيء التافه، ولأنه يشق، ~~فربما أصاب كل واحد قيراط، فيشق جمعه. # ولنا، أنهم استووا في القرابة فكانوا سواء، كما لو قلوا، وكالميراث. وأما ~~التعلق بمشقة الجمع فغير صحيح؛ لأن مشقة زيادة الواجب أعظم من مشقة الجمع، ~~ثم هذا تعلق بالحكمة من غير أصل يشهد لها، فلا يترك لها الدليل، ثم هي ~~معارضة بخفة الواجب على كل واحد، وسهولة الواجب عليهم، ثم لا يخلو من أن ~~يخص الحاكم بعضهم بالاجتهاد أو بغير اجتهاد، فإن خصه بالاجتهاد فعليه فيه ~~مشقة، وربما لم يحصل له معرفة الأولى منهم بذلك، فيتعذر الإيجاب، وإن خصه ~~بالتحكم أفضى إلى أنه يخير بين أن يوجب على إنسان شيئا بشهوته من غير دليل، ~~وبين أن لا يوجب عليه، ولا نظير له، وربما ارتشى من بعضهم واتهم، وربما ~~امتنع من فرض عليه شيء من أدائه؛ لكونه يرى مثله لا يؤدي شيئا مع التساوي ~~من كل الوجوه. # PageV08P395 ### | [فصل مات من العاقلة أو افتقر أو جن قبل الحول] # (6825) فصل: ومن مات من العاقلة، أو افتقر، أو جن قبل الحول، لم يلزمه ~~شيء. لا نعلم في هذا خلافا؛ لأنه مال يجب في آخر الحول على سبيل المواساة، ~~فأشبه الزكاة، وإن وجد ذلك بعد الحول، لم يسقط الواجب. وبهذا قال الشافعي. ms4606 ~~وقال أبو حنيفة: يسقط بالموت؛ لأنه خرج عن أهلية الوجوب، فأشبه ما لو مات ~~قبل الحول. ولنا، أنه حق تدخله النيابة، لا يملك إسقاطه في حياته، فأشبه ~~الديون، وفارق ما قبل الحول؛ لأنه لم يجب، ولم يستمر الشرط إلى حين الوجوب. ~~فأما إن كان فقيرا حال القتل، فاستغنى عند الحول، فقال القاضي: يجب عليه؛ ~~لأنه وجد وقت الوجوب، وهو من أهله. # ويخرج على هذا من كان صبيا فبلغ، أو مجنونا فأفاق، عند الحول، وجب عليه ~~كذلك. ويحتمل أن لا يجب؛ لأنه لم يكن من أهل الوجوب حالة السبب، فلم يثبت ~~الحكم فيه حالة الشرط، كالكافر إذا ملك مالا ثم أسلم عند الحول، لم تلزمه ~~الزكاة فيه. ### | [مسألة المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان مع العاقلة] # (6826) مسألة: قال: (وليس على فقير من العاقلة، ولا امرأة، ولا صبي، ولا ~~زائل العقل، حمل شيء من الدية) أكثر أهل العلم، على أنه لا مدخل لأحد من ~~هؤلاء في تحمل العقل. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، ~~على أن المرأة، والصبي الذي لم يبلغ، لا يعقلان مع العاقلة، وأجمعوا على أن ~~الفقير لا يلزمه شيء. وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وحكى بعض أصحابنا، عن مالك، وأبي حنيفة، أن للفقير مدخلا في التحمل. ~~وذكره أبو الخطاب رواية عن أحمد؛ لأنه من أهل النصرة، فكان من العاقلة ~~كالغني. والصحيح الأول؛ لأن تحمل العقل مواساة، فلا يلزم الفقير كالزكاة، ~~ولأنها وجبت على العاقلة تخفيفا عن القاتل، فلا يجوز التثقيل بها على من لا ~~جناية منه، وفي إيجابها على الفقير تثقيل عليه، وتكليف له ما لا يقدر عليه، ~~ولأننا أجمعنا على أنه لا يكلف أحد من العاقلة ما يثقل عليه، ويجحف به، ~~وتحميل الفقير شيئا منها يثقل عليه، ويجحف بماله، وربما كان الواجب عليه ~~جميع ماله، أو أكثر منه، أو لا يكون له شيء أصلا. وأما الصبي والمجنون ~~والمرأة، فلا يحملون منها؛ لأن فيها معنى التناصر، وليس هم من أهل النصرة. # PageV08P396 ### | [فصل ms4607 يعقل المريض إذا لم يبلغ حد الزمانة] # (6827) فصل: ويعقل المريض إذا لم يبلغ حد الزمانة، والشيخ إذا لم يبلغ حد ~~الهرم؛ لأنهما من أهل النصرة والمواساة، وفي الزمن والشيخ الفاني وجهان؛ ~~أحدهما: لا يعقلان؛ لأنهما ليسا من أهل النصرة؛ ولهذا لا يجب عليهما ~~الجهاد، ولا يقتلان إذا كانا من أهل الحرب، وكذلك يخرج في الأعمى؛ لأنه ~~مثلهما في هذا المعنى. والثاني، يعقلون؛ لأنهم من أهل المواساة؛ ولهذا تجب ~~عليهم الزكاة. وهذا ينتقض بالصبي والمجنون. ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله ~~كمذهبنا. ### | [مسألة لم يكن له عاقلة القاتل] # (6828) مسألة: قال: (ومن لم يكن له عاقلة، أخذ من بيت المال، فإن لم يقدر ~~على ذلك، فليس على القاتل شيء) الكلام في هذه المسألة في فصلين: (6829) ~~الفصل الأول: أن من لا عاقلة له، هل يؤدي من بيت المال أو لا؟ فيه روايتان. ~~إحداهما، يؤدى عنه. وهو مذهب الزهري، والشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ودى الأنصاري الذي قتل بخيبر من بيت المال. وروي أن رجلا قتل في ~~زحام في زمن عمر، فلم يعرف قاتله، فقال علي لعمر: يا أمير المؤمنين لا يطل ~~دم امرئ مسلم. فأدى ديته من بيت المال. # ولأن المسلمين يرثون من لا وارث له، فيعقلون عنه عند عدم عاقلته، كعصباته ~~ومواليه. والثانية، لا يجب ذلك؛ لأن بيت المال فيه حق للنساء والصبيان ~~والمجانين والفقراء ولا عقل عليهم، فلا يجوز صرفه فيما لا يجب عليهم، ولأن ~~العقل على العصبات، وليس بيت المال عصبة، ولا هو كعصبة هذا، فأما قتيل ~~الأنصار، فغير لازم؛ لأن ذلك قتيل اليهود، وبيت المال لا يعقل عن الكفار ~~بحال، وإنما النبي - صلى الله عليه وسلم - تفضل عليهم. وقولهم: إنهم ~~يرثونه. قلنا: ليس صرفه إلى بيت المال ميراثا، بل هو فيء، ولهذا يؤخذ مال ~~من لا وارث له من أهل الذمة إلى بيت المال، ولا يرثه المسلمون، ثم لا يجب ~~العقل على الوارث إذا لم يكن عصبة، ويجب على العصبة وإن لم يكن وارثا فعلى ~~الرواية الأولى، ms4608 إذا لم يكن له عاقلة، أديت الدية عنه كلها من بيت المال، ~~وإن كان له عاقلة لا تحمل الجميع، أخذ الباقي من بيت المال. # PageV08P397 # وهل تؤدى من بيت المال في دفعة واحدة، أو في ثلاث سنين؟ على وجهين؛ ~~أحدهما: في ثلاث سنين، على حسب ما يؤخذ من العاقلة. والثاني، يؤدي دفعة ~~واحدة. وهذا أصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدى دية الأنصاري دفعة ~~واحدة، وكذلك عمر، ولأن الدية بدل متلف لا تؤديه العاقلة، فيجب كله في ~~الحال، كسائر بدل المتلفات، وإنما أجل على العاقلة تخفيفا عنهم، ولا حاجة ~~إلى ذلك في بيت المال، ولهذا يؤدى الجميع (6830) الفصل الثاني: إذا لم يمكن ~~الأخذ من بيت المال، فليس على القاتل شيء. وهذا أحد قولي الشافعي؛ لأن ~~الدية لزمت العاقلة ابتداء، بدليل أنه لا يطالب بها غيرهم، ولا يعتبر ~~تحملهم ولا رضاهم بها، ولا تجب على غير من وجبت عليه، كما لو عدم القاتل، ~~فإن الدية لا تجب على أحد، كذا هاهنا. # فعلى هذا، إن وجد بعض العاقلة، حملوا بقسطهم، وسقط الباقي، فلا يجب على ~~أحد، ويتخرج أن تجب الدية على القاتل إذا تعذر حملها عنه. وهذا القول ~~الثاني للشافعي؛ لعموم قول الله تعالى: {ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] ~~. ولأن قضية الدليل وجوبها على الجاني جبرا للمحل الذي فوته، وإنما سقط عن ~~القاتل لقيام العاقلة مقامه في جبر المحل، فإذا لم يؤخذ ذلك، بقي واجبا ~~عليه بمقتضى الدليل، ولأن الأمر دائر بين أن يطل دم المقتول، وبين إيجاب ~~ديته على المتلف، لا يحوز الأول؛ لأن فيه مخالفة الكتاب والسنة وقياس أصول ~~الشريعة، فتعين الثاني، ولأن إهدار الدم المضمون لا نظير له، وإيجاب الدية ~~على قاتل الخطأ له نظائر، فإن المرتد لما لم يكن له عاقلة تجب الدية في ~~ماله، والذمي الذي لا عاقلة له تلزمه الدية، ومن رمى سهما ثم أسلم، أو كان ~~مسلما فارتد، أو كان عليه الولاء لموالي أمه فانجر إلى موالي أبيه، ثم أصاب ~~بسهم إنسانا فقتله، كانت الدية ms4609 في ماله؛ لتعذر حمل عاقلته عقله، كذلك ~~هاهنا، فنحرر منه قياسا فنقول: قتيل معصوم في دار الإسلام، تعذر حمل عاقلته ~~عقله، فوجب على قاتله، كهذه الصورة. # وهذا أولى من إهدار دماء الأحرار في أغلب الأحوال، فإنه لا يكاد يوجد ~~عاقلة تحمل الدية كلها، ولا سبيل إلى الأخذ من بيت المال، فتضيع الدماء، ~~ويفوت حكم إيجاب الدية. وقولهم: إن الدية تجب على العاقلة ابتداء. ممنوع، ~~وإنما تجب على القاتل، ثم تتحملها العاقلة عنه. وإن سلمنا وجوبها عليهم ~~ابتداء، لكن مع وجودهم، أما مع عدمهم، فلا يمكن القول بوجوبها عليهم. ثم ما ~~ذكروه منقوض بما أبديناه من الصور. فعلى هذا، تجب الدية على القاتل إن تعذر ~~حمل جميعها، أو باقيها إن حملت العاقلة بعضها. والله أعلم. ### | [مسألة دية الحر الكتابي] # (6831) مسألة: قال: (ودية الحر الكتابي نصف دية الحر المسلم، ونساؤهم، ~~على النصف من دياتهم) # PageV08P398 # هذا ظاهر المذهب. وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، وعروة، ومالك، وعمرو بن ~~شعيب. وعن أحمد، أنها ثلث دية المسلم. إلا أنه رجع عنها، فإن صالحا روي ~~عنه، أنه قال: كنت أقول: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، وأنا اليوم ~~أذهب إلى نصف دية المسلم، حديث عمرو بن شعيب، وحديث عثمان الذي يرويه ~~الزهري عن سالم عن أبيه. وهذا صريح في الرجوع عنه. # وروي عن عمر وعثمان، أن ديته أربعة آلاف درهم. وبه قال سعيد بن المسيب، ~~وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور؛ لما ~~روى عبادة بن الصامت، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «دية اليهودي ~~والنصراني، أربعة آلاف، أربعة آلاف» . # وروي عن عمر - رضي الله عنه - جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ~~ودية المجوسي ثمانمائة درهم. وقال علقمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، ~~والثوري، وأبو حنيفة: ديته كدية المسلم. وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن ~~مسعود، ومعاوية - رضي الله عنهم -. وقال ابن عبد البر: هو قول سعيد بن ~~المسيب والزهري؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم ms4610 - قال: «دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم.» ولأن الله ~~تعالى ذكر في كتابه دية المسلم، فقال: {ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] ~~. # وقال في الذمي مثل ذلك، ولم يفرق، فدل على أن ديتهما واحدة، ولأنه ذكر حر ~~معصوم، فتكمل ديته كالمسلم. ولنا، ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «دية المعاهد نصف دية المسلم» . وفي ~~لفظ، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى أن عقل الكتابي نصف عقل المسلم» ~~. رواه الإمام أحمد. وفي لفظ: «دية المعاهد نصف دية الحر» . قال الخطابي: ~~ليس في دية أهل الكتاب شيء أثبت من هذا، ولا بأس بإسناده. وقد قال به أحمد، ~~وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى، ولأنه نقص مؤثر في الدية، ~~فأثر في تنصيفها كالأنوثة. # وأما حديث عبادة، فلم يذكره أهل السنن، والظاهر أنه ليس بصحيح. وأما حديث ~~عمر، فإنما كان ذلك حين كانت الدية ثمانية آلاف، فأوجب فيه نصفها أربعة ~~آلاف، ودليل ذلك ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت قيمة ~~الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانمائة دينار، أو ثمانية ~~آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف. فهذا بيان وشرح مزيل للإشكال، ~~ففيه جمع للأحاديث، فيكون دليلا لنا، ولو لم يكن كذلك، لكان قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مقدما على قول عمر وغيره، بغير إشكال، فقد كان عمر - ~~رضي الله عنه - إذا بلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة، ترك قوله، ~~وعمل بها، فكيف، يسوغ لأحد أن يحتج بقوله في ترك قول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فأما ما احتج به الآخرون، فإن الصحيح # PageV08P399 # من حديث عمرو بن شعيب ما رويناه، أخرجه الأئمة في كتبهم، دون ما رووه. # وأما ما رووه من أقوال الصحابة، فقد روي عنهم خلافه فنحمل قولهم في إيجاب ~~الدية كاملة على سبيل التغليظ. قال أحمد: إنما غلظ عثمان الدية عليه؛ لأنه ~~كان عمدا، فلما ترك القود غلظ ms4611 عليه. وكذلك حديث معاوية، ومثل هذا ما روي عن ~~عمر - رضي الله عنه - حين نحر رقيق حاطب ناقة لرجل مزني، فقال لحاطب: إني ~~أراك تجيعهم، لأغرمنك غرما يشق عليك. فأغرمه مثلي قيمتها. فأما ديات ~~نسائهم، فعلى النصف من دياتهم، لا نعلم في هذا خلافا. قال ابن المنذر: أجمع ~~أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. ولأنه لما كان دية نساء ~~المسلمين على النصف من دياتهم، كذلك نساء أهل الكتاب على النصف من دياتهم. ### | [فصل جراحات أهل الكتاب] # (6832) فصل: وجراحاتهم من دياتهم كجراح المسلمين من دياتهم، وتغلظ دياتهم ~~باجتماع الحرمات، عند من يرى تغليظ ديات المسلمين، بها كتغليظ ديات ~~المسلمين. قال حرب: قلت لأبي عبد الله: فإن قتل ذميا في الحرم؟ قال: يزاد ~~أيضا على قدره، كما يزاد على المسلم. وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: جنى ~~على مجوسي في عينه وفي يده؟ قال: يكون بحساب ديته، كما أن المسلم يؤخذ ~~بالحساب، فكذلك هذا. قيل: قطع يده؟ قال: بالنصف من ديته. ### | [مسألة قتل مسلم رجلا من أهل الذمة عمدا] # (6833) مسألة: قال: (فإن قتلوه عمدا، أضعفت الدية على قاتله المسلم؛ ~~لإزالة القود) هكذا حكم عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. هذا يروى عن عثمان ~~رواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، أن رجلا قتل ~~رجلا من أهل الذمة، فرفع إلى عثمان، فلم يقتله، وغلظ عليه ألف دينار. فصار ~~إليه أحمد اتباعا وله. نظائر في مذهبه؛ فإنه أوجب على الأعور لما قلع عين ~~الصحيح دية كاملة، حين درأ القصاص عنه، وأوجب على سارق التمر مثلي قيمته، ~~حين درأ عنه القطع. # وهذا حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في سارق التمر. فيثبت مثله هاهنا. ~~ولو كان القاتل ذميا، أو قتل ذمي مسلما، لم تضعف الدية عليه؛ لأن القصاص ~~عليه واجب في الموضعين. وجمهور أهل العلم على أن دية الذمي لا تضاعف ~~بالعمد؛ لعموم الأثر فيها، ولأنها دية واجبة، فلم تضاعف، كدية المسلم، أو ~~كما لو كان ms4612 القاتل ذميا. ولا فرق في الدية بين الذمي وبين المستأمن؛ لأن كل ~~واحد منهما كتابي معصوم الدم. وأما المرتد والحربي، فلا دية لهما؛ لعدم ~~العصمة فيهما. # PageV08P400 ### | [مسألة دية المجوسي] # (6834) مسألة: قال: (ودية المجوسي ثمانمائة درهم، ونساؤهم على النصف) ~~وهذا قول أكثر أهل العلم. قال أحمد: ما أقل ما اختلف في دية المجوسي. وممن ~~قال ذلك عمر، وعثمان، وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وسعيد بن المسيب، ~~وسليمان بن يسار، وعطاء، وعكرمة، والحسن، ومالك، والشافعي، وإسحاق. وروي عن ~~عمر بن عبد العزيز، أنه قال: ديته نصف دية المسلم، كدية الكتابي؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . وقال النخعي، ~~والشعبي، وأصحاب الرأي: ديته كدية المسلم؛ لأنه آدمي حر معصوم، فأشبه ~~المسلم. # ولنا، قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم في عصرهم مخالفا، فكان ~~إجماعا. وقوله: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . يعني في أخذ جزيتهم، وحقن ~~دمائهم، بدليل أن ذبائحهم ونساءهم لا تحل لنا، ولا يجوز اعتباره بالمسلم ~~ولا الكتابي، لنقصان ديته وأحكامه عنهما، فينبغي أن تنقص ديته، كنقص المرأة ~~عن دية الرجل، وسواء كان المجوسي ذميا أو مستأمنا؛ لأنه محقون الدم. ~~ونساؤهم على النصف من دياتهم بإجماع. وجراح كل واحد معتبرة من ديته. وإن ~~قتلوا عمدا، أضعفت الدية على القاتل المسلم؛ لإزالة القود. نص عليه أحمد، ~~قياسا على الكتابي. ### | [فصل دية عبدة الأوثان وسائر من لا كتاب له] # (6835) فصل: فأما عبدة الأوثان، وسائر من لا كتاب له، كالترك، ومن عبد ما ~~استحسن، فلا دية لهم وإنما تحقن دماؤهم بالأمان، فإذا قتل من له أمان منهم، ~~فديته دية مجوسي؛ لأنها أقل الديات، فلا تنقص عنها، ولأنه كافر ذو عهد لا ~~تحل مناكحته، فأشبه المجوسي. ### | [فصل دية من لم تبلغه الدعوة من الكفار] # (6836) فصل: ومن لم تبلغه الدعوة من الكفار إن وجد، لم يجز قتله حتى ~~يدعى، فإن قتل قبل الدعوة من غير أن يعطى أمانا، فلا ضمان فيه؛ لأنه لا عهد ~~له ولا أيمان، فأشبه امرأة الحربي وابنه ms4613 الصغير، وإنما حرم قتله لتبلغه ~~الدعوة. وهذا قول أبي حنيفة. وقال أبو الخطاب: يضمن بما يضمن به أهل دينه. ~~وهو مذهب الشافعي؛ لأنه محقون الدم، أشبه من له أمان. والأول أولى؛ فإن هذا ~~ينتقض بصبيان أهل الحرب ومجانينهم، ولأنه # PageV08P401 # كافر لا عهد له، فلم يضمن، كالصبيان والمجانين. فأما إذا كان له عهد، فله ~~دية أهل دينه، فإن لم يعرف دينه، ففيه دية المجوسي؛ لأنه اليقين، وما زاد ~~مشكوك فيه. ### | [مسألة دية الحرة المسلمة] # (6837) مسألة:؛ قال: (ودية الحرة المسلمة، نصف دية الحر المسلم) قال ابن ~~المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. ~~وحكى غيرهما عن ابن علية، والأصم، أنهما قالا: ديتها كدية الرجل؛ لقوله - ~~عليه السلام -: «في نفس المؤمنة مائة من الإبل» . وهذا قول شاذ، يخالف ~~إجماع الصحابة، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن في كتاب عمرو بن ~~حزم: «دية المرأة على النصف من دية الرجل» . وهي أخص مما ذكروه، وهما في ~~كتاب واحد، فيكون ما ذكرنا مفسرا لما ذكروه، مخصصا له، ودية نساء كل أهل ~~دين على النصف من دية رجالهم، على ما قدمناه في موضعه. ### | [مسألة جراح الرجل والمرأة في الدية] # (6838) مسألة: قال: (وتساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن ~~جاوز الثلث، فعلى النصف) وروي هذا عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت. وبه قال ~~سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والزهري، وقتادة، ~~والأعرج، وربيعة، ومالك. قال ابن عبد البر: وهو قول فقهاء المدينة السبعة، ~~وجمهور أهل المدينة. # وحكي عن الشافعي في القديم. وقال الحسن يستويان إلى النصف. وروي عن علي - ~~رضي الله عنه - أنها على النصف فيما قل وكثر. وروي ذلك عن ابن سيرين. وبه ~~قال الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة وأبو حنيفة وأصحابه، وأبو ~~ثور، والشافعي في ظاهر مذهبه. واختاره ابن المنذر؛ لأنهما شخصان تختلف ~~ديتهما، فاختلف أرش أطرافهما، كالمسلم والكافر، ولأنها جناية لها أرش مقدر، ~~فكان من المرأة على النصف ms4614 من الرجل، كاليد. وروي عن ابن مسعود، أنه قال: ~~تعاقل المرأة الرجل إلى نصف عشر الدية، فإذا زاد على ذلك، فهي على النصف؛ ~~لأنها تساويه في الموضحة. # ولنا، ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى يبلغ الثلث من ديتها» ~~أخرجه النسائي. وهو نص يقدم على ما سواه. وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: ~~كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر. قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث ~~أصابع؟ قال: ثلاثون. قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قال: قلت: لما عظمت # PageV08P402 # مصيبتها. قل عقلها، قال: هكذا السنة يا ابن أخي. وهذا مقتضى سنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه سعيد بن منصور. ولأنه إجماع الصحابة، - ~~رضي الله عنهم -، إذ لم ينقل عنهم خلاف ذلك، إلا عن علي، ولا نعلم ثبوت ذلك ~~عنه، ولأن ما دون الثلث يستوي فيه الذكر والأنثى، بدليل الجنين، فإنه يستوي ~~فيه الذكر والأنثى. # فأما الثلث نفسه، فهل يستويان فيه؟ على روايتين؛ إحداهما، يستويان فيه؛ ~~لأنه لم يعتبر حد القلة؛ ولهذا صحت الوصية به. وروي أنهما يختلفان فيه. وهو ~~الصحيح؛ لقوله - عليه السلام - «حتى يبلغ الثلث» . وحتى للغاية، فيجب أن ~~تكون مخالفة لما قبلها، لقول الله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} [التوبة: 29] ~~. ولأن الثلث في حد الكثرة؛ لقوله عليه السلام: «الثلث، والثلث كثير.» ### | [فصل دية نساء سائر أهل الأديان] # (6839) فصل: فأما دية نساء سائر أهل الأديان، فقال أصحابنا: تساوي دياتهن ~~ديات رجالهم إلى الثلث؛ لعموم قوله عليه السلام: «عقل المرأة مثل عقل ~~الرجل، حتى يبلغ الثلث من ديتها» . ولأن الواجب دية امرأة، فساوت دية الرجل ~~من أهل دينها، كالمسلمين. ويحتمل أن تساوي المرأة الرجل إلى قدر ثلث دية ~~الرجل المسلم؛ لأنه القدر الكثير الذي يثبت فيه التنصيف في الأصل، وهو دية ~~المسلم. ### | [مسألة دية العبد والأمة] # (6840) مسألة: قال: (ودية العبد والأمة قيمتهما، بالغة ما بلغ ذلك) وقد ~~تقدم شرح هذه المسألة فيما مضى. ms4615 ولا فرق في هذا الحكم بين القن من العبيد ~~والمدبر والمكاتب وأم الولد. قال الخطابي: أجمع عوام الفقهاء، على أن ~~المكاتب عبد ما بقي عليه درهم في جنايته، والجناية عليه، إلا إبراهيم ~~النخعي، فإنه قال في المكاتب: يؤدي بقدر ما أدى من كتابته دية الحر، وما ~~بقي دية العبد. # وروي في ذلك شيء عن علي - رضي الله عنه -. وقد روى أبو داود، في " سننه ~~"، والإمام أحمد، في " مسنده "، قال: حدثنا محمد بن عبد الله: حد ثنا هشام ~~بن أبي عبد الله، قال " حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، ~~قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المكاتب يقتل، أنه يؤدى ما ~~أدى من كتابته دية الحر، وما بقي دية العبد» . قال الخطابي: وإذا صح ~~الحديث، وجب القول به، إذا لم يكن منسوخا أو معارضا بما هو أولى منه. # PageV08P403 ### | [مسألة دية الجنين إذا سقط من الضربة ميتا] ### | [الفصل الأول في جنين الحرة المسلمة] # (6841) مسألة: قال: (ودية الجنين إذا سقط من الضربة ميتا، وكان من حرة ~~مسلمة، غرة، عبد أو أمة، قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه، كأنه سقط حيا) ~~يقال: غرة عبد بالصفة. وغرة عبد بالإضافة. والصفة أحسن؛ لأن الغرة اسم ~~للعبد نفسه، قال مهلهل: # كل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مره # في هذه المسألة فصول خمسة: (6842) الفصل الأول: أن في جنين الحرة المسلمة ~~غرة. وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعطاء، ~~والشعبي، والنخعي، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. # وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال ~~المغيرة بن شعبة: شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى فيه بغرة عبد أو ~~أمة. قال: لتأتين بمن يشهد معك. فشهد له محمد بن مسلمة. وعن أبي هريرة، - ~~رضي الله عنه - قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، ~~فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله - صلى الله ms4616 عليه وسلم - فقضى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية ~~المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم» . متفق عليه. والغرة عبد أو ~~أمة؛ سميا بذلك لأنهما من أنفس الأموال، والأصل في الغرة الخيار. فإن قيل: ~~فقد روي في هذا الخبر: أو فرس أو بغل. قلنا: هذا لا يثبت، رواه عيسى بن ~~يونس، ووهم فيه. قاله أهل النقل. والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه: عبد ~~أو أمة. # فأما قول الخرقي: من حرة مسلمة. فإنما أراد أن جنين الحرة المسلمة لا ~~يكون إلا حرا مسلما، فمتى كان الجنين حرا مسلما، ففيه الغرة، وإن كانت أمه ~~كافرة أو أمة، مثل أن يتزوج المسلم كتابية، فإن جنينها # PageV08P404 # منه محكوم بإسلامه، وفيه الغرة، ولا يرث منها شيئا؛ لأنه مسلم، وولد ~~السيد من أمته وولد المغرور من أمة حر. وكذلك لو وطئت الأمة بشبهة، فولدها ~~حر، وفيه الغرة. فأما إن كان الجنين محكوما برقه، لم تجب فيه الغرة، وسيأتي ~~بيان حكمه. وأما جنين الكتابية والمجوسية إذا كان محكوما بكفره، ففيه عشر ~~دية أمه. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # قال ابن المنذر: ولم أحفظ عن غيرهم خلافهم. وذلك؛ لأن جنين الحرة المسلمة ~~مضمون بعشر دية أمه، فكذلك جنين الكافرة، إلا أن أصحاب الرأي يرون أن دية ~~الكافرة كدية المسلمة، فلا يتحقق عندهم بينهما اختلاف، فإن كان أبوا الجنين ~~كافرين مختلفا دينهما، كولد الكتابي من المجوسية، والمجوسي من الكتابية، ~~اعتبرناه بأكثرهما دية، فنوجب فيه عشر دية كتابية على كل حال؛ لأن ولد ~~المسلمة من الكافرة معتبر بأكثرهما دية، كذا هاهنا. ولا فرق فيما ذكرناه ~~بين كون الجنين ذكرا أو أنثى؛ لأن السنة لم تفرق بينهما. وبه يقول الشافعي، ~~وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وعامة أهل العلم. # ولو ضرب بطن كتابية حاملا من كتابي، فأسلم أحد أبويه، ثم أسقطته، ففيه ~~الغرة. في قول ابن حامد، والقاضي. وهو ظاهر كلام أحمد، ومذهب الشافعي؛ لأن ~~الضمان معتبر بحال استقرار الجناية، والجنين محكوم ms4617 بإسلامه عند استقرارها. ~~وفي قول أبي بكر، وأبي الخطاب: فيه عشر دية كتابية؛ لأن الجناية عليه في ~~حال الغرة. وإن ضرب بطن أمة فأعتقت، ثم ألقت الجنين، فعلى قول ابن حامد ~~والقاضي، فيه غرة، وفي قول أبي بكر وأبي الخطاب، فيه عشر قيمة أمه؛ لأن ~~الجناية عليه في حال كونه عبدا. ويمكن منع كونه عبدا ويمكن منع كونه صار ~~حرا؛ لأن الظاهر تلفه بالجناية، وبعد تلفه لا يمكن تحريره. # وعلى قول هذين، يكون الواجب فيه لسيده. وعلى قول ابن حامد للسيد أقل ~~الأمرين من الغرة أو عشر قيمة أمه؛ لأن الغرة إن كانت أكثر، لم يستحق ~~الزيادة، لأنها زادت بالحرية الحاصلة بزوال ملكه، وإن كانت أقل، لم يكن له ~~أكثر منهما؛ لأن النقص حصل بإعتاقه، فلا يضمن له، كما لو قطع يد عبد فأعتقه ~~سيده ثم مات بسراية الجناية، كان له أقل الأمرين من دية حر أو نصف قيمته، ~~وما فضل عن حق السيد لورثة الجنين. فأما إن ضرب بطن الأمة، فأعتق السيد ~~جنينها وحده، نظرت؛ فإن أسقطته حيا لوقت يعيش مثله، ففيه دية حر. نص عليه ~~أحمد. # وإن كان لوقت [لا] يعيش مثله، ففيه غرة؛ لأنه حر على قول ابن حامد. وعلى ~~قول أبي بكر، عليه عشر قيمة أمه. وإن أسقطته ميتا، ففيه عشر قيمة أمه؛ ~~لأننا لا نعلم كونه حيا حال إعتاقه. ويحتمل أن تجب عليه الغرة؛ لأن الأصل ~~بقاء حياته، فأشبه ما لو أعتق أمه. ### | [الفصل الثاني تجب الغرة إذا سقط الجنين من الضربة] # (6843) الفصل الثاني: إن الغرة إنما تجب إذا سقط من الضربة، ويعلم ذلك ~~بأن يسقط عقيب الضرب، أو ببقائها متألمة # PageV08P405 # إلى أن يسقط. ولو قتل حاملا لم يسقط جنينها، أو ضرب من [في] جوفها حركة ~~أو انتفاخ، فسكن الحركة وأذهبها، لم يضمن الجنين. وبهذا قال مالك، وقتادة، ~~والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وحكي عن الزهري، أن عليه الغرة؛ ~~لأن الظاهر أنه قتل الجنين، فلزمته الغرة، كما لو أسقطت. ولنا، أنه لا يثبت ~~حكم الولد ms4618 إلا بخروجه، ولذلك لا تصح له وصية ولا ميراث، ولأن الحركة يجوز ~~أن تكون لريح في البطن سكنت، ولا يجب الضمان بالشك. وأما إذا ألقته ميتا، ~~فقد تحقق، والظاهر تلفه من الضربة، فيجب ضمانه، سواء ألقته في حياتها، أو ~~بعد موتها. وبهذا قال الشافعي: # وقال مالك: وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها، لم يضمنه؛ لأنه يجري مجرى ~~أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها. ولنا، أنه جنين تلف بجنايته، وعلم ذلك ~~بخروجه، فوجب ضمانه، كما لو سقط في حياتها، ولأنه لو سقط حيا ضمنه، فكذلك ~~إذا سقط ميتا، كما لو أسقطته في حياتها، وما ذكروه ليس بصحيح؛ لأنه لو كان ~~كذلك، لكان إذا سقط ميتا ثم ماتت، لم يضمنه كأعضائها، ولأنه آدمي موروث، ~~فلا يدخل في ضمان أمه، كما لو خرج حيا. فأما إن ظهر بعضه من بطن أمه، ولم ~~يخرج باقيه، ففيه الغرة. وبه قال الشافعي. # وقال مالك، وابن المنذر: لا تجب الغرة حتى تلقيه؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما أوجب الغرة في الجنين الذي ألقته المرأة؛ وهذه لم تلق ~~شيئا، فأشبه ما لو لم يظهر منه شيء ولنا، أنه قاتل لجنينها، فلزمته الغرة، ~~كما لو ظهر جميعه، ويفارق ما لو لم يظهر منه شيء، لأنه لم يتيقن قتله ولا ~~وجوده. وكذلك إن ألقت يدا، أو رجلا، أو رأسا، أو جزءا من أجزاء الآدمي، ~~وجبت الغرة؛ لأنا تيقنا أنه من جنين. وإن ألقت رأسين، أو أربع أيد، لم يجب ~~أكثر من غرة؛ لأن ذلك يجوز أن يكون من جنين واحد، ويجوز أن يكون من جنينين، ~~فلم تجب الزيادة مع الشك؛ لأن الأصل براءة الذمة؛ وكذلك لم يجب ضمانه إذا ~~لم يظهر، فإن أسقطت ما ليس فيه صورة آدمي فلا شيء فيه، لأنا لا نعلم أنه ~~جنين. # وإن ألقت مضغة، فشهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية، ففيه غرة، وإن ~~شهدت أنه مبتدأ خلق آدمي لو بقي تصور، ففيه وجهان؛ أصحهما، لا شيء فيه؛ ~~لأنه لم يتصور، فلم يجب ms4619 فيه، كالعلقة، ولأن الأصل براءة الذمة، فلا نشغلها ~~بالشك. والثاني، فيه غرة؛ لأنه مبتدأ خلق آدمي، أشبه ما لو تصور. وهذا يبطل ~~بالنطفة والعلقة.، ### | [الفصل الثالث غرة العبد والأمة] # (6844) الفصل الثالث: أن الغرة عبد أو أمة. وهذا قول أكثر أهل العلم. ~~وقال عروة، وطاوس، ومجاهد: عبد أو أمة # PageV08P406 # أو فرس؛ لأن الغرة اسم لذلك، وقد جاء في حديث أبي هريرة، قال: «قضى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل» . ~~وجعل ابن سيرين مكان الفرس مائة شاة، ونحوه قال الشعبي؛ لأنه روي في حديث ~~«عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جعل في ولدها مائة شاة» . رواه أبو ~~داود. # وروي عن عبد الملك بن مروان، أنه قضى في الجنين إذا أملص بعشرين دينارا، ~~فإذا كان مضغة، فأربعين، فإذا كان عظما ستين، فإذا كان العظم قد كسي لحما ~~فثمانين، فإن تم خلقه وكسي شعره فمائة دينار. قال قتادة: إذا كان علقة فثلث ~~غرة، وإذا كان مضغة فثلثي غرة. ولنا، «قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في إملاص المرأة بعبد أو أمة» ، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قاضية على ما خالفها. وذكر الفرس والبغل في الحديث وهم انفرد به عيسى بن ~~يونس، عن سائر الرواة، فالظاهر أنه وهم فيه، وهو متروك في البغل بغير خلاف، ~~وكذلك في الفرس، وهذا الحديث الذي ذكرناه أصح ما روي فيه، وهو متفق عليه، ~~وقد قال به أكثر أهل العلم، فلا يلتفت إلى ما خالفه. # وقول عبد الملك بن مروان، تحكم بتقدير لم يرد به الشرع، وكذلك قتادة، ~~وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق بالاتباع من قولهما. إذا ثبت ~~هذا فإنه تلزمه الغرة، فإن أراد دفع بدلها ورضي المدفوع إليه، جاز؛ لأنه حق ~~آدمي، فجاز ما تراضيا عليه وأيهما امتنع من قبول البدل، فله ذلك؛ لأن الحق ~~فيها، فلا يقبل بدلها إلا برضاهما. وتجب الغرة سالمة من العيوب، وإن قل ~~العيب؛ لأنه حيوان وجب ms4620 بالشرع، فلم يقبل فيه المعيب، كالشاة في الزكاة، ~~ولأن الغرة الخيار، والمعيب ليس من الخيار. ولا يقبل فيها هرمة، ولا ضعيفة، ~~ولا خنثى، ولا خصي، وإن كثرت قيمته؛ لأن ذلك عيب. ولا يتقدر سنها، في ظاهر ~~كلام الخرقي. وهو قول أبي حنيفة. # وقال القاضي، وأبو الخطاب، وأصحاب الشافعي: لا يقبل فيها من له دون سبع ~~سنين؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله له ويحضنه، وليس من الخيار. وذكر بعض أصحاب ~~الشافعي، أنه لا يقبل فيها غلام بلغ خمسة عشر سنة؛ لأنه لا يدخل على ~~النساء، ولا ابنة عشرين؛ لأنها تتغير. وهذا تحكم لم يرد الشرع به فيجب أن ~~لا يقبل. وما ذكروه من الحاجة إلى الكفالة باطل بمن له فوق السبع، ولأن ~~بلوغه قيمة الكبير مع صغره، يدل على أنه خيار، ولم يشهد لما ذكروه نص، ولا ~~له نظير يقاس عليه، والشاب البالغ أكمل من الصبي عقلا وبنية، وأقدر على ~~التصرف، وأنفع في الخدمة، وقضاء الحاجة، وكونه لا يدخل على النساء إن أريد ~~به النساء الأجنبيات، بلا حاجة إلى دخوله عليهن، وإن أريد به سيدته، فليس ~~بصحيح، فإن الله تعالى قال: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} [النور: 58] إلى قوله: # PageV08P407 # {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض} [النور: ~~58] . # ثم لو لم يدخل على النساء، لحصل من نفعه أضعاف ما يحصل من دخوله، وفوات ~~شيء إلى ما هو أنفع منه لا يعد فواتا، كمن اشترى بدرهم ما يساوي عشرة، لا ~~يعد فواتا ولا خسرانا، ولا يعتبر لون الغرة. وذكر عن أبي عمرو بن العلاء، ~~أن الغرة لا تكون إلا بيضاء، ولا يقبل عبد أسود، ولا جارية سوداء. ولنا، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بعبد أو أمة، وأطلق مع غلبة السواد على ~~عبيدهم وإمائهم، ولأنه حيوان يجب دية، فلم يعتبر لونه، كالإبل في الدية. ### | [الفصل الرابع قيمة الغرة] # (6845) الفصل الرابع: أن الغرة قيمتها نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل. ~~روي ذلك ms4621 عن عمر، وزيد، - رضي الله عنهما -. وبه قال النخعي، والشعبي، ~~وربيعة، وقتادة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. ولأن ذلك أقل ما ~~قدره الشرع في الجنايات، وهو أرش الموضحة ودية السن، فرددناه إليه. فإن ~~قيل: فقد وجب في الأنملة ثلاث أبعرة وثلث، وذلك دون ما ذكرتموه. قلنا: الذي ~~نص عليه صاحب الشريعة - صلى الله عليه وسلم - غرة قيمتها أرش الموضحة، وهو ~~خمس من الإبل. وإذا كان أبوا الجنين كتابيين، ففيه غرة قيمتها نصف قيمة ~~الغرة الواجبة في المسلم. وفي جنين المجوسية غرة قيمتها أربعون درهما. # وإذا تعذر وجود غرة بهذه الدراهم، وجبت الدراهم؛ لأنه موضع حاجة. وإذا ~~اتفق نصف عشر الدية من الأصول كلها، بأن تكون قيمتها خمسا من الإبل وخمسين ~~دينارا أو ستمائة درهم، فلا كلام، وإن اختلفت قيمة الإبل، فنصف عشر الدية ~~من غيرها، مثل إن كانت قيمة الإبل أربعين دينارا أو أربعمائة درهم، فظاهر ~~كلام الخرقي أنها تقوم بالإبل؛ لأنها الأصل. وعلى قول غيره من أصحابنا، ~~تقوم بالذهب أو الورق، فجعل قيمتها خمسين دينارا أو ستمائة درهم، فإن ~~اختلفا، قومت على أهل الذهب به، وعلى أهل الورق به، فإن كان من أهل الذهب ~~والورق جميعا، قومها من هي عليه بما شاء منهما؛ لأن الخيرة إلى الجاني في ~~دفع ما شاء من الأصول. ويحتمل أن تقوم بأدناهما على كل حال؛ لذلك. وإذا لم ~~يجد الغرة، انتقل إلى خمس من الإبل. على قول الخرقي. وعلى قول غيره، ينتقل ~~إلى خمسين دينارا أو ستمائة درهم. ### | [الفصل الخامس الغرة موروثة عن الجنين] # (6846) الفصل الخامس: أن الغرة موروثة عن الجنين، كأنه سقط حيا؛ لأنها ~~دية له، وبدل عنه، فيرثها ورثته، كما لو قتل بعد الولادة. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال الليث: لا تورث، بل تكون بدله لأمه؛ لأنه ~~كعضو من أعضائها، فأشبه يدها. # PageV08P408 # ولنا، أنها دية آدمي حر، فوجب أن تكون موروثة عنه، كما لو ولدته حيا ثم ~~مات، وقوله: إنه عضو من أعضائها. لا يصح؛ لأنه لو كان عضوا لدخل ms4622 بدله في ~~دية أمه، كيدها، ولما منع من القصاص من أمه، وإقامة الحد عليها من أجله، ~~ولما وجبت الكفارة بقتله، ولما صح عتقه دونها، ولا عتقها دونه، ولا تصور ~~حياته بعد موتها، ولأن كل نفس تضمن بالدية تورث، كدية الحي. # فعلى هذا، إذا أسقطت جنينا ميتا، ثم ماتت، فإنها ترث نصيبها من ديته، ثم ~~يرثها ورثته. وإن ماتت قبله ثم ألقته ميتا لم يرث أحدهما صاحبه، وإن خرج ~~حيا ثم مات قبلها، ثم ماتت، فإنها ترث نصيبها من ديته، ثم يرثها ورثتها. ~~وإن ماتت قبله، ثم ألقته ميتا، لم يرث أحدهما صاحبه. وإن خرج حيا، ثم ماتت ~~قبله ثم مات، أو ماتت ثم خرج حيا ثم مات، ورثها، ثم يرثه ورثته. وإن اختلف ~~وراثهما في أولهما موتا، فحكمهما حكم الغرقى. على ما ذكر في موضعه. ويجيء ~~على قول الخرقي في المسألة التي ذكرها، إذا ماتت امرأة وابنها، أن يحلف ~~ورثة كل واحد منهما ويختصوا بميراثه، وإن ألقت جنينا ميتا، أو حيا ثم مات، ~~ثم ألقت آخر حيا، ففي الميت غرة، وفي الحي الأول دية كاملة، إذا كان سقوطه ~~لوقت يعيش مثله، ويرثهما الآخر، ثم يرثه ورثته إن مات. # وإن كانت الأم قد ماتت بعد الأول وقبل الثاني، فإن دية الأول ترث منها ~~الأم والجنين الثاني، ثم إذا ماتت الأم، ورثها الثاني ثم يصير ميراثه ~~لورثته. وإن ماتت الأم بعدهما، ورثتهما جميعا. ### | [فصل ضرب بطن امرأة فألقت أجنة] # (6847) فصل: وإذا ضرب بطن امرأة، فألقت أجنة، ففي كل واحد غرة. وبهذا قال ~~الزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. قال: ولا أحفظ عن غيرهم ~~خلافهم. وذلك لأنه ضمان آدمي، فتعدد بتعدده، كالديات. وإن ألقتهم أحياء في ~~وقت يعيشون في مثله ثم ماتوا، ففي كل واحدة دية كاملة. وإن كان بعضهم حيا ~~فمات، وبعضهم ميتا، ففي الحي دية، وفي الميت غرة. ### | [فصل تحمل العاقلة دية الجنين إذا مات مع أمه] # (6848) فصل: وتحمل العاقلة دية الجنين إذا مات مع أمه. نص عليه أحمد، إذا ~~كانت ms4623 الجناية عليها خطأ أو شبه عمد؛ لما روى المغيرة بن شعبة، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة، على عصبة القاتلة. ~~وإن كان قتل الأم عمدا، أو مات الجنين وحده، لم تحمله العاقلة. وقال ~~الشافعي: تحمله العاقلة على كل حال، بناء على قوله: إن العاقلة تحمل القليل ~~والكثير. والجناية على الجنين ليست بعمد؛ لأنه لا يتحقق وجوده ليكون مقصودا ~~بالضرب. ولنا، أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، على ما ذكرناه، وهذا دون ~~الثلث. وإذا مات وحده أو من # PageV08P409 # جناية عمد، فدية أمه على قاتلها، فكذلك ديته؛ لأن الجناية لا يحمل بعض ~~ديتها الجاني وبعضها غيره، فيكون الجميع على القاتل، كما لو قطع عمدا، فسرت ~~الجناية إلى النفس. ### | [مسألة كان الجنين مملوكا] # (6849) مسألة؛ قال: (وإن كان الجنين مملوكا، ففيه عشر قيمة أمه، سواء كان ~~الجنين ذكرا أو أنثى) . وجملة ذلك أنه إذا كان جنين الأمة مملوكا، فسقط من ~~الضربة ميتا، ففيه عشر قيمة أمه. هذا قول الحسن، وقتادة، ومالك، والشافعي، ~~وإسحاق، وابن المنذر. وبنحوه قال النخعي، والزهري. وقال زيد بن أسلم: يجب ~~فيه نصف عشر غرة، وهو خمسة دنانير. # وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: يجب فيه نصف عشر قيمته إن كان ذكرا، ~~وعشر قيمته إن كان أنثى؛ لأن الغرة واجبة في جنين الحرة هي نصف عشر دية ~~الرجل، وعشر دية الأنثى، وهذا متلف، فاعتباره بنفسه أولى من اعتباره بأمه، ~~ولأنه جنين مضمون، تلف بالضربة، فكان فيه نصف عشر الواجب فيه إذا كان ذكرا ~~كبيرا، وعشر الواجب إذا كان أنثى، كجنين الحرة. وقال محمد بن الحسن: مذهب ~~أهل المدينة يفضي إلى أن يجب في الجنين الميت أكثر من قيمته إذا كان حيا. ~~ولنا، أنه جنين مات بالجناية في بطن أمه، فلم يختلف ضمانه بالذكورة ~~والأنوثة، كجنين الحرة، ودليلهم نقلبه عليهم، فنقول: جنين مضمون، تلف ~~بالجناية، فكان الواجب فيه عشر ما يجب في أمه، كجنين الحرة. # وما ذكروه من مخالفة الأصل، معارض بأن مذهبهم يفضي ms4624 إلى تفضيل الأنثى على ~~الذكر، وهو خلاف الأصول ولأنه لو اعتبر بنفسه، لوجبت قيمته كلها، كسائر ~~المضمونات بالقيمة، ولأن مخالفتهم أشد من مخالفتنا؛ لأننا اعتبرناه إذا كان ~~ميتا بأمه، وإذا كان حيا بنفسه، فجاز أن تزيد قيمة الميت على الحي مع ~~اختلاف الجهتين، كما جاز أن يزيد البعض على الكل في أن من قطع أطراف إنسان ~~الأربعة كان الواجب عليه أكثر من دية النفس كلها، وهم فضلوا الأنثى على ~~الذكر مع اتحاد الجهة، وأوجبوا فيما يضمن بالقيمة عشر قيمته تارة، ونصف ~~عشرها أخرى، وهذا لا نظير له. إذا ثبت هذا، فإن قيمة أمه معتبرة يوم ~~الجناية عليها. وهذا منصوص الشافعي. # وقال بعض أصحابه: تقوم حين أسقطت؛ لأن الاعتبار في ضمان الجناية ~~بالاستقرار. ويتخرج لنا وجه كذلك. ولنا، أنه لم يتخلل بين الجناية وحال ~~الاستقرار ما يوجب تغيير بدل النفس، فكان الاعتبار بحال الجناية، كما لو ~~جرح عبدا، ثم نقصت السوق؛ لكثرة الجلب، ثم مات، فإن الاعتبار بقيمته يوم ~~الجناية، # PageV08P410 # ولأن قيمتها تتغير بالجناية وتنقص، فلم تقوم في حال نقصها الحاصل ~~بالجناية، كما لو قطع يدها فماتت من سرايتها، أو قطع يدها فمرضت بذلك، ثم ~~اندملت جراحتها. ### | [فصل دية ولد المدبرة والمكاتبة والمعتقة بصفة] # (6850) فصل: وولد المدبرة والمكاتبة والمعتقة بصفة، وأم الولد إذا حملت ~~من غير مولاها، حكمه حكم ولد الأمة؛ لأنه مملوك، ولا تحمل العاقلة شيئا من ~~ذلك؛ لأن العاقلة لا تحمل عبدا بحال. فأما جنين المعتق بعضها، فهو كهي، فيه ~~من الحرية مثل ما فيها، فإذا كان نصفها حرا، فنصفه حر، فيه نصف غرة لورثته، ~~وفي النصف الباقي نصف عشر قيمة أمه لسيده. ### | [فصل وطئ أمة بشبهة أو غر بأمة] # (6851) فصل: وإن وطئ أمة بشبهة، أو غر بأمة فتزوجها وأحبلها، فضربها ~~ضارب، فألقت جنينا، فهو حر، وفيه غرة موروثة عنه لورثته، وعلى الواطئ عشر ~~قيمتها لسيدها؛ لأنه لولا اعتقاد الحرية، لكان هذا الجنين مملوكا لسيده، ~~على ضاربه عشر قيمة أمه، فلما انعتق بسبب الوطء، فقد حال بين سيدها وبين ms4625 ~~هذا القدر، فألزمناه ذلك للسيد، سواء كان بقدر الغرة أو أكثر منها، أو أقل. ### | [فصل سقط جنين ذمية قد وطئها مسلم وذمي في طهر واحد] # (6852) فصل: إذا سقط جنين ذمية، قد وطئها مسلم وذمي في طهر واحد، وجب فيه ~~اليقين، وهو ما في جنين الذمي، فإن ألحق بعد ذلك بالذمي، فقد وفى ما عليه، ~~وإن ألحق بمسلم، فعليه تمام الغرة. وإن ضرب بطن نصرانية، فأسقطت، وادعت أو ~~ادعى ورثته أنه من مسلم حملت به من وطء شبهة أو زنى، فاعترف الجاني، فعليه ~~غرة كاملة. وإن كان مما تحمله العاقلة، فاعترف أيضا، فالغرة عليها، وإن ~~أنكرت، حلفت، وعليها ما في جنين الذميين، والباقي على الجاني؛ لأنه ثبت ~~باعترافه، والعاقلة لا تحمل اعترافا. # وإن اعترفت العاقلة دون الجاني، فالغرة عليها مع دية أمه. وإن أنكر ~~الجاني والعاقلة، فالقول قولهم، مع أيمانهم أننا لا نعلم أن هذا الجنين من ~~مسلم، ولا تلزمهم اليمين على البت؛ لأنها يمين على النفي في فعل الغير، ~~فإذا حلفوا، وجبت دية ذمي؛ لأن الأصل أن ولدها تابع لها، ولأن الأصل براءة ~~الذمة. وإن كان مما لا تحمله العاقلة، فالقول قول الجاني وحده مع يمينه. ~~ولو كانت النصرانية امرأة مسلم، فادعى الجاني أن الجنين من ذمي بوطء شبهة ~~أو زنى، فالقول قول ورثة الجنين؛ لأن الجنين محكوم بإسلامه، فإن الولد ~~للفراش. ### | [فصل كانت الأمة بين شريكين] # (6853) فصل: وإذا كانت الأمة بين شريكين، فحملت بمملوك، فضربها أحدهما ~~فأسقطت، فعليه كفارة؛ لأنه أتلف # PageV08P411 # آدميا، ويضمن لشريكه نصف عشر قيمة أمه، ويسقط ضمان نصيبه؛ لأنه ملكه. وإن ~~أعتقها الضارب بعد ضربها، وكان معسرا، ثم أسقطت، عتق نصيبه منها ومن ولدها، ~~وعليه لشريكه نصف عشر قيمة الأم، وعليه نصف غرة من أجل النصف الذي صار حرا، ~~يورث عنه بمنزلة مال الجنين، ترث أمه منه بقدر ما فيها من الحرية. والباقي ~~لباقي ورثته. # هذا قول القاضي، وقياس قول ابن حامد. وهو مذهب الشافعي. وقياس قول أبي ~~بكر وأبي الخطاب، لا يجب على الضارب ضمان ms4626 ما أعتقه؛ لأنه حين الجناية لم ~~يكن مضمونا عليه، والاعتبار في الضمان بحال الجناية، وهي الضرب، ولهذا ~~اعتبرنا قيمة الأم حال الضرب. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. وهذا أصح، إن ~~شاء الله؛ لأن الإتلاف حصل بفعل غير مضمون، فأشبه ما لو جرح حربيا فأسلم، ~~ثم مات بالسراية، ولأن موته يحتمل أن يكون قد حصل بالضرب، فلا يتجدد ضمانه ~~بعد موته، والأصل براءة ذمته. # وإن كان المعتق موسرا، سرى العتق إليها وإلى جنينها، وفي الضمان الوجهان؛ ~~فعلى قول القاضي، في الجنين غرة موروثة عنه. وعلى قياس قول أبي بكر، عليه ~~ضمان نصيب شريكه من الجنين بنصف عشر قيمة أمه، ولا يضمن أمه؛ لأنه قد ضمنها ~~بإعتاقها، فلا يضمنها بتلفها. وإن كان المعتق الشريك الذي لم يضرب، وكان ~~معسرا، فلا ضمان على الشريك في نصيبه؛ لأن العتق لم يسر إليه، وعليه في ~~نصيب شريكه من الجنين نصف غرة، يرثها ورثته على قول القاضي. وعلى قياس قول ~~أبي بكر، يضمن نصيب شريكه بنصف عشر قيمة أمه، يكون لسيده اعتبارا بحال ~~الجناية. وكذلك الحكم في ضمان الأم إذا ماتت من الضربة. وإن كان المعتق ~~موسرا، سرى العتق إليهما، وصارا حرين، وعلى المعتق ضمان نصف الأم، ولا يضمن ~~نصف الجنين؛ لأنه يدخل في ضمان الأم، كما يدخل في بيعها، وعلى الضارب ضمان ~~الجنين بغرة موروثة عنه، على قول القاضي. # وعلى قياس قول أبي بكر، يضمن نصيب الشريك بنصف عشر قيمة أمه، وليس عليه ~~ضمان نصيبه؛ لأنه ملكه حال الجناية عليه. وأما ضمان الأم، ففي أحد الوجهين، ~~فيها دية حرة، لسيدها منها أقل الأمرين من ديتها أو قيمتها. وعلى الآخر، ~~يضمنها بقيمتها لسيدها، كما تقدم من قطع يد عبد، ثم أعتق ومات. ### | [فصل ضرب بطن أمته ثم أعتقها] # (6854) فصل: ولو ضرب بطن أمته، ثم أعتقها، ثم أسقطت جنينا ميتا، لم ~~يضمنه. في قياس قول أبي بكر؛ لأن جنايته لم تكن مضمونة في ابتدائها، فلم ~~يضمن سرايتها، كما لو خرج مرتدا فأسلم، ثم مات، ولأن موت # PageV08P412 # الجنين ms4627 يحتمل أنه حصل بالضربة في مملوكه. ولم يتجدد بعد العتق ما يوجب ~~الضمان. وعلى قول ابن حامد، عليه غرة، لا يرث منها شيئا؛ لأن اعتبار ~~الجناية بحال استقرارها. ولو كانت الأمة لشريكين، فضرباها، ثم أعتقاها معا، ~~فوضعت جنينا ميتا، فعلى قول أبي بكر، على كل واحد منهما نصف عشر قيمة أمه ~~لشريكه؛ لأن كل واحد منهما جنى على الجنين، ونصفه له، فسقط عنه ضمانه، ولزم ~~ضمان نصفه الذي لشريكه بنصف عشر قيمة أمه، اعتبارا بحال الجناية. وعلى قول ~~ابن حامد، على كل واحد منهما نصف الغرة، للأم منها الثلث، وباقيها للورثة، ~~ولا يرث القاتل منها شيئا. ### | [فصل ضرب ابن المعتقة الذي أبوه عبد بطن امرأة] # (6855) فصل: إذا ضرب ابن المعتقة الذي أبوه عبد بطن امرأة، ثم أعتق أبوه، ~~ثم أسقطت جنينا وماتت، احتمل أن تكون ديتهما في مال الجاني، على ما تقدم ~~ذكره. واحتمل أن تكون الدية على مولى الأم وعصباته، في قياس قول أبي بكر، ~~اعتبارا بحال الجناية. وعلى قياس قول ابن حامد، على مولى الأب وأقاربه، ~~اعتبارا بحال الإسقاط. وإن ضرب ذمي بطن امرأته الذمية، ثم أسلم، ثم أسقطت، ~~لم تحمله عاقلته. وإن ماتت معه فكذلك؛ لأن عاقلته المسلمين لا يعقلون عنه؛ ~~لأنه كان حين الجناية ذميا، وأهل الذمة لا يعقلون عنه؛ لأنه حين الإسقاط ~~مسلم. # ويحتمل أن يكون عقله، في قياس قول أبي بكر، على عاقلته من أهل الذمة، ~~اعتبارا بحال الجناية، ويكون في الجنين ما يجب في الجنين الكافر لأنه حين ~~الجناية محكوم بكفره، وعلى قياس قول ابن حامد تجب فيه غرة كاملة، ويكون ~~عقله وعقل أمه على عاقلته المسلمين، اعتبارا بحال الاستقرار. ### | [مسألة ضرب بطنها فألقت جنينا حيا ثم مات] # (6856) مسألة: قال: (وإن ضرب بطنها، فألقت جنينا حيا، ثم مات من الضربة، ~~ففيه دية حر إن كان حرا، أو قيمته إن كان مملوكا، إذا كان سقوطه لوقت يعيش ~~لمثله، وهو أن يكون لستة أشهر فصاعدا) هذا قول عامة أهل العلم. قال ابن ~~المنذر: أجمع كل ms4628 من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن في الجنين، يسقط حيا من ~~الضرب، دية كاملة، منهم؛ زيد بن ثابت، وعروة، والزهري، والشعبي، وقتادة، ~~وابن شبرمة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنه ~~مات من جنايته بعد ولادته، في وقت يعيش لمثله، فأشبه قتله بعد وضعه. # وفي هذه المسألة ثلاثة فصول: (6857) الفصل الأول: أنه إنما يضمن بالدية ~~إذا وضعته حيا، ومتى علمت حياته، ثبت له هذا الحكم، سواء ثبتت باستهلاله، # PageV08P413 # أو ارتضاعه، أو بنفسه، أو عطاسه، أو غيره من الأمارات التي تعلم بها ~~حياته. هذا ظاهر قول الخرقي. وهو مذهب الشافعي. وروي عن أحمد، أنه لا يثبت ~~له حكم الحياة إلا بالاستهلال. وهذا قول الزهري، وقتادة، ومالك، وإسحاق. ~~وروي معنى ذلك عن عمر، - رضي الله عنه - وابن عباس، والحسن بن علي، وجابر، ~~- رضي الله عنهم -؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استهل ~~المولود، ورث وورث» . مفهومه أنه لا يرث إذا لم يستهل. والاستهلال: الصياح. # قاله ابن عباس، والقاسم، والنخعي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«ما من مولود يولد، إلا مسه الشيطان، فيستهل صارخا، إلا مريم وابنها» . فلا ~~يجوز غير ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأصل في تسمية الصياح ~~استهلالا، أن من عادة الناس أنهم إذا رأوا الهلال صاحوا، وأراه بعضهم بعضا، ~~فسمي صياح المولود استهلالا؛ لأنه في ظهوره بعد خفائه كالهلال، وصياحه ~~كصياح من يتراءاه. ولنا، أنه علمت حياته، فأشبه المستهل، والخبر يدل بمعناه ~~وتنبيهه على ثبوت الحكم في سائر الصور؛ لأن شربه اللبن أدل على حياته من ~~صياحه، وعطاسه صوت منه كصياحه، وأما الحركة والاختلاج المنفرد، فلا يثبت به ~~حكم؛ الحياة؛ لأنه قد يتحرك بالاختلاج وسبب أخر، وهو خروجه من مضيق، فإن ~~اللحم يختلج سيما إذا عصر ثم ترك، فلم تثبت بذلك حياته. (6858) الفصل ~~الثاني: أنه إنما يجب ضمانه إذا علم موته بسبب الضربة، ويحصل ذلك بسقوطه في ~~الحال وموته أو بقائه، متألما إلى أن يموت، أو بقاء أمه متألمة إلى ms4629 أن ~~تسقطه، فيعلم بذلك موته بالجناية، كما لو ضرب رجلا فمات عقيب ضربه، أو بقي ~~ضمنا حتى مات. # وإن ألقته حيا، فجاء آخر فقتله، وكان فيه حياة مستقرة، فعلى الثاني ~~القصاص إذا كان عمدا، أو الدية كاملة، وإن لم يكن فيه حياة مستقرة، بل كانت ~~حركته كحركة المذبوح، فالقاتل هو الأول، وعليه الدية كاملة، وعلى الثاني ~~الأدب. وإن وقع الجنين حيا، ثم بقي زمنا سالما لا ألم به لم يضمنه الضارب؛ ~~لأن الظاهر أنه لم يمت من جنايته. (6859) الفصل الثالث: أن الدية الكاملة ~~إنما تجب فيه إذا كان سقوطه لستة أشهر فصاعدا، فإن كان لدون ذلك، ففيه غرة، ~~كما لو سقط متألما. وبهذا قال المزني. وقال الشافعي: فيه دية كاملة؛ لأننا ~~علمنا حياته، وقد تلف من جنايته. # PageV08P414 # ولنا، أنه لم تعلم فيه حياة يتصور بقاؤه بها، فلم تجب فيه دية، كما لو ~~ألقته ميتا، وكالمذبوح. وقولهم: إننا علمنا حياته. قلنا: وإذا سقط ميتا وله ~~ستة أشهر، فقد علمنا حياته أيضا. ### | [فصل ادعت امرأة على إنسان أنه ضربها فأسقطت جنينها فأنكر الضرب] # (6860) فصل: وإذا ادعت امرأة على إنسان أنه ضربها، فأسقطت جنينها، فأنكر ~~الضرب، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الضرب. وإن أقر بالضرب، أو ~~قامت به بينة، وأنكر أن تكون أسقطت، فالقول قوله أيضا مع يمينه لأنه لا ~~يعلم أنها أسقطت، ولا تلزمه اليمين على البت؛ لأنها يمين على فعل الغير، ~~والأصل عدمه. وإن ثبت الإسقاط والضرب ببينة أو إقرار، فادعى أنها أسقطته من ~~غير ضربه، نظرنا؛ فإن كانت أسقطت عقيب ضربه، فالقول قولها؛ لأن الظاهر أنه ~~منه، لوجوده عقيب شيء يصلح أن يكون سببا له. وإن ادعى أنها ضربت نفسها، أو ~~شربت دواء، أو فعل ذلك غيرها، فحصل الإسقاط به، فأنكرته، فالقول قولها مع ~~يمينها؛ لأن الأصل عدم ذلك. وإن أسقطت بعد الضرب بأيام، نظرنا؛ فإن كانت ~~متألمة إلى حين الإسقاط، فالقول قولها، وإن لم تكن متألمة، فالقول قوله مع ~~يمينه، كما # لو ضرب إنسانا فلم يبق متألما ms4630 ولا ضمنا، ومات بعد أيام. وإن اختلفا في ~~وجود التألم، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدمه. وإن كانت متألمة في بعض المدة، ~~فادعى أنها برئت، وزال ألمها، وأنكرت ذلك، فالقول قولها؛ لأن الأصل بقاؤه. ~~وإن ثبت إسقاطها من الضربة، فادعت سقوطه حيا، وأنكرها، فالقول قوله مع ~~يمينه، إلا أن تقوم لها بينة باستهلاله؛ لأن الأصل عدم ذلك. وإن ثبتت ~~حياته، فادعت أنه لوقت يعيش مثله، وأنكرها، فالقول قولها مع يمينها؛ لأن ~~ذلك لا يعرف إلا من جهتها، ولا يمكن إقامة البينة عليه، فقبل قولها فيه، ~~كانقضاء عدتها، ووجود حيضها وطهرها. وإن أقامت بينة باستهلاله، وأقام ~~الجاني بينة بعدم استهلاله، قدمت بينتها؛ لأنها مثبتة، فتقدم على النافية؛ ~~لأن المثبتة معها زيادة علم. وإن ادعت أنه مات عقيب إسقاطه، وادعى أنه عاش ~~مدة، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم حياته. # وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه، قدمت بينة الجاني؛ لأن معها زيادة ~~علم. وإن ثبت أنه عاش مدة فادعت أنه بقي متألما حتى مات، وأنكر ذلك، فالقول ~~قوله؛ لأن الأصل عدم التألم. وإن أقاما بينتين، قدمت بينتها؛ لأن معها ~~زيادة علم. ويقبل في استهلال الجنين، وسقوطه، وبقائه متألما، وبقاء أمه ~~متألمة، قول امرأة واحدة؛ لأنه مما لا يطلع عليه الرجال، فإن الغالب أنه لا ~~يشهد الولادة إلا النساء، والاستهلال يتصل بها، وهن يشهدن حال المرأة ~~وولادتها، وحال الطفل، ويعرفن علله وأمراضه، وقوته # PageV08P415 # وضعفه، دون الرجال. وإن اعترف الجاني باستهلاله، أو ما يوجب فيه دية ~~كاملة، لم تحمله العاقلة، وكانت الدية في مال الجاني؛ لأن العاقلة لا تحمل ~~اعترافا. وإن كان مما تحمل العاقلة فيه الغرة، فعلى العاقلة غرة، وباقي ~~الدية في مال القاتل. (6861) فصل: وإن انفصل منها جنينان، ذكر وأنثى، ~~فاستهل أحدهما، واتفقوا على ذلك، واختلفوا في المستهل، فقال الجاني: هو ~~الأنثى. وقال وارث الجنين: هو الذكر، فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن ~~الأصل عدم الاستهلال من الذكر، وبراءة ذمته من الزائد على دية الأنثى، فإن ~~كان لأحدهما بينة، قدم بها، وإن كان ms4631 لكل واحد منهما بينة، وجبت دية الذكر؛ ~~لأن البينة قد قامت باستهلاله، والبينة المعارضة لها نافية له، والإثبات ~~مقدم على النفي. # فإن قيل: فينبغي أن تجب دية الذكر والأنثى. قلنا: لا تجب دية الأنثى؛ لأن ~~المستحق لها لم يدعها، وهو مكذب للبينة الشاهدة بها. وإن ادعى الاستهلال ~~منهما، ثبت ذلك بالبينتين. وإن لم تكن بينة، فاعترف الجاني باستهلال الذكر، ~~فأنكرت العاقلة، فالقول قولهم مع أيمانهم، فإذا حلفوا، كانت عليهم دية ~~الأنثى وغرة، إن كانت تحمل الغرة، وعلى الضارب تمام دية الذكر، وهو نصف ~~الدية، لا تحمله العاقلة؛ لأنه ثبت باعترافه. وإن اتفقوا على أن أحدهما ~~استهل، ولم يعرف بعينه، لزم العاقلة دية أنثى؛ لأنها متيقنة، وتمام دية ~~الذكر مشكوك فيه، والأصل براءة الذمة منه، فلم يجب بالشك، ويجب الغرة في ~~الذي لم يستهل. # (6862) فصل: إذا ضربها، فألقت يدا، ثم ألقت جنينا، فإن كان إلقاؤهما ~~متقاربا، أو بقيت المرأة متألمة إلى أن ألقته، دخلت اليد في ضمان الجنين؛ ~~لأن الظاهر أن الضرب قطع يده، وسرى إلى نفسه، فأشبه ما لو قطع يد رجل وسرى ~~القطع إلى نفسه، ثم إن كان الجنين سقط ميتا، أو حيا لا يعيش لمثله، ففيه ~~غرة، وإن ألقته حيا لوقت يعيش لمثله، ففيه دية كاملة، وإن بقي حيا فلم يمت، ~~فعلى الضارب ضمان اليد بديتها، بمنزلة من قطع يد رجل فاندملت. وقال القاضي، ~~وبعض أصحاب الشافعي: يسأل القوابل، فإن قلن: إنها يد من لم تخلق فيه ~~الحياة؛ ففيها نصف الغرة، وإن قلن: يد من خلقت فيه الحياة؛ ففيها نصف ~~الدية. # ولنا، أن الجنين إنما يتصور بقاء الحياة فيه إذا كان حيا قبل ولادته بمدة ~~طويلة، أقلها شهران، على ما دل عليه حديث الصادق المصدوق، في أنه تنفخ فيه ~~الروح بعد أربعة أشهر، وأقل ما يبقى بعد # PageV08P416 # ذلك شهران؛ لأنه لا يحيى إذا وضعته لأقل من ستة أشهر، والكلام مفروض فيما ~~إذا لم يتخلل بين الضربة والإسقاط مدة تزيل ظن سقوطه بها، فيعلم حينئذ أنها ~~كانت بعد وجود ms4632 الحياة فيه، وأما إن ألقت اليد، وزال الألم، ثم ألقت الجنين، ~~ضمن اليد وحدها، بمنزلة من قطع يدا فاندملت، ثم مات صاحبها، ثم ننظر؛ فإن ~~ألقته ميتا، أو لوقت لا يعيش مثله، ففي اليد نصف غرة؛ لأن في جميعه غرة، ~~ففي يده نصف ديته، وإن ألقته حيا لوقت يعيش لمثله، ثم مات، أو عاش، وكان ~~بين إلقاء اليد وبين إلقائه مدة يحتمل أن تكون الحياة لم تخلق فيها، أري ~~القوابل هاهنا، فإن قلن: إنها يد من لم تخلق فيها الحياة. وجب نصف غرة، وإن ~~قلن: إنها يد من خلقت فيه الحياة، ومضى له ستة أشهر. ففيه نصف الدية، وإن ~~قيل: إنها يد من خلقت فيه الحياة، ولم تمض له ستة أشهر. وجب فيه نصف غرة؛ ~~لأنها يد من لا يجب فيه أكثر من غرة، فأشبهت يد من لم ينفخ فيه روح، وإن ~~أشكل الأمر عليهن، وجب نصف الغرة؛ لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه، فلا يجب ~~بالشك. ### | [مسألة عتق رقبة مؤمنة إذا كان الجنين حيا أو ميتا] # (6863) مسألة: قال: وعلى كل من ضرب ممن ذكرت، عتق رقبة مؤمنة، سواء كان ~~الجنين حيا أو ميتا هذا قول أكثر أهل العلم، منهم الحسن، وعطاء، والزهري، ~~والحكم، ومالك، والشافعي، وإسحاق. قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل ~~العلم أوجب على ضارب بطن المرأة تلقي جنينا الرقبة مع الغرة. وروي ذلك عن ~~عمر - رضي الله عنه -. وقال أبو حنيفة: لا تجب الكفارة؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يوجب الكفارة حين أوجب الغرة. ولنا، قول الله تعالى ~~{ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] . وقال: {وإن كان من ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: ~~92] . # وهذا الجنين، إن كان من مؤمنين، أو أحد أبويه، فهو محكوم بإيمانه تبعا، ~~يرثه ورثته المؤمنون، ولا يرث الكافر منه شيئا، وإن كان من أهل الذمة، فهو ~~من قوم بيننا وبينهم ميثاق، ولأنه نفس مضمون بالدية، فوجبت فيه الرقبة ~~كالكبير، ms4633 وترك ذكر الكفارة لا يمنع وجوبها، كقوله - عليه السلام -: «في ~~النفس المؤمنة مائة من الإبل» . وذكر الدية في مواضع، ولم يذكر الكفارة، ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV08P417 # «قضى بدية المقتولة على عاقلة القاتلة» ، ولم يذكر كفارة، وهي واجبة، كذا ~~هاهنا، وإنما كان كذلك؛ لأن الآية أغنت عن ذكر الكفارة في موضع آخر، فاكتفي ~~بها. وإن ألقت المضروبة أجنة، ففي كل جنين كفارة، كما أن في كل جنين غرة أو ~~دية. وإن اشترك جماعة في ضرب امرأة، فألقت جنينا، فديته أو الغرة عليهم ~~بالحصص، وعلى كل واحد منهم كفارة، كما إذا قتل جماعة رجلا واحدا. # وإن ألقت أجنة، فدياتهم عليهم بالحصص، وعلى كل واحد في كل جنين كفارة، ~~فلو ضرب ثلاثة بطن امرأة، فألقت ثلاثة أجنة، فعليهم تسع كفارات، على كل ~~واحد ثلاثة. ### | [مسألة شربت الحامل دواء فألقت به جنينا] # (6864) مسألة: قال: وإذا شربت الحامل دواء، فألقت به جنينا، فعليها غرة، ~~لا ترث منها شيئا، وتعتق رقبة ليس في هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم ~~نعلمه، إلا ما كان من قول من لم يوجب عتق الرقبة، على ما قدمنا، وذلك لأنها ~~أسقطت الجنين بفعلها وجنايتها، فلزمها ضمانه بالغرة، كما لو جنى عليه ~~غيرها، ولا ترث من الغرة شيئا؛ لأن القاتل لا يرث المقتول، وتكون الغرة ~~لسائر ورثته، وعليها عتق رقبة؛ كما قدمنا. ولو كان الجاني المسقط للجنين ~~أباه، أو غيره من ورثته، فعليه غرة، لا يرث منها شيئا، ويعتق رقبة. وهذا ~~قول الزهري، والشافعي، وغيرهما. # (6865) فصل: وإن جنى على بهيمة، فألقت جنينها، ففيه ما نقصها، في قول ~~عامة أهل العلم. وحكي عن أبي بكر، أن فيه عشر قيمة أمه؛ لأنه جناية على ~~حيوان يملك بيعه أسقطت جنينه، أشبه جنين الأمة. وهذا لا يصح؛ لأن الجناية ~~على الأمة تقدر من قيمتها، ففي يدها نصف قيمتها، وفي موضحتها نصف عشر ~~قيمتها، بقدر جنينها من قيمتها، كبعض أعضائها، والبهيمة إنما يجب في ~~الجناية عليها قدر نقصها، فكذلك في جنينها، ولأن الأمة آدمية، ألحقت ms4634 ~~بالأحرار في تقدير أعضائها من ديتها، والبهيمة بخلاف ذلك. ### | [مسألة رمى ثلاثة بالمنجنيق فرجع الحجر فقتل رجلا] # (6866) مسألة: قال: وإذا رمى ثلاثة بالمنجنيق، فرجع الحجر، فقتل رجلا، ~~فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية، وعلى كل واحد منهم عتق رقبة مؤمنة في ~~ماله أما عتق رقبة على كل واحد منهم، فلا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم؛ ~~لأن كل واحد منهم مشارك في إتلاف آدمي معصوم، والكفارة لا تتبعض، فكملت في ~~حق كل واحد منهم، ثم لا يخلو من حالين؛ # PageV08P418 # أحدهما، أن يقتل واحدا منهم. والثاني: أن يقتل واحدا من غيرهم. فعلى كل ~~واحد عتق رقبة، كما ذكرنا، والدية على عواقلهم أثلاثا؛ لأن العاقلة تحمل ~~الثلث فما زاد، سواء قصدوا رمي واحد بعينه، أو رمي جماعة، أو لم يقصدوا ~~ذلك، إلا أنهم إن لم يقصدوا قتل آدمي معصوم، فهو خطأ ديته دية الخطإ، وإن ~~قصدوا رمي جماعة أو واحد بعينه، فهو شبه عمد؛ لأن قصد الواحد بعينه ~~بالمنجنيق لا يكاد يفضي إلى إتلافه، فتكون ديته مغلظة على العاقلة، إلا ~~أنها في ثلاث سنين. وعلى قول أبي بكر، لا تحمل العاقلة دية شبه العمد، فلا ~~تحمله هاهنا. # الثاني: أن يصيب رجلا منهم، فعلى كل واحد كفارة أيضا، ولا تسقط عمن أصابه ~~الحجر؛ لأنه شارك في قتل نفس مؤمنة، والكفارة إنما تجب لحق الله تعالى، ~~فوجبت عليه بالمشاركة في نفسه، كوجوبها بالمشاركة في قتل غيره. وأما الدية، ~~ففيها ثلاثة أوجه، أحدها، أن على عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته لورثة ~~المقتول؛ لأن كل واحد منهم مشارك في قتل نفس مؤمنة خطأ، فلزمته ديتها، ~~كالأجانب. وهذا ينبني على إحدى الروايتين، في أن جناية المرء على نفسه أو ~~أهله خطأ يحمل عقلها عاقلته الوجه الثاني: أن ما قابل فعل المقتول ساقط، لا ~~يضمنه أحد؛ لأنه شارك في إتلاف حقه، فلم يضمن ما قابل فعله، كما لو شارك في ~~قتل بهيمته أو عبده. وهذا الذي ذكره القاضي في " المجرد "، ولم يذكر غيره. ~~وهو مذهب الشافعي. ms4635 # الثالث: أن يلغى فعل المقتول في نفسه، وتجب ديته بكمالها على عاقلة ~~الآخرين نصفين. قال أبو الخطاب: هذا قياس المذهب، بناء على مسألة ~~المتصادمين. والذي ذكره القاضي أحسن، وأصح في النظر، وقد روي نحوه عن علي - ~~رضي الله عنه - في مسألة القارضة والقابضة والواقصة، قال الشعبي: وذلك أن ~~ثلاث جوار اجتمعن فأرن، فركبت إحداهن على عنق أخرى، وقرصت الثالثة ~~المركوبة، فقمصت، فسقطت الراكبة، فوقصت عنقها، فماتت، فرفع ذلك إلى علي - ~~رضي الله عنه - فقضى بالدية أثلاثا على عواقلهن، وألغى الثلث الذي قابل فعل ~~الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل نفسها. وهذه شبيهة بمسألتنا، ولأن المقتول ~~مشارك في القتل، فلم تكمل الدية على شريكيه، كما لو قتلوا واحدا من غيرهم. # وإن رجع الحجر، فقتل اثنين من الرماة، فعلى الوجه الأول، تجب ديتهما على ~~عواقلهما أثلاثا، وعلى كل واحد كفارتان. وعلى الوجه الثاني: تجب # PageV08P419 # على عاقلة الحي منهم، لكل ميت ثلث ديته، وعلى عاقلة كل واحد من الميتين ~~ثلث دية صاحبه، ويلغى فعله في نفسه. وعلى الوجه الثالث، على عاقلة الحي لكل ~~واحد من الميتين نصف الدية، ويجب على عاقلة كل واحد من الميتين نصف الدية ~~لصاحبه. (6867) مسألة: قال: وإن كانوا أكثر من ثلاثة، فالدية حالة في ~~أموالهم هذا هو الصحيح في المذهب، سواء كان المقتول منهم أو من غيرهم، إلا ~~أنه إذا كان منهم، يكون فعل المقتول في نفسه هدرا؛ لأنه لا يجب عليه لنفسه ~~شيء، ويكون باقي الدية في أموال شركائه حالا؛ لأن التأجيل في الديات إنما ~~يكون فيما تحمله العاقلة، وهذا لا تحمله العاقلة؛ لأنها لا تحمل ما دون ~~الثلث، والقدر اللازم لكل واحد دون الثلث. # وذكر أبو بكر فيها رواية أخرى: أن العاقلة تحملها؛ لأن الجناية فعل واحد، ~~أوجب دية تزيد على الثلث. والصحيح هو الأول؛ لأن كل واحد منهم يختص بموجب ~~فعله دون فعل شركائه، وحمل العاقلة إنما شرع للتخفيف عن الجاني فيما يشق ~~ويثقل، وما دون الثلث يسير، على ما أسلفناه، والذي يلزم كل واحد أقل من ms4636 ~~الثلث. وأما قوله: إنه فعل واحد. قلنا: بل هي أفعال؛ لأن فعل كل واحد غير ~~فعل الآخر، وإنما موجب الجميع واحد، فأشبه ما لو جرحه كل واحد جرحا فاتت ~~النفس بجميعها. إذا ثبت هذا، فالضمان يتعلق بمن مد الحبال، ورمى الحجر دون ~~من وضعه في الكفة، وأمسك الخشبة، اعتبارا بالمباشر. كمن وضع سهما في قوس ~~رجل، ورماه صاحب القوس، فالضمان على الرامي دون الواضع. ### | [فصل سقط رجل في بئر فسقط عليه آخر فقتله] # (6868) فصل: إذا سقط رجل في بئر، فسقط عليه آخر فقتله، فعليه ضمانه؛ لأنه ~~قتله فضمنه، كما لو رمى عليه حجرا، ثم ينظر؛ فإن كان عمد رمي نفسه عليه، ~~وهو مما يقتل غالبا، فعليه القصاص، وإن كان مما لا يقتل غالبا، فهو شبه ~~عمد، وإن وقع خطأ، فالدية على عاقلته مخففة. وإن مات الثاني بوقوعه على ~~الأول، فدمه هدر؛ لأنه مات بفعله. # وقد روى علي بن رباح اللخمي، أن رجلا كان يقود أعمى، فوقعا في بئر؛ خر ~~البصير، ووقع الأعمى فوق البصير، فقتله، فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى، ~~فكان الأعمى ينشد في الموسم: # يا أيها الناس لقيت منكرا ... هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا # خرا معا كلاهما تكسرا # PageV08P420 # وهذا قول ابن الزبير، وشريح، والنخعي، والشافعي، وإسحاق. ولو قال قائل: ~~ليس على الأعمى ضمان البصير؛ لأنه الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه، ~~وكان سبب وقوعه عليه، ولذلك لو فعله قصدا لم يضمنه، بغير خلاف، وكان عليه ~~ضمان الأعمى، ولو لم يكن سببا لم يلزمه ضمان بقصده. لكان له وجه، إلا أن ~~يكون مجمعا عليه، فلا تجوز مخالفة الإجماع. # ويحتمل أنه إنما لم يجب الضمان على القائد لوجهين؛ أحدهما، أنه مأذون فيه ~~من جهة الأعمى، فلم يضمن ما تلف به، كما لو حفر له بئرا في داره بإذنه، ~~فتلف بها. الثاني: أنه فعل مندوب إليه، مأمور به، فأشبه ما لو حفر بئرا في ~~سابلة ينتفع بها المسلمون، فإنه لا يضمن ما تلف بها. ### | [فصل سقط رجل في بئر فتعلق ms4637 بآخر فوقعا معا] # (6869) فصل: فإن سقط رجل في بئر، فتعلق بآخر، فوقعا معا، فدم الأول هدر؛ ~~لأنه مات من فعله، وعلى عاقلته دية الثاني إن مات؛ لأنه قتله بجذبته. فإن ~~تعلق الثاني بثالث، فماتوا جميعا، فلا شيء على الثالث، وعلى عاقلة الثاني ~~ديته، في أحد الوجهين؛ لأنه جذبه وباشره بالجذب، والمباشرة تقطع حكم السبب، ~~كالحافر مع الدافع، والثاني ديته على عاقلة الأول، والثاني نصفين؛ لأن ~~الأول جذب الثاني الجاذب للثالث، فصار مشاركا للثاني في إتلافه. ودية ~~الثاني على عاقلة الأول، في أحد الوجهين؛ لأنه هلك بجذبته، وإن هلك بسقوط ~~الثالث عليه، فقد هلك بجذبة الأول وجذبة نفسه للثالث، فسقط فعل نفسه، ~~كالمصطدمين، وتجب ديته بكمالها على الأول. ذكره القاضي. # والوجه الثاني: يجب على الأول نصف ديته، ويهدر نصفها في مقابلة فعل نفسه. ~~وهذا مذهب الشافعي. ويتخرج وجه ثالث، وهو وجوب نصف ديته على عاقلته لورثته، ~~كما قلنا فيما إذا رمى ثلاثة بالمنجنيق، فقتل الحجر أحدهم. وأما الأول إذا ~~مات بوقوعهما عليه، ففيه الأوجه الثلاثة؛ لأنه مات من جذبته وجذبة الثاني ~~للثالث، فتجب ديته كلها على عاقلة الثاني: ويلغى فعل نفسه، على الوجه ~~الأول. وعلى الثاني: يهدر نصف ديته المقابل لفعل نفسه، ويجب نصفها على ~~الثاني: وعلى الثالث، يجب نصفها على عاقلته لورثته. # وإن جذب الثالث رابعا، فمات جميعهم بوقوع بعضهم على بعض، فلا شيء على ~~الرابع؛ لأنه لم يفعل شيئا في نفسه ولا غيره، وفي ديته وجهان؛ # PageV08P421 # أحدهما؛ أنها على عاقلة الثالث المباشر لجذبه. والثاني: على عاقلة الأول ~~والثاني والثالث؛ لأنه مات من جذب الثلاثة، فكانت ديته على عواقلهم. وأما ~~الأول فقد مات بجذبته وجذبة الثاني وجذبة الثالث، ففيه ثلاثة أوجه؛ أحدها، ~~أنه يلغى فعل نفسه، وتجب ديته على عاقلة الثاني والثالث نصفين. الثاني: يجب ~~على عاقلتهما ثلثاها، ويسقط ما قابل فعل نفسه، الثالث: يجب ثلثها على ~~عاقلته لورثته. وأما الجاذب الثاني: فقد مات بالأفعال الثلاثة، وفيه هذه ~~الأوجه المذكورة في الأول سواء. # وأما الثالث: ففيه مثل هذه الأوجه الثلاثة، ms4638 ووجهان آخران؛ أحدهما، أن ~~ديته بكمالها على الثاني؛ لأنه المباشر لجذبه، فسقط فعل غيره بفعله. ~~والثاني أن على عاقلته نصفها، ويسقط النصف الثاني في مقابلة فعله في نفسه. ~~(6870) فصل: وإن وقع بعضهم على بعض، فماتوا، نظرت؛ فإن كان موتهم بغير وقوع ~~بعضهم على بعض، مثل أن يكون البئر عميقا يموت الواقع فيه بنفس الوقوع، أو ~~كان فيه ماء يغرق الواقع فيقتله، أو أسد يأكلهم، فليس على بعضهم ضمان بعض؛ ~~لعدم تأثير فعل بعضهم في هلاك بعض، وإن شككنا في ذلك، لم يضمن بعضهم بعضا؛ ~~لأن الأصل براءة الذمة فلا نشغلها بالشك. # وإن كان موتهم بوقوع بعضهم على بعض، فدم الرابع هدر؛ لأن غيره لم يفعل ~~فيه شيئا، وإنما هلك بفعله، وعليه دية الثالث؛ لأنه قتله بوقوعه عليه، ودية ~~الثاني عليه وعلى الثالث نصفين، ودية الأول على الثلاثة أثلاثا. (6871) ~~فصل: وإن هلكوا بأمر في البئر، مثل أسد كان فيه، وكان الأول جذب الثاني، ~~والثاني جذب الثالث، والثالث جذب الرابع، فقتلهم الأسد، فلا شيء على ~~الرابع، وديته على عاقلة الثالث، في أحد الوجهين، وفي الثاني: على عواقل ~~الثلاثة أثلاثا، ودم الأول هدر، على عاقلته دية الثاني. # وأما دية الثالث، فعلى الثاني: في أحد الوجهين، وفي الآخر، على الأول ~~والثاني نصفين. وهذه المسألة تسمى مسألة الزبية، وقد روى حنش الصنعاني، «أن ~~قوما من أهل اليمن، حفروا زبية للأسد، فاجتمع الناس على رأسها، فهوى فيها ~~واحد، فجذب ثانيا، فجذب الثاني ثالثا، ثم جذب الثالث رابعا، فقتلهم الأسد، ~~فرفع ذلك إلى علي - رضي الله عنه - فقال: للأول ربع الدية؛ لأنه هلك فوقه ~~ثلاثة، وللثاني ثلث الدية؛ لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث نصف الدية، لأنه ~~هلك فوقه واحد، وللرابع كمال الدية. وقال: فإني أجعل الدية على من حضر رأس ~~البئر. فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هو كما قال» . ~~رواه سعيد بن منصور. قال: حدثنا # PageV08P422 # أبو عوانة، وأبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن حنش، بنحو هذا المعنى. قال ~~أبو الخطاب: فذهب أحمد ms4639 إلى ذلك توقيفا على خلاف القياس، والقياس ما ذكرناه. ### | [فصل الضمان بالسبب] # (6872) فصل: ويجب الضمان بالسبب، كما يجب بالمباشرة، فإذا حفر بئرا في ~~طريق لغير مصلحة المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، أو وضع في ذلك حجرا ~~أو حديدة، أو صب فيه ماء، أو وضع فيه قشر بطيخ أو نحوه، وهلك فيه إنسان أو ~~دابة، ضمنه؛ لأنه تلف بعدوانه فضمنه، كما لو جنى عليه. روي عن شريح، أنه ~~ضمن رجلا حفر بئرا، فوقع فيها رجل فمات. وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه -. ~~وبه قال النخعي، والشعبي، وحماد، والثوري، والشافعي، وإسحاق. # وإن وضع رجل حجرا، وحفر آخر بئرا، أو نصب سكينا، فعثر بالحجر، فوقع في ~~البئر، أو على السكين، فهلك، فالضمان على واضع الحجر دون الحافر وناصب ~~السكين؛ لأن واضع الحجر كالدافع له، وإذا اجتمع الحافر والدافع فالضمان على ~~الدافع وحده. وبهذا قال الشافعي. ولو وضع رجل حجرا، ثم حفر عنده آخر بئرا، ~~أو نصب سكينا، فعثر بالحجر، فسقط عليهما، فهلك، احتمل أن يكون الحكم كذلك؛ ~~لما ذكرنا. واحتمل أن يضمن الحافر وناصب السكين؛ لأن فعلهما متأخر عن فعله، ~~فأشبه ما لو كان زق فيه مائع وهو واقف، فحل وكاءه إنسان، وأماله آخر، فسال ~~ما فيه، كان الضمان على الآخر منهما. وإن وضع إنسان حجرا أو حديدة في ملكه، ~~أو حفر فيه بئرا، فدخل إنسان بغير إذنه، فهلك به، فلا ضمان على المالك؛ ~~لأنه لم يتعد، وإنما الداخل هلك بعدوان نفسه، وإن وضع حجرا في ملكه، ونصب ~~أجنبي فيه سكينا، أو حفر بئرا بغير إذنه، فعثر رجل بالحجر، فوقع على السكين ~~أو في البئر، فالضمان على الحافر وناصب السكين، لتعديهما، إذا لم يتعلق ~~الضمان بواضع الحجر؛ لانتفاء عدوانه. # وإن اشترك جماعة في عدوان تلف به شيء، فالضمان عليهم. وإن وضع اثنان ~~حجرا، وواحد حجرا، فعثر بهما إنسان، فهلك، فالدية على عواقلهم أثلاثا، في ~~قياس المذهب. وهو قول أبي يوسف؛ لأن السبب حصل من الثلاثة أثلاثا، فوجب ~~الضمان عليهم وإن ms4640 اختلفت أفعالهم، كما لو جرحه واحد جرحين، وجرحه اثنان ~~جرحين، فمات بهما. # وقال زفر: على الاثنين النصف، وعلى واضع الحجر وحده النصف؛ لأن فعله مساو ~~لفعلهما. وإن حفر إنسان بئرا، ونصب آخر سكينا، فوقع إنسان في البئر على ~~السكين، فمات، فقال ابن حامد: الضمان على الحافر، لأنه بمنزلة الدافع. وهذا ~~قياس المسائل التي قبلها. ونص أحمد، - رحمه الله -، على أن الضمان عليهما. ~~قال أبو بكر: لأنهما في معنى الممسك والقاتل، الحافر كالممسك، وناصب السكين ~~كالقاتل، فيخرج من هذا أن يجب الضمان على جميع المتسببين في المسائل ~~السابقة. # PageV08P423 # (6873) فصل: وإن حفر بئرا في ملك نفسه، أو في ملك غيره بإذنه، فلا ضمان ~~عليه؛ لأنه غير متعد بحفرها. وإن حفرها في موات، لم يضمن؛ لأنه غير متعد ~~بحفرها. وكذلك إن وضع حجرا، أو نصب شركا، أو شبكة، أو منجلا، ليصيد بها. # وإن فعل شيئا من ذلك في طريق ضيق، فعليه ضمان من هلك به؛ لأنه متعد. ~~وسواء أذن له الإمام فيه، أو لم يأذن؛ فإنه ليس للإمام الإذن فيما يضر ~~بالمسلمين، ولو فعل ذلك الإمام لضمن ما تلف به؛ لتعديه. وإن كان الطريق ~~واسعا، فحفر في مكان منها ما يضر بالمسلمين، فعليه الضمان؛ كذلك. وإن حفر ~~في موضع لا ضرر فيه، نظرنا؛ فإن حفرها لنفسه، ضمن ما تلف بها، سواء حفرها ~~بإذن الإمام أو غير إذنه. وقال أصحاب الشافعي: إن حفرها بإذن الإمام، لم ~~يضمن؛ لأن للإمام أن يأذن في الانتفاع بما لا ضرر فيه، بدليل أنه يجوز أن ~~يأذن في القعود فيه، ويقطعه لمن يبيع فيه. # ولنا، أنه تلف بحفر حفرة في حق مشترك، بغير إذن أهله، لغير مصلحتهم، ~~فضمن، كما لو لم يأذن له الإمام، ولا نسلم أن للإمام أن يأذن في هذا، وإنما ~~يأذن في القعود؛ لأن ذلك لا يدوم، وتمكن إزالته في الحال، فأشبه القعود في ~~المسجد، ولأن القعود جائز من غير إذن الإمام، بخلاف الحفر. وإن حفر البئر ~~لنفع المسلمين، مثل أن يحفره لينزل فيه ماء المطر ms4641 من الطريق، أو لتشرب منه ~~المارة، ونحوها، فلا ضمان عليه؛ لأنه محسن بفعله، غير متعد بحفره، فأشبه ~~باسط الحصير في المسجد. وذكر بعض أصحابنا أنه لا يضمن إذا كان بإذن الإمام، ~~وإن كان بغير إذنه، ففيه روايتان؛ إحداهما: لا يضمن، فإن أحمد قال، في ~~رواية إسحاق بن إبراهيم: إذا أحدث بئرا لماء المطر، ففيه نفع للمسلمين، ~~أرجو أن لا يضمن والثانية: يضمن. # أومأ إليه أحمد؛ لأنه افتأت على الإمام. ولم يذكر القاضي سوى هذه ~~الرواية، والصحيح هو الأول؛ لأن هذا مما تدعو الحاجة إليه، ويشق استئذان ~~الإمام فيه، وتعم البلوى به، ففي وجوب استئذان الإمام فيه تفويت لهذه ~~المصلحة العامة، لأنه لا يكاد يوجد من يتحمل كلفة استئذانه وكلفة الحفر ~~معا، فتضيع هذه المصلحة، فوجب إسقاط استئذانه، كما في سائر المصالح العامة، ~~من بسط حصير في مسجد، أو تعليق قنديل فيه، أو وضع سراج، أو رم شعث فيه ~~وأشباه ذلك. وحكم البناء في الطريق حكم الحفر فيها، على ما ذكرنا من ~~التفصيل والخلاف، وهو أنه متى بنى بناء يضر؛ إما لكونه في طريق ضيق، أو في ~~واسع يضر بالمارة، أو بنى لنفسه، فقد تعدى، ويضمن ما تلف # PageV08P424 # به، وإن بنى في طريق واسع، في موضع لا يضر البناء فيه، لنفع المسلمين، ~~كبناء مسجد يحتاج إليه للصلاة فيه في زاوية ونحوها، فلا ضمان عليه، وسواء ~~في ذلك كله أذن فيه الإمام أو لم يأذن. # ويحتمل أن يعتبر إذن الإمام في البناء لنفع المسلمين دون الحفر؛ لأن ~~الحفر تدعو الحاجة إليه لنفع الطريق وإصلاحها، وإزالة الطين والماء منها، ~~بخلاف البناء، فجرى حفرها مجرى تنقيتها، وحفر هدفة منها، وقلع حجر يضر ~~بالمارة، ووضع الحصا في حفرة منها ليملأها ويسهلها بإزالة الطين ونحوه ~~منها، وتسقيف ساقية فيها، ووضع حجر في طين فيها ليطأ الناس عليه أو يعبروا ~~عليه، فهذا كله مباح، لا يضمن ما تلف به. لا أعلم فيه خلافا. وكذلك ينبغي ~~أن يكون في بناء القناطر. ويحتمل أن يعتبر استئذان الإمام؛ لأن مصلحته ms4642 لا ~~يعم وجودها، بخلاف غيره. وإن سقف مسجدا، أو فرش بارية فيه، أو نصب عليه ~~بابا، أو جعل فيه رفا لينفع أهله، أو علق فيه قنديلا، أو بنى فيه حائطا، ~~فتلف به شيء، فلا ضمان عليه. # وقال أصحاب الشافعي: إن فعل شيئا من ذلك بغير إذن الإمام، ضمن، في أحد ~~الوجهين. وقال أبو حنيفة: يضمن إذا لم يأذن فيه الجيران. ولنا، أنه فعل ~~أحسن به، ولم يتعد فيه، فلم يضمن ما تلف به، كما لو أذن فيه الإمام ~~والجيران، ولأن هذا مأذون فيه من جهة العرف، لأن العادة جارية بالتبرع به ~~من غير استئذان، فلم يجب ضمان، كالمأذون فيه نطقا. ### | [فصل حفر العبد بئرا في ملك إنسان بغير إذنه] # (6874) فصل: وإن حفر العبد بئرا في ملك إنسان، بغير إذنه، أو في طريق ~~يتضرر به، ثم أعتقه سيده، ثم تلف بها شيء، ضمنه العبد. وبهذا قال الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: الضمان على سيده؛ لأن الجناية هي الحفر في حال رقه، وكان ~~ضمان جنايته حينئذ على سيده، فلا يزول ذلك بعتقه، كما لو جرح في حال رقه، ~~ثم سرى جرحه بعد عتقه. ولنا، أن التلف الموجب للضمان وجد بعد إعتاقه، فكان ~~الضمان عليه، كما لو اشترى سيفا في حال رقه، ثم قتل به بعد عتقه، وفارق ما ~~قاسوا عليه؛ لأن الإتلاف الموجب للضمان وجد حال رقه، وهاهنا حصل بعد عتقه. ~~وكذلك القول في نصب حجر أو غيره من الأسباب التي يجب بها الضمان. ### | [فصل حفر إنسان بئرا في ملك مشترك بينه وبين غيره بغير إذنه] # (6875) فصل: وإذا حفر إنسان بئرا في ملك مشترك بينه وبين غيره، بغير ~~إذنه، ضمن ما تلف به جميعه. وهذا قياس # PageV08P425 # مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: يضمن ما قابل نصيب شريكه، فلو كان له ~~شريكان، لضمن ثلثي التالف؛ لأنه تعدى في نصيب شريكيه. وقال أبو يوسف: عليه ~~نصف الضمان؛ لأنه تلف بجهتين، فكان الضمان نصفين، كما لو جرحه واحد جرحا، ~~وجرحه آخر جرحين. # ولنا، أنه متعد بالحفر، فضمن ms4643 الواقع فيها، كما لو كان في ملك غيره، ~~والشركة أوجبت تعديه بجميع الحفر، فكان موجبا لجميع الضمان. ويبطل ما ذكره ~~أبو يوسف، بما لو حفره في طريق مشترك، فإن له فيها حقا، ومع ذلك يضمن ~~الجميع. والحكم فيما إذا أذن له بعض الشركاء في الحفر دون بعض، كالحكم فيما ~~إذا حفر في ملك مشترك بينه وبين غيره؛ لكونه لا يباح الحفر ولا التصرف حتى ~~يأذن الجميع. ### | [فصل حفر بئرا في ملك إنسان أو وضع فيه ما يتعلق به] # (6876) فصل: وإذا حفر بئرا في ملك إنسان، أو وضع فيه ما يتعلق به الضمان، ~~فأبرأه المالك من ضمان ما يتلف به، ففيه وجهان؛ أحدهما: يبرأ؛ لأن المالك ~~لو أذن فيه ابتداء لم يضمن ما تلف به، فإذا أبرأه من الضمان، وأذن فيه، زال ~~عنه الضمان، كما لو اقترن الإذن بالحفر. والآخر، لا ينتفي عنه الضمان؛ لأنه ~~سبب موجب للضمان، فلا يزول حكمه بالإبراء، كسائر الأسباب، ولأن حصول الضمان ~~به لكونه تعدى بحفره، والإبراء لا يزيل ذلك، لأن ما مضى لا يمكن تغييره عن ~~الصفة التي وقع عليها، ولأن وجوب الضمان ليس يحق للمالك الإبراء منه، كما ~~لو أبرأه غير المالك، ولأنه إبراء مما لم يجب، فلم يصح، كالإبراء من الشفعة ~~قبل البيع. ### | [فصل استأجر أجيرا فحفر في ملك غيره بغير إذنه وعلم الأجير ذلك] # (6877) فصل: وإن استأجر أجيرا، فحفر في ملك غيره بغير إذنه، وعلم الأجير ~~ذلك، فالضمان عليه وحده؛ لأنه متعد بالحفر، وليس له فعل ذلك بأجرة ولا ~~غيرها، فتعلق الضمان به، كما لو أمره غيره بالقتل فقتل. وإن لم يعلم، ~~فالضمان على المستأجر؛ لأنه غره، فتعلق الضمان به، كالإثم، وكذلك الحكم في ~~البناء ونحوه، ولو استأجر أجيرا ليحفر له في ملكه بئرا، أو ليبني له فيها ~~بناء، فتلف الأجير بذلك، لم يضمنه المستأجر، وبهذا قال عطاء، والزهري، ~~وقتادة، وأصحاب الرأي. ويشبه مذهب الشافعي؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «البئر جبار» . ولأنه لم يتلفه، وإنما فعل الأجير باختيار نفسه ~~فعلا ms4644 أفضى إلى تلفه، فأشبه ما لو فعله # PageV08P426 # تبرعا من عند نفسه، إلا أن يكون الأجير عبدا استأجره بغير إذن سيده أو ~~صبيا بغير إذن وليه، فيضمنه؛ لأنه متعد باستعماله، متسبب إلى إتلاف حق ~~غيره. ### | [فصل حفر إنسان في ملكه بئرا فوقع فيها إنسان أو دابة فهلك به] # (6878) فصل: فإن حفر إنسان في ملكه بئرا، فوقع فيها إنسان أو دابة، فهلك ~~به، وكان الداخل دخل بغير إذنه، فلا ضمان على الحافر؛ لأنه لا عدوان منه. ~~وإن دخل بإذنه، والبئر بينة مكشوفة، والداخل بصير يبصرها، فلا ضمان أيضا؛ ~~لأن الواقع هو الذي أهلك نفسه، فأشبه ما لو قدم إليه سيف، فقتل به نفسه وإن ~~كان الداخل أعمى، أو كانت في ظلمة لا يبصرها الداخل، أو غطى رأسها، فلم ~~يعلم الداخل بها حتى وقع فيها، فعليه ضمانه. وبهذا قال شريح، والشعبي، ~~والنخعي، وحماد، ومالك. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وقال في الآخر: لا ~~يضمنه؛ لأنه هلك بفعل نفسه. # ولنا، أنه تلف بسببه، فضمنه، كما لو قدم له طعاما مسموما فأكله، وبهذا ~~ينتقض ما ذكروه. وإن اختلفا، فقال صاحب الدار: ما أذنت لك في الدخول. وادعى ~~ولي الهالك أنه أذن له، فالقول قول المالك؛ لأنه منكر. وإن قال: كانت ~~مكشوفة. وقال الآخر: كانت مغطاة. فالقول قول ولي الواقع؛ لأن الظاهر معه، ~~فإن الظاهر أنها لو كانت مكشوفة لم يسقط فيها. ويحتمل أن القول قول المالك؛ ~~لأن الأصل براءة ذمته، فلا تشتغل بالشك، ولأن الأصل عدم تغطيتها. ### | [فصل بنى في ملكه حائطا مائلا إلى الطريق أو إلى ملك غيره فتلف به شيء] # (6879) فصل: وإذا بنى في ملكه حائطا مائلا إلى الطريق، أو إلى ملك غيره، ~~فتلف به شيء، أو سقط على شيء فأتلفه، ضمنه؛ لأنه متعد بذلك، فإنه ليس له ~~الانتفاع بالبناء في هواء ملك غيره، أو هواء مشترك، ولأنه يعرضه للوقوع على ~~غيره في ملكه، فأشبه ما لو نصب فيه منجلا يصيد به. وهذا مذهب الشافعي. ولا ~~أعلم فيه خلافا. وإن بناه في ملكه ms4645 مستويا، أو مائلا إلى ملكه، فسقط من غير ~~استهدام ولا ميل، فلا ضمان على صاحبه فيما تلف به؛ لأنه لم يتعد ببنائه، ~~ولا حصل منه تفريط بإبقائه. # وإن مال وقوعه إلى ملكه، ولم يتجاوزه، فلا ضمان عليه؛ لأنه بمنزلة بنائه ~~مائلا في ملكه. وإن مال قبل وقوعه إلى هواء الطريق، أو إلى ملك إنسان، أو ~~ملك مشترك بينه وبين غيره، نظرنا؛ فإن لم يمكنه نقضه، فلا ضمان عليه؛ لأنه ~~لم يتعد ببنائه، ولا فرط في ترك نقضه لعجزه عنه، فأشبه ما لو سقط من غير ~~ميل. وإن أمكنه نقضه فلم ينقضه، لم يخل من حالين؛ # PageV08P427 # أحدهما، أن يطالب بنقضه. والثاني: أن لا يطالب به، فإن لم يطالب به، لم ~~يضمن، في المنصوص عن أحمد، وهو ظاهر كلام الشافعي، ونحوه قال الحسن، ~~والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنه بناه في ملكه، والميل حادث بغير ~~فعله، فأشبه ما لو وقع قبل ميله. وذكر بعض أصحابنا فيه وجها آخر، أن عليه ~~الضمان. وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي ثور، وإسحاق؛ لأنه متعد بتركه مائلا، ~~فضمن ما تلف به، كما لو بناه مائلا إلى ذلك ابتداء، ولأنه لو طولب بنقضه ~~فلم يفعل، ضمن ما تلف به ولو لم يكن ذلك موجبا للضمان، لم يضمن بالمطالبة، ~~كما لو لم يكن مائلا، أو كان مائلا إلى ملكه. # وأما إن طولب بنقضه فلم يفعل، فقد توقف أحمد عن الجواب فيها. وقال ~~أصحابنا: يضمن. وقد أومأ إليه أحمد وهو مذهب مالك، ونحوه قال الحسن، ~~والنخعي، والثوري وقال أبو حنيفة: الاستحسان أن يضمن؛ لأن حق الجواز ~~للمسلمين، وميل الحائط يمنعهم ذلك، فلهم المطالبة بإزالته، فإذا لم يزله ~~ضمن، كما لو وضع عدلا على الحائط نفسه، فوقع في ملك غيره، فطولب برفعه فلم ~~يفعل حتى عثر به إنسان. وفيه وجه آخر، لا ضمان عليه. قال أبو حنيفة: وهو ~~القياس؛ لأنه بناه في ملكه، ولم يسقط بفعله، فأشبه ما لو لم يطالبه بنقضه، ~~أو سقط قبل ميله، أو لم يمكنه نقضه، ولأنه ms4646 لو وجب الضمان، لم تشترط ~~المطالبة، كما لو بناه مائلا إلى غير ملكه. # فإن قلنا: عليه الضمان إذا طولب؛ فإن المطالبة من كل مسلم أو ذمي توجب ~~الضمان إذا كان ميله إلى الطريق، لأن لكل واحد منهم حق المرور، فكانت له ~~المطالبة، كما لو مال الحائط إلى ملك جماعة، كان لكل واحد منهم المطالبة، ~~وإذا طالب واحد، فاستأجله صاحب الحائط، أو أجله له الإمام، لم يسقط عنه ~~الضمان؛ لأن الحق لجميع المسلمين، فلا يملك واحد منهم إسقاطه. وإن كانت ~~المطالبة لمستأجر الدار، أو مرتهنها، أو مستعيرها، أو مستودعها، فلا ضمان ~~عليهم؛ لأنهم لا يملكون النقض، وليس الحائط ملكا لهم. وإن طولب المالك في ~~هذه الحال، فلم يمكنه استرجاع الدار، ونقض الحائط فلا ضمان عليه؛ لعدم ~~تفريطه، وإن أمكنه استرجاعها، كالمعير، والمودع، والراهن إذا أمكنه فكاك ~~الرهن، فلم يفعل ضمن؛ لأنه أمكنه النقض. # وإن كان المالك محجورا عليه، لسفه أو صغر أو جنون، فطولب هو لم يلزمه ~~الضمان؛ لأنه ليس أهلا للمطالبة، وإن طولب وليه أو وصيه، فلم ينقضه، ~~فالضمان على المالك؛ لأن سبب الضمان ماله، فكان الضمان عليه دون المتصرف، ~~كالوكيل مع الموكل. وإن كان الملك مشتركا بين جماعة، فطولب أحدهم بنقضه، ~~احتمل وجهين؛ أحدهما، لا يلزمه شيء؛ لأنه لا يمكنه نقضه بدون إذنهم، فهو ~~كالعاجز عن نقضه. # PageV08P428 # والثاني: يلزمه بحصته؛ لأنه يتمكن من النقض بمطالبة شركائه، وإلزامهم ~~النقض، فصار بذلك مفرطا. وأما إن كان ميل الحائط إلى ملك آدمي معين، إما ~~واحد وإما جماعة، فالحكم على ما ذكرنا، إلا أن المطالبة للمالك، أو ساكن ~~الملك الذي مال إليه دون غيره. # وإن كان لجماعة، فأيهم طالب، وجب النقض بمطالبته، كما لو طالب واحد بنقض ~~المائل إلى الطريق، إلا أنه متى طالب، ثم أجله صاحب الملك، أو أبرأه منه، ~~أو فعل ذلك ساكن الدار التي مال إليها، جاز؛ لأن الحق له، وهو يملك إسقاطه. ~~وإن مال إلى درب غير نافذ، فالحق لأهل الدرب، والمطالبة لهم؛ لأن الملك ~~لهم، ويلزم النقض بمطالبة ms4647 أحدهم، ولا يبرأ بإبرائه وتأجيله، إلا أن يرضى ~~بذلك جميعهم؛ لأن الحق لجميعهم. ### | [فصل تقدم إلى صاحب الحائط المائل بنقضه فباعه مائلا] # (6880) فصل: وإذا تقدم إلى صاحب الحائط بنقضه، فباعه مائلا، فلا ضمان على ~~بائعه؛ لأنه ليس بملك له، ولا على المشتري؛ لأنه لم يطالب بنقضه. وكذلك إن ~~وهبه وأقبضه. وإن قلنا بلزوم الهبة، زال الضمان عنه بمجرد العقد. وإذا وجب ~~الضمان، وكان التالف به آدميا، فالدية على عاقلته، فإن أنكرت عاقلته كون ~~الحائط لصاحبهم، لم يلزمهم العقل، إلا أن يثبت ذلك ببينة؛ لأن الأصل عدم ~~الوجوب عليهم، فلا يجب بالشك. وإن اعترف صاحب الحائط، لزمه الضمان دونهم؛ ~~لأن العاقلة لا تحمل اعترافا. وكذلك إن أنكروا مطالبته بنقضه، فالحكم على ~~ما ذكرنا. وإن كان الحائط في يد صاحبهم، وهو ساكن في الدار، لم يثبت بذلك ~~الوجوب عليهم؛ لأن دلالة ذلك على الملك من جهة الظاهر والظاهر لا تثبت به ~~الحقوق، وإنما ترجح به الدعوى. # (6881) فصل: وإن لم يمل الحائط، لكن تشقق، فإن لم يخش سقوطه، لكون شقوقه ~~بالطول، لم يجب نقضه، وكان حكمه في هذا حكم الصحيح؛ لأنه لم يخف سقوطه، ~~فأشبه الصحيح، وإن خيف وقوعه، مثل أن تكون شقوقه بالعرض، فحكمه حكم المائل؛ ~~لأنه يخاف منه التلف، فأشبه المائل. ### | [فصل أخرج إلى الطريق النافذ جناحا أو ساباطا فسقط أو شيء منه على شيء فأتلفه] # (6882) فصل: وإذا أخرج إلى الطريق النافذ جناحا، أو ساباطا، فسقط، أو شيء ~~منه على شيء، فأتلفه، فعلى المخرج ضمانه. وقال أصحاب الشافعي: إن وقعت خشبة ~~ليست مركبة على حائطه، وجب ضمان ما أتلفت، # PageV08P429 # وإن كانت مركبة على حائطه، وجب نصف الضمان؛ لأنه تلف بما وضعه على ملكه ~~وملك غيره، فانقسم الضمان عليهما. # ولنا، أنه تلف بما أخرجه إلى حق الطريق، فضمنه، كما لو بنى حائطه مائلا ~~إلى الطريق فأتلف، أو أقام خشبة في ملكه مائلة إلى الطريق، أو كما لو سقطت ~~الخشبة التي ليست موضوعة على الحائط، ولأنه إخراج يضمن به البعض، فضمن به ~~الكل، ms4648 كالذي ذكرنا، ولأنه تلف بعدوانه، فضمنه، كما لو وضع البناء على أرض ~~الطريق، والدليل على عدوانه، وجوب ضمان البعض، ولو كان مباحا لم يضمن به، ~~كسائر المباحات، ولأن هذه خشبة، لو انقصف الخارج منها، وسقط فأتلف، ضمن ما ~~أتلف، فيجب أن يضمن ما أتلف جميعها، كسائر المواضع التي يجب الضمان فيها، ~~ولأننا لم نعلم موضعا يجب الضمان كله ببعض الخشبة، ويجب نصفه بجميعها. # وإن كان إخراج الجناح إلى درب غير نافذ بغير إذن أهله، ضمن ما أتلفه، وإن ~~فعل ذلك بإذنهم، فلا ضمان عليه؛ لأنه مباح له غير متعد فيه. (6883) فصل: ~~وإن أخرج ميزابا إلى الطريق، فسقط على إنسان أو شيء فأتلفه، ضمنه. وبهذا ~~قال أبو حنيفة وحكي عن مالك، أنه لا يضمن ما أتلفه؛ لأنه غير متعد بإخراجه، ~~فلم يضمن ما تلف به، كما لو أخرجه إلى ملكه. # وقال الشافعي: إن سقط كله، فعليه نصف الضمان؛ لأنه تلف بما وضعه على ملكه ~~وملك غيره. وإن انقصف الميزاب، فسقط منه ما خرج عن الحائط، ضمن جميع ما تلف ~~به؛ لأنه كله في غير ملكه. ولنا، ما سبق في الجناح، ولا نسلم أن إخراجه ~~مباح، فإنه أخرج إلى هواء ملك غيره شيئا يضر به، فأشبه ما لو أخرجه إلى ملك ~~آدمي معين بغير إذنه، فأما إن أخرج إلى ملك آدمي معين شيئا من جناح، أو ~~ساباط، أو ميزاب، أو غيره، فهو متعد، ويضمن ما تلف به. لا أعلم فيه خلافا. ### | [فصل بالت دابته في طريق فزلق به حيوان فمات به] # (6884) فصل: وإذا بالت دابته في طريق، فزلق به حيوان، فمات به، فقال ~~أصحابنا: على صاحب الدابة الضمان، إذا كان راكبا لها، أو قائدا، أو سائقا ~~لها؛ لأنه تلف حصل من جهة دابته التي يده عليها، فأشبه ما لو جنت بيدها أو ~~فمها. وقياس المذهب، أنه لا يضمن ما تلف بذلك؛ لأنه لا يد له على ذلك، ولا ~~يمكن التحرز منه، فلم يضمن ما تلف به، كما لو أتلفت برجلها، وكما لو ms4649 لم يكن ~~له يد عليها، ويفارق هذا ما أتلفت بيدها وفمها؛ لأنه يمكنه حفظهما. ### | [فصل وضع جرة على سطحه أو حائطه أو حجرا فرمته الريح على إنسان فقتله أو شيء أتلفه] # (6885) فصل: وإذا وضع جرة على سطحه أو حائطه، أو حجرا، فرمته الريح على ~~إنسان، فقتله، أو شيء أتلفه، لم يضمن؛ # PageV08P430 # لأن ذلك من غير فعله، ووضعه له كان في ملكه. ويحتمل أن يضمن إذا وضعها ~~متطرفة؛ لأنه نسب إلى إلقائها، وتعدى بوضعها، فأشبه من بنى حائطه مائلا. ### | [فصل سلم ولده الصغير إلى السابح ليعلمه السباحة فغرق] # (6886) فصل: وإن سلم ولده الصغير إلى السابح، ليعلمه السباحة، فغرق، ~~فالضمان على عاقلة السابح؛ لأنه سلمه إليه ليحتاط في حفظه، فإذا غرق نسب ~~إلى التفريط في حفظه. وقال القاضي: قياس المذهب أن لا يضمنه؛ لأنه فعل ما ~~جرت العادة به لمصلحته، فلم يضمن ما تلف به، كما إذا ضرب المعلم الصبي ضربا ~~معتادا، فتلف به. فأما الكبير إذا غرق، فليس على السابح شيء إذا لم يفرط، ~~لأن الكبير في يد نفسه، لا ينسب التفريط في هلاكه إلى غيره. ### | [فصل طلب إنسانا بسيف مشهور فهرب منه فتلف في هربه] # (6887) فصل: وإذا طلب إنسانا بسيف مشهور، فهرب منه، فتلف في هربه، ضمنه، ~~سواء وقع من شاهق، أو انخسف به سقف، أو خر في بئر، أو لقيه سبع فافترسه، أو ~~غرق في ماء، أو احترق بنار، وسواء كان المطلوب صبيا أو كبيرا، أعمى أو ~~بصيرا، عاقلا أو مجنونا. وقال الشافعي: لا يضمن البالغ العاقل البصير، إلا ~~أن يخسف به سقف، فإن فيه وفي الصغير والمجنون والأعمى قولين؛ لأنه هلك بفعل ~~نفسه، فلم يضمنه الطالب، كما لو لم يطلبه. # ولنا، أنه هلك بسبب عدوانه، فضمنه، كما لو حفر له بئرا، أو نصب سكينا، أو ~~سم طعامه ووضعه في منزله. وما ذكره يبطل بهذه الأصول، ولأنه تسبب إلى ~~إهلاكه، فأشبه ما لو انخسف من تحته سقف، أو كان صغيرا أو مجنونا. وإن طلبه ~~بشيء يخيفه به، كالليث ونحوه، ms4650 فحكمه حكم ما لو طلبه بسيف مشهور؛ لأنه في ~~معناه. ### | [فصل شهر سيفا في وجه إنسان أو دلاه من شاهق فمات من روعته أو ذهب عقله] # (6888) فصل: ولو شهر سيفا في وجه إنسان، أو دلاه من شاهق، فمات من روعته، ~~أو ذهب عقله، فعليه ديته. وإن صاح بصبي أو مجنون صيحة شديدة، فخر من سطح أو ~~نحوه، فمات، أو ذهب عقله، أو تغفل عاقلا فصاح به، فأصابه ذلك، فعليه ديته، ~~تحملها العاقلة. فإن فعل ذلك عمدا، فهو شبه عمد، وإلا فهو خطأ. ووافق ~~الشافعي في الصبي، وله في البالغ قولان. ولنا، أنه سبب إتلافه، فضمنه، ~~كالصبي. ### | [فصل قدم إنسانا إلى هدف يرميه الناس فأصابه سهم من غير تعمد] # (6889) فصل: وإن قدم إنسانا إلى هدف يرميه الناس، فأصابه سهم من غير ~~تعمد، فضمانه على عاقلة الذي قدمه؛ لأن الرامي كالحافر، والذي قدمه ~~كالدافع، فكان الضمان على عاقلته. وإن عمد الرامي رميه، فالضمان عليه؛ # PageV08P431 # لأنه مباشر، وذاك متسبب، فأشبه الممسك والقاتل. وإن لم يقدمه أحد، ~~فالضمان على الرامي، وتحمله عاقلته إن كان خطأ؛ لأنه قتله. ### | [فصل شهد رجلان على رجل بقتل أو جرح] # (6890) فصل: وإن شهد رجلان على رجل بقتل أو جرح، أو سرقة قد توجب القطع، ~~أو زنى يوجب الرجم أو الجلد، ونحو ذلك، فاقتص منه، أو قطع بالسرقة، أو حد ~~فأفضى إلى تلفه، ثم رجعا عن الشهادة، لزمهما ضمان ما تلف بشهادتهما، ~~كالشريكين في الفعل، ويكون الضمان في مالهما، لا تحمله عاقلتهما؛ لأنها لا ~~تحمل اعترافا، وهذا يثبت باعترافهما. وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أن ~~شاهدين شهدا عنده على رجل بالسرقة، فقطعه، ثم أتيا بآخر، فقالا: يا أمير ~~المؤمنين، ليس ذاك السارق، إنما هذا هو السارق، فأغرمهما دية الأول، وقال: ~~لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما. ولم يقبل قولهما في الثاني. # وإن أكره رجل رجلا على قتل إنسان، فقتله، فصار الأمر إلى الدية، فهي ~~عليهما؛ لأنهما كالشريكين، ولهذا وجب القصاص عليهما، ولو أكره رجل امرأة ~~فزنى بها، فحملت فماتت ms4651 من الولادة، ضمنها؛ لأنها ماتت بسبب فعله، وتحملها ~~العاقلة، إلا أن لا يثبت ذلك إلا باعترافه، فتكون الدية عليه؛ لأن العاقلة ~~لا تحمل اعترافا. ### | [فصل بعث السلطان إلى امرأة ليحضرها، فأسقطت جنينا ميتا] # فصل: إذا بعث السلطان إلى امرأة ليحضرها، فأسقطت جنينا ميتا، ضمنه بغرة؛ ~~لما روي أن عمر - رضي الله عنه - بعث إلى امرأة مغيبة، كان يدخل عليها، ~~فقالت: يا ويلها، مالها ولعمر فبينما هي في الطريق إذ فزعت، فضربها الطلق، ~~فألقت ولدا، فصاح الصبي صيحتين، ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت وال ومؤدب. وصمت ~~علي فأقبل عليه عمر، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا ~~برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، إن ديته ~~عليك؛ لأنك أفزعتها فألقته. فقال عمر: أقسمت عليك أن لا تبرح حتى تقسمها ~~على قومك. # ولو فزعت المرأة فماتت، لوجبت ديتها أيضا. ووافق الشافعي في ضمان الجنين، ~~وقال: لا تضمن المرأة؛ لأن ذلك ليس بسبب إلى هلاكها في العادة. ولنا، أنها ~~نفس هلكت بإرساله إليها، فضمنها، كجنينها، أو نفس هلكت بسببه، فغرمها، كما ~~لو ضربها فماتت. وقوله: إنه ليس بسبب عادة. قلنا: ليس كذلك، فإنه سبب ~~للإسقاط، والإسقاط سبب # PageV08P432 # للهلاك عادة، ثم لا يتعين في الضمان كونه سببا معتادا، فإن الضربة ~~والضربتين بالسوط، ليست سببا للهلاك في العادة، ومتى أفضت إليه وجب الضمان. # وإن استعدى إنسان على امرأة، فألقت جنينها، أو ماتت فزعا، فعلى عاقلة ~~المستعدي الضمان، إن كان ظالما لها، وإن كانت هي الظالمة، فأحضرها عند ~~الحاكم، فينبغي أن لا يضمنها؛ لأنها سبب إحضارها بظلمها، فلا يضمنها غيرها، ~~ولأنه استوفى حقه، فلم يضمن ما تلف به، كالقصاص، ويضمن جنينها؛ لأنه تلف ~~بفعله، فأشبه ما لو اقتص منها. ### | [فصل أخذ طعام إنسان أو شرابه في برية] # (6892) فصل: ومن أخذ طعام إنسان أو شرابه في برية، أو مكان لا يقدر فيه ~~على طعام وشراب، فهلك ms4652 بذلك، أو هلكت بهيمته، فعليه ضمان ما تلف به؛ لأنه ~~سبب هلاكه. وإن اضطر إلى طعام وشراب لغيره، فطلبه منه، فمنعه إياه مع غناه ~~عنه في تلك الحال، فمات بذلك، ضمنه المطلوب منه؛ لما روي عن عمر - رضي الله ~~عنه -، أنه قضى بذلك، ولأنه إذا اضطر إليه، صار أحق به ممن هو في يده، وله ~~أخذه قهرا، فإذا منعه إياه، تسبب إلى إهلاكه بمنعه ما يستحقه، فلزمه ضمانه، ~~كما لو أخذ طعامه وشرابه فهلك بذلك. وظاهر كلام أحمد، أن الدية في ماله؛ ~~لأنه تعمد هذا الفعل الذي يقتل مثله غالبا. # وقال القاضي: تكون على عاقلته؛ لأن هذا لا يوجب القصاص، فيكون شبه العمد. ~~وإن لم يطلبه منه، لم يضمنه؛ لأنه لم يمنعه، ولم يوجد منه فعل تسبب به إلى ~~هلاكه. وكذلك كل من رأى إنسانا في مهلكة، فلم ينجه منها، مع قدرته على ذلك، ~~لم يلزمه ضمانه، وقد أساء. وقال أبو الخطاب: قياس المسألة الأولى وجوب ~~ضمانه؛ لأنه لم ينجه من الهلاك مع إمكانه، فيضمنه، كما لو منعه الطعام ~~والشراب. ولنا، أنه لم يهلكه، ولم يكن سببا في هلاكه، فلم يضمنه، كما لو لم ~~يعلم بحاله، وقياس هذا على هذه المسألة غير صحيح؛ لأنه في المسألة منعه ~~منعا كان سببا في هلاكه، فضمنه بفعله الذي تعدى به، وهاهنا لم يفعل شيئا ~~يكون سببا. ### | [فصل ضرب إنسانا حتى أحدث] # فصل: ومن ضرب إنسانا حتى أحدث، فإن عثمان - رضي الله عنه - قضى فيه بثلث ~~الدية. وقال أحمد: لا أعرف شيئا يدفعه. وبه قال إسحاق. وقال أبو حنيفة، ~~ومالك، والشافعي: لا شيء فيه؛ لأن الدية إنما تجب لإتلاف منفعة أو عضو، أو ~~إزالة جمال، وليس هاهنا شيء من ذلك. وهذا هو القياس، وإنما ذهب من ذهب إلى ~~إيجاب الثلث؛ لقضية عثمان؛ لأنها في مظنة الشهرة، ولم ينقل خلافها، فيكون ~~إجماعا، ولأن قضاء الصحابي بما يخالف القياس. يدل على أنه توقيف. وسواء كان ~~الحدث ريحا أو غائطا أو بولا. وكذلك الحكم فيما إذا أفزعه ms4653 حتى أحدث. # PageV08P433 ### | [فصل ادعى القاتل أن المقتول كان عبدا] # (6894) فصل: إذا ادعى القاتل أن المقتول كان عبدا، أو ضرب ملفوفا فقده، ~~أو ألقى عليه حائطا، أو ادعى أنه كان ميتا، وأنكر وليه ذلك، فالقول قول ~~الولي مع يمينه. وهذا أحد قولي الشافعي. وقال في الآخر: القول قول الجاني؛ ~~لأن الأصل براءة ذمته، وما ادعاه محتمل، فلا نزول عن اليقين بالشك. # ولنا، أن الأصل حياة المجني عليه وحريته، فيجب الحكم ببقائه، كما لو قتل ~~من كان مسلما، وادعى أنه ارتد قبل قتله. وبهذا يبطل ما ذكره. وهكذا لو قتل ~~في دار الإسلام إنسانا، وادعى أنه كان كافرا، وأنكر وليه، فالقول قول ~~الولي؛ لأن الدار دار الإسلام، ولذلك حكمنا بإسلام لقيطها. وإن قطع عضوا ~~وادعى شلله، أو قلع عينا وادعى عماها، وأنكر الولي، فالقول قول المجني ~~عليه؛ لأن الأصل السلامة. وكذلك لو قطع ساعدا وادعى أنه لم يكن عليه كف، أو ~~قطع ساقا وادعى أنه لم يكن لها قدم. # وقال القاضي: إن اتفقا على أنه كان بصيرا، فالقول قول المجني عليه، وإلا ~~فالقول قول الجاني. وهذا مذهب الشافعي. وكذلك على قياسه إذا اختلفا في شلل ~~العضو؛ لأن هذا مما لا يتعذر إقامة البينة عليه، فإنه لا يخفى على أهله ~~وجيرانه ومعاملته، وصفة تحمل الشهادة عليه، أنه كان يتبع الشخص بصره، ~~ويتوقى ما يتوقاه البصير، ويتجنب البئر وأشباهه في طريقه، ويعدل في العطفات ~~خلف من يطلبه. ولنا، أن الأصل السلامة، فكان القول قول من يدعيه، كما لو ~~اختلفا في إسلام المقتول وحياته. وقولهم: لا تتعذر إقامة البينة عليه. ~~قلنا: وكذلك لا تتعذر إقامة البينة على ما يدعيه الجاني، فإيجابها عليه ~~أولى من إيجابها على من يشهد له الأصل، ثم يبطل بسائر المواضع التي سلموها. ~~فإن قالوا هاهنا: ما ثبت أن الأصل وجود البصر. قلنا: الظاهر يقوم مقام ~~الأصل، ولهذا رجحنا قول من يدعي حريته وإسلامه. ### | [فصل زاد في القصاص من الجراح] # (6895) فصل: وإن زاد في القصاص من الجراح، وقال: إنما حصلت الزيادة ~~باضطرابه. ms4654 وأنكر المجني عليه، ففيه وجهان؛ أحدهما، القول قول المقتص منه؛ ~~لأن الأصل عدم الاضطراب، ووجوب الضمان. والثاني؛ القول قول المقتص؛ لأن ~~الأصل براءة ذمته، وما يدعيه محتمل. والأول أصح؛ فإن الجرح سبب وجوب ~~الضمان، وما يدعيه من الاضطراب المانع من ثبوت حكمه، الأصل عدمه، فالقول ~~قول من ينفيه، كما لو جرح رجلا وادعى أنه جرحه دفعا عن نفسه، أو قتله وادعى ~~أنه وجده مع أهله، أو قتل بهيمة وادعى أنها صالت عليه. # PageV08P434 ### | [باب ديات الجراح] ### | [مسألة أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد] # الجراح تتنوع نوعين؛ أحدهما، الشجاج، وهي ما كان في رأس أو وجه. النوع ~~الثاني: ما كان في سائر البدن، وينقسم قسمين؛ أحدهما، قطع عضو. والثاني: ~~قطع لحم. والمضمون في الآدمي ضربان؛ أحدهما، ما ذكرنا. والثاني: تفويت ~~منفعة، كتفويت السمع والبصر والعقل. # (6896) مسألة: قال - رحمه الله -: ومن أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد ~~ففيه الدية، وما فيه شيئان، ففي كل واحد منهما نصف الدية وجملة ذلك، أن كل ~~عضو لم يخلق الله سبحانه وتعالى في الإنسان منه إلا واحدا كاللسان، والأنف، ~~والذكر والصلب، ففيه دية كاملة؛ لأن إتلافه إذهاب منفعة الجنس، وإذهابها ~~كإتلاف النفس، وما فيه منه شيئان؛ كاليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين، ~~والمنخرين، والشفتين، والخصيتين، والثديين، والأليتين، ففيهما الدية كاملة؛ ~~لأن في إتلافهما إذهاب منفعة الجنس، وفي إحداهما نصف؛ لأن في إتلافه إذهاب ~~نصف منفعة الجنس. وهذه الجملة مذهب الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا. # وقد روي عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب له، وكان في كتابه: وفي الأنف ~~إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين ~~الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل ~~الواحدة نصف الدية» . رواه النسائي، وغيره، ورواه ابن عبد البر، وقال: كتاب ~~عمرو بن حزم معروف عند الفقهاء، وما فيه متفق عليه عند العلماء إلا قليلا. ~~(6897) فصل: وما ms4655 في الإنسان منه أربعة أشياء، ففيها الدية، وفي كل واحد ~~منها ربع الدية، وهو أجفان العينين وأهدابها. وما فيه منه عشرة؛ ففيها ~~الدية، وفي كل واحد منها عشرها، وهي أصابع اليدين وأصابع الرجلين. وما فيه ~~منه ثلاثة أشياء، ففيها الدية، وفي الواحد ثلثها. وهو المنخران، والحاجز ~~بينهما. # وعنه، في المنخرين الدية، وفي الحاجز حكومة؛ لأن المنخرين شيئان من جنس، ~~فكان فيهما الدية، كالشفتين. وليس في البدن شيء من جنس يزيد على الدية إلا ~~الأسنان، فإن في كل سن خمسا من الإبل، فتزيد # PageV08P435 # على الدية. وقد روي أنه ليس فيها إلا الدية، قياسا على سائر ما في البدن. ~~والصحيح الأول؛ لأن الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورد بإيجاب خمس ~~في كل سن، فيجب العمل به، وإن خالف القياس. ### | [مسألة في العينين الدية] # (6898) مسألة: قال: (وفي العينين الدية) أجمع أهل العلم على أن في ~~العينين، إذا أصيبتا خطأ، الدية، وفي العين الواحدة نصفها؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «وفي العينين الدية» . ولأنه ليس في الجسد منهما إلا ~~شيئان، ففيهما الدية، وفي إحداهما نصفها، كسائر الأعضاء التي كذلك. وروي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وفي العين الواحدة خمسون من الإبل» ~~. رواه مالك، في " موطئه ". ولأن العينين من أعظم الجوارح نفعا وجمالا؛ ~~فكانت فيهما الدية، وفي إحداهما نصفها كاليدين. إذا ثبت هذا، فلا فرق بين ~~أن يكونا كبيرتين أو صغيرتين، أو مليحتين أو قبيحتين، أو صحيحتين أو ~~مريضتين، أو حولاوين أو رمصتين. فإن كان فيهما بياض لا ينقص البصر، لم تنقص ~~الدية، وإن نقص البصر نقص من الدية بقدره. # وفي ذهاب البصر الدية؛ لأن كل عضوين وجبت الدية بذهابهما، وجبت بإذهاب ~~نفعهما، كاليدين إذا أشلهما. وفي ذهاب بصر أحدهما نصف الدية، كما لو أشل ~~يدا واحدة، وليس في إذهابهما بنفعها أكثر من دية، كاليدين. ### | [فصل جنى على رأسه جناية ذهب بها بصره] # (6899) فصل: وإن جنى على رأسه جناية ذهب بها بصره، فعليه ديته؛ لأنه ذهب ~~بسبب جنايته، وإن ms4656 لم يذهب بها، فداواها، فذهب بالمداواة، فعليه ديته؛ لأنه ~~ذهب بسبب فعله. وإن اختلفوا في ذهاب البصر، رجع إلى اثنين عدلين مسلمين من ~~أهل الخبرة؛ لأن لهما طريقا إلى معرفة ذلك، لمشاهدتهما العين التي هي محل ~~البصر، ومعرفة بحالها، بخلاف السمع، وإن لم يوجد أهل الخبرة، أو تعذر معرفة ~~ذلك، اعتبر بأن يوقف في عين الشمس، ويقرب الشيء من عينه في أوقات غفلته؛ ~~فإن طرف عينه، وخاف من الذي يخوف به، فهو كاذب، وإلا حكم له. وإذا علم ذهاب ~~بصره، وقال أهل الخبرة: لا يرجى عوده. وجبت الدية. # وإن قالوا: يرجى عوده إلى مدة عينوها، انتظر إليها، ولم يعط الدية حتى ~~تنقضي المدة، فإن عاد البصر، سقطت عن الجاني، وإن لم يعد، استقرت الدية. ~~وإن مات المجني عليه قبل العود، استقرت الدية، سواء مات في المدة أو بعدها. ~~فإن ادعى الجاني عود بصره قبل موته وأنكر وارثه، فالقول قول الوارث؛ لأن ~~الأصل معه. وإن جاء أجنبي، فقلع عينه في المدة، استقرت على الأول الدية أو ~~القصاص؛ لأنه أذهب البصر فلم يعد، وعلى الثاني حكومة؛ لأنه أذهب عينا لا ~~ضوء لها، يرجى عودها. وإن قال الأول: عاد # PageV08P436 # ضوءها. وأنكر الثاني: فالقول قول المنكر؛ لأن الأصل معه، فإن صدق المجني ~~عليه الأول، سقط حقه عنه، ولم يقبل قوله على الثاني. # وإن قال أهل الخبرة: يرجى عوده، لكن لا نعرف له مدة. وجبت الدية أو ~~القصاص؛ لأن انتظار ذلك إلى غير غاية يفضي إلى إسقاط موجب الجناية، والظاهر ~~في البصر عدم العود، والأصل يؤيده، فإن عاد قبل استيفاء الواجب سقط، وإن ~~عاد بعد الاستيفاء، وجب رد ما أخذ منه؛ لأنا تبينا أنه لم يكن واجبا. ### | [فصل جنى عليه فنقص ضوء عينيه] # (6900) فصل: وإن جنى عليه فنقص ضوء عينيه، ففي ذلك حكومة. وإن ادعى نقص ~~ضوئهما، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه لا يعرف ذلك إلا من جهته. وإن ذكر أن ~~إحداهما نقصت، عصبت المريضة، وأطلقت الصحيحة، ونصب له شخص فيباعد عنه، ~~فكلما قال: رأيته. ms4657 فوصف لونه، علم صدقه، حتى تنتهي، فإذا انتهت علم موضعها، ~~ثم تشد الصحيحة، وتطلق المريضة، وينصب له شخص، ثم يذهب حتى تنتهي رؤيته، ثم ~~يدار الشخص إلى جانب آخر، فيصنع به مثل ذلك، ثم يعلمه عند المسافتين، ~~ويذرعان، ويقابل بينهما، فإن كانتا سواء، فقد صدق، وينظر كم بين مسافة رؤية ~~العليلة والصحيحة، ويحكم له من الدية بقدر ما بينهما، وإن اختلفت ~~المسافتان، فقد كذب، وعلم أنه قصر مسافة رؤية المريضة ليكثر الواجب له، ~~فيردد حتى تستوي المسافة بين الجانبين. # والأصل في هذا، ما روي عن علي - رضي الله عنه - قال ابن المنذر: أحسن ما ~~قيل في ذلك، ما قاله علي، - رضي الله عنه - أمر بعينه فعصبت، وأعطى رجلا ~~بيضة، فانطلق بها وهو ينظر، حتى انتهى بصره، ثم أمر فخط عند ذلك، ثم أمر ~~بعينه فعصبت الأخرى، وفتحت الصحيحة، وأعطى رجلا بيضة، فانطلق بها وهو يبصر ~~حتى انتهى بصره، ثم خط عند ذلك، ثم حول إلى مكان آخر، ففعل مثل ذلك، فوجدوه ~~سواء، فأعطاه بقدر ما نقص من بصره من مال الآخر. قال القاضي: وإذا زعم أهل ~~الطب أن بصره يقل إذا بعدت المسافة، ويكثر إذا قربت، وأمكن هذا في ~~المذارعة، عمل عليه. وبيانه أنهم إذا قالوا: إن الرجل إذا كان يبصر إلى ~~مائة ذراع، ثم أراد أن يبصر إلى مائتي ذراع، احتاج للمائة الثانية إلى ضعفي ~~ما يحتاج إليه للمائة الأولى من البصر. فعلى هذا، إذا أبصر بالصحيحة إلى ~~مائتين، وأبصر بالعليلة إلى مائة علمنا أنه قد نقص ثلثا بصر عينه؛ فيجب له ~~ثلثا ديتها. وهذا لا يكاد ينضبط في الغالب، وكل ما لا ينضبط ففيه حكومة. # وإن جنى على عينيه، فندرتا، # PageV08P437 # أو احولتا، أو عمشتا، ففي ذلك حكومة، كما لو ضرب يده فاعوجت. والجناية ~~على الصبي والمعتوه، كالجناية على البالغ والعاقل، وإنما يفترقان في أن ~~البالغ خصم لنفسه، والخصم للصبي والمجنون وليهما، فإذا توجهت اليمين عليهما ~~لم يحلفا، ولم يحلف الولي عنهما، فإن بلغ الصبي، وأفاق المجنون، حلفا ~~حينئذ. ms4658 ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كمذهبنا. ### | [فصل دية عين الأعور] # (6901) فصل: وفي عين الأعور دية كاملة. وبذلك قال الزهري، ومالك، والليث، ~~وقتادة، وإسحاق. وقال مسروق، وعبد الله بن مغفل، والنخعي، والثوري، وأبو ~~حنيفة، والشافعي: فيها نصف الدية؛ لقوله - عليه السلام -: «وفي العين خمسون ~~من الإبل» . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وفي العينين الدية» . ~~يقتضي أن لا يجب فيهما أكثر من ذلك، سواء قلعهما واحد، أو اثنان في وقت ~~واحد، أو في وقتين، وقالع الثانية قالع عين أعور، فلو وجبت عليه دية، لوجب ~~فيهما دية ونصف، ولأن ما ضمن بنصف الدية مع بقاء نظيره، ضمن به مع ذهابه، ~~كالأذن. # ويحتمل هذا كلام الخرقي؛ لقوله: وفي العين الواحدة نصف الدية ولم يفرق. ~~ولنا، أن عمر، وعثمان، وعليا، وابن عمر، قضوا في عين الأعور بالدية. ولم ~~نعلم لهم في الصحابة مخالفا، فيكون إجماعا، ولأن قلع عين الأعور يتضمن ~~إذهاب البصر كله، فوجبت الدية، كما لو أذهبه من العينين، ودليل ذلك أنه ~~يحصل بها ما يحصل بالعينين، فإنه يرى الأشياء البعيدة، ويدرك الأشياء ~~اللطيفة، ويعمل أعمال البصراء، ويجوز أن يكون قاضيا وشاهدا، ويجزئ في ~~الكفارة وفي الأضحية إذا لم تكن العوراء مخسوفة، فوجب في بصره دية كاملة، ~~كذا في العينين. # فإن قيل: فلو صح هذا، لم يجب في إذهاب بصر إحدى العينين نصف الدية؛ لأنه ~~لم ينقص. قلنا: لا يلزم من وجوب شيء من دية العينين نقص دية الثاني؛ بدليل ~~ما لو جنى عليهما فاحولتا، أو عمشتا، أو نقص ضوءهما، فإنه يجب أرش النقص، ~~ولا تنقص ديتهما بذلك، ولأن النقص الحاصل لم يؤثر في تنقيص أحكامه، ولا هو ~~مضبوط في تفويت النفع، فلم يؤثر في تنقيص الدية، كالذي ذكرنا. ### | [فصل قلع الأعور عين صحيح] # (6902) فصل: وإن قلع الأعور عين صحيح نظرنا؛ فإن قلع العين التي لا تماثل ~~عينه الصحيحة، أو قلع المماثلة للصحيحة خطأ، فليس عليه إلا نصف الدية، ولا ~~أعلم فيه مخالفا؛ لأن ذلك هو الأصل، وإن قلع المماثلة لعينه الصحيحة ms4659 عمدا، ~~فلا قصاص عليه، وعليه دية كاملة. وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء، ومالك ~~في إحدى روايتيه. # PageV08P438 # وقال في الأخرى: عليه نصف الدية، ولا قصاص. وقال المخالفون في المسألة ~~الأولى: له القصاص؛ لقوله تعالى: {والعين بالعين} [المائدة: 45] . وإن ~~اختار الدية، فله نصفها؛ للخبر؛ ولأنه لو قلعها غيره لم يجب فيها إلا نصف ~~الدية، فلم يجب عليه إلا نصفها، كالعين الأخرى. ولنا، أن عمر وعثمان قضيا ~~بمثل مذهبنا، ولا نعرف لهما مخالفا في الصحابة، فكان إجماعا. ### | [فصل قلع الأعور عيني صحيح العينين] # (6903) فصل: وإن قلع الأعور عيني صحيح العينين، فليس عليه إلا دية، عمدا ~~كان أو خطأ. وذكر القاضي: أن قياس المذهب وجوب ديتين؛ إحداهما في العين ~~التي استحق بها قلع عين الأعور، والأخرى في الأخرى؛ لأنها عين أعور. ولنا ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وفي العينين الدية» . # ولأنه قلع عينين، فلم يلزمه أكثر من الدية، كما لو كان القالع صحيحا، ~~ولأنه لم يزد على تفويت منفعة الجنس، فلم يزد على الدية، كما لو قطع أذنه. ~~وما ذكره القاضي لا يصح؛ لأن وجوب الدية في إحدى عينيه لا يجعل الأخرى عين ~~أعور، على أن وجوب الدية بقلع إحدى العينين قضية مخالفة للخبر والقياس، ~~صرنا إليها لإجماع الصحابة عليها، ففيما عدا موضع الإجماع، يجب العمل بهما، ~~والبقاء عليهما، فإن كان قلعهما عمدا، فاختار القصاص، فليس له إلا قلع ~~عينه؛ لأنه أذهب بصره كله، فلم يكن له أكثر من إذهاب بصره، وهذا مبني على ~~ما تقدم من قضاء الصحابة أن عين الأعور تقوم مقام العينين. # وأكثر أهل العلم على أن له القصاص من العين، ونصف الدية للعين الأخرى، ~~وهو مقتضى الدليل. والله أعلم. ### | [فصل قطع يد أقطع أو رجل أقطع الرجل] # (6904) فصل: وإن قطع يد أقطع، أو رجل أقطع الرجل، فله نصف الدية، أو ~~القصاص من مثلها؛ لأنه عضو أمكن القصاص من مثله، فكان الواجب فيه القصاص أو ~~دية مثله، كما لو قطع أذن من له أذن واحدة. وعن أحمد، رواية أخرى، ms4660 أن ~~الأولى إن كانت قطعت ظلما وأخذ ديتها، أو قطعت قصاصا، ففيها نصف ديتها، وإن ~~قطعت في سبيل الله، ففي الباقية دية كاملة؛ لأنه عطل منافعه من العضوين ~~جملة، فأشبه قلع عين الأعور. والصحيح الأول؛ لأن هذا أحد العضوين اللذين ~~تحصل بهما منفعة الجنس، ولا يقوم مقام العضوين، فلم تجب فيه دية كاملة، ~~كسائر الأعضاء، وكما لو كانت الأولى أخذت قصاصا، أو في غير سبيل الله، ولا ~~يصح القياس على عين الأعور لوجوه ثلاثة؛ # PageV08P439 # أحدها، أن عين الأعور حصل بها ما يحصل بالعينين، ولم يختلفا في الحقيقة ~~والأحكام إلا تفاوتا يسيرا، بخلاف أقطع اليد والرجل. # والثاني؛ أن عين الأعور لم يختلف الحكم فيها باختلاف صفة ذهاب الأولى. ~~وها هنا اختلفا. الثالث؛ أن هذا التقدير والتعيين على هذا الوجه أمر لا ~~يصار إليه بمجرد الرأي، ولا توقيف فيه فيصار إليه، ولا نظير له فيقاس عليه، ~~فالمصير إليه تحكم بغير دليل، فيجب اطراحه. # وإن قطعت أذن من قطعت أذنه، أو منخر من قطعت منخره، لم يجب فيه أكثر من ~~نصف الدية، رواية واحدة؛ لأن منفعة كل أذن لا تتعلق بالأخرى، بخلاف ~~العينين. ### | [مسألة دية أشفار العينين] # (6905) مسألة: قال: (وفي الأشفار الأربعة الدية، وفي كل واحد منها ربع ~~الدية) . يعني أجفان العينين، وهي أربعة، ففي جميعها الدية؛ لأن فيها منفعة ~~الجنس، وفي كل واحد منها ربع الدية؛ لأن كل ذي عدد تجب في جميعه الدية، تجب ~~في الواحد منها بحصته من الدية، كاليدين والأصابع. وبهذا قال الحسن، ~~والشعبي، وقتادة، وأبو هاشم، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وعن مالك في جفن العين وحجاجها الاجتهاد؛ لأنه لم يعلم تقديره عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والتقدير لا يثبت قياسا. ولنا أنها أعضاء فيها جمال ~~ظاهر، ونفع كامل؛ فإنها تكن العين، وتحفظها، وتقيها الحر والبرد، وتكون ~~كالغلق عليها، يطبقه إذا شاء، ويفتحه إذا شاء، ولولاها لقبح منظره، فوجبت ~~فيها الدية، كاليدين، ولا نسلم أن التقدير لا يثبت قياسا. فإذا ثبت هذا، ~~فإن في أحدها ربع الدية. # وحكي ms4661 عن الشعبي، أنه يجب في الأعلى ثلثا دية العين، وفي الأسفل ثلثها؛ ~~لأنه أكثر نفعا. ولنا، أن كل ذي عدد تجب الدية في جميعه، تجب بالحصة في ~~الواحد منه، كاليدين والأصابع، وما ذكره يبطل باليمنى مع اليسرى والأصابع. ~~وإن قلع العينين بأشفارهما، وجبت ديتان؛ لأنهما جنسان تجب الدية بكل واحد ~~منهما منفردا، فوجبت بإتلافهما جملة ديتان، كاليدين، والرجلين. وتجب الدية ~~في أشفار عين الأعمى؛ لأن ذهاب بصره عيب في غير الأجفان، فلم يمنع وجوب ~~الدية فيها، كذهاب الشم، لا يمنع وجوب الدية في الأنف # (6906) فصل: وتجب في أهداب العينين بمفردها الدية، وهو الشعر الذي على ~~الأجفان، وفي كل واحد منها ربعها. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: فيه ~~حكومة. # PageV08P440 # ولنا، أن فيها جمالا ونفعا، فإنها تقي العينين، وترد عنهما، وتحسن العين ~~وتجملها، فوجبت فيها الدية كالأجفان، فإن قطع الأجفان بأهدابها، لم يجب ~~أكثر من دية؛ لأن الشعر يزول تبعا لزوال الأجفان، فلم تفرد بضمان، كالأصابع ~~إذا قطع اليد وهي عليها. ### | [مسألة قال دية الأذنين] # (6907) مسألة: قال: (وفي الأذنين الدية) روي ذلك عن عمر، وعلي. وبه قال ~~عطاء، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب ~~الرأي، ومالك في إحدى الروايتين عنه، وقال في الأخرى: فيهما حكومة؛ لأن ~~الشرع لم يرد فيهما بتقدير، ولا يثبت التقدير بالقياس. # ولنا، أن في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «وفي ~~الأذنين الدية» . ولأن عمر وعليا قضيا فيهما بالدية. فإن قيل: فقد روي عن ~~أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قضى في الأذن بخمسة عشر بعيرا. قلنا: لم يثبت ~~ذلك. قاله ابن المنذر. ولأن ما كان في البدن منه عضوان، كان فيهما الدية، ~~كاليدين، وفي إحداهما نصف الدية، بغير خلاف بين القائلين بوجوب الدية ~~فيهما، ولأن كل عضوين وجبت الدية فيهما، وجب في أحدهما نصفها، كاليدين، وإن ~~قطع بعض إحداهما، وجب بقدر ما قطع من ديتها، ففي نصفها نصف ديتها، وفي ~~ربعها ربعها، وعلى هذا الحساب، سواء قطع من أعلى الأذن أو أسفلها، ms4662 أو اختلف ~~في الجمال، أو لم يختلف، كما أن الأسنان والأصابع تختلف في الجمال ~~والمنفعة، ودياتها سواء. # وقد روي عن أحمد، - رحمه الله -؛ أن في شحمة الأذن ثلث الدية. والمذهب ~~الأول. وتجب الدية في أذن الأصم؛ لأن الصمم نقص في غير الأذن، فلم يؤثر في ~~ديتها. كالعمى لا يؤثر في دية الأجفان. وهذا قول الشافعي. ولا أعلم فيه ~~مخالفا. ### | [فصل جنى على أذنه فاستحشفت] # (6908) فصل: فإن جنى على أذنه فاستحشفت، واستحشافها كشلل سائر الأعضاء، ~~ففيها حكومة. وهذا أحد قولي الشافعي. وقال في الآخر: في ذلك ديتها؛ لأن ما ~~وجبت ديته بقطعه، وجبت بشلله، كاليد والرجل. ولنا، أن نفعها باق بعد ~~استحشافها وجمالها، فإن نفعها جمع الصوت، ومنع دخول الماء والهوام في ~~صماخه، وهذا باق بعد شللها، فإن قطعها قاطع بعد استحشافها، ففيها ديتها؛ ~~لأنه قطع أذنا فيها جمالها ونفعها، فوجبت ديتها كالصحيحة، وكما لو قلع عينا ~~عمشاء أو حولاء. # PageV08P441 ### | [مسألة دية السمع إذا ذهب من الأذنين] # (6909) مسألة: قال: (وفي السمع إذا ذهب من الأذنين الدية) لا خلاف في ~~هذا. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم، على أن في السمع الدية. روي ذلك ~~عن عمر. وبه قال مجاهد، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وأهل الشام، وأهل ~~العراق، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، ولا أعلم عن غيرهم خلافا لهم. وقد ~~روي عن معاذ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وفي السمع الدية» . # وروى أبو المهلب، عن أبي قلابة، أن رجلا رمى رجلا بحجر في رأسه، فذهب ~~سمعه وعقله ولسانه ونكاحه، فقضى عمر بأربع ديات، والرجل حي. ولأنها حاسة ~~تختص بنفع، فكان فيها الدية، كالبصر. وإن ذهب السمع من إحدى الأذنين، وجب ~~نصف الدية، كما لو ذهب البصر من إحدى العينين. وإن قطع أذنه، فذهب سمعه، ~~وجبت ديتان؛ لأن السمع في غيرهما، فأشبه ما لو قلع أجفان عينيه فذهب بصره، ~~بخلاف العين إذا قلعت فذهب بصره. فإن البصر في العين، فأشبه البطش الذاهب ~~بقطع اليد. ### | [فصل اختلفا في ذهاب سمعه] # (6910) فصل: وإن اختلفا في ms4663 ذهاب سمعه، فإنه يتغفل ويصاح به، وينظر ~~اضطرابه، ويتأمل عند صوت الرعد والأصوات المزعجة، فإن ظهر منه انزعاج، أو ~~التفات، أو ما يدل على السمع، فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن ظهور ~~الأمارات يدل على أنه سميع، فغلبت جنبة المدعي، وحلف، لجواز أن يكون ما ظهر ~~منه اتفاقا، وإن لم يوجد منه شيء من ذلك، فالقول قوله، مع يمينه؛ لأن ~~الظاهر أنه غير سميع، وحلف لجواز أن يكون احترز وتصبر. # وإن ادعى ذلك في إحداهما، سدت الأخرى، وتغفل على ما ذكرنا. فإن ادعى ~~نقصان السمع فيهما، فلا طريق لنا إلى معرفة ذلك إلا من جهته، فيحلفه ~~الحاكم، ويوجب حكومة. وإن ادعى نقصه في إحداهما، سددنا العليلة، وأطلقنا ~~الصحيحة، وأقمنا من يحدثه وهو يتباعد إلى حيث يقول: إني لا أسمع. فإذا قال ~~إني لا أسمع. غير عليه الصوت والكلام فإن بان أنه يسمع، وإلا فقد كذب، فإذا ~~انتهى إلى آخر سماعه، قدر المسافة، وسد الصحيحة، وأطلقت المريضة، وحدثه وهو ~~يتباعد، حتى يقول: إني لا أسمع. فإذا قال ذلك، غير عليه الكلام، فإن تغيرت ~~صفته، لم يقبل قوله، وإن لم تتغير صفته، حلف، وقبل قوله، ومسحت المسافتان، ~~ونظر ما نقصت العليلة، فوجب بقدره. فإن قال: إني أسمع العالي، ولا أسمع ~~الخفي. فهذا لا يمكن تقديره، فتجب فيه حكومة. # (6911) فصل: فإن قال أهل الخبرة: إنه يرجى عود سمعه إلى مدة. انتظر ~~إليها، وإن لم يكن لذلك غاية، لم ينتظر. # PageV08P442 # ومتى عاد السمع، فإن كان قبل أخذ الدية، سقطت، وإن كان بعده، ردت. على ما ~~قلنا في البصر. ### | [مسألة دية قرع الرأس إذا لم ينبت الشعر] # (6912) مسألة؛ قال: (وفي قرع الرأس إذا لم ينبت الشعر الدية. وفي شعر ~~اللحية الدية، إذا لم ينبت. وفي الحاجبين الدية إذا لم تنبت) هذه الشعور ~~الثلاثة في كل واحد منها دية. وذكر أصحابنا معها شعرا رابعا، وهو أهداب ~~العينين، وقد ذكرناه قبل هذا. ففي كل واحد منهما دية. وهذا قول أبي حنيفة ~~والثوري وممن أوجب في الحاجبين الدية ms4664 سعيد بن المسيب وشريح والحسن وقتادة ~~وروي عن علي وزيد بن ثابت، أنهما قالا في الشعر: فيه الدية. وقال مالك ~~والشافعي: فيه حكومة. واختاره ابن المنذر؛ لأنه إتلاف جمال من غير منفعة؛ ~~فلم تجب فيه الدية، كاليد الشلاء والعين القائمة. # ولنا، أنه أذهب الجمال على الكمال، فوجب فيه دية كاملة كأذن الأصم، وأنف ~~الأخشم، وما ذكروه ممنوع؛ فإن الحاجب يرد العرق عن العين ويفرقه، وهدب ~~العين يرد عنها ويصونها، فجرى مجرى أجفانها. وينتقض ما ذكروه بالأصل الذي ~~قسنا عليه، ويفارق اليد الشلاء، فإنه ليس جمالها كاملا (6913) فصل: وفي أحد ~~الحاجبين نصف الدية؛ لأن كل شيئين فيهما الدية، ففي أحدهما نصفها، كاليدين. ~~وفي بعض ذلك، أو ذهاب شيء من الشعور المذكورة، من الدية بقسطه من ديته، ~~يقدر بالمساحة، كالأذنين، ومارن الأنف. # ولا فرق في هذه الشعور بين كونها كثيفة أو خفيفة، أو جميلة أو قبيحة، أو ~~كونها من صغير أو كبير؛ لأن سائر ما فيه الدية من الأعضاء، لا يفترق الحال ~~فيه بذلك. وإن أبقى من لحيته ما لا جمال فيه، أو من غيرها من الشعر، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، يؤخذ بالقسط؛ لأنه محل يجب في بعضه بحصته، فأشبه الأذن ~~ومارن الأنف. والثاني: تجب الدية كاملة؛ لأنه أذهب المقصود كله، فأشبه ما ~~لو أذهب ضوء العينين؛ ولأن جنايته ربما أحوجت إلى إذهاب الباقي، لزيادته في ~~القبح على ذهاب الكل، فتكون جنايته سببا لذهاب الكل، فأوجبت ديته، كما لو ~~ذهب بسراية الفعل، أو كما لو احتاج في دواء شجة الرأس إلى ما ذهب بضوء ~~عينه. ### | [فصل دية الشعر الذي لا يرجى عوده] # (6914) فصل: ولا تجب الدية في شيء من هذه الشعور إلا بذهابه على وجه لا ~~يرجى عوده، مثل أن # PageV08P443 # يقلب على رأسه ماء حارا، فتلف منبت الشعر، فينقلع بالكلية،. بحيث لا يعود ~~وإن رجي عوده إلى مدة، انتظر إليها. وإن عاد الشعر قبل أخذ الدية، لم تجب، ~~فإن عاد بعد أخذها، ردها. والحكم فيه كالحكم في ذهاب السمع والبصر، فيما ~~يرجى عوده، ms4665 وفيما لا يرجى (6915) فصل: ولا قصاص في شيء من هذه الشعور؛ لأن ~~إتلافها إنما يكون بالجناية على محلها، وهو غير معلوم المقدار، فلا تمكن ~~المساواة فيه، فلا يجب القصاص فيه. ### | [مسألة دية المشام] # (6916) مسألة: قال: (وفي المشام الدية) يعني الشم، في إتلافه الدية؛ لأنه ~~حاسة، تختص بمنفعته، فكان فيها الدية، كسائر الحواس. ولا نعلم في هذا ~~خلافا. قال القاضي: في كتاب عمرو بن حزم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «وفي المشام الدية» . فإن ادعى ذهاب شمه، اغتفلناه بالروائح ~~الطيبة أو المنتنة، فإن هش للطيب، وتنكر للمنتن، فالقول قول الجاني مع ~~يمينه، وإن لم يبن منه ذلك فالقول قول المجني عليه، كقولهم في اختلافهم في ~~السمع. # وإن ادعى المجني عليه نقص شمه، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه لا يتوصل إلى ~~معرفة ذلك إلا من جهته، فقبل قوله فيه، كما يقبل قول المرأة في انقضاء ~~عدتها بالأقراء، ويجب له من الدية ما تخرجه الحكومة. وإن ذهب شمه ثم عاد ~~قبل أخذ الدية، سقطت، وإن كان بعد أخذها ردها؛ لأنا تبينا أنه لم يكن ذهب. ~~وإن رجي عود شمه إلى مدة، انتظر إليها. وإن ذهب شمه من أحد منخريه، ففيه ~~نصف الدية، كما لو ذهب بصره من إحدى عينيه. ### | [فصل في الأنف الدية إذا كان قطع مارنه بغير خلاف بينهم] # (6917) فصل: وفي الأنف الدية إذا كان قطع مارنه، بغير خلاف بينهم. حكاه ~~ابن عبد البر وابن المنذر عمن يحفظ عنه من أهل العلم. وفي كتاب عمرو بن ~~حزم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وفي الأنف إذا أوعب جدعا ~~الدية» . وفي رواية مالك، في " الموطإ " «إذا أوعي جدعا» . يعني إذا: ~~استوعب واستؤصل، ولأنه عضو فيه جمال ومنفعة، ليس في البدن منه إلا شيء ~~واحد، فكانت فيه الدية، كاللسان، وإنما الدية في مارنه، وهو ما لان منه. ~~هكذا قال الخليل وغيره؛ لأنه يروى عن طاوس، أنه قال: كان في # PageV08P444 # كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وفي الأنف، إذا ms4666 أوعب مارنه جدعا ~~الدية» . # ولأن الذي يقطع فيه ذلك، فانصرف الخبر إليه. فإن قطع بعضه، ففيه بقدره من ~~الدية، يمسح ويعرف قدر ذلك منه، كما قلنا في الأذنين. وقد روي هذا عن عمر ~~بن عبد العزيز والشعبي والشافعي وإن قطع أحد المنخرين، ففيه ثلث الدية، وفي ~~المنخرين ثلثاها، وفي الحاجز بينهما الثلث: قال أحمد: في الوترة الثلث، وفي ~~الخرمة في كل واحد منهما الثلث. وبهذا قال إسحاق. وهو أحد الوجهين لأصحاب ~~الشافعي؛ لأن المارن يشتمل على ثلاثة أشياء من جنس، فتوزعت الدية على ~~عددها، كسائر ما فيه عدد من جنس، من اليدين، والأصابع، والأجفان الأربعة. # وحكى أبو الخطاب وجها آخر، أن في المنخرين الدية، وفي الحاجز بينهما ~~حكومة؛ لقول أحمد: في كل زوجين من الإنسان الدية. وهذا الوجه الثاني لأصحاب ~~الشافعي؛ لأن المنخرين ليس في البدن لهما ثالث، فأشبها اليدين؛ ولأنه بقطع ~~المنخرين أذهب الجمال كله، والمنفعة، فأشبه قطع اليدين. فعلى هذا الوجه، في ~~قطع أحد المنخرين نصف الدية، وإن قطع معه الحاجز، ففيه حكومة، وإن قطع نصف ~~الحاجز أو أقل، أو أكثر، لم يزد على حكومة. وعلى الأول، في قطع أحد ~~المنخرين ونصف الحاجز نصف الدية، وفي قطع جميعه مع المنخر ثلثا الدية، وفي ~~قطع جزء من الحاجز أو أحد المنخرين بقدره من ثلث الدية، يقدر بالمساحة، فإن ~~شق الحاجز بين المنخرين، ففيه حكومة، فإن بقي منفرجا، فالحكومة فيه أكثر. ### | [فصل دية قطع المارن مع القصبة] # (6918) فصل: وإن قطع المارن مع القصبة، ففيه الدية، في قياس المذهب. وهذا ~~مذهب مالك ويحتمل أن تجب الدية في المارن، وحكومة في القصبة. وهذا مذهب ~~الشافعي؛ لأن المارن وحده موجب للدية، فوجبت الحكومة في الزائد، كما لو قطع ~~القصبة وحدها مع قطع لسانه. ولنا، قوله - عليه السلام -: «وفي الأنف إذا ~~أوعب جدعا الدية» . ولأنه عضو واحد، فلم يجب به أكثر من دية، كالذكر إذا ~~قطع من أصله. # وما ذكروه يبطل بهذا، ويفارق ما إذا قطع لسانه وقصبته؛ لأنهما عضوان، فلا ~~تدخل دية أحدهما ms4667 في الآخر. وأما العضو الواحد، فلا يبعد أن يجب في جميعه ما ~~يجب في بعضه، كالذكر تجب في حشفته الدية التي تجب في جميعه، وأصابع اليد ~~يجب فيها ما يجب في اليد من الكوع، وكذلك أصابع الرجل، وفي الثدي كله ما في ~~حلمته. فأما إن قطع الأنف وما تحته من اللحم، ففي اللحم حكومة؛ لأنه ليس من ~~الأنف، فأشبه ما لو قطع الذكر واللحم الذي تحته. # PageV08P445 ### | [فصل دية ضرب أنفه فأشله] # (6919) فصل: فإن ضرب أنفه فأشله، ففيه حكومة. وإن قطعه قاطع بعد ذلك، ~~ففيه ديته، كما قلنا في الأذن. وقول الشافعي هاهنا كقوله في الأذن، على ما ~~مضى شرحه وتبيانه. وإن ضربه فعوجه، أو غير لونه، ففيه حكومة. في قولهم ~~جميعا. وفي قطعه بعد ذلك دية كاملة، وإن قطعه إلا جلدة بقي معلقا بها فلم ~~يلتحم، واحتيج إلى قطعه، ففيه دية؛ لأنه قطع جميعه، بعضه بالمباشرة، وباقيه ~~بالتسبب، فأشبه ما لو سرى قطع بعضه إلى قطع جميعه. وإن رده فالتحم، ففيه ~~حكومة؛ لأنه لم يبن. وإن أبانه فرده فالتحم، فقال أبو بكر: ليس فيه إلا ~~حكومة، كالتي قبلها. # وقال القاضي: فيه دية. وهذا مذهب الشافعي لأنه أبان أنفه، فلزمته ديته، ~~كما لو لم يلتحم، ولأن ما أبين قد نجس، فلزمه أن يبينه بعد التحامه. ومن ~~قال بقول أبي بكر، منع نجاسته، ووجوب إبانته؛ لأن أجزاء الآدمي كجملته، ~~بدليل سائر الحيوانات، وجملته طاهرة، وكذلك أجزاؤه. ### | [فصل دية قطع أنفه فذهب شمه] # (6920) فصل: وإن قطع أنفه، فذهب شمه، فعليه ديتان؛ لأن الشم في غير ~~الأنف، فلا تدخل دية أحدهما في الآخر، كالسمع مع الأذن والبصر مع أجفان ~~العينين، والنطق مع الشفتين. وإن قطع أنف الأخشم، وجبت ديته؛ لأن ذلك عيب ~~في غير الأنف فأشبه ما ذكرنا. ### | [مسألة دية الشفتين] # (6921) مسألة: قال: (وفي الشفتين الدية) لا خلاف بين أهل العلم، أن في ~~الشفتين الدية، وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «وفي الشفتين الدية» . ولأنهما عضوان ms4668 ليس في البدن مثلهما، ~~فيهما جمال ظاهر، ومنفعة كاملة، فإنهما طبق على الفم يقيانه ما يؤذيه، ~~ويستران الأسنان، وتردان الريق، وينفخ بهما، ويتم بهما الكلام، فإن فيهما ~~بعض مخارج الحروف، فتجب فيهما الدية، كاليدين والرجلين. وظاهر المذهب أن في ~~كل واحدة منهما نصف الدية. # وروي هذا عن أبي بكر وعلي - رضي الله عنهما - وإليه ذهب أكثر الفقهاء. ~~وروي عن أحمد، - رحمه الله -، رواية أخرى، أن في العليا ثلث الدية، وفي ~~السفلى الثلثين؛ لأن هذا يروى عن زيد بن ثابت. وبه قال سعيد بن المسيب، ~~والزهري. ولأن المنفعة بها أعظم، لأنها التي تدور، وتتحرك، وتحفظ الريق ~~والطعام، والعليا ساكنة لا حركة فيها. # ولنا، قول أبي بكر وعلي، - رضي الله عنهما -، ولأن كل شيئين وجبت فيهما ~~الدية، وجب في أحدهما نصفها، كسائر الأعضاء، ولأن كل ذي عدد وجبت فيه الدية ~~سوي بين جميعه فيها، كالأصابع والأسنان، ولا اعتبار بزيادة النفع، بدليل ما ~~ذكرنا من الأصل # PageV08P446 # (6922) فصل: فإن ضربهما فأشلهما، وجبت ديتهما؛ لأنه أتلف منفعتهما، فوجبت ~~ديتهما، كما لو أشل يديه، وإن تقلصتا فلم تنطبقا على الأسنان، أو استرختا ~~فصارتا لا تنفصلان عن الأسنان، ففيهما الدية؛ لأنه عطل منفعتهما وجمالهما. # وإن تقلصتا بعض التقلص، وجبت الحكومة؛ لأن منافعهما لم تبطل بالكلية ~~(6923) فصل: حد الشفة السفلى من أسفل ما تجافى عن الأسنان واللثة مما ارتفع ~~عن جلدة الذقن، وحد العليا من فوق ما تجافى عن الأسنان واللثة إلى اتصاله ~~بالمنخرين والحاجز، وحدهما طولا طول الفم إلى حاشية الشدقين، وليست حاشية ~~الشدقين منهما. ### | [مسألة دية اللسان المتكلم] # (6924) مسألة؛ قال: (وفي اللسان المتكلم به الدية) أجمع أهل العلم على ~~وجوب الدية في لسان الناطق. وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود، - ~~رضي الله عنهم -. وبه قال أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأصحاب الرأي، وأصحاب ~~الحديث، وغيرهم. وفي كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «وفي ~~اللسان الدية» . ولأن فيه جمالا ومنفعة، فأشبه الأنف؛ فأما الجمال فقد روي ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم ms4669 - «سئل عن الجمال، فقال: في اللسان» . ~~ويقال: جمال الرجل في لسانه، «والمرء بأصغريه قلبه ولسانه» . ويقال ما ~~الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة. # وأما النفع، فإن به تبلغ الأغراض، وتستخلص الحقوق، وتدفع الآفات، وتقضى ~~به الحاجات، وتتم العبادات؛ في القراءة، والذكر، والشكر، والأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر، والتعليم والدلالة على الحق المبين والصراط المستقيم، ~~وبه يذوق الطعام، ويستعين في مضغه وتقليبه، وتنقية الفم، وتنظيفه، فهو أعظم ~~الأعضاء نفعا، وأتمها جمالا، فإيجاب الدية في غيره تنبيه على إيجابها فيه. ~~وإنما تجب الدية في لسان الناطق، فإن كان أخرس، لم تجب فيه دية كاملة، بغير ~~خلاف؛ لذهاب نفعه المقصود منه كاليد الشلاء، والعين القائمة. ### | [فصل دية الكلام إذا جنى عليه فخرس] # (6925) فصل: وفي الكلام الدية، فإذا جنى عليه فخرس، وجبت ديته؛ لأن كل ما ~~تعلقت الدية بإتلافه، تعلقت بإتلاف منفعته، كاليد. فأما إن جنى عليه، فأذهب ~~ذوقه، فقال أبو الخطاب: فيه الدية؛ لأن الذوق حاسة، فأشبه # PageV08P447 # الشم. وقياس المذهب أنه لا دية فيه، فإنه لا يختلف في أن لسان الأخرس لا ~~تجب فيه الدية. وقد نص أحمد، - رحمه الله -، على أن فيه ثلث الدية. ولو وجب ~~في الذوق دية، لوجبت في ذهابه مع ذهاب اللسان بطريق الأولى. # واختلف أصحاب الشافعي؛ فمنهم من قال: قد نص الشافعي على وجوب الدية فيه. ~~ومنهم من قال: لا نص له فيه. ومنهم من قال: قد نص على أن في لسان الأخرس ~~حكومة، وإن ذهب الذوق بذهابه. والصحيح، إن شاء الله، أنه لا دية فيه؛ لأن ~~في إجماعهم على أن لسان الأخرس لا تكمل الدية فيه؛ إجماعا على أنها لا تكمل ~~في ذهاب الذوق بمفرده؛ لأن كل عضو لا تكمل الدية فيه بمنفعته، لا تكمل ~~بمنفعته دونه، كسائر الأعضاء. ولا تفريع على هذا القول. # فأما على الأول، فإذا ذهب ذوقه كله، ففيه دية كاملة، وإن نقص نقصا غير ~~مقدر، بأن يحس المذاق كله، إلا أنه لا يدركه على الكمال، ففيه حكومة، كما ~~لو نقص ms4670 بصره نقصا لا يتقدر، وإن كان نقصا يتقدر، بأن لا يدرك بأحد المذاق ~~الخمس، وهي: الحلاوة، والمرارة، والحموضة، والملوحة، والعذوبة، ويدرك ~~بالباقي، ففيه خمس الدية، وفي اثنتين خمساها، وفي ثلاث ثلاثة أخماسها. وإن ~~لم يدرك بواحدة، ونقص الباقي، فعليه خمس الدية، وحكومة لنقص الباقي. وإن ~~قطع لسان أخرس، فذهب ذوقه، ففيه الدية؛ لإتلافه الذوق. # وإن جنى على لسان ناطق، فأذهب كلامه وذوقه، ففيه ديتان. وإن قطعه، فذهبا ~~معا، ففيه دية واحدة؛ لأنهما يذهبان تبعا لذهابه فوجبت ديته دون ديتهما، ~~كما لو قتل إنسانا، لم تجب إلا دية واحدة. ولو ذهبت منافعه مع بقائه، ففي ~~كل منفعة دية. ### | [فصل جنى عليه فذهب بعض كلامه] # (6926) فصل: وإن ذهب بعض الكلام، وجب من الدية بقدر ما ذهب، يعتبر ذلك ~~بحروف المعجم، وهي ثمانية وعشرون حرفا سوى " لا "، فإن مخرجها مخرج اللازم ~~والألف، فمهما نقص من الحروف، وجب من الدية بقدره؛ لأن الكلام يتم بجميعها، ~~فالذاهب يجب أن يكون عوضه من الدية كقدره من الكلام، ففي الحرف الواحد ربع ~~سبع الدية، وفي الحرفين نصف سبعها، وفي الأربعة سبعها، ولا فرق بين ما خف ~~من الحروف على اللسان وما ثقل؛ لأن كل ما وجب فيه المقدر لم يختلف لاختلاف ~~قدره، كالأصابع. # ويحتمل أن تقسم الدية على الحروف التي للسان فيها عمل، ودون الشفة، وهي ~~أربعة؛ الباء، والميم، والفاء، والواو. ودون حروف الحلق الستة؛ الهمزة، ~~والهاء، والحاء، والخاء، والعين، والغين. فهذه عشرة، بقي ثمانية عشر حرفا ~~للسان، تنقسم ديته عليها؛ لأن الدية تجب بقطع اللسان، وذهاب هذه الحروف ~~وحدها مع بقائه، فإذا وجبت الدية فيها بمفردها، وجب في بعضها بقسطه منها، ~~ففي الواحد نصف تسع الدية، وفي الاثنين تسعها، وفي الثلاثة سدسها. وهذا قول ~~بعض أصحاب الشافعي. وإن جنى على شفته، فذهب بعض الحروف، وجب فيه بقدره، ~~وكذلك إن ذهب بعض حروف الحلق بجنايته. وينبغي أن تجب بقدره من الثمانية ~~والعشرين، وجها واحدا. وإن ذهب حرف فعجز عن # PageV08P448 # كلمة، لم يجب غير أرش الحرف؛ لأن الضمان ms4671 إنما يجب لما تلف. # وإن ذهب حرف، فأبدل مكانه حرفا آخر، كأنه يقول: درهم. فصار يقول: دلهم. ~~أو: دغهم. أو: ديهم. فعليه ضمان الحرف الذاهب؛ لأن ما تبدل لا يقوم مقام ~~الذاهب في القراءة ولا غيرها؛ فإن جنى عليه فذهب البدل، وجبت ديته أيضا؛ ~~لأنه أصل. وإن لم يذهب شيء من الكلام، لكن حصلت فيه عجلة أو تمتمة أو ~~فأفأة، فعليه حكومة لما حصل من النقص والشين، ولم تجب الدية لأن المنفعة ~~باقية. وإن جنى عليه جان آخر، فأذهب كلامه، ففيه الدية كاملة، كما لو جنى ~~على عينه جان فعمشت، ثم جنى عليها آخر، فذهب ببصرها. # وإن أذهب الأول بعض الحروف، وأذهب الثاني بقية الكلام، فعلى كل واحد ~~منهما بقسطه، كما لو ذهب الأول ببصر إحدى العينين، وذهب الآخر ببصر الأخرى. ~~وإن كان ألثغ من غير جناية عليه، فذهب إنسان بكلامه كله، فإن كان مأيوسا من ~~زوال لثغته، ففيه بقسط ما ذهب من الحروف، وإن كان غير مأيوس من زوالها، ~~كالصبي، ففيه الدية كاملة؛ لأن الظاهر زوالها. وكذلك الكبير إذا أمكن إزالة ~~لثغته بالتعليم. ### | [فصل قطع بعض لسانه فذهب بعض كلامه] # (6927) فصل: إذا قطع بعض لسانه، فذهب بعض كلامه، فإن استويا، مثل أن يقطع ~~ربع لسانه، فيذهب ربع كلامه، وجب ربع الدية بقدر الذاهب منهما، كما لو قلع ~~إحدى عينيه فذهب بصرها. وإن ذهب من أحدهما أكثر من الآخر، كأن قطع ربع ~~لسانه، فذهب نصف كلامه، أو قطع نصف لسانه، فذهب ربع كلامه، وجب بقدر ~~الأكثر، وهو نصف الدية في الحالين؛ لأن كل واحد من اللسان والكلام مضمون ~~بالدية منفردا، فإذا انفرد نصفه بالذهاب، وجب النصف، ألا ترى أنه لو ذهب ~~نصف الكلام، ولم يذهب من اللسان شيء، وجب نصف الدية، ولو ذهب نصف اللسان، ~~ولم يذهب من الكلام شيء، وجب نصف الدية. # وإن قطع ربع اللسان، فذهب نصف الكلام، وجب نصف الدية، فإن قطع آخر بقية ~~اللسان، فذهبت بقية الكلام، ففيه ثلاثة أوجه؛ أحدها عليه نصف الدية. هذا ~~قول ms4672 القاضي. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن السالم نصف اللسان، ~~وباقيه أشل، بدليل ذهاب نصف الكلام. والثاني: عليه نصف الدية وحكومة للربع ~~الأشل؛ لأنه لو كان جميعه أشل، لكانت فيه حكومة أو ثلث الدية، فإذا كان ~~بعضه أشل، ففي ذلك البعض حكومة أيضا. الثالث: عليه ثلاثة أرباع الدية. وهذا ~~الوجه الثاني لأصحاب الشافعي؛ لأنه قطع ثلاثة أرباع لسانه، فذهب ربع ونصف ~~كلامه، فوجبت عليه ثلاثة أرباع الدية، كما لو قطعه أولا. ولا يصح القول بأن ~~بعضه أشل؛ # PageV08P449 # لأن العضو متى كان فيه بعض النفع، لم يكن بعضه أشل، كالعين إذا كان بصرها ~~ضعيفا، واليد إذا كان بطشها ناقصا. # وإن قطع نصف لسانه، فذهب ربع كلامه، فعليه نصف ديته، فإن قطع الآخر ~~بقيته، فعليه ثلاثة أرباع الدية. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. والآخر، ~~عليه نصف الدية؛ لأنه لم يقطع إلا نصف لسانه. ولنا، أنه ذهب بثلاثة أرباع ~~الكلام، فلزمه ثلاثة أرباع ديته، كما لو ذهب ثلاثة أرباع الكلام بقطع نصف ~~اللسان الأول، ولأنه لو أذهب ثلاثة أرباع الكلام مع بقاء اللسان، لزمه ~~ثلاثة أرباع الدية، فلأن تجب بقطع نصف اللسان في الأول أولى، ولو لم يقطع ~~الثاني نصف اللسان، لكن جنى عليه جناية أذهبت بقية كلامه مع بقاء لسانه، ~~لكان عليه ثلاثة أرباع ديته؛ لأنه ذهب بثلاثة أرباع ما فيه الدية، فكان ~~عليه ثلاثة أرباع الدية، كما لو جنى على صحيح، فذهب بثلاثة أرباع كلامه، مع ~~بقاء لسانه. ### | [فصل قطع بعض لسانه عمدا] # (6928) فصل: وإذا قطع بعض لسانه عمدا، فاقتص المجني عليه من مثل ما جنى ~~عليه به، فذهب من كلام الجاني مثل ما ذهب من كلام المجني عليه وأكثر، فقد ~~استوفى حقه، ولا شيء في الزائد؛ لأنه من سراية القود، وسراية القود غير ~~مضمونة. وإن ذهب أقل، فللمقتص دية ما بقي؛ لأنه لم يستوف بدله. ### | [فصل قطع لسان صغير لم يتكلم لطفوليته] # (6929) فصل: وإذا قطع لسان صغير لم يتكلم لطفوليته، وجبت ديته. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تجب؛ ms4673 لأنه لسان لا كلام فيه، فلم تجب فيه دية، ~~كلسان الأخرس. ولنا، أن ظاهره السلامة، وإنما لم يتكلم لأنه لا يحسن الكلام ~~فوجبت به الدية كالكبير، ويخالف الأخرس؛ فإنه علم أنه أشل، ألا ترى أن ~~أعضاءه لا يبطش بها، وتجب فيها الدية. وإن بلغ حدا يتكلم مثله، فلم يتكلم، ~~فقطع لسانه، لم تجب فيه الدية؛ لأن الظاهر أنه لا يقدر على الكلام، ويجب ~~فيه ما يجب في لسان الأخرس. وإن كبر فنطق ببعض الحروف، وجب فيه بقدر ما ذهب ~~من الحروف؛ لأننا تبينا أنه كان ناطقا. # وإن كان قد بلغ إلى حد يتحرك بالبكاء وغيره، فلم يتحرك، فقطعه قاطع، فلا ~~دية فيه؛ لأن الظاهر أنه لو كان صحيحا لتحرك. وإن لم يبلغ إلى حد يتحرك، ~~ففيه الدية؛ لأن الظاهر سلامته. وإن قطع لسان كبير، وادعى أنه كان أخرس، ~~ففيه مثل ما ذكرنا فيما إذا اختلفا في شلل العضو المقطوع على ما ذكرناه ~~فيما مضى. # PageV08P450 ### | [فصل جنى عليه فذهب كلامه أو ذوقه ثم عاد] # (6930) فصل: وإن جنى عليه، فذهب كلامه أو ذوقه، ثم عاد، لم تجب الدية؛ ~~لأننا تبينا أنه لم يذهب، ولو ذهب لم يعد، وإن كان قد أخذ الدية ردها. وإن ~~قطع لسانه، فعاد، لم تجب الدية أيضا، وإن كان قد أخذها ردها. قاله أبو بكر. ~~وظاهر مذهب الشافعي، أنه لا يرد الدية؛ لأن العادة لم تجر بعوده، واختصاص ~~هذا بعوده يدل على أنه هبة مجددة. # ولنا، أنه عاد ما وجبت فيه الدية، فوجب رد الدية، كالأسنان وسائر ما ~~يعود. وإن قطع إنسان نصف لسانه، فذهب كلامه كله، ثم قطع آخر بقيته، فعاد ~~كلامه، لم يجب رد الدية؛ لأن الكلام الذي كان باللسان قد ذهب، ولم يعد إلى ~~اللسان، وإنما عاد في محل آخر، بخلاف التي قبلها. وإن قطع لسانه، فذهب ~~كلامه، ثم عاد اللسان دون الكلام، لم يرد الدية؛ لأنه قد ذهب ما تجب الدية ~~فيه بانفراده. وإن عاد كلامه دون لسانه، لم يردها أيضا؛ لذلك. ### | [فصل كان ms4674 للسانه طرفان فقطع أحدهما فذهب كلامه] # (6931) فصل: وإذا كان للسانه طرفان، فقطع أحدهما، فذهب كلامه، ففيه ~~الدية؛ لأن ذهاب الكلام بمفرده يوجب الدية. وإن ذهب بعض الكلام، نظرت؛ فإن ~~كان الطرفان متساويين، وكان ما قطعه بقدر ما ذهب من الكلام، وجب، وإن كان ~~أحدهما أكبر، وجب الأكثر، على ما مضى، وإن لم يذهب من الكلام شيء، وجب بقدر ~~ما ذهب من اللسان من الدية. وإن كان أحدهما منحرفا عن سمت اللسان، فهو خلقة ~~زائدة، وفيه حكومة. # وإن قطع جميع اللسان، وجبت الدية من غير زيادة، سواء كان الطرفان ~~متساويين أو مختلفين. وقال القاضي: إن كانا متساويين، ففيهما الدية، وإن ~~كان أحدهما منحرفا عن سمت اللسان، وجبت الدية وحكومة في الخلقة الزائدة. ~~ولنا، أن هذه الزيادة عيب ونقص يرد بها المبيع، وينقص من ثمنه، فلم يجب ~~فيها شيء كالسلعة في اليد. وربما عاد القولان إلى شيء واحد؛ لأن الحكومة لا ~~يخرج بها شيء إذا كانت الزيادة عيبا. ### | [مسألة دية الأسنان] # (6932) مسألة: قال: (وفي كل سن خمس من الإبل، إذا قلعت ممن قد أثغر، ~~والأضراس والأنياب كالأسنان) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية ~~الأسنان خمس خمس في كل سن. وقد روي ذلك عن عمر بن # PageV08P451 # الخطاب، وابن عباس، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وعروة، وعطاء، وطاوس، ~~والزهري، وقتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي حنيفة، ومحمد بن ~~الحسن. وفي كتاب عمرو بن حزم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في السن ~~خمس من الإبل» . رواه النسائي. # وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «في الأسنان خمس خمس» . رواه أبو داود. فأما الأضراس والأنياب، فأكثر ~~أهل العلم على أنها مثل الأسنان؛ ومنهم عروة وطاوس وقتادة والزهري ومالك ~~والثوري والشافعي وإسحاق وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن. وروي ذلك عن ابن ~~عباس، ومعاوية وروي عن عمر - رضي الله عنه -، أنه قضى في الأضراس ببعير ~~بعير. وعن سعيد بن المسيب، أنه قال: لو كنت أنا، لجعلت في ms4675 الأضراس بعيرين ~~بعيرين، فتلك الدية سواء. وروى ذلك مالك، في " موطئه " وعن عطاء نحوه. وحكي ~~عن أحمد رواية، أن في جميع الأسنان والأضراس الدية. # فيتعين حمل هذه الرواية على مثل قول سعيد؛ للإجماع على أن في كل سن خمسا ~~من الإبل، وورود الحديث به، فيكون في الأسنان ستون بعيرا؛ لأن فيه اثني عشر ~~سنا، أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، فيها خمس خمس، وفيه عشرون ~~ضرسا، في كل جانب عشرة، خمسة من فوق، وخمسة من أسفل، فيكون فيها أربعون ~~بعيرا، في كل ضرس بعيران، فتكمل الدية. وحجة من قال هذا، أنه ذو عدد يجب ~~فيه الدية، فلم تزد ديته على دية الإنسان، كالأصابع، والأجفان، وسائر ما في ~~البدن، ولأنها تشتمل على منفعة جنس، فلم تزد ديتها على الدية، كسائر منافع ~~الجنس، ولأن الأضراس تختص بالمنفعة دون الجمال، والأسنان فيها منفعة وجمال، ~~فاختلفا في الأرش. # ولنا، ما روى أبو داود، بإسناده عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء» ، هذه وهذه ~~سواء ". وهذا نص. وقوله في الأحاديث المتقدمة: في «الأسنان خمس خمس.» ولم ~~يفصل، يدخل في عمومها الأضراس؛ لأنها أسنان، ولأن كل دية وجبت في جملة كانت ~~مقسومة على العدد دون المنافع، كالأصابع، والأجفان، والشفتين، وقد أومأ ابن ~~عباس إلى هذا، فقال: لا أعتبرها بالأصابع فأما ما ذكروه من المعنى، فلا بد ~~من مخالفة القياس فيه، فمن ذهب إلى قولنا، خالف المعنى الذي ذكروه، ومن ذهب ~~إلى قولهم، خالف التسوية الثابتة، بقياس سائر الأعضاء من جنس واحد، فكان ما ~~ذكرناه مع موافقة الأخبار وقول أكثر أهل العلم أولى. # وأما على قول عمر، أن في كل ضرس بعيرا، فيخالف القياسين جميعا، والأخبار، ~~فإنه لا يوجب الدية الكاملة، وإنما يوجب ثمانين بعيرا، ويخالف بين الأعضاء ~~المتجانسة. وإنما يجب هذا الضمان في سن من قد ثغر، وهو الذي أبدل أسنانه، ~~وبلغ حدا إذا قلعت سنه لم يعد بدلها. ويقال: ثغر، واثغر، واتغر. إذا # PageV08P452 # كان كذلك. ms4676 فأما سن الصبي الذي لم يثغر، فلا يجب بقلعها في الحال شيء. هذا ~~قول مالك والشافعي، وأصحاب الرأي. # ولا أعلم فيه خلافا؛ وذلك لأن العادة عود سنه، فلم يجب فيها في الحال ~~شيء، كنتف شعره، ولكن ينتظر عودها؛ فإن مضت مدة ييأس من عودها، وجبت ديتها. ~~قال أحمد، يتوقف سنة؛ لأنه هو الغالب في نباتها. وقال القاضي: إذا سقطت ~~أخواتها ولم تعد هي، أخذت الدية. وإن نبت مكانها أخرى، لم تجب ديتها، كما ~~لو نتف شعره فعاد مثله. لكن إن عادت قصيرة أو مشوهة ففيها حكومة؛ لأن ~~الظاهر أن ذلك بسبب الجناية عليها. وإن أمكن تقدير نقصها عن نظيرتها، ففيها ~~من ديتها بقدر ما نقص. وكذلك إن كانت فيها ثلمة أمكن تقديرها، ففيها بقدر ~~ما ذهب منها، كما لو كسر من سنه ذلك القدر. وإن نبتت أكبر من أخواتها، ~~ففيها حكومة؛ لأن ذلك عيب. # وقيل فيها وجه آخر، لا شيء فيها؛ لأن هذا زيادة. والصحيح الأول؛ لأن ذلك ~~شين حصل بسبب الجناية، فأشبه نقصها. وإن نبتت مائلة عن صف الأسنان، بحيث لا ~~ينتفع بها ففيها ديتها؛ لأن ذلك كذهابها، وإن كانت ينتفع بها، ففيها حكومة؛ ~~للشين الحاصل بها، ونقص نفعها. وإن نبتت صفراء أو حمراء أو متغيرة، ففيها ~~حكومة؛ لنقص جمالها. وإن نبتت سوداء أو خضراء، ففيها روايتان، حكاهما ~~القاضي؛ إحداهما، فيها ديتها. والثانية، فيها حكومة، كما لو سودها من غير ~~قلعها. وإن مات الصبي قبل اليأس من عود سنه، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا شيء ~~له؛ لأن الظاهر أنه لو عاش لعادت، فلم يجب فيها شيء، كما لو نتف شعره. ~~والثاني: فيها الدية لأنه قلع سنا وأيس من عودها، فوجبت ديتها، كما لو مضى ~~زمن تعود في مثله فلم تعد. # وإن قلع سن من قد ثغر، وجبت ديتها في الحال؛ لأن الظاهر أنها لا تعود، ~~فإن عادت، لم تجب الدية، وإن كان قد أخذها ردها. وبهذا قال أصحاب الرأي. ~~وقال مالك: لا يرد شيئا؛ لأن العادة أنها لا تعود، فمتى ms4677 عادت كانت هبة من ~~الله تعالى مجددة، فلا يسقط بذلك ما وجب له بقلع سنه. وعن الشافعي ~~كالمذهبين. ولنا، أنه عاد له في مكانها مثل التي قلعت، فلم يجب له شيء، ~~كالذي لم يثغر. وإن عادت ناقصة، أو مشوهة، فحكمها حكم سن الصغير إذا عادت، ~~على ما ذكرنا. ولو قلع سن من لم يثغر، فمضت مدة ييأس # PageV08P453 # من عودها، وحكم بوجوب الدية، فعادت بعد ذلك، سقطت الدية، وردت إن كانت ~~أخذت، كسن الكبير إذا عادت. ### | [فصل دية السن فيما ظهر منها من اللثة] # (6933) فصل: وتجب دية السن فيما ظهر منها من اللثة؛ لأن ذلك هو المسمى ~~سنا، وما في اللثة منها يسمى سنخا، فإذا كسر السن، ثم جاء آخر فقلع السنخ، ~~ففي السن ديتها، وفي السنخ حكومة، كما لو قطع إنسان أصابع رجل، ثم قطع آخر ~~كفه. وإن قلعها الآخر بسنخها، لم يجب فيها أكثر من ديتها، كما لو قطع اليد ~~من كوعها. وإن فعل ذلك في مرتين، فكسر السن، ثم عاد فقلع السنخ، فعليه ~~ديتها وحكومة؛ لأن ديتها وجبت بالأول، ثم وجب عليه بالثاني حكومة، كما لو ~~فعله غيره. وكذلك لو قطع الأصابع، ثم قطع الكف. وإن كسر بعض الظهر، ففيه من ~~دية السن بقدره. وإن كان ذهب النصف، وجب نصف الأرش، وإن كان الذاهب الثلث، ~~وجب الثلث. # وإن جاء آخر فكسر بقيتها، فعليه بقية الأرش. فإن قلع الثاني بقيتها ~~بسنخها، نظرنا؛ فإن كان الأول كسرها عرضا، فليس على الثاني للسنخ شيء؛ لأنه ~~تابع لما قلعه من ظاهر السن، فصار كما لو قطع الأول من كل إصبع من أصابعه ~~أنملة، ثم قطع الثاني يده من الكوع. وإن كان الأول كسر نصف السن طولا دون ~~سنخه، فجاء الثاني فقطع الباقي بالسنخ كله، فعليه دية النصف الباقي، وحكومة ~~لنصف السنخ الذي بقي لما كسره الأول كما لو قطع الأول إصبعين من يد، ثم جاء ~~الثاني: فقطع الكف كله. فإن اختلف الثاني والمجني عليه فيما قلعه الأول، ~~فالقول قول المجني عليه؛ لأن ms4678 الأصل سلامة السن. وإن انكشفت اللثة عن بعض ~~السن فالدية في قدر الظاهر عادة، دون ما انكشف على خلاف العادة. وإن اختلفا ~~في قدر الظاهر، اعتبر ذلك بأخواتها، فإن لم يكن لها شيء يعتبر به، ولم يمكن ~~أن يعرف ذلك أهل الخبرة، فالقول قول الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته. ### | [فصل قلع سنا مضطربة لكبر أو مرض وكانت منافعها باقية] # (6934) فصل: وإن قلع سنا مضطربة لكبر أو مرض، وكانت منافعها باقية؛ من ~~المضغ، وضغط الطعام والريق، وجبت ديتها. وكذلك إن ذهب بعض منافعها، وبقي ~~بعضها؛ لأن جمالها وبعض منافعها باق، فكمل ديتها، كاليد المريضة، ويد ~~الكبير. وإن ذهبت منافعها كلها، فهي كاليد الشلاء. على ما سنذكره إن شاء ~~الله تعالى. وإن قلع سنا فيها داء أو أكلة، فإن لم يذهب شيء من أجزائها، ~~وجب فيها دية السن الصحيحة؛ لأنها كاليد المريضة، وإن سقط من أجزائها شيء، ~~سقط من ديتها بقدر الذاهب منها، ووجب الباقي. وإن كان إحدى ثنيتيه قصيرة، ~~نقص من ديتها بقدر نقصها، كما لو نقصت بكسرها. # PageV08P454 ### | [فصل جنى على سنه جان فاضطربت وطالت] # (6935) فصل: فإن جنى على سنه جان، فاضطربت، وطالت على الأسنان، وقيل: ~~إنها تعود إلى مدة إلى ما كانت عليه. انتظرت إليها، فإن ذهبت وسقطت، وجبت ~~ديتها، وإن عادت كما كانت، فلا شيء فيها، كما لو جنى على يده فمرضت ثم ~~برئت، وإن بقي فيها اضطراب ففيها حكومة. وإن قلعها قالع، فعليه ديتها ~~كاملة، كما ذكرنا في الفصل الذي قبله، وعلى الأول حكومة لجنايته، وإن مضت ~~المدة ولم تعد إلى ما كانت عليه، ففيها حكومة. وإن قلعها قالع فعليه ديتها، ~~كما ذكرنا. وإن قالوا: يرجى عودها من غير تقدير مدة، وجبت الحكومة فيها؛ ~~لئلا يفضي إلى إهدار الجناية. فإن عادت، سقطت الحكومة، لما ذكرنا في غيرها. ### | [فصل قلع قالع سنه فردها صاحبها فنبتت في موضعها] # (6936) فصل: فإن قلع قالع سنه، فردها صاحبها، فنبتت في موضعها، لم تجب ~~ديتها. نص عليه أحمد، في رواية جعفر بن محمد. وهذا ms4679 قول أبي بكر وعلى قول ~~القاضي، تجب ديتها. وهو مذهب الشافعي وقد ذكرنا توجيههما فيما إذا قطع أنفه ~~فرده، فالتحم، فعلى قول أبي بكر، يجب فيها حكومة؛ لنقصها إن نقصت، أو ضعفها ~~إن ضعفت. # وإن قلعها قالع بعد ذلك وجبت ديتها؛ لأنها سن ذات جمال ومنفعة، فوجبت ~~ديتها، كما لو لم تنقلع. وعلى قول القاضي ينبني حكمها على وجوب قلعها، فإن ~~قلنا: يجب قلعها. فلا شيء على قالعها؛ لأنه قد أحسن بقلعه ما يجب قلعه، وإن ~~قلنا: لا يجب قلعها. احتمل أن يؤخذ بديتها؛ لما ذكرنا، واحتمل أن لا يؤخذ ~~بديتها؛ لأنه قد وجبت له ديتها مرة، فلا تجب ثانية، ولكن فيها حكومة. فأما ~~إن جعل مكانها سنا أخرى، أو سن حيوان، أو عظما، فنبتت، وجب ديتها، وجها ~~واحدا؛ لأن سنه ذهبت بالكلية، فوجبت ديتها، كما لو لم يجعل مكانها شيئا. # وإن قلعت هذه الثانية لم تجب ديتها؛ لأنها ليست سنا له، ولا هي من بدنه، ~~ولكن يجب فيها حكومة؛ لأنها جناية أزالت جماله ومنفعته، فأشبه ما لو خاط ~~جرحه بخيط، فالتحم، فقطع إنسان الخيط، فانفتح الجرح، وزال التحامه. ويحتمل ~~أن لا يجب شيء؛ لأنه أزال ما ليس من بدنه، أشبه ما لو قلع الأنف الذهب الذي ~~جعله المجدوع مكان أنفه. ### | [فصل جنى على سنه فسودها] # (6937) فصل: وإن جنى على سنه فسودها، فحكي عن أحمد، - رحمه الله -، في ~~ذلك روايتان؛ إحداهما، تجب ديتها كاملة. وهو ظاهر كلام الخرقي. ويروى هذا ~~عن زيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وشريح والزهري ~~وعبد الملك بن مروان والنخعي # PageV08P455 # ومالك والليث وعبد العزيز بن أبي سلمة والثوري، وأصحاب الرأي. وهو أحد ~~قولي الشافعي. والرواية الثانية، عن أحمد، أنه إن أذهب منفعتها من المضغ ~~عليها ونحوه، ففيها ديتها، وإن لم يذهب نفعها، ففيها حكومة. وهذا قول ~~القاضي، والقول الثاني للشافعي وهو المختار عند أصحابه؛ لأنه لم يذهب ~~بمنفعتها، فلم تكمل ديتها، كما لو اصفرت. # ولنا، أنه قول زيد بن ثابت، ولم ms4680 يعرف له مخالف في الصحابة، فكان إجماعا، ~~ولأنه أذهب الجمال على الكمال، فكملت ديتها، كما لو قطع أذن الأصم وأنف ~~الأخشم. فأما إن اصفرت أو احمرت، لم تكمل ديتها؛ لأنه لم يذهب الجمال على ~~الكمال، وفيها حكومة. وإن اخضرت، احتمل أن يكون كتسويدها؛ لأنه يذهب ~~بجمالها، واحتمل أن لا يجب فيها إلا حكومة؛ لأن ذهاب جمالها بتسويدها أكثر، ~~فلم يلحق به غيره، كما لو حمرها. فعلى قول من أوجب ديتها، متى قلعت بعد ~~تسويدها، ففيها ثلث ديتها أو حكومة، على ما سنذكره فيما بعد، وعلى قول من ~~لم يوجب فيها إلا حكومة، يجب في قلعها ديتها، كما لو صفرها. ### | [فصل جنى على سنه فذهبت حدتها] # (6938) فصل: وإن جنى على سنه، فذهبت حدتها وكلت، ففي ذلك حكومة، وعلى ~~قالعها بعد ذلك دية كاملة؛ لأنها سن صحيحة، كاملة، فكملت ديتها، كالمضطربة، ~~وإن ذهب منها جزء، ففي الذاهب بقدره، وإن قلعها قالع، نقص من ديتها بقدر ما ~~ذهب، كما لو كسر منها جزء. ### | [فصل دية اللحيين] # (6939) فصل: وفي اللحيين الدية، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان ~~السفلى؛ لأن فيهما نفعا وجمالا، وليس في البدن مثلهما، فكانت فيهما الدية، ~~كسائر ما في البدن منه شيئان، وفي أحدهما نصفها، كالواحد مما في البدن منه ~~شيئان. وإن قلعهما بما عليهما من الأسنان، وجبت عليه ديتهما ودية الأسنان، ~~ولم تدخل دية الأسنان في ديتهما، كما تدخل دية الأصابع في دية الوجه؛ لوجوه ~~ثلاثة؛ أحدها، أن الأسنان مغروزة في اللحيين، غير متصلة بهما، بخلاف ~~الأصابع. # والثاني: أن كل واحد من اللحيين والأسنان ينفرد باسمه، ولا يدخل أحدهما ~~في اسم الآخر، بخلاف الأصابع والكف، فإن اسم اليد يشملهما. والثالث: أن ~~اللحيين يوجدان قبل وجود الأسنان في الخلقة، وتبقيان بعد ذهابها في حق ~~الكبير، # PageV08P456 # ومن تقلعت أسنانه عادت، بخلاف الأصابع والكف. ### | [مسألة دية اليدين] # (6940) مسألة: قال: (وفي اليدين الدية) أجمع أهل العلم على وجوب الدية في ~~اليدين، ووجوب نصفها في إحداهما. روي عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن ~~النبي ms4681 - صلى الله عليه وسلم - قال: «وفي اليدين الدية وفي الرجلين الدية» . ~~وفي كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «وفي اليد خمسون من ~~الإبل» . ولأن فيها جمالا ظاهرا، ومنفعة كاملة، وليس في البدن من جنسهما ~~غيرهما، فكان فيهما الدية، كالعينين. واليد التي تجب فيها الدية من الكوع؛ ~~لأن اسم اليد عند الإطلاق ينصرف إليها، بدليل أن الله تعالى لما قال ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] . كان الواجب قطعهما من ~~الكوع، وكذلك التيمم يجب فيه مسح اليدين إلى الكوعين. # فإن قطع يده من فوق الكوع، مثل أن يقطعها من المرفق، أو نصف الساعد، فليس ~~عليه إلا دية اليد. نص عليه أحمد في رواية أبي طالب. وهذا قول عطاء وقتادة ~~والنخعي وابن أبي ليلى ومالك. وهو قول بعض أصحاب الشافعي. وظاهر مذهبه عند ~~أصحابه، أنه يجب مع دية اليد حكومة لما زاد؛ لأن اسم اليد لها إلى الكوع، ~~ولأن المنفعة المقصودة في اليد، من البطش والأخذ والدفع بالكف، وما زاد ~~تابع للكف، والدية تجب في قطعها من الكوع بغير خلاف، فتجب في الزائد حكومة، ~~كما لو قطعه بعد قطع الكف، قال أبو الخطاب: وهذا قول القاضي. # ولنا، أن اليد اسم للجميع إلى المنكب، بدليل قوله تعالى. {وأيديكم إلى ~~المرافق} [المائدة: 6] . ولما نزلت آية التيمم مسحت الصحابة إلى المناكب. ~~وقال ثعلب: اليد إلى المنكب. وفي عرف الناس أن جميع ذلك يسمى يدا، فإذا ~~قطعها من فوق الكوع، فما قطع إلا يدا، فلا يلزمه أكثر من ديتها، فأما قطعها ~~في السرقة؛ فلأن المقصود يحصل به، وقطع بعض الشيء يسمى قطعا له، كما يقال: ~~قطع ثوبه. إذا قطع جانبا منه. وقولهم: إن الدية تجب في قطعها من الكوع. ~~قلنا: وكذلك تجب بقطع الأصابع منفردة، ولا يجب بقطعها من الكوع أكثر مما ~~يجب في قطع الأصابع، والذكر يجب في قطعه من أصله مثل ما يجب بقطع حشفته. ~~فأما إذا قطع اليد من الكوع، ثم قطعها من المرفق، وجب في المقطوع ثانيا ~~حكومة؛ لأنه وجبت ms4682 # PageV08P457 # عليه دية اليد بالقطع الأول، فوجبت بالثاني حكومة، كما لو قطع الأصابع ثم ~~قطع الكف، أو قطع حشفة الذكر ثم قطع بقيته، أو كما لو فعل ذلك اثنان # (6941) فصل: فإن جنى عليها فأشلها، وجبت عليه ديتها؛ لأنه فوت منفعتها، ~~فلزمته ديتها، كما لو أعمى عينه مع بقائها، أو أخرس لسانه. وإن جنى على يده ~~فعوجها، أو نقص قوتها، أو شانها، فعليه حكومة لنقصها. وإن كسرها ثم انجبرت ~~مستقيمة، وجبت حكومة لشينها إن شانها ذلك، وإن عادت معوجة، فالحكومة أكثر؛ ~~لأن شينها أكثر. وإن قال الجاني: أنا أكسرها ثم أجبرها مستقيمة. لم يمكن من ~~ذلك؛ لأنها جناية ثانية. فإن كسرها تعديا ثم جبرها فاستقامت، لم يسقط ما ~~وجب من الحكومة في اعوجاجها؛ لأن ذلك استقر حين انجبرت عوجاء، وهذه جناية ~~ثانية، والجبر الثاني لها دون الأولى، ولا يشبه هذا ما إذا ذهب ضوء عينه ثم ~~عاد؛ لأننا تبينا أن الضوء لم يذهب، وإنما حال دونه حائل، وها هنا بخلافه، ~~وتجب الحكومة في الكسر الثاني؛ لأنها جناية ثانية. # ويحتمل أن لا تجب؛ لأنه أزال ضرر العوج منها، فكان نفعا، فأشبه ما لو جنى ~~عليه بقطع سلعة أزالها عنه. ### | [فصل كان له كفان في ذراع أو يدان على عضد وإحداهما باطشة دون الأخرى] # (6942) فصل: فإن كان له كفان في ذراع، أو يدان على عضد، وإحداهما باطشة ~~دون الأخرى، أو إحداهما أكثر بطشا، أو في سمت الذراع والأخرى منحرفة عنه، ~~أو إحداهما تامة والأخرى ناقصة، فالأولى هي الأصلية، والأخرى زائدة، ففي ~~الأصلية ديتها والقصاص بقطعها عمدا، والأخرى زائدة فيها حكومة، سواء قطعها ~~مفردة أو قطعها مع الأصلية. وعلى قول ابن حامد، لا شيء فيها؛ لأنها عيب، ~~فهي كالسلعة في اليد. وإن استويا من كل الوجوه، فإن كانتا غير باطشتين، ~~ففيهما ثلث دية اليد أو حكومة، ولا تجب دية اليد كاملة؛ لأنهما لا نفع له ~~فيهما، فهما كاليد الشلاء. # وإن كانتا باطشتين، ففيهما جميعا دية اليد. وهل تجب حكومة مع ذلك؟ على ~~وجهين، بناء على ms4683 أن الزائدة هل فيها حكومة أم لا؟ وإن قطع إحداهما، فلا ~~قود؛ لاحتمال أن تكون هي الزائدة، فلا تقطع الأصلية بها، وفيها نصف ما ~~فيهما إذا قطعتا لتساويهما. وإن قطع إصبعا من إحداهما، وجب أرش نصف إصبع، ~~وفي الحكومة وجهان. وإن قطع ذو اليد التي لها طرفان يدا مفردة، وجب القصاص ~~فيهما، على قول ابن حامد؛ لأن هذا نقص لا يمنع القصاص، كالسلعة في اليد. ~~وعلى قول غيره: لا يجب؛ لئلا يأخذ يدين بيد واحدة، ولا تقطع إحداهما؛ لأنا ~~لا نعرف # PageV08P458 # الأصلية فنأخذها، ولا نأخذ زائدة بأصلية. فأما إن كان له قدمان في رجل ~~واحدة، فالحكم على ما ذكرناه في اليدين. # فإن كانت إحدى القدمين أطول من الأخرى، وكان الطويل مساويا للرجل الأخرى، ~~فهو الأصلي، وإن كان زائدا عنها، والآخر مساو للرجل الأخرى، فهو الأصلي. ~~وإن كان له في كل رجل قدمان، يمكنه المشي على الطويلتين مشيا مستقيما، فهما ~~الأصليان، وإن لم يمكنه، فقطعا، وأمكنه المشي على القصيرتين، فهما ~~الأصليان، والآخران زائدان. وإن أشل الطويلتين، ففيهما الدية؛ لأن الظاهر ~~أنهما الأصليان، فإن قطعهما قاطع، فأمكنه المشي على القصيرتين تبين أنهما ~~الأصليان، وإن لم يمكنه، فالطويلان هما الأصليان. ### | [مسألة دية ثدي الرجل والمرأة] # (6943) مسألة؛ قال: (وفي الثديين الدية، سواء كان من رجل أو امرأة) أما ~~ثديا المرأة، ففيهما ديتهما. لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا، وفي الواحد ~~منهما نصف الدية. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن ~~في ثدي المرأة نصف الدية، وفي الثديين الدية، وممن حفظنا ذلك عنه الحسن ~~والشعبي والزهري ومكحول وقتادة ومالك والثوري والشافعي، وأصحاب الرأي. ولأن ~~فيهما جمالا ومنفعة فأشبها اليدين والرجلين. # وفي أحدهما نصف الدية؛ لأن كل عضوين وجبت الدية فيهما، وجب في أحدهما ~~نصفها، كاليدين. وفي قطع حلمتي الثديين ديتهما. نص عليه أحمد، - رحمه الله ~~-، وروى نحو هذا الشعبي، والنخعي، والشافعي. وقال مالك، والثوري: إن ذهب ~~اللبن، وجبت ديتهما، وإلا وجبت حكومة بقدر شينه. ونحوه قال قتادة: إذا ms4684 ذهب ~~الرضاع بقطعهما، ففيهما الدية. ولنا، أنه ذهب منهما ما تذهب المنفعة ~~بذهابه، فوجبت ديتهما، كالأصابع مع الكف، وحشفة الذكر، وبيان ذهاب المنفعة ~~أن بهما يشرب الصبي ويرتضع فهما كالأصابع في الكف. وإن قطع الثديين كلهما، ~~فليس فيهما إلا دية، كما لو قطع الذكر كله. وإن حصل مع قطعهما جائفة، وجب ~~فيها ثلث الدية مع ديتهما. # وإن حصل جائفتان، وجبت دية وثلثان. وإن ضربهما فأشلهما، ففيهما الدية، ~~كما لو أشل يديه. وإن جنى عليهما، فأذهب لبنهما من غير أن يشلهما، فقال ~~أصحابنا: فيهما حكومة. وهذا قول أصحاب الشافعي. ويحتمل أن تجب ديتهما؛ لأنه ~~ذهب بنفعهما، فأشبه ما لو أشلهما؛ وهذا ظاهر قول مالك، والثوري، وقتادة وإن ~~جنى عليهما من صغيرة ثم ولدت، فلم ينزل لها لبن، سئل أهل الخبرة، فإن ~~قالوا: إن الجناية سبب قطع اللبن، فعليه ما على من ذهب باللبن بعد وجوده. ~~وإن قالوا: ينقطع بغير الجناية. لم يجب عليه أرشه؛ لأن الأصل براءة ذمته، ~~فلا يجب فيها شيء بالشك. # وإن جنى عليهما، فنقص لبنهما، أو جنى على ثديين ناهدين فكسرهما، أو صار ~~بهما مرض، ففيه حكومة؛ لنقصه الذي نقصهما # PageV08P459 # (6944) فصل: فأما ثديا الرجل، وهما الثندوتان، ففيهما الدية. وبهذا قال ~~إسحاق وحكي ذلك قولا للشافعي. وقال النخعي ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر: ~~فيهما حكومة. وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنه ذهب بالجمال من غير منفعة، فلم ~~تجب الدية، كما لو أتلف العين القائمة واليد الشلاء. وقال الزهري: في حلمة ~~الرجل خمس من الإبل. وعن زيد بن ثابت: فيه ثمن الدية. # ولنا، أن ما وجب فيه الدية من المرأة، وجب فيه من الرجل، كاليدين وسائر ~~الأعضاء، ولأنهما عضوان في البدن، يحصل بهما الجمال، ليس في البدن غيرهما ~~من جنسهما، فوجبت فيهما الدية كاليدين، ولأنه أذهب الجمال، فوجبت الدية، ~~كالشعور الأربعة عند أبي حنيفة، وكأذني الأصم وأنف الأخشم عند الجميع، ~~ويفارق العين القائمة؛ لأنه ليس فيها جمال كامل، ولأنها عضو قد ذهب منه ما ~~تجب فيه الدية، فلم تكمل ديته، كاليدين ms4685 إذا شلتا، بخلاف مسألتنا. ### | [مسألة دية الأليتين] # (6945) مسألة: قال: (وفي الأليتين الدية) قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه ~~من أهل العلم يقولون: في الأليتين الدية، وفي كل واحدة منهما نصفها. منهم ~~عمرو بن شعيب والنخعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولأنهما عضوان من جنس، ~~فيهما جمال ظاهر، ومنفعة كاملة، فإنه يجلس عليهما كالوسادتين، فوجب فيهما ~~الدية، وفي إحداهما نصفها، كاليدين. والأليتان: هما ما علا وأشرف من الظهر ~~عن استواء الفخذين. وفيهما الدية إذا أخذتا إلى العظم الذي تحتهما، وفي ~~ذهاب بعضهما بقدره؛ لأن ما وجبت الدية فيه، وجب في بعضه بقدره، فإن جهل ~~المقدار، وجبت حكومة؛ لأنه نقص لم يعرف قدره. ### | [فصل دية الصلب إذا كسر فلم ينجبر] # (6946) فصل: وفي الصلب الدية إذا كسر فلم ينجبر؛ لما روي في كتاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «وفي الصلب الدية» . وعن سعيد بن ~~المسيب، أنه قال مضت السنة أن في الصلب الدية. وهذا ينصرف إلى سنة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. وممن قال بذلك زيد بن ثابت وعطاء والحسن والزهري ~~ومالك وقال القاضي، وأصحاب الشافعي: ليس في كسر الصلب دية؛ إلا أن يذهب ~~مشيه أو جماعه، فتجب الدية لتلك المنفعة؛ لأنه عضو لم تذهب منفعته، فلم تجب ~~فيه دية كاملة، كسائر الأعضاء. # ولنا، الخبر، ولأنه عضو ليس في البدن مثله، فيه جمال ومنفعة، فوجبت الدية ~~فيه بمفرده، كالأنف. وإن ذهب مشيه بكسر صلبه، ففيه، الدية في قول الجميع. ~~ولا يجب أكثر من دية؛ لأنها منفعة تلزم كسر # PageV08P460 # الصلب غالبا، فأشبه ما لو قطع رجليه. وإن لم يذهب مشيه، لكن ذهب جماعه، ~~ففيه الدية أيضا. روي ذلك عن علي - رضي الله عنه -؛ لأنه نفع مقصود، فأشبه ~~ذهاب مشيه. وإن ذهب جماعه ومشيه، وجبت ديتان، في ظاهر كلام أحمد، - رحمه ~~الله -، في رواية ابنه عبد الله؛ لأنهما منفعتان تجب الدية بذهاب كل واحدة ~~منهما منفردة، فإذا اجتمعتا وجبت ديتان، كالسمع والبصر. وعن أحمد: فيهما ~~دية واحدة؛ لأنهما نفع عضو واحد، فلم يجب ms4686 فيها أكثر من دية واحدة، كما لو ~~قطع لسانه فذهب كلامه وذوقه. # وإن جبر صلبه، فعادت إحدى المنفعتين دون الأخرى، لم يجب إلا دية، إلا أن ~~تنقص الأخرى، فتجب حكومة لنقصها، أو تنقص من جهة أخرى، فيكون فيه حكومة ~~لذلك. وإن ادعى ذهاب جماعه، وقال رجلان من أهل الخبرة: إن مثل هذه الجناية ~~يذهب بالجماع. فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأنه لا يتوصل إلى معرفة ~~ذلك إلا من جهته. وإن كسر صلبه، فشل ذكره، اقتضى كلام أحمد، وجوب ديتين؛ ~~لكسر الصلب واحدة وللذكر أخرى. وفي قول القاضي، ومذهب الشافعي، يجب في ~~الذكر دية، وحكومة لكسر الصلب. وإن أشل رجليه، ففيهما دية أيضا. وإن أذهب ~~ماءه دون جماعه، احتمل وجوب الدية. وهذا يروى عن مجاهد. قال بعض أصحاب ~~الشافعي. هو الذي يقتضيه مذهب الشافعي؛ لأنه ذهب بمنفعة مقصودة، فوجبت ~~الدية، كما لو ذهب بجماعه، أو كما لو قطع أنثييه أو رضهما. ويحتمل أن لا ~~تجب الدية كاملة؛ لأنه لم يذهب بالمنفعة كلها. ### | [مسألة دية الذكر] # (6947) مسألة؛ قال: (وفي الذكر الدية) أجمع أهل العلم على أن في الذكر ~~الدية. «وفي كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: وفي الذكر ~~الدية» . ولأنه عضو واحد فيه الجمال والمنفعة، فكملت فيه الدية، كالأنف ~~واللسان، وفي شلله ديته؛ لأنه ذهب بنفعه وأشبه ما لو أشل لسانه. وتجب الدية ~~في ذكر الصغير والكبير، والشيخ والشاب، سواء قدر على الجماع أو لم يقدر. ~~فأما ذكر العنين، فأكثر أهل العلم على وجوب الدية فيه؛ لعموم الحديث، ولأنه ~~غير مأيوس من جماعه. وهو عضو سليم في نفسه، فكملت ديته، كذكر الشيخ. # وذكر القاضي فيه عن أحمد روايتين؛ إحداهما، تجب فيه الدية؛ لذلك. ~~والثانية؛ لا تكمل ديته. وهو مذهب قتادة؛ لأن منفعته الإنزال والإحبال ~~والجماع، وقد عدم ذلك منه في حال الكمال، فلم تكمل ديته كالأشل، وبهذا فارق ~~ذكر الصبي والشيخ. # PageV08P461 # واختلفت الرواية في ذكر الخصي، فعنه فيه دية كاملة. وهو قول سعيد بن عبد ~~العزيز، والشافعي وابن ms4687 المنذر؛ للخبر، ولأن منفعة الذكر الجماع، وهو باق ~~فيه. والثانية، لا تجب فيه. وهو قول مالك والثوري، وأصحاب الرأي وقتادة ~~وإسحاق؛ لما ذكرنا في ذكر العنين، ولأن المقصود منه تحصيل النسل، ولا يوجد ~~ذلك منه، فلم تكمل ديته، كالأشل، والجماع يذهب في الغالب؛ بدليل أن البهائم ~~يذهب جماعها بخصائها، والفرق بين ذكر العنين، وذكر الخصي، أن الجماع في ذكر ~~العنين أبعد منه في ذكر الخصي، واليأس من الإنزال متحقق في ذكر الخصي دون ~~ذكر العنين. # فعلى قولنا: لا تكمل الدية في ذكر الخصي؛ إن قطع الذكر والأنثيين دفعة ~~واحدة، أو قطع الذكر، ثم قطع الأنثيين، لزمته ديتان، وإن قطع الأنثيين، ثم ~~قطع الذكر، لم يلزمه إلا دية واحدة في الأنثيين، وفي الذكر حكومة؛ لأنه ذكر ~~خصي. قال القاضي: ونص أحمد على هذا. وإن قطع نصف الذكر بالطول، ففيه نصف ~~الدية. ذكره أصحابنا. والأولى أن تجب الدية كاملة لأنه ذهب بمنفعة الجماع ~~به، فكملت ديته، كما لو أشله أو كسر صلبه فذهب جماعه. # وإن قطع قطعة منه مما دون الحشفة، وكان البول يخرج على ما كان عليه؛ وجب ~~بقدر القطعة من جميع الذكر من الدية. وإن خرج البول من موضع القطع، وجب ~~الأكثر من حصة القطعة من الدية، أو الحكومة. وإن ثقب ذكره فيما دون الحشفة، ~~فصار البول يخرج من الثقب، ففيه حكومة؛ لذلك. ### | [مسألة دية الأنثيين] # (6948) مسألة؛ قال: (وفي الأنثيين الدية) لا نعلم في هذا خلافا. وفي كتاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «وفي البيضتين الدية» . ولأن ~~فيهما الجمال والمنفعة، فإن النسل يكون بهما، فكانت فيهما الدية، كاليدين. ~~وروى الزهري، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: مضت السنة أن في الصلب الدية، ~~وفي الأنثيين الدية. وفي إحداهما نصف الدية، في قول أكثر أهل العلم # وحكي عن سعيد بن المسيب، أن في اليسرى ثلثي الدية، وفي اليمنى ثلثها؛ لأن ~~نفع اليسرى أكثر؛ لأن النسل يكون بها. ولنا، أن ما وجبت الدية في شيئين ~~منه، وجب في أحدهما نصفها، ms4688 كاليدين، وسائر الأعضاء، ولأنهما ذوا عدد تجب ~~فيه الدية، فاستوت ديتهما، كالأصابع، وما ذكروه ينتقض بالأصابع والأجفان، ~~تستوي دياتها مع اختلاف نفعها، ثم يحتاج إلى إثبات ذلك الذي ذكره. وإن رض ~~أنثييه، أو أشلهما، كملت ديتهما، كما لو أشل يديه أو ذكره. وإن قطع أنثييه، ~~فذهب نسله، لم يجب أكثر من دية؛ لأن ذلك نفعهما، فلم تزدد الدية بذهابه ~~معهما، كالبصر مع ذهاب العينين، والبطش مع ذهاب الرجلين. وإن قطع إحداهما، ~~فذهب النسل، لم يجب أكثر من نصف الدية؛ لأن ذهابه غير متحقق. # PageV08P462 ### | [مسألة دية الرجلين] # مسألة؛ قال: (وفي الرجلين الدية) أجمع أهل العلم على أن في الرجلين ~~الدية، وفي إحداهما نصفها. روي ذلك عن عمر، وعلي. وبه قال قتادة ومالك، ~~وأهل المدينة والثوري، وأهل العراق، والشافعي وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي. وقد ذكرنا الحديث والمعنى فيما تقدم. وفي تفصيلها مثل ما ذكرنا من ~~التفصيل في اليدين، سواء، ومفصل الكعبين هاهنا مثل مفصل الكوعين في اليدين. ### | [فصل دية قدم الأعرج ويد الأعسم] # (6950) فصل: وفي قدم الأعرج ويد الأعسم الدية؛ لأن العرج لمعنى في غير ~~القدم، والعسم: الاعوجاج في الرسغ. وليس ذلك عيبا في قدم ولا كف، فلم يمنع ~~ذلك كمال الدية فيهما. وذكر أبو بكر، أن في كل واحد منهما ثلث الدية، كاليد ~~الشلاء. ولا يصح؛ لأن هذين لم تبطل منفعتهما، فلم تنقص ديتهما، بخلاف اليد ~~الشلاء. ### | [مسألة دية أصابع اليدين والرجلين] # (6951) مسألة: قال: (وفي كل إصبع من اليدين والرجلين عشر من الإبل، وفي ~~كل أنملة منها ثلث عقلها، إلا الإبهام، فإنها مفصلان، ففي كل مفصل منها خمس ~~من الإبل) هذا قول عامة أهل العلم؛ منهم عمر وعلي، وابن عباس. وبه قال ~~مسروق وعروة ومكحول والشعبي وعبد الله بن معقل، والثوري والأوزاعي ومالك ~~والشافعي وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وأصحاب الحديث. # ولا نعلم فيه مخالفا. إلا رواية عن عمر، أنه قضى في الإبهام بثلث غرة، ~~وفي التي تليها باثنتي عشرة، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تليها بتسع، وفي ~~الخنصر بست. وروي ms4689 عنه أنه لما أخبر بكتاب كتبه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لآل حزم: «وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل» . أخذ به وترك قوله ~~الأول. وعن مجاهد: في الإبهام خمس عشرة، وفي التي تليها ثلاث عشرة، وفي ~~التي تليها عشر، وفي التي تليها ثمان، وفي التي تليها سبع. # ولنا ما روى ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دية ~~أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل إصبع.» أخرجه الترمذي، وقال: حديث ~~صحيح. ورواه أبو داود، عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وعن ~~ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هذه وهذه # PageV08P463 # سواء» . يعني الإبهام والخنصر. أخرجه البخاري، وأبو داود. وفي كتاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «وفي كل إصبع من أصابع اليدين ~~والرجلين عشر من الإبل» . # ولأنه جنس ذو عدد تجب فيه الدية، فكان سواء في الدية، كالأسنان، ~~والأجفان، وسائر الأعضاء. ودية كل إصبع مقسومة على أناملها، وفي كل إصبع ~~ثلاث أنامل إلا الإبهام، فإنها أنملتان، ففي كل أنملة من غير الإبهام ثلث ~~عقل الإبهام ثلاثة أبعرة وثلث، وفي كل أنملة من الإبهام خمس من الإبل، نصف ~~ديتها. وحكي عن مالك، أنه قال: الإبهام أيضا ثلاث أنامل، إحداها باطنة. ~~وليس هذا بصحيح، فإن الاعتبار بالظاهر، فإن قوله - عليه السلام - «في كل ~~إصبع عشر من الإبل» . يقتضي وجوب العشر في الظاهر؛ لأنها هي الإصبع التي ~~يقع عليها الاسم دون ما بطن منها، كما أن السن التي يتعلق بها وجوب ديتها ~~هي الظاهرة من لحم اللثة دون سنخها. والحكم في أصابع اليدين والرجلين سواء؛ ~~لعموم الخبر فيهما، وحصول الاتفاق عليهما. ### | [فصل دية الإصبع الزائدة] # (6952) فصل: وفي الإصبع الزائدة حكومة. وبذلك قال الثوري، والشافعي، ~~وأصحاب الرأي. وعن زيد بن ثابت، أن فيها ثلث دية الإصبع. وذكر القاضي أنه ~~قياس المذهب، على رواية إيجاب الثلث في اليد الشلاء. والأول أصح؛ لأن ~~التقدير لا يصار إليه إلا بالتوقيف، أو بمماثلته لما فيه ms4690 توقيف، وليس ذلك ~~هاهنا، لأن اليد الشلاء يحصل بها الجمال، والإصبع الزائدة لا جمال فيها في ~~الغالب، ولأن جمال اليد الشلاء لا يكاد يختلف، والإصبع الزائدة تختلف ~~باختلاف محالها وصفتها وحسنها وقبحها، فكيف يصح قياسها على اليد؟ ،. ### | [مسألة دية البطن إذا ضرب فلم يستمسك الغائط] # (6953) مسألة: قال: (وفي البطن إذا ضرب فلم يستمسك الغائط الدية، وفي ~~المثانة إذا لم يستمسك البول الدية) وبهذا قال ابن جريج، وأبو ثور، وأبو ~~حنيفة. ولم أعلم فيه مخالفا، إلا أن ابن أبي موسى ذكر في المثانة رواية ~~أخرى، فيها ثلث الدية. والصحيح الأول؛ لأن كل واحد من هذين المحلين عضو فيه ~~منفعة كبيرة، ليس في البدن مثله، فوجب في تفويت منفعته دية كاملة، كسائر ~~الأعضاء المذكورة، فإن نفع المثانة حبس البول، وحبس البطن الغائط منفعة ~~مثلها، والنفع بهما كثير، والضرر بفواتهما عظيم، فكان في كل واحدة منهما ~~الدية، كالسمع والبصر. وإن فاتت المنفعتان بجناية واحدة، وجب على الجاني ~~ديتان، كما لو أذهب سمعه وبصره بجناية واحدة. # PageV08P464 ### | [مسألة دية ذهاب العقل] # (6954) مسألة؛ قال: (وفي ذهاب العقل الدية) لا نعلم في هذا خلافا. وقد ~~روي ذلك عن عمر، وزيد - رضي الله عنهما -، وإليه ذهب من بلغنا قوله من ~~الفقهاء. «وفي كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: وفي العقل ~~الدية» . ولأنه أكبر المعاني قدرا، وأعظم الحواس نفعا. فإن به يتميز من ~~البهيمة، ويعرف به حقائق المعلومات، ويهتدي إلى مصالحه، ويتقي ما يضره، ~~ويدخل به في التكليف، وهو شرط في ثبوت الولايات، وصحة التصرفات، وأداء ~~العبادات، فكان بإيجاب الدية أحق من بقية الحواس، فإن نقص عقله نقصا ~~معلوما، مثل أن صار يجن يوما ويفيق يوما، فعليه من الدية بقدر ذلك؛ لأن ما ~~وجبت فيه الدية، وجب بعضها في بعضه بقدره، كالأصابع، وإن لم يعلم، مثل أن ~~صار مدهوشا، أو يفزع مما لا يفزع منه، ويستوحش إذا خلا، فهذا لا يمكن ~~تقديره، فتجب فيه حكومة. ### | [فصل أذهب عقله بجناية لا توجب أرشا] # (6955) فصل: فإن أذهب عقله ms4691 بجناية لا توجب أرشا، كاللطمة، والتخويف، ونحو ~~ذلك، ففيه الدية لا غير. وإن أذهبه بجناية توجب أرشا، كالجراح، أو قطع عضو، ~~وجبت الدية، وأرش الجرح. وبهذا قال مالك، والشافعي في الجديد. وقال أبو ~~حنيفة، والشافعي في القديم: يدخل الأقل منهما في الأكثر، فإن كانت الدية ~~أكثر من أرش الجرح، وجبت وحدها، وإن كان أرش الجرح أكثر، كأن قطع يديه ~~ورجليه، فذهب عقله، وجبت دية الجرح، ودخلت دية العقل فيه؛ لأن ذهاب العقل ~~تختل معه منافع الأعضاء، فدخل أرشها فيه، كالموت. # ولنا، أن هذه جناية أذهبت منفعة من غير محلها مع بقاء النفس، فلم يتداخل ~~الأرشان، كما لو أوضحه فذهب بصره أو سمعه، ولأنه لو جنى على أذنه أو أنفه، ~~فذهب سمعه أو شمه، لم يدخل أرشهما في دية الأنف والأذن، مع قربهما منهما، ~~فهاهنا أولى. وما ذكروه لا يصح؛ لأنه لو دخل أرش الجرح في دية العقل، لم ~~يجب أرشه إذا زاد على دية العقل، كما أن دية الأعضاء كلها مع القتل لا يجب ~~بها أكثر من دية النفس. ولا يصح قولهم: إن منافع الأعضاء تبطل بذهاب العقل، ~~فإن المجنون تضمن منافعه وأعضاؤه بعد ذهاب عقله بما تضمن به منافع الصحيح ~~وأعضاؤه، ولو ذهبت منافعه وأعضاؤه، لم تضمن، كما لا تضمن منافع الميت ~~وأعضاؤه، وإذا جاز أن تضمن بالجناية عليها بعد الجناية عليه، جاز ضمانها مع ~~الجناية عليه، كما لو جنى عليه فأذهب سمعه وبصره بجراحة في غير محلها. # PageV08P465 ### | [فصل جنى عليه فأذهب عقله وسمعه وبصره وكلامه] # (6956) فصل: فإن جنى عليه، فأذهب عقله وسمعه وبصره وكلامه، وجب أربع ديات ~~مع أرش الجرح. قال أبو قلابة: رمى رجل رجلا بحجر، فذهب عقله وبصره وسمعه ~~ولسانه، فقضى فيه عمر بأربع ديات وهو حي. ولأنه أذهب منافع في كل واحدة ~~منها دية، فوجبت عليه دياتها، كما لو أذهبها بجنايات. فإن مات من الجناية، ~~لم تجب إلا دية واحدة؛ لأن ديات المنافع كلها تدخل في دية النفس، كديات ~~الأعضاء. ### | [مسألة دية صعر الوجه] # (6957) مسألة: ms4692 قال: (وفي الصعر الدية، والصعر: أن يضربه، فيصير وجهه في ~~جانب) أصل الصعر، داء يأخذ البعير في عنقه، فيلتوي عنقه، وقول الله تعالى: ~~{ولا تصعر خدك للناس} [لقمان: 18] . أي: لا تعرض عنهم بوجهك تكبرا، كإمالة ~~وجه البعير الذي به الصعر، فمن جنى على إنسان جناية، فعوج عنقه، حتى صار ~~وجهه في جانب، فعليه دية كاملة، روي ذلك عن زيد بن ثابت. # وقال الشافعي: ليس فيه إلا حكومة؛ لأنه إذهاب جمال من غير منفعة. ولنا ما ~~روى مكحول، عن زيد بن ثابت، أنه قال: وفي الصعر الدية. ولم يعرف له في ~~الصحابة مخالف، فكان إجماعا، ولأنه أذهب الجمال والمنفعة، فوجبت فيه دية ~~كاملة، كسائر المنافع. وقولهم: لم يذهب بمنفعته. غير صحيح؛ فإنه لا يقدر ~~على النظر أمامه، واتقاء ما يحذره إذا مشى، وإذا نابه أمر، أو دهمه عدو، لم ~~يمكنه العلم به، ولا اتقاؤه، ولا يمكنه لي عنقه ليعرف ما يريد نظره، ويتعرف ~~ما ينفعه ويضره. ### | [فصل جنى عليه فصار الالتفات عليه شاقا أو ابتلاع الماء أو غيره] # (6958) فصل: فإن جنى عليه، فصار الالتفات عليه شاقا، أو ابتلاع الماء، أو ~~غيره، ففيه حكومة؛ لأنه لم يذهب بالمنفعة كلها، ولا يمكن تقديرها. وإن صار ~~بحيث لا يمكنه ازدراد ريقه، فهذا لا يكاد يبقى، فإن بقي مع ذلك، ففيه ~~الدية؛ لأنه تفويت منفعة ليس لها مثل في البدن. ### | [مسألة دية اليد الشلاء] # (6959) مسألة: قال: (وفي اليد الشلاء ثلث ديتها، وكذلك العين القائمة، ~~والسن السوداء) اليد الشلاء: التي ذهب منها منفعة البطش. والعين القائمة: ~~التي ذهب بصرها وصورتها باقية كصورة الصحيحة. واختلفت الرواية عن أحمد ~~فيهما، وفي السن السوداء، فعنه، في كل واحدة ثلث ديتها. روي هذا عن عمر بن ~~الخطاب، ومجاهد. وبه قال إسحاق. # وعن زيد بن ثابت، في العين القائمة مائة دينار. والرواية الثالثة عن ~~أحمد، في كل واحدة حكومة. وهذا قول مسروق، والزهري، ومالك، والشافعي، # PageV08P466 # وأبي ثور، والنعمان، وابن المنذر؛ لأنه لا يمكن إيجاب دية كاملة، لكونها ~~قد ذهبت منفعتها، ولا ms4693 مقدر فيها، فتجب الحكومة فيها، كاليد الزائدة. ولنا، ~~ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «قضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية، وفي اليد الشلاء ~~إذا قطعت ثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا قلعت ثلث ديتها.» رواه النسائي، ~~وأخرجه أبو داود في العين وحدها مختصرا. # وقول عمر - رضي الله عنه - رواه قتادة عن خلاس، عن عبد الله بن بريدة، عن ~~يحيى بن يعمر، عن ابن عباس، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قضى في ~~العين القائمة إذا خسفت، واليد الشلاء إذا قطعت، والسن السوداء إذا كسرت، ~~ثلث دية كل واحدة منهن. ولأنها كاملة الصورة، فكان فيها مقدر كالصحيحة، ~~وقولهم: لا يمكن إيجاب مقدر. ممنوع؛ فإنا قد ذكرنا التقدير وبيناه. (6960) ~~فصل: قال القاضي: قول أحمد، - رحمه الله -: في السن السوداء، ثلث ديتها. ~~محمول على سن ذهبت منفعتها، بحيث لا يمكنه أن يعض بها الأشياء، أو كانت ~~تفتتت، فأما إن كانت منفعتها باقية، ولم يذهب منها إلا لونها، ففيها كمال ~~ديتها، سواء قلت منفعتها، بأن عجز عن عض الأشياء الصلبة بها أو لم يعجز؛ ~~لأنها باقية المنفعة، فكملت ديتها، كسائر الأعضاء، وليس على من سودها إلا ~~حكومة. # وهذا مذهب الشافعي. والصحيح من مذهب أحمد ما يوافق ظاهر كلامه؛ لظاهر ~~الأخبار، وقضاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقول أكثر أهل العلم، ولأنه ~~ذهب جمالها بتسويدها، فكملت ديتها على من سودها، كما لو سود وجهه. ولم يجب ~~على متلفها أكثر من ثلث ديتها كاليد الشلاء وكالسن إذا كانت بيضاء فانقلعت، ~~ونبت مكانها سوداء، لمرض فيها، فإن القاضي وأصحاب الشافعي، سلموا أنها لا ~~تكمل ديتها. ### | [فصل نبتت أسنان صبي سوداء ثم ثغر ثم عادت سوداء] # (6961) فصل: فإن نبتت أسنان صبي سوداء ثم ثغر ثم عادت سوداء، فديتها ~~تامة؛ لأن هذا جنس خلق على هذه الصورة، فأشبه من خلق أسود الجسم والوجه ~~جميعا. وإن نبتت أولا بيضاء، ثم ثغر، ثم عادت سوداء، سئل أهل ms4694 الخبرة، فإن ~~قالوا: ليس السواد لعلة ولا مرض، ففيها أيضا كمال ديتها، وإن قالوا: ذلك ~~لمرض فيها. فعلى قالعها ثلث ديتها، أو حكومة. وقد سلم القاضي، وأصحاب ~~الشافعي الحكم في هذه الصورة، وهو حجة عليهم فيما خالفوا فيه. ويحتمل أن ~~يكون الحكم فيما إذا كانت سوداء من ابتداء # PageV08P467 # الخلقة هكذا؛ لأن المرض قد يكون في فيه من ابتداء خلقته، فيثبت حكمه في ~~بعض ديتها، كما لو كان طارئا. ### | [فصل دية لسان الأخرس] # فصل: وفي لسان الأخرس روايتان أيضا، كالروايتين في اليد الشلاء. وكذلك كل ~~عضو ذهبت منفعته، وبقيت صورته، كالرجل الشلاء، والإصبع والذكر إذا كان أشل، ~~وذكر الخصي والعنين إذا قلنا: لا تكمل ديتهما. وأشباه هذا، فكله يخرج على ~~الروايتين؛ إحداهما؛ فيه ثلث ديته. والأخرى، حكومة. ### | [فصل دية اليد أو الرجل أو الإصبع أو السن الزوائد] # (6963) فصل: فأما اليد أو الرجل أو الإصبع أو السن الزوائد، ونحو ذلك، ~~فليس فيه إلا حكومة. وقال القاضي: هذا في معنى اليد الشلاء، فتكون على ~~قياسها، يخرج على الروايتين. والذي ذكرناه أصح؛ لأنه لا تقدير في هذا، ولا ~~هو في معنى المقدر، ولا يصح قياس هذا على العضو الذي ذهبت منفعته وبقي ~~جماله؛ لأن هذه الزوائد لا جمال فيها، إنما هي شين في الخلقة، وعيب يرد به ~~المبيع، وتنقص به القيمة، فكيف يصح قياسه على ما يحصل به الجمال؟ ثم لو حصل ~~به جمال ما، لكنه يخالف جمال العضو الذي يحصل به تمام الخلقة، ويختلف في ~~نفسه اختلافا كثيرا، فوجبت فيه الحكومة. ويحتمل أن لا يجب فيه شيء؛ لما ~~ذكرنا. ### | [فصل دية قطع الذكر بعد حشفته وقطع الكف بعد أصابعه] # (6964) فصل: واختلفت الرواية في قطع الذكر بعد حشفته، وقطع الكف بعد ~~أصابعه؛ فروى أبو طالب عن أحمد، فيه ثلث ديته، وكذلك شحمة الأذن. وعن أحمد ~~في ذلك كله حكومة. والصحيح في هذا، أن فيه حكومة؛ لعدم التقدير فيه، ~~وامتناع قياسه على ما فيه تقدير، لأن الأشل بقيت صورته، وهذا لم تبق صورته، ~~إنما بقي ms4695 بعض ما فيه الدية، أو أصل ما فيه الدية. فأما قطع الذراع بعد قطع ~~الكف، والساق بعد قطع القدم، فينبغي أن تجب الحكومة فيه، وجها واحدا؛ لأن ~~إيجاب ثلث دية اليد فيه، يفضي إلى أن يكون الواجب فيه مع بقاء الكف والقدم ~~وذهابهما واحدا، مع تفاوتهما وعدم النص فيهما. والله أعلم. # PageV08P468 ### | [مسألة دية إسكتي المرأة] # (6965) مسألة: قال: (وفي إسكتي المرأة الدية) الإسكتان: هما اللحم المحيط ~~بالفرج من جانبيه، إحاطة الشفتين بالفم. وأهل اللغة يقولون: الشفران حاشيتا ~~الإسكتين، كما أن أشفار العين أهدابها. وفيهما دية المرأة إذا قطعا. وبهذا ~~قال الشافعي. وقاله الثوري، إذا لم يقدر على جماعها. وقضى به محمد بن سفيان ~~إذا بلغ العظم؛ لأن فيهما جمالا ومنفعة، وليس في البدن غيرهما من جنسهما، ~~فوجبت فيهما الدية، كسائر ما فيه منه شيئان، وفي إحداهما نصف الدية، كما ~~ذكرنا في غيرهما. # وإن جنى عليهما فأشلهما، وجبت ديتهما، كما لو جنى على شفتيه فأشلهما. ولا ~~فرق بين كونهما غليظتين أو دقيقتين، قصيرتين أو طويلتين، من بكر أو ثيب، أو ~~صغيرة أو كبيرة، مخفوضة أو غير مخفوضة؛ لأنهما عضوان فيهما الدية، فاستوى ~~فيهما جميع ما ذكرنا، كسائر أعضائها، ولا فرق بين الرتقاء وغيرها؛ لأن ~~الرتق عيب في غيرهما، فلم ينقص ديتهما، كما أن الصمم لم ينقص دية الأذنين. ~~والخفض: هو الختان في حق المرأة. ### | [فصل دية ركب المرأة] # (6966) فصل: وفي ركب المرأة حكومة، وهو عانة المرأة، وكذلك في عانة ~~الرجل؛ لأنه لا مقدر فيه، ولا هو نظير لما قدر فيه، فإن أخذ منه شيء مع فرج ~~المرأة أو ذكر الرجل، ففيه الحكومة مع الدية، كما لو أخذ مع الأنف والشفتين ~~شيء من اللحم الذي حولهما. ### | [مسألة دية موضحة الحر] # (6967) مسألة: قال (وفي موضحة الحر خمس من الإبل، سواء كان من رجل أو ~~امرأة، والموضحة في الرأس والوجه سواء، وهي التي تبرز العظم) هذه من شجاج ~~الرأس أو الوجه، وليس في الشجاج ما فيه قصاص سواها، ولا يجب المقدر في أقل ~~منها، وهي ms4696 التي تصل إلى العظم، سميت موضحة؛ لأنها أبدت وضح العظم، وهو ~~بياضه. # وأجمع أهل العلم على أن أرشها مقدر. قاله ابن المنذر. وفي كتاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «وفي الموضحة خمس من الإبل» . # وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «في المواضح خمس خمس» . رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: ~~حديث حسن. # وقول الخرقي: # PageV08P469 # في موضحة الحر. يحترز به من موضحة العبد. وقوله: سواء كان من رجل أو ~~امرأة. يعني أنهما لا يختلفان في أرش الموضحة؛ لأنها دون ثلث الدية، وهما ~~يستويان فيما دون الثلث، ويختلفان فيما زاد. # وعند الشافعي أن موضحة المرأة على النصف من موضحة الرجل، بناء على أن ~~جراح المرأة على النصف من جراح الرجل في الكثير والقليل. وسنذكر ذلك في ~~موضعه، إن شاء الله تعالى. وعموم الحديث الذي رويناه هاهنا حجة عليه، وفيه ~~كفاية. وأكثر أهل العلم على أن الموضحة في الرأس والوجه سواء. روي ذلك عن ~~أبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما -. وبه قال شريح، ومكحول، والشعبي، ~~والنخعي، والزهري، وربيعة، وعبيد الله بن الحسن، وأبو حنيفة، والشافعي، ~~وإسحاق. # وروي عن سعيد بن المسيب، أنه قال: تضعف موضحة الوجه على موضحة الرأس، ~~فيجب في موضحة الوجه عشر من الإبل؛ لأن شينها أكثر. وذكره القاضي رواية عن ~~أحمد. وموضحة الرأس يسترها الشعر والعمامة. وقال مالك: إذا كانت في الأنف ~~أو في اللحي الأسفل، ففيها حكومة؛ لأنها تبعد عن الدماغ، فأشبهت موضحة سائر ~~البدن. ولنا عموم الأحاديث، وقول أبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما -: ~~الموضحة في الرأس والوجه سواء. ولأنها موضحة، فكان أرشها خمسا من الإبل، ~~كغيرها مما سلموه، ولا عبرة بكثرة الشين، بدليل التسوية بين الصغيرة ~~والكبيرة. # وما ذكروه لمالك لا يصح؛ فإن الموضحة في الصدر أكثر ضررا، وأقرب إلى ~~القلب، ولا مقدر فيها. وقد روي عن أحمد، - رحمه الله -، أنه قال: موضحة ~~الوجه أحرى أن يزاد في ديتها. وليس معنى هذا أنه ms4697 يجب فيها أكثر والله أعلم، ~~إنما معناه أنها أولى بإيجاب الدية، فإنه إذا وجب في موضحة الرأس مع قلة ~~شينها واستتارها بالشعر وغطاء الرأس، خمس من الإبل، فلأن يجب ذلك في الوجه ~~الظاهر، الذي هو مجمع المحاسن، وعنوان الجمال أولى. وحمل كلام أحمد على هذا ~~أولى من حمله على ما يخالف الخبر والأثر وقول أكثر أهل العلم، ومصيره إلى ~~التقدير بغير توقيف، ولا قياس صحيح. # (6968) فصل: ويجب أرش الموضحة في الصغيرة والكبيرة، والبارزة والمستورة ~~بالشعر؛ لأن اسم الموضحة يشمل الجميع. وحد الموضحة ما أفضى إلى العظم، ولو ~~بقدر إبرة. ذكره ابن القاسم، والقاضي. فإن شجه في رأسه شجة، بعضها موضحة، ~~وبعضها دون الموضحة، لم يلزمه أكثر من أرش موضحة؛ لأنه لو أوضح الجميع لم ~~يلزمه أكثر من أرش موضحة، فلأن لا يلزمه في الإيضاح في البعض أكثر من ذلك ~~أولى، وهكذا لو شجه شجة بعضها هاشمة، وباقيها دونها، لم يلزمه أكثر من أرش ~~هاشمة، وإن كانت منقلة وما دونها، أو مأمومة. وما دونها، فعليه أرش منقلة ~~أو مأمومة؛ لما ذكرنا. # PageV08P470 # (6969) فصل: وليس في موضحة غير الرأس والوجه مقدر، في قول أكثر أهل ~~العلم؛ منهم إمامنا، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. قال ~~ابن عبد البر: ولا يكون في البدن موضحة. يعني ليس فيها مقدر. قال: وعلى ذلك ~~جماعة العلماء إلا الليث بن سعد، قال: الموضحة تكون في الجسد أيضا. وقال ~~الأوزاعي في جراحة الجسد على النصف من جراحة الرأس. وحكي نحو ذلك عن عطاء ~~الخراساني، قال: في الموضحة في سائر الجسد خمسة وعشرون دينارا. ولنا، أن ~~اسم الموضحة إنما يطلق على الجراحة المخصوصة في الوجه والرأس، وقول ~~الخليفتين الراشدين: الموضحة في الوجه والرأس سواء. # يدل على أن باقي الجسد بخلافه، ولأن الشين فيما في الرأس والوجه أكثر ~~وأخطر مما في سائر البدن، فلا يلحق به، ثم إيجاب ذلك في سائر البدن يفضي ~~إلى أن يجب في موضحة العضو أكثر من ديته، مثل أن يوضح أنملة ديتها ثلاثة ~~وثلث، ودية الموضحة ms4698 خمسة. وأما قول الأوزاعي وعطاء الخراساني، فتحكم لا نص ~~فيه، ولا قياس يقتضيه، فيجب اطراحه. ### | [فصل أوضحه في رأسه وجر السكين إلى قفاه] # (6970) فصل: وإن أوضحه في رأسه، وجر السكين إلى قفاه، فعليه أرش موضحة، ~~وحكومة لجرح القفا؛ لأن القفا ليس بموقع للموضحة. وإن أوضحه في رأسه، ومدها ~~إلى وجهه، فعلى وجهين؛ أحدهما، أنها موضحة واحدة؛ لأن الوجه والرأس سواء في ~~الموضحة، فصار كالعضو الواحد. والثاني؛ هما موضحتان؛ لأنه أوضحه في عضوين، ~~فكان لكل واحد منهما حكم نفسه، كما لو أوضحه في رأسه ونزل إلى القفا. ### | [فصل أوضحه في رأسه موضحتين بينهما حاجز] # (6971) فصل: وإن أوضحه في رأسه موضحتين، بينهما حاجز، فعليه أرش موضحتين؛ ~~لأنهما موضحتان. فإن أزال الحاجز الذي بينهما، وجب أرش موضحة واحدة؛ لأنه ~~صار الجميع بفعله موضحة، فصار كما لو أوضح الكل من غير حاجز يبقى بينهما. ~~وإن اندملتا، ثم أزال الحاجز بينهما، فعليه أرش ثلاث مواضح؛ لأنه استقر ~~عليه أرش الأوليين بالاندمال، ثم لزمته دية الثالثة. وإن تآكل ما بينهما ~~قبل اندمالهما فزال، لم يلزمه أكثر من أرش واحدة؛ لأن سراية فعله كفعله. ~~وإن اندملت إحداهما وزال الحاجز بفعله، أو سراية الأخرى، فعليه أرش ~~موضحتين. # وإن أزال الحاجز أجنبي، فعلى الأول أرش موضحتين، وعلى الثاني أرش موضحة؛ ~~لأن فعل أحدهما لا ينبني على فعل الآخر، فانفرد كل واحد منهما بحكم جنايته. ~~وإن أزاله المجني عليه، وجب على الأول أرش موضحتين؛ لأن ما وجب بجنايته لا ~~يسقط بفعل غيره. فإن اختلفا، # PageV08P471 # فقال الجاني: أنا شققت ما بينهما. وقال المجني عليه: بل أنا. أو: أزالها ~~آخر سواك، فالقول قول المجني عليه؛ لأن سبب أرش موضحتين قد وجد. والجاني ~~يدعي زواله، والمجني عليه ينكره، والقول قول المنكر، والأصل معه. # وإن أوضح موضحتين، ثم قطع اللحم الذي بينهما في الباطن، وترك الجلد الذي ~~فوقهما ففيها وجهان؛ أحدهما، يلزمه أرش موضحتين؛ لانفصالهما في الظاهر. ~~والثاني: أرش موضحة؛ لاتصالهما في الباطن. وإن جرحه جراحا واحدة، وأوضحه في ~~طرفيها، وباقيها دون الموضحة، ففيه ms4699 أرش موضحتين، لأن ما بينهما ليس بموضحة. ### | [مسألة الدية في الهاشمة] # (6972) مسألة: قال: (وفي الهاشمة عشر من الإبل، وهي التي توضح العظم ~~وتهشمه) الهاشمة: هي التي تتجاوز الموضحة، فتهشم العظم، سميت هاشمة؛ لهشمها ~~العظم. ولم يبلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها تقدير، وأكثر من ~~بلغنا قوله من أهل العلم، على أن أرشها مقدر بعشر من الإبل. روى ذلك قبيصة ~~بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت. وبه قال قتادة، والشافعي، والعنبري، ونحوه قال ~~الثوري، وأصحاب الرأي، إلا أنهم قدروها بعشر الدية من الدراهم، وذلك على ~~قولهم ألف درهم. # وكان الحسن لا يوقت فيها شيئا. وحكي عن مالك، أنه قال: لا أعرف الهاشمة، ~~لكن في الإيضاح خمس، وفي الهشم حكومة. قال ابن المنذر: النظر يدل على قول ~~الحسن؛ إذ لا سنة فيها ولا إجماع، ولأنه لم ينقل فيها عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - تقدير، فوجبت فيها الحكومة، كما دون الموضحة. ولنا، قول زيد، ~~ومثل ذلك الظاهر أنه توقيف، ولأنه لم نعرف له مخالفا في عصره، فكان إجماعا. ~~ولأنها شجة فوق الموضحة تختص باسم، فكان فيها مقدر كالمأمومة. # (6973) فصل: والهاشمة في الرأس والوجه خاصة، على ما ذكرنا في الموضحة. ~~وإن هشمه هاشمتين. بينهما حاجز، ففيهما عشرون من الإبل، على ما ذكرنا في ~~الموضحة من التفصيل. وتستوي الهاشمة الصغيرة والكبيرة. وإن شجه شجة، بعضها ~~موضحة، وبعضها هاشمة، وبعضها سمحاق، وبعضها متلاحمة، وجب أرش الهاشمة؛ لأنه ~~لو كان جميعها هاشمة، أجزأ أرشها، ولو انفرد القدر المهشوم، وجب أرشها، فلا ~~ينقص ذلك بما إذا زاد من الأرش في غيرها. # وإن ضرب رأسه، فهشم العظم، ولم يوضحه، لم تجب دية الهاشمة. بغير خلاف؛ ~~لأن الأرش المقدر وجب في هاشمة يكون معها موضحة، وفي الواجب فيها وجهان؛ # PageV08P472 # أحدهما؛ فيها خمس من الإبل؛ لأنه لو أوضح وكسر، لوجبت عشر؛ خمس في ~~الإيضاح، وخمس في الكسر، فإذا وجد الكسر دون الإيضاح، وجب خمس. والثاني: ~~تجب حكومة؛ لأنه كسر عظم لا جرح معه، فأشبه كسر قصبة الأنف. (6974) فصل: ms4700 ~~فإن أوضحه موضحتين، هشم العظم في كل واحدة منهما، واتصل الهشم في الباطن، ~~فهما هاشمتان؛ لأن الهشم إنما يكون تبعا للإيضاح، فإذا كانتا موضحتين، كان ~~الهشم هاشمتين، بخلاف الموضحة، فإنها ليست تبعا لغيرها، فافترقا. ### | [مسألة الدية في المنقلة] # مسألة: قال: (وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وهي التي توضح وتهشم وتسطو ~~حتى تنقل عظامها) المنقلة: زائدة على الهاشمة، وهي التي تكسر العظام ~~وتزيلها عن مواضعها، فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم. وفيها خمس عشرة من ~~الإبل. بإجماع من أهل العلم. حكاه ابن المنذر. وفي كتاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل.» وفي تفصيلها ~~ما في تفصيل الموضحة والهاشمة، على ما مضى. ### | [مسألة الدية في المأمومة] # (6976) مسألة: قال: (وفي المأمومة ثلث الدية، وهي التي تصل إلى جلدة ~~الدماغ، وفي الآمة مثل ما في المأمومة) المأمومة والآمة شيء واحد. قال ابن ~~عبد البر: أهل العراق يقولون لها: الآمة. وأهل الحجاز: المأمومة. وهي ~~الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ؛ سميت أم الدماغ؛ لأنها تحوطه وتجمعه، فإذا ~~وصلت الجراحة إليها سميت آمة ومأمومة. يقال: أم الرجل آمة ومأمومة، وأرشها ~~ثلث الدية. في قول عامة أهل العلم، إلا مكحولا. فإنه قال: إن كانت عمدا. ~~ففيها ثلثا الدية، وإن كانت خطأ ففيها ثلثها. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتاب عمرو بن حزم: «وفي ~~المأمومة ثلث الدية» وعن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ~~ذلك. وروي نحوه عن علي. ولأنها شجة فلم يختلف أرشها بالعمد والخطإ في ~~المقدار، كسائر الشجاج. (6977) فصل: وإن خرق جلدة الدماغ، فهي الدامغة.، ~~وفيها ما في المأمومة. قال القاضي: لم يذكر أصحابنا الدامغة، # PageV08P473 # لمساواتها المأمومة في أرشها، وقيل: فيها مع ذلك حكومة؛ لخرق جلدة ~~الدماغ. ويحتمل أنهم تركوا ذكرها لكونها لا يسلم صاحبها في الغالب. ### | [فصل أوضحه رجل ثم هشمه الثاني ثم جعلها الثالث منقلة ثم جعلها الرابع مأمومة] # (6978) فصل: فإن أوضحه رجل، ثم هشمه الثاني، ثم جعلها الثالث منقلة، ثم ms4701 ~~جعلها الرابع مأمومة، فعلى الأول أرش موضحته، وعلى الثاني خمس تمام أرش ~~الهاشمة، وعلى الثالث خمس، تمام أرش المنقلة، وعلى الرابع ثمانية عشر وثلث، ~~تمام أرش المأمومة. ### | [مسألة الدية في الجائفة] # (6979) مسألة؛ قال: (وفي الجائفة ثلث الدية، وهي التي تصل إلى الجوف) ~~وهذا قول عامة أهل العلم، منهم أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل الحديث، ~~وأصحاب الرأي، إلا مكحولا، قال فيها: في العمد ثلثا الدية. ولنا، قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في كتاب عمرو بن حزم: «وفي الجائفة ثلث الدية» . ~~وعن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك. ولأنها جراحة فيها ~~مقدر، فلم يختلف قدر أرشها بالعمد والخطإ، كالموضحة، ولا نعلم في جراح ~~البدن الخالية عن قطع الأعضاء وكسر العظام مقدرا غير الجائفة، والجائفة: ما ~~وصل إلى الجوف من بطن، أو ظهر، أو صدر، أو ثغرة نحر، أو ورك، أو غيره. # وذكر ابن عبد البر، أن مالكا، وأبا حنيفة، والشافعي، والبتي، وأصحابهم، ~~اتفقوا على أن الجائفة لا تكون إلا في الجوف. قال ابن القاسم: الجائفة ما ~~أفضى إلى الجوف ولو بمغرز إبرة، فأما إن خرق شدقه. فوصل إلى باطن الفم، ~~فليس بجائفة؛ لأن داخل الفم حكمه حكم الظاهر، لا حكم الباطن. وإن طعنه في ~~وجنته، فكسر العظم. ووصل إلى فيه، فليس بجائفة؛ لما ذكرنا. وقال الشافعي، ~~في أحد قوليه: هو جائفة؛ لأنه قد وصل إلى جوف. وهذا ينتقض بما إذا خرق ~~شدقه. فعلى هذا يكون عليه دية هاشمة، لكسر العظم، وفيما زاد حكومة. # وإن جرحه في أنفه فأنفذه، فهو كما لو جرحه في وجنته فأنقذه إلى فيه، في ~~الحكم والخلاف. وإن جرحه في ذكره، فوصل إلى مجرى البول من الذكر، فليس ~~بجائفة؛ لأنه ليس بجوف يخاف التلف من الوصول إليه، بخلاف غيره. ### | [فصل أجافه جائفتين بينهما حاجز] # (6980) فصل: وإن أجافه جائفتين، بينهما حاجز، فعليه ثلثا الدية. وإن خرق ~~الجاني ما بينهما، أو ذهب بالسراية، صار جائفة واحدة، فيها ثلث الدية لا ~~غير. وإن خرق ما بينهما أجنبي، ms4702 أو المجني عليه، فعلى الأول ثلثا الدية، ~~وعلى # PageV08P474 # الأجنبي الثاني ثلثها، ويسقط ما قابل فعل المجني عليه. وإن احتاج إلى خرق ~~ما بينهما للمداواة، فخرقها المجني عليه أو غيره بأمره، أو خرقها ولي ~~المجني عليه لذلك، أو الطبيب بأمره، فلا شيء في خرق الحاجز، وعلى الأول ~~ثلثا الدية. # وإن أجافه رجل، فوسعها آخر، فعلى كل واحد منهما أرش جائفة؛ لأن فعل كل ~~واحد منهما لو انفرد كان جائفة، فلا يسقط حكمه بانضمامه إلى فعل غيره، لأن ~~فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره. وإن وسعها الطبيب بإذنه، أو إذن وليه ~~لمصلحته، فلا شيء عليه. وإن وسعها جان آخر، في الظاهر دون الباطن، أو في ~~الباطن دون الظاهر، فعليه حكومة؛ لأن جنايته لم تبلغ الجائفة. وإن أدخل ~~السكين في الجائفة ثم أخرجها، عزر، ولا أرش عليه. وإن كان قد خاطها، فجاء ~~آخر، فقطع الخيوط، وأدخل السكين فيها قبل أن تلتحم، عزر أشد من التعزير ~~الأول الذي قبله، وغرمه ثمن الخيوط وأجرة الخياط، ولم يلزمه أرش جائفة؛ ~~لأنه لم يجفه. # وإن فعل ذلك بعد التحامها، فعليه أرش الجائفة وثمن الخيوط؛ لأنه ~~بالالتحام عاد إلى الصحة، فصار كالذي لم يجرح. وإن التحم بعضها دون بعض، ~~ففتق ما التحم، فعليه أرش جائفة؛ لما ذكرنا. وإن فتق غير ما التحم عليه، ~~فليس عليه أرش الجائفة، وحكمه حكم من فعل مثل فعله قبل أن يلتحم منها شيء. ~~وإن فتق بعض ما التحم في الظاهر دون الباطن، أو الباطن دون الظاهر، فعليه ~~حكومة، كما لو وسع جرحه كذلك. ### | [فصل جرح فخذه ومد السكين حتى بلغ الورك فأجاف فيه] # (6981) فصل: وإن جرح فخذه، ومد السكين حتى بلغ الورك، فأجاف فيه، أو جرح ~~الكتف، وجر السكين حتى بلغ الصدر، فأجافه فيه، فعليه أرش الجائفة وحكومة في ~~الجراح؛ لأن الجراح في غير موضع الجائفة، فانفردت بالضمان، كما لو أوضحه في ~~رأسه وجر السكين حتى بلغ القفا، فإنه يلزمه أرش موضحة وحكومة لجرح القفا. ### | [فصل أدخل حديدة أو خشبة أو يده ms4703 في دبر إنسان فخرق حاجزا في الباطن.] # (6982) فصل: فإن أدخل حديدة أو خشبة أو يده، في دبر إنسان، فخرق حاجزا في ~~الباطن، فعليه حكومة، ولا يلزمه أرش جائفة؛ لأن الجائفة ما خرقت من الظاهر ~~إلى الجوف، وهذه بخلافه. وكذلك لو أدخل السكين في جائفة إنسان، فخرق شيئا ~~في الباطن، فليس ذلك بجائفة؛ لما ذكرنا. ### | [مسألة جرحه في جوفه فخرج من الجانب الآخر] # (6983) مسألة؛ قال: (فإن جرحه في جوفه، فخرج من الجانب الآخر، فهما ~~جائفتان) هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم عطاء، ومجاهد، وقتادة، ومالك، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. قال # PageV08P475 # ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك. وحكي عن بعض أصحاب الشافعي، أنه ~~قال: هي جائفة واحدة. وحكي أيضا عن أبي حنيفة؛ لأن الجائفة هي التي تنفذ من ~~ظاهر البدن إلى الجوف، وهذه الثانية إنما نفذت من الباطن إلى الظاهر. # ولنا، ما روى سعيد بن المسيب، أن رجلا رمى رجلا بسهم، فأنفذه، فقضى أبو ~~بكر - رضي الله عنه - بثلثي الدية. ولا مخالف له، فيكون إجماعا. أخرجه سعيد ~~بن منصور في " سننه ". وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن عمر - ~~رضي الله عنه - قضى في الجائفة إذا نفذت الجوف، بأرش جائفتين. لأنه أنفذه ~~من موضعين، فكان جائفتين كما لو أنفذه بضربتين. وما ذكروه غير صحيح، فإن ~~الاعتبار بوصول الجرح إلى الجوف، لا بكيفية إيصاله، إذ لا أثر لصورة الفعل ~~مع التساوي في المعنى، ولأن ما ذكروه من الكيفية ليس بمذكور في خبر، وإنما ~~العادة في الغالب وقوع الجائفة هكذا، فلا يعتبر، كما أن العادة في الغالب ~~حصولها بالحديد، ولو حصلت بغيره لكانت جائفة. ثم ينتقض ما ذكروه بما لو ~~أدخل يده في جائفة إنسان، فخرق بطنه من موضع آخر، فإنه يلزمه أرش جائفة ~~بغير خلاف نعلمه. وكذلك يخرج فيمن أوضح إنسانا في رأسه، ثم أخرج رأس السكين ~~من موضع آخر، فهي موضحتان. فإن هشمه هاشمة لها مخرجان، فهي هاشمتان. وكذلك ~~ما أشبهه. ### | [فصل أدخل إصبعه في فرج بكر فأذهب ms4704 بكارتها] # (6984) فصل: فإن أدخل إصبعه في فرج بكر، فأذهب بكارتها، فليس بجائفة، لأن ~~ذلك ليس بجوف. ### | [مسألة وطئ زوجته وهي صغيرة ففتقها] # (6985) مسألة؛ قال: (ومن وطئ زوجته، وهي صغيرة، ففتقها، لزمه ثلث الدية) ~~. معنى الفتق، خرق ما بين مسلك البول والمني. وقيل: بل معناه خرق ما بين ~~القبل والدبر، إلا أن هذا بعيد؛ لأنه يبعد أن يذهب بالوطء ما بينهما من ~~الحاجز، فإنه حاجز غليظ قوي. والكلام في هذه المسألة: في فصلين؛ (6986) ~~الفصل الأول، في أصل وجوب الضمان. والثاني: في قدره: أما الأول، فإن الضمان ~~إنما يجب بوطء الصغيرة أو النحيفة التي لا تحمل الوطء، دون الكبيرة ~~المحتملة له. وبهذا قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: يجب الضمان في الجميع؛ لأنه جناية، فيجب الضمان به، كما لو ~~كان في أجنبية. ولنا، أنه وطء مستحق، فلم يجب ضمان ما تلف به كالبكارة، ~~ولأنه فعل مأذون فيه ممن يصح إذنه، فلم يضمن ما تلف بسرايته، كما لو أذنت ~~في مداواتها بما يفضي إلى ذلك، وكقطع السارق، أو استيفاء القصاص، وعكسه ~~الصغيرة والمكرهة على الزنا. # PageV08P476 # إذا ثبت هذا، فإنه يلزمه المهر المسمى في النكاح، مع أرش الجناية، ويكون ~~أرش الجناية في ماله، إن كان عمدا محضا، وهو أن يعلم أنها لا تطيقه، وأن ~~وطأه يفضيها. # فأما إن لم يعلم ذلك، وكان مما يحتمل أن لا يفضي إليه، فهو عمد الخطإ، ~~فيكون على عاقلته، إلا على قول من قال: إن العاقلة لا تحمل عمد الخطإ، فإنه ~~يكون في ماله. # (6987) الفصل الثاني: في قدر الواجب، وهو ثلث الدية. وبهذا قال قتادة، ~~وأبو حنيفة. وقال الشافعي: تجب الدية كاملة. وروي ذلك عن عمر بن عبد ~~العزيز؛ لأنه أتلف منفعة الوطء، فلزمته الدية، كما لو قطع إسكتيها. ولنا، ~~ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قضى في الإفضاء بثلث الدية. ~~ولم نعرف له في الصحابة مخالفا. ولأن هذه جناية تخرق الحاجز بين مسلك البول ~~والذكر، فكان موجبها ثلث الدية، كالجائفة. ولا نسلم أنها تمنع الوطء، ms4705 وأما ~~قطع الإسكتين، فإنما أوجب الدية؛ لأنه قطع عضوين فيهما نفع وجمال، فأشبه ~~قطع الشفتين. # (6988) فصل: وإن استطلق بولها مع ذلك، لزمته دية من غير زيادة. وبهذا قال ~~أبو حنيفة. وقال الشافعي: تجب دية وحكومة؛ لأنه فوت منفعتين، فلزمه أرشهما، ~~كما لو فوت كلامه وذوقه. ولنا، أنه أتلف عضوا واحدا، فلم يفت غير منافعه، ~~فلم يضمنه بأكثر من دية واحدة، كما لو قطع لسانه فذهب ذوقه وكلامه. وما ~~قاله لا يصح؛ لأنه لو أوجب دية المنفعتين، لأوجب ديتين؛ لأن استطلاق البول ~~موجب الدية، والإفضاء عنده موجب الدية منفردا، ولم يقل به، وإنما أوجب ~~الحكومة، ولم يوجد مقتضيها، فإننا لا نعلم أحدا أوجب في الإفضاء حكومة. # (6989) فصل: وإن اندمل الحاجز، وانسد، وزال الإفضاء، لم يجب ثلث الدية، ~~ووجبت حكومة، لجبر ما حصل من النقص. ### | [فصل أكره امرأة على الزنى فأفضاها] # (6990) فصل: وإن أكره امرأة على الزنى، فأفضاها، لزمه ثلث ديتها، ومهر ~~مثلها؛ لأنه حصل بوطء غير مستحق، ولا مأذون فيه، فلزمه ضمان ما أتلف به، ~~كسائر الجنايات. وهل يلزمه أرش البكارة مع ذلك؟ فيه روايتان؛ إحداهما، لا ~~يلزمه؛ لأن أرش البكارة داخل في مهر المثل، فإن مهر البكر أكثر من مهر ~~الثيب، # PageV08P477 # فالتفاوت بينهما هو عوض أرش البكارة، فلم يضمنه مرتين، كما في حق الزوجة. ~~والثانية، يضمنه؛ لأنه محل أتلفه بعدوانه، فلزمه أرشه، كما لو أتلفه ~~بإصبعه. فأما المطاوعة على الزنى، إذا كانت كبيرة ففتقها، فلا ضمان عليه في ~~فتقها. # وقال الشافعي: يضمن؛ لأن المأذون فيه الوطء دون الفتق، فأشبه ما لو قطع ~~يدها. ولنا، أنه ضرر حصل من فعل مأذون فيه، فلم يضمنه، كأرش بكارتها، ومهر ~~مثلها، وكما لو أذنت في قطع يدها، فسرى القطع إلى نفسها. وفارق ما إذا أذنت ~~في وطئها، فقطع يدها؛ لأن ذلك ليس من المأذون فيه، ولا من ضرورته. ### | [فصل وطئ امرأة بشبهة فأفضاها] # (6991) فصل: وإن وطئ امرأة بشبهة فأفضاها، فعليه أرش إفضائها، مع مهر ~~مثلها؛ لأن الفعل إنما أذن فيه اعتقادا أن المستوفي له ms4706 هو المستحق، فإذا ~~كان غيره، ثبت في حقه وجوب الضمان لما أتلف، كما لو أذن في أخذ الدين لمن ~~يعتقد أنه مستحقه، فبان أنه غيره. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجب ~~لها أكثر الأمرين من مهر مثلها أو أرش إفضائها؛ لأن الأرش لإتلاف العضو، ~~فلا يجمع بين ضمانه وضمان منفعته، كما لو قلع عينا. # ولنا، أن هذه جناية تنقل عن الوطء، فلم يدخل بدله فيها، كما لو كسر ~~صدرها. وما ذكروه غير صحيح؛ فإن المهر يجب لاستيفاء منفعة البضع، والأرش ~~يجب لإتلاف الحاجز، فلا تدخل المنفعة فيه. ### | [فصل استطلق بول المكرهة على الزنى والموطوءة بشبهة مع إفضائهما.] # (6992) فصل: وإن استطلق بول المكرهة على الزنى، والموطوءة بشبهة، مع ~~إفضائهما، فعليه ديتهما والمهر. وقال أبو حنيفة في الموطوءة بشبهة: لا يجمع ~~بينهما، ويجب أكثرهما. وقد سبق الكلام معه في ذلك. ### | [مسألة دية الضلع والترقوة] # (6993) مسألة: قال: (وفي الضلع بعير، وفي الترقوة بعيران) ظاهر هذا أن في ~~كل ترقوة بعيرين، فيكون في الترقوتين أربعة أبعرة. وهذا قول زيد بن ثابت. ~~والترقوة: هو العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف. ولكل واحد ~~ترقوتان، ففيهما أربعة أبعرة، في ظاهر قول الخرقي. وقال القاضي: المراد ~~بقول الخرقي الترقوتان معا، وإنما اكتفى بلفظ الواحد # PageV08P478 # لإدخال الألف واللام المقتضية للاستغراق، فيكون في كل ترقوة بعير. # وهذا قول عمر بن الخطاب. وبه قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد الملك بن ~~مروان، وسعيد بن جبير، وقتادة، وإسحاق. وهو قول للشافعي، والمشهور من قوليه ~~عند أصحابه، أن في كل واحد مما ذكرنا حكومة، وهو قول مسروق، وأبي حنيفة، ~~ومالك، وابن المنذر؛ لأنه عظم باطن، لا يختص بجمال ومنفعة، فلم يجب فيه أرش ~~مقدر، كسائر أعضاء البدن، ولأن التقدير إنما يكون بتوقيف أو قياس صحيح، ~~وليس في هذا توقيف ولا قياس. وروي عن الشعبي، أن في الترقوة أربعين دينارا، ~~وقال عمرو بن شعيب: في الترقوتين الدية، وفي إحداهما نصفها؛ لأنهما عضوان ~~فيهما جمال ومنفعة، وليس في البدن غيرهما من جنسهما، ms4707 فكملت فيهما الدية، ~~كاليدين. # ولنا، قول عمر - رضي الله عنه -، وزيد بن ثابت. وما ذكروه ينتقض ~~بالهاشمة؛ فإنها كسر عظام باطنة، وفيها مقدر. ولا يصح قولهم: إنها لا تختص ~~بجمال ومنفعة. فإن جمال هذه العظام ونفعها لا يوجد في غيرها، ولا مشارك لها ~~فيه. وأما قول عمرو بن شعيب، فمخالف للإجماع، فإننا لا نعلم أحدا قبله ولا ~~بعده وافقه فيه. ### | [مسألة دية الزند] # (6994) مسألة: قال: (وفي الزند أربعة أبعرة؛ لأنه عظمان) قال القاضي: ~~يعني به الزندين فيهما أربعة أبعرة؛ لأن فيهما أربعة عظام، ففي كل عظم ~~بعير. وهذا يروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال أبو حنيفة، ومالك، ~~والشافعي: فيه حكومة؛ لما تقدم. ولنا، ما روى سعيد، حدثنا هشيم، حدثنا يحيى ~~بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر في أحد الزندين ~~إذا كسر، فكتب إليه عمر: إن فيه بعيرين، وإذا كسر الزندين ففيهما أربعة من ~~الإبل. ورواه أيضا من طريق آخر مثل ذلك. وهذا لم يظهر له مخالف في الصحابة، ~~فكان إجماعا. ### | [فصل دية العظام] # (6995) فصل: ولا مقدر في غير هذه العظام، في ظاهر كلام الخرقي. وهو قول ~~أكثر أهل العلم. وقال القاضي: في عظم الساق بعيران، وفي الساقين أربعة ~~أبعرة، وفي عظم الفخذ بعيران، وفي الفخذين أربعة، فهذه تسعة عظام فيها ~~مقدر؛ الضلع، والترقوتان؛ والزندان، والساقان، والفخذان، وما عداها لا مقدر ~~فيه. وقال ابن عقيل، وأبو الخطاب، وجماعة من أصحاب القاضي: في كل واحد من ~~الذراع والعضد بعيران. وزاد أبو الخطاب عظم القدم؛ لما روى سليمان بن يسار، ~~أن عمر - رضي الله عنه - قضى في الذراع والعضد والفخذ والساق والزند إذا ~~كسر واحد منها فجبر، ولم يكن به دحور يعني عوجا بعير، وإن كان فيها دحور، # PageV08P479 # فبحساب ذلك. # وهذا الخبر، إن صح، فهو مخالف لما ذهبوا إليه، فلا يصلح دليلا عليه. ~~والصحيح، إن شاء الله، أنه لا تقدير في غير الخمسة؛ الضلع، والترقوتين، ~~والزندين؛ لأن التقدير إنما يثبت بالتوقيف، ومقتضى الدليل ms4708 وجوب الحكومة في ~~هذه العظام الباطنة كلها، وإنما خالفناه في هذه العظام لقضاء عمر - رضي ~~الله عنه -، ففيما عداها يبقى على مقتضى الدليل، وما عدا هذه العظام، كعظم ~~الظهر وغيره، ففيه الحكومة، ولا نعلم فيه مخالفا، وإن خالف فيها مخالف، فهو ~~قول شاذ لا يستند إلى دليل يعتمد عليه، ولا يصار إليه. ### | [مسألة دية الشجاج التي لا توقيت فيها] # (6996) مسألة: قال: (والشجاج التي لا توقيت فيها، أولها الحارصة، وهي ~~التي تحرص الجلد) يعني تشقه قليلا. وقال بعضهم: هي الحارصة، ثم الباضعة، ~~وهي التي تشق اللحم بعد الجلد، ثم البازلة، وهي التي يسيل منها الدم، ثم ~~المتلاحمة، وهي التي أخذت في اللحم، ثم السمحاق، وهي التي بينها وبين العظم ~~قشرة رقيقة، ثم الموضحة. # هكذا وقع في النسخ التي وصلت إلينا: الحارصة، ثم الباضعة. ثم البازلة. ~~ولعله من غلط الكاتب، والصواب: الحارصة، ثم البازلة، ثم الباضعة، هكذا ~~رتبها سائر من علمنا قوله من أهل العلم. ولأن الباضعة التي تشق اللحم بعد ~~الجلد، فلا يمكن وجودها قبل البازلة التي يسيل منها الدم، وتسمى الدامعة، ~~لقلة سيلان دمها، تشبيها له بخروج الدمع من العين، والتي تشق اللحم بعد ~~الجلد يسيل منها دم كثير في الغالب، فكيف يصح جعلها سابقة على ما لا يسيل ~~منها إلا دم يسير كدمع العين، ويدل على صحة ما ذكرناه أن زيد بن ثابت، جعل ~~في البازلة بعيرا، وفي الباضعة بعيرين. # وقول الخرقي: والشجاج. يعني: جراح الرأس والوجه؛ فإنه يسمى شجاجا خاصة، ~~دون جراح سائر البدن. والشجاج المسماة عشر؛ خمس منها أرشها مقدر، وقد ~~ذكرناها، وخمس لا توقيت فيها، قال الأصمعي: أولها الحارصة، وهي التي تشق ~~الجلد قليلا. يعني تقشر شيئا يسيرا من الجلد، لا يظهر منه دم، ومنه: حرص ~~القصار الثوب. إذا شقه قليلا. ثم البازلة، وهي التي ينزل منها الدم. أي ~~يسيل. وتسمى الدامية أيضا، والدامعة # ، ثم الباضعة، وهي التي تشق اللحم بعد الجلد. ثم المتلاحمة، وهي التي ~~أخذت في اللحم، يعني دخلت فيه دخولا كثيرا يزيد على ms4709 الباضعة، ولم تبلغ ~~السمحاق. ثم السمحاق، وهي التي تصل إلى قشرة رقيقة فوق العظم، تسمى تلك ~~القشرة سمحاقا، وسميت الجراح الواصلة إليها بها، ويسميها أهل المدينة ~~الملطا والملطاة، وهي التي تأخذ اللحم كله حتى تخلص منه. ثم الموضحة، وهي ~~التي تقشر تلك الجلدة، وتبدي وضح العظم، أي بياضه، وهي أول الشجاج الموقتة، ~~وما قبلها # PageV08P480 # من الشجاج الخمس فلا توقيت فيها في الصحيح من مذهب أحمد. وهو قول أكثر ~~الفقهاء. # يروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب ~~الرأي، وروي عن أحمد، رواية أخرى، أن في الدامية بعيرا، وفي الباضعة ~~بعيرين، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة أبعرة؛ لأن هذا يروى عن ~~زيد بن ثابت. وروي عن علي - رضي الله عنه - في السمحاق مثل ذلك. رواه سعيد ~~عنهما. # وعن عمر وعثمان، فيها نصف أرش الموضحة. والصحيح الأول؛ لأنها جراحات لم ~~يرد فيها توقيت في الشرع، فكان الواجب فيها حكومة، كجراحات البدن. روي عن ~~مكحول، قال «قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الموضحة بخمس من الإبل، ~~ولم يقض فيما دونها» ، ولأنه لم يثبت فيها مقدر بتوقيف، ولا له قياس يصح، ~~فوجب الرجوع إلى الحكومة، كالحارصة. وذكر القاضي، أنه متى أمكن اعتبار هذه ~~الجراحات من الموضحة، مثل أن يكون في رأس المجني عليه موضحة إلى جانبها، ~~قدرت هذه الجراحة منها، فإن كانت بقدر النصف، وجب نصف أرش الموضحة، إن كانت ~~بقدر الثلث، وجب ثلث الأرش. # وعلى هذا، إلا أن تزيد الحكومة على قدر ذلك، فتوجب ما تخرجه الحكومة، ~~فإذا كانت الجراحة قدر نصف الموضحة، وشينها ينقص قدر ثلثيها، أوجبنا ثلثي ~~أرش الموضحة، وإن نقصت الحكومة أقل من النصف، أوجبنا النصف، فنوجب الأكثر ~~مما تخرجه الحكومة، أو قدرها من الموضحة؛ لأنه اجتمع سببان موجبان؛ الشين ~~وقدرها من الموضحة، فوجب بها أكثرهما؛ لوجود سببه. والدليل على إيجاب ~~المقدار، أن هذا اللحم فيه مقدر، فكان في بعضه بمقداره من ديته، كالمارن ~~والحشفة والشفة والجفن، وهذا مذهب الشافعي. وهذا لا نعلمه مذهبا لأحمد ms4710 ولا ~~يقتضيه مذهبه، ولا يصح؛ لأن هذه جراحة تجب فيها الحكومة، فلا يجب فيها ~~مقدر. كجراحات البدن، ولا يصح قياس هذا على ما ذكروه، فإنه لا تجب فيه ~~الحكومة، ولا نعلم لما ذكروه نظيرا. ### | [مسألة الجراح التي لم توقت] # (6997) مسألة: قال: (وما لم يكن فيه من الجراح توقيت، ولم يكن نظيرا لما ~~وقتت ديته، ففيه حكومة) أما الذي فيه توقيت، فهو الذي نص النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على أرشه، وبين قدر ديته، كقوله: «في الأنف الدية، وفي اللسان ~~الدية» . وقد ذكرناه. وأما نظيره، فهو ما كان في معناه، ومقيسا عليه، ~~كالأليتين، والثديين، والحاجبين. وقد ذكرنا ذلك أيضا، فما لم يكن من ~~الموقت، ولا مما يمكن قياسه عليه، كالشجاج التي دون الموضحة، وجراح البدن ~~سوى الجائفة، وقطع الأعضاء، وكسر العظام المذكورة؛ فليس فيه إلا الحكومة. # PageV08P481 ### | [مسألة ما هي الحكومة في الجناية] # (6998) مسألة: قال: (والحكومة أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ~~ثم يقوم وهي به قد برأت، فما نقصته الجناية، فله مثله من الدية، كأن تكون ~~قيمته وهو عبد صحيح عشرة، وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة، فيكون فيه عشر ~~ديته) هذا الذي ذكره الخرقي، - رحمه الله -، في تفسير الحكومة، قول أهل ~~العلم كلهم، لا نعلم بينهم فيه خلافا. وبه قال الشافعي، والعنبري، وأصحاب ~~الرأي، وغيرهم. # قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن معنى قولهم: حكومة، ~~أن يقال إذا أصيب الإنسان بجرح لا عقل له معلوم: كم قيمة هذا المجروح؟ لو ~~كان عبدا لم يجرح هذا الجرح، فإذا قيل: مائة دينار. قيل: وكم قيمته وقد ~~أصابه هذا الجرح، وانتهى برؤه؟ قيل: خمسة وتسعون. فالذي يجب على الجاني نصف ~~عشر الدية. وإن قالوا: تسعون. فعشر الدية. وإن زاد أو نقص، فعلى هذا ~~المثال. وإنما كان كذلك؛ لأن جملته مضمونة بالدية، فأجزاؤه مضمونة منها، ~~كما أن المبيع لما كان مضمونا على البائع بالثمن، كان أرش عيبه مقدرا من ~~الثمن، فيقال: كم قيمته لا عيب فيه؟ ms4711 فقالوا: عشرة. فيقال: كم قيمته وفيه ~~العيب؟ فإذا قيل: تسعة، علم أنه نقص عشر قيمته، فيجب أن نرد من الثمن عشره، ~~أي قدر كان، ونقدره عبدا ليمكن تقويمه، ونجعل العبد أصلا للحر فيما لا موقت ~~فيه، والحر أصلا للعبد فيما فيه توقيت. ### | [مسألة ما زاد في الحكومة أو نقص] # (6999) مسألة: قال (وعلى هذا ما زاد من الحكومة أو نقص، إلا أن تكون ~~الجناية في رأس أو وجه، فيكون أسهل مما وقت فيه، فلا يجاوز به أرش الموقت) ~~يعني لو نقصته الجناية أكثر من عشر قيمته، لوجب أكثر من عشر ديته، ولو ~~نقصته أقل من العشر، مثل أن نقصته نصف عشر قيمته؛ لوجب نصف عشر ديته، إلا ~~إذا شجه دون الموضحة، فبلغ أرش الجراح بالحكومة أكثر من أرش الموضحة، لم ~~يجب الزائد، فلو جرحه في وجهه سمحاقا، فنقصته عشر قيمته، فمقتضى الحكومة ~~وجوب عشر من الإبل، ودية الموضحة خمس، فهاهنا يعلم غلط المقوم؛ لأن الجراحة ~~لو كانت موضحة، لم تزد على خمس، مع أنها سمحاق وزيادة عليها؛ فلأن لا يجب ~~في بعضها زيادة على خمس أولى. وهذا قول أكثر أهل العلم. وبه يقول الشافعي، ~~وأصحاب الرأي. # وحكي عن مالك، أنه يجب ما تخرجه الحكومة، كائنا ما كان؛ لأنها جراحة لا ~~مقدر فيها، فوجب فيها ما نقص، كما لو كانت في سائر البدن. ولنا، أنها بعض ~~الموضحة؛ لأنه لو أوضحه، لقطع ما قطعته هذه الجراحة، ولا يجوز أن يجب في ~~بعض # PageV08P482 # الشيء أكثر مما يجب فيه، ولأن الضرر في الموضحة أكثر، والشين أعظم، ~~والمحل واحد، فإذا لم يزد أرش الموضحة على خمس، كان ذلك تنبيها على أن لا ~~يزيد ما دونها عليها. وأما سائر البدن، فما كان فيه موقت، كالأعضاء، ~~والعظام المعلومة، والجائفة، فلا يزاد جرح عظم على ديته، مثاله، جرح أنملة، ~~فبلغ أرشها بالحكومة خمسا من الإبل، فإنه يرد إلى دية الأنملة. وإن جنى ~~عليه في جوفه دون الجائفة، لم يزد على أرش الجائفة، وما لم يكن كذلك، وجب ~~ما أخرجته ms4712 الحكومة؛ لأن المحل مختلف. فإن قيل: فقد وجب في بعض البدن أكثر ~~مما وجب في جميعه، ووجب في منافع اللسان أكثر من الواجب فيه؟ قلنا: إنما ~~وجبت دية النفس عوضا عن الروح، وليست الأطراف بعضها، بخلاف مسألتنا هذه. ~~ذكره القاضي. # ويحتمل كلام الخرقي أن يختص امتناع الزيادة بالرأس والوجه؛ لقوله: إلا أن ~~تكون الجناية في رأس أو وجه، فلا يجاوز به أرش الموقت. فصل: وإذا أخرجت ~~الحكومة في شجاج الرأس التي دون الموضحة قدر أرش الموضحة، أو زيادة عليه، ~~فظاهر كلام الخرقي أنه يجب أرش الموضحة. وقال القاضي: يجب أن تنقص عنها ~~شيئا، على حسب ما يؤدي إليه الاجتهاد. وهذا مذهب الشافعي؛ لئلا يجب في ~~بعضها ما يجب في جميعها. وجه قول الخرقي أن مقتضى الدليل وجوب ما أخرجته ~~الحكومة، وإنما سقط الزائد على أرش الموضحة؛ لمخالفته النص، أو تنبيه النص، ~~ففيما لم يزد، يجب البقاء على الأصل، ولأن ما ثبت بالتنبيه، يجوز أن يساوي ~~المنصوص عليه في الحكم، ولا يلزم أن يزيد عليه، كما أنه نص على وجوب فدية ~~الأذى في حق المعذور، ولم تلزم زيادتها في حق من لا عذر له، ولا يمتنع أن ~~يجب في البعض ما يجب في الكل، بدليل وجوب دية الأصابع؛ مثل دية اليد كلها، ~~وفي حشفة الذكر مثل ما في جميعه. # فإن هذا وجب بالتقدير الشرعي، لا بالتقويم. قلنا: إذا ثبت الحكم بنص ~~الشارع، لم يمتنع ثبوت مثله بالقياس عليه، والاجتهاد المؤدي إليه. وفي ~~الجملة، فالحكومة دليل ترك العمل بها في الزائد لمعنى مفقود في المساوي، ~~فيجب العمل فيه بها لعدم المعارض ثم، وإن صح ما ذكروه، فينبغي أن ينقص أدنى ~~ما تحصل به المساواة المحذورة، ويجب الباقي، عملا بالدليل الموجب له - ~~والله أعلم. ### | [فصل كيفية التقويم في الجروح] # (7001) فصل: ولا يكون التقويم إلا بعد برء الجرح؛ لأن أرش الجرح المقدر ~~إنما يستقر بعد برئه، فإن لم تنقصه الجناية شيئا بعد البرء، مثل أن قطع ~~إصبعا أو يدا زائدة، أو قلع لحية امرأة، ms4713 فلم ينقصه ذلك، بل زاده حسنا، # PageV08P483 # فلا شيء على الجاني؛ لأن الحكومة لأجل جبر النقص، ولا نقص هاهنا، فأشبه ~~ما لو لطم وجهه فلم يؤثر، وإن زادته الجناية حسنا، فالجاني محسن بجنايته، ~~فلم يضمن، كما لو قطع سلعة أو ثؤلولا، وبط خراجا. ويحتمل أن يضمن. # قال القاضي: نص أحمد على هذا؛ لأن هذا جزء من مضمون، فلم يعر عن ضمان، ~~كما لو أتلف مقدر الأرش فازداد به جمالا، أو لم ينقصه شيئا، فعلى هذا يقوم ~~في هذا أقرب الأحوال إلى البرء؛ لأنه لما سقط اعتبار قيمته بعد برئه، قوم ~~في أقرب الأحوال إليه، كولد المغرور، لما تعذر تقويمه في البطن، قوم عند ~~الوضع؛ لأنه أقرب الأحوال التي أمكن تقويمه إلى كونه في البطن. وإن لم ينقص ~~في تلك الحال، قوم والدم جار؛ لأنه لا بد من نقص للخوف عليه. ذكره القاضي. ~~ولأصحاب الشافعي وجهان، كما ذكرنا. وتقوم لحية المرأة كأنها لحية رجل في ~~حال ينقصه ذهاب لحيته. وإن أتلف سنا زائدة، قوم وليس له سن، ولا خلفها ~~أصلية، ثم يقوم وقد ذهبت الزائدة. فإن كانت المرأة إذا قدرناها ابن عشرين ~~نقصها ذهاب لحيتها يسيرا، وإن قدرناها ابن أربعين نقصها كثيرا، قدرناها ابن ~~عشرين؛ لأنه أقرب الأحوال إلى حال المجني عليه، فأشبه تقويم الجرح الذي لا ~~ينقص بعد الاندمال، فإنا نقومه في أقرب أحوال النقص إلى حال الاندمال. # والأول أصح، إن شاء الله، فإن هذا لا مقدر فيه، ولم ينقص شيئا، فأشبه ~~الضرب، وتضمين النقص الحاصل حال جريان الدم، إنما هو تضمين الخوف عليه، وقد ~~زال، فأشبه ما لو لطمه فاصفر لونه حال اللطمة، أو احمر، ثم زال ذلك. وتقدير ~~المرأة رجلا لا يصح؛ لأن اللحية زين للرجل، وعيب فيها، وتقدير ما يعيب بما ~~يزين لا يصح، وكذلك تقدير السن في حالة إيراد زوالها، بحالة تكره، لا يجوز؛ ~~فإن الشيء يقدر بنظيره، ويقاس على مثله، لا على ضده، ومن قال بهذا الوجه، ~~فإنما يوجب أدنى ما يمكن إيجابه، وهو أقل نقص ms4714 يمكن تقديره. ### | [فصل لطمه على وجهه فلم يؤثر في وجهه] # (7002) فصل: وإن لطمه على وجهه، فلم يؤثر في وجهه، فلا ضمان عليه؛ لأنه ~~لم ينقص به جمال ولا منفعة، ولم يكن له حال ينقص فيها، فلم يضمنه، كما لو ~~شتمه. وإن سود وجهه أو خضره، ضمنه بديته؛ لأنه فوت الجمال على الكمال، ~~فضمنه بديته، كما لو قطع أذني الأصم، وأنف الأخشم. وقال الشافعي: ليس فيه ~~إلا حكومة؛ لأنه لا مقدر فيه، ولا هو نظير لمقدر. وقد ذكرنا أنه نظير لقطع ~~الأذنين في ذهاب الجمال، بل هو أعظم في ذلك، فيكون بإيجاب الدية أولى. وإن ~~زال السواد، يرد ما أخذه؛ لزوال سبب الضمان. # وإن زال بعضه، وجبت فيه حكومة، ورد الباقي. وإن صفر وجهه أو حمره، ففيه ~~حكومة؛ لأن الجمال لم يذهب على الكمال، وهذا يشبه ما لو سود سنه، أو غير ~~لونها، على ما ذكرنا من التفصيل فيها. ### | [مسألة كانت الجناية على العبد مما ليس فيه شيء موقت في الحر] # (7003) مسألة: قال: (وإن كانت الجناية على العبد مما ليس فيه شيء موقت في ~~الحر، ففيه ما نقصه بعد التئام الجرح، # PageV08P484 # وإن كان فيما جنى عليه شيء موقت في الحر، فهو موقت في العبد من قيمته، ~~ففي يده نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، نقصته الجناية أقل من ذلك أو ~~أكثر، وهكذا الأمة) وجملته أن الجناية على العبد يجب ضمانها بما نقص من ~~قيمته؛ لأن الواجب إنما وجب جبرا لما فات بالجناية، ولا ينجبر إلا بإيجاب ~~ما نقص من القيمة، فيجب ذلك، كما لو كانت الجناية على غيره من الحيوانات ~~وسائر المال، ولا يجب زيادة على ذلك؛ لأن حق المجني عليه قد انجبر، فلا يجب ~~له زيادة على ما فوته الجاني عليه. هذا هو الأصل، ولا نعلم فيه خلافا فيما ~~ليس فيه مقدر شرعي. # فإن كان الفائت بالجناية موقتا في الحر، كيده، وموضحته، ففيه عن أحمد ~~روايتان؛ إحداهما، أن فيه أيضا ما نقصه، بالغا ما بلغ. وذكر أبو الخطاب أن ms4715 ~~هذا اختيار الخلال. وروى الميموني عن أحمد، أنه قال: إنما يأخذ قيمة ما نقص ~~منه على قول ابن عباس. وروي هذا عن مالك، فيما عدا موضحته، ومنقلته، ~~وهاشمته، وجائفته؛ لأن ضمانه ضمان الأموال، فيجب فيه ما نقص كالبهائم، ولأن ~~ما ضمن بالقيمة بالغا ما بلغ، ضمن بعضه بما نقص، كسائر الأموال، ولأن مقتضى ~~الدليل ضمان الفائت بما نقص، خالفناه فيما وقت في الحر، كما خالفناه في ~~ضمان بقيته بالدية المؤقتة، ففي العبد يبقى فيهما على مقتضى الدليل، وظاهر ~~المذهب أن ما كان موقتا في الحر، فهو موقت في العبد؛ ففي يده، أو عينه، أو ~~أذنه، أو شفته، نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، وما أوجب الدية في ~~الحر، كالأنف، واللسان، واليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين، أوجب قيمة ~~العبد، مع بقاء ملك السيد عليه. روي هذا عن علي - رضي الله عنه -. # وروي نحوه عن سعيد بن المسيب. وبه قال ابن سيرين؛ وعمر بن عبد العزيز، ~~والشافعي، والثوري. وبه قال أبو حنيفة. قال أحمد: هذا قول سعيد بن المسيب. ~~وقال آخرون: ما أصيب به العبد فهو على ما نقص من قيمته. والظاهر أن هذا لو ~~كان قول علي لما احتج أحمد فيه إلا به دون غيره. إلا أن أبا حنيفة والثوري ~~قالا: ما أوجب الدية من الحر، يتخير سيد العبد فيه، بين أن يغرمه قيمته، ~~ويصير ملكا للجاني وبين أن لا يضمنه شيئا، لئلا يؤدي إلى اجتماع البدل ~~والمبدل لرجل واحد، وروي عن إياس بن معاوية، في من قطع يد عبد عمدا، أو فقأ ~~عينه، هو له، وعليه ثمنه. # ووجه هذه الرواية، قول علي - رضي الله عنه - ولم نعرف له في الصحابة ~~مخالفا، ولأنه آدمي يضمن بالقصاص والكفارة، فكان في أطرافه مقدر كالحر، ~~ولأن أطرافه فيها مقدر من الحر، فكان فيها مقدر من العبد، كالشجاج الأربع ~~عند مالك، وما وجب في شجاجه مقدر، وجب في أطرافه مقدر كالحر. وعلى أبي ~~حنيفة، قول علي، ولأن # PageV08P485 # هذه الأعضاء فيها مقدر، فوجب ذلك فيها مع ms4716 بقاء ملك السيد في العبد، كاليد ~~الواحدة، وسائر الأعضاء، ولأن من ضمنت يده بمقدر، ضمنت يداه بمثليه، من غير ~~أن يملكه كالحر. وقولهم: إنه اجتمع البدل والمبدل لواحد. ليس بصحيح؛ لأن ~~القيمة هاهنا بدل العضو وحده، ولو كان بدلا عن الجملة، لكان بدل اليد ~~الواحدة بدلا عن نصفه، وبدل تسع أصابع بدلا عن تسعة أعشاره، والأمر بخلافه. # والأمة مثل العبد في ذلك، إلا أنها تشبه بالحرة، وإذا بلغت ثلث قيمتها، ~~احتمل أن جنايتها ترد إلى النصف، فيكون في ثلاث أصابع ثلاثة أعشار قيمتها، ~~وفي أربعة أصابع خمسها، كما أن المرأة تساوي الرجل في الجراح إلى ثلث ~~ديتها، فإذا بلغت الثلث، ردت إلى النصف، والأمة امرأة، فيكون أرشها من ~~قيمتها كأرش الحرة ويحتمل أن لا يرد إلى النصف لأن ذلك في الحرة على خلاف ~~الأصل؛ لكون الأصل زيادة الأرش بزيادة الجناية، وأنه كلما زاد نقصها ~~وضررها، زاد في ضمانها، فإذا خولف هذا في الحرة، بقينا في الأمة على وفق ~~الأصل. (7004) فصل: وإذا جني على العبد في رأس أو وجه دون الموضحة، فنقصته ~~أكثر من أرشها، وجب ما نقصته. ويحتمل أن يرد إلى نصف عشر قيمته، كالحر إذا ~~زاد أرش شجته التي دون الموضحة على نصف عشر ديته. والأول أولى؛ لأن هذه ~~جراحة لا موقت فيها، فكان الواجب فيها ما نقص، كما لو كانت في غير رأسه، ~~ولأن الأصل وجوب ما نقص، خولف في المقدر، ففي هذا يبقى على الأصل. ### | [مسألة كان المقتول خنثى مشكلا] # (7005) مسألة؛ قال: (وإن كان المقتول خنثى مشكلا، ففيه نصف دية ذكر، ونصف ~~دية أنثى) وهذا قول أصحاب الرأي. وقال الشافعي: الواجب دية أنثى؛ لأنها ~~اليقين، فلا يجب الزائدة بالشك. ولنا: أنه يحتمل الذكورية والأنوثية ~~احتمالا واحدا، وقد يئسنا من انكشاف حاله، فيجب التوسط بينهما، والعمل بكلا ~~الاحتمالين. (7006) فصل: فأما جراحه، فما لم يبلغ ثلث الدية، ففيه دية جرح ~~الذكر؛ لاستواء الذكر والأنثى في ذلك، وإن زاد على الثلث، مثل أن قطع يده، ~~ففيه ثلاثة أرباع دية يد ms4717 الذكر، سبعة وثلاثون بعيرا ونصف، ويقاد به الذكر ~~والأنثى؛ لأنهما لا يختلفان في القود، ويقاد هو بكل واحد منهما. ### | [مسألة كان المجني عليه نصفه حر ونصفه عبد] # (7007) مسألة: قال: (وإن كان المجني عليه نصفه حر، ونصفه عبد، فلا قود، ~~وعلى الجاني إن كان عمدا نصف دية حر ونصف قيمته، وهكذا في جراحه، وإن كان ~~خطأ، فعليه نصف قيمته، وعلى عاقلته نصف الدية) # PageV08P486 # يعني لا قود على قاتله إذا كان نصفه حرا؛ لأنه ناقص بالرق، فلم يقتل به ~~الحر، كما لو كان كله رقيقا. # وإن كان قاتله عبدا، قتل به؛ لأنه أكمل من الجاني. وإن كان نصف القاتل ~~حرا، وجب القود؛ لتساويهما، وإن كانت الحرية في القاتل أكثر، لم يجب القود؛ ~~لعدم المساواة بينهما، وذلك كله إذا لم يكن القاتل عبدا فعليه نصف دية حر، ~~ونصف قيمته، إذا كان عمدا؛ لأن العاقلة لا تحمل العمد، وإن كان خطأ ففي ~~ماله نصف قيمته؛ لأن العاقلة لا تحمل العبد، وعلى عاقلته نصف الدية؛ لأنها ~~دية حر في الخطإ، والعاقلة تحمل ذلك، وهكذا الحكم في جراحه إذا كان قدر ~~الدية من أرشها يبلغ ثلث الدية، مثل أن يقطع أنفه أو يديه. وإن قطع إحدى ~~يديه، فعقل جميعها على الجاني في ماله؛ لأن عليه نصف دية اليد، وهو ربع ~~ديته؛ لأجل حرية نصفه، وذلك دون ثلث الدية، وعليه ربع قيمته. ### | [فصل دية الأعضاء] # (7008) فصل: ودية الأعضاء كدية النفس، فإن كان الواجب من الذهب أو الورق، ~~لم يختلف بعمد ولا خطإ، وإن كان من الإبل، وجب في العمد أرباعا، على إحدى ~~الروايتين، وفي الأخرى يجب خمس وعشر منها حقاق، وخمس وعشر جذاع، وخمساها ~~خلفات، وفي الخطإ يجب أخماسا، فإن لم يمكن، مثل أن يوضحه عمدا، فإنه يجب ~~أربعة أرباعا، والخامس من أحد الأجناس الأربعة، قيمته ربع قيمة الأربع. وإن ~~قلنا بالرواية الأخرى، وجب خلفتان، وحقة، وجذعة، وبعير قيمته نصف قيمة حقة ~~ونصف قيمة جذعة. وإن كان خطأ، وجب الخمس من الأجناس الخمسة. من كل جنس ~~بعير. ms4718 # وإن كان الواجب دية أنملة، وقلنا: يجب من ثلاثة أجناس، وجب بعير وثلث من ~~الخلفات، وحقة، وجذعة. وإن قلنا: أرباعا، وجب ثلاثة وثلث، قيمتها نصف قيمة ~~الأربعة وثلثها. وإن كان خطأ، فقيمتها ثلثا قيمة الخمس. وعند أصحابنا، قيمة ~~كل بعير مائة وعشرون درهما، أو عشرة دنانير. ولا فائدة في تعيين أسنانها، ~~فإن اختلفت قيمة الدنانير والدراهم، مثل أن كانت العشرة دنانير تساوي مائة ~~درهم، فقياس قولهم، أنه إذا جاء بما قيمته عشرة دنانير، لزم المجني عليه ~~قبوله؛ لأنه لو جاءه بالدنانير، لزمه قبولها، فيلزمه قبول ما يساويها - ~~والله أعلم. ### | [باب القسامة] # القسامة: مصدر أقسم قسما وقسامة. ومعناه حلف حلفا. والمراد بالقسامة ~~هاهنا الأيمان المكررة في دعوى القتل. قال القاضي: هي الأيمان إذا كثرت على ~~وجه المبالغة. قال: وأهل اللغة يذهبون إلى أنها القوم الذين يحلفون؛ سموا ~~باسم المصدر، كما يقال: رجل زور وعدل ورضى. وأي الأمرين كان، فهو من القسم ~~الذي هو الحلف. # والأصل في القسامة ما روى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بشير بن يسار، عن ~~سهل بن أبي حثمة، # PageV08P487 # ورافع بن خديج، «أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر، ~~فتفرقا في النخيل، فقتل عبد الله بن سهل، فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبد ~~الرحمن، وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فتكلم ~~عبد الرحمن في أمر أخيه، وهو أصغرهم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~كبر كبر. أو قال: ليبدأ الأكبر. فتكلما في أمر صاحبهما. فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته ~~فقالوا: أمر لم نشهده، كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم؟ ~~قالوا: يا رسول الله، قوم كفار ضلال. قال: فوداه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من قبله. قال سهل: فدخلت مربدا لهم، فركضتني ناقة من تلك الإبل.» ~~متفق عليه. ### | [مسألة وجد قتيل فادعى أولياؤه على قوم لا عداوة بينهم] ### | [الفصل الأول وجد قتيل في موضع فادعى أولياؤه قتله على رجل ms4719 أو جماعة] # (7009) مسألة؛ قال أبو القاسم، - رحمه الله -: (وإذا وجد قتيل، فادعى ~~أولياؤه على قوم لا عداوة بينهم، ولم يكن لهم بينة، لم يحكم لهم بيمين، ولا ~~غيرها) الكلام في هذه المسألة في فصلين: (7010) الفصل الأول: في أنه إذا ~~وجد قتيل في موضع، فادعى أولياؤه قتله على رجل، أو جماعة، ولم تكن بينهم ~~عداوة، ولا لوث، فهي كسائر الدعاوى، إن كانت لهم بينة، حكم لهم بها، وإلا ~~فالقول قول المنكر. وبهذا قال مالك، والشافعي، وابن المنذر. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا ادعى أولياؤه قتله على أهل المحلة، أو على ~~معين، فللولي أن يختار من الموضع خمسين رجلا، يحلفون خمسين يمينا: والله ما ~~قتلناه، ولا علمنا قاتله. فإن # PageV08P488 # نقصوا على الخمسين، كررت الأيمان عليهم حتى تتم، فإذا حلفوا، وجبت الدية ~~على باقي الخطة، فإن لم يكن، وجبت على سكان الموضع، فإن لم يحلفوا، حبسوا ~~حتى يحلفوا أو يقروا؛ لما روي، أن رجلا وجد قتيلا بين حيين، فحلفهم عمر - ~~رضي الله عنه - خمسين يمينا وقضى بالدية على أقربهما. يعني أقرب الحيين، ~~فقالوا: والله ما وقت أيماننا أموالنا، ولا أموالنا أيماننا، فقال عمر: ~~حقنتم بأموالكم دماءكم. # ولنا، حديث عبد الله بن سهل، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو ~~أعطي الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى ~~عليه» . رواه مسلم. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على ~~المدعي، واليمين على من أنكر» . ولأن الأصل في المدعى عليه براءة ذمته، ولم ~~يظهر كذبه، فكان القول قوله، كسائر الدعاوى، ولأنه مدعى عليه، فلم تلزمه ~~اليمين والغرم، كسائر الدعاوى، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى من ~~قول عمر، وأحق بالاتباع، ثم قصة عمر يحتمل أنهم اعترفوا بالقتل خطأ، ~~وأنكروا العمد، فأحلفوا على العمد، ثم إنهم لا يعملون بخبر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - المخالف للأصول، وقد صاروا هاهنا إلى ظاهر قول عمر ~~المخالف للأصول، وهو إيجاب الأيمان على غير المدعى عليه، وإلزامهم الغرم مع ~~عدم الدعوى عليهم، والجمع بين تحليفهم ms4720 وتغريمهم وحبسهم على الأيمان. # قال ابن المنذر: سن النبي - صلى الله عليه وسلم - البينة على المدعي، ~~واليمين على المدعى عليه، وسن القسامة في القتيل الذي وجد بخيبر، وقول ~~أصحاب الرأي خارج عن هذه السنن. ### | [فصل لا تسمع الدعوى على غير المعين] # (7011) فصل: ولا تسمع الدعوى على غير المعين، فلو كانت الدعوى على أهل ~~مدينة أو محلة، أو واحد غير معين، أو جماعة منهم بغير أعيانهم، لم تسمع ~~الدعوى. وبهذا قال الشافعي. وقال أصحاب الرأي: تسمع، ويستحلف خمسون منهم؛ ~~لأن الأنصار ادعوا القتل على يهود خيبر، ولم يعينوا القاتل، فسمع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - دعواهم. ولنا، أنها دعوى في حق، فلم تسمع على غير ~~معين، كسائر الدعاوى. # فأما الخبر، فإن دعوى الأنصار التي سمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لم تكن الدعوى التي بين الخصمين المختلف فيها، فإن تلك من شرطها حضور ~~المدعى عليه عندهم، أو تعذر حضوره عندنا، وقد بين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن الدعوى # PageV08P489 # لا تصح إلا على واحد، بقوله: «تقسمون على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته» . ~~وفي هذا بيان أن الدعوى لا تصح على غير معين ### | [فصل ادعى القتل من غير وجود قتل ولا عداوة] # (7012) فصل: فأما إن ادعى القتل من غير وجود قتل ولا عداوة، فحكمها حكم ~~سائر الدعاوى، في اشتراط تعيين المدعى عليه، وأن القول قوله. لا نعلم فيه ~~خلافا. ### | [الفصل الثاني ادعى القتل ولم تكن عداوة ولا لوث] # (7013) الفصل الثاني: إنه إذا ادعى القتل، ولم تكن عداوة، ولا لوث، ففيه ~~عن أحمد روايتان؛ إحداهما، لا يحلف المدعى عليه، ولا يحكم عليه بشيء، ويخلى ~~سبيله. هذا الذي ذكره الخرقي هاهنا، وسواء كانت الدعوى خطأ أو عمدا؛ لأنها ~~دعوى فيما لا يجوز بذله، فلم يستحلف فيها، كالحدود، ولأنه لا يقضى في هذه ~~الدعوى بالنكول، فلم يستحلف فيها، كالحدود، والثانية، يستحلف. وهو الصحيح، ~~وهو قول الشافعي؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «اليمين على المدعى عليه» . # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لو يعطى الناس ms4721 بدعواهم، لادعى قوم ~~دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» . ظاهر في إيجاب اليمين ~~هاهنا لوجهين؛ أحدهما، عموم اللفظ فيه، والثاني: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ذكره في صدر الخبر بقوله: «لادعى قوم دماء رجال وأموالهم» . ثم عقبه ~~بقوله: «ولكن اليمين على المدعى عليه» . فيعود إلى المدعى عليه المذكور في ~~الحديث، ولا يجوز إخراجه منه إلا بدليل أقوى منه، ولأنها دعوى في حق آدمي، ~~فيستحلف فيها، كدعوى المال، ولأنها دعوى لو أقر بها لم يقبل رجوعه عنها، ~~فتجب اليمين فيها، كالأصل المذكور. # إذا ثبت هذا، فالمشروع يمين واحدة. وعن أحمد، أنه يشرع خمسون يمينا؛ ~~لأنها دعوى في القتل، فكان المشروع فيها خمسين يمينا، كما لو كان بينهم ~~لوث. وللشافعي قولان في هذا، كالروايتين. ولنا، أن قوله - عليه السلام -: ~~«ولكن اليمين على المدعى عليه» . ظاهر في أنها يمين واحدة من وجهين؛ # PageV08P490 # أحدهما، أنه وحد اليمين، فينصرف إلى واحدة والثاني: أنه لم يفرق في ~~اليمين المشروعة، فيدل على التسوية بين المشروعة في الدم والمال، ولأنها ~~يمين يعضدها الظاهر والأصل، فلم تغلظ، كسائر الأيمان، ولأنها يمين مشروعة ~~في جنبة المدعى عليه ابتداء، فلم تغلظ بالتكرير كسائر الأيمان، وبهذا فارق ~~ما ذكروه. فإن نكل المدعى عليه عن اليمين، لم يجب القصاص، بغير خلاف في ~~المذهب. وقال أصحاب الشافعي: إن نكل المدعى عليه، ردت اليمين على المدعي، ~~فحلف خمسين يمينا، واستحق القصاص إن كانت الدعوى عمدا، والدية إن كانت ~~موجبة للقتل؛ لأن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة أو الإقرار، ~~والقصاص يجب بكل واحد منهما. # ولنا، أن القتل لم يثبت ببينة ولا إقرار، ولم يعضده لوث، فلم يجب القصاص، ~~كما لو لم ينكل، ولا يصح إلحاق الأيمان مع النكول ببينة ولا إقرار؛ لأنها ~~أضعف منها، بدليل أنه لا يشرع إلا عند عدمهما، فيكون بدلا عنهما، والبدل ~~أضعف من المبدل، ولا يلزم من ثبوت الحكم بالأقوى، ثبوته بالأضعف، ولا يلزم ~~من وجوب الدية، وجوب القصاص؛ لأنه لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال، ولا ms4722 ~~بالشاهد واليمين، ويحتاط له، ويدرأ بالشبهات، والدية بخلافه. فأما الدية ~~فتثبت بالنكول عند من يثبت المال به، أو ترد اليمين على المدعي، فيحلف ~~يمينا واحدة، ويستحقها، كما لو كانت الدعوى في مال، والله أعلم. ### | [مسألة كان بينهم عداوة ولوث أهل القتيل] ### | [الفصل الأول: في اللوث المشترط في القسامة] # (7014) مسألة: قال: (فإن كان بينهم عداوة ولوث، فادعى أولياؤه على واحد، ~~حلف الأولياء على قاتله خمسين يمينا، واستحقوا دمه إذا كانت الدعوى عمدا) ~~الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة: (7015) الفصل الأول: في اللوث ~~المشترط في القسامة، واختلفت الرواية عن أحمد فيه، فروي عنه أن اللوث هو ~~العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، كنحو ما بين الأنصار ويهود ~~خيبر، وما بين القبائل، والأحياء، وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، ~~وما بين أهل البغي وأهل العدل، وما بين الشرطة واللصوص، وكل من بينه # PageV08P491 # وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله. نقل مهنا عن أحمد، فيمن وجد ~~قتيلا في المسجد الحرام، ينظر من بينه وبينه في حياته شيء. يعني ضغنا ~~يؤخذون به. # ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة، إلا أنه قال في الفريقين يقتتلان؛ ~~فينكشفون عن قتيل، فاللوث على الطائفة واللوث على طائفة القتيل التي القتيل ~~من غيرها، سواء كان القتلى بالتحام، أو مراماة بالسهام، وإن لم تبلغ السهام ~~فاللوث. إذا ثبت هذا، فإنه لا يشترط مع العداوة أن لا يكون في الموضع الذي ~~به القتيل غير العدو. نص عليه أحمد، في رواية مهنا التي ذكرناها. وكلام ~~الخرقي يدل عليه أيضا. واشترط القاضي أن يوجد القتيل في موضع عدو لا يختلط ~~بهم غيرهم. وهذا مذهب الشافعي؛ لأن الأنصاري قتل في خيبر ولم يكن فيها إلا ~~اليهود، وجميعهم أعداء. ولأنه متى اختلط بهم غيرهم، احتمل أن يكون القاتل ~~ذلك الغير. # ثم ناقض القاضي قوله، فقال في قوم ازدحموا في مضيق، فافترقوا عن قتيل: إن ~~كان في القوم من بينه وبينهم عداوة، وأمكن أن يكون هو قتله؛ لكونه بقربه، ~~فهو لوث. فجعل العداوة لوثا ms4723 مع وجود غير العدو. ولنا، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يسأل الأنصار: هل كان بخيبر غير اليهود أم لا؟ مع أن الظاهر ~~وجود غيرهم فيها؛ لأنها كانت أملاكا للمسلمين، يقصدونها لأخذ غلات أملاكهم ~~منها، وعمارتها، والاطلاع عليها، والامتيار منها، ويبعد أن تكون مدينة على ~~جادة تخلو من غير أهلها. وقول الأنصار: ليس لنا بخيبر عدو إلا يهود. يدل ~~على أنه قد كان بها غيرهم ممن ليس بعدو؛ ولأن اشتراكهم في العداوة، لا يمنع ~~من وجود اللوث في حق واحد، وتخصيصه بالدعوى مع مشاركة غيره في احتمال قتله؛ ~~فلأن لا يمنع ذلك وجود من يبعد منه القتل أولى. # وما ذكروه من الاحتمال، لا ينفي اللوث، فإن اللوث لا يشترط فيه يقين ~~القتل من المدعى عليه، ولا ينافيه الاحتمال، ولو تيقن القتل من المدعى ~~عليه، لما احتيج إلى الأيمان، ولو اشترط نفي الاحتمال؛ لما صحت الدعوى على ~~واحد من جماعة؛ لأنه يحتمل أن القاتل غيره، ولا على الجماعة كلهم؛ لأنه ~~يحتمل أن لا يشترك الجميع في قتله. والرواية الثانية، عن أحمد، أن اللوث ما ~~يغلب على الظن صدق المدعي، وذلك في دار أو غيرها، من وجوه؛ أحدها، العداوة ~~المذكورة. # PageV08P492 # والثاني: أن يتفرق جماعة عن قتيل، فيكون ذلك لوثا في حق كل واحد منهم، ~~فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة، فالقول قوله مع يمينه. ~~ذكره القاضي. وهو مذهب الشافعي؛ لأن الأصل عدم ذلك، إلا أن يثبت ببينة. # الثالث: أن يزدحم الناس في مضيق، فيوجد فيهم قتيل، فظاهر كلام أحمد، أن ~~هذا ليس بلوث، فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة: فديته في بيت المال. ~~وهذا قول إسحاق. وروي ذلك عن عمر وعلي؛ فإن سعيدا روى في " سننه "، عن ~~إبراهيم، قال: قتل رجل في زحام الناس بعرفة، فجاء أهله إلى عمر، فقال: ~~بينتكم على من قتله. فقال علي: يا أمير المؤمنين، لا يطل دم امرئ مسلم، إن ~~علمت قاتله، وإلا فأعط ديته من بيت المال. # وقال أحمد، فيمن وجد ms4724 مقتولا في المسجد الحرام: ينظر من كان بينه وبينه ~~شيء في حياته يعني عداوة يؤخذون. فلم يجعل الحضور لوثا، وإنما جعل اللوث ~~العداوة. وقال الحسن، والزهري، فيمن مات في الزحام: ديته على من حضر؛ لأن ~~قتله حصل منهم. وقال مالك: دمه هدر؛ لأنه لا يعلم له قاتل، ولا وجد لوث؛ ~~فيحكم بالقسامة وقد روي عن عمر بن عبد العزيز، أنه كتب إليه في رجل وجد ~~قتيلا، لم يعرف قاتله، فكتب إليهم: إن من القضايا قضايا لا يحكم فيها إلا ~~في الدار الآخرة، وهذا منها. الرابع، أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل ~~معه سيف أو سكين ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله، ~~مثل أن يرى رجلا هاربا يحتمل أنه القاتل أو سبعا يحتمل ذلك فيه. الخامس: أن ~~يقتتل فئتان، فيفترقون عن قتيل من إحداهما، فاللوث على الأخرى. ذكره ~~القاضي. فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضا، فاللوث على طائفة القتيل. ~~هذا قول الشافعي. # وروي عن أحمد، أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان، ~~إلا أن يدعوا على واحد بعينه. وهذا قول مالك. وقال ابن أبي ليلى: على ~~الفريقين جميعا؛ لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه، فاستوى الجميع فيه. وعن ~~أحمد في قوم اقتتلوا، فقتل بعضهم، وجرح بعضهم: فدية المقتولين على ~~المجروحين، تسقط منها دية الجراح. وإن كان فيهم من لا جرح فيه، فهل عليه من ~~الديات شيء؟ على وجهين، ذكرهما ابن حامد. السادس، أن يشهد بالقتل عبيد أو ~~نساء، فهذا فيه عن أحمد روايتان؛ إحداهما، أنه لوث؛ لأنه يغلب على الظن صدق ~~المدعي في دعواه، فأشبه العداوة. والثانية، ليس بلوث؛ لأنها شهادة مردودة، ~~فلم تكن لوثا، كما لو شهد به كفار. # وإن شهد به فساق أو صبيان، فهل يكون لوثا؟ على وجهين؛ # PageV08P493 # أحدهما، ليس بلوث؛ لأنه لا يتعلق بشهادتهم حكم، فلا يثبت اللوث بها، ~~كشهادة الأطفال والمجانين. والثاني: يثبت بها اللوث؛ لأنها شهادة تغلب على ~~الظن صدق المدعي، فأشبه ms4725 شهادة النساء والعبيد، وقول الصبيان معتبر في الإذن ~~في دخول الدار، وقبول الهدية، ونحوها. وهذا مذهب الشافعي. ويعتبر أن يجيء ~~الصبيان متفرقين؛ لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب. فهذه الوجوه قد ذكر ~~عن أحمد، أنها لوث؛ لأنها تغلب على الظن صدق المدعي، أشبهت العداوة. # وروي أن هذا ليس بلوث، وهو ظاهر كلامه في الذي قتل في الزحام؛ لأن اللوث ~~إنما يثبت بالعداوة بقضية الأنصاري القتيل بخيبر، ولا يجوز القياس عليها؛ ~~لأن الحكم ثبت بالمظنة، ولا يجوز القياس في المظان؛ لأن الحكم إنما يتعدى ~~بتعدي سببه، والقياس في المظان جمع بمجرد الحكمة وغلبة الظنون، والحكم ~~والظنون تختلف ولا تأتلف، وتنخبط ولا تنضبط، وتختلف باختلاف القرائن ~~والأحوال والأشخاص، فلا يمكن ربط الحكم بها، ولا تعديته بتعديها، ولأنها ~~يعتبر في التعدية والقياس التساوي بين الأصل والفرع في المقتضي، ولا سبيل ~~إلى يقين التساوي بين الظنين مع كثرة الاحتمالات وترددها، فعلى هذه ~~الرواية، حكم هذه الصور حكم غيرها، مما لا لوث فيه. ### | [فصل شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين] # (7016) فصل: وإن شهد رجلان على رجل، أنه قتل أحد هذين القتيلين. لم تثبت ~~هذه الشهادة، ولم يكن لوثا عند أحد علمائنا. قوله: وإن شهدا أن هذا القتيل ~~قتله أحد هذين الرجلين، أو شهد أحدهما أن هذا قتله، وشهد الآخر أنه أقر ~~بقتله، أو شهد أحدهما أن هذا قتله بسيف، وشهد الآخر أنه قتله بسكين، لم ~~تثبت الشهادة، ولم تكن لوثا. هذا قول القاضي واختياره. والمنصوص عن أحمد، ~~فيما إذا شهد أحدهما بقتله، والآخر بالإقرار بقتله، أنه يثبت القتل. واختار ~~أبو بكر ثبوت القتل هاهنا، وفيما إذا شهد أحدهما أنه قتله بسيف وشهد الآخر ~~أنه قتله بسكين؛ لأنهما اتفقا على القتل، واختلفا في صفته. وقال الشافعي: ~~هو لوث في هذه الصورة، في أحد القولين، وفي الصورتين اللتين قبلها هو لوث؛ ~~لأنها شهادة تغلب على الظن صدق المدعي، أشبهت شهادة النساء والعبيد. # ولنا، أنها شهادة مردودة؛ للاختلاف فيها، فلم تكن لوثا، كالصورة الأولى. ### | [فصل ms4726 شرط اللوث] # فصل: وليس من شرط اللوث أن يكون بالقتيل أثر. وبهذا قال مالك، والشافعي. ~~وعن أحمد: أنه شرط. # PageV08P494 # وهذا قول حماد، وأبي حنيفة، والثوري؛ لأنه إذا لم يكن به أثر، احتمل أنه ~~مات حتف أنفه. # ولنا؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل الأنصار، هل كان بقتيلهم ~~أثر أو لا؟ ولأن القتل يحصل بما لا أثر له، كغم الوجه، والخنق، وعصر ~~الخصيتين، وضربة الفؤاد، فأشبه من به أثر، ومن به أثر قد يموت حتف أنفه؛ ~~لسقطته، أو صرعته، أو يقتل نفسه. فعلى قول من اعتبر الأثر، إن خرج الدم من ~~أذنه، فهو لوث؛ لأنه لا يكون إلا بالخنق له، أو أمر أصيب به، وإن خرج من ~~أنفه، فهل يكون لوثا؟ على وجهين. ### | [الفصل الثاني بما تثبت القسامة] # (7018) الفصل الثاني: أن القسامة لا تثبت ما لم يتفق الأولياء على ~~الدعوى، فإن كذب بعضهم بعضا، فقال أحدهم: قتله هذا. وقال الآخر: لم يقتله ~~هذا. أو قال: بل قتله هذا الآخر، لم تثبت القسامة. نص عليه أحمد. وسواء كان ~~المكذب عدلا أو فاسقا. وذكر عن الشافعي أن القسامة لا تبطل بتكذيب الفاسق؛ ~~لأن قوله غير مقبول. # ولنا، أنه مقر على نفسه بتبرئة من ادعى عليه أخوه، فقبل، كما لو ادعى ~~دينا لهما، وإنما لا يقبل قوله على غيره، فأما على نفسه، فهو كالعدل؛ لأنه ~~لا يتهم في حقها؛ فأما إن لم يكذبه، ولم يوافقه في الدعوى، مثل أن قال ~~أحدهما؛ قتله هذا. وقال الآخر: لا نعلم قاتله. فظاهر كلام الخرقي، أن ~~القسامة لا تثبت؛ لاشتراطه ادعاء الأولياء على واحد. وهذا قول مالك. # وكذلك إن كان أحد الوليين غائبا، فادعى الحاضر دون الغائب، أو ادعيا ~~جميعا على واحد، ونكل أحدهما عن الأيمان، لم يثبت القتل، في قياس قول ~~الخرقي. ومقتضى قول أبي بكر والقاضي، ثبوت القسامة. وكذلك مذهب الشافعي لأن ~~أحدهما لم يكذب الآخر، فلم تبطل القسامة، كما لو كان أحد الوارثين امرأة أو ~~صغيرا، فعلى قولهم، يحلف المدعي خمسين يمينا، ويستحق ms4727 نصف الدية؛ لأن ~~الأيمان هاهنا بمنزلة البينة، ولا يثبت شيء من الحق إلا بعد كمال البينة، ~~فأشبه ما لو ادعى أحدهما دينا لأبيهما، فإنه لا يستحق نصيبه من الدين إلا ~~أن يقيم بينة كاملة. # وذكر أبو الخطاب، فيما إذا كان أحدهما غائبا، أن الأول فيه وجهان؛ ~~أحدهما، أنه يحلف خمسا وعشرين يمينا، وهذا قول ابن حامد؛ لأن الأيمان ~~مقسومة عليه وعلى أخيه، بدليل ما لو كانا حاضرين متفقين في الدعوى، ولا ~~يحلف الإنسان عن غيره، فلا يلزمه أكثر من حصته، فإذا حضر الغائب أقسم خمسة ~~وعشرين يمينا وجها واحدا؛ لأنه يبني على أيمان أخيه. وذكر أبو بكر والقاضي ~~في نظير هذه المسألة؛ أن الأول يحلف خمسين يمينا، وهل يحلف الثاني خمسين أو ~~خمسة وعشرين؟ على وجهين؛ أحدهما يقول، يحلف خمسين؛ لأن أخاه لم يستحق إلا ~~بخمسين، فكذلك هو. # PageV08P495 # ولنا، أنهما لم يتفقا في الدعوى، فلم تثبت القسامة، كما لو كذبه؛ ولأن ~~الحق في محل الوفاق، إنما يثبت بأيمانهما التي أقيمت مقام البينة، ولا يجوز ~~أن يقوم أحدهما مقام الآخر في الأيمان، كما في سائر الدعاوى. فعلى هذا، إن ~~قدم الغائب، فوافق أخاه، أو عاد من لم يعلم، فقال: قد عرفته، هو الذي عينه ~~أخي. أقسما حينئذ. # وإن قال أحدهما: قتله هذا. وقال الآخر: قتله هذا وفلان. فعلى قول الخرقي، ~~لا تثبت القسامة؛ لأنها لا تكون إلا على واحد. وعلى قول غيره، يحلفان على ~~من اتفقا عليه، ويستحقان نصف الدية، ولا يجب القود؛ لأنه إنما يجب في ~~الدعوى على واحد، ويحلفان جميعا على هذا الذي اتفقا عليه على حسب دعواهما، ~~ويستحقان نصف الدية، ولا يجب أكثر من نصف الدية؛ لأن أحدهما يكذب الآخر في ~~النصف الآخر، فبقي اللوث في حقه في نصف الدم الذي اتفقا عليه، ولم يثبت في ~~النصف الذي كذبه أخوه فيه، ولا يحلف الآخر على الآخر؛ لأن أخاه كذبه في ~~دعواه عليه. # وإن قال أحدهما: قتل أبي زيد وآخر لا أعرفه. وقال الآخر: قتله عمرو وآخر ~~لا أعرفه. ms4728 لم تثبت القسامة، في ظاهر قول الخرقي؛ لأنها لا تكون إلا على ~~واحد، ولأنهما ما اتفقا في الدعوى على واحد، ولا يمكن أن يحلفا على من لم ~~يتفقا في الدعوى عليه، والحق إنما ثبت في محل الوفاق بأيمان الجميع، فكيف ~~يثبت في الفرع بأيمان البعض؟ ، وقال أبو بكر والقاضي: تثبت القسامة. وهذا ~~مذهب الشافعي؛ لأنه ليس هاهنا تكذيب، فإنه يجوز أن يكون الذي جهله كل واحد ~~منهما، هو الذي عرفه أخوه، فيحلف كل واحد منهما على الذي عينه خمسين يمينا، ~~ويستحق ربع الدية، فإن عاد كل واحد منهما، فقال: قد عرفت الذي جهله، وهو ~~الذي عينه أخي. # حلف أيضا على الذي حلف عليه أخوه، وأخذ منه ربع الدية، ويحلف خمسة وعشرين ~~يمينا؛ لأنه يبني على أيمان أخيه، فلم يلزمه أكثر من خمسة وعشرين، كما لو ~~عرفه ابتداء. وفيه وجه آخر، أنه يحلف خمسين يمينا؛ لأن أخاه حلف خمسين ~~يمينا، وللشافعي في هذا قولان كالوجهين. ويجيء في المسألة وجه آخر، وهو أن ~~الأول لا يحلف أكثر من خمسة وعشرين يمينا؛ لأنه إنما يحلف على ما يستحقه، ~~والذي يستحقه النصف، فيكون عليه نصف الأيمان، كما لو حلف أخوه معه. وإن قال ~~كل واحد منهما: الذي كنت جهلته غير الذي عينه أخي. بطلت القسامة التي ~~أقسماها؛ لأن التكذيب يقدح في اللوث؛ فيرد كل واحد منهما ما أخذ من الدية. ~~وإن كذب أحدهما أخاه، ولم يكذبه الآخر، بطلت قسامة المكذب دون الذي لم ~~يكذب. ### | [فصل قال الولي بعد القسامة غلطت ما هذا الذي قتله] # (7019) فصل: إن قال الولي بعد القسامة: غلطت، ما هذا الذي قتله. أو: ~~ظلمته بدعواي القتل عليه. أو قال: # PageV08P496 # كان هذا المدعى عليه في بلد آخر يوم قتل وليي، وكان بينهما بعد لا يمكن ~~أن يقتله إذا كان فيه. بطلت القسامة، ولزمه رد ما أخذه؛ لأنه مقر على نفسه، ~~فقبل إقراره. وإن قال: ما أخذته حرام. سئل عن ذلك، فإن قال: أردت أنني كذبت ~~في دعواي عليه. بطلت قسامته أيضا. وإن ms4729 قال: أردت أن الأيمان تكون في جنبة ~~المدعى عليه، كمذهب أبي حنيفة. لم تبطل القسامة؛ لأنها ثبتت باجتهاد ~~الحاكم، فيقدم على اعتقاده، وإن قال: هذا مغصوب. وأقر بمن غصب منه، لزمه ~~رده عليه، ولا يقبل قوله على من أخذه منه؛ لأن الإنسان لا يقبل إقراره على ~~غيره. # وإن لم يقر به لأحد، لم ترفع يده عنه؛ لأنه لم يتعين مستحقه. وإن اختلفا ~~في مراده بقوله، فالقول قوله؛ لأنه أعرف بقصده. ### | [فصل أقام المدعى عليه بينة أنه كان يوم القتل في بلد بعيد من بلد المقتول] # (7020) فصل: وإن أقام المدعى عليه بينة أنه كان يوم القتل في بلد بعيد من ~~بلد المقتول، لا يمكن مجيئه منه إليه في يوم واحد، بطلت الدعوى. وإن قالت ~~البينة: نشهد أن فلانا لم يقتله. لم تسمع هذه الشهادة؛ لأنه نفي مجرد. فإن ~~قالا: ما قتله فلان، بل قتله فلان. سمعت؛ لأنها شهدت بإثبات تضمن النفي، ~~فسمعت، كما لو قالت: ما قتله فلان؛ لأنه كان يوم القتل في بلد بعيد. ### | [فصل جاء رجل فقال ما قتله هذا المدعى عليه بل أنا قتلته] # فصل: فإن جاء رجل، فقال: ما قتله هذا المدعى عليه، بل أنا قتلته. فكذبه ~~الولي، لم تبطل دعواه، وله القسامة، ولا يلزمه رد الدية إن كان أخذها؛ لأنه ~~قول واحد، ولا يلزم المقر شيء؛ لأنه أقر لمن يكذبه. وإن صدقه الولي، أو ~~طالبه بموجب القتل، لزمه رد ما أخذه، وبطلت دعواه على الأول؛ لأن ذلك جرى ~~مجرى الإقرار ببطلان الدعوى. وهل له مطالبة المقر؟ فيه وجهان؛ أحدهما، له ~~مطالبته؛ لأنه أقر له بحق، فملك مطالبته به، كسائر الحقوق. والثاني: ليس له ~~مطالبته؛ لأن دعواه على الأول انفراده بالقتل؛ إبراء لغيره، فلا يملك ~~مطالبة من أبرأه. والمنصوص عن أحمد، - رحمه الله -، أنه يسقط القود عنهما، ~~وله مطالبة الثاني بالدية، فإنه قال، في رجل شهد عليه شاهدان بالقتل، فأخذ ~~ليقاد منه، فجاء رجل، فقال: ما قتله هذا، أنا قتلته: فالقود يسقط عنهما، ~~والدية على الثاني. # ووجه ms4730 ذلك ما روي، أن رجلا ذبح رجلا في خربة، وتركه وهرب، وكان قصاب قد ~~ذبح شاة، وأراد ذبح أخرى، فهربت منه إلى الخربة، فتبعها حتى وقف على ~~القتيل، والسكين بيده ملطخة بالدم، فأخذ على تلك الحال، وجيء به إلى عمر - ~~رضي الله عنه - فأمر بقتله، فقال القاتل في نفسه: يا ويله، قتلت نفسا، ~~ويقتل بسببي آخر فقام فقال: أنا قتلته، ولم يقتله هذا. فقال عمر: إن كان قد ~~قتل نفسا فقد أحيا نفسا. ودرأ # PageV08P497 # عنه القصاص. ولأن الدعوى على الأول شبهة في درء القصاص عن الثاني: وتجب ~~الدية عليه؛ لإقراره بالقتل الموجب لها. وهذا القول أصح وأعدل، مع شهادة ~~الأثر بصحته. ### | [الفصل الثالث الأولياء إذا ادعوا القتل على من بينه وبين القتيل لوث] # (7022) الفصل الثالث: أن الأولياء إذا ادعوا القتل على من بينه وبين ~~القتيل لوث، شرعت اليمين في حق المدعين أولا، فيحلفون خمسين يمينا على ~~المدعى عليه أنه قتله، وثبت حقهم قبله، فإن لم يحلفوا، استحلف المدعى عليه ~~خمسين يمينا، وبرئ. وبهذا قال يحيى بن سعيد، وربيعة، وأبو الزناد، ومالك، ~~والشافعي. وقال الحسن: يستحلف المدعى عليهم أولا خمسين يمينا، ويبرءون. # فإن أبوا أن يحلفوا، استحلف خمسون من المدعين، أن حقنا قبلكم، ثم يعطون ~~الدية؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن اليمين على المدعى عليه» ~~. رواه مسلم. وفي لفظ: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» . ~~رواه الشافعي، في " مسنده ". وروى أبو داود، بإسناده عن سليمان بن يسار، عن ~~رجال من الأنصار «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لليهود، وبدأ بهم: ~~يحلف منكم خمسون رجلا. فأبوا، فقال للأنصار: استحقوا قالوا: نحلف على الغيب ~~يا رسول الله. فجعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على اليهود» ؛ لأنه ~~وجد بين أظهرهم؛ ولأنها يمين في دعوى، فوجبت في جانب المدعى عليه ابتداء ~~كسائر الدعاوى. وقال الشعبي، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي: يستحلف خمسون ~~رجلا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل، بالله ما قتلناه، ولا علمنا ~~قاتلا، ويغرمون الدية؛ لقضاء عمر، بذلك. ms4731 ولم نعرف له في الصحابة مخالفا، ~~فكان إجماعا. # وتكلموا في حديث سهل بما روى أبو داود، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ~~التيمي، عن عبد الرحمن بن بجيد بن قبطي، أحد بني حارثة؛ قال محمد بن ~~إبراهيم: وايم الله، ما كان سهل بأعلم منه، ولكنه كان أسن منه، قال: والله ~~ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «احلفوا على ما لا علم لكم به، ~~ولكنه كتب إلى يهود حين كلمته الأنصار: إنه وجد بين أبياتكم قتيل فدوه. # PageV08P498 # فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلا، فوداه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من عنده» . # . ولنا حديث سهل، وهو صحيح متفق عليه، ورواه مالك، في " موطئه "، وعمل ~~به. وما عارضه من الحديث لا يصح لوجوه؛ أحدها، أنه نفي، فلا يرد به قول ~~المثبت. والثاني: أن سهلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاهد ~~القصة، وعرفها، حتى إنه قال: ركضتني ناقة من تلك الإبل والآخر يقول برأيه ~~وظنه، من غير أن يرويه عن أحد، ولا حضر القصة. والثالث: أن حديثنا مخرج في ~~الصحيحين، متفق عليه، وحديثهم بخلافه. الرابع، أنهم لا يعملون بحديثهم، ولا ~~حديثنا، فكيف يحتجون بما هو حجة عليهم فيما خالفوه فيه، وحديث سليمان بن ~~يسار، عن رجال من الأنصار، ولم يذكر لهم صحبة، فهو أدنى لهم من حديث محمد ~~بن إبراهيم، وقد خالف الحديثين جميعا، فكيف يجوز أن يعتمد عليه، وحديث: ~~«اليمين على المدعى عليه» . لم ترد به هذه القصة؛ لأنه يدل على أن الناس لا ~~يعطون بدعواهم، وها هنا قد أعطوا بدعواهم، على أن حديثنا أخص منه، فيجب ~~تقديمه، ثم هو حجة عليهم؛ لكون المدعين أعطوا بمجرد دعواهم من غير بينة ولا ~~يمين منهم، وقد رواه ابن عبد البر، بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البينة على المدعي، واليمين ~~على من أنكر، إلا في القسامة» وهذه الزيادة يتعين العمل بها، لأن الزيادة ~~من الثقة مقبولة؛ ms4732 ولأنها أيمان مكررة. فيبدأ فيها بأيمان المدعين، كاللعان. ~~إذا ثبت هذا، فإن أيمان القسامة خمسون مرددة، على ما جاءت به الأحاديث ~~الصحيحة، وأجمع عليه أهل العلم، لا نعلم أحدا خالف فيه. ### | [الفصل الرابع الأولياء إذا حلفوا استحقوا القود إذا كانت الدعوى عمدا] # (7023) الفصل الرابع: أن الأولياء إذا حلفوا استحقوا القود، إذا كانت ~~الدعوى عمدا، إلا أن يمنع منه مانع، روي ذلك عن ابن الزبير، وعن عمر بن عبد ~~العزيز. وبه قال مالك، وأبو ثور، وابن المنذر. وعن معاوية، وابن عباس، ~~والحسن، وإسحاق: لا تجب بها الدية؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لليهود: «إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب من الله» . ولأن أيمان ~~المدعين إنما هي بغلبة الظن، وحكم الظاهر، فلا يجوز إشاطة الدم بها؛ لقيام ~~الشبهة المتمكنة منها، ولأنها حجة لا يثبت بها النكاح، ولا يجب بها القصاص، ~~كالشاهد واليمين. وللشافعي قولان، كالمذهبين. # PageV08P499 # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم، ~~فيدفع إليكم برمته» . وفي رواية مسلم: فيسلم إليكم. وفي لفظ: «وتستحقون دم ~~صاحبكم» وأراد دم القاتل؛ لأن دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين. والرمة: ~~الحبل الذي يربط به من عليه القود. ولأنها حجة يثبت بها العمد، فيجب بها ~~القود، كالبينة. وقد روى الأثرم، بإسناده عن عامر الأحول، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أقاد بالقسامة الطائفة» . وهذا نص. ولأن الشارع جعل القول ~~قول المدعي مع يمينه، احتياطا للدم، فإن لم يجب القود، سقط هذا المعنى. ### | [مسألة لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ] # (7024) مسألة: قال: فإن لم يحلف المدعون، حلف المدعى عليه خمسين يمينا، ~~وبرئ هذا ظاهر المذهب. وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، وأبو ~~الزناد، ومالك، والليث، والشافعي، وأبو ثور. وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن ~~أحمد، أنهم يحلفون، ويغرمون الدية؛ لقضية عمر، وخبر سليمان بن يسار. وهو ~~قول أصحاب الرأي. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فتبرئكم يهود بأيمان خمسين ~~منهم» . أي يتبرءون منكم. وفي ms4733 لفظ قال: «فيحلفون خمسين يمينا، ويبرءون من ~~دمه» . وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يغرم اليهود، وأنه ~~أداها من عنده، ولأنها أيمان مشروعة في حق المدعى عليه، فيبرأ بها، كسائر ~~الأيمان، ولأن ذلك إعطاء بمجرد الدعوى، فلم يجز للخبر، ومخالفة مقتضى ~~الدليل؛ فإن قول الإنسان لا يقبل على غيره بمجرده، كدعوى المال، وسائر ~~الحقوق؛ ولأن في ذلك جمعا بين اليمين والغرم، فلم يشرع، كسائر الحقوق. ### | [مسألة لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه] # (7025) مسألة؛ قال: فإن لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، ~~فداه الإمام من بيت المال يعني أدى ديته؛ لقضية «عبد الله بن سهل حين قتل ~~بخيبر، فأبى الأنصار أن يحلفوا؛ وقالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فوداه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من عنده. كراهية أن يطل دمه» . فإن تعذر ~~فداؤه من بيت المال، لم يجب على المدعى عليهم شيء؛ لأن الذي يوجبه عليهم ~~اليمين، وقد امتنع مستحقوها من استيفائها، فلم يجب لهم غيرها، كدعوى المال. # PageV08P500 ### | [فصل امتنع المدعى عليهم من اليمين] # (7026) فصل: وإن امتنع المدعى عليهم من اليمين، لم يحبسوا حتى يحلفوا. ~~وعن أحمد رواية أخرى، أنهم يحبسون حتى يحلفوا، وهو قول أبي حنيفة. ولنا، ~~أنها يمين مشروعة في حق المدعى عليه، فلم يحبس عليها، كسائر الأيمان. إذا ~~ثبت هذا، فإنه لا يجب القصاص بالنكول؛ لأنه حجة ضعيفة، فلا يشاط بها الدم، ~~كالشاهد واليمين. قال القاضي: ويديه الإمام من بيت المال. نص عليه أحمد. # وروى عنه حرب بن إسماعيل، أن الدية تجب عليهم. وهذا هو الصحيح، وهو ~~اختيار أبي بكر؛ لأنه حكم ثبت بالنكول، فيثبت في حقهم هاهنا، كسائر ~~الدعاوى، ولأن وجوبها في بيت المال، يفضي إلى إهدار الدم، وإسقاط حق ~~المدعين، مع إمكان جبره، فلم يجز، كسائر الدعاوى، ولأنها يمين توجهت في ~~دعوى أمكن إيجاب المال بها، فلم تخل من وجوب شيء على المدعى عليه، كما في ~~سائر الدعاوى، وها هنا لو لم يجب على المدعى عليه مال بنكوله، ولم ms4734 يجبر على ~~اليمين؛ لخلا من وجوب شيء عليه بالكلية. # وقال أصحاب الشافعي: إذا نكل المدعى عليهم ردت الأيمان على المدعين، إن ~~قلنا: موجبها المال. فإن حلفوا، استحقوا، وإن نكلوا، فلا شيء لهم. وإن ~~قلنا: موجبها القصاص. فهل ترد على المدعين؟ فيه قولان. وهذا القول لا يصلح؛ ~~لأن اليمين إنما شرعت في حق المدعى عليه إذا نكل عنها المدعي، فلا ترد ~~عليه، كما لا ترد على المدعى عليه إذا نكل المدعي عنها بعد ردها عليه في ~~سائر الدعاوى، ولأنها يمين مردودة على أحد المتداعيين، فلا ترد على من ~~ردها، كدعوى المال. ### | [مسألة شهدت البينة العادلة أن المجروح قال دمي عند فلان] # مسألة: قال: وإذا شهدت البينة العادلة أن المجروح قال: دمي عند فلان. ~~فليس ذلك بموجب للقسامة، ما لم يكن لوث هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم ~~الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. وقال مالك، والليث: هو لوث؛ لأن قتيل بني ~~إسرائيل قال: قتلني فلان. فكان حجة. وروي هذا القول عن عبد الملك بن مروان. ~~ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ~~قوم دماء رجال وأموالهم» ولأنه يدعي حقا لنفسه، فلم يقبل قوله، كما لو لم ~~يمت؛ ولأنه خصم، فلم تكن دعواه لوثا، كالولي. # فأما قتيل # PageV08P501 # بني إسرائيل، فلا حجة فيه، فإنه لا قسامة فيه، ولأن ذلك كان من آيات الله ~~ومعجزات نبيه موسى - عليه السلام -، حيث أحياه الله تعالى بعد موته، وأنطقه ~~بقدرته بما اختلفوا فيه. ولم يكن الله تعالى لينطقه بالكذب، بخلاف الحي، ~~ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم، ثم ذاك في تنزيه المتهمين، فلا يجوز تعديتها ~~إلى تهمة البريئين. ### | [مسألة النساء والصبيان لا يقسمون] # (7028) مسألة: قال: والنساء والصبيان لا يقسمون يعني إذا كان المستحق ~~نساء وصبيانا لم يقسموا؛ أما الصبيان فلا خلاف بين أهل العلم أنهم لا ~~يقسمون، سواء كانوا من الأولياء، أو مدعى عليهم؛ لأن الأيمان حجة للحالف، ~~والصبي لا يثبت بقوله حجة، ولو أقر على نفسه، لم يقبل، فلأن لا يقبل قوله ~~في ms4735 حق غيره أولى. وأما النساء فإذا كن من أهل القتيل، لم يستحلفن. وبهذا ~~قال ربيعة، والثوري، والليث، والأوزاعي، وقال مالك: لهن مدخل في قسامة ~~الخطإ دون العمد. قال ابن القاسم: ولا يقسم في العمد إلا اثنان فصاعدا، كما ~~أنه لا يقتل إلا بشاهدين. # وقال الشافعي: يقسم كل وارث بالغ؛ لأنها يمين في دعوى، فتشرع في حق ~~النساء، كسائر الأيمان. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يقسم ~~خمسون رجلا منكم، وتستحقون دم صاحبكم» . ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد، ~~فلا تسمع من النساء، كالشهادة، ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة ~~عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته، وإنما يثبت المال ضمنا، فجرى ~~ذلك مجرى رجل ادعى زوجية امرأة بعد موتها ليرثها، فإن ذلك لا يثبت بشاهد ~~ويمين، ولا بشهادة رجل وامرأتين، وإن كان مقصودها المال. فأما إن كانت ~~المرأة مدعى عليها القتل، فإن قلنا إنه يقسم من العصبة رجال. لم تقسم ~~المرأة أيضا؛ لأن ذلك مختص بالرجال. # وإن قلنا: يقسم المدعى عليه. فينبغي أن تستحلف؛ لأنها لا تثبت بقولها حقا ~~ولا قتلا، وإنما هي لتبرئتها منه، فتشرع في حقها اليمين، كما لو لم يكن ~~لوث. فعلى هذا، إذا كان في الأولياء نساء ورجال، أقسم الرجال، وسقط حكم ~~النساء، وإن كان فيهم صبيان ورجال بالغون، أو كان فيهم حاضرون وغائبون، فقد ~~ذكرنا من قبل أن القسامة لا تثبت حتى يحضر الغائب، فكذا لا تثبت حتى يبلغ ~~الصبي؛ لأن الحق لا يثبت إلا ببينته الكاملة، والبينة أيمان الأولياء كلهم، ~~والأيمان لا تدخلها النيابة؛ ولأن الحق إن كان قصاصا، فلا يمكن تبعيضه، فلا ~~فائدة في قسامة الحاضر البالغ، وإن كان غيره، فلا تثبت إلا بواسطة ثبوت ~~القتل، وهو لا يتبعض أيضا. # وقال القاضي: إن كان القتل عمدا، لم يقسم الكبير حتى يبلغ الصغير، ولا ~~الحاضر حتى يقدم الغائب؛ لأن حلف الكبير # PageV08P502 # الحاضر لا يفيد شيئا في الحال، وإن كان موجبا للمال، كالخطإ وعمد الخطإ، ~~فللحاضر المكلف أن يحلف، ويستحق قسطه من الدية. ms4736 وهذا قول أبي بكر، وابن ~~حامد، ومذهب الشافعي. واختلفوا في كم يقسم الحاضر؟ فقال ابن حامد: يقسم ~~بقسطه من الأيمان، فإن كان الأولى اثنين أقسم الحاضر خمسا وعشرين يمينا، ~~وإن كانوا ثلاثة أقسم سبع عشرة يمينا، وإن كانوا أربعة أقسم ثلاث عشرة ~~يمينا، وكلما قدم غائب أقسم بقدر ما عليه، واستوفى حقه؛ لأنه لو كان الجميع ~~حاضرين، لم يلزمه أكثر من قسطه، فكذلك إذا غاب بعضهم كما في سائر الحقوق، ~~ولأنه لا يستحق أكثر من قسطه من الدية، فلا يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان. # وقال أبو بكر: يحلف الأول خمسين يمينا. وهذا قول الشافعي؛ لأن الحكم لا ~~يثبت إلا بالبينة الكاملة، والبينة هي الأيمان كلها، ولذلك لو ادعى أحدهما ~~دينا لأبيهما، لم يستحق نصيبه منه إلا بالبينة المثبتة لجميعه؛ ولأن ~~الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في سائر الحقوق. ولو ادعى مالا له فيه ~~شركة، له به شاهد، لحلف يمينا كاملة، كذلك هذا. فإذا قدم الثاني: أقسم خمسا ~~وعشرين يمينا، وجها واحدا عند أبي بكر؛ لأنه يبني على أيمان أخيه المتقدمة. # وقال الشافعي: فيه قول آخر، أنه يقسم خمسين يمينا أيضا، لأن أخاه إنما ~~استحق بخمسين، فكذلك هو. فإذا قدم ثالث، أو بلغ، فعلى قول أبي بكر، يقسم ~~سبع عشرة يمينا؛ لأنه يبني على أيمان أخويه، وعلى قول الشافعي، فيه قولان، ~~أحدهما؛ أنه يقسم سبع عشرة يمينا. والثاني: خمسين يمينا وإن قدم رابع، كان ~~على هذا المثال. والله أعلم. ### | [فصل الخنثى المشكل يحتمل أن يقسم] # (7029) فصل: والخنثى المشكل يحتمل أن يقسم؛ لأن سبب القسامة وجد في حقه، ~~وهو كونه مستحقا للدم، ولم يتحقق المانع من يمينه. ويحتمل أن لا قسامة ~~عليه؛ لأنه لا يعقل من العقل، ولا يثبت القتل بشهادته، أشبه المرأة. ### | [مسألة خلف المقتول ثلاثة بنين] # (7030) مسألة؛ قال: وإذا خلف المقتول ثلاثة بنين، جبر الكسر عليهم، فحلف ~~كل واحد منهم سبع عشرة يمينا. اختلفت الرواية عن أحمد، فيمن تجب عليه أيمان ~~القسامة؛ فروي أنه يحلف من العصبة الوارث منهم ms4737 وغير الوارث، خمسون رجلا، كل ~~واحد منهم يمينا واحدة. # PageV08P503 # وهذا قول لمالك، فعلى هذا، يحلف الوارث منهم الذين يستحقون دمه، فإن لم ~~يبلغوا خمسين، تمموا من سائر العصبة، يؤخذ الأقرب منهم فالأقرب من قبيلته ~~التي ينتسب إليها، ويعرف كيفية نسبه من المقتول، فأما من عرف أنه من ~~القبيلة، ولم يعرف وجه النسب، لم يقسم؛ مثل أن يكون الرجل قرشيا والمقتول ~~قرشي، ولا يعرف كيفية نسبه منه، فلا يقسم؛ لأننا نعلم أن الناس كلهم من آدم ~~ونوح، وكلهم يرجعون إلى أب واحد، ولو قتل من لا يعرف نسبه، لم يقسم عنه ~~سائر الناس، فإن لم يوجد من نسبه خمسون، رددت الأيمان عليهم، وقسمت بينهم، ~~فإن انكسرت عليهم، جبر كسرها عليهم حتى تبلغ خمسين؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - للأنصار: «يحلف خمسون رجلا منكم، وتستحقون دم صاحبكم» . وقد ~~علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يكن لعبد الله بن سهل خمسون رجلا ~~وارثا، فإنه لا يرثه إلا أخوه، أو من هو في درجته، أو أقرب منه نسبا، ولأنه ~~خاطب بهذا بني عمه، وهم غير وارثين. # والرواية الثانية، لا يقسم إلا الوارث، وتعرض الأيمان على ورثة المقتول ~~دون غيرهم، على حسب مواريثهم. هذا ظاهر قول الخرقي، واختيار ابن حامد، وقول ~~الشافعي؛ لأنها يمين في دعوى حق، فلا تشرع في حق غير المتداعيين، كسائر ~~الأيمان. فعلى هذه الرواية، تقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض ~~والعصبات على قدر إرثهم، فإن انقسمت من غير كسر، مثل أن يخلف المقتول ~~اثنين، أو أخا وزوجا، حلف كل واحد منهم خمسة وعشرين يمينا، وإن كانوا ثلاثة ~~بنين، وجدا أو أخوين، جبر الكسر عليهم، فحلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينا؛ ~~لأن تكميل الخمسين واجب، ولا يمكن تبعيض اليمين، ولا حمل بعضهم لها عن بعض، ~~فوجب تكميل اليمين المنكسرة في حق كل واحد منهم. وإن خلف أخا من أب وأخا من ~~أم، فعلى الأخ من الأم سدس الأيمان، ثم يجبر الكسر، فيكون عليه تسع أيمان، ~~وعلى ms4738 الأخ من الأب اثنتان وأربعون. وهذا أحد قولي الشافعي. # وقال في الآخر: يحلف كل واحد من المدعين خمسين يمينا، سواء تساووا في ~~الميراث أو اختلفوا فيه؛ لأن ما حلفه الواحد إذا انفرد، حلفه كل واحد من ~~الجماعة، كاليمين الواحدة في سائر الدعاوى، وعن مالك، أنه قال: ينظر إلى من ~~عليه أكثر اليمين. فيجبر عليه، ويسقط عن الآخر. ولنا، على أن الخمسين تقسم ~~بينهم، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: «تحلفون خمسين يمينا، ~~وتستحقون دم صاحبكم» . # وأكثر ما روي عنه في الأيمان خمسون، ولو حلف كل واحد خمسين، لكانت مائة ~~ومائتين، وهذا خلاف النص؛ ولأنها حجة للمدعين، فلم تزد على ما يشرع في حق ~~الواحد، كالبينة، # PageV08P504 # ويفارق اليمين على المدعى عليه، فإنها ليست حجة للمدعي، ولأنها لم يمكن ~~قسمتها، فكملت في حق واحد؛ كاليمين المنكسرة في القسامة، فإنها تجبر وتكمل ~~في حق كل واحد؛ لكونها لا تتبعض، وما لا يتبعض يكمل، كالطلاق والعتاق. وما ~~ذكره مالك لا يصح؛ لأنه إسقاط لليمين عمن عليه بعضها، فلم يجز، كما لو ~~تساوى الكسران، بأن يكون على كل واحد من الاثنين نصفها، أو على كل واحد من ~~الثلاثة ثلثها، وبالقياس على من عليه أكثرها؛ ولأن اليمين في سائر الدعاوى ~~تكمل في حق كل واحد، ويستوي من له في المدعى كثير وقليل، كذا هاهنا، ولأنه ~~يفضي إلى أن يتحمل اليمين غير من وجبت عليه عمن وجبت عليه، فلم يجز ذلك، ~~كاليمين الكاملة، وكالجزء الأكبر. # (7031) فصل: فإن كان فيهم من لا قسامة عليه بحال، وهو النساء، سقط حكمه، ~~فإذا كان ابن وبنت، حلف الابن الخمسين كلها. وإن كان أخ وأخت لأم وأخ وأخت ~~لأب، قسمت الأيمان بين الأخوين، على أحد عشر، على الأخ من الأم ثلاثة، وعلى ~~الآخر ثمانية، ثم يجبر الكسر عليهما، فيحلف الأخ من الأب سبعة وثلاثين ~~يمينا، والأخ من الأم أربع عشرة يمينا. ### | [فصل مات المستحق القسامة] # (7032) فصل: فإن مات المستحق، انتقل إلى وارثه ما عليه من الأيمان، وكانت ~~الأيمان بينهم على حسب ms4739 مواريثهم، ويجبر الكسر فيها عليهم، كما ينجبر في حق ~~ورثة القتيل. وإن مات بعضهم، قسم نصيبه من الأيمان بين ورثته، فلو كان ~~للقتيل ثلاثة بنين، كان على كل واحد سبع عشرة يمينا، فإن مات بعضهم قبل أن ~~يقسم، وخلف ثلاثة بنين، قسمت أيمانه بينهم، فكان على كل واحد منهم ستة ~~أيمان. وإن خلف ابنين، حلف كل واحد تسعة أيمان. وإنما قلنا هذا؛ لأن الوارث ~~يقوم مقام الموروث في إثبات حججه، كما يقوم مقامه في استحقاق ماله، وهذا من ~~حججه، ولذلك يملك إقامة البينة والحلف في الإنكار، ومع الشاهد الواحد في ~~دعوى المال. # وإن كان موته بعد شروعه في الأيمان، فحلف بعضها، فإن ورثته يستأنفون ~~الأيمان، ولا يبنون على أيمانه؛ لأن الخمسين جرت مجرى اليمين الواحدة؛ ~~ولأنه لا يجوز أن يستحق أحد بيمين غيره، ولا يبطل هذا بما إذا حلف جميع ~~الأيمان ثم مات؛ لأنه يستحق المال إرثا عنه، لا بيمينه، ولأنه إذا حلف ~~الوارثان، كل واحد خمسة وعشرين يمينا، فإن الدية تستحق بيمينهما؛ لأنهما ~~يشتركان في الأيمان، ويستحق كل واحد بقدر أيمانه، ولا يستحق بيمين غيره، ~~وإن كان اجتماع العدد شرطا في استحقاقها. ### | [فصل حلف بعض الأيمان ثم جن ثم أفاق] # (7033) فصل: ولو حلف بعض الأيمان، ثم جن، ثم أفاق، فإنه يتمم، ولا يلزمه ~~الاستئناف؛ لأن أيمانه وقعت موقعها، # PageV08P505 # ويفارق الموت؛ لأن الموت يتعذر معه إتمام الأيمان منه، وغيره لا يبني على ~~يمينه، وها هنا يمكنه أن يتمها إذا أفاق، ولا تبطل بالتفريق؛ بدليل أن ~~الحاكم إذا حلفه بعض الأيمان، ثم تشاغل عنه، لم تبطل، ويتمها، وما لا يبطله ~~التفريق، لا يبطله تخلل الجنون له كالسعي بين الصفا والمروة، وإن حلف بعض ~~الأيمان، ثم عزل الحاكم، وولي غيره، أتمها عند الثاني: ولم يلزمه ~~استئنافها؛ لأن الأيمان وقعت موقعها. وكذلك لو حلف بعضها، ثم سأل الحاكم ~~إنظاره، فأنظره، بنى على ما مضى، ولم يلزمه الاستئناف؛ لما ذكرنا. ### | [فصل ردت الأيمان على المدعى عليهم، وكان عمدا] # (7034) فصل: إذا ردت الأيمان على المدعى ms4740 عليهم، وكان عمدا، لم تجز على ~~أكثر من واحد، فيحلف خمسين يمينا، وإن كانت عن غير عمد، كالخطإ وشبه العمد، ~~فظاهر كلام الخرقي، أنه لا قسامة في هذا؛ لأن القسامة من شرطها اللوث، ~~والعداوة، إنما أثرها في تعمد القتل، لا في خطئه، فإن احتمال الخطإ في ~~العمد وغيره سواء. وقال غيره من أصحابنا: فيه قسامة. وهو قول الشافعي؛ لأن ~~اللوث لا يختص العداوة عندهم. فعلى هذا تجوز الدعوى على جماعة، فإذا ادعي ~~على جماعة، لزم كل واحد منهم خمسون يمينا. # وقال بعض أصحابنا: تقسم الأيمان بينهم بالحصص، كقسمها بين المدعين، إلا ~~أنها هاهنا تقسم بالسوية؛ لأن المدعى عليهم متساوون فيها، فهم كبني الميت. ~~وللشافعي قولان، كالوجهين. والحجة لهذا القول، قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «تبرئكم يهود بخمسين يمينا» . وفي لفظ قال: «فيحلفون لكم خمسين ~~يمينا، ويبرءون من دمه» . ولأنهم أحد المتداعيين في القسامة، فتسقط الأيمان ~~على عددهم، كالمدعين. # وقال مالك: يحلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا، فإن لم يبلغوا ~~خمسين رجلا، رددت على من حلف منهم حتى تكمل خمسين يمينا، فإن لم يوجد أحد ~~يحلف إلا الذي ادعي عليه، حلف وحده خمسين يمينا؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا» . ولنا، أن هذه أيمان يبرئ بها كل ~~واحد نفسه من القتل، فكان على كل واحد خمسون، كما لو ادعي على كل واحد وحده ~~قتيل؛ ولأنه لا يبرئ المدعى عليه حال الاشتراك إلا ما يبرئه حال الانفراد، ~~ولأن كل واحد منهم يحلف على غير ما حلف عليه صاحبه، بخلاف المدعين، فإن ~~أيمانهم على شيء واحد، فلا يلزم من تلفيقها تلفيق ما يختلف مدلوله أو ~~مقصوده. ### | [مسألة كان المقتول مسلما أو كافرا حرا أو عبدا] # (7035) مسألة: قال: وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا، إذا ~~كان المقتول يقتل به المدعى عليه، إذا ثبت عليه القتل؛ لأن القسامة توجب ~~القود، إلا أن يحب الأولياء أخذ الدية # PageV08P506 # أما إذا كان المقتول مسلما حرا، فليس فيه اختلاف، ms4741 سواء كان المدعى عليه ~~مسلما أو كافرا، فإن الأصل في القسامة قصة عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر، ~~فاتهم اليهود بقتله، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقسامة. # وأما إن كان المقتول كافرا أو عبدا، وكان قاتله ممن يجب عليه القصاص ~~بقتله، وهو المماثل له في حاله، ففيه القسامة. وهذا قول الشافعي، وأصحاب ~~الرأي. وقال الزهري، والثوري، ومالك، والأوزاعي: لا قسامة في العبد؛ فإنه ~~مال، فلم تجب القسامة فيه، كقتل البهيمة. # ولنا، أنه قتل موجب للقصاص، فأوجب القسامة، كقتل الحر، وفارق البهيمة؛ ~~فإنها لا قصاص فيها. ويقسم على العبد سيده، لأنه المستحق لدمه. وأم الولد، ~~والمدبر، والمكاتب، والمعلق عتقه بصفة، كالقن؛ لأن الرق ثابت فيهم. وإن كان ~~القاتل ممن لا قصاص عليه، كالمسلم يقتل كافرا، والحر يقتل عبدا، فلا قسامة ~~فيه، في ظاهر قول الخرقي، وهو قول مالك؛ لأن القسامة إنما تكون فيما يوجب ~~القود. وقال القاضي: فيهما القسامة، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه ~~قتل آدمي يوجب الكفارة، فشرعت القسامة فيه، كقتل الحر المسلم، ولأن ما كان ~~حجة في قتل الحر المسلم، كان حجة في قتل العبد الكافر، كالبينة. # ولنا، أنه قتل لا يوجب القصاص، فأشبه قتل البهيمة، ولا يلزم من شرعها ~~فيما يوجب القصاص، شرعها مع عدمه، بدليل أن العبد إذا اتهم بقتل سيده، شرعت ~~القسامة إذا كان القتل موجبا للقصاص. ذكره القاضي؛ لأنه لا يجوز قتله قبل ~~ذلك، ولو لم يكن موجبا للقصاص لم تشرع القسامة. ### | [فصل قتل عبد المكاتب] # (7036) فصل: وإن قتل عبد المكاتب، فللمكاتب أن يقسم على الجاني؛ لأنه ~~مالك للعبد يملك التصرف فيه وفي بدله، وليس لسيده انتزاعه منه، وله شراؤه ~~منه. ولو اشترى المأذون له في التجارة عبدا، فقتل، فالقسامة لسيده دونه؛ ~~لأن ما يبتاعه المأذون يملكه سيده دونه، ولهذا يملك انتزاعه منه. وإن عجز ~~المكاتب قبل أن يقسم، فلسيده أن يقسم؛ لأنه صار المستحق لبدل المقتول، ~~بمنزلة ورثة الحر إذا مات قبل أن يقسم، ولو ملك السيد عبده أو أم ولده ms4742 عبدا ~~فقتل، فالقسامة للسيد، سواء قلنا: يملك العبد بالتمليك، أو لا يملك؛ لأنه ~~إن لم يملك، فالملك لسيده، وإن ملك فهو ملك غير ثابت، ولهذا يملك سيده ~~انتزاعه منه؛ ولا يجوز له التصرف بغير إذن سيده، بخلاف المكاتب. # وإن أوصى لأم ولده ببدل العبد، صحت الوصية، وإن كان لم يجب بعد، كما تصح ~~الوصية بثمرة لم تخلق. والقسامة للورثة؛ لأنهم القائمون مقام # PageV08P507 # الموصي في إثبات حقوقه، فإذا حلفوا، ثبت لها البدل بالوصية، وإن لم ~~يحلفوا، لم يكن لها أن تحلف، كما إذا امتنع الورثة من اليمين مع الشاهد، لم ~~يكن للغرماء أن يحلفوا معه. ### | [فصل المحجور عليه لسفه أو فلس في دعوى القتل] # (7037) فصل: والمحجور عليه لسفه أو فلس، كغير المحجور عليه، في دعوى ~~القتل، والدعوى عليه، إلا أنه إذا أقر بمال، أو لزمته الدية بالنكول عن ~~اليمين، لم يلزمه في حال حجره؛ لأن إقراره بالمال في الحال غير مقبول ~~بالنسبة إلى أخذ شيء من ماله في الحال، على ما عرف في موضعه. ### | [فصل جرح مسلم فارتد ومات على الردة] # (7038) فصل: ولو جرح مسلم فارتد، ومات على الردة، فلا قسامة فيه؛ لأن ~~نفسه غير مضمونة، وإنما يضمن الجرح، ولا قسامة فيما دون النفس، ولأن ماله ~~يصير فيئا، والفيء ليس له مستحق معين فتثبت القسامة له. وإن مات مسلما، ~~فارتد وارثه قبل القسامة، فقال أبو بكر: ليس له أن يقسم، وإن أقسم لم يصح؛ ~~لأن ملكه يزول عن ماله وحقوقه، فلا يبقى مستحقا للقسامة. وهذا قول المزني. # ولأن المرتد قد أقدم على الشرك الذي لا ذنب أعظم منه، فلا يستحق بيمينه ~~دم مسلم، ولا يثبت بها قتل. وقال القاضي: الأولى أن تعرض عليه القسامة، فإن ~~أقسم، وجبت الدية، وهذا قول الشافعي؛ لأن استحقاق المال بالقسامة حق عليه ~~فلا يبطل بردته، كاكتساب المال بوجوه الاكتساب، وكفره لا يمنع يمينه، فإن ~~الكافر تصح يمينه، وتعرض عليه في الدعاوى فإن حلف، ثبت القصاص أو الدية، ~~فإن عاد إلى الإسلام، كان له، وإن مات كان ms4743 فيئا. والصحيح، إن شاء الله، ما ~~قال أبو بكر؛ لأن مال المرتد إما أن يكون ملكه قد زال عنه، وإما موقوف، ~~وحقوق المال حكمها حكمه؛ فإن قلنا بزوال ملكه، فلا حق له، وإن قلنا: هو ~~موقوف. فهو قبل انكشاف حاله مشكوك فيه، فلا يثبت الحكم بشيء مشكوك فيه، ~~فكيف وقتل المسلم أمر كبير لا يثبت مع الشبهات، ولا يستوفى مع الشك. # فأما إن ارتد قبل موت موروثه، لم يكن وارثا، ولا حق له، وتكون القسامة ~~لغيره من الوراث. فإن لم يكن للميت وارث سواه، فلا قسامة فيه؛ لما ذكرنا. ~~وإن عاد إلى الإسلام قبل قسامة غيره، فقياس المذهب أنه يدخل في القسامة؛ ~~لأنه متى رجع قبل قسم الميراث، قسم له. وقال القاضي: لا تعود القسامة إليه؛ ~~لأنها استحقت على غيره. وإن ارتد رجل فقتل عبده، أو قتل ثم ارتد، فهل له أن ~~يقسم؟ على وجهين؛ بناء على الاختلاف المتقدم. فإن عاد إلى الإسلام، عادت ~~القسامة؛ لأنه يستحق بدل العبد. # PageV08P508 ### | [فصل لا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجوارح] # (7039) فصل: ولا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجوارح. ولا أعلم بين ~~أهل العلم في هذا خلافا، وممن قال: لا قسامة في ذلك. مالك، وأبو حنيفة، ~~والشافعي؛ وذلك لأن القسامة تثبت في النفس لحرمتها، فاختصت بها دون ~~الأطراف، كالكفارة؛ ولأنها تثبت حيث كان المجني عليه لا يمكنه التعبير عن ~~نفسه، وتعيين قاتله، ومن قطع طرفه، يمكنه ذلك، وحكم الدعوى فيه حكم الدعوى ~~في سائر الحقوق، والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر يمينا واحدة؛ ~~ولأنها دعوى لا قسامة فيها، فلا تغلظ بالعدد، كالدعوى في المال. ### | [مسألة ليس للأولياء أن يقسموا على أكثر من واحد] # (7040) مسألة: قال: وليس للأولياء أن يقسموا على أكثر من واحد لا يختلف ~~المذهب أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد. وبهذا قال الزهري، ومالك، ~~وبعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: يستحق بها قتل الجماعة؛ لأنها بينة موجبة ~~للقود، فاستوى فيها الواحد والجماعة، كالبينة. وهذا نحو قول أبي ثور. ms4744 ولنا، ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع ~~إليكم برمته» . فخص بها الواحد؛ ولأنها بينة ضعيفة، خولف بها الأصل في قتل ~~الواحد، فيقتصر عليه، ويبقى على الأصل فيما عداه. # وبيان مخالفة الأصل بها، أنها تثبت باللوث، واللوث شبهة مغلبة على الظن ~~صدق المدعي، والقود يسقط بالشبهات، فكيف يثبت بها، ولأن الأيمان في سائر ~~الدعاوى تثبت ابتداء في جانب المدعى عليه، وهذا بخلافه. وبيان ضعفها، أنها ~~تثبت بقول المدعي ويمينه، مع التهمة في حقه، والشك في صدقه، وقيام العداوة ~~المانعة من صحة الشهادة عليه في إثبات حق لغيره، فلأن يمنع من قبول قوله ~~وحده في إثبات حقه لنفسه أولى وأحرى. وفارق البينة، فإنها قويت بالعدد، ~~وعدالة الشهود، وانتفاء التهمة في حقهم من الجهتين، في كونهم لا يثبتون ~~لأنفسهم حقا ولا نفعا، ولا يدفعون عنها ضرا، ولا عداوة بينهم وبين المشهود ~~عليه، ولهذا يثبت بها سائر الحقوق والحدود التي تنتفي بالشبهات. # إذا ثبت هذا، فلا قسامة فيما لا قود فيه، في قول الخرقي، فيطرد قوله في ~~أن القسامة لا تشرع إلا في حق واحد. وعند غيره أن القسامة تجري فيما لا قود ~~فيه، فيجوز أن يقسموا في هذا على جماعة. وهذا قول مالك، والشافعي. فعلى ~~هذا، إن ادعى على اثنين، على أحدهما لوث، حلف على من عليه اللوث خمسين ~~يمينا، # PageV08P509 # واستحق نصف الدية عليه، وحلف الآخر يمينا واحدة، وبرئ، وإن نكل عن ~~اليمين، فعليه نصف الدية. # وإن ادعى على ثلاثة عليهم لوث، ولم يحضر إلا واحد منهم، حلف على الحاضر ~~منهم خمسين يمينا، واستحق ثلث الدية، فإذا حضر الثاني: ففيه وجهان؛ أحدهما، ~~يحلف عليه خمسين يمينا أيضا، ويستحق ثلث الدية؛ لأن الحق لا يثبت على أحد ~~الرجلين إلا بما يثبت على الآخر، كالبينة، فإنه يحتاج إلى إقامة البينة ~~الكاملة على الثاني: كإقامتها على الأول. والثاني: يحلف عليه خمسة وعشرين ~~يمينا؛ لأنهما لو حضرا معا، لحلف عليهما خمسين يمينا، حصة هذا منها خمسة ~~وعشرون. وهذا الوجه ضعيف؛ ms4745 فإن اليمين لا تقسم عليهم إذا حضروا، ولو حلف كل ~~واحد منفرد حصته من الأيمان لم يصح، ولم يثبت له حق، وإنما الأيمان عليهم ~~جميعا، وتتناولهم تناولا واحدا، ولأنها لو قسمت عليهم بالحصص، لوجب أن لا ~~يقسم على الأول أكثر من سبع عشرة يمينا، وكذلك على الثاني؛ لأن هذا القدر ~~هو حصته من الأيمان، فعلى كلا التقديرين، لا وجه لحلفه خمسة وعشرين يمينا. # وإن قيل: إنما حلف بقدر حصته وحصة الثالث. فينبغي أن يحلف أربعة وثلاثين. ~~وإذا قدم الثالث: ففيه الوجهان؛ أصحهما، يحلف عليه خمسين يمينا، ويستحق ثلث ~~الدية. والآخر، يحلف سبعة عشر يمينا. وإن حضروا جميعا، حلف عليهم خمسين ~~يمينا، واستحق الدية عليهم أثلاثا، وهذا التفريع يدل على اشتراط حضور ~~المدعى عليه وقت الأيمان؛ وذلك لأنها أقيمت مقام البينة، فاشترط حضور من ~~أقيمت عليه، كالبينة. وكذلك إن ردت الأيمان على المدعى عليهم، اشترط حضور ~~المدعين وقت حلف المدعى عليهم؛ لأن الأيمان له عليهم، فيعتبر رضاه بها ~~وحضوره، إلا أن يوكل وكيلا، فيقوم حضوره مقام موكله. ### | [فصل قال المدعي قتله هذا ورجل آخر لا أعرفه] # (7041) فصل: وإن قال المدعي: قتله هذا ورجل آخر لا أعرفه. وكان على ~~المعين لوث، أقسم عليه خمسين يمينا، واستحق نصف الدية، فإن تعين له الآخر، ~~حلف عليه، واستحق نصف الدية. وإن قال: قتله هذا، ونفر لا أعلم عددهم. لم ~~تجب القسامة؛ لأنه لا يعلم كم حصته من الدية. ### | [فصل لا تسمع الدعوى إلا محررة] # (7042) فصل: ولا تسمع الدعوى إلا محررة، بأن يقول: أدعي أن هذا قتل وليي ~~فلان ابن فلان، عمدا، أو خطأ، أو شبه العمد. ويصف القتل، فإن كان عمدا قال: ~~قصد إليه بسيف، أو بما يقتل مثله غالبا. فإن كانت # PageV08P510 # الدعوى على واحد، فأقر ثبت القتل، وإن أنكر وثم بينة، حكم بها، وإلا صار ~~الأمر إلى الأيمان. وإن كانت الدعوى على أكثر من واحد، لم يخل من أربعة ~~أحوال؛ أحدها، أن يقول: قتله هذا، وهذا تعمد قتله. ويصف العمد بصفته، فيقال ~~له: عين ms4746 واحدا. # فإن القسامة الموجبة للقود لا تكون على أكثر من واحد. الحال الثاني: أن ~~يقول: تعمد هذا، وهذا كان خاطئا، فهو يدعي قتلا غير موجب للقود، فيقسم ~~عليهما، ويأخذ نصف الدية من مال العامد، ونصفها من عاقلة المخطئ. الحال ~~الثالث؛ أن يقول: عمد هذا، ولا أدري أكان قتل الثاني عمدا أو خطأ؟ فقيل: لا ~~تسوغ القسامة هاهنا؛ لأنه يحتمل أن يكون الآخر مخطئا، فيكون موجبها الدية ~~عليهما. ويحتمل أن يكون عامدا، فلا تسوغ القسامة عليهما، ويجب تعيين واحد، ~~والقسامة عليه، فيكون موجبها القود، فلم تجز القسامة مع هذا. فإن عاد فقال: ~~علمت أن الآخر كان عامدا. فله أن يعين واحدا، ويقسم عليه. # وإن قال: كان مخطئا. ثبتت القسامة حينئذ، ويسأل، فإن أنكر، ثبتت القسامة. ~~وإن أقر ثبت عليه القتل، ويكون عليه نصف الدية في ماله؛ لأنه ثبت بإقراره ~~لا بالقسامة. وقال القاضي: يكون على عاقلته. والأول أصح؛ لأن العاقلة لا ~~تحمل اعترافا. الحال الرابع، أن يقول: قتلاه خطأ، أو شبه عمد، أو أحدهما ~~خاطئ، والآخر شبه العمد. فله أن يقسم عليهما. فإن ادعى أنه قتل وليه عمدا، ~~فسئل عن تفسير العمد، ففسره بعمد الخطإ، قبل تفسيره، وأقسم على ما فسره به؛ ~~لأنه أخطأ في وصف القتل بالعمدية. ونقل المزني، عن الشافعي: لا يحلف عليه؛ ~~لأنه بدعوى العمد برأ العاقلة، فلا تسمع دعواه بعد ذلك ما يوجب عليهم ~~المال. # ولنا، أن دعواه قد تحررت، وإنما غلط في تسمية شبه العمد عمدا، وهذا مما ~~يشتبه، فلا يؤاخذ به. ولو أحلفه الحاكم قبل تحرير الدعوى وتبين نوع القتل، ~~لم يعتد باليمين؛ لأن الدعوى لا تسمع غير محررة، فكأنه حلفه قبل الدعوى، ~~ولأنه إنما يحلفه ليوجب له ما يستحقه، فإذا لم يعلم ما يستحقه بدعواه، لم ~~يحصل المقصود باليمين، فلم يصح. ### | [فصل للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله] # (7043) فصل: قال القاضي: يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل، إذا غلب ~~على ظنهم أنه قتله، وإن كانوا غائبين عن مكان القتل؛ ms4747 لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال للأنصار: «تحلفون، وتستحقون دم صاحبكم» . وكانوا بالمدينة، ~~والقتل بخيبر. ولأن الإنسان يحلف على غالب ظنه، كما أن من اشترى من إنسان ~~شيئا، فجاء آخر يدعيه، جاز أن يحلف أنه لا يستحقه؛ لأن الظاهر أنه ملك الذي ~~باعه، وكذلك إذا وجد شيئا # PageV08P511 # بخطه أو خط أبيه ودفتره، جاز له أن يحلف، وكذلك إذا باع شيئا لم يعلم فيه ~~عيبا، فادعى عليه المشتري أنه معيب، وأراد رده، كان له أن يحلف أنه باعه ~~بريئا من العيب. # ولا ينبغي أن يحلف المدعي إلا بعد الاستثبات، وغلبة ظن يقارب اليقين، ~~وينبغي للحاكم أن يقول لهم: اتقوا الله، واستثبتوا. ويعظهم، ويحذرهم، ويقرأ ~~عليهم: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] . ~~ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة، وظلم البريء، وقتل النفس بغير الحق، ويعرفهم ~~أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. وهذا كله مذهب الشافعي. ### | [فصل استظهار ألفاظ اليمين في القسامة تأكيدا] # (7044) فصل: ويستحب أن يستظهر في ألفاظ اليمين في القسامة تأكيدا، فيقول: ~~والله الذي لا إله إلا هو عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فإن اقتصر ~~على لفظة: والله. كفى، أو يقول: والله، أو بالله، أو تالله. بالجر كما ~~تقتضيه العربية. فإن قاله مضموما، أو منصوبا، فقد لحن. قال القاضي: ويجزئه ~~تعمده أو لم يتعمد؛ لأنه لحن لا يحيل المعنى. وهو قول الشافعي. # وما زاد على هذا تأكيد، ويقول: لقد قتل فلان بن فلان الفلاني ويشير إليه ~~فلانا ابني، أو أخي، منفردا بقتله، ما شركه غيره. وإن كانا اثنين قال: ~~منفردين، ما شركهما غيرهما. ثم يقول: عمدا أو خطأ. وبأي اسم من أسماء الله ~~أو صفة من صفات ذاته، حلف، أجزأ، إذا كان إطلاقه ينصرف إلى الله تعالى. ~~ويقول المدعى عليه في اليمين: والله ما قتلته، ولا شاركت في قتله، ولا ~~أحدثت شيئا مات منه، ولا كان سببا في موته، ولا معينا على موته. ### | [مسألة قتل نفسا محرمة أو شارك فيها] # (7045) مسألة: قال: ومن قتل نفسا ms4748 محرمة، أو شارك فيها، أو ضرب بطن امرأة، ~~فألقت جنينا ميتا، وكان الفعل خطأ، فعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة، فإن لم ~~يجد، فصيام شهرين متتابعين، توبة من الله. وعن أبي عبد الله، - رحمه الله ~~-، رواية أخرى، أن على قاتل العمد تحرير رقبة مؤمنة الأصل في كفارة القتل ~~قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] . الآية. # وأجمع أهل العلم على أن على القاتل خطأ كفارة سواء كان المقتول ذكرا أو ~~أنثى، وتجب في قتل الصغير والكبير، سواء باشره بالقتل، أو تسبب إلى قتله ~~بسبب يضمن به النفس، كحفر البئر، ونصب # PageV08P512 # السكين، وشهادة الزور. وبهذا قال مالك. والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تجب ~~بالتسبب؛ لأنه ليس بقتل، ولأنه ضمن بدله بغير مباشرة للقتل، فلم تلزمه ~~الكفارة كالعاقلة. ولنا، أنه كالمباشرة في الضمان، فكان كالمباشرة في ~~الكفارة، ولأنه سبب لإتلاف الآدمي، يتعلق به ضمانه، فتعلقت به الكفارة، كما ~~لو كان راكبا فأوطأ دابته إنسانا. وقياسهم ينتقض بالأب إذا أكره إنسانا على ~~قتل ابنه؛ فإن الكفارة تجب عليه من غير مباشرة، وفارق العاقلة؛ فإنها تتحمل ~~عن غيرها. ولم يصدر منها قتل، ولا تسبب إليه. وقولهم: ليس بقتل. ممنوع. # قال القاضي: ويلزم الشهود الكفارة، سواء قالوا: أخطأنا، أو تعمدنا. وهذا ~~يدل على أن القتل بالسبب تجب به الكفارة بكل حال، ولا يعتبر فيه الخطأ ~~والعمد؛ لأنه إن قصد به القتل، فهو جار مجرى الخطإ، في أنه لا يجب به ~~القصاص. ### | [فصل تجب الكفارة بقتل العبد] # (7046) فصل: وتجب الكفارة بقتل العبد. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال ~~مالك: لا تجب به، لأنه مضمون بالقيمة، أشبه البهيمة. ولنا، عموم قوله ~~تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] . ولأنه يجب ~~القصاص بقتله، فتجب الكفارة به، كالحر، ولأنه مؤمن، فأشبه الحر، ويفارق ~~البهائم بذلك. ### | [فصل كفارة قتل الكافر] # (7047) فصل: وتجب بقتل الكافر المضمون، سواء كان ذميا أو مستأمنا. وبهذا ~~قال أكثر أهل العلم. وقال الحسن، ومالك: لا كفارة فيه؛ لقوله تعالى: {ومن ~~قتل مؤمنا ms4749 خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] . فمفهومه أن لا كفارة في ~~غير المؤمن. ولنا، قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] . والذمي له ميثاق، وهذا ~~منطوق يقدم على دليل الخطاب، ولأنه آدمي مقتول ظلما، فوجبت الكفارة بقتله، ~~كالمسلم. ### | [فصل قتل الصبي أو المجنون] # (7048) فصل: وإذا قتل الصبي والمجنون، وجبت الكفارة في أموالهما، وكذلك ~~الكافر. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا كفارة على واحد منهم؛ لأنها ~~عبادة محضة، تجب بالشرع، فلا تجب على الصبي والمجنون والكافر، كالصلاة ~~والصيام. # PageV08P513 # ولنا، أنه حق مالي، يتعلق بالقتل، فتعلقت بهم، كالدية. # وتفارق الصوم والصلاة؛ لأنهما عبادتان بدنيتان، وهذه مالية، أشبهت نفقات ~~الأقارب. وأما كفارة اليمين، فلا تجب على الصبي والمجنون؛ لأنها تتعلق ~~بالقول، ولا قول لهما، وهذه تتعلق بالفعل، وفعلهما متحقق قد أوجب الضمان ~~عليهما، ويتعلق بالفعل ما لا يتعلق بالقول؛ بدليل أن العتق يتعلق بإحبالهما ~~دون إعتاقهما بقولهما. وأما الكافر فتجب عليه، وتكون عقوبة عليه، كالحدود. ### | [فصل قتل في دار الحرب مسلما يعتقده كافرا] # (7049) فصل: ومن قتل في دار الحرب مسلما يعتقده كافرا، أو رمى إلى صف ~~الكفار، فأصاب فيهم مسلما فقتله، فعليه كفارة؛ لقوله تعالى: {فإن كان من ~~قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] . ### | [فصل كل قتل مباح لا كفارة فيه] # (7050) فصل: ومفهوم كلام الخرقي، أن كل قتل مباح لا كفارة فيه، كقتل ~~الحربي، والباغي، والزاني المحصن، والقتل قصاصا أو حدا؛ لأنه قتل مأمور به، ~~والكفارة لا تجب لمحو المأمور به. وأما الخطأ، فلا يوصف بتحريم ولا إباحة؛ ~~لأنه كفعل المجنون، والبهيمة، لكن النفس الذاهبة به معصومة محرمة محترمة، ~~فلذلك وجبت الكفارة فيها. وقال قوم: الخطأ محرم ولا إثم فيه. وقيل: ليس ~~بمحرم؛ لأن المحرم ما أثم فاعله، وهذا لا إثم فيه، وقوله تعالى: {وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92] . هذا استثناء منقطع. و {إلا} ~~[النساء: 92] في موضع " لكن ". التقدير: لكن قد يقتله خطأ. # وقيل: {إلا} [النساء: ms4750 92] بمعنى " ولا "، أي ولا خطأ. وهذا يبعد؛ لأن ~~الخطأ لا يتوجه إليه النهي؛ لعدم إمكان التحريم منه، وكونه لا يدخل تحت ~~الوسع، ولأنها لو كانت بمعنى " ولا " كانت عاطفة للخطإ على ما قبله، وليس ~~قبله ما يصلح عطفه عليه. وأما قتل نساء أهل الحرب وصبيانهم، فلا كفارة فيه؛ ~~لأنه ليس لهم إيمان ولا أمان، وإنما منع من قتلهم، لانتفاع المسلمين بهم، ~~لكونهم يصيرون بالسبي رقيقا ينتفع بهم. وكذلك قتل من لم تبلغه الدعوة، لا ~~كفارة فيه؛ لذلك، ولذلك لم يضمنوا بشيء، فأشبهوا من قتله مباح. ### | [فصل قتل نفسه خطأ] # (7051) فصل: ومن قتل نفسه خطأ، وجبت الكفارة في ماله. وبهذا قال الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: لا تجب؛ لأن ضمان نفسه لا يجب، فلم تجب الكفارة، كقتل نساء ~~أهل الحرب وصبيانهم. # PageV08P514 # ولنا، عموم قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: ~~92] . ولأنه آدمي مؤمن مقتول خطأ، فوجبت الكفارة على قاتله، كما لو قتله ~~غيره. والأول أقرب إلى الصواب، إن شاء الله، فإن «عامر بن الأكوع، قتل نفسه ~~خطأ، ولم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه بكفارة» . وقوله تعالى: ~~{ومن قتل مؤمنا خطأ} [النساء: 92] إنما أريد بها إذا قتل غيره، بدليل قوله: ~~{ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] . وقاتل نفسه لا تجب فيه دية؛ بدليل ~~قتل عامر بن الأكوع. والله أعلم. ### | [فصل شارك في قتل يوجب الكفارة] # (7052) فصل: ومن شارك في قتل يوجب الكفارة، لزمته كفارة، ويلزم كل واحد ~~من شركائه كفارة. هذا قول أكثر أهل العلم، منهم الحسن، وعكرمة، والنخعي، ~~والحارث العكلي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وحكى أبو الخطاب، ~~عن أحمد، رواية أخرى، أن على الجميع كفارة واحدة. وهو قول أبي ثور. # وحكي عن الأوزاعي، وحكاه أبو علي الطبري عن الشافعي، وأنكره سائر أصحابه. ~~واحتج لمن أوجب كفارة واحدة بقوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة} [النساء: 92] . و {من} [النساء: 92] يتناول الواحد والجماعة، ولم ~~يوجب إلا كفارة واحدة، ودية، والدية لا تتعدد، فكذلك الكفارة؛ ولأنها كفارة ~~قتل، ms4751 فلم تتعدد بتعدد القاتلين مع اتحاد المقتول، ككفارة الصيد الحرمي. ~~ولنا، أنها لا تتبعض، وهي من موجب قتل الآدمي، فكملت في حق كل واحد من ~~المشتركين، كالقصاص. وتخالف كفارة الصيد؛ فإنها تجب بدلا، ولهذا تجب في ~~أبعاضه، وكذلك الدية. ### | [فصل ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا] # (7053) فصل: إذا ضرب بطن امرأة، فألقت جنينا ميتا، فعليه الكفارة. وبه ~~قال الحسن، وعطاء، والزهري، والنخعي، والحكم، وحماد، ومالك، والشافعي، ~~وإسحاق. وقال أبو حنيفة: لا تجب. وقد مضت هذه المسألة في دية الجنين. ### | [فصل لا كفارة في قتل العمد] # (7054) فصل: والمشهور في المذهب: أنه لا كفارة في قتل العمد. وبه قال ~~الثوري، ومالك، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وعن أحمد، رواية ~~أخرى، تجب فيه الكفارة. وحكي ذلك عن الزهري. وهو قول الشافعي؛ لما روى ~~واثلة بن الأسقع، قال: «أتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - بصاحب لنا، قد # PageV08P515 # أوجب بالقتل. فقال: اعتقوا عنه رقبة، يعتق الله تعالى بكل عضو منها عضوا ~~منه من النار» .، ولأنها إذا وجبت في قتل الخطإ، ففي العمد أولى؛ لأنه أعظم ~~إثما، وأكبر جرما، وحاجته إلى تكفير ذنبه أعظم. # ولنا، مفهوم قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: ~~92] . ثم ذكر قتل العمد، فلم يوجب فيه كفارة، وجعل جزاءه جهنم، فمفهومه أنه ~~لا كفارة فيه. وروي «أن سويد بن الصامت قتل رجلا، فأوجب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عليه القود، ولم يوجب كفارة» . «وعمرو بن أمية الضمري قتل ~~رجلين في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فوداهما النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يوجب كفارة» . ولأنه فعل يوجب القتل، فلا يوجب كفارة، كزنى ~~المحصن، وحديث واثلة، يحتمل أنه كان خطأ، وسماه موجبا، أي فوت النفس ~~بالقتل. ويحتمل أنه كان شبه عمد. ويحتمل أنه أمرهم بالإعتاق تبرعا، ولذلك ~~أمر غير القاتل بالإعتاق. # وما ذكروه من المعنى لا يصح؛ لأنها وجبت في الخطإ، فتمحو إثمه؛ لكونه لا ~~يخلو من تفريط، فلا يلزم من ذلك إيجابها في موضع عظم الإثم فيه، ms4752 بحيث لا ~~يرتفع بها. إذا ثبت هذا، فلا فرق بين العمد الموجب للقصاص، وما لا قصاص ~~فيه، كقتل الوالد ولده والسيد عبده، والحر العبد، والمسلم الكافر؛ لأن هذا ~~من أنواع العمد. ### | [فصل تجب الكفارة في شبه العمد] # (7055) فصل: وتجب الكفارة في شبه العمد. ولم أعلم لأصحابنا فيه قولا، لكن ~~مقتضى الدليل ما ذكرناه؛ ولأنه أجري مجرى الخطإ في نفي القصاص، وحمل ~~العاقلة ديته، وتأجيلها في ثلاث سنين، فجرى مجراه في وجوب الكفارة، ولأن ~~القاتل إنما لم يحمل شيئا من الدية لتحمله الكفارة، فلو لم تجب عليه ~~الكفارة، تحمل من الدية؛ لئلا يخلو القاتل عن وجوب شيء أصلا، ولم يرد الشرع ~~بهذا. # PageV08P516 ### | [فصل كفارة القتل] # (7056) فصل: وكفارة القتل عتق رقبة مؤمنة، بنص الكتاب، سواء كان القاتل ~~أو المقتول مسلما أو كافرا، فإن لم يجدها في ملكه، فاضلة عن حاجته، أو يجد ~~ثمنها، فاضلا عن كفايته، فصيام شهرين متتابعين، توبة من الله، وهذا ثابت ~~بالنص أيضا، فإن لم يستطع، ففيه روايتان؛ إحداهما، يثبت الصيام في ذمته، ~~ولا يجب شيء آخر؛ لأن الله تعالى لم يذكره، ولو وجب لذكره. والثاني: يجب ~~إطعام ستين مسكينا؛ لأنها كفارة فيها عتق وصيام شهرين متتابعين، فكان فيها ~~إطعام ستين مسكينا عند عدمها، ككفارة الظهار والفطر في رمضان، وإن لم يكن ~~مذكورا في نص القرآن، فقد ذكر ذلك في نظيره، فيقاس عليه. فعلى هذه الرواية، ~~إن عجز عن الإطعام، ثبت في ذمته حتى يقدر عليه. وللشافعي قولان في هذا، ~~كالروايتين. والله أعلم. ### | [مسألة قبول قول العدول في القصاص] # (7057) مسألة: قال: وما أوجب القصاص، فلا يقبل فيه إلا عدلان وجملته أن ~~ما أوجب القصاص في نفس، كالقتل العمد العدوان من المكافئ، أو في طرف، كقطعه ~~من مفصل عمدا ممن يكافئه، فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين عدلين، ولا يقبل ~~فيه شهادة رجل وامرأتين، ولا شاهد ويمين الطالب. لا نعلم في هذا بين أهل ~~العلم خلافا؛ وذلك لأن القصاص إراقة دم، عقوبة على جناية، فيحتاط له ~~باشتراط الشاهدين العدلين، كالحدود. ms4753 وسواء كان القصاص يجب على مسلم أو ~~كافر، أو حر أو عبد؛ لأن العقوبة يحتاط لدرئها. وقد روي عن أبي عبد الله، - ~~رحمه الله -، رواية أخرى، أنه لا يقبل في الشهادة على القتل إلا شهادة ~~أربعة. وهذا مذهب الحسن؛ لأنها شهادة يثبت بها القتل، فلم يقبل أقل من ~~أربعة، كالشهادة على الزنى من المحصن. # ولنا، أنه أحد نوعي القصاص، فيقبل فيه اثنان، كقطع الطرف. وفارق الزنى ~~فإنه مختص بهذا، وليست العلة كونه قتلا، بدليل وجوب الأربعة في زنى البكر، ~~ولا قتل فيه، ولأنه انفرد بوجوب الحد على الرامي به، والشهود إذا لم تكمل ~~شهادتهم، فلم يجز أن يلحق به ما ليس مثله. ### | [مسألة وجوب المال في الجنايات دون القود] # (7058) مسألة: قال: وما أوجب من الجنايات المال دون القود، قبل فيه رجل ~~وامرأتان، أو رجل عدل مع يمين الطالب وجملته أن ما كان موجبه المال، كقتل ~~الخطإ، وشبه العمد، والعمد في حق من لا يكافئه، والجائفة، # PageV08P517 # والمأمومة، وما دون الموضحة، وشريك الخاطئ، وأشباه هذا، فإنه يقبل فيه ~~شهادة رجل وامرأتين، وشهادة عدل ويمين الطالب. وهذا مذهب الشافعي. # وقال أبو بكر: لا يثبت أيضا إلا بشهادة عدلين، ولا تسمع فيه شهادة ~~النساء، ولا شاهد ويمين؛ لأنها شهادة على قتل، أو جناية على آدمي، فلم تسمع ~~من النساء كالقسم الأول، يبين صحة هذا، أنه لما لم يكن للنساء مدخل في ~~القسامة في العمد، ولم يكن لهن مدخل في القسامة على الخطإ وشبه العمد ~~الموجب للمال، فيدل هذا على أنهن لا مدخل لهن في الشهادة على دم بحال. # ولنا، أنها شهادة على ما يقصد به المال على الخصوص، فوجب أن تقبل، ~~كالشهادة على البيع والإجارة. وفارق قتل العمد؛ فإنه موجب للعقوبة التي ~~يحتاط بإسقاطها، فاحتيط في الشهادة على أسبابها، وفي مسألتنا، المقصود تقبل ~~شهادتهن فيه، فقبلت شهادتهن على سببه. ### | [فصل ادعى جناية عمد وقال عفوت عن القصاص فيها] # (7059) فصل: ولو ادعى جناية عمد، وقال: عفوت عن القصاص فيها. لم يقبل فيه ~~شاهد وامرأتان؛ لأنه ms4754 إنما يعفو عن شيء ثبت له، ولا يثبت ذلك القتل بتلك ~~الشهادة. وإن ثبت القتل إما بشاهدين، أو بإقرار المدعى عليه، صح العفو؛ لأن ~~الحق ثبت له بوجود القتل، وإنما خفي ثبوته عمن لم يعلم ذلك، فإذا علم ذلك، ~~علم أنه كان ثابتا من حين وجد القتل، فيكون العفو مصادفا لحقه الثابت، ~~فينفذ، كما لو أعتق عبدا ينازعه فيه منازع، ثم ثبت أنه كان ملكه حين العتق. ### | [فصل لا يثبت القتل بالشهادة إلا مع زوال الشبهة في لفظ الشاهدين] # (7060) فصل: ولا يثبت القتل بالشهادة إلا مع زوال الشبهة في لفظ ~~الشاهدين، نحو أن يقولا: نشهد أنه ضربه فقتله. أو: فمات منه. فإن قالا: ~~ضربه بالسيف فمات. أو: فوجدناه ميتا. أو: فمات عقيبه. أو قالا: ضربه ~~بالسيف، فأسال دمه. أو: فأنهر دمه، فمات مكانه. لم يثبت القتل؛ لجواز أن ~~يكون مات عقيب الضرب بسبب آخر. # وقد روي عن شريح؛ أنه شهد عنده رجل بالقتل، فقال: أشهد أنه اتكأ عليه ~~بمرفقه فمات، فقال له شريح: فمات منه؟ فأعاد الرجل قوله الأول، فقال له ~~شريح: قم، فلا شهادة لك. وإن كانت الشهادة بالجرح، فقالا: ضربه، فأوضحه. أو ~~فاتضح منه. أو: فوجدناه موضحا من الضربة. قبلت شهادتهما. وإن قالا: ضربه ~~فاتضح رأسه. أو: وجدناه موضحا، أو: فأسال دمه، ووجدنا في رأسه موضحة. لم ~~يثبت الإيضاح؛ لجواز أن يتضح عقيب ضربه بسبب آخر. # ولا بد من تعيين الموضحة في إيجاب القصاص؛ لأنه إن كان في رأسه موضحتان، ~~فيحتاجان إلى بيان ما شهدا به منهما، وإن كانت واحدة، فيحتمل أن يكون # PageV08P518 # قد أوسعها غير المشهود عليه، فيجب أن يعينها الشاهدان، فيقولان: هذه. وإن ~~قالا: أوضحه في موضع كذا من رأسه موضحة قدر مساحتها كذا وكذا. قبلت ~~شهادتهما. وإن قالا: لا نعلم قدرها، أو موضعها. لم يحكم بالقصاص؛ لأنه ~~يتعذر مع الجهالة، وتجب الدية؛ لأنها لا تختلف باختلافها. # وإن قالا: ضرب رأسه، فأسال دمه. كانت بازلة. وإن قالا: فسال دمه. لم يثبت ~~شيء؛ لجواز أن يسيل دمه ms4755 بسبب آخر. وإن قالا: نشهد أنه ضربه، فقطع يده. ولم ~~يكن أقطع اليدين، قبلت شهادتهما، وثبت القصاص؛ لعدم الاشتباه. وإن كان أقطع ~~اليدين، ولم يعينا المقطوعة، لم يثبت القصاص؛ لأنهما لم يعينا اليد التي ~~يجب القصاص منها، وتجب دية اليدين؛ لأنها لا تختلف باختلاف اليدين. ### | [فصل شهد أحدهما أنه أقر بقتله عمدا وشهد الآخر أنه أقر بقتله] # (7061) فصل: إذا شهد أحدهما أنه أقر بقتله عمدا، وشهد الآخر أنه أقر ~~بقتله. ولم يقل: عمدا ولا خطأ. ثبت القتل؛ لأن البينة قد تمت عليه، ولم ~~تثبت صفته؛ لعدم تمامها عليه، ويسأل المشهود عليه عن صفته، فإن أنكر أصل ~~القتل، لم يقبل إنكاره، لقيام البينة به، وإن أقر بقتل العمد، ثبت بإقراره. ~~وإن أقر بقتل الخطإ، وأنكر الولي، فالقول قول القاتل. وهل يستحلف على ذلك؟ ~~يخرج فيه وجهان. وإن صدقه الولي على الخطإ، ثبت عليه. وإن أقر بقتل العمد، ~~وكذبه الولي، وقال: بل كان خطأ. لم يجب القود؛ لأن الولي لا يدعيه، وتجب ~~دية الخطإ. # ولا تحمل العاقلة شيئا من ديته في هذه المواضع كلها، وتكون في ماله، ~~لأنها لم تثبت ببينة، وفي بعضها القاتل مقر بأنها في ماله دون مال عاقلته. ~~وإن قال أحد الشاهدين: أشهد أنه أقر بقتله عمدا. وقال الآخر: أشهد أنه أقر ~~بقتله خطأ. ثبت القتل أيضا؛ لأنه لا تنافي بين شهادتيهما؛ لأنه يجوز أن يقر ~~عند أحدهما بقتل العمد، ويقر عند الآخر بقتل الخطإ، فثبت إقراره بالقتل دون ~~صفته، ويطالب ببيان صفته، على ما ذكرنا في التي قبلها. وإن شهد أحدهما أنه ~~قتله عمدا، وشهد الآخر أنه قتله خطأ، ثبت القتل أيضا دون صفته، ويطالب ~~ببيان صفته، على ما ذكرنا، لأن الفعل قد يعتقده أحدهما خطأ، والآخر عمدا، ~~ويكون الحكم كما لو شهد على إقراره بذلك. # وإن شهد أحدهما أنه قتله غدوة؛ وقال الآخر: عشية. وقال أحدهما: قتله ~~بسيف. وقال الآخر: بعصا. لم تتم الشهادة. ذكره القاضي؛ لأن كل واحد منهما ~~يخالف صاحبه ويكذبه. وهذا مذهب الشافعي. وقال ms4756 أبو بكر: يثبت القتل بذلك؛ ~~لأنهما اتفقا على القتل، واختلفا في صفته، فأشبه التي قبلها. والأول أصح؛ ~~لأن كل واحد من الشاهدين يكذب صاحبه، فإن القتل غدوة غير القتل عشية؛ ولا ~~يتصور أن يقتل غدوة ثم يقتل عشية، ولا أن يقتل بسيف، ثم يقتل بعصا، بخلاف ~~العمد والخطإ؛ # PageV08P519 # لأن الفعل واحد، والخلاف في نيته وقصده، وقد يخفى ذلك على أحدهما دون ~~الآخر. # وإن شهد أحدهما أنه قتله، وشهد الآخر أنه أقر بقتله، ثبت القتل. نص عليه ~~أحمد، واختاره أبو بكر. واختار القاضي أنه لا يثبت. وهو مذهب الشافعي؛ لأن ~~أحدهما شهد بغير ما شهد به الآخر، فلم تتفق شهادتهما على فعل واحد. ولنا، ~~أن الذي أقر به هو القتل الذي شهد به الشاهد، فلا تنافي بينهما، فيثبت ~~بشهادتهما، كما لو شهد أحدهما بالقتل عمدا، والآخر بالقتل خطأ، أو كما لو ~~شهد أحدهما أن له عليه ألفا، وشهد الآخر أنه أقر بألف له. ### | [فصل قتل رجل عمدا قتلا يوجب القصاص سواء كان الشاهد عدلا أو فاسقا] # (7062) فصل: إذا قتل رجل عمدا قتلا يوجب القصاص فشهد أحد الورثة على واحد ~~منهم أنه عفا عن القود سقط القصاص، سواء كان الشاهد عدلا، أو فاسقا؛ لأن ~~شهادته تضمنت سقوط حقه من القصاص، وقوله مقبول في ذلك؛ فإن أحد الوليين إذا ~~عفا عن حقه، سقط القصاص كله. ويشبه هذا ما لو كان عبد بين شريكين، فشهد ~~أحدهما أن شريكه أعتق نصيبه، وهو موسر، عتق نصيبه وإن أنكره الآخر. فإن كان ~~الشاهد بالعفو شهد بالعفو عن القصاص والمال، لم يسقط المال؛ لأن الشاهد ~~اعترف أن نصيبه سقط بغير اختياره، فأما نصيب المشهود عليه، فإن كان الشاهد ~~ممن لا تقبل شهادته، فالقول قول المشهود عليه مع يمينه، فإذا حلف ثبتت حصته ~~من الدية، وإن كان الشاهد مقبول القول، حلف الجاني معه، وسقط عنه الحق ~~المشهود عليه، ويحلف الجاني أنه عفا عن الدية، ولا يحتاج إلى ذكر العفو عن ~~القصاص؛ لأنه قد أسقط بشهادة الشاهد، فلا يحتاج إلى ms4757 ذكره في اليمين؛ ولأنه ~~إنما يحلف على ما يدعى عليه، ولا يدعى عليه غير الدية. ### | [فصل جرح رجل فشهد له رجلان من ورثته غير الوالدين والمولودين] # فصل: وإذا جرح رجل، فشهد له رجلان من ورثته غير الوالدين والمولودين، ~~نظرت؛ فإن كانت الجراح مندملة، فشهادتهما مقبولة؛ لأنهما لا يجران إلى ~~أنفسهما نفعا، وإن كانت غير مندملة، لم يحكم بشهادتهما؛ لجواز أن تصير ~~نفسا، فتجب الدية لهما بشهادتهما، فإن شهدا في تلك الحال، وردت شهادتهما، ~~ثم اندملت، فأعادا شهادتهما، فهل تقبل؟ على وجهين؛ أحدهما، لا تقبل؛ لأن ~~الشهادة ردت للتهمة، فلا تقبل؛ وإن زالت التهمة، كالفاسق إذا أعاد شهادته ~~المردودة بعد عدالته. والثاني: تقبل؛ لأن سبب التهمة قد تحقق زواله. ~~وللشافعي وجهان، كهذين. # وإن شهد وارثا المريض بمال، ففي قبول شهادتهما له وجهان؛ # PageV08P520 # أحدهما، تقبل؛ لأنهما يثبتان المال للمريض، وإن مات انتقل إليهما عنه، ~~فأشبهت الشهادة للصحيح، بخلاف الجناية، فإنها إذا صارت نفسا وجبت الدية ~~لهما بها. والوجه الثاني: لا تقبل؛ لأنه متى ثبت المال للمريض، تعلق حق ~~ورثته به، ولهذا لا ينفذ تبرعه فيه فيما زاد على الثلث، وإن شهد للمجروح ~~بالجرح من لا يرثه، لكونه محجوبا، كالأخوين يشهدان لأخيهما، وله ابن، سمعت ~~شهادتهما، فإن مات ابنه، نظرت؛ فإن كان الحاكم حكم بشهادتهما، لم ينقض ~~حكمه؛ لأن ما يطرأ بعد الحكم بالشهادة لا يؤثر فيها، كالفسق، وإن كان ذلك ~~قبل الحكم بالشهادة، لم يحكم بها؛ لأنهما صارا مستحقين، فلا يحكم ~~بشهادتهما، كما لو فسق الشاهدان قبل الحكم بشهادتهم. # وإن شهد على رجل بالجراح الموجبة للدية على العاقلة، فشهد بعض عاقلة ~~المشهود عليه بجرح الشهود، لم تقبل شهادته، وإن كان فقيرا؛ لأنه قد يكون ذا ~~مال وقت العقل، فيكون دافعا عن نفسه، وإن كان الجرح مما لا تحمله العاقلة، ~~كجراحة العمد، أو العبد، سمعت شهادة العاقلة بجرح الشهود؛ لأنهما لا يدفعان ~~عن أنفسهما ضررا، فإن موجب هذه الجراحة القصاص أو المال في ذمة الجاني، ~~وكذلك إن كان الشاهدان يشهدان على إقراره بالجرح؛ ms4758 لأن العاقلة لا تحمل ~~الاعتراف. وإن كانت شهادتهما بجراح عقله دون ثلث الدية خطأ، نظرنا؛ فإن ~~كانت شهادة العاقلة بجرح الشهود قبل الاندمال، لم تقبل؛ لأنها ربما صارت ~~نفسا فتحملها العاقلة، وإن كانت بعده، قبلت؛ لأنها لا تحمل ما دون الثلث. # وإن كان الشاهدان بالجرح ليسا من العاقلة في الحال، وإنما يصيران من ~~العاقلة التي تتحمل أن لو مات من هو أقرب منهما، قبلت شهادتهما. ذكره ~~القاضي؛ لأنهما ليسا من العاقلة، وإنما يصيران منها بموت القريب، والظاهر ~~حياته. وفارق الفقير إذا شهد؛ لأن الغني ليست عليه أمارة، فإن المال غاد ~~ورائح. ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله على نحو ما ذكرنا. ويحتمل أن يسوى ~~بين المسلمين؛ لأن كل واحد منهما ليس من العاقلة في الحال، وإنما يصير منها ~~بحدوث أمر لم يتفق الآن سببه، فهما سواء، واحتمال غنى الفقير، كاحتمال موت ~~الحي، بل الموت أقرب، فإنه لا بد منه، وكل حي ميت، وكل نفس ذائقة الموت، ~~وليس كل فقير يستغني، فما ثبت في إحدى الصورتين يثبت في الأخرى، فيثبت ~~فيهما جميعا وجهان، بأن ينقل حكم كل واحدة من الصورتين إلى الأخرى. ### | [فصل شهد رجلان على رجلين أنهما قتلا رجلا] # (7064) فصل: إذا شهد رجلان على رجلين، أنهما قتلا رجلا، ثم شهد المشهود ~~عليهما على الأولين أنهما اللذان قتلاه، فصدق الولي الأولين، وكذب الآخرين، ~~وجب القتل عليهما؛ لأن الولي يكذبهما، وهما يدفعان بشهادتهما عن أنفسهما ~~ضررا. وإن صدق الآخرين وحدهما، بطلت شهادة الجميع، لأن الأولين، بطلت ~~شهادتهما # PageV08P521 # لتكذيبه لهما، ورجوعه عما شهدا له به، والآخران لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما ~~عدوان للأولين، ولأنهما يدفعان عن أنفسهما ضررا، وإن صدق الجميع، بطلت ~~شهادتهم أيضا؛ لأنه بتصديق الأولين مكذب للآخرين، وتصديقه للآخرين تكذيب ~~للأولين، وهما متهمان، لما ذكرناه. # فإن قيل: كيف تتصور هذه المسألة والشهادة إنما تكون بعد الدعوى، فكيف ~~يتصور فرض تصديقهم وتكذيبهم؟ قلنا: قد يتصور أن يشهدوا قبل الدعوى، إذا لم ~~يعلم الولي من قتله؛ ولهذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ms4759 - أنه قال: ~~«خير الشهداء، الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» . وهذا معنى ذلك. # PageV08P522 ### | [كتاب قتال أهل البغي] # بسم الله الرحمن الرحيم كتاب قتال أهل البغي والأصل في هذا الباب قول ~~الله سبحانه: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات: 9] ~~. إلى قوله: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] . ~~ففيها خمس فوائد: أحدها أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، فإنه سماهم ~~مؤمنين. الثانية، أنه أوجب قتالهم. الثالثة، أنه أسقط قتالهم إذا فاءوا إلى ~~أمر الله. الرابعة، أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم. # الخامسة أن الآية أفادت جواز قتال كل من منع حقا عليه. وروى عبد الله بن ~~عمرو وقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من أعطى إماما ~~صفقة يده، وثمرة فؤاده، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق ~~الآخر.» رواه مسلم. وروى عرفجة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ستكون هنات وهنات. ورفع صوته: ألا ومن خرج على أمتي وهم جميع، فاضربوا ~~عنقه بالسيف، كائنا من كان» . فكل من ثبتت إمامته، وجبت طاعته، وحرم الخروج ~~عليه وقتاله؛ لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] . وروى عبادة بن الصامت قال: ~~«بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة، في المنشط ~~والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله» . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من خرج من الطاعة، وفارق ~~الجماعة، فمات، فميتته جاهلية» . رواه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة وأبي ~~ذر وابن عباس، كلها بمعنى واحد. وأجمعت الصحابة - رضي الله عنهم -، على ~~قتال البغاة، فإن أبا بكر - رضي الله عنه - قاتل مانعي الزكاة، وعلي - رضي ~~الله عنه - قاتل أهل الجمل وصفين وأهل النهروان. # والخارجون عن قبضة الإمام، أصناف أربعة؛ # PageV08P523 # أحدها، قوم امتنعوا من طاعته، وخرجوا عن قبضته بغير تأويل، فهؤلاء قطاع ~~طريق، ساعون في الأرض بالفساد، ms4760 يأتي حكمهم في باب مفرد. الثاني: قوم لهم ~~تأويل، إلا أنهم نفر يسير، لا منعة لهم، كالواحد والاثنين والعشرة ونحوهم، ~~فهؤلاء قطاع طريق، في قول أكثر أصحابنا، وهو مذهب الشافعي؛ لأن ابن ملجم ~~لما جرح عليا، قال للحسن: إن برئت رأيت رأيي، وإن مت فلا تمثلوا به. فلم ~~يثبت لفعله حكم البغاة. ولأننا لو أثبتنا للعدد اليسير حكم البغاة، في سقوط ~~ضمان ما أتلفوه، أفضى إلى إتلاف أموال الناس. # وقال أبو بكر: لا فرق بين الكثير والقليل، وحكمهم حكم البغاة إذا خرجوا ~~عن قبضة الإمام. الثالث: الخوارج الذين يكفرون بالذنب، ويكفرون عثمان وعليا ~~وطلحة والزبير، وكثيرا من الصحابة، ويستحلون دماء المسلمين، وأموالهم، إلا ~~من خرج معهم، فظاهر قول الفقهاء من أصحابنا المتأخرين، أنهم بغاة، حكمهم ~~حكمهم. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وجمهور الفقهاء، وكثير من أهل ~~الحديث. ومالك يرى استتابتهم، فإن تابوا، وإلا قتلوا على إفسادهم، لا على ~~كفرهم. # وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون، حكمهم حكم المرتدين، ~~وتباح دماؤهم وأموالهم، فإن تحيزوا في مكان، وكانت لهم منعة وشوكة، صاروا ~~أهل حرب كسائر الكفار، وإن كانوا في قبضة الإمام، استتابهم، كاستتابة ~~المرتدين، فإن تابوا، وإلا، ضربت أعناقهم، وكانت أموالهم فيئا، لا يرثهم ~~ورثتهم المسلمون؛ لما روى أبو سعيد، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «يخرج قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، ~~وأعمالكم مع أعمالهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما ~~يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئا، وينظر في القدح فلا يرى ~~شيئا، وينظر في الريش فلا يرى شيئا، ويتمارى في الفوق» رواه مالك، # PageV08P524 # في " موطئه "، والبخاري في " صحيحه ". وهو حديث صحيح، ثابت الإسناد وفي ~~لفظ قال: «يخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون ~~من خير قول البرية، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما ~~يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتهم فاقتلهم؛ فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم ~~القيامة» . رواه البخاري. ms4761 وروي معناه من وجوه. # يقول: فكما خرج هذا السهم نقيا خاليا من الدم والفرث، لم يتعلق منها ~~بشيء، كذلك خروج هؤلاء من الدين، يعني الخوارج. وعن أبي أمامة، «أنه رأى ~~رءوسا منصوبة على درج مسجد دمشق فقال: كلاب النار، شر قتلى تحت أديم ~~السماء، خير قتلى من قتلوه. ثم قرأ: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: ~~106] إلى آخر الآية. فقيل له: أنت سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة، أو مرتين، أو ثلاثا، أو أربعا حتى عد سبعا ما ~~حدثتكموه» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه ابن ماجه، عن سهل، عن ابن ~~عيينة، عن أبي غالب، أنه سمع «أبا أمامة يقول: شر قتلى قتلوا تحت أديم ~~السماء، وخير قتلى من قتلوا، كلاب أهل النار، كلاب أهل النار، كلاب أهل ~~النار، قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا. قلت: يا أبا أمامة، هذا شيء ~~تقوله؟ قال: بل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . وعن علي - رضي ~~الله عنه - في قوله تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} [الكهف: 103] . ~~قال: " هم أهل النهروان ". # وعن أبي سعيد، في حديث آخر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «هم شر ~~الخلق والخليقة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. وقال: لا يجاوز إيمانهم ~~حناجرهم» . وأكثر الفقهاء على أنهم بغاة، ولا يرون تكفيرهم، قال ابن ~~المنذر: لا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم كالمرتدين. وقال ~~ابن عبد البر، في الحديث الذي رويناه: قوله: «يتمارى في الفوق» . يدل على ~~أنه لم يكفرهم؛ لأنهم علقوا من الإسلام بشيء، بحيث يشك في خروجهم منه. وروي ~~عن علي # PageV08P525 # أنه لما قاتل أهل النهر قال لأصحابه: لا تبدءوهم بالقتال. وبعث إليهم: ~~أقيدونا بعبد الله بن خباب. قالوا: كلنا قتله. فحينئذ استحل قتالهم؛ ~~لإقرارهم على أنفسهم بما يوجب قتلهم. # وذكر ابن عبد البر، عن علي، - رضي الله عنه - أنه سئل عن أهل النهر، ~~أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين ms4762 لا يذكرون ~~الله إلا قليلا. قيل: فما هم؟ قال: هم قوم أصابتهم فتنة، فعموا فيها وصموا، ~~وبغوا علينا، وقاتلونا فقاتلناهم. ولما جرحه ابن ملجم، قال للحسن: أحسنوا ~~إساره، فإن عشت فأنا ولي دمي، وإن مت فضربة كضربتي. وهذا رأي عمر بن عبد ~~العزيز فيهم، وكثير من العلماء. # والصحيح، إن شاء الله، أن الخوارج يجوز قتلهم ابتداء، والإجهاز على ~~جريحهم؛ لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتلهم ووعده بالثواب من قتلهم، ~~فإن عليا، - رضي الله عنه - قال: لولا أن ينظروا، لحدثتكم بما وعد الله ~~الذين يقتلونهم على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأن بدعتهم، وسوء ~~فعلهم، يقتضي حل دمائهم؛ بدليل ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~عظم ذنبهم، وأنهم شر الخلق والخليقة، وأنهم يمرقون من الدين، وأنهم كلاب ~~النار، وحثه على قتلهم، وإخباره بأنه لو أدركهم لقتلهم قتل عاد، فلا يجوز ~~إلحاقهم بمن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكف عنهم، وتورع كثير من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتالهم، ولا بدعة فيهم. # الصنف الرابع: قوم من أهل الحق، يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعه ~~لتأويل سائغ، وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش، فهؤلاء البغاة، ~~الذين نذكر في هذا الباب حكمهم، وواجب على الناس معونة إمامهم، في قتال ~~البغاة؛ لما ذكرنا في أول الباب؛ ولأنهم لو تركوا معونته، لقهره أهل البغي، ~~وظهر الفساد في الأرض. ### | [مسألة إذا اتفق المسلمون على إمام] # (7065) مسألة: قال أبو القاسم - رحمه الله -: (وإذا اتفق المسلمون على ~~إمام، فمن خرج عليه من المسلمين يطلب موضعه، حوربوا، ودفعوا بأسهل ما ~~يندفعون به) وجملة الأمر أن من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته، ثبتت ~~إمامته، ووجبت معونته؛ لما ذكرنا من الحديث والإجماع، وفي معناه، من ثبتت ~~إمامته بعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعهد إمام قبله إليه، فإن أبا ~~بكر ثبتت إمامته بإجماع الصحابة على بيعته،، وعمر ثبتت إمامته بعهد أبي بكر ~~إليه، وأجمع الصحابة على قبوله. # ولو خرج رجل ms4763 على الإمام، فقهره، وغلب الناس بسيفه حتى أقروا له، وأذعنوا ~~بطاعته، وبايعوه، صار إماما يحرم قتاله، والخروج عليه؛ فإن عبد الملك بن ~~مروان، خرج على ابن الزبير، فقتله، واستولى # PageV08P526 # على البلاد وأهلها، حتى بايعوه طوعا وكرها، فصار إماما يحرم الخروج عليه؛ ~~وذلك لما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين، وإراقة دمائهم، وذهاب ~~أموالهم، ويدخل الخارج عليه في عموم قوله - عليه السلام -: «من خرج على ~~أمتي، وهم جميع، فاضربوا عنقه بالسيف، كائنا من كان» . فمن خرج على من ثبتت ~~إمامته بأحد هذه الوجوه باغيا، وجب قتاله، ولا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم ~~من يسألهم، ويكشف لهم الصواب، إلا أن يخاف كلبهم؛ فلا يمكن ذلك في حقهم. # فأما إن أمكن تعريفهم، عرفهم ذلك، وأزال ما يذكرونه من المظالم، وأزال ~~حججهم، فإن لجوا، قاتلهم حينئذ؛ لأن الله تعالى بدأ بالأمر بالإصلاح قبل ~~القتال، فقال سبحانه: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} ~~[الحجرات: 9] . وروي أن عليا، - رضي الله عنه - راسل أهل البصرة قبل وقعة ~~الجمل، ثم أمر أصحابه أن لا يبدءوهم بالقتال، ثم قال: إن هذا يوم من فلج ~~فيه فلج يوم القيامة. ثم سمعهم يقولون: الله أكبر، يا ثارات عثمان. فقال: ~~اللهم أكب قتلة عثمان لوجههم. # وروى عبد الله بن شداد بن الهادي، أن عليا لما اعتزلته الحرورية، بعث ~~إليهم عبد الله بن عباس، فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة ~~آلاف. فإن أبوا الرجوع، وعظهم، وخوفهم القتال؛ وإنما كان كذلك، لأن المقصود ~~كفهم، ودفع شرهم، لا قتلهم، فإذا أمكن بمجرد القول، كان أولى من القتال؛ ~~لما فيه من الضرر بالفريقين. فإن سألوا الإنظار، نظر في حالهم، وبحث عن ~~أمرهم، فإن بان له أن قصدهم الرجوع إلى الطاعة، ومعرفة الحق، أمهلهم. قال ~~ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم. # وإن كان قصدهم الاجتماع على قتاله، وانتظار مدد يقوون به، أو خديعة ~~الإمام، ms4764 أو ليأخذوه على غرة، ويفترق عسكره، لم ينظرهم، وعاجلهم؛ لأنه لا ~~يأمن من أن يصير هذا طريقا إلى قهر أهل العدل، ولا يجوز هذا، وإن أعطوه ~~عليه مالا؛ لأنه لا يجوز أن يأخذ المال على إقرارهم على ما لا يجوز إقرارهم ~~عليه. وإن بذل له رهائن على إنظارهم، لم يجز أخذها لذلك؛ ولأن الرهائن لا ~~يجوز قتلهم لغدر أهلهم، فلا يفيد شيئا. وإن كان في أيديهم أسرى من أهل ~~العدل، وأعطوا بذلك رهائن منهم، قبلهم الإمام، واستظهر للمسلمين؛ فإن ~~أطلقوا أسرى المسلمين الذين عندهم، أطلقت رهائنهم، وإن قتلوا من عندهم، لم ~~يجز قتل رهائنهم؛ لأنهم لا يقتلون بقتل غيرهم، فإذا انقضت الحرب، خلى ~~الرهائن، كما تخلى الأسارى # PageV08P527 # منهم. # وإن خاف الإمام على الفئة العادلة الضعف عنهم، أخر قتالهم إلى أن تمكنه ~~القوة عليهم؛ لأنه لا يؤمن الاصطلام والاستئصال، فيؤخرهم حتى تقوى شوكة أهل ~~العدل، ثم يقاتلهم. وإن سألوه أن ينظرهم أبدا، ويدعهم وما هم عليه، ويكفوا ~~عن المسلمين، نظرت، فإن لم يعلم قوته عليهم، وخاف قهرهم له إن قاتلهم، ~~تركهم. وإن قوي عليهم، لم يجز إقرارهم على ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يترك بعض ~~المسلمين طاعة الإمام، ولا تؤمن قوة شوكتهم، بحيث يفضي إلى قهر الإمام ~~العادل ومن معه. ثم إن أمكن دفعهم بدون القتل، لم يجز قتلهم؛ لأن المقصود ~~دفعهم لأهلهم؛ ولأن المقصود إذا حصل بدون القتل، لم يجز القتل من غير حاجة. ~~وإن حضر معهم من لا يقاتل، لم يجز قتله. # وقال أصحاب الشافعي: فيه وجه آخر، يجوز؛ لأن عليا - رضي الله عنه - نهى ~~أصحابه عن قتل محمد بن طلحة السجاد، وقال: إياكم وصاحب البرنس. فقتله رجل، ~~وأنشأ يقول: # وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم # هتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخر صريعا لليدين وللفم # على غير شيء غير أن ليس تابعا ... عليا ومن لم يتبع الحق يظلم # يناشدني {حم} [الشورى: 1] ، والرمح شاجر ... فهلا تلا {حم} [الشورى: 1] ~~قبل التقدم # وكان السجاد حامل راية أبيه، ولم ms4765 يكن يقاتل، فلم ينكر علي قتله، ولأنه ~~صار ردءا لهم. ولنا قول الله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ~~خالدا فيها} [النساء: 93] . # والأخبار الواردة في تحريم قتل المسلم، والإجماع على تحريمه، وإنما خص من ~~ذلك ما حصل ضرورة دفع الباغي والصائل، ففيما عداه يبقى على العموم والإجماع ~~فيه؛ ولهذا حرم قتل مدبرهم وأسيرهم، والإجهاز على جريحهم، مع أنهم إنما ~~تركوا القتال عجزا عنه، ومتى ما قدروا عليه، عادوا إليه، فمن لا يقاتل ~~تورعا عنه مع قدرته عليه ولا يخاف منه القتال بعد ذلك أولى، ولأنه مسلم، لم ~~يحتج إلى دفعه، ولا صدر منه أحد الثلاثة، فلم يحل دمه؛ لقوله - عليه السلام ~~-: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» . # فأما حديث علي، في نهيه عن قتل السجاد، فهو حجة عليه، فإن نهي علي أولى ~~من فعل من خالفه، ولا يمتثل قول الله تعالى، ولا قول رسوله، ولا قول إمامه. ~~وقولهم: لم ينكر قتله؛ قلنا: لم ينقل إلينا أن عليا علم حقيقة الحال في ~~قتله، ولا حضر قتله فينكره، وقد جاء أن عليا - رضي الله عنه - حين طاف في ~~القتلى رآه، فقال: السجاد ورب الكعبة، هذا الذي قتله # PageV08P528 # بره بأبيه. وهذا يدل على أنه لم يشعر بقتله. ورأى كعب بن سور، فقال: ~~يزعمون إنما خرج إلينا الرعاع، وهذا الحبر بين أظهرهم، ويجوز أن يكون تركه ~~الإنكار عليهم اجتزاء بالنهي المتقدم؛ ولأن القصد من قتالهم كفهم، وهذا كاف ~~لنفسه، فلم يجز قتله كالمنهزم. (7066) فصل: وإذا قاتل معهم عبيد ونساء ~~وصبيان، فهم كالرجل البالغ الحر، يقاتلون مقبلين، ويتركون مدبرين؛ لأن ~~قتالهم للدفع، ولو أراد أحد هؤلاء قتل إنسان، جاز دفعه وقتاله، وإن أتى على ~~نفسه؛ ولذلك قلنا في أهل الحرب إذا كان معهم النساء والصبيان، يقاتلون: ~~قوتلوا، وقتلوا. ### | [فصل لا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه] # (7067) فصل: ولا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه، كالنار، والمنجنيق، ~~والتغريق، من غير ضرورة؛ لأنه لا يجوز قتل من لا يقاتل، وما يعم إتلافه يقع ~~على من يقاتل ms4766 ومن لا يقاتل. فإن دعت إلى ذلك ضرورة، مثل أن يحتاط بهم ~~البغاة، ولا يمكنهم التخلص إلا برميهم بما يعم إتلافه، جاز ذلك. وهذا قول ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا تحصن الخوارج، فاحتاج الإمام إلى رميهم ~~بالمنجنيق، فعل ذلك بهم ما كان لهم عسكر، وما لم ينهزموا، وإن رماهم البغاة ~~بالمنجنيق والنار، جاز رميهم بمثله. ### | [فصل إذا اقتتلت طائقتان من أهل البغي] # (7068) فصل: قال أبو بكر: وإذا اقتتلت طائفتان من أهل البغي، فقدر الإمام ~~على قهرهما، لم يعن واحدة منهما؛ لأنهما جميعا على الخطإ، وإن عجز عن ذلك، ~~وخاف اجتماعهما على حربه، ضم إليه أقربهما إلى الحق، فإن استويا، اجتهد ~~برأيه في ضم إحداهما، ولا يقصد بذلك معونة إحداهما، بل الاستعانة على ~~الأخرى، فإذا هزمها، لم يقاتل من معه حتى يدعوهم إلى الطاعة؛ لأنهم قد ~~حصلوا في أمانه. وهذا مذهب الشافعي. ولا يستعين على قتالهم بالكفار بحال، ~~ولا بمن يرى قتلهم مدبرين. وبهذا قال الشافعي. # وقال أصحاب الرأي: لا بأس أن يستعين عليهم بأهل الذمة والمستأمنين وصنف ~~آخر منهم، إذا كان أهل العدل هم الظاهرين على من يستعينون به. ولنا، أن ~~القصد كفهم، وردهم إلى الطاعة، دون قتلهم، وإن دعت الحاجة إلى الاستعانة ~~بهم، فإن كان يقدر على كفهم، استعان بهم، وإن لم يقدر، لم يجز. # PageV08P529 ### | [فصل إذا أظهر قوم رأي الخوارج] # (7069) فصل: وإذا أظهر قوم رأي الخوارج، مثل تكفير من ارتكب كبيرة، وترك ~~الجماعة، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، إلا أنهم لم يخرجوا عن قبضة ~~الإمام، ولم يسفكوا الدم الحرام، فحكى القاضي عن أبي بكر، أنه لا يحل بذلك ~~قتلهم ولا قتالهم. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وجمهور أهل الفقه. وروي ~~ذلك عن عمر بن عبد العزيز. فعلى هذا، حكمهم في ضمان النفس والمال حكم ~~المسلمين. # وإن سبوا الإمام أو غيره من أهل العدل، عزروا؛ لأنهم ارتكبوا محرما لا حد ~~فيه. وإن عرضوا بالسب، فهل يعزرون؟ على وجهين. وقال مالك في الإباضية، ~~وسائر أهل البدع: يستتابون، فإن تابوا، وإلا ضربت ms4767 أعناقهم. قال إسماعيل بن ~~إسحاق: رأى مالك قتل الخوارج وأهل القدر، من أجل الفساد الداخل في الدين، ~~كقطاع الطريق، فإن تابوا، وإلا قتلوا على إفسادهم، لا على كفرهم. وأما من ~~رأى تكفيرهم، فمقتضى قوله، أنهم يستتابون، فإن تابوا، وإلا قتلوا لكفرهم، ~~كما يقتل المرتد، وحجتهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فأينما ~~لقيتموهم فاقتلوهم» . # وقوله - عليه السلام -: لئن أدركتهم، لأقتلنهم قتل عاد «وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الذي أنكر عليه، وقال: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله. ~~لأبي بكر: اذهب فاقتله. ثم قال لعمر مثل ذلك، فأمر بقتله قبل قتاله» . وهو ~~الذي قال: «يخرج من ضئضئ هذا قوم» . يعني الخوارج. وقول عمر لصبيغ: لو ~~وجدتك محلوقا، لضربت الذي فيه عيناك بالسيف. يعني لقتلتك. وإنما يقتله ~~لكونه من الخوارج؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: سيماهم التسبيد. ~~يعني حلق رءوسهم. # PageV08P530 # واحتج الأولون بفعل علي - رضي الله عنه - فإنه روي عنه، أنه كان يخطب ~~يوما، فقال رجل بباب المسجد: لا حكم إلا لله. فقال علي: كلمة حق أريد بها ~~باطل. ثم قال: لكم علينا ثلاث؛ لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم ~~الله تعالى، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال. وروى ~~أبو يحيى، قال: صلى علي - رضي الله عنه - صلاة، فناداه رجل من الخوارج: ~~{لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65] . فأجابه علي - ~~رضي الله عنه -: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} ~~[الروم: 60] . # وكتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز: إن الخوارج يسبونك. فكتب إليه: ~~إن سبوني فسبوهم، أو اعفوا عنهم، وإن شهروا السلاح فاشهروا عليهم، وإن ~~ضربوا فاضربوا. ولأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتعرض للمنافقين ~~الذين معه في المدينة» ، فلأن لا يتعرض لغيرهم أولى. وقد روي في خبر ~~الخارجي الذي أنكر عليه «، أن خالدا قال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ ~~قال:، لعله يصلي. قال: رب مصل لا خير فيه. قال: إني لم أومر ms4768 أن أنقب عن ~~قلوب الناس.» ### | [مسألة قال فإن ال ما دفعوا به إلى نفوسهم] # (7070) مسألة: قال: فإن آل ما دفعوا به إلى نفوسهم، فلا شيء على الدافع، ~~وإن قتل الدافع فهو شهيد. وجملته أنه إذا لم يمكن دفع أهل البغي إلا ~~بقتلهم، جاز قتلهم، ولا شيء على من قتلهم؛ من إثم ولا ضمان ولا كفارة؛ لأنه ~~فعل ما أمر به، وقتل من أحل الله قتله، وأمر بمقاتلته، وكذلك ما أتلفه أهل ~~العدل على أهل البغي حال الحرب، من المال، لا ضمان فيه؛ لأنهم إذا لم ~~يضمنوا الأنفس فالأموال أولى. وإن قتل العادل، كان شهيدا؛ لأنه قتل في قتال ~~أمر الله تعالى به بقوله: {فقاتلوا التي تبغي} [الحجرات: 9] . # وهل يغسل ويصلى عليه؟ فيه روايتان؛ إحداهما، لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ ~~لأنه شهيد معركة أمر بالقتال فيها، فأشبه شهيد معركة الكفار. والثانية، ~~يغسل، ويصلى عليه. وهو قول الأوزاعي، وابن المنذر؛ ولأن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر بالصلاة على من قال: لا إله إلا الله، واستثنى قتيل الكفار ~~في المعركة» ، ففيما عداه يبقى على الأصل؛ ولأن شهيد معركة الكفار أجره ~~أعظم، وفضله أكثر، وقد جاء أنه يشفع في سبعين من أهل بيته، وهذا لا يلحق به ~~في فضله، فلا يثبت فيه مثل حكمه، فإن الشيء إنما يقاس على مثله. # PageV08P531 ### | [فصل ليس على أهل البغي أيضا ضمان ما أتلفوه حال الحرب] # فصل: وليس على أهل البغي أيضا ضمان ما أتلفوه حال الحرب، من نفس ولا مال. ~~وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، في أحد قوليه. وفي الآخر، يضمنون ذلك؛ لقول ~~أبي بكر لأهل الردة: تدون قتلانا، ولا ندي قتلاكم. ولأنها نفوس وأموال ~~معصومة، أتلفت بغير حق ولا ضرورة دفع مباح؛ فوجب ضمانه، كالذي تلفت في غير ~~حال الحرب. # ولنا، ما روى الزهري، أنه قال: كانت الفتنة العظمى بين الناس وفيهم ~~البدريون، فأجمعوا على أن لا يقام حد على رجل ارتكب فرجا حراما بتأويل ~~القرآن، ولا يغرم مالا أتلفه بتأويل القرآن. ولأنها طائفة ممتنعة بالحرب، ms4769 ~~بتأويل سائغ، فلم تضمن ما أتلفت على الأخرى، كأهل العدل، ولأن تضمينهم يفضي ~~إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة، فلا يشرع، كتضمين أهل الحرب. فأما قول ~~أبي بكر - رضي الله عنه - فقد رجع عنه، ولم يمضه، فإن عمر قال له: أما أن ~~يدوا قتلانا فلا؛ فإن قتلانا قتلوا في سبيل الله تعالى، على ما أمر الله. ~~فوافقه أبو بكر، ورجع إلى قوله، فصار أيضا إجماعا حجة لنا، ولم ينقل أنه ~~غرم أحدا شيئا من ذلك. وقد قتل طليحة عكاشة بن محصن، وثابت بن أثرم، ثم ~~أسلم، فلم يغرم شيئا. # ثم لو وجب التغريم في حق المرتدين، لم يلزم مثله هاهنا، فإن أولئك كفار ~~لا تأويل لهم، وهؤلاء طائفة من المسلمين لهم تأويل سائغ، فكيف يصح إلحاقهم ~~بهم، فأما ما أتلفه بعضهم على بعض، في غير حال الحرب، قبله أو بعده، فعلى ~~متلفه ضمانه. وبهذا قال الشافعي، ولذلك لما قتل الخوارج عبد الله بن خباب، ~~أرسل إليهم علي: أقيدونا من عبد الله بن خباب. ولما قتل ابن ملجم عليا في ~~غير المعركة، أقيد به. # وهل يتحتم قتل الباغي إذا قتل أحدا من أهل العدل في غير المعركة؟ فيه ~~وجهان؛ أحدهما، يتحتم؛ لأنه قتل بإشهار السلاح والسعي في الأرض بالفساد، ~~فيحتم قتله، كقاطع الطريق. والثاني: لا يتحتم. وهو الصحيح؛ لقول علي - رضي ~~الله عنه -: إن شئت أن أعفو، وإن شئت استقدت. فأما الخوارج، فالصحيح، على ~~ما ذكرنا، إباحة قتلهم، فلا قصاص على قاتل أحد منهم، ولا ضمان عليه في ~~ماله. ### | [مسألة قال وإذا دفعوا لم يتبع لهم مدبر] # (7072) مسألة: قال: (وإذا دفعوا لم يتبع لهم مدبر، ولا يجاز على جريحهم، ~~ولم يقتل لهم أسير، ولم يغنم لهم مال، ولم تسب لهم ذرية) # PageV08P532 # وجملته أن أهل البغي إذا تركوا القتال؛ إما بالرجوع إلى الطاعة، وإما ~~بإلقاء السلاح، وإما بالهزيمة إلى فئة أو إلى غير فئة، وإما بالعجز؛ لجراح ~~أو مرض أو أسر، فإنه يحرم قتلهم، واتباع مدبرهم. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة، ms4770 إذا هزموا ولا فئة لهم كقولنا، وإن كانت لهم فئة يلجئون ~~إليها، جاز قتل مدبرهم وأسيرهم، والإجازة على جريحهم، وإن لم يكن لهم فئة، ~~لم يقتلوا، لكن يضربون ضربا وجيعا، ويحبسون حتى يقلعوا عما هم عليه، ~~ويحدثوا توبة. ذكروا هذا في الخوارج. ويروى عن ابن عباس نحو هذا. واختاره ~~بعض أصحاب الشافعي؛ لأنه متى لم يقتلهم، اجتمعوا ثم عادوا إلى المحاربة. ~~ولنا، ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال يوم الجمل: لا يذفف على ~~جريح، ولا يهتك ستر، ولا يفتح باب، ومن أغلق بابا أو بابه فهو آمن، ولا ~~يتبع مدبر. وقد روي نحو ذلك عن عمار. # وعن علي، - رضي الله عنه - أنه ودى قوما من بيت مال المسلمين، قتلوا ~~مدبرين. وعن أبي أمامة، أنه قال: شهدت صفين، فكانوا لا يجيزون على جريح، ~~ولا يقتلون موليا، ولا يسلبون قتيلا. وقد ذكر القاضي، في " شرحه "، عن عبد ~~الله بن مسعود، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا ابن أم عبد، ما ~~حكم من بغى على أمتي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال: لا يتبع مدبرهم، ولا ~~يجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيؤهم» . ولأن المقصود دفعهم ~~وكفهم، وقد حصل، فلم يجز قتلهم، كالصائل. ولا يقتلون لما يخاف في الثاني: ~~كما لو لم تكن لهم فئة. # إذا ثبت هذا، فإن قتل إنسان من منع من قتله، ضمنه؛ لأنه قتل معصوما، لم ~~يؤمر بقتله. وفي القصاص وجهان؛ أحدهما، يجب، لأنه مكافئ معصوم. والثاني: لا ~~يجب؛ لأن في قتلهم اختلافا بين الأئمة، فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص؛ لأنه ~~مما يندرئ بالشبهات. وأما أسيرهم، فإن دخل في الطاعة، خلي سبيله، وإن أبى ~~ذلك، وكان رجلا جلدا من أهل القتال، حبس ما دامت الحرب قائمة، فإذا انقضت ~~الحرب، خلي سبيله، وشرط عليه أن لا يعود إلى القتال، وإن لم يكن الأسير من ~~أهل القتال، كالنساء والصبيان والشيوخ الفانين، خلي سبيلهم، ولم يحبسوا، في ~~أحد الوجهين. وفي الآخر، يحبسون؛ لأن فيه كسرا لقلوب ms4771 البغاة. وإن أسر كل ~~واحد من الفريقين أسارى من الفريق الآخر، جاز فداء أسارى أهل العدل بأسارى ~~أهل البغي. وإن قتل أهل البغي أسارى أهل العدل، لم # PageV08P533 # يجز لأهل العدل قتل أساراهم؛ لأنهم لا يقتلون بجناية غيرهم، ولا يزرون ~~وزر غيرهم. # وإن أبى البغاة مفاداة الأسرى الذين معهم، وحبسوهم، احتمل أن يجوز لأهل ~~العدل حبس من معهم؛ ليتوصلوا إلى تخليص أساراهم بحبس من معهم، ويحتمل أن لا ~~يجوز حبسهم ويطلقون؛ لأن الذنب في حبس أسارى أهل العدل لغيرهم. ### | [فصل غنيمة أموال أهل البغي وسبي ذريتهم] # (7073) فصل: فأما غنيمة أموالهم، وسبي ذريتهم، فلا نعلم في تحريمه بين ~~أهل العلم خلافا، وقد ذكرنا حديث أبي أمامة، وابن مسعود؛ ولأنهم معصومون، ~~وإنما أبيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم، وما عداه ~~يبقى على أصل التحريم. وقد روي أن عليا - رضي الله عنه - يوم الجمل، قال: ~~من عرف شيئا من ماله مع أحد، فليأخذه. وكان بعض أصحاب علي قد أخذ قدرا وهو ~~يطبخ فيها، فجاء صاحبها ليأخذها، فسأله الذي يطبخ فيها إمهاله حتى ينضج ~~الطبيخ، فأبى، وكبه، وأخذها. # وهذا من جملة ما نقم الخوارج من علي، فإنهم قالوا: إنه قاتل ولم يسب ولم ~~يغنم، فإن حلت له دماؤهم، فقد حلت له أموالهم، وإن حرمت عليه أموالهم، فقد ~~حرمت عليه دماؤهم. فقال لهم ابن عباس: أفتسبون أمكم؟ يعني عائشة أم تستحلون ~~منها ما تستحلون من غيرها؟ فإن قلتم: ليست أمكم. فقد كفرتم، وإن قلتم: إنها ~~أمكم. واستحللتم سبيها، فقد كفرتم. يعني بقوله إنكم إن جحدتم أنها أمكم، ~~فقد قال الله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} ~~[الأحزاب: 6] . فإن لم تكن أما لهم، لم يكونوا من المؤمنين. ولأن قتال ~~البغاة إنما هو لدفعهم وردهم إلى الحق، لا لكفرهم، فلا يستباح منهم إلا ما ~~حصل ضرورة الدفع؛ كالصائل، وقاطع الطريق، وبقي حكم المال والذرية على أصل ~~العصمة. وما أخذ من كراعهم وسلاحهم، لم يرد إليهم حال الحرب؛ لئلا يقاتلونا ~~به. # وذكر القاضي، ms4772 أن أحمد أومأ إلى جواز الانتفاع به حال التحام الحرب، ولا ~~يجوز في غير قتالهم. وهذا قول أبي حنيفة؛ لأن هذه الحال يجوز فيها إتلاف ~~نفوسهم وحبس سلاحهم وكراعهم؛ فجاز الانتفاع به، كسلاح أهل الحرب. وقال ~~الشافعي: لا يجوز ذلك إلا من ضرورة إليه؛ لأنه مال مسلم، فلم يجز الانتفاع ~~به بغير إذنه، كغيره من أموالهم. وقال أبو الخطاب: في هذه المسألة وجهان، ~~كالمذهبين. ومتى انقضت الحرب، وجب رده إليهم، كما ترد إليهم سائر أموالهم؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس ~~منه.» وروى أبو قيس، أن عليا - رضي الله عنه - نادى: من وجد ماله فليأخذه. # PageV08P534 ### | [مسألة قال ومن قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه] # (7074) مسألة: قال: (ومن قتل منهم، غسل وكفن، وصلي عليه) يعني من أهل ~~البغي. وبهذا قال مالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: إن لم يكن لهم فئة، ~~صلي عليهم، وإن كانت لهم فئة، لم يصل عليهم؛ لأنه يجوز قتلهم في هذه الحال، ~~فلم يصل عليهم، كالكفار. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا على ~~من قال: لا إله إلا الله» . رواه الخلال، في " جامعه ". ولأنهم مسلمون لم ~~يثبت لهم حكم الشهادة، فيغسلون، ويصلى عليهم، كما لو لم يكن لهم فئة. وما ~~ذكروه ينتقض بالزاني المحصن، والمقتص منه، والقاتل في المحاربة # (7075) فصل: لم يفرق أصحابنا بين الخوارج وغيرهم في هذا. وهو مذهب ~~الشافعي، وأصحاب الرأي. وظاهر كلام أحمد، - رحمه الله -، أنه لا يصلى على ~~الخوارج فإنه قال: أهل البدع، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تصلوا ~~عليهم. وقال أحمد: الجهمية والرافضة لا يصلى عليهم، قد ترك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الصلاة بأقل من هذا. وذكر أن «النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- نهى أن تقاتل خيبر من ناحية من نواحيها، فقاتل رجل من تلك الناحية، فقتل، ~~فلم يصل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقيل: إنه كان في قرية أهلها ~~نصارى، ليس فيها من يصلي عليه. قال: أنا ms4773 لا أشهده، يشهده من شاء» . # وقال مالك: لا يصلى على الإباضية، ولا القدرية، وسائر أصحاب الأهواء، ولا ~~تتبع جنائزهم، ولا تعاد مرضاهم. والإباضية صنف من الخوارج، نسبوا إلى عبد ~~الله بن إباض، صاحب مقالتهم. والأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق. والنجدات ~~أصحاب نجدة الحروري. والبيهسية أصحاب بيهس. والصفرية قيل: إنهم نسبوا إلى ~~صفرة ألوانهم، وأصنافهم كثيرة. والحرورية نسبوا إلى أرض يقال لها: حروراء ~~خرجوا بها. # وقال أبو بكر بن عياش: لا أصلي على الرافضي؛ لأنه زعم أن عمر كافر، ولا ~~على الحروري؛ لأنه يزعم أن عليا كافر. وقال الفريابي: من شتم أبا بكر فهو ~~كافر، لا يصلى عليه. # PageV08P535 # ووجه ترك الصلاة عليهم، أنهم يكفرون أهل الإسلام، ولا يرون الصلاة عليهم، ~~فلا يصلى عليهم، كالكفار من أهل الذمة وغيرهم، ولأنهم مرقوا من الدين، ~~فأشبهوا المرتدين. ### | [فصل البغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين] # (7076) فصل: والبغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع، ليسوا بفاسقين، وإنما ~~هم يخطئون في تأويلهم، والإمام وأهل العدل مصيبون في قتالهم، فهم جميعا ~~كالمجتهدين من الفقهاء في الأحكام، من شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلا. ~~وهذا قول الشافعي. ولا أعلم في قبول شهادتهم خلافا. فأما الخوارج، وأهل ~~البدع، إذا خرجوا على الإمام، فلا تقبل شهادتهم، لأنهم فساق. وقال أبو ~~حنيفة: يفسقون بالبغي، وخروجهم على الإمام، ولكن تقبل شهادتهم؛ لأن فسقهم ~~من جهة الدين، فلا ترد به الشهادة، وقد قبل شهادة الكفار بعضهم على بعض. ~~ويذكر ذلك في كتاب الشهادة، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل لا يكره للعادل قتل ذي رحمه الباغي] # (7077) فصل: ذكر القاضي أنه لا يكره للعادل قتل ذي رحمه الباغي؛ لأنه قتل ~~بحق، فأشبه إقامة الحد عليه. وكرهت طائفة من أهل العلم القصد إلى ذلك. وهو ~~أصح، إن شاء الله تعالى؛ لقول الله تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] . وقال ~~الشافعي: «كف النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا حذيفة وعتبة عن ms4774 قتل أبيه» . ~~وقال بعضهم: لا يحل ذلك؛ لأن الله تعالى أمر بمصاحبته بالمعروف، وليس هذا ~~من المعروف. # فإن قتله، فهل يرثه؟ على روايتين؛ إحداهما، يرثه. هذا قول أبي بكر، ومذهب ~~أبي حنيفة؛ لأنه قتل بحق، فلم يمنع الميراث، كالقصاص والقتل في الحج. ~~والثانية: لا يرثه. وهو قول ابن حامد، ومذهب الشافعي؛ لعموم قوله - عليه ~~السلام -: «ليس لقاتل شيء» . فأما الباغي إذا قتل العادل، فلا يرثه. وهذا ~~قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: يرثه؛ لأنه قتله بتأويل، أشبه قتل العادل ~~الباغي. ولنا أنه قتله بغير حق، فلم يرثه، كالقاتل خطأ، وفارق ما إذا قتله ~~العادل، لأنه قتله بحق. وقال قوم: إذا تعمد العادل قتل قريبه، فقتله ~~ابتداء؛ لم يرثه، وإن قصد ضربه، ليصير غير ممتنع، فجرحه، ومات من هذا ~~الضرب، ورثه؛ لأنه قتله بحق. وهذا قول ابن المنذر. وقال: هو أقرب الأقاويل. # PageV08P536 ### | [مسألة قال وما أخذوا في حال امتناعهم من زكاة] # (7078) مسألة: قال: (وما أخذوا في حال امتناعهم؛ من زكاة، أو خراج، لم ~~يعد عليهم) وجملته أن أهل البغي إذا غلبوا على بلد، فجبوا الخراج والزكاة ~~والجزية، وأقاموا الحدود، وقع ذلك موقعه، فإذا ظهر أهل العدل بعد على ~~البلد، وظفروا بأهل البغي، لم يطالبوا بشيء مما جبوه، ولم يرجع به على من ~~أخذ منه. روي نحو هذا عن ابن عمر، وسلمة بن الأكوع. وهو قول الشافعي، وأبي ~~ثور، وأصحاب الرأي. وسواء كان من الخوارج أو من غيرهم. # وقال أبو عبيد: على من أخذوا منه الزكاة الإعادة، لأنه أخذها ممن لا ~~ولاية له صحيحة، فأشبه ما لو أخذها آحاد الرعية. ولنا، أن عليا، - رضي الله ~~عنه - لما ظهر على أهل البصرة، لم يطالبهم بشيء مما جبوه. وكان ابن عمر إذا ~~أتاه ساعي نجدة الحروري، دفع إليه زكاته. وكذلك سلمة بن الأكوع. ولأن في ~~ترك الاحتساب بها ضررا عظيما، ومشقة كثيرة، فإنهم قد يغلبون على البلاد ~~السنين الكثيرة، فلو لم يحتسب بما أخذوه، أدى إلى ثنا الصدقات في تلك المدة ~~كلها. فإذا ثبت هذا، ms4775 فإذا ذكر أرباب الصدقات أنهم قد أخذوا صدقاتهم، قبل ~~قولهم بغير يمين. قال أحمد: لا يستحلف الناس على صدقاتهم. وإن ادعى أهل ~~الذمة دفع جزيتهم، لم تقبل بغير بينة؛ لأنهم غير مأمونين، ولأن ما يجب ~~عليهم عوض، وليس بمواساة، فلم يقبل قولهم، كأجرة الدار. # ويحتمل أن يقبل قولهم إذا مضى الحول؛ لأن الظاهر أن البغاة لا يدعون ~~الجزية لهم، فكان القول قولهم؛ لأن الظاهر معهم، ولأنه إذا مضى لذلك سنون ~~كثيرة، شق عليهم إقامة البينة على كل عام، فيؤدي ذلك إلى تغريمهم الجزية ~~مرتين. وإن ادعى من عليه الخراج دفعه إليهم، ففيه وجهان؛ أحدهما، يقبل؛ ~~لأنه حق على مسلم، فقبل قوله فيه كالزكاة. والثاني: لا يقبل؛ لأنه عوض، ~~فأشبه الجزية. وإن كان من عليه الخراج ذميا، فهو كالجزية؛ لأنه عوض على غير ~~مسلم، فهو كالجزية؛ ولأنه أحد الخراجين، فأشبه الجزية. ### | [مسألة قال: لا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما ينقض من حكم غيره] # (7079) مسألة: قال: (ولا ينقض من حكم حاكمهم، إلا ما ينقض من حكم غيره) ~~يعني إذا نصب أهل البغي قاضيا يصلح للقضاء، فحكمه حكم أهل العدل، ينفذ من ~~أحكامه ما ينفذ من أحكام أهل العدل، ويرد منه ما يرد. فإن كان ممن يستحل ~~دماء أهل العدل وأموالهم، لم يجز قضاؤه؛ لأنه # PageV08P537 # ليس بعدل. وهذا قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجوز قضاؤه بحال؛ لأن ~~أهل البغي يفسقون ببغيهم، والفسق ينافي القضاء. ولنا أنه اختلاف في الفروع ~~بتأويل سائغ، فلم يمنع صحة القضاء، ولم يفسق كاختلاف الفقهاء. فإذا ثبت ~~هذا، فإنه إذا حكم بما لا يخالف إجماعا، نفذ حكمه، وإن خالف ذلك، نقض حكمه ~~لأن قاضي أهل العدل إذا حكم نقض حكمه؛ فقاضي أهل البغي أولى. # وإن حكم بسقوط الضمان عن أهل البغي فيما أتلفوه حال الحرب، جاز حكمه؛ ~~لأنه موضع اجتهاد. وإن كان حكمه فيما أتلفوه قبل قيام الحرب، لم ينفذ؛ لأنه ~~مخالف للإجماع. وإن حكم على أهل العدل بوجوب الضمان فيما أتلفوه حال الحرب، ~~لم ينفذ حكمه؛ ms4776 لمخالفته الإجماع. وإن حكم بوجوب ضمان ما أتلفوه في غير حال ~~الحرب، نفذ حكمه. وإن كتب قاضيهم إلى قاضي أهل العدل، جاز قبول كتابه؛ لأنه ~~قاض ثابت القضايا، نافذ الأحكام. والأولى أن لا يقبله، كسرا لقلوبهم. # وقال أصحاب الرأي: لا يقبله؛ لأن قضاءه لا يجوز. وقد سبق الكلام في هذا. ~~فأما الخوارج إذا ولوا قاضيا، لم يجز قضاؤه؛ لأن أقل أحوالهم الفسق، والفسق ~~ينافي القضاء. ويحتمل أن يصح قضاؤه، وتنفذ أحكامه؛ لأن هذا مما يتطاول، وفي ~~القضاء بفساد قضاياه وعقوده - الأنكحة وغيرها - ضرر كثير، فجاز دفعا للضرر، ~~كما لو أقام الحدود، وأخذ الجزية والخراج والزكاة. ### | [فصل إن ارتكب أهل البغي في حال امتناعهم ما يوجب الحد] # فصل: وإن ارتكب أهل البغي في حال امتناعهم ما يوجب الحد، ثم قدر عليهم، ~~أقيمت فيهم حدود الله تعالى، ولا تسقط باختلاف الدار. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: إذا امتنعوا بدار، لم يجب الحد على ~~أحد منهم، ولا على من عندهم من تاجر أو أسير؛ لأنهم خارجون عن دار الإمام، ~~فأشبهوا من في دار الحرب. ولنا، عموم الآيات والأخبار؛ ولأن كل موضع تجب ~~فيه العبادات في أوقاتها، تجب الحدود فيه عند وجود أسبابها، كدار أهل ~~العدل؛ ولأنه زان أو سارق، لا شبهة في زناه وسرقته، فوجب عليه الحد، كالذي ~~في دار العدل. وهكذا نقول فيمن أتى حدا في دار الحرب، فإنه يجب عليه، لكن ~~لا يقام إلا في دار الإسلام، على ما ذكرناه في موضعه. ### | [فصل إذا استعان أهل البغي بالكفار] # (7081) فصل: وإذا استعان أهل البغي بالكفار، فلا يخلو من ثلاثة أصناف؛ ~~أحدهم: أهل الحرب، فإذا استعانوا بهم، أو آمنوهم، أو عقدوا لهم ذمة، لم يصح ~~واحد منها؛ لأن الأمان من شرط صحته إلزام كفهم عن المسلمين، وهؤلاء يشترطون ~~عليهم قتال المسلمين، فلا يصح. ولأهل # PageV08P538 # العدل قتالهم، كمن لم يؤمنوه سواء. وحكم أسيرهم حكم أسير سائر أهل الحرب ~~قبل الاستعانة بهم، فأما أهل البغي، فلا يجوز لهم قتلهم؛ لأنهم آمنوهم، ms4777 فلا ~~يجوز لهم الغدر بهم. # الصنف الثاني: المستأمنون، فمتى استعانوا بهم فأعانوهم، نقضوا عهدهم، ~~وصاروا كأهل الحرب؛ لأنهم تركوا الشرط، وهو كفهم عن المسلمين، فإن فعلوا ~~ذلك مكرهين، لم ينتقض عهدهم؛ لأن لهم عذرا، وإن ادعوا الإكراه، لم يقبل ~~قولهم إلا ببينة؛ لأن الأصل عدمه. الصنف الثالث: أهل الذمة، فإذا أعانوهم، ~~وقاتلوا معهم، ففيهم وجهان، ذكرهما أبو بكر؛ أحدهما، ينتقض عهدهم؛ لأنهم ~~قاتلوا أهل الحق، فينتقض عهدهم، كما لو انفردوا بقتالهم. والثاني: لا ~~ينتقض؛ لأن أهل الذمة لا يعرفون المحق من المبطل، فيكون ذلك شبهة لهم. ~~وللشافعي قولان، كالوجهين. فإن قلنا: ينتقض عهدهم. صاروا كأهل الحرب فيما ~~ذكرنا. وإن قلنا: لا ينتقض عهدهم. فحكمهم حكم أهل البغي، في قتل مقبلهم، ~~والكف عن أسيرهم، ومدبرهم وجريحهم، إلا أنهم يضمنون ما أتلفوا على أهل ~~العدل حال القتال وغيره، بخلاف أهل البغي، فإنهم لا يضمنون ما أتلفوا حال ~~الحرب؛ لأنهم أتلفوه بتأويل سائغ، وهؤلاء لا تأويل لهم، ولأنه سقط الضمان ~~عن المسلمين كي لا يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة، وأهل الذمة لا ~~حاجة بنا إلى ذلك فيهم. # وإن أكرههم البغاة على معونتهم، لم ينتقض عهدهم، وإن ادعوا ذلك، قبل ~~قولهم؛ لأنهم تحت أيديهم وقدرتهم. وإن قالوا ظننا أن من استعان بنا من ~~المسلمين لزمتنا معونته. لم ينتقض عهدهم. وإن فعل ذلك المستأمنون، انتقض ~~عهدهم. والفرق بينهما أن أهل الذمة أقوى حكما؛ لأن عهدهم مؤبد، ولا يجوز ~~نقضه لخوف الخيانة منهم، ويلزم الإمام الدفع عنهم، والمستأمنون بخلاف ذلك. ### | [فصل إذا ارتد قوم فأتلفوا مالا للمسلمين] # فصل: وإذا ارتد قوم فأتلفوا مالا للمسلمين، لزمهم ضمان ما أتلفوه، سواء ~~تحيزوا، أو صاروا في منعة، أو لم يصيروا. ذكره أبو بكر. قال القاضي: وهو ~~ظاهر كلام أحمد. وقال الشافعي: حكمهم حكم أهل البغي، فيما أتلفوه من الأنفس ~~والأموال؛ لأن تضمينهم، يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الإسلام، فأشبهوا ~~أهل البغي. ولنا، ما روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال لأهل الردة، ~~حين رجعوا: ms4778 تردون علينا ما أخذتم منا، ولا نرد عليكم ما أخذنا منكم، وأن ~~تدوا قتلانا، ولا ندي قتلاكم. قالوا: نعم يا خليفة رسول الله. فقال عمر: كل ~~ما قلت كما قلت، إلا أن يدوا ما قتل منا، فلا؛ لأنهم قوم قتلوا في سبيل ~~الله واستشهدوا. ولأنهم أتلفوه بغير تأويل، فأشبهوا أهل الذمة. # فأما القتلى، فحكمهم فيهم حكم أهل البغي؛ لما ذكرنا من خبر أبي بكر وعمر، ~~ولأن طليحة الأسدي قتل عكاشة بن محصن الأسدي، وثابت بن أثرم، فلم يغرمهما، # PageV08P539 # وبنو حنيفة قتلوا من قتلوا من المسلمين يوم اليمامة، فلم يغرموا شيئا. ~~ويحتمل أن يحمل قول أحمد، وكلامه في المال، على وجوب رد ما في أيديهم دون ~~ما أتلفوه، وعلى من أتلف من غير أن يكون له منعة، أو أتلف في غير الحرب، ~~وما أتلفوه حال الحرب، فلا ضمان عليهم فيه؛ لأنه إذا سقط ذلك عن أهل البغي، ~~كي لا يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة، فلأن يسقط ذلك كي لا يؤدي ~~إلى التنفير عن الإسلام أولى، لأنهم إذا امتنعوا صاروا كفارا ممتنعين ~~بدارهم، فأشبهوا أهل الحرب. ويحمل قول أبي بكر على ما بقي في أيديهم من ~~المال، فيكون مذهب أحمد ومذهب الشافعي في هذا سواء. وهذا أعدل وأصح. إن شاء ~~الله تعالى. # فأما من لا منعة له فيضمن ما أتلف من نفس ومال، كالواحد من المسلمين، أو ~~أهل الذمة؛ لأنه لا منعة له، ولا يكثر ذلك منه، فبقي المال والنفس بالنسبة ~~إليه على عصمته، ووجوب ضمانه. والله أعلم. # PageV08P540 ### | [كتاب المرتد] ### | [مسألة ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغا عاقلا] ### | [الفصل الأول لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل] # المرتد: هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، قال الله تعالى: {ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 217] . وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من بدل دينه فاقتلوه» . # وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد. وروي ms4779 ذلك عن أبي بكر، وعمر وعثمان، ~~وعلي، ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، ولم ينكر ذلك، فكان ~~إجماعا. (7083) مسألة: قال: ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء، وكان ~~بالغا عاقلا، دعي إليه ثلاثة أيام، وضيق عليه، فإن رجع، وإلا قتل. # في هذه المسألة فصول خمسة: (7084) الفصل الأول: أنه لا فرق بين الرجال ~~والنساء في وجوب القتل. روي ذلك عن أبي بكر، وعلي - رضي الله عنهما -. وبه ~~قال الحسن، والزهري، والنخعي، ومكحول، وحماد، ومالك، والليث، والأوزاعي، ~~والشافعي، وإسحاق. # وروي عن علي، والحسن، وقتادة، أنها تسترق لا تقتل؛ ولأن أبا بكر استرق ~~نساء بني حنيفة، وذراريهم، وأعطى عليا منهم امرأة، فولدت له محمد بن ~~الحنفية، وكان هذا بمحضر من الصحابة، فلم ينكر، فكان إجماعا. وقال أبو ~~حنيفة: تجبر على الإسلام بالحبس والضرب، ولا تقتل؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا تقتلوا امرأة» . ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي، فلا تقتل ~~بالطارئ، كالصبي. ولنا، قوله - عليه السلام -: «من بدل دينه فاقتلوه» . ~~رواه البخاري وأبو داود. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV09P003 # : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، ~~والتارك لدينه المفارق للجماعة» . متفق عليه. وروى الدارقطني، «أن امرأة ~~يقال لها: أم مروان، ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. فأمر أن تستتاب، فإن تابت، وإلا قتلت» . ولأنها شخص مكلف بدل ~~دين الحق بالباطل، فيقتل كالرجل. وأما نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~قتل المرأة، فالمراد به الأصلية؛ فإنه قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة، وكانت ~~كافرة أصلية، ولذلك نهى الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء، ولم ~~يكن فيهم مرتد. ويخالف الكفر الأصلي الطارئ؛ بدليل أن الرجل يقر عليه، ولا ~~يقتل أهل الصوامع، والشيوخ والمكافيف، ولا تجبر المرأة على تركه بضرب ولا ~~حبس، والكفر الطارئ بخلافه، والصبي غير مكلف؛ بخلاف المرأة. # وأما بنو حنيفة، فلم يثبت أن من استرق منهم تقدم له إسلام، ولم يكن بنو ~~حنيفة أسلموا كلهم، وإنما ms4780 أسلم بعضهم، والظاهر أن الذين أسلموا كانوا ~~رجالا، فمنهم من ثبت على إسلامه، منهم ثمامة بن أثال، ومنهم من ارتد منهم ~~الدجال الحنفي. ### | [الفصل الثاني الردة لا تصح إلا من عاقل] # الفصل الثاني: أن الردة لا تصح إلا من عاقل، فأما من لا عقل له، كالطفل ~~الذي لا عقل له، والمجنون، ومن زال عقله بإغماء، أو نوم، أو مرض، أو شرب ~~دواء يباح شربه، فلا تصح ردته، ولا حكم لكلامه، بغير خلاف. قال ابن المنذر: ~~أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه، ~~أنه مسلم على ما كان عليه قبل ذلك، ولو قتله قاتل عمدا، كان عليه القود، ~~إذا طلب أولياؤه. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ~~ثلاث؛ عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» . ~~أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. # ولأنه غير مكلف، فلم يؤاخذ بكلامه، كما لو لم يؤاخذ به في إقراره، ولا ~~طلاقه، ولا إعتاقه، وأما السكران، والصبي العاقل، فنذكر حكمهما فيما بعد، ~~إن شاء الله. ### | [الفصل الثالث المرتد لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا] # (7086) الفصل الثالث: أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا. هذا قول أكثر أهل ~~العلم؛ منهم عمر، وعلي، وعطاء، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، ~~وإسحاق، وأصحاب الرأي. وهو أحد قولي الشافعي. وروي عن أحمد، رواية أخرى، ~~أنه لا تجب استتابته، لكن تستحب. وهذا القول الثاني للشافعي، # PageV09P004 # وهو قول عبيد بن عمير، وطاوس. ويروى ذلك عن الحسن؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من بدل دينه فاقتلوه» . ولم يذكر استتابته. # وروي أن معاذا قدم على أبي موسى، فوجد عنده رجلا موثقا، فقال: ما هذا؟ ~~قال: رجل كان يهوديا فأسلم، ثم راجع دينه دين السوء فتهود. قال: لا أجلس ~~حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ~~ورسوله. ثلاث مرات، فأمر به فقتل. متفق عليه. ولم يذكر استتابته؛ ولأنه ~~يقتل لكفره، فلم تجب استتابته ms4781 كالأصلي؛ ولأنه لو قتل قبل الاستتابة، لم ~~يضمن، ولو حرم قتله قبله ضمن. وقال عطاء: إن كان مسلما أصليا، لم يستتب، ~~وإن كان أسلم ثم ارتد، استتيب. ولنا حديث أم مروان، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر أن تستتاب. # وروى مالك، في " الموطأ " عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد ~~القاري، عن أبيه أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى، فقال له عمر: هل كان ~~من مغربة خبر؟ قال: نعم رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ما فعلتم به؟ قال: ~~قربناه، فضربنا عنقه. فقال عمر: فهلا حبستموه ثلاثا، فأطعمتموه كل يوم ~~رغيفا، واستتبتموه، لعله يتوب، أو يراجع أمر الله؟ اللهم إني لم أحضر، ولم ~~آمر، ولم أرض إذ بلغني. ولو لم تجب استتابته لما برئ من فعلهم. ولأنه أمكن ~~استصلاحه، فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه، كالثوب النجس. وأما الأمر بقتله، ~~فالمراد به بعد الاستتابة، بدليل ما ذكرنا. # وأما حديث معاذ فإنه قد جاء فيه: وكان قد استتيب. ويروى أن أبا موسى ~~استتابه شهرين قبل قدوم معاذ عليه، وفي رواية: فدعاه عشرين ليلة، أو قريبا ~~من ذلك، فجاء معاذ، فدعاه وأبى، فضرب عنقه. رواه أبو داود. ولا يلزم من ~~تحريم القتل وجوب الضمان، بدليل نساء أهل الحرب وصبيانهم وشيوخهم. إذا ثبت ~~وجوب الاستتابة، فمدتها ثلاثة أيام. روي ذلك عن عمر - رضي الله عنه -. وبه ~~قال مالك، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وهو أحد قولي الشافعي. وقال في الآخر: إن ~~تاب في الحال، وإلا قتل # PageV09P005 # مكانه، وهذا أصح قوليه. وهو قول ابن المنذر؛ لحديث أم مروان، ومعاذ، ~~ولأنه مصر على كفره، أشبه بعد الثلاث. # وقال الزهري: يدعى ثلاث مرات، فإن أبى، ضربت عنقه. وهذا يشبه قول ~~الشافعي. وقال النخعي: يستتاب أبدا. وهذا يفضي إلى أن لا يقتل أبدا، وهو ~~مخالف للسنة والإجماع. وعن علي، أنه استتاب رجلا شهرا. ولنا حديث عمر، ولأن ~~الردة إنما تكون لشبهة، ولا تزول في الحال، فوجب أن ينتظر مدة يرتئي فيها، ~~وأولى ذلك ثلاثة ms4782 أيام، للأثر فيها، وإنها مدة قريبة. وينبغي أن يضيق عليه ~~في مدة الاستتابة، ويحبس؛ لقول عمر: هلا حبستموه، وأطعمتموه كل يوم رغيفا؟ ~~ويكرر دعايته، لعله يتعطف قلبه، فيراجع دينه. ### | [الفصل الرابع المرتد إن لم يتب قتل] # (7087) الفصل الرابع: أنه إن لم يتب قتل؛ لما قدمنا ذكره. وهو قول عامة ~~الفقهاء، ويقتل بالسيف؛ لأنه آلة القتل، ولا يحرق بالنار. وقد روي عن أبي ~~بكر الصديق - رضي الله عنه -؛ أنه أمر بتحريق المرتدين، وفعل ذلك بهم خالد. ~~والأول أولى؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من بدل دينه فاقتلوه، ~~ولا تعذبوا بعذاب الله» . يعني النار. أخرجه البخاري، وأبو داود. وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا ~~قتلتم فأحسنوا القتلة.» ### | [الفصل الخامس المرتد إذا تاب قبلت توبته ولم يقتل] # (7088) الفصل الخامس: أن مفهوم كلام الخرقي، أنه إذا تاب قبلت توبته، ولم ~~يقتل، أي كفر كان، وسواء كان زنديقا يستسر بالكفر، أو لم يكن. وهذا مذهب ~~الشافعي، والعنبري. ويروى ذلك عن علي، وابن مسعود، وهو إحدى الروايتين عن ~~أحمد، واختيار أبي بكر الخلال، وقال: إنه أولى على مذهب أبي عبد الله. ~~والرواية الأخرى، لا تقبل توبة الزنديق، ومن تكررت ردته. وهو قول مالك، ~~والليث، وإسحاق. وعن أبي حنيفة روايتان، كهاتين، واختار أبو بكر أنه لا ~~تقبل توبة الزنديق؛ لقول الله تعالى: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} ~~[البقرة: 160] . # والزنديق لا تظهر منه علامة تبين رجوعه وتوبته؛ لأنه كان # PageV09P006 # مظهرا للإسلام، مسرا للكفر، فإذا وقف على ذلك، فأظهر التوبة، لم يزد على ~~ما كان منه قبلها، وهو إظهار الإسلام، وأما من تكررت ردته، فقد قال الله ~~تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن ~~الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} [النساء: 137] . وروى الأثرم بإسناده عن ~~ظبيان بن عمارة أن رجلا من بني سعد مر على مسجد بني حنيفة، فإذا هم يقرءون ~~برجز مسيلمة، فرجع إلى ابن مسعود، فذكر ذلك له، فبعث إليهم، ms4783 فأتي بهم، ~~فاستتابهم، فتابوا، فخلى سبيلهم، إلا رجلا منهم يقال له ابن النواحة. قال: ~~قد أتيت بك مرة، فزعمت أنك قد تبت، وأراك قد عدت. فقتله. # ووجه الرواية الأولى، قول الله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] . وروي «أن رجلا سار رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلم يدر ما ساره به، حتى جهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المسلمين، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ . قال: بلى، ولا شهادة له. قال: ~~أليس يصلي؟ . قال: بلى، ولا صلاة له. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم» . # وقد قال الله تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم ~~نصيرا} [النساء: 145] {إلا الذين تابوا} [النساء: 146] . وروي أن مخشي بن ~~حمير كان في النفر الذين أنزل الله فيهم: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب} [التوبة: 65] . فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وتاب إلى ~~الله تعالى، فقبل الله توبته، وهو الطائفة التي عنى الله تعالى بقوله: {إن ~~نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} [التوبة: 66] فهو الذي عفا الله عنه، وسأل ~~الله تعالى، أن يقتل في سبيله، ولا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، ولم ~~يعلم موضعه. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كف عن المنافقين بما أظهروا ~~من الشهادة، مع إخبار الله تعالى له بباطنهم، بقوله # PageV09P007 # تعالى: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} ~~[التوبة: 56] وغيرها من الآيات. وحديث ابن مسعود حجة في قبول توبتهم، مع ~~استسرارهم بكفرهم. # وأما قتله ابن النواحة، فيحتمل أنه قتله لظهور كذبه في توبته؛ لأنه ~~أظهرها، وتبين أنه ما زال عما كان عليه من كفره. ويحتمل أنه قتله لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - له حين جاء رسولا لمسيلمة: «لولا أن الرسل لا ~~تقتل، لقتلتك» فقتله تحقيقا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد ms4784 روي ~~أنه قتله لذلك. وفي الجملة، فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر ~~من أحكام الدنيا. من ترك قتلهم، وثبوت أحكام الإسلام في حقهم؛ وأما قبول ~~الله تعالى لها في الباطن، وغفرانه لمن تاب وأقلع ظاهرا أم باطنا، فلا خلاف ~~فيه، فإن الله تعالى قال في المنافقين: {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا ~~بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا ~~عظيما} [النساء: 146] ### | [فصل قتل المرتد إلي الإمام حرا كان أو عبدا] # (7089) فصل: وقتل المرتد إلى الإمام، حرا كان أو عبدا. وهذا قول عامة أهل ~~العلم، إلا الشافعي، في أحد الوجهين في العبد، فإن لسيده قتله؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» . ولأن حفصة ~~قتلت جارية سحرتها. ولأنه حق الله تعالى، فملك السيد إقامته على عبده، كجلد ~~الزاني. ولنا أنه قتل لحق الله تعالى، فكان إلى الإمام، كرجم الزاني، وكقتل ~~الحر. وأما قوله: وأقيموا الحدود. فلا يتناول القتل للردة، فإنه قتل لكفره، ~~لا حدا في حقه. # وأما خبر حفصة، # PageV09P008 # فإن عثمان تغيظ عليها، وشق ذلك عليه. وأما الجلد في الزنى، فإنه تأديب، ~~وللسيد تأديب عبده، بخلاف القتل. فإن قتله غير الإمام، أساء، ولا ضمان ~~عليه؛ لأنه محل غير معصوم، وسواء قتله قبل الاستتابة أو بعدها؛ لذلك. وعلى ~~من فعل ذلك التعزير؛ لإساءته وافتياته. ### | [مسألة مال المرتد فيئا بعد قضاء دينه] # (7090) مسألة: قال: وكان ماله فيئا بعد قضاء دينه وجملته، أن المرتد إذا ~~قتل، أو مات على ردته، فإنه يبدأ بقضاء دينه، وأرش جنايته، ونفقة زوجته ~~وقريبه؛ لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها، وأولى ما يوجد من ماله، وما بقي ~~من ماله فهو فيء يجعل في بيت المال. وعن أحمد، رواية أخرى، تدل على أنه ~~لورثته من المسلمين، وعنه أنه لقرابته من أهل الدين الذي انتقل إليه. وقد ~~مضت هذه المسألة مستوفاة في الفرائض بما أغنى عن ذكرها هاهنا. ### | [فصل لا يحكم بزوال ملك المرتد بمجرد ردته] # (7091) فصل: ولا يحكم بزوال ms4785 ملك المرتد بمجرد ردته في قول أكثر أهل ~~العلم. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. فعلى ~~هذا، إن قتل أو مات، زال ملكه بموته، وإن راجع الإسلام، فملكه باق له. وقال ~~أبو بكر: يزول ملكه بردته، وإن راجع الإسلام عاد إليه تمليكا مستأنفا؛ لأن ~~عصمة نفسه وماله إنما تثبت بإسلامه، فزوال إسلامه يزيل عصمتهما، كما لو لحق ~~بدار الحرب، ولأن المسلمين ملكوا إراقة دمه بردته، فوجب أن يملكوا ماله ~~بها. # وقال أصحاب أبي حنيفة: ماله موقوف؛ إن أسلم تبينا بقاء ملكه، وإن مات أو ~~قتل على ردته تبينا زواله من حين ردته. قال الشريف أبو جعفر: هذا ظاهر كلام ~~أحمد. وعن الشافعي ثلاثة أقوال، كهذه الثلاثة. ولنا، أنه سبب يبيح دمه، فلم ~~يزل ملكه، كزنى المحصن، والقتل لمن يكافئه عمدا، وزوال العصمة لا يلزم منه ~~زوال الملك، بدليل الزاني المحصن، والقاتل في المحاربة، وأهل الحرب، فإن ~~ملكهم، ثابت مع عصمتهم، ولو لحق المرتد بدار الحرب، لم يزل ملكه، لكن يباح ~~قتله - لكل أحد من غير استتابة -، وأخذ ماله - لمن قدر عليه -، لأنه صار ~~حربيا، حكمه حكم أهل الحرب، وكذلك لو ارتد جماعة وامتنعوا في دارهم عن طاعة ~~إمام المسلمين، زالت عصمتهم في أنفسهم وأموالهم؛ لأن الكفار الأصليين لا ~~عصمة لهم في دارهم، فالمرتد أولى. # PageV09P009 ### | [فصل يؤخذ مال المرتد فيجعل عند ثقة من المسلمين] # (7092) فصل: ويؤخذ مال المرتد، فيجعل عند ثقة من المسلمين، وإن كان له ~~إماء جعلن عند امرأة ثقة؛ لأنهن محرمات عليه، فلا يمكن منهن. وذكر القاضي ~~أنه يؤجر عقاره، وعبيده، وإماؤه. والأولى أن لا يفعل؛ لأن مدة انتظاره ~~قريبة، ليس في انتظاره فيها ضرر، فلا يفوت عليه منافع ملكه فيما لا يرضاه ~~من أجلها، فإنه ربما راجع الإسلام، فيمتنع عليه التصرف في ماله بإجارة ~~الحاكم له. وإن لحق بدار الحرب، أو تعذر قتله مدة طويلة، فعل الحاكم ما يرى ~~الحظ فيه، من بيع الحيوان الذي يحتاج إلى النفقة وغيره، وإجارة ما ms4786 يرى ~~إبقاءه، والمكاتب يؤدي إلى الحاكم، فإذا أدى عتق؛ لأنه نائب عنه. ### | [فصل تصرفات المرتد في ردته بالبيع والهبة والعتق والتدبير والوصية] # (7093) فصل: وتصرفات المرتد في ردته بالبيع والهبة والعتق والتدبير ~~والوصية ونحو ذلك موقوف؛ إن أسلم تبينا أن تصرفه كان صحيحا، وإن قتل أو مات ~~على ردته، كان باطلا. وهذا قول أبي حنيفة. وعلى قول أبي بكر، تصرفه باطل؛ ~~لأن ملكه قد زال بردته. وهذا أحد أقوال الشافعي. وقال في الآخر: إن تصرف ~~قبل الحجر عليه، انبنى على الأقوال الثلاثة، وإن تصرف بعد الحجر عليه، لم ~~يصح تصرفه كالسفيه. ولنا، أن ملكه تعلق به حق غيره مع بقاء ملكه فيه، فكان ~~تصرفه موقوفا، كتبرع المريض. ### | [فصل إن تزوج المرتد لم يصح تزوجه] # (7094) فصل: وإن تزوج، لم يصح تزوجه؛ لأنه لا يقر على النكاح، وما منع ~~الإقرار على النكاح، منع انعقاده، كنكاح الكافر المسلمة. وإن زوج، لم يصح ~~تزويجه؛ لأن ولايته على موليته قد زالت بردته. وإن زوج أمته، لم يصح؛ لأن ~~النكاح لا يكون موقوفا، ولأن النكاح وإن كان في الأمة فلا بد في عقده من ~~ولاية صحيحة، بدليل أن المرأة لا يجوز أن تزوج أمتها، وكذلك الفاسق، ~~والمرتد لا ولاية له، فإنه أدنى حالا من الفاسق الكافر. ### | [فصل إن وجد من المرتد سبب يقتضي الملك] # (7095) فصل: وإن وجد من المرتد سبب يقتضي الملك، كالصيد، والاحتشاش، ~~والاتهاب، والشراء، وإيجار نفسه إجارة خاصة، أو مشتركة، ثبت الملك له؛ لأنه ~~أهل للملك، وكذلك تثبت أملاكه. ومن قال: إن ملكه يزول لم يثبت له ملكا؛ ~~لأنه ليس بأهل للملك، ولهذا زالت أملاكه الثابتة له، فإن راجع # PageV09P010 # الإسلام، احتمل أن لا يثبت له شيء أيضا؛ لأن السبب لم يثبت حكمه. # واحتمل أن يثبت الملك له حينئذ؛ لأن السبب موجود، وإنما امتنع ثبوت حكمه، ~~لعدم أهليته، فإذا وجدت، تحقق الشرط، فيثبت الملك حينئذ، كما تعود إليه ~~أملاكه التي زالت عنه عند عدم أهليته. فعلى هذا، إن مات، أو قتل، ثبت الملك ~~لمن ينتقل إليه ms4787 ملكه؛ لأن هذا في معناه. ### | [فصل إن لحق المرتد بدار الحرب] # (7096) فصل: وإن لحق المرتد بدار الحرب، فالحكم فيه كالحكم فيمن هو في ~~دار الإسلام، إلا أن ما كان معه من ماله، يصير مباحا لمن قدر عليه، كما ~~أبيح دمه، وأما أملاكه وماله الذي في دار الإسلام فملكه ثابت فيه، ويتصرف ~~فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه. وقال أبو حنيفة: يورث ماله، كما لو مات؛ ~~لأنه قد صار في حكم الموتى، بدليل حل دمه وماله الذي معه لكل من قدر عليه. ~~ولنا أنه حي فلم يورث، كالحربي الأصلي، وحل دمه لا يوجب توريث ماله، بدليل ~~الحربي الأصلي، وإنما حل ماله الذي معه؛ لأنه زال العاصم له، فأشبه مال ~~الحربي الذي في دار الحرب، وأما الذي في دار الإسلام، فهو باق على العصمة، ~~كمال الحربي الذي مع مضاربه في دار الإسلام، أو عند مودعه. ### | [مسألة من ترك الصلاة دعي إليها ثلاثة أيام] # (7097) مسألة: قال: ومن ترك الصلاة، دعي إليها ثلاثة أيام، فإن صلى، وإلا ~~قتل، جاحدا تركها أو غير جاحد قد سبق شرح هذه المسألة: في باب مفرد لها، ~~ولا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحدا لوجوبها، إذا كان ممن لا ~~يجهل مثله ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب، كحديث الإسلام، والناشئ بغير ~~دار الإسلام أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم، لم يحكم بكفره، وعرف ~~ذلك، وتثبت له أدلة وجوبها، فإن جحدها بعد ذلك كفر. وأما إذا كان الجاحد ~~لها ناشئا في الأمصار بين أهل العلم، فإنه يكفر بمجرد جحدها، وكذلك الحكم ~~في مباني الإسلام كلها، وهي الزكاة والصيام والحج؛ لأنها مباني الإسلام، ~~وأدلة وجوبها لا تكاد تخفى، إذ كان الكتاب والسنة مشحونين بأدلتها، ~~والإجماع منعقد عليها، فلا يجحدها إلا معاند للإسلام، يمتنع من التزام ~~الأحكام، غير قابل لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته. ### | [فصل اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه] # (7098) فصل: ومن اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه، وظهر حكمه بين المسلمين، ms4788 ~~وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه، كلحم الخنزير، والزنى، وأشباه هذا، ~~مما لا خلاف فيه، كفر؛ لما ذكرنا في تارك الصلاة. وإن استحل # PageV09P011 # قتل المعصومين، وأخذ أموالهم، بغير شبهة ولا تأويل، فكذلك، وإن كان ~~بتأويل، كالخوارج، فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع ~~استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، وفعلهم لذلك متقربين به إلى الله تعالى، ~~وكذلك لم يحكم بكفر ابن ملجم مع قتله أفضل الخلق في زمنه، متقربا بذلك، ولا ~~يكفر المادح له على هذا، المتمني مثل فعله، فإن عمران بن حطان قال فيه ~~يمدحه لقتل علي: # يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ عند الله رضوانا # إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى ... البرية عند الله ميزانا # وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة، ومن بعدهم، واستحلال ~~دمائهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم ~~الفقهاء بكفرهم؛ لتأويلهم. # وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا. وقد روي أن قدامة بن مظعون ~~شرب الخمر مستحلا لها، فأقام عمر عليه الحد، ولم يكفره. وكذلك أبو جندل بن ~~سهيل، وجماعة معه، شربوا الخمر بالشام مستحلين لها، مستدلين بقول الله ~~تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} [المائدة: ~~93] الآية. فلم يكفروا، وعرفوا تحريمها، فتابوا، وأقيم عليهم الحد. فيخرج ~~فيمن كان مثلهم مثل حكمهم. وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله، لا يحكم ~~بكفره حتى يعرف ذلك، وتزول عنه الشبهة، ويستحله بعد ذلك. # وقد قال أحمد: من قال: الخمر حلال. فهو كافر يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت ~~عنقه. وهذا محمول على من لا يخفى على مثله تحريمه؛ لما ذكرنا. فأما إن أكل ~~لحم خنزير، أو ميتة، أو شرب خمرا، لم يحكم # PageV09P012 # بردته بمجرد ذلك، سواء فعله في دار الحرب أو دار الإسلام؛ لأنه يجوز أن ~~يكون فعله معتقدا تحريمه، كما يفعل غير ذلك من المحرمات. ### | [مسألة ذبيحة المرتد حرام] # (7099) مسألة: قال: وذبيحة المرتد حرام، وإن كانت ردته إلى دين أهل ~~الكتاب هذا قول ms4789 مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال إسحاق: إن تدين بدين ~~أهل الكتاب، حلت ذبيحته. ويحكى ذلك عن الأوزاعي؛ لأن عليا - رضي الله عنه - ~~قال: من تولى قوما فهو منهم. ولنا، أنه كافر، لا يقر على دينه، فلم تحل ~~ذبيحته، كالوثني؛ ولأنه لا تثبت له أحكام أهل الكتاب إذا تدين بدينهم؛ فإنه ~~لا يقر بالجزية، ولا يسترق. ولا يحل نكاح المرتدة. # وأما قول علي: فهو منهم. فلم يرد به أنه منهم في جميع الأحكام، بدليل ما ~~ذكرنا، ولأنه لم يكن يرى حل ذبائح نصارى بني تغلب، ولا نكاح نسائهم، مع ~~توليتهم للنصارى، ودخولهم في دينهم، ومع إقرارهم بما صولحوا عليه، فلأن لا ~~يعتقد ذلك في المرتدين أولى. إذا ثبت هذا، فإنه إذا ذبح حيوانا لغيره بغير ~~إذنه، ضمنه بقيمته حيا؛ لأنه أتلفه عليه، وحرمه، وإن ذبحه بإذنه، لم يضمنه؛ ~~لأنه أذن في إتلافه. ### | [مسألة قال والصبي إذا كان له عشر سنين وعقل الإسلام فأسلم فهو مسلم] # (7100) مسألة: قال: (والصبي إذا كان له عشر سنين، وعقل الإسلام، فأسلم، ~~فهو مسلم) وجملته أن الصبي يصح إسلامه في الجملة. وبهذا قال أبو حنيفة، ~~وصاحباه، وإسحاق، وابن أبي شيبة، وأبو أيوب. وقال الشافعي وزفر: لا يصح ~~إسلامه حتى يبلغ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاثة؛ ~~عن الصبي حتى يبلغ» . حديث حسن. ولأنه قول تثبت به الأحكام، فلم يصح من ~~الصبي كالهبة؛ ولأنه أحد من رفع القلم عنه، فلم يصح إسلامه، كالمجنون، ~~والنائم، ولأنه ليس بمكلف، أشبه الطفل. # ولنا، عموم قوله - عليه السلام -: «من قال: لا إله إلا الله. دخل الجنة» ~~. وقوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على # PageV09P013 # الله» . # وقال - عليه السلام -: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ~~ينصرانه، حتى يعرب عنه لسانه، إما شاكرا وإما كفورا.» وهذه الأخبار يدخل في ~~عمومها الصبي، ولأن الإسلام عبادة محضة، فصحت من الصبي العاقل، كالصلاة ~~والحج، ولأن الله تعالى دعا ms4790 عباده إلى دار السلام، وجعل طريقها الإسلام، ~~وجعل من لم يجب دعوته في الجحيم والعذاب الأليم، فلا يجوز منع الصبي من ~~إجابة دعوة الله، مع إجابته إليها، وسلوكه طريقها، ولا إلزامه بعذاب الله، ~~والحكم عليه بالنار، وسد طريق النجاة عليه مع هربه منها، ولأن ما ذكرناه ~~إجماع، فإن عليا - رضي الله عنه - أسلم صبيا، وقال: # سبقتكم إلى الإسلام طرا ... صبيا ما بلغت أوان حلم # ولهذا قيل: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء ~~خديجة، ومن العبيد بلال، وقال عروة: أسلم علي والزبير، وهما ابنا ثمان ~~سنين، وبايع النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن الزبير لسبع أو ثمان سنين، ~~ولم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - على أحد إسلامه، من صغير ولا كبير. ~~فأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «رفع القلم عن ثلاث.» فلا حجة لهم ~~فيه، فإن هذا يقتضي أن لا يكتب عليه ذلك، والإسلام يكتب له لا عليه، ويسعد ~~به في الدنيا والآخرة، فهو كالصلاة تصح منه وتكتب له وإن لم تجب عليه، ~~وكذلك غيرها من العبادات المحضة. # فإن قيل: فإن الإسلام يوجب الزكاة عليه في ماله، ونفقة قريبه المسلم، ~~ويحرمه ميراث قريبه الكافر، ويفسخ نكاحه. قلنا: أما الزكاة فإنها نفع؛ ~~لأنها سبب الزيادة والنماء، وتحصين المال والثواب، وأما الميراث والنفقة، ~~فأمر متوهم، وهو مجبور بميراثه من أقاربه المسلمين، وسقوط نفقة أقاربه ~~الكفار، ثم إن هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة، ~~وخلاصه من شقاء الدارين والخلود في الجحيم، فينزل منزلة الضرر في أكل ~~القوت، المتضمن قوت ما يأكله، وكلفة تحريك فيه لما كان بقاؤه به لم يعد ~~ضررا، والضرر في مسألتنا في جنب ما يحصل من النفع، أدنى من ذلك بكثير. إذا ~~ثبت هذا فإن الخرقي اشترط لصحة إسلامه شرطين؛ أحدهما، أن يكون له عشر سنين؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بضربه على الصلاة لعشر. # PageV09P014 # والثاني: أن يعقل الإسلام. ومعناه أن يعلم أن الله تعالى ms4791 ربه لا شريك له، ~~وأن محمدا عبده ورسوله. وهذا لا خلاف في اشتراطه. # فإن الطفل الذي لا يعقل، لا يتحقق منه اعتقاد الإسلام، وإنما كلامه لقلقة ~~بلسانه، لا يدل على شيء وأما اشتراط العشر، فإن أكثر المصححين لإسلامه، لم ~~يشترطوا ذلك، ولم يحدوا له حدا من السنين. وحكاه ابن المنذر عن أحمد؛ لأن ~~المقصود متى ما حصل، لا حاجة إلى زيادة عليه. وروي عن أحمد، إذا كان ابن ~~سبع سنين فإسلامه إسلام؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مروهم ~~بالصلاة لسبع» فدل على أن ذلك حد لأمرهم، وصحة عباداتهم، فيكون حدا لصحة ~~إسلامهم. وقال ابن أبي شيبة: إذا أسلم وهو ابن خمس سنين، جعل إسلامه ~~إسلاما. ولعله يقول إن عليا أسلم وهو ابن خمس سنين؛ لأنه قد قيل: إنه مات ~~وهو ابن ثمان وخمسين. # فعلى هذا يكون إسلامه، وهو ابن خمس؛ لأن مدة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- منذ بعث إلى أن مات ثلاث وعشرون سنة، وعاش علي بعد ذلك ثلاثين سنة؛ فذلك ~~ثلاث وخمسون، فإذا ضممت إليها خمسا، كانت ثمانية وخمسين. وقال أبو أيوب: ~~أجيز إسلام ابن ثلاث سنين، من أصاب الحق من صغير أو كبير أجزناه. وهذا لا ~~يكاد يعقل الإسلام، ولا يدري ما يقول، ولا يثبت لقوله حكم، فإن وجد ذلك منه ~~ودلت أحواله وأقواله على معرفة الإسلام، وعقله إياه، صح منه كغيره والله ~~أعلم. ### | [مسألة الصبي إذا أسلم ثم رجع وقال لم أدر ما قلت] # (7101) مسألة: قال: (فإن رجع، وقال: لم أدر ما قلت. لم يلتفت إلى قوله، ~~وأجبر على الإسلام) وجملته أن الصبي إذا أسلم، وحكمنا بصحة إسلامه، ~~لمعرفتنا بعقله بأدلته، فرجع، وقال: لم أدر ما قلت. لم يقبل قوله، ولم يبطل ~~إسلامه الأول. وروي عن أحمد، أنه يقبل منه، ولا يجبر على الإسلام. # قال أبو بكر: هذا قول محتمل؛ لأن الصبي في مظنة النقص، فيجوز أن يكون ~~صادقا. قال: والعمل على الأول؛ لأنه قد ثبت عقله للإسلام، ومعرفته به ~~بأفعاله أفعال العقلاء، ms4792 وتصرفاته تصرفاتهم، وتكلمه بكلامهم، وهذا يحصل به ~~معرفة عقله؛ ولهذا اعتبرنا رشده بعد بلوغه بأفعاله وتصرفاته، وعرفنا جنون ~~المجنون وعقل العاقل بما يصدر عنه من أفعاله وأقواله وأحواله، فلا يزول ما ~~عرفناه بمجرد دعواه. وهكذا كل من تلفظ بالإسلام، أو أخبر عن نفسه به، ثم ~~أنكر معرفته بما قال، لم يقبل إنكاره، وكان مرتدا. نص عليه أحمد في مواضع. ~~إذا ثبت هذا، فإنه إذا ارتد، صحت ردته. وبهذا قال أبو حنيفة. وهو الظاهر من ~~مذهب مالك. # وعند # PageV09P015 # الشافعي: لا يصح إسلامه ولا ردته. وقد روي عن أحمد أنه يصح إسلامه، ولا ~~تصح ردته؛ لقوله - عليه السلام -: «رفع القلم عن ثلاث؛ عن الصبي حتى يبلغ» ~~. وهذا يقتضي أن لا يكتب عليه ذنب ولا شيء، ولو صحت ردته، لكتبت عليه. وأما ~~الإسلام فلا يكتب عليه، إنما يكتب له، ولأن الردة أمر يوجب القتل، فلم يثبت ~~حكمه في حق الصبي كالزنى ولأن الإسلام إنما صح منه؛ لأنه تمحض مصلحة، فأشبه ~~الوصية والتدبير، والردة تمحضت مضرة ومفسدة، فلم تلزم صحتها منه. فعلى هذا، ~~حكمه حكم من لم يرتد، فإذا بلغ، فإن أصر على الكفر، كان مرتدا حينئذ. ### | [مسألة الصبي أذا ارتد هل يقتل] # (7102) مسألة: قال: (ولا يقتل حتى يبلغ، ويجاوز بعد بلوغه ثلاثة أيام فإن ~~ثبت على كفره قتل) وجملته أن الصبي لا يقتل، سواء قلنا بصحة ردته، أو لم ~~نقل؛ لأن الغلام لا يجب عليه عقوبة، بدليل أنه لا يتعلق به حكم الزنى ~~والسرقة في سائر الحدود، ولا يقتل قصاصا؛ فإذا بلغ، فثبت على ردته، ثبت حكم ~~الردة حينئذ، فيستتاب ثلاثا، فإن تاب، وإلا قتل، سواء قلنا: إنه كان مرتدا ~~قبل بلوغه أو لم نقل، وسواء كان مسلما أصليا فارتد، أو كان كافرا فأسلم ~~صبيا ثم ارتد. ### | [مسألة ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب] # (7103) مسألة: قال: (وإذا ارتد الزوجان، ولحقا بدار الحرب، لم يجر عليهما ~~ولا على أحد من أولادهما ممن كانوا قبل الردة رق) وجملته أن الرق لا يجري ~~على المرتد، سواء كان ms4793 رجلا أو امرأة، وسواء لحق بدار الحرب أو أقام بدار ~~الإسلام. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا لحقت المرتدة بدار الحرب، ~~جاز استرقاقها؛ لأن أبا بكر سبى بني حنيفة، واسترق نساءهم، وأم محمد ابن ~~الحنفية من سبيهم. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من بدل دينه فاقتلوه» ، ولأنه ~~لا يجوز إقراره على كفره، فلم يجز استرقاقه كالرجل، ولم يثبت أن الذين ~~سباهم أبو بكر كانوا أسلموا، ولا ثبت لهم حكم الردة. فإن قيل: فقد روي عن ~~علي أن المرتدة تسبى. قلنا: هذا الحديث ضعيف، ضعفه أحمد. فأما أولاد ~~المرتدين فإن كانوا ولدوا قبل الردة، فإنهم محكوم بإسلامهم تبعا لآبائهم، ~~ولا يتبعونهم في الردة؛ لأن الإسلام يعلو، وقد تبعوهم فيه، فلا يتبعونهم في ~~الكفر، فلا يجوز استرقاقهم صغارا؛ لأنهم مسلمون، ولا كبارا؛ لأنهم إن ثبتوا ~~على إسلامهم بعد كفرهم فهم مسلمون، وإن كفروا فهم مرتدون، حكمهم حكم آبائهم ~~في # PageV09P016 # الاستتابة، وتحريم الاسترقاق. # وأما من حدث بعد الردة، فهو محكوم بكفره، لأنه ولد بين أبوين كافرين، ~~ويجوز استرقاقه؛ لأنه ليس بمرتد. نص عليه أحمد. وهو ظاهر كلام الخرقي وأبي ~~بكر. ويحتمل أن لا يجوز استرقاقهم؛ لأن آباءهم لا يجوز استرقاقهم، ولأنهم ~~لا يقرون بالجزية، فلا يقرون بالاسترقاق. وهذا مذهب الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: إن ولدوا في دار الإسلام، لم يجز استرقاقهم، وإن ولدوا في دار ~~الحرب، جاز استرقاقهم. # ولنا، أنهم لم يثبت لهم حكم الإسلام، فجاز استرقاقهم، كولد الحربيين، ~~بخلاف آبائهم. فعلى هذا، إذا وقع في الأسر بعد لحوقه بدار الحرب فحكمه حكم ~~سائر أهل دار الحرب، وإن كان في دار الإسلام، لم يقر بالجزية، وكذلك لو بذل ~~الجزية بعد لحوقه بدار الحرب، لم يقر بها؛ لأنه انتقل إلى الكفر بعد نزول ~~القرآن. فأما من كان حملا حين ردته، فظاهر كلام الخرقي أنه كالحادث بعد ~~كفره. وعند الشافعي، هو كالمولود؛ لأنه موجود، ولهذا يرث. # ولنا، أن أكثر الأحكام إنما تتعلق به بعد الوضع، فكذلك هذا الحكم. (7104) ~~مسألة: قال: (ومن امتنع ms4794 منهما أو من أولادهما الذين وصفت من الإسلام بعد ~~البلوغ، استتيب ثلاثا، فإن لم يتب قتل) . قوله: الذين وصفت. يعني الذين ~~ولدوا قبل الردة، فإنهم محكوم بإسلامهم، فلا يسترقون. ومتى قدر على ~~الزوجين، أو على أولادهما، استتيب منهم من كان بالغا عاقلا، فإن لم يتب ~~قتل، ومن كان غير بالغ انتظرنا بلوغه، ثم استتبناه، فإن لم يتب قتل، وينبغي ~~أن يحبس حتى لا يهرب. ### | [فصل ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم] # (7105) فصل: ومتى ارتد أهل بلد، وجرت فيه أحكامهم، صاروا دار حرب في ~~اغتنام أموالهم، وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة، وعلى الإمام قتالهم، فإن ~~أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة، ولأن الله ~~تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه، وهؤلاء أحقهم بالقتال؛ لأن ~~تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم، فيكثر الضرر بهم. ~~وإذا قاتلهم، قتل من قدر عليه، ويتبع مدبرهم، ويجهز على جريحهم، وتغنم ~~أموالهم. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا تصير دار حرب حتى تجمع فيها ثلاثة أشياء؛ أن تكون ~~متاخمة لدار الحرب، لا شيء بينهما من دار الإسلام. الثاني: أن لا يبقى فيها ~~مسلم ولا ذمي آمن. الثالث: أن تجري فيها أحكامهم. # PageV09P017 # ولنا، أنها دار كفار، فيها أحكامهم، فكانت دار حرب - كما لو اجتمع فيها ~~هذه الخصال -، أو دار الكفرة الأصليين. ### | [فصل قتل المرتد من يكافئه عمدا] # (7106) فصل: وإن قتل المرتد من يكافئه عمدا، فعليه القصاص. نص عليه أحمد. ~~والولي مخير بين قتله والعفو عنه، فإن اختار القصاص، قدم على قتل الردة، ~~سواء تقدمت الردة أو تأخرت؛ لأنه حق آدمي، وإن عفا على مال وجبت الدية في ~~ماله. وإن كان القتل خطأ، وجبت الدية في ماله؛ لأنه لا عاقلة له. قال ~~القاضي: وتؤخذ منه الدية في ثلاث سنين؛ لأنها دية الخطإ، فإن قتل أو مات، ~~أخذت من ماله في الحال؛ لأن الدين المؤجل يحل بالموت في حق من لا وارث له. ~~ويحتمل أن تجب الدية عليه حالة؛ لأنها ms4795 إنما أجلت في حق العاقلة تخفيفا ~~عليهم، لأنهم يحملون عن غيرهم على سبيل المواساة، فأما الجاني، فتجب عليه ~~حالة؛ لأنها بدل عن متلف، فكانت حالة، كسائر أبدال المتلفات. ### | [مسألة من أسلم من الأبوين كان أولاده الأصاغر تبعا له] # (7107) مسألة: قال: (ومن أسلم من الأبوين، كان أولاده الأصاغر تبعا له) ~~وبهذا قال الشافعي. وقال أصحاب الرأي: إذا أسلم أبواه أو أحدهما، وأدرك ~~فأبى الإسلام، أجبر عليه، ولم يقتل. وقال مالك: إن أسلم الأب، تبعه أولاده، ~~وإن أسلمت الأم لم يتبعوها؛ لأن ولد الحربيين يتبع أباه دون أمه، بدليل ~~الموليين إذا كان لهما ولد، كان ولاؤه لمولى أبيه دون مولى أمه، ولو كان ~~الأب عبدا أو الأم مولاة، فأعتق العبد، لجر ولاء ولده إلى مواليه، ولأن ~~الولد يشرف بشرف أبيه، وينتسب إلى قبيلته دون قبيلة أمه، فوجب أن يتبع أباه ~~في دينه أي دين كان. # وقال الثوري إذا بلغ خير بين دين أبيه ودين أمه، فأيهما اختاره كان على ~~دينه. ولعله يحتج بحديث الغلام الذي أسلم أبوه، وأبت أمه أن تسلم، فخيره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أبيه وأمه. ولنا أن الولد يتبع أبويه في ~~الدين، فإن اختلفا، وجب أن يتبع المسلم منهما، كولد المسلم من الكتابية، ~~ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى، ويترجح الإسلام بأشياء؛ منها أنه دين الله ~~الذي رضيه لعباده، وبعث به رسله دعاة لخلقه إليه، ومنها أنه تحصل به ~~السعادة في الدنيا والآخرة، ويتخلص به في الدنيا من القتل والاسترقاق وأداء ~~الجزية، وفي الآخرة من سخط الله وعذابه، ومنها أن الدار دار الإسلام يحكم ~~بإسلام لقيطها، ومن لا يعرف حاله فيها، وإذا كان محكوما بإسلامه، أجبر عليه ~~إذا امتنع منه بالقتل، كولد المسلمين، # PageV09P018 # ولأنه مسلم فإذا رجع عن إسلامه، وجب قتله؛ لقوله - عليه السلام - «من بدل ~~دينه فاقتلوه» ، وبالقياس على غيره. # ولنا، على مالك، أن الأم أحد الأبوين، فيتبعها ولدها في الإسلام، كالأب، ~~بل الأم أولى به، لأنها أخص به، لأنه مخلوق منها حقيقة، وتختص بحمله ~~ورضاعه، ويتبعها ms4796 في الرق والحرية والتدبير والكتابة، ولأن سائر الحيوانات ~~يتبع الولد أمه دون أبيه، وهذا يعارض ما ذكره. وأما تخيير الغلام، فهو في ~~الحضانة لا في الدين. ### | [مسألة مات أحد الأبوين على كفره] # مسألة: قال: (وكذلك من مات من الأبوين على كفره، قسم له الميراث؛ وكان ~~مسلما بموت من مات منهما) يعني، إذا مات أحد أبوي الولد الكافرين، صار ~~الولد مسلما بموته، وقسم له الميراث. وأكثر الفقهاء على أنه لا يحكم ~~بإسلامه بموتهما ولا موت أحدهما؛ لأنه يثبت كفره تبعا، ولم يوجد منه إسلام، ~~ولا ممن هو تابع له فوجب إبقاؤه على ما كان عليه، ولأنه لم ينقل عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من خلفائه، أنه أجبر أحدا من أهل الذمة ~~على الإسلام بموت أبيه، مع أنه لم يخل زمنهم عن موت بعض أهل الذمة عن يتيم. # ولنا، قول النبي: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه» . متفق عليه. فجعل كفره بفعل أبويه، فإذا مات أحدهما، انقطعت ~~التبعية، فوجب إبقاؤه على الفطرة التي ولد عليها، ولأن المسألة مفروضة فيمن ~~مات أبوه في دار الإسلام، وقضية الدار الحكم بإسلام أهلها، ولذلك حكمنا ~~بإسلام لقيطها، وإنما ثبت الكفر للطفل الذي له أبوان، فإذا عدما أو أحدهما، ~~وجب إبقاؤه على حكم الدار، لانقطاع تبعيته لمن يكفر بها، وإنما قسم له ~~الميراث، لأن إسلامه إنما ثبت بموت أبيه الذي استحق به الميراث، فهو سبب ~~لهما، فلم يتقدم الإسلام المانع من الميراث على استحقاقه، ولأن الحرية ~~المعلقة بالموت لا توجب الميراث فيما إذا قال سيد العبد له: إذا مات أبوك ~~فأنت حر. فمات أبوه، فإنه يعتق ولا يرث، فيجب أن يكون الإسلام المعلق ~~بالموت لا يمنع الميراث، وهذا فيما إذا كان في دار الإسلام؛ لأنه متى ~~انقطعت تبعيته لأبويه أو أحدهما، ثبت له حكم الدار، فأما دار الحرب، فلا ~~نحكم بإسلام ولد الكافرين فيها بموتهما، ولا موت أحدهما؛ لأن الدار لا يحكم ~~بإسلام أهلها، وكذلك لم نحكم بإسلام لقيطها. # PageV09P019 ### | [مسألة ms4797 شهد عليه بالردة فقال ما كفرت] ### | [الفصل الأول شهد عليه بالردة من تثبت الردة بشهادته فأنكر] # (7109) مسألة: قال: (ومن شهد عليه بالردة، فقال: ما كفرت. فإن شهد أن لا ~~إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لم يكشف عن شيء) الكلام في هذه المسألة ~~في فصلين (7110) : الفصل الأول: أنه إذا شهد عليه بالردة من تثبت الردة ~~بشهادته، فأنكر، لم يقبل إنكاره واستتيب، فإن تاب، وإلا قتل. وحكي عن بعض ~~أصحاب أبي حنيفة، أن إنكاره يكفي في الرجوع إلى الإسلام، ولا يلزمه النطق ~~بالشهادة؛ لأنه لو أقر بالكفر ثم أنكره، قبل منه، ولم يكلف الشهادتين، كذا ~~هاهنا. # ولنا، ما روى الأثرم بإسناده عن علي - رضي الله عنه -، أنه أتي برجل عربي ~~قد تنصر، فاستتابه، فأبى أن يتوب، فقتله، وأتي برهط يصلون وهم زنادقة، وقد ~~قامت عليهم بذلك الشهود العدول، فجحدوا، وقالوا: ليس لنا دين إلا الإسلام. ~~فقتلهم، ولم يستتبهم، ثم قال: أتدرون لم استتبت النصراني؟ استتبته لأنه ~~أظهر دينه، فأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة، فإنما قتلتهم لأنهم ~~جحدوا، وقد قامت عليهم البينة. ولأنه قد ثبت كفره، فلم يحكم بإسلامه بدون ~~الشهادتين، كالكافر الأصلي، ولأن إنكاره تكذيب للبينة، فلم تسمع كسائر ~~الدعاوى. فأما إذا أقر بالكفر ثم أنكر، فيحتمل أن نقول فيه كمسألتنا، وإن ~~سلمنا، فالفرق بينهما أن الحد وجب بقوله، فقبل رجوعه عنه، وما ثبت بالبينة ~~لم يثبت بقوله، فلا يقبل رجوعه عنه، كالزنى، لو ثبت بقوله فرجع، كف عنه، ~~وإن ثبت ببينة، لم يقبل رجوعه. ### | [فصل الشهادة على الردة] # (7111) فصل: وتقبل الشهادة على الردة من عدلين، في قول أكثر أهل العلم. ~~وبه يقول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: ولا ~~نعلم أحدا خالفهم، إلا الحسن، قال: لا يقبل في القتل إلا أربعة؛ لأنها ~~شهادة بما يوجب القتل، فلم يقبل فيها إلا أربعة، قياسا على الزنى. # ولنا، أنها شهادة في غير الزنى، فقبلت من عدلين، كالشهادة على السرقة، ~~ولا يصح قياسه على الزنى، فإنه لم يعتبر فيه الأربعة ms4798 لعلة القتل، بدليل ~~اعتبار ذلك في زنى البكر، ولا قتل فيه، وإنما العلة كونه زنى، ولم يوجد ذلك ~~في الردة، ثم الفرق بينهما أن القذف بالزنى يوجب ثمانين جلدة، بخلاف القذف ~~بالردة. # PageV09P020 ### | [الفصل الثاني ثبتت ردته بالبينة أو غيرها فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله] # (7112) الفصل الثاني: أنه إذا ثبتت ردته بالبينة، أو غيرها فشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لم يكشف عن صحة ما شهد عليه به، وخلي ~~سبيله، ولا يكلف الإقرار بما نسب إليه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني ~~دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل» . متفق عليه. ولأن ~~هذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي فكذلك إسلام المرتد، ولا حاجة مع ثبوت ~~إسلامه إلى الكشف عن صحة ردته. # وكلام الخرقي محمول على من كفر بجحد الوحدانية، أو جحد رسالة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - أو جحدهما معا، فأما من كفر بغير هذا، فلا يحصل إسلامه ~~إلا بالإقرار بما جحده. ومن أقر برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنكر ~~كونه مبعوثا إلى العالمين، لا يثبت إسلامه حتى يشهد أن محمدا رسول الله إلى ~~الخلق أجمعين، أو يتبرأ مع الشهادتين من كل دين يخالف الإسلام. وإن زعم أن ~~محمدا رسول مبعوث بعد غير هذا، لزمه الإقرار بأن هذا المبعوث هو رسول الله؛ ~~لأنه إذا اقتصر على الشهادتين، احتمل أنه أراد ما اعتقده. وإن ارتد بجحود ~~فرض، لم يسلم حتى يقر بما جحده، ويعيد الشهادتين؛ لأنه كذب الله ورسوله بما ~~اعتقده. وكذلك إن جحد نبيا، أو آية من كتاب الله تعالى، أو كتابا من كتبه، ~~أو ملكا من ملائكته الذين ثبت أنهم ملائكة الله، أو استباح محرما، فلا بد ~~في إسلامه من الإقرار بما جحده. # وأما الكافر بجحد الدين من أصله، إذا شهد أن محمدا رسول الله، واقتصر على ~~ذلك، ففيه روايتان؛ إحداهما، يحكم بإسلامه؛ لأنه ms4799 روي «أن يهوديا قال: أشهد ~~أن محمدا رسول الله. ثم مات، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلوا على ~~صاحبكم.» ولأنه لا يقر برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا وهو مقر بمن ~~أرسله، وبتوحيده؛ لأنه صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به، وقد ~~جاء بتوحيده. والثانية، أنه إن كان مقرا بالتوحيد كاليهود، حكم بإسلامه؛ ~~لأن توحيد الله ثابت في حقه، وقد ضم إليه الإقرار برسالة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - فكمل إسلامه، وإن كان غير موحد، كالنصارى والمجوس والوثنيين، ~~لم يحكم بإسلامه، حتى يشهد أن لا إله إلا الله. وبهذا جاءت أكثر الأخبار، ~~وهو الصحيح؛ لأن من جحد شيئين لا يزول جحدهما إلا بإقراره بهما جميعا. وإن ~~قال: أشهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رسول الله. لم # PageV09P021 # نحكم بإسلامه؛ لأنه يحتمل أن يريد غير نبينا. # وإن قال: أنا مؤمن أو أنا مسلم. فقال القاضي: يحكم بإسلامه بهذا، وإن لم ~~يلفظ بالشهادتين؛ لأنهما اسمان لشيء معلوم معروف وهو الشهادتان، فإذا أخبر ~~عن نفسه بما تضمن الشهادتين، كان مخبرا بهما. وروى المقداد، أنه قال: «يا ~~رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار، فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف، ~~فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت. أفأقتله يا رسول الله بعد أن ~~قالها؟ قال: لا تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته ~~قبل أن يقول كلمته التي قالها» . # وعن عمران بن حصين. قال: «أصاب المسلمون رجلا من بني عقيل، فأتوا به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد، إني مسلم. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: لو كنت قلت وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح» . ~~رواهما مسلم. ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي، أو من جحد الوحدانية أما من ~~كفر بجحد نبي أو كتاب أو فريضة ونحوها، فلا يصير مسلما بذلك؛ لأنه ربما ~~اعتقد أن الإسلام ما هو عليه، فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم ~~المسلمون، ومنهم من هو كافر. ### | [فصل أتى الكافر ms4800 بالشهادتين ثم قال لم أرد الإسلام] # (7113) فصل: وإذا أتى الكافر بالشهادتين، ثم قال: لم أرد الإسلام فقد صار ~~مرتدا، ويجبر على الإسلام. نص عليه أحمد في رواية جماعة. ونقل عن أحمد، أنه ~~يقبل منه، ولا يجبر على الإسلام؛ لأنه يحتمل الصدق، فلا يراق دمه بالشبهة، ~~والأول أولى؛ لأنه قد حكم بإسلامه، فيقتل إذا رجع كما لو طالت مدته. ### | [فصل صلاة الكافر] # (7114) فصل: وإذا صلى الكافر، حكم بإسلامه، سواء كان في دار الحرب أو دار ~~الإسلام أو صلى جماعة أو فرادى. وقال الشافعي: إن صلى في دار الحرب، حكم ~~بإسلامه، وإن صلى في دار الإسلام، لم يحكم بإسلامه؛ لأنه يحتمل أنه صلى ~~رياء وتقية. ولنا أن ما كان إسلاما في دار الحرب كان إسلاما في دار ~~الإسلام، كالشهادتين، ولأن الصلاة ركن يختص به الإسلام، فحكم بإسلامه به ~~كالشهادتين. واحتمال التقية والرياء، يبطل بالشهادتين. وسواء كان أصليا أو ~~مرتدا. وأما سائر الأركان، من الزكاة والصيام والحج، فلا يحكم بإسلامه به، ~~فإن المشركين كانوا يحجون في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~منعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لا يحج بعد العام مشرك.» ~~والزكاة صدقة، وهم يتصدقون. # وقد فرض على نصارى بني تغلب من الزكاة مثلي ما يؤخذ من المسلمين، ولم ~~يصيروا بذلك مسلمين، وأما الصيام فلكل أهل دين صيام، ولأن الصيام ليس بفعل، ~~إنما هو إمساك عن أفعال مخصوصة في وقت مخصوص، وقد يتفق هذا من الكافر، ~~كاتفاقه من المسلم، ولا عبرة # PageV09P022 # بنية الصيام؛ لأنها أمر باطن لا علم لنا به، بخلاف الصلاة، فإنها أفعال ~~تتميز عن أفعال الكفار، ويختص بها أهل الإسلام، ولا يثبت الإسلام حتى يأتي ~~بصلاة يتميز بها عن صلاة الكفار، من استقبال قبلتنا، والركوع، والسجود، ولا ~~يحصل بمجرد القيام؛ لأنهم يقومون في صلاتهم. # ولا فرق بين الأصلي والمرتد في هذا؛ لأن ما حصل به الإسلام في الأصلي، ~~حصل به في حق المرتد كالشهادتين. فعلى هذا، لو مات المرتد فأقام ورثته بينة ~~أنه صلى بعد ردته، ms4801 حكم لهم بالميراث، إلا أن يثبت أنه ارتد بعد صلاته أو ~~تكون ردته بجحد فريضة، أو كتاب، أو نبي، أو ملك، أو نحو ذلك من البدع التي ~~ينتسب أهلها إلى الإسلام، فإنه لا يحكم بإسلامه بصلاته؛ لأنه يعتقد وجوب ~~الصلاة، ويفعلها مع كفره، فأشبه فعله غيرها. والله أعلم. ### | [فصل أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه] # (7115) فصل: وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه، كالذمي والمستأمن، ~~فأسلم، لم يثبت له حكم الإسلام، حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا، مثل ~~أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه. فإن مات قبل ذلك، فحكمه حكم ~~الكفار. وإن رجع إلى دين الكفر، لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام. # وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال محمد بن الحسن: يصير مسلما في ~~الظاهر، وإن رجع عنه قتل إذا امتنع عن الإسلام لعموم قوله: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها.» ولأنه أتى بقول الحق، فلزمه حكمه كالحربي إذا أكره ~~عليه. ولنا، أنه أكره على ما لا يجوز إكراهه عليه، فلم يثبت حكمه في حقه، ~~كالمسلم إذا أكره على الكفر، والدليل على تحريم الإكراه قوله تعالى: {لا ~~إكراه في الدين} [البقرة: 256] . وأجمع أهل العلم على أن الذمي - إذا أقام ~~على ما عوهد عليه -، والمستأمن لا يجوز نقض عهده، ولا إكراهه على ما لم ~~يلتزمه. # ولأنه أكره على ما لا يجوز إكراهه عليه، فلم يثبت حكمه في حقه، كالإقرار ~~والعتق. وفارق الحربي والمرتد؛ فإنه يجوز قتلهما، وإكراههما على الإسلام، ~~بأن يقول: إن أسلمت وإلا قتلناك. فمتى أسلم، حكم بإسلامه ظاهرا. وإن مات ~~قبل زوال الإكراه عنه، فحكمه حكم المسلمين؛ لأنه أكره بحق، فحكم بصحة ما ~~يأتي به، كما لو أكره المسلم على الصلاة فصلى، # PageV09P023 # وأما في الباطن، فيما بينهم وبين ربهم، فإن من اعتقد الإسلام بقلبه، ~~وأسلم فيما بينه وبين الله تعالى، فهو مسلم عند الله، موعود بما وعد به من ~~أسلم ms4802 طائعا، ومن لم يعتقد الإسلام بقلبه، فهو باق على كفره، لا حظ له في ~~الإسلام، سواء في هذا من يجوز إكراهه، ومن لا يجوز إكراهه، فإن الإسلام لا ~~يحصل بدون اعتقاده من العاقل، بدليل أن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام، ~~ويقومون بفرائضه، ولم يكونوا مسلمين. ### | [فصل أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر] # (7116) فصل: ومن أكره على الكفر، فأتى بكلمة الكفر، لم يصر كافرا. وبهذا ~~قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي. وقال محمد بن الحسن: هو كافر في الظاهر، ~~تبين منه امرأته، ولا يرثه المسلمون إن مات، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، وهو ~~مسلم فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نطق بكلمة الكفر، فأشبه المختار. ~~ولنا قول الله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله} [النحل: 106] وروي «أن عمارا أخذه ~~المشركون، فضربوه حتى تكلم بما طلبوا منه، ثم أتى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو يبكي، فأخبره، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن عادوا ~~فعد» . # وروي أن الكفار كانوا يعذبون المستضعفين من المؤمنين، فما منهم أحد إلا ~~أجابهم، إلا بلال، فإنه كان يقول: أحد. أحد. وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «عفي لأمتي عن الخطإ والنسيان، وما استكرهوا عليه.» ولأنه قول أكره ~~عليه بغير حق، فلم يثبت حكمه، كما لو أكره على الإقرار، وفارق ما إذا أكره ~~بحق، فإنه خير بين أمرين يلزمه أحدهما، فأيهما اختاره ثبت حكمه في حقه. ~~فإذا ثبت أنه لم يكفر، فمتى زال عنه الإكراه، أمر بإظهار إسلامه، فإن أظهره ~~فهو باق على إسلامه، وإن أظهر الكفر حكم أنه كفر من حين نطق به؛ لأننا ~~تبينا بذلك أنه كان منشرح الصدر بالكفر من حين نطق به، مختارا له. # وإن قامت عليه بينة أنه نطق بكلمة الكفر، وكان محبوسا عند الكفار، ومقيدا ~~عندهم في حالة خوف، لم يحكم بردته؛ لأن ذلك ظاهر في الإكراه. وإن شهدت أنه ~~كان آمنا حال نطقه به، حكم بردته. فإن ادعى ورثته رجوعه إلى ms4803 الإسلام، لم ~~يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل بقاؤه على ما هو عليه. وإن شهدت البينة عليه ~~بأكل لحم الخنزير، لم يحكم بردته؛ لأنه قد يأكله معتقدا تحريمه، كما يشرب ~~الخمر من يعتقد تحريمها. # وإن # PageV09P024 # قال بعض ورثته: أكله مستحلا له. أو أقر بردته، حرم ميراثه؛ لأنه مقر بأنه ~~لا يستحقه، ويدفع إلى مدعي إسلامه قدر ميراثه؛ لأنه لا يدعي أكثر منه، ~~ويدفع الباقي إلى بيت المال؛ لعدم من يستحقه، فإن كان في الورثة صغير أو ~~مجنون، دفع إليه نصيبه، ونصيب المقر بردة الموروث؛ لأنه لم تثبت ردته ~~بالنسبة إليه. ### | [فصل أكره على كلمة الكفر] # (7117) فصل: ومن أكره على كلمة الكفر، فالأفضل له أن يصبر ولا يقولها، ~~وإن أتى ذلك على نفسه؛ لما روى خباب، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إن كان الرجل من قبلكم ليحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بمنشار، ~~فيوضع على شق رأسه، ويشق باثنين، ما يمنعه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط ~~الحديد ما دون عظمه من لحم، ما يصرفه ذلك عن دينه.» وجاء تفسير قوله تعالى: ~~{قتل أصحاب الأخدود - النار ذات الوقود - إذ هم عليها قعود} [البروج: 4 - ~~6] {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود} [البروج: 7] أن بعض ملوك الكفار، ~~أخذ قوما من المؤمنين، فخد لهم أخدودا في الأرض، وأوقد فيه نارا، ثم قال: ~~من لم يرجع عن دينه فألقوه في النار. فجعلوا يلقونهم فيها، حتى جاءت امرأة ~~على كتفها صبي لها، فتقاعست من أجل الصبي، فقال الصبي: يا أمه اصبري، فإنك ~~على الحق. # فذكرهم الله تعالى في كتابه وروى الأثرم، عن أبي عبد الله، أنه سئل عن ~~الرجل يؤسر، فيعرض على الكفر، ويكره عليه، أله أن يرتد؟ فكرهه كراهة شديدة، ~~وقال ما يشبه هذا عندي الذين أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاءوا، ~~وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر، وترك دينهم. وذلك لأن الذي يكره ~~على كلمة يقولها ثم يخلى، ms4804 لا ضرر فيها، وهذا المقيم بينهم، يلتزم بإجابتهم ~~إلى الكفر المقام عليه، واستحلال المحرمات، وترك الفرائض والواجبات، وفعل ~~المحظورات والمنكرات، وإن كان امرأة تزوجوها، واستولدوها أولادا كفارا، ~~وكذلك الرجل، وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي، والانسلاخ من الدين ~~الحنيفي. ### | [مسألة ارتد وهو سكران] # (7118) مسألة: قال: (ومن ارتد وهو سكران، لم يقتل حتى يفيق، ويتم له ~~ثلاثة أيام من وقت ردته، فإن مات في سكره، مات كافرا) اختلفت الرواية عن ~~أحمد، في ردة السكران؛ فروي عنه أنها تصح. قال أبو الخطاب: وهو أظهر # PageV09P025 # الروايتين عنه. وهو مذهب الشافعي. وعنه، لا يصح. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن ~~ذلك يتعلق بالاعتقاد والقصد، والسكران لا يصح عقده ولا قصده، فأشبه ~~المعتوه، ولأنه زائل العقل، فلم تصح ردته كالنائم، ولأنه غير مكلف، فلم تصح ~~ردته كالمجنون. والدليل على أنه غير مكلف، أن العقل شرط في التكليف، وهو ~~معدوم في حقه، ولهذا لم تصح استتابته. # ولنا، أن الصحابة - رضي الله عنهم -، قالوا في السكران: إذا سكر هذى، ~~وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري. فأوجبوا عليه حد الفرية التي يأتي بها ~~في سكره، وأقاموا مظنتها مقامها، ولأنه يصح طلاقه، فصحت ردته كالصاحي. ~~وقولهم " ليس بمكلف " ممنوع فإن الصلاة واجبة عليه، وكذلك سائر أركان ~~الإسلام، ويأثم بفعل المحرمات. وهذا معنى التكليف، ولأن السكران لا يزول ~~عقله بالكلية، ولهذا يتقي المحذورات، ويفرح بما يسره، ويساء بما يضره، ~~ويزول سكره عن قرب من الزمان، فأشبه الناعس، بخلاف النائم والمجنون، وأما ~~استتابته فتؤخر إلى حين صحوه، ليكمل عقله، ويفهم ما يقال له، وتزال شبهته ~~إن كان قد قال الكفر معتقدا له، كما تؤخر استتابته إلى حين زوال شدة عطشه ~~وجوعه، ويؤخر الصبي إلى حين بلوغه وكمال عقله، ولأن القتل جعل للزجر، ولا ~~يحصل الزجر في حال سكره. # وإن قتله قاتل في حال سكره لم يضمنه؛ لأن عصمته زالت بردته. وإن مات أو ~~قتل، لم يرثه ورثته، ولا يقتله حتى يتم له ثلاثة أيام، ابتداؤها من حين ~~ارتد، فإن استمر سكره أكثر ms4805 من ثلاث، لم يقبل حتى يصحو، ثم يستتاب عقيب ~~صحوه، فإن تاب وإلا قتل في الحال. وإن أسلم في سكره صح إسلامه، ثم يسأل بعد ~~صحوه، فإن ثبت على إسلامه، فهو مسلم من حين أسلم؛ لأن إسلامه صحيح، وإن كفر ~~فهو كافر من الآن؛ لأن إسلامه صح، وإنما يسأل استظهارا، وإن مات بعد إسلامه ~~في سكره، مات مسلما. ### | [فصل إسلام السكران] # (7119) فصل: ويصح إسلام السكران في سكره؛ سواء كان كافرا أصليا أو مرتدا؛ ~~لأنه إذا صحت ردته مع أنها محض مضرة، وقول باطل، فلأن يصح إسلامه، الذي هو ~~قول حق، ومحض مصلحة، أولى. فإن رجع عن إسلامه، وقال: لم أدر ما قلت. لم ~~يلتفت إلى مقالته، وأجبر على الإسلام، فإن أسلم، وإلا قتل ويتخرج أن لا يصح ~~إسلامه، بناء على القول بأن ردته لا تصح، فإن من لا تصح ردته، لا يصح ~~إسلامه، كالطفل والمعتوه. ### | [فصل ردة المجنون] # (7120) فصل: ولا تصح ردة المجنون ولا إسلامه؛ لأنه لا قول له. وإن ارتد ~~في صحته، ثم جن، لم يقتل في حال جنونه؛ # PageV09P026 # لأنه يقتل بالإصرار على الردة، والمجنون لا يوصف بالإصرار، ولا يمكن ~~استتابته. ولو وجب عليه القصاص فجن قتل؛ لأن القصاص لا يسقط عنه بسبب من ~~جهته، وها هنا يسقط برجوعه، ولأن القصاص إنما يسقط بسبب من جهة المستحق له، ~~فنظير مسألتنا أن يجن المستحق للقصاص، فإنه لا يستوفي حال جنونه. ### | [فصل أصاب حدا ثم ارتد ثم أسلم] # (7121) فصل: ومن أصاب حدا ثم ارتد ثم أسلم، أقيم عليه حده. وبهذا قال ~~الشافعي، سواء لحق بدار الحرب في ردته، أو لم يلحق بها. وقال قتادة، في ~~مسلم أحدث حدثا، ثم لحق بالروم، ثم قدر عليه: إن كان ارتد درئ عنه الحد، ~~وإن لم يكن ارتد، أقيم عليه. ونحو هذا قال أبو حنيفة، والثوري، إلا حقوق ~~الناس؛ لأن ردته أحبطت عمله، فأسقطت ما عليه من حقوق الله تعالى، كمن فعل ~~ذلك في حال شركه، ولأن الإسلام يجب ما قبله. ولنا، أنه حق عليه، ms4806 فلم يسقط ~~بردته، كحقوق الآدميين. # وفارق ما فعله في شركه، فإنه لم يثبت حكمه في حقه. وأما قوله: «الإسلام ~~يجب ما قبله» . فالمراد به ما فعله في كفره؛ لأنه لو أراد ما قبل ردته، ~~أفضى إلى كون الردة - التي هي أعظم الذنوب - مكفرة للذنوب، وأن من كثرت ~~ذنوبه ولزمته حدود يكفر ثم يسلم فتكفر ذنوبه، وتسقط حدوده. ### | [فصل حكم ما فعله المرتد حال ردته] # (7122) فصل: فأما ما فعله في ردته، فقد نقل مهنا عن أحمد، قال: سألته عن ~~رجل ارتد عن الإسلام فقطع الطريق، وقتل النفس، ثم لحق بدار الحرب، فأخذه ~~المسلمون. فقال: تقام فيه الحدود ويقتص منه. وسألته عن رجل ارتد فلحق بدار ~~الحرب، فقتل بها مسلما، ثم رجع تائبا، وقد أسلم، فأخذه وليه، يكون عليه ~~القصاص؟ فقال: قد زال عنه الحكم؛ لأنه إنما قتل وهو مشرك، وكذلك إن سرق وهو ~~مشرك. ثم توقف بعد ذلك. وقال: لا أقول في هذا شيئا. # وقال القاضي: ما أصاب في ردته من نفس أو مال أو جرح، فعليه ضمانه سواء ~~كان في منعة وجماعة أو لم يكن؛ لأنه التزم حكم الإسلام بإقراره، فلم يسقط ~~بجحده، كما لا يسقط ما التزمه عند الحاكم بجحده. والصحيح أن ما أصابه ~~المرتد بعد لحوقه بدار الحرب أو كونه في جماعة ممتنعة، لا يضمنه؛ لما ~~ذكرناه في آخر الباب الذي قبل هذا، وما فعله قبل هذا، أخذ به، إذا كان مما ~~يتعلق به حق آدمي، كالجناية على # PageV09P027 # نفس أو مال؛ لأنه في دار الإسلام، فلزمه حكم جنايته، كالذمي والمستأمن. ~~وأما إن ارتكب حدا خالصا لله تعالى، كالزنى، وشرب الخمر، والسرقة، فإنه إن ~~قتل بالردة، سقط ما سوى القتل من الحدود؛ لأنه متى اجتمع مع القتل حد، ~~اكتفي بالقتل، وإن رجع إلى الإسلام، أخذ بحد الزنى والسرقة؛ لأنه من أهل ~~دار الإسلام، فأخذ بهما، كالذمي والمستأمن. # وأما حد الخمر، فيحتمل أن لا يجب عليه لأنه كافر، فلا يقام عليه حد الخمر ~~كسائر الكفار. ويحتمل أن يجب؛ لأنه أقر ms4807 بحكم الإسلام قبل ردته، وهذا من ~~أحكامه، فلم يسقط بجحده بعده. والله أعلم. ### | [فصل ادعى النبوة أو صدق من ادعاه] # (7123) فصل: ومن ادعى النبوة، أو صدق من ادعاه، فقد ارتد؛ لأن مسيلمة لما ~~ادعى النبوة، فصدقه قومه، صاروا بذلك مرتدين، وكذلك طليحة الأسدي ومصدقوه. ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون ~~كذابون، كلهم يزعم أنه رسول الله.» ### | [فصل سب الله تعالى] # (7124) فصل: ومن سب الله تعالى، كفر، سواء كان مازحا أو جادا. وكذلك من ~~استهزأ بالله تعالى، أو بآياته أو برسله، أو كتبه، قال الله تعالى: {ولئن ~~سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} ~~[التوبة: 65] {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 66] . وينبغي أن ~~لا يكتفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام، حتى يؤدب أدبا يزجره عن ذلك، فإنه ~~إذا لم يكتف ممن سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوبة فممن سب الله ~~تعالى أولى. ### | [فصل السحر] # (7125) فصل: في السحر: وهو عقد ورقى وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل ~~شيئا في بدن المسحور أو قلبه، أو عقله، من غير مباشرة له. وله حقيقة، فمنه ~~ما يقتل، وما يمرض، ويأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنه ما يفرق بين ~~المرء وزوجه، وما يبغض أحدهما إلى الآخر، أو يحبب بين اثنين. وهذا قول ~~الشافعي. وذهب بعض أصحابه إلى أنه لا حقيقة له، إنما هو تخييل؛ لأن الله ~~تعالى قال: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} [طه: 66] . وقال أصحاب أبي ~~حنيفة: إن كان شيئا يصل إلى بدن المسحور، كدخان ونحوه، جاز أن يحصل منه ~~ذلك، فأما أن يحصل المرض والموت من غير أن يصل إلى بدنه شيء، فلا يجوز ذلك؛ ~~لأنه # PageV09P028 # لو جاز، لبطلت معجزات الأنبياء - عليهم السلام -؛ لأن ذلك يخرق العادات، ~~فإذا جاز من غير الأنبياء، بطلت معجزاتهم وأدلتهم. # ولنا، قول الله تعالى: {قل أعوذ برب الفلق} [الفلق: 1] {من شر ما خلق} ~~[الفلق: 2] {ومن شر غاسق إذا وقب} [الفلق: 3] {ومن شر ms4808 النفاثات في العقد} ~~[الفلق: 4] يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، وينفثن عليه، ولولا أن ~~السحر له حقيقة، لما أمر الله تعالى بالاستعاذة منه. وقال الله تعالى: ~~{يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: ~~102] . إلى قوله: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} [البقرة: ~~102] . وروت عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سحر، حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله وأنه قال لها ذات يوم: ~~أشعرت أن الله تعالى أفتاني فيما استفتيته؟ أنه أتاني ملكان فجلس أحدهما ~~عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب قال: من طبه؟ ~~قال: لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة، في جف طلعة ذكر، في بئر ذي أروان.» ~~ذكره البخاري، وغيره. جف الطلعة: وعاؤها. والمشاطة: الشعر الذي يخرج من شعر ~~الرأس أو غيره إذا مشط. فقد أثبت لهم سحرا. # وقد اشتهر بين الناس وجود عقد الرجل عن امرأته حين يتزوجها فلا يقدر على ~~إتيانها، وحل عقده، فيقدر عليها بعد عجزه عنها، حتى صار متواترا لا يمكن ~~جحده. وروي من أخبار السحرة ما لا يكاد يمكن التواطؤ على الكذب فيه. وأما ~~إبطال المعجزات، فلا يلزم من هذا؛ لأنه لا يبلغ ما يأتي به الأنبياء - ~~عليهم السلام -، وليس يلزم أن ينتهي إلى أن تسعى العصي والحبال. إذا ثبت ~~هذا، فإن تعلم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم. قال ~~أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه وفعله، سواء اعتقد تحريمه أو إباحته. # وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر، فإن حنبلا روي عنه، قال: قال عمي ~~في العراف والكاهن والساحر: أرى أن يستتاب من هذه الأفاعيل كلها، فإنه عندي ~~في معنى المرتد، فإن تاب وراجع يعني يخلى سبيله. قلت له: يقتل؟ قال: لا، ~~يحبس، لعله يرجع. قلت له: لم لا تقتله؟ قال: إذا كان يصلي، لعله يتوب ~~ويرجع. وهذا يدل على أنه لم يكفره لأنه لو كفره لقتله. وقوله في معنى ~~المرتد. يعني ms4809 الاستتابة. وقال أصحاب أبي حنيفة: إن اعتقد أن الشياطين تفعل ~~له ما يشاء، كفر، وإن اعتقد أنه تخييل لم يكفر. # وقال الشافعي إن اعتقد ما يوجب الكفر، مثل التقرب إلى الكواكب السبعة، ~~وأنها تفعل ما يلتمس، أو اعتقد حل السحر، كفر؛ لأن القرآن نطق بتحريمه، ~~وثبت بالنقل المتواتر والإجماع عليه، وإلا فسق # PageV09P029 # ولم يكفر؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - باعت مدبرة لها سحرتها، بمحضر من ~~الصحابة. ولو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها، ولم يجز استرقاقها، ولأنه شيء ~~يضر بالناس، فلم يكفر بمجرده كأذاهم. ولنا قول الله تعالى: {واتبعوا ما ~~تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} ~~[البقرة: 102] . إلى قوله: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا ~~تكفر} [البقرة: 102] . أي وما كفر سليمان، أي وما كان ساحرا كفر بسحره. # وقولهما: إنما نحن فتنة فلا تكفر. أي لا تتعلمه فتكفر بذلك، وقد روى هشام ~~بن عروة عن أبيه، عن عائشة، أن امرأة جاءتها، فجعلت تبكي بكاء شديدا، ~~وقالت: يا أم المؤمنين، إن عجوزا ذهبت بي إلى هاروت وماروت. فقلت: علماني ~~السحر. فقالا: اتقي الله ولا تكفري، فإنك على رأس أمرك. فقلت: علماني ~~السحر. فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور، فبولي فيه. ففعلت، فرأيت كأن فارسا ~~مقنعا في الحديد خرج مني حتى طار، فغاب في السماء، فرجعت إليهما، ~~فأخبرتهما، فقالا: ذلك إيمانك. فذكرت باقي القصة إلى أن قالت: والله يا أم ~~المؤمنين ما صنعت شيئا غير هذا، ولا أصنعه أبدا فهل لي من توبة؟ قالت ~~عائشة: ورأيتها تبكي بكاء شديدا، فطافت في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهم متوافرون - تسألهم، هل لها من توبة؟ فما أفتاها أحد، إلا أن ابن ~~عباس قال لها: إن كان أحد من أبويك حيا، فبريه، وأكثري من عمل البر ما ~~استطعت. # وقول عائشة قد خالفها فيه كثير من الصحابة، وقال علي - رضي الله عنه - ~~الساحر كافر ويحتمل أن المدبرة تابت فسقط عنها القتل والكفر بتوبتها. ~~ويحتمل أنها سحرتها، بمعنى أنها ms4810 ذهبت إلى ساحر سحر لها. ### | [فصل حد الساحر] # (7126) فصل: وحد الساحر القتل. روي ذلك عن عمر، وعثمان بن عفان، وابن ~~عمر، وحفصة، وجندب بن عبد الله، وجندب بن كعب وقيس بن سعد، وعمر بن عبد ~~العزيز. وهو قول أبي حنيفة ومالك. ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر. ~~وهو قول ابن المنذر، ورواية عن أحمد قد ذكرناها فيما تقدم، ووجه ذلك، أن ~~عائشة - رضي الله عنها -، باعت مدبرة سحرتها، ولو وجب قتلها لما حل بيعها، ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ~~ثلاث؛ كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق» . ولم يصدر منه ~~أحد الثلاثة، فوجب أن لا يحل دمه. # ولنا، ما روى جندب بن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «حد الساحر، ضربه # PageV09P030 # بالسيف.» قال ابن المنذر: رواه إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف.، وروى سعيد، ~~وأبو داود في " كتابيهما "، عن بجالة قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم ~~الأحنف بن قيس، إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر. فقتلنا ~~ثلاث سواحر في يوم، وهذا اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعا، وقتلت حفصة جارية ~~لها سحرتها. وقتل جندب بن كعب ساحرا كان يسحر بين يدي الوليد بن عقبة. ~~ولأنه كافر فيقتل؛ للخبر الذي رووه. ### | [فصل هل يستتاب الساحر] # (7127) فصل: وهل يستتاب الساحر؟ فيه روايتان إحداهما، لا يستتاب وهو ظاهر ~~ما نقل عن الصحابة، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحرا، وفي الحديث ~~الذي رواه هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، أن الساحرة سألت أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وهم متوافرون، هل لها من توبة؟ فما أفتاها أحد. ولأن ~~السحر معنى في قلبه، لا يزول بالتوبة، فيشبه من لم يتب، والرواية الثانية، ~~يستتاب، فإن تاب قبلت توبته؛ لأنه ليس بأعظم من الشرك، والمشرك يستتاب، ~~ومعرفته السحر لا تمنع قبول توبته، فإن الله تعالى قبل توبة سحرة فرعون ~~وجعلهم من ms4811 أوليائه في ساعة، ولأن الساحر لو كان كافرا فأسلم صح إسلامه ~~وتوبته، فإذا صحت التوبة منهما صحت من أحدهما، كالكفر، ولأن الكفر والقتل ~~إنما هو بعمله بالسحر، لا بعلمه، بدليل الساحر إذا أسلم، والعمل به يمكن ~~التوبة منه، وكذلك اعتقاد ما يكفر باعتقاده، يمكن التوبة منه كالشرك، ~~وهاتان الروايتان في ثبوت حكم التوبة في الدنيا، من سقوط القتل ونحوه، فأما ~~فيما بينه وبين الله تعالى، وسقوط عقوبة الدار الآخرة عنه، فتصح، فإن الله ~~تعالى لم يسد باب التوبة عن أحد، من خلقه، ومن تاب إلى الله قبل توبته، لا ~~نعلم في هذا خلافا. ### | [فصل السحر الذي يحد على فعله] # (7128) فصل: والسحر الذي ذكرنا حكمه. هو الذي يعد في العرف سحرا، مثل فعل ~~لبيد بن الأعصم، حين سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - في مشط ومشاطة. ~~وروينا في مغازي الأموي أن النجاشي دعا السواحر، فنفخن في إحليل عمارة بن ~~الوليد، فهام مع الوحش، فلم يزل معها إلى إمارة عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - فأمسكه إنسان، فقال: خلني وإلا مت، فلم يخله، فمات من ساعته. وبلغنا ~~أن بعض الأمراء أخذ ساحرة، فجاء زوجها كأنه محترق، فقال: قولوا لها تحل ~~عني. فقالت: ائتوني بخيوط وباب. فأتوها به، فجلست على الباب، حين أتوها به ~~وجعلت # PageV09P031 # تعقد، وطار بها الباب، فلم يقدروا عليها. فهذا وأمثاله، مثل أن يعقد ~~الرجل المتزوج، فلا يطيق وطء زوجته، هو السحر المختلف في حكم صاحبه، فأما ~~الذي يعزم على المصروع ويزعم أنه يجمع الجن، ويأمرها فتطيعه، فهذا لا يدخل ~~في هذا الحكم ظاهرا. وذكره القاضي، وأبو الخطاب في جملة السحرة. # وأما من يحل السحر، فإن كان بشيء من القرآن، أو شيء من الذكر والإقسام ~~والكلام الذي لا بأس به، فلا بأس به، وإن كان بشيء من السحر، فقد توقف أحمد ~~عنه. قال الأثرم سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل يزعم أنه يحل السحر، فقال: ~~قد رخص فيه بعض الناس. قيل لأبي عبد الله: إنه يجعل الطنجير ماء، ويغيب ms4812 ~~فيه، ويعمل كذا، فنفض يده كالمنكر، وقال: ما أدري ما هذا؟ قيل له: فترى أن ~~يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ فقال: ما أدري ما هذا؟ # وروي عن محمد بن سيرين، أنه سئل عن امرأة يعذبها السحرة، فقال رجل: أخط ~~خطا عليها، وأغرز السكين عند مجمع الخط، وأقرأ القرآن. فقال محمد: ما أعلم ~~بقراءة القرآن بأسا على حال، ولا أدري ما الخط والسكين؟ وروي عن سعيد بن ~~المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته، فيلتمس من يداويه، فقال: إنما نهى الله ~~عما يضر، ولم ينه عما ينفع. وقال أيضا: إن استطعت أن تنفع أخاك فافعل. فهذا ~~من قولهم يدل على أن المعزم ونحوه، لم يدخلوا في حكم السحرة؛ ولأنهم لا ~~يسمون به، وهو مما ينفع ولا يضر. ### | [فصل حد الكاهن والعراف والساحر] # (7129) فصل: فأما الكاهن الذي له رئي من الجن، تأتيه بالأخبار، والعراف ~~الذي يحدس ويتخرص، فقد قال أحمد، في رواية حنبل، في العراف والكاهن ~~والساحر: أرى أن يستتاب من هذه الأفاعيل. قيل له يقتل؟ قال: لا، يحبس، لعله ~~يرجع. قال: والعرافة طرف من السحر، والساحر أخبث، لأن السحر شعبة من الكفر. ~~وقال: الساحر والكاهن حكمهما القتل، أو الحبس حتى يتوبا؛ لأنهما يلبسان ~~أمرهما، وحديث عمر اقتلوا كل ساحر وكاهن. وليس هو من أمر الإسلام. وهذا يدل ~~على أن كل واحد منهما فيه روايتان؛ إحداهما، أنه يقتل إذا لم يتب. ~~والثانية، لا يقتل؛ لأن حكمه أخف من حكم الساحر، وقد اختلف فيه، فهذا بدرء ~~القتل عنه أولى. # PageV09P032 ### | [فصل ساحر أهل الكتاب] # (7130) فصل: فأما ساحر أهل الكتاب، فلا يقتل لسحره، إلا أن يقتل به - وهو ~~مما يقتل به غالبا - فيقتل قصاصا. وقال أبو حنيفة: يقتل؛ لعموم ما تقدم من ~~الأخبار، ولأنه جناية أوجبت قتل المسلم، فأوجبت قتل الذمي كالقتل. ولنا، ~~«أن لبيد بن الأعصم سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقتله» . ولأن ~~الشرك أعظم من سحره، ولا يقتل به، والأخبار وردت في ساحر المسلمين؛ لأنه ~~يكفر بسحره، وهذا كافر أصلي. وقياسهم ينتقض ms4813 باعتقاد الكفر، والمتكلم به، ~~وينتقض بالزنى من المحصن؛ فإنه لا يقتل به الذمي عندهم، ويقتل به المسلم. ~~والله أعلم. # PageV09P033 ### | [كتاب الحدود] # الزنى حرام، وهو من الكبائر العظام بدليل قول الله تعالى: {ولا تقربوا ~~الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء: 32] . وقال تعالى: {والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} [الفرقان: 68] {يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا} [الفرقان: 69] وروى عبد الله بن مسعود قال «سألت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك. قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك. قال: قلت: ثم ~~أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك.» أخرجه البخاري ومسلم. وكان حد الزاني في ~~صدر الإسلام الحبس للثيب، والأذى بالكلام من التقريع والتوبيخ للبكر؛ لقوله ~~سبحانه: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن ~~شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} ~~[النساء: 15] {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا ~~عنهما إن الله كان توابا رحيما} [النساء: 16] . # قال بعض أصحاب أهل العلم: المراد بقوله: (من نسائكم) الثيب، لأن قوله: ~~(من نسائكم) إضافة زوجية، كقوله: {للذين يؤلون من نسائهم} [البقرة: 226] . ~~ولا فائدة في إضافته هاهنا نعلمها إلا اعتبار الثيوبة، ولأنه قد ذكر ~~عقوبتين، إحداهما أغلظ من الأخرى، فكانت الأغلظ للثيب، والأخرى للأبكار. ~~كالرجم والجلد، ثم نسخ هذا بما روى عبادة بن الصامت، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر ~~بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.» رواه مسلم، ~~وأبو داود. فإن قيل: فكيف ينسخ القرآن بالسنة؟ قلنا: قد ذهب بعض أصحابنا ~~إلى جوازه؛ لأن الكل من عند الله، وإن اختلفت طرقه، ومن منع ذلك قال: ليس ~~هذا نسخا، إنما هو تفسير للقرآن وتبيين له؛ لأن النسخ رفع حكم ظاهره ~~الإطلاق، ms4814 فأما ما كان مشروطا بشرط، وزال الشرط، لا يكون نسخا، وها هنا شرط ~~الله تعالى حبسهن إلى أن يجعل لهن سبيلا، فبينت السنة السبيل، فكان بيانا ~~لا نسخا. ويمكن أن # PageV09P034 # يقال: إن نسخه حصل بالقرآن، فإن الجلد في كتاب الله تعالى، والرجم كان ~~فيه، فنسخ رسمه، وبقي حكمه. ### | [مسألة زنى الحر المحصن أو الحرة المحصنة] ### | [الفصل الأول: وجوب الرجم على الزاني المحصن] # (7131) مسألة: قال أبو القاسم - رحمه الله -: (وإذا زنى الحر المحصن، أو ~~الحرة المحصنة، جلدا ورجما حتى يموتا، في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله، ~~رحمه الله، والرواية الأخرى، يرجمان، ولا يجلدان) الكلام في هذه المسألة في ~~فصول ثلاثة: الفصل الأول: في وجوب الرجم على الزاني المحصن، رجلا كان أو ~~امرأة. وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من علماء ~~الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفا إلا الخوارج، فإنهم قالوا: ~~الجلد للبكر والثيب، لقول الله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} [النور: 2] . وقالوا: لا يجوز ترك كتاب الله تعالى الثابت ~~بطريق القطع واليقين، لأخبار آحاد يجوز الكذب فيها، ولأن هذا يفضي إلى نسخ ~~الكتاب بالسنة، وهو غير جائز. # ولنا، أنه قد ثبت الرجم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله ~~وفعله، في أخبار تشبه المتواتر، وأجمع عليه أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على ما سنذكره في أثناء الباب في مواضعه، إن شاء الله تعالى، ~~وقد أنزله الله تعالى في كتابه، وإنما نسخ رسمه دون حكمه، فروي عن «عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: إن الله تعالى بعث محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأتها ~~وعقلتها ووعيتها، ورجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده. ~~فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله. فيضلوا ~~بترك فريضة أنزلها الله تعالى، فالرجم حق على من زنى إذا أحصن، من الرجال ~~والنساء، إذا قامت ms4815 البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف، وقد قرأتها: الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» متفق ~~عليه. # وأما آية الجلد، فنقول بها، فإن الزاني يجب جلده، فإن كان ثيبا رجم مع ~~الجلد، والآية لم تتعرض لنفيه. وإلى هذا أشار علي - رضي الله عنه - حين جلد ~~شراحة، ثم رجمها، وقال: جلدتها بكتاب الله تعالى، ثم رجمتها بسنة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. ثم لو قلنا: إن الثيب لا يجلد لكان هذا تخصيصا ~~للآية العامة، وهذا سائغ بغير خلاف، فإن عمومات القرآن في الإثبات كلها ~~مخصصة. وقولهم: إن هذا نسخ. ليس بصحيح وإنما هو تخصيص، ثم لو كان نسخا، ~~لكان نسخا بالآية التي ذكرها عمر - رضي الله عنه - وقد روينا أن رسل ~~الخوارج جاءوا عمر بن عبد العزيز، - رحمه الله -، فكان من جملة ما عابوا ~~عليه الرجم، وقالوا: ليس في كتاب الله إلا الجلد. # وقالوا: الحائض أوجبتم عليها قضاء الصوم دون الصلاة، والصلاة أوكد. فقال ~~لهم عمر: وأنتم # PageV09P035 # لا تأخذون إلا بما في كتاب الله؟ قالوا: نعم. قال: فأخبروني عن عدد ~~الصلوات المفروضات، وعدد أركانها وركعاتها ومواقيتها، أين تجدونه في كتاب ~~الله تعالى؟ وأخبروني عما تجب الزكاة فيه، ومقاديرها ونصبها؟ فقالوا: ~~أنظرنا فرجعوا يومهم ذلك، فلم يجدوا شيئا مما سألهم عنه في القرآن. فقالوا: ~~لم نجده في القرآن. قال: فكيف ذهبتم إليه؟ قالوا: لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فعله وفعله المسلمون بعده. فقال لهم فكذلك الرجم، وقضاء الصوم، ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم ورجم خلفاؤه بعده والمسلمون، وأمر ~~النبي بقضاء الصوم دون الصلاة، وفعل ذلك نساؤه ونساء أصحابه. إذا ثبت هذا، ~~فمعنى الرجم أن يرمى بالحجارة وغيرها حتى يقتل بذلك. # قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى ~~يموت. ولأن إطلاق الرجم يقتضي القتل به، كقوله تعالى: {لتكونن من ~~المرجومين} [الشعراء: 116] . وقد «رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~اليهوديين اللذين زنيا، وماعزا، والغامدية، حتى ماتوا.» ### | [فصل كيف ms4816 يقام الحد على الزاني الرجل] # فصل: وإذا كان الزاني رجلا أقيم قائما، ولم يوثق بشيء ولم يحفر له، سواء ~~ثبت الزنى ببينة أو إقرار. لا نعلم فيه خلافا؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يحفر لماعز. قال أبو سعيد: «لما أمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ~~ولكنه قام لنا» . رواه أبو داود. ولأن الحفر له، ودفن بعضه، عقوبة لم يرد ~~بها الشرع في حقه، فوجب أن لا تثبت. وإن كان امرأة، فظاهر كلام أحمد، أنها ~~لا يحفر لها أيضا. وهو الذي ذكره القاضي في " الخلاف "، وذكر في " المجرد " ~~أنه إن ثبت الحد بالإقرار، لم يحفر لها، وإن ثبت بالبينة، حفر لها إلى ~~الصدر. # قال أبو الخطاب: وهذا أصح عندي. وهو قول أصحاب الشافعي؛ لما روى أبو بكر ~~وبريدة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم امرأة، فحفر لها إلى ~~الثندوة» . رواه أبو داود. ولأنه أستر لها، ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب، ~~لكون الحد ثبت بالبينة، فلا يسقط بفعل من جهتها، بخلاف الثابت بالإقرار، ~~فإنها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكنت منه؛ لأن رجوعها عن إقرارها ~~مقبول. ولنا، أن أكثر الأحاديث على ترك الحفر، فإن «النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يحفر للجهنية، ولا لماعز، ولا لليهوديين» ، والحديث الذي احتجوا ~~به غير معمول به، ولا يقولون به، فإن التي نقل عنه الحفر لها، ثبت حدها ~~بإقرارها، ولا خلاف بيننا فيها، فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم له. ~~إذا ثبت هذا، فإن ثياب المرأة تشد عليها، كي لا تنكشف. # وقد روى أبو داود، بإسناده عن عمران بن حصين، قال: فأمر بها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فشدت عليها ثيابها. ولأن ذلك أستر لها. # PageV09P036 ### | [فصل من السنة أن يدور الناس حول المرجوم] # (7134) فصل: والسنة أن يدور الناس حول المرجوم، فإن كان الزنى ثبت ببينة ~~فالسنة أن يبدأ الشهود بالرجم، وإن كان ثبت بإقرار بدأ به الإمام ms4817 أو ~~الحاكم، إن كان ثبت عنده، ثم يرجم الناس بعده. وروى سعيد بإسناده عن علي - ~~رضي الله عنه - أنه قال: الرجم رجمان؛ فما كان منه بإقرار، فأول من يرجم ~~الإمام، ثم الناس، وما كان ببينة، فأول من يرجم البينة، ثم الناس. ولأن فعل ~~ذلك أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه. فإن هرب منهم، وكان الحد ثبت ببينة، ~~اتبعوه حتى يقتلوه، وإن كان ثبت بإقرار، تركوه؛ لما روي «أن ماعز بن مالك، ~~لما وجد مس الحجارة، خرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد عجز أصحابه، ~~فنزع له بوظيف بعير فرماه به، فقتله، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فذكر ذلك له. فقال: هلا تركتموه، يتوب فيتوب الله عليه.» رواه أبو داود. # ولأنه يحتمل الرجوع، فيسقط عنه الحد. فإن قتله قاتل في هربه، فلا شيء ~~عليه؛ لحديث ابن أنيس حين قتل ماعزا، ولأنه قد ثبت زناه بإقراره، فلا يزول ~~ذلك باحتمال الرجوع، وإن لم يقتل، وأتي به الإمام، فكان مقيما على اعترافه ~~رجمه، وإن رجع عنه، تركه. ### | [الفصل الثاني اجتمع حدان الجلد والرجم] # (7135) الفصل الثاني: أنه يجلد، ثم يرجم، في إحدى الروايتين، فعل ذلك علي ~~- رضي الله عنه -. وبه قال ابن عباس، وأبي بن كعب، وأبو ذر. ذكر ذلك عبد ~~العزيز عنهما، واختاره. وبه قال الحسن، وإسحاق، وداود، وابن المنذر. ~~والرواية الثانية، يرجم ولا يجلد. روي عن عمر وعثمان؛ أنهما رجما ولم ~~يجلدا. # وروي عن ابن مسعود، أنه قال: إذا اجتمع حدان لله تعالى، فيهما القتل أحاط ~~القتل بذلك. وبهذا قال النخعي، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبو ~~ثور، وأصحاب الرأي. واختار هذا أبو إسحاق الجوزجاني، وأبو بكر الأثرم. ~~ونصراه في " سننهما "؛ لأن جابرا روى، أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رجم ماعزا ولم يجلده، ورجم الغامدية ولم يجلدها. وقال: واغد يا أنيس إلى ~~امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها.» متفق عليه. ولم يأمره بجلدها، وكان هذا ~~آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوجب تقديمه. # قال الأثرم: سمعت ms4818 أبا عبد الله، يقول في حديث عبادة: إنه أول حد نزل، وإن ~~حديث ماعز بعده، رجمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يجلده، وعمر ~~رجم ولم يجلد. ونقل عنه إسماعيل بن سعيد نحو هذا. ولأنه حد فيه قتل، فلم ~~يجتمع معه جلد كالردة، ولأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سواه، ~~فالحد أولى. ووجه الرواية قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} [النور: 2] . وهذا عام، ثم جاءت السنة بالرجم في حق ~~الثيب، والتغريب في حق البكر فوجب الجمع بينهما. وإلى هذا # PageV09P037 # أشار علي - رضي الله عنه - بقوله: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقد صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله في حديث عبادة: «والثيب ~~بالثيب، الجلد والرجم» . وهذا الصريح الثابت بيقين لا يترك إلا بمثله، ~~والأحاديث الباقية ليست صريحة، فإنه ذكر الرجم ولم يذكر الجلد، فلا يعارض ~~به الصريح، بدليل أن التغريب يجب بذكره في هذا الحديث، وليس بمذكور في ~~الآية، ولأنه زان فيجلد كالبكر، ولأنه قد شرع في حق البكر عقوبتان؛ الجلد ~~والتغريب، فيشرع في حق المحصن أيضا عقوبتان؛ الجلد، والرجم، فيكون الرجم ~~مكان التغريب. فعلى هذه الرواية، يبدأ بالجلد أولا، ثم يرجم، فإن والى ~~بينهما جاز، لأن إتلافه مقصود، فلا تضر الموالاة بينهما، وإن جلده يوما ~~ورجمه آخر، جاز، فإن عليا - رضي الله عنه - جلد شراحة يوم الخميس، ثم رجمها ~~يوم الجمعة، ثم قال: جلدتها بكتاب الله تعالى، ورجمتها بسنة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. ### | [الفصل الثالث على من يجب الرجم] # (7136) الفصل الثالث: أن الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم. ~~وفي حديث عمر إن الرجم حق على من زنى وقد أحصن. وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث. ذكر منها: أو زنا بعد ~~إحصان.» وللإحصان شروط سبعة؛ أحدهما، الوطء في القبل، ولا خلاف في اشتراطه؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الثيب بالثيب الجلد والرجم» ms4819 . ~~والثيابة تحصل بالوطء في القبل، فوجب اعتباره. # ولا خلاف في أن عقد النكاح الخالي عن الوطء، لا يحصل به إحصان؛ سواء حصلت ~~فيه خلوة، أو وطء دون الفرج، أو في الدبر، أو لم يحصل شيء من ذلك؛ لأن هذا ~~لا تصير به المرأة ثيبا، ولا تخرج به عن حد الأبكار، الذين حدهم جلد مائة ~~وتغريب عام، بمقتضى الخبر. ولا بد من أن يكون وطئا حصل به تغييب الحشفة في ~~الفرج؛ لأن ذلك حد الوطء الذي يتعلق به أحكام الوطء. الثاني: أن يكون في ~~نكاح؛ لأن النكاح يسمى إحصانا؛ بدليل قول الله تعالى: {والمحصنات من ~~النساء} [النساء: 24] . يعني المتزوجات. ولا خلاف بين أهل العلم، في أن ~~الزنى، ووطء الشبهة، لا يصير به الواطئ محصنا. ولا نعلم خلافا في أن التسري ~~لا يحصل به الإحصان لواحد منهما؛ لكونه ليس بنكاح، ولا تثبت فيه أحكامه. ~~الثالث: أن يكون النكاح صحيحا. وهذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم عطاء، ~~وقتادة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال أبو ثور: يحصل الإحصان بالوطء في نكاح فاسد. وحكي ذلك عن # PageV09P038 # الليث، والأوزاعي؛ لأن الصحيح والفاسد سواء في أكثر الأحكام، مثل وجوب ~~المهر والعدة، وتحريم الربيبة وأم المرأة، ولحاق الولد، فكذلك في الإحصان. ~~ولنا، أنه وطء في غير ملك. فلم يحصل به الإحصان، كوطء الشبهة، ولا نسلم ~~ثبوت ما ذكروه من الأحكام، وإنما ثبتت بالوطء فيه، وهذه ثبتت في كل وطء، ~~وليست مختصة بالنكاح، إلا أن النكاح هاهنا صار شبهة، فصار الوطء فيه كوطء ~~الشبهة سواء. الرابع، الحرية وهي شرط في قول أهل العلم كلهم، إلا أبا ثور: ~~قال العبد والأمة هما محصنان، يرجمان إذا زنيا، إلا أن يكون إجماع يخالف ~~ذلك. وحكي عن الأوزاعي في العبد تحته حرة: هو محصن، يرجم إذا زنى، وإن كان ~~تحته أمة، لم يرجم. وهذه أقوال تخالف النص والإجماع، فإن الله تعالى قال: ~~{فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] . # والرجم لا ينتصف، وإيجابه كله يخالف النص مع مخالفة الإجماع ms4820 المنعقد ~~قبله، إلا أن يكون إذا عتقا بعد الإصابة، فهذا فيه اختلاف سنذكره إن شاء ~~الله تعالى. وقد وافق الأوزاعي على أن العبد إذا وطئ الأمة، ثم عتقا، لم ~~يصيرا محصنين، وهو قول الجمهور، وزاد فقال في المملوكين إذا أعتقا، وهما ~~متزوجان، ثم وطئها الزوج: لا يصيران محصنين بذلك الوطء. وهو أيضا قول شاذ، ~~خالف أهل العلم به؛ فإن الوطء وجد منهما حال كمالهما، فحصنهما، كالصبيين ~~إذا بلغا. الشرط الخامس والسادس، البلوغ والعقل، فلو وطئ وهو صبي أو مجنون، ~~ثم بلغ أو عقل، لم يكن محصنا. هذا قول أكثر أهل العلم، ومذهب الشافعي، ومن ~~أصحابه من قال: يصير محصنا، وكذلك العبد إذا وطئ في رقه، ثم عتق، يصير ~~محصنا؛ لأن هذا وطء يحصل به الإحلال للمطلق ثلاثا، فحصل به الإحصان ~~كالموجود حال الكمال. # ولنا، قوله - عليه السلام -: «والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم.» فاعتبر ~~الثيوبة خاصة، ولو كانت تحصل قبل ذلك، لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه ~~وعقله، وهو خلاف الإجماع، ويفارق الإحصان الإحلال، لأن اعتبار الوطء في حق ~~المطلق، يحتمل أن يكون عقوبة له بتحريمها عليه حتى يطأها غيره، ولأن هذا ~~مما تأباه الطباع ويشق على النفوس، فاعتبره الشارع زجرا عن الطلاق ثلاثا، ~~وهذا يستوي فيه العاقل والمجنون، بخلاف الإحصان، فإنه اعتبر لكمال النعمة ~~في حقه، فإن من كملت النعمة في حقه، كانت جنايته أفحش وأحق بزيادة العقوبة، ~~والنعمة في العاقل البالغ أكمل. والله أعلم. الشرط السابع، أن يوجد الكمال ~~فيهما جميعا حال الوطء، فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة. وهذا قول ~~أبي حنيفة وأصحابه، ونحوه، قول عطاء، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، وقتادة، ~~والثوري، # PageV09P039 # وإسحاق. قالوه في الرقيق. # وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملا صار محصنا، إلا الصبي إذا وطئ الكبيرة، ~~لم يحصنها، ونحوه عن الأوزاعي. واختلف عن الشافعي، فقيل: له قولان، أحدهما، ~~كقولنا. والثاني: أن الكامل يصير محصنا. وهذا قول ابن المنذر؛ لأنه حر، ~~بالغ عاقل، وطئ في نكاح صحيح، فصار محصنا، كما لو كان الآخر مثله. وقال ms4821 ~~بعضهم: إنما القولان في الصبي دون العبد، فإنه يصير محصنا، قولا واحدا، إذا ~~كان كاملا. ولنا، أنه وطء لم يحصن به أحد المتواطئين، فلم يحصن الآخر، ~~كالتسري، ولأنه متى كان أحدهما ناقصا، لم يكمل الوطء، فلا يحصل به الإحصان، ~~كما لو كانا غير كاملين، وبهذا فارق ما قاسوا عليه. ### | [فصل هل يشترط الإسلام في الإحصان] # (7137) فصل: ولا يشترط الإسلام في الإحصان. وبهذا قال الزهري، والشافعي. ~~فعلى هذا يكون الذميان محصنين، فإن تزوج المسلم ذمية، فوطئها، صارا محصنين. ~~وعن أحمد، رواية أخرى أن الذمية: لا تحصن المسلم. وقال عطاء، والنخعي، ~~والشعبي، ومجاهد، والثوري: هو شرط في الإحصان. فلا يكون الكافر محصنا، ولا ~~تحصن الذمية مسلما؛ لأن ابن عمر روى، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«من أشرك بالله، فليس بمحصن» . ولأنه إحصان من شرطه الحرية، فكان الإسلام ~~شرطا فيه، كإحصان القذف. وقال مالك كقولهم، إلا أن الذمية تحصن المسلم، ~~بناء على أصله في أنه لا يعتبر الكمال في الزوجين، وينبغي أن يكون ذلك قولا ~~للشافعي. ولنا، ما روى مالك عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: «جاء اليهود إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا. ~~وذكر الحديث، فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما» . متفق ~~عليه. ولأن الجناية بالزنى استوت من المسلم والذمي، فيجب أن يستويا في ~~الحد. وحديثهم لم يصح، ولا نعرفه في مسند. وقيل: هو موقوف على ابن عمر. ثم ~~يتعين حمله على إحصان القذف، جمعا بين الحديثين، فإن راويهما واحد، وحديثنا ~~صريح في الرجم، فيتعين حمل خبرهم على الإحصان الآخر. # فإن قالوا: إنما رجم النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهوديين بحكم ~~التوراة، بدليل أنه راجعها، فلما تبين له أن ذلك حكم الله عليهم، أقامه ~~فيهم، وفيها أنزل الله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} [المائدة: 44] . قلنا: إنما حكم عليهم ~~بما أنزل الله إليه، بدليل قوله تعالى: # PageV09P040 # {فاحكم بينهم بما أنزل ms4822 الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] . ولأنه لا يسوغ للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الحكم بغير شريعته، ولو ساغ ذلك لساغ لغيره، وإنما راجع التوراة ~~لتعريفهم أن حكم التوراة موافق لما يحكم به عليهم، وأنهم تاركون لشريعتهم، ~~مخالفون لحكمهم، ثم هذا حجة لنا، فإن حكم الله في وجوب الرجم إن كان ثابتا ~~في حقهم يجب أن يحكم به عليهم، فقد ثبت وجود الإحصان فيهم، فإنه لا معنى له ~~سوى وجوب الرجم على من زنى منهم بعد وجود شروط الإحصان منه، وإن منعوا ثبوت ~~الحكم في حقهم، فلم حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ . ولا يصح القياس ~~على إحصان القذف؛ لأن من شرطه العفة، وليست شرطا هاهنا. ### | [فصل ارتداد المحصن الزاني] # (7138) فصل: ولو ارتد المحصن، لم يبطل إحصانه، فلو أسلم بعد ذلك كان ~~محصنا. وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: يبطل؛ لأن الإسلام عنده شرط في ~~الإحصان. وقد بينا أنه ليس بشرط، ثم هذا داخل في عموم قوله - عليه السلام ~~-: «أو زنا بعد إحصان» . ولأنه زنى بعد الإحصان، فكان حده الرجم، كالذي لم ~~يرتد. فأما إن نقض الذمي العهد، ولحق بدار الحرب بعد إحصانه، فسبي واسترق، ~~ثم أعتق، احتمل أن لا يبطل إحصانه، لأنه زنى بعد إحصانه فأشبه من ارتد. ~~واحتمل أن يبطل؛ لأنه بطل بكونه رقيقا، فلا يعود إلا بسبب جديد، بخلاف من ~~ارتد. ### | [فصل زنى وله زوجة له منها ولد فقال ما وطئتها] # فصل: وإذا زنى وله زوجة له منها ولد، فقال: ما وطئتها. لم يرجم. وبهذا ~~قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يرجم؛ لأن الولد لا يكون إلا من وطء. فقد حكم ~~بالوطء ضرورة الحكم بالولد. ولنا، أن الولد يلحق بإمكان الوطء واحتماله، ~~والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطء، فلا يلزم من ثبوت ما يكتفى فيه ~~بالإمكان وجود ما تعتبر فيه الحقيقة وهو أحق الناس بهذا، فإنه قال: لو تزوج ~~امرأة في مجلس الحاكم، ثم طلقها فيه، فأتت بولد لحقه. ms4823 مع العلم بأنه لم ~~يطأها في الزوجية، فكيف يحكم بحقيقة الوطء مع تحقق انتفائه، وهكذا لو كان ~~لامرأة ولد من زوج، فأنكرت أن يكون وطئها لم يثبت إحصانها لذلك. ### | [فصل شهدت بينة الإحصان على من أنكره أنه دخل بزوجته] # (7140) فصل: ولو شهدت بينة الإحصان أنه دخل بزوجته، فقال أصحابنا: يثبت ~~الإحصان به؛ لأن المفهوم من لفظ # PageV09P041 # الدخول كالمفهوم من لفظ المجامعة. وقال محمد بن الحسن: لا يكتفى به حتى ~~تقول: جامعها أو باضعها. أو نحوه؛ لأن الدخول يطلق على الخلوة بها، ولهذا ~~تثبت بها أحكامه. وهذا أصح القولين، إن شاء الله تعالى. فأما إذا قالت: ~~جامعها أو باضعها. فلم نعلم خلافا في ثبوت الإحصان، وهكذا ينبغي إذا قالت: ~~وطئها. فإن قالت: باشرها، أو مسها، أو أصابها، أو أتاها. فينبغي أن لا يثبت ~~به الإحصان؛ لأن هذا يستعمل فيما دون الجماع في الفرج كثيرا، فلا يثبت به ~~الإحصان الذي يندرئ بالاحتمال ### | [فصل جلد الزاني على أنه بكر ثم بان محصنا] # (7141) فصل: وإذا جلد الزاني على أنه بكر، ثم بان محصنا، رجم؛ لما روى ~~جابر، «أن رجلا زنى بامرأة، فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلد ~~الحد، ثم أخبر أنه محصن، فرجم» . رواه أبو داود. ولأنه وجب الجمع بينهما، ~~فقد أتى ببعض الواجب، فيجب إتمامه، وإن لم يجب الجمع بينهما تبين أنه لم ~~يأت بالحد الواجب، فيجب أن يأتي به. ### | [مسألة ويغسلان ويكفنان ويصلى عليهما الزاني البكر والمحصن] # (7142) مسألة: قال: (ويغسلان، ويكفنان، ويصلى عليهما ويدفنان) لا خلاف في ~~تغسيلهما ودفنهما، وأكثر أهل العلم يرون الصلاة عليهما. قال الإمام أحمد: ~~سئل علي - رضي الله عنه - عن شراحة وكان رجمها، فقال: اصنعوا بها كما ~~تصنعون بموتاكم. وصلى علي على شراحة. وقال مالك: من قتله الإمام في حد لا ~~نصلي عليه؛ لأن جابرا قال في حديث ماعز: فرجم حتى مات، فقال له النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خيرا، ولم يصل عليه. متفق عليه. ولنا، ما روى أبو داود، ~~بإسناده عن عمران بن حصين، ms4824 في حديث الجهنية: «فأمر بها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فرجمت، ثم أمرهم فصلوا عليها، فقال عمر: يا رسول الله أتصلي ~~عليها وقد زنت؟ فقال: والذي نفسي بيده، لقد تابت توبة، لو قسمت بين سبعين ~~من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها؟» ورواه الترمذي ~~وفيه: فرجمت، وصلى عليها. وقال: حديث حسن صحيح. وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» . ولأنه مسلم لو مات قبل الحد ~~صلي عليه، فيصلى عليه بعده، كالسارق. # وأما خبر ماعز، فيحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحضره، أو ~~اشتغل عنه بأمر، أو غير ذلك، فلا يعارض ما رويناه ### | [مسألة زنى الحر البكر] # مسألة؛ قال: (وإذا زنى الحر البكر، جلد مائة، وغرب عاما) # PageV09P042 # يعني لم يحصن وإن كان ثيبا، وقد ذكرنا الإحصان وشروطه، ولا خلاف في وجوب ~~الجلد على الزاني إذا لم يكن محصنا، وقد جاء بيان ذلك في كتاب الله تعالى، ~~بقوله سبحانه: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: ~~2] . # وجاءت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - موافقة لما جاء به ~~الكتاب. ويجب مع الجلد تغريبه عاما، في قول جمهور العلماء. روي ذلك عن ~~الخلفاء الراشدين. وبه قال أبي، وأبو داود، وابن مسعود، وابن عمر - رضي ~~الله عنهم -، وإليه ذهب عطاء، وطاوس، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، ~~وإسحاق، وأبو ثور. # وقال مالك، والأوزاعي: يغرب الرجل دون المرأة؛ لأن المرأة تحتاج إلى حفظ ~~وصيانة، ولأنها لا تخلو من التغريب بمحرم أو بغير محرم، لا يجوز التغريب ~~بغير محرم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم» . ولأن تغريبها ~~بغير محرم إغراء لها بالفجور، وتضييع لها، وإن غربت بمحرم، أفضى إلى تغريب ~~من ليس بزان، ونفي من لا ذنب له، وإن كلفت أجرته، ففي ذلك زيادة على ~~عقوبتها بما لم يرد الشرع به، كما لو زاد ذلك على ms4825 الرجل، والخبر الخاص في ~~التغريب إنما هو في حق الرجل، وكذلك فعل الصحابة - رضي الله عنهم -، والعام ~~يجوز تخصيصه؛ لأنه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه، فإنه دل بمفهومه ~~على أنه ليس على الزاني أكثر من العقوبة المذكورة فيه، وإيجاب التغريب على ~~المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك، وفوات حكمته؛ لأن الحد وجب زجرا عن ~~الزنا، وفي تغريبها إغراء به، وتمكين منه، مع أنه قد يخصص في حق الثيب ~~بإسقاط الجلد، في قول الأكثرين، فتخصيصه هاهنا أولى. # وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: لا يجب التغريب؛ لأن عليا - رضي الله ~~عنه - قال: حسبهما من الفتنة أن ينفيا. وعن ابن المسيب، أن عمر غرب ربيعة ~~بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أغرب ~~مسلما بعد هذا أبدا. ولأن الله تعالى أمر بالجلد دون التغريب، فإيجاب ~~التغريب زيادة على النص. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «: البكر ~~بالبكر، جلد مائة وتغريب عام» . وروى أبو هريرة، وزيد بن خالد، «أن رجلين ~~اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما: إن ابني كان ~~عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإنني افتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت ~~رجالا من أهل العلم، فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، والرجم ~~على امرأة هذا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده، ~~لأقضين بينكما بكتاب الله عز وجل، على ابنك جلد مائة، وتغريب عام. وجلد ~~ابنه مائة، وغربه عاما وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت ~~رجمها، فاعترفت فرجمها» . متفق عليه. وفي الحديث، # PageV09P043 # أنه قال: فسألت رجالا من أهل العلم، فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة ~~وتغريب عام. وهذا يدل على أن هذا كان مشهورا عندهم، من حكم الله تعالى، ~~وقضاء رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # وقد قيل: إن الذي قال له هذا هو أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -. ولأن ~~التغريب فعله الخلفاء الراشدون، ولا نعرف لهم في الصحابة مخالفا، فكان ~~إجماعا، ولأن ms4826 الخبر يدل على عقوبتين في حق الثيب، وكذلك في حق البكر، وما ~~رووه عن علي لا يثبت؛ لضعف رواته وإرساله. وقول عمر: لا أغرب بعده مسلما. ~~فيحتمل أنه أراد تغريبه في الخمر الذي أصابت الفتنة ربيعة فيه. وقول مالك ~~يخالف عموم الخبر والقياس؛ لأن ما كان حدا في الرجل، يكون حدا في المرأة ~~كسائر الحدود. # وقول مالك فيما يقع لي، أصح الأقوال وأعدلها، وعموم الخبر مخصوص بخبر ~~النهي عن سفر المرأة بغير محرم، والقياس على سائر الحدود لا يصح؛ لأنه ~~يستوي الرجل والمرأة في الضرر الحاصل بها، بخلاف هذا الحد، ويمكن قلب هذا ~~القياس، بأنه حد، فلا تزاد فيه المرأة على ما على الرجل، كسائر الحدود ### | [فصل تغريب البكر الزاني] # (7144) فصل: ويغرب البكر الزاني حولا كاملا، فإن عاد قبل مضي الحول، أعيد ~~تغريبه، حتى يكمل الحول مسافرا، ويبني على ما مضى. ويغرب الرجل إلى مسافة ~~القصر؛ لأن ما دونها في حكم الحضر، بدليل أنه لا يثبت في حقه أحكام ~~المسافرين، ولا يستبيح شيئا من رخصهم. فأما المرأة، فإن خرج معها محرمها ~~نفيت إلى مسافة القصر، وإن لم يخرج معها محرمها، فقد نقل عن أحمد، أنها ~~تغرب إلى مسافة القصر، كالرجل. وهذا مذهب الشافعي. وروي عن أحمد أنها تغرب ~~إلى دون مسافة القصر؛ لتقرب من أهلها، فيحفظوها. ويحتمل كلام أحمد أن لا ~~يشترط في التغريب مسافة القصر، فإنه قال، في رواية الأثرم: ينفى من عمله ~~إلى عمل غيره. وقال أبو ثور، وابن المنذر: لو نفي إلى قرية أخرى، بينهما ~~ميل أو أقل، جاز. # وقال إسحاق: يجوز أن ينفى من مصر إلى مصر. ونحوه قال ابن أبي ليلى؛ لأن ~~النفي ورد مطلقا غير مقيد، فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم، والقصر يسمى ~~سفرا، ويجوز فيه التيمم، والنافلة على الراحلة. ولا يحبس في البلد الذي نفي ~~إليه. وبهذا قال الشافعي وقال مالك يحبس. ولنا، أنه زيادة لم يرد بها ~~الشرع، فلا تشرع، كالزيادة على العام. ### | [فصل زنى الغريب] # (7145) فصل: وإذا زنى الغريب غرب ms4827 إلى بلد غير وطنه. وإن زنى في البلد ~~الذي غرب إليه، غرب منه إلى غير البلد الذي غرب منه؛ لأن الأمر بالتغريب ~~يتناوله حيث كان، ولأنه قد أنس بالبلد الذي سكنه، فيبعد عنه. # PageV09P044 ### | [فصل ويخرج مع المرأة محرمها حتى يسكنها] # (7146) فصل: ويخرج مع المرأة محرمها حتى يسكنها في موضع، ثم إن شاء رجع ~~إذا أمن عليها، وإن شاء أقام معها حتى يكمل حولها. وإن أبى الخروج معها، ~~بذلت له الأجرة. قال أصحابنا: وتبذل من مالها؛ لأن هذا من مؤنة سفرها. ~~ويحتمل أن لا يجب ذلك عليها؛ لأن الواجب عليها التغرب بنفسها، فلم يلزمها ~~زيادة عليه كالرجل، ولأن هذا من مؤنة إقامة الحد، فلم يلزمها، كأجرة ~~الجلاد. فعلى هذا تبذل الأجرة من بيت المال. وعلى قول أصحابنا، إن لم يكن ~~لها مال، بذلت من بيت المال. فإن أبى محرمها الخروج معها، لم يجبر، وإن لم ~~يكن لها محرم، غربت مع نساء ثقات. # والقول في أجرة من يسافر معها منهن، كالقول في أجرة المحرم. فإن أعوز، ~~فقد قال أحمد: تبقى بغير محرم. وهو قول الشافعي؛ لأنه لا سبيل إلى تأخيره، ~~فأشبه سفر الهجرة والحج إذا مات محرمها في الطريق. ويحتمل أن يسقط النفي، ~~إذا لم تجد محرما، كما يسقط سفر الحج، إذا لم يكن لها محرم، فإن تغريبها ~~إغراء لها بالفجور، وتعريض لها للفتنة، وعموم الحديث مخصوص بعموم النهي عن ~~سفرها بغير محرم. ### | [فصل حضور إقامة الحد] # (7147) فصل: ويجب أن يحضر الحد طائفة من المؤمنين؛ لقول الله تعالى: ~~{وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] . قال أصحابنا: والطائفة ~~واحد فما فوقه. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد. والظاهر أنهم أرادوا واحدا مع ~~الذي يقيم الحد؛ لأن الذي يقيم الحد حاصل ضرورة، فيتعين صرف الأمر إلى ~~غيره. وقال عطاء، وإسحاق: اثنان. فإن أراد به واحدا مع الذي يقيم الحد، فهو ~~مثل القول الأول، وإن أراد اثنين غيره، فوجهه أن الطائفة اسم لما زاد على ~~الواحد، وأقله اثنان. وقال الزهري: ثلاثة؛ لأن الطائفة جماعة، وأقل الجمع ms4828 ~~ثلاثة، وقال مالك: أربعة؛ لأنه العدد الذي يثبت به الزنى. وللشافعي، قولان، ~~كقول الزهري ومالك. وقال ربيعة: خمسة. وقال الحسن: عشرة. وقال قتادة: نفر. # واحتج أصحابنا بقول ابن عباس، ولأن اسم الطائفة يقع على الواحد، بدليل ~~قول الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] . ثم قال: ~~{فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] . وقيل في قوله تعالى: {إن نعف عن ~~طائفة منكم نعذب طائفة} [التوبة: 66] .: إنه مخشي بن حمير وحده. # PageV09P045 # ولا يجب أن يحضر الإمام، ولا الشهود. وبهذا قال الشافعي، وابن المنذر. # وقال أبو حنيفة: إن ثبت الحد ببينة، فعليها الحضور، والبداءة بالرجم، وإن ~~ثبت باعتراف، وجب على الإمام الحضور، والبداءة بالرجم؛ لما روي عن علي، - ~~رضي الله عنه - أنه قال: الرجم رجمان؛ فما كان منه بإقرار، فأول من يرجم ~~الإمام، ثم الناس، وما كان ببينة، فأول من يرجم البينة، ثم الناس. رواه ~~سعيد، بإسناده. ولأنه إذا لم تحضر البينة ولا الإمام، كان ذلك شبهة، والحد ~~يسقط بالشبهات. ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر برجم ماعز ~~والغامدية، ولم يحضرهما» والحد ثبت باعترافهما. وقال: «يا أنيس، اذهب إلى ~~امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» . ولم يحضرها. ولأنه حد، فلم يلزم أن يحضره ~~الإمام، ولا البينة، كسائر الحدود، ولا نسلم أن تخلفهم عن الحضور، ولا ~~امتناعهم من البداءة بالرجم، شبهة. وأما قول علي - رضي الله عنه - فهو على ~~سبيل الاستحباب والفضيلة. # قال أحمد: سنة الاعتراف أن يرجم الإمام ثم الناس. ولا نعلم خلافا في ~~استحباب ذلك، والأصل فيه قول علي، - رضي الله عنه - وقد روي في حديث، رواه ~~أبو بكر، عن «النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أنه رجم امرأة، فحفر لها إلى ~~الثندوة، ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قال: ارموا، واتقوا الوجه» . أخرجه ~~أبو داود. ### | [فصل إقامة الحد على الحامل] # (7148) فصل: ولا يقام الحد على حامل حتى تضع، سواء كان الحمل من زنى أو ~~غيره. لا نعلم في هذا خلافا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحامل ~~لا ترجم حتى ms4829 تضع. وقد روى بريدة، «أن امرأة من بني غامد قالت: يا رسول ~~الله، طهرني. قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من زنى. قال: أنت؟ قالت: نعم. ~~فقال لها: ارجعي حتى تضعين ما في بطنك. قال، فكفلها رجل من الأنصار حتى ~~وضعت، قال: فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: قد وضعت الغامدية. ~~فقال: إذا لا نرجمها، وندع ولدها صغيرا ليس له من ترضعه. فقام رجل من ~~الأنصار، فقال: إلي إرضاعه يا نبي الله، قال: فرجمها» . رواه مسلم، وأبو ~~داود. وروي أن امرأة زنت في أيام عمر - رضي الله عنه - فهم عمر برجمها وهي ~~حامل، فقال له معاذ: إن كان لك سبيل عليها، فليس لك سبيل على حملها. فقال: ~~عجز النساء أن يلدن مثلك. ولم يرجمها. وعن علي مثله. # ولأن في إقامة الحد عليها في حال حملها إتلافا لمعصوم، ولا سبيل إليه، ~~وسواء كان الحد رجما أو غيره، # PageV09P046 # لأنه لا يؤمن تلف الولد من سراية الضرب والقطع، وربما سرى إلى نفس ~~المضروب والمقطوع، فيفوت الولد بفواته. فإذا وضعت الولد، فإن كان الحد ~~رجما، لم ترجم حتى تسقيه اللبأ؛ لأن الولد لا يعيش إلا به، ثم إن كان له من ~~يرضعه، أو تكفل أحد برضاعه رجمت، وإلا تركت حتى تفطمه؛ لما ذكرنا من حديث ~~الغامدية، ولما روى أبو داود بإسناده عن بريدة، «أن امرأة أتت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالت: إني فجرت، فوالله إني لحبلى. فقال لها: ارجعي حتى ~~تلدي. فرجعت، فلما ولدت، أتته بالصبي، فقال: ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه. ~~فجاءت به وقد فطمته، وفي يده شيء يأكله، فأمر بالصبي، فدفع إلى رجل من ~~المسلمين، فأمر بها فحفر لها، وأمر بها فرجمت، وأمر بها فصلي عليها ودفنت.» # وإن لم يظهر حملها، لم تؤخر؛ لاحتمال أن تكون حملت من الزنى، «لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - رجم اليهودية والجهنية، ولم يسأل عن استبرائهما.» ~~وقال لأنيس: «اذهب إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» . ولم يأمره بسؤالها ~~عن استبرائها. ورجم علي شراحة، ولم يستبرئها. ms4830 وإن ادعت الحمل قبل قولها، ~~كما قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - قول الغامدية. وإن كان الحد جلدا، ~~فإذا وضعت الولد، وانقطع النفاس، وكانت قوية يؤمن تلفها، أقيم عليها الحد، ~~وإن كانت في نفاسها، أو ضعيفة يخاف تلفها، لم يقم عليها الحد حتى تطهر ~~وتقوى. وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة. # وذكر القاضي، أنه ظاهر كلام الخرقي. وقال أبو بكر: يقام عليها الحد في ~~الحال، بسوط يؤمن معه التلف، فإن خيف عليها من السوط، أقيم بالعثكول. يعني ~~شمراخ النخل، وأطراف الثياب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بضرب ~~المريض الذي زنى، فقال: «خذوا له مائة شمراخ، فاضربوه بها ضربة واحدة» . ~~ولنا، ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: «إن أمة لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت ~~إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: أحسنت» . رواه مسلم، والنسائي، وأبو داود. ولفظه، قال: «فأتيته، ~~فقال: يا علي، أفرغت؟ فقلت: أتيتها ودمها يسيل. فقال: دعها حتى ينقطع عنها ~~الدم، ثم أقم عليها الحد» . # وفي حديث أبي بكرة، «أن المرأة انطلقت، فولدت غلاما، فجاءت به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال لها: انطلقي، فتطهري من الدم» . رواه أبو داود. ~~ولأنه لو توالى عليه حدان، فاستوفى أحدهما، لم يستوف الثاني حتى يبرأ من ~~الأول، ولأن في تأخيره إقامة الحد على الكمال، من غير إتلاف، فكان أولى. # PageV09P047 ### | [فصل إقامة الحد على المريض] # (7149) فصل: والمريض على ضربين؛ أحدهما، يرجى برؤه، فقال أصحابنا: يقام ~~عليه الحد، ولا يؤخر. كما قال أبو بكر في النفساء. وهذا قول إسحاق، وأبي ~~ثور، لأن عمر - رضي الله عنه - أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه، ولم ~~يؤخره، وانتشر ذلك في الصحابة، فلم ينكروه، فكان إجماعا، ولأن الحد واجب ~~فلا يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة. قال القاضي: وظاهر قول الخرقي تأخيره؛ ~~لقوله فيمن يجب عليه الحد: وهو صحيح عاقل. وهذا قول أبي ms4831 حنيفة، ومالك، ~~والشافعي؛ لحديث علي - رضي الله عنه - في التي هي حديثة عهد بنفاس، وما ~~ذكرناه من المعنى. # وأما حديث عمر في جلد قدامة، فإنه يحتمل أنه كان مرضا خفيفا، لا يمنع من ~~إقامة الحد على الكمال، ولهذا لم ينقل عنه أنه خفف عنه في السوط، وإنما ~~اختار له سوطا وسطا، كالذي يضرب به الصحيح، ثم إن فعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقدم على فعل عمر، مع أنه اختيار علي وفعله، وكذلك الحكم في ~~تأخيره لأجل الحر والبرد المفرط. الضرب الثاني: المريض الذي لا يرجى برؤه. ~~فهذا يقام عليه الحد في الحال ولا يؤخر، بسوط يؤمن معه التلف، كالقضيب ~~الصغير، وشمراخ النخل، فإن خيف عليه من ذلك، جمع ضغث فيه مائة شمراخ، فضرب ~~به ضربة واحدة. وبهذا قال الشافعي. # وأنكر مالك هذا، وقال: قد قال الله تعالى: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة} [النور: 2] . وهذا جلدة واحدة. ولنا، ما روى أبو أمامة بن سهل بن ~~حنيف، «عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا منهم اشتكى حتى ~~ضني، فدخلت عليه امرأة فهش لها، فوقع بها، فسئل له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذوا مائة شمراخ ~~فيضربوه ضربة واحدة» . رواه أبو داود، والنسائي. وقال ابن المنذر: في ~~إسناده مقال. ولأنه لا يخلو من أن يقام الحد على ما ذكرنا، أو لا يقام ~~أصلا، أو يضرب ضربا كاملا لا يجوز تركه بالكلية؛ لأنه يخالف الكتاب والسنة ~~ولا يجوز جلده جلدا تاما؛ لأنه يفضي إلى إتلافه، فتعين ما ذكرناه. وقولهم: ~~هذا جلدة واحدة. قلنا: يجوز أن يقام ذلك في حال العذر مقام مائة، كما قال ~~الله تعالى في حق أيوب: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] . وهذا ~~أولى من ترك حده بالكلية، أو قتله بما لا يوجب القتل. # PageV09P048 ### | [مسألة زنى العبد والأمة] # (7150) مسألة: قال: (وإذا زنى العبد والأمة، جلد كل واحد منهما خمسين ~~جلدة، ولم يغربا) وجملته أن حد ms4832 العبد والأمة خمسون جلدة بكرين كانا أو ~~ثيبين. في قول أكثر الفقهاء؛ منهم عمر، وعلي، وابن مسعود، والحسن، والنخعي، ~~ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة والشافعي، والبتي، والعنبري وقال ابن عباس، ~~وطاوس، وأبو عبيد: إن كانا مزوجين فعليهما نصف الحد، ولا حد على غيرهما؛ ~~لقول الله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب} [النساء: 25] . فدليل خطابه أنه لا حد على غير المحصنات. # وقال داود على الأمة نصف الحد إذا زنت بعدما زوجت، وعلى العبد جلد مائة ~~بكل حال، وفي الأمة إذا لم تزوج روايتان؛؟ إحداهما، لا حد عليها. والأخرى، ~~تجلد مائة؛ لأن قول الله تعالى: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: ~~2] . عام، خرجت منه الأمة المحصنة بقوله: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] . فيبقى العبد والأمة ~~التي لم تحصن على مقتضى العموم. # ويحتمل دليل الخطاب في الأمة أن لا حد عليها، لقول ابن عباس. وقال أبو ~~ثور: إذا لم يحصنا بالتزويج، فعليهما نصف الحد، وإن أحصنا فعليهما الرجم؛ ~~لعموم الأخبار فيه، ولأنه حد لا يتبعض، فوجب تكميله، كالقطع في السرقة. ~~ولنا، ما روى ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن ~~خالد، وسئل، قالوا: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأمة إذا ~~زنت ولم تحصن، فقال: إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت ~~فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير» . متفق عليه. قال ابن شهاب: وهذا ~~نص في جلد الأمة إذا لم تحصن، وهو حجة على ابن عباس، وموافقيه وداود. # وجعل داود عليها مائة إذا لم تحصن، وخمسين إذا كانت محصنة، خلاف ما شرع ~~الله تعالى، فإن الله ضاعف عقوبة المحصنة على غيرها، فجعل الرجم على ~~المحصنة، والجلد على البكر وداود ضاعف عقوبة البكر على المحصنة، واتباع شرع ~~الله أولى. وأما دليل الخطاب، فقد روي عن ابن مسعود، رحمة الله عليه، أنه ~~قال: إحصانها إسلامها وأقراؤها. بفتح الألف. ms4833 ثم دليل الخطاب إنما يكون ~~دليلا إذا لم يكن للتخصيص بالذكر فائدة، سوى اختصاصه بالحكم، ومتى كانت له ~~فائدة أخرى، لم يكن دليلا، مثل أن يخرج مخرج الغالب، أو للتنبيه، أو لمعنى ~~من المعاني، وقد قال الله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم} ~~[النساء: 23] . ولم يختص التحريم باللاتي في # PageV09P049 # حجوركم. # وقال: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء: 23] . وحرم حلائل ~~الأبناء من الرضاع، وأبناء الأبناء. وقال: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] . وأبيح القصر بدون ~~الخوف. وأما العبد فلا فرق بينه وبين الأمة، فالتنصيص على أحدهما يثبت حكمه ~~في حق الآخر، كما أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق شركا له ~~في عبد.» ثبت حكمه في حق الأمة، ثم إن المنطوق أولى منه على كل حال. وأما ~~أبو ثور، فخالف نص قوله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما ~~على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] . وعمل به فيما لم يتناوله النص، ~~وخرق الإجماع في إيجاب الرجم على المحصنات، كما خرق داود الإجماع في تكميل ~~الجلد على العبيد، وتضعيف حد الأبكار على المحصنات ### | [فصل هل يغرب العبد والأمة إذا زنيا] # (7151) فصل: ولا تغريب على عبد ولا أمة. وبهذا قال الحسن، وحماد، ومالك ~~وإسحاق. وقال الثوري، وأبو ثور: يغرب نصف عام؛ لقوله تعالى: {فعليهن نصف ما ~~على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] وحد ابن عمر مملوكة له، ونفاها إلى ~~فدك. وعن الشافعي قولان كالمذهبين. واحتج من أوجبه بعموم قوله - عليه ~~السلام -: «البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام» . # ولنا، الحديث المذكور في حجتنا، ولم يذكر فيه تغريبا، ولو كان واجبا ~~لذكره؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقته، وحديث علي - رضي الله عنه - ~~«أنه قال: يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم، ومن لم ~~يحصن؛ فإن أمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - زنت، فأمرني أن أجلدها» . ~~وذكر الحديث. رواه أبو داود، ولم يذكر أنه غربها. وأما الآية، فإنها حجة ms4834 ~~لنا؛ لأن العذاب المذكور في القرآن مائة جلدة لا غير، فينصرف التنصيف إليه ~~دون غيره؛ بدليل أنه لم ينصرف إلى تنصيف الرجم، ولأن التغريب في حق العبد ~~عقوبة لسيده دونه، فلم يجب في الزنى، كالتغريم، بيان ذلك، أن العبد لا ضرر ~~عليه في تغريبه؛ لأنه غريب في موضعه، ويترفه بتغريبه من الخدمة، ويتضرر ~~سيده بتفويت خدمته، والخطر بخروجه من تحت يده، والكلفة في حفظه، والإنفاق ~~عليه مع بعده عنه، فيصير الحد مشروعا في حق غير الزاني، والضرر على غير ~~الجاني، وما فعل ابن عمر، ففي حق نفسه وإسقاط حقه، وله فعل ذلك من غير زنى ~~ولا جناية، فلا يكون حجة في حق غيره ### | [فصل زنى العبد ثم عتق] # (7152) فصل: وإذا زنى العبد، ثم عتق، حد حد الرقيق؛ لأنه إنما يقام عليه ~~الحد الذي وجب عليه. ولو زنى حر ذمي، ثم لحق بدار الحرب، ثم سبي واسترق، حد ~~حد الأحرار؛ لأنه وجب عليه وهو حر. ولو كان أحد # PageV09P050 # الزانيين رقيقا، والآخر حرا، فعلى كل واحد منهما حده. ولو زنى بكر بثيب، ~~حد كل واحد منهما حده؛ لأن كل واحد منهما إنما تلزمه عقوبة جنايته. ولو زنى ~~بعد العتق، وقبل العلم به، فعليه حد الأحرار؛ لأنه زنى وهو حر. وإن أقيم ~~عليه حد الرقيق قبل العلم بحريته، ثم علمت بعد تمم عليه حد الأحرار. وإن ~~عفا السيد عن عبده، لم يسقط عنه الحد، في قول عامة أهل العلم، إلا الحسن، ~~قال: يصح عفوه. وليس بصحيح؛ لأنه حق لله تعالى، فلا يسقط بإسقاط سيده، ~~كالعبادات، وكالحر إذا عفا عنه الإمام. ### | [فصل هل للسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقة القن] # (7153) فصل: وللسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن، في قول أكثر ~~العلماء. روي نحو ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي حميد وأبي أسيد ~~الساعديين، وفاطمة ابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلقمة، والأسود، ~~والزهري، وهبيرة بن مريم، وأبي ميسرة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، ~~وابن المنذر. وقال ابن أبي ليلى: أدركت بقايا ms4835 الأنصار يجلدون ولائدهم في ~~مجالسهم الحدود إذا زنوا. وعن الحسن بن محمد، أن فاطمة حدت جارية لها زنت. ~~وعن إبراهيم، أن علقمة والأسود كانا يقيمان الحدود على من زنى من خدم ~~عشائرهم. روى ذلك سعيد، في " سننه ". # وقال أصحاب الرأي: ليس له ذلك؛ لأن الحدود إلى السلطان، ولأن من لا يملك ~~إقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد، كالصبي، ولأن الحد لا يجب إلا ~~ببينة أو إقرار، ويعتبر لذلك شروط، من عدالة الشهود، ومجيئهم مجتمعين، أو ~~في مجلس واحد، وذكر حقيقة الزنى، وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه ~~يعرفها، ويعرف الخلاف فيها، والصواب منها، وكذلك الإقرار، فينبغي أن يفوض ~~ذلك إلى الإمام أو نائبه، كحد الأحرار، ولأنه حد هو حق لله تعالى، فيفوض ~~إلى الإمام، كالقتل والقطع ولنا ما روى سعيد، حدثنا سفيان عن أيوب بن موسى، ~~عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة. عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إذا زنت أمة أحدكم، فتيقن زناها، فليجلدها، ولا يثرب بها، فإن عادت، ~~فليجلدها، ولا يثرب بها، فإن عادت فليجلدها، ولا يثرب بها، فإن عادت ~~الرابعة، فليجلدها، وليبعها ولو بضفير» . # PageV09P051 # وقال: حدثنا أبو الأحوص، حدثنا عبد الأعلى، عن أبي جميلة، عن علي، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وأقيموا الحدود على ما ملكت ~~أيمانكم» . رواه الدارقطني. ولأن السيد يملك تأديب أمته وتزويجها، فملك ~~إقامة الحد عليها، كالسلطان، وفارق الصبي. # إذا ثبت هذا، فإنما يملك إقامة الحد بشروط أربعة؛ أحدها أن يكون جلدا كحد ~~الزنى، والشرب، وحد القذف، فأما القتل في الردة، والقطع في السرقة، فلا ~~يملكها إلا الإمام. وهذا قول أكثر أهل العلم. وفيهما وجه آخر، أن السيد ~~يملكها. وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» . وروي أن ابن عمر قطع عبدا سرق. ~~وكذلك عائشة. وعن حفصة أنها قتلت أمة لها سحرتها. ولأن ذلك حد أشبه الجلد. ~~وقال القاضي: كلام أحمد يقتضي أن ms4836 في قطع السارق روايتين. # ولنا، أن الأصل تفويض الحد إلى الإمام؛ لأنه حق لله تعالى، فيفوض إلى ~~نائبه، كما في حق الأحرار، ولما ذكره أصحاب أبي حنيفة، وإنما فوض إلى السيد ~~الجلد خاصة، لأنه تأديب، والسيد يملك تأديب عبده وضربه على الذنب، وهذا من ~~جنسه، وإنما افترقا في أن هذا مقدر، والتأديب غير مقدر، وهذا لا أثر له في ~~منع السيد منه، بخلاف القطع والقتل، فإنهما إتلاف لجملته أو بعضه الصحيح، ~~ولا يملك السيد هذا من عبده، ولا شيئا من جنسه، والخبر الوارد في حد السيد ~~عبده، إنما جاء في الزنى خاصة، وإنما قسنا عليه ما يشبهه من الجلد. وقوله: ~~«أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» . # إنما جاء في سياق الجلد في الزنى، فإن أول الحديث عن علي قال: «أخبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمة لهم فجرت، فأرسلني إليها، فقال: اجلدها ~~الحد. قال: فانطلقت، فوجدتها لم تجف من دمها، فرجعت إليه، فقال: أفرغت؟ . ~~فقلت: وجدتها لم تجف من دمها. قال: إذا جفت من دمها، فاجلدها الحد، وأقيموا ~~الحدود على ما ملكت أيمانكم» . فالظاهر أنه إنما أراد ذلك الحد وشبهه. وأما ~~فعل حفصة، فقد أنكره عثمان عليها، وشق عليه، وقوله أولى من قولها. وما روي ~~عن ابن عمر، فلا نعلم ثبوته عنه. الشرط الثاني: أن يختص السيد بالمملوك، ~~فإن كان مشتركا بين اثنين، أو كانت الأمة مزوجة، أو كان المملوك مكاتبا، أو ~~بعضه حرا، لم يملك السيد إقامة الحد عليه. # وقال مالك والشافعي: يملك السيد إقامة الحد على الأمة المزوجة؛ لعموم ~~الخبر، ولأنه مختص بملكها، وإنما يملك الزوج بعض نفعها، فأشبهت المستأجرة. # PageV09P052 # ولنا، ما روي عن ابن عمر، أنه قال: إذا كانت الأمة ذات زوج، رفعت إلى ~~السلطان، وإن لم يكن لها زوج، جلدها سيدها نصف ما على المحصن. ولم نعرف له ~~مخالفا في عصره، فكان إجماعا. ولأن نفعها مملوك لغيره مطلقا، أشبهت ~~المشتركة، ولأن المشترك إنما منع من إقامة الحد عليه، لأنه يقيمه في غير ~~ملكه، فإن الجزء الحر ms4837 أو المملوك لغيره، ليس بمملوك له، وهو يقيم الحد ~~عليه، وهذا يشبهه؛ لأن محل الحد هو محل استمتاع الزوج، وهو بدنها فلا ~~يملكه، والخبر مخصوص بالمشترك، فنقيس عليه، والمستأجرة إجارتها مؤقتة ~~تنقضي. # ويحتمل أن نقول: لا يملك إقامته عليها في حال إجارتها؛ لأنه ربما أفضى ~~إلى تفويت حق المستأجر، وكذلك الأمة المرهونة، يخرج فيها وجهان. الشرط ~~الثالث: أن يثبت الحد ببينة أو اعتراف، فإن ثبت باعتراف، فللسيد إقامته، ~~إذا كان يعرف الاعتراف الذي يثبت به الحد وشروطه، وإن ثبت ببينة، اعتبر أن ~~يثبت عند الحاكم؛ لأن البينة تحتاج إلى البحث عن العدالة، ومعرفة شروط ~~سماعها ولفظها، ولا يقوم بذلك إلا الحاكم. وقال القاضي يعقوب: إن كان السيد ~~يحسن سماع البينة، ويعرف شروط العدالة، جاز أن يسمعها، ويقيم الحد بها، كما ~~يقيمه بالإقرار. وهذا ظاهر نص الشافعي؛ لأنها أحد ما يثبت به الحد، فأشبهت ~~الإقرار. ولا يقيم السيد الحد بعلمه. وهذا قول مالك؛ لأنه لا يقيمه الإمام ~~بعلمه، فالسيد أولى، فإن ولاية الإمام للحد أقوى من ولاية السيد؛ لكونها ~~متفقا عليها، وثابتة بالإجماع، فإذا لم يثبت الحد في حقه بالعلم، فهاهنا ~~أولى. # وعن أحمد، رواية أخرى، أنه يقيمه بعلمه؛ لأنه قد ثبت عنده، فملك إقامته، ~~كما لو أقر به، ويفارق الحاكم؛ لأن الحاكم متهم، ولا يملك محل إقامته، وهذا ~~بخلافه. الشرط الرابع، أن يكون السيد بالغا عاقلا عالما بالحدود وكيفية ~~إقامتها؛ لأن الصبي والمجنون ليسا من أهل الولايات، والجاهل بالحد لا يمكنه ~~إقامته على الوجه الشرعي، فلا يفوض إليه. # وفي الفاسق وجهان؛ أحدهما، لا يملكه؛ لأن هذه ولاية فنافاها الفسق، ~~كولاية التزويج. والثاني: يملكه؛ لأن هذه ولاية استفادها بالملك، فلم ~~ينافها الفسق كبيع العبد. وإن كان مكاتبا ففيه احتمالان؛ أحدهما، لا يملكه؛ ~~لأنه ليس من أهل الولاية. والثاني: يملكه؛ لأنه يستفاد بالملك، فأشبه سائر ~~تصرفاته. وفي المرأة أيضا احتمالان؛ أحدهما، لا تملكه؛ لأنها ليست من أهل ~~الولايات. والثاني: تملكه؛ لأن فاطمة جلدت أمة لها، وعائشة قطعت أمة لها ~~سرقت، وحفصة قتلت ms4838 أمة لها سحرتها. ولأنها مالكة تامة الملك من أهل التصرفات ~~أشبهت الرجل. وفيه وجه ثالث، أن الحد يفوض إلى وليها؛ لأنه يزوج أمتها ~~ومولاتها، فملك إقامة الحد على مملوكتها. # PageV09P053 ### | [فصل فجر بأمة ثم قتلها] # (7154) فصل: وإن فجر بأمة، ثم قتلها، فعليه الحد وقيمتها. وبهذا قال أبو ~~حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، وقال أبو يوسف: إذا أوجبت عليه قيمتها، أسقطت ~~الحد عنه؛ لأنه يملكها بغرامته لها، فيكون ذلك شبهة في سقوط الحد. ولنا، أن ~~الحد وجب عليه، فلم يسقط بقتل المزني بها، كما لو كانت حرة فغرم ديتها. ~~وقولهم: إنه يملكها. غير صحيح؛ لأنه إنما غرمها بعد قتلها، ولم يبق محلا ~~للملك، ثم لو ثبت أنه ملكها، فإنما ملكها بعد وجوب الحد، فلم يسقط عنه ~~الحد، كما لو اشتراها، ولو زنى بأمة، ثم اشتراها، لم يسقط عنه، الحد، مع ~~ثبوت حقيقة الملك له، فهاهنا أولى. ولو زنى بأمة، ثم غصبها، فأبقت من يده، ~~ثم غرمها، لم يسقط عنه الحدان لأنه إذا لم يسقط بالملك المتفق عليه، ~~فبالمختلف فيه أولى. ### | [فصل زنى من نصفه حر ونصفه رقيق] # (7155) فصل: وإذا زنى من نصفه حر، ونصفه رقيق، فلا رجم عليه؛ لأنه لم ~~تكمل الحرية فيه، وعليه نصف حد الحر خمسون جلدة، ونصف حد العبد خمس وعشرون، ~~فيكون عليه خمس وسبعون جلدة، ويغرب نصف عام. نص عليه أحمد. ويحتمل أن لا ~~يغرب؛ لأن حق السيد في جميعه في جميع الزمان، ونصيبه من العبد لا تغريب ~~عليه، فلا يلزمه ترك حقه في بعض الزمان بما لا يلزمه، ولا تأخير حقه ~~بالمهايأة من غير رضاه. وإن قلنا بوجوب تغريبه، فينبغي أن يكون زمن التغريب ~~محسوبا على العبد من نصيبه الحر، وللسيد نصف عام بدلا عنه، وما زاد من ~~الحرية أو نقص منها، فبحساب ذلك، فإن كان فيها كسر، مثل أن يكون ثلثه حرا، ~~فمقتضى ما ذكرناه أن يلزمه ثلثا جلد الحر. وهو ست وستون جلدة وثلثان، ~~فينبغي أن يسقط الكسر؛ لأن الحد متى دار بين الوجوب والإسقاط، سقط. ms4839 والمدبر ~~والمكاتب وأم الولد، بمنزلة القن في الحد؛ لأنه رقيق كله، وقد روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.» ### | [مسألة الزاني من أتي الفاحشة من قبل أودبر] # (7156) مسألة: قال: (والزاني من أتى الفاحشة من قبل أو دبر) لا خلاف بين ~~أهل العلم، في أن من وطئ امرأة في قبلها حراما لا شبهة له في وطئها، أنه ~~زان يجب عليه حد الزنى، إذا كملت شروطه. والوطء في الدبر مثله في كونه زنى ~~لأنه وطء في فرج امرأة، لا ملك له فيها، ولا شبهة ملك، فكان زنى، كالوطء في ~~القبل؛ ولأن الله تعالى قال: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} [النساء: ~~15] . الآية. ثم بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قد جعل الله لهن ~~سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام.» # PageV09P054 # والوطء في الدبر فاحشة، بقوله تعالى في قوم لوط: {أتأتون الفاحشة} ~~[الأعراف: 80] . يعني الوطء في أدبار الرجال، ويقال: أول ما بدأ قوم لوط ~~بوطء النساء في أدبارهن، ثم صاروا إلى ذلك في الرجال. ### | [فصل وطئ ميتة] # (7157) فصل: وإن وطئ ميتة، ففيه وجهان؛ أحدهما، عليه الحد. وهو قول ~~الأوزاعي؛ لأنه وطىء في فرج آدمية، فأشبه وطء الحية، ولأنه أعظم ذنبا، ~~وأكثر إثما؛ لأنه انضم إلى فاحشة هتك حرمة الميتة. والثاني: لا حد عليه. ~~وهو قول الحسن. قال أبو بكر: وبهذا أقول؛ لأن الوطء في الميتة كلا وطء، ~~لأنه عضو مستهلك، ولأنها لا يشتهى مثلها، وتعافها النفس، فلا حاجة إلى شرع ~~الزجر عنها، والحد إنما وجب زجرا. وأما الصغيرة، فإن كانت ممن يمكن وطؤها، ~~فوطؤها زنى يوجب الحد؛ لأنها كالكبيرة في ذلك، وإن كانت ممن لا تصلح للوطء، ~~ففيها وجهان، كالميتة. # قال القاضي: لا حد على من وطئ صغيرة لم تبلغ تسعا؛ لأنها لا يشتهى مثلها، ~~فأشبه ما لو أدخل إصبعه في فرجها، وكذلك لو استدخلت امرأة ذكر صبي لم يبلغ ~~عشرا، لا حد عليها. والصحيح أنه متى أمكن وطؤها، وأمكنت المرأة من أمكنه ~~الوطء فوطئها، ms4840 أن الحد يجب على المكلف منهما، ولا يجوز تحديد ذلك بتسع ولا ~~عشر؛ لأن التحديد إنما يكون بالتوقيف، ولا توقيف في هذا، وكون التسع وقتا ~~لإمكان الاستمتاع غالبا، لا يمنع وجوده قبله، كما أن البلوغ يوجد في خمسة ~~عشر عاما غالبا، ولم يمنع من وجوده قبله. ### | [فصل تزوج ذات محرمه] # (7158) فصل: وإن تزوج ذات محرمه، فالنكاح باطل بالإجماع. فإن وطئها، ~~فعليه الحد. في قول أكثر أهل العلم؛ منهم الحسن، وجابر بن زيد ومالك، ~~والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبو أيوب، وابن أبي خيثمة. وقال أبو ~~حنيفة، والثوري: لا حد عليه؛ لأنه وطء تمكنت الشبهة منه، فلم يوجب الحد، ~~كما لو اشترى أخته من الرضاع ثم وطئها. وبيان الشبهة أنه قد وجدت صورة ~~المبيح، وهو عقد النكاح الذي هو سبب للإباحة، فإذا لم يثبت حكمه وهو ~~الإباحة، بقيت صورته شبهة دارئة للحد الذي يندرئ بالشبهات. # ولنا، أنه وطء في فرج امرأة، مجمع على تحريمه، من غير ملك ولا شبهة ملك، ~~والواطئ من أهل الحد، عالم بالتحريم، فيلزمه الحد، كما لو لم يوجد العقد، ~~وصورة المبيح إنما تكون شبهة إذا كانت صحيحة، والعقد هاهنا باطل محرم، ~~وفعله جناية تقتضي العقوبة، انضمت إلى الزنى، فلم تكن شبهة، كما لو أكرهها، ~~وعاقبها، # PageV09P055 # ثم زنى بها، ثم يبطل بالاستيلاء عليها، فإن الاستيلاء سبب للملك في ~~المباحات، وليس بشبهة. # وأما إذا اشترى أخته من الرضاع، فلنا فيه منع، وإن سلمنا، فإن الملك ~~المقتضي للإباحة صحيح ثابت، وإنما تخلفت الإباحة لمعارض، بخلاف مسألتنا؛ ~~فإن المبيح غير موجود؛ لأن عقد النكاح باطل، والملك به غير ثابت، فالمقتضي ~~معدوم، فافترقا، فأشبه ما لو اشترى خمرا فشربه، أو غلاما فوطئه. إذا ثبت ~~هذا، فاختلف في الحد، فروي عن أحمد أنه يقتل على كل حال. وبهذا قال جابر بن ~~زيد، وإسحاق، وأبو أيوب، وابن أبي خيثمة. وروى إسماعيل بن سعيد، عن أحمد، ~~في رجل تزوج امرأة أبيه، أو بذات محرم، فقال: يقتل ويؤخذ ماله إلى بيت ~~المال. # والرواية الثانية، حده حد ms4841 الزاني وبه قال الحسن، ومالك، والشافعي؛ لعموم ~~الآية والخبر. ووجه الأولى، ما روى «البراء. قال: لقيت عمي ومعه الراية، ~~فقلت: إلى أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل ~~نكح امرأة أبيه من بعده، أن أضرب عنقه، وآخذ ماله.» رواه أبو داود ~~والجوزجاني، وابن ماجه، والترمذي. وقال: حديث حسن، وسمى الجوزجاني عمه ~~الحارث بن عمرو. وروى الجوزجاني، وابن ماجه، بإسنادهما عن ابن عباس، قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من وقع على ذات محرم، فاقتلوه» ~~ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها، فقال: احبسوه، وسلوا من هاهنا ~~من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. فسألوا عبد الله بن أبي مطرف، ~~فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من تخطى المؤمنين، ~~فخطوا وسطه بالسيف» . وهذه الأحاديث أخص ما ورد في الزنى، فتقدم. والقول في ~~من زنى بذات محرمه من غير عقد، كالقول في من وطئها بعد العقد. ### | [فصل كل نكاح أجمع على بطلانه هل يعتبر زنا] # (7159) فصل: وكل نكاح أجمع على بطلانه، كنكاح خامسة، أو متزوجة، أو ~~معتدة، أو نكاح المطلقة ثلاثا، إذا وطئ فيه عالما بالتحريم، فهو زنى، موجب ~~للحد المشروع فيه قبل العقد، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا ~~حد فيه؛ لما ذكروه في الفصل الذي قبل هذا. وقال النخعي: يجلد مائة، ولا ~~ينفى. ولنا، ما ذكرناه فيما مضى، وروى أبو نصر المروذي، بإسناده عن عبيد بن ~~نضلة، قال: رفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت في عدتها، فقال: هل علمتما؟ ~~فقالا: لا. قال: لو علمتما لرجمتكما. فجلده أسواطا، ثم فرق بينهما. # وروى أبو بكر، بإسناده عن خلاس، قال: رفع إلى علي، - عليه السلام -، ~~امرأة تزوجت ولها # PageV09P056 # زوج كتمته، فرجمها، وجلد زوجها الآخر مائة جلدة. فإن لم يعلم تحريم ذلك، ~~فلا حد عليه، لعذر الجهل، ولذلك درأ عمر عنهما الحد؛ لجهلهما. ### | [فصل إقامة الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه] # (7160) فصل: ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه، ms4842 كنكاح المتعة، ~~والشغار، والتحليل، والنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها ~~البائن، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن، ونكاح المجوسية. وهذا قول ~~أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ ~~بالشبهات. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أن الحدود ~~تدرأ بالشبه. ### | [فصل وطء جارية مشتركة بينه بين غيره] # (7161) فصل: ولا يجب الحد بوطء جارية مشتركة بينه بين غيره. وبه قال ~~مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: يجب. ولنا، أنه فرج له ملك، ~~فلا يحد بوطئه، كالمكاتبة والمرهونة. ### | [فصل اشترى أمه أو أخته من الرضاعة ونحوهما ووطئهما] # (7162) فصل: وإن اشترى أمه أو أخته من الرضاعة ونحوهما، ووطئهما، فذكر ~~القاضي عن أصحابنا، أن عليه الحد؛ لأنه فرج لا يستباح بحال، فوجب الحد ~~بالوطء، كفرج الغلام. وقال بعض أصحابنا: لا حد فيه. وهو قول أصحاب الرأي، ~~والشافعي؛ لأنه وطء في فرج مملوك له، يملك المعاوضة عنه، وأخذ صداقه، فلم ~~يجب به الحد، كوطء الجارية المشتركة. فأما إن اشترى ذات محرمه من النسب، ~~ممن يعتق عليه، ووطئها، فعليه الحد. لا نعلم فيه خلافا؛ لأن الملك لا يثبت ~~فيها، فلم توجد الشبهة. ### | [فصل فيمن زفت إليه غير زوجته فوطئها يعتقدها زوجته] # (7163) فصل: فإن زفت إليه غير زوجته، وقيل: هذه زوجتك. فوطئها يعتقدها ~~زوجته، فلا حد عليه. لا نعلم فيه خلافا. وإن لم يقل له: هذه زوجتك. أو وجد ~~على فراشه امرأة ظنها امرأته، أو جاريته، فوطئها، أو دعا زوجته أو جاريته، ~~فجاءته غيرها، فظنها المدعوة، فوطئها، أو اشتبه عليه ذلك؛ لعماه فلا حد ~~عليه وبه قال الشافعي. وحكي عن أبي حنيفة، أن عليه الحد؛ لأنه وطئ في محل ~~لا ملك له فيه. ولنا، أنه وطء اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه، فأشبه ما لو ~~قيل له: هذه زوجتك. ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه من أعظمها. فأما إن ~~دعا محرمة عليه، فأجابه غيرها، فوطئها يظنها المدعوة، فعليه الحد، سواء # PageV09P057 # كانت المدعوة ممن له ms4843 فيها شبهة، كالجارية المشتركة، أو لم يكن؛ لأنه لا ~~يعذر بهذا، فأشبه ما لو قتل رجلا يظنه ابنه أو عبده، فبان أجنبيا. ### | [فصل لم يعلم تحريم الزنى] # (7164) فصل: ولا حد على من لم يعلم تحريم الزنى. قال عمر، وعثمان، وعلي، ~~لا حد إلا على من علمه. وبهذا قال عامة أهل العلم. فإن ادعى الزاني الجهل ~~بالتحريم، وكان يحتمل أن يجهله، كحديث العهد بالإسلام والناشئ ببادية، قبل ~~منه؛ لأنه يجوز أن يكون صادقا، وإن كان ممن لا يخفى عليه ذلك، كالمسلم ~~الناشئ بين المسلمين، وأهل العلم، لم يقبل؛ لأن تحريم الزنى لا يخفى على من ~~هو كذلك، فقد علم كذبه. وإن ادعى الجهل بفساد نكاح باطل، قبل قوله؛ لأن عمر ~~قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة، ولأن مثل هذا يجهل كثيرا، ~~ويخفى على غير أهل العلم. ### | [فصل وطئ جارية غيره] # (7165) فصل: فإن وطئ جارية غيره، فهو زان. سواء كان بإذنه أو غير إذنه؛ ~~لأن هذا مما لا يستباح بالبذل والإباحة، وعليه الحد إلا في موضعين؛ أحدهما، ~~الأب إذا وطئ جارية ولده، فإنه لا حد عليه. في قول أكثر أهل العلم؛ منهم ~~مالك، وأهل المدينة، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور، ~~وابن المنذر: عليه الحد، إلا أن يمنع منه إجماع؛ لأنه وطء في غير ملك، أشبه ~~وطء جارية أبيه. ولنا، أنه وطء تمكنت الشبهة منه، فلا يجب به الحد، كوطء ~~الجارية المشتركة، والدليل على تمكن الشبهة قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «أنت ومالك لأبيك» . فأضاف مال ولده إليه، وجعله له، فإذا لم تثبت حقيقة ~~الملك، فلا أقل من جعله شبهة دارئة للحد الذي يندرئ بالشبهات، ولأن ~~القائلين بانتفاء الحد في عصر مالك، والأوزاعي، ومن وافقهما، قد اشتهر ~~قولهم، ولم يعرف لهم مخالف، فكان ذلك إجماعا، ولا حد على الجارية؛ لأن الحد ~~انتفى عن الواطئ لشبهة الملك، فينتفي عن الموطوءة، كوطء الجارية المشتركة؛ ~~ولأن الملك من قبيل المتضايفات، إذا ثبت في أحد المتضايفين ثبت في الآخر، ~~فكذلك شبهته، ولا ms4844 يصح القياس على وطء جارية الأب؛ لأنه لا ملك للولد فيها، ~~ولا شبهة ملك، بخلاف مسألتنا. وذكر ابن أبي موسى قولا في وطء جارية الأب ~~والأم، أنه لا يحد؛ لأنه لا يقطع بسرقة ماله، أشبه الأب. والأول أصح، وعليه ~~عامة أهل العلم فيما علمناه. # PageV09P058 # الموضع الثاني: إذا وطئ جارية امرأته بإذنها، فإنه يجلد مائة، ولا يرجم ~~إن كان ثيبا، ولا يغرب إن كان بكرا. وإن لم تكن أحلتها له، فهو زان، حكمه ~~حكم الزاني بجارية الأجنبي. وحكي عن النخعي أنه يعزر، ولا حد عليه؛ لأنه ~~يملك امرأته، فكانت له شبهة في مملوكتها. وعن عمر وعلي، وعطاء، وقتادة، ~~والشافعي، ومالك، أنه كوطء الأجنبية، سواء أحلتها له، أو لم تحلها؛ لأنه لا ~~شبهة له فيها، فأشبه وطء جارية أخته، ولأنه إباحة لوطء محرمة عليه، فلم يكن ~~شبهة، كإباحة سائر الملاك. وعن ابن مسعود، والحسن، إن كان استكرهها فعليه ~~غرم مثلها، وتعتق، وإن كانت طاوعته، فعليه غرم مثلها ويملكها؛ لأن هذا يروى ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد رواه ابن عبد البر، وقال: هذا حديث ~~صحيح. # ولنا، ما روى أبو داود بإسناده عن حبيب بن سالم، أن «رجلا يقال له: عبد ~~الرحمن بن حنين، وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير، وهو أمير ~~على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن ~~كانت أحلتها لك، جلدناك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك، رجمناك بالحجارة. ~~فوجدوها أحلتها له، فجلده مائة.» وإن علقت من هذا الوطء، فهل يلحقه النسب؟ ~~على روايتين؛ إحداهما، يلحق به؛ لأنه وطء لا يجب به الحد، فلحق به النسب، ~~كوطء الجارية المشتركة. والأخرى، لا يلحق به؛ لأنه وطء في غير ملك ولا شبهة ~~ملك، أشبه الزنى المحض. ### | [فصل أكرهت على الزنا] # (7166) فصل: ولا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم. روي ذلك عن عمر، ~~والزهري، وقتادة، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه مخالفا؛ ~~وذلك لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عفي ms4845 لأمتي عن الخطأ، ~~والنسيان، وما استكرهوا عليه» . وعن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه «، أن ~~امرأة استكرهت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدرأ عنها الحد» . ~~رواه الأثرم. قال: وأتي عمر بإماء من إماء الإمارة، استكرههن غلمان من ~~غلمان الإمارة، فضرب الغلمان، ولم يضرب الإماء وروى سعيد بإسناده عن طارق ~~بن شهاب: قال: أتي عمر بامرأة قد زنت، فقالت: إني كنت نائمة، فلم أستيقظ ~~إلا برجل قد جثم علي. فخلى سبيلها، ولم يضربها. ولأن هذا شبهة، والحدود ~~تدرأ بالشبهات. ولا فرق بين الإكراه بالإلجاء، وهو أن يغلبها على نفسها، ~~وبين الإكراه بالتهديد بالقتل # PageV09P059 # ونحوه. نص عليه أحمد، في راع جاءته امرأة، قد عطشت، فسألته أن يسقيها، ~~فقال لها: أمكنيني من نفسك. قال: هذه مضطرة. # وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن امرأة استسقت راعيا، فأبى ~~أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت، فرفع ذلك إلى عمر، فقال لعلي: ما ~~ترى فيها؟ قال: إنها مضطرة. فأعطاها عمر شيئا، وتركها. ### | [فصل أكره الرجل فزنى] # (7167) فصل: وإن أكره الرجل فزنى، فقال أصحابنا: عليه الحد. وبه قال محمد ~~بن الحسن، وأبو ثور؛ لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار، والإكراه ينافيه. ~~فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه، فيلزمه الحد، كما لو أكره على غير الزنى، ~~فزنى. وقال أبو حنيفة: إن أكرهه السلطان، فلا حد عليه، وإن أكرهه غيره، حد ~~استحسانا. وقال الشافعي، وابن المنذر: لا حد عليه؛ لعموم الخبر، ولأن ~~الحدود تدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة، فيمنع الحد، كما لو كانت امرأة، ~~يحققه أن الإكراه، إذا كان بالتخويف، أو بمنع ما تفوت حياته بمنعه، كان ~~الرجل فيه كالمرأة، فإذا لم يجب عليها الحد، لم يجب عليه. وقولهم: إن ~~التخويف ينافي الانتشار. لا يصح؛ لأن التخويف بترك الفعل، والفعل لا يخاف ~~منه، فلا يمنع ذلك. وهذا أصح الأقوال، إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة قال حد اللواط] # (7168) مسألة: قال: (ومن تلوط، قتل، بكرا كان أو ثيبا، في إحدى ~~الروايتين، والأخرى حكمه حكم الزاني) ms4846 أجمع أهل العلم على تحريم اللواط، وقد ~~ذمه الله تعالى في كتابه، وعاب من فعله، وذمه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال الله تعالى: {ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها ~~من أحد من العالمين} [الأعراف: 80] {إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ~~بل أنتم قوم مسرفون} [الأعراف: 81] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من ~~عمل عمل قوم لوط» . # واختلفت الرواية عن أحمد، - رحمه الله -، في حده؛ فروي عنه، أن حده ~~الرجم، بكرا كان أو ثيبا. وهذا قول علي، وابن عباس، وجابر بن زيد، وعبد ~~الله بن معمر، والزهري، وأبي حبيب، وربيعة، ومالك، وإسحاق، وأحد قولي ~~الشافعي والرواية الثانية، أن حده حد الزاني. وبه قال سعيد بن المسيب، ~~وعطاء، والحسن، والنخعي، وقتادة، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد # PageV09P060 # بن الحسن، وأبو ثور، وهو المشهور من قولي الشافعي؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إذا أتى الرجل الرجل، فهما زانيان» . ولأنه إيلاج فرج ~~آدمي في فرج آدمي، لا ملك له فيه، ولا شبهة ملك، فكان زنى كالإيلاج في فرج ~~المرأة، إذا ثبت كونه زنا دخل في عموم الآية والأخبار فيه، ولأنه فاحشة، ~~فكان زنى، كالفاحشة بين الرجل والمرأة. وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله ~~عنه - أنه أمر بتحريق اللوطي. وهو قول ابن الزبير لما روى صفوان بن سليم، ~~عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة، ~~فكتب إلى أبي بكر، فاستشار أبو بكر - رضي الله عنه - الصحابة فيه، فكان علي ~~أشدهم قولا فيه فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة، وقد علمتم ما فعل ~~الله بها، أرى أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك، فحرقه. وقال ~~الحكم، وأبو حنيفة: لا حد عليه؛ لأنه ليس بمحل الوطء، أشبه غير الفرج. # ووجه الرواية الأولى، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من وجدتموه ~~يعمل ms4847 عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به» . رواه أبو داود. وفي لفظ: ~~«فارجموا الأعلى والأسفل» . ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنهم ~~أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في صفته. واحتج أحمد - رضي الله عنه - بقول ~~علي - عليه السلام -، وأنه كان يرى رجمه، ولأن الله تعالى عذب قوم لوط ~~بالرجم، فينبغي أن يعاقب من فعل فعلهم بمثل عقوبتهم. وقول من أسقط الحد عنه ~~يخالف النص والإجماع، وقياس الفرج على غيره لا يصح؛ لما بينهما من الفرق. ~~إذا ثبت هذا، فلا فرق بين أن يكون في مملوك له أو أجنبي؛ لأن الذكر ليس ~~بمحل لوطء الذكر، فلا يؤثر ملكه له. ولو وطئ زوجته أو مملوكته في دبرها، ~~كان محرما، ولا حد فيه؛ لأن المرأة محل للوطء في الجملة، وقد ذهب بعض ~~العلماء إلى حله، فكان ذلك شبهة مانعة من الحد، بخلاف التلوط. ### | [فصل تدالكت امرأتان] # (7169) فصل: وإن تدالكت امرأتان، فهما زانيتان ملعونتان؛ لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أتت المرأة المرأة، فهما ~~زانيتان:» . ولا حد عليهما لأنه لا يتضمن إيلاجا، فأشبه المباشرة دون ~~الفرج، وعليهما التعزير لأنه زنى لا حد فيه، فأشبه مباشرة الرجل المرأة من ~~غير جماع. ولو باشر الرجل # PageV09P061 # المرأة، استمتع بها فيما دون الفرج، فلا حد عليه؛ لما روي «أن رجلا أتى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني لقيت امرأة، فأصبت ~~منها كل شيء إلا الجماع. فأنزل الله تعالى: {أقم الصلاة} [الإسراء: 78] ~~الآية. فقال الرجل: ألي هذه الآية؟ فقال: لمن عمل بها من أمتي» . رواه ~~النسائي. ولو وجد رجل مع امرأة، يقبل كل واحد منهما صاحبه، ولم يعلم هل ~~وطئها أو لا، فلا حد عليهما، فإن قالا: نحن زوجان، واتفقا على ذلك، فالقول ~~قولهما. وبه قال الحكم، وحماد، والشافعي، وأصحاب الرأي. وإن شهد عليهما ~~بالزنى، فقالا: نحن زوجان. فعليهما الحد إن لم تكن بينة بالنكاح. وبه قال ~~أبو ثور، وابن المنذر؛ لأن الشهادة بالزنى تنفي كونهما زوجين، فلا تبطل ~~بمجرد ms4848 قولهما. # ويحتمل أن يسقط الحد إذا لم يعلم كونها أجنبية منه؛ لأن ما ادعياه محتمل، ~~فيكون ذلك شبهة، كما لو شهد عليه بالسرقة، فادعى أن المسروق ملكه. ### | [مسألة قال أتيان البهيمة] # (7170) مسألة: قال: (ومن أتى بهيمة أدب، وأحسن أدبه، وقتلت البهيمة) ~~اختلفت الرواية عن أحمد، في الذي يأتي البهيمة، فروي عنه، أنه يعزر، ولا حد ~~عليه. روي ذلك عن ابن عباس، وعطاء، والشعبي، والنخعي والحكم، ومالك، ~~والثوري وأصحاب الرأي، وإسحاق، وهو قول للشافعي. والرواية الثانية، حكمه ~~حكم اللائط سواء. وقال الحسن: حده حد الزاني. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن: ~~يقتل هو والبهيمة؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى بهيمة، ~~فاقتلوه، واقتلوها معه» . رواه أبو داود. # ووجه الرواية الأولى، أنه لم يصح فيه نص، ولا يمكن قياسه على الوطء في ~~فرج الآدمي؛ لأنه لا حرمه لها، وليس بمقصود يحتاج في الزجر عنه إلى الحد، ~~فإن النفوس تعافه، وعامتها تنفر منه، فبقي على الأصل في انتفاء الحد ~~والحديث يرويه عمرو بن أبي عمرو، ولم يثبته أحمد. وقال الطحاوي: هو ضعيف. ~~ومذهب ابن عباس خلافه، وهو الذي روي عنه. قال أبو داود: هذا يضعف الحديث ~~عنه، قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يأتي البهيمة، فوقف عندها، ~~ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك. ولأن الحد يدرأ بالشبهات، فلا يجوز ~~أن يثبت بحديث فيه هذه الشبهة والضعف. وقول الخرقي: أدب، وأحسن أدبه. يعني ~~يعزر، ويبالغ في تعزيره؛ لأنه وطء في فرج محرم، لا شبهة له فيه، لم يوجب ~~الحد، فأوجب التعزير، كوطء الميتة. ### | [فصل قتل البهيمة التي أتاها رجل] # (7171) فصل: ويجب قتل البهيمة. وهذا قول أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأحد ~~قولي الشافعي. وسواء كانت مملوكة # PageV09P062 # له أو لغيره، مأكولة أو غير مأكولة. قال أبو بكر: الاختيار قتلها، وإن ~~تركت فلا بأس. وقال الطحاوي إن كانت مأكولة ذبحت، وإلا لم تقتل. وهذا قول ~~ثان للشافعي؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذبح الحيوان لغير ms4849 ~~مأكلة» . # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى بهيمة، فاقتلوه، ~~واقتلوا البهيمة» ولم يفرق بين كونها مأكولة أو غير مأكولة، ولا بين ملكه ~~وملك غيره. فإن قيل: الحديث ضعيف، ولم يعملوا به في قتل الفاعل الجاني، ففي ~~حق حيوان لا جناية منه أولى. قلنا: إنما يعمل به في قتل الفاعل على إحدى ~~الروايتين، لوجهين؛ أحدهما، أنه حد، والحدود تدرأ بالشبهات، وهذا إتلاف ~~مال، فلا تؤثر الشبهة فيه. والثاني: أنه إتلاف آدمي، وهو أعظم المخلوقات ~~حرمة، فلم يجز التهجم على إتلافه إلا بدليل في غاية القوة، ولا يلزم مثل ~~هذا في إتلاف مال، ولا حيوان سواه. إذا ثبت هذا، فإن الحيوان إن كان ~~للفاعل، ذهب هدرا، وإن كان لغيره، فعلى الفاعل غرامته؛ لأنه سبب إتلافه، ~~فيضمنه، كما لو نصب له شبكة فتلف بها. ثم إن كانت مأكولة، فهل يباح أكلها؟ ~~على وجهين. وللشافعي أيضا في ذلك وجهان؛ أحدهما، يحل أكلها؛ لقول الله ~~تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: 1] . ولأنه حيوان من جنس يجوز ~~أكله، ذبحه من هو من أهل الذكاة، فحل أكله، كما لو لم يفعل به هذا الفعل، ~~ولكن يكره أكله؛ لشبهة التحريم # والوجه الثاني: لا يحل أكلها؛ لما روي عن ابن عباس، أنه قيل له: ما شأن ~~البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك، إلا أنه كره أكلها وقد فعل بها ذلك الفعل. ~~ولأنه حيوان يجب قتله، لحق الله تعالى، فلم يجز أكله، كسائر المقتولات، ~~واختلف في علة قتلها، فقيل: إنما قتلت لئلا يعير فاعلها، ويذكر برؤيتها. ~~وقد روى ابن بطة، بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ~~وجدتموه على بهيمة فاقتلوه، واقتلوا البهيمة. قالوا: يا رسول الله ما بال ~~البهيمة؟ قال: لا يقال هذه وهذه» . وقيل: لئلا تلد خلقا مشوها. وقيل: لئلا ~~تؤكل. وإليها أشار ابن عباس في تعليله. ولا يجب قتلها حتى يثبت هذا العمل ~~بها ببينة، فأما إن أقر الفاعل، فإن كانت البهيمة له، ثبت بإقراره، وإن ~~كانت لغيره، لم يجز قتلها ms4850 بقوله؛ لأنه إقرار على ملك غيره، فلم يقبل، كما ~~لو أقر بها لغير مالكها. وهل يثبت هذا بشاهدين عدلين، وإقرار مرتين، # PageV09P063 # أو يعتبر فيه ما يعتبر في الزنى؟ على وجهين، نذكرهما في موضعهما، إن شاء ~~الله تعالى. ### | [مسألة قال من الذي يجب عليه الحد] # (7172) مسألة؛ قال: (والذي يجب عليه الحد، ممن ذكرت، من أقر بالزنى أربع ~~مرات) وجملته أن الحد لا يجب إلا بأحد شيئين؛ إقرار؛ أو بينة. فإن ثبت ~~بإقرار اعتبر إقرار أربع مرات. وبهذا قال الحكم، وابن أبي ليلى، وأصحاب ~~الرأي. وقال الحسن، وحماد، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: يحد ~~بإقرار مرة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «واغد يا أنيس إلى امرأة ~~هذا، فإن اعترفت، فارجمها» . واعتراف مرة اعتراف، وقد أوجب عليها الرجم به. ~~ورجم الجهنية، وإنما اعترفت مرة. وقال عمر: إن الرجم حق واجب على من زنى ~~وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. ولأنه حق، فيثبت ~~باعتراف مرة، كسائر الحقوق. # ولنا، ما روى أبو هريرة، قال: «أتى رجل من الأسلميين رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو في المسجد، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، ~~فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، فتنحى تلقاء ~~وجهه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك أربع مرات، ~~فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: أبك جنون؟ . قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ . قال: نعم. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: ارجموه» متفق عليه. ولو وجب الحد بمرة، لم يعرض عنه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى. # وروى نعيم بن هزال حديثه، وفيه: «حتى قالها أربع مرات، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: إنك قد قلتها أربع مرات، فبمن؟ . قال بفلانة.» رواه ~~أبو داود. وهذا تعليل منه يدل على أن إقرار الأربع هي الموجبة. وروى أبو ~~برزة الأسلمي، «أن ms4851 أبا بكر الصديق، قال له عند النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: إن أقررت أربعا، رجمك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . وهذا يدل من ~~وجهين؛ أحدهما، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقره على هذا، ولم ينكره، ~~فكان بمنزلة قوله؛ لأنه لا يقر على الخطإ. الثاني: أنه قد علم هذا من حكم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لولا ذلك ما تجاسر على قوله بين يديه. فأما ~~أحاديثهم، فإن الاعتراف لفظ المصدر يقع على القليل والكثير، وحديثنا يفسره، ~~ويبين أن الاعتراف الذي يثبت به كان أربعا. ### | [فصل الإقرار بالزنا هل في مجلس واحد أم في مجالس شتى] # فصل: وسواء كان في مجلس واحد، أو مجالس متفرقة. قال الأثرم: سمعت أبا عبد ~~الله يسأل عن الزاني، يردد # PageV09P064 # أربع مرات؟ قال: نعم، على حديث ماعز، هو أحوط. قلت له: في مجلس واحد، أو ~~في مجالس شتى؟ قال: أما الأحاديث، فليست تدل إلا على مجلس واحد، إلا ذاك ~~الشيخ بشير بن مهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وذاك عندي منكر ~~الحديث، وقال أبو حنيفة: لا يثبت إلا بأربع إقرارات، في أربعة مجالس؛ لأن ~~ماعزا أقر في أربعة مجالس. ولنا، أن الحديث الصحيح إنما يدل على أنه أقر ~~أربعا في مجلس واحد. وقد ذكرنا الحديث، ولأنه إحدى حجتي الزنى، فاكتفى به ~~في مجلس واحد، كالبينة. ### | [فصل ما يعتبر في صحة الإقرار بالزنا] # (7174) فصل: يعتبر في صحة الإقرار أن يذكر حقيقة الفعل، لتزول الشبهة؛ ~~لأن الزنى يعبر عما ليس بموجب للحد. وقد روى ابن عباس؛ «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لماعز: لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت. قال: لا. قال: ~~أفنكتها. لا يكني. قال: نعم. قال: فعند ذلك أمر برجمه» . رواه البخاري. وفي ~~رواية عن أبي هريرة، «قال: أفنكتها؟ . قال: نعم. قال: حتى غاب ذاك منك في ~~ذاك منها؟ . قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر. ~~قال: نعم. قال: فهل تدري ما الزنى؟ . قال: نعم، أتيت منها حراما ms4852 ما يأتي ~~الرجل من امرأته حلالا» . وذكر الحديث رواه أبو داود. ### | [فصل أقر أنه زنى بامرأة فكذبته] # (7175) فصل: فإن أقر أنه زنى بامرأة فكذبته، فعليه الحد دونها. وبه قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا حد عليه؛ لأنا صدقناها في إنكارها، ~~فصار محكوما بكذبه. ولنا، ما روى أبو داود، بإسناده عن سهل بن سعد الساعدي، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن رجلا أتاه، فأقر عنده أنه زنى بامرأة، ~~فسماها له، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المرأة، فسألها عن ~~ذلك، فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحد وتركها» . # ولأن انتفاء ثبوته في حقها لا يبطل إقراره، كما لو سكتت، أو كما لو لم ~~يسأل، ولأن عموم الخبر يقتضي وجوب الحد عليه باعترافه، وهو قول عمر: إذا ~~كان الحبل أو الاعتراف. وقولهم: إننا صدقناها في إنكارها. لا يصح، فإننا لم ~~نحكم بصدقها، وانتفاء الحد إنما كان لعدم المقتضى، وهو الإقرار أو البينة، ~~لا لوجود التصديق؛ بدليل ما لو سكتت، أو لم تكمل البينة. إذا ثبت هذا، فإن ~~الحر والعبد، والبكر والثيب، في الإقرار سواء؛ لأنه أحد حجتي الزنى، فاستوى ~~فيه الكل، كالبينة. ### | [مسألة اعتبار البلوغ والعقل في إقامة الحد] # (7176) مسألة: قال: (وهو بالغ صحيح عاقل) # PageV09P065 # أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد، وصحة الإقرار؛ ~~لأن الصبي والمجنون قد رفع القلم عنهما، ولا حكم لكلامهما. وقد روي عن علي ~~- رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رفع القلم عن ~~ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» ~~. رواه أبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن. وفي حديث ابن عباس، في قصة ~~ماعز، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل قومه: أمجنون هو؟ قالوا: ليس ~~به بأس» . # وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له حين أقر عنده: أبك جنون؟» ~~. وقد روى أبو داود بإسناده، قال: أتي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها ~~أناسا فأمر بها عمر أن ms4853 ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه - ~~فقال: ما شأن هذه؟ . قالوا: مجنونة آل فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم. ~~فقال: ارجعوا بها. ثم أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما علمت أن القلم قد ~~رفع عن ثلاثة؛ عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى ~~يعقل؟ قال: بلى. قال: فما بال هذه؟ قال: لا شيء. قال: فأرسلها فأرسلها. ~~قال: فجعل عمر يكبر. ### | [فصل كان المقر بالزنا يجن مرة ويفيق أخرى] # (7177) فصل: فإن كان يجن مرة ويفيق أخرى، فأقر في إفاقته أنه زنى وهو ~~مفيق، أو قامت عليه بينة أنه زنى في إفاقته، فعليه الحد. لا نعلم في هذا ~~خلافا. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لأن الزنى الموجب للحد ~~وجد منه في حال تكليفه، والقلم غير مرفوع عنه، وإقراره وجد في حال اعتبار ~~كلامه. فإن أقر في إفاقته، ولم يضفه إلى حال، أو شهدت عليه البينة بالزنى، ~~ولم تضفه إلى حال إفاقته، لم يجب الحد؛ لأنه يحتمل أنه وجد في حال جنونه، ~~فلم يجب الحد مع الاحتمال. وقد روى أبو داود، في حديث المجنونة التي أتى ~~بها عمر، أن عليا قال: إن هذه معتوهة بني فلان، لعل الذي أتاها أتاها في ~~بلائها. فقال عمر: لا أدري. فقال علي: وأنا لا أدري. ### | [فصل وجد منه الزنى حال نومه] # (7178) فصل: والنائم مرفوع عنه القلم، فلو زنى بنائمة، أو استدخلت امرأة ~~ذكر نائم، أو وجد منه الزنى حال نومه، فلا حد عليه؛ لأن القلم مرفوع عنه. ~~ولو أقر في حال نومه، لم يلتفت إلى إقراره؛ لأن كلامه ليس بمعتبر، ولا يدل ~~على صحة مدلوله. فأما السكران ونحوه، فعليه حد الزنى والسرقة والشرب ~~والقذف، إن فعل ذلك في سكره؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم -، أوجبوا عليه ~~حد الفرية؛ لكون السكر مظنة لها، ولأنه تسبب إلى هذه المحرمات بسبب لا يعذر ~~فيه، فأشبه من لا عذر له. ويحتمل أن لا يجب الحد؛ لأنه غير عاقل، فيكون ذلك ms4854 ~~شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات، ولأن طلاقه لا يقع في رواية، فأشبه النائم. ~~والأول أولى؛ لأن إسقاط الحد عنه # PageV09P066 # يفضي إلى أن من أراد فعل هذه المحرمات، شرب الخمر، وفعل ما أحب، فلا ~~يلزمه شيء، ولأن السكر مظنة لفعل المحارم، وسبب إليه، فقد تسبب إلى فعلها ~~حال صحوه. # فأما إن أقر بالزنى وهو سكران، لم يعتبر إقراره؛ لأنه لا يدري ما يقول، ~~ولا يدل قوله على صحة خبره، فأشبه قول النائم والمجنون. وقد روى بريدة، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - استنكه ماعزا» . رواه أبو داود. وإنما فعل ~~ذلك، ليعلم هل هو سكران أو لا، ولو كان السكران مقبول الإقرار، لما احتيج ~~إلى تعرف براءته منه. ### | [فصل الحد لا يجب على المريض في مرضه] # (7179) فصل: فأما قوله: وهو صحيح. ففسره القاضي بالصحيح من المرض، يعني ~~أن الحد لا يجب عليه في مرضه، وإن وجب فإنه إنما يقام عليه الحد بما يؤمن ~~به تلفه، فإن خيف ضرر عليه، ضرب ضربة واحدة بضغث فيه مائة شمراخ أو عود ~~صغير. ويحتمل أنه أراد الصحيح الذي يتصور منه الوطء، فلو أقر بالزنى من لا ~~يتصور منه، كالمجنون، فلا حد عليه؛ لأننا نتيقن أنه لا يتصور منه الزنى ~~الموجب للحد، ولو قامت به بينة، فهي كاذبة، وعليها الحد. نص عليه أحمد. وإن ~~أقر الخصي أو العنين، فعليه الحد. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي؛ لأنه يتصور منه ذلك، فقبل إقراره به، كالشيخ الكبير. ### | [فصل إقرار الأخرس بالزنا] # (7180) فصل: وأما الأخرس، فإن لم تفهم إشارته، فلا يتصور منه إقرار، وإن ~~فهمت إشارته، فقال القاضي: عليه الحد. وهو قول الشافعي، وابن القاسم صاحب ~~مالك، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأن من صح إقراره بغير الزنى صح إقراره به ~~كالناطق، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحد بإقرار ولا بينة، لأن الإشارة تحتمل ~~ما فهم منها وغيره، فيكون ذلك شبهة في درء الحد لكونه مما يندرئ بالشبهات، ~~ولا يجب بالبينة لاحتمال أن يكون له شبهة لا يمكنه التعبير ms4855 عنها ولا يعرف ~~كونها شبهة، ويحتمل كلام الخرقي أن لا يجب الحد بإقراره لأنه غير صحيح، ~~ولأن الحد لا يجب مع الشبهة، والإشارة لا تنتفي معها الشبهات، فأما البينة ~~فيجب عليه بها الحد لأن قوله معها غير معتبر. ### | [فصل أكره على الإقرار بالزنا] # (7181) فصل: ولا يصح الإقرار من المكره، فلو ضرب الرجل ليقر بالزنا، لم ~~يجب عليه الحد، ولم يثبت عليه الزنا. ولا نعلم من أهل العلم خلافا في أن ~~إقرار المكره لا يجب به حد. وروي عن عمر، - رضي الله عنه - أنه قال: ليس ~~الرجل بأمين على نفسه إذا جوعته، أو ضربته، أو أوثقته. رواه سعيد. وقال ابن ~~شهاب في رجل اعترف بعد جلده: ليس عليه حد. ولأن الإقرار إنما ثبت به المقر ~~به؛ لوجود الداعي إلى الصدق، وانتفاء # PageV09P067 # التهمة عنه، فإن العاقل لا يتهم بقصد الإضرار بنفسه، ومع الإكراه يغلب ~~على الظن أنه قصد بإقراره دفع ضرر الإكراه، فانتفى ظن الصدق عنه، فلم يقبل. ### | [فصل أقر أنه وطئ امرأة وادعى أنها امرأته وأنكرت المرأة] # (7182) فصل: فإن أقر أنه وطئ امرأة، وادعى أنها امرأته، وأنكرت المرأة أن ~~يكون زوجها. نظرنا؛ فإن لم تقر المرأة بوطئه إياها، فلا حد عليه؛ لأنه لم ~~يقر بالزنا، ولا مهر لها؛ لأنها لا تدعيه، وإن اعترفت بوطئه إياها، وأقرت ~~بأنه زنى بها مطاوعة، فلا مهر عليه أيضا، ولا حد على واحد منهما، إلا أن ~~يقر أربع مرات؛ لأن الحد لا يجب بدون أربع مرات، وإن ادعت أنه أكرهها عليه، ~~أو اشتبه عليها، فعليه المهر؛ لأنه أقر بسببه. فقد روى مهنا، عن أحمد، أنه ~~سأله عن رجل وطئ امرأة، وزعم أنها زوجته، وأنكرت هي أن يكون زوجها، وأقرت ~~بالوطء. قال: فهذه قد أقرت على نفسها بالزنا، ولكن يدرأ عنه الحد بقوله: ~~إنها امرأته، ولا مهر عليه، ويدرأ عنها الحد حتى تعترف مرارا. # قال أحمد: وأهل المدينة يرون عليها الحد، يذهبون لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» ms4856 . وقد تقدم ~~الجواب عن قولهم. ### | [مسألة من شرط إقامة الحد بالإقرار البقاء عليه إلى تمام الحد] # (7183) مسألة: قال: (ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد) وجملته: إن ~~من شرط إقامة الحد بالإقرار، البقاء عليه إلى تمام الحد، فإن رجع عن إقراره ~~أو هرب، كف عنه. وبهذا قال عطاء، ويحيى بن يعمر، والزهري، وحماد، ومالك، ~~والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأبو يوسف. # وقال الحسن، وسعيد بن جبير، وابن أبي ليلى: يقام عليه الحد، ولا يترك؛ ~~لأن ماعزا هرب فقتلوه، ولم يتركوه. وروي أنه قال: «ردوني إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فإن قومي هم غروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - غير قاتلي. فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه.» أخرجه أبو ~~داود. ولو قبل رجوعه، للزمتهم ديته؛ ولأنه حق وجب بإقراره، فلم يقبل رجوعه، ~~كسائر الحقوق. وحكي عن الأوزاعي، أنه إن رجع حد للفرية على نفسه، وإن رجع ~~عن السرقة والشرب، ضرب دون الحد. # ولنا «أن ماعزا هرب، فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هلا ~~تركتموه، يتوب فيتوب الله عليه» . قال ابن عبد البر: ثبت من حديث أبي ~~هريرة، وجابر، ونعيم بن هزال، ونصر بن داهر، وغيرهم، «أن ماعزا لما هرب، ~~فقال لهم: ردوني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هلا تركتموه، ~~يتوب فيتوب الله عليه.» ففي هذا أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه. # وعن بريدة، قال: كنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نتحدث أن ~~الغامدية وماعز بن مالك، # PageV09P068 # لو رجعا بعد اعترافهما. أو قال: لو لم يرجعا بعد اعترافهما، لم يطلبهما، ~~وإنما رجمهما عند الرابعة. رواه أبو داود. ولأن رجوعه شبهة، والحدود تدرأ ~~بالشبهات؛ ولأن الإقرار إحدى بينتي الحد، فيسقط بالرجوع عنه، كالبينة إذا ~~رجعت قبل إقامة الحد، وفارق سائر الحقوق، فإنها لا تدرأ بالشبهات. وإنما لم ~~يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه؛ لأنه ليس بصريح في الرجوع. إذا ~~ثبت هذا، فإنه إذا هرب لم يتبع؛ لقول النبي ms4857 - صلى الله عليه وسلم -: «هلا ~~تركتموه» . وإن لم يترك وقتل، لم يضمن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~لم يضمن ماعزا من قتله؛ ولأن هربه ليس بصريح في رجوعه. # وإن قال: ردوني إلى الحاكم. وجب رده، ولم يجز إتمام الحد، فإن أتم، فلا ~~ضمان على من أتمه؛ لما ذكرنا في هربه. # وإن رجع عن إقراره، وقال: كذبت في إقراري. أو: رجعت عنه. أو: لم أفعل ما ~~أقررت به. وجب تركه، فإن قتله قاتل بعد ذلك، وجب ضمانه؛ لأنه قد زال إقراره ~~بالرجوع عنه، فصار كمن لم يقر، ولا قصاص على قاتله؛ لأن أهل العلم اختلفوا ~~في صحة رجوعه، فكان اختلافهم شبهة دارئة للقصاص؛ ولأن صحة الإقرار مما ~~يخفى، فيكون ذلك عذرا مانعا من وجوب القصاص. ### | [مسألة شروط شهود الزنا] # (7184) مسألة: قال: (أو يشهد عليه أربعة رجال من المسلمين أحرار عدول، ~~يصفون الزنا) ذكر الخرقي في شهود الزنا سبعة شروط؛ أحدها: أن يكونوا أربعة. ~~وهذا إجماع، لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ لقول الله تعالى: {واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] . وقال تعالى: ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} ~~[النور: 4] . # وقال تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك ~~عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] «وقال سعد بن عبادة لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا، أمهله حتى آتي بأربعة ~~شهداء؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: نعم.» رواه مالك، في " الموطإ " ~~وأبو داود في " سننه " الشرط الثاني: أن يكونوا رجالا كلهم، ولا تقبل فيه ~~شهادة النساء بحال. ولا نعلم فيه خلافا، إلا شيئا يروى عن عطاء، وحماد، أنه ~~يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان. وهو شذوذ لا يعول عليه؛ لأن لفظ الأربعة اسم ~~لعدد المذكورين، ويقتضي أن يكتفى فيه بأربعة، ولا خلاف في أن الأربعة إذا ~~كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم، وإن أقل ما يجزئ خمسة وهذا خلاف النص؛ ولأن ~~في شهادتهن شبهة؛ لتطرق ms4858 الضلال إليهن، قال الله تعالى: {أن تضل إحداهما ~~فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] . والحدود تدرأ بالشبهات. # PageV09P069 # الشرط الثالث: الحرية، فلا تقبل فيه شهادة العبيد. # ولا نعلم في هذا خلافا، إلا رواية حكيت عن أحمد، أن شهادتهم تقبل. وهو ~~قول أبي ثور؛ لعموم النصوص فيه؛ ولأنه عدل ذكر مسلم فتقبل شهادته، كالحر. ~~ولنا أنه مختلف في شهادته في سائر الحقوق، فيكون ذلك شبهة تمنع من قبول ~~شهادته في الحد؛ لأنه يندرئ بالشبهات. # الشرط الرابع: العدالة، ولا خلاف في اشتراطها؛ فإن العدالة تشترط في سائر ~~الشهادات، فهاهنا مع مزيد الاحتياط أولى، فلا تقبل شهادة الفاسق، ولا مستور ~~الحال الذي لا تعلم عدالته؛ لجواز أن يكون فاسقا. الخامس: أن يكونوا ~~مسلمين، فلا تقبل شهادة أهل الذمة فيه، سواء كانت الشهادة على مسلم أو ذمي؛ ~~لأن أهل الذمة كفار، لا تتحقق العدالة فيهم، ولا تقبل روايتهم ولا أخبارهم ~~الدينية، فلا تقبل شهادتهم، كعبدة الأوثان. # الشرط السادس، أن يصفوا الزنا، فيقولوا: رأينا ذكره في فرجها كالمرود في ~~المكحلة، والرشاء في البئر. وهذا قول معاوية بن أبي سفيان، والزهري، ~~والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي؛ لما روي في قصة «ماعز، أنه ~~لما أقر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بالزنا، فقال: أنكتها. فقال: ~~نعم. فقال: حتى غاب ذلك منك، في ذلك منها، كما يغيب المرود في المكحلة، ~~والرشاء في البئر؟ . قال: نعم.» وإذا اعتبر التصريح في الإقرار، كان ~~اعتباره في الشهادة أولى. # وروى أبو داود، بإسناده عن جابر، قال: «جاءت اليهود برجل منهم وامرأة ~~زنيا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ائتوني بأعلم رجلين منكم. فأتوه ~~بابني صوريا، فنشدهما: كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ . قالا: نجده في ~~التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها، مثل الميل في المكحلة، ~~رجما. قال: فما يمنعكم أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا، وكرهنا القتل. فدعا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشهود، فجاء أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ~~ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر النبي - صلى الله ms4859 عليه وسلم - ~~برجمهما.» ولأنهم إذا لم يصفوا الزنا احتمل أن يكون المشهود به لا يوجب ~~الحد فاعتبر كشفه. # قال بعض أهل العلم: يجوز للشهود أن ينظروا إلى ذلك منهما، لإقامة الشهادة ~~عليهما ليحصل الردع بالحد، فإن شهدوا أنهم رأوا ذكره قد غيبه في فرجها كفى، ~~والتشبيه تأكيد. وأما تعيينهم المزني بها أو الزاني، إن كانت الشهادة على ~~امرأة، ومكان الزنا، فذكر القاضي أنه يشترط، لئلا تكون المرأة ممن اختلف في ~~إباحتها، ويعتبر ذكر المكان، لئلا تكون شهادة أحدهم على غير الفعل # PageV09P070 # الذي شهد به الآخر، ولهذا «سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزا، ~~فقال: إنك أقررت أربعا، فبمن؟» . وقال ابن حامد: لا يحتاج إلى ذكر هذين؛ ~~لأنه لا يعتبر ذكرهما في الإقرار، ولم يأت ذكرهما في الحديث الصحيح، وليس ~~في حديث الشهادة في رجم اليهوديين ذكر المكان؛ ولأن ما لا يشترط فيه ذكر ~~الزمان لا يشترط فيه ذكر المكان، كالنكاح، ويبطل ما ذكره بالزمان. # الشرط السابع، مجيء الشهود كلهم في مجلس واحد. ذكره الخرقي، فقال: وإن ~~جاء أربعة متفرقين، والحاكم جالس في مجلس حكمه، لم يقم قبل شهادتهم، وإن ~~جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم، كانوا قذفة، وعليهم الحد. وبهذا قال مالك، ~~وأبو حنيفة. # وقال الشافعي، والبتي، وابن المنذر: لا يشترط ذلك؛ لقول الله تعالى: ~~{لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} [النور: 13] . ولم يذكر المجلس، وقال ~~تعالى: {فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت} ~~[النساء: 15] . ولأن كل شهادة مقبولة إن اتفقت، تقبل إذا افترقت في مجالس، ~~كسائر الشهادات. # ولنا أن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد شهدوا عند عمر، على المغيرة بن ~~شعبة بالزنا، ولم يشهد زياد، فحد الثلاثة. # ولو كان المجلس غير مشترط، لم يجز أن يحدهم؛ لجواز أن يكملوا برابع في ~~مجلس آخر؛ ولأنه لو شهد ثلاثة، فحدهم، ثم جاء رابع فشهد، لم تقبل شهادته، ~~ولولا اشتراط المجلس، لكملت شهادتهم. وبهذا فارق سائر الشهادات. وأما ~~الآية: فإنها لم تتعرض للشروط، ولهذا لم تذكر العدالة، وصفة الزنا؛ ولأن ms4860 ~~قوله: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم} [النور: 4] . لا يخلو من أن ~~يكون مطلقا في الزمان كله، أو مقيدا، لا يجوز أن يكون مطلقا؛ لأنه يمنع من ~~جواز جلدهم؛ لأنه ما من زمن إلا يجوز أن يأتي فيه بأربعة شهداء، أو بكمالهم ~~إن كان قد شهد بعضهم، فيمتنع جلدهم المأمور به، فيكون تناقضا، وإذا ثبت أنه ~~مقيد، فأولى ما قيد بالمجلس؛ لأن المجلس كله بمنزلة الحال الواحدة، ولهذا ~~ثبت فيه خيار المجلس، واكتفي فيه بالقبض فيما يعتبر القبض فيه. # إذا ثبت هذا، فإنه لا يشترط اجتماعهم حال مجيئهم، ولو جاءوا متفرقين ~~واحدا بعد واحد، في مجلس واحد، قبل شهادتهم. وقال مالك، وأبو حنيفة: إن ~~جاءوا متفرقين، فهم قذفة؛ لأنهم لم يجتمعوا في مجيئهم، فلم تقبل شهادتهم، ~~كالذين لم يشهدوا في مجلس واحد. ولنا قصة المغيرة، فإن الشهود جاءوا واحدا ~~بعد واحد وسمعت شهادتهم، وإنما حدوا لعدم كمالها. وفي حديثه، أن أبا بكرة ~~قال: أرأيت إن جاء آخر يشهد، أكنت ترجمه؟ . قال عمر: أي، والذي نفسي # PageV09P071 # بيده. ولأنهم اجتمعوا في مجلس واحد، أشبه ما لو جاءوا مجتمعين؛ ولأن ~~المجلس كله بمنزلة ابتدائه، لما ذكرناه. # وإذا تفرقوا في مجالس، فعليهم الحد؛ لأن من شهد بالزنا، ولم يكمل الشهادة ~~يلزمه الحد؛ لقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . ### | [فصل لم تكمل شهود الزنا] # (7185) فصل: واذا لم تكمل شهود الزنا، فعليهم الحد. في قول أكثر أهل ~~العلم، منهم مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وذكر أبو الخطاب فيهم روايتين. ~~وحكي عن الشافعي فيهم قولان؛ أحدهما: لا حد عليهم؛ لأنهم شهود فلم يجب ~~عليهم الحد، كما لو كانوا أربعة أحدهما فاسق. # ولنا قول الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . وهذا يوجب الجلد على كل رام لم يشهد ~~بما قال أربعة؛ ولأنه إجماع الصحابة، فإن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم ~~يكمل الرابع شهادته، بمحضر من الصحابة، فلم ينكره أحد. وروى صالح ms4861 في " ~~مسائله " بإسناده عن أبي عثمان النهدي، قال: جاء رجل إلى عمر، فشهد على ~~المغيرة بن شعبة، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد، فتغير لون عمر، ثم جاء ~~آخر فشهد، فاستكبر ذلك عمر، ثم جاء شاب يخطر بيديه، فقال عمر: ما عندك يا ~~سلح العقاب؟ وصاح به عمر صيحة، فقال أبو عثمان: والله لقد كدت يغشى علي. ~~فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت أمرا قبيحا. فقال: الحمد لله الذي لم يشمت ~~الشيطان بأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال: فأمر بأولئك النفر ~~فجلدوا. وفي رواية أن عمر لما شهد عنده على المغيرة، شهد ثلاثة، وبقي زياد، ~~فقال عمر أرى شابا حسنا، وأرجو أن لا يفضح الله على لسانه رجلا من أصحاب ~~محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: يا أمير، رأيت استا تنبو، ~~ونفسا يعلو، ورأيت رجليها فوق عنقه، كأنهما أذنا حمار، ولا أدري ما وراء ~~ذلك؟ فقال عمر: الله أكبر. وأمر بالثلاثة فضربوا. وقول عمر: يا سلح العقاب ~~معناه: أنه يشبه سلح العقاب، الذي يحرق كل شيء أصابه، وكذلك هذا، توقع ~~العقوبة بأحد الفريقين لا محالة، إن كملت شهادته حد المشهود عليه، وإن لم ~~تكمل، حد أصحابه. # فإن قيل: فقد خالفهم أبو بكرة وأصحابه الذين شهدوا. قلنا: لم يخالفوا في ~~وجوب الحد عليهم، إنما خالفوهم في صحة ما شهدوا به؛ ولأنه رام بالزنا لم ~~يأت بأربعة شهداء، فيجب عليه الحد، كما لو لم يأت بأحد. # PageV09P072 ### | [فصل كمل شهود الزنا أربعة غير مرضيين أو واحد منهم] # (7186) فصل: وإن كملوا أربعة غير مرضيين، أو واحد منهم، كالعبيد والفساق ~~والعميان، ففيهم ثلاث؛ روايات؛ إحداهن: عليهم الحد. وهو قول مالك. قال ~~القاضي: هذا الصحيح؛ لأنها شهادة لم تكمل، فوجب الحد على الشهود، كما لو ~~كانوا ثلاثة. والثانية: لا حد عليهم. وهو قول الحسن، والشعبي، وأبي حنيفة، ~~ومحمد؛ لأن هؤلاء قد جاءوا بأربعة شهداء، فدخلوا في عموم الآية؛ لأن عددهم ~~قد كمل، ورد الشهادة لمعنى غير تفريطهم، فأشبه ما لو شهد أربعة مستورون، ms4862 ~~ولم تثبت عدالتهم ولا فسقهم. # الثالثة: إن كانوا عميانا أو بعضهم، جلدوا، وإن كانوا عبيدا أو فساقا، ~~فلا حد عليهم. وهو قول الثوري، وإسحاق؛ لأن العميان معلوم كذبهم؛ لأنهم ~~شهدوا بما لم يروه يقينا، والآخرون يجوز صدقهم، وقد كمل عددهم، فأشبهوا ~~مستوري الحال. وقال أصحاب الشافعي: إن كان رد الشهادة لمعنى ظاهر، كالعمى، ~~والرق، والفسق الظاهر ففيهم قولان، وإن كان لمعنى خفي، فلا حد عليهم؛ لأن ~~ما يخفى يخفى على الشهود، فلا يكون ذلك تفريطا منهم، بخلاف ما يظهر. # وإن شهد ثلاثة رجال وامرأتان، حد الجميع؛ لأن شهادة النساء في هذا الباب ~~كعدمها. # وبهذا قال الثوري، وأصحاب الرأي. وهذا يقوي رواية إيجاب الحد على ~~الأولين، وينبه على إيجاب الحد فيما إذا كانوا عميانا أو أحدهم؛ لأن ~~المرأتين يحتمل صدقهما، وهما من أهل الشهادة في الجملة، والأعمى كاذب ~~يقينا، وليس من أهل الشهادة على الأفعال، فوجوب الحد عليهم وعلى من معهم ~~أولى. ### | [فصل رجع شهود الزنا عن الشهادة أو واحد منهم] # (7187) فصل: وإن رجعوا عن الشهادة، أو واحد منهم، فعلى جميعهم الحد في ~~أصح الروايتين. وهو قول أبي حنيفة. والثانية: يحد الثلاثة دون الراجع. وهذا ~~اختيار أبي بكر وابن حامد؛ لأنه إذا رجع قبل الحد، فهو كالتائب قبل تنفيذ ~~الحكم بقوله، فيسقط عنه الحد؛ ولأن في درء الحد عنه تمكينا له من الرجوع ~~الذي يحصل به مصلحة المشهود عليه، وفي إيجاب الحد عليه زجر له عن الرجوع، ~~خوفا من الحد، فتفوت تلك المصلحة، وتتحقق المفسدة، فناسب ذلك نفي الحد عنه. # وقال الشافعي: يحد الراجع دون الثلاثة؛ لأنه مقر على نفسه بالكذب في ~~قذفه، وأما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم، وإنما سقط بعد وجوبه برجوع ~~الراجع، ومن وجب الحد بشهادته، لم يكن قاذفا، فلم يحد، كما لو لم يرجع. ~~ولنا أنه نقص العدد بالرجوع قبل إقامة الحد، فلزمهم الحد، كما لو شهد ~~ثلاثة، وامتنع الرابع من الشهادة. # وقولهم: وجب الحد بشهادتهم. يبطل بما إذا رجعوا كلهم، وبالراجع وحده، فإن ~~الحد وجب ثم ms4863 سقط، ووجب # PageV09P073 # الحد عليهم بسقوطه؛ ولأن الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه، ~~وإسقاط الحد عن المشهود عليه بعد وجوبه، وإحيائه المشهود عليه بعد إشرافه ~~على التلف، فعلى غيره أولى. ### | [فصل شهد اثنان أنه زنى بها في هذا البيت واثنان أنه زنى بها في بيت آخر] # (7188) فصل: وإذا شهد اثنان أنه زنى بها في هذا البيت، واثنان أنه زنى ~~بها في بيت آخر، أو شهد كل اثنين عليه بالزنا في بلد غير البلد الذي شهد به ~~صاحباهما، أو اختلفوا في اليوم فالجميع قذفة، وعليهم الحد. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي، واختار أبو بكر أنه لا حد عليهم. وبه قال النخعي، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي؛ لأنهم كملوا أربعة. # ولنا أنه لم يكمل أربعة على زنا واحد، فوجب عليهم الحد، كما لو انفرد ~~بالشهادة اثنان وحدهما، فأما المشهود عليه، فلا حد عليه في قولهم جميعا. ~~وقال أبو بكر: عليه الحد. وحكى قولا لأحمد. وهذا بعيد فإنه لم يثبت زنا ~~واحد بشهادة أربعة، فلم يجب الحد؛ ولأن جميع ما يعتبر له البينة، يعتبر ~~كمالها في حق واحد، فالموجب للحد أولى؛ لأنه مما يحتاط له، ويندرئ ~~بالشبهات. # وقد قال أبو بكر: إنه لو شهد اثنان أنه زنى بامرأة بيضاء، وشهد اثنان أنه ~~زنى بسوداء، فهم قذفة. ذكره القاضي عنه، وهذا ينقض قوله. ### | [فصل اختلاف شهود الزنا في المكان] # (7189) فصل: وإن شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية بيت، وشهد اثنان أنه زنى ~~بها في زاوية منه أخرى، وكانت الزاويتان متباعدتين، فالقول فيهما كالقول في ~~البيتين، وإن كانتا متقاربتين، كملت شهادتهم، وحد المشهود عليه. وبه قال ~~أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا حد عليه؛ لأن شهادتهم لم تكمل؛ ولأنهم اختلفوا ~~في المكان، فأشبه ما لو اختلفا في البيتين. وعلى قول أبي بكر تكمل الشهادة، ~~سواء تقاربت الزاويتان أو تباعدتا. # ولنا أنهما إذا تقاربتا أمكن صدق الشهود، بأن يكون ابتداء الفعل في ~~إحداهما، وتمامه في الأخرى، أو ينسبه كل اثنين إلى إحدى الزاويتين لقربه ~~منها، فيجب ms4864 قبول شهادتهم، كما لو اتفقوا، بخلاف ما إذا كانتا متباعدتين، ~~فإنه لا يمكن كون المشهود به فعلا واحدا. فإن قيل: فقد يمكن أن يكون ~~المشهود به فعلين، فلم أوجدتم الحد مع الاحتمال، والحد يدرأ بالشبهات؟ ~~قلنا: ليس هذا بشبهة، بدليل ما لو اتفقوا على موضع واحد، فإن هذا يحتمل فيه ~~والحد واجب. والقول في الزمان كالقول في هذا، وإنه متى كان بينهما زمن ~~متباعد، لا يمكن وجود الفعل الواحد في جميعه، كطرفي النهار، لم تكمل ~~شهادتهم، ومتى تقاربا كملت شهادتهم - والله أعلم -. ### | [فصل في اختلاف الشهود في لون ثياب الزاني] # (7190) فصل: وإن شهد اثنان أنه زنى بها في قميص أبيض، وشهد اثنان أنه زنى ~~بها في قميص أحمر، أو شهد اثنان # PageV09P074 # أنه زنى بها في ثوب كتان، وشهد اثنان أنه زنى بها في ثوب خز، كملت ~~شهادتهم. وقال الشافعي: لا تكمل؛ لتنافي الشهادتين. ولنا أنه لا تنافي ~~بينهما، فإنه يمكن أن يكون عليه قميصان، فذكر كل اثنين واحدا، وتركا ذكر ~~الآخر، ويمكن أن يكون عليه قميص أبيض وعليها قميص أحمر، وإذا أمكن التصديق، ~~لم يجز التكذيب. ### | [فصل شهد اثنان أنه زنى بها مكرهة وشهد اثنان أنه زنى بها مطاوعة] # (7191) فصل: وإن شهد اثنان أنه زنى بها مكرهة، وشهد اثنان أنه زنى بها ~~مطاوعة، فلا حد عليها إجماعا؛ فإن الشهادة لم تكمل على فعل موجب للحد. وفي ~~الرجل وجهان؛ أحدهما: لا حد عليه. وهو قول أبي بكر، والقاضي، وأكثر ~~الأصحاب، وقول أبي حنيفة، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن البينة لم تكمل ~~على فعل واحد، فإن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة، ولم يتم العدد على كل ~~واحد من الفعلين؛ ولأن كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين، وذلك يمنع قبول ~~الشهادة، أو يكون شبهة في درء الحد، ولا يخرج عن أن يكون قول واحد منهما ~~مكذبا للآخر، إلا بتقدير فعلين تكون مطاوعة في أحدهما، مكرهة في الآخر، ~~وهذا يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد؛ ولأن شاهدي المطاوعة قاذفان ~~لها، ولم تكمل البينة عليها، ms4865 فلا تقبل شهادتهما على غيرها. # والوجه الثاني: يجب الحد عليه. اختاره أبو الخطاب، وهو قول أبي يوسف ~~ومحمد، ووجه ثان للشافعي؛ لأن الشهادة كملت على وجود الزنا منه، واختلافهما ~~إنما هو فعلها، لا فعله، فلا يمنع كمال الشهادة عليه. وفي الشهود ثلاثة ~~أوجه؛ أحدها: لا حد عليهم. وهو قول من أوجب الحد على الرجل بشهادتهم. ~~والثاني: عليهم الحد؛ لأنهم شهدوا بالزنا ولم تكمل شهادتهم، فلزمهم الحد، ~~كما لو لم يكمل عددهم. والثالث: يجب الحد على شاهدي المطاوعة؛ لأنهما قذفا ~~المرأة بالزنا ولم تكمل شهادتهم عليها، ولا يجب على شاهدي الإكراه؛ لأنهما ~~لم يقذفا المرأة وقد كملت شهادتهم على الرجل، وإنما انتفى عنه الحد للشبهة. ### | [فصل تمت الشهادة بالزنا فصدقهم المشهود عليه بالزنا] # (7192) فصل: وإذا تمت الشهادة بالزنا فصدقهم المشهود عليه بالزنا، لم ~~يسقط الحد. وقال أبو حنيفة يسقط؛ لأن شرط صحة البينة الإنكار، وما كمل ~~الإقرار. ولنا قول الله تعالى: {فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن ~~الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] . وبين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - السبيل بالحد، فتجب إقامته؛ ولأن البينة تمت عليه، فوجب الحد، كما ~~لو لم يعترف؛ # PageV09P075 # ولأن البينة أحد حجتي الزنا، فلم يبطل بوجود الحجة الأخرى أو بعضها، ~~كالإقرار، يحققه أن وجود الإقرار يؤكد البينة، ويوافقها، ولا ينافيها، فلا ~~يقدح فيها، كتزكية الشهود والثناء عليهم، ولا نسلم اشتراط الإنكار، وإنما ~~يكتفى بالإقرار في غير الحد إذا وجد بكماله، وها هنا لم يكمل، فلم يجز ~~الاكتفاء به، ووجب سماع البينة، والعمل بها. # وعلى هذا لو أقر مرة، أو دون الأربع لم يمنع ذلك سماع البينة عليه، ولو ~~تمت البينة عليه، وأقر على نفسه إقرارا تاما، ثم رجع عن إقراره، لم يسقط ~~عنه الحد برجوعه، وقوله يقتضي خلاف ذلك. ### | [فصل شهد شاهدان واعترف هو مرتين بالزنا] # (7193) فصل: وإن شهد شاهدان، واعترف هو مرتين، لم تكمل البينة، ولم يجب ~~الحد. لا نعلم في هذا خلافا بين من اعتبر إقرار أربع مرات، وهو قول أصحاب ~~الرأي؛ ms4866 لأن إحدى الحجتين لم تكمل، ولا تلفق إحداهما بالأخرى، كإقرار بعض ~~مرة. ### | [فصل كملت البينة ثم مات الشهود أو غابوا] # (7194) فصل: وإن كملت البينة، ثم مات الشهود أو غابوا، جاز الحكم بها، ~~وإقامة الحد. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الحكم؛ لجواز أن ~~يكونوا رجعوا وهذه شبهة تدرأ الحد. ولنا أن كل شهادة جاز الحكم بها مع حضور ~~الشهود، جاز مع غيبتهم، كسائر الشهادات، واحتمال رجوعهم ليس بشبهة كما لو ~~حكم بشهادتهم. ### | [فصل شهدوا بزنا قديم أو أقر به] # (7195) فصل: وإن شهدوا بزنا قديم، أو أقر به، وجب الحد. وبهذا قال مالك، ~~والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: لا أقبل بينة على ~~زنا قديم، وأحده بالإقرار به. وهذا قول ابن حامد. وذكره ابن أبي موسى مذهبا ~~لأحمد؛ لما روي عن عمر أنه قال: أيما شهود شهدوا بحد لم يشهدوا بحضرته، ~~فإنما هم شهود ضغن؛ ولأن تأخيره للشهادة إلى هذا الوقت يدل على التهمة، ~~فيدرأ ذلك الحد. # ولنا عموم الآية وأنه حق يثبت على الفور، فيثبت بالبينة بعد تطاول ~~الزمان، كسائر الحقوق. # والحديث رواه الحسن مرسلا، ومراسيل الحسن ليست بالقوية، والتأخير يجوز أن ~~يكون لعذر أوغيبة، والحد لا يسقط بمطلق الاحتمال، فإنه لو سقط بكل احتمال، ~~لم يجب حد أصلا. ### | [فصل الشهادة بالحد من غير مدع] # (7196) فصل: وتجوز الشهادة بالحد من غير مدع. لا نعلم فيه اختلافا، ونص ~~عليه أحمد، واحتج بقضية أبي بكرة، حين شهد هو وأصحابه على المغيرة من غير ~~تقدم دعوى، وشهد الجارود وصاحبه على قدامة بن مظعون بشرب الخمر، ولم يتقدمه ~~دعوى. ولأن الحد حق لله تعالى فلم تفتقر الشهادة به إلى تقدم دعوى، ~~كالعبادات، # PageV09P076 # يبينه أن الدعوى في سائر الحقوق إنما تكون من المستحق، وهذا لا حق فيه ~~لأحد من الآدميين فيدعيه، فلو وقعت الشهادة على الدعوى لامتنعت إقامتها. # إذا ثبت هذا فإن من عنده شهادة على حد، فالمستحب أن لا يقيمها؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال «من ستر عورة ms4867 مسلم في الدنيا ستره الله في ~~الدنيا والآخرة» . وتجوز إقامتها؛ لقول الله تعالى: {فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم} [النساء: 15] . ولأن الذين شهدوا بالحد في عصر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه، لم تنكر عليهم شهادتهم به. ويستحب للإمام وغيره التعريض ~~بالوقوف عن الشهادة؛ بدليل قول عمر لزياد: إني لأرى رجلا أرجو أن لا يفضح ~~الله على يديه رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولأن تركها ~~أفضل، فلم يكن بأس بدلالته على الفضل. # وقد روي أن رجلا سأل عقبة بن عامر، فقال إن لي جيرانا يشربون الخمر، ~~أفأرفعهم إلى السلطان؟ فقال عقبة بن عامر: إني سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «من ستر عورة مسلم، ستره الله في الدنيا والآخرة.» ### | [فصل شهد أربعة على امرأة بالزنا فشهد ثقات من النساء أنها عذراء] # (7197) فصل: وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا، فشهد ثقات من النساء أنها ~~عذراء، فلا حد عليها، ولا على الشهود، وبهذا قال الشعبي، والثوري، ~~والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقال مالك: عليها الحد؛ لأن شهادة ~~النساء لا مدخل لها في الحدود، فلا تسقط بشهادتهن. ولنا أن البكارة تثبت ~~بشهادة النساء، ووجودها يمنع من الزنا ظاهرا؛ لأن الزنا، لا يحصل بدون ~~الإيلاج في الفرج، ولا يتصور ذلك مع بقاء البكارة؛ لأن البكر هي التي لم ~~توطأ في قبلها، وإذا انتفى الزنا، لم يجب الحد، كما لو قامت البينة بأن ~~المشهود عليه بالزنا مجبوب، وإنما لم يجب الحد على الشهود؛ لكمال عدتهم، مع ~~احتمال صدقهم، فإنه يحتمل أن يكون وطئها ثم عادت عذرتها، فيكون ذلك شبهة في ~~درء الحد عنهم غير موجب له عليها، فإن الحد لا يجب بالشبهات. ويجب أن يكتفى ~~بشهادة امرأة واحدة؛ لأن شهادتها مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال. # فأما إن شهدت بأنها رتقاء، أو ثبت أن الرجل المشهود عليه مجبوب، فينبغي ~~أن يجب الحد على الشهود؛ لأنه يتيقن كذبهم في شهادتهم بأمر لا يعلمه كثير ~~من الناس، فوجب عليهم الحد. ### | [فصل شهد أربعة ms4868 على رجل أنه زنى بامرأة وشهد أربعة آخرون على الشهود أنهم هم الزناة] # (7198) فصل: إذا شهد أربعة على رجل أنه زنى بامرأة، وشهد أربعة آخرون على ~~الشهود أنهم هم الزناة بها، لم يجب # PageV09P077 # الحد على أحد منهم. وهذا قول أبي حنيفة؛ لأن الأولين قد جرحهم الآخرون ~~بشهادتهم عليهم، والآخرون تتطرق إليهم التهمة. واختار أبو الخطاب وجوب الحد ~~على الشهود الأولين؛ لأن شهادة الآخرين صحيحة فيجب الحكم بها. وهذا قول أبي ~~يوسف، وذكر أبو الخطاب في صدر المسألة كلاما معناه: لا يحد أحد منهم حد ~~الزنا. وهل يحد الأولون حد القذف؟ على وجهين، بناء على القاذف إذا جاء مجيء ~~الشاهد هل يحد؟ على روايتين. ### | [فصل كل زنا أوجب الحد لا يقبل فيه إلا أربعة شهود] # فصل: وكل زنا أوجب الحد، لا يقبل فيه إلا أربعة شهود، باتفاق العلماء؛ ~~لتناول النص له، بقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . ويدخل فيه اللواط، ووطء المرأة ~~في دبرها؛ لأنه زنا. وعند أبي حنيفة، يثبت بشاهدين، بناء على أصله في أنه ~~لا يوجب الحد. # وقد بينا وجوب الحد به، ويخص هذا بأن الوطء في الدبر فاحشة، بدليل قوله ~~تعالى: {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} [الأعراف: 80] . ~~وقال الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم} [النساء: 15] . فإذا وطئت في الدبر، دخلت في عموم الآية. # ووطء البهيمة إن قلنا بوجوب الحد به، لم يثبت إلا بشهود أربعة. وإن قلنا ~~لا يوجب إلا التعزير ففيه وجهان؛ أحدهما: يثبت بشاهدين؛ لأنه لا يوجب الحد، ~~فيثبت بشاهدين، كسائر الحقوق. والثاني: لا يثبت إلا بأربعة. وهو قول ~~القاضي؛ لأنه فاحشة؛ ولأنه إيلاج في فرج محرم، فأشبه الزنا. وعلى قياس هذا، ~~كل وطء لا يوجب الحد ويوجب التعزير، كوطء الأمة المشتركة، وأمته المزوجة، ~~فإن لم يكن وطئا كالمباشرة دون الفرج ونحوها، ثبت بشاهدين، وجها واحدا؛ ~~لأنه ليس بوطء، فأشبه سائر الحقوق. ### | [فصل إقامة الإمام الحد بعلمه] # (7200) فصل: ولا ms4869 يقيم الإمام الحد بعلمه روي ذلك عن أبي بكر الصديق - رضي ~~الله عنه -. وبه قال مالك، وأصحاب الرأي. وهو أحد قولي الشافعي، وقال في ~~الآخر: له إقامته بعلمه. وهو قول أبي ثور؛ لأنه إذا جازت له إقامته بالبينة ~~والاعتراف الذي لا يفيد إلا الظن، فبما يفيد العلم أولى، # ولنا قول الله تعالى: {فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] . وقوله ~~تعالى: {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] . ~~وقال عمر: أو كان الحبل أو الاعتراف. ولأنه لا يجوز له أن يتكلم به، ولو ~~رماه بما علمه منه لكان قاذفا، يلزمه حد القذف، فلم تجز إقامة الحد به، ~~كقول غيره؛ ولأنه إذا # PageV09P078 # حرم النطق به، فالعمل به أولى. فأما السيد إذا علم من عبده أو جاريته ما ~~يوجب الحد عليه، فهل له إقامته عليه؟ فيه وجهان؛ أحدهما: لا يملك إقامته ~~عليه؛ لما ذكرنا في الإمام؛ ولأن الإمام إذا لم يملك إقامته بعلمه، مع قوة ~~ولايته، والاتفاق على تفويض الحد إليه، فغيره أولى. الثاني: يملك ذلك؛ لأن ~~السيد يملك تأديب عبده بعلمه، وهذا يجري مجرى التأديب؛ ولأن السيد أخص ~~بعبده، وأتم ولاية عليه، وأشفق من الإمام على سائر الناس. ### | [فصل أحبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد] # (7201) فصل: وإذا أحبلت امرأة لا زوج لها، ولا سيد، لم يلزمها الحد بذلك، ~~وتسأل فإن ادعت أنها أكرهت، أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا، لم تحد. ~~وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي. وقال مالك: عليها الحد إذا كانت مقيمة غير ~~غريبة، إلا أن تظهر أمارات الإكراه، بأن تأتي مستغيثة أو صارخة؛ لقول عمر - ~~رضي الله عنه -: والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان ~~محصنا، إذا قامت بينة، أو كان الحبل أو الاعتراف. # وروي أن عثمان أتي بامرأة ولدت لستة أشهر، فأمر بها عثمان أن ترجم، فقال ~~علي: ليس لك عليها سبيل، قال الله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ~~[الأحقاف: 15] . وهذا يدل على أنه كان يرجمها بحملها، وعن عمر نحو من ms4870 هذا ~~وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: يا أيها الناس إن الزنا زناءان؛ زنا ~~سر وزنا علانية، فزنا السر أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا ~~العلانية أن يظهر الحبل أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي، وهذا قول ~~سادة الصحابة ولم يظهر لهم في عصرهم مخالف، فيكون إجماعا. # ولنا أنه يحتمل أنه من وطء إكراه أو شبهة، والحد يسقط بالشبهات. وقد قيل: ~~إن المرأة تحمل من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها، إما بفعلها أو فعل ~~غيرها. ولهذا تصور حمل البكر، فقد وجد ذلك. # وأما قول الصحابة: فقد اختلفت الرواية عنهم، فروى سعيد، حدثنا خلف بن ~~خليفة، حدثنا هاشم، أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب، ليس لها زوج، وقد ~~حملت، فسألها عمر، فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس، وقع علي رجل وأنا نائمة، ~~فما استيقظت حتى فرغ. فدرأ عنها الحد. # وروى البراء بن صبرة، عن عمر أنه أتي بامرأة حامل، فادعت أنها أكرهت، ~~فقال: خل سبيلها. # PageV09P079 # وكتب إلى أمراء الأجناد، أن لا يقتل أحد إلا بإذنه. وروي عن علي، وابن ~~عباس، أنهما قالا: إذا كان في الحد لعل وعسى، فهو معطل. وروى الدارقطني ~~بإسناده عن عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعقبة بن عامر، أنهم قالوا: ~~إذا اشتبه عليك الحد، فادرأ ما استطعت. ولا خلاف في أن الحد يدرأ بالشبهات، ~~وهي متحققة هاهنا. ### | [فصل استأجر امرأة لعمل شيء فزنى بها أو استأجرها ليزني بها] # (7202) فصل: وإذا استأجر امرأة لعمل شيء، فزنى بها، أو استأجرها ليزني ~~بها، وفعل ذلك، أو زنى بامرأة ثم تزوجها أو اشتراها، فعليهما الحد. وبه قال ~~أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: لا حد عليهما في هذه المواضع؛ لأن ملكه ~~لمنفعتها شبهة دارئة، ولا يحد بوطء امرأة هو مالك لها. ولنا عموم الآية، ~~والأخبار، ووجود المعنى المقتضي لوجوب الحد. وقولهم: إن ملكه منفعتها شبهة. ~~ليس بصحيح، فإنه إذا لم يسقط عنه الحد ببذلها نفسها له، ومطاوعتها إياه، ~~فلأن لا ms4871 يسقط بملكه نفع محل آخر أولى، وما وجب الحد عليه بوطء مملوكته، ~~وإنما وجب بوطء أجنبية، فتغير حالها لا يسقطه، كما لو ماتت. ### | [فصل وطئ امرأة له عليها القصاص] # (7203) فصل: وإذا وطئ امرأة له عليها القصاص، وجب عليه الحد؛ لأنه حق له ~~عليها، فلا يسقط الحد عنه، كالدين. ### | [مسألة رجم بإقرار فرجع قبل أن يقتل] # مسألة: قال (ولو رجم بإقرار، فرجع قبل أن يقتل، كف عنه، وكذلك إن رجع بعد ~~أن جلد، وقبل كمال الحد خلي) قد تقدم شرح هذه المسألة، وذكرنا أن المقر ~~بالحد متى رجع عن إقراره ترك، وكذلك إن أتى بما يدل على الرجوع، مثل الهرب، ~~لم يطلب؛ «لأن ماعزا لما هرب، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هلا ~~تركتموه؟» . # ولأن من قبل رجوعه قبل الشروع في الحد، قبل بعد الشروع فيه، كالبينة. ### | [فصل ما يستحب للإمام أو الحاكم الذي يثبت عنده الحد بالإقرار] # (7205) فصل: ويستحب للإمام، أو الحاكم، الذي يثبت عنده الحد بالإقرار، ~~التعريض له بالرجوع إذا تم، والوقوف عن إتمامه إذا لم يتم، كما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أعرض عن ماعز، حين أقر عنده، ثم جاءه من ~~الناحية الأخرى، فأعرض عنه، حتى تمم إقراره أربعا، ثم قال: «لعلك قبلت، ~~لعلك لمست» . # وروي أنه قال للذي أقر بالسرقة: «ما إخالك فعلت» . رواه سعيد، عن سفيان، ~~عن يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. وقال: حدثنا هشيم، عن الحكم بن عتيبة، عن يزيد بن أبي كبشة، ~~عن أبي الدرداء، أنه أتي بجارية سوداء سرقت، فقال لها: أسرقت؟ قولي: لا. ~~فقالت: لا. فخلى سبيلها. ولا بأس أن يعرض بعض الحاضرين له بالرجوع أو بأن ~~لا يقر. # PageV09P080 # وروينا عن الأحنف أنه كان جالسا عند معاوية، فأتي بسارق، فقال له معاوية: ~~أسرقت؟ فقال له بعض الشرطة: اصدق الأمير. فقال الأحنف: الصدق في كل المواطن ~~معجزة. فعرض له بترك الإقرار وروي عن بعض السلف أنه قال: لا يقطع ms4872 ظريف. ~~يعني به أنه إذا قامت عليه بينة، ادعى شبهة تدفع عنه القطع. فلا يقطع. # ويكره لمن علم، أن يحثه على الإقرار؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه قال لهزال، وقد كان قال لماعز: بادر إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل أن ينزل فيك قرآن: ألا سترته بثوبك كان خيرا لك» رواه ~~سعيد. وروى بإسناده أيضا، عن سعيد بن المسيب، قال: «جاء ماعز بن مالك إلى ~~عمر بن الخطاب، فقال له: إنه أصاب فاحشة. فقال له: أخبرت بهذا أحدا قبلي. ~~قال: لا. قال: فاستتر بستر الله، وتب إلى الله، فإن الناس يعيرون ولا ~~يغيرون، والله يغير ولا يعير، فتب إلى الله، ولا تخبر به أحدا. فانطلق إلى ~~أبي بكر، فقال له مثل ما قال عمر، فلم تقره نفسه، حتى أتى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فذكر له ذلك.» ### | [مسألة زنى مرارا ولم يحد] # (7206) مسألة: قال: (ومن زنى مرارا ولم يحد، فحد واحد) وجملته أن ما يوجب ~~الحد من الزنا، والسرقة، والقذف، وشرب الخمر، إذا تكرر قبل إقامة الحد، ~~أجزأ حد واحد. بغير خلاف علمناه. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ ~~عنه من أهل العلم، منهم عطاء، والزهري، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، ~~وأبو ثور، وأبو يوسف. وهو مذهب الشافعي. وإن أقيم عليه الحد، ثم حدثت منه ~~جناية أخرى، ففيها حدها. لا نعلم فيه خلافا. وحكاه ابن المنذر عمن يحفظ ~~عنه. # وقد «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأمة تزني قبل أن تحصن ~~فقال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها.» ولأن ~~تداخل الحدود، إنما يكون مع اجتماعها، وهذا الحد الثاني وجب بعد سقوط الأول ~~باستيفائه. # وإن كانت الحدود من أجناس، مثل الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، أقيمت كلها، ~~إلا أن يكون فيها قتل، فإن كان فيها قتل، اكتفي به؛ لأنه لا حاجة معه إلى ~~الزجر بغيره. وقد قال ابن مسعود: ما كانت حدود فيها قتل، إلا ms4873 أحاط القتل ~~بذلك كله. وإن لم يكن فيها قتل، استوفيت كلها، وبدئ بالأخف فالأخف، فيبدأ ~~بالجلد، ثم بالقطع، ويقدم الأخف في الجلد على الأثقل، فيبدأ في الجلد بحد ~~الشرب، ثم بحد القذف، إن قلنا: إنه حق لله تعالى، ثم بحد الزنا وإن قلنا: ~~إن حد القذف حق لآدمي قدمناه، ثم بحد الشرب، ثم بحد الزنا. ### | [مسألة تحاكم إلينا أهل الذمة] # (7207) مسألة: قال: (وإذا تحاكم إلينا أهل الذمة، حكمنا عليهم بحكم الله ~~تعالى علينا) وجملة ذلك أنه إذا تحاكم إلينا أهل الذمة، أو استعدى بعضهم ~~على بعض، فالحاكم مخير بين إحضارهم # PageV09P081 # والحكم بينهم، وبين تركهم، سواء كانوا من أهل دين واحد، أو من أهل أديان. ~~هذا المنصوص عن أحمد. وهو قول النخعي، وأحد قولي الشافعي. وحكى أبو الخطاب، ~~عن أحمد، رواية أخرى، أنه يجب الحكم بينهم. وهذا القول الثاني للشافعي، ~~واختيار المزني، لقول الله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ~~[المائدة: 49] . ولأنه يلزمه دفع من قصد واحدا منهما بغير حق، فلزمه الحكم ~~بينهما، كالمسلمين. # ولنا قول الله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: ~~42] . فخيره بين الأمرين، ولا خلاف في أن هذه الآية نزلت فيمن وادعه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من يهود المدينة؛ ولأنهما كافران، فلا يجب ~~الحكم بينهما كالمعاهدين، والآية التي احتجوا بها محمولة على من اختار ~~الحكم بينهم؛ لقوله تعالى: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: 42] . ~~جمعا بين الآيتين، فإنه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع. فإذا ثبت هذا، ~~فإنه إذا حكم بينهم، لم يجز له الحكم إلا بحكم الإسلام؛ للآيتين؛ ولأنه لا ~~يجوز له الحكم، إلا بالقسط، كما في حق المسلمين، ومتى حكم بينهما، ألزمهما ~~حكمه، ومن امتنع منهما، أجبره على قبول حكمه، وأخذه به؛ لأنه إنما دخل في ~~العهد بشرط التزام أحكام الإسلام. # قال أحمد: لا يبحث عن أمرهم، ولا يسأل عن أمرهم، إلا أن يأتوا هم، فإن ~~ارتفعوا إلينا، أقمنا عليهم الحد، على ما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم ms4874 ~~-. وقال أيضا: حكمنا يلزمهم، وحكمنا جائز على جميع الملل، ولا يدعوهما ~~الحاكم، فإن جاءوا، حكمنا بحكمنا. إذا ثبت هذا، فإنه إذا رفع إلى الحاكم من ~~أهل الذمة من فعل محرما، يوجب عقوبة، مما هو محرم عليهم في دينهم، كالزنا، ~~والسرقة، والقذف، والقتل، فعليه إقامة حده عليه؛ فإن كان زنى جلد إن كان ~~بكرا وغرب عاما، وإن كان محصنا رجم. # لما روى ابن عمر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بيهوديين، فجرا ~~بعد إحصانهما، فأمر بهما فرجما.» وعن ابن عمر، «أن اليهود جاءوا إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقالوا له: إن رجلا منهم وامرأة زنيا. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ . فقالوا: ~~نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم. فأتوا ~~بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، ~~فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: ~~صدق يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فرجما.» متفق عليه. # وروى أنس، «أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر، فقتله رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بين حجرين.» متفق عليه. وإن كان يعتقد إباحته، كشرب ~~الخمر، لم يحد؛ لأنه لا يعتقد تحريمه، فلم يلزمه عقوبته، كالكفر. وإن تظاهر ~~به، عزر؛ لأنه أظهر منكرا في دار الإسلام، فعزر عليه، كالمسلم. # PageV09P082 ### | [فصل تحاكم مسلم وذمي] # (7208) فصل: وإن تحاكم مسلم وذمي، وجب الحكم بينهما. بغير خلاف؛ لأنه يجب ~~دفع ظلم كل واحد منهما عن صاحبه. ### | [مسألة قذف بالغ حرا مسلما أو حرة مسلمة] # (7209) مسألة: قال: (وإذا قذف بالغ حرا مسلما، أو حرة مسلمة، جلد الحد ~~ثمانين) القذف: هو الرمي بالزنا. وهو محرم بإجماع الأمة، والأصل في تحريمه ~~الكتاب والسنة؛ أما الكتاب: فقول الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك ~~هم الفاسقون} [النور: 4] . وقال ms4875 سبحانه: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} [النور: 23] . وأما ~~السنة: فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اجتنبوا السبع الموبقات. ~~قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي ~~حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات ~~المؤمنات الغافلات.» متفق عليه. والمحصنات هاهنا العفائف. # والمحصنات في القرآن جاءت بأربعة معان؛ أحدها هذا. والثاني: بمعنى ~~المزوجات، كقوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 24] . # وقوله تعالى: {محصنات غير مسافحات} [النساء: 25] . والثالث: بمعنى ~~الحرائر، كقوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات} ~~[النساء: 25] . وقوله سبحانه: {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] . وقوله: {فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب} [النساء: 25] . والرابع: بمعنى الإسلام، كقوله: {فإذا أحصن} ~~[النساء: 25] . قال ابن مسعود: إحصانها إسلامها. وأجمع العلماء على وجوب ~~الحد على من قذف المحصن، إذا كان مكلفا. # وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه، خمسة: العقل، والحرية، ~~والإسلام، والعفة عن الزنا، وأن يكون كبيرا يجامع مثله. وبه يقول جماعة ~~العلماء قديما وحديثا، سوى ما روي عن داود، أنه أوجب الحد على قاذف العبد. ~~وعن ابن المسيب، وابن أبي ليلى، قالوا: إذا قذف ذمية، ولها ولد مسلم، يحد. # PageV09P083 # والأول أولى؛ لأن من لا يحد قاذفه إذا لم يكن له ولد، لا يحد وله ولد، ~~كالمجنونة. واختلفت الرواية عن أحمد، في اشتراط البلوغ، فروي عنه، أنه شرط. ~~وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنه أحد شرطي التكليف، فأشبه ~~العقل؛ ولأن زنا الصبي لا يوجب حدا، فلا يجب الحد بالقذف به، كزنا المجنون. # والثانية: لا يشترط؛ لأنه حر عاقل عفيف يتعير بهذا القول الممكن صدقه، ~~فأشبه الكبير. وهذا قول مالك، وإسحاق. # فعلى هذه الرواية، لا بد أن يكون كبيرا يجامع مثله، وأدناه أن يكون ~~للغلام عشر، وللجارية تسع. (7210) فصل: ويجب الحد على قاذف الخصي، ~~والمجبوب، والمريض المدنف، والرتقاء، والقرناء. وقال الشافعي، وأبو ثور، ms4876 ~~وأصحاب الرأي لا حد على قاذف مجبوب. قال ابن المنذر: وكذلك الرتقاء. وقال ~~الحسن: لا حد على قاذف الخصي؛ لأن العار منتف عن المقذوف بدون الحد، للعلم ~~بكذب القاذف، والحد إنما يجب لنفي العار. ولنا عموم قوله تعالى: {والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] ~~. والرتقاء داخلة في عموم هذا؛ ولأنه قاذف لمحصن، فيلزمه الحد، كقاذف ~~القادر على الوطء؛ ولأن إمكان الوطء أمر خفي، لا يعلمه كثير من الناس، فلا ~~ينتفي العار عند من لم يعلمه بدون الحد، فيجب، كقذف المريض. ### | [فصل الحد على القاذف في غير دار الإسلام] # (7211) فصل: ويجب الحد على القاذف في غير دار الإسلام. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أصحاب الرأي: لا حد عليه؛ لأنه في دار لا حد على أهلها. ولنا ~~عموم قوله تعالى: {والذين يرمون} [النور: 4] . الآية. ولأنه مسلم مكلف، قذف ~~محصنا، فأشبه من في دار الإسلام. ### | [فصل قدر حد القاذف] # (7212) فصل: وقدر الحد ثمانون، إذا كان القاذف حرا؛ للآية والإجماع، رجلا ~~كان أو امرأة. ويشترط أن يكون بالغا عاقلا غير مكره؛ لأن هذه مشترطة لكل ~~حد. # PageV09P084 ### | [مسألة قال طالب المقذوف بالحد ولم يكن للقاذف بينة] # (7213) مسألة: قال: (إذا طالب المقذوف، ولم يكن للقاذف بينة.) وجملته أن ~~يعتبر لإقامة الحد بعد تمام القذف بشروطه شرطان؛ أحدهما: مطالبة المقذوف؛ ~~لأنه حق له، فلا يستوفى قبل طلبه، كسائر حقوقه. الثاني: أن لا يأتي ببينة؛ ~~لقول الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم} [النور: 4] . فيشترط في جلدهم عدم البينة، وكذلك يشترط عدم ~~الإقرار من المقذوف؛ لأنه في معنى البينة. إن كان القاذف زوجا، اعتبر شرط ~~ثالث، وهو امتناعه من اللعان. ولا نعلم خلافا في هذا كله. وتعتبر استدامة ~~الطلب إلى إقامة الحد، فلو طلب ثم عفا عن الحد، سقط. وبهذا قال الشافعي، ~~وأبو ثور. # وقال الحسن، وأصحاب الرأي: لا يسقط بعفوه؛ لأنه حد فلم يسقط بالعفو، ~~كسائر الحدود. ولنا أنه حق لا يستوفى إلا بعد مطالبة الآدمي باستيفائه، ~~فسقط ms4877 بعفوه، كالقصاص، وفارق سائر الحدود، فإنه لا يعتبر في إقامتها الطلب ~~باستيفائها، وحد السرقة إنما تعتبر فيه المطالبة بالمسروق، لا باستيفاء ~~الحد؛ ولأنهم قالوا تصح دعواه، ويستحلف فيه، ويحكم الحاكم فيه بعلمه، ولا ~~يقبل رجوعه عنه بعد الاعتراف. فدل على أنه حق لآدمي. ### | [فصل حد قذف الغائب] # (7214) فصل: وإذا قلنا بوجوب الحد بقذف من لم يبلغ، لم تجز إقامته حتى ~~يبلغ ويطالب به بعد بلوغه؛ لأن مطالبته قبل البلوغ لا توجب الحد؛ لعدم ~~اعتبار كلامه، وليس لوليه المطالبة عنه؛ لأنه حق شرع للتشفي، فلم يقم غيره ~~مقامه في استيفائه، كالقصاص، فإذا بلغ وطالب، أقيم عليه حينئذ. ولو قذف ~~غائبا، لم يقم عليه الحد حتى يقدم ويطالب، إلا أن يثبت أنه طالب في غيبته. ~~ويحتمل أن لا تجوز إقامته في غيبته بحال؛ لأنه يحتمل أن يعفو بعد المطالبة، ~~فيكون ذلك شبهة في درء الحد؛ لكونه يندرئ بالشبهات. ولو قذف عاقلا، فجن بعد ~~قذفه وقبل طلبه، لم تجز إقامته حتى يفيق ويطلب، وكذلك إن أغمي عليه، فإن ~~كان قد طالب به قبل جنونه وإغمائه، جازت إقامته، كما لو وكل في استيفاء ~~القصاص، ثم جن أو أغمي عليه قبل استيفائه. ### | [مسألة قال كان القاذف عبدا أو أمة] # (7215) مسألة: قال: (وإن كان القاذف عبدا أو أمة، جلد أربعين، بأدون من ~~السوط الذي يجلد به الحر) أجمع أهل العلم على وجوب الحد على العبد إذا قذف ~~الحر المحصن؛ لأنه داخل في عموم الآية، وحده أربعون، في قول أكثر أهل ~~العلم. روي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة؛ أنه قال: أدركت أبا بكر، وعمر، # PageV09P085 # وعثمان، ومن بعدهم من الخلفاء، فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف إلا ~~أربعين. وروى خلاس، أن عليا قال في عبد قذف حرا: نصف الجلد. وجلد أبو بكر ~~بن محمد بن عمرو بن حزم عبدا قذف حرا ثمانين. وبه قال قبيصة، وعمر بن عبد ~~العزيز. ولعلهم ذهبوا إلى عموم الآية. والصحيح الأول؛ للإجماع المنقول عن ~~الصحابة - رضي الله عنهم -؛ ولأنه حد يتبعض، ms4878 فكان العبد فيه على النصف من ~~الحر، كحد الزنا، وهو يخص عموم الآية، وقد عيب على أبي بكر بن عمرو بن حزم ~~جلده العبد ثمانين، وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: ما رأينا أحدا قبله ~~جلد العبد ثمانين. # وقال سعيد: حدثنا ابن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: حضرت عمر ~~بن عبد العزيز، جلد عبدا ثمانين، فأنكر ذلك من حضره من الناس، وغيرهم من ~~الفقهاء، فقال لي عبد الله بن عامر بن ربيعة: إني رأيت والله عمر بن ~~الخطاب، ما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية فوق أربعين. إذا ثبت أنه أربعون، ~~فإنه يكون بأدون من السوط الذي يجلد به الحر؛ لأنه لما خفف في قدره، خفف في ~~سوطه، كما أن الحدود في أنفسها كما قل منها، كان سوطه أخف، فالجلد في الشرب ~~أخف منه في القذف، وفي القذف أخف منه في الزنا. ويحتمل أن يساوي العبد الحر ~~في السوط؛ لأنه على النصف، ولا يتحقق التنصيف إلا مع المساواة في السوط. ### | [فصل قذف ولده وإن نزل] # (7216) فصل: وإذا قذف ولده، وإن نزل، لم يجب الحد عليه، سواء كان القاذف ~~رجلا أو امرأة. وبهذا قال عطاء، والحسن، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. ~~وقال عمر بن عبد العزيز، ومالك، وأبو ثور، وابن المنذر: عليه الحد؛ لعموم ~~الآية؛ ولأنه حد، فلا تمنع من وجوبه قرابة الولادة، كالزنا. ولنا أنه عقوبة ~~تجب حقا لآدمي، فلا يجب للولد على الوالد، كالقصاص، أو نقول: إنه حق لا ~~يستوفى إلا بالمطالبة باستيفائه، فأشبه القصاص. ولأن الحد يدرأ بالشبهات، ~~فلا يجب للابن على أبيه كالقصاص؛ ولأن الأبوة معنى يسقط القصاص، فمنعت ~~الحد، كالرق والكفر، وهذا يخص عموم الآية. وما ذكروه # PageV09P086 # ينتقض بالسرقة، فإن الأب لا يقطع بسرقة مال ابنه، والفرق بين القذف ~~والزنا: أن حد الزنا خالص لحق الله تعالى، لا حق للآدمي فيه، وحد القذف حق ~~لآدمي، فلا يثبت للابن على أبيه، كالقصاص، وعلى أنه لو زنى بجارية ابنه، لم ~~يجب عليه حد. # إذا ثبت ms4879 هذا، فإنه لو قذف أم ابنه، وهي أجنبية منه، فماتت قبل استيفائه، ~~لم يكن لابنه المطالبة بالحد؛ لأن ما منع ثبوته ابتداء، أسقطه طارئا ~~كالقصاص. وإن كان لها ابن آخر من غيره، كان له استيفاؤه إذا ماتت بعد ~~المطالبة به؛ لأن الحد يملك بعض الورثة استيفاءه كله، بخلاف القصاص، وأما ~~قذف سائر الأقارب، فيوجب الحد على القاذف في قولهم جميعا. ### | [مسألة قال له يا لوطي] ### | [الفصل الأول قذف رجلا بعمل قوم لوط] # (7217) مسألة: قال: (وإذا قال له: يا لوطي. سئل عما أراد، فإن قال: أردت ~~أنك من قوم لوط. فلا شيء عليه، وإن قال أردت أنك تعمل عمل قوم لوط، فهو كمن ~~قذف بالزنا) في هذه المسألة فصلان (7218) الفصل الأول: أن من قذف رجلا بعمل ~~قوم لوط، إما فاعلا وإما مفعولا، فعليه حد القذف. وبه قال الحسن، والنخعي، ~~والزهري، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور. # وقال عطاء، وقتادة، وأبو حنيفة: لا حد عليه؛ لأنه قذف بما لا يوجب الحد ~~عنده، وعندنا هو موجب للحد، وقد بيناه فيما مضى. وكذلك لو قذف امرأة أنها ~~وطئت في دبرها، أو قذف رجلا بوطء امرأة في دبرها، فعليه الحد عندنا، وعند ~~أبي حنيفة، لا حد عليه. # ومبنى الخلاف هاهنا على الخلاف في وجوب حد الزنا على فاعل ذلك، وقد تقدم ~~الكلام فيه، فأما إن قذفه بإتيان بهيمة، انبنى ذلك على وجوب الحد على ~~فاعله، فمن أوجب الحد على فاعله، أوجب حد القذف على القاذف به، ومن لا فلا. ~~وكل ما لا يجب الحد بفعله، لا يجب الحد على القاذف به، كما لو قذف إنسانا ~~بالمباشرة دون الفرج، أو بالوطء بالشبهة، أو قذف امرأة بالمساحقة، أو ~~بالوطء مستكرهة، لم يجب الحد على القاذف؛ ولأنه رماه بما لا يوجب الحد، ~~فأشبه ما لو قذفه باللمس والنظر. وكذلك لو قال: يا كافر، يا فاسق، يا سارق، ~~يا منافق، يا فاجر، يا خبيث، يا أعور، يا أقطع، يا أعمى ابن الزمن الأعمى ~~الأعرج. فلا حد في ms4880 ذلك كله؛ لأنه قذف بما لا يوجب الحد، فلم يوجب الحد، كما ~~لو قال يا كاذب. يا نمام. ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم. ولكنه ~~يعزر؛ لسب الناس وأذاهم، فأشبه ما لو قذف من لا يوجب قذفه الحد. ### | [الفصل الثاني قال أردت أنك من قوم لوط بعدما قال له يا لوطي] # (7219) الفصل الثاني: أنه إذا قال: أردت أنك من قوم لوط. فاختلفت الرواية ~~عن أحمد؛ فروى عنه جماعة أنه يجب عليه # PageV09P087 # الحد، بقوله: يا لوطي. ولا يسمع تفسيره بما يحيل القذف. وهذا اختيار أبي ~~بكر، ونحوه قال الزهري، ومالك. والرواية الثانية: أنه لا حد عليه. نقلها ~~المروذي. ونحو هذا قال الحسن، والنخعي. قال الحسن: إذا قال: نويت أن دينه ~~دين لوط فلا حد عليه. وإن: قال أردت أنك تعمل عمل قوم لوط. فعليه الحد. ~~ووجه ذلك، أنه فسر كلامه بما لا يوجب الحد، فلم يجب عليه حد، كما لو فسره ~~به متصلا بكلامه. # وروي عن أحمد، رواية ثالثة: أنه إذا كان في غضب، قال: إنه لأهل أن يقام ~~عليه الحد؛ لأن قرينة الغضب تدل على إرادة القذف. بخلاف حال الرضا. والصحيح ~~في المذهب الرواية الأولى؛ لأن هذه الكلمة لا يفهم منها إلا القذف بعمل قوم ~~لوط، فكانت صريحة فيه، كقوله: يا زاني. ولأن قوم لوط لم يبق منهم أحد، فلا ~~يحتمل أن ينسب إليهم. # (7220) فصل: وإن قال: أردت أنك على دين لوط، أو أنك تحب الصبيان، أو ~~تقبلهم، أو تنظر إليهم، أو أنك تتخلق بأخلاق قوم لوط في أنديتهم، غير إتيان ~~الفاحشة، أو أنك تنهى عن الفاحشة كنهي لوط عنها، أو نحو ذلك، خرج في هذا ~~كله وجهان؛ بناء على الروايتين المنصوصتين في المسألة؛ لأن هذا في معناه. ### | [مسألة قال لرجل يا معفوج] # (7221) مسألة: قال: (وكذلك من قال: يا معفوج) المنصوص عن أحمد، فيمن قال: ~~يا معفوج. أن عليه الحد. وكلام الخرقي يقتضي أنه يرجع إلى تفسيره، فإن فسره ~~بغير الفاحشة، مثل أن قال: أردت يا مفلوج أو ms4881 يا مصابا دون الفرج. ونحو هذا، ~~فلا حد عليه؛ لأنه فسره بما لا حد فيه. وإن فسره بعمل قوم لوط، فعليه الحد، ~~كما لو صرح به، ووجه القولين ما تقدم في التي قبلها. ### | [فصل شرط إقامة الحد على القاذف] # (7222) فصل: وكلام الخرقي يقتضي أن لا يجب الحد على القاذف إلا بلفظ صريح ~~لا يحتمل غير القذف، وهو أن يقول: يا زاني. أو ينطق باللفظ الحقيقي في ~~الجماع، فأما ما عداه من الألفاظ، فيرجع فيه إلى تفسيره، لما ذكرنا في ~~هاتين المسألتين، فلو قال لرجل: يا مخنث. أو لامرأة: يا قحبة. وفسره بما ~~ليس بقذف، مثل أن يريد بالمخنث أن فيه طباع التأنيث والتشبه بالنساء، ~~وبالقحبة أنها تستعد لذلك، فلا حد عليه. وكذلك إذا قال: يا فاجرة، يا ~~خبيثة. # PageV09P088 # وحكى أبو الخطاب في هذا رواية أخرى، أنه قذف صريح، ويجب به الحد. والصحيح ~~الأول. قال أحمد، في رواية حنبل: لا أرى الحد إلا على من صرح بالقذف ~~والشتيمة. قال ابن المنذر: الحد على من نصب الحد نصبا. # ولأنه قول غير الزنا، فلم يكن صريحا في القذف، كقوله: يا فاسق. وإن فسر ~~شيئا من ذلك بالزنا، فلا شك في كونه قذفا. ### | [فصل التعريض بالقذف] # (7223) فصل: واختلفت الرواية عن أحمد، في التعريض بالقذف، مثل أن يقول ~~لمن يخاصمه: ما أنت بزان، ما يعرفك الناس بالزنا، يا حلال ابن الحلال. أو ~~يقول: ما أنا بزان، لا أمي بزانية. فروى عنه حنبل: لا حد عليه، وهو ظاهر ~~كلام الخرقي، واختيار أبي بكر. وبه قال عطاء، وعمرو بن دينار، وقتادة، ~~والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لما روي أن رجلا ~~قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن امرأتي ولدت غلاما أسود يعرض بنفيه، ~~فلم يلزمه بذلك حد ولا غيره. وقد فرق الله تعالى بين التعريض بالخطبة ~~والتصريح بها، فأباح التعريض في العدة، وحرم التصريح، فكذلك في القذف؛ ولأن ~~كل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفا، كقوله: يا فاسق. وروى الأثرم وغيره عن ~~أحمد، أن ms4882 عليه الحد. # وروي ذلك عن عمر، - رضي الله عنه -. وبه قال إسحاق؛ لأن عمر حين شاورهم ~~في الذي قال لصاحبه: ما أنا بزان، ولا أمي بزانية. فقالوا: قد مدح أباه ~~وأمه. فقال عمر: قد عرض بصاحبه. فجلده الحد. وقال معمر: إن عمر كان يجلد ~~الحد في التعريض. # وروى الأثرم، أن عثمان جلد رجلا قال لآخر: يا ابن شامة الوذر. يعرض له ~~بزنا أمه. والوذر: قدر اللحم. يعرض له بكمر الرجال ولأن الكناية مع القرينة ~~الصارفة إلى أحد محتملاتها، كالصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى، ولذلك ~~وقع الطلاق بالكناية، فإن لم يكن ذلك في حال الخصومة، ولا وجدت قرينة تصرف ~~إلى القذف، فلا شك في أنه لا يجوز قذفا. # وذكر أبو الخطاب من صور التعريض، أن يقول لزوجة آخر: قد فضحته، وغطيت ~~رأسه، وجعلت له قرونا، وعلقت عليه أولادا من غيره، وأفسدت فراشه، ونكست ~~رأسه. وذكر في جميع ذلك روايتين. وذكر أبو بكر عبد العزيز، أن أبا عبد الله ~~رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض. # PageV09P089 ### | [فصل قال لرجل يا ديوث يا كشخان] # (7224) فصل: وإن قال لرجل يا ديوث، يا كشخان. فقال أحمد: يعزر. قال ~~إبراهيم الحربي: الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته. وقال ثعلب: القرطبان ~~الذي يرضى أن يدخل الرجال على امرأته. وقال: القرنان والكشحان، لم أرهما في ~~كلام العرب، ومعناهما عند العامة مثل معنى الديوث أو قريبا منه. فعلى ~~القاذف به التعزير، على قياس قوله في الديوث؛ لأنه قذفه بما لا حد فيه. ~~وقال خالد بن يزيد عن أبيه، في الرجل يقول للرجل: يا قرنان: إذا كان له ~~أخوات أو بنات في الإسلام، ضرب الحد. يعني أنه قاذف لهن. وقال خالد، عن ~~أبيه القرنان عند العامة: من له بنات. والكشحان: من له أخوات. يعني - والله ~~أعلم - إذا كان يدخل الرجال عليهن. # والقواد عند العامة: السمسار في الزنا. والقذف بذلك كله يوجب التعزير؛ ~~لأنه قذف بما لا يوجب الحد. ### | [فصل نفى رجلا عن أبيه] # (7225) فصل: وإذا نفى رجلا عن ms4883 أبيه، فعليه الحد. نص عليه أحمد. وكذلك إذا ~~نفاه عن قبيلته. وبهذا قال إبراهيم النخعي، وإسحاق. وبه قال أبو حنيفة، ~~والثوري، وحماد، إذا نفاه عن أبيه وكانت أمه مسلمة، وإن كانت ذمية أو ~~رقيقة، فلا حد عليه؛ لأن القذف لها. ووجه الأول ما روى الأشعث بن قيس عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول «لا أوتى برجل يقول: إن كنانة ~~ليست من قريش. إلا جلدته» وعن ابن مسعود، أنه قال لا جلد إلا في اثنين؛ رجل ~~قذف محصنة أو نفى رجلا عن أبيه. وهذا لا يقوله إلا توقيفا. فأما إن نفاه عن ~~أمه، فلا حد عليه؛ لأنه لم يقذف أحدا بالزنا. # وكذلك إن قال: إن لم تفعل كذا، فلست بابن فلان. فلا حد فيه؛ لأن القذف لا ~~يتعلق بالشرط، والقياس يقتضي أن لا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته؛ ولأن ~~ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا، فأشبه ما لو قال للأعجمي: إنك عربي. ولو ~~قال للعربي: أنت نبطي. أو فارسي. فلا حد فيه، وعليه التعزير. نص عليه؛ لأنه ~~يحتمل أنك نبطي اللسان أو الطبع. وحكي عن أحمد، رواية أخرى، أن عليه الحد، ~~كما لو نفاه عن أبيه. والأول أصح، وبه قال مالك، والشافعي؛ لأنه يحتمل غير ~~القذف احتمالا كثيرا، فلا يتعين صرفه إليه. ومتى فسر شيئا من ذلك بالقذف، ~~فهو قاذف. ### | [فصل قذف رجل رجلا فقال آخر صدقت] # (7226) فصل: وإذا قذف رجل رجلا، فقال آخر: صدقت، فالمصدق قاذف أيضا في ~~أحد الوجهين؛ لأن تصديقه # PageV09P090 # ينصرف إلى ما قاله، بدليل ما لو قال لي عليك ألف، فقال: صدقت. كان إقرارا ~~بها. ولو قال: أعطني ثوبي هذا. فقال: صدقت. كان إقرارا. وفيه وجه آخر، لا ~~يكون قاذفا. وهو قول زفر؛ لأنه يحتمل أن يريد بتصديقه في غير القذف. ولو ~~قال أخبرني فلان أنك زنيت. لم يكن قاذفا، سواء كذبه المخبر عنه أو صدقه. ~~وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وقال أبو الخطاب: فيه وجه آخر، أنه يكون قاذفا إذا ms4884 كذبه الآخر. وبه قال ~~عطاء، ومالك. ونحوه عن الزهري؛ لأنه أخبر بزناه. ولنا أنه إنما أخبر أنه قد ~~قذف، فلم يكن قذفا، كما لو شهد على رجل أنه قد قذف رجلا. ### | [فصل قال أنت أزنى من فلان أو أزنى الناس] # (7227) فصل: وإن قال: أنت أزنى من فلان، أو أزنى الناس، فهو قاذف له. وهل ~~يكون قاذفا للثاني؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يكون قاذفا له اختاره القاضي؛ لأنه ~~أضاف الزنا إليهما، وجعل أحدهما فيه أبلغ من الآخر، فإن لفظة أفعل للتفضيل، ~~فيقتضي اشتراك المذكورين في أصل الفعل، وتفضيل أحدهما على الآخر فيه، ~~كقوله: أجود من حاتم. والثاني: يكون قاذفا للمخاطب خاصة؛ لأن لفظة أفعل قد ~~تستعمل للمنفرد بالفعل، كقول الله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ~~أمن لا يهدي إلا أن يهدى} [يونس: 35] . وقال تعالى: {فأي الفريقين أحق ~~بالأمن} [الأنعام: 81] . وقال لوط: {بناتي هن أطهر لكم} [هود: 78] . أي: من ~~أدبار الرجال، ولا طهارة فيهم. # وقال الشافعي، وأصحاب الرأي: ليس بقذف للأول ولا للثاني، إلا أن يريد به ~~القذف. ولنا أن موضوع اللفظ يقتضي ما ذكرناه، فحمل عليه، كما لو قال: أنت ~~زان. ### | [فصل قال لرجل زنأت مهموزا] # (7228) فصل: وإن قال: زنأت. مهموزا. فقال أبو بكر، وأبو الخطاب: هو قذف؛ ~~لأن عامة الناس لا يفهمون من ذلك إلا القذف، فكان قذفا، كما لو قال: زنيت. ~~وقال ابن حامد: إن كان عاميا، فهو قذف؛ لأنه لا يريد به إلا القذف، وإن كان ~~من أهل العربية، لم يكن قذفا؛ لأن معناه في العربية، طلعت، فالظاهر أنه ~~يريد موضوعه. ولأصحاب الشافعي في كونه قذفا وجهان. # وإن قال زنأت في الجبل. فالحكم فيه، كما لو قال: # PageV09P091 # زنأت. ولم يقل: في الجبل. وقال الشافعي، ومحمد بن الحسن، ليس بقذف. قال ~~الشافعي: ويستحلف على ذلك. ولنا أنه إذا كان عاميا لا يعرف موضوعه في ~~اللغة، تعين مراده في القذف، ولم يفهم منه سواه، فوجب أن يكون قذفا، كما لو ~~فسره بالقذف، أو لحن لحنا غير هذا. ### | [فصل ms4885 قال لرجل يا زانية أو لامرأة يا زان] # (7229) فصل: فإن قال لرجل: يا زانية. أو لامرأة: يا زان، فهو صريح في ~~قذفهما. اختاره أبو بكر. وهو مذهب الشافعي. واختار ابن حامد أنه ليس بقذف، ~~إلا أن يفسره به. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يحتمل أن يريد بقوله: يا زانية ~~أي: يا علامة في الزنا، كما يقال للعالم: علامة. ولكثير الرواية: راوية. ~~ولكثير الحفظ: حفظة. ولنا أن ما كان قذفا لأحد الجنسين، كان قذفا للآخر، ~~كقوله: زنيت. بفتح التاء وبكسرها لهما جميعا؛ ولأن هذا اللفظ خطاب لهما، ~~وإشارة إليهما بلفظ الزنا، وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها. # وكذلك لو قال للمرأة: يا شخصا زانيا: أو للرجل: يا نسمة زانية. كان ~~قاذفا. وقولهم: إنه يريد بذلك أنه علامة في الزنا، لا يصح، فإن ما كان اسما ~~للفعل إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة، كقولهم: حفظة. للمبالغة في الحفظ، ~~وراوية للمبالغة في الرواية. وكذلك همزة ولمزة وصرعة. ولأن كثيرا من الناس ~~يذكر المؤنث، ويؤنث المذكر، ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادا بما ~~يراد باللفظ الصحيح. ### | [فصل قال لرجل زنيت بفلانة] # (7230) فصل: وإن قال لرجل: زنيت بفلانة. كان قاذفا لهما. وقد نقل عن أبي ~~عبد الله، أنه سئل عن رجل قال لرجل: يا ناكح أمه. ما عليه؟ قال: إن كانت ~~أمه حية، فعليه الحد للرجل. ولأمه حد. وقال مهنا: سألت أبا عبد الله: إذا ~~قال الرجل لرجل: يا زاني ابن الزاني.، قال عليه حدان قلت: أبلغك في هذا ~~شيء؟ قال: مكحول قال: فيه حدان. وإن أقر إنسان أنه زنى بامرأة، فهو قاذف ~~لها، سواء ألزمه حد الزنا بإقراره أو لم يلزمه. وبهذا قال ابن المنذر، وأبو ~~ثور. ويشبه مذهب الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا يلزمه حد القذف؛ لأنه يتصور منه الزنا بها من غير ~~زناها؛ لاحتمال أن تكون مكرهة، أو موطوءة بشبهة. # ولنا ما روى ابن عباس، «أن رجلا من بكر بن ليث، أتى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فأقر أنه زنى ms4886 بامرأة أربع مرات، فجلده مائة، وكان بكرا، ثم ~~سأله البينة على المرأة، فقالت: كذب والله يا رسول الله. فجلده حد الفرية ~~ثمانين» . والاحتمال الذي ذكره لا ينفي الحد، بدليل ما لو قال: يا نائك ~~أمه. فإنه يلزمه الحد، مع احتمال أن يكون فعل ذلك بشبهة. # وقد روي عن أبي هريرة، أنه جلد رجل قال لرجل ذلك. ويتخرج لنا مثل قول أبي ~~حنيفة، بناء على ما إذا قال لامرأته: يا زانية. فقالت: بك زنيت. فإن ~~أصحابنا قالوا: لا حد # PageV09P092 # عليها في قولها: بك زنيت؛ لاحتمال وجود الزنا به مع كونه واطئا بشبهة، ~~ولا يجب الحد عليه؛ لتصديقها إياه. وقال الشافعي: عليه الحد دونها، وليس ~~هذا بإقرار صحيح. ولنا أنها صدقته، فلم يلزمه حد، كما لو قالت: صدقت. ولو ~~قال: يا زانية. قالت: أنت أزنى مني. فقال أبو بكر: هي كالتي قبلها في سقوط ~~الحد عنه. ويلزمها له هاهنا حد القذف، بخلاف التي قبلها؛ لأنها أضافت إليه ~~الزنا، وفي التي قبلها أضافته إلى نفسها. ### | [مسألة قذف رجلا فلم يقم الحد حتى زنى المقذوف] # (7231) مسألة: قال: (ومن قذف رجلا، فلم يقم الحد حتى زنى المقذوف، لم يزل ~~الحد عن القاذف) وبهذا قال الثوري، وأبو ثور، والمزني، وداود. وقال أبو ~~حنيفة، ومالك، والشافعي: لا حد عليه؛ لأن الشروط تعتبر استدامتها إلى حالة ~~إقامة الحد؛ بدليل أنه لو ارتد أو جن، لم يقم الحد؛ ولأن وجود الزنا منه ~~يقوي قول القاذف، ويدل على تقدم هذا الفعل منه، فأشبه الشهادة إذا طرأ ~~الفسق بعد أدائها قبل الحكم بها. # ولنا أن الحد قد وجب وتم بشروطه، فلا يسقط بزوال شرط الوجوب، كما لو زنى ~~بأمة ثم اشتراها، أو سرق عينا، فنقصت قيمتها أو ملكها، وكما لو جن المقذوف ~~بعد المطالبة. وقولهم: إن الشروط تعتبر استدامتها. لا يصح؛ فإن الشروط ~~للوجوب، فيعتبر وجودها إلى حين الوجوب، وقد وجب الحد؛ بدليل أنه ملك ~~المطالبة، ويبطل بالأصول التي قسنا عليها. وأما إذا جن من وجب له الحد، فلا ~~يسقط الحد، ms4887 وإنما يتأخر استيفاؤه؛ لتعذر المطالبة به، فأشبه ما لو غاب من ~~له الحد. وإن ارتد من له الحد لم يملك المطالبة؛ لأن حقوقه وأملاكه تزول أو ~~تكون موقوفة. وفارق الشهادة، فإن العدالة شرط للحكم بها، فيعتبر وجودها إلى ~~حين الحكم بها، بخلاف مسألتنا، فإن العفة شرط للوجوب، فلا تعتبر إلا إلى ~~حين الوجوب. ### | [فصل وجب الحد على ذمي أو مرتد فلحق بدار الحرب ثم عاد] # (7232) فصل: ولو وجب الحد على ذمي، أو مرتد، فلحق بدار الحرب، ثم عاد، لم ~~يسقط عنه. وقال أبو حنيفة: يسقط. ولنا أنه حد وجب، فلم يسقط بدخول دار ~~الحرب، كما لو كان مسلما دخل بأمان. ### | [مسألة قذف مشركا أو عبدا أو مسلما له دون العشر سنين أو مسلمة لها دون التسع سنين] # (7233) مسألة: قال: (ومن قذف مشركا أو عبدا، أو مسلما له دون العشر سنين، ~~أو مسلمة لها دون التسع سنين، أدب، ولم يحد) # PageV09P093 # قد ذكرنا أن الإسلام والحرية، وإدراك سن يجامع مثله في مثله شروط لوجوب ~~الحد على قاذفه، فإذا انتفى أحدها، لم يجب الحد على قاذفه ولكن يجب تأديبه، ~~ردعا له عن أعراض المعصومين، وكفا له عن أذاهم، وحد الصبي الذي لم يجب الحد ~~بقذفه، أن يبلغ الغلام عشرا، والجارية تسعا، في إحدى الروايتين. وقد سبق ~~ذكر ذلك. ### | [فصل اختلف القاذف والمقذوف] # (7234) فصل: فإن اختلف القاذف والمقذوف، فقال القاذف: كنت صغيرا حين ~~قذفتك. وقال المقذوف: كنت كبيرا. فذكر القاضي، أن القول قول القاذف؛ لأن ~~الأصل الصغر وبراءة الذمة من الحد. فإن أقام القاذف بينة أنه قذفه صغيرا، ~~وأقام المقذوف بينة أنه قذفه كبيرا، وكانتا مطلقتين، أو مؤرختين تاريخين ~~مختلفين، فهما قذفان؛ موجب أحدهما التعزير، والثاني الحد، وإن بينتا تاريخا ~~واحدا، وقالت إحداهما: وهو صغير. وقالت الأخرى: وهو كبير تعارضتا وسقطتا. ~~وكذلك لو كان تاريخ بينة المقذوف قبل تاريخ بينة القاذف. ### | [مسألة قذف من كان مشركا] # (7235) مسألة: قال: (ومن قذف من كان مشركا، وقال: أردت أنه زنى وهو مشرك. ~~لم يلتفت إلى قوله، وحد ms4888 القاذف، إذا طلب المقذوف. وكذلك من كان عبدا) . ~~إنما كان كذلك؛ لأنه قذفه في حال كونه مسلما محصنا، وذلك يقتضي وجوب الحد ~~عليه؛ لعموم الآية ووجود المعنى، فإذا ادعى ما يسقط الحد عنه، لم يقبل منه، ~~كما لو قذف كبيرا، ثم قال: أردت أنه زنى وهو صغير، فأما إن قال له: زنيت في ~~شركك. فلا حد عليه. وبه قال الزهري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وحكى أبو الخطاب، عن أحمد رواية أخرى. وعن مالك، أنه يحد. وبه قال ~~الثوري؛ لأن القذف وجد في حال كونه محصنا. ولنا أنه أضاف القذف إلى حال ~~ناقصة، أشبه ما لو قذفه في حال الشرك؛ ولأنه قذفه بما لا يوجب الحد على ~~المقذوف، فأشبه ما لو قذفه بالوطء دون الفرج. وهكذا الحكم لو قذف من كان ~~رقيقا، فقال: زنيت في حال رقك. أو قال زنيت وأنت طفل. وإن قال: زنيت وأنت ~~صبي أو صغير. سئل عن الصغر، فإن فسره بصغر لا يجامع في مثله، فهي كالتي ~~قبلها، وإن فسره بصغر يجامع في مثله، فعليه الحد، في إحدى الروايتين. وإن ~~قال: زنيت إذ كنت مشركا. أو: إذ كنت # PageV09P094 # رقيقا. فقال المقذوف: ما كنت مشركا ولا رقيقا. نظرنا، فإن ثبت أنه كان ~~مشركا أو رقيقا، فهي كالتي قبلها، وإن ثبت أنه لم يكن رقيقا كذلك، وجب الحد ~~على القاذف، وإن لم يثبت واحد منهما، ففيه روايتان؛ إحداهما: يجب الحد؛ لأن ~~الأصل عدم الشرك والرق؛ ولأن الأصل الحرية، وإسلام أهل دار الإسلام. # والثانية: القول قول القاذف؛ لأن الأصل براءة ذمة القاذف. # وإن قال: زنيت وأنت مشرك. فقال المقذوف أردت قذفي بالزنا والشرك معا. ~~وقال القاذف: بل أردت قذفك بالزنا إذ كنت مشركا. فالقول قول القاذف. اختاره ~~أبو الخطاب. وهو قول بعض الشافعية؛ لأن الخلاف في بينته، وهو أعلم بها. ~~وقوله: وأنت مشرك، مبتدأ وخبر، وهو حال لقوله: زنيت. كقول الله تعالى: {إلا ~~استمعوه وهم يلعبون} [الأنبياء: 2] . # وقال القاضي: يجب الحد، وهو قول بعض الشافعية لأن قوله: زنيت. خطاب في ms4889 ~~الحال، فالظاهر أنه أراد زناه في الحال. وهكذا إن قال: زنيت وأنت عبد. وإن ~~قذف مجهولا، وادعى أنه رقيق أو مشرك. فقال المقذوف: بل أنا حر مسلم. فالقول ~~قوله. وقال أبو بكر: القول قول القاذف في الرق؛ لأن الأصل براءة ذمته من ~~الحد، وهو يدرأ بالشبهات، وما ادعاه محتمل، فيكون شبهة. وعن الشافعي، ~~كالوجهين. ولنا أن الأصل الحرية، وهو الظاهر، فلم يلتفت إلى ما خالفه، كما ~~لو فسر صريح القذف بما يحيله، وكما لو ادعى أنه مشرك. فإن قيل: الإسلام ~~يثبت بقوله: أنا مسلم. بخلاف الحرية. قلنا: إنما يثبت الإسلام بقوله في ~~المستقبل، وأما الماضي، فلا يثبت بما جاء بعده، فلا يثبت كونه مسلما حال ~~القذف بقوله في حال النزاع، فاستويا. ### | [مسألة قذف الملاعنة] # (7236) مسألة: قال: (ويحد من قذف الملاعنة) . نص أحمد على هذا. وهو قول ~~ابن عمر، وابن عباس، والحسن، والشعبي، وطاوس، ومجاهد، ومالك، والشافعي، ~~وجمهور الفقهاء. ولا نعلم فيه خلافا. وقد روى ابن عباس، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قضى في الملاعنة، أن لا ترمى، ولا يرمى ولدها.، فعليه ~~الحد» . رواه أبو داود. ولأن حصانتها لم تسقط باللعان، ولا يبت الزنا به، ~~ولذلك لم يلزمها به حد. ومن قذف ابن الملاعنة، فقال: هو ولد زنا. فعليه ~~الحد للخبر والمعنى. وكذلك إن قال: هو من الذي رميت به. فأما إن قال: ليس ~~هو ابن فلان. يعني الملاعن، وأراد أنه منفي عنه شرعا، فلا حد عليه؛ لأنه ~~صادق. # PageV09P095 ### | [فصل قذف من ثبت زناه ببينة أو إقرار أو حد] # (7237) فصل: فأما إن ثبت زناه ببينة، أو إقرار، أو حد بالزنا، فلا حد على ~~قاذفه؛ لأنه صادق؛ ولأن إحصان المقذوف قد زال بالزنا. ولو قال لمن زنى في ~~شركه، أو لمن كان مجوسيا تزوج بذات محرمه بعد أن أسلم: يا زاني. فلا حد ~~عليه، إذا فسره بذلك. وقال مالك: عليه الحد؛ لأنه قذف مسلما لم يثبت زناه ~~في إسلامه. ولنا أنه قذف من ثبت زناه، أشبه ما لو ثبت زناه في ms4890 الإسلام؛ ~~ولأنه صادق. والذي يقتضيه كلام الخرقي، وجوب الحد عليه؛ لقوله: ومن قذف من ~~كان مشركا، وقال أردت أنه زنى وهو مشرك، لم يلتفت إلى قوله وحد. ### | [مسألة مطالبة الابن بحد القذف عن أمه] # (7238) مسألة: قال: (وإذا قذفت المرأة، لم يكن لولدها المطالبة، إذا كانت ~~الأم في الحياة) . وإن قذفت أمه وهي ميتة، مسلمة كانت أو كافرة، حرة أو ~~أمة، حد القاذف إذا طالب الابن، وكان حرا مسلما. أما إذا قذفت وهي في ~~الحياة، فليس لولدها المطالبة؛ لأن الحق لها، فلا يطالب به غيرها، ولا يقوم ~~غيرها مقامها، سواء كانت محجورا عليها أو غير محجور عليها؛ لأنه حق يثبت ~~للتشفي، فلا يقوم فيه غير المستحق مقامه، كالقصاص، وتعتبر حصانتها؛ لأن ~~الحق لها، فتعتبر حصانتها، كما لو لم يكن لها ولد. وأما إن قذفت وهي ميتة، ~~فإن لولدها المطالبة؛ لأنه قدح في نسبه؛ ولأنه بقذف أمه ينسبه إلى أنه من ~~زنا، ولا يستحق ذلك بطريق الإرث، ولذلك تعتبر الحصانة فيه، ولا تعتبر ~~الحصانة في أمه؛ لأن القذف له. # وقال أبو بكر: لا يجب الحد بقذف ميتة بحال. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنه ~~قذف لمن لا تصح منه المطالبة، فأشبه قذف المجنون. وقال الشافعي: إن كان ~~الميت محصنا، فلوليه المطالبة، وينقسم بانقسام الميراث، وإن لم يكن محصنا، ~~فلا حد على قاذفه؛ لأنه ليس بمحصن، فلا يجب الحد بقذفه، كما لو كان حيا. ~~وأكثر أهل العلم لا يرون الحد على من يقذف غير محصن حيا ولا ميتا؛ لأنه إذا ~~لم يحد بقذف غير المحصن إذا كان حيا، فلأن لا يحد بقذفه بعد موته أولى. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الملاعنة: «ومن رمى ولدها، ~~فعليه الحد» . يعني: من رماه بأنه ولد زنا. وإذا وجب بقذف ابن الملاعنة ~~بذلك، فبقذف غيره أولى، ولأن أصحاب الرأي أوجبوا الحد على من نفى رجلا عن ~~أبيه، إذا كان أبواه حرين مسلمين أو كانا ميتين، والحد إنما وجب للولد؛ لأن ~~الحد لا يورث عندهم. فأما إن ms4891 قذفت أمه بعد موتها، وهو مشرك أو عبد، فلا حد ~~عليه، في ظاهر كلام الخرقي، سواء كانت الأم حرة مسلمة أو لم تكن. وقال أبو ~~ثور، وأصحاب الرأي: إذا قال لكافر أو عبد: لست لأبيك، وأبواه حران # PageV09P096 # مسلمان، فعليه الحد. وإن قال لعبد، أمه حرة وأبوه عبد: لست لأبيك. فعليه ~~الحد، وإن كان العبد للقاذف عند أبي ثور. # وقال أصحاب الرأي: يصح أن يحد المولى لعبده، واحتجوا بأن هذا قذف لأمه، ~~فيعتبر إحصانها دون إحصانه؛ لأنها لو كانت حية، كان القذف لها، فكذلك إذا ~~كانت ميتة؛ ولأن معنى هذا أن أمك زنت، فأتت بك من الزنا، فإذا كان من الزنا ~~منسوبا إليها، كانت هي المقذوفة دون ولدها. ولنا، ما ذكرناه؛ ولأنه لو كان ~~القذف لها، لم يجب الحد؛ لأن الكافر لا يرث المسلم، والعبد لا يرث الحر؛ ~~ولأنهم لا يوجبون الحد بقذف ميتة بحال، فيثبت أن القذف له، فيعتبر إحصانه ~~دون إحصانها - والله أعلم -. ### | [فصل مطالبة الابن بحد القذف عن جدته] # (7239) فصل: وإن قذفت جدته، فقياس قول الخرقي، أنه كقذف أمه، إن كانت ~~حية، فالحق لها، ويعتبر إحصانها، وليس لغيرها المطالبة عنها، وإن كانت ~~ميتة، فله المطالبة إذا كان محصنا؛ لأن ذلك قدح في نسبه. فأما إن قذف أباه ~~أو جده، أو أحدا من أقاربه غير أمهاته بعد موته، لم يجب الحد بقذفه في ظاهر ~~كلام الخرقي؛ لأنه إنما أوجب بقذف أمه حقا له، لنفي نسبه، لا حقا للميت، ~~ولهذا لم يعتبر إحصان المقذوفة، واعتبر إحصان الولد، ومتى كان المقذوف من ~~غير أمهاته، لم يتضمن نفي نسبه، فلم يجب الحد. وهذا قول أبي بكر، وأصحاب ~~الرأي. وقال الشافعي: إن كان الميت محصنا، فلوليه المطالبة به، وينقسم ~~انقسام الميراث؛ لأنه قذف محصنا، فيجب الحد على قاذفه، كالحي. # ولنا أنه قذف من لا يتصور منه المطالبة، فلم يجب الحد بقذفه، كالمجنون، ~~أو نقول: قذف من لا يجب الحد له، فلم يجب، كقذف غير المحصن، وفارق قذف ~~الحي، فإن الحد يجب له. ### | [مسألة ms4892 قال قذف أم النبي] # (7240) مسألة؛ قال: (ومن قذف أم النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل، مسلما ~~كان أو كافرا) يعني أن حده القتل، ولا تقبل توبته. نص عليه. أحمد. وحكى أبو ~~الخطاب رواية أخرى، أن توبته تقبل، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، مسلما كان ~~أو كافرا؛ لأن هذا منه ردة، والمرتد يستتاب، وتصح توبته. # ولنا أن هذا حد قذف، فلا يسقط بالتوبة، كقذف غير أم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ ولأنه لو قبلت توبته، وسقط حده، لكان أخف حكما من قذف آحاد ~~الناس؛ لأن قذف غيره لا يسقط بالتوبة، ولا بد من إقامته. واختلفت الرواية ~~عن أحمد، فيما إذا كان القاذف كافرا فأسلم، فروي أنه لا يسقط بإسلامه؛ لأنه ~~حد # PageV09P097 # قذف، فلم يسقط بالإسلام، كقذف غيره. وروي أنه يسقط؛ لأنه لو سب الله ~~تعالى في كفره، ثم أسلم، سقط عنه القتل، فسب نبيه أولى؛ ولأن الإسلام يجب ~~ما قبله، والخلاف في سقوط القتل عنه، فأما توبته فيما بينه وبين الله تعالى ~~فمقبولة، فإن الله تعالى يقبل التوبة من الذنوب كلها، والحكم في قذف النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كالحكم في قذف أمه؛ لأن قذف أمه إنما أوجب القتل؛ ~~لكونه قذفا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقدحا في نسبه. (7241) فصل: وقذف ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقذف أمه، ردة عن الإسلام، وخروج عن الملة، ~~وكذلك سبه بغير القذف، إلا أن سبه بغير القذف يسقط بالإسلام؛ لأن سب الله ~~تعالى يسقط بالإسلام، فسب النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى، وقد جاء في ~~الأثر «، إن الله تعالى يقول: شتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن يشتمني، أما ~~شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد» . ولا ~~خلاف في أن إسلام النصراني القائل لهذا القول يمحو ذنبه. ### | [مسألة قذف الجماعة بكلمة واحدة] # (7242) مسألة: قال: (وإذا قذف الجماعة بكلمة واحدة، فحد واحد إذا طالبوا، ~~أو واحد منهم) وبهذا قال طاوس، والشعبي، والزهري، والنخعي، وقتادة، وحماد، ~~ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، وصاحباه ms4893 وابن أبي ليلى، وإسحاق. وقال الحسن، ~~وأبو ثور، وابن المنذر: لكل واحد حد كامل. وعن أحمد مثل ذلك. وللشافعي ~~قولان، كالروايتين. ووجه هذا أنه قذف كل واحد منهم، فلزمه له حد كامل، كما ~~لو قذفهم بكلمات. # ولنا قول الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة؛ ولأن ~~الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة، فلم يحدهم عمر إلا حدا واحدا؛ ولأنه ~~قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد، كما لو قذف واحدا؛ ولأن الحد إنما وجب ~~بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف، وتزول ~~المعرة، فوجب أن يكتفى به، بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفا مفردا، فإن كذبه ~~في قذف لا يلزم منه كذبه في آخر، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده ~~للآخر. فإذا ثبت هذا، فإنهم إن طلبوه جملة، حد لهم، وإن طلبه واحد، أقيم ~~الحد؛ لأن الحق ثابت لهم على سبيل البدل، فأيهم طالب به استوفى وسقط، فلم ~~يكن لغيره الطلب به، كحق المرأة، على أوليائها تزويجها، إذا قام به واحد ~~سقط عن الباقين. # وإن أسقطه أحدهم، فلغيره المطالبة به واستيفاؤه؛ لأن المعرة عنه لم تزل ~~بعفو صاحبه، وليس للعافي الطلب به؛ لأنه قد أسقط حقه منه. # PageV09P098 # وروي عن أحمد - رحمه الله - رواية أخرى، أنهم إن طلبوه دفعة واحدة، فحد ~~واحد، وكذلك إن طلبوه واحدا بعد واحد، إلا أنه إن لم يقم حتى طلبه الكل، ~~فحد واحد وإن طلبه واحد، فأقيم له، ثم طلبه آخر أقيم له، وكذلك جميعهم، ~~وهذا قول عروة؛ لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه، وقع استيفاؤه بجميعهم، وإذا ~~طلبه واحد منفردا كان استيفاؤه له وحده، فلم يسقط حق الباقين بغير ~~استيفائهم ولا إسقاطهم. ### | [فصل قذف الجماعة بكلمات] # (7243) فصل: وإن قذف الجماعة بكلمات، فلكل واحد حد. وبهذا قال عطاء، ~~والشعبي، وقتادة، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، والشافعي وقال حماد، ومالك: ~~لا يجب إلا حد واحد؛ لأنها جناية توجب ms4894 حدا، فإذا تكررت كفى حد واحد، كما لو ~~سرق من جماعة، أو زنى بنساء، أو شرب أنواعا من المسكر. ولنا أنها حقوق ~~لآدميين، فلم تتداخل، كالديون والقصاص. وفارق ما قاسوا عليه. فإنه حق لله ~~تعالى. ### | [فصل قال لرجل يا ابن الزانيين] # (7244) فصل: وإذا قال لرجل: يا ابن الزانيين. فهو قاذف لهما بكلمة واحدة، ~~فإن كانا ميتين، ثبت الحق لولدهما، ولم يجب إلا حد واحد، وجها واحدا. وإن ~~قال: يا زاني ابن الزاني. فهو قذف لهما بكلمتين، فإن كان أبوه حيا، فلكل ~~واحد منهما حد، وإن كان ميتا، فالظاهر في المذهب أنه لا يجب الحد بقذفه. ~~وإن قال: يا زاني ابن الزانية. وكانت أمه في الحياة، فلكل واحد حد، وإن ~~كانت ميتة، فالقذفان جميعا له. وإن قال: زنيت بفلانة. فهو قذف لهما بكلمة ~~واحدة. وكذلك إذا قال: يا ناكح أمه. ويخرج فيه الروايات الثلاث - والله ~~أعلم -. ### | [فصل قذف رجلا مرات] # (7245) فصل: وإن قذف رجلا مرات، فلم يحد، فحد واحد، رواية واحدة، سواء ~~قذفه بزنا واحد، أو بزنيات. وإن قذفه فحد، ثم أعاد قذفه، نظرت، فإن قذفه ~~بذلك الزنا الذي حد من أجله، لم يعد عليه الحد، في قول عامة أهل العلم. ~~وحكي عن ابن القاسم، أنه أوجب حدا ثانيا. وهذا يخالف إجماع الصحابة، فإن ~~أبا بكرة لما حد بقذف المغيرة، أعاد قذفه فلم يروا عليه حدا ثانيا، فروى ~~الأثرم، بإسناده عن ظبيان بن عمارة، قال: شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة ~~نفر أنه زان، فبلغ ذلك عمر، فكبر عليه، وقال: شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن ~~شعبة، وجاء زياد، فقال: ما عندك؟ فلم يثبت، فأمر بهم فجلدوا، وقال: شهود ~~زور. فقال أبو بكرة: أليس ترضى أن أتاك رجل عدل يشهد برجمه؟ قال: نعم، ~~والذي نفسي بيده. قال أبو بكرة: فأنا أشهد أنه زان. فأراد أن يعيد عليه ~~الجلد، فقال علي: # PageV09P099 # يا أمير المؤمنين، إنك إن أعدت عليه الجلد، أوجبت عليه الرجم وفي حديث ~~آخر: فلا يعاد في فرية جلد مرتين. # قال الأثرم: ms4895 قلت لأبي عبد الله: قول علي: إن جلدته فارجم صاحبك؟ قال: ~~كأنه جعل شهادته شهادة رجلين. قال أبو عبد الله: وكنت أنا أفسره على هذا، ~~حتى رأيته في الحديث، فأعجبني. ثم قال: يقول إذا جلدته ثانية، فكأنك جعلته ~~شاهدا آخر فأما إن حد له، ثم قذفه بزنا ثان، نظرت؛ فإن قذفه بعد طول الفصل، ~~فحد ثان؛ لأنه لا تسقط حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف أبدا، بحيث يمكن من ~~قذفه بكل حال. وإن قذفه عقيب حده، ففيه روايتان إحداهما: يحد أيضا؛ لأنه ~~قذف لم يظهر كذبه فيه بحد، فيلزم فيه حد، كما لو طال الفصل؛ ولأن سائر ~~أسباب الحد إذا تكررت بعد أن حد للأول، ثبت للثاني حكمه، كالزنا والسرقة، ~~وغيرهما من الأسباب. والثانية: لا يحد؛ لأنه قد حد له مرة، فلم يحد له ~~بالقذف عقبه، كما لو قذفها بالزنا الأول. ### | [فصل قال من رماني فهو ابن الزانية] # (7246) فصل: وإذا قال: من رماني فهو ابن الزانية. فرماه رجل، فلا حد عليه ~~في قول أحد من أهل العلم. وكذلك إن اختلف رجلان في شيء، فقال أحدهما: ~~الكاذب هو ابن الزانية. فلا حد عليه. نص عليه أحمد؛ لأنه لم يعين أحدا ~~بالقذف، وكذلك ما أشبه هذا. ولو قذف جماعة لا يتصور صدقه في قذفهم، مثل أن ~~يقذف أهل بلدة كثيرة بالزنا كلهم، لم يكن عليه حد؛ لأنه لم يلحق العار بأحد ~~غير نفسه، للعلم بكذبه. ### | [فصل ادعى على رجل أنه قذفه فأنكر] # (7247) فصل: وإن ادعى على رجل أنه قذفه، فأنكر، لم يستحلف. وبه قال ~~الشعبي، وحماد، والثوري، وأصحاب الرأي. وعن أحمد - رحمه الله - أنه يستحلف، ~~حكاها ابن المنذر، وهو قول الزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، ~~وابن المنذر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن اليمين على المدعى ~~عليه» . ولأنه حق لآدمي، فيستحلف فيه كالدين. ووجه الأولى: أنه حد، فلا ~~يستحلف فيه، كالزنا والسرقة. فإن نكل عن اليمين، لم يقم عليه الحد؛ لأن ~~الحد يدرأ بالشبهات، فلا يقضى فيه بالنكول، كسائر الحدود. ### | [مسألة ms4896 قتل أو أتى حدا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم] # (7248) مسألة: قال: (ومن قتل، أو أتى حدا خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم، ~~لم يبايع ولم يشار حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه الحد) وجملته أن من جنى ~~جناية توجب قتلا خارج الحرم، ثم لجأ إليه، لم يستوف منه فيه. وهذا قول ابن ~~عباس، وعطاء، وعبيد بن عمير، والزهري، ومجاهد، وإسحاق، والشعبي، وأبي ~~حنيفة، وأصحابه. # وأما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس، فعن أحمد فيه ~~روايتان؛ # PageV09P100 # إحداهما: لا يستوفى من الملتجئ إلى الحرم فيه. والثانية: يستوفى. وهو ~~مذهب أبي حنيفة؛ لأن المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن ~~القتل بقوله - عليه السلام -: «فلا يسفك فيها دم.» وحرمة النفس أعظم، فلا ~~يقاس غيرها عليها؛ ولأن الحد بالجلد جرى مجرى التأديب، فلم يمنع منه، ~~كتأديب السيد عبده. والأولى ظاهر كلام الخرقي، وهي ظاهر المذهب، قال أبو ~~بكر: هذه مسألة وجدتها مفردة لحنبل عن عمه، أن الحدود كلها تقام في الحرم، ~~إلا القتل. والعمل على أن كل جان دخل الحرم، لم يقم عليه حد جنايته حتى ~~يخرج منه. وإن هتك حرمة الحرم بالجناية فيه، هتكت حرمته بإقامة الحد عليه ~~فيه. # وقال مالك، والشافعي، وابن المنذر: يستوفى منه فيه؛ لعموم الأمر بجلد ~~الزاني، وقطع السارق، واستيفاء القصاص من غير تخصيص بمكان دون مكان، وقد ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا ~~فارا بخربة ولا دم» «. وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل ابن حنظل ~~وهو متعلق بأستار الكعبة» . حديث حسن صحيح. ولأنه حيوان أبيح دمه لعصيانه، ~~فأشبه الكلب العقور. # ولنا قول الله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] . يعني الحرم، ~~بدليل قوله: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} [آل عمران: 97] . والخبر أريد ~~به الأمر؛ لأنه لو أريد به الخبر، لأفضى إلى وقوع الخبر خلاف المخبر. وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يحل ~~لامرئ ms4897 مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يسفك فيها دما، ولا يعضد بها شجرة، ~~فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله أذن ~~لرسوله، ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم ~~كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم ~~عادت إلى حرمتها، فلا يسفك فيها دم» . متفق عليهما. # فالحجة فيه من وجهين؛ # PageV09P101 # أحدهما: أنه حرم سفك الدم بها على الإطلاق، وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه ~~أراد العموم، فإنه لو أراد سفك الدم الحرام، لم يختص به مكة، فلا يكون ~~التخصيص مفيدا. والثاني: قوله: «وإنما حلت لي ساعة من نهار، ثم عادت ~~حرمتها.» ومعلوم أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم، فحرمها الحرم، ~~ثم أحلت له ساعة، ثم عادت الحرمة، ثم أكد هذا بمنعه قياس غيره عليه. ~~والاقتداء به فيه بقوله: «فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم.» وهذا يدفع ما احتجوا به ~~من قتل ابن حنظل؛ فإنه من رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي منع ~~الناس أن يقتدوا به فيها، وبين أنها له على الخصوص، وما رووه من الحديث، ~~فهو من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يرد به قول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حين روى له أبو شريح هذا الحديث، وقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أحق أن يتبع. # وأما جلد الزاني، وقطع السارق، والأمر بالقصاص، فإنما هو مطلق في الأمكنة ~~والأزمنة، فإنه يتناول مكانا غير معين ضرورة أنه لا بد من مكان، فيمكن ~~إقامته في مكان غير الحرم، ثم لو كان عموما، فإن ما رويناه خاص يخص به، مع ~~أنه قد خص مما ذكروه الحامل، والمريض المرجو برؤه، فتأخر الحد عنه، وتأخر ~~قتل الحامل، فجاز أن يخص أيضا بما ذكرناه. والقياس ms4898 على الكلب العقور غير ~~صحيح؛ فإن ذلك طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، فأما ~~الأذى، فالأصل فيه الحرمة، وحرمته عظيمة، وإنما أبيح لعارض، فأشبه الصائل ~~من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإن الحرم يعصمها. إذا ثبت هذا، فإنه ~~لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يؤوى، ويقال له: اتق الله واخرج إلى الحل؛ ~~ليستوفى منك الحق الذي قبلك. فإذا خرج استوفي حق الله منه. وهو قول جميع من ~~ذكرناه. وإنما كان كذلك؛ لأنه لو أطعم وأوي، لتمكن من الإقامة دائما، فيضيع ~~الحق الذي عليه، وإذا منع من ذلك، كان وسيلة إلى خروجه، فيقام فيه حق الله ~~تعالى. وليس علينا إطعامه، كما أن الصيد لا يصاد في الحرم، وليس علينا ~~القيام به. # قال ابن عباس - رحمه الله -: من أصاب حدا، ثم لجأ إلى الحرم، فإنه لا ~~يجالس، ولا يبايع، ولا يؤوى، ويأتيه من يطلبه، فيقول: أي فلان، اتق الله. ~~فإذا خرج من الحرم، أقيم عليه الحد. رواه الأثرم. فإن قتل من له عليه ~~القصاص في الحرم، وأقام حدا بجلد أو قتل أو قطع طرف، أساء، ولا شيء عليه؛ ~~لأنه استوفى حقه في حال لم يكن له استيفاؤه فيه، فأشبه ما لو اقتص في شدة ~~الحر أو برد مفرط. # PageV09P102 ### | [مسألة قتل أو أتى حدا في الحرم] # مسألة: قال: (ومن قتل، أو أتى حدا في الحرم، أقيم عليه في الحرم.) وجملته ~~أن من انتهك حرمة الحرم، بجناية فيه توجب حدا أو قصاصا فإنه يقام عليه ~~حدها، لا نعلم فيه خلافا. وقد روى الأثرم، بإسناده عن ابن عباس، أنه قال: ~~من أحدث حدثا في الحرم، أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء. وقد أمر الله تعالى ~~بقتال من قاتل في الحرم. فقال تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] . فأباح قتلهم عند ~~قتالهم في الحرم؛ ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي ~~كغيرهم، حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلو لم يشرع الحد في حق من ms4899 ارتكب ~~الحد في الحرم، لتعطلت حدود الله تعالى في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لا ~~بد منها، ولا يجوز الإخلال بها؛ ولأن الجاني في الحرم هاتك لحرمته، فلا ~~ينتهض الحرم لتحريم ذمته وصيانته، بمنزلة الجاني في دار الملك، لا يعصم ~~لحرمة الملك، بخلاف الملتجئ إليها بجناية صدرت منه في غيرها. ### | [فصل حرم مدينة النبي هل يمنع إقامة الحد] # (7250) فصل: فأما حرم مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يمنع إقامة ~~حد ولا قصاص؛ لأن النص إنما ورد في حرم الله تعالى، وحرم المدينة دونه في ~~الحرمة، فلا يصح قياسه عليه. وكذلك سائر البقاع، لا تمنع من استيفاء حق، ~~ولا إقامة حد؛ لأن أمر الله تعالى باستيفاء الحقوق، وإقامة الحد مطلق في ~~الأمكنة والأزمنة، خرج منها الحرم لمعنى لا يكفي في غيره؛ لأنه محل الأنساك ~~وقبلة المسلمين، وفيه بيت الله المحجوج، وأول بيت وضع للناس، ومقام، ~~إبراهيم، وآيات بينات، فلا يلتحق به سواه، ولا يقاس عليه ما ليس في معناه - ~~والله أعلم -. ### | [باب القطع في السرقة] # والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] . وأما السنة، فروت ~~عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال «تقطع اليد في ربع دينار ~~فصاعدا» . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما هلك من كان قبلكم، ~~بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه» . ~~متفق عليهما. في أخبار سوى هذين، نذكرها إن شاء الله تعالى في مواضعها، ~~وأجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة. # PageV09P103 ### | [مسألة القطع في السرقة لا يجب إلا بشروط سبعة] # (7251) مسألة: قال أبو القاسم - رحمه الله -: (وإذا سرق ربع دينار من ~~العين، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو قيمة ثلاثة دراهم، طعاما كان أو غيره، ~~وأخرجه من الحرز، قطع) وجملته أن القطع لا يجب إلا بشروط سبعة؛ أحدها: ~~السرقة، ومعنى السرقة: أخذ المال على وجه الخفية والاستتار. ومنه استراق ~~السمع، ومسارقة النظر، إذا كان يستخفي بذلك، فإن اختطف أو ms4900 اختلس، لم يكن ~~سارقا، ولا قطع عليه عند أحد علمناه غير إياس بن معاوية، قال: أقطع ~~المختلس؛ لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقا، وأهل الفقه والفتوى من علماء ~~الأمصار على خلافه. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس على الخائن ولا ~~المختلس قطع» . وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس ~~على المنتهب قطع» . رواهما أبو داود. وقال: لم يسمعهما ابن جريج من أبي ~~الزبير. ولأن الواجب قطع السارق، وهذا غير سارق؛ ولأن الاختلاس نوع من ~~الخطف والنهب، وإنما يستخفي في ابتداء اختلاسه، بخلاف السارق. واختلفت ~~الرواية، عن أحمد، في جاحد العارية، فعنه: عليه القطع. وهو قول إسحاق؛ لما ~~روي عن عائشة، «أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة فكلموه، فكلم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا أراك تكلمني في حد من ~~حدود الله تعالى. ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيبا، فقال: إنما ~~هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف ~~قطعوه، والذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~لقطعت يدها. قالت: فقطع يدها» . قال أحمد: لا أعرف شيئا يدفعه. متفق عليه، ~~وعنه: لا قطع عليه، وهو قول الخرقي، وأبي إسحاق بن شاقلا، وأبي الخطاب، ~~وسائر الفقهاء. وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى -؛ لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا قطع على الخائن» . # ولأن الواجب قطع السارق، والجاحد غير سارق، وإنما هو خائن، فأشبه جاحد ~~الوديعة، والمرأة التي كانت تستعير المتاع إنما قطعت لسرقتها، لا بجحدها، ~~ألا ترى قوله: «إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه» . ~~وقوله: «والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد، لقطعت يدها» . وفي بعض ~~ألفاظ رواية هذه القصة عن عائشة، أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، ~~وذكرت # PageV09P104 # القصة. رواه البخاري. # وفي حديث أنها سرقت قطيفة، ms4901 فروى الأثرم، بإسناده عن مسعود بن الأسود قال: ~~«لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أعظمنا ذلك، وكانت امرأة من قريش، فجئنا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقلنا: نحن نفديها بأربعين أوقية. قال: تطهر خير لها. فلما سمعنا ~~لين قول رسول الله، أتينا أسامة، فقلنا: كلم لنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -.» وذكر الحديث نحو سياق عائشة. وهذا ظاهر في أن القصة واحدة، وأنها ~~سرقت فقطعت بسرقتها، وإنما عرفتها عائشة بجحدها للعارية؛ لكونها مشهورة ~~بذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك سببا، كما لو عرفتها بصفة من صفاتها، وفيما ~~ذكرنا جمع بين الأحاديث، وموافقة لظاهر الأحاديث والقياس وفقهاء الأمصار، ~~فيكون أولى. فأما جاحد الوديعة وغيرها من الأمانات، فلا نعلم أحدا يقول ~~بوجوب القطع عليه. # الشرط الثاني: أن يكون المسروق نصابا، ولا قطع في القليل، في قول الفقهاء ~~كلهم، إلا الحسن، وداود، وابن بنت الشافعي، والخوارج، قالوا: يقطع في ~~القليل والكثير؛ لعموم الآية، ولما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعن الله السارق، يسرق الحبل فتقطع ~~يده، ويسرق البيضة فتقطع يده» . متفق عليه. ولأنه سارق من حرز، فتقطع يده، ~~كسارق الكثير. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا قطع إلا في ربع دينار ~~فصاعدا» . متفق عليه. وإجماع الصحابة على ما سنذكره. وهذا يخص عموم الآية، ~~والحبل يحتمل أن يساوي ذلك، وكذلك البيضة، يحتمل أن يراد بها بيضة السلاح، ~~وهي تساوي ذلك. واختلفت الرواية عن أحمد في قدر النصاب الذي يجب القطع ~~بسرقته، فروى عنه أبو إسحاق الجوزجاني، أنه ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة ~~دراهم من الورق، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما. وهذا قول مالك، ~~وإسحاق. وروى عنه الأثرم، أنه إن سرق من غير الذهب والفضة، ما قيمته ربع ~~دينار، أو ثلاثة دراهم قطع. فعلى هذا يقوم غير الأثمان بأدنى الأمرين، من ~~ربع دينار، أو ثلاثة دراهم. # وعنه، أن الأصل الورق، ويقوم الذهب ms4902 به، فإن نقص ربع دينار عن ثلاثة ~~دراهم، لم يقطع سارقه. # PageV09P105 # وهذا يحكى عن الليث، وأبي ثور. وقالت عائشة: لا قطع إلا في ربع دينار ~~فصاعدا. وروي هذا عن عمر، وعثمان، وعلي، - رضي الله عنهم -. وبه قال ~~الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر؛ ~~لحديث عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا.» وقال عثمان البتي: تقطع اليد في درهم، ~~فما فوقه. وعن أبي هريرة، وأبي سعيد، أن اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعدا. ~~وعن عمر أن الخمس لا تقطع إلا في الخمس. وبه قال سليمان بن يسار، وابن أبي ~~ليلى، وابن شبرمة. وروي ذلك عن الحسن. # وقال أنس: قطع أبو بكر في مجن قيمته خمسة دراهم. رواه الجوزجاني بإسناده. ~~وقال عطاء، وأبو حنيفة، وأصحابه: لا تقطع اليد إلا في دينار، أو عشرة ~~دراهم؛ لما روى الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا قطع إلا في عشرة دراهم» . وروى ~~ابن عباس. قال: «قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد رجل في مجن، ~~قيمته دينار، أو عشرة دراهم» . وعن النخعي: لا تقطع اليد إلا في أربعين ~~درهما. ولنا ما روى ابن عمر، «أن رسول الله قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم» . ~~متفق عليه. قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث يروى في هذا الباب، لا يختلف ~~أهل العلم في ذلك. وحديث أبي حنيفة الأول يرويه الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ~~والذي يرويه عن الحجاج ضعيف أيضا. والحديث الثاني لا دلالة فيه على أنه لا ~~يقطع بما دونه، فإن من أوجب القطع بثلاثة دراهم، أوجبه بعشرة، ويدل هذا ~~الحديث على أن العرض يقوم بالدراهم؛ لأن المجن قوم بها؛ ولأن ما كان الذهب ~~فيه أصلا، كان الورق فيه أصلا، كنصب الزكاة، والديات وقيم المتلفات. # وقد روى أنس، أن سارقا سرق مجنا ما يسرني أنه لي ms4903 بثلاثة دراهم، أو ما ~~يساوي ثلاثة دراهم، فقطعه أبو بكر. وأتي عثمان برجل قد سرق أترجة، فأمر بها ~~عثمان فأقيمت، فبلغت قيمتها ربع دينار، فأمر به عثمان فقطع. # PageV09P106 ### | [فصل سرق ربع دينار من المضروب الخالص] # (7252) فصل: وإذا سرق ربع دينار من المضروب الخالص، ففيه القطع. وإن كان ~~فيه غش أو تبر يحتاج إلى تصفية، لم يجب القطع حتى يبلغ ما فيه من الذهب ربع ~~دينار؛ لأن السبك ينقصه. وإن سرق ربع دينار قراضة، أو تبرا خالصا، أو حليا، ~~ففيه القطع. نص عليه أحمد، في رواية الجوزجاني، قال قلت له: كيف يسرق ربع ~~دينار؟ فقال: قطعة ذهب، أو خاتما، أو حليا. وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي. # وذكر القاضي في وجوب القطع احتمالين؛ أحدهما: لا قطع عليه. وهو قول بعض ~~أصحاب الشافعي؛ لأن الدينار اسم للمضروب. ولنا أن ذلك ربع دينار؛ لأنه ~~يقال: دينار قراضة، ومكسر، أو دينار خالص. ولأنه لا يمكنه سرقة ربع دينار ~~مفرد في الغالب إلا مكسورا. وقد أوجب عليه القطع بذلك؛ ولأنه حق الله تعالى ~~تعلق بالمضروب، فتعلق بما ليس بمضروب، كالزكاة، والخلاف فيما إذا سرق من ~~المكسور والتبر ما لا يساوي ربع دينار صحيح، فإن بلغ ذلك ففيه القطع. ~~والدينار هو المثقال من مثاقيل الناس اليوم، وهو الذي كل سبعة منها عشرة ~~دراهم، وهو الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبله ولم ~~يتغير، وإنما كانت الدراهم مختلفة، فجمعت وجعلت كل عشرة منها سبعة مثاقيل، ~~فهي التي يتعلق القطع بثلاثة منها، إذا كانت خالصة، مضروبة كانت أو غير ~~مضروبة، على ما ذكرناه في الذهب. # وعند أبي حنيفة أن النصاب إنما يتعلق بالمضروب منها، وقد ذكر ما دل عليه، ~~ويحتمل ما قاله في الدراهم؛ لأن إطلاقها يتناول الصحاح المضروبة، بخلاف ربع ~~الدينار، على أننا قد ذكرنا فيها احتمالا متقدما، فهاهنا أولى. وما قوم من ~~غيرهما بهما، فلا قطع فيه، حتى يبلغ ثلاثة دراهم صحاحا؛ لأن إطلاقها ينصرف ~~إلى المضروب دون المكسر. # الشرط الثالث: أن يكون ms4904 المسروق مالا، فإن سرق ما ليس بمال، كالحر، فلا ~~قطع فيه، صغيرا كان أو كبيرا. وبهذا قال، الشافعي، والثوري، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وقال الحسن، والشعبي، ومالك، وإسحاق: يقطع ~~بسرقة الحر الصغير؛ لأنه غير مميز، أشبه العبد. وذكره أبو الخطاب رواية عن ~~أحمد. ولنا أنه ليس بمال، فلا يقطع بسرقته، كالكبير النائم. إذا ثبت هذا، ~~فإنه إن كان عليه حلي أو ثياب تبلغ نصابا، لم يقطع. وبه قال أبو حنيفة، ~~وأكثر أ # PageV09P107 # صحاب الشافعي. # وذكر أبو الخطاب وجها آخر، أنه يقطع. وبه قال أبو يوسف، وابن المنذر؛ ~~لظاهر الكتاب؛ ولأنه سرق نصابا من الحلي، فوجب فيه القطع، كما لو سرقه ~~منفردا. ولنا أنه تابع لما لا قطع في سرقته، أشبه ثياب الكبير؛ ولأن يد ~~الصبي على ما عليه؛ بدليل أن ما يوجد مع اللقيط يكون له. وهكذا لو كان ~~الكبير نائما على متاع، فسرقه ومتاعه، لم يقطع؛ لأن يده عليه. ### | [فصل سرق عبدا صغيرا] # (7253) فصل: وإن سرق عبدا صغيرا، فعليه القطع، في قول عامة أهل العلم. ~~قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم؛ منهم الحسن، ~~ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، ومحمد. والصغير ~~الذي يقطع بسرقته، هو الذي لا يميز، فإن كان كبيرا لم يقطع سارقه، إلا أن ~~يكون نائما، أو مجنونا، أو أعجميا لا يميز بين سيده وبين غيره في الطاعة، ~~فيقطع سارقه. وقال أبو يوسف: لا يقطع سارق العبد وإن كان صغيرا؛ لأن من لا ~~يقطع بسرقته كبيرا، لا يقطع بسرقته صغيرا، كالحر. # ولنا أنه سرق مالا مملوكا تبلغ قيمته نصابا، فوجب القطع عليه، كسائر ~~الحيوانات. وفارق الحر، فإنه ليس بمال ولا مملوك. وفارق الكبير؛ لأن الكبير ~~لا يسرق، وإنما يخدع بشيء، إلا أن يكون في حال زوال عقله، بنوم، أو جنون، ~~فتصح سرقته، ويقطع سارقه. فإن كان المسروق في حال نومه أو جنونه أم ولد، ~~ففي قطع سارقها وجهان؛ أحدهما: لا يقطع؛ لأنها لا يحل بيعها، ولا ms4905 نقل الملك ~~فيها، فأشبهت الحرة. والثاني: يقطع؛ لأنها مملوكة تضمن بالقيمة، فأشبهت ~~القن. وحكم المدبر حكم القن؛ لأنه يجوز بيعه، ويضمن بقيمته. فأما المكاتب: ~~فلا يقطع سارقه؛ لأن ملك سيده ليس بتام عليه، لكونه لا يملك منافعه، ولا ~~استخدامه، ولا أخذ أرش الجناية عليه، ولو جنى السيد عليه، لزمه له الأرش، ~~ولو استوفى منافعه كرها، لزمه عوضها، ولو حبسه لزمه أجرة مثله مدة حبسه، أو ~~إنظاره مقدار مدة حبسه. # ولا يجب القطع لأجل ملك المكاتب في نفسه؛ لأن الإنسان لا يملك نفسه، ~~فأشبه الحر. وإن سرق من مال المكاتب شيئا، فعليه القطع؛ لأن ملك المكاتب ~~ثابت في مال نفسه، إلا أن يكون السارق سيده، فلا قطع عليه؛ لأن له في ماله ~~حقا وشبهة تدرأ الحد، ولذلك لو وطئ جاريته لم يحد. ### | [فصل سرق ماء] # فصل: وإن سرق ماء، فلا قطع فيه. قال أبو بكر، وأبو إسحاق بن شاقلا؛ لأنه ~~مما لا يتمول عادة ولا # PageV09P108 # أعلم في هذا خلافا. وإن سرق كلأ أو ملحا، فقال أبو بكر: لا قطع فيه؛ لأنه ~~مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه، فأشبه الماء. وقال أبو إسحاق بن شاقلا: ~~فيه القطع؛ لأنه يتمول عادة، فأشبه التبن والشعير. وأما الثلج: فقال ~~القاضي: هو كالماء؛ لأنه ماء جامد، فأشبه الجليد، والأشبه أنه كالملح؛ لأنه ~~يتمول عادة، فهو كالملح المنعقد من الماء. وأما التراب: فإن كان مما تقل ~~الرغبات فيه، كالذي يعد للتطيين والبناء، فلا قطع فيه؛ لأنه لا يتمول، وإن ~~كان مما له قيمة كثيرة، كالطين الأرمني، الذي يعد للدواء، أو المعد للغسل ~~به، أو الصبغ كالمغرة، احتمل وجهين؛ أحدهما: لا قطع فيه؛ لأنه من جنس ما لا ~~يتمول، أشبه الماء. # والثاني: فيه القطع؛ لأنه يتمول عادة، ويحمل إلى البلدان للتجارة فيه، ~~فأشبه العود الهندي. ولا يقطع بسرقة السرجين؛ لأنه إن كان نجسا فلا قيمة ~~له، وإن كان طاهرا، فلا يتمول عادة، ولا تكثر الرغبات فيه، فأشبه التراب ~~الذي للبناء، وما عمل من التراب كاللبن والفخار، ففيه القطع؛ ms4906 لأنه يتمول ~~عادة. ### | [فصل الأموال التي يجب فيها القطع إذا سرقت] # (7255) فصل: وما عدا هذا من الأموال، ففيه القطع، سواء كان طعاما، أو ~~ثيابا، أو حيوانا، أو أحجارا، أو قصبا، أو صيدا، أو نورة، أو جصا، أو ~~زرنيخا، أو توابل، أو فخارا، أو زجاجا، أو غيره. وبهذا قال مالك، والشافعي، ~~وأبو ثور. # وقال أبو حنيفة: لا قطع على سارق الطعام الرطب الذي يتسارع إليه الفساد، ~~كالفواكه، والطبائخ؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا قطع في ~~ثمر ولا كثر» . رواه أبو داود. ولأن هذا معرض للهلاك، أشبه ما لم يحرز. ولا ~~قطع فيما كان أصله مباحا في دار الإسلام، كالصيود، والخشب، إلا في الساج ~~والآبنوس، والصندل، والقنا، والمعمول من الخشب، فإنه يقطع به. وما عدا هذا ~~لا يقطع به؛ لأنه يوجد كثيرا مباحا في دار الإسلام، فأشبه التراب. ولا قطع ~~في القرون، وإن كانت معمولة؛ لأن الصنعة لا تكون غالبة عليها، بل القيمة ~~لها، بخلاف معمول الخشب. ولا قطع عنده في التوابل، والنورة، والجص، ~~والزرنيخ، والملح والحجارة، واللبن، والفخار، والزجاج. وقال الثوري: ما ~~يفسد في يومه، كالثريد واللحم، لا قطع فيه. # ولنا عموم قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ~~. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- سئل عن الثمر المعلق، فذكر الحديث، ثم قال: ومن سرق # PageV09P109 # منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، ففيه القطع» . رواه أبو ~~داود، وغيره. وروي أن عثمان - رضي الله عنه - أتي برجل قد سرق أترجة، فأمر ~~بها عثمان فأقيمت، فبلغت قيمتها ربع دينار، فأمر به عثمان فقطع. رواه سعيد. ~~ولأن هذا مال يتمول في العادة، ويرغب فيه، فيقطع سارقه إذا اجتمعت الشروط، ~~كالمجفف؛ ولأن ما وجب القطع في معموله، وجب فيه قبل العمل، كالذهب، والفضة، ~~وحديثهم أراد به الثمر المعلق؛ بدليل حديثنا، فإنه مفسر له، وتشبيهه بغير ~~المحرز لا يصح؛ لأن غير المحرز مضيع، وهذا محفوظ، ولهذا افترق سائر الأموال ~~بالحرز وعدمه. وقولهم: ms4907 يوجد مباحا في دار الإسلام. ينتقض بالذهب، والفضة، ~~والحديد، والنحاس، وسائر المعادن. والتراب قد سبق القول فيه. ### | [فصل سرق مصحفا] # (7256) فصل: فإن سرق مصحفا، فقال أبو بكر، والقاضي: لا قطع فيه. وهو قول ~~أبي حنيفة؛ لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى، وهو مما لا يجوز ~~أخذ العوض عنه. واختار أبو الخطاب وجوب قطعه، وقال: هو ظاهر كلام أحمد، ~~فإنه سئل عمن سرق كتابا فيه علم لينظر فيه، فقال: كل ما بلغت قيمته ثلاثة ~~دراهم فيه القطع. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر؛ لعموم ~~الآية في كل سارق؛ ولأنه متقوم، تبلغ قيمته نصابا، فوجب القطع بسرقته، ككتب ~~الفقه، ولا خلاف بين أصحابنا في وجوب القطع بسرقة كتب الفقه والحديث وسائر ~~العلوم الشرعية. # فإن كان المصحف محلى بحلية تبلغ نصابا، خرج فيه وجهان، عند من لم ير ~~القطع بسرقة المصحف، أحدهما: لا يقطع. وهذا قياس قول أبي إسحاق بن شاقلا، ~~ومذهب أبي حنيفة؛ لأن الحلي تابعة لما لا يقطع بسرقته، أشبهت ثياب الحر. ~~والثاني: يقطع. وهو قول القاضي؛ لأنه سرق نصابا من الحلي، فوجب قطعه، كما ~~لو سرقه منفردا. وأصل هذين الوجهين من سرق صبيا عليه حلي. ### | [فصل سرق عينا موقوفة] # (7257) فصل: وإن سرق عينا موقوفة، وجب القطع عليه؛ لأنها مملوكة للموقوف ~~عليه. ويحتمل أن لا يقطع، بناء على الوجه الذي يقول: إن الموقوف لا يملكه ~~الموقوف عليه. # الشرط الرابع: أن يسرق من حرز، ويخرجه منه. وهذا قول أكثر أهل العلم. ~~وهذا مذهب عطاء، والشعبي، وأبي الأسود الدؤلي، وعمر بن عبد العزيز، ~~والزهري، وعمرو بن دينار، والثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولا ~~نعلم عن أحد من أهل العلم خلافهم، إلا قولا حكي عن عائشة، والحسن، # PageV09P110 # والنخعي، فيمن جمع المتاع، ولم يخرج به من الحرز، عليه القطع. وعن الحسن ~~مثل قول الجماعة. # وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز؛ لأن الآية لا تفصيل فيها. وهذه أقوال ~~شاذة، غير ثابتة عمن نقلت عنه. قال ابن المنذر: وليس فيه خبر ms4908 ثابت، ولا ~~مقال لأهل العلم، إلا ما ذكرناه، فهو كالإجماع، والإجماع حجة على من خالفه. ~~وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده «، أن رجلا من مزينة سأل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن الثمار، فقال: ما أخذ في غير أكمامه فاحتمل، ففيه ~~قيمته ومثله معه، وما كان في الخزائن، ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن» . ~~رواه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما. وهذا الخبر يخص الآية، كما خصصناها في ~~اعتبار النصاب. # إذا ثبت اعتبار الحرز، والحرز ما عد حرزا في العرف، فإنه لما ثبت اعتباره ~~في الشرع من غير تنصيص على بيانه، علم أنه رد ذلك إلى أهل العرف؛ لأنه لا ~~طريق إلى معرفته إلا من جهته، فيرجع إليه، كما رجعنا إليه، في معرفة القبض ~~والفرقة في البيع وأشباه ذلك. إذا ثبت هذا، فإن من حرز الذهب والفضة ~~والجواهر الصناديق تحت الأغلاق والأقفال الوثيقة في العمران، وحرز الثياب، ~~وما خف من المتاع، كالصفر والنحاس والرصاص، في الدكاكين، والبيوت المقفلة ~~في العمران، أو يكون فيها حافظ، فيكون حرزا، وإن كانت مفتوحة. وإن لم تكن ~~مغلقة ولا فيها حافظ، فليست بحرز. وإن كانت فيها خزائن مغلقة، فالخزائن حرز ~~لما فيها، وما خرج عنها فليس بمحرز. # وقد روي عن أحمد، في البيت الذي ليس عليه غلق، يسرق منه: أراه سارقا. ~~وهذا محمول على أن أهله فيه، فأما البيوت التي في البساتين أو الطرق أو ~~الصحراء، فإن لم يكن فيها أحد فليست حرزا، سواء كانت مغلقة أو مفتوحة؛ لأن ~~من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران، وانصرف عنه لا يعد حافظا له، ~~وإن أغلق عليه. وإن كان فيها أهلها أو حافظ، فهي حرز، سواء كانت مغلقة أو ~~مفتوحة. وإذا كان لابسا للثوب، أو متوسدا له، نائما، أو مستيقظا، أو مفترشا ~~له، أو متكئا عليه، في أي موضع كان من البلد، أو برية، فهو محرز؛ بدليل أن ~~رداء صفوان سرق وهو متوسد له، فقطع النبي - صلى الله عليه وسلم - سارقه. # وإن تدحرج عن ms4909 الثوب، زال الحرز إن كان نائما، وإن كان الثوب بين يديه، أو ~~غيره من المتاع، كبز البزازين، وقماش الباعة، وخبز الخبازين، بحيث يشاهده، ~~وينظر إليه، فهو محرز، وإن نام، أو كان غائبا عن موضع مشاهدته، فليس بمحرز. ~~وإن جعل المتاع في الغرائر، وعلم عليها، ومعها حافظ يشاهدها، فهي محرزة، ~~وإلا فلا. # PageV09P111 ### | [فصل سرق الخيمة والخركاه وكان فيها أحد نائما أو منتبها] # (7258) فصل: والخيمة والخركاه إن نصبت، وكان فيها أحد نائما أو منتبها، ~~فهي محرزة وما فيها؛ لأنها هكذا تحرز في العادة، وإن [لم] يكن فيها أحد، ~~ولا عندها حافظ، فلا قطع على سارقها. وممن أوجب القطع في السرقة من ~~الفسطاط؛ الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، إلا أن أصحاب الرأي ~~قالوا: يقطع السارق من الفسطاط، دون سارق الفسطاط. ولنا أنه محرز بما جرت ~~به العادة، أشبه ما فيه. ### | [فصل حرز البقل وقدور الباقلاء ونحوها] # (7259) فصل: وحرز البقل، وقدور الباقلاء، ونحوها بالشرائح من القصب أو ~~الخشب، إذا كان في السوق حارس، وحرز الخشب والحطب والقصب في الحظائر، ~~وتعبئة بعضه على بعض، وتقييده بقيد، بحيث يعسر أخذ شيء منه، على ما جرت به ~~العادة، إلا أن يكون في فندق مغلق عليه، فيكون محرزا وإن لم يقيد. ### | [فصل حرز الإبل] # (7260) فصل: والإبل على ثلاثة أضراب؛ باركة، وراعية، وسائرة، فأما ~~الباركة: فإن كان معها حافظ لها، وهي معقولة، فهي محرزة، وإن لم تكن ~~معقولة، وكان الحافظ ناظرا إليها، أو مستيقظا بحيث يراها، فهي محرزة، وإن ~~كان نائما، أو مشغولا عنها، فليست محرزة؛ لأن العادة أن الرعاة إذا أرادوا ~~النوم عقلوا إبلهم؛ ولأن حل المعقولة ينبه النائم والمشتغل. وإن لم يكن ~~معها أحد، فهي غير محرزة، سواء كانت معقولة أو لم تكن. # وأما الراعية: فحرزها بنظر الراعي إليها، فما غاب عن نظره، أو نام عنه، ~~فليس بمحرز؛ لأن الراعية إنما تحرز بالراعي ونظره، وأما السائرة: فإن كان ~~معها من يسوقها، فحرزها نظره إليها، سواء كانت مقطرة أو غير مقطرة. وما كان ~~منها بحيث لا يراه، فليس ms4910 بمحرز. وإن كان معها قائد، فحرزها أن يكثر ~~الالتفات إليها، والمراعاة لها، ويكون بحيث يراها إذا التفت. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يحرز القائد إلا التي زمامها بيده؛ لأنه ~~يوليها ظهره، ولا يراها إلا نادرا، فيمكن أخذها من حيث لا يشعر. ولنا أن ~~العادة في حفظ الإبل المقطرة بمراعاتها، بالالتفات، وإمساك زمام الأول، ~~فكان ذلك حرزا لها، كالتي زمامها في يده. # فإن سرق من أحمال الجمال السائرة المحرزة متاعا قيمته نصاب، قطع، وكذلك # PageV09P112 # إن سرق الجمل، وإن سرق الجمل بما عليه، وصاحبه نائم عليه، لم يقطع؛ لأنه ~~في يد صاحبه، وإن لم يكن صاحبه نائما عليه، قطع وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه؛ لأن ما في الحمل محرز به، فإذا أخذ جميعه، ~~لم يهتك حرز المتاع، فصار كما لو سرق أجزاء الحرز. # ولنا أن الجمل محرز بصاحبه، ولهذا لو لم يكن محرزا، فقد سرقه من حرز ~~مثله، فأشبه ما لو سرق المتاع. ولا نسلم أن سرقة الحرز من حرزه لا توجب ~~القطع، فإنه لو سرق الصندوق بما فيه من بيت هو محرز فيه، وجب قطعه. وهذا ~~التفصيل في الإبل التي في الصحراء، فأما التي في البيوت والمكان المحصن، ~~على الوجه الذي ذكرنا في الثياب، فهي محرزة. والحكم في سائر المواشي كالحكم ~~في الإبل، على ما ذكرناه من التفصيل فيها. ### | [فصل سرق من الحمام ولا حافظ فيه] # (7261) فصل: وإذا سرق من الحمام، ولا حافظ فيه، فلا قطع عليه، في قول ~~عامتهم، وإن كان ثم حافظ. فقال أحمد: ليس على سارق الحمام قطع. وقال في ~~رواية ابن منصور: لا يقطع سارق الحمام، إلا أن يكون على المتاع قاعد، مثل ~~ما صنع بصفوان. وهذا قول أبي حنيفة؛ لأنه مأذون للناس في دخوله، فجرى مجرى ~~سرقة الضيف من البيت المأذون له في دخوله؛ ولأن دخول الناس إليه يكثر، فلا ~~يتمكن الحافظ من حفظ ما فيه. # قال القاضي: وفيه رواية أخرى: أنه يجب القطع إذا كان فيه حافظ. وهو قول ms4911 ~~مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنه متاع له حافظ، فيجب ~~قطع سارقه، كما لو كان في بيت. والأول أصح. وهذا يفارق ما في البيت من ~~الوجهين اللذين ذكرناهما. # فأما إن كان صاحب الثياب قاعدا عليها، أو متوسدا لها، أو جالسا وهي بين ~~يديه يحفظها، قطع سارقها بكل حال، كما قطع سارق رداء صفوان من المسجد، وهو ~~متوسد له. وكذلك إن كان نائب صاحب الثياب، إما الحمامي وإما غيره حافظا لها ~~على هذا الوجه، قطع سارقها؛ لأنها محرزة. # وإن لم تكن كذلك، فقال القاضي: إن نزع الداخل ثيابه، على ما جرت به ~~العادة، ولم يستحفظها لأحد فلا قطع على سارقها، ولا غرم على الحمامي؛ لأنه ~~غير مودع فيضمن، ولا هي محرزة فيقطع سارقها، وإن استحفظها الحمامي، فهو ~~مودع يلزمه مراعاتها بالنظر والحفظ، فإن تشاغل عنها، أو ترك النظر إليها، ~~فسرقت، فعليه الغرم لتفريطه، ولا قطع على السارق؛ لأنه لم يسرق من حرز. وإن ~~تعاهدها الحمامي بالحفظ والنظر، فسرقت، فلا غرم عليه؛ لعدم تفريطه، وعلى ~~السارق القطع؛ لأنها محرزة. وهذا مذهب الشافعي. وظاهر مذهب أحمد أنه لا قطع ~~عليه في هذه الصورة؛ لما تقدم. قال ابن المنذر: قال أحمد: أرجو أن لا قطع ~~عليه؛ لأنه مأذون للناس في دخوله. ولو استحفظ رجل آخر # PageV09P113 # متاعه في المسجد، فسرق، فإن كان قد فرط في مراعاته ونظره إليه، فعليه ~~الغرم إذا كان التزم حفظه، وأجابه إلى ما سأله، وإن لم يجبه، لكن سكت، لم ~~يلزمه غرم؛ لأنه ما قبل الاستيداع، ولا قبض المتاع، ولا قطع على السارق في ~~الموضعين؛ لأنه غير محرز. # وإن حفظ المتاع بنظره إليه، وقربه منه، فسرق فلا غرم عليه، وعلى السارق ~~القطع؛ لأنه سرق من حرز. ويفارق المتاع في الحمام، فإن الحفظ فيه غير ممكن؛ ~~لأن الناس يضع بعضهم ثيابه عند ثياب بعض ويشتبه على الحمامي صاحب الثياب، ~~فلا يمكنه منع أخذها؛ لعدم علمه بمالكها. ### | [فصل حرز حائط الدار] # (7262) فصل: وحرز حائط الدار كونه مبنيا فيها، إذا كانت في ms4912 العمران، أو ~~كانت في الصحراء وفيها حافظ، فإن أخذ من أجزاء الحائط أو خشبه نصابا في هذه ~~الحال، وجب قطعه؛ لأن الحائط حرز لغيره، فيكون حرزا لنفسه. وإن هدم الحائط ~~ولم يأخذه، فلا قطع عليه فيه، كما لو أتلف المتاع في الحرز ولم يسرقه. وإن ~~كانت الدار بحيث لا تكون حرزا لما فيها، كدار في الصحراء، لا حافظ فيها، ~~فلا قطع على من أخذ من حائطها شيئا؛ لأنها إذا لم تكن حرزا لما فيها، ~~فلنفسها أولى. # وأما باب الدار: فإن كان منصوبا في مكانه، فهو محرز، سواء كان مغلقا أو ~~مفتوحا؛ لأنه هكذا يحفظ، وعلى سارقه القطع إذا كانت الدار محرزة بما ~~ذكرناه. وأما أبواب الخزائن في الدار، فإن كان باب الدار مغلقا، فهي محرزة، ~~سواء كانت مفتوحة أو مغلقة، وإن كان مفتوحا، لم تكن محرزة، إلا أن تكون ~~مغلقة، أو يكون في الدار حافظ. # والفرق بين باب الدار وباب الخزانة، أن أبواب الخزائن تحرز بباب الدار، ~~وباب الدار لا يحرز إلا بنصبه، ولا يحرز بغيره. وأما حلقة الباب: فإن كانت ~~مسمورة، فهي محرزة، وإلا فلا؛ لأنها تحرز بتسميرها. ### | [فصل سرق باب مسجد منصوبا أو باب الكعبة المنصوب أو سرق من سقفه شيئا أو تأزيره] # (7263) فصل: وإن سرق باب مسجد منصوبا، أو باب الكعبة المنصوب، أو سرق من ~~سقفه شيئا، أو تأزيره، ففيه وجهان؛ أحدهما: عليه القطع. وهو مذهب الشافعي، ~~وابن القاسم، صاحب مالك، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنه سرق نصابا محرزا يحرز ~~مثله، لا شبهة له فيه، فلزمه القطع، كباب بيت الآدمي. والثاني: لا قطع ~~عليه. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنه لا مالك له من المخلوقين، فلا يقطع فيه، ~~كحصر المسجد وقناديله، فإنه لا يقطع بسرقة ذلك، وجها واحدا؛ لكونه مما ~~ينتفع به، فيكون له فيه شبهة، فلم # PageV09P114 # يقطع به، كالسرقة من بيت المال. # وقال أحمد: لا يقطع بسرقة ستارة الكعبة الخارجة منها. وقال القاضي: هذا ~~محمول على ما ليست بمخيطة؛ لأنها إنما تحرز بخياطتها. وقال أبو حنيفة: لا ms4913 ~~قطع فيها بحال؛ لما ذكرنا في الباب. ### | [فصل أجر داره ثم سرق منها مال المستأجر] # (7264) فصل: وإذا أجر داره، ثم سرق منها مال المستأجر، فعليه القطع. ~~وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة. وقال صاحباه: لا قطع عليه؛ لأن المنفعة ~~تحدث في ملك الآجر، ثم تنتقل إلى المستأجر. ولنا أنه هتك حرزا، وسرق منه ~~نصابا لا شبهة له، فوجب القطع، كما لو سرق من ملك المستأجر. وما قالاه لا ~~نسلمه. ولو استعار دارا فنقبها المعير، وسرق مال المستعير منها، قطع أيضا. ~~وبهذا قال الشافعي، في أحد الوجهين. وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه؛ لأن ~~المنفعة ملك له، فما هتك حرز غيره؛ ولأن له الرجوع متى شاء، وهذا يكون ~~رجوعا. # ولنا ما تقدم في التي قبلها، ولا يصح ما ذكره، لأن هذا قد صار حرزا لمال ~~غيره، لا يجوز له الدخول إليه، وإنما يجوز له الرجوع في العارية، والمطالبة ~~برده إليه. ### | [فصل غصب بيتا فأحرز فيه ماله فسرقه منه أجنبي أو المغصوب منه] # (7265) فصل: وإن غصب بيتا، فأحرز فيه ماله، فسرقه منه أجنبي، أو المغصوب ~~منه، فلا قطع عليه؛ لأنه لا حكم بحرزه إذا كان متعديا به، ظالما فيه. ### | [فصل سرق الضيف من مال مضيفه شيئا نظرت] # فصل: وإذا سرق الضيف من مال مضيفه شيئا، نظرت، فإن سرقه من الموضع الذي ~~أنزله فيه، أو موضع لم يحرزه عنه، لم يقطع؛ لأنه لم يسرق من حرز، وإن سرق ~~من موضع محرز دونه، نظرت؛ فإن كان منعه قراه، فسرق بقدره، فلا قطع عليه ~~أيضا، وإن لم يمنعه قراه، فعليه القطع. وقد روي عن أحمد أنه لا قطع على ~~الضيف. وهو محمول على إحدى الحالتين الأوليين. وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه ~~بحال؛ لأن المضيف بسطه في بيته وماله، فأشبه ابنه. # ولنا أنه سرق مالا محرزا عنه، لا شبهة له فيه، فلزمه القطع، كالأجنبي. ~~وقوله: إنه بسطه فيه. لا يصح، فإنه أحرز عنه هذا المال، ولم يبسطه فيه، ~~وتبسطه في غيره لا يوجب تبسطه فيه، كما ms4914 لو تصدق على مسكين بصدقة، أو أهدى ~~إلى صديقه هدية، فإنه لا يسقط عنه القطع بالسرقة من غير ما تصدق به عليه، ~~أو أهدى إليه. # PageV09P115 ### | [فصل أحرز المضارب مال المضاربة أو الوديعة أو العارية أو المال الذي وكل فيه فسرقه أجنبي] # (7267) فصل: وإذا أحرز المضارب مال المضاربة، أو الوديعة، أو العارية، أو ~~المال الذي وكل فيه، فسرقه أجنبي، فعليه القطع، لا نعلم فيه مخالفا؛ لأنه ~~ينوب مناب المالك في حفظ المال وإحرازه، ويده كيده. وإن غصب عينا وأحرزها، ~~أو سرقها وأحرزها، فسرقها سارق، فلا قطع عليه. وقال مالك: عليه القطع؛ لأنه ~~سرق نصابا من حرز مثله، لا شبهة له فيه، وللشافعي قولان، كالمذهبين. وقال ~~أبو حنيفة كقولنا في السارق، وكقولهم في الغاصب. ولنا أنه لم يسرق المال من ~~مالكه، ولا ممن يقوم مقامه، فأشبه ما لو وجده ضائعا فأخذه، وفارق السارق من ~~المالك أو نائبه، فإنه أزال يده، وسرق من حرزه. ### | [فصل سرق نصابا أو غصبه فأحرزه فجاء المالك فهتك الحرز وأخذ ماله] # (7268) فصل: وإن سرق نصابا، أو غصبه فأحرزه، فجاء المالك، فهتك الحرز؛ ~~وأخذ ماله، فلا قطع عليه عند أحد، سواء أخذه سرقة أو غيرها؛ لأنه أخذ ماله. ~~وإن سرق غيره، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا قطع فيه؛ لأن له شبهة في هتك الحرز، ~~وأخذ ماله، فصار كالسارق من غير حرز؛ ولأن له شبهة في أخذ قدر ماله، لذهاب ~~بعض العلماء إلى جواز أخذ الإنسان قدر دينه من مال من هو عليه. والثاني: ~~عليه القطع؛ لأنه سرق نصابا من حرزه لا شبهة له فيه، وإنما يجوز له أخذ قدر ~~ماله إذا عجز عن أخذ ماله، وهذا أمكنه أخذ ماله، فلم يجز له أخذ غيره. # وكذلك الحكم إذا أخذ ماله، وأخذ من غيره نصابا متميزا عن ماله، فإن كان ~~مختلطا بماله غير متميز منه، فلا قطع عليه؛ لأنه أخذ ماله الذي له أخذه، ~~وحصل غيره مأخوذا ضرورة أخذه، فيجب أن لا يقطع فيه؛ ولأن له في أخذه شبهة، ~~والحد يدرأ بالشبهات. ms4915 فأما إن سرق منه مالا آخر من غير الحرز الذي فيه ~~ماله، أو كان له دين على إنسان، فسرق من ماله قدر دينه من حرزه، نظرت، فإن ~~كان الغاصب أو الغريم باذلا لما عليه، غير ممتنع من أدائه، أو قدر المالك ~~على أخذ ماله فتركه وسرق مال الغاصب أو الغريم، فعليه القطع؛ لأنه لا شبهة ~~له فيه، وإن عجز عن استيفاء دينه، أو أرش جنايته، فسرق قدر دينه، أو حقه، ~~فلا قطع عليه. وقال القاضي: عليه القطع، بناء على أصلنا في أنه ليس له أخذ ~~قدر دينه. # ولنا أن هذا مختلف في حله، فلم يجب الحد به، كما لو وطئ في نكاح مختلف في ~~صحته، وتحريم الأخذ لا يمنع الشبهة الناشئة عن الاختلاف، والحدود تدرأ ~~بالشبهات. فإن سرق أكثر من دينه، فهو كالمغصوب منه إذا سرق أكثر من ماله، ~~على ما مضى. # PageV09P116 ### | [فصل إخراج المتاع من الحرز] # (7269) فصل: ولا بد من إخراج المتاع من الحرز؛ لما قدمنا من الإجماع على ~~اشتراطه، فمتى أخرجه من الحرز، وجب عليه القطع، سواء حمله إلى منزله، أو ~~تركه خارجا من الحرز، وسواء أخرجه بأن حمله، أو رمى به إلى خارج الحرز، أو ~~شد فيه حبلا ثم خرج فمده به، أو شده على بهيمة ثم ساقها به حتى أخرجها، أو ~~تركه في نهر جار، فخرج به، ففي هذا كله يجب القطع؛ لأنه هو المخرج له، إما ~~بنفسه، وإما بآلته، فوجب عليه القطع، كما لو حمله، فأخرجه، وسواء دخل الحرز ~~فأخرجه، أو نقبه ثم أدخل إليه يده أو عصا لها شجنة فاجتذبه بها. وبهذا قال ~~الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه، إلا أن يكون البيت صغيرا لا يمكنه دخوله؛ ~~لأنه لم يهتك الحرز بما أمكنه، فأشبه المختلس. ولنا أنه سرق نصابا من حرز ~~مثله، لا شبهة له فيه، وهو من أهل القطع، فوجب عليه، كما لو كان البيت ~~ضيقا، ويخالف المختلس، فإنه لم يهتك الحرز. وإن رمى المتاع، فأطارته الريح ~~فأخرجته، فعليه القطع؛ لأنه متى ms4916 كان ابتداء الفعل منه، لم يؤثر فعل الريح، ~~كما لو رمى صيدا، فأعانت الريح السهم حتى قتل الصيد، حل، ولو رمى الجمار، ~~فأعانتها الريح حتى وقعت في المرمى، احتسب به، وصار هذا كما لو ترك المتاع ~~في الماء فجرى به فأخرجه، ولو أمر صبيا لا يميز، فأخرج المتاع، وجب عليه ~~القطع؛ لأنه آلة له، فأما إن ترك المتاع على دابة، فخرجت بنفسها من غير ~~سوقها، أو ترك المتاع في ماء راكد، فانفتح فخرج المتاع، أو على حائط في ~~الدار، فأطارته الريح، ففي ذلك وجهان؛ أحدهما: عليه القطع؛ لأن فعله سبب ~~خروجه، فأشبه ما لو ساق البهيمة، أو فتح الماء، وحلق الثوب في الهواء. ~~والثاني: لا قطع عليه؛ لأن الماء لم يكن آلة للإخراج، وإنما خرج المتاع ~~بسبب حادث من غير فعله، والبهيمة لها اختيار لنفسها. ### | [فصل أخرج المتاع من بيت في الدار أو الخان إلى الصحن] # (7270) فصل: وإذا أخرج المتاع من بيت في الدار، أو الخان إلى الصحن، فإن ~~كان باب البيت مغلقا، ففتحه أو نقبه، فقد أخرج المتاع من الحرز، وإن لم يكن ~~مغلقا، فما أخرجه من الحرز. وقد قال أحمد: إذا أخرج المتاع من البيت إلى ~~الدار، يقطع. وهو محمول على الصورة الأولى. # PageV09P117 ### | [فصل الطرار سرا يقطع وإن اختلس لم يقطع] # (7271) فصل: قال أحمد الطرار سرا يقطع، وإن اختلس لم يقطع. ومعنى الطرار: ~~الذي يسرق من جيب الرجل أو كمه، أو صفنه، وسواء بط ما أخذ منه المسروق، أو ~~قطع الصفن فأخذه، أو أدخل يده في الجيب فأخذ ما فيه، فإن عليه القطع. وروي ~~عن أحمد في الذي يأخذ من جيب الرجل وكمه: لا قطع عليه. فيكون في ذلك ~~روايتان. ### | [فصل دخل السارق حرزا فاحتلب لبنا من ماشية وأخرجه فعليه القطع] # (7272) فصل: وإذا دخل السارق حرزا، فاحتلب لبنا من ماشية، وأخرجه، فعليه ~~القطع. به قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه؛ لأنه من الأشياء ~~الرطبة. وقد مضى الكلام معه في هذا. وإن شربه في الحرز، أو شرب ms4917 منه ما ينقص ~~النصاب، فلا قطع عليه؛ لأنه لم يخرج من الحرز نصابا. وإن ذبح الشاة في ~~الحرز، أو شق الثوب، ثم أخرجهما، وقيمتهما بعد الشق والذبح نصاب، فعليه ~~القطع. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه في الشاة؛ لأن اللحم ~~لا يقطع عنده بسرقته، والثوب إن شق أكثره، فلا قطع فيه؛ لأن صاحبه مخير بين ~~أن يضمنه قيمة جميعه، فيكون قد أخرجه وهو ملك له. وقد تقدم الكلام معه في ~~هذه الأصول. # وإن دخل الحرز فابتلع جوهرة وخرج، فلم تخرج؛ فلا قطع عليه؛ لأنه أتلفها ~~في الحرز، وإن خرجت، ففيه وجهان؛ أحدهما: يجب؛ لأنه أخرجها في وعائها، ~~فأشبه إخراجها في كمه. والثاني: لا يجب؛ لأنه ضمنها بالبلع، فكان إتلافا ~~لها؛ ولأنه ملجأ إلى إخراجها؛ لأنه لا يمكنه الخروج بدونها. وإن تطيب في ~~الحرز بطيب، وخرج، ولم يبق عليه من الطيب، ما إذا جمع كان نصابا، فلا قطع ~~عليه؛ لأن ما لا يجتمع قد أتلفه باستعماله، فأشبه ما لو أكل الطعام، وإن ~~كان يبلغ نصابا، فعليه القطع؛ لأنه أخرج نصابا. وذكر فيه وجه آخر، فيما إذا ~~كان ما تطيب به يبلغ نصابا، فعليه القطع وإن نقص ما يجتمع عن النصاب؛ لأنه ~~أخرج نصابا. والأول أولى. # وإن جر خشبة فألقاها بعد أن أخرج بعضها من الحرز، فلا قطع عليه، سواء خرج ~~منها ما يساوي نصابا أو لم يكن؛ لأن بعضها لا ينفرد عن بعض. وكذلك لو أمسك ~~الغاصب طرف عمامته، والطرف الآخر في يد مالكها، لم يضمنها. وكذلك إذا سرق ~~ثوبا أو عمامة فأخرج بعضهما. ### | [فصل نقب الحرز ثم دخل فأخرج ما دون النصاب ثم دخل فأخرج ما يتم به النصاب] # (7273) فصل: وإذا نقب الحرز، ثم دخل فأخرج ما دون النصاب، ثم دخل فأخرج ~~ما يتم به النصاب، نظرت؛ # PageV09P118 # فإن كان في وقتين متباعدين، أو ليلتين، لم يجب القطع؛ لأن كل واحدة منهما ~~سرقة مفردة لا تبلغ نصابا. وكذلك إن كانا في ليلة واحدة وبينهما مدة طويلة. ~~وإن تقاربا، ms4918 وجب قطعه؛ لأنها سرقة واحدة، وإذا بني فعل أحد الشريكين على ~~فعل شريكه، فبناء فعل الواحد بعضه على بعض أولى. # الشرط الخامس والسادس والسابع: كون السارق مكلفا، وثبتت السرقة، ويطالب ~~بها المالك بالمعروف، وتنتفي الشبهات. ويذكر ذلك في مواضعه. ### | [مسألة كان المسروق ثمرا أو كثرا] # (7274) مسألة: قال: (إلا أن يكون المسروق ثمرا أو كثرا، فلا قطع فيه) ~~يعني به الثمر في البستان قبل إدخاله الحرز، فهذا لا قطع فيه عند أكثر ~~الفقهاء. # كذلك الكثر المأخوذ من النخل، وهو جمار النخل. روي معنى هذا القول عن ابن ~~عمر. وبه قال عطاء، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: ~~إن كان من ثمر أو بستان محرز، ففيه القطع. وبه قال ابن المنذر إن لم يصح ~~خبر رافع. قال: ولا أحسبه ثابتا. واحتجا بظاهر الآية، وبقياسه على سائر ~~المحرزات. # ولنا ما روى رافع بن خديج عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ~~قطع في ثمر ولا كثر» . أخرجه أبو داود، وابن ماجه. وعن عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده عن عبد الله بن عمرو، «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه سئل عن الثمر المعلق، فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجة، غير متخذ خبنة، ~~فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه ~~شيئا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع» . وهذا يخص عموم ~~الآية؛ ولأن البستان ليس بحرز لغير الثمر، فلا يكون حرزا له، كما لو لم يكن ~~محوطا، فأما إن كانت نخلة أو شجرة في دار محرزة، فسرق منها نصابا، ففيه ~~القطع؛ لأنه سرق من حرز - والله أعلم -. ### | [فصل سرق من الثمر المعلق] # (7275) فصل: وإن سرق من الثمر المعلق، فعليه غرامة مثليه. وبه قال إسحاق؛ ~~للخبر المذكور. وقال أحمد: لا أعلم # PageV09P119 # سببا يدفعه. وقال أكثر الفقهاء: لا يجب فيه أكثر من مثله. قال ابن عبد ~~البر: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليه. واعتذر بعض أصحاب ms4919 ~~الشافعي عن هذا الخبر، بأنه كان حين كانت العقوبة في الأموال، ثم نسخ ذلك. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حجة لا تجوز مخالفته، إلا ~~بمعارضة مثله أو أقوى منه، وهذا الذي اعتذر به هذا القائل دعوى للفسخ ~~بالاحتمال من غير دليل عليه، وهو فاسد بالإجماع، ثم هو فاسد من وجه آخر؛ ~~لقوله: " ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه ~~القطع ". فقد بين وجوب القطع مع إيجاب غرامة مثليه، وهذا يبطل ما قاله. وقد ~~احتج أحمد بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين انتحر غلمانه ناقة رجل من ~~مزينة، مثلي قيمتها. وروى الأثرم الحديثين في " سننه "، قال أصحابنا: وفي ~~الماشية تسرق من المرعى، من غير أن تكون محرزة، مثلا قيمتها؛ للحديث، وهو ~~ما جاء في سياق حديث عمرو بن شعيب، «أن السائل قال: الشاة الحريسة منهن يا ~~نبي الله؟ قال: ثمنها ومثله معه، والفكاك، وما كان في المراح، ففيه القطع ~~إذا كان ما يأخذه من ذلك ثمن المجن» . وهذا لفظ رواية ابن ماجه. وما عدا ~~هذين لا يغرم بأكثر من قيمته، أو مثله إن كان مثليا. هذا قول أصحابنا ~~وغيرهم، إلا أبا بكر. فإنه ذهب إلى إيجاب غرامة المسروق من غير حرز بمثليه، ~~قياسا على الثمر المعلق وحريسة الجبل، واستدلالا بحديث حاطب. # ولنا أن الأصل وجوب غرامة المثلي بمثله، والمتقوم بقيمته بدليل المتلف ~~والمغصوب، والمنتهب والمختلس، وسائر ما تجب غرامته، خولف في هذين الموضعين ~~للأثر، ففيما عداه يبقى على الأصل. ### | [مسألة ابتداء قطع السارق] # (7276) مسألة: قال: (وابتداء قطع السارق، أن تقطع يده اليمنى من مفصل ~~الكف، ويحسم، فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب، وحسمت) # PageV09P120 # لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه، يده اليمنى، من ~~مفصل الكف، وهو الكوع. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: " فاقطعوا أيمانهما ". ~~وهذا إن كان قراءة وإلا فهو تفسير. وقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر - رضي ~~الله عنهما -، أنهما قالا: ms4920 إذا سرق السارق، فاقطعوا يمينه من الكوع. ولا ~~مخالف لهما في الصحابة؛ ولأن البطش بها أقوى، فكانت البداية بها أردع؛ ~~ولأنها آلة السرقة، فناسب عقوبته بإعدام آلتها. # وإذا سرق ثانيا، قطعت رجله اليسرى. وبذلك قال الجماعة إلا عطاء، حكي عنه ~~أنه تقطع يده اليسرى؛ لقوله سبحانه: {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] . ~~ولأنها آلة السرقة والبطش، فكانت العقوبة بقطعها أولى. وروي ذلك عن ربيعة، ~~وداود. وهذا شذوذ، يخالف قول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الفقه والأثر، من ~~الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وهو قول أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، ~~وقد روى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في السارق ~~«إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله» . ولأنه في المحاربة ~~الموجبة قطع عضوين، إنما تقطع يده ورجله، ولا تقطع يداه، فنقول: جناية ~~أوجبت قطع عضوين، فكانا رجلا ويدا، كالمحاربة؛ ولأن قطع يديه يفوت منفعة ~~الجنس، فلا تبقى له يد يأكل بها، ولا يتوضأ، ولا يستطيب، ولا يدفع عن نفسه، ~~فيصير كالهالك، فكان قطع الرجل الذي لا يشتمل على هذه المفسدة أولى. # وأما الآية: فالمراد بها قطع يد كل واحد منهما؛ بدليل أنه لا تقطع اليدان ~~في المرة الأولى. وفي قراءة عبد الله: (فاقطعوا أيمانهما) . وإنما ذكر بلفظ ~~الجمع، لأن المثنى إذا أضيف إلى المثنى ذكر بلفظ الجمع كقوله تعالى: {فقد ~~صغت قلوبكما} [التحريم: 4] . إذا ثبت هذا، فإنه تقطع رجله اليسرى؛ لقول ~~الله تعالى: {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} [المائدة: 33] . ولأن قطع ~~اليسرى أرفق به؛ لأنه يمكنه المشي على خشبة، ولو قطعت رجله اليمنى لم يمكنه ~~المشي بحال. وتقطع الرجل من مفصل الكعب في قول أكثر أهل العلم، وفعل ذلك ~~عمر - رضي الله عنه -. # وكان علي - رضي الله عنه - يقطع من نصف القدم من معقد الشراك، ويدع له ~~عقبا يمشي عليها. وهو قول أبي ثور. ولنا أنه أحد العضوين المقطوعين في ~~السرقة، فيقطع من المفصل كاليد. وإذا قطع حسم، وهو أن يغلى الزيت، فإذا قطع ~~غمس عضوه في ms4921 الزيت؛ لتنسد أفواه العروق؛ لئلا ينزف الدم فيموت. وقد روي «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بسارق سرق شملة، فقال اقطعوه واحسموه» . ~~وهو حديث # PageV09P121 # فيه مقال. قاله ابن المنذر. وممن استحب ذلك الشافعي، وأبو ثور، وغيرهما ~~من أهل العلم. ويكون الزيت من بيت المال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر به القاطع، وذلك يقتضي أن يكون من بيت المال، فإن لم يحسم، فذكر القاضي ~~أنه لا شيء عليه؛ لأن عليه القطع، لا مداواة المحدود. ويستحب للمقطوع حسم ~~نفسه، فإن لم يفعل لم يأثم؛ لأنه ترك التداوي في المرض. وهذا مذهب الشافعي ### | [فصل يقطع السارق بأسهل ما يمكن] # (7277) فصل ويقطع السارق بأسهل ما يمكن، فيجلس ويضبط لئلا يتحرك فيجني ~~على نفسه، وتشد يده بحبل، وتجر حتى يبين مفصل الكف من مفصل الذراع، ثم يوضع ~~بينهما سكين حاد، ويدق فوقهما بقوة ليقطع في مرة واحدة، أو توضع السكين على ~~المفصل وتمدى مدة واحدة. وإن علم قطع أوحى من هذا، قطع به. ### | [فصل تعليق اليد في عنق السارق] # (7278) فصل: ويسن تعليق اليد في عنقه؛ لما روى فضالة بن عبيد، «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أتي بسارق، فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه» . ~~رواه أبو داود وابن ماجه. وفعل ذلك علي - رضي الله عنه -؛ ولأن فيه ردعا ~~وزجرا. ### | [فصل قطع يد السارق في شدة الحر أو البرد] # (7279) فصل: ولا تقطع في شدة حر ولا برد؛ لأن الزمان ربما أعان على قتله، ~~والغرض الزجر دون القتل. ولا تقطع حامل حال حملها، ولا بعد وضعها حتى ينقضي ~~نفاسها؛ لئلا يفضي إلى تلفها وتلف ولدها. ولا يقطع مريض في مرضه؛ لئلا يأتي ~~على نفسه. ولو سرق فقطعت يده، ثم سرق قبل اندمال يده، لم يقطع ثانيا حتى ~~يندمل القطع الأول. وكذلك لو قطعت رجله قصاصا، لم تقطع اليد في السرقة حتى ~~تبرأ الرجل. فإن قيل: أليس لو وجب عليه قصاص في اليد الأخرى لقطعت قبل ~~الاندمال، والمحارب تقطع يده ورجله دفعة واحدة، ms4922 وقد قلتم في المريض الذي ~~وجب عليه الحد: لا ينتظر برؤه. فلم خالفتم ذلك هاهنا؟ قلنا: القصاص حق ~~آدمي، يخاف فوته، وهو مبني على الضيق لحاجته إليه؛ ولأن القصاص قد يجب في ~~يد، ويجب في يدين وأكثر في حالة واحدة؛ فلهذا جاز أن نوالي بين قصاصين، ~~ونخالف؛ لأن كل معصية لها حد مقدر، لا تجوز الزيادة عليه، فإذا والى بين ~~حدين، صار كالزيادة على الحد، فلم يجز. # وأما قطاع الطريق، فإن قطع اليد والرجل حد واحد، بخلاف ما نحن فيه. وأما ~~تأخير الحد للمريض، ففيه منع، وإن سلمنا، فإن # PageV09P122 # الجلد يمكن تخفيفه، فيأتي به في المرض على وجه يؤمن معه التلف، والقطع لا ~~يمكن تخفيفه. ### | [فصل سرق مرات قبل القطع] # (7280) فصل: وإذا سرق مرات قبل القطع، أجزأ قطع واحد عن جميعها، وتداخلت ~~حدودها؛ لأنه حد من حدود الله تعالى، فإذا اجتمعت أسبابه تداخل، كحد الزنا. ~~وذكر القاضي فيما إذا سرق من جماعة، وجاءوا متفرقين، رواية أخرى، أنها لا ~~تتداخل. ولعله يقيس ذلك على حد القذف، والصحيح أنها تتداخل؛ لأن القطع خالص ~~حق الله تعالى فتتداخل، كحد الزنا والشرب، وفارق حد القذف، فإنه حق لآدمي، ~~ولهذا يتوقف على المطالبة باستيفائه، ويسقط بالعفو عنه. فأما إن سرق فقطع، ~~ثم سرق ثانيا، قطع ثانيا، سواء سرق من الذي سرق منه أولا أو من غيره، وسواء ~~سرق تلك العين التي قطع بها أو غيرها. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: إذا قطع بسرقة عين مرة، لم يقطع بسرقتها مرة ثانية، إلا ~~أن يكون قد قطع بسرقة غزل، ثم سرقه منسوجا، أو قطع بسرقة رطب، ثم سرقه ~~تمرا. واحتج بأن هذا يتعلق استيفاؤه بمطالبة آدمي، فإذا تكرر سببه في العين ~~الواحدة، لم يتكرر، كحد القذف. ولنا أنه حد يجب بفعل في عين، فتكرره في عين ~~واحدة كتكرره في الأعيان، كالزنا، وما ذكره يبطل بالغزل إذا نسج، والرطب ~~إذا أتمر، ولا نسلم حد القذف، فإنه متى قذفه بغير ذلك الزنا حد، وإن قذفه ~~بذلك الزنا عقيب ms4923 حده، لم يحد؛ لأن الغرض إظهار كذبه وقد ظهر، وها هنا الغرض ~~ردعه عن السرقة، ولم يرتدع بالأول، فيردع بالثاني: كالمودع إذا سرق عينا ~~أخرى. ### | [فصل سرق ولا يمنى له] # فصل: ومن سرق ولا يمنى له، قطعت رجله اليسرى، كما يقطع في السرقة ~~الثانية، وإن كانت يمناه شلاء، ففيها روايتان؛ إحداهما: تقطع رجله اليسرى؛ ~~لأن الشلاء لا نفع فيها ولا جمال، فأشبهت كفا لا أصابع عليه. قال إبراهيم ~~الحربي، عن أحمد، فيمن سرق ويمناه جافة: تقطع رجله. والرواية الثانية: أنه ~~يسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: إنها إذا قطعت رقأ دمها، وانحسمت عروقها. ~~قطعت؛ لأنه أمكن قطع يمينه فوجب، كما لو كانت صحيحة. وإن قالوا: لا يرقأ ~~دمها. لم تقطع؛ لأنه يخاف تلفه، وقطعت رجله. وهذا مذهب الشافعي. # وإن كانت أصابع اليمنى كلها ذاهبة ففيها وجهان؛ أحدهما: لا تقطع وتقطع ~~الرجل؛ لأن الكف لا تجب فيه دية اليد، فأشبه الذراع. والثاني: تقطع؛ لأن ~~الراحة بعض ما يقطع في السرقة، فإذا كان موجودا قطع، كما لو ذهب الخنصر أو ~~البنصر. وإن ذهب بعض الأصابع، نظرنا؛ فإن ذهب الخنصر والبنصر، أو ذهبت ~~واحدة سواهما # PageV09P123 # ، قطعت؛ لأن معظم نفعها باق، وإن لم يبق إلا واحدة، فهي كالتي ذهب جميع ~~أصابعها، وإن بقي اثنتان، فهل تلحق بالصحيحة، أو بما قطع جميع أصابعها؟ على ~~وجهين. والأولى قطعها؛ لأن نفعها لم يذهب بالكلية. ### | [فصل سرق وله يمنى] # (7282) فصل: ومن سرق وله يمنى، فقطعت في قصاص، أو ذهبت بأكلة، أو تعدى ~~عليه متعد فقطعها، سقط القطع، ولا شيء على العادي إلا الأدب. وبهذا قال ~~مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال قتادة: يقتص من القاطع، ~~وتقطع رجل السارق. وهذا غير صحيح؛ فإن يد السارق ذهبت، والقاطع قطع عضوا ~~غير معصوم، وإن قطعها قاطع بعد السرقة، وقبل ثبوت السرقة والحكم بالقطع، ثم ~~ثبت ذلك، فكذلك، ولو شهد بالسرقة، فحبسه الحاكم ليعدل الشهود، فقطعه قاطع، ~~ثم عدلوا، فكذلك، وإن لم يعدلوا، وجب القصاص على القاطع. وبهذا قال ~~الشافعي. # وقال أصحاب ms4924 الرأي: لا قصاص عليه؛ لأن صدقهم محتمل، فيكون ذلك شبهة. ولنا ~~أنه قطع طرفا ممن يكافئه عمدا بغير حق، فلزمه القطع، كما لو قطعه قبل إقامة ~~البينة. ### | [فصل سرق فقطع الجذاذ يساره بدلا عن يمينه] # (7283) فصل: وإن سرق فقطع الجذاذ يساره بدلا عن يمينه، أجزأت، ولا شيء ~~على القاطع إلا الأدب. وبهذا قال قتادة، والشعبي، وأصحاب الرأي. وذلك لأن ~~قطع يمنى السارق يفضي إلى تفويت منفعة الجنس، وقطع يديه بسرقة واحدة، فلا ~~يشرع، وإذا انتفى قطع يمينه، حصل قطع يساره مجزئا عن القطع الواجب، فلا يجب ~~على فاعله قصاص. وقال أصحابنا: في وجوب قطع يمين السارق وجهان. وللشافعي ~~فيما إذا لم يعلم القاطع كونها يسارا، أو ظن أن قطعها يجزئ قولان؛ أحدهما: ~~لا تقطع يمين السارق، كي لا تقطع يداه بسرقة واحدة. والثاني: تقطع، كما لو ~~قطعت يسراه قصاصا. فأما القاطع: فاتفق أصحابنا والشافعي على أنه إن قطعها ~~عن غير اختيار من السارق، أو كان السارق أخرجها دهشة أو ظنا منه أنها تجزئ، ~~وقطعها القاطع عالما بأنها يسراه، وأنها لا تجزئ، فعليه القصاص، وإن لم ~~يعلم أنها يسراه، أو ظن أنها مجزئة، فعليه ديتها. # وإن كان السارق أخرجها مختارا عالما بالأمرين، فلا شيء على القاطع؛ لأنه ~~أذن في قطعها، فأشبه غير السارق. والمختار عندنا ما ذكرناه - والله أعلم -. ### | [مسألة عاد السارق بعدما قطعت يداه ورجله] # (7284) مسألة: قال: (فإن عاد، حبس، ولا يقطع غير يد ورجل) # PageV09P124 # يعني إذا عاد فسرق بعد قطع يده ورجله، لم يقطع منه شيء آخر وحبس. وبهذا ~~قال علي - رضي الله عنه - والحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وحماد، ~~والثوري، وأصحاب الرأي. وعن أحمد، أنه تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي ~~الرابعة رجله اليمنى، وفي الخامسة يعزر ويحبس. # وروي عن أبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما -، أنهما قطعا يد أقطع اليد ~~والرجل. وهذا قول قتادة، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. وروي عن ~~عثمان، وعمرو بن العاص، وعمر بن عبد العزيز أنه تقطع يده اليسرى في ~~الثالثة، والرجل اليمنى ms4925 في الرابعة، ويقتل في الخامسة؛ لأن جابرا قال: «جيء ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسارق، فقال: اقتلوه. فقالوا: يا رسول ~~الله، إنما سرق. فقال: اقطعوه. قال: فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: ~~اقتلوه. قالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: اقطعوه فقطع، ثم جيء به ~~الثالثة، فقال: اقتلوه. فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: اقطعوه. قال: ~~ثم أتي به الرابعة، فقال: اقتلوه. قالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: ~~اقطعوه. ثم أتي به الخامسة، قال: اقتلوه. قال: فانطلقنا به، فقتلناه، ثم ~~اجتررناه فألقيناه في بئر» . رواه أبو داود. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه ~~- «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في السارق: وإن سرق فاقطعوا يده، ~~ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله» . ~~ولأن اليسار تقطع قودا، فجاز قطعها في السرقة، كاليمنى؛ ولأنه فعل أبي بكر، ~~وعمر - رضي الله عنهما - # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اقتدوا بالذين من بعدي؛ أبي بكر ~~وعمر» . ولنا ما روى سعيد، حدثنا أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، ~~عن أبيه، قال: حضرت علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه - أتي برجل مقطوع اليد ~~والرجل قد سرق، فقال لأصحابه: ما ترون في هذا؟ . قالوا: اقطعه يا أمير ~~المؤمنين. قال قتلته إذا، وما عليه القتل، بأي شيء يأكل الطعام؟ بأي شيء ~~يتوضأ للصلاة؟ بأي شيء يغتسل من جنابته؟ بأي شيء يقوم على حاجته؟ فرده إلى ~~السجن أياما، ثم أخرجه، فاستشار أصحابه، فقالوا مثل قولهم الأول، وقال لهم ~~مثل ما قال أول مرة، فجلده جلدا شديدا، ثم أرسله. وروي عنه، أنه قال: إني ~~لأستحي من الله أن لا أدع له يدا يبطش بها، ولا رجلا يمشي عليها. ولأن في ~~قطع اليدين تفويت منفعة الجنس، فلم يشرع في حد، كالقتل؛ ولأنه لو جاز قطع ~~اليدين، لقطعت اليسرى في المرة الثانية؛ لأنها آلة البطش كاليمنى، وإنما لم ~~تقطع للمفسدة في قطعها؛ لأن ذلك بمنزلة الإهلاك، ms4926 # PageV09P125 # فإنه لا يمكنه أن يتوضأ، ولا يغتسل، ولا يستنجي، ولا يحترز من نجاسة، ولا ~~يزيلها عنه، ولا يدفع عن نفسه، ولا يأكل، ولا يبطش، وهذه المفسدة حاصلة ~~بقطعها في المرة الثالثة، فوجب أن يمنع قطعها، كما منعه في المرة الثانية. # وأما حديث جابر، ففي حق شخص استحق القتل، بدليل أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر به في أول مرة، وفي كل مرة، وفعل ذلك في الخامسة. ورواه ~~النسائي، وقال: حديث منكر. # وأما الحديث الآخر، وفعل أبي بكر وعمر: فقد عارضه قول علي. وقد روي عن ~~عمر أنه رجع إلى قول علي. # فروى سعيد، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عابد، ~~قال: أتي عمر برجل أقطع اليد والرجل قد سرق، فأمر به عمر أن تقطع رجله، ~~فقال علي: إنما قال الله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا} [المائدة: 33] الآية. وقد قطعت يد هذا ورجله، فلا ~~ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها، إما أن تعزره، وإما أن ~~تستودعه السجن. فاستودعه السجن. ### | [فصل سرق من يده اليسرى مقطوعة أو شلاء أو مقطوعة الأصابع أو كانت يداه صحيحتين] # (7285) فصل: وإن سرق من يده اليسرى مقطوعة، أو شلاء، أو مقطوعة الأصابع، ~~أو كانت يداه صحيحتين فقطعت اليسرى، أو شلت قبل قطع يمناه، لم تقطع يمناه، ~~على الرواية الأولى، وتقطع على الثانية. وإن قطع يسراه قاطع متعمدا، فعليه ~~القصاص؛ لأنه قطع طرفا معصوما. وإن قطعه غير متعمد، فعليه ديته. ولا تقطع ~~يمين السارق. وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. وفي قطع رجل السارق وجهان؛ ~~أصحهما: لا يجب؛ لأنه لم يجب بالسرقة، وسقوط القطع عن يمينه لا يقتضي قطع ~~رجله، كما لو كان المقطوع يمينه. والثاني: تقطع رجله؛ لأنه تعذر قطع يمينه، ~~فقطعت رجله، كما لو كانت اليسرى مقطوعة حال السرقة. وإن كانت يمناه صحيحة، ~~ويسراه ناقصة نقصا يذهب بمعظم نفعها، مثل أن يذهب منها الإبهام أو الوسطى ~~أو السبابة، احتمل أن ms4927 يكون كقطعها، وينتقل إلى رجله. وهذا قول أصحاب الرأي. # واحتمل أن تقطع يمناه؛ لأن له يدا ينتفع بها، أشبه ما لو قطعت خنصرها. ~~وإن كانت يداه صحيحتين، ورجله اليمنى شلاء أو مقطوعة، فلا أعلم فيها قولا ~~لأصحابنا، ويحتمل وجهين؛ أحدهما: تقطع يمينه. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه سارق ~~له يمنى، فقطعت عملا بالكتاب والسنة؛ ولأنه سارق له يدان، فتقطع يمناه. كما ~~لو كانت المقطوعة رجله اليسرى. والثاني: لا يقطع منه شيء. وهو قول أصحاب ~~الرأي؛ لأن قطع يمناه يذهب بمنفعة المشي من الرجلين. # PageV09P126 # فأما إن كانت رجله اليسرى شلاء، ويداه صحيحتان، قطعت يده اليمنى؛ لأنه لا ~~يخشى تعدي ضرر القطع إلى غير المقطوع، وعلى قياس هذه المسألة: لو سرق ويده ~~اليسرى مقطوعة، أو شلاء لم يقطع منه شيء؛ لذلك. وأنكر هذا ابن المنذر. وقال ~~أصحاب الرأي: بقولهم هذا خالفوا كتاب الله بغير حجة. ### | [مسألة الحر والحرة والعبد والأمة في القطع سواء] # (7286) مسألة: قال: (والحر والحرة، والعبد، والأمة، في ذلك سواء) . أما ~~الحر والحرة: فلا خلاف فيهما. وقد نص الله تعالى على الذكر والأنثى بقوله ~~تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] . ولأنهما استويا ~~في سائر الحدود، فكذلك في هذا، وقد قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - سارق ~~رداء صفوان، وقطع المخزومية التي سرقت القطيفة. # فأما العبد والأمة: فإن جمهور الفقهاء وأهل الفتوى على أنهما يجب قطعهما ~~بالسرقة، إلا ما حكي عن ابن عباس، أنه قال: لا قطع عليهما؛ لأنه حد لا يمكن ~~تنصيفه، فلم يجب في حقهما كالرجم؛ ولأنه حد فلا يساوي العبد فيه الحر كسائر ~~الحدود. ولنا عموم الآية. وروى الأثرم، أن رقيقا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ~~ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها، فأمر كثير بن الصلت أن تقطع أيديهم، ثم قال ~~عمر: والله إني لأراك تجيعهم، ولكن لأغرمنك غرما يشق عليك. ثم قال للمزني: ~~كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم. قال عمر: أعطه ثمانمائة درهم. # وروى القاسم بن محمد عن أبيه أن عبدا أقر بالسرقة عند علي، فقطعه. وفي ~~رواية ms4928 قال: كان عبدا. يعني الذي قطعه علي. رواه الإمام أحمد، بإسناده. وهذه ~~قصص تنتشر ولم تنكر، فتكون إجماعا. وقولهم: لا يمكن تنصيفه. قلنا: ولا يمكن ~~تعطيله، فيجب تكميله، وقياسهم نقلبه عليهم، فنقول: حد فلا يتعطل في حق ~~العبد والأمة، كسائر الحدود، وفارق الرجم، فإن حد الزاني لا يتعطل بتعطيله، ~~بخلاف القطع، فإن حد السرقة يتعطل بتعطيله. ### | [فصل قطع الآبق بسرقته] # (7287) فصل ويقطع الآبق بسرقته، وغيره. روي ذلك عن ابن عمر، وعمر بن عبد ~~العزيز وبه قال مالك، والشافعي. وقال مروان، وسعيد بن العاص، وأبو حنيفة: ~~لا يقطع؛ لأن قطعه قضاء على سيده، ولا يقضى على الغائب. ولنا عموم الكتاب ~~والسنة، وأنه مكلف سرق نصابا من حرز مثله، فيقطع، كغير الآبق. # PageV09P127 # وقولهم: إنه قضاء على سيده. لا يسلم، فإنه لا يعتبر فيه إقرار السيد، ولا ~~يضر إنكاره. وإنما يعتبر ذلك من العبد، ثم القضاء على الغائب بالبينة جائز، ~~على ما عرف في موضعه. ### | [فصل أقر العبد بسرقة مال في يده فأنكر ذلك سيده] # (7288) فصل: وإن أقر العبد بسرقة مال في يده، فأنكر ذلك سيده، وقال: هذا ~~مالي. فالمال لسيده، ويقطع العبد. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا ~~قطع عليه؛ لأنه لم تثبت سرقته للمال، فلم يجب قطعه، كما لو أنكره المسروق ~~منه؛ ولأنه إذا لم يقبل إقراره في المال، ففي الحد الذي يندرئ بالشبهات ~~أولى. ولنا أنه أقر بالسرقة، وصدقه المسروق منه، فقطع، كالحر. ويحتمل أن لا ~~يجب القطع؛ لأن الحد يدرأ بالشبهات، وكون المال محكوما به لسيده شبهة. ### | [فصل يقطع المسلم بسرقة مال المسلم والذمي ويقطع الذمي بسرقة مالهما] # (7289) فصل: ويقطع المسلم بسرقة مال المسلم والذمي، ويقطع الذمي بسرقة ~~مالهما. وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا. فأما الحربي ~~إذا دخل إلينا مستأمنا، فسرق، فإنه يقطع أيضا. وقال ابن حامد: لا يقطع، وهو ~~قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه حد لله تعالى، فلا يقام عليه، كحد الزنا. وقد نص ~~أحمد على أنه لا يقام عليه حد الزنا. وللشافعي ms4929 قولان، كالمذهبين. # ولنا أنه حد يطالب به فوجب عليه، كحد القذف، يحققه أن القطع يجب صيانة ~~للأموال، وحد القذف يجب صيانة للأعراض، فإذا وجب في حقه أحدهما وجب الآخر، ~~فأما حد الزنا: فلم يجب؛ لأنه يجب به قتله لنقضه العهد، ولا يجب مع القتل ~~حد سواه. إذا ثبت هذا، فإن المسلم يقطع بسرقة ماله. وعند أبي حنيفة: لا ~~يجب. ولنا أنه سرق مالا معصوما من حرز مثله، فوجب قطعه، كسارق مال الذمي. ~~ويقطع المرتد إذا سرق؛ لأن أحكام الإسلام جارية عليه. ### | [مسألة وهبت للسارق السرقة بعد إخراجها] # (7290) مسألة: قال: (ويقطع السارق وإن وهبت له السرقة بعد إخراجها) ~~وجملته أن السارق إذا ملك العين المسروقة بهبة أو بيع أو غيرهما من أسباب ~~الملك، لم يخل من أن يملكها قبل رفعه إلى الحاكم، والمطالبة بها عنده، أو ~~بعد ذلك، فإن ملكها قبله، لم يجب القطع؛ لأن من شرطه المطالبة بالمسروق ~~وبعد ملكه له لا تصح المطالبة، وإن ملكها بعده، لم يسقط القطع. وبهذا قال ~~مالك، والشافعي، وإسحاق. # وقال أصحاب الرأي: يسقط؛ لأنها صارت ملكه، فلا يقطع في عين هي ملكه، كما ~~لو ملكها قبل المطالبة بها؛ ولأن المطالبة شرط، والشروط يعتبر دوامها، ولم ~~يبق لهذه العين مطالب. ولنا ما روى الزهري، عن «ابن صفوان، عن أبيه، أنه ~~نام في المسجد، وتوسد رداءه، فأخذ من تحت # PageV09P128 # رأسه، فجاء بسارقه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر به النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يقطع، فقال صفوان: يا رسول الله لم أرد هذا، ردائي ~~عليه صدقة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فهلا قبل أن تأتيني به» ~~. رواه ابن ماجه، والجوزجاني. وفي لفظ قال: «فأتيته، فقلت: أتقطعه من أجل ~~ثلاثين درهما؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها. قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به» . ~~رواه الأثرم، وأبو داود. فهذا يدل على أنه لو وجد قبل رفعه إليه، لدرأ ~~القطع، وبعده لا يسقطه. وقولهم: إن المطالبة شرط. قلنا: هي شرط الحكم لا ~~شرط القطع، بدليل أنه ms4930 لو استرد العين لم يسقط القطع، وقد زالت المطالبة. ### | [فصل أقر المسروق منه أن المسروق كان ملكا للسارق أو قامت به بينة] # (7291) فصل: وإن أقر المسروق منه أن المسروق كان ملكا للسارق، أو قامت به ~~بينة، أو أن له فيه شبهة، أو أن المالك أذن له في أخذها، أو أنه سبلها، لم ~~يقطع؛ لأننا تبينا أنه لم يجب، بخلاف ما لو وهبه إياها، فإن ذلك لا يمنع ~~كون الحد واجبا. وإن أقر له بالعين، سقط القطع أيضا؛ لأن إقراره يدل على ~~تقدم ملكه لها، فيحتمل أن تكون له حال أخذها. والمنصوص عن أحمد، أن القطع ~~لا يسقط؛ لأنه ملك تجدد سببه بعد وجوب القطع، أشبه الهبة؛ ولأن ذلك حيلة ~~على إسقاط القطع بعد وجوبه، فلم يسقط بها، كالهبة. ### | [مسألة أخرج السرقة وقيمتها ثلاثة دراهم فلم يقطع حتى نقصت قيمتها] # (7292) مسألة: قال: (ولو أخرجها وقيمتها ثلاثة دراهم، فلم يقطع حتى نقصت ~~قيمتها، قطع) . وبهذا قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يسقط القطع؛ لأن ~~النصاب شرط، فتعتبر استدامته. ولنا قول الله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] . ولأنه نقص حدث في العين، فلم يمنع القطع، ~~كما لو حدث باستعماله، والنصاب شرط لوجوب القطع، فلا تعتبر استدامته ~~كالحرز. وما ذكره يبطل بالحرز، فإنه لو زال الحرز أو ملكه، لم يسقط عنه ~~القطع. # وسواء نقصت قيمتها قبل الحكم أو بعده؛ لأن سبب الوجوب السرقة، فيعتبر ~~النصاب حينئذ. فأما إن نقص النصاب قبل الإخراج، لم يجب القطع؛ لعدم الشرط ~~قبل تمام السبب، وسواء نقصت بفعله، أو بغير فعله. وإن وجدت ناقصة، ولم يدر ~~هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها؟ لم يجب القطع؛ لأن الوجوب لا ~~يثبت مع الشك في شرطه، ولأن الأصل عدمه. ### | [مسألة رد السرقة إلى مالكها بعد قطع يد السارق] # (7293) مسألة: قال: (وإذا قطع، فإن كانت السرقة باقية، ردت إلى مالكها، ~~وإن كانت تالفة، فعليه قيمتها، موسرا كان أو معسرا) # PageV09P129 # لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على ms4931 مالكها إذا كانت ~~باقية، فأما إن كانت تالفة، فعلى السارق رد قيمتها، أو مثلها إن كانت ~~مثلية، قطع أو لم يقطع موسرا كان أو معسرا. وهذا قول الحسن، والنخعي، ~~وحماد، والبتي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. وقال الثوري، وأبو ~~حنيفة: لا يجتمع الغرم والقطع، إن غرمها قبل القطع سقط القطع، وإن قطع قبل ~~الغرم سقط الغرم. وقال عطاء، وابن سيرين، والشعبي، ومكحول: لا غرم على ~~السارق إذا قطع. # ووافقهم مالك في المعسر، ووافقنا في الموسر. قال أبو حنيفة في رجل سرق ~~مرات، ثم قطع: يغرم الكل، إلا الأخيرة. وقال أبو يوسف لا يغرم شيئا؛ لأنه ~~قطع بالكل، فلا يغرم شيئا منه، كالسرقة الأخيرة، واحتج بما روي عن عبد ~~الرحمن بن عوف، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أقيم ~~الحد على السارق، فلا غرم عليه» ولأن التضمين يقتضي التمليك، والملك يمنع ~~القطع، فلا يجمع بينهما. # ولنا أنها عين يجب ضمانها بالرد لو كانت باقية، فيجب ضمانها إذا كانت ~~تالفة، كما لو لم يقطع؛ ولأن القطع والغرم حقان يجبان لمستحقين، فجاز ~~اجتماعهما، كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك. وحديثهم يرويه سعد بن ~~إبراهيم، عن منصور، وسعد بن إبراهيم مجهول. قاله ابن المنذر. وقال ابن عبد ~~البر: الحديث ليس بالقوي. ويحتمل أنه أراد، ليس عليه أجرة القاطع. وما ~~ذكروه فهو بناء على أصولهم، ولا نسلمها لهم. ### | [فصل فعل السارق في العين المسروقة فعلا نقصها به] # (7294) (فصل) : وإذا فعل في العين فعلا نقصها به، كقطع الثوب ونحوه، وجب ~~رده ورد نقصه، ووجب القطع وقال أبو حنيفة: إن كان نقصا لا يقطع حق المغصوب ~~منه إذا فعله الغاصب، رد العين ولا ضمان عليه، وإن كان يقطع حق المالك، ~~كقطع الثوب وخياطته، فلا ضمان عليه، ويسقط حق المسروق منه من العين، وإن ~~كان زيادة في العين، كصبغه أحمر أو أصفر، فلا ترد العين، ولا يحل له التصرف ~~فيها. وقال أبو يوسف، ومحمد: ترد العين. وبنى هذا على أصله في أن الغرم ~~يسقط ms4932 عنه القطع. وأما إذا صبغه، فقال: لا يرده؛ لأنه لو رده لكان شريكا فيه ~~بصبغه، ولا يجوز أن يقطع فيما هو شريك فيه. وهذا ليس بصحيح؛ لأن صبغه كان ~~قبل القطع، فلو كان شريكا بالصبغ لسقط القطع، وإن كان يصير شريكا بالرد، ~~فالشركة الطارئة بعد القطع لا تؤثر، كما لو اشترى نصفه من مالكه بعد القطع. # وقد سلم أبو حنيفة، أنه لو سرق فضة، فضربها دراهم، قطع، ولزمه ردها. وقال ~~صاحباه: لا يقطع # PageV09P130 # ويسقط حق صاحبها منها بضربها. وهذا شيء بنياه على أصولهما في أن تغيير ~~اسمها يزيل ملك صاحبها، وأن ملك السارق لها يسقط القطع عنه، وهو غير مسلم ~~لهما. ### | [مسألة أخرج النباش من القبر كفنا قيمته ثلاثة دراهم قطع] # (7295) مسألة؛ قال: (وإذا أخرج النباش من القبر كفنا قيمته ثلاثة دراهم ~~قطع) روي عن ابن الزبير أنه قطع نباشا. وبه قال الحسن، وعمر بن عبد العزيز، ~~وقتادة، والشعبي، والنخعي، وحماد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن ~~المنذر. وقال أبو حنيفة، والثوري: لا قطع عليه؛ لأن القبر ليس بحرز؛ لأن ~~الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ، والكفن لا يوضع في القبر لذلك؛ ولأنه ليس ~~بحرز لغيره، فلا يكون حرزا له، ولأن الكفن لا مالك له؛ لأنه لا يخلو إما أن ~~يكون ملكا للميت أو لوارثه، وليس ملكا لواحد منهما؛ لأن الميت لا يملك ~~شيئا، ولم يبق أهلا للملك، والوارث إنما ملك ما فضل عن حاجة الميت؛ ولأنه ~~لا يجب القطع إلا بمطالبة المالك أو نائبه، ولم يوجد ذلك. # ولنا قول الله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ~~. وهذا سارق، فإن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سارق أمواتنا كسارق ~~أحيائنا. وما ذكروه لا يصح، فإن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غيره، ~~ويكتفى به في حرزه، ألا ترى أنه لا يترك الميت في غير القبر من غير أن يحفظ ~~كفنه، ويترك في القبر وينصرف عنه. وقولهم: إنه لا مالك له. ممنوع، بل هو ~~مملوك للميت؛ لأنه كان مالكا له في ms4933 حياته، ولا يزول ملكه إلا عما لا حاجة ~~به إليه، ووليه يقوم مقامه في المطالبة، كقيام ولي الصبي في الطلب بماله. ~~إذا ثبت هذا، فلا بد من إخراج الكفن من القبر؛ لأنه الحرز، فإن أخرجه من ~~اللحد ووضعه في القبر فلا قطع فيه؛ لأنه لم يخرجه من الحرز، فأشبه ما لو ~~نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب «فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سمى القبر بيتا» . ### | [فصل الكفن الذي يقطع بسرقته] # (7296) فصل: والكفن الذي يقطع بسرقته ما كان مشروعا، فإن كفن الرجل في ~~أكثر من ثلاث لفائف، أو المرأة في أكثر من خمس، فسرق الزائد عن ذلك، أو ~~تركه في تابوت، فسرق التابوت، أو ترك معه طيبا مجموعا، # PageV09P131 # أو ذهبا، أو فضة، أو جواهر، لم يقطع بأخذ شيء من ذلك؛ لأنه ليس بكفن ~~مشروع، فتركه فيه سفه وتضييع، فلا يكون محرزا، ولا يقطع سارقه. ### | [فصل هل يفتقر في قطع النباش إلى المطالبة] # (7297) (فصل) : وهل يفتقر في قطع النباش إلى المطالبة؟ يحتمل وجهين؛ ~~أحدهما: يفتقر إلى المطالبة كسائر المسروقات. فعلى هذا المطالب الورثة؛ ~~لأنهم يقومون مقام الميت في حقوقه. وهذا من حقوقه. والثاني: لا يفتقر إلى ~~طلب؛ لأن الطلب في السرقة من الأحياء شرع لئلا يكون المسروق مملوكا للسارق ~~وقد يئس من ذلك هاهنا. ### | [مسألة القطع في سرقة المحرم أو آلة اللهو] # (7298) مسألة: قال (ولا يقطع في محرم، ولا في آلة لهو) . يعني لا يقطع في ~~سرقة محرم؛ كالخمر، والخنزير، والميتة، ونحوها، سواء سرقه من مسلم أو ذمي. ~~وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وحكي عن عطاء أن سارق خمر ~~الذمي يقطع، وإن كان مسلما؛ لأنه مال لهم، أشبه ما لو سرق دراهمهم. # ولنا أنها عين محرمة، فلا يقطع بسرقتها، كالخنزير؛ ولأن ما لا يقطع ~~بسرقته من مال المسلم، لا يقطع بسرقته من مال الذمي، كالميتة والدم. وما ~~ذكروه ينتقض بالخنزير، ولا اعتبار به، فإن الاعتبار بحكم الإسلام، وهو يجري ~~عليهم دون أحكامهم. وهكذا الخلاف معه في الصليب ms4934 إذا بلغت قيمته مع تأليفه ~~نصابا. وأما آلة اللهو كالطنبور، والمزمار، والشبابة، فلا قطع فيه، وإن ~~بلغت قيمته مفصلا نصابا. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال أصحاب الشافعي: إن كانت ~~قيمته بعد زوال تأليفه نصابا، ففيه القطع، وإلا فلا؛ لأنه سرق ما قيمته ~~نصاب، لا شبهة له فيه، من حرز مثله، وهو من أهل القطع، فوجب قطعه، كما لو ~~كان ذهبا مكسورا. # ولنا أنه آلة للمعصية بالإجماع، فلم يقطع بسرقته، كالخمر؛ ولأن له حقا في ~~أخذها لكسرها، فكان ذلك شبهة مانعة من القطع، كاستحقاقه مال ولده. فإن كانت ~~عليه حلية تبلغ نصابا، فلا قطع فيه أيضا، في قياس قول أبي بكر؛ لأنه متصل ~~بما لا قطع فيه، فأشبه الخشب والأوتار. وقال القاضي: فيه القطع. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأنه سرق نصابا من حرزه، فأشبه المنفرد. # PageV09P132 ### | [فصل سرق صليبا من ذهب أو فضة] # (7299) فصل: وإن سرق صليبا من ذهب أو فضة، يبلغ نصابا متصلا، فقال ~~القاضي: لا قطع فيه. وهو قول أبي حنيفة. وقال أبو الخطاب: يقطع سارقه. وهو ~~مذهب الشافعي. ووجه المذهبين ما تقدم. والفرق بين هذه المسألة وبين التي ~~قبلها، أن التي قبلها له كسره بحيث لا تبقى له قيمة تبلغ نصابا، وها هنا لو ~~كسر الذهب والفضة بكل وجه لم تنقص قيمته عن النصاب؛ ولأن الذهب والفضة ~~جوهرهما غالب على الصنعة المحرمة، فكانت الصناعة فيهما مغمورة بالنسبة إلى ~~قيمة جوهرهما، وغيرهما بخلافهما، فتكون الصناعة غالبة عليه، فيكون تابعا ~~للصناعة المحرمة، فأشبه الإناء. # ولو سرق إناء من ذهب أو فضة، قيمته نصاب إذا كان متكسرا، فعليه القطع؛ ~~لأنه غير مجمع على تحريمه، وقيمته بدون الصناعة المختلف فيها نصاب. وإن سرق ~~إناء معدا لحمل الخمر، ووضعه فيه، ففيه القطع؛ لأن الإناء لا تحريم فيه، ~~وإنما يحرم عليه بنيته وقصده، فأشبه ما لو سرق سكينا معدة لذبح الخنازير، ~~أو سيفا يعده لقطع الطريق. وإن سرق إناء فيه خمر يبلغ نصابا، فقال أبو ~~الخطاب: يقطع. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه سرق نصابا من حرز مثله، ms4935 لا شبهة له ~~فيه. # وقال غيره من أصحابنا: لا يقطع؛ لأنه تبع لما لا قطع فيه، فأشبه ما لو ~~سرق مشتركا بينه وبين غيره. قال أبو إسحاق بن شاقلا: ولو سرق إداوة أو إناء ~~فيه ماء، فلا قطع فيه كذلك. ولو سرق منديلا في طرفه دينار مشدود، فعلم به، ~~فعليه القطع، وإن لم يعلم به، فلا قطع فيه؛ لأنه لم يقصد سرقته، فأشبه ما ~~لو تعلق بثوبه. وقال الشافعي: يقطع؛ لأنه سرق نصابا، فأشبه ما لو سرق ما لم ~~يعلم أن قيمته نصاب، والفرق بينهما أنه علم بالمسروق هاهنا، وقصد سرقته، ~~بخلاف الدينار، فإنه لم يرده، ولم يقصد أخذه، فلا يؤاخذ به بإيجاب الحد ~~عليه. ### | [مسألة قال هل يقطع الوالد فيما أخذ من مال ولده] # (7300) مسألة: قال: (ولا يقطع الوالد فيما أخذ من مال ولده؛ لأنه أخذ ما ~~له أخذه، ولا الوالدة فيما أخذت من مال ولدها، ولا العبد فيما سرق من مال ~~سيده) وجملته أن الوالد لا يقطع بالسرقة من مال ولده، وإن سفل وسواء في ذلك ~~الأب والأم والابن والبنت، والجد والجدة من قبل الأب والأم، وهذا قول عامة ~~أهل العلم؛ منهم مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور، ~~وابن المنذر: القطع على كل سارق، بظاهر الكتاب، إلا أن يجمعوا على شيء ~~فيستثنى. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» . وقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: # PageV09P133 # «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» . وفي لفظ: " فكلوا من ~~كسب أولادكم ". ولا يجوز قطع الإنسان بأخذ ما أمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بأخذه، ولا أخذ ما جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مالا له مضافا ~~إليه؛ ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، وأعظم الشبهات أخذ الرجل من مال جعله ~~الشرع له، وأمره بأخذه وأكله # وأما العبد إذا سرق من مال سيده، فلا قطع عليه، في قولهم، جميعا، ووافقهم ~~أبو ثور فيه. وحكي عن داود أنه يقطع؛ لعموم الآية. ولنا ما روى السائب بن ms4936 ~~يزيد قال: شهدت عمر بن الخطاب، وقد جاءه عبد الله بن عمرو بن الحضرمي بغلام ~~له، فقال: إن غلامي هذا سرق، فاقطع يده. فقال عمر: ما سرق؟ قال: سرق مرآة ~~امرأتي، ثمنها ستون درهما. فقال: أرسله، لا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم. ~~ولكنه لو سرق من غيره قطع. وفي لفظ قال: مالكم سرق بعضه بعضا، لا قطع عليه. ~~رواه سعيد. وعن ابن مسعود، أن رجلا جاءه، فقال: عبد لي سرق قباء لعبد لي ~~آخر. فقال: لا قطع، مالك سرق مالك. وهذه قضايا تشتهر، ولم يخالفها أحد، ~~فتكون إجماعا، وهذا يخص عموم الآية؛ ولأن هذا إجماع من أهل العلم؛ لأنه قول ~~من سمينا من الأئمة، ولم يخالفهم في عصرهم أحد، فلا يجوز خلافه بقول من ~~بعدهم، كما لا يجوز ترك إجماع الصحابة بقول واحد من التابعين (7301) فصل: ~~والمدبر، وأم الولد، والمكاتب، كالقن في هذا. وبه قال الثوري، وإسحاق، وأبو ~~ثور، وأصحاب الرأي. # ولا يقطع سيد المكاتب بسرقة ماله؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم. وكل من لا ~~يقطع الإنسان بسرقة ماله، لا يقطع عبده بسرقة ماله، كآبائه، وأولاده، ~~وغيرهم. وهذا قول أصحاب الرأي، والشافعي، كل على أصله. وقال أبو ثور: يقطع ~~بسرقة مال من عدا سيده. ونحوه قول مالك، وابن المنذر. ولنا حديث عمر - رضي ~~الله عنه -؛ ولأن مالهم ينزل منزلة ماله في قطعه، فكذلك في قطع عبده. ### | [فصل هل يقطع الابن وإن سفل بسرقة مال والده وإن علا] # (7302) فصل: ولا يقطع الابن وإن سفل، بسرقة مال والده وإن علا. وبه قال ~~الحسن، والشافعي، وإسحاق، والثوري، وأصحاب الرأي. وظاهر قول الخرقي أنه ~~يقطع؛ لأنه لم يذكره فيمن لا قطع عليه. وهو قول # PageV09P134 # مالك، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لظاهر الكتاب؛ ولأنه يحد بالزنا بجاريته، ~~ويقاد بقتله، فيقطع بسرقة ماله، كالأجنبي. ووجه الأول: أن بينهما قرابة ~~تمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه، فلم يقطع بسرقة ماله كالأب؛ ولأن النفقة ~~تجب في مال الأب لابنه حفظا له، فلا يجوز إتلافه حفظا للمال، وأما الزنا ~~بجاريته، ms4937 فيجب به الحد؛ لأنه لا شبهة له فيها، بخلاف المال. ### | [فصل هل يقطع بالسرقة من ذي رحم] # فصل: فأما سائر الأقارب، كالإخوة والأخوات، ومن عداهم، فيقطع بسرقة ~~مالهم، ويقطعون بسرقة ماله. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يقطع ~~بالسرقة من ذي رحم؛ لأنها قرابة تمنع النكاح، وتبيح النظر، وتوجب النفقة، ~~أشبه قرابة الولادة. ولنا أنها قرابة لا تمنع الشهادة، فلا تمنع القطع ~~كقرابة غيره، وفارق قرابة الولادة بهذا. ### | [فصل سرق أحد الزوجين من مال الآخر] # (7304) فصل: وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر، فإن كان مما ليس محرزا ~~عنه، فلا قطع فيه، وإن سرق مما أحرزه عنه ففيه روايتان؛ إحداهما: لا قطع ~~عليه. وهي اختيار أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة؛ لقول عمر - رضي الله عنه - ~~لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي، حين قال له: إن غلامي سرق مرآة امرأتي: ~~أرسله، لا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم. وإذا لم يقطع عبده بسرقة مالها، ~~فهو أولى؛ ولأن كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب، ولا تقبل شهادته له، ~~ويتبسط في مال الآخر عادة، فأشبه الوالد والولد. # والثانية: يقطع. وهو مذهب مالك، وأبي ثور، وابن المنذر. وهو ظاهر كلام ~~الخرقي؛ لعموم الآية؛ ولأنه سرق مالا محرزا عنه، لا شبهة له فيه، أشبه ~~الأجنبي. وللشافعي كالروايتين. وقول ثالث: أن الزوج يقطع بسرقة مال الزوجة؛ ~~لأنه لا حق له فيه، ولا تقطع بسرقة ماله؛ لأن لها النفقة فيه. ### | [فصل سرق مسلم من بيت المال] # (7305) فصل: ولا قطع على من سرق من بيت المال إذا كان مسلما، ويروى ذلك ~~عن عمر، وعلي - رضي الله عنهما -. وبه قال الشعبي، والنخعي، والحكم، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال حماد، ومالك، وابن المنذر: يقطع؛ لظاهر ~~الكتاب. # PageV09P135 # ولنا ما روى ابن ماجه، بإسناده عن ابن عباس، «أن عبدا من رقيق الخمس، سرق ~~من الخمس، فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقطعه، وقال: مال ~~الله سرق بعضه بعضا.» ويروى ذلك عن عمر - رضي الله عنه -. وسأل ابن مسعود ~~عمر ms4938 عمن سرق من بيت المال، فقال: أرسله، فما من أحد إلا وله في هذا المال ~~حق. # وقال سعيد: حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن الشعبي، عن علي - رضي الله عنه ~~- أنه كان يقول: ليس على من سرق من بيت المال قطع. ولأن له في المال حقا، ~~فيكون شبهة تمنع وجوب القطع، كما لو سرق من مال له فيه شركة. ومن سرق من ~~الغنيمة ممن له فيها حق، أو لولده، أو لسيده، أو لمن لا يقطع بسرقة ماله، ~~لم يقطع لذلك. وإن لم يكن من الغانمين، ولا أحدا من هؤلاء الذين ذكرنا، ~~فسرق منها قبل إخراج الخمس، لم يقطع؛ لأن له في الخمس حقا. وإن أخرج الخمس، ~~فسرق من الأربعة الأخماس، قطع، وإن سرق من الخمس، لم يقطع. وإن قسم الخمس ~~خمسة أقسام، فسرق من خمس الله تعالى ورسوله، لم يقطع، وإن سرق من غيره، ~~قطع، إلا أن يكون من أهل ذلك الخمس. ### | [فصل سرق من الوقف أو من غلته وكان من الموقوف عليهم] # (7306) فصل: وإن سرق من الوقف، أو من غلته، وكان من الموقوف عليهم، مثل ~~أن يكون مسكينا سرق من وقف المساكين، أو من قوم معينين عليهم وقف، فلا قطع ~~عليه؛ لأنه شريك. وإن كان من غيرهم، قطع؛ لأنه لا حق له فيه. فإن قيل: فقد ~~قلتم: لا يقطع بالسرقة من بيت المال. من غير تفريق بين غني وفقير، فلم ~~فرقتم هاهنا؟ قلنا: لأن للغني في بيت المال حقا، ولهذا قال عمر، - رضي الله ~~عنه -: ما من أحد إلا وله في هذا المال حق. بخلاف وقف المساكين، فإنه لا حق ~~للغني فيه. ### | [فصل القطع في المجاعة] # (7307) فصل: قال أحمد: لا قطع في المجاعة. يعني أن المحتاج إذا سرق ما ~~يأكله، فلا قطع عليه؛ لأنه كالمضطر. وروى الجوزجاني، عن عمر، أنه قال: لا ~~قطع في عام سنة. وقال: سألت أحمد عنه، فقلت: تقول به؟ قال: إي لعمري، لا ~~أقطعه إذا حملته الحاجة، والناس في شدة ومجاعة. وعن الأوزاعي مثل ذلك. وهذا ms4939 ~~محمول على من لا يجد ما يشتريه، أو لا يجد ما يشتري به، فإن له شبهة في أخذ ~~ما يأكله، أو ما يشتري به ما يأكله. وقد روي عن عمر، - رضي الله عنه - أن ~~غلمان حاطب بن أبي بلتعة انتحروا ناقة للمزني، فأمر عمر بقطعهم، ثم قال ~~لحاطب: إني أراك تجيعهم. فدرأ عنهم القطع لما ظنه يجيعهم. فأما الواجد لما ~~يأكله، أو الواجد لما يشتري به وما يشتريه، فعليه القطع، وإن كان بالثمن ~~الغالي. ذكره القاضي، وهو مذهب الشافعي. # PageV09P136 # ولا قطع على المرأة إذا منعها الزوج قدر كفايتها، أو كفاية ولدها، فأخذت ~~من ماله، سواء أخذت قدر ذلك أو أكثر منه؛ لأنها تستحق قدر ذلك، فالزائد ~~يكون مشتركا بما يستحق أخذه، ولا على الضيف إذا منع قراه، فأخذ أيضا من مال ~~المضيف؛ لذلك. ### | [مسألة بما يجب القطع] # (7308) مسألة؛ قال: (ولا يقطع إلا بشهادة عدلين، أو اعتراف مرتين) وجملة ~~ذلك أن القطع إنما يجب بأحد أمرين؛ بينة، أو إقرار، لا غير، فأما البينة، ~~فيشترط فيها أن يكونا رجلين مسلمين حرين عدلين، سواء كان السارق مسلما أو ~~ذميا، وقد ذكرنا ذلك في الشهادة في الزنا بما أغنى عن إعادته هاهنا، ويشترط ~~أن يصفا السرقة والحرز، وجنس النصاب، وقدره، ليزول الاختلاف فيه، فيقولان: ~~نشهد أن هذا سرق كذا، قيمته كذا، من حرز. ويصفان الحرز. وإن كان المسروق ~~منه غائبا، فحضر وكيله، وطالب بالسرقة، احتاج الشاهدان أن يرفعا في نسبه، ~~فيقولان: من حرز فلان بن فلان بن فلان، بحيث يتميز من غيره، فإذا اجتمعت ~~هذه الشروط، وجب القطع في قول عامتهم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه ~~من أهل العلم، على أن قطع السارق يجب، إذا شهد بالسرقة شاهدان حران مسلمان، ~~ووصفا ما يوجب القطع. # وإذا وجب القطع بشهادتهما، لم يسقط بغيبتهما، ولا موتهما، على ما مضى في ~~الشهادة بالزنا. وإذا شهدا بسرقة مال غائب، فإن كان له وكيل حاضر، فطالب ~~به، قطع السارق، وإلا فلا. # (7309) فصل: وإذا اختلف الشاهدان في الوقت، ms4940 أو المكان، أو المسروق، فشهد ~~أحدهما أنه سرق يوم الخميس، والآخر أنه سرق يوم الجمعة، أو شهد أحدهما أنه ~~سرق من هذا البيت، وشهد الآخر أنه سرق من هذا البيت، أو قال أحدهما: سرق ~~ثورا. وقال الآخر: سرق بقرة. أو قال: سرق ثورا. وقال الآخر: سرق حمارا. لم ~~يقطع. في قولهم جميعا. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وإن قال أحدهما: سرق ثوبا أبيض. وقال الآخر: أسود. أو قال أحدهما: سرق ~~هرويا. فقال الآخر: مرويا. لم يقطع أيضا. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وابن ~~المنذر؛ لأنهما لم يتفقا على الشهادة بشيء واحد، فأشبه ما لو اختلفا في ~~الذكورية والأنوثية. وقال أبو الخطاب: يقطع. وهو قول أبي حنيفة، وأصحاب ~~الرأي؛ لأن الاختلاف لم يرجع إلى نفس الشهادة، ويحتمل أن أحدهما غلب على ~~ظنه أنه هروي، والآخر أنه مروي، أو كان الثوب فيه سواد وبياض. قال ابن ~~المنذر: اللون أقرب إلى الظهور من الذكورية والأنوثية، فإذا كان اختلافهما ~~فيما # PageV09P137 # يخفى يبطل شهادتهما، ففيما يظهر أولى. # ويحتمل أن أحدهما ظن المسروق ذكرا، وظنه الآخر أنثى، وقد أوجب هذا رد ~~شهادتهما، فكذلك هاهنا. الثاني: الاعتراف، ويشترط فيه أن يعترف مرتين روي ~~ذلك عن علي - رضي الله عنه -. وبه قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، وزفر، وابن ~~شبرمة. وقال عطاء، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، ومحمد بن الحسن: يقطع ~~باعتراف مرة؛ لأنه حق يثبت بالإقرار، فلم يعتبر فيه التكرار، كحق الآدمي. ~~ولنا ما روى أبو داود، بإسناده عن أبي أمية المخزومي «، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أتي بلص قد اعترف، فقال له: ما إخالك سرقت. قال: بلى. ~~فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به، فقطع» . ولو وجب القطع بأول مرة، لما ~~أخره. وروى سعيد، عن هشيم، وسفيان، وأبي الأحوص، وأبي معاوية عن الأعمش، عن ~~عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، قال شهدت عليا، وأتاه رجل، فأقر بالسرقة، ~~فرده، وفي لفظ: فانتهره. وفي لفظ: فسكت عنه. وقال غير هؤلاء: فطرده. ثم عاد ~~بعد ذلك، فأقر، ms4941 فقال له علي: شهدت على نفسك مرتين. فأمر به، فقطع، وفي لفظ: ~~قد أقررت على نفسك مرتين. ومثل هذا يشتهر، فلم ينكر. # ولأنه يتضمن إتلافا في حد، فكان من شرطه التكرار، كحد الزنا. ولأنه أحد ~~حجتي القطع، فيعتبر فيه التكرار، كالشهادة. وقياسهم ينتقض بحد الزنا عند من ~~اعتبر التكرار، ويفارق حق الآدمي؛ لأن حقه مبني على الشح، والتضييق، ولا ~~يقبل رجوعه عنه، بخلاف مسألتنا. (7310) فصل: ويعتبر أن يذكر في إقراره شروط ~~السرقة، من النصاب والحرز، وإخراجه منه (7311) فصل: والحر والعبد في هذا ~~سواء. نص عليه أحمد؛ وذلك لعموم النص فيهما، ولما روى الأعمش، عن القاسم، ~~عن أبيه،: أن عليا قطع عبدا أقر عنده بالسرقة. # وفي رواية قال: كان عبدا. يعني الذي قطعه علي. ويعتبر أن يقر مرتين. وروى ~~مهنا، عن أحمد: إذا أقر العبد أربع مرات أنه سرق، قطع. وظاهر هذا أنه اعتبر ~~إقراره أربع مرات، ليكون على النصف من الحر. والأول أصح؛ لخبر علي؛ ولأنه ~~إقرار بحد، فاستوى في عدده الحر والعبد، كسائر الحدود. ### | [مسألة رجع السارق عن إقراره قبل القطع] # (7312) مسألة: قال: (ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع) # PageV09P138 # هذا قول أكثر الفقهاء. وقال ابن أبي ليلى، وداود: لا يقبل رجوعه؛ لأنه لو ~~أقر لآدمي بقصاص أو حق، لم يقبل رجوعه عنه. ولنا قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - للسارق: " ما إخالك سرقت. عرض له ليرجع؛ ولأنه حد لله تعالى، ثبت ~~بالاعتراف، فقبل رجوعه عنه، كحد الزنا؛ ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، ورجوعه ~~عنه شبهة، لاحتمال أن يكون كذب على نفسه في اعترافه؛ ولأنه أحد حجتي القطع، ~~فيبطل بالرجوع عنه، كالشهادة؛ ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه، فسقط، كما ~~لو رجع الشهود. # وفارق حق الآدمي، فإنه مبني على الشح والضيق، ولو رجع الشهود عن الشهادة ~~بعد الحكم، لم يبطل برجوعهم، ولم يمنع استيفاءها. إذا ثبت هذا، فإنه إذا ~~رجع قبل القطع، سقط القطع، ولم يسقط غرم المسروق؛ لأنه حق آدمي، ولو أقر ~~مرة واحدة، لزمه غرامة المسروق دون القطع. وإن ms4942 كان رجوعه وقد قطع بعض ~~المفصل، لم يتممه إن كان يرجى برؤه؛ لكونه قطع قليلا، وإن قطع الأكثر، ~~فالمقطوع بالخيار، إن شاء تركه وإن شاء قطعه؛ ليستريح من تعليق كفه، ولا ~~يلزم القاطع قطعه؛ لأن قطعه تداو، وليس بحد. ### | [فصل تلقين السارق ليرجع عن إقراره] # (7313) فصل: قال أحمد لا بأس بتلقين السارق ليرجع عن إقراره. وهذا قول ~~عامة الفقهاء. روي عن عمر، أنه أتي برجل، فسأله: أسرقت؟ قل: لا. فقال: لا. ~~فتركه. وروي معنى ذلك عن أبي بكر الصديق، وأبي هريرة، وابن مسعود، وأبي ~~الدرداء. وبه قال إسحاق، وأبو ثور. وقد روينا أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال للسارق: " ما أخالك سرقت ". وقال لماعز: " لعلك قبلت، أو لمست ~~". وعن علي - رضي الله عنه - أن رجلا أقر عنده بالسرقة فانتهره. وروي أنه ~~طرده. وروي أنه رده. # ولا بأس بالشفاعة في السارق ما لم يبلغ الإمام، فإنه روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد ~~وجب» . وقال الزبير بن العوام في الشفاعة في الحد: يفعل ذلك دون السلطان، ~~فإذا بلغ الإمام، فلا أعفاه الله إن أعفاه. وممن رأى ذلك الزبير، وعمار، ~~وابن عباس، وسعيد بن جبير، والزهري والأوزاعي. وقال مالك: إن لم يعرف بشر، ~~فلا بأس أن يشفع له، ما لم يبلغ الإمام، وأما من عرف بشر وفساد، فلا أحب أن ~~يشفع له أحد، ولكن يترك حتى يقام الحد عليه. # وأجمعوا على أنه إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه؛ # PageV09P139 # لأن ذلك إسقاط حق وجب لله تعالى، وقد غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حين شفع أسامة في المخزومية التي سرقت وقال: «أتشفع في حد من حدود الله ~~تعالى» وقال ابن عمر: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في ~~حكمه. ### | [مسألة اشترك الجماعة في سرقة قيمتها ثلاثة دراهم] # (7314) مسألة؛ قال: (وإذا اشترك الجماعة في سرقة قيمتها ثلاثة دراهم، ~~قطعوا) وبهذا قال مالك، وأبو ثور. وقال الثوري، وأبو ms4943 حنيفة، والشافعي، ~~وإسحاق: لا قطع عليهم إلا أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا؛ لأن كل واحد لم ~~يسرق نصابا، فلم يجب عليه قطع، كما لو انفرد بدون النصاب. وهذا القول أحب ~~إلي؛ لأن القطع هاهنا لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه، فلا ~~يجب، والاحتياط بإسقاطه أولى من الاحتياط بإيجابه؛ لأنه مما يدرأ بالشبهات ~~واحتج أصحابنا بأن النصاب أحد شرطي القطع، فإذا اشترك الجماعة فيه كانوا ~~كالواحد، قياسا على هتك الحرز؛ ولأن سرقة النصاب فعل يوجب القطع، فاستوى ~~فيه الواحد والجماعة، كالقصاص، ولم يفرق أصحابنا بين كون المسروق ثقيلا ~~يشترك الجماعة في حمله، وبين أن يخرج كل واحد منه جزءا، ونص أحمد على هذا. # وقال مالك: إن انفرد كل واحد بجزء منه، لم يقطع واحد منهم، كما لو انفرد ~~كل واحد من قاطعي اليد بقطع جزء منها، لم يجب القصاص. ولنا أنهم اشتركوا في ~~هتك الحرز، وإخراج النصاب، فلزمهم القطع، كما لو كان ثقيلا فحملوه، وفارق ~~القصاص، فإنه تعتمد المماثلة، ولا توجد المماثلة إلا أن توجد أفعالهم في ~~جميع أجزاء اليد، وفي مسألتنا القصد الزجر من غير اعتبار مماثلة، والحاجة ~~إلى الزجر عن إخراج المال، وسواء دخلا الحرز معا، أو دخل أحدهما فأخرج بعض ~~النصاب، ثم دخل الآخر فأخرج باقيه؛ لأنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراج ~~النصاب، فلزمهما القطع، كما لو حملاه معا. ### | [فصل كان أحد الشريكين ممن لا قطع عليه] # (7315) فصل: فإن كان أحد الشريكين ممن لا قطع عليه، كأبي المسروق منه، ~~قطع شريكه، في أحد الوجهين، كما لو شاركه في قطع يد ابنه. والثاني: لا ~~يقطع. وهو أصح؛ لأن سرقتهما جميعا صارت علة لقطعهما، وسرقة الأب لا تصلح ~~موجبة للقطع؛ لأنه أخذ ما له أخذه، بخلاف قطع يد ابنه، فإن الفعل تمحض ~~عدوانا، وإنما سقط القصاص لفضيلة الأب، لا لمعنى في فعله، وها هنا فعله قد ~~تمكنت الشبهة منه فوجب أن لا يجب القطع به، كاشتراك العامد والخاطئ. وإن ~~أخرج كل واحد منهما نصابا، ms4944 وجب القطع على شريك الأب؛ لأنه انفرد بما يوجب # PageV09P140 # القطع. وإن أخرج الأب نصابا، وشريكه دون النصاب، ففيه الوجهان. # وإن اعترف اثنان بسرقة نصاب، ثم رجع أحدهما، فالقطع على الآخر؛ لأنه اختص ~~بالإسقاط فيختص بالسقوط. ويحتمل أن يسقط عن شريكه؛ لأن السبب السرقة منهما، ~~وقد اختل أحد جزأيها. وكذلك لو أقر بمشاركة آخر في سرقة نصاب، ولم يقر ~~الآخر ففي القطع وجهان. ### | [فصل اشترك رجلان في إخراج نصاب السرقة من الدار] # (7316) فصل: قال أحمد، في رجلين دخلا دارا، أحدهما في سفلها جمع المتاع ~~وشده بحبل، والآخر في علوها مد الحبل فرمى به وراء الدار، فالقطع عليهما؛ ~~لأنهما اشتركا في إخراجه. وإن دخلا جميعا، فأخرج أحدهما المتاع وحده، فقال ~~أصحابنا: القطع عليهما. وبه قال أبو حنيفة وصاحباه، إذا أخرج نصابين. وقال ~~مالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: القطع على المخرج وحده؛ لأنه هو ~~السارق. # وإن أخرج أحدهما دون النصاب، والآخر أكثر من نصاب فتما نصابين، فعند ~~أصحابنا وأبي حنيفة وصاحبيه: يجب القطع عليهما. وعند الشافعي وموافقيه: لا ~~قطع على من لم يخرج نصابا. وإن أخرج أحدهما نصابا، والآخر دون النصاب، فعند ~~أصحابنا عليهما القطع. وعند الشافعي: القطع على مخرج النصاب وحده. وعند أبي ~~حنيفة: لا قطع على واحد منهما؛ لأن المخرج لم يبلغ نصبا بعدد السارقين. وقد ~~ذكرنا وجه ما قلنا فيما تقدم. # وإن نقبا حرزا، ودخل أحدهما، فقرب المتاع من النقب، وأدخل الخارج يده ~~فأخرجه، فقال أصحابنا: قياس قول أحمد، أن القطع عليهما. وقال الشافعي: ~~القطع على الخارج؛ لأنه مخرج المتاع. وقال أبو حنيفة: لا قطع على واحد ~~منهما. ولنا أنهما اشتركا في هتك الحرز، وإخراج المتاع، فلزمهما القطع، كما ~~لو حملاه معا فأخرجاه. وإن وضعه في النقب، فمد الآخر يده فأخذه، فالقطع ~~عليهما. ونقل عن الشافعي في هذه المسألة قولان، كالمذهبين في الصورة التي ~~قبلها. ### | [فصل نقب أحدهما وحده ودخل الآخر وحده فأخرج المتاع] # (7317) فصل: وإن نقب أحدهما وحده، ودخل الآخر وحده، فأخرج المتاع، فلا ~~قطع على واحد منهما؛ ms4945 لأن الأول لم يسرق، والثاني لم يهتك الحرز، وإنما سرق ~~من حرز هتكه غيره، فأشبه ما لو نقب رجل وانصرف، وجاء آخر فصادف الحرز ~~مهتوكا فسرق منه. وإن نقب رجل، وأمر غيره فأخرج المتاع، فلا قطع أيضا على ~~واحد منهما. وإن كان المأمور صبيا مميزا؛ لأن المميز له اختيار فلا يكون ~~آلة للآمر، كما لو أمره بقتل إنسان فقتله، وإن كان غير مميز، وجب القطع على ~~الآمر؛ لأنه آلته. # وإن اشترك رجلان في النقب، ودخل أحدهما فأخرج المتاع وحده، أو أخذه ~~وناوله للآخر خارجا من الحرز، أو رمى به إلى خارج الحرز، فأخذه الآخر، ~~فالقطع على الداخل وحده؛ لأنه مخرج المتاع وحده مع المشاركة في النقب. ~~وبهذا قال الشافعي، # PageV09P141 # وأبو ثور، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا قطع عليهما؛ لأن الداخل لم ~~ينفصل عن الحرز ويده على السرقة، فلم يلزمه القطع، كما لو أتلفه داخل الحرز ~~ولنا أن المسروق خرج من الحرز ويده عليه، فوجب عليه القطع، كما لو خرج به، ~~ويخالف إذا أتلفه؛ فإنه لم يخرجه من الحرز. ### | [مسألة هل تشترط المطالبة من مالك المسروق حتى يقام حد القطع] # (7318) مسألة: قال: (ولا يقطع وإن اعترف أو قامت بينة، حتى يأتي مالك ~~المسروق يدعيه) وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال أبو بكر: يقطع، ولا ~~يفتقر إلى دعوى ولا مطالبة. وهذا قول مالك، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لعموم ~~الآية؛ ولأن موجب القطع ثبت، فوجب من غير مطالبة، كحد الزنا. ولنا أن المال ~~يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل أن مالكه أباحه إياه، أو وقفه على المسلمين، ~~أو على طائفة السارق منهم، أو أذن له في دخول حرزه، فاعتبرت المطالبة لتزول ~~هذه الشبهة، وعلى هذا يخرج الزنا، فإنه لا يباح بالإباحة؛ ولأن القطع أوسع ~~في الإسقاط، ألا ترى أنه إذا سرق مال أبيه لم يقطع، ولو زنى بجاريته حد؟ ~~ولأن القطع شرع لصيانة مال الآدمي، فله به تعلق، فلم يستوف من غير حضور ~~مطالب به، والزنا حق لله تعالى محض، فلم يفتقر إلى طلب ms4946 به. إذا ثبت هذا، ~~فإن وكيل المالك يقوم مقامه في الطلب. # وقال القاضي: إذا أقر بسرقة مال غائب، حبس حتى يحضر الغائب؛ لأنه يحتمل ~~أن يكون قد أباحه، ولو أقر بحق مطلق لغائب لم يحبس؛ لأنه لا حق عليه لغير ~~الغائب، ولم يأمر بحبسه، فلم يحبس، وفي مسألتنا تعلق به حق الله تعالى، وحق ~~الآدمي، فحبس؛ لما عليه من حق الله تعالى، فإن كانت العين في يده، أخذها ~~الحاكم، وحفظها للغائب، وإن لم يكن في يده شيء، فإذا جاء الغائب كان الخصم ~~فيها. ### | [فصل أقر بسرقة من رجل فقال المالك: لم تسرق مني ولكن غصبتني] # (7319) فصل: ولو أقر بسرقة من رجل، فقال المالك: لم تسرق مني، ولكن ~~غصبتني. أو كان لي قبلك وديعة فجحدتني. لم يقطع؛ لأن إقراره لم يوافق دعوى ~~المدعي. وبهذا قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. وإن أقر أنه سرق نصابا من رجلين، ~~فصدقه أحدهما دون الآخر، أو قال الآخر: بل غصبتنيه أو جحدتنيه، لم يقطع. ~~وبه قال أصحاب الرأي. وقال أبو ثور: إذا قال الآخر: غصبتنيه أو جحدتنيه. ~~قطع. ولنا أنه لم يوافق على سرقة نصاب، فلم يقطع، كالتي قبلها، وإن وافقاه ~~جميعا، قطع. وإن حضر أحدهما، فطالب، ولم يحضر الآخر، لم يقطع؛ لأن ما حصلت ~~المطالبة به لا يوجب القطع بمفرده. # وإن أقر أنه سرق من رجل شيئا، فقال الرجل: قد فقدته من مالي. فينبغي أن ~~يقطع؛ لما روي عن عبد الرحمن بن ثعلبة # PageV09P142 # الأنصاري، عن أبيه، أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس «، جاء إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني سرقت جملا لبني فلان ~~فطهرني. فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فقالوا: إنا افتقدنا ~~جملا لنا. فأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقطعت يده. قال ثعلبة: أنا ~~أنظر إليه حين وقعت يده، وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك، أردت أن ~~تدخلي جسدي النار» . أخرجه ابن ماجه. ### | [فصل ثبتت سرقته ببينة عادلة فأنكر] # (7320) فصل: ومن ms4947 ثبتت سرقته ببينة عادلة، فأنكر، لم يلتفت إلى إنكاره. ~~وإن قال: أحلفوه لي أني سرقت منه. لم يحلف؛ لأن السرقة قد ثبتت بالبينة، ~~وفي إحلافه عليها قدح في الشهادة. وإن قال: الذي أخذته ملك لي، كان لي عنده ~~وديعة، أو رهنا، أو ابتعته منه، أو وهبه لي، أو أذن لي في أخذه، أو غصبه ~~مني، أو من أبي، أو بعضه لي. فالقول قول المسروق منه مع يمينه؛ لأن اليد ~~ثبتت له، فإن حلف سقطت دعوى السارق، ولا قطع عليه؛ لأنه يحتمل ما قال، ~~ولهذا أحلفنا المسروق منه، وإن نكل، قضينا عليه بنكوله. وهذه إحدى ~~الروايتين، وهو منصوص الشافعي. وعن أحمد رواية أخرى، أنه يقطع؛ لأن سقوط ~~القطع بدعواه يؤدي إلى أن لا يجب قطع سارق، فتفوت مصلحة الزجر. # وعنه رواية ثالثة، أنه إن كان معروفا بالسرقة قطع؛ لأنه يعلم كذبه، وإلا ~~سقط عنه القطع. والأول أولى؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وإفضاؤه إلى سقوط ~~القطع لا يمتنع اعتباره، كما أن الشرع اعتبر في شهادة الزنا شروطا لا يقع ~~معها إقامة حد ببينة أبدا، على أنه لا يفضي إليه لازما، فإن الغالب من ~~السراق أنهم لا يعلمون هذا، ولا يهتدون إليه، وإنما يختص بعلم هذا الفقهاء ~~الذين لا يسرقون غالبا. وإن لم يحلف المسروق منه، قضي عليه، وسقط الحد، ~~وجها واحدا. # PageV09P143 ### | [كتاب قطاع الطريق] # الأصل في حكمهم قول الله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] . وهذه الآية في قول ابن عباس وكثير من ~~العلماء، نزلت في قطاع الطريق من المسلمين. وبه يقول مالك، والشافعي، وأبو ~~ثور، وأصحاب الرأي. وحكي عن ابن عمر أنه قال: نزلت هذه الآية في المرتدين. ~~وحكي ذلك عن الحسن، وعطاء، وعبد الكريم؛ لأن سبب نزولها قصة العرنيين، ~~وكانوا ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الرعاة، فاستاقوا إبل الصدقة، فبعث النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - من جاء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، ms4948 وسمل أعينهم، ~~وألقاهم في الحرة حتى ماتوا. قال أنس: فأنزل الله تعالى في ذلك: {إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله} [المائدة: 33] الآية. أخرجه أبو داود، والنسائي. ولأن ~~محاربة الله ورسوله إنما تكون من الكفار لا من المسلمين. ولنا قول الله ~~تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] . والكفار ~~تقبل توبتهم بعد القدرة، كما تقبل قبلها، ويسقط عنهم القتل والقطع في كل ~~حال، والمحاربة قد تكون من المسلمين؛ بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] ~~{فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 279] # (7321) مسألة: قال: (والمحاربون الذين يعرضون للقوم بالسلاح في الصحراء، ~~فيغصبونهم المال مجاهرة) وجملته أن المحاربين الذين تثبت لهم أحكام ~~المحاربة التي نذكرها بعد، تعتبر لهم شروط ثلاثة؛ أحدها: أن يكون ذلك في ~~الصحراء، فإن كان ذلك منهم في القرى والأمصار، فقد توقف أحمد - رحمه الله - ~~فيهم وظاهر كلام الخرقي أنهم غير محاربين. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ~~وإسحاق؛ لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء؛ ~~ولأن من في المصر يلحق به الغوث غالبا، فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون ~~مختلسين، والمختلس ليس بقاطع، ولا حد عليه. # وقال كثير من أصحابنا: هو قاطع حيث كان. وبه قال الأوزاعي، والليث، ~~والشافعي، وأبو يوسف، وأبو ثور؛ لتناول الآية بعمومها كل محارب؛ ولأن ذلك ~~إذا وجد في المصر كان أعظم خوفا، وأكثر ضررا، فكان بذلك أولى. # PageV09P144 # وذكر القاضي أن هذا إن كان في المصر، مثل أن كبسوا دارا، فكان أهل الدار ~~بحيث لو صاحوا أدركهم الغوث، فليس هؤلاء بقطاع طريق؛ لأنهم في موضع يلحقهم ~~الغوث عادة، وإن حصروا قرية أو بلدا ففتحوه وغلبوا على أهله، أو محلة ~~منفردة، بحيث لا يدركهم الغوث عادة، فهم محاربون؛ لأنهم لا يلحقهم الغوث، ~~فأشبه قطاع الطريق في الصحراء. الشرط الثاني: أن يكون معهم سلاح، فإن لم ~~يكن معهم سلاح، فهم غير محاربين؛ لأنهم لا يمنعون من يقصدهم. ولا نعلم ms4949 في ~~هذا خلافا. فإن عرضوا بالعصي والحجارة، فهم محاربون. وبه قال الشافعي، وأبو ~~ثور. وقال أبو حنيفة: ليسوا محاربين؛ لأنه لا سلاح معهم. # ولنا أن ذلك من جملة السلاح الذي يأتي على النفس والطرف، فأشبه الحديد. ~~الشرط الثالث: أن يأتوا مجاهرة، ويأخذوا المال قهرا فأما إن أخذوه مختفين، ~~فهم سراق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون، لا قطع عليهم. وكذلك إن خرج ~~الواحد والاثنان على آخر قافلة، فاستلبوا منها شيئا، فليسوا بمحاربين؛ ~~لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة. وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم، فهم قطاع ~~طريق. ### | [مسألة قاطع الطريق قتل وأخذ المال] # (7322) مسألة: قال: (فمن قتل منهم وأخذ المال، قتل وإن عفا صاحب المال، ~~وصلب حتى يشتهر، ودفع إلى أهله، ومن قتل منهم، ولم يأخذ المال، قتل، ولم ~~يصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، في مقام ~~واحد، ثم حسمتا وخلي) روينا نحو هذا عن ابن عباس. وبه قال قتادة، وأبو ~~مجلز، وحماد، والليث، والشافعي، وإسحاق، وعن أحمد، أنه إذا قتل وأخذ المال، ~~قتل وقطع؛ لأن كل واحدة من الجنايتين توجب حدا منفردا، فإذا اجتمعا، وجب ~~حدهما معا، كما لو زنى، وسرق. # وذهبت طائفة إلى أن الإمام مخير فيهم بين القتل والصلب، والقطع والنفي؛ ~~لأن " أو " تقتضي التخيير، كقوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} [المائدة: 89] . وهذا قول ~~سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك، والنخعي، وأبي الزناد، ~~وأبي ثور، وداود. وروي عن ابن عباس: ما كان في القرآن " أو " فصاحبه ~~بالخيار. # وقال أصحاب الرأي: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطع، وإن قتل وأخذ المال، ~~فالإمام مخير بين قتله وصلبه، وبين قتله وقطعه، وبين أن يجمع له ذلك كله؛ ~~لأنه قد وجد منه ما يوجب القتل والقطع، فكان للإمام فعلهما، كما لو قتل ~~وقطع في غير قطع طريق. وقال مالك: إذا قطع الطريق، فرآه الإمام جلدا ذا ~~رأي، قتله، وإن كان جلدا لا رأي له، قطعه، ms4950 ولم يعتبر فعله. # PageV09P145 # ولنا على أنه لا يقتل إذا لم يقتل، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو ~~قتل نفس بغير حق.» فأما " أو " فقد قال ابن عباس مثل قولنا، فإما أن يكون ~~توقيفا، أو لغة، وأيهما كان، فهو حجة، يدل عليه أنه بدأ بالأغلظ فالأغلظ، ~~وعرف القرآن فيما أريد به التخيير البداية بالأخف، ككفارة اليمين، وما أريد ~~به الترتيب بدئ فيه بالأغلظ فالأغلظ، ككفارة الظهار والقتل، ويدل عليه ~~أيضا، أن العقوبات تختلف باختلاف الأجرام، ولذلك اختلف حكم الزاني والقاذف ~~والسارق، وقد سووا بينهم مع اختلاف جناياتهم، وهذا يرد على مالك، فإنه إنما ~~اعتبر الجلد والرأي دون الجنايات، وهو مخالف للأصول التي ذكرناها. # وأما قول أبي حنيفة: فلا يصح؛ لأن القتل لو وجب لحق الله تعالى، لم يخير ~~الإمام فيه، كقطع السارق، وكما لو انفرد بأخذ المال؛ ولأن الحدود لله تعالى ~~إذا كان فيها قتل، سقط ما دونه، كما لو سرق وزنى وهو محصن. وقد روي عن ابن ~~عباس، قال: «وادع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا برزة الأسلمي، فجاء ~~ناس يريدون الإسلام، فقطع عليهم أصحابه، فنزل جبريل - عليه السلام - بالحد ~~فيهم، أن من قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال، قتل، ومن ~~أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده ورجله من خلاف» . وقيل: إنه رواه أبو داود. ~~وهذا كالمسند، وهو نص. فإذا ثبت هذا، فإن قاطع الطريق لا يخلو من أحوال خمس # PageV09P146 # الأولى: إذا قتل وأخذ المال، فإنه يقتل ويصلب، في ظاهر المذهب، وقتله ~~متحتم لا يدخله عفو. أجمع على هذا كل أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع على ~~هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. روي ذلك عن عمر. وبه قال سليمان بن موسى، ~~والزهري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولأنه حد من حدود الله تعالى، فلم ~~يسقط بالعفو، كسائر الحدود. وهل يعتبر التكافؤ بين القاتل والمقتول؟ فيه ~~روايتان؛ إحداهما: ms4951 لا يعتبر، بل يؤخذ الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، والأب ~~بالابن؛ لأن هذا القتل حد لله تعالى، فلا تعتبر فيه المكافأة، كالزنا ~~والسرقة. # والثانية: تعتبر المكافأة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقتل ~~مسلم بكافر» . والحد فيه انحتامه؛ بدليل أنه لو تاب قبل القدرة عليه، سقط ~~الانحتام، ولم يسقط القصاص. فعلى هذه الرواية، إذا قتل المسلم ذميا، أو ~~الحر عبدا، أو أخذ ماله، قطعت يده ورجله من خلاف، لأخذه المال، وغرم دية ~~الذمي وقيمة العبد، وإن قتله ولم يأخذ مالا غرم ديته ونفي. وذكر القاضي أنه ~~إنما يتحتم قتله إذا قتله ليأخذ المال، وإن قتله لغير ذلك، مثل أن يقصد ~~قتله لعداوة بينهما، فالواجب قصاص غير متحتم، وإذا قتل صلب؛ لقول الله ~~تعالى: {أو يصلبوا} [المائدة: 33] . والكلام فيه في ثلاثة أمور؛ أحدها: في ~~وقته، ووقته بعد القتل. وبهذا قال الشافعي. وقال الأوزاعي، ومالك، والليث، ~~وأبو حنيفة، وأبو يوسف: يصلب حيا، ثم يقتل مصلوبا، يطعن بالحربة؛ لأن الصلب ~~عقوبة، وإنما يعاقب الحي لا الميت؛ ولأنه جزاء على المحاربة، فيشرع في ~~الحياة كسائر الأجزية؛ ولأن الصلب بعد قتله يمنع تكفينه ودفنه، فلا يجوز. # ولنا أن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظا، والترتيب بينهما ثابت بغير ~~خلاف، فيجب تقديم # PageV09P147 # الأول في اللفظ كقوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: ~~158] ولأن القتل إذا أطلق في لسان الشرع، كان قتلا بالسيف. ولهذا قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم ~~فأحسنوا القتل» . وأحسن القتل هو القتل بالسيف، وفي صلبه حيا تعذيب له، وقد ~~نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تعذيب الحيوان. وقولهم: إنه جزاء على ~~المحاربة. قلنا: لو شرع لردعه، لسقط بقتله، كما يسقط سائر الحدود مع القتل ~~وإنما شرع الصلب ردعا لغيره، ليشتهر أمره، وهذا يحصل بصلبه بعد قتله. ~~وقولهم: يمنع تكفينه ودفنه. قلنا: هذا لازم لهم؛ لأنهم يتركونه بعد قتله ~~مصلوبا. الثاني: في قدره ولا توقيت فيه، إلا قدر ما يشتهر أمره. ms4952 # قال أبو بكر: لم يوقت أحمد في الصلب، فأقول: يصلب قدر ما يقع عليه الاسم. ~~والصحيح توقيته بما ذكر الخرقي من الشهرة؛ لأن المقصود يحصل به. وقال ~~الشافعي: يصلب ثلاثا. وهو مذهب أبي حنيفة. وهذا توقيت بغير توقيف، فلا ~~يجوز، مع أنه في الظاهر يفضي إلى تغيره، ونتنه، وأذى المسلمين برائحته ~~ونظره، ويمنع تغسيله وتكفينه ودفنه، فلا يجوز بغير دليل. الثالث: في وجوبه، ~~وهذا واجب حتم في حق من قتل وأخذ المال، لا يسقط بعفو ولا غيره. وقال أصحاب ~~الرأي: إن شاء الإمام صلب، وإن شاء لم يصلب. ولنا حديث ابن عباس، أن جبريل ~~نزل بأن من قتل وأخذ المال صلب. ولأنه شرع حدا، فلم يتخير بين فعله وتركه، ~~كالقتل وسائر الحدود. إذا ثبت هذا، فإنه إذا اشتهر أنزل، ودفع إلى أهله، ~~فيغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن. # (7323) " فصل: وإن مات قبل قتله، لم يصلب؛ لأن الصلب من تمام الحد، وقد ~~فات الحد بموته، فيسقط ما هو من تتمته. # وإن قتل في المحاربة بمثقل قتل، كما لو قتل بمحدد لأنهما سواء في وجوب ~~القصاص بهما. وإن قتل بآلة لا يجب القصاص بالقتل بها، كالسوط والعصا والحجر ~~الصغير، فظاهر كلام الخرقي، أنهم يقتلون أيضا؛ لأنهم دخلوا في العموم. # الحال الثاني: قتلوا ولم يأخذوا المال فإنهم يقتلون ولا يصلبون. وعن أحمد ~~رواية أخرى، أنهم يصلبون؛ لأنهم محاربون يجب قتلهم، فيصلبون، كالذين أخذوا ~~المال. والأولى أصح؛ لأن الخبر المروي فيهم قال فيه: ومن قتل ولم يأخذ ~~المال، قتل ". ولم يذكر صلبا؛ ولأن جنايتهم بأخذ المال مع القتل تزيد # PageV09P148 # على الجناية بالقتل وحده، فيجب أن تكون عقوبتهم أغلظ، ولو شرع الصلب ~~هاهنا لاستويا، والحكم في تحتم القتل وكونه حدا هاهنا، كالحكم فيه إذا قتل ~~وأخذ المال. # (7324) فصل: وإذا جرح المحارب جرحا في مثله القصاص، فهل يتحتم فيه ~~القصاص؟ على روايتين؛ إحداهما: لا يتحتم؛ لأن الشرع لم يرد بشرع الحد في ~~حقه بالجراح، فإن الله تعالى ذكر في حدود المحاربين القتل والصلب والقطع ~~والنفي، فلم يتعلق ms4953 بالمحاربة غيرها فلا يتحتم، بخلاف القتل، فإنه حد، ~~فتحتم، كسائر الحدود، فحينئذ لا يجب فيه أكثر من القصاص. والثانية: يتحتم؛ ~~لأن الجراح تابعة للقتل، فيثبت فيها مثل حكمه؛ ولأنه نوع قود، أشبه القود ~~في النفس. والأولى أولى. وإن جرحه جرحا لا قصاص فيه، كالجائفة، فليس فيه ~~إلا الدية. وإن جرح إنسانا وقتل آخر، اقتص منه للجراح، وقتل للمحاربة. وقال ~~أبو حنيفة: تسقط الجراح؛ لأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل، سقط ما سوى ~~القتل. # ولنا أنها جناية يجب بها القصاص في غير المحاربة، فيجب بها في المحاربة، ~~كالقتل، ولا نسلم أن القصاص في الجراح حد، وإنما هو قصاص متمحض، فأشبه ما ~~لو كان الجرح في غير المحاربة، وإن سلمنا أنه حد، فإنه مشروع مع القتل، فلم ~~يسقط به، كالصلب، وكقطع اليد والرجل عندهم. # الحال الثالث: أخذ المال ولم يقتل، فإنه تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ~~وهذا معنى قوله سبحانه: {من خلاف} [المائدة: 33] . وإنما قطعنا يده اليمنى ~~للمعنى الذي قطعنا به يمنى السارق، ثم قطعنا رجله اليسرى لتتحقق المخالفة، ~~وليكون أرفق به في إمكان مشيه. ولا ينتظر اندمال اليد في قطع الرجل، بل ~~يقطعان معا، يبدأ بيمينه فتقطع وتحسم، ثم برجله؛ لأن الله تعالى بدأ بذكر ~~الأيدي. ولا خلاف بين أهل العلم، في أنه لا يقطع منه غير يد ورجل، إذا كانت ~~يداه ورجلاه صحيحتين، فأما إن كان معدوم اليد والرجل، إما لكونه قد قطع في ~~قطع طريق أو سرقة أو قصاص، أو لمرض، فمقتضى كلام الخرقي سقوط القطع عنه، ~~سواء كانت اليد اليمنى والرجل اليسرى أو بالعكس؛ لأن قطع زيادة على ذلك ~~يذهب بمنفعة الجنس، إما منفعة البطش أو المشي أو كليهما. وهذا مذهب أبي ~~حنيفة. # وعلى الرواية التي تستوفي أعضاء السارق الأربعة، يقطع ما بقي من أعضائه، ~~فإن كانت يده اليمنى مقطوعة، قطعت رجله اليسرى وحدها، ولو كانت يداه ~~صحيحتين، ورجله اليسرى مقطوعة، قطعت # PageV09P149 # يمنى يديه، ولم يقطع غير ذلك. وجها واحدا. وهو مذهب الشافعي. ولا نعلم ~~فيه خلافا؛ لأنه ms4954 وجد في محل الحد ما يستوفى، فاكتفي باستيفائه، كما لو كانت ~~اليد ناقصة، بخلاف التي قبلها. وإن كان ما وجب قطعه أشل، فذكر أهل الطب أن ~~قطعه يفضي إلى تلفه، لم يقطع، وكان حكمه حكم المعدوم. وإن قالوا: لا يفضي ~~إلى تلفه. ففي قطعه روايتان. ذكرناهما في قطع السارق. الحال الرابع، إذا ~~أخافوا السبيل، ولم يقتلوا، ولم يأخذوا مالا. الحال الخامس، إذا تابوا قبل ~~القدرة عليهم. ويأتي ذكر حكمهما، إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة قطع يد قطاع الطريق] # (7325) مسألة: قال: (ولا يقطع منهم إلا من أخذ ما يقطع السارق في مثله) ~~وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي. وابن المنذر وقال مالك، وأبو ثور: للإمام ~~أن يحكم عليه حكم المحارب؛ لأنه محارب لله ولرسوله، ساع في الأرض بالفساد، ~~فيدخل في عموم الآية؛ ولأنه لا يعتبر الحرز، فكذلك النصاب. ولنا قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «لا قطع إلا في ربع دينار» . ولم يفصل؛ ولأن هذه ~~جناية تعلقت بها عقوبة في حق غير المحارب، فلا تتغلظ في المحارب بأكثر من ~~وجه واحد، كالقتل يغلظ بالانحتام، كذلك هاهنا تتغلظ بقطع الرجل معها، ولا ~~تتغلظ بما دون النصاب. وأما الحرز فهو معتبر، فإنهم لو أخذوا مالا مضيعا لا ~~حافظ له، لم يجب القطع. # وإن أخذوا ما يبلغ نصابا ولا تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا، قطعوا، على ~~قياس قولنا في السرقة. وقياس قول الشافعي، وأصحاب الرأي، أنه لا يجب القطع ~~حتى تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا. ويشترط أيضا أن لا تكون لهم شبهة فيما ~~يأخذونه من المال، على ما ذكرنا في المسروق. ### | [مسألة نفي قطاع الطريق] # (7326) مسألة: قال: (ونفيهم أن يشردوا، فلا يتركوا يأوون في بلد) وجملته ~~أن المحاربين إذا أخافوا السبيل، ولم يقتلوا، ولم يأخذوا مالا، فإنهم ينفون ~~من الأرض؛ لقول الله تعالى: {أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] ويروى عن ~~ابن عباس، أن النفي يكون في هذه الحالة، وهو قول النخعي، وقتادة، وعطاء ~~الخراساني. والنفي هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان، فلا يتركون يأوون ms4955 بلدا. ~~ويروى نحو هذا عن الحسن والزهري. وعن ابن عباس: أنه ينفى من بلده إلى بلد ~~غيره، كنفي الزاني. وبه قال طائفة من أهل العلم. # PageV09P150 # قال أبو الزناد: كان منفى الناس إلى باضع، من أرض الحبشة، وذلك أقصى ~~تهامة اليمن. وقال مالك: يحبس في البلد الذي ينفى إليه، كقوله في الزاني. ~~وقال أبو حنيفة: نفيه حبسه حتى يحدث توبة. ونحو هذا قال الشافعي، فإنه قال ~~في هذه الحال: يعزرهم الإمام، وإن رأى أن يحبسهم حبسهم. وقيل عنه: النفي ~~طلب الإمام لهم ليقيم فيهم حدود الله تعالى. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال ~~ابن سريج: يحبسهم في غير بلدهم. وهذا مثل قول مالك. وهذا أولى؛ لأن تشريدهم ~~إخراج لهم إلى مكان يقطعون فيه الطريق، ويؤذون به الناس، فكان حبسهم أولى. ~~وحكى أبو الخطاب عن أحمد، رواية أخرى، معناها أن نفيهم طلب الإمام لهم، ~~فإذا ظفر بهم عزرهم بما يردعهم. # ولنا ظاهر الآية، فإن النفي الطرد والإبعاد، والحبس إمساك، وهما ~~يتنافيان. فأما نفيهم إلى غير مكان معين، فلقوله سبحانه: {أو ينفوا من ~~الأرض} [المائدة: 33] . وهذا يتناول نفيه من جميعها. وما ذكروه يبطل بنفي ~~الزاني، فإنه ينفى إلى مكان يحتمل أن يوجد منه الزنا فيه. ولم يذكر أصحابنا ~~قدر مدة نفيهم، فيحتمل أن تتقدر مدته بما تظهر فيه توبتهم، وتحسن سيرتهم. ~~ويحتمل أن ينفوا عاما، كنفي الزاني. ### | [مسألة توبة قطاع الطريق قبل القدرة عليهم] # (7327) مسألة؛ قال: (فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم، سقطت عنهم حدود ~~الله تعالى، وأخذوا بحقوق الآدميين؛ من الأنفس، والجراح، والأموال، إلا أن ~~يعفى لهم عنها) لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم. وبه قال مالك، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي وأبو ثور. والأصل في هذا قول الله تعالى: {إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة: ~~34] . فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب، والقطع والنفي، ويبقى عليهم ~~القصاص في النفس والجراح، وغرامة المال والدية لما لا قصاص فيه. # فأما إن تاب بعد القدرة ms4956 عليه، لم يسقط عنه شيء من الحدود؛ لقول الله ~~تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] . فأوجب ~~عليهم الحد، ثم استثنى التائبين قبل القدرة، فمن عداهم يبقى على قضية ~~العموم؛ ولأنه إذا تاب قبل القدرة، فالظاهر أنها توبة إخلاص، وبعدها الظاهر ~~أنها تقية من إقامة الحد عليه؛ ولأن في قبول توبته، وإسقاط الحد عنه قبل ~~القدرة، ترغيبا في توبته، والرجوع عن محاربته وإفساده، فناسب ذلك الإسقاط ~~عنه، وأما بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه؛ لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة. # PageV09P151 ### | [فصل فعل المحارب ما يوجب حدا لا يختص بالمحاربة] # (7328) فصل: وإن فعل المحارب ما يوجب حدا لا يختص المحاربة؛ كالزنا، ~~والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، فذكر القاضي أنها تسقط بالتوبة؛ لأنها حدود ~~لله تعالى، فسقطت بالتوبة، كحد المحاربة، إلا حد القذف، فإنه لا يسقط؛ لأنه ~~حق آدمي؛ ولأن في إسقاطها ترغيبا في التوبة. ويحتمل أن لا تسقط؛ لأنها لا ~~تختص المحاربة، فكانت في حقه كهي في حق غيره. وإن أتى حدا قبل المحاربة، ثم ~~حارب وتاب قبل القدرة عليه لم يسقط الحد الأول؛ لأن التوبة إنما يسقط بها ~~الذنب الذي تاب منه دون غيره. ### | [فصل تاب من عليه حد من غير المحاربين وأصلح] # (7329) فصل: وإن تاب من عليه حد من غير المحاربين، وأصلح، ففيه روايتان؛ ~~إحداهما: يسقط عنه؛ لقول الله تعالى: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن ~~تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} [النساء: 16] . وذكر حد السارق، ثم قال: {فمن ~~تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه} [المائدة: 39] . وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «التائب من الذنب، كمن لا ذنب له» . ومن لا ذنب له ~~لا حد عليه. # وقال في ماعز لما أخبر بهربه: «هلا تركتموه، يتوب فيتوب الله عليه» . ~~ولأنه خالص حق الله تعالى، فيسقط بالتوبة، كحد المحارب. والرواية الثانية: ~~لا يسقط. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي؛ لقول الله تعالى: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] وهذا عام في ~~التائبين وغيرهم. وقال تعالى: ms4957 {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38] . ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزا والغامدية، ~~وقطع الذي أقر بالسرقة، وقد جاءوا تائبين يطلبون التطهير بإقامة الحد، وقد ~~سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلهم توبة، فقال في حق المرأة: «لقد ~~تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم» . # وجاء عمرو بن سمرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ~~إني سرقت جملا لبني فلان، فطهرني. وقد أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- الحد عليهم. ولأن الحد كفارة، فلم يسقط بالتوبة، ككفارة اليمين والقتل؛ ~~ولأنه مقدور عليه، فلم يسقط عنه الحد بالتوبة، كالمحارب بعد القدرة عليه. ~~فإن قلنا بسقوط الحد بالتوبة، فهل يسقط بمجرد التوبة، أو بها مع إصلاح ~~العمل؟ فيه وجهان؛ # PageV09P152 # أحدهما: يسقط بمجردها. وهو ظاهر قول أصحابنا؛ لأنها توبة مسقطة للحد، ~~فأشبهت توبة المحارب قبل القدرة عليه. والثاني: يعتبر إصلاح العمل؛ لقول ~~الله تعالى: {فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} [النساء: 16] . وقال: {فمن ~~تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه} [المائدة: 39] . فعلى هذا ~~القول، يعتبر مضي مدة يعلم بها صدق توبته، وصلاح نيته، وليست مقدرة بمدة ~~معلومة. وقال بعض أصحاب الشافعي: مدة ذلك سنة. وهذا توقيت، بغير توقيف، فلا ~~يجوز. ### | [فصل حكم الردء من القطاع] # (7330) فصل: وحكم الردء من القطاع حكم المباشر. وبهذا قال مالك، وأبو ~~حنيفة. وقال الشافعي: ليس على الردء إلا التعزير؛ لأن الحد يجب بارتكاب ~~المعصية، فلا يتعلق بالمعين، كسائر الحدود. ولنا أنه حكم يتعلق بالمحاربة، ~~فاستوى فيه الردء والمباشر، كاستحقاق الغنيمة؛ وذلك لأن المحاربة مبنية على ~~حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة، فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة ~~الردء، بخلاف سائر الحدود. فعلى هذا، إذا قتل واحد منهم، ثبت حكم القتل في ~~حق جميعهم، فيجب قتل جميعهم. وإن قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال، جاز قتلهم ~~وصلبهم، كما لو فعل الأمرين كل واحد منهم. ### | [فصل قطاع الطريق كان فيهم صبي أو مجنون أو ذو رحم من المقطوع عليه] # (7331) فصل: وإن ms4958 كان فيهم صبي، أو مجنون، أو ذو رحم من المقطوع عليه لم ~~يسقط الحد عن غيره، في قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يسقط الحد عن ~~جميعهم، ويصير القتل للأولياء، إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا؛ لأن حكم ~~الجميع واحد، فالشبهة في فعل واحد شبهة في حق الجميع. ولنا أنها شبهة اختص ~~بها واحد، فلم يسقط الحد عن الباقين، كما لو اشتركوا في وطء امرأة. وما ~~ذكروه لا أصل له. فعلى هذا، لا حد على الصبي والمجنون وإن باشرا القتل ~~وأخذا المال؛ لأنهما ليسا من أهل الحدود، وعليهما ضمان ما أخذا من المال في ~~أموالهما، ودية قتيلهما على عاقلتهما، ولا شيء على الردء لهما؛ لأنه إذا لم ~~يثبت ذلك للمباشر، لم يثبت لمن هو تبع له بطريق الأولى. وإن كان المباشر ~~غيرهما، لم يلزمهما شيء؛ لأنهما لم يثبت في حقهما حكم المحاربة، وثبوت ~~الحكم في حق الردء ثبت بالمحاربة. ### | [فصل كان قطاع الطريق فيهم امرأة] # (7332) فصل: وإن كان فيهم امرأة، ثبت في حقها حكم المحاربة، فمتى قتلت ~~وأخذت المال، فحدها حد قطاع الطريق. # PageV09P153 # وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجب عليها الحد، ولا على من معها؛ ~~لأنها ليست من أهل المحاربة، كالرجل، فأشبهت الصبي والمجنون. ولنا أنها تحد ~~في السرقة، فيلزمها حكم المحاربة كالرجل، وتخالف الصبي والمجنون؛ ولأنها ~~مكلفة يلزمها القصاص وسائر الحدود، فلزمها هذا الحد، كالرجل. # إذا ثبت هذا، فإنها إن باشرت القتل، أو أخذ المال، ثبت حكم المحاربة في ~~حق من معها؛ لأنهم ردء لها. وإن فعل ذلك غيرها، ثبت حكمه في حقها؛ لأنها ~~ردء له، كالرجل سواء. وإن قطع أهل الذمة الطريق، أو كان مع المحاربين ~~المسلمين ذمي، فهل ينتقض عهدهم بذلك؟ فيه روايتان؛ فإن قلنا: ينتقض عهدهم. ~~حلت دماؤهم وأموالهم بكل حال. وإن قلنا: لا ينتقض عهدهم. حكمنا عليهم بما ~~نحكم على المسلمين. ### | [فصل أخذ المحاربون المال وأقيمت فيهم حدود الله تعالى] # (7333) فصل: وإذا أخذ المحاربون المال، وأقيمت فيهم حدود الله تعالى، فإن ~~كانت ms4959 الأموال موجودة، ردت إلى مالكها، وإن كانت تالفة أو معدومة، وجب ~~ضمانها على آخذها. وهذا مذهب الشافعي. ومقتضى قول أصحاب الرأي: أنها إن ~~كانت تالفة، لم يلزمها غرامتها، كقولهم في المسروق إذا قطع السارق. ووجه ~~المذهبين ما تقدم في السرقة. ويجب الضمان على الآخذ دون الردء؛ لأن وجود ~~الضمان ليس بحد، فلا يتعلق بغير المباشر له، كالغصب والنهب، ولو تاب ~~المحاربون قبل القدرة عليهم، وتعلقت بهم حقوق الآدميين؛ من القصاص والضمان، ~~لاختص ذلك بالمباشر دون الردء لذلك، ولو وجب الضمان في السرقة، لتعلق ~~بالمباشر دون الردء؛ لما ذكرنا - والله أعلم -. ### | [فصل اجتمعت الحدود لم تخل من ثلاثة أقسام] # (7334) فصل: إذا اجتمعت الحدود، لم تخل من ثلاثة أقسام؛ القسم الأول: أن ~~تكون خالصة لله تعالى، فهي نوعان؛ أحدهما: أن يكون فيها قتل، مثل أن يسرق، ~~ويزني وهو محصن، ويشرب الخمر، ويقتل في المحاربة، فهذا يقتل، ويسقط سائرها. ~~وهذا قول ابن مسعود، وعطاء، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، وحماد، ومالك، ~~وأبي حنيفة. وقال الشافعي: يستوفى جميعها؛ لأن ما وجب مع غير القتل، وجب مع ~~القتل، كقطع اليد قصاصا. # ولنا قول ابن مسعود، قال سعيد حدثنا حسان بن علي، حدثنا مجالد، عن عامر، ~~عن مسروق، عن عبد الله، قال: إذا اجتمع حدان، أحدهما القتل، أحاط القتل ~~بذلك وقال إبراهيم يكفيه القتل. # PageV09P154 # وقال: حدثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن إبراهيم، والشعبي، وعطاء أنهم قالوا ~~مثل ذلك وهذه أقوال انتشرت في عصر الصحابة والتابعين، ولم يظهر لها مخالف، ~~فكانت إجماعا؛ ولأنها حدود لله تعالى فيها قتل، فسقط ما دونه، كالمحارب إذا ~~قتل وأخذ المال، فإنه يكتفى بقتله، ولا يقطع؛ ولأن هذه الحدود تراد لمجرد ~~الزجر، ومع القتل لا حاجة إلى زجره، ولا فائدة فيه، فلا يشرع. ويفارق ~~القصاص؛ فإن فيه غرض التشفي والانتقام، ولا يقصد منه مجرد الزجر، إذا ثبت ~~هذا فإنه إذا وجد ما يوجب الرجم والقتل للمحاربة، أو القتل للردة، أو لترك ~~الصلاة، فينبغي أن يقتل للمحاربة، ويسقط الرجم؛ لأن في القتل للمحاربة حق ~~آدمي في ms4960 القصاص، وإنما أثرت المحاربة في تحريمه، وحق الآدمي يجب تقديمه. # النوع الثاني: أن لا يكون فيها قتل، فإن جميعها يستوفى من غير خلاف ~~نعلمه، ويبدأ بالأخف فالأخف، فإذا شرب وزنى وسرق، حد للشرب أولا، ثم حد ~~للزنا، ثم قطع للسرقة. وإن أخذ المال في المحاربة، قطع لذلك، ويدخل فيه ~~القطع للسرقة؛ ولأن محل القطعين واحد، فتداخلا، كالقتلين. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: يتخير بين البداءة بحد الزنا وقطع السرقة؛ لأن كل ~~واحد منهما ثبت بنص القرآن، ثم يحد للشرب. ولنا أن حد الشرب أخف، فيقدم، ~~كحد القذف، ولا نسلم أن حد الشرب غير منصوص عليه، في السنة، ومجمع على ~~وجوبه، وهذا التقديم على سبيل الاستحباب. ولو بدأ بغيره، جاز ووقع الموقع. ~~ولا يوالي بين هذه الحدود؛ لأنه ربما أفضى إلى تلفه، بل متى برئ من حد أقيم ~~الذي يليه. # القسم الثاني: الحدود الخالصة للآدمي، وهو القصاص، وحد القذف، فهذه ~~تستوفى كلها، ويبدأ بأخفها، فيحد للقذف، ثم يقطع، ثم يقتل؛ لأنها حقوق ~~للآدميين أمكن استيفاؤها، فوجب، كسائر حقوقهم. وهذا قول الأوزاعي والشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: يدخل ما دون القتل فيه، احتجاجا بقول ابن مسعود، وقياسا ~~على الحدود الخالصة لله تعالى. ولنا أن ما دون القتل حق لآدمي، فلم يسقط به ~~كذنوبهم، وفارق حق الله تعالى، فإنه مبني على المسامحة. # القسم الثالث: أن تجتمع حدود الله وحدود الآدميين، وهذه ثلاثة أنواع؛ ~~أحدهما: أن لا يكون فيها قتل، فهذه تستوفى كلها. وبهذا قال أبو حنيفة ~~والشافعي وعن مالك أن حدي الشرب والقذف يتداخلان، لاستوائهما، فهما ~~كالقتلين والقطعين. ولنا أنهما حدان من جنسين، لا يفوت بهما المحل، فلم ~~يتداخلا، كحد الزنا والشرب، ولا نسلم استواءهما، # PageV09P155 # فإن حد الشرب أربعون وحد القذف ثمانون، وإن سلم استواؤهما، لم يلزم ~~تداخلهما؛ لأن ذلك لو اقتضى تداخلهما، لوجب دخولهما في حد الزنا؛ لأن الأقل ~~مما يتداخل يدخل في الأكثر، وفارق القتلين والقطعين؛ لأن المحل يفوت ~~بالأول، فيتعذر استيفاء الثاني وهذا بخلافه. فعلى هذا، يبدأ بحد القذف؛ ~~لأنه ms4961 اجتمع فيه معنيان: خفته، وكونه حقا لآدمي شحيح إلا إذا قلنا: حد الشرب ~~أربعون. فإنه يبدأ به؛ لخفته، ثم بحد القذف، وأيهما قدم، فالآخر يليه، ثم ~~بحد الزنا؛ فإنه لا إتلاف فيه، ثم بالقطع. هكذا ذكره القاضي. # وقال أبو الخطاب: يبدأ بالقطع قصاصا؛ لأنه حق آدمي متمحض، فإذا برئ حد ~~للقذف، إذا قلنا: هو حق آدمي ثم يحد للشرب فإذا برئ، حد للزنا؛ لأن حق ~~الآدمي يجب تقديمه لتأكده. النوع الثاني: أن تجتمع حدود لله تعالى وحدود ~~لآدمي، وفيها قتل فإن حدود الله تعالى تدخل في القتل، سواء كان من حدود ~~الله تعالى، كالرجم في الزنا، والقتل للمحاربة، أو الردة أو لحق آدمي، ~~كالقصاص؛ لما قدمناه. وأما حقوق الآدمي، فتستوفى كلها. ثم إن كان القتل حقا ~~لله تعالى، استوفيت الحقوق كلها متوالية؛ لأنه لا بد من فوات نفسه، فلا ~~فائدة في التأخير، وإن كان القتل حقا لآدمي، انتظر باستيفائه الثاني برؤه ~~من الأول لوجهين؛ أحدهما: أن الموالاة بينهما يحتمل أن تفوت نفسه قبل ~~القصاص، فيفوت حق الآدمي. والثاني: أن العفو جائز، فتأخيره يحتمل أن يعفو ~~الولي فيحيا، بخلاف القتل حقا لله سبحانه. النوع الثالث: أن يتفق الحقان في ~~محل واحد، ويكون تفويتا، كالقتل والقطع قصاصا وحدا؛ فإن كان فيه ما هو خالص ~~لحق الله تعالى، كالرجم في الزنا، وما هو حق لآدمي، كالقصاص، قدم القصاص، ~~لتأكد حق الآدمي. # وإن اجتمع القتل للقتل في المحاربة والقصاص، بدئ بأسبقهما؛ لأن القتل في ~~المحاربة فيه حق لآدمي أيضا، فيقدم أسبقهما، فإن سبق القتل في المحاربة، ~~استوفي، ووجب لولي المقتول الآخر ديته في مال الجاني، وإن سبق القصاص، قتل ~~قصاصا، ولم يصلب؛ لأن الصلب من تمام الحد، وقد سقط الحد بالقصاص، فسقط ~~الصلب، كما لو مات ويجب لولي المقتول في المحاربة ديته؛ لأن القتل تعذر ~~استيفاؤه، وهو قصاص، فصار الوجوب إلى الدية. وهكذا لو مات القاتل في ~~المحاربة، وجبت الدية في تركته؛ لتعذر استيفاء القتل من القاتل. ولو كان ~~القصاص سابقا، فعفا ولي المقتول، ms4962 استوفي للمحاربة، سواء عفا مطلقا، أو إلى ~~الدية وهذا مذهب الشافعي. وأما القطع: فإذا اجتمع وجوب القطع في يد أو رجل ~~قصاصا وحدا، قدم القصاص على الحد المتمحض لله تعالى؛ لما ذكرناه، سواء تقدم ~~سببه أو تأخر. وإن عفا ولي الجناية، استوفي الحد، فإذا قطع يدا وأخذ # PageV09P156 # المال في المحاربة، قطعت يده قصاصا، وينتظر برؤه، فإذا برئ قطعت رجله ~~للمحاربة؛ لأنهما حدان. # وإنما قدم القصاص في القطع دون القتل؛ لأن القطع في المحاربة حد محض، ~~وليس بقصاص، والقتل فيها يتضمن القصاص، ولهذا لو فات القتل في المحاربة، ~~وجبت الدية، ولو فات القطع، لم يجب له بدل. وإذا ثبت أنه يقدم القصاص على ~~القطع في المحاربة، فقطع يده قصاصا، فإن رجله تقطع. وهل تقطع يده الأخرى؟ ~~نظرنا؛ فإن كان المقطوع بالقصاص قد كان يستحق القطع بالمحاربة قبل الجناية ~~الموجبة للقصاص فيه، لم يقطع أكثر من العضو الباقي من العضوين اللذين استحق ~~قطعهما؛ لأن محل القطع ذهب بعارض حادث، فلم يجب قطع بدله، كما لو ذهبت ~~بعدوان أو بمرض. وعلى هذا لو ذهب العضوان جميعا، سقط القطع عنه بالكلية. # وإن كان سبب القطع قصاصا سابقا على محاربته، أو كان المقطوع غير العضو ~~الذي وجب قطعه في المحاربة، مثل أن وجب عليه القصاص في يساره بعد وجوب قطع ~~يمناه في المحاربة، فهل تقطع اليد الأخرى للمحاربة؟ على وجهين؛ بناء على ~~الروايتين في قطع يسرى السارق بعد قطع يمينه، إن قلنا: تقطع ثم. قطعت هاهنا ~~وإلا فلا. وإن سرق وأخذ المال في المحاربة، قطعت يده اليمنى لأسبقهما، فإن ~~كانت المحاربة سابقة، قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد، وحسمتا. ~~وهل تقطع يسرى يديه للسرقة؟ على الروايتين؛ فإن قلنا: تقطع. انتظر برؤه من ~~القطع للمحاربة؛ لأنهما حدان. وإن كانت السرقة سابقة، قطعت يمناه للسرقة، ~~ولا تقطع رجله للمحاربة حتى تبرأ يده. وهل تقطع يسرى يديه للمحاربة؟ على ~~وجهين. ### | [فصل سرق وقتل في المحاربة ولم يأخذ المال] # (7335) فصل: وإن سرق وقتل في المحاربة، ولم يأخذ ms4963 المال، قتل حتما، ولم ~~يصلب، ولم تقطع يده؛ لأنهما حدان فيهما قتل، فدخل ما دون القتل فيه، ولم ~~يصلب؛ لأن الصلب من تمام حد قاطع الطريق إذا أخذ المال مع القتل، ولم يوجد، ~~وهذان حدان، كل واحد منهما منفصل عن صاحبه، فإذا اجتمعا تداخلا. وإن قتل في ~~المحاربة جماعة، قتل بالأول حتما وللباقين ديات أوليائهم؛ لأن قتله استحق ~~بقتل الأول، وتحتم بحيث لا يسقط، فتعينت حقوق الباقين في الدية، كما لو ~~مات. ### | [فصل شهد عدلان على رجل أنه قطع عليهما الطريق وعلى فلان وأخذ متاعهم] # (7336) فصل: إذا شهد عدلان على رجل أنه قطع عليهما الطريق وعلى فلان، ~~وأخذ متاعهم، لم تقبل شهادتهما؛ لأنهما صارا خصمين له بقطعه عليهما، وإن ~~قالا: نشهد أن هذا قطع الطريق على فلان، وأخذ متاعه. قبلت شهادتهما، ولم ~~يسألهما الحاكم: هل قطع عليكما معه أم لا؟ لأنه لا يسألهما ما لم يدع ~~عليهما. وإن عاد المشهود له، فشهد عليه أنه قطع عليهما الطريق، وأخذ ~~متاعهما، لم تقبل شهادته؛ لأنه صار عدوا له بقطعه الطريق عليه. وإن شهد ~~شاهدان أن هؤلاء عرضوا لنا في الطريق، وقطعوها على فلان، قبلت شهادتهما؛ ~~لأنه لم يثبت كونهما خصمين بما ذكراه. # PageV09P157 ### | [كتاب الأشربة] ### | [مسألة من شرب مسكرا قل أو كثر جلد ثمانين جلدة إذا شربها وهو مختار لشربها] ### | [الفصل الأول كل مسكر حرام] # الخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقول الله تعالى {يا ~~أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه} [المائدة: 90] . إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] وأما ~~السنة: فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» . ~~رواه أبو داود، والإمام أحمد وروى عبد الله بن عمر، أن النبي قال: «لعن ~~الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، ~~وحاملها، والمحمولة إليه.» رواه أبو داود وثبت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر، وأجمعت الأمة على ~~تحريمه، وإنما حكي عن قدامة بن مظعون، وعمرو ms4964 بن معد يكرب، وأبي جندل بن ~~سهيل، أنهم قالوا: هي حلال؛ لقول الله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا} [المائدة: 93] الآية. فبين لهم علماء الصحابة ~~معنى هذه الآية، وتحريم الخمر، وأقاموا عليهم الحد؛ لشربهم إياها، فرجعوا ~~إلى ذلك، فانعقد الإجماع، فمن استحلها الآن فقد كذب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ لأنه قد علم ضرورة من جهة النقل تحريمه، فيكفر بذلك، ويستتاب، فإن ~~تاب، وإلا قتل. # روى الجوزجاني، بإسناده عن ابن عباس، أن قدامة بن مظعون شرب الخمر، فقال ~~له عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: إن الله عز وجل يقول: {ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} [المائدة: 93] . وإني من المهاجرين ~~الأولين من أهل بدر وأحد. فقال عمر للقوم: أجيبوا الرجل. فسكتوا عنه، فقال ~~لابن عباس: أجبه. فقال: إنما أنزلها الله تعالى عذرا للماضين، لمن شربها ~~قبل أن تحرم وأنزل: {إنما الخمر والميسر والأنصاب} [المائدة: 90] . حجة على ~~الناس. ثم سأل عمر عن الحد فيها فقال علي بن أبي طالب: إذا شرب هذى، وإذا ~~هذى افترى فاجلدوه ثمانين، فجلده عمر ثمانين جلدة. وروى الواقدي أن عمر قال ~~له: أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك. # وروى الخلال بإسناده عن محارب بن دثار، أن أناسا شربوا بالشام الخمر، ~~فقال لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر؟ قالوا: نعم، بقول الله تعالى: ~~{ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} [المائدة: 93] ~~الآية. فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه: إن أتاك كتابي هذا نهارا، ~~فلا تنتظر بهم إلى الليل، # PageV09P158 # وإن أتاك ليلا، فلا تنتظر بهم نهارا، حتى تبعث بهم إلي، لئلا يفتنوا عباد ~~الله. فبعث بهم إلى عمر، فشاور فيهم الناس، فقال لعلي: ما ترى؟ فقال: أرى ~~أنهم قد شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلال، ~~فاقتلهم، فقد أحلوا ما حرم الله، وإن زعموا أنها حرام، فاجلدوهم ثمانين ~~ثمانين، فقد افتروا على الله. وقد أخبرنا ms4965 الله عز وجل بحد ما يفتري بعضنا ~~على بعض.: فحدهم عمر ثمانين ثمانين إذا ثبت هذا، فالمجمع على تحريمه عصير ~~العنب، إذا اشتد وقذف زبده، وما عداه من الأشربة المسكرة، فهو محرم، وفيه ~~اختلاف نذكره - إن شاء الله تعالى - (7337) # (مسألة) قال: (ومن شرب مسكرا قل أو كثر، جلد ثمانين جلدة، إذا شربها وهو ~~مختار لشربها، وهو يعلم أن كثيرها يسكر) الكلام في هذه المسألة في فصول: ~~(7338) الفصل الأول: أن كل مسكر حرام، قليله وكثيره، وهو خمر حكمه حكم عصير ~~العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه. وروي تحريم ذلك عن عمر، وعلي، وابن ~~مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وأنس، وعائشة ~~- رضي الله عنهم - وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والقاسم، وقتادة، وعمر بن ~~عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وإسحاق. وقال أبو ~~حنيفة، في عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ وإن ~~لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة، والذرة والشعير، ونحو ذلك نقيعا كان أو ~~مطبوخا: كل ذلك حلال، إلا ما بلغ السكر، فأما عصير العنب إذا اشتد، وقذف ~~زبده، أوطبخ فذهب أقل من ثلثيه، ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ، ~~فهذا محرم، قليله وكثيره؛ لما روى ابن عباس، عن النبي قال: «حرمت الخمرة ~~لعينها، والمسكر من كل شراب» ولنا ما روى ابن عمر، قال: قال رسول الله: - ~~صلى الله عليه وسلم - «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» وعن جابر قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» رواهما أبو ~~داود، والأثرم، وغيرهما وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «كل مسكر حرام. قال: وما أسكر منه الفرق، فملء الكف منه حرام» ~~رواه أبو داود، وغيره وقال عمر - رضي الله عنه - نزل تحريم الخمر، وهي # PageV09P159 # من العنب والتمر والعسل، والحنطة والشعير. والخمر ما خامر العقل. متفق ~~عليه ولأنه مسكر، فأشبه عصير العنب. # فأما حديثهم، فقال أحمد: ليس في الرخصة ms4966 في المسكر حديث صحيح. وحديث ابن ~~عباس رواه سعيد عن مسعر، عن أبي عون، عن ابن شداد، عن ابن عباس. قال: ~~والمسكر من كل شراب. وقال ابن المنذر: جاء أهل الكوفة بأحاديث معلولة، ~~ذكرناها مع عللها. وذكر الأثرم أحاديثهم التي يحتجون بها عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - والصحابة، فضعفها كلها، وبين عللها. وقد قيل: إن خبر ابن ~~عباس موقوف عليه، مع أنه يحتمل أنه أراد بالسكر المسكر من كل شراب، فإنه ~~يروي هو وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كل مسكر حرام.» ### | [الفصل الثاني: حد من شرب قليلا من المسكر أو كثيرا] # (7339) الفصل الثاني: أنه يجب الحد على من شرب قليلا من المسكر أو كثيرا. ~~ولا نعلم بينهم خلافا في ذلك في عصير العنب غير المطبوخ، واختلفوا في ~~سائرها، فذهب إمامنا إلى التسوية بين عصير العنب وكل مسكر. وهو قول الحسن، ~~وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي. وقالت طائفة لا ~~يحد، إلا أن يسكر؛ منهم أبو وائل، والنخعي، وكثير من أهل الكوفة، وأصحاب ~~الرأي. وقال أبو ثور: من شربه معتقدا تحريمه حد. ومن شربه متأولا، فلا حد ~~عليه؛ لأنه مختلف فيه، فأشبه النكاح بلا ولي. # ولنا ما روي عن النبي أنه قال: «من شرب الخمر فاجلدوه.» رواه أبو داود، ~~وغيره. وقد ثبت أن كل مسكر خمر، فيتناول الحديث قليله وكثيره؛ ولأنه شراب ~~فيه شدة مطربة، فوجب الحد بقليله، كالخمر. والاختلاف فيه لا يمنع وجوب الحد ~~فيها؛ بدليل ما لو اعتقد تحريمها. وبهذا فارق النكاح بلا ولي ونحوه من ~~المختلف فيه، وقد حد عمر قدامة بن مظعون وأصحابه، مع اعتقادهم حل ما شربوه ~~والفرق بين هذا وبين سائر المختلف فيه من وجهين؛ أحدهما: أن فعل المختلف ~~فيه هاهنا داعية إلى فعل ما أجمع على تحريمه، وفعل سائر المختلف فيه يصرف ~~عن جنسه من المجمع على تحريمه. الثاني: أن السنة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد استفاضت بتحريم هذا المختلف فيه، فلم يبق فيه لأحد ms4967 عذر في اعتقاد ~~إباحته، بخلاف غيره من المجتهدات. قال أحمد بن القاسم: سمعت أبا عبد الله، ~~يقول: في تحريم المسكر عشرون وجها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~بعضها: «كل مسكر خمر» وبعضها: «كل مسكر حرام» . ### | [فصل ثرد في الخمر أو اصطبغ به أو طبخ به لحما فأكل من مرقته] # (7340) فصل: وإن ثرد في الخمر، أو اصطبغ به، أو طبخ به لحما فأكل من ~~مرقته، فعليه الحد؛ لأن عين الخمر موجودة، # PageV09P160 # وكذلك إن لت به سويقا فأكله. وإن عجن به دقيقا، ثم خبزه فأكله، لم يحد؛ ~~لأن النار أكلت أجزاء الخمر، فلم يبق إلا أثره. وإن احتقن بالخمر، لم يحد؛ ~~لأنه ليس بشرب ولا أكل؛ ولأنه لم يصل إلى حلقه، فأشبه ما لو داوى به جرحه، ~~وإن استعط به، فعليه الحد؛ لأنه أوصله إلى باطنه من حلقه، ولذلك نشر الحرمة ~~في الرضاع دون الحقنة. وحكي عن أحمد أن على من احتقن به الحد؛ لأنه أوصله ~~إلى جوفه، والأول أولى؛ لما ذكرناه. - والله أعلم -. ### | [الفصل الثالث حد شرب الخمر] # (7341) الفصل الثالث: في قدر الحد وفيه روايتان، إحداهما: أنه ثمانون. ~~وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ومن تبعهم؛ لإجماع الصحابة، فإنه روي ~~أن عمر استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف ~~الحدود ثمانين. فضرب عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد، وأبي عبيدة بالشام. ~~وروي أن عليا قال في المشورة: إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. فحدوه حد ~~المفتري. روى ذلك الجوزجاني، والدارقطني، وغيرهما. # والرواية الثانية، أن الحد أربعون. وهو اختيار أبي بكر، ومذهب الشافعي؛ ~~لأن عليا جلد الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال: «جلد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أربعين» وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة وهذا أحب إلي. رواه ~~مسلم.، وعن أنس قال: «أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل قد شرب ~~الخمر، فضربه بالنعال نحوا من أربعين» ، ثم أتي به أبو بكر، فصنع مثل ذلك، ~~ثم أتي به عمر، فاستشار الناس ms4968 في الحدود، فقال ابن عوف: أقل الحدود ثمانون. ~~فضربه عمر متفق عليه، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة لا يجوز تركه ~~بفعل غيره، ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي، وأبي بكر وعلي - رضي ~~الله عنهما -، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير، يجوز فعلها إذا رآه ~~الإمام. ### | [الفصل الرابع إلزام الحد لمن شرب باختياره] # (7342) الفصل الرابع: أن الحد إنما يلزم من شربها مختارا لشربها، فإن ~~شربها مكرها، فلا حد عليه، ولا إثم، سواء أكره بالوعيد والضرب، أو ألجئ إلى ~~شربها بأن يفتح فوه، وتصب فيه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «عفي ~~لأمتي عن الخطإ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» وكذلك المضطر إليها لدفع غصة ~~بها، إذا لم يجد مائعا سواها، فإن الله تعالى قال في آية التحريم: {فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة: 173] وإن شربها لعطش، نظرنا؛ ~~فإن كانت ممزوجة بما يروي من العطش، أبيحت لدفعه عند الضرورة، كما تباح ~~الميتة # PageV09P161 # عند المخمصة، وكإباحتها لدفع الغصة، وقد روينا في حديث عبد الله بن حذافة ~~أنه أسره الروم، فحبسه طاغيتهم في بيت فيه ماء ممزوج بخمر، ولحم خنزير ~~مشوي، ليأكله ويشرب الخمر، وتركه ثلاثة أيام، فلم يفعل، ثم أخرجوه حين خشوا ~~موته، فقال: والله لقد كان الله أحله لي، فإني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتكم ~~بدين الإسلام. وإن شربها صرفا، أو ممزوجة بشيء يسير لا يروي من العطش، أو ~~شربها للتداوي، لم يبح له ذلك، وعليه الحد. # وقال أبو حنيفة: يباح شربها لهما. وللشافعية وجهان، كالمذهبين. ووجه ~~ثالث: يباح شربها للتداوي دون العطش؛ لأنها حال ضرورة، فأبيحت فيها، لدفع ~~الغصة وسائر ما يضطر إليه. ولنا ما روى الإمام أحمد، بإسناده عن «طارق بن ~~سويد، أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنما أصنعها للدواء. ~~فقال إنه ليس بدواء، ولكنه داء» . وبإسناده عن مخارق، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - دخل على أم سلمة، وقد نبذت نبيذا في جرة، فخرج والنبيذ يهدر، ms4969 ~~فقال: " ما هذا؟ " فقالت: فلانة اشتكت بطنها، فنقعت لها، فدفعه برجله ~~فكسره، وقال: «إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء» ولأنه محرم لعينه، فلم ~~يبح للتداوي، كلحم الخنزير؛ ولأن الضرورة لا تندفع به فلم يبح، كالتداوي ~~بها فيما لا تصلح له. ### | [الفصل الخامس الحد يلزم من شرب الخمر عالما أن كثيرها يسكر] # (7343) الفصل الخامس: أن الحد إنما يلزم من شربها عالما أن كثيرها يسكر، ~~فأما غيره، فلا حد عليه؛ لأنه غير عالم بتحريمها، ولا قاصد إلى ارتكاب ~~المعصية بها، فأشبه من زفت إليه غير زوجته. وهذا قول عامة أهل العلم. فأما ~~من شربها غير عالم بتحريمها، فلا حد عليه أيضا؛ لأن عمر وعثمان قالا: لا حد ~~إلا على من علمه. ولأنه غير عالم بالتحريم، أشبه من لم يعلم أنها خمر. وإذا ~~ادعى الجهل بتحريمها نظرنا؛ فإن كان ناشئا ببلد الإسلام بين المسلمين، لم ~~تقبل دعواه؛ لأن هذا لا يكاد يخفى على مثله، فلا تقبل دعواه فيه. وإن كان ~~حديث عهد بإسلام، أو ناشئا ببادية بعيدة عن البلدان، قبل منه؛ لأنه يحتمل ~~ما قاله. ### | [فصل يثبت حد شرب الخمر بالإقرار والبينة] # (7344) فصل: ولا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين؛ الإقرار أو البينة. ~~ويكفي في الإقرار مرة واحدة. في قول عامة أهل العلم؛ لأنه حد لا يتضمن ~~إتلافا، فأشبه حد القذف. وإذا رجع عن إقراره قبل رجوعه؛ لأنه حد لله ~~سبحانه، فقبل رجوعه عنه، كسائر الحدود. ولا يعتبر مع الإقرار وجود رائحة. ~~وحكي عن أبي حنيفة، لا حد عليه، إلا أن توجد رائحة. ولا يصح؛ لأنه أحد ~~بينتي الشرب، فلم يعتبر # PageV09P162 # معه وجود الرائحة، كالشهادة؛ ولأنه قد يقر بعد زوال الرائحة عنه؛ ولأنه ~~إقرار بحد، فاكتفي به، كسائر الحدود. ### | [فصل لا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه] # (7345) فصل: ولا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه. في قول أكثر أهل ~~العلم؛ منهم الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي. وروى أبو طالب، عن أحمد، أنه ~~يحد بذلك. وهو قول مالك؛ لأن ابن ms4970 مسعود جلد رجلا وجد منه رائحة الخمر وروي ~~عن عمر أنه قال: إني وجدت من عبيد الله ريح شراب، فأقر أنه شرب الطلاء. ~~فقال عمر: إني سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته. ولأن الرائحة تدل على شربه، ~~فجرى مجرى الإقرار. والأول أولى؛ لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها، أو ~~حسبها ماء، فلما صارت في فيه مجها، أو ظنها لا تسكر، أو كان مكرها، أو أكل ~~نبقا بالغا، أو شرب شراب التفاح، فإنه يكون منه، كرائحة الخمر، وإذا احتمل ~~ذلك، لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات. وحديث عمر حجة لنا، فإنه لم يحده ~~بوجود الرائحة، ولو وجب ذلك، لبادر إليه عمر - والله أعلم -. ### | [فصل وجد سكران أو تقيأ الخمر] # (7346) فصل: وإن وجد سكران، أو تقيأ الخمر. فعن أحمد، لا حد عليه؛ ~~لاحتمال أن يكون مكرها، أو لم يعلم أنها تسكر. وهذا مذهب الشافعي. ورواية ~~أبي طالب عنه في الحد بالرائحة، يدل على وجوب الحد هاهنا بطريق الأولى؛ لأن ~~ذلك لا يكون إلا بعد شربها، فأشبه ما لو قامت البينة عليه بشربها. # وقد روى سعيد، حدثنا هشيم، حدثنا المغيرة، عن الشعبي، قال: لما كان من ~~أمر قدامة ما كان، جاء علقمة الخصي، فقال: أشهد أني رأيته يتقيؤها. فقال ~~عمر: من قاءها فقد شربها. فضربه الحد وروى حصين بن المنذر الرقاشي، قال: ~~شهدت عثمان، وأتي بالوليد بن عقبة، فشهد عليه حمران ورجل آخر، فشهد أحدهما ~~أنه رآه شربها، وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها. فقال عثمان: إنه لم يتقيأها ~~حتى شربها، فقال لعلي: أقم عليه الحد. فأمر علي عبد الله بن جعفر، فضربه. ~~رواه مسلم وفي رواية فقال له عثمان: لقد تنطعت في الشهادة. وهذا بمحضر من ~~علماء الصحابة وسادتهم، ولم ينكر، فكان إجماعا. ولأنه يكفي في الشهادة عليه ~~أنه شربها، ولا يتقيؤها أو لا يسكر منها حتى يشربها. ### | [فصل تثبت البينة في شرب الخمر بالعدول] # (7347) فصل: وأما البينة: فلا تكون إلا رجلين عدلين مسلمين، يشهدان أنه ~~مسكر، ولا يحتاجان إلى بيان نوعه؛ # PageV09P163 # لأنه ms4971 لا ينقسم إلى ما يوجب الحد وإلى ما لا يوجبه، بخلاف الزنا، فإنه ~~يطلق على الصريح وعلى دواعيه، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» فلهذا احتاج ~~الشاهدان إلى تفسيره، وفي مسألتنا لا يسمى غير المسكر مسكرا، فلم يفتقر إلى ~~ذكر نوعه. ولا يفتقر في الشهادة إلى ذكر عدم الإكراه، ولا ذكر علمه أنه ~~مسكر؛ لأن الظاهر الاختيار والعلم، وما عداهما نادر بعيد، فلم يحتج إلى ~~بيانه، ولذلك لم يعتبر ذلك في شيء من الشهادات، ولم يعتبره عثمان في ~~الشهادة على الوليد بن عقبة، ولا اعتبره عمر في الشهادة على قدامة بن ~~مظعون، ولا في الشهادة على المغيرة بن شعبة، ولو شهدا بعتق أو طلاق، لم ~~يفتقر إلى ذكر الاختيار، كذا هاهنا. ### | [مسألة مات شارب الخمر في جلده] # (7348) مسألة: قال: (فإن مات في جلده، فالحق قتله. يعني: ليس على أحد ~~ضمانه) وهذا قول مالك، وأصحاب الرأي. وبه قال الشافعي إن لم يزد على ~~الأربعين، وإن زاد على الأربعين فمات، فعليه الضمان؛ لأن ذلك تعزير، إنما ~~يفعله الإمام برأيه، وفي قدر الضمان قولان؛ # PageV09P164 # أحدهما: نصف الدية؛ لأنه تلف من فعلين؛ مضمون، وغير مضمون، فكان عليه نصف ~~الضمان. والثاني: تقسط الدية على عدد الضربات كلها، فيجب من الدية بقدر ~~زيادته على الأربعين. وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ما كنت لأقيم ~~حدا على أحد فيموت، فأجد في نفسي منه شيئا، إلا صاحب الخمر، ولو مات وديته؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسنه لنا. # ولنا أنه حد وجب لله، فلم يجب ضمان من مات به، كسائر الحدود، وما زاد على ~~الأربعين قد ذكرنا أنه من الحد، وإن كان تعزيرا، فالتعزير يجب، فهو بمنزلة ~~الحد. وأما حديث علي، فقد صح عنه أنه قال: «جلد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أربعين وأبو بكر أربعين» وثبت الحد بالإجماع، فلم تبق فيه شبهة. # (7349) فصل: ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في سائر الحدود، ms4972 أنه إذا أتي ~~بها على الوجه المشروع، من غير زيادة، أنه لا يضمن من تلف بها؛ وذلك لأنه ~~فعلها بأمر الله. وأمر رسوله، فلا يؤاخذ به؛ ولأنه نائب عن الله تعالى، ~~فكان التلف منسوبا إلى الله تعالى. وإن زاد على الحد فتلف، وجب الضمان، ~~بغير خلاف نعلمه؛ لأنه تلف بعدوانه، فأشبه ما لو ضربه في غير الحد. # قال أبو بكر: وفي قدر الضمان قولان؛ أحدهما: كمال الدية؛ لأنه قتل حصل من ~~جهة الله وعدوان الضارب، فكان الضمان على العادي، كما لو ضرب مريضا سوطا ~~فمات به؛ ولأنه تلف بعدوان وغيره، فأشبه ما لو ألقى على سفينة موقرة حجرا ~~فغرقها. والثاني: عليه نصف الضمان؛ لأنه تلف بفعل مضمون وغير مضمون، فكان ~~الواجب نصف الدية، كما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات. وبهذا قال أبو حنيفة، ~~ومالك، والشافعي في أحد قوليه. وقال في الآخر: يجب من الدية بقسط ما تعدى ~~به، تقسط الدية على الأسواط كلها، وسواء زاد خطأ أو عمدا؛ لأن الضمان يجب ~~في الخطإ والعمد، ثم ينظر؛ فإن كان الجلاد زاده من عند نفسه بغير أمر، ~~فالضمان على عاقلته؛ لأن العدوان منه، وكذلك إن قال الإمام له: اضرب ما ~~شئت. فالضمان على عاقلته. وإن كان له من يعد عليه، فزاد في العدد، ولم ~~يخبره، فالضمان على من يعد، سواء تعمد ذلك، أو أخطأ في العدد؛ لأن الخطأ ~~منه. # وإن أمره الإمام بالزيادة على الحد، فزاد، فقال القاضي: الضمان على ~~الإمام. وقياس المذهب أنه إن اعتقد وجوب طاعة الإمام، وجهل تحريم الزيادة، ~~فالضمان على الإمام، وإن كان عالما بذلك، فالضمان عليه، كما لو أمره الإمام ~~بقتل رجل ظلما فقتله. وكل موضع قلنا: يضمن الإمام. فهل يلزم عاقلته أو بيت ~~المال؟ فيه روايتان؛ إحداهما: هو في بيت المال؛ لأن خطأه يكثر، فلو وجب ~~ضمانه على عاقلته، أجحف بهم. قال القاضي: هذا أصح. والثانية: هو على ~~عاقلته؛ لأنها وجبت بخطئه، فكانت على عاقلته، كما لو رمى صيدا فقتل آدميا. ~~ويحتمل أن تكون الروايتان ms4973 إنما هما فيما إذا وقعت الزيادة منه خطأ، أما إذا ~~تعمدها، فهذا ظلم قصده، فلا وجه لتعلق ضمانه ببيت المال بحال، كما لو تعمد ~~جلد من لا حد عليه. # وأما الكفارة التي تلزم الإمام، فلا يحملها عنه غيره؛ لأنها عبادة، فلا ~~تتعلق بغير من وجد منه سببها؛ ولأنها كفارة لفعله، فلا تحصل إلا بتحمله ~~إياها، ولهذا لا يدخلها التحمل بحال. ### | [فصل لا يقام الحد على السكران حتى يصحو] # (7350) فصل: ولا يقام الحد على السكران حتى يصحو. روي هذا عن عمر بن عبد ~~العزيز، والشعبي. وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي؛ لأن المقصود الزجر ~~والتنكيل، وحصوله بإقامة الحد عليه في صحوه أتم، فينبغي أن يؤخر إليه. ### | [فصل حد السكر الذي يحصل به فسق شارب النبيذ] # (7351) فصل: وحد السكر الذي يحصل به فسق شارب النبيذ، ويختلف معه في وقوع ~~طلاقه، ويمنع صحة الصلاة منه، هو الذي يجعله يخلط في كلامه ما لم يكن قبل ~~الشرب، ويغيره عن حال صحوه، ويغلب على عقله، # PageV09P165 # ولا يميز بين ثوبه وثوب غيره عند اختلاطهما، ولا بين نعله ونعل غيره. ~~ونحو هذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وزعم أبو حنيفة، أن ~~السكران هو الذي لا يعرف السماء من الأرض، ولا الرجل من المرأة. # ولنا قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] . نزلت في أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حين قدموا رجلا منهم في الصلاة، فصلى بهم، وترك في قراءته ما ~~غير المعنى وقد كانوا قاموا إلى الصلاة عالمين بها، وعرفوا إمامهم وقدموه ~~ليؤمهم، وقصد إمامتهم، والقراءة لهم، وقصدوا الائتمام به، وعرفوا أركان ~~الصلاة، فأتوا بها، ودلت الآية على أنه ما لم يعلم ما يقول، فهو سكران. ~~وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بسكران فقال: " ما شربت؟ ". ~~فقال: ما شربت إلا الخليطين وأتي بآخر سكران، فقال: ألا أبلغ رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أني ما سرقت، ولا زنيت، فهؤلاء قد عرفوا ms4974 رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - واعتذروا إليه، وهم سكارى. # وفي حديث حمزة عم النبي - صلى الله عليه وسلم - حين غنته قينة وهو سكران: # ألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء # وكان علي أناخ شارفين له بفناء البيت الذي فيه حمزة، فقام إليها فبقر ~~بطونها، واجتث أسنمتها، فذهب علي فاستعدى عليه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا حمزة محمرة عيناه، ~~فلامه النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إليه وإلى زيد بن حارثة، فقال: ~~وهل أنتم إلا عبيد لأبي، فانصرف عنه رسول الله، فقد فهم ما قالت القينة في ~~غنائها، وعرف الشارفين وهو في غاية سكره. ولأن المجنون الذاهب العقل ~~بالكلية يعرف السماء من الأرض، والرجل من المرأة، مع ذهاب عقله، ورفع القلم ~~عنه. # PageV09P166 ### | [مسألة كيفية وصفة إقامة الحد على المحدود] ### | [المسألة الأولى أن الرجل يضرب الحد قائما] # (7352) مسألة: قال (ويضرب الرجل في سائر الحدود قائما بسوط لا خلق ولا ~~جديد، ولا يمد، ولا يربط، ويتقى وجهه) . وقوله: في سائر الحدود. يعني جميع ~~الحدود التي فيها الضرب، وفي هذه المسألة ثلاث مسائل: (7353) المسألة ~~الأولى: أن الرجل يضرب قائما. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك: ~~يضرب جالسا. رواه حنبل، عن أحمد؛ لأن الله تعالى لم يأمر بالقيام؛ ولأنه ~~مجلود في حد، فأشبه المرأة. # ولنا قول علي - رضي الله عنه -: لكل موضع في الجسد حظ - يعني في الحد - ~~إلا الوجه والفرج. وقال للجلاد: اضرب، وأوجع، واتق الرأس والوجه. ولأن ~~قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب، وقوله: إن الله لم يأمر ~~بالقيام. قلنا: ولم يأمر بالجلوس، ولم يذكر الكيفية، فعلمناها من دليل آخر، ~~ولا يصح قياس الرجل على المرأة في هذا؛ لأن المرأة يقصد سترها، ويخشى ~~هتكها. إذا ثبت هذا، فإن الضرب يفرق على جميع جسده؛ ليأخذ كل عضو منه حصته، ~~ويكثر منه في مواضع اللحم، كالأليتين والفخذين، ويتقي المقاتل، وهي الرأس ~~والوجه والفرج، من الرجل والمرأة جميعا. وقال مالك: يضرب ms4975 الظهر، وما ~~يقاربه. وقال أبو يوسف: يضرب الرأس أيضا؛ لأن عليا لم يستثنه. # ولنا على مالك قول علي؛ ولأن ما عدا الأعضاء الثلاثة ليس بمقتل، فأشبهت ~~الظهر. وعلى أبي يوسف، أن الرأس مقتل، فأشبه الوجه؛ ولأنه ربما ضربه في ~~رأسه، فذهب بسمعه وبصره وعقله، أو قتله، والمقصود أدبه لا قتله. # وقولهم: لم يستثنه علي ممنوع فقد ذكرنا عنه، أنه قال: اتق الرأس والوجه، ~~ولو لم يذكره صريحا، فقد ذكره دلالة؛ لأنه في معنى ما استثناه، فيقاس عليه. ### | [المسألة الثانية صفة جلد الحدود] # (7354) المسألة الثانية: أنه لا يمد، ولا يربط. ولا نعلم عنهم في هذا ~~خلافا. قال ابن مسعود: ليس في ديننا مد، ولا قيد، ولا تجريد. وجلد أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا ~~تجريد. ولا تنزع عنه ثيابه، بل يكون عليه الثوب والثوبان. وإن كان عليه فرو ~~أوجبة محشوة، نزعت عنه؛ لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب. قال أحمد: لو ~~تركت عليه ثياب الشتاء ما بالى بالضرب. # وقال مالك: يجرد؛ لأن الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه. ولنا قول ابن ~~مسعود، ولم نعلم عن أحد من الصحابة خلافه، والله تعالى لم يأمر بتجريده، ~~إنما أمر بجلده، ومن جلد من فوق الثوب فقد جلد. # PageV09P167 ### | [المسألة الثالثة الضرب بالسوط في الحدود] # (7355) المسألة الثالثة أن الضرب بالسوط. ولا نعلم بين أهل العلم خلافا ~~في هذا، في غير حد الخمر. فأما حد الخمر، فقال بعضهم: يقام بالأيدي والنعال ~~وأطراف الثياب. # وذكر بعض أصحابنا أن للإمام فعل ذلك إذا رآه؛ لما روى أبو هريرة، «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي برجل قد شرب، فقال: اضربوه قال: فمنا ~~الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه» . رواه أبو داود ولنا أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال «إذا شرب الخمر، فاجلدوه» والجلد إنما يفهم من ~~إطلاقه الضرب بالسوط؛ ولأنه أمر بجلده، كما أمر الله تعالى بجلد الزاني، ~~فكان بالسوط مثله، والخلفاء الراشدون ضربوا بالسياط، وكذلك ms4976 غيرهم، فكان ~~إجماعا. # فأما حديث أبي هريرة: فكان في بدء الأمر، ثم جلد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - واستقرت الأمور، فقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلد ~~أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وجلد علي الوليد بن عقبة ~~أربعين وفي حديث جلد قدامة، حين شرب، أن عمر قال: ائتوني بسوط. فجاءه أسلم ~~مولاه بسوط دقيق صغير، فأخذه عمر، فمسحه بيده، ثم قال لأسلم: أنا أحدثك، ~~إنك ذكرت قرابته لأهلك، ائتني بسوط غير هذا. فأتاه به تاما، فأمر عمر ~~بقدامة فجلد إذا ثبت هذا، فإن السوط يكون وسطا، لا جديدا فيجرح، ولا خلقا ~~فيقل ألمه؛ لما روي «أن رجلا اعترف عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالزنا، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسوط، فأتي بسوط مكسور، ~~فقال: فوق هذا. فأتي بسوط جديد لم تكسر ثمرته. فقال: بين هذين.» رواه مالك ~~عن زيد بن أسلم مرسلا. وروي عن أبي هريرة مسندا. وقد روي عن علي - رضي الله ~~عنه - أنه قال: ضرب بين ضربين، وسوط بين سوطين وهكذا الضرب يكون وسطا، لا ~~شديد فيقتل، ولا ضعيف فلا يردع. ولا يرفع باعه كل الرفع، ولا يحطه فلا ~~يؤلم. قال أحمد: لا يبدي إبطه في شيء من الحدود. يعني: لا يبالغ في رفع ~~يده، فإن المقصود أدبه، لا قتله. ### | [مسألة كيفية إقامة الحد على المرأة] # (7356) مسألة: قال: (وتضرب المرأة جالسة، وتمسك يداها، لئلا تنكشف) وبهذا ~~قال أبو حنيفة، والشافعي، ومالك. وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: تحد قائمة، ~~كما تلاعن. ولنا ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: تضرب المرأة ~~جالسة والرجل قائما؛ ولأن المرأة عورة، وجلوسها أستر لها. ويفارق اللعان، ~~فإنه لا يؤدي إلى كشف العورة، وتشد عليها ثيابها؛ لئلا ينكشف شيء من عورتها ~~عند الضرب. # PageV09P168 ### | [فصل أشد الضرب في الحدود] # (7357) فصل: أشد الضرب في الحد ضرب الزاني، ثم حد القذف، ثم حد الشرب، ثم ~~التعزير. وقال مالك: كلها واحد؛ لأن الله تعالى أمر ms4977 بجلد الزاني والقاذف ~~أمرا واحدا، ومقصود جميعها واحد، وهو الزجر، فيجب تساويها في الصفة. وعن ~~أبي حنيفة: # «التعزير أشدها، ثم حد الزاني، ثم حد الشرب، ثم حد القذف. ولنا» أن الله ~~تعالى خص الزاني بمزيد تأكيد، بقوله سبحانه: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين ~~الله} [النور: 2] فاقتضى ذلك مزيد تأكيد فيه، ولا يمكن ذلك في العدد، فتعين ~~جعله في الصفة؛ ولأن ما دونه أخف منه عددا، فلا يجوز أن يزيد عليه في ~~إيلامه ووجعه؛ لأنه يفضي إلى التسوية بينهما، أو زيادة القليل على ألم ~~الكثير. ### | [مسألة يجلد العبد والأمة أربعين بدون سوط الحر] # (7358) مسألة: قال: (ويجلد العبد والأمة أربعين، بدون سوط الحر) . هذا ~~على الرواية التي تقول: إن حد الحر في الشرب ثمانون. فحد العبد والأمة ~~نصفها أربعون. # وعلى الرواية الأخرى، حدهما عشرون، نصف حد الحر، بدون سوط الحر؛ لأنه لما ~~خفف عنه في عدده؛ خفف عنه في صفته، كالتعزير مع الحد. ويحتمل أن يكون سوطه ~~كسوط الحر؛ لأنه إنما يتحقق التنصيف إذا كان السوط مثل السوط، أما إذا كان ~~نصفا في عدده، وأخف منه في سوطه، كان أقل من النصف، والله تعالى قد أوجب ~~النصف، بقوله تعالى: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] ~~. ### | [فصل لا تقام الحدود في المساجد] # (7359) فصل: ولا تقام الحدود في المساجد. وبهذا قال عكرمة، والشعبي، وأبو ~~حنيفة، ومالك، والشافعي، وإسحاق. وكان ابن أبي ليلى يرى إقامته في المسجد. ~~ولنا ما روى حكيم بن حزام، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن ~~يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود» وروي عن ~~عمر، أنه أتي برجل، فقال: أخرجاه من المسجد، فاضرباه، وعن علي أنه أتي ~~بسارق، فقال: يا قنبر، أخرجه من المسجد، فاقطع يده. ولأن # PageV09P169 # المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت للصلاة، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى، ~~ولا نأمن أن يحدث من المحدود حدث فينجسه ويؤذيه، وقد أمر الله تعالى ~~بتطهيره، فقال {وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} [الحج: ms4978 26] . ### | [مسألة قال والعصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام] # (7360) مسألة: قال: (والعصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام فقد حرم، إلا أن ~~يغلى قبل ذلك، فيحرم) أما إذا غلي العصير كغليان القدر، وقذف بزبده، فلا ~~خلاف في تحريمه وإن أتت عليه ثلاثة أيام ولم يغل، فقال أصحابنا: هو حرام. # وقال أحمد: اشربه ثلاثا، ما لم يغل، فإذا أتى عليه أكثر من ثلاثة أيام، ~~فلا تشربه. وأكثر أهل العلم يقولون: هو مباح ما لم يغل ويسكر؛ لقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «اشربوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرا» . ~~رواه أبو داود. ولأن علة تحريمه الشدة المطربة، وإنما ذلك في المسكر خاصة. ~~ولنا ما روى أبو داود، بإسناده عن ابن عباس، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان ينبذ له الزبيب، فيشربه اليوم والغد وبعد الغد، إلى مساء ~~الثالثة، ثم يأمر به فيسقى الخدم، أو يهراق» وروى الشالنجي بإسناده عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اشربوا العصير ثلاثا، ما لم يغل» ~~وقال ابن عمر: اشربه ما لم يأخذه شيطانه. قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال: ~~في ثلاث ولأن الشدة تحصل في الثلاث غالبا، وهي خفية تحتاج إلى ضابط، فجاز ~~جعل الثلاث ضابطا لها. # ويحتمل أن يكون شربه فيما زاد على الثلاثة إذا لم يغل مكروها غير محرم، ~~فإن أحمد لم يصرح بتحريمه، وقال في موضع: أكرهه. وذلك لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يكن يشربه بعد ثلاث. وقال أبو الخطاب: عندي أن كلام أحمد في ~~ذلك محمول على عصير الغالب أنه يتخمر في ثلاثة أيام. ### | [مسألة النبيذ إذا ترك ثلاثة أيام] # (7361) مسألة: قال: (وكذلك النبيذ) يعني: أن النبيذ مباح ما لم يغل، أو ~~تأتي عليه ثلاثة أيام. والنبيذ: ما يلقى فيه تمر أو زبيب أو نحوهما؛ ليحلو ~~به الماء، وتذهب ملوحته، فلا بأس به ما لم يغل، أو تأتي عليه ثلاثة أيام؛ ~~لما روينا عن ابن عباس. وقال أبو هريرة: «علمت أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان ms4979 يصوم، فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به، # PageV09P170 # فإذا هو ينش. فقال: اضرب بهذا الحائط؛ فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر» رواه أبو داود ولأنه إذا بلغ ذلك صار مسكرا، وكل مسكر حرام. ### | [فصل حكم الخمر] # (7362) فصل: والخمر نجسة. في قول عامة أهل العلم؛ لأن الله تعالى حرمها ~~لعينها، فكانت نجسة، كالخنزير. وكل مسكر فهو حرام، نجس؛ لما ذكرنا. ### | [فصل ما طبخ من العصير والنبيذ قبل غليانه حتى صار غير مسكر كالدبس] # (7363) فصل: وما طبخ من العصير والنبيذ قبل غليانه، حتى صار غير مسكر، ~~كالدبس، ورب الخرنوب، وغيرهما من المربيات والسكر، فهو مباح؛ لأن التحريم ~~إنما ثبت في المسكر، ففيما عداه يبقى على أصل الإباحة وما أسكر كثيره ~~فقليله حرام، سواء ذهب منه الثلثان، أو أقل، أو أكثر. قال أبو داود: سألت ~~أحمد، عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه؟ قال: لا بأس به. قيل لأحمد: ~~إنهم يقولون: إنه يسكر. قال: لا يسكر، ولو كان يسكر ما أحله عمر. ### | [فصل لا بأس بالفقاع] # (7364) فصل: ولا بأس بالفقاع وبه قال إسحاق، وابن المنذر. ولا أعلم فيه ~~خلافا؛ لأنه لا يسكر، وإذا ترك يفسد، بخلاف الخمر، والأشياء على الإباحة، ~~ما لم يرد بتحريمها حجة. ### | [فصل الانتباذ في الأوعية] # (7365) فصل: ويحوز الانتباذ في الأوعية كلها. وعن أحمد، أنه كره الانتباذ ~~في الدباء والحنتم والنقير والمزفت؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن الانتباذ فيها والدباء: وهو اليقطين. والحنتم: الجرار. # PageV09P171 # والنقير: الخشب. والمزفت: الذي يطلى بالزفت. والصحيح الأول؛ لما روى ~~بريدة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «نهيتكم عن ثلاث، وأنا ~~آمركم بهن؛ نهيتكم عن الأشربة أن لا تشربوا إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في ~~كل وعاء، ولا تشربوا مسكرا» رواه مسلم. وهذا دليل على نسخ النهي، ولا حكم ~~للمنسوخ. ### | [فصل يكره الخليطان] # (7366) فصل: ويكره الخليطان، وهو أن ينبذ في الماء شيئان؛ «لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخليطين» ، وقال أحمد: الخليطان حرام. ms4980 وقال ~~في الرجل ينقع الزبيب، والتمر الهندي، والعناب ونحوه، ينقعه غدوة، ويشربه ~~عشية للدواء: أكرهه؛ لأنه نبيذ، ولكن يطبخه ويشربه على المكان. وقد روى أبو ~~داود بإسناده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى أن ينبذ البسر ~~والرطب جميعا، ونهى أن ينبذ الزبيب والتمر جميعا.» وفي رواية: وانتبذ كل ~~واحد على حدة ". وعن أبي قتادة، قال «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يجمع بين التمر والزهو، والتمر والزبيب، ولينبذ كل واحد منهما على حدة» . ~~متفق عليه قال القاضي: يعني أحمد بقوله: هو حرام. إذا اشتد وأسكر، وإذا لم ~~يسكر لم يحرم. # وهذا هو الصحيح - إن شاء الله تعالى - وإنما نهى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لعلة إسراعه إلى السكر المحرم، فإذا لم يوجد، لم يثبت التحريم، كما ~~أنه - عليه السلام - نهى عن الانتباذ في الأوعية المذكورة لهذه العلة، ثم ~~أمرهم بالشرب فيها، ما لم توجد حقيقة الإسكار، وقد دل على صحة هذا ما روي ~~عن عائشة، قالت: «كنا ننبذ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنأخذ قبضة ~~من تمر، وقبضة من زبيب، فنطرحها فيه، ثم نصب عليها الماء، فننبذه غدوة، ~~فيشربه عشية، وننبذه عشية، فيشربه غدوة.» رواه ابن ماجه، وأبو داود. فلما ~~كانت مدة الانتباذ قريبة، وهي يوم وليلة، لا يتوهم الإسكار فيها لم يكره، ~~ولو كان مكروها لما فعل هذا في بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - له. فعلى ~~هذا، لا يكره ما كان في المدة اليسيرة، ويكره ما كان في مدة يحتمل إفضاؤه ~~إلى الإسكار، ولا يثبت التحريم ما لم يغل، أو تمضي عليه ثلاثة أيام. ### | [مسألة الخمرة إذا أفسدت فصيرت خلا] # (7367) مسألة: قال: (والخمرة إذا أفسدت، فصيرت خلا، لم تزل عن تحريمها، ~~وإن قلب الله عينها فصارت خلا، فهي حلال) روي هذا عن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - وبه قال الزهري ونحوه قول مالك. # وقال الشافعي: إن ألقي فيها شيء يفسدها كالملح، فتخللت، فهي على تحريمها، ~~وإن نقلت من شمس إلى ظل، أو ms4981 من ظل إلى شمس فتخللت، ففي إباحتها قولان. وقال ~~أبو حنيفة: تطهر في الحالين؛ لأن علة تحريمها زالت بتخليلها فطهرت، # PageV09P172 # كما لو تخللت بنفسها، يحققه أن التطهير لا فرق فيه بين ما حصل بفعل الله ~~تعالى وفعل الآدمي، كتطهير الثوب والبدن والأرض. ونحو هذا قول عطاء، وعمرو ~~بن دينار، والحارث العكلي. وذكره أبو الخطاب وجها في مذهبنا، فقال: وإن ~~خللت لم تطهر. وقيل: تطهر. # ولنا ما روى أبو سعيد، قال: «كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة، ~~سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إنه ليتيم؟ ~~قال: أهريقوه» رواه الترمذي وقال حديث حسن. وعن أنس قال: «سئل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنتخذ الخمر خلا؟ قال: لا» قال الترمذي: هذا حديث حسن ~~صحيح. ورواه مسلم. وعن أبي طلحة، «أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~أيتام ورثوا خمرا؟ فقال: أهرقها قال: أفلا أخللها؟ قال: لا» رواه أبو داود. ~~وهذا نهي يقتضي التحريم، ولو كان إلى استصلاحها سبيل، لم تجز إراقتها، بل ~~أرشدهم إليه، سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم؛ ولأنه إجماع ~~الصحابة، فروي # أن عمر - رضي الله عنه - صعد المنبر، فقال: لا يحل خل خمر أفسدت، حتى ~~يكون الله تعالى هو تولى إفسادها. ولا بأس على مسلم ابتاع من أهل الكتاب ~~خلا، ما لم يتعمد لإفسادها، فعند ذلك يقع النهي. رواه أبو عبيد في " ~~الأموال " بنحو من هذا المعنى. وهذا قول يشتهر؛ لأنه خطب به الناس على ~~المنبر، فلم ينكر. فأما إذا انقلبت بنفسها، فإنها تطهر وتحل، في قول جميعهم ~~فقد روي عن جماعة من الأوائل، أنهم اصطبغوا بخل خمر؛ منهم علي، وأبو ~~الدرداء، وابن عمر، وعائشة. ورخص فيه الحسن، وسعيد بن جبير وليس في شيء من ~~أخبارهم أنهم اتخذوه خلا، ولا أنه انقلب بنفسه، لكن قد بينه عمر بقوله: لا ~~يحل خل خمر أفسدت، حتى يكون الله هو يتولى إفسادها. ولأنها إذا انقلبت ~~بنفسها، فقد زالت علة تحريمها، من غير علة خلفتها، ms4982 فطهرت، كالماء إذا زال ~~تغيره بمكثه. # وإذا ألقي فيها شيء تنجس بها، ثم إذا انقلبت، بقي ما ألقي فيها نجسا، ~~فنجسها وحرمها. فأما إن نقلها من موضع إلى آخر، فتخللت من غير أن يلقي فيها ~~شيئا، فإن لم يكن قصد تخليلها، حلت بذلك؛ لأنها تخللت بفعل الله تعالى ~~فيها. وإن قصد بذلك تخليلها، احتمل أن تطهر؛ لأنه لا فرق بينهما إلا القصد، ~~فلا يقتضي تحريمها ويحتمل أن لا تطهر؛ لأنها خللت، فلم تطهر، كما لو ألقي ~~فيها شيء. ### | [مسألة الشرب في آنية الذهب والفضة] # (7368) مسألة: قال: (والشرب في آنية الذهب والفضة حرام) هذا قول أكثر أهل ~~العلم. وحكي عن معاوية بن قرة أنه قال: لا بأس بالشرب من قدح فضة. وحكي # PageV09P173 # عن الشافعي قول أنه مكروه غير محرم؛ لأن النهي لما فيه من التشبه ~~بالأعاجم، فلا يقتضي التحريم. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الذي ~~يشرب في آنية الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» . وقال: «لا تشربوا في ~~آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في ~~الآخرة» أخرجهما البخاري ومقتضى نهيه التحريم، وقد توعد عليه بنار جهنم فإن ~~معنى قوله: " تجرجر في بطنه نار جهنم ". أي هذا سبب لنار جهنم؛ لقول الله ~~تعالى {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} ~~[النساء: 10] فلم يبق في تحريمه إشكال. وقد روي أن حذيفة استسقى، فأتاه ~~دهقان بإناء من فضة، فرماه به فلو أصابه لكسر منه شيئا، ثم قال: إنما رميته ~~به؛ لأنني نهيته عنه، وذكر هذا الخبر. وهذا يدل على أنه فهم التحريم من نهي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى استحل عقوبته، لمخالفته إياه. ### | [فصل اتخاذ الآنية من الذهب والفضة واستصناعها] # (7369) فصل: ويحرم اتخاذ الآنية من الذهب والفضة، واستصناعها؛ لأن ما حرم ~~استعماله، حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال، كالطنبور، والمزمار. ويستوي في ~~ذلك الرجال والنساء؛ لعموم الحديث؛ ولأن علة تحريمها السرف والخيلاء وكسر ~~قلوب الفقراء، وهذا معنى يشمل الفريقين، وإنما ms4983 أبيح للنساء التحلي للحاجة ~~إلى التزين للأزواج، فتختص الإباحة به دون غيره. فإن قيل: لو كانت العلة ما ~~ذكرتم، لحرمت آنية الياقوت ونحوه مما هو أرفع من الأثمان. قلنا: تلك لا ~~يعرفها الفقراء، فلا تنكسر قلوبهم باتخاذ الأغنياء لها، لعدم معرفتهم بها؛ ~~ولأن قلتها في نفسها تمنع اتخاذها، فيستغنى بذلك عن تحريمها، بخلاف ~~الأثمان. ### | [مسألة كان قدح عليه ضبة فشرب من غير موضع الضبة] # (7370) مسألة: قال: (وإن كان قدح عليه ضبة، فشرب من غير موضع الضبة، فلا ~~بأس) وجملة ذلك أن الضبة من الفضة تباح بثلاثة شروط؛ أحدها: أن تكون يسيرة. ~~الثاني: أن تكون من الفضة، فأما الذهب: فلا يباح، وقليله وكثيره حرام. وروي ~~عن أبي بكر، أنه رخص في يسير الذهب. # PageV09P174 # الثالث: أن يكون للحاجة، أعني أنه جعلها لمصلحة وانتفاع، مثل أن تجعل على ~~شق أو صدع، وإن قام غيرها مقامها. # وقال القاضي: ليس هذا بشرط، ويجوز اليسير من غير حاجة، إذا لم يباشر ~~بالاستعمال، وإنما كره أحمد الحلقة ونحوها؛ لأنها تباشر بالاستعمال. وممن ~~رخص في ضبة الفضة سعيد بن جبير، وميسرة، وزاذان، وطاوس، والشافعي، وأبو ~~ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وإسحاق، وقال: قد وضع عمر بن عبد العزيز ~~فاه بين ضبتين.، وكان ابن عمر لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة منها ~~وكره الشرب في الإناء المفضض علي بن الحسين، وعطاء، وسالم، والمطلب بن عبد ~~الله بن حنطب ونهت عائشة أن يضبب الآنية، أو يحلقها بالفضة، ونحو ذلك قول ~~الحسن، وابن سيرين ولعل هؤلاء كرهوا ما قصد به الزينة، أو كان كثيرا، أو ~~يستعمل، فيكون قولهم وقول الأولين واحدا، ولا يكون في المسألة خلاف، فأما ~~اليسير: كتشعيب القدح ونحوه، فلا بأس؛ ولأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان له قدح فيه سلسلة من فضة شعب بها» . رواه البخاري بمعناه. ولأن ذلك ~~يسير من الفضة، فأشبه الخاتم. وكره أحمد أن يباشر موضع الضبة بالاستعمال، ~~فلا يشرب من موضع الضبة؛ لأنه يصير كالشارب من إناء فضة، وكره الحلقة ms4984 من ~~فضة؛ لأن القدح يرفع بها، فيباشرها بالاستعمال، وكذلك ما أشبهه. ### | [فصل استعمال قبيعة السيف من فضة] # (7371) فصل: ولا بأس بقبيعة السيف من فضة لما روى أنس، قال: «كانت قبيعة ~~سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضة.» رواه الأثرم، وأبو داود، ~~والترمذي، وقال: حديث حسن. وقال هشام بن عروة: كان سيف الزبير محلى بالفضة، ~~أنا رأيته. ولا بأس بالخاتم من الفضة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان له خاتم من فضة، ثم لبسه أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، حتى سقط منه في ~~بئر أريس وصح ذلك عنهم وقال سعيد: البس الخاتم، وأخبر أني أفتيتك بذلك. فقد ~~روى أبو ريحانة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كره عشر خلال، وفيها ~~الخاتم، إلا لذي سلطان، قال أحمد: إنما هذا يرويه أهل الشام. وحدث أحمد ~~بحديث أبي ريحانة، فلما بلغ الخاتم: تبسم كالمتعجب، ثم قال: أهل الشام. # وإنما قال أحمد ذلك؛ لأن الأحاديث قد صحت عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- واستفاضت بإباحته، وأجمع عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ومن بعدهم من # PageV09P175 # العلماء، فإذا جاء حديث شاذ يخالف ذلك، لم يعرج عليه، وإن صح ذلك حمل على ~~التنزية. ### | [فصل استعمال الحلية لحمائل السيف من الذهب] # (7372) فصل: قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: الحلية لحمائل السيف؟ فسهل ~~فيها، وقال: قد روي، سيف محلى. ولأنه من حلية السيف، فأشبه القبيعة. ولذلك ~~يخرج في حلية الدرع والمغفر والخوذة والخف والران؛ ولأنه في معناه. وقيل: ~~لأبي عبد الله: حلقة المرآة فضة، ورأس المكحلة فضة، وما أشبه هذا؟ . قال: ~~كل شيء يستعمل مثل حلقة المرآة، فأنا أكرهه؛ لأنه يستعمله، فإن المرآة ترفع ~~بحلقتها. ثم قال: إنما هذا تأويل تأولته أنا. # (7373) فصل: ولا يباح شيء من ذلك إذا كان ذهبا، إلا أنه قد روي أنه تباح ~~قبيعة السيف. قال أحمد: قد روي أنه كان لعمر سيف فيه سبائك من ذهب. وروى ~~الترمذي بإسناده عن مزيدة العصري، قال «دخل رسول الله - صلى الله ms4985 عليه وسلم ~~- يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة.» وقال: هذا حديث غريب. # ولا يباح الذهب في غير هذا إلا لضرورة، كأنف الذهب، وما ربط به أسنانه، ~~إذا تحركت. وقال أبو بكر: يباح يسير الذهب، قياسا له على الفضة؛ لكونه أحد ~~الثمنين، فأشبه الآخر. وقد ذكرنا هذا في غير هذا الموضع. ### | [مسألة لا يبلغ بالتعزير الحد] # (7374) مسألة: قال: (ولا يبلغ بالتعزير الحد) التعزير: هو العقوبة ~~المشروعة على جناية لا حد فيها، كوطء الشريك الجارية المشتركة، أو أمته ~~المزوجة، أو جارية ابنه، أو وطء امرأته في دبرها أو حيضها، أو وطء أجنبية ~~دون الفرج، أو سرقة ما دون النصاب، أو من غير حرز، أو النهب، أو الغصب، أو ~~الاختلاس، أو الجناية على إنسان بما لا يوجب حدا ولا قصاصا ولا دية، أو ~~شتمه بما ليس بقذف. ونحو ذلك يسمى تعزيرا؛ لأنه منع من الجناية. والأصل في ~~التعزير المنع، ومنه التعزير بمعنى النصرة؛ لأنه منع لعدوه من أذاه. واختلف ~~عن أحمد في قدره، فروي عنه أنه لا يزاد على عشر جلدات، نص أحمد على هذا في ~~مواضع. # PageV09P176 # وبه قال إسحاق؛ لما روى أبو بردة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله تعالى» ~~متفق عليه والرواية الثانية: " لا يبلغ به الحد " وهو الذي ذكره الخرقي، ~~فيحتمل أنه أراد، لا يبلغ به أدنى حد مشروع. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي. ~~فعلى هذا لا يبلغ به أربعين سوطا؛ لأنها حد العبد في الخمر والقذف، وهذا ~~قول أبي حنيفة. وإن قلنا: إن حد الخمر أربعون، لم يبلغ به عشرين سوطا في حق ~~العبد، وأربعين في حد الحر. وهذا مذهب الشافعي. فلا يزاد العبد على تسعة ~~عشر سوطا، ولا الحر على تسعة وثلاثين سوطا. وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف: ~~أدنى الحدود ثمانون، فلا يزاد في التعزير على تسعة وسبعين. ويحتمل كلام ~~أحمد والخرقي، أنه لا يبلغ بكل جناية حدا مشروعا في جنسها، ويجوز ms4986 أن يزيد ~~على حد غير جنسها. # وروي عن أحمد ما يدل على هذا. فعلى هذا، ما كان سببه الوطء جاز أن يجلد ~~مائة إلا سوطا؛ لينقص عن حد الزنا، وما كان سببه غير الوطء، لم يبلغ به ~~أدنى الحدود؛ لما روي عن النعمان بن بشير، في الذي وطئ جارية امرأته ~~بإذنها، يجلد مائة. وهذا تعزير؛ لأنه في حق المحصن، وحده إنما هو الرجم. ~~وعن سعيد بن المسيب، عن عمر، في أمة بين رجلين، وطئها أحدهما: يجلد الحد ~~إلا سوطا واحدا، رواه الأثرم. واحتج به أحمد. قال القاضي: هذا عندي من نص ~~أحمد لا يقتضي اختلافا في التعزير، بل المذهب أنه لا يزاد على عشر جلدات، ~~إتباعا للأثر، إلا في وطء جارية امرأته؛ لحديث النعمان، وفي الجارية ~~المشتركة؛ لحديث عمر، وما عداهما يبقى على العموم؛ لحديث أبي بردة. وهذا ~~قول حسن. # وإذا ثبت تقدير أكثره، فليس أقله مقدرا؛ لأنه لو تقدر لكان حدا؛ ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قدر أكثره، ولم يقدر أقله، فيرجع فيه إلى ~~اجتهاد الإمام فيما يراه، وما يقتضيه حال الشخص. وقال مالك: يجوز أن يزاد ~~التعزير على الحد، إذا رأى الإمام؛ لما روي أن معن بن زائدة، عمل خاتما على ~~نقش خاتم بيت المال، ثم جاء به صاحب بيت المال، فأخذ منه مالا، فبلغ عمر - ~~رضي الله عنه - فضربه مائة، وحبسه، فكلم فيه، فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من ~~بعد، فضربه مائة ونفاه وروى أحمد، بإسناده، أن عليا أتي بالنجاشي قد شرب ~~خمرا في رمضان، فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطا لفطره في رمضان، وروي أن ~~أبا الأسود استخلفه ابن عباس على قضاء البصرة، فأتي بسارق قد كان جمع ~~المتاع في البيت، ولم يخرجه، فقال أبو الأسود: أعجلتموه المسكين. فضربه ~~خمسة وعشرين سوطا، وخلى سبيله. # ولنا حديث أبي بردة، وروى الشالنجي بإسناده عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من بلغ حدا في غير حد، فهو من المعتدين» ولأن العقوبة على ~~قدر الإجرام والمعصية، والمعاصي المنصوص ms4987 على حدودها أعظم من غيرها، فلا ~~يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين عقوبة أعظمها. وما قالوه يؤدي إلى أن من قبل ~~امرأة حراما، يضرب أكثر من حد الزنا، وهذا غير جائز؛ لأن الزنا مع عظمه ~~وفحشه، لا يجوز أن يزاد على # PageV09P177 # حده، فما دونه أولى. فأما حديث معن، فيحتمل أنه كانت له ذنوب كثيرة، فأدب ~~على جميعها، أو تكرر منه الأخذ، أو كان ذنبه مشتملا على جنايات أحدها: ~~تزويره، والثاني: أخذه لمال بيت المال بغير حقه، والثالث: فتحه باب هذه ~~الحيلة لغيره، وغير هذا. وأما حديث النجاشي، فإن عليا ضربه الحد لشربه، ثم ~~عزره عشرين لفطره، فلم يبلغ بتعزيره حدا. # وقد ذهب أحمد إلى هذا، وروى أن من شرب الخمر في رمضان يحد، ثم يعزر ~~لجنايته من وجهين. والذي يدل على صحة ما ذكرناه، ما روي أن عمر - رضي الله ~~عنه - كتب إلى أبي موسى، أن لا يبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطا. ### | [فصل وسائل التعزير] # (7375) فصل: والتعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ. ولا يجوز قطع شيء منه ~~ولا جرحه، ولا أخذ ماله؛ لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به؛ ~~ولأن الواجب أدب، والتأديب لا يكون بالإتلاف. ### | [فصل التعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الإمام] # (7376) فصل: والتعزير فيما شرع فيه التعزير واجب، إذا رآه الإمام. وبه ~~قال مالك، وأبو حنيفة، وقال الشافعي: ليس بواجب؛ لأن رجلا جاء إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لقيت امرأة. فأصبت منها ما دون أن أطأها، ~~فقال: " أصليت معنا؟ " قال: نعم. فتلا. عليه: {إن الحسنات يذهبن السيئات} ~~[هود: 114] . وقال في الأنصار: " اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم " ~~وقال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حكم حكم به للزبير: أن كان ابن ~~عمتك. فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يعزره على مقالته. وقال له ~~رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فلم يعزره # PageV09P178 # ولنا أن ما كان من التعزير منصوصا عليه، كوطء جارية امرأته، أو ms4988 جارية ~~مشتركة، فيجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن منصوصا عليه، إذا رأى الإمام ~~المصلحة فيه، أو علم أنه لا ينزجر إلا به، وجب؛ لأنه زجر مشروع لحق الله ~~تعالى، فوجب، كالحد. ### | [فصل مات من التعزير] # (7377) فصل: وإذا مات من التعزير لم يجب ضمانه. وبهذا قال مالك، وأبو ~~حنيفة. وقال الشافعي: يضمنه؛ لقول علي: ليس أحد أقيم عليه الحد، فيموت، ~~فأجد في نفسي شيئا إن الحق قتله، إلا حد الخمر، فإن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يسنه لنا وأشار على عمر بضمان التي أجهضت جنينها حين أرسل ~~إليها. ولنا أنها عقوبة مشروعة للردع، والزجر، فلم يضمن من تلف بها، كالحد. ~~وأما قول علي في دية من قتله حد الخمر، فقد خالفه غيره من الصحابة، فلم ~~يوجبوا شيئا به، ولم يعمل به الشافعي ولا غيره من الفقهاء، فكيف يحتج به مع ~~ترك الجميع له. # وأما قوله في الجنين، فلا حجة لهم فيه، فإن الجنين الذي تلف لا جناية ~~منه، ولا تعزير عليه، فكيف يسقط ضمانه؟ ولو أن الإمام حد حاملا، فأتلف ~~جنينها، ضمنه، مع أن الحد متفق عليه بيننا، على أنه لا يجب ضمان المحدود ~~إذا أتلف به. ### | [فصل ليس على الزوج ضمان الزوجة إذا تلفت من التأديب المشروع في النشوز] # (7378) فصل: وليس على الزوج ضمان الزوجة إذا تلفت من التأديب المشروع في ~~النشوز، ولا على المعلم إذا أدب صبيه الأدب المشروع. وبه قال مالك. وقال ~~الشافعي، وأبو حنيفة: يضمن. ووجه المذهبين ما تقدم في التي قبلها. قال ~~الخلال: إذا ضرب المعلم ثلاثا، كما قال التابعون وفقهاء الأمصار، وكان ذلك ~~ثلاثا، فليس بضامن، وإن ضربه ضربا شديدا، مثله لا يكون أدبا للصبي، ضمن؛ ~~لأنه قد تعدى في الضرب. قال القاضي: وكذلك يجيء على قياس قول أصحابنا: إذا ~~ضرب الأب أو الجد الصبي تأديبا فهلك، أو الحاكم أو أمينه، أو الوصي عليه ~~تأديبا، فلا ضمان عليهم، كالمعلم. ### | [فصل قطع طرفا من إنسان فيه أكلة أو سلعة بأذنه وهو كبير عاقل] ms4989 # (7379) فصل: وإن قطع طرفا من إنسان فيه أكلة، أو سلعة بأذنه، وهو كبير ~~عاقل، فلا ضمان عليه، وإن قطعه مكرها، فالقطع وسرايته مضمون بالقصاص، سواء ~~كان القاطع إماما أو غيره؛ لأن هذه جراحة تؤدي إلى التلف، والأكلة إن كان ~~بقاؤها مخوفا، فقطعها مخوف، وإن كان من قطعت منه صبيا أو مجنونا، وقطعها ~~أجنبي، فعليه القصاص؛ لأنه لا ولاية له عليه، وإن قطعها وليه، وهو الأب، أو ~~وصيه، أو الحاكم، أو أمينه المتولي عليه، # PageV09P179 # فلا ضمان عليه؛ لأنه قصد مصلحته، وله النظر في مصالحه، فكان فعله مأمورا ~~به، فلم يضمن ما تلف به، كما لو ختنه فمات. والسلعة: غدة بين اللحم والجلد، ~~تظهر في البدن، كالجوزة، وتكون في الرأس والبدن، وهي بكسر السين. والسلعة: ~~بفتح السين: الشجة. ### | [فصل ختن الولي الصبي في وقت معتدل في الحر والبرد] # (7380) فصل: وإذا ختن الولي الصبي في وقت معتدل في الحر والبرد، لم يلزمه ~~ضمان إن تلف به؛ لأنه فعل مأمور به في الشرع، فلم يضمن ما تلف به، كالقطع ~~في السرقة. وإن كان رجلا أو امرأة لم يختتنا، فأمر السلطان بهما فختنا، فإن ~~كان ممن زعم الأطباء أنه يتلف بالختان، أو الغالب تلفه به، فعليه الضمان؛ ~~لأنه ليس له ذلك فيهما، وإن كان الأغلب السلامة، فلا ضمان عليه، إذا كان في ~~زمن معتدل، ليس بمفرط الحر والبرد. وبهذا قال الشافعي. # وزعم أبو حنيفة، ومالك، أنه ليس بواجب؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «الختان سنة في الرجال، ومكرمة في النساء.» ولنا أنه ~~قطع عضو صحيح من البدن، يتألم بقطعه، فلم يقطع إلا واجبا، كاليد والرجل؛ ~~ولأنه يجوز كشف العورة من أجله، ولو لم يكن واجبا ما جاز ارتكاب المحرم من ~~أجله، فأما الخبر فقد قيل: هو ضعيف. وعلى أن الواجب يسمى سنة، فإن السنة ما ~~رسم ليحتذى، ولا يجب إلا بعد البلوغ، فإن لم يفعله، وإلا أجبره الحاكم ~~عليه. ### | [فصل إذا أمر السلطان إنسانا بالصعود في سور أو نزول في ms4990 بئر أو نحوه] # (7381) إذا أمر السلطان إنسانا بالصعود في سور، أو نزول في بئر، أو نحوه، ~~فعطب به، فقال القاضي، وأصحاب الشافعي: على السلطان ضمانه لأن عليه طاعة ~~إمامه فإذا أفضت طاعته إلى الهلاك، فكأنه ألجأه إليه. ولو كان الآمر غير ~~الإمام، لم يضمن؛ لأن طاعته غير لازمة، فلم يلجئه إليه. # وإن أمره السلطان بالمضي في حاجة، فعثر فهلك، لم يضمنه؛ لأن المشي ليس ~~بسبب الهلاك في الأعم الأغلب، بخلاف ما ذكرناه أولا. فعلى هذا، إن كان أمره ~~الموجب للضمان لمصلحة المسلمين، فالضمان في بيت المال، وإن كان لمصلحة ~~نفسه، فالضمان عليه، أو على عاقلته، إن كان مما تحمله عاقلته. وإن أقام ~~الإمام الحد في شدة حر أو برد، أو ألزم إنسانا الختان في ذلك، فهل يضمن ما ~~تلف؟ يحتمل وجهين. # PageV09P180 ### | [مسألة حمل عليه جمل صائل فلم يقدر على الامتناع] # (7382) : (وإذا حمل عليه جمل صائل، فلم يقدر على الامتناع منه إلا بضربه، ~~فضربه فقتله، فلا ضمان عليه) . وجملته أن الإنسان إذا صالت عليه بهيمة، فلم ~~يمكنه دفعها إلا بقتلها، جاز له قتلها إجماعا، وليس عليه ضمانها إذا كانت ~~لغيره. وبهذا قال مالك، والشافعي، وإسحاق. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه ضمانها؛ لأنه أتلف مال غيره لإحياء نفسه، ~~فكان عليه ضمانه، كالمضطر إلى طعام غيره إذا أكله. وكذلك قالوا في غير ~~المكلف من الآدميين، كالصبي والمجنون: يجوز قتله، ويضمنه؛ لأنه لا يملك ~~إباحة نفسه، ولذلك لو ارتد، لم يقتل. # ولنا، أنه قتله بالدفع الجائز، فلم يضمنه، كالعبد، ولأنه حيوان، جاز ~~إتلافه فلم يضمنه، كالآدمي المكلف، ولأنه قتله لدفع شره، فأشبه العبد؛ وذلك ~~لأنه إذا قتله لدفع شره، كان الصائل هو القاتل لنفسه، فأشبه ما لو نصب حربة ~~في طريقه، فقذف نفسه عليها، فمات بها. وفارق المضطر؛ فإن الطعام لم يلجئه ~~إلى إتلافه، ولم يصدر منه ما يزيل عصمته، ولهذا لو قتل المحرم صيدا لصياله ~~لم يضمنه، ولو قتله لاضطراره إليه ضمنه، ولو قتل المكلف لصياله، لم يضمنه، ~~ولو قتله ليأكله في المخمصة ms4991 وجب القصاص، وغير المكلف كالمكلف في هذا. # وقولهم: لا يملك إباحة نفسه. # قلنا: والمكلف لا يملك إباحة دمه، ولو قال: أبحت دمي. لم يبح، على أنه ~~صال، فقد أبيح دمه بفعله، فيجب أن يسقط ضمانه، كالمكلف. ### | [مسألة إذا دخل منزله بالسلاح] # (7383) (وإذا دخل منزله بالسلاح، فأمره بالخروج، فلم يفعل، فله أن يضربه ~~بأسهل ما يخرجه به، فإن علم أنه يخرج بضرب عصا، لم يجز أن يضربه بحديدة، ~~فإن آل الضرب إلى نفسه، فلا شيء عليه، وإن قتل صاحب الدار كان شهيدا) ~~وجملته أن الرجل إذا دخل منزل غيره بغير إذنه، فلصاحب الدار أمره بالخروج ~~من منزله، سواء كان معه سلاح أو لم يكن؛ لأنه متعد بدخول ملك غيره، فكان ~~لصاحب الدار مطالبته بترك التعدي، كما لو غصب منه شيئا، فإن خرج بالأمر، لم ~~يكن له ضربه؛ لأن المقصود إخراجه. # وقد روي عن ابن عمر، أنه رأى لصا، فأصلت عليه السيف، قال: فلو تركناه ~~لقتله. وجاء رجل إلى الحسن، فقال: لص دخل بيتي ومعه حديدة، أقتله؟ قال: ~~نعم، بأي قتلة قدرت أن تقتله. # PageV09P181 # ولنا، أنه أمكن إزالة العدوان بغير القتل، فلم يجز القتل، كما لو غصب منه ~~شيئا، فأمكن أخذه بغير القتل. وفعل ابن عمر يحمل على قصد الترهيب، لا على ~~قصد إيقاع الفعل. # فإن لم يخرج بالأمر، فله ضربه بأسهل ما يعلم أنه يندفع به؛ لأن المقصود ~~دفعه، فإذا اندفع بقليل، فلا حاجة إلى أكثر منه، فإن علم أنه يخرج بالعصا، ~~لم يكن له ضربه بالحديد؛ لأن الحديد آلة للقتل، بخلاف العصا. # وإن ذهب موليا، لم يكن له قتله، ولا اتباعه، كأهل البغي. وإن ضربه ضربة ~~عطلته، لم يكن له أن يثني عليه؛ لأنه كفي شره. وإن ضربه فقطع يمينه، فولى ~~مدبرا، فضربه فقطع رجله، فقطع الرجل مضمون عليه بالقصاص أو الدية؛ لأنه في ~~حال لا يجوز له ضربه، وقطع اليد غير مضمون. # فإن مات من سراية القطع، فعليه نصف الدية، كما لو مات من جراحة اثنين. ~~وإن عاد إليه ms4992 بعد قطع رجله، فقطع يده الأخرى، فاليدان غير مضمونتين. # وإن مات، فعليه ثلث الدية، كما لو مات من جراحة ثلاثة أنفس. فقياس المذهب ~~أن يضمن نصف الدية؛ لأن الجرحين قطع رجل واحد، فكان حكمهما واحدا، كما لو ~~جرح رجل رجلا مائة جرح، وجرحه آخر جرحا واحدا، ومات، كانت ديته بينهما ~~نصفين، ولا تقسم الدية على عدد الجراحات، كذا هاهنا. فأما إن لم يمكنه دفعه ~~إلا بالقتل، أو خاف أن يبدره بالقتل إن لم يقتله، فله ضربه بما يقتله، أو ~~يقطع طرفه، وما أتلف منه فهو هدر؛ لأنه تلف لدفع شره، فلم يضمنه، كالباغي، ~~ولأنه اضطر صاحب الدار إلى قتله، فصار كالقاتل لنفسه. # وإن قتل صاحب الدار فهو شهيد؛ لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أريد ماله بغير حق، فقاتل فقتل، ~~فهو شهيد» . رواه الخلال بإسناده. ولأنه قتل لدفع ظالم، فكان شهيدا، ~~كالعادل إذا قتله الباغي. ### | [فصل وكل من عرض لإنسان يريد ماله أو نفسه] # (7384) وكل من عرض لإنسان يريد ماله أو نفسه، فحكمه ما ذكرنا في من دخل ~~منزله، في دفعهم بأسهل ما يمكن دفعهم به، فإن كان بينه وبينهم نهر كبير، أو ~~خندق، أو حصن لا يقدرون على اقتحامه، فليس له رميهم، وإن لم يمكن إلا ~~بقتالهم، فله قتالهم وقتلهم. # قال أحمد، في اللصوص يريدون نفسك ومالك: قاتلهم تمنع نفسك ومالك. وقال ~~عطاء، في المحرم يلقى اللصوص، قال: يقاتلهم أشد القتال. وقال ابن سيرين: ما ~~أعلم أحدا ترك قتال الحرورية واللصوص تأثما، إلا أن يجبن. وقال الصلت بن ~~طريف: قلت للحسن: إني أخرج في هذه الوجوه، أخوف شيء عندي يلقاني المصلون ~~يعرضون لي في مالي، فإن كففت يدي ذهبوا بمالي، وإن قاتلت المصلي ففيه ما قد ~~علمت؟ قال: أي بني، من عرض لك في مالك، فإن قتلته فإلى # PageV09P182 # النار، وإن قتلك فشهيد. # ونحو ذلك عن أنس، والشعبي، والنخعي. وقال أحمد في امرأة أرادها رجل على ~~نفسها، فقتلته لتحصن ms4993 نفسها، فقال: إذا علمت أنه لا يريد إلا نفسها، فقتلته ~~لتدفع عن نفسها، فلا شيء عليها. وذكر حديثا يرويه الزهري، عن القاسم بن ~~محمد، عن عبيد بن عمير، أن رجلا أضاف ناسا من هذيل، فأراد امرأة على نفسها، ~~فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر: والله لا يودى أبدا. # ولأنه إذا جاز الدفع عن ماله الذي يجوز بذله وإباحته، فدفع المرأة عن ~~نفسها وصيانتها عن الفاحشة التي لا تباح بحال أولى. إذا ثبت هذا، فإنه يجب ~~عليها أن تدفع عن نفسها إن أمكنها ذلك؛ لأن التمكين منها محرم، وفي ترك ~~الدفع نوع تمكين. فأما من أريدت نفسه أو ماله، فلا يجب عليه الدفع؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة: «اجلس في بيتك فإن خفت أن يبهرك ~~شعاع السيف، فغط وجهك» . # وفي لفظ: «فكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل» . ولأن عثمان، ~~ترك القتال مع إمكانه مع إرادتهم نفسه. # فإن قيل: فقد قلتم في المضطر: إذا وجد ما يدفع به الضرورة، لزمه الأكل ~~منه، في أحد الوجهين، فلم لم تقولوا ذلك هاهنا؟ قلنا: لأن الأكل يحيي به ~~نفسه، من غير تفويت نفس غيره، وها هنا في إحياء نفسه فوات نفس غيره، فلم ~~يجب عليه، فأما إن أمكنه الهرب، فهل يلزمه؟ فيه وجهان؛ أحدهما، يلزمه؛ لأنه ~~أمكنه الدفع عن نفسه، من غير ضرر يلحق غيره، فلزمه، كالأكل في المخمصة. # والثاني، لا يلزمه؛ لأنه دفع عن نفسه، فلم يلزمه، كالدفع بالقتال. # (7385) فصل: وإذا صال على إنسان صائل، يريد ماله أو نفسه ظلما، أو يريد ~~امرأة ليزني بها، فلغير المصول عليه معونته في الدفع. ولو عرض اللصوص ~~لقافلة، جاز لغير أهل القافلة الدفع عنهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «انصر أخاك ظالما، أو مظلوما» . وفي حديث: «إن المؤمنين يتعاونون ~~على الفتان» . ولأنه لولا التعاون لذهبت أموال الناس وأنفسهم؛ لأن قطاع ~~الطريق إذا انفردوا بأخذ مال إنسان لم يعنه غيره، فإنهم يأخذون أموال الكل، ~~واحدا واحدا، وكذلك غيرهم. # PageV09P183 ### | [فصل وإذا وجد ms4994 رجلا يزني بامرأته فقتله] # (7386) وإذا وجد رجلا يزني بامرأته فقتله، فلا قصاص عليه، ولا دية؛ لما ~~روي أن عمر - رضي الله عنه - بينما هو يتغدى يوما، إذ أقبل رجل يعدو، ومعه ~~سيف مجرد ملطخ بالدم، فجاء حتى قعد مع عمر، فجعل يأكل، وأقبل جماعة من ~~الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا مع امرأته. فقال عمر: ~~ما يقول هؤلاء؟ قال: ضرب الآخر فخذي امرأته بالسيف، فإن كان بينهما أحد فقد ~~قتله. فقال لهم عمر: ما يقول؟ قالوا ضرب بسيفه، فقطع فخذي امرأته، فأصاب ~~وسط الرجل، فقطعه باثنين. فقال عمر: إن عادوا فعد. رواه هشيم، عن مغيرة، عن ~~إبراهيم. أخرجه سعيد. وإذا كانت المرأة مطاوعة، فلا ضمان عليه فيها، وإن ~~كانت مكرهة، فعليه القصاص. وإذا قتل رجلا، وادعى أنه وجده مع امرأته، فأنكر ~~وليه، فالقول قول الولي؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه -، أنه سئل عن رجل ~~دخل بيته، فإذا مع امرأته رجل، فقتلها وقتله. قال علي: إن جاء بأربعة ~~شهداء، وإلا فليعط برمته. ولأن الأصل عدم ما يدعيه، فلا يسقط حكم القتل ~~بمجرد الدعوى. # واختلفت الرواية في البينة، فروي أنها أربعة شهداء؛ لخبر علي، ولما روى ~~أبو هريرة، «أن سعدا قال: يا رسول الله، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا، ~~أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: نعم» . # وروي أنه يكفي شاهدان؛ لأن البينة تشهد على وجوده على المرأة، وهذا يثبت ~~بشاهدين، وإنما الذي يحتاج إلى الأربعة الزنى، وهذا لا يحتاج إلى إثبات ~~الزنى. # فإن قيل: فحديث عمر في الذي وجد مع امرأته رجلا ليس فيه بينة، وكذلك روي ~~أن رجلا من المسلمين خرج غازيا، وأوصى بأهله رجلا، فبلغ الرجل أن يهوديا ~~يختلف إلى امرأته، فكمن له حتى جاء، فجعل ينشد: # وأشعث غره الإسلام مني ... خلوت بعرسه ليل التمام # أبيت على ترائبها ويضحي ... على جرداء لاحقة الحزام # PageV09P184 # كأن مواضع الربلات منها ... فئام ينهضون إلى فئام # فقام إليه فقتله، فرفع ذلك إلى عمر، فأهدر ms4995 دمه، ولم يطالب. فالجواب أن ~~ذلك ثبت عنده بإقرار الولي. وإن لم تكن بينة، فادعى علم الولي بذلك، فالقول ~~قول الولي مع يمينه. ### | [فصل ولو قتل رجل رجلا وادعى أنه قد هجم منزلي] # (7387) ولو قتل رجل رجلا، وادعى أنه قد هجم منزلي، فلم يمكني دفعه إلا ~~بالقتل. لم يقبل قوله إلا ببينة، وعليه القود سواء كان المقتول يعرف بسرقة، ~~أو عيارة، أو لا يعرف بذلك، فإن شهدت البينة أنهم رأوا هذا مقبلا إلى هذا ~~بالسلاح المشهور، فضربه هذا، فقد هدر دمه، وإن شهدوا أنهم رأوه داخلا داره، ~~ولم يذكروا سلاحا، أو ذكروا سلاحا غير مشهور، لم يسقط القود بذلك؛ لأنه قد ~~يدخل لحاجة، ومجرد الدخول المشهود به لا يوجب إهدار دمه. # وإن تجارح رجلان، وادعى كل واحد منهما أني جرحته دفعا عن نفسي. حلف كل ~~واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه، وعليه ضمان ما جرحه؛ لأن كل واحد منهما ~~مدع على الآخر ما ينكره، والأصل عدمه. ### | [فصل ولو عض رجل يد آخر] # (7388) ولو عض رجل يد آخر، فله جذبها من فيه، فإن جذبها فوقعت ثنايا ~~العاض، فلا ضمان فيها. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وروى سعيد، عن هشيم، ~~عن محمد بن عبد الله أن رجلا عض رجلا، فانتزع يده من فيه، فسقط بعض أسنان ~~العاض، فاختصما إلى شريح، فقال شريح: انزع يدك من في السبع، وأبطل أسنانه. # وحكي عن مالك، وابن أبي ليلى، عليه الضمان؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «في السن خمس من الإبل» . ولنا، ما روى يعلى بن أمية قال: كان لي ~~أجير، فقاتل إنسانا، فعض أحدهما يد الآخر، قال: فانتزع المعضوض يده من في ~~العاض فانتزع إحدى ثنيتيه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأهدر ثنيته، ~~فحسبت أنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «أفيدع يده في فيك تقضمها ~~قضم الفحل،.» متفق عليه. # ولأنه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه، فلم يضمن، كما لو صال عليه، فلم يمكنه ~~دفعه إلا بقطع عضوه. وحديثهم يدل على ms4996 دية السن إذا قلعت ظلما، وهذه لم تقلع ~~ظلما، وسواء كان المعضوض ظالما أو مظلوما؛ لأن العض # PageV09P185 # محرم، إلا أن يكون العض مباحا، مثل أن يمسكه في موضع يتضرر بإمساكه، أو ~~يعض يده، ونحو ذلك مما لا يقدر على التخلص من ضرره إلا بعضه، فيعضه، فما ~~سقط من أسنانه ضمنه؛ لأنه عاض والعض مباح. # ولذلك لو عض أحدهما يد الآخر، ولم يمكن المعضوض تخليص يده إلا بعضه، فله ~~عضه، ويضمن الظالم منهما ما تلف من المظلوم، وما تلف من الظالم هدر. وكذلك ~~الحكم فيما إذا عضه في غير يده، أو عمل به عملا غير العض أفضى إلى تلف شيء ~~من الفاعل، لم يضمنه. وقد روى محمد بن عبد الله: أن غلاما أخذ قمعا من ~~أقماع الزياتين، فأدخله بين فخذي رجل، ونفخ فيه، فذعر الرجل من ذلك، وخبط ~~برجله، فوقع على الغلام، فكسر بعض أسنانه، فاختصموا إلى شريح، فقال شريح: ~~لا أعقل الكلب الهرار. # قال القاضي: يخلص المعضوض يده بأسهل ما يمكن، فإن أمكنه فك لحييه بيده ~~الأخرى فعل، وإن لم يمكنه لكمه في فكه، فإن لم يمكنه جذب يده من فيه، فإن ~~لم يخلص، فله أن يعصر خصيتيه، فإن لم يمكنه، فله أن يبعج بطنه، وإن أتى على ~~نفسه. والصحيح أن هذا الترتيب غير معتبر، وله أن يجذب يده من فيه أولا؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل، ولأنه لا يلزمه ترك يده في فم ~~العاض حتى يتحيل بهذه الأشياء المذكورة، ولأن جذب يده مجرد تخليص ليده، وما ~~حصل من سقوط الأسنان حصل ضرورة التخليص الجائز، ولكم فكه جناية غير ~~التخليص، وربما تضمنت التخليص، وربما أتلفت الأسنان التي لم يحصل العض بها، ~~وكانت البداءة بجذب يده أولى. # وينبغي أنه متى أمكنه جذب يده، فعدل إلى لكم فكه، فأتلف سنا، ضمنه، ~~لإمكان التخلص بما هو أولى منه. ### | [فصل ومن اطلع في بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه فرماه صاحب البيت] # (7389) ومن اطلع في بيت إنسان من ms4997 ثقب، أو شق باب، أو نحوه، فرماه صاحب ~~البيت بحصاة، أو طعنه بعود، فقلع عينه، لم يضمنها. وبه قال الشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: يضمنها؛ لأنه لو دخل منزله، ونظر فيه، أو نال من امرأته ما دون ~~الفرج، لم يجز قلع عينه، فمجرد النظر أولى. # ولنا، ما روى أبو هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو ~~أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح.» ~~وعن سهل بن سعد، «أن رجلا اطلع في حجر من باب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحك رأسه بمدرى في يده، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: لو علمت أنك تنظرني لطمت، أو لطعنت بها في ~~عينك» . متفق عليهما. # ويفارق ما قاسوا # PageV09P186 # عليه؛ لأن من دخل المنزل يعلم به، فيستتر منه، بخلاف الناظر من ثقب، فإنه ~~يرى من غير علم به، ثم الخبر أولى من القياس. وظاهر كلام أحمد، أنه لا ~~يعتبر في هذا أنه لا يمكنه دفعه إلا بذلك، لظاهر الخبر. وقال ابن حامد: ~~يدفعه بأسهل ما يمكنه دفعه به، فيقول له أولا: انصرف. فإن لم يفعل، أشار ~~إليه يوهمه أنه يحذفه، فإن لم ينصرف، فله حذفه حينئذ. # واتباع السنة أولى (7390) فصل: فأما إن ترك الاطلاع ومضى، لم يجز رميه؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يطعن الذي اطلع ثم انصرف، ولأنه ترك ~~الجناية، فأشبه من عض ثم ترك العض، لم يجز قلع أسنانه. وسواء كان المطلع ~~منه صغيرا، كثقب أو شق، أو واسعا، كثقب كبير. # وذكر بعض أصحابنا أن الباب المفتوح كذلك، والأولى أنه لا يجوز حذف من نظر ~~من باب مفتوح؛ لأن التفريط من تارك الباب مفتوحا، والظاهر أن من ترك بابه ~~مفتوحا، أنه يستتر، لعلمه أن الناس ينظرون منه، ويعلم بالناظر فيه، والواقف ~~عليه، فلم يجز رميه، كداخل الدار. وإن اطلع، فرماه صاحب الدار، فقال ~~المطلع: ما تعمدت الاطلاع. لم يضمنه، على ظاهر كلام أحمد؛ لأن ms4998 الاطلاع قد ~~وجد، والرامي لا يعلم ما في قلبه. وعلى قول ابن حامد، يضمنه؛ لأنه لم يدفعه ~~بما هو أسهل. # وكذلك لو قال: لم أر شيئا حين اطلعت، وإن كان المطلع أعمى، لم يجز رميه؛ ~~لأنه لا يرى شيئا، ولو كان إنسان عريانا في طريق، لم يكن له رمي من نظر ~~إليه؛ لأنه المفرط. وإن كان المطلع في الدار من محارم النساء اللائي فيها، ~~فقال بعض أصحابنا: ليس لصاحب الدار رميه، إلا أن يكن متجردات، فيصرن ~~كالأجانب. وظاهر الخبر أن لصاحب الدار رميه، سواء كان فيها نساء أو لم يكن؛ ~~لأنه لم يذكر أنه كان في الدار التي اطلع فيها على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نساء. # وقوله: " لو أن امرأ اطلع عليك، بغير إذن، فحذفته ". عام في الدار التي ~~فيها نساء وغيرها. # (7391) فصل: وليس لصاحب الدار رمي الناظر بما يقتله ابتداء، فإن رماه ~~بحجر يقتله، أو حديدة ثقيلة، ضمنه بالقصاص؛ لأنه إنما له ما يقلع به العين ~~المبصرة، التي حصل الأذى منها، دون ما يتعدى إلى غيرها، فإن لم يندفع ~~المطلع برميه بالشيء اليسير، جاز رميه بأكثر منه، حتى يأتي ذلك على نفسه. ~~وسواء كان الناظر في الطريق، أو ملك نفسه أو غير ذلك. ### | [مسألة قال وما أفسدت البهائم] # (7392) : (وما أفسدت البهائم بالليل من الزرع فهو مضمون على أهلها، وما ~~أفسدت من ذلك نهارا، لم يضمنوه) # PageV09P187 # يعني إذا لم تكن يد أحد عليها، فإن كان صاحبها معها أو غيره، فعلى من يده ~~عليها ضمان ما أتلفته؛ من نفس أو مال. ونذكر ذلك في المسألة التي تلي هذه. ~~وإن لم تكن يد أحد عليها، فعلى مالكها ضمان ما أفسدته من الزرع، ليلا دون ~~النهار. وهذا قول مالك، والشافعي، وأكثر فقهاء الحجاز. # وقال الليث: يضمن مالكها ما أفسدته ليلا ونهارا بأقل الأمرين؛ من قيمتها، ~~أو قدر ما أتلفته، كالعبد إذا جنى. وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه بحال؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العجماء جرحها جبار» . يعني هدرا. # ولأنها أفسدت ms4999 وليست يده عليها، فلم يلزمه الضمان. كما لو كان نهارا، أو ~~كما لو أتلفت غير الزرع. ولنا، ما روى مالك، عن الزهري، عن حرام بن سعد بن ~~محيصة، أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم، فأفسدت، فقضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل فهو مضمون ~~عليهم. # قال ابن عبد البر: إن كان هذا مرسلا، فهو مشهور حدث به الأئمة الثقات، ~~وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول. ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها في ~~النهار للرعي، وحفظها ليلا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارا دون الليل، فإذا ~~ذهبت ليلا كان التفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ، وإن أتلفت ~~نهارا، كان التفريط من أهل الزرع، فكان عليهم، وقد فرق النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بينهما، وقضى على كل إنسان بالحفظ في وقت عادته. # وأما غير الزرع، فلا يضمن؛ لأن البهيمة لا تتلف ذلك عادة، فلا يحتاج إلى ~~حفظها، بخلاف الزرع. # (7393) فصل: قال بعض أصحابنا: إنما يضمن مالكها ما أتلفته ليلا، إذا كان ~~التفريط منه، بإرسالها ليلا، أو إرسالها نهارا، ولم يضمنها ليلا، أو ضمنها ~~بحيث يمكنها الخروج. أما إذا ضمنها فأخرجها غيره بغير إذنه، أو فتح عليها ~~بابها، فالضمان على مخرجها، أو فاتح بابها؛ لأنه المتلف. # قال القاضي: هذه المسألة عندي محمولة على موضع فيه مزارع ومراع، أما ~~القرى العامرة التي لا مرعى فيها إلا بين قراحين، كساقية وطريق وطرف زرع، ~~فليس # PageV09P188 # لصاحبها إرسالها بغير حافظ عن الزرع، فإن فعله، فعليه الضمان؛ لتفريطه، ~~وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. ### | [فصل وإن أتلفت البهيمة غير الزرع] # (7394) وإن أتلفت البهيمة غير الزرع لم يضمن مالكها ما أتلفته، ليلا كان ~~أو نهارا، ما لم تكن يده عليها. وحكي عن شريح، أنه قضى في شاة وقعت في غزل ~~حائك ليلا، بالضمان على صاحبها، وقرأ شريح {إذ نفشت فيه غنم القوم} ~~[الأنبياء: 78] . قال: والنفش لا يكون إلا بالليل. وعن الثوري: يضمن، وإن ~~كان نهارا؛ لأنه مفرط بإرسالها. # ولنا، قول النبي ms5000 - صلى الله عليه وسلم -: «العجماء جرحها جبار» . متفق ~~عليه. أي هدر. وأما الآية، فإن النفش هو الرعي بالليل، فكان هذا في الحرث ~~الذي تفسده البهائم طبعا بالرعي، وتدعوها نفسها إلى أكله، بخلاف غيره، فلا ~~يصح قياس غيره عليه. ### | [فصل ومن اقتنى كلبا عقورا، فأطلقه فعقر إنسانا أو دابة] # (7395) ومن اقتنى كلبا عقورا، فأطلقه، فعقر إنسانا، أو دابة، ليلا أو ~~نهارا، أو خرق ثوب إنسان، فعلى صاحبه ضمان ما أتلفه؛ لأنه مفرط باقتنائه، ~~إلا أن يدخل إنسان داره بغير إذنه، فلا ضمان فيه؛ لأنه متعد بالدخول، متسبب ~~بعدوانه إلى عقر الكلب له. وإن دخل بإذن المالك، فعليه ضمانه؛ لأنه تسبب ~~إلى إتلافه. # وإن أتلف الكلب بغير العقر، مثل أن ولغ في إناء إنسان، أو بال، لم يضمنه ~~مقتنيه؛ لأن هذا لا يختص به الكلب العقور. قال القاضي: وإن اقتنى سنورا ~~يأكل أفراخ الناس، ضمن ما أتلفه، كما يضمن ما أتلفه الكلب العقور، ولا فرق ~~بين الليل والنهار وإن لم يكن له عادة بذلك، لم يضمن صاحبه جنايته، كالكلب ~~إذا لم يكن عقورا. ولو أن الكلب العقور أو السنور حصل عند إنسان، من غير ~~اقتنائه ولا اختياره، فأفسد، لم يضمنه؛ لأنه لم يحصل الإتلاف بسببه. ### | [فصل وإن اقتنى حماما أو غيره من الطير فأرسله نهارا فلقط حبا] # (7396) وإن اقتنى حماما أو غيره من الطير، فأرسله نهارا، فلقط حبا، لم ~~يضمنه؛ لأنه كالبهيمة، والعادة إرساله. ### | [مسألة قال وما جنت الدابة بيدها] # (7397) : (وما جنت الدابة بيدها، ضمن راكبها ما أصابت من نفس، أو جرح، أو ~~مال، وكذلك إن قادها أو ساقها) # PageV09P189 # وهذا قول شريح، وأبي حنيفة، والشافعي. وقال مالك: لا ضمان عليه؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العجماء جرحها جبار» . ولأنه جناية بهيمة، ~~فلم يضمنها، كما لو لم تكن يده عليها. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الرجل جبار» . رواه سعيد، ~~بإسناده عن هزيل بن شرحبيل، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي عن أبي ~~هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ms5001 -. وتخصيص الرجل بكونه جبارا، دليل ~~على وجوب الضمان في جناية غيرها، ولأنه يمكنه حفظها عن الجناية إذا كان ~~راكبها، أو يده عليها، بخلاف من لا يد له عليها، وحديثه محمول على من لا يد ~~له عليها. ### | [مسألة قال وما جنت برجلها] # (7398) : (وما جنت برجلها، فلا ضمان عليه) وبهذا قال أبو حنيفة. وعن ~~أحمد، رواية أخرى، أنه يضمنها. وهو قول شريح، والشافعي؛ لأنه من جناية ~~بهيمة، يده عليها، فيضمنها، كجناية يده. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الرجل جبار» . ولأنه لا يمكنه حفظ رجلها عن الجناية، فلم يضمنها، ~~كما لو لم تكن يده عليها. # فأما إن كانت جنايتها بفعله، مثل أن كبحها بلجامها، أو ضربها في وجهها، ~~ونحو ذلك، ضمن جناية رجلها؛ لأنه السبب في جنايتها، فكان ضمانها عليه، ولو ~~كان السبب في جنايتها غيره، مثل أن نخسها، أو نفرها، فالضمان على من فعل ~~ذلك، دون راكبها وسائقها وقائدها؛ لأن ذلك هو السبب في جنايتها. ### | [فصل فإن كان على الدابة راكبان] # (7399) : فإن كان على الدابة راكبان، فالضمان على الأول منهما؛ لأنه ~~المتصرف فيها، القادر على كفها، إلا أن يكون الأول منهما صغيرا أو مريضا أو ~~نحوهما، ويكون الثاني المتولي لتدبيرها فيكون الضمان عليه. وإن كان مع ~~الدابة قائد وسائق، فالضمان عليهما؛ لأن كل واحد لو انفرد ضمن. فإذا اجتمعا ~~ضمنا. # وإن كان معهما أو مع أحدهما راكب، ففيه وجهان؛ أحدهما، الضمان عليهم ~~جميعا، لذلك. والثاني، على الراكب؛ لأنه أقوى يدا وتصرفا. ويحتمل أن يكون ~~على القائد؛ لأنه لا حكم للراكب مع القائد. ### | [فصل والجمل المقطور على الجمل الذي عليه راكب] # (7400) : والجمل المقطور على الجمل الذي عليه راكب، يضمن جنايته؛ لأنه في ~~حكم القائد، فأما الجمل المقطور على الجمل الثاني، فينبغي أن لا تضمن ~~جنايته، إلا أن يكون له سائق؛ لأن الراكب الأول لا يمكنه حفظه عن الجناية. ~~ولو كان مع الدابة ولدها، لم تضمن جنايته؛ لأنه لا يمكنه حفظه. # PageV09P190 ### | [فصل وإن وقفت الدابة في طريق ضيق] # (7401) وإن وقفت الدابة في ms5002 طريق ضيق، ضمن ما جنت بيد أو رجل أو فم؛ لأنه ~~متعد بوقفها فيه، وإن كان الطريق واسعا، ففيه روايتان؛ إحداهما، يضمن. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأن انتفاعه بالطريق مشروط بالسلامة، وكذلك لو ترك في الطريق ~~طينا، فزلق به إنسان، ضمنه. والثانية، لا يضمن؛ لأنه متعد بوقفها في الطريق ~~الواسع، فلم يضمن، كما لو وقفها في موات. وفارق الطين؛ لأنه متعد بتركه في ~~الطريق. ### | [مسألة قال وإذا اصطدم الفارسان، فماتت الدابتان] # (7402) : (وإذا اصطدم الفارسان، فماتت الدابتان، ضمن كل واحد منهما قيمة ~~دابة الآخر) وجملته أن على كل واحد من المصطدمين ضمان ما تلف من الآخر، من ~~نفس أو دابة، أو مال، سواء كانت الدابتان فرسين، أو بغلين، أو حمارين، أو ~~جملين، أو كان أحدهما فرسا والآخر غيره، سواء كانا مقبلين، أو مدبرين. ~~وبهذا قال أبو حنيفة، وصاحباه، وإسحاق. وقال مالك، والشافعي: على كل واحد ~~منهما نصف قيمة ما تلف من الآخر؛ لأن التلف حصل بفعلهما، فكان الضمان ~~منقسما عليهما، كما لو جرح إنسان نفسه، وجرحه غيره، فمات منهما. # ولنا، أن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه، وإنما هو قربها إلى محل ~~الجناية، فلزم الآخر ضمانها، كما لو كانت واقفة بخلاف الجراحة. إذا ثبت ~~هذا، فإن قيمة الدابتين إن تساوتا، تقاصتا وسقطتا، وإن كانت إحداهما أكثر ~~من الأخرى، فلصاحبها الزيادة، وإن ماتت إحدى الدابتين، فعلى الآخر قيمتها، ~~وإن نقصت فعليه نقصها. (7403) فصل: فإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر، ~~فأدركه الثاني فصدمه، فماتت الدابتان، أو إحداهما، فالضمان على اللاحق؛ ~~لأنه الصادم والآخر مصدوم، فهو بمنزلة الواقف. ### | [مسألة قال وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفا.] # (7404) : (وإن كان أحدهما يسير، والآخر واقفا، فعلى السائر قيمة دابة ~~الواقف) نص أحمد على هذا؛ لأن السائر هو الصادم المتلف، فكان الضمان عليه. ~~وإن مات هو أو دابته، فهو هدر؛ لأنه أتلف نفسه ودابته. # وإن انحرف الواقف، فصادفت الصدمة انحرافه، فهما كالسائرين؛ لأن # PageV09P191 # التلف حصل من فعلهما. وإن كان الواقف متعديا بوقوفه، مثل أن يقف في طريق ms5003 ~~ضيق، فالضمان عليه دون السائر؛ لأن التلف حصل بتعديه، فكان الضمان عليه، ~~كما لو وضع حجرا في الطريق، أو جلس في طريق ضيق، فعثر به إنسان. ### | [مسألة قال وإن تصادم نفسان يمشيان، فماتا] # (7405) : (وإن تصادم نفسان يمشيان، فماتا، فعلى عاقلة كل واحد منهما دية ~~الآخر) . روي هذا عن علي - رضي الله عنه - والخلاف هاهنا في الضمان كالخلاف ~~فيما إذا اصطدم الفارسان، إلا أنه لا تقاص هاهنا في الضمان؛ لأنه على غير ~~من له الحق؛ لكون الضمان على عاقلة كل واحد منهما. وإن اتفق أن يكون الضمان ~~على من له الحق، مثل أن تكون العاقلة هي الوارثة، أو يكون الضمان على ~~المتصادمين، تقاصا. # ولا يجب القصاص، سواء كان اصطدامهما عمدا أو خطأ؛ لأن الصدمة لا تقتل ~~غالبا، فالقتل الحاصل بها مع العمد عمد الخطأ. ولا فرق بين البصيرين ~~والأعميين، والبصير والأعمى، فإن كانتا امرأتين حاملتين، فهما كالرجلين، ~~فإن أسقطت كل واحدة منهما جنينا، فعلى كل واحدة نصف ضمان جنينها ونصف ضمان ~~جنين صاحبتها؛ لأنهما اشتركتا في قتله، وعلى كل واحدة منهما عتق ثلاث رقاب؛ ~~واحدة لقتل صاحبتها، واثنتان لمشاركتها في الجنين. وإن أسقطت إحداهما دون ~~الأخرى، اشتركتا في ضمانه، وعلى كل واحدة عتق رقبتين. # وإن أسقطتا معا، ولم تمت المرأتان، ففي مال كل واحدة ضمان نصف الجنينين ~~بغرة، إذا سقطا ميتين، وعتق رقبتين. وإن اصطدم راكب وماش، فهو كما لو كانا ~~ماشيين. وإن اصطدم راكبان فماتا، فهو كما لو كانا ماشيين. (7406) فصل: وإن ~~اصطدم عبدان فماتا، هدرت قيمتهما؛ لأن قيمة كل واحد منهما تعلقت برقبة ~~الآخر، فسقطت بتلفه. وإن مات أحدهما، تعلقت قيمته برقبة الحي، فإن هلك قبل ~~استيفاء القيمة، سقطت لفوات محلها. # وإن تصادم حر وعبد، فماتا، تعلقت دية الحر برقبة العبد، ثم انتقلت إلى ~~قيمة العبد، ووجبت قيمة العبد في تركة الحر فيتقاصان، فإن كانت دية الحر ~~أكثر من قيمة العبد، سقطت الزيادة؛ لأنها لا متعلق لها، وإن كانت قيمة ~~العبد أكثر، أخذ الفضل من تركة الجاني، وفي مال ms5004 الحر عتق رقبة، ولا شيء على ~~العبد؛ لأن تكفيره بالصوم، فيفوت بفواته. وإن مات العبد وحده، فقيمته في ~~ذمة الحر؛ لأن العاقلة لا تحمل العبد. وإن مات الحر وحده، تعلقت ديته برقبة ~~العبد، وعليه صيام شهرين متتابعين. # وإن مات العبد قبل استيفاء الدية، سقطت. وإن قتله أجنبي، فعليه قيمته، ~~ويتحول ما كان متعلقا برقبته إلى قيمته؛ لأنها بدله، وقائمة مقامه، وتستوفى ~~ممن وجبت عليه. # PageV09P192 ### | [مسألة قال وإذا وقعت السفينة المنحدرة على المصاعدة فغرقتا] # (7407) مسألة: قال: (وإذا وقعت السفينة المنحدرة على المصاعدة، فغرقتا، ~~فعلى المنحدرة قيمة السفينة المصاعدة، أو أرش ما نقصت إن أخرجت، إلا أن ~~يكون قيم المنحدرة غلبته الريح، فلم يقدر على ضبطها) # وجملته أن السفينتين إذا اصطدمتا، لم تخل من حالين؛ أحدهما، أن تكونا ~~متساويتين، كاللتين في بحر أو ماء واقف، أو كانت إحداهما منحدرة والأخرى ~~مصاعدة، فنبدأ بما إذا كانت إحداهما منحدرة والأخرى مصاعدة؛ لأنها مسألة ~~الكتاب، ولا يخلو من حالين؛ أحدهما، أن يكون القيم بها مفرطا، بأن يكون ~~قادرا على ضبطها، أو ردها عن الأخرى، فلم يفعل، أو أمكنه أن يعدلها إلى ~~ناحية أخرى، فلم يفعل، أو لم يكمل آلتها من الحبال والرجالات وغيرهما، فعلى ~~المنحدر ضمان المصاعدة؛ لأنها تنحط عليها من علو، فيكون ذلك سببا لغرقها، ~~فتنزل المنحدرة بمنزلة السائر، والمصاعدة بمنزلة الواقف. # وإن غرقتا جميعا، فلا شيء على المصعد، وعلى المنحدر قيمة المصعد، أو أرش ~~ما نقصت إن لم تتلف كلها، إلا أن يكون التفريط من المصعد؛ بأن يمكنه العدول ~~بسفينته، والمنحدر غير قادر ولا مفرط، فيكون الضمان على المصعد؛ لأنه ~~المفرط. وإن لم يكن من واحد منهما تفريط، لكن هاجت ريح، أو كان الماء شديد ~~الجرية، فلم يمكنه ضبطها، فلا ضمان عليه؛ لأنه لا يدخل في وسعه ضبطها، ولا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها. # الحال الثاني: أن يكونا متساويتين، فإن كان القيمان مفرطين، ضمن كل واحد ~~منهما سفينة الآخر، بما فيها من نفس ومال، كما قلنا في الفارسين يصطدمان، ~~وإن لم يكونا مفرطين، ms5005 فلا ضمان عليهما. وللشافعي في حال عدم التفريط قولان؛ ~~أحدهما، عليهما الضمان؛ لأنهما في أيديهما، فلزمهما الضمان، كما لو اصطدم ~~الفارسان؛ لغلبة الفرسين لهما. ولنا، أن الملاحين لا يسيران السفينتين ~~بفعلهما، ولا يمكنهما ضبطهما في الغالب، ولا الاحتراز من ذلك، فأشبه ما لو ~~نزلت صاعقة أحرقت السفينة، ويخالف الفرسين، فإنه ممكن ضبطهما، والاحتراز من ~~طردهما. # وإن كان أحدهما مفرطا وحده، فعليه الضمان وحده، وإن اختلفا في تفريط ~~القيم، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التفريط، وهو أمين، فهو ~~كالمودع. وعند الشافعي، أنهما إذا كان مفرطين، فعلى كل واحد من القيمين ~~ضمان نصف سفينته ونصف سفينة صاحبه، كقوله في اصطدام الفارسين، على ما مضى. # PageV09P193 # (7408) فصل: فإن كان القيمان مالكين للسفينتين بما فيهما تقاصا، وأخذ ذو ~~الفضل فضله، وإن كانا أجيرين، ضمنا، ولا تقاص هاهنا؛ لأن من يجب له غير من ~~يجب عليه. وإن كان في السفينتين أحرار فهلكوا، وكانا قد تعمدا المصادمة، ~~وذلك مما يقتل غالبا، فعليهما القصاص. وإن كانوا عبيدا، فلا ضمان على ~~القيمين، إذا كان حرين. # وإن لم يتعمدا المصادمة، أو كان ذلك مما لا يقتل غالبا وجبت دية الأحرار ~~على عاقلة القيمين، وقيمة العبيد في أموالهما. وإن كان القيمان عبدين، تعلق ~~الضمان برقبتهما، فإن تلفا جميعا، سقط الضمان، وأما مع عدم التفريط فلا ~~ضمان على أحد. وإن كان في السفينتين ودائع ومضاربات، لم تضمن؛ لأن الأمين ~~لا يضمن، ما لم يوجد منه تفريط أو عدوان. وإن كانت السفينتان بأجرة، فهما ~~أمانة أيضا، لا ضمان فيهما. # وإن كان فيهما مال يحملانه بأجرة إلى بلد آخر، فلا ضمان؛ لأن الهلاك بأمر ~~غير مستطاع. # (7409) فصل: وإن كانت إحدى السفينتين قائمة والأخرى سائرة، فلا ضمان على ~~الواقفة، وعلى السائرة ضمان الواقفة، إن كان مفرطا، ولا ضمان عليه إن لم ~~يفرط، على ما قدمنا. ### | [فصل وإن خيف على السفينة الغرق فألقى بعض الركبان متاعه] # وإن خيف على السفينة الغرق، فألقى بعض الركبان متاعه لتخف وتسلم من ~~الغرق، لم يضمنه أحد؛ لأنه أتلف ms5006 متاع نفسه باختياره؛ لصلاحه وصلاح غيره، ~~وإن ألقى متاع غيره بغير أمره، ضمنه وحده. # وإن قال لغيره: ألق متاعك. فقبل منه، لم يضمنه له؛ لأنه لم يلتزم ضمانه. ~~وإن قال: ألقه، وأنا ضامن له. أو: وعلي قيمته. لزمه ضمانه له؛ لأنه أتلف ~~ماله بعوض لمصلحة، فوجب له العوض على من التزمه، كما لو قال: أعتق عبدك ~~وعلي ثمنه. وإن قال: ألقه، وعلي وعلى ركبان السفينة ضمانه. فألقاه، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، يلزمه ضمانه وحده. وهذا نص الشافعي. وهو الذي ذكره أبو بكر؛ ~~لأنه التزم ضمانه جميعه، فلزمه ما التزمه. وقال القاضي: إن كان ضمان ~~اشتراك، مثل أن يقول: نحن نضمن لك. # أو قال: على كل واحد منا ضمان قسطه أو ربع متاعك. لم يلزمه إلا ما يخصه ~~من الضمان. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأنه لم يضمن إلا حصته، وإنما أخبر ~~عن الباقين بالضمان، فسكتوا، وسكوتهم ليس بضمان. وإن التزم ضمان الجميع، ~~وأخبر عن كل واحد منهم بمثل ذلك، لزمه ضمان الكل، وإن قال: ألقه على أن ~~أضمنه لك أنا وركبان السفينة، فقد أذنوا لي في ذلك. فألقاه، ثم أنكروا ~~الإذن، فهو ضامن لجميعه. وإن قال: ألقي متاعي، وتضمنه لي؟ فقال: نعم. ~~فألقاه، ضمنه له. # وإن قال: ألق متاعك، وعلي ضمان نصفه، وعلى أخي ضمان ما بقي. فألقاه، ~~فعليه ضمان النصف وحده، ولا شيء على الآخر؛ لأنه لم يضمن. # PageV09P194 ### | [فصل وإذا خرق سفينة فغرقت بما فيها] # (7411) وإذا خرق سفينة، فغرقت بما فيها، وكان عمدا، وهو ما يغرقها غالبا، ~~ويهلك من فيها، لكونهم في اللجة، أو لعدم معرفتهم بالسباحة، فعليه القصاص ~~إن قتل من يجب القصاص بقتله، وعليه ضمان السفينة بما فيها من مال ونفس، وإن ~~كان خطأ، فعليه ضمان العبيد، ودية الأحرار على عاقلته. وإن كان عمد خطأ، ~~مثل أن يأخذ السفينة ليصلح موضعا، فقلع لوحا، أو يصلح مسمارا، فنقب موضعا، ~~فهذا عمد الخطأ. # وذكره القاضي، وهو مذهب الشافعي. والصحيح أن هذا خطأ محض؛ لأنه قصد فعلا ~~مباحا، فأفضى إلى التلف ms5007 لما لم يرده، فأشبه ما لو رمى صيدا، فأصاب آدميا. ~~ولكن إن قصد قلع اللوح في موضع الغالب أنه لا يتلفها، فأتلفها، فهو عمد ~~الخطأ، وفيه ما فيه. والله أعلم. # PageV09P195 ### | [كتاب الجهاد] # روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، ~~وتصديق برسولي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج ~~منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة» . متفق عليه. ولمسلم: «مثل المجاهد في ~~سبيل الله، كمثل الصائم القائم» . وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «لغدوة في سبيل الله أو روحة، خير من الدنيا ~~وما فيها» . رواه البخاري. # (7412) مسألة: قال: (والجهاد فرض على الكفاية، إذا قام به قوم، سقط عن ~~الباقين) معنى فرض الكفاية، الذي إن لم يقم به من يكفي، أثم الناس كلهم، ~~وإن قام به من يكفي، سقط عن سائر الناس. # فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع، كفرض الأعيان، ثم يختلفان في أن فرض ~~الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره ~~والجهاد من فروض الكفايات، في قول عامة أهل العلم. وحكي عن سعيد بن المسيب، ~~أنه من فروض الأعيان؛ لقول الله تعالى {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا ~~بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} [التوبة: 41] ثم قال: {إلا تنفروا يعذبكم ~~عذابا أليما} [التوبة: 39] . # وقوله سبحانه: {كتب عليكم القتال} [البقرة: 216] . وروى أبو هريرة - رضي ~~الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من مات ولم يغز، ولم ~~يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق ". ولنا قول الله تعالى: {لا ~~يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] . # وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، وقال الله تعالى: ~~{وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا ms5008 نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا} ~~[التوبة: 122] ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث السرايا، ~~ويقيم هو وسائر أصحابه. فأما الآية التي احتجوا بها، فقد قال ابن عباس: ~~نسخها قوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] . # رواه الأثرم وأبو داود. ويحتمل أنه أراد # PageV09P196 # حين استنفرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك، وكانت إجابتهم ~~إلى ذلك واجبة عليهم، ولذلك هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - كعب بن مالك ~~وأصحابه الذين خلفوا، حتى تاب الله عليهم بعد ذلك، وكذلك يجب على من ~~استنفره الإمام لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إذا استنفرتم فانفروا ~~". متفق عليه. ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في ~~قتالهم؛ إما أن يكونوا جندا لهم دواوين من أجل ذلك، أو يكونوا قد أعدوا ~~أنفسهم له تبرعا بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم، ويكون في الثغور من ~~يدفع العدو عنها، ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو في بلادهم. ### | [فصل ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع] # ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع؛ أحدها، إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان؛ ~~حرم على من حضر الانصراف، وتعين عليه المقام؛ لقول الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا} [الأنفال: 45] . ~~وقوله {واصبروا إن الله مع الصابرين} [الأنفال: 46] . وقوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} ~~[الأنفال: 15] {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ~~فقد باء بغضب من الله} [الأنفال: 16] الثاني، إذا نزل الكفار ببلد، تعين ~~على أهله قتالهم ودفعهم. # الثالث، إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه؛ لقول الله تعالى {يا ~~أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض} [التوبة: 38] . الآية والتي بعدها. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: " إذا استنفرتم فانفروا ". ### | [فصل ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط] # (7414) ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط؛ الإسلام، والبلوغ، والعقل، ~~والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة. ms5009 فأما الإسلام ~~والبلوغ والعقل، فهي شروط لوجوب سائر الفروع، ولأن الكافر غير مأمون في ~~الجهاد، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد والصبي ضعيف البنية، وقد روى ابن ~~عمر، قال: «عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد وأنا ابن ~~أربع عشرة، فلم يجزني في المقاتلة» . متفق عليه. # وأما # PageV09P197 # الحرية فتشترط؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يبايع الحر ~~على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد» ، ولأن الجهاد ~~عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم تجب على العبد، كالحج. وأما الذكورية فتشترط؛ ~~لما روت عائشة، قالت: «يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ فقال: جهاد لا ~~قتال فيه؛ الحج، والعمرة» . ولأنها ليست من أهل القتال؛ لضعفها وخورها، ~~ولذلك لا يسهم لها. ولا يجب على خنثى مشكل؛ لأنه لا يعلم كونه ذكرا، فلا ~~يجب مع الشك في شرطه. # وأما السلامة من الضرر، فمعناه السلامة من العمى والعرج والمرض، وهو شرط؛ ~~لقول الله تعالى {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض ~~حرج} [النور: 61] . ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد؛ فأما العمى فمعروف، ~~وأما العرج، فالمانع منه هو الفاحش الذي يمنع المشي الجيد والركوب، ~~كالزمانة ونحوها، وأما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي، وإنما ~~يتعذر عليه شدة العدو، فلا يمنع وجوب الجهاد؛ لأنه ممكن منه، فشابه الأعور. # وكذلك المرض المانع هو الشديد، فأما اليسير منه الذي لا يمنع إمكان ~~الجهاد، كوجع الضرس والصداع الخفيف، فلا يمنع الوجوب؛ لأنه لا يتعذر معه ~~الجهاد، فهو كالعور. وأما وجود النفقة، فيشترط؛ لقول الله تعالى {ليس على ~~الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا ~~لله ورسوله} [التوبة: 91] ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة، فيعتبر القدرة ~~عليها. # فإن كان الجهاد على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، اشترط أن يكون واجدا ~~للزاد ونفقة عائلته في مدة غيبته، وسلاح يقاتل به، ولا تعتبر الراحلة؛ لأنه ~~سفر قريب. وإن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة، اعتبر مع ms5010 ذلك الراحلة؛ لقول ~~الله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ~~تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92] ### | [فصل أقل الجهاد مرة في كل عام.] # (7415) وأقل ما يفعل مرة في كل عام؛ لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل ~~عام، وهي بدل عن النصرة، فكذلك مبدلها وهو الجهاد، فيجب في كل عام مرة، إلا ~~من عذر، مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة، أو يكون ينتظر المدد ~~يستعين به، أو يكون الطريق إليهم فيها مانع أو ليس فيها علف أو ماء، أو ~~يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام، فيطمع في إسلامهم إن أخر قتالهم، ونحو ~~ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال، فيجوز تركه بهدنة فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قد صالح قريشا عشر سنين، وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده، ~~وأخر قتال قبائل من العرب بغير هدنة. وإن دعت الحاجة إلى القتال في عام ~~أكثر من مرة وجب ذلك؛ لأنه فرض كفاية، فوجب منه ما دعت الحاجة إليه. # PageV09P198 ### | [مسألة أفضل الأعمال بعد الفرائض الجهاد] # (7416) قال: (قال أبو عبد الله: لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل ~~من الجهاد) روى هذه المسألة عن أحمد جماعة من أصحابه، قال الأثرم: قال ~~أحمد: لا نعلم شيئا من أبواب البر أفضل من السبيل. وقال الفضل بن زياد: ~~سمعت أبا عبد الله، وذكر له أمر العدو؟ فجعل يبكي، ويقول: ما من أعمال البر ~~أفضل منه. # وقال عنه غيره: ليس يعدل لقاء العدو شيء. ومباشرة القتال بنفسه أفضل ~~الأعمال، والذين يقاتلون العدو، هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم، ~~فأي عمل أفضل منه، الناس آمنون وهم خائفون، قد بذلوا مهج أنفسهم. وقد روى ~~ابن مسعود، قال: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ ~~قال: الصلاة لمواقيتها. قلت: ثم أي؟ قال ثم بر الوالدين. قلت ثم أي؟ قال: ~~الجهاد في سبيل الله.» قال الترمذي: هذا حديث ms5011 حسن صحيح. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ أو أي الأعمال خير؟ قال: إيمان بالله ورسوله. ~~قيل: ثم أي شيء؟ قال: الجهاد سنام العمل. قيل: ثم أي؟ قال: حج مبرور» . ~~أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وروى أبو سعيد الخدري، قال: «قيل: يا ~~رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال: مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» . ~~متفق عليه. # وعن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا أخبركم بخير ~~الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله.» قال الترمذي: هذا حديث حسن. ~~وروى الخلال، بإسناده عن الحسن، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «والذي نفسي بيده، ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من جهاد في سبيل ~~الله، أو حجة مبرورة، لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال.» ولأن الجهاد بذل ~~المهجة والمال، ونفعه يعم المسلمين كلهم، صغيرهم وكبيرهم، قويهم وضعيفهم، ~~ذكرهم وأنثاهم، وغيره لا يساويه في نفعه وخطره، فلا يساويه في فضله وأجره. ### | [مسألة غزو البحر أفضل من غزو البر] # قال: (وغزو البحر أفضل من غزو البر) . وجملته أن الغزو في البحر مشروع، ~~وفضله كثير. قال أنس بن مالك: «نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~استيقظ وهو يضحك، قالت أم حرام: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من ~~أمتي عرضوا علي، غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على ~~الأسرة، أو مثل الملوك على # PageV09P199 # الأسرة» . متفق عليه. # قال ابن عبد البر: أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم خالة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من الرضاعة، أرضعته أخت لهما ثالثة. ولم نر هذا عن أحد ~~سواه، وأظنه إنما قال هذا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينام في ~~بيتها، وينظر إلى شعرها، ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب. # وروى أبو داود، بإسناده عن أم حرام، عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: المائد في البحر، ms5012 الذي يصيبه القيء، له أجر شهيد، والغرق له أجر ~~شهيدين.» وروى ابن ماجه، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«شهيد البحر مثل شهيدي البر، والمائد في البحر، كالمتشحط في دمه في البر، ~~وما بين الموجتين، كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكل ملك الموت بقبض ~~الأرواح، إلا شهيد البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البر الذنوب ~~كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين» ولأن البحر أعظم خطرا ~~ومشقة، فإنه بين العدو وخطر الغرق، ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه، ~~فكان أفضل من غيره. (7418) فصل: وقتال أهل الكتاب أفضل من قتال غيرهم. # وكان ابن المبارك يأتي من مرو لغزو الروم. فقيل له في ذلك. فقال: إن ~~هؤلاء يقاتلون على دين، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~لأم خلاد: «إن ابنك له أجر شهيدين. قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنه ~~قتله أهل الكتاب» رواه أبو داود. ### | [مسألة الغزو مع كل بر وفاجر] # (7419) : (ويغزى مع كل بر وفاجر) يعني مع كل إمام. قال أبو عبد الله ~~وسئل، عن الرجل يقول: أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس، إنما يوفر الفيء ~~عليهم، فقال: سبحان الله، هؤلاء قوم سوء، هؤلاء القعدة، مثبطون جهال، ~~فيقال: أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم، من كان يغزو؟ أليس كان قد ~~ذهب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم؟ وقد روى أبو داود، بإسناده عن أبي هريرة، ~~قال # : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الجهاد واجب عليكم # PageV09P200 # مع كل أمير؛ برا كان، أو فاجرا.» وبإسناده عن أنس، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من أصل الإيمان؛ الكف عمن قال: لا إله إلا ~~الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني ~~الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، والإيمان بالأقدار» # ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد، وظهور الكفار على ~~المسلمين واستئصالهم، وظهور كلمة الكفر، وفيه فساد عظيم ms5013 # ، قال الله تعالى {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ~~[البقرة: 251] # (7420) فصل: قال أحمد: لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف ~~بالهزيمة وتضييع المسلمين، وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين. # فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر والغلول، يغزى معه، إنما ذلك في نفسه، ~~ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل ~~الفاجر» # (7421) فصل: ولا يستصحب الأمير معه مخذلا، وهو الذي يثبط الناس عن الغزو، ~~ويزهدهم في الخروج إليه والقتال والجهاد، مثل أن يقول: الحر أو البرد شديد، ~~والمشقة شديدة، ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش. # وأشباه هذا، ولا مرجفا، وهو الذي يقول: هلكت سرية المسلمين، ومالهم مدد، ~~ولا طاقة لهم بالكفار، والكفار لهم قوة، ومدد، وصبر، ولا يثبت لهم أحد. ~~ونحو هذا، ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار، وإطلاعهم على عورات ~~المسلمين، ومكاتبتهم بأخبارهم، ودلالتهم على عوراتهم، أو إيواء جواسيسهم. ~~ولا من يوقع العداوة بين المسلمين، ويسعى بالفساد؛ لقول الله تعالى {ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} [التوبة: 46] {لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} [التوبة: 47] . # ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين، فيلزمه منعهم. وإن خرج معه أحد هؤلاء، لم ~~يسهم له ولم يرضخ وإن أظهر عون المسلمين؛ لأنه يحتمل أن يكون أظهره نفاقا، ~~وقد ظهر دليله، فيكون مجرد ضرر، فلا يستحق مما غنموا شيئا. وإن كان الأمير ~~أحد هؤلاء، لم يستحب الخروج معه؛ لأنه إذا منع خروجه تبعا، فمتبوعا أولى، ~~ولأنه لا تؤمن المضرة على من صحبه. # PageV09P201 ### | [مسألة يقاتل كل قوم من يليهم من العدو] # (7422) : (ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو) . الأصل في هذا قول الله ~~تعالى {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] ~~ولأن الأقرب أكثر ضررا، وفي قتاله دفع ضرره عن المقابل له، وعمن وراءه، ~~والاشتغال بالبعيد عنه، يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين؛ لاشتغالهم ~~عنه. قيل لأحمد: يحكون عن ابن المبارك أنه قيل له: ms5014 تركت قتال العدو عندك، ~~وجئت إلى هاهنا؟ قال: هؤلاء أهل الكتاب. # فقال أبو عبد الله: سبحان الله، ما أدري ما هذا القول، يترك العدو عنده، ~~ويجيء إلى هاهنا، أفيكون هذا، أويستقيم هذا، وقد قال الله تعالى {قاتلوا ~~الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] لو أن أهل خراسان كلهم عملوا على ~~هذا، لم يجاهد الترك أحد. وهذا والله أعلم إنما فعله ابن المبارك لكونه ~~متبرعا بالجهاد، والكفاية حاصلة بغيره من أهل الديوان وأجناد المسلمين، ~~والمتبرع له ترك الجهاد بالكلية، فكان له أن يجاهد حيث شاء، ومع من شاء. ~~إذا ثبت هذا، فإن كان له عذر في البداية بالأبعد؛ لكونه أخوف، أو لمصلحة في ~~البداية به لقربه وإمكان الفرصة منه، أو لكون الأقرب مهادنا، أو يمنع من ~~قتاله مانع، فلا بأس بالبداية بالأبعد، لكونه موضع حاجة. ### | [فصل وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده] # (7423) وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما ~~يراه من ذلك. وينبغي أن يبتدئ بترتيب قوم في أطراف البلاد يكفون من بإزائهم ~~من المشركين، ويأمر بعمل حصونهم، وحفر خنادقهم، وجميع مصالحهم، ويؤمر في كل ~~ناحية أميرا، يقلده أمر الحروب، وتدبير الجهاد، ويكون ممن له رأي وعقل ~~ونجدة وبصر بالحرب ومكايدة العدو، ويكون فيه أمانة ورفق ونصح للمسلمين؛ ~~وإنما يبدأ بذلك، لأنه لا يأمن عليها من المشركين. # ويغزو كل قوم من يليهم، إلا أن يكون في بعض الجهات من لا يفي به من يليه، ~~فينقل إليهم قوما من آخرين. ويتقدم إلى من يؤمره أن لا يحمل المسلمين على ~~مهلكة، ولا يأمرهم بدخول مطمورة يخاف أن يقتلوا تحتها، فإن فعل ذلك، فقد ~~أساء، ويستغفر الله تعالى، وليس عليه عقل ولا كفارة إذا أصيب واحد منهم ~~بطاعته؛ لأنه فعل ذلك باختياره ومعرفته. فإن عدم الإمام، لم يؤخر الجهاد؛ ~~لأن مصلحته تفوت بتأخيره. وإن حصلت غنيمة، قسمها أهلها على موجب الشرع. قال ~~القاضي: ويؤخر قسمة الإماء حتى يظهر إمام احتياطا للفروج. # فإن بعث الإمام جيشا، وأمر # PageV09P202 # عليهم أميرا، فقتل أو مات، فللجيش ms5015 أن يؤمروا أحدهم، كما فعل أصحاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في جيش مؤتة، لما قتل أمراؤهم الذين أمرهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أمروا عليهم خالد بن الوليد، فبلغ النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فرضي أمرهم، وصوب رأيهم، وسمى خالدا يومئذ: " سيف الله ". # (7424) فصل: قال أحمد: قال عمر: وفروا الأظفار في أرض العدو؛ فإنه سلاح. ~~قال أحمد: يحتاج إليها في أرض العدو، ألا ترى أنه إذا أراد أن يحل الحبل أو ~~الشيء فإذا لم يكن له أظفار لم يستطع. # وقال عن الحكم بن عمرو: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا ~~نحفي الأظفار في الجهاد، فإن القوة الأظفار» . # (7425) فصل: قال أحمد: يشيع الرجل إذا خرج، ولا يتلقونه، شيع علي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، ولم يتلقه. وروي عن أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - أنه شيع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام، ~~ويزيد راكب وأبو بكر - رضي الله عنه - يمشي، فقال له يزيد: يا خليفة رسول ~~الله، إما أن تركب، وإما أن أنزل أنا فأمشي معك. قال: لا أركب ولا تنزل، ~~إنني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله. # وشيع أبو عبد الله أبا الحارث الصائغ ونعلاه في يديه، وذهب إلى فعل أبي ~~بكر، أراد أن تغبر قدماه في سبيل الله. وقال: عن عوف بن مالك الخثعمي، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من اغبرت قدماه في سبيل الله، حرمه الله ~~على النار» . قال أحمد: ليس للخثعمي صحبة، وهو قديم. ### | [مسألة تمام الرباط أربعون يوما] # (7426) مسألة: قال: (وتمام الرباط أربعون يوما) معنى الرباط الإقامة ~~بالثغر، مقويا للمسلمين على الكفار. والثغر: كل مكان يخيف أهله العدو ~~ويخيفهم. # PageV09P203 # وأصل الرباط من رباط الخيل؛ لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء يربطون ~~خيولهم، كل يعد لصاحبه، فسمي المقام بالثغر رباطا وإن لم يكن فيه خيل. ~~وفضله عظيم، وأجره كبير. # قال أحمد: ليس يعدل الجهاد عندي والرباط شيء، والرباط دفع عن المسلمين؛ ~~وعن حريمهم، وقوة لأهل الثغر ولأهل ms5016 الغزو، فالرباط أصل الجهاد وفرعه، ~~والجهاد أفضل منه للعناء والتعب والمشقة. وقد روي في فضل الرباط أخبار؛ ~~منها ما روى سلمان، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يقول: ~~رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات جرى عليه عمله ~~الذي يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان» . رواه مسلم. وعن فضالة بن عبيد، ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل ميت يختم على عمله، إلا ~~المرابط في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتان ~~القبر.» رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه قال على المنبر: إني كنت كتمتكم ~~حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كراهية تفرقكم عني، ثم ~~بدا لي أن أحدثكموه، ليختار امرؤ منكم لنفسه، سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «يقول: رباط يوم في سبيل الله، خير من ألف يوم فيما سواه من ~~المنازل.» رواه أبو داود، والأثرم، وغيرهما. # إذا ثبت هذا؛ فإن الرباط يقل ويكثر، فكل مدة أقامها بنية الرباط، فهو ~~رباط قل أو كثر؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «رباط يوم ورباط ~~ليلة.» قال أحمد: يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط. وقال: عن أبي هريرة: ~~ومن رابط يوما في سبيل الله، كتب به أجر الصائم القائم، ومن زاد، زاده ~~الله. وروى سعيد بن منصور، بإسناده عن عطاء الخراساني، عن أبي هريرة رباط ~~يوم في سبيل الله، أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين، مسجد ~~الحرام، أو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن رابط أربعين يوما، ~~فقد استكمل الرباط. وتمام الرباط أربعون يوما. # روي ذلك عن أبي هريرة، وابن عمر. وقد ذكرنا خبر أبي هريرة. وروى أبو ~~الشيخ، في " كتاب الثواب "، بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «تمام الرباط أربعون يوما» . وروي عن نافع، عن ابن عمر. # أنه قدم على عمر بن ms5017 الخطاب من الرباط، فقال له: كم رابطت؟ قال: ثلاثين ~~يوما. قال: عزمت عليك إلا رجعت حتى تتمها أربعين يوما. وإن رابط أكثر، فله ~~أجره، كما قال أبو هريرة: ومن زاد، زاده الله. ### | [فصل وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفا] # (7427) : وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفا؛ لأنهم أحوج، ومقامه به ~~أنفع. قال أحمد: أفضل الرباط أشدهم كلبا. وقيل لأبي عبد الله: فأين أحب ~~إليك أن ينزل الرجل بأهله؟ قال: كل مدينة معقل للمسلمين، # PageV09P204 # مثل دمشق. وقال: أرض الشام أرض المحشر، ودمشق موضع يجتمع إليه الناس إذا ~~غلبت الروم. قيل لأبي عبد الله: فهذه الأحاديث التي جاءت: " إن الله تكفل ~~لي بالشام ". ونحو هذا؟ قال: ما أكثر ما جاء فيه. وقيل له: إن هذا في ~~الثغور. فأنكره، وقال: أرض القدس أين هي؟ " ولا يزال أهل الغرب ظاهرين " هم ~~أهل الشام. ففسر أحمد الغرب في هذا الحديث بالشام، وهو حديث صحيح، رواه ~~مسلم، # وإنما فسره بذلك؛ لأن الشام يسمى مغربا، لأنه مغرب للعراق، كما يسمى ~~العراق مشرقا، ولهذا قيل: ولأهل المشرق ذات عرق. # وقد جاء في حديث مصرحا به: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا ~~يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم بالشام.» وفي الحديث، عن مالك بن ~~يخامر، عن معاذ بن جبل، قال: " وهم بالشام ". رواه البخاري، في " صحيحه ". ~~وفي خبر عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تزال ~~طائفة بدمشق ظاهرين.» أخرجه البخاري، في " التاريخ ". # وقد رويت في الشام أخبار كثيرة؛ منها حديث عبد الله بن حوالة الأزدي، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ستجندون أجنادا؛ جندا بالشام، وجندا ~~بالعراق، وجندا باليمن فقلت: خر لي يا رسول الله. قال: عليك بالشام، فإنها ~~خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فمن أبى، فليلحق باليمن، ~~ويسق من غدره، فإن الله تكفل لي بالشام وأهله» . # رواه أبو داود بمعناه، وكان أبو إدريس إذا روى هذا الخبر قال: ومن تكفل ~~الله به، فلا ضيعة ms5018 عليه # PageV09P205 # وروي عن الأوزاعي، قال: أتيت المدينة، فسألت: من بها من العلماء؟ فقيل: ~~محمد بن المنكدر، ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد بن علي بن عبد الله بن ~~العباس، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. ~~فقلت: والله لأبدأن بهذا قبلهم. فدخلت إليه، فأخذ بيدي، وقال: من أي ~~إخواننا أنت؟ قلت: من أهل الشام. قال: من أيهم؟ قلت: من أهل دمشق. قال: ~~حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يكون ~~للمسلمين ثلاث معاقل؛ فمعقلهم في الملحمة الكبرى التي تكون بعمق أنطاكية ~~دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج طور سيناء» . ~~رواه أبو نعيم، في " الحلية "، وفي خبر آخر، عن أبي الدرداء، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى ~~جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام.» أخرجه أبو داود. # وروى سعيد بن منصور، في " سننه " بإسناده عن أبي النضر، أن عوف بن مالك، ~~«أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أوصني. قال: ~~عليك بجبل الخمر. قال: وما جبل الخمر؟ قال: أرض المحشر.» وبإسناده، عن عطاء ~~الخراساني: «بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: رحم الله أهل ~~المقبرة. ثلاث مرات، فسئل عن ذلك، فقال: تلك مقبرة تكون بعسقلان.» فكان ~~عطاء يرابط بها كل عام أربعين يوما حتى مات. # وروى الدارقطني، في " كتابه المخرج على الصحيحين "، بإسناده عن ابن عمر، ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على مقبرة، فقيل له: يا رسول الله، ~~أي مقبرة هي؟ قال: مقبرة بأرض العدو، يقال لها: عسقلان، يفتتحها ناس من ~~أمتي، يبعث الله منها سبعين ألف شهيد، فيشفع الرجل في مثل ربيعة ومضر، ولكل ~~عروس، وعروس الجنة عسقلان» . وبإسناده، عن ابن عباس - رضي الله عنه - «أن ~~رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أريد أن أغزو. فقال: عليك ~~بالشام وأهله، ثم الزم من الشام ms5019 عسقلان، فإنها إذا دارت الرحى في أمتي، كان ~~أهلها في راحة وعافية.» ### | [فصل نقل النساء والذرية إلى الثغور المخوفة] # (7428) : ومذهب أبي عبد الله كراهة نقل النساء والذرية إلى الثغور ~~المخوفة. وهو قول الحسن، والأوزاعي؛ لما روى يزيد بن عبد الله، قال: قال ~~عمر: لا تنزلوا المسلمين ضفة البحر. رواه الأثرم بإسناده. # ولأن # الثغور المخوفة لا يؤمن ظفر العدو بها، وبمن فيها، واستيلاؤهم على الذرية ~~والنساء # . قيل لأبي عبد الله: فتخاف على المنتقل بعياله إلى الثغر الإثم؟ قال: ~~كيف لا أخاف الإثم، وهو يعرض ذريته للمشركين؟ وقال: كنت آمر بالتحول بالأهل ~~والعيال إلى الشام قبل اليوم، فأنا أنهى عنه الآن؛ لأن الأمر قد اقترب. ~~وقال: لا بد لهؤلاء القوم من يوم. قيل: فذلك في آخر الزمان. قال: فهذا آخر ~~الزمان. قيل: # PageV09P206 # فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج ~~بها. قال: هذا للواحدة، ليس الذرية. # وهذا من كلام أحمد محمول على أن غير أهل الثغر، لا يستحب لهم الانتقال ~~بأهلهم إلى ثغر مخوف، فأما أهل الثغر، فلا بد لهم من السكنى بأهلهم، لولا ~~ذلك لخربت الثغور وتعطلت. وخص الثغور المخوفة، بدليل أنه اختار سكنى دمشق ~~ونحوها، مع كونها ثغرا؛ لأن الغالب سلامتها، وسلامة أهلها. ### | [فصل لأهل الثغر أن يجتمعوا في المسجد الأعظم] # (7429) فصل: ويستحب لأهل الثغر أن يجتمعوا في المسجد الأعظم لصلواتهم ~~كلها، ليكون أجمع لهم، وإذا حضر النفير صادفهم مجتمعين، فيبلغ الخبر ~~جميعهم، وإن جاء خبر يحتاجون إلى سماعه، أو أمر يراد إعلامهم به، يعلمونه، ~~ويراهم عين الكفار، فيعلم كثرتهم فيخوف بهم. قال أحمد: إن كانوا متفرقين ~~يرى الجاسوس قلتهم. قال: وبلغني عن الأوزاعي، أنه قال في المساجد التي ~~بالثغر: لو أن لي عليها ولاية، لسمرت أبوابها - ولم يقل: لخربتها - حتى ~~تكون صلاتهم في موضع واحد، حتى إذا جاء النفير وهم متفرقون، لم يكونوا ~~مثلهم إذا كانوا في موضع واحد. ### | [فصل الحرس في سبيل الله] # (7430) وفي الحرس في سبيل الله فضل كبير. قال ابن عباس: ms5020 سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: «عينان لا تمسهما النار؛ عين بكت من خشية الله، ~~وعين باتت تحرس في سبيل الله» . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله حارس الحرس» . # وعن سهل بن الحنظلية، «أنهم ساروا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم حنين، فأطنبوا السير حتى كان عشية، قال: من يحرسنا الليلة؟» قال أنس بن ~~أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله. قال: " فاركب ". فركب فرسا له، وجاء ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: " استقبل هذا الشعب، حتى ~~تكون في أعلاه، ولا أغرن من قبلك الليلة ". فلما أصبحنا، جاء رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى مصلاه، # PageV09P207 # فركع ركعتين، ثم قال: " هل أحسستم فارسكم الليلة؟ قالوا: لا. فثوب ~~بالصلاة، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، ~~حتى إذا قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته وسلم، قال: " أبشروا، ~~قد جاءكم فارسكم ". فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب، حيث أمرني رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلما أصبحت اطلعت الشعبين كليهما، فنظرت، فلم أر ~~أحدا. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هل نزلت الليلة؟ " قال: ~~لا، إلا مصليا أو قاضيا حاجة. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«قد أوجبت، فلا عليك أن لا تعمل بعدها.» رواه أبو داود. # وعن عثمان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «حرس ليلة في سبيل الله، أفضل من ألف ليلة، قيام ليلها، وصيام ~~نهارها» . رواه ابن سنجر. ### | [مسألة إذا كان المتطوع للجهاد أبواه مسلمين] # (7431) : (وإذا كان أبواه مسلمين، لم يجاهد تطوعا إلا بإذنهما) روي نحو ~~هذا عن عمر، وعثمان. وبه قال مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وسائر ~~أهل العلم. وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «جاء رجل إلى ms5021 رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أجاهد؟ فقال: ألك أبوان؟ ~~قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد.» . وعن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مثله، رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية: «فقال: جئت ~~أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان. قال: ارجع إليهما، فأضحكهما كما ~~أبكيتهما.» وعن أبي سعيد، «أن رجلا هاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل لك باليمن أحد؟ قال: ~~نعم، أبواي. قال: أذنا لك؟ قال: لا. قال: فارجع، فاستأذنهما، فإن أذنا لك ~~فجاهد، وإلا فبرهما.» رواهن أبو داود. ولأن بر الوالدين فرض عين، والجهاد ~~فرض كفاية، وفرض العين يقدم. # فأما إن كان أبواه غير مسلمين، فلا إذن لهما. وبذلك قال الشافعي. وقال ~~الثوري: لا يغزو إلا بإذنهما؛ لعموم الأخبار. ولنا أن أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كانوا يجاهدون، وفيهم من له أبوان كافران، من غير ~~استئذانهما؛ منهم أبو بكر الصديق، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، كان مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، وأبوه رئيس المشركين يومئذ، قتل ~~ببدر، وأبو عبيدة، قتل أباه في الجهاد، فأنزل الله تعالى {لا تجد قوما} ~~[المجادلة: 22] . الآية، وعموم الأخبار مخصص بما رويناه فأما إن كان أبواه ~~رقيقين، فعموم كلام الخرقي # PageV09P208 # يقتضي وجوب استئذانهما؛ لعموم الأخبار، ولأنهما أبوان مسلمان، فأشبها ~~الحرين، ويحتمل أن لا يعتبر إذنهما؛ لأنه لا ولاية لهما. وإن كانا مجنونين ~~فلا إذن لهما؛ لأنه لا يمكن استئذانهما. ### | [مسألة الاستجابة إذا خوطب بالجهاد] # (7432) قال وإذا خوطب بالجهاد فلا إذن لهما، وكذلك كل الفرائض، لا طاعة ~~لهما في تركها. يعني إذا وجب عليه الجهاد. لم يعتبر إذن والديه؛ لأنه صار ~~فرض عين وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله. # وكذلك كل ما وجب مثل الحج، والصلاة في الجماعة والجمع، والسفر، للعلم ~~الواجب. قال الأوزاعي لا طاعة للوالدين في ترك الفرائض والجمع والحج ~~والقتال؛ لأنها عبادة تعينت عليه، فلم يعتبر إذن الأبوين ms5022 فيها، كالصلاة، ~~ولأن الله تعالى قال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل ~~عمران: 97] ولم يشترط إذن الوالدين. ### | [فصل الخروج إلى الجهاد بإذن الوالدين] # (7433) وإن خرج في جهاد تطوع بإذنهما، فمنعاه منه بعد سيره وقبل وجوبه، ~~فعليه الرجوع، لأنه معنى لو وجد في الابتداء منع، فإذا وجد في أثنائه منع، ~~كسائر الموانع، إلا أن يخاف على نفسه في الرجوع، أو يحدث له عذر، من مرض أو ~~ذهاب نفقة أو نحوه، فإن أمكنه الإقامة في الطريق، وإلا مضى مع الجيش، فإذا ~~حضر الصف، تعين عليه بحضوره، ولم يبق لهما إذن. وإن كان رجوعهما عن الإذن ~~بعد تعين الجهاد عليه، لم يؤثر رجوعهما شيئا. # وإن كانا كافرين، فأسلما ومنعاه، كان ذلك كمنعهما بعد إذنهما، سواء. وحكم ~~الغريم يأذن في الجهاد ثم يمنع منه، حكم الوالد، على ما فصلناه. فأما إن ~~حدث للإنسان في نفسه عذر من مرض أو عمى أو عرج، فله الانصراف، سواء التقى ~~الزحفان، أو لم يلتقيا؛ لأنه لا يمكنه القتال، ولا فائدة في مقامه. ### | [فصل أذن له والداه في الغزو وشرط عليه لا يقاتل] # (7434) وإن أذن له والداه في الغزو، وشرطا عليه أن لا يقاتل، فحضر القتال ~~تعين عليه، وسقط شرطهما. كذلك قال الأوزاعي، وابن المنذر لأنه صار واجبا ~~عليه، فلم يبق لهما في تركه طاعة. ولو خرج بغير إذنهما، فحضر القتال ثم بدا ~~له الرجوع، لم يجز له ذلك. ### | [فصل من عليه دين حال أو مؤجل هل يجوز له الخروج للغزو] # (7435) فصل ومن عليه دين حال أو مؤجل، لم يجز له الخروج إلى الغزو إلا ~~بإذن غريمه، إلا أن يترك وفاء، أو يقيم به كفيلا، أو يوثقه برهن. وبهذا قال ~~الشافعي، ورخص مالك في الغزو لمن لا يقدر على قضاء دينه؛ لأنه لا تتوجه ~~المطالبة به ولا حبسه من أجله، فلم يمنع من الغزو، كما لو لم يكن عليه دين. # PageV09P209 # ولنا أن الجهاد تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس فيفوت الحق، ~~بفواتها، وقد جاء ms5023 «أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~يا رسول الله، إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا، تكفر عني خطاياي؟ قال: ~~نعم، إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك» رواه مسلم وأما إذا تعين عليه ~~الجهاد، فلا إذن لغريمه؛ لأنه تعلق بعينه، فكان مقدما على ما في ذمته، ~~كسائر فروض الأعيان، ولكن يستحب له أن لا يتعرض لمظان القتل؛ من المبارزة، ~~والوقوف في أول المقاتلة، لأن فيه تغريرا بتفويت الحق. وإن ترك وفاء، أو ~~أقام كفيلا، فله الغزو بغير إذن. # نص عليه أحمد في من ترك وفاء، لأن عبد الله بن حرام أبا جابر بن عبد الله ~~خرج إلى أحد، وعليه دين كثير، فاستشهد، وقضاه عنه ابنه بعلم النبي، ولم ~~يذمه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، ولم ينكر فعله، بل مدحه، وقال ~~«ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها، حتى رفعتموه. وقال لابنه جابر أشعرت أن ~~الله أحيا أباك، وكلمه كفاحا» . ### | [مسألة يقاتل أهل الكتاب والمجوس ولا يدعون إلى الإسلام] # (7436) مسألة قال ويقاتل أهل الكتاب والمجوس، ولا يدعون، لأن الدعوة قد ~~بلغتهم ويدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا أما قوله في أهل الكتاب والمجوس: ~~لا يدعون قبل القتال. فهو على عمومه؛ لأن الدعوة قد انتشرت وعمت، فلم يبق ~~منهم من لم تبلغه الدعوة إلا نادر بعيد. وأما قوله: يدعى عبدة الأوثان قبل ~~أن يحاربوا. فليس بعام، فإن من بلغته الدعوة منهم لا يدعون، وإن وجد منهم ~~من لم تبلغه الدعوة، دعي قبل القتال، وكذلك إن وجد من أهل الكتاب من لم ~~تبلغه الدعوة، دعوا قبل القتال. # قال أحمد إن الدعوة قد بلغت وانتشرت، ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم ~~وخلف الترك، على هذه الصفة، لم يجز قتالهم قبل الدعوة. # وذلك لما روى بريدة قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - « # PageV09P210 # إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أمره بتقوى الله في خاصته، وبمن معه من ~~المسلمين، وقال: إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ms5024 إحدى ثلاث خصال، ~~فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم؛ ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك ~~فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك ~~فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن أبوا، فاستعن بالله عليهم وقاتلهم» رواه أبو ~~داود ومسلم،. # وهذا يحتمل أنه كان في بدء الأمر قبل انتشار الدعوة، وظهور الإسلام، فأما ~~اليوم، فقد انتشرت الدعوة، فاستغني بذلك عن الدعاء عند القتال، قال أحمد ~~كان النبي يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب، حتى أظهر الله الدين وعلا ~~الإسلام، ولا أعرف اليوم أحدا يدعى، قد بلغت الدعوة كل أحد، والروم قد ~~بلغتهم الدعوة، وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام، ~~وإن دعا فلا بأس. # وقد روى ابن عمر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أغار ~~على بني المصطلق، وهم غارون آمنون، وإبلهم تسقى على الماء، فقتل المقاتلة؛ ~~وسبى الذرية» متفق عليه، وعن الصعب بن جثامة، قال: سمعت «رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يسأل عن الديار من ديار المشركين، يبيتون فيصيبون من ~~نسائهم وذراريهم، فقال هم منهم» . متفق عليه. # وقال سلمة بن الأكوع: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر، ~~فغزونا ناسا من المشركين، فبيتناهم.» رواه أبو داود، ويحتمل أن يجعل الأمر ~~بالدعوة في حديث بريدة على الاستحباب، فإنها مستحبة في كل حال، وقد روي أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «أمر عليا، حين أعطاه الراية يوم خيبر وبعثه ~~إلى قتالهم، أن يدعوهم، وهم ممن بلغتهم الدعوة» . رواه البخاري. ودعا خالد ~~بن الوليد طليحة الأسدي حين تنبأ، فلم يرجع، فأظهره الله عليه، ودعا سلمان ~~أهل فارس. فإذا ثبت هذا، فإن كان المدعو من أهل الكتاب، أو مجوسا، دعاهم ~~إلى الإسلام، فإن أبوا، دعاهم إلى إعطاء الجزية، فإن أبوا قاتلهم، وإن ~~كانوا من غيرهم، دعاهم إلى الإسلام، فإن أبوا، قاتلهم، ومن قتل قبل الدعاء ~~لم يضمن؛ لأنه لا إيمان له ولا أمان، فلم يضمن، كنساء من بلغته الدعوة ~~وصبيانهم. # PageV09P211 ### | [مسألة يقاتل ms5025 أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية] # (7437) مسألة ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون، ويقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا. # وجملته أن الكفار ثلاثة أقسام؛ قسم أهل كتاب، وهم اليهود والنصارى، ومن ~~اتخذ التوراة والإنجيل كتابا، كالسامرة والفرنج ونحوهم، فهؤلاء تقبل منهم ~~الجزية، ويقرون على دينهم إذا بذلوها؛ لقول الله تعالى: {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~[التوبة: 29] وقسم لهم شبهة كتاب، وهم المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب، في ~~قبول الجزية منهم، وإقرارهم بها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب» . # ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذين القسمين. وقسم لا كتاب لهم، ولا ~~شبهة كتاب، وهم من عدا هذين القسمين، من عبدة الأوثان، ومن عبد ما استحسن، ~~وسائر الكفار، فلا تقبل منهم الجزية، ولا يقبل منهم سوى الإسلام. هذا ظاهر ~~المذهب وهو مذهب الشافعي. وروي عن أحمد أن الجزية تقبل من جميع الكفار، إلا ~~عبدة الأوثان من العرب. # وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق، فيقرون ببذل ~~الجزية، كالمجوس. وحكي عن مالك، أنها تقبل من جميع الكفار، إلا كفار قريش؛ ~~لحديث بريدة الذي في المسألة قبل هذه، وهو عام، ولأنهم كفار، فأشبهوا ~~المجوس. ولنا، عموم قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] . # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله» . خص منهما أهل الكتاب بقوله تعالى: {من الذين أوتوا الكتاب ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] . والمجوس بقوله: «سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب» . فمن عداهما يبقى على مقتضى العموم، ولأن الصحابة - ~~رضي الله عنهم -، توقفوا في أخذ الجزية من # PageV09P212 # المجوس، ولم يأخذ عمر منهم الجزية، حتى روى له عبد الرحمن بن عوف، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سنوا بهم سنة ms5026 أهل الكتاب» . # وثبت عندهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أخذ الجزية من مجوس هجر» . ~~وهذا يدل على أنهم لم يقبلوا الجزية ممن سواهم، فإنهم إذا توقفوا في من له ~~شبهة كتاب، ففي من لا شبهة له أولى، ثم أخذوا الجزية منهم للخبر المختص ~~بهم، فيدل على أنهم لم يأخذوها من غيرهم، ولأن قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . # يدل على اختصاص أهل الكتاب ببذل الجزية، إذ لو كان عاما في جميع الكفار، ~~لم يختص أهل الكتاب بإضافتها إليهم، ولأنهم تغلظ كفرهم لكفرهم بالله وجميع ~~كتبه ورسله، ولم تكن لهم شبهة، فلم يقروا ببذل الجزية، كقريش وعبدة الأوثان ~~من العرب، ولأن تغليظ الكفر له أثر في تحتم القتل، وكونه لا يقر بالجزية، ~~بدليل المرتد. # وأما المجوس، فإن لهم شبهة كتاب، والشبهة تقوم مقام الحقيقة فيما يبنى ~~على الاحتياط، فحرمت دماؤهم للشبهة، ولم يثبت حل نسائهم وذبائحهم؛ لأن الحل ~~لا يثبت بالشبهة، ولأن الشبهة لما اقتضت تحريم دمائهم، اقتضت تحريم ذبائحهم ~~ونسائهم، ليثبت التحريم في المواضع كلها، تغليبا له على الإباحة، ولا نسلم ~~أنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق. ### | [مسألة النفر عند ملاقاة العدو في الحرب] # (7438) مسألة وواجب على الناس إذا جاء العدو، أن ينفروا؛ المقل منهم، ~~والمكثر، ولا يخرجوا إلى العدو إلا بإذن الأمير، إلا أن يفجأهم عدو غالب ~~يخافون كلبه، فلا يمكنهم أن يستأذنوه قوله: المقل منهم والمكثر. يعني به - ~~والله أعلم - الغني والفقير، أي مقل من المال ومكثر منه، ومعناه أن النفير ~~يعم جميع الناس، ممن كان من أهل القتال، حين الحاجة إلى نفيرهم؛ لمجيء ~~العدو إليهم. # ولا يجوز لأحد التخلف، إلا من يحتاج إلى تخلفه لحفظ المكان والأهل ~~والمال، ومن يمنعه الأمير من الخروج، أو من لا قدرة له على الخروج أو ~~القتال؛ وذلك لقول الله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] . وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استنفرتم فانفروا» . وقد ذم الله تعالى ~~الذين أرادوا الرجوع إلى منازلهم يوم الأحزاب، فقال تعالى: ms5027 {ويستأذن فريق ~~منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} ~~[الأحزاب: 13] . # ولأنهم إذا جاء العدو، صار الجهاد عليهم فرض عين فوجب على الجميع، فلم ~~يجز لأحد التخلف عنه، فإذا ثبت هذا، فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن ~~أمر الحرب موكول إليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم، ومكامن العدو وكيدهم، ~~فينبغي أن يرجع إلى رأيه، لأنه أحوط للمسلمين؛ إلا أن يتعذر استئذانه ~~لمفاجأة عدوهم لهم، فلا يجب استئذانه، لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج ~~إليه، لتعين # PageV09P213 # الفساد في تركهم، ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجا من المدينة، تبعهم، فقاتلهم، من غير ~~إذن، فمدحه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: خير رجالتنا سلمة بن ~~الأكوع. وأعطاه سهم فارس وراجل. ### | [فصل الإمام إذا غضب على الرجل فقال اخرج عليك أن لا تصحبني] # (7439) فصل وسئل أحمد عن الإمام إذا غضب على الرجل، فقال: اخرج، عليك أن ~~لا تصحبني. فنادى بالنفير، يكون إذنا له؟ قال: لا، إنما قصد له وحده، فلا ~~يصحبه حتى يأذن له. قال: وإذا نودي بالصلاة والنفير، فإن كان العدو بالبعد، ~~إنما جاءهم طليعة للعدو، صلوا ونفروا إليهم، وإذا استغاثوا بهم، وقد ورد ~~العدو، أغاثوا ونصروا وصلوا على ظهور دوابهم ويومئون، والغياث عندي أفضل من ~~صلاة الجماعة، والطالب والمطلوب في هذا الموضع يصلي على ظهر دابته وهو يسير ~~أفضل إن شاء الله تعالى، وإذا سمع النفير، وقد أقيمت الصلاة، يصلي، ويخفف، ~~ويتم الركوع والسجود ويقرأ بسور قصار. # وقد نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جنب - يعني غسيل ~~الملائكة حنظلة بن الراهب - قال: ولا يقطع الصلاة إذا كان فيها، وإذا جاء ~~النفير والإمام يخطب يوم الجمعة، لا ترى أن ينفروا؟ قال: ولا تنفر الخيل ~~إلا على حقيقة، ولا تنفر على الغلام إذا أبق إذا أنفروهم، فلا يكون هلاك ~~الناس بسبب غلام، وإذا نادى الإمام: الصلاة جامعة. لأمر يحدث، فيشاور فيه، ~~لم يتخلف عنه ms5028 أحد إلا من عذر. ### | [مسألة دخول النساء مع المسلمين في الحرب] # (7440) مسألة ولا يدخل مع المسلمين من النساء إلى أرض العدو إلا الطاعنة ~~في السن، لسقي الماء، ومعالجة الجرحى، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- # PageV09P214 # وجملته أنه يكره دخول النساء الشواب أرض العدو؛ لأنهن لسن من أهل القتال، ~~وقلما ينتفع بهن فيه، لاستيلاء الخور والجبن عليهن. # ولا يؤمن ظفر العدو بهن، فيستحلون ما حرم الله منهن، وقد روى حشرج بن ~~زياد عن جدته أم أبيه، أنها «خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~غزوة خيبر سادسة ست نسوة، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث ~~إلينا، فجئنا، فرأينا منه الغضب، فقال: مع من خرجتن؟ فقلنا: يا رسول الله، ~~خرجنا نغزل الشعر، ونعين به في سبيل الله، ومعنا دواء للجرحى، ونناول ~~السهام، ونسقي السويق. فقال: قمن. حتى إذا فتح الله خيبر أسهم لنا، كما ~~أسهم للرجال، فقلت لها: يا جدة، ما كان ذلك؟ قالت: تمرا» . # . قيل للأوزاعي: هل كانوا يغزون معهم بالنساء في الصوائف؟ قال: لا إلا ~~بالجواري. فأما المرأة الطاعنة في السن، وهي الكبيرة، إذا كان فيها نفع، ~~مثل سقي الماء، ومعالجة الجرحى، فلا بأس به؛ لما روينا من الخبر، وكانت أم ~~سليم ونسيبة بنت كعب، تغزوان مع النبي، فأما نسيبة فكانت تقاتل، وقطعت يدها ~~يوم اليمامة. وقالت الربيع: «كنا نغزو مع النبي لسقي الماء، ومعالجة ~~الجرحى.» وقال أنس كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يغزو بأم سليم ~~ونسوة معها من الأنصار، يسقين الماء، ويداوين الجرحى.» قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن صحيح. فإن قيل: فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج معه من ~~تقع عليها القرعة من نسائه، وخرج بعائشة مرات. قيل: تلك امرأة واحدة، ~~يأخذها لحاجته إليها، ويجوز مثل ذلك للأمير عند حاجته، ولا يرخص لسائر ~~الرعية؛ لئلا يفضي إلى ما ذكرنا. . ### | [فصل ينبغي للأمير أن يرفق بجيشه في الحرب] # (7441) فصل ينبغي للأمير أن يرفق بجيشه، ويسير بهم سير أضعفهم، لئلا يشق ~~عليهم، ms5029 وإن دعت الحاجة إلى الجد في السير جاز له فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «جد في السير جدا شديدا، حين بلغه قول عبد الله بن أبي: ليخرجن ~~الأعز منها الأذل. ليشتغل الناس عن الخوض فيه» . وإن ابن عمر جد في السير ~~حين استصرخ على صفية امرأته. # ولا يميل الأمير مع موافقيه في المذهب والنسب على مخالفيه فيهما لئلا ~~يكسر قلوبهم، فيخذلونه عند حاجته إليهم. ويكثر المشاورة لذوي الرأي من ~~أصحابه، فإن الله تعالى قال: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] . # PageV09P215 # ويتخير المنازل لأصحابه، وإذا وجد رجل رجلا قد أصيبت فرسه، ومع الآخر ~~فضل، استحب له حمله، ولم يجب. نص عليه أحمد، فإن خاف تلفه، فقال القاضي: ~~يجب عليه بذل فضل مركوبه؛ ليحيي به صاحبه، كما يلزمه بذل فضل طعامه للمضطر ~~إليه، وتخليصه من عدوه. ### | [فصل الرجلين يشتريان الفرس بينهما يغزوان عليه] # (7442) فصل وسئل أحمد عن الرجلين يشتريان الفرس بينهما، يغزوان عليه، ~~يركب هذا عقبة وهذا عقبة: ما سمعت فيه بشيء، وأرجو أن لا يكون به بأس. قيل ~~له: أيما أحب إليك؟ يعتزل الرجل في الطعام أو يرافق؟ قال: يرافق، هذا أرفق، ~~يتعاونون، وإذا كنت وحدك لم يمكنك الطبخ ولا غيره، ولا بأس بالنهد، قد ~~تناهد الصالحون، وكان الحسن إذا سافر ألقى معهم، ويزيد أيضا بعدما يلقي. # ومعنى النهد، أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئا من النفقة، يدفعونه إلى رجل ~~ينفق عليهم منه، ويأكلون جميعا، وكان الحسن البصري يدفع إلى وكيلهم مثل ~~واحد منهم، ثم يعود فيأتي سرا بمثل ذلك، يدفعه إليه. وقال أحمد: ما أرى أن ~~يغزو ومعه مصحف. # يعني لا يدخل به أرض العدو؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو» رواه أبو داود، والأثرم ### | [مسألة استئذان الأمير في الغزو في كل شيء] # (7443) مسألة وإذا غزا الأمير بالناس، لم يجز لأحد أن يتعلف، ولا يحتطب، ~~ولا يبارز علجا، ولا يخرج من العسكر، ولا يحدث حدثا، إلا بإذنه يعني لا ~~يخرج من العسكر ms5030 لتعلف، وهو تحصيل العلف للدواب، ولا لاحتطاب، ولا غيره إلا ~~بإذن الأمير؛ لقول الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله} ~~[النور: 62] {وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور: ~~62] . # ولأن الأمير أعرف بحال الناس، وحال العدو، ومكامنهم، ومواضعهم، وقربهم ~~وبعدهم. فإذا خرج خارج بغير إذنه، لم يأمن أن يصادف كمينا للعدو، فيأخذوه، ~~أو طليعة لهم، أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك. وإذا كان بإذن ~~الأمير، لم يأذن لهم إلا إلى مكان آمن، وربما يبعث معهم من الجيش من يحرسهم ~~ويطلع لهم. # وأما المبارزة، فتجوز بإذن الأمير، في قول عامة أهل العلم، إلا الحسن، ~~فإنه لم يعرفها، وكرهها. ولنا، أن حمزة، وعليا وعبيدة بن الحارث بارزوا يوم ~~بدر، بإذن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # PageV09P216 # وبارز علي عمرو بن عبد ود في غزوة الخندق فقتله. وبارز مرحبا يوم حنين. ~~وقيل بارزه محمد بن مسلمة، وبارزه قبل ذلك عامر بن الأكوع فاستشهد. # وبارز البراء بن مالك مرزبان الزأرة فقتله، وأخذ سلبه فبلغ ثلاثين ألفا. ~~وروي عنه أنه قال: قتلت تسعة وتسعين رئيسا من المشركين مبارزة، سوى من ~~شاركت فيه. # وبارز شبر بن علقمة أسوارا فقتله، فبلغ سلبه اثني عشر ألفا، فنفله إياه ~~سعد ولم يزل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يبارزون في عصر النبي ~~وبعده، ولم ينكره منكر فكان ذلك إجماعا، وكان أبو ذر يقسم أن قوله تعالى ~~{هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] . # نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر، وهم حمزة، وعلي، وعبيدة، بارزوا عتبة، ~~وشيبة، والوليد بن عتبة، وقال أبو قتادة بارزت رجلا يوم حنين، فقتلته. # إذا ثبت هذا، فإنه ينبغي أن يستأذن الأمير في المبارزة إذا أمكن. وبه قال ~~الثوري، وإسحاق ورخص فيها مالك، والشافعي، وابن المنذر لخبر أبي قتادة، ~~فإنه لم يعلم أنه استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك أكثر من حكينا ~~عنهم المبارزة، لم يعلم منهم استئذان. # ولنا أن الإمام أعلم بفرسانه وفرسان العدو، ومتى برز الإنسان إلى من لا ~~يطيقه، كان ms5031 معرضا نفسه للهلاك، فيكسر قلوب المسلمين، فينبغي أن يفوض ذلك ~~إلى الإمام، ليختار للمبارزة من يرضاه لها، فيكون أقرب إلى الظفر وجبر قلوب ~~المسلمين وكسر قلوب المشركين. فإن قيل: فقد أبحتم له أن ينغمس في الكفار، ~~وهو سبب لقتله. قلنا: إذا كان مبارزا تعلقت قلوب الجيش به، وارتقبوا ظفره، ~~فإن ظفر جبر قلوبهم، وسرهم، وكسر قلوب الكفار، وإن قتل كان بالعكس، ~~والمنغمس يطلب الشهادة، لا يترقب منه ظفر ولا مقاومة. # فافترقا. # وأما مبارزة أبي قتادة فغير لازمة، فإنها كانت بعد التحام الحرب، رأى ~~رجلا يريد أن يقتل مسلما، فضربه أبو قتادة، فضمه ضمة كاد يقتله. # وليس هذا هو المبارزة المختلف فيها، بل المختلف فيها أن يبرز رجل بين ~~الصفين قبل التحام الحرب، يدعو إلى المبارزة، فهذا هو الذي يعتبر له إذن ~~الإمام، لأن عين الطائفتين تمتد إليهما، وقلوب الفريقين تتعلق بهما، وأيهما ~~غلب سر أصحابه، وكسر قلوب أعدائه، بخلاف غيره، إذا ثبت هذا، فالمبارزة ~~تنقسم ثلاثة أقسام مستحبة، ومباحة، ومكروهة، أما المستحبة؛ فإذا خرج علج ~~يطلب البراز، استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير. # لأن فيه ردا عن المسلمين، وإظهارا لقوتهم. والمباح؛ أن يبتدئ الرجل ~~الشجاع بطلبها، فيباح ولا يستحب؛ لأنه لا حاجة إليها، # PageV09P217 # ولا يأمن أن يغلب، فيكسر قلوب المسلمين، إلا أنه لما كان شجاعا واثقا من ~~نفسه، أبيح له؛ لأنه بحكم الظاهر غالب، والمكروه أن يبرز الضعيف المنة، ~~الذي لا يثق من نفسه، فتكره له المبارزة؛ لما فيه من كسر قلوب المسلمين ~~بقتله ظاهرا. # (7444) فصل: إذا خرج كافر يطلب البراز، جاز رميه وقتله؛ لأنه مشرك لا عهد ~~له، ولا أمان له، فأبيح قتله كغيره، إلا أن تكون العادة جارية بينهم أن من ~~خرج يطلب المبارزة لا يعرض له، فيجري ذلك مجرى الشرط. وإذا خرج إليه أحد ~~يبارزه بشرط أن لا يعينه عليه سواه وجب الوفاء بشرطه؛ لأن المؤمنين عند ~~شروطهم، فإن انهزم المسلم تاركا للقتال، أو مثخنا بجراحته، جاز لكل أحد ~~قتاله؛ لأن المسلم إذا ms5032 صار إلى هذه الحال فقد انقضى قتاله، وإن كان المسلم ~~شرط عليه أن لا يقاتل حتى يرجع إلى صفه وفى له بالشرط، إلا أن يترك قتاله، ~~أو أثخنه بالجراح، فيتبعه ليقتله، أو يجهز عليه، فيجوز أن يحولوا بينه ~~وبينه، فإن قاتلهم قاتلوه؛ لأنه إذا منعهم إنقاذه فقد نقض أمانه. # وإن أعان الكفار صاحبهم، فعلى المسلمين أن يعينوا صاحبهم أيضا، ويقاتلوا ~~من أعان عليه، ولا يقاتلونه؛ لأنه ليس بصنع من جهته، فإن كان قد استنجدهم، ~~أو علم منه الرضا بفعلهم، صار ناقضا لأمانه، وجاز لهم قتله. وذكر الأوزاعي ~~أنه ليس للمسلمين معاونة صاحبهم، وإن أثخن بالجراح. قيل له: فخاف المسلمون ~~على صاحبهم؟ قال: وإن؛ لأن المبارزة إنما تكون هكذا، ولكن لو حجزوا بينهما، ~~وخلوا سبيل العلج. # قال: فإن أعان العدو صاحبهم، فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم. ولنا، أن ~~حمزة، وعليا أعانا عبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة، حين أثخن عبيدة ### | [فصل الخدعة في الحرب للمبارز وغيره] # (7445) فصل: وتجوز الخدعة في الحرب للمبارز، وغيره؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «الحرب خدعة» . وهو حديث حسن صحيح. وروي أن عمرو بن عبد ~~ود بارز عليا كرم الله وجهه، فلما أقبل عليه، قال علي: ما برزت لأقاتل ~~اثنين. فالتفت عمرو فوثب عليه فضربه، فقال عمرو: خدعتني. فقال علي: الحرب ~~خدعة. # PageV09P218 ### | [فصل غزوا في البحر فأراد رجل أن يقيم بالساحل] # (7446) فصل: قال أحمد: إذا غزوا في البحر، فأراد رجل أن يقيم بالساحل، ~~يستأذن الوالي الذي هو على جميع المراكب، ولا يجزئه أن يستأذن الوالي الذي ~~في مركبه. ### | [مسألة أعطي شيئا يستعين به في غزاته] # (7447) مسألة ومن أعطي شيئا يستعين به في غزاته، فما فضل فهو له، فإن لم ~~يعط لغزاة بعينها، رد ما فضل في الغزو. إذا حمل الرجل على دابة فهي له حين ~~الرجوع من الغزو) وجملته أن من أعطي شيئا من المال يستعين به في الغزو، لم ~~يخل؛ إما أن يعطى لغزوة بعينها، أو في الغزو مطلقا، فإن أعطي ms5033 لغزوة بعينها، ~~فما فضل بعد الغزو فهو له. هذا قول عطاء، ومجاهد، وسعيد بن المسيب. # وكان ابن عمر إذا أعطي شيئا في الغزو يقول لصاحبه: إذا بلغت وادي القرى ~~فشأنك به. ولأنه أعطاه على سبيل المعاونة والنفقة، لا على سبيل الإجارة، ~~فكان الفاضل له، كما لو وصى أن يحج عنه فلان حجة بألف. وإن أعطاه شيئا ~~لينفقه في سبيل الله، أو في الغزو مطلقا، ففضل منه فضل، أنفقه في غزاة ~~أخرى؛ لأنه أعطاه الجميع لينفقه في جهة قربة، فلزمه إنفاق الجميع فيها، كما ~~لو وصى أن يحج عنه بألف. # (7448) فصل: ومن أعطي شيئا ليستعين به في الغزو، فقال أحمد: لا يترك ~~لأهله منه شيئا؛ لأنه ليس يملكه، إلا أن يصير إلى رأس مغزاه، فيكون كهيئة ~~ماله، فيبعث إلى عياله منه، ولا يتصرف فيه قبل الخروج، لئلا يتخلف عن ~~الغزو، فلا يكون مستحقا لما أنفقه، إلا أن يشتري منه سلاحا، أو آلة الغزو، ~~فإن قصد إعطاءه لمن يغزو به، فقال أحمد: لا يتخذ منه سفرة فيها طعام، فيطعم ~~منها أحدا؛ لأنه إنما أعطيها لينفقها في جهة مخصوصة، وهي الجهاد. ### | [مسألة حمل الرجل على دابة في الغزو] # (7449) مسألة وإذا حمل الرجل على دابة، فإذا رجع من الغزو فهي له. إلا أن ~~يقول: هي حبيس. فلا يجوز أن تباع إلا أن تصير في حال لا تصلح فيه للغزو، ~~فتباع، وتجعل في حبيس آخر، وكذلك المسجد إذا ضاق بأهله، أو كان في مكان لا ~~ينتفع به، جاز أن يباع، ويجعل في مكان ينتفع به، وكذلك الأضحية إذا أبدلها ~~بخير منها قوله: # حمل الرجل على دابة. يعني أعطيها ليغزو عليها، فإذا غزا عليها، ملكها كما ~~يملك النفقة المدفوعة إليه، إلا أن تكون عارية، فتكون لصاحبها، أو حبيسا ~~فتكون حبيسا بحاله. قال عمر - رضي الله عنه -: حملت على فرس عتيق في سبيل ~~الله، فأضاعه صاحبه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه بائعه # PageV09P219 # برخص، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لا تشتره، ولا ms5034 تعد ~~في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته، كالكلب يعود في قيئه» . ~~متفق عليه. # وهذا يدل على أنه ملكه، لولا ذلك ما باعه، ويدل على أنه ملكه بعد الغزو؛ ~~لأنه أقامه للبيع بالمدينة، ولم يكن ليأخذه من عمر، ثم يقيمه للبيع في ~~الحال، فدل على أنه أقامه للبيع بعد غزوه عليه. وذكر أحمد نحوا من هذا ~~الكلام. وسئل: متى يطيب له الفرس؟ قال: إذا غزا عليه. قيل له: فإن العدو ~~جاءنا فخرج على هذا الفرس في الطلب إلى خمسة فراسخ ثم رجع. # قال: لا، حتى يكون غزو. قيل له: فحديث ابن عمر: إذا بلغت وادي القرى، ~~فشأنك به، قال ابن عمر كان يصنع ذلك في ماله، ورأى أنه إنما يستحقه إذا غزا ~~عليه. وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم سعيد بن المسيب، والقاسم، ويحيى ~~الأنصاري، ومالك، والليث، والثوري. ونحوه عن الأوزاعي. قال ابن المنذر: ولم ~~أعلم أحدا يقول: إن له أن يبيعه في مكانه. # وكان مالك لا يرى أن ينتفع بثمنه في غير سبيل الله، إلا أن يقول له: شأنك ~~به ما أردت. ولنا، حديث عمر، وليس فيه ما اشترط مالك، فأما إذا قال: هي ~~حبيس. # فلا يجوز بيعها، وقد سبق شرح هذه المسألة في باب الوقف، ويأتي شرح حكم ~~الأضحية في بابها، إن شاء الله (7450) فصل: قال أحمد: لا يركب دواب السبيل ~~في حاجة، ويركبها ويستعملها في سبيل الله، ولا يركب في الأمصار والقرى، ولا ~~بأس أن يركبها ويعلفها، وأكره سياق الرمك على الفرس الحبيس، وسهم الفرس ~~الحبيس لمن غزا عليه، ولا يباع الفرس الحبيس إلا من علة، إذا عطب يصير ~~للطحن، ويصير ثمنه في مثله، أو ينفق ثمنه على الدواب الحبيس. وإذا أراد أن ~~يشتري فرسا ليحمل عليه، فقال أحمد: يستحب شراؤها من غير الثغر، ليكون توسعة ~~على أهل الثغر في الجلب. ### | [مسألة للإمام التصرف في سبايا الحرب] # (7451) مسألة وإذا سبى الإمام فهو مخير، إن رأى قتلهم، وإن رأى من عليهم ~~وأطلقهم بلا عوض، وإن رأى ms5035 أطلقهم على مال يأخذه منهم، وإن رأى فادى بهم، ~~وإن رأى استرقهم، أي ذلك رأى فيه نكاية للعدو وحظا للمسلمين فعل، وجملته أن ~~من أسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب؛ # PageV09P220 # أحدها، النساء والصبيان، فلا يجوز قتلهم، ويصيرون رقيقا للمسلمين بنفس ~~السبي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن قتل النساء والولدان» . ~~متفق عليه. # وكان - عليه الصلاة والسلام - يسترقهم إذا سباهم. الثاني، الرجال من أهل ~~الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية، فيتخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء؛ ~~القتل، والمن بغير عوض، والمفاداة بهم، واسترقاقهم. الثالث، الرجال من عبدة ~~الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية، فيتخير، الإمام فيهم بين ثلاثة أشياء؛ ~~القتل، أو المن، والمفاداة، ولا يجوز استرقاقهم. وعن أحمد جواز استرقاقهم. ~~وهو مذهب الشافعي. # وبما ذكرنا في أهل الكتاب قال الأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور. وعن مالك ~~كمذهبنا. وعنه لا يجوز المن بغير عوض؛ لأنه لا مصلحة فيه، وإنما يجوز ~~للإمام فعل ما فيه المصلحة، وحكي عن الحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير، كراهة ~~قتل الأسرى. # وقالوا: لو من عليه أو فاداه كما صنع بأسارى بدر. ولأن الله تعالى قال: ~~{فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] . فخير بعد الأسر بين ~~هذين لا غير. وقال أصحاب الرأي: إن شاء ضرب أعناقهم، وإن شاء استرقهم، لا ~~غير، ولا يجوز من ولا فداء؛ لأن الله تعالى قال: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] . بعد قوله: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] . ~~وكان عمر بن عبد العزيز، وعياض بن عقبة، يقتلان الأسارى. # ولنا، على جواز المن والفداء قول الله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} ~~[محمد: 4] . وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - من على ثمامة بن أثال، وأبي ~~عزة الشاعر، وأبي العاص بن الربيع، وقال في أسارى بدر: لو كان مطعم بن عدي ~~حيا، ثم سألني في هؤلاء النتنى، لأطلقتهم له. وفادى أسارى بدر، وكانوا ~~ثلاثة وسبعين رجلا، كل رجل منهم بأربعمائة، وفادى يوم بدر رجلا برجلين، ~~وصاحب العضباء برجلين. # وأما القتل؛ فلأن النبي - صلى ms5036 الله عليه وسلم - قتل رجال بني قريظة، وهم ~~بين الستمائة والسبعمائة، وقتل يوم بدر النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي ~~معيط، صبرا، وقتل أبا عزة يوم أحد وهذه قصص عمت واشتهرت، وفعلها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مرات، وهو دليل على جوازها. # ولأن كل خصلة من هذه الخصال # قد تكون أصلح في بعض الأسرى، فإن منهم من له قوة ونكاية في المسلمين، ~~وبقاؤه ضرر عليهم # ، فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كثير، ففداؤه أصلح، ومنهم حسن ~~الرأي في المسلمين، يرجى إسلامه بالمن عليه، أو معونته للمسلمين بتخليص ~~أسراهم، والدفع عنهم، فالمن عليه أصلح، ومنهم من # PageV09P221 # ينتفع بخدمته، ويؤمن شره، فاسترقاقه أصلح، كالنساء والصبيان، والإمام ~~أعلم بالمصلحة، فينبغي أن يفوض ذلك إليه، وقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} ~~[التوبة: 5] عام لا ينسخ به الخاص، بل ينزل على ما عدا المخصوص، ولهذا لم ~~يحرموا استرقاقه، فأما عبدة الأوثان، ففي استرقاقهم روايتان؛ إحداهما، لا ~~يجوز. # وهو مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز في العجم دون العرب، بناء على ~~قوله في أخذ الجزية منهم. ولنا، أنه كافر لا يقر بالجزية، فلم يقر ~~بالاسترقاق كالمرتد، وقد ذكرنا الدليل عليه، إذا ثبت هذا، فإن هذا تخيير ~~مصلحة واجتهاد، لا تخيير شهوة، فمتى رأى المصلحة في خصلة من هذه الخصال، ~~تعينت عليه، ولم يجز العدول عنها، ومتى تردد فيها، فالقتل أولى. # قال مجاهد في أميرين؛ أحدهما يقتل الأسرى: وهو أفضل. وكذلك قال مالك. ~~وقال إسحاق: الإثخان أحب إلي، إلا أن يكون معروفا يطمع به في الكثير. ### | [فصل أسلم الأسير] # (7452) فصل: وإن أسلم الأسير صار رقيقا في الحال، وزال التخيير، وصار ~~حكمه حكم النساء. وبه قال الشافعي في أحد قوليه. وفي الآخر يسقط القتل، ~~ويتخير بين الخصال الثلاث # لما روي أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسروا رجلا من بني ~~عقيل، فمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد علام أخذت وأخذت ~~سابقة الحاج؛ فقال: أخذت بجريرة حلفائك من ثقيف، فقد أسرت رجلين من أصحابي. ms5037 ~~فمضى النبي - صلى الله عليه وسلم - فناداه: يا محمد، يا محمد. فقال له: ما ~~شأنك؟ فقال: إني مسلم، فقال: «لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح. ~~وفادى به النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجلين» ، رواه مسلم. ولأنه سقط ~~القتل بإسلامه، فبقي باقي الخصال على ما كانت عليه. # ولنا، أنه أسير يحرم قتله، فصار رقيقا كالمرأة، والحديث لا ينافي رقه، ~~فقد يفادى بالمرأة وهي رقيق، كما روى سلمة بن الأكوع، أنه غزا مع أبي بكر، ~~فنفله امرأة، فوهبها النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث بها إلى أهل مكة، ~~وفي أيديهم أسارى، ففداهم بتلك المرأة. إلا أنه لا يفادى به، ولا يمن عليه، ~~إلا بإذن # PageV09P222 # الغانمين؛ لأنه صار مالا لهم. # ويحتمل أن يجوز المن عليه؛ لأنه كان يجوز المن عليه، مع كفره، فمع إسلامه ~~أولى، لكون الإسلام حسنة يقتضي إكرامه، والإنعام عليه، لا منع ذلك في حقه. ~~ولا يجوز رده إلى الكفار، إلا أن يكون له ما يمنعه من المشركين، من عشيرة ~~أو نحوها، وإنما جاز فداؤه؛ لأنه يتخلص به من الرق. فأما إن أسلم قبل أسره، ~~حرم قتله واسترقاقه والمفاداة به، سواء أسلم وهو في حصن، أو جوف، أو مضيق، ~~أو غير ذلك؛ لأنه لم يحصل في أيدي الغانمين بعد. ### | [فصل سؤال الأسارى من أهل الكتاب عن الجزية] # (7453) فصل: فإن سأل الأسارى من أهل الكتاب تخليتهم على إعطاء الجزية، لم ~~يجز ذلك في نسائهم وذراريهم؛ لأنهم صاروا غنيمة بالسبي، وأما الرجال، فيجوز ~~ذلك فيهم، ولا يزول التخيير الثابت فيهم. وقال أصحاب الشافعي: يحرم قتلهم، ~~كما لو أسلموا. ولنا أنه بدل لا تلزم الإجابة إليه، فلم يحرم قتلهم، كبدل ~~عبدة الأوثان. ### | [فصل أسر العبد في الحرب] # (7454) فصل: وإذا أسر العبد صار رقيقا للمسلمين؛ لأنه مال لهم استولي ~~عليه، فكان للغانمين، كالبهيمة، # وإن رأى الإمام قتله لضرر في بقائه، جاز قتله # ؛ لأن مثل هذا لا قيمة له، فهو كالمرتد، وأما من يحرم قتلهم غير النساء ~~والصبيان، كالشيخ والزمن والأعمى والراهب، فلا يحل ms5038 سبيهم؛ لأن قتلهم حرام، ~~ولا نفع في اقتنائهم. (7455) فصل: ذكر أبو بكر أن الكافر إذا كان مولى ~~مسلم، لم يجز استرقاقه؛ لأن في استرقاقه تفويت ولاء المسلم المعصوم. وعلى ~~قوله، لا يسترق ولده أيضا إذا كان عليه ولاء؛ لذلك. # وإن كان معتقه ذميا، جاز استرقاقه؛ لأن سيده يجوز استرقاقه، فاسترقاق ~~مولاه أولى. وهذا مذهب الشافعي. وظاهر كلام الخرقي جواز استرقاقه؛ لأنه ~~يجوز قتله، وهو من أهل الكتاب، فجاز استرقاقه، كغيره، ولأن سبب جواز ~~الاسترقاق قد تحقق فيه، وهو الاستيلاء عليه، مع كون مصلحة المسلمين في ~~استرقاقه، ولأنه إن كان المسبي امرأة أو صبيا، لم يجز فيه سوى الاسترقاق، ~~فيتعين ذلك فيه. وما ذكره يبطل بالقتل؛ فإنه يفوت الولاء، وهو جائز فيه، ~~وكذلك من عليه ولاء لذمي يجوز استرقاقه. وقولهم: إن سيده يجوز استرقاقه. # غير صحيح، فإن الذمي لا يجوز استرقاقه، ولا تفويت حقوقه، وقد قال علي - ~~رضي الله عنه -: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم ~~كأموالنا. # PageV09P223 ### | [مسألة سبيل من استرق منهم في الحرب] # (7456) مسألة: وسبيل من استرق منهم، وما أخذ منهم على إطلاقهم، سبيل تلك ~~الغنيمة يعني من صار منهم رقيقا بضرب الرق عليه، أو فودي بمال، فهو كسائر ~~الغنيمة، يخمس ثم يقسم أربعة أخماسه بين الغانمين. لا نعلم في هذا خلافا، ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين. # ولأنه مال غنمه المسلمون، فأشبه الخيل والسلاح. # فإن قيل: فالأسر لم يكن للغانمين فيه حق، فكيف تعلق حقهم ببدله؟ قلنا: ~~إنما يفعل الإمام في الاسترقاق ما يرى فيه المصلحة؛ لأنه لم يصر مالا، فإذا ~~صار مالا، تعلق حق الغانمين به؛ لأنهم أسروه وقهروه، وهذا لا يمنع، ألا ترى ~~أن من عليه الدين، إذا قتل قتلا يوجب القصاص، كان لورثته الخيار، فإذا ~~اختاروا الدية، تعلق حق الغرماء بها. ### | [مسألة استرقاق النساء والأطفال من أهل الكتاب وغيرهم دون الرجال] # (7457) مسألة: وإنما يكون له استرقاقهم إذا كانوا من أهل الكتاب أو ~~مجوسا، وأما ما سوى هؤلاء من العدو، ms5039 فلا يقبل من بالغي رجالهم إلا الإسلام ~~أو السيف أو الفداء قد ذكرنا فيما تقدم أن غير أهل الكتاب لا يجوز استرقاق ~~رجالهم، في إحدى الروايتين. (7458) فصل: فأما النساء والصبيان، فيصيرون ~~رقيقا بالسبي. # ومنع أحمد من فداء النساء بالمال؛ لأن في بقائهن تعريضا لهن للإسلام، ~~لبقائهن عند المسلمين، وجوز أن يفادى بهن أسارى المسلمين؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فادى بالمرأة التي أخذها من سلمة بن الأكوع، ولأن في ذلك ~~استنقاذ مسلم متحقق إسلامه، فاحتمل تفويت غرضية الإسلام من أجله. ولا يلزم ~~من ذلك احتمال فواتها، لتحصيل المال. فأما الصبيان، فقال أحمد: لا يفادى ~~بهم؛ وذلك لأن الصبي يصير مسلما بإسلام سابيه، فلا يجوز رده إلى المشركين. # وكذلك المرأة إذا أسلمت لم يجز ردها إلى الكفار بفداء ولا غيره؛ لقول ~~الله تعالى: {فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} ~~[الممتحنة: 10] . ولأن في ردها إليهم تعريضا لها للرجوع عن الإسلام، ~~واستحلال ما لا يحل منها. وإن كان الصبي غير محكوم بإسلامه، كالذي سبي مع ~~أبويه، لم يجز فداؤه بمال. وهل يجوز فداؤه بمسلم؟ يحتمل وجهين. ### | [فصل بيع شيء من رقيق المسلمين لكافر] # (7459) فصل: ولم يجوز أحمد بيع شيء من رقيق المسلمين لكافر، سواء كان ~~الرقيق مسلما أو كافرا. وهذا قول الحسن. # PageV09P224 # قال أحمد: ليس لأهل الذمة أن يشتروا مما سبى المسلمون شيئا. قال: وكتب ~~عمر بن الخطاب ينهى عنه أمراء الأمصار. # هكذا حكى أهل الشام، وليس له إسناد، وجوز أبو حنيفة والشافعي ذلك؛ لأنه ~~لا يمنع من إثبات يده عليه، فلا يمنع من ابتدائه، كالمسلم. ولنا قول عمر، ~~ولم ينكر فيكون إجماعا، ولأن فيه تفويتا للإسلام الذي يظهر وجوده، فإنه إذا ~~بقي رقيقا للمسلمين الظاهر إسلامه، فيفوت ذلك ببيعه لكافر، بخلاف ما إذا ~~كان رقيقا لكافر في ابتدائه، فإنه لم يثبت له هذه الغرضية، والدوام يخالف ~~الابتداء لقوته. ### | [فصل أسر أسيرا في الحرب] # (7460) فصل: ومن أسر أسيرا، لم يكن له قتله، حتى يأتي به الإمام، ms5040 فيرى ~~فيه رأيه؛ لأنه إذا صار أسيرا، فالخيرة فيه إلى الإمام، وقد روي عن أحمد ~~كلام يدل على إباحة قتله، فإنه قال: لا يقتل أسير غيره إلا أن يشاء الوالي. ~~فمفهومه أن له قتل أسيره بغير إذن الوالي؛ لأن له أن يقتله ابتداء، فكان له ~~قتله دواما، كما لو هرب منه أو قاتله. فإن امتنع الأسير أن ينقاد معه، فله ~~إكراهه بالضرب وغيره، فإن لم يمكنه إكراهه، فله قتله. # وإن خافه أو خاف هربه، فله قتله أيضا. وإن امتنع من الانقياد معه، لجرح ~~أو مرض، فله قتله أيضا. وتوقف أحمد عن قتله. والصحيح أنه يقتله، كما يذفف ~~على جريحهم، ولأن تركه حيا ضرر على المسلمين، وتقوية للكفار، فتعين القتل، ~~كحالة الابتداء إذا أمكنه قتله، وكجريحهم إذا لم يأسره. # فأما أسير غيره، فلا يجوز له قتله، إلا أن يصير إلى حال يجوز قتله لمن ~~أسره. وقد روى يحيى بن أبي كثير، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ~~يتعاطين أحدكم أسير صاحبه إذا أخذه فيقتله» . رواه سعيد. فإن قتل أسيره، أو ~~أسير غيره قبل ذلك، أساء، ولم يلزمه ضمانه. # وبهذا قال الشافعي. وقال الأوزاعي إن قتله قبل أن يأتي به الإمام، لم ~~يضمنه، وإن قتله بعد ذلك غرم ثمنه؛ لأنه أتلف من الغنيمة ما له قيمة، ~~فضمنه، كما لو قتل امرأة # ولنا، أن عبد الرحمن بن عوف، أسر أمية بن خلف وابنه عليا يوم بدر، فرآهما ~~بلال، فاستصرخ الأنصار عليهما حتى قتلوهما، ولم يغرموا شيئا. ولأنه أتلف ما ~~ليس بمال، فلم يغرمه، كما لو أتلفه قبل أن يأتي به الإمام، ولأنه أتلف ما ~~لا قيمة له قبل أن يأتي به الإمام، فلم يغرمه، كما لو أتلف كلبا، فأما إن ~~قتل امرأة أو صبيا، غرمه؛ لأنه كان رقيقا بنفس السبي. ### | [فصل أسر فادعى أنه كان مسلما] # (7461) فصل: ومن أسر فادعى أنه كان مسلما، لم يقبل قوله إلا ببينة؛ لأنه ~~يدعي أمرا الظاهر خلافه، يتعلق به إسقاط # PageV09P225 # حق يتعلق برقبته، فإن شهد ms5041 له واحد، حلف معه، وخلي سبيله، وقال الشافعي: ~~لا تقبل إلا شهادة عدلين؛ لأنه ليس بمال، ولا يقصد منه المال. # ولنا ما روى عبد الله بن مسعود «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~يوم بدر: لا يبقى منهم أحد إلا أن يفدى، أو يضرب عنقه. فقال عبد الله بن ~~مسعود إلا سهيل ابن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إلا سهيل ابن بيضاء» فقبل شهادة عبد الله وحده. ### | [مسألة ينفل الإمام ومن استخلفه] # (7462) مسألة: (وينفل الإمام ومن استخلفه الإمام كما فعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في بدأته الربع بعد الخمس، وفي رجعته الثلث بعد الخمس) ~~النفل زيادة تزاد على سهم الغازي، ومنه نفل الصلاة، وهو ما زيد على الفرض، ~~وقول الله تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} [الأنبياء: 72] . كأنه ~~سأل الله ولدا، فأعطاه ما سأل وزاده ولد الولد، والمراد بالبداية ها هنا، ~~ابتداء دخول الحرب، والرجعة رجوعه عنها. # والنفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام؛ أحدها، هذا الذي ذكره الخرقي، وهو أن ~~الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيا، بعث بين يديه سرية تغير على ~~العدو، ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فما قدمت به السرية من شيء، أخرج خمسه، ~~ثم أعطى السرية ما جعل لهم، وهو ربع الباقي، وذلك خمس آخر، ثم قسم ما بقي ~~في الجيش والسرية معه. فإذا قفل، بعث سرية تغير، وجعل لهم الثلث بعد الخمس، ~~فما قدمت به السرية أخرج خمسه، ثم أعطى السرية ثلث ما بقي، ثم قسم سائره في ~~الجيش والسرية معه. وبهذا قال حبيب بن مسلمة، والحسن، والأوزاعي، وجماعة، ~~ويروى عن عمرو بن شعيب، أنه قال: لا نفل بعد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ولعله يحتج بقوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} ~~[الأنفال: 1] فخصه بها، وكان سعيد بن المسيب، ومالك يقولان: لا نفل إلا من ~~الخمس. وقال الشافعي: يخرج من خمس الخمس؛ لما روى ابن عمر «، أن رسول الله ~~بعث سرية فيها ms5042 عبد الله بن عمر. فغنموا إبلا كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر ~~بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا.» متفق عليه. ولو أعطاهم من أربعة الأخماس التي ~~هي لهم، لم يكن نفلا، وكان من سهامهم # PageV09P226 # ولنا ما روى حبيب بن مسلمة الفهري، قال: «شهدت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نفل الربع في البداءة، والثلث في الرجعة» . وفي لفظ: «أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كان ينفل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا ~~قفل» رواهما أبو داود # وعن عبادة بن الصامت «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفل في ~~البداءة الربع، وفي القفول الثلث» . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن ~~غريب. وفي لفظ قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفلهم إذا ~~خرجوا بادين الربع وينفلهم إذا قفلوا الثلث» . رواه الخلال بإسناده. # وروى الأثرم، بإسناده عن جرير بن عبد الله البجلي، أنه لما قدم على عمر ~~في قومه، قال له عمر: هل لك أن تأتي الكوفة، ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض ~~وشيء؟ وذكره ابن المنذر أيضا عن عمر. وقال إبراهيم النخعي: ينفل السرية ~~الثلث والربع يغريهم بذلك. فأما قول عمرو بن شعيب، فإن مكحولا قال له حين ~~قال: لا نفل بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وذكر له حديث حبيب بن ~~مسلمة: شغلك أكل الزبيب بالطائف. وما ثبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت ~~للأئمة بعده، ما لم يقم على تخصيصه به دليل. # فأما حديث ابن عمر، فهو حجة عليهم، فإن بعيرا على اثني عشر، يكون جزءا من ~~ثلاثة عشر، وخمس الخمس جزء من خمسة وعشرين، وجزء من ثلاثة عشر أكثر، فلا ~~يتصور أخذ الشيء من أقل منه، يحققه أن الاثني عشر إذا كانت أربعة أخماس، ~~والبعير منها ثلث الخمس، فكيف يتصور أخذ ثلث الخمس من خمس الخمس؟ فهذا ~~محال، فتعين أن يكون ذلك من غيره، أو أن النفل كان للسرية دون سائر الجيش. ~~على أن ما رويناه صريح في الحكم، فلا يعارض بشيء مستنبط، يحتمل غير ms5043 ما حمله ~~عليه من استنبطه. # إذا ثبت هذا، فظاهر كلام أحمد أنهم إنما يستحقون هذا النفل بالشرط ~~السابق، فإن لم يكن شرطه لهم فلا، فإنه قيل له: أليس قد نفل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في البداءة الربع، وفي الرجوع الثلث؟ قال: نعم، ذاك ~~إذا نفل، وتقدم القول فيه. فعلى هذا إن رأى الإمام أن ينفلهم شيئا، فله ~~ذلك، وإن رأى أن ينفلهم دون الثلث والربع، فله ذلك؛ لأنه إذا جاز أن لا ~~يجعل لهم شيئا، جاز أن يجعل لهم يسيرا، ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث، نص ~~عليه أحمد. وهو قول مكحول، والأوزاعي، والجمهور من العلماء. # وقال الشافعي: لا حد للنفل، بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نفل مرة الثلث، وأخرى الربع. وفي حديث ابن عمر: نفل ~~نصف السدس. فهذا يدل على أنه ليس للنفل حد لا يتجاوزه الإمام، فينبغي أن ~~يكون موكولا إلى اجتهاده. ولنا، أن نفل النبي - صلى الله عليه وسلم - انتهى ~~إلى الثلث، فينبغي أن لا يتجاوزه، وما ذكره الشافعي يدل على أنه ليس لأقل ~~النفل حد، وأنه يجوز أن ينفل أقل من الثلث والربع، ونحن نقول به، على أن ~~هذا # PageV09P227 # القول مع قوله: أن النفل من خمس الخمس تناقض. # فإن شرط لهم الإمام زيادة على الثلث، ردوا إليه، وقال الأوزاعي: لا ينبغي ~~أن يشرط النصف، فإن زادهم على ذلك، فليف لهم به، ويجعل ذلك من الخمس. وإنما ~~زيد في الرجعة على البداءة في النفل؛ لمشقتها، فإن الجيش في البداءة ردء ~~للسرية، تابع لها، والعدو خائف، وربما كان غارا، وفي الرجعة لا ردء للسرية؛ ~~لأن الجيش منصرف عنهم، والعدو مستيقظ كلب. # قال أحمد: في البداءة إذا كان ذاهبا الربع، وفي القفلة إذا كان في الرجوع ~~الثلث؛ لأنهم يشتاقون إلى أهليهم، فهذا أكبر. القسم الثاني، أن ينفل الإمام ~~بعض الجيش؛ لغنائه وبأسه وبلائه، أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش. قال ~~أحمد: في الرجل يأمره الأمير يكون طليعة، أو عنده، ms5044 يدفع إليه رأسا من السبي ~~أو دابة، قال: إذا كان رجل له غناء، ويقاتل في سبيل الله، فلا بأس بذلك، ~~ذلك أنفع لهم، يحرض هو وغيره، يقاتلون ويغنمون. وقال: إذا نفذ الإمام صبيحة ~~المغار الخيل، فيصيب بعضهم، وبعضهم لا يأتي بشيء، فللوالي أن يخص بعض هؤلاء ~~الذين جاءوا بشيء دون هؤلاء. # وظاهر هذا أن له إعطاء من هذه حاله من غير شرط. وحجة هذا حديث سلمة بن ~~الأكوع، أنه قال: أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فاتبعتهم - فذكر الحديث - فأعطاني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سهم الفارس والراجل. رواه مسلم، وأبو داود. وعنه، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أمر أبا بكر، قال فبيتنا عدونا، فقتلت ليلتئذ تسعة أهل ~~أبيات وأخذت منهم امرأة، فنفلنيها أبو بكر، فلما قدمت المدينة، استوهبها ~~مني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوهبتها له» . رواه مسلم بمعناه. # القسم الثالث، أن يقول الأمير: من طلع هذا الحصن، أو هدم هذا السور، أو ~~نقب هذا النقب، أو فعل كذا، فله كذا. أو: من جاء بأسير، فله كذا. فهذا ~~جائز، في قول أكثر أهل العلم؛ منهم الثوري، قال أحمد: إذا قال: من جاء بعشر ~~دواب، أو بقر، أو غنم، فله واحد. # فمن جاء بخمسة أعطاه نصف ما قال لهم، ومن جاء بشيء أعطاه بقدره. قيل له: ~~إذا قال: من جاء بعلج فله كذا وكذا. فجاء بعلج، يطيب له ما يعطى؟ قال: نعم. ~~وكره مالك هذا القسم، ولم يره، وقال: قتالهم على هذا الوجه إنما هو للدنيا. ~~وقال هو وأصحابه: # PageV09P228 # لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة. قال مالك: ولم يقل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من قتل قتيلا فله سلبه» . إلا بعد أن برد القتال. # ولنا، ما تقدم من حديث حبيب، وعبادة، وما شرطه عمر، لجرير بن عبد الله، ~~وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل قتيلا فله سلبه» . ولأن فيه ~~مصلحة وتحريضا على القتال، فجاز، كاستحقاق الغنيمة، وزيادة ms5045 السهم للفارس، ~~واستحقاق السلب، وما ذكروه يبطل بهذه المسائل. وقوله: إن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما جعل السلب للقاتل بعد أن برد القتال. # قلنا: قوله ذلك ثابت الحكم فيما يأتي من الغزوات بعد قوله، فهو بالنسبة ~~إليها كالمشروط في أول الغزاة. قال القاضي: ولا يجوز هذا، إلا إذا كان فيه ~~مصلحة للمسلمين، فإن لم يكن فيه فائدة، لم يجز؛ لأنه إنما يخرج على وجه ~~المصلحة، فاعتبرت الحاجة فيه، كأجرة الحمال والحافظ. # إذا ثبت هذا، فإن النفل لا يختص بنوع من المال. وذكر الخلال أنه لا نفل ~~في الدراهم والدنانير. وهو قول الأوزاعي؛ لأن القاتل لا يستحق شيئا منها، ~~فكذلك غيره. ولنا، حديث حبيب بن مسلمة، وعبادة، وجرير، فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - جعل لهم الثلث والربع، وهو عام في كل ما غنموه، ولأنه نوع ~~مال، فجاز النفل فيه، كسائر الأموال. # وأما القاتل، فإنما نفل السلب، وليست الدراهم والدنانير من السلب، فلم ~~يستحق غير ما جعل له. ### | [فصل رجع إلى الساقة في الجهاد] # (7463) فصل: نقل أبو داود، عن أحمد أنه قال له: إذا قال من رجع إلى ~~الساقة فله دينار، والرجل يعمل في سياقة الغنم قال لم يزل أهل الشام يفعلون ~~هذا، وقد يكون في رجوعهم إلى الساقة وسياقة الغنم منفعة. قيل له: فإن أغار ~~على قرية، فنزل فيها والسبي والدواب والخرثي معهم في القرية، ويمنع الناس ~~من جمعه الكسل، لا يخافون عليه العدو، فيقول الإمام: من جاء بعشرة أثواب، ~~فله ثوب، ولمن جاء بعشرة رءوس رأس؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. قيل له: ~~فإن قال: من جاء بعدل من دقيق الروم، فله دينار، يريده لطعام السبي، ما ترى ~~في أخذ الدينار؟ فلم ير به بأسا. # قيل فالإمام يخرج السرية وقد نفلهم جميعا، فلما كان يوم المغار، نادى: من ~~جاء بعشرة رءوس، فله رأس، ومن جاء بكذا، فله كذا، فيذهب الناس فيطلبون، فما ~~ترى في هذا النفل؟ قال: لا بأس به، إذا كان يحرضهم على ذلك، ما ms5046 لم يستغرق ~~الثلث. قلت: فلا بأس بنفلين في شيء واحد؟ قال: نعم، ما لم يستغرق الثلث، ~~غير مرة سمعته يقول ذلك. # PageV09P229 ### | [فصل للإمام ونائبه أن يبذلا جعلا لمن يدله على ما فيه مصلحة للمسلمين] # (7464) فصل: ويجوز للإمام ونائبه أن يبذلا جعلا لمن يدله على ما فيه ~~مصلحة للمسلمين، مثل طريق سهل، أو ماء في مفازة، أو قلعة يفتحها، أو مال ~~يأخذه، أو عدو يغير عليه، أو ثغرة يدخل منها. لا نعلم في هذا خلافا؛ لأنه ~~جعل في مصلحة، فجاز، كأجرة الدليل، وقد استأجر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وأبو بكر في الهجرة من دلهم على الطريق. # ويستحق الجعل بفعل ما جعل له الجعل فيه، سواء كان مسلما أو كافرا، من ~~الجيش أو من غيره. فإن جعل له الجعل مما في يده وجب أن يكون معلوما؛ لأنها ~~جعالة بعوض من مال معلوم، فوجب أن يكون معلوما، كالجعالة في رد الآبق، وإن ~~كان الجعل من مال الكفار، جاز أن يكون مجهولا، جهالة لا تمنع التسليم، ولا ~~تفضي إلى التنازع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل للسرية الثلث ~~والربع مما غنموه، وهو مجهول؛ لأن الغنيمة كلها مجهولة، ولأنه مما تدعو ~~الحاجة إليه، والجعالة إنما تجوز بحسب الحاجة. # فإن جعل له جارية معينة إن دله على قلعة يفتحها، مثل أن جعل له بنت رجل ~~عينه من أهل القلعة، لم يستحق شيئا حتى يفتح القلعة؛ لأن جعالة شيء منه ~~اقتضت اشتراط فتحها، فإذا فتحت القلعة عنوة، سلمت إليه، إلا أن تكون قد ~~أسلمت قبل الفتح، فإنها عصمت نفسها بإسلامها، فتعذر دفعها إليه، فتدفع إليه ~~قيمتها. # فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صالح أهل مكة عام الحديبية، على أن ~~من جاءه مسلما رده إليهم، فجاءه نساء مسلمات، منعه الله من ردهن. ولو كان ~~الجعل رجلا من أهل القلعة، فأسلم قبل الفتح، عصم أيضا نفسه، ولم يجز دفعه، ~~وكان لصاحب الجعل قيمته. وإن كان إسلام الجارية أو الرجل بعد أسرهم، سلما ~~إليه إن كان مسلما، ms5047 وإن كان كافرا، فله قيمتهما؛ لأن الكافر لا يبتدئ الملك ~~على مسلم. # وإن ماتا قبل الفتح أو بعده، فلا شيء له؛ لأنه علق حقه بشيء معين، وقد ~~تلف بغير تفريط، فسقط حقه، كالوديعة. وفارق ما إذا أسلما، فإن تسليمهما ~~ممكن، لكن منع الشرع منه. وإن كان الفتح صلحا، فاستثنى الإمام الجارية ~~والرجل، وسلمهما صح، وإن وقع الصلح مطلقا، طلب الجعل من صاحب القلعة، وبذلت ~~له قيمتهما، فإن سلما إلى الإمام، سلمهما إلى صاحبهما، وإن أبى، عرض على ~~مشترطهما قيمتهما، فإن أخذها، أعطيها وتم الصلح، وإن أبى، فقال القاضي: ~~يفسخ الصلح؛ لأنه حق قد تعذر إمضاء الصلح فيه، لأن صاحب الجعل سابق، ولا ~~يمكن الجمع بينه وبين الصلح. # ونحو هذا مذهب الشافعي. ولصاحب القلعة أن يحصنها مثلما كانت من غير ~~زيادة، ويحتمل أن يمضي الصلح، وتدفع إلى صاحب الجعل قيمته؛ لأنه تعذر دفعه ~~إليه مع بقائه، فدفعت إليه قيمته، كما لو أسلم الجعل قبل الفتح، أو أسلم ~~بعده وصاحب الجعل كافر. وقولهم: إن حق صاحب الجعل سابق. قلنا: إلا أن ~~المفسدة في فسخ # PageV09P230 # الصلح أعظم؛ لأن ضرره يعود على الجيش كله، وربما عاد على غيره من ~~المسلمين، في كون هذه القلعة يتعذر فتحها بعد ذلك، ويبقى ضررها على ~~المسلمين. # ولا يجوز تحمل هذه المضرة لدفع ضرر يسير عن واحد، فإن ضرر صاحب الجعل ~~إنما هو في فوات عين الجعل، وتفاوت ما بين عين الشيء وقيمته يسير، سيما وهو ~~في حق شخص واحد، ومراعاة حق المسلمين أجمعين بدفع الضرر الكثير عنهم، أولى ~~من دفع الضرر اليسير عن واحد منهم أو من غيرهم، ولهذا قلنا في من وجد ماله ~~قبل قسمه: فهو أحق به، فإن وجده بعد قسمه، لم يأخذه إلا بثمنه، لئلا يؤدي ~~إلى الضرر بنقص القيمة، أو حرمان من وقع ذلك في سهمه. ### | [فصل النفل من أربعة أخماس الغنيمة] # (7465) فصل: قال أحمد: والنفل من أربعة أخماس الغنيمة. هذا قول أنس بن ~~مالك، وفقهاء الشام؛ منهم رجاء بن حيوة، وعبادة بن نسي، ms5048 وعدي بن عدي، ~~ومكحول، والقاسم بن عبد الرحمن، ويزيد بن أبي مالك، ويحيى بن جابر، ~~والأوزاعي، وبه قال إسحاق، وأبو عبيد. # وقال أبو عبيد: والناس اليوم على هذا. قال أحمد: وكان سعيد بن المسيب، ~~ومالك بن أنس يقولان: لا نفل إلا من الخمس. فكيف خفي عليهما هذا مع علمهما، ~~وقال النخعي وطائفة: إن شاء الإمام نفلهم قبل الخمس، وإن شاء بعده. # وقال أبو ثور: وإنما النفل قبل الخمس. واحتج من ذهب إلى هذا بحديث ابن ~~عمر الذي أوردناه. ولنا ما روى معن بن يزيد السلمي، قال سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: يقول: «لا نفل إلا بعد الخمس» . رواه أبو داود، وابن ~~عبد البر. وهذا صريح. # وحديث حبيب بن مسلمة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفل الربع ~~بعد الخمس، والثلث بعد الخمس» . وحديث جرير حين قال له عمر ولك الثلث بعد ~~الخمس. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفل الثلث، ولا يتصور إخراجه من ~~الخمس. # ولأن الله تعالى قال: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} ~~[الأنفال: 41] . يقتضي أن يكون الخمس خارجا من الغنيمة كلها. وأما حديث ابن ~~عمر، فقد رواه شعيب، عن نافع عن ابن عمر، قال: «بعثنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في جيش قبل نجد، وابتعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثني ~~عشر بعيرا، ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا» . # فهذا يمكن أن يكون نفلهم من أربعة أخماس الغنيمة دون بقية الجيش، كما ~~تنفل السرايا. ويتعين حمل الخبر على هذا؛ لأنه لو أعطى جميع الجيش، لم يكن ~~ذلك نفلا، وكان قد قسم لهم أكثر من أربعة الأخماس وهو خلاف الآية والأخبار # PageV09P231 # (7466) فصل: وكلام أحمد في أن النفل من أربعة الأخماس، عام؛ لعموم الخبر ~~فيه، ويحتمل أن يحمل على القسمين الأولين من النفل، فأما القسم الثالث، وهو ~~أن يقول: من جاء بشيء فله كذا، أو: من جاء بعشرة رءوس فله رأس منها. # فيحتمل أن يستحق ذلك من الغنيمة ms5049 كلها؛ لأنه ينزل بمنزلة الجعل، فأشبه ~~السلب، فإنه غير مخموس. ويحتمل في القسم الثاني، وهو زيادة بعض الغانمين ~~على سهمه لغنائه، أن يكون من خمس الخمس المعد للمصالح؛ لأن عطية هذا من ~~المصالح. والمذهب المنصوص عليه الأول؛ لأن عطية سلمة بن الأكوع، سهم الفارس ~~زيادة على سهمه، إنما كان من أربعة الأخماس. والله أعلم. ### | [مسألة يرد من نفل على من معه في السرية] # (7467) مسألة: قال: (ويرد من نفل على من معه في السرية، إذ بقوتهم صار ~~إليه) هذا في الصورة التي ذكرها الخرقي، وهي القسم الأول من أقسام النفل، ~~وهو إذا بعث سرية، ونفلها الثلث أو الربع، فدفع النفل إلى بعضهم، وخصه به، ~~أو جاء بعضهم بشيء فنفله، ولم يأت بعضهم بشيء فلم ينفله، شارك من نفل من لم ~~ينفل. # نص عليه أحمد؛ لأن هؤلاء إنما أخذوا بقوة هؤلاء، ولأنهم استحقوا النفل ~~على وجه الإشاعة بينهم بالشرط السابق، فلم يختص به واحد منهم كالغنيمة. ~~فأما في القسمين الآخرين اللذين لم يذكرهما الخرقي، مثل أن يخص بعض الجيش ~~بنفل لغنائه، أو لجعله له كقوله: من جاء بعشرة رءوس فله رأس، فجاء واحد ~~بعشرة دون الجيش، فإن من نفل يختص بنفله دون غيره؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما خص من قتل بسلب قتيله اختص به، ولما خص سلمة بن الأكوع ~~بسهم الفارس والراجل اختص به. # وكذلك اختص بالمرأة التي نفلها إياه أبو بكر دون الناس، ولأن هذا جعل ~~تحريضا على القتال، وحثا على فعل ما يحتاج المسلمون إليه؛ ليحمل فاعله كلفة ~~فعله، رغبة فيما جعل له، فلو لم يختص به فاعله، ما خاطر أحد بنفسه في فعله، ~~ولا حصلت مصلحة النفل، فوجب أن يختص الفاعل لذلك بنفله. كثواب الآخرة. ### | [مسألة من قتل منا أحدا منهم مقبلا على القتال] ### | [الفصل الأول القاتل يستحق السلب في الجملة] # (7468) مسألة: قال (ومن قتل أحدا منهم مقبلا على القتال، فله سلبه غير ~~مخموس، قال ذلك الإمام أو لم يقل) في هذه المسألة فصول ستة: (7469) الفصل ms5050 ~~الأول أن القاتل يستحق السلب في الجملة، ولا نعلم فيه خلافا، والأصل فيه ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل كافرا فله سلبه» . رواه جماعة، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ منهم أنس، وسمرة بن جندب، # PageV09P232 # وغيرهما، وروى أبو قتادة قال: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عام حنين، فلما التقينا، رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، ~~فاستدرت له حتى أتيته من ورائه، فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة، فأدركه ~~الموت ثم إن الناس رجعوا، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من قتل ~~قتيلا، له عليه بينة، فله سلبه. قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: ما لك يا أبا قتادة. فاقتصصت عليه القصة، ~~فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، سلب ذلك القتيل عندي، فأرضه منه، ~~فقال أبو بكر الصديق: لا ها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى، ~~يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: صدق، فأسلمه إليه. قال: فأعطانيه.» متفق عليه. # وعن أنس، قال «قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين: من قتل ~~قتيلا، فله سلبه.» فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا، فأخذ أسلابهم. رواه أبو ~~داود. ### | [الفصل الثاني السلب لكل قاتل يستحق السهم أو الرضخ] # (7470) أن السلب لكل قاتل يستحق السهم أو الرضخ، كالعبد والمرأة والصبي ~~والمشرك. وروي عن ابن عمر، أن العبد إذا بارز بإذن مولاه فقتل، لم يستحق ~~السلب، ويرضخ له منه؛ وللشافعي في من لا سهم له قولان؛ أحدهما، لا يستحق ~~السلب؛ لأن السهم آكد منه، للإجماع عليه، فإذا لم يستحقه، فالسلب أولى. # ولنا، عموم الخبر، وأنه قاتل من أهل الغنيمة،، فاستحق السلب، كذا السهم، ~~ولأن الأمير لو جعل جعلا لمن صنع شيئا فيه نفع للمسلمين، لاستحقه فاعله من ~~هؤلاء، فالذي جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى. وفارق السهم؛ لأنه ~~علق على المظنة، ولهذا يستحق بالحضور، ويستوي ms5051 فيه الفاعل وغيره، والسلب ~~مستحق بحقيقة الفعل، وقد وجد منه ذلك، فاستحقه، كالمجعول له جعلا على فعل ~~إذا فعله. فإن كان القاتل ممن لا يستحق سهما ولا رضخا، كالمرجف والمخذل ~~والمعين على المسلمين، لم يستحق السلب وإن قتل؛ # PageV09P233 # وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه ليس من أهل الجهاد. # وإن بارز العبد بغير إذن مولاه، لم يستحق، السلب، لأنه عاص. وكذلك كل ~~عاص، مثل من دخل بغير إذن الأمير. وعن أحمد في من دخل بغير إذن الأمير، أنه ~~يؤخذ منه الخمس، وباقيه له، جعله كالغنيمة، ويخرج في العبد المبارز بغير ~~إذن سيده مثله. ويحتمل أن يكون سلب قتيل العبد له على كل حال، لأن ما كان ~~له فهو لسيده، ففي حرمانه السلب حرمان سيده، ولا معصية منه. ### | [الفصل الثالث السلب للقاتل في كل حال] # (7471) أن السلب للقاتل في كل حال، إلا أن ينهزم العدو. وبه قال الشافعي، ~~وأبو ثور، وداود، وابن المنذر. وقال مسروق: إذا التقى الزحفان، فلا سلب له، ~~إنما النفل قبل وبعد. ونحوه قول نافع. كذلك قال الأوزاعي، وسعيد بن عبد ~~العزيز، وأبو بكر بن أبي مريم السلب للقاتل، ما لم تمتد الصفوف بعضها إلى ~~بعض، فإذا كان كذلك، فلا سلب لأحد. # ولنا، عموم قوله عليه السلام: «من قتل قتيلا، فله سلبه» . ولأن أبا قتادة ~~إنما قتل الذي أخذ سلبه في حال التقاء الزحفين، ألا تراه يقول: فلما ~~التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين. وكذلك قول أنس: ~~فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا، وأخذ أسلابهم. وكان ذلك بعد التقاء ~~الزحفين، لأن هوازن لقوا المسلمين فجأة، فألحموا الحرب قبل أن تتقدمها ~~مبارزة. # وروى سعيد: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن ~~جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك. قال: غزونا إلى طرف الشام، فأمر ~~علينا خالد بن الوليد، فانضم إلينا رجل من أمداد حمير، فقضي لنا أنا لقينا ~~عدونا، فقاتلونا قتالا شديدا، وفي القوم رجل من الروم، على فرس له أشقر، ms5052 ~~وسرج مذهب، ومنطقة ملطخة، وسيف مثل ذلك، فجعل يحمل على القوم، ويغري بهم، ~~فلم يزل المددي يحتال لذلك الرومي حتى مر به، فاستقفاه، فضرب عرقوب فرسه ~~بالسيف، ثم وقع، فأتبعه ضربا بالسيف حتى قتله فلما فتح الله الفتح، أقبل ~~بسلب القتيل، وقد شهد له الناس أنه قاتله، فأعطاه خالد بعض سلبه، وأمسك ~~سائره، فلما قدم المدينة استعدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا ~~خالدا، # PageV09P234 # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما منعك يا خالد أن تدفع إلى ~~هذا سلب قتيله؟ ". قال: استكثرته له. قال: " فادفعه إليه ". وذكر الحديث. ~~رواه أبو داود. ### | [الفصل الرابع يستحق السلب بشروط أربعة] # (7472) أنه إنما يستحق السلب بشروط أربعة؛ أحدها، أن يكون المقتول من ~~المقاتلة الذين يجوز قتلهم، فأما إن قتل امرأة، أو صبيا، أو شيخا فانيا، أو ~~ضعيفا مهينا، ونحوهم ممن لا يقاتل، لم يستحق سلبه. لا نعلم فيه خلافا. وإن ~~كان أحد هؤلاء يقاتل، استحق قاتله سلبه، لأنه يجوز قتله، ومن قتل أسيرا له ~~أو لغيره، لم يستحق سلبه؛ لذلك. الثاني أن يكون المقتول فيه منعة، غير مثخن ~~بالجراح، فإن كان مثخنا بالجراح، فليس لقاتله شيء من سلبه. وبهذا قال ~~مكحول، وجرير بن عثمان، والشافعي؛ لأن معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا ~~جهل، وذفف عليه ابن مسعود، فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسلبه لمعاذ ~~بن عمرو بن الجموح، ولم يعط ابن مسعود شيئا. # وإن قطع يدي رجل ورجليه، وقتله آخر، فالسلب للقاطع دون القاتل؛ لأن ~~القاطع هو الذي كفى المسلمين شره. وإن قطع يديه أو رجليه، وقتله الآخر، ~~فالسلب للقاطع، في أحد الوجهين؛ لأنه عطله، فأشبه الذي قتله، والثاني سلبه ~~في الغنيمة؛ لأنه إن كانت رجلاه سالمتين، فإنه يعدو ويكثر، وإن كانت يداه ~~سالمتين، فإنه يقاتل بهما، فلم يكف القاطع شره كله، ولا يستحق القاتل سلبه؛ ~~لأنه مثخن بالجراح. وإن قطع يده ورجله من خلاف، فكذلك. وإن قطع إحدى يديه ~~وإحدى رجليه، ثم قتله آخر، فسلبه غنيمة. # ويحتمل أنه للقاتل؛ ms5053 لأنه قاتل لمن لم يكف المسلمين شره. وإن عانق رجل ~~رجلا، فقتله آخر، فالسلب للقاتل. وبهذا قال الشافعي. وقال الأوزاعي: هو ~~للمعانق. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل قتيلا، فله ~~سلبه.» ولأنه كفى المسلمين شره، فأشبه ما لو لم يعانقه الآخر، وكذلك لو كان ~~الكافر مقبلا على رجل يقاتله، فجاء آخر من ورائه، فضربه فقتله، فسلبه ~~لقاتله، بدليل قصة قتيل أبي قتادة. # الثالث، أن يقتله أو يثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول. قال أحمد: لا ~~يكون السلب إلا للقاتل. وإن أسر رجلا، لم يستحق سلبه، سواء قتله الإمام أو ~~لم يقتله. وقال مكحول: لا يكون السلب إلا لمن # PageV09P235 # أسر علجا أو قتله. وقال القاضي: إذا أسر رجل، فقتله الإمام صبرا، فسلبه ~~لمن أسره؛ لأن الأسر أصعب من القتل، فإذا استحق سلبه بالقتل، كان تنبيها ~~على استحقاقه بالأسر. قال: وإن استبقاه الإمام، كان له فداؤه، أو رقبته ~~وسلبه، لأنه كفى المسلمين شره. # ولنا، أن المسلمين أسروا أسرى يوم بدر، فقتل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عقبة والنضر بن الحارث، واستبقى سائرهم، فلم يعط من أسرهم أسلابهم، ولا ~~فداءهم، وكان فداؤهم غنيمة. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما جعل ~~السلب للقاتل، وليس الآسر بقاتل، ولأن الإمام مخير في الأسرى، ولو كان لمن ~~أسره، كان أمره إليه دون الإمام. الرابع، أن يغرر بنفسه في قتله، فأما إن ~~رماه بسهم من صف المسلمين فقتله، فلا سلب له. قال أحمد: السلب للقاتل، إنما ~~هو في المبارزة، لا يكون في الهزيمة. # وإن حمل جماعة من المسلمين على واحد فقتلوه، فالسلب في الغنيمة؛ لأنهم لم ~~يغرروا بأنفسهم في قتله. وإن اشترك في قتله اثنان، فظاهر كلام أحمد أن سلبه ~~غنيمة، فإنه قال، في رواية حرب: له السلب إذا انفرد بقتله. وحكى أبو ~~الخطاب، عن القاضي، إنهما يشتركان في سلبه؛ لقوله: «من قتل قتيلا، فله ~~سلبه» . # وهذا يتناول الواحد والجماعة، ولأنهما اشتركا في السبب، فاشتركا في ~~السلب. ولنا، أن السلب إنما يستحق بالتغرير في ms5054 قتله، ولا يحصل ذلك بقتل ~~الاثنين، فلم يستحق به السلب، كما لو قتله جماعة، ولم يبلغنا أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - شرك بين اثنين في سلب. # فإن اشترك اثنان في ضربه، وكان أحدهما أبلغ في قتله من الآخر، فالسلب له؛ ~~لأن أبا جهل ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ ابن عفراء، وأتيا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فأخبراه، فقال: «كلاكما قتله. وقضى بسلبه لمعاذ بن ~~عمرو بن الجموح.» وإن انهزم الكفار كلهم، فأدرك إنسان منهزما منهم، فقتله، ~~فلا سلب له؛ لأنه لم يغرر في قتله. # وإن كانت الحرب قائمة، فانهزم أحدهم فقتله إنسان، فسلبه لقاتله؛ لأن ~~الحرب فر وكر، وقد قتل سلمة بن الأكوع طليعة للكفار وهو منهزم، «فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: من قتله؟ . قالوا: سلمة بن الأكوع. قال: له سلبه ~~أجمع» . وبهذا قال الشافعي. وقال أبو ثور، وداود، وابن المنذر: السلب لكل ~~قاتل؛ لعموم الخبر، واحتجاجا بحديث سلمة هذا. # ولنا، أن ابن مسعود ذفف على أبي جهل، فلم يعطه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سلبه، وأمر بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث صبرا، ولم يعط ~~سلبهما من قتلهما، وقتل بني قريظة صبرا، فلم يعط من قتلهم أسلابهم، وإنما ~~أعطى السلب من قتل مبارزا، أو كفى المسلمين شره، وغرر في قتله، والمنهزم ~~بعد انقضاء الحرب، قد كفى المسلمين شر نفسه، ولم يغرر قاتله بنفسه في قتله، ~~فلم يستحق سلبه كالأسير. # PageV09P236 # وأما الذي قتله سلمة، فكان متحيزا إلى فئة، وكذلك من قتل حال قيام الحرب، ~~فإنه إن كان منهزما فهو متحيز إلى فئة، وراجع إلى القتال، فأشبه الكار، فإن ~~القتال فر وكر. إذا ثبت هذا، فإنه لا يشترط في استحقاق السلب أن تكون ~~المبارزة بإذن الأمير؛ لأن كل من قضي له بالسلب في عصر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ليس فيهم من نقل إلينا أنه أذن له في المبارزة، مع أن عموم ~~الخبر يقتضي استحقاق السلب لكل قاتل، إلا من خصه الدليل. ### | [الفصل الخامس السلب ms5055 لا يخمس] # (7473) أن السلب لا يخمس. روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص. وبه قال الشافعي، ~~وابن المنذر، وابن جرير. وقال ابن عباس: يخمس. # وبه قال الأوزاعي، ومكحول؛ لعموم قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء ~~فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] . وقال إسحاق: إن استكثر الإمام السلب خمسه. # وذلك إليه؛ لما روى ابن سيرين، أن البراء بن مالك بارز مرزبان الزأرة ~~بالبحرين، فطعنه فدق صلبه، وأخذ سواريه وسلبه، فلما صلى عمر الظهر، أتى أبا ~~طلحة في داره، فقال: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالا، ~~وأنا خامسه. فكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء. رواه سعيد في السنن. ~~وفيها أن سلب البراء بلغ ثلاثين ألفا. ولنا، ما روى عوف بن مالك، وخالد بن ~~الوليد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس ~~السلب. # رواه أبو داود. وعموم الأخبار التي ذكرناها، وخبر عمر حجة لنا، فإنه قال: ~~إنا كنا لا نخمس السلب. وقول الراوي: كان أول سلب خمس في الإسلام. يعني أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر صدرا من خلافته، لم يخمسوا ~~سلبا، واتباع ذلك أولى. قال الجوزجاني: لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه ~~من الرسول - صلى الله عليه وسلم - شيء إلا اتباعه، ولا حجة في قول أحد مع ~~قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وما ذكرناه يصلح أن يخصص به عموم الآية. وإذا ثبت هذا، فإن السلب من أصل ~~الغنيمة. وقال مالك: يحتسب من خمس الخمس. ولنا، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى بالسلب للقاتل مطلقا، ولم ينقل عنه أنه احتسب به من خمس الخمس، ~~ولأنه لو احتسب به من خمس الخمس، احتيج إلى معرفة قيمته وقدره، ولم ينقل ~~ذلك ولأن سببه لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام، فلم يكن من خمس الخمس، كسهم ~~الفارس والراجل. ### | [الفصل السادس القاتل يستحق السلب] # (7474) أن القاتل يستحق السلب، قال ذلك الإمام أو لم يقل. وبه قال ~~الأوزاعي، والليث، والشافعي، ms5056 وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة، ~~والثوري: لا يستحقه إلا أن يشرطه الإمام له. # PageV09P237 # وقال مالك: لا يستحقه، إلا أن يقول الإمام ذلك. # ولم ير أن يقول الإمام ذلك إلا بعد انقضاء الحرب، على ما تقدم من مذهبه ~~في النفل، وجعلوا السلب هاهنا من جملة الأنفال. وقد روي عن أحمد مثل قولهم، ~~وهو اختيار أبي بكر، واحتجوا بما روى عوف بن مالك أن مدديا اتبعهم، فقتل ~~علجا، فأخذ خالد بعض سلبه، وأعطاه بعضه، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: «لا تعطه يا خالد» . رواه سعيد، وأبو داود. وأنا ~~اختصرته. # ورويا بإسنادهما عن شبر بن علقمة، قال: بارزت رجلا يوم القادسية، فقتلته، ~~وأخذت سلبه، فأتيت به سعدا، فخطب سعد أصحابه، وقال: إن هذا سلب شبر، خير من ~~اثني عشر ألفا، وإنا قد نفلناه إياه. ولو كان حقا له، لم يحتج إلى نفله، ~~ولأن عمر أخذ الخمس من سلب البراء، ولو كان حقا له لم يجز أن يأخذ منه ~~شيئا، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع سلب أبي قتادة إليه من غير ~~بينة ولا يمين. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل قتيلا، ~~فله سلبه» . # وهذا من قضايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشهورة، التي عمل بها ~~الخلفاء بعده، وأخبارهم التي احتجوا بها تدل على ذلك؛ فإن عوف بن مالك احتج ~~على خالد حين أخذ سلب المددي، فقال له عوف: أما تعلم أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى. وقول عمر: إنا كنا لا نخمس ~~السلب. # يدل على أن هذه قضية عامة في كل غزوة، وحكم مستمر لكل قاتل، وإنما أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خالدا أن لا يرد على المددي عقوبة، حين أغضبه ~~عوف بتقريعه خالدا بين يديه، وقوله: قد أنجزت لك ما ذكرت لك من أمر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما خبر شبر، فإنما أنفذ له سعد ما قضى له ~~به رسول الله ms5057 - صلى الله عليه وسلم - وسماه نفلا، لأنه في الحقيقة نفل؛ ~~لأنه زيادة على سهمه. # وأما أبو قتادة، فإن خصمه اعترف له به، وصدقه، فجرى مجرى البينة، ولأن ~~السلب مأخوذ من الغنيمة بغير تقدير الإمام واجتهاده، فلم يفتقر إلى شرطه، ~~كالسهم. إذا ثبت هذا، فإن أحمد قال: لا يعجبني أن يأخذ السلب إلا بإذن ~~الإمام. وهو قول الأوزاعي. # وقال ابن المنذر، والشافعي: له أخذه بغير إذن؛ لأنه استحقه بجعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - له ذلك، ولا يأمن إن أظهره عليه أن لا يعطاه. ووجه ~~قول أحمد، أنه فعل مجتهد فيه، فلم ينفذ أمره فيه إلا بإذن الإمام كأخذ ~~سهمه. ويحتمل أن يكون هذا من أحمد على سبيل الاستحباب، ليخرج من الخلاف، لا ~~على سبيل الإيجاب فعلى هذا، إن أخذه بغير إذن، ترك الفضيلة، وله ما أخذه. # PageV09P238 ### | [مسألة للقاتل سلب ما على الدابة وما عليها من آلتها من السلب] # (7475) مسألة قال: (والدابة وما عليها من آلتها من السلب، إذا قتل وهو ~~عليها، وكذلك ما عليه من السلاح والثياب وإن كثر، فإن كان معه مال لم يكن ~~من السلب. وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى، أن الدابة ليست ~~من السلب) وجملته أن # السلب ما كان القتيل لابسا له، من ثياب، وعمامة، وقلنسوة ومنطقة، ودرع، ~~ومغفر، وبيضة، وتاج، وأسورة ورأن، وخف، بما في ذلك من حلية، ونحو ذلك؛ لأن ~~المفهوم من السلب اللباس، وكذلك السلاح؛ من السيف، والرمح، والسكين، واللت، ~~ونحوه، لأنه يستعين به في قتاله، فهو أولى بالأخذ من اللباس، وكذلك الدابة؛ ~~لأنه يستعين بها، فهي كالسلاح وأبلغ منه، ولذلك استحق بها زيادة السهمان، ~~بخلاف السلاح. فأما المال الذي معه في كمرانه وخريطته، فليس بسلب؛ لأنه ليس ~~من الملبوس، ولا مما يستعين به في الحرب، وكذلك رحله وأثاثه، وما ليست يده ~~عليه من ماله ليس من سلبه. وبهذا قال الأوزاعي، ومكحول، والشافعي، إلا أن ~~الشافعي قال: ما لا يحتاج إليه في الحرب، كالتاج، والسوار، والطوق، ~~والهميان الذي للنفقة، ms5058 ليس من السلب في أحد القولين؛ لأنه مما لا يستعان به ~~في الحرب، فأشبه المال الذي في خريطته. # ولنا، أن في حديث البراء، أنه بارز مرزبان الزأرة، فقتله، فبلغ سواراه ~~ومنطقته ثلاثين ألفا، فخمسه عمر، ودفعه إليه. وفي حديث عمرو بن معدي كرب، ~~أنه حمل على أسوار فطعنه، فدق صلبه فصرعه، فنزل إليه فقطع يده، وأخذ سوارين ~~كانا عليه، ويلمقا من ديباج، وسيفا، ومنطقة، فسلم له ذلك. # ولأنه ملبوس له، فأشبه ثيابه، ولأنه داخل في اسم السلب، فأشبه الثياب ~~والمنطقة، ويدخل في عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: فله سلبه. ~~واختلفت الرواية عن أحمد، في الدابة، فنقل عنه أنها ليست من السلب. وهو ~~اختيار أبي بكر؛ لأن السلب ما كان على يديه، والدابة ليست كذلك، فلا يدخل ~~في الخبر. قال: وذكر عبد الله حديث عمرو بن معدي كرب، فأخذ سواريه ومنطقته. ~~ولم يذكر فرسه. # ولنا ما روى عوف بن مالك، قال: " خرجت مع زيد بن حارثة، في غزوة مؤتة، ~~ورافقني مددي من # PageV09P239 # أهل اليمن، فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس أشقر، عليه سرج مذهب، ~~وسلاح مذهب، فجعل يغري بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي، ~~فعرقب فرسه، فعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث ~~إليه خالد بن الوليد، فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت له: يا خالد، ~~أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالسلب للقاتل؟ قال: ~~بلى. رواه الأثرم. # وفي حديث شبر بن علقمة، أنه أخذ فرسه. كذلك قال أحمد: هو فيه. ولأن الفرس ~~يستعان بها في الحرب، فأشبهت السلاح، وما ذكروه يبطل بالرمح والقوس واللت، ~~فإنها من السلب وليست ملبوسة. إذا ثبت هذا، فإن الدابة وما عليها؛ من ~~سرجها، ولجامها وتجفيفها، وحلية إن كانت عليها، وجميع آلتها من السلب؛ لأنه ~~تابع لها، ويستعان به في الحرب، وإنما يكون من السلب إذا كان راكبا عليها، ~~فإن كانت في منزله أو مع غيره، أو منفلتة، لم تكن من السلب، ms5059 كالسلاح الذي ~~ليس معه، وإن كان راكبا عليها فصرعه عنها، أو أشعره عليها، ثم قتله بعد ~~نزوله عنها، فهي من السلب. وهكذا قول الأوزاعي. # وإن كان ممسكا بعنانها، غير راكب عليها، فعن أحمد فيها روايتان؛ إحداهما، ~~من السلب. وهو قول الشافعي؛ لأنه متمكن من القتال عليها، فأشبهت سيفه أو ~~رمحه في يده. والثانية، ليست من السلب. وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار ~~الخلال؛ لأنه ليس براكب عليها، فأشبه ما لو كانت مع غلامه. وإن كان على ~~فرس، وفي يده جنيبة، لم تكن الجنيبة من السلب، لأنه لا يمكنه ركوبهما معا. ### | [فصل لا تقبل دعوى القتل إلا ببينة] # (7476) فصل ولا تقبل دعوى القتل إلا ببينة. وقال الأوزاعي: يعطى السلب ~~إذا قال: أنا قتلته. ولا يسأل بينة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ~~قول أبي قتادة. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل قتيلا، له ~~عليه بينة، فله سلبه» . متفق عليه. # وأما # PageV09P240 # أبو قتادة، فإن خصمه أقر له، فاكتفى بإقراره. قال أحمد: ولا يقبل إلا ~~شاهدان. وقال طائفة من أهل الحديث: يقبل شاهد ويمين؛ لأنها دعوى في المال. ~~ويحتمل أن يقبل شاهد بغير يمين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل قول ~~الذي شهد لأبي قتادة من غير يمين. ووجه الأول، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - اعتبر البينة، وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين، ولأنها دعوى للقتل، ~~فاعتبر شاهدان، كقتل العمد. ### | [فصل سلب القتلى وتركهم عراة] # (7477) فصل ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة. وهذا قول الأوزاعي. وكرهه ~~الثوري، وابن المنذر، لما فيه من كشف عوراتهم. ولنا قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في قتيل سلمة بن الأكوع: «له سلبه أجمع. وقال: من قتل قتيلا، ~~فله سلبه» . وهذا يتناول جميعه. ### | [مسألة أمان الرجل والمرأة] # (7478) مسألة قال: (ومن أعطاهم الأمان منا؛ من رجل، أو امرأة، أو عبد، ~~جاز أمانه) وجملته أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب، حرم قتلهم ومالهم والتعرض ~~لهم. ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ذكرا كان أو أنثى، حرا كان ms5060 أو عبدا. ~~وبهذا قال الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وابن القاسم، وأكثر أهل ~~العلم. # وروي ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: ~~لا يصح أمان العبد، إلا أن يكون مأذونا له في القتال؛ لأنه لا يجب عليه ~~الجهاد، فلا يصح أمانه، كالصبي، ولأنه مجلوب من دار الكفر، فلا يؤمن أن ~~ينظر لهم في تقديم مصلحتهم. ولنا، ما روي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، أنه قال: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل» . رواه ~~البخاري. # وروى فضيل بن يزيد الرقاشي، قال: جهز عمر بن الخطاب جيشا، فكنت فيه، ~~فحصرنا موضعا، فرأينا أنا سنفتحها اليوم، وجعلنا نقبل ونروح، فبقي عبد منا، ~~فراطنهم وراطنوه، فكتب لهم الأمان في صحيفة، وشدها على سهم، ورمى بها ~~إليهم، فأخذوها، وخرجوا، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال: العبد المسلم ~~رجل من المسلمين، ذمته ذمتهم. رواه سعيد. # ولأنه مسلم مكلف، فصح أمانه، كالحر. وما ذكروه من التهمة يبطل بما إذا ~~أذن له القتال، فإنه يصح أمانه، وبالمرأة، فإن أمانها يصح، في قولهم جميعا. ~~قالت # PageV09P241 # عائشة: إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز. وعن أم هانئ، أنها ~~قالت: يا رسول الله، إني أجرت أحمائي، وأغلقت عليهم، وإن ابن أمي أراد ~~قتلهم. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قد أجرنا من أجرت يا ~~أم هانئ، إنما يجهر على المسلمين أدناهم» . رواهما سعيد. وأجارت زينب بنت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا العاص بن الربيع، فأمضاه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - (7479) فصل: ويصح أمان الأسير إذا عقده غير مكره؛ ~~لدخوله في عموم الخبر، ولأنه مسلم مكلف مختار، فأشبه غير الأسير. # وكذلك أمان الأجير والتاجر في دار الحرب. وبهذا قال الشافعي. وقال ~~الثوري: لا يصح أمان أحد منهم. ولنا عموم الحديث، والقياس على غيرهم. فأما ~~الصبي المميز، فقال ابن حامد: فيه روايتان؛ إحداهما، لا يصح أمانه. وهو ms5061 قول ~~أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه غير مكلف، ولا يلزمه بقوله حكم، فلا يلزم غيره، ~~كالمجنون. والرواية الثانية، يصح أمانه. وهو قول مالك. وقال أبو بكر: يصح ~~أمانه، رواية واحدة. وحمل رواية المنع على غير المميز، واحتج بعموم الحديث، ~~ولأنه مسلم مميز، فصح أمانه، كالبالغ، وفارق المجنون، فإنه لا قول له أصلا. # (7480) فصل: ولا يصح أمان كافر، وإن كان ذميا؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم.» فجعل الذمة للمسلمين، ~~فلا تحصل لغيرهم، ولأنه متهم على الإسلام وأهله، فأشبه الحربي. ولا يصح ~~أمان مجنون، ولا طفل، لأن كلامه غير معتبر، ولا يثبت به حكم. ولا يصح أمان ~~زائل العقل، بنوم أو سكر أو إغماء؛ لذلك، ولأنه لا يعرف المصلحة من غيرها، ~~فأشبه المجنون. # ولا يصح من مكره؛ لأنه قول أكره عليه بغير حق، فلم يصح، كالإقرار. (7481) ~~فصل: ويصح أمان الإمام لجميع الكفار وآحادهم؛ لأن ولايته عامة على ~~المسلمين. ويصح أمان الأمير لمن أقيم بإزائه من المشركين، فأما في حق ~~غيرهم، فهو كآحاد المسلمين، لأن ولايته على قتال أولئك دون غيرهم. # ويصح أمان آحاد المسلمين للواحد، والعشرة، والقافلة الصغيرة، والحصن ~~الصغير؛ لأن عمر - رضي الله عنه - # PageV09P242 # أجاز أمان العبد لأهل الحصن الذي ذكرنا حديثه. ولا يصح أمانه لأهل بلدة، ~~ورستاق، وجمع كثير؛ لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد، والافتيات على الإمام. ~~(7482) فصل: ويصح أمان الإمام للأسير بعد الاستيلاء عليه؛ لأن عمر - رضي ~~الله عنه - لما قدم عليه بالهرمزان أسيرا، قال: لا بأس عليك، ثم أراد قتله، ~~فقال له أنس: قد أمنته، فلا سبيل لك عليه. وشهد الزبير بذلك، فعدوه أمانا. ~~رواه سعيد. # ولأن للإمام المن عليه، والأمان دون ذلك. فأما آحاد الرعية، فليس له ذلك. ~~وهذا مذهب الشافعي. وذكر أبو الخطاب، أنه يصح أمانه؛ لأن زينب ابنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع بعد أسره، ~~فأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - أمانها. وحكي هذا عن الأوزاعي. ولنا، ~~أن أمر الأسير ms5062 مفوض إلى الإمام، فلم يجز الافتيات عليه فيما يمنعه ذلك، ~~كقتله. # وحديث زينب في أمانها، إنما صح بإجازة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~(7483) فصل: وإذا شهد للأسير اثنان أو أكثر من المسلمين، أنهم أمنوه، قبل، ~~إذا كانوا بصفة الشهود. وقال الشافعي: لا تقبل شهادتهم؛ لأنهم يشهدون على ~~فعل أنفسهم. ولنا، أنهم عدول من المسلمين، غير متهمين، شهدوا بأمانه، فوجب ~~أن يقبل كما لو شهدوا على غيرهم أنه أمنه. # وما ذكروه لا يصح، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل شهادة المرضعة ~~على فعلها، في حديث عقبة بن الحارث. وإن شهد واحد أني أمنته. فقال القاضي: ~~قياس قول أحمد، أنه يقبل، كما لو قال الحاكم بعد عزله: كنت حكمت لفلان على ~~فلان بحق. قبل قوله. وعلى قول أبي الخطاب: يصح أمانه، فقبل خبره به، ~~كالحاكم في حال ولايته. وهذا قول الأوزاعي. ويحتمل أن لا يقبل؛ لأنه ليس له ~~أن يؤمنه في الحال، فلم يقبل إقراره به، كما لو أقر بحق على غيره. وهذا قول ~~الشافعي، وأبي عبيدة. ### | [فصل جاء المسلم بمشرك ادعى أنه أسره وادعى الكافر أنه أمنه] # (7484) فصل إذا جاء المسلم بمشرك ادعى أنه أسره، وادعى الكافر أنه أمنه، ~~ففيها ثلاث روايات إحداهن، القول قول المسلم؛ لأن الأصل معه فإن الأصل ~~إباحة دم الحربي، وعدم الأمان. # PageV09P243 # والثانية، القول، قول الأسير؛ لأنه يحتمل صدقه وحقن دمه، فيكون هذا شبهة ~~تمنع من قتله. وهذا اختيار أبي بكر. والثالثة، يرجع إلى قول من ظاهر الحال ~~يدل على صدقه؛ فإن كان الكافر ذا قوة، معه سلاحه، فالظاهر صدقه، وإن كان ~~ضعيفا مسلوبا سلاحه، فالظاهر كذبه، فلا يلتفت إلى قوله. # وقال أصحاب الشافعي: لا يقبل قوله وإن صدقه المسلم؛ لأنه لا يقدر على ~~أمانه، فلا يقبل إقراره به. ولنا أنه كافر، لم يثبت أسره، ولا نازعه فيه ~~منازع، فقبل قوله في الأمان، كالرسول. ### | [فصل طلب الأمان ليسمع كلام الله] # (7485) فصل ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله، ويعرف شرائع الإسلام وجب أن ~~يعطاه، ثم يرد إلى ms5063 مأمنه. لا نعلم في هذا خلافا. وبه قال قتادة، ومكحول، ~~والأوزاعي، والشافعي. وكتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى الناس؛ وذلك لقول ~~الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه} [التوبة: 6] . قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة. ويجوز عقد ~~الأمان للرسول والمستأمن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤمن رسل ~~المشركين. # ولما جاءه رسولا مسيلمة، قال: «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما» . ولأن ~~الحاجة تدعو إلى ذلك، فإننا لو قتلنا رسلهم، لقتلوا رسلنا، فتفوت مصلحة ~~المراسلة. ويجوز عقد الأمان لكل واحد منهما مطلقا ومقيدا بمدة، سواء كانت ~~طويلة أو قصيرة، بخلاف الهدنة، فإنها لا تجوز إلا مقيدة؛ لأن في جوازها ~~مطلقا تركا للجهاد، وهذا بخلافه. # قال القاضي: ويجوز أن يقيموا مدة الهدنة بغير جزية. قال أبو بكر: وهذا ~~ظاهر كلام أحمد؛ لأنه قيل له: قال الأوزاعي: لا يترك المشرك في دار الإسلام ~~إلا أن يسلم أو يؤدي. فقال أحمد إذا أمنته، فهو على ما أمنته. وظاهر هذا ~~أنه خالف قول الأوزاعي. وقال أبو الخطاب: عندي أنه لا يجوز أن يقيم سنة ~~بغير جزية. # وهذا قول الأوزاعي، والشافعي؛ لقول الله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون} [التوبة: 29] . ووجه الأول، أن هذا كافر أبيح له الإقامة في ~~دار الإسلام، من غير التزام جزية، فلم تلزمه جزية، كالنساء والصبيان، ولأن ~~الرسول لو كان ممن لا يجوز أخذ الجزية منه، يستوي في حقه السنة وما دونها، ~~في أن الجزية لا تؤخذ منه في المدتين، فإذا جازت له الإقامة في إحداهما، ~~جازت في الأخرى، قياسا لها عليها. # وقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} [التوبة: 29] . أي يلتزمونها، ولم يرد ~~حقيقة الإعطاء، وهذا مخصوص منها بالاتفاق، فإنه يجوز له الإقامة من غير ~~التزام لها، ولأن الآية تخصصت بما دون الحول، فنقيس على المحل المخصوص. # PageV09P244 ### | [فصل دخل حربي دار الإسلام بأمان فأودع ماله] # (7486) فصل وإذا دخل حربي دار الإسلام بأمان، فأودع ماله مسلما أو ذميا، ~~أو أقرضهما إياه، ثم ms5064 عاد إلى دار الحرب، نظرنا؛ فإن دخل تاجرا، أو رسولا، ~~أو متنزها، أو لحاجة يقضيها ثم يعود إلى دار الإسلام، فهو على أمانه في ~~نفسه وماله؛ لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة بدار الإسلام، فأشبه الذمي ~~إذا دخل لذلك، وإن دخل مستوطنا، بطل الأمان في نفسه، وبقي في ماله؛ لأنه ~~بدخوله دار الإسلام بأمان؛ ثبت الأمان لماله الذي معه، فإذا بطل في نفسه ~~بدخوله دار الحرب، بقي في ماله؛ لاختصاص المبطل بنفسه، فيخص البطلان به. # فإن قتل: فإنما يثبت الأمان لماله تبعا، فإذا بطل في المتبوع، بطل في ~~التبع. قلنا: بل يثبت له الأمان لمعنى وجد فيه، وهو إدخاله معه، وهذا يقتضي ~~ثبوت الأمان له. وإن لم يثبت في نفسه، بدليل ما لو بعثه مع مضارب له أو ~~وكيل، فإنه يثبت الأمان، ولم يثبت الأمان في نفسه، ولم يوجد فيه ها هنا ما ~~يقتضي الأمان فيه، فبقي على ما كان عليه. ولو أخذه معه إلى دار الحرب لنقض ~~الأمان فيه، كما ينتقض في نفسه، لوجود المبطل منهما. # فإذا ثبت هذا، فإن صاحبه إن طلبه بعث إليه، وإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو ~~غيرهما، صح تصرفه. وإن مات في دار الحرب انتقل إلى وارثه، ولم يبطل الأمان ~~فيه. وقال أبو حنيفة: يبطل فيه. وهو قول الشافعي؛ لأنه قد صار لوارثه، ولم ~~يعقد فيه أمانا، فوجب أن يبطل فيه، كسائر أمواله. ولنا، أن الأمان حق له ~~لازم متعلق بالمال، فإذا انتقل إلى الوارث، انتقل لحقه، كسائر الحقوق؛ من ~~الرهن، والضمين، والشفعة. # وهذا اختيار المزني. ولأنه مال له أمان، فينتقل إلى وارثه مع بقاء الأمان ~~فيه، كالمال الذي مع مضاربه. وإن لم يكن له وارث، صار فيئا لبيت المال. فإن ~~كان له وارث في دار الإسلام، فقال القاضي: لا يرثه، لاختلاف الدارين. ~~والأولى أنه يرثه؛ لأن ملتهما واحدة، فيرثه كالمسلمين، وإن مات المستأمن في ~~دار الإسلام، فهو كما لو مات في دار الحرب، سواء؛ لأن المستأمن حربي تجري ~~عليه أحكامهم. # وإن ms5065 رجع إلى دار الحرب، فسبي واسترق، فقال القاضي: يكون ماله موقوفا حتى ~~يعلم آخر أمره، بموت أو غيره، فإن مات كان فيئا؛ لأن الرقيق لا يورث، وإن ~~عتق كان له، وإن لم يسترق، ولكن من عليه الإمام، أو فاداه، فماله له، وإن ~~قتله، فماله لورثته، وإن لم يسب ولكن دخل دار الإسلام بغير أمان، ليأخذ ~~ماله، جاز قتله وسبيه؛ لأن ثبوت الأمان لماله لا يثبت الأمان له، كما لو ~~كان ماله وديعة بدار الإسلام وهو مقيم بدار الحرب. # PageV09P245 ### | [فصل سرق المستأمن في دار الإسلام] # (7487) فصل وإذا سرق المستأمن في دار الإسلام، أو قتل، أو غصب، ثم عاد ~~إلى وطنه في دار الحرب، ثم خرج مستأمنا مرة ثانية، استوفي منه ما لزمه في ~~أمانه الأول. وإن اشترى عبدا مسلما، فخرج به إلى دار الحرب، ثم قدر عليه، ~~لم يغنم؛ لأنه لم يثبت ملكه عليه، لكون الشراء باطلا، ويرد بائعه الثمن إلى ~~الحربي؛ لأنه حصل في أمان، فإن كان العبد تالفا، فعلى الحربي قيمته، ~~ويترادان الفضل. ### | [فصل دخلت الحربية إلينا بأمان فتزوجت ذميا في درانا] # فصل: وإذا دخلت الحربية إلينا بأمان، فتزوجت ذميا في دارنا، ثم أرادت ~~الرجوع، لم تمنع، إذا رضي زوجها أو فارقها. وقال أبو حنيفة، تمنع. ولنا، ~~أنه عقد لا يلزم الرجل المقام به، فلا يلزم المرأة كعقد الإجارة. ### | [مسألة طلب الأمان ليفتح الحصن] # (7489) مسألة قال: (ومن طلب الأمان ليفتح الحصن، ففعل، فقال كل واحد ~~منهم: أنا المعطي. لم يقتل واحد منهم) وجملته أن المسلمين إذا حصروا حصنا، ~~فناداهم رجل: آمنوني أفتح لكم الحصن. جاز أن يعطوه أمانا؛ فإن زياد بن لبيد ~~لما حصر النجير، قال الأشعث بن قيس: أعطوني الأمان لعشرة، أفتح لكم الحصن. ~~ففعلوا. # فإن أشكل الذي أعطى الأمان، وادعاه كل واحد من أهل الحصن، فإن عرف صاحب ~~الأمان، عمل على ذلك، وإن لم يعرف، لم يجز قتل واحد منهم؛ لأن كل واحد منهم ~~يحتمل صدقه، وقد اشتبه المباح بالمحرم فيما لا ضرورة إليه، فحرم الكل، كما ms5066 ~~لو اشتبهت ميتة بمذكاة، أو أخته بأجنبيات، أو اشتبه زان محصن برجال ~~معصومين. وبهذا قال الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا. وفي استرقاقهم وجهان؛ ~~أحدهما، يحرم. وذكر القاضي أن أحمد نص عليه. وهو مذهب الشافعي؛ لما ذكرنا ~~في القتل، فإن استرقاق من لا يحل استرقاقه محرم. # والثاني، يقرع بينهم، فيخرج صاحب الأمان بالقرعة، ويسترق الباقون. قاله ~~أبو بكر؛ لأن الحق لواحد منهم غير معلوم، فيقرع بينهم، كما لو أعتق عبدا من ~~عبيده وأشكل، ويخالف القتل، فإنه إراقة دم تندرئ بالشبهات، بخلاف الرق، ~~ولهذا يمنع القتل في النساء والصبيان دون الاسترقاق. وقال الأوزاعي: إذا ~~أسلم واحد من أهل الحصن قبل فتحه، أشرف علينا، ثم أشكل، فادعى كل واحد منهم ~~أنه الذي أسلم: # PageV09P246 # يسعى كل واحد منهم في قيمة نفسه ويترك له عشر قيمته. # وقياس مذهبنا أن فيها وجهين، كالتي قبلها. ### | [فصل لقي علجا فطلب منه الأمان] # (7490) فصل قال أحمد: إذا قال الرجل: كف عني حتى أدلك على كذا. فبعث معه ~~قوم ليدلهم، فامتنع من الدلالة، فلهم ضرب عنقه؛ لأن أمانه بشرط، ولم يوجد. ~~وقال أحمد: إذا لقي علجا، فطلب منه الأمان، فلا يؤمنه؛ لأنه يخاف شره، وإن ~~كانوا سرية، فلهم أمانه. يعني أن السرية لا يخافون من غدر العلج قتلهم، ~~بخلاف الواحد، وإن لقيت السرية أعلاجا، فادعوا أنهم جاءوا مستأمنين، فإن ~~كان معهم سلاح، لم يقبل قولهم؛ لأن حملهم السلاح يدل على محاربتهم، وإن لم ~~يكن معهم سلاح، قبل قولهم؛ لأنه يدل على صدقهم. ### | [فصل دخل حربي دار الإسلام بغير أمان] # (7491) وإذا دخل حربي دار الإسلام بغير أمان، نظرت؛ فإن كان معه متاع ~~يبيعه في دار الإسلام، وقد جرت العادة بدخولهم إلينا تجارا بغير أمان، لم ~~يعرض لهم. وقال أحمد: إذا ركب القوم في البحر، فاستقبلهم فيه تجار مشركون ~~من أرض العدو يريدون بلاد الإسلام، لم يعرضوا لهم، ولم يقاتلوهم، وكل من ~~دخل بلاد المسلمين من أهل الحرب بتجارة، بويع، ولم يسأل عن شيء، وإن لم تكن ~~معه تجارة، فقال: جئت مستأمنا. ms5067 لم يقبل منه، وكان الإمام مخيرا فيه، ونحو ~~هذا قال الأوزاعي، والشافعي. # وإن كان ممن ضل الطريق، أو حملته الريح في المركب إلينا، فهو لمن أخذه، ~~في إحدى الروايتين، والأخرى، يكون فيئا. ### | [مسألة دخل إلى أرضهم من الغزاة فارسا فنفق فرسه] # (7492) قال: (ومن دخل إلى أرضهم من الغزاة فارسا، فنفق فرسه قبل إحراز ~~الغنيمة، فله سهم راجل، ومن دخل راجلا، فأحرزت الغنيمة وهو فارس، فله سهم ~~الفارس) وجملة ذلك أن الاعتبار في استحقاق السهم بحالة الإحراز، فإن أحرزت ~~الغنيمة وهو راجل، فله سهم راجل، وإن أحرزت وهو فارس، فله سهم الفارس، سواء ~~دخل فارسا أو راجلا. قال أحمد: أنا أرى أن كل من شهد الوقعة على أي حالة ~~كان يعطى؛ إن كان فارسا ففارس، وإن كان راجلا فراجل؛ لأن عمر قال: الغنيمة ~~لمن شهد الوقعة. وبهذا قال الأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. # ونحوه قال ابن عمر. وقال أبو حنيفة: الاعتبار بدخول دار الحرب، فإن دخل ~~فارسا فله سهم فارس وإن نفق فرسه قبل القتال، وإن دخل راجلا فله سهم الراجل ~~وإن استفاد فرسا فقاتل عليه. وعنه رواية أخرى كقولنا. قال أحمد: كان سليمان ~~بن موسى يعرضهم إذا أدربوا، # PageV09P247 # الفارس فارس، والراجل راجل. لأنه دخل في الحرب بنية القتال، فلا يتغير ~~سهمه بذهاب دابته، أو حصول دابة له، كما لو كان بعد القتال. # ولنا، أن الفرس حيوان يسهم له، فاعتبر وجوده حال القتال، فيسهم له مع ~~الوجود فيه، ولا يسهم له مع العدم، كالآدمي، والأصل في هذا أن حالة استحقاق ~~السهم حالة تقتضي الحرب، بدليل قول عمر الغنيمة لمن شهد الوقعة. # ولأنها الحال التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب الملك، بخلاف ما قبل ~~ذلك، فإن الأموال في أيدي أصحابها، ولا ندري هل يظفر بهم أو لا؟ ولأنه لو ~~مات بعض المسلمين قبل الاستيلاء، لم يستحق شيئا، ولو وجد مدد في تلك الحال، ~~أو انفلت أسير فلحق بالمسلمين، أو أسلم كافر فقاتلوا، استحقوا السهم، فدل ~~على أن الاعتبار بحالة الإحراز، فوجب ms5068 اعتباره دون غيره. ### | [مسألة سهم الفارس والفرس في الغنيمة] # (7493) قال: (ويعطي ثلاثة أسهم؛ سهم له، وسهمان لفرسه) أكثر أهل العلم ~~على أن الغنيمة تقسم للفارس منها ثلاثة أسهم؛ سهم له، وسهمان لفرسه، ~~وللراجل سهم. # قال ابن المنذر: هذا مذهب عمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين، وحسين ~~بن ثابت، وعوام علماء الإسلام في القديم والحديث؛ منهم مالك ومن تبعه من ~~أهل المدينة، والثوري ومن وافقه من أهل العراق، والليث بن سعد ومن تبعه من ~~أهل مصر، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد، وقال أبو ~~حنيفة: للفرس سهم واحد. # لما روى مجمع بن جارية، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم خيبر ~~على أهل الحديبية، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما. رواه أبو داود. ~~ولأنه حيوان ذو سهم، فلم يزد على سهم، كالآدمي. ولنا، ما روى ابن عمر، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم؛ سهمان ~~لفرسه، وسهم له متفق عليه. # وعن أبي رهم وأخيه، أنهما كانا فارسين يوم خيبر، فأعطيا ستة أسهم؛ أربعة ~~أسهم لفرسيهما، وسهمين لهما. رواه سعيد بن منصور، وعن ابن عباس - رضي الله ~~عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى الفارس ثلاثة أسهم وأعطى ~~الراجل سهما. وقال خالد الحذاء: لا يختلف فيه عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه أسهم هكذا للفرس سهمين، ولصاحبه سهما، وللراجل سهما. وكتب عمر ~~بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: أما بعد؛ فإن سهمان الخيل مما ~~فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهمين للفرس، وسهما للراجل، ولعمري ~~لقد كان حديثا ما أشعر أن أحدا من المسلمين هم بانتقاض ذلك، فمن هم بانتقاض ~~فعاقبه، والسلام عليك. رواهما سعيد، والأثرم. # PageV09P248 # وهذا يدل على ثبوت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا، وأنه أجمع ~~عليه، فلا يعول على ما خالفه. # فأما حديث مجمع، فيحتمل أنه أراد أعطى الفارس سهمين لفرسه، وأعطى الراجل ~~سهما، يعني صاحبه، فيكون ثلاثة أسهم، على ms5069 أن حديث ابن عمر أصح منه، وقد ~~وافقه حديث أبي رهم وأخيه، وابن عباس، وهؤلاء أحفظ وأعلم، وابن عمر وأبو ~~رهم وأخوه ممن شهدوا وأخذوا السهمان، وأخبروا عن أنفسهم أنهم أعطوا ذلك، ~~فلا يعارض ذلك بخبر شاذ تعين غلطه، أو حمله على ما يخالف ظاهره، وقياس ~~الفرس على الآدمي غير صحيح؛ لأن أثرها في الحرب أكثر، وكلفتها أعظم، فينبغي ~~أن يكون سهمها أكثر. ### | [مسألة سهم الفارس وسهم الفرس الهجين] # (7494) قال: (إلا أن يكون فرسه هجينا، فيعطى سهما له، وسهما لفرسه) ~~الهجين: الذي أبوه عربي وأمه برذونة. والمقرف: الذي أبوه برذون وأمه عربية، ~~قالت هند بنت النعمان بن بشير: # وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تحللها بغل # فإن ولدت مهرا كريما فبالحري ... وإن يك أقراف فما أنجب الفحل # وأراد الخرقي بالهجين ها هنا ما عدا العربي، والله أعلم. وقد حكي عن ~~أحمد، أنه قال الهجين البرذون. # واختلفت الرواية عنه في سهمانها، فقال الخلال: تواترت الروايات عن أبي ~~عبد الله في سهام البرذون، أنه سهم واحد. واختاره أبو بكر، والخرقي، وهو ~~قول الحسن. قال الخلال: وروى عنه ثلاثة متيقظون أنه يسهم للبرذون مثل سهم ~~العربي. واختاره الخلال، وبه قال عمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، ~~والثوري؛ لأن الله تعالى قال: {والخيل والبغال} [النحل: 8] . # وهذه من الخيل، ولأن الرواة رووا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم ~~للفرس سهمين، ولصاحبه سهما. وهذا عام في كل فرس، ولأنه حيوان ذو سهم، ~~فاستوى فيه العربي وغيره، كالآدمي. وحكى أبو بكر، عن أحمد. - رحمه الله -، ~~رواية ثالثة، أن البراذين إن أدركت إدراك العراب، أسهم لها مثل الفرس ~~العربي، وإلا فلا. وهذا قول ابن أبي شيبة، وابن أبي خيثمة، وأبي أيوب، ~~والجوزجاني؛ لأنها من الخيل، وقد عملت عمل العراب، فأعطيت سهما كالعربي. # وحكى القاضي رواية رابعة أنه لا يسهم لها. وهو قول مالك بن عبد الله ~~الخثعمي؛ لأنه حيوان لا يعمل عمل الخيل العراب، فأشبه البغال. ويحتمل أن ~~تكون هذه الرواية فيما لا يقارب العتاق منها؛ ms5070 # PageV09P249 # لما روى الجوزجاني، بإسناده عن أبي موسى، أنه كتب إلى عمر بن الخطاب: إنا ~~وجدنا بالعراق خيلا عراضا دكنا، فما ترى يا أمير المؤمنين في سهمانها؟ فكتب ~~إليه: تلك البراذين، فما قارب العتاق منها، فاجعل له سهما واحدا، وألغ ما ~~سوى ذلك. # ولنا، ما روى سعيد بإسناده عن أبي الأقمر قال: أغارت الخيل على الشام، ~~فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادن ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من ~~همدان، يقال له: المنذر بن أبي حميضة، فقال: لا أجعل الذي أدرك من يومه مثل ~~الذي لم يدرك. ففضل الخيل، فقال عمر: هبلت الوادعي أمه، أمضوها على ما قال. ~~ولم يعرف عن الصحابة خلاف هذا القول. وروى مكحول، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أعطى الفرس العربي سهمين، وأعطى الهجين سهما. رواه سعيد أيضا، ولأن ~~نفع العربي وأثره في الحرب أفضل، فيكون سهمه أرجح، كتفاضل من يرضخ له. وأما ~~قولهم: إنه من الخيل. قلنا: والخيل في نفسها تتفاضل، فتتفاضل سهمانها. وأما ~~قولهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم للفرس سهمين، من غير تفريق. ~~قلنا: هذه قضية في عين، لا عموم لها، فيحتمل أنه لم يكن فيها برذون، وهو ~~الظاهر، فإنها من خيل العرب، ولا براذين فيها، ودل على صحة هذا، أنهم لما ~~وجدوا البراذين بالعراق، أشكل عليهم أمرها، وأن عمر فرض لها سهما واحدا، ~~وأمضى ما قال المنذر بن أبي حميضة في تفضيل العراب عليها. # ولو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى بينهما، لم يخف ذلك على عمر، ~~ولا خالفه، ولو خالفه لم يسكت الصحابة عن إنكاره عليه، سيما وابنه هو راوي ~~الخبر، فكيف يخفى ذلك عليه، ويحتمل أنه فضل العراب أيضا، فلم يذكره الراوي، ~~لغلبة العراب، وقلة البراذين، ويدل على صحة هذا التأويل، خبر مكحول الذي ~~رويناه، وقياسها على الآدمي لا يصح؛ لأن العربي منهم لا أثر له في الحرب ~~زيادة على غيره بخلاف العربي من الخيل على غيره. والله أعلم. ### | [مسألة لا يسهم لأكثر من فرسين] # (7495) قال: (ولا يسهم ms5071 لأكثر من فرسين) . يعني إذا كان مع الرجل خيل، ~~أسهم لفرسين أربعة أسهم، ولصاحبهما سهم، ولم يزد على ذلك، وقال أبو حنيفة، ~~ومالك، والشافعي: لا يسهم لأكثر من فرس واحد؛ لأنه لا يمكن أن يقاتل على ~~أكثر منها، فلم يسهم لما زاد عليها، كالزائد عن الفرسين. # PageV09P250 # ولنا، ما روى الأوزاعي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسهم ~~للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين، وإن كان معه عشرة أفراس. وعن أزهر بن ~~عبد الله، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح، أن يسهم للفرس ~~سهمين، وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبهما سهم، فذلك خمسة أسهم، وما كان فوق ~~الفرسين فهي جنائب. رواهما سعيد، في " سننه ". ولأن به إلى الثاني حاجة، ~~فإن إدامة ركوب واحد تضعفه، وتمنع القتال عليه، فيسهم له كالأول، بخلاف ~~الثالث، فإنه مستغنى عنه. ### | [مسألة غزا على بعير هل يسهم له] # (7496) قال: (ومن غزا على بعير، وهو لا يقدر على غيره، قسم له ولبعيره ~~سهمان) نص أحمد على هذا، وظاهره أنه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على ~~فرس. # وعن أحمد، أنه يسهم للبعير سهم، ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره. وحكي نحو ~~هذا عن الحسن؛ لأن الله تعالى قال: {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} ~~[الحشر: 6] . ولأنه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض، فيسهم له، كالفرس. ~~يحققه أن تجويز المسابقة بعوض إنما أبيحت في ثلاثة أشياء دون غيرها؛ لأنها ~~آلات الجهاد، فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها، تحريضا على رياضتها، وتعلم ~~الإتقان فيها، ولا يزاد على سهم البرذون؛ لأنه دونه، ولا يسهم له إلا أن ~~يشهد الوقعة عليه، ويكون مما يمكن القتال عليه، فأما هذه الإبل الثقيلة، ~~التي لا تصلح إلا للحمل، فلا يستحق راكبها شيئا؛ لأنها لا تكر ولا تفر، ~~فراكبها أدنى حال من الراجل. # واختار أبو الخطاب أنه لا يسهم له بحال. وهو قول أكثر الفقهاء. قال ابن ~~المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، أن من غزا على بعير، ms5072 فله سهم ~~راجل. كذلك قال الحسن، ومكحول، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وهذا هو الصحيح، إن شاء الله تعالى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم، وقد كان معه يوم بدر سبعون ~~بعيرا، ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل، بل هي كانت غالب دوابهم، فلم ينقل ~~عنه أنه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل، وكذلك من بعد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من خلفائه وغيرهم، مع كثرة غزواتهم، لم ينقل عن أحد منهم فيما ~~علمناه أنه أسهم لبعير، ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك، ولأنه لا يتمكن صاحبه ~~من الكر والفر، فلم يسهم له، كالبغل والحمار. # (7497) فصل: وما عدا الخيل والإبل، من البغال والحمير والفيلة وغيرها، لا ~~يسهم لها، بغير خلاف، وإن عظم غناؤها، # PageV09P251 # وقامت مقام الخيل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسهم لها، ولا ~~أحد من خلفائه، ولأنها مما لا يجوز المسابقة عليه بعوض، فلم يسهم لها، ~~كالبقر. (7498) فصل: وينبغي للإمام أن يتعاهد الخيل عند دخول الحرب، فلا ~~يدخل إلا شديدا، ولا يدخلها حطما، ولا ضعيفا، ولا ضرعا، ولا أعجف رازحا. # فإن شهد أحد الوقعة على واحد من هذه لم يسهم له. وبه قال مالك. وقال ~~الشافعي: يسهم له؛ كما يسهم للمريض. ولنا، أنه لا ينتفع به، فلم يسهم له، ~~كالرجل المخذل والمرجف، ولأنه حيوان يتعين منع دخوله، فلم يسهم له، ~~كالمرجف. # وأما المريض الذي لا يتمكن من القتال، فإن خرج بمرضه عن كونه من أهل ~~الجهاد، كالزمن والأشل والمفلوج، فلا سهم له؛ لأنه لم يبق من أهل الجهاد، ~~وإن لم يخرج بمرضه عن ذلك، كالمحموم، ومن به الصداع، فإنه يسهم له؛ لأنه من ~~أهل الجهاد، ويعين برأيه، وتكثيره، ودعائه. ### | [مسألة مات بعد إحراز الغنيمة] # (7499) مسألة؛ قال: (ومن مات بعد إحراز الغنيمة، قام وارثه مقامه في ~~سهمه) وجملته أن الغازي إذا مات أو قتل، نظرت؛ فإن كان قبل حيازة الغنيمة، ~~فلا سهم له؛ لأنه مات قبل ثبوت ملك المسلمين ms5073 عليها، سواء مات حال القتال أو ~~قبله، وإن مات بعد ذلك، فسهمه لورثته. وقال أبو حنيفة: إن مات قبل إحراز ~~الغنيمة في دار الإسلام، أو قسمها في دار الحرب، فلا شيء له؛ لأن ملك ~~المسلمين لا يتم عليها إلا بذلك. # وقال الأوزاعي: إن مات بعدما يدرب قاصدا في سبيل الله قبل أو بعد، أسهم ~~له. وقال الشافعي، وأبو ثور: إن حضر القتال أسهم له، سواء مات قبل حيازة ~~الغنيمة أو بعدها، وإن لم يحضر فلا سهم له. ونحوه قال مالك، والليث. ولنا، ~~أنه إذا مات قبل حيازتها، فقد مات قبل ملكها، وثبوت اليد عليها، فلم يستحق ~~شيئا، وإن مات بعدها، فقد مات بعد الاستيلاء عليها، في حال لو قسمت صحت ~~قسمتها، وكان له سهمه منها، فيجب أن يستحق سهمه فيها، كما لو مات بعد ~~إحرازها في دار الإسلام. # وإذا ثبت أنه يستحقه، فيكون لورثته، كسائر أملاكه وحقوقه. # PageV09P252 ### | [مسألة سهم الراجل] # (7500) قال: (ويعطى الراجل سهما) لا خلاف في أن للراجل سهما. وقد جاء عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أعطى الراجل سهما، فيما تقدم من الأخبار، ~~ولأن الراجل يحتاج إلى أقل مما يحتاج إليه الفارس، وغناؤه دون غنائه، ~~فاقتضى ذلك أن يكون سهمه دون سهمه. (7501) فصل: وسواء كانت الغنيمة من فتح ~~حصن، أو من مدينة، أو من جيش. # وبهذا قال الشافعي، وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عن إسهام الخيل ~~من غنائم الحصون. فقال: كانت الولاة من قبل عمر بن عبد العزيز، الوليد ~~وسليمان، لا يسهمون الخيل من الحصون، ويجعلون الناس كلهم رجالة، حتى ولي ~~عمر بن عبد العزيز، فأنكر ذلك، وأمر بإسهامها من فتح الحصون والمدائن. ووجه ~~ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم غنائم خيبر؛ للفارس ثلاثة أسهم، ~~وللراجل سهم. وهي حصون، ولأن الخيل ربما احتيج إليها، بأن ينزل أهل الحصن، ~~فيقاتلوا خارجا منه، ويلزم صاحبه مؤنة له، فيقسم له، كما لو كان في غير ~~حصن. ### | [مسألة ويرضخ للمرأة والعبد من الغنيمة] # (7502) قال: (ويرضخ للمرأة والعبد) معناه ms5074 أنهم يعطون شيئا من الغنيمة دون ~~السهم، ولا يسهم لهم سهم كامل، ولا تقدير لما يعطونه، بل ذلك إلى اجتهاد ~~الإمام، فإن رأى التسوية بينهم سوى بينهم، وإن رأى التفضيل فضل. وهذا قول ~~أكثر أهل العلم؛ منهم سعيد بن المسيب، ومالك، والثوري، والليث، والشافعي، ~~وإسحاق، وروي ذلك عن ابن عباس وقال أبو ثور: يسهم للعبد. # وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، والنخعي؛ لما روي عن الأسود بن ~~يزيد، أنه شهد فتح القادسية عبيد، فضرب لهم سهامهم. ولأن حرمة العبد في ~~الدين كحرمة الحر، وفيه من الغناء مثل ما فيه فوجب أن يسهم له، كالحر. # وحكي عن الأوزاعي: ليس للعبيد سهم ولا رضخ، إلا أن يجيئوا بغنيمة، أو ~~يكون لهم غناء، فيرضخ لهم. قال: ويسهم للمرأة؛ لما روى جرير بن زياد، عن ~~جدته، أنها حضرت فتح خيبر، قالت: فأسهم لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كما أسهم للرجال. وأسهم أبو موسى في غزوة تستر لنسوة معه. وقال أبو بكر ~~بن أبي مريم: أسهمن النساء يوم اليرموك. وروى سعيد، بإسناده عن ابن شبل، # PageV09P253 # «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب لسهلة بنت عاصم يوم حنين بسهم، ~~فقال رجل من القوم: أعطيت سهلة مثل سهمي» . # ولنا، ما روي عن ابن عباس، أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يغزو بالنساء، فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما سهم، فلم يضرب ~~لهن» رواه مسلم. وروى سعيد عن يزيد بن هارون، أن نجدة كتب إلى ابن عباس، ~~يسأله عن المرأة والمملوك يحضران الفتح، ألهما من المغنم شيء؟ قال يحذيان، ~~وليس لهما شيء. وفي رواية قال: ليس لهما سهم، وقد يرضخ لهما. وعن عمير مولى ~~آبي اللحم قال شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا في رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع. رواه أبو داود. ~~واحتج به أحمد، ولأنهما ليسا من أهل القتال، فلم يسهم لهما، كالصبي. قالت ~~عائشة: يا رسول الله، هل على النساء ms5075 جهاد؟ قال: " نعم، جهاد لا قتال فيه؛ ~~الحج، والعمرة ". وقال عمر بن أبي ربيعة: # كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول # ولأن المرأة ضعيفة، يستولي عليها الخور، فلا تصلح للقتال، ولهذا لم تقتل ~~إذا كانت حربية. فأما ما روي في إسهام النساء، فيحتمل أن الراوي سمى الرضخ ~~سهما، بدليل أن في حديث حشرج، أنه جعل لهن نصيبا تمرا. # ولو كان سهما، ما اختص التمر، ولأن خيبر قسمت على أهل الحديبية، نفر ~~معدودين في غير حديثها، ولم يذكرن منهم. ويحتمل أنه أسهم لهن مثل سهام ~~الرجال من التمر خاصة، أو من المتاع دون الأرض. وأما حديث سهلة، فإن في ~~الحديث أنها ولدت، فأعطاها النبي - صلى الله عليه وسلم - لها ولولدها، فبلغ ~~رضخهما سهم رجل، ولذلك عجب الرجل الذي قال: أعطيت سهلة مثل سهمي. # ولو كان هذا مشهورا من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما عجب منه. # (7503) فصل: والمدبر، والمكاتب، كالقن؛ لأنهم عبيد. فإن عتق منهم قبل ~~انقضاء الحرب أسهم لهم. وكذلك إن قتل سيد المدبر قبل تقضي الحرب، وهو يخرج ~~من الثلث، عتق، وأسهم له. # وأما من بعضه حر، فقال # PageV09P254 # أبو بكر: يرضخ له بقدر ما فيه من الرق، ويسهم له بقدر ما فيه من الحرية؛ ~~فإذا كان نصفه حرا، أعطي نصف سهم، ورضخ له نصف الرضخ؛ لأن هذا مما يمكن ~~تبعيضه، يقسم على قدر ما فيه من الحرية والرق والميراث. وظاهر كلام أحمد، ~~أنه يرضخ له؛ لأنه ليس من أهل وجوب القتال، فأشبه الرقيق. # (7504) فصل: والخنثى المشكل يرضخ له؛ لأنه لم يثبت أنه رجل يقسم له، ~~ولأنه ليس من أهل وجوب الجهاد، فأشبه المرأة، ويحتمل أن يقسم له نصف سهم ~~ونصف الرضخ كالميراث. # فإن انكشف حاله، فتبين أنه رجل، أتم له سهم رجل، سواء انكشف قبل تقضي ~~الحرب أو بعده، أو قبل القسمة أو بعدها؛ لأننا تبينا أنه كان مستحقا للسهم، ~~وأنه أعطي دون حقه، فأشبه ما لو أعطي بعض الرجال دون حقه غلطا. # (7505) فصل: والصبي يرضخ، ولا ms5076 يسهم له. وبه قال الثوري، والليث، وأبو ~~حنيفة، والشافعي، وأبو ثور. وعن القاسم، وسالم، في الصبي يغزو به، ليس له ~~شيء. وقال مالك: يسهم له إذا قاتل، وأطاق ذلك، ومثله قد بلغ القتال؛ لأنه ~~حر ذكر مقاتل، فيسهم له كالرجل. وقال الأوزاعي: يسهم له. وقال: أسهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - للصبيان بخيبر، وأسهم أئمة المسلمين لكل مولود ~~ولد في أرض الحرب. # وروى الجوزجاني، بإسناده عن الوضين بن عطاء، قال: حدثتني جدتي، قالت: كنت ~~مع حبيب بن مسلمة، وكان يسهم لأمهات الأولاد، لما في بطونهن. # ولنا، ما روي عن سعيد بن المسيب، قال: كان الصبيان والعبيد يحذون من ~~الغنيمة إذا حضروا الغزو، في صدر هذه الأمة. # وروى الجوزجاني، بإسناده، أن تميم بن قرع المهدي، كان في الجيش الذين ~~فتحوا الإسكندرية، في المرة الآخرة، قال: فلم يقسم لي عمرو من الفيء شيئا، ~~وقال: غلام لم يحتلم. حتى كاد يكون بين قومي وبين أناس من قريش في ذلك ~~ثائرة، فقال بعض القوم: فيكم أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فاسألوهم. فسألوا أبا نضرة الغفاري، وعقبة بن عامر، فقالا: انظروا، فإن ~~كان قد أشعر، فاقسموا له، فنظر إلي بعض القوم، فإذا أنا قد أنبت، فقسم لي. # قال الجوزجاني هذا من مشاهير حديث مصر وجيده. ولأنه ليس من أهل القتال، ~~فلم يسهم له كالعبد، ولم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم لصبي، ~~بل كان لا يجيزهم في القتال، فإن ابن عمر قال: عرضت على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني في القتال، وعرضت عليه وأنا ~~ابن خمس عشرة، فأجازني، وما ذكروه يحتمل أن الراوي سمى الرضخ سهما، بدليل ~~ما ذكرناه. # PageV09P255 ### | [فصل انفرد بالغنيمة من لا يسهم له] # (7506) فإن انفرد بالغنيمة من لا يسهم له، مثل عبيد دخلوا دار الحرب ~~فغنموا، أو صبيان، أو عبيد وصبيان، أخذ خمسه، وما بقي لهم. ويحتمل أن يقسم ~~بينهم؛ للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم؛ لأنهم تساووا، فأشبهوا ms5077 الرجال ~~الأحرار. ويحتمل أن يقسم بينهم على ما يراه الإمام من المفاضلة؛ لأنهم لا ~~تجب التسوية بينهم مع غيرهم، فلا تجب مع الانفراد، قياسا لإحدى الحالتين ~~على الأخرى. وإن كان فيهم رجل حر، أعطي سهما، وفضل عليهم، بقدر ما يفضل ~~الأحرار على العبيد والصبيان في غير هذا الموضع، ويقسم الباقي بين من بقي ~~على ما يراه الإمام من التفضيل؛ لأن فيهم من له سهم، بخلاف التي قبلها. ### | [مسألة يسهم للكافر إذا غزا معنا] # (7507) قال: (ويسهم للكافر، إذا غزا معنا) اختلفت الرواية في الكافر يغزو ~~مع الإمام بإذنه، فروي عن أحمد، أنه يسهم له كالمسلم. وبهذا قال الأوزاعي، ~~والزهري، والثوري، وإسحاق، قال الجوزجاني: هذا مذهب أهل الثغور، وأهل العلم ~~بالصوائف والبعوث. وعن أحمد لا يسهم له. # وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنه من غير أهل الجهاد، فلم يسهم ~~له، كالعبد، ولكن يرضخ له، كالعبد. ولنا ما روى الزهري، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - استعان بناس من اليهود في حربه، فأسهم لهم. رواه سعيد، في ~~" سننه ". وروي: أن صفوان بن أمية، خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم خيبر، وهو على شركه، فأسهم له، وأعطاه من سهم المؤلفة، ولأن الكفر نقص ~~في الدين، فلم يمنع استحقاق السهم، كالفسق، وبهذا فارق العبد؛ فإن نقصه في ~~دنياه وأحكامه. # وإن غزا بغير إذن الإمام، فلا سهم له لأنه غير مأمون على الدين، فهو ~~كالمرجف، وشر منه. وإن غزا جماعة من الكفار وحدهم فغنموا، فيحتمل أن تكون ~~غنيمتهم لهم، لا خمس فيها؛ لأن هذا اكتساب مباح، لم يؤخذ على وجه الجهاد، ~~فكان لهم، لا خمس فيه، كالاحتشاش والاحتطاب. ويحتمل أن يؤخذ خمسه، والباقي ~~لهم؛ لأنه غنيمة قوم من أهل دار الإسلام، فأشبه غنيمة المسلمين. ### | [فصل لا يستعان بمشرك في الحرب] # (7508) فصل: ولا يستعان بمشرك. وبهذا قال ابن المنذر، والجوزجاني، وجماعة ~~من أهل العلم. وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به. وكلام الخرقي يدل ~~عليه أيضا عند الحاجة، وهو مذهب الشافعي؛ لحديث ms5078 الزهري الذي # PageV09P256 # ذكرناه، وخبر صفوان بن أمية ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في ~~المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم، لم تجزئه الاستعانة به؛ لأننا إذا ~~منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين، مثل المخذل والمرجف، فالكافر ~~أولى. # ووجه الأول، ما روت عائشة، قالت: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى بدر، حتى إذا كان بحرة الوبرة، أدركه رجل من المشركين، كان يذكر منه ~~جرأة ونجدة، فسر المسلمون به، فقال: يا رسول الله، جئت لأتبعك، وأصيب معك. ~~فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. ~~قال: فارجع، فلن أستعين بمشرك. قالت: ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل، فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم. قال: فانطلق» متفق عليه. ~~ورواه الجوزجاني. # وروى الإمام أحمد، بإسناده عن عبد الرحمن بن حبيب، قال: أتيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وهو يريد غزوة، أنا ورجل من قومي، ولم نسلم، فقلنا: ~~إنا لنستحيي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم. قال: «فأسلمتما؟ قلنا: لا. ~~قال: فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» . قال: فأسلمنا، وشهدنا معه. ~~ولأنه غير مأمون على المسلمين فأشبه المخذل والمرجف. قال ابن المنذر: والذي ~~ذكر أنه استعان بهم غير ثابت. ### | [فصل لا يبلغ بالرضخ للفارس سهم فارس ولا للراجل سهم] # (7509) ولا يبلغ بالرضخ للفارس سهم فارس، ولا للراجل سهم راجل، كما لا ~~يبلغ بالتعزير الحد. ويفعل الإمام بين أهل الرضخ ما يرى، فيفضل العبد ~~المقاتل وذا البأس، على من ليس مثله، ويفضل المرأة المقاتلة، والتي تسقي ~~الماء، وتداوي الجرحى، وتنفع، على غيرها. # فإن قيل: هلا سويتم بينهم، كما سويتم بين أهل السهمان؟ قلنا: السهم منصوص ~~عليه غير موكول إلى اجتهاد الإمام، فلم يختلف، كالحد ودية الحر، والرضخ غير ~~مقدر، بل هو مجتهد فيه، مردود إلى اجتهاد الإمام، فاختلف، كالتعزير، وقيمة ~~العبد. # (7510) فصل: وفي الرضخ وجهان؛ أحدهما من أصل ms5079 الغنيمة؛ لأنه استحق ~~بالمعاونة في تحصيل الغنيمة، فأشبه أجرة # PageV09P257 # النقالين والحافظين لها. والثاني، هو من أربعة الأخماس؛ لأنه استحق بحضور ~~الوقعة، فأشبه سهام الغانمين. # وللشافعي قولان، كهذين. ### | [فصل أول ما يبدأ في قسمة الغنائم] # (7511) أول ما يبدأ في قسمة الغنائم بالأسلاب، فيدفعها إلى أهلها؛ لأن ~~صاحبها معين، ثم بمؤنة الغنيمة؛ من أجرة النقال والحمال والحافظ والمخزن، ~~ثم بالرضخ، على أحد الوجهين، وفي الآخر بالخمس، ثم بالأنفال من أربعة ~~الأخماس، ثم يقسم بقية أربعة الأخماس بين الغانمين. وإنما قدمنا قسمة أربعة ~~الأخماس على قسمة الخمس، لستة معان؛ أحدها، أن أهلها حاضرون، وأهل الخمس ~~غائبون. # الثاني؛ أن رجوع الغانمين إلى أوطانهم يقف على قسمة الغنيمة، وأهل الخمس ~~في أوطانهم، فكان الاشتغال بقسم نصيبهم ليعودوا إلى أوطانهم أولى. الثالث، ~~أن الغنيمة حصلت بتحصيل الغانمين وتعبهم، فصاروا بمنزلة من استحقها بعوض، ~~وأهل الخمس بخلافه، فكان أهل الغنيمة أولى. الرابع، أنه إذا قسم الغنيمة ~~بين الغانمين، أخذ كل إنسان نصيبه، فحمله، واهتم به، وكفى الإمام مؤنته، ~~والخمس إذا قسم ليس له من يكفي الإمام مؤنته، فلا تحصل الفائدة بقسمته، بل ~~كان يحمله مجتمعا، فصار يحمله متفرقا، فكان تأخير قسمته أولى. # الخامس، أن الخمس لا يمكن قسمه بين أهله كلهم؛ لأنه يحتاج إلى معرفتهم ~~وعددهم، ولا يمكن ذلك مع غيبتهم. السادس؛ أن الغانمين ينتفعون بسهامهم، ~~ويتمكنون من التصرف فيها لحضورهم، بخلاف أهل الخمس. ### | [مسألة غزا العبد على فرس لسيده] # (7512) قال: (وإذا غزا العبد على فرس لسيده، قسم للفرس، فكان لسيده، ~~ويرضخ للعبد) . أما الرضخ للعبد، فكما تقدم، وأما الفرس التي تحته، فيستحق ~~مالكها سهمها، فإن كان معه فرسان أو أكثر، أسهم لفرسين، ويرضخ للعبد. نص ~~على هذا أحمد. # وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يسهم للفرس؛ لأنه تحت من لا يسهم له، فلم ~~يسهم له، كما لو كان تحت مخذل. ولنا، أنه فرس حضر الوقعة، وقوتل عليه، ~~فاستحق السهم، كما لو كان السيد راكبه. إذا ثبت هذا، فإن سهم الفرس ورضخ ~~العبد لسيده؛ لأنه مالكه ومالك فرسه، ms5080 وسواء حضر السيد القتال أو غاب عنه. ~~وفارق فرس المخذل؛ لأن الفرس له فإذا لم يستحق شيئا بحضوره، فلأن لا يستحق ~~بحضور فرسه أولى. ### | [فصل غزا الصبي على فرس أو المرأة أو الكافر] # (7513) وإن غزا الصبي على فرس، أو المرأة أو الكافر إذا قلنا: لا يستحق ~~إلا الرضخ. لم يسهم للفرس، في ظاهر قول أصحابنا؛ لأنهم قالوا: لا يبلغ ~~بالرضخ للفارس سهم فارس. وظاهر هذا أنه يرضخ له ولفرسه ما لا يبلغ سهم ~~الفارس. ولأن سهم الفرس له، فإذا لم يستحق السهم بحضوره، فبفرسه أولى، ~~بخلاف العبد، فإن الفرس لغيره. # PageV09P258 ### | [فصل غزا المرجف أو المخذل على فرس] # (7514) وإذا غزا المرجف أو المخذل على فرس، فلا شيء له، ولا للفرس؛ لما ~~ذكرنا، وإن غزا العبد بغير إذن سيده، لم يرضخ له، لأنه عاص بغزوه، فهو ~~كالمخذل والمرجف، وإن غزا الرجل بغير إذن والديه، أو بغير إذن غريمه، استحق ~~السهم؛ لأن الجهاد يتعين عليه بحضور الصف، فلا يبقى عاصيا فيه، بخلاف ~~العبد. ### | [فصل استعار فرسا ليغزو عليه] # (7515) ومن استعار فرسا ليغزو عليه، ففعل، فسهم الفرس للمستعير، وبهذا ~~قال الشافعي، لأنه يتمكن من الغزو عليه بإذن صحيح شرعي، فأشبه ما لو ~~استأجره. وعن أحمد، رواية أخرى، أن سهم الفرس لمالكه، لأنه من نمائه، فأشبه ~~ولده. وبهذا قال بعض الحنفية. # وقال بعضهم: لا سهم للفرس؛ لأن مالكه لم يستحق سهما، فلم يستحق للفرس ~~شيئا، كالمخذل والمرجف، والأول أصح؛ لأنه فرس قاتل عليه من يستحق سهما، وهو ~~مالك لنفعه، فاستحق سهم الفرس، كالمستأجر، ولأن سهم الفرس مستحق بمنفعته، ~~وهي للمستعير بإذن المالك فيها، وفارق النماء والولد، فإنه غير مأذون له ~~فيه. # فأما إن استعاره لغير الغزو، ثم غزا عليه، فهو كالفرس المغصوب، على ما ~~سنذكره. ### | [فصل غصب فرسا فقاتل عليه] # (7516) وإن غصب فرسا، فقاتل عليه، فسهم الفرس لمالكه. نص عليه أحمد. وقال ~~بعض الحنفية: لا يسهم للفرس. وهو وجه لأصحاب الشافعي. وقال بعضهم: سهم ~~الفرس للغاصب، وعليه أجرته لمالكه؛ لأنه آلة، فكان الحاصل بها لمستعملها ms5081 ~~كله، كما لو غصب منجلا فاحتش بها، أو سيفا فقاتل به. # ولنا، أنه فرس قاتل عليه من يستحق السهم، فاستحق السهم، كما لو كان مع ~~صاحبه، وإذا ثبت أن له سهما كان لمالكه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهما، وما كان للفرس كان لمالكه، وفارق ما يحتش ~~به، فإنه لا شيء له، ولأن السهم مستحق بنفع الفرس، ونفعه لمالكه، فوجب أن ~~يكون ما يستحق به له. والحمد لله ### | [فصل استأجر فرسا ليغزو عليه] # (7517) ومن استأجر فرسا ليغزو عليه، فغزا عليه، فسهم الفرس له. لا نعلم ~~فيه خلافا؛ لأنه مستحق لنفعه استحقاقا لازما، فكان سهمه له، كمالكه. # PageV09P259 # (7518) فصل: فإن كان المستأجر والمستعير ممن لا سهم له؛ إما لكونه لا شيء ~~له كالمرجف والمخذل، أو ممن يرضخ له كالصبي، فحكمه حكم فرسه، على ما ذكرنا. ~~وإن غصب فرسا فقاتل عليه، احتمل أن يكون حكمه حكم فرسه؛ لأن الفرس يتبع ~~الفارس في حكمه، فيتبعه إذا كان مغصوبا، قياسا على فرسه. # واحتمل أن يكون سهم الفرس لمالكه؛ لأن الجناية من راكبه، والنقص فيه، ~~فيختص المنع به، وبما هو تابع له، وفرسه تابعة له؛ لأن ما كان لها فهو له، ~~والفرس ها هنا لغيره، وسهمها لمالكها، فلا ينقص سهمها بنقص سهمه، كما لو ~~قاتل العبد على فرس لسيده. ولو قاتل العبد بغير إذن سيده على فرس لسيده، ~~خرج فيه الوجهان اللذان ذكرناهما فيما إذا غصب فرسا فقاتل عليه؛ لأنه هاهنا ~~بمنزلة المغصوب. ### | [فصل لا يجوز تفضيل بعض الغانمين على بعض في القسمة] # (7519) ولا يجوز تفضيل بعض الغانمين على بعض في القسمة، إلا أن ينفل ~~بعضهم من الغنيمة نفلا، على ما ذكرنا في الأنفال، فأما غير ذلك فلا؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهما، وسوى ~~بينهم. # ولأنهم اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية، فتجب التسوية، كسائر ~~الشركاء. # (7520) فصل: وإن قال الإمام: من أخذ شيئا فهو له. جاز، في إحدى ~~الروايتين. وهو قول أبي حنيفة، وأحد ms5082 قولي الشافعي. # قال أحمد، في السرية تخرج، فيقول الوالي: من جاء بشيء فهو له، ومن لم يجئ ~~بشيء فلا شيء له: الأنفال إلى الإمام، ما فعل من شيء جاز؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال في يوم بدر: " من أخذ شيئا، فهو له ". ولأن على هذا ~~غزوا، ورضوا به. # PageV09P260 # والرواية الثانية، لا يجوز. وهو القول الثاني للشافعي؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يقسم الغنائم والخلفاء بعده، ولأن ذلك يقضي إلى ~~اشتغالهم بالنهب عن القتال، وظفر العدو بهم، فلا يجوز، ولأن الاغتنام سبب ~~لاستحقاقهم لها على سبيل التساوي، فلا يزول ذلك بقول الإمام، كسائر ~~الاكتساب. # وأما قضية بدر، فإنها منسوخة، فإنهم اختلفوا فيها، فأنزل الله تعالى: ~~{يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} [الأنفال: 1] ### | [مسألة الغنيمة لمن حضر الموقعة] # (7521) مسألة قال: (وإذا أحرزت الغنيمة، لم يكن فيها لمن جاءهم مددا، أو ~~هرب من أسر حظ) وجملة ذلك أن الغنيمة لمن حضر الموقعة، فمن تجدد بعد ذلك من ~~مدد يلحق بالمسلمين، أو أسر ينفلت من الكفار، فيلحق بجيش المسلمين، أو كافر ~~يسلم، فلا حق لهم فيها. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة في المدد: إن لحقهم قبل القسمة أو إحرازها بدار الإسلام، ~~شاركهم؛ لأن تمام ملكها بتمام الاستيلاء، وهو الإحراز إلى دار الإسلام، أو ~~قسمتها، فمن جاء قبل ذلك فقد أدركها قبل ملكها، فاستحل منها، كما لو جاء في ~~أثناء الحرب. # وإن مات أحد من العسكر قبل ذلك، فلا شيء له؛ لما ذكرنا، وقد روى الشعبي، ~~أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى سعد، أسهم لمن أتاك قبل أن تتفقأ قتلى ~~فارس، ولنا، ما روى أبو هريرة، «أن أبان بن سعيد بن العاص وأصحابه، قدموا ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر، بعد أن فتحها، فقال أبان: ~~اقسم لنا يا رسول الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اجلس يا ~~أبان. ولم يقسم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . رواه أبو داود # وعن طارق بن شهاب، ms5083 أن أهل البصرة غزوا نهاوند، فأمدهم أهل الكوفة، فكتب ~~في ذلك إلى عمر، - رضي الله عنه - فكتب عمر: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة. ~~رواه سعيد، في " سننه ". وروي نحوه عن عثمان في غزوة أرمينية، ولأنه مدد ~~لحق بعد تقضي الحرب، أشبه ما لو جاء بعد القسمة، أو بعد إحرازها بدار ~~الإسلام، ولأن سبب # PageV09P261 # ملكها الاستيلاء عليها، وقد حصل قبل مجيء المدد. وقولهم: إن ملكها ~~بإحرازها إلى دار الإسلام # ممنوع، بل هو بالاستيلاء، وقد استولى عليها الجيش قبل المدد، وحديث ~~الشعبي مرسل يرويه المجالد، وقد تكلم فيه، ثم هم لا يعملون به، ولا نحن، ~~فقد حصل الإجماع منا على خلافه، فكيف يحتج به؟ # (7522) فصل: وحكم الأسير يهرب إلى المسلمين حكم المدد، سواء قاتل أو لم ~~يقاتل. # وقال أبو حنيفة: لا يسهم له إلا أن يقاتل؛ لأنه لم يأت للقتال بخلاف ~~المدد. ولنا، أن من استحق إذا قاتل استحق وإن لم يقاتل، كالمدد، وسائر من ~~حضر الوقعة. # (7523) فصل: وإن لحقهم المدد بعد تقضي الحرب، وقبل حيازة الغنيمة، أو ~~جاءهم أسير، فظاهر كلام الخرقي، أنه يشاركهم؛ لأنه جاء قبل إحرازها. # وقال القاضي: تملك الغنيمة بانقضاء الحرب قبل حيازتها. فعلى هذا لا يسهم ~~لهم. وإن حازوا الغنيمة، ثم جاءهم قوم من الكفار يقاتلونهم، فأدركهم المدد، ~~فقاتلوا معهم، فقد نص أحمد، على أنه لا شيء للمدد. # فإنه قال: إذا غنم المسلمون غنيمة، فلحقهم العدو وجاء المسلمين مدد، ~~فقاتلوا العدو معهم حتى سلموا الغنيمة، فلا شيء لهم في الغنيمة؛ لأنهم إنما ~~قاتلوا عن أصحابهم، ولم يقاتلوا عن الغنيمة؛ لأن الغنيمة قد صارت في أيديهم ~~وحووها. قيل له: فإن أهل المصيصة غنموا ثم استنقذ منهم العدو، فجاء أهل ~~طرسوس، فقاتلوا معهم حتى استنقذوه؟ فقال: أحب إلى أن يصطلحوا،. # أما في الصورة الأولى، فإن الأولين قد أحرزوا الغنيمة وملكوها بحيازتهم، ~~فكانت لهم دون من قاتل معهم. أما في الصورة الثانية، فإنما حصلت الغنيمة ~~بقتال الذين استنقذوها في المرة الثانية، فينبغي أن يشتركوا فيها، لأن ~~الإحراز الأول قد زال ms5084 بأخذ الكفار لها، ويحتمل أن الأولين قد ملكوها ~~بالحيازة الأولى، ولم يزل ملكهم بأخذ الكفار لها منهم، فلهذا أحب أن ~~يصطلحوا عليها. ### | [مسألة بعثه الأمير لمصلحة الجيش فلم يحضر الغنيمة] # (7524) مسألة؛ قال: ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش، فلم يحضر الغنيمة أسهم ~~له. # PageV09P262 # هذا مثل الرسول والدليل والطليعة والجاسوس وأشباههم، يبعثون لمصلحة ~~الجيش، فإنهم يشاركون الجيش. وبهذا قال أبو بكر بن أبي مريم، وراشد بن سعد، ~~وعطية بن قيس، قالوا: وقد تخلف عثمان يوم بدر، فأجرى له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سهما من الغنيمة. # ويروى عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام يعني يوم بدر ~~فقال: «إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله، وإني أبايع له. فضرب له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسهمه، ولم يضرب لأحد غاب غيره» . رواه ~~أبو داود. # وعن ابن عمر. قال: إنما تغيب عثمان عن بدر، لأنه كانت تحته ابنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت مريضة، فقال له النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه» . رواه البخاري، ولأنه في ~~مصلحتهم، فاستحق سهما من غنيمتهم، كالسرية مع الجيش، والجيش مع السرية. ### | [فصل قوم خلفهم الأمير في بلاد العدو وغزا وغنم ولم يمر بهم] # (7525) فصل: وسئل أحمد عن قوم خلفهم الأمير في بلاد العدو، وغزا، وغنم، ~~ولم يمر بهم، فرجعوا، هل يسهم لهم؟ قال: نعم يسهم لهم؛ لأن الأمير خلفهم. ~~قيل له: فإن نادى الأمير: من كان ضعيفا فليتخلف. فتخلف قوم فصاروا إلى ~~لؤلؤة، وفيها المسلمون، فأقاموا حتى فصلوا، فقال: إذا كانوا قد التجئوا إلى ~~مأمن لهم، لم يسهم لهم، ولو تخلفوا وأقاموا في موضع خوف أسهم لهم. # وقال في قوم خلفهم الأمير، وأغار في جلد الخيل، فقال: إن أقاموا في بلد ~~العدو حتى رجع، أسهم لهم، وإن رجعوا حتى صاروا إلى مأمنهم، فلا شيء لهم. ~~قيل له: فإن اعتل رجل، أو اعتلت دابته وقد أدرب، فقال له الأمير: أقم أسهم ~~لك، ms5085 أو انصرف إلى أهلك أسهم لك. فكرهه، وقال: هذا ينصرف إلى أهله، فكيف ~~يسهم له،. ### | [فصل قسم الغنائم في دار الحرب] # (7526) فصل: يجوز قسم الغنائم في دار الحرب. وبهذا قال مالك، والأوزاعي، ~~والشافعي، وابن المنذر، وأبو ثور. وقال أصحاب الرأي: لا تنقسم إلا في دار ~~الإسلام؛ لأن الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء التام، ولا يحصل إلا ~~بإحرازها في دار الإسلام. وإن قسمت أساء قاسمها، وجازت قسمته؛ لأنها مسألة ~~مجتهد فيها، فإذا حكم الإمام فيها بما يوافق قول بعض المجتهدين، نفذ حكمه. # ولنا، ما روى أبو إسحاق الفزاري. قال: قلت للأوزاعي: هل قسم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - شيئا من الغنائم بالمدينة؟ قال: لا أعلمه، إنما كان ~~الناس يتبعون غنائمهم، ويقسمونها في أرض عدوهم، # PageV09P263 # ولم يقفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن غزاة قط أصاب فيها غنيمة ~~إلا خمسه وقسمه من قبل أن يقفل، من ذلك غزوة بني المصطلق، وهوازن، وخيبر. ~~ولأن كل دار صحت القسمة فيها جازت، كدار الإسلام، ولأن الملك ثبت فيها ~~بالقهر والاستيلاء، فصحت قسمتها، كما لو أحرزت بدار الإسلام. # والدليل على ثبوت الملك فيها أمور ثلاثة؛ أحدها، أن سبب الملك الاستيلاء ~~التام، وقد وجد، فإننا أثبتنا أيدينا عليها حقيقة، وقهرناهم، ونفيناهم ~~عنها، والاستيلاء يدل على حاجة المستولي، فيثبت الملك، كما في المباحات. ~~الثاني، أن ملك الكفار قد زال عنها، بدليل أنه لا ينفذ عتقهم في العبيد ~~الذين حصلوا في الغنيمة، ولا يصح تصرفهم فيها، ولم يزل ملكهم إلى غير مالك، ~~إذ ليست في هذه الحال مباحة، علم أن ملكهم زال إلى الغانمين. # الثالث، أنه لو أسلم عبد الحربي، ولحق بجيش المسلمين، صار حرا، وهذا يدل ~~على زوال ملك الكافر، وثبوت الملك لمن قهره، وبهذا يحصل الجواب عما ذكروه. ### | [مسألة التفريق بين الأم وولدها في قسمة الغنائم] # (7527) مسألة؛ قال: وإذا سبوا، لم يفرق بين الوالد وولده، ولا بين ~~الوالدة وولدها أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير ~~جائز. هذا قول مالك ms5086 في أهل المدينة، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أهل ~~مصر، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي فيه. # والأصل فيه ما روى أبو أيوب، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» . ~~أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا توله والدة عن ولدها» . قال أحمد: لا يفرق بين الأم وولدها وإن رضيت. # وذلك والله أعلم لما فيه من الإضرار بالولد، ولأن المرأة قد ترضى بما فيه ~~ضررها، ثم يتغير قلبها بعد ذلك فتندم. لا يجوز التفريق بين الأب وولده. ~~وهذا قول أصحاب الرأي، ومذهب الشافعي. وقال بعض أصحابه: يجوز. وهو قول ~~مالك، والليث؛ لأنه ليس من أهل الحضانة بنفسه، ولأنه لا نص فيه، ولا هو في ~~معنى المنصوص عليه، لأن الأم أشفق منه. ولنا، أنه أحد الأبوين، فأشبه الأم، ~~ولا نسلم أنه ليس من أهل الحضانة. وظاهر كلام الخرقي، أنه لا فرق # PageV09P264 # بين كون الولد كبيرا بالغا أو طفلا. # وهذه إحدى الروايتين عن أحمد؛ لعموم الخبر، ولأن الوالدة تتضرر بمفارقة ~~ولدها الكبير، ولهذا حرم عليه الجهاد بدون إذنهما. والرواية الثانية، يختص ~~تحريم التفريق بالصغير. وهو قول أكثر أهل العلم؛ منهم سعيد بن عبد العزيز، ~~ومالك، والأوزاعي، والليث، وأبو ثور. # وهو قول الشافعي؛ لأن سلمة بن الأكوع أتى بامرأة وابنتها، فنفله أبو بكر ~~ابنتها، فاستوهبها منه النبي - صلى الله عليه وسلم - فوهبها له، ولم ينكر ~~التفريق بينهما. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهديت إليه مارية ~~وأختها سيرين، فأمسك مارية، ووهب سيرين لحسان بن ثابت. ولأن الأحرار ~~يتفرقون بعد الكبر، فإن المرأة تزوج ابنتها، فالعبيد أولى. وبما ذكرناه ~~يتخصص عموم حديث النهي. واختلفوا في حد الكبر الذي يجوز معه التفريق، فروي ~~عن أحمد: يجوز التفريق بينهما إذا بلغ الولد. # وهو قول سعيد بن عبد العزيز، وأصحاب الرأي، وقول الشافعي. وقال مالك: إذا ~~أثغر. وقال الأوزاعي، والليث: إذا استغنى عن أمه، ونفع نفسه. وقال ms5087 الشافعي، ~~في أحد قوليه: إذا صار ابن سبع سنين أو ثمان سنين. وقال أبو ثور: إذا كان ~~يلبس وحده، ويتوضأ وحده؛ لأنه إذا كان كذلك يستغني عن أمه، وكذلك خير ~~الغلام بين أمه وأبيه إذا صار كذلك. ولأنه جاز التفريق بينهما بتخييره، ~~فجاز بيعه وقسمته. # ولنا، ما روي عن عبادة بن الصامت، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا يفرق بين الوالدة وولدها. فقيل: إلى متى؟ قال: حتى يبلغ الغلام، وتحيض ~~الجارية» ولأن ما دون البلوغ مولى عليه، فأشبه الطفل. # (7528) فصل: وإن فرق بينهما بالبيع، فالبيع فاسد. وبه قال الشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: يصح البيع؛ لأن النهي لمعنى في غير المعقود عليه، فأشبه البيع ~~في وقت النداء. ولنا، ما روى أبو داود، في " سننه "، بإسناده عن علي - رضي ~~الله عنه - أنه فرق بين الأم وولدها، فنهاه رسول الله عن ذلك، ورد البيع. # والأصل ممنوع، ولا يصح ما ذكروه، فإنه نهى عنه لما يلحق المبيع من الضرر، ~~فهو لمعنى فيه. ### | [مسألة والجد والجدة والأب سواء في تقسيم الغنائم] # (7529) مسألة؛ قال: (والجد في ذلك كالأب، والجدة فيه كالأم) # PageV09P265 # وجملة ذلك أن الجد والجدة، في تحريم التفريق بينهما وبين ولد ولدهما، ~~كالأبوين؛ لأن الجد أب، والجدة أم، ولذلك يقومان مقام الأبوين في استحقاق ~~الحضانة والميراث والنفقة، فقاما مقامهما في تحريم التفريق، ويستوي في ذلك ~~الجد والجدة من قبل الأب والأم؛ لأن للجميع ولادة ومحرمية، فاستووا في ذلك، ~~كاستوائهم في منع شهادة بعضهم لبعض. ### | [مسألة التفريق بين الإخوة في تقسيم الغنائم] # مسألة؛ قال: (ولا يفرق بين أخوين، ولا أختين) وجملته أنه يحرم التفريق ~~بين الإخوة في القسمة والبيع، وبهذا قال أصحاب الرأي. وقال مالك، والليث، ~~والشافعي، وابن المنذر: يجوز؛ لأنها قرابة لا تمنع قبول الشهادة، فلم يحرم ~~التفريق، كقرابة ابن العم. ولنا، ما روي عن علي - رضي الله عنه - قال: وهب ~~لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال لي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما فعل غلامك؟ ms5088 فأخبرته، فقال: رده، ~~رده.» رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن غريب. # وروى عبد الرحمن بن فروخ، عن أبيه، قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه -: لا تفرقوا بين الأخوين، ولا بين الأم وولدها، في البيع. لأنه ~~ذو رحم محرم، فلم يجز التفريق بينهما، كالولد والوالد. ### | [فصل التفريق بين سائر الأقارب في تقسيم الغنائم] # (7531) فصل: ويجوز التفريق بين سائر الأقارب، في ظاهر كلام الخرقي، وقال ~~غيره من أصحابنا: لا يجوز التفريق بين ذوي رحم محرم، كالعمة مع ابن أخيها، ~~والخالة مع ابن أختها؛ لما ذكرنا من القياس. ولنا، أن الأصل حل البيع ~~والتفريق، ولا يصح القياس على الإخوة؛ لأنهم أقرب، ولذلك يحجبون غيرهم عن ~~الميراث، فيبقى في من عداهم على مقتضى الأصل. فأما من ليس بينهما رحم محرم، ~~فلا يمنع من التفريق بينهم عند أحد علمناه؛ لعدم النص فيهم، وامتناع القياس ~~على المنصوص. # وكذلك يجوز التفريق بين الأم من الرضاع وولدها والأخت وأختها؛ لذلك، ولأن ~~قرابة الرضاع لا توجب عتق أحدهما على صاحبه، ولا نفقة، ولا ميراثا، فلم ~~تمنع التفريق، كالصداقة. # (7532) فصل: وإذا كان في المغنم من لا يجوز التفريق بينهم، وكان قدرهم ~~حصة واحد من الغانمين، دفعوا إلى واحد. # PageV09P266 # وإن كان فيهم فضل، فرضي برد قيمة الفضل، جاز. وإن لم يكن ذلك، بيعوا ~~جملة، وقسم ثمنهم، أو يجعلوا في الخمس. # ويجوز التفريق بينهم في العتق والفداء؛ لأن العتق لا تفرقة فيه في ~~المكان، والفداء تخليص، فهو كالعتق. ### | [مسألة اشترى من المغنم اثنين أو أكثر وحسبوا عليه بنصيبه] # (7533) مسألة؛ قال: (ومن اشترى منهم وهم مجتمعون، فتبين أن لا نسب بينهم، ~~رد إلى المقسم الفضل الذي فيه بالتفريق) وجملته أن من اشترى من المغنم ~~اثنين أو أكثر، وحسبوا عليه بنصيبه، بناء على أنهم أقارب، يحرم التفريق ~~بينهم، فبان أنه لا نسب بينهم وجب عليه رد الفضل الذي فيهم على المغنم؛ لأن ~~قيمتهم تزيد بذلك، فإن اشترى اثنين، بناء على أن إحداهما أم الأخرى، لا يحل ~~له الجمع بينهما في الوطء، ms5089 ولا بيع إحداهما دون الأخرى، فكانت قيمتهما ~~قليلة لذلك، فإن بان أن إحداهما أجنبية من الأخرى، أبيح له وطؤهما، وبيع ~~إحداهما، فتكثر قيمتهما، فيجب رد الفضل، كما لو اشتراهما فوجد معهما حليا ~~أو ذهبا فتكثر قيمتهما، وكما لو أخذ دراهم، فبانت أكثر مما حسب عليه. ### | [مسألة سبي من لم يبلغ من أولاد الكفار] # مسألة؛ قال: (ومن سبي من أطفالهم منفردا، أو مع أحد أبويه، فهو مسلم، ومن ~~سبي مع أبويه، فهو على دينهما) وجملته أنه إذا سبي من لم يبلغ من أولاد ~~الكفار، صار رقيقا، ولا يخلو من ثلاثة أحوال؛ أحدهما، أن يسبى منفردا عن ~~أبويه، فهذا يصير مسلما إجماعا؛ لأن الدين إنما يثبت له تبعا، وقد انقطعت ~~تبعيته لأبويه، لانقطاعه عنهما، وإخراجه عن دارهما، ومصيره إلى دار الإسلام ~~تبعا لسابيه المسلم، فكان تابعا له في دينه. # والثاني، أن يسبى مع أحد أبويه، فإنه يحكم بإسلامه أيضا. وبهذا قال ~~الأوزاعي. وقال أبو حنيفة، والشافعي: يكون تابعا لأبيه في الكفر؛ لأنه لم ~~ينفرد عن أحد أبويه، فلم يحكم بإسلامه، كما لو سبي معهما. وقال مالك: إن ~~سبي مع أبيه يتبعه؛ لأن الولد يتبع أباه في الدين، كما يتبعه في النسب، وإن ~~سبي مع أمه فهو مسلم؛ لأنه لا يتبعها في النسب، فكذلك في الدين. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل مولود يولد على الفطرة، ~~فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» . فمفهومه أنه لا يتبع أحدهما؛ ~~لأن الحكم متى علق بشيئين، لا يثبت بأحدهما، ولأنه يتبع سابيه # PageV09P267 # منفردا، فيتبعه مع أحد أبويه، قياسا على ما لو أسلم أحد الأبوين، يحققه ~~أن كل شخص غلب حكم إسلامه منفردا غلب مع أحد الأبوين، كالمسلم من الأبوين. ~~الثالث، أن يسبى مع أبويه، فإنه يكون على دينهما. وبهذا قال أبو حنيفة، ~~ومالك، والشافعي. # وقال الأوزاعي: يكون مسلما؛ لأن السابي أحق به، لكونه ملكه بالسبي، وزالت ~~ولاية أبويه عنه، وانقطع ميراثهما منه وميراثه منهما، فكان أولى به منهما. ~~ولنا، قوله - عليه السلام -: «فأبواه يهودانه، أو ms5090 ينصرانه، أو يمجسانه.» ~~وهما معه، وملك السابي له لا يمنع اتباعه لأبويه، بدليل ما لو ولد في ملكه ~~من عبده وأمته الكافرين. ### | [فصل سبي المتزوج من الكفار] # (7535) فصل: وإذا سبي المتزوج من الكفار، لم يخل من ثلاثة أحوال؛ أحدها، ~~أن يسبى الزوجان معا، فلا ينفسخ نكاحهما. وبهذا قال أبو حنيفة، والأوزاعي. ~~وقال مالك، والثوري، والليث، والشافعي، وأبو ثور: ينفسخ نكاحهما؛ لقوله ~~تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] والمحصنات ~~المزوجات {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] بالسبي، قال أبو سعيد الخدري: ~~نزلت هذه الآية في سبي أوطاس. وقال ابن عباس: إلا ذوات الأزواج من ~~المسبيات. # ولأنه استولى على محل حق الكافر، فزال ملكه، كما لو سباها وحدها. ولنا، ~~أن الرق معنى لا يمنع ابتداء النكاح، فلا يقطع استدامته، كالعتق، والآية ~~نزلت في سبايا أوطاس، وكانوا أخذوا النساء دون أزواجهن، وعموم الآية مخصوص ~~بالمملوكة المزوجة في دار الإسلام، فيخص منه محل النزاع بالقياس عليه. ~~الحال الثاني، أن تسبى المرأة وحدها، فينفسخ النكاح، بلا خلاف علمناه. # والآية دالة عليه، وقد روى أبو سعيد الخدري، قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس، ~~ولهن أزواج في قومهن، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت: ~~{والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] . رواه الترمذي، ~~وقال: هذا حديث حسن. إلا أن أبا حنيفة قال: إذا سبيت المرأة وحدها، ثم سبي ~~زوجها بعدها بيوم، لم ينفسخ النكاح. # ولنا، أن السبب المقتضي للفسخ وجد، فانفسخ النكاح، كما لو سبي بعد شهر. ~~الحال الثالث، سبي الرجل وحده، فلا ينفسخ النكاح؛ لأنه لا نص فيه، ولا ~~القياس يقتضيه، وقد سبى النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعين من الكفار يوم ~~بدر، فمن على بعضهم، وفادى بعضا، فلم يحكم عليهم بفسخ # PageV09P268 # أنكحتهم. ولأننا إذا لم نحكم بفسخ النكاح فيما إذا سبيا معا، مع ~~الاستيلاء على محل حقه، فلأن لا ينفسخ نكاحه مع عدم الاستيلاء أولى. وقال ~~أبو الخطاب: إذا سبي أحد الزوجين، انفسخ النكاح. ولم يفرق. # وبه قال أبو حنيفة؛ ms5091 لأن الزوجين افترقت بهما الدار، وطرأ الملك على ~~أحدهما، فانفسخ النكاح، كما لو سبيت المرأة وحدها. وقال الشافعي: إن سبي ~~واسترق، انفسخ نكاحه، وإن من عليه أو فودي، لم ينفسخ. ولنا، ما ذكرناه، وأن ~~السبي لم يزل ملكه عن ماله في دار الحرب، فلم يزله عن زوجته، كما لم يزله ~~عن أمته. # (7536) فصل: ولم يفرق أصحابنا في سبي الزوجين، بين أن يسبيهما رجل واحد ~~أو رجلان، وينبغي أن يفرق بينهما، فإنهما إذا كانا مع رجلين، كان مالك ~~المرأة منفردا بها، ولا زوج معه لها، فتحل له؛ لقوله تعالى: {والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] . وذكر الأوزاعي، أن الزوجين إذا ~~سبيا، فهما على النكاح في المقاسم، فإن اشتراهما رجل، فله أن يفرق بينهما ~~إن شاء، أو يقرهما على النكاح. ولنا، أن تجدد الملك في الزوجين لرجل لا ~~يقتضي جواز الفسخ، كما لو اشترى زوجين مسلمين. إذا ثبت هذا، فإنه لا يحرم ~~التفريق بين الزوجين في القسمة والبيع؛ لأن الشرع لم يرد بذلك. ### | [فصل أسلم الحربي في دار الحرب] # (7537) فصل: إذا أسلم الحربي في دار الحرب، حقن ماله ودمه وأولاده الصغار ~~من السبي. وإن دخل دار الإسلام فأسلم، وله أولاد صغار في دار الحرب، صاروا ~~مسلمين، ولم يجز سبيهم. وبه قال مالك، والشافعي، والأوزاعي. # وقال أبو حنيفة: ما كان في يديه من ماله ورقيقه ومتاعه وولده الصغار، ترك ~~له، وما كان من أمواله بدار الحرب، جاز سبيهم؛ لأنه لم يثبت إسلامهم ~~بإسلامه، لاختلاف الدارين بينهم، ولهذا إذا سبي الطفل وأبواه في دار الكفر، ~~لم يتبعها، ويتبع سابيه في الإسلام، وما كان من أرض أو دار فهو فيء، وكذلك ~~زوجته إذا كانت كافرة، وما في بطنها فيء. ولنا، أن أولاده أولاد مسلم، فوجب ~~أن يتبعوه في دار الإسلام، كما لو كانوا معه في الدار، ولأن ماله مال مسلم، ~~فلا يجوز اغتنامه، كما لو كان في دار الإسلام، وبذلك يفارق مال الحربي ~~وأولاده. # وما ذكره أبو حنيفة لا يلزم؛ فإننا نجعله تبعا ms5092 للسابي؛ لأننا لا نعلم ~~بقاء أبويه، فأما أولاده الكبار، # PageV09P269 # فلا يعصمهم؛ لأنهم لا يتبعونه، ولا يعصم زوجته لذلك، فإن سبيت صارت ~~رقيقا، ولم ينفسخ نكاحه برقها، ولكن يكون حكمها في النكاح وفسخه حكم ما لو ~~لم تسب، على ما مر في نكاح أهل الشرك فإن كانت حاملا من زوجها، لم يجز ~~استرقاق الحمل، وكان حرا مسلما. وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يحكم برقه مع أمه؛ لأن ما سرى إليه العتق سرى إليه الرق، ~~كسائر أعضائها. ولنا، أنه محكوم بحريته وإسلامه، فلم يجز استرقاقه، ~~كالمنفصل، ويخالف الأعضاء؛ لأنها لا تنفرد بحكم عن الأصل. # (7538) فصل: وإذا أسلم الحربي في دار الحرب، وله مال وعقار، أو دخل إليها ~~مسلم فابتاع عقارا أو مالا، فظهر المسلمون على ماله وعقاره لم يملكوه، وكان ~~له. وبه قال مالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة: يغنم العقار، وأما غيره، فما ~~كان في يده أو يد مسلم، لم يغنم. # واحتج بأنها بقعة من دار الحرب، فجاز اغتنامها، كما لو كانت لحربي. ولنا، ~~أنه مال مسلم، فأشبه ما لو كاتب في دار الإسلام. ### | [فصل استأجر المسلم أرضا من حربي ثم استولى عليها المسلمون] # (7539) فصل: إذا استأجر المسلم أرضا من حربي، ثم استولى عليها المسلمون، ~~فهي غنيمة، ومنافعها للمستأجر؛ لأن المنافع ملك المسلم. فإن قيل: فلم أجزتم ~~استرقاق الكافرة الحربية إذا كان زوجها قد أسلم، وفي استرقاقها إبطال حق ~~زوجها؟ قلنا: يجوز استرقاقها؛ لأنها كافرة، ولا أمان لها، فجاز استرقاقها، ~~كما لو لم تكن زوجة مسلم، ولا يبطل نكاحه، بل هو باق، ولأن منفعة النكاح لا ~~تجري مجرى الأموال، بدليل أنها لا تضمن باليد، ولا يجوز أخذ العوض عنها، ~~بخلاف حق الإجارة. ### | [فصل أسلم عبد الحربي أو أمته وخرج إلينا] # (7540) فصل: إذا أسلم عبد الحربي أو أمته، وخرج إلينا، فهو حر، وإن أسر ~~سيده وأولاده، وأخذ ماله، وخرج إلينا، فهو حر، والمال له، والسبي رقيقه. ~~وإن أسلم وأقام بدار الحرب، فهو على رقه. وإن أسلمت أم ولد الحربي، وخرجت ~~إلينا، عتقت، ms5093 واستبرأت نفسها. وهذا قول أكثر أهل العلم. # قال ابن المنذر: وقال به كل من نحفظ عنه من أهل العلم، إلا أن أبا حنيفة ~~قال في أم الولد: تزوج إن شاءت من غير استبراء. وأهل العلم على خلافه، ~~لأنها أم ولد عتقت، فلم يجز أن تتزوج بغير استبراء، كما لو كانت لذمي. وروى ~~سعيد بن منصور: حدثنا يزيد بن هارون، عن الحجاج، عن الحكم عن مقسم عن ابن ~~عباس، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتق العبيد إذا جاءوا ~~قبل مواليهم. # وعن أبي سعيد الأعشم، # PageV09P270 # قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العبد وسيده قضيتين؛ قضى ~~أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر، فإن خرج سيده بعد، لم يرد ~~عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد، رد على سيده. رواه ~~سعيد أيضا، وعن الشعبي، عن رجل من ثقيف، قال: سألنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يرد علينا أبا بكرة، وكان عبدا لنا، أتى رسول الله وهو ~~محاصر ثقيفا، فأسلم، فأبى أن يرده علينا، «وقال: هو طليق الله، ثم طليق ~~رسوله» . فلم يرده علينا. ### | [مسألة أخذ الكفار أموال المسلمين ثم قهرهم المسلمون فأخذوها منهم] # (7541) مسألة: قال (وما أخذه أهل الحرب من أموال المسلمين وعبيدهم، ~~فأدركه صاحبه قبل قسمه، فهو أحق به) . # وإن أدركه مقسوما، فهو أحق به بالثمن الذي ابتاعه من المغنم، في إحدى ~~الروايتين، والرواية الأخرى، إذا قسم، فلا حق له فيه بحال يعني إذا أخذ ~~الكفار أموال المسلمين، ثم قهرهم المسلمون، فأخذوها منهم، فإن علم صاحبها ~~قبل قسمها، ردت إليه بغير شيء، في قول عامة أهل العلم؛ منهم عمر - رضي الله ~~عنه - وعطاء، والنخعي، وسلمان بن ربيعة، والليث، ومالك، والثوري، ~~والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وقال الزهري: لا يرد إليه، وهو للجيش. ونحوه عن عمرو بن دينار؛ لأن ~~الكفار ملكوه باستيلائهم، فصار غنيمة، كسائر أموالهم. # ولنا، ما روى ابن عمر، أن غلاما له أبق إلى العدو، فظهر ms5094 عليه المسلمون، ~~فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ابن عمر، ولم يقسم. وعنه، قال: ~~ذهب فرس له، فأخذها العدو، فظهر عليه المسلمون، فرد عليه في زمن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. رواهما أبو داود. وعن جابر بن حيوة، أن أبا عبيدة ~~كتب إلى عمر بن الخطاب، فيما أحرز المشركون من المسلمين، ثم ظهر المسلمون ~~عليهم بعد. قال: من وجد ماله بعينه، فهو أحق به، ما لم يقسم. رواه سعيد، ~~والأثرم. # فأما ما أدركه بعد أن قسم، ففيه روايتان؛ إحداهما، أن صاحبه أحق به، ~~بالثمن الذي حسب به على من أخذه، وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه، فهو أحق به ~~بالثمن. وهذا قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، ومالك؛ لما روى ابن عباس ~~- رضي الله عنه - # PageV09P271 # أن رجلا وجد بعيرا له كان المشركون أصابوه، فقال له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إن أصبته قبل أن نقسمه، فهو لك، وإن أصبته بعدما قسم، أخذته ~~بالقيمة. # ولأنه إنما امتنع أخذه له بغير شيء كي لا يفضي إلى حرمان أخذه من ~~الغنيمة، أو يضيع الثمن على المشتري، وحقهما ينجبر بالثمن، فيرجع صاحب ~~المال في عين ماله، بمنزلة مشتري الشقص المشفوع. إلا أن المحكي عن مالك ~~وأبي حنيفة، أنه يأخذه بالقيمة. ويروى عن مجاهد مثله. والرواية الثانية عن ~~أحمد، أنه إذا قسم فلا حق له فيه بحال. # نص عليه، في رواية أبي داود وغيره. وهو قول عمر، وعلي، وسلمان بن ربيعة، ~~وعطاء، والنخعي، والليث. قال أحمد: أما قول من قال: هو أحق بالقيمة. فهو ~~قول ضعيف عن مجاهد. وقال الشافعي: يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها، ويعطى ~~مشتريه ثمنه من خمس المصالح؛ لأنه لم يزل عن ملك صاحبه، فوجب أن يستحق أخذه ~~بغير شيء، كما قبل القسمة، ويعطي من حسب عليه القيمة؛ لئلا يفضي إلى حرمان ~~آخذه حقه من الغنيمة، وجعل من سهم المصالح؛ لأن هذا منها. # وهذا قول ابن المنذر. ولنا، ما روي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى ~~السائب: أيما رجل من ms5095 المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه، فهو أحق به من ~~غيره، وإن أصابه في أيدي التجار بعدما اقتسم، فلا سبيل له إليه. وقال سلمان ~~بن ربيعة: إذا قسم فلا حق له فيه. رواهما سعيد، في " سننه ". ولأنه إجماع. ~~قال أحمد: إنما قال الناس فيها قولين؛ إذا قسم فلا شيء له. # وقال قوم: إذا قسم فهو له بالثمن. فأما أن يكون له بعد القسمة بغير ذلك، ~~فلم يقله أحد، ومتى ما انقسم أهل العصر على قولين في حكم، لم يجز إحداث قول ~~ثالث، لأنه يخالف الإجماع، فلم يجز المصير إليه. وقد روى أصحابنا عن ابن ~~عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # «من أدرك ماله قبل أن يقسم، فهو له، وإن أدركه بعد أن قسم، فليس له فيه ~~شيء.» والمعمول على ما ذكرنا من الإجماع، وقولهم: لم يزل ملك صاحبه عنه. ~~غير مسلم. # PageV09P272 # (7542) فصل: وإن أخذه أحد الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شيء، فصاحبه أحق ~~به بغير شيء. وقال أبو حنيفة: لا يأخذه إلا بالقيمة، لأنه صار ملكا لواحد ~~بعينه، فأشبه ما لو قسم. # ولنا، ما روي، أن قوما أغاروا على سرح النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأخذوا ناقته، وجارية من الأنصار، فأقامت عندهم أياما، ثم خرجت في بعض ~~الليل، قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت، حتى وضعتها على ناقة ذلول، ~~فامتطيتها، ثم توجهت إلى المدينة، ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها، ~~فلما قدمت المدينة، استعرفت الناقة، فإذا هي ناقة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأخذها، فقلت: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحرها. فقال: «بئسما ~~جازيتها، لا نذر في معصية» . وفي رواية: «لا نذر فيما لا يملك ابن آدم» . ~~رواه أحمد، ومسلم. # ولأنه لم يحصل في يده بعوض، فكان صاحبه أحق به، كما لو أدركه في الغنيمة ~~قبل قسمه. # فأما إن اشتراه رجل من العدو، فليس لصاحبه أخذه إلا بثمنه؛ لما روى سعيد، ~~حدثنا عثمان بن مطر الشيباني، حدثنا أبو حريز، عن الشعبي، قال: ms5096 أغار أهل ~~ماه وأهل جلولاء على العرب، فأصابوا سبايا من سبايا العرب، ورقيقا، ومتاعا، ~~ثم إن السائب بن الأقرع عامل عمر غزاهم، ففتح ماه، فكتب إلى عمر في سبايا ~~المسلمين ورقيقهم ومتاعهم، قد اشتراه التجار من أهل ماه، فكتب إليه عمر: إن ~~المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يخذله، فأيما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ~~ومتاعه بعينه، فهو أحق به، وإن أصابه في أيدي التجار بعدما اقتسم، فلا سبيل ~~إليه، وأيما حر اشتراه التجار، فإنه يرد عليهم رءوس أموالهم، فإن الحر لا ~~يباع ولا يشترى. # وقال القاضي: ما حصل في يده بهبة أو سرقة أو شراء، فهو كما لو وجده صاحبه ~~بعد القسمة، هل يكون صاحبه أحق به بالقيمة؟ على روايتين، والأولى ما ~~ذكرناه. وإن علم الإمام بمال المسلم قبل قسمه، فقسمه، وجب رده، وكان صاحبه ~~أحق به بغير شيء؛ لأن قسمته كانت باطلة من أصلها. ### | [فصل غنم المسلمون من المشركين شيئا عليه علامة المسلمين فلم يعلم صاحبه] # (7543) فصل: وإن غنم المسلمون من المشركين شيئا عليه علامة المسلمين، فلم ~~يعلم صاحبه، فهو غنيمة. قال أحمد، في مراكب تجيء من مصر، يقطع عليها الروم ~~فيأخذونها، ثم يأخذها المسلمون منهم: إن عرف صاحبها فلا يؤكل منها. وهذا ~~يدل على أنه إذا لم يعرف صاحبها جاز الأكل منها. # ونحو هذا قول الثوري، والأوزاعي، قالا في المصحف يحصل في الغنائم: يباع. ~~وقال الشافعي: يوقف حتى يجيء صاحبه. وإن # PageV09P273 # وجد شيء موسوم عليه: حبس في سبيل الله، رد كما كان. نص عليه أحمد. وبه ~~قال الأوزاعي، والشافعي. وقال الثوري: يقسم ما لم يأت صاحبه. ولنا، أن هذا ~~قد عرف مصرفه وهو الحبس، فهو بمنزلة ما لو عرف صاحبه. # قيل لأحمد: فالجواميس تدرك وقد ساقها العدو للمسلمين، وقد ردت، يؤكل ~~منها؟ قال: إذا عرف لمن هي، فلا يؤكل منها. # قيل لأحمد: فما حاز العدو للمسلمين، فأصابه المسلمون، أعليهم أن يقفوه ~~حتى يتبين صاحبه؟ قال: إذا عرف فقيل: هو لفلان. وكان صاحبه بالقرب. قيل له: ~~أصيب غلام ms5097 في بلاد الروم، فقال: أنا لفلان؛ رجل؟ قال: إذا عرف الرجل، لم ~~يقسم ماله، ورد على صاحبه. قيل له: أصبنا مركبا في بلاد الروم، فيها ~~النواتية، قالوا: هذا لفلان، وهذا لفلان. قال: هذا قد عرف صاحبه، لا يقسم. ### | [فصل يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر] # (7544) فصل: قال القاضي: يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر. وهو قول ~~مالك، وأبي حنيفة. وقال أبو الخطاب: لا يملكونها. وهو قول الشافعي. قال: ~~وهو ظاهر كلام أحمد، حيث قال: إن أدركه صاحبه قبل القسمة؛ فهو أحق به. ~~وإنما منعه أخذه بعد قسمه، لأن قسمة الإمام له تجري مجرى الحكم، ومتى صادف ~~الحكم أمرا مجتهدا فيه، نفذ حكمه. # وحكي عن أحمد في ذلك روايتان، واحتج من قال: لا يملكونها بحديث ناقة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنه مال معصوم، طرأت عليه يد عادية، فلم ~~يملك بها، كالغصب، ولأن من لا يملك رقبة غيره بالقهر، لم يملك ماله به، ~~كالمسلم مع المسلم. ووجه الأول، أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، ~~فملك به الكافر مال المسلم، كالبيع. فأما الناقة، فإنما أخذها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لأنه أدركها غير مقسومة ولا مشتراة. فعلى هذا، يملكونها ~~قبل حيازتها إلى دار الكفر. # وهو قول مالك. وذكر القاضي أنهم إنما يملكونها بالحيازة إلى دارهم. وهو ~~قول أبي حنيفة. وحكي في ذلك عن أحمد روايتان. ووجه الأول، أن الاستيلاء سبب ~~للملك، فيثبت قبل الحيازة إلى الدار، كاستيلاء المسلمين على مال الكفار، ~~ولأن ما كان سببا للملك، أثبته حيث وجد، كالهبة والبيع. # وفائدة الخلاف في ثبوت الملك وعدمه، أن من أثبت الملك للكفار في أموال ~~المسلمين، أباح للمسلمين إذا ظهروا عليها قسمتها، والتصرف فيها، ما لم ~~يعلموا صاحبها، وأن الكافر إذا أسلم وهي في يده، فهو أحق بها. # ومن لم يثبت الملك، اقتضى مذهبه عكس ذلك. والله أعلم. # PageV09P274 ### | [فصل الكافر الحربي إذا أسلم أو دخل إلينا بأمان] # (7545) فصل: ولا أعلم خلافا في أن الكافر الحربي، إذا أسلم، أو دخل إلينا ~~بأمان، بعد أن ms5098 استولى على مال مسلم فأتلفه، أنه لا يلزمه ضمانه. وإن أسلم ~~وهو في يده، فهو له، بغير خلاف في المذهب؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من أسلم على شيء، فهو له» . وإن كان أخذه من المستولى عليه بهبة ~~أو سرقة أو شراء، فكذلك؛ لأنه استولى عليه في حال كفره، فأشبه ما استولى ~~عليه بقهره للمسلم. وعن أحمد، أن صاحبه يكون أحق به بالقيمة. وإن استولى ~~على جارية مسلم فاستولدها، ثم أسلم، فهي له، وهي أم ولد له. نص عليه أحمد؛ ~~لأنها مال، فأشبهت سائر الأموال. # وإن غنمها المسلمون وأولادها قبل إسلام سابيها، فعلم صاحبها، ردت إليه، ~~وكان أولادها غنيمة؛ لأنهم أولاد كافر حدثوا بعد ملك الكافر لها. ### | [فصل أبق عبد المسلم إلى دار الحرب] # (7546) فصل: وإن استولوا على حر، لم يملكوه، سواء كان مسلما أو ذميا. لا ~~أعلم في هذا خلافا؛ لأنه لا يضمن بالقيمة، ولا يثبت عليه يد بحال، وكل ما ~~يضمن بالقيمة يملكونه بالقهر، كالعروض، والعبد القن، والمدبر، والمكاتب، ~~وأم الولد. وقال أبو حنيفة: لا يملكون المكاتب وأم الولد؛ لأنهما لا يجوز ~~نقل الملك فيهما، فهما كالحر. ولنا، أنهما يضمنان بالقيمة، فيملكونهما، ~~كالعبد القن. # ويحتمل أن يملكوا المكاتب دون أم الولد؛ لأن أم الولد لا يجوز نقل الملك ~~فيها، ولا يثبت فيها لغير سيدها. وفائدة الخلاف؛ أن من قال بثبوت الملك ~~فيهما، قال: متى قسما، أو اشتراهما إنسان، لم يكن لسيدهما أخذهما إلا ~~بالثمن. قال الزهري، في أم الولد: يأخذها سيدها بقيمة عدل. وقال مالك: ~~يفديها الإمام، فإن لم يفعل، يأخذها سيدها بقيمة عدل، ولا يدعها يستحل ~~فرجها من لا تحل له. # ومن قال: لا يثبت الملك فيهما. ردا إلى ما كانا عليه على كل حال، كالحر، ~~وإن اشتراهما إنسان، فالحكم فيهما كالحكم في الحر إذا اشتراه. # (7547) فصل: إذا أبق عبد المسلم إلى دار الحرب، فأخذوه، ملكوه كالمال. ~~وهذا قول مالك، وأبي يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يملكونه. وعن أحمد ~~مثل ذلك؛ لأنه إذا صار ms5099 في دار الحرب، زالت يد مولاه عنه، وصار في يد نفسه، ~~فلم يملك، كالحر. # PageV09P275 # ولنا، أنه مال لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه، فإذا أخذوه من دار الحرب ~~ملكوه، كالبهيمة. ### | [مسألة أخذ المسلمين شيئا له قيمة من دار الحرب] # (7548) مسألة؛ قال: (ومن قطع من مواتهم حجرا، أو عودا، أو صاد حوتا أو ~~ظبيا، رده على سائر الجيش، إذا استغنى عن أكله، والمنفعة به) يعني إذا أخذ ~~شيئا له قيمة من دار الحرب، فالمسلمون شركاؤه فيه. وبه قال أبو حنيفة، ~~والثوري. وقال الشافعي: ينفرد آخذه بملكه؛ لأنه لو أخذه من دار الإسلام ~~ملكه، فإذا أخذه من دار الحرب، ملكه، كالشيء التافه. # وهذا قول مكحول، والأوزاعي، ونقل ذلك عن القاسم، وسالم. ولنا، أنه مال ذو ~~قيمة، مأخوذ من أرض الحرب بظهر المسلمين، فكان غنيمة، كالمطعومات، وفارق ما ~~أخذوه من دار الإسلام، لأنه لا يحتاج إلى الجيش في أخذه. فأما إن احتاج إلى ~~أكله، والانتفاع به، فله ذلك، ولا يرده؛ لأنه لو وجد طعاما مملوكا للكفار، ~~كان له أكله إذا احتاج، فما أخذه من الصيود والمباحات أولى. # (7549) فصل: وإن أخذ من بيوتهم، أو خارج منها، ما لا قيمة له في أرضهم، ~~كالمسن، والأقلام، والأحجار، والأدوية، فله أخذه، وهو أحق به، وإن صارت له ~~قيمة بنقله أو معالجته. نص أحمد على نحو هذا. وبه قال مكحول، والأوزاعي، ~~والشافعي. # وقال الثوري: إذا جاء به إلى دار الإسلام. دفعه في المقسم، وإن عالجه ~~فصار له ثمن، أعطي بقدر عمله فيه، وبقيمته في المقسم. ولنا، أن القيمة إنما ~~صارت له بعمله أو بنقله، فلم تكن غنيمة، كما لو لم تصر له قيمة. ### | [فصل ترك صاحب المقسم شيئا من الغنيمة عجزا عن حمله] # (7550) فصل: وإن ترك صاحب المقسم شيئا من الغنيمة، عجزا عن حمله، فقال: ~~من أخذ شيئا فهو له. فمن حمل شيئا فهو له. نص عليه أحمد. وسئل عن قوم غنموا ~~غنائم كثيرة، فيبقى خرثي المتاع، مما لا يباع ولا يشترى، فيدعه الوالي ~~بمنزلة العقار والفخار وما ms5100 أشبه ذلك، أيأخذه الإنسان لنفسه؟ قال: نعم، إذا ~~ترك، ولم يشتر. # ونحو هذا قول مالك. ونقل عنه أبو طالب، في المتاع لا يقدرون على حمله: ~~إذا حمله رجل يقسم. وهذا قول إبراهيم. قال الخلال: روى أبو طالب هذه في ~~ثلاثة مواضع؛ في موضع منها وافق أصحابه، وفي موضع خالفهم. # قال: ولا شك أن أبا عبد الله قال هذا أولا، ثم تبين له بعد ذلك أن للإمام ~~أن يبيحه وأن يحرمه، وأن لهم أن يأخذوه إذا تركه الإمام إذا لم يجد من ~~يحمله؛ لأنه إذا لم يجد من يحمله، ولم يقدر على حمله، بمنزلة ما لا قيمة ~~له، فصار كالذي ذكرناه في الفصل قبل هذا. # PageV09P276 ### | [فصل وجد في دار الحرب ركازا] # (7551) فصل: وإن وجد في أرضهم ركازا، فإن كان في موضع يقدر عليه بنفسه، ~~فهو كما لو وجده في دار الإسلام، فيه الخمس، وباقيه له، وإن قدر عليه ~~بجماعة المسلمين، فهو غنيمة. ونحو هذا قول مالك، والأوزاعي، والليث. # وقال الشافعي: إن وجده في مواتهم، فهو كما لو وجده في دار الإسلام. ولنا؛ ~~ما روى عاصم بن كليب، عن أبي الجويرية الحرمي، قال: أصبت بأرض الروم جرة ~~حمراء، فيها دنانير، في إمرة معاوية، وعلينا معن بن يزيد السلمي، فأتيته ~~بها، فقسمها بين المسلمين، وأعطاني مثل ما أعطى رجلا منهم، ثم قال: لولا ~~أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا نفل إلا بعد الخمس» . ~~لأعطيتك. ثم أخذ يعرض علي من نصيبه، فأبيت. أخرجه أبو داود. # ولأنه مال مشرك، ظهر عليه بقوة جيش المسلمين، فكان غنيمة، كأموالهم ~~الظاهرة. ### | [فصل قوم يكونون في حصن أو رباط فيخرج منهم قوم إلى قتالهم فيصيبون دواب أو سلاحا] # (7552) فصل: وسئل أحمد، عن الدابة تخرج من بلد الروم، أو تنفلت، فتدخل ~~القرية، وعن القوم يضلون عن الطريق، فيدخلون القرية من قرى المسلمين، ~~فيأخذونهم؟ فقال يكونون لأهل القرية كلهم، يتقاسمونهم. وسئل عن قوم يكونون ~~في حصن أو رباط، فيخرج منهم قوم إلى قتالهم، فيصيبون دواب أو سلاحا؟ ms5101 فقال ~~أبو عبد الله: تكون بين أهل الرباط وأهل الحضرة من القرية. # وسئل عن مركب بعث به ملك الروم، فيه رجاله، فطرحته الريح إلى طرطوس، فخرج ~~إليه أهل طرطوس، فقتلوا الرجال، وأخذوا الأموال؟ فقال: هذا فيء المسلمين، ~~مما أفاء الله عليهم. وقال الزهري: هو لمن غنمه، وفيه الخمس. وقال أبو ~~الخطاب: من ضل الطريق منهم، أو حملته الريح إلينا، فهو لمن أخذه. في إحدى ~~الروايتين؛ لأنه متاع أخذه أحد المسلمين بغير قوة مسلم، فكان له، كالحطب، ~~والرواية الثانية، يكون فيئا. # فصل: ومن وجد في دارهم لقطة، فإن كانت من متاع المسلمين، فهي لقطة يعرفها ~~سنة ثم يملكها، وإن كانت من متاع المشركين، فهي غنيمة، وإن احتمل الأمرين، ~~عرفها حولا، ثم جعلها في الغنيمة، نص عليه أحمد. ويعرفها في بلد المسلمين، ~~لأنها تحتمل الأمرين، فغلب فيها حكم مال المسلمين في التعريف، وحكم مال أهل ~~الحرب في كونها غنيمة احتياطا. # PageV09P277 ### | [مسألة تعلف فضلا عما يحتاج إليه] # (7554) مسألة؛ قال: (ومن تعلف فضلا عما يحتاج إليه، رده على المسلمين، ~~فإن باعه، رد ثمنه في المقسم) أجمع أهل العلم، إلا من شذ منهم، على أن ~~للغزاة إذا دخلوا أرض الحرب، أن يأكلوا مما وجدوا من الطعام، ويعلفوا ~~دوابهم من أعلافهم؛ منهم سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، والشعبي، والقاسم، ~~وسالم، والثوري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال الزهري: ~~لا يؤخذ إلا بإذن الإمام. # وقال سليمان بن موسى: لا يترك إلا أن ينهى عنه الإمام، فيتقى نهيه. ولنا، ~~ما روى عبد الله بن أبي أوفى، قال: أصبنا طعاما يوم خيبر، فكان الرجل يأخذ ~~منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف. رواه سعيد، وأبو داود، # وروي أن صاحب جيش الشام، كتب إلى عمر: إنا أصبنا أرضا كثيرة الطعام ~~والعلف، وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك. فكتب إليه: دع الناس يعلفون ~~ويأكلون، فمن باع منهم شيئا بذهب أو فضة، ففيه خمس الله وسهام المسلمين. ~~رواه سعيد. وقد روى عبد الله بن مغفل، قال: «دلي جراب من شحم يوم خيبر، ms5102 ~~فالتزمته، وقلت: والله لا أعطي أحدا منه شيئا. فالتفت، فإذا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يضحك، فاستحييت منه» . متفق عليه. # ولأن الحاجة تدعو إلى هذا، وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوابهم، فإنه ~~يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار الإسلام، ولا يجدون بدار الحرب ما ~~يشترونه، ولو وجدوه لم يجدوا ثمنه، ولا يمكن قسمة ما يأخذه الواحد منهم، ~~ولو قسم لم يحصل للواحد منهم شيء ينتفع به، ولا يدفع به حاجته، فأباح الله ~~تعالى لهم ذلك، فمن أخذ من الطعام شيئا مما يقتات أو يصلح به القوت، من ~~الأدم وغيره، أو العلف لدابته، فهو أحق به، سواء كان له ما يستغني به عنه، ~~أو لم يكن له، ويكون أحق بما يأخذه من غيره، فإن فضل منه ما لا حاجة به ~~إليه، رده على المسلمين؛ لأنه إنما أبيح له ما يحتاج إليه. # وإن أعطاه أحد من أهل الجيش ما يحتاج إليه، جاز له أخذه، وصار أحق به من ~~غيره. وإن باع شيئا من الطعام أو العلف، رد ثمنه في الغنيمة؛ لما ذكرنا من ~~حديث عمر. وروي مثله عن فضالة بن عبيد. وبه قال سليمان بن موسى، والثوري، ~~والشافعي. # وكره القاسم وسالم ومالك بيعه. قال القاضي: لا يخلو؛ إما أن يبيعه من غاز ~~أو غيره، فإن باعه لغيره، فالبيع باطل؛ لأنه بيع مال الغنيمة بغير ولاية ~~ولا نيابة، فيجب رد المبيع، ونقض البيع، فإن تعذر رده، رد قيمته، أو ثمنه ~~إن كان أكثر من قيمته إلى المغنم. # وعلى هذا الوجه، كلام الخرقي. وإن باعه لغاز، لم يحل، إلا أن يبدله بطعام ~~أو علف مما له الانتفاع به أو بغيره، فإن باعه بمثله، فليس هذا بيعا في ~~الحقيقة، إنما سلم إليه مباحا، وأخذ مثله مباحا، ولكل واحد منهما # PageV09P278 # الانتفاع بما أخذه، وصار أحق به؛ لثبوت يده عليه. فعلى هذا، لو باع صاعا ~~بصاعين، وافترقا قبل القبض، جاز؛ لأنه ليس ببيع. # وإن باعه به نسيئة، أو أقرضه إياه، فأخذه، فهو أحق به، ولا ms5103 يلزمه إيفاؤه، ~~فإن وفاه، أو رده إليه، عادت اليد إليه، وإن باعه بغير الطعام والعلف، ~~فالبيع أيضا غير صحيح، ويصير المشتري أحق به؛ لثبوت يده عليه، ولا ثمن ~~عليه. وإن أخذ منه وجب رده إليه. # (7555) فصل: وإن وجد دهنا، فهو كسائر الطعام؛ لما ذكرنا من حديث ابن ~~مغفل، ولأنه طعام، فأشبه البر والشعير. # وإن كان غير مأكول، فاحتاج أن يدهن به، أو يدهن دابته، فظاهر كلام أحمد ~~جوازه، إذا كان من حاجة. قال أحمد، في زيت الروم: إذا كان من ضرورة أو ~~صداع، فلا بأس، فأما التزين، فلا يعجبني، وقال الشافعي: ليس له دهن دابته ~~من جرب ولا يوقحها إلا بالقيمة؛ لأن ذلك لا تعم الحاجة إليه. ويحتمل كلام ~~أحمد مثل هذا؛ لأن هذا ليس بطعام ولا علف. # ووجه الأول، أن هذا مما لا يحتاج إليه لإصلاح نفسه ودابته، أشبه الطعام ~~والعلف. وله أكل ما يتداوى به، وشرب الشراب من الجلاب والسكنجبين وغيرهما، ~~عند الحاجة إليه؛ لأنه من الطعام. وقال أصحاب الشافعي: ليس له تناوله؛ لأنه ~~ليس من القوت، ولا يصلح به القوت، ولأنه لا يباح مع عدم الحاجة إليه، فلا ~~يباح مع وجودها، كغير الطعام. ولنا، أنه طعام احتيج إليه، أشبه الفواكه، ~~وما ذكروه يبطل بالفاكهة، وإنما اعتبرنا الحاجة هاهنا، لأن هذا لا يتناول ~~في العادة إلا عند الحاجة إليه. # (7556) فصل: قال أحمد: ولا يغسل ثوبه بالصابون؛ لأن ذلك ليس بطعام ولا ~~علف، ويراد للتحسين والزينة، فلا يكون في معناهما. # ولو كان مع الغازي فهد أو كلب الصيد، لم يكن له إطعامه من الغنيمة، فإن ~~أطعمها غرم قيمة ما أطعمها؛ لأن هذا يراد للتفرج والزينة، وليس مما يحتاج ~~إليه في الغزو، بخلاف الدواب. # PageV09P279 ### | [فصل لا يجوز لبس الثياب ولا ركوب دابة من المغنم] # (7557) فصل: ولا يجوز لبس الثياب، ولا ركوب دابة من المغنم، لما روى ~~رويفع بن ثابت الأنصاري، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يركب دابة من فيء ms5104 المسلمين، حتى إذا ~~أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس ثوبا من فيء ~~المسلمين، حتى إذا أخلقه رده فيه» . رواه سعيد. (7558) . # فصل: ولا يجوز الانتفاع بجلودهم، واتخاذ النعل والجرب منها، ولا الخيوط ~~والحبال، وبهذا قال ابن محيريز، ويحيى بن أبي كثير، وإسماعيل بن عياش، ~~والشافعي. ورخص في اتخاذ الجرب من جلود الغنم سليمان بن موسى. ورخص مالك في ~~الإبرة، والحبل يتخذ من الشعر، والنعل والخف يتخذ من جلود البقر. ولنا ما ~~روى قيس بن أبي حازم، أن رجلا أتى رسول الله بكبة من شعر من المغنم، فقال: ~~يا رسول الله، إنا لنعمل الشعر، فهبها لي. قال: «نصيبي منها لك» . رواه ~~سعيد. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أدوا الخيط والمخيط؛ فإن ~~الغلول نار وشنار يوم القيامة» . ولأن ذلك من الغنيمة، لا تدعو إلى أخذه ~~حاجة عامة، فلم يجز أخذه، كالثياب. # (7559) فصل: فأما كتبهم، فإن كانت مما ينتفع به، ككتب الطب واللغة ~~والشعر، فهي غنيمة، وإن كانت مما لا ينتفع به، ككتاب التوراة والإنجيل، ~~فأمكن الانتفاع بجلودها أو ورقها بعد غسله، غسل، وهو غنيمة، وإلا فلا يجوز ~~بيعها. ### | [فصل أخذوا من الكفار جوارح للصيد] # (7560) فصل: وإن أخذوا من الكفار جوارح للصيد، كالفهود والبزاة، فهي ~~غنيمة تقسم. وإن كانت كلابا، لم يجز # PageV09P280 # بيعها. وإن لم يردها أحد من الغانمين، جاز إرسالها، أو إعطاؤها غير ~~الغانمين، وإن رغب فيها بعض الغانمين دون بعض، دفعت إليه، ولم تحسب عليه؛ ~~لأنها لا قيمة لها، وإن رغب فيها الجميع، أو جماعة كثيرة، فأمكن قسمها يكون ~~عددا من غير تقويم، وإن تعذر ذلك، أو تنازعوا في الجيد منها، فطلبه كل واحد ~~منهم، أقرع بينهم فيها. وإن وجدوا خنازير، قتلوها؛ لأنها مؤذية، ولا نفع ~~فيها. # وإن وجدوا خمرا أراقوه، وإن كان في ظروفه نفع للمسلمين، أخذوها، وإن لم ~~يكن فيها نفع، كسروها؛ لئلا يعودوا إلى استعمالها. # (7561) فصل: وللغازي أن يعلف دوابه، ويطعم رقيقه، مما يجوز له الأكل منه، ~~سواء كانوا للقنية ms5105 أو للتجارة. قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله: يشتري ~~الرجل السبي في بلاد الروم، يطعمهم من طعام الروم؟ قال: نعم، يطعمهم. وروى ~~عنه ابنه عبد الله، قال: سألت أبي عن الرجل يدخل بلاد الروم، ومعه الجارية ~~والدابة للتجارة، إن أطعمهما يعني الجارية وعلف الدابة؟ قال: لا يعجبني ~~ذلك. # فإن لم تكن للتجارة، فلم ير به بأسا. فظاهر هذا أنه لا يجوز إطعام ما كان ~~للتجارة؛ لأنه ليس مما يستعين به على الغزو. وقال الخلال: رجع أحمد عن هذه ~~الرواية، وروى عنه جماعة بعد هذا، أنه لا بأس به؛ وذلك لأن الحاجة داعية ~~إليه، فأشبه ما لا يراد به التجارة. ### | [مسألة ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت] # (7562) مسألة؛ قال: (ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت، ويشاركونه فيما غنم) ~~وجملته أن الجيش إذا فصل غازيا، فخرجت منه سرية أو أكثر، فأيهما غنم، شاركه ~~الآخر. في قول عامة أهل العلم؛ منهم مالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، ~~وحماد، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وقال النخعي: إن شاء الإمام خمس ما تأتي به السرية، وإن شاء نفلهم إياه ~~كلهم. وقد روي أن النبي لما غزا هوازن، بعث سرية من الجيش قبل أوطاس، فغنمت ~~السرية، فأشرك بينها وبين الجيش. قال ابن المنذر: وروينا أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «ويرد سراياهم على قعدهم» . وفي تنفيل النبي في ~~البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث، دليل على اشتراكهم فيما سوى ذلك؛ لأنهم ~~لو اختصوا بما غنموه، لما كان ثلثه نفلا، ولأنهم جيش واحد، وكل واحد منهم ~~ردء لصاحبه، # PageV09P281 # فيشتركون، كما لو غنم أحد جانبي الجيش. # وإن أقام الأمير ببلد الإسلام، وبعث سرية أو جيشا، فما غنمت السرية فهو ~~لها وحدها؛ لأنه إنما يشترك المجاهدون، والمقيم في بلد الإسلام ليس بمجاهد. ~~وإن نفذ من بلد الإسلام جيشين أو سريتين، فكل واحدة تنفرد بما غنمته؛ لأن ~~كل واحدة منهما انفردت بالغزو، فانفردت بالغنيمة، بخلاف ما إذا فصل الجيش، ~~فدخل بجملته بلاد الكفار، فإن جميعهم اشتركوا في الجهاد، فاشتركوا في ~~الغنيمة. ### | [مسألة ms5106 فضل معه من الطعام فأدخله البلد] # (7563) مسألة: قال: (ومن فضل معه من الطعام، فأدخله البلد، طرحه في مقسم ~~تلك الغزاة، في إحدى الروايتين) والأخرى، يباح له أكله إذا كان يسيرا. أما ~~الكثير، فيجب رده، بغير خلاف نعلمه؛ لأن ما كان مباحا له في دار الحرب، ~~فإذا أخذه على وجه يفضل منه كثير إلى دار الإسلام، فقد أخذ ما لا يحتاج ~~إليه، فيلزمه رده؛ لأن الأصل تحريمه، لكونه مشتركا بين الغانمين، كسائر ~~المال. # وإنما أبيح منه ما دعت الحاجة إليه، فما زاد يبقى على أصل التحريم، ولهذا ~~لم يبح له بيعه. وأما اليسير، ففيه روايتان؛ إحداهما، يجب رده أيضا، وهو ~~اختيار أبي بكر، وقول أبي حنيفة، وابن المنذر، وأحد قولي الشافعي، وأبي ~~ثور؛ لما ذكرنا في الكثير، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أدوا ~~الخيط والمخيط» . # ولأنه من الغنيمة، ولم يقسم، فلم يبح في دار الإسلام كالكبير، أو كما لو ~~أخذه في دار الإسلام. والثانية، يباح. وهو قول مكحول، وخالد بن معدان، ~~وعطاء الخراساني، ومالك، والأوزاعي. قال أحمد: أهل الشام يتساهلون في هذا. ~~وقد روى القاسم بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: كنا نأكل الجزور في الغزو، ولا نقسمه، حتى أن كنا لنرجع إلى رحالنا ~~وأخرجتنا مملأة. رواه سعيد، وأبو داود. # وعن عبد الله بن يسار السلمي، قال: دخلت على رجل من أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقدم إلي تميرا من تمير الروم، فقلت: لقد سبقت الناس ~~بهذا. قال: ليس هذا من العام، هذا من العام الأول. رواه الأثرم، في " سننه ~~". وقال الأوزاعي: أدركت الناس يقدمون بالقديد، فيهديه بعضهم إلى بعض، لا ~~ينكره إمام ولا عامل ولا جماعة. وهذا نقل للإجماع. # ولأنه أبيح إمساكه عن القسمة، فأبيح في دار الإسلام، كمباحات دار الحرب ~~التي لا قيمة لها فيها. ويفارقه الكبير فإنه لا يجوز إمساكه عن القسمة، ~~ولأن اليسير تجري المسامحة فيه، ونفعه قليل، بخلاف الكثير. # PageV09P282 ### | [مسألة اشترى المسلم أسيرا من أيدي العدو] # (7564) مسألة؛ ms5107 قال: (وإذا اشترى المسلم أسيرا من أيدي العدو، لزم الأسير ~~أن يؤدي إلى المشتري ما اشتراه) لا يخلو هذا من حالين؛ أحدهما، أن يشتريه ~~بإذنه، فهذا يلزمه أن يؤدي إلى المشتري ما أداه فيه، بغير خلاف نعلمه، إذا ~~وزن بإذنه؛ لأنه إذا أذن فيه، كان نائبه في شراء نفسه، فكان الثمن على ~~الآمر، كالوكيل. والثاني، أن يشتريه بغير إذنه، فيلزم الأسير الثمن أيضا ~~عند أحمد. # وبه قال الحسن، والنخعي، والزهري، ومالك، والأوزاعي. وقال الثوري، ~~والشافعي، وابن المنذر: لا يلزمه؛ لأنه تبرع بما لا يلزمه، ولم يأذن له، ~~فأشبه ما لو عمر داره. وقال الليث إن كان الأسير موسرا كقولنا، وإن كان ~~معسرا، أدى ذلك من بيت المال. # ولنا. # ما روى سعيد حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا أبو حريز، عن الشعبي، قال: أغار ~~أهل ماه وأهل جلولاء على العرب، فأصابوا سبايا من سبايا العرب، فكتب السائب ~~بن الأقرع إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم، قد اشتراه التجار من ~~أهل ماه، فكتب عمر: أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه، فهو أحق به من غيره، ~~وإن أصابه في أيدي التجار بعدما اقتسم، فلا سبيل إليه، وأيما حر اشتراه ~~التجار، فإنه يرد إليهم رءوس أموالهم؛ فإن الحر لا يباع ولا يشترى. فحكم ~~للتجار برءوس أموالهم. ولأن الأسير يجب عليه فداء نفسه، ليتخلص من حكم ~~الكفار، ويخرج من تحت أيديهم، فإذا ناب عنه غيره في ذلك، وجب عليه قضاؤه، ~~كما لو قضى الحاكم عنه حقا امتنع من أدائه. # (7565) فصل: فإن اختلفا في قدر ما اشتراه به، فالقول قول الأسير. وهو قول ~~الشافعي إذا أذن له. وقال الأوزاعي: القول قول المشتري؛ لأنهما اختلفا في ~~فعله، وهو أعلم بفعله. # ولنا، أن الأسير منكر للزيادة، والقول قول المنكر، ولأن الأصل براءة ذمته ~~من هذه الزيادة، فيترجح قوله بالأصل. ### | [مسألة سبى المشركون من يؤدي إلينا الجزية] # (7566) مسألة؛ قال: (وإذا سبى المشركون من يؤدي إلينا الجزية، ثم قدر ~~عليهم، ردوا إلى ما كانوا عليه، ولم يسترقوا، وما أخذه العدو ms5108 منهم من مال ~~أو رقيق، رد إليهم، إذا علم به قبل أن يقسم، ويفادى بهم بعد أن يفادى ~~بالمسلمين) # PageV09P283 # وجملة ذلك أن أهل الحرب إذا استولوا على أهل ذمتنا، فسبوهم، وأخذوا ~~أموالهم، ثم قدر عليهم وجب ردهم إلى ذمتهم، ولم يجز استرقاقهم. في قول عامة ~~أهل العلم؛ منهم الشعبي، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ولا ~~نعلم لهم مخالفا؛ وذلك لأن ذمتهم باقية، ولم يوجد منهم ما يوجب نقضها. # وحكم أموالهم، حكم أموال المسلمين في حرمتها. قال علي - رضي الله عنه -: ~~إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا. فمتى علم ~~صاحبها قبل قسمها وجب ردها إليه، وإن علم بعد القسمة، فعلى الروايتين؛ ~~إحداهما، لا حق له فيه. والثانية، هو له بثمنه؛ لأن أموالهم معصومة كأموال ~~المسلمين. # وأما فداؤهم، فظاهر كلام الخرقي، أنه يجب فداؤهم، سواء كانوا في معونتنا ~~أو لم يكونوا. وهذا قول عمر بن عبد العزيز، والليث؛ لأننا التزمنا حفظهم، ~~بمعاهدتهم، وأخذ جزيتهم، فلزمنا القتال من ورائهم، والقيام دونهم، فإذا ~~عجزنا عن ذلك، وأمكننا تخليصهم، لزمنا ذلك، كمن يحرم عليه إتلاف شيء، فإذا ~~أتلفه غرمه. وقال القاضي: إنما يجب فداؤهم إذا استعان بهم الإمام في قتاله ~~فسبوا وجب عليه فداؤهم؛ لأن أسرهم كان لمعنى من جهته. وهو المنصوص عن أحمد. # ومتى وجب فداؤهم، فإنه يبدأ بفداء المسلمين قبلهم؛ لأن حرمة المسلم أعظم، ~~والخوف عليه أشد، وهو معرض لفتنته عن دين الحق، بخلاف أهل الذمة. # (7567) فصل: ويجب فداء أسرى المسلمين إذا أمكن. وبهذا قال عمر بن عبد ~~العزيز، ومالك، وإسحاق. ويروي عن ابن الزبير، أنه سأل الحسن بن علي: على من ~~فكاك الأسير؟ قال: على الأرض التي يقاتل عليها. # وثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أطعموا الجائع، وعودوا ~~المريض، وفكوا العاني» . وروى سعيد، بإسناده عن حبان بن أبي جبلة، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن على المسلمين في فيئهم أن يفادوا ~~أسيرهم، ويؤدوا عن غارمهم» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كتب ms5109 ~~كتابا بين المهاجرين والأنصار " أن يعقلوا معاقلهم، وأن يفكوا عانيهم ~~بالمعروف ". وفادى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين من المسلمين بالرجل ~~الذي أخذه من بني عقيل، وفادى بالمرأة التي استوهبها من سلمة بن الأكوع ~~رجلين. # PageV09P284 ### | [مسألة المغانم إذا جمعت وفيها طعام أو علف] # (7568) مسألة؛ قال: (وإذا حاز الأمير المغانم، ووكل من يحفظها، لم يجز أن ~~يؤكل منها، إلا أن تدعو الضرورة، بأن لا يجدوا ما يأكلون) وجملة ذلك أن ~~المغانم إذا جمعت، وفيها طعام أو علف، لم يجز لأحد أخذه إلا لضرورة؛ لأننا ~~إنما أبحنا أخذه قبل جمعه، لأنه لم يثبت فيه ملك المسلمين بعد، فأشبه ~~المباحات من الحطب والحشيش، فإذا حيزت المغانم، ثبت ملك المسلمين فيها، ~~فخرجت عن حيز المباحات، وصارت كسائر أملاكهم، فلم يجز الأكل منها إلا ~~لضرورة، وهو أن لا يجدوا ما يأكلونه، فحينئذ يجوز؛ لأن حفظ نفوسهم ودوابهم ~~أهم، وسواء حيزت في دار الحرب أو في دار الإسلام. # وقال القاضي: ما كانت في دار الحرب، جاز الأكل منها وإن حيزت؛ لأن دار ~~الحرب مظنة الحاجة، لعسر نقل الميرة إليها، بخلاف دار الإسلام. وكلام ~~الخرقي عام في الموضعين، والمعنى يقتضيه؛ فإن ما ثبتت عليه أيدي المسلمين، ~~وتحقق ملكهم له، لا ينبغي أن يؤخذ إلا برضاهم، كسائر أملاكهم، ولأن حيازته ~~في دار الحرب تثبت الملك فيه، بدليل جواز قسمته، وثبوت أحكام الملك فيه، ~~بخلاف ما قبل الحيازة، فإن الملك لم يثبت فيه بعد. ### | [مسألة باع من المغنم شيئا قبل قسمه لمصلحة المسلمين] # (7569) مسألة؛ قال: (ومن اشترى من المغنم في بلاد الروم، فغلب عليه ~~العدو، لم يكن عليه شيء من الثمن، وإن كان قد أخذ منه الثمن، رد إليه) ~~وجملته أن الأمير إذا باع من المغنم شيئا قبل قسمه لمصلحة، صح بيعه، فإن ~~عاد الكفار، فغلبوا على المبيع، فأخذوه من المشتري في دار الحرب، نظرنا؛ ~~فإن كان لتفريط من المشتري، مثل أن خرج به من المعسكر، ونحو ذلك، فضمانه ~~عليه؛ لأن ذهابه حصل بتفريطه، فكان من ضمانه، كما لو ms5110 أتلفه، وإن حصل بغير ~~تفريط، ففيه روايتان؛ إحداهما، ينفسخ البيع، ويكون من ضمان أهل الغنيمة، ~~فإن كان الثمن لم يؤخذ من المشتري، سقط عنه، وإن كان أخذ منه، رد إليه؛ لأن ~~القبض لم يكمل، لكون المال في دار الحرب غير محرز، وكونه على خطر من العدو، ~~فأشبه التمر المبيع على رءوس الشجر إذا تلف قبل الجذاذ. # والثانية، هو من ضمان المشتري، وعليه ثمنه. وهذا أكثر الروايات عن أحمد. ~~واختاره الخلال، وأبو بكر صاحبه. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه مال مقبوض، أبيح ~~لمشتريه، فكان ضمانه عليه، كما لو أحرز إلى # PageV09P285 # دار الإسلام، ولأن أخذ العدو له تلف، فلم يضمنه البائع، كسائر أنواع ~~التلف، ولأن نماءه للمشتري، فكان ضمانه عليه؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الخراج بالضمان» . # (7570) فصل: وإذا قسمت الغنائم في دار الحرب، جاز لمن أخذ سهمه التصرف ~~فيه، بالبيع وغيره. فإن باع بعضهم بعضا شيئا منها، فغلب عليه العدو، ففي ~~ضمان البائع له وجهان؛ بناء على الروايتين في التي قبلها. # وإن اشتراه مشتر من المشتري، فكذلك، فإذا قلنا: هو من ضمان البائع. رجع ~~الثاني على البائع الأول، بما رجع به عليه. # (7571) فصل: قال أحمد، في الرجل يشتري الجارية من المغنم، معها الحلي في ~~عنقها والثياب: يرد ذلك في المغنم، إلا شيئا تلبسه، من قميص ومقنعة وإزار. ~~وهذا قول حكيم بن حزام، ومكحول، ويزيد بن أبي مالك، والمتوكل، وإسحاق، وابن ~~المنذر. ويشبه قول الشافعي. # واحتج إسحاق بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من باع عبدا، وله مال، ~~فماله للبائع» . وقال الشعبي: يجعله في بيت المال. وكان مالك يرخص في ~~اليسير، كالقرطين وأشباههما، ولا يرى ذلك في الكثير. ويمكن أن يفصل القول ~~في هذا، فيقال: ما كان عليها ظاهرا مرئيا، يشاهده البائع والمشتري، كالقرط ~~والخاتم والقلادة، فهو للمشتري؛ لأن الظاهر أن البائع إنما باعها بما ~~عليها، والمشتري اشتراها بذلك، فيدخل في البيع، كثياب البذلة وحلية السيف، ~~وما خفي فلم يعلم به البائع، رده؛ لأن البيع وقع عليها بدونه، فلم يدخل في ~~البيع، ms5111 كجارية أخرى. (7572) . # فصل: قال أحمد: لا يجوز لأمير الجيش أن يشتري من مغنم المسلمين شيئا؛ ~~لأنه يحابى، ولأن عمر رد ما اشتراه ابنه في غزوة جلولاء، وقال: إنه يحابى. ~~احتج به أحمد. ولأنه هو البائع أو وكيله، فكأنه يشتري من نفسه أو وكيل ~~نفسه. قال أبو داود: قيل لأبي عبد الله: إذا قوم أصحاب المغانم شيئا ~~معروفا، فقالوا في جلود الماعز بكذا. والخرفان بكذا. يحتاج إليه، يأخذه ~~بتلك القيمة، ولا يأتي المغانم؟ فرخص فيه. وذلك لأنه يشق الاستئذان فيه، ~~فسومح فيه، كما سومح في دخول الحمام، وركوب سفينة الملاح، من غير تقدير ~~أجرة. ### | [مسألة لا يجوز تحريق العدو بالنار في الحرب] # مسألة؛ قال: (وإذا حورب العدو، لم يحرقوا بالنار) أما العدو إذا قدر ~~عليه، فلا يجوز تحريقه بالنار، بغير خلاف نعلمه. وقد كان أبو بكر الصديق - ~~رضي الله عنه - يأمر # PageV09P286 # بتحريق أهل الردة بالنار. وفعل ذلك خالد بن الوليد بأمره، فأما اليوم فلا ~~أعلم فيه بين الناس خلافا. # وقد روى حمزة الأسلمي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره على ~~سرية، قال: فخرجت فيها، فقال: «إن أخذتم فلانا، فأحرقوه بالنار» . فوليت، ~~فناداني، فرجعت، فقال: «إن أخذتم فلانا، فاقتلوه، ولا تحرقوه؛ فإنه لا يعذب ~~بالنار إلا رب النار» . رواه أبو داود، وسعيد. وروى أحاديث سواه في هذا ~~المعنى. # وروى البخاري، وغيره، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نحو حديث حمزة. فأما رميهم قبل أخذهم بالنار، فإن أمكن أخذهم ~~بدونها، لم يجز رميهم بها؛ لأنهم في معنى المقدور عليه، وأما عند العجز ~~عنهم بغيرها، فجائز، في قول أكثر أهل العلم. وبه قال الثوري، والأوزاعي، ~~والشافعي. # وروى سعيد، بإسناده عن صفوان بن عمرو، وحريز بن عثمان أن جنادة بن أمية ~~الأزدي، وعبد الله بن قيس الفزاري، وغيرهما من ولاة البحرين، ومن بعدهم، ~~كانوا يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار، ويحرقونهم، هؤلاء لهؤلاء، ~~وهؤلاء لهؤلاء. قال عبد الله بن قيس: لم يزل أمر المسلمين على ذلك. (7574) ~~فصل: ms5112 وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم، ليغرقهم، إن قدر عليهم بغيره، لم ~~يجز، إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية، الذين يحرم إتلافهم قصدا، وإن لم ~~يقدر عليهم إلا به، جاز، كما يجوز البيات المتضمن لذلك. # ويجوز نصب المنجنيق عليهم. وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نصب المنجنيق على أهل الطائف. وممن رأى ذلك ~~الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: جاء الحديث عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف. وعن عمرو ~~بن العاص، أنه نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية. ولأن القتال به معتاد، ~~فأشبه الرمي بالسهام. # (7575) . فصل: ويجوز تبييت الكفار، وهو كسبهم ليلا، وقتلهم وهم غارون. ~~قال أحمد: لا بأس بالبيات، وهل غزو الروم إلا البيات، قال: ولا نعلم أحدا ~~كره بيات العدو. وقرأ عليه: سفيان، عن الزهري، عن عبد الله، عن ابن عباس، ~~عن الصعب بن جثامة. قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل عن ~~الديار من المشركين، نبيتهم فنصيب من نسائهم وذراريهم؟ فقال: " هم منهم ". ~~فقال: إسناد جيد. # فإن قيل: فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والذرية. ~~قلنا: هذا محمول على التعمد لقتلهم. قال أحمد: أما أن يتعمد قتلهم، فلا. ~~قال: وحديث الصعب بعد نهيه عن قتل النساء؛ لأن نهيه عن قتل النساء حين بعث ~~إلى ابن أبي الحقيق. وعلى أن الجمع بينهما ممكن، يحمل النهي على التعمد، ~~والإباحة على ما عداه. # PageV09P287 ### | [فصل كان في المطمورة العدو فعلم الإمام أنه يقدر عليهم بغير النار] # (7576) فصل: قال الأوزاعي: إذا كان في المطمورة العدو، فعلمت أنك تقدر ~~عليهم بغير النار، فأحب إلى أن يكف عن النار وإن لم يمكن ذلك وأبوا أن ~~يخرجوا فلا أرى بأسا، وإن كان معهم ذرية، قد كان المسلمون يقاتلون بها. ~~ونحو ذلك قال سفيان، وهشام. ويدخن عليهم. قال أحمد: أهل الشام أعلم بهذا ### | [فصل تترسوا في الحرب بنسائهم وصبيانهم العدو] # (7757) (7577) فصل: وإن تترسوا في الحرب بنسائهم ms5113 وصبيانهم، جاز رميهم، ~~ويقصد المقاتلة؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رماهم بالمنجنيق ومعهم ~~النساء والصبيان» ، ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد، لأنهم ~~متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم فينقطع الجهاد. وسواء كانت الحرب ~~ملتحمة أو غير ملتحمة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يتحين ~~بالرمي حال التحام الحرب. ### | [فصل وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم فشتمت المسلمين] # (7578) فصل: ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم، فشتمت المسلمين، ~~أو تكشفت لهم، جاز رميها قصدا؛ لما روى سعيد: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، ~~عن عكرمة، قال: «لما حاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف ~~أشرفت امرأة، فكشفت عن قبلها، فقال: ها دونكم فارموها. فرماها رجل من ~~المسلمين، فما أخطأ ذلك منها» . # ويجوز النظر إلى فرجها للحاجة إلى رميها؛ لأن ذلك من ضرورة رميها. وكذلك ~~يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام، أو تسقيهم، أوتحرضهم على القتال؛ ~~لأنها في حكم المقاتل. وهكذا الحكم في الصبي والشيخ وسائر من منع من قتله ~~منهم. ### | [فصل تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم] # (7579) فصل: وإن تترسوا بمسلم، ولم تدع حاجة إلى رميهم، لكون الحرب غير ~~قائمة، أو لإمكان القدرة عليهم بدونه، أو للأمن من شرهم، لم يجز رميهم. فإن ~~رماهم فأصاب مسلما، فعليه ضمانه. وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على ~~المسلمين، جاز رميهم؛ لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار. وإن لم يخف على ~~المسلمين، لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي، فقال الأوزاعي، والليث: لا يجوز ~~رميهم؛ لقول الله تعالى: {ولولا رجال مؤمنون} [الفتح: 25] الآية. # . قال الليث: ترك فتح حصن يقدر على فتحه، أفضل من قتل مسلم بغير حق. وقال ~~الأوزاعي: كيف يرمون من لا يرونه، إنما يرمون أطفال المسلمين. وقال القاضي، ~~والشافعي: يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة؛ لأن تركه يفضي إلى تعطيل ~~الجهاد. فعلى هذا، إن قتل مسلما، فعليه الكفارة، وفي الدية على عاقلته ~~روايتان؛ # PageV09P288 # إحداهما، يجب؛ لأنه قتل مؤمنا خطأ، فيدخل ms5114 في عموم قوله تعالى: {ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] . # والثانية، لا دية له؛ لأنه قتل في دار الحرب برمي مباح، فيدخل في عموم ~~قوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: ~~92] . ولم يذكر دية. وقال أبو حنيفة: لا دية له، ولا كفارة فيه؛ لأنه رمي ~~أبيح مع العلم بحقيقة الحال، فلم يوجب شيئا، كرمي من أبيح دمه. # ولنا، الآية المذكورة، وأنه قتل معصوما بالإيمان، والقاتل من أهل الضمان، ~~فأشبه ما لو لم يتترس به. ### | [مسألة تغريق النحل وتحريقه في دار الحرب] # (7580) مسألة؛ قال: ولا يغرقوا النحل وجملته أن تغريق النحل وتحريقه لا ~~يجوز، في قول عامة أهل العلم؛ منهم الأوزاعي، والليث، والشافعي. وقيل ~~لمالك: أنحرق بيوت نحلهم؟ قال: أما النحل فلا أدري ما هو؟ ومقتضى مذهب أبي ~~حنيفة إباحته؛ لأن فيه غيظا لهم وإضعافا، فأشبه قتل بهائمهم حال قتالهم. # ولنا، ما روي عن أبي بكر الصديق، - رضي الله عنه - أنه قال ليزيد بن أبي ~~سفيان، وهو يوصيه، حين بعثه أميرا على القتال بالشام: ولا تحرقن نحلا، ولا ~~تغرقنه. وروي عن ابن مسعود، أنه قدم عليه ابن أخيه من غزاة غزاها، فقال: ~~لعلك حرقت حرثا؟ قال: نعم. قال: لعلك غرقت نحلا؟ قال: نعم. قال: لعلك قتلت ~~صبيا؟ قال: نعم. قال: ليكن غزوك كفافا. أخرجهما سعيد. ونحو ذلك عن ثوبان. # وقد ثبت «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل النحلة، ونهى ~~أن يقتل شيء من الدواب صبرا» . ولأنه إفساد، فيدخل في عموم قوله تعالى: ~~{وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد} [البقرة: 205] . ولأنه حيوان ذو روح، فلم يجز قتله لغيظ المشركين، ~~كنسائهم وصبيانهم. وأما أخذ العسل وأكله فمباح؛ لأنه من الطعام المباح. ### | [مسألة لا يعقر شاة ولا دابة في دار الحرب] # (7581) مسألة؛ قال: ولا يعقر شاة، ولا دابة، إلا لأكل لا بد لهم منه أما ~~عقر دوابهم في غير ms5115 حال الحرب، لمغايظتهم، والإفساد عليهم، فلا يجوز، سواء ~~خفنا أخذهم لها أو لم نخف. وبهذا قال الأوزاعي، والليث، والشافعي، وأبو ~~ثور. # وقال أبو حنيفة، ومالك: يجوز؛ لأن فيه غيظا لهم، وإضعافا لقوتهم، فأشبه ~~قتلها حال قتالهم. ولنا، أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال في وصيته ~~ليزيد حين بعثه أميرا: يا يزيد، لا تقتل صبيا، ولا امرأة، ولا هرما، ولا ~~تخربن عامرا، ولا تعقرن شجرا مثمرا، ولا دابة عجماء، ولا شاة، إلا لمأكلة، ~~ولا تحرقن # PageV09P289 # نحلا، ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «نهى عن قتل شيء من الدواب صبرا» . ولأنه حيوان ذو حرمة، فأشبه النساء ~~والصبيان. # وأما حال الحرب. فيجوز فيها قتل المشركين كيف أمكن، بخلاف حالهم إذا قدر ~~عليهم، ولهذا جاز قتل النساء والصبيان في البيات، وفي المطمورة، إذا لم ~~يتعمد قتلهم منفردين، بخلاف حالة القدرة عليهم، وقتل بهائمهم يتوصل به إلى ~~قتلهم وهزيمتهم. وقد ذكرنا حديث المددي الذي عقر بالرومي فرسه. # وروي أن حنظلة بن الراهب، عقر فرس أبي سفيان به يوم أحد، فرمت به، فخلصه ~~ابن شعوب وليس في هذا خلاف. # (7582) فصل: فأما عقرها للأكل، فإن كانت الحاجة داعية إليه، ولا بد منه، ~~فمباح، بغير خلاف؛ لأن الحاجة تبيح مال المعصوم، فمال الكافر أولى. وإن لم ~~تكن الحاجة داعية إليه نظرنا؛ فإن كان الحيوان لا يراد إلا للأكل، كالدجاج ~~والحمام وسائر الطير والصيد، فحكمه حكم الطعام. في قول الجميع؛ لأنه لا ~~يراد لغير الأكل، وتقل قيمته، فأشبه الطعام. # وإن كان مما يحتاج إليه في القتال، كالخيل، لم يبح ذبحه للأكل، في قولهم ~~جميعا. وإن كان غير ذلك، كالغنم والبقر، لم يبح في قول الخرقي. وقال ~~القاضي: ظاهر كلام أحمد إباحته؛ لأن هذا الحيوان مثل الطعام في باب الأكل ~~والقوت، فكان مثله في إباحته. وإذا ذبح الحيوان، أكل لحمه، وليس له ~~الانتفاع بجلده؛ لأنه إنما أبيح له ما يأكله دون غيره. قال عبد الرحمن بن ~~معاذ بن جبل: كلوا لحم الشاة، ms5116 وردوا إهابها إلى المغنم. ولأن هذا حيوان ~~مأكول، فأبيح أكله، كالطير. # ووجه قول الخرقي، ما روى سعيد: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن ~~«ثعلبة بن الحكم، قال: أصبنا غنما للعدو، فانتهبنا، فنصبنا قدورنا، فمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقدور وهي تغلي، فأمر بها فأكفئت، ثم قال ~~لهم: إن النهبة لا تحل» . ولأن هذه الحيوانات تكثر قيمتها، وتشح أنفس ~~الغانمين بها، ويمكن حملها إلى دار الإسلام، بخلاف الطير والطعام، لكن إن ~~أذن الأمير فيها جاز؛ لما روى عطية بن قيس، قال: كنا إذا خرجنا في سرية، ~~فأصبنا غنما، نادى منادي الإمام: ألا من أراد أن يتناول شيئا من هذه الغنم ~~فليتناول، إنا لا نستطيع سياقتها. رواه سعيد. # وكذلك إن قسمها؛ لما روى معاذ، قال: «غزونا مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - خيبر، فأصبنا غنما، فقسم بيننا النبي - صلى الله عليه وسلم - طائفة، ~~وجعل بقيتها في المغنم» . رواه أبو داود. # PageV09P290 # وقال سعيد: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبيد، أن رجلا نحر ~~جزورا بأرض الروم، فلما بردت، قال: يا أيها الناس، خذوا من لحم هذه الجزور، ~~فقد أذنا لكم. فقال مكحول: يا غساني، ألا تأتينا من لحم هذه الجزور؟ فقال ~~الغساني: يا أبا عبد الله، أما ترى عليها من النهبى؟ قال مكحول: لا نهبى في ~~المأذون فيه. (7583) . # فصل: ولم يفرق أصحابنا بين جميع البهائم في هذه المسألة، ويقوى عندي أن ~~ما عجز المسلمون عن سياقته وأخذه، إن كان مما يستعين به الكفار في القتال، ~~كالخيل، جاز عقره وإتلافه؛ لأنه مما يحرم إيصاله إلى الكفار بالبيع فتركه ~~لهم بغير عوض أولى بالتحريم، وإن كان مما يصلح للأكل، فللمسلمين ذبحه، ~~والأكل منه، مع الحاجة وعدمها وما عدا هذين القسمين، لا يجوز إتلافه؛ لأنه ~~مجرد إفساد وإتلاف، وقد «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذبح الحيوان ~~لغير مأكلة» . ### | [مسألة لا يحرق زرعهم إلا أن يكونوا يفعلون ذلك في بلادنا أهل الذمة] # (7584) مسألة؛ قال: ولا يقطع شجرهم، ولا يحرق زرعهم، ms5117 إلا أن يكونوا ~~يفعلون ذلك في بلادنا، فيفعل ذلك بهم لينتهوا وجملته أن الشجر والزرع ينقسم ~~ثلاثة أقسام؛ أحدها، ما تدعو الحاجة إلى إتلافه كالذي يقرب من حصونهم، ~~ويمنع من قتالهم، أو يسترون به من المسلمين، أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة ~~طريق، أو تمكن من قتال، أو سد بثق، أو إصلاح طريق، أو ستارة منجنيق، أو ~~غيره، أو يكونون يفعلون ذلك بنا، فيفعل بهم ذلك، لينتهوا، فهذا يجوز، بغير ~~خلاف نعلمه. # الثاني، ما يتضرر المسلمون بقطعه، لكونهم ينتفعون ببقائه لعلوفتهم، أو ~~يستظلون به، أو يأكلون من ثمره، أو تكون العادة لم تجر بذلك بيننا وبين ~~عدونا، فإذا فعلناه بهم فعلوه بنا، فهذا يحرم؛ لما فيه من الإضرار ~~بالمسلمين. الثالث، ما عدا هذين القسمين، مما لا ضرر فيه بالمسلمين، ولا ~~نفع سوى غيظ الكفار، والإضرار بهم، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يجوز؛ لحديث ~~أبي بكر ووصيته، وقد روي نحو ذلك مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولأن فيه إتلافا محضا، فلم يجز، كعقر الحيوان. وبهذا قال الأوزاعي، والليث، ~~وأبو ثور. # PageV09P291 # والرواية الثانية، يجوز. # وبهذا قال ومالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. قال إسحاق: التحريق ~~سنة، إذا كان أنكى في العدو؛ لقول الله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} [الحشر: 5] . # وروى ابن عمر، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرق نخل بني النضير، ~~وقطع، وهو البويرة» فأنزل الله تعالى: {ما قطعتم من لينة} [الحشر: 5] . ~~ولها يقول حسان: # وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير # متفق عليه. وعن الزهري، قال: «فحدثني أسامة، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان عهد إليه، فقال: أغر على أبنا صباحا وحرق» . رواه أبو ~~داود. # قيل لأبي مسهر: أبنا. قال: نحن أعلم، هي يبنا فلسطين. والصحيح أنها أبنا، ~~كما جاءت الرواية، وهي قرية من أرض الكرك، في أطراف الشام، في الناحية التي ~~قتل فيها أبوه، فأما يبنا فهي من أرض فلسطين، ولم يكن أسامة ليصل إليها، ~~ولا يأمره ms5118 النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإغارة عليها، لبعدها، والخطر ~~بالمصير إليها، لتوسطها في البلاد، وبعدها من طرف الشام، فما كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ليأمره بالتغرير بالمسلمين، فكيف يحمل الخبر عليها، ~~مع مخالفة لفظ الرواية، وفساد المعنى،. ### | [مسألة المسلم يتزوج في أرض العدو] # (7585) مسألة؛ قال: ولا يتزوج في أرض العدو، إلا أن تغلب عليه الشهوة، ~~فيتزوج مسلمة، ويعزل عنها. ولا يتزوج منهم، ومن اشترى منهم جارية، لم يطأها ~~في الفرج، وهو في أرضهم # PageV09P292 # يعني - والله أعلم - من دخل أرض العدو بأمان، فأما إن كان في جيش ~~المسلمين، فمباح له أن يتزوج. وقد روي عن سعيد بن أبي هلال، أنه بلغه، «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوج أبا بكر أسماء ابنة عميس، وهم تحت ~~الرايات» . أخرجه سعيد. ولأن الكفار لا يد لهم عليه، فأشبه من في دار ~~الإسلام. # وأما الأسير، فظاهر كلام أحمد أنه لا يحل له التزوج ما دام أسيرا، لأنه ~~منعه من وطء امرأته إذا أسرت معه، مع صحة نكاحهما. وهذا قول الزهري، فإنه ~~قال: لا يحل للأسير أن يتزوج، ما كان في أيدي العدو. وكره الحسن أن يتزوج ~~ما دام في أرض المشركين؛ لأن الأسير إذا ولد له ولد كان رقيقا لهم، ولا ~~يأمن أن يطأ امرأته غيره منهم. وسئل أحمد عن أسير اشتريت معه امرأته، ~~أيطؤها؟ فقال: كيف يطؤها، فلعل غيره منهم يطؤها، قال الأثرم: قلت له: ~~ولعلها تعلق بولد، فيكون معهم. # قال: وهذا أيضا. وأما الذي يدخل إليهم بأمان، كالتاجر ونحوه، فهو الذي ~~أراد الخرقي، إن شاء الله تعالى، فلا ينبغي له التزوج؛ لأنه لا يأمن أن ~~تأتي امرأته بولد فيستولي عليه الكفار، وربما نشأ بينهم، فيصير على دينهم. ~~فإن غلبت عليه الشهوة، أبيح له نكاح مسلمة؛ لأنها حال ضرورة، ويعزل عنها، ~~كي لا تأتي بولد. ولا يتزوج منهم؛ لأن امرأته إذا كانت منهم، غلبته على ~~ولدها، فيتبعها على دينها. # وقال القاضي، في قول الخرقي: هذا نهي كراهة، لا نهي تحريم؛ لأن الله ms5119 ~~تعالى قال: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] . ~~ولأن الأصل الحل، فلا يحرم بالشك والتوهم، وإنما كرهنا له التزوج منهم ~~مخافة أن يغلبوا على ولده، فيسترقوه، ويعلموه الكفر، ففي تزويجه تعريض لهذا ~~الفساد العظيم، وازدادت الكراهة إذا تزوج منهم؛ لأن الظاهر أن امرأته تغلبه ~~على ولدها، فتكفره، كما أن حكم الإسلام تغليب الإسلام فيما إذا أسلم أحد ~~الأبوين، أو تزوج المسلم ذمية، وإذا اشترى منهم جارية، لم يطأها في الفرج ~~في أرضهم، مخافة أن يغلبوه على ولدها، فيسترقوه، ويكفروه. ### | [فصل في الهجرة] # : وهي الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام. قال الله تعالى: {إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} [النساء: 97] . الآيات. وروي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أنا بريء من مسلم بين مشركين، # PageV09P293 # لا تراءا ناراهما» . رواه أبو داود. # ومعناه لا يكون بموضع يرى نارهم، ويرون ناره، إذا أوقدت. في آي وأخبار ~~سوى هذين كثير. وحكم الهجرة باق، لا ينقطع إلى يوم القيامة. في قول عامة ~~أهل العلم. وقال قوم: قد انقطعت الهجرة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا هجرة بعد الفتح» . وقال: «قد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية» . # وروي «أن صفوان بن أمية لما أسلم، قيل له: لا دين لمن لم يهاجر. فأتى ~~المدينة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما جاء بك أبا وهب؟ قال: ~~قيل إنه لا دين لمن لم يهاجر. قال: ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة، أقروا على ~~مساكنكم، فقد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية» . روى ذلك كله سعيد. # ولنا ما روى معاوية، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من ~~مغربها» . رواه أبو داود. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه، قال: ~~«لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد» . رواه سعيد، وغيره، مع إطلاق الآيات ms5120 ~~والأخبار الدالة عليها، وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان. # وأما الأحاديث الأول، فأراد بها لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح. وقوله ~~لصفوان: " إن الهجرة قد انقطعت ". يعني من مكة؛ لأن الهجرة الخروج من بلد ~~الكفار، فإذا فتح لم يبق بلد الكفار، فلا تبقى منه هجرة. وهكذا كل بلد فتح ~~لا يبقى منه هجرة، وإنما الهجرة إليه. # إذا ثبت هذا، فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب؛ أحدها، من تجب عليه، وهو ~~من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع ~~المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة؛ لقول الله تعالى: {إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت ~~مصيرا} [النساء: 97] . وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب. # ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب ~~وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الثاني؛ من لا هجرة عليه. وهو ~~من يعجز عنها، إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف؛ من النساء والولدان ~~وشبههم، فهذا لا هجرة عليه؛ لقول الله تعالى: {إلا المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} [النساء: 98] {فأولئك ~~عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا} [النساء: 99] . # PageV09P294 # ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها. # والثالث، من تستحب له، ولا تجب عليه. وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من ~~إظهار دينه، وإقامته في دار الكفر، فتستحب له، ليتمكن من جهادهم، وتكثير ~~المسلمين، ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر ~~بينهم. ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة. وقد كان العباس ~~عم النبي - صلى الله عليه وسلم - مقيما بمكة مع إسلامه. # وروينا «أن نعيم النحام، حين أراد أن يهاجر، جاءه قومه بنو عدي، فقالوا ~~له: أقم عندنا، وأنت على دينك، ونحن نمنعك ممن يريد أذاك، واكفنا ما كنت ~~تكفينا. وكان يقوم بيتامى ms5121 بني عدي وأراملهم، فتخلف عن الهجرة مدة، ثم هاجر ~~بعد، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: قومك كانوا خيرا لك من قومي ~~لي، قومي أخرجوني، وأرادوا قتلي، وقومك حفظوك ومنعوك. فقال: يا رسول الله: ~~بل قومك أخرجوك إلى طاعة الله، وجهاد عدوه وقومي ثبطوني عن الهجرة، وطاعة ~~الله أو نحو هذا القول» . ### | [مسألة دخل إلى أرض العدو بأمان] # (7587) مسألة؛ قال: من دخل إلى أرض العدو بأمان، لم يخنهم في مالهم، ولم ~~يعاملهم بالربا أما تحريم الربا في دار الحرب، فقد ذكرناه في الربا، مع أن ~~قول الله تعالى: {وحرم الربا} [البقرة: 275] وسائر الآيات والأخبار الدالة ~~على تحريم الربا عامة تتناول الربا في كل مكان وزمان. # وأما خيانتهم، فمحرمة؛ لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطا بتركه خيانتهم، ~~وأمنه إياهم من نفسه، وإن لم يكن ذلك مذكورا في اللفظ، فهو معلوم في ~~المعنى، ولذلك من جاءنا منهم بأمان، فخاننا، كان ناقضا لعهده. فإذا ثبت ~~هذا، لم تحل له خيانتهم، لأنه غدر، ولا يصلح في ديننا الغدر، وقد قال النبي ~~«- صلى الله عليه وسلم -: المسلمون عند شروطهم» . فإن خانهم، أو سرق منهم، ~~أو اقترض شيئا وجب عليه رد ما أخذ إلى # PageV09P295 # أربابه، فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان أو إيمان، رده عليهم، وإلا ~~بعث به إليهم؛ لأنه أخذه على وجه حرم عليه أخذه، فلزمه رد ما أخذ، كما لو ~~أخذه من مال مسلم. ### | [مسألة أهل الذمة إذا نقضوا العهد] # (7588) مسألة؛ قال: ومن كان له مع المسلمين عهد، فنقضوه حوربوا، وقتل ~~رجالهم، ولم تسب ذراريهم، ولم يسترقوا، إلا من ولد بعد نقضه وجملة ذلك أن ~~أهل الذمة إذا نقضوا العهد، أو أخذ رجل الأمان لنفسه وذريته، ثم نقض العهد، ~~فإنه يقتل رجالهم، ولا تسبى ذراريهم الموجودون قبل النقض، لأن العهد شملهم ~~جميعا، ودخلت فيهم الذرية، والنقض إنما وجد من رجالهم، فتختص إباحة الدماء ~~بهم، ومن الممكن أن ينفرد الرجل بالعهد والأمان، دون ذريته وذريته دونه، ~~فجاز أن ينتقض العهد فيه دونهم، والنقض إنما ms5122 وجد من الرجال البالغين، دون ~~الذرية، فيجب أن يختص حكمه بهم. # قال أحمد: قالت امرأة علقمة لما ارتد: إن كان علقمة ارتد، فأنا لم أرتد. ~~وقال الحسن، في من نقض العهد: ليس على الذرية شيء. فأما من ولد فيهم بعد ~~نقض العهد، جاز استرقاقه؛ لأنه لم يثبت له أمان بحال. وسواء فيما ذكرنا ~~لحقوا بدار الحرب، أو أقاموا بدار الإسلام. فأما نساؤهم، فمن لحقت منهن ~~بدار الحرب طائعة، أو وافقت زوجها في نقض العهد، جاز سبيها؛ لأنها بالغة ~~عاقلة نقضت العهد، فأشبهت الرجل، ومن لم تنقض العهد، لم ينتقض عهدها بنقض ~~زوجها. ### | [فصل أهل الهدنة إذا نقضوا العهد] # فصل: فأما أهل الهدنة إذا نقضوا العهد، حلت دماؤهم وأموالهم، وسبي ~~ذراريهم؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل رجال بني قريظة، وسبى ~~ذراريهم، وأخذ أموالهم، حين نقضوا عهده. ولما هادن قريشا فنقضت عهده، حل له ~~منهم ما كان حرم عليه منهم» . ولأن الهدنة عهد مؤقت، ينتهي بانقضاء مدته، ~~فيزول بنقضه وفسخه، كعقد الإجارة، بخلاف عقد الذمة. ### | [فصل معنى الهدنة] # (7590) فصل: ومعنى الهدنة، أن يعقد لأهل الحرب عقدا على ترك القتال مدة، ~~بعوض وبغير عوض. وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة، وذلك جائز، بدليل قول الله ~~تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} [التوبة: 1] . ~~وقال سبحانه وتعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} [الأنفال: 61] . # وروى مروان، ومسور بن مخرمة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح، ~~سهيل بن عمرو بالحديبية، على # PageV09P296 # وضع القتال عشر سنين» . ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف، فيهادنهم حتى يقوى ~~المسلمون. ولا يجوز ذلك إلا للنظر للمسلمين؛ إما أن يكون بهم ضعف عن ~~قتالهم، وإما أن يطمع في إسلامهم بهدنتهم، أو في أدائهم الجزية، والتزامهم ~~أحكام الملة، أو غير ذلك من المصالح. إذا ثبت هذا، فإنه لا تجوز المهادنة ~~مطلقا من غير تقدير مدة؛ لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية. ولا يجوز أن ~~يشترط نقضها لمن شاء منهما؛ لأنه يفضي إلى ضد المقصود منها. # وإن شرط الإمام لنفسه ذلك ms5123 دونهم، لم يجز أيضا. ذكره أبو بكر؛ لأنه ينافي ~~مقتضى العقد، فلم يصح، كما لو شرط ذلك في البيع والنكاح. وقال القاضي، ~~والشافعي: يصح؛ «لأن النبي صالح أهل خيبر على أن يقرهم ما أقرهم الله ~~تعالى» . ولا يصح هذا، فإنه عقد لازم، فلا يجوز اشتراط نقضه، كسائر العقود ~~اللازمة، ولم يكن بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين أهل خيبر هدنة، ~~فإنه فتحها عنوة، وإنما ساقاهم، وقال لهم ذلك. # وهذا يدل على جواز المساقاة، وليس هذا بهدنة اتفاقا، وقد وافقوا الجماعة ~~في أنه لو شرط في عقد الهدنة أني أقركم ما أقركم الله. لم يصح فكيف يصح ~~منهم الاحتجاج به، مع إجماعهم مع غيرهم على أنه لا يجوز اشتراطه، # (7591) فصل: ولا يجوز عقد الهدنة إلا على مدة مقدرة معلومة؛ لما ذكرناه. ~~قال القاضي: وظاهر كلام أحمد، أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين. # وهو اختيار أبي بكر، ومذهب الشافعي؛ لأن قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] . عام خص منه مدة العشر «لمصالحة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قريشا يوم الحديبية عشرا» ، ففيما زاد يبقى على مقتضى ~~العموم. فعلى هذا، إن زاد المدة على عشر، بطل في الزيادة. وهل تبطل في ~~العشر؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة، وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام ~~أحمد، أنه يجوز على أكثر من عشر، على ما يراه الإمام من المصلحة، وبهذا قال ~~أبو حنيفة؛ لأنه عقد يجوز في العشر، فجازت الزيادة عليها، كعقد الإجارة، ~~والعام مخصوص في العشر لمعنى موجود فيما زاد عليها، وهو أن المصلحة قد تكون ~~في الصلح أكثر منها في الحرب. ### | [فصل مهادنة أهل الذمة على غير مال] # فصل: وتجوز مهادنتهم على غير مال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~هادنهم يوم الحديبية على غير مال. ويجوز ذلك على مال يأخذه منهم؛ فإنها إذا ~~جازت على غير مال، فعلى مال أولى. وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم، فقد ~~أطلق أحمد القول بالمنع منه، وهو مذهب الشافعي؛ لأن فيه صغارا للمسلمين. ms5124 # وهذا محمول على غير حال الضرورة، فأما إن دعت إليه ضرورة، وهو أن يخاف ~~على المسلمين الهلاك أو الأسر، فيجوز؛ لأنه يجوز للأسير # PageV09P297 # فداء نفسه بالمال، فكذا ها هنا، ولأن بذل المال إن كان فيه صغار، فإنه ~~يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه، وهو القتل، والأسر، وسبي الذرية الذين يفضي ~~سبيهم إلى كفرهم. # وقد روى عبد الرزاق، في المغازي، عن معمر، عن الزهري، قال: «أرسل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى عيينة بن حصن، وهو مع أبي سفيان - يعني يوم ~~الأحزاب -: أرأيت إن جعلت لك ثلث تمر الأنصار، أترجع بمن معك من غطفان، ~~وتخذل بين الأحزاب؟ فأرسل إليه عيينة: إن جعلت لي الشطر فعلت» . قال معمر: ~~فحدثني ابن أبي نجيح، «أن سعد بن معاذ وسعد بن عبادة قالا: يا رسول الله، ~~والله لقد كان يجر سرمه في الجاهلية في عام السنة حول المدينة، ما يطيق أن ~~يدخلها، فالآن حين جاء الله بالإسلام، نعطيهم ذلك، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: فنعم إذا» . # ولولا أن ذلك جائز، لما بذله النبي - صلى الله عليه وسلم -. وروي «أن ~~الحارث بن عمرو الغطفاني، بعث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن ~~جعلت لي شطر ثمار المدينة، وإلا ملأتها عليك خيلا ورجلا. فقال له النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: حتى أشاور السعود يعني. سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، ~~وسعد بن زرارة، فشاورهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول ~~الله، إن كان هذا أمرا من السماء، فتسليم لأمر الله تعالى، وإن كان برأيك ~~وهواك، اتبعنا رأيك وهواك، وإن لم يكن أمرا من السماء ولا برأيك وهواك، ~~فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية بسرة ولا تمرة إلا شراء أو قرى، فكيف وقد ~~أعزنا الله بالإسلام، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرسوله: أتسمع؟» ~~فعرضه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعلم ضعفهم من قوتهم، فلولا جوازه عند ~~الضعف، لما عرضه عليهم. ### | [فصل لا يجوز عقد الهدنة ولا الذمة إلا من الإمام أو نائبه] # (7593) فصل: ms5125 ولا يجوز عقد الهدنة ولا الذمة إلا من الإمام أو نائبه؛ لأنه ~~عقد مع جملة الكفار، وليس ذلك لغيره، ولأنه يتعلق بنظر الإمام وما يراه من ~~المصلحة، على ما قدمناه ولأن تجويزه من غير الإمام يتضمن تعطيل الجهاد ~~بالكلية، أو إلى تلك الناحية، وفيه افتيات على الإمام. # فإن هادنهم غير الإمام أو نائبه، لم يصح. وإن دخل بعضهم دار الإسلام بهذا ~~الصلح، كان آمنا؛ لأنه دخل معتقدا للأمان، ويرد إلى دار الحرب، ولا يقر في ~~دار الإسلام؛ لأن الأمان لم يصح. وإن عقد الإمام الهدنة، ثم مات أو عزل، لم ~~ينتقض عهده، وعلى من بعده الوفاء به؛ لأن الإمام عقده باجتهاده، فلم يجز ~~للحاكم نقض أحكام من قبله باجتهاده. # وإذا عقد الهدنة، لزمه الوفاء بها؛ لقول الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] . وقال تعالى: {فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم} [التوبة: 4] . ولأنه لو لم يف بها، لم يسكن إلى عقده، وقد يحتاج إلى ~~عقدها، فإن نقضوا العهد، جاز قتالهم؛ لقول الله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم ~~من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ~~ينتهون} [التوبة: 12] . # PageV09P298 # وقال تعالى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} [التوبة: 7] # «. ولما نقضت قريش عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، خرج إليهم، ~~فقاتلهم، وفتح مكة.» وإن نقض بعضهم دون بعض، فسكت باقيهم عن الناقض، ولم ~~يوجد منهم إنكار، ولا مراسلة الإمام، ولا تبرؤ، فالكل ناقضون «؛ لأن النبي ~~لما هادن قريشا، دخلت خزاعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وبنو بكر مع ~~قريش فعدت بنو بكر على خزاعة، وأعانهم بعض قريش، وسكت الباقون، فكان ذلك ~~نقض عهدهم، وسار إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاتلهم.» ولأن ~~سكوتهم يدل على رضاهم، كما أن عقد الهدنة مع بعضهم يدخل فيه جميعهم؛ لدلالة ~~سكوتهم على رضاهم، كذلك في النقض. # وإن أنكر من لم ينقض على الناقض، بقول أو فعل ظاهر، أو اعتزال، أو راسل ~~الإمام بأني منكر لما فعله الناقض، مقيم على العهد، ms5126 لم ينتقض في حقه، ~~ويأمره الإمام بالتميز، ليأخذ الناقض وحده، فإن امتنع من التميز، أو إسلام ~~الناقض، صار ناقضا؛ لأنه منع من أخذ الناقض، فصار بمنزلته، وإن لم يمكنه ~~التميز، لم ينتقض عهده؛ لأنه كالأسير. فإن أسر الإمام منهم قوما، فادعى ~~الأسير أنه لم ينقض، وأشكل ذلك عليه، قبل قول الأسير؛ لأنه لا يتوصل إلى ~~ذلك إلا من قبله. ### | [فصل خاف نقض العهد منهم أهل الذمة] # (7594) فصل: وإن خاف نقض العهد منهم، جاز أن ينبذ إليهم عهدهم؛ لقول الله ~~تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58] . ~~يعني أعلمهم بنقض عهدهم، حتى تصير أنت وهم سواء في العلم، ولا يكفي وقوع ~~ذلك في قبوله، حتى يكون عن أمارة تدل على ما خافه. # ولا يجوز أن يبدأهم بقتال ولا غارة قبل إعلامهم بنقض العهد؛ للآية، ~~ولأنهم آمنون منه بحكم العهد، فلا يجوز قتلهم، ولا أخذ مالهم. فإن قيل: فقد ~~قلتم: إن الذمي إذا خيف منه الخيانة، لم ينتقض عهده. قلنا: عقد الذمة آكد؛ ~~لأنه يجب على الإمام إجابتهم إليه، وهو نوع معاوضة، وعقد مؤبد، بخلاف ~~الهدنة والأمان، ولهذا لو نقض بعض أهل الذمة، لم ينتقض عهد الباقين، بخلاف ~~الهدنة، ولأن أهل الذمة في قبضة الإمام، وتجب ولايته، ولا يخشى الضرر كثيرا ~~من نقضهم، بخلاف أهل الهدنة، فإنه يخاف منهم الغارة على المسلمين، والضرر ~~الكثير بأخذهم للمسلمين. ### | [فصل من عقد الهدنة فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الذمة] # (7595) فصل: وإذا عقد الهدنة، فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الذمة؛ ~~لأنه آمنهم ممن هو في قبضته وتحت يده، كما أمن من في قبضته منهم. ومن أتلف ~~من المسلمين أو من أهل الذمة عليهم شيئا، فعليه ضمانه، ولا تلزمه حمايتهم ~~من أهل الحرب، ولا حماية بعضهم من بعض؛ لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط. # فإن أغار عليهم قوم # PageV09P299 # آخرون فسبوهم. لم يلزمه استنقاذهم، وليس للمسلمين شراؤهم؛ لأنهم في ~~عهدهم، فلا يجوز لهم أذاهم ولا استرقاقهم. وذكر الشافعي ما يدل على هذا. ~~ويحتمل جواز ms5127 ذلك. وهو مذهب أبي حنيفة، لأنه لا يجب أن يدفع عنهم، فلا يحرم ~~استرقاقهم، بخلاف أهل الذمة. فعلى هذا، إن استولى المسلمون على الذين ~~أسروهم، وأخذوا أموالهم، فاستنقذوا ذلك منهم، لم يلزم رده إليهم، على هذا ~~القول. # ومقتضى القول الأول وجوب رده، كما ترد أموال أهل الذمة إليهم. ### | [فصل بعد عقد الهدنة مطلقا فجاءنا منهم إنسان مسلما أو بأمان] # (7596) فصل: وإذا عقد الهدنة مطلقا، فجاءنا منهم إنسان مسلما أو بأمان، ~~لم يجب رده إليهم، ولم يجز ذلك، سواء كان حرا أو عبدا، أو رجلا أو امرأة. ~~ولا يجب رد مهر المرأة. وقال أصحاب الشافعي: إن خرج العبد إلينا قبل ~~إسلامه، ثم أسلم، لم يرد إليهم، وإن أسلم قبل خروجه، ثم خرج إلينا، لم يصر ~~حرا، لأنهم في أمان منا، والهدنة تمنع من جواز القهر. وقال الشافعي في قول ~~له: إذا جاءت امرأة له مسلمة، وجب رد مهرها؛ لقول الله تعالى: {وآتوهم ما ~~أنفقوا} [الممتحنة: 10] . يعني رد مهرها إلى زوجها إذا جاء يطلبها، وإن جاء ~~غيره، لم يرد إليه شيء. # ولنا، أنه من غير أهل دار الإسلام، خرج إلينا، فلم يجب رده، ولا رد شيء ~~بدلا عنه، كالحر من الرجال، وكالعبد إذا خرج ثم أسلم. قولهم: إنهم في أمان ~~منا. قلنا: إنما أمناهم ممن هو في دار الإسلام، الذين هم في قبضة الإمام، ~~فأما من هو في دارهم، ومن ليس في قبضته، فلا يمنع منه، بدليل ما لو خرج ~~العبد قبل إسلامه، ولهذا «لما قتل أبو بصير الرجل الذي جاء لرده، لم ينكره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يضمنه، ولما انفرد هو وأبو جندل ~~وأصحابهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية، فقطعوا الطريق ~~عليهم، وقتلوا من قتلوا منهم، وأخذوا المال، لم ينكر ذلك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ولم يأمرهم برد ما أخذوه، ولا غرامة ما أتلفوه» . # وهذا الذي أسلم كان في دارهم وقبضتهم، وقهرهم على نفسه، فصار حرا، كما لو ~~أسلم بعد خروجه. وأما المرأة، فلا ms5128 يجب رد مهرها؛ لأنها لم تأخذ منه شيئا، ~~ولو أخذته كانت قد قهرتهم عليه في دار القهر، ولو وجب عليها عوضه، لوجب مهر ~~المثل دون المسمى. والآية، قال قتادة: تبيح رد المهر. وقال عطاء، والزهري، ~~والثوري: لا يعمل بها اليوم. وعلى أن الآية إنما نزلت في قضية الحديبية، ~~حين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط لهم رد من جاءه مسلما، فلما منع ~~الله رد النساء، أمر برد مهورهن، وكلامنا فيما إذا وقع الصلح مطلقا، فليس ~~هو معنى ما تناوله الأمر. # وإن وقع الكلام فيما إذا شرط رد النساء، لم يصح أيضا؛ لأن الشرط الذي كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - شرطه، كان صحيحا، وقد نسخ، فإذا شرط الآن كان ~~باطلا، فلا يجوز قياسه على الصحيح، ولا إلحاقه به. ### | [فصل الشروط في عقد الهدنة] # (7597) فصل: والشروط في عقد الهدنة تنقسم قسمين؛ صحيح؛ مثل أن يشترط ~~عليهم مالا، أو معونة المسلمين عند # PageV09P300 # حاجتهم إليهم، أو يشترط لهم أن يرد من جاءه من الرجال مسلما أو بأمان. ~~فهذا يصح. وقال أصحاب الشافعي: لا يصح شرط رد المسلم، إلا أن يكون له عشيرة ~~تحميه وتمنعه. # ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط ذلك في صلح الحديبية، ووفى ~~لهم به، فرد أبا جندل وأبا بصير» ، ولم يخص بالشرط ذا العشيرة، ولأن ذا ~~العشيرة إذا كانت عشيرته هي التي تفتنه وتؤذيه، فهو كمن لا عشيرة له، لكن ~~لا يجوز هذا الشرط إلا عند شدة الحاجة إليه، وتعين المصلحة فيه، ومتى شرط ~~لهم ذلك، لزم الوفاء به، بمعنى أنهم إذا جاءوا في طلبه، لم يمنعهم أخذه، ~~ولا يجبره الإمام على المضي معهم. # وله أن يأمره سرا بالهرب منهم، ومقاتلتهم «، فإن أبا بصير لما جاء النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وجاء الكفار في طلبه، قال له النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: إنا لا يصلح في ديننا الغدر، وقد علمت ما عاهدناهم عليه، ولعل الله ~~أن يجعل لك فرجا ومخرجا. فلما رجع مع الرجلين، قتل أحدهما في ms5129 طريقه، ثم رجع ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، قد أوفى الله ذمتك، ~~قد رددتني إليهم، فأنجاني الله منهم. فلم ينكر عليه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يلمه، بل قال: ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه رجال» فلما سمع ذلك ~~أبو بصير، لحق بساحل البحر، وانحاز إليه أبو جندل بن سهيل ومن معه من ~~المستضعفين بمكة، فجعلوا لا تمر عليهم عير لقريش إلا عرضوا لها، فأخذوها، ~~وقتلوا من معها، فأرسلت قريش، إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده ~~الله والرحم، أن يضمهم إليه، ولا يرد إليهم أحدا جاءه، ففعل. فيجوز حينئذ ~~لمن أسلم من الكفار أن يتحيزوا ناحية، ويقتلون من قدروا عليه من الكفار، ~~ويأخذون أموالهم، ولا يدخلون في الصلح. # وإن ضمهم الإمام إليه بإذن الكفار، دخلوا في الصلح، وحرم عليهم قتل ~~الكفار وأموالهم وروي عن عمر بن الخطاب، - رضي الله عنه - أنه لما جاء أبو ~~جندل إلى النبي هاربا من # PageV09P301 # الكفار، يرسف في قيوده، قام إليه أبوه فلطمه، وجعل يرده، قال عمر: فقمت ~~إلى جانب أبي جندل، فقلت: إنهم الكفار، وإنما دم أحدهم دم كلب. وجعلت أدني ~~منه قائم السيف لعله أن يأخذه، فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه. # الثاني، شرط فاسد، مثل أن يشترط رد النساء، أو مهورهن، أو رد سلاحهم، أو ~~إعطاءهم شيئا من سلاحنا، أو من آلات الحرب، أو يشترط لهم مالا في موضع لا ~~يجوز بذله، أو يشترط نقضها متى شاءوا، أو أن لكل طائفة منهم نقضا، أو يشترط ~~رد الصبيان، أو رد الرجال، مع عدم الحاجة إليه. # فهذه كلها شروط فاسدة، لا يجوز الوفاء بها. وهل يفسد العقد بها؟ على ~~وجهين، بناء على الشروط الفاسدة في البيع، إلا فيما إذا شرط أن لكل واحد ~~منهم نقضها متى شاء، فينبغي أن لا تصح وجها واحدا، لأن طائفة الكفار يبنون ~~على هذا الشرط، فلا يحصل الأمن منهم، ولا أمنهم منا، فيفوت معنى الهدنة. ~~وإنما لم يصح شرط رد النساء؛ ms5130 لقول الله تعالى: {إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات} [الممتحنة: 10] إلى قوله: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: ~~10] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله منع الصلح في النساء» . # وتفارق المرأة الرجل من ثلاثة أوجه؛ أحدها أنها لا تأمن من أن تزوج كافرا ~~يستحلها، أو يكرهها من ينالها، وإليه أشار الله تعالى بقوله: {لا هن حل لهم ~~ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] . الثاني، أنها ربما فتنت عن دينها؛ ~~لأنها أضعف قلبا، وأقل معرفة من الرجل. الثالث، أن المرأة لا يمكنها في ~~العادة الهرب والتخلص، بخلاف الرجل. # ولا يجوز رد الصبيان العقلاء إذا جاءوا مسلمين؛ لأنهم بمنزلة المرأة في ~~الضعف في العقل والمعرفة، والعجز عن التخلص والهرب. فأما الطفل الذي لا يصح ~~إسلامه، فيجوز رده، لأنه ليس بمسلم. ### | [فصل طلبت امرأة أو صبية مسلمة الخروج من عند الكفار] # (7598) فصل: وإذا طلبت امرأة أو صبية مسلمة، الخروج من عند الكفار، جاز ~~لكل مسلم إخراجها؛ لما روي، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج من ~~مكة، وقفت ابنة حمزة على الطريق فلما مر بها علي قالت: يا ابن عم، إلى من ~~تدعني؟ فتناولها، فدفعها إلى فاطمة، حتى قدم بها المدينة» . # PageV09P302 ### | [مسألة الإمام يستأجر قوما يدخل بهم بلاد العدو] # (7599) مسألة؛ قال: وإذا استأجر الأمير قوما يغزون مع المسلمين لمنافعهم، ~~لم يسهم لهم، وأعطوا ما استؤجروا به نص أحمد على هذا، في رواية جماعة، ~~فقال، في رواية عبد الله وحنبل، في الإمام يستأجر قوما يدخل بهم بلاد ~~العدو: لا يسهم لهم، ويوفي لهم بما استؤجروا عليه. وقال القاضي: هذا محمول ~~على استئجار من لا يجب عليه الجهاد، كالعبيد والكفار. # أما الرجال المسلمون الأحرار، فلا يصح استئجارهم على الجهاد؛ لأن الغزو ~~يتعين بحضوره على من كان من أهله، فإذا تعين عليه الفرض، لم يجز أن يفعله ~~عن غيره، كمن عليه حجة الإسلام، لا يجوز أن يحج عن غيره. وهذا مذهب ~~الشافعي. ويحتمل أن يحمل كلام أحمد والخرقي على ظاهره، في صحة الاستئجار ~~على الغزو لمن لم يتعين ms5131 عليه؛ لما روى أبو داود، بإسناده عن عبد الله بن ~~عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «للغازي أجره، وللجاعل ~~أجره» . # وروى سعيد بن منصور، عن جبير بن نفير، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «مثل الذين يغزون من أمتي، ويأخذون الجعل، ويتقوون به على ~~عدوهم، مثل أم موسى، ترضع ولدها، وتأخذ أجرها» . # ولأنه أمر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، فصح الاستئجار عليه، ~~كبناء المساجد، أو لم يتعين عليه الجهاد، فصح أن يؤجر نفسه عليه كالعبد. ~~ويفارق الحج، حيث إنه ليس بفرض عين، وإن الحاجة داعية إليه، وفي المنع من ~~أخذ الجعل عليه تعطيل له، ومنع له مما فيه للمسلمين نفع، وبهم إليه حاجة، ~~فينبغي أن يجوز، بخلاف الحج. إذا ثبت هذا، فإن قلنا بالأول، فالإجارة ~~فاسدة، وعليه الأجرة يردها، وله سهمه؛ لأن غزوه بغير أجرة. # وإن قلنا بصحته، فظاهر كلام أحمد والخرقي، رحمهما الله، أنه لا سهم له؛ ~~لأن غزوه بعوض، فكأنه واقع من غيره، فلا يستحق شيئا. وقد روى أبو داود، ~~بإسناده عن يعلى بن منبه، قال: «أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالغزو، وأنا شيخ كبير، ليس لي خادم، فالتمست أجيرا يكفيني، وأجري له سهمه، ~~فوجدت رجلا، فلما دنا الرحيل، قال: ما أدري ما السهمان وما يبلغ سهمي، فسم ~~لي شيئا كان السهم أو لم يكن. فسميت له ثلاثة دنانير، فلما حضرت غنيمة أردت ~~أن أجري له سهمه، فذكرت الدنانير، فجئت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فذكرت له أمره، فقال: ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا ~~دنانيره التي سمى» . ويحتمل أن يسهم له. وهو اختيار الخلال. # قال: وروى جماعة عن أحمد، أن للأجير السهم إذا قاتل. وروى عنه جماعة، أن ~~كل من شهد القتال فله السهم. قال: وهذا الذي أعتمد عليه من قول أبي عبد ~~الله. ووجه ذلك، ما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو، وحديث # PageV09P303 # جبير بن نفير، وقول عمر: الغنيمة لمن ms5132 شهد الوقعة. ولأنه حاضر للوقعة من ~~أهل القتال، فيسهم له كغير الأجير. # فأما الذين يعطون من حقهم من الفيء، فلهم سهامهم، لأن ذلك حق جعله الله ~~لهم ليغزو، لا أنه عوض عن جهاده، بل نفع جهاده له لا لغيره. وكذلك من يعطون ~~من الصدقات، وهم الذين إذا نشطوا للغزو أعطوا، فإنهم يعطون معونة، لا عوضا، ~~ولذلك إذا دفع إلى الغزاة ما يتقوون به، ويستعينون به، كان له فيه الثواب، ~~ولم يكن عوضا. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من جهز غازيا، كان له ~~مثل أجره» . ### | [فصل المستأجر على خدمة القوم هل يسهم له] # (7600) فصل: فأما الأجير للخدمة في الغزو، أو الذي يكري دابة له، ويخرج ~~معها، ويشهد الوقعة، فعن أحمد، فيه روايتان؛ إحداهما، لا سهم له. وهو قول ~~الأوزاعي، وإسحاق، قالا: المستأجر على خدمة القوم لا سهم له. ووجهه حديث ~~يعلى بن منبه. والثانية، يسهم لهما، إذا شهدا القتال مع الناس. وهو قول ~~مالك، وابن المنذر. وبه قال الليث إذا قاتل، وإن اشتغل بالخدمة فلا سهم له. # واحتج ابن المنذر بحديث «سلمة بن الأكوع، أنه كان أجيرا لطلحة حين أدرك ~~عبد الرحمن بن عيينة، حين أغار على سرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - سهم الفارس والراجل» . وقال القاضي: ~~يسهم له إذا كان مع المجاهدين، وقصده الجهاد، فأما لغير ذلك فلا. وقال ~~الثوري: يسهم له إذا قاتل، ويرفع عمن استأجره نفقة ما اشتغل عنه. ### | [فصل التاجر والأجير إذا كانا مع المجاهدين] # (7601) فصل: فأما التاجر والصانع، كالخياط والخباز والبيطار والحداد ~~والإسكاف، فقال أحمد: يسهم لهم إذا حضروا. قال أصحابنا: قاتلوا أو لم ~~يقاتلوا. وبه قال في التاجر الحسن، وابن سيرين، والثوري، والأوزاعي، ~~والشافعي. وقال ومالك، وأبو حنيفة: لا يسهم لهم، إلا أن يقاتلوا. وعن ~~الشافعي كقولنا. وعنه لا يسهم له بحال. # قال القاضي، في التاجر والأجير: إذا كانا مع المجاهدين، وقصدهما الجهاد، ~~وإنما معه المتاع إن طلب منه باعه، والأجير قصده الجهاد أيضا، فهذان يسهم ms5133 ~~لهما؛ لأنهما غازيان، والصناع بمنزلة التجار، متى كانوا مستعدين للقتال، ~~ومعهم السلاح، فمتى عرض اشتغلوا به، أسهم لهم؛ لأنهم في الجهاد بمنزلة ~~غيرهم، وإنما يشتغلون بغيره عند فراغهم منه. ### | [فصل دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن الإمام فغنموا] # (7602) فصل: إذا دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب، بغير إذن الإمام، ~~فغنموا، فعن أحمد فيه ثلاث روايات؛ # PageV09P304 # إحداهن، أن غنيمتهم كغنيمة غيرهم، يخمسه الإمام، ويقسم باقيه بينهم. وهذا ~~قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعي؛ لعموم قوله سبحانه: {واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] . الآية. # والقياس على ما إذا دخلوا بإذن الإمام. والثانية، هو لهم من غير أن يخمس. ~~وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه اكتساب مباح من غير جهاد، فكان لهم أشبه الاحتطاب، ~~فإن الجهاد إنما يكون بإذن الإمام، أو من طائفة لهم منعة وقوة، فأما هذا ~~فتلصص وسرقة ومجرد اكتساب. # والثالثة، أنه لا حق لهم فيه. قال أحمد، في عبد أبق إلى الروم، ثم رجع ~~ومعه متاع: فالعبد لمولاه، وما معه من المتاع والمال فهو للمسلمين؛ لأنهم ~~عصاة بفعلهم، فلم يكن لهم فيه حق. والأولى أولى قال الأوزاعي: لما أقفل عمر ~~بن عبد العزيز الجيش الذي كان مع مسلمة، كسر مركب بعضهم، فأخذ المشركون ~~ناسا من القبط، فكانوا خدما لهم، فخرجوا يوما إلى عيد لهم، وخلفوا القبط في ~~مركبهم، وشرب الآخرون، ورفع القبط القلع وفي المركب متاع الآخرين وسلاحهم، ~~فلم يضعوا قلعهم حتى أتوا بيروت، فكتب في ذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب ~~عمر: نفلوهم القلع وكل شيء جاءوا به إلا الخمس. رواه سعيد، والأثرم. وإن ~~كانت الطائفة ذات منعة، غزوا بغير إذن الإمام، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا ~~شيء لهم، وهو فيء للمسلمين. والثانية، يخمس، والباقي لهم. وهذا أصح. ووجه ~~الروايتين ما تقدم. ويخرج فيه وجه كالرواية الثالثة، وهو أن الجميع لهم من ~~غير خمس؛ لكونه اكتساب مباح من غير جهاد. ### | [مسألة غل من الغنيمة] # (7603) مسألة؛ قال: ومن غل من الغنيمة، حرق رحله كله، ms5134 إلا المصحف، وما ~~فيه روح الغال: هو الذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة، فلا يطلع الإمام عليه، ~~ولا يضعه مع الغنيمة، فحكمه أن يحرق رحله كله. وبهذا قال الحسن، وفقهاء ~~الشام، منهم مكحول، والأوزاعي، والوليد بن هشام، ويزيد بن يزيد بن جابر. ~~وأتي سعيد بن عبد الملك بغال، فجمع ماله وأحرقه، وعمر بن عبد العزيز حاضر ~~ذلك، فلم يعبه. وقال يزيد بن يزيد بن جابر: السنة في الذي يغل، أن يحرق ~~رحله. # رواهما سعيد، في سننه. وقال ومالك، والليث، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا ~~يحرق؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحرق» ، فإن عبد الله بن عمرو ~~روى، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أصاب غنيمة، أمر بلالا ~~فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه، ويقسمه، # PageV09P305 # فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله، هذا فيما كنا أصبنا ~~من الغنيمة. فقال: سمعت بلالا نادى ثلاثا؟ . قال: نعم قال فما منعك أن تجيء ~~به؟ . فاعتذر، فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله منك» . أخرجه ~~أبو داود. # ولأن إحراق المتاع إضاعة له، وقد «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~إضاعة المال.» ولنا؛ ما روى صالح بن محمد بن زرارة، قال: دخلت مع مسلمة أرض ~~الروم، فأتي برجل قد غل، فسأل سالما عنه، فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا وجدتم ~~الرجل قد غل، فاحرقوا متاعه، واضربوه» . قال فوجدنا في متاعه مصحفا، فسأل ~~سالما عنه، فقال: بعه، وتصدق بثمنه. أخرجه سعيد، وأبو داود، والأثرم. # وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال» . فأما حديثهم، فلا حجة لهم فيه، فإن ~~الرجل لم يعترف أنه أخذ ما أخذه على سبيل الغلول، ولا أخذه لنفسه، وإنما ~~توانى في المجيء به، وليس الخلاف فيه، ولأن الرجل جاء به من عند نفسه تائبا ~~معتذرا، والتوبة ms5135 تجب ما قبلها، وتمحو الحوبة. # وأما النهي عن إضاعة المال، فإنما نهي عنه إذا لم تكن فيه مصلحة، فأما ~~إذا كان فيه مصلحة، فلا بأس به، ولا يعد تضييعا، كإلقاء المتاع في البحر ~~إذا خيف الغرق، وقطع يد العبد السارق، مع أن المال لا تكاد المصلحة تحصل به ~~إلا بذهابه، فأكله إتلافه، وإنفاقه إذهابه، ولا يعد شيء من ذلك تضييعا ولا ~~إفسادا، ولا ينهى عنه. وأما المصحف، فلا يحرق؛ لحرمته، ولما تقدم من قول ~~سالم فيه، والحيوان لا يحرق؛ «لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعذب ~~بالنار إلا ربها» ، ولحرمة الحيوان في نفسه، ولأنه لا يدخل في اسم المتاع ~~المأمور بإحراقه. وهذا لا خلاف فيه. ولا تحرق آلة الدابة أيضا. # نص عليه أحمد؛ لأنه يحتاج إليها للانتفاع بها، ولأنها تابعة لما يحرق، ~~فأشبه جلد المصحف وكيسه. وقال الأوزاعي: يحرق سرجه وإكافه. # PageV09P306 # ولنا، أنه ملبوس حيوان، فلا يحرق، كثياب الغال. ولا تحرق ثياب الغال التي ~~عليه؛ لأنه لا يجوز تركه عريانا، ولا ما غل؛ لأنه من غنيمة المسلمين. قيل ~~لأحمد: فالذي أصاب في الغلول، أي شيء يصنع به؟ قال: يرفع إلى المغنم. # وكذلك قال الأوزاعي. ولا سلاحه؛ لأنه يحتاج إليه للقتال، ولا نفقته؛ لأن ~~ذلك مما لا يحرق عادة، وجميع ذلك، أو ما أبقت النار من حديد أو غيره، فهو ~~لصاحبه؛ لأن ملكه كان ثابتا عليه، ولم يوجد ما يزيله، وإنما عوقب بإحراق ~~متاعه، فما لم يحترق يبقى على ما كان. ويحتمل أن يباع المصحف، ويتصدق به؛ ~~لقول سالم فيه. # وإن كان معه شيء من كتب الحديث أو العلم، فينبغي أن لا تحرق أيضا؛ لأن ~~نفع ذلك يعود إلى الدين، وليس المقصود الإضرار به في دينه، وإنما القصد ~~الإضرار به في شيء من دنياه. ### | [فصل لم يحرق رحله حتى استحدث متاعا آخر الغنيمة] # (7604) فصل: وإن لم يحرق رحله حتى استحدث متاعا آخر، أو رجع إلى بلده، ~~أحرق ما كان معه حال الغلول. نص عليه أحمد في الذي يرجع إلى بلده. ms5136 قال: ~~ينبغي أن يحرق ما كان معه في أرض العدو. وإن مات قبل إحراق رحله، لم يحرق. ~~نص عليه أحمد؛ لأنها عقوبة، فتسقط بالموت، كالحدود، لأنه بالموت انتقل إلى ~~ورثته، فإحراقه عقوبة لغير الجاني. # وإن باع متاعه، أو وهبه، احتمل أن لا يحرق؛ لأنه صار لغيره، أشبه ما لو ~~انتقل عنه بالموت. واحتمل أن ينقض البيع والهبة ويحرق؛ لأنه تعلق به حق ~~سابق على البيع والهبة، فوجب تقديمه، كالقصاص في حق الجاني. ### | [فصل عدم إحراق متاع الغال في الغنيمة] # (7605) فصل: وإن كان الغال صبيا، لم يحرق متاعه. وبه قال الأوزاعي؛ لأن ~~الإحراق عقوبة. وليس هو من أهلها، فأشبه الحد. وإن كان عبدا، لم يحرق ~~متاعه؛ لأنه لسيده، فلا يعاقب سيده بجناية عبده. وإن استهلك ما غله، فهو في ~~رقبته؛ لأنه من جنايته. وإن غلت امرأة أو ذمي أحرق متاعهما؛ لأنهما من أهل ~~العقوبة، ولذلك يقطعان في السرقة، ويحدان في الزنى وغيره. وإن أنكر الغلول، ~~وذكر أنه ابتاع ما بيده، لم يحرق متاعه، حتى يثبت غلوله ببينة أو إقرار؛ ~~لأنه عقوبة به، فلا يجب قبل ثبوته بذلك، كالحد، ولا يقبل في بينته إلا ~~عدلان؛ لذلك. # (7606) فصل: ولا يحرم الغال سهمه. وقال أبو بكر: في ذلك روايتان؛ ~~إحداهما، يحرم سهمه؛ لأنه قد جاء في الحديث: يحرم سهمه. فإن صح، فالحكم له. ~~وقال الأوزاعي، في الصبي يغل: يحرم سهمه، ولا يحرق متاعه. ولنا، أن سبب ~~الاستحقاق موجود، فيستحق، كما لو لم يعلم، ولم يثبت حرمان سهمه في خبر، ولا ~~قياس، فيبقى بحاله، ولا يحرق سهمه، لأنه ليس من رحله. # PageV09P307 ### | [فصل تاب الغال قبل القسمة] # (7607) فصل: إذا تاب الغال قبل القسمة، رد ما أخذه في المقسم، بغير خلاف؛ ~~لأنه حق تعين رده إلى أهله. فإن تاب بعد القسمة، فمقتضى المذهب أن يؤدي ~~خمسه إلى الإمام، ويتصدق بالباقي. وهذا قول الحسن، والزهري، ومالك، ~~والأوزاعي، والثوري، والليث. # وروى سعيد بن منصور، عن عبد الله بن المبارك، عن صفوان بن عمرو. # عن حوشب بن سيف، قال: غزا ms5137 الناس الروم، وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن ~~الوليد، فغل رجل مائة دينار، فلما قسمت الغنيمة، وتفرق الناس، ندم، فأتى ~~عبد الرحمن، فقال: قد غللت مائة دينار، فاقبضها. قال: قد تفرق الناس، فلن ~~أقبضها منك حتى توافي الله بها يوم القيامة. فأتى معاوية، فذكر ذلك له، ~~فقال له مثل ذلك. فخرج وهو يبكي، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي، فقال: ~~ما يبكيك؟ فأخبره، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أمطيعي أنت يا عبد ~~الله؟ قال: نعم. قال: فانطلق إلى معاوية فقل له: خذ مني خمسك، فأعطه عشرين ~~دينارا، وانظر إلى الثمانين الباقية، فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله ~~تعالى يعلم أسماءهم ومكانهم، وإن الله يقبل التوبة عن عباده. فقال معاوية: ~~أحسن والله، لأن أكن أنا أفتيته بهذا أحب إلي من أن يكون لي مثل كل شيء ~~امتلكت. وعن ابن مسعود، أنه رأى أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه. وقال ~~الشافعي: لا أعرف للصدقة وجها، وقد جاء في حديث الغال، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا أقبله منك، حتى تجيء به يوم القيامة» . # ولنا قول من ذكرنا من الصحابة ومن بعدهم، ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم، ~~فيكون إجماعا، ولأن تركه تضييع له، وتعطيل لمنفعته التي خلق لها، ولا يتخفف ~~به شيء من إثم الغال، وفي الصدقة نفع لمن يصل إليه من المساكين، وما يحصل ~~من أجر الصدقة يصل إلى صاحبه، فيذهب به الإثم عن الغال، فيكون أولى. ### | [مسألة لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو] # (7608) مسألة؛ قال: ولا يقام الحد على مسلم في أرض العدو. وجملته أن من ~~أتى حدا من الغزاة، أو ما يوجب قصاصا، في أرض الحرب، لم يقم عليه حتى يقفل، ~~فيقام عليه حده. وبهذا قال الأوزاعي، وإسحاق. وقال مالك، والشافعي، وأبو ~~ثور، وابن المنذر: يقام الحد في كل موضع؛ لأن أمر الله تعالى بإقامته مطلق ~~في كل مكان وزمان، إلا أن الشافعي قال: إذا لم يكن أمير الجيش الإمام، أو ~~أمير ms5138 إقليم، فليس له إقامة الحد، ويؤخر حتى يأتي الإمام؛ لأن إقامة الحدود ~~إليه، وكذلك إن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود، أو قوة به، أو شغل عنه، ~~أخر. وقال أبو حنيفة: لا حد ولا قصاص في دار الحرب، ولا إذا رجع. # PageV09P308 # ولنا، على وجوب الحد، أمر الله تعالى ورسوله به، وعلى تأخيره، ما روى بشر ~~بن أبي أرطاة، أنه أتي برجل في الغزاة قد سرق بختية، فقال: لولا أني سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تقطع الأيدي في الغزاة» ~~لقطعتك. أخرجه أبو داود وغيره. ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -. ~~وروى سعيد، في سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم، عن أبيه، أن عمر كتب إلى ~~الناس، أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية رجلا من المسلمين حدا، وهو غاز، حتى ~~يقطع الدرب قافلا؛ لئلا تلحقه حمية الشيطان، فيلحق بالكفار. وعن أبي ~~الدرداء مثل ذلك. # وعن علقمة، قال: كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا ~~الوليد بن عقبة يشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم وقد ~~دنوتم من عدوكم، فيطمعوا فيكم. وأتي سعد بأبي محجن يوم القادسية، وقد شرب ~~الخمر، فأمر به إلى القيد، فلما التقى الناس قال أبو محجن: # كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا # وقال لابنة حفصة امرأة سعد: أطلقيني، ولك الله علي إن سلمني الله أن أرجع ~~حتى أضع رجلي في القيد، فإن قتلت، استرحتم مني. قال: فحلته حين التقى ~~الناس، وكانت بسعد جراحة، فلم يخرج يومئذ إلى الناس. قال: وصعدوا به فوق ~~العذيب ينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فوثب أبو محجن ~~على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحا، ثم خرج، فجعل لا يحمل على ~~ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس # PageV09P309 # يقولون: هذا ملك؛ لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الضبر ضبر البلقاء، ~~والطعن طعن أبي محجن، وأبو محجن في القيد. فلما هزم العدو، رجع أبو محجن ~~حتى وضع ms5139 رجليه في القيد. فأخبرت ابنة حفصة سعدا بما كان من أمره، فقال سعد: ~~لا والله، لا أضرب اليوم رجلا أبلى الله المسلمين به ما أبلاهم. فخلى ~~سبيله. فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها، فأما ~~إذا بهرجتني، فوالله لا أشربها أبدا. وهذا اتفاق لم يظهر خلافه. # فأما إذا رجع، فإنه يقام الحد عليه؛ لعموم الآيات والأخبار، وإنما أخر ~~لعارض، كما يؤخر لمرض أو شغل، فإذا زال العارض، أقيم الحد، لوجود مقتضيه، ~~وانتفاء معارضه، ولهذا قال عمر: حتى يقطع الدرب قافلا. ### | [فصل تقام الحدود في الثغور] # (7609) فصل: وتقام الحدود في الثغور، بغير خلاف نعلمه؛ لأنها من بلاد ~~الإسلام، والحاجة داعية إلى زجر أهلها، كالحاجة إلى زجر غيرهم، وقد كتب عمر ~~إلى أبي عبيدة، أن يجلد من شرب الخمر ثمانين، وهو بالشام، وهو من الثغور. ### | [مسألة الإمام إذا ظفر بالكفار لم يجز أن يقتل صبيا لم يبلغ] # (7610) مسألة؛ قال: وإذا فتح حصن، لم يقتل من لم يحتلم، أو ينبت، أو يبلغ ~~خمس عشرة سنة. وجملة ذلك أن الإمام إذا ظفر بالكفار، لم يجز أن يقتل صبيا ~~لم يبلغ، بغير خلاف. وقد روى ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «نهى عن قتل النساء والصبيان» . متفق عليه. # ولأن الصبي يصير رقيقا بنفس السبي، ففي قتله إتلاف المال، وإذا سبي ~~منفردا صار مسلما، فإتلافه إتلاف من يمكن جعله مسلما، والبلوغ يحصل بأحد ~~أسباب ثلاثة؛ أحدها، الاحتلام، وهو خروج المني من ذكر الرجل أو قبل الأنثى ~~في يقظة أو منام. وهذا لا خلاف فيه، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث ~~مرات} [النور: 58] ثم قال: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما ~~استأذن الذين من قبلهم} [النور: 59] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا يتم بعد احتلام» . وقال لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارا» . رواهما أبو ~~داود. # الثاني، إنبات الشعر الخشن حول القبل، وهو علامة ms5140 على البلوغ، بدليل ما ~~روى «عطية القرظي، قال: # PageV09P310 # كنت من سبي قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم ~~يقتل، فكنت في من لم ينبت» . أخرجه الأثرم، والترمذي. وقال: هذا حديث حسن ~~صحيح. وعن كثير بن السائب، قال: «حدثني أبناء قريظة، أنهم عرضوا على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فمن كان منهم محتلما أو نبتت عانته قتل، ومن لا، ~~ترك.» أخرجه الأثرم. وعن أسلم مولى عمر، أن عمر كان يكتب إلى أمراء ~~الأجناد، أن لا يقتلوا إلا ممن جرت عليه المواسي، ولا يأخذوا الجزية إلا ~~ممن جرت عليه المواسي. # وحكي عن الشافعي، أن هذا بلوغ في حق الكفار، لأنه لا يمكن الرجوع إلى ~~قولهم في الاحتلام، وعدد السنين، وليس بعلامة عليه في حق المسلمين؛ لإمكان ~~ذلك فيهم. ولنا، قول أبي نضرة، وعقبة بن عامر، حين اختلف في بلوغ تميم بن ~~فرع المهري: انظروا، فإن كان قد أشعر، فاقسموا له. فنظر إليه بعض القوم، ~~فإذا هو قد أنبت، فقسموا له. ولم يظهر خلاف هذا، فكان إجماعا. # ولأنه علم على البلوغ في حق الكافر، فكان علما عليه في حق المسلم ~~كالعلمين الآخرين، ولأنه أمر يلازم البلوغ غالبا، فكان علما عليه، ~~كالاحتلام. وقولهم: إنه يتعذر في حق الكافر معرفة الاحتلام والسن. قلنا: لا ~~تتعذر معرفة السن في الذمي الناشئ بين المسلمين، ثم تعذر المعرفة لا يوجب ~~جعل ما ليس بعلامة، كغير الإنبات. الثالث، بلوغ خمس عشرة سنة؛ لما # روى ابن عمر، قال: «عرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن أربع ~~عشرة سنة، فلم يجزني في القتال، وعرضت عليه، وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني في ~~المقاتلة.» قال نافع: فحدثت عمر بن عبد العزيز بهذا الحديث، فقال: هذا فصل ~~ما بين الرجال وبين الغلمان متفق عليه. وهذه العلامات الثلاث في حق الذكر ~~والأنثى، وتزيد الأنثى بعلامتين؛ الحيض والحمل، فمن لم يوجد فيه علامة ~~منهن، فهو صبي يحرم قتله. ### | [فصل لا تقتل امرأة ولا شيخ في دار الحرب] # (7611) فصل: ولا تقتل ms5141 امرأة، ولا شيخ فان. وبذلك قال ومالك، وأصحاب ~~الرأي. وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، ومجاهد. # وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {ولا تعتدوا} [البقرة: 190] . يقول: لا ~~تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير. وقال الشافعي، في أحد قوليه، وابن ~~المنذر: يجوز قتل الشيوخ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اقتلوا شيوخ ~~المشركين، واستحيوا شرخهم» . رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن ~~صحيح. ولأن الله تعالى قال: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] . وهذا عام ~~يتناول بعمومه الشيوخ. # قال ابن المنذر: لا أعرف حجة في ترك # PageV09P311 # قتل الشيوخ يستثنى بها من عموم قوله: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] . ~~ولأنه كافر لا نفع في حياته، فيقتل كالشاب. ولنا، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا امرأة» . رواه أبو داود، ~~في سننه. وروي عن أبي بكر الصديق، - رضي الله عنه - أنه وصى يزيد حين وجهه ~~إلى الشام، فقال: لا تقتل صبيا، ولا امرأة، ولا هرما. # وعن عمر، أنه وصى سلمة بن قيس، فقال: لا تقتلوا امرأة، ولا صبيا، ولا ~~شيخا هرما. رواهما سعيد. ولأنه ليس من أهل القتال، فلا يقتل، كالمرأة. وقد ~~أومأ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه العلة في المرأة، فقال: «ما بال ~~هذه قتلت، وهي لا تقاتل» . والآية مخصوصة بما روينا، ولأنه قد خرج من ~~عمومها المرأة، والشيخ الهرم في معناها، فنقيسه عليها. # وأما حديثهم، فأراد به الشيوخ الذين فيهم قوة على القتال، أو معونة عليه، ~~برأي أو تدبير، جمعا بين الأحاديث، ولأن أحاديثنا خاصة في الهرم، وحديثهم ~~عام في الشيوخ كلهم، والخاص يقدم على العام، وقياسهم ينتقض بالعجوز التي لا ~~نفع فيها. ### | [فصل لا يقتل زمن ولا أعمى ولا راهب في دار الحرب] # (7612) فصل: ولا يقتل زمن ولا أعمى ولا راهب، والخلاف فيهم كالخلاف في ~~الشيخ، وحجتهم ها هنا حجتهم فيه. ولنا، في الزمن والأعمى، أنهما ليسا من ~~أهل القتال، فأشبها المرأة، وفي الراهب، ما روي في حديث أبي بكر الصديق، - ~~رضي الله عنه - أنه قال: ms5142 «وستمرون على أقوام في الصوامع، قد حبسوا أنفسهم ~~فيها، فدعوهم حتى يميتهم الله على ضلالهم» . ولأنهم لا يقاتلون تدينا، ~~فأشبهوا من لا يقدر على القتال. ### | [فصل لا يقتل العبيد في دار الحرب] # (7613) فصل: ولا يقتل العبيد. وبه قال الشافعي؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أدركوا خالدا، فمروه أن لا يقتل ذرية، ولا عسيفا» . وهم ~~العبيد؛ ولأنهم يصيرون رقيقا للمسلمين بنفس السبي، فأشبهوا النساء ~~والصبيان. ### | [فصل جاز قتل أصحاب العاهات إذا كان له سبيل على المسلمين في الحرب] # (7614) فصل: ومن قاتل ممن ذكرنا جميعهم، جاز قتله؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «قتل يوم قريظة امرأة ألقت رحى على محمود بن سلمة» . ومن كان ~~من هؤلاء الرجال المذكورين ذا رأي يعين به في الحرب، جاز قتله «؛ لأن دريد ~~بن الصمة قتل يوم حنين، وهو شيخ لا قتال فيه، وكانوا خرجوا به معهم، ~~يتيمنون به، ويستعينون برأيه، فلم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قتله.» ولأن الرأي من أعظم المعونة في الحرب، وقد جاء عن معاوية، أنه قال ~~لمروان والأسود: أمددتما عليا بقيس بن سعد، وبرأيه ومكايدته، فوالله لو ~~أنكما أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل، ما كان بأغيظ لي من ذلك. # PageV09P312 ### | [مسألة قتال النساء أو المشايخ أو الرهبان في المعركة] # مسألة، قال: (ومن قاتل من هؤلاء أو النساء أو المشايخ أو الرهبان في ~~المعركة قتل) لا نعلم فيه خلافا وبهذا قال الأوزاعي والثوري والليث ~~والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقد جاء عن ابن عباس قال: «مر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بامرأة مقتولة يوم الخندق فقال: من قتل هذه؟ قال رجل: أنا ~~يا رسول الله قال: ولم؟ قال: نازعتني قائم سيفي قال: فسكت» «ولأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وقف على امرأة مقتولة، فقال: ما بالها قتلت، وهي لا ~~تقاتل» . وهذا يدل على أنه إنما نهى عن قتل المرأة إذا لم تقاتل، ولأن ~~هؤلاء إنما لم يقتلوا لأنهم في العادة لا يقاتلون. ### | [فصل قتال المريض في المعركة] # (7616) فصل: فأما المريض، فيقتل إذا ms5143 كان ممن لو كان صحيحا قاتل لأنه ~~بمنزلة الإجهاز على الجريح، إلا أن يكون مأيوسا من برئه فيكون بمنزلة ~~الزمن، لا يقتل، لأنه لا يخاف منه أن يصير إلى حال يقاتل فيها. ### | [فصل قتال الحراث في المعركة] # (7617) فصل فأما الفلاح الذي لا يقاتل، فينبغي أن لا يقتل، لما روي عن ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: اتقوا الله في الفلاحين، الذين لا ~~ينصبون لكم الحرب وقال الأوزاعي لا يقتل الحراث، إذا علم أنه ليس من ~~المقاتلة، وقال الشافعي يقتل، إلا أن يؤدي الجزية، لدخوله في عموم ~~المشركين، ولنا قول عمر وأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يقتلوهم حين فتحوا البلاد، ولأنهم لا يقاتلون، فأشبهوا الشيوخ والرهبان. ### | [فصل حاصر الإمام حصنا] # (7618) فصل: إذا حاصر الإمام حصنا، لزمته مصابرته، ولا ينصرف عنه إلا ~~بخصلة من خصال خمس أحدها، أن يسلموا، فيحرزوا بالإسلام دماءهم وأموالهم ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا ~~إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» وإن ~~أسلموا بعد الفتح، عصموا دماءهم دون أموالهم، ويرقون. # الثانية، أن يبذلوا مالا على الموادعة، فيجوز قبوله منهم، سواء أعطوه ~~جملة أو جعلوه خراجا مستمرا يؤخذ منهم كل عام، فإن كانوا ممن تقبل منهم ~~الجزية، فبذلوها، لزمه قبولها منهم، وحرم قتالهم، لقول الله # PageV09P313 # تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] وإن بذلوا مالا ~~على غير وجه الجزية، فرأى # المصلحة # في قبوله، قبله، ولا يلزمه قبوله إذا لم ير # المصلحة # فيه. # الثالثة، أن يفتحه. الرابعة، أن يرى # المصلحة # في الانصراف عنه، إما لضرر في الإقامة، وإما لليأس منه، وإما لمصلحة ~~ينتهزها تفوت بإقامته، فينصرف عنه لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- حاصر أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا، فقال: إنا قافلون إن شاء الله غدا ~~فقال المسلمون: أنرجع عنه ولم نفتحه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: اغدوا على القتال فغدوا عليه، فأصابهم الجراح، فقال ms5144 لهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إنا قافلون غدا. فأعجبهم، فقفل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -» متفق عليه # الخامسة، أن ينزلوا على حكم حاكم، فيجوز، لما روي «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه لما حاصر بني قريظة، رضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ~~فأجابهم إلى ذلك» والكلام فيه في فصلين، أحدهما، صفة الحاكم. # والثاني، صفة الحكم فيعتبر فيه سبعة شروط، أن يكون الحاكم حرا، مسلما، ~~عاقلا، بالغا، ذكرا، عدلا، فقيها، كما يشترط في حاكم المسلمين. # ويجوز أن يكون أعمى، لأن عدم البصر لا يضر في مسألتنا لأن المقصود رأيه، ~~ومعرفة المصلحة في أحد أقسام الحكم، ولا يضر عدم البصر فيه، بخلاف القضاء، ~~فإنه لا يستغني عن البصر، ليعرف المدعي من المدعى عليه، والشاهد من المشهود ~~له والمشهود عليه، والمقر من المقر له ويعتبر من الفقه هاهنا ما يتعلق بهذا ~~الحكم، مما يجوز فيه، ويعتبر له، ونحو ذلك. # ولا يعتبر فقهه في جميع الأحكام التي لا تعلق لها بهذا لهذا حكم سعد بن ~~معاذ، ولم يثبت أنه كان عالما بجميع الأحكام وإذا حكموا رجلين جاز، ويكون ~~الحكم ما اتفقا عليه وإن جعلوا الحكم إلى رجل يعينه الإمام، جاز، لأنه لا ~~يختار إلا من يصلح وإن نزلوا على حكم رجل منهم، أو جعلوا التعيين إليهم، لم ~~يجز لأنهم ربما اختاروا من لا يصلح، وإن عينوا رجلا يصلح، فرضيه الإمام، ~~جاز، لأن بني قريظة رضوا بحكم سعد بن معاذ وعينوه، فرضيه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأجاز حكمه. # وقال «لقد حكمت فيهم بحكم الله» وإن مات من اتفقوا عليه فاتفقوا على غيره ~~ممن يصلح، قام مقامه، وإن لم يتفقوا على من يقوم مقامه، أو طلبوا حكما لا ~~يصلح، ردوا إلى مأمنهم، وكانوا على الحصار حتى يتفقوا، وكذلك إن رضوا ~~باثنين، فمات أحدهما، فاتفقوا على من يقوم مقامه، جاز، وإلا ردوا إلى ~~مأمنهم وكذلك إن رضوا بتحكيم من لم تجتمع الشرائط فيه، ووافقهم الإمام ~~عليه، ثم بان أنه لا ms5145 يصلح، لم يحكم، ويردون إلى مأمنهم كما كانوا. # وأما صفة الحكم، فإن حكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، نفذ حكمه لأن ~~سعد بن معاذ حكم في بني قريظة بذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» # PageV09P314 # وإن حكم بالمن على المقاتلة، وسبي الذرية فقال القاضي: يلزم حكمه، وهو ~~مذهب الشافعي لأن الحكم إليه فيما يرى # المصلحة # فيه، فكان له المن، كالإمام في الأسير. # واختار أبو الخطاب أن حكمه لا يلزم، لأن عليه أن يحكم بما فيه الحظ، ولا ~~حظ للمسلمين في المن وإن حكم بالمن على الذرية فينبغي أن لا يجوز، لأن ~~الإمام لا يملك المن على الذرية إذا سبوا فكذلك الحاكم، ويحتمل الجواز، لأن ~~هؤلاء لم يتعين السبي فيهم، بخلاف من سبي، فإنه يصير رقيقا بنفس السبي وإن ~~حكم عليهم بالفداء جاز لأن الإمام مخير في الأسرى بين القتل والفداء، ~~والاسترقاق والمن. # فكذلك الحاكم وإن حكم عليهم بإعطاء الجزية لم يلزم حكمه، لأن عقد الذمة ~~عقد معاوضة، فلا يثبت إلا بالتراضي، ولذلك لا يملك الإمام إجبار الأسير على ~~إعطاء الجزية. # وإن حكم بالقتل والسبي جاز للإمام المن على بعضهم، «لأن ثابت بن قيس سأل ~~في الزبير بن باطا، من قريظة، وماله، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأجابه» . ويخالف مال الغنيمة إذا حازه المسلمون، لأن ملكهم استقر عليه وإن ~~أسلموا قبل الحكم عليهم، عصموا دماءهم وأموالهم، لأنهم أسلموا وهم أحرار، ~~وأموالهم لهم، فلم يجز استرقاقه، بخلاف الأسير، فإن الأسير قد ثبتت اليد ~~عليه، كما تثبت على الذرية، فلذلك جاز استرقاقه. # PageV09P315 # وإن أسلموا بعد الحكم عليهم، نظرت، فإن كان قد حكم عليهم بالقتل، سقط، ~~لأن من أسلم فقد عصم دمه، ولم يجز استرقاقهم، لأنهم أسلموا قبل استرقاقهم ~~قال أبو الخطاب: ويحتمل جواز استرقاقهم، كما لو أسلموا بعد الأسر، ويكون ~~المال على ما حكم فيه، وإن حكم بأن المال للمسلمين، كان غنيمة، لأنهم أخذوه ~~بالقهر والحصر. ### | [مسألة الأسير إذا خلاه الكفار واستحلفوه على ms5146 أن يبعث إليهم بفدائه] # (7619) مسألة، قال: (وإذا خلي الأسير منا، وحلف أن يبعث إليهم بشيء يعينه ~~أو يعود إليهم، فلم يقدر عليه، لم يرجع إليهم) وجملته أن الأسير إذا خليه ~~الكفار، واستحلفوه على أن يبعث إليهم بفدائه أو يعود إليهم، نظرت، فإن ~~أكرهوه بالعذاب، لم يلزمه الوفاء لهم برجوع ولا فداء، لأنه مكره فلم يلزمه ~~ما أكره عليه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي عن الخطأ ~~والنسيان، وما استكرهوا عليه» وإن لم يكره عليه، وقدر على الفداء الذي ~~التزمه، لزمه أداؤه وبهذا قال عطاء، والحسن والزهري والنخعي والثوري ~~والأوزاعي. # وقال الشافعي، أيضا: لا يلزمه، لأنه حر لا يستحقون بدله ولنا قول الله ~~تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] # «ولما صالح النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل الحديبية على رد من جاءه ~~مسلما وفى لهم بذلك. وقال: إنا لا يصلح في ديننا الغدر» ولأن في الوفاء ~~مصلحة للأسارى، وفي الغدر مفسدة في حقهم، لأنهم لا يؤمنون بعده، والحاجة ~~داعية إليه، فلزمه الوفاء به، كما يلزمه الوفاء بعقد الهدنة، ولأنه عاهدهم ~~على أداء مال، فلزمه الوفاء به، كثمن المبيع، والمشروط في عقد الهدنة في ~~موضع يجوز شرطه، وما ذكروه باطل بما إذا شرط رد من جاءه مسلما، أو شرط لهم ~~مالا في عقد الهدنة. # فأما إن عجز عن الفداء، نظرنا، فإن كان المفادى امرأة، لم ترجع إليهم، ~~ولم يحل لها ذلك لقول الله تعالى: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] ~~ولأن في رجوعها تسليطا لهم على وطئها حراما، وقد منع الله تعالى رسوله رد ~~النساء إلى الكفار بعد صلحه على ردهن في قصة الحديبية، وفيها: فجاء نسوة ~~مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن. رواه أبو داود وغيره # وإن كان رجلا، ففيه روايتان، إحداهما، لا يرجع أيضا، وهو قول الحسن ~~والنخعي والثوري والشافعي لأن الرجوع إليهم معصية فلم يلزم بالشرط، كما لو ~~كان امرأة، وكما لو شرط قتل مسلم، أو شرب الخمر. # PageV09P316 # والثانية، يلزمه. # وهو قول عثمان والزهري والأوزاعي ومحمد بن سوقة ms5147 لما ذكرنا في بعث الفداء ~~«ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عاهد قريشا على رد من جاءه مسلما، ~~ورد أبا بصير وقال: إنا لا يصلح في ديننا الغدر» وفارق رد المرأة، فإن الله ~~تعالى فرق بينهما في هذا الحكم، حين صالح النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قريشا على رد من جاءه منهم مسلما، فأمضى الله ذلك في الرجال، ونسخه في ~~النساء، وقد ذكرنا الفرق بينهما من ثلاثة أوجه تقدمت. ### | [فصل أطلقوه وآمنوه السبي] # (7620) فصل: فإن أطلقوه وآمنوه، صاروا في أمان منه لأن أمانهم له يقتضي ~~سلامتهم منه فإن أمكنه المضي إلى دار الإسلام، لزمه، وإن تعذر عليه أقام، ~~وكان حكمه حكم من أسلم في دار الحرب فإن أخذ في الخروج، فأدركوه وتبعوه، ~~قاتلهم، وبطل الأمان لأنهم طلبوا منه المقام وهو معصية، فأما إن أطلقوه ولم ~~يؤمنوه، فله أن يأخذ منهم ما قدر، عليه ويسرق ويهرب، لأنه لم يؤمنهم ولم ~~يؤمنوه، وإن أطلقوه، وشرطوا عليه المقام عندهم، لزمه ما شرطوا عليه لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنون عند شروطهم» . # وقال أصحاب الشافعي: لا يلزمه فأما إن أطلقوه على أنه رقيق لهم، فقال أبو ~~الخطاب: له أن يسرق ويهرب ويقتل، لأن كونه رقيقا حكم شرعي، لا يثبت عليه ~~بقوله، ولو ثبت لم يقتض أمانا له منهم، ولا لهم منه وهذا مذهب الشافعي. وإن ~~أحلفوا على هذا، فإن كان مكرها على اليمين، لم تنعقد يمينه، وإن كان مختارا ~~فحنث، كفر يمينه. # ويحتمل أن تلزمه الإقامة، على الرواية التي تلزمه الرجوع إليهم في ~~المسألة الأولى، وهو قول الليث. ### | [فصل شراء الأسير واقتراضه] # (7621) فصل: وإن اشترى الأسير شيئا مختارا، أو اقترضه، فالعقد صحيح، ~~ويلزمه الوفاء لهم لأنه عقد معاوضة، فأشبه ما لو فعله غير الأسير، وإن كان ~~مكرها، لم يصح، فإن أكرهوه على قبضه، لم يضمنه، ولكن عليه رده إليهم إن كان ~~باقيا، لأنهم دفعوه إليه بحكم العقد، وإن قبضه باختياره، ضمنه، لأنه قبضه ~~عن عقد فاسد، وإن باعه والعين قائمة لزمه ردها، ms5148 لأن العقد باطل، وإن عدمت ~~العين، رد قيمتها. ### | [مسألة للمسلم الهرب من الكافر إذا خشي الأسر في الحرب] # (7622) مسألة قال (ولا يحل لمسلم أن يهرب من كافرين، ومباح له أن يهرب من ~~ثلاثة، فإن خشي الأسر، قاتل حتى يقتل) وجملته أنه إذا التقى المسلمون ~~والكفار، وجب الثبات، وحرم الفرار بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} [الأنفال: 15] الآية وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون} [الأنفال: 45] « # PageV09P317 # وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الفرار يوم الزحف، فعده من الكبائر» . # وحكي عن الحسن والضحاك أن هذا كان يوم بدر خاصة ولا يجب في غيرها، والأمر ~~مطلق وخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عام، فلا يجوز التقييد والتخصيص ~~إلا بدليل، وإنما يجب الثبات بشرطين، أحدهما، أن يكون الكفار لا يزيدون على ~~ضعف المسلمين، فإن زادوا عليه جاز الفرار لقول الله تعالى: {الآن خفف الله ~~عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} [الأنفال: ~~66] . # وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر، فهو أمر، بدليل قوله: {الآن خفف الله عنكم} ~~[الأنفال: 66] ولو كان خبرا على حقيقته، لم يكن ردنا من غلبة الواحد للعشرة ~~إلى غلبة الاثنين تخفيفا، ولأن خبر الله تعالى صدق لا يقع بخلاف مخبره وقد ~~علم أن الظفر والغلبة لا يحصل للمسلمين في كل موطن يكون العدو فيه ضعف ~~المسلمين فما دون، فعلم أنه أمر وفرض، ولم يأت شيء ينسخ هذه الآية، لا في ~~كتاب ولا سنة، فوجب الحكم بها. # قال ابن عباس: نزلت: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: ~~65] فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء ~~تخفيف فقال: {الآن خفف الله عنكم} [الأنفال: 66] /إلى قوله: {يغلبوا ~~مائتين} [الأنفال: 65] فلما خفف الله عنهم من العدد، نقص من الصبر بقدر ما ~~خفف من العدد رواه أبو داود. # وقال ابن عباس من فر من اثنين، فقد ms5149 فر، ومن فر من ثلاثة فما فر الثاني، ~~أن لا يقصد بفراره التحيز إلى فئة، ولا التحرف لقتال، فإن قصد أحد هذين، ~~فهو مباح له، لأن الله تعالى قال: {إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} ~~[الأنفال: 16] . # ومعنى التحرف للقتال، أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ~~ينحاز من مواجهة الشمس، أو الريح إلى استدبارهما أو من نزلة إلى علو، أو من ~~معطشة إلى موضع ماء، أو يفر بين أيديهم لتنتقض صفوفهم، أو تنفرد خيلهم من ~~رجالتهم، أو ليجد فيهم فرصة، أو ليستند إلى جبل، ونحو ذلك مما جرت به عادة ~~أهل الحرب. # وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يوما في خطبته إذ قال: يا سارية ~~بن زنيم، الجبل، ظلم الذئب من استرعاه الغنم. فأنكرها الناس فقال علي - رضي ~~الله عنه -: دعوه. فلما نزل سألوه عما قال، فلم يعترف به، وكان قد بعث ~~سارية إلى ناحية العراق لغزوهم فلما قدم ذلك الجيش أخبروا أنهم لقوا عدوهم ~~يوم جمعة، فظهر عليهم، فسمعوا صوت عمر فتحيزوا إلى الجبل، فنجوا من عدوهم ~~فانتصروا عليهم # PageV09P318 # وأما التحيز إلى فئة، فهو أن يصير إلى فئة من المسلمين، ليكون معهم، ~~فيقوى بهم على عدوهم وسواء بعدت المسافة أو قربت. # قال القاضي: لو كانت الفئة بخراسان. والفئة بالحجاز، جاز التحيز إليها ~~ونحوه ذكر الشافعي لأن ابن عمر روى، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~إني فئة لكم وكانوا بمكان بعيد منه» وقال عمر أنا فئة كل مسلم. وكان ~~بالمدينة وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان رواهما سعيد. # وقال عمر رحم الله أبا عبيدة لو كان تحيز إلي لكنت له فئة وإذا خشي الأسر ~~فالأولى له أن يقاتل حتى يقتل، ولا يسلم نفسه للأسر، لأنه يفوز بثواب ~~الدرجة الرفيعة، ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب والاستخدام والفتنة. # وإن استأسر جاز لما روى أبو هريرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث ~~عشرة عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، فنفرت إليهم هذيل بقريب ms5150 من مائة رجل ~~رام، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه، لجئوا إلى فدد فقالوا لهم: انزلوا فأعطونا ~~ما بأيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا فقال عاصم:. أما أنا ~~فلا أنزل في ذمة كافر فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصما في سبعة معه، ونزل إليهم ~~ثلاثة على العهد والميثاق، منهم خبيب وزيد بن الدثنة، فلما استمكنوا منهم، ~~أطلقوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها» متفق عليه فعاصم أخذ بالعزيمة، وخبيب ~~وزيد أخذا بالرخصة، وكلهم محمود غير مذموم ولا ملوم. ### | [فصل كان العدو أكثر من ضعف المسلمين فغلب على ظن المسلمين الظفر] # (7623) فصل: وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين، فغلب على ظن المسلمين ~~الظفر، فالأولى لهم الثبات، لما في ذلك من # المصلحة # ، وإن انصرفوا جاز، لأنهم لا يأمنون العطب والحكم علق على مظنته، وهو ~~كونهم أقل من نصف عددهم، ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من النصف، وإن ~~غلب على ظنهم الهلاك فيه. # PageV09P319 # ويحتمل أن يلزمهم الثبات إن غلب على ظنهم الظفر، لما فيه من # المصلحة # وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة، والنجاة في الانصراف فالأولى لهم ~~الانصراف، وإن ثبتوا جاز، لأن لهم غرضا في الشهادة، ويجوز أن يغلبوا أيضا ~~وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة والانصراف، فالأولى لهم الثبات، ~~لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين، فيكونون أفضل من ~~المولين، ولأنه يجوز أن يغلبوا أيضا، فإن الله تعالى يقول: {كم من فئة ~~قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] ولذلك ~~صبر عاصم وأصحابه، فقاتلوا حتى أكرمهم الله بالشهادة. ### | [فصل جاء العدو بلدا فلأهله التحصن منهم] # (7624) فصل: فإن جاء العدو بلدا، فلأهله التحصن منهم، وإن كانوا أكثر من ~~نصفهم ليلحقهم مدد أو قوة، ولا يكون ذلك توليا ولا فرارا، إنما التولي بعد ~~لقاء العدو وإن لقوهم خارج الحصن فلهم التحيز إلى الحصن، لأنه بمنزلة ~~التحرف للقتال، أو التحيز إلى فئة. # وإن غزوا فذهبت دوابهم، فليس ذلك عذرا في الفرار، لأن القتال ممكن ~~للرجالة وإن تحيزوا إلى جبل ليقاتلوا ms5151 في رجالة، فلا بأس، لأنه تحرف للقتال ~~وإن ذهب سلاحهم، فتحيزوا إلى مكان يمكنهم القتال فيه بالحجارة، والتستر ~~بالشجر ونحوه أو لهم في التحيز إليه فائدة جاز. ### | [فصل ولى قوم قبل إحراز الغنيمة وأحرزها الباقون] # (7625) فصل: فإن ولى قوم قبل إحراز الغنيمة، وأحرزها الباقون، فلا شيء ~~للفارين، لأن إحرازها حصل بغيرهم، فكان ملكها لمن أحرزها وإن ذكروا أنهم ~~فروا متحيزين إلى فئة، أو متحرفين للقتال، فلا شيء لهم أيضا، لذلك وإن فروا ~~بعد إحراز الغنيمة، لم يسقط حقهم منها لأنهم ملكوا الغنيمة بحيازتها، فلم ~~يزل ملكهم عنها بفرارهم ### | [فصل ألقى الكفار نارا في سفينة فيها مسلمون فاشتعلت فيها] # (7626) فصل: فإذا ألقى الكفار نارا في سفينة فيها مسلمون فاشتعلت فيها، ~~فما غلب على ظنهم السلامة فيه، من بقائهم في مركبهم، أو إلقاء نفوسهم في ~~الماء، فالأولى لهم فعله، وإن استوى عندهم الأمران، فقال أحمد كيف شاء يصنع ~~قال الأوزاعي هما موتتان، فاختر أيسرهما. # وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنهم يلزمهم المقام، لأنهم إذا رموا ~~نفوسهم في الماء، كان موتهم بفعلهم، وإن أقاموا فموتهم بفعل غيرهم. ### | [مسألة أجر نفسه بعد أن غنموا على حفظ الغنيمة] # (7627) مسألة، قال: (ومن أجر نفسه، بعد أن غنموا، على حفظ الغنيمة، فمباح ~~له ما أخذ، إن كان راجلا، أو على دابة يملكها) # PageV09P320 # وجملته أن الغنيمة إذا احتاجت إلى من يحفظها، أو سوق الدواب التي هي ~~منها، أو يرعاها، أو يحملها، فإن للإمام أن يستأجر من يفعل ذلك، ويؤدي ~~أجرتها منها لأن ذلك من مؤنتها، فهو كعلف الدواب، وطعام السبي، ومن أجر ~~نفسه على فعل شيء من ذلك، فله أجرته مباحة، لأنه أجر نفسه لفعل بالمسلمين ~~إليه حاجة، فحلت له أجرته كما لو أجر نفسه على الدلالة إلى الطريق. # فأما قوله: إن كان راجلا أو على دابة يملكها. فإنه يعني به لا يركب من ~~دواب المغنم، ولا فرسا حبيسا. # قال أحمد لا بأس أن يؤجر الرجل نفسه على دابته وكره أن يستأجر القوم على ~~سباق الرمك على ms5152 فرس حبيس، لأنه يستعمل الفرس الموقوفة للجهاد فيما يختص ~~منفعة نفسه فإن أجر نفسه، فركب الدابة الحبيس، أو دابة من المغنم، لم تطب ~~له أجرة، لأن المعين له على العمل يختص منفعة نفسه، فلا يجوز أن يستعمل فيه ~~دواب المغنم، ولا دواب الحبيس وينبغي أن يلزمه بقدر أجر الدابة، يرد في ~~الغنيمة إن كانت من الغنيمة، أو يصرف في نفقة دواب الحبيس إن كان الفرس ~~حبيسا. # (7628) فصل: فإن شرط في الإجارة ركوب دابة من الغنيمة فينبغي أن يجوز، ~~لأن ذلك بمنزلة أجرة تدفع من المغنم. ولو أجر نفسه بدابة معينة من المغنم، ~~صح فإذا جعل أجره ركوبها، كان أولى، إلا أن يكون العمل مجهولا، فلا يجوز، ~~لأن من شرط صحة إجارتها كون عوضها معلوما. وإن شرط في الإجارة ركوب دابة من ~~الحبيس لم يجز، لأنها إنما حبست على الجهاد، وليس هذا بجهاد، إنما هو نفع ~~لأهل الغنيمة ### | [فصل الانتفاع من الغنيمة] # (7629) فصل: ولا يجوز الانتفاع من الغنيمة بركوب دابة منها ولا لبس ثوب ~~من ثيابها، لما روى رويفع بن ثابت، قال: لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يوم خيبر: «من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر، فلا يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها، ردها فيه، ومن كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس ثوبا من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه، ~~رده فيه» . رواه أبو داود، والأثرم وعن رجل من بليدة قال: «أتيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو بوادي القرى، فقلت: ما تقول في الغنيمة؟ فقال: ~~لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش فقلت: فما أحد أولى به أحد؟ قال: لا، ولا ~~السهم تستخرجه من جنبك أنت أحق به من أخيك المسلم» رواه الأثرم. # ولأن الغنيمة مشتركة بين الغانمين وأهل الخمس، فلم يجز لواحد الاختصاص ~~بمنفعته، كغيره من الأموال المشتركة، فإن دعت الحاجة إلى القتال بسلاحهم، ~~فلا بأس قال أحمد إذا كان أنكى فيهم، أو خاف على نفسه، فنعم # PageV09P321 # وذكر حديث سيف ms5153 أبي جهل. # وهو ما روى عبد الله بن مسعود قال: انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت ~~رجله، فقلت: الحمد لله الذي أخزاك يا أبا جهل فأضربه بسيف معي غير طائل، ~~فوقع سيفه من يده، فأخذت سيفه، فضربته به حتى برد رواه الأثرم وفي ركوب ~~الفرس للجهاد روايتان، إحداهما، يجوز، كما يجوز في السلاح، والثانية، لا ~~يجوز، لأنها تتعرض للعطب غالبا، وقيمتها كثيرة، بخلاف السلاح. ### | [مسألة صفة الأمان] # (7630) مسألة، قال: (ومن لقي علجا، فقال له: قف، أو: ألق سلاحك فقد أمنه) ~~. قد تقدم الكلام في من يصح أمانه، ونذكر هاهنا صفة الأمان، فالذي ورد به ~~الشرع لفظتان؛ أجرتك وأمنتك لقول الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره} [التوبة: 6] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قد أجرنا من أجرت، ~~وأمنا من أمنت» . # وقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن» . وفي معنى ~~ذلك إذا قال: لا تخف، لا تذهل، لا تخش، لا خوف عليك، لا بأس عليك وقد روي ~~عن عمر أنه قال: إذا قلتم: لا بأس، أو لا تذهل، أو مترس فقد أمنتموهم. فإن ~~الله تعالى يعلم الألسنة وفي رواية أخرى: إذا قال الرجل للرجل: لا تخف فقد ~~أمنه، وإذا قال: لا تذهل. فقد أمنه. فإن الله يعلم الألسنة. # وروي أن عمر قال للهرمزان: تكلم، ولا بأس عليك. فلما تكلم، أمر عمر ~~بقتله، فقال أنس بن مالك ليس لك إلى ذلك سبيل، قد أمنته فقال عمر كلا، فقال ~~الزبير قد قلت له: تكلم، ولا بأس عليك فدرأ عنه عمر القتل رواه سعيد وغيره. # وهذا كله لا نعلم فيه خلافا فأما إن قال له: قم، أو قف، أو ألق سلاحك. ~~فقال أصحابنا: هو أمان أيضا، لأن الكافر يعتقد هذا أمانا، فأشبه قوله: ~~أمنتك وقال الأوزاعي إن ادعى الكافر أنه آمن، أو قال: إنما وقفت لندائك فهو ~~آمن، إن لم يدع ذلك فلا يقبل. . # ويحتمل أن هذا ليس بأمان، لأن لفظه لا يشعر به، وهو ms5154 يستعمل للإرهاب ~~والتخويف، فلم يكن أمانا، لقوله: لأقتلنك لكن يرجع إلى القائل، فإن قال: ~~نويت به الأمان. فهو أمان، وإن قال: # PageV09P322 # لم أرد أمانه. نظرنا في الكافر، فإن قال: اعتقدته أمانا رد إلى مأمنه، ~~ولم يجز قتله، وإن لم يعتقده أمانا فليس بأمان، كما لو أشار إليهم بما ~~اعتقدوه أمانا. ### | [فصل الأمان بالإشارة] # (7631) فصل: فإن أشار المسلم إليهم بما يرونه أمانا وقال: أردت به الأمان ~~فهو أمان وإن قال: لم أرد به الأمان. فالقول قوله، لأنه أعلم بنيته فإن خرج ~~الكفار من حصنهم بناء على هذه الإشارة، لم يجز قتلهم، ولكن يردون إلى ~~مأمنهم. # قال عمر - رضي الله عنه -: والله لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى ~~مشرك، فنزل بأمانه، فقتله، لقتلته به رواه سعيد وإن مات المسلم أو غاب، ~~فإنهم يردون إلى مأمنهم، وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر فإن قيل: ~~فكيف صححتم الأمان بالإشارة، مع القدرة على النطق، بخلاف البيع والطلاق ~~والعتق؟ قلنا: تغليبا لحقن الدم، كما حقن دم من له شبهة كتاب، تغليبا لحقن ~~دمه، ولأن الكفار في الغالب لا يفهمون كلام المسلمين، والمسلمون لا يفهمون ~~كلامهم، فدعت الحاجة إلى التكليم بالإشارة، بخلاف غيره ### | [فصل سبيت كافرة وجاء ابنه يطلبها] # (7632) فصل: إذا سبيت كافرة، فجاء ابنها يطلبها، وقال: إن عندي أسيرا ~~مسلما فأطلقوها حتى أحضره. فقال الإمام: أحضره فأحضره، لزم إطلاقها لأن ~~المفهوم من هذا إجابته إلى ما سأل وإن قال الإمام: لم أرد إجابته، لم يجبر ~~على ترك أسيره، ورد إلى مأمنه. # وقال أصحاب الشافعي: يطلق الأسير، ولا تطلق المشركة، لأن المسلم حر لا ~~يجوز أن يكون ثمنا لمملوكة ويقال له: إن اخترت شراءها، فأت بثمنها ولنا، أن ~~هذا يفهم منه الشرط، فيجب الوفاء به، كما لو صرح به ولأن الكافر فهم منه ~~ذلك، وبنى عليه، فأشبه ما لو فهم الأمان من الإشارة، وقولهم: إن الحر لا ~~يكون ثمن مملوكة. # قلنا: لكن يصح أن يفادى بها، فقد فادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالأسيرة ms5155 التي أخذها من سلمة بن الأكوع برجلين من المسلمين وفادى رجلين من ~~المسلمين بأسير من الكفار، ووفى لهم برد من جاءه مسلما، وقال: «إنه لا يصلح ~~في ديننا الغدر» وإن كان رد المسلم إليهم ليس بحق لهم، ولأنه التزم ~~إطلاقها، فلزمه ذلك، لقوله - عليه السلام -: «المسلمون على شروطهم» وقوله: ~~«إنه لا يصلح في ديننا الغدر.» # PageV09P323 ### | [مسألة سرق من الغنيمة] # (7633) مسألة قال: (ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق، أو لولده، أو ~~لسيده، لم يقطع) يعني إذا كان السارق بعض الغانمين، أو أباه، أو سيده، فلا ~~قطع عليه، لأن له شبهة وهو حقه المتعلق بها، فيكون ذلك مانعا من قطعه، لأن ~~الحدود تدرأ بالشبهات، فأشبه ما لو سرق من مال مشترك بينه وبين غيره، وهكذا ~~إن كان لابنه وإن علا، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. # وزاد أبو حنيفة إذا كان لذي رحم محرم منه فيها حق لم يقطع مبني على أنه ~~لا يقطع بسرقة مالهم، وقد سبق الكلام في هذا ولو كان لأحد الزوجين فيها حق ~~فسرق منها الآخر، لم يقطع عند من لا يرى أن أحدهما يقطع بسرقة مال الآخر. ~~وقد سبق ذكر هذا ### | [فصل السارق من الغنيمة غير الغال] # (7634) فصل: والسارق من الغنيمة غير الغال، فلا يجري مجراه في إحراق ~~رحله، ولا يجري الغال مجرى السارق في قطع يده. وذكر بعض أصحابنا أن السارق ~~يحرق رحله، لأنه في معنى الغال، ولأنه لما درئ عنه الحد، وجب أن يشرع في ~~حقه عقوبة أخرى، كسارق الثمر يغرم مثلي ما سرق. # ولنا، أن هذا لا يقع عليه اسم الغال حقيقة، ولا هو في معناه لأن الغلول ~~يكثر، لكونه أخذ مال لا حافظ له، ولا يطلع عليه غالبا فيحتاج إلى زاجر عنه، ~~وليس كذلك السرقة، فإنها أخذ مال محفوظ، فالحاجة إلى الزجر عنه أقل. ### | [مسألة وطئ جارية قبل أن يقسم الغنيمة] # (7635) مسألة: قال: (وإن وطئ جارية قبل أن يقسم، أدب، ولم يبلغ به حد ~~الزاني، وأخذ منه مهر مثلها، فطرح في المقسم، ms5156 إلا أن تلد منه، فتكون عليه ~~قيمتها) . يعني إذا كان الواطئ من الغانمين، أو ممن لولده فيها حق، فلا حد ~~عليه لأن الملك يثبت للغانمين في الغنيمة، فيكون للواطئ حق في هذه الجارية ~~وإن كان قليلا، فيدرأ عنه الحد للشبهة. # وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك وأبو ثور: عليه الحد لقول الله ~~تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] وهذا ~~زان، ولأنه وطئ في غير ملك، عامدا عالما بالتحريم، فلزمه الحد، كما لو وطئ ~~جارية غيره. # وقال الأوزاعي كل من سلف من علمائنا يقول: عليه أدنى الحدين، مائة جلدة، ~~ومنع بعض الفقهاء ثبوت الملك في الغنيمة، وقال: إنما يثبت بالأخبار بدليل ~~أن أحدهم لو قال: أسقطت حقي. سقط، ولو ثبت ملكه، لم يزل بذلك، كالوارث. # PageV09P324 # ولنا، أن له فيها شبهة الملك، فلم يجب عليه الحد، كوطء الجارية المشتركة، ~~والآية مخصوصة بوطء الجارية المشتركة وجارية ابنه، فنقيس عليه هذا، ومنع ~~الملك لا يصح، لأن ملك الكفار، قد زال، ولا يزول، إلا إلى مالك، ولأنه تصح ~~قسمته، ويملك الغانمون طلب قسمتها، فأشبهت مال الوارث، إنما كثر الغانمون ~~فقل نصيب الواطئ، ولم يستقر في شيء بعينه، وكان للإمام تعيين نصيب كل واحد ~~بغير اختياره، فلذلك جاز أن يسقط بالإسقاط، بخلاف الميراث. # وضعف الملك لا يخرجه عن كونه شبهة في الحد الذي يدرأ بالشبهات، ولهذا ~~يسقط الحد بأدنى شيء، وإن لم يكن حقيقة الملك فهو شبهة، إذا ثبت هذا، فإنه ~~يعزر، ولا يبلغ بالتعزير الحد، على ما أسلفناه، ويؤخذ منه مهر مثلها، فيطرح ~~في المقسم وبهذا قال الشافعي. # وقال القاضي: إنه يسقط عنه من المهر قدر حصته منها، ويجب عليه بقيته، كما ~~لو وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره، وليس بصحيح، لأننا إذا أسقطنا عنه ~~حصته، وأخذنا الباقي فطرحناه في المغنم، ثم قسمناه على الجميع وهو فيهم، ~~عاد إليه سهم من حصة غيره، ولأن قدر حصته قد لا تمكن معرفته، لقلة المهر ~~وكثرة الغانمين، ثم إذا أخذناه، فإن قسمناه مفردا ms5157 على من سواه، لم يمكن، ~~وإن خلطناه ببقية الغنيمة، ثم قسمناه على الجميع، أخذ سهما مما ليس له فيه ~~حق إذا ثبت هذا، فإن ولدت منه، فالولد حر، يلحقه نسبه، وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة هو رقيق، لا يلحقه نسبه، لأن الغانمين إنما يملكون ~~بالقسمة، فقد صادف وطؤه غير ملكه. # ولنا، أنه وطء سقط فيه الحد بشبهة الملك، فيلحق فيه النسب، كوطء جارية ~~ابنه، وما ذكروه غير مسلم، ثم يبطل بوطء جارية ابنه، ويفارق الزنى، فإنه ~~يوجب الحد. وإذا ثبت هذا، فإن الأمة تصير أم ولد له في الحال، وقال الشافعي ~~لا تصير أم ولد في الحال، لأنها ليست ملكا له. فإذا ملكها بعد ذلك، فهل ~~تصير أم ولد؟ فيها قولان، ولنا، أنه وطء يلحق به النسب لشبهة الملك، فتصير ~~به أم ولد، كوطء جارية ابنه، ويبطل ما ذكروه بجارية الابن، ولا نسلم ما ~~ذكروه، فإنا قد بينا أن الملك يثبت في الغنيمة بمجرد الاغتنام، وعليه ~~قيمتها تطرح في المغنم، لأنه فوتها عليهم، وأخرجها من الغنيمة بفعله، ~~فلزمته قيمتها، كما لو قتلها، فإن كان معسرا كان في ذمته قيمتها. # وقال القاضي: إن كان معسرا حسب قدر حصته من الغنيمة، فصارت أم ولد، ~~وباقيها رقيق للغانمين، لأن كونها أم ولد إنما يثبت بالسراية في ملك غيره، ~~فلم يسر في حق المعسر، كالإعتاق، ولنا، أنه استيلاد جعل بعضها أم ولد، ~~فيجعل جميعها أم ولد، كاستيلاد جارية الابن، وفارق العتق، لأن الاستيلاد ~~أقوى، لكونه فعلا، وينفذ من المجنون. # فأما قيمة الولد، فقال أبو بكر فيها روايتان، # PageV09P325 # إحداهما تلزمه قيمته حين وضعه، تطرح في المغنم، لأنه فوت رقه، فأشبه ولد ~~المغرور، والثانية، لا تلزمه،، لأنه ملكها حين علقت، ولم يثبت ملك الغانمين ~~في الولد بحال، فأشبه ولد الأب من جارية ابنه إذا وطئها، ولأنه يعتق حين ~~علوقه، ولا قيمة له حينئذ، وقال القاضي: إذا صار نصفها أم ولد، يكون الولد ~~كله حرا، وعليه قيمة نصفه. ### | [فصل كان في الغنيمة من يعتق على بعض ms5158 الغانمين] # (7636) فصل: وإذا كان في الغنيمة من يعتق على بعض الغانمين، نظرت، فإن ~~كان رجلا لم يعتق لأن العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وعم علي، ~~وعقيلا أخا علي كانا في أسرى بدر، فلم يعتقا عليهما ولأن الرجل لا يصير ~~رقيقا بنفس السبي وإن استرق، أو كان الأسير امرأة أو صبيا عتق عليه قدر ~~نصيبه وسرى إلى باقيه إن كان موسرا، وإن كان معسرا لم يعتق عليه إلا ملكه ~~منه. # وقال الشافعي لا يعتق منه شيء، وهذا مقتضى قول أبي حنيفة. لأنه لا يملك ~~بمجرد الاغتنام، ولو ملك لم يتعين ملكه فيه، وإن قسمه، وجعله في نصيبه ~~واختار تملكه، عتق عليه، وإلا فلا، وإن جعل له بعضه، فاختار تملكه، عتق ~~عليه وقوم عليه الباقي. # ولنا، ما بيناه من أن الملك يثبت للغانمين لكون الاستيلاء التام وجد ~~منهم، وهو سبب للملك، ولأن ملك الكفار قد زال، ولا يزول إلا إلى المسلمين. ### | [فصل أعتق بعض الغانمين عبدا من الغنيمة قبل القسمة] # (7637) فصل: فإن أعتق بعض الغانمين عبدا من الغنيمة قبل القسمة، فإن كان ~~ممن لم يثبت فيه الرق، كالرجل قبل استرقاقه لم يعتق، لما ذكرناه قبل، وإن ~~كان رقيقا كالمرأة والصبي، عتق عليه قدر حصته، وسرى إلى باقيه إن كان ~~موسرا، وعليه قيمة باقيه تطرح في المقسم، وإن كان معسرا عتق عليه قدر ملكه ~~من الغنيمة، لأنه موسر بقدر حصته من الغنيمة، فإن كان بقدر حقه من الغنيمة، ~~عتق ولم يأخذ شيئا، وإن كان دون حقه، أخذ باقي حقه، وإن كان أكثر من حقه، ~~لم يعتق إلا قدر حقه، فإن أعتق عبدا ثانيا، وفضل من حقه عن الأول شيء، عتق ~~بقدره من الثاني، وإن لم يفضل شيء، لم يعتق من الثاني شيء. ### | [فصل نقل رءوس المشركين من بلد إلى بلد والتمثيل بقتلاهم] # (7638) فصل: يكره نقل رءوس المشركين من بلد إلى بلد، والمثلة بقتلاهم ~~وتعذيبهم لما روى سمرة بن جندب، # PageV09P326 # قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحثنا على الصدقة، وينهانا عن ms5159 ~~المثلة» وعن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أعف ~~الناس قتلة أهل الإيمان» رواهما أبو داود # وعن شداد بن أوس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: «إن الله كتب ~~الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح» ~~رواه النسائي # وعن عبد الله بن عامر أنه قدم على أبي بكر الصديق، برأس البطريق فأنكر ~~ذلك، فقال: يا خليفة رسول الله، فإنهم يفعلون ذلك بنا. قال: فاستنان بفارس ~~والروم، لا يحمل إلي رأس، فإنما يكفي الكتاب والخبر. # وقال الزهري: لم يحمل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - رأس قط، وحمل إلى ~~أبي بكر رأس فأنكر، وأول من حملت إليه الرءوس عبد الله بن الزبير ويكره ~~رميها في المنجنيق، نص عليه أحمد وإن فعلوا ذلك لمصلحة جاز، لما روينا، أن ~~عمرو بن العاص حين حاصر الإسكندرية، ظفر برجل من المسلمين، فأخذوا رأسه، ~~فجاء قومه عمرا مغضبين، فقال لهم عمرو خذوا رجلا منهم فاقطعوا رأسه، فارموا ~~به إليهم في المنجنيق، ففعلوا ذلك، فرمى أهل الإسكندرية رأس المسلم إلى ~~قومه. ### | [فصل هدية الكفار] # فصل: يجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب «لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قبل هدية المقوقس صاحب مصر،» فإن كان ذلك في حال الغزو، فقال أبو ~~الخطاب: ما أهداه المشركون لأمير الجيش، أو لبعض قواده، فهو غنيمة، لأنه لا ~~يفعل ذلك إلا لخوفه من المسلمين. فظاهر هذا، أن ما أهدي لآحاد الرعية فهو ~~له، وقال القاضي: هو غنيمة أيضا وإن كان من دار الحرب إلى دار الإسلام، فهو ~~لمن أهدي له، سواء كان الإمام أو غيره «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قبل الهدية» فكانت له دون غيره. # وهذا قول الشافعي ومحمد وقال أبو حنيفة: هو للمهدى له بكل حال، لأنه خص ~~بها، أشبه إذا كان في دار الإسلام، وحكي ذلك رواية عن أحمد ولنا، أنه أخذ ~~ذلك بظهر الجيش، أشبه ما لو أخذه قهرا، ولأنه إذا أهدي للإمام أو الأمير، ms5160 ~~فالظاهر أنه يداري عن نفسه به، فأشبه ما أخذ منه قهرا. وأما إن أهدي لآحاد ~~المسلمين، فلم يقصد به ذلك في الظاهر، لعدم الخوف منه، فيكون له، كما لو ~~أهدى إليه في دار الإسلام. # ويحتمل أن ينظر، فإن كان بينهما مهاداة قبل، ذلك، فله ما أهدى إليه، وإن ~~تجدد ذلك بالدخول إلى دارهم، فهو للمسلمين، كقولنا في الهدية إلى القاضي. # PageV09P327 ### | [كتاب الجزية] # وهي الوظيفة المأخوذة من الكافر، لإقامته بدار الإسلام في كل عام، وهي ~~فعلة من جزى يجزي: إذا قضى قال الله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن ~~نفس شيئا} [البقرة: 48] تقول العرب: جزيت ديني. إذا قضيته،. # والأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب، فقول الله تعالى: ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون} [التوبة: 29] . # وأما السنة، فما روى «المغيرة بن شعبة، أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند: ~~أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية ~~أخرجه البخاري.» # وعن بريدة، أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث ~~أميرا على سرية أو جيش، أوصاه بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه، وبمن معه من ~~المسلمين خيرا، وقال له: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ~~ثلاث، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل، وكف عنهم، فإن أبوا فادعهم ~~إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن ~~بالله وقاتلهم» في أخبار كثيرة، وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في ~~الجملة. ### | [مسألة من تقبل منه الجزية] # (7640) مسألة قال (ولا تقبل الجزية إلا من يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، ~~إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه) وجملته أن الذين تقبل منهم الجزية ~~صنفان، أهل كتاب، ومن له شبهة كتاب، فأهل الكتاب اليهود والنصارى ومن دان ~~بدينهم، كالسامرة يدينون بالتوراة، ويعملون بشريعة موسى - عليه السلام -، # PageV09P328 # وإنما خالفوهم في فروع ms5161 دينهم. # وفرق النصارى من اليعقوبية، والنسطورية، والملكية، والفرنج والروم، ~~والأرمن، وغيرهم، ممن دان بالإنجيل، ومن عدا هؤلاء من الكفار، فليس من أهل ~~الكتاب، بدليل قول الله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من ~~قبلنا} [الأنعام: 156] . # واختلف أهل العلم في الصابئين، فروي عن أحمد أنهم جنس من النصارى. وقال ~~في موضع آخر: بلغني أنهم يسبتون، فهؤلاء إذا أسبتوا فهم من اليهود. # وروي عن عمر، أنه قال: هم يسبتون وقال مجاهد هم بين اليهود والنصارى. ~~وقال السدي والربيع هم من أهل الكتاب. # وتوقف الشافعي في أمرهم والصحيح أنه ينظر فيهم، فإن كانوا يوافقون أحد ~~أهل # PageV09P329 # الكتابين في نبيهم وكتابهم فهم منهم، وإن خالفوهم في ذلك، فليس هم من أهل ~~الكتاب ويروى عنهم أنهم يقولون: إن الفلك حي ناطق، وإن الكواكب السبعة ~~آلهة. فإن كانوا كذلك، فهم كعبدة الأوثان. # وأما أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود، فلا تقبل منهم الجزية لأنهم من ~~غير الطائفتين، ولأن هذه الصحف لم تكن فيها شرائع، إنما هي مواعظ وأمثال، ~~كذلك وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - صحف إبراهيم وزبور داود في حديث أبي ~~ذر. # وأما الذين لهم شبهة كتاب فهم المجوس فإنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع، ~~فصار لهم بذلك شبهة أوجبت حقن دمائهم، وأخذ الجزية منهم. # ولم ينتهض في إباحة نكاح نسائهم ولا ذبائحهم دليل. # هذا قول أكثر أهل العلم ونقل عن أبي ثور أنهم من أهل الكتاب، وتحل نساؤهم ~~وذبائحهم. # لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: أنا أعلم الناس بالمجوس، كان ~~لهم علم يعلمونه، وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر، فوقع على بنته أو أخته، ~~فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد، فامتنع منهم، ~~ودعا أهل مملكته، وقال: أتعلمون دينا خيرا من دين آدم، وقد أنكح بنيه ~~بناته، فأنا على دين آدم قال: فتابعه قوم، وقاتلوا الذين يخالفونهم، حتى ~~قتلوهم، فأصبحوا وقد أسري بكتابهم، ورفع العلم الذي في صدورهم، فهم أهل ~~كتاب «وقد أخذ رسول الله ms5162 - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وأراه قال: وعمر ~~- منهم الجزية» . رواه الشافعي وسعيد وغيرهما ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . ولنا قول الله تعالى: {أن تقولوا ~~إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} [الأنعام: 156] . والمجوس من غير ~~الطائفتين، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ~~. # يدل على أنهم غيرهم وروى البخاري بإسناده عن بجالة، أنه قال: ولم يكن عمر ~~أخذ الجزية من المجوس، حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف أن # PageV09P330 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أخذها من مجوس هجر» ولو كانوا أهل ~~كتاب، لما وقف عمر في أخذ الجزية منهم مع أمر الله تعالى بأخذ الجزية من ~~أهل الكتاب، وما ذكروه هو الذي صار لهم به شبهة الكتاب. # وقد قال أبو عبيد: لا أحسب ما رووه عن علي في هذا محفوظا، ولو كان له ~~أصل، لما حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءهم، وهو كان أولى بعلم ذلك. ~~ويجوز أن يصح هذا مع تحريم نسائهم وذبائحهم، لأن الكتاب المبيح لذلك هو ~~الكتاب المنزل على إحدى الطائفتين، وليس هؤلاء منهم، ولأن كتابهم رفع، فلم ~~ينتهض للإباحة، ويثبت به حقن دمائهم. # فأما قول أبي ثور في حل ذبائحهم ونسائهم، فيخالف الإجماع، فلا يلتفت ~~إليه، وقوله عليه السلام: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) في أخذ الجزية منهم. # إذا ثبت هذا، فإن أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس ثابت بالإجماع. # لا نعلم في هذا خلافا، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على ذلك، ~~وعمل به الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم إلى زمننا هذا، من غير نكير ولا ~~مخالف، وبه يقول أهل العلم من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر وغيرهم مع ~~دلالة الكتاب على أخذ الجزية من أهل الكتاب ودلالة السنة على أخذ الجزية من ~~المجوس بما روينا من قول المغيرة لأهل فارس: «أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى ~~تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية» وحديث بريدة وعبد الرحمن بن عوف وقول ~~النبي - صلى الله ms5163 عليه وسلم - «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ولا فرق بين كونهم ~~عجما أو عربا. # وبهذا قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو يوسف: ~~لا تؤخذ الجزية من العرب لأنهم شرفوا بكونهم من رهط النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولنا عموم الآية، «وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث خالد بن ~~الوليد إلى دومة الجندل فأخذ أكيدر دومة فصالحه على الجزية وهو من العرب» ~~رواه أبو داود «وأخذ الجزية من نصارى نجران، وهم عرب وبعث معاذا إلى اليمن، ~~فقال: إنك تأتي قوما أهل كتاب» متفق عليه. «وأمره أن يأخذ # PageV09P331 # من كل حالم دينارا» وكانوا عربا. # قال ابن المنذر ولم يبلغنا أن قوما من العجم كانوا سكانا باليمن حيث وجه ~~معاذا ولو كان، لكان في أمره أن يأخذ من جميعهم من كل حالم دينارا، دليل ~~على أن العرب تؤخذ منهم الجزية. # وحديث بريدة فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر من بعثه على ~~سرية، أن يدعو عدوه إلى أداء الجزية، ولم يخص بها عجميا دون غيره، وأكثر ما ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغزو العرب، ولأن ذلك إجماع، فإن عمر - ~~رضي الله عنه - أراد الجزية من نصارى بني تغلب فأبوا ذلك وسألوه أن يأخذ ~~منهم مثلما يأخذ من المسلمين، فأبى ذلك عليهم، حتى لحقوا بالروم، ثم صالحهم ~~على ما يأخذه منهم عوضا عن الجزية، فالمأخوذ منهم جزية، غير أنه على غير ~~صفة جزية غيرهم، وما أنكر أخذ الجزية منهم أحد، فكان ذلك إجماعا. # وقد ثبت بالقطع واليقين أن كثيرا من نصارى العرب ويهودهم، كانوا في عصر ~~الصحابة في بلاد الإسلام، ولا يجوز إقرارهم فيها بغير جزية، فثبت يقينا ~~أنهم أخذوا الجزية منهم، وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين من دخل في ~~دينهم، قبل تبديل كتابهم أو بعده، ولا بين أن يكون ابن كتابيين، أو ابن ~~وثنيين، أو ابن كتابي ووثني وقال أبو الخطاب: من دخل في دينهم بعد تبديل ~~كتابهم، لم تقبل منه الجزية، ومن ms5164 ولد بين أبوين أحدهما تقبل منه الجزية، ~~والآخر لا تقبل منه، فهل تقبل منه؟ على وجهين. # وهذا مذهب الشافعي ولنا عموم النص فيهم، ولأنهم من أهل دين تقبل من أهله ~~الجزية، فيقرون بها كغيرهم، وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا مقيمين على ~~ما عوهدوا عليه، من بذل الجزية والتزام أحكام الملة، لأن الله تعالى أمر ~~بقتالهم حتى يعطوا الجزية، أي يلتزموا أداءها، فما لم يوجد ذلك، يبقوا على ~~إباحة دمائهم وأموالهم. ### | [فصل عقد الذمة المؤبدة] # فصل: ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين، أحدهما، أن يلتزموا إعطاء ~~الجزية في كل حول والثاني التزام أحكام الإسلام، وهو قبول ما يحكم به عليهم ~~من أداء حق، أو ترك محرم، لقول الله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} [التوبة: 29] . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث بريدة: ~~«فادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» ولا تعتبر حقيقة ~~الإعطاء، ولا جريان الأحكام، لأن إعطاء الجزية إنما يكون في آخر الحول، ~~والكف عنهم في ابتدائه عند البذل. # والمراد بقوله: {حتى يعطوا} [التوبة: 29] أي يلتزموا الإعطاء، ويجيبوا ~~إلى بذله، كقول الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم} [التوبة: 5] والمراد به التزام ذلك دون # PageV09P332 # حقيقته، فإن الزكاة إنما يجب أداؤها عند الحول، لقوله - عليه السلام -: ~~«لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» ### | [مسألة قبول الجزية من كل كافر] # (7642) مسألة قال: (ومن سواهم، فالإسلام أو القتل) يعني من سوى اليهود ~~والنصارى والمجوس لا تقبل منهم الجزية، ولا يقرون بها، ولا يقبل منهم إلا ~~الإسلام، فإن لم يسلموا قتلوا، هذا ظاهر مذهب أحمد، وروى عنه الحسن بن ~~ثواب، أنها تقبل من جميع الكفار، إلا عبدة الأوثان من العرب، لأن حديث ~~بريدة يدل بعمومه على قبول الجزية من كل كافر، إلا أنه خرج منه عبدة ~~الأوثان من العرب، لتغلظ كفرهم من وجهين، أحدهما، دينهم، والثاني، كونهم من ~~رهط النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال الشافعي: لا تقبل إلا من أهل ms5165 الكتاب والمجوس، لكن في أهل الكتب غير ~~اليهود والنصارى، مثل أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود ومن تمسك بدين آدم ~~وإدريس وجهان، أحدهما، يقرون بالجزية، لأنهم من أهل الكتاب، فأشبهوا اليهود ~~والنصارى. # وقال أبو حنيفة: تقبل من جميع الكفار إلا العرب، لأنهم رهط النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فلا يقرون على غير دينه، وغيرهم يقر بالجزية، لأنه يقر ~~بالاسترقاق، فأقروا بالجزية، كالمجوس، وعن مالك أنها تقبل من جميعهم إلا ~~مشركي قريش لأنهم ارتدوا وعن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، أنها تقبل من ~~جميعهم. # وهو قول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، لحديث بريدة، ولأنه كافر، فيقر ~~بالجزية، كأهل الكتاب ولنا، قول الله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها» . # وهذا عام خص منه أهل الكتاب بالآية، والمجوس بقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . فمن عداهم من الكفار يبقى على قضية ~~العموم، وقد بينا أن أهل الصحف من غير أهل الكتاب المراد بالآية فيما تقدم. # PageV09P333 ### | [فصل عقد الذمة لكفار زعموا أنهم من أهل الكتاب] # فصل: وإذا عقد الذمة لكفار، زعموا أنهم من أهل الكتاب ثم تبين أنهم عبدة ~~الأوثان فالعقد باطل من أصله. وإن شككنا فيهم، لم ينتقض عهدهم بالشك، لأن ~~الأصل صحته، فإن أقر بعضهم بذلك دون بعض قبل من المقر في نفسه، فانتقض ~~عهده، وبقي في حق من لم يقر بحاله. ### | [مسألة تقدير الجزية] # (7644) مسألة، قال: (والمأخوذ منهم الجزية على ثلاث طبقات، فيؤخذ من ~~أدونهم اثنا عشر درهما، ومن أوسطهم أربعة وعشرون درهما، ومن أيسرهم ثمانية ~~وأربعون درهما) الكلام في هذه المسألة في فصلين: (7645) . # الفصل الأول في تقدير الجزية والثاني، في كمية مقدارها فأما الأول، ففيه ~~ثلاث روايات؛ إحداها أنها مقدرة بمقدار لا يزاد عليه، ولا ينقص منه وهذا ~~قول أبي حنيفة والشافعي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرضها مقدرة، ms5166 ~~بقوله لمعاذ «خذ من كل حالم دينارا، أو عدله مغافر» وفرضها عمر مقدرة بمحضر ~~من الصحابة، فلم ينكر فكان إجماعا والثانية، أنها غير مقدرة، بل يرجع فيها ~~إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان. # قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله فيزاد اليوم فيه وينقص؟ يعني من الجزية. ~~قال: نعم، يزاد فيه وينقص على قدر طاقتهم، على قدر ما يرى الإمام، وذكر أنه ~~زيد عليهم فيما مضى درهمان، فجعله خمسين قال الخلال العمل في قول أبي عبد ~~الله على ما رواه الجماعة فإنه: لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص، على ~~ما رواه عنه أصحابه، في عشرة مواضع، فاستقر قوله على ذلك. # وهذا قول الثوري وأبي عبيد لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أمر معاذا ~~أن يأخذ من كل حالم دينارا» «وصالح أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر، ~~والنصف في رجب» رواهما أبو داود وعمر جعل الجزية على ثلاث طبقات، على الغني ~~ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقير اثني ~~عشر درهما. وصالح بني تغلب على مثلي ما على المسلمين من الزكاة. وهذا يدل ~~على أنها # PageV09P334 # إلى رأي الإمام، لولا ذلك لكانت على قدر واحد في جميع هذه المواضع، ولم ~~يجز أن تختلف. قال البخاري. # قال ابن عيينة: عن أبي نجيح قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة ~~دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من أجل اليسار، ولأنها عوض ~~فلم تقدر كالأجرة والرواية الثالثة، أن أقلها مقدر بدينار، وأكثرها غير ~~مقدر، وهو اختيار أبي بكر، فتجوز الزيادة، ولا يجوز النقصان لأن عمر زاد ~~على ما فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينقص منه، وروي أنه زاد ~~على ثمانية وأربعين، فجعلها خمسين. (7646) الفصل الثاني: أننا إذا قلنا ~~بالرواية الأولى، وأنها مقدرة، فقدرها في حق الموسر ثمانية وأربعون درهما، ~~وفي حق المتوسط أربعة وعشرون، وفي حق الفقير اثنا عشر، وهذا قول أبي حنيفة ~~وقال مالك: هي في حق الغني أربعون درهما أو أربعة ms5167 دنانير، وفي حق الفقير ~~عشرة دراهم أو دينار، وروي ذلك عن عمر وقال الشافعي: الواجب دينار في حق كل ~~واحد لحديث «معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يأخذ من كل حالم ~~دينارا» . رواه أبو داود وغيره، إلا أن المستحب جعلها على ثلاث طبقات، كما ~~ذكرناه، لنخرج من الخلاف، قالوا: وقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى ~~بالاتباع من غيره ولنا حديث عمر - رضي الله عنه - وهو حديث لا شك في صحته ~~وشهرته بين الصحابة - رضي الله عنهم - وغيرهم ولم ينكره منكر، ولا خلاف ~~فيه، وعمل به من بعده من الخلفاء - رضي الله عنهم - فصار إجماعا لا يجوز ~~الخطأ عليه، وقد وافق الشافعي على استحباب العمل به، وأما حديث معاذ، فلا ~~يخلو من وجهين، أحدهما، أنه فعل ذلك لغلبة الفقر عليهم، بدليل قول مجاهد: ~~إن ذلك من أجل اليسار. # والوجه الثاني، أن يكون التقدير غير واجب، بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام ~~ولأن الجزية وجبت صغارا أو عقوبة، فتختلف باختلاف أحوالهم، كالعقوبة في ~~البدن، منهم من يقتل، ومنهم من يسترق، ولا يصح كونها عوضا عن سكنى الدار، ~~لأنها لو كانت كذلك لوجبت على النساء والصبيان والزمنى والمكافيف. # (7647) فصل وحد اليسار في حقهم، ما عده الناس غنى في العادة، وليس بمقدر، ~~لأن التقديرات بابها التوقيف، ولا توقيف في هذا، فيرجع فيه إلى العادة ~~والعرف. # PageV09P335 ### | [فصل بذل أهل الحرب الجزية] # (7648) فصل: إذا بذلوا الجزية، لزم قبولها، وحرم قتالهم لقول الله تعالى ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} [التوبة: 29] إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] فجعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم. فمتى ~~بذلوها، لم يجز قتالهم، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «فادعهم إلى ~~أداء الجزية، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم» وإن قلنا: إن الجزية غير ~~مقدرة الأكثر، لم يحرم قتالهم حتى يجيبوا إلى بذل ما لا يجوز طلب أكثر منه، ~~مما يحتمله حالهم. ### | [فصل تجب الجزية في آخر كل حول] # (7649) فصل وتجب الجزية في آخر كل حول ms5168 وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: ~~تجب بأوله، ويطالب بها عقيب العقد، وتجب الثانية في أول الحول الثاني، لقول ~~الله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} [التوبة: 29] ولنا، أنه مال يتكرر بتكرر ~~الحول أو يؤخذ في آخر كل حول، فلم يجب بأوله كالزكاة والدية، وأما الآية ~~فالمراد بها التزام إعطائها، دون نفس الإعطاء، ولهذا يحرم قتالهم بمجرد ~~بذلها قبل أخذها. ### | [فصل الجزية مما يسر من أموالهم] # (7650) فصل: وتؤخذ الجزية مما يسر من أموالهم ولا يتعين أخذها من ذهب ولا ~~فضة، نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وأبي عبيد وغيرهم «لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما بعث معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو ~~عدله مغافر.» «وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ من نصارى نجران ألفي ~~حلة» وكان عمر يؤتى بنعم كثيرة يأخذها من الجزية. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يأخذ الجزية من كل ذي صنعة من ~~متاعه، من صاحب الإبر إبرا، ومن صاحب المسال مسالا، ومن صاحب الحبال حبالا، ~~ثم يدعو الناس فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه ثم يقول: خذوا فاقتسموا، ~~فيقولون: لا حاجة لنا فيه، فيقول: أخذتم خياره، وتركتم شراره، لتحملنه. ~~وإذا ثبت هذا، فإنه يؤخذ بالقيمة، لقوله - عليه السلام - «أو عدله مغافر.» # PageV09P336 ### | [فصل للإمام أو نائبه عقد الذمة والهدنة] # (7651) فصل: ولا يصح عقد الذمة والهدنة، إلا من الإمام أو نائبه، وبهذا ~~قال الشافعي ولا نعلم فيه خلافا، لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من ~~المصلحة، ولأن عقد الذمة عقد مؤبد، فلم يجز أن يفتات به على الإمام، فإن ~~فعله غير الإمام أو نائبه، لم يصح، لكن إن عقده على ما لا يجوز أن يطلب ~~منهم أكثر منه، لزم الإمام إجابتهم إليه، وعقدها عليه. ### | [فصل على أهل الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين] # (7652) فصل: ويجوز أن يشرط عليهم في عقد الذمة، ضيافة من يمر بهم من ~~المسلمين، لما روى الإمام أحمد بإسناده عن الأحنف بن قيس أن عمر شرط عليهم ~~ضيافة ms5169 يوم وليلة، وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم ~~فعليهم ديته، قال ابن المنذر وروي عن عمر أنه قضى على أهل الذمة، ضيافة من ~~يمر بهم من المسلمين ثلاثة أيام، وعلف دوابهم، وما يصلحهم. # وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة ~~دينار، وكانوا ثلاثمائة نفس، في كل سنة، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ~~ثلاثة أيام» ولأن في هذا ضربا من # المصلحة # ، لأنهم ربما امتنعوا من مبايعة المسلمين إضرارا بهم، فإذا شرطت عليهم ~~الضيافة أمن ذلك، وإن لم تشترط الضيافة عليهم، لم تجب، ذكره القاضي وهو ~~مذهب الشافعي. # ومن أصحابنا من قال: تجب بغير شرط، كوجوبها على المسلمين، والأول أصح، ~~لأنه أداء مال، فلم يجب بغير رضاهم، كالجزية، فإن شرطها عليهم، فامتنعوا من ~~قبولها، لم تعقد لهم الذمة، وقال الشافعي: لا يجوز قتالهم عليها. ولنا أنه ~~شرط سائغ، امتنعوا من قبوله، فقوتلوا عليه كالجزية. # (7653) فصل: ذكر القاضي، أنه إذا شرط الضيافة، فإنه يبين أيام الضيافة، ~~وعدد من يضاف من الرجالة والفرسان، فيقول: تضيفون في كل سنة مائة يوم عشرة ~~من المسلمين، من خبز كذا وأدم كذا، وللفرس من التبن كذا، ومن الشعير كذا ~~فإن شرط الضيافة مطلقا، صح في الظاهر، لأن عمر - رضي الله عنه - شرط عليهم ~~ضيافة من يمر بهم من المسلمين، من غير عدد ولا تقدير. # قال أبو بكر: إذا أطلق مدة الضيافة فالواجب يوم وليلة، لأن ذلك الواجب ~~على المسلمين، ولا يكلفون الذبيحة، ولا ضيافتهم بأرفع من طعامهم، لأنه يروى ~~عن عمر أنه شكا إليه أهل الذمة أن المسلمين يكلفونهم الذبيحة، فقال: ~~أطعموهم مما تأكلون. وقال الأوزاعي ولا يكلفون الذبيحة ولا الشعير. # PageV09P337 # وقال القاضي: إذا وقع الشرط مطلقا لم يلزمهم الشعير، ويحتمل أن يلزمهم ~~ذلك للخيل، لأن العادة جارية به، فهو كالخبز للرجل. # وللمسلمين النزول في الكنائس والبيع، فإن عمر - رضي الله عنه - صالح أهل ~~الشام على أن يوسعوا أبواب بيعهم وكنائسهم لمن يجتاز بهم من المسلمين، ~~ليدخلوها ركبانا، ms5170 فإن لم يجدوا مكانا، فلهم النزول في الأفنية وفضول ~~المنازل، وليس لهم تحويل صاحب المنزل منه. والسابق إلى منزل أحق به ممن ~~يأتي بعده فإن امتنع بعضهم من القيام بما شرط، أجبر عليه، فإن امتنع ~~الجميع، أجبروا، فإن لم يمكن إلا بالمقاتلة، قوتلوا، فإن قاتلوا فقد نقضوا ~~العهد. # (7654) فصل: وتقسم الضيافة بينهم على قدر جزيتهم فإن جعل الضيافة مكان ~~الجزية، جاز، لما روي أن عمر - رضي الله عنه - كتب في الجاهلية لراهب من ~~أهل الشام: إنني إن وليت هذه الأرض، أسقطت عنك خراجك. فلما قدم الجابية وهو ~~أمير المؤمنين جاءه بكتابه، فعرفه، وقال: إنني جعلت لك ما ليس لي، ولكن ~~اختر، إن شئت أداء الخراج، وإن شئت أن تضيف المسلمين، فاختار الضيافة ~~ويشترط عليه ضيافة يبلغ قدرها أقل الجزية، إذا قلنا: الجزية مقدرة الأقل. ~~لئلا ينقص خراجه عن أقل الجزية. # وذكر أن من الشروط الفاسدة اشتراط الاكتفاء بضيافتهم عن جزيتهم؛ لأن الله ~~تعالى أمر بقتالهم ممدودا إلى إعطاء الجزية، فإن لم يعطها، كان قتالهم ~~مباحا، ووجه الأول اشتراط مال، يبلغ قدر الجزية، فجاز، كما لو شرط عليهم ~~عدل الجزية مغافر. ### | [فصل شرط في عقد الذمة شرطا فاسدا] # (7655) فصل: وإذا شرط في عقد الذمة شرطا فاسدا مثل أن يشترط أن لا جزية ~~عليهم، أو إظهار المنكر، أو إسكانهم الحجاز، أو إدخالهم الحرم، ونحو هذا، ~~فقال القاضي: يفسد العقد به؛ لأنه شرط فعل محرم، فأفسد العقد، كما لو شرط ~~قتال المسلمين. ويحتمل أن يفسد الشرط وحده، ويصح العقد، بناء على الشروط ~~الفاسدة في البيع والمضاربة. ### | [مسألة لا جزية على صبي ولا زائل العقل ولا امرأة] # (7656) مسألة؛ قال: (ولا جزية على صبي، ولا زائل العقل، ولا امرأة) لا ~~نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا وبه قال مالك وأبو حنيفة أصحابه والشافعي ~~وأبو ثور وقال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم وقد دل على صحة هذا أن ~~عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الأجناد، أن اضربوا الجزية، ولا ~~تضربوها على النساء ms5171 والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي ~~رواه سعيد وأبو عبيد والأثرم وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: «خذ ~~من كل حالم دينارا» دليل على أنها لا تجب على غير بالغ، ولأن الدية تؤخذ ~~لحقن الدم، وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها. # PageV09P338 ### | [فصل بذلت المرأة الجزية] # فصل: وإن بذلت المرأة الجزية، أخبرت أنها لا جزية عليها، فإن قالت: فأنا ~~أتبرع بها. أو: أنا أؤديها. قبلت منها، ولم تكن جزية، بل هبة تلزم بالقبض. ~~فإن شرطته على نفسها، ثم رجعت، كان لها ذلك وإن بذلت الجزية؛ لتصير إلى دار ~~الإسلام، مكنت من ذلك بغير شيء، ولكن يشترط عليها التزام أحكام الإسلام، ~~وتعقد لها الذمة، ولا يؤخذ منها شيء، إلا أن تتبرع به بعد معرفتها أنه لا ~~شيء عليها. وإن أخذ منها شيء على غير ذلك، رد إليها؛ لأنها بذلته معتقدة ~~أنه عليها، وأن دمها لا يحقن إلا به، فأشبه من أدى مالا إلى من يعتقد أنه ~~له، فتبين أنه ليس له. # ولو حاصر المسلمون حصنا ليس فيه إلا نساء، فبذلن الجزية؛ لتعقد لهن ~~الذمة، عقدت لهن بغير شيء، وحرم استرقاقهن، كالتي قبلها سواء. فإن كان في ~~الحصن معهن رجال، فسألوا الصلح، لتكون الجزية على النساء والصبيان دون ~~الرجال، لم تصح، لأنهم جعلوها على غير من هي عليه، وبرءوا من تجب عليه. # وإن بذلوا جزية عن الرجال، ويؤدوا عن النساء والصبيان من أموالهم، جاز، ~~وكان ذلك زيادة في جزيتهم. وإن كان من أموال النساء والصبيان، لم يجز؛ ~~لأنهم يجعلون الجزية على من لا تلزمه. فإن كان القدر الذي بذلوه من أموالهم ~~مما يجزئ في الجزية، أخذ منهم، وسقط الباقي. ### | [فصل بلغ من أولاد أهل الذمة أو أفاق من مجانينهم.] # (7658) فصل: ومن بلغ من أولاد أهل الذمة، أو أفاق من مجانينهم، فهو من ~~أهلها بالعقد الأول، لا يحتاج إلى استئناف عقد له. وقال القاضي، في موضع: ~~هو مخير بين التزام العقد وبين أن يرد إلى مأمنه، فإن اختار الذمة، عقدت ~~له، وإلا ms5172 ألحق بمأمنه. وهو قول الشافعي. # ولنا، أنه لم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من خلفائه، ~~تجديد العقد لهؤلاء، ولأن العقد يكون مع سادتهم، فيدخل فيه سائرهم، ولأنه ~~عقد عهد مع الكفار، فلم يحتج إلى استئنافه لذلك، كالهدنة، ولأن الصغار ~~والمجانين دخلوا في العقد، فلم يحتج إلى تجديده لهم عند تغير أحوالهم، ~~كغيرهم، ولأنه عقد دخلوا فيه، فيلزمهم بعد البلوغ والإفاقة، كالإسلام. # إذا ثبت، هذا فإن كان البلوغ والإفاقة في أول حول قومه، أخذ منه في آخره ~~معهم، وإن كان في أثناء الحول، أخذ منه عند تمام الحول بقسطه، ولم يترك حتى ~~يتم حوله، لئلا يحتاج إلى إفراده بحول، وضبط حول كل إنسان منهم، وربما أفضى ~~إلى أن يصير لكل واحد حول منفردا. ### | [فصل كان يجن ويفيق من أهل الذمة] # (7659) فصل: ومن كان يجن ويفيق، فله ثلاثة أحوال؛ # PageV09P339 # أحدها، أن يكون جنونه غير مضبوط، مثل من يفيق ساعة من يوم أو أيام، أو ~~يصرع ساعة من يوم أو أيام، فهذا يعتبر حاله بالأغلب؛ لأن مدة الإفاقة غير ~~ممكن مراعاتها، لتعذر ضبطها. # الثاني، أن يكون مضبوطا، مثل من يجن يوما ويفيق يومين، أو أقل من ذلك، أو ~~أكثر، إلا أنه مضبوط، ففيه وجهان؛ أحدهما، يعتبر الأغلب من حاله، وهذا مذهب ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنه يجن ويفيق، فيعتبر الأغلب من حاله ~~كالأول. والثاني، تلفق أيام إفاقته؛ لأنه لو كان مفيقا في الكل وجبت ~~الجزية، فإذا وجدت الإفاقة في بعض الحول وجب فيما يجب به لو انفرد. # فعلى هذا الوجه، في أخذ الجزية وجهان؛ أحدهما، أن أيامه تلفق، فإذا كملت ~~حولا، أخذت منه؛ لأن أخذها قبل ذلك، أخذ لجزيته قبل كمال الحول، فلم يجز، ~~كالصحيح. والثاني، يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر ما أفاق منه، كما لو أفاق ~~في بعض الحول إفاقة مستمرة. وإن كان يجن ثلث الحول، ويفيق ثلثيه، أو ~~بالعكس، ففيه الوجهان. كما ذكرنا. # فإن استوت إفاقته وجنونه، مثل من يجن يوما ويفيق يوما، ms5173 أو يجن نصف الحول ~~ويفيق نصفه عادة، لفقت إفاقته؛ لأنه تعذر اعتبار الأغلب لعدمه، فتعين ~~الاحتمال الآخر. الحال الثالث، أن يجن نصف حول، ثم يفيق إفاقة مستمرة، أو ~~يفيق نصفه، ثم يجن جنونا مستمرا، فلا جزية عليه في الثاني، وعليه في الأول ~~من الجزية بقدر ما أفاق من الحول، على ما تقدم شرحه، والله أعلم. ### | [مسألة الفقير العاجز عن أدائها الجزية] # (7660) مسألة؛ قال: ولا على فقير. يعني الفقير العاجز عن أدائها. وهذا ~~أحد أقوال الشافعي. وقال في الآخر: يجب عليه «؛ لقوله - عليه السلام -: خذ ~~من كل حالم دينارا» . ولأن دمه غير محقون، فلا تسقط عنه الجزية، كالقادر ~~عليه. # ولنا، أن عمر - رضي الله عنه - جعل الجزية على ثلاث طبقات، جعل أدناها ~~على الفقير المعتمل، فيدل على أن المعتمل لا شيء عليه، ولأن الله تعالى ~~قال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] . ولأن هذا مال يجب ~~بحلول الحول، فلا يلزم الفقير العاجز، كالزكاة والعقل، ولأن الخراج ينقسم ~~إلى خراج أرض، وخراج رءوس، ثم ثبت أن خراج الأرض على قدر طاقتها، وما لا ~~طاقة له لا شيء عليه، كذلك خراج الرءوس. وأما الحديث، فيتناول الأخذ ممن ~~يمكن الأخذ منه، ومن لا يمكن الأخذ منه، فالأخذ منه مستحيل، فكيف يؤمر به. # PageV09P340 ### | [مسألة لا تؤخذ الجزية من شيخ فان ولا زمن ولا أعمى] # (7661) مسألة؛ قال: ولا شيخ فان، ولا زمن، ولا أعمى هؤلاء الثلاثة ومن في ~~معناهم ممن به داء لا يستطيع معه القتال، ولا يرجى برؤه، لا جزية عليهم. ~~وهو قول أصحاب الرأي. وقال الشافعي، في أحد قوليه: عليهم الجزية بناء على ~~قتلهم. وقد سبق قولنا في أنهم لا يقتلون، فلا تجب عليهم الجزية، كالنساء ~~والصبيان. ### | [مسألة لا جزية على العبد] # (7662) مسألة؛ قال: ولا على سيد عبد عن عبده، إذا كان السيد مسلما لا ~~خلاف في هذا نعلمه، لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«لا جزية على العبد» . وعن ابن عمر مثله. ولأن ما لزم العبد إنما يؤديه ms5174 ~~سيده، فيؤدي إيجابه على عبد المسلم إلى إيجاب الجزية على مسلم. فأما إن كان ~~العبد لكافر، فالمنصوص عن أحمد أنه لا جزية عليه أيضا. وهو قول عامة أهل ~~العلم. # قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أنه لا جزية على ~~العبد. وذلك لما ذكر من الحديث، ولأنه محقون الدم، فأشبه النساء والصبيان، ~~أو لا مال له، فأشبه الفقير العاجز. ويحتمل كلام الخرقي إيجاب الجزية عليه ~~يؤديها سيده. وروي ذلك أيضا عن أحمد وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- أنه قال: لا تشتروا رقيق أهل الذمة، ولا مما في أيديهم؛ لأنهم أهل خراج، ~~يبيع بعضهم بعضا، ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذ أنقذه الله منه. # قال أحمد: أراد أن يوفر الجزية؛ لأن المسلم إذا اشتراه سقط عنه أداء ما ~~يؤخذ منه، والذمي يؤدي عنه وعن مملوكه خراج جماجمهم. وروي عن علي مثل حديث ~~عمر. ولأنه ذكر مكلف قوي مكتسب، فوجبت عليه الجزية، كالحر. والأول أولى. ### | [فصل تؤخذ جزية من بعضه حر] # (7663) فصل: ومن بعضه حر فقياس المذهب أن عليه من الجزية بقدر ما فيه من ~~الحرية؛ لأنه حكم يتجزأ، يختلف بالرق والحرية، فيقسم على قدر ما فيه ~~كالإرث. ### | [فصل لا جزية على أهل الصوامع من الرهبان] # (7664) فصل: ولا جزية على أهل الصوامع من الرهبان. ويحتمل وجوبها عليهم. ~~وهذا أحد قولي الشافعي. وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه فرض على رهبان ~~الديارات الجزية على كل راهب دينارين. ووجه ذلك عموم # PageV09P341 # النصوص، ولأنه كافر صحيح قادر على أداء الجزية، فأشبه الشماس. ووجه ~~الأول، أنهم محقونون بدون الجزية، فلم تجب عليهم، كالنساء، وقد ذكرنا أنه ~~يحرم قتلهم، والنصوص مخصوصة بالنساء، وهؤلاء في معناهن، ولأنه لا كسب له، ~~فأشبه الفقير غير المعتمل. ### | [مسألة وجبت عليه الجزية فأسلم قبل أن تؤخذ منه] # (7665) مسألة؛ قال: ومن وجبت عليه الجزية، فأسلم قبل أن تؤخذ منه، سقطت ~~عنه الجزية وجملته أن الذمي إذا أسلم في أثناء الحول، لم تجب عليه الجزية، ms5175 ~~وإن أسلم بعد الحول سقطت عنه. وهذا قول مالك، والثوري وأبي عبيد، وأصحاب ~~الرأي. وقال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: إن أسلم بعد الحول، لم تسقط؛ ~~لأنها دين يستحقه صاحبه، واستحق المطالبة به في حال الكفر فلم يسقط ~~بالإسلام، كالخراج وسائر الديون. # وللشافعي فيما إذا أسلم في أثناء الحول قولان؛ أحدهما، عليه من الجزية ~~بالقسط، كما لو أفاق بعد الحول. ولنا، قول الله تعالى: {قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] . وروى ابن عباس، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس على المسلم جزية» . رواه الخلال. وذكر أن ~~أحمد سئل عنه، فقال: ليس يرويه غير جرير. # قال أحمد: وقد روي عن عمر أنه قال: إن أخذها في كفه ثم أسلم، ردها عليه. ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ينبغي للمسلم أن يؤدي ~~الخراج» . يعني الجزية. وروي أن ذميا أسلم، فطولب بالجزية، وقيل: إنما ~~أسلمت تعوذا. قال: إن في الإسلام معاذا. فرفع إلى عمر، فقال عمر: إن في ~~الإسلام معاذا. وكتب ألا تؤخذ منه الجزية. رواه أبو عبيد بنحو من هذا ~~المعنى. # ولأن الجزية صغار، فلا تؤخذ منه، كما لو أسلم قبل الحول، ولأن الجزية ~~عقوبة تجب بسبب الكفر، فيسقطها الإسلام، كالقتل. وبهذا فارق سائر الديون. ### | [فصل تؤخذ الجزية من ذمي مات بعد الحول] # (7666) فصل: وإن مات الذمي بعد الحول، لم تسقط الجزية عنه، في ظاهر كلام ~~أحمد. ذكره أحمد. وهو مذهب # PageV09P342 # الشافعي. وحكى أبو الخطاب، عن القاضي، أنها تسقط بالموت. وهو قول أبي ~~حنيفة. ورواه أبو عبيد عن عمر بن عبد العزيز؛ لأنها عقوبة، فتسقط بالموت، ~~كالحدود، ولأنها تسقط بالإسلام، فتسقط بالموت، كما قبل الحول. # ولنا، أنه دين وجب عليه في حياته، فلم يسقط بموته، كديون الآدميين، والحد ~~يسقط بفوات محله، وتعذر استيفائه، بخلاف الجزية. وفارق الإسلام؛ فإنه ~~الأصل، والجزية بدل عنه، فإذا أتى بالأصل استغنى عن البدل، كمن وجد الماء ~~لا يحتاج معه إلى التيمم، بخلاف الموت، ولأن الإسلام ms5176 قربة وطاعة، يصلح أن ~~يكون معاذا من الجزية، كما ذكر عمر - رضي الله عنه -، والموت بخلافه. ### | [فصل اجتمعت الجزية عليه سنين] # (7667) فصل: ولا تتداخل الجزية، بل إذا اجتمعت عليه جزية سنين، استوفيت ~~منه كلها. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: تتداخل؛ لأنها عقوبة، ~~فتتداخل، كالحدود. ولنا، أنها حق مال، يجب في آخر كل حول، فلم تتداخل، ~~كالدية. ### | [مسألة أعتق لزمته الجزية لما يستقبل] # (7668) مسألة؛ قال: وإذا أعتق، لزمته الجزية لما يستقبل، سواء كان المعتق ~~له مسلما أو كافرا هذا الصحيح عن أحمد رواه عنه جماعة. وروي ذلك عن عمر بن ~~عبد العزيز. وبه قال سفيان، والليث، وابن لهيعة، والشافعي، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. # وعن أحمد، يقر بغير جزية. وروي نحو هذا عن الشعبي؛ لأن الولاء شعبة من ~~الرق، وهو ثابت عليه. ووهن الخلال هذه الرواية، وقال: هذا قول قديم، رجع ~~عنه أحمد، والعمل على ما رواه الجماعة. وعن مالك كقول الجماعة. وعنه، إن ~~كان المعتق له مسلما، فلا جزية عليه، لأن عليه الولاء لمسلم، فأشبه ما لو ~~كان عليه الرق. ولنا، أنه حر مكلف موسر من أهل القتل، فلم يقر في دارنا ~~بغير جزية، كالحر الأصلي. فإذا ثبت هذا، فإن حكمه فيما يستقبل من جزيته حكم ~~من بلغ من صبيانهم، أو أفاق من مجانينهم، على ما مضى. ### | [مسألة الجزية من نصارى بني تغلب] # (7669) مسألة؛ قال: ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب، وتؤخذ الزكاة من ~~أموالهم ومواشيهم وثمرهم، مثلي ما يؤخذ من المسلمين بنو تغلب بن وائل، من ~~العرب، من ربيعة بن نزار، انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، فدعاهم عمر ~~إلى بذل الجزية، فأبوا، وأنفوا، وقالوا: نحن عرب، خذ منا كما يأخذ بعضكم من ~~بعض باسم الصدقة. فقال عمر: # PageV09P343 # لا آخذ من مشرك صدقة. فلحق بعضهم بالروم، فقال النعمان بن زرعة: يا أمير ~~المؤمنين، إن القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عليك ~~عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة. فبعث عمر في طلبهم، فردهم، وضعف ms5177 ~~عليهم من الإبل من كل خمس شاتين، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعين، ومن كل عشرين ~~دينارا دينارا، ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم، وفيما سقت السماء الخمس، ~~وفيما سقي بنضح أو غرب أو دولاب العشر. فاستقر ذلك من قول عمر، ولم يخالفه ~~أحد من الصحابة، فصار إجماعا. # وقال به الفقهاء بعد الصحابة؛ منهم ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وأبو ~~حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي. ويروى عن عمر بن عبد العزيز، أنه أبى على ~~نصارى بني تغلب إلا الجزية، وقال: لا والله إلا الجزية، وإلا فقد آذنتكم ~~بالحرب. والحجة لهذا عموم الآية فيهم. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لئن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي ~~فيهم رأي، لأقتلن مقاتلتهم، ولأسبين ذراريهم، فقد نقضوا العهد، وبرئت منهم ~~الذمة حين نصروا أولادهم. وذلك أن عمر - رضي الله عنه - صالحهم على أن لا ~~ينصروا أولادهم. والعمل على الأول؛ لما ذكرنا من الإجماع وأما الآية، فإن ~~هذا المأخوذ منهم جزية باسم الصدقة، فإن الجزية يجوز أخذها من العروض. ### | [فصل تؤخذ الصدقة مضاعفة من مال من تؤخذ منه الزكاة] # (7670) فصل: قال أصحابنا: تؤخذ الصدقة مضاعفة من مال من تؤخذ منه الزكاة ~~لو كان مسلما. وهذا قول أبي حنيفة، وأبي عبيد. وذكر أنه قول أهل الحجاز. ~~فعلى هذا، تؤخذ من مال نسائهم وصبيانهم ومجانينهم وزمناهم ومكافيفهم ~~وشيوخهم، إلا أن أبا حنيفة لا يوجب الزكاة في مال صبي ولا مجنون، فكذا ~~الواجب على بني تغلب، لا يجب في مال صبي ولا مجنون، إلا في الأرض خاصة. # وذهب الشافعي إلى أن هذا جزية تؤخذ باسم الصدقة، فلا تؤخذ ممن لا جزية ~~عليه، كالنساء والصبيان والمجانين. قال: وقد روي عن عمر أنه قال: هؤلاء ~~حمقى، رضوا بالمعنى، وأبوا الاسم. وقال النعمان بن زرعة خذ منهم الجزية ~~باسم الصدقة. # ولأنهم أهل ذمة، فكان الواجب عليهم جزية لا صدقة، كغيرهم من أهل الذمة، ~~ولأنه مال يؤخذ من أهل الكتاب لحقن دمائهم ومساكنهم، فكان جزية، كما لو أخذ ~~باسم الجزية، يحققه ms5178 أن الزكاة طهرة، وهؤلاء لا طهرة لهم. فعلى هذا، يكون ~~مصرف المأخوذ منهم مصرف الفيء، لا مصرف الصدقات، وهذا أقيس. واحتج أصحابنا ~~بأنهم سألوا عمر أن يأخذ منهم ما يأخذ بعضكم من بعض. فأجابهم عمر إليه بعد ~~الامتناع منه، # PageV09P344 # والذي يأخذه بعضنا من بعض هو الزكاة، من كل مال زكوي لأي مسلم كان، من ~~صغير وكبير، وصحيح ومريض، كذلك المأخوذ من بني تغلب، ولأن نساءهم وصبيانهم ~~صينوا عن السبي بهذا الصلح، ودخلوا في حكمه، فجاز أن يدخلوا في الواجب به، ~~كالرجال العقلاء. # وعلى هذا، من كان منهم فقيرا أو له مال غير زكوي كالدور، وثياب البذلة، ~~وعبيد الخدمة، لا شيء عليه، كما لا يجب ذلك على أهل الزكاة من المسلمين، ~~ولا تؤخذ مما لم يبلغ نصابا. فأما مصرف المأخوذ منهم، فاختار القاضي أن ~~مصرفه مصرف الفيء؛ لأنه مأخوذ من مشرك، ولأنه جزية مسماة بالصدقة. # وقال أبو الخطاب: مصرفه إلى أهل الصدقات؛ لأنه مسمى باسم الصدقة مسلوك به ~~في من يؤخذ منه - مسلك الصدقة، فيكون مصرفه مصرفها. والأول أقيس وأصح؛ لأن ~~معنى الشيء أخص به من اسمه، ولهذا لو سمي رجل أسدا، أو نمرا، أو أسود، أو ~~أحمر، لم يصر له حكم المسمى بذلك، ولأن هذا لو كان صدقة على الحقيقة، لجاز ~~دفعها إلى فقراء من أخذت منهم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أعلمهم ~~أن عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم» . ### | [فصل بذل التغلبي أداء الجزية هل تحط عنه الصدقة] # (7671) فصل: فإن بذل التغلبي أداء الجزية، وتحط عنه الصدقة، لم يقبل منه، ~~لأن الصلح وقع على هذا، فلا يغير. ويحتمل أن يقبل منه؛ لقول الله تعالى: ~~{حتى يعطوا الجزية عن يد} [التوبة: 29] . وهذا قد أعطى الجزية، وإن كان ~~باذل الجزية منهم حربيا، قبلت منه؛ للآية، وخبر بريدة: «ادعهم إلى أداء ~~الجزية، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم» . # ولأنه لم يدخل في صلح الأولين، فلم يلزمه حكمه، وهو كتابي باذل للجزية، ~~فيحقن بها دمه. وإن أراد إمام نقض صلحهم، ms5179 وتجديد الجزية عليهم كفعل عمر بن ~~عبد العزيز، لم يكن له ذلك؛ لأن عقد الذمة على التأبيد، وقد عقده معهم عمر ~~بن الخطاب، - رضي الله عنه -، فلم يكن لغيره نقضه ما داموا على العهد. ### | [فصل حكم الجزية] # (7672) فصل: فأما سائر أهل الكتاب من النصارى واليهود العرب وغيرهم، ~~فالجزية منهم مقبولة، ولا يؤخذون بما يؤخذ به نصارى بني تغلب. نص أحمد على ~~هذا ورواه عن الزهري. قال: ونذهب إلى أن يأخذ من مواشي بني تغلب خاصة ~~الصدقة، ونضعف عليهم، كما فعل عمر - رضي الله عنه -. وذكر القاضي وأبو ~~الخطاب، # PageV09P345 # أن حكم من تنصر من تنوخ وبهراء، أو تهود من كنانة وحمير، أو تمجس من ~~تميم، حكم بني تغلب، سواء. وذكر ذلك عن الشافعي. نص عليه، في تنوخ وبهراء؛ ~~لأنهم من العرب، فأشبهوا بني تغلب. # ولنا عموم قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ~~. وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذا إلى اليمن، فقال: «خذ من كل ~~حالم دينارا» . وهم عرب. وقبل الجزية من أهل نجران، وهم من بني الحارث بن ~~كعب. # قال الزهري: أول من أعطى الجزية أهل نجران، وكانوا نصارى. وأخذ الجزية من ~~أكيدر دومة، وهو عربي. وحكم الجزية ثابت بالكتاب والسنة، في كل كتابي، ~~عربيا كان أو غير عربي، إلا ما خص به بنو تغلب، لمصالحة عمر إياهم، ففي ما ~~عداهم يبقى الحكم على عموم الكتاب وشواهد السنة، ولم يكن بين غير بني تغلب ~~وبين أحد من الأئمة صلح كصلح بني تغلب، فيما بلغنا، ولا يصح قياس غير بني ~~تغلب عليهم؛ لوجوه؛ أحدها، أن قياس سائر العرب عليهم يخالف النصوص التي ~~ذكرناها، ولا يصح قياس المنصوص عليه على ما تلزم منه مخالفة النص. # الثاني، أن العلة في بني تغلب الصلح، ولم يوجد الصلح مع غيرهم، ولا يصح ~~القياس مع تخلف العلة. الثالث، أن بني تغلب كانوا ذوي قوة وشوكة، لحقوا ~~بالروم، وخيف منهم الضرر إن لم يصالحوا، ولم يوجد هذا في غيرهم. # فإن وجد هذا ms5180 في غيرهم، فامتنعوا من أداء الجزية، وخيف الضرر بترك ~~مصالحتهم، فرأى الإمام مصالحتهم على أداء الجزية باسم الصدقة، جاز ذلك، إذا ~~كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب عليهم من الجزية أو زيادة قال علي بن سعيد: ~~سمعت أحمد يقول: أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقة، ولا في أموالهم، ~~إنما تؤخذ منهم الجزية، إلا أن يكونوا صولحوا على أن تؤخذ منهم، كما صنع ~~عمر في نصارى بني تغلب، حين أضعف عليهم الصدقة في صلحه إياهم، وذكر هذا أبو ~~إسحاق صاحب المهذب، في كتابه. والحجة في هذا قصة بني تغلب، وقياسهم عليهم. ~~إذا كانوا في معناهم. # أما قياس من لم يصالح عليهم، في جعل جزيتهم صدقة، فلا يصح والله أعلم. ### | [فصل اتجر نصراني تغلبي فمر بالعاشر الجزية] # (7673) فصل: وإذا اتجر نصراني تغلبي، فمر بالعاشر، فقال أحمد: يؤخذ منه ~~العشر ضعف ما يؤخذ من أهل الذمة. وروى بإسناده، عن زياد بن حدير، أن عمر ~~بعثه مصدقا، فأمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر، ومن نصارى أهل الكتاب ~~نصف العشر. ورواه أبو عبيد. # PageV09P346 # وقال: حديث داود بن كردوس، والنعمان بن زرعة، هو الذي عليه العمل، أن ~~يكون عليهم الضعف مما على المسلمين، ألا تسمعه يقول: من كل عشرين درهما ~~درهما؟ وإنما يؤخذ من المسلمين إذا مروا بأموالهم ربع العشر من كل أربعين ~~درهما درهم، فذاك ضعف هذا. وهذا ظاهر كلام الخرقي؛ لقوله: مثلي ما يؤخذ من ~~المسلمين. وهو أقيس؛ فإن الواجب في سائر أموالهم ضعف ما على المسلمين، لا ~~ضعف ما على أهل الذمة. ### | [مسألة لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم أهل الكتاب] # (7674) مسألة؛ قال: ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم. في إحدى ~~الروايتين عن أبي عبد الله، رحمه الله. والرواية الأخرى، تؤكل ذبائحهم، ~~وتنكح نساؤهم اختلفت الرواية عن أبي عبد الله، في أكل ذبائحهم، ونكاح ~~نسائهم، فعنه لا يحل ذلك. وهو قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومذهب ~~الشافعي، ولم يبح الشافعي ذبائح العرب من أهل الكتاب كلهم. # وكره ms5181 ذبائح بني تغلب عطاء، وسعيد بن جبير، ومحمد بن علي، والنخعي. وقال ~~علي - رضي الله عنه - إنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر. ولأنه ~~يحتمل أنهم دخلوا في دين الكفر بعد التبديل، فلم يحل ذلك منهم. والرواية ~~الثانية، تحل ذبائحهم ونساؤهم. وهذا الصحيح عن أحمد رواه عنه الجماعة، وكان ~~آخر الروايتين عنه. قال إبراهيم بن الحارث: فكان آخر قوله على أنه لا يرى ~~بذبائحهم بأسا. وهذا قول ابن عباس. # وروي نحوه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وبه قال الحسن، والنخعي، ~~والشعبي، والزهري، وعطاء الخراساني، والحكم، وحماد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # قال الأثرم: وما علمت أحدا كرهه من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلا عليا. وذلك لدخولهم في عموم قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ~~لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم} [المائدة: 5] . ولأنهم أهل كتاب يقرون على دينهم ببذل المال، ~~فتحل ذبائحهم ونساؤهم، كبني إسرائيل. ### | [مسألة قال من يجز من أهل الذمة إلى غير بلده] # (7675) مسألة؛ قال: ومن يجز من أهل الذمة إلى غير بلده، أخذ منه نصف ~~العشر في السنة اشتهر هذا عن عمر - رضي الله عنه - وصحت الرواية عنه به. ~~وقال الشافعي: ليس عليه إلا الجزية، إلا أن يدخل أرض الحجاز، فينظر في ~~حاله؛ فإن كان لرسالة، أو نقل ميرة، أذن له بغير شيء، وإن كان لتجارة لا ~~حاجة بأهل الحجاز إليها، لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضا بحسب ما يراه ~~والأولى أن يشترط نصف العشر؛ لأن عمر شرط نصف العشر على من دخل الحجاز من ~~أهل الذمة. # PageV09P347 # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس على المسلمين عشور، إنما ~~العشور على اليهود والنصارى» . رواه أبو داود. وروى الإمام أحمد، عن سفيان، ~~عن هشام، عن أنس بن سيرين، قال: بعثني أنس بن مالك إلى العشور، فقلت: ~~تبعثني إلى العشور من بين عمالك، قال: أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه ~~عمر بن الخطاب، - رضي ms5182 الله عنه -؟ أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر، ومن ~~أهل الذمة نصف العشر. وهذا كان بالعراق. # وروى أبو عبيد، في كتاب الأموال، بإسناده عن لاحق بن حميد، أن عمر بعث ~~عثمان بن حنيف إلى الكوفة، فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون ~~فيها، في كل عشرين درهما درهما. وقد ذكرنا حديث زياد بن حدير، أن عمر أمره ~~أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر. وهذا ~~كان بالعراق، واشتهرت هذه القصص ولم تنكر، فكانت إجماعا، وعمل به الخلفاء ~~بعده، ولم يأت تخصيص الحجاز بنصف العشر في شيء من الأحاديث علمناه، لا عن ~~عمر ولا عن غيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل ظاهر أحاديثهم، ~~أن ذلك في غير الحجاز، وما وجب من المال في الحجاز وجب في غيره كالديون ~~والصدقات. ### | [فصل الجزية والزكاة إنما تؤخذ في السنة مرة واحدة] # (7676) فصل: ولا تؤخذ منهم في السنة إلا مرة. نص عليه أحمد، في رواية ~~جماعة من أصحابه. وقال: كذا روي عن إبراهيم النخعي، عن عمر حين كتب، ألا ~~يأخذ في السنة إلا مرة، أن يأخذ من الذمي نصف العشر. وهذا قول الشافعي، في ~~الداخلين أرض الحجاز وروى الإمام أحمد، بإسناده، قال: جاء رجل نصراني إلى ~~عمر، فقال: إن عاملك عشرني في السنة مرتين. قال: ومن أنت؟ قال: أنا الشيخ ~~النصراني. قال عمر: وأنا الشيخ الحنيف. ثم كتب إلى عامله، أن لا تعشروا في ~~السنة إلا مرة. # ولأن الجزية والزكاة إنما تؤخذ في السنة مرة واحدة، فكذلك هذا. فإذا ثبت ~~هذا، فإنه متى أخذ منهم ذلك مرة، كتب لهم حجة بأدائهم؛ لتكون وثيقة لهم، ~~وحجة على من يمرون عليه، فلا يعشرهم ثانية، فإن مر ثانية بأكثر من المال ~~الذي أخذ منه، أخذ من الزيادة؛ لأنها لم تعشر. ### | [فصل كان مع الذمي عشرة دنانير الجزية] # فصل: ولا يؤخذ منهم من غير مال التجارة، فلو مر بالعاشر منهم منتقل ومعه ~~أمواله أو سائمة، لم يؤخذ منه ms5183 شيء. نص عليه أحمد، وإن كانت ماشيته للتجارة ~~أخذ منه نصف عشرها. واختلفت الرواية في القدر # PageV09P348 # الذي يؤخذ منه نصف العشر، فروى عنه صالح، من كل عشرين دينارا دينار. يعني ~~فإذا نقصت من العشرين فليس عليه شيء، لأن ما دون النصاب لا تجب فيه زكاة ~~على مسلم، ولا على تغلبي، فلا يجب فيه على ذمي شيء، كالذي دون العشرة. # وروى صالح أيضا، أنه قال: إذا مروا بالعاشر، فإن كانوا أهل الحرب، أخذ ~~منهم العشر، من العشرة واحدا، وإن كانوا من أهل الذمة أخذ منهم نصف العشر، ~~من كل عشرين دينارا دينارا، فإذا نقصت فليس عليه شيء وإن نقص مال الحربي عن ~~عشرة دنانير، لم يؤخذ منه شيء، ولا يؤخذ منهم إلا مرة واحدة، المسلم والذمي ~~في ذلك سواء وروي عن أحمد، أن في العشرة نصف مثقال، وليس فيما دون العشرة ~~شيء. # نص على هذا، في رواية أبي الحارث، قال: قلت إذا كان مع الذمي عشرة ~~دنانير؟ قال: تأخذ منه نصف دينار. قلت: فإن كان معه أقل من عشرة دنانير؟ ~~قال: إذا نقصت لم يؤخذ منه شيء. وذلك لأن العشرة مال يبلغ واجبه نصف دينار، ~~فوجب فيه، كالعشرين في حق المسلم. أو نقول: مال معشور فوجب في العشرة منه ~~كمال الحربي. وقال ابن حامد: يؤخذ عشر الحربي ونصف عشر الذمي، من ما قل أو ~~كثر؛ لأن عمر قال: خذ من كل عشرين درهما درهما. ولأنه حق عليه، فوجب في ~~قليله وكثيره، كنصيب المالك في أرضه التي عامله عليها. # ولنا، أنه عشر أو نصف عشر وجب بالشرع، فاعتبر له نصاب، كزكاة الزرع ~~والثمر، ولأنه حق يتقدر بالحول، فاعتبر له النصاب، كالزكاة. وأما قول عمر، ~~فالمراد به - والله أعلم - بيان قدر المأخوذ، وأنه نصف العشر، ومعناه إذا ~~كان معه عشرة دنانير فخذ من كل عشرين درهما درهما؛ لأن في صدر الحديث أن ~~عمر بعث مصدقا، وأمره أن يأخذ من المسلمين من كل أربعين درهما درهما، ومن ~~أهل الذمة من كل عشرين درهما درهما، ms5184 ومن أهل الحرب من كل عشرة واحدا. وإنما ~~يؤخذ ذلك من المسلم إذا كان معه نصاب، فكذلك من غيره. ### | [فصل العاشر يمر عليه الذمي بخمر أو خنزير] # (7678) فصل: واختلفت الرواية عن أحمد، في العاشر يمر عليه الذمي بخمر أو ~~خنزير، فقال في موضع: قال عمر: ولوهم بيعها. لا يكون إلا على الآخذ منها. ~~وروى بإسناده، عن سويد بن غفلة، في قول عمر: ولوهم بيع الخمر والخنزير ~~بعشرها. قال أحمد: إسناد جيد. وممن رأى ذلك مسروق، والنخعي، وأبو حنيفة. ~~ووافقهم محمد بن الحسن في الخمر خاصة. وذكر القاضي # PageV09P349 # أن أحمد نص على أنه لا يؤخذ منهم شيء. # وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأبو عبيد، وأبو ثور. قال عمر بن عبد العزيز: ~~الخمر لا يعشرها مسلم. # وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن عتبة بن فرقد بعث إليه ~~بأربعين ألف درهم صدقة الخمر، فكتب إليه عمر: بعثت إلي بصدقة الخمر، وأنت ~~أحق بها من المهاجرين. فأخبر بذلك الناس، وقال: والله لا أستعملنك على شيء ~~بعدها. قال: فنزعه. # قال أبو عبيد: ومعنى قول عمر - رضي الله عنه -: ولوهم بيعها، وخذوا أنتم ~~من الثمن. أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من ~~جزيتهم، وخراج أرضهم بقيمتها، ثم يتولى المسلمون بيعها فأنكره عمر، ثم رخص ~~لهم أن يأخذوا من أثمانها، إذا كان أهل الذمة المتولين بيعها. وروى بإسناده ~~عن سويد بن غفلة، أن بلالا قال لعمر: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في ~~الخراج. فقال: لا تأخذوها منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن. ### | [فصل أخذ ثمن الخمر والخنزير من أهل الكتاب على جزية رءوسهم وخراج أرضهم] # (7679) فصل: ويجوز أخذ ثمن الخمر والخنزير منهم على جزية رءوسهم، وخراج ~~أرضهم، احتجاجا بقول عمر هذا؛ ولأنها من أموالهم التي نقرهم على اقتنائها ~~والتصرف فيها، فجاز أخذ أثمانها منهم، كثيابهم. ### | [فصل مر الذمي بالعاشر وعليه دين بقدر ما معه] # (7680) فصل: وإذا مر الذمي بالعاشر، وعليه دين بقدر ما معه، أو ينقص عن ~~النصاب، ms5185 فظاهر كلام أحمد، أن ذلك يمنع أخذ نصف العشر منه؛ لأنه حق يعتبر له ~~النصاب والحول، فيمنعه الدين، كالزكاة. فإن ادعى أن عليه دينا، لم يقبل ذلك ~~إلا ببينة من المسلمين؛ لأن الأصل براءة ذمته منه. وإن مر بجارية، فادعى ~~أنها بنته أو أخته، ففيه روايتان؛ إحداهما، يقبل قوله. # قال الخلال: وهو أشبه القولين؛ لأن الأصل عدم ملكه فيها. والثانية، لا ~~يقبل؛ إلا ببينة لأنها في يده، فأشبهت بهيمته. ### | [مسألة دخل إلينا من أهل الكتاب تاجر حربي بأمان الجزية] # (7681) مسألة؛ قال: وإذا دخل إلينا منهم تاجر حربي بأمان، أخذ منه العشر. ~~وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ منه شيء، إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئا، فنأخذ ~~منهم مثله، لما روي عن أبي مجلز لاحق بن حميد، قال: قالوا لعمر: كيف نأخذ ~~من أهل الحرب إذا قدموا علينا؟ قال: كيف يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم؟ ~~قالوا: العشر. قال: فكذلك خذوا منهم. . # وعن زياد بن حدير، قال: كنا لا نعشر مسلما ولا معاهدا. قال: من كنتم ~~تعشرون؟ قال: كفار أهل الحرب، فنأخذ منهم كما يأخذون منا. وقال الشافعي: إن ~~دخل إلينا بتجارة لا يحتاج إليها المسلمون، لم يأذن له الإمام إلا بعوض ~~يشرطه عليه، ومهما شرط جاز # PageV09P350 # ويستحب أن يشترط العشر، ليوافق فعله فعل عمر - رضي الله عنه - وإن أذن ~~مطلقا من غير شرط، فالمذهب أنه لا يؤخذ منهم شيء، لأنه أمان من غير شرط، ~~فلم يستحق به شيء، كالهدنة. # ويحتمل أن يجب العشر؛ لأن عمر أخذه. ولنا، ما رويناه في المسألة التي ~~قبلها، ولأن عمر أخذ منهم العشر، واشتهر ذلك فيما بين الصحابة، وعمل به ~~الخلفاء الراشدون بعده، والأئمة بعده في كل عصر، من غير نكير، فأي إجماع ~~يكون أقوى من هذا؟ ولم ينقل أنه شرط ذلك عليهم عند دخولهم، ولا يثبت ذلك ~~بالتخمين من غير نقل، ولأن مطلق الأمر يحمل على المعهود في الشرع، وقد ~~استمر أخذ العشر منهم في زمن الخلفاء الراشدين، فيجب أخذه. # فأما سؤال عمر عما يأخذون منا، ms5186 فإنما كان لأنهم سألوه عن كيفية الأخذ ~~ومقداره، ثم استمر الأخذ من غير سؤال، ولو تقيد أخذنا منهم بأخذهم منا، ~~لوجب أن يسأل عنه في كل وقت. ### | [فصل يؤخذ من أهل الكتاب العشر من كل مال للتجارة أخذ الجزية] # فصل: ويؤخذ منهم العشر من كل مال للتجارة، في ظاهر كلام الخرقي. وقال ~~القاضي: إذا دخلوا في نقل ميرة بالناس إليها حاجة، أذن لهم في الدخول بغير ~~عشر يؤخذ منهم. وهذا قول الشافعي؛ لأن دخولهم نفع للمسلمين. ولنا، عموم ما ~~رويناه. وروى صالح عن أبيه، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن الزهري، عن ~~سالم، عن أبيه، عن عمر، أنه كان يأخذ من النبط من القطنية العشر، ومن ~~الحنطة والزبيب نصف العشر، ليكثر الحمل إلى المدينة. وهذا يدل على أنه يخفف ~~عنهم إذا رأى # المصلحة # فيه، وله الترك أيضا إذا رأى # المصلحة. ### | [فصل يؤخذ العشر من كل حربي تاجر ونصف العشر من كل ذمي تاجر] # (7683) فصل: ويؤخذ العشر من كل حربي تاجر، ونصف العشر من كل ذمي تاجر، ~~سواء كان ذكرا أو أنثى، أو صغيرا أو كبيرا، وقال القاضي: ليس على المرأة ~~عشر ولا نصف عشر، سواء كانت حربية أو ذمية، لكن إن دخلت الحجاز عشرت؛ لأنها ~~ممنوعة من الإقامة به. ولا يعرف هذا التفصيل عن أحمد، ولا يقتضيه مذهبه؛ ~~لأنه يوجب الصدقة في أموال نساء بني تغلب وصبيانهم، فكذلك يوجب العشر أو ~~نصفه في مال النساء، وعموم الأحاديث المروية ليس فيها تخصيص للرجال دون ~~النساء، وليس هذا بجزية، وإنما هو حق يختص بمال التجارة، لتوسعه في دار ~~الإسلام، وانتفاعه بالتجارة فيها، فيستوي فيه الرجل والمرأة، كالزكاة في حق ~~المسلمين. ### | [فصل الحربي يعشر كلما دخل إلينا الجزية] # (7684) فصل: ولا يعشرون في السنة إلا مرة، ولا يؤخذ من أقل من عشرة ~~دنانير. نص عليهما أحمد. وحكي عن أبي عبد الله بن حامد، أن الحربي يعشر ~~كلما دخل إلينا. وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأننا لو أخذنا منه مرة # PageV09P351 # واحدة، لا نأمن ms5187 أن يدخلوا، فإذا جاء وقت السنة الأخرى لم يدخلوا، فتعذر ~~الأخذ منهم. ولنا، أنه حق يؤخذ من التجارة، فلا يؤخذ أكثر من مرة في السنة، ~~كالزكاة، ونصف العشر من الذمي. # وقولهم: يفوت. غير صحيح؛ فإنه يؤخذ منه أول ما يدخل مرة، ويكتب الآخذ له ~~بما أخذ منه، فلا يؤخذ منه شيء حتى تمضي تلك السنة، فإذا جاء في العام ~~الثاني، أخذ منه، في أول ما يدخل، وإن لم يدخل، فما فات من حق السنة الأولى ~~شيء. ### | [فصل ليس لأهل الحرب دخول دار الإسلام بغير أمان] # (7685) فصل وليس لأهل الحرب دخول دار الإسلام بغير أمان؛ لأنه لا يؤمن أن ~~يدخل جاسوسا، أو متلصصا، فيضر بالمسلمين، فإن دخل بغير أمان، سئل، فإن قال: ~~جئت رسولا. فالقول قوله؛ لأنه تتعذر إقامة البينة على ذلك، ولم تزل الرسل ~~تأتي من غير تقدم أمان. وإن قال: جئت تاجرا. نظرنا؛ فإن كان معه متاع ~~يبيعه، قبل قوله أيضا، وحقن دمه؛ لأن العادة جارية بدخول تجارهم إلينا ~~وتجارنا إليهم، وإن لم يكن معه ما يتجر به، لم يقبل قوله؛ لأن التجارة لا ~~تحصل بغير مال. # وكذلك مدعي الرسالة، إذا لم يكن معه رسالة يؤديها، أو كان ممن لا يكون ~~مثله رسولا. وإن قال: أمنني مسلم. فهل يقبل منه؟ على وجهين؛ أحدهما، يقبل، ~~تغليبا لحقن دمه، كما يقبل من الرسول والتاجر. والثاني، لا يقبل؛ لأن إقامة ~~البينة عليه ممكنة. فإن قال: مسلم: أنا أمنته. قبل قوله؛ لأنه يملك أن ~~يؤمنه، فقبل قوله فيه، كالحاكم إذا قال: حكمت لفلان على فلان بحق. # وإن كان جاسوسا، خير الإمام فيه بين أربعة أشياء؛ كالأسير. وإن كان ممن ~~ضل الطريق، أو حملته الريح إلينا في مركب، فقد ذكرنا حكمه. ### | [مسألة نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه] # (7686) مسألة؛ قال: (ومن نقض العهد، بمخالفة شيء مما صولحوا عليه، حل دمه ~~وماله) وجملة ذلك، أنه ينبغي للإمام عند عقد الهدنة أن يشترط عليهم شروطا، ~~نحو ما شرطه عمر، - رضي الله عنه -. # وقد رويت عن ms5188 عمر - رضي الله عنه -، في ذلك أخبار، منها ما رواه الخلال، ~~بإسناده عن إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم، قالوا: كتب ~~أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم: إنا حين قدمنا من بلادنا، طلبنا إليك ~~الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا، على أنا شرطنا لك على أنفسنا أن لا نحدث في ~~مدينتنا كنيسة، ولا فيما حولها ديرا، ولا قلاية، ولا صومعة راهب # PageV09P352 # ولا نجدد ما خرب من كنائسنا، ولا ما كان منها في خطط المسلمين، ولا نمنع ~~كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة ~~وابن السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا، وأن لا نكتم أمر من غش ~~المسلمين، وأن لا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا، ولا نظهر ~~عليها صليبا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا فيما ~~يحضره المسلمون، ولا نخرج صليبنا ولا كتابنا في سوق المسلمين، وألا نخرج ~~باعوثا ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا مع أمواتنا، ولا نظهر النيران معهم في ~~أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر ~~شركا، ولا نرغب في ديننا، ولا ندعو إليه أحدا، ولا نتخذ شيئا من الرقيق ~~الذين جرت عليهم سهام المسلمين، وأن لا نمنع أحدا من أقربائنا إذا أراد ~~الدخول في الإسلام وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس ~~قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مواكبهم، ولا نتكلم ~~بكلامهم، وإن لا نتكنى بكناهم، وأن نجز مقادم رءوسنا، ولا نفرق نواصينا، ~~ونشد الزنانير على أوساطنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ~~ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله، ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين ~~في مجالسهم، ونرشد الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس، ولا ~~نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا يشارك أحد منا مسلما ~~في تجارة، إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ~~ثلاثة أيام، ونطعمه ms5189 من أوسط ما نجد، ضمنا ذلك على أنفسنا، وذرارينا، ~~وأزواجنا ومساكننا، وإن نحن غيرنا، أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا، وقبلنا ~~الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق. ~~فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فكتب لهم ~~عمر: أن أمض لهم ما سألوه، وألحق فيه حرفين، اشترط عليهم مع ما شرطوا على ~~أنفسهم أن لا يشتروا من سبايانا شيئا، ومن ضرب مسلما عمدا، فقد خلع عهده. ~~فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك وأقر من أقام من الروم في مدائن # PageV09P353 # الشام على هذا الشرط. فهذه جملة شروط عمر - رضي الله عنه - فإذا صولحوا ~~عليها، ثم نقض بعضهم شيئا منها، فظاهر كلام الخرقي أن عهده ينتقض به. # وهو ظاهر ما رويناه؛ لقولهم في الكتاب: إن نحن خالفنا، فقد حل لك منا ما ~~يحل لك من أهل المعاندة والشقاق. وقال عمر: ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع ~~عهده. # ولأنه عقد بشرط فمتى لم يوجد الشرط، زال حكم العقد، كما لو امتنع من ~~التزام الأحكام. وذكر القاضي، والشريف أبو جعفر، أن الشروط قسمان؛ أحدهما ~~ينتقض العهد بمخالفته، وهو أحد عشر شيئا؛ الامتناع من بذل الجزية، وجري ~~أحكامنا عليهم إذا حكم بها حاكم، والاجتماع على قتال المسلمين، والزنى ~~بمسلمة وإصابتها باسم نكاح، وفتن مسلم عن دينه، وقطع الطريق عليه، وقتله، ~~وإيواء جاسوس المشركين، والمعاونة على المسلمين بدلالة المشركين على ~~عوراتهم أو مكاتبتهم، وذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء، ~~فالخصلتان الأوليان ينتقض العهد بهما بلا خلاف في المذهب. وهو مذهب ~~الشافعي. # وفي معناهما قتالهم للمسلمين منفردين أو مع أهل الحرب؛ لأن إطلاق الأمان ~~يقتضي ذلك، فإذا فعلوه نقضوا الأمان؛ لأنهم إذا قاتلونا، لزمنا قتالهم، ~~وذلك ضد الأمان، وسائر الخصال فيها روايتان؛ إحداهما، أن العهد ينتقض بها، ~~سواء شرط عليهم ذلك أو لم يشترط. وظاهر مذهب الشافعي قريب من هذا. إلا أن ~~ما لم يشترط عليهم، لا ينتقض العهد بتركه، ms5190 ما خلا الخصال الثلاث الأولى، ~~فإنه يتعين شرطها، وينتقض العهد بتركها بكل حال. # وقال أبو حنيفة: لا ينتقض العهد إلا بالامتناع من الإمام على وجه لا ~~يتعذر معه أخذ الجزية منهم. ولنا، مع ما ذكرناه، ما روي أن عمر رفع إليه ~~رجل قد أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا، فقال: ما على هذا صالحناكم. ~~وأمر به فصلب في بيت المقدس. ولأن فيه ضررا على المسلمين، فأشبه الامتناع ~~من بذل الجزية. وكل موضع قلنا: لا ينتقض عهده. فإنه إن فعل ما فيه حد أقيم ~~عليه حده أو قصاصه، وإن لم يوجب حدا، عزر ويفعل به ما ينكف به أمثاله عن ~~فعله. # فإن أراد أحد منهم فعل ذلك كف عنه، فإن مانع بالقتال نقض عهده. ومن حكمنا ~~بنقض عهده منهم، خير الإمام فيه بين أربعة أشياء؛ القتل، والاسترقاق، ~~والفداء، والمن، كالأسير الحربي؛ لأنه كافر قدرنا عليه في دارنا بغير عهد ~~ولا عقد، ولا شبهة ذلك، فأشبه اللص الحربي. ويختص ذلك به دون ذريته؛ لأن ~~النقض إنما وجد منه دونهم، فاختص به، كما لو أتى ما يوجب حدا أو تعزيرا. ### | [فصل أمصار المسلمين على ثلاثة أقسام] # (7687) فصل: أمصار المسلمين على ثلاثة أقسام؛ أحدها، ما مصره المسلمون، ~~كالبصرة والكوفة وبغداد وواسط، فلا يجوز فيه إحداث كنيسة # PageV09P354 # ولا بيعة ولا مجتمع لصلاتهم، ولا يجوز صلحهم على ذلك، بدليل ما روي عن ~~عكرمة، قال: قال ابن عباس: أيما مصر مصرته العرب، فليس للعجم أن يبنوا فيه ~~بيعة، ولا يضربوا فيه ناقوسا، ولا يشربوا فيه خمرا، ولا يتخذوا فيه خنزيرا. ~~رواه الإمام أحمد، واحتج به. # ولأن هذا البلد ملك للمسلمين، فلا يجوز أن يبنوا فيه مجامع للكفر. وما ~~وجد في هذه البلاد من البيع والكنائس، مثل كنيسة الروم في بغداد، فهذه كانت ~~في قرى أهل الذمة، فأقرت على ما كانت عليه. القسم الثاني، ما فتحه المسلمون ~~عنوة، فلا يجوز إحداث شيء من ذلك فيه؛ لأنها صارت ملكا للمسلمين، وما كان ~~فيه من ذلك ففيه وجهان؛ أحدهما، يجب ms5191 هدمه، وتحرم تبقيته؛ لأنها بلاد مملوكة ~~للمسلمين، فلم يجز أن تكون فيها بيعة، كالبلاد التي اختطها المسلمون. # والثاني يجوز؛ لأن في حديث ابن عباس: أيما مصر مصرته العجم، ففتحه الله ~~على العرب، فنزلوه، فإن للعجم ما في عهدهم. ولأن الصحابة، - رضي الله عنهم ~~-، فتحوا كثيرا من البلاد عنوة، فلم يهدموا شيئا من الكنائس. ويشهد لصحة ~~هذا، وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة، ومعلوم أنها ما أحدثت، ~~فيلزم أن تكون موجودة فأبقيت. # وقد كتب عمر بن عبد العزيز، - رضي الله عنه - إلى عماله، أن لا يهدموا ~~بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار. ولأن الإجماع قد حصل على ذلك، فإنها موجودة في ~~بلاد المسلمين من غير نكير. # القسم الثالث ما فتح صلحا، وهو نوعان؛ أحدهما، أن يصالحهم على أن الأرض ~~لهم، ولنا الخراج عنها، فلهم إحداث ما يحتاجون فيها؛ لأن الدار لهم ~~والثاني، أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين، ويؤدون الجزية إلينا، فالحكم ~~في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم، من إحداث ذلك، وعمارته؛ ~~لأنه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أن الكل لهم، جاز أن يصالحوا على أن ~~يكون بعض البلد لهم، ويكون موضع الكنائس والبيع معينا والأولى أن يصالحهم ~~على ما صالحهم عليه عمر - رضي الله عنه - ويشترط عليهم الشروط المذكورة في ~~كتاب عبد الرحمن بن غنم، أن لا يحدثوا بيعة، ولا كنيسة، ولا صومعة راهب، ~~ولا قلاية. # وإن وقع الصلح مطلقا من غير شرط، حمل على ما وقع عليه صلح عمر، وأخذوا ~~بشروطه. فأما الذين صالحهم عمر، وعقد معهم الذمة، فهم على ما في كتاب عبد ~~الرحمن بن غنم، مأخوذون بشروطه كلها وما وجد في بلاد المسلمين من الكنائس ~~والبيع، فهي على ما كانت عليه في زمن فاتحيها ومن بعدهم، وكل موضع قلنا: ~~يجوز إقرارها. لم يجز هدمها، ولهم رم ما تشعث منها، وإصلاحها؛ لأن المنع من ~~ذلك يفضي إلى خرابها وذهابها، فجرى مجرى هدمها. وإن وقعت كلها، لم يجز # PageV09P355 # بناؤها. # وهو قول بعض ms5192 أصحاب الشافعي. وعن أحمد أنه يجوز. وهو قول أبي حنيفة، ~~والشافعي؛ لأنه بناء لما استهدم فأشبه بناء بعضها إذا انهدم ورم شعثها، ~~ولأن استدامتها جائزة وبناؤها كاستدامتها. وحمل الخلال قول أحمد: لهم أن ~~يبنوا ما انهدم منها. أي إذا انهدم بعضها، ومنعه من بناء ما انهدم، على ما ~~إذا انهدمت كلها، فجمع بين الروايتين. ولنا، أن في كتاب أهل الجزيرة لعياض ~~بن غنم: ولا نجدد ما خرب من كنائسنا. # وروى كثير بن مرة، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول قال: رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا تبنى الكنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها» . ~~ولأن هذا بناء كنيسة في دار الإسلام، فلم يجز، كما لو ابتدئ بناؤها. وفارق ~~رم شعثها؛ فإنه إبقاء واستدامة، وهذا إحداث. ### | [فصل استحدث من أهل الذمة بناء] # (7688) فصل: ومن استحدث من أهل الذمة بناء، لم يجز له منعه حتى يكون أطول ~~من بناء المسلمين المجاورين له؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «الإسلام يعلو ولا يعلى» . ولأن في ذلك رتبة على المسلمين، وأهل ~~الذمة ممنوعون من ذلك، ولهذا يمنعون من صدور المجالس، ويلجئون إلى أضيق ~~الطرق. ولا يمنع من تعلية بنائه على من ليس بمجاور له؛ لأن علوها إنما يكون ~~ضررا على المجاور لها، دون غيره. وفي جواز مساواة المسلمين وجهان؛ أحدهما، ~~الجواز؛ لأنه ليس بمستطيل على المسلمين. # والثاني، المنع؛ لقوله - عليه السلام -: «الإسلام يعلو ولا يعلى» . ~~ولأنهم منعوا من مساواة المسلمين في لباسهم وشعورهم وركوبهم، كذلك في ~~بنائهم، فإن كان للذمي دار عالية، فملك المسلم دارا إلى جانبها، أو بنى ~~المسلم إلى جانب دار ذمي دارا دونها، أو اشترى ذمي دارا عالية لمسلم، فله ~~سكنى داره، ولا يلزمه هدمها؛ لأنه لم يعل على المسلمين شيئا. فإن انهدمت ~~داره العالية، ثم جدد بناءها، لم يجز له تعليته على بناء المسلمين. وإن ~~انهدم ما علا منها، لم تكن له إعادته. وإن تشعث منه شيء ولم ينهدم، فله رمه ~~وإصلاحه؛ لأنه ملك ms5193 استدامته، فملك رم شعثه، كالكنيسة. ### | [فصل لا يجوز لأهل الكتاب سكنى الحجاز] # (7689) فصل: ولا يجوز لأحد منهم سكنى الحجاز. وبهذا قال مالك، والشافعي. ~~إلا أن مالكا قال: أرى أن يجلوا # PageV09P356 # من أرض العرب كلها؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يجتمع ~~دينان في جزيرة العرب» . وروى أبو داود، بإسناده عن عمر، أنه «سمع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ~~فلا أترك فيها إلا مسلما» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وعن ابن عباس، قال: «أوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثلاثة ~~أشياء، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت ~~أجيزهم» . وسكت عن الثالث. رواه أبو داود. # وجزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن. قاله سعيد بن عبد العزيز. ~~وقال الأصمعي وأبو عبيد: هي من ريف العراق إلى عدن طولا، ومن تهامة وما ~~وراءها إلى أطراف الشام عرضا. وقال أبو عبيدة: هي من حفر أبي موسى إلى ~~اليمن طولا، ومن رمل تبرين إلى منقطع السماوة عرضا. قال الخليل: إنما قيل ~~لها جزيرة؛ لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها، ونسبت إلى ~~العرب، لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها. # وقال أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها. يعني أن الممنوع من سكنى ~~الكفار المدينة وما والاها، وهو مكة واليمامة، وخيبر والينبع وفدك ~~ومخاليفها، وما والاها. وهذا قول الشافعي؛ لأنهم لم يجلوا من تيماء، ولا من ~~اليمن # وقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه قال: «إن آخر ما تكلم به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. أنه قال: أخرجوا اليهود من الحجاز» . فأما إخراج أهل ~~نجران منه، فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالحهم على ترك الربا، ~~فنقضوا عهده. فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز، وإنما سمي ~~حجازا، لأنه حجز بين تهامة ونجد. ولا يمنعون أيضا من أطراف الحجاز، كتيماء ~~وفيد ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك. # PageV09P357 ### | [فصل دخول أهل الكتاب الحجاز للتجارة] # (7690) فصل: ms5194 ويجوز لهم دخول الحجاز للتجارة؛ لأن النصارى كانوا يتجرون ~~إلى المدينة في زمن عمر - رضي الله عنه - وأتاه شيخ بالمدينة، فقال: أنا ~~الشيخ النصراني، وإن عاملك عشرني مرتين. فقال عمر: وأنا الشيخ الحنيف. وكتب ~~له عمر، أن لا يعشروا في السنة إلا مرة. ولا يأذن لهم في الإقامة أكثر من ~~ثلاثة أيام - على ما روي عن عمر، - رضي الله عنه - ثم ينتقل عنه. وقال ~~القاضي: يقيم أربعة أيام حد ما يتم المسافر الصلاة. # والحكم في دخولهم إلى الحجاز في اعتبار الإذن، كالحكم في دخول أهل الحرب ~~دار الإسلام. وإذا مرض بالحجاز، جازت له الإقامة، لأنه يشق الانتقال على ~~المريض، وتجوز الإقامة لمن يمرضه؛ لأنه لا يستغني عنه. وإن كان له دين على ~~أحد وكان حالا، أجبر غريمه على وفائه فإن تعذر وفاؤه لمطل، أو تغيب عنه، ~~فينبغي أن يمكن من الإقامة، ليستوفي دينه؛ لأن التعدي من غيره، وفي إخراجه ~~ذهاب ماله. # وإن كان الدين مؤجلا، لم يمكن من الإقامة، ويوكل من يستوفيه له؛ لأن ~~التفريط منه، وإن دعت الحاجة إلى الإقامة ليبيع بضاعته، احتمل أن يجوز؛ لأن ~~في تكليفه تركها أو حملها معه ضياع ماله، وذلك مما يمنع من الدخول بالبضائع ~~إلى الحجاز، فتفوت مصلحتهم، وتلحقهم المضرة، بانقطاع الجلب عنهم. # ويحتمل أن يمنع من الإقامة؛ لأن له من الإقامة بدا. فإن أراد الانتقال ~~إلى مكان آخر من الحجاز، جاز، ويقيم فيه أيضا ثلاثة أيام، أو أربعة، على ~~الخلاف فيه، وكذلك إذا انتقل منه إلى مكان آخر، جاز، ولو حصلت الإقامة في ~~الجميع شهرا. وإذا مات بالحجاز دفن به؛ لأنه يشق نقله، وإذا جازت الإقامة ~~للمريض، فدفن الميت أولى. ### | [فصل ليس لأهل الكتاب دخول الحرم] # (7691) فصل: فأما الحرم، فليس لهم دخوله بحال. وبهذا قال الشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: لهم دخوله كالحجاز كله، ولا يستوطنون به، ولهم دخول الكعبة ~~والمنع من الاستيطان لا يمنع الدخول والتصرف، كالحجاز. # ولنا، قول الله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا} [التوبة: ms5195 28] . والمراد به الحرم، بدليل قوله تعالى: {وإن خفتم ~~عيلة} [التوبة: 28] يريد: ضررا بتأخير الجلب عن الحرم دون المسجد. # PageV09P358 # ويجوز تسمية الحرم المسجد الحرام، بدليل قول الله تعالى {سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1] . وإنما أسري ~~به من بيت أم هانئ من خارج المسجد. ويخالف الحجاز؛ لأن الله تعالى منع منه ~~مع إذنه في الحجاز، فإن هذه الآية نزلت واليهود بخيبر والمدينة وغيرهما من ~~الحجاز، ولم يمنعوا من الإقامة به، وأول من أجلاهم عمر، - رضي الله عنه -. ~~ولأن الحرم أشرف، لتعلق النسك به، ويحرم صيده وشجره والملتجئ إليه، فلا ~~يقاس غيره عليه. # فإن أراد كافر الدخول إليه، منع منه. فإن كانت معه ميرة أو تجارة، خرج ~~إليه من يشتري منه، ولم يترك هو يدخل. # وإن كان رسولا إلى إمام بالحرم، خرج إليه من يسمع رسالته، ويبلغها إياه. ~~فإن قال: لا بد لي من لقاء الإمام، وكانت المصلحة في ذلك، خرج إليه الإمام، ~~ولم يأذن له في الدخول، فإن دخل الحرم عالما بالمنع عزر، وإن دخل جاهلا، ~~نهي وهدد. فإن مرض بالحرم أو مات، أخرج ولم يدفن به؛ لأن حرمة الحرم أعظم. ~~ويفارق الحجاز من وجهين؛ أحدهما، أن دخوله إلى الحرم حرام، وإقامته به ~~حرام، بخلاف الحجاز. والثاني، أن خروجه من الحرم سهل ممكن، لقرب الحل منه، ~~وخروجه من الحجاز في مرضه صعب ممتنع. وإن دفن، نبش وأخرج، إلا أن يصعب ~~إخراجه؛ لنتنه وتقطعه. # وإن صالحهم الإمام على دخول الحرم بعوض، فالصلح باطل. فإن دخلوا إلى ~~الموضع الذي صالحهم عليه، لم يرد عليهم العوض؛ لأنهم قد استوفوا ما صالحهم ~~عليه. وإن وصلوا إلى بعضه، أخذ من العوض بقدره. ويحتمل أن يرد عليهم بكل ~~حال؛ لأن ما استوفوا لا قيمة له، والعقد لم يوجب العوض، لكونه باطلا. ### | [فصل ليس لأهل الكتاب دخول مساجد الحل بغير إذن المسلمين] # (7692) فصل: فأما مساجد الحل، فليس لهم دخولها بغير إذن المسلمين، لأن ~~عليا - رضي الله عنه - بصر بمجوسي وهو على المنبر، ms5196 وقد دخل المسجد، فنزل، ~~وضربه، وأخرجه من أبواب كندة. فإن أذن لهم في دخولها، جاز في الصحيح من ~~المذهب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم عليه وفد أهل الطائف، ~~فأنزلهم من المسجد قبل إسلامهم. وقال سعيد بن المسيب: قد كان أبو سفيان ~~يدخل مسجد المدينة وهو على شركه. وقدم عمير بن وهب، فدخل المسجد والنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيه، ليفتك به، فرزقه الله الإسلام. # PageV09P359 # وفيه رواية أخرى، ليس لهم دخوله بحال؛ لأن أبا موسى دخل على عمر ومعه ~~كتاب قد كتب فيه حساب عمله، فقال له عمر: ادع الذي كتبه ليقرأه. قال: إنه ~~لا يدخل المسجد. قال: ولم؟ قال: إنه نصراني، وفيه دليل على شهرة ذلك بينهم، ~~وتقرره عندهم. ولأن حدث الجنابة والحيض والنفاس يمنع المقام في المسجد، ~~فحدث الشرك أولى. ### | [فصل المأخوذ في أحكام الذمة] # (7693) فصل: والمأخوذ في أحكام الذمة ينقسم خمسة أقسام؛ أحدها، ما لا يتم ~~العقد إلا بذكره وهو شيئان؛ التزام الجزية، وجريان أحكامنا عليهم. فإن أخل ~~بذكر واحد منهما، لم يصح العقد. وفي معناهما ترك قتال المسلمين، فإنه وإن ~~لم يذكر لفظه، فذكر المعاهدة يقتضيه. القسم الثاني، ما فيه ضرر على ~~المسلمين في أنفسهم، وهو ثماني خصال، ذكرناها فيما تقدم. # القسم الثالث، ما فيه غضاضة على المسلمين، وهو ذكر ربهم أو كتابهم أو ~~دينهم أو رسولهم بسوء. القسم الرابع، ما فيه إظهار منكر، وهو خمسة أشياء؛ ~~إحداث البيع والكنائس ونحوها، ورفع أصواتهم بكتبهم بين المسلمين، وإظهار ~~الخمر والخنزير والضرب بالنواقيس، وتعلية البنيان على أبنية المسلمين ~~والإقامة بالحجاز، ودخول الحرم، فيلزمهم الكف عنه، سواء شرط عليهم أو لم ~~يشرط، في جميع ما في هذه الأقسام الثلاثة. # القسم الخامس، التميز على المسلمين في أربعة أشياء؛ لباسهم، وشعورهم ~~وركوبهم، وكناهم. أما لباسهم، فهو أن يلبسوا ثوبا يخالف لونه لون سائر ~~الثياب، فعادة اليهود العسلي، وعادة النصارى الأدكن، وهو الفاختي، ويكون ~~هذا في ثوب واحد، لا في جميعها، ليقع الفرق، ويضيف إلى هذا شد الزنار فوق ~~ثوبه، إن ms5197 كان نصرانيا، أو علامة أخرى إن لم يكن نصرانيا، كخرقة يجعلها في ~~عمامته أو قلنسوته، يخالف لونها لونها، ويختم في رقبته خاتم رصاص أو حديد ~~أو جلجل؛ ليفرق بينه وبين المسلمين في الحمام، ويلبس نساؤهم ثوبا ملونا، ~~ويشد الزنار تحت ثيابهم، وتختم في رقبتها. # ولا يمنعون لبس فاخر الثياب، ولا العمائم، ولا الطيلسان؛ لأن التمييز حصل ~~بالغيار والزنار. وأما الشعور، فإنهم يحذفون مقاديم رءوسهم، ويجزون شعورهم، ~~ولا يفرقون شعورهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق شعره. وأما ~~الركوب، فلا يركبون الخيل؛ لأن ركوبها عز، ولهم ركوب ما سواها، ولا يركبون ~~السروج ويركبون عرضا؛ رجلاه إلى جانب وظهره إلى آخر؛ لما روى الخلال، ~~بإسناده، # أن عمر أمر بجز نواصي # PageV09P360 # أهل الذمة، وأن يشدوا المناطق، وأن يركبوا الأكف بالعرض. ويمنعون تقلد ~~السيوف، وحمل السلاح واتخاذه. وأما الكنى، فلا يكتنوا بكنى المسلمين، كأبي ~~القاسم، وأبي عبد الله، وأبي محمد، وأبي بكر، وأبي الحسن، وشبهها، ولا ~~يمنعون الكنى بالكلية، فإن أحمد قال لطبيب نصراني: يا أبا إسحاق. وقال: ~~أليس النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل على سعد بن عبادة قال: " أما ~~ترى ما يقول أبو الخباب؟ «. وقال لأسقف نجران: أسلم أبا الحارث» . وقال عمر ~~لنصراني: يا أبا حسان، أسلم تسلم. ### | [فصل ما يفعل عند عقد الذمة] # (7694) فصل: وإذا عقد معهم الذمة، كتب أسماءهم، وأسماء آبائهم، وعددهم، ~~وحليهم ودينهم، فيقول: فلان بن فلان الفلاني، طويل أو قصير أو ربعة، أسمر ~~أو أبيض، أدعج العينين، أقنى الأنف، مقرون الحاجبين. ونحو هذا من صفاتهم ~~التي يتميز بها كل واحد من الآخر، ويجعل لكل عشرة عريفا يراعي من يبلغ منهم ~~أو يفيق من جنون، أو يقدم من غيبة، أو يسلم، أو يموت، أو يغيب، ويجبي ~~جزيتهم، فيكون ذلك أحوط لحفظ جزيتهم. ### | [فصل لم يعرف ما عوهدوا عليه أهل الذمة] # (7695) فصل: وإذا مات الإمام، أو عزل، وولي غيره، فإن عرف ما عقد عليه ~~عقد الذمة من كان قبله، وكان عقدا صحيحا، أقرهم عليه؛ لأن الخلفاء أقروا ~~عقد ms5198 عمر، ولم يجددوا عقدا سواه، ولأن عقد الذمة مؤبد. وإن كان فاسدا رده ~~إلى الصحة. وإن لم يعرف، فشهد به مسلمان، أو كان أمره ظاهرا، عمل به. # وإن أشكل عليه، سألهم، فإن ادعوا العهد بما يصلح أن يكون جزية، قبل ~~قولهم، وعمل به، وإن شاء استحلفهم استظهارا، فإن بان له بعد ذلك أنهم نقضوا ~~من المشروط عليهم شيئا، رجع بما نقضوا، وإن قالوا كنا نؤدي كذا وكذا جزية ~~وكذا وكذا هدية. استحلفهم يمينا واحدة؛ لأن الظاهر فيما يدفعونه أنه جزية. ~~واختار أبو الخطاب أنه إذا لم يعرف ما عوهدوا عليه، استأنف العقد معهم؛ لأن ~~عقد الأول لم يثبت عنده، فصار كالمعدوم. ### | [مسألة هرب من ذمتنا إلى دار الحرب ناقضا للعهد] # مسألة؛ قال: (ومن هرب من ذمتنا إلى دار الحرب، ناقضا للعهد عاد حربيا) ~~يعني يصير حكمه حكم أهل الحرب، سواء كان رجلا أو امرأة، ومتى قدر عليه، ~~أبيح منه ما يباح من الحربي؛ من القتل، والاسترقاق، وأخذ المال. وإن هرب ~~الذمي بأهله وذريته، أبيح من البالغين منهم ما يباح من أهل الحرب، ولم يبح ~~سبي الذرية؛ لأن النقض إنما وجد من البالغين دون الذرية. # PageV09P361 ### | [فصل نقض طائفة من أهل الذمة العهد] # (7697) فصل: وإن نقضت طائفة من أهل الذمة، جاز غزوهم وقتلهم. وإن نقض ~~بعضهم دون بعض اختص حكم النقض بالناقض دون غيره. وإن لم ينقضوا، لكن خاف ~~النقض منهم، لم يجز أن ينبذ إليهم عهدهم؛ لأن عقد الذمة لحقهم، بدليل أن ~~الإمام تلزمه إجابتهم إليه، بخلاف عقد الأمان والهدنة؛ فإنه لمصلحة ~~المسلمين. ولأن عقد الذمة آكد؛ لأنه مؤبد، وهو معاوضة، ولذلك إذا نقض بعض ~~أهل الذمة العهد، وسكت بعضهم، لم يكن سكوتهم نقضا، وفي عقد الهدنة يكون ~~نقضا. ### | [فصل ما يوجب عقد الذمة] # (7698) فصل: وإذا عقد الذمة، فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل ~~الذمة؛ لأنه التزم بالعهد حفظهم، ولهذا قال علي - رضي الله عنه -: إنما ~~بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا. وقال عمر - رضي ~~الله عنه - في وصيته ms5199 للخليفة بعده: وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيرا، أن يوفي ~~لهم بعهدهم، ويحاط من ورائهم. ### | [فصل تحاكم إلينا مسلم مع ذمي] # (7699) فصل: وإذا تحاكم إلينا مسلم مع ذمي وجب الحكم بينهم؛ لأن عليا حفظ ~~الذمي من ظلم المسلم، وحفظ المسلم منه. وإن تحاكم بعضهم مع بعض، أو استعدى ~~بعضهم على بعض، خير الحاكم بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، لقول الله ~~تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] . # فإن حكم بينهم، لم يحكم إلا بحكم الإسلام؛ لقول الله تعالى: {وإن حكمت ~~فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: 42] . وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] . وإذا استعدت المرأة على زوجها في ~~طلاق أو ظهار أو إيلاء، فإن شاء أعداها، وإن شاء تركها؛ لقول الله تعالى: ~~{فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] . فإن أحضر زوجها، حكم ~~عليه بما يحكم على المسلم في مثل ذلك. فإن كان قد ظاهر منها، منعه وطأها ~~حتى يكفر، وتكفيره بالإطعام وحده، لأنه لا يملك رقبة مسلم، ولا يملك ~~شراءها، ولا يصح منه الصيام. ### | [فصل تعليم المسلم المجوسي شيئا من القرآن] # (7700) فصل: ولا يجوز تمكينه من شراء مصحف، ولا حديث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا فقه، فإن فعل، فالشراء باطل؛ لأن ذلك يتضمن ابتذاله. ~~وكره أحمد بيعهم الثياب المكتوب عليها ذكر الله تعالى. قال مهنا: سألت أحمد ~~أبا عبد الله: هل تكره للرجل المسلم أن يعلم غلاما مجوسيا شيئا من القرآن؟ ~~قال: إن # PageV09P362 # أسلم فنعم، وإلا فأكره أن يضع القرآن في غير موضعه. قلت: فيعلمه أن يصلي ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. # وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله عن الرجل يرهن المصحف عند أهل ~~الذمة؟ قال: لا، «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسافر بالقرآن إلى ~~أرض العدو، مخافة أن يناله العدو» . ### | [فصل لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام] # (7701) فصل: ولا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا بداءتهم بالسلام؛ لما روى ~~أبو هريرة - رضي الله عنه - أن ms5200 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ~~تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق، فاضطروهم إلى ~~أضيقها» . أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنا غادون غدا، فلا ~~تبدءوهم بالسلام، وإن سلموا عليكم، فقولوا: وعليكم» . أخرجه الإمام أحمد. ~~بإسناده عن أنس، أنه قال: «نهينا، أو أمرنا، أن لا نزيد أهل الكتاب على ~~وعليكم» . قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله: تكره أن يقول الرجل للذمي: كيف ~~أصبحت؟ أو كيف حالك؟ أو كيف أنت؟ أو نحو هذا؟ قال: نعم، هذا عندي أكثر من ~~السلام. # وقال أبو عبد الله: إذا لقيته في الطريق، فلا توسع له. وذلك لما تقدم من ~~حديث أبي هريرة. وروي عن ابن عمر، أنه مر على رجل، فسلم عليه، فقيل إنه ~~كافر. فقال: رد على ما سلمت عليك. فرد عليه فقال: أكثر الله مالك وولدك. ثم ~~التفت إلى أصحابه، فقال: أكثر للجزية. وقال يعقوب بن بختان: سألت أبا عبد ~~الله، فقلت نعامل اليهود والنصارى، فنأتيهم في منازلهم، وعندهم قوم مسلمون، ~~أسلم عليهم؟ قال: نعم، تنوي السلام على المسلمين. وسئل عن مصافحة أهل ~~الذمة، فكرهه. ### | [فصل يذكر بعض أهل الذمة من أن الجزية لا تلزمهم] # (7702) فصل: وما يذكر بعض أهل الذمة من أن الجزية لا تلزمهم، وأن معهم ~~كتابا من النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسقاطها عنهم، لا يصح. وسئل عن ذلك ~~أبو العباس بن سريج، فقال: ما نقل ذلك أحد من المسلمين. وذكر أنهم طولبوا ~~بذلك، فأخرجوا كتابا ذكروا أنه بخط علي، - رضي الله عنه - كتبه عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان فيه شهادة سعد بن معاذ، ومعاوية، وتاريخه ~~بعد موت سعد وقبل إسلام معاوية، فاستدل بذلك على بطلانه. ولأن قولهم غير ~~مقبول، ولم يرو ذلك من يعتمد على روايته. ### | [فصل امتهان أهل الذمة عند أخذ الجزية منهم] # (7703) فصل: قال أبو الخطاب: يمتهنون عند أخذ الجزية، ويطال قيامهم، وتجر ~~أيديهم عند أخذها. ذهب إلى قوله ms5201 تعالى # PageV09P363 # : {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] . وقيل: الصغار ~~التزامهم الجزية، وجريان أحكامنا عليهم. # ولا يقبل منهم إرسالها، بل يحضر الذمي بنفسه بها، ويؤديها وهو قائم ~~والآخذ جالس، ولا يشتط عليهم في أخذها، ولا يعذبون إذا أعسروا عن أدائها؛ ~~فإن عمر - رضي الله عنه - أتي بمال كثير، قال أبو عبيد: وأحسبه من الجزية، ~~فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس. قالوا: لا والله، ما أخذنا إلا عفوا ~~صفوا. قال: بلا سوط ولا بوط؟ قالوا: نعم. قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك ~~على يدي، ولا في سلطاني. وقدم عليه سعيد بن عامر بن حذيم، فعلاه عمر ~~بالدرة، فقال سعيد: سبق سيلك مطرك، إن تعاقب نصبر، وإن تعف نشكر، وإن ~~تستعتب نعتب. فقال: ما على المسلم إلا هذا ما لك تبطئ بالخراج؟ فقال: ~~أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير، فلسنا نزيدهم على ذلك، ولكن ~~نؤخرهم إلى غلاتهم. قال عمر: لا أعزلنك ما حييت. رواهما أبو عبيد. . # وقال: إنما وجه التأخير إلى الغلة الرفق بهم قال: ولم نسمع في استيداء ~~الخراج والجزية وقتا غير هذا. واستعمل علي بن أبي طالب رجلا على عكبرى، ~~فقال له على رءوس الناس: لا تدعن لهم درهما من الخراج. وشدد عليه القول، ثم ~~قال: القني عند انتصاف النهار. فأتاه فقال: إني كنت أمرتك بأمر، وإني أتقدم ~~إليك الآن، فإن عصيتني نزعتك، لا تبيعن لهم في خراجهم حمارا، ولا بقرة، ولا ~~كسوة شتاء ولا صيف، وارفق بهم، وافعل بهم. ### | [فصل: في الرجل له المرأة النصرانية لا يأذن لها أن تخرج إلى عيد أو تذهب إلى بيعة] # (7704) فصل: قال أحمد، في الرجل له المرأة النصرانية: لا يأذن لها أن ~~تخرج إلى عيد، أو تذهب إلى بيعة، وله أن يمنعها ذلك. # وكذلك في الأمة. قيل له: وأله أن يمنعها شرب الخمر؟ قال: يأمرها، فإن لم ~~تقبل فليس له منعها. قيل له: فإن طلبت منه أن يشتري لها زنارا؟ قال: لا ~~يشتري زنارا، وتخرج هي تشتري لنفسها. وسئل ms5202 عن الذمي يعامل بالربا، ويبيع ~~الخمر والخنزير، ثم يسلم، وذلك المال في يده، فقال: لا يلزمه أن يخرج منه ~~شيئا؛ لأن ذلك مضي حال كفره، فأشبه نكاحهم في الكفر إذا أسلم. # وسئل عن المجوسيين يجعلان ولدهما مسلما، فيموت وهو ابن خمس سنين؟ فقال: ~~يدفن في مقابر المسلمين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» . يعني أن هذين لم يمجساه، فيبقى على ~~الفطرة. وسئل أبو عبد الله عن أولاد المشركين؟ فقال: أذهب إلى قول النبي # PageV09P364 # - صلى الله عليه وسلم -: «الله أعلم بما كانوا عاملين» . قال: وكان ابن ~~عباس يقول: " فأبواه يهودانه وينصرانه " حتى سمع: " الله أعلم بما كانوا ~~عاملين ". فترك قوله. وسأله ابن الشافعي، فقال: يا أبا عبد الله ذراري ~~المشركين أو المسلمين؟ فقال: هذه مسائل أهل الزيغ. # وقال أبو عبد الله: سأل بشر بن السري سفيان الثوري، عن أطفال المشركين، ~~فصاح به، وقال: يا صبي، أنت تسأل عن هذا؟ قال أحمد: ونحن نمر هذه الأحاديث ~~على ما جاءت، ولا نقول شيئا. وسئل عن أطفال المسلمين، فقال: ليس فيه اختلاف ~~أنهم في الجنة. # وذكروا له حديث عائشة، الذي قالت فيه: عصفور من عصافير الجنة. فقال: وهذا ~~حديث، وذكر فيه رجلا ضعفه طلحة. وسئل عن الرجل يسلم بشرط أن لا يصلي إلا ~~صلاتين؟ فقال: يصح إسلامه، ويؤخذ بالخمس. وقال: معنى حديث حكيم بن حزام: ~~«بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن لا أخر إلا قائما» . أنه لا ~~يركع في الصلاة، بل يقرأ ثم يسجد من غير ركوع. # قال: وحديث قتادة عن نصر بن عاصم، «أن رجلا منهم بايع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يصلي طرفي النهار» . # PageV09P365 ### | [كتاب الصيد والذبائح] # الأصل في إباحة الصيد، الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقول الله ~~تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ~~ما دمتم حرما} [المائدة: 96] . وقال سبحانه: {وإذا حللتم فاصطادوا} ~~[المائدة: 2] . وقال سبحانه: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما ~~علمتم ms5203 من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم ~~واذكروا اسم الله عليه} [المائدة: 4] . # وأما السنة، فروى أبو ثعلبة الخشني، قال: «أتيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله إنا بأرض صيد، أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي ~~المعلم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ماذا يصلح لي؟ قال: أما ما ~~ذكرت أنكم بأرض صيد، فما صدت بقوسك، وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت ~~بكلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه، فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم، ~~فأدركت ذكاته، فكل» . # وعن عدي بن حاتم، قال: «قلت: يا رسول الله، إنا نرسل الكلب المعلم، فيمسك ~~علينا؟ قال: كل. قلت: وإن قتل؟ قال: كل ما لم يشركه كلب غيره» . قال: «وسئل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيد المعراض، فقال: ما خرق فكل، وما ~~قتل بعرضه فلا تأكل» متفق عليهما. وأجمع أهل العلم على إباحة الاصطياد ~~والأكل من الصيد. ### | [مسألة سمى وأرسل كلبه أو فهده المعلم واصطاد وقتل ولم يأكل منه] # (7705) مسألة؛ قال أبو القاسم: (وإذا سمى وأرسل كلبه أو فهده المعلم، ~~واصطاد، وقتل، ولم يأكل منه، جاز أكله) أما ما أدرك ذكاته من الصيد، فلا ~~يشترط في إباحته سوى صحة التذكية؛ ولذلك «قال - عليه السلام -: وما صدت ~~بكلبك الذي ليس بمعلم، فأدركت ذكاته، فكل» . وأما ما قتل الجارح، فيشترط في ~~إباحته شروط سبعة؛ أحدها، أن يكون الصائد من أهل الذكاة، فإن كان وثنيا، أو ~~مرتدا، أو مجوسيا، أو من غير المسلمين وأهل الكتاب، أو مجنونا، لم يبح ~~صيده؛ لأن الاصطياد أقيم مقام الذكاة، والجارح آلة كالسكين، وعقره # PageV09P366 # للحيوان بمنزلة إفراء الأوداج. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن ~~أخذ الكلب ذكاته» . # والصائد بمنزلة المذكي، فتشترط الأهلية فيه. # الشرط الثاني، أن يسمي عند إرسال الجارح، فإن ترك التسمية عمدا أو سهوا، ~~لم يبح، هذا تحقيق المذهب وهو قول الشعبي، وأبي ثور وداود. # ونقل حنبل، عن أحمد، إن نسي التسمية على الذبيحة والكلب، أبيح. قال ~~الخلال: سها حنبل ms5204 في نقله؛ فإن في أول مسألته، إذا نسي وقتل، لم يأكل. وممن ~~أباح متروك التسمية في النسيان دون العمد أبو حنيفة ومالك؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» . ولأن إرسال الجارحة ~~جرى مجرى التذكية، فعفي عن النسيان فيه، كالذكاة. # وعن أحمد، أن التسمية تشترط على إرسال الكلب في العمد والنسيان، ولا يلزم ~~ذلك في إرسال السهم؛ إليه حقيقة، وليس له اختيار، فهو بمنزلة السكين، بخلاف ~~الحيوان، فإنه يفعل باختياره. وقال الشافعي: يباح متروك التسمية عمدا أو ~~سهوا؛ لأن البراء روى، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم يذبح ~~على اسم الله سمى أو لم يسم» . وعن أبي هريرة، - رضي الله عنه - «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سئل فقيل: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي ~~الله؟ فقال: اسم الله في قلب كل مسلم» . وعن أحمد رواية أخرى مثل هذا. # ولنا، قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: ~~121] . وقال {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} [المائدة: 4] . ~~وقال النبي «إذا أرسلت كلبك، وسميت، فكل. قلت أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر؟ ~~قال: لا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر» متفق عليه. وفي ~~لفظ: " وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها، فأمسكن وقتلن، فلا تأكل ". # وفي حديث أبي ثعلبة: «وما صدت بقوسك، وذكرت اسم الله عليه، فكل» . وهذه ~~نصوص صحيحة لا يعرج على ما خالفها. وقوله: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» . ~~يقتضي نفي الإثم، لا جعل الشرط المعدوم كالموجود، بدليل ما لو نسي شرط ~~الصلاة. # والفرق بين الصيد والذبيحة، أن الذبح وقع في محله، فجاز أن يتسامح فيه، ~~بخلاف الصيد. وأما أحاديث أصحاب الشافعي، فلم يذكرها أصحاب السنن # PageV09P367 # المشهورة، وإن صحت فهي في الذبيحة، ولا يصح قياس الصيد عليها؛ لما ذكرنا، ~~مع ما في الصيد من النصوص الخاصة. # إذا ثبت هذا، فالتسمية المعتبرة قوله: " بسم الله ". لأن إطلاق التسمية ~~ينصرف إلى ذلك، وقد ثبت «أن ms5205 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ذبح ~~قال: بسم الله، والله أكبر» . وكان ابن عمر يقوله. ولا خلاف في أن قوله: " ~~بسم الله " يجزئه. وإن قال: اللهم اغفر لي. لم يكف؛ لأن ذلك طلب حاجة. وإن ~~هلل، أو سبح، أو كبر، أو حمد الله تعالى، احتمل الإجزاء؛ لأنه ذكر اسم الله ~~تعالى على وجه التعظيم، واحتمل المنع؛ لأن إطلاق التسمية لا يتناوله. # وإن ذكر اسم الله تعالى بغير العربية، أجزأه وإن أحسن العربية؛ لأن ~~المقصود ذكر اسم الله، وهو يحصل بجميع اللغات، بخلاف التكبير في الصلاة، ~~فإن المقصود لفظه. وتعتبر التسمية عند الإرسال؛ لأنه الفعل الموجود من ~~المرسل، فتعتبر التسمية عنده، كما تعتبر عند الذبح من الذابح، وعند إرسال ~~السهم من الرامي. نص أحمد على هذا. # ولا تشرع الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مع التسمية في ذبح ولا ~~صيد. وبه قال الليث. واختار أبو إسحاق بن شاقلا استحباب ذلك. وهو قول ~~الشافعي؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى علي مرة، صلى الله عليه ~~عشرا» . # وجاء في تفسير قوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك} [الشرح: 4] . لا أذكر إلا ~~ذكرت معي. ولنا، قوله - عليه السلام - " موطنان لا أذكر فيهما؛ عند ~~الذبيحة، والعطاس ". رواه أبو محمد الخلال بإسناده، ولأنه إذا ذكر غير الله ~~تعالى أشبه المهل لغير الله. # الشرط الثالث، أن يرسل الجارحة على الصيد، فإن استرسلت بنفسها فقتلت، لم ~~يبح. وبهذا قال ربيعة، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال ~~عطاء، والأوزاعي: يؤكل صيده إذا أخرجه للصيد. وقال إسحاق: إذا سمى عند ~~انفلاته، أبيح صيده. # وروى بإسناده عن ابن عمر، أنه سئل عن الكلاب تنفلت من مرابضها فتصيد ~~الصيد؟ قال: اذكر اسم الله، وكل. وقال إسحاق: فهذا الذي أختار إذا لم يتعمد ~~هو إرساله من غير ذكر اسم الله عليه. قال الخلال: هذا على معنى قول أبي عبد ~~الله. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا أرسلت كلبك، وسميت، ~~فكل» . ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح، ولهذا ms5206 اعتبرت التسمية معه، ~~وإن استرسل بنفسه فسمى صاحبه وزجره، فزاد في عدوه، أبيح صيده. وبه قال أبو ~~حنيفة. وقال الشافعي: لا يباح. # وعن عطاء كالمذهبين. # PageV09P368 # ولنا، أن زجره أثر في عدوه، فصار كما لو أرسله؛ وذلك لأن فعل الإنسان متى ~~انضاف إلى فعل غيره، فالاعتبار بفعل الإنسان، بدليل ما لو صال الكلب على ~~إنسان، فأغراه إنسان، فالضمان على من أغراه. وإن أرسله بغير تسمية، ثم سمى ~~وزجره، فزاد في عدوه، فظاهر كلام أحمد أنه يباح؛ فإنه قال: إذا أرسل، ثم ~~سمى فانزجر، أو أرسل وسمى، فالمعنى قريب من السواء. وظاهر هذا الإباحة؛ ~~لأنه انزجر بتسميته وزجره، فأشبه التي قبلها. # وقال القاضي: لا يباح صيده؛ لأن الحكم يتعلق بالإرسال الأول، بخلاف ما ~~إذا استرسل بنفسه، فإنه لا يتعلق به حظر ولا إباحة. # الشرط الرابع، أن يكون الجارح معلما. ولا خلاف في اعتبار هذا الشرط؛ لأن ~~الله تعالى قال: {وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله ~~فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] . وما تقدم من حديث أبي ثعلبة. ويعتبر ~~في تعليمه ثلاثة شروط؛ إذا أرسله استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم ~~يأكل. ويتكرر هذا منه مرة بعد أخرى حتى يصير معلما في حكم العرف، وأقل ذلك ~~ثلاث. قاله القاضي. وهو قول أبي يوسف، ومحمد. # ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات؛ لأن التقدير بالتوقيف، ولا توقيف في ~~هذا، بل قدره بما يصير به في العرف معلما. وحكي عن أبي حنيفة، أنه إذا تكرر ~~مرتين، صار معلما؛ لأن التكرار يحصل بمرتين. وقال الشريف أبو جعفر، وأبو ~~الخطاب: يحصل ذلك بمرة، ولا يعتبر التكرار؛ لأنه تعلم صنعة، فلا يعتبر فيه ~~التكرار، كسائر الصنائع. # ولنا أن تركه للأكل يحتمل أن يكون لشبع، ويحتمل أنه لتعلم، فلا يتميز ذلك ~~إلا بالتكرار، وما اعتبر فيه التكرار اعتبر ثلاثا، كالمسح في الاستجمار، ~~وعدد الإقرار والشهود في العدة، والغسلات في الوضوء. ويفارق الصنائع، فإنها ~~لا يتمكن من فعلها إلا من تعلمها، فإذا فعلها علم أنه قد تعلمها وعرفها، ms5207 ~~وترك الأكل ممكن الوجود من المتعلم وغيره، ويوجد من الصنفين جميعا، فلا ~~يتميز به أحدهما من الآخر حتى يتكرر. # وحكي عن ربيعة ومالك، أنه لا يعتبر ترك الأكل؛ لما روى أبو ثعلبة الخشني، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت ~~اسم الله عليه، فكل، وإن أكل» . ذكره الإمام أحمد، ورواه أبو داود. ولنا، ~~أن العادة في المعلم ترك الأكل، فاعتبر شرطا، كالانزجار إذا زجر، وحديث أبي ~~ثعلبة معارض بما روي عن عدي بن حاتم، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» . وهذا أولى ~~بالتقديم لأنه، متفق عليه. # ولأنه متضمن للزيادة، وهو ذكر # PageV09P369 # الحكم معللا. ثم إن حديث أبي ثعلبة محمول على جارحة ثبت تعليمها؛ لقوله: ~~" إذا أرسلت كلبك المعلم ". ولا يثبت التعليم حتى يترك الأكل. إذا ثبت هذا، ~~فإن الانزجار بالزجر إنما يعتبر بإرساله على الصيد، أو رؤيته، أما بعد ذلك، ~~فإنه لا ينزجر بحال. # الشرط الخامس، أن لا يأكل من الصيد فإن أكل منه، لم يبح، في أصح ~~الروايتين. ويروى ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة. وبه قال عطاء، وطاوس، وعبيد ~~بن عمير، والشعبي، والنخعي، وسويد بن غفلة، وأبو بردة، وسعيد بن جبير، ~~وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وإسحاق، وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور. والرواية ~~الثانية: يباح. # وروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وسلمان، وأبي هريرة، وابن عمر. حكاه عنهم ~~الإمام أحمد. وبه قال مالك. وللشافعي قولان، كالمذهبين. واحتج من أباحه ~~بعموم قوله تعالى {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] . # وحديث أبي ثعلبة، ولأنه صيد جارح معلم، فأبيح، كما لو لم يأكل. فإن الأكل ~~يحتمل أن يكون لفرط جوع أو غيظ على الصيد. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في حديث عدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله ~~تعالى، فكل مما أمسك عليك. قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل، إلا أن يأكل الكلب ~~فإن أكل، فلا تأكل، فإني ms5208 أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» . متفق عليه. # ولأن ما كان شرطا في الصيد الأول، كان شرطا في سائر صيوده، كالإرسال ~~والتعليم. وأما الآية فلا تتناول هذا الصيد؛ فإنه قال: {فكلوا مما أمسكن ~~عليكم} [المائدة: 4] . وهذا إنما أمسك على نفسه. وأما حديث أبي ثعلبة، فقد ~~قال أحمد: يختلفون عن هشيم فيه. وعلى أن حديثنا أصح؛ لأنه متفق عليه وعدي ~~بن حاتم أضبط، ولفظه أبين؛ لأنه ذكر الحكم والعلة. # قال أحمد: حديث الشعبي عن عدي، من أصح ما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والشعبي يقول: كان جاري وربيطي، فحدثني. والعمل عليه. ويحتمل أنه ~~أكل منه بعد أن قتله وانصرف عنه، وإذا ثبت هذا فإذا لا يحرم ما تقدم من ~~صيوده، في قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يحرم؛ لأنه لو كان معلما ما ~~أكل # ولنا، عموم الآية والأخبار، وإنما خص منه ما أكل منه، ففيما عداه يجب ~~القضاء بالعموم، ولأن اجتماع شروط التعليم حاصلة، فوجب الحكم به، ولهذا ~~حكمنا بحل صيده، فإذا وجد الأكل، احتمل أن يكون لنسيان، أو لفرط جوعه، أو ~~نسي التعليم، فلا يترك ما ثبت يقينا بالاحتمال. # PageV09P370 # (7706) فصل: فإن شرب دمه، ولم يأكل منه # ، لم يحرم. نص عليه أحمد. وبه قال عطاء، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. وكرهه الشعبي، والثوري؛ لأنه في معنى الأكل. # ولنا، عموم الآية والأخبار، وإنما خرج منه ما أكل منه بحديث عدي: " فإن ~~أكل منه، فلا تأكل ". وهذا لم يأكل، ولأن الدم لا يقصده الصائد منه، ولا ~~ينتفع به، فلا يخرج بشربه عن أن يكون ممسكا على صائده. # (7707) فصل: ولا يحرم ما صاده الكلب بعد الصيد الذي أكل منه. # ويحتمل كلام الخرقي أنه يخرج عن أن يكون معلما، فتعتبر له شروط التعليم ~~ابتداء. والأول أولى؛ لما ذكرنا في صيده الذي قبل الأكل. # الشرط السادس، أن يجرح الصيد، فإن خنقه، أو قتله بصدمته، لم يبح. قال ~~الشريف: وبه قال أكثرهم. وقال الشافعي، في قول له: يباح؛ لعموم الآية ~~والخبر. # ولنا، ms5209 أنه قتله بغير جرح، أشبه ما قتله بالحجر والبندق، ولأن الله تعالى ~~حرم الموقوذة، وهذا كذلك، وهذا يخص ما ذكروه، وقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله، فكل» . يدل على أنه لا يباح ما لم ~~ينهر الدم. # الشرط السابع، أن يرسله على صيد، فإن أرسله وهو لا يرى شيئا، ولا يحس به، ~~فأصاب صيدا، لم يبح. وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأنه لم يرسله على الصيد، ~~وإنما استرسل بنفسه. وهكذا إن رمى سهما إلى غرض، فأصاب صيدا، أو رمى به إلى ~~فوق رأسه فوقع على صيد فقتله، لم يبح؛ لأنه لم يقصد برميه عينا، فأشبه من ~~نصب سكينا، فانذبحت بها شاة. ### | [فصل: كل ما يقبل التعليم ويمكن الاصطياد به من السباع أو الجوارح فحكمه حكم الكلب] # (7708) فصل: وكل ما يقبل التعليم، ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم، ~~كالفهد، أو جوارح الطير، فحكمه حكم الكلب في إباحة صيده. قال ابن عباس، في ~~قوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح} [المائدة: 4] : هي الكلاب المعلمة، وكل ~~طير تعلم الصيد، والفهود والصقور وأشباهها. وبمعنى هذا قال طاوس، ويحيى بن ~~أبي كثير، والحسن، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي، ~~وأبو ثور. # وحكي عن ابن عمر، ومجاهد، أنه لا يجوز الصيد إلا بالكلب؛ لقول الله ~~تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} [المائدة: 4] . يعني كلبتم من ~~الكلاب. # PageV09P371 # ولنا، ما روي عن عدي، قال: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~صيد البازي، فقال: إذا أمسك عليك، فكل» . ولأنه جارح يصاد به عادة، ويقبل ~~التعليم، فأشبه الكلب. # فأما الآية، فإن الجوارح الكواسب. {ويعلم ما جرحتم بالنهار} [الأنعام: ~~60] . أي كسبتم. وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم. (مكلبين) من التكليب وهو ~~الإغراء. ### | [فصل هل يجب غسل أثر فم الكلب من الصيد؟] # فصل: وهل يجب غسل أثر فم الكلب من الصيد؟ فيه وجهان؛ أحدهما، لا يجب؛ لأن ~~الله تعالى ورسوله أمرا بأكله، ولم يأمرا بغسله والثاني، يجب؛ لأنه قد ثبتت ~~نجاسته، فيجب غسل ما أصابه، ms5210 كبوله. " ### | [مسألة أرسل البازي وما أشبهه فصاد وقتل] # (7710) مسألة؛ قال: (وإذا أرسل البازي، وما أشبهه فصاد وقتل، أكل، وإن ~~أكل من الصيد؛ لأن تعليمه بأن يأكل) وجملته أنه يشترط في الصيد بالبازي ما ~~يشترط في الصيد بالكلب، إلا ترك الأكل، فلا يشترط، ويباح صيده وإن أكل منه. # وبهذا قال ابن عباس. وإليه ذهب النخعي، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة ~~وأصحابه. ونص الشافعي على أنه كالكلب في تحريم ما أكل منه من صيده؛ لأن ~~مجالدا روى عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، «عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~فإن أكل الكلب والبازي، فلا تأكل» . # ولأنه جارح أكل مما صاده عقيب قتله، فأشبه سباع البهائم. ولنا، إجماع ~~الصحابة، روى الخلال، بإسناده عن ابن عباس، قال: إذا أكل الكلب، فلا تأكل ~~من الصيد، وإذا أكل الصقر، فكل؛ لأنك تستطيع أن تضرب الكلب، ولا تستطيع أن ~~تضرب الصقر. وقد ذكرنا عن أربعة من الصحابة إباحة ما أكل منه الكلب، ~~وخالفهم ابن عباس فيه ووافقهم في الصقر، ولم ينقل عن أحد في عصرهم خلافهم، ~~ولأن جوارح الطير تعلم بالأكل، ويتعذر تعليمها بترك الأكل، فلم يقدح في ~~تعليمها، بخلاف الكلب والفهد. # وأما الخبر، فلا يصح، يرويه مجالد، وهو ضعيف. قال أحمد: مجالد يصير القصة ~~واحدة، كم من أعجوبة لمجالد. والروايات الصحيحة تخالفه، ولا يصح قياس الطير ~~على السباع؛ لما بينهما من الفرق. إذا ثبت هذا، فكل جارح من الطير أمكن ~~تعليمه، والاصطياد به، من البازي والصقر والشاهين والعقاب، حل صيدها على ما ~~ذكرناه. ### | [مسألة لا يؤكل ما صيد بالكلب الأسود إذا كان بهيما] # (7711) مسألة؛ قال: (ولا يؤكل ما صيد بالكلب الأسود، إذا كان بهيما؛ لأنه ~~شيطان) # PageV09P372 # البهيم: الذي لا يخالط لونه لون سواه. قال أحمد: الذي ليس فيه بياض. قال ~~ثعلب، وإبراهيم الحربي: كل لون لم يخالطه لون آخر بهيم. قيل لهما: من كل ~~لون؟ قالا: نعم. وممن كره صيده الحسن، والنخعي، وقتادة، وإسحاق. # قال أحمد: ما أعرف أحدا يرخص فيه. يعني من السلف. وأباح صيده أبو ms5211 حنيفة، ~~ومالك، والشافعي؛ لعموم الآية والخبر والقياس على غيره من الكلاب. ولنا، ~~أنه كلب يحرم اقتناؤه، ويجب قتله، فلم يبح صيده، كغير المعلم، ودليل تحريم ~~اقتنائه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فاقتلوا منها كل أسود بهيم» . ~~رواه سعيد، وغيره. # وروى مسلم، في " صحيحه "، بإسناده عن عبد الله بن المغفل، قال: «أمرنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب، ثم نهى عن قتلها، فقال: ~~عليكم بالأسود البهيم، ذي النكتتين، فإنه شيطان» . فأمر بقتله، وما وجب ~~قتله حرم اقتناؤه وتعليمه، فلم يبح صيده لغير المعلم، ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سماه شيطانا، ولا يجوز اقتناء الشيطان، وإباحة الصيد ~~المقتول رخصة، فلا تستباح بمحرم كسائر الرخص، والعمومات مخصوصة بما ذكرناه، ~~وإن كان فيه نكتتان فوق عينيه، لم يخرج بذلك عن كونه نهيا؛ لما ذكرناه من ~~الخبر. ### | [مسألة أدرك الصيد وفيه روح فلم يذكه حتى مات] # (7712) مسألة؛ قال: (وإذا أدرك الصيد وفيه روح، فلم يذكه حتى مات، لم ~~يؤكل) يعني، والله أعلم، ما كان فيه حياة مستقرة، فأما ما كانت حياته كحياة ~~المذبوح، فهذا يباح من غير ذبح، في قولهم جميعا، فإن الذكاة في مثل هذا لا ~~تفيد شيئا. # وكذلك لو ذبحه مجوسي، ثم أعاد ذبحه مسلم. لم يحل، فأما إن أدركه وفيه ~~حياة مستقرة، فلم يذبحه حتى مات، نظرت؛ فإن لم يتسع الزمان لذكاته حتى مات، ~~حل أيضا. قال قتادة: يأكله ما لم يتوان في ذكاته، أو يتركه عمدا وهو قادر ~~على أن يذكيه. ونحوه قول مالك، والشافعي. وروي عن الحسن، والنخعي. وقال أبو ~~حنيفة: لا يحل؛ لأنه أدركه حيا حياة مستقرة، فتعلقت إباحته بتذكيته، كما لو ~~اتسع الزمان. # ولنا، أنه لم يقدر على ذكاته بوجه ينسب فيه إلى التفريط، ولم يتسع لها ~~الزمان، فكان عقره ذكاته، كالذي قتله. ويفارق ما قاسوا عليه؛ لأنه أمكنه ~~ذكاته، وفرط بتركها. # ولو أدركه وفيه حياة مستقرة يعيش بها طويلا، وأمكنته ذكاته، فلم يدركه ~~حتى مات، لم يبح، سواء كان به جرح يعيش معه ms5212 أو لا، وبه قال مالك، والليث، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور وأصحاب الرأي؛ لأن ما كان كذلك. فهو في حكم ~~الحي. بدليل أن عمر. - رضي الله عنه -. كانت جراحاته موحية. فأوصى. وأجيزت ~~وصاياه وأقواله في تلك الحال. # PageV09P373 # ولا سقطت عنه الصلاة والعبادات. ولأنه ترك تذكيته مع القدرة عليها. فأشبه ~~غير الصيد. (7713) . # مسألة؛ قال: (فإن لم يكن معه ما يذكيه به. أشلى الصائد له عليه. حتى ~~يقتله. فيؤكل) يعني: أغرى الكلب به. وأرسله عليه. ومعنى أشلى في العربية: ~~دعا. إلا أن العامة تستعمله بمعنى أغراه. ويحتمل أن الخرقي أراد دعاه ثم ~~أرسله؛ لأن إرساله على الصيد يتضمن دعاءه إليه. واختلف قول أحمد في هذه ~~المسألة. فعنه مثل قول الخرقي. وهو قول الحسن. وإبراهيم. # وقال في موضع: إني لأقشعر من هذا. يعني أنه لا يراه. وهو قول أكثر أهل ~~العلم؛ لأنه مقدور عليه. فلم يبح بقتل الجارح له. كبهيمة الأنعام. وكما لو ~~أخذه سليما. ووجه الأولى. أنه صيد قتله الجارح له من غير إمكان ذكاته. ~~فأبيح كما لو أدركه ميتا. ولأنها حال تتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة ~~غالبا. فجاز أن تكون ذكاته على حسب الإمكان. كالمتردية في بئر. # وحكي عن القاضي. أنه قال في هذا يتركه حتى يموت فيحل؛ لأنه صيد تعذرت ~~تذكيته. فأبيح بموته من عقر الصائد له. كالذي تعذرت تذكيته لقلة لبته. ~~والأول أصح؛ لأنه حيوان لا يباح بغير التذكية إذا كان معه آلة الذكاة. فلم ~~يبح بغيرها إذا لم يكن معه آلة. كسائر المقدور على تذكيته. ومسألة الخرقي ~~محمولة على ما يخاف موته إن لم يقتله الحيوان أو يذكى. فإن كان به حياة ~~يمكن بقاؤه إلى أن يأتي به منزله. فليس فيه اختلاف أنه لا يباح إلا ~~بالذكاة. لأنه مقدور على تذكيته. ### | [مسألة أرسل كلبه فأضاف معه غيره] # (7714) مسألة؛ قال: (وإذا أرسل كلبه، فأضاف معه غيره، لم يؤكل إلا أن ~~يدرك الحياة، فيذكي) معنى المسألة أن يرسل كلبه على صيد، فيجد الصيد ميتا، ~~ويجد مع كلبه كلبا لا يعرف، ms5213 ولا يدري هل وجدت فيه شرائط صيده أو لا، ولا ~~يعلم أيهما قتله؟ أو يعلم أنهما جميعا قتلاه، أو أن قاتله الكلب المجهول، ~~فإنه لا يباح، إلا أن يدركه حيا فيذكيه. وبهذا قال عطاء، والقاسم بن ~~مخيمرة، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. ولا نعلم لهم مخالفا. # والأصل فيه ما روى عدي بن حاتم قال: «سألت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر؟ قال: لا تأكل، فإنك إنما سميت ~~على كلبك، ولم تسم على الآخر» . وفي لفظ: «فإن وجدت مع كلبك كلبا آخر، ~~فخشيت أن يكون أخذ معه، وقد قتله، فلا تأكله، فإنك إنما ذكرت اسم الله على ~~كلبك» . وفي لفظ: " فإنك لا تدري أيهما قتل ". أخرجه البخاري،. # ولأنه شك في الاصطياد المبيح، فوجب إبقاء حكم التحريم، فأما إن علم أن ~~كلبه الذي قتل وحده، أو أن الكلب الآخر مما يباح صيده، أبيح؛ بدلالة تعليل # PageV09P374 # تحريمه: " فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر ". وقوله: " فإنك ~~لا تدري أيهما قتل ". ولأنه لم يشك في المبيح، فلم يحرم، كما لو كان هو ~~أرسل الكلبين وسمى. ولو جهل حال الكلب المشارك لكلبه، ثم انكشف له أنه مسمى ~~عليه، مجتمعة فيه الشرائط، حل الصيد، ولو اعتقد حله لجهله بمشاركة الآخر ~~له، أو لاعتقاده أنه كلب مسمى عليه، ثم بان بخلافه، حرم؛ لأن حقيقة الإباحة ~~والتحريم لا تتغير باعتقاده خلافها، ولا الجهل بوجودها. ### | [فصل أرسل كلبه فأرسل مجوسي كلبه فقتلا صيدا] # (7715) فصل: وإن أرسل كلبه، فأرسل مجوسي كلبه، فقتلا صيدا، لم يحل؛ لأن ~~صيد المجوسي حرام، فإذا اجتمع الحظر والإباحة غلب الحظر، كالمتولد بين ما ~~يؤكل وما لا يؤكل، ولأن الأصل الحظر، والحل موقوف على شرط، وهو تذكية من هو ~~من أهل الذكاة، أو صيده الذي حصلت التذكية به، ولم يتحقق ذلك. وكذلك إن ~~رمياه بسهميهما، فأصاباه، فمات، ولا فرق بين أن يقع سهماهما فيه دفعة ~~واحدة، أو يقع أحدهما قبل الآخر، إلا أن يكون الأول قد ms5214 عقره عقرا موحيا، ~~مثل أن ذبحه، أو جعله في حكم المذبوح، ثم أصابه الثاني وهو غير مذبوح، ~~فيكون الحكم للأول، فإن كان الأول المسلم، أبيح، وإن كان المجوسي، لم يبح. ~~وإن كان الثاني موحيا أيضا، فقال أكثر أصحابنا: الحكم للأول أيضا؛ لأن ~~الإباحة حصلت به، فأشبه ما لو كان الثاني غير موح. # ويجيء على قول الخرقي أنه لا يباح؛ لقوله: وإذا ذبح فأتى على المقاتل، ~~فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء، أو وطئ عليها شيء، لم تؤكل. ولأن الروح ~~خرجت بالجرحين، فأشبه ما لو جرحاه معا. وإن كان الأول ليس بموح، والثاني ~~موح، فالحكم للثاني في الحظر والإباحة. # وإن أرسل المسلم والمجوسي كلبا واحدا، فقتل صيدا، لم يبح لذلك، وكذلك لو ~~أرسله مسلمان وسمى أحدهما دون الآخر. وكذلك لو أرسل المسلم كلبين، أحدهما ~~معلم والآخر غير معلم، فقتلا صيدا، لم يحل. وكذلك إن أرسل كلبه المعلم، ~~فاسترسل معه معلم آخر بنفسه، فقتلا الصيد، لم يحل، في قول أكثر أهل العلم؛ ~~منهم ربيعة، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال الأوزاعي: يحل ~~هاهنا. # ولنا، أن إرسال الكلب على الصيد شرط لما بيناه، ولم يوجد في أحدهما. ### | [فصل أرسل مسلم كلبه وأرسل مجوسي كلبه فرد كلب المجوسي الصيد إلى كلب المسلم فقتله] # (7716) فصل: فإن أرسل مسلم كلبه، وأرسل مجوسي كلبه، فرد كلب المجوسي ~~الصيد إلى كلب المسلم، فقتله، حل أكله. # PageV09P375 # وهذا قول الشافعي، وأبي ثور. وقال أبو حنيفة: لا يحل؛ لأن كلب المجوسي ~~عاون في اصطياده، فأشبه إذا عقره. ولنا، أن جارحة المسلم انفردت بقتله، ~~فأبيح، كما لو رمى المجوسي سهمه فرد الصيد، فأصابه سهم مسلم، فقتله، أو ~~أمسك مجوسي شاة فذبحها مسلم. وبهذا يبطل ما قاله. ### | [فصل صاد المجوسي بكلب مسلم] # (7717) فصل: وإذا صاد المجوسي بكلب مسلم، لم يبح صيده. في قولهم جميعا. ~~وإن صاد المسلم، بكلب المجوسي، فقتل، حل صيده. وبهذا قال سعيد بن المسيب، ~~والحكم، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وعن أحمد: لا يباح. وكرهه جابر، والحسن، ms5215 ومجاهد، والنخعي، والثوري؛ لقوله ~~تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} [المائدة: 4] . وهذا لم يعلمه. وعن ~~الحسن، أنه كره الصيد بكلب اليهودي والنصراني، لهذه الآية. ولنا، أنه آلة ~~صاد بها المسلم، فحل صيده، كالقوس والسهم. # قال ابن المسيب: هي بمنزلة شفرته. والآية دلت على إباحة الصيد بما علمناه ~~وما علمه غيرنا، فهو في معناه، فيثبت الحكم بالقياس الذي ذكرناه، يحققه أن ~~التعليم إنما أثر في جعله آلة، ولا تشرط الأهلية في ذلك، كعمل القوس ~~والسهم، وإنما تشترط فيما أقيم مقام الذكاة، وهو إرسال الآلة، من الكلب ~~والسهم، وقد وجد الشرط هاهنا. ### | [فصل أرسل جماعة كلابا وسموا فوجدوا الصيد قتيلا لا يدرون من قتله] # (7718) فصل: إذا أرسل جماعة كلابا، وسموا، فوجدوا الصيد قتيلا، لا يدرون ~~من قتله، حل أكله. فإن اختلفوا في قاتله، وكانت الكلاب متعلقة به، فهو ~~بينهم على السواء؛ لأن الجميع مشتركة في إمساكه، فأشبه ما لو كان في أيدي ~~الصيادين أو عبيدهم. وإن كان البعض متعلقا به دون باقيها، فهو لمن كلبه ~~متعلق به، وعلى من حكمنا له به اليمين في المسألتين؛ لأن دعواه محتملة، ~~فكانت اليمين عليه، كصاحب اليد. # وإن كان قتيلا والكلاب ناحية وقف الأمر حتى يصطلحوا. ويحتمل أن يقرع ~~بينهم، فمن قرع صاحبه حلف، وكان له. وهذا قول أبي ثور. قياسا على ما لو ~~تداعيا دابة في يد غيرهما. وعلى الأول، إذا خيف فساده، قبل اصطلاحهم عليه، ~~باعوه، ثم اصطلحوا على ثمنه. ### | [مسألة سمى ورمى صيدا فأصابت غيره] # مسألة قال: (وإذا سمى، ورمى صيدا، فأصابت، غيره، جاز أكله) وجملة ذلك ~~الأمر، أن الصيد بالسهام وكل محدد جائز، بلا خلاف، وهو داخل في مطلق قوله ~~تعالى: # PageV09P376 # {فاصطادوا} [المائدة: 2] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فما صدت ~~بقوسك، وذكرت اسم الله عليه، فكل» . وعن أبي قتادة أنه «كان مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فرأى حمارا وحشيا، فاستوى على فرسه، وأخذ رمحه، ثم شد ~~على الحمار فقتله، فلما أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوه عن ms5216 ~~ذلك، فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله» . متفق عليه. # ويعتبر فيه من الشروط ما ذكرنا في الجارح، إلا التعليم. وتعتبر التسمية ~~عند إرسال السهم والطعن إن كان برمح والضرب إن كان مما يضرب؛ لأنه الفعل ~~الصادر منه. وإن تقدمت التسمية بزمن يسير، جاز، كما ذكرنا في النية في ~~العبادات. ويعتبر أن يقصد الصيد، فلو رمى هدفا فأصاب صيدا، أو قصد رمي ~~إنسان أو حجر، أو رمى عبثا غير قاصد صيدا فقتله، لم يحل. # وإن قصد صيدا، فأصابه وغيره، حلا جميعا، والجارح في هذا بمنزلة السهم. نص ~~أحمد على هذه المسائل. وهو قول الثوري، وقتادة، وأبي حنيفة، والشافعي، إلا ~~أن الشافعي قال: إذا أرسل الكلب على صيد، فأخذ آخر في طريقه، حل، وإن عدل ~~عن طريقه إليه، ففيه روايتان. وقال مالك: إذا أرسل كلبه على صيد بعينه، ~~فأخذ غيره، لم يبح؛ لأنه لم يقصد صيده، إلا أن يرسله على صيود كبار، فتتفرق ~~عن صغار، فإنها تباح إذا أخذها. # ولنا، عموم قوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] . وقوله - ~~عليه السلام -: «إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله عليه، فكل مما أمسك عليك» ~~. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل ما ردت عليك قوسك» . ولأنه أرسل ~~آلة الصيد على صيد، فحل ما صاده، كما لو أرسلها على كبار فتفرقت عن صغار ~~فأخذها، على مالك، أو كما لو أخذ صيدا في طريقه، على الشافعي. # ولأنه لا يمكن تعليم الجارح اصطياد واحد بعينه دون واحد، فسقط اعتباره، ~~فأما إن أرسل سهمه أو الجارح، ولا يرى صيدا، ولا يعلمه، فصاد، لم يحل صيده؛ ~~لأنه لم يقصد صيدا، لأن القصد لا يتحقق لما لا يعلمه. وبهذا قال الشافعي في ~~الكلب. وقال الحسن، ومعاوية بن قرة: يأكله؛ لعموم الآية والخبر، ولأنه قصد ~~الصيد، فحل له ما صاده، كما لو رآه. ولنا، أن قصد الصيد شرط، ولا يصح القصد ~~مع عدم العلم، فأشبه ما لو لم يقصد الصيد. ### | [فصل رأى سوادا أو سمع حسا فظنه آدميا أو بهيمة أو ms5217 حجرا فرماه فقتله فإذا هو صيد] # (7720) فصل وإن رأى سوادا، أو سمع حسا، فظنه آدميا، أو بهيمة، أو حجرا، ~~فرماه فقتله، فإذا هو صيد، لم يبح. وبهذا قال مالك، ومحمد بن الحسن. وقال ~~أبو حنيفة: يباح. وقال الشافعي: يباح إن كان المرسل سهما، ولا يباح إن كان ~~جارحا. واحتج من أباحه بعموم الآية والخبر، ولأنه قصد الاصطياد، وسمى فأشبه ~~ما لو علمه صيدا # PageV09P377 # ولنا، أنه لم يقصد الصيد، فلم يبح، كما لو رمى هدفا فأصاب صيدا، وكما في ~~الجارح عند الشافعي. وإن ظنه كلبا أو خنزيرا، لم يبح؛ لذلك. وقال محمد بن ~~الحسن: يباح؛ لأنه مما يباح قتله. # ولنا، ما تقدم. فأما إن ظنه صيدا، حل؛ لأنه ظن وجود الصيد، أشبه ما لو ~~رآه. وإن شك هل هو صيد أو لا؟ أو غلب على ظنه أنه ليس بصيد، لم يبح؛ لأن ~~صحة القصد تنبني على العلم، ولم يوجد ذلك. وإن رمى حجرا يظنه صيدا، فقتل ~~صيدا، فقال أبو الخطاب: لا يباح؛ لأنه لم يقصد صيدا على الحقيقة. ويحتمل أن ~~يباح؛ لأن صحة القصد تنبي على الظن، وقد وجد، فصح قصده، فينبغي أن يحل ~~صيده. ### | [مسألة رمى فغاب عن عينه فوجده ميتا سهمه فيه ولا أثر به غيره] # (7721) مسألة قال (وإذا رمى، فغاب عن عينه فوجده ميتا سهمه فيه ولا أثر ~~به غيره حل أكله) هذا هو المشهور عن أحمد، وكذلك لو أرسل كلبه على صيد، ~~فغاب عن عينه، ثم وجده ميتا، ومعه كلبه، حل. وهذا قول الحسن، وقتادة. وعن ~~أحمد، إن غاب نهارا، فلا بأس، وإن غاب ليلا، لم يأكله. # وعن مالك كالروايتين. وعن أحمد ما يدل على أنه إن غاب مدة طويلة، لم يبح، ~~وإن كانت يسيرة، أبيح؛ لأنه قيل له: إن غاب يوما؟ قال: يوم كثير. ووجه ذلك ~~قول ابن عباس: إذا رميت فأقعصت، فكل، وإن رميت فوجدت فيه سهمك من يومك أو ~~ليلتك، فكل، وإن بات عنك ليلة، فلا تأكل؛ فإنك لا تدري ما حدث فيه بعد ms5218 ذلك. ~~وكره عطاء والثوري أكل ما غاب. وعن أحمد مثل ذلك. # وللشافعي فيه قولان؛ لأن ابن عباس قال: كل ما أصميت، وما أنميت فلا تأكل. ~~قال الحكم: الإصماء: الإقعاص. يعني أنه يموت في الحال. والإنماء أن يغيب ~~عنك. يعني أنه لا يموت في الحال قال الشاعر: # فهو لا تنمي رميته ... ماله لا عد من نفره # وقال أبو حنيفة: يباح إن لم يكن ترك طلبه، وإن تشاغل عنه ثم وجده، لم ~~يبح. # ولنا، ما روى عدي بن حاتم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إذا رميت الصيد، فوجدته بعد يوم أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك، فكل، وإن ~~وجدته غريقا في الماء، فلا تأكل» . متفق عليه. # وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: يا رسول الله، أفتني في # PageV09P378 # سهمي. قال: ما رد عليك سهمك، فكل. قال: وإن تغيب عني؟ قال: وإن تغيب عنك، ~~ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك، أو تجده قد صل» . رواه أبو داود. وعن أبي ~~ثعلبة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا رميت الصيد، فأدركته ~~بعد ثلاث وسهمك فيه، فكله، ما لم ينتن» . ولأن جرحه بسهمه سبب إباحته، وقد ~~وجد يقينا، والمعارض له مشكوك فيه، فلا تزول عن اليقين بالشك، ولأنه وجده ~~وسهمه فيه، ولم يجد به أثرا آخر، فأشبه ما لو لم يترك طلبه عند أبي حنيفة، ~~أو كما لو غاب نهارا، أو مدة يسيرة، أو كما لو لم يغب، إذا ثبت هذا، فإنه ~~يشترط في حله شرطان؛ أحدهما، أن يجد سهمه فيه، أو أثره ويعلم أنه أثر سهمه، ~~لأنه إذا لم يكن كذلك، فهو شاك في وجود المبيح، فلا يثبت بالشك. # والثاني، أن لا يجد به أثرا غير سهمه، مما يحتمل أنه قتله؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك» وفي لفظ: " وإن وجدت ~~فيه أثرا غير سهمك، فلا تأكله، فإنك لا تدري، ms5219 أقتلته أنت أو غيرك ". رواه ~~الدارقطني. وفي لفظ: " إذا وجدت فيه سهمك، ولم يأكل منه سبع، فكل منه ". ~~رواه النسائي، وفي حديث عدي، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فإن ~~رميت الصيد، فوجدته بعد يوم أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك، فكل، وإن وقع ~~الماء، فلا تأكل» . رواه البخاري. وقال - عليه السلام -: " وإن وجدته غريقا ~~في الماء، فلا تأكل ". # ولأنه إذا كان به أثر يصلح أن يكون قد قتله، فقد تحقق المعارض، فلم يبح، ~~كما لو وجد مع كلبه كلبا سواه، فأما إن كان الأثر مما لا يقتل مثله، مثل ~~أكل حيوان ضعيف، كالسنور والثعلب، من حيوان قوي، فهو مباح؛ لأنه يعلم أن ~~هذا لم يقتله، فأشبه ما لو تهشم من وقعته. ### | [مسألة رمى صيده فوقع في ماء أو تردى من جبل] # (7722) مسألة؛ قال " (وإذا رماه، فوقع في ماء، أو تردى من جبل، لم يؤكل) ~~يعني وقع في ماء يقتله مثله، أو تردى ترديا يقتله مثله. ولا فرق في قول ~~الخرقي بين كون الجراحة موحية # PageV09P379 # أو غير موحية. هذا المشهور عن أحمد، وظاهر قول ابن مسعود، وعطاء، وربيعة، ~~وإسحاق، وأصحاب الرأي. وأكثر أصحابنا المتأخرين يقولون: إن كانت الجراحة ~~موحية، مثل أن ذبحه أو أبان حشوته، لم يضر وقوعه في الماء ولا ترديه. # وهو قول الشافعي، ومالك، والليث، وقتادة، وأبي ثور؛ لأن هذا صار في حكم ~~الميت بالذبح، فلا يؤثر فيه ما أصابه. ووجه الأول، قوله: " وإن وقع في ~~الماء، فلا تأكل ". ولأنه يحتمل أن الماء أعان على خروج روحه، فصار بمنزلة ~~ما لو كانت الجراحة غير موحية، ولا خلاف في تحريمه إذا كانت الجراحة غير ~~موحية. ولو وقع الحيوان في الماء على وجه لا يقتله، مثل أن يكون رأسه خارجا ~~من الماء، أو يكون من طير الماء الذي لا يقتله الماء، أو كان التردي لا ~~يقتل مثل ذلك الحيوان، فلا خلاف في إباحته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: " فإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله " ولأن ms5220 الوقوع في الماء ~~والتردي إنما حرم خشية أن يكون قاتلا أو معينا على القتل، وهذا منتف فيما ~~ذكرناه. ### | [فصل رمى طائرا في الهواء أو على شجرة أو جبل فوقع إلى الأرض فمات] # (7723) فصل: فإن رمى طائرا في الهواء، أو على شجرة، أو جبل، فوقع إلى ~~الأرض، فمات، حل، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي وقال مالك: لا ~~يحل، إلا أن تكون الجراحة موحية، أو يموت قبل سقوطه؛ لقوله تعالى: ~~{والمتردية} [المائدة: 3] . ولأنه اجتمع المبيح والحاظر، فغلب الحظر، كما ~~لو غرق. # ولنا، أنه صيد سقط بالإصابة سقوطا لا يمكن الاحتراز عن سقوطه عليه، فوجب ~~أن يحل، كما لو أصاب الصيد فوقع على جنبه. ويخالف ما ذكروه، فإن الماء يمكن ~~التحرز منه، وهو قاتل، بخلاف الأرض. ### | [مسألة رمى صيدا فقتل جماعة] # (7724) مسألة؛ قال: (وإذا رمى صيدا، فقتل جماعة، فكله حلال) قد سبق شرح ~~هذه المسألة، فيما إذا رمى صيدا فأصاب غيره. ### | [فصل لا بأس بصيد الليل] # (7725) فصل: قال أحمد: لا بأس بصيد الليل. فقيل له: قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أقروا الطير على وكناتها» . فقال: هذا كان أحدكم يريد الأمر، ~~فيثير الطير حتى يتفاءل، إن كان عن يمينه قال كذا، وإن جاء عن يساره قال ~~كذا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أقروا الطير على وكناتها» . # وروي له عن ابن # PageV09P380 # عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تطرقوا الطير في أوكارها؛ ~~فإن الليل لها أمان» . فقال: هذا ليس بشيء، يرويه فرات بن السائب، وليس ~~بشيء، ورواه عنه حفص بن عمر، ولا أعرفه. قال يزيد بن هارون: ما علمت أن ~~أحدا كره صيد الليل. وقال يحيى بن معين: ليس به بأس. وسئل: هل يكره للرجل ~~صيد الفراخ الصغار، مثل الورشان وغيره؟ يعني من أوكارها. فلم يكرهه. ### | [مسألة رمى صيدا فأبان منه عضوا] # (7726) مسألة؛ قال: (وإذا رمى صيدا، فأبان منه عضوا، لم يؤكل ما أبان منه ~~ويؤكل ما سواه، في إحدى الروايتين، والأخرى يأكله وما أبان منه) وجملته أنه ~~إذا ms5221 رمى صيدا، أو ضربه، فبان بعضه، لم يخل من أحوال ثلاثة؛ أحدهما، أن ~~يقطعه قطعتين، أو يقطع رأسه، فهذا جميعه حلال، سواء كانت القطعتان ~~متساويتين أو متفاوتتين. وبهذا قال الشافعي. # وروي ذلك عن عكرمة، والنخعي، وقتادة، وقال أبو حنيفة: إن كانتا ~~متساويتين، أو التي مع الرأس أقل، حلتا، وإن كانت الأخرى أقل، لم يحل، وحل ~~الرأس وما معه، لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ما أبين من حي فهو ~~ميت» . ولنا، أنه جزء لا تبقى فيه الحياة مع فقده، فأبيح، كما لو تساوت ~~القطعتان. # الحال الثاني، أن يبين منه عضو، وتبقى فيه حياة مستقرة، فالبائن محرم بكل ~~حال، سواء بقي الحيوان حيا، أو أدركه فذكاه، أو رماه بسهم آخر فقتله، إلا ~~أنه إن ذكاه حل بكل حال دون ما أبان منه. وإن ضربه في غير مذبحه فقتله، ~~نظرت؛ فإن لم يكن أثبته بالضربة الأولى حل، دون ما أبان منه، وإن كان ~~أثبته، لم يحل شيء منه؛ لأن ذكاة المقدور عليه في الحلق واللبة. # الحال الثالث، أبان منه عضوا، ولم تبق فيه حياة مستقرة، فهذه التي ذكر ~~الخرقي فيها روايتين؛ أشهرهما عن أحمد، إباحتهما. قال أحمد: إنما حديث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما قطعت من الحي ميتة. إذا قطعت وهي حية، ~~تمشي وتذهب» . # أما إذا كانت البينونة والموت جميعا، أو بعده بقليل، إذا كان في علاج # PageV09P381 # الموت، فلا بأس به، ألا ترى الذي يذبح ربما مكث ساعة، وربما مشى حتى ~~يموت، وهذا مذهب الشافعي، وروي ذلك عن علي، وعطاء، والحسن. وقال قتادة، ~~وإبراهيم، وعكرمة: إن وقعا معا أكلهما، وإن مشى بعد قطع العضو أكله، ولم ~~يأكل العضو. والرواية الثانية، لا يباح ما بان منه. وهذا مذهب أبي حنيفة؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أبين من حي فهو ميت» . # ولأن هذه البينونة لا تمنع بقاء الحيوان في العادة، فلم يبح أكل البائن، ~~كما لو أدركه الصياد وفيه حياة مستقرة. والأولى المشهورة؛ لأن ما كان ذكاة ~~لبعض الحيوان، كان ms5222 ذكاة لجميعه، كما لو قده نصفين، والخبر يقتضي أن يكون ~~الباقي حيا، حتى يكون المنفصل منه ميتا، وكذا نقول، قال أبو الخطاب: فإن ~~بقي معلقا بجلده، حل رواية واحدة. ### | [فصل حكم الطريدة في الصيد] # (7727) فصل: قال أحمد: حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، أنه كان لا يرى ~~بالطريدة بأسا، كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم، وما زال الناس يفعلونه ~~في مغازيهم. واستحسنه أبو عبد الله. قال: والطريدة الصيد يقع بين القوم، ~~فيقطع ذا منه بسيفه قطعة، ويقطع الآخر أيضا، حتى يؤتى عليه وهو حي. قال: ~~وليس هو عندي إلا أن الصيد يقع بينهم، لا يقدرون على ذكاته، فيأخذونه قطعا. ### | [مسألة نصب المناجل للصيد] # (7728) مسألة؛ قال: (وكذلك إذا نصب المناجل للصيد) وجملته أنه إذا نصب ~~المناجل للصيد، فعقرت صيدا، أو قتلته، حل. فإن بان منه عضو فحكمه حكم ~~البائن بضربة الصائد. روي نحو ذلك عن ابن عمر. وهو قول الحسن، وقتادة. وقال ~~الشافعي: لا يباح بحال؛ لأنه لم يذكه أحد، وإنما قتلت المناجل بنفسها، ولم ~~يوجد من الصائد إلا السبب، فجرى ذلك مجرى من نصب سكينا، فذبحت شاة، ولأنه ~~لو رمى سهما وهو لا يرى صيدا، فقتل صيدا، لم يحل، فهذا أولى. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل ما ردت عليك يدك» . ولأنه ~~قتل الصيد بحديدة على الوجه المعتاد، فأشبه ما لو رماه بها، ولأنه قصد قتل ~~الصيد بما له حد جرت العادة بالصيد به، أشبه ما ذكرنا، والسبب جرى مجرى ~~المباشرة في الضمان، فكذلك في إباحة الصيد، وفارق ما إذا نصب سكينا؛ فإن ~~العادة لم تجر بالصيد بها، وإذا رمى سهما، ولم ير صيدا، فليس ذلك بمعتاد، ~~والظاهر أنه لا يصيب صيدا، فلم يصح قصده، وهذا بخلافه. # PageV09P382 ### | [فصل ما قتلته الشبكة أو الحبل في الصيد] # (7729) فصل: فأما ما قتلته الشبكة أو الحبل، فهو محرم. لا نعلم فيه ~~خلافا، إلا عن الحسن، أنه يباح ما قتله الحبل إذا سمى، فدخل فيه وجرحه. ~~وهذا قول شاذ، يخالف عوام أهل العلم، ms5223 ولأنه قتله بما ليس له حد، أشبه ما لو ~~قتله بالبندق. ### | [مسألة الصيد بالمعراض] # (7730) مسألة؛ قال: (وإذا صاد بالمعراض، أكل ما قتل بحده، ولا يأكل ما ~~قتل بعرضه) المعراض: عود محدد، وربما جعل في رأسه حديدة. قال أحمد: المعراض ~~يشبه السهم، يحذف به الصيد بحده، فربما خرق وقتل، فيباح، وربما أصاب بعرضه، ~~فقتل بثقله، فيكون موقوذا، فلا يباح. # وهذا قول علي وعثمان، وعمار، وابن عباس. وبه قال النخعي، والحكم، ومالك، ~~والثوري، والشافعي، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور. وقال الأوزاعي، وأهل ~~الشام: يباح ما قتله بحده وعرضه. وقال ابن عمر: ما رمي من الصيد بجلاهق أو ~~معراض، فهو من الموقوذة. وبه قال الحسن. # ولنا، ما روى عدي بن حاتم، قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن صيد المعراض، فقال: ما خرق فكل، وما قتل بعرضه فهو وقيذ، فلا تأكل» متفق ~~عليه. وهذا نص، ولأن ما قتله بحده بمنزلة ما طعنه برمحه، أو رماه بسهمه، ~~ولأنه محدد خرق وقتل بحده، وما قتل بعرضه إنما يقتله بثقله. فهو موقوذ، ~~كالذي رماه بحجر أو ببندقة. ### | [فصل حكم سائر آلات الصيد] # (7731) فصل: قال وحكم سائر آلات الصيد حكم المعراض، في أنها إذا قتلت ~~بعرضها ولم تجرح، لم يبح الصيد، كالسهم يصيب الطائر بعرضه فيقتله، والرمح ~~والحربة والسيف يضرب به صفحا فيقتل، فكل ذلك حرام. وهكذا إن أصاب بحده فلم ~~يجرح، وقتل بثقله، لم يبح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما خرق، ~~فكل» . ولأنه إذا لم يجرحه، فإنما يقتله بثقله، فأشبه ما أصاب بعرضه. ### | [مسألة رمى صيدا فعقره ورماه آخر فأثبته ورماه آخر فقتله] # (7732) مسألة؛ قال: (وإذا رمى صيدا فعقره، ورماه آخر فأثبته، ورماه آخر ~~فقتله، لم يؤكل، وكان لمن أثبته القيمة مجروحا على قاتله) # PageV09P383 # أما الذي عقره ولم يثبته، فلا شيء له ولا عليه؛ لأنه حين ضربه كان مباحا ~~لا ملك لأحد فيه، ولم يثبت له فيه حق؛ لأنه باق على امتناعه، وأما الذي ~~أثبته فقد ملكه؛ لأنه أزال امتناعه، فصار بمنزلة ms5224 إمساكه، فإذا ضربه الثالث ~~فقتله، فعليه ضمانه؛ لأنه قتل حيوانا مملوكا لغيره. # وهذا محمول على أن جرح المثبت ليس بموح، بدليل أنه نسب القتل إلى الثالث، ~~ويضمنه مجروحا حين الجرح الأول والثاني؛ لأنه قتله وهما فيه. فأما إباحته، ~~فينظر فيه، فإن كان القاتل أصاب مذبحه حل؛ لأنه صادف محل الذبح، وليس عليه ~~إلا أرش ذبحه، كما لو ذبح شاة لغيره، وإن كان أصاب غير مذبحه لم يحل؛ لأنه ~~لما أثبته صار مقدورا عليه لا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة، فإذا قتله ~~بغير ذلك لم يحل، كما لو قتل شاة. # وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد. ### | [فصل رمى صيدا فأثبته ثم رماه آخر فأصابه] # (7733) فصل: وإن رمى صيدا فأثبته، ثم رماه آخر فأصابه، لم تخل رمية الأول ~~من قسمين؛ أحدهما، أن تكون موحية، مثل أن تنحره، أو تذبحه، أو تقع في ~~خاصرته أو قلبه، فينظر في رمية الثاني، فإن كانت غير موحية، فهو حلال، ولا ~~ضمان على الثاني، إلا أن ينقصه برميه شيئا، فيضمن ما نقصه؛ لأنه بالرمية ~~الأولى صار مذبوحا. وإن كانت رمية الثاني موحية، فقال القاضي وأصحابه: يحل، ~~كالتي قبلها. وهو مذهب الشافعي. # ويجيء على قول الخرقي أن يكون حراما، كقوله في من ذبح، فأتى على المقاتل، ~~فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء، أو وطئ عليها شيء، لم يؤكل. القسم ~~الثاني، أن يكون جرح الأول غير موح، فينظر في رمية الثاني، فإن كانت موحية، ~~فهو محرم؛ لما ذكرنا، إلا أن تكون ذبحته أو نحرته، وإن كانت غير موحية، ~~فلها ثلاث صور؛ إحداها، أنه ذكي بعد ذلك، فيحل. # والثانية، لم يذك حتى مات، فإنه يحرم؛ لأنه مات من جرحين؛ مبيح ومحرم، ~~فحرم، كما لو مات من جرح مسلم ومجوسي، وعلى الثاني ضمان جميعه؛ لأن جرحه هو ~~الذي حرمه، فكان جميع الضمان عليه. والثالثة، قدر على ذكاته فلم يذكه حتى ~~مات، حرم لمعنيين؛ أحدهما، أنه ترك ذكاته مع إمكانها. والثاني، أنه مات من ~~جرحين؛ مبيح، ومحرم، ms5225 ويلزم الثاني الضمان، وفي قدره احتمالان؛ أحدهما، يضمن ~~جميعه، كالتي قبلها. # قال القاضي: هذا قول الخرقي؛ لإيجابه الضمان في مسألته على الثالث من غير ~~تفريق. وليست هذه مسألة الخرقي لقوله: ثم رماه الثالث فقتله. فتعين حملها ~~على أن جرح الثاني كان موحيا لا غير. # الاحتمال الثاني، أن يضمن الثاني بقسط جرحه؛ لأن الأول إذا ترك الذبح مع ~~إمكانه، صار جرحه حاظرا أيضا، بدليل ما لو انفرد وقتل الصيد، فيكون الضمان ~~منقسما عليهما، وذكر القاضي، في قسمته عليهما، أنه # PageV09P384 # يقسط أرش جرح الأول، وعلى الثاني أرش جراحته، ثم يقسم ما بقي من القيمة ~~بينهما نصفين. # وفرض المسألة في صيد قيمته عشرة دراهم، نقصه جرح الأول درهما، ونقصه جرح ~~الثاني درهما، فعليه درهم، ويقسم الباقي وهو ثمانية بينهما نصفين، فيكون ~~على الثاني خمسة دراهم؛ درهم بالمباشرة، وأربعة بالسراية، وتسقط حصة الأول ~~وهي خمسة، وإن كان أرش جرح الثاني درهمين، لزماه، ويلزمه نصف السبعة ~~الباقية، ثلاثة ونصف، فيلزمه خمسة ونصف، وتسقط حصة الأول أربعة ونصف. # وإن كانت جنايتهما على حيوان مملوك لغيرهما، قسم الضمان عليهما كذلك. ~~ويتوجه على هذه الطريقة، أنه سوى بين الجنايتين، مع أن الثاني جنى عليه ~~وقيمته دون قيمته يوم جنى عليه الأول، وأنه لم يدخل أرش الجناية في بدل ~~النفس، كما يدخل في الجناية على الآدمي. # والجواب عن هذا، أن كل واحد منهما انفرد بإتلاف ما قيمته درهم، وتساويا ~~في إتلاف الباقي بالسراية، فتساويا في الضمان، وإنما يدخل أرش الجناية في ~~بدل النفس التي لا ينقص بدلها بإتلاف بعضها، وهو الآدمي، أما البهائم، فإنه ~~إذا جنى عليها جناية أرشها درهم، نقص ذلك من قيمتها، فإذا سرى إلى النفس، ~~أوجبنا ما بقي من قيمة النفس، ولم يدخل الأرش فيها. # وذكر أصحاب الشافعي في قسمة الضمان طرقا ستة؛ أصحه عندهم أن يقال: إن ~~الأول أتلف نصف نفس قيمتها عشرة، فيلزمه خمسة، والثاني أتلف نصف نفس قيمتها ~~تسعة، فيلزمه أربعة ونصف، فيكون المجموع تسعة ونصفا، وهي أقل من قيمته، ~~لأنها عشرة، فتقسم ms5226 العشرة على تسعة ونصف، فيسقط عن الأول ما يقابل أربعة ~~ونصفا، ويتوجه على هذا، أن كل واحد منهما يلزمه أكثر من قيمة نصف الصيد حين ~~جنى عليه. # وإن كانت الجراحات من ثلاثة، فإن كان الأول هو أثبته، فعلى طريقة القاضي، ~~على كل واحد أرش جرحه، وتقسم السراية عليهم أثلاثا، وإن كان المثبت له هو ~~الثاني، فجرحه الأول هدر لا عبرة بها، والحكم في جراحة الآخرين كما ذكرنا، ~~وعلى الطريقة الأخرى، الأول أتلف ثلث نفس قيمتها عشرة، فيلزمه ثلاثة وثلث ~~والثاني أتلف ثلثها، وقيمتها تسعة، فيلزمه ثلاثة، والثالث أتلف ثلثها، ~~وقيمتها ثمانية، فيلزمه درهمان وثلثان، فمجموع ذلك تسعة، تقسم عليها ~~العشرة، حصة كل واحد منهم ما يقابل ما أتلفه. # وإن أتلفوا شاة مملوكة لغيرهم ضمنوها كذلك. فصل: فإن رمياه معا فقتلاه، ~~كان حلالا، وملكاه؛ لأنهما اشتركا في سبب الملك والحل، تساوى الجرحان أو ~~تفاوتا؛ لأن موته كان بهما، فإن كان أحدهما موحيا والآخر غير موح، ولا ~~يثبته مثله، فهو لصاحب الجرح الموحي، لأنه الذي أثبته وقتله، ولا شيء على ~~الآخر؛ لأن جرحه كان قبل ثبوت ملك الآخر فيه. # وإن # PageV09P385 # أصابه أحدهما بعد صاحبه، فوجدناه ميتا، ولم نعلم هل صار بالأول ممتنعا أو ~~لا؟ حل؛ لأن الأصل الامتناع، ويكون بينهما؛ لأن أيديهما عليه. فإن قال كل ~~واحد منهما: أنا أثبته، ثم قتلته أنت. حرم؛ لأنهما اتفقا على تحريمه، ~~ويتحالفان لأخذ الضمان. # وإن اتفقا على الأول منهما، فادعى الأول أنه أثبته، ثم قتله، وأنكر ~~الثاني إثبات الأول له، فالقول قول الثاني؛ لأن الأصل عدم امتناعه، ويحرم ~~على الأول؛ لإقراره بتحريمه، والقول قول الثاني في عدم الامتناع مع يمينه. ~~وإن علمت جراحة كل واحد منهما، نظرنا فيها، فإن علم أن جراحة الأول لا يبقى ~~معها امتناع، مثل أن كسر جناح الطائر، أو ساق الظبي، فالقول قول الأول بغير ~~يمين، وإن علم أنه لا يزيل الامتناع، مثل خدش الجلد، فالقول قول الثاني، ~~وإن احتمل الأمرين، فالقول قول الثاني؛ لأن الأصل معه، وعليه اليمين؛ لأن ~~ما ms5227 ادعاه الأول محتمل. ### | [فصل رمى صيدا فأصابه وبقي على امتناعه حتى دخل دار إنسان فأخذه] # (7735) فصل: وإن رمى صيدا فأصابه، وبقي على امتناعه حتى دخل دار إنسان ~~فأخذه، فهو لمن أخذه؛ لأن الأول لم يملكه، لكونه ممتنعا، فملكه الثاني ~~بأخذه. ولو رمى طائرا على شجرة في دار قوم، فطرحه في دارهم فأخذوه، فهو ~~للرامي دونهم؛ لأنه ملكه بإزالة امتناعه. ### | [فصل تعلق صيد في شرك إنسان أو شبكته] # (7736) فصل: قال أصحابنا: وإذا تعلق صيد في شرك إنسان أو شبكته؛ ملكه؛ ~~لأنه أثبته بآلته، فإن أخذه أحد، لزمه رده عليه؛ لأن آلته أثبتته، فأشبه ما ~~لو أثبته بسهمه. فإن لم تمسكه الشبكة، بل انفلت منها في الحال، أو بعد حين، ~~لم يملكه؛ لأنه لم يثبته. وإن أخذ الشبكة وانفلت بها، فصاده إنسان، ملكه، ~~ويرد الشبكة على صاحبها؛ لأنه لم يثبته. وإن كان يمشي بالشبكة على وجه لا ~~يقدر على الامتناع، فهو لصاحبها؛ لأنها أزالت امتناعه. # وإذا أمسكه الصائد، وثبتت يده عليه، ثم انفلت منه، لم يزل ملكه عنه؛ لأنه ~~امتنع منه بعد ثبوت ملكه، فلم يزل ملكه عنه، كما لو شردت فرسه، أو ند ~~بعيره. # فإن اصطاد صيدا، فوجد عليه علامة، مثل أن يجد في عنقه قلادة، أو في أذنه ~~قرطا، لم يملكه؛ لأن الذي اصطاده ملكه، فلا يزول ملكه بالانفلات. وكذلك إن ~~وجد طائرا مقصوص الجناح. # فإن قيل: يحتمل أن الذي أمسكه أولا محرم لم يملكه، أو أنه أرسله على سبيل ~~التخلية وإزالة الملك عنه، كإلقاء الشيء التافه. قلنا: أما الأول فنادر، ~~وهو مخالف للظاهر؛ لأن ظاهر حال المحرم أنه لا يصيد ما حرم الله عليه، وأما ~~الثاني فخلاف الأصل، فإن الأصل بقاء ملكه عليه، وما ذكروه محتمل، فلا يزول ~~الملك بالشك. # وإن علم أن مالكه أرسله اختيارا، فقال أصحابنا: لا يزول الملك عنه # PageV09P386 # بالإرسال والإعتاق، كما لو أرسل البعير والبقرة. ويحتمل أن يزول الملك؛ ~~لأن الأصل الإباحة، فالإرسال يرده إلى أصله، ويفارق بهيمة الأنعام من ~~وجهين؛ أحدهما، أن الأصل هاهنا ms5228 الإباحة، وبهيمة الأنعام بخلافه. الثاني، أن ~~الإرسال هاهنا يفيد، وهو رد الصيد إلى الخلاص من أيدي الآدميين وحبسهم، ~~ولهذا روي عن أبي الدرداء، أنه اشترى عصفورا من صبي فأرسله. # ويجب إرسال الصيد على المحرم إذا أحرم، أو دخل الحرم وهو في يده، بخلاف ~~بهيمة الأنعام، فإن إرساله تضييع له، وربما هلك إذا لم يكن له من يقوم به. ### | [مسألة كان في سفينة فوثبت سمكة فسقطت في حجره] # (7737) مسألة؛ قال: (ومن كان في سفينة، فوثبت سمكة، فسقطت في حجره، فهي ~~له دون صاحب السفينة) وذلك لأن السمكة من الصيد المباح، يملك بالسبق إليه، ~~وهذه حصلت في يد الذي هي في حجره، وحجره له، ويده عليه، دون صاحب السفينة، ~~ألا ترى أنهما لو تنازعا كيسا في حجره، كان أحق به من صاحب السفينة، كذا ~~هاهنا. # ومفهوم كلام الخرقي أن السمكة إذا وقعت في السفينة، فهي لصاحبها. وذكره ~~ابن أبي موسى؛ لأن السفينة ملكه، ويده عليها، فما حصل من المباح فيها، كان ~~أحق به، كحجره. # (7738) فصل: فإن كانت السمكة وثبت بسبب فعل إنسان لقصد الصيد، كالصياد ~~الذي يجعل في السفينة ضوءا بالليل، ويدق بشيء كالجرس ليثب السمك في ~~السفينة، فهذا للصائد دون من وقع في حجره؛ لأن الصائد أثبتها بذلك، فصار ~~كمن رمى طائرا فألقاه في دار قوم. وإن لم يقصد الصيد بهذا، بل حصل اتفاقا، ~~كانت لمن وقعت في حجره. ### | [مسألة لا يصاد السمك بشيء نجس] # (7739) مسألة: قال: (ولا يصاد السمك بشيء نجس) ومعنى ذلك أن يترك في ~~الماء شيء نجس، كالعذرة والميتة وشبهها، ليأكله السمك، فيصيدوه به، فكره ~~أحمد ذلك، وقال: هو حرام، لا يصاد به. وإنما كره أحمد ذلك؛ لما يتضمن من ~~أكل السمك النجاسة. # وسواء في هذا ما يتفرق، كالدم والعذرة، وما لا يتفرق، كالجرذ وقطعة من ~~الميتة، وكره أحمد الصيد ببنات وردان، وقال: إن مأواها الحشوش. وكره الصيد ~~بالضفادع، وقال: الضفدع نهي عن قتله. ### | [فصل كره الصيد بالخراطيم] # (7740) فصل: وكره الصيد بالخراطيم، وكل شيء فيه الروح، لما فيه ms5229 من تعذيب ~~الحيوان، فإن اصطاد، فالصيد مباح. # PageV09P387 # وكره الصيد بالشباش، وهو طائر يخيط عينه أو يربط، من أجل تعذيبه. ولم ير ~~بأسا بالصيد بالشبكة، والشرك، وشيء فيه دبق يمنع الطير من الطيران، وأن ~~يطعم شيئا إذا أكله سكر وأخذه. ### | [مسألة لا يؤكل صيد مرتد ولا ذبيحته] # (7741) مسألة؛ قال: (ولا يؤكل صيد مرتد، ولا ذبيحته، وإن تدين بدين أهل ~~الكتاب) يعني ما قتله من الصيد ولم تدرك ذكاته. وهذا قول أكثر أهل العلم، ~~منهم؛ الشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه. وقال الأوزاعي، وإسحاق: تباح ذبيحته ~~إذا ذهب إلى النصرانية أو اليهودية؛ لأن من تولى قوما فهو منهم. ولنا، أنه ~~كافر لا يقر على كفره، فلم تبح ذبيحته، كعبدة الأوثان. وقد مضت هذه المسألة ~~في باب المرتد. ### | [مسألة ترك التسمية على الصيد عامدا أو ساهيا] # (7742) مسألة؛ قال: (ومن ترك التسمية على الصيد عامدا أو ساهيا، لم يؤكل، ~~وإن ترك التسمية على الذبيحة عامدا، لم تؤكل، وإن تركها ساهيا، أكلت) أما ~~الصيد فقد مضى القول فيه، وأما الذبيحة فالمشهور من مذهب أحمد، أنها شرط مع ~~الذكر، وتسقط بالسهو. وروي ذلك عن ابن عباس. وبه قال مالك، والثوري، وأبو ~~حنيفة، وإسحاق. # وممن أباح ما نسيت التسمية عليه، عطاء، وطاوس، وسعيد بن المسيب، والحسن، ~~وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة، وعن أحمد، أنها مستحبة ~~غير واجبة في عمد ولا سهو. وبه قال الشافعي؛ لما ذكرنا في الصيد قال أحمد: ~~إنما قال الله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: ~~121] . يعني الميتة. # وذكر ذلك عن ابن عباس. ولنا، قول ابن عباس: من نسي التسمية فلا بأس. وروى ~~سعيد بن منصور، بإسناده عن راشد بن ربيعة، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم، إذا لم يتعمد» . ولأنه قول من ~~سمينا، ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفا. # وقوله تعالى {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] . ~~محمول على ما تركت التسمية عليه عمدا، بدليل قوله: ms5230 {وإنه لفسق} [الأنعام: ~~121] . والأكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق. ويفارق الصيد؛ لأن ذبحه في ~~غير محل، فاعتبرت التسمية تقوية له، والذبيحة بخلاف ذلك. # PageV09P388 ### | [فصل التسمية على الذبيحة] # (7743) فصل: والتسمية على الذبيحة معتبرة حال الذبح، أو قريبا منه، كما ~~تعتبر على الطهارة. وإن سمى على شاة، ثم أخذ أخرى فذبحها بتلك التسمية، لم ~~يجز، سواء أرسل الأولى أو ذبحها؛ لأنه لم يقصد الثانية بهذه التسمية. # وإن رأى قطيعا من الغنم، فقال: بسم الله. ثم أخذ شاة فذبحها بغير تسمية، ~~لم يحل. وإن جهل كون ذلك لا يجزئ، لم يجر مجرى النسيان؛ لأن النسيان يسقط ~~المؤاخذة، والجاهل مؤاخذ، ولذلك يفطر الجاهل بالأكل في الصوم دون الناسي. ~~وإن أضجع شاة ليذبحها، وسمى، ثم ألقى السكين، وأخذ أخرى، أو رد سلاما، أو ~~كلم إنسانا، أو استسقى ماء، ونحو ذلك، وذبح، حل، لأنه سمى على تلك الشاة ~~بعينها، ولم يفصل بينهما إلا بفصل يسير، فأشبه ما لو لم يتكلم. ### | [فصل سمى الصائد على صيد فأصاب غيره] # (7744) فصل: وإن سمى الصائد على صيد، فأصاب غيره، حل. وإن سمى على سهم ثم ~~ألقاه، وأخذ غيره فرمى به، لم يبح ما صاده به؛ لأنه لما لم يمكن اعتبار ~~التسمية على صيد بعينه، اعتبرت على الآلة التي يصيد بها، بخلاف الذبيحة. ~~ويحتمل أن يباح، قياسا على ما لو سمى على سكين، ثم ألقاها وأخذ غيرها. ~~وسقوط اعتبار تعيين الصيد لمشقته، لا يقتضي اعتبار تعيين الآلة، فلا يعتبر. ### | [مسألة ند بعير فلم يقدر عليه فرماه بسهم أو نحوه مما يسيل به دمه فقتله] # (7745) مسألة؛ قال: (وإذا ند بعير، فلم يقدر عليه، فرماه بسهم أو نحوه، ~~مما يسيل به دمه، فقتله، أكل) وكذلك إن تردى في بئر، فلم يقدر على تذكيته، ~~فجرحه في أي موضع قدر عليه، فقتله، أكل، إلا أن تكون رأسه في الماء، فلا ~~يؤكل؛ لأن الماء يعين على قتله. هذا قول أكثر الفقهاء. # روي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة - رضي الله ~~عنهم ms5231 - وبه قال مسروق، والأسود، والحسن، وعطاء، وطاوس، وإسحاق، والشعبي، ~~والحكم، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. # وقال مالك: لا يجوز أكله إلا أن يذكى. وهو قول ربيعة، والليث. قال أحمد: ~~لعل مالكا لم يسمع حديث رافع بن خديج. واحتج لمالك بأن الحيوان الإنسي إذا ~~توحش لم يثبت له حكم الوحشي، بدليل أنه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله، ~~ولا يصير الحمار الأهلي مباحا إذا توحش. # ولنا، ما روى رافع بن خديج، قال: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فند بعير، وكان في القوم خيل يسيرة، فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم، ~~فحبسه الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن لهذه البهائم أوابد ~~كأوابد الوحش، فما غلبكم منها، فاصنعوا به هكذا» . وفي لفظ: «فما ند عليكم، ~~فاصنعوا به هكذا» . # PageV09P389 # متفق عليه. # وحرب ثور في بعض دور الأنصار، فضربه رجل بالسيف، وذكر اسم الله عليه، ~~فسئل عنه علي فقال ذكاة وحية. فأمرهم بأكله. وتردى بعير في بئر، فذكي من ~~قبل شاكلته، فبيع بعشرين درهما، فأخذ ابن عمر عشره بدرهمين. # ولأن الاعتبار في الذكاة بحال الحيوان وقت ذبحه، لا بأصله، بدليل الوحشي ~~إذا قدر عليه وجبت تذكيته في الحلق واللبة، فكذلك الأهلي إذا توحش يعتبر ~~بحاله. وبهذا فارق ما ذكروه، فإذا تردى فلم يقدر على تذكيته، فهو معجوز عن ~~تذكيته، فأشبه الوحشي، فأما إن كان رأس المتردي في الماء، لم يبح؛ لأن ~~الماء يعين على قتله، فيحصل قتله بمبيح وحاظر، فيحرم، كما لو جرحه مسلم ~~ومجوسي. ### | [مسألة ذبائح المسلم وأهل الكتاب وما يتعلق بهما] # (7746) مسألة؛ قال: (والمسلم والكتابي في كل ما وصفت سواء) يعني في ~~الاصطياد والذبح. # وأجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب؛ لقول الله تعالى: {وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] . يعني ذبائحهم. قال البخاري: قال ~~ابن عباس: طعامهم ذبائحهم. وكذلك قال مجاهد وقتادة. وروي معناه عن ابن ~~مسعود، وأكثر أهل العلم يرون إباحة صيدهم أيضا. # قال ذلك عطاء، والليث، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم ms5232 أحدا حرم صيد ~~أهل الكتاب إلا مالكا، أباح ذبائحهم، وحرم صيدهم. ولا يصح؛ لأن صيدهم من ~~طعامهم، فيدخل في عموم الآية، ولأن من حلت ذبيحته، حل صيده، كالمسلم. # (7747) فصل: ولا فرق بين العدل والفاسق من المسلمين وأهل الكتاب. # وعن ابن عباس: - رضي الله عنه - لا تؤكل ذبيحة الأقلف. وعن أحمد مثله. ~~والصحيح إباحته؛ فإنه مسلم، فأشبه سائر المسلمين، وإذا أبيحت ذبيحة القاذف ~~والزاني وشارب الخمر، مع تحقيق فسقه، وذبيحة النصراني وهو كافر أقلف، ~~فالمسلم أولى. ### | [فصل لا فرق بين الحربي والذمي في إباحة ذبيحة الكتابي منهم] # فصل: ولا فرق بين الحربي والذمي، في إباحة ذبيحة الكتابي منهم، وتحريم ~~ذبيحة من سواه، وسئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب، فقال: لا بأس بها، ~~حديث عبد الله بن مغفل في الشحم. قال إسحاق: # PageV09P390 # أجاد. وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم؛ منهم ~~مجاهد، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # ولا فرق بين الكتابي العربي وغيره، إلا أن في نصارى العرب اختلافا ذكرناه ~~في باب الجزية. وسئل مكحول عن ذبائح العرب. فقال: أما بهراء وتنوخ وسليح، ~~فلا بأس، وأما بنو تغلب فلا خير في ذبائحهم. والصحيح إباحة ذبائح الجميع؛ ~~لعموم الآية فيهم. ### | [فصل كان أحد أبوي الكتابي ممن لا تحل ذبيحته والآخر ممن تحل ذبيحته] # (7749) فصل: فإن كان أحد أبوي الكتابي ممن لا تحل ذبيحته، والآخر ممن تحل ~~ذبيحته، فقال أصحابنا: لا يحل صيده ولا ذبيحته. وبه قال الشافعي إذا كان ~~الأب غير كتابي، وإن كان الأب كتابيا ففيه قولان؛ أحدهما، تباح. وهو قول ~~مالك، وأبي ثور. # والثاني، لا تباح؛ لأنه وجد ما يقتضي التحريم، والإباحة، فغلب ما يقتضي ~~التحريم، كما لو جرحه مسلم ومجوسي، وبيان وجود ما يقتضي التحريم، أن كونه ~~ابن مجوسي أو وثني يقتضي تحريم ذبيحته. وقال أبو حنيفة: تباح ذبيحته بكل ~~حال؛ لعموم النص، ولأنه كتابي يقر على دينه، فتحل ذبيحته، كما لو كان ابن ~~كتابيين. # وأما إن كان ابن وثنيين ms5233 أو مجوسيين، فمقتضى مذهب الأئمة الثلاثة تحريمه، ~~ومقتضى مذهب أبي حنيفة حله؛ لأن الاعتبار بدين الذابح، لا بدين أبيه، بدليل ~~أن الاعتبار في قبول الجزية بذلك، ولعموم النص والقياس. ### | [فصل حكم ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم من النصارى] # (7750) فصل: فأما ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم، فننظر فيه؛ فإن ذبحه لهم ~~مسلم، فهو مباح. نص عليه. وقال أحمد، وسفيان الثوري، في المجوسي يذبح ~~لإلهه، ويدفع الشاة إلى المسلم يذبحها فيسمي: يجوز الأكل منها. وقال ~~إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عما يقرب لآلهتهم، يذبحه رجل مسلم، قال: لا بأس ~~به. وإن ذبحها الكتابي، وسمى الله وحده، حلت أيضا؛ لأن شرط الحل وجد. # وإن علم أنه ذكر اسم غير الله عليها، أو ترك التسمية عمدا، لم تحل. قال ~~حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: لا يؤكل. يعني ما ذبح لأعيادهم وكنائسهم؛ ~~لأنه أهل لغير الله به. وقال في موضع: يدعون التسمية على عمد، إنما يذبحون ~~للمسيح. فأما ما سوى ذلك، فرويت عن أحمد الكراهة فيما ذبح لكنائسهم ~~وأعيادهم مطلقا. وهو قول ميمون بن مهران؛ لأنه ذبح لغير الله. # وروي عن أحمد إباحته. وسئل عنه العرباض بن سارية، فقال: كلوا، وأطعموني. ~~وروي مثل ذلك عن أبي أمامة الباهلي، وأبي مسلم الخولاني. وأكله أبو ~~الدرداء، وجبير بن نفير. # ورخص فيه عمرو بن الأسود، ومكحول، وضمرة بن حبيب؛ لقول الله تعالى {وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] . وهذا من طعامهم. قال # PageV09P391 # القاضي: ما ذبحه الكتابي لعيده أو نجم أو صنم أو نبي، فسماه على ذبيحته، ~~حرم؛ {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] . وإن سمى الله وحده، حل؛ لقول ~~الله تعالى {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 118] . لكنه يكره؛ ~~لقصده بقلبه الذبح لغير الله. ### | [مسألة لا يؤكل ما قتل بالبندق أو الحجر] # مسألة؛ قال: (ولا يؤكل ما قتل بالبندق أو الحجر؛ لأنه موقوذ) يعني الحجر ~~الذي لا حد له، فأما المحدد كالصوان، فهو كالمعراض، إن قتل بحده أبيح، وإن ~~قتل بعرضه أو ثقله فهو وقيذ لا يباح. ms5234 وهذا قول عامة الفقهاء. وقال ابن عمر، ~~في المقتولة بالبندق: تلك الموقوذة. # وكره ذلك سالم، والقاسم، ومجاهد، وعطاء، والحسن وإبراهيم، ومالك، ~~والثوري، والشافعي، وأبو ثور. ورخص فيما قتل بها ابن المسيب. وروي أيضا عن ~~عمار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. ولنا، قول الله تعالى {والموقوذة} ~~[المائدة: 3] # وروى سعيد، بإسناده عن إبراهيم، عن عدي قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت» . وقال في المعراض: «إذا ~~أصيب بعرضه، فقتل، فإنه وقيذ» . وقال عمر: ليتق أحدكم أن يحذف الأرنب ~~بالعصا والحجر. ثم قال: وليذك لكم الأسل؛ الرماح والنبل. إذا ثبت هذا، ~~فسواء شدخه أو لم يشدخه، حتى لو رماه ببندقة فقطعت حلقوم طائر ومريئه، أو ~~أطارت رأسه، لم يحل. وكذلك إن فعل ذلك بحجر غير محدد. ### | [مسألة لا يؤكل صيد المجوسي وذبيحته] # (7752) مسألة؛ قال: (ولا يؤكل صيد المجوسي وذبيحته، إلا ما كان من حوت ~~فإنه لا ذكاة له) أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسي وذبيحته، إلا ما لا ~~ذكاة له، كالسمك والجراد، فإنهم أجمعوا على إباحته، غير أن مالكا، والليث، ~~وأبا ثور، شذوا عن الجماعة، وأفرطوا؛ فأما مالك والليث فقالا: لا نرى أن ~~يؤكل الجراد إذا صاده المجوسي. ورخصا في السمك وأبو ثور أباح صيده وذبيحته؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . ولأنهم ~~يقرون بالجزية، فيباح صيدهم وذبائحهم، كاليهود والنصارى. واحتج برواية عن ~~سعيد بن المسيب. وهذا قول يخالف الإجماع، فلا عبرة به. قال إبراهيم الحربي: ~~خرق أبو ثور الإجماع. # قال أحمد: هاهنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأسا، ما أعجب هذا يعرض # PageV09P392 # بأبي ثور. وممن رويت عنه كراهية ذبائحهم ابن مسعود، وابن عباس، وعلي، ~~وجابر، وأبو بردة، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، والحسن بن محمد، وعطاء، ~~ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، ومرة الهمداني، والزهري، ~~ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. # قال أحمد: ولا أعلم أحدا قال بخلافه، إلا أن يكون صاحب بدعة. ولأن الله ~~تعالى قال: ms5235 {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] فمفهومه تحريم ~~طعام غيرهم من الكفار، ولأنهم لا كتاب لهم، فلم تحل ذبائحهم كأهل الأوثان. # وقد روى الإمام أحمد، بإسناده عن قيس بن سكن الأسدي، قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إنكم نزلتم بفارس من النبط، فإذا اشتريتم لحما، ~~فإن كان من يهودي أو نصراني فكلوا، وإن كانت ذبيحة مجوسي فلا تأكلوا» . ~~ولأن كفرهم مع كونهم غير أهل كتاب، يقتضي تحريم ذبائحهم ونسائهم، بدليل، ~~سائر الكفار من غير أهل الكتاب، وإنما أخذت منهم الجزية؛ لأن شبهة الكتاب ~~تقتضي التحريم لدمائهم، فلما غلبت في التحريم لدمائهم، فيجب أن يغلب عدم ~~الكتاب في تحريم الذبائح والنساء، احتياطا للتحريم في الموضعين، ولأنه ~~إجماع، فإنه قول من سمينا، ولا مخالف لهم في عصرهم، ولا في من بعدهم، إلا ~~رواية عن سعيد، روي عنه خلافها. # ولا خلاف في إباحة ما صادوه من الحيتان. حكي عن الحسن البصري، أنه قال: ~~رأيت سبعين من الصحابة يأكلون صيد المجوسي من لا يختلج في صدورهم شيء من ~~ذلك. رواه سعيد بن منصور. والجراد كالحيتان في ذلك؛ لأنه لا ذكاة له، ولأنه ~~تباح ميتته، فلم يحرم بصيد المجوسي، كالحوت. (7753) فصل: وحكم سائر الكفار، ~~من عبدة الأوثان والزنادقة وغيرهم، حكم المجوسي، في تحريم ذبائحهم وصيدهم، ~~إلا الحيتان والجراد وسائر ما تباح ميتته، فإن ما صادوه مباح؛ لأنه لا يزيد ~~بذلك عن موته بغير سبب. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحلت لنا ميتتان؛ السمك، ~~والجراد» . وقال في البحر «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته.» (7754) فصل: قال ~~أحمد: وطعام المجوس ليس به بأس أن يؤكل، وإذا أهدي إليه أن يقبل، إنما تكره ~~ذبائحهم، # PageV09P393 # أو شيء فيه دسم. يعني من اللحم. ولم ير بالسمن والخبز بأسا. وسئل عما ~~يصنع المجوس لأمواتهم، ويزمزمون عليهم أياما عشرا، ثم يقتسمون ذلك في ~~الجيران؟ قال: لا بأس بذلك. # وعن الشعبي: كل مع المجوسي وإن زمزم. وروى أحمد، أن سعيد بن جبير كان ~~يأكل من كواميخ المجوس، وأعجبه ذلك. ms5236 وروى هشام، عن الحسن أنه كان لا يرى ~~بأسا بطعام المجوس في المصر، ولا بشواريزهم، ولا بكواميخهم. ### | [مسألة ما مات من الحيتان في الماء] # (7755) مسألة؛ قال: (وكذلك كل ما مات من الحيتان في الماء وإن طفا) قوله ~~طفا: يعني ارتفع على وجه الماء. قال عبد الله بن رواحة: # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا # وجملة ذلك أن السمك وغيره من ذوات الماء التي لا تعيش إلا فيه، إذا ماتت ~~فهي حلال، سواء ماتت بسبب أو غير سبب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . # قال أحمد: هذا خير من مائة حديث. وأما ما مات بسبب، مثل أن صاده إنسان، ~~أو نبذه البحر، أو جزر عنه، فإن العلماء أجمعوا على إباحته، وكذلك ما حبس ~~في الماء بحظيرة حتى يموت، فلا خلاف أيضا في حله. قال أحمد: الطافي يؤكل، ~~وما جزر عنه الماء أجود، والسمك الذي نبذه البحر لم يختلف الناس فيه، وإنما ~~اختلفوا في الطافي، وليس به بأس. وممن أباح الطافي من السمك أبو بكر ~~الصديق، وأبو أيوب، - رضي الله عنهما -. وبه قال مالك، والشافعي. # وممن أباح ما وجد من الحيتان عطاء، ومكحول، والثوري، والنخعي. وكره ~~الطافي جابر، وطاوس، وابن سيرين، وجابر بن زيد، وأصحاب الرأي؛ لأن جابرا ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ألقى البحر، أو جزر عنه، ~~فكلوه، وما مات فيه وطفا، فلا تأكلوه» . رواه أبو داود. # ولنا، قول الله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة} ~~[المائدة: 96] . قال ابن عباس: طعامه ما مات فيه. وأيضا الحديث الذي ~~قدمناه. وقال أبو بكر الصديق - صلى الله عليه وسلم -: الطافي حلال. # ولأنه لو مات في البر أبيح، فإذا مات في البحر أبيح، كالجراد. فأما حديث ~~جابر، فإنما هو موقوف عليه، كذلك قال أبو داود: رواه الثقات فأوقفوه على ~~جابر، وقد أسند من وجه ضعيف. وإن صح فنحمله على نهي الكراهة؛ لأنه إذا مات ~~رسب في أسفله، فإذا ms5237 أنتن طفا، فكرهه لنتنه، لا لتحريمه. # PageV09P394 ### | [فصل يباح أكل الجراد] # (7756) فصل: يباح أكل الجراد بإجماع أهل العلم. وقد قال عبد الله بن أبي ~~أوفى: «غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات، نأكل الجراد» ~~. رواه البخاري، وأبو داود. . ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب، في ~~قول عامة أهل العلم؛ منهم الشافعي، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي وابن ~~المنذر. وعن أحمد، أنه إذا قتله البرد، لم يؤكل. وعنه، لا يؤكل إذا مات ~~بغير سبب. وهو قول مالك. ويروي أيضا عن سعيد بن المسيب. ولنا، عموم قوله - ~~عليه السلام -: «أحلت لنا ميتتان ودمان» فالميتتان السمك والجراد ". ولم ~~يفصل. # ولأنه تباح ميتته، فلم يعتبر له سبب، كالسمك، ولأنه لو افتقر إلى سبب، ~~لافتقر إلى ذبح وذابح وآلة، كبهيمة الأنعام. # (7757) فصل: ويباح أكل الجراد بما فيه، وكذلك السمك، يجوز أن يقلى من غير ~~أن يشق بطنه، وقال أصحاب الشافعي في السمك: لا يجوز؛ لأن رجعيه نجس. ولنا، ~~عموم النص في إباحته، وما ذكروه غير مسلم. وإن بلع إنسان شيئا منه حيا كره؛ ~~لأن فيه تعذيبا له. ### | [فصل حكم السمك الملقى في النار؟] # (7758) فصل: وسئل أحمد عن السمك يلقى في النار؟ فقال: ما يعجبني. والجراد ~~أسهل، فإن هذا له دم. ولم يكره أكل السمك إذا ألقي في النار، إنما كره ~~تعذيبه بالنار. وأما الجراد فسهل في إلقائه؛ لأنه لا دم له، ولأن السمك لا ~~حاجة إلى إلقائه في النار، لإمكان تركه حتى يموت بسرعة، والجراد لا يموت في ~~الحال، بل يبقى مدة طويلة. # وفي " مسند الشافعي " أن كعبا كان محرما، فمرت به رجل من جراد، فنسي، ~~وأخذ جرادتين، فألقاهما في النار، وشواهما، وذكر ذلك لعمر، فلم ينكر عمر ~~تركهما في النار. وذكر له حديث ابن عمر: كان الجراد يقلى له. فقال: إنما ~~يؤخذ الجراد فتقطع أجنحته، ثم يلقى في الزيت وهو حي. ### | [مسألة ذكاة المقدور عليه من الصيد والأنعام في الحلق واللبة] # (7759) مسألة؛ قال: (وذكاة المقدور عليه من الصيد والأنعام في ms5238 الحلق ~~واللبة) قد ذكرنا حكم المعجوز عنه، من الصيد والأنعام، فأما المقدور عليه ~~منهما، فلا يباح إلا بالذكاة، بلا خلاف بين أهل العلم. وتفتقر الذكاة إلى ~~خمسة أشياء؛ ذابح، وآلة، ومحل، وفعل، وذكر. # أما الذابح فيعتبر له شرطان؛ دينه، وهو كونه مسلما أو كتابيا، وعقله، وهو ~~أن يكون ذا عقل يعرف الذبح ليقصد، فإن # PageV09P395 # كان لا يعقل، كالطفل الذي لا يميز، والمجنون، والسكران، لم يحل ما ذبحه؛ ~~لأنه لا يصح منه القصد، فأشبه ما لو ضرب إنسانا بالسيف فقطع عنق شاة. وأما ~~الآلة، فلها شرطان؛ أحدهما، أن تكون محددة، تقطع أو تخرق بحدها، لا بثقلها. # والثاني، أن لا تكون سنا ولا ظفرا. فإذا اجتمع هذان الشرطان في شيء، حل ~~الذبح به، سواء كان حديدا، أو حجرا، أو بلطة، أو خشبا؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا، ما لم يكن ~~سنا أو ظفرا» . متفق عليه. # وعن عدي بن حاتم قال: قلت: «يا رسول الله، أرأيت إن أحدنا أصاب صيدا، ~~وليس معه سكين، أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال: امرر الدم بما شئت، واذكر ~~اسم الله» . والمروة: الصوان. وعن رجل من بني حارثة، «أنه كان يرعى لقحة، ~~فأخذها الموت، فلم يجد شيئا ينحرها به، فأخذ وتدا، فوجأها به في لبتها حتى ~~أهريق دمها، ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره بأكلها» . رواه ~~أبو داود. # وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. ونحوه قول مالك، وعمرو بن دينار. ~~وبه قال أبو حنيفة، إلا في السن والظفر، قال: إذا كانا متصلين، لم يجز ~~الذبح بهما، وإن كانا منفصلين، جاز. ولنا، عموم حديث رافع، ولأن ما لم تجز ~~الذكاة به متصلا، لم تجز منفصلا، كغير المحدد. وأما العظم غير السن، فمقتضى ~~إطلاق قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، إباحة الذبح به. # وهو قول مالك، وعمرو بن دينار، وأصحاب الرأي. وقال ابن جريج: يذكى بعظم ~~الحمار، ولا يذكى بعظم القرد؛ لأنك تصلي على الحمار وتسقيه في جفنتك. وعن ~~أحمد: ms5239 لا يذكى بعظم ولا ظفر. وقال النخعي: لا يذكى بالعظم والقرن. ووجهه أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، ~~فكلوا، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى ~~الحبشة» . فعلله بكونه عظما، فكل عظم فقد وجدت فيه العلة. # والأول أصح، إن شاء الله تعالى؛ لأن العظم دخل في عموم اللفظ المبيح، ثم ~~استثني السن والظفر خاصة، فيبقى سائر العظام داخلا فيما يباح الذبح به، ~~والمنطوق مقدم على التعليل، ولهذا علل الظفر بكونه من مدى الحبشة، ولا يحرم # PageV09P396 # الذبح بالسكين وإن كانت مدية لهم، ولأن العظام يتناولها سائر الأحاديث ~~العامة، ويحصل بها المقصود، فأشبهت سائر الآلات. وأما المحل فالحلق واللبة ~~وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر. ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل ~~بالإجماع، وقد روي في حديث، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«الذكاة في الحلق واللبة» . # قال أحمد: الذكاة في الحلق واللبة. واحتج بحديث عمر، وهو ما روى سعيد، ~~والأثرم، بإسنادهما عن الفرافصة، قال: كنا عند عمر، فنادى أن النحر في ~~اللبة والحلق لمن قدر. وإنما نرى أن الذكاة اختصت بهذا المحل؛ لأنه مجمع ~~العروق، فتنفسخ بالذبح فيه الدماء السيالة، ويسرع زهوق النفس، فيكون أطيب ~~للحم، وأخف على الحيوان. # قال أحمد: لو كان حديث أبي العشراء حديثا. يعني ما روى أبو العشراء عن ~~أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه سئل: أما تكون الذكاة إلا في ~~الحلق واللبة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو طعنت في فخذها، ~~لأجزأ عنك» . قال أحمد: أبو العشراء هذا ليس بمعروف. وأما الذكر فالتسمية، ~~وقد مر ذكرها. وأما الفعل فيعتبر قطع الحلقوم والمريء. وبهذا قال الشافعي. ~~وعن أحمد، رواية أخرى، أنه يعتبر مع هذا قطع الودجين. # وبه قال مالك، وأبو يوسف؛ لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: «نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شريطة الشيطان» . وهي التي تذبح فتقطع ~~الجلد ولا تفري الأوداج، ms5240 ثم تترك حتى تموت. رواه. أبو داود. وقال أبو ~~حنيفة: يعتبر قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. ولا خلاف في أن الأكمل قطع ~~الأربعة؛ الحلقوم، والمريء والودجين، فالحلقوم مجرى النفس، والمريء وهو ~~مجرى الطعام والشراب، والودجان، وهما عرقان محيطان بالحلقوم؛ لأنه أسرع ~~لخروج روح الحيوان، فيخف عليه، ويخرج من الخلاف، فيكون أولى. # والأول يجزئ؛ لأنه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه، فأشبه ما ~~لو قطع الأربعة. ### | [مسألة يستحب أن ينحر البعير ويذبح ما سواه] # (7760) مسألة؛ قال: (ويستحب أن ينحر، البعير، ويذبح ما سواه) لا خلاف بين ~~أهل العلم، في أن المستحب نحر الإبل، وذبح ما سواها. قال الله تعالى {فصل ~~لربك وانحر} [الكوثر: 2] . وقال الله تعالى {إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة} [البقرة: 67] . قال مجاهد: أمرنا بالنحر، وأمر بنو إسرائيل بالذبح، ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث في قوم ماشيتهم الإبل، فسن النحر، ~~وكانت # PageV09P397 # بنو إسرائيل ماشيتهم البقر، فأمروا بالذبح. # «وثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحر بدنة، وضحى بكبشين أقرنين ~~ذبحهما بيده» . متفق عليه. ومعنى النحر، أن يضربها بحربة أو نحوها في ~~الوهدة التي بين أصل عنقها وصدرها. # (7761) فصل: ويسن الذبح بسكين حاد؛ لما روى أبو داود، عن شداد بن أوس، ~~قال: «خصلتان سمعتهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله كتب ~~الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، ~~وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» . # ويكره أن يسن السكين والحيوان يبصره. ورأى عمر رجلا قد وضع رجله على شاة، ~~وهو يحد السكين، فضربه حتى أفلت الشاة. ويكره أن يذبح شاة والأخرى تنظر ~~إليه، ويستحب أن يستقبل بها القبلة. واستحب ذلك ابن عمر، وابن سيرين، ~~وعطاء، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. # وكره ابن عمر، وابن سيرين أكل ما ذبح لغير القبلة. وقال سائرهم: ليس ذلك ~~مكروها؛ لأن أهل الكتاب يذبحون لغير القبلة، وقد أحل الله ذبائحهم. ### | [فصل لا تؤكل المصبورة ولا المجثمة] # (7762) فصل: قال أحمد: لا تؤكل المصبورة، ولا ms5241 المجثمة. وبه قال إسحاق. ~~والمجثمة: هي الطائر أو الأرنب يجعل غرضا، ثم يرمى حتى يقتل. والمصبورة ~~مثله، إلا أن المجثمة لا تكون إلا في الطائر والأرنب وأشباهها، والمصبورة ~~كل حيوان. وأصل الصبر الحبس. والأصل في تحريمه، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن صبر البهائم، وقال: «لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا. # » وروى سعيد، بإسناده عن أبي الدرداء قال: «نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن كل مجثمة» . وبإسناده عن مجاهد، قال: «نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن المجثمة وعن أكلها، ونهى عن المصبورة وعن أكلها» ولأنه ~~حيوان مقدور عليه، فلم يبح بغير الذكاة، كالبعير والبقرة. ### | [مسألة ما حكم ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح] # (7763) مسألة؛ قال: (فإن ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح فجائز) هذا قول ~~أكثر أهل العلم؛ منهم عطاء، والزهري، وقتادة، ومالك، والليث، والثوري، وأبو ~~حنيفة، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وحكي عن داود، أن الإبل لا تباح إلا ~~بالنحر، ولا يباح غيرها إلا بالذبح؛ # PageV09P398 # لأن الله تعالى قال {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] . ~~والأمر يقتضي الوجوب، وقال تعالى {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] . ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر البدن، وذبح الغنم، وإنما تؤخذ الأحكام ~~من جهته. # وحكي عن مالك، أنه لا يجزئ في الإبل إلا النحر؛ لأن أعناقها طويلة، فإذا ~~ذبح تعذب بخروج روحه. قال ابن المنذر: إنما كرهه، ولم يحرمه. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «امرر الدم بما شئت» . وقالت ~~أسماء: نحرنا فرسا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكلناه ونحن ~~بالمدينة. وعن عائشة، قالت: «نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة ~~الوداع بقرة واحدة» . ولأنه ذكاة في محل الذكاة، فجاز أكله، كالحيوان ~~الآخر. ### | [مسألة ذبح فأتى على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء أو وطئ عليها شيء] # (7764) مسألة؛ قال: (وإذا ذبح فأتى على المقاتل، فلم تخرج الروح حتى وقعت ~~في الماء، أو وطئ عليها شيء، لم تؤكل) . يعني ms5242 إذا وطئ عليها شيء يقتلها ~~مثله غالبا، وهذا الذي ذكره الخرقي نص عليه أحمد. وقال أكثر أصحابنا ~~المتأخرين: لا يحرم بهذا. وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنها إذا ذبحت فقد صارت ~~في حكم الميت، وكذلك لو أبين رأسها بعد الذبح، لم تحرم. نص عليه أحمد. ولو ~~ذبح إنسان ثم ضرب آخر عنقه أو غرقه، لم يلزمه قصاص ولا دية. # ووجه قول الخرقي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عدي بن حاتم: ~~«وإن وقعت في الماء، فلا تأكل» . وقال ابن مسعود: من رمى طائرا فوقع في ~~الماء، فغرق فيه، فلا تأكله. ولأن الغرق سبب يقتل، فإذا اجتمع مع الذبح، ~~فقد اجتمع ما يبيح ويحرم، فيغلب الحظر، ولأنه لا يؤمن أن يعين على خروج ~~الروح، فتكون قد خرجت بفعلين مبيح ومحرم، فأشبه ما لو وجد الأمران في حال ~~واحدة، أو رماه مسلم ومجوسي فمات. ### | [مسألة ذبحها من قفاها وهو مخطئ فأتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة] # (7765) مسألة؛ قال: (وإذا ذبحها من قفاها، وهو مخطئ، فأتت السكين على ~~موضع ذبحها، وهي في الحياة، أكلت) قال القاضي: معنى الخطأ أن تلتوي الذبيحة ~~عليه، فتأتي السكين على القفا؛ لأنها مع التوائها معجوز عن ذبحها، فسقط ~~اعتبار المحل، كالمتردية في بئر، فأما مع عدم التوائها، فلا تباح بذلك؛ لأن ~~الجرح في القفا سبب للزهوق، وهو في غير محل الذبح، فإذا اجتمع مع الذبح، ~~منع حله، كما لو بقر بطنها. # وقد روي # PageV09P399 # عن أحمد، ما يدل على هذا المعنى، فإن الفضل بن زياد قال: سألت أبا عبد ~~الله عن من ذبح في القفا؟ قال: عامدا أو غير عامد؟ قلت: عامدا. قال: لا ~~تؤكل، فإذا كان غير عامد، كأن التوى عليه، فلا بأس. # (7766) فصل: فإن ذبحها من قفاها اختيارا، فقد ذكرنا عن أحمد، أنها لا ~~تؤكل. وهو مفهوم كلام الخرقي. وحكي هذا عن علي، وسعيد بن المسيب، ومالك، ~~وإسحاق. قال إبراهيم النخعي: تسمى هذه الذبيحة القفينة. # وقال القاضي: إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع ms5243 الحلقوم والمريء حلت، ~~وإلا فلا، ويعتبر ذلك بالحركة القوية. وهذا مذهب الشافعي. وهذا أصح؛ لأن ~~الذبح إذا أتى على ما فيه حياة مستقرة، أحله، كأكيلة السبع، والمتردية ~~والنطيحة. ولو ضرب عنقها بالسيف فأطار رأسها، حلت بذلك. نص عليه أحمد، ~~فقال: لو أن رجلا ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف، يريد بذلك الذبيحة، كان له أن ~~يأكله. # وروي عن علي، - رضي الله عنه -، أنه قال: تلك ذكاة وحية. وأفتى بأكلها ~~عمران بن حصين. وبه قال الشعبي، وأبو حنيفة، والثوري. # وقال أبو بكر لأبي عبد الله فيها قولان. والصحيح أنها مباحة؛ لأنه اجتمع ~~قطع ما تبقى الحياة معه مع الذبح، فأبيح، كما ذكرنا مع قول من ذكرنا قوله ~~من الصحابة من غير مخالف. # (7767) فصل: فإن ذبحها من قفاها، فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل ~~قطع الحلقوم والمريء أو لا؟ نظرت؛ فإن كان الغالب بقاء ذلك، لحدة الآلة، ~~وسرعة القتل، فالأولى إباحته؛ لأنه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف، وإن ~~كانت الآلة كالة، وأبطأ قطعه، وطال تعذيبه، لم يبح؛ لأنه مشكوك في وجود ما ~~يحله، فيحرم، كما لو أرسل كلبه على الصيد، فوجد معه كلبا آخر لا يعرفه. ### | [مسألة ذكاتها ذكاة جنينها أشعر أو لم يشعر] # (7768) مسألة؛ قال: (وذكاتها ذكاة جنينها، أشعر أو لم يشعر) يعني إذا خرج ~~الجنين ميتا من بطن أمه بعد ذبحها، أو وجده ميتا في بطنها، أو كانت حركته ~~بعد خروجه كحركة المذبوح، فهو حلال. # روي هذا عن عمر، وعلي. وبه قال سعيد بن المسيب، والنخعي، والشافعي، ~~وإسحاق، وابن المنذر. وقال ابن عمر: ذكاته ذكاة أمه إذا أشعر. وروي ذلك عن ~~عطاء، وطاوس، ومجاهد، والزهري، والحسن، وقتادة، ومالك، والليث، والحسن بن ~~صالح، وأبي ثور؛ لأن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: كان # PageV09P400 # أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: إذا أشعر الجنين، فذكاته ~~ذكاة أمه. وهذا إشارة إلى جميعهم، فكان إجماعا. # وقال أبو حنيفة: لا يحل إلا أن يخرج حيا فيذكى؛ لأنه حيوان ينفرد بحياته، ms5244 ~~فلا يتذكى بذكاة غيره، كما بعد الوضع. قال ابن المنذر: كان الناس على ~~إباحته، لا نعلم أحدا منهم خالف ما قالوا، إلى أن جاء النعمان، فقال: لا ~~يحل؛ لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين. # ولنا، ما روى أبو سعيد، قال: قيل: يا رسول الله، إن أحدنا ينحر الناقة، ~~ويذبح البقرة والشاة، فيجد في بطنها الجنين، أنأكله أم نلقيه؟ قال «كلوه إن ~~شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه» . وعن جابر، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» . رواهما أبو داود. # ولأن هذا إجماع من الصحابة ومن بعدهم، فلا يعول على ما خالفه، ولأن ~~الجنين متصل بها اتصال خلقة، يتغذى بغذائها، فتكون ذكاته ذكاتها، كأعضائها، ~~ولأن الذكاة في الحيوان تختلف على حسب الإمكان فيه والقدرة، بدليل الصيد ~~الممتنع والمقدور عليه والمتردية، والجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح ~~أمه، فيكون ذكاة له. # (7769) فصل: واستحب أبو عبد الله أن يذبحه وإن خرج ميتا؛ ليخرج الدم الذي ~~في جوفه، ولأن ابن عمر كان يعجبه أن يريقوا من دمه وإن كان ميتا. # (7770) فصل: فإن خرج حيا حياة مستقرة، يمكن أن يذكى، فلم يذكه حتى مات، ~~فليس بذكي. قال أحمد: إن خرج حيا، فلا بد من ذكاته؛ لأنه نفس أخرى. ### | [مسألة لا يقطع عضو مما ذكي حتى تزهق نفسه] # (7771) مسألة؛ قال: (ولا يقطع عضو مما ذكي حتى تزهق نفسه) كره ذلك أهل ~~العلم؛ منهم عطاء، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعي، ولا نعلم لهم مخالفا. ~~وقد قال عمر - رضي الله عنه -: لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق. فإن قطع عضو قبل ~~زهوق النفس وبعد الذبح، فالظاهر إباحته؛ فإن أحمد سئل عن رجل ذبح دجاجة، ~~فأبان رأسها؟ قال: يأكلها. قيل له: والذي بان منها أيضا؟ قال: نعم. # قال البخاري: قال ابن عمر وابن عباس: إذا قطع الرأس. فلا بأس به. وبه قال ~~عطاء، والحسن، والنخعي، والشعبي، والزهري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي؛ وذلك لأن قطع ذلك العضو بعد حصول الذكاة، فأشبه ما ms5245 لو قطعه ~~بعد الموت. # PageV09P401 # (7772) فصل: ويكره سلخ الحيوان قبل أن يبرد؛ لأن فيه تعذيبا للحيوان، فهو ~~كقطع العضو. ويكره النفخ في اللحم الذي يريده للبيع؛ لما فيه من الغش. # (7773) فصل: وإن قطع من الحيوان شيء، وفيه حياة مستقرة، فهو ميتة؛ لما ~~روى أبو واقد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما قطع من ~~البهيمة، وهي حية، فهو ميتة» . رواه أبو داود. # ولأن إباحته إنما تكون بالذبح، وليس هذا بذبح. ### | [مسألة ذبيحة من أطاق الذبح من المسلمين وأهل الكتاب] # (7774) مسألة؛ قال: (وذبيحة من أطاق الذبح من المسلمين وأهل الكتاب حلال، ~~إذا سموا، أو نسوا التسمية) وجملة ذلك أن كل من أمكنه الذبح من المسلمين ~~وأهل الكتاب، إذا ذبح، حل أكل ذبيحته، رجلا كان أو امرأة، بالغا أو صبيا، ~~حرا كان أو عبدا، لا نعلم في هذا خلافا. # قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على إباحة ذبيحة ~~المرأة والصبي. وقد روي «أن جارية لكعب بن مالك، كانت ترعى غنما بسلع، ~~فأصيبت شاة منها، فأدركتها فذكتها بحجر، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: كلوها» . متفق عليه. # وفي هذا الحديث فوائد سبع؛ أحدها، إباحة ذبيحة المرأة والثانية، إباحة ~~ذبيحة الأمة. والثالثة إباحة ذبيحة الحائض؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يستفصل. والرابعة، إباحة الذبح بالحجر. والخامسة، إباحة ذبح ما خيف ~~عليه الموت. والسادسة، حل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه. والسابعة، إباحة ~~ذبحه لغير مالكه عند الخوف عليه. ويشترط أن يكون عاقلا، فإن كان طفلا، أو ~~مجنونا، أو سكران لا يعقل، لم يصح منه الذبح. وبهذا قال مالك. # وقال الشافعي: لا يعتبر العقل. وله فيما إذا أرسل المجنون الكلب على صيد ~~وجهان. ولنا، أن الذكاة يعتبر لها القصد، فيعتبر لها العقل، كالعبادة، فإن ~~من لا عقل له لا يصح منه القصد، فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على ~~حلق شاة فذبحتها. وقوله: إذا سموا أو نسوا التسمية. فالتسمية مشترطة في كل ~~ذابح مع العمد، ms5246 سواء كان مسلما أو كتابيا، فإن ترك الكتابي التسمية عن عمد، ~~أو ذكر اسم غير الله، لم تحل ذبيحته. روي ذلك عن علي. # وبه قال النخعي، والشافعي، وحماد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال عطاء، ~~ومجاهد، ومكحول: إذا ذبح النصراني باسم المسيح حل، فإن الله تعالى أحل لنا ~~ذبيحته، وقد علم أنه سيقول ذلك. # PageV09P402 # ولنا، قول الله تعالى {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: ~~121] . # وقوله: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] والآية أريد بها ما ذبحوه ~~بشرطه كالمسلم. فإن لم يعلم أسمى الذابح أم لا؟ أو ذكر اسم غير الله أم لا؟ ~~فذبيحته حلال؛ لأن الله تعالى أباح لنا أكل ما ذبحه المسلم والكتابي، وقد ~~علم أننا لا نقف على كل ذابح. # وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - «أنهم قالوا: يا رسول الله، إن قوما ~~حديثو عهد بشرك، يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا؟ ~~قال: سموا أنتم، وكلوا» . أخرجه البخاري. ### | [فصل ذبح الكتابي ما حرم الله عليه مثل كل ذي ظفر] # (7775) فصل: وإذا ذبح الكتابي ما حرم الله عليه، مثل كل ذي ظفر. قال ~~قتادة: هي الأيل والنعام والبط، وما ليس بمشقوق الأصابع. أو ذبح دابة لها ~~شحم محرم عليه، فظاهر كلام أحمد والخرقي إباحته؛ فإن أحمد حكى عن مالك، في ~~اليهودي يذبح الشاة، قال: لا يأكل من شحمها. # قال أحمد: هذا مذهب دقيق. وظاهر هذا أنه لم يره صحيحا. وهذا اختيار ابن ~~حامد، وأبي الخطاب. وذهب أبو الحسن التميمي، والقاضي، إلى تحريمها. وحكاه ~~التميمي عن الضحاك، ومجاهد، وسوار. وهو قول مالك؛ لأن الله تعالى قال: ~~{وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] . وليس هذا من طعامهم. # ولأنه جزء من البهيمة، لم يبح لذابحها، فلم يبح لغيره، كالدم. ولنا، ما ~~روى عبد الله بن مغفل «، قال: دلي جراب من شحم من قصر خيبر، فنزوت لآخذه، ~~فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبسم إلي» . متفق عليه. ولأنها ~~ذكاة أباحت اللحم والجلد، فأباحت الشحم، ms5247 كذكاة المسلم. # والآية حجة لنا؛ فإن معنى طعامهم ذبائحهم، كذلك فسره العلماء، وقياسهم ~~ينتقض بما ذبحه الغاصب. # (7776) فصل: وإن ذبح شيئا يزعم أنه محرم عليه، ولم يثبت أنه محرم عليه، ~~فهو حلال؛ لعموم الآية. وقوله: إنه حرام. غير مقبول. ### | [مسألة ذبيحة الأخرس] # (7777) مسألة؛ قال: (فإن كان أخرس، أومأ إلى السماء) قال ابن المنذر: ~~أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على إباحة ذبيحة الأخرس؛ منهم الليث، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وهو قول الشعبي، وقتادة، والحسن بن صالح. # إذا ثبت هذا فإنه يشير إلى السماء؛ لأن # PageV09P403 # إشارته تقوم مقام نطق الناطق، وإشارته إلى السماء تدل على قصده تسمية ~~الذي في السماء. # ونحو هذا قال الشعبي. وقد دل على هذا حديث أبي هريرة «أن رجلا أتى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بجارية أعجمية، فقال: يا رسول الله، إن علي رقبة ~~مؤمنة، أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أين الله؟ ~~. فأشارت إلى السماء، فقال: من أنا؟ . فأشارت بإصبعها إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وإلى السماء، أي أنت رسول الله. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: أعتقها، فإنها مؤمنة» . رواه الإمام أحمد، والقاضي ~~البرتي، في " مسنديهما ". # فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإيمانها بإشارتها إلى السماء، ~~تريد أن الله سبحانه فيها، فأولى أن يكتفى بذلك علما على التسمية. ولو أنه ~~أشار إشارة تدل على التسمية، وعلم ذلك، كان كافيا. ### | [مسألة كان جنبا جاز أن يسمي ويذبح] # (7778) مسألة؛ قال: (وإن كان جنبا، جاز أن يسمي ويذبح) وذلك أن الجنب ~~تجوز له التسمية، ولا يمنع منها؛ لأنه إنما يمنع من القرآن، لا من الذكر، ~~ولهذا تشرع له التسمية عند اغتساله، وليست الجنابة أعظم من الكفر، والكافر ~~يسمي ويذبح، وممن رخص في ذبح الجنب الحسن، والحكم، والليث، والشافعي، ~~وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدا منع من ذلك. وتباح ذبيحة الحائض؛ لأنها في ~~معنى الجنب. ### | [فصل تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع وما ms5248 أصابها مرض فماتت به] # (7779) فصل: والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وأكيلة السبع، ~~وما أصابها مرض فماتت به، محرمة، إلا أن تدرك ذكاتها؛ لقوله تعالى {إلا ما ~~ذكيتم} [المائدة: 3] . وفي حديث جارية كعب «، أنها أصيبت شاة من غنمها، ~~فأدركتها، فذبحتها بحجر، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كلوها» . ~~فإن كانت لم يبق من حياتها إلا مثل حركة المذبوح، لم تبح بالذكاة؛ لأنه لو ~~ذبح ما ذبحه المجوسي، لم يبح، وإن أدركها وفيها حياة مستقرة، بحيث يمكنه ~~ذبحها، حلت؛ لعموم الآية والخبر. # وسواء كانت قد انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش؛ لعموم الآية ~~والخبر، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل، ولم يستفصل. وقد قال ~~ابن عباس، في ذئب عدا على شاة، فعقرها، فوقع قصبها بالأرض، فأدركها، فذبحها ~~بحجر، قال: يلقي ما أصاب الأرض، ويأكل سائرها. # وقال أحمد في بهيمة عقرت بهيمة، حتى تبين فيها آثار الموت، إلا أن فيها ~~الروح. يعني فذبحت. فقال: إذا مصعت بذنبها، وطرفت بعينها، وسال الدم، فأرجو ~~إن شاء الله تعالى # PageV09P404 # أن لا يكون بأكلها بأس. وروي ذلك بإسناده عن عقيل بن عمير، وطاوس. وقالا: ~~تحركت. ولم يقولا: سال الدم. وهذا على مذهب أبي حنيفة. # وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن شاة مريضة، خافوا عليها الموت، ~~فذبحوها، فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها، أو حركت يدها أو رجلها ~~أو ذنبها بضعف، فنهر الدم؟ قال: فلا بأس به. وقال ابن أبي موسى: إذا انتهت ~~إلى حد لا تعيش معه، لم تبح بالذكاة. # ونص عليه أحمد، فقال: إذا شق الذئب بطنها، فخرج قصبها، فذبحها، لا تؤكل. ~~وقال: إن كان يعلم أنها تموت من عقر السبع، فلا تؤكل وإن ذكاها. وقد يخاف ~~على الشاة الموت من العلة والشيء يصيبها، فيبادرها فيذبحها، فيأكلها. وليس ~~هذا مثل هذه، لا يدري، لعلها تعيش، والتي قد خرجت أمعاؤها، يعلم أنها لا ~~تعيش. وهذا قول أبي يوسف. # والأول أصح؛ لأن عمر - رضي الله عنه - انتهى به الجرح ms5249 إلى حد علم أنه لا ~~يعيش معه، فوصى، فقبلت وصاياه، ووجبت العبادة عليه، وفيما ذكرنا من عموم ~~الآية والخبر، وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل في حديث جارية ~~كعب، ما يرد هذا، وتحمل نصوص أحمد، على شاة خرجت أمعاؤها، وبانت منها، فتلك ~~لا تحل بالذكاة؛ لأنها في حكم الميت، ولا تبقى حركتها إلا كحركة المذبوح، ~~فأما ما خرجت أمعاؤها، ولم تبن منها، فهي في حكم الحياة تباح بالذبح، ولهذا ~~قال الخرقي، في من شق بطن رجل، فأخرج حشوته، فقطعها فأبانها، ثم ضرب عنقه ~~آخر، فالقاتل هو الأول. ولو شق بطن رجل، وضرب عنقه آخر فالقاتل هو الثاني. # وقال بعض أصحابنا: إذا كانت تعيش معظم اليوم، حلت بالذكاة. وهذا التحديد ~~بعيد، يخالف ظواهر النصوص، ولا سبيل إلى معرفته. وقوله في حديث جارية كعب: ~~فأدركتها فذكتها بحجر. يدل على أنها بادرتها بالذكاة حين خافت موتها في ~~ساعتها. والصحيح أنها إذا كانت تعيش زمنا يكون الموت بالذبح أسرع منه، حلت ~~بالذبح، وأنها متى كانت مما لا يتيقن موتها، كالمريضة، أنها متى تحركت، ~~وسال دمها، حلت والله أعلم. ### | [مسألة المحرم من الحيوان] # (7780) مسألة؛ قال: (والمحرم من الحيوان، ما نص الله تعالى عليه في ~~كتابه، وما كانت العرب تسميه طيبا فهو حلال، وما كانت تسميه خبيثا، فهو ~~محرم؛ لقول الله تعالى {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: ~~157] يعني بقوله: ما سمى الله تعالى في كتابه. قوله سبحانه: {حرمت عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] . وما عدا ~~هذا، فما استطابته العرب، فهو حلال؛ لقول الله تعالى {ويحل لهم الطيبات} ~~[الأعراف: 157] . يعني يستطيبونه دون الحلال، بدليل قوله في الآية الأخرى ~~{يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} [المائدة: 4] . # ولو أراد الحلال لم يكن ذلك جوابا لهم. وما استخبثته العرب، فهو محرم؛ # PageV09P405 # لقول الله تعالى {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] . والذين تعتبر ~~استطابتهم واستخباثهم هم أهل الحجاز، من أهل الأمصار؛ لأنهم الذين نزل ~~عليهم الكتاب، وخوطبوا به وبالسنة، فرجع في ms5250 مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون ~~غيرهم، ولم يعتبر أهل البوادي؛ لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا، ~~ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون؟ فقال: ما دب ودرج، إلا أم حبين. فقال: لتهن أم ~~حبين العافية. وما وجد في أمصار المسلمين، مما لا يعرفه أهل الحجاز، رد إلى ~~أقرب ما يشبهه في الحجاز، فإن لم يشبه شيئا منها، فهو مباح؛ لدخوله في عموم ~~قوله تعالى {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] . # الآية، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وما سكت الله عنه، فهو مما ~~عفا عنه» . إذا ثبت هذا، فمن المستخبثات الحشرات، كالديدان، والجعلان، ~~وبنات وردان، والخنافس، والفأر، والأوزاغ، والحرباء، والعضاة، والجراذين، ~~والعقارب، والحيات. # وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. ورخص مالك، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، في ~~هذا كله، إلا الأوزاغ، فإن ابن عبد البر قال: هو مجمع على تحريمه. وقال ~~مالك: الحية حلال إذا ذكيت. واحتجوا بعموم الآية المبيحة. # ولنا، قوله تعالى {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «خمس فواسق، يقتلن في الحل والحرم؛ العقرب، والفأرة، ~~والغراب، والحدأة، والكلب العقور» . وفي حديث: " الحية " مكان: " الفأرة ". ~~ولو كانت من الصيد المباح، لم يبح قتلها، ولأن الله تعالى قال: {لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] . # وقال: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] . ولأنها ~~مستخبثة، فحرمت، كالوزغ أو مأمور بقتلها، فأشبهت الوزغ. ### | [فصل حكم أكل القنفذ] # (7781) فصل: والقنفذ حرام. قال أبو هريرة: هو حرام. وكرهه مالك، وأبو ~~حنيفة. ورخص فيه الشافعي، والليث، وأبو ثور. # PageV09P406 # ولنا، أن أبا هريرة قال: «ذكر القنفذ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: هو خبيث من الخبائث» . رواه أبو داود. ولأنه يشبه المحرمات، ويأكل ~~الحشرات، فأشبه الجرذ. ### | [مسألة حكم أكل الحمر الأهلية] # (7782) مسألة؛ قال: (وبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحمر ~~الأهلية) أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية. قال أحمد: خمسة عشر من ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كرهوها. # قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم ms5251 في تحريمها وحكي عن ~~ابن عباس، وعائشة - رضي الله عنهما -، أنهما كانا يقولان بظاهر قوله ~~سبحانه: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145] وتلاها ابن عباس، وقال: ما خلا ~~هذا، فهو حلال. وسئلت عائشة - رضي الله عنها - عن الفأرة، فقالت: ما هي ~~بحرام. وتلت هذه الآية. # ولم ير عكرمة وأبو وائل بأكل الحمر بأسا، وقد روي عن غالب بن الحر قال: ~~أصابتنا سنة فقلت: يا رسول الله، أصابتنا سنة، ولم يكن في مالي ما أطعم ~~أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية. فقال: «أطعم أهلك من ~~سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل حوالي القرية» # ولنا، ما روى جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى يوم خيبر عن ~~لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل. متفق عليه. قال ابن عبد البر: ~~وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريم الحمر الأهلية علي، وعبد الله ~~بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر، والبراء، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، ~~وزاهر الأسلمي، بأسانيد صحاح حسان، وحديث غالب بن أبجر لا يعرج على مثله مع ~~ما عارضه. # ويحتمل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص لهم في مجاعتهم، وبين ~~علة تحريمها المطلق، لكونها تأكل العذرات. قال عبد الله بن أبي أوفى: حرمها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألبتة، من أجل أنها تأكل العذرة. متفق ~~عليه. ### | [فصل حكم أكل البغال] # (7783) فصل: والبغال حرام عند كل من حرم الحمر الأهلية؛ لأنها متولدة ~~منها، والمتولد من الشيء له حكمه في التحريم. وهكذا إن تولد من بين الإنسي ~~والوحشي ولد، فهو محرم، تغليبا للتحريم، والسمع المتولد من بين الذئب # PageV09P407 # والضبع، محرم. # قال قتادة: ما البغل إلا شيء من الحمار. وعن جابر قال: ذبحنا يوم خيبر ~~الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البغال ~~والحمير، ولم ينهنا عن الخيل. ### | [فصل حكم ألبان الحمر] # (7784) فصل: وألبان ms5252 الحمر محرمة، في قول أكثرهم. ورخص فيها عطاء، وطاوس ~~والزهري. والأول أصح؛ لأن حكم الألبان حكم اللحمان. ### | [مسألة حكم أكل كل ذي ناب من السباع] # (7785) مسألة؛ قال: (وكل ذي ناب من السباع، وهي التي تضرب بأنيابها الشيء ~~وتفرس) أكثر أهل العلم يرون تحريم كل ذي ناب قوي من السباع، يعدو به ويكسر، ~~إلا الضبع، منهم مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الحديث وأبو حنيفة ~~وأصحابه. وقال الشعبي، وسعيد بن جبير، وبعض أصحاب مالك: هو مباح؛ لعموم ~~قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: ~~145] . # وقوله سبحانه: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به ~~لغير الله} [البقرة: 173] ولنا، ما روى أبو ثعلبة الخشني، قال: «نهى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع» . متفق عليه. وقال أبو ~~هريرة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أكل كل ذي ناب من السباع ~~حرام» . قال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت صحيح مجمع على صحته. # وهذا نص صريح يخص عموم الآيات، فيدخل في هذا الأسد، والنمر، والفهد، ~~والذئب، والكلب، والخنزير. وقد روي عن الشعبي، أنه سئل عن رجل يتداوى بلحم ~~الكلب؟ فقال: لا شفاه الله. وهذا يدل على أنه رأى تحريمه. ### | [فصل حكم أكل القرد] # (7786) فصل: ولا يباح أكل القرد. وكرهه عمر، وعطاء، ومجاهد، ومكحول، ~~والحسن، ولم يجيزوا بيعه. قال ابن عبد البر: لا أعلم بين علماء المسلمين ~~خلافا أن القرد لا يؤكل، ولا يجوز بيعه. وروي عن الشعبي، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن لحم القرد. ولأنه سبع، فيدخل في عموم الخبر، وهو ~~مسخ أيضا، فيكون من الخبائث المحرمة. ### | [فصل حكم أكل ابن آوى والنمس وابن عرس] # (7787) فصل: وابن آوى، والنمس، وابن عرس، حرام. سئل أحمد عن ابن آوى وابن ~~عرس فقال: كل شيء ينهش # PageV09P408 # بأنيابه فهو من السباع. وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي: ابن ~~عرس مباح؛ لأنه ليس له ناب قوي، فأشبه الضب. # ولأصحابه ms5253 في ابن آوى وجهان. ولنا، أنها من السباع، فتدخل في عموم النهي، ~~ولأنها مستخبثة، غير مستطابة، فإن ابن آوى يشبه الكلب، ورائحته كريهة، ~~فيدخل في عموم قوله تعالى {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] ### | [فصل حكم أكل الثعلب] # (7788) فصل: واختلفت الرواية في الثعلب، فأكثر الروايات عن أحمد تحريمه. ~~وهذا قول أبي هريرة، ومالك، وأبي حنيفة؛ لأنه سبع، فيدخل في عموم النهي. ~~ونقل عن أحمد إباحته. اختاره الشريف أبو جعفر. ورخص فيه عطاء، وطاوس، ~~وقتادة، والليث، وسفيان بن عيينة، والشافعي؛ لأنه يفدى في الإحرام والحرم. ~~وقال أحمد وعطاء: كل ما يودى إذا أصابه المحرم، فإنه يؤكل. # واختلفت الرواية عن أحمد في سنور البر كاختلافها في الثعلب. والقول فيه ~~كالقول في الثعلب. وللشافعي في سنور البر وجهان. فأما الأهلي، فمحرم في قول ~~إمامنا، ومالك، وأبي حنيفة، والشافعي. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه نهى عن أكل الهر. ### | [فصل حكم أكل الفيل] # (7789) فصل: والفيل محرم. قال أحمد: ليس هو من أطعمة المسلمين. وقال ~~الحسن: هو مسخ. وكرهه أبو حنيفة، والشافعي. ورخص في أكله الشعبي. ولنا، نهي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع. وهو من أعظمها ~~نابا، ولأنه مستخبث، فيدخل في عموم الآية المحرمة. ### | [فصل الاختلاف في أكل الدب] # (7790) فصل: فأما الدب، فينظر فيه؛ فإن كان ذا ناب يفرس به، فهو محرم، ~~وإلا فهو مباح. قال أحمد: إن لم يكن له ناب، فلا بأس به. وقال أصحاب أبي ~~حنيفة: هو سبع؛ لأنه أشبه شيء بالسباع، فلا يؤكل. # ولنا، أن الأصل الإباحة، ولم يتحقق وجود المحرم، فيبقى على الأصل، وشبهه ~~بالسباع إنما يعتبر في # PageV09P409 # وجود العلة المحرمة، وهو كونه ذا ناب يصيد به ويفرس، فإذا لم يوجد ذلك، ~~كان داخلا في عموم النصوص المبيحة. والله أعلم. ### | [مسألة حكم أكل كل ذي مخلب من الطير] # (7791) مسألة؛ قال: (وكل ذي مخلب من الطير، وهي التي تعلق بمخالبها ~~الشيء، وتصيد بها) هذا قول أكثر أهل العلم. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، ms5254 ~~وأصحاب الرأي. # وقال مالك، والليث، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد: لا يحرم من الطير شيء. قال ~~مالك: لم أر أحدا من أهل العلم يكره سباع الطير. واحتجوا بعموم الآيات ~~المبيحة، وقول أبي الدرداء وابن عباس: ما سكت الله عنه، فهو ما عفا عنه. ~~ولنا، ما روى ابن عباس قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل ~~ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» . وعن خالد بن الوليد قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حرام عليكم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب ~~من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» . رواهما أبو داود. # وهذا يخص عموم الآيات، ويقدم على ما ذكروه، فيدخل في هذا كل ما له مخلب ~~يعدو به، كالعقاب، والبازي، والصقر، والشاهين والباشق، والحدأة، والبومة، ~~وأشباهها. # (7792) فصل: ويحرم منها ما يأكل الجيف، كالنسور والرخم، وغراب البين، وهو ~~أكبر الغربان، والأبقع. قال عروة: ومن يأكل الغراب وقد سماه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فاسقا، والله ما هو من الطيبات. ولعله يعني قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم؛ الغراب، ~~والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور» . فهذه الخمس محرمة؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أباح قتلها في الحرم، ولا يجوز قتل صيد مأكول في ~~الحرم، ولأن ما يؤكل لا يحل قتله إذا قدر عليه، وإنما يذبح ويؤكل. # وسئل أحمد، عن العقعق، فقال: إن لم يكن يأكل الجيف، فلا بأس به. قال بعض ~~أصحابنا: هو يأكل الجيف، فيكون على هذا محرما. ### | [فصل حكم أكل الخطاف والخشاف والخفاش] # (7793) فصل: ويحرم الخطاف والخشاف والخفاش وهو الوطواط. قال الشاعر: # مثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورا ويعمي أعين الخفاش # قال أحمد: ومن يأكل الخشاف؟ وسئل عن الخطاف؟ فقال: لا أدري. وقال النخعي: ~~كل الطير حلال # PageV09P410 # إلا الخفاش. وإنما حرمت هذه؛ لأنها مستخبثة، لا تستطيبها العرب، ولا ~~تأكلها. ويحرم الزنابير، واليعاسيب، والنحل، وأشباهها؛ لأنها مستخبثة، غير ~~مستطابة. # (7794) فصل: وما عدا ما ذكرناه، فهو مباح؛ لعموم النصوص الدالة على ms5255 ~~الإباحة، من ذلك بهيمة الأنعام، وهي الإبل، والبقر، والغنم. قال الله ~~تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: 1] . # ومن الصيود الظباء، وحمر الوحش. وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أبا قتادة وأصحابه بأكل الحمار الذي صاده. وكذلك بقر الوحش كلها مباحة، على ~~اختلاف أنواعها، من الإبل، والتيتل، والوعل، والمها، وغيرها من الصيود، ~~كلها مباحة، وتفدى في الإحرام. ويباح النعام، وقد قضى الصحابة، - رضي الله ~~عنهم -، في النعامة ببدنة. وهذا كله مجمع عليه، لا نعلم فيه خلافا، إلا ما ~~يروى عن طلحة بن مصرف قال إن الحمار الوحشي إذا أنس واعتلف، فهو بمنزلة ~~الأهلي. قال أحمد: وما ظننت أنه روي في هذا شيء، وليس الأمر عندي كما قال. # وأهل العلم على خلافه؛ لأن الظباء إذا تأنست لم تحرم، والأهلي إذا توحش ~~لم يحل، ولا يتغير منها شيء عن أصله وما كان عليه. قال عطاء، في حمار ~~الوحش: إذا تناسل في البيوت، لا تزول عنه أسماء الوحش. وسألوا أحمد عن ~~الزرافة تؤكل؟ قال: نعم. وهي دابة تشبه البعير، إلا أن عنقها أطول من عنقه، ~~وجسمها ألطف من جسمه، وأعلى منه، ويداها أطول من رجليها. ### | [فصل حكم أكل لحوم الخيل] # (7795) فصل: وتباح لحوم الخيل كلها عرابها وبراذينها. نص عليه أحمد. وبه ~~قال ابن سيرين. وروي ذلك عن ابن الزبير، والحسن، وعطاء، والأسود بن يزيد. ~~وبه قال حماد بن زيد، والليث، وابن المبارك، والشافعي، وأبو ثور. قال سعيد ~~بن جبير: ما أكلت شيئا أطيب من معرفة برذون. وحرمها أبو حنيفة. # وكرهه مالك، والأوزاعي، وأبو عبيد؛ لقول الله تعالى {والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها} [النحل: 8] وعن خالد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «حرام عليكم الحمر الأهلية، وخيلها، وبغالها. ولأنه دون حافر، ~~فأشبه الحمار.» ولنا، قول جابر: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل» . وقالت أسماء: «نحرنا ~~فرسا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكلناه، ونحن بالمدينة» . ~~متفق عليهما. # PageV09P411 # ولأنه حيوان طاهر ms5256 مستطاب، ليس بذي ناب ولا مخلب، فيحل، كبهيمة الأنعام، ~~ولأنه داخل في عموم الآيات والأخبار المبيحة. وأما الآية فإنما يتعلقون ~~بدليل خطابها، وهم لا يقولون به. وحديث خالد ليس له إسناد جيد. قاله أحمد. ~~قال: وفيه رجلان لا يعرفان، يرويه ثور عن رجل ليس بمعروف. وقال: لا ندع ~~أحاديثنا لمثل هذا الحديث المنكر. ### | [فصل حكم أكل الأرنب] # (7796) فصل: والأرنب مباحة، أكلها سعد بن أبي وقاص. ورخص فيها أبو سعيد، ~~وعطاء، وابن المسيب، والليث، ومالك، والشافعي، وأبو ثور وابن المنذر. ولا ~~نعلم أحدا قائلا بتحريمها، إلا شيئا روي عن عمرو بن العاص. وقد صح عن أنس ~~أنه قال: «أنفجنا أرنبا، فسعى القوم فلغبوا، فأخذتها، فجئت بها إلى أبي ~~طلحة، فذبحها فبعث بوركها - أو قال - فخذها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقبله.» متفق عليه. # وعن محمد بن صفوان، أو صفوان بن محمد، «أنه قال: صدت أرنبين، فذبحتهما ~~بمروة، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرني بأكلهما.» رواه أبو ~~داود. ولأنها حيوان مستطاب، ليس بذي ناب؛ فأشبه الظبي. # (7797) فصل: ويباح الوبر. وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، وعمرو بن دينار ~~والشافعي، وابن المنذر، وأبو يوسف. وقال القاضي: هو محرم. وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه، إلا أبا يوسف. # ولنا، أنه يفدى في الإحرام والحرم، وهو مثل الأرنب، يعتلف النبات ~~والبقول، فكان مباحا كالأرنب، ولأن الأصل الإباحة، وعموم النصوص يقتضيها، ~~ولم يرد فيه تحريم، فتجب إباحته. ### | [فصل حكم أكل اليربوع] # (7798) فصل: وسئل أحمد عن اليربوع، فرخص فيه. وهذا قول عروة، وعطاء ~~الخراساني، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. # وقال أبو حنيفة: هو محرم. وروي ذلك عن أحمد أيضا. وعن ابن سيرين، والحكم، ~~وحماد، وأصحاب الرأي؛ لأنه يشبه الفأر. ولنا، أن عمر حكم فيه بجفرة. ولأن ~~الأصل الإباحة ما لم يرد فيه تحريم. وأما السنجاب، فقال القاضي: هو محرم؛ ~~لأنه ينهش بنابه، فأشبه الجرذ ويحتمل أنه مباح؛ لأنه يشبه اليربوع، ومتى ~~تردد بين الإباحة والتحريم، غلبت الإباحة؛ لأنها الأصل، وعموم النصوص ~~يقتضيها. # PageV09P412 ### | [فصل يباح من الطيور ms5257 ما لم يذكر في المحرمات] # (7799) فصل: ويباح من الطيور ما لم نذكره في المحرمات، من ذلك الدجاج. ~~قال أبو موسى: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يأكل الدجاج. والحبارى؛ ~~لما روى سفينة، قال: أكلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لحم حبارى.» ~~رواه أبو داود. ويباح الزاغ. # وبذلك قال الحكم، وحماد، ومحمد بن الحسن، والشافعي في أحد قوليه. ويباح ~~غراب الزرع، وهو الأسود الكبير الذي يأكل الزرع، ويطير مع الزاغ؛ لأن ~~مرعاهما الزرع والحبوب، فأشبها الحجل. وتباح العصافير كلها. قال عبد الله ~~بن عمرو: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من إنسان يقتل ~~عصفورا فما فوقها بغير حقها، إلا سأله الله عنها. قيل: يا رسول الله، فما ~~حقها؟ قال: يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها ويرمي بها» . رواه النسائي. ~~ويباح الحمام كله، على اختلاف أنواعه، من الجوازل والفواخت، والرقاطي ~~والقطا والحجل، وغيرها، وتباح الكراكي، والإوز، وطير الماء كله، والغرانيق، ~~والطواويس، وأشباه ذلك. لا نعلم فيه خلافا. # واختلف عن أحمد في الهدهد والصرد فعنه أنهما حلال؛ لأنهما ليسا من ذوات ~~المخلب، ولا يستخبثان. وعنه تحريمهما «؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن قتل الهدهد، والصرد، والنملة والنحلة. وكل ما كان لا يصيد بمخلبه، ~~ولا يأكل الجيف، ولا يستخبث، فهو حلال.» ### | [فصل حكم أكل لحوم الجلالة وألبانها] # (7800) فصل: قال أحمد: أكره لحوم الجلالة وألبانها. قال القاضي، في " ~~المجرد ": هي التي تأكل القذر، فإذا كان أكثر علفها النجاسة، حرم لحمها ~~ولبنها. وفي بيضها روايتان. وإن كان أكثر علفها الطاهر، لم يحرم أكلها ولا ~~لبنها. # وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة، لم نسمعه عن أحمد، ولا هو ظاهر ~~كلامه، لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرا في مأكولها، ويعفى عن اليسير. وقال ~~الليث: إنما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها إلا الرجيع وما أشبهه. ~~وقال ابن أبي موسى: في الجلالة روايتان؛ إحداهما، أنها محرمة. والثانية، ~~أنها مكروهة غير محرمة. # PageV09P413 # وهذا قول الشافعي. وكره أبو حنيفة لحومها، والعمل عليها حتى تحبس. # ورخص ms5258 الحسن في لحومها وألبانها؛ لأن الحيوانات لا تنجس بأكل النجاسات، ~~بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير ~~والمحرمات، لا يكون ظاهره نجسا، ولو نجس لما طهر بالإسلام، ولا الاغتسال، ~~ولو نجست الجلالة، لما طهرت بالحبس. # ولنا، ما روى ابن عمر، قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~أكل الجلالة وألبانها.» رواه أبو داود. وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ~~قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإبل الجلالة، أن يؤكل ~~لحمها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة.» ~~رواه الخلال بإسناده. # ولأن لحمها يتولد، من النجاسة، فيكون نجسا، كرماد النجاسة. وأما شارب ~~الخمر، فليس ذلك أكثر غذائه، وإنما يتغذى الطاهرات، وكذلك الكافر في ~~الغالب. # (7801) فصل: وتزول الكراهة بحبسها اتفاقا. واختلف في قدره، فروي عن أحمد؛ ~~أنها تحبس ثلاثا، سواء كانت طائرا أو بهيمة. وكان ابن عمر إذا أراد أكلها ~~حبسها ثلاثا. # وهذا قول أبي ثور، لأن ما طهر حيوانا طهر الآخر، كالذي نجس ظاهره. ~~والأخرى، تحبس الدجاجة ثلاثا، والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين. وهذا ~~قول عطاء، في الناقة والبقرة؛ لحديث عبد الله بن عمرو، لأنهما أعظم جسما، ~~وبقاء علفهما فيهما أكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير. والله أعلم. # (7802) فصل: ويكره ركوب الجلالة. وهو قول عمر، وابنه، وأصحاب الرأي؛ ~~لحديث «عبد الله بن عمرو، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ركوبها» ~~. ولأنها ربما عرقت، فتلوث بعرقها. ### | [فصل حكم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات أو سمدت بها] # (7803) فصل: وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات، أو سمدت بها. ~~وقال ابن عقيل: يحتمل أن يكره ذلك، ولا يحرم. ولا يحكم بتنجيسها، لأن ~~النجاسة تستحيل في باطنها، فتطهر بالاستحالة، كالدم يستحيل في أعضاء ~~الحيوان لحما، ويصير لبنا. وهذا قول أكثر الفقهاء؛ منهم أبو حنيفة، ~~والشافعي، وكان سعد بن أبي وقاص يدمل أرضه بالعرة، ويقول: مكتل عرة مكتل ~~بر. والعرة: عذرة الناس. # ولنا، ما روي عن ابن ms5259 عباس، قال: كنا نكري أراضي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ونشترط عليهم أن لا يدملوها بعذرة الناس. ولأنها تتغذى ~~بالنجاسات، وتترقى فيها أجزاؤها، والاستحالة لا تطهر. فعلى هذا تطهر إذا ~~سقيت الطاهرات، كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات. # PageV09P414 ### | [مسألة اضطر إلى أكل الميتة] # (7804) مسألة؛ قال: (ومن اضطر إلى الميتة، فلا يأكل منها إلا ما يأمن معه ~~الموت) أجمع العلماء على تحريم الميتة حال الاختيار، وعلى إباحة الأكل منها ~~في الاضطرار. # وكذلك سائر المحرمات. والأصل في هذا قول الله تعالى {إنما حرم عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فلا إثم عليه} [البقرة: 173] . ويباح له أكل ما يسد الرمق، ويأمن معه الموت ~~بالإجماع. ويحرم ما زاد على الشبع، بالإجماع أيضا. وفي الشبع روايتان؛ ~~أظهرهما، لا يباح. وهو قول أبي حنيفة. وإحدى الروايتين عن مالك. وأحد ~~القولين للشافعي. # قال الحسن: يأكل قدر ما يقيمه؛ لأن الآية دلت على تحريم الميتة، واستثني ~~ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة، لم يحل له الأكل، كحالة الابتداء، ~~ولأنه بعد سد الرمق غير مضطر، فلم يحل له الأكل؛ للآية، يحققه أنه بعد سد ~~رمقه كهو قبل أن يضطر. وثم لم يبح له الأكل، كذا هاهنا. والثانية، يباح له ~~الشبع. # اختارها أبو بكر لما روى جابر بن سمرة، «أن رجلا نزل الحرة، فنفقت عنده ~~ناقة، فقالت له امرأته: اسلخها، حتى نقدد شحمها ولحمها، ونأكله. فقال: حتى ~~أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فسأله، فقال: هل عندك غنى يغنيك؟ . ~~قال: لا. قال: فكلوها» . ولم يفرق. رواه أبو داود. ولأن ما جاز سد الرمق ~~منه، جاز الشبع منه، كالمباح. # ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة، وبين ما إذا كانت مرجوة ~~الزوال، فما كانت مستمرة، كحالة الأعرابي الذي سأل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - جاز الشبع؛ لأنه إذا اقتصر على سد الرمق، عادت الضرورة إليه عن ~~قرب، ولا يتمكن من البعد عن الميتة، مخافة الضرورة المستقبلة، ويفضي ms5260 إلى ~~ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه، بخلاف التي ليست مستمرة، فإنه يرجو ~~الغنى عنها بما يحل له. والله أعلم. # إذا ثبت هذا، فإن الضرورة المبيحة، هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل. ~~قال أحمد: إذا كان يخشى على نفسه، سواء كان من جوع، أو يخاف إن ترك الأكل ~~عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك، أو يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ~~ذلك بزمن محصور. ### | [فصل هل يجب الأكل من الميتة على المضطر] # (7805) فصل: وهل يجب الأكل من الميتة على المضطر؟ فيه وجهان؛ # PageV09P415 # أحدهما: يجب. وهو قول مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي. # قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن المضطر يجد الميتة، ولم يأكل؟ فذكر قول ~~مسروق: من اضطر، فلم يأكل ولم يشرب، فمات، دخل النار. وهذا اختيار ابن ~~حامد؛ وذلك لقول الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: ~~195] . وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة، وقال ~~الله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29] . # ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له، فلزمه، كما لو كان معه طعام ~~حلال. والثاني: لا يلزمه؛ لما روي عن عبد الله بن حذافة السهمي، صاحب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن طاغية الروم حبسه في بيت، وجعل معه خمرا ~~ممزوجا بماء، ولحم خنزير مشوي، ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب، حتى مال ~~رأسه من الجوع والعطش، وخشوا موته، فأخرجوه، فقال: قد كان الله أحله لي؛ ~~لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام. # ولأن إباحة الأكل رخصة، فلا تجب عليه، كسائر الرخص؛ ولأن له غرضا في ~~اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة، وفارق ~~الحلال في الأصل من هذه الوجوه. ### | [فصل تباح أكل المحرمات عند الاضطرار إليها] # (7806) فصل: وتباح المحرمات عند الاضطرار إليها، في الحضر والسفر جميعا؛ ~~لأن الآية مطلقة، غير مقيدة بإحدى الحالتين، وقوله {فمن اضطر} [البقرة: ~~173] . لفظ عام في حق كل مضطر؛ ولأن الاضطرار يكون ms5261 في الحضر في سنة ~~المجاعة، وسبب الإباحة الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك؛ لكون هذه المصلحة ~~أعظم من مصلحة اجتناب النجاسات، والصيانة عن تناول المستخبثات، وهذا المعنى ~~عام في الحالين. وظاهر كلام أحمد: أن الميتة لا تحل لمن يقدر على دفع ~~ضرورته بالمسألة. # وروي عن أحمد، أنه قال: أكل الميتة إنما يكون في السفر. يعني أنه في ~~الحضر يمكنه السؤال. وهذا من أحمد خرج مخرج الغالب، فإن الغالب أن الحضر ~~يوجد فيه الطعام الحلال، ويمكن دفع الضرورة بالسؤال، ولكن الضرورة أمر ~~معتبر بوجود حقيقته، لا يكتفى فيه بالمظنة، بل متى وجدت الضرورة أباحت، ~~سواء وجدت المظنة أو لم توجد، ومتى انتفت، لم يبح الأكل لوجود مظنتها بحال. ### | [فصل ليس للمضطر في سفر المعصية الأكل من الميتة] # فصل: قال أصحابنا: ليس للمضطر في سفر المعصية الأكل من الميتة، كقاطع ~~الطريق، والآبق؛ لقول الله تعالى {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} ~~[البقرة: 173] . قال مجاهد: غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم. وقال سعيد ~~بن # PageV09P416 # جبير: إذا خرج يقطع الطريق، فلا رخصة له، فإن تاب وأقلع عن معصيته، حل له ~~الأكل. # (7808) فصل: وهل للمضطر التزود من الميتة؟ على روايتين؛ أصحهما: له ذلك. ~~وهو قول مالك؛ لأنه لا ضرر في استصحابها، ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء ~~حاجته، ولا يأكل منها إلا عند ضرورته. والثانية: لا يجوز؛ لأنه توسع فيما ~~لم يبح إلا للضرورة، فإن استصحبها، فلقيه مضطر آخر، لم يجز له بيعها إياه؛ ~~لأنه إنما أبيح له منها ما يدفع به الضرورة، ولا ضرورة إلى البيع؛ ولأنه لا ~~يملكه، ويلزمه إعطاء الآخر بغير عوض، إذا لم يكن هو مضطرا في الحال إلى ما ~~معه؛ لأن ضرورة الذي لقيه موجودة، وحاملها يخاف الضرر في ثاني الحال. ### | [مسألة مر بثمرة فله أن يأكل منها ولا يحمل] # (7809) مسألة: قال: (ومن مر بثمرة، فله أن يأكل منها، ولا يحمل) هذا ~~يحتمل أنه أراد في حال الجوع والحاجة؛ لأنه ذكره عقيب مسألة المضطر. قال ~~أحمد: ms5262 إذا لم يكن عليها حائط، يأكل إذا كان جائعا، وإذا لم يكن جائعا، فلا ~~يأكل. وقال: قد فعله غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن ~~إذا كان عليه حائط، لم يأكل؛ لأنه قد صار شبه الحريم. # وقال في موضع: إنما الرخصة للمسافر. إلا أنه لم يعتبر هاهنا حقيقة ~~الاضطرار؛ لأن الاضطرار يبيح ما وراء الحائط. ورويت عنه الرخصة في الأكل من ~~غير المحوطة مطلقا، من غير اعتبار جوع ولا غيره. وروي عن أبي زينب التيمي، ~~قال: سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي بردة، فكانوا يمرون ~~بالثمار، فيأكلون في أفواههم. # وهو قول عمر وابن عباس وأبي بردة. قال عمر: يأكل، ولا يتخذ خبنة. وروي عن ~~أحمد أنه قال: يأكل مما تحت الشجر، وإذا لم يكن تحت الشجر فلا يأكل ثمار ~~الناس، وهو غني عنه. ولا يضرب بحجر، ولا يرمي؛ لأن هذا يفسد. وقد روي عن ~~رافع بن عمرو قال: كنت أرمي نخل الأنصار، فأخذوني، فذهبوا بي إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا رافع، لم ترمي نخلهم؟» . قلت: يا رسول ~~الله، الجوع. قال: «لا ترم، وكل ما وقع، أشبعك الله وأرواك» . أخرجه ~~الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح. # وقال أكثر الفقهاء: لا يباح الأكل في الضرورة؛ لما روى العرباض بن سارية ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا وإن الله لم يحل لكم أن ~~تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، إذا ~~أعطوكم الذي عليهم.» # PageV09P417 # أخرجه أبو داود. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن دماءكم، ~~وأموالكم، وأعراضكم، حرام، كحرمة يومكم هذا» . متفق عليه. # ولنا، ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، أنه سئل عن الثمر المعلق، فقال: «ما أصاب منه من ذي حاجة، غير متخذ ~~خبنة، فلا شيء عليه، ومن أخرج منه شيئا، فعليه غرامة مثليه والعقوبة» . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن. وروى أبو سعيد الخدري، عن ms5263 النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «إذا أتيت على حائط بستان فناد صاحب البستان ثلاثا، فإن ~~أجابك، وإلا فكل من غير أن تفسد» . # وروى سعيد، بإسناده عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مثله،. ولأنه قول من سمينا من الصحابة من غير مخالف، فيكون إجماعا. فإن ~~قيل: فقد أبى سعد أن يأكل؟ قلنا: امتناع سعد من أكله ليس بمخالف لهم؛ لأن ~~الإنسان قد يترك المباح غنى عنه، أو تورعا، أو تقذرا، كترك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أكل الضب. # فأما أحاديثهم، فهي مخصوصة بما رويناه من الحديث والإجماع، فإن كانت ~~محوطة، لم يجز الدخول إليها؛ لقول ابن عباس: إن كان عليها حائط فهو حريم، ~~فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط، فلا بأس. ولأن إحرازه بالحائط يدل على شح ~~صاحبه به، وعدم المسامحة فيه. # قال بعض أصحابنا: إذا كان عليه ناطور، فهو بمنزلة المحوط، في أنه لا يدخل ~~إليه، ولا يأكل منه إلا في الضرورة. ### | [فصل الأكل من زرع الغير] # (7810) فصل: وعن أحمد في الأكل من الزرع روايتان؛ إحداهما: قال لا: يأكل، ~~إنما رخص في الثمار، ليس الزرع. وقال: ما سمعنا في الزرع أن يمس منه. ووجهه ~~أن الثمار خلقها الله تعالى للأكل رطبة، والنفوس تتوق إليها، والزرع ~~بخلافها. والثانية: قال: يأكل من الفريك؛ لأن العادة جارية بأكله رطبا، ~~أشبه الثمر. وكذلك الحكم في الباقلا، والحمص، وشبهه مما يؤكل رطبا. # فأما الشعير، وما لم تجر العادة بأكله: فلا يجوز الأكل منه. والأولى في ~~الثمار وغيرها أن لا يأكل منها إلا بإذن؛ لما فيه من الخلاف والأخبار ~~الدالة على التحريم. ### | [فصل حكم حلب لبن ماشية الغير] # (7811) فصل: وعن أحمد في حلب لبن الماشية روايتان؛ # PageV09P418 # إحداهما: يجوز له أن يحلب، ويشرب، ولا يحمل؛ لما روى الحسن عن سمرة أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها ~~صاحبها، فليستأذنه، فإن أذن فليحلب، وليشرب، وإن لم يكن فيها، فليصوت ~~ثلاثا، فإن أجابه أحد، ms5264 فليستأذنه، وإن لم يجبه أحد، فليحلب، وليشرب، ولا ~~يحمل» . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند بعض أهل ~~العلم. # وبه يقول أحمد وإسحاق. والرواية الثانية: لا يجوز له أن يحلب ولا يشرب؛ ~~لما روى ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحلبن أحد ~~ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينقل ~~طعامه، فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا ~~بإذنه» . وفي لفظ: «فإن ما في ضروع مواشيهم مثل ما في مشاربهم» متفق عليه. ### | [مسألة اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه] # مسألة: قال: (ومن اضطر، فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه، أكل الميتة) ~~وبهذا قال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم. وقال مالك: إن كانوا يصدقونه أنه ~~مضطر، أكل من الزرع والثمر، وشرب اللبن، وإن خاف أن تقطع يده، أو لا يقبل ~~منه، أكل الميتة. ولأصحاب الشافعي وجهان؛ أحدهما: يأكل الطعام. # وهو قول عبد الله بن دينار؛ لأنه قادر على الطعام الحلال، فلم يجز له أكل ~~الميتة، كما لو بذله له صاحبه. ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه، ومال الآدمي ~~مجتهد فيه، والعدول إلى المنصوص عليه أولى؛ ولأن حقوق الله تعالى مبنية على ~~المسامحة والمساهلة وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق؛ ولأن حق الآدمي ~~تلزمه غرامته، وحق الله لا عوض له. # (7813) . فصل: إذا وجد المضطر من يطعمه ويسقيه، لم يحل له الامتناع من ~~الأكل والشرب، ولا العدول إلى أكل الميتة، إلا أن يخاف أن يسمه فيه، أو ~~يكون الطعام الذي يطعمه مما يضره، ويخاف أن يهلكه أو يمرضه. # (7814) . فصل: وإن وجد طعاما مع صاحبه، فامتنع من بذله له، أو بيعه منه، ~~ووجد ثمنه، لم يجز له مكابرته عليه، وأخذه منه، وعدل إلى الميتة، سواء كان ~~قويا يخاف من مكابرته التلف أو لم يخف، فإن بذله له بثمن مثله، وقدر على ~~الثمن، لم يحل له أكل الميتة؛ لأنه قادر على طعام حلال. وإن بذله بزيادة ms5265 ~~على ثمن المثل، لا يجحف بماله، لزمه شراؤه أيضا؛ لما ذكرناه، وإن كان عاجزا ~~عن الثمن، فهو في حكم العادم، وإن امتنع من بذله إلا # PageV09P419 # بأكثر من ثمن مثله، فاشتراه المضطر بذلك، لم يلزمه أكثر من ثمن مثله؛ لأن ~~الزيادة أحوج إلى بدلها بغير حق، فلم يلزمه، كالمكره. ### | [فصل وجد المحرم ميتة وصيدا] # (7815) فصل: وإن وجد المحرم ميتة وصيدا، أكل الميتة. وبه قال الحسن ومالك ~~وأبو حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي في أحد قوليه: يأكل الصيد، ويفديه. وهو ~~قول الشعبي؛ لأن الضرورة تبيحه، ومع القدرة عليه لا تحل الميتة؛ لغناه ~~عنها. ولنا أن إباحة الميتة منصوص عليها، وإباحة الصيد مجتهد فيها، وتقديم ~~المنصوص عليه أولى. فإن لم يجد ميتة، ذبح الصيد وأكله. نص عليه أحمد؛ لأنه ~~مضطر إليه عينا. # وقد قيل: إن في الصيد تحريمات ثلاثا؛ تحريم قتله، وأكله، وتحريم الميتة؛ ~~لأن ما ذبحه المحرم من الصيد يكون ميتة، فقد ساوى الميتة في هذا، وفضل ~~عليها بتحريم القتل والأكل، ولكن يقال على هذا: إن الشارع إذا أباح له ~~ذبحه، لم يصر ميتة. ولهذا لو لم يجد الميتة فذبحه، كان ذكيا طاهرا، وليس ~~بنجس ولا ميتة؛ ولهذا يتعين عليه ذبحه في حل الذبح، وتعتبر شروط الذكاة ~~فيه، ولا يجوز قتله، ولو كان ميتة لم يتعين ذلك عليه. # (7816) فصل: وإذا ذبح المحرم الصيد عند الضرورة، جاز له أن يشبع منه؛ ~~لأنه لحم ذكي لا حق فيه لآدمي سواه، فأبيح له الشبع منه، كما لو ذبحه حلال ~~من أجله. # (7817) فصل: فإن لم يجد المضطر شيئا، لم يبح له أكل بعض أعضائه. # وقال بعض أصحاب الشافعي: له ذلك؛ لأن له أن يحفظ الجملة بقطع عضو، كما لو ~~وقعت فيه الأكلة. ولنا أن أكله من نفسه ربما قتله، فيكون قاتلا لنفسه، ولا ~~يتيقن حصول البقاء بأكله. أما قطع الأكلة: فإنه يخاف الهلاك بذلك العضو، ~~فأبيح له إبعاده، ودفع ضرره المتوجه منه بتركه، كما أبيح قتل الصائل عليه ~~ولم يبح له قتله ليأكله. ### | [فصل لم يجد المضطر ms5266 إلا آدميا محقون الدم] # (7818) فصل: وإن لم يجد إلا آدميا محقون الدم، لم يبح له قتله إجماعا، ~~ولا إتلاف عضو منه، مسلما كان أو كافرا؛ لأنه مثله، فلا يجوز أن يبقي نفسه ~~بإتلافه. وهذا لا خلاف فيه. وإن كان مباح الدم، كالحربي والمرتد، فذكر # PageV09P420 # القاضي أن له قتله وأكله؛ لأن قتله مباح. وهكذا قال أصحاب الشافعي؛ لأنه ~~لا حرمة له، فهو بمنزلة السباع. # وإن وجده ميتا، أبيح أكله؛ لأن أكله مباح بعد قتله، فكذلك بعد موته. وإن ~~وجد معصوما ميتا، لم يبح أكله. في قول أصحابنا. وقال الشافعي، وبعض ~~الحنفية: يباح. وهو أولى؛ لأن حرمة الحي أعظم. وقال أبو بكر بن داود: أباح ~~الشافعي أكل لحوم الأنبياء. # واحتج أصحابنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كسر عظم الميت، ككسر ~~عظم الحي» . واختار أبو الخطاب أن له أكله. وقال: لا حجة في الحديث هاهنا؛ ~~لأن الأكل من اللحم لا من العظم، والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة، ~~لا في مقدارها؛ بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص ووجوب صيانة الحي بما لا ~~يجب به صيانة الميت. ### | [مسألة لم يصب إلا طعاما لم يبعه مالكه المضطر] # (7819) مسألة: قال: (فإن لم يصب إلا طعاما لم يبعه مالكه، أخذه قهرا ~~ليحيي به نفسه، وأعطاه ثمنه، إلا أن يكون بصاحبه مثل ضرورته) . # وجملته أنه إذا اضطر، فلم يجد إلا طعاما لغيره، نظرنا؛ فإن كان صاحبه ~~مضطرا إليه، فهو أحق به، ولم يجز لأحد أخذه منه؛ لأنه ساواه في الضرورة، ~~وانفرد بالملك، فأشبه غير حال الضرورة، وإن أخذه منه أحد فمات، لزمه ضمانه؛ ~~لأنه قتله بغير حق، وإن لم يكن صاحبه مضطرا إليه، لزمه بذله للمضطر؛ لأنه ~~يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم، فلزمه بذله له، كما يلزمه بذل منافعه في ~~إنجائه من الغرق والحريق، فإن لم يفعل فللمضطر أخذه منه؛ لأنه مستحق له دون ~~مالكه، فجاز له أخذه، كغير ماله، فإن احتيج في ذلك إلى قتال، فله المقاتلة ~~عليه، فإن قتل المضطر فهو شهيد، وعلى قاتله ضمانه، ms5267 وإن آل أخذه إلى قتل ~~صاحبه، فهو هدر؛ لأنه ظالم بقتاله، فأشبه الصائل، إلا أن يمكن أخذه بشراء ~~أو استرضاء، فليس له المقاتلة عليه، لإمكان الوصول إليه دونها، فإن لم يبعه ~~إلا بأكثر من ثمن مثله، فذكر القاضي أن له قتاله. # والأولى أن لا يجوز له ذلك؛ لإمكان الوصول إليه بدونها. وإن اشتراه بأكثر ~~من ثمن مثله، لم يلزمه إلا ثمن مثله؛ لأنه صار مستحقا له بقيمته، ويلزمه ~~عوضه في كل موضع أخذه، فإن كان معه في الحال، وإلا لزمه في ذمته. # ولا يباح للمضطر من مال أخيه، إلا ما يباح من الميتة. قال أبو هريرة: ~~قلنا: يا رسول الله، ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه؟ قال: «يأكل ~~ولا يحمل، ويشرب ولا يحمل.» ### | [فصل اشتدت المخمصة في سنة المجاعة] # (7820) فصل: وإذا اشتدت المخمصة في سنة المجاعة، وأصابت الضرورة خلقا ~~كثيرا، أو كان عند بعض الناس قدر # PageV09P421 # كفايته وكفاية عياله، لم يلزمه بذله للمضطرين، وليس لهم أخذه منه؛ لأن ~~ذلك يفضي إلى وقوع الضرورة به، ولا يدفعها عنهم. # وكذلك إن كانوا في سفر ومعه قدر كفايته من غير فضلة، لم يلزمه بذل ما معه ~~للمضطرين. ولم يفرق أصحابنا بين هذه الحال وبين كونه لا يتضرر بدفع ما معه ~~إليهم، في أن ذلك واجب عليه؛ لكونه غير مضطر في الحال، والآخر مضطر، فوجب ~~تقديم حاجة المضطر. # ولنا أن هذا مفض به إلى هلاك نفسه، وهلاك عياله، فلم يلزمه، كما لو أمكنه ~~إنجاء الغريق بتغريق نفسه. ولأن في بذله إلقاء بيده إلى التهلكة، وقد نهى ~~الله عن ذلك. ### | [مسألة لا بأس بأكل الضب والضبع للمضطر] # (7821) مسألة؛ قال: (ولا بأس بأكل الضب والضبع) أما الضب: فإنه مباح في ~~قول أكثر أهل العلم؛ منهم عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو سعيد، وأصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم قال أبو سعيد: كنا معشر أصحاب ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - لأن يهدى إلى أحدنا ضب أحب إليه من دجاجة. ~~وقال ms5268 عمر: ما يسرني أن مكان كل ضب دجاجة سمينة، ولوددت أن في كل جحر ضب ~~ضبين. وبهذا قال مالك والليث والشافعي وابن المنذر. # وقال أبو حنيفة: هو حرام. وبهذا قال الثوري؛ لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه نهى عن أكل لحم الضب. وروي نحوه عن علي؛ ولأنه ينهش، فأشبه ~~ابن عرس. # ولنا ما روى ابن عباس قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ، فقيل: هو ضب يا رسول الله. ~~فرفع يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، ~~فأجدني أعافه» . قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ينظر. متفق عليه. # قال ابن عباس: ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الضب تقذرا، وأكل ~~على مائدته، ولو كان حراما ما أكل على مائدة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. وقال عمر: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لم يحرم الضب، ~~ولكنه قذره» ، ولو كان عندي لأكلته. ولأن الأصل الحل، ولم يوجد المحرم، ~~فبقي على الإباحة، ولم يثبت فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهي ولا ~~تحريم؛ ولأن الإباحة قول من سمينا من الصحابة، ولم يثبت عنهم خلافه، فيكون ~~إجماعا. # (7822) فصل: فأما الضبع: فرويت الرخصة فيها عن سعد وابن عمر وأبي هريرة ~~وعروة بن الزبير وعكرمة وإسحاق. وقال عروة: مازالت العرب تأكل الضبع ولا ~~ترى بأكلها بأسا. # PageV09P422 # وقال أبو حنيفة والثوري ومالك: هو حرام. # وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب؛ لأنها من السباع، وقد نهى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع. وهي من السباع، فتدخل في ~~عموم النهي. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الضبع، فقال: ~~«ومن يأكل الضبع؟» . ولنا ما روى جابر، قال: أمرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بأكل الضبع. قلت: صيد هي؟ قال: «نعم» . احتج به أحمد. # وفي لفظ قال: سألت رسول ms5269 الله - صلى الله عليه وسلم - عن الضبع. فقال: «هو ~~صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم» . رواه أبو داود. قال ابن عبد البر: ~~هذا لا يعارض حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع؛ لأنه أقوى منه. قلنا: هذا ~~تخصيص لا معارض، ولا يعتبر في التخصيص كون المخصص في رتبة المخصص؛ بدليل ~~تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد. # فأما الخبر الذي فيه: " ومن يأكل الضبع؟ " فحديث طويل، يرويه عبد الكريم ~~بن أبي المخارق، ينفرد به، وهو متروك الحديث. ولأن الضبع قد قيل: إنها ليس ~~لها ناب. وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفحة نعل الفرس. فعلى ~~هذا لا تدخل في عموم النهي والله أعلم. ### | [مسألة حكم أكل الترياق] # (7823) مسألة؛ قال: (ولا يؤكل الترياق؛ لأنه يقع فيه لحوم الحيات) ~~الترياق: دواء يتعالج به من السم، ويجعل فيه من لحوم الحيات، فلا يباح أكله ~~ولا شربه؛ لأن لحم الحية حرام. وممن كرهه الحسن، وابن سيرين. ورخص فيه ~~الشعبي، ومالك؛ لأنه يرى إباحة لحوم الحيات. ويقتضيه مذهب الشافعي؛ لإباحته ~~التداوي ببعض المحرمات. # ولنا أن لحم الحيات حرام، بما قد ذكرناه فيما مضى. ولا يجوز التداوي ~~بمحرم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي ~~فيما حرم عليها.» ### | [فصل التداوي بمحرم] # (7824) فصل: ولا يجوز التداوي بمحرم، ولا بشيء فيه محرم، مثل ألبان ~~الأتن، ولحم شيء من المحرمات، ولا شرب # PageV09P423 # الخمر للتداوي به؛ لما ذكرنا من الخبر؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ذكر له النبيذ يصنع للدواء فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء» . ### | [فصل حكم أكل الأطعمة التي فيها الدود والسوس] # (7825) فصل: ويجوز أكل الأطعمة التي فيها الدود والسوس، كالفواكه، ~~والقثاء، والخيار، والبطيخ، والحبوب، والخل إذا لم تقذره نفسه، وطابت به؛ ~~لأن التحرز من ذلك يشق. ويجوز أكل العسل بقشه وفيه فراخ؛ لذلك، وإن نقاه ~~فحسن، فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أتي بتمر عتيق، فجعل ~~يفتشه، ويخرج السوس منه، وينقيه. وهذا أحسن. ### | [مسألة لا يؤكل ms5270 الصيد إذا رمي بسهم مسموم] # (7826) مسألة؛ قال: (ولا يؤكل الصيد إذا رمي بسهم مسموم إذا علم أن السم ~~أعان على قتله) إنما كان كذلك؛ لأن ما قتله السم محرم، وما قتله السهم وحده ~~مباح، فإذا مات بسبب مبيح ومحرم، حرم، كما لو مات برمية مسلم ومجوسي، أو ~~قتل الصيد كلب معلم وغيره، أو وجد مع كلبه كلبا لا يعرف، أو رمى صيدا بسهم، ~~فوجده غريقا في الماء، أو تردى من جبل، أو وطئ عليه شيء. فإن علم أن السم ~~لم يعن على قتله؛ لكون السهم أوحى منه، فهو مباح، لانتفاء المحرم. ### | [مسألة حكم ما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر] # (7827) مسألة: قال: (وما كان مأواه البحر، وهو يعيش في البر، لم يؤكل إذا ~~مات في بر أو بحر) كل ما يعيش في البر من دواب البحر، لا يحل بغير ذكاة، ~~كطير الماء، والسلحفاة، وكلب الماء، إلا ما لا دم فيه، كالسرطان، فإنه يباح ~~بغير ذكاة. # قال أحمد: السرطان لا بأس به. قيل له: يذبح؟ قال: لا. وذلك لأن مقصود ~~الذبح إنما هو إخراج الدم منه، وتطييب اللحم بإزالته عنه، فما لا دم فيه، ~~لا حاجة إلى ذبحه. وأما سائر ما ذكرنا، فلا يحل إلا أن يذبح. قال أحمد: كلب ~~الماء يذبحه، ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح، والرق يذبحه. وقال قوم: يحل ~~من غير ذكاة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في البحر «هو الطهور ماؤه، ~~الحل ميتته» . # ولأنه من حيوان البحر، فأبيح بغير ذكاة كالسمك والسرطان. وقال أبو بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - كل ما في البحر قد ذكاه الله تعالى لكم. وروى ~~الإمام أحمد، بإسناده عن شريح رجل أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال ~~«كل شيء في البحر مذبوح.» وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إن الله ذبح كل شيء في البحر لابن آدم» . # PageV09P424 # ولنا أنه حيوان يعيش في البر، له نفس سائلة، فلم يبح بغير ذبح، كالطير، ~~ولا خلاف في الطير فيما ms5271 علمناه، والأخبار محمولة على ما لا يعيش إلا في ~~البحر، كالسمك وشبهه؛ لأنه لا يتمكن من تذكيته؛ لأنه لا يذبح إلا بعد ~~إخراجه من الماء، وإذا خرج مات. ### | [فصل حكم أكل ما لا يعيش إلا في الماء] # (7828) فصل: فأما ما لا يعيش إلا في الماء، كالسمك وشبهه، فإنه يباح بغير ~~ذكاة. لا نعلم في هذا خلافا؛ لما ذكرنا من الأخبار. وقد روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك ~~والجراد» . وقد صح أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوا على ساحل البحر دابة، يقال ~~لها العنبر، ميتة، فأكلوا منها شهرا حتى سمنوا، وادهنوا، فلما قدموا على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبروه، فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل ~~معكم من لحمه شيء تطعمونا» . متفق عليه. # (7829) فصل: وكل صيد البحر مباح، إلا الضفدع. وهذا قول الشافعي. وقال ~~الشعبي: لو أكل أهلي الضفادع لأطعمتهم. وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله ~~عنه - أنه قال: في كل ما في البحر قد ذكاه الله لكم. وعموم قوله تعالى {أحل ~~لكم صيد البحر وطعامه} [المائدة: 96] . يدل على إباحة جميع صيده. # وروى عطاء وعمرو بن دينار أنهما بلغهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «إن الله ذبح كل شيء في البحر لابن آدم» . فأما الضفدع: فإن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتله. رواه النسائي. فيدل ذلك على تحريمه، ~~فأما التمساح: فقد نقل عنه ما يدل على أنه لا يؤكل. # وقال الأوزاعي: لا بأس به لمن اشتهاه. وقال ابن حامد: لا يؤكل التمساح ~~ولا الكوسج؛ لأنهما يأكلان الناس. وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره: أنه ~~قال: كانوا يكرهون سباع البحر، كما يكرهون سباع البر. # وذلك لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كل ذي ناب من السباع. وقال ~~أبو علي النجاد: ما حرم نظيره في البر، فهو حرام في البحر، ككلب الماء ~~وخنزيره وإنسانه. وهو قول الليث، إلا في كلب الماء، فإنه يرى إباحة كلب ~~البر ms5272 والبحر. وقال أبو حنيفة: لا يباح إلا السمك. قال مالك: كل ما في البحر ~~مباح؛ لعموم قوله تعالى {أحل لكم صيد البحر وطعامه} [المائدة: 96] ### | [فصل حكم أكل كلب الماء] # (7830) فصل: وكلب الماء مباح، وركب الحسن بن علي - رضي الله عنه - سرجا ~~عليه جلد من جلود كلاب الماء. وهذا قول مالك والشافعي والليث. ويقتضيه قول ~~الشعبي والأوزاعي. ولا يباح عند أبي حنيفة. وهو قول أبي علي النجاد، وبعض ~~أصحاب الشافعي. # PageV09P425 # ولنا عموم الآية والخبر. # قال عبد الله: سألت أبي عن كلب الماء، فقال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن ~~جريج، عن عمرو بن دينار، وأبي الزبير، سمعا شريحا - رجل أدرك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «كل شيء في البحر فهو مذبوح» . قال: فذكرت ذلك ~~لعطاء، فقال: أما الطير فنذبحه. # وقال أبو عبد الله: كلب الماء نذبحه. # (7831) فصل: قيل لأبي عبد الله: يكره الجري؟ قال: لا والله، وكيف لنا ~~بالجري؟ ورخص فيه علي والحسن ومالك والشافعي وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وسائر ~~أهل العلم. وقال ابن عباس الجري لا تأكله اليهود. ووافقهم الرافضة، ~~ومخالفتهم صواب. ### | [فصل حكم أكل السمكة توجد في بطن سمكة أخرى] # (7832) فصل: وعن أحمد في السمكة توجد في بطن سمكة أخرى، أو حوصلة طائر، ~~أو يوجد في حوصلته جراد، فقال في موضع: كل شيء أكل مرة لا يؤكل. وقال في ~~موضع: الطافي أشد من هذا، وقد رخص فيه أبو بكر - رضي الله عنه -. وهذا هو ~~الصحيح. . # وهو مذهب الشافعي فيما في بطن السمكة، دون ما في حوصلة الطائر؛ لأنه ~~كالرجيع، ورجيع الطائر عنده نجس. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أحلت لنا ميتتان ودمان» . ولأنه حيوان طاهر في محل طاهر، لا تعتبر له ~~ذكاة، فأبيح، كالطافي في السمك. وهكذا يخرج في الشعير يوجد في بعر الجمل، ~~أو خثي الجواميس، ونحوها. ### | [مسألة وقعت النجاسة في مائع] # (7833) مسألة؛ قال: (وإذا وقعت النجاسة في مائع، كالدهن وما أشبهه، نجس، ~~واستصبح به إن أحب، ولم يحل أكله ولا ثمنه) ظاهر هذا أن ms5273 النجاسة إذا وقعت ~~في مائع غير الماء، نجسته وإن كثر. وهذا ظاهر المذهب. وعن أحمد، رواية ~~أخرى، أنه لا ينجس إذا كثر. # قال حرب: سألت أحمد عن كلب ولغ في سمن أو زيت؟ قال: إذا كان في آنية ~~كبيرة، مثل حب أو نحوه، رجوت أن لا يكون به بأس، يؤكل، وإذا كان في آنية ~~صغيرة، # PageV09P426 # فلا يعجبني أن يؤكل. وسئل عن كلب وقع في خل أكثر من قلتين، فخرج منه وهو ~~حي؟ فقال: هذا أسهل من أنه لو مات. وعنه، رواية ثالثة: ما أصله الماء كالخل ~~التمري، يدفع النجاسة عن نفسه إذا كثر، وما ليس أصله الماء، لا يدفع عن ~~نفسه. # قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: فإن وقعت النجاسة في خل أو دبس؟ فقال: ~~أما الخل فأصله الماء، يعود إلى أن يكون ماء إذا حمل عليه. وقال ابن مسعود، ~~في فأرة وقعت في سمن: إنما حرم من الميتة لحمها ودمها. ولنا ما روى أبو ~~هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه سئل عن فأرة ~~وقعت في سمن؟ فقال: إن كان جامدا فخذوها وما حولها، فألقوه، وإن كان مائعا، ~~فلا تقربوه» . # ولأن غير الماء ليس بطهور، فلا يدفع النجاسة عن نفسه، وحكم الجامد قد ~~ذكرناه فيما تقدم. واختلفت الرواية في الاستصباح بالزيت النجس، فأكثر ~~الروايات إباحته؛ لأن ابن عمر أمر أن يستصبح به. ويجوز أن تطلى به سفينة. ~~وهذا قول الشافعي. # وعن أحمد، لا يجوز الاستصباح به. وهو قول ابن المنذر؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سئل عن شحوم الميتة تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ~~ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام» . وهذا في معناه. ولنا أنه زيت ~~أمكن الانتفاع به من غير ضرر، فجاز، كالطاهر. # وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في العجين الذي عجن بماء من ~~آبار ثمود، أنه نهاهم عن أكله، وأمرهم أن يعلفوه النواضح. وهذا الزيت ليس ~~بميتة، ولا هو من شحومها، فيتناوله الخبر. # PageV09P427 # إذا ثبت هذا، فإنه ms5274 يستصبح به على وجه لا يمسه، ولا تتعدى نجاسته إليه؛ ~~إما أن يجعل الزيت في إبريق له بلبلة، ويصب منه في المصباح، ولا يمسه، وإما ~~أن يدع على رأس الجرة التي فيها الزيت سراجا مثقوبا، أو قنديلا فيه ثقب، ~~ويطينه على رأس إناء الزيت، أو يشمعه، وكلما نقص زيت السراج صب فيه ماء، ~~بحيث يرتفع الزيت، فيملأ السراج، وما أشبه هذا، ولم ير أبو عبد الله أن ~~تدهن بها الجلود، وقال: يجعل منه الأسقية والقرب. # ونقل عن عمر أنه تدهن به الجلود. وعجب أحمد من هذا، وقال: إن في هذا ~~لعجبا، شيء يلبس يطيب بشيء فيه ميتة، فعلى قول أحمد، كل انتفاع يفضي إلى ~~تنجيس إنسان لا يجوز، وإن لم يفض إلى ذلك جاز. فأما أكله: فلا إشكال في ~~تحريمه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقربوه» . # ولأن النجس خبيث، وقد حرم الله الخبائث. وأما بيعه، فظاهر كلام أحمد - ~~رحمه الله - تحريمه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حرم الله ~~شيئا، حرم ثمنه» . وقال أبو موسى: لتوه بالسويق وبيعوه، ولا تبيعوه من ~~مسلم، وبينوه. # وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية، أنه يباع لكافر بشرط أن يعلم بنجاسته؛ ~~لأن الكفار يعتقدون حله، ويستبيحون أكله. ولنا قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها، وأكلوا ~~أثمانها، إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه» . متفق عليه. # وكونهم يعتقدون حله، لا يجوز لنا بيعه لهم كالخمر والخنزير. ### | [فصل حكم شحوم الميتة وشحم الخنزير] # (7834) فصل: فأما شحوم الميتة، وشحم الخنزير، فلا يجوز الانتفاع به ~~باستصباح ولا غيره، ولا أن تطلى به السفن ولا الجلود؛ لما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله حرم الميتة والخنزير والأصنام. ~~قالوا: يا رسول الله، شحوم الميتة تطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود ~~ويستصبح الناس؟ قال: لا، هي حرام» . متفق عليه (7835) . # فصل: إذا استصبح بالزيت النجس، فدخانه نجس؛ لأنه جزء يستحيل منه، ~~والاستحالة لا تطهر. فإن علق، ms5275 بشيء، وكان يسيرا، عفي عنه؛ لأنه لا يمكن ~~التحرز منه، فأشبه دم البراغيث، وإن كان كثيرا، لم يعف عنه. # PageV09P428 ### | [فصل خباز خبز خبزا فباع منه ثم نظر في الماء الذي عجن منه فإذا فيه فأرة] # فصل: سئل أحمد عن خباز خبز خبزا، فباع منه، ثم نظر في الماء الذي عجن ~~منه، فإذا فيه فأرة؟ فقال: لا يبيع الخبز من أحد، وإن باعه استرده، فإن لم ~~يعرف صاحبه، تصدق بثمنه، ويطعمه من الدواب ما لا يؤكل لحمه، ولا يطعم ما ~~يؤكل، إلا أن يكون إذا أطعمه لم يذبح حتى يكون له ثلاثة أيام. على معنى ~~الجلالة. قيل له: أليس قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنتفعوا من ~~الميتة؟» . قال: ليس هذا بمنزلة الميت، إنما اشتبه عليه. قيل له: فهو ~~بمنزلة كسب الحجام، يطعم الناضح والرقيق؟ قال: هذا أشد عندي، لا يطعم ~~الرقيق، لكن يعلفه البهائم. قيل له: أين الحجة؟ قال: حدثنا عبد الصمد، عن ~~صخر، عن نافع، عن ابن عمر، أن قوما اختبزوا من آبار الذين مسخوا، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أطعموه النواضح» . # (7837) فصل: قال أحمد: لا أرى أن يطعم كلبه المعلم الميتة، ولا الطير ~~المعلم؛ لأنه يضريه على الميتة، فإن أكل الكلب، فلا أرى صاحبه حرجا. # ولعل أحمد كره أن يكون الكلب المعلم إذا صاد وقتل أكل منه، لتضريته ~~بإطعامه الميتة. ولم يكره مالك إطعام كلبه وطيره الميتة؛ لأنه غير مأكول، ~~إذا كان لا يشرب في إنائه. ### | [فصل أكره على أكل الطين] # (7838) فصل: قال أحمد: أكره أكل الطين، ولا يصح فيه حديث، إلا أنه يضر ~~بالبدن، ويقال: إنه رديء، وتركه خير من أكله. وإنما كرهه أحمد لأجل مضرته. ~~فإن كان منه ما يتداوى به كالطين، الأرمني، فلا يكره، وإن كان مما لا مضرة ~~فيه ولا نفع، كالشيء اليسير، جاز أكله؛ لأن الأصل الإباحة، والمعنى الذي ~~لأجله كره ما يضر، وهو منتف هاهنا، فلم يكره. ### | [فصل حكم أكل البصل والثوم والكراث والفجل] # (7839) فصل: ويكره أكل البصل، والثوم والكراث، ms5276 والفجل، وكل ذي رائحة ~~كريهة، من أجل رائحته، سواء أراد دخول المسجد أو لم يرد؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس» رواه ابن ~~ماجه. # وإن أكله لم يقرب من المسجد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أكل ~~من هاتين # PageV09P429 # الشجرتين، فلا يقربن مصلانا» . وفي رواية: «فلا يقربنا في مساجدنا» . ~~رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # وليس أكلها محرما؛ لما روى أبو أيوب «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث إليه بطعام لم يأكل منه النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فيه الثوم. فقال: يا رسول الله، أحرام ~~هو؟ قال: لا، ولكنني أكرهه من أجل ريحه» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ~~وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي: «كل الثوم، فلولا أن ~~الملك يأتيني لأكلته» . # وإنما منع أكلها لئلا يؤذي الناس برائحته؛ ولذلك نهي عن قربان المساجد، ~~فإن أتى المساجد كره له ذلك، ولم يحرم عليه؛ لما روى المغيرة بن شعبة، قال: ~~«أكلت ثوما، وأتيت مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سبقت بركعة، ~~فلما دخلت المسجد، وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ريح الثوم، فلما ~~قضى صلاته، قال: من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا حتى يذهب ريحها. فجئت، ~~فقلت: يا رسول الله: لتعطني يدك. قال: فأدخلت يده في كم قميصي إلى صدري، ~~فإذا أنا معصوب الصدر، فقال: إن لك عذرا» . رواه أبو داود. # وقد روي عن أحمد، أنه يأثم؛ لأن ظاهر النهي التحريم، ولأن أذى المسلمين ~~حرام وهذا فيه أذاهم. ### | [فصل حكم أكل الغدة وأذن القلب] # فصل: ويكره أكل الغدة، وأذن القلب؛ لما روي عن مجاهد، قال: كره رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من الشاة ستا. وذكر هذين. ولأن النفس تعافهما ~~وتستخبثهما، ولا أظن أحمد كرههما إلا لذلك، لا للخبر؛ لأنه قال فيه: هذا ~~حديث منكر. ولأن في الخبر ذكر الطحال. وقد قال أحمد: لا ms5277 بأس به، ولا أكره ~~منه شيئا. # (7841) فصل: وقيل لأبي عبد الله الجبن؟ قال: يؤكل من كل. # وسئل عن الجبن الذي يصنعه المجوس؟ فقال ما أدري، إلا أن أصح حديث فيه ~~حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، قال: سئل عمر عن الجبن، وقيل ~~له: يعمل فيه الإنفحة الميتة. فقال: سموا أنتم، وكلوا. رواه أبو معاوية، عن ~~الأعمش. وقال أليس الجبن الذي نأكله عامته يصنعه المجوس؟ . # PageV09P430 # (7842) فصل: ولا يجوز أن يشتري الجوز الذي يتقامر به الصبيان، ولا البيض ~~الذي يتقامرون به يوم العيد؛ لأنهم يأخذونه بغير حق. ### | [فصل الضيافة حق على كل المسلمين بعضهم بعضا] # (7843) فصل: قال أحمد: والضيافة على كل المسلمين، كل من نزل عليه ضيف كان ~~عليه أن يضيفه. قيل إن ضاف الرجل ضيف كافر يضيفه؟ قال: قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم» . وهذا الحديث بين، ~~ولما أضاف المشرك دل على أن المسلم والمشرك يضاف، وأنا أراه كذلك. والضيافة ~~معناها معنى صدقة التطوع على المسلم والكافر. # واليوم والليلة حق واجب. وقال الشافعي: ذلك مستحب، وليس بواجب؛ لأنه غير ~~مضطر إلى طعامه، فلم يجب عليه بذله، كما لو لم يضفه. ولنا ما روى المقدام ~~أبو كريمة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليلة الضيف حق ~~واجب، فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك» . حديث ~~صحيح. # وفي لفظ: «أيما رجل ضاف قوما، فأصبح الضيف محروما، فإن نصره على كل مسلم ~~حق، يأخذ بحقه من زرعه وماله» . رواه أبو داود. والواجب يوم وليلة، والكمال ~~ثلاثة أيام؛ لما روى أبو شريح الخزاعي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، ولا يحل لمسلم أن يقيم ~~عند أخيه حتى يؤثمه. قالوا: يا رسول الله، كيف يؤثمه؟ قال: يقيم عنده وليس ~~عنده ما يقريه» . متفق عليه. # قال أحمد: جائزته يوم وليلة " كأنه أوكد من سائر الثلاثة، ولم يرد يوما ~~وليلة سوى الثلاثة؛ لأنه ms5278 يصير أربعة أيام، وقد قال: " وما زاد على الثلاثة، ~~فهو صدقة ". فإن امتنع من إضافته، فللضيف بقدر ضيافته. قال أحمد: له أن ~~يطالبهم بحقه الذي جعله له النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يأخذ شيئا إلا ~~بعلم أهله. وعنه، رواية أخرى، أن له أن يأخذ ما يكفيه بغير إذنهم؛ لما روى ~~عقبة بن عامر، قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا، فننزل بقوم لا ~~يقروننا. قال: «إذا نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، فإن ~~لم يفعلوا، فخذوا منهم حق # PageV09P431 # الضيف الذي ينبغي لهم» . متفق عليه. # وقال أحمد، في تفسير قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فله أن يعقبهم ~~بمثل قراه» . يعني أن يأخذ من أرضهم وزرعهم وضرعهم بقدر ما يكفيه، بغير ~~إذنهم. وعن أحمد، رواية أخرى، أن الضيافة على أهل القرى دون أهل الأمصار. # قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الضيافة، أي شيء تذهب فيها؟ قال ~~هي مؤكدة، وكأنها على أهل الطرق والقرى الذين يمر بهم الناس أوكد، فأما ~~مثلنا الآن، فكأنه ليس مثل أولئك. ### | [فصل تكره الخبز الكبار] # (7844) فصل: قال المروذي: سألت أبا عبد الله، قلت: تكره الخبز الكبار؟ ~~قال: نعم، أكرهه، ليس فيه بركة، إنما البركة في الصغار. وقال: مرهم أن لا ~~يخبزوا كبارا. قال: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده، وإن كان ~~على وضوء. # وقال مهنا: ذكرت ليحيى بن معين حديث قيس بن الربيع، عن أبي هاشم، عن ~~زاذان، عن سلمان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بركة الطعام ~~الوضوء قبله وبعده» . فقال لي يحيى: ما أحسن الوضوء قبله وبعده. وذكرت ~~الحديث لأحمد فقال: ما حدث بهذا إلا قيس بن الربيع، وهو منكر الحديث. قلت: ~~بلغني عن يحيى بن سعيد قال: كان سفيان يكره غسل اليد عند الطعام، لم كره ~~سفيان ذلك؟ قال: لأنه من زي العجم. قلت: بلغني عن يحيى بن سعيد، قال: كان ~~سفيان يكره أن يكون تحت القصعة الرغيف، لم كرهه سفيان؟ قال: كره أن يستعمل ms5279 ~~الطعام. قلت: تكرهه أنت؟ قال: نعم. # وروي عن عقيل، قال: حضرت مع ابن شهاب وليمة، ففرشوا المائدة بالخبز، ~~فقال: لا تتخذوا الخبز بساطا. # وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن أبا معمر قال: إن أبا أسامة قدم ~~إليهم خبزا، فكسره. # قال: هذا لئلا تعرفوا كم تأكلون. وقيل لأبي عبد الله: يكره الأكل متكئا؟ ~~قال: أليس قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا آكل متكئا» . رواه أبو ~~داود. وعن شعيب بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، قال: «ما رئي رسول الله يأكل ~~متكئا قط» . رواه أبو داود. وعن ابن عمر قال: «نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يأكل الرجل وهو منبطح» رواه أبو داود. ### | [فصل التسمية عند الطعام] # (7845) فصل: وتستحب التسمية عند الطعام، وحمد الله عند آخره؛ لما روى عمر ~~بن أبي مسلمة، قال: أكلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فجالت يدي في ~~القصعة، فقال: «سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» . # PageV09P432 # قال فمازالت أكلتي بعد. رواه ابن ماجه بمعناه، وأبو داود. # وروى الإمام أحمد، بإسناده عن أبي هريرة، قال: لا أعلمه إلا عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «للطاعم الشاكر مثل ما للصائم الصابر» . قال ~~أحمد: معناه إذا أكل وشرب، يشكر الله ويحمده على ما رزقه. # وعن عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أكل أحدكم ~~فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله، فليقل: باسم الله أوله ~~وآخره» . رواه أبو داود. وعن معاذ بن أنس، عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «من أكل طعاما، فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا، ورزقنيه، من ~~غير حول مني ولا قوة. غفر له ما تقدم من ذنبه» . وعن أبي سعيد، قال: «كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أكل طعاما قال: الحمد لله الذي أطعمنا، ~~وسقانا، وجعلنا مسلمين» . وعن أبي أمامة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان إذا رفع طعامه، أو ما بين يديه، قال: الحمد لله حمدا ms5280 كثيرا مباركا ~~فيه، غير مكفي، ولا مودع» . رواهن ابن ماجه # (7846) فصل: ويأكل بيمينه، ويشرب بها؛ لما روى ابن عمر، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب ~~بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» . رواه مسلم، وأبو داود، ~~وابن ماجه. # ويستحب الأكل بثلاث أصابع؛ لما روى كعب بن مالك، قال: كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يأكل بثلاث أصابع، ولا يمسح يده حتى يلعقها. رواه ~~الإمام أحمد. وذكر له حديث ترويه ابنة الزهري، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يأكل بكفه كلها، فلم يصححه، ولم ير إلا ثلاث أصابع. وروي عن ~~أحمد أنه أكل خبيصا بكفه كلها. # وروي عن عبد الله بن بريدة، أنه كان ينهى بناته أن يأكلن بثلاث أصابع، ~~وقال: لا تشبهن بالرجال. ### | [فصل حكم قطع اللحم بالسكين] # (7847) فصل: قال مهنا: سألت أحمد، عن حديث عائشة، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا تقطعوا اللحم بالسكين؛ فإن ذلك صنيع الأعاجم» . فقال: ~~ليس بصحيح، لا نعرف هذا. وقال: حديث عمرو بن أمية الضمري خلاف هذا، كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتز من لحم الشاة، فقام إلى الصلاة، وطرح ~~السكين. # وحديث مسعر، عن جامع بن شداد، عن المغيرة اليشكري، عن المغيرة بن شعبة: ~~«ضفت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فأمر # PageV09P433 # بجنب فشوي، ثم أخذ الشفرة، فجعل يحز، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى ~~الشفرة» . قال: وسألت أحمد، عن حديث أبي جحيفة، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «اكفف جشاءك يا أبا جحيفة، فإن أكثركم شبعا اليوم أكثركم ~~جوعا يوم القيامة» . فقال هو ويحيى جميعا: ليس بصحيح. # (7848) فصل: وروي عن ابن عباس قال: «لم يكن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ينفخ في طعام ولا شراب، ولا يتنفس في الإناء» . وعن أنس، قال: «ما ~~أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - على خوان ولا في سكرجة. قال قتادة: فعلام ~~كانوا يأكلون؟ قال: على السفر» . وعن عائشة «، أن ms5281 النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى أن يقام على الطعام حتى يرفع» . وعن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله: - صلى الله عليه وسلم - «إذا وضعت المائدة، فلا يقم رجل حتى ترفع ~~المائدة، ولا يرفع يده وإن شبع حتى يفرغ القوم، وليعذر فإن الرجل يخجل ~~جليسه، فيقبض يده، وعسى أن يكون له في الطعام حاجة» . وعن نبيشة، قال: قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أكل في قصعة، فلحسها، استغفرت له ~~القصعة» . وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمسح ~~أحدكم يده حتى يلعقها، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة» . رواهن ابن ماجه. ### | [فصل غسل اليد بالنخالة] # (7849) فصل: وسئل أبو عبد الله عن غسل اليد بالنخالة؟ فقال: لا بأس به، ~~نحن نفعله. وسئل عن الرجل يأتي القوم، وهم على طعام، فجأة لم يدع إليه، ~~فلما دخل إليهم دعوه، هل يأكل؟ قال: نعم، وما بأس. وسئل عن حديث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «، أنه ادخر لأهله قوت سنة» . هو صحيح؟ قال: نعم، ~~ولكنهم يختلفون في لفظه. # (7850) فصل: عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى سعد بن ~~عبادة، فجاء بخبز وزيت، فأكل، ثم قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «أفطر ~~عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة» . # وعن جابر، قال: «صنع أبو الهيثم بن التيهان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~طعاما، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فلما فرغوا قال: أثيبوا ~~أخاكم» . قالوا يا رسول الله، وما إثابته؟ قال: «إن الرجل إذا دخل بيته، ~~فأكل طعامه، وشرب شرابه، فدعوا له، فذلك إثابته» . رواه أبو داود والله ~~أعلم. # PageV09P434 ### | [كتاب الأضاحي] # : الأصل في مشروعية الأضحية الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقول ~~الله سبحانه: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] . قال بعض أهل التفسير: المراد ~~به الأضحية بعد صلاة العيد. وأما السنة: فما روى أنس، قال: «ضحى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى، وكبر، ووضع ~~رجله على صفاحهما» . متفق عليه. # والأملح: الذي فيه ms5282 بياض وسواد، وبياضه أغلب. قاله الكسائي. وقال ابن ~~الأعرابي: هو النقي البياض. قال الشاعر: # حتى اكتسى الرأس قناعا أشيبا ... أملح لا لدا ولا محببا # وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية. (7851) مسألة: قال: والأضحية سنة، ~~لا يستحب تركها لمن يقدر عليها، أكثر أهل العلم يرون الأضحية سنة مؤكدة غير ~~واجبة. # روي ذلك عن أبي بكر وعمر وبلال وأبي مسعود البدري - رضي الله عنهم -، وبه ~~قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء والشافعي وإسحاق ~~وأبو ثور وابن المنذر. وقال ربيعة ومالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو ~~حنيفة: هي واجبة؛ لما روى أبو هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من كان له سعة، ولم يضح، فلا يقربن مصلانا» . # وعن مخنف بن سليم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يا أيها الناس، ~~إن على كل أهل بيت، في كل عام، أضحاة وعتيرة» . # PageV09P435 # ولنا ما روى الدارقطني، بإسناده عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «ثلاث كتبت علي، وهن لكم تطوع» . وفي رواية: «الوتر، والنحر، ~~وركعتا الفجر» . # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أراد أن يضحي، فدخل العشر، ~~فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئا» . رواه مسلم. علقه على الإرادة، والواجب ~~لا يعلق على الإرادة؛ ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها، فلم تكن واجبة، ~~كالعقيقة، فأما حديثهم فقد ضعفه أصحاب الحديث، ثم نحمله على تأكيد ~~الاستحباب، كما قال: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» . وقال «من أكل من ~~هاتين الشجرتين، فلا يقربن مصلانا» . # وقد روي عن أحمد، في اليتيم: يضحي عنه وليه إذا كان موسرا. وهذا على سبيل ~~التوسعة في يوم العيد، لا على سبيل الإيجاب. # (7852) فصل: والأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها. نص عليه أحمد. وبهذا قال ~~ربيعة وأبو الزناد. # وروي عن بلال، أنه قال: ما أبالي أن لا أضحي إلا بديك، ولأن أضعه في يتيم ~~قد ترب فوه، فهو أحب إلي من أن أضحي. وبهذا قال الشعبي وأبو ثور. وقالت ~~عائشة: لأن أتصدق بخاتمي ms5283 هذا أحب إلي من أن أهدي إلى البيت ألفا. ولنا أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى والخلفاء بعده، ولو علموا أن الصدقة ~~أفضل، لعدلوا إليها. # وروت عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما عمل ابن آدم يوم ~~النحر عملا أحب إلى الله من إراقة دم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها ~~وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، ~~فطيبوا بها نفسا» . رواه ابن ماجه. # ولأن إيثار الصدقة على الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. فأما قول عائشة، فهو في الهدي دون الأضحية، وليس الخلاف ~~فيه. ### | [مسألة أراد أن يضحي فدخل العشر] # (7853) مسألة؛ قال: (ومن أراد أن يضحي، فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره ولا ~~بشرته شيئا) ظاهر هذا تحريم قص الشعر. وهو قول بعض أصحابنا. وحكاه ابن ~~المنذر عن أحمد وإسحاق وسعيد بن المسيب. وقال القاضي، وجماعة من أصحابنا: ~~هو مكروه، غير محرم. # وبه قال مالك والشافعي؛ لقول عائشة: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، # PageV09P436 # ولا يحرم عليه شيء أحله الله له، حتى ينحر الهدي. متفق عليه. وقال أبو ~~حنيفة: لا يكره ذلك؛ لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس، فلا يكره له حلق ~~الشعر، وتقليم الأظفار، كما لو لم يرد أن يضحي. ولنا ما روت أم سلمة، عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن ~~يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا، حتى يضحي» . رواه مسلم ومقتضى ~~النهي التحريم، وهذا يرد القياس ويبطله، وحديثهم عام، وهذا خاص يجب تقديمه، ~~بتنزيل العام على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص؛ ولأنه يجب حمل حديثهم على ~~غير محل النزاع لوجوه؛ منها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ليفعل ~~ما نهى عنه وإن كان مكروها، قال الله تعالى إخبارا عن شعيب {وما أريد أن ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} ms5284 [هود: 88] . # ولأن أقل أحوال النهي أن يكون مكروها، ولم يكن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ليفعله، فيتعين حمل ما فعله في حديث عائشة على غيره؛ ولأن عائشة ~~تعلم ظاهرا ما يباشرها به من المباشرة، أو ما يفعله دائما، كاللباس والطيب، ~~فأما ما يفعله نادرا، كقص الشعر، وقلم الأظفار، مما لا يفعله في الأيام إلا ~~مرة، فالظاهر أنها لم ترده بخبرها، وإن احتمل إرادتها إياه، فهو احتمال ~~بعيد، وما كان هكذا، فاحتمال تخصيصه قريب، فيكفي فيه أدنى دليل، وخبرنا ~~دليل قوي، فكان أولى بالتخصيص؛ ولأن عائشة تخبر عن فعله وأم سلمة عن قوله، ~~والقول يقدم على الفعل؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصا له. # إذا ثبت هذا، فإنه يترك قطع الشعر وتقليم الأظفار، فإن فعل استغفر الله ~~تعالى. ولا فدية فيه إجماعا، سواء فعله عمدا أو نسيانا. ### | [مسألة تجزئ البدنة عن سبعة وكذلك البقرة في الأضحية] # (7854) مسألة: قال: (وتجزئ البدنة عن سبعة، وكذلك البقرة) وهذا قول أكثر ~~أهل العلم. روي ذلك عن علي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة - رضي ~~الله عنهم -، وبه قال عطاء وطاوس وسالم والحسن وعمرو بن دينار والثوري ~~والأوزاعي والشافعي وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # وعن عمر، أنه قال: لا تجزئ نفس واحدة عن سبعة. ونحوه قول مالك. قال أحمد: ~~ما علمت أحدا إلا يرخص في ذلك، إلا ابن عمر. وعن سعيد بن المسيب، أن الجزور ~~عن عشرة، والبقرة عن سبعة. وبه قال إسحاق؛ لما روى رافع، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير. متفق عليه. وعن ابن عباس، ~~قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فحضر الأضحى، ~~فاشتركنا في الجزور عن عشرة، والبقرة عن سبعة. رواه ابن ماجه. # ولنا ما روى جابر، قال: نحرنا بالحديبية مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~البدنة عن سبعة، والبقرة # PageV09P437 # عن سبعة. وقال أيضا: كنا نتمتع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فنذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها. رواه مسلم. وهذان أصح ms5285 من حديثهم. # وأما حديث رافع، فهو في القسمة، لا في الأضحية. إذا ثبت هذا، فسواء كان ~~المشتركون من أهل بيت، أو لم يكونوا، مفترضين أو متطوعين أو كان بعضهم يريد ~~القربة وبعضهم يريد اللحم؛ لأن كل إنسان منهم إنما يجزئ عنه نصيبه، فلا ~~تضره نية غيره في عشره. ### | [فصل لا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة] # (7855) فصل: ولا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة، أو بقرة أو ~~بدنة. نص عليه أحمد. وبه قال مالك والليث والأوزاعي وإسحاق. # وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة. قال صالح: قلت لأبي: يضحى بالشاة عن أهل ~~البيت؟ قال: نعم، لا بأس، قد ذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - كبشين، فقرب ~~أحدهما، فقال: «بسم الله، اللهم هذا عن محمد وأهل بيته» . وقرب الآخر، ~~فقال: «بسم الله، اللهم هذا منك ولك، عمن وحدك من أمتي» . وحكي عن أبي ~~هريرة، أنه كان يضحي بالشاة، فتجيء ابنته، فتقول: عني؟ فيقول: وعنك. وكره ~~ذلك الثوري وأبو حنيفة؛ لأن الشاة لا تجزئ عن أكثر من واحد، فإذا اشترك ~~فيها اثنان، لم تجز عنهما، كالأجنبيين. # ولنا ما روى مسلم، بإسناده عن عائشة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أتي بكبش ليضحي به، فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد ~~وآل محمد» . وعن جابر، قال «ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~الذبح كبشين أملحين أقرنين، فلما وجههما قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض، على ملة، إبراهيم حنيفا، مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من ~~المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته، بسم الله، والله أكبر. ثم ذبح» . ~~رواه أبو داود. # وروى ابن ماجه، عن أبي أيوب، قال: «كان الرجل في عهد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون الناس» . حديث ~~حسن صحيح. # (7856) فصل: وأفضل الأضاحي البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، ms5286 ثم شرك في بقرة. ~~وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. # وقال مالك: الأفضل الجذع من الضأن، ثم البقرة، ثم البدنة؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين، ولا يفعل إلا الأفضل، ولو علم الله خيرا ~~منه لفدى به إسحاق. # PageV09P438 # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «في الجمعة: من راح في الساعة ~~الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن ~~راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة، ~~فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة» . # ولأنه ذبح يتقرب به إلى الله تعالى، فكانت البدنة فيه أفضل، كالهدي فإنه ~~قد سلمه؛ ولأنها أكثر ثمنا ولحما وأنفع، فأما التضحية بالكبش؛ فلأنه أفضل ~~أجناس الغنم، وكذلك حصول الفداء به أفضل، والشاة أفضل من شرك في بدنة؛ لأن ~~إراقة الدم مقصودة في الأضحية، والمنفرد يتقرب بإراقته كله. والكبش أفضل ~~الغنم؛ لأنه أضحية النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أطيب لحما. وذكر ~~القاضي، أن جذع الضأن أفضل من ثني المعز؛ لذلك، ولأنه يروى عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «نعم الأضحية الجذع من الضأن» . وهو حديث غريب ~~ويحتمل أن الثني أفضل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تذبحوا إلا ~~مسنة، فإن عسر عليكم، فاذبحوا الجذع من الضأن» . رواه مسلم، وأبو داود. ~~وهذا يدل على فضل الثني على الجذع؛ لكونه جعل الثني أصلا والجذع بدلا، لا ~~ينتقل إليه إلا عند عدم الثني. ### | [فصل يسن استسمان الأضحية واستحسانها] # (7857) فصل: ويسن استسمان الأضحية واستحسانها؛ لقول الله تعالى: {ذلك ومن ~~يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] . قال ابن عباس: تعظيمها ~~استسمانها واستعظامها واستحسانها. # ولأن ذلك أعظم لأجرها، وأكثر لنفعها. والأفضل في الأضحية من الغنم في ~~لونها البياض؛ لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد، قالت: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «دم عفراء، أزكى عند الله من دم سوداوين» . رواه ~~أحمد بمعناه. وقال أبو هريرة: دم بيضاء، أحب إلى ms5287 الله من دم سوداوين. ولأنه ~~لون أضحية النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ما كان أحسن لونا، فهو أفضل. ### | [مسألة قال لا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني من غيره في الأضحية] # (7858) مسألة: قال: (ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن، والثني من غيره) وبهذا ~~قال مالك والليث والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال ابن ~~عمر، والزهري: لا يجزئ الجذع؛ لأنه لا يجزئ من غير الضأن، فلا يجزئ منه ~~كالحمل، وعن عطاء والأوزاعي فلا يجزئ الجذع من جميع الأجناس؛ لما روى مجاشع ~~بن سليم، قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الجذع يوفي مما ~~يوفي منه الثني» رواه أبو داود، والنسائي،. # ولنا على أن الجذع من الضأن يجزئ، حديث مجاشع وأبي هريرة وغيرهما، وعلى ~~أن الجذعة من # PageV09P439 # غيرها لا تجزئ، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تذبحوا إلا مسنة، ~~فإن عسر عليكم، فاذبحوا الجذع من الضأن» . # وقال أبو بردة بن نيار: «عندي جذعة، أحب إلي من شاتين، فهل تجزئ عني؟ ~~قال: نعم، ولا تجزئ عن أحد بعدك» . متفق عليه. وحديثهم محمول على الجذع من ~~الضأن لما ذكرنا. قال إبراهيم الحربي: إنما يجزئ الجذع من الضأن؛ لأنه ينزو ~~فيلقح، فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يكون ثنيا. # (7859) فصل: ولا يجزئ في الأضحية غير بهيمة الأنعام، وإن كان أحد أبويه ~~وحشيا، لم يجزئ أيضا. وحكي عن الحسن بن صالح أن بقرة الوحش تجزئ عن سبعة، ~~والظبي عن واحد. # وقال أصحاب الرأي: ولد البقر الإنسية يجزئ، وإن كان أبوه وحشيا. وقال أبو ~~ثور: يجزئ إذا كان منسوبا إلى بهيمة الأنعام. ولنا قول الله تعالى {ليذكروا ~~اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 34] . وهي الإبل والبقر ~~والغنم. وعلى أصحاب الرأي، أنه متولد من بين ما يجزئ وما لا يجزئ، فلم ~~يجزئ، كما لو كانت الأم وحشية. ### | [مسألة ما هو الجذع من الضأن] # (7860) مسألة: قال: (والجذع من الضأن ما له ستة أشهر، ودخل في السابع) ~~قال أبو القاسم: ms5288 وسمعت أبي يقول: سألت بعض أهل البادية: كيف تعرفون الضأن ~~إذا أجذع؟ قال: لا تزال الصوفة قائمة على ظهره مادام حملا، فإذا نامت ~~الصوفة على ظهره، علم أنه قد أجذع. وثني المعز إذا تمت له سنة ودخل في ~~الثانية، والبقرة إذا صار لها سنتان ودخلت في الثالثة، والإبل إذا كمل لها ~~خمس سنين ودخلت في السادسة. # قال الأصمعي أبو زياد الكلابي، وأبو زيد الأنصاري: إذا مضت السنة الخامسة ~~على البعير، ودخل في السادسة، وألقى ثنيته، فهو حينئذ ثني، ونرى إنما سمي ~~ثنيا؛ لأنه ألقى ثنيته. وأما البقرة: فهي التي لها سنتان؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا تذبحوا إلا مسنة» . ومسنة البقر التي لها سنتان. # وقال وكيع: الجذع من الضأن يكون ابن سبعة أو ستة أشهر. ### | [مسألة يجتنب في الضحايا العوراء البين عورها] # (7861) مسألة: قال: (ويجتنب في الضحايا العوراء البين عورها، والعجفاء ~~التي لا تنقي، والعرجاء البين عرجها، والمريضة التي لا يرجى برؤها، ~~والعضباء، والعضب ذهاب أكثر من نصف الأذن أو القرن) # PageV09P440 # أما العيوب الأربعة الأول، فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في أنها تمنع ~~الإجزاء؛ لما روى البراء قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: «أربع لا تجوز في الأضاحي؛ العوراء البين عورها، والمريضة البين ~~مرضها، والعرجاء البين ظلعها والعجفاء التي لا تنقي» . رواه أبو داود، ~~والنسائي. # ومعنى العوراء البين عورها، التي قد انخسفت عينها، وذهبت؛ لأنها قد ذهبت ~~عينها، والعين عضو مستطاب، فإن كان على عينها بياض ولم تذهب، جازت التضحية ~~بها؛ لأن عورها ليس ببين، ولا ينقص ذلك لحمها. والعجفاء المهزولة التي لا ~~تنقي، هي التي لا مخ لها في عظامها؛ لهزالها، والنقي: المخ، قال الشاعر: # لا يشتكين عملا ما أنقين ... ما دام مخ في سلامى أو عين # فهذه لا تجزئ؛ لأنها لا لحم فيها، إنما هي عظام مجتمعة. # وأما العرجاء البين عرجها: فهي التي بها عرج فاحش، وذلك يمنعها من اللحاق ~~بالغنم فتسبقها إلى الكلإ فيرعينه ولا تدركهن، فينقص لحمها، فإن ms5289 كان عرجا ~~يسيرا لا يفضي بها إلى ذلك، أجزأت. وأما المريضة التي لا يرجى برؤها: فهي ~~التي بها مرض قد يئس من زواله؛ لأن ذلك ينقص لحمها وقيمتها نقصا كبيرا، ~~والذي في الحديث المريضة البين مرضها، وهي التي يبين أثره عليها؛ لأن ذلك ~~ينقص لحمها ويفسده، وهو أصح. # وذكر القاضي أن المراد بالمريضة الجرباء؛ لأن الجرب يفسد اللحم ويهزل إذا ~~كثر. وهذا قول أصحاب الشافعي. وهذا تقييد للمطلق، وتخصيص للعموم بلا دليل، ~~والمعنى يقتضي العموم كما يقتضيه اللفظ، فإن كان المرض يفسد اللحم وينقصه، ~~فلا معنى للتخصيص مع عموم اللفظ والمعنى. # وأما العضب: فهو ذهاب أكثر من نصف الأذن أو القرن، وذلك يمنع الإجزاء ~~أيضا. وبه قال النخعي وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: تجزئ ~~مكسورة القرن. وروي نحو ذلك عن علي وعمر وعمار وابن المسيب والحسن. وقال ~~مالك: إن كان قرنها يدمى، لم يجز، وإلا جاز. # وقال عطاء ومالك: إذا ذهبت الأذن كلها، لم يجز، وإن ذهب يسير، جاز. ~~واحتجوا بأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أربع لا تجوز في الأضاحي» ~~. يدل على أن غيره يجزئ؛ ولأن في حديث البراء، عن عبيد بن فيروز، قال: قلت ~~للبراء فإني أكره النقص من القرن ومن الذنب. فقال: اكره لنفسك ما شئت، # PageV09P441 # وإياك أن تضيق على الناس. # ولأن المقصود اللحم، ولا يؤثر ذهاب ذلك فيه. ولنا ما روي عن علي - رضي ~~الله عنه - قال «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضحى بأعضب القرن ~~والأذن.» قال قتادة: فسألت سعيد بن المسيب، فقال: نعم، العضب النصف فأكثر ~~من ذلك. رواه الشافعي، وابن ماجه وعن علي - رضي الله عنه - قال: «أمرنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن» . رواه أبو ~~داود، والنسائي. وهذا منطوق يقدم على المفهوم. # (7862) فصل: ولا تجزئ العمياء؛ لأن النهي عن العوراء تنبيه على العمياء ~~وإن لم يكن عماها بينا؛ لأن العمى يمنع مشيها مع الغنم، ومشاركتها في ~~العلف. # ولا تجزئ ما قطع منها عضو، ms5290 كالألية والأطباء؛ لأن ابن عباس، قال: لا تجوز ~~العجفاء، ولا الجداء. قال أحمد: هي التي قد يبس ضرعها. ولأن ذلك أبلغ في ~~الإخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين. ### | [فصل يجزئ الخصي في الأضحية] # (7863) فصل: ويجزئ الخصي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين ~~موجوءين والوجأ رض الخصيتين، وما قطعت خصيتاه أو شلتا، فهو كالموجوء؛ لأنه ~~في معناه؛ ولأن الخصاء ذهاب عضو غير مستطاب، يطيب اللحم بذهابه، ويكثر ~~ويسمن. قال الشعبي: ما زاد في لحمه وشحمه أكثر مما ذهب منه. وبهذا قال ~~الحسن وعطاء والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور، وأصحاب الرأي. ولا ~~نعلم فيه مخالفا. # (7864) فصل: وتجزئ الجماء، وهي التي لم يخلق لها قرن، والصمعاء، وهي ~~الصغيرة الأذن، والبتراء، وهي التي لا ذنب لها، سواء كان خلقة أو مقطوعا. ~~وممن لم ير بأسا بالبتراء ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن وسعيد بن جبير ~~والنخعي والحكم. وكره الليث أن يضحى بالبتراء ما فوق القصبة. # وقال ابن حامد: لا تجوز التضحية بالجماء؛ لأن ذهاب أكثر من نصف القرن ~~يمنع، فذهاب جميعه # PageV09P442 # أولى؛ ولأن ما منع منه العور، منع منه العمى، فكذلك ما منع منه العضب، ~~يمنع منه كونه أجم أولى. ولنا أن هذا نقص لا ينقص اللحم، ولا يخل بالمقصود، ~~ولم يرد به نهي، فوجب أن يجزئ، وفارق العضب، فإن النهي عنه وارد، وهو عيب، ~~فإنه ربما أدمى وآلم الشاة، فيكون كمرضها، ويقبح منظرها، بخلاف الأجم، فإنه ~~حسن في الخلقة ليس بمرض ولا عيب، إلا أن الأفضل ما كان كامل الخلقة، فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ضحى بكبش أقرن أملح. # وقال: «خير الأضحية الكبش الأقرن» . وأمر باستشراف العين والأذن. ### | [فصل وتكره المشقوقة الأذن والمثقوبة وما قطع شيء منها الأضحية] # (7865) فصل: وتكره المشقوقة الأذن، والمثقوبة، وما قطع شيء منها؛ لما روي ~~عن علي - رضي الله عنه - قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء. ~~قال زهير قلت لأبي ms5291 إسحاق، ما المقابلة؟ قال يقطع طرف الأذن. قلت: فما ~~المدابرة؟ قال يقطع من مؤخر الأذن. قلت: فما الشرقاء؟ قال: تشق الأذن. قلت: ~~فما الخرقاء؟ قال: تشق أذنها السمة.» رواه أبو داود والنسائي. قال القاضي: ~~الخرقاء التي انثقبت أذنها. وهذا نهي تنزيه، ويحصل الإجزاء بها، لا نعلم ~~فيه خلافا؛ ولأن اشتراط السلامة من ذلك يشق إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا ~~كله. ### | [مسألة: لو أوجبها سليمة فعابت عنده الأضحية] # (7866) مسألة؛ قال: ولو أوجبها سليمة، فعابت عنده، ذبحها، وكانت أضحية ~~وجملته أنه إذا أوجب أضحية صحيحة سليمة من العيوب، ثم حدث بها عيب يمنع ~~الإجزاء، ذبحها، وأجزأته. روي هذا عن عطاء، والحسن، والنخعي، والزهري، ~~والثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق. وقال أصحاب الرأي: لا تجزئه؛ لأن ~~الأضحية عندهم واجبة، فلا يبرأ منها إلا بإراقة دمها سليمة، كما لو أوجبها ~~في ذمته، ثم عينها، فعابت. # PageV09P443 # ولنا، ما روى أبو سعيد قال: «ابتعنا كبشا نضحي به، فأصاب الذئب من أليته، ~~فسألنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرنا أن نضحي به.» رواه ابن ماجه. # ولأنه عيب حدث في الأضحية الواجبة، فلم يمنع الإجزاء، كما لو حدث بها عيب ~~بمعالجة الذبح، ولا نسلم أنها واجبة في الذمة، وإنما تعلق الوجوب بعينها. ~~فأما إن تعيبت بفعله، فعليه بدلها. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا ~~عالج ذبحها، فقلعت السكين عينها، أجزأت، استحسانا. ولنا، أنه عيب أحدثه بها ~~قبل ذبحها، فلم تجزئه، كما لو كان قبل معالجة الذبح. ### | [فصل نذر أضحية في ذمته ثم عينها في شاة] # (7867) فصل: وإن نذر أضحية في ذمته، ثم عينها في شاة، تعينت، فإن عابت ~~تلك الشاة قبل ذبحها، لم تجزئ؛ لأن ذمته لا تبرأ إلا بذبح شاة سليمة، كما ~~لو نذر عتق رقبة، أو كان عليه عتق رقبة في كفارة، فاشتراها، ثم عابت عنده، ~~لم تجزئه، وإن قال: لله علي عتق هذا العبد فعاب، أجزأ عنه. ### | [فصل أتلف الأضحية الواجبة] # (7868) فصل: إذا أتلف الأضحية الواجبة، فعليه قيمتها؛ لأنها من ~~المتقومات، وتعتبر القيمة يوم ms5292 أتلفها، فإن غلت الغنم، فصار مثلها خيرا من ~~قيمتها، فقال: أبو الخطاب: يلزمه مثلها؛ لأنه أكثر الأمرين، ولأنه تعلق بها ~~حق الله - تعالى - في ذبحها، فوجب عليه مثلها، كما لو لم تتعيب، بخلاف ~~الآدمي، وهذا مذهب الشافعي وظاهر قول القاضي، أنه لا يلزمه إلا القيمة يوم ~~إتلافها. # وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه إتلاف أوجب القيمة، فلم يجب أكثر من القيمة يوم ~~الإتلاف، كما لو أتلفها أجنبي، وكسائر المضمونات. فإن رخصت الغنم، فزادت ~~قيمتها على مثلها، مثل أن كانت قيمتها عند إتلافها عشرة، فصارت قيمة مثلها ~~خمسة، فعليه عشرة، وجها واحدا، فإن شاء اشترى بها أضحية واحدة تساوي عشرة، ~~وإن شاء اشترى اثنتين، وإن شاء اشترى أضحية واحدة، فإن فضل من العشرة ما لا ~~يجيء به أضحية، اشترى به شركا في بدنة، فإن لم يتسع لذلك، أو لم تمكنه ~~المشاركة، ففيه وجهان؛ أحدهما، يشتري لحما، ويتصدق به؛ لأن الذبح وتفرقة ~~اللحم مقصودان، فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر. # والثاني، يتصدق بالفضل؛ لأنه إذا لم يحصل له التقرب بإراقة الدم، كان ~~اللحم وثمنه سواء. فإن كان المتلف أجنبيا، فعليه قيمتها يوم أتلفها، وجها ~~واحدا، ويلزمه دفعها إلى صاحبها، فإن زاد على ثمن مثلها، فحكمه حكم ما لو ~~أتلفها صاحبها، وإن لم تبلغ القيمة ثمن أضحية، فالحكم فيه على ما مضى فيما ~~زاد على ثمن الأضحية في حق المضحي. فإن تلفت الأضحية في يده بغير تفريط، أو ~~سرقت، أو ضلت، فلا شيء عليه؛ لأنها أمانة في يده، فلم يضمنها إذا لم يفرط ~~كالوديعة. # PageV09P444 ### | [فصل اشترى أضحية فلم يوجبها حتى علم بها عيبا] # (7869) فصل: وإن اشترى أضحية، فلم يوجبها حتى علم بها عيبا، فله ردها إن ~~شاء، وإن شاء أخذ أرشها، ثم إن كان عيبها يمنع إجزاءها، لم يكن له التضحية ~~بها، وإلا فله أن يضحي بها، والأرش له. وإن أوجبها، ثم علم أنها معيبة، ~~فذكر القاضي أنه مخير بين ردها وأخذ أرشها، فإن أخذ أرشها، فحكمه حكم ~~الزائد عن قيمة الأضحية على ما ذكرناه، ms5293 ويحتمل أن يكون الأرش له؛ لأن ~~إيجابها إنما صادفها بدون هذا الذي أخذ أرشه، فلم يتعلق الإيجاب بالأرش، ~~ولا بمبدله، فأشبه ما لو تصدق بها ثم أخذ أرشها. وعلى قول أبي الخطاب: لا ~~يملك ردها؛ لأنه قد زال ملكه عنها بإيجابها، فأشبه ما لو اشترى عبدا معيبا ~~فأعتقه، ثم علم عيبه. # وهذا مذهب الشافعي، فعلى هذا يتعين أخذ الأرش. وفي كون الأرش للمشتري، ~~ووجوبه في التضحية، وجهان، ثم ننظر فإن كان عيبها لا يمنع إجزاءها، فقد صح ~~إيجابها، والتضحية بها، وإن كان عيبها يمنع إجزاءها، فحكمها حكم ما لو ~~أوجبها عالما بعيبها، على ما سنذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة ولدت الأضحية] # (7870) مسألة؛ قال: وإن ولدت، ذبح ولدها معها وجملته أنه إذا عين أضحية ~~فولدت فولدها تابع لها، حكمه حكمها، سواء كان حملا حين التعيين أو حدث ~~بعده. وبهذا قال الشافعي. وعن أبي حنيفة، لا يذبحه، ويدفعه إلى المساكين ~~حيا، وإن ذبحه، دفعه إليهم مذبوحا، وأرش ما نقصه الذبح؛ لأنه من نمائها، ~~فلزمه دفعه إليهم على صفته، كصوفها وشعرها. # ولنا، أن استحقاق ولدها حكم يثبت للولد بطريق السراية من الأم، فيثبت له ~~ما يثبت لها، كولد أم الولد والمدبرة. إذا ثبت هذا، فإنه يذبحه كما يذبحها؛ ~~لأنه صار أضحية على وجه التبع لأمه، ولا يجوز ذبحه قبل يوم النحر، ولا ~~تأخيره عن أيامه، كأمه. وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أن رجلا سأله، ~~فقال: يا أمير المؤمنين، إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها، وإنها وضعت هذا ~~العجل؟ فقال علي: لا تحلبها إلا فضلا عن تيسير ولدها، فإذا كان يوم الأضحى، ~~فاذبحها وولدها عن سبعة. رواه سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص، عن زهير ~~العبسي، عن المغيرة بن حذف، عن علي (7871) فصل: ولا يشرب من لبنها إلا ~~الفاضل عن ولدها، فإن لم يفضل عنه شيء، أوكان الحلب يضر بها، أو ينقص ~~لحمها، لم يكن له أخذه، وإن لم يكن كذلك، فله أخذه والانتفاع به. وبهذا قال ~~الشافعي وقال ms5294 أبو حنيفة: # PageV09P445 # لا يحلبها، ويرش على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن، فإن احتلبها، تصدق، ~~به؛ لأن اللبن متولد من الأضحية الواجبة، فلم يجز للمضحي الانتفاع به، ~~كالولد ولنا، قول علي - رضي الله عنه - يحلبها إلا فضلا عن تيسير ولدها. ~~ولأنه انتفاع لا يضرها، فأشبه الركوب، يفارق الولد، فإنه يمكن إيصاله إلى ~~محله، أما اللبن، فإن حلبه وتركه فسد، وإن لم يحلبه، تعقد الضرع، وأضر بها، ~~فجوز له شربه، وإن تصدق به كان أفضل. وإن احتلب ما يضر بها أو بولدها، لم ~~يجز له، وعليه أن يتصدق به. فإن قيل: فصوفها شعرها، ووبرها إذا جزه، تصدق ~~به، ولم ينتفع به، فلم أجزتم له الانتفاع باللبن؟ قلنا: الفرق بينهما من ~~وجهين؛ أحدهما: أن لبنها يتولد من غذائها وعلفها، وهو القائم به، فجاز صرفه ~~إليه، كما أن المرتهن إذا علف الرهن كان له أن يحلب، ويركب، وليس له أن ~~يأخذ الصوف ولا الشعر. # الثاني، أن الصوف والشعر ينتفع به على الدوام، فجرى مجرى جلدها وأجزائها، ~~واللبن يشرب ويؤكل شيئا فشيئا فجرى مجرى منافعها وركوبها، ولأن اللبن يتجدد ~~كل يوم، والصوف والشعر عين موجودة دائمة في جميع الحول. (7872) فصل: وأما ~~صوفها، فإن كان جزه أنفع لها، مثل أن يكون في زمن الربيع، تخف بجزه وتسمن، ~~جاز جزه، ويتصدق به، وإن كان لا يضر بها؛ لقرب مدة الذبح أو كان بقاؤه أنفع ~~لها؛ لكونه يقيها الحر والبرد لم يجز له أخذه، كما أنه ليس له أخذ بعض ~~أجزائها. ### | [مسألة ما يوجب الأضحية] # (7873) مسألة؛ قال: وإيجابها أن يقول: هي أضحية وجملة ذلك أن الذي تجب به ~~الأضحية، وتتعين به، هو القول دون النية. وهذا منصوص الشافعي. وقال مالك، ~~وأبو حنيفة: إذا اشترى شاة أوغيرها بنية الأضحية، صارت أضحية؛ لأنه مأمور ~~بشراء أضحية، فإذا اشتراها بالنية وقعت عنها، كالوكيل. ولنا، أنه إزالة ملك ~~على وجه القربة، فلا تؤثر فيه النية المقارنة للشراء، كالعتق والوقف، ~~ويفارق البيع، فإنه لا يمكنه جعله لموكله بعد إيقاعه، وها هنا بعد الشراء ms5295 ~~يمكنه جعلها أضحية. فأما إذا قال: هذه أضحية. صارت واجبة، كما يعتق العبد ~~بقول سيده: هذا حر. ولو أنه قلدها أوأشعرها ينوي به جعلها أضحية، لم تصر ~~أضحية حتى ينطق به؛ لما ذكرنا. # PageV09P446 ### | [مسألة أوجب الأضحية فكانت ناقصة] # (7874) مسألة؛ قال: ولو أوجبها ناقصة، ذبحها، ولم تجزئه يعني إذا كانت ~~ناقصة نقصا يمنع الإجزاء فأوجبها، وجب عليه ذبحها؛ لأن إيجابها كالنذر ~~لذبحها، فيلزمه الوفاء به، ولأن إيجابها كنذر هدي من غير بهيمة الأنعام، ~~فإنه يلزمه الوفاء به، ولا يجزئه عن الأضحية الشرعية ولا تكون أضحية؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أربع لا تجزئ في الأضاحي) . ولكنه يذبحها، ~~ويثاب على ما يتصدق به منها، كما يثاب على الصدقة بما لا يصلح أن يكون ~~هديا، وكما لو أعتق عن كفارته عبدا لا يجزئ في الكفارة، إلا أنه هاهنا لا ~~يلزمه بدلها؛ لأن الأضحية في الأصل غير واجبة، ولم يوجد منه ما يوجبها. وإن ~~كانت الأضحية واجبة عليه، مثل من نذر أضحية في ذمته، أو أتلف أضحيته التي ~~أوجبها، لم تجزئه هذه عما في ذمته. # فإن زال عيبها، كأن كانت عجفاء فزال عجفها، أو مريضة فبرأت، أو عرجاء ~~فزال عرجها، فقال القاضي: قياس المذهب أنها تجزئ،. وقال أصحاب الشافعي: لا ~~تجزئ؛ لأن الاعتبار بحال إيجابها، ولأن الزيادة فيها كانت للمساكين، كما أن ~~نقصها بعد إيجابها عليهم لا يمنع من كونها أضحية. ولنا، أن هذه أضحية يجزئ ~~مثلها، فتجزئ، كما لو لم يوجبها إلا بعد زوال عينها. ### | [مسألة لا تباع أضحية الميت في دينه] # (7875) مسألة؛ قال: ولا تباع أضحية الميت في دينه، ويأكلها ورثته يعني ~~إذا أوجب أضحية ثم مات، لم يجز بيعها، وإن كان على الميت دين لا وفاء له. ~~وبهذا قال أبو ثور، ويشبه مذهب الشافعي. وقال الأوزاعي: إن ترك دينا لا ~~وفاء له إلا منها، بيعت فيه. وقال مالك: إن تشاجر الورثة فيها باعوها. ~~ولنا، أنه تعين ذبحها، فلم يصح بيعها في دينه، كما لو كان حيا. إذا ثبت ~~هذا، فإن ms5296 ورثته يقومون مقامه في الأكل والصدقة والهدية؛ لأنهم يقومون مقام ~~موروثهم فيما له وعليه. ### | [فصل هل تجوز التضحية عن اليتيم من ماله] # (7876) فصل: واختلفت الرواية، هل تجوز التضحية عن اليتيم من ماله؟ فروي ~~أنه ليس للولي ذلك؛ لأنه إخراج شيء من ماله بغير عوض، فلم يجز، كالصدقة ~~والهدية. وهذا مذهب الشافعي وروي أن للولي أن يضحي عنه إذا كان موسرا. وهذا ~~قول أبي حنيفة، ومالك. قال مالك: إذا كان له ثلاثون دينارا، يضحي عنه ~~بالشاة، بنصف دينار؛ لأنه إخراج مال يتعلق بيوم العيد، فجاز إخراجه من مال ~~اليتيم كصدقة الفطر. فعلى هذا، # PageV09P447 # يكون إخراجها من ماله على سبيل التوسعة عليه، والتطييب لقلبه، وإشراكه ~~لأمثاله في مثل هذا اليوم، كما يشتري له الثياب الرفيعة للتجمل، والطعام ~~الطيب، ويوسع عليه في النفقة وإن لم يجب ذلك. # ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في الروايتين على حالين؛ فالموضع الذي منع ~~التضحية، إذا كان اليتيم طفلا لا يعقل التضحية، ولا يفرح بها، ولا ينكسر ~~قلبه بتركها؛ لعدم الفائدة فيها، فيحصل إخراج ثمنها تضييع مال لا فائدة ~~فيه، والموضع الذي أجازها، إذا كان اليتيم يعقلها، وينجبر قلبه بها وينكسر ~~بتركها؛ لحصول الفائدة منها، والضرر بتفويتها. واستدل أبو الخطاب بقول ~~أحمد: يضحي عنه. على وجوب الأضحية. والصحيح، إن شاء الله تعالى، ما ذكرناه. ~~وعلى كل حال، متى ضحى عن اليتيم، لم يتصدق بشيء منها، ويوفرها لنفسه، لأنه ~~لا يجوز الصدقة بشيء من مال اليتيم تطوعا. ### | [مسألة الاستحباب أن يأكل ثلث أضحيته ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها] # (7877) مسألة؛ قال: والاستحباب أن يأكل ثلث أضحيته، ويهدي ثلثها، ويتصدق ~~بثلثها، ولو أكل أكثر جاز قال أحمد: نحن نذهب إلى حديث عبد الله: يأكل هو ~~الثلث، ويطعم من أراد الثلث، ويتصدق على المساكين بالثلث. قال علقمة: بعث ~~معي عبد الله بهدية، فأمرني أن آكل ثلثا، وأن أرسل إلى أهل أخيه عتبة بثلث، ~~وأن أتصدق بثلث، وعن ابن عمر قال: الضحايا والهدايا ثلث لك، وثلث لأهلك، ~~وثلث للمساكين. وهذا قول إسحاق، وأحد قولي ms5297 الشافعي وقال في الآخر: يجعلها ~~نصفين، يأكل نصفا، ويتصدق بنصف؛ لقول الله تعالى: {فكلوا منها وأطعموا ~~البائس الفقير} [الحج: 28] . # وقال أصحاب الرأي: ما كثر من الصدقة فهو أفضل؛ لأن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أهدى مائة بدنة، وأمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فأكل هو ~~وعلي من لحمها، وحسيا من مرقها. ونحر خمس بدنات، أو ست بدنات، وقال: من شاء ~~فليقتطع. ولم يأكل منهن شيئا» . ولنا، ما روي «عن ابن عباس، في صفة أضحية ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يطعم أهل بيته الثلث، # PageV09P448 # ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث.» رواه الحافظ أبو ~~موسى الأصفهاني، في الوظائف، وقال: حديث حسن. ولأنه قول ابن مسعود وابن ~~عمر، ولم نعرف لهما مخالفا في الصحابة، فكان إجماعا؛ ولأن الله تعالى قال: ~~{فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} [الحج: 36] . # والقانع: السائل يقال: قنع قنوعا. إذا سأل وقنع قناعة إذا رضي. قال ~~الشاعر: # لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع # والمعتر: الذي يعتريك. أي يتعرض لك لتطعمه، فلا يسأل، فذكر ثلاثة أصناف، ~~فينبغي أن يقسم بينهم أثلاثا. وأما الآية التي احتج بها أصحاب الشافعي، فإن ~~الله - تعالى - لم يبين قدر المأكول منها والمتصدق به، وقد نبه عليه في ~~آيتنا، وفسره النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله، وابن عمر بقوله، وابن ~~مسعود بأمره. وأما خبر أصحاب الرأي، فهو في الهدي، والهدي يكثر، فلا يتمكن ~~الإنسان من قسمه، وأخذ ثلثه، فتتعين الصدقة بها، والأمر في هذا واسع، فلو ~~تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز، وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق بها جاز. # وقال أصحاب الشافعي: يجوز أكلها كلها. ولنا، أن الله تعالى قال: {فكلوا ~~منها وأطعموا القانع والمعتر} [الحج: 36] . وقال: {وأطعموا البائس الفقير} ~~[الحج: 28] والأمر يقتضي الوجوب وقال بعض أهل العلم: يجب الأكل منها، ولا ~~تجوز الصدقة بجميعها؛ للأمر بالأكل منها. ولنا، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نحر خمس بدنات، ولم يأكل منهن شيئا، وقال " من شاء فليقتطع ". ~~ولأنها ذبيحة يتقرب إلى ms5298 الله - تعالى - بها فلم يجب الأكل منها، كالعقيقة، ~~والأمر للاستحباب، أو الإباحة، كالأمر بالأكل من الثمار والزرع، والنظر ~~إليها. ### | [فصل يجوز ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث] # (7878) فصل: ويجوز ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، في قول عامة أهل العلم. ~~ولم يجزه علي، ولا ابن عمر - رضي الله عنه - لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث. ولنا، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما ~~بدا لكم» رواه. مسلم. وروت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إنما نهيتكم # PageV09P449 # للدافة التي دفت، فكلوا، وتزودوا، وتصدقوا، وادخروا» . وقال أحمد: فيه ~~أسانيد صحاح فأما علي وابن عمر فلم يبلغهما ترخيص رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد كانوا سمعوا النهي، فرووا على ما سمعوا. ### | [فصل يجوز إطعام الكافر من الأضحية] # (7879) فصل: ويجوز أن يطعم منها كافرا. وبهذا قال الحسن، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. وقال مالك: غيرهم أحب إلينا. وكره مالك والليث إعطاء ~~النصراني جلد الأضحية. ولنا أنه طعام له أكله فجاز إطعامه للذمي، كسائر ~~طعامه، ولأنه صدقة تطوع، فجاز إطعامها الذمي والأسير، كسائر صدقة التطوع. ~~فأما الصدقة الواجبة منها، فلا يجزئ دفعها إلى كافر لأنها صدقة واجبة، ~~فأشبهت الزكاة، وكفارة اليمين. ### | [مسألة لا يعطى الجازر بأجرته شيئا منها الأضحية] # (7880) مسألة؛ قال: ولا يعطى الجازر بأجرته شيئا منها. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي وأصحاب الرأي. ورخص الحسن وعبد الله بن عبيد بن عمير، في إعطائه ~~الجلد. ولنا، ما روى علي - رضي الله عنه - قال «أمرني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن أقوم على بدنه، وأن أقسم جلودها وجلالها، وأن لا أعطي ~~الجازر منها شيئا، وقال: نحن نعطيه من عندنا» متفق عليه. ولأن ما يدفعه إلى ~~الجزار أجرة عوض عن عمله وجزارته، ولا تجوز المعاوضة بشيء منها. فأما إن ~~دفع إليه لفقره، أو على سبيل الهدية، فلا بأس؛ لأنه مستحق للأخذ، فهو ~~كغيره، بل هو أولى؛ لأنه ms5299 باشرها، وتاقت نفسه إليها. ### | [مسألة الانتفاع بجلد الأضحية] # (7881) مسألة؛ قال: وله أن ينتفع بجلدها، ولا يجوز أن يبيعه، ولا شيئا ~~منها. وجملة ذلك أنه لا يجوز بيع شيء من الأضحية، لا لحمها ولا جلدها، ~~واجبة كانت أو تطوعا لأنها تعينت بالذبح. قال أحمد: لا يبيعها، ولا يبيع ~~شيئا منها. وقال: سبحان الله كيف يبيعها، وقد جعلها لله تبارك وتعالى، وقال ~~الميموني: قالوا لأبي عبد الله: فجلد الأضحية يعطاه السلاخ؟ قال: لا. وحكى ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يعطى الجازر في جزارتها شيئا منها. ~~ثم قال إسناده جيد. وبهذا قال أبو هريرة. وهو مذهب الشافعي. ورخص الحسن، ~~والنخعي في الجلد أن يبيعه ويشتري به الغربال والمنخل وآلة البيت. وروي نحو ~~هذا عن الأوزاعي؛ لأنه ينتفع به هو وغيره، فجرى مجرى تفريق اللحم. وقال أبو ~~حنيفة: # PageV09P450 # يبيع ما شاء منها، ويتصدق بثمنه. وروي عن ابن عمر، أنه يبيع الجلد، ~~ويتصدق بثمنه. وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق. ولنا، أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بقسم جلودها وجلالها، ونهيه أن يعطى الجازر شيئا منها. # ولأنه جعله لله - تعالى، فلم يجز بيعه، كالوقف، وما ذكروه في شراء آلة ~~البيت، يبطل باللحم، لا يجوز بيعه بآلة البيت وإن كان ينتفع به، فأما جواز ~~الانتفاع بجلودها وجلالها، فلا خلاف فيه؛ لأنه جزء منها، فجاز للمضحي ~~الانتفاع به، كاللحم، وكان علقمة ومسروق يدبغان جلد أضحيتهما، ويصليان ~~عليه. وروت عائشة، قالت: «قلت: يا رسول الله، قد كانوا ينتفعون من ضحاياهم، ~~يجملون منها الودك، ويتخذون منها الأسقية. قال: وما ذاك؟ قالت: نهيت عن ~~إمساك لحوم الأضاحي فوق ثلاث. قال: إنما نهيتكم للدافة التي دفت، فكلوا، ~~وتزودوا، وتصدقوا.» حديث صحيح، رواه مالك، عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة ~~عن عائشة - رضي الله عنها - ولأنه انتفاع به، فجاز كلحمها. ### | [مسألة يجوز أن يبدل الأضحية إذا أوجبها بخير منها] # (7882) مسألة؛ قال ويجوز أن يبدل الأضحية إذا أوجبها بخير منها هذا ~~المنصوص عن أحمد. وبه قال عطاء، ومجاهد، وعكرمة، ms5300 ومالك، وأبو حنيفة، ومحمد ~~بن الحسن، واختار أبو الخطاب أنه لا يجوز بيعها، ولا إبدالها؛ لأن أحمد نص ~~في الهدي إذا عطب، أنه يجزئ عنه، وفي الأضحية إذا هلكت، أو ذبحها فسرقت، لا ~~بدل عليه. ولو كان ملكه مازال عنها، لزمه بدلها في هذه المسائل. وهذا مذهب ~~أبي يوسف، والشافعي، وأبي ثور؛ لأنه قد جعلها لله تعالى فلم يملك التصرف ~~فيها بالبيع والإبدال، كالوقف. # ولنا، ما روي، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ساق مائة بدنة في حجته، ~~وقدم علي من اليمن، فأشركه فيها» . رواه مسلم. وهذا نوع من الهبة أو بيع، ~~ولأنه عدل عن عين وجبت لحق الله تعالى إلى خير منها من جنسها، فجاز، كما لو ~~وجبت عليه بنت لبون، فأخرج حقة في الزكاة، فأما بيعها، فظاهر كلام الخرقي، ~~أنه لا يجوز. وقال القاضي: يجوز أن يبيعها، ويشتري خيرا منها، وهو قول ~~عطاء، ومجاهد، وأبي حنيفة؛ لما ذكرنا من حديث بدن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وإشراكه فيها، ولأن ملكه لم يزل عنها، بدليل جواز إبدالها، ولأنها ~~عين يجوز إبدالها، فجاز بيعها كما قبل إيجابها. ولنا، أنه جعلها لله تعالى، ~~فلم يجز بيعها، كالوقف، وإنما جاز إبدالها بجنسها؛ لأنه لم يزل الحق فيها ~~عن جنسها، وإنما انتقل إلى خير منها، فكأنه في المعنى ضم زيادة إليها، وقد ~~جاز إبدال المصحف، ولم يجز # PageV09P451 # بيعه. # وأما حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فالظاهر أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يبعها، وإنما شرك عليا في ثوابها وأجرها. ويحتمل أن ذلك كان ~~قبل إيجابها. وقول الخرقي: بخير منها. يدل على أنه لا يجوز بدونها، ولا ~~خلاف في هذا؛ لأنه تفويت جزء منها، فلم يجز، كإتلافه. وأنه لا يجوز بمثلها؛ ~~لعدم الفائدة في هذا. وقال القاضي: في إبدالها بمثلها احتمالان؛ أحدهما، ~~جوازه؛ لأنه لا ينقص مما وجب عليه شيء، ولنا أنه بغير ما أوجبه لغير فائدة، ~~فلم يجز، كإبداله بما دونها. ### | [مسألة مضى من نهار يوم الأضحى مقدار صلاة العيد وخطبته فقد ms5301 حل الذبح] # (7883) مسألة؛ قال وإذا مضى من نهار يوم الأضحى مقدار صلاة العيد وخطبته، ~~فقد حل الذبح إلى آخر يومين من أيام التشريق نهارا، ولا يجوز ليلا الكلام ~~في وقت الذبح في ثلاثة أشياء أوله، وآخره، وعموم وقته أو خصوصه. أما أوله، ~~فظاهر كلام الخرقي أنه إذا مضى من نهار يوم العيد قدر تحل فيه الصلاة، وقدر ~~الصلاة والخطبتين التامتين في أخف ما يكون، فقد حل وقت الذبح، ولا تعتبر ~~نفس الصلاة، لا فرق في هذا بين أهل المصر وغيرهم. # وهذا مذهب الشافعي، وابن المنذر وظاهر كلام أحمد، أن من شرط جواز التضحية ~~في حق أهل المصر صلاة الإمام وخطبته. وروي نحو هذا عن الحسن، والأوزاعي، ~~ومالك، وأبي حنيفة، وإسحاق؛ لما روى جندب بن عبد الله البجلي، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى.» وعن ~~البراء، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى صلاتنا، ونسك ~~نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي، فليعد مكانها أخرى» متفق ~~عليه. وفي لفظ قال: إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم، الذبح، فمن ذبح ~~قبل الصلاة، فتلك شاة لحم قدمها لأهله، ليس من النسك في شيء " وظاهر هذا ~~اعتبار نفس الصلاة. وقال عطاء: وقتها إذا طلعت الشمس؛ لأنها عبادة يتعلق ~~آخرها بالوقت، فتعلق أولها بالوقت، كالصيام. # وهذا وجه قول الخرقي ومن وافقه. والصحيح، إن شاء الله تعالى، أن وقتها في ~~الموضع الذي يصلى فيه بعد الصلاة؛ لظاهر الخبر، والعمل بظاهره أولى. فأما ~~غير أهل الأمصار والقرى، فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة والخطبة بعد ~~الصلاة؛ لأنه لا صلاة في حقهم تعتبر، فوجب الاعتبار بقدرها. وقال أبو ~~حنيفة: أول وقتها في حقهم إذا طلع الفجر الثاني؛ لأنه من يوم النحر، فكان ~~وقتها منه كسائر اليوم. # PageV09P452 # ولنا، أنها عبادة وقتها في حق أهل المصر بعد إشراق الشمس، فلا تتقدم ~~وقتها في حق غيرهم، كصلاة العيد. وما ذكروه يبطل بأهل الأمصار فإن لم ms5302 يصل ~~الإمام في المصر، لم يجز الذبح حتى تزول الشمس؛ لأنها حينئذ تسقط، فكأنه قد ~~صلى، وسواء ترك الصلاة عمدا أو غير عمد، لعذر أو غيره. فأما الذبح في اليوم ~~الثاني، فهو في أول النهار؛ لأن الصلاة فيه غير واجبة، ولأن الوقت قد دخل ~~في اليوم الأول، وهذا من أثنائه، فلا تعتبر فيه صلاة ولا غيرها. وإن صلى ~~الإمام في المصلى، واستخلف من صلى في المسجد، فمتى صلوا في أحد الموضعين ~~جاز الذبح؛ لوجود الصلاة التي يسقط بها الفرض عن سائر الناس فإن ذبح بعد ~~الصلاة قبل الخطبة أجزأ، في ظاهر كلام أحمد؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - علق المنع على فعل الصلاة، فلا يتعلق بغيره، ولأن الخطبة غير واجبة. ~~وهذا قول الثوري. # الثاني، آخر الوقت، وآخره آخر اليوم الثاني من أيام التشريق فتكون أيام ~~النحر ثلاثة؛ يوم العيد، ويومان بعده. وهذا قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن ~~عباس، وأبي هريرة، وأنس. قال أحمد: أيام النحر ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي رواية، قال: خمسة من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. ولم يذكر أنسا. وهو قول مالك، والثوري، وأبي ~~حنيفة. وروي عن علي، آخر أيام التشريق. وهو مذهب الشافعي، وقول عطاء، ~~والحسن؛ لأنه روي عن جبير بن مطعم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«أيام منى كلها منحر» . ولأنها أيام تكبير وإفطار، فكانت محلا للنحر ~~كالأولين. # وقال ابن سيرين: لا تجوز إلا في يوم النحر خاصة؛ لأنها وظيفة عيد، فلا ~~تجوز إلا في يوم واحد، كأداء الفطر. يوم الفطر. وقال سعيد بن جبير، وجابر ~~بن زيد، كقول ابن سيرين في أهل الأمصار، وقولنا في أهل منى، وعن أبي سلمة ~~بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار: تجوز التضحية إلى هلال المحرم. وقال أبو ~~أمامة بن سهل بن حنيف: كان الرجل من المسلمين يشتري أضحية، فيسمنها حتى ~~يكون آخر ذي الحجة، فيضحي بها. رواه الإمام أحمد بإسناده. وقال: هذا الحديث ~~عجيب. ms5303 وقال: أيام الأضحى التي أجمع عليها ثلاثة أيام. ولنا، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث. # ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، ولأن اليوم الرابع لا ~~يجب الرمي فيه، فلم تجز التضحية فيه، كالذي بعده، # PageV09P453 # ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم إلا رواية عن علي، وقد روي ~~عنه مثل مذهبنا، وحديثهم إنما هو: " ومنى كلها منحر ". ليس فيه ذكر الأيام، ~~والتكبير أعم من الذبح، وكذلك الإفطار، بدليل أول يوم النحر، ويوم عرفة يوم ~~تكبير، ولا يجوز الذبح فيه. الثالث، في زمن الذبح، وهو النهار دون الليل نص ~~عليه أحمد، في رواية الأثرم. وهو قول مالك. وروي عن عطاء ما يدل عليه. وحكي ~~عن أحمد، رواية أخرى، أن الذبح يجوز ليلا. # وهو اختيار أصحابنا المتأخرين، وقول الشافعي، وإسحاق، وأبي حنيفة ~~وأصحابه؛ لأن الليل زمن يصح فيه الرمي، فأشبه النهار. ووجه قول الخرقي قول ~~الله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام} [الحج: 28] وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن ~~الذبح بالليل. ولأنه ليل يوم يجوز الذبح فيه، فأشبه ليلة يوم النحر، ولأن ~~الليل تتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب، فلا يفرق طريا، فيفوت بعض المقصود؛ ~~ولهذا قالوا: يكره الذبح فيه. فعلى هذا، إن ذبح ليلا لم يجزئه عن الواجب، ~~وإن كان تطوعا فذبحها، كانت شاة لحم، ولم تكن أضحية، فإن فرقها، حصلت ~~القربة بتفريقها، دون ذبحها. ### | [فصل فات وقت الذبح الأضحية] # (7884) فصل: إذا فات وقت الذبح، ذبح الواجب قضاء، وصنع به ما يصنع ~~بالمذبوح في وقته، وهو مخير في التطوع، فإن فرق لحمها كانت القربة بذلك دون ~~الذبح؛ لأنها شاة لحم، وليست أضحية، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ~~يسلمها إلى الفقراء، ولا يذبحها، فإن ذبحها فرق لحمها، وعليه أرش ما نقصها ~~الذبح؛ لأن الذبح قد سقط بفوات وقته. # ولنا، أن الذبح أحد مقصودي الأضحية، فلا يسقط بفوات وقته ms5304 كتفرقة اللحم، ~~وذلك أنه لو ذبحها في الأيام، ثم خرجت قبل تفريقها، فرقها بعد ذلك. ويفارق ~~الوقوف والرمي، ولأن الأضحية لا تسقط بفواتها، بخلاف ذلك. ### | [فصل وجبت الأضحية بإيجابه لها فضلت أو سرقت بغير تفريط منه] # (7885) فصل: إذا وجبت الأضحية بإيجابه لها، فضلت أو سرقت بغير تفريط منه، ~~فلا ضمان عليه، لأنها أمانة في يده، فإن عادت إليه ذبحها، سواء كان في زمن ~~الذبح، أو فيما بعد، على ما ذكرناه. # PageV09P454 ### | [مسألة ذبح الأضحية قبل الصلاة] # (7886) مسألة؛ قال فإن ذبح قبل ذلك لم يجزئه، ولزمه البدل وذلك لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى» . ~~ولأنها نسيكة واجبة، ذبحها قبل وقتها، فلزمه بدلها، كالهدي إذا ذبحه قبل ~~محله. ويجب أن يكون بدلها مثلها أو خيرا منها؛ لأن ذبحها قبل محلها إتلاف ~~لها. وكلام الخرقي، ومن أطلق من أصحابنا، محمول على الأضحية الواجبة بنذر ~~أو تعيين، فإن كانت غير واجبة بواحد من الأمرين، فهي شاة لحم، ولا بدل ~~عليه، إلا أن يشاء؛ لأنه قصد التطوع فأفسده، فلم يجب عليه بدله، كما لو خرج ~~بصدقة تطوع فدفعها إلى غير مستحقها، والحديث يحمل على أحد أمرين؛ إما ~~الندب، وإما على التخصيص بمن وجبت عليه؛ بدليل ما ذكرنا. # فأما الشاة المذبوحة، فهي شاة لحم، كما وصفها النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ومعناه يصنع بها ما شاء، كشاة ذبحها للحمها، لا لغير ذلك، فإن هذه إن ~~كانت واجبة، فقد لزمه إبدالها، وذبح ما يقوم مقامها، فخرجت هذه عن كونها ~~واجبة، كالهدي الواجب، إذا عطب دون محله، وإن كان تطوعا، فقد أخرجها بذبحه ~~إياها قبل محلها عن القربة، فبقيت مجرد شاة لحم. ويحتمل أن يكون حكمها حكم ~~الأضحية، كالهدي إذا عطب؛ لا يخرج عن حكم الهدي على رواية، ويكون، معنى ~~قوله " شاة لحم ". أي في فضلها وثوابها خاصة، دون ما يصنع بها. ### | [مسألة لا يستحب أن يذبحها إلا مسلم الأضحية] # (7887) مسألة؛ قال: ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم، وإن ذبحها بيده ms5305 كان ~~أفضل وجملته أنه يستحب أن لا يذبح الأضحية إلا مسلم؛ لأنها قربة، فلا يليها ~~غير أهل القربة، وإن استناب ذميا في ذبحها، جاز مع الكراهة. وهذا قول ~~الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. وحكي عن أحمد، لا يجوز أن يذبحها إلا ~~مسلم. وهذا قول مالك وممن كره ذلك علي، وابن عباس، وجابر - رضي الله عنهم - ~~وبه قال الحسن، وابن سيرين. وقال جابر: لا يذبح النسك إلا مسلم؛ لما روي في ~~حديث ابن عباس الطويل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ولا يذبح ضحاياكم ~~إلا طاهر ". ولأن الشحوم تحرم علينا مما يذبحونه على رواية، فيكون ذلك ~~بمنزلة إتلافه. # ولنا، أن من جاز له ذبح غير الأضحية، جاز له ذبح الأضحية، كالمسلم، ويجوز ~~أن يتولى الكافر ما كان قربة للمسلم، كبناء المساجد والقناطر، ولا نسلم ~~تحريم الشحوم علينا بذبحهم، والحديث محمول على الاستحباب، والمستحب أن ~~يذبحها المسلم ليخرج من الخلاف. وإن ذبحها بيده كان أفضل؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV09P455 # ضحى بكبشين أقرنين أملحين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على ~~صفاحهما. ونحر البدنات الست بيده. ونحر من البدن التي ساقها في حجته ثلاثا ~~وستين بدنة بيده. ولأن فعله قربة، وفعل القربة أولى من استنابته فيها فإن ~~استناب فيها، جاز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استناب من نحر باقي ~~بدنه بعد ثلاث وستين. وهذا لا شك فيه. # ويستحب أن يحضر ذبحها؛ لأن في حديث ابن عباس الطويل " واحضروها إذا ذبحتم ~~فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها ". وروي «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لفاطمة: احضري أضحيتك، يغفر لك بأول قطرة من دمها.» ### | [مسألة التسمية عند الذبح] # (7888) مسألة؛ قال ويقول عند الذبح: بسم الله، والله أكبر. وإن نسي فلا ~~يضره. ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا ذبح قال: بسم الله، ~~والله أكبر» وفي حديث أنس: وسمى وكبر. وكذلك كان يقول ابن عمر. وبه يقول ~~أصحاب الرأي، ولا نعلم في استحباب هذا خلافا، ولا في أن ms5306 التسمية مجزئة. وإن ~~نسي التسمية، أجزأه، على ما ذكرنا في الذبائح. وإن زاد فقال: اللهم هذا منك ~~ولك، اللهم تقبل مني، أو من فلان. فحسن. وبه قال أكثر أهل العلم. # وقال أبو حنيفة: يكره أن يذكر اسم غير الله؛ لقول الله تعالى: {وما أهل ~~به لغير الله} [البقرة: 173] . ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي ~~بكبش له ليذبحه، فأضجعه، ثم قال: اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد. ~~ثم ضحى» . رواه مسلم. وفي حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~«اللهم منك ولك، عن محمد وأمته، بسم الله، والله اكبر. ثم ذبح» . وهذا نص ~~لا يعرج على خلافه. # (7889) مسألة؛ قال: وليس عليه أن يقول عند الذبح عمن لأن النية تجزئ لا ~~أعلم خلافا في أن النية تجزئ، # PageV09P456 # وإن ذكر من يضحي عنه فحسن؛ لما روينا من الحديث. قال الحسن: يقول بسم ~~الله، والله أكبر، هذا منك ولك، تقبل من فلان. وكره أهل الرأي هذا. وقد ~~ذكرناه في التي قبلها. ### | [فصل عين أضحية فذبحها غيره بغير إذنه] # (7890) فصل: وإن عين أضحية، فذبحها غيره بغير إذنه، أجزأت عن صاحبها، ولا ~~ضمان على ذابحها. وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك: هي شاة لحم، لصاحبها ~~أرشها، وعليه بدلها؛ لأن الذبح عبادة، فإذا فعلها غير صاحبها عنه بغير إذنه ~~لم تقع الموقع، كالزكاة. وقال الشافعي: تجزئ عن صاحبها، وله على ذابحها أرش ~~ما بين قيمتها صحيحة ومذبوحة؛ لأن الذبح أحد مقصودي الهدي، فإذا فعله فاعل ~~بغير إذن المضحي، ضمنه، كتفرقة اللحم. # ولنا، على مالك، أنه فعل لا يفتقر إلى النية، فإذا فعله غير الصاحب أجزأ ~~عنه، كغسل ثوبه من النجاسة. وعن الشافعي، أنها أضحية أجزأت عن صاحبها، ~~ووقعت موقعها، فلم يضمن ذابحها، كما لو كان بإذن، ولأنه إراقة دم تعين ~~إراقته لحق الله - تعالى، فلم يضمن مريقه، كقاتل المرتد بغير إذن الإمام، ~~ولأن الأرش لو وجب، فإنما يجب ما بين كونها مستحقة الذبح في هذه الأيام ~~متعينة له وما بين كونها ms5307 مذبوحة، ولا قيمة لهذه الحياة، ولا تفاوت بين ~~القيمتين، فتعذر وجود الأرش ووجوبه، ولأنه لو وجب الأرش لم يخل إما أن يجب ~~للمضحي، أو للفقراء، لا جائز أن يجب للفقراء؛ لأنهم إنما يستحقونها مذبوحة، ~~ولو دفعها إليهم في الحياة لم يجز، ولا جائز أن يجب له؛ لأنه لا يجوز أن ~~يأخذ بدل شيء منها، كعضو من أعضائها، ولأنهم وافقونا في أن الأرش لا يدفع ~~إليه، فيتعذر إيجابه، لعدم مستحقه. ### | [فصل نذر أضحية في ذمته ثم ذبحها] # (7891) فصل: وإن نذر أضحية في ذمته ثم ذبحها، فله أن يأكل منها. وقال ~~القاضي: من أصحابنا من منع الأكل منها. وهو ظاهر كلام أحمد، وبناه على ~~الهدي المنذور. ولنا، أن النذر محمول على المعهود، والمعهود من الأضحية ~~الشرعية ذبحها، والأكل منها، والنذر لا يغير من صفة المنذور إلا الإيجاب، ~~وفارق الهدي الواجب بأصل الشرع؛ لا يجوز الأكل منه، فالمنذور محمول عليه، ~~بخلاف الأضحية. ### | [فصل لا يضحي عما في البطن] # (7892) فصل: ولا يضحي عما في البطن. وروي ذلك عن ابن عمر. وبه قال ~~الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. ولا نعلم مخالفا لهم. وليس للعبد، ~~والمدبر، والمكاتب، وأم الولد، أن يضحوا إلا بإذن سادتهم؛ لأنهم ممنوعون من ~~التصرف بغير إذنهم، إلا المكاتب، فإنه ممنوع من التبرع، والأضحية تبرع. ~~وأما من نصفه # PageV09P457 # حر إذا ملك بجزئه الحر شيئا، فله أن يضحي بغير إذن سيده؛ لأن له أن يتبرع ~~بغير إذنه ### | [مسألة يجوز أن يشترك السبعة فيضحوا بالبدنة والبقرة] # (7893) مسألة؛ قال: ويجوز أن يشترك السبعة، فيضحوا بالبدنة والبقرة ~~وجملته أنه يجوز أن يشترك في التضحية بالبدنة والبقرة سبعة، واجبا كان أو ~~تطوعا، سواء كانوا كلهم متقربين، أو يريد بعضهم القربة وبعضهم اللحم. وبهذا ~~قال الشافعي وقال مالك: لا يجوز الاشتراك في الهدي. وقال أبو حنيفة: يجوز ~~للمتقربين، ولا يجوز إذا كان بعضهم غير متقرب؛ لأن الذبح واحد، فلا يجوز أن ~~تختل نية القربة فيه. ولنا، ما روى جابر، قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن نشترك ms5308 في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة» رواه مسلم. # ولنا، على أبي حنيفة، أن الجزء المجزأ لا ينقص بإرادة الشريك غير القربة، ~~فجاز، كما لو اختلفت جهات القرب، فأراد بعضهم التضحية، وبعضهم الفدية. ~~(7894) فصل: ويحوز للمشتركين قسمة اللحم، ومنع منه أصحاب الشافعي في وجه، ~~بناء على أن القسمة بيع، وبيع لحم الهدي والأضحية غير جائز. ولنا، أن أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاشتراك، مع أن سنة الهدي والأضحية الأكل ~~منها، دليل على تجويز القسمة، إذ لا يتمكن واحد منهم من الأكل إلا بالقسمة، ~~وكذلك الصدقة والهدية، ولا نسلم أن القسمة بيع، بل هي إفراز حق، على ما ~~ذكرناه في باب القسمة. ### | [مسألة حكم العقيقة] # (7895) مسألة؛ قال والعقيقة سنة، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة ~~العقيقة: الذبيحة التي تذبح عن المولود، وقيل: هي الطعام الذي يصنع ويدعى ~~إليه من أجل المولود. قال أبو عبيد: الأصل في العقيقة. الشعر الذي على ~~المولود، وجمعها عقائق، ومنها قول الشاعر: # أيا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا # PageV09P458 # ثم إن العرب سمت الذبيحة عند حلق شعره عقيقة، على عاداتهم في تسمية الشيء ~~باسم سببه أو ما جاوره، ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية، وصارت ~~الحقيقة مغمورة فيه، فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة. وقال ~~ابن عبد البر: أنكر أحمد هذا التفسير، وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه. ~~ووجهه أن أصل العق القطع، ومنه عق والديه، إذا قطعهما. # والذبح قطع الحلقوم والمريء والودجين. والعقيقة سنة في قول عامة أهل ~~العلم؛ منهم ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وفقهاء التابعين، وأئمة الأمصار، ~~إلا أصحاب الرأي، قالوا ليست سنة، وهي من أمر الجاهلية. وروي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «أنه سئل عن العقيقة، فقال: إن الله - تعالى - لا يحب ~~العقوق. فكأنه كره الاسم، وقال: من ولد له مولود، فأحب أن ينسك عنه ~~فليفعل.» رواه مالك في " موطئه " لو. وقال الحسن وداود: هي واجبة. وروي عن ~~بريدة، أن الناس يعرضون عليها، كما يعرضون على ms5309 الصلوات الخمس؛ لما روى سمرة ~~بن جندب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل غلام رهينة بعقيقته، ~~تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، وتحلق رأسه» . وعن أبي هريرة مثله. قال ~~أحمد: إسناده جيد، وروى حديث سمرة الأثرم، وأبو داود. وعن عائشة، «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة.» ~~وظاهر الأمر الوجوب. ولنا، على استحبابها هذه الأحاديث، وعن أم كرز ~~الكعبية، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «عن الغلام ~~شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» . وفي لفظ: «عن الغلام شاتان مثلان، وعن ~~الجارية شاة» . رواه أبو داود، وفي رواية قال: " العقيقة عن الغلام شاتان ~~". # والإجماع، قال أبو الزناد: العقيقة من أمر الناس، كانوا يكرهون تركه. ~~وقال أحمد: العقيقة سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عق عن ~~الحسن والحسين، وفعله أصحابه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الغلام ~~مرتهن بعقيقته ". وهو إسناد جيد، يرويه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. وجعلها أبو حنيفة من أمر الجاهلية، وذلك لقلة علمه ومعرفته ~~بالأخبار. وأما بيان كونها غير واجبة، فدليله ما احتج به أصحاب الرأي من ~~الخبر، وما رووه محمول على تأكيد الاستحباب، جمعا بين الأخبار، ولأنها ~~ذبيحة لسرور حادث، فلم تكن واجبة، كالوليمة والنقيعة. # PageV09P459 ### | [فصل العقيقة أفضل من الصدقة] # (7896) فصل: والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمتها. نص عليه أحمد، وقال: إذا ~~لم يكن عنده ما يعق، فاستقرض، رجوت أن يخلف الله عليه، إحياء سنة. قال ابن ~~المنذر: صدق أحمد، إحياء السنن واتباعها أفضل، وقد ورد فيها من التأكيد في ~~الأخبار التي رويناها ما لم يرد في غيرها. ولأنها ذبيحة أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بها، فكانت أولى، كالوليمة والأضحية. ### | [مسألة العقيقة عن الغلام وعن الجارية شاة] # (7897) مسألة؛ قال عن الغلام، وعن الجارية شاة. هذا قول أكثر القائلين ~~بها وبه قال ابن عباس، وعائشة، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وكان ابن عمر ~~يقول: شاة شاة عن الغلام والجارية. لما روي عن ms5310 النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «أنه عق عن الحسن شاة، وعن الحسين شاة» . رواه أبو داود كان الحسن، ~~وقتادة، لا يريان عن الجارية عقيقة؛ لأن العقيقة شكر للنعمة الحاصلة ~~بالولد، والجارية لا يحصل بها سرور، فلا يشرع لها عقيقة. # ولنا، حديث عائشة، وأم كرز، وهذا نص، وما رووه محمول على الجواز. إذا ثبت ~~هذا، فالمستحب أن تكون الشاتان متماثلتين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: " شاتان مكافئتان ". وفي رواية " مثلان " قال أحمد: يعني متماثلتين؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " شاتان مكافئتان " وفي رواية: " مثلان ~~". قال أحمد: يعني لما جاء من الحديث فيه، ويجوز فيها الذكر والأنثى لما ~~روي في حديث أم كرز، أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «عن ~~الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة، ولا بأس أن يكون ذكورا أو إناثا» ~~. رواه سعيد، وأبو داود. # والذكر أفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عق عن الحسن والحسين بكبش ~~كبش، وضحى بكبشين أقرنين. والعقيقة تجري مجرى الأضحية. والأفضل في لونها ~~البياض، على ما ذكرنا في الأضحية؛ لأنها تشبهها. ويستحب استسمانها، ~~واستعظامها، واستحسانها كذلك. وإن خالف ذلك، أو عق بكبش واحد أجزأ؛ لما ~~روينا من حديث الحسن والحسين. # PageV09P460 ### | [مسألة متى تذبح العقيقة] # (7898) مسألة؛ قال ويذبح يوم السابع قال أصحابنا: السنة أن تذبح يوم ~~السابع، فإن فات ففي أربع عشرة، فإن فات ففي إحدى وعشرين. ويروى هذا عن ~~عائشة. وبه قال إسحاق. وعن مالك، في الرجل يريد أن يعق عن ولده، فقال: ما ~~علمت هذا من أمر الناس، وما يعجبني. ولا نعلم خلافا بين أهل العلم القائلين ~~بمشروعيتها في استحباب ذبحها يوم السابع. والأصل فيه حديث سمرة، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم ~~سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه» . وأما كونه في أربع عشرة، ثم في أحد ~~وعشرين، فالحجة فيه قول عائشة - رضي الله عنها - وهذا تقدير، الظاهر أنها ~~لا تقوله إلا توقيفا. # وإن ذبح قبل ذلك أو بعده، أجزأه؛ ms5311 لأن المقصود يحصل. وإن تجاوز أحدا ~~وعشرين، احتمل أن يستحب في كل سابع، فيجعله في ثمانية وعشرين، فإن لم يكن، ~~ففي خمسة وثلاثين، وعلى هذا، قياسا على ما قبله، واحتمل أن يجوز في كل وقت؛ ~~لأن هذا قضاء فائت، فلم يتوقف، كقضاء الأضحية وغيرها. وإن لم يعق أصلا، ~~فبلغ الغلام، وكسب، فلا عقيقة عليه. وسئل أحمد عن هذه المسألة، فقال: ذلك ~~على الوالد. يعني لا يعق عن نفسه؛ لأن السنة في حق غيره. وقال عطاء، ~~والحسن: يعق عن نفسه؛ لأنها مشروعة عنه ولأنه مرتهن بها، فينبغي أن يشرع له ~~فكاك نفسه. ولنا، أنها مشروعة في حق الوالد، فلا يفعلها غيره، كالأجنبي، ~~وكصدقة الفطر. ### | [فصل يستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع ويسمى] # (7899) فصل: ويستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع، ويسمى؛ لحديث سمرة. ~~وإن تصدق بزنة شعره فضة فحسن؛ لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لفاطمة، لما ولدت الحسن: احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة على ~~المساكين والأفاوض» . يعني أهل الصفة. رواه الإمام أحمد. وروى سعيد، في ~~سننه، عن محمد بن علي، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عق عن الحسن ~~والحسين بكبش كبش، وأنه تصدق بوزن شعورهما ورقا» ، وأن فاطمة كانت إذا ولدت ~~ولدا، حلقت شعره، وتصدقت بوزنه ورقا. # وإن سماه قبل السابع، جاز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ولد ~~الليلة لي غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم.» وسمى الغلام الذي جاءه به أنس ~~بن مالك، فحنكه وسماه عبد الله. ويستحب أن يحسن اسمه؛ لأنه روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء ~~آبائكم، فأحسنوا أسماءكم» . وقال - عليه السلام - «أحب # PageV09P461 # الأسماء إلي عبد الله، وعبد الرحمن» حديث صحيح. وروي عن سعيد بن المسيب، ~~أنه قال: أحب الأسماء إلى الله تعالى، أسماء الأنبياء، «وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» . وفي رواية: «لا تجمعوا ~~بين اسمي وبين كنيتي.» ### | [فصل يكره أن يلطخ رأس المولود ms5312 بدم] # (7900) فصل: ويكره أن يلطخ رأسه بدم. كره ذلك أحمد، والزهري، ومالك، ~~والشافعي، وابن المنذر. وحكي عن الحسن، وقتادة، أنه مستحب؛ لما روي في حديث ~~سمرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح ~~عنه يوم السابع، ويدمى» . رواه همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة. قال ابن ~~عبد البر: لا أعلم أحدا قال هذا إلا الحسن وقتادة، وأنكره سائر أهل العلم، ~~وكرهوه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مع الغلام عقيقته فأهريقوا ~~عنه دما، وأميطوا عنه الأذى» . رواه أبو داود. # وهذا يقتضي أن لا يمس بدم؛ لأنه أذى. وروى يزيد بن عبد المزني، عن أبيه، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يعق عن الغلام، ولا يمس رأسه بدم» . ~~قال مهنا: ذكرت هذا الحديث لأحمد، فقال: ما أظرفه. ورواه ابن ماجه، ولم ~~يقل: عن أبيه. ولأن هذا تنجيس له، فلا يشرع، كلطخه بغيره من النجاسات، وقال ~~بريدة: كنا في الجاهلية، إذا ولد لأحدنا غلام، ذبح شاة، ويلطخ رأسه بدمها، ~~فلما جاء الإسلام، كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران. رواه أبو ~~داود. # فأما رواية من روى: " ويدمى " فقال أبو داود " ويسمى " أصح. هكذا قال ~~سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، وإياس بن دغفل، عن الحسن، ووهم همام، فقال: " ~~ويدمى "، قال أحمد: قال فيه ابن أبي عروبة " يسمى ". وقال همام " يدمى " ~~وما أراه إلا خطأ. وقد قيل: هو تصحيف من الراوي. ### | [مسألة يجتنب في العقيقة من العيب ما يجتنب في الأضحية] # (7901) مسألة؛ قال: ويجتنب فيها من العيب ما يجتنب في الأضحية # PageV09P462 # وجملته أن حكم العقيقة حكم الأضحية؛ في سنها، وأنه يمنع فيها من العيب ما ~~يمنع فيها، ويستحب فيها من الصفة ما يستحب فيها. وكانت عائشة تقول: ائتوني ~~به أعين أقرن. # وقال عطاء: لذكر أحب إلي من الأنثى، والضأن أحب من المعز. فلا يجزئ فيها ~~أقل من الجذع من الضأن والثني من المعز، ولا تجوز فيها العوراء البين ~~عورها، والعرجاء البين ظلعها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء ms5313 التي لا ~~تنقى، والعضباء التي ذهب أكثر من نصف أذنها أو قرنها. وتكره فيها الشرقاء، ~~والخرقاء، والمقابلة، والمدابرة، ويستحب استشراف العين والأذن، كما ذكرنا ~~في الأضحية سواء؛ لأنها تشبهها، فتقاس عليها. ### | [مسألة سبيل العقيقة في الأكل والهدية والصدقة] # (7902) مسألة؛ قال: وسبيلها في الأكل والهدية والصدقة سبيلها، إلا أنها ~~تطبخ أجدالا. وبهذا قال الشافعي. وقال ابن سيرين: اصنع بلحمها كيف شئت. ~~وقال ابن جريج: تطبخ بماء وملح، وتهدى الجيران والصديق، ولا يتصدق منها ~~بشيء، وسئل أحمد عنها، فحكى قول ابن سيرين. وهذا يدل على أنه ذهب إليه. ~~وسئل هل يأكلها كلها؟ قال: لم أقل يأكلها كلها، ولا يتصدق منها بشيء. ~~والأشبه قياسها على الأضحية؛ لأنها نسيكة مشروعة غير واجبة، فأشبهت ~~الأضحية، ولأنها أشبهتها في صفاتها وسنها وقدرها وشروطها، فأشبهتها في ~~مصرفها. # وإن طبخها، ودعا إخوانه فأكلوها، فحسن. ويستحب أن تفصل أعضاؤها، ولا تكسر ~~عظامها؛ لما روي عن عائشة، أنها قالت: السنة شاتان مكافئتان عن الغلام، وعن ~~الجارية شاة، تطبخ جدولا، ولا يكسر عظم، يأكل، ويطعم، ويتصدق، وذلك يوم ~~السابع. قال أبو عبيد الهروي في العقيقة تطبخ جدولا، لا يكسر لها عظم. أي ~~عضوا عضوا، وهو الجدل، بالدال غير المعجمة، والإرب، والشلو، والعضو والوصل، ~~كله واحد. وإنما فعل بها ذلك؛ لأنها أول ذبيحة ذبحت عن المولود، فاستحب ~~فيها ذلك تفاؤلا بالسلامة. كذلك قالت عائشة. وروي أيضا عن عطاء، وابن جريج. ~~وبه قال الشافعي. ### | [فصل يباع في الأضحية الجلد والرأس والسقط يتصدق به] # (7903) فصل: قال أحمد: يباع الجلد والرأس والسقط، يتصدق به. وقد نص في ~~الأضحية على خلاف هذا، وهو أقيس في مذهبه؛ لأنها ذبيحة لله، فلا يباع منها ~~شيء، كالهدي، ولأنه تمكن الصدقة بذلك بعينه، فلا حاجة إلى بيعه. وقال أبو ~~الخطاب: يحتمل أن ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى، فيخرج في المسألتين ~~روايتان، ويحتمل أن يفرق بينهما من حيث إن الأضحية ذبيحة شرعت يوم النحر، ~~فأشبهت الهدي، والعقيقة شرعت عند سرور حادث، وتجدد نعمة، فأشبهت الذبيحة في ~~الوليمة، ولأن الذبيحة هاهنا لم ms5314 تخرج عن ملكه، فكان له أن يفعل بها ما شاء، ~~من بيع وغيره، والصدقة بثمن ما بيع منها بمنزلة الصدقة به في فضلها، ~~وثوابها، وحصول النفع به، فكان له ذلك # PageV09P463 ### | [فصل يستحب للوالد أن يؤذن في أذن ابنه حين يولد] # (7904) فصل: قال بعض أهل العلم: يستحب للوالد أن يؤذن في أذن ابنه حين ~~يولد؛ لما روى عبد الله بن رافع، عن أمه، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة» . وعن عمر بن عبد العزيز، أنه كان إذا ~~ولد له مولود، أخذه في خرقة، فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وسماه. ~~وروينا أن رجلا قال لرجل عند الحسن يهنئه بابن له: ليهنك الفارس. فقال ~~الحسن: وما يدريك أنه فارس هو أو حمار؟ فقال: كيف نقول؟ قال: قل: بورك في ~~الموهوب، وشكرت الواهب، وبلغ أشده، ورزقت بره. وروي أن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يحنك أولاد الأنصار بالتمر» . # وروى أنس قال: «ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حين ولد قال: هل معك تمر؟ . فناولته تمرات، فلاكهن، ثم فغر فاه ~~ثم مجه فيه، فجعل يتلمظ. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حب ~~الأنصار التمر وسماه عبد الله» . ### | [فصل الفرعة والعتيرة في الأضحية] # فصل: قال أصحابنا: لا تسن الفرعة ولا العتيرة. وهو قول علماء الأمصار سوى ~~ابن سيرين، فإنه كان يذبح العتيرة في رجب، ويروي فيها شيئا. والفرعة ~~والفرع؛ بفتح الراء: أول ولد الناقة. كانوا يذبحونه لآلهتهم في الجاهلية ~~فنهوا عنها. قال ذلك أبو عمرو الشيباني. وقال أبو عبيد العتيرة هي الرجبية، ~~كان أهل الجاهلية إذا طلب أحدهم أمرا، نذر أن يذبح من غنمه شاة في رجب، وهي ~~العتائر. والصحيح، إن شاء الله تعالى، أنهم كانوا يذبحونها في رجب من غير ~~نذر، جعلوا ذلك سنة فيما بينهم، كالأضحية في الأضحى، وكان منهم من ينذرها ~~كما قد تنذر الأضحية، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «على كل أهل ms5315 ~~بيت أضحاة وعتيرة» . وهذا الذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في بدء ~~الإسلام تقرير لما كان في الجاهلية، وهو يقتضي ثبوتها بغير نذر، ثم نسخ ذلك ~~بعد. ولأن العتيرة لو كانت هي المنذورة لم تكن منسوخة، فإن الإنسان لو نذر ~~ذبح شاة في أي وقت كان، لزمه الوفاء بنذره. والله أعلم. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالفرعة، من كل خمس واحدة» . قال ابن المنذر: هذا حديث ثابت. # PageV09P464 # ولنا ما روى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا فرع، ~~ولا عتيرة.» متفق عليه. وهذا الحديث متأخر عن الأمر بها، فيكون ناسخا، ~~ودليل تأخره أمران؛ أحدهما، أن راويه أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام، فإن ~~إسلامه في سنة فتح خيبر، وهي السنة السابعة من الهجرة. والثاني، أن الفرع ~~والعتيرة كان فعلهما أمرا متقدما على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين ~~نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له، ولو قدرنا تقدم النهي على الأمر بها، ~~لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها، وهذا خلاف الظاهر. # إذا ثبت هذا فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة، لا تحريم فعلها، ولا ~~كراهته، فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب، أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك، أو ~~للصدقة به وإطعامه، لم يكن ذلك مكروها، والله - تعالى - أعلم. # PageV09P465 ### | [كتاب السبق والرمي] # المسابقة جائزة بالسنة والإجماع. أما السنة، فروى ابن عمر، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع، ~~وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق.» متفق عليه. قال موسى ~~بن عقبة: من الحفياء. إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة أميال. # وقال سفيان: من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه. وأجمع المسلمون ~~على جواز المسابقة في الجملة. والمسابقة على ضربين؛ مسابقة بغير عوض، ~~ومسابقة بعوض. فأما المسابقة بغير عوض، فتجوز مطلقا من غير تقييد بشيء ~~معين، كالمسابقة على الأقدام، والسفن، والطيور، والبغال، والحمير، والفيلة، ms5316 ~~والمزاريق، وتجوز المصارعة، ورفع الحجر، ليعرف الأشد، وغير هذا؛ لأن «النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كان في سفر مع عائشة فسابقته على رجلها، فسبقته، ~~قالت: فلما حملت اللحم، سابقته، فسبقني، فقال: هذه بتلك» رواه أبو داود. # وسابق سلمة بن الأكوع رجلا من الأنصار بين يدي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في يوم ذي قرد. «صارع النبي - صلى الله عليه وسلم - ركانة، فصرعه» . ~~رواه الترمذي. ومر بقوم يربعون حجرا - يعني يرفعونه ليعرفوا الأشد منهم - ~~فلم ينكر عليهم. وسائر المسابقة يقاس على هذا. # وأما المسابقة بعوض، فلا تجوز إلا بين الخيل، والإبل، والرمي؛ لما سنذكره ~~إن شاء الله تعالى. واختصت هذه الثلاثة بتجويز العوض فيها؛ لأنها من آلات ~~الحرب المأمور بتعلمها، وإحكامها، والتفوق فيها، وفي المسابقة بها مع العوض ~~مبالغة في الاجتهاد في النهاية لها، والإحكام لها، وقد ورد الشرع بالأمر ~~بها، والترغيب في فعلها، قال الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] . وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» . وروى ~~سعيد في " سننه " عن خالد بن زيد، قال: # PageV09P466 # كنت رجلا راميا «، وكان عقبة بن عامر الجهني يمر بي فيقول: يا خالد، اخرج ~~بنا نرمي. فلما كان ذات يوم، أبطأت عنه، فقال: هلم أحدثك حديثا سمعته من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة صانعه يحتسب في صنعه الخير، ~~والرامي به، ومنبله، ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، وليس ~~من اللهو إلا ثلاث؛ تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، ~~ومن ترك الرمي بعد ما علمه، رغبة عنه، فإنها نعمة تركها» . # وعن مجاهد، قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:: «إن الملائكة لا ~~تحضر من لهوكم إلا الرهان والنضال» . # قال الأزهري: النضال في الرمي، والرهان في الخيل، والسباق فيهما. قال ~~مجاهد: ورأيت ابن عمر يشتد بين ms5317 الهدفين، إذا أصاب خصلة قال: أنا بها، أنا ~~بها. وعن حذيفة مثله. ### | [مسألة السبق في النصل والحافر والخف لا غير] # (7906) مسألة؛ قال: (والسبق في النصل والحافر والخف لا غير) السبق بسكون ~~الباء، المسابقة والسبق بفتحها: الجعل المخرج في المسابقة. والمراد بالنصل ~~هاهنا السهم ذو النصل، وبالحافر الفرس، وبالخف البعير، عبر عن كل واحد منها ~~بجزء منه يختص به. ومراد الخرقي أن المسابقة بعوض لا تجوز إلا في هذه ~~الثلاثة. # وبهذا قال: الزهري، ومالك وقال أهل العراق: يجوز ذلك في المسابقة على ~~الأقدام، والمصارعة؛ لورود الأثر بهما «، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سابق عائشة، وصارع ركانة.» ولأصحاب الشافعي وجهان، كالمذهبين. ولهم في ~~المسابقة في الطيور والسفن وجهان، بناء على الوجهين في المسابقة على ~~الأقدام والمصارعة. ولنا، ما روى أبو هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر» . رواه أبو داود. فنفى السبق ~~في غير هذه الثلاثة. ويحتمل أن يراد به نفي الجعل، أي لا يجوز الجعل إلا في ~~هذه الثلاثة. ويحتمل أن يراد به نفي المسابقة بعوض، فإنه يتعين حمل الخبر ~~على أحد الأمرين، للإجماع على جواز المسابقة بغير عوض في هذه الثلاثة، وعلى ~~كل تقدير فالحديث حجة لنا. # ولأن غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد، كالحاجة إليها، فلم تجز ~~المسابقة عليها بعوض، كالرمي بالحجارة ورفعها. إذا ثبت هذا، فالمراد بالنصل ~~السهام من النشاب والنبل دون غيرهما، والحافر الخيل وحدها، والخف الإبل ~~وحدها. وقال أصحاب الشافعي: تجوز المسابقة بكل ما له نصل من المزاريق، وفي # PageV09P467 # الرمح والسيف وجهان، وفي الفيل والبغال والحمير وجهان لأن للمزاريق ~~والرماح والسيوف نصلا، وللفيل خف، وللبغال والحمير حوافر، فتدخل في عموم ~~الخبر. # ولنا، أن هذه الحيوانات المختلف فيها لا تصلح للكر والفر، ولا يقاتل ~~عليها، ولا يسهم لها، والفيل لا يقاتل عليه أهل الإسلام، والرماح والسيوف ~~لا يرمى بها، فلم تجز المسابقة عليها، كالبقر والتراس، والخبر ليس بعام ~~فيما تجوز المسابقة به؛ لأنه نكرة ms5318 في إثبات، وإنما هو عام في نفي ما لا ~~تجوز المسابقة به بعوض؛ لكونه نكرة في سياق النفي، ثم لو كان عاما، لحمل ~~على ما عهدت المسابقة عليه، وورد الشرع بالحث على تعلمه، وهو ما ذكرناه. ### | [مسألة أرادا أن يستبقا أخرج أحدهما ولم يخرج الآخر] # (7907) مسألة؛ قال وإذا أرادا أن يستبقا، أخرج أحدهما، ولم يخرج الآخر، ~~فإن سبق من أخرج، أحرز سبقه، ولم يأخذ من المسبوق شيئا وإن سبق من لم يخرج، ~~أحرز سبق صاحبه وجملته أن المسابقة إذا كانت بين اثنين أو حزبين، لم تخل ~~إما أن يكون العوض منهما، أو من غيرهما، فإن كان من غيرهما نظرت، فإن كان ~~من الإمام جاز، سواء كان من ماله، أو من بيت المال؛ لأن في ذلك مصلحة وحثا ~~على تعلم الجهاد، ونفعا للمسلمين. وإن كان غير إمام، جاز له بذل العوض من ~~ماله. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك: لا يجوز بذل العوض من غير ~~الإمام؛ لأن هذا مما يحتاج إليه للجهاد، فاختص به الإمام لتولية الولايات ~~وتأمير الأمراء. # ولنا، أنه بذل لماله فيما فيه مصلحة وقربة فجاز كما لو اشترى به خيلا ~~وسلاحا. فأما إن كان منهما، اشترط كون الجعل من أحدهما دون الآخر، فيقول: ~~إن سبقتني فلك عشرة، وإن سبقتك فلا شيء عليك. فهذا جائز. وحكي عن مالك، أنه ~~لا يجوز؛ لأنه قمار. ولنا، أن أحدهما يختص بالسبق، فجاز، كما لو أخرجه ~~الإمام. # ولا يصح ما ذكره؛ لأن القمار أن لا يخلو كل واحد منهما من أن يغنم أو ~~يغرم، وها هنا لا خطر على أحدهما، فلا يكون قمارا فإذا سبق المخرج أحرز ~~سبقه، ولا شيء له على صاحبه، وإن سبق الآخر أخذ سبق المخرج فملكه، وكان ~~كسائر ماله؛ لأنه عوض في الجعالة، فيملك فيها، كالعوض المجعول في رد الضالة ~~والآبق. وإن كان العوض في الذمة، فهو دين يقضى به عليه، ويجبر على تسليمه ~~إن كان موسرا، وإن أفلس، ضرب به مع الغرماء. ### | [فصل حكم المسابقة] # (7908) فصل: والمسابقة ms5319 عقد جائز. ذكره ابن حامد. وهو قول أبي حنيفة، وأحد ~~قولي الشافعي، وقال في الآخر: هو لازم # PageV09P468 # إن كان العوض منهما، وجائز إذا كان من أحدهما أو من غيرهما. وذكره القاضي ~~احتمالا؛ لأنه عقد من شرطه أن يكون العوض والمعوض معلومين، فكان لازما، ~~كالإجارة. ولنا، أنه عقد على ما لا تتحقق القدرة على تسليمه، فكان جائزا، ~~كرد الآبق، فإنه عقد على الإصابة، ولا يدخل تحت قدرته، وبهذا فارق الإجارة. # فعلى هذا، لكل واحد من المتعاقدين الفسخ قبل الشروع في المسابقة، وإن ~~أراد أحدهما الزيادة فيها أو النقصان منها، لم يلزم الآخر إجابته، فأما بعد ~~الشروع في المسابقة، فإن كان لم يظهر لأحدهما فضل على الآخر، جاز الفسخ لكل ~~واحد منهما، وإن ظهر لأحدهما فضل، مثل أن يسبقه بفرسه في بعض المسابقة، أو ~~يصيب بسهامه أكثر منه، فللفاضل الفسخ، ولا يجوز للمفضول؛ لأنه لو جاز له ~~ذلك لفات غرض المسابقة، لأنه متى بان له سبق صاحبه له فسخها، وترك ~~المسابقة، فلا يحصل المقصود. وقال أصحاب الشافعي: إذا قلنا: العقد جائز. ~~فقي جواز الفسخ من المفضول وجهان. ### | [فصل يشترط في السبق أن يكون العوض معلوما] # (7909) فصل: ويشترط أن يكون العوض معلوما؛ لأنه مال في عقد فكان معلوما، ~~كسائر العقود، ويكون معلوما بالمشاهدة، أو بالقدر والصفة، على ما تقدم في ~~غير موضع. ويجوز أن يكون حالا ومؤجلا، كالعوض في البيع. ويجوز أن يكون بعضه ~~حالا وبعضه مؤجلا، فلو قال: إن نضلتني فلك دينار حال، وقفيز حنطة بعد شهر. ~~جاز وصح النضال؛ لأن ما جاز أن يكون حالا ومؤجلا، جاز أن يكون بعضه حالا ~~وبعضه مؤجلا، كالثمن، غير أنه يحتاج إلى صفة الحنطة بما تصير به معلومة. ### | [فصل شرط أن يطعم السبق أصحابه] # (7910) فصل: فإن شرط أن يطعم السبق أصحابه، فالشرط فاسد؛ لأنه عوض على ~~عمل، فلا يستحقه غير العامل، كالعوض في رد الآبق، ولا يفسد العقد. وبه قال ~~أبو حنيفة. وقال الشافعي: يفسد. ولنا، أنه عقد لا تقف صحته على تسمية بدل، ~~فلم ms5320 يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح. وذكر القاضي أن الشروط الفاسدة في ~~المسابقة تنقسم قسمين؛ أحدهما، ما يخل بشرط صحة العقد، نحو أن يعود إلى ~~جهالة العوض، أو المسافة، ونحوهما، فيفسد العقد؛ لأن العقد لا يصح مع فوات ~~شرطه. # والثاني، ما لا يخل بشرط العقد، نحو أن يشترط أن يطعم السبق أصحابه أو ~~غيرهم، أو يشرط أنه إذا نضل لا يرمي أبدا، أو لا يرمي شهرا أو شرطا أن لكل ~~واحد منهما أو لأحدهما فسخ العقد متى شاء بعد الشروع في العمل، وأشباه هذا، ~~فهذه شروط باطلة في نفسها، وفي العقد المقترن بها وجهان؛ أحدهما، صحته؛ لأن ~~العقد تم بأركانه وشروطه، فإذا حذف الزائد الفاسد، بقي العقد صحيحا. # PageV09P469 # والثاني، يبطل؛ لأنه بذل العوض لهذا الغرض، فإذا لم يحصل له غرضه لا ~~يلزمه العوض. وكل موضع فسدت المسابقة، فإن كان السابق المخرج أمسك سبقه، ~~وإن كان الآخر، فله أجر عمله؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له، فاستحق أجر المثل، ~~كالإجارة الفاسدة. ### | [فصل كان المخرج غير المتسابقين] # (7911) فصل: وإذا كان المخرج غير المتسابقين، فقال لهما أو لجماعة: أيكم ~~سبق فله عشرة. جاز؛ لأن كل واحد منهما يطلب أن يكون سابقا، وأيهم سبق، ~~استحق العشرة، وإن جاءوا جميعا، فلا شيء لواحد منهم؛ لأنه لا سابق فيهم. ~~وإن قال لاثنين: أيكما سبق فله عشرة، وأيكما صلى فله عشرة. لم يصح؛ لأنه لا ~~فائدة في طلب السبق، فلا يحرص عليه، لعدم فائدته فيه. وإن قال: ومن صلى فله ~~خمسة صح؛ لأن كل واحد يطلب السبق لفائدته فيه بزيادة الجعل. وإن كانوا أكثر ~~من اثنين، فقال: من سبق فله عشرة، ومن صلى فله كذلك. صح؛ لأن كل واحد منهم ~~يطلب أن يكون سابقا أو مصليا، والمصلي هو الثاني؛ لأن رأسه عند صلى الآخر، ~~والصلوان: هما العظمان الناتئان من جانبي الذنب. # وفي الأثر عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " سبق أبو بكر، وصلى عمر، ~~وخبطتنا عشواء وقال الشاعر: # إن تبتدر غاية يوما لمكرمة ... تلق السوابق منا والمصلينا # فإن ms5321 قال: للمجلي - وهو الأول - مائة، وللمصلي - وهو الثاني - تسعون، ~~وللتالي - وهو الثالث - ثمانون، وللنازع - وهو الرابع - سبعون، وللمرتاح ~~وهو الخامس - ستون، وللحظي - وهو السادس - خمسون، وللعاطف - وهو السابع - ~~أربعون، وللمؤمل - وهو الثامن - ثلاثون، وللطيم - وهو التاسع - عشرون، ~~وللسكيت - وهو العاشر - عشرة، وللفسكل - وهو الآخر - خمسة. # صح؛ لأن كل واحد يطلب السبق، فإذا فاته طلب ما يلي السابق، والفسكل اسم ~~للآخر، ثم يستعمل هذا في غير المسابقة بالخيل تجوزا، كما روي أن أسماء ابنة ~~عميس، كانت تزوجت جعفر بن # PageV09P470 # أبي طالب، وولدت له عبد الله ومحمدا وعونا، ثم تزوجها أبو بكر الصديق، ~~فولدت له محمد بن أبي بكر، ثم تزوجها علي بن أبي طالب فقالت له: إن ثلاثة ~~أنت آخرهم لأخيار. فقال لولدها: فسكلتني أمكم. # وإن جعل للمصلي أكثر من السابق، أو مثله، أو جعل للتالي أكثر من المصلي ~~أو مثله، أو لم يجعل للمصلي شيئا. لم يجز؛ لأن ذلك يفضي إلى أن لا يقصد ~~السبق. بل يقصد التأخر، فيفوت المقصود. ### | [فصل قال لعشرة من سبق منكم فله عشرة] # (7912) فصل: إذا قال لعشرة: من سبق منكم فله عشرة. صح. فإن جاءوا معا، ~~فلا شيء لهم؛ لأنه لم يوجد الشرط الذي يستحق به الجعل في واحد منهم. وإن ~~سبقهم واحد، فله العشرة؛ لوجود الشرط فيه. وإن سبق اثنان، فلهما العشرة. ~~وإن سبق تسعة، وتأخر واحد، فالعشرة للتسعة؛ لأن الشرط وجد فيهم، فكان الجعل ~~بينهم، كما لو قال: من رد عبدي الآبق فله عشرة. فرده تسعة. # ويحتمل أن يكون لكل واحد من السابقين عشرة؛ لأن كل واحد منهم سابق، ~~فيستحق الجعل بكماله، كما لو قال: من رد عبدا لي فله عشرة. فرد كل واحد ~~عبدا. وفارق ما لو قال: من رد عبدي. فرده تسعة؛ لأن كل واحد منهم لم يرده، ~~إنما رده حصل من الكل. ويصير هذا كما لو قال: من قتل قتيلا فله سلبه. فإن ~~قتل كل واحد واحدا، فلكل واحد سلب قتيله كاملا، وإن قتل الجماعة واحدا، ~~فلجميعهم سلب واحد. وها ms5322 هنا كل واحد له سبق مفرد، فكان له الجعل كاملا. ~~فعلى هذا، لو قال: من سبق فله عشرة، ومن صلى فله خمسة، فسبق خمسة، وصلى ~~خمسة، فعلى الأول من الوجهين، للسابقين عشرة، لكل واحد منهم درهمان، ~~وللمصلين خمسة، لكل واحد منهم درهم. # وعلى الوجه الثاني، لكل واحد من السابقين عشرة، فيكون لهم خمسون، ولكل ~~واحد من المصلين خمسة، فيكون لهم خمسة وعشرون. ومن قال بالوجه الأول، احتمل ~~على قوله أن لا يصح العقد على هذا الوجه؛ لأنه يحتمل أن يسبق تسعة، فيكون ~~لهم عشرة، لكل واحد درهم وتسع، ويصلي واحد، فيكون له خمسة، فيصير للمصلي من ~~الجعل فوق ما للسابق، فيفوت المقصود. ### | [مسألة أخرج المتسابقين جميعا في السباق] # (7913) مسألة؛ قال؛ وإن أخرجا جميعا، لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللا ~~يكافئ فرسه فرسيهما، أو بعيره بعيريهما، أو رميه رمييهما، فإن سبقهما أحرز ~~سبقيهما، وإن كان السابق أحدهما، أحرز سبقه، وأخذ سبق صاحبه فكان كسائر ~~ماله، ولم يأخذ من المحلل شيئا # PageV09P471 # السبق؛ بالفتح: الجعل الذي يسابق عليه، ويسمى الخطر والندب والقرع ~~والرهن. ويقال: سبق. إذا أخذ وإذا أعطى. ومن الأضداد. # ومتى استبق الاثنان، والجعل بينهما، فأخرج كل واحد منهما، لم يجز، وكان ~~قمارا؛ لأن كل واحد منهما لا يخلو من أن يغنم أو يغرم، وسواء كان ما أخرجاه ~~متساويا، مثل أن يخرج كل واحد منهما عشرة، أو متفاوتا مثل أن أخرج أحدهما ~~عشرة والآخر خمسة. ولو قال: إن سبقتني فلك علي عشرة، وإن سبقتك فلي عليك ~~قفيز حنطة. أو قال إن سبقتني فلك علي عشرة ولي عليك قفيز لم يجز؛ لما ~~ذكرناه. فإن أدخلا بينهما محللا، وهو ثالث لم يخرج شيئا، جاز. وبهذا قال ~~سعيد بن المسيب، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وحكى أشهب، عن ~~مالك، أنه قال في المحلل: لا أحبه. # وعن جابر بن زيد، أنه قيل له: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كانوا لا يرون بالدخيل بأسا. قال: هم أعف من ذلك. ولنا، ما روى أبو ms5323 هريرة، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من أدخل فرسا بين فرسين، وهو لا يؤمن ~~أن يسبق، فليس بقمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين، وقد أمن أن يسبق فهو قمار» ~~. رواه أبو داود. فجعله قمارا إذا أمن أن يسبق؛ لأنه لا يخلو كل واحد منهما ~~من أن يغنم أو يغرم، وإذا لم يؤمن أن يسبق، لم يكن قمارا؛ لأن كل واحد ~~منهما يجوز أن يخلو عن ذلك. # ويشترط أن يكون فرس المحلل مكافئا لفرسيهما، أو بعيره مكافئا لبعيريهما، ~~ورميه لرمييهما، فإن لم يكن مكافئا، مثل أن يكون فرساهما جوادين وفرسه ~~بطيئ، فهو قمار؛ للخبر، ولأنه مأمون سبقه، فوجوده كعدمه. وإن كان مكافئا ~~لهما، جاز. # فإن جاءوا كلهم الغاية دفعة واحدة، أحرز كل واحد منهما سبق نفسه، ولا شيء ~~للمحلل؛ لأنه لا سابق فيهما، وكذلك إن سبق المستبقان المحلل، وإن سبق ~~المحلل وحده، أحرز السبقين بالاتفاق، وإن سبق أحد المستبقين وحده، أحرز سبق ~~نفسه، وأخذ سبق صاحبه، ولم يأخذ من المحلل شيئا، وإن سبق أحد المستبقين ~~والمحلل، أحرز السابق مال نفسه، ويكون سبق المسبوق بين السابق والمحلل ~~نصفين، سواء كان المستبقون اثنين أو أكثر، حتى لو كانوا مائة، وبينهم محلل ~~لا سبق منه، جاز. وكذلك لو كان المحلل جماعة، جاز؛ لأنه لا فرق بين الاثنين ~~والجماعة. وهذا كله مذهب الشافعي. ### | [فصل ما يشترط في المسابقة بالحيوان] # (7914) فصل: ويشترط في المسابقة بالحيوان تحديد المسافة، وأن يكون ~~لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيها؛ لأن الغرض معرفة أسبقهما، ولا ~~يعلم ذلك إلا بتساويهما في الغاية، ولأن أحدهما قد يكون مقصرا في أول عدوه، ~~سريعا في انتهائه، وقد يكون بضد ذلك، فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه، ومن ~~الخيل ما هو أصبر، والقارح أصبر من غيره. وقد روى ابن عمر، «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - سبق بين الخيل، وفضل # PageV09P472 # القرح في الغاية» . رواه أبو داود. وسبق بين الخيل المضمرة من الحفياء ~~إلى ثنية الوداع، وذلك ستة أميال أو سبعة، وبين التي لم ms5324 تضمر من الثنية إلى ~~مسجد بني زريق، وذلك ميل أو نحوه. # فإن استبقا بغير غاية، لينظر أيهما يقف أولا، لم يجز؛ لأنه يؤدي إلى أن ~~لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه، ويتعذر الإشهاد على السبق فيه. ويشترط في ~~المسابقة إرسال الفرسين أو البعيرين دفعة واحدة، فإن أرسل أحدهما قبل ~~الآخر، ليعلم هل يدركه الآخر أو لا لم يجز هذا في المسابقة بعوض؛ لأنه قد ~~لا يدركه مع كونه أسرع منه، لبعد المسافة بينهما. ويكون عند أول المسافة من ~~يشاهد إرسالهما، ويرتبهما، وعند الغاية من يضبط السابق منهما؛ لئلا يختلفا ~~في ذلك. # ويحصل السبق في الخيل بالرأس إذا تماثلت الأعناق، فإن اختلفا في طول ~~العنق، أو كان ذلك في الإبل، اعتبر السبق بالكتف؛ لأن الاعتبار بالرأس ~~متعذر، فإن طويل العنق قد يسبق رأسه لطول عنقه، لا لسرعة عدوه. وفي الإبل ~~ما يرفع رأسه، وفيها ما يمد عنقه، فربما سبق رأسه لمد عنقه، لا لسبقه، ~~فلذلك اعتبرنا الكتف، فإن سبق رأس قصير العنق فهو سابق؛ لأن من ضرورة ذلك ~~كونه سابقا، وإن سبق طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق، فقد سبق، ~~وإن كان بقدره لم يسبقه، وإن كان أقل، فالآخر السابق. ونحو هذا كله قول ~~الشافعي وقال الثوري: إذا سبق أحدهما بالأذن كان سابقا. ولا يصح؛ لأن ~~أحدهما قد يرفع رأسه ويمد الآخر عنقه، فيكون سابقا بأذنه لذلك لا لسبقه. ~~وإن شرطا السبق بأقدام معلومة، كثلاثة أو أكثر أو أقل، لم يصح. وقال بعض ~~أصحاب الشافعي: يصح، ويتخاطان ذلك، كما في الرمي. وليس بصحيح؛ لأن هذا لا ~~ينضبط، ولا يقف الفرسان عند الغاية، بحيث يعرف مساحة ما بينهما. # وقد روى الدارقطني، بإسناده عن علي - رضي الله عنه - «، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لعلي قد جعلت لك هذه السبقة بين الناس» . فخرج علي ~~فدعا سراقة بن مالك، فقال: يا سراقة، إني قد جعلت إليك ما جعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في عنقي من هذه السبقة في عنقك، فإذا ms5325 أتيت الميطان - قال ~~أبو عبد الرحمن الميطان مرسلها من الغاية - فصف الخيل، ثم ناد: هل من مصلح ~~للجام، أو حامل لغلام، أو طارح لجل. فإذا لم يجبك أحد، فكبر ثلاثا، ثم خلها ~~عند الثالثة، فيسعد الله # PageV09P473 # بسبقه من شاء من خلقه. وكان علي يقعد على منتهى الغاية يخط خطا، ويقيم ~~رجلين متقابلين عند طرف الخط طرفيه بين إبهامي أرجلهما، وتمر الخيل بين ~~الرجلين، ويقول لهما: إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه، أو أذن، ~~أو عذار فاجعلا السبقة له، فإن شككتما، فاجعلوا سبقهما نصفين، فإذا قرنتم ~~ثنتين، فاجعلا الغاية من غاية أصغر الثنتين، ولا جلب ولا جنب ولا شغار في ~~الإسلام. وهذا الأدب الذي ذكره في هذا الحديث، في ابتداء الإرسال وانتهاء ~~الغاية، من أحسن ما قيل في هذا، وهو مروي عن أمير المؤمنين علي - رضي الله ~~عنه - في قضية أمره بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفوضها إليه، ~~فينبغي أن تتبع، ويعمل بها. ### | [فصل ما يشترط في الرهان على دابتان] # (7915) فصل: ويشترط في الرهان أن تكون الدابتان من جنس واحد، فإن كانتا ~~من جنسين، كالفرس والبعير، لم يجز؛ لأن البعير لا يكاد يسبق الفرس، فلا ~~يحصل الغرض من هذه المسابقة. وإن كانتا من نوعين، كالعربي والبرذون، أو ~~البختي والعرابي، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يصح. ذكره أبو الخطاب؛ لأن ~~التفاوت بينهما في الجري معلوم بحكم العادة، فأشبها الجنسين. والثاني: يصح، ~~ذكره القاضي. وهذا مذهب الشافعي؛ لأنهما من جنس واحد، وقد يسبق كل واحد ~~منهما الآخر، والضابط الجنس وقد وجد، ويكفي في المظنة احتمال الحكمة، ولو ~~على بعد. ### | [فصول في المناضلة] # (7916) فصول في المناضلة: وهي المسابقة في الرمي بالسهام، والمناضلة، ~~مصدر ناضلته نضالا ومناضلة، وسمي الرمي نضالا؛ لأن السهم التام يسمى نضلا، ~~فالرمي به عمل بالنضل، فسمي نضالا ومناضلة، مثل قاتلته قتالا ومقاتلة، ~~وجادلته جدالا ومجادلة. ويشترط لصحته ثمانية شروط؛ أحدها: أن يكون عدد، ~~الرشق معلوما، والرشق؛ بكسر الراء: عدد الرمي. وأهل اللغة يقولون: هو عبارة ~~عما بين العشرين ms5326 والثلاثين. والرشق؛ بفتح الراء الرمي نفسه، مصدر رشقته ~~رشقا. أي رميت رميا. وإنما اشترط علمه؛ لأنه لو كان مجهولا لأفضى إلى ~~الخلاف؛ لأن أحدهما يريد القطع، والآخر يريد الزيادة، فيختلفان. # PageV09P474 # الثاني، أن يكون عدد الإصابة معلوما، فيقولان: الرشق عشرون، والإصابة ~~خمسة أو ستة، أو ما يتفقان عليه منها، إلا أنه لا يجوز اشتراط إصابة نادرة، ~~كإصابة جميع الرشق أو إصابة تسعة أعشاره، ونحو هذا؛ لأن الظاهر أن هذا لا ~~يوجد، فيفوت الغرض. الثالث، استواؤهما في عدد الرشق والإصابة، وصفتها، ~~وسائر أحوال الرمي. # فإن جعلا رشق أحدهما عشرة، والآخر عشرين، أو شرطا أن يصيب أحدهما خمسة، ~~والآخر ثلاثة، أو شرطا إصابة أحدهما خواسق والآخر خواصل، أو شرطا أن يحط ~~أحدهما من إصابته سهمين، أو يحط سهمين من إصابته بسهم من إصابة صاحبه، أو ~~شرطا أن يرمي أحدهما من بعد، والآخر من قرب، أو أن يرمي أحدهما وبين أصابعه ~~سهم، والآخر بين أصابعه سهمان، أو أن يرمي أحدهما وعلى رأسه شيء والآخر خال ~~عن شاغل، أو أن يحط عن أحدهما واحدا من خطئه لا له ولا عليه، وأشباه هذا ~~مما تفوت به المساواة، لم يصح؛ لأن موضوعها على المساواة، والغرض معرفة ~~الحذق، وزيادة أحدهما على الآخر فيه، ومع التفاضل لا يحصل، فإنه ربما أصاب ~~أحدهما لكثرة رميه لا لحذقه، فاعتبرت المساواة، كالمسابقة على الحيوان. # الرابع، أن يصفا الإصابة، فيقولان: خواصل. وهو المصيب للغرض كيفما كان. ~~قال الأزهري: يقال خصلت مناضلي خصلة وخصلا. ويسمى ذلك القرع. والقرطسة، ~~يقال: قرطس. إذا أصاب. أو حوابي. وهو ما وقع بين يدي الغرض، ثم وثب إليه. ~~ومنه يقال: حبا الصبي. أو خواصر. وهو ما وقع في أحد جانبي الغرض، ومنه قيل: ~~الخاصرة. لأنها في جانب الإنسان. أو خوارق. وهو ما خرق الغرض، ثم وقع بين ~~يديه. أو خواسق وهو ما خرق الغرض، وثبت فيه. أو موارق. وهو ما أنفذ الغرض، ~~ووقع من ورائه. أو خوازم. وهو ما خزم جانب الغرض. # وإن شرطا الخواسق والحوابي معا، صح. الخامس، ms5327 قدر الغرض، والغرض هو ما ~~يقصد إصابته من قرطاس أو ورق أو جلد أو خشب أو قرع أو غيره، ويسمى غرضا؛ ~~لأنه يقصد، ويسمى شارة وشنا. قال الأزهري: ما نصب في الهدف فهو القرطاس، ~~وما نصب في الهواء فهو الغرض. ويجب أن يكون قدره معلوما بالمشاهدة، أو ~~بتقديره بشبر أو شبرين، بحسب الاتفاق، فإن الإصابة تختلف باختلاف سعته ~~وضيقه. # السادس. معرفة المسافة؛ إما بالمشاهدة، أو بالذرعان، فيقول: مائة ذراع؛ ~~أو مائتي ذراع؛ لأن الإصابة تختلف بقربها وبعدها، ومهما اتفقا عليه جاز، ~~إلا أن يجعلا مسافة بعيدة تتعذر الإصابة في مثلها، وهو ما زاد على ثلاثمائة ~~ذراع فلا يصح؛ لأن الغرض يفوت بذلك، وقد قيل: إنه ما رمى إلى أربعمائة ذراع ~~إلا عقبه بن عامر الجهني - رضي الله عنه -. # PageV09P475 # السابع، تعيين الرماة، فلا يصح مع الإبهام؛ لأن الغرض معرفة حذق الرامي ~~بعينه، لا معرفة حذق رام في الجملة. ولو عقد اثنان نضالا على أربع مع كل ~~واحد منهما ثلاثة، لم يجز لذلك. ولا يشترط تعيين القوس والسهام، ولو عينها ~~لم تتعين؛ لأن القصد معرفة الحذق، وهذا لا يختلف إلا بالرامي، لا باختلاف ~~القوس والسهام. وفي الرهان يعتبر تعيين الحيوان الذي يسابق به، ولا يعتبر ~~تعيين الراكب؛ لأن الغرض معرفة عدو الفرس، لا حذق الراكب. # وكل ما يعتبر تعيينه، إذا تلف انفسخ العقد، ولم يقم غيره مقامه؛ لأن ~~العقد تعلق بعينه، فانفسخ بتلف العين، ولأن الغرض معرفة حذق الرامي، أو عدو ~~الفرس، وقد فاتت معرفة ذلك بموته، ولا يعرف حذقه من غيره. وما لا يتعين، ~~يجوز إبداله لعذر وغيره، وإذا تلف، قام غيره مقامه. فإن شرطا أن لا يرمي ~~بغير هذا القوس، ولا بغير هذا السهم، أو لا يركب غير هذا الراكب فهذه شروط ~~فاسدة؛ لأنها تنافي مقتضى العقد، أشبهت ما إذا شرط إصابة بإصابتين. # الثامن، أن تكون المسابقة في الإصابة. ولو قالا: السبق لأبعدنا رميا، لم ~~يجز؛ لأن الغرض من الرمي الإصابة. لا بعد المسافة، فإن المقصود من الرمي ~~إما قتل ms5328 العدو، أو جرحه، أو الصيد، أو نحو ذلك، وكل هذا إنما يحصل من ~~الإصابة، لا من الإبعاد. ### | [فصل المناضلة على ثلاثة أضرب] # (7917) فصل: والمناضلة على ثلاثة أضرب؛ أحدها، تسمى المبادرة، وهو أن ~~يقولا: من سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية فهو السابق. فأيهما سبق إليها ~~مع تساويهما في الرشق، فقد سبق. # فإذا رميا عشرة عشرة، فأصاب أحدهما خمسا، ولم يصب الآخر خمسا، فالمصيب ~~خمسا هو السابق؛ لأنه قد سبق إلى خمس، وسواء أصاب الآخر أربعا، أو ما ~~دونها، أو لم يصب شيئا، ولا حاجة إلى إتمام الرشق؛ لأن السبق قد حصل بسبقه ~~إلى ما شرطا السبق إليه، وإن أصاب كل واحد منهما من العشر خمسا، فلا سابق ~~فيهما ولا يكملان الرشق؛ لأن جميع الإصابة المشروطة قد حصلت، واستويا فيها، ~~فإن رمى أحدهما عشرا فأصاب خمسا، ورمى الآخر تسعا فأصاب أربعا، لم يحكم ~~بالسبق ولا بعدمه، حتى يرمي العاشر، فإن أخطأ به، فقد سبق الأول، وإن أصاب ~~به، فلا سابق فيهما. # وإن لم يكن أصاب من التسعة إلا ثلاثا، فقد سبقه الأول، ولا يحتاج إلى رمي ~~العاشر؛ لأن أكثر ما يحتمل أنه يصيب به، ولا يخرجه ذلك عن كونه مسبوقا. ~~الضرب الثاني، أن يقول: أينا فضل صاحبه بإصابة أو إصابتين أو ثلاث من عشرين ~~رمية، فقد سبق. ويسمى مفاضلة ومحاطة؛ لأن ما تساويا فيه من الإصابة محطوط ~~غير معتد به. ويلزم إكمال الرشق؛ إذا كان في إتمامه فائدة، فإذا قالا: أينا ~~فضل صاحبه بثلاث، فهو سابق. فرميا اثنتي عشرة رمية، فأصابها أحدهما، # PageV09P476 # وأخطأها الآخر كلها، لم يلزم إتمام الرشق؛ لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب ~~الآخر الثماني الباقية، يحطها الأول، ولا يخرج الأول بهذا عن كونه سابقا. # وإن كان الأول إنما أصاب من الاثنتي عشرة عشرا، لزمهما أن يرميا الثالثة ~~عشرة، فإن أصاباها، أو أخطآ، أو أصابها الأول وحده. فقد سبق، ولا يحتاج إلى ~~إتمام الرشق، فإن أصابها الآخر، وأخطأها الأول، فعليهما أن يرميا الرابعة ~~عشرة، والحكم فيها وفيما بعدها ms5329 كالحكم في الثالثة عشرة، وأنه متى أصاباها، ~~أو أخطآ، أو أصابها الأول، فقد سبق، ولا يرميان ما بعدها. وإن أصابها الآخر ~~وحده، رميا ما بعدها. # وهكذا كل موضع كان في إتمام، الرشق فائدة لأحدهما لزم إتمامه، وإن يئس من ~~الفائدة، لم يلزم إتمامه، فإذا بقي من العدد ما يمكن أن يسبق أحدهما به ~~صاحبه، أو يسقط أحدهما به سبق صاحبه، لزم الإتمام، وإلا فلا، فإذا كان ~~السبق يحصل بثلاث إصابات من عشرين، فرميا ثماني عشرة، فأخطآها، أو أصاباها، ~~أو تساويا في الإصابة فيها، لم يلزم إتمام الرشق لأن؛ أكثر ما يحتمل أن ~~يصيب أحدهما هاتين الرميتين، ويخطئهما الآخر، ولا يحصل السبق بذلك. # وكذلك إن فضل أحدهما الآخر بخمس إصابات فما زاد، لم يلزم الإتمام؛ لأن ~~إصابة الآخر بالسهمين الباقيين لا يخرج الآخر عن كونه فاضلا بثلاث إصابات، ~~وإن لم يفضله إلا بأربع، رميا السهم الآخر، فإن أصابه المفضول وحده، ~~فعليهما رمي الآخر فإن أصابه المفضول أيضا، سقط سبق الأول، وإن أخطآ في أحد ~~السهمين، أو أصاب الأول في أحدهما، فهو سابق. # فصل: الثالث أن يقولا: أينا أصاب خمسا من عشرين، فهو سابق. فمتى أصاب ~~أحدهما خمسا من العشرين، ولم يصبها الآخر، فالأول سابق، وإن أصاب كل واحد ~~منهما خمسا، أو لم يصب واحد منهما خمسا، فلا سابق فيهما. وهذه في معنى ~~المحاطة، في أنه يلزم إتمام الرشق ما كان في إتمامه فائدة، فإذا خلا عن ~~الفائدة، لم يلزم إتمامه. ومتى أصاب كل واحد منهما خمسا، لم يلزم إتمامه، ~~ولم يكن فيهما سابق. إن رميا ست عشرة رمية، ولم يصب واحد منهما شيئا، لم ~~يلزم إتمامه، ولا سابق فيهما؛ لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما الأربعة ~~كلها، ولا يحصل السبق بذلك. # واختلف أصحابنا، فقال أبو الخطاب: لا بد من معرفة الرمي، هل هو مبادرة أو ~~محاطة أو مفاضلة؟ لأن غرض الرماة يختلف؛ فمنهم من تكثر إصابته في الابتداء ~~دون الانتهاء، ومنهم من هو بالعكس، فوجب بيان ذلك، ليعلم ما دخل ms5330 فيه. وظاهر ~~كلام القاضي، أنه لا يحتاج إلى اشتراط ذلك؛ لأن مقتضى النضال المبادرة، وأن ~~من بادر إلى الإصابة فهو السابق؛ فإنه إذا شرط أن السبق لمن أصاب خمسة من ~~عشرين، فسبق إليها واحد، فقد وجد الشرط. ولأصحاب الشافعي وجهان، كهذين. # PageV09P477 ### | [فصل شرطا إصابة موضع من الهدف على أن يسقط ما قرب من إصابة أحدهما ما بعد من إصابة الآخر] # (7919) فصل فإن شرطا إصابة موضع من الهدف، على أن يسقط ما قرب من إصابة ~~أحدهما ما بعد من إصابة الآخر، ففعل، ثم فضل أحدهما الآخر بما شرطاه، كان ~~سابقا. ذكره القاضي. وهو مذهب الشافعي؛ لأن هذا نوع من المحاطة، فإذا أصاب ~~أحدهما موضعا بينه وبين الغرض شبر، وأصاب الآخر موضعا بينه وبين الغرض أقل ~~من شبر، أسقط الأول، وأن أصاب الأول الغرض، أسقط الثاني، فإن أصاب الثاني ~~الدائرة التي في الغرض، لم يسقط به الأول؛ لأن الغرض كله موضع للإصابة، فلا ~~يفضل أحدهما صاحبه إذا أصاباه جميعا إلا أن يشترطا ذلك. وإن شرطا إن يحسب ~~كل واحد منهما خاسقه بإصابتين، جاز لأن أحدهما لم يفضل صاحبه في شيء، فقد ~~استويا. ### | [فصل ما هي السنة في الرمي بين المتسابقين] # (7920) فصل: والسنة أن يكون لهما غرضان يرميان أحدهما، ثم يمضيان إليه، ~~فيأخذان السهام يرميان الآخر؛ لأن هذا كان فعل أصحاب رسول - صلى الله عليه ~~وسلم - وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما بين الغرضين ~~روضة من رياض، الجنة» وقال إبراهيم التيمي: رأيت حذيفة يشتد بين الهدفين ~~يقول: أنا بها، أنا بها. في قميص. وعن ابن عمر مثل ذلك. # والهدف ما ينصب الغرض عليه؛ إما تراب مجموع، وإما حائط. ويروى عن أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يشتدون بين الأغراض، يضحك ~~بعضهم إلى بعض فإذا جاء الليل كانوا رهبانا. فإن جعلوا غرضا واحدا، جاز؛ ~~لأن المقصود يحصل به، وهو عادة أهل عصرنا. ولا بد في المناضلة أن يبتدئ ~~أحدهما بالرمي، لأنهما لو رميا معا، أفضى إلى الاختلاف، ms5331 ولم يعرف المصيب ~~منهما. فإن كان المخرج أجنبيا، قدم من يختاره منهما، فإن لم يختر وتشاحا، ~~أقرع بينهما، وأيهما كان أحق بالتقديم فبدره الآخر فرمى، لم يعتد له بسهمه، ~~أصاب أو أخطأ. وإذا بدأ أحدهما في وجه، بدأ الآخر في الثاني، تعديلا ~~بينهما. # وإن شرطا البداءة لأحدهما في كل الوجوه، لم يصح؛ لأن موضوع المناضلة على ~~المساواة، وهذا تفاضل، فإن فعل ذلك من غير شرط باتفاق منهما، جاز؛ لأن ~~البداءة لا أثر لها في الإصابة، ولا في تجويد الرمي، وإن شرطا أن يبدأ كل ~~واحد منهما من وجهين متواليين، جاز؛ لتساويهما. ويحتمل أن يكون اشتراط ~~البداءة في كل موضع ذكرنا غير لازم، ولا يؤثر في العقد؛ لأنه لا أثر له في ~~تجويد رمي، ولا كثرة إصابة، وكثير من الرماة يختار التأخر على البداية، ~~فيكون وجود هذا الشرط كعدمه. إذا رمى البادئ بسهم، رمى الثاني بسهم كذلك، ~~حتى يقضيا رميهما؛ لأن إطلاق المناضلة يقتضي المراسلة، ولأن ذلك أقرب إلى ~~التساوي، وأنجز للرمي؛ لأن أحدهما يصلح قوسه ويعدل # PageV09P478 # سهمه، حتى يرمي الآخر. وإن رميا بسهمين سهمين، فحسن، وهو العادة بين ~~الرماة فيما رأينا. # وإن اشترطا أن يرمي أحدهما رشقا، ثم يرمي الآخر، أو يرمي أحدهما عددا، ثم ~~يرمي الآخر مثله، جاز؛ لأن هذا لا يؤثر في مقصود المناضلة، وإن خالف مقتضى ~~الإطلاق، كما يجوز أن يشترط في البيع ما لا يقتضيه الإطلاق من النقود ~~والخيار والأجل لما كان غير مانع من المقصود. ### | [فصل شرطا أن يرميا أرشاقا كثيرة] # (7921) فصل: وإن شرطا أن يرميا أرشاقا كثيرة، جاز؛ لأنه إذا جاز على ~~القليل، جاز على الكثير، ولا بد أن تكون معلومة. ثم إن شرطا أن يرميا منها ~~كل يوم قدرا اتفقا عليه، جاز؛ لأن الغرض في هذا صحيح، فإنهما أو أحدهما قد ~~يضعف عن الرمي كله مع حذقه. وإن أطلقا العقد، جاز وحمل على التعجيل ~~والحلول، كسائر العقود، فيرميان من أول النهار إلى آخره، إلا أن يعرض عذر ~~يمنع من مرض، أو ريح أو ms5332 تشوش السهام، أو لحاجته إلى طعام أو شراب أو صلاة ~~أو قضاء حاجة؛ لأن هذه مستثناة بالعرف، وكذلك المطر فإنه يرخي الوتر، ويفسد ~~الرشق إذا جاء الليل تركاه؛ لأن العادة ترك الرمي بالليل، فحمل العقد عليه ~~مع الإطلاق، إلا أن يشترطا الرمي ليلا، فيأخذ أحدهما صاحبه بذلك. # فإن كانت الليلة مقمرة، منيرة، اكتفي بذلك، وإلا رميا في ضوء شمعة أو ~~مشعل. وإن عرض عارض يمنع الرمي، كما ذكرناه، أو كسر قوس، أو قطع وتر، أو ~~انكسر سهم، جاز إبداله. فإن لم يمكن، أخر الرمي حتى يزول العارض. ### | [فصل أراد أحدهما في السبق التطويل والتشاغل عن الرمي بما لا حاجة إليه] # (7922) فصل: فإن أراد أحدهما التطويل، والتشاغل عن الرمي بما لا حاجة ~~إليه، من مسح القوس والوتر، ونحو ذلك، إرادة التطويل على صاحبه، لعله ينسى ~~القصد الذي أصاب به، أو يفتر، منع من ذلك، وطولب بالرمي، ولا يدهش ~~بالاستعجال بالكلية، بحيث يمنع من تحري الإصابة. ويمنع كل واحد منهما من ~~الكلام الذي يغيظ به صاحبه، مثل أن يرتجز، ويفتخر، ويتبجح بالإصابة، ويعنف ~~صاحبه على الخطأ، أو يظهر له أنه يعلمه. وهكذا الحاضر معهما، مثل الأمير ~~والشاهدين وغيرهم، يكره لهم مدح المصيب، وزهزهته، وتعنيف المخطئ وزجره؛ لأن ~~فيه كسر قلب أحدهما وغيظه. ### | [فصل تشاحا في موضع الوقوف المتسابقين] # (7923) فصل: وإذا تشاحا في موضع الوقوف، فإن كان ما طلبه أحدهما أولى، ~~مثل أن يكون في أحد الموقفين يستقبل الشمس، أو ريحا يؤذيه استقبالها، ونحو ~~ذلك، والآخر يستدبرها، قدم قول من طلب استدبارها؛ لأنه العرف، إلا أن يكون ~~في شرطهما استقبال ذلك، فالشرط أملك، كما قلنا في الرمي ليلا. وإن كان ~~الموقفان سواء، كان # PageV09P479 # ذلك إلى الذي له البداءة، فيتبعه الآخر، فإذا كان في الوجه الثاني، وقف ~~حيث شاء، ويتبعه الأول. ### | [فصل عقد النضال على جماعة] # (7924) فصل: ويجوز عقد النضال على جماعة؛ لأنه يروى «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مر على أصحاب له ينتضلون، فقال: ارموا، وأنا مع ابن الأدرع. ~~فأمسك الآخرون، وقالوا: ms5333 كيف نرمي وأنت مع ابن الأدرع؟ قال: ارموا، وأنا ~~معكم كلكم.» رواه البخاري. ولأنه إذا جاز أن يكونا اثنين، جاز أن يكونوا ~~جماعتين؛ لأن المقصود معرفة الحذق، وهذا يحصل في الجماعتين، فجاز، كما في ~~سباق الخيل. وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبق بين الخيل ~~المضمرة، وسبق بين الخيل التي لم تضمر. وعلى هذا يكون كل حزب بمنزلة واحد. ~~فإن عقد النضال جماعة ليتناضلوا حزبين. فذكر القاضي، أنه يجوز. # وهو مذهب الشافعي ويحتمل أن لا يجوز؛ لأن التعيين شرط، وقبل التفاضل لم ~~يتعين من في كل واحد من الحزبين. فعلى هذا، إذا تفاضلوا، عقدوا النضال ~~بعده. وعلى قول القاضي، يجوز العقد قبل التفاضل. ولا يجوز أن يقتسموا ~~بالقرعة؛ لأنها ربما وقعت على الحذاق في أحد الحزبين، وعلى الكوادن في ~~الآخر، فيبطل مقصود النضال، بل يكون لكل حزب رئيس، فيختار أحدهما واحدا، ثم ~~يختار الآخر واحدا كذلك، حتى يتفاضلوا جميعا، ولا يجوز أن يجعل الخيار إلى ~~أحدهما في الجميع، ولا أن يختار جميع حزبه أولا؛ لأنه يختار الحذاق كلهم في ~~حزبه. ولا يجوز أن يجعل رئيس الحزبين واحدا؛ لأنه يميل إلى حزبه، فتلحقه ~~التهمة. ولا يجوز أن يختار كل واحد من الرئيسين أكثر من واحد؛ لأنه أبعد من ~~التساوي. # وإذا اختلفا في المبتدئ بالخيار منهما، أقرع بينهما. ولو قال أحدهما: أنا ~~أختار أولا، وأخرج السبق، أو يخرجه أصحابي. لم يحز لأن السبق إنما يستحق ~~بالسبق لا في مقابلة تفضل أحدهما بشيء. ### | [فصل أخرج أحد الزعيمين السبق من عنده فسبق حزبه] # (7925) فصل: وإذا أخرج أحد الزعيمين السبق من عنده، فسبق حزبه، لم يكن ~~على حزبه شيء؛ لأنه جعله على نفسه دونهم. وإن شرطه عليهم، فهو عليهم ~~بالسوية، ويكون للحزب الآخر بالسوية، من أصاب منهم ومن لم يصب، في أحد ~~الوجهين، كما أنه على الحزب الآخر بالسوية. وفي الوجه الآخر، يقسم بينهم ~~على قدر الإصابة. وليس # PageV09P480 # لمن لم يصب منهم شيء؛ لأن استحقاقه بالإصابة، فكان على قدرها، واختص بمن ~~وجدت منه، ms5334 بخلاف المسبوقين فإنه وجب عليهم؛ لالتزامهم له، وقد استووا في ~~ذلك. " ### | [فصل كان النضال بين حزبين في السباق] # (7926) فصل: ومتى كان النضال بين حزبين، اشترط كون الرشق يمكن قسمه بينهم ~~بغير كسر، ويتساوون فيه، فإن كانوا ثلاثة، وجب أن يكون له ثلث، وإن كانوا ~~أربعة، وجب أن يكون له ربع، وكذلك ما زاد؛ لأنه إذا لم يكن كذلك، بقي سهم ~~أو أكثر، لا يمكن الجماعة الاشتراك فيه. ### | [فصل كانوا حزبين فدخل معهم رجل لا يعرفونه في أحد الحزبين الرمي] # (7927) فصل: وإذا كانوا حزبين، فدخل معهم رجل لا يعرفونه في أحد الحزبين، ~~وكان يحسن الرمي، جاز، وإن كان لا يحسنه، بطل العقد فيه، وأخرج من الحزب ~~الآخر من جعل بإزائه؛ لأن كل واحد يجعل في مقابلته آخر، أو يختار أحد ~~الزعيمين واحدا، ويختار الآخر آخر في مقابلته. # وهل يبطل في الباقين؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة. فإن قلنا: لا ~~يبطل. فلكل حزب الخيار لتبعيض الصفقة في حقهم. وإن بان راميا، لكنه قليل ~~الإصابة، فقال حزبه: ظنناه كثير الإصابة، أو لم نعلم، أو بان كثير الإصابة. ~~فقال الحزب الآخر: ظنناه قليل الإصابة. لم يسمع ذلك منهم، وكان كمن عرفوه؛ ~~لأن شرط دخوله أن يكون في العقد من أهل الصنعة دون الحذق، كما لو اشترى ~~عبدا على أنه كاتب، فبان حاذقا أو ناقصا فيها، لم يؤثر. ### | [فصل يقولوا نقرع فمن خرجت قرعته فهو السابق] # (7928) فصل: ولا يجوز أن يقولوا: نقرع، فمن خرجت قرعته، فهو السابق. ولا ~~أن من خرجت قرعته، فالسبق {عليه} . ولا أن يقولوا: نرمي، فأينا أصاب فالسبق ~~على الآخر؛ لأنه عوض في عقد، فلا يستحق بالقرعة، ولا بالإصابة، وإن شرطوا ~~أن يكون فلان مقدم حزب، وفلان مقدم الآخر، ثم فلان ثانيا من الحزب الأول، ~~وفلان ثانيا من الحزب الثاني، كان فاسدا؛ لأن تقديم كل واحد من الحزب يكون ~~إلى زعيمه، وليس للحزب الآخر مشاركته في ذلك، فإذا شرطوه كان فاسدا. ### | [فصل تناضل اثنان وأخرج أحدهما السبق] # (7929) فصل: وإذا تناضل اثنان، ms5335 وأخرج أحدهما السبق، فقال أجنبي: أنا ~~شريكك في الغنم والغرم، إن نضلك فنصف السبق علي، وإن نضلته فنصفه لي. لم ~~يجز. وكذلك لو كان المتناضلون ثلاثة فيهم محلل، فقال رابع للمستبقين: أنا ~~شريككما في الغنم والغرم. كان باطلا؛ لأن الغنم والغرم إنما يكون من ~~المناضل، فأما من لا يرمي، فلا يكون له غنم ولا غرم. ولو شرطا في النضال ~~أنه إذا جلس المستبق كان عليه السبق، لم يجز؛ لأن السبق # PageV09P481 # على النضال، وهذا الشرط يخالف مقتضى النضال، فكان فاسدا. ### | [فصل فضل في السباق أحد المتناضلين صاحبه] # (7930) فصل: ولو فضل أحد المتناضلين صاحبه، فقال المفضول: اطرح فضلك، ~~وأعطيك دينارا. لم يجز؛ لأن المقصود معرفة الحذق، وذلك يمنع منه. وإن فسخا ~~العقد، وعقدا عقدا آخر، جاز. وإن لم يفسخاه، ولكن رميا تمام الرشق، فتمت ~~الإصابة له مع ما أسقطه، استحق السبق، ورد الدينار إن كان أخذه. ### | [فصل كان شرطهما المتسابقين حواصل] # (7931) فصل: إذا كان شرطهما حواصل، وهي الإصابة المطلقة، اعتد بها كيفما ~~وجدت، بشرط أن يصيب بنصل السهم، فإن أصاب بعرضه، أو بفوقه، نحو أن ينقلب ~~السهم بين يدي الغرض، فيصيب فوقه الغرض، لم يعتد به؛ لأن هذا من سيئ الخطأ. ~~وإن انقطع السهم قطعتين، فأصابت القطعة الأخرى، لم يحتسب به. فإن كان الغرض ~~جلدا خيط عليه شنبر كشنبر المنخل، وجعلا له عرى وخيوطا تعلق به في العرى، ~~فأصاب الشنبر أو العرى، نظرت في شرطهما؛ فإن شرط إصابة الغرض، اعتد له؛ لأن ~~ذلك من الغرض، فأما المعاليق، وهي الخيوط، فلا يعتد له بإصابتها على كلا ~~الشرطين؛ لأنها ليست من الجلدة، ولا من الغرض، فأشبه إصابة الهدف. ### | [فصل أطارت الريح الغرض فوقع السهم في موضعه] # (7932) فصل: وإن أطارت الريح الغرض، فوقع السهم في موضعه، فإن كان شرطهما ~~حواصل، احتسب له به؛ لعلمنا أنه لو كان الغرض في موضعه أصابه. وإن كان ~~شرطهما خواسق، فقال القاضي: ينظر فإن كانت صلابة الهدف كصلابة الغرض، فثبت ~~في الهدف، احتسب له به؛ لأنه لو بقي مكانه لثبت ms5336 فيه، كثبوته في الهدف، وإن ~~لم يثبت فيه مع التساوي، لم يحتسب. وإن كان الهدف أصلب فلم يثبت فيه، أو ~~كان رخوا، لم يحتسب السهم له ولا عليه؛ لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض ~~لو بقي مكانه أولا؟ وهذا مذهب الشافعي. # وقال أبو الخطاب: إن كان شرطهما خواسق، لم يحتسب له بالسهم الذي وقع في ~~موضعه، ولا عليه؛ لأننا لا ندري هل يثبت في الغرض لو كان موجودا أو لا؟ وإن ~~وقع السهم في غير موضع الغرض، احتسب به على راميه؛ لأنه خطأ، ولو وقع في ~~الغرض في الموضع الذي طار إليه، حسب عليه أيضا، لا له إلا أن يكونا اتفقا ~~على رميه في الموضع الذي طار إليه. وكذلك الحكم إذا ألقت الريح الغرض على ~~وجهه. ### | [فصل رمي فأخطأ لعارض] # (7933) فصل: وإذا رمى فأخطأ لعارض؛ من كسر قوس، أو قطع وتر، أو حيوان ~~اعترض بين يديه أو ريح شديدة ترد # PageV09P482 # السهم عرضا، لم يحسب عليه بذلك السهم؛ لأن خطأه للعارض، لا لسوء رميه. ~~قال القاضي: ولو أصاب، لم يحتسب له؛ لأنه إذا لم يحتسب عليه لم يحتسب له، ~~ولأن الريح الشديدة كما يجوز أن تصرف الرمي الشديد فيخطئ، يجوز أن تصرف ~~السهم المخطئ عن خطئه فيقع مصيبا، فتكون إصابته بالريح، لا بحذق رميه. # فأما إن وقع السهم في حائل بينه وبين الغرض، فمرقه، وأصاب الغرض حسب له؛ ~~لأن إصابته لسداد رميه، ومروقه لقوته، فهو أولى من غيره. وإن كانت الريح ~~لينة خفيفة، لا ترد السهم عادة، لم يمنع؛ لأن الجو لا يخلو من ريح، ولأن ~~الريح اللينة لا تؤثر إلا في الرمي الرخو الذي لا ينتفع به. ### | [فصل كان شرطهما المتسابقين خواسق] # (7934) فصل: وإن كان شرطهما خواسق، والخاسق: ما ثقب الغرض، وثبت فيه. ~~فمتى أصاب الغرض بنصله، وثبت فيه، حسب له، وإن خدشه ولم يثقبه، لم يحتسب ~~له، وحسب به عليه، وإن مرق منه احتسب له به؛ لأن ذلك لقوة رميه، فهو أبلغ ~~من الخاسق، وإن خرقه، وهو ms5337 أن يثقبه، ويقع بين يديه، ففيه وجهان؛ أحدهما، ~~يحتسب له؛ لأنه ثقب ثقبا يصلح للخسق، وإنما لم يثبت السهم لسبب آخر، من سعة ~~الثقب أو غيره. # والثاني، لا يحتسب له؛ لأن شرطهما الخواسق، والخاسق ما ثبت، وثبوته يكون ~~بحذق الرامي، وقصده برميه ما اتفقا عليه. فإن كان امتناع السهم من الثبوت ~~لمصادفته ما يمنع الثبوت؛ من حصاة، أو حجر، أو عظم، أو أرض غليظة، ففيه ~~الوجهان، إلا أنه إذا لم يحتسب له، لم يعد عليه؛ لأن العارض منعه من ~~الثبوت، فأشبه ما لو منعه عارض من الإصابة. وإن اختلفا في وجود العارض، ~~نظرت، فإن علم موضع الثقب باتفاقهما أو ببينة، نظر في الموضع، فإن لم يكن ~~فيه ما يمنع فالقول قول المنكر، وإن كان فيه ما يمنع، فالقول قول المدعي، ~~ولا يمين؛ لأن الحال تشهد بصدق ما ادعاه. # وإن لم يعلما موضع الثقب، إلا أنهما اتفقا على أنه خرق الغرض، ولم يكن ~~وراءه شيء يمنع، فالقول قول المنكر بغير يمين أيضا؛ لأنه لا مانع. وإن كان ~~وراءه ما يمنع، وادعى المصاب عليه أنه لم يكن السهم في موضع وراءه ما يمنع، ~~فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإصابة مع احتمال ما يقوله المصيب. ~~وإن أنكر أن يكون خرق أيضا، فالقول أيضا قوله مع يمينه؛ لما ذكرناه. ### | [فصل شرطا خاسقا فوقع السهم في ثقب في الغرض أو موضع بال] # فصل: وإن شرطا خاسقا، فوقع السهم في ثقب في الغرض أو موضع بال، فنقبه ~~وثبت في الهدف معلقا في الغرض نظرت؛ فإن كان الهدف صليبا كصلابة الغرض، ~~فثبت فيه، حسب له؛ لأنه علم أن الغرض لو كان صحيحا لثبت فيه، وإن كان الهدف ~~ترابا أهيل، لم يحتسب له ولا عليه؛ لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو ~~أصاب موضعا منه قويا أو لا. # وإن صادف السهم في ثقب في الغرض قد ثبت في الهدف مع قطعة من الغرض، # PageV09P483 # فقال الرامي: خسقت، وهذه الجلدة قطعها سهمي لشدة الرمية. فأنكر صاحبه، ms5338 ~~وقال: بل هي كانت مقطوعة. فإن علم أن الغرض كان صحيحا، فالقول قول الرامي، ~~وإن اختلفا، فذكر القاضي أنها كالتي قبلها؛ إن كان الهدف رخوا لم يعتد به، ~~وإن كان قويا صلبا، اعتد به، وإن وقع سهمه في سهم ثابت في الغرض، اعتد له ~~به، وإن كان شرطهما خواسق، لم يحتسب له به ولا عليه؛ لأننا لا نعلم يقينا ~~أنه لولا فوق السهم الثابت لخسق. وإن أصاب السهم، ثم سبح عنه، فخسق، احتسب ~~له به. ### | [فصل قال رجل لآخر ارم هذا السهم فإن أصبت به فلك درهم] # (7936) فصل: إذا قال رجل لآخر: ارم هذا السهم، فإن أصبت به، فلك درهم. ~~صح، وكان جعالة؛ لأنه بذل مالا له في فعل له فيه غرض صحيح، ولم يكن هذا ~~نضالا؛ لأن النضال يكون بين اثنين أو جماعة على أن يرموا جميعا، ويكون ~~الجعل لبعضهم إذا كان سابقا. وإن قال: إن أصبت به فلك درهم، وإن أخطأت ~~فعليك درهم. لم يصح؛ لأنه قمار. وإن قال: ارم عشرة أسهم، فإن كان صوابك ~~أكثر من خطئك، فلك درهم. صح؛ لأنه جعل الجعل في مقابلة الإصابة المعلومة، ~~فإن أكثر العشرة أقله ستة، وليس ذلك بمجهول؛ لأنه بالأقل يستحق الجعل. وإن ~~قال: إن كان صوابك أكثر، فلك بكل سهم أصبت به درهم. صح. # وكذلك إن قال: ارم عشرة، ولك بكل سهم أصبت به منها درهم. أو قال: فلك بكل ~~سهم زائد على النصف من المصيبات درهم. لأن الجعل معلوم بتقديره بالإصابة، ~~فأشبه ما لو قال استق لي من هذا البئر، ولك بكل دلو تمرة. أو قال: من رد ~~عبدا من عبيدي، فله بكل عبد درهم. وإن قال: وإن كان خطؤك أكثر، فعليك درهم. ~~أو نحو هذا، لم يجز؛ لأنه قمار. وإن قال: ارم عشرة، فإن أخطأتها فعليك ~~درهم. أو نحو هذا، لم يجز؛ لأن الجعل يكون في مقابلة عمل، ولم يوجد من ~~القابل عمل يستحق به شيئا. ولو قال الرامي لأجنبي: إن أخطأت، فلك درهم. لم ~~يصح؛ لذلك. ms5339 ### | [فصل عقدا النضال ولم يذكرا قوسا] # (7937) فصل: وإذا عقدا النضال، ولم يذكرا قوسا، فظاهر كلام القاضي، أنه ~~يصح، ويستويان في القوس، إما العربية، وإما العجمية، وقال غيره: لا يصح حتى ~~يذكرا نوع القوس الذي يرميان عليه في الابتداء؛ لأن إطلاقه ربما أفضى إلى ~~الاختلاف، وقد أمكن التحرز عنه بالتعيين للنوع، فيجب ذلك. وإن اتفقا على ~~أنهما يرميان بالنشاب في الابتداء، صح، وينصرف إلى الرمي بالقوس الأعجمية؛ ~~لأن سهامها هو المسمى بالنشاب، وسهام العربية # PageV09P484 # يسمى نبلا. فإن عين نوعا من القسي، لم يجز العدول عنها إلى غيرها؛ لأن ~~أحدهما قد يكون أحذق بالرمي بأحد النوعين دون الآخر. وإن عينا قوسا بعينها، ~~لم تتعين؛ لأنها قد تنكسر، ويحتاج إلى إبدالها؛ لأن الحذق لا يختلف باختلاف ~~عين القوس، بخلاف النوع. # وإن تناضلا على أن يرمي أحدهما بالعربية، والآخر بالفارسية، أو أحدهما ~~بقوس الزنبور، والآخر بقوس الجرخ، أو قوس الحسبان، وهو قوس سهامه قصار، ~~يجعل في مجرى مثل القصبة، ثم يرمي بها، ففيها وجهان؛ أحدهما، يصح. وهو قول ~~القاضي، ومذهب الشافعي؛ لأنهما نوعا جنس، فصحت المسابقة مع اختلافهما، ~~كالخيل والإبل. والثاني، لا تصح المسابقة مع اختلافهما؛ لأنهما يختلفان في ~~الإصابة، فجرى مجرى المسابقة بين جنسين. وكذلك الحكم في المسابقة بين نوعي ~~الخيل والإبل. ### | [فصل الرمي بالقوس الفارسية] # (7938) فصل: وظاهر كلام أحمد إباحة الرمي بالقوس الفارسية. ونص على جواز ~~المسابقة بها، وقال أبو بكر بن جعفر: يكره؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أنه رأى مع رجل قوسا فارسية، فقال: ألقها، فإنها ملعونة ولكن ~~عليكم بالقسي العربية، وبرماح القنا، فبها يؤيد الله الدين، وبها يمكن الله ~~لكم في الأرض» . رواه الأثرم. # ولنا، انعقاد الإجماع على الرمي بها، وإباحة حملها، فإن ذلك جاز في أكثر ~~الأعصار، وهي التي يحصل الجهاد بها في عصرنا وأكثر الأعصار المتقدمة. وأما ~~الخبر، فيحتمل أنه لعنها لأن حملتها في ذلك العصر العجم، ولم يكونوا أسلموا ~~بعد، ومنع العرب من حملها لعدم معرفتهم بها، ولهذا أمر برماح القنا، ولو ~~حمل ms5340 إنسان رمحا غيرها لم يكن مذموما. وحكى أحمد، أن قوما استدلوا على القسي ~~الفارسية بقول الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [الأنفال: 60] . ~~يعني أن هذا مما استطاعه من القوة، فيدخل في عموم الآية. ### | [مسألة الجنب في السبق] # (7939) مسألة؛ قال: (ولا يجوز إذا أرسل الفرسان أن يجنب أحدهما إلى فرسه ~~فرسا، يحرضه على العدو، ولا يصيح به وقت سباقه؛ لما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «لا جنب ولا جلب» ) معنى الجنب، أن يجنب المسابق ~~إلى فرسه فرسا لا راكب عليه، يحرض الذي تحته على العدو، ويحثه عليه. هذا ~~ظاهر كلام الخرقي. وقال القاضي: معناه أن يجنب فرسا يتحول عند الغاية عليه؛ ~~لكونها أقل كلالا # PageV09P485 # وإعياء. قال ابن المنذر: كذا قيل، ولا أحسب هذا يصح؛ لأن الفرس التي ~~يسابق عليها لا بد من تعيينها، فإن كانت التي يتحول عنها، فما حصل السبق ~~بها، وإن كانت التي يتحول إليها، فما حصلت المسابقة بها في جميع الحلبة، ~~ومن شرط السباق ذلك، ولأن هذا متى احتاج إلى التحول والاشتغال به، فربما ~~سبق باشتغاله، لا سرعة غيره، ولأن المقصود معرفة عدو الفرس في الحلبة كلها، ~~فمتى كان إنما يركبه في آخر الحلبة، فما حصل المقصود. # وأما الجلب، فهو أن يتبع الرجل فرسه، يركض خلفه، ويجلب عليه، ويصيح ~~وراءه، يستحثه بذلك على العدو. هكذا فسره مالك. وقال قتادة: الجلب والجنب ~~في الرهان. وروي عن أبي عبيد كقول مالك. وحكي عنه، أن معنى الجلب أن يحشر ~~الساعي أهل الماشية ليصدقهم، قال: فلا يفعل، ليأتهم على مياههم فيصدقهم. ~~والتفسير الأول هو الصحيح؛ لما روى عمران بن حصين، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «لا جلب، ولا جنب في الرهان» . رواه أبو داود. وفي ~~حديث علي في السباق وفي آخره: «ولا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام» . ~~ويروى عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أجلب على ~~الخيل يوم الرهان، فليس منا.» # PageV09P486 ### | [كتاب الأيمان] # الأصل في ms5341 مشروعيتها وثبوت حكمها، الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب ~~فقول الله سبحانه: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] . الآية، وقال تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان ~~بعد توكيدها} [النحل: 91] . وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالحلف في ~~ثلاثة مواضع، فقال: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم ~~بمعجزين} [يونس: 53] . وقال تعالى: {قل بلى وربي لتأتينكم} [سبأ: 3] . ~~والثالث: {قل بلى وربي لتبعثن} [التغابن: 7] . وأما السنة: فقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إني والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمين، فأرى ~~غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» متفق عليه # وكان أكثر قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ومصرف القلوب، ومقلب ~~القلوب ". ثبت هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آي وأخبار سوى ~~هذين كثير، وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين، وثبوت أحكامها. ووضعها في ~~الأصل لتوكيد المحلوف عليه. (7940) فصل: وتصح من كل مكلف مختار قاصد إلى ~~اليمين، ولا تصح من غير مكلف، كالصبي والمجنون والنائم؛ لقوله - عليه ~~السلام -: «رفع القلم عن ثلاث» . ولأنه قول يتعلق به وجوب حق، فلم يصح من ~~غير مكلف، أو غير مكلف؟ ولا تنعقد يمين مكره. وبه قال مالك، والشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: تنعقد؛ لأنها يمين مكلف، فانعقدت، كيمين المختار. # ولنا ما روى أبو أمامة، وواثلة بن الأسقع، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «ليس على مقهور يمين» . ولأنه قول حمل عليه بغير حق، فلم يصح ~~ككلمة الكفر. ### | [فصل حكم اليمين من الكافر] # (7941) فصل: وتصح اليمين من الكافر، وتلزمه الكفارة بالحنث، سواء حنث في ~~كفره أو بعد إسلامه. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر إذا حنث بعد ~~إسلامه. وقال الثوري، وأصحاب الرأي: لا ينعقد يمينه؛ لأنه ليس بمكلف. # PageV09P487 # ولنا «، أن عمر - رضي الله عنه - نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد ~~الحرام، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوفاء بنذره» . ولأنه من أهل ~~القسم، بدليل قوله تعالى: {فيقسمان بالله} [المائدة: 106] . ولا نسلم أنه ms5342 ~~غير مكلف، وإنما تسقط عنه العبادات بإسلامه؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، فأما ~~ما يلزمه بنذره أو يمينه، فينبغي أن يبقى حكمه في حقه؛ لأنه من جهته. ### | [فصل الحلف بغير الله تعالى وصفاته] # (7942) فصل: ولا يجوز الحلف بغير الله تعالى، وصفاته، نحو أن يحلف بأبيه، ~~أو الكعبة، أو صحابي، أو إمام قال الشافعي: أخشى أن يكون معصية. قال ابن ~~عبد البر: وهذا أصل مجمع عليه. وقيل: يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى أقسم ~~بمخلوقاته، فقال: {والصافات صفا} [الصافات: 1] . {والمرسلات عرفا} ~~[المرسلات: 1] . {والنازعات غرقا} [النازعات: 1] . «وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - للأعرابي السائل عن الصلاة: أفلح، وأبيه، إن صدق» . وقال في ~~حديث أبي العشراء: «وأبيك لو طعنت في فخذها لأجزأك» . # ولنا، ما روى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أدركه وهو يحلف بأبيه، فقال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من ~~كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت» . قال عمر: فما حلفت بها بعد ذلك، ذاكرا ~~ولا آثرا متفق عليه. يعني ولا حاكيا لها عن غيري. وعن ابن عمر، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «من حلف بغير الله، فقد أشرك» . قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حلف باللات ~~والعزى فليقل: لا إله إلا الله» وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا، فهو كما قال» . متفق عليه. # وفي لفظ: «من حلف إنه بريء من الإسلام، فإن كان قد كذب، فهو كما قال، وإن ~~كان صادقا، لم يرجع إلى الإسلام سالما» . رواه أبو داود. فأما قسم الله ~~بمصنوعاته، فإنما أقسم به دلالة على قدرته وعظمته، ولله - تعالى - أن يقسم ~~بما شاء من خلقه، ولا وجه للقياس على إقسامه. وقد قيل: إن في إقسامه إضمار ~~القسم برب هذه المخلوقات، فقوله: {والضحى} [الضحى: 1] . أي ورب الضحى. # PageV09P488 # وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " أفلح، وأبيه إن صدق ". فقال ابن ~~عبد البر: هذه اللفظة ms5343 غير محفوظة من وجه صحيح، فقد رواه مالك وغيره من ~~الحفاظ فلم يقولوها فيه. وحديث أبي العشراء، قد قال أحمد: لو كان يثبت. ~~يعني أنه لم يثبت، ولهذا لم يعمل به الفقهاء في إباحة الذبح في الفخذ. ثم ~~لو ثبت فالظاهر أن النهي بعده؛ لأن عمر قد كان يحلف بها كما حلف بها النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ثم نهي عن الحلف بها، ولم يرد بعد النهي إباحة، ~~ولذلك قال عمر، وهو يروي الحديث بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -: فما ~~حلفت بها ذاكرا، ولا آثرا. # ثم إن لم يكن الحلف بغير الله محرما فهو مكروه، فإن حلف فليستغفر الله ~~تعالى، أو ليذكر الله تعالى، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله» . لأن الحلف بغير الله سيئة، ~~والحسنة تمحو السيئة، وقد قال الله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} ~~[هود: 114] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا عملت سيئة، فأتبعها ~~حسنة تمحها» . ولأن من حلف بغير الله، فقد عظم غير الله تعظيما يشبه تعظيم ~~الرب تبارك وتعالى، ولهذا سمي شركا؛ لكونه أشرك غير الله مع الله - تعالى - ~~في تعظيمه بالقسم به، فيقول: لا إله إلا الله. توحيدا لله - تعالى، وبراءة ~~من الشرك. وقال الشافعي: من حلف بغير الله - تعالى، فليقل: أستغفر الله. ### | [فصل الإفراط في الحلف بالله تعالى] # (7943) فصل: ويكره الإفراط في الحلف بالله تعالى؛ لقول الله تعالى: {ولا ~~تطع كل حلاف مهين} [القلم: 10] . وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله. فإن لم يخرج ~~إلى حد الإفراط، فليس بمكروه، إلا أن يقترن به ما يوجب كراهته. ومن الناس ~~من قال: الأيمان كلها مكروهة؛ لقول الله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم} [البقرة: 224] . # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحلف كثيرا، وقد كان يحلف في ~~الحديث الواحد أيمانا كثيرة، وربما كرر اليمين الواحدة ثلاثا، فإنه «قال في ~~خطبة الكسوف: والله يا أمة محمد، ما أحد أغير من الله أن يزني عبده، ms5344 أو ~~تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم ~~كثيرا. ولقيته امرأة من الأنصار، معها أولادها، فقال: والذي نفسي بيده، ~~إنكم لأحب الناس إلي. ثلاث مرات. # PageV09P489 # وقال: والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا» . # ولو كان هذا مكروها، لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أبعد الناس منه. ~~ولأن الحلف بالله تعظيم له، وربما ضم إلى يمينه وصف الله - تعالى - بتعظيمه ~~وتوحيده، فيكون مثابا على ذلك. وقد روي «أن رجلا حلف على شيء، فقال: والله ~~الذي لا إله إلا هو، ما فعلت كذا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أما ~~إنه قد كذب، ولكن قد غفر له بتوحيده» . وأما الإفراط في الحلف، فإنما كره؛ ~~لأنه لا يكاد يخلو من الكذب. والله أعلم. # فأما قوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} [البقرة: 224] . فمعناه لا ~~تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، وهو ~~أن يحلف بالله أن لا يفعل برا ولا تقوى ولا يصلح بين الناس، ثم يمتنع من ~~فعله، ليبر في يمينه، ولا يحنث فيها، فنهوا عن المضي فيها. قال أحمد، وذكر ~~حديث ابن عباس بإسناده، في قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} ~~[البقرة: 224] : الرجل يحلف أن لا يصل قرابته، وقد جعل الله له مخرجا في ~~التكفير، فأمره أن لا يعتل بالله، فليكفر، وليبر. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يستلج أحدكم في يمينه، آثم له ~~عند الله من أن يؤدي الكفارة التي فرض الله عليه» . متفق عليه. وقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فأت ~~الذي هو خير وكفر عن يمينك. وقال: إني والله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها ~~خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها» . متفق عليهما. وإن كان النهي ~~عاد إلى اليمين، فالمنهي عنه الحلف على ترك البر والتقوى والإصلاح بين ~~الناس، لا على كل يمين، فلا حجة فيها لهم إذا. ### | [فصل والأيمان تنقسم خمسة أقسام] # (7944) فصل: والأيمان ms5345 تنقسم خمسة أقسام؛ أحدها، واجب، وهي التي ينجي بها ~~إنسانا معصوما من هلكة، كما روي عن سويد بن حنظلة، قال: # PageV09P490 # خرجنا نريد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو ~~له، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنا أنه أخي، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صدقت، المسلم أخو المسلم» ~~. رواه أبو داود، والنسائي. فهذا ومثله واجب لأن إنجاء المعصوم واجب، وقد ~~تعين في اليمين، فيجب، وكذلك إنجاء نفسه، مثل أن تتوجه عليه أيمان القسامة ~~في دعوى القتل عليه، وهو بريء. # الثاني، مندوب، وهو الحلف الذي تتعلق به مصلحة؛ من إصلاح بين متخاصمين، ~~أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف أو غيره، أو دفع شر، فهذا مندوب؛ لأن ~~فعل هذه الأمور مندوب إليه، واليمين مفضية إليه. وإن حلف على فعل طاعة، أو ~~ترك معصية، ففيه وجهان؛ أحدهما، أنه مندوب إليه. وهو قول بعض أصحابنا، ~~وأصحاب الشافعي؛ لأن ذلك يدعوه إلى فعل الطاعات، وترك المعاصي. # والثاني، ليس بمندوب إليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم ~~يكونوا يفعلون ذلك في الأكثر الأغلب، ولا حث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أحدا عليه، ولا ندبه إليه، ولو كان ذلك طاعة لم يخلوا به، ولأن ذلك يجري ~~مجرى النذر، وقد «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النذر، وقال: إنه لا ~~يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» . متفق عليه. # الثالث، المباح، مثل الحلف على فعل مباح أو تركه، والحلف على الخبر بشيء، ~~وهو صادق فيه، أو يظن أنه فيه صادق، فإن الله تعالى قال: {لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] . ومن صور اللغو قوله أن يحلف على شيء ~~يظنه كما حلف عليه، ويبين بخلافه. # فأما الحلف على الحقوق عند الحاكم، ففيه وجهان؛ أحدهما، أن تركه أولى من ~~فعله، فيكون مكروها. ذكر ذلك أصحابنا، وأصحاب الشافعي؛ لما روي أن عثمان ~~والمقداد تحاكما إلى عمر، في مال استقرضه المقداد، فجعل عمر اليمين على ms5346 ~~المقداد، فردها على عثمان، فقال عمر: لقد أنصفك. فأخذ عثمان ما أعطاه ~~المقداد، ولم يحلف، فقال: خفت أن يوافق قدر بلاء، فيقال: بيمين عثمان. # والثاني، أنه مباح فعله كتركه؛ لأن الله - تعالى - أمر نبيه بالحلف على ~~الحق في ثلاثة مواضع. وروى محمد بن كعب القرظي، أن عمر قال على المنبر، وفي ~~يده عصا: يا أيها الناس، لا تمنعكم اليمين من حقوقكم، فوالذي نفسي بيده، إن ~~في يدي لعصا. # وروى عمر بن شبة، في كتاب " قضاة البصرة "، بإسناده عن الشعبي، أن عمر ~~وأبيا تحاكما إلى زيد في نخل ادعاه أبي، فتوجهت اليمين على عمر، فقال زيد: ~~أعف أمير المؤمنين. فقال عمر: ولم يعفي أمير المؤمنين؟ إن # PageV09P491 # عرفت شيئا استحققته بيميني، وإلا تركته، والله الذي لا إله إلا هو، إن ~~النخل لنخلي، وما لأبي فيه حق. فلما خرجا وهب النخل لأبي، فقيل له: يا أمير ~~المؤمنين هلا كان هذا قبل اليمين؟ فقال: خفت أن لا أحلف، فلا يحلف الناس ~~على حقوقهم بعدي، فيكون سنة. ولأنه حلف صدق على حق، فأشبه الحلف عند غير ~~الحاكم. # الرابع، المكروه، وهو الحلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب. قال الله ~~تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس} ~~[البقرة: 224] . وروي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - حلف لا ينفق على ~~مسطح بعد الذي قال لعائشة ما قال، وكان من جملة أهل الإفك الذين تكلموا في ~~عائشة - رضي الله عنها -، فأنزل الله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم ~~والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ~~وليصفحوا} [النور: 22] وقيل: المراد بقوله: {ولا يأتل} [النور: 22] أي لا ~~يمتنع. ولأن اليمين على ذلك مانعة من فعل الطاعة، أو حاملة على فعل ~~المكروه، فتكون مكروهة. # فإن قيل: لو كانت مكروهة لأنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~الأعرابي الذي سأله عن الصلوات، فقال: هل علي غيرها؟ فقال: " لا، إلا أن ~~تطوع ". فقال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليها ولا أنقص منها. ولم ms5347 ينكر ~~عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل قال: " أفلح الرجل إن صدق ". قلنا: ~~لا يلزم هذا، فإن اليمين على تركها، لا تزيد على تركها، ولو تركها لم ينكره ~~عليه، ويكفي في ذلك بيان أن ما تركه تطوع، وقد بينه له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقوله: " إلا أن تطوع ". ولأن هذه اليمين إن تضمنت ترك ~~المندوب، فقد تناولت فعل الواجب، والمحافظة عليه كله، بحيث لا ينقص منه ~~شيئا، وهذا في الفضل يزيد على ما قابله من ترك التطوع، فيترجح جانب الإثبات ~~بها على تركها، فيكون من قبيل المندوب، فكيف ينكر، ولأن في الإقرار على هذه ~~اليمين بيان حكم محتاج إليه، وهو بيان أن ترك التطوع غير مؤاخذ به، ولو ~~أنكر على الحالف، لحصل ضد هذا، وتوهم كثير من الناس لحوق الإثم بتركه فيفوت ~~الغرض. # ومن قسم المكروه الحلف في البيع والشراء؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «الحلف منفق للسلعة، ممحق للبركة» . رواه ابن ماجه. # القسم الخامس، المحرم، وهو الحلف الكاذب؛ فإن الله - تعالى - ذمه بقوله ~~تعالى: {ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} [المجادلة: 14] . ولأن الكذب حرام، ~~فإذا كان محلوفا عليه، كان أشد في التحريم. وإن أبطل به حقا، أو اقتطع به ~~مال معصوم، كان أشد؛ فإنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«من حلف يمينا فاجرة، يقتطع بها # PageV09P492 # مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» . وأنزل الله عز وجل في ذلك: {إن ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ~~ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} ~~[آل عمران: 77] . ومن هذا القسم الحلف على فعل معصية، أو ترك واجب؛ فإن ~~المحلوف عليه حرام، فكان الحلف حراما؛ لأنه وسيلة إليه، والوسيلة تأخذ حكم ~~المتوسل إليه. ### | [فصل كانت اليمين على فعل واجب أو ترك محرم] # (7945) فصل: ومتى كانت اليمين على فعل واجب، أو ترك محرم، كان حلها ~~محرما؛ لأن حلها بفعل المحرم وهو محرم. وإن ms5348 كانت على فعل مندوب، أو ترك ~~مكروه، فحلها مكروه. وإن كانت على فعل مباح، فحلها مباح. فإن قيل: فكيف ~~يكون حلها مباحا، وقد قال الله تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} ~~[النحل: 91] ؟ قلنا: هذا في الأيمان في العهود والمواثيق بدليل قوله تعالى: ~~{وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] ~~إلى قوله: {تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة} [النحل: ~~92] . # والعهد يجب الوفاء به بغير يمين، فمع اليمين أولى؛ فإن الله تعالى قال: ~~{وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] وقال: {يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] . ولهذا نهى عن نقض اليمين، والنهي يقتضي ~~التحريم، وذمهم عليه، وضرب لهم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، ولا ~~خلاف في أن الحل المختلف فيه لا يدخله شيء من هذا. # وإن كانت على فعل مكروه، أو ترك مندوب، فحلها مندوب إليه؛ فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فأت ~~الذي هو خير، وكفر عن يمينك» . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني ~~والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت ~~الذي هو خير، وتحللتها» . وإن كانت اليمين على فعل محرم، أو ترك واجب، ~~فحلها واجب؛ لأن حلها بفعل الواجب، وفعل الواجب واجب. ### | [مسألة حلف أن يفعل شيئا فلم يفعله] # (7946) مسألة؛ قال: (ومن حلف أن يفعل شيئا، فلم يفعله، أو لا يفعل شيئا، ~~ففعله، فعليه الكفارة) لا خلاف في هذا عند فقهاء الأمصار. قال ابن عبد ~~البر: اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين، هي التي على المستقبل من ~~الأفعال. وذهبت طائفة إلى أن الحنث متى كان طاعة، لم يوجب كفارة. # وقال قوم: من حلف على فعل معصية، فكفارتها تركها. وقال سعيد بن جبير: ~~اللغو أن يحلف الرجل فيما لا ينبغي له. # PageV09P493 # يعني فلا كفارة عليه في الحنث. وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ~~قال: قال رسول الله - صلى ms5349 الله عليه وسلم -: «لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ~~ابن آدم، ولا في معصية الله - تعالى ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين ~~فرأى غيرها خيرا منها، فليدعها، وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارة» . ~~رواه أبو داود. ولأن الكفارة إنما تجب لرفع الإثم، ولا إثم في الطاعة. ولأن ~~اليمين كالنذر، ولا نذر في معصية الله - تعالى. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على يمين، فرأى غيرها ~~خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه. وقال: إني والله، إن شاء ~~الله، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، ~~وكفرت عن يميني» . أخرجه البخاري. وحديثهم لا يعارض حديثنا؛ لأن حديثنا أصح ~~منه وأثبت. # ثم إنه يحتمل أن تركها كفارة لإثم الحلف، والكفارة المختلف فيها كفارة ~~المخالفة. وقولهم: إن الحنث طاعة. قلنا: فاليمين غير طاعة، فتلزمه الكفارة؛ ~~للمخالفة، ولتعظيم اسم الله - تعالى - إذا حلف به ولم يبر يمينه. إذا ثبت ~~هذا، نظرنا في يمينه، فإن كانت على ترك شيء ففعله، حنث، ووجبت الكفارة. وإن ~~كانت على فعل شيء فلم يفعله، وكانت يمينه مؤقتة بلفظه، أو نيته، أو قرينة ~~حاله، ففات الوقت، حنث، وكفر. # وإن كانت مطلقة، لم يحنث إلا بفوات وقت الإمكان؛ لأنه ما دام في الوقت ~~والفعل ممكن، فيحتمل أن يفعل فلا يحنث؛ ولهذا «قال عمر للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: ألم تخبرنا أنا نأتي البيت، ونطوف به؟ قال: فأخبرتك أنك تأتيه ~~العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به» . وقد قال الله - تعالى: {قل بلى ~~وربي لتبعثن} [التغابن: 7] . وهو حق، ولم يأت بعد. ### | [مسألة حلف على شيء ففعله ناسيا] # (7947) مسألة؛ قال: (وإن فعله ناسيا، فلا شيء عليه إذا كانت اليمين بغير ~~الطلاق والعتاق) وجملة ذلك أن من حلف أن لا يفعل شيئا، ففعله ناسيا. فلا ~~كفارة عليه. نقله عن أحمد الجماعة، إلا في الطلاق والعتاق، فإنه يحنث. هذا ~~ظاهر المذهب. واختاره الخلال وصاحبه. وهو قول أبي عبيد. وعن ms5350 أحمد، رواية ~~أخرى، أنه لا يحنث في الطلاق والعتاق أيضا، وهذا قول عطاء، وعمرو بن دينار، ~~وابن أبي نجيح، وإسحاق، قالوا: لا حنث على الناسي في طلاق ولا غيره. # وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لقوله تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ~~ولكن ما تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5] . # PageV09P494 # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ، ~~والنسيان، وما استكرهوا عليه» . ولأنه # PageV09P495 # غير قاصد للمخالفة، فلم يحنث، كالنائم والمجنون. ولأنه أحد طرفي اليمين ~~فاعتبر فيه القصد، كحالة الابتداء بها. وعن أحمد، رواية أخرى، أنه يحنث في ~~الجميع، وتلزمه الكفارة في اليمين المكفرة. وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، ~~والزهري، وقتادة، وربيعة، ومالك، وأصحاب الرأي، والقول الثاني للشافعي؛ ~~لأنه فعل ما حلف عليه قاصدا لفعله، فلزمه الحنث، كالذاكر، وكما لو كانت ~~اليمين بالطلاق والعتاق. # ولنا، على أن الكفارة لا تجب في اليمين المكفرة، ما تقدم، ولأنها تجب ~~لرفع الإثم، ولا إثم على الناسي. وأما الطلاق والعتاق، فهو معلق بشرط، فيقع ~~بوجود شرطه من غير قصد كما لو قال: أنت طالق، إن طلعت الشمس، أو قدم الحاج. ### | [فصل فعله غير عالم بالمحلوف عليه الحلف] # (7948) فصل: وإن فعله غير عالم بالمحلوف عليه، كرجل حلف لا يكلم فلانا، ~~فسلم عليه يحسبه أجنبيا، أو حلف إنه لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه، فأعطاه ~~قدر حقه، ففارقه ظنا منه أنه قد بر، فوجد ما أخذه رديئا، أو حلف: لا بعت ~~لزيد ثوبا. فوكل زيد من يدفعه إلى من يبيعه، فدفعه إلى الحالف، فباعه من ~~غير علمه، فهو كالناسي؛ لأنه غير قاصد للمخالفة، أشبه الناسي. ### | [فصل المكره على الفعل] # (7949) فصل: والمكره على الفعل ينقسم قسمين؛ أحدهما: أن يلجأ إليه، مثل ~~من يحلف لا يدخل دارا، فحمل فأدخلها. أو لا يخرج منها، فأخرج محمولا، أو ~~مدفوعا بغير اختياره، ولم يمكنه الامتناع. فهذا لا يحنث في قول أكثرهم. وبه ~~قال أصحاب الرأي. وقال مالك: إن دخل مربوطا، لم يحنث. وذلك لأنه لم يفعل ~~الدخول والخروج، فلم يحنث، كما ms5351 لو لم يوجد ذلك. # الثاني أن يكره بالضرب والتهديد بالقتل ونحوه، فقال أبو الخطاب: فيه ~~روايتان، كالناسي. وللشافعي قولان. وقال مالك، وأبو حنيفة: يحنث؛ لأن ~~الكفارة لا تسقط بالشبهة، فوجب مع الإكراه والنسيان، ككفارة الصيد. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي عن الخطأ، والنسيان، ~~وما استكرهوا عليه» . ولأنه نوع إكراه، فلم يحنث به، كما لو حمل ولم يمكنه ~~الامتناع، ولأن الفعل لا ينسب إليه، فأشبه من لم يفعله، ولا نسلم الكفارة ~~في الصيد، بل إنما تجب على المكره. والله أعلم. ### | [مسألة حلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب] # (7950) مسألة؛ قال: (ومن حلف على شيء، وهو يعلم أنه كاذب، فلا كفارة ~~عليه؛ لأن الذي أتى به أعظم من أن تكون فيه الكفارة) . هذا ظاهر المذهب، ~~نقله الجماعة عن أحمد. وهو قول أكثر أهل العلم، منهم؛ ابن مسعود، وسعيد بن ~~المسيب، والحسن، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، ~~وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة. وهذه اليمين تسمى يمين الغموس؛ ~~لأنها تغمس صاحبها في الإثم. # قال ابن مسعود: كنا نعد من اليمين التي لا كفارة لها، اليمين الغموس. وعن ~~سعيد بن المسيب، قال: هي من الكبائر، وهي أعظم من أن تكفر. وروي عن أحمد، ~~أن فيها الكفارة. وروي ذلك عن عطاء، والزهري، والحكم، والبتي. وهو قول ~~الشافعي؛ لأنه وجدت منه اليمين بالله تعالى، والمخالفة مع القصد، فلزمته ~~الكفارة، كالمستقبلة. # ولنا، أنها يمين غير منعقدة، فلا توجب الكفارة، كاللغو، أو يمين على ماض، ~~فأشبهت اللغو، وبيان كونها غير منعقدة، أنها لا توجب برا، ولا يمكن فيها؛ ~~ولأنه قارنها ما ينافيها، وهو الحنث، فلم تنعقد، كالنكاح الذي قارنه ~~الرضاع، ولأن الكفارة لا ترفع إثمها، فلا تشرع فيها، ودليل ذلك أنها كبيرة، ~~فإنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من الكبائر الإشراك ~~بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» . رواه البخاري، وروي ~~فيه: «خمس من الكبائر لا كفارة لهن؛ الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وبهت ~~المؤمن، وقتل ms5352 المسلم بغير حق، والحلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ ~~مسلم» . ولا يصح القياس على المستقبلة؛ لأنها يمين منعقدة، يمكن حلها والبر ~~فيها، وهذه غير منعقدة، فلا حل لها. # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو ~~خير» . يدل على أن الكفارة إنما تجب بالحلف على فعل يفعله فيما يستقبله. ~~قاله ابن المنذر. ### | [مسألة الكفارة إنما تلزم من حلف يريد عقد اليمين] # (7951) مسألة؛ قال: (والكفارة إنما تلزم من حلف يريد عقد اليمين) وجملته ~~أن اليمين التي تمر على لسانه في عرض حديثه، من غير قصد إليها، لا كفارة ~~فيها، في قول أكثر أهل العلم؛ لأنها من لغو اليمين. نقل عبد الله، عن أبيه، ~~أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين، يرى أنها كذلك، والرجل يحلف فلا ~~يعقد قلبه على شيء. # وممن قال: إن اللغو اليمين التي لا يعقد عليها قلبه؛ عمر، وعائشة - رضي ~~الله عنهما -. وبه قال عطاء، والقاسم، وعكرمة، والشعبي، والشافعي؛ لما روي ~~عن عطاء، قال: قالت عائشة: إن # PageV09P496 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال، يعني اللغو في اليمين: «هو كلام ~~الرجل في بيته، لا والله. وبلى والله» . أخرجه أبو داود. قال: ورواه ~~الزهري، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومالك بن مغول، عن عطاء، عن عائشة، ~~موقوفا. # وروى الزهري، أن عروة حدثه، عن عائشة، قالت، أيمان اللغو، ما كان في ~~المراء، والهزل، والمزاحة، والحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وأيمان ~~الكفارة كل يمين حلف عليها على وجه من الأمر، في غضب أو غيره، ليفعلن، أو ~~ليتركن، فذلك عقد الأيمان التي فرض الله - تعالى - فيها الكفارة. ولأن ~~اللغو في كلام العرب الكلام غير المعقود عليه. وهذا كذلك. # وممن قال: لا كفارة في هذا؛ ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو مالك، وزرارة بن ~~أوفى، والحسن، والنخعي، ومالك. وهو قول من قال: إنه من لغو اليمين. ولا ~~نعلم في هذا خلافا. # ووجه ذلك قول الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم ms5353 الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] . ~~فجعل الكفارة لليمين التي يؤاخذ بها، ونفى المؤاخذة باللغو، فيلزم انتفاء ~~الكفارة، ولأن المؤاخذة يحتمل أن يكون معناها إيجاب الكفارة، بدليل أنها ~~تجب في الأيمان التي لا مأثم فيها، وإذا كانت المؤاخذة إيجاب الكفارة، فقد ~~نفاها في اللغو، فلا تجب، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم ~~مخالفا في عصرهم، فكان إجماعا، ولأن قول عائشة في تفسير اللغو، وبيان ~~الأيمان التي فيها الكفارة، خرج منها تفسيرا لكلام الله تعالى، وتفسير ~~الصحابي مقبول. ### | [مسألة حلف على شيء يظنه كما حلف] # (7952) مسألة؛ قال: (ومن حلف على شيء يظنه كما حلف، فلم يكن، فلا كفارة ~~عليه؛ لأنه من لغو اليمين) أكثر أهل العلم على أن هذه اليمين لا كفارة ~~فيها. قاله ابن المنذر. يروى هذا عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي مالك، ~~وزرارة بن أوفى، والحسن، والنخعي، ومالك، وأبي حنيفة، والثوري. # وممن قال: هذا لغو اليمين. مجاهد، وسليمان بن يسار، والأوزاعي، والثوري، ~~وأبو حنيفة وأصحابه. وأكثر أهل العلم على أن لغو اليمين لا كفارة فيه. وقال ~~ابن عبد البر: أجمع المسلمون على هذا. وقد حكي عن النخعي في اليمين على شيء ~~يظنه حقا، فيتبين بخلافه، أنه من لغو اليمين، وفيه الكفارة. وهو أحد قولي ~~الشافعي. وروي عن أحمد، أن فيه الكفارة، وليس من لغو اليمين؛ لأن اليمين ~~بالله - تعالى - وجدت مع المخالفة، فأوجبت الكفارة، كاليمين على مستقبل. ~~ولنا، قول الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] ~~. وهذه منه، ولأنها يمين غير منعقدة، فلم تجب فيها كفارة، كيمين الغموس، ~~ولأنه غير مقصود للمخالفة، فأشبه ما لو حنث ناسيا. # وفي الجملة، لا كفارة في يمين على ماض؛ لأنها تنقسم ثلاثة أقسام؛ ما هو ~~صادق فيه، فلا كفارة فيه إجماعا. وما تعمد الكذب فيه، # PageV09P497 # فهو يمين الغموس، لا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تكون فيها كفارة. وما ~~يظنه حقا، فيتبين بخلافه، فلا كفارة فيه؛ لأنه من لغو اليمين. فأما اليمين ~~على المستقبل، فما عقد عليه ms5354 قلبه، وقصد اليمين عليه، ثم خالف، فعليه ~~الكفارة، وما لم يعقد عليه قلبه، ولم يقصد اليمين عليه، وإنما جرت على ~~لسانه، فهو من لغو اليمين. # وكلام عائشة يدل على هذا، فإنها قالت: أيمان اللغو؛ ما كان في المراء ~~والمزاحة، والهزل، والحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وأيمان الكفارة؛ كل ~~يمين حلف عليها على وجه من الأمر، في غضب أو غيره، ليفعلن أو ليتركن، فذلك ~~عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة. وقال الثوري، في " جامعه ": ~~الأيمان أربعة؛ يمينان يكفران، وهو أن يقول الرجل: والله لا أفعل. فيفعل. ~~أو يقول: والله لأفعلن. ثم لا يفعل. ويمينان لا يكفران، أن يقول: والله ما ~~فعلت. وقد فعل، أو يقول: والله لقد فعلت. وما فعل. ### | [مسألة اليمين المكفرة] # (7953) مسألة؛ قال: (واليمين المكفرة، أن يحلف بالله - عز وجل، أو باسم ~~من أسمائه) أجمع أهل العلم على أن من حلف بالله - عز وجل، فقال: والله، أو ~~بالله، أو تالله. فحنث، أن عليه الكفارة. قال ابن المنذر: وكان مالك، ~~والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، يقولون: من حلف باسم من ~~أسماء الله - تعالى، فحنث، أن عليه الكفارة. ولا نعلم في هذا خلافا إذا كان ~~من أسماء الله - عز وجل، التي لا يسمى بها سواه. # وأسماء الله تنقسم ثلاثة أقسام؛ أحدها، ما لا يسمى بها غيره، نحو قوله: ~~والله والرحمن، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، ورب ~~العالمين، ومالك يوم الدين، ورب السماوات والأرض، والحي الذي لا يموت. ونحو ~~هذا، فالحلف بهذا يمين بكل حال. والثاني، ما يسمى به غير الله تعالى مجازا، ~~وإطلاقه ينصرف إلى الله - سبحانه، مثل الخالق، والرازق، والرب، والرحيم، ~~والقادر، والقاهر، والملك، والجبار. ونحوه، فهذا يسمى به غير الله مجازا؛ ~~بدليل قول الله تعالى: {وتخلقون إفكا} [العنكبوت: 17] . {وتذرون أحسن ~~الخالقين} [الصافات: 125] . # وقوله: {ارجع إلى ربك} [يوسف: 50] و. {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه وقال: {فارزقوهم منه} [النساء: 8] . وقال: {بالمؤمنين رءوف ~~رحيم} [التوبة: 128] . فهذا إن نوى به اسم ms5355 الله تعالى، أو أطلق، كان يمينا؛ ~~لأنه بإطلاقه ينصرف إليه. وإن نوى # PageV09P498 # به غير الله - تعالى، لم يكن يمينا؛ لأنه يستعمل في غيره، فينصرف بالنية ~~إلى ما نواه. وهذا مذهب الشافعي. وقال طلحة العاقولي إذا قال: والرب، ~~والخالق والرازق. كان يمينا على كل حال، كالأول؛ لأنها لا تستعمل مع ~~التعريف فاللام التعريف إلا في اسم الله، فأشبهت القسم الأول. # الثالث، ما يسمى به الله - تعالى، وغيره، ولا ينصرف إليه بإطلاقه، كالحي، ~~والعالم، والموجود، والمؤمن، والكريم، والشاكر. فهذا إن قصد به اليمين باسم ~~الله - تعالى - كان يمينا، وإن أطلق، أو قصد غير الله - تعالى، لم يكن ~~يمينا، فيختلف هذا القسم والذي قبله في حالة الإطلاق، ففي الأول يكون ~~يمينا، وفي الثاني لا يكون يمينا. وقال القاضي، والشافعي، في هذا القسم: لا ~~يكون يمينا، وإن قصد به اسم الله - تعالى؛ لأن اليمين إنما تنعقد لحرمة ~~الاسم، فمع الاشتراك لا تكون له حرمة، والنية المجردة لا تنعقد بها اليمين. # ولنا، أنه أقسم باسم الله تعالى، قاصدا به الحلف به، فكان يمينا مكفرة، ~~كالقسم الذي قبله. وقولهم: إن النية المجردة لا تنعقد بها اليمين. نقول به، ~~وما انعقد بالنية المجردة إنما انعقد بالاسم المحتمل، المراد به اسم الله ~~تعالى، فإن النية تصرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتملاته، فيصير كالمصرح به، ~~كالكنايات وغيرها، ولهذا لو نوى بالقسم الذي قبله غير الله - تعالى، لم يكن ~~يمينا، لنيته. ### | [فصل القسم بصفات الله تعالى] # (7954) فصل: والقسم بصفات الله - تعالى، كالقسم بأسمائه. وصفاته تنقسم ~~أيضا ثلاثة أقسام؛ أحدها، ما هو صفات لذات الله - تعالى، لا يحتمل غيرها، ~~كعزة الله تعالى، وعظمته، وجلاله، وكبريائه، وكلامه. # فهذه تنعقد بها اليمين في قولهم جميعا. وبه يقول الشافعي، وأصحاب الرأي؛ ~~لأن هذه من صفات ذاته، لم يزل موصوفا بها، وقد ورد الأثر بالقسم ببعضها، ~~فروي أن النار تقول: " قط قط، وعزتك ". رواه البخاري. والذي يخرج من النار ~~يقول: " وعزتك، لا أسألك غيرها ". وفي كتاب الله - تعالى -: {فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين} [ص: 82] . # الثاني، ما هو ms5356 صفة للذات، ويعبر به عن غيرها مجازا، كعلم الله وقدرته، ~~فهذه صفة للذات لم يزل موصوفا بها، وقد تستعمل في المعلوم والمقدور اتساعا، ~~كقولهم: اللهم اغفر لنا علمك فينا. ويقال: اللهم # PageV09P499 # قد أريتنا قدرتك، فأرنا عفوك. ويقال: انظر إلى قدرة الله. أي مقدوره. ~~فمتى أقسم بهذا، كان يمينا. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة، إذا قال: ~~وعلم الله. لا يكون يمينا؛ لأنه يحتمل المعلوم. ولنا، أن العلم من صفات ~~الله - تعالى، فكانت اليمين به يمينا موجبة للكفارة، كالعظمة، والعزة، ~~والقدرة، وينتقض ما ذكروه بالقدرة، فإنهم قد سلموها، وهي قرينتها. # فأما إن نوى القسم بالمعلوم، والمقدور، احتمل أن لا يكون يمينا. وهو قول ~~أصحاب الشافعي؛ لأنه نوى بالاسم غير صفة لله، مع احتمال اللفظ ما نواه، ~~فأشبه ما لو نوى القسم بمحلوف في الأسماء التي يسمى بها غير الله - تعالى. ~~وقد روي عن أحمد، أن ذلك يكون يمينا بكل حال، ولا تقبل منه نية غير صفة ~~الله - تعالى. وهو قول أبي حنيفة في القدرة؛ لأن ذلك موضوع للصفة، فلا يقبل ~~منه نية غير الصفة، كالعظمة. وقد ذكر طلحة العاقولي، في أسماء الله تعالى ~~المعرفة فاللام التعريف، كالخالق والرازق، أنها تكون يمينا بكل حال؛ لأنها ~~لا تنصرف إلا إلى اسم الله، كذا هذا. # الثالث، مالا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى، لكن ينصرف بإضافته إلى ~~الله - سبحانه - لفظا أو نية، كالعهد، والميثاق، والأمانة، ونحوه. فهذا لا ~~يكون يمينا مكفرة إلا بإضافته أو نيته. وسنذكر ذلك فيما بعد، إن شاء الله ~~تعالى. ### | [فصل قال وحق الله] # (7955) فصل: وإن قال: وحق الله فهي يمين مكفرة. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا كفارة لها؛ لأن حق الله طاعته ومفروضاته، ~~وليست صفة له. # ولنا، أن لله حقوقا يستحقها لنفسه؛ من البقاء، والعظمة، والجلال، والعزة، ~~وقد اقترن عرف الاستعمال بالحلف بهذه الصفة، فتنصرف إلى صفة الله تعالى، ~~كقوله: وقدرة الله. وإن نوى بذلك القسم بمخلوق، فالقول فيه كالقول في الحلف ~~بالعلم والقدرة، إلا أن احتمال ms5357 المخلوق بهذا اللفظ أظهر. ### | [فصل قال لعمر الله] # (7956) فصل: وإن قال: لعمر الله. فهي يمين موجبة للكفارة. وبه قال أبو ~~حنيفة. وقال الشافعي، إن قصد اليمين، فهي يمين، وإلا فلا. وهو اختيار أبي ~~بكر؛ لأنها إنما تكون يمينا بتقدير خبر محذوف، فكأنه قال: لعمر الله ما ~~أقسم به. فيكون مجازا، والمجاز لا ينصرف إليه الإطلاق. # ولنا، أنه أقسم بصفة من صفات ذات الله، فكان يمينا موجبا للكفارة، كالحلف ~~ببقاء الله - تعالى، فإن معنى ذلك الحلف ببقاء الله - تعالى، وحياته. ~~ويقال: العمر والعمر واحد. وقيل: معناه وحق الله. وقد # PageV09P500 # ثبت له عرف الشرع والاستعمال، قال الله تعالى: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون} [الحجر: 72] . # وقال النابغة: # فلا لعمر الذي قد زرته حججا ... وما أريق على الأنصاب من جسد # وقال آخر: # إذا رضيت كرام بني قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها # وقال آخر: # ولكن لعمر الله ما ظل مسلما ... كغر الثنايا واضحات الملاغم # وهذا في الشعر، والكلام كثير. # وأما احتياجه إلى التقدير، فلا يصح؛ فإن اللفظ إذا اشتهر في العرف، صار ~~من الأسماء العرفية، يجب حمله عليه عند الإطلاق دون موضوعه الأصلي، على ما ~~عرف من سائر الأسماء العرفية، ومتى احتاج اللفظ إلى التقدير، وجب التقدير ~~له، ولم يجز اطراحه، ولهذا يفهم مراد المتكلم به من غير اطلاع على نية ~~قائله وقصده، كما يفهم أن مراد المتكلم بهذا من المتقدمين القسم، ويفهم من ~~القسم بغير حرف القسم في أشعارهم القسم في مثل قوله: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # ويفهم من القسم الذي حذف في جوابه حرف " لا " أنه مقدر مراد، كهذا البيت، ~~ويفهم من قول الله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82]-. {وأشربوا في قلوبهم ~~العجل} [البقرة: 93] . التقدير، فكذا هاهنا. # وإن قال: عمرك الله كما في قوله: # PageV09P501 # أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان # فقد قيل: هو مثل قوله: نشدتك الله. ولهذا ينصب اسم الله تعالى فيه. وإن ~~قال: لعمري، أو عمرك. فليس بيمين؛ في قول أكثرهم. وقال الحسن، في قوله: ~~لعمرك: عليه الكفارة. ولنا، ms5358 أنه أقسم بحياة مخلوق، فلم تلزمه كفارة، كما لو ~~قال: وحياتي. وذلك لأن هذا اللفظ يكون قسما بحياة الذي أضيف إليه العمر، ~~فإن التقدير، لعمرك قسمي، أو ما أقسم به، والعمر: الحياة أو البقاء. ### | [فصل قال وأيم الله أو وأيمن الله] # (7957) فصل: وإن قال: وايم الله، أو وايمن الله. فهي يمين موجبة للكفارة، ~~والخلاف فيه كالذي ذكرناه في الفصل الذي قبله. وقد كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقسم به، وانضم إليه عرف الاستعمال، فوجب أن يصرف إليه. واختلف ~~في اشتقاقه، فقيل: هو جمع يمين، وحذفت النون فيه في البعض تخفيقا لكثرة ~~الاستعمال. وقيل: هو من اليمين، فكأنه قال: ويمين الله لأفعلن. وألفه ألف ~~وصل. ### | [فصل حروف القسم] # (7958) فصل: وحروف القسم ثلاثة؛ الباء، وهي الأصل، وتدخل على المظهر ~~والمضمر جميعا. والواو، وهي بدل من الباء، وتدخل على المظهر دون المضمر ~~لذلك، وهي أكثر استعمالا، وبها جاءت أكثر الأقسام في الكتاب والسنة؛ وإنما ~~كانت الباء الأصل، لأنها الحرف الذي تصل به الأفعال القاصرة عن التعدي إلى ~~مفعولاتها، والتقدير في القسم، أقسم بالله، كما قال الله تعالى: {وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم} [الأنعام: 109] . والتاء بدل من الواو، وتختص باسم واحد ~~من أسماء الله - تعالى، وهو الله، ولا تدخل على غيره فيقال: تالله. ولو ~~قال: تالرحمن، أو تالرحيم. لم يكن قسما. # فإذا أقسم بأحد هذه الحروف الثلاثة في موضعه، كان قسما صحيحا؛ لأنه موضوع ~~له. وقد جاء في كتاب الله - تعالى، وكلام العرب، قال الله تعالى: {تالله ~~لتسألن عما كنتم تفترون} [النحل: 56] . {تالله لقد آثرك الله علينا} [يوسف: ~~91] . {تالله تفتأ تذكر يوسف} [يوسف: 85] . {تالله لقد علمتم} [يوسف: 73] . ~~{وتالله لأكيدن أصنامكم} [الأنبياء: 57] . وقال الشاعر: # PageV09P502 # تالله يبقى على الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الضيان والآس # فإن قال: ما أردت به القسم. # لم يقبل منه؛ لأنه أتى باللفظ الصريح في القسم، واقترنت به قرينة دالة ~~عليه، وهو الجواب بجواب القسم. ويحتمل أن يقبل منه في قوله: تالله لأقومن. ~~إذا قال: أردت أن قيامي بمعونة الله وفضله. لأنه ms5359 فسر كلامه بما يحتمله. ولا ~~يقبل في الحرفين الآخرين؛ لعدم الاحتمال. ويحتمل أن لا يقبل بحال؛ لأنه ~~أجاب بجواب القسم، فيمنع صرفه إلى غيره. ### | [فصل أقسم بغير حرف القسم] # (7959) فصل: وإن أقسم بغير حرف القسم، فقال: الله لأقومن. بالجر أو ~~النصب، كان يمينا. وقال الشافعي: لا يكون يمينا، إلا أن ينوي؛ لأن ذكر اسم ~~الله تعالى بغير حرف القسم، ليس بصريح في القسم، فلا ينصرف إليه إلا ~~بالنية. ولنا، أنه سائغ في العربية، وقد ورد به عرف الاستعمال في الشرع، ~~فروي «أن عبد الله بن مسعود أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قتل أبا ~~جهل، فقال: آلله إنك قتلته؟ . قال: الله إني قتلته» . ذكره البخاري. # «وقال لركانة بن عبد يزيد: الله ما أردت إلا واحدة؟ قال ما أردت إلا ~~واحدة» . وقال امرؤ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # وقال أيضا: # فقالت يمين الله ما لك حيلة # وقد اقترنت به قرينتان تدلان عليه؛ إحداهما؛ الجواب بجواب القسم. # والثاني، النصب والجر في اسم # PageV09P503 # الله - تعالى؛ فوجب أن تكون يمينا، كما لو قال: والله. وإن قال: الله ~~لأفعلن. بالرفع، ونوى اليمين، فهي يمين، لكنه قد لحن، فهو كما لو قال: ~~والله. بالرفع. وإن لم ينو اليمين، فقال أبو الخطاب: يكون يمينا؛ لأن قرينة ~~الجواب بجواب القسم كافية، والعامي لا يعرف الإعراب فيأتي به، إلا أن يكون ~~من أهل العربية، فإن عدوله عن إعراب القسم دليل على أنه لم يرده. ويحتمل أن ~~لا يكون قسما في حق العامي؛ لأنه ليس بقسم في حق أهل العربية، فلم يكن قسما ~~في غيرهم، كما لو لم يجبه بجواب القسم. ### | [فصل ما يجاب القسم] # (7960) فصل ويجاب القسم بأربعة أحرف؛ حرفان للنفي، وهما " ما " و " لا "، ~~وحرفان للإثبات، وهما " إن " و " اللام " المفتوحة. وتقوم " إن " المكسورة، ~~مقام " ما " النافية، مثل قوله: {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى} [التوبة: ~~107] . وإن قال: والله أفعل. بغير حرف، فالمحذوف هاهنا " لا "، وتكون يمينه ~~على النفي؛ لأن موضوعه في العربية كذلك، قال الله تعالى: ms5360 {تالله تفتأ تذكر ~~يوسف} [يوسف: 85] أي لا تفتأ. وقال الشاعر: # تالله يبقى على الأيام ذو حيد # وقال آخر: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # أي: لا أبرح. ### | [فصل قال لاها الله ونوى اليمين] # (7961) فصل: فإن قال: لاها الله. ونوى اليمين. فهو يمين؛ لما روي أن أبا ~~بكر الصديق - رضي الله عنه - قال في سلب قتيل أبي قتادة: لاها الله، إذا ~~تعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه؟ «فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: صدق. وإن لم ينو اليمين» ، فالظاهر أنه لا ~~يكون يمينا؛ لأنه لم يقترن به عرف ولا نية، ولا في جوابه حرف يدل على ~~القسم. وهذا مذهب الشافعي - رضي الله عنه -. ### | [مسألة الحلف بالقرآن أو بآية منه أو بكلام الله] # (7962) مسألة؛ قال: (أو بآية من القرآن) وجملته أن الحلف بالقرآن، أو ~~بآية منه، أو بكلام الله، يمين منعقدة، تجب الكفارة بالحنث فيها. وبهذا قال ~~ابن مسعود، والحسن، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد، وعامة أهل العلم. ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس بيمين، ولا تجب به كفارة، فمنهم من زعم أنه ~~مخلوق، ومنهم من قال: لا يعهد اليمين به. # ولنا، أن القرآن كلام الله، وصفة من صفات ذاته، فتنعقد اليمين به، كما لو ~~قال: وجلال الله، وعظمته. # PageV09P504 # وقولهم: هو مخلوق. قلنا: هذا كلام المعتزلة، وإنما الخلاف مع الفقهاء، ~~وقد روي عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «القرآن كلام ~~الله غير مخلوق» . وقال ابن عباس في قوله تعالى: {قرآنا عربيا غير ذي عوج} ~~[الزمر: 28] . أي: غير مخلوق. وأما قولهم: لا يعهد اليمين به. فيلزمهم ~~قولهم: وكبرياء الله، وعظمته، وجلاله. إذا ثبت هذا، فإن الحلف بآية منه ~~كالحلف بجميعه؛ لأنها من كلام الله تعالى. ### | [فصل حلف بالمصحف] # (7963) فصل: وإن حلف بالمصحف، انعقدت يمينه. وكان قتادة يحلف بالمصحف. ~~ولم يكره ذلك إمامنا، وإسحاق؛ لأن الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب ~~فيه، وهو القرآن، فإنه بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين. ### | [مسألة أخرج النذر مخرج اليمين] ms5361 # (7964) مسألة؛ قال: (أوتصدق بملكه، أو بالحج) وجملته أنه إذا أخرج النذر ~~مخرج اليمين، بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئا، أو يحث به على شيء، مثل أن ~~يقول: إن كلمت زيدا، فلله علي الحج، أو صدقة مالي، أو صوم سنة. فهذا يمين، ~~حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه، فلا يلزمه شيء، وبين أن يحنث، ~~فيتخير بين فعل المنذور، وبين كفارة يمين، ويسمى نذر اللجاج والغضب، ولا ~~يتعين عليه الوفاء به، وإنما يلزم نذر التبرر، وسنذكره في بابه. وهذا قول ~~عمر، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وحفصة، وزينب بنت أبي سلمة. # وبه قال عطاء، وطاوس، وعكرمة، والقاسم، والحسن، وجابر بن زيد، والنخعي، ~~وقتادة، وعبد الله بن شريك، والشافعي، والعنبري، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ~~ثور، وابن المنذر. وقال سعيد بن المسيب: لا شيء في الحلف بالحج. وعن ~~الشعبي، والحارث العكلي، وحماد، والحكم: لا شيء في الحلف بصدقة ماله؛ لأن ~~الكفارة إنما تلزم بالحلف بالله تعالى، لحرمة الاسم، وهذا ما حلف باسم ~~الله، ولا يجب ما سماه؛ لأنه لم يخرجه مخرج القربة، وإنما التزمه على طريق ~~العقوبة، فلم يلزمه. # وقال أبو حنيفة، ومالك: يلزمه الوفاء بنذره؛ لأنه نذر فيلزمه الوفاء به، ~~كنذر التبرر. وروي نحو ذلك عن الشعبي. ولنا، ما روى عمران بن حصين، قال: ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا نذر في غضب، وكفارته ~~كفارة يمين» . رواه سعيد بن منصور، والجوزجاني، في " المترجم ". # وعن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV09P505 # قال: «من حلف بالمشي، أو الهدي، أو جعل ماله في سبيل الله، أو في ~~المساكين، أو في رتاج الكعبة، فكفارته كفارة اليمين» . ولأنه قول من سمينا ~~من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم، ولأنه يمين، فيدخل في عموم قوله ~~تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين} ~~[المائدة: 89] . ودليل أنه يمين، أنه يسمى بذلك، ويسمى قائله حالفا، وفارق ~~نذر التبرر؛ لكونه قصد به التقرب إلى الله تعالى والبر، ولم يخرجه مخرج ~~اليمين، وها هنا ms5362 خرج مخرج اليمين، ولم يقصد به قربة ولا برا، فأشبه اليمين ~~من وجه والنذر من وجه، فخير بين الوفاء به وبين الكفارة. # وعن أحمد، رواية ثانية، أنه تتعين الكفارة، ولا يجزئه الوفاء بنذره. وهو ~~قول لبعض أصحاب الشافعي؛ لأنه يمين. والأول أولى؛ لأنه إنما التزم فعل ما ~~نذره، فلا يلزمه أكثر منه، كنذر التبرر. وفارق اليمين بالله تعالى؛ لأنه ~~أقسم بالاسم المحترم، فاذا خالف لزمته الكفارة، تعظيما للاسم، بخلاف هذا. ### | [مسألة حلف بالعهد] # مسألة؛ قال: (أو بالعهد) وجملته أنه إذا حلف بالعهد، أو قال: وعهد الله، ~~وكفالته. فذلك يمين، يجب تكفيرها إذا حنث فيها. وبهذا قال الحسن، وطاوس، ~~والشعبي، والحارث العكلي، وقتادة، والحكم، والأوزاعي، ومالك. وحلفت عائشة - ~~رضي الله عنها - بالعهد أن لا تكلم ابن الزبير، فلما كلمته أعتقت أربعين ~~رقبة، وكانت إذا ذكرته تبكي، وتقول: واعهداه. # قال أحمد: العهد شديد في عشرة مواضع من كتاب الله: {وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسئولا} [الإسراء: 34] . ويتقرب إلى الله - تعالى - إذا حلف ~~بالعهد وحنث، ما استطاع. وعائشة أعتقت أربعين رقبة، ثم تبكي حتى تبل ~~خمارها، وتقول: واعهداه. وقال عطاء، وأبو عبيد، وابن المنذر: لا يكون يمينا ~~إلا أن ينوي. وقال الشافعي: لا يكون يمينا إلا أن ينوي اليمين بعهد الله، ~~الذي هو صفته. # وقال أبو حنيفة: ليس بيمين. ولعلهم ذهبوا إلى أن العهد من صفات الفعل، ~~فلا يكون الحلف به يمينا، كما لو قال: وخلق الله. وقد وافقنا أبو حنيفة في ~~أنه إذا قال: علي عهد الله وميثاقه لأفعلن. ثم حنث، أنه يلزمه الكفارة. ~~ولنا، أن عهد الله يحتمل كلامه الذي أمرنا به ونهانا، كقوله تعالى: {ألم ~~أعهد إليكم يا بني آدم} [يس: 60] . # وكلامه قديم صفة له، ويحتمل أنه استحقاقه لما تعبدنا به، وقد ثبت له عرف ~~الاستعمال، فيجب أن يكون يمينا بإطلاقه، كما لو قال: وكلام الله. إذا ثبت ~~هذا، فإنه إن قال: علي عهد الله وميثاقه لأفعلن. أو قال: وعهد الله وميثاقه ~~لأفعلن. فهو يمين، # PageV09P506 # وإن قال: والعهد والميثاق لأفعلن. ms5363 ونوى عهد الله، كان يمينا؛ لأنه نوى ~~الحلف بصفة من صفات الله - تعالى. وإن أطلق، فقال القاضي: فيه روايتان؛ ~~إحداهما يكون يمينا؛ لأن لام التعريف إن كانت للعهد، يجب أن تنصرف إلى عهد ~~الله؛ لأنه الذي عهدت اليمين به، وإن كانت للاستغراق، دخل فيه ذلك ~~والثانية، لا يكون يمينا؛ لأنه يحتمل غير ما وجبت به الكفارة، ولم يصرفه ~~إلى ذلك بنيته، فلا تجب الكفارة؛ لأن الأصل عدمها. ### | [مسألة الحلف بالخروج من الإسلام] # (7966) مسألة؛ قال: (أو بالخروج من الإسلام) اختلفت الرواية عن أحمد، في ~~الحلف بالخروج من الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، إن ~~فعل كذا أو: هو بريء من الإسلام، أو من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أو من القرآن، إن فعل. أو يقول: هو يعبد الصليب، أو يعبدك، أو يعبد غير ~~الله - تعالى، إن فعل. أو نحو هذا، فعن أحمد: عليه الكفارة إذا حنث. يروى ~~هذا عن عطاء، وطاوس، والحسن، والشعبي، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب ~~الرأي. ويروى ذلك عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -. # والرواية الثانية: لا كفارة عليه. وهو قول مالك، والشافعي، والليث، وأبي ~~ثور، وابن المنذر؛ لأنه لم يحلف باسم الله، ولا صفته، فلم تلزمه كفارة، كما ~~لو قال: عصيت الله فيما أمرني. ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في الرواية الأولى ~~على الندب، دون الإيجاب؛ لأنه قال، في رواية حنبل: إذا قال: أكفر بالله، أو ~~أشرك بالله. فأحب إلي أن يكفر كفارة يمين إذا حنث. # ووجه الرواية الأولى، ما روي عن الزهري، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الرجل يقول: هو يهودي، أو نصراني، ~~أو مجوسي، أو بريء من الإسلام. في اليمين يحلف بها، فيحنث في هذه الأشياء، ~~فقال: «عليه كفارة يمين» . أخرجه أبو بكر. ولأن البراءة من هذه الأشياء ~~توجب الكفر بالله، فكان الحلف يمينا، كالحلف بالله - تعالى. # والرواية الثانية أصح، إن شاء الله - تعالى، فإن الوجوب من الشارع، ولم ~~يرد ms5364 في هذه اليمين نص، ولا هي في قياس المنصوص، فإن الكفارة إنما وجبت في ~~الحلف باسم الله تعظيما لاسمه، وإظهارا لشرفه وعظمته، ولا تتحقق التسوية. ### | [فصل قال هو يستحل الخمر والزنى إن فعل ثم حنث] # (7967) فصل: وإن قال: هو يستحل الخمر والزنى إن فعل. ثم حنث، أو قال: هو ~~يستحل ترك الصلاة أو الصيام # PageV09P507 # أو الزكاة. فهو كالحلف بالبراءة من الإسلام؛ لأن استحلال ذلك يوجب الكفر. ~~وإن قال: عصيت الله فيما أمرني، أو في كل ما افترض علي، أو محوت المصحف، أو ~~أنا أسرق، أو أقتل النفس التي حرم الله إن فعلت. وحنث، لم تلزمه كفارة؛ لأن ~~هذا دون الشرك، وإن قال: أخزاه الله، أو أقطع يده، أو لعنه الله، إن فعل. ~~ثم حنث، فلا كفارة عليه. نص عليه أحمد. # وبهذا قال عطاء، والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي. وقال طاوس، والليث: ~~عليه كفارة. وبه قال الأوزاعي إذا قال: عليه لعنة الله. ولنا، أن هذا لا ~~يوجب الكفر، فأشبه ما لو قال: محوت المصحف. وإن قال: لا يراني الله في موضع ~~كذا إن فعلت. وحنث. فقال القاضي: عليه كفارة. وذكر أن أحمد نص عليه. ~~والصحيح أن هذا لا كفارة فيه؛ لأن إيجابها في هذا ومثله تحكم بغير نص، ولا ~~قياس صحيح. ### | [فصل الحلف بالبراءة من الإسلام] # (7968) فصل: ولا يجوز الحلف بالبراءة من الإسلام؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «من قال: إني بريء من الإسلام. فإن كان كاذبا، فهو كما قال، ~~وإن كان صادقا، لم يعد إلى الإسلام سالما» . رواه أبو داود. ### | [مسألة الحلف بتحريم مملوكه أو شيء من المال] # (7969) مسألة؛ قال: (أو بتحريم مملوكه، أو شيء من ماله) وجملته أنه إذا ~~قال: هذا حرام علي إن فعلت. وفعل، أو قال: ما أحل الله علي حرام إن فعلت. ~~ثم فعل، فهو مخير، إن شاء ترك ما حرمه على نفسه، وإن شاء كفر. وإن قال: هذا ~~الطعام حرام علي. فهو كالحلف على تركه. ويروى نحو هذا عن ابن مسعود، ~~والحسن، وجابر بن ms5365 زيد، وقتادة، وإسحاق،، وأهل العراق. # وقال سعيد بن جبير، فيمن قال: الحل علي حرام: يمين من الأيمان، يكفرها. ~~وقال الحسن: هي يمين، إلا أن ينوي طلاق امرأته. وعن إبراهيم مثله. وعنه: إن ~~نوى طلاقا، وإلا فليس بشيء. وعن الضحاك، أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا: ~~الحرام يمين طلاق. وقال طاوس: هو ما نوى. وقال مالك، والشافعي: ليس بيمين، ~~ولا شيء عليه؛ لأنه قصد تغيير المشروع، فلغا ما قصده، كما لو قال هذه ~~ربيبتي. # ولنا، قول الله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: ~~1] إلى قوله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] . سمى تحريم ما ~~أحل الله يمينا، وفرض له تحلة، وهي الكفارة. وقالت عائشة - رضي الله عنها - ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها ~~عسلا، فتواصيت أنا وحفصة، أن أيتنا دخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير. فدخل على # PageV09P508 # إحدانا، فقالت له ذلك، فقال: «لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن ~~أعود له» . فنزل: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك} [التحريم: 1] . متفق عليه، فإن قيل: إنما نزلت الآية في تحريم ~~مارية القبطية، كذلك قال الحسن، وقتادة. # قلنا: ما ذكرناه أصح؛ فإنه متفق عليه، وقول عائشة صاحبة القصة الحاضرة ~~للتنزيل، المشاهدة للحال، أولى، والحسن وقتادة لو سمعا قول عائشة، لم يعدلا ~~به شيئا، ولم يصيرا إلى غيره، فكيف يصار إلى قولهما، ويترك قولها؟ وقد روي ~~عن ابن عباس، وابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جعل تحريم ~~الحلال يمينا. # ولو ثبت أن الآية نزلت في تحريم مارية، كان حجة لنا؛ لأنها من الحلال ~~الذي حرم، وليست زوجة، فوجوب الكفارة بتحريمها يقتضي وجوبه في كل حلال حرم، ~~بالقياس عليها؛ لأنه حرم الحلال فأوجب الكفارة، كتحريم الأمة والزوجة، وما ~~ذكروه يبطل بتحريمها. وإذا قال: هذه ربيبتي. يقصد تحريمها، فهو ظهار. ### | [مسألة أقسم بالله أو أشهد ms5366 بالله أو أعزم بالله] # (7970) مسألة؛ قال: (أو يقول: أقسم بالله، أو أشهد بالله، أو أعزم بالله) ~~هذا قول عامة الفقهاء، لا نعلم فيه خلافا، وسواء نوى اليمين، أو أطلق؛ لأنه ~~لو قال: بالله. ولم يقل: أقسم، ولا أشهد، ولم يذكر الفعل، كان يمينا، وإنما ~~كان يمينا بتقدير الفعل قبله؛ لأن الباء تتعلق بفعل مقدر، على ما ذكرناه، ~~فإذا أظهر الفعل، ونطق بالمقدر، كان أولى بثبوت حكمه، وقد ثبت له عرف ~~الاستعمال، قال الله تعالى: {فيقسمان بالله} [المائدة: 106] . # وقال تعالى: {وأقسموا بالله} [الأنعام: 109] . وقال: {فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين} [النور: 6] ويقول الملاعن في لعانه: أشهد ~~بالله إني لمن الصادقين. وتقول المرأة: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين. وأنشد ~~أعرابي عمر # أقسم بالله لتفعلنه # وكذلك الحكم إن ذكر الفعل بلفظ الماضي، فقال: أقسمت بالله، أو شهدت ~~بالله. # قال عبد الله بن # PageV09P509 # رواحة: أقسمت بالله لتنزلنه وإن أراد بقوله: أقسمت بالله. الخبر عن قسم ~~ماض، أو بقوله: أقسم بالله. عن قسم يأتي به، فلا كفارة عليه. وإن ادعى ~~إرادة ذلك، قبل منه. وقال القاضي: لا يقبل في الحكم. وهو قول بعض أصحاب ~~الشافعي؛ لأنه خلاف الظاهر. # ولنا، أن هذا حكم فيما بينه وبين الله - تعالى، فإذا علم من نفسه أنه نوى ~~شيئا أو أراده، مع احتمال اللفظ إياه، لم تلزمه كفارة. وإن قال: شهدت بالله ~~أني آمنت بالله. فليس بيمين. وإن قال: أعزم بالله. يقصد اليمين، فهو يمين. ~~وإن أطلق، فظاهر كلام الخرقي أنه يمين. وهو قول ابن حامد. وقال أبو بكر: ~~ليس بيمين. وهو قول الشافعي؛ لأنه لم يثبت له عرف الشرع، ولا الاستعمال، ~~وظاهره غير اليمين؛ لأن معناه أقصد بالله لأفعلن. ووجه الأول، أنه يحتمل ~~اليمين، وقد اقترن به ما يدل عليه، وهو جوابه بجواب القسم، فيكون يمينا. ~~فأما إن نوى بقوله غير اليمين، لم يكن يمينا. ### | [فصل الإيلاء والحلف والقسم واحد] # (7971) فصل: وإن قال: أحلف بالله، أو أولي بالله، أو حلفت بالله، أو آليت ~~بالله، أو ألية بالله، ms5367 أو حلفا بالله، أو قسما بالله. فهو يمين، سواء نوى ~~به اليمين أو أطلق؛ لما ذكرناه في: أقسم بالله. وحكمه حكمه في تفصيله؛ لأن ~~الإيلاء والحلف والقسم واحد، قال الله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} ~~[البقرة: 226] . # وقال سعد بن معاذ: أحلف بالله، لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به. ~~وقال الشاعر: # أولي برب الراقصات إلى منى ... ومطارح الأكوار حيث تبيت # PageV09P510 # وقال ابن دريد: # ألية باليعملات ترتمي ... بها النجاء بين أجواز الفلا # وقال: # بل قسما بالشم من يعرب هل ... لمقسم من بعد هذا منتهى ### | [فصل أقسمت أو آليت أو حلفت أو شهدت لأفعلن ولم يذكر بالله] # (7972) فصل: فإن قال: أقسمت، أو آليت، أو حلفت، أو شهدت لأفعلن. ولم يذكر ~~بالله، فعن أحمد روايتان؛ إحداهما، أنها يمين، سواء نوى اليمين أو أطلق. ~~وروي نحو ذلك عن عمر، وابن عباس، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه. ~~وعن أحمد، إن نوى اليمين بالله كان يمينا، وإلا فلا. # وهو قول مالك، وإسحاق، وابن المنذر؛ لأنه يحتمل القسم بالله تعالى ~~وبغيره، فلم تكن يمينا حتى يصرفه بنيته إلى ما تجب به الكفارة. وقال ~~الشافعي: ليس بيمين وإن نوى. وروي نحو ذلك عن عطاء، والحسن، والزهري، ~~وقتادة، وأبي عبيد؛ لأنها عريت عن اسم الله وصفته، فلم تكن يمينا، كما لو ~~قال: أقسمت بالبيت. # ولنا، أنه قد ثبت لها عرف الشرع والاستعمال، فإن أبا بكر قال: أقسمت عليك ~~يا رسول الله، لتخبرني بما أصبت مما أخطأت. فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا تقسم يا أبا بكر» . رواه أبو داود. وقال العباس للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: أقسمت عليك يا رسول الله، لتبايعنه. فبايعه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقال: «أبررت قسم عمي، ولا هجرة» . # وفي كتاب الله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} ~~[المنافقون: 1] إلى قوله {اتخذوا أيمانهم جنة} [المنافقون: 2] . فسماها ~~يمينا، وسماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسما. # وقالت عاتكة بنت عبد المطلب، عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # PageV09P511 # حلفت لئن ms5368 عادوا لنصطلمنهم ... لجاءوا تردى حجرتيها المقانب # وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل: # فآليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا # وقولهم: يحتمل القسم بغير الله. # قلنا: إنما يحمل على القسم المشروع، ولهذا لم يكن هذا مكروها، ولو حمل ~~على القسم بغير الله، كان مكروها، ولو كان مكروها لم يفعله أبو بكر بين يدي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أبر النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم ~~العباس حين أقسم عليه. ### | [فصل قال أعزم أو عزمت في الحلف] # (7973) فصل: وإن قال: أعزم، أو عزمت. لم يكن قسما، نوى به القسم أو لم ~~ينو؛ لأنه لم يثبت لهذا اللفظ عرف في شرع ولا استعمال، ولا هو موضع للقسم، ~~ولا فيه دلالة عليه، وكذلك لو قال: أستعين بالله، أو أعتصم بالله، أو أتوكل ~~على الله، أو علم الله، أو عز الله، أو تبارك الله. ونحو هذا، لم يكن ~~يمينا، نوى أو لم ينو؛ لأنه ليس بموضوع للقسم لغة، ولا ثبت له عرف في شرع ~~ولا استعمال، فلم يجب به شيء، كما لو قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر. ### | [مسألة الحلف بأمانة الله] # (7974) مسألة؛ قال: (أو بأمانة الله) قال القاضي: لا يختلف المذهب في أن ~~الحلف بأمانة الله يمين مكفرة. وبهذا قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: لا تنعقد اليمين بها، إلا أن ينوي الحلف بصفة الله تعالى؛ ~~لأن الأمانة تطلق على الفرائض والودائع والحقوق، قال الله تعالى: {إنا ~~عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان} [الأحزاب: 72] . وقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] . يعني الودائع والحقوق. وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» . وإذا ~~كان اللفظ محتملا، لم يصرف إلى أحد محتملاته إلا بنيته أو دليل صارف إليه. # PageV09P512 # ولنا، أن أمانة الله صفة له، بدليل وجوب الكفارة على من حلف بها إذا نوى، ~~ويجب حملها على ذلك ms5369 عند الإطلاق، لوجوه؛ أحدها، أن حملها على غير ذلك صرف ~~ليمين المسلم إلى المعصية، أو المكروه؛ لكونه قسما بمخلوق، والظاهر من حال ~~المسلم خلافه. # والثاني، أن القسم في العادة يكون بالمعظم المحترم دون غيره، وصفة الله ~~تعالى أعظم حرمة وقدرا. والثالث، أن ما ذكروه من الفرائض والودائع لم يعهد ~~القسم بها، ولا يستحسن ذلك لو صرح به، فكذلك لا يقسم بما هو عبارة عنه. # الرابع، أن أمانة الله المضافة إليه، هي صفته، وغيرها يذكر غير مضاف ~~إليه، كما ذكر في الآيات والخبر. الخامس، أن اللفظ عام في كل أمانة الله؛ ~~لأن اسم الجنس إذا أضيف إلى معرفة، أفاد الاستغراق، فيدخل فيه أمانة الله ~~التي هي صفته، فتنعقد اليمين بها موجبة للكفارة، كما لو نواها. ### | [فصل نوى الحلف بأمانة الله] # (7975) فصل: فإن قال: والأمانة لا فعلت. ونوى الحلف بأمانة الله، فهو ~~يمين مكفرة موجبة للكفارة. وإن أطلق، فعلى روايتين؛ إحداهما؛ يكون يمينا؛ ~~لما ذكرنا من الوجوه. # والثانية، لا يكون يمينا؛ لأنه لم يضفها إلى الله - تعالى، فيحتمل غير ~~ذلك. قال أبو الخطاب: وكذلك إذا قال: والعهد، والميثاق، والجبروت، والعظمة، ~~والأمانات. فإن نوى يمينا كان يمينا، وإلا فلا. وقد ذكرنا في الأمانة ~~روايتين، فيخرج في سائر ما ذكروه وجهان، قياسا عليها. ### | [فصل الحلف بأمانة الله] # (7976) فصل: ويكره الحلف بالأمانة؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من حلف بالأمانة، فليس منا» . رواه أبو داود. وروي عن ~~زياد بن حدير: أن رجلا حلف عنده بالأمانة، فجعل يبكي بكاء شديدا، فقال له ~~الرجل: هل كان هذا يكره؟ قال: نعم، كان عمر ينهى عن الحلف بالأمانة أشد ~~النهي. ### | [فصل تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة] # (7977) فصل: ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق؛ كالكعبة، والأنبياء، وسائر ~~المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحنث فيها. هذا ظاهر كلام الخرقي. وهو قول ~~أكثر الفقهاء. وقال أصحابنا: الحلف برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمين ~~موجبة للكفارة. وروي عن أحمد أنه قال: إذا حلف بحق رسول الله - صلى الله ~~عليه ms5370 وسلم - فحنث، فعليه الكفارة. # قال أصحابنا: لأنه أحد شرطي الشهادة، فالحلف به موجب للكفارة، كالحلف ~~باسم الله - تعالى. ووجه الأول، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان ~~حالفا، فليحلف بالله، أو ليصمت» . ولأنه # PageV09P513 # حلف بغير الله، فلم يوجب الكفارة، كسائر الأنبياء، ولأنه مخلوق، فلم تجب ~~الكفارة بالحلف به، كإبراهيم - عليه السلام - ولأنه ليس بمنصوص عليه، ولا ~~في معنى المنصوص، ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه؛ لعدم الشبه، وانتفاء ~~المماثلة. وكلام أحمد في هذا يحمل على الاستحباب دون الإيجاب. ### | [مسألة حلف بكل ألفاظ القسم كلها على شيء واحد فحنث] # (7978) مسألة؛ قال: (ولو حلف بهذه الأشياء كلها على شيء واحد، فحنث، ~~فعليه كفارة واحدة) وجملته أنه إذا حلف بجميع هذه الأشياء التي ذكرها ~~الخرقي، وما يقوم مقامها، أو كرر اليمين على شيء واحد، مثل إن قال: والله ~~لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا. فحنث، فليس عليه ~~إلا كفارة واحدة. روي نحو هذا عن ابن عمر. # وبه قال الحسن، وعروة، وإسحاق. وروي أيضا عن عطاء، وعكرمة، والنخعي، ~~وحماد، والأوزاعي. وقال أبو عبيد، فيمن قال: علي عهد الله وميثاقه وكفالته. ~~ثم حنث: فعليه ثلاث كفارات. وقال أصحاب الرأي: عليه بكل يمين كفارة، إلا أن ~~يريد التأكيد والتفهيم. ونحوه عن الثوري، وأبي ثور. وعن الشافعي قولان، ~~كالمذهبين. وعن عمرو بن دينار، إن كان في مجلس واحد كقولنا، وإن كان في ~~مجالس كقولهم. واحتجوا بأن أسباب الكفارات تكررت، فتكرر الكفارات، كالقتل ~~لآدمي، وصيد حرمي. ولأن اليمين الثانية مثل الأولى، فتقتضي ما تقتضيه. # ولنا، أنه حنث واحد أوجب جنسا واحدا من الكفارات، فلم يجب به أكثر من ~~كفارة، كما لو قصد التأكيد والتفهيم. وقولهم: إنها أسباب تكررت. لا نسلمه؛ ~~فإن السبب الحنث، وهو واحد، وإن سلمنا، فينتقض بما إذا تكرر الوطء في رمضان ~~في أيام، وبالحدود إذا تكررت أسبابها، فإنها كفارات، وبما إذا قصد التأكيد، ~~ولا يصح القياس على الصيد الحرمي؛ لأن الكفارة بدل، ولذلك تزداد بكبر ~~الصيد، وتتقدر بقدره، فهي كدية ms5371 القتيل، ولا على كفارة قتل الآدمي؛ لأنها ~~أجريت مجرى البدل أيضا لحق الله - تعالى، لأنه لما أتلف آدميا عابدا لله ~~تعالى، ناسب أن يوجد عبدا يقوم مقامه في العبادة، فلما عجز عن الإيجاد، ~~لزمه إعتاق رقبة؛ لأن العتق إيجاد للعبد بتخليصه من رق العبودية وشغلها، ~~إلى فراغ البال للعبادة بالحرية التي حصلت بالإعتاق. # ثم الفرق ظاهر، وهو أن السبب هاهنا تكرر بكماله وشروطه، وفي محل النزاع ~~لم يوجد ذلك؛ لأن الحنث إما أن يكون هو السبب، أو جزءا منه، أو شرطا له، ~~بدليل توقف الحكم على وجوده، وأيا ما كان، فلم يتكرر، فلم يجز الإلحاق ثم، ~~وإن صح القياس، فقياس كفارة اليمين على مثلها، أولى من قياسها على القتل؛ ~~لبعد ما بينهما. ### | [فصل حلف يمينا واحدة على أجناس مختلفة] # (7979) فصل: وإذا حلف يمينا واحدة على أجناس مختلفة، فقال: والله لا ~~أكلت، ولا شربت، ولا لبست. فحنث في # PageV09P514 # الجميع، فكفارة واحدة. لا أعلم فيه خلافا؛ لأن اليمين واحدة، والحنث ~~واحد، فإنه بفعل واحد من المحلوف عليه يحنث، وتنحل اليمين. وإن حلف أيمانا ~~على أجناس، فقال: والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا لبست. فحنث في ~~واحدة منها، فعليه كفارة، فإن أخرجها ثم حنث في يمين أخرى، لزمته كفارة ~~أخرى. لا نعلم في هذا أيضا خلافا؛ لأن الحنث في الثانية تجب به الكفارة بعد ~~أن كفر عن الأولى، فأشبه ما لو وطئ في رمضان فكفر، ثم وطئ مرة أخرى. وإن ~~حنث في الجميع قبل التكفير، فعليه في كل يمين كفارة. # هذا ظاهر كلام الخرقي. ورواه المروذي عن أحمد. وهو قول أكثر أهل العلم. ~~وقال أبو بكر: تجزئه كفارة واحدة. ورواها ابن منصور عن أحمد. قال القاضي: ~~وهي الصحيحة. وقال أبو بكر: ما نقله المروذي عن أحمد قول لأبي عبد الله، ~~ومذهبه أن كفارة واحدة تجزئه. # وهو قول إسحاق؛ لأنها كفارات من جنس، فتداخلت، كالحدود من جنس، وإن ~~اختلفت محالها، بأن يسرق من جماعة، أو يزني بنساء. ولنا، أنهن أيمان لا ~~يحنث ms5372 في إحداهن بالحنث في الأخرى، فلم تتكفر إحداهما بكفارة الأخرى، كما لو ~~كفر عن إحداهما قبل الحنث في الأخرى، وكالأيمان المختلفة الكفارة، وبهذا ~~فارق الأيمان على شيء واحد؛ فإنه متى حنث في إحداهما كان حانثا في الأخرى، ~~فإن كان الحنث واحدا، كانت الكفارة واحدة، وها هنا تعدد الحنث، فتعددت ~~الكفارات، وفارق الحدود؛ فإنها وجبت للزجر، وتندرئ بالشبهات، بخلاف ~~مسألتنا، ولأن الحدود عقوبة بدنية، فالموالاة بينها ربما أفضت إلى التلف، ~~فاجتزئ بأحدها، وها هنا الواجب إخراج مال يسير، أو صيام ثلاثة أيام، فلا ~~يلزم الضرر الكثير بالموالاة فيه، ولا يخشى منه التلف. ### | [مسألة حلف على شيء واحد بيمينين مختلفي الكفارة] # (7980) مسألة؛ قال: (ولو حلف على شيء واحد بيمينين مختلفي الكفارة، لزمته ~~في كل واحدة من اليمينين كفارتها) هذا مثل الحلف بالله وبالظهار، وبعتق ~~عبده، فإذا حنث، فعليه كفارة يمين، وكفارة ظهار، ويعتق العبد؛ لأن تداخل ~~الأحكام إنما يكون مع اتحاد الجنس، كالحدود من جنس، والكفارات هاهنا أجناس، ~~وأسبابها مختلفة، فلم تتداخل، كحد الزنى والسرقة والقذف والشرب. ### | [مسألة حلف بحق القرآن] # (7981) مسألة؛ قال: (ومن حلف بحق القرآن، لزمته بكل آية كفارة يمين) نص ~~على هذا أحمد. وهو قول ابن مسعود، والحسن. وعنه، أن الواجب كفارة واحدة. ~~وهو قياس # PageV09P515 # المذهب. ومذهب الشافعي، وأبي عبيد؛ لأن الحلف بصفات الله كلها، وتكرر ~~اليمين بالله سبحانه، لا يوجب أكثر من كفارة واحدة، فالحلف بصفة واحدة من ~~صفاته أولى أن تجزئه كفارة واحدة. ووجه الأول، ما روى مجاهد، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بسورة من القرآن، فعليه بكل آية ~~كفارة يمين صبر، فمن شاء بر، ومن شاء فجر» . رواه الأثرم. ولأن ابن مسعود ~~قال: عليه بكل آية كفارة يمين. # ولم نعرف مخالفا له في الصحابة، فكان إجماعا. قال أحمد: وما أعلم شيئا ~~يدفعه. ويحتمل أن كلام أحمد، في كل آية كفارة، على الاستحباب لمن قدر عليه، ~~فإنه قال: عليه بكل آية كفارة، فإن لم يمكنه فكفارة واحدة. ورده إلى واحدة ~~عند العجز، ms5373 دليل على أن ما زاد عليها غير واجب. # وكلام ابن مسعود أيضا يحمل على الاختيار، والاحتياط لكلام الله، ~~والمبالغة في تعظيمه، كما أن عائشة أعتقت أربعين رقبة حين حلفت بالعهد، ~~وليس ذلك بواجب، ولا يجب أكثر من كفارة؛ لقول الله - تعالى: {لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين} [المائدة: 89] . وهذه يمين، فتدخل في عموم الأيمان المنعقدة، ~~ولأنها يمين واحدة، فلم توجب كفارات، كسائر الأيمان، ولأن إيجاب كفارات ~~بعدد الآيات يفضي إلى المنع من البر والتقوى والإصلاح بين الناس؛ لأن من ~~علم أنه بحنثه تلزمه هذه الكفارات كلها، ترك المحلوف عليه كائنا ما كان، ~~وقد يكون برا وتقوى وإصلاحا، فتمنعه منه، وقد نهى الله - تعالى - عنه ~~بقوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس} ~~[البقرة: 224] . وإن قلنا بوجوب كفارات بعدد الآيات، فلم يطق، أجزأته كفارة ~~واحدة. نص عليه أحمد. ### | [مسألة حلف بنحر ولده] # (7982) مسألة؛ قال: (وعن أبي عبد الله، فيمن حلف بنحر ولده روايتان؛ ~~إحداهما، كفارة يمين، والأخرى يذبح كبشا) اختلفت الرواية فيمن حلف بنحر ~~ولده، نحو أن يقول: إن فعلت كذا، فلله علي أن أذبح ولدي. أو يقول: ولدي ~~نحير إن فعلت كذا. أو نذر ذبح ولده مطلقا، غير معلق بشرط. فعن أحمد، عليه ~~كفارة يمين. وهذا قياس المذهب؛ لأن هذا نذر معصية، أو نذر لجاج، وكلاهما ~~يوجب الكفارة. وهو قول ابن عباس؛ فإنه روي عنه أنه قال لامرأة نذرت أن تذبح ~~ابنها: لا تنحري ابنك، وكفري عن يمينك. والرواية الثانية، كفارته ذبح كبش، ~~ويطعمه للمساكين. وهو قول أبي حنيفة. # ويروى ذلك عن ابن عباس أيضا؛ لأن نذر ذبح الولد جعل في الشرع كنذر ذبح ~~شاة، بدليل أن الله - تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، وكان أمرا بذبح شاة، ~~وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه، ودليل أنه أمر بذبح شاة، أن الله ~~لا يأمر # PageV09P516 # بالفحشاء، ولا بالمعاصي، وذبح الولد من كبائر المعاصي. قال الله تعالى: ~~{ولا ms5374 تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] . # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك. قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك؛ خشية أن يطعم معك» . وقال الشافعي: ~~ليس هذا بشيء، ولا يجب به شيء؛ لأنه نذر معصية لا يجب الوفاء به، ولا يجوز، ~~ولا تجب به كفارة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا نذر في معصية، ~~ولا فيما لا يملك ابن آدم» . ولقوله - عليه السلام -: «ومن نذر أن يعصي ~~الله، فلا يعصه» . # ولنا، قوله - عليه السلام -: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» . ~~ولأن النذر حكمه حكم اليمين، بدليل قوله - عليه السلام -: «النذر حلفه، ~~وكفارته كفارة يمين» . فيكون بمنزلة من حلف ليذبحن ولده. وقولهم: إن النذر ~~لذبح الولد كناية عن ذبح كبش. لا يصح؛ لأن إبراهيم لو كان مأمورا بذبح كبش، ~~لم يكن الكبش فداء، ولا كان مصدقا للرؤيا قبل ذبح الكبش، وإنما أمر بذبح ~~ابنه ابتلاء، ثم فدي بالكبش، وهذا أمر اختص بإبراهيم - عليه السلام -، لا ~~يتعداه إلى غيره، لحكمة علمها الله تعالى فيه. ثم لو كان إبراهيم مأمورا ~~بذبح كبش، فقد ورد شرعنا بخلافه، فإن نذر ذبح الابن ليس بقربة في شرعنا، ~~ولا مباح، بل هو معصية، فتكون كفارته ككفارة سائر نذور المعاصي. ### | [فصل نذر ذبح نفسه أو أجنبي] # (7983) فصل: وإن نذر ذبح نفسه، أو أجنبي، ففيه أيضا عن أحمد روايتان، وعن ~~ابن عباس أيضا فيه روايتان؛ نقل ابن منصور عن أحمد، فيمن نذر أن ينحر نفسه ~~إذا حنث: يذبح شاة. وكذلك إن نذر ذبح أجنبي؛ لأنه روي عن ابن عباس، في الذي ~~قال: أنا أنحر فلانا. فقال: عليه ذبح كبش. ولأنه نذر ذبح آدمي، فكان عليه ~~ذبح كبش، كنذر ذبح ابنه. # والثانية، عليه كفارة يمين؛ لأنه نذر معصية، فكان موجبه كفارة، لما ذكرنا ~~فيما تقدم. وروى الجوزجاني، بإسناده عن الأوزاعي، قال: حدثني أبو عبيد، ~~قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: # PageV09P517 # إني نذرت أن أنحر نفسي. قال: فتجهمه ابن عمر، وأفف ms5375 منه، ثم أتى ابن عباس، ~~فقال له: أهد مائة بدنة. ثم أتى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال له: ~~أرأيت لو نذرت أن لا تكلم أباك أو أخاك؟ إنما هذه خطوة من خطوات الشيطان، ~~استغفر الله، وتب إليه. ثم رجع إلى ابن عباس فأخبره، فقال: أصاب عبد ~~الرحمن. ورجع ابن عباس عن قوله. والصحيح في هذا، أنه نذر معصية، حكمه حكم ~~نذر سائر المعاصي لا غير. ### | [فصل امرأة نذرت نحر ولدها ولها ثلاثة أولاد] # (7984) فصل: قال أحمد، في امرأة نذرت نحر ولدها، ولها ثلاثة أولاد: تذبح ~~عن كل واحد كبشا، وتكفر يمينها. وهذا على قوله: إن كفارة نذر ذبح الولد ذبح ~~كبش. جعل عن كل واحد كبشا؛ لأن لفظ الواحد إذا أضيف اقتضى التعميم، فكان عن ~~كل واحد كبش. فإن عنت بنذرها واحدا فإنما عليها كبش واحد؛ بدليل أن إبراهيم ~~- عليه السلام -، لما أمر بذبح ابنه الواحد، فدي بكبش واحد، ولم يفد غير من ~~أمر بذبحه من أولاده، وكذا هاهنا، وعبد المطلب لما نذر ذبح ابن من بنيه إن ~~بلغوا عشرة، لم يفد منهم إلا واحدا. # وسواء نذرته معينا، أو عنت واحدا غير معين، فأما قول أحمد: وتكفر يمينها. ~~فيحتمل أنه أراد أن ذبح الكباش كفارة يمينها. ويحتمل أنه كان مع نذرها ~~يمين. وأما على الرواية الأخرى، تجزئها كفارة يمين، على ما سبق. ### | [مسألة حلف بعتق ما يملك فحنث] # (7985) مسألة؛ قال: (ومن حلف بعتق ما يملك، فحنث، عتق عليه كل ما يملك من ~~عبيده، وإمائه، ومكاتبيه، ومدبريه، وأمهات أولاده، وشقص يملكه من مملوكه) ~~معناه إذا قال: إن فعلت كذا، فكل مملوك لي حر أو عتيق، أو فكل ما أملك حر. ~~فإن هذا إذا حنث عتق مماليكه، ولم تغن عنه كفارة. روي ذلك عن ابن عمر، وابن ~~عباس. وبه قال ابن أبي ليلى، والثوري، ومالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، ~~وإسحاق. # وروي عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي سلمة، وحفصة، وزينب بنت أبي ~~سلمة، والحسن، وأبي ثور: تجزئه كفارة يمين. لأنها ms5376 يمين، فتدخل في عموم قول ~~الله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] . # وروي عن أبي رافع، قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها ~~محرر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية وهي نصرانية إن لم تفرق بينك وبين ~~امرأتك. قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة، ثم أتيت حفصة. إلى أن قال: ثم أتيت ~~ابن عمر، فجاء معي إليها، فقام على الباب فسلم، فقال: أمن حجارة أنت أم من ~~حديد؟ أفتتك زينب، وأفتتك أم المؤمنين، كفري عن يمينك، وخلي بين الرجل ~~وامرأته. رواه الأثرم، والجوزجاني مطولا. # PageV09P518 # ولنا، أنه علق العتق على شرط، وهو قابل للتعليق، فيقع بوجود شرطه، ~~كالطلاق، والآية مخصوصة بالطلاق، والعتق في معناه، ولأن العتق ليس بيمين في ~~الحقيقة، إنما هو تعليق على شرط، فأشبه الطلاق. فأما حديث أبي رافع، قال ~~أحمد: قال فيه: كفري يمينك، وأعتقي جاريتك. وهذه زيادة يجب قبولها. ويحتمل ~~أنها لم يكن لها مملوك سواها. ### | [فصل قال إن فعلت فلله علي أن أعتق عبدي أو أحرره] # (7986) فصل: فأما إن قال: إن فعلت، فلله علي أن أعتق عبدي أو أحرره. أو ~~نحو هذا، لم يعتق بحنثه، وكفر كفارة يمين، على ما ذكرنا في نذر اللجاج؛ لأن ~~هذا لم يعلق عتق العبد، إنما حلف على تعليق العتق بشرط، بخلاف الذي قبله. # (7987) فصل: وإذا حنث، عتق عليه عبيده، وإماؤه، ومدبروه، وأمهات أولاده، ~~ومكاتبوه، والأشقاص التي يملكها من العبيد والإماء. وبهذا قال أبو ثور، ~~والمزني، وابن المنذر. وعن أحمد، رواية أخرى؛ لا يعتق الشقص إلا أن ينويه. ~~ولعله ذهب إلى أن الشقص لا يقع عليه اسم العبد. وقال أبو حنيفة، وصاحباه، ~~وإسحاق: لا يعتق المكاتب. وهو قول الشافعي؛ لأنه خارج عن ملك سيده وتصرفه، ~~فلم يدخل في اسم مماليكه، كالحر. وقال الربيع: سماعي من الشافعي، أنه يعتق. # ولنا، أنه مملوكه، فيعتق، كالمدبر؛ ودليل كونه مملوكه، قوله - عليه ~~السلام -: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» . وقوله لعائشة: «اشتري بريرة، ~~وأعتقيها» وكانت مكاتبة، ولا يصح شراء غير المملوك ولا عتقه، ms5377 ولأنه يصح ~~إعتاقه بالإجماع، وأحكامه أحكام العبيد، ولأنه مملوك، فلا بد له من مالك، ~~ولأنه يصح إعتاقه بالمباشرة، فدخل في العتق بالتعليق، كسائر عبيده. وأما ~~الشقص، فإنه مملوك له، قابل للتحرير، فيدخل في عموم لفظه. ### | [فصل قال عبد فلان حر إن دخلت الدار ثم دخلها] # (7988) فصل: فإن قال: عبد فلان حر، إن دخلت الدار. ثم دخلها، لم يعتق ~~العبد، بغير خلاف؛ لأنه لا يعتق بإعتاقه ناجزا، فلا يعتق بالتعليق أولى. ~~وهل تلزمه كفارة يمين؟ فيه عن أحمد روايتان، ذكرهما ابن أبي موسى؛ إحداهما؛ ~~عليه كفارة؛ لأنه حلف بالعتق فيما لا يقع بالحنث، فلزمته كفارة، كما لو ~~قال: لله علي أن أعتق فلانا. والثانية، لا كفارة عليه؛ لأنه حلف بإخراج مال ~~غيره، فلم يلزمه شيء، كما لو قال: مال فلان صدقة، إن دخلت الدار. ولأنه ~~تعليق للعتق على صفة، فلم تجب به كفارة، كسائر التعليق. # وأما إذا قال: لله علي أن أعتق # PageV09P519 # عبدا. فإنه نذر، فأوجب الكفارة؛ لكون النذر كاليمين، وليس كذلك هاهنا، ~~فإنه إنما علق العتق على صفة، فوجود الصفة أثر في جعل المعلق كالمنجز، ولو ~~نجز العتق لم يلزمه شيء، فكذلك هاهنا. ### | [فصل فإن قال إن فعلت كذا فمال فلان صدقة] # (7989) فصل فإن قال إن فعلت كذا فمال فلان صدقة، أو فعلى فلان حجة، أو ~~فمال فلان حرام عليه أو هو بريء من الإسلام. وأشباه هذا، فليس ذلك بيمين، ~~ولا تجب به كفارة. ولا نعلم بين أهل العلم فيه خلافا؛ لأنه لم يرد الشرع ~~فيه بكفارة ولا هو في معنى ما ورد الشرع به. ### | [مسألة ومن حلف فهو مخير في الكفارة قبل الحنث وبعده] # (7990) مسألة؛ قال: ومن حلف فهو مخير في الكفارة قبل الحنث وبعده، وسواء ~~كانت الكفارة صوما، أو غيره، إلا في الظهار والحرام، فعليه الكفارة قبل ~~الحنث الظهار والحرام شيء واحد، وإنما عطف أحدهما على الآخر لاختلاف ~~اللفظين، ولا خلاف بين العلماء، فيما علمناه، في وجوب تقديم كفارته على ~~الوطء، والأصل فيه قول الله تعالى: {فتحرير رقبة ms5378 من قبل أن يتماسا} ~~[المجادلة: 3] . فأما كفارة سائر الأيمان، فإنها تجوز قبل الحنث وبعده، ~~صوما كانت أو غيره، في قول أكثر أهل العلم. وبه قال مالك وممن روي عنه جواز ~~تقديم التكفير عمر بن الخطاب، وابنه، وابن عباس وسلمان الفارسي، ومسلمة بن ~~مخلد - رضي الله عنهم -، وبه قال الحسن، وابن سيرين، وربيعة، والأوزاعي، ~~والثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو خيثمة، وسليمان بن داود. ~~وقال أصحاب الرأي: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث؛ لأنه تكفير قبل وجود سببه، ~~فأشبه ما لو كفر قبل اليمين، ودليل ذلك أن سبب التكفير الحنث، إذ هو هتك ~~الاسم المعظم المحترم، ولم يوجد. # وقال الشافعي كقولنا في الإعتاق والإطعام والكسوة، وكقولهم في الصيام، من ~~أجل أنه عبادة بدنية. فلم يجز فعله قبل وجوبه لغير مشقة، كالصلاة. ولنا، ما ~~روى عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو ~~خير» رواه أبو داود. وفي لفظ: «وأت الذي هو خير» رواه البخاري، والأثرم ~~وروى أبو هريرة، وأبو الدرداء، وعدي بن حاتم، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نحو ذلك. رواه الأثرم. # وعن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إني إن شاء لا ~~أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو ~~خير. أو أتيت # PageV09P520 # الذي هو خير، وكفرت عن يميني» رواه البخاري. ولأنه كفر بعد وجود السبب، ~~فأجزأ، كما لو كفر بعد الجرح، وقبل الزهوق، والسبب هو اليمين بدليل قوله ~~تعالى {ذلك كفارة أيمانكم} [المائدة: 89] . وقوله سبحانه {قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] . # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «وكفرت عن يميني وكفر عن يمينك» . ~~وتسمية الكفارة كفارة اليمين، وبهذا ينفصل عما ذكروه، فإن الحنث شرط وليس ~~بسبب، وتعجيل حق المال بعد وجود سببه وقبل وجود شرطه جائز، بدليل تعجيل ~~الزكاة بعد وجود النصاب وقبل الحول، وكفارة القتل بعد ms5379 الجرح وقبل الزهوق. ~~قال ابن عبد البر: العجب من أصحاب أبي حنيفة، أجازوا تقديم الزكاة من غير ~~أن يرووا فيها مثل هذه الآثار الواردة في تقديم الكفارة، ويأبون تقديم ~~الكفارة مع كثرة الرواية الواردة فيها، والحجة في السنة، ومن خالفها محجوج ~~بها. # فأما أصحاب الشافعي فهم محجوجون بالأحاديث، مع أنهم قد احتجوا بها في ~~البعض، وخالفوها في البعض، وفرقوا بين ما جمع بينه النص ولأن الصيام نوع ~~تكفير، فجاز قبل الحنث، كالتكفير بالمال، وقياس الكفارة على الكفارة أولى ~~من قياسها على الصلاة المفروضة بأصل الوضع. ### | [فصل التكفير قبل اليمين] # (7991) فصل: فأما التكفير قبل اليمين، فلا يجوز عند أحد من العلماء؛ لأنه ~~تقديم للحكم قبل سببه، فلم يجز، كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب، وكفارة ~~القتل قبل الجرح. ### | [فصل التكفير قبل الحنث وبعده] # (7992) فصل والتكفير قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة. وقال ابن أبي ~~موسى: بعده أفضل عند أحمد. وهو قول الشافعي، ومالك، والثوري؛ لما فيه من ~~الخروج من الخلاف وحصول اليقين ببراءة الذمة. ولنا، أن الأحاديث الواردة ~~فيه، فيها التقديم مرة والتأخير أخرى، وهذا دليل التسوية، ولأنه تعجيل مال ~~يجوز تعجيله قبل وجوبه، فلم يكن التأخير أفضل، كتعجيل الزكاة وكفارة القتل، ~~وما ذكروه معارض بتعجيل النفع للفقراء، والتبرع بما لم يجب عليه، وعلى أن ~~الخلاف المخالف للنصوص لا يوجب تفضيل المجمع عليه، كترك الجمع بين ~~الصلاتين. ### | [فصل كان الحنث في اليمين محظورا فعجل الكفارة قبله] # (7993) فصل: وإن كان الحنث في اليمين محظورا، فعجل الكفارة قبله، ففيه ~~وجهان؛ أجل أحدهما تجزئه؛ لأنه عجل الكفارة بعد سببها، فأجزأته، كما لو كان ~~الحنث مباحا. # PageV09P521 # والثاني، لا تجزئه؛ لأن التعجيل رخصة، فلا يستباح بالمعصية؛ كالقصر في ~~سفر المعصية، والحديث لم يتناول المعصية؛ فإنه قال: «إذا حلفت على يمين، ~~فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر» . وهذا لم ير غيرها خيرا منها. ولأصحاب ~~الشافعي في هذا وجهان، كما ذكرنا. ### | [مسألة حلف فقال إن شاء الله تعالى] # (7994) مسألة؛ قال: وإذا حلف، فقال: إن شاء الله - تعالى. فإن شاء فعل، ms5380 ~~وإن شاء ترك، ولا كفارة عليه، إذا لم يكن بين الاستثناء واليمين كلام وجملة ~~ذلك أن الحالف إذا قال: إن شاء الله. مع يمينه، فهذا يسمى استثناء، فإن ابن ~~عمر روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حلف، فقال: إن شاء ~~الله. فقد استثنى» . رواه أبو داود. # وأجمع العلماء على تسميته استثناء، وأنه متى استثنى في يمينه لم يحنث ~~فيها، والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من حلف فقال: إن ~~شاء الله. لم يحنث» رواه الترمذي وروى أبو داود: «من حلف، فاستثنى فإن شاء ~~رجع، وإن شاء ترك» ولأنه متى قال: لأفعلن إن شاء الله. # فقد علمنا أنه متى شاء الله فعل، ومتى لم يفعل لم يشأ الله ذلك، فإن ما ~~شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. إذا ثبت هذا، فإنه يشترط أن يكون ~~الاستثناء متصلا باليمين، بحيث لا يفصل بينهما كلام أجنبي، ولا يسكت بينهما ~~سكوتا يمكنه الكلام فيه، فأما السكوت لانقطاع نفسه أو صوته، أو عي، أو ~~عارض، من عطسة، أو شيء غيرها، فلا يمنع صحة الاستثناء، وثبوت حكمه، وبهذا ~~قال مالك، والشافعي، والثوري، وأبو عبيد، وإسحاق الرأي لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من حلف، فاستثنى» وهذا يقتضي كونه عقيبه، ولأن ~~الاستثناء من تمام الكلام، فاعتبر اتصاله به، كالشرط وجوابه، وخبر المبتدأ، ~~والاستثناء بإلا، ولأن الحالف إذا سكت ثبت حكم يمينه، وانعقدت موجبة ~~لحكمها، وبعد ثبوته لا يمكن دفعه ولا تغييره. # قال أحمد: حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا ~~حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك» . ولم يقل: فاستثن. ~~ولو جاز الاستثناء في كل حال، لم يحنث حانث به. وعن أحمد، رواية أخرى، أنه ~~يجوز الاستثناء إذا لم يطل الفصل بينهما. قال، في رواية المروذي: حديث ابن ~~عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والله لأغزون قريشا. ثم سكت، ~~ثم قال: إن شاء الله» إنما هو استثناء بالقرب، ولم ms5381 يخلط كلامه بغيره. # ونقل عنه إسماعيل بن سعيد مثل هذا، وزاد قال: ولا أقول فيه بقول هؤلاء. ~~يعني من لم ير ذلك # PageV09P522 # إلا متصلا. ويحتمل كلام الخرقي هذا؛ لأنه قال: إذا لم يكن بين الاستثناء ~~واليمين كلام. ولم يشترط اتصال الكلام وعدم السكوت. وهذا قول الأوزاعي، قال ~~في رجل حلف: لا أفعل كذا وكذا. ثم سكت ساعة لا يتكلم، ولا يحدث نفسه ~~بالاستثناء، فقال له إنسان: قل: إن شاء الله. فقال: إن شاء الله. أيكفر، ~~يمينه؟ قال: أراه قد استثنى. وقال قتادة: له أن يستثني قبل أن يقوم أو ~~يتكلم. # ووجه ذلك، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استثنى بعد سكوته، إذ قال: ~~«والله لأغزون قريشا. ثم سكت، ثم قال: إن شاء الله» واحتج به أحمد، ورواه ~~أبو داود، وزاد: قال الوليد بن مسلم: ثم لم يغزهم. ويشترط، على هذه ~~الرواية، أن لا يطيل الفصل بينهما، ولا يتكلم بينهما بكلام أجنبي وحكى ابن ~~أبي موسى، عن بعض أصحابنا، أنه قال: يصح الاستثناء ما دام في المجلس. وحكي ~~ذلك عن الحسن وعطاء، وعن عطاء أنه قال: قدر حلب الناقة الغروزة، وعن ابن ~~عباس، أن له أن يستثني بعد حين وهو قول مجاهد. وهذا القول لا يصح؛ لما ~~ذكرناه، وتقديره بمجلس أو غيره لا يصلح؛ لأن التقديرات بابها التوقيف، فلا ~~يصار إليها بالتحكم. ### | [فصل الاستثناء بالقلب في اليمين] # (7995) فصل ويشترط أن يستثني بلسانه، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب. في قول ~~عامة أهل العلم؛ منهم الحسن، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر، ولا نعلم لهم ~~مخالفا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حلف، فقال: إن شاء ~~الله» . والقول هو النطق، ولأن اليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء. ~~وقد روي عن أحمد: إن كان مظلوما فاستثنى في نفسه؛ رجوت أن يجوز إذا خاف على ~~نفسه. # فهذا في حق الخائف على نفسه؛ لأن يمينه غير منعقدة أو لأنه بمنزلة ~~المتأول، وأما في حق غيره فلا. (7996) فصل: واشترط ms5382 القاضي أن يقصد ~~الاستثناء، فلو أراد الجزم، فسبق لسانه إلى الاستثناء من غير قصد، أو كانت ~~عادته جارية بالاستثناء، فجرى لسانه على العادة من غير قصد، لم يصح؛ لأن ~~اليمين لما لم ينعقد من غير قصد، فكذلك الاستثناء. # وهذا مذهب الشافعي. وذكر بعضهم أنه لا يصح الاستثناء حتى يقصده مع ابتداء ~~يمينه، فلو حلف غير قاصد للاستثناء، ثم عرض له بعد فراغه من اليمين فاستثنى ~~لم ينفعه. ولا يصح؛ لأن هذا # PageV09P523 # يخالف عموم الخبر، فإنه قال: «من حلف، فقال: إن شاء الله لم يحنث» ولأن ~~لفظ الاستثناء يكون عقيب يمينه، فكذلك نيته ### | [فصل الاستثناء في كل يمين مكفرة] # (7997) فصل: يصح الاستثناء في كل يمين مكفرة، كاليمين بالله تعالى، ~~والظهار، والنذر. قال ابن أبي موسى: من استثنى في يمين تدخلها كفارة، فله ~~ثنياه، لأنها أيمان مكفرة، فدخلها الاستثناء، كاليمين بالله تعالى، فلو ~~قال: أنت علي كظهر أمي، إن شاء الله تعالى. أو: أنت علي حرام، إن شاء الله. ~~أو: إن دخلت الدار، فأنت علي كظهر أمي، إن شاء الله. أو: لله علي أن أتصدق ~~بمائة درهم، إن شاء الله. لم يلزمه شيء؛ لأنها أيمان فتدخل في عموم قوله: ~~«من حلف، فقال: إن شاء الله. لم يحنث» . ### | [فصل قال والله لأشربن اليوم إلا أن يشاء الله] # (7998) فصل: وإن قال: والله لأشربن اليوم، إلا أن يشاء الله. أو: لا أشرب ~~إلا أن يشاء الله. لم يحنث بالشرب ولا بتركه؛ لما ذكرنا في الإثبات. ولا ~~فرق بين تقديم الاستثناء وتأخيره في هذا كله، فإذا قال: والله، إن شاء ~~الله، لا أشرب اليوم. أو: لأشربن اليوم. ففعل أو ترك، لم يحنث؛ لأن تقديم ~~الشرط وتأخيره سواء، قال الله - تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: 176] . ### | [فصل قال والله لأشربن اليوم إن شاء زيد] # (7999) فصل: وإن قال: والله لأشربن اليوم، إن شاء زيد. فشاء زيد، لزمه ~~الشرب، فإن تركه حتى مضى اليوم ms5383 حنث، وإن لم يشأ زيد لم يلزمه يمين، فإن لم ~~تعلم مشيئته لغيبة أو جنون أو موت، انحلت اليمين؛ لأنه لم يوجد الشرط. وإن ~~قال: والله لا أشرب، إلا أن يشاء زيد فقد منع نفسه الشرب إلا أن توجد مشيئة ~~زيد فإن شاء فله الشرب، وإن لم يشأ لم يشرب، وإن خفيت مشيئته لغيبة أو موت ~~أو جنون، لم يشرب، وإن شرب حنث؛ لأنه منع نفسه إلا أن توجد المشيئة، فلم ~~يكن له أن يشرب قبل وجودها. # وإن قال: والله لأشربن، إلا أن يشاء زيد. فقد ألزم نفسه الشرب إلا أن ~~يشاء زيد أن لا يشرب؛ لأن الاستثناء ضد المستثنى منه، والمستثنى منه إيجاب ~~لشربه بيمينه، فإن شرب قبل مشيئة زيد بر. وإن قال زيد: قد شئت أن لا يشرب. ~~انحلت اليمين؛ لأنها معلقة بعدم مشيئته لترك الشرب، ولم تتقدم، فلم يوجد ~~شرطها. وإن قال: قد شئت أن يشرب. أو: ما شئت أن لا يشرب. لم تنحل اليمين؛ ~~لأن هذه المشيئة غير المستثناة، فإن خفيت مشيئته، لزمه الشرب لأنه علق وجوب ~~الشرب بعدم المشيئة، وهي معدومة بحكم الأصل. # وإن قال: والله لا أشرب اليوم، إن # PageV09P524 # شاء زيد. فقال زيد: قد شئت أن لا تشرب. فشرب حنث، وإن شرب قبل مشيئته، لم ~~يحنث؛ لأن الامتناع من الشرب معلق بمشيئته، ولم تثبت مشيئته، فلم يثبت ~~الامتناع، بخلاف التي قبلها. وإن خفيت مشيئته، فهي في حكم المعدومة. ~~والمشيئة في هذه المواضع أن يقول بلسانه. ### | [مسألة استثنى في الطلاق والعتاق] # (8000) مسألة؛ قال: وإذا استثنى في الطلاق والعتاق، فأكثر الروايات عن ~~أبي عبد الله، رحمه الله، أنه توقف عن الجواب. وقد قطع في موضع، أنه لا ~~ينفعه الاستثناء يعني إذا قال لزوجته: أنت طالق، إن شاء الله. أو لعبده: ~~أنت حر، إن شاء الله. فقد توقف أحمد في الجواب؛ لاختلاف الناس فيها، وتعارض ~~الأدلة، وفي موضع قطع أنه لا ينفعه الاستثناء فيهما. قال، في رواية إسحاق ~~بن منصور وحنبل: من حلف، فقال: إن شاء الله. ms5384 لم يحنث، وليس له استثناء في ~~الطلاق والعتاق. قال حنبل: قال: لأنهما ليسا من الأيمان. وبه قال مالك، ~~والأوزاعي، والحسن، وقتادة. # وقال طاوس، وحماد، والشافعي وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يجوز الاستثناء ~~فيهما؛ لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «من حلف، فقال: إن شاء الله لم ~~يحنث» . ولأنه علق الطلاق والعتاق بشرط لم يتحقق وجوده، فلم يقعا، كما لو ~~علقه بمشيئة زيد، ولم تتحقق مشيئته ولنا، أنه أوقع الطلاق والعتاق في محل ~~قابل، فوقع، كما لو لم يستثن، والحديث إنما تناول الأيمان، وليس هذا بيمين، ~~إنما هو تعليق على شرط. قال ابن عبد البر: إنما ورد التوقيف بالاستثناء في ~~اليمين بالله - تعالى، وقول المتقدمين: الأيمان بالطلاق والعتاق. إنما جاء ~~على التقريب، والاتساع ولا يمين في الحقيقة إلا بالله - تعالى، وهذا طلاق ~~وعتاق. وقد ذكرنا هذه المسألة في الطلاق بأبسط من هذا. ### | [مسألة قال إن تزوجت فلانة فهي طالق] # (8001) مسألة؛ قال: وإذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق. لم تطلق إن تزوج ~~بها. وإن قال: إذا ملكت فلانا فهو حر فملكه صار حرا اختلفت الرواية عن أحمد ~~في هاتين المسألتين، فعنه: لا يقع طلاق، ولا عتق. روي هذا عن ابن عباس. وبه ~~قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وعروة وجابر بن زيد، وسوار والقاضي، ~~والشافعي وأبو ثور، وابن المنذر. # ورواه الترمذي عن علي، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وعلي بن ~~الحسين، وشريح، وغير واحد من فقهاء التابعين، قال: وهو قول أكثر أهل العلم؛ ~~لما روى عمرو بن شعيب، عن # PageV09P525 # أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا نذر لابن ~~آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا طلاق لابن آدم فيما لا يملك» ~~قال الترمذي وهذا حديث حسن، وهو أحسن ما روي في هذا الباب. # وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم، وإن عينها» رواه الدارقطني وروى ~~أبو بكر ms5385 في الشافي عن الخلال، عن الرمادي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ~~جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة عن علي بن أبي طالب، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا طلاق قبل نكاح» . # قال أحمد: هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعدة من الصحابة. ولأن من ~~لا يقع طلاقه وعتقه بالمباشرة، لم تنعقد له صفة، كالمجنون، ولأنه قول من ~~سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم، فيكون إجماعا. والرواية ~~الثانية عن أحمد، أنه يصح في العتق ولا يصح في الطلاق. قال، في رواية أبي ~~طالب: إذا قال: إن اشتريت هذا الغلام فهو حر. فاشتراه عتق، وإن قال: إن ~~تزوجت فلانة فهي طالق. # فهذا غير الطلاق، هذا حق لله تعالى، والطلاق يمين، ليس هو لله تعالى، ولا ~~فيه قربة إلى الله - تعالى. قال أبو بكر في كتاب الشافي: لا يختلف قول أبي ~~عبد الله، أن الطلاق إذا وقع قبل النكاح لا يقع، وأن العتاق يقع، إلا ما ~~روى محمد بن الحسن بن هارون في العتق، أنه لا يقع، وما أراه إلا غلطا، كذلك ~~سمعت الخلال يقول، فإن كان حفظ فهو قول آخر. والفرق بينهما، أن ناذر العتق ~~يلزمه الوفاء به، وأن ناذر الطلاق لا يلزمه الوفاء به، فكما افترقا في ~~النذر، جاز أن يفترقا في اليمين، ولأنه لو قال لأمته: أول ولد تلدينه فهو ~~حر. فإنه يصح وهو تعليق للحرية على الملك. # وعن أحمد، - رحمه الله -، ما يدل على وقوع الطلاق والعتق. وهو قول ~~الثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنه يصح تعليقه على الأخطار، فصح تعليقه على حدوث ~~الملك، كالوصية والنذر واليمين. وقال مالك: إن خص جنسا من الأجناس، أو عبدا ~~بعينه، عتق إذا ملكه، وإن قال: كل عبد أملكه فهو حر. لم يصح. والأول أصح، ~~إن شاء الله - تعالى؛ لأنه تعليق للطلاق والعتاق قبل الملك، فأشبه ما لو ~~قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق. أو لأمة غيره: إن دخلت الدار فأنت ~~حرة ثم تزوج الأجنبية، وملك ms5386 الأمة، ودخلتا الدار، فإن الطلاق لا يقع، ولا ~~تعتق الأمة، بغير خلاف نعلمه. ### | [مسألة حلف أن لا ينكح فلانة أو لا اشتريت فلانة فنكحها نكاحا فاسدا] # (8002) مسألة؛ قال: ولو حلف أن لا ينكح فلانة، أو: لا اشتريت فلانة. ~~فنكحها نكاحا فاسدا، أو اشتراها شراء فاسدا، لم يحنث # PageV09P526 # وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا قال لعبده: إن زوجتك، أو بعتك، ~~فأنت حر. فزوجه تزويجا فاسدا، لم يعتق، وإن باعه بيعا فاسدا يملك به، حنث؛ ~~لأن البيع الفاسد عنده يثبت به الملك، إذا اتصل به القبض. ولنا، أن اسم ~~البيع ينصرف إلى الصحيح؛ بدليل أن قول الله - تعالى: {وأحل الله البيع} ~~[البقرة: 275] . وأكثر ألفاظه في البيع إنما ينصرف إلى الصحيح، فلا يحنث ~~بما دونه، كما في النكاح، وكالصلاة، وغيرهما، وما ذكروه من ثبوت الملك به ~~لا نسلمه. وقال ابن أبي موسى: لا يحنث بالنكاح الفاسد. # وهل يحنث بالبيع الفاسد؟ على روايتين. وقال أبو الخطاب: إن نكحها نكاحا ~~مختلفا فيه، مثل أن يتزوجها بلا ولي ولا شهود، أو باع في وقت النداء، فعلى ~~وجهين. وقال ابن أبي موسى إن تزوجها تزويجا مختلفا فيه، أو ملك ملكا مختلفا ~~فيه، حنث فيهما جميعا. ولنا، أنه نكاح فاسد، وبيع فاسد، فلم يحنث بهما، ~~كالمتفق على فسادهما. # (8003) فصل: والماضي والمستقبل سواء في هذا. وقال محمد بن الحسن: إذا حلف ~~ما صليت ولا تزوجت، ولا بعت، وكان قد فعله فاسدا، حنث؛ لأن الماضي لا يقصد ~~منه إلا الاسم، والاسم يتناوله، والمستقبل بخلافه، فإنه يراد بالنكاح ~~والبيع الملك، وبالصلاة القربة. ولنا، أن ما لا يتناوله الاسم في المستقبل، ~~لا يتناوله في الماضي، كالإيجاب، وكغير المسمى وما ذكروه لا يصح؛ لأن الاسم ~~لا يتناوله إلا الشرعي، ولا يحصل. ### | [فصل حلف لا يبيع فباع بيعا فيه الخيار] # (8004) فصل: وإن حلف لا يبيع، فباع بيعا فيه الخيار، حنث. وقال أبو ~~حنيفة: لا يحنث؛ لأن الملك لا يثبت في مدة الخيار، فأشبه البيع الفاسد. ~~ولنا، أنه بيع صحيح شرعي، فيحنث به، كالبيع ms5387 اللازم، وما ذكروه لا يصح فإن ~~بيع الخيار يثبت الملك به بعد انقضاء الخيار بالاتفاق، وهو سبب له، ولا ~~نسلم أن الملك لا يثبت في مدة الخيار ### | [فصل حلف لا يبيع أو لا يزوج فأوجب البيع والنكاح ولم يقبل المتزوج والمشتري] # فصل: وإن حلف لا يبيع، أو لا يزوج، فأوجب البيع والنكاح، ولم يقبل ~~المتزوج والمشتري، لم يحنث. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. ولا نعلم فيه ~~خلافا؛ لأن البيع والنكاح عقدان لا يتمان إلا بالقبول فلم يقع الاسم # PageV09P527 # على الإيجاب بدونه، فلم يحنث به. وإن حلف لا يهب، ولا يعير فأوجب ذلك، ~~ولم يقبل الآخر، فقال القاضي: يحنث. وهو قول أبي حنيفة، وابن سريج، لأن ~~الهبة والعارية لا عوض فيهما، فكان مسماهما الإيجاب، والقبول شرط لنقل ~~الملك، وليس هو من السبب، فيحنث بمجرد الإيجاب فيهما، كالوصية. # وقال الشافعي: لا يحنث بمجرد الإيجاب؛ لأنه عقد لا يتم إلا بالقبول، فلم ~~يحنث فيه بمجرد الإيجاب، كالنكاح والبيع. فأما الوصية والهدية والصدقة، ~~فقال أبو الخطاب: يحنث فيها بمجرد الإيجاب. ولا أعلم قول الشافعي فيها، إلا ~~أن الظاهر أنه لا يخالف في الوصية والهدية؛ لأن الاسم يقع عليهما بدون ~~القبول، ولهذا لما قال الله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك ~~خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] إنما أراد الإيجاب دون ~~القبول، ولأن الوصية صحيحة قبل موت الموصي، ولا قبول لها حينئذ. # (8006) فصل: وإن حلف لا يتزوج، حنث بمجرد الإيجاب، والقبول الصحيح. لا ~~نعلم فيه خلافا؛ لأن ذلك يحصل به المسمى الشرعي، فتناوله يمينه. وإن حلف ~~ليتزوجن، بر بذلك، سواء كانت له امرأة أو لم يكن، وسواء تزوج نظيرتها أو ~~دونها أو أعلى منها، إلا أن يحتال على حل يمينه بتزويج لا يحصل مقصودها، ~~مثل أن يواطئ امرأته على نكاح لا يغيظها به، ليبر في يمينه، فلا يبر بهذا. ~~وقال أصحابنا: إذا حلف ليتزوجن على امرأته، لا يبر حتى يتزوج نظيرتها، ~~ويدخل بها. وهو قول مالك؛ لأنه قصد غيظ زوجته، ولا يحصل إلا ms5388 بذلك. # ولنا، أنه تزوج تزويجا صحيحا، فبر به، كما لو تزوج نظيرتها، ودخل بها، ~~وقولهم: إن الغيظ لا يحصل إلا بتزويج نظيرتها، والدخول بها غير مسلم؛ فإن ~~الغيظ يحصل بمجرد الخطبة، وإن حصل بما ذكروه زيادة في الغيظ فلا تلزمه ~~الزيادة على الغيظ الذي يحصل بما تناولته يمينه، كما أنه لا يلزمه نكاح ~~اثنتين ولا ثلاث، ولا أعلى من نظيرتها، والذي تناولته يمينه مجرد التزويج، ~~ولذلك لو حلف لا يتزوج على امرأته، حنث بهذا، فكذلك يحصل البر به؛ لأن ~~المسمى واحد، فما تناوله النفي تناوله في الإثبات، وإنما لا يبر إذا تزوج ~~تزويجا لا يحصل به الغيظ، كما ذكرناه من الصورة ونظائرها؛ لأن مبنى الأيمان ~~على المقاصد والنيات، ولم يحصل مقصوده، ولأن التزويج هاهنا يحصل حيلة على ~~التخلص من يمينه بما لا يحصل مقصودها، فلم تقبل منه حيلته. # وقد نص أحمد على هذا، فقال: إذا حلف ليتزوجن على امرأته، فتزوج بعجوز أو ~~زنجية، لا يبر؛ لأنه أراد أن يغيرها ويغمها، وبهذا لا تغار ولا تغتم. فعلله ~~أحمد بما لا يغيظ به الزوجة، ولم يعتبر أن تكون نظيرتها؛ لأن الغيظ لا ~~يتوقف على ذلك، ولو قدر أن تزوج العجوز يغيظها والزنجية، لبر به، وإنما ~~ذكره أحمد؛ لأن الغالب أنه لا يغيظها، لأنها تعلم أنه إنما فعل ذلك حيلة ~~لئلا يغيظها، ويبر به. # PageV09P528 ### | [فصل حلف لا تسريت فوطئ جاريته] # (8007) فصل: إذا حلف: لا تسريت. فوطئ جاريته، حنث، ذكره أبو الخطاب. وقال ~~القاضي: لا يحنث حتى يطأ فينزل، فحلا كان أو خصيا. وقال أبو حنيفة: لا يحنث ~~حتى يحصنها ويحجبها عن الناس؛ لأن التسري مأخوذ من السر. ولأصحاب الشافعي ~~ثلاثة أوجه كهذه. ولنا، أن التسري مأخوذ من السر، وهو الوطء لأنه يكون في ~~السر، قال الله تعالى: {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] وقال الشاعر: # فلن تطلبوا سرها للغنى ... ولن تسلموها لإزهادها # وقال آخر # ألا زعمت بسباسة القوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي # ولأن كل حكم تعلق بالوطء لم يعتبر فيه الإنزال ms5389 ولا التحصين، كسائر ~~الأحكام. ### | [فصل حلف لا يهب له فأهدى إليه أو أعمره] # (8008) فصل: إذا حلف لا يهب له، فأهدى إليه، أو أعمره حنث؛ لأن ذلك من ~~أنواع الهبة، وإن أعطاه من الصدقة الواجبة، أو نذر أو كفارة، لم يحنث؛ لأن ~~ذلك حق لله - تعالى عليه، يجب إخراجه، فليس هو بهبة منه، وإن تصدق عليه ~~تطوعا، فقال القاضي: يحنث. وهو مذهب الشافعي. # وقال أبو الخطاب: لا يحنث. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنهما يختلفان اسما ~~وحكما؛ بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «هو عليها صدقة، ولنا ~~هدية» . وكانت الصدقة محرمة عليه، والهدية حلال له، وكان يقبل الهدية ولا ~~يقبل الصدقة، ومع هذا الاختلاف لا يحنث في أحدهما بفعل الآخر. ووجه الأول، ~~أنه تبرع بعين في الحياة، فحنث به، كالهدية، ولأن الصدقة تسمى هبة، فلو ~~تصدق بدرهم، قيل: وهب درهما، وتبرع بدرهم. واختلاف التسمية لكون الصدقة ~~نوعا من الهبة، فيختص باسم دونها، # PageV09P529 # كاختصاص الهدية والعمرى باسمين، ولم يخرجهما ذلك عن كونهما هبة، وكذلك ~~اختلاف الأحكام، فإنه قد يثبت للنوع ما لا يثبت للجنس، كما يثبت للآدمي من ~~الأحكام ما لا يثبت لمطلق الحيوان. وإن وصى له، لم يحنث؛ لأن الهبة تمليك ~~في الحياة، والوصية إنما تملك بالقبول بعد الموت. # وإن أعاره، لم يحنث؛ لأن الهبة تمليك الأعيان، وليس في العارية تمليك ~~عين، ولأن المستعير لا يملك المنفعة، وإنما يستبيحها، ولهذا يملك المعير ~~الرجوع فيها، ولا يملك المستعير إجارتها، ولا إعارتها. هذا قول القاضي، ~~ومذهب الشافعي. وقال أبو الخطاب: يحنث؛ لأن العارية هبة المنفعة. والأول ~~أصح. # وإن أضافه، لم يحنث؛ لأنه لم يملكه شيئا، وإنما أباحه، ولهذا لا يملك ~~التصرف بغير الأكل. وإن باعه وحاباه، لم يحنث؛ لأنه معاوضة يملك الشفيع أخذ ~~جميع المبيع، ولو كان هبة أو بعضه هبة، لم يملك أخذه كله. وقال أبو الخطاب: ~~يحنث، في أحد الوجهين؛ لأنه يترك له بعض المبيع بغير ثمن، أو وهبه بعض ~~الثمن. وإن وقف عليه، فقال أبو الخطاب: يحنث؛ لأنه تبرع ms5390 له بعين في الحياة. ~~ويحتمل أن لا يحنث؛ لأن الوقف لا يملك، في رواية. # وإن حلف لا يتصدق عليه، فوهب له، لم يحنث؛ لأن الصدقة نوع من الهبة، ولا ~~يحنث الحالف على نوع بفعل نوع آخر، ولا يثبت للجنس حكم النوع، ولهذا حرمت ~~الصدقة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم تحرم الهبة ولا الهدية. وإن ~~حلف لا يهب له شيئا، فأسقط عنه دينا، لم يحنث إلا أن ينوي؛ لأن الهبة تمليك ~~عين، وليس له إلا دين في ذمته. ### | [مسألة حلف أن لا يشتري فلانا أو لا يضربه فوكل في الشراء والضرب] # مسألة؛ قال: ولو حلف أن لا يشتري فلانا، أو لا يضربه، فوكل في الشراء ~~والضرب، حنث وجملته أن من حلف أن لا يفعل شيئا، فوكل من فعله، حنث، إلا أن ~~ينوي مباشرته بنفسه. ونحو هذا قول مالك، وأبي ثور. وقال الشافعي: لا يحنث، ~~إلا أن ينوي بيمينه أن لا يستنيب في فعله، أو يكون ممن لم تجر عادته ~~بمباشرته؛ لأن إطلاق إضافة الفعل يقتضي مباشرته؛ بدليل أنه لو وكله في ~~البيع لم يجز للوكيل توكيل غيره. # وإن حلف لا يبيع ولا يضرب، فأمر من فعله، فإن كان ممن يتولى ذلك بنفسه، ~~لم يحنث، وإن كان ممن لا يتولاه، كالسلطان، ففيه قولان. وإن حلف لا يحلق ~~رأسه، فأمر من حلقه، فقيل: فيه قولان وقيل: يحنث، قولا واحدا. وقال أصحاب ~~الرأي: إن حلف لا يبيع، فوكل من باع، لم يحنث، وإن حلف لا يضرب، ولا يتزوج، ~~فوكل من فعله، حنث. # ولنا أن الفعل يطلق على من وكل فيه، وأمر به، فيحنث به، كما لو كان ممن ~~لا يتولاه بنفسه، وكما لو حلف لا يحلق رأسه، فأمر من حلقه، أو لا يضرب، ~~فوكل من ضرب عند أبي حنيفة، وقد قال الله تعالى: # PageV09P530 # {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] وقال: {محلقين ~~رءوسكم ومقصرين} [الفتح: 27] . وكان هذا متناولا للاستنابة فيه. ولأن ~~المحلوف عليه وجد من نائبه، فحنث به، كما لو حلف ms5391 لا يدخل دارا، فأمر من ~~حمله إليها. # وقولهم: إن إضافة الفعل إليه تقتضي المباشرة بمنعه. ولا نسلم أنه إذا وكل ~~في فعل يمتنع على الوكيل التوكيل فيه، ولئن سلمنا، فلأن التوكيل يقصد به ~~الأمانة والحذق، والناس يختلفون فيهما، فإذا عين واحدا، لم تجز مخالفة ~~تعيينه، بخلاف اليمين. # فأما إن نوى بيمينه المباشرة للمحلوف عليه، أو كان سبب يمينه يقتضيها، أو ~~قرينة حاله، تخصص بها؛ لأن إطلاقه يقيد بنيته، أو بما دل عليها، فأشبه ما ~~لو صرح به بلفظه. وإن حلف ليشترين، أو ليبيعن، أو ليضربن، فوكل من فعل ذلك، ~~بر؛ لما ذكرنا في طرف النفي، ولذلك لما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- «رحم الله المحلقين» . تناول من حلق رأسه بأمره. ### | [فصل حلف ليطلقن زوجته أو لا يطلقها فوكل من طلقها] # (8010) فصل: وإن حلف ليطلقن زوجته، أو لا يطلقها، فوكل من طلقها، أو قال ~~لها: طلقي نفسك فطلقها أو قال لها: اختاري، أو أمرك بيدك. فطلقت نفسها، بر، ~~وحنث. والخلاف فيه على ما تقدم. وإن قال: أنت طالق إن شئت، أو إن قمت. ~~فشاءت، أو قامت حنث. بغير خلاف؛ لأن الطلاق منه، وإنما هي حققت شرطه. ### | [فصل حلف لا يضرب امرأته فلطمها أو لكمها أو ضربها بعصا أو غيرها] # (8011) فصل: فإن حلف لا يضرب امرأته، فلطمها، أو لكمها، أو ضربها بعصا أو ~~غيرها، حنث. بغير خلاف. وإن عضها، أو خنقها، أو جز شعرها جزا يؤلمها، قاصدا ~~للإضرار بها، حنث. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يحنث؛ لأن ذلك لا ~~يسمى ضربا، فلا يحنث به، كما لو شتمها شتما آلمها. وقد نقل عن أحمد ما يدل ~~على هذا؛ فإن مهنا نقل عنه، فيمن قال لامرأته: إن لم أضربك اليوم، فأنت ~~طالق. فعضها، أو قرصها، أو أمسك شعرها، فهو على ما نوى من ذلك. قال القاضي: ~~فظاهر هذا أنه لم يدخله في إطلاق اسم الضرب. # ولنا، أن هذا في العرف يستعمل لكف الأذى المؤلم للجسم، فيدخل فيه كل ما ~~اختلفنا ms5392 فيه، ولهذا يقال: تضاربا. إذا فعل كل واحد منهما هذا بصاحبه، وإن ~~لم يكن معهما آلة، وفارق الشتم؛ فإنه لا يؤلم الجسم، وإنما يؤلم القلب. ### | [مسألة حلف بعتق أو طلاق أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا] # (8012) مسألة؛ قال: ومن حلف بعتق أو طلاق، أن لا يفعل شيئا، ففعله ناسيا، ~~حنث وبهذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والزهري، وقتادة، وربيعة، ومالك، وأبو ~~عبيد وأصحاب # PageV09P531 # الرأي. وهو المشهور عن الشافعي. وقال عطاء، وعمرو بن دينار وابن أبي نجيح ~~وإسحاق، وابن المنذر: لا يحنث. وهو رواية عن أحمد؛ لأن الناسي لا يكلف حال ~~نسيانه، فلا يلزمه الحنث، كالحلف بالله - تعالى. ولنا، أن هذا يتعلق به حق ~~آدمي، فتعلق الحكم به مع النسيان، كالإتلاف، ولأنه حكم علق على شرط، فيوجد ~~بوجدان شرطه، كالمنع من الصلاة بعد العصر، وقد سبقت هذه المسألة. ### | [مسألة حلف فتأول في يمينه] # (8013) مسألة؛ قال: وإذا حلف، فتأول في يمينه، فله تأويله إذا كان ~~مظلوما، وإن كان ظالما، لم ينفعه تأويله، لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» معنى التأويل، أن يقصد ~~بكلامه محتملا يخالف ظاهره، نحو أن يحلف إنه أخي، يقصد أخوة الإسلام، أو ~~المشابهة، أو يعني بالسقف والبناء السماء، وبالبساط والفراش الأرض، ~~وبالأوتاد الجبال، وباللباس الليل، أو يقول: ما رأيت فلانا. يعني ما ضربت ~~رئته. ولا ذكرته. يريد ما قطعت ذكره. أو يقول: جواري أحرار. يعني سفنه. ~~ونسائي طوالق. يعني نساء الأقارب منه. # أو يقول: ما كاتبت فلانا، ولا عرفته، ولا أعلمته، ولا سألته حاجة، ولا ~~أكلت له دجاجة، ولا فروجة، ولا شربت له ماء، ولا في بيتي فرش ولا حصير، ولا ~~بارية وينوي بالمكاتبة مكاتبة الرقيق، وبالتعريف جعله عريفا، وبالإعلام ~~جعله أعلم الشفة، والحاجة شجرة صغيرة، والدجاجة الكنة من الغزل، والفروجة ~~الدراعة، والفرش صغار الإبل، والحصير الحبس، والبارية السكين التي يبرى ~~بها. أو يقول: ما لفلان عندي وديعة، ولا شيء. يعني ب " ما " " الذي ". أو ~~يقول: ما فلان هاهنا. ms5393 ويعني موضعا بعينه. أو يقول: والله ما أكلت من هذا ~~شيئا، ولا أخذت منه. يعني الباقي بعد أخذه وأكله. # فهذا وأشباهه مما يسبق إلى فهم السامع خلافه، إذا عناه بيمينه، فهو ~~تأويل؛ لأنه خلاف الظاهر. ولا يخلو حال الحالف المتأول، من ثلاثة أحوال؛ ~~أحدها؛ أن يكون مظلوما، مثل من يستحلفه ظالم على شيء، لو صدقه لظلمه، أو ~~ظلم غيره، أو نال مسلما منه ضرر. # فهذا له تأويله. قال مهنا: سألت أحمد، عن رجل له امرأتان، اسم كل واحدة ~~منهما فاطمة، فماتت واحدة منهما، فحلف بطلاق فاطمة، ونوى التي ماتت؟ قال: ~~إن كان المستحلف له ظالما، فالنية نية صاحب الطلاق، وإن كان المطلق هو ~~الظالم، فالنية نية الذي استحلف. # وقد روى أبو داود، بإسناده عن سويد بن حنظلة، قال: خرجنا نريد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن ~~يحلفوا، فحلفت أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فذكرت ذلك له فقال: «أنت أبرهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم» وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» . يعني سعة ~~المعاريض # PageV09P532 # التي يوهم بها السامع غير ما عناه. # قال محمد بن سيرين: الكلام أوسع من أن يكذب ظريف يعني لا يحتاج أن يكذب؛ ~~لكثرة المعاريض، وخص الظريف بذلك؛ يعني به الكيس الفطن، فإنه يفطن للتأويل، ~~فلا حاجة به إلى الكذب. الحال الثاني، أن يكون الحالف ظالما، كالذي يستحلفه ~~الحاكم على حق عنده، فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف، ~~ولا ينفع الحالف تأويله. وبهذا قال الشافعي. ولا نعلم فيه مخالفا فإن أبا ~~هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يمينك على ما يصدقك به ~~صاحبك» رواه مسلم، وأبو داود وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «اليمين على نية المستحلف» . رواه مسلم، وقالت عائشة: اليمين ~~على ما وقع للمحلوف له ولأنه لو ساغ التأويل، لبطل المعنى المبتغى باليمين، ~~إذ ms5394 مقصودها تخويف الحالف ليرتدع عن الجحود، خوفا من عاقبة اليمين الكاذبة، ~~فمتى ساغ التأويل له، انتفى ذلك، وصار التأويل وسيلة إلى جحد الحقوق، ولا ~~نعلم في هذا خلافا. # قال إبراهيم، في رجل استحلفه السلطان بالطلاق على شيء، فورى في يمينه إلى ~~شيء آخر: أجزأ عنه، وإن كان ظالما لم تجزئ عنه التورية الحال الثالث، لم ~~يكن ظالما ولا مظلوما، فظاهر كلام أحمد، أن له تأويله، فروي أن مهنا كان ~~عنده، هو والمروذي وجماعة، فجاء رجل يطلب المروذي، ولم يرد المروذي أن ~~يكلمه، فوضع مهنا أصبعه في كفه، وقال: ليس المروذي هاهنا، وما يصنع المروذي ~~هاهنا؟ يريد: ليس هو في كفه. # ولم ينكر ذلك أبو عبد الله وروي أن مهنا قال له: إني أريد الخروج - يعني ~~السفر إلى بلده - وأحب أن تسمعني الجزء الفلاني. فأسمعه إياه، ثم رآه بعد ~~ذلك، فقال: ألم تقل إنك تريد الخروج؟ فقال له مهنا: قلت لك: إني أريد ~~الخروج الآن؟ فلم ينكر عليه. وهذا مذهب الشافعي. ولا نعلم في هذا خلافا. ~~روى سعيد، عن جرير عن المغيرة، قال: كان إذا طلب إنسان إبراهيم، ولم يرد ~~إبراهيم أن يلقاه، خرجت إليه الخادم، وقالت: اطلبوه في المسجد. # وقال له رجل: إني ذكرت رجلا بشيء، فكيف لي أن أعتذر إليه؟ قال: قل له: ~~والله إن الله يعلم ما قلت من ذلك من شيء. وقد كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يمزح، ولا يقول إلا حقا ومزاحه أن يوهم السامع بكلامه غير ما عناه، ~~وهو التأويل، فقال لعجوز: «لا تدخل الجنة عجوز» . يعني أن الله ينشئهن ~~أبكارا عربا أترابا. وقال أنس: إن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: يا رسول الله، احملني. فقال رسول الله: «إنا حاملوك على ولد ~~الناقة. قال: وما أصنع بولد الناقة؟ قال: وهل تلد الإبل إلا النوق؟» . رواه ~~أبو داود. # وقال لامرأة وقد ذكرت له زوجها: أهو الذي في عينه بياض فقالت: يا رسول ~~الله، إنه لصحيح العين. وأراد النبي - صلى الله عليه ms5395 وسلم - البياض الذي ~~حول الحدق. # وقال لرجل احتضنه من ورائه: «من يشتري # PageV09P533 # هذا العبد؟ فقال: يا رسول الله، تجدني إذا كاسدا. قال: لكنك عند الله لست ~~بكاسد» وهذا كله من التأويل والمعاريض، وقد سماه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حقا، فقال «لا أقول إلا حقا» . # وروي عن شريح، أنه خرج من عند زياد، وقد حضره الموت، فقيل له: كيف تركت ~~الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهى. فلما مات قيل له: كيف قلت ذلك؟ قال: تركته ~~يأمر بالصبر، وينهى عن البكاء والجزع. # ويروى عن شقيق، أن رجلا خطب امرأة، وتحته أخرى، فقالوا: لا نزوجك حتى ~~تطلق امرأتك. فقال: اشهدوا أني قد طلقت ثلاثا. فزوجوه، فأقام على امرأته، ~~فقالوا: قد طلقت ثلاثا قال: ألم تعلموا أنه كان لي ثلاث نسوة فطلقتهن ~~قالوا: بلى. قال قد طلقت ثلاثا. فقالوا: ما هذا أردنا. فذكر ذلك شقيق ~~لعثمان فجعلها نيته. # وروي عن الشعبي، أنه كان في مجلس، فنظر إليه رجل ظن أنه طلب منه التعريف ~~به والثناء عليه، فقال الشعبي: إن له بيتا وشرفا. فقيل للشعبي بعد ما ذهب ~~الرجل: تعرفه؟ قال: لا، ولكنه نظر إلي. قيل: فكيف أثنيت عليه؟ قال: شرفه ~~أذناه، وبيته الذي يسكنه. وروي أن رجلا أخذ على شراب، فقيل له: من أنت؟ ~~فقال: # أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود # ترى الناس أفواجا على باب داره ... فمنهم قيام حولها وقعود # فظنوه شريفا، فخلوا سبيله، فسألوا عنه، فإذا هو ابن الباقلاني. # وأخذ الخوارج رافضيا، فقالوا له: تبرأ من عثمان وعلي. فقال: أنا من علي، ~~ومن عثمان بريء. فهذا وشبهه هو التأويل الذي لا يعذر به الظالم، ويسوغ ~~لغيره مظلوما كان أو غير مظلوم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ~~ذلك في المزاح من غير حاجة به إليه. ### | [فصل والمستحيل نوعان في اليمين] # (8014) فصل: والمستحيل نوعان؛ أحدهما، مستحيل عادة، كصعود السماء، ~~والطيران، وقطع المسافة البعيدة في مدة قليلة، فإذا حلف على فعله، انعقدت ~~يمينه. ذكره القاضي، وأبو ms5396 الخطاب؛ لأنه يتصور وجوده، فإذا حلف عليه، انعقدت ~~يمينه، ولزمته الكفارة في الحال؛ لأنه مأيوس من البر فيها، فوجبت الكفارة، ~~كما لو حلف ليطلقن امرأته فماتت. والثاني، المستحيل عقلا، كرد أمس وشرب ~~الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه. فقال أبو الخطاب: لا تنعقد يمينه، ولا ~~تجب بها كفارة. # وهو مذهب مالك؛ لأنها يمين قارنها ما يحلها، فلم تنعقد، كيمين الغموس، أو ~~يمين على غير متصور، فأشبهت يمين الغموس، وهذا لأن اليمين إنما تنعقد على ~~متصور، أو متوهم التصور، وليس هاهنا واحد منهما. # PageV09P534 # وقال القاضي: تنعقد موجبة للكفارة في الحال. وهذا قول أبي يوسف، ~~والشافعي؛ لأنه حلف على فعل نفسه في المستقبل، ولم يفعل، كما لو حلف ليطلقن ~~امرأته، فماتت قبل طلاقها، وبالقياس على المستحيل عادة، ولا فرق بين أن ~~يعلم استحالته أو لا يعلم، مثل أن يحلف ليشربن الماء الذي في الكوز ولا ماء ~~فيه، فالحكم واحد فيمن علم أنه لا ماء فيه، ومن لا يعلم. وإن حلف ليقتلن ~~فلانا، وهو ميت، فهو كالمستحيل عادة؛ لأنه يتصور أن يحييه الله فيقتله، ~~وتنعقد يمينه على قول أصحابنا. وإن حلف لأقتلن الميت. يعني في حال موته، ~~فهو مستحيل عقلا، فيكون فيه من الخلاف ما قد ذكرناه. ### | [فصل قال والله ليفعلن فلان كذا فأحنثه ولم يفعل] # (8015) فصل: فإن قال: والله ليفعلن فلان كذا، أو لا يفعل. أو حلف على ~~حاضر، فقال: والله لتفعلن كذا. فأحنثه، ولم يفعل، فالكفارة على الحالف. كذا ~~قال ابن عمر، وأهل المدينة، وعطاء، وقتادة، والأوزاعي، وأهل العراق، ~~والشافعي؛ لأن الحالف هو الحانث، فكانت الكفارة عليه، كما لو كان هو الفاعل ~~لما يحنثه، ولأن سبب الكفارة إما اليمين، وإما الحنث، أو هما، وأي ذلك قدر ~~فهو موجود في الحالف. وإن قال: أسألك بالله لتفعلن. وأراد اليمين، فهي ~~كالتي قبلها. # وإن أراد الشفاعة إليه بالله فليس بيمين، ولا كفارة على واحد منهما. وإن ~~قال: بالله لتفعلن. فهي يمين؛ لأنه أجاب بجواب القسم، إلا أن ينوي ما ~~يصرفها، وإن قال بالله ms5397 أفعل. فليست يمينا؛ لأنه لم يجبها بجواب القسم، ~~ولذلك لا يصلح أن يقول: والله أفعل. ولا: بالله أفعل. وإنما صلح ذلك في ~~التاء؛ لأنها لا تختص بالقسم فيدل على أنه سؤال، فلا تجب به كفارة. (8016) ~~فصل: وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإبرار المقسم رواه البخاري ~~وهذا، والله أعلم، على سبيل الندب، لا على سبيل الإيجاب؛ بدليل أن أبا بكر ~~قال: أقسمت عليك يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتخبرني بما أصبت مما ~~أخطأت. # فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تقسم يا أبا بكر» ولم يخبره. ولو ~~وجب عليه إبراره لأخبره. ويحتمل أن يجب عليه إبراره، إذا لم يكن فيه ضرر، ~~ويكون امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - من إبرار أبي بكر لما علم من ~~الضرر فيه. وإن أجابه إلى صورة ما أقسم عليه دون معناه عند تعذر المعنى، ~~فحسن؛ فإنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن العباس جاءه برجل ~~ليبايعه على الهجرة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا هجرة بعد ~~الفتح» . # وقال العباس: أقسمت عليك يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتبايعنه. ~~فوضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده في يده، وقال: «أبررت قسم عمي، ولا ~~هجرة» . وأجابه إلى صورة المبايعة، دون ما قصد بيمينه. # PageV09P535 ### | [فصل إجابة من سأل بالله] # (8017) فصل: ويستحب إجابة من سأل بالله؛ لما روى ابن عمر، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله ~~فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم ~~تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه» وعن أبي ذر، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله؛ أما ~~الذين يحبهم الله؛ فرجل سأل قوما، فسألهم بالله، ولم يسألهم بقرابة بينه ~~وبينهم، فتخلف رجل بأعقابهم، فأعطاه سرا، لا يعلم بعطيته إلا الله - عز وجل ~~- والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل ms5398 ~~به، فوضعوا رءوسهم، فقام يتملقني ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية، فلقوا ~~العدو فهزموا، فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم ~~الله؛ الشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني الظلوم» رواهما النسائي. ### | [فصل قال حلفت ولم يكن حلف] # (8018) فصل: إذا قال: حلفت. ولم يكن حلف، فقال أحمد: هي كذبة، ليس عليه ~~يمين. وعنه: عليه الكفارة؛ لأنه أقر على نفسه. والأول هو المذهب، لأنه حكم ~~فيما بينه وبين الله - تعالى، فإذا كذب في الخبر به، لم يلزمه حكمه، كما لو ~~قال: ما صليت. وقد صلى. ولو قال: علي يمين. ونوى الخبر، فهي كالتي قبلها، ~~وإن نوى القسم، فقال أبو الخطاب: هي يمين. وهو قول أصحاب الرأي. وقال ~~الشافعي: ليس بيمين؛ لأنه لم يأت باسم الله - تعالى - المعظم، ولا صفته، ~~فلم يكن يمينا، كما لو قال: حلفت. # وهذا أصح، إن شاء الله؛ فإن هذه ليست صيغة اليمين والقسم، وإنما هي صيغة ~~الخبر، فلا يكون بها حالفا، وإن قدر ثبوت حكمها، لزمه أقل ما يتناوله ~~الاسم، وهو يمين ما، وليست كل يمين موجبة للكفارة، فلا يلزمه شيء. ووجه ~~الأول، أنه كناية عن اليمين وقد نوى بها اليمين، فتكون يمينا، كالصريح. # PageV09P536 ### | [فصل حلف على ترك شيء أو حرمه] # (8019) فصل: وإذا حلف على ترك شيء، أو حرمه، لم يصر محرما. وقال أبو ~~حنيفة: يصير محرما؛ لقول الله تعالى: {لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: ~~1] . وقوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] ولأن الحنث يتضمن ~~هتك حرمة الاسم المعظم، فيكون حراما، ولأنه إذا حرمه، فقد حرم الحلال فيحرم ~~كما لو حرم زوجته. # ولنا، أنه إذا أراد التكفير، فله فعل المحلوف عليه، وحل فعله مع كونه ~~محرما تناقض وتضاد، والعجب أن أبا حنيفة لا يجوز التكفير إلا بعد الحنث، ~~وقد فرض الله تعالى تحلة اليمين، فعلى قوله، يلزم كون المحرم مفروضا، أو من ~~ضرورة المفروض؛ لأنه لا يصل إلى التحلة إلا بفعل المحلوف عليه، وهو عنده ~~محرم، وهذا غير جائز، ولأنه لو كان محرما، ms5399 لوجب تقديم الكفارة عليه، ~~كالظهار، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا حلفت على يمين، ~~فرأيت غيرها خيرا منها، فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» . # فأمر بفعل المحلوف عليه، ولو كان محرما، لم يأمر به. وسماه خيرا، والمحرم ~~ليس بخير، وأما الآية، فإنما أراد بها قوله: هو علي حرام. أو منع نفسه منه، ~~وذلك يسمى تحريما قال الله تعالى: {يحلونه عاما ويحرمونه عاما} [التوبة: ~~37] . وقال: {وحرموا ما رزقهم الله} [الأنعام: 140] ولم يثبت فيه التحريم ~~حقيقة ولا شرعا. # PageV09P537 ### | [كتاب الكفارات] # الأصل في كفارة اليمين، الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله ~~تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} [المائدة: 89] الآية وأما ~~السنة، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها ~~خيرا منها فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» . في أخبار سوى هذا. وأجمع ~~المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى. ### | [مسألة ومن وجبت عليه بالحنث كفارة يمين] # (8020) مسألة؛ قال أبو القاسم - رحمه الله -: (ومن وجبت عليه بالحنث ~~كفارة يمين، فهو مخير إن شاء أطعم عشرة مساكين مسلمين أحرارا، كبارا كانوا ~~أو صغارا، إذا أكلوا الطعام) أجمع أهل العلم، على أن الحانث في يمينه ~~بالخيار؛ إن شاء أطعم، وإن شاء كسا، وإن شاء أعتق، أي ذلك فعل أجزأه؛ لأن ~~الله - تعالى - عطف بعض هذه الخصال على بعض بحرف " أو "، وهو للتخيير. # قال ابن عباس: ما كان في كتاب الله (أو) فهو مخير فيه، وما كان (فمن لم ~~يجد) فالأول الأول. ذكره الإمام أحمد في " التفسير ". والواجب في الإطعام ~~إطعام عشرة مساكين؛ لنص الله تعالى على عددهم، إلا أن لا يجد عشرة مساكين ~~فيأتي ذكره، إن شاء الله تعالى. ويعتبر في المدفوع إليهم أربعة أوصاف؛ أن ms5400 ~~يكونوا مساكين، وهم الصنفان اللذان تدفع إليهم الزكاة، المذكوران في أول ~~أصنافهم، في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] ~~والفقراء مساكين وزيادة؛ لكون الفقير أشد حاجة من المسكين، على ما بيناه ~~ولأن الفقر والمسكنة في غير الزكاة شيء واحد؛ لأنهما جميعا اسم للحاجة إلى ~~ما لا بد منه في الكفاية، ولذلك لو وصى للفقراء، أو وقف عليهم، أو ~~للمساكين، لكان ذلك لهم جميعا، وإنما جعلا صنفين في الزكاة، وفرق بينهما؛ ~~لأن الله - تعالى ذكر الصنفين جميعا باسمين، فاحتيج إلى التفريق بينهما، ~~فأما في غير الزكاة. # فكل واحد من الاسمين يعبر به عن الصنفين؛ لأن جهة استحقاقهم واحدة، وهي ~~الحاجة إلى ما تتم به الكفاية، ولا يجوز صرفها إلى غيرهم، سواء كان من ~~أصناف الزكاة، أو لم يكن؛ لأن الله تعالى أمر بها للمساكين، وخصهم بها، فلا ~~تدفع إلى غيرهم، ولأن القدر المدفوع إلى كل واحد من الكفارة قدر يسير، يراد ~~به دفع حاجة يومه في مؤنته، وغيرهم من الأصناف لا تندفع حاجتهم بهذا؛ لكثرة ~~حاجتهم، وإذا صرفوا ما يأخذونه في حاجتهم، صرفوه إلى غير ما شرع له. # PageV09P538 # الثاني، أن يكونوا أحرارا، فلا يجزئ دفعها إلى عبد، ولا مكاتب، ولا أم ~~ولد. # وبهذا قال مالك، والشافعي. واختار الشريف أبو جعفر جواز دفعها إلى مكاتب ~~نفسه وغيره. وقال أبو الخطاب يتخرج جواز دفعها إليه، بناء على جواز إعتاقه ~~في كفارته؛ لأنه يأخذ من الزكاة، لحاجته، فأشبه المسكين. # ولنا، أن الله - تعالى - عده صنفا في الزكاة غير صنف المساكين، ولا هو في ~~معنى المساكين؛ لأن حاجته من غير جنس حاجتهم، فدل على أنه ليس بمسكين، ~~والكفارة إنما هي للمساكين؛ بدليل الآية، ولأن المسكين يدفع إليه لتتم ~~كفايته، والمكاتب إنما يأخذ لفكاك رقبته، أما كفايته فإنها حاصلة بكسبه ~~وماله، فإن لم يكن له كسب ولا مال، عجزه سيده، ورجع إليه، واستغنى بإنفاقه، ~~وخالف الزكاة؛ فإنها تصرف إلى الغني، والكفارة بخلافها. الثالث، أن يكونوا ~~مسلمين، ولا يجوز صرفها إلى كافر، ذميا كان أو حربيا. ms5401 # وبذلك قال الحسن، والنخعي، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ~~عبيد. وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي: يجوز دفعها إلى الذمي؛ لدخوله في اسم ~~المساكين، فيدخل في عموم الآية، ولأنه مسكين من أهل دار الإسلام، فأجزأ ~~الدفع إليه من الكفارة، كالمسلم. وروي نحو هذا عن الشعبي. وخرجه أبو الخطاب ~~وجها في المذهب؛ بناء على جواز إعتاقه في الكفارة. # وقال الثوري يعطيهم إن لم يجد غيرهم. ولنا، إنهم كفار، فلم يجز إعطاؤهم، ~~كمستأمني أهل الحرب، والآية مخصوصة بهذا، فنقيس. الرابع: أن يكونوا قد ~~أكلوا الطعام، فإن كان طفلا لم يطعم، لم يجز الدفع إليه، في ظاهر كلام ~~الخرقي، وقول القاضي. وهو ظاهر قول مالك؛ فإنه قال: يجوز الدفع إلى الفطيم. ~~وهو إحدى الروايتين عن أحمد. # والرواية الثانية، يجوز دفعها إلى الصغير الذي لم يطعم، ويقبض للصغير ~~وليه. وهو الذي ذكره أبو الخطاب في المذهب. وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي ~~قال أبو الخطاب: وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنه حر مسلم محتاج، فأشبه الكبير، ~~ولأن أكله للكفارة ليس بشرط، وهذا يصرف الكفارة إلى ما يحتاج إليه، مما تتم ~~به كفايته، فأشبه الكبير. ولنا، قوله تعالى: {إطعام عشرة مساكين} [المائدة: ~~89] . وهذا يقتضي أكلهم له، فإذا لم تعتبر حقيقة أكله اعتبر إمكانه ومظنته، ~~ولا تتحقق مظنته فيمن لا يأكل، ولأنه لو كان المقصود دفع حاجته، لجاز دفع ~~القيمة، ولم يتعين الإطعام، وهذا يقيد ما ذكروه. # فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في واحد، جاز الدفع إليه، سواء كان ~~صغيرا أو كبيرا، محجورا عليه أو غير محجور عليه، إلا أن من لا حجر عليه ~~يقبض لنفسه، أو يقبض له وكيله، والمحجور عليه كالصغير والمجنون، يقبض له ~~وليه. # PageV09P539 ### | [مسألة مقدار ما يعطى كل مسكين وجنسه من الكفارة] # (8021) مسألة؛ قال: (لكل مسكين مد من حنطة أو دقيق، أو رطلان خبزا، أو ~~مدان تمرا أو شعيرا) أما مقدار ما يعطى كل مسكين وجنسه، فقد ذكرناه في باب ~~الظهار. ونص الخرقي على أنه يجزئ الدقيق والخبز. ونص أحمد عليه أيضا. وروي ~~عنه، لا ms5402 يجزئ الخبز، وهو قول مالك، والشافعي، وقال: لا يجزئه دقيق ولا ~~سويق؛ لأنه خرج عن حالة الكمال والادخار ولا يجزئ في الزكاة، فلم يجزئ في ~~الكفارة، كالقيمة. # ولنا؛ قول الله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم} [المائدة: 89] . وهذا قد أطعمهم من أوسط ما يطعم أهله، ~~فوجب أن يجزئه. روى الإمام أحمد، في كتاب التفسير، بإسناده عن ابن عمر: {من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] . قال: الخبز واللبن. وفي رواية عنه، ~~قال: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] . الخبز والتمر، والخبز ~~والزيت، والخبز والسمن. # وقال أبو رزين: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] : خبز وزيت ~~وخل. وقال الأسود بن يزيد الخبز والتمر. وعن علي. الخبز: والتمر، الخبز ~~والسمن، الخبز واللحم. وعن ابن سيرين، قال: كانوا يقولون: أفضله الخبز ~~واللحم، وأوسطه الخبز والسمن، وأخسه الخبز والتمر. وقال عبيدة الخبز ~~والزيت. # وسأل رجل شريحا ما أوسط طعام أهلي؟ فقال شريح إن الخبز والخل والزيت ~~لطيب. فقال له رجل: أفرأيت الخبز واللحم؟ قال: أرفع طعام أهلك، وطعام ~~الناس؟ وعن علي والحسن، والشعبي، وقتادة، ومالك، وأبي ثور يغديهم أو ~~يعشيهم. وهذا اتفاق على تفسير ما في الآية بالخبز، ولأنه أطعم المساكين من ~~أوسط طعام أهله، فأجزأه، كما لو أعطاه حبا، ويفارق الزكاة من وجهين؛ # PageV09P540 # أحدهما، أن الواجب عليه عشر الحب وعشر الحب حب، فاعتبر الواجب، وها هنا ~~الواجب الإطعام، والخبز أقرب إليه. # والثاني، أن دفع الزكاة يراد للاقتيات في جميع العام، فيحتاج إلى ادخاره، ~~فاعتبر أن يكون على صفة تمكن من ادخاره عاما، والكفارة تراد لدفع حاجة ~~يومه، ولهذا تقدرت بما الغالب أنه يكفيه ليومه، والخبز أقرب إلى ذلك؛ لأنه ~~قد كفاه مؤنة طحنه وخبزه. إذا تقرر هذا، فإنه إن أعطى المسكين رطلي خبز ~~بالعراقي، أجزأه؛ لأنه لا يكون من أقل من مد، وقدر ذلك بالرطل الدمشقي الذي ~~هو ستمائة درهم، خمس أواق وسبع أوقية، وإن طحن مدا، وخبزه، أجزأه. نص عليه ~~أحمد. # وكذلك إذا دفع دقيق المد إلى ms5403 المسكين، أجزأه. وإن دفع الدقيق من غير ~~تقدير حنطته، فقال أحمد: يجزئه بالوزن رطل وثلث، ولا يجزئه إخراج مد دقيق ~~بالكيل؛ لأنه يروع بالطحن، فحصل في مد دقيق الحب أقل من مد الحب. وإن زاد ~~في الدقيق عن مد، بحيث يعلم إنه قدر مد حنطة، جاز. وقول الخرقي في مد من ~~دقيق. يحتمل أنه أراد إخراجه بالوزن، كما ذكر أحمد، ويحتمل أنه أراد مدا من ~~الحنطة، طحنه ثم أخرج دقيقه ويحتمل أنه أراد إخراج ما يعلم أن حبه مد؛ لما ~~ذكرنا. # ويجب أن يحمل قوله في الدقيق والخبز على دقيق الحنطة وخبزها، فإن أعطى من ~~الشعير، لم يجزئه إلا ضعف ذلك، كما لا يجزئ من حبها إلا ضعف ما يجزئ من حب ~~البر. (8022) فصل: والأفضل إخراج الحب؛ لأن فيه خروجا من الخلاف. قال أحمد ~~التمر أعجب إلي، والدقيق ضعيف، والتمر أحب إلي، ويحتمل أن يكون إخراج الخبز ~~أفضل؛ لأنه أنفع للمسكين، وأقل كلفة، وأقرب إلى حصول المقصود منه بغنيته، ~~والظاهر أن المسكين يأكله، ويستغني به في يومه ذلك، والحب يعجز عن طحنه ~~وعجنه، فالظاهر أنه يحتاج إلى بيعه، ثم يشتري بثمنه خبزا، فيتكلف حمل كلفة ~~البيع والشراء، وغبن البائع والمشتري له، وتأخر حصول النفع به، وربما لم ~~يحصل له بثمنه من الخبز ما يكفيه ليومه، فيفوت المقصود مع حصول الضرر. ### | [فصل أن يكون المخرج في الكفارة سالما من العيب] # فصل: ويجب أن يكون المخرج في الكفارة سالما من العيب، فلا يكون الحب ~~مسوسا، ولا متغيرا طعمه، # PageV09P541 # ولا فيه زؤان أو تراب يحتاج إلى تنقية، وكذلك دقيقه وخبزه؛ لأنه مخرج في ~~حق الله - تعالى، عما وجب في الذمة فلم يجز أن يكون معيبا كالشاة في ~~الزكاة. ### | [مسألة لا يجزئ في الكفارة إخراج قيمة الطعام ولا الكسوة] # (8024) مسألة؛ قال (ولو أعطاهم مكان الطعام أضعاف قيمته ورقا، لم يجزه) ~~وجملته أنه لا يجزئ في الكفارة إخراج قيمة الطعام، ولا الكسوة، في قول ~~إمامنا ومالك، والشافعي، وابن المنذر وهو ظاهر قول من سمينا قولهم ms5404 في تفسير ~~الآية، في المسألة التي قبلها وهو ظاهر من قول عمر بن الخطاب وابن عباس، ~~وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والنخعي. وأجازه الأوزاعي، وأصحاب الرأي؛ ~~لأن المقصود دفع حاجة المسكين، وهو يحصل بالقيمة ولنا قول الله - تعالى: ~~{إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم} [المائدة: 89] . # وهذا ظاهر في عين الطعام والكسوة، فلا يحصل التكفير بغيره لأنه لم يؤد ~~الواجب إذا لم يؤد ما أمره الله بأدائه، ولأن الله - تعالى خير بين ثلاثة ~~أشياء ولو جازت القيمة لم ينحصر التخيير في الثلاثة، ولأنه، لو أريدت ~~القيمة لم يكن للتخيير معنى؛ لأن قيمة الطعام إن ساوت قيمة الكسوة، فهما ~~شيء واحد، فكيف يخير بينهما؟ وإن زادت قيمة أحدهما على الآخر، فكيف يخير ~~بين شيء وبعضه؟ ثم ينبغي أنه إذا أعطاه في الكسوة ما يساوي إطعامه أن ~~يجزئه، وهو خلاف الآية، وكذلك لو غلت قيمة الطعام، فصار نصف المد يساوي ~~كسوة المسكين، ينبغي أن يجزئه نصف المد وهو خلاف الآية، ولأنه أحد ما يكفر ~~به فتعين ما ورد به النص كالعتق أو فلا تجزئ فيه القيمة كالعتق فعلى هذا، ~~لو أعطاهم أضعاف قيمة الطعام، لا يجزئه لأنه لم يؤد الواجب فلا يخرج عن ~~عهدته. ### | [مسألة ويعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله في كفارة اليمين] # (8025) مسألة قال: (ويعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله) ~~وبهذا قال الشافعي وأبو ثور ولا نعلم فيه مخالفا، ولأن الكفارة حق مال يجب ~~لله - تعالى، فجرى مجرى الزكاة، فيمن يدفع إليه من أقاربه، ومن لا يدفع ~~إليه وقد سبق ذلك في باب الزكاة # PageV09P542 # (8026) فصل: وكل من يمنع الزكاة من الغني والكافر، والرقيق يمنع أخذ ~~الكفارة، وهل يمنع منها بنو هاشم؟ فيه وجهان أحدهما يمنعون منها، لأنها ~~صدقة واجبة فمنعوا منها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إنا لا تحل لنا ~~الصدقة» . وقياسا على الزكاة. # والثاني، لا يمنعون؛ لأنها لم تجب بأصل الشرع، فأشبهت صدقة التطوع. ### | [مسألة لم يصب ms5405 إلا مسكينا واحدا في كفارة اليمين] # (8027) مسألة؛ قال (ومن لم يصب إلا مسكينا واحدا، ردد عليه في كل يوم ~~تتمة عشرة أيام) وجملته أن المكفر لا يخلو من أن يجد المساكين بكمال عددهم، ~~أولا يجدهم، فإن وجدهم، لم يجزئه إطعام أقل من عشرة في كفارة اليمين، ولا ~~أقل من ستين في كفارة الظهار وكفارة الجماع في رمضان. وبهذا قال الشافعي، ~~وأبو ثور. وأجاز الأوزاعي دفعها إلى واحد. وقال أبو عبيد إن خص بها أهل بيت ~~شديدي الحاجة، جاز، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمجامع في ~~رمضان، حين أخبره بشدة حاجته وحاجة أهله: (أطعمه عيالك) ولأنه دفع حق الله ~~- تعالى - إلى من هو من أهل الاستحقاق، فأجزأه، كما لو دفع زكاته إلى واحد. # وقال أصحاب الرأي: يجوز أن يرددها على مسكين واحد في عشرة أيام، إن كانت ~~كفارة يمين، أو في ستين إن كان الواجب إطعام ستين مسكينا، ولا يجوز دفعها ~~إليه في يوم واحد. وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد؛ لأنه في كل يوم قد أطعم ~~مسكينا ما يجب للمسكين، فأجزأ، كما لو أعطى غيره، ولأنه لو أطعم هذا ~~المسكين من كفارة أخرى، أجزأه، فكذلك إذا أطعمه من هذه الكفارة. ولنا، قول ~~الله - تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] . # ومن أطعم واحدا، فما أطعم عشرة، فما امتثل الأمر، فلا يجزئه، ولأن الله - ~~تعالى - جعل كفارته إطعام عشرة مساكين، فإذا لم يطعم عشرة فما أتى ~~بالكفارة، ولأن من لم يجز الدفع إليه في اليوم الأول، لم يجز في اليوم ~~الثاني، مع اتفاق الحال، كالولد، فأما الواقع على أهله، فإنما أسقط الله - ~~تعالى - الكفارة عنه، لعجزه عنها، فإنه لا خلاف في أن الإنسان لا يأكل ~~كفارة نفسه، ولا يطعمها عائلته، وقد أمر بذلك # PageV09P543 # الحال الثاني العاجز عن عدد المساكين كلهم، فإنه يردد على الموجودين منهم ~~في كل يوم حتى تتم عشرة، فإن لم يجد إلا واحدا، ردد عليه، تتمة عشرة أيام، ~~وإن وجد اثنين، ردد عليهما خمسة أيام، وعلى ms5406 هذا ونحو هذا. قال الثوري. وهو ~~اختيار أكثر الأصحاب. # وعن أحمد، رواية أخرى، لا يجزئه إلا كمال العدد. وهو مذهب مالك، ~~والشافعي؛ لما ذكرنا في حال القدرة. ولنا، أن ترديد الإطعام في عشرة أيام، ~~في معنى إطعام عشرة؛ لأنه يدفع الحاجة في عشرة أيام، فأشبه ما لو أطعم في ~~كل يوم واحدا، والشيء بمعناه يقوم مقامه بصورته عند تعذرها، ولهذا شرعت ~~الأبدال؛ لقيامها مقام المبدلات في المعنى، ولا يجتزأ بها مع القدرة على ~~المبدلات، كذا هاهنا. ### | [فصل أطعم كل يوم مسكينا حتى أكمل العشرة في كفارة اليمين] # (8028) فصل: وإن أطعم كل يوم مسكينا، حتى أكمل العشرة، أجزأه، بلا خلاف ~~نعلمه؛ لأن الواجب إطعام عشرة مساكين، وقد أطعمهم. وإن دفعها إلى من يظنه ~~مسكينا، فبان غنيا، ففي ذلك وجهان، بناء على الروايتين في دفع الزكاة إليه؛ ~~أحدهما، لا يجزئه. وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، وأبي ثور، وابن المنذر؛ ~~لأنه لم يطعم المساكين، فلم يجزئه، كما لو علم. # والثاني، يجزئه. وهو قول أبي حنيفة، ومحمد؛ لأنه دفعها إلى من يظنه ~~مسكينا، وظاهره المسكنة، فأجزأه، كما لو لم يعلم، وهذا لأن الفقر يخفى، ~~وتشق معرفة حقيقته، قال الله تعالى: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} [البقرة: 273] ~~فوجب أن يكتفي بظهوره وظنه، وكذلك لما سأل الرجلان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من الصدقة، قال: «إن شئتما أعطيتكما منها، ولا حظ فيها لغني، ولا ~~لقوي مكتسب» . # وإن بان كافرا أو عبدا، لم يجزئه، وجها واحدا، كقولنا في الزكاة؛ لأن ذلك ~~لا يكاد يخفى، وليس هو في مظنة الخفاء فإن كان الدافع الإمام، فأخطأ في ~~الفقر، لم يضمن، وإن أخطأ في الحرية والإسلام، فهل يضمن؟ على الوجهين؛ بناء ~~على خطئه في الحد. ### | [فصل أطعم مسكينا في يوم واحد من كفارتين] # (8029) فصل: إذا أطعم مسكينا في يوم واحد من كفارتين، ففيه وجهان؛ # PageV09P544 # أحدهما، يجزئه؛ لأنه أطعم عن كل كفارة عشرة مساكين، فأجزأه، كما لو أطعمه ~~في يومين، ms5407 ولأن من جاز له أن يأخذ من اثنين، جاز أن يأخذ من واحد، كالقدر ~~الذي يجوز له أخذه من الزكاة. والثاني، لا يجزئه إلا عن واحد. وهو قول أبي ~~حنيفة، وأبي يوسف؛ لأنه أعطى مسكينا في يوم طعام اثنين، فلم يجزئه إلا عن ~~واحد، كما لو كان في كفارة واحدة. وإن أطعم اثنين من كفارتين في يوم واحد، ~~جاز. ولا نعلم في جوازه خلافا. # وكذلك إن أطعم واحدا من كفارتين في يومين،، جاز أيضا، بغير خلاف نعلمه. ~~فلو كان على واحد عشر كفارات، وعنده عشرة مساكين، يطعمهم كل يوم كفارة ~~يفرقها عليهم، جاز؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج عن عهدته، وبيان أنه أتى بما ~~أمر، أنه أطعم عن كل كفارة عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله، والحكم في ~~الكسوة كالحكم في الطعام، على ما فصلناه. ### | [مسألة الكسوة أحد أصناف كفارة اليمين] # (8030) مسألة؛ قال (وإن شاء كسا عشرة مساكين؛ للرجل ثوب يجزئه أن يصلي ~~فيه، وللمرأة درع وخمار) لا خلاف في أن الكسوة أحد أصناف كفارة اليمين لنص ~~الله - تعالى - عليها في كتابه بقوله تعالى: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] . # ولا تدخل في كفارة غير كفارة اليمين، ولا يجزئه أقل من كسوة عشرة؛ لقول ~~الله - تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم} [المائدة: 89] . وتتقدر الكسوة بما يجزئ الصلاة فيه؛ فإن كان رجلا، ~~فثوب تجزئه الصلاة فيه، وإن كانت امرأة، فدرع وخمار. # وبهذا قال مالك. وممن قال: لا يجزئه السراويل. الأوزاعي، وأبو يوسف. وقال ~~إبراهيم: ثوب جامع وقال الحسن: كل مسكين حلة؛ إزار ورداء. وقال ابن عمر، ~~وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وأصحاب الرأي: يجزئه ثوب ثوب. ولم يفرقوا ~~بين الرجل والمرأة وحكي عن الحسن قال: يجزئ العمامة. وقال سعيد بن المسيب ~~عباءة وعمامة. # وقال الشافعي: يجزئ أقل ما يقع عليه الاسم، من سراويل، أو إزار، أو رداء، ~~أو مقنعة، أو عمامة، وفي القلنسوة وجهان. واحتجوا بأن ذلك يقع عليه اسم ~~الكسوة، فأجزأ، كالذي تجوز الصلاة فيه. # ولنا، ms5408 أن الكسوة أحد أنواع الكفارة، فلم يجز فيه ما يقع عليه الاسم، ~~كالإطعام والإعتاق، ولأن التكفير عبادة تعتبر فيها الكسوة، فلم يجز فيها ~~أقل مما ذكرناه، كالصلاة، ولأنه مصروف إلى المساكين في الكفارة، فيتقدر، ~~كالإطعام، ولأن اللابس ما لا يستر عورته إنما يسمى عريانا، ولا مكتسيا، ~~وكذلك لابس السراويل وحده، أو مئزر، يسمى عريانا، فلا يجزئه؛ لقول الله - ~~تعالى {أو كسوتهم} [المائدة: 89] # PageV09P545 # إذا ثبت هذا، فإنه إذا كسا امرأة، أعطاها درعا وخمارا؛ لأنه أقل ما يستر ~~عورتها، وتجزئها الصلاة فيه وإن، أعطاها ثوبا واسعا، يمكنها أن تستر به ~~بدنها ورأسها، أجزأه ذلك. # وإن كسا الرجل أجزأه قميص، أو ثوب يمكنه أن يستر به عورته، ويجعل على ~~عاتقه منه شيئا، أو ثوبين يأتزر بأحدهما، ويرتدي بالآخر. ولا يجزئه مئزر ~~وحده؛ ولا سروال وحده، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يصلي ~~أحدكم في ثوب واحد، ليس على عاتقه منه شيء.» ### | [فصل يكسوهم من جميع أصناف الكسوة في كفارة اليمين] # (8031) فصل: ويجوز أن يكسوهم من جميع أصناف الكسوة؛ من القطن، والكتان، ~~والصوف، والشعر، والوبر، والخز، والحرير؛ لأن الله - تعالى - أمر بكسوتهم ~~ولم يعين جنسا فأي جنس كساهم منه، خرج به عن العهدة؛ لوجود الكسوة المأمور ~~بها. ويجوز أن يكسوهم لبيسا أو جديدا، إلا أن يكون مما قد بلي وذهبت، ~~منفعته، فلا يجزئ؛ لأنه معيب، كالحب المعيب، والرقبة إذا بطلت منفعتها. ~~وسواء كان ما أعطاهم مصبوغا أو غير مصبوغ، أو خاما أو مقصورا؛ لأنه تحصل ~~الكسوة المأمور بها، والحكمة المقصودة منها. ### | [فصل والذين تجزئ كسوتهم في كفارة اليمين] # (8032) فصل: والذين تجزئ كسوتهم، هم المساكين الذين يجزئ إطعامهم؛ لأن ~~الله - تعالى قال: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم} [المائدة: 89] . فينصرف الضمير إليهم. وقد تقدم الكلام في المساكين ~~وأصنافهم. ### | [مسألة إعتاق الرقبة في كفارة اليمين] # (8033) مسألة؛ قال: (وإن شاء أعتق رقبة مؤمنة، قد صلت وصامت؛ لأن الإيمان ~~قول وعمل، وتكون سليمة، ليس فيها نقص يضر بالعمل) وجملته أن إعتاق ms5409 الرقبة ~~أحد خصال الكفارة، بغير خلاف؛ لنص الله تعالى عليه، بقوله: {أو تحرير رقبة} ~~[المائدة: 89] . ويعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف؛ # PageV09P546 # أحدها، أن تكون مؤمنة. في ظاهر المذهب. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ~~عبيد. # وعن أحمد، رواية أخرى، أن الذمية تجزئ. وهو قول عطاء، وأبي ثور، وأصحاب ~~الرأي؛ لقول الله - تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] وهذا مطلق، ~~فتدخل فيه الكافرة. ولنا، أنه تحرير في كفارة، فلا يجزئ فيه الكافرة، ~~ككفارة القتل، والجامع بينهما، أن الإعتاق يتضمن تفريغ العبد المسلم لعبادة ~~ربه، وتكميل أحكامه وعبادته وجهاده، ومعونة المسلم، فناسب ذلك شرع إعتاقه ~~في الكفارة، تحصيلا لهذه المصالح، والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص ~~على الإيمان فيها، فيعلل بها، ويتعدى ذلك الحكم إلى كل تحرير في كفارة، ~~فيختص بالمؤمنة، لاختصاصها بهذه الحكمة. # وأما المطلق الذي احتجوا به، فإنه يحمل على المقيد في كفارة القتل، كما ~~حمل مطلق قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] . على ~~المقيد في قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] . وإن لم يحمل ~~عليه من جهة اللغة، حمل عليه من جهة القياس. الثاني، أن تكون قد صلت وصامت. ~~وهذا قول الشعبي، ومالك، وإسحاق. قال القاضي: لا يجزئ من له دون السبع؛ ~~لأنه لا تصح منه العبادات، في ظاهر كلام أحمد. وظاهر كلام الخرقي، المعتبر ~~الفعل دون السن، فمن صلى وصام ممن له عقل يعرف الصلاة والصيام، ويتحقق منه ~~الإتيان به بنيته وأركانه، فإنه يجزئ في الكفارة وإن كان صغيرا ولم يوجدا ~~منه، لم يجزئ في الكفارة وإن كان كبيرا. وقال أبو بكر، وغيره من أصحابنا: ~~يجوز إعتاق الطفل في الكفارة. # وهو قول الحسن، وعطاء، والزهري، والشافعي، وابن المنذر؛ لأن المراد ~~بالإيمان هاهنا الإسلام؛ بدليل إعتاق الفاسق. قال الثوري المسلمون كلهم ~~مؤمنون عندنا في الأحكام، ولا ندري ما هم عند الله. ولهذا تعلق حكم القتل ~~بكل مسلم، بقوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ} [النساء: 92] . والصبي محكوم ~~بإسلامه، يرثه المسلمون ويرثهم، ويدفن في مقابر المسلمين، ويغسل ويصلى ~~عليه، وإن سبي ms5410 منفردا عن أبويه أجزأه عتقه؛ لأنه محكوم بإسلامه، وكذلك إن ~~سبي مع أحد أبويه، ولو كان أحد أبوي الطفل مسلما، والآخر كافرا، أجزأ ~~إعتاقه؛ لأنه محكوم بإسلامه. # وقال القاضي، في موضع: يجزئ إعتاق الصغير في جميع الكفارات، إلا كفارة ~~القتل؛ فإنها على روايتين. وقال إبراهيم النخعي ما كان في القرآن من رقبة ~~مؤمنة، فلا يجزئ إلا ما صام وصلى، وما كان # PageV09P547 # في القرآن رقبة ليست بمؤمنة، فالصبي يجزئ. ونحو هذا قول الحسن. ووجه قول ~~الخرقي، أن الواجب رقبة مؤمنة، والإيمان قول وعمل، فما لم تحصل الصلاة ~~والصيام، لم يحصل العمل. # وقال مجاهد، وعطاء، في قوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] قال: قد ~~صلت. ونحو هذا قول الحسن، وإبراهيم. وقال مكحول إذا ولد المولود فهو نسمة، ~~فإذا تقلب ظهرا لبطن فهو رقبة، فإذا صلى فهو مؤمنة. ولأن الطفل لا تصح منه ~~عبادة؛ لفقد التكليف، فلم يجزئ في الكفارة، كالمجنون، ولأن الصبا نقص يستحق ~~به النفقة على القريب، أشبه الزمانة. والقول الآخر أقرب إلى الصحة، إن شاء ~~الله - تعالى؛ لأن الإيمان الإسلام، وهو حاصل في حق الصغير ويدل على هذا «، ~~أن معاوية بن الحكم السلمي، أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بجارية، فقال ~~لها: أين الله؟ قالت: في السماء قال: من أنا؟ . قالت: أنت رسول الله. قال: ~~أعتقها، فإنها مؤمنة» . رواه مسلم. # وفي حديث عن أبي هريرة، «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بجارية أعجمية، فقال: يا رسول الله: إن علي رقبة. فقال لها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: أين الله؟ فأشارت برأسها إلى السماء. قال: من أنا؟ . ~~فأشارت إلى رسول الله وإلى السماء. أي: أنت رسول الله. قال: أعتقها؛» . # فحكم لها بالإيمان بهذا القول. ### | [فصل إعتاق الجنين في كفارة اليمين] # (8034) فصل: ولا يجزئ إعتاق الجنين. في قول أكثر أهل العلم. وبه قال أبو ~~حنيفة، والشافعي. وقال أبو ثور: يجزئ؛ لأنه آدمي مملوك، فصح إعتاقه عن ~~الرقبة، كالمولود. ولنا، أنه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد؛ فإنه لا يملك ~~إلا ms5411 بالإرث والوصية، ولا يشترط لهما كونه آدميا؛ لكونه ثبت له ذلك وهو نطفة ~~أو علقة، وليس بآدمي في تلك الحال. # الثالث، أن لا يكون بها نقص يضر بالعمل. وقد شرحنا ذلك في الظهار. ويجزئ ~~الصبي وإن كان عاجزا عن العمل؛ لأن ذلك ماض إلى زوال، وصاحبه سائر إلى ~~الكمال. ولا يجزئ المجنون؛ لأن نقصه لا غاية لزواله معلومة، فأشبه الزمن. ### | [فصل أعتق غائبا تعلم حياته وتجيء أخباره في كفارة اليمين] # (8035) فصل: فإن أعتق غائبا تعلم حياته، وتجيء أخباره صح، وأجزأه عن ~~الكفارة، كالحاضر. وإن شك في حياته وانقطع خبره، لم يحكم بالإجزاء فيه؛ لأن ~~الأصل شغل ذمته، ولا تبرأ بالشك، وهذا العبد مشكوك فيه # PageV09P548 # في وجوده، فشك في إعتاقه. فإن قيل: الأصل حياته. قلنا: إلا أنه قد علم أن ~~الموت لا بد منه، وقد وجدت دلالة عليه، وهو انقطاع أخباره، فإن تبين بعد ~~هذا كونه حيا تبينا صحة عتقه وبراءة الذمة من الكفارة، وإلا فلا. ### | [فصل أعتق غيره عنه في كفارة اليمين] # (8036) فصل: وإن أعتق غيره عنه بغير أمره، لم يقع عن المعتق عنه، إذا كان ~~حيا، وولاؤه للمعتق، ولا يجزئ عن كفارته، وإن نوى ذلك. وبهذا قال أبو ~~حنيفة، والشافعي. وحكي عن مالك، أنه إذا أعتق عن واجب على غيره بغير أمره، ~~صح؛ لأنه قضى عنه واجبا فصح، كما لو قضى عنه دينا. ولنا، أنه عبادة من ~~شرطها النية، فلم يصح أداؤها عمن وجبت عليه بغير أمره، مع كونه من أهل ~~الأمر، كالحج ولأنه أحد خصال الكفارة، فلم يصح عن المكفر بغير أمره، ~~كالصيام. # وهكذا الخلاف فيما إذا كفر عنه بإطعام أو كسوة. ولا يجوز أن ينوب عنه في ~~الصيام بإذنه، ولا بغير إذنه؛ لأنه عبادة بدنية، فلا تدخلها النيابة. فأما ~~إن أعتق عنه بأمره، نظرت؛ فإن جعل له عوضا، صح العتق عن المعتق عنه، وله ~~ولاؤه، وأجزأ عن كفارته، بغير خلاف علمناه. # وبه يقول أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وغيرهم؛ لأنه حصل العتق عنه بماله، ~~فأشبه ما لو اشتراه ms5412 ووكل البائع في إعتاقه عنه، وإن لم يشترط عوضا، ففيه ~~روايتان؛ إحداهما، يقع العتق عن المعتق عنه، ويجزئ في كفارته. وهو قول ~~مالك، والشافعي؛ لأنه أعتق بأمره، فصح كما لو شرط عوضا. والأخرى، لا يجزئ، ~~وولاؤه للمعتق. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن العتق بعوض كالبيع، وبغير عوض ~~كالهبة، ومن شرط الهبة القبض، ولم يحصل، فلم يقع عن الموهوب له، وفارق ~~البيع، فإنه لا يشترط فيه القبض. # فإن كان المعتق عنه ميتا، نظرت؛ فإن وصى بالعتق، صح؛ لأنه بأمره وإن لم ~~يوص به، فأعتق عنه أجنبي، لم يصح؛ لأنه ليس بنائب عنه، وإن أعتق عنه وارثه، ~~فإن لم يكن عليه واجب، لم يصح العتق عنه، ووقع عن المعتق، وإن كان عليه عتق ~~واجب، صح العتق عنه؛ لأنه نائب له في ماله وأداء واجباته. # فإن كانت عليه كفارة يمين فكسا عنه أو أطعم عنه، جاز، وإن أعتق عنه، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، ليس له ذلك؛ لأنه غير متعين، فجرى مجرى التطوع. والثاني ~~يجزئ؛ لأن العتق يقع واجبا، لأن الوجوب يتعين فيه بالفعل، فأشبه المعين من ~~العتق، ولأنه أحد خصال كفارة اليمين، فجاز أن يفعله عنه، كالإطعام والكسوة. ~~ولو قال من عليه الكفارة: أطعم عن كفارتي. أو: اكس ففعل، صح، رواية واحدة، ~~سواء ضمن له عوضا، أو لم يضمن له عوضا. # PageV09P549 ### | [مسألة اشتراها بشرط العتق فأعتقها في الكفارة] # (8037) مسألة؛ قال: (ولو اشتراها بشرط العتق فأعتقها في الكفارة، عتقت، ~~ولم تجزئه عن الكفارة) وهذا مذهب الشافعي. وروي عن معقل بن يسار ما يدل ~~عليه؛ وذلك لأنه إذا اشتراها بشرط العتق، فالظاهر أن البائع نقصه من الثمن ~~لأجل هذا الشرط، فكأنه أخذ عن العتق عوضا، فلم يجزئه عن الكفارة. قال أحمد: ~~إن كانت رقبة واجبة، لم يجزئه؛ لأنها ليست رقبة سليمة، ولأن عتقها يستحق ~~بسبب آخر، وهو الشرط، فلم يجزئه، كما لو اشترى قريبه، فنوى بشرائه العتق عن ~~الكفارة، أو قال: إن دخلت الدار فأنت حر. ثم نوى عند دخوله أنه عن كفارته. ### | [فصل قال له ms5413 رجل أعتق عبدك عن كفارتك ولك عشرة دنانير ففعل] # (8038) فصل: ولو قال له رجل: أعتق عبدك عن كفارتك، ولك عشرة دنانير. ~~ففعل، لم يجزئه عن الكفارة؛ لأن الرقبة لم تقع خالصة عن الكفارة. وقال ~~القاضي العتق كله يقع عن باذل العوض، وله ولاؤه. وهذا فيه نظر؛ فإن المعتق ~~لم يعتقه عن باذل العوض، ولا رضي بإعتاقه عنه، ولا باذل العوض طلب ذلك، ~~والصحيح أن إعتاقه من المعتق، والولاء له. وقد ذكر الخرقي أنه إذا قال: ~~أعتقه، والثمن علي. فالثمن عليه والولاء للمعتق. فإن رد العشرة على باذلها، ~~ليكون العتق عن الكفارة وحدها، أو عزم على رد العشرة، أو رد العشرة قبل ~~العتق وأعتقه عن كفارته، أجزأه. ### | [فصل اشترى عبدا ينوي إعتاقه عن كفارته فوجد به عيبا] # (8039) فصل: وإذا اشترى عبدا ينوي إعتاقه عن كفارته، فوجد به عيبا لا ~~يمنع من الإجزاء في الكفارة، فأخذ أرشه ثم أعتق العبد عن كفارته، أجزأه، ~~وكان الأرش له؛ لأن العتق إنما وقع على العبد المعيب دون الأرش. وإن أعتقه ~~قبل العلم بالعيب، ثم ظهر على العيب، فأخذ أرشه، فهو له أيضا، كما لو أخذه ~~قبل إعتاقه. وعنه، أنه يصرف ذلك الأرش في الرقاب؛ لأنه أعتقه معتقدا أنه ~~سليم، فكان بمنزلة العوض عن حق الله - تعالى -، وكفارة الأرش مصروفة في حق ~~الله - تعالى، كما لو باعه كان الأرش للمشتري. وإن علم العيب، ولم يأخذ ~~أرشه حتى أعتقه، كان الأرش للمعتق؛ لأنه أعتقه معيبا عالما بعيبه، فلم ~~يلزمه أرش، كما لو باعه ولم يعلم عيبه. ### | [مسألة اشترى بعض من يعتق عليه إذا ملكه ينوي بشرائه الكفارة] # (8040) مسألة؛ قال (وكذلك ولو اشترى بعض من يعتق عليه إذا ملكه، ينوي ~~بشرائه الكفارة، عتق، ولم يجزئه) وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو ثور. وقال ~~أصحاب الرأي: يجزئه: استحسانا؛ لأنه يجزئ عن كفارة البائع، فأجزأ عن كفارة ~~المشتري، كغيره. # PageV09P550 # ولنا، قوله تعالى: {فتحرير رقبة} [النساء: 92] . والتحرير فعل العتق، ولم ~~يحصل العتق هاهنا بتحرير منه، ولا إعتاق، فلم يكن ممتثلا للأمر، ولأن ms5414 عتقه ~~مستحق بسبب آخر، فلم يجزئه، كما لو ورثه ينوي به العتق عن كفارته، أو كأم ~~الولد، ويخالف المشتري البائع من وجهين؛ أحدهما، أن البائع يعتقه، والمشتري ~~لم يعتقه، إنما يعتق بإعتاق الشرع، وهذا عن غير اختيار منه. والثاني، أن ~~البائع لا يستحق عليه إعتاقه، والمشتري بخلافه. ### | [فصل ملك نصف عبد فأعتقه عن كفارته] # (8041) فصل: إذا ملك نصف عبد، فأعتقه عن كفارته، عتق، وسرى إلى باقيه إن ~~كان موسرا بقيمة باقيه، ولم يجزئه عن كفارته، في قول أبي بكر الخلال، ~~وصاحبه، وحكاه عن أحمد. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن عتق نصيب شريكه لم يحصل ~~بإعتاقه، إنما حصل بالسراية، وهي غير فعله، وإنما هي من آثار فعله فأشبه ما ~~لو اشترى من يعتق عليه ينوي به الكفارة، يحقق هذا، أنه لم يباشر بالإعتاق ~~إلا نصيبه، فسرى إلى غيره، ولو خص نصيب غيره بالإعتاق، لم يعتق منه شيء، ~~ولأنه إنما يملك إعتاق نصيبه، لا نصيب غيره. وقال القاضي: قال غيرهما من ~~أصحابنا: يجزئه إذا نوى إعتاق جميعه عن كفارته. # وهو مذهب الشافعي؛ لأنه أعتق عبدا كامل الرق، سليم الخلق، غير مستحق ~~العتق، ناويا به الكفارة، فأجزأه، كما لو كان الجميع ملكه. والأول أصح، إن ~~شاء الله، ولا نسلم أنه أعتق العبد كله، وإنما أعتق نصفه، وعتق الباقي ~~عليه، فأشبه شراء قريبه، ولأن إعتاق باقيه مستحق بالسراية، فهو كالقريب، ~~فعلى هذا: هل يجزئه عتق نصفه الذي هو ملكه ويعتق نصفا آخر، فتكمل الكفارة؟ ~~ينبني على ما إذا أعتق نصفي عبدين، وسنذكره إن شاء الله - تعالى. # وإن نوى عتق نصيبه عن الكفارة، ولم ينو ذلك في نصيب شريكه، لم يجزئه نصيب ~~شريكه وفي نصيبه نفسه ما سنذكره، إن شاء الله تعالى. ولو كان معسرا، فأعتق ~~نصيبه عن كفارته، فكذلك، فإن ملك باقيه، فأعتقه عن الكفارة، أجزأه ذلك، وإن ~~أراد صيام شهر، وإطعام ثلاثين مسكينا، لم يجزئه، كما لو أعتق نصف عبد في ~~كفارة اليمين، وأطعم خمسة مساكين أو كساهم، لم يجزئه. ### | [فصل كان العبد ms5415 كله له فأعتق جزءا منه في كفارة اليمين] # (8042) فصل: وإن كان العبد كله له، فأعتق جزءا منه معينا، أو مشاعا عتق ~~جميعه. فإن كان نوى به الكفارة، أجزأ عنه؛ لأن إعتاق بعض العبد إعتاق ~~لجميعه، وإن نوى إعتاق الجزء الذي باشره بالإعتاق عن الكفارة دون غيره، لم ~~يجزئه عتق غيره. وهل يحتسب بما نوى به الكفارة؟ على وجهين. # PageV09P551 ### | [فصل قال: إن ملكت فلانا فهو حر فاشتراه ينوي العتق عن كفارته] # (8043) فصل: وإن قال: إن ملكت فلانا، فهو حر. وقلنا: يصح هذا التعليق. ~~فاشتراه ينوي العتق عن كفارته، عتق، ولم يجزئه عن الكفارة، ويخرج فيه من ~~الخلاف مثل ما في شراء قريبه. والله أعلم. ### | [مسألة ولا تجزئ في الكفارة أم ولد] # (8044) مسألة؛ قال: (ولا تجزئ في الكفارة أم ولد) هذا ظاهر المذهب. وبه ~~قال الأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي. وعن أحمد، رواية ~~أخرى، أنها تجزئ. ويروى ذلك عن الحسن، وطاوس، والنخعي، وعثمان البتي؛ لقول ~~الله - تعالى: {فتحرير رقبة} [النساء: 92] . ومعتقها قد حررها. # ولنا، أن عتقها يستحق بسبب آخر، فلم يجزئ عنه، كما لو اشترى قريبه، أو ~~عبدا بشرط العتق فأعتقه، وكما لو قال لعبده: أنت حر إن أدخلت الدار. ثم نوى ~~عتقه عن كفارته عند دخوله. والآية مخصوصة بما ذكرناه، فنقيس عليه ما ~~اختلفنا فيه. (8045) فصل: ولد أم الولد الذي ولدته بعد كونها أم ولد، حكمه ~~حكمها فيما ذكرناه؛ لأن حكمه حكمها في العتق بموت سيدها. ### | [مسألة المكاتب عبد يجوز بيعه فأجزأ عتقه كالمدبر في كفارة اليمين] # (8046) مسألة؛ قال: (ولا مكاتب قد أدى من كتابته شيئا) روي عن أحمد، - ~~رحمه الله -، في المكاتب ثلاث روايات؛ إحداهن، يجزئ مطلقا. اختاره أبو بكر. ~~وهو مذهب أبي ثور؛ لأن المكاتب عبد يجوز بيعه، فأجزأ عتقه، كالمدبر، ولأنه ~~رقبة، فدخل في مطلق قوله سبحانه: {فتحرير رقبة} [النساء: 92] . والثانية، ~~لا يجزئ مطلقا. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد؛ لأن عتقه مستحق بسبب ~~آخر، ولهذا لا يملك إبطال كتابته، فأشبه أم الولد. والثالثة، إن أدى ms5416 من ~~كتابته شيئا لم يجزئه، وإلا أجزأه. # وبهذا قال الليث، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. قال القاضي: هو ~~الصحيح؛ لأنه إذا أدى شيئا فقد حصل العوض عن بعضه، فلم يجزئ، # PageV09P552 # كما لو أعتق بعض رقبة، وإذا لم يؤد، فقد أعتق رقبة كاملة مؤمنة سالمة ~~الخلق تامة الملك، لم يحصل عن شيء منها عوض، فأجزأ عتقه، كالمدبر. ولو أعتق ~~عبدا على مال، فأخذه من العبد، لم يجزئ عن كفارته، في قولهم جميعا. ### | [مسألة ويجزئه المدبر في كفارة اليمين] # (8047) مسألة؛ قال: (ويجزئه المدبر) وهذا قول طاوس، والشافعي، وأبي ثور، ~~وابن المنذر. وقال الأوزاعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي: لا يجزئ؛ لأن عتقه ~~مستحق بسبب آخر، فأشبه أم الولد، ولأن بيعه عندهم غير جائز، فأشبه أم ~~الولد. # ولنا، قوله تعالى: {فتحرير رقبة} [النساء: 92] . وقد حرر رقبة، ولأنه عبد ~~كامل المنفعة، يجوز بيعه، ولم يحصل عن شيء منه عوض، فجاز عتقه، كالقن، ~~والدليل على جواز بيعه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - باع مدبرا. وسنذكر ~~حديثه في بابه، إن شاء الله - تعالى ولأن التدبير إما أن يكون وصية أو عتقا ~~بصفة، وأيا ما كان، فلا يمنع التكفير بإعتاقه قبل وجود الصفة، والصفة هاهنا ~~الموت، ولم يوجد. ### | [مسألة إجزاء الخصي في كفارة اليمين] # مسألة؛ قال: (والخصي) لا نعلم في إجزاء الخصي خلافا، سواء كان مقطوعا أو ~~مشلولا أو موجوءا؛ لأن ذلك نقص لا يضر بالعمل، ولا يؤثر فيه، بل ربما زادت ~~بذلك قيمته، فاندفع فيه ضرر شهوته، فأجزأ، كالفحل. ### | [مسألة ولد الزنى عتقه عن الكفارة] # (8049) مسألة؛ قال: (وولد الزنى) هذا قول أكثر أهل العلم، روي، ذلك عن ~~فضالة بن عبيد، وأبي هريرة. وبه قال ابن المسيب، والحسن، وطاوس، والشافعي، ~~وإسحاق، وأبو عبيد، وابن المنذر. وروي عن عطاء، والشعبي، والنخعي، ~~والأوزاعي، وحماد، أنه لا يجزئ؛ لأن أبا هريرة روى عن # PageV09P553 # النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ولد الزنى شر الثلاثة» . قال أبو ~~هريرة: لأن أمتع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن أعتق ولد زنية. رواه ms5417 أبو ~~داود. # ولنا، دخوله في مطلق قوله تعالى: {فتحرير رقبة} [النساء: 92] . ولأنه ~~مملوك مسلم كامل العمل، لم يعتض عن شيء منه، ولا استحق عتقه بسبب آخر، ~~فأجزأ عتقه، كولد الرشيدة. فأما الأحاديث الواردة في ذمه، فاختلف أهل العلم ~~في تفسيرها؛ فقال الطحاوي: ولد الزنى هو الملازم للزنى، كما يقال: ابن ~~السبيل الملازم لها، وولد الليل الذي لا يهاب السرقة. وقال الخطابي، عن بعض ~~أهل العلم، قال: هو شر الثلاثة أصلا وعنصرا ونسبا؛ لأنه خلق من ماء الزنى، ~~وهو خبيث. # وأنكر قوم هذا التفسير، وقالوا: ليس عليه من وزر والديه شيء، وقد قال ~~الله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] وفي الجملة، هذا يرجع ~~إلى أحكام الآخرة، أما أحكام الدنيا، فهو كغيره، في صحة إمامته، وبيعه، ~~وعتقه وقبول شهادته، فكذلك في إجزاء عتقه عن الكفارة؛ لأنه من أحكام ~~الدنيا. ### | [مسألة لم يجد إطعاما ولا كسوة ولا عتقا في كفارة اليمين] # (8050) مسألة؛ قال (فإن لم يجد من هذه الثلاثة واحدا، أجزأه صيام ثلاثة ~~أيام متتابعة) يعني إن لم يجد إطعاما، ولا كسوة، ولا عتقا، انتقل إلى صيام ~~ثلاثة أيام؛ لقول الله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} ~~[المائدة: 89] . # وهذا لا خلاف فيه، إلا في اشتراط التتابع في الصوم، وظاهر المذهب ~~اشتراطه، كذلك قال إبراهيم النخعي، والثوري، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. وروي نحو ذلك عن علي - رضي الله عنه -. وبه قال عطاء، ~~ومجاهد، وعكرمة. # PageV09P554 # وحكى ابن أبي موسى، عن أحمد، رواية أخرى، أنه يجوز تفريقها. وبه قال ~~مالك، والشافعي، في أحد قوليه؛ لأن الأمر بالصوم مطلق، فلا يجوز تقييده إلا ~~بدليل، ولأنه صام الأيام الثلاثة، فلم يجب التتابع فيه، كصيام المتمتع ~~ثلاثة أيام في الحج. ولنا، أن في قراءة أبي، وعبد الله بن مسعود: " فصيام ~~ثلاثة أيام متتابعات ". # كذلك ذكره الإمام أحمد، في " التفسير " عن جماعة، وهذا إن كان قرآنا، فهو ~~حجة؛ لأنه كلام ms5418 الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن لم ~~يكن قرآنا، فهو رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ يحتمل أن يكونا ~~سمعاه من النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسيرا فظناه قرآنا، فثبتت له رتبة ~~الخبر، ولا ينقص عن درجة تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - للآية، وعلى ~~كلا التقديرين، فهو حجة يصار إليه، ولأنه صيام في كفارة فوجب فيه التتابع ~~ككفارة القتل والظهار، والمطلق يحمل على المقيد على ما قررناه فيما مضى. ~~فعلى هذا، إن أفطرت المرأة لمرض أو حيض، أو الرجل لمرض، لم ينقطع التتابع. # وبهذا قال أبو ثور، وإسحاق. وقال أبو حنيفة: ينقطع فيهما؛ لأن التتابع لم ~~يوجد، وفوات الشرط يبطل به المشروط. وقال الشافعي: ينقطع في المرض، في أحد ~~القولين. ولا ينقطع في الحيض. ولنا، أنه عذر يبيح الفطر، أشبه الحيض في ~~كفارة القتل. ### | [مسألة كان الحانث عبدا حكم كفارة اليمين] # (8051) مسألة؛ قال: (ولو كان الحانث عبدا، لم يكفر بغير الصوم) لا خلاف ~~في أن العبد يجزئه الصيام في الكفارة؛ لأن ذلك فرض المعسر من الأحرار، وهو ~~أحسن حالا من العبد فإنه يملك في الجملة، ولأن العبد داخل في قوله تعالى ~~{فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة: 89] . وإن أذن السيد لعبده في ~~التكفير بالمال، لم يلزمه؛ لأنه ليس بمالك لما أذن له فيه. وظاهر كلام ~~الخرقي، أنه لا يجزئه التكفير بغير الصيام. # وقد قال غيره من أصحابنا، فيما إذا أذن له سيده في التكفير بالمال، ~~روايتان؛ إحداهما، يجوز تكفيره به. والأخرى، لا يجوز إلا بالصيام. وقد ~~ذكرنا علل ذلك في الظهار، والاختلاف فيه. وذكر القاضي، أن أصل هذا عنده ~~الروايتان في ملك العبد بالتمليك، إن قلنا: يملك بالتمليك. فملكه سيده، ~~وأذن له بالتكفير، بالمال جاز؛ لأنه مالك لما يكفر به وإن قلنا: لا يملك ~~بالتمليك. ففرضه الصيام؛ لأنه لا يملك شيئا يكفر به. وكذلك إن قلنا: يملك ~~ولم يأذن له سيده بالتكفير في المال، # PageV09P555 # ففرضه الصيام، وإن ملك؛ لأنه محجور ms5419 عليه، ممنوع من التصرف فيما في يديه. # قال: وأصحابنا يجعلون في العبد روايتين مطلقا، سواء قلنا: يملك. أو لا ~~يملك. ثم على الرواية التي تجيز له التكفير بالمال، له أن يطعم، وهل له أن ~~يعتق؟ على روايتين؛ إحداهما، ليس له ذلك؛ لأن العتق يقتضي الولاء والولاية ~~والإرث، وليس ذلك للعبد، ولكن يكفر بالإطعام. وهذا رواية عن مالك. وبه قال ~~الشافعي، على القول الذي يجيز له التكفير بالمال. # والثانية له التكفير بالعتق؛ لأن من صح تكفيره بالمال، صح بالعتق، كالحر، ~~ولأنه يملك العبد، فصح تكفيره بإعتاقه، كالحر. وقولهم: إن العتق يقتضي ~~الولاء والولاية. لا نسلم ذلك في العتق في الكفارة، على ما أسلفناه، وإن ~~سلمنا، فتخلف بعض الأحكام لا يمنع ثبوت المقتضي، فإن الحكم يتخلف لتخلف ~~سببه لا لتخلف أحكامه، كما أنه يثبت لوجود سببه، ولأن تخلف بعض الأحكام مع ~~وجود المقتضي، إنما يكون لمانع منعها، ويجوز أن يختص المنع بها دون غيرها. ~~ولهذا السبب المقتضي لهذه الأحكام لا يمنع ثبوته تخلفها عنه في الرقيق، على ~~أن الولاء يثبت بإعتاق العبد، لكن لا يرث به، كما لو اختلف ديناهما. وهذا ~~اختيار أبي بكر، وفرع عليه إذا أذن له سيده فأعتق نفسه، ففيه قولان. # أحدهما، يجزئه؛ لأنه رقبة تجزئ عن غيره فأجزأت عن نفسه كغيره. والآخر لا ~~يجزئه؛ لأن الإذن له في الإعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره. وهذا التعليل يدل ~~على أن سيده لو أذن له في إعتاق نفسه عن كفارته جاز، فأما إن أطلق الإذن في ~~الإعتاق، فليس له أن يعتق إلا أقل رقبة تجزئ عن الواجب، وليس له إعتاق نفسه ~~إذا كانت أفضل مما يجزئ. وهذا من أبي بكر يقتضي أنه لا يعتبر في التكفير أن ~~يملكه سيده ما يكفر به؛ لأنه لا يملك نفسه، بل متى أذن له في التكفير ~~بالعتق أو الإطعام، أجزأه؛ لأنه لو اعتبر التمليك، لما صح له أن يعتق نفسه ~~لأنه لا يملكها، ولأن التمليك لا يكون إلا في معين، فلا يصح أن يأذن فيه ms5420 ~~مطلقا. ### | [فصل أعتق العبد عبدا عن كفارته بإذن سيده] # (8052) فصل: وإذا أعتق العبد عبدا عن كفارته، بإذن سيده، وقلنا: إن ~~الإعتاق في الكفارة يثبت به الولاء لمعتقه. ثبت ولاؤه للعبد الذي أعتقه؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إنما الولاء للمعتق ". ولا يرث؛ لأنه ~~ليس من أهل الميراث، ولا يمتنع ثبوت الولاء مع انتفاء الإرث، كما لو اختلف ~~دينهما، أو قتل المعتق عتيقه؛ فإنه لا يرثه مع ثبوت الولاء له عليه. فإن ~~عتق المعتق له ورث بالولاء، لزوال المانع، كما إذا كانا # PageV09P556 # مختلفي الدين، فأسلم الكافر منهما. ذكر هذا طلحة العاقولي. ومقتضى هذا أن ~~سيد العبد لا يرث عتيقه في حياة عبده، كما لا يرث ولد عبده، فإن أعتق عبده، ~~ثم مات ورث السيد مولى عبده؛ لأنه مولى مولاه، كما أنه لو أعتق العبد، وله ~~ولد عليه الولاء لمولى أمه يجر ولاءه، ويرثه سيده إذا مات أبوه. ### | [فصل منع عبده من التكفير بالصيام] # (8053) فصل: وليس للسيد منع عبده من التكفير بالصيام، سواء كان الحلف أو ~~الحنث بإذنه أو بغير إذنه، وسواء أضر به الصيام أو لم يضر به. وقال ~~الشافعي: إن حنث بغير إذنه، والصوم يضر به، فله منعه؛ لأن السيد لم يأذن له ~~فيما ألزمه نفسه، مما يتعلق به ضرر على السيد، فكان له منعه وتحليله، كما ~~لو أحرم بالحج بغير إذنه ولنا، أنه صوم واجب لحق الله - تعالى، فلم يكن ~~لسيده منعه منه، كصيام رمضان وقضائه، ويفارق الحج؛ لأن ضرره كثير؛ لطول ~~مدته، وغيبته عن سيده، وتفويت خدمته، ولهذا ملك تحليل زوجته منه، ولم يملك ~~منعها صوم الكفارة. # فأما صوم التطوع، فإن كان فيه ضرر عليه، فللسيد منعه منه؛ لأنه يفوت حقه ~~بما ليس بواجب عليه، وإن كان لا يضر به، لم يكن لسيده منعه منه؛ لأنه يعبد ~~ربه بما لا مضرة فيه، فأشبه ذكر الله - تعالى، وصلاة النافلة في غير وقت ~~خدمته، وللزوج منع زوجته منه في كل حال؛ لأنه يفوت حقه من الاستمتاع، ~~ويمنعه منه. ### | [مسألة ms5421 حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق] # (8054) مسألة؛ قال: (ولو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق عليه فعليه الصوم ~~لا يجزئه غيره) ظاهر هذا أن الاعتبار في الكفارات بحالة الحنث؛ لأنه وقت ~~الوجوب، وهو حينئذ عبد، فوجب عليه الصوم، فلا يجزئه غير ما وجب عليه، وقال ~~القاضي: هذا فيه نظر؛ فإن المنصوص أنه يكفر كفارة عبد، لأنه إنما يكفر بما ~~وجب عليه يوم حنث ومعناه أنه لا يلزمه التكفير بالمال، فإن كفر به أجزأه. # وهذا منصوص، عن الشافعي، ومن أصحابه من قال بقول الخرقي، وليس على الخرقي ~~حجة من كلام أحمد، بل هو حجة له؛ لقوله: إنما يكفر ما وجب عليه. " وإنما " ~~للحصر، تثبت المذكور وتنفي ما عداه، ولم يجب عليه إلا الصوم، فلا يكفر ~~بغيره. ووجه ذلك، أنه حكم تعلق بالعبد في رقه، فلم يتغير بحريته، كالحد، ~~وهذا على القول الذي لم يجز فيه للعبد التكفير بالمال بإذن سيده، فأما على ~~القول الآخر، فله التكفير هاهنا بطريق الأولى؛ لأنه إذا جاز له في حال رقه ~~التكفير بالمال، ففي حال حريته أولى، وإنما احتاج إلى إذن سيده في حال رقه؛ ~~لأن المال لسيده، أو لتعلق حقه بماله، وبعد الحرية قد زال ذلك، فلا حاجة ~~إلى إذنه. # وإن قلنا: التكفير بأغلظ الأحوال. لم # PageV09P557 # يكن له التكفير بغير المال إن كان موسرا. وإن حلف عبد، وحنث وهو حر، ~~فحكمه حكم الأحرار؛ لأن الكفارة لا تجب قبل الحنث، فما وجبت إلا وهو حر. ### | [فصل من نصفه حر حكمه في التكفير في كفارة اليمين] # (8055) فصل: من نصفه حر، حكمه في التكفير حكم الحر الكامل، فإذا ملك ~~بجزئه الحر ما لا يكفر به، لم يجز له الصيام، وله التكفير بأحد الأمور ~~الثلاثة. وظاهر مذهب الشافعي، أن له التكفير بالإطعام والكسوة دون الإعتاق؛ ~~لأنه لا يثبت له الولاء. ومنهم من قال: لا يجزئه إلا الصيام؛ لأنه منقوص ~~بالرق، أشبه القن. # ولنا، قول الله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة: 89] . ~~وهذا واجد؛ لأنه يملك ms5422 ملكا تاما، فأشبه الحر الكامل، ولا نسلم أنه لا يثبت ~~له الولاء، ثم إن امتناع بعض أحكامه، لا يمنع صحته، كعتق المسلم رقيقه ~~الكافر. ### | [مسألة كفارة اليمين تجمع تخييرا وترتيبا] # (8056) مسألة؛ قال: (ويكفر بالصوم من لم يفضل عن قوته وقوت عياله، يومه ~~وليلته، مقدار ما يكفر به) وجملة ذلك، أن كفارة اليمين تجمع تخييرا ~~وترتيبا، فيتخير بين الخصال الثلاث، فإن لم يجدها انتقل إلى صيام ثلاثة ~~أيام، ويعتبر أن لا يجد فاضلا عن قوته وقوت عياله، يومه وليلته، قدرا يكفر ~~به. وهذا قول إسحاق. ونحوه قال أبو عبيد، وابن المنذر. وقال الشافعي: من ~~جاز له الأخذ من الزكاة لحاجته وفقره، أجزأه الصيام؛ لأنه فقير. ولأن ~~النخعي قال: إذا كان مالكا لعشرين درهما، فله الصيام. # وقال عطاء الخراساني: لا يصوم من ملك عشرين درهما، ولمن يملك دونها ~~الصيام. وقال سعيد بن جبير: إذا لم يملك إلا ثلاثة دراهم، كفر بها. وقال ~~الحسن: درهمين. وهذان القولان نحو قولنا. ووجه ذلك، أن الله تعالى اشترط ~~للصيام أن لا يجد، بقوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة: ~~89] ومن وجد ما يكفر به فاضلا عن قوته وقوت عياله، فهو واجد، فيلزمه ~~التكفير بالمال لظاهر الآية، ولأنه حق لا يزيد بزيادة المال، فاعتبر فيه ~~الفاضل عن قوته وقوت عياله، يومه وليلته، كصدقة الفطر. ### | [فصل ملك ما يكفر به وعليه دين مثله وهو مطالبا به] # (8057) فصل: فلو ملك ما يكفر به، وعليه دين مثله، وهو مطالب به فلا كفارة ~~عليه؛ لأنه حق آدمي، والكفارة حق # PageV09P558 # لله - تعالى، فإذا كان مطالبا بالدين، وجب تقديمه، كزكاة الفطر، فإن لم ~~يكن مطالبا بالدين، فكلام أحمد يقتضي روايتين؛ إحداهما تجب الكفارة؛ لأنه ~~لا يعتبر فيها قدر من المال، فلم تسقط بالدين، كزكاة الفطر. والثانية لا ~~تجب؛ لأنها حق لله تعالى، يجب في المال فأسقطها الدين، كزكاة المال. # وهذا أصح؛ لأن حق الآدمي أولى بالتقديم، لشحه، وحاجته إليه، وفيه نفع ~~للغريم، وتفريغ ذمة المدين، وحق الله - تعالى - مبني على المسامحة؛ ms5423 لكرمه ~~وغناه، ولأن الكفارة بالمال لها بدل، ودين الآدمي لا بدل له، ويفارق صدقة ~~الفطر؛ لكونها أجريت مجرى النفقة ولهذا يتحملها الإنسان عن غيره، كالزوج عن ~~امرأته وعائلته ورقيقه، ولا بدل لها، بخلاف الكفارة. ### | [فصل فإن كان له مال غائب أو دين يرجو وفاءه لم يكفر بالصيام] # (8058) فصل: فإن كان له مال غائب، أو دين يرجو وفاءه، لم يكفر بالصيام. ~~وهذا قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجزئه الصيام؛ لأنه غير واجد، فأجزأه ~~الصيام، عملا بقوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة: 89] . # وقياسا على المعسر، والدليل على أنه غير واجد أن المتمتع لو عدم الهدي في ~~موضعه، انتقل إلى الصيام، ولو عدم الماء في موضعه، انتقل إلى التيمم، ولو ~~عدم المظاهر المال في موضعه، انتقل إلى الصيام، والانتقال في هذه المواضع ~~مشروط بعدم الوجدان، ولأنه غير متمكن من التكفير بالمال، أشبه هذه الأصول. ~~ولنا، أنه حق مال يجب على وجه الطهرة، فلم تمنع الغيبة وجوبه، كالزكاة، ~~ولأنه غير مؤقت، ولا ضرر في تأخيره، فلم يسقط بغيبته، كالزكاة، وفارق ~~الهدي؛ فإن له وقتا يفوت بالتأخير، والتيمم يفضي تأخيره إلى فوات الصلاة، ~~وتأخير كفارة الظهار يفضي إلى ترك الوطء، وفيه ضرر، بخلاف مسألتنا، ولا ~~نسلم عدم التمكن؛ ولهذا صح بيع الغائب، مع أن التمكن من التسليم شرط. ### | [مسألة من ملك رقبة تجزئ في الكفارة لا يجزئه الصيام] # (8059) مسألة؛ قال (ومن له دار لا غنى له عن سكناها، أو دابة يحتاج إلى ~~ركوبها، أو خادم يحتاج إلى خدمته، أجزأه الصيام في الكفارة) وجملته أن ~~الكفارة إنما تجب فيما يفضل عن حاجته الأصلية، والسكنى من الحوائج الأصلية، ~~وكذلك الدابة التي يحتاج إلى ركوبها؛ لكونه لا يطيق المشي فيما يحتاج إليه، ~~أو لم تجر عادته به، وكذلك الخادم الذي يحتاج إلى خدمته لكونه ممن لا يخدم ~~نفسه؛ لمرض، أو كبر، أو لم تجر عادته به، فهذه الثلاثة من الحوائج الأصلية ~~لا تمنع التكفير بالصيام، ولا الزكاة من الأخذ والكفارة. # PageV09P559 # وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو ms5424 حنيفة، ومالك: من ملك رقبة تجزئ في الكفارة، لا يجزئه الصيام، ~~وإن كان محتاجا إليها لخدمته؛ لأنه واجد لرقبة يعتقها، فيلزمه ذلك؛ لقوله ~~تعالى: {أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة: 89] . ~~فاشترط للصيام أن لا يجدها ولنا، أنها مستغرقة لحاجته الأصلية، فلم تمنع ~~جواز الانتقال، كالمسكن والمركوب والطعام الذي هو محتاج، إليه وما ذكروه ~~يبطل بالطعام المحتاج إليه، وبما إذا وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش، فإنه ~~لا يمنع الانتقال إلى التيمم، ولأن وجدان ثمن الرقبة كوجدانها، ولهذا لم ~~يجز لمن وجد ثمنها الانتقال إلى الصيام، ومع هذا، لو وجد ثمنها الذي يحتاج ~~إليه، لم يمنعه الانتقال، كذا هاهنا. # إذا ثبت هذا، فإنه إن كان في شيء من ذلك فضل عن حاجته، مثل من له دار ~~كبيرة تساوي أكثر من دار مثله، ودابة فوق دابة مثله، وخادم فوق خادم مثله، ~~يمكن أن يحصل به قدر ما يحتاج إليه وتفضل فضلة يكفر بها، فإنه يباع منه ~~الفاضل عن كفايته، أو يباع الجميع، ويبتاع له قدر ما يحتاج إليه، ويكفر ~~بالباقي. وإن تعذر بيعه، أو أمكن البيع ولم يمكن شراء ما يحتاج إليه، ترك ~~ذلك، وكان له الانتقال إلى الصيام؛ لأنه تعذر الجمع بين القيام بحاجته ~~والتكفير بالمال فأشبه ما لو لم يكن فيه فضل (8060) . # فصل: ومن له عقار يحتاج إلى أجرته لمؤنته أو حوائجه الأصلية، أو بضاعة ~~يختل ربحها المحتاج إليه بالتكفير منها، أو سائمة يحتاج إلى نمائها حاجة ~~أصلية، أو أثاث يحتاج إليه، وأشباه هذا، فله التكفير بالصيام؛ لأن ذلك ~~مستغرق لحاجته الأصلية، فأشبه المعدم. ### | [مسألة أطعم المكفر بعض المساكين وكسا الباقين حيث يستوفي العدد] # (8061) مسألة؛ قال (ويجزئه إن أطعم خمسة مساكين، وكسا خمسة) وجملته أنه ~~إذا أطعم بعض المساكين، وكسا الباقين، بحيث يستوفي العدد، أجزأه، في قول ~~إمامنا، والثوري، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: لا يجزئه؛ لقول الله - ~~تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم} ~~[المائدة: 89] فوجه الدلالة من وجهين؛ أحدهما: أنه ms5425 جعل الكفارة أحد هذه ~~الخصال الثلاثة، ولم يأت بواحد منها. # الثاني، أن اقتصاره على هذه الخصال الثلاث دليل على انحصار التكفير فيها، ~~وما ذكرتموه خصلة رابعة، ولأنه نوع من التكفير، فلم يجزئه تبعيضه، كالعتق، ~~ولأنه لفق الكفارة من نوعين، فأشبه ما لو أعتق نصف عبد وأطعم خمسة أو ~~كساهم. # PageV09P560 # ولنا، أنه أخرج من المنصوص عليه بعده العدد الواجب، فأجزأ كما لو أخرجه ~~من جنس واحد، ولأن كل واحد من النوعين يقوم مقام صاحبه في جميع العدد، فقام ~~مقامه في بعضه، كالكفارتين، وكالتيمم لما قام مقام الماء في البدن كله في ~~الجنابة، جاز في بعضه في طهارة الحدث، فيما إذا كان بعض بدنه صحيحا وبعضه ~~جريحا، وفيما إذا وجد من الماء ما يكفي بعض بدنه، ولأن معنى الطعام والكسوة ~~متقارب؛ إذ القصد منهما سد الخلة، ودفع الحاجة، وقد استويا في العدد، ~~واعتبار المسكنة في المدفوع إليه، وتنوعهما من حيث كونهما في الإطعام سدا ~~لجوعه. # وفي الكسوة ستر العورة، لا يمنع الإجزاء في الكفارة الملفقة منهما، كما ~~لو كان أحد الفقيرين محتاجا إلى ستر عورته، والآخر إلى الاستدفاء، ولأنه قد ~~خرج عن عهدة الذين أطعمهم بالإطعام، ويخرج عن عهدة الذين كساهم بالكسوة؛ ~~بدليل أنه لا يلزمه بالإنفاق أكثر من إطعام من بقي، ولا كسوة أكثر ممن بقي، ~~وإذا خرج عن عهدة عشرة مساكين، وجب أن يجزئه، كما لو اتفق النوع. # وأما الآية، فإنها تدل بمعناها على ما ذكرناه، فإنها دلت على أنه مخير في ~~كل فقير بين أن يطعمه أو يكسوه، وهذا يقتضي ما ذكرناه، ويصير كما يخير في ~~الصيد الحرمي بين أن يفديه بالنظير، أو يقوم النظير بدراهم، فيشتري بها ~~طعاما يتصدق به، أو يصوم عن كل مد يوما، فلو صام عن بعض الأمداد، وأطعم ~~بعضا، أجزأ كذلك هاهنا. # وكذلك الدية، لما كان مخيرا بين إخراج ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم، ~~لو أعطى البعض ذهبا، والبعض دراهم، جاز. وفارق ما إذا أعتق نصف عبد. وأطعم ~~خمسة أو كساهم؛ لأن ms5426 تنصيف العتق يخل بالآخر؛ لما سنذكره بعد هذا. ### | [فصل أطعم المسكين بعض الطعام وكساه بعض الكسوة في كفارة اليمين] # (8062) فصل: وإن أطعم المسكين بعض الطعام، وكساه بعض الكسوة، لم يجزئه؛ ~~لأنه ما أطعمه الطعام الواجب له، ولا كساه الكسوة الواجبة، فصار كمن لم ~~يطعمه شيئا ولم يكسه، وإن أطعم بعض المساكين برا، وبعضهم تمرا، أو من جنس ~~آخر، أجزأ. وقال الشافعي: لا يجزئه. ولنا، قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين} [المائدة: 89] . وقد أطعمهم من جنس ما يجب عليه، ولأنه لو كسا بعض ~~المساكين قطنا، وبعضهم كتانا، جاز، مع اختلاف النوع، كذلك الإطعام. ### | [مسألة أعتق نصفي عبدين أو نصفي أمتين أو نصفي عبد وأمة في كفارة اليمين] # (8063) مسألة؛ قال: (وإن أعتق نصفي عبدين، أو نصفي أمتين، أو نصفي عبد ~~وأمة، أجزأ عنه) قال الشريف أبو جعفر: هذا قول أكثرهم. يعني أكثر الفقهاء. ~~وقال أبو بكر بن جعفر: لا يجزئ؛ لأن المقصود من العتق تكميل الأحكام، ولا ~~يحصل من إعتاق نصفين. واختلف أصحاب الشافعي على ثلاثة # PageV09P561 # أوجه؛ فمنهم من قال كقول الخرقي، ومنهم من قال كقول أبي بكر، ومنهم من ~~قال: إن كان نصف الرقيق حرا، أجزأ؛ لأنه يحصل تكميل الأحكام، وإن كان ~~رقيقا، لم يجز؛ لأنه لا يحصل. # ولنا، أن الأشقاص كالأشخاص فيما لا يمنع منه العيب اليسير، دليله الزكاة، ~~ونعني به إذا كان له نصف ثمانين شاة مشاعا، وجبت الزكاة، كما لو ملك أربعين ~~منفردة، وكالهدايا والضحايا إذا اشتركوا فيها. # والأولى أنه لا يجزئ إعتاق نصفين، إذا لم يكن الباقي بينهما حرا؛ لأن ~~إطلاق الرقبة إنما ينصرف إلى إعتاق الكاملة، ولا يحصل من الشقصين ما يحصل ~~من الرقبة الكاملة من تكميل الأحكام، وتخليص الآدمي من ضرر الرق ونقصه، فلا ~~يثبت به من الأحكام ما يثبت بإعتاق رقبة كاملة، ويمتنع قياس الشقصين على ~~الرقبة الكاملة، ولهذا لو أمر إنسانا بشراء رقبة أو بيعها، أو بإهداء حيوان ~~أو بالصدقة به، لم يكن له أن يشقصه، كذا هاهنا. ### | [مسألة أعتق نصف عبد وأطعم ms5427 خمسة مساكين أو كساهم في كفارة اليمين] # مسألة؛ قال: (وإن أعتق نصف عبد، وأطعم خمسة مساكين، أو كساهم، لم يجزئه) ~~لا نعلم في هذا خلافا، وذلك لأن مقصودهما مختلف متباين؛ إذ كان القصد من ~~العتق تكميل الأحكام، وتخليص المعتق من الرق، والقصد من الإطعام والكسوة سد ~~الخلة، وإبقاء النفس، بدفع المجاعة في الإطعام، وستر العورة، ودفع ضرر الحر ~~والبرد في الكسوة، فلتقارب معناهما، واتحاد مصرفهما، جريا مجرى الجنس ~~الواحد، فكملت الكفارة من أحدهما بالآخر، ولذلك سوي بين عددهما، ولتباعد ~~مقصد العتق منهما، واختلاف مصرفهما، ومباينتهما له، لم يجريا مجرى الجنس ~~الواحد، فلم يكمل به واحد منهما، ولذلك خالف عدده عددهما. ### | [فصل أطعم بعض المساكين أو كساهم في كفارة اليمين] # (8065) فصل: ولو أطعم بعض المساكين، أو كساهم، أو أعتق نصف عبد، ولم يكن ~~له ما يتم به الكفارة، فصام عن الباقي، لم يجزئه؛ ولأنه بدل في الكفارة، ~~فلم تكمل به، كسائر الأبدال مع مبدلاتها، ولأن الصوم من الطعام، والكسوة ~~أبعد من العتق، فإذا لم يجز تكميل أحد نوعي المبدل من الآخر، فتكميله ~~بالبدل أولى. فإن قيل: يبطل هذا بالغسل والوضوء مع التيمم. قلنا: التيمم لا ~~يأتي ببعضه بدلا عن بعض الطهارة، وإنما يأتي به بكماله، وها هنا لو أتى ~~بالصيام جميعه، أجزأه. ### | [مسألة شرع في الصوم ثم قدر على العتق أو الإطعام أو الكسوة] # (8066) مسألة؛ قال: (ومن دخل في الصوم، ثم أيسر، لم يكن عليه الخروج من ~~الصوم إلى العتق، أو الإطعام، إلا أن يشاء) # PageV09P562 # (8067) مسألة في هذه المسألة فصلان: الفصل الأول: أنه إذا شرع في الصوم، ~~ثم قدر على العتق أو الإطعام أو الكسوة، لم يلزمه الرجوع إليها. روي ذلك عن ~~الحسن، وقتادة. وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور وابن المنذر. ~~وروي عن النخعي، والحكم، أنه يلزمه الرجوع، إلى أحدها. # وبه قال الثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنه قدر على المبدل قبل إتمام البدل، ~~فلزمه الرجوع، كالمتيمم إذا قدر على الماء قبل إتمام صلاته. ولنا، أنه بدل ~~لا يبطل بالقدرة على ms5428 المبدل، فلم يلزمه الرجوع إلى المبدل بعد الشروع فيه، ~~كما لو شرع المتمتع العاجز عن الهدي في صوم السبعة الأيام، فإنه لا يخرج، ~~بلا خلاف. # والدليل على أن البدل لا يبطل، أن البدل الصوم، وهو صحيح مع قدرته ~~اتفاقا، وفارق التيمم، فإنه يبطل بالقدرة على الماء بعد فراغه منه، ولأن ~~الرجوع إلى طهارة الماء لا مشقة فيه؛ ليسره، والكفارة يشق الجمع فيها بين ~~خصلتين، وإيجاب الرجوع يفضي إلى ذلك فإن. قيل: ينتقض دليلكم بما إذا شرع ~~المتمتع في صوم الثلاثة. قلنا: إذا قدر على الهدي في صوم الثلاثة، تبينا ~~أنه ليس بعادم له في وقته؛ لأن وقت الهدي يوم النحر، بخلاف مسألتنا. # (8068) الفصل الثاني: أنه إن أحب الانتقال إلى الأعلى، فله ذلك، في قول ~~أكثرهم، ولا نعلم خلافا. إلا في العبد إذا حنث ثم عتق. وقال أبو الخطاب: لا ~~يجوز الانتقال في مسألتنا. محتجا بقول الخرقي: إذا حنث، وهو عبد، فلم يكفر ~~حتى عتق. قال: وهو ظاهر كلام أحمد؛ لقوله في العبد: إنما يكفر ما وجب عليه. ~~ولنا، أن العتق والإطعام الأصل، فأجزأه التكفير به، كما لو تكلف الفقير ~~فاستدان وأعتق. # فأما العبد إذا عتق، فيحتمل أنه يجوز له الانتقال كمسألتنا، ويحمل كلام ~~أحمد على أنه لا يلزمه الانتقال، ويحتمل أنه يفرق بينه وبين الحر، من حيث ~~إن الحر كان يجزئه التكفير بالمال لو تكلفه، والعبد لم يكن يجزئه إلا ~~الصيام، على رواية. ### | [فصل وجبت الكفارة على موسر فأعسر] # (8069) فصل: ولو وجبت الكفارة على موسر فأعسر، لم يجزئه الصيام. وبهذا ~~قال الشافعي. وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي: يجزئه؛ لأنه عاجز عن المبدل فجاز ~~له العدول إلى البدل، كما لو وجبت عليه الصلاة ومعه ماء فاندفق قبل الوضوء ~~به. # PageV09P563 # ولنا، أن الإطعام وجب عليه في الكفارة، فلم يسقط بالعجز عنه، كالإطعام في ~~كفارة الظهار، وفارق الوضوء؛ لأن الصلاة واجبة، ولا بد من أدائها، فاحتيج ~~إلى الطهارة لها في وقتها، بخلاف الكفارة. ### | [فصل والكفارة في حق العبد والحر والرجل والمرأة والمسلم والكافر] ms5429 # (8070) فصل: والكفارة في حق العبد والحر، والرجل والمرأة، والمسلم ~~والكافر، سواء؛ لأن الله - تعالى - ذكر الكفارة بلفظ عام في جميع ~~المخاطبين، فدخل الكل في عمومه إلا أن الكافر لا يصح منه التكفير بالصيام؛ ~~لأنه عبادة، وليس هو من أهلها، ولا بالإعتاق؛ لأن من شرطه الإيمان في ~~الرقبة، ولا يجوز لكافر شراء مسلم، إلا أن يتفق إسلامه في يديه، أو يرث ~~مسلما فيعتقه فيصح إعتاقه، وإن لم يتفق ذلك فتكفيره بالإطعام أو الكسوة، ~~فإذا كفر به ثم أسلم، لم يلزمه إعادة التكفير. وإن أسلم قبل التكفير، كفر ~~بما يجب عليه في تلك الحال؛ من إعتاق، أو إطعام أو كسوة أو صيام ويحتمل على ~~قول الخرقي، ألا يجزئه الصيام؛ لأنه إنما يكفر بما وجب عليه حين الحنث، ولم ~~يكن الصيام مما وجب عليه ### | [مسألة اليمين على نية الحالف] # باب جامع الأيمان. (8071) مسألة؛ قال أبو القاسم - رحمه الله تعالى -: ~~(ويرجع في الأيمان إلى النية) وجملة ذلك أن مبنى اليمين على نية الحالف، ~~فإذا نوى بيمينه ما يحتمله، انصرفت يمينه إليه، سواء كان ما نواه موافقا ~~لظاهر اللفظ، أو مخالفا له، فالموافق للظاهر أن ينوي باللفظ موضوعه الأصلي، ~~مثل أن ينوي باللفظ العام العموم، وبالمطلق الإطلاق، وبسائر الألفاظ ما ~~يتبادر إلى الأفهام منها، والمخالف يتنوع أنواعا؛ أحدها، أن ينوي بالعام ~~الخاص، مثل أن يحلف لا يأكل لحما ولا فاكهة. ويريد لحما بعينه، وفاكهة ~~بعينها. # ومنها، أن يحلف على فعل شيء أو تركه مطلقا، وينوي فعله أو تركه في وقت ~~بعينه، مثل أن يحلف: لا أتغدى. يعني اليوم، أو: لآكلن. يعني الساعة. ومنها، ~~أن ينوي بيمينه غير ما يفهمه السامع منه، كما ذكرنا في المعاريض، في مسألة ~~إذا تأول في يمينه فله تأويله. ومنها، أن يريد بالخاص العام، مثل أن يحلف: ~~لا شربت لفلان الماء من العطش. ينوي قطع كل ما له فيه منة، أو: لا يأوي مع ~~امرأته في دار. يريد جفاءها بترك اجتماعها معه في جميع الدور، أو حلف: لا ~~يلبس ثوبا من ms5430 غزلها. يريد قطع منتها به، فيتعلق يمينه بالانتفاع به، أو ~~بثمنه، مما لها فيه منة عليه. # PageV09P564 # وبهذا قال مالك. # وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا عبرة بالنية والسبب فيما يخالف لفظه؛ لأن ~~الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين، واليمين لفظه، فلو أحنثناه على ما سواه، ~~لأحنثناه على ما نوى لا، على ما حلف، ولأن النية بمجردها لا تنعقد بها ~~اليمين، فكذلك لا يحنث بمخالفتها. # ولنا، أنه نوى بكلامه ما يحتمله، ويسوغه في اللغة التعبير به، عنه، ~~فينصرف يمينه إليه كالمعاريض، وبيان احتمال اللفظ، أنه يسوغ في كلام العرب ~~التعبير بالخاص عن العام، قال الله تعالى: {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] ~~. {ولا يظلمون فتيلا} [النساء: 49] . {فإذا لا يؤتون الناس نقيرا} [النساء: ~~53] والقطمير: لفافة النواة. # والفتيل ما في شقها. # والنقير: النقرة التي في ظهرها. ولم يرد ذلك بعينه، بل نفي كل شيء، # وقال الحطيئة يهجو بني العجلان: # ولا يظلمون الناس حبة خردل # PageV09P565 # ولم يرد الحبة بعينها، إنما أراد لا يظلمونهم شيئا. وقد يذكر العام، ~~ويراد به الخاص، كقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس} [آل عمران: 173]- يعني ~~رجلا واحدا -. {إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] . يعني أبا سفيان. ~~وقال تعالى: {تدمر كل شيء} [الأحقاف: 25] . ولم يرد السماء والأرض ولا ~~مساكنهم. وإذا احتمله اللفظ، وجب صرف اليمين إليه؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - " إنما لامرئ ما نوى ". ولأن كلام الشارع يحمل على مراده، إذا ~~ثبت ذلك بالدليل، فكذلك كلام غيره. وقولهم: إن الحنث مخالفة ما عقد عليه ~~اليمين. قلنا: وهذا كذلك، فإنما انعقدت عليه اليمين على ما نواه، ولفظه ~~مصروف إليه، وليست هذه نية مجردة، بل لفظ منوي به ما يحتمله. فصل: ومن شرط ~~انصراف اللفظ إلى ما نواه، احتمال اللفظ له، فإن نوى ما لا يحتمله اللفظ، ~~مثل أن يحلف لا يأكل خبزا، يعني به لا يدخل بيتا، فإن يمينه لا تنصرف إلى ~~المنوي؛ لأنها نية مجردة، لا يحتملها اللفظ، فأشبه ما لو نوى ذلك بغير ~~يمين. ### | [مسألة فإن لم ينو شيئا ms5431 رجع إلى سبب اليمين وما هيجها] # (8073) مسألة؛ قال: (فإن لم ينو شيئا، رجع إلى سبب اليمين وما هيجها) ~~وجملته أنه إذا عدمت النية، نظرنا في سبب اليمين، وما أثارها؛ لدلالته على ~~النية، فإذا حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار، نظرنا؛ فإن كان سبب يمينه ~~غيظا من جهة الدار، لضرر لحقه منها، أو منة عليه بها، اختصت بيمينه بها، ~~وإن كان لغيظ لحقه من المرأة يقتضي جفاءها، ولا أثر للدار فيه، تعلق ذلك ~~بإيوائه معها في كل دار # وكذلك إذا حلف لا يلبس ثوبا من غزلها، إن كان سببه المنة عليه منها، ~~فكيفما انتفع به أو بثمنه حنث # PageV09P566 # وإن كان سبب يمينه خشونة غزلها ورداءته لم يتعد بيمينه لبسه، والخلاف في ~~هذه المسألة كالخلاف في التي قبلها، وقد دللنا على تعلق اليمين بما نواه، ~~والسبب دليل على النية، فيتعلق اليمين به، وقد ثبت أن كلام الشارع إذا كان ~~خاصا في شيء لسبب عام، تعدى إلى ما يوجد فيه السبب، كتنصيصه على تحريم ~~التفاضل في أعيان ستة، أثبت الحكم في كل ما يوجد فيه معناها، كذلك في كلام ~~الآدمي مثله، فأما إن كان اللفظ عاما والسبب خاصا، مثل من دعي إلى غداء ~~فحلف لا يتغدى، أو حلف لا يقعد، فإن كانت له نية فيمينه على ما نوى وإن لم ~~تكن له نية فكلام أحمد يقتضي روايتين؛ إحداهما، أن اليمين محمولة على ~~العموم؛ لأن أحمد سئل عن رجل حلف أن لا يدخل بلدا، لظلم رآه فيه، فزال ~~الظلم؟ فقال: النذر يوفي به. يعني لا يدخله. # ووجه ذلك أن لفظ الشارع إذا كان عاما، لسبب خاص، وجب الأخذ بعموم اللفظ ~~دون خصوص السبب، كذلك يمين الحالف. وذكر القاضي فيمن حلف على زوجته أو عبده ~~أن لا يخرج إلا بإذنه، فعتق العبد، وطلق الزوجة، وخرجا بغير إذنه، لا يحنث؛ ~~لأن قرينة الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها، وإنما يملك منع الزوجة والعبد ~~مع ولايته عليهما، فكأنه قال: ما دمتما في ملكي. ولأن السبب ms5432 يدل على النية ~~في الخصوص، كدلالته عليها في العموم ولو نوى الخصوص لاختصت يمينه به، فكذلك ~~إذا وجد ما يدل عليها. # ولو حلف لعامل لا يخرج إلا بإذنه فعزل، أو حلف أن لا يرى منكرا إلا رفعه ~~إلى فلان القاضي فعزل، ففيه وجهان، بناء على ما تقدم؛ أحدهما: لا تنحل ~~اليمين بعزله. قال القاضي: هذا قياس المذهب؛ لأن اليمين إذا تعلقت بعين ~~موصوفة، تعلقت بالعين وإن تغيرت الصفة. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. ~~والوجه الآخر، تنحل اليمين بعزله. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه لا يقال: رفعه ~~إليه. إلا في حال ولايته. فعلى هذا إن رأى المنكر في ولايته، فأمكنه رفعه ~~فلم يرفعه إليه حتى عزل، لم يبر برفعه إليه حال كونه معزولا. وهل يحنث ~~بعزله؟ فيه وجهان؛ أحدهما، يحنث؛ لأنه قد فات رفعه إليه، فأشبه ما لو مات. # والثاني، لا يحنث؛ لأنه لم يتحقق فواته، لاحتمال أن يلي فيرفعه إليه، ~~بخلاف ما إذا مات، فإنه يحنث؛ لأنه قد تحقق فواته، وإذا مات قبل إمكان رفعه ~~إليه، حنث أيضا؛ لأنه قد فات فأشبه ما لو حلف ليضربن # PageV09P567 # عبده في غد، فمات العبد اليوم، ويحتمل أن يحنث؛ لأنه لم يتمكن من فعل ~~المحلوف عليه، فأشبه المكره. وإن قلنا: لا تنحل يمينه بعزله. فرفعه إليه ~~بعد عزله، بر بذلك. ### | [فصل اختلف السبب والنية في الحلف] # (8074) فصل: فإن اختلف السبب والنية، مثل أن امتنت عليه امرأته بغزلها، ~~فحلف أن لا يلبس ثوبا من غزلها، ينوي اجتناب اللبس خاصة، دون الانتفاع ~~بثمنه وغيره، قدمت النية على السبب، وجها واحدا؛ لأن النية وافقت مقتضى ~~اللفظ. وإن نوى بيمينه ثوبا واحدا، فكذلك في ظاهر كلام الخرقي. # وقال القاضي: يقدم السبب؛ لأن اللفظ ظاهر في العموم، والسبب يؤكد ذلك ~~الظاهر ويقويه؛ لأن السبب هو الامتنان، وظاهر حاله قطع النية، فلا يلتفت ~~إلى نيته المخالفة للظاهرين، والأول أصح؛ لأن السبب إنما اعتبر لدلالته على ~~القصد، فإذا خالف حقيقة القصد، لم يعتبر، وكان وجوده كعدمه، فلم يبق إلا ~~لفظه بعمومه، ms5433 والنية تخصه، على ما بيناه فيما مضى. ### | [مسألة حلف لا يسكن دارا هو ساكنها] # (8075) مسألة؛ قال (ولو حلف لا يسكن دارا هو ساكنها، خرج من وقته، وإن ~~تخلف عن الخروج من وقته، حنث) وجملة ذلك إن ساكن الدار إذا حلف لا يسكنها، ~~فمتى أقام فيها بعد يمينه زمنا يمكنه فيه الخروج، حنث؛ لأن استدامة السكنى ~~كابتدائها، في وقوع اسم السكنى عليها، ألا تراه يقول: سكنت هذه الدار شهرا. ~~كما يقول: لبست هذا الثوب شهرا؟ وبهذا قال الشافعي. وإن أقام لنقل رحله ~~وقماشه، لم يحنث؛ لأن الانتقال لا يكون إلا بالأهل والمال، فيحتاج أن ينقل ~~ذلك معه، حتى يكون منتقلا. ويحكى عن مالك، أنه إن أقام دون اليوم والليلة، ~~لم يحنث؛ لأن ذلك قليل يحتاج إليه في الانتقال، فلم يحنث به. وعن زفر، أنه ~~قال: يحنث وإن انتقل في الحال؛ لأنه لا بد أن يكون ساكنا عقيب يمينه ولو ~~لحظة، فيحنث بها. # وليس بصحيح؛ فإن ما لا يمكن الاحتراز منه لا يراد باليمين، ولا يقع عليه، ~~وأما إذا أقام زمنا يمكنه الانتقال فيه، فإنه يحنث؛ لأنه فعل ما يقع عليه ~~اسم السكنى، فحنث به، كموضع الاتفاق، ألا ترى أنه لو حلف لا يدخل الدار، ~~فدخل إلى أول جزء منها، حنث، وإن كان قليلا؟ (8076) فصل: وإن أقام لنقل ~~متاعه وأهله، لم يحنث. وبه قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: يحنث. ولنا، أن الانتقال إنما يكون بالأهل والمال، على ما ~~سنذكره، فلا يمكنه التحرز من هذه الإقامة، فلا # PageV09P568 # يقع اليمين عليها. وعلى هذا، إن خرج بنفسه، وترك أهله وماله في المسكن مع ~~إمكان نقلهم عنه، حنث. وقال الشافعي: لا يحنث إذا خرج بنية الانتقال؛ لأنه ~~إذا خرج بنية الانتقال، فليس بساكن ولأنه يجوز أن يريد السكنى وحده دون ~~أهله وماله. ولنا، أن السكنى تكون بالأهل والمال، ولهذا يقال: فلان ساكن ~~البلد الفلاني. وهو غائب عنه بنفسه. وإذا نزل بلدا بأهله وماله يقال: سكنه. ~~ولو نزله بنفسه، لا يقال: سكنه. # وقولهم: إنه نوى السكنى بنفسه. ms5434 لا يصح؛ فإن من خرج إلى مكان لينقل أهله ~~إليه، ولم ينو السكنى بنفسه، فأشبه من خرج يشتري متاعا. وإن خرج عازما على ~~السكنى بنفسه، منفردا عن أهله الذي في الدار، لم يحنث، ويدين فيما بينه ~~وبين الله - تعالى. ذكره القاضي. # وحكي عن مالك، أنه اعتبر نقل عياله دون ماله. والأولى، إن شاء الله، أنه ~~إذا انتقل بأهله، فسكن في موضع آخر، فإنه لا يحنث، وإن بقي متاعه في الدار؛ ~~لأن مسكنه حيث حل أهله به، ونوى الإقامة به، ولهذا لو حلف لا يسكن دارا لم ~~يكن ساكنا لها، فنزلها بأهله ناويا للسكنى بها، حنث وقال. القاضي: إن نقل ~~إليها ما يتأثث به، ويستعمله في منزله، فهو ساكن وإن سكنها بنفسه. # (8077) فصل: وإن أكره على المقام، لم يحنث؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «عفي لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» . وكذلك إن كان ~~في جوف الليل في وقت لا يجد منزلا يتحول إليه، أو يحول بينه وبين المنزل ~~أبواب مغلقة لا يمكنه فتحها، أو خوف على نفسه أو أهله أو ماله، فأقام في ~~طلب النقلة، أو انتظارا لزوال المانع منها، أو خرج طالبا للنقلة فتعذرت ~~عليه؛ إما لكونه لم يجد مسكنا يتحول إليه، لتعذر الكراء أو غيره، أو لم يجد ~~بهائم ينتقل عليها، ولا يمكنه النقلة بدونها، فأقام ناويا، للنقلة متى قدر ~~عليها، لم يحنث، وإن أقام أياما وليالي؛ لأن إقامته عن غير اختيار منه، ~~لعدم تمكنه من النقلة، فإنه إذا لم يجد مسكنا لا يمكنه ترك أهله، وإلقاء ~~متاعه في الطريق، فلم يحنث به، كالمقيم للإكراه. # وإن أقام في هذا الوقت، غير ناو للنقلة، حنث، ويكون نقله لما يحتاج إلى ~~نقله، على ما جرت به العادة، فلو كان ذا متاع كثير، فنقله قليلا قليلا على ~~العادة، بحيث لا يترك النقل المعتاد، لم يحنث وإن أقام أياما، ولا يلزمه ~~جمع دواب البلد لنقله، ولا النقلة بالليل، ولا وقت الاستراحة عند التعب، ~~ولا أوقات الصلوات؛ لأن # PageV09P569 # العادة لم تجر ms5435 بالنقل فيها، ولو ذهب رحله أو أودعه أو أعاره وخرج، لم ~~يحنث؛ لأن يده زالت عن المتاع. # وإن تردد إلى الدار لنقل المتاع، أو عائدا لمريض، أو زائرا لصديق، لم ~~يحنث وقال القاضي: إن دخلها ومن رأيه الجلوس عنده، حنث، وإلا فلا. ولنا، أن ~~هذا ليس بسكنى، ولذلك لو حلف ليسكنن دارا، لم يبر بالجلوس فيها؛ لأنه على ~~هذا الوجه، ولا يسمى ساكنا به بهذا العذر، فلم يحنث به، كما لو لم ينو ~~الجلوس. وإن كان له في الدار امرأة أو عائلة، فأرادهم على الخروج معه، ~~والانتقال عنها، فأبوا، ولم يمكنه إخراجهم، فخرج وتركهم، لم يحنث؛ لأن هذا ~~مما لا يمكنه، فأشبه ما لم يمكنه نقله من رحله. ### | [فصل حلف لا يساكن فلانا] # (8078) فصل: وإن حلف لا يساكن فلانا، فالحكم في الاستدامة على ما ذكرنا ~~في الحلف على السكنى. وإن انتقل أحدهما، وبقي الآخر، لم يحنث؛ لزوال ~~المساكنة. وإن سكنا في دار واحدة، وكل واحد في بيت ذي باب وغلق، رجع إلى ~~بيته بيمينه أو إلى سببها، وما دلت عليه قرائن أحواله في المحلوف على ~~المساكنة فيه، فإن عدم ذلك كله، حنث. وهذا قول مالك. # وقال الشافعي: إن كانت الدار صغيرة، فهما متساكنان؛ لأن الصغيرة مسكن ~~واحد، وإن كانت كبيرة، إلا أن أحدهما في البيت، والآخر في الصفة، أو كانا ~~في صفتين أو بيتين ليس على أحدهما غلق، دون صاحبه، فهما متساكنان. وإن كانا ~~في بيتين، كل واحد منهما له غلق، أو كانا في خان، فليسا متساكنين؛ لأن كل ~~واحد منهما ينفرد بمسكنه دون الآخر، فأشبها المتجاورين كل واحد منهما ينفرد ~~بمسكنه. # ولنا، أنهما في دار واحدة، فكانا متساكنين، كالصغيرة، وفارق المتجاورين ~~في الدارين، فإنهما ليسا متساكنين، ويمينه على نفي المساكنة، لا على ~~المجاورة. ولو كانا في دار واحدة حالة اليمين، فخرج أحدهما منها، وقسماها ~~حجرتين، وفتحا لكل واحدة منهما بابا، وبينهما حاجز، ثم سكن كل واحد منهما ~~في حجرة، لم يحنث؛ لأنهما غير متساكنين. وإن تشاغلا ببناء الحاجز بينهما، ms5436 ~~وهما متساكنان، حنث؛ لأنهما تساكنا قبل انفراد إحدى الدارين من الأخرى وهذا ~~قول الشافعي. ولا نعلم فيه خلافا (8079) . # فصل: وإن حلف: لا ساكنت فلانا في هذه الدار. وقسماها حجرتين، وبنيا ~~بينهما حائطا، وفتح كل واحد منهما لنفسه بابا، ثم سكنا فيهما، لم يحنث، لما ~~ذكرنا في التي قبلها. وهذا قول الشافعي، وابن المنذر، وأبي ثور، وأصحاب ~~الرأي. وقال مالك: لا يعجبني ذلك. ويحتمله قياس المذهب؛ لكونه عين الدار، ~~فلا ينحل # PageV09P570 # بتغيرها، كما لو حلف لا يدخلها فصارت نصا. والأول أصح؛ لأنه لم يساكنه ~~فيها، لكون المساكنة في الدار لا تحصل مع كونهما دارين،، وفارق الدخول، ~~فإنه دخلها متغيرة. ### | [فصل حلف ليخرجن من هذه الدار] # (8080) فصل: وإن حلف ليخرجن من هذه الدار، اقتضت يمينه الخروج بنفسه ~~وأهله، كما لو حلف لا يسكنها وإن حلف ليخرجن من هذه البلدة، تناولت يمينه ~~الخروج بنفسه؛ لأن الدار يخرج منها صاحبها في اليوم مرات عادة، فظاهر حاله ~~أنه لم يرد الخروج المعتاد، وإنما أراد الخروج الذي هو النقلة، والخروج من ~~البلد بخلاف ذلك. وإذا خرج الحالف، فهل له العود فيه؟ عن أحمد روايتان؛ ~~إحداهما، لا شيء عليه في العود ولا يحنث به؛ لأن يمينه على الخروج وقد خرج، ~~فانحلت يمينه، لفعل ما حلف عليه، فلم يحنث فيما بعد. # والثانية، يحنث بالعود؛ لأن ظاهر حاله قصد هجران ما حلف على الرحيل منه، ~~ولا يحصل ذلك بالعود. ويمكن حمل هذه الرواية على أن للمحلوف عليه سببا هيج ~~يمينه، أو دلت قرينة حاله على إرادته هجرانه، أو نوى ذلك بيمينه، فاقتضت ~~يمينه دوام اجتنابها. وإن لم يكن كذلك، لم يحنث بالعود؛ لأن اليمين تحمل ~~عند عدم ذلك على مقتضى اللفظ، ومقتضاه هاهنا الخروج، وقد فعله، فانحلت ~~يمينه. وكذلك الحكم إذا حلف على الرحيل منها، إلا أنه إذا حلف على الرحيل ~~من بلد، لم يبر إلا بالرحيل بأهله. ### | [مسألة حلف لا يدخل دارا فحمل فأدخلها] # (8081) مسألة؛ قال: (ولو حلف لا يدخل دارا، فحمل فأدخلها، ولم يمكنه ~~الامتناع، لم يحنث) ms5437 نص عليه أحمد هذا، في رواية أبي طالب. وهو قول الشافعي ~~وأبي ثور، وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه خلافا وذلك لأن الفعل غير موجود منه، ~~ولا منسوب إليه. وإن حمل بأمره، فأدخلها، حنث؛ لأنه دخل مختارا، فأشبه ما ~~لو دخل راكبا. وإن حمل بغير أمره، ولكنه أمكنه الامتناع فلم يمتنع، حنث ~~أيضا؛ لأنه دخلها غير مكره، فأشبه ما لو حمل بأمره. # وقال أبو الخطاب: في الحنث وجهان؛ أحدهما، لا يحنث؛ لأنه لم يفعل الدخول، ~~ولم يأمر به، فأشبه ما لو لم يمكنه الامتناع. ومتى دخل باختياره، حنث، سواء ~~كان ماشيا، أو راكبا، أو محمولا، أو ألقى نفسه في ماء فجره إليها، أو سبح ~~فيه فدخلها، وسواء دخلها من بابها، أو تسور حائطها، أو دخل من طاقة فيها، ~~أو نقب حائطا، ودخل من ظهرها، أو غير ذلك. # (8082) فصل: وإن أكره بالضرب ونحوه على دخولها، فدخلها، لم يحنث، في أحد ~~الوجهين، وهو أحد، قولي الشافعي. # PageV09P571 # وفي الآخر يحنث. وهو قول أصحاب الرأي، ونحوه قول النخعي. لأنه فعل ما حلف ~~على تركه ودخلها. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي عن ~~الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» . ولأنه دخلها مكرها، فأشبه ما لو حمل ~~مكرها. ### | [فصل حلف ليخرجن من الدار فصعد سطحها] # (8083) فصل: وإن رقي فوق سطحها، حنث. وبهذا قال مالك، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي. وقال الشافعي: لا يحنث. ولأصحابه فيما إذا كان السطح محجرا وجهان، ~~واحتجوا بأن السطح يقيها الحر والبرد، ويحرزها، فهو كحيطانها. # ولنا، أن سطح الدار منها، وحكمه حكمها سواء، فحنث بدخوله، كالمحجر، أو ~~كما لو دخل بين حيطانها، ودليل ذلك، أنه يصح الاعتكاف في سطح المسجد، ويمنع ~~الجنب من اللبث فيه، ولو حلف ليخرجن من الدار، فصعد سطحها، لم يبر، ولو حلف ~~أن لا يخرج منها، فصعد سطحها، لم يحنث، ولأنه داخل في حدود الدار، ومملوك ~~لصاحبها، ويملك بشرائها، ويخرج من ملك صاحبها ببيعها، والبائت عليه، يقال: ~~بات في داره. وبهذا يفارق ما وراء حائطها. # وإن كان في ms5438 اليمين قرينة لفظية أو حالية تقتضي اختصاص الإرادة بداخل ~~الدار، مثل أن يكون سطح الدار طريقا، وسبب يمينه يقتضي ترك صلة أهل الدار، ~~لم يحنث بالمرور على سطحها، وكذلك إن نوى بيمينه باطن الدار، تقيدت يمينه ~~بما نواه؛ لأنه ليس للمرء إلا ما نواه. # (8084) فصل: فإن تعلق بغصن شجرة في الدار، لم يحنث. وإن صعد حتى صار في ~~مقابلة سطحها بين حيطانها، حنث. وإن لم ينزل بين حيطانها، احتمل أن يحنث؛ ~~لأنه في هوائها، وهواؤها ملك لصاحبها، فأشبه ما لو قام على سطحها، واحتمل ~~أن لا يحنث؛ لأنه لا يسمى داخلا، ولا هو على شيء من أجزائها، وكذلك إن كانت ~~الشجرة في غير الدار، فتعلق بفرع ماد على الدار في مقابلة سطحها. وإن قام ~~على حائط الدار، احتمل وجهين؛ أحدهما إنه يحنث. وهو قول أبي ثور، وأصحاب ~~الرأي؛ لأنه داخل في حدها، فأشبه القائم على سطحها. # والثاني، لا يحنث؛ لأنه لا يسمى دخولا. وإن قام في طبق الباب فكذلك؛ لأنه ~~بمنزلة حائطها. وقال القاضي: إذا قام على العتبة، لم يحنث؛ لأن الباب إذا ~~أغلق حصل خارجا منها، ولا يسمى داخلا فيها. ### | [فصل حلف أن لا يضع قدمه في الدار فدخلها راكبا أو ماشيا منقولا] # (8085) فصل: وإن حلف أن لا يضع قدمه في الدار، فدخلها راكبا أو ماشيا، ~~منقولا أو حافيا، حنث، كما لو حلف أن لا يدخلها. وبهذا قال أصحاب الرأي. ~~وقال أبو ثور: إن دخلها راكبا، لم يحنث؛ لأنه لم يضع قدمه فيها. # PageV09P572 # ولنا، أنه قد دخل الدار، فحنث، كما لو دخلها ماشيا، ولا نسلم أنه لم يضع ~~قدمه فيها، فإن قدمه موضوعة على الدابة فيها. فأشبه ما لو دخلها منتعلا. ~~وعلى أن هذا في العرف عبارة عن اجتناب الدخول، فتحمل اليمين عليه. فإن قيل: ~~هذا مجاز لا يحمل اليمين عليه. قلنا: المجاز إذا اشتهر، صار من الأسماء ~~العرفية، فينصرف اللفظ بإطلاقه إليه، كلفظ الرواية والدابة، وغيرهما. ### | [فصل حلف لا يدخل هذه الدار من بابها فدخلها من غير الباب] ms5439 # (8086) فصل: وإن حلف لا يدخل هذه الدار من بابها، فدخلها من غير الباب، ~~لم يحنث؛ لأن يمينه لم تتناول غير الباب. ويتخرج أنه يحنث إذا أراد بيمينه ~~اجتناب الدار، ولم يكن للباب سبب هيج يمينه، كما لو حلف لا يأوي مع زوجته ~~في دار، فآوى معها في غيرها. وإن حول بابها في مكان آخر، فدخل فيه، حنث؛ ~~لأنه دخلها من بابها. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وإن حلف: لا دخلت ~~من باب هذه الدار. فكذلك. وإن جعل لها باب آخر، مع بقاء الأول، فدخل منه، ~~حنث؛ لأنه دخل من باب الدار. وإن قلع الباب، ونصب في دار أخرى، وبقي الممر، ~~حنث بدخوله، ولا يحنث بالدخول من الموضع الذي نصب فيه الباب؛ لأن الدخول في ~~الممر لا من المصراع. ### | [فصل حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا مملوكة له أو دارا يسكنها بأجرة] # (8087) فصل: فإن حلف لا يدخل دار فلان، فدخل دارا مملوكة له، أو دارا ~~يسكنها بأجرة أو عارية أو غصب، حنث. وبذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي. وقال ~~الشافعي: لا يحنث إلا بدخول دار يملكها؛ لأن الإضافة في الحقيقة إلى ~~المالك، بدليل أنه لو قال: هذه الدار لفلان. كان مقرا له بملكها. ولو قال: ~~أردت أنه يسكنها. لم يقبل. # ولنا، أن الدار تضاف إلي ساكنها، كإضافتها إلى مالكها، قال الله تعالى: ~~{لا تخرجوهن من بيوتهن} [الطلاق: 1] . أراد بيوت أزواجهن التي يسكنها. وقال ~~تعالى: {وقرن في بيوتكن} [الأحزاب: 33] . ولأن الإضافة للاختصاص، وكذلك ~~يضاف الرجل إلى أخيه بالأخوة، وإلى أبيه بالبنوة، وإلى ولده بالأبوة، وإلى ~~امرأته بالزوجية، وساكن الدار مختص بها، فكانت إضافتها إليه صحيحة، وهي ~~مستعملة في العرف، فوجب أن يحنث بدخولها، كالمملوكة له. # وقولهم: إن هذه الإضافة. مجاز ممنوع، بل هي حقيقة؛ لما ذكرناه، ولو كانت ~~مجازا، لكنه مشهور، فيتناوله اللفظ، كما لو حلف: لا شربت من رواية فلان. ~~فإنه يحنث بالشرب من مزادته. وأما الإقرار، فإنه لو قال: هذه دار زيد وفسر ~~إقراره بسكناها، احتمل أن نقول: يقبل ms5440 تفسيره. # PageV09P573 # وإن سلمنا، فإن قرينة الإقرار تصرفه إلى الملك، وكذلك لو حلف: لا دخلت ~~مسكن زيد. حنث بدخوله الدار التي يسكنها. ولو قال: هذا المسكن لزيد. كان ~~مقرا له بها، ولا خلاف في هذه المسألة، وهي نظيرة مسألتنا. ### | [فصل حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة استأجرها فلان] # (8088) فصل: ولو حلف لا يركب دابة فلان، فركب دابة استأجرها فلان، حنث ~~وإن ركب دابة استعارها، لم يحنث. ذكره أبو الخطاب. وكذلك لو ركب دابة غصبها ~~فلان. وفارق مسألة الدار؛ فإنه لم يحنث في الدار لكونه استعارها، ولا ~~غصبها، وإنما حنث لسكناه بها، فأضيفت الدار إليه لذلك، ولو غصبها أو ~~استعارها من غير أن يسكنها، لم تصح إضافتها إليه، ولا يحنث الحالف، فيكون ~~كمستعير الدابة وغاصبها سواء. ### | [فصل حلف لا يدخل دار هذا العبد ولا يركب دابته ولا يلبس ثوبه فدخل دارا جعلت برسمه] # (8089) فصل: وإن حلف لا يدخل دار هذا العبد، ولا يركب دابته، ولا يلبس ~~ثوبه، فدخل دارا جعلت برسمه، أو ركب دابة جعلت برسمه، أو لبس ثوبا جعل ~~برسمه، حنث. وعند الشافعي لا يحنث؛ لأنه لا يملك شيئا، والإضافة تقتضي ~~الملك، وقد قدمنا الكلام معه في الفصل الذي قبل هذا. # ويخص هذا الفصل بأن الملكية لا تمكن هاهنا، ولا تصح الإضافة بمعناها، ~~فتعين حمل الإضافة هاهنا على إضافة الاختصاص دون الملك. وإن حلف لا يدخل ~~دار زيد، فدخل دار عبده، حنث. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. ولا نعلم فيه ~~خلافا؛ لأن دار العبد ملك لسيده. وإن حلف لا يلبس ثوب السيد، ولا يركب ~~دابته، فلبس ثوب عبده، وركب دابته، حنث. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: لا يحنث؛ لأن العبد بهما أخص. ولنا، أنهما مملوكان للسيد، فتناولهما ~~يمين الحالف، كالدار، وما ذكروه يبطل بالدار. ### | [مسألة حلف لا يدخل دارا فأدخل يده أو رجله أو رأسه أو شيئا منه] # (8090) مسألة؛ قال: (ولو حلف لا يدخل دارا، فأدخل يده أو رجله أو رأسه أو ~~شيئا منه، حنث. ولو حلف أن يدخل، ms5441 لم يبر حتى يدخل بجميعه، أما إذا حلف ~~ليدخلن أو يفعل شيئا، لم يبر إلا بفعل جميعه، والدخول إليها بجملته) لا ~~يختلف المذهب في شيء من ذلك، ولا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافا؛ لأن ~~اليمين تناولت فعل الجميع، كما لو أمره الله - تعالى بفعل شيء لم يخرج من ~~عهدة الأمر إلا بفعل الجميع، ولأن اليمين على فعل شيء إخبار بفعله في ~~المستقبل مؤكد بالقسم، والخبر بفعل شيء يقتضي فعله كله، فأما إن حلف لا ~~يدخل، فأدخل بعضه، ولا يفعل شيئا، ففعل بعضه، ففيه روايتان؛ # PageV09P574 # إحداهما، لا يحنث. # حكي عن مالك؛ لأن اليمين يقتضي المنع من فعل المحلوف عليه، فاقتضت المنع ~~من فعل شيء منه، كالنهي، فنظير الحالف على الدخول قوله تعالى: {وادخلوا ~~الباب سجدا} [البقرة: 58] . {ادخلوا عليهم الباب} [المائدة: 23] . فلا يكون ~~المأمور ممتثلا إلا بدخول جملته، ونظير الحلف على ترك الدخول قوله سبحانه: ~~{لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم} [النور: 27] . # وقوله: {لا تدخلوا بيوت النبي} [الأحزاب: 53] . لا يكون المنهي ممتثلا ~~إلا بترك الدخول كله، فكذلك الحالف على ترك الدخول، لا يبرأ إلا بتركه كله، ~~فمتى أدخل بعضه لم يكن تاركا لما حلف عليه، فكان مخالفا، كالمنهي عن ~~الدخول. # ووجه الجمع بينهما، أن الآمر والناهي يقصد الحمل على فعل الشيء أو المنع ~~منه، والحالف يقصد بيمينه ذلك، فكانا سواء، يحققه أن الآمر بالفعل أو ~~الحالف عليه، يقصد فعل الجميع، فلا يكون ممتثلا ولا بارا إلا بفعله كله، ~~والناهي والحالف على الترك، يقصد ترك الجميع، فلا يكون ممتثلا ولا بارا إلا ~~بترك الجميع، وفاعل البعض ما فعل الجميع، ولا ترك الجميع، فلا يكون ممتثلا ~~للأمر ولا النهي، ولا بارا بالحلف على الفعل ولا الترك. # والرواية، الثانية لا يحنث إلا بأن يدخل كله. قال أحمد، في رواية صالح، ~~وحنبل، فيمن حلف على امرأته لا تدخل بيت أخيها: لم تطلق حتى تدخل كلها، ألا ~~ترى أن عوف بن مالك، قال: كلي أو بعضي؟ لأن الكل لا يكون بعضا، والبعض لا ~~يكون كلا. وهذا اختيار ms5442 أبي الخطاب، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي. # وهكذا كل شيء حلف أن لا يفعله، ففعل بعضه، لا يحنث حتى يفعله كله؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج رأسه إلى عائشة وهو معتكف، فترجله ~~وهي حائض. والمعتكف ممنوع من الخروج من المسجد، والحائض ممنوعة من اللبث ~~فيه. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي بن كعب: " إني لا ~~أخرج من المسجد حتى أعلمك # PageV09P575 # سورة "، فلما أخرج رجله من المسجد علمه إياها. ولأن يمينه تعلقت بالجميع، ~~فلم تنحل بالبعض، كالإثبات. # وهذا الخلاف في اليمين المطلقة، فأما إن نوى الجميع أو البعض فيمينه على ~~ما نوى. وكذلك إن اقترنت به قرينة تقتضي أحد الأمرين، تعلقت يمينه به، فلو ~~قال: والله لا شربت هذا النهر، أو هذه البركة. تعلقت يمينه ببعضه، وجها ~~واحدا؛ لأن فعل الجميع ممتنع، فلا ينصرف يمينه إليه، وكذلك لو قال: والله ~~لا آكل الخبز، ولا أشرب الماء. وما أشبهه مما علق على اسم جنس، أو علقه على ~~اسم جمع، كالمسلمين، والمشركين، والفقراء، والمساكين، فإنما يحنث بالبعض. # وبهذا قال أبو حنيفة: وسلمه أصحاب الشافعي في اسم الجنس دون الجمع. وإن ~~علقه على اسم جنس مضاف، كماء النهر، حنث أيضا بفعل البعض، إذا كان مما لا ~~يمكن شربه كله. وهو قول أبي حنيفة، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والآخر، ~~لا يحنث؛ لأن لفظه يقتضي جميعه، فلم يتعلق ببعضه، كماء الإداوة. ولنا؛ أنه ~~لا يمكن شرب جميعه، فتعلقت اليمين ببعضه، كما لو حلف لا يكلم الناس، فكلم ~~بعضهم، وبهذا فارق ماء الإداوة، وإن نوى بيمينه فعل الجميع، أو كان في لفظه ~~ما يقتضي ذلك، لم يحنث إلا بفعل الجميع، وإن قال: والله لا صمت يوما. لم ~~يحنث حتى يكمله. # وإن حلف: لا صليت صلاة، ولا أكلت أكلة. لم يحنث حتى يكمل الصلاة والأكلة. ~~وإن قال لامرأته: إن حضت حيضة، فأنت طالق. لم تطلق حتى تطهر من حيضة ~~مستقبلة. وإن قال لامرأتيه: إن حضتما، فأنتما طالقتان. لم تطلق واحدة منهما ~~حتى ms5443 تحيضا كلتاهما فهذا وأشباهه مما يدل على إرادته فعل الجميع، فوجب تعلق ~~اليمين به. # وقال أحمد في رجل قال لامرأته: إذا صمت يوما، فأنت طالق: إذا غابت الشمس ~~من ذلك اليوم طلقت. وقال القاضي: إذا حلف: لا صليت صلاة. لم يحنث حتى يفرغ ~~مما يسمى صلاة. ولو حلف لا يصلي، ولا يصوم، حنث في الصلاة بتكبيرة الإحرام، ~~وفي الصيام بطلوع الفجر إذا نوى الصيام. وبهذا قال الشافعي. ووافق أبو ~~حنيفة في الصيام، وقال في الصلاة: لا يحنث حتى يسجد سجدة. # PageV09P576 # ولنا، أنه يسمى مصليا بدخوله في الصلاة، فحنث به، كما لو سجد سجدة، ولأنه ~~شرع فيما حلف عليه، أشبه الصيام يشرع فيه. واختار أبو الخطاب أنه لا يحنث ~~حتى يصلي ركعة بسجدتيها، ولا يحنث في الصيام حتى يصوم يوما كاملا؛ لأن ما ~~دون ذلك لا يكون بمفرده صوما ولا صلاة. والأول أولى؛ فإن كل جزء من ذلك ~~صلاة وصيام، لكن يشترط لصحته إتمامه، وكذلك يقال لمن أفسد ذلك: بطل صومه ~~وصلاته. ### | [مسألة حلف ألا يلبس ثوبا وهو لابسه] # (8091) مسألة؛ قال: (ومن حلف ألا يلبس ثوبا وهو لابسه، نزعه من وقته، فإن ~~لم يفعل، حنث) وجملة ذلك أن من حلف لا يلبس ثوبا هو لابسه، فإن نزعه في ~~الحال وإلا حنث، وكذلك إن حلف لا يركب دابة هو راكبها، فإن نزل في أول حالة ~~الإمكان، وإلا حنث. وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: لا ~~يحنث باستدامة اللبس والركوب حتى يبتدئه؛ لأنه لو حلف لا يتزوج ولا يتطهر، ~~فاستدام ذلك، لم يحنث. كذا هاهنا. # ولنا، أن استدامة اللبس والركوب تسمى لبسا وركوبا، ويسمى به لابسا ~~وراكبا، ولذلك يقال: لبست هذا الثوب شهرا، وركبت دابتي يوما. فحنث، ~~باستدامته، كما لو حلف لا يسكن، فاستدام السكنى، وقد اعتبر الشرع هذا في ~~الإحرام، حيث حرم لبس المخيط، فأوجب الكفارة في استدامته، كما أوجبها في ~~ابتدائه، وفارق التزويج، فإنه لا يطلق على الاستدامة، فلا يقال: تزوجت ~~شهرا. وإنما يقال: منذ شهر. ولهذا لم تحرم ms5444 استدامته في الإحرام كابتدائه. ### | [فصل حلف لا يتزوج ولا يتطيب ولا يتطهر فاستدام ذلك] # (8092) فصل: وإن حلف لا يتزوج، ولا يتطيب، ولا يتطهر، فاستدام ذلك، لم ~~يحنث في قولهم جميعا؛ لأنه لا يطلق على مستديم هذه الأفعال اسم الفعل، فلا ~~يقال: تزوجت شهرا. ولا: تطهرت شهرا. ولا: تطيبت شهرا. وإنما يقال: منذ شهر. ~~ولم ينزل الشارع استدامة التزويج والطيب منزلة ابتدائها في تحريمه في ~~الإحرام، وإيجاب الكفارة فيه. ### | [فصل حلف لا يدخل دارا هو فيها فأقام فيها] # (8093) فصل: وإن حلف لا يدخل دارا هو فيها، فأقام فيها، ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، يحنث؛ لأن استدامة المقام في ملك الغير كابتدائه في التحريم، قال ~~أحمد في رجل حلف على امرأته: لا دخلت أنا وأنت هذه الدار. وهما جميعا فيها، ~~قال: أخاف أن يكون قد حنث. والثاني، لا يحنث. # ذكره القاضي، واختاره أبو الخطاب وهو قول أصحاب الرأي؛ لأن الدخول لا ~~يستعمل # PageV09P577 # في الاستدامة، ولهذا يقال: دخلتها منذ شهر. ولا يقال: دخلتها شهرا. فجرى ~~مجرى التزويج، ولأن الدخول الانفصال من خارج إلى داخل، ولا يوجد في ~~الإقامة. وللشافعي قولان، كالوجهين. ويحتمل أن من أحنثه إنما كان لأن ظاهر ~~حال الحالف أنه يقصد هجران الدار ومباينتها، والإقامة فيها تخالف ذلك، فجرى ~~مجرى الحالف على ترك السكنى بها. ### | [فصل حلف لا يضاجع امرأته على فراش وهما متضاجعان فاستدام ذلك] # (8094) فصل: فإن حلف لا يضاجع امرأته على فراش، وهما متضاجعان، فاستدام ~~ذلك، حنث؛ لأن المضاجعة تقع على الاستدامة، ولهذا يقال: اضطجع على الفراش ~~ليلة. وإن كان هو مضطجعا على الفراش وحده، فاضطجعت عنده عليه نظرت؛ فإن قام ~~لوقته، لم يحنث، وإن استدام، حنث؛ لما ذكرنا. وإن حلف لا يصوم، وهو صائم، ~~فأتم يومه، فقال القاضي: لا يحنث. ويحتمل أن يحنث؛ لأن الصوم يقع على ~~الاستدامة، يقال: صام يوما. لو شرع في صوم يوم العيد، فظن أنه من رمضان، ~~فبان أنه يوم العيد، حرمت عليه استدامته. وإن حلف لا يسافر، وهو مسافر، ~~فأخذ في العود أو أقام، لم ms5445 يحنث، وإن مضى في سفره، حنث؛ لأن الاستدامة سفر، ~~ولهذا يقال: سافرت شهرا. ### | [فصل حلف لا يلبس هذا الثوب وكان رداء في حال حلفه فارتدى به] # (8095) فصل: وإن حلف لا يلبس هذا الثوب، وكان رداء في حال حلفه، فارتدى ~~به، أو ائتزر، أو اعتم به، أو جعله قميصا، أو سراويل، أو قباء، ولبسه، حنث، ~~وكذلك إن كان قميصا فارتدى به، أو سراويل فأتزر به، حنث. وهذا هو الصحيح من ~~مذهب الشافعي؛ لأنه قد لبسه. وإن قال في يمينه: لا ألبسه، وهو رداء. فغيره ~~عن كونه رداء، ولبسه، لم يحنث؛ لأن اليمين وقعت على ترك لبسه رداء. وإن ~~قال: والله لا لبست شيئا. فلبس قميصا، أو عمامة، أو قلنسوة، أو درعا، أو ~~جوشنا أو خفا، أو نعلا، حنث. وقال أصحاب الشافعي: في الخف والنعل وجهان؛ ~~أحدهما، لا يحنث. # ولنا، أنه ملبوس حقيقة وعرفا، فحنث به، كالثياب، وفي الحديث أن النجاشي ~~أهدى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - خفين، فلبسهما. وقيل لابن عمر: إنك ~~تلبس هذا النعال؟ قال: إني رأيت رسول # PageV09P578 # الله - صلى الله عليه وسلم - يلبسهما. فإن ترك القلنسوة في رجله، أو أدخل ~~يده في الخف أو النعل، لم يحنث؛ لأن ذلك ليس بلبس لهما. ### | [فصل حلف ليلبسن امرأته حليا فألبسها خاتما من فضة أو مخنقة من لؤلؤ أو جوهر وحده] # (8096) فصل: وإن حلف ليلبسن امرأته حليا، فألبسها خاتما من فضة، أو مخنقة ~~من لؤلؤ، أو جوهر وحده، بر في يمينه. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا ~~يبر؛ لأنه ليس بحلي وحده. ولنا، قول الله تعالى: {وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها} [النحل: 14] وقال تعالى: {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا} ~~[الحج: 23] . وجاء في الحديث، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: قال الله - ~~تعالى للبحر الشرقي: إني جاعل فيك الحلية والصيد والطيب ولأن الفضة حلي إذا ~~كانت سوارا أو خلخالا، فكانت حليا إذا كانت خاتما، كالذهب، والجوهر واللؤلؤ ~~حلي مع غيره، فكان حليا وحده، كالذهب. # فإن ألبسها عقيقا، أو سبجا، ms5446 لم يبر. وقال الشافعي: إن كان من أهل السواد ~~بر، وفي غيرهم وجهان؛ لأن هذا حلي في عرفهم. ولنا، أن هذا ليس بحلي، فلا ~~يبر به، كالودع، وخرز الزجاج. وما ذكروه يبطل بالودع. وإن حلف لا يلبس ~~حليا، فلبس دراهم أو دنانير في مرسلة، ففيه وجهان؛ أحدهما لا، يحنث؛ لأنه ~~ليس بحلي إذا لم يلبسه، فكذلك إذا لبسه. # PageV09P579 # والثاني: يحنث؛ لأنه ذهب وفضة لبسه، فكان حليا، كالسوار والخاتم. وإن لبس ~~سيفا محلى، لم يحنث؛ لأن السيف ليس بحلي. وإن لبس منطقة محلاة، ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، لا يحنث؛ لأن الحلية لها دونه، فأشبه السيف المحلى. # والثاني، يحنث؛ لأنها من حلي الرجال، ولا يقصد بلبسها محلاة في الغالب ~~إلا التجمل بها. وإن حلف لا يلبس خاتما، فلبسه في غير الخنصر من أصابعه، ~~حنث. وقال الشافعي: لا يحنث؛ لأن اليمين تقتضي لبسا معينا، معتادا، وليس ~~هذا معتادا، فأشبه ما لو أدخل القلنسوة في رجله. ولنا، أنه لابس لما حلف ~~على ترك لبسه، فأشبه ما لو ائتزر بالسراويل، وأما إدخال القلنسوة في رجله، ~~فهو عبث وسفه، بخلاف هذا، فإنه لا فرق بين الخنصر وغيرها، إلا من حيث ~~الاصطلاح على تخصيصه بالخنصر. ### | [مسألة حلف أن لا يأكل طعاما اشتراه زيد فأكل طعاما اشتراه زيد وبكر] # (8097) مسألة؛ قال: (ولو حلف أن لا يأكل طعاما اشتراه زيد، فأكل طعاما، ~~اشتراه زيد وبكر، حنث، إلا أن يكون أراد أن لا يتفرد أحدهما بالشراء) وبهذا ~~قال أبو حنيفة، ومالك وقال الشافعي: لا يحنث. وذكره أبو الخطاب احتمالا؛ ~~لأن كل جزء لم ينفرد أحدهما بشرائه، فلم يحنث به، كما لو حلف لا يلبس ثوبا ~~اشتراه زيد، فلبس ثوبا اشتراه زيد هو وغيره. # ولنا، أن زيدا مشتر لنصفه، وهو طعام، وقد أكله، فيجب أن يحنث، كما لو ~~اشتراه زيد، ثم خلطه بما اشتراه عمرو، فأكل الجميع، وأما الثوب، فلا نسلم، ~~وإن سلمناه، فالفرق بينهما أن نصف الثوب ليس بثوب، ونصف الطعام طعام، وقد ~~أكله بعد أن اشتراه زيد. وإن اشترى زيد ms5447 نصفه مشاعا، أو اشترى نصفه، ثم ~~اشترى الآخر باقيه، فأكل منه، حنث. والخلاف فيه على ما تقدم. ولو اشترى زيد ~~نصفه معينا، ثم خلطه بالنصف الآخر، فأكل الجميع، أو أكثر من النصف، حنث، ~~بغير خلاف؛ لأنه أكل مما اشتراه زيد يقينا. # وإن أكل نصفه، أو أقل من نصفه، ففيه وجهان؛ أحدهما، يحنث؛ لأنه يستحيل في ~~العادة انفراد ما اشتراه زيد من غيره، فيكون الحنث ظاهرا ظهورا كثيرا. ~~والثاني، لا يحنث؛ لأن الأصل عدم الحنث، ولم يتيقن أكله مما اشتراه زيد، ~~وكل موضع لا يحنث، # PageV09P580 # فحكمه حكم من حلف لا يأكل تمرة، فوقعت في تمر، فأكل منه واحدة، على ما ~~سنذكره، إن شاء الله تعالى. وإن أكل من طعام اشتراه زيد، ثم باعه، أو ~~اشتراه لغيره، حنث. ويحتمل أن لا يحنث. ### | [فصل حلف لا يلبس من غزل فلانة فلبس ثوبا من غزلها وغزل غيرها] # (8098) فصل: فإن حلف لا يلبس من غزل فلانة، فلبس ثوبا من غزلها وغزل ~~غيرها، حنث. وبه قال الشافعي وإن حلف لا يلبس ثوبا من غزلها، وغزل غيرها، ~~ففيه روايتان؛ إحداهما يحنث، كالتي قبلها. والثانية، لا يحنث. وهو قول أبي ~~حنيفة، والشافعي؛ لأنه لم يلبس ثوبا كاملا من غزلها. وكذلك إن حلف لا يلبس ~~ثوبا نسجه زيد، ولا يأكل من قدر طبخها، ولا يدخل دارا اشتراها، أو لا يلبس ~~ثوبا خاطه زيد. # فلبس ثوبا نسجه هو وغيره أو خاطاه، أو أكل من قدر طبخاها، أو دخل دارا ~~اشترياها، ففي هذا كله من الخلاف والقول مثلما في المسألة الأولى. وإن حلف ~~أن لا يلبس ما خاطه زيد، حنث بلبس ثوب خاطاه جميعا؛ لأنه لبس مما خاطه زيد، ~~بخلاف ما إذا قال: ثوبا خاطه زيد. وإن حلف أن لا يدخل دارا لزيد، فدخل دارا ~~له ولغيره، خرج فيه وجهان، والخلاف فيها على ما مضى. ### | [مسألة حلف لا يزورهما أو لا يكلمهما فزار أو كلم أحدهما] # (8099) مسألة؛ قال: (ولو حلف لا يزورهما، أو لا يكلمهما، فزار أو كلم ~~أحدهما، حنث، إلا ms5448 أن يكون أراد ألا يجتمع فعله بهما) يمكن أن تكون هذه ~~المسألة مبنية على من حلف أن لا يفعل شيئا، ففعل بعضه، فإن هذا حالف على ~~كلام شخصين وزيارتهما، فتكليمه أحدهما وزيارته فعل لبعض ما حلف عليه، وقد ~~مضى الكلام في هذا، ويمكن أن يقال: تقدير يمينه: لا كلمت هذا، ولا كلمت ~~هذا. لأن المعطوف يقدر له بعد حرف العطف فعل وعامل، مثل العامل الذي قبل ~~المعطوف عليه، فيصير كقوله سبحانه: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: ~~23] . أي: وحرمت عليكم بناتكم. # فيصير كل واحد منهما محلوفا عليه منفردا، فيحنث به، فإن قصد ألا يجتمع ~~فعله بهما، لم يحنث إلا بذلك؛ لأنه قصد بيمينه ما يحتمله، فانصرف إليه، وإن ~~قصد ترك كلام كل واحد منهما منفردا، حنث بفعله؛ لأنه عقد يمينه على ترك ~~ذلك. وإن قال: والله لا كلمت زيدا ولا عمرا. حنث بكلام كل واحد منهما، بغير ~~إشكال؛ فإن هذا يقتضي ترك كلام كل واحد منهما منفردا، قال الله تعالى: {ولا ~~يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا} ~~[الفرقان: 3] . أي لا يملكون شيئا من ذلك. ### | [فصل قال أنت طالق إن كلمت زيدا وعمرا] # (8100) فصل: فإن قال: أنت طالق، إن كلمت زيدا وعمرا. أو: عبدي حر، إن ~~كلمت زيدا وعمرا. لم يقع الطلاق ولا # PageV09P581 # العتق إلا بتكليمهما؛ لأنه جعل تكليمهما معا شرطا لوقوع ذلك، ولا يثبت ~~المشروط إلا بوجود الشرط جميعه. وكذلك لو قال لامرأتيه: إن حضتما، فأنتما ~~طالقتان. لم يقع الطلاق على واحدة منهما إلا بحيضهما جميعا، وتفارق اليمين ~~بالله - تعالى، فإن مقتضاها المنع من فعل المحلوف عليه، فتحصل المخالفة ~~بفعل البعض. وقد جمع بعض أصحابنا بينهما في الحنث بفعل البعض؛ لكون المقصود ~~من الحلف كله على ترك شيء، المنع من فعله، فيستويان. أما إذا قال: إذا ~~حضتما، فأنتما طالقتان. فليس ذلك بيمين؛ لأنه لا يقصد بهذا منع من شيء، ولا ~~حث عليه، إنما هو شرط مجرد، وليس فيه معنى اليمين. ### | [فصل حلف على فعل شيء ms5449 فقال والله لا آكل خبزا ولحما] # (8101) فصل: ومن حلف على فعل شيء فقال: والله لا آكل خبزا ولحما، ولا ~~زبدا وتمرا، ولا أدخل هاتين الدارين، ولا أعصي الله في هذين البلدين، ولا ~~أمسك هاتين المرأتين. ففعل بعض ما حلف عليه، مثل أن أكل أحدهما، أو دخل ~~إحدى الدارين، وعصى الله في أحد البلدين، أو أمسك إحدى المرأتين، فهل يحنث؟ ~~يخرج على روايتين. وإن قصد بيمينه أن لا يجمع بينهما، أو المنع من كل واحد ~~منهما، فيمينه على ما نواه. # وإن قال: والله لا آكل سمكا وأشرب لبنا. بالفتح، وهو من أهل العربية، لم ~~يحنث إلا بالجمع بينهما؛ لأن الواو هاهنا بمعنى (مع) ، ولذلك اقتضت الفتح، ~~وإن عطف أحدهما على الآخر بتكرار " لا "، اقتضى المنع من كل واحد منهما ~~منفردا، وحنث بفعله. ### | [مسألة حلف أن لا يلبس ثوبا فأشترى به أو بثمنه ثوبا فلبسه] # (8102) مسألة؛ قال: (ولو حلف أن لا يلبس ثوبا، فاشترى به أو بثمنه ثوبا، ~~فلبسه، حنث إذا كان ممن امتن عليه بذلك الثوب، وكذلك إن انتفع بثمنه) هذه ~~المسألة فرع أصل تقدم ذكره في أول الباب، وهو أن الأسباب معتبرة في الأيمان ~~فيتعدى، الحكم بتعديها، فإذا امتن عليه بثوب، فحلف أن لا يلبسه، لتنقطع ~~المنة به حنث بالانتفاع به في غير اللبس من أخذ ثمنه؛ لأنه نوع انتفاع به ~~يلحق المنة به، فإن لم يقصد قطع المنة، ولا كان سبب يمينه يقتضي ذلك، لم ~~يحنث إلا بما تناولته يمينه، وهو لبسه خاصة، فلو أبدله بثوب غيره، ثم لبسه، ~~أو انتفع به في غير اللبس، أو باعه وأخذ ثمنه، لم يحنث؛ لعدم تناول اليمين ~~له لفظا ونية وسببا. # (8103) فصل: فإن فعل شيئا عليه فيه لها منة سوى الانتفاع بالثوب، وبعوضه، ~~مثل أن سكن، دارها، أو أكل طعامها، # PageV09P582 # أو لبس ثوبا لها غير المحلوف عليه، لم يحنث؛ لأن المحلوف عليه الثوب، ~~فتعلقت يمينه به، أو بما حصل به، ولم يتعد إلى غيره؛ لاختصاص اليمين والسبب ~~به. ### | [فصل وإن امتنت عليه ms5450 امرأته بثوب فحلف أن لا يلبسه قطعا لمنتها فاشتراه غيرها ثم كساه إياه] # (8104) فصل: وإن امتنت عليه امرأته بثوب، فحلف أن لا يلبسه، قطعا لمنتها، ~~فاشتراه غيرها ثم، كساه إياه، أو اشتراه الحالف، ولبسه على وجه لا منة لها ~~فيه، فهل يحنث؟ على وجهين؛ أحدهما، يحنث لمخالفته ليمينه، ولأن لفظ الشارع ~~إذا كان أعم من السبب، وجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب كذا في ~~اليمين، ولأنه لو خاصمته امرأة له، فقال: نسائي طوالق. طلقن كلهن، وإن كان ~~سبب الطلاق واحدة، كذا هاهنا. # والثاني، لا يحنث؛ لأن السبب اقتضى تقييد لفظه بما وجد فيه السبب فصار ~~كالمنوي، أو كما لو خصصه بقرينة لفظية. ### | [مسألة حلف أن لا يأوي مع زوجته في دار فأوى معها في غيرها] # (8105) مسألة؛ قال: (ولو حلف أن لا يأوي مع زوجته في دار، فأوى معها في ~~غيرها، حنث، إذا كان أراد، بيمينه جفاء زوجته، ولم يكن للدار سبب هيج ~~يمينه) وهذه أيضا من فروع اعتبار النية، وذلك أنه متى قصد جفاءها بترك ~~الأوي معها، ولم يكن للدار أثر في يمينه، كان ذكر الدار كعدمه، وكأنه حلف ~~على ألا يأوي معها، فإذا أوى معها في غيرها، فقد أوى معها، فحنث؛ لمخالفته ~~ما حلف على تركه، وصار هذا بمنزلة سؤال الأعرابي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: واقعت أهلي في نهار رمضان. فقال: " أعتق رقبة ". لما كان ذكر أهله ~~لا أثر له في إيجاب الكفارة، حذفناه من السبب، وصار السبب الوقاع، سواء كان ~~لأهل أو لغيرهم. # وإن كان للدار أثر في يمينه، مثل أن كان يكره سكناها، أو خوصم من أجلها، ~~أو امتن عليه بها، لم يحنث إذا أوى معها في غيرها؛ لأنه قصد بيمينه الجفاء ~~في الدار بعينها، فلم يخالف ما حلف عليه. وإن عدم السبب والنية، لم يحنث ~~إلا بفعل ما تناوله لفظه، وهو الأوي معها في تلك الدار بعينها؛ لأنه يجب ~~اتباع لفظه، إذا لم تكن نية ولا سبب يصرف اللفظ عن مقتضاه، أو يقتضي ms5451 زيادة ~~عليه، ومعنى الأوي الدخول، فمتى حلف لا يأوي معها، فدخل معها الدار حنث، ~~قليلا كان لبثهما أو كثيرا، قال الله - تعالى - مخبرا عن فتى موسى: {إذ ~~أوينا إلى الصخرة} [الكهف: 63] . # قال أحمد: ما كان ذلك إلا ساعة، أو # PageV09P583 # ما شاء الله - تعالى - يقال: وأويت أنا، وآويت غيري. قال الله تعالى: {إذ ~~أوى الفتية إلى الكهف} [الكهف: 10] وقال الله تعالى: {وآويناهما إلى ربوة} ~~[المؤمنون: 50] ### | [فصل وإن بر الحالف زوجته بهدية أو غيرها أو أجتمع معها فيما ليس بدار ولا بيت] # (8106) فصل: وإن برها بهدية أو غيرها، أو اجتمع معها فيما ليس بدار ولا ~~بيت، لم يحنث، سواء كانت الدار سببا في يمينه أو لم يكن؛ لأنه قصد جفاءها ~~بهذا النوع، فلم يحنث بغيره. وإن حلف لا يأوي معها في دار لسبب، فزال السبب ~~الموجب ليمينه، مثل أن كان السبب امتنانها بها عليه، فملك الدار، أو صارت ~~لغيرها، فأوى معها فيها، فهل يحنث؟ على وجهين، تقدم ذكرهما وتعليلهما. ### | [فصل حلف أن لا يدخل عليها فيما ليس ببيت أي زوجته] # (8107) فصل: فإن حلف أن لا يدخل عليها فيما ليس ببيت، فحكمه حكم المسألة ~~التي قبلها؛ إذا قصد جفاءها، ولم يكن البيت سببا هيج يمينه، حنث، وإلا فلا. ~~فإن دخل على جماعة هي فيهم، يقصد الدخول عليها معهم، حنث، وكذلك إن لم يقصد ~~شيئا. وإن استثناها بقلبه، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يحنث، كما لو حلف أن لا ~~يسلم عليها، فسلم على جماعة هي فيهم، يقصد بقلبه السلام على غيرها، فإنه لا ~~يحنث. # والثاني: يحنث؛ لأن الدخول فعل لا يتميز، فلا يصح تخصيصه بالقصد، وقد وجد ~~في حق الكل على السواء، وهي فيهم فيحنث به، كما لو لم يقصد استثناءها، ~~وفارق السلام؛ فإنه قول يصح تخصيصه بالقصد، ولهذا يصح أن يقال: السلام ~~عليكم إلا فلانا. ولا يصح أن يقال دخلت عليكم إلا فلانا. ولأن السلام قول ~~يتناول ما يتناوله الضمير في " عليكم "، والضمير عام يصح أن يراد به الخاص، ~~فصح أن يراد به من ms5452 سواها، والفعل لا يتأتى هذا فيه. # PageV09P584 # وإن دخل بيتا لا يعلم أنها فيه، فوجدها فيه، فهو كالدخول عليها ناسيا، ~~فإن قلنا: لا يحنث بذلك. فخرج حين علم بها، لم يحنث. وكذلك إن حلف لا يدخل ~~عليها، فدخلت هي عليه، فخرج في الحال، لم يحنث. وإن أقام فهل يحنث؟ على ~~وجهين؛ بناء على من حلف لا يدخل دارا هو فيها، فاستدام المقام بها، فهل ~~يحنث؟ على وجهين. ### | [مسألة حلف أن يضرب عبده في غد فمات الحالف من يومه] # (8108) مسألة؛ قال: (ولو حلف أن يضرب عبده في غد، فمات الحالف من يومه، ~~فلا حنث عليه، وإن مات العبد، حنث) أما إذا مات الحالف من يومه فلا حنث ~~عليه؛ لأن الحنث إنما يحصل بفوات المحلوف عليه في وقته، وهو الغد، والحالف ~~قد خرج عن أن يكون من أهل التكليف قبل الغد، فلا يمكن حنثه. وكذلك إن جن ~~الحالف في يومه. فلم يفق إلا بعد خروج الغد؛ لأنه خرج عن كونه من أهل ~~التكليف. وإن هرب العبد، أو مرض العبد أو الحالف، أو نحو ذلك، فلم يقدر على ~~ضربه في الغد، حنث. # وإن لم يمت الحالف، ففيه مسائل أحدها، أن يضرب العبد في غد، أي وقت كان ~~منه، فإنه يبر في يمينه، بلا خلاف. الثانية، أمكنه ضربه في غد، فلم يضربه ~~حتى مضى الغد، وهما في الحياة، حنث أيضا، بلا خلاف. الثالثة، مات العبد من ~~يومه، فإنه يحنث. وهذا أحد قولي الشافعي. ويتخرج أن لا يحنث. # وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والقول الثاني للشافعي؛ لأنه فقد ضربه بغير ~~اختياره، فلم يحنث، كالمكره والناسي. ولنا، أنه لم يفعل ما حلف عليه في ~~وقته، من غير إكراه ولا نسيان، وهو من أهل الحنث، فحنث، كما لو أتلفه ~~باختياره، وكما لو حلف ليحجن العام، فلم يقدر على الحج؛ لمرض، أو عدم ~~النفقة، وفارق الإكراه والنسيان، فإن الامتناع لمعنى في الحالف، وها هنا ~~الامتناع لمعنى في المحل، فأشبه ما لو ترك ضربه لصعوبته، أو ترك الحالف ~~الحج لصعوبة ms5453 الطريق وبعدها عليه فأما. # إن كان تلف المحلوف عليه بفعله أو اختياره، حنث، وجها واحدا؛ لأنه فوت ~~الفعل على نفسه. قال القاضي: ويحنث الحالف ساعة موته؛ لأن يمينه انعقدت من ~~حين حلفه، وقد تعذر عليه الفعل، في الحال، كما لو لم يؤقت، ويتخرج أن لا ~~يحنث قبل الغد؛ لأن الحنث مخالفة ما عقد يمينه عليه، فلا تحصل المخالفة إلا ~~بترك الفعل في وقته. الرابعة، مات العبد في غد قبل التمكن من ضربه، فهو كما ~~لو مات في يومه. الخامسة، مات العبد في غد، بعد التمكن من ضربه، قبل ضربه، ~~فإنه يحنث، وجها واحدا. وقال بعض أصحاب الشافعي: يحنث قولا واحدا. وقال ~~بعضهم: فيه قولان. # PageV09P585 # ولنا، أنه يمكنه ضربه في وقته، فلم يضربه، فحنث، كما لو مضى الغد قبل ~~ضربه. السادسة، مات الحالف في غد، بعد التمكن من ضربه، فلم يضربه، حنث، ~~وجها واحدا؛ لما ذكرنا. السابعة، ضربه في يومه، فإنه لا يبر. وهذا قول ~~أصحاب الشافعي. وقال القاضي، وأصحاب أبي حنيفة: يبر؛ لأن يمينه للحث على ~~ضربه، فإذا ضربه اليوم، فقد فعل المحلوف عليه وزيادة، فأشبه ما لو حلف ~~ليقضينه حقه في غد، فقضاه اليوم. # ولنا، أنه لم يفعل المحلوف عليه في وقته، فلم يبر، كما لو حلف ليصومن يوم ~~الجمعة، فصام يوم الخميس، وفارق قضاء الدين، فإن المقصود تعجيله لا غير، ~~وفي قضاء اليوم زيادة في التعجيل، فلا يحنث فيها؛ لأنه علم من قصده إرادة ~~أن لا يتجاوز غدا بالقضاء، فصار كالملفوظ به، إذ كان مبنى الأيمان على ~~النية، ولا يصح قياس ما ليس بمثله عليه، وسائر المحلوفات لا تعلم منها ~~إرادة التعجيل عن الوقت الذي وقته لها، فامتنع الإلحاق، وتعين التمسك ~~باللفظ. الثامنة، ضربه بعد موته، لم يبر؛ لأن اليمين تنصرف إلى ضربه حيا، ~~يتألم بالضرب، وقد زال هذا بالموت. # التاسعة، ضربه ضربا لا يؤلمه، لم يبر؛ لما ذكرناه. العاشرة، خنقه، أو نتف ~~شعره، أو عصر ساقه، بحيث يؤلمه، فإنه يبر؛ لأنه يسمى ضربا؛ لما تقدم ذكرنا ~~له. ms5454 الحادية عشرة، جن العبد، فضربه، فإنه يبر؛ لأنه حي يتألم بالضرب، وإن ~~لم يضربه، حنث. وإن حلف لا يضربه في غد، ففيه نحو من هذه المسائل. ومتى فات ~~ضربه بموته أو غيره، لم يحنث؛ لأنه لم يضربه. ### | [فصل قال والله لأشربن ماء هذا الكوز غدا فاندفق اليوم] # (8109) فصل: وإن قال: والله لأشربن ماء هذا الكوز غدا. فاندفق اليوم، أو: ~~لآكلن هذا الخبز غدا. فتلف، فهو على نحو مما ذكرنا في العبد. قال صالح: ~~سألت أبي عن الرجل يحلف أن يشرب هذا الماء، فانصب؟ قال: يحنث. وكذلك إن حلف ~~أن يأكل هذا الرغيف، فأكله كلب؟ قال: يحنث؛ لأن هذا لا يقدر عليه. ### | [مسألة حلف أن لا يكلمه حينا فكلمه قبل الستة أشهر] # (8110) مسألة؛ قال: (ومن حلف أن لا يكلمه حينا، فكلمه قبل الستة أشهر، ~~حنث) . وجملة ذلك أنه إذا حلف لا يكلمه حينا، فإن قيد ذلك بلفظه أو بنيته ~~بزمن، تقيد به، وإن أطلقه، انصرف إلى ستة أشهر. روي ذلك عن ابن عباس. وهو ~~قول أصحاب الرأي. وقال مجاهد، والحكم، وحماد، ومالك: هو سنة؛ لقوله الله ~~تعالى: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: 25] . أي كل عام. # وقال # PageV09P586 # الشافعي، وأبو ثور: لا قدر له، ويبر بأدنى زمن؛ لأن الحين اسم مبهم يقع ~~على القليل والكثير، قال الله تعالى: {ولتعلمن نبأه بعد حين} [ص: 88] . ~~قيل: أراد يوم القيامة. وقال: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} [الإنسان: ~~1] . وقال: {فذرهم في غمرتهم حتى حين} [المؤمنون: 54] . وقال: {حين تمسون ~~وحين تصبحون} [الروم: 17] . ويقال: جئت منذ حين. وإن كان أتاه من ساعة. ~~ولنا، أن الحين المطلق في كلام الله - تعالى - أقله ستة أشهر. # قال عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد في قوله تعالى: {تؤتي أكلها كل حين} ~~[إبراهيم: 25] : إنه ستة أشهر. فيحمل مطلق كلام الآدمي على مطلق كلام الله ~~- تعالى، ولأنه قول ابن عباس، ولا نعلم له مخالفا في الصحابة، وما استشهدوا ~~به من المطلق في كلام الله - تعالى، فما ذكرناه أقله، فيحمل عليه؛ لأنه ms5455 ~~اليقين. ### | [فصل حلف لا يكلمه حقبا] # (8111) فصل: فإن حلف لا يكلمه حقبا. فذلك ثمانون عاما، وقال مالك أربعون ~~عاما؛ لأن ذلك يروى عن ابن عباس. وقال القاضي، وأصحاب الشافعي: هو أدنى ~~زمان؛ لأنه لم ينقل فيه عن أهل اللغة تقدير. ولنا، ما روي عن ابن عباس، أنه ~~قال في تفسير قوله تعالى: {لابثين فيها أحقابا} [النبأ: 23] : الحقب ثمانون ~~سنة. وما ذكره القاضي، وأصحاب الشافعي لا يصح؛ لأن قول ابن عباس حجة، ولأن ~~ما ذكروه يفضي إلى حمل كلام الله - تعالى: {لابثين فيها أحقابا} [النبأ: ~~23] وقول موسى: {أو أمضي حقبا} [الكهف: 60] إلى اللكنة؛ لأنه أخرج ذلك مخرج ~~التكثير، فإذا صار معنى ذلك (لابثين فيها) ساعات أو لحظات أو، أمضي لحظات ~~وساعات، صار مقتضى ذلك التقليل، وهو ضد ما أراد الله - تعالى بكلامه، وضد ~~المفهوم منه، ولم يذكره أحد من المفسرين فيما نعلم، فلا يجوز تفسير الحقب ~~به. ### | [فصل حلف لا يكلمه زمنا أو وقتا أو دهرا أو عمرا] # (8112) فصل: فإن حلف لا يكلمه زمنا، أو وقتا، أو دهرا، أو عمرا، أو مليا، ~~أو طويلا، أو بعيدا، أو قريبا بر بالقليل والكثير، في قول أبي الخطاب، ~~ومذهب الشافعي؛ لأن هذه الأسماء لا حد لها في اللغة، وتقع على القليل ~~والكثير، فوجب حمله على أقل ما تناوله اسمه، وقد يكون القريب بعيدا بالنسبة ~~إلى ما هو أقرب منه، وقريبا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه، ولا يجوز التحديد ~~بالتحكم، وإنما يصار إليه بالتوقيف، ولا توقيف هاهنا، فيجب حمله على ~~اليقين، وهو أقل ما يتناوله الاسم. # PageV09P587 # وقال ابن أبي موسى: الزمان ثلاثة أشهر. وقال طلحة العاقولي: الحين ~~والزمان والعمر واحد؛ لأنهم لا يفرقون في العادة بينهما، والناس يقصدون ~~بذلك التبعيد، فلو حمل على القليل، حمل على خلاف قصد الحالف. والدهر يحتمل ~~أنه كالحين أيضا لهذا المعنى. وقال في " بعيد " و " مليء "، " وطويل ": هو ~~أكثر من شهر. # وهذا قول أبي حنيفة؛ لأن ذلك ضد القليل، فلا يجوز حمله على ضده. ولو حمل ~~العمر على أربعين ms5456 عاما، كان حسنا؛ لقول الله - تعالى مخبرا عن نبيه - عليه ~~السلام -: {فقد لبثت فيكم عمرا من قبله} [يونس: 16] . وكان أربعين سنة، ~~فيجب حمل الكلام عليه، ولأن العمر في الغالب لا يكون إلا مدة طويلة، فلا ~~يحمل على خلاف ذلك. # (8113) فصل: فإن حلف لا يكلمه الدهر، أو الأبد، أو الزمان. فذلك على ~~الأبد؛ لأن ذلك بالألف واللام، وهي للاستغراق فتقتضي الدهر كله. ### | [فصل حلف على أيام] # (8114) فصل: إن حلف على أيام، فهي ثلاثة؛ لأنها أقل الجمع، قال الله ~~تعالى {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] . وهي أيام التشريق. ~~وإن حلف على أشهر، فهي ثلاثة؛ لأنها أقل الجمع. وإن حلف على شهور، فاختار ~~أبو الخطاب، أنها ثلاثة؛ لذلك. وقال غيره: يتناول يمينه اثني عشر شهرا؛ ~~لقول الله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} [التوبة: 36] . ~~ولأن الشهور جمع الكثرة، وأقله عشرة، فلا يحمل على ما يحمل عليه جمع القلة. ### | [مسألة حلف أن يقضيه حقه في وقت فقضاه قبله] # (8115) مسألة؛ قال (ولو حلف أن يقضيه حقه في وقت، فقضاه قبله، لم يحنث، ~~إذا كان أراد بيمينه إن لا يجاوز ذلك الوقت) وبهذا قال أبو حنيفة، ومحمد، ~~وأبو ثور. # وقال الشافعي يحنث إذا قضاه قبله؛ لأنه ترك فعل ما حلف عليه مختارا، ~~فحنث، كما لو قضاه بعده. ولنا، أن مقتضى هذه اليمين، تعجيل القضاء قبل خروج ~~الغد، فإذا قضاه قبله، فقد قضى قبل خروج الغد، وزاد خيرا، ولأن مبنى ~~الأيمان على النية، ونية هذا بيمينه ترك تعجيل القضاء قبل خروج الغد، ~~فتعلقت # PageV09P588 # يمينه بهذا المعنى، كما لو صرح به، فإن لم تكن له نية رجع إلى سبب ~~اليمين، فإن كانت تقتضي التعجيل، فهو كما لو نواه؛ لأن السبب يدل على ~~النية، وإن لم ينو ذلك، ولا كان السبب يقتضيه، فظاهر كلام الخرقي، أنه لا ~~يبر إلا بقضائه في الغد، ولا يبر بقضائه قبله. # وقال القاضي: يبر على كل حال؛ لأن اليمين للحث على الفعل، فمتى عجله، فقد ~~أتى بالمقصود، فيه، كما لو ms5457 نوى ذلك. والأول أصح، إن شاء الله؛ لأنه ترك فعل ~~ما تناولته يمينه لفظا، ولم تصرفها عنه نية ولا سبب، فتصرف كما لو حلف ~~ليصومن شعبان، فصام رجبا. ويحتمل ما قاله القاضي في القضاء خاصة؛ لأن عرف ~~هذه اليمين في القضاء التعجيل، فتنصرف اليمين المطلقة إليه. # (8116) فصل: فأما غير قضاء الحق، كأكل شيء، أو شربه، أو بيع شيء، أو ~~شرائه، أو ضرب عبد، ونحوه، فمتى عين وقته، ولم ينو ما يقتضي تعجيله، ولا ~~كان سبب يمينه يقتضيه، لم يبر إلا بفعله في وقته. وذكر القاضي، أنه يبر ~~بتعجيله عن وقته. وحكي ذلك عن أصحاب أبي حنيفة. ولنا، أنه لم يفعل المحلوف ~~عليه في وقته، من غير نية تصرف يمينه، ولا سبب، فيحنث، كالصيام. ولو فعل ~~بعض المحلوف عليه قبل وقته، وبعضه في وقته، لم يبر؛ لأن اليمين في الإثبات ~~لا يبر فيها إلا بفعل جميع المحلوف عليه، فترك بعضه في وقته، كترك جميعه، ~~إلا أن ينوي أن لا يجاوز ذلك الوقت، أو يقتضي ذلك سببها. ### | [فصل حلف لا يبيع ثوبه بعشرة فباعه بها أو بأقل منها] # (8117) فصل: ومن حلف لا يبيع ثوبه بعشرة، فباعه بها أو بأقل منها، حنث. ~~وإن باعه بأكثر منها، لم يحنث. وقال الشافعي لا يحنث إذا باعه بأقل؛ لأنه ~~لم يتناوله يمينه. ولنا، أن العرف في هذا أن لا يبيعه بها، ولا بأقل منها، ~~بدليل أنه لو وكل في بيعه إنسانا، وأمره أن لا يبيعه بعشرة، لم يكن له بيعه ~~بأقل منها، ولأن هذا تنبيه على امتناعه من بيعه بما دون العشرة، والحكم ~~يثبت بالبينة، كثبوته باللفظ. إن حلف: لا اشتريته بعشرة. فاشتراه بأقل، لم ~~يحنث. # وإن اشتراه بها أو بأكثر، حنث؛ لما ذكرنا. ومقتضى مذهب الشافعي، أن لا ~~يحنث إذا اشتراه بأكثر منها؛ لأن يمينه لم تتناوله لفظا. ولنا، أنها ~~تناولته عرفا وتنبيها، فكان حانثا، كما لو حلف: ما له علي حبة. # فإنه يحنث إذا كان له عليه أكثر منها، ويبرأ بيمينه مما زاد عليها، ms5458 ~~كبراءته منها. قيل لأحمد رجل إن حلف لا ينقص هذا الثوب عن كذا. قال: قد ~~أخذته، ولكن هب لي كذا. قال: هذا حيلة. قيل له: فإن قال البائع: بعتك بكذا، ~~وأهب لفلان شيئا آخر. قال هذا كله ليس بشيء. فكرهه. # PageV09P589 ### | [فصل حلف ليقضينه حقه في غد فمات الحالف من يومه] # (8118) فصل: فإن حلف ليقضينه حقه في غد، فمات الحالف من يومه، لم يحنث؛ ~~لما ذكرنا فيما إذا حلف ليضربن عبده في غد، فمات من يومه. وإن مات، المستحق ~~فحكي عن القاضي أنه يحنث؛ لأنه قد تعذر قضاؤه، فأشبه ما لو حلف ليضربن عبده ~~غدا، فمات العبد قبل اليوم. وقال أبو الخطاب: إن قضى ورثته، لم يحنث؛ لأن ~~قضاء ورثته يقوم مقام قضائه في إبراء ذمته، فكذلك في البر في يمينه، بخلاف ~~ما إذا مات العبد، فإنه لا يقوم ضرب غيره مقام ضربه. # وقال أصحاب الرأي، وأبو ثور: تنحل اليمين بموت المستحق، ولا يحنث، سواء ~~قضى ورثته أو لم يقضهم؛ لأنه تعذر عليه فعل ما حلف عليه بغير اختياره، أشبه ~~المكره، وقد سبق الكلام على هذا، في مسألة من حلف ليضربن عبده غدا، فمات ~~العبد اليوم. وإن أبرأه المستحق من الحق، فهل يحنث؟ على وجهين، بناء على ~~المكره هل يحنث؟ على روايتين، وإن قضاه عوضا عن حقه، لم يحنث، عند ابن ~~حامد؛ لأنه قد قضى حقه. وقال القاضي: يحنث؛ لأنه لم يقضه الحق الذي عليه ~~بعينه. ### | [فصل: حلف ليقضينه عند رأس الهلال فقضاه عند غروب الشمس من ليلة الشهر] # (8119) فصل: فإن حلف ليقضينه عند رأس الهلال، أو مع رأسه، أو إلى رأس ~~الهلال، أو إلى استهلاله، أو عند رأس الشهر، أو مع رأسه، فقضاه عند غروب ~~الشمس من ليلة الشهر، بر في يمينه. وإن أخر ذلك مع إمكانه، حنث. وإن شرع في ~~عده أو كيله أو وزنه، فتأخر القضاء لكثرته، لم يحنث؛ لأنه لم يترك القضاء. ~~وكذلك إذا حلف ليأكلن هذا الطعام، في هذا الوقت، فشرع في أكله فيه، وتأخر ~~الفراغ ms5459 لكثرته، لم يحنث؛ لأن أكله كله غير ممكن في هذا الوقت اليسير، فكانت ~~يمينه على الشروع فيه في ذلك الوقت، أو على مقارنة فعله لذلك الوقت، للعلم ~~بالعجز عن غير ذلك. ومذهب الشافعي في هذا كله كما ذكرنا. ### | [مسألة: حلف أن لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه] # (8120) مسألة؛ قال: (ولو حلف أن لا يشرب ماء هذا الإناء، فشرب بعضه، حنث، ~~إلا أن يكون أراد أن لا يشربه كله) وجملة ذلك أنه إذا حلف ليفعلن شيئا، لم ~~يبر إلا بفعل جميعه، وإن حلف أن لا يفعله، وأطلق، ففعل بعضه، ففيه روايتان، ~~تقدم ذكرهما. وإن نوى فعل جميعه، أو كان في يمينه ما يدل عليه، لم يحنث إلا ~~بفعل جميعه. # PageV09P590 # وإن نوى فعل البعض. أو كان في يمينه ما يدل عليه، حنث بفعل البعض، رواية ~~واحدة. فإن حلف أن لا يشرب ماء هذا الإناء، فشرب بعضه، فهل يحنث بذلك؟ فيه ~~روايتان. وإن حلف: لا يشرب ماء دجلة، أو ماء هذا النهر. حنث بشرب أدنى شيء ~~منه؛ لأن شرب جميعه ممتنع بغير يمينه، فلا حاجة إلى توكيد المنع بيمينه، ~~فتصرف يمينه إلى منع نفسه مما يمكن فعله، وهو شرب البعض، كما لو حلف: لا ~~شربت الماء. وبهذا قال أبو حنيفة. # وقال أصحاب الشافعي: إن حلف على الجنس، كالناس والماء والخبز والتمر ~~ونحوه، حنث بفعل البعض، وإن تناولت يمينه الجميع، كالمسلمين والمشركين ~~والمساكين، لم يحنث بفعل البعض، وإن تناولت اسم جنس يضاف، كماء النهر، وماء ~~دجلة، ففيه وجهان. ولنا، أنه حلف على - ما لا يمكنه فعل جميعه، فتناولت ~~يمينه بعضه منفردا، كاسم الجنس فإن حلف: لا شربت من الفرات، فشرب من مائه، ~~حنث، سواء كرع فيه، أو اغترف منه ثم شرب. وبهذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ~~ومحمد. # وقال أبو حنيفة: لا يحنث حتى يكرع فيه؛ لأن حقيقة ذلك الكرع، فلم يحنث ~~بغيره، كما لو حلف: لا شربت من هذا الإناء. فصب منه في غيره وشرب. ولنا، أن ~~معنى يمينه أن لا يشرب من ms5460 ماء الفرات؛ لأن الشرب يكون من مائها، ومنها في ~~العرف، فحملت اليمين عليه، كما لو حلف: لا شربت من هذه البئر، ولا أكلت من ~~هذه الشجرة، ولا شربت من هذه الشاة. ويفارق الكوز؛ فإن الشرب في العرف منه، ~~لأنه آلة للشرب، بخلاف النهر، وما ذكروه يبطل بالبئر والشاة والشجرة، وقد ~~سلموا أنه لو استقى من البئر، أو احتلب لبن الشاة، أو التقط من الشجرة، ~~وشرب وأكل، حنث، فكذا في مسألتنا. ### | [فصل: حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من نهر يأخذ منه] # (8121) فصل: وإن حلف لا يشرب من ماء الفرات، فشرب من نهر يأخذ منه، حنث؛ ~~لأنه من ماء الفرات، ولو حلف لا يشرب من ماء الفرات، فشرب من نهر يأخذ منه، ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، يحنث؛ لأن معنى الشرب منه الشرب من مائه، فحنث، كما لو ~~حلف: لا شربت من مائه. وهذا أحد الاحتمالين لأصحاب الشافعي. والثاني، لا ~~يحنث. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، إلا أبا يوسف، فإن عنه رواية، أنه يحنث. ~~وإنما قلنا: إنه # PageV09P591 # لا يحنث؛ لأن ما أخذه النهر يضاف إلى ذلك النهر، لا إلى الفرات، ويزول ~~بإضافته إليه عن إضافته إلى الفرات، فلا يحنث به، كغير الفرات. ### | [مسألة: قال والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك فهرب منه] # (8122) مسألة؛ قال: (ولو قال: والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك. فهرب ~~منه، لم يحنث. ولو قال: لا افترقنا. فهرب منه، حنث) أما إذا حلف: لا ~~فارقتك. ففيه مسائل عشر؛ أحدها، أن يفارقه الحالف مختارا، فيحنث، بلا خلاف، ~~سواء أبرأه من الحق أو فارقه، والحق عليه؛ لأنه فارقه قبل استيفاء حقه منه. ~~الثانية، فارقه مكرها، فينظر؛ فإن حمل مكرها حتى فرق بينهما، لم يحنث. # وإن أكره بالضرب والتهديد، لم يحنث. وفي قول أبي بكر: يحنث. وفي الناسي ~~تفصيل ذكرناه فيما مضى. الثالثة، هرب منه الغريم بغير اختياره، فلا يحنث. ~~وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وروي عن ~~أحمد، أنه يحنث؛ لأن معنى يمينه أن لا ms5461 تحصل بينهما فرقة، وقد حصلت. ولنا، ~~أنه حلف على فعل نفسه في الفرقة، وما فعل، ولا فعل باختياره، فلم يحنث، كما ~~لو حلف: لا قمت. فقام غيره. # الرابعة، أذن له الحالف في الفرقة، ففارقه، فمفهوم كلام الخرقي، أنه ~~يحنث. وقال الشافعي: لا يحنث. وقال القاضي: وهو قول الخرقي؛ لأنه لم يفعل ~~الفرقة التي حلف إنه لا يفعلها. ولنا، أن معنى يمينه لألزمنك. وإذا فارقه ~~بإذنه فما لزمه، ويفارق ما إذا هرب منه؛ لأنه فر بغير اختياره، وليس هذا ~~قول الخرقي؛ ولأن الخرقي قال: فهرب منه. فمفهومه أنه إذا فارقه بغير هرب، ~~أنه يحنث. الخامسة، فارقه من غير إذن، ولا هرب، على وجه يمكنه ملازمته، ~~والمشي معه، وإمساكه، فلم يفعل، فالحكم فيها كالتي قبلها. # السادسة، قضاه قدر حقه، ففارقه ظنا منه أنه وفاه، فخرج رديئا أو بعضه، ~~فيخرج في الحنث روايتان؛ بناء على الناسي. وللشافعي قولان، كالروايتين؛ ~~أحدهما، يحنث. وهو قول مالك، لأنه فارقه قبل استيفاء حقه مختارا. والثاني، ~~لا يحنث. # وهو قول أبي ثور، وأصحاب الرأي إذا وجدها زيوفا، وإن وجد أكثرها نحاسا ~~فإنه يحنث. وإن وجدها مستحقة، فأخذها صاحبها، خرج أيضا على الروايتين في ~~الناسي؛ لأنه ظان أنه مستوف حقه، فأشبه ما لو وجدها رديئة. وقال أبو ثور. ~~وأصحاب الرأي: لا يحنث، وإن علم بالحال ففارقه، حنث؛ لأنه لم يوفه حقه. # PageV09P592 # السابعة، فلسه الحاكم، ففارقه، نظرت؛ فإن ألزمه الحاكم، فهو كالمكره، وإن ~~لم يلزمه مفارقته، لكنه فارقه لعلمه بوجوب مفارقته، حنث؛ لأنه فارقه من غير ~~إكراه، فحنث، كما لو حلف لا يصلي، فوجبت عليه صلاة فصلاها. # الثامنة، أحاله الغريم بحقه، ففارقه، فإنه يحنث. وبهذا قال الشافعي، وأبو ~~ثور. وقال أبو حنيفة، ومحمد: لا يحنث. لأنه قد برئ إليه منه ولنا، أنه ما ~~استوفى حقه منه، بدليل أنه لم يصل إليه شيء، ولذلك يملك المطالبة به، فحنث، ~~كما لو لم يحله. فإن ظن أنه قد بر بذلك، ففارقه، فقال أبو الخطاب: يخرج على ~~الروايتين. والصحيح أنه يحنث؛ لأن هذا جهل ms5462 بحكم الشرع فيه، فلا يسقط عنه ~~الحنث، كما لو جهل كون هذه اليمين موجبة للكفارة. # فأما إن كانت يمينه: لا فارقتك ولي قبلك حق. فأحاله به، ففارقه، لم يحنث؛ ~~لأنه لم يبق له قبله حق. وإن أخذ به ضمينا أو كفيلا أو رهنا، ففارقه، حنث، ~~بلا إشكال؛ لأنه يملك مطالبة الغريم. التاسعة، قضاه عن حقه عوضا عنه، ثم ~~فارقه. فقال ابن حامد: لا يحنث. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه قد قضاه. حقه وبرئ ~~إليه منه بالقضاء. # وقال القاضي: يحنث؛ لأن يمينه على نفس الحق، وهذا بدله. وإن كانت يمينه: ~~لا فارقتك حتى تبرأ من حقي، أو: لي قبلك حق. لم يحنث، وجها واحدا؛ لأنه لم ~~يبق له قبله حق، وهذا مذهب الشافعي. والأول أصح؛ لأنه قد استوفى حقه. ~~العاشرة، وكل وكيلا يستوفي له حقه، فإن فارقه قبل استيفاء الوكيل، حنث؛ ~~لأنه فارقه قبل استيفاء حقه. وإن استوفى الوكيل، ثم فارقه، لم يحنث؛ لأن ~~استيفاء وكيله استيفاء له، يبرأ به غريمه، ويصير في ضمان الموكل. ### | [فصل: قال: لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك فأكره على فراقه] # (8123) فصل: فأما إن قال: لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك. نظرت؛ فإن ~~فارقه المحلوف عليه مختارا، حنث. وإن أكره على فراقه، لم يحنث. وإن فارقه ~~الحالف مختارا، حنث، إلا على ما ذكره القاضي في تأويل كلام الخرقي، وهو ~~مذهب الشافعي، وسائر الفروع تأتي هاهنا على نحو ما ذكرناه. ### | [فصل: كانت يمينه لا افترقنا فهرب منه المحلوف عليه] # (8124) فصل: وإن كانت يمينه: لا افترقنا فهرب منه المحلوف عليه، حنث؛ لأن ~~يمينه تقتضي ألا تحصل بينهما فرقة بوجه، وقد حصلت الفرقة بهربه. وإن أكرها ~~على الفرقة، لم يحنث، إلا على قول من لم ير الإكراه عذرا. ### | [فصل: حلف لا فارقتك حتى أوفيك حقك فأبرأه الغريم منه] # (8125) فصل: فإن حلف: لا فارقتك حتى أوفيك حقك. فأبرأه الغريم منه، فهل ~~يحنث؟ على وجهين؛ بناء على المكره. وإن كان الحق عينا، فوهبها له الغريم، ~~فقبلها، حنث؛ لأنه ترك إيفاءها له ms5463 باختياره. وإن قبضها منه، ثم وهبها إياه، ~~لم يحنث. وإن كانت يمينه: لا فارقتك ولك قبلي حق. لم يحنث إذا أبرأه، أو ~~وهب العين له. # PageV09P593 # (8126) فصل: والفرقة في هذا كله، ما عده الناس فراقا في العادة، وقد ~~ذكرنا الفرقة في البيع، وما نواه بيمينه مما يحتمله لفظه، فهو على ما نواه. ~~والله أعلم. ### | [مسألة: حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه] # (8127) مسألة؛ قال: (ولو حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه، فذلك على ~~كل مرة، إلا أن يكون نوى مرة) وجملته أن من قال لزوجته: إن خرجت إلا بإذني، ~~أو بغير إذني، فأنت طالق. أو قال: إن خرجت إلا أن آذن لك، أو حتى آذن لك، ~~أو إلى أن آذن لك. فالحكم في هذه الألفاظ الخمسة، أنها متى خرجت بغير إذنه، ~~طلقت، وانحلت يمينه؛ لأن حرف " أن " لا يقتضي تكرارا، فإذا حنث مرة، انحلت، ~~كما لو قال: أنت طالق إن شئت. وإن خرجت بإذنه، لم يحنث؛ لأن الشرط ما وجد. ~~وليس في هذا اختلاف. ولا تنحل اليمين، فمتى خرجت بعد هذا بغير إذنه، طلقت. # وقال الشافعي: تنحل، فلا يحنث بخروجها بعد ذلك؛ لأن اليمين تعلقت بخروج ~~واحد، بحرف لا يقتضي التكرار، فإذا وجد بغير إذن، حنث، وإن وجد بإذن، بر؛ ~~لأن البر يتعلق بما يتعلق به الحنث. وقال أبو حنيفة، في قوله: إن خرجت إلا ~~بإذني، أو بغير إذني. كقولنا؛ لأن الخروج بإذنه في هذين الموضعين مستثنى من ~~يمينه، فلم يدخل فيها، ولم يتعلق به بر ولا حنث. وإن قال: إن خرجت إلا أن ~~آذن لك، أو حتى آذن لك، أو إلى أن آذن لك. متى أذن لها، انحلت يمينه، ولم ~~يحنث بعد ذلك بخروجها بغير إذنه؛ لأنه جعل الإذن فيها غاية ليمينه، وجعل ~~الطلاق معلقا على الخروج قبل إذنه، فمتى أذن انتهت غاية يمينه، وزال حكمها، ~~كما لو قال: إن خرجت إلى أن تطلع الشمس، أو إلا أن تطلع الشمس، أو حتى تطلع ~~الشمس، فأنت طالق. فخرجت ms5464 بعد طلوعها، ولأن حرف " إلى " " وحتى " للغاية، لا ~~للاستثناء. # ولنا، أنه علق الطلاق على شرط، وقد وجد، فيقع الطلاق، كما لو لم تخرج ~~بإذنه. وقولهم: قد بر. غير صحيح؛ لوجهين؛ أحدهما، أن المأذون فيه مستثنى من ~~يمينه، غير داخل فيها، فكيف يبر؟ ألا ترى أنه لو قال لها: إن كلمت رجلا إلا ~~أخاك، أو غير أخيك، فأنت طالق. فكلمت أخاها، ثم كلمت رجلا آخر، فإنها تطلق، ~~ولا تنحل يمينه بتكليمها أخاها؟ والثاني، أن المحلوف عليه خروج موصوف بصفة، ~~فلا تنحل اليمين بوجود ما لم توجد فيه الصفة، ولا يحنث به، ولا يتعلق بما ~~عداه بر ولا حنث، كما لو قال: إن خرجت عريانة، فأنت طالق، أو إن خرجت ~~راكبة، فأنت طالق. # فخرجت مستترة ماشية، لم يتعلق به بر ولا حنث، ولأنه لو قال لها: إن كلمت ~~رجلا فاسقا، أو من غير محارمك، فأنت طالق. لم يتعلق بتكليمها لغير من هو ~~موصوف بتلك الصفة بر ولا حنث، فكذلك في الأفعال. # وقولهم: # PageV09P594 # تعلقت اليمين بخروج واحد. قلنا: إلا أنه خروج موصوف بصفة، فلا تنحل ~~اليمين بوجود غيره، ولا يحنث به. وأما قول أصحاب أبي حنيفة: إن الألفاظ ~~الثلاثة ليست من ألفاظ الاستثناء. قلنا: قوله: إلا أن آذن لك. من ألفاظ ~~الاستثناء، واللفظتان الأخريان في معناه، في إخراج المأذون من يمينه، فكان ~~حكمهما كحكمه. هذا الكلام فيما إذا أطلق، فإن نوى تعليق الطلاق على خروج ~~واحد، تعلقت يمينه به، وقبل قوله في الحكم؛ لأنه فسر لفظه بما يحتمله ~~احتمالا غير بعيد. وإن أذن لها مرة واحدة، ونوى الإذن في كل مرة، فهو على ~~ما نوى. # وقد نقل عبد الله بن أحمد، عن أبيه، إذا حلف أن لا تخرج امرأته إلا ~~بإذنه: إذا أذن لها مرة، فهو إذن لكل مرة، وتكون يمينه على ما نوى. وإن ~~قال: كلما خرجت، فهو بإذني. أجزأه مرة واحدة. وإن نوى بقوله: إلى أن آذن ~~لك، أو حتى آذن لك، الغاية، وأن الخروج المحلوف عليه ما قبل الغاية، دون ms5465 ما ~~بعدها، قبل قوله، وانحلت يمينه بالإذن؛ لنيته، فإن مبنى الأيمان على النية. ### | [فصل: قال إن خرجت بغير إذني فأنت طالق فأذن لها ثم نهاها فخرجت] # (8128) فصل: وإن قال: إن خرجت بغير إذني، فأنت طالق. فأذن لها، ثم نهاها، ~~فخرجت طلقت؛ لأنها خرجت بغير إذنه. وكذلك إن قال: إلا بإذني. وقال بعض ~~أصحاب الشافعي: لا يحنث؛ لأنه قد أذن. ولا يصح؛ لأن نهيه قد أبطل إذنه، ~~فصارت خارجة بغير إذنه. # وكذلك لو أذن لوكيله في بيع، ثم نهاه عنه، فباعه، كان باطلا. وإن قال: إن ~~خرجت بغير إذني، لغير عيادة مريض، فأنت طالق. فخرجت لعيادة مريض، ثم تشاغلت ~~بغيره، أو قال: إن خرجت إلى غير الحمام، بغير إذني، فأنت طالق. فخرجت إلى ~~الحمام، ثم عدلت إلى غيره، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يحنث؛ لأنها ما خرجت ~~لغير عيادة مريض، ولا إلى غير الحمام. وهذا مذهب الشافعي. # الثاني، يحنث؛ لأن قصده في الغالب أن لا تذهب إلى غير الحمام، وعيادة ~~المريض، وقد ذهبت إلى غيرهما، ولأن حكم الاستدامة حكم الابتداء، ولهذا لو ~~حلف أن لا يدخل دارا هو داخلها، فأقام فيها، حنث، في أحد الوجهين. وإن قصدت ~~بخروجها الحمام وغيره، أو العيادة وغيرها، حنث؛ لأنها خرجت لغيرهما. وإن ~~قال: إن خرجت لا لعيادة مريض، فأنت طالق. فخرجت لعيادة مريض وغيره، لم ~~يحنث؛ لأن الخروج لعيادة المريض، وإن قصدت معه غيره. # وإن قال: إن خرجت بغير إذني، فأنت طالق. ثم أذن لها ولم تعلم، فخرجت، ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، تطلق. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، ومحمد بن الحسن. ~~والثاني، لا يحنث. # وهو قول الشافعي، وأبي يوسف؛ لأنها خرجت بعد وجود الإذن من جهته، فلم ~~يحنث، كما لو علمت به، ولأنه لو عزل وكيله انعزل وإن لم يعلم بالعزل، فكذلك ~~تصير مأذونا لها وإن لم تعلم. ووجه الأول، أن الإذن إعلام، وكذلك قيل في ~~قوله: {آذنتكم على سواء} [الأنبياء: 109] . أي أعلمتكم فاستويا في # PageV09P595 # العلم. {وأذان من الله ورسوله} [التوبة: 3] . أي إعلام. {فأذنوا بحرب من ~~الله ms5466 ورسوله} [البقرة: 279] . فاعلموا به. # واشتقاقه من الإذن، يعني أوقعته في إذنك، وأعلمتك به. ومع عدم العلم لا ~~يكون إعلاما، فلا يكون إذنا، ولأن إذن الشارع في أوامره ونواهيه، لا يثبت ~~إلا بعد العلم بها، كذلك إذن الآدمي، وعلى هذا يمنع وجود الإذن من جهته. ### | [فصل: حلف عليها أن لا تخرج من هذه الدار إلا بإذنه فصعدت سطحها] # (8129) فصل: فإن حلف عليها أن لا تخرج من هذه الدار إلا بإذنه، فصعدت ~~سطحها، أو خرجت إلى صحنها، لم يحنث، لأنها لم تخرج من الدار. وإن حلف لا ~~تخرج من البيت، فخرجت إلى الصحن، أو إلى سطحه، حنث. وهذا مقتضى مذهب ~~الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. ولو حلف على زوجته لا تخرج، ثم حملها ~~فأخرجها، فإن أمكنها الامتناع فلم تمتنع، حنث. وقال الشافعي: لا يحنث؛ ~~لأنها لم تخرج، إنما أخرجت. # ولنا، أنها خرجت مختارة، فحنث، كما لو أمرت من حملها، والدليل على ~~خروجها، أن الخروج الانفصال من داخل إلى خارج، وقد وجد ذلك. وما ذكره يبطل ~~بما إذا أمرت من حملها، فأما إن لم يمكنها الامتناع، فيحتمل أن لا يحنث. ~~وهو قول أصحاب الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأن الخروج لا ينسب إليها، ~~فأشبه ما لو حملها غير الحالف. ويحتمل أن يحنث؛ لأنه مختار لفعل ما حلف على ~~تركه. وإن حلف لا تخرجي إلا بإذن زيد، فمات زيد ولم يأذن، فخرجت، حنث ~~الحالف؛ لأنه علقه على شرط، ولم يوجد، ولا يجوز فعل المشروط. ### | [مسألة: حلف أن لا يأكل هذا الرطب فأكله تمرا] # (8130) مسألة؛ قال: (ولو حلف أن لا يأكل هذا الرطب، فأكله تمرا، حنث. ~~وكذلك كل ما تولد من ذلك الرطب) وجملة ذلك أنه إذا حلف على شيء عينه ~~بالإشارة، مثل أن حلف لا يأكل هذا الرطب، لم يخل من حالين؛ أحدهما، أن ~~يأكله رطبا، فيحنث، بلا خلاف بين الجميع؛ لكونه فعل ما حلف على تركه صريحا. ~~الثاني: أن تتغير صفته، وذلك يقسم خمسة أقسام؛ أحدها، أن تستحيل أجزاؤه. ~~ويتغير اسمه، مثل أن ms5467 يحلف: لا أكلت هذه البيضة. فصارت فرخا. أو لا أكلت هذه ~~الحنطة. فصارت زرعا فأكله، فهذا لا يحنث؛ لأنه زال واستحالت أجزاؤه. # وعلى قياسه، إذا حلف: لا شربت هذا الخمر. فصارت خلا، فشربه. القسم ~~الثاني، تغيرت صفته، وزال اسمه، مع بقاء أجزائه، مثل أن يحلف: لا آكل هذا ~~الرطب. فصار تمرا، ولا أكلم # PageV09P596 # هذا الصبي. فصار شيخا، ولا آكل هذا الحمل. فصار كبشا. أو لا آكل هذا ~~الرطب. فصار دبسا، أو خلا، أو ناطفا، أو غيره من الحلواء. ولا يأكل هذه ~~الحنطة، فصارت دقيقا، أو سويقا، أو خبزا، أو هريسة. أو: لا أكلت هذا ~~العجين، أو هذا الدقيق. فصار خبزا. أو: لا أكلت هذا اللبن. فصار سمنا، أو ~~جبنا، أو كشكا. أو: لا دخلت هذه الدار. فصارت مسجدا، أو حماما، أو فضاء، ثم ~~دخلها أو أكله، حنث في جميع ذلك. # وبه قال أبو حنيفة، فيما إذا حلف: لا كلمت هذا الصبي. فصار شيخا. ولا ~~أكلت هذا الحمل. فصار كبشا. ولا: دخلت هذه الدار. فدخلها بعد تغيرها. وقال ~~به أبو يوسف، في الحنطة إذا صارت دقيقا. وللشافعي في الرطب إذا صار تمرا، ~~والصبي إذا صار شيخا، والحمل إذا صار كبشا، وجهان. وقالوا في سائر الصور: ~~لا يحنث؛ لأن اسم المحلوف عليه وصورته زالت، فلم يحنث، كما لو حلف لا يأكل ~~هذه البيضة، فصارت فرخا. # ولنا، أن عين المحلوف عليه باقية، فحنث بها، كما لو حلف: لا أكلت هذا ~~الحمل. فأكل لحمه. أو: لا لبست هذا الغزل. فصار ثوبا، فلبسه. أو: لا لبست ~~هذا الرداء. فلبسه بعد أن صار قميصا أو سراويل. # وفارق البيضة إذا صارت فرخا؛ لأن أجزاءها استحالت، فصارت عينا أخرى، ولم ~~تبق عينها، ولأنه لا اعتبار بالاسم مع التعيين، كما لو حلف: لا كلمت زيدا ~~هذا. فغير اسمه. أو: لا كلمت صاحب هذا الطيلسان. فكلمه بعد بيعه. ولأنه متى ~~اجتمع التعيين مع غيره مما يعرف به، كان الحكم للتعيين، كما لو اجتمع مع ~~الإضافة. # القسم الثالث، تبدلت الإضافة، مثل ms5468 أن حلف: لا كلمت زوجة زيد هذه، ولا ~~عبده هذا، ولا دخلت داره هذه. فطلق الزوجة، وباع العبد والدار، فكلمهما، ~~ودخل الدار، حنث. وبه قال مالك، والشافعي، ومحمد، وزفر. وقال أبو حنيفة، ~~وأبو يوسف: لا يحنث، إلا في الزوجة؛ لأن الدار لا توالى ولا تعادى، وإنما ~~الامتناع لأجل مالكها، فتعلقت اليمين بها، مع بقاء ملكه عليها، وكذلك العبد ~~في الغالب. # ولنا، أنه إذا اجتمع في اليمين التعيين والإضافة، كان الحكم للتعيين، كما ~~لو قال: والله لا كلمت زوجة فلان، ولا صديقه. وما ذكروه لا يصح في العبد؛ ~~لأنه يوالي ويعادي، ويلزمه في الدار إذا أطلق، ولم يذكر مالكها، فإنه يحنث ~~بدخولها بعد بيع مالكها إياها. # PageV09P597 # القسم الرابع، إذا تغيرت صفته بما يزيل اسمه ثم عادت، كمقص انكسر ثم ~~أعيد، وقلم انكسر ثم بري، وسفينة تفصمت ثم أعيدت، ودار هدمت ثم بنيت، ~~وأسطوانة نقضت ثم أعيدت، فإنه يحنث؛ لأن أجزاءها واسمها موجود، فأشبه ما لو ~~لم تتغير. # القسم الخامس، إذا تغيرت صفته بما لم يزل اسمه، كلحم شوي أو طبخ، وعبد ~~بيع، ورجل مرض، فإنه يحنث به، بلا خلاف نعلمه؛ لأن الاسم الذي علق عليه ~~اليمين لم يزل، ولا زال التغير، فحنث به، كما لو لم يتغير حاله. ### | [فصل: قال والله لا كلمت سعدا زوج هند وطلق الزوج ففعل] # (8131) فصل: وإن قال: والله لا كلمت سعدا زوج هند أو سيد صبيح، أو صديق ~~عمرو، أو مالك هذه الدار، أو صاحب هذا الطيلسان. أو: لا كلمت هند امرأة ~~سعد، أو صبيحا عبده، أو عمرا صديقه. فطلق الزوجة، وباع العبد والدار ~~والطيلسان، وعادى عمرا، وكلمهم، حنث؛ لأنه متى اجتمع الاسم والإضافة، غلب ~~الاسم؛ بجريانه مجرى التعيين لتعريف المحل. # (8132) فصل: ومتى نوى بيمينه في هذه الأشياء، ما دام على تلك الصفة أو ~~الإضافة، أو لم يتغير، فيمينه على ما نواه؛ لقوله - عليه السلام -: " وإنما ~~لامرئ ما نوى ". والله أعلم. ### | [مسألة حلف أن لا يأكل تمرا فأكل رطبا] # (8133) مسألة؛ قال: (ولو حلف أن لا يأكل ms5469 تمرا، فأكل رطبا، لم يحنث) وجملة ~~ذلك أنه إذا لم يعين المحلوف عليه، ولم ينو بيمينه ما يخالف ظاهر اللفظ، ~~ولا صرفه السبب عنه، تعلقت يمينه بما تناوله الاسم الذي علق عليه يمينه، ~~ولم يتجاوزه، فإذا حلف ألا يأكل تمرا، لم يحنث إذا أكل رطبا ولا بسرا ولا ~~بلحا. # وإذا حلف لا يأكل رطبا، لم يحنث إذا أكل تمرا ولا بسرا ولا بلحا، ولا ~~سائر ما لا يسمى رطبا. وهذا مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه ~~خلافا. ### | [فصل: حلف لا يأكل عنبا فأكل زبيبا] # (8134) فصل: ولو حلف لا يأكل عنبا، فأكل زبيبا أو دبسا أو خلا أو ناطفا، ~~أو لا يكلم شابا، فكلم شيخا، أو # PageV09P598 # لا يشتري جديا، فاشترى تيسا، أو لا يضرب عبدا، فضرب عتيقا، لم يحنث، بغير ~~خلاف؛ لأن اليمين تعلقت بالصفة دون العين، ولم توجد الصفة، فجرى مجرى قوله: ~~لا أكلت هذه التمرة. فأكل غيرها. ### | [فصل: حلف لا يأكل رطبا فأكل منصفا] # (8135) فصل: فإن حلف لا يأكل رطبا، فأكل منصفا، وهو الذي بعضه بسر وبعضه ~~تمر، أو مذنبا، وهو الذي بدأ فيه الإرطاب من ذنبه وباقيه بسر، أو حلف لا ~~يأكل بسرا، فأكل ذلك، حنث. وبهذا قال أبو حنيفة، ومحمد، والشافعي. وقال أبو ~~يوسف، وبعض أصحاب الشافعي: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى رطبا ولا تمرا. # ولنا، أنه أكل رطبا وبسرا، فحنث، كما لو أكل نصف رطبة ونصف بسرة ~~منفردتين. وما ذكروه لا يصح؛ فإن القدر الذي أرطب رطب، والباقي بسر، ولو ~~أنه حلف لا يأكل الرطب، فأكل القدر الذي أرطب من النصف، حنث، ولو حلف لا ~~يأكل البسر، فأكل البسر الذي في النصف حنث. # وإن أكل البسر من يمينه على الرطب، وأكل الرطب من يمينه على البسر، لم ~~يحنث واحد منهما. وإن حلف واحد ليأكلن رطبا، وآخر ليأكلن بسرا، فأكل الحالف ~~على أكل الرطب ما في المنصف من الرطبة، وأكل الآخر باقيها، برا جميعا. وإن ~~حلف ليأكلن رطبة أو بسرة، أو لا يأكل ذلك، فأكل منصفا، ms5470 لم يبر ولم يحنث؛ ~~لأنه ليس فيه رطبة ولا بسرة. ### | [فصل: حلف لا يأكل لبنا فأكل من لبن الأنعام أو الصيد أو لبن آدمية] # (8136) فصل: وإن حلف لا يأكل لبنا، فأكل من لبن الأنعام، أو الصيد، أو ~~لبن آدمية، حنث؛ لأن الاسم يتناوله حقيقة وعرفا، وسواء كان حليبا أو رائبا، ~~أو مائعا أو مجمدا؛ لأن الجميع لبن، ولا يحنث بأكل الجبن والسمن والمصل ~~والأقط والكشك ونحوه. وإن أكل زبدا، لم يحنث. نص عليه. وقال القاضي: يحتمل ~~أن يقال في الزبد: إن ظهر فيه لبن، حنث بأكله، وإلا فلا. كما قلنا فيمن حلف ~~لا يأكل سمنا، فأكل خبيصا فيه سمن. وهذا مذهب الشافعي. # وإن حلف لا يأكل زبدا، فأكل سمنا أو لبنا لم يظهر فيه الزبد، لم يحنث. ~~وإن كان الزبد ظاهرا فيه، حنث. وإن أكل جبنا، لم يحنث. وكذلك سائر ما يصنع ~~من اللبن. # وإن حلف لا يأكل سمنا، فأكل زبدا، أو لبنا، أو شيئا مما يصنع من اللبن ~~سوى السمن، لم يحنث. وإن أكل السمن منفردا، أو في عصيدة، # PageV09P599 # أو حلواء أو طبيخ، فظهر فيه طعمه، حنث. ولذلك إذا حلف لا يأكل لبنا، فأكل ~~طبيخا فيه لبن، أو لا يأكل خلا، فأكل طبيخا فيه خل، يظهر طعمه فيه، حنث. ~~وبهذا قال الشافعي. # وقال بعض أصحابه: لا يحنث؛ لأنه لم يفرده بالأكل. ولا يصح؛ لأنه أكل ~~المحلوف عليه، وأضاف إليه غيره، فحنث، كما لو أكله ثم أكل غيره. ### | [فصل حلف لا يأكل شعيرا فأكل حنطة فيها حبات شعير] # (8137) فصل: وإن حلف لا يأكل شعيرا، فأكل حنطة فيها حبات شعير، حنث؛ لأنه ~~أكل شعيرا فحنث، كما لو حلف لا يأكل رطبا، فأكل منصفا. ويحتمل أن لا يحنث؛ ~~لأنه يستهلك في الحنطة، فأشبه السمن في الخبيص. وإن نوى بيمينه أن لا يأكل ~~الشعير منفردا، أو كان سبب يمينه يقتضي ذلك، أو يقتضي أكل شعير يظهر أثر ~~أكله، لم يحنث إلا بذلك، لما قدمنا. ### | [فصل حلف لا يأكل فاكهة] # (8138) فصل: وإن حلف لا ms5471 يأكل فاكهة، حنث بأكل كل ما يسمى فاكهة، وهي كل ~~ثمرة تخرج من الشجرة يتفكه بها، من العنب، والرطب، والرمان، والسفرجل، ~~والتفاح، والكمثرى، والخوخ، والمشمش، والأترج، والتوت، والنبق، والموز، ~~والجوز، والجميز. وبهذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن. وقال أبو ~~حنيفة، وأبو ثور: لا يحنث بأكل ثمرة النخل والرمان؛ لقول الله تعالى: ~~{فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68] . والمعطوف يغاير المعطوف عليه. # ولنا، أنهما ثمرة شجرة يتفكه بهما، فكانا من الفاكهة، كسائر ما ذكرنا، ~~ولأنهما في عرف الناس فاكهة، ويسمى بائعهما فاكهانيا. وموضع بيعهما دار ~~الفاكهة، والأصل في العرف الحقيقة، والعطف لشرفهما وتخصيصهما، كقوله تعالى: ~~{من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 98] . وهما من ~~الملائكة، فأما يابس هذه الفواكه، كالزبيب والتمر والتين والمشمش اليابس ~~والإجاص ونحوها، فهو من الفاكهة؛ لأنه ثمر شجرة يتفكه بها. # ويحتمل أنه ليس منها؛ لأنه يدخر، ومنه ما يقتات، فأشبه الحبوب. والزيتون ~~ليس بفاكهة؛ لأنه لا يتفكه بأكله، وإنما المقصود زيته، وما يؤكل منه يقصد ~~به التأدم لا التفكه. والبطم في معناه؛ لأن المقصود زيته. ويحتمل أنه ~~فاكهة؛ لأنه ثمر شجر يؤكل غضا ويابسا على جهته، فأشبه التوت. والبلوط ليس ~~بفاكهة؛ لأنه لا يتفكه به، وإنما يؤكل عند المجاعة، أو التداوي. # وكذلك سائر ثمر شجر البر الذي لا يستطاب، # PageV09P600 # كالزعرور الأحمر، وثمر القيقب، والعفص، وحب الآس، ونحوه، وإن كان فيها ما ~~يستطاب، كحب الصنوبر، فهو فاكهة؛ لأنه ثمرة شجرة يتفكه به. (8139) فصل: ~~فأما القثاء، والخيار، والقرع، والباذنجان، فهو من الخضر، وليس بفاكهة. وفي ~~البطيخ وجهان؛ أحدهما، هو من الفاكهة. ذكره القاضي. وهو قول الشافعي، وأبي ~~ثور لأنه ينضج ويحلو، أشبه ثمر الشجر. # والثاني، ليس من الفاكهة؛ لأنه ثمر بقلة، أشبه الخيار والقثاء. وأما ما ~~يكون في الأرض، كالجزر، واللفت، والفجل، والقلقاس، والسوطل، ونحوه، فليس ~~شيء من ذلك فاكهة؛ لأنه لا يسمى بها، ولا هو في معناها. ### | [فصل حلف لا يأكل أدما] # (8140) فصل: وإن حلف لا يأكل أدما، حنث بأكل كل ما جرت العادة بأكل ms5472 الخبز ~~به؛ لأن هذا معنى التأدم، وسواء في هذا ما يصطبغ، كالطبيخ والمرق والخل ~~والزيت والسمن والشيرج واللبن، قال الله تعالى في الزيت: {وصبغ للآكلين} ~~[المؤمنون: 20] . وقال - عليه السلام -: «نعم الإدام الخل» . وقال: ~~«ائتدموا بالزيت، وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة» . رواه ابن ماجه. أو من ~~الجامدات، كالشواء والجبن والباقلاء والزيتون والبيض. # وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: ما لا يصطبغ به ~~فليس بأدم؛ لأن كل واحد منهما يرفع إلى الفم منفردا. ولنا، قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «سيد الإدام اللحم» . وقال: «سيد إدامكم الملح» . رواه ~~ابن ماجه. لأنه يؤكل به الخبز عادة، فكان أدما، كالذي يصطبغ به، ولأن كثيرا ~~مما ذكرنا لا يؤكل # PageV09P601 # في العادة وحده، إنما يعد للتأدم به، وأكل الخبز به، فكان أدما، كالخل ~~واللبن. # وقولهم: إنه يرفع إلى الفم وحده مفردا. عنه جوابان؛ أحدهما، أن منه ما ~~يرفع مع الخبز، كالملح ونحوه. والثاني، أنهما يجتمعان في الفم والمضغ ~~والبلع، الذي هو حقيقة الأكل، فلا يضر افتراقهما قبله، فأما التمر، ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، هو أدم؛ لما روى يوسف عن عبد الله بن سلام، قال: «رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وضع تمرة على كسرة، وقال: هذه إدام هذه» . ~~رواه أبو داود، وذكره الإمام أحمد. # والثاني، ليس بأدم؛ لأنه لا يؤتدم به عادة، إنما يؤكل قوتا أو حلاوة. وإن ~~أكل الملح مع الخبز فهو إدام؛ لما ذكرنا من الخبر، ولأنه يؤكل به الخبر، ~~ولا يؤكل منفردا عادة، أشبه الجبن والزيتون. ### | [فصل حلف لا يأكل طعاما فأكل ما يسمى طعاما] # (8141) فصل: فإن حلف لا يأكل طعاما، فأكل ما يسمى طعاما؛ من قوت، وأدم، ~~وحلواء، وتمر، وجامد، ومائع حنث، قال الله تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني ~~إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} [آل عمران: 93] . وقال تعالى: ~~{ويطعمون الطعام على حبه} [الإنسان: 8] . يعني على محبة الطعام؛ لحاجتهم ~~إليه، وقيل: على حب الله تعالى. # وقال الله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي ms5473 محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145] . «وسمى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - اللبن طعاما، فقال: إنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم» ~~. وفي الماء وجهان؛ أحدهما، هو طعام؛ لقول الله تعالى: {إن الله مبتليكم ~~بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني} [البقرة: 249] . والطعام ~~ما يطعم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى اللبن طعاما، وهو مشروب، ~~فكذلك الماء. # والثاني، ليس بطعام؛ لأنه لا يسمى طعاما، ولا يفهم من إطلاق اسم الطعام، ~~ولهذا يعطف عليه، فيقال: طعام وشراب. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إني لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن» . رواه ابن ماجه. ~~ويقال: باب الأطعمة والأشربة. ولأنه إن كان طعاما في الحقيقة، فليس بطعام ~~في العرف، # PageV09P602 # فلا يحنث بشربه، لأن مبنى الأيمان على العرف، لكون الحالف في الغالب لا ~~يريد بلفظه إلا ما يعرفه، وإن أكل دواء، ففيه وجهان؛ أحدهما، يحنث؛ لأنه ~~يطعم حال الاختيار. وهذا مذهب الشافعي. # والثاني، لا يحنث؛ لأنه لا يدخل في إطلاق اسم الطعام، ولا يؤكل إلا عند ~~الضرورة. فإن أكل من نبات الأرض ما جرت العادة بأكله، حنث. وإن أكل ما لم ~~تجر به عادة، كورق الشجر، ونشارة الخشب، احتمل وجهين؛ أحدهما، يحنث؛ لأنه ~~قد أكله، فأشبه ما جرت العادة بأكله، ولأنه روي عن عتبة بن غزوان، أنه قال: ~~«لقد رأيتنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابع سبعة، ما لنا طعام ~~إلا ورق الحبلة، حتى قرحت أشداقنا» . والثاني، لا يحنث؛ لأنه لا يتناوله ~~اسم الطعام في العرف. ### | [فصل حلف لا يأكل قوتا فأكل خبزا أو تمرا أو زبيبا أو لحما أو لبنا] # (8142) فصل: فإن حلف لا يأكل قوتا، فأكل خبزا، أو تمرا، أو زبيبا، أو ~~لحما، أو لبنا، حنث؛ لأن كل واحد من هذه يقتات في بعض البلدان. ويحتمل أن ~~لا يحنث إلا بأكل ما يقتاته أهل بلده؛ لأن يمينه تنصرف إلى القوت المتعارف ~~عندهم في بلدهم. ms5474 ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين. # وإن أكل سويقا، أو استف دقيقا، حنث؛ لأنه لا يقتات كذلك، ولهذا قال بعض ~~اللصوص: # لا تخبزا خبزا وبسابسا ... ولا تطيلا بمقام حبسا # PageV09P603 # وإن أكل حبا يقتات خبزه، حنث؛ لأنه يسمى قوتا، ولذلك روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يدخر قوت عياله لسنة. وإنما يدخر الحب. ويحتمل أن لا ~~يحنث؛ لأنه لا يقتات كذلك. وإن أكل عنبا، أو حصرما، أو خلا، لم يحنث؛ لأنه ~~لم يصر قوتا. ### | [فصل حلف لا يملك مالا] # (8143) فصل: وإن حلف لا يملك مالا، حنث بملك كل ما يسمى مالا، سواء كان ~~من الأثمان، أو غيرها من العقار والأثاث والحيوان. وبهذا قال الشافعي. وعن ~~أحمد، أنه إذا نذر الصدقة بجميع ماله، إنما يتناول نذره الصامت من ماله. ~~ذكرها ابن أبي موسى؛ لأن إطلاق المال ينصرف إليه. # وقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا إن ملك مالا زكويا، استحسانا؛ لأن الله - ~~تعالى قال: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات: 19] . فلم يتناول ~~إلا الزكوية. ولنا، أن غير الزكوية أموال، قال الله تعالى: {أن تبتغوا ~~بأموالكم} [النساء: 24] . وهي مما يجوز ابتغاء النكاح بها. وقال أبو طلحة ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أحب أموالي إلي بيرحاء. يعني حديقة. وقال ~~عمر: أصبت مالا بأرض خيبر، لم أصب مالا قط أنفس عندي منه. وقال أبو قتادة: ~~اشتريت مخرفا، فكان أول مال تأثلته. وفي الحديث: «خير المال سكة مأبورة، أو ~~مهرة مأمورة» . ويقال: خير المال عين خرارة، في أرض خوارة. ولأنه # PageV09P604 # يسمى مالا، فحنث به، كالزكوي. # وأما قوله: {وفي أموالهم حق} [الذاريات: 19] . فالحق هاهنا غير الزكاة، ~~لأن هذه الآية مكية، نزلت قبل فرض الزكاة، فإن الزكاة إنما فرضت بالمدينة، ~~ثم لو كان الحق الزكاة، فلا حجة فيها، فإن الحق إذا كان في بعض المال، فهو ~~في المال، كما أن من هو في بيت من دار، أو في بلدة، فهو في الدار والبلدة، ~~قال الله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} [الذاريات: 22] . ولا يلزم ~~أن يكون في كل ms5475 أقطارها. ثم لو اقتضى هذا العموم، لوجب تخصيصه، فإن ما دون ~~النصاب مال، ولا زكاة فيه. # فإن حلف لا مال له، وله دين، حنث. ذكره أبو الخطاب. وهو قول الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ لأنه لا ينتفع به. ولنا، أنه ينعقد عليه حول ~~الزكاة، ويصح إخراجها عنه، ويصح التصرف فيه بالإبراء، والحوالة، والمعاوضة ~~عنه لمن هو في ذمته، والتوكيل في استيفائه، فيحنث به، كالمودع. وإن كان له ~~مال مغصوب، حنث؛ لأنه باق على ملكه. وإن كان له مال ضائع، ففيه وجهان؛ ~~أحدهما: يحنث؛ لأن الأصل بقاؤه على ملكه. # والثاني، لا يحنث؛ لأنه لا يعلم بقاؤه. وإن ضاع على وجه قد يئس من عوده، ~~كالذي يسقط في بحر، لم يحنث؛ لأن وجوده كعدمه. ويحتمل أن لا يحنث في كل ~~موضع لا يقدر على أخذ ماله، كالمجحود، والمغصوب، والذي على غير مليء؛ لأنه ~~لا نفع فيه، وحكمه حكم المعدوم، في جواز الأخذ من الزكاة، وانتفاء وجوب ~~أدائها عليه عنه. وإن تزوج لم يحنث؛ لأن ما يملكه ليس بمال. وإن وجب له حق ~~شفعة، لم يحنث؛ لأنه لم يثبت له الملك به. وإن استأجر عقارا أو غيره، لم ~~يحنث؛ لأنه لا يسمى مالكا لمال. ### | [مسألة حلف لا يأكل لحما فأكل الشحم أو المخ أو الدماغ] # (8144) مسألة؛ قال: (ولو حلف لا يأكل لحما، فأكل الشحم، أو المخ، أو ~~الدماغ، لم يحنث، إلا أن يكون أراد اجتناب الدسم، فيحنث بأكل الشحم) وجملته ~~أن الحالف على ترك أكل اللحم، لا يحنث بأكل ما ليس بلحم، من الشحم والمخ، ~~وهو الذي في العظام، والدماغ، وهو الذي في الرأس في قحفه، ولا الكبد ~~والطحال، والرئة، والقلب، والكرش، والمصران، والقانصة، ونحوها. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة، ومالك: يحنث بأكل هذا كله؛ لأنه لحم حقيقة، ويتخذ ~~منه ما يتخذ من اللحم، فأشبه لحم الفخذ. # PageV09P605 # ولنا، أنه لا يسمى لحما، وينفرد عنه باسمه وصفته، ولو أمر وكيله بشراء ~~لحم، فاشترى هذا، لم يكن ممتثلا لأمره، ولا ينفذ الشراء للموكل، ms5476 فلم يحنث ~~بأكله، كالبقل، وقد دل على أن الكبد والطحال ليستا بلحم، قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أحلت لنا ميتتان ودمان؛ أما الدمان فالكبد والطحال» . ~~ولا نسلم أنه لحم حقيقة، بل هو من الحيوان مع اللحم، كالعظم والدم. فأما إن ~~قصد اجتناب الدسم، حنث بأكل الشحم؛ لأن له دسما، وكذلك المخ، وكل ما فيه ~~دسم. # (8145) فصل: ولا يحنث بأكل الألية. وقال بعض أصحاب الشافعي: يحنث؛ لأنها ~~نابتة في اللحم، وتشبهه في الصلابة. وليس بصحيح؛ لأنها لا تسمى لحما، ولا ~~يقصد بها ما يقصد به، وتخالفه في اللون والذوب والطعم، فلم يحنث بأكلها، ~~كشحم البطن. فأما الشحم الذي على الظهر والجنب وفي تضاعيف اللحم، فلا يحنث ~~بأكله، في ظاهر كلام الخرقي. فإنه قال: اللحم لا يخلو من شحم. يشير إلى ما ~~يخالط اللحم مما تذيبه النار، وهذا كذلك. وهذا قول طلحة العاقولي. وممن ~~قال: هذا شحم. أبو يوسف، ومحمد. # وقال القاضي: هو لحم، يحنث بأكله، ولا يحنث بأكله من حلف لا يأكل شحما. ~~وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه لا يسمى شحما، ولا بائعه شحاما، ولا يفرد عن اللحم ~~مع الشحم، ويسمى بائعه لحاما، ويسمى لحما سمينا، ولو وكل في شراء لحم، ~~فاشتراه الوكيل، لزمه، ولو اشتراه الوكيل في شراء الشحم، لم يلزمه. # ولنا، قوله تعالى: {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ~~ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146] . ولأنه يشبه الشحم ~~في صفته وذوبه، ويسمى دهنا، فكان شحما كالذي في البطن، ولا نسلم أنه لا ~~يسمى شحما، ولا أنه يسمى بمفرده لحما، وإنما يسمى اللحم الذي هو عليه لحما ~~سمينا، ولا يسمى بائعه شحاما؛ لأنه لا يباع بمفرده، وإنما يباع تبعا للحم، ~~وهو تابع له في الوجود والبيع، فلذلك سمي بائعه لحاما، ولم يسم شحاما، لأنه ~~سمي بما هو الأصل فيه، دون التبع. # (8146) فصل: وإن أكل المرق، لم يحنث. ذكره أبو الخطاب. قال: وقد روي عن ~~أحمد، أنه قال: لا يعجبني الأكل من المرق. وهذا على طريق ms5477 الورع. وقال ابن ~~أبي موسى، والقاضي: يحنث؛ لأن المرق لا يخلو من أجزاء اللحم الذائبة، وقد ~~قيل: المرق أحد اللحمين. # ولنا، أنه ليس بلحم حقيقة، ولا يطلق عليه اسمه، فلم يحنث به، كالكبد، ولا ~~نسلم أن أجزاء اللحم فيه، وإنما # PageV09P606 # فيه ماء اللحم ودهنه، وليس ذلك بلحم. وأما المثل، فإنما أريد به المجاز، ~~كما في نظائره، من قولهم: الدعاء أحد الصدقتين. وقلة العيال أحد اليسارين. ~~وهذا دليل على أنها ليست بلحم؛ لأنه جعلها غير اللحم الحقيقي. # (8147) فصل: وإن أكل رأسا، أو كارعا، فقد روي عن أحمد، ما يدل على أنه لا ~~يحنث؛ لأنه روي عنه ما يدل على أن من حلف لا يشتري لحما، فاشترى رأسا أو ~~كارعا، لا يحنث، إلا أن ينوي أن لا يشتري من الشاة شيئا. قال القاضي: لأن ~~إطلاق اسم اللحم لا يتناول الرءوس والكوارع، ولو وكله في شراء لحم، فاشترى ~~رأسا أو كارعا، لم يلزمه، ويسمى بائع ذلك رآسا، ولا يسمى لحاما. # وقال أبو الخطاب: يحنث بأكل لحم الخد؛ لأنه لحم حقيقة. وحكي عن أبي موسى، ~~أنه لا يحنث، إلا أن ينويه باليمين. وإن أكل اللسان، احتمل وجهين؛ أحدهما، ~~يحنث؛ لأنه لحم حقيقة. والثاني: لا يحنث؛ لأنه ينفرد عن اللحم باسمه وصفته، ~~فأشبه القلب. ### | [مسألة حلف ألا يأكل الشحم فأكل اللحم] # (8148) مسألة؛ قال: (فإن حلف ألا يأكل الشحم، فأكل اللحم، حنث؛ لأن اللحم ~~لا يخلو من شحم) ظاهر كلام الخرقي، أن الشحم كل ما يذوب بالنار مما في ~~الحيوان، فظاهر الآية والعرف يشهد لقوله، وهذا ظاهر قول أبي الخطاب، وطلحة، ~~وقال به أبو يوسف، ومحمد بن الحسن. فعلى هذا، لا يكاد لحم يخلو من شيء منه، ~~وإن قل، فيحنث به. # وقال القاضي: الشحم هو الذي يكون في الجوف، من شحم الكلى أو غيره، وإن ~~أكل من كل شيء من الشاة، من لحمها الأحمر والأبيض، والألية، والكبد، ~~والطحال، والقلب، فقال شيخنا: لا يحنث - يعني ابن حامد - لأن اسم الشحم لا ~~يقع عليه. وهو قول أبي حنيفة، ms5478 والشافعي. وقد سبق الكلام في أن شحم الظهر ~~والجنب شحم، فيحنث به. # وأما إن أكل لحما أحمر وحده، لا يظهر فيه شيء من الشحم، فظاهر كلام ~~الخرقي أنه يحنث؛ لأنه لا يخلو من شحم وإن قل، ويظهر في الطبخ، فإنه يبين ~~على وجه المرق، وإن قل، وبهذا يفارق من حلف لا يأكل سمنا، فأكل خبيصا فيه ~~سمن لا يظهر فيه طعمه ولا لونه، فإن هذا قد يظهر الدهن فيه. وقال غير ~~الخرقي من أصحابنا: لا يحنث. وهو الصحيح؛ لأنه لا يسمى شحما، ولا يظهر فيه ~~طعمه ولا لونه، والذي يظهر في المرق قد فارق اللحم، فلا يحنث بأكل اللحم ~~الذي كان فيه. # (8149) فصل: ويحنث بالأكل من الألية، في ظاهر كلام الخرقي وموافقيه؛ ~~لأنها دهن يذوب بالنار، ويباع مع الشحم، ولا يباع مع اللحم. وعلى قول ~~القاضي وموافقيه: ليست شحما ولا لحما، فلا يحنث به الحالف على تركها. # PageV09P607 ### | [مسألة حلف ألا يأكل لحما ولم يرد لحما بعينه] # (8150) مسألة؛ قال: (وإذا حلف ألا يأكل لحما، ولم يرد لحما بعينه، فأكل ~~من لحم الأنعام، أو الطيور، أو السمك، حنث) أما إذا أكل من لحم الأنعام أو ~~الصيد أو الطائر، فإنه يحنث، في قول عامة علماء الأمصار. # وأما السمك، فظاهر المذهب أنه يحنث بأكله. وبهذا قال قتادة، والثوري، ~~ومالك، وأبو يوسف. وقال ابن أبي موسى، في " الإرشاد ": لا يحنث به، إلا أن ~~ينويه. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي ثور؛ لأنه لا ينصرف إليه إطلاق ~~اسم اللحم، ولو وكل وكيلا في شراء اللحم، فاشترى له سمكا، لم يلزمه، ويصح ~~أن ينفي عنه الاسم، فيقول: ما أكلت لحما، وإنما أكلت سمكا. # فلم يتعلق به الحنث عند الإطلاق، كما لو حلف: لا قعدت تحت سقف. فإنه لا ~~يحنث بالقعود تحت السماء، وقد سماها الله تعالى {سقفا محفوظا} [الأنبياء: ~~32] لأنه مجاز، كذا هاهنا. ولنا، قول الله تعالى: {وهو الذي سخر البحر ~~لتأكلوا منه لحما طريا} [النحل: 14] . وقال: {ومن كل تأكلون لحما طريا} ~~[فاطر: 12] . ولأنه من جسم حيوان، ms5479 ويسمى لحما، فحنث بأكله، كلحم الطائر، ~~وما ذكروه يبطل بلحم الطائر. # وأما السماء، فإن الحالف ألا يقعد تحت سقف، لا يمكنه التحرز من القعود ~~تحتها، فيعلم أنه لم يردها بيمينه، ولأن التسمية ثم مجاز، وها هنا هي ~~حقيقة؛ لكونه من جسم حيوان يصلح للأكل، فكان الاسم فيه حقيقة، كلحم الطائر، ~~حيث قال الله تعالى: {ولحم طير مما يشتهون} [الواقعة: 21] . # (8151) فصل: ويحنث بأكل اللحم المحرم، كلحم الميتة والخنزير والمغصوب. ~~وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي، في أحد الوجهين: لا يحنث بأكل المحرم ~~بأصله؛ لأن يمينه تنصرف إلى ما يحل لا إلى ما يحرم، فلم يحنث بما لا يحل، ~~كما لو حلف لا يبيع، فباع بيعا فاسدا، لم يحنث. # ولنا، أن هذا لحم حقيقة وعرفا، فيحنث بأكله، كالمغصوب، وقد سماه الله - ~~تعالى - لحما، فقال: {ولحم الخنزير} [البقرة: 173] . وما ذكروه يبطل بما ~~إذا حلف لا يلبس ثوبا، فلبس ثوب حرير. وأما البيع الفاسد، فلا يحنث به؛ ~~لأنه ليس ببيع في الحقيقة. ### | [فصل والأسماء في كتاب الأيمان تنقسم إلى ستة أقسام اليمين] # (8152) فصل: والأسماء تنقسم إلى ستة أقسام؛ # PageV09P608 # أحدها، ما له مسمى واحد، كالرجل والمرأة والإنسان والحيوان، فهذا تنصرف ~~اليمين إلى مسماه بغير خلاف. الثاني، ما له موضوع شرعي، وموضوع لغوي، ~~كالوضوء والطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والبيع ونحو ذلك، ~~فهذا تنصرف اليمين عند الإطلاق إلى موضوعه الشرعي دون اللغوي، لا نعلم فيه ~~أيضا خلافا، غير ما ذكرناه فيما تقدم. # الثالث، ما له موضوع حقيقي ومجاز لم يشتهر أكثر من الحقيقة، كالأسد ~~والبحر، فيمين الحالف تنصرف عند الإطلاق إلى الحقيقة دون المجاز؛ لأن كلام ~~الشارع إذا ورد في مثل هذا، حمل على حقيقته دون مجازه، كذلك اليمين. # الرابع، الأسماء العرفية، وهي ما يشتهر مجازه حتى تصير الحقيقة مغمورة ~~فيه، فهذا على ضروب؛ أحدها، ما يغلب على الحقيقة، بحيث لا يعلمها أكثر ~~الناس، كالراوية، هي في العرف اسم المزادة، وفي الحقيقة اسم لما يستقى عليه ~~من الحيوانات، والظعينة في العرف المرأة، وفي الحقيقة الناقة ms5480 التي يظعن ~~عليها، والعذرة والغائط في العرف الفضلة المستقذرة، وفي الحقيقة العذرة ~~فناء الدار، ولذلك قال علي، - عليه السلام -، لقوم: ما لكم لا تنظفون ~~عذراتكم؟ يريد أفنيتكم. والغائط المكان المطمئن. # فهذا وأشباهه تنصرف يمين الحالف إلى المجاز دون الحقيقة؛ لأنه الذي يريده ~~بيمينه، ويفهم من كلامه، فأشبه الحقيقة في غيره. # الضرب الثاني، أن يخص عرف الاستعمال بعض الحقيقة بالاسم، وهذا يتنوع ~~أنواعا؛ فمنه ما يشتهر التخصيص فيه، كلفظ الدابة، هو في الحقيقة اسم لكل ما ~~يدب، قال الله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] ~~. وقال: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا} [الأنفال: 55] . # وفي العرف اسم للبغال والخيل والحمير، ولذلك لو وصى إنسان لرجل بدابة من ~~دوابه، كان له أحد هذه الثلاث، فالظاهر أن يمين الحالف تنصرف إلى العرف دون ~~الحقيقة عند الإطلاق، كالذي قبله. ويحتمل أن تتناول يمينه الحقيقة؛ بناء ~~على قولهم فيما سنذكره، وعلى قول من قال في الحالف على ترك أكل اللحم: إن ~~يمينه تتناول السمك. ومن هذا النوع إذا حلف لا يشم الريحان، فإنه في العرف ~~اسم مختص بالريحان الفارسي، وهو في الحقيقة اسم لكل نبت أو زهر طيب الريح، ~~مثل الورد والبنفسج والنرجس. # وقال القاضي: لا يحنث إلا بشم الريحان الفارسي. وهو مذهب الشافعي؛ لأن ~~الحالف لا يريد بيمينه في الظاهر سواه. وقال أبو الخطاب: يحنث بشم ما يسمى ~~في الحقيقة ريحانا؛ لأن الاسم يتناوله حقيقة. ولا يحنث بشم الفاكهة، وجها ~~واحدا؛ لأنها لا تسمى ريحانا حقيقة ولا عرفا. ومن هذا لو حلف لا يشم وردا، ~~ولا بنفسجا، فشم دهن البنفسج، وماء الورد، فقال القاضي: لا يحنث. # وهو مذهب الشافعي؛ لأنه لم يشم وردا ولا بنفسجا. # PageV09P609 # وقال أبو الخطاب: يحنث؛ لأن الشم إنما هو للرائحة دون الذات، ورائحة ~~الورد والبنفسج موجودة فيهما. وقال أبو حنيفة: يحنث بشم دهن البنفسج؛ لأنه ~~يسمى بنفسجا، ولا يحنث بشم ماء الورد؛ لأنه لا يسمى وردا. # والأول أقرب إلى الصحة، إن شاء الله تعالى. وإن ms5481 شم الورد والبنفسج ~~اليابس، حنث. وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يحنث، كما لو حلف لا يأكل رطبا، ~~فأكل تمرا. ولنا، أن حقيقته باقية، فحنث به كما لو حلف لا يأكل لحما، فأكل ~~قديدا، وفارق ما ذكروه، فإن التمر ليس رطبا. وإن حلف لا يأكل شواء، حنث ~~بأكل اللحم المشوي، دون غيره من البيض المشوي وما عداه. وبه قال أصحاب ~~الرأي. # وقال أبو يوسف، وابن المنذر: يحنث بأكل كل ما يشوى؛ لأنه شواء. ولنا، أن ~~هذا لا يسمى شواء، فلم يحنث بأكله، كالمطبوخ، وقولهم: هو شواء في الحقيقة. ~~قلنا: لكنه لا يسمى شواء في العرف، والظاهر أنه إنما يريد المسمى شواء في ~~عرفهم. وإن حلف لا يدخل بيتا، فدخل مسجدا، أو حماما، فإنه يحنث. نص عليه ~~أحمد. ويحتمل أن لا يحنث. # وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنه لا يسمى بيتا في العرف، فأشبه ما قبله من ~~الأنواع. والأول المذهب، لأنهما بيتان حقيقة، وقد سمى الله المساجد بيوتا، ~~فقال: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] . وقال: {إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة مباركا} [آل عمران: 96] . وروي في حديث: «المسجد بيت كل ~~تقي» . وروي في خبر: " بئس البيت الحمام ". وإذا كان بيتا في الحقيقة، ~~ويسميه الشارع بيتا، حنث بدخوله، كبيت الإنسان، ولا نسلم أنه من الأنواع، ~~فإن هذا يسمى بيتا في العرف، بخلاف الذي قبله. # وإن دخل بيتا من شعر، أو غيره، حنث، سواء كان الحالف حضريا أو بدويا، فإن ~~اسم البيت يقع عليه حقيقة وعرفا، قال الله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم ~~سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم} [النحل: 80] . # فأما ما لا يسمى في العرف بيتا، كالخيمة، فالأولى أن لا يحنث بدخوله من ~~لا يسميه بيتا؛ لأن يمينه لا تنصرف إليه. وإن دخل دهليز دار أو صفتها، لم ~~يحنث. وهو قول بعض أصحاب الشافعي. وقال أبو حنيفة يحنث؛ لأن جميع الدار ~~بيت. # PageV09P610 # ولنا، أنه لا يسمى بيتا، ولهذا يقال: ما دخلت البيت، إنما وقفت في الصحن. ms5482 ~~وإن حلف لا يركب، فركب سفينة، فقال أبو الخطاب: يحنث؛ لأنه ركوب، قال الله ~~- تعالى: {اركبوا فيها بسم الله مجراها} [هود: 41] . وقال: {فإذا ركبوا في ~~الفلك} [العنكبوت: 65] . الضرب الثالث، أن يكون الاسم المحلوف عليه عاما، ~~لكن أضاف إليه فعلا لم تجر العادة به، إلا في بعضه، أو اشتهر في البعض دون ~~البعض، مثل أن يحلف أن لا يأكل رأسا، فإنه يحنث بأكل رأس كل حيوان من النعم ~~والصيود والطيور والحيتان والجراد. ذكره القاضي. # وقال أبو الخطاب: لا يحنث إلا بأكل رأس جرت العادة ببيعه للأكل منفردا. ~~وقال الشافعي: لا يحنث إلا بأكل رءوس بهيمة الأنعام دون غيرها، إلا أن يكون ~~في بلد تكثر فيه الصيود، وتميز رءوسها، فيحنث بأكلها. وقال أبو حنيفة: لا ~~يحنث بأكل رءوس الإبل؛ لأن العادة لم تجر ببيعها مفردة. وقال صاحباه: لا ~~يحنث إلا بأكل رءوس الغنم؛ لأنها التي تباع في الأسواق دون غيرها، فيمينه ~~تنصرف إليها. # ووجه الأول، أن هذه رءوس - حقيقة وعرفا - مأكولة، فحنث بأكلها، كما لو ~~حلف لا يأكل لحما، فأكل من لحم النعام والزرافة، وما يندر وجوده وبيعه، ومن ~~ذلك إذا حلف لا يأكل بيضا، حنث بأكل بيض كل حيوان، سواء كثر وجوده، كبيض ~~الدجاج، أو قل وجوده كبيض النعام. وبهذا قال الشافعي. # وقال أصحاب الرأي: لا يحنث بأكل بيض النعام. وقال أبو ثور: لا يحنث إلا ~~بأكل بيض الدجاج، وما يباع في السوق. ولنا، أن هذا كله بيض حقيقة وعرفا، ~~وهو مأكول، فيحنث بأكله، كبيض الدجاج، ولأنه لو حلف لا يشرب ماء، فشرب ماء ~~البحر، أو ماء نجسا، أو لا يأكل خبزا، فأكل الأرز أو الذرة، في مكان لا ~~يعتاد أكله فيه، حنث. # فأما إن أكل بيض السمك أو الجراد، فقال القاضي: يحنث؛ لأنه بيض حيوان، ~~أشبه بيض النعام. وقال أبو الخطاب: لا يحنث إلا بأكل بيض يزايل بائضه في ~~الحياة. وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وأكثر العلماء. وهو ~~الصحيح؛ لأن هذا لا يفهم من إطلاق اسم البيض، ولا ms5483 يذكر إلا مضافا إلى ~~بائضه، ولا يحنث بأكل شيء يسمى بيضا غير بيض الحيوان، ولا بأكل شيء يسمى ~~رأسا غير رءوس الحيوان؛ لأن ذلك ليس برأس ولا بيض في الحقيقة، والله أعلم. ### | [مسألة حلف ألا يأكل سويقا فشربه أو لا يشربه فأكله] # (8153) مسألة؛ قال: (وإن حلف ألا يأكل سويقا، فشربه، أو لا يشربه، فأكله، ~~حنث، إلا أن تكون له نية) وجملته أن من حلف لا يأكل شيئا، فشربه، أو لا ~~يشربه، فأكله، فقد نقل عن أحمد، ما يدل على روايتين؛ # PageV09P611 # إحداهما، يحنث؛ لأن اليمين على ترك أكل شيء أو شربه يقصد بها في العرف ~~اجتناب ذلك الشيء، فحملت اليمين عليه، إلا أن ينوي، ألا ترى أن قوله تعالى: ~~{ولا تأكلوا أموالهم} [النساء: 2] و: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} ~~[النساء: 10] لم يرد به الأكل على الخصوص؟ ولو قال طبيب لمريض: لا تأكل ~~العسل. لكان ناهيا له عن شربه. # والثانية، لا يحنث. وهذا مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأن ~~الأفعال أنواع كالأعيان، ولو حلف على نوع من الأعيان، لم يحنث بغيره، وكذلك ~~الأفعال. وقال القاضي: إنما الروايتان، فيمن عين المحلوف عليه، مثل من حلف: ~~لا أكلت هذا السويق. فشربه، أو لا يشربه، فأكله، أما إذا أطلق، فقال: لا ~~أكلت سويقا، فشربه، لم يحنث، رواية واحدة، لا يختلف المذهب فيه. # وهذا مخالف لإطلاق الخرقي، وليس للتعيين أثر في الحنث وعدمه، فإن الحنث ~~في المعين إنما هو لتناوله ما حلف عليه، وإجراء معنى الأكل والشرب على ~~التناول العام فيهما، وهذا لا فرق فيه بين التعيين وعدمه، وعدم الحنث يتعلل ~~بأنه لم يفعل الفعل الذي حلف على تركه، وإنما فعل غيره، وهذا في المعين كهو ~~في المطلق، فإذا كان في المعين روايتان، كانتا في المطلق؛ لعدم الفارق ~~بينهما، ولأن الرواية في الحنث أخذت من كلام الخرقي، وليس فيه تعيين، ~~ورواية عدم الحنث، أخذت من رواية مهنا عن أحمد، فيمن حلف لا يشرب هذا ~~النبيذ، فأكله، لا يحنث؛ لأنه لا يسمى شربا، وهذا في ms5484 المعين، فإن عديت كل ~~رواية إلى محل الأخرى، وجب أن يكون في الجميع روايتان، وإن قصرت كل رواية ~~على محلها، كان الأمر على خلاف ما قال القاضي، وهو أن يحنث في المطلق، ولا ~~يحنث في المعين. # فأما إن حلف ليأكلن شيئا فشربه. أو ليشربنه فأكله، فيخرج فيه وجهان؛ بناء ~~على الروايتين في الحنث إذا حلف على الترك، ومتى تقيدت يمينه بنية، أو سبب ~~يدل عليها، كانت يمينه على ما نواه، أو دل عليه السبب؛ لأن مبنى الأيمان ~~على النية. ### | [فصل حلف لا يشرب شيئا فمصه ورمى به] # (8154) فصل: وإن حلف لا يشرب شيئا، فمصه ورمى به، فقد روي عن أحمد، فيمن ~~حلف لا يشرب، فمص قصب السكر: لا يحنث. وقال ابن أبي موسى: إذا حلف لا يأكل ~~ولا يشرب، فمص قصب السكر، لا يحنث. وهذا قول أصحاب الرأي؛ فإنهم: قالوا إذا ~~حلف لا يشرب، فمص حب رمان، ورمى بالثفل، لا يحنث؛ لأن ذلك ليس بأكل ولا ~~شرب. ويجيء على قول الخرقي: إنه يحنث؛ لأنه قد تناوله، ووصل إلى بطنه ~~وحلقه، فإنه يحنث، على ما قلنا فيمن حلف لا يأكل شيئا فشربه، أو لا يشربه ~~فأكله. # وإن حلف لا يأكل سكرا، فتركه في فيه حتى ذاب، وابتلعه، خرج على ~~الروايتين. وإن حلف لا يطعم شيئا، حنث بالأكل والشرب والمص؛ لأن ذلك كله ~~طعم، قال الله - تعالى في النهر: {ومن لم يطعمه} [البقرة: 249] . وإن حلف ~~لا يأكله، أو لا يشربه، # PageV09P612 # فذاقه، لم يحنث، في قولهم جميعا؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب، ولذلك لم يفطر ~~به الصائم. وإن حلف لا يذوقه، فأكله أو شربه، أو مصه، حنث؛ لأنه ذوق ~~وزيادة، وإن مضغه ورمى به، حنث؛ لأنه قد ذاقه. ### | [فصل حلف ليأكلن أكلة بالفتح] # (8155) فصل: وإن حلف ليأكلن أكلة، بالفتح، لم يبر حتى يأكل ما يعده الناس ~~أكلة، وهي المرة من الأكل، والأكلة، بالضم، اللقمة، ومنه: " فليناوله في ~~يده أكلة، أو أكلتين ". ### | [مسألة حلف بالطلاق ألا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل منه واحدة] ms5485 # (8156) مسألة؛ قال (ومن حلف بالطلاق ألا يأكل تمرة، فوقعت في تمر، فأكل ~~منه واحدة، منع من وطء زوجته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها، ~~ولا يتحقق حنثه حتى يأكل التمر كله) وجملته أن حالف هذه اليمين لا يخلو من ~~أحوال ثلاثة؛ أحدها، أن يتحقق أكل التمرة المحلوف عليها، فأما أن يعرفها ~~بعينها أو بصفتها، أو يأكل التمر كله، أو الجانب الذي وقعت فيه كله، فهذا ~~يحنث، بلا خلاف بين أهل العلم. # وبه يقول الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي؛ لأنه أكل التمرة ~~المحلوف عليها. الثاني، أن يتحقق أنه لم يأكلها؛ إما بأن لا يأكل من التمر ~~شيئا، أو أكل شيئا يعلم أنه غيرها، فلا يحنث أيضا، بلا خلاف، ولا يلزمه ~~اجتناب زوجته. الثالث، أكل من التمر شيئا؛ إما واحدة، أو أكثر، إلى أن لا ~~يبقى منه إلا واحدة، ولم يدر هل أكلها أم لا؟ فهذه مسألة الخرقي، ولا يتحقق ~~حنثه؛ لأن الباقية يحتمل أنها المحلوف عليها، ويقين النكاح ثابت، فلا يزول ~~بالشك. وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي. # فعلى هذا، يكون حكم الزوجية باقيا، في لزوم نفقتها وكسوتها ومسكنها، ~~وسائر أحكامها، إلا الوطء؛ فإن الخرقي قال: يمنع وطأها؛ لأنه شاك في حلها، ~~فحرمت عليه، كما لو اشتبهت عليه امرأته بأجنبية. # وذكر أبو الخطاب، أنها باقية على الحل. وهو مذهب الشافعي؛ لأن الأصل ~~الحل، فلا يزول بالشك، كسائر أحكام النكاح، ولأن النكاح باق حكما، فأثبت ~~الحل، كما لو شك هل طلق أم لا؟ وإن كانت يمينه ليأكلن هذه التمرة، فلا ~~يتحقق بره حتى يتحقق أنه أكلها. ### | [مسألة حلف أن يضربه عشرة أسواط فجمعها فضربه بها ضربة واحدة] # (8157) مسألة؛ قال: (ولو حلف أن يضربه عشرة أسواط، فجمعها، فضربه بها ~~ضربة واحدة، لم يبر في يمينه) # PageV09P613 # وبهذا قال مالك، وأصحاب الرأي. وقال ابن حامد: يبر لأن أحمد قال، في ~~المريض عليه الحد: يضرب بعثكال النخل، ويسقط عنه الحد. # وبهذا قال الشافعي إذا علم أنها مسته كلها، وإن علم أنها لم تمسه ms5486 كلها، ~~لم يبر. وإن شك، لا يحنث في الحكم؛ لأن الله - تعالى قال: {وخذ بيدك ضغثا ~~فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] . «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~المريض الذي زنى: خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ، فاضربوه بها ضربة واحدة» ~~. ولأنه ضربه بعشرة أسواط، فبر في يمينه، كما لو فرق الضرب. # ولنا، أن معنى يمينه أن يضربه عشر ضربات، ولم يضربه إلا ضربة واحدة، فلم ~~يبر، كما لو حلف ليضربنه عشر مرات بسوط، والدليل على هذا أنه لو ضربه عشر ~~ضربات بسوط واحد، يبر في يمينه، بغير خلاف، ولو عاد العدد إلى السوط، لم ~~يبر بالضرب بسوط واحد، كما لو حلف ليضربنه بعشرة أسواط، ولأن السوط هاهنا ~~آلة أقيمت مقام المصدر، وانتصب انتصابه، فمعنى كلامه، لأضربنه عشر ضربات ~~بسوط. وهذا هو المفهوم من يمينه، والذي يقتضيه لغة، فلا يبر بما يخالف ذلك. # وأما أيوب - عليه السلام - فإن الله - تعالى - أرخص له رفقا بامرأته، ~~لبرها به، وإحسانها إليه، ليجمع له بين بره في يمينه ورفقه بامرأته، ولذلك ~~امتن عليه بهذا، وذكره في جملة ما من عليه به، من معافاته إياه من بلائه، ~~وإخراج الماء له، فيختص هذا به، كاختصاصه بما ذكر معه، ولو كان هذا الحكم ~~عاما لكل واحد لما اختص أيوب بالمنة عليه. # وكذلك المريض الذي يخاف تلفه، أرخص له بذلك في الحد دون غيره، وإذا لم ~~يتعده هذا الحكم في الحد الذي ورد النص به فيه، فلئلا يتعداه إلى اليمين ~~أولى، ولو خص بالبر من له عذر يبيح العدول في الحد إلى الضرب بالعثكال، ~~لكان له وجه. وأما تعديته إلى غيره فبعيدة جدا. ولو حلف أن يضربه بعشرة ~~أسواط، فجمعها، فضربه بها، بر؛ لأنه قد فعل ما حلف عليه. وإن حلف ليضربنه ~~عشر مرات، لم يبر بضربه بعشرة أسواط، دفعة واحدة، بغير خلاف؛ لأنه لم يفعل ~~ما تناولته يمينه. # وإن حلف ليضربنه عشر ضربات، فكذلك، إلا وجها لأصحاب الشافعي، أنه يبر. ~~وليس بصحيح؛ لأن هذه ضربة واحدة بأسواط، ms5487 ولهذا يصح أن يقال: ما ضربته إلا ~~ضربة واحدة. ولو حلف لا يضربه أكثر من ضربة واحدة. ففعل هذا، لم يحنث في ~~يمينه. (8158) فصل: ولا يبر حتى يضربه ضربا يؤلمه. وبهذا قال مالك. # وقال الشافعي: يبر بما لا يؤلم؛ لأنه يتناوله الاسم، فوقع البر به. ~~كالمؤلم، # PageV09P614 # ولنا، أن هذا يقصد به في العرف التأليم، فلا يبر بغيره. وكذلك كل موضع ~~وجب الضرب في الشرع، في حد، أو تعزير، كان من شرطه التأليم، كذا هاهنا. ### | [مسألة حلف أن لا يكلمه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا] # (8159) مسألة؛ قال: (ولو حلف أن لا يكلمه، فكتب إليه، أو أرسل إليه ~~رسولا، حنث، إلا أن يكون أراد أن لا يشافهه) أكثر أصحابنا على هذا. وهو ~~مذهب مالك، والشافعي. وقد روى الأثرم وغيره، عن أحمد، في رجل حلف أن لا ~~يكلم رجلا، فكتب إليه كتابا، قال: وأي شيء كان سبب ذلك؟ إنما ينظر إلى سبب ~~يمينه، ولم حلف إن الكتاب قد يجري مجرى الكلام، والكتاب قد يكون بمنزلة ~~الكلام في بعض الحالات. # وهذا يدل على أنه لا يحنث بالكتاب، إلا أن تكون نيته أو سبب يمينه يقتضي ~~هجرانه، وترك صلته، وإن لم يكن كذلك، لم يحنث بكتاب ولا رسول؛ لأن ذلك ليس ~~بتكلم في الحقيقة، وهذا يصح نفيه، فيقال: ما كلمته، وإنما كاتبته أو ~~راسلته. ولذلك قال الله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم ~~الله} [البقرة: 253] . وقال: {يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي} [الأعراف: 144] . # وقال: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] . ولو كانت الرسالة تكليما، ~~لشارك موسى غيره من الرسل، ولم يختص بكونه كليم الله ونجيه. وقد قال أحمد، ~~حين مات بشر الحافي: لقد كان فيه أنس، وما كلمته قط. وقد كانت بينهما ~~مراسلة، وممن قال: لا يحنث بهذا. الثوري، وأبو حنيفة، وابن المنذر، ~~والشافعي في الجديد. # واحتج أصحابنا بقوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي} [الشورى: 51] . فاستثنى الرسول ms5488 من التكلم، ~~والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، ولأنه وضع لإفهام الآدميين، ~~أشبه الخطاب. # والصحيح أن هذا ليس بتكلم، وهذا الاستثناء من غير الجنس، كما قال في ~~الآية الأخرى: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] . ~~والرمز ليس بتكلم، لكن إن نوى ترك مواصلته، أو كان سبب يمينه يقتضي هجرانه، ~~حنث؛ لذلك، ولذلك، قال أحمد: إن الكتاب يجري مجرى الكلام، وقد يكون بمنزلة ~~الكلام. # فلم يجعله كلاما، إنما قال هو بمنزلته في بعض الحالات إذا كان السبب ~~يقتضي ذلك. وإذا أطلق، احتمل أن لا يحنث؛ لأنه لم يكلمه. واحتمل أن يحنث ~~لأن الغالب من الحالف هذه اليمين قصد ترك المواصلة، فتعلق يمينه بما يراد ~~في الغالب، كقولنا في المسألة قبلها. والله أعلم. # (8160) فصل: وإن أشار إليه، ففيه وجهان؛ قال القاضي: يحنث؛ لأنه في معنى ~~المكاتبة والمراسلة في الإفهام، # PageV09P615 # والثاني لا يحنث ذكره أبو الخطاب؛ لأنه ليس بكلام، قال الله تعالى لمريم ~~- عليها السلام - {فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} ~~[مريم: 26] . إلى قوله: {فأشارت إليه} [مريم: 29] . # وقال في زكريا {آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] . إلى ~~قوله: {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} [مريم: ~~11] . ولأن الكلام حروف وأصوات، ولا يوجد في الإشارة، ولأن الكلام شيء ~~مسموع، وتبطل به الصلاة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن صلاتنا هذه ~~لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» والإشارة بخلاف هذا. # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} ~~[آل عمران: 41] . قلنا: هذا استثناء من غير الجنس، بدليل ما ذكرنا، وصحة ~~نفيه عنه، فيقال: ما كلمه، وإنما أشار إليه. ### | [فصل كلم غير المحلوف عليه بقصد إسماع المحلوف عليه] # (8161) فصل: فإن كلم غير المحلوف عليه، بقصد إسماع المحلوف عليه، فقال ~~أحمد: يحنث؛ لأنه قد أراد تكليمه، وقد روينا عن أبي بكرة نفيع بن الحارث، ~~أنه كان قد حلف أن لا يكلم أخاه زيادا، فلما ms5489 أراد زياد الحج، جاء أبو بكرة ~~إلى قصر زياد فدخل فأخذ بنيا لزياد صغيرا في حجره، ثم قال: يا ابن أخي؛ إن ~~أباك يريد الحج، ولعله يمر بالمدينة، فيدخل على أم حبيبة زوج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بهذا النسب الذي ادعاه، وهو يعلم أنه ليس بصحيح، وأن ~~هذا لا يحل له. ثم قام فخرج. # وهذا يدل على أنه لم يعتقد ذلك تكليما له. ووجه الأول أنه أسمعه كلامه ~~قاصدا لإسماعه وإفهامه، فأشبه ما لو خاطبه. وقال الشاعر: # إياك أعني فاسمعي يا جارة # PageV09P616 ### | [فصل حلف أن لا يكلم فلانا فناداه والمحلوف عليه لا يسمع] # (8162) فصل: فإن ناداه بحيث يسمع، فلم يسمع، لتشاغله، أو غفلته، حنث. نص ~~عليه أحمد فإنه سئل عن رجل حلف أن لا يكلم فلانا، فناداه، والمحلوف عليه لا ~~يسمع؟ قال: يحنث. لأنه قد أراد تكليمه، وهذا لكون ذلك يسمى تكليما، يقال: ~~كلمته، فلم يسمع. وإن كان ميتا، أو غائبا، أو مغمى عليه، أو أصم لا يعلم ~~بتكليمه إياه، لم يحنث. وبهذا قال الشافعي. وحكي عن أبي بكر أنه يحنث بنداء ~~الميت؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمهم وناداهم، وقال: «ما أنتم ~~بأسمع لما أقول منهم» . # ولنا، قوله تعالى: {وما أنت بمسمع من في القبور} [فاطر: 22] . ولأنه قد ~~بطلت حواسه، وذهبت نفسه، فكان أبعد من السماع من الغائب البعيد، لبقاء ~~الحواس في حقه، وإنما كان ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - كرامة له، ~~وأمرا اختص به، فلا يقاس عليه غيره. ### | [فصل سلم على من حلف عليه ألا يكلمه] # فصل: وإن سلم على المحلوف عليه، حنث لأن السلام كلام تبطل الصلاة به. وإن ~~سلم على جماعة هو فيهم، أو كلمهم، فإن قصد المحلوف عليه مع الجماعة، حنث؛ ~~لأنه كلمه، وإن قصدهم دونه، لم يحنث. قال القاضي: لا يحنث، رواية واحدة. # وهو مذهب الشافعي؛ لأن اللفظ العام يحتمل التخصيص، فإذا نواه به، فهو على ~~ما نواه. وإن أطلق، حنث. وبه قال الحسن، وأبو عبيد ومالك، وأبو حنيفة؛ ms5490 لأنه ~~مكلم لجميعهم؛ لأن مقتضى اللفظ العموم، فيحمل على مقتضاه عند الإطلاق. وقال ~~القاضي: فيه روايتان. وللشافعي قولان؛ أحدهما، لا يحنث؛ لأن العام يصلح ~~للخصوص، فلا يحنث بالاحتمال والأول أولى؛ لأن هذا الاحتمال مرجوح، فيتعين ~~العمل بالراجح، كما احتمل اللفظ المجاز الذي ليس بمشتهر فإنه لا يمنع حمله ~~على الحقيقة عند إطلاقه. # فإن لم يعلم أن المحلوف عليه فيهم، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يحنث لأنه ~~لم يرده، فأشبه ما لو استثناه. والثانية، يحنث؛ لأنه قد أرادهم بسلامه، وهو ~~منهم، وهذا بمنزلة الناسي. وإن كان وحده، فسلم عليه ولا يعرفه، فقال أحمد: ~~يحنث. ويحتمل أن لا يحنث؛ بناء على الناسي والجاهل. # PageV09P617 ### | [فصل حلف لا يكلمه ثم وصل يمينه بكلامه] # (8164) فصل: فإن حلف لا يكلمه. ثم وصل يمينه بكلامه، مثل أن قال: فتحقق ~~ذلك، أو فاذهب. فقال أصحابنا: يحنث. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحنث ~~بالقليل؛ لأن هذا تمام الكلام الأول، والذي يقتضيه يمينه أن لا يكلمه كلاما ~~مستأنفا. # واحتج أصحابنا بأن هذا القليل كلام منه له حقيقة، وقد وجد بعد يمينه، ~~فيحنث به، كما لو فصله، ولأن ما يحنث به إذا فصله، يحنث به إذا وصله، ~~كالكثير. وقولهم: إن اليمين يقتضي خطابا مستأنفا. قلنا: هذا الخطاب مستأنف، ~~غير الأول، بدليل أنه لو قطعه حنث به. وقياس المذهب أنه لا يحنث؛ لأن قرينة ~~صلته هذا الكلام بيمينه، تدل على إرادة كلام يستأنفه بعد انقضاء هذا الكلام ~~المتصل، فلا يحنث به، كما لو وجدت النية حقيقة. وإن نوى كلاما غير هذا، لم ~~يحنث بهذا في المذهبين. ### | [فصل صلى بالمحلوف عليه ألا يكلمه إماما ثم سلم من الصلاة] # (8165) فصل: وإن صلى بالمحلوف عليه إماما، ثم سلم من الصلاة، لم يحنث. نص ~~عليه أحمد. وبه قال أبو حنيفة. وقال أصحاب الشافعي: يحنث لأنه شرع له أن ~~ينوي السلام على الحاضرين. ولنا، أنه قول مشروع في الصلاة، فلم يحنث به، ~~كتكبيرها، وليست نية الحاضرين بسلامه واجبة في السلام. وإن ارتج عليه في ~~الصلاة، ففتح عليه الحالف، ms5491 لم يحنث لأن ذلك كلام الله تعالى، وليس بكلام ~~الآدميين. ### | [فصل حلف لا يتكلم فقرأ] # (8166) فصل: وإن حلف لا يتكلم، فقرأ، لم يحنث. وبه قال الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: إن قرأ في الصلاة، لم يحنث، وإن قرأ خارجا منها، حنث لأنه يتكلم ~~بكلام الله. وإن ذكر الله - تعالى، لم يحنث. # ومقتضى مذهب أبي حنيفة أنه يحنث؛ لأنه كلام، قال الله تعالى: {وألزمهم ~~كلمة التقوى} [الفتح: 26] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «أفضل ~~الكلام أربع؛ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» . ~~وقال «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، ~~سبحان الله وبحمده، وسبحان الله العظيم» . # ولنا، أن الكلام في العرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين، ولهذا لما قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد ~~أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة» . لم يتناول المختلف فيه. # PageV09P618 # وقال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة، حتى نزلت: {وقوموا لله قانتين} ~~[البقرة: 238] . فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام. # وقال الله - تعالى: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك ~~كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} [آل عمران: 41] فأمره بالتسبيح مع قطع الكلام ~~عنه. ولأن ما لا يحنث به في الصلاة، لا يحنث به خارجا منها، كالإشارة، وما ~~ذكروه يبطل بالقراءة والتسبيح في الصلاة، وذكر الله المشروع فيها. وإن ~~استأذن عليه إنسان، فقال: {ادخلوها بسلام آمنين} [الحجر: 46] . يقصد ~~القرآن، لم يحنث، وإلا حنث. ### | [فصل حلف لا يتكلم ثلاث ليال أو ثلاثة أيام] # (8167) فصل: وإن حلف لا يتكلم ثلاث ليال، أو ثلاثة أيام، لم يكن له أن ~~يتكلم في الأيام التي بين الليالي، ولا في الليالي التي بين الأيام، إلا أن ~~ينوي؛ لأن الله - تعالى قال: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} ~~[آل عمران: 41] . وفي موضع آخر: {ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] . فكان كل ~~واحد من اللفظين عبارة عن الزمانين جميعا، وقال الله تعالى: {وواعدنا موسى ~~ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} [الأعراف: ms5492 142] . فدخل فيه الليل والنهار. ### | [فصل حلف أن لا يتكفل بمال فكفل ببدن إنسان] # (8168) فصل: ومن حلف أن لا يتكفل بمال، فكفل ببدن إنسان، فقال أصحابنا: ~~يحنث؛ لأن المال يلزمه بكفالته إذا تعذر تسليم المكفول به. والقياس أنه لا ~~يحنث؛ لأنه لم يكفل بمال، وإنما يلزمه المال بتعذر إحضار المكفول به، وأما ~~قبل ذلك، فلا يلزمه، ولأن هذا لا يسمى كفالة بالمال، ولا يصح نفيها عنه، ~~فيقال: ما تكفل بمال، وإنما تكفل بالبدن. وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي. ### | [فصل حلف لا يستخدم عبدا فخدمه وهو ساكت لم يأمره ولم ينهه] # (8169) فصل: وإن حلف لا يستخدم عبدا، فخدمه وهو ساكت، لم يأمره ولم ينهه، ~~فقال القاضي: إن كان عبده حنث، وإن كان عبد غيره لم يحنث. وهذا قول أبي ~~حنيفة؛ لأن عبده يخدمه عبادة بحكم استحقاقه ذلك عليه، فيكون معنى يمينه: لا ~~منعتك خدمتي. # فإذا لم ينهه، لم يمنعه، فيحنث، وعبد غيره بخلافه. وقال أبو الخطاب يحنث ~~في الحالين؛ # PageV09P619 # لأن إقراره على الخدمة استخدام، ولهذا يقال: فلان يستخدم عبده إذا خدمه، ~~وإن لم يأمره، ولأن ما حنث به في عبده، حنث به في غيره، كسائر الأشياء. ~~وقال الشافعي: لا يحنث في الحالين؛ لأنه حلف على فعل نفسه، ولا يحنث بفعل ~~غيره كسائر الأفعال. ### | [فصل حلف رجل بالله لا يفعل شيئا فقال له آخر يميني في يمينك] # (8170) فصل: وإذا حلف رجل بالله لا يفعل شيئا، فقال له آخر يميني في ~~يمينك. لم يلزمه شيء؛ لأن يمين الأول ليست ظرفا ليمين الثاني. وإن نوى أنه ~~يلزمني من اليمين ما يلزمك، لم يلزمه حكمها. قاله القاضي. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأن اليمين بالله لا تنعقد بالكناية؛ لأن تعلق الكفارة بها لحرمة ~~اللفظ باسم الله المحترم، أو صفة من صفاته، ولا يوجد ذلك في الكناية، وإن ~~حلف بطلاق، فقال آخر: يميني في يمينك. ينوي به، أنه يلزمني من اليمين ما ~~يلزمك، انعقدت يمينه. # نص عليه أحمد. وسئل عن رجل حلف بالطلاق لا يكلم رجلا، فقال رجل: وأنا ms5493 على ~~مثل يمينك؟ فقال: عليه مثل ما قاله الذي حلف. لأن الكناية تدخل في الطلاق، ~~وكذلك يمين العتاق والظهار. وإن لم ينو شيئا، لم تنعقد يمينه؛ لأن الكناية ~~لا تعمل بغير نية، وليس هذا بصريح. وإن كان المقول له لم يحلف بعد، وإنما ~~أراد أنه يلزمه ما يلزم الآخر من يمين يحلف بها، فحلف المقول له، لم تنعقد ~~يمين القائل، وإن كان في الطلاق والعتاق؛ لأنه لا بد أن يكون هناك ما يكنى ~~عنه، وليس هاهنا ما يكنى عنه. # وذكر القاضي، في موضع آخر، فيمن قال: أيمان البيعة تلزمني. أنه إن عرفها، ~~ونوى جميع ما فيها، انعقدت يمينه بجميع ما فيها. وهذا خلاف ما قاله في هذه ~~المسألة، فيكون فيها وجهان. ### | [فصل قال أيمان البيعة تلزمني] # (8171) فصل: فإن قال أيمان البيعة تلزمني. فقال أبو عبد الله ابن بطة: ~~كنت عند أبي القاسم الخرقي، وقد سأله رجل عن أيمان البيعة، فقال: لست أفتي ~~فيها بشيء، ولا رأيت أحدا من شيوخنا يفتي في هذه اليمين. قال: وكان أبي، - ~~رحمه الله - يعني أبا علي - يهاب الكلام فيها. ثم قال أبو القاسم: إلا أن ~~يلتزم الحالف بها جميع ما فيها من الأيمان. فقال له السائل: عرفها أو لم ~~يعرفها؟ فقال: نعم. وأيمان البيعة هي التي رتبها الحجاج يستحلف بها عند ~~البيعة والأمر المهم للسلطان. # «وكانت البيعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه ~~الراشدين بالمصافحة» ، فلما ولي الحجاج رتبها أيمانا تشتمل على اليمين ~~بالله والطلاق، والعتاق، وصدقة المال. فمن لم يعرفها، لم تنعقد يمينه بشيء ~~مما فيها؛ لأن هذا ليس بصريح في القسم، والكناية لا تصح إلا بالنية، ومن لم ~~يعرف شيئا لم يصح أن ينويه. وإن عرفها، ولم ينو عقد اليمين بما فيها لم يصح ~~أيضا؛ لما ذكرناه. # ومن عرفها، ونوى اليمين بما فيها، صح في الطلاق والعتاق؛ لأن اليمين بها ~~تنعقد بالكناية، وما عدا ذلك من اليمين بالله - تعالى، وما عدا الطلاق ~~والعتاق، فقال القاضي # PageV09P620 # هاهنا: تنعقد يمينه أيضا؛ لأنها ms5494 يمين، فتنعقد بالكناية المنوية، كيمين ~~الطلاق والعتاق. وقال في موضع آخر: لا تنعقد اليمين بالله بالكناية. # وهو مذهب الشافعي؛ لأن الكفارة وجبت فيها لما ذكر فيها من اسم الله ~~العظيم المحترم، ولا يوجد ذلك في الكناية. والله أعلم. # PageV09P621 ### | [كتاب النذور] # الأصل في النذر الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: ~~{يوفون بالنذر} [الإنسان: 7] . وقال: {وليوفوا نذورهم} [الحج: 29] . وأما ~~السنة، فروت عائشة. قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من نذر ~~أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» . . # وعن عمران بن حصين، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خيركم ~~قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون، ~~ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن.» رواهما ~~البخاري. وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة، ولزوم الوفاء به. # (8172) فصل: ولا يستحب لأن ابن عمر روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«، أنه نهى عن النذر وأنه قال: لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» . ~~متفق عليه. وهذا نهي كراهة، لا نهي تحريم؛ لأنه لو كان حراما لما مدح ~~الموفين به؛ لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه؛ ولأن ~~النذر لو كان مستحبا، لفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفاضل أصحابه. ### | [مسألة نذر أن يطيع الله عز وجل] # (8173) مسألة؛ قال: (ومن نذر أن يطيع الله - عز وجل، لزمه الوفاء به، ومن ~~نذر أن يعصيه، لم يعصه، وكفر كفارة يمين) ، ونذر الطاعة؛ الصلاة، والصيام، ~~والحج والعمرة، والعتق، والصدقة، والاعتكاف، والجهاد، وما في هذه المعاني، ~~سواء نذره مطلقا بأن يقول: لله علي أن أفعل كذا وكذا. أو علقه بصفة مثل ~~قوله: إن شفاني الله من علتي، أو شفى فلانا، أو سلم مالي الغائب. أو ما كان ~~في هذا المعنى، فأدرك ما أمل بلوغه من ذلك، فعليه الوفاء به. # PageV10P003 # ونذر المعصية،، أن يقول: لله علي أن أشرب الخمر، أو أقتل النفس المحرمة. ~~وما أشبهه، فلا يفعل ذلك، ويكفر ms5495 كفارة يمين؛ وإذا قال: لله علي أن أركب ~~دابتي، أو أسكن داري، أو ألبس أحسن ثيابي. وما أشبهه، لم يكن هذا نذر طاعة ~~ولا معصية، فإن لم يفعله كفر كفارة يمين؛ لأن النذر كاليمين. # وإذا نذر أن يطلق زوجته، استحب له أن لا يطلقها، ويكفر كفارة يمين. ~~وجملته أن النذر سبعة أقسام؛ أحدها، نذر اللجاج والغضب، وهو الذي يخرجه ~~مخرج اليمين، للحث على فعل شيء أو المنع منه، غير قاصد به للنذر، ولا ~~القربة، فهذا حكمه حكم اليمين، وقد ذكرناه في باب الأيمان. # والقسم الثاني، نذر طاعة وتبرر؛ مثل الذي ذكر الخرقي. فهذا يلزم الوفاء ~~به؛ للآيتين والخبرين، وهو ثلاثة أنواع؛ أحدها، التزام طاعة في مقابلة نعمة ~~استجلبها، أو نقمة استدفعها، كقوله: إن شفاني الله، فلله علي صوم شهر. ~~فتكون الطاعة الملتزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع، كالصوم والصلاة ~~والصدقة والحج، فهذا يلزم الوفاء به، بإجماع أهل العلم. # النوع الثاني، التزام طاعة من غير شرط، كقوله ابتداء: لله علي صوم شهر. ~~فيلزمه الوفاء به في قول أكثر أهل العلم. وهو قول أهل العراق. وظاهر مذهب ~~الشافعي. وقال بعض أصحابه لا يلزم الوفاء به؛ لأن أبا عمر غلام ثعلب قال: ~~النذر عند العرب وعد. بشرط. ولأن ما التزمه الآدمي بعوض، يلزمه بالعقد، ~~كالمبيع والمستأجر، وما التزمه بغير عوض لا يلزمه بمجرد العقد كالهبة. # النوع الثالث، نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب، كالاعتكاف وعيادة المريض، ~~فيلزم الوفاء به؛ لأن النذر فرع على المشروع، فلا يجب به ما لا يجب له نظير ~~بأصل الشرع. ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه» . وذمه الذين ينذرون # PageV10P004 # ولا يوفون، وقول الله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين} [التوبة: 75] {فلما آتاهم من فضله بخلوا به ~~وتولوا وهم معرضون} [التوبة: 76] {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ~~بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 77] . # وقد صح «أن عمر قال للنبي - صلى ms5496 الله عليه وسلم - إني نذرت أن أعتكف ليلة ~~في المسجد الحرام؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أوف بنذرك» . ~~ولأنه ألزم نفسه قربة على وجه التبرر، فتلزمه، كموضع الإجماع، وكما لو ألزم ~~نفسه أضحية، أو أوجب هديا، وكالاعتكاف، وكالعمرة، فإنهم قد سلموها، وليست ~~واجبة عندهم، وما ذكروه يبطل بهذين الأصلين، وما حكوه عن أبي عمر لا يصح ~~فإن العرب تسمي الملتزم نذرا، وإن لم يكن بشرط، قال جميل: # فليت رجالا فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي يا بثين لقوني # والجعالة وعد بشرط، وليست بنذر. ### | [القسم الثالث النذر المبهم] # . وهو أن يقول: لله على نذر. فهذا تجب به الكفارة، في قول أكثر أهل ~~العلم. وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وجابر وعائشة. وبه قال الحسن، ~~وعطاء، وطاوس، والقاسم، وسالم، والشعبي، والنخعي، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ~~ومالك، والثوري، ومحمد بن الحسن. ولا أعلم فيه مخالفا إلا الشافعي، قال لا ~~ينعقد نذره، ولا كفارة فيه؛ لأن من النذر ما لا كفارة فيه. # ولنا، ما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«كفارة النذر إذا لم يسمه كفارة اليمين.» رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن ~~صحيح غريب. ولأنه نص، وهذا قول من سمينا من الصحابة والتابعين، ولا نعرف ~~لهم في عصرهم مخالفا، فيكون إجماعا. ### | [القسم الرابع نذر المعصية] # ، فلا يحل الوفاء به إجماعا؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~نذر أن يعصي الله فلا يعصه.» ولأن معصية الله تعالى لا تحل في حال، ويجب ~~على الناذر كفارة يمين. روي نحو هذا عن ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، ~~وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب. # وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه. وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا ~~كفارة عليه، فإنه قال، فيمن نذر ليهدمن دار غيره لبنة لبنة: لا كفارة عليه. ~~وهذا في معناه. وروي هذا عن مسروق، والشعبي. وهو مذهب مالك، والشافعي؛ لقول # PageV10P005 # رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - «لا نذر في معصية الله، ms5497 ولا فيما لا ~~يملك العبد.» رواه مسلم. # وقال «ليس على الرجل نذر فيما لا يملك.» متفق عليه. وقال: «لا نذر إلا ما ~~ابتغي به وجه الله» . رواه أبو داود. وقال: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ~~. ولم يأمر بكفارة. «ولما نذرت المرأة التي كانت مع الكفار، فنجت على ناقة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تنحرها، قالت: يا رسول الله، إني نذرت ~~إن أنجاني الله عليها أن أنحرها؟ قال: بئس ما جزيتها، لا نذر في معصية ~~الله، ولا فيما لا يملك العبد» رواه مسلم. # ولم يأمرها بكفارة «. وقال لأبي إسرائيل حين نذر أن يقوم في الشمس، ولا ~~يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم: مروه فليتكلم، وليجلس، وليستظل، وليتم صومه.» ~~. رواه البخاري. ولم يأمره بكفارة. # لأن النذر التزام الطاعة، وهذا التزام معصية، ولأنه نذر غير منعقد، فلم ~~يوجب شيئا، كاليمين غير المنعقدة. ووجه الأول، ما روت عائشة، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين.» رواه ~~الإمام أحمد، في " مسنده "، وأبو داود، في " سننه ". وقال الترمذي: هو حديث ~~غريب. وعن أبي هريرة، وعمران بن حصين، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مثله. # روى الجوزجاني، بإسناده عن عمران بن حصين، قال سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «النذر نذران؛ فما كان من نذر في طاعة الله، فذلك لله، ~~وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله، فلا وفاء فيه، ويكفره ما يكفر ~~اليمين.» وهذا نص. ولأن النذر يمين، بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «النذر حلفة» «. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأخت عقبة، ~~لما نذرت المشي إلى بيت الله الحرام، فلم تطقه: تكفر يمينها.» صحيح أخرجه ~~أبو داود. وفي رواية: " ولتصم ثلاثة أيام ". قال أحمد: إليه أذهب. وقال ابن ~~عباس في التي نذرت ذبح ابنها: كفري يمينك. # ولو حلف على فعل معصية، لزمته الكفارة، فكذلك إذا نذرها. # PageV10P006 # فأما أحاديثهم، فمعناها لا وفاء بالنذر في معصية الله. ms5498 وهذا لا خلاف فيه، ~~وقد جاء مصرحا به هكذا في رواية مسلم. ويدل على هذا أيضا أن في سياق ~~الحديث: «ولا يمين في قطيعة رحم» . يعني لا يبر فيها. # ولو لم يبين الكفارة في أحاديثهم، فقد بينها في أحاديثنا فإن فعل ما نذره ~~من المعصية، فلا كفارة عليه. كما لو حلف ليفعلن معصية، ففعلها. ويحتمل أن ~~تلزمه الكفارة حتما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عين فيه الكفارة، ~~ونهى عن فعل المعصية. ### | [القسم الخامس المباح من أقسام النذر] # القسم الخامس، المباح؛ كلبس الثوب، وركوب الدابة، وطلاق المرأة على وجه ~~مباح، فهذا يتخير الناذر فيه، بين فعله فيبر بذلك؛ لما روي «أن امرأة أتت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أوف بنذرك.» رواه أبو داود. ولأنه ~~لو حلف على فعل مباح بر بفعله، فكذلك إذا نذره؛ لأن النذر كاليمين. وإن شاء ~~تركه وعليه كفارة يمين. # ويتخرج أن لا كفارة فيه؛ فإن أصحابنا، قالوا فيمن نذر أن يعتكف أو يصلي ~~في مسجد معين: كان له أن يصلي ويعتكف في غيره، ولا كفارة، ومن نذر أن يتصدق ~~بماله كله، أجزأته الصدقة بثلثه بلا كفارة. وهذا مثله. وقال مالك والشافعي: ~~لا ينعقد نذره؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا نذر إلا فيما ابتغي ~~به وجه الله» . # وقد روى ابن عباس، قال: «بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، إذ هو ~~برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس، ولا ~~يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مروه فليستظل ~~وليجلس، وليتكلم، وليتم صومه» رواه البخاري. # وعن أنس قال: «نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فسئل نبي الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب» ~~. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ولم يأمر بكفارة. وروي «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رأى رجلا يهادى بين اثنين، ms5499 فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يحج ~~ماشيا. فقال: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه، مروه فليركب.» متفق عليه. ~~ولم يأمره بكفارة، ولأنه نذر غير موجب لفعل ما نذره، فلم يوجب كفارة، كنذر ~~المستحيل. ولنا، ما تقدم في القسم الذي قبله. # فأما حديث التي نذرت المشي، فقد أمر فيه بالكفارة في حديث آخر، وروى عقبة ~~بن عامر، أن «أخته # PageV10P007 # نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن ذلك، فقال: مروها فلتركب، ولتكفر عن يمينها.» صحيح، أخرجه أبو داود. ~~وهذه زيادة يجب الأخذ بها، ويجوز أن يكون الراوي للحديث روى البعض وترك ~~البعض أو يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك ذكر الكفارة في بعض ~~الحديث، إحالة على ما علم من حديثه في موضع آخر. # ومن هذا القسم إذا نذر فعل مكروه، كطلاق امرأته، فإنه مكروه، بدليل قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» . فالمستحب ~~أن لا يفي، ويكفر، فإن وفى بنذره، فلا كفارة عليه، والخلاف فيه كالذي قبله. ### | [القسم السادس نذر الواجب] # ، كالصلاة المكتوبة، فقال أصحابنا: لا ينعقد نذره. وهو قول أصحاب ~~الشافعي؛ لأن النذر التزام، ولا يصح التزام ما هو لازم. له ويحتمل أن ينعقد ~~نذره موجبا كفارة يمين إن تركه، كما لو حلف على فعله؛ فإن النذر كاليمين، ~~وقد سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - يمينا. وكذلك لو نذر معصية أو ~~مباحا، لم يلزمه، ويكفر إذا لم يفعله. ### | [القسم السابع نذر المستحيل] # ، كصوم أمس، فهذا لا ينعقد، ولا يوجب شيئا لأنه لا يتصور انعقاده، ولا ~~الوفاء به، ولو حلف على فعله لم تلزمه كفارة، فالنذر أولى، وعقد الباب في ~~صحيح المذهب، أن النذر كاليمين، وموجبه موجبها، إلا في لزوم الوفاء به، إذا ~~كان قربة وأمكنه فعله؛ ودليل هذا الأصل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لأخت عقبة، «لما نذرت المشي فلم تطقه ولتكفر يمينها» . وفي رواية: " فلتصم ~~ثلاثة أيام ". قال أحمد: إليه أذهب. # وعن عقبة، أن النبي ms5500 - صلى الله عليه وسلم - قال: «كفارة النذر كفارة ~~اليمين» . أخرجه مسلم. وقول ابن عباس للتي نذرت ذبح ولدها: كفري يمينك. ~~ولأنه قد ثبت أن حكمه حكم اليمين في أحد أقسامه، وهو نذر اللجاج، فكذلك ~~سائره، في سوى ما استثناه الشرع. ### | [فصل نذر فعل طاعة وما ليس بطاعة] # (8174) فصل: وإن نذر فعل طاعة، وما ليس بطاعة، لزمه فعل الطاعة، كما في ~~خبر أبي إسرائيل فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بإتمام الصوم، وترك ~~ما سواه؛ لكونه ليس بطاعة. وفي وجوب الكفارة لما تركه الاختلاف الذي ~~ذكرناه. وقد روى عقبة بن عامر. قال: «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ~~الحرام حافية غير مختمرة، فذكر ذلك عقبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: مر أختك فلتركب، ولتختمر، ولتصم ثلاثة أيام.» رواه الجوزجاني، ~~والترمذي. فإن كان المتروك خصالا كثيرة، أجزأته كفارة واحدة؛ لأنه نذر ~~واحد، فتكون # PageV10P008 # كفارته واحدة، كاليمين الواحدة على أفعال، ولهذا لم يأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أخت عقبة بن عامر في ترك التحفي والاختمار، بأكثر من ~~كفارة. ### | [مسألة: نذر أن يتصدق بماله كله] # (8175) مسألة؛ قال: (ومن نذر أن يتصدق بماله كله، أجزأه أن يتصدق بثلثه، ~~كما روي عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي لبابة، حين قال إن ~~من توبتي يا رسول الله أن أنخلع من مالي. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: يجزئك الثلث» ) وجملة ذلك أن من نذر أن يتصدق بماله كله، أجزأه ~~ثلثه. وبهذا قال الزهري، ومالك. وروى الحسين بن إسحاق الخرقي، عن أحمد، ~~قال: سألته عن رجل قال: جميع ما أملك في المساكين صدقة. قال: كفارته كفارة ~~اليمين. قال وسئل عن رجل قال ما يرث عن فلان، فهو للمساكين. فذكروا أنه ~~قال: يطعم عشرة مساكين. # وقال ربيعة: يتصدق منه بقدر الزكاة؛ لأن المطلق محمول على معهود الشرع، ~~ولا يجب في الشرع إلا قدر الزكاة. وعن جابر بن زيد: قال: إن كان كثيرا، وهو ~~ألفان، تصدق بعشرة، وإن كان متوسطا وهو ms5501 ألف، تصدق بسبعة، وإن كان قليلا، ~~وهو خمسمائة، تصدق بخمسة. وقال أبو حنيفة: يتصدق بالمال الزكوي كله. وعنه ~~في غيره روايتان؛ إحداهما، يتصدق به. والثانية، لا يلزمه منه شيء. # وقال النخعي، والبتي، والشافعي: يتصدق بماله كله؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» . ولأنه نذر طاعة، فلزمه الوفاء ~~به، كنذر الصلاة والصيام. # ولنا، «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي لبابة، حين قال: إن من ~~توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال: يجزئك الثلث» . ~~وعن كعب بن مالك، قال: «قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي ~~صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسك ~~عليك بعض مالك.» متفق عليه. ولأبي داود: «يجزئ عنك الثلث» . # فإن قالوا: هذا ليس بنذر، وإنما أراد الصدقة بجميعه، فأمره النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالاقتصار على ثلثه، كما أمر سعدا حين أراد الوصية بجميع ~~ماله، بالاقتصار على الوصية بثلثه، وليس هذا محل النزاع، إنما النزاع فيمن ~~نذر الصدقة بجميعه. قلنا: عنه جوابان؛ # PageV10P009 # أحدهما، أن قوله: «يجزئ عنك الثلث» . دليل على أنه أتى بلفظ يقتضي ~~الإيجاب؛ لأنها إنما تستعمل غالبا في الواجبات، ولو كان مخيرا بإرادة ~~الصدقة، لما لزمه شيء يجزئ عنه بعضه. # الثاني، أن منعه من الصدقة بزيادة على الثلث، دليل على أنه ليس بقربة؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع أصحابه من القرب، ونذر ما ليس ~~بقربة لا يلزم الوفاء به. وما قاله أبو حنيفة، فقد سبق الكلام عليه. # وما قاله ربيعة، لا يصح؛ فإن هذا ليس بزكاة، ولا في معناها، فإن الصدقة ~~وجبت لإغناء الفقراء ومواساتهم، وهذه صدقة تبرع بها صاحبها تقربا إلى الله ~~- تعالى، ثم إن المحمول على معهود الشرع المطلق، وهذه صدقة معينة غير ~~مطلقة، ثم تبطل بما لو نذر صياما، فإنه لا يحمل على صوم رمضان، وكذلك ~~الصلاة. وما ذكره جابر بن زيد، تحكم بغير دليل. ### | [فصل نذر الصدقة بمعين ms5502 من ماله أو بمقدر كألف] # (8176) فصل: وإذا نذر الصدقة بمعين من ماله، أو بمقدر، كألف، فروي عن ~~أحمد أنه يجوز ثلثه؛ لأنه مال نذر الصدقة به، فأجزأه ثلثه، كجميع المال. # والصحيح في المذهب لزوم الصدقة بجميعه؛ لأنه منذور، وهو قربة، فيلزمه ~~الوفاء به، كسائر المنذورات، ولعموم قوله تعالى: {يوفون بالنذر} [الإنسان: ~~7] . وإنما خولف هذا في جميع المال؛ للأثر فيه، ولما في الصدقة بجميع المال ~~من الضرر اللاحق به، اللهم إلا أن يكون المنذور هاهنا يستغرق جميع المال، ~~فيكون كنذر ذلك. ويحتمل أنه إن كان المنذور ثلث المال فما دون، لزمه وفاء ~~نذره، وإن زاد على الثلث، لزمه الصدقة بقدر الثلث منه؛ لأنه حكم يعتبر فيه ~~الثلث، فأشبه الوصية به. ### | [فصل نذر الصدقة بقدر من المال فأبرأ غريمه من قدره يقصد به وفاء النذر] # (8177) فصل: وإذا نذر الصدقة بقدر من المال، فأبرأ غريمه من قدره، يقصد ~~به وفاء النذر لم يجزئه، وإن كان الغريم من أهل الصدقة. قال أحمد: لا يجزئه ~~حتى يقبضه. وذلك لأن الصدقة تقتضي التمليك، وهذا إسقاط، فلم يجزئه، كما في ~~الزكاة. # وقال أحمد، فيمن نذر أن يتصدق بمال، وفي نفسه أنه ألف: أجزأه أن يخرج ما ~~شاء. وذلك لأن اسم المال يقع على القليل، وما نواه زيادة على ما تناوله ~~الاسم، والنذر لا يلزم بالنية. والقياس أن يلزمه ما نواه؛ لأنه نوى بكلامه ~~ما يحتمله، فتعلق الحكم به كاليمين. وقد نص أحمد فيمن نوى صوما أو صلاة، ~~وفي نفسه أكثر مما يتناوله لفظه، أنه يلزمه ذلك، وهذا كذلك. والله أعلم. # PageV10P010 ### | [مسألة نذر أن يصوم وهو شيخ كبير لا يطيق الصيام] # (8178) مسألة؛ قال: (ومن نذر أن يصوم، وهو شيخ كبير لا يطيق الصيام، كفر ~~كفارة يمين، وأطعم لكل يوم مسكينا) وجملته أن من نذر طاعة لا يطيقها، أو ~~كان قادرا عليها، فعجز عنها، فعليه كفارة يمين؛ لما روى عقبة بن عامر، قال: ~~«نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله - ~~صلى الله ms5503 عليه وسلم - فاستفتيته، فقال: لتمش، ولتركب» متفق عليه. # ولأبي داود: وتكفر يمينها. وللترمذي: «ولتصم ثلاثة أيام» . وعن عائشة، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة ~~يمين. قال: ومن نذر نذرا لا يطيقه، فكفارته كفارة يمين.» رواه أبو داود، ~~وقال: وقفه من رواه عن ابن عباس. وقال ابن عباس: من نذر نذرا لم يسمه، ~~فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا في معصية، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر ~~نذرا لا يطيقه، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا يطيقه، فليف الله بما ~~نذر. فإذا كفر، وكان المنذور غير الصيام، لم يلزمه شيء آخر. # وإن كان صياما. فعن أحمد روايتان؛ إحداهما، يلزمه لكل يوم إطعام مسكين. ~~قال القاضي: وهذه أصح؛ لأنه صوم وجد سبب إيجابه عينا، فإذا عجز عنه، لزمه ~~أن يطعم عن كل يوم مسكينا، كصيام رمضان، ولأن المطلق من كلام الآدميين يحمل ~~على المعهود شرعا، ولو عجز عن الصوم المشروع، أطعم عن كل يوم مسكينا، وكذلك ~~إذا عجز عن الصوم المنذور. # والثانية، لا يلزمه شيء آخر من إطعام ولا غيره؛ لقوله - عليه السلام -: ~~«ومن نذر نذرا لا يطيقه، فكفارته كفارة يمين» . وهذا يقتضي أن تكون كفارة ~~اليمين جميع كفارته، ولأنه نذر عجز عن الوفاء به، فكان الواجب فيه كفارة ~~يمين، كسائر النذور، ولأن موجب النذر موجب اليمين، إلا مع إمكان الوفاء به ~~إذا كان قربة، ولا يصح قياسه على صوم رمضان؛ لوجهين؛ أحدهما، أن رمضان يطعم ~~عنه عند العجز بالموت، فكذلك في الحياة، وهذا بخلافه، ولأن صوم رمضان آكد؛ ~~بدليل وجوب الكفارة بالجماع فيه، وعظم إثم من أفطر بغير عذر. # والثاني، أن قياس المنذور على المنذور أولى من قياسه على المفروض بأصل ~~الشرع، ولأن هذا قد وجبت فيه كفارة، فأجزأت عنه، بخلاف المشروع. وقولهم: إن ~~المطلق من كلام الآدمي محمول على المعهود في الشرع. # PageV10P011 # قلنا: ليس هذا بمطلق، وإنما هو منذور معين، ويتخرج أن لا تلزمه كفارة في ~~العجز عنه، كما في العجز الواجب بأصل ms5504 الشرع. # (8179) فصل: وإن عجز لعارض يرجى زواله، من مرض، أو نحوه انتظر زواله، ولا ~~تلزمه كفارة ولا غيرها لأنه لم يفت الوقت، فيشبه المريض في شهر رمضان، فإن ~~استمر عجزه إلى أن صار غير مرجو الزوال، صار إلى الكفارة والفدية، على ما ~~ذكرنا من الخلاف فيه. فإن كان العجز المرجو الزوال عن صوم معين، فات وقته، ~~انتظر الإمكان ليقضيه. وهل تلزمه لفوات الوقت كفارة؟ على روايتين، ذكرهما ~~أبو الخطاب؛ إحداهما، تجب الكفارة لأنه أخل بما نذره على وجهه، فلزمته ~~الكفارة، كما لو نذر المشي إلى بيت الله الحرام فعجز، ولأن النذر كاليمين، ~~ولو حلف ليصومن هذا الشهر، فأفطره لعذر. لزمته كفارة، كذا هاهنا. # والثانية، لا تلزمه؛ لأنه أتى بصيام أجزأه عن نذره من غير تفريط منه، فلم ~~تلزمه كفارة يمين، كما لو صام ما عينه. (8180) فصل: وإن نذر غير الصيام، ~~فعجز عنه، كالصلاة ونحوها، فليس عليه إلا الكفارة لأن الشرع لم يجعل لذلك ~~بدلا يصار إليه، فوجبت الكفارة؛ لمخالفته نذره فقط وإن عجز عنه لعارض، ~~فحكمه حكم الصيام سواء، فيما فصلناه. ### | [مسألة نذر صياما ولم يذكر عددا ولم ينوه] # (8181) مسألة؛ قال: (وإذا نذر صياما، ولم يذكر عددا، ولم ينوه، فأقل ذلك ~~صيام يوم، وأقل الصلاة ركعتان) أما إذا نذر صياما مطلقا، فأقل ذلك يقوم ~~صيام يوم، لا خلاف فيه؛ لأنه ليس في الشرع صوم مفرد أقل من يوم، فيلزمه؛ ~~لأنه اليقين، وأما الصلاة، ففيها روايتان؛ إحداهما، يجزئه ركعة. نقلها ~~إسماعيل بن سعيد؛ لأن أقل الصلاة ركعة فإن الوتر صلاة مشروعة، وهي ركعة ~~واحدة. وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه تطوع بركعة واحدة. والثانية، لا ~~يجزئه إلا ركعتان. # وبه قال أبو حنيفة؛ لأن أقل صلاة وجبت بالشرع ركعتان، فوجب حمل النذر ~~عليه، وأما الوتر، فهو نفل، والنذر فرض، فحمله على المفروض أولى، ولأن ~~الركعة لا تجزئ في الفرض، فلا تجزئ في النفل كالسجدة. # وللشافعي قولان، كالروايتين. فأما إن عين بنذره عددا، لزمه، قل # PageV10P012 # أو كثر؛ لأن النذر ثابت بقوله، وكذلك ms5505 عدده، فإن نوى عددا فهو كما لو ~~سماه؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله، فلزمه حكمه، كاليمين. ### | [مسألة نذر المشي إلى بيت الله الحرام] # (8182) مسألة؛ قال: (وإذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام، لم يجزئه إلا ~~أن يمشي في حج أو عمرة، فإن عجز عن المشي، ركب، وكفر كفارة يمين) وجملته أن ~~من نذر المشي إلى بيت الله الحرام، لزمه الوفاء بنذره. # وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر ولا نعلم ~~فيه خلافا؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تشد الرحال إلا ~~إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى.» ولا يجزئه ~~المشي إلا في حج أو عمرة. وبه يقول الشافعي. ولا أعلم فيه خلافا؛ وذلك لأن ~~المشي المعهود في الشرع، هو المشي في حج أو عمرة، فإذا أطلق الناذر، حمل ~~على المعهود الشرعي، ويلزمه المشي فيه؛ لنذره، فإن عجز عن المشي، ركب، ~~وعليه كفارة يمين. وعن أحمد، رواية أخرى، أنه يلزمه دم. وهو قول للشافعي. # وأفتى به عطاء لما روى ابن عباس، «أن أخت عقبة بن عامر نذرت المشي إلى ~~بيت الله الحرام، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تركب، وتهدي ~~هديا» . رواه أبو داود، وفيه ضعف. ولأنه أخل بواجب في الإحرام، فلزمه هدي، ~~كتارك الإحرام من الميقات. وعن ابن عمر، وابن الزبير، قالا: يحج من قابل، ~~ويركب ما مشى ويمشي ما ركب. ونحوه قال ابن عباس، وزاد فقال: ويهدي. وعن ~~الحسن مثل الأقوال الثلاثة، وعن النخعي روايتان؛ إحداهما، كقول ابن عمر. ~~والثانية، كقول ابن عباس. وهذا قول مالك. # وقال أبو حنيفة: عليه هدي سواء عجز عن المشي أو قدر عليه، وأقل الهدي ~~شاة. وقال الشافعي: لا تلزمه مع العجز كفارة بحال، إلا أن يكون النذر مشيا ~~إلى بيت الله، فهل يلزمه هدي؟ فيه قولان، وأما غيره، فلا يلزمه مع العجز ~~شيء. # ولنا، «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال لأخت عقبة بن عامر، لما ~~نذرت المشي إلى بيت الله: لتمش، ولتركب، ms5506 ولتكفر عن يمينها» . وفي رواية: ~~«فلتصم ثلاثة أيام» . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة # PageV10P013 # النذر كفارة اليمين» . ولأن المشي مما لا يوجبه الإحرام، فلم يجب الدم ~~بتركه، كما لو نذر صلاة ركعتين، فتركهما، وحديث الهدي ضعيف، وهذا حجة على ~~الشافعي، حيث أوجب الكفارة عليها من غير ذكر العجز. # فإن قيل: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب الكفارة عليها من غير ~~ذكر العجز. قلنا: يتعين حمله على حالة العجز؛ لأن المشي قربة، لأنه مشي إلى ~~عبادة، والمشي إلى العبادة أفضل ولهذا روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يركب في عيد ولا جنازة.» فلو كانت قادرة على المشي، لأمرها به. ولم ~~يأمرها بالركوب والتكفير، ولأن المشي المقدور عليه لا يخلو من أن يكون ~~واجبا أو مباحا؛ فإن كان واجبا، لزم الوفاء به، وإن كان مباحا، لم تجب ~~الكفارة بتركه عند الشافعي، وقد أوجب الكفارة هاهنا. وترك ذكره في الحديث؛ ~~إما لعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بحالها وعجزها، وإما لأن الظاهر من ~~حال المرأة العجز عن المشي إلى مكة. أو يكون قد ذكر في الخبر فترك الراوي ~~ذكره. # وقول أصحاب أبي حنيفة: إنه أخل بواجب في الحج. قلنا: المشي لم يوجبه ~~الإحرام، ولا هو من مناسكه، فلم يجب بتركه هدي، كما لو نذر صلاة ركعتين في ~~الحج، فلم يصلهما. فأما إن ترك المشي مع إمكانه، فقد أساء، وعليه كفارة ~~أيضا؛ لتركه صفة النذر. # وقياس المذهب أن يلزمه استئناف الحج ماشيا؛ لتركه صفة المنذور، كما لو ~~نذر صوما متتابعا فأتى به متفرقا. وإن عجز عن المشي بعد الحج، كفر، وأجزأه. ~~وإن مشى بعض الطريق، وركب بعضا، فعلى هذا القياس، يحتمل أن يكون كقول ابن ~~عمر، وهو أن يحج فيمشي ما ركب، ويركب ما مشى. ويحتمل أن لا يجزئه إلا حج ~~يمشي في جميعه؛ لأن ظاهر النذر يقتضي هذا. # ووجه القول الأول، أنه لا يلزمه بترك المشي المقدور عليه أكثر من كفارة؛ ~~لأن المشي غير مقصود في الحج، ولا ورد ms5507 الشرع باعتباره في موضع، فلم يلزم ~~بتركه أكثر من كفارة، كما لو نذر التحفي وشبهه، وفارق التتابع في الصيام؛ ~~فإنها صفة مقصودة فيه، اعتبرها الشرع في صيام الكفارات، كفارة الظهار ~~والجماع واليمين. ### | [فصل نذر الحج راكبا] # (8183) فصل: فإن نذر الحج راكبا، لزمه الحج كذلك؛ لأن فيه إنفاقا في الحج ~~فإن ترك الركوب فعليه كفارة. # PageV10P014 # وقال أصحاب الشافعي: يلزمه دم لترفهه بترك الإنفاق وقد تبينا أن الواجب ~~بترك النذر الكفارة دون الهدي، إلا أن هذا إذا مشى ولم يركب مع إمكانه، لم ~~يلزمه أكثر من كفارة؛ لأن الركوب في نفسه ليس بطاعة ولا قربة. # وكل موضع نذر المشي فيه أو الركوب فإنه يلزمه الإتيان بذلك من دويرة ~~أهله، إلا أن ينوي موضعا بعينه، فيلزمه من ذلك الموضع؛ لأن النذر محمول على ~~أصله في الفرض، والحج المفروض بأصل الشرع يجب كذلك. ويحرم للمنذور من حيث ~~يحرم للواجب. قال بعض الشافعية: يجب الإحرام من دويرة أهله؛ لأن إتمام الحج ~~كذلك. # ولنا، أن المطلق محمول على المعهود في الشرع والإحرام الواجب إنما هو من ~~الميقات، ويلزمه المنذور من المشي أو الركوب في الحج أو العمرة إلى أن ~~يتحلل؛ لأن ذلك انقضاء الحج والعمرة. قال أحمد: يركب في الحج إذا رمى، وفي ~~العمرة إذا سعى؛ لأنه لو وطئ بعد ذلك، لم يفسد حجا ولا عمرة. وهذا يدل على ~~أنه إنما يلزمه في الحج التحلل الأول. ### | [فصل نذر المشي إلى بيت الله أو الركوب إليه ولم يرد بذلك حقيقة المشي والركوب] # (8184) فصل: وإذا نذر المشي إلى بيت الله، أو الركوب إليه، ولم يرد بذلك ~~حقيقة المشي والركوب، إنما أراد إتيانه لزمه إتيانه، لزمه في حج أو عمرة، ~~ولم يتعين عليه مشي ولا ركوب؛ لأنه عنى ذلك بنذره، وهو محتمل له، فأشبه ما ~~لو صرح به. ولو نذر أن يأتي بيت الله الحرام، أو يذهب إليه، لزمه إتيانه في ~~حج أو عمرة. وعن أبي حنيفة: لا يلزمه شيء؛ لأن مجرد إتيانه ليس بقربة ولا ~~طاعة. # ولنا؛ أنه ms5508 علق نذره بوصول البيت، فلزمه، كما لو قال: لله علي المشي إلى ~~الكعبة. إذا ثبت هذا، فهو مخير في المشي والركوب. وكذلك إذا نذر أن يحج ~~البيت أو يزوره؛ لأن الحج يحصل بكل واحد من الأمرين، فلم يتعين أحدهما، وإن ~~قال: لله علي أن آتي البيت الحرام، غير حاج ولا معتمر. لزمه الحج والعمرة، ~~وسقط شرطه. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن قوله: لله علي أن آتي ~~البيت. يقتضي حجا أو عمرة، وشرط سقوط ذلك يناقض نذره، فسقط حكمه. ### | [فصل نذر المشي إلى البلد الحرام أو بقعة منه] # (8185) فصل: إذا نذر المشي إلى البلد الحرام، أو بقعة منه، كالصفا ~~والمروة وأبي قبيس، أو موضع في الحرم، لزمه الحج أو عمرة. نص عليه أحمد. ~~وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه إلا أن ينذر المشي إلى الكعبة، ~~أو إلى مكة. وقال أبو يوسف، ومحمد إن نذر المشي إلى الحرم، أو إلى المسجد ~~الحرام كقولنا، وفي باقي الصور كقول أبي حنيفة ولنا، أنه نذر المشي إلى ~~موضع من الحرم أشبه النذر إلى مكة. # فأما إن نذر المشي إلى غير الحرم، كعرفة، # PageV10P015 # ومواقيت الإحرام، وغير ذلك، لم يلزمه ذلك، ويكون كنذر المباح. وكذلك إن ~~نذر إتيان مسجد سوى المساجد الثلاثة، لم يلزمه إتيانه. وإن نذر الصلاة فيه، ~~لزمه الصلاة دون المشي، ففي أي موضع صلى أجزأه؛ لأن الصلاة لا تخص مكانا ~~دون مكان، فلزمته الصلاة دون الموضع. ولا نعلم في هذا خلافا إلا عن الليث، ~~فإنه قال: لو نذر صلاة أو صياما بموضع، لزمه فعله في ذلك الموضع، ومن نذر ~~المشي إلى مسجد، مشى إليه. قال الطحاوي: ولم يوافقه على ذلك أحد من ~~الفقهاء؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تشد الرحال إلا ~~إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى.» متفق عليه. # ولو لزمه المشي إلى مسجد بعيد لشد الرحل إليه؛ ولأن العبادة لا تختص ~~بمكان دون مكان، فلا يكون فعلها فيما نذر فعلها فيه قربة، فلا ms5509 تلزمه بنذره، ~~وفارق ما لو نذر العبادة في يوم بعينه، لزمه فعلها فيه؛ لأن الله - تعالى - ~~عين لعبادته زمنا ووقتا معينا، ولم يعين لها مكانا وموضعا، والنذور مردودة ~~إلى أصولها في الشرع، فتعينت بالزمان دون المكان. ### | [فصل نذر المشي إلى بيت الله - تعالى ولم ينو به شيئا ولم يعينه] # (8186) فصل: وإن نذر المشي إلى بيت الله - تعالى، ولم ينو به شيئا، ولم ~~يعينه انصرف إلى بيت الله الحرام؛ لأنه المخصوص بالقصد دون غيره وإطلاق بيت ~~الله ينصرف إليه دون غيره في العرف، فينصرف إليه إطلاق النذر. ### | [فصل نذر المشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى] # (8187) فصل: وإن نذر المشي إلى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ~~المسجد الأقصى، لزمه ذلك. وبهذا قال مالك، والأوزاعي، وأبو عبيد، وابن ~~المنذر. وهو أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: لا يبين لي وجوب المشي ~~إليهما؛ لأن البر بإتيان بيت الله فرض، والبر بإتيان هذين نفل. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى.» ولأنه أحد المساجد ~~الثلاثة، فيلزم المشي إليه بالنذر، كالمسجد الحرام، ولا يلزم ما ذكره؛ لأن ~~كل قربة تجب بالنذر، وإن لم يكن لها أصل في الوجوب، كعيادة المريض، وشهود ~~الجنائز، ويلزمه بهذا النذر أن يصلي في الموضع الذي أتاه ركعتين؛ لأن القصد ~~بالنذر القربة والطاعة، وإنما تحصيل ذلك بالصلاة، فتضمن ذلك نذره، كما يلزم ~~ناذر المشي إلى بيت الله الحرام أحد النسكين، ونذر الصلاة في أحد المسجدين ~~كنذر المشي إليه، كما أن نذر أحد النسكين في المسجد الحرام كنذر المشي ~~إليه. # وقال أبو حنيفة: لا تتعين عليه الصلاة في موضع بالنذر، سواء كان في ~~المسجد الحرام؛ أو غيره؛ لأن ما لا أصل له في الشرع لا يجب بالنذر؛ بدليل ~~نذر الصلاة في سائر المساجد. # PageV10P016 # ولنا، ما روي أن عمر قال: يا رسول الله، «إني نذرت أن أعتكف ليلة في ~~المسجد الحرام. فقال رسول الله ms5510 - صلى الله عليه وسلم -: أوف بنذرك» . متفق ~~عليه. ولأن الصلاة فيها أفضل من غيرها؛ بدليل قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد ~~الحرام» متفق عليه. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة في المسجد الحرام، بمائة ألف ~~صلاة» . وإذا كان فضيلة وقربة، لزم بالنذر، كما لو نذر طول القراءة. وما ~~ذكروه يبطل بالعمرة، فإنها تلزم بنذرها، وهي غير واجبة عندهم. ### | [فصل نذر الصلاة في المسجد الحرام] # (8188) فصل: وإذا نذر الصلاة في المسجد الحرام، لم تجزئه الصلاة في غيره ~~لأنه أفضل المساجد وخيرها، وأكثرها ثوابا للمصلي فيها. وإن نذر الصلاة في ~~المسجد الأقصى، أجزأته الصلاة في المسجد الحرام؛ لما روى جابر، أن «رجلا ~~يوم الفتح، فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك أن أصلي في بيت ~~المقدس ركعتين. قال: صل هاهنا. ثم أعاد عليه، فقال: صل هاهنا. ثم أعاد ~~عليه، قال: صل هاهنا. ثم أعاد عليه، فقال: شأنك» رواه أبو داود، ورواه ~~الإمام أحمد، ولفظه «والذي نفسي بيده، لو صليت ها هنا لأجزأ عنك كل صلاة في ~~بيت المقدس» . وإن نذر إتيان المسجد الأقصى، والصلاة فيه، أجزأته الصلاة ~~فيه، وفي مسجد المدينة؛ لأنه أفضل. وإن نذر ذلك في مسجد المدينة، لم يجزئه ~~فعله في المسجد الأقصى؛ لأنه مفضول. وقد سبق هذا في باب الاعتكاف. ### | [فصل أفسد الحج المنذور ماشيا] # (8189) فصل: وإن أفسد الحج المنذور ماشيا، وجب القضاء ماشيا؛ لأن القضاء ~~يكون على صفة الأداء. وكذلك إن فاته الحج، لكن إن فاته الحج، سقط توابع ~~الوقوف، من المبيت بمزدلفة ومنى، والرمي، وتحلل بعمرة، ويمشي بالحج الفاسد ~~ماشيا، حتى يتحلل منه. ### | [مسألة نذر عتق رقبة] # (8190) مسألة؛ قال: (وإذا نذر عتق رقبة، فهي التي تجزئ عن الواجب، إلا أن ~~يكون نوى رقبة بعينها) يعني: لا تجزئه إلا رقبة مؤمنة سليمة من العيوب ~~المضرة بالعمل، وهي التي تجزئ في الكفارة؛ لأن النذر المطلق يحمل على ~~المعهود في الشرع، والواجب بأصل الشرع ms5511 كذلك. # وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والوجه الآخر: يجزئه أي رقبة كانت ~~صحيحة أو معيبة، مسلمة أو كافرة؛ لأن الاسم يتناول جميع ذلك. # PageV10P017 # ولنا، أن المطلق يحمل على معهود الشرع، وهو الواجب في الكفارة، وما ذكروه ~~يبطل بنذر المشي إلى بيت الله الحرام، فإنه لا يحمل على ما تناوله الاسم. ~~فأما إن نوى رقبة بعينها، أجزأه عتقها، أي رقبة كانت؛ لأنه نوى بلفظه ما ~~يحتمله. وإن نوى ما يقع عليه اسم الرقبة، أجزأه ما نواه، لما ذكرناه، فإن ~~المطلق يتقيد بالنية، كما يتقيد بالقرينة اللفظية. # قال أحمد، فيمن نذر عتق عبد بعينه، فمات قبل أن يعتقه: تلزمه كفارة يمين، ~~ولا يلزمه عتق عبد؛ لأن هذا شيء فاته، على حديث عقبة بن عامر، وإليه أذهب ~~في الفائت، وما عجز عنه. ### | [فصل نذر هديا مطلقا] # (8191) فصل: وإذا نذر هديا مطلقا، لم يجزئه إلا ما يجزئ في الأضحية. وبه ~~قال أبو حنيفة، والشافعي، في أحد قوليه؛ لأن المطلق يحمل على معهود الشرع. ~~وإن عين الهدي بلفظه، أو نيته، أجزأه ما عينه، صغيرا كان أو كبيرا، جليلا ~~كان أو حقيرا؛ لأن ذلك يسمى هديا، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~راح في الساعة الخامسة، فكأنما أهدى بيضة» . وإنما صرفنا المطلق إلى معهود ~~الشرع، لأنه غلب على الاسم، كما لو نذر أن يصلي، لزمته صلاة شرعية دون ~~اللغوية. # وإن قال: لله علي أن أهدي بدنة، أو بقرة، أو قال: شاة لزمه أقل ما يجزئ ~~من ذلك الجنس الذي عينه. فإن نذر بدنة، أجزأه ثنية من الإبل أو ثني، فإن لم ~~يجد من الإبل، فبقرة، فإن لم يجد، فسبع من الغنم؛ لأن النذر محمول على ~~معهود الشرع، وقد تقرر في الشرع أن البقرة تقوم مقام البدنة، وكذلك سبع من ~~الغنم فإن أراد إخراج البقرة أو الغنم، مع القدرة على البدنة، فقال القاضي: ~~لا يجزئه. وهو المنصوص عن الشافعي. # والذي يقتضيه مذهب الخرقي، جواز ذلك؛ لقوله: ومن وجب عليه بدنة، فذبح ~~سبعا من الغنم، أجزأه. فإن ms5512 نوى بنذره بدنة من الإبل، لم يجزئه غيرها مع ~~وجودها، وجها واحدا؛ لأنها وجبت بإيجابه، بخلاف ما إذا أطلق فإنها انصرفت ~~إلى الإبل بمعهود الشرع، ومعهود الشرع فيها أن تقوم البقرة مقامها. فأما إن ~~نواها من الإبل أو غيره، فمقتضى المذهب أنه لا يقوم غيرها مقامها، كسائر ~~المنذورات وكذلك إن صرح بها في نذره. مثل أن يقول: لله علي أن أهدي ناقة. # ويحتمل أن تقوم البقرة مقامها عند عدمها؛ لأنها تعينت هديا شرعيا، والهدي ~~الشرعي له بدل. # PageV10P018 ### | [فصل ومن نذر هديا لزمه إيصاله إلى مساكين الحرم] # (8192) فصل: ومن نذر هديا، لزمه إيصاله إلى مساكين الحرم؛ لأن إطلاق ~~الهدي يقتضي ذلك، قال الله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] . فإن ~~عين شيئا بنذره، مثل أن يقول: أهدي شاة، أو ثوبا، أو برا، أو ذهبا. وكان ~~مما ينقل، حمل إلى الحرم، ففرق في مساكينه، وإن كان مما لا ينقل، نحو أن ~~يقول: لله علي أن أهدي داري هذه، أو أرضي، أو شجرتي هذه. بيعت، وبعث بثمنها ~~إلى الحرم؛ لأنه لا يمكن إهداؤه بعينه، فانصرف بذلك إلى بدله. # وقد روي عن ابن عمر، أن رجلا سأله، في امرأة نذرت أن تهدي دارا، فقال: ~~تبيعها، وتتصدق بثمنها على مساكين الحرم. وكذلك لو كان المنذور مما ينقل، ~~لكن يشق نقله، كخشبة ثقيلة، فإنه يبيعها؛ لأنه أحظ للمساكين من نقلها. وإن ~~كان مما لا كلفة في نقله، إلا أنه لا يمكن تفريقه بنفسه، ويحتاج إلى البيع، ~~نظر إلى الحظ للمساكين في بيعه في بلده، أو نقله ليباع ثم. وإن استوى ~~الأمران، بيع في أي موضع شاء. ### | [فصل نذر أن يهدي إلى غير مكة كالمدينة أو الثغور أو يذبح بها] # (8193) فصل: وإن نذر أن يهدي إلى غير مكة، كالمدينة، أو الثغور، أو يذبح ~~بها، لزمه الذبح، وإيصال ما أهداه إلى ذلك المكان، وتفرقة الهدي ولحم ~~الذبيحة على أهله إلا أن يكون بذلك المكان ما لا يجوز النذر له، ككنيسة، أو ~~صنم، أو نحوه، مما يعظمه الكفار أو غيرهم، ms5513 مما لا يجوز تعظيمه، كشجرة، أو ~~قبر، أو حجر، أو عين ماء، ونحو ذلك؛ لما روى أبو داود، قال: «نذر رجل على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل كان بها وثن ~~من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ . ~~قالوا: لا. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أوف بنذرك» . # ولأنه ضمن نذره نفع فقراء ذلك البلد، بإيصال اللحم إليهم، وهذه قربة. ~~فتلزمه، كما لو نذر التصدق عليهم. فإن كان بها شيء مما ذكرنا، لم يجز ~~النذر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هل كان بها وثن، أو عيد من ~~أعياد الجاهلية؟» . # وهذا يدل على أنه لو كان بها ذلك، لمنعه من الوفاء بنذره ولأن في هذا ~~تعظيما لغير ما عظم الله، يشبه تعظيم الكفار للأصنام، فحرم، كتعظيم ~~الأصنام، ولذلك لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - المتخذات على القبور ~~المساجد والسرج، وقال: «لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . ~~يحذر # PageV10P019 # مثلما صنعوا. وعلى هذا نذر الشمع والزيت، وأشباهه، للأماكن التي فيها ~~القبور، لا يصح. ### | [فصل نذر الذبح بمكة] # (8194) فصل: وإن نذر الذبح بمكة، فهو كنذر الهدي إليها؛ لأن مطلق النذر ~~محمول على معهود الشرع، ومعهود الشرع في الذبح الواجب بها أن يفرق اللحم ~~بها. ### | [مسألة نذر صيام شهر من يوم يقدم فلان فقدم أول يوم من شهر رمضان] # (8195) مسألة؛ قال: (وإذا نذر صيام شهر من يوم يقدم فلان، فقدم أول يوم ~~من شهر رمضان، أجزأه صيامه لرمضان ونذره) ظاهر كلام الخرقي، أن نذر هذا ~~منعقد، لكن صيامه يجزئ عن النذر ورمضان. وهو قول أبي يوسف. # وهو قياس قول ابن عباس، وعكرمة؛ لأنه نذر صوما في وقت، وقد صام فيه. وقال ~~القاضي: ظاهر كلام الخرقي، أن النذر غير منعقد؛ لأن نذره وافق زمنا يستحق ~~صومه، فلم ينعقد نذره، كنذر صوم رمضان. قال: والصحيح عندي صحة النذر؛ لأنه ~~نذر ms5514 طاعة يمكن الوفاء به غالبا، فانعقد، كما لو وافق شعبان. فعلى هذا يصوم ~~رمضان، ثم يقضي، ويكفر. وهذا اختيار أبي بكر. ونقل جعفر بن محمد، عن أحمد، ~~أن عليه القضاء. # وقول الخرقي: أجزأه صيامه لرمضان ونذره. دليل على أن نذره انعقد عنده، ~~لولا ذلك لما كان صومه عن نذره. وقد نقل أبو الخطاب، عن أحمد، فيمن نذر أن ~~يحج وعليه حجة مفروضة، فأحرم عن النذر، وقعت عن المفروض، ولا يجب عليه شيء ~~آخر. وهذا مثل قول الخرقي. وروى عكرمة، عن ابن عباس، في رجل نذر أن يحج، ~~ولم يكن حج الفريضة، قال: يجزئ لهما جميعا. # وعن عكرمة، أنه سئل عن ذلك، فقال عكرمة: يقضي حجته عن نذره وعن حجة ~~الإسلام، أرأيتم لو أن رجلا نذر أن يصلي أربع ركعات، فصلى العصر، أليس ذلك ~~يجزئه من العصر والنذر؟ قال: فذكرت قولي لابن عباس، فقال: أصبت وأحسنت. # وقال ابن عمر، وأنس، وعروة: يبدأ بحجة الإسلام، ثم يحج لنذره. وفائدة ~~انعقاد نذره، لزوم الكفارة بتركه، وأنه لو لم ينوه لنذره، لزمه قضاؤه. وعلى ~~هذا لو وافق نذره بعض رمضان، وبعض شهر آخر، إما شعبان، وإما شوال، لزمه صوم ~~ما خرج عن رمضان، ويتمه من رمضان. # ولو قال: لله علي صوم رمضان. فعلى قياس قول الخرقي، يصح نذره، ويجزئه ~~صيامه عن الأمرين، وتلزمه الكفارة إن أخل به. وعلى قول القاضي، لا ينعقد ~~نذره. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه لا يصح صومه عن النذر، فأشبه الليل. # PageV10P020 # ولنا، أن النذر يمين، فينعقد في الواجب موجبا للكفارة، كاليمين بالله ~~تعالى. ### | [فصل نذر أن يحج العام وعليه حجة الإسلام] # (8196) فصل: ونقل عن أحمد، فيمن نذر أن يحج العام، وعليه حجة الإسلام، ~~روايتان؛ إحداهما، تجزئه حجة الإسلام عنها وعن نذره. نقلها أبو طالب. ~~والثانية، ينعقد نذره موجبا لحجة غير حجة الإسلام يبدأ بحجة الإسلام، ثم ~~يقضي نذره. نقلها ابن منصور؛ لأنهما عبادتان تجبان بسببين مختلفين، فلم ~~تسقط إحداهما بالأخرى، كما لو نذر حجتين، ووجه الأولى، أنه نذر عبادة في ~~وقت ms5515 معين، وقد أتى بها فيه، فأشبه ما لو قال: لله علي أن أصوم رمضان. ### | [فصل قال لله على أن أصوم شهرا فنوى صيام شهر رمضان لنذره ورمضان] # (8197) فصل: فإن قال: لله علي أن أصوم شهرا. فنوى صيام شهر رمضان، لنذره ~~ورمضان، لم يجزئه؛ لأن شهر رمضان واجب بفرض الله تعالى، ونذره يقتضي إيجاب ~~شهر، فيجب شهران بسببين، ولا يجزئ أحدهما عن الآخر، كما لو نذر صوم شهرين، ~~وكما لو نذر أن يصلي ركعتين، لم تجزئه صلاة الفجر عن نذره، وعن صلاة الفجر. ### | [مسألة نذر أن يصوم يوم يقدم فلان فقدم يوم فطر أو أضحى] # (8198) مسألة؛ قال: (وإذا نذر أن يصوم يوم يقدم فلان، فقدم يوم فطر، أو ~~أضحى، لم يصمه، وصام يوما مكانه، وكفر كفارة يمين) وجملته أن من نذر أن ~~يصوم يوم يقدم فلان، فإن نذره صحيح. # وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: لا يصح نذره؛ لأنه ~~لا يمكن صومه بعد وجود شرطه، فلم يصح، كما لو قال: لله علي أن أصوم اليوم ~~الذي قبل اليوم الذي يقدم فيه. ولنا، أنه زمن صح فيه صوم التطوع، فانعقد ~~نذره لصومه، كما لو أصبح صائما تطوعا، قال: لله علي أن أصوم يومي. # وقولهم: لا يمكن صومه. لا يصح فإنه قد يعلم اليوم الذي يقدم فيه قبل ~~قدومه، فينوي صومه من الليل، لأنه قد يجب عليه ما لا يمكنه، كالصبي يبلغ في ~~أثناء يوم من رمضان، أو الحائض تطهر فيه، ولا نسلم ما قاسوا عليه، إذا ثبتت ~~صحته، ولا يخلو من أقسام خمسة: أحدها، أن يعلم قدومه من الليل، فينوي صومه، ~~ويكون يوما يجوز فيه صوم النذر فيصح صومه ويجزئه؛ لأنه وفى بنذره. # الثاني، أن يقدم يوم فطر أو أضحى، فاختلفت الرواية عن أحمد، في هذه ~~المسألة؛ فعنه: لا يصومه، ويقضي، ويكفر. نقله عن أحمد جماعة. وهو قول أكثر ~~أصحابنا، ومذهب الحكم، وحماد. # PageV10P021 # الرواية الثانية، يقضي، ولا كفارة عليه. # وهو قول الحسن، والأوزاعي، وأبي عبيد، وقتادة، وأبي ثور، ms5516 وأحد قولي ~~الشافعي؛ فإنه فاته الصوم الواجب بالنذر، فلزمه قضاؤه، كما لو تركه نسيانا، ~~ولم تلزمه كفارة؛ لأن الشرع منعه من صومه، فهو كالمكره. # وعن أحمد، رواية ثالثة، إن صامه صح صومه. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه وفى ~~بما نذر، فأشبه ما لو نذر معصية ففعلها. ويتخرج أن يكفر من غير قضاء؛ لأنه ~~وافق يوما صومه حرام، فكان موجبه الكفارة، كما لو نذرت المرأة صوم يوم ~~حيضها. ويتخرج أن لا يلزمه شيء من كفارة ولا قضاء؛ بناء على من نذر ~~المعصية. # وهذا قول مالك، والشافعي في أحد قوليه؛ بناء على نذر المعصية. ووجه قول ~~الخرقي، أن النذر ينعقد؛ لأنه نذر نذرا يمكن الوفاء به غالبا، فكان منعقدا ~~كما لو وافق غير يوم العيد، ولا يجوز أن يصوم يوم العيد؛ لأن الشرع حرم ~~صومه، فأشبه زمن الحيض، ولزمه القضاء؛ لأنه نذر منعقد، وقد فاته الصيام ~~بالعذر، ولزمته الكفارة؛ لفواته، كما لو فاته بمرض. # وإن وافق يوم حيض أو نفاس، فهو كما لو وافق يوم فطر أو أضحى، إلا أنه لا ~~يصومه. بغير خلاف في المذهب، ولا بين أهل العلم. الثالث، أن يقدم في يوم ~~يصح صومه، والناذر مفطر، ففيه روايتان؛ إحداهما، يلزمه القضاء والكفارة؛ ~~لأنه نذر صوما نذرا صحيحا، ولم يف به، فلزمه القضاء والكفارة، كسائر ~~المنذورات. ويتخرج أن لا تلزمه كفارة. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه ترك المنذور ~~لعذر. # والثانية، لا يلزمه شيء، من قضاء ولا غيره. وهو قول أبي يوسف، وأصحاب ~~الرأي وابن المنذر؛ لأنه قدم في زمن لا يصح صومه فيه، فلم يلزمه شيء، كما ~~لو قدم ليلا. الرابع، قدم والناذر صائم، فلا يخلو من أن يكون تطوعا أو ~~فرضا؛ فإن كان تطوعا، فقال القاضي: يصوم بقيته، ويعقده عن نذره، ويجزئه، ~~ولا قضاء ولا كفارة. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يمكن صوم يوم بعضه تطوع وبعضه ~~واجب، كما لو نذر في أثناء التطوع إتمام صوم ذلك اليوم، وإنما وجد سبب ~~الوجوب في بعضه. # وذكر القاضي احتمالا آخر، أنه يلزمه ms5517 القضاء والكفارة؛ لأنه صوم واجب، فلم ~~يصح بنية من النهار، كقضاء رمضان. وذكر أبو الخطاب هذين الاحتمالين ~~روايتين. وعند الشافعي عليه القضاء فقط، كما لو قدم وهو مفطر. ويتخرج لنا ~~مثله. # وأما إن كان الصوم واجبا، فحكمه حكم المسألة التي قبل هذه، وقد ذكرناه. ~~وإن قدم وهو ممسك، لم ينو الصيام، ولم يفعل ما يفطره فحكمه حكم الصائم ~~تطوعا. الخامس، أن يقدم ليلا، فلا شيء عليه في قولهم جميعا؛ لأنه لم يقدم ~~في اليوم، ولا في وقت يصح فيه الصيام. # PageV10P022 # (8199) فصل: وإن قال: لله علي صوم يوم العيد. فهذا نذر معصية، على ناذره ~~الكفارة لا غير. نقلها حنبل عن أحمد. وفيه رواية أخرى، أن عليه القضاء مع ~~الكفارة، كالمسألة المذكورة. والأولى هي الصحيحة. # قاله القاضي؛ لأن هذا نذر معصية، فلم يوجب قضاء، كسائر المعاصي. وفارق ~~المسألة التي قبلها؛ لأنه لم يقصد بنذره المعصية، وإنما وقع اتفاقا، وها ~~هنا تعمدها بالنذر، فلم ينعقد نذره، ويدخل في قوله - عليه السلام -: «لا ~~نذر في معصية» . ويتخرج أن لا يلزمه شيء؛ بناء على نذر المعصية فيما تقدم. ~~وإن نذرت المرأة صوم يوم حيضها ونفاسها، فعليها الكفارة لا غير. ولم أعلم ~~عن أصحابنا في هذا خلافا. # (8200) مسألة؛ قال: (وإن وافق قدومه يوما من أيام التشريق، صامه، في إحدى ~~الروايتين عن أبي عبد الله، رحمه الله. والرواية الأخرى، لا يصومه ويصوم ~~يوما مكانه، ويكفر كفارة يمين) اختلفت الرواية عن أحمد، - رحمه الله -، في ~~صيام أيام التشريق عن الفرض، وقد ذكرنا ذلك في الصيام، فإن قلنا: يصومها عن ~~الفرض. صامها هاهنا، وأجزأته. وإن قلنا: لا يصومها. فحكمه حكم من وافق يوم ~~العيد، وقد مضى. ### | [فصل قال لله على صوم يوم يقدم فلان أبدا] # (8201) فصل: وإن قال: لله علي صوم يوم يقدم فلان أبدا. أو قال: لله علي ~~صوم يوم كل خميس أبدا. لزمه ذلك في المستقبل، فأما اليوم الذي يقدم فيه، ~~فقد مضى بيان حكمه، ولا يدخل في نذره ذلك اليوم من شهر رمضان؛ لأن رمضان؛ ~~لا ms5518 يتصور انفكاكه عن دخول ذلك اليوم فيه، ولا يمكنه صومه عن غير رمضان؛ ~~لأنه لا يقبل ذلك. ويجيء على قول الخرقي، أن يدخل في نذره، ويجزئه صومه ~~لرمضان ونذره. # وإن وافق يوم عيد، أو يوما من أيام التشريق، أو يوم حيض، ففيه من ~~الاختلاف ما قد مضى. وإن وجب عليه صوم شهرين عن كفارة الظهار أو نحوه، ~~صامهما عن الكفارة دون النذر؛ لأنه متى نوى النذر في ابتدائهما، انقطع ~~التتابع، فلا يقدر على التكفير، فحينئذ يقضي نذره، ويكفر؛ لأنه ترك صوم ~~النذر مع إمكانه لعذر، ويفارق الأيام التي دخلت في رمضان، فإنها لم تدخل في ~~نذره؛ لعدم انفكاكه عنها، وها هنا تنفك الأيام عن دخول الكفارة فيها، ولا ~~فرق بين كون نذره قبل وجوب الكفارة أو بعدها؛ لأن الأيام التي في رمضان لا ~~يصح صومها عن نذره، وأيام الكفارة يصح صومها عن نذره، وإذا نواها عن نذره، ~~انقطع التتابع، وأجزأت عن المنذور. # وإن فاتته أيام كثيرة، لزمته كفارة واحدة عن الجميع، فإذا كفر ثم فاته ~~شيء بعد ذلك، لزمته # PageV10P023 # كفارة ثانية. نص عليه أحمد؛ فإنه قال، فيمن نذر صيام أيام، فمرض فإن كان ~~قد كفر عن الأول، ثم أفطر بعد ذلك، كفر كفارة أخرى، وإن لم يكن كفر عن ~~الأول، فكفارة واحدة، ولا يكون مثل اليمين، إذا حنث وكفر، سقطت عنه. ويتخرج ~~أنه متى كفر مرة، لم تلزمه كفارة أخرى؛ لأن النذر كاليمين، ويشبه اليمين، ~~وإيجاب الكفارة فيه لذلك، واليمين لا يوجب أكثر من كفارة، فمتى كفرها، لم ~~يجب بها أخرى، كذلك النذر. فعلى هذا، متى فاته شيء فكفر عنه، ثم فاته شيء ~~آخر، قضاه من غير كفارة؛ لأن وجوب الكفارة الثانية لا نص فيه، ولا إجماع ~~ولا قياس، فلا يمكن إيجابها بغير دليل. ### | [فصل نذر صوم سنة بعينها] # (8202) فصل: إذا نذر صوم سنة بعينها، لم يدخل في نذره رمضان؛ لأنه لا ~~يقبل غير صوم رمضان، فأشبه الليل، ولا يوما العيدين؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن صيامهما، ms5519 ولا يصح صومهما عن النذر، فأشبها رمضان. وعن ~~أحمد فيمن نذر صوم شوال، يقضي يوم الفطر، ويكفر. فعلى هذه الرواية، يدخل في ~~نذره العيدان وأيام التشريق؛ لأنها أيام من جملة السنة. # والأول أصح، وفي أيام التشريق روايتان. وإن نذر صوم سنة مطلقة، فهل يلزمه ~~صوم سنة متتابعة أو لا؟ فيه روايتان؛ إحداهما، يلزمه؛ لأن السنة المطلقة ~~تنصرف إلى المتتابعة. فعلى هذه الرواية، حكمها حكم المعينة، في أنه لا يدخل ~~فيها العيدان ولا رمضان، وفي أيام التشريق روايتان، فإن ابتدأها من أول ~~شهر، أتم أحد عشر شهرا بالهلال، إلا شهر شوال، فإنه يتمه بالعدد؛ لأنه لم ~~يصم من أوله، وإن ابتدأها من أثناء شهر، أتم ذلك الشهر بالعدد، والباقي ~~بالهلال، على ما ذكرنا. # والرواية الثانية: لا تلزمه متابعة. وهو مذهب الشافعي؛ لأن المتفرقة تسمى ~~سنة، فيتناولها نذره، فيلزمه اثنا عشر شهرا بالأهلة، إن شاء، وإن شاء صامها ~~بالعدد. وإن ابتدأ الشهر من أثنائه، أتمه ثلاثين يوما. وإنما لزمه هاهنا ~~اثنا عشر شهرا؛ لأنه يمكن حمل النذر على سنة ليس فيها رمضان، ولا الأيام ~~التي لا يجوز صيامها، فجعل نذره على ما ينعقد فيه النذر، بخلاف ما إذا عين ~~السنة، وهذا كمن عين سلعة بالعقد، فوجد بها عيبا، لم يكن له إبدالها، ولو ~~وصفها ثم وجدها معيبة، ملك إبدالها، ويتم شوالا بالعدد؛ لأنه لم يبدأه من ~~أوله. # وإن صام ذا الحجة من أوله، قضى أربعة أيام، تاما كان أو ناقصا؛ لأنه بدأه ~~من أوله. وقيل: إن كان ناقصا قضى خمسة ليكمله ثلاثين؛ لأنه لم يصم الشهر ~~كله، فأشبه شوالا. وإن شرط التتابع، صار حكمها حكم المعينة. # PageV10P024 ### | [مسألة ومن نذر أن يصوم شهرا متتابعا] # (8203) مسألة؛ قال: (ومن نذر أن يصوم شهرا متتابعا، ولم يسمه، فمرض في ~~بعضه، فإذا عوفي، بنى، وكفر كفارة يمين، وإن أحب أتى بشهر متتابع، ولا ~~كفارة عليه، وكذلك المرأة إذا نذرت صيام شهر متتابع، وحاضت فيه) وجملته أن ~~من نذر صياما متتابعا غير معين، ثم أفطر فيه، لم يخل ms5520 من حالين. # أحدهما، أن يفطر لعذر؛ من حيض، أو مرض، ونحوهما، فهذا مخير بين أن يبتدئ ~~الصوم، ولا شيء عليه؛ لأنه أتى بالمنذور على وجهه، وبين أن يبني على صيامه ~~ويكفر؛ لأن الكفارة تلزم لتركه المنذور وإن كان عاجزا، بدليل أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أمر أخت عقبة بن عامر بالكفارة، لعجزها عن المشي؛ ~~ولأن النذر كاليمين، ولو حلف ليصومن متتابعا، ثم لم يأت به متتابعا، لزمته ~~الكفارة، وإنما جوز له البناء هاهنا؛ لأن الفطر لعذر لا يقطع التتابع حكما، ~~بدليل أنه لو أفطر في صيام الشهرين المتتابعين من عذر، كان له البناء، فإن ~~كان العذر يبيح الفطر كالسفر، فهل يقطع التتابع؟ ففيه وجهان؛ أحدهما، ~~يقطعه؛ لأنه يفطر باختياره. # والثاني، لا يقطعه؛ لأنه عذر في فطر رمضان، فأشبه المرض. والثاني، أن ~~يفطر لغير عذر، فهذا يلزمه استئناف الصيام، ولا كفارة عليه؛ لأنه ترك ~~التتابع المنذور لغير عذر، مع إمكان الإتيان به. # فلزمه فعله، كما لو نذر صوما معينا فصام قبله. وبهذا الفصل قال الشافعي، ~~إلا في الكفارة، فإنه لا يوجبها في المنذور، وقد ذكرنا دليل وجوبها فصل: ~~إذا صام شهرا من أول الهلال، أجزأه، ناقصا كان أو تاما؛ لأن ما بين ~~الهلالين شهر، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الشهر تسع ~~وعشرون» . # وإن بدأ من أثناء شهر، لزمه شهر بالعدد، ثلاثون يوما؛ لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، ~~فأكملوا ثلاثين» . فإن صام شوالا، لزمه إكماله ثلاثين؛ لأنه بدأ من أثنائه، ~~وإن كان ناقصا، قضى يومين، وإن كان تاما أتم يوما واحدا. وإن صام ذا الحجة ~~أفطر يوم الأضحى وأيام التشريق، ولم ينقطع تتابعه، كما لو أفطرت المرأة ~~بحيض، وعليه كفارة، ويقضي أربعة أيام إن كان تاما، وخمسة إن كان ناقصا. # ويحتمل أن لا يلزمه إلا الأربعة، وإن كان ناقصا؛ لأنه بدأه من أوله، ~~فيقضي المتروك منه لا غير. ولو صام شهرا من أول الهلال، فمرض فيه أياما ~~معلومة، أو ms5521 حاضت المرأة فيه ثم طهرت قبل خروجه، قضى ما أفطر منه بعدته إن ~~كان الشهر تاما، # PageV10P025 # وإن كان ناقصا، فهل يلزمه الإتيان بيوم آخر؟ على وجهين؛ بناء على ما ~~ذكرنا في فطر العيد وأيام التشريق. ### | [فصل ومن نذر صيام شهر] # (8205) فصل: ومن نذر صيام شهر، فهو مخير بين أن يصوم شهرا بالهلال، وهو ~~أن يبتدئه من أوله، فيجزئه، وبين أن يصومه بالعدد ثلاثين يوما. وهل يلزمه ~~التتابع؟ فيه وجهان؛ أحدهما، يلزمه. # وهو قول أبي ثور؛ لأن إطلاق الشهر يقتضي التتابع. والثاني، لا يلزمه ~~التتابع. وهو قول الشافعي، ومحمد بن الحسن؛ لأن الشهر يقع على ما بين ~~الهلالين، وعلى ثلاثين يوما، ولا خلاف أنه يجزئه ثلاثون يوما، فلم يلزمه ~~التتابع، كما لو نذر ثلاثين يوما. # فأما إن نذر صيام ثلاثين يوما، لم يلزمه التتابع فيها. نص عليه أحمد. وقد ~~روي عن أحمد، فيمن قال: لله علي صيام عشرة أيام: يصومها متتابعة. وهذا يدل ~~على وجوب التتابع في الأيام المنذورة. وحمل بعض أصحابنا كلام أحمد على من ~~شرط التتابع أو نواه؛ لأن لفظ العشرة لا يقتضي تتابعا، والنذر لا يقتضيه، ~~ما لم يكن في لفظه أو نيته. # وقال بعضهم: كلام أحمد على ظاهره، ويلزمه التتابع في نذر العشرة، دون ~~الثلاثين؛ لأن الثلاثين شهر، فلو أراد التتابع لقال: شهرا. فعدوله إلى ~~العدد دليل على إرادة التفريق، بخلاف العشرة. # والصحيح أنه يلزمه التتابع، فإن عدم ما يدل على التفريق ليس بدليل على ~~إرادة التتابع، فإن الله - تعالى - قال في قضاء رمضان: {فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] . ولم يذكر تفريقها ولا تتابعها، ولم يجب التتابع فيها ~~بالاتفاق. # وقال بعض أصحابنا: إن نذر اعتكاف أيام، لزمه التتابع، ولا يلزمه مثل ذلك ~~في الصيام؛ لأن الاعتكاف يتصل بعضه ببعض من غير فصل، والصوم يتخلله الليل، ~~فيفصل بعضه من بعض، ولذلك لو نذر اعتكاف يومين متتابعين، لدخل فيه الليل. # والصحيح التسوية؛ لأن الواجب ما اقتضاه لفظه، ولفظه لا يقتضي التتابع، ~~بدليل نذر الصوم، وما ذكروه من العرف لا ms5522 أثر له. ومن قال: يلزمه التتابع، ~~لزمته الليالي التي بين أيام الاعتكاف، كما لو قال: متتابعة. ### | [فصل نذر صيام أشهر متتابعة] # (8206) فصل: إذا نذر صيام أشهر متتابعة، فابتدأها من أول شهر، أجزأه ~~صومها بالأهلة، بلا خلاف. وإن ابتدأها من أثناء شهر، كمله بالعدد، وباقي ~~الأشهر بالأهلة. # وهذا قول مالك، والشافعي، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة. والرواية ~~الأخرى: يكمل الجميع بالعدد. وروي ذلك عن أحمد، وقد تقدم توجيه الروايتين. # PageV10P026 ### | [مسألة نذر أن يصوم شهرا بعينه فأفطر يوما بغير عذر] # (8207) مسألة؛ قال: (ومن نذر أن يصوم شهرا بعينه، فأفطر يوما بغير عذر، ~~ابتدأ شهرا، وكفر كفارة يمين) وجملته أنه إذا نذر صوم شهر معين، فأفطر في ~~أثنائه، لم يخل من حالين؛ أحدهما، أفطر لغير عذر، ففيه روايتان؛ إحداهما، ~~يقطع صومه، ويلزمه استئنافه؛ لأنه صوم يجب متتابعا بالنذر، فأبطله الفطر ~~لغير عذر، كما لو شرط التتابع، وفارق رمضان؛ فإن تتابعه بالشرع لا بالنذر، ~~وها هنا أوجبه على نفسه على صفة ثم فوتها، فأشبه ما لو شرطه متتابعا. # الثانية، لا يلزمه الاستئناف، إلا أن يكون قد شرط التتابع. وهذا قول ~~الشافعي؛ لأن وجوب التتابع ضرورة التعيين لا بالشرط، فلم يبطله الفطر في ~~أثنائه، كشهر رمضان، ولأن الاستئناف يجعل الصوم في الوقت الذي لم يعينه، ~~والوفاء بنذره في غير وقته، وتفويت يوم واحد لا يوجب تفويت غيره من الأيام. ~~فعلى هذا، يكفر عن فطره، ويقضي يوما مكانه بعد إتمام صومه. وهذا أقيس، إن ~~شاء الله - تعالى. # وعلى الرواية الأولى، يلزمه الاستئناف عقيب اليوم الذي أفطر فيه، ولا ~~يجوز تأخيره؛ لأن باقي الشهر منذور، ولا يجوز ترك الصوم فيه، وتلزمه كفارة ~~أيضا؛ لإخلاله بصوم هذا اليوم الذي أفطره. الحال الثاني، أفطر لعذر، فإنه ~~يبني على ما مضى من صيامه، ويقضي ويكفر. هذا قياس المذهب. # وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى، أنه لا كفارة عليه. وهذا مذهب مالك، ~~والشافعي، وأبي عبيد؛ لأن المنذور محمول على المشروع، ولو أفطر رمضان لعذر ~~لم يلزمه شيء. ولنا، أنه فات ما ms5523 نذره، فلزمته كفارة؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لأخت عقبة بن عامر: ولتكفر يمينها. وفارق رمضان؛ فإنه لو أفطر ~~لغير عذر، لم تجب عليه كفارة إلا في الجماع (8208) فصل: فإن جن جميع الشهر ~~المعين، لم يلزمه قضاء ولا كفارة. # وقال أبو ثور يلزمه القضاء؛ لأنه من أهل التكليف حالة نذره وقضائه، فلزمه ~~القضاء، كالمغمى عليه. ولنا، أنه ليس من أهل التكليف في وقت الوجوب، فلم ~~يلزمه القضاء، كما لو كان في شهر رمضان. وإن حاضت المرأة جميع الزمن ~~المعين، فعليها القضاء؛ وفي الكفارة وجهان. # وقال الشافعي: لا كفارة عليها، وفي القضاء وجهان؛ أحدهما، لا يلزمها ~~النذر؛ لأن زمن الحيض لا يمكن الصوم فيه، ولا يدخل في النذر، كزمن رمضان. # PageV10P027 # ولنا، أن المنذور يحمل على المشروع ابتداء، ولو حاضت في شهر رمضان، لزمها ~~القضاء، فكذلك المنذور. ### | [فصل قال لله علي الحج في عامي هذا فلم يحج لعذر] # (8209) فصل: ولو قال: لله علي الحج في عامي هذا. فلم يحج لعذر أو غيره، ~~فعليه القضاء والكفارة. ويحتمل أن لا كفارة عليه إذا كان معذورا. وقال ~~الشافعي: إن تعذر عليه الحج، لعدم أحد الشرائط السبعة، أو منعه منه سلطان ~~أو عدو، فلا قضاء عليه. وإن حدث به مرض، أو أخطأ عددا، أو نسي، أو توانى، ~~قضاه. ولنا، أنه فاته الحج المنذور، فلزمه قضاؤه، كما لو مرض، ولأن المنذور ~~محمول على المشروع ابتداء، ولو فاته المشروع، لزمه قضاؤه، فكذلك المنذور. ### | [فصل نذر صوم شهر بعينه أو الحج في عام بعينه وفعل ذلك قبله] # (8210) فصل: ولو نذر صوم شهر بعينه، أو الحج في عام بعينه، وفعل ذلك ~~قبله، لم يجزئه. وقال أبو يوسف: يجزئه، كما لو حلف ليقضينه حقه في وقت، ~~فقضاه قبله. ولنا، أن المنذور محمول على المشروع، ولو صام قبل رمضان لم ~~يجزئه، فكذلك إذا صام المنذور قبله، ولأنه لم يأت بالمنذور في وقته، فلم ~~يجزئه، كما لو لم يفعله أصلا. ### | [مسألة نذر أن يصوم فمات قبل أن يأتي به] # (8211) مسألة؛ قال: (ومن ms5524 نذر أن يصوم، فمات قبل أن يأتي به، صام عنه ~~ورثته من أقاربه، وكذلك كل ما كان من نذر طاعة) يعني من نذر حجا، أو صياما، ~~أو صدقة، أو عتقا، أو اعتكافا، أو صلاة، أو غيره من الطاعات، ومات قبل ~~فعله، فعله الولي عنه. # وعن أحمد في الصلاة: لا يصلى عن الميت؛ لأنها لا بدل لها بحال، وأما سائر ~~الأعمال فيجوز أن ينوب الولي عنه فيها، وليس بواجب عليه، ولكن يستحب له ذلك ~~على سبيل الصلة له والمعروف. وأفتى بذلك ابن عباس، في امرأة نذرت أن تمشي ~~إلى قباء، فماتت ولم تقضه، أن تمشي ابنتها عنها. # وروى سعيد، عن سفيان، عن عبد الكريم بن أبي أمية، أنه سأل ابن عباس عن ~~نذر كان على أمه من اعتكاف. قال: صم عنها، واعتكف عنها. # وقال: حدثنا أبو الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر، عن عامر بن شعيب، أن عائشة ~~اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد ما مات. وقال مالك: لا يمشي أحد عن أحد، ~~ولا يصلي، ولا يصوم عنه، وكذلك سائر أعمال البدن، قياسا على الصلاة. # PageV10P028 # وقال الشافعي: يقضي عنه الحج، ولا يقضي الصلاة، قولا واحدا، ولا يقضي ~~الصوم، في أحد القولين، ويطعم عنه لكل يوم مسكين؛ لأن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه ~~مكان كل يوم مسكين» أخرجه ابن ماجه. # وقال أهل الظاهر: يجب القضاء على وليه، بظاهر الأخبار الواردة فيه. ~~وجمهور أهل العلم على أن ذلك ليس بواجب على الولي، إلا أن يكون حقا في ~~المال، ويكون للميت تركة، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا محمول ~~على الندب والاستحباب، بدليل قرائن في الخبر؛ منها أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - شبهه بالدين، وقضاء الدين على الميت لا يجب على الوارث ما لم ~~يخلف تركة يقضى بها، ومنها أن السائل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل ~~يفعل ذلك أم لا؟ . # وجوابه يختلف باختلاف مقتضى سؤاله، فإن كان مقتضاه ms5525 السؤال عن الإباحة، ~~فالأمر في جوابه يقتضي الإباحة، وإن كان السؤال عن الإجزاء، فأمره يقتضي ~~الإجزاء، كقولهم: «أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: صلوا في مرابض الغنم» . وإن ~~كان سؤالهم عن الوجوب فأمره يقتضي الوجوب، كقولهم: «أنتوضأ من لحوم الإبل؟ ~~قال: توضئوا من لحوم الإبل» . وسؤال السائل في مسألتنا كان عن الإجزاء، ~~فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفعل يقتضيه لا غير. # ولنا، على جواز الصيام عن الميت، ما روت عائشة أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من مات، وعليه صيام صام عنه وليه» . وعن ابن عباس، قال: ~~«جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن أمي ~~ماتت وعليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت ~~قاضيه؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى» . # وفي رواية قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ~~يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على ~~أمك دين فقضيته، كان يؤدى ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك» . متفق ~~عليهن. # وعن ابن عباس، أن «سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في نذر كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه، فكانت ~~سنة بعد» . وعنه «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أختي ~~نذرت أن تحج، وإنها ماتت. فقال النبي # PageV10P029 # - صلى الله عليه وسلم -: لو كان عليها دين، أكنت قاضيه؟ . قال: نعم. قال: ~~فاقض الله، فهو أحق بالقضاء» . رواهما البخاري. # وهذا صريح في الصوم والحج، ومطلق في النذر، وما عدا المذكور في الحديث ~~يقاس، عليه وحديث ابن عمر في الصوم الواجب بأصل الشرع، ويتعين حمله عليه ~~جمعا بين الحديثين، ولو قدر التعارض، لكانت أحاديثنا أصح، وأكثر، وأولى ~~بالتقديم. إذا ثبت هذا، فإن الأولى أن يقضي النذر عنه وارثه، فإن قضاه ~~غيره، أجزأه عنه، كما لو قضى عنه دينه؛ فإن النبي - صلى الله عليه ms5526 وسلم - ~~شبهه بالدين، وقاسه عليه، ولأن ما يقضيه الوارث إنما هو تبرع منه، وغيره ~~مثله في التبرع. وإن كان النذر في مال، تعلق بتركته. ### | [فصل نذر أن يطوف على أربع] # (8212) فصل: ومن نذر أن يطوف على أربع، فعليه طوافان. قال ذلك ابن عباس؛ ~~لما روى «معاوية بن خديج الكندي، أنه قدم على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ومعه أمه كبشة بنت معديكرب عمة الأشعث بن قيس فقالت: يا رسول الله ~~إني آليت أن أطوف بالبيت حبوا. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~طوفي على رجليك سبعين؛ سبعا عن يديك، وسبعا عن رجليك» . أخرجه الدارقطني، ~~بإسناده وقال ابن عباس، في امرأة نذرت أن تطوف بالبيت على أربع، قال: تطوف ~~عن يديها سبعا، وعن رجليها سبعا. رواه سعيد. # والقياس أن يلزمه طواف واحد على رجليه، ولا يلزمه ذلك على يديه؛ لأنه غير ~~مشروع، فيسقط، كما أن «أخت عقبة نذرت أن تحج غير مختمرة، فأمرها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن تحج وتختمر» . وروى عكرمة، أن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان في سفر، فحانت منه نظرة، فإذا امرأة ناشرة شعرها، فقال: ~~مروها فلتختمر ومر برجلين مقترنين، فقال: أطلقا قرانكما» . # وقد ذكرنا حديث أبي إسرائيل، الذي نذر أن يصوم، ويفعل أشياء، فأمره النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بالصوم وحده، ونهاه عن سائر نذوره. وهل تلزمه ~~كفارة؟ يخرج فيه وجهان؛ بناء على ما تقدم. # وقياس المذهب لزوم الكفارة؛ لإخلاله بصفة نذره، وإن كان غير مشروع، كما ~~لو كان أصل النذر غير مشروع. # PageV10P030 # وأما وجه الأول، فلأن من نذر الطواف على أربع، فقد نذر الطواف على يديه ~~ورجليه، فأقيم الطواف الثاني مقام طوافه على يديه. ### | [فصل نذر صوم الدهر] # (8213) فصل: فإن نذر صوم الدهر، لزمه، ولم يدخل في نذره رمضان، ولا أيام ~~العيد والتشريق. فإن أفطر لعذر أو غيره، لم يقضه؛ لأن الزمن مستغرق بالصوم ~~المنذور، ولكن تلزمه كفارة لتركه. وإن لزمه قضاء من رمضان، أو كفارة، قدمه ~~على النذر؛ لأنه واجب ms5527 بأصل الشرع، فقدم على ما أوجبه على نفسه، كتقديم حجة ~~الإسلام على المنذورة. فإذا لزمته كفارة لتركه صوم يوم، أو أكثر، وكانت ~~كفارته الصيام، احتمل أن لا يجب؛ لأنه لا يمكن التكفير إلا بترك الصوم ~~المنذور، وتركه يوجب كفارة، فيقضي ذلك إلى التسلسل، وترك المنذور بالكلية. ~~ويحتمل أن تجب الكفارة، ولا تجب بفعلها كفارة؛ لأن ترك النذر لعذر لا يوجب ~~كفارة، فلا يقضي إلى التسلسل. ### | [فصل وصيغة النذر] # (8214) فصل: وصيغة النذر أن يقول: لله علي أن أفعل كذا. وإن قال: علي نذر ~~كذا. لزمه أيضا؛ لأنه صرح بلفظ النذر. وإن قال: إن شفاني الله، فعلي صوم ~~شهر. كان نذرا. وإن قال: لله علي المشي إلى بيت الله، قال ابن عمر، في ~~الرجل يقول: علي المشي إلى الكعبة لله. قال: هذا نذر، فليمش. ونحوه عن ~~القاسم بن محمد، ويزيد بن إبراهيم التيمي، ومالك، وجماعة من العلماء. # واختلف فيه عن سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، فروي عنهما مثل قولهم، ~~وروي عنهما فيمن قال: علي المشي إلى بيت الله: فليس بشيء، إلا أن يقول: علي ~~نذر مشي إلى بيت الله. ولنا، أن لفظة: " علي " للإيجاب على نفسه، فإذا قال: ~~علي المشي إلى بيت الله. فقد أوجبه على نفسه فلزمه، كما لو قال: هو علي ~~نذر. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV10P031 ### | [كتاب القضاء] # الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقول الله ~~تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع ~~الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26] . وقول الله تعالى: {وأن احكم بينهم بما ~~أنزل الله} [المائدة: 49] . # وقوله: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} [النور: 48] . وقوله ~~تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] . # وأما السنة، فما روى عمرو بن العاص، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» متفق ~~عليه. في ms5528 آي وأخبار سوى ذلك كثيرة. وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء، ~~والحكم بين الناس. # (8215) فصل: والقضاء من فروض الكفايات؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، ~~فكان واجبا عليهم، كالجهاد والإمامة. قال أحمد: لا بد للناس من حاكم، أتذهب ~~حقوق الناس، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه، ولذلك ~~جعل الله فيه أجرا مع الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، ولأن فيه أمرا بالمعروف، ~~ونصرة المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، وردا للظالم عن ظلمه، وإصلاحا بين ~~الناس، وتخليصا لبعضهم من بعض، وذلك من أبواب القرب؛ ولذلك تولاه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأممهم، وبعث عليا إلى ~~اليمن قاضيا، وبعث أيضا معاذا قاضيا. # وقد روي عن ابن مسعود، أنه قال: لأن أجلس قاضيا بين اثنين، أحب إلي من ~~عبادة سبعين سنة. وعن عقبة بن عامر، قال: «جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال لي: اقض بينهما. قلت: أنت أولى بذلك. قال: وإن ~~كان. قلت: علام أقضي قال: اقض، فإن أصبت فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك أجر ~~واحد» . رواه سعيد في " سننه ". # PageV10P032 # (8216) فصل: وفيه خطر عظيم ووزر كبير لمن لم يؤد الحق فيه، ولذلك كان ~~السلف، رحمة الله عليهم، يمتنعون منه أشد الامتناع، ويخشون على أنفسهم ~~خطره. # قال خاقان بن عبد الله: أريد أبو قلابة على قضاء البصرة، فهرب إلى ~~اليمامة، فأريد على قضائها، فهرب إلى الشام، فأريد على قضائها، وقيل: ليس ~~هاهنا غيرك. قال: فانزلوا الأمر على ما قلتم، فإنما مثلي مثل سابح وقع في ~~البحر، فسبح يومه، فانطلق، ثم سبح اليوم الثاني، فمضى أيضا، فلما كان اليوم ~~الثالث فترت يداه. وكان يقال: أعلم الناس بالقضاء أشدهم له كراهة. ولعظم ~~خطره، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من جعل قاضيا، فقد ذبح بغير ~~سكين» . قال الترمذي: هذا حديث حسن وقيل في هذا الحديث: إنه لم يخرج مخرج ~~الذم للقضاء، وإنما وصفه بالمشقة؛ فكأن من وليه قد حمل على مشقة، كمشقة ms5529 ~~الذبح. ### | [فصل والناس في القضاء على ثلاثة أضرب] # (8217) فصل: والناس في القضاء على ثلاثة أضرب؛ منهم من لا يجوز له الدخول ~~فيه، وهو من لا يحسنه، ولم تجتمع فيه شروطه، فقد روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «القضاة ثلاثة ذكر منهم رجلا قضى بين الناس بجهل، فهو ~~في النار» . ولأن من لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه، فيأخذ الحق من مستحقه ~~ويدفعه إلى غيره. # ومنهم، من يجوز له، ولا يجب عليه، وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد، ~~ويوجد غيره مثله، فله أن يلي القضاء بحكم حاله وصلاحيته، ولا يجب عليه؛ ~~لأنه لم يتعين له. وظاهر كلام أحمد، أنه لا يستحب له الدخول فيه؛ لما فيه ~~من الخطر والغرر، وفي تركه من السلامة، ولما ورد فيه من التشديد والذم، ~~ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي، وقد أراد عثمان - رضي الله عنه - ~~تولية ابن عمر القضاء فأباه. # وقال أبو عبد الله # PageV10P033 # بن حامد: إن كان رجلا خاملا، لا يرجع إليه في الأحكام، ولا يعرف فالأولى ~~له توليه، ليرجع إليه في الأحكام، ويقوم به الحق، وينتفع به المسلمون، وإن ~~كان مشهورا في الناس بالعلم، يرجع إليه في تعليم العلم والفتوى، فالأولى ~~الاشتغال بذلك، لما فيه من النفع مع الأمن من الغرر. ونحو هذا قال أصحاب ~~الشافعي، وقالوا أيضا: إذا كان ذا حاجة، وله في القضاء رزق، فالأولى له ~~الاشتغال به، فيكون أولى من سائر المكاسب؛ لأنه قربة وطاعة. وعلى كل حال، ~~فإنه يكره للإنسان طلبه، والسعي في تحصيله؛ لأن أنسا روى عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من ابتغى القضاء، وسأل فيه شفعاء، وكل إلى ~~نفسه، ومن أكره عليه، أنزل الله عليه ملكا يسدده» . قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن غريب. «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن سمرة: يا عبد ~~الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن ~~أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها» . متفق عليه. # الثالث: من يجب عليه، ms5530 وهو من يصلح للقضاء، ولا يوجد سواه، فهذا يتعين ~~عليه؛ لأنه فرض كفاية، لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه، كغسل الميت ~~وتكفينه. وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه لا يتعين عليه، فإنه سئل: هل يأثم ~~القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال: لا يأثم. # فهذا يحتمل أنه يحمل على ظاهره، في أنه لا يجب عليه، لما فيه من الخطر ~~بنفسه، فلا يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره، ولذلك امتنع أبو قلابة منه، وقد ~~قيل له: ليس غيرك. ويحتمل أن يحمل على من لم يمكنه القيام بالواجب، لظلم ~~السلطان أو غيره؛ فإن أحمد قال: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس،. ### | [فصل يأخذ على القضاء أجرا] # (8218) فصل: ويجوز للقاضي أخذ الرزق، ورخص فيه شريح، وابن سيرين، ~~والشافعي، وأكثر أهل العلم. وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه استعمل زيد ~~بن ثابت على القضاء، وفرض له رزقا. ورزق شريحا في كل شهر مائة درهم. وبعث ~~إلى الكوفة عمارا وعثمان بن حنيف وابن مسعود، ورزقهم كل يوم شاة؛ نصفها ~~لعمار ونصفها لابن مسعود وعثمان، وكان ابن مسعود قاضيهم ومعلمهم. وكتب إلى ~~معاذ بن جبل، وأبي عبيدة، حين بعثهما إلى الشام، أن انظرا رجالا من صالحي ~~من قبلكم، فاستعملوهم على القضاء، وأوسعوا عليهم، وارزقوهم، واكفوهم من مال ~~الله # وقال أبو الخطاب: يجوز له أخذ الرزق مع الحاجة، فأما مع عدمها فعلى ~~وجهين. # وقال أحمد: ما يعجبني أن يأخذ على القضاء أجرا، وإن كان فبقدر شغله، مثل ~~والي اليتيم. وكان ابن مسعود والحسن يكرهان الأجر على القضاء. وكان مسروق، ~~وعبد الرحمن بن القاسم بن عبد الرحمن، لا يأخذان عليه أجرا، وقالا: لا نأخذ ~~أجرا على أن نعدل بين اثنين. # PageV10P034 # وقال أصحاب الشافعي: إن لم يكن متعينا جاز له أخذ الرزق عليه، وإن تعين ~~لم يجز إلا مع الحاجة. والصحيح جواز أخذ الرزق عليه بكل حال؛ لأن أبا بكر - ~~رضي الله عنه - لما ولي الخلافة، فرضوا له الرزق كل يوم درهمين. ولما ~~ذكرناه ms5531 من أن عمر رزق زيدا وشريحا وابن مسعود، وأمر بفرض الرزق لمن تولى من ~~القضاة، ولأن بالناس حاجة إليه، ولو لم يجز فرض الرزق لتعطل، وضاعت الحقوق. # فأما الاستئجار عليه، فلا يجوز قال عمر - رضي الله عنه -: لا ينبغي لقاضي ~~المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرا. وهذا مذهب الشافعي، ولا نعلم فيه خلافا؛ ~~وذلك لأنه قربة يختص فاعله أن يكون في أهل القربة، فأشبه الصلاة؛ ولأنه لا ~~يعمله الإنسان عن غيره، وإنما يقع عن نفسه، فأشبه الصلاة، ولأنه عمل غير ~~معلوم. فإن لم يكن للقاضي رزق، فقال للخصمين: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي ~~رزقا عليه. جاز. ويحتمل أن لا يجوز. ### | [فصل الإمام يبعث القضاة إلى الأمصار غير بلده] # (8219) فصل: وإذا كان الإمام في بلد، فعليه أن يبعث القضاة إلى الأمصار ~~غير بلده؛ «فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عليا قاضيا إلى اليمن، ~~وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن أيضا. وقال له: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله ~~تعالى. قال: فإن لم تجد قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: ~~فإن لم تجد قال: أجتهد رأيي. قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما ~~يرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . # وبعث عمر شريحا على قضاء الكوفة وكعب بن سوار على قضاء البصرة. وكتب إلى ~~أبي عبيدة ومعاذ يأمرهما بتولية القضاء في الشام؛ لأن أهل كل بلد يحتاجون ~~إلى القاضي، ولا يمكنهم المصير إلى بلد الإمام، ومن أمكنه ذلك شق عليه، ~~فوجب إغناؤهم عنه. ### | [فصل وإذا أراد الإمام تولية قاض] # (8220) فصل: وإذا أراد الإمام تولية قاض، فإن كان له خبرة بالناس ويعرف ~~من يصلح للقضاء، ولاه، وإن لم يعرف ذلك، سأل أهل المعرفة بالناس، واسترشدهم ~~على من يصلح. وإن ذكر له رجل لا يعرفه، أحضره وسأله، وإن عرف عدالته، وإلا ~~بحث عن عدالته، فإذا عرفها ولاه، ويكتب له عهدا يأمره فيه بتقوى الله، ~~والتثبت في القضاء، ومشاورة أهل العلم، وتصفح أحوال الشهود، وتأمل ~~الشهادات، وتعاهد اليتامى، وحفظ ms5532 أموالهم وأموال الوقوف، وغير ذلك مما يحتاج ~~إلى مراعاته. ثم إن كان البلد الذي ولاه قضاءه بعيدا، لا يستفيض إليه الخبر ~~بما يكون في بلد الإمام، أحضر شاهدين عدلين وقرأ عليهما العهد، وأقرآه غيره ~~بحضرته، وأشهدهما على توليته؛ ليمضيا معه إلى بلد ولايته، فيقيما له ~~الشهادة، ويقول لهما: اشهدا على أني قد وليته قضاء البلد الفلاني، وتقدمت ~~إليه بما اشتمل هذا العهد عليه. # PageV10P035 # وإن كان البلد قريبا من بلد الإمام، يستفيض إليه ما يجري في بلد الإمام، ~~مثل أن يكون بينهما خمسة أيام أو ما دونها، جاز أن يكتفي بالاستفاضة دون ~~الشهادة؛ لأن الولاية تثبت بالاستفاضة. وبهذا قال الشافعي، إلا أن عنده في ~~ثبوت الولاية بالاستفاضة في البلد القريب وجهين. # وقال أصحاب أبي حنيفة: تثبت بالاستفاضة. ولم يفصلوا بين القريب والبعيد؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولى عليا ومعاذا قضاء اليمن وهو بعيد، من ~~غير شهادة، وولى الولاة في البلدان البعيدة وفوض إليهم الولاية والقضاء، ~~ولم يشهد، وكذلك خلفاؤه. ولم ينقل عنهم الإشهاد على تولية القضاء، مع بعد ~~بلدانهم. # ولنا، أن القضاء لا يثبت إلا بأحد الأمرين، وقد تعذرت الاستفاضة في البلد ~~البعيد؛ لعدم وصولها إليه، فتعين الإشهاد، ولا نسلم أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يشهد على توليته، فإن الظاهر أنه لم يبعث واليا إلا ومعه ~~جماعة، فالظاهر أنه أشهدهم، وعدم نقله لا يلزم منه عدم فعله، وقد قام دليله ~~فتعين وجوده. ### | [يشترط في القاضي ثلاثة شروط] # (8221) مسألة: قال أبو القاسم - رحمه الله تعالى -: (ولا يولى قاض حتى ~~يكون بالغا، عاقلا، مسلما، حرا، عدلا، عالما، فقيها، ورعا) وجملته أنه ~~يشترط في القاضي ثلاثة شروط؛ أحدها، الكمال، وهو نوعان؛ كمال الأحكام، ~~وكمال الخلقة، أما كمال الأحكام فيعتبر في أربعة أشياء؛ أن يكون بالغا ~~عاقلا حرا ذكرا. # وحكي عن ابن جرير أنه لا تشترط الذكورية؛ لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية، ~~فيجوز أن تكون قاضية. وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود؛ ~~لأنه يجوز أن تكون ms5533 شاهدة فيه. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما ~~أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» . ولأن القاضي يحضر محافل الخصوم والرجال، ~~ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل، ~~قليلة الرأي، ليست أهلا للحضور في محافل الرجال، ولا تقبل شهادتها، ولو كان ~~معها ألف امرأة مثلها، ما لم يكن معهن رجل، وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ~~ونسيانهن بقوله تعالى {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] ~~ولا تصلح للإمامة العظمى، ولا لتولية البلدان؛ ولهذا لم يول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا أحد من خلفائه، ولا من بعدهم، امرأة قضاء ولا ولاية ~~بلد، فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالبا. # وأما كمال الخلقة، فأن يكون متكلما سميعا بصيرا؛ لأن الأخرس لا يمكنه ~~النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته، والأصم لا يسمع قول الخصمين، ~~والأعمى لا يعرف المدعي من المدعى عليه، والمقر من المقر له، # PageV10P036 # والشاهد من المشهود له. # وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز أن يكون أعمى؛ لأن شعيبا كان أعمى. ولهم في ~~الأخرس الذي تفهم إشارته وجهان. ولنا، أن هذه الحواس تؤثر في الشهادة، ~~فيمنع فقدها ولاية القضاء كالسمع؛ وهذا لأن منصب الشهادة دون منصب القضاء، ~~والشاهد يشهد في أشياء يسيرة يحتاج إليه فيها، وربما أحاط بحقيقة علمها، ~~والقاضي ولايته عامة، ويحكم في قضايا الناس عامة، فإذا لم يقبل منه ~~الشهادة، فالقضاء أولى، وما ذكروه عن شعيب فلا نسلم فيه، فإنه لم يثبت أنه ~~كان أعمى، ولو ثبت فيه ذلك، فلا يلزم هاهنا، فإن شعيبا - عليه السلام -، ~~كان من آمن معه من الناس قليلا، وربما لا يحتاجون إلى حكم بينهم لقلتهم ~~وتناصفهم، فلا يكون حجة في مسألتنا. # الشرط الثاني، العدالة، فلا يجوز تولية فاسق، ولا من فيه نقص يمنع ~~الشهادة، وسنذكر ذلك في الشهادة، إن شاء الله - تعالى. # وحكي عن الأصم، أنه قال: يجوز أن يكون القاضي فاسقا؛ لما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «سيكون بعدي أمراء ms5534 يؤخرون الصلاة عن ~~أوقاتها، فصلوها لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة» . ولنا، قول الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] . ~~فأمر بالتبين عند قول الفاسق، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله، ~~ويجب التبين عند حكمه؛ ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدا، فلئلا يكون ~~قاضيا أولى. # فأما الخبر فأخبر بوقوع كونهم أمراء، لا بمشروعيته، والنزاع في صحة ~~توليته، لا في وجودها. # الشرط الثالث، أن يكون من أهل الاجتهاد. وبهذا قال مالك والشافعي، وبعض ~~الحنفية. وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميا فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض منه ~~فصل الخصائم، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز، كما يحكم بقول المقومين. ولنا، ~~قول الله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] . ولم يقل ~~بالتقليد، وقال: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء: 105] . وقال: ~~{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] . # PageV10P037 # وروى بريدة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «القضاة ~~ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به، فهو في ~~الجنة، ورجل، قضى للناس على جهل، فهو في النار، ورجل جار في الحكم، فهو في ~~النار» . رواه ابن ماجه. والعامي يقضي على الجهل، ولأن الحكم آكد من ~~الفتيا؛ لأنه فتيا وإلزام، ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا، فالحكم ~~أولى. # فإن قيل: فالمفتي يجوز أن يخبر بما سمع. قلنا: نعم. إلا أنه لا يكون ~~مفتيا في تلك الحال، وإنما هو مخبر، فيحتاج أن يخبر عن رجل بعينه من أهل ~~الاجتهاد فيكون معمولا بخبره لا بفتياه، ويخالف قول المقومين؛ لأن ذلك لا ~~يمكن الحاكم معرفته بنفسه، بخلاف الحكم. # إذا ثبت هذا، فمن شرط الاجتهاد معرفة ستة أشياء؛ الكتاب، والسنة، ~~والإجماع، والاختلاف، والقياس، ولسان العرب. أما الكتاب، فيحتاج أن يعرف ~~منه عشرة أشياء؛ الخاص، والعام، والمطلق، والمقيد، والمحكم، والمتشابه، ~~والمجمل، والمفسر، والناسخ، والمنسوخ في الآيات المتعلقة بالأحكام، وذلك ~~نحو خمسمائة، ولا يلزمه معرفة سائر القرآن. # فأما السنة، فيحتاج إلى معرفة ms5535 ما يتعلق منها بالأحكام دون سائر الأخبار، ~~من ذكر الجنة والنار والرقائق، ويحتاج أن يعرف منها ما يعرف من الكتاب، ~~ويزيد معرفة التواتر، والآحاد، والمرسل، والمتصل، والمسند، والمنقطع، ~~والصحيح، والضعيف، ويحتاج إلى معرفة ما أجمع عليه، وما اختلف فيه، ومعرفة ~~القياس، وشروطه، وأنواعه، وكيفية استنباطه الأحكام، ومعرفة لسان العرب فيما ~~يتعلق بما ذكر؛ ليتعرف به استنباط الأحكام من أصناف علوم الكتاب والسنة، ~~وقد نص أحمد على اشتراط ذلك للفتيا، والحكم في معناه. # فإن قيل: هذه شروط لا تجتمع، فكيف يجوز اشتراطها؟ . قلنا: ليس من شرطه أن ~~يكون محيطا بهذه العلوم إحاطة تجمع أقصاها، وإنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ~~ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة ولسان العرب، ولا أن يحيط بجميع ~~الأخبار الواردة في هذا، فقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، خليفتا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووزيراه، وخير الناس بعده، في حال ~~إمامتهما يسألان عن الحكم فلا يعرفان ما فيه من السنة، حتى يسألا الناس ~~فيخبرا «، # PageV10P038 # فسئل أبو بكر عن ميراث الجدة، فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم لك ~~في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، ولكن ارجعي حتى أسأل الناس. ~~ثم قام فقال: أنشد الله من يعلم قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الجدة؟ فقام المغيرة بن شعبة، فقال: أشهد أن رسول الله أعطاها السدس. وسأل ~~عمر عن إملاص المرأة، فأخبره المغيرة بن شعبة أن النبي قضى فيه بغرة» . # ولا يشترط معرفة المسائل التي فرعها المجتهدون في كتبهم، فإن هذه فروع ~~فرعها الفقهاء بعد حيازة منصب الاجتهاد، فلا تكون شرطا له وهو سابق عليها. # وليس من شرط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهدا في كل المسائل، بل من عرف ~~أدلة مسألة، وما يتعلق بها، فهو مجتهد فيها، وإن جهل غيرها، كمن يعرف ~~الفرائض وأصولها، ليس من شرط اجتهاده فيها معرفته بالبيع، ولذلك ما من إمام ~~إلا وقد توقف في مسائل. وقيل: من يجيب في كل مسألة فهو ms5536 مجنون، وإذا ترك ~~العالم: لا أدري. أصيبت مقاتله. # وحكي أن مالكا سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري. ~~ولم يخرجه ذلك عن كونه مجتهدا. وإنما المعتبر أصول هذه الأمور، وهو مجموع ~~مدون في فروع الفقه وأصوله، فمن عرف ذلك، ورزق فهمه، كان مجتهدا، له الفتيا ~~وولاية الحكم إذا وليه. والله أعلم. ### | [فصل كونه كاتبا أي القاضي] # (8222) فصل: ليس من شرط الحاكم كونه كاتبا. وقيل: يشترط ذلك؛ ليعلم ما ~~يكتبه كاتبه، ولا يتمكن من إخفائه عنه. ولنا، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان أميا، وهو سيد الحكام، وليس من ضرورة الحاكم الكتابة، فلا تعتبر ~~شروطها، وإن احتاج إلى ذلك جاز توليته لمن يعرفه، كما أنه قد يحتاج إلى ~~القسمة بين الناس، وليس من شرطه معرفة المساحة، ويحتاج إلى التقويم، وليس ~~من شرط القضاء أن يكون عالما بقيمة الأشياء، ولا معرفته بعيوب كل شيء. ### | [فصل خصال القاضي] # فصل: وينبغي أن يكون الحاكم قويا من غير عنف، لينا من غير ضعف، لا يطمع ~~القوي في باطله، ولا ييأس # PageV10P039 # الضعيف من عدله، ويكون حليما، متأنيا، ذا فطنة وتيقظ، لا يؤتى من غفلة، ~~ولا يخدع لغرة، صحيح السمع والبصر، عالما بلغات أهل ولايته، عفيفا، ورعا، ~~نزها، بعيدا من الطمع، صدوق اللهجة، ذا رأي ومشورة، لكلامه لين إذا قرب، ~~وهيبة إذا أوعد، ووفاء إذا وعد، ولا يكون جبارا، ولا عسوفا، فيقطع ذا الحجة ~~عن حجته. # قال علي - رضي الله عنه -: لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيا حتى تكون فيه ~~خمس خصال؛ عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في ~~الله لومة لائم. وعن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -، قال: ينبغي ~~للقاضي أن تجتمع فيه سبع خلال، إن فاتته واحدة كانت فيه وصمة: العقل، ~~والفقه، والورع، والنزاهة، والصرامة، والعلم بالسنن، والحكم. ورواه سعيد. ~~وفيه: يكون فهما، حليما، عفيفا، صلبا، سآلا عما لا يعلم. # وفي رواية: محتملا للأئمة؛ ولا يكون ضعيفا، مهينا، لأن ذلك يبسط ~~المتخاصمين ms5537 إلى التهاتر والتشاتم بين يديه، وقال عمر - رضي الله عنه -: ~~لأعزلن فلانا عن القضاء، ولأستعملن رجلا إذا رآه الفاجر فرقه. # (8224) فصل: وله أن ينتهر الخصم إذا التوى، ويصيح عليه، وإن استحق ~~التعزير عزره بما يرى من أدب أو حبس. وإن افتات عليه بأن يقول: حكمت علي ~~بغير الحق. أو: ارتشيت. فله تأديبه. وله أن يعفو. # وإن بدأ المنكر باليمين، قطعها عليه، وقال: البينة على خصمك. فإن عاد ~~نهره، فإن عاد عزره إن رأى. وأمثال ذلك مما فيه إساءة الأدب، فله مقابلة ~~فاعله، وله العفو. ### | [فصل القضاء في المساجد] # (8225) فصل: وإن ولى الإمام رجلا القضاء، فإن كانت ولايته في غير بلده، ~~فأراد السير إلى بلاد ولايته، بحث عن قوم من أهل ذلك البلد ليسألهم عنه، ~~ويتعرف منهم ما يحتاج إلى معرفته، فإن لم يجد، سأل في طريقه، فإن لم يجد، ~~سأل إذا دخل البلد عن أهله، ومن به من العلماء والفضلاء وأهل العدالة ~~والستر، وسائر ما يحتاج إلى معرفته، وإذا قرب من البلد، بعث من يعلمهم ~~بقدومه ليتلقوه، ويجعل قدومه يوم الخميس إن أمكنه؛ لأن النبي كان إذا قدم ~~من سفر، قدم يوم الخميس، ثم يقصد الجامع، فيصلي فيه ركعتين، كما كان النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يفعل إذا دخل المدينة، ويسأل الله - تعالى التوفيق ~~والعصمة والمعونة، وأن يجعل عمله صالحا، ويجعله لوجهه خالصا، ولا يجعل لأحد ~~فيه شيئا، ويفوض أمره إلى الله تعالى، ويتوكل عليه، ويأمر مناديه فينادي في ~~البلد، أن فلانا قدم عليكم قاضيا، فاجتمعوا لقراءة عهده، وقت كذا وكذا. # وينصرف إلى منزله الذي قد أعد له، وينبغي أن يكون في وسط البلد؛ ليتساوى ~~أهل المدينة فيه، ولا يشق على بعضهم قصده، فإذا اجتمعوا، أمر بعهده فقرئ ~~عليهم ليعلموا التولية، ويأتوا إليه، ويعد الناس يوما يجلس فيه للقضاء، ثم ~~ينصرف إلى منزله. # PageV10P040 # وأول ما يبدأ فيه من أمر الحكم، أن يبعث إلى الحاكم المعزول فيأخذ منه ~~ديوان الحكم؛ وهو ما فيه وثائق الناس من المحاضر، وهي نسخ ما ثبت ms5538 عند ~~الحاكم، والسجلات نسخ ما حكم به، وما كان عنده من حجج الناس ووثائقهم مودعة ~~في ديوان الحكم، فكانت عنده بحكم الولاية، فإذا انتقلت الولاية إلى غيره، ~~كان عليه تسليمها إليه، فتكون مودعة عنده في ديوانه، ثم يخرج في اليوم الذي ~~وعد بالجلوس فيه إلى مجلسه، على أكمل حالة وأعدلها، خليا من الغضب، والجوع ~~الشديد والعطش، والفرح الشديد والحزن الكثير، والهم العظيم، والوجع المؤلم، ~~ومدافعة الأخبثين أو أحدهما، والنعاس الذي يغمر القلب؛ ليكون أجمع لقلبه، ~~وأحضر لذهنه، وأبلغ في تيقظه للصواب، وفطنته لموضع الرأي؛ ولذلك قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» . فنص على ~~الغضب، ونبه على ما في معناه من سائر ما ذكرناه. # ويسلم على من يمر به من المسلمين في طريقه، ويذكر الله بقلبه ولسانه حتى ~~يأتي مجلسه، ويستحب أن يجعله في موضع بارز للناس فسيح، كالرحبة والفضاء ~~الواسع أو الجامع. ولا يكره القضاء في المساجد، فعل ذلك شريح، والحسن، ~~والشعبي، ومحارب بن دثار، ويحيى بن يعمر، وابن أبي ليلى، وابن خلدة، قاض ~~لعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - وروي عن عمر وعثمان وعلي، أنهم كانوا ~~يقضون في المسجد. # وقال مالك: القضاء في المسجد من أمر الناس القديم. وبه قال مالك، وإسحاق، ~~وابن المنذر، وقال الشافعي: يكره ذلك، إلا أن يتفق خصمان عنده في المسجد؛ ~~لما روي أن عمر كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن، أن لا تقضي في المسجد؛ لأنه ~~تأتيك الحائض والجنب. ولأن الحاكم يأتيه الذمي والحائض والجنب، وتكثر ~~غاشيته، ويجري بينهم اللغط والتكاذب والتجاحد، وربما أدى إلى السب وما لم ~~تبن له المساجد. ولنا، إجماع الصحابة بما قد رويناه عنهم. # وقال الشعبي: رأيت عمر وهو مستند إلى القبلة، يقضي بين الناس. وقال مالك: ~~هو من أمر الناس القديم. ولأن القضاء قربة وطاعة وإنصاف بين الناس، فلم ~~يكره في المسجد، ولا نعلم صحة ما رووه عن عمر، وقد روي عنه خلافه. # وأما الحائض، فإن عرضت لها حاجة إلى القضاء، ms5539 وكلت، أو أتته في منزله. ~~والجنب يغتسل ويدخل، والذمي يجوز دخوله بإذن مسلم. وقد كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يجلس في مسجده، مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ~~ذلك من حوائجهم، وكان أصحابه يطالب بعضهم بعضا بالحقوق في المسجد، وربما ~~رفعوا أصواتهم. # فقد روي عن كعب بن مالك أنه قال: «تقاضيت ابن أبي حدرد دينا في المسجد، ~~حتى ارتفعت أصواتنا، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فأشار إلي، أن ضع ~~من دينك الشطر. فقلت: نعم يا رسول الله، فقال: فقم فاقضه» . # PageV10P041 # وينبغي أن يكون جلوسه في وسط البلد، لئلا يبعد على قاصديه، ولا يتخذ ~~حاجبا يحجب الناس عن الوصول إليه؛ لما روى القاسم بن مخيمرة، عن أبي مريم ~~صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «من ولي من أمور الناس شيئا، واحتجب دون حاجتهم، احتجب ~~الله دون حاجته وفاقته وفقره» . رواه الترمذي. # ولأن حاجبه ربما قدم المتأخر وأخر المتقدم لغرض له، وربما كسرهم بحجبهم ~~والاستئذان لهم. ولا بأس باتخاذ حاجب في غير مجلس القضاء. ويبسط له شيء ~~يجلس عليه ولا يجلس على التراب، ولا على حصير المسجد؛ لأن ذلك يذهب بهيبته ~~من أعين الخصوم، ويجعل جلوسه مستقبل القبلة؛ لأن خير المجالس ما استقبل به ~~القبلة. وهذه الآداب المذكورة في هذا الفصل ليست شرطا في الحكم، إلا الخلو ~~من الغضب وما في معناه، فإن في اشتراطه روايتين. ### | [فصل أول ما ينظر فيه القاضي إذا جلس للحكم] # فصل: وإذا جلس الحاكم في مجلسه، فأول ما ينظر فيه أمر المحبوسين؛ لأن ~~الحبس عذاب، وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه، فينفذ إلى حبس القاضي ~~الذي كان قبله ثقة، يكتب اسم كل محبوس، وفيم حبس؟ ولمن حبس؟ فيحمله إليه، ~~فيأمر مناديا ينادي في البلد ثلاثة أيام: ألا إن القاضي فلان بن فلان ينظر ~~في أمر المحبوسين يوم كذا، فمن كان له محبوس فليحضر. فإذا حضر ذلك اليوم، ~~وحضر الناس، ترك الرقاع ms5540 التي فيها اسم المحبوسين بين يديه، ومد يده إليها، ~~فما وقع في يده منها نظر إلى اسم المحبوس، وقال: من خصم فلان المحبوس. # فإذا قال خصمه: أنا. بعث معه ثقة إلى الحبس، فأخرج خصمه، وحضر معه مجلس ~~الحكم، ويفعل ذلك في قدر ما يعلم أنه يتسع زمانه للنظر فيه في ذلك المجلس، ~~ولا يخرج غيرهم، فإذا حضر المحبوس وخصمه، لم يسأل خصمه: لم حبسته؟ لأن ~~الظاهر أن الحاكم إنما حبسه بحق، لكن يسأل المحبوس: بم حبست؟ ولا يخلو ~~جوابه من خمسة أقسام؛ أحدها، أن يقول: حبسني بحق له حال، أنا مليء به. ~~فيقول له الحاكم: اقضه، وإلا رددتك في الحبس. # الثاني، أن يقول: له علي دين، أنا معسر به. فيسأل خصمه، فإن صدقه، فلسه ~~الحاكم وأطلقه. وإن كذبه، نظر في سبب الدين، فإن كان شيئا حصل له به مال، ~~كقرض أو شراء، لم يقبل قوله في الإعسار إلا ببينة بأن ماله تلف أو نفد، أو ~~ببينة أنه معسر، فيزول الأصل الذي ثبت، ويكون القول قوله فيما يدعيه عليه ~~من المال. وإن لم يثبت له أصل مال، ولم تكن لخصمه بينة بذلك، فالقول قول ~~المحبوس مع يمينه أنه معسر؛ لأن الأصل الإعسار. # وإن شهدت لخصمه بينة بأن له مالا، لم تقبل حتى تعين ذلك المال بما يتميز ~~به، فإن شهدت عليه البينة بدار معينة أو غيرها، وصدقها، فلا كلام، وإن ~~كذبها، وقال: ليس هذا لي، وإنما هو في يدي لغيري. لم يقبل # PageV10P042 # إلا أن يقر به إلى واحد بعينه، فإن كان الذي أقر له به حاضرا، نظرت، فإن ~~كذبه في إقراره، سقط، وقضي من المال دينه، وإن صدقه نظرت، فإن كان له به ~~بينة، فهو أولى؛ لأن له بينة، وصاحب اليد يقر له به، وإن لم تكن له بينة، ~~فذكر القاضي أنه لا يقبل قولهما، ويقضى الدين منه؛ لأن البينة شهدت لصاحب ~~اليد بالملك، فتضمنت شهادتها وجوب القضاء منه، فإذا لم تقبل شهادتها في حق ~~نفسه، قبلت فيما تضمنته؛ لأنه حق ms5541 لغيره؛ ولأنه متهم في إقراره لغيره، لأنه ~~قد يفعل ذلك ليخلص ماله، ويعود إليه، فتلحقه تهمة، فلم تبطل البينة بقوله. ~~وفيه وجه آخر، يثبت الإقرار، وتسقط البينة؛ لأنها تشهد بالملك لمن لا يدعيه ~~وينكره. # الجواب الثالث، أن يقول: حبسني لأن البينة شهدت علي لخصمي بحق ليبحث عن ~~حال الشهود. فهذا ينبني على أصل، وهو أن الحاكم هل له ذلك أو لا؟ فيه ~~وجهان؛ أحدهما: ليس له ذلك؛ لأن الحبس عذاب، فلا يتوجه عليه قبل ثبوت الحق ~~عليه. فعلى هذا لا يرده إلى الحبس إن صدقه خصمه في هذا. والثاني، يجوز ~~حبسه؛ لأن المدعي قد أقام ما عليه، وإنما بقي ما على الحاكم من البحث. ~~ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين، فعلى هذا الوجه، يرده إلى الحبس حتى يكشف عن ~~حال شهوده. # وإن كذبه خصمه، وقال: بل قد عرف الحاكم عدالة شهودي، وحكم عليه بالحق. ~~فالقول قوله؛ لأن الظاهر أن حبسه بحق. الجواب الرابع، أن يقول: حبسني ~~الحاكم بثمن كلب، أو قيمة خمر أرقته لذمي؛ لأنه كان يرى ذلك. فإن صدقه ~~خصمه، فذكر القاضي أنه يطلقه؛ لأن غرم هذا ليس بواجب. # وفيه وجه آخر، أن الحاكم ينفذ حكم الحاكم الأول؛ لأنه ليس له نقض حكم ~~غيره باجتهاده. وفيه وجه آخر، أنه يتوقف ويجتهد أن يصطلحا على شيء؛ لأنه لا ~~يمكنه فعل أحد الأمرين المتقدمين. وللشافعي قولان، كهذين الوجهين الأخيرين. ~~وإن كذبه خصمه، وقال: بل حبست بحق واجب غير هذا. فالقول قوله؛ لأن الظاهر ~~حبسه بحق. # الجواب الخامس، أن يقول: حبست ظلما، ولا حق علي. فينادي منادي الحاكم ~~بذكر ما قاله، فإن حضر رجل فقال: أنا خصمه. فأنكره، وكانت للمدعي بينة كلف ~~الجواب على ما مضى، وإن لم تكن له بينة، أو لم يظهر له خصم، فالقول قوله مع ~~يمينه أنه لا خصم له، أو لا حق عليه، ويخلى سبيله. ### | [فصل ينظر القاضي في أمر الأوصياء] # (8227) فصل: ثم ينظر في أمر الأوصياء؛ لأنهم يكونون ناظرين في أموال ~~اليتامى والمجانين وتفرقة الوصية بين المساكين، فيقصدهم ms5542 الحاكم بالنظر؛ لأن ~~المنظور عليه لا يمكنه المطالبة بحقه، فإن الصغير والمجنون لا قول لهما، ~~والمساكين لا يتعين الأخذ منهم، فإذا قدم إليه الوصي، فإن كان الحاكم قبله ~~نفذ وصيته، لم يعزله؛ لأن الحاكم ما نفذ # PageV10P043 # وصيته إلا وقد عرف أهليته في الظاهر، ولكن يراعيه، فإن تغيرت حاله بفسق ~~أو ضعف، أضاف إليه أمينا قويا يعينه، وإن كان الأول ما نفذ وصيته، نظر فيه، ~~فإن كان أمينا قويا، أقره، وإن كان أمينا أو ضعيفا، ضم إليه من يعينه، وإن ~~كان فاسقا، عزله وأقام غيره. وعلى قول الخرقي، يضم إليه أمين ينظر عليه. # وإن كان قد تصرف، أو فرق الوصية، وهو أهل للوصية، نفذ تصرفه، وإن كان ليس ~~بأهل، وكان أهل الوصية بالغين عاقلين معينين، صح الدفع إليهم؛ لأنهم قبضوا ~~حقوقهم، وإن كانوا غير معينين، كالفقراء والمساكين، ففيه وجهان؛ أحدهما، ~~عليه الضمان، ذكره القاضي، وأصحاب الشافعي؛ لأنه ليس له التصرف. والثاني، ~~لا ضمان عليه؛ لأنه أوصله إلى أهله. وكذلك إن فرق الوصية غير الموصى إليه ~~بتفريقها، فعلى وجهين. ### | [فصل ينظر القاضي في أمناء الحاكم] # (8228) فصل: ثم ينظر في أمناء الحاكم، وهم من رد إليهم الحاكم النظر في ~~أمر الأطفال، وتفرقة الوصايا التي لم يعين لها وصي، فإن كانوا بحالهم، ~~أقرهم؛ لأن الذي قبله ولاهم، ومن تغير حاله منهم، عزله إن فسق، وإن ضعف، ضم ~~إليه أمينا. ### | [فصل ينظر القاضي في أمر الضوال واللقطة] # (8229) فصل: ثم ينظر في أمر الضوال واللقطة التي تولى الحاكم حفظها؛ فإن ~~كانت مما يخاف تلفه كالحيوان، أو في حفظه مؤنة كالأموال الجافية، باعها، ~~وحفظ ثمنها لأربابها، وإن لم تكن كذلك كالأثمان، حفظها لأربابها، ويكتب ~~عليها لتعرف. ### | [مسألة حكم القاضي وهو غضبان] # (8230) مسألة؛ قال: (ولا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان) لا خلاف بين ~~أهل العلم فيما علمناه، في أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان. كره ~~ذلك شريح، وعمر بن عبد العزيز، وأبو حنيفة، والشافعي. «وكتب أبو بكرة إلى ~~عبد الله بن أبي بكرة وهو ms5543 قاض بسجستان، أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان؛ ~~فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا يحكم أحد بين اثنين ~~وهو غضبان» متفق عليه. وكتب عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى: إياك ~~والغضب، والقلق، والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر لهم عند الخصومة، فإذا ~~رأيت الخصم يتعمد الظلم، فأوجع رأسه. ولأنه إذا غضب تغير عقله، ولم يستوف ~~رأيه وفكره. # PageV10P044 # وفي معنى الغضب كل ما شغل فكره من الجوع المفرط، والعطش الشديد، والوجع ~~المزعج، ومدافعة أحد الأخبثين، وشدة النعاس، والهم، والغم، والحزن، والفرح، ~~فهذه كلها تمنع الحاكم؛ لأنها تمنع حضور القلب، واستيفاء الفكر، الذي يتوصل ~~به إلى إصابة الحق في الغالب، فهي في معنى الغضب المنصوص عليه، فتجري ~~مجراه. فإن حكم في الغضب أو ما شاكله، فحكي عن القاضي، أنه لا ينفذ قضاؤه؛ ~~لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. وقال في " المجرد ": ينفذ ~~قضاؤه. # وهو مذهب الشافعي؛ لما روي، أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - اختصم إليه ~~الزبير ورجل من الأنصار، في شراج الحرة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للزبير: اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك. ~~فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال للزبير: اسق، ثم احبس الماء ~~حتى يبلغ الجدر» . متفق عليه. فحكم في حال غضبه. وقيل: إنما يمنع الغضب ~~الحاكم إذا كان قبل أن يتضح له الحكم في المسألة، فأما إن اتضح الحكم، ثم ~~عرض الغضب، لم يمنعه؛ لأن الحق قد استبان قبل الغضب، فلا يؤثر الغضب فيه. ### | [مسألة الحاكم إذا حضرته قضية مشكلة] # (8231) مسألة؛ قال: (وإذا نزل به الأمر المشكل عليه مثله، شاور فيه أهل ~~العلم والأمانة) وجملته أن الحاكم إذا حضرته قضية تبين له حكمها في كتاب ~~الله تعالى، أو سنة رسوله، أو إجماع، أو قياس جلي، حكم ولم يحتج إلى رأي ~~غيره؛ «لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ~~بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ . قال: ms5544 بسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. قال: فإن لم تجد؟ . قال: أجتهد رأيي، ولا آلو. قال: ~~الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يرضي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» . # وإن احتاج إلى الاجتهاد، استحب له أن يشاور؛ لقول الله تعالى: {وشاورهم ~~في الأمر} [آل عمران: 159] . قال الحسن: إن كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لغنيا عن مشاورتهم، وإنما أراد أن يستن # PageV10P045 # بذلك الحكام بعده. وقد شاور النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في ~~أسارى بدر، وفي مصالحة الكفار يوم الخندق، وفي لقاء الكفار يوم بدر. وروي: ~~ما كان أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~وشاور أبو بكر الناس في ميراث الجدة، وعمر في دية الجنين، وشاور الصحابة في ~~حد الخمر. # وروي: أن عمر كان يكون عنده جماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - منهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير وعبد الرحمن بن عوف، إذا نزل به ~~الأمر شاورهم فيه. ولا مخالف في استحباب ذلك، قال أحمد: لما ولي سعد بن ~~إبراهيم قضاء المدينة، كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما، وولي محارب بن ~~دثار قضاء الكوفة، فكان يجلس بين الحكم وحماد يشاورهما، ما أحسن هذا لو كان ~~الحكام يفعلونه، يشاورون وينتظرون. ولأنه قد ينتبه بالمشاورة، ويتذكر ما ~~نسيه بالمذاكرة، ولأن الإحاطة بجميع العلوم متعذرة. وقد ينتبه لإصابة الحق ~~ومعرفة الحادثة من هو دون القاضي، فكيف بمن يساويه أو يزيد عليه، فقد روي ~~أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه -، جاءته الجدتان، فورث أم الأم، وأسقط ~~أم الأب، فقال له عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول الله، لقد أسقطت التي ~~لو ماتت ورثها، وورثت التي لو ماتت لم يرثها. فرجع أبو بكر، فأشرك بينهما. # وروى عمر بن شبة، عن الشعبي أن كعب بن سوار، كان جالسا عند عمر، فجاءته ~~امرأة، فقالت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي، والله إنه ~~ليبيت ليله قائما، ويظل ms5545 نهاره صائما في اليوم الحار ما يفطر. فاستغفر لها، ~~وأثنى عليها، وقال: مثلك أثنى الخير. قال: واستحيت المرأة فقامت راجعة، ~~فقال كعب: يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها؟ قال: وما شكت؟ ~~قال: شكت زوجها أشد الشكاية. قال: أو ذاك أرادت؟ قال: نعم. قال: ردوا علي ~~المرأة. فقال: لا بأس بالحق أن تقوليه، إن هذا زعم أنك جئت # PageV10P046 # تشكين زوجك، أنه يجتنب فراشك. قالت: أجل، إني امرأة شابة، وإني لأبتغي ما ~~يبتغي النساء. فأرسل إلى زوجها، فجاء، فقال لكعب: اقض بينهما. قال: أمير ~~المؤمنين أحق أن يقضي بينهما. قال: عزمت عليك لتقضين بينهما، فإنك فهمت من ~~أمرهما ما لم أفهم. قال: فإني أرى كأنها عليها ثلاث نسوة، هي رابعتهن، ~~فأقضي له بثلاثة أيام بلياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة. فقال عمر: ~~والله ما رأيك الأول أعجب إلي من الآخر، اذهب فأنت قاض على البصرة. # إذا ثبت هذا، فإنه يشاور أهل العلم والأمانة؛ لأن من ليس كذلك فلا قول له ~~في الحادثة، ولا يسكن إلى قوله. # قال سفيان: وليكن أهل مشورتك أهل التقوى وأهل الأمانة. ويشاور الموافقين ~~والمخالفين، ويسألهم عن حجتهم، ليبين له الحق. (8232) فصل: والمشاورة هاهنا ~~لاستخراج الأدلة، ويعرف الحق بالاجتهاد، ولا يجوز أن يقلد غيره، ويحكم بقول ~~سواه، سواء ظهر له الحق فخالفه غيره فيه، أو لم يظهر له شيء، وسواء ضاق ~~الوقت، أو لم يضق. وكذلك ليس للمفتي الفتيا بالتقليد. # وبهذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: إذا كان الحاكم من ~~أهل الاجتهاد، جاز له ترك رأيه لرأي من هو أفقه منه عنده إذا صار إليه، فهو ~~ضرب من الاجتهاد. ولأنه يعتقد أنه أعرف منه بطريق الاجتهاد. ولنا، أنه من ~~أهل الاجتهاد، فلم يجز له تقليد غيره، كما لو كان مثله، كالمجتهدين في ~~القبلة، وما ذكره ليس بصحيح؛ فإن من هو أفقه منه يجوز عليه الخطأ، فإذا ~~اعتقد أن ما قاله خطأ، لم يجز له أن يعمل به، وإن كان لم يبن له الحق، فلا ms5546 ~~يجوز له أن يحكم بما يجوز أن يبين له خطؤه إذا اجتهد. ### | [فصل يحضر القاضي مجلسه أهل العلم من كل مذهب] # فصل: قال أصحابنا: يستحب أن يحضر مجلسه أهل العلم من كل مذهب، حتى إذا ~~حدثت حادثة، يفتقر إلى أن يسألهم عنها سألهم، ليذكروا أدلتهم فيها وجوابهم ~~عنها، فإنه أسرع لاجتهاده، وأقرب لصوابه، فإن حكم باجتهاده، فليس لأحد منهم ~~أن يرد عليه وإن خالف اجتهاده؛ لأن فيه افتياتا عليه، إلا أن يحكم بما ~~يخالف. نصا أو إجماعا. ### | [فصل يحضر القاضي شهوده مجلسه] # (8234) فصل: وينبغي له أن يحضر شهوده مجلسه، ليستوفي بهم الحقوق، وتثبت ~~بهم الحجج والمحاضر، فإن كان ممن # PageV10P047 # يحكم بعلمه، فإن شاء أدناهم إليه، وإن شاء باعدهم منه، بحيث إذا احتاج ~~إلى إشهادهم على حكمه استدعاهم ليشهدوا بذلك، وإن كان ممن لا يحكم بعلمه، ~~أجلسهم بالقرب منه حتى يسمعوا كلام المتخاصمين، لئلا يقر منهم مقر ثم ينكر ~~ويجحد، فيحفظوا عليه إقراره، ويشهدوا به. ### | [فصل إذا استنارت الحجة لأحد الخصمين وتبين للقاضي موضع الظالم] # (8235) فصل: وإذا اتصلت به الحادثة، واستنارت الحجة لأحد الخصمين، حكم. ~~وإن كان فيها لبس، أمرهما بالصلح، فإن أبيا أخرهما إلى البيان، فإن عجلها ~~قبل البيان، لم يصلح حكمه. وممن رأى الإصلاح بين الخصمين، شريح، وعبد الله ~~بن عتبة وأبو حنيفة، والشعبي، والعنبري، وروي عن عمر، أنه قال: ردوا الخصوم ~~حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن. # قال أبو عبيد: إنما يسعه الصلح في الأمور المشكلة، أما إذا استنارت الحجة ~~لأحد الخصمين، وتبين له موضع الظالم، فليس له أن يحملهما على الصلح. ونحوه ~~قول عطاء. واستحسنه ابن المنذر. وروي عن شريح أنه ما أصلح بين متحاكمين إلا ~~مرة واحدة. ### | [فصل وإذا حدثت للقاضي حادثة] # (8236) فصل: وإذا حدثت حادثة نظر في كتاب الله، فإن وجدها، وإلا نظر في ~~سنة رسوله، فإن لم يجدها، نظر في القياس، فألحقها بأشبه الأصول بها؛ لما ~~ذكرنا من حديث معاذ بن جبل، وهو حديث يرويه عمرو بن الحارث ابن أخي المغيرة ms5547 ~~بن شعبة، عن رجال من أصحاب معاذ من أهل حمص، وعمرو والرجال مجهولون، إلا ~~أنه حديث مشهور في كتب أهل العلم، رواه سعيد بن منصور، والإمام أحمد، ~~وغيرهما، تلقاه العلماء بالقبول، وجاء عن الصحابة من قولهم ما يوافقه، فروى ~~سعيد، أن عمر قال لشريح: انظر ما يتبين لك في كتاب الله، فلا تسأل عنه ~~أحدا، وما لا يتبين لك في كتاب الله، فاتبع فيه السنة، وما لم يتبين لك في ~~السنة، فاجتهد فيه رأيك. وعن ابن مسعود مثل ذلك. ### | [مسألة حكم الحاكم بعلمه] # (8237) مسألة؛ قال: (ولا يحكم الحاكم بعلمه) ظاهر المذهب أن الحاكم لا ~~يحكم بعلمه في حد ولا غيره، لا فيما علمه قبل الولاية ولا بعدها. هذا قول ~~شريح، والشعبي، ومالك، وإسحاق، وأبي عبيد، ومحمد بن الحسن. وهو أحد قولي ~~الشافعي. وعن أحمد رواية أخرى: يجوز له ذلك. وهو قول أبي يوسف، وأبي ثور، ~~والقول الثاني للشافعي، واختيار المزني؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما قالت له هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني # PageV10P048 # وولدي. قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» . # فحكم لها من غير بينة ولا إقرار، لعلمه بصدقها. وروى ابن عبد البر، في " ~~كتابه " أن عروة ومجاهدا رويا، أن رجلا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب ~~على أبي سفيان بن حرب، أنه ظلمه حدا في موضع كذا وكذا. قال عمر: إني لأعلم ~~الناس بذلك، وربما لعبت أنا وأنت فيه، ونحن غلمان، فأتني بأبي سفيان. فأتاه ~~به، فقال له عمر: يا أبا سفيان، انهض بنا إلى موضع كذا وكذا. فنهضوا، ونظر ~~عمر، فقال: يا أبا سفيان، خذ هذا الحجر من هاهنا فضعه هاهنا. فقال: والله ~~لا أفعل. فقال: والله لتفعلن. فقال: والله لا أفعل. فعلاه بالدرة، وقال: ~~خذه لا أم لك، فضعه هاهنا، فإنك ما علمت قديم الظلم. فأخذ أبو سفيان الحجر، ~~ووضعه حيث قال عمر، ثم إن عمر استقبل القبلة، فقال: اللهم لك الحمد حيث لم ~~تمتني حتى غلبت أبا ms5548 سفيان على رأيه، وأذللته لي بالإسلام. قال: فاستقبل ~~القبلة أبو سفيان، وقال: اللهم لك الحمد، إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي من ~~الإسلام ما أذل به لعمر. # قالوا: فحكم بعلمه. ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين، لأنهما يغلبان على الظن، ~~فما تحققه وقطع به، كان أولى، ولأنه يحكم بعلمه في تعديل الشهود وجرحهم، ~~فكذلك في ثبوت الحق، قياسا عليه. وقال أبو حنيفة: ما كان من حقوق الله، لا ~~يحكم فيه بعلمه؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة والمسامحة، وأما ~~حقوق الآدميين فما علمه قبل ولايته لم يحكم به، وما علمه في ولايته، حكم ~~به؛ لأن ما علمه قبل ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود قبل ولايته، وما علمه ~~في ولايته، بمنزلة ما سمعه من الشهود في ولايته. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون ~~إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه» ~~. فدل على أنه إنما يقضي بما يسمع، لا بما يعلم «. وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في قضية الحضرمي والكندي: شاهداك أو يمينه، ليس لك منه إلا ~~ذاك» . وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه تداعى عنده رجلان، فقال له ~~أحدهما: أنت شاهدي. فقال: إن شئتما شهدت ولم أحكم، أو أحكم ولا أشهد. # وذكر ابن عبد البر، في " كتابه "، عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «بعث أبا جهم على الصدقة، فلاحاه رجل في فريضة، فوقع ~~بينهما شجاج، فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطاهم الأرش، ثم قال: ~~إني خاطب الناس، ومخبرهم أنكم قد رضيتم، أرضيتم؟ قالوا: نعم. فصعد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - المنبر # PageV10P049 # فخطب، وذكر القصة، وقال: أرضيتم؟ قالوا: لا. فهم بهم المهاجرون، فنزل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطاهم، ثم صعد، فخطب الناس، ثم قال: ~~أرضيتم؟ . قالوا: نعم» . # وهذا يبين أنه لم يأخذ بعلمه. وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~أنه قال: لو رأيت حدا على ms5549 رجل، لم أحده حتى تقوم البينة. ولأن تجويز القضاء ~~بعلمه يفضي إلى تهمته، والحكم بما اشتهى، ويحيله على علمه. فأما حديث أبي ~~سفيان، فلا حجة فيه؛ لأنه فتيا لا حكم، بدليل أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أفتى في حق أبي سفيان من غير حضوره، ولو كان حكما عليه لم يحكم عليه ~~في غيبته. وحديث عمر الذي رووه، كان إنكارا لمنكر رآه، لا حكما، بدليل أنه ~~ما وجدت منهما دعوى وإنكار بشروطهما ودليل ذلك ما رويناه عنه، ثم لو كان ~~حكما، كان معارضا بما رويناه عنه، ويفارق الحكم بالشاهدين؛ فإنه لا يفضي ~~إلى تهمة، بخلاف مسألتنا. # وأما الجرح والتعديل، فإنه يحكم فيه بعلمه، بغير خلاف؛ لأنه لو لم يحكم ~~فيه بعلمه، لتسلسل، فإن المزكيين يحتاج إلى معرفة عدالتهما وجرحهما، فإذا ~~لم يعمل بعلمه، احتاج كل واحد منهما إلى مزكيين، ثم كل واحد منهما يحتاج ~~إلى مزكيين، فيتسلسل، وما نحن فيه بخلافه. ### | [فصل للحاكم أن يحكم بالبينة والإقرار في مجلس حكمه] # (8238) فصل: ولا خلاف في أن للحاكم أن يحكم بالبينة والإقرار في مجلس ~~حكمه، إذا سمعه معه شاهدان، فإن لم يسمعه معه أحد، أو سمعه شاهد، فنص أحمد ~~على أنه يحكم به. وقال القاضي: لا يحكم به حتى يسمعه معه شاهدان؛ لأنه حكم ~~بعلمه. ### | [مسألة الحاكم إذا رفعت إليه قضية قد قضى بها حاكم سواه] # (8239) مسألة؛ قال: (ولا ينقض من حكم غيره إذا رفع إليه، إلا ما خالف نص ~~كتاب، أو سنة، أو إجماعا) وجملة ذلك أن الحاكم إذا رفعت إليه قضية قد قضى ~~بها حاكم سواه، فبان له خطؤه، أو بان له خطأ نفسه، نظرت؛ فإن كان الخطأ ~~لمخالفة نص كتاب أو سنة أو إجماع، نقض حكمه. وبهذا قال الشافعي، وزاد: إذا ~~خالف نصا جليا نقضه # وعن مالك، وأبي حنيفة، أنهما قالا: لا ينقض الحكم إلا إذا خالف الإجماع. ~~ثم ناقضا ذلك، فقال مالك: إذا حكم بالشفعة للجار نقض حكمه. وقال أبو حنيفة: ~~إذا حكم ببيع متروك التسمية، أو حكم ms5550 بين العبيد بالقرعة، نقض حكمه. وقال ~~محمد بن الحسن: إذا حكم بالشاهد واليمين، نقض حكمه. وهذه مسائل خلاف موافقة ~~للسنة. واحتجوا على أنه لا ينقض ما لم يخالف الإجماع بأنه يسوغ فيه الخلاف، ~~فلم ينقض حكمه فيه، كما لا نص فيه. # وحكي عن أبي ثور، وداود أنه ينقض جميع ما بان له خطؤه؛ لأن عمر - رضي ~~الله عنه - كتب إلى أبي # PageV10P050 # موسى: لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس، ثم راجعت نفسك فيه اليوم، فهديت ~~لرشدك أن تراجع فيه الحق؛ فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ~~ولأنه خطأ، فوجب الرجوع عنه، كما لو خالف الإجماع. وحكي عن مالك أنه ~~وافقهما في قضاء نفسه. # ولنا، على نقضه إذا خالف نصا أو إجماعا، أنه قضاء لم يصادف شرطه، فوجب ~~نقضه، كما لو لم يخالف الإجماع، وبيان مخالفته للشرط، أن شرط الحكم ~~بالاجتهاد عدم النص، بدليل خبر معاذ، ولأنه إذا ترك الكتاب والسنة، فقد ~~فرط، فوجب نقض حكمه، كما لو خالف الإجماع، أو كما لو حكم بشهادة كافرين. # وما قالوه يبطل بما حكيناه عنهم فإن قيل: أليس إذا صلى بالاجتهاد إلى ~~جهة، ثم بان له الخطأ لم يعد؟ قلنا: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه؛ أحدها، أن ~~استقبال القبلة يسقط حال العذر في حال المسايفة والخوف من عدو أو سبع أو ~~نحوه، مع العلم، ولا يجوز ترك الحق إلى غيره مع العلم بحال. # الثاني، أن الصلاة من حقوق الله - تعالى، تدخلها المسامحة الثالث، أن ~~القبلة يتكرر فيها اشتباه القبلة، فيشق القضاء. وها هنا إذا بان له الخطأ ~~لا يعود الاشتباه بعد ذلك. # وأما إذا تغير اجتهاده من غير أن يخالف نصا ولا إجماعا، أو خالف اجتهاده ~~اجتهاد من قبله، لم ينقضه لمخالفته؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم -، أجمعوا ~~على ذلك، فإن أبا بكر حكم في مسائل باجتهاده، وخالفه عمر، ولم ينقض أحكامه ~~وعلي خالف عمر في اجتهاده، فلم ينقض أحكامه، وخالفهما علي، فلم ينقض ~~أحكامهما، فإن أبا بكر سوى بين الناس في العطاء، ms5551 وأعطى العبيد، وخالفه عمر، ~~ففاضل بين الناس، وخالفهما علي فسوى بين الناس وحرم العبيد، ولم ينقض واحد ~~منهم ما فعله من قبله وجاء أهل نجران إلى علي فقالوا: يا أمير المؤمنين، ~~كتابك بيدك، وشفاعتك بلسانك. فقال: ويحكم، إن عمر كان رشيد الأمر، ولن أرد ~~قضاء قضى به عمر. رواه سعيد وروي أن عمر حكم في المشتركة بإسقاط الإخوة من ~~الأبوين، ثم شرك بينهم بعد، وقال: تلك على # PageV10P051 # ما قضينا، وهذه على ما قضينا. وقضى في الجد بقضايا مختلفة، ولم يرد ~~الأولى. ولأنه يؤدي إلى نقض الحكم بمثله، وهذا يؤدي إلى أن لا يثبت الحكم ~~أصلا؛ لأن الحاكم الثاني يخالف الذي قبله، والثالث يخالف الثاني، فلا يثبت ~~حكم. فإن قيل: فقد روي أن شريحا حكم في ابني عم، أحدهما أخ لأم، أن المال ~~للأخ، فرفع ذلك إلى علي - رضي الله عنه - فقال: علي بالعبد. فجيء به. فقال: ~~في أي كتاب الله وجدت ذلك؟ فقال: قال الله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] . فقال له علي: فقد قال الله تعالى: ~~{وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس} ~~[النساء: 12] . ونقض حكمه. # قلنا: لم يثبت عندنا أن عليا نقض حكمه، ولو ثبت فيحتمل أن يكون علي - رضي ~~الله عنه - اعتقد أنه خالف نص الكتاب في الآية التي ذكرها، فنقض حكمه لذلك. ### | [فصل تغير اجتهاد الحاكم قبل الحكم] # (8240) فصل: إذا تغير اجتهاده قبل الحكم، فإنه يحكم بما تغير اجتهاده ~~إليه، ولا يجوز أن يحكم باجتهاده الأول؛ لأنه إذا حكم فقد حكم بما يعتقد ~~أنه باطل، وهذا كما قلنا فيمن تغير اجتهاده في القبلة بعد ما صلى لا يعيد، ~~وإن كان قبل أن يصلي، صلى إلى الجهة التي تغير اجتهاده إليها. ولذلك إذا ~~بان فسق الشهود قبل الحكم، لم يحكم بشهادتهم، ولو بان بعد الحكم، لم ينقضه. ### | [فصل تتبع الحاكم قضايا من كان قبله] # (8241) فصل: وليس على الحاكم تتبع قضايا من كان قبله؛ لأن ms5552 الظاهر صحتها ~~وصوابها، وأنه لا يولي القضاء إلا من هو من أهل الولاية، فإن تتبعها نظر في ~~الحاكم قبله، فإن كان ممن يصلح للقضاء، فما وافق من أحكامه الصواب، أو لم ~~يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، لم يسغ نقضه، وإن كان مخالفا لأحد هذه ~~الثلاثة، وكان في حق لله - تعالى، كالعتاق والطلاق، نقضه؛ لأن له النظر في ~~حقوق الله سبحانه، وإن كان يتعلق بحق آدمي، لم ينقضه # PageV10P052 # إلا بمطالبة صاحبه؛ لأن الحاكم لا يستوفي حقا لمن لا ولاية عليه بغير ~~مطالبته، فإن طلب صاحبه؛ ذلك نقضه. # وإن كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء، نقضت قضاياه المخالفة للصواب كلها، ~~سواء كانت مما يسوغ فيه الاجتهاد أو لا يسوغ؛ لأن حكمه غير صحيح، وقضاؤه ~~كلا قضاء، لعدم شرط القضاء فيه، وليس في نقض قضاياه نقض الاجتهاد ~~بالاجتهاد؛ لأن الأول ليس باجتهاد، ولا ينقض ما وافق الصواب؛ لعدم الفائدة ~~في نقضه، فإن الحق وصل إلى مستحقه. # وقال أبو الخطاب ينقض قضاياه كلها؛ ما أخطأ فيه وما أصاب. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأن وجود قضائه كعدمه. ولا أعلم فيه فائدة، فإن الحق لو وصل إلى ~~مستحقه بطريق القهر من غير حكم، لم يغير ذلك، وكذلك إذا كان بقضاء وجوده ~~كعدمه، والله أعلم. ### | [فصل وحكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته] # (8242) فصل: وحكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته، في قول جمهور العلماء؛ ~~منهم مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن ~~الحسن وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بعقد أو فسخ أو طلاق، نفذ حكمه ظاهرا ~~وباطنا، فلو أن رجلين تعمدا الشهادة على رجل أنه طلق امرأته، فقبلهما ~~القاضي بظاهر عدالتهما، ففرق بين الزوجين، لجاز لأحد الشاهدين نكاحها بعد ~~قضاء عدتها، وهو عالم بتعمده الكذب، ولو أن رجلا ادعى نكاح امرأة، وهو يعلم ~~أنه كاذب، وأقام شاهدي زور، فحكم الحاكم، حلت له بذلك، وصارت زوجته قال ابن ~~المنذر: وتفرد أبو حنيفة، فقال: لو استأجرت امرأة شاهدين، شهدا لها بطلاق ~~زوجها، وهما يعلمان ms5553 كذبهما وتزويرهما، فحكم الحاكم بطلاقها، لحل لها أن ~~تتزوج، وحل لأحد الشاهدين نكاحها. واحتج بما روي عن علي - رضي الله عنه - ~~أن رجلا ادعى على امرأة نكاحها. فرفعها إلى علي - رضي الله عنه - فشهد له ~~شاهدان بذلك، فقضى بينهما بالزوجية، فقالت: والله ما تزوجني يا أمير ~~المؤمنين، اعقد بيننا عقدا حتى أحل له. فقال: شاهداك زوجاك. # فدل على أن النكاح ثبت بحكمه. ولأن اللعان ينفسخ به النكاح وإن كان ~~أحدهما كاذبا، فالحكم أولى. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما ~~أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له ~~على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا، ~~فإنما أقطع له قطعة من النار» . متفق عليه # وهذا يدخل فيه ما إذا ادعى أنه اشترى منه شيئا، فحكم له، ولأنه حكم ~~بشهادة زور، فلا يحل له ما كان محرما عليه، كالمال المطلق. # PageV10P053 # وأما الخبر عن علي إن صح، فلا حجة لهم فيه؛ لأنه أضاف التزويج إلى ~~الشاهدين، لا إلى حكمه، ولم يجبها إلى التزويج؛ لأن فيه طعنا على الشهود. ~~فأما اللعان، فإنما حصلت الفرقة به، لا بصدق الزوج، ولهذا لو قامت البينة ~~به، لم ينفسخ النكاح. # إذا ثبت هذا، فإذا شهد على امرأة بنكاح، وحكم به الحاكم، ولم تكن زوجته، ~~فإنها لا تحل له، ويلزمها في الظاهر، وعليها أن تمتنع ما أمكنها، فإن ~~أكرهها عليه، فالإثم عليه دونها، وإن وطئها الرجل، فقال أصحابنا، وبعض ~~الشافعية: عليه الحد؛ لأنه وطئها وهو يعلم أنها أجنبية. وقيل: لا حد عليه؛ ~~لأنه وطء مختلف في حله، فيكون ذلك شبهة وليس لها أن تتزوج غيره. # وقال أصحاب الشافعي: تحل لزوج ثان، غير أنها ممنوعة منه في الحكم. وقال ~~القاضي: يصح النكاح. # ولنا، أن هذا يقضي إلى الجمع بين الوطء للمرأة من اثنين، أحدهما يطؤها ~~بحكم الظاهر، والآخر، بحكم الباطن. وهذا فساد، فلا يشرع، ولأنها منكوحة ~~لهذا الذي قامت له البينة، في قول بعض ms5554 الأئمة، فلم يجز تزويجها لغيره، ~~كالمتزوجة بغير ولي. # وحكى أبو الخطاب، عن أحمد، رواية أخرى، مثل مذهب أبي حنيفة، في أن حكم ~~الحاكم يزيل الفسوخ والعقود. والأول هو المذهب. ### | [فصل وإذا استعدى رجل على رجل إلى الحاكم] # (8243) فصل: وإذا استعدى رجل على رجل إلى الحاكم، ففيه روايتان؛ إحداهما، ~~أنه يلزمه أن يعديه، ويستدعي خصمه، سواء علم بينهما معاملة أو لم يعلم، ~~وسواء كان المستعدي ممن يعامل المستعدى عليه أو لا يعامله، كالفقير يدعي ~~على ذي ثروة وهيئة. # نص على هذا، في رواية الأثرم، في الرجل يستعدي، على الحاكم، أنه يحضره ~~ويستحلفه. وهذا اختيار أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن في تركه ~~تضييعا للحقوق، وإقرارا للظلم، فإنه قد ثبت له الحق على من هو أرفع منه ~~بغصب، أو يشتري منه شيئا ولا يوفيه، أو يودعه شيئا، أو يعيره إياه فلا ~~يرده، ولا تعلم بينهما معاملة، فإذا لم يعد عليه، سقط حقه، وهذا أعظم ضررا ~~من حضور مجلس الحاكم، فإنه لا نقيصة فيه، وقد حضر عمر وأبي عند زيد، وحضر ~~هو وآخر عند شريح، وحضر علي عند شريح وحضر المنصور عند رجل ولد طلحة بن ~~عبيد الله. # والرواية الثانية، لا يستدعيه إلا أن يعلم بينهما معاملة، ويتبين أن لما ~~ادعاه أصلا. # روي ذلك عن علي - رضي الله عنه - وهو مذهب مالك؛ لأن في ادعائه على كل ~~أحد تبذيل أهل المروءات، وإهانة لذوي الهيئات، فإنه لا يشاء أحد أن يبذلهم ~~عند الحاكم إلا فعل، وربما فعل هذا من لا حق له ليفتدي المدعى عليه من ~~حضوره وشر خصمه بطائفة من ماله، والأولى أولى؛ لأن ضرر تضييع الحق أعظم من ~~هذا. وللمستدعى عليه أن يوكل من يقوم مقامه أن كره الحضور. # وإن كان المستدعى عليه امرأة # PageV10P054 # نظرت؛ فإن كانت برزة، وهي التي تبرز لقضاء حوائجها، فحكمها حكم الرجل. ~~وإن كانت مخدرة، وهي التي لا تبرز لقضاء حوائجها، أمرت بالتوكيل. فإن توجهت ~~اليمين عليها، بعث الحاكم أمينا معه شاهدان، فيستحلفها بحضرتهما، فإن أقرت، ~~شهدا ms5555 عليها. وذكر القاضي أن الحاكم يبعث من يقضي بينها وبين خصمها في ~~دارها. # وهو مذهب الشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «واغد يا أنيس ~~إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فبعث إليها ولم يستدعها. وإذا حضروا ~~عندها، كان بينها وبينهم ستر تتكلم من ورائه، فإن اعترفت للمدعي أنها خصمه، ~~حكم بينهما، وإن أنكرت ذلك، جيء بشاهدين من ذوي رحمها، يشهدان أنها المدعى ~~عليها، ثم يحكم بينهما، فإن لم تكن له بينة، التحفت بجلبابها، وأخرجت من ~~وراء الستر لموضع الحاجة. # وما ذكرناه أولى، إن شاء الله؛ لأنه أستر لها، وإذا كانت خفرة، منعها ~~الحياء من النطق بحجتها، والتعبير عن نفسها، سيما مع جهلها بالحجة، وقلة ~~معرفتها بالشرع وحججه. (8244) فصل: ولا يخلو المستعدى عليه من أن يكون ~~حاضرا أو غائبا؛ فإن كان حاضرا في البلد أو قريبا منه، فإن شاء الحاكم بعث ~~مع المستعدي عونا يحضر المدعى عليه، وإن شاء بعث معه قطعة من شمع أو طين ~~مختوما بخاتمه، فإذا بعث معه ختما، فعاد فذكر أنه امتنع، أو كسر الختم، بعث ~~إليه عيونا، فإن امتنع، أنفذ صاحب المعونة فأحضره، فإذا حضر وشهد عليه ~~شاهدان بالامتناع، عزره إن رأى ذلك، بحسب ما يراه، تأديبا له إما بالكلام ~~وكشف رأسه، أو بالضرب أو بالحبس، فإن اختبأ بعث الحاكم من ينادي على بابه ~~ثلاثا أنه إن لم يحضر سمر بابه، وختم عليه، ويجمع أماثل جيرانه ويشهدهم على ~~إعذاره، فإن لم يحضر، وسأل المدعي أن يسمر عليه منزله، ويختم عليه. # وتقرر عند الحاكم أن المنزل منزله، سمره أو ختمه فإن لم يحضر، بعث الحاكم ~~من ينادي على بابه بحضرة شاهدي عدل، أنه إن لم يحضر مع فلان، أقام عنه ~~وكيلا، وحكم عليه، فإن لم يحضر، أقام عنه وكيلا، وسمع البينة عليه، وحكم ~~عليه كما يحكم على الغائب، وقضى حقه من ماله إن وجد له مالا. # وهذا مذهب الشافعي، وأبي يوسف، وأهل البصرة. حكاه عنهم أحمد. وإن لم يجد ~~له مالا، ولم تكن للمدعي بينة، ms5556 فكان أحمد ينكر التهجم عليه، ويشتد عليه حتى ~~يظهر. وقال الشافعي: إن علم له مكانا، أمر بالهجوم عليه، فيبعث خصيانا أو ~~غلمانا لم يبلغوا الحلم، وثقات من النساء معهم ذوو عدل من الرجال، فيدخل ~~النساء والصبيان، فإذا حصلوا في صحن الدار دخل الرجال، ويؤمر الخصيان ~~بالتفتيش، ويتفقد النساء النساء، فإن ظفروا به، أخذوه فأحضروه. # وإن استعدى على غائب # PageV10P055 # نظرت؛ فإن كان الغائب في غير ولاية القاضي، لم يكن له أن يعدي عليه، وله ~~الحكم عليه، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وإن كان في ولايته، وله في ~~بلده خليفة، فإن كانت له بينة، ثبت الحق عنده، وكتب به إلى خليفته، ولم ~~يحضره، وإن لم تكن له بينة، حاضرة، نفذه إلى خصمه ليخاصمه عند خليفته، وإن ~~لم يكن له فيه خليفة، وكان فيه من يصلح للقضاء، أذن له في الحكم بينهما، ~~وإن لم يكن فيه من يصلح للقضاء، قيل له: حرر دعواك؛ لأنه يجوز أن يكون ما ~~يدعيه ليس بحق عنده، كالشفعة للجار، وقيمة الكلب، أو خمر الذمي، فلا يكلفه ~~الحضور لما لا يقضى عليه به، مع المشقة فيه، بخلاف الحاضر، فإنه لا مشقة في ~~حضوره، فإذا تحررت، بعث فأحضر خصمه بعدت المسافة أو قربت. وبهذا قال ~~الشافعي. # وقال أبو يوسف: إن كان يمكنه أن يحضر ويعود فيأوي إلى موضعه، أحضره، وإلا ~~لم يحضره، ويوجد من يحكم بينهما. وقيل: إن كانت المسافة دون مسافة القصر، ~~أحضره، وإلا فلا. ولنا، أنه لا بد من فصل الخصومة بين المتخاصمين، فإذا لم ~~يمكن إلا بمشقة، فعل ذلك كما لو امتنع من الحضور، فإنه يؤدب ويعزر، ولأن ~~إلحاق المشقة به أولى من إلحاقها بمن ينفذه الحاكم ليحكم بينهما. # وإن كانت امرأة برزة، لم يشترط في سفرها هذا محرم. نص عليه أحمد؛ لأنه ~~لحق آدمي، وحق الآدمي مبني على الشح والضيق. ### | [فصل وإن استعدى رجل على الحاكم المعزول] # (8245) فصل: وإن استعدى على الحاكم المعزول، لم يعده حتى يعرف ما يدعيه، ~~فيسأله عنه، صيانة للقاضي عن ms5557 الامتهان. فإن ذكر أنه يدعي عليه حقا من دين ~~أو غصب، أعداه وحكم بينهما كغير القاضي. وكذلك إن ادعى أنه أخذ منه رشوة ~~على الحكم؛ لأن أخذ الرشوة عليه لا يجوز، فهي كالغصب. # وإن ادعى عليه الجوز في الحكم، وكان للمدعي بينة، أحضره، وحكم بالبينة، ~~وإن لم يكن معه بينة، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يحضره؛ لأن في إحضاره وسؤاله ~~امتهانا له؛ وأعداء القاضي كثير، وإذا فعل هذا معه، لم يؤمن ألا يدخل في ~~القضاء أحد، خوفا من عاقبته. # والثاني، يحضره؛ لجواز أن يعترف، فإن حضر واعترف، حكم عليه، وإن أنكر، ~~فالقول قوله من غير يمين؛ لأن قول القاضي مقبول بعد العزل، كما يقبل في ~~ولايته. وإن ادعى عليه أنه قتل ابنه ظلما، فهل يستحضره من غير بينة؟ فيه ~~وجهان، فإن أحضره، فاعترف، حكم عليه، وإلا فالقول قوله. وإن ادعى أنه أخرج ~~عينا من يده بغير حق، فالقول قول الحاكم من غير يمين، ويقبل قوله للمحكوم ~~له بها، على ما سنذكره، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل ادعى على شاهدين أنهما شهدا عليه زورا] # (8246) فصل: وإن ادعى على شاهدين أنهما شهدا عليه زورا، أحضرهما، فإن ~~اعترفا، أغرمهما، وإن أنكرا، وللمدعي # PageV10P056 # بينة على إقرارهما بذلك، فأقامها، لزمهما ذلك، وإن أنكرا لم يستحلفا؛ لأن ~~إحلافهما يطرق عليهما الدعاوى في الشهادة والامتهان، وربما منع ذلك إقامة ~~الشهادة. وهذا قول الشافعي. ولا نعلم فيه مخالفا. ### | [مسألة شهد عند القاضي من لا يعرف عدالته] # (8247) مسألة، قال (وإذا شهد عنده من لا يعرفه، سأل عنه، فإن عدله اثنان، ~~قبل شهادته) وجملته أنه إذا شهد عند الحاكم شاهدان، فإن عرفهما عدلين، حكم ~~بشهادتهما، وإن عرفهما فاسقين، لم يقبل قولهما، وإن لم يعرفهما، سأل عنهما؛ ~~لأن معرفة العدالة شرط في قبول الشهادة بجميع الحقوق. # وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف، ومحمد. وعن أحمد رواية أخرى: يحكم ~~بشهادتهما إذا عرف إسلامهما، بظاهر الحال، إلا أن يقول الخصم: هما فاسقان. ~~وهذا قول الحسن والمال والحد في هذا سواء؛ لأن الظاهر من المسلمين العدالة، ms5558 ~~ولهذا قال عمر - رضي الله عنه -: المسلمون عدول بعضهم على بعض وروي «، أن ~~أعرابيا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فشهد برؤية الهلال، فقال له ~~النبي: - صلى الله عليه وسلم - أتشهد أن لا إله إلا الله؟ . فقال: نعم. ~~فقال: أتشهد أني رسول الله؟ . قال: نعم. فصام، وأمر الناس بالصيام» . # ولأن العدالة أمر خفي، سببها الخوف من الله - تعالى، ودليل ذلك الإسلام، ~~فإذا وجد، فليكتف به، ما لم يقم على خلافه دليل. وقال أبو حنيفة في الحدود ~~والقصاص كالرواية الأولى، وفي سائر الحقوق كالثانية؛ لأن الحدود والقصاص ~~مما يحتاط لها وتندرئ بالشبهات، بخلاف غيرها ولنا، أن العدالة شرط، فوجب ~~العلم بها كالإسلام، أو كما لو طعن الخصم فيهما. # فأما الأعرابي المسلم، فإنه كان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وقد ثبتت عدالتهم بثناء الله - تعالى - عليهم، فإن من ترك دينه في زمن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيثارا لدين الإسلام، وصحبة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ثبتت عدالته. # وأما قول عمر، فالمراد به أن الظاهر العدالة، ولا يمنع ذلك وجوب البحث، ~~ومعرفة حقيقة العدالة، فقد روي عنه، أنه أتي بشاهدين، فقال لهما عمر: لست ~~أعرفكما، ولا يضركما إن لم أعرفكما، جيئا بمن يعرفكما. فأتيا برجل، فقال له ~~عمر: تعرفهما؟ فقال: نعم. فقال عمر: صحبتهما في السفر الذي تبين فيه جواهر ~~الناس؟ قال: لا. قال: عاملتهما في الدنانير والدراهم التي تقطع فيها الرحم؟ ~~قال: لا. قال: كنت جارا لهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ قال لا. قال: يا ابن ~~أخي، لست تعرفهما، جيئا بمن يعرفكما وهذا بحث يدل على أنه لا يكتفي بدونه. # إذا ثبت هذا فإن الشاهد يعتبر فيه أربعة شروط؛ الإسلام والبلوغ، والعقل، ~~والعدالة، وليس فيها # PageV10P057 # ما يخفى ويحتاج إلى البحث إلا العدالة، فيحتاج إلى البحث عنها؛ لقول الله ~~تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] . ولا نعلم أنه مرضي حتى ~~نعرفه، أو نخبر عنه، فيأمر الحاكم بكتب أسمائهم، وكناهم، ونسبهم، ويرفعون ~~فيها بما يتميزون به عن غيرهم، ms5559 ويكتب صنائعهم، ومعايشهم، وموضع مساكنهم، ~~وصلاتهم؛ ليسأل عن جيرانهم، وأهل سوقهم ومسجدهم، ومحلتهم، ونحلتهم، فيكتب: ~~أسود أو أبيض، أو أنزع أو أغم، أوأشهل أو أكحل، أقنى الأنف أو أفطس، أو ~~رقيق الشفتين أو غليظهما، طويل أو قصير أو ربعة، ونحو هذا، ليتميز، ولا يقع ~~اسم على اسم، ويكتب اسم المشهود له والمشهود عليه، وقدر الحق، ويكتب ذلك ~~كله لأصحاب مسائله، لكل واحد رقعة. # وإنما ذكرنا المشهود له، لئلا يكون بينه وبين الشاهد قرابة تمنع الشهادة، ~~أو شركة، وذكرنا اسم المشهود عليه؛ لئلا تكون بينه وبين الشاهد عداوة، ~~وذكرنا قدر الحق؛ لأنه ربما كان ممن يرون قبوله في اليسير دون الكثير، ~~فتطيب نفس المزكى به إذا كان يسيرا، ولا تطيب إذا كان كثيرا. وينبغي للقاضي ~~أن يخفي عن كل واحد من أصحاب مسائله ما يعطي الآخر من الرقاع؛ لئلا ~~يتواطئوا. وإن شاء الحاكم عين لصاحب مسائله من يسأله ممن يعرفه، من جوار ~~الشاهد، وأهل الخبرة به، وإن شاء أطلق، ولم يعين المسئول، ويكون السؤال ~~سرا؛ لئلا يكون فيه هتك المسئول عنه، وربما يخاف المسئول من الشاهد أو من ~~المشهود له أو المشهود عليه أن يخبر بما عنده، أو يستحيي. # وينبغي أن يكون أصحاب مسائله غير معروفين له؛ لئلا يقصدوا بهدية أو رشوة، ~~وأن يكونوا أصحاب عفاف في الطعمة والأنفس، ذوي عقول وافرة، أبرياء من ~~الشحناء والبغض؛ لئلا يطعنوا في الشهود، أو يسألوا عن الشاهد عدوه فيطعن ~~فيه، فيضيع حق المشهود له، ولا يكونون من أهل الأهواء والعصبية، يميلون إلى ~~من وافقهم على من خالفهم، ويكونون أمناء ثقات؛ لأن هذا موضع أمانة. # فإذا رجع أصحاب مسائله، فأخبر اثنان بالعدالة، قبل شهادته، وإن أخبرا ~~بالجرح، رد شهادته، وإن أخبر أحدهما بالعدالة، والآخر بالجرح، بعث آخرين، ~~فإن عادا فأخبرا بالتعديل، تمت بينة التعديل، وسقط الجرح؛ لأن بينته لم ~~تتم، وإن أخبرا بالجرح، ثبت ورد الشهادة، وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر ~~بالتعديل، تمت البينتان، ويقدم الجرح، ولا يقبل الجرح والتعديل إلا من ~~اثنين، ويقبل قول ms5560 أصحاب المسائل. # وقيل: لا يقبل إلا شهادة المسئولين، ويكلف اثنين منهم أن يشهدوا بالتزكية ~~والجرح عنده، على شروط الشهادة في اللفظ وغيره، ولا تقبل من صاحب المسألة؛ ~~لأن ذلك شهادة على شهادة، مع حضور شهود الأصل. # PageV10P058 # ووجه القول الأول، أن شهادة أصحاب المسائل شهادة استفاضة، لا شهادة على ~~شهادة، فيكتفي بمن يشهد بها، كسائر شهادات الاستفاضة؛ ولأنه موضع حاجة فلا ~~يلزم المزكي الحضور للتزكية، وليس للحاكم إجباره عليها، فصار كالمرض ~~والغيبة في سائر الشهادات، ولأننا لو لم نكتف بشهادة أصحاب المسائل، لتعذرت ~~التزكية؛ لأنه قد يتفق أن لا يكون في جيران الشاهد من يعرفه الحاكم، فلا ~~يقبل قوله، فيفوت التعديل والجرح. ### | [فصل من شروط الشاهد إسلامه] # (8248) فصل: قال القاضي: ولا بد من معرفة إسلام الشاهد، ويحصل ذلك بأحد ~~أربعة أمور؛ أحدها، إخباره عن نفسه أنه مسلم، أو إتيانه بكلمة الإسلام، وهي ~~شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله؛ لأنه لو لم يكن مسلما ~~صار مسلما بذلك. الثاني، اعتراف المشهود عليه بإسلامه؛ لأن ذلك حق عليه. # الثالث، خبرة الحاكم؛ لأننا اكتفينا بذلك في عدالته، فكذلك في إسلامه. ~~الرابع، بينة تقوم به. ولا بد من معرفة الحرية في موضع تعتبر فيه، ويكفي في ~~ذلك أحد أمور ثلاثة؛ بينة، أو اعتراف المشهود عليه، أو خبرة الحاكم. ولا ~~يكفي اعتراف الشاهد؛ لأنه لا يملك أن يصير حرا، فلا يملك الإقرار به، بخلاف ~~الإسلام. ### | [فصل شهد عند الحاكم مجهول الحال] # (8249) فصل: وإذا شهد عند الحاكم مجهول الحال، فقال المشهود عليه: هو ~~عدل. ففيه وجهان؛ أحدهما، يلزم الحاكم الحكم بشهادته؛ لأن البحث عن عدالته ~~لحق المشهود عليه، وقد اعترف بها، ولأنه إذا أقر بعدالته، فقد أقر بما يوجب ~~الحكم لخصمه عليه، فيؤخذ بإقراره، كسائر أقاريره. # والثاني، لا يجوز الحكم بشهادته؛ لأن في الحكم بها تعديلا له، فلا يثبت ~~بقول واحد، ولأن اعتبار العدالة في الشاهد حق لله تعالى، ولهذا لو رضي ~~الخصم بأن يحكم عليه بقول فاسق، لم يجز الحكم به، ولأنه لا ms5561 يخلو؛ إما أن ~~يحكم عليه مع تعديله، أو مع انتفائه، لا يجوز أن يقال مع تعديله؛ لأن ~~التعديل لا يثبت بقول الواحد، ولا يجوز مع انتفاء تعديله؛ لأن الحكم بشهادة ~~غير العدل غير جائز، بدليل شهادة من ظهر فسقه. # ومذهب الشافعي مثل هذا، فإن قلنا بالأول، فلا يثبت تعديله في حق غير ~~المشهود عليه؛ لأنه لم توجد بينة التعديل، وإنما حكم عليه لإقراره بوجود ~~شروط الحكم، وإقراره يثبت في حقه دون غيره، كما لو أقر بحق عليه وعلى غيره، ~~ثبت في حقه دون غيره. # PageV10P059 ### | [مسألة عدل الشاهد اثنان وجرحه اثنان] # (8250) مسألة، قال: (وإن عدله اثنان، وجرحه اثنان، فالجراحة أولى) وبهذا ~~قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك: ينظر أيهما أعدل؟ اللذان جرحاه، أو ~~اللذان عدلاه؟ فيؤخذ بقول أعدلهما. # ولنا، أن الجارح معه زيادة علم خفيت على المعدل، فوجب تقديمه؛ لأن ~~التعديل يتضمن ترك الريب والمحارم، والجارح مثبت لوجود ذلك، والإثبات مقدم ~~على النفي، ولأن الجارح يقول: رأيته يفعل كذا. والمعدل مستنده أنه لم يره ~~يفعل، ويمكن صدقهما، والجمع بين قوليهما بأن يراه الجارح يفعل المعصية، ولا ~~يراه المعدل، فيكون مجروحا. ### | [فصل ولا يقبل الجرح والتعديل إلا من اثنين] # (8251) فصل: ولا يقبل الجرح والتعديل إلا من اثنين. وبهذا قال مالك، ~~والشافعي، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر. وروي عن أحمد: يقبل ذلك من واحد. ~~وهو اختيار أبي بكر وقول أبي حنيفة؛ لأنه خبر لا يعتبر فيه لفظ الشهادة، ~~فقبل من واحد، كالرواية. ولنا، أنه إثبات صفة من يبني الحاكم حكمه على ~~صفته، فاعتبر فيه العدد، كالحضانة، وفارق الرواية؛ فإنها على المساهلة، ولا ~~نسلم أنها لا تفتقر إلى لفظ الشهادة، ويعتبر في التعديل والجرح لفظ ~~الشهادة، فيقول في التعديل: أشهد أنه عدل. # ويكفي هذا. وإن لم يقل: علي ولي. وهذا قول أكثر أهل العلم، وبه يقول شريح ~~وأهل العراق، ومالك، وبعض الشافعية. وقال أكثرهم: لا يكفيه إلا أن يقول: ~~عدل علي ولي. واختلفوا في تعليله، فقال بعضهم: لئلا تكون بينهما عداوة أو ~~قرابة. # وقال ms5562 بعضهم: لئلا يكون عدلا في شيء دون شيء. ولنا، قول الله تعالى: ~~{وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] فإذا شهدا أنه عدل، ثبت ذلك بشهادتهما، ~~فيدخل ذلك في عموم الأمر، لأنه إذا كان عدلا، لزم أن يكون له وعليه، وفي حق ~~سائر الناس، وفي كل شيء، ولا يحتاج إلى ذكره. # ولا يصح ما ذكروه؛ فإن الإنسان لا يكون عدلا في شيء دون شيء، ولا في حق ~~شخص دون شخص، فإنها لا توصف بهذا، ولا تنتفي أيضا بقوله: عدل ولي فإن من ~~ثبتت عدالته، لم تزل بقرابة ولا عداوة، وإنما ترد شهادته للتهمة مع كونه ~~عدلا، ثم إن هذا إذا كان معلوما انتقاؤه بينهما، لم يحتج إلى ذكره ولا نفيه ~~عن نفسه، كما لو شهد بالحق من عرف الحاكم عدالته، لم يحتج إلى أن ينفي # PageV10P060 # عن نفسه ذلك، ولأن العداوة لا تمنع من شهادته له بالتزكية، وإنما تمنع ~~الشهادة عليه، وهذا شاهد له بالتزكية والعدالة، فلا حاجة به إلى نفي ~~العداوة. ### | [فصل يقول لا أعلم من الشاهد إلا الخير] # (8252) فصل: ولا يكفي أن يقول: لا أعلم منه إلا الخير. وهذا مذهب ~~الشافعي. وقال أبو يوسف: يكفي؛ لأنه إذا كان من أهل الخبرة به، ولا يعلم ~~إلا الخير، فهو عدل. ولنا، أنه لم يصرح بالتعديل، فلم يكن تعديلا، كما لو ~~قال: أعلم منه خيرا. وما ذكروه لا يصح؛ لأن الجاهل بحال أهل الفسق، لا يعلم ~~منهم إلا الخير، لأنه يعلم إسلامهم، وهو خير، ولا يعلم منهم غير ذلك وهم ~~غير عدول. ### | [فصل لا يقبل التعديل للشهود إلا من أهل الخبرة الباطنة] # (8253) فصل: قال أصحابنا: لا يقبل التعديل إلا من أهل الخبرة الباطنة، ~~والمعرفة المتقادمة. وهذا مذهب الشافعي؛ لخبر عمر الذي قدمناه، ولأن عادة ~~الناس إظهار الصالحات وإسرار المعاصي، فإذا لم يكن ذا خبرة باطنة، فربما ~~اغتر بحسن ظاهره، وهو فاسق في الباطن. # وهذا يحتمل أن يريدوا به أن الحاكم إذا علم أن المعدل لا خبرة له، لم ~~تقبل شهادته بالتعديل، كما فعل عمر ms5563 - رضي الله عنه - ويحتمل أنهم أرادوا ~~أنه لا تجوز للمعدل الشهادة بالعدالة، إلا أن تكون له خبرة باطنة. فأما ~~الحاكم إذا شهد عنده العدل بالتعديل، ولا يعرف حقيقة الحال، فله أن يقبل ~~الشهادة من غير كشف، وإن استكشف الحال، كما فعل عمر - رضي الله عنه - فلا ~~بأس. ### | [فصل ولا يسمع الجرح في الشهود إلا مفسرا] # (8254) فصل: ولا يسمع الجرح إلا مفسرا، ويعتبر فيه اللفظ فيقول: أشهد ~~أنني رأيته يشرب الخمر، أو يعامل بالربا، أو يظلم الناس بأخذ أموالهم أو ~~ضربهم، أو سمعته يقذف. أو يعلم ذلك باستفاضته في الناس. ولا بد من ذكر ~~السبب وتعيينه. # وبهذا قال الشافعي، وسوار. وقال أبو حنيفة: يقبل الجرح المطلق، وهو أن ~~يشهد أنه فاسق، أو أنه ليس بعدل. وعن أحمد مثله؛ لأن التعديل يسمع مطلقا؛ ~~فكذلك الجرح، ولأن التصريح بالسبب يجعل الجارح فاسقا، ويوجب عليه الحد في ~~بعض الحالات، وهو أن يشهد عليه بالزنى، فيفضي الجرح إلى جرح الجارح، وتبطيل ~~شهادته، ولا يتجرح بها المجروح. # ولنا، أن الناس يختلفون في أسباب الجرح، كاختلافهم في شارب النبيذ، فوجب ~~أن لا يقبل مجرد الجرح، لئلا يجرحه بما لا يراه القاضي جرحا؛ ولأن الجرح ~~ينقل عن الأصل، فإن الأصل في المسلمين العدالة، والجرح ينقل عنها، فلا بد ~~أن يعرف الناقل، لئلا يعتقد نقله بما لا يراه الحاكم ناقلا. # PageV10P061 # وقولهم: إنه يفضي إلى جرح الجارح، وإيجاب الحد عليه. # قلنا: ليس كذلك؛ لأنه يمكنه التعريض من غير تصريح. فإن قيل: ففي بيان ~~السبب هتك المجروح. قلنا: لا بد من هتكه؛ فإن الشهادة عليه بالفسق هتك له. ~~ولكن جاز ذلك للحاجة الداعية إليه، كما جازت الشهادة عليه به لإقامة الحد ~~عليه، بل هاهنا أولى؛ فإن فيه دفع الظلم عن المشهود عليه، وهو حق آدمي، ~~فكان أولى بالجواز، ولأن هتك عرضه بسببه، لأنه تعرض للشهادة مع ارتكابه ما ~~يوجب جرحه، فكان هو الهاتك لنفسه، إذ كان فعله هو المحوج للناس إلى جرحه. ~~فإن صرح الجارح بقذفه بالزنى، فعليه الحد إن لم ms5564 يأت بتمام أربعة شهداء. # وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا حد عليه إذا كان بلفظ الشهادة؛ ~~لأنه لم يقصد إدخال المعرة عليه. ولنا، قول الله تعالى {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . ~~الآية. ولأن أبا بكرة ورفيقيه شهدوا على المغيرة بالزنى، ولم يكمل زياد ~~شهادته فجلدهم عمر حد القذف بمحضر الصحابة، فلم ينكره منكر، فكان إجماعا. ~~ويبطل ما ذكروه بما إذا شهدوا عليه لإقامة الحد عليه. ### | [فصل أقام المدعى عليه بينة على فسق الشهود] # (8255) فصل: وإذا أقام المدعى عليه بينة، أن هذين الشاهدين شهدا بهذا ~~الحق عند حاكم، فرد شهادتهما لفسقهما، بطلت شهادتهما؛ لأن الشهادة إذا ردت ~~لفسق، لم تقبل مرة ثانية. ### | [فصل الجرح والتعديل في الشهود من النساء] # (8256) فصل: ولا يقبل الجرح والتعديل من النساء، وقال أبو حنيفة: يقبل؛ ~~لأنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة، فأشبه الرواية، وأخبار الديات. ولنا، أنها ~~شهادة فيما ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال في غالب ~~الأحوال، فأشبه الشهادة في القصاص. وما ذكروه غير مسلم. ### | [فصل الجرح في الشهود من الخصم] # (8257) فصل: ولا يقبل الجرح من الخصم. بلا خلاف بين العلماء. فلو قال ~~المشهود عليه: هذان فاسقان، أو عدوان لي، أو آباء للمشهود له. لم يقبل ~~قوله؛ لأنه متهم في قوله، ويشهد بما يجر إليه نفعا، فأشبه الشهادة لنفسه، ~~ولو قبلنا # PageV10P062 # قوله، لم يشأ أحد أن يبطل شهادة من شهد عليه إلا أبطلها، فتضيع الحقوق، ~~وتذهب حكمة شرع البينة. ### | [فصل شهادة المتوسمين] # (8258) فصل: ولا تقبل شهادة المتوسمين، وذلك إذا حضر مسافران، فشهدا عند ~~حاكم لا يعرفهما لم تقبل شهادتهما. وقال مالك: يقبلهما إذا رأى فيهما سيما ~~الخير؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة عدالتهما، ففي التوقف عن قبولهما تضييع ~~الحقوق، فوجب الرجوع فيهما إلى السيماء الجميلة. # ولنا، أن عدالتهما مجهولة، فلم يجز الحكم بشهادتهما، كشاهدي الحضر. وما ~~ذكروه معارض بأن قبول شهادتهما يفضي إلى أن يقضي بشهادتهما بدفع الحق إلى ~~غير مستحقه. ### | [فصل للقاضي أن ms5565 يسأل عن شهوده كل قليل] # (8259) فصل: قال أحمد: ينبغي للقاضي أن يسأل عن شهوده كل قليل؛ لأن الرجل ~~ينتقل من حال إلى حال. وهل هذا مستحب أو واجب؟ فيه وجهان؛ أحدهما، مستحب؛ ~~لأن الأصل بقاء ما كان، فلا يزول حتى يثبت الجرح. والثاني، يجب البحث كلما ~~مضت مدة يتغير الحال فيها؛ لأن العيب يحدث، وذلك على ما يراه الحاكم. ~~ولأصحاب الشافعي وجهان، مثل هذين. ### | [فصل شهادة غير المرتبين] # (8260) فصل: وليس للحاكم أن يرتب شهودا لا يقبل غيرهم؛ لأن الله تعالى ~~قال: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ولأن فيه إضرارا بالناس؛ لأن ~~كثيرا من الوقائع التي يحتاج إلى البينة فيها تقع عند غير المرتبين، فمتى ~~ادعى إنسان شهادة غير المرتبين، وجب على الحاكم سماع بينته، والنظر في ~~عدالة شاهديه، ولا يجوز ردهم بكونهم من غير المرتبين؛ لأن ذلك يخالف الكتاب ~~والسنة والإجماع، لكن له أن يرتب شهودا يشهدهم الناس، فيستغنون بإشهادهم عن ~~تعديلهم، ويستغني الحاكم عن الكشف عن أحوالهم، فيكون فيه تخفيف من وجه، ~~ويكونون أيضا يزكون من عرفوا عدالته من غيرهم إذا شهد. ### | [فصل يعظ القاضي الشاهدين] # (8261) فصل: ولا بأس أن يعظ الشاهدين، كما روي عن شريح، أنه كان يقول ~~للشاهدين إذا حضرا: يا هذان، ألا تريان؟ إني لم أدعكما، ولست أمنعكما أن ~~ترجعا، وإنما يقضي على هذا أنتما، وأنا متق بكما، فاتقيا. وفي لفظ: وإني ~~بكما أقضي اليوم، وبكما أتقي يوم القيامة # وروى أبو حنيفة قال كنت عند محارب بن دثار وهو قاضي الكوفة، فجاء رجل، ~~فادعى على رجل # PageV10P063 # حقا، فأنكره، فأحضر المدعي شاهدين، فشهدا له، فقال المشهود عليه: والذي ~~به تقوم السماء والأرض لقد كذبا علي في الشهادة. # وكان محارب بن دثار متكئا فاستوى جالسا، وقال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الطير لتخفق بأجنحتها، وترمي ~~ما في حواصلها، من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى ~~يتبوأ مقعده من النار» . فإن صدقتما فاثبتا، وإن كذبتما فغطيا رءوسكما ms5566 ~~وانصرفا. فغطيا رءوسهما وانصرفا. ### | [مسألة للحاكم أن يتخذ كاتبا عدلا] # (8262) مسألة، قال: (ويكون كاتبه عدلا، وكذلك قاسمه) وجملته أنه يستحب ~~للحاكم أن يتخذ كاتبا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استكتب زيد بن ~~ثابت، وغيره، ولأن الحاكم تكثر أشغاله ونظره، فلا يمكنه أن يتولى الكتابة ~~بنفسه، وإن أمكنه تولي الكتابة بنفسه، جاز، والاستنابة فيه أولى. # ولا يجوز أن يستنيب في ذلك إلا عدلا؛ لأن الكتابة موضع أمانة. ويستحب أن ~~يكون فقيها؛ ليعرف مواقع الألفاظ التي تتعلق بها الأحكام، ويفرق بين الجائز ~~والواجب، وينبغي أن يكون وافر العقل، ورعا، نزها؛ لئلا يستمال بالطمع، ~~ويكون مسلما؛ لأن الله - تعالى قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة ~~من دونكم لا يألونكم خبالا} [آل عمران: 118] ويروى أن أبا موسى قدم على عمر ~~- رضي الله عنه - ومعه كاتب نصراني، فأحضر أبو موسى شيئا من مكتوباته عند ~~عمر، فاستحسنه، وقال: قل لكاتبك يجيء، فيقرأ كتابه. قال: إنه لا يدخل ~~المسجد. قال: ولم؟ قال: إنه نصراني. فانتهره عمر، وقال: لا تأتمنوهم، وقد ~~خونهم الله تعالى، ولا تقربوهم، وقد أبعدهم الله - تعالى، ولا تعزوهم، وقد ~~أذلهم الله تعالى. ولأن الإسلام من شروط العدالة، والعدالة شرط. # ، وقال أصحاب الشافعي: في اشتراط عدالته وإسلامه وجهان؛ أحدهما، تشترط؛ ~~لما ذكرنا. والثاني، لا تشترط؛ لأن ما يكتبه لا بد من وقوف القاضي عليه، ~~فتؤمن الخيانة فيه. ويستحب أن يكون جيد الخط؛ لأنه أكمل. # وأن يكون حرا؛ ليخرج من الخلاف. وإن كان عبدا، جاز؛ لأن شهادة العبد ~~جائزة. ويكون القاسم على الصفة التي ذكرنا في الكاتب، ولا بد من كونه ~~حاسبا؛ لأنه عمله، وبه يقسم، فهو كالحظ للكاتب والفقه للحاكم. # PageV10P064 # ويستحب للحاكم أن يجلس كاتبه بين يديه؛ ليشاهد ما يكتبه، ويشافهه بما ~~يملي عليه، وإن قعد ناحية، جاز؛ لأن المقصود يحصل، فإن ما يكتبه يعرض على ~~الحاكم، فيستبرئه. ### | [فصل ترافع إلى الحاكم خصمان فأقر أحدهما لصاحبه] # (8263) فصل: وإذا ترافع إلى الحاكم خصمان، فأقر أحدهما لصاحبه، فقال ~~المقر له للحاكم: أشهد لي على ms5567 إقراره شاهدين. لزمه ذلك؛ لأن الحاكم لا يحكم ~~بعلمه، فربما جحد المقر، فلا يمكنه الحكم عليه بعلمه، ولو كان يحكم بعلمه ~~احتمل أن ينسى، فإن الإنسان عرضة النسيان، فلا يمكنه الحكم بإقراره. # وإن ثبت عنده حق بنكول المدعى عليه، أو بيمين المدعي بعد النكول، فسأله ~~المدعي أن يشهد على نفسه، لزمه؛ لأنه لا حجة للمدعي سوى الإشهاد، وإن ثبتت ~~عنده بينة فسأله الإشهاد، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يلزمه؛ لأن بالحق بينة، ~~فلا يجب جعل بينة أخرى. والثاني، يجب؛ لأن في الإشهاد فائدة جديدة، وهي ~~إثبات تعديل بينته، وإلزام خصمه وإن حلف المنكر وسأل الحاكم الإشهاد على ~~براءته لزمه ليكون حجة له. # في سقوط المطالبة مرة أخرى، وفي جميع ذلك، إذا سأله أن يكتب له محضرا بما ~~جرى، ففيه وجهان؛ أحدهما، يلزمه ذلك؛ لأنه وثيقة له، فهو كالإشهاد؛ لأن ~~الشاهدين ربما نسيا الشهادة، أو نسيا الخصمين، فلا يذكرهما إلا رؤية ~~خطيهما. # والثاني، لا يلزمه؛ لأن الإشهاد يكفيه. والأول أصح؛ لأن الشهود تكثر ~~عليهم الشهادات، ويطول عليهم الأمد، والظاهر أنهما لا يتحققان الشهادة ~~تحققا يحصل به أداؤها، فلا يتقيد إلا بالكتاب. فإن اختار أن يكتب له محضرا، ~~فصفته: حضر القاضي فلان بن فلان الفلاني، قاضي عبد الله الإمام فلان، على ~~كذا وكذا. # وإن كان خليفة القاضي قال: خليفة القاضي فلان بن فلان الفلاني عبد الله ~~قاضي الإمام بمجلس حكمه وقضائه. فإن كان يعرف المدعي والمدعى عليه ~~بأسمائهما وأنسابهما، قال: فلان بن فلان الفلاني، وأحضر معه فلان بن فلان ~~الفلاني. ويرفع في نسبهما حتى يتميز ويستحب ذكر حليتهما، وإن أخل به، جاز؛ ~~لأن ذكر نسبهما إذا رفع فيه أغنى عن ذكر الحلية. وإن كان الحاكم لا يعرف ~~الخصمين، قال: مدع ذكر أنه فلان بن فلان الفلاني، وأحضر معه مدعى عليه ذكر ~~أنه فلان بن فلان الفلاني. ويرفع في نسبهما، ويذكر حليتهما؛ لأن الاعتماد ~~عليها، فربما استعار النسب. # ويقول: أغم، أو أنزع. ويذكر صفة العينين والأنف والفم والحاجبين، واللون ~~والطول والقصر. ما ادعى عليه ms5568 كذا وكذا، فأقر له. ولا يحتاج أن يقول: بمجلس ~~حكمه. لأن الإقرار يصح في غير مجلس الحكم. # PageV10P065 # وإن كتب أنه شهد على إقراره شاهدان، كان أوكد. ويكتب الحاكم على رأس ~~المحضر: الحمد لله رب العالمين. أو ما أحب من ذلك. # فأما إن أنكر المدعى عليه، وشهدت عليه بينة، قال: فادعى عليه كذا وكذا، ~~فأنكر، فسأل الحاكم المدعي: ألك بينة؟ فأحضرها، وسأل الحاكم سماعها ففعل، ~~وسأله أن يكتب له محضرا بما جرى، فأجابه إليه، وذلك في وقت كذا. # ويحتاج هاهنا أن يذكر: بمجلس حكمه وقضائه. بخلاف الإقرار؛ لأن البينة لا ~~تسمع إلا في مجلس الحكم، والإقرار بخلافه. ويكتب الحاكم في آخر المحضر: ~~شهدا عندي بذلك. # فإن كان مع المدعي كتاب فيه خط الشاهد كتب تحت خطوطهما أو تحت خط كل واحد ~~منهما: شهد عندي بذلك. ويكتب علامته في رأس المحضر، وإن اقتصر على ذلك دون ~~المحضر، جاز. فأما إن لم تكن للمدعي بينة، فاستحلف المنكر، ثم سأل المنكر ~~الحاكم محضرا لئلا يحلف في ذلك ثانيا، كتب له مثل ما تقدم، إلا أنه يقول: ~~فأنكر، فسأل الحاكم المدعي: ألك بينة؟ فلم تكن له بينة فقال: لك يمينه. ~~فسأله أن يستحلفه، فاستحلفه في مجلس حكمه وقضائه، في وقت كذا وكذا. # ولا بد من ذكر تحليفه؛ لأن الاستحلاف لا يكون إلا في مجلس الحكم، ويعلم ~~في أوله خاصة. وإن نكل المدعى عليه عن اليمين، قال: فعرض اليمين على المدعى ~~عليه، فنكل عنها، فسأل خصمه الحاكم أن يقضي عليه بالحق، فقضى عليه في وقت ~~كذا. ويعلم في آخره، ويذكر أن ذلك في مجلس حكمه وقضائه. فهذه صفة المحضر. # فأما إن سأل صاحب الحق الحاكم أن يحكم له بما ثبت في المحضر، لزمه أن ~~يحكم له به، وينفذه، فيقول: حكمت له به، ألزمته الحق، أنفذت الحكم به. فإن ~~طلبه أن يشهد له على حكمه، لزمه ذلك، لتحصل له الوثيقة به. فإن طالبه أن ~~يسجل له به، وهو أن يكتب في المحضر ويشهد على إنقاذه، سجل له. ms5569 # وفي وجوب ذلك، الوجهان المذكوران في المحضر. وهذه صورة السجل: - صلى الله ~~عليه وسلم - هذا ما أشهد عليه القاضي فلان بن فلان الفلاني، قاضي عبد الله ~~الإمام، على كذا وكذا في مجلس حكمه وقضائه، في موضع كذا وكذا، في وقت كذا ~~وكذا، أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان ونسبهما، وقد عرفهما بما ساغ له به ~~قبول شهادتهما عنده بما في كتاب نسخه وينسخ الكتاب إن كان معه، أو المحضر ~~في أي حكم كان، فإذا فرغ منه قال بعد ذلك: فحكم به، فأنفذه وأمضاه، بعد أن ~~سأله فلان بن فلان، أن يحكم له به. # ولا يحتاج أن يذكر أنه بمحضر المدعى عليه؛ لأن القضاء على الغائب جائز، ~~فإن أراد أن يذكره احتياطا، قال: بعد أن حضره من ساغ له الدعوى عليه. ويكتب ~~الحاكم بالسجل والمحضر نسختين؛ إحداهما، تكون في يد صاحب الحق. # PageV10P066 # والأخرى، تكون في ديوان الحكم، فإن هلكت إحداهما نابت الأخرى عنها، ويختم ~~الذي في ديوان الحكم، ويكتب على طيه: سجل فلان بن فلان، أو محضر فلان بن ~~فلان، أو وثيقة فلان بن فلان. # فإن كثر ما عنده جمع ما يجتمع في كل يوم أو أسبوع أو شهر، على قدر كثرتها ~~وقلتها وشدها إضبارة، ويكتب عليها: أسبوع كذا، من شهر كذا، من سنة كذا. ثم ~~يضم ما يجتمع في السنة، ويدعها ناحية، ويكتب عليها: كتب سنة كذا. حتى إذا ~~حضر من يطلب شيئا منها، سأله عن السنة، فيخرج كتب تلك السنة، ويسهل. وينبغي ~~أن يتولى جمعها وشدها بنفسه؛ لئلا يزور عليه، فإن تولى ذلك ثقة من ثقاته، ~~جاز. ### | [فصل يجعل من بيت المال شيء برسم الكاغد أي الحاكم] # (8264) فصل: وينبغي أن يجعل من بيت المال شيء برسم الكاغد الذي يكتب فيه ~~المحاضر والسجلات؛ لأنه من المصالح، فإنه، يحفظ به الوثائق، ويذكر الحاكم ~~حكمه، والشاهد شهادته، ويرجع بالدرك على من رجع عليه، فإن أعوز ذلك، لم ~~يلزم الحاكم ذلك، ويقول لصاحب الحق: إن شئت جئت بكاغد، أكتب لك فيه، فإنه ~~حجة ms5570 لك، ولست أكرهك عليه. ### | [فصل ارتفع إلى الحاكم خصمان فذكر أحدهما أن حجته في ديوان الحكم] # (8265) فصل: وإذا ارتفع إليه خصمان، فذكر أحدهما أن حجته في ديوان الحكم، ~~فأخرجها الحاكم من ديوانه، فوجدها مكتوبة بخطه تحت ختمه، وفيها حكمه، فإن ~~ذكر ذلك، حكم به، وإن لم يذكره، لم يحكم به. نص عليه أحمد، في الشهادة، ~~قاله بعض أصحابنا، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، ومحمد بن الحسن وعن أحمد - ~~رضي الله عنه - أنه يحكم به. # وبه قال ابن أبي ليلى. وهذا الذي رأيته عن أحمد في الشهادة؛ لأنه إذا كان ~~في قمطره تحت ختمه، لم يحتمل أن يكون إلا صحيحا. # ووجه الأولى، أنه حكم حاكم لم يعلمه، فلم يجز إنفاذه إلا ببينة، كحكم ~~غيره، ولأنه يجوز أن يزور عليه وعلى ختمه، والخط يشبه الخط. فإن قيل: فلو ~~وجد في دفتر أبيه حقا على إنسان، جاز له أن يدعيه، ويحلف عليه. قلنا: هذا ~~يخالف الحكم والشهادة، بدليل الإجماع على أنه لو وجد بخط أبيه شهادة، لم ~~يجز له أن يحكم بها، ولا يشهد بها، ولو وجد حكم أبيه مكتوبا بخطه، لم يجز ~~له إنقاذه، ولأنه يمكنه الرجوع فيما حكم به عليه إلى نفسه، لأنه فعل نفسه، ~~فروعي ذلك. وأما ما كتبه أبوه، فلا يمكنه الرجوع فيما حكم به إلى نفسه، ~~فيكفي فيه الظن. # PageV10P067 ### | [فصل ادعى رجل على الحاكم أنك حكمت لي بهذا الحق على خصمي فذكر الحاكم حكمه] # (8266) فصل: فإن ادعى رجل على الحاكم، أنك حكمت لي بهذا الحق على خصمي. ~~فذكر الحاكم حكمه، أمضاه، وألزم خصمه ما حكم به عليه. وليس هذا حكما ~~بالعلم، إنما هو إمضاء لحكمه السابق. وإن لم يذكره القاضي، فشهد عنده ~~شاهدان على حكمه، لزمه قبولها، وإمضاء القضاء. وبه قال ابن أبي ليلى، ومحمد ~~بن الحسن. قال القاضي: هذا قياس قول أحمد؛ لأنه قال: يرجع الإمام إلى قول ~~اثنين فصاعدا من المأمومين. # وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي: لا يقبل؛ لأنه يمكنه الرجوع إلى ~~الإحاطة والعلم، فلا ms5571 يرجع إلى الظن، كالشاهد إذا نسي شهادته، فشهد عنده ~~شاهدان أنه شهد، لم يكن له أن يشهد. ولنا، أنهما لو شهدا عنده بحكم غيره ~~قبل، فكذلك إذا شهدا عنده بحكم نفسه، ولأنهما شهدا بحكم حاكم. # وما ذكروه لا يصح؛ لأن ذكر ما نسيه ليس إليه، ويخالف الشاهد؛ لأن الحاكم ~~يمضي ما حكم به إذا ثبت عنده، والشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته، وإنما ~~يمضيها الحاكم. ### | [مسألة قبول القاضي الهدية] # (8267) مسألة؛ قال: (ولا يقبل هدية من لم يكن يهدي إليه قبل ولايته) وذلك ~~لأن الهدية يقصد بها في الغالب استمالة قلبه، ليعتني به في الحكم، فتشبه ~~الرشوة. قال مسروق: إذا قبل القاضي الهدية، أكل السحت، وإذا قبل الرشوة، ~~بلغت به الكفر. # وقد روى أبو حميد الساعدي، قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رجلا من الأزد، يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي ~~إلي. فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ~~«ما بال العامل نبعثه، فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، ألا جلس في ~~بيت أمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا نبعث أحدا منكم، ~~فيأخذ شيئا، إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، ~~أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر. فرفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه، فقال: ~~اللهم هل بلغت ثلاثا؟» متفق عليه. # ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها، ليتوسل بها ~~إلى ميل الحاكم معه على خصمه، فلم يجز قبولها منه كالرشوة، فأما إن كان ~~يهدي إليه قبل ولايته، جاز قبولها منه بعد الولاية؛ لأنها لم تكن من أجل ~~الولاية؛ لوجود سببها قبل الولاية، بدليل وجودها قبلها. # PageV10P068 # قال القاضي: ويستحب له التنزه عنها. وإن أحس أنه يقدمها بين يدي خصومه، ~~أو فعلها حال الحكومة، حرم أخذها في هذه الحال؛ لأنها كالرشوة. وهذا كله ~~مذهب الشافعي. # وروي عن أبي حنيفة وأصحابه، أن قبول الهدية مكروه غير ms5572 محرم. وفيما ذكرناه ~~دلالة على التحريم. ### | [فصل الرشوة في الحكم ورشوة العامل] # (8268) فصل: فأما الرشوة في الحكم، ورشوة العامل، فحرام بلا خلاف. قال ~~الله تعالى {أكالون للسحت} [المائدة: 42] قال الحسن، وسعيد بن جبير، في ~~تفسيره: هو الرشوة. وقال: إذا قبل القاضي الرشوة، بلغت به إلى الكفر وروى ~~عبد الله بن عمرو قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراشي ~~والمرتشي.» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو هريرة، وزاد: " في ~~الحكم ". ورواه أبو بكر، في " زاد المسافر "، وزاد: " والرائش " وهو السفير ~~بينهما. # ولأن المرتشي إنما يرتشي ليحكم بغير الحق، أو ليوقف الحكم عنه، وذلك من ~~أعظم الظلم. قال مسروق: سألت ابن مسعود عن السحت، أهو الرشوة في الحكم؟ ~~قال: لا، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] و ~~{الظالمون} [المائدة: 45] و {الفاسقون} [المائدة: 47] ولكن السحت أن ~~يستعينك الرجل على مظلمة، فيهدي لك، فلا تقبل. وقال قتادة: قال كعب: الرشوة ~~تسفه الحليم، وتعمي عين الحكيم. فأما الراشي فإن رشاه ليحكم له بباطل، أو ~~يدفع عنه حقا، فهو ملعون، وإن رشاه ليدفع ظلمه، ويجزيه على واجبه، فقد قال ~~عطاء، وجابر بن زيد، والحسن: لا بأس أن يصانع عن نفسه. قال جابر بن زيد: ما ~~رأينا في زمن زياد أنفع لنا من الرشا. # ولأنه يستنقذ ماله كما يستنقذ الرجل أسيره. فإن ارتشى الحاكم، أو قبل ~~هدية ليس له قبولها، فعليه ردها إلى أربابها؛ لأنه أخذها بغير حق، فأشبه ~~المأخوذ بعقد فاسد. ويحتمل أن يجعلها في بيت المال؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يأمر ابن اللتبية بردها على أربابها. وقد قال أحمد: إذا ~~أهدى البطريق لصاحب الجيش عينا أو فضة، لم تكن له دون سائر الجيش. قال أبو ~~بكر: يكونون فيه سواء. ### | [فصل تولى القاضي البيع والشراء بنفسه] # (8269) فصل: ولا ينبغي للقاضي أن يتولى البيع والشراء بنفسه؛ لما روى أبو ~~الأسود المالكي، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«ما عدل وال اتجر ms5573 في رعيته أبدا» ولأنه يعرف فيحابى، فيكون كالهدية، ولأن ~~ذلك يشغله عن النظر في أمور الناس. # PageV10P069 # وقد روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه لما بويع، أخذ الذراع ~~وقصد السوق، فقالوا: يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يسعك أن ~~تشتغل عن أمور المسلمين. قال: فإني لا أدع عيالي يضيعون. قالوا: فنحن نفرض ~~لك ما يكفيك. ففرضوا له كل يوم درهمين. # فإن باع واشترى، صح البيع؛ لأن البيع تم بشروطه وأركانه. وإن احتاج إلى ~~مباشرته، ولم يكن له من يكفيه، جاز ذلك، ولم يكره؛ لأن أبا بكر - رضي الله ~~عنه - قصد السوق ليتجر فيه، حتى فرضوا له ما يكفيه، ولأن القيام بعياله فرض ~~عين، فلا يتركه لوهم مضرة، وأما إذا استغنى عن مباشرته، ووجد من يكفيه ذلك ~~كره له؛ لما ذكرنا من المعنيين. وينبغي أن يوكل في ذلك من لا يعرف أنه ~~وكيله؛ لئلا يحابى. # وهذا مذهب الشافعي. وحكي عن أبي حنيفة، أنه قال: لا يكره له البيع ~~والشراء وتوكيل من يعرف؛ لما ذكرنا من قضية أبي بكر - رضي الله عنه - ولنا، ~~ما ذكرناه. وروي عن شريح، أنه قال: شرط علي عمر حين ولاني القضاء أن لا ~~أبيع، ولا أبتاع، ولا أرتشي، ولا أقضي وأنا غضبان. وقضية أبي بكر حجة لنا؛ ~~فإن الصحابة أنكروا عليه، فاعتذر بحفظ عياله عن الضياع، فلما أغنوه عن ~~البيع والشراء بما فرضوا لهم، قبل قولهم، وترك التجارة، فحصل الاتفاق منهم ~~على تركها عند الغنى عنها. ### | [فصل للحاكم حضور الولائم] # (8270) فصل: ويجوز للحاكم حضور الولائم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يحضرها، ويأمر بحضورها، وقال: «من لم يجب فقد عصى الله ورسوله» فإن ~~كثرت وازدحمت، تركها كلها، ولم يجب أحدا؛ لأن ذلك يشغله عن الحكم الذي قد ~~تعين عليه، لكنه يعتذر إليهم، ويسألهم التحليل، ولا يجيب بعضا دون بعض؛ لأن ~~في ذلك كسرا لقلب من لم يجبه، إلا أن يختص بعضها بعذر يمنعه دون بعض، مثل ~~أن يكون في إحداهما منكر، ms5574 أو تكون في مكان بعيد، أو يشتغل بها زمنا طويلا، ~~والأخرى بخلاف ذلك فله الإجابة إليها دون الأولى؛ لأن عذره ظاهر في التخلف ~~عن الأولى. ### | [فصل عيادة المرضى وشهود الجنائز وإتيان مقدم الغائب للحاكم] # (8271) فصل: وله عيادة المرضى، وشهود الجنائز، وإتيان مقدم الغائب، ~~وزيارة إخوانه والصالحين من الناس؛ لأنه قربة وطاعة، وإن كثر ذلك، فليس له ~~الاشتغال به عن الحكم؛ لأن هذا تبرع، فلا يشتغل به عن الفرض، # PageV10P070 # وله حضور البعض دون البعض؛ لأن هذا يفعله لنفع نفسه لتحصيل الأجر، ~~والقربة له، والولائم يراعى فيها حق الداعي، فينكسر قلب من لم يجبه إذا ~~أجاب غيره. ### | [مسألة عدل القاضي بين الخصمين] # (8272) مسألة؛ قال: (ويعدل بين الخصمين في الدخول عليه، والمجلس، ~~والخطاب) وجملته، أن على القاضي العدل بين الخصمين في كل شيء، من المجلس، ~~والخطاب واللحظ واللفظ والدخول عليه، والإنصات إليهما، والاستماع منهما. ~~وهذا قول شريح وأبي حنيفة، والشافعي. ولا أعلم فيه مخالفا. # وقد روى عمر بن شبة، في كتاب " قضاة البصرة " بإسناده عن أم سلمة، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من بلي بالقضاء بين المسلمين، فليعدل ~~بينهم في لفظه، وإشارته، ومقعده، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا ~~يرفعه على الآخر. وفي رواية: فليسو بينهم؛ في النظر، والمجلس، والإشارة» # وكتب عمر - رضي الله عنه - إلى أبي: سو بين الناس في مجلسك وعدلك، حتى لا ~~ييأس الضعيف من عدلك، ولا يطمع شريف في حيفك. وقال سعيد، ثنا هشيم، ثنا ~~سيار ثنا الشعبي، قال: كان بين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأبي بن كعب ~~بدار في شيء، فجعلا بينهما زيد بن ثابت، فأتياه في منزله، فقال له عمر: ~~أتيناك لتحكم بيننا، في بيته يؤتى الحكم فوسع له زيد عن صدر فراشه، فقال: ~~هاهنا يا أمير المؤمنين. فقال له عمر: جرت في أول القضاء، ولكن أجلس مع ~~خصمي. فجلسا بين يديه، فادعى أبي وأنكر عمر، فقال زيد لأبي، أعف أمير ~~المؤمنين من اليمين، وما كنت لأسألها لأحد غيره. فحلف عمر، ms5575 ثم أقسم: لا ~~يدرك زيد باب القضاء، حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء # PageV10P071 # ورواه عمر بن شبة، وفيه: فلما أتيا باب زيد، خرج فقال: السلام عليك يا ~~أمير المؤمنين، لو أرسلت إلي لأتيتك. قال: في بيته يؤتى الحكم. فلما دخلا ~~عليه، قال: هاهنا يا أمير المؤمنين. قال: بل أجلس مع خصمي. فادعى أبي وأنكر ~~عمر، ولم تكن لأبي، بينة، فقال زيد: أعف أمير المؤمنين من اليمين. # فقال عمر: تالله إن زلت ظالما، السلام عليك يا أمير المؤمنين. هاهنا يا ~~أمير المؤمنين. أعف أمير المؤمنين. إن كان لي حق استحققته بيميني، وإلا ~~تركته، والله الذي لا إله إلا هو، إن النخل لنخلي، وما لأبي فيها حق. ثم ~~أقسم عمر: لا يصيب زيد وجه القضاء حتى يكون عمر وغيره من الناس عنده سواء. ~~فلما خرجا وهب النخل لأبي، فقيل له: يا أمير، المؤمنين، فهلا كان هذا قبل ~~أن تحلف؟ قال: خفت أن أترك اليمين، فتصير سنة، فلا يحلف الناس على حقوقهم. # وقال إبراهيم: جاء رجل إلى شريح، وعنده السري بن وقاص، فقال الرجل لشريح: ~~أعني على هذا الجالس عندك. فقال شريح للسري: قم فاجلس مع خصمك. قال: إني ~~أسمعك من مكاني. قال: لا قم فاجلس مع خصمك. فأبى أن يسمع منه حتى أجلسه مع ~~خصمه. وفي رواية قال إن مجلسك يريبه، وإني لا أدع النصرة وأنا عليها قادر. # ولما تحاكم علي - رضي الله عنه - واليهودي إلى شريح، قال علي إن خصمي لو ~~كان مسلما لجلست معه بين يديك ولأن الحاكم إذا ميز أحد الخصمين على الآخر ~~حصر، وانكسر قلبه وربما لم تقم حجته، فأدى ذلك إلى ظلمة. # وإن أذن أحد الخصمين للحاكم في رفع الخصم الآخر عليه في المجلس، جاز؛ لأن ~~الحق له، ولا ينكسر قلبه إذا كان هو الذي رفعه. والسنة أن يجلس الخصمان بين ~~يدي القاضي؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى أن يجلس الخصمان ~~بين يدي الحاكم رواه أبو داود. وقال علي - رضي ms5576 الله عنه -: لو أن خصمي مسلم ~~لجلست معه بين يديك. ولأن ذلك أمكن للحاكم في العدل بينهما، والإقبال ~~عليهما، والنظر في خصومتهما. # وإن كان الخصمان ذميين، سوى بينهما أيضا؛ لاستوائهما في دينهما، وإن كان ~~أحدهما مسلما والآخر ذميا، جاز رفع المسلم عليه، لما روى إبراهيم التيمي، ~~قال: وجد علي، كرم الله وجهه، درعه مع يهودي، فقال: درعي، سقطت وقت كذا ~~وكذا. فقال اليهودي: درعي، وفي يدي، بيني وبينك قاضي المسلمين، فارتفعا إلى ~~شريح، فلما رآه شريح قام من مجلسه، وأجلسه في موضعه، وجلس مع اليهودي بين # PageV10P072 # يديه فقال علي: إن خصمي لو كان مسلما لجلست معه بين يديك، ولكني سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «لا تساووهم في المجالس» ذكره: أبو ~~نعيم، في الحلية. ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون صاحبه، إما أن يضيفهما ~~معا أو يدعهما. # وقد روي عن علي، كرم الله وجهه، أنه نزل به رجل، فقال له: إنك خصم؟ قال: ~~نعم. # قال: تحل عنا، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا ~~تضيفوا أحد الخصمين إلا ومعه خصمه» . ولأن ذلك يوهم الخصم ميل الحاكم إلى ~~من أضافه. ولا يلقن أحدهما حجته، ولا ما فيه ضرر على خصمه، مثل أن يريد ~~أحدهما الإقرار، فيلقنه الإنكار، أو اليمين فيلقنه النكول، أو النكول، ~~فيجزئه على اليمين، أو يحس من الشاهد بالتوقف، فيجسره على الشهادة، أو يكون ~~مقدما على الشهادة، فيوقفه عنها، أو يقول لأحدهما وحده: تكلم. # ونحو هذا مما فيه إضرار بخصمه؛ لأن عليه العدل بينهما. فإن قيل: فقد لقن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - السارق، فقال: " ما أخالك سرقت ". وقال عمر ~~لزياد: أرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. قلنا: لا يرد هذا الإلزام هاهنا؛ فإن هذا في حقوق الله ~~وحدوده، ولا خصم للمقر، ولا للمشهود عليه، فليس في تلقينه حيف على أحد ~~الخصمين، ولا ترك للعدل في أحد الجانبين، والذي قلنا في المختلفين في ms5577 حق من ~~حقوق الآدميين. ولا ينبغي أن يعنت الشاهد، ولا يداخله في كلامه، ويعنفه في ~~ألفاظه. ### | [فصل حضر القاضي خصوم كثيرة] # (8273) فصل: وإذا حضر القاضي خصوم كثيرة، قدم الأول فالأول. وينبغي أن ~~يبعث من يكتب من جاء الأول فالأول، فيقدمه. قال ابن المنذر: الأحسن أن يتخذ ~~خيطا ممدودا، طرفه يلي مجلس الحاكم، والطرف الآخر مجلس الخصوم، فكل من جاء ~~كتب اسمه في رقعة، وثقبها، وأدخلها في الخيط مما يلي مجلس الخصوم، حتى يأتي ~~على آخرهم، فإذا جلس القاضي مد يده إلى الطرف الذي يليه، فأخذ الرقعة التي ~~تليه، ثم التي بعدها كذلك، حتى # PageV10P073 # يأتي على آخرها فإن بقي منها شيء، وزال الوقت الذي يقضي فيه، عرف الطرف ~~الذي يليه حين يجلس، فيتناول في المجلس الثاني الرقاع، كفعله بالأمس. # والاعتبار بسبق المدعي؛ لأن الحق له، ومتى قدم رجلا لسبقه فحكم بينه وبين ~~خصمه، فقال: لي دعوى أخرى. لم يسمع منه؛ لأنه قد قدمه بسبقه في خصومة، فلا ~~يقدمه بأخرى، ويقول له: اجلس حتى إذا لم يبق أحد من الحاضرين، نظرت في ~~دعواك الأخرى إن أمكن. فإذا فرغ الكل، فقال الأخير بعد فصل خصومته: لي دعوى ~~أخرى. لم يسمع منه، حتى يسمع دعوى الأول الثانية، ثم يسمع دعواه. # وإن ادعى المدعى عليه، على المدعي، حكم بينهما؛ لأننا إنما نعتبر الأول ~~فالأول في الدعوى، لا في المدعى عليه. وإذا تقدم الثاني، فادعى على المدعي ~~الأول، أو المدعى عليه الأول، حكم بينهما. # وإن حضر اثنان، أو جماعة دفعة واحدة، أقرع بينهم، فقدم من خرجت له ~~القرعة؛ لتساوي حقوقهم، وإن كثر عددهم، كتب أسماءهم في رقاع، وتركها بين ~~يديه، ومد يده فأخذ رقعة رقعة، واحدة بعد أخرى، ويقدم صاحبها حسب ما يتفق. ~~(8274) فصل: فإن حضر مسافرون ومقيمون، وكان المسافرون قليلا، بحيث لا يضر ~~تقديمهم على المقيمين، قدمهم؛ لأنهم على جناح السفر، يشتغلون بما يصلح ~~للرحيل، وقد خفف الله عنهم الصوم وشطر الصلاة تحقيقا عنهم، وفي تأخيرهم ضرر ~~بهم، فإن شاء أفرد لهم يوما يفرغ من ms5578 حوائجهم فيه، وإن شاء قدمهم من غير ~~إفراد يوم لهم. # فإن كانوا كثيرا، بحيث يضر تقديمهم، فهم والمقيمون سواء، لأن تقديمهم مع ~~القلة، إنما كان لدفع الضرر المختص بهم فإذا آل دفع الضرر عنهم إلى الضرر ~~بغيرهم، تساووا. ولا خلاف في أكثر هذه الآداب، وأنها ليست شرطا في صحة ~~القضاء، فلو قدم المسبوق، أو قدم الحاضرين، أو نحوه، كان قضاؤه صحيحا. ### | [فصل تقدم إلى الحاكم خصمان] # (8275) فصل: وإذا تقدم إليه خصمان، فإن شاء قال: من المدعي منكما؟ لأنهما ~~حضرا لذلك، وإن شاء سكت، ويقول القائم على رأسه: من المدعي منكما؟ إن سكتا ~~جميعا. ولا يقول الحاكم ولا صاحبه لأحدهما: تكلم. لأن في إفراده بذلك ~~تفضيلا له، وتركا للإنصاف. # قال عمر بن قيس: شهدت شريحا إذا جلس إليه الخصمان، ورجل قائم على رأسه ~~يقول: أيكما المدعي فليتكلم؟ وإن ذهب الآخر يشغب، غمزه حتى يفرغ المدعي، ثم ~~يقول: تكلم. فإن بدأ أحدهما، فادعى، فقال خصمه: أنا المدعي. لم يلتفت ~~الحاكم إليه، وقال: أجب عن دعواه، ثم ادع بعد ما شئت. # فإن ادعيا معا، # PageV10P074 # فقياس المذهب أن يقرع بينهما. وهو قياس قول الشافعي؛ لأن أحدهما ليس ~~بأولى من الآخر، وقد تعذر الجمع بينهما، فيقرع بينهما، كالمرأتين إذا زفتا ~~في ليلة واحدة. واستحسن ابن المنذر أن يسمع منهما جميعا. وقيل: يرجأ أمرهما ~~حتى يتبين المدعي منهما. # وما ذكرناه أولى؛ لأنه لا يمكن الجمع بين الحكم في القضيتين معا، وإرجاء ~~أمرهما إضرار بهما، وفيما ذكرنا دفع الضرر بحسب الإمكان، وله نظير في مواضع ~~من الشرع، فكان أولى. ### | [فصل سماع الحاكم الدعوى محررة] # (8276) فصل: ولا يسمع الحاكم الدعوى إلا محررة، إلا في الوصية والإقرار؛ ~~لأن الحاكم يسأل المدعى عليه عما ادعاه، فإن اعترف به لزمه، ولا يمكنه أن ~~تلزمه مجهولة ويفارق الإقرار؛ فإن الحق عليه، فلا يسقط بتركه إثباته، وإنما ~~صحت الدعوى في الوصية مجهولة؛ لأنها تصح مجهولة؛ فإنه لو وصى له بشيء أو ~~سهم صح، فلا يمكنه أن يدعيها إلا مجهولة كما ثبت، وكذلك الإقرار، ms5579 لما صح أن ~~يقر بمجهول، صح لخصمه أن يدعي عليه أنه أقر له بمجهول. # إذا ثبت هذا، فإن كان المدعى أثمانا، فلا بد من ذكر ثلاثة أشياء؛ الجنس، ~~والنوع، والقدر، فيقول عشرة دنانير بصرية. وإن اختلفت بالصحاح والمكسرة، ~~قال: صحاح. أو قال: مكسرة. # وإن كانت الدعوى في غير الأثمان، وكانت عينا تنضبط بالصفات، كالحبوب ~~والثياب والحيوان، احتاج أن يذكر الصفات التي تشترط في السلم، وإن ذكر ~~القيمة كان آكد، إلا أن الصفة تغني فيه كما تغني في العقد. # وإن كانت جواهر ونحوها مما لا ينضبط بالصفة، فلا بد من ذكر قيمتها؛ لأنها ~~لا تنضبط إلا بها. وإن كان المدعى تالفا، وهو مما له مثل، كالمكيل ~~والموزون، ادعى مثله، وضبطه بصفته. وإن كان مما لا مثل له، كالنبات ~~والحيوان، ادعى قيمته؛ لأنها تجب بتلفه. # وإن كان التالف شيئا محلى بفضة أو بذهب، قومه بغير جنس حليته، وإن كان ~~محلى بذهب وفضة، قومه بما شاء منهما؛ لأنه موضع حاجة. وإن كان المدعى ~~عقارا، فلا بد من بيان موضعه وحدوده، فيدعي أن هذه الدار بحدودها وحقوقها ~~لي، وأنها في يده ظلما، وأنا أطالبه بردها علي. وإن ادعى عليه أن هذه الدار ~~لي، وأنه يمنعني منها، صحت الدعوى وإن لم يقل إنها في يده؛ لأنه يجوز أن ~~ينازعه ويمنعه وإن لم تكن في يده. # وإن ادعى جراحة لها أرش معلوم، كالموضحة من الحر، جاز أن يدعي الجراحة ~~ولا يذكر أرشها؛ لأنه معلوم. وإن كانت من عبد، أو كانت من حر لا مقدر فيها، ~~فلا بد من ذكر أرشها. وإن ادعى على أبيه دينا، لم تسمع الدعوى حتى يدعي أن ~~أباه مات، وترك في يده مالا؛ لأن الولد لا يلزمه # PageV10P075 # قضاء دين والده ما لم يكن كذلك. # ويحتاج أن يذكر تركة أبيه، ويحررها، ويذكر قدرها، كما يصنع في قدر الدين. ~~هكذا ذكره القاضي. والصحيح أنه يحتاج إلى ذكر ثلاثة أشياء؛ تحرير دينه، ~~وموت أبيه، وأنه وصل إليه من تركة أبيه ما فيه وفاء لدينه. وإن ms5580 قال: ما فيه ~~وفاء لبعض دينه. احتاج أن يذكر ذلك القدر. # والقول قول المدعى عليه، في نفي تركة الأب مع يمينه. وإن أنكر موت أبيه، ~~فالقول قوله مع يمينه، ويكفيه أن يحلف على نفي العلم؛ لأنه على نفي فعل ~~الغير، وقد يموت ولا يعلم به ابنه، ويكفيه أن يحلف أن ما وصل إليه من تركة ~~أبيه ما فيه وفاء حقه، ولا شيء منه، ولا يلزمه أن يحلف أن أباه لم يخلف ~~شيئا؛ لأنه قد يخلف تركة فلا تصل إليه، فلا يلزمه الإيفاء منه، فإن لم يحسن ~~المدعي تحرير الدعوى، فهل للحاكم أن يلقنه تحريرها؟ يحتمل وجهين؛ أحدهما، ~~يجوز؛ لأنه لا ضرر على صاحبه في ذلك. والثاني، لا يجوز؛ لأن فيه إعانة أحد ~~الخصمين في حكومته. ### | [فصل ما يفعله الحاكم إذا حرر المدعي دعواه] # (8277) فصل: إذا حرر المدعي دعواه، فللحاكم أن يسأل خصمه الجواب قبل أن ~~يطلب منه المدعي ذلك، لأن شاهد الحال يدل عليه، لأن إحضاره الدعوى إنما ~~يراد ليسأل الحاكم المدعى عليه، فقد أغنى ذلك عن سؤاله، فيقول لخصمه: ما ~~تقول فيما يدعيه؟ فإن أقر لزمه، وليس للحاكم أن يحكم عليه إلا بمسألة المقر ~~له؛ لأن الحكم عليه حق له، فلا يستوفيه إلا بمسألة مستحقة، هكذا ذكر ~~أصحابنا. # ويحتمل أن يجوز له الحكم عليه قبل مسألة المدعي؛ لأن الحال تدل على ~~إرادته ذلك، فاكتفي بها، كما اكتفي بها في مسألة المدعى عليه الجواب، ولأن ~~كثيرا من الناس لا يعرف مطالبة الحاكم بذلك، فيترك مطالبته به لجهله، فيضيع ~~حقه، فعلى هذا يجوز له الحكم قبل مسألته. # وعلى القول الأول، إن سأله الخصم فقال: احكم لي. حكم عليه، والحكم أن ~~يقول: قد ألزمتك ذلك، أو قضيت عليك له. أو يقول: اخرج له منه. فمتى قال له ~~أحد هذه الثلاثة، كان حكما بالحق، وإن أنكر فقال: لا حق لك قبلي. فهذا موضع ~~البينة، قال الحاكم: ألك بينة؟ لما روي «أن رجلين اختصما إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ حضرمي وكندي، فقال الحضرمي: ms5581 يا رسول الله، إن هذا غلبني ~~على أرض لي. فقال # PageV10P076 # الكندي: هي أرضي، وفي يدي، وليس له فيها حق. فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه» . وهو حديث حسن صحيح. # وإن كان المدعي عارفا بأنه موضع البينة، فالحاكم مخير بين أن يقول: ألك ~~بينة؟ وبين أن يسكت، فإذا قال له: ألك بينة؟ فذكر أن له بينة حاضرة، لم يقل ~~له الحاكم: أحضرها. لأن ذلك حق له، فله أن يفعل ما يرى. # وإذا أحضرها لم يسألها الحاكم عما عندها حتى يسأله المدعي ذلك؛ لأنه حق ~~له فلا يسأله، ولا يتصرف فيه من غير إذنه، فإذا سأله المدعي سؤالها، قال: ~~من كانت عنده شهادة فليذكرها، إن شاء؟ ولا يقول لهما: اشهدا. لأنه أمر. ~~وكان شريح يقول للشاهدين: ما أنا دعوتكما، ولا أنهاكما أن ترجعا، وما يقضي ~~على هذا المسلم غيركما، وإني بكما أقضي اليوم، وبكما أتقي يوم القيامة. # وإن رأى الحاكم عليهما ما يوجب رد شهادتهما، ردها. كما روي عن شريح، أنه ~~شهد عنده شاهد، وعليه قباء مخروط الكمين، فقال له شريح: أتحسن أن تتوضأ؟ ~~قال: نعم. قال: فاحسر عن ذراعيك. فذهب يحسر عنهما، فلم يستطع، فقال له ~~شريح: قم، فلا شهادة لك. # وإن أديا الشهادة على غير وجهها، مثل أن يقولا: بلغنا أن عليه ألفا، أو ~~سمعنا ذلك. ردت شهادتهما. وشهد رجل عند شريح، فقال: أشهد أنه اتكأ عليه ~~بمرفقه حتى مات. فقال شريح: أتشهد أنه قتله؟ قال: أشهد أنه اتكأ عليه ~~بمرفقه حتى مات. قال أتشهد أنه قتله قال أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه حتى ~~مات. قال: قم، لا شهادة لك. # وإن كانت شهادة صحيحة، وعرف الحاكم عدالتهم، قال للمشهود عليه: قد شهدا ~~عليك، فإن كان عندك ما يقدح في شهادتهما، فبينه عندي. # فإن سأل الإنظار، أنظره اليومين والثلاثة. فإن لم يجرح حكم عليه؛ لأن ~~الحق قد وضح على وجه لا إشكال فيه. وإن ارتاب بشهادتهم، فرقهم، فسأل كل ~~واحد عن شهادته وصفتها، ms5582 فيقول: كنت أول من شهد، أو كتبت، أو لم تكتب، وفي ~~أي مكان شهدت، وفي أي شهر، وأي # PageV10P077 # يوم؟ وهل كنت وحدك، أو معك غيرك؟ فإن اختلفوا، سقطت شهادتهم، وإن اتفقوا ~~بحث عن عدالتهم. # ويقال: أول من فعل هذا دنيال. ويقال: فعله سليمان، وهو صغير. وروي عن علي ~~- رضي الله عنه - أن سبعة نفر خرجوا، ففقد واحد منهم، فأتت زوجته عليا، ~~فدعا الستة، فسألهم عنه، فأنكروا، ففرقهم، وأقام كل واحد عند سارية، ووكل ~~به من يحفظه، ودعا واحدا منهم، فسأله فأنكر، فقال: الله أكبر. فظن الباقون ~~أنه قد اعترف، فدعاهم فاعترفوا، فقال للأول: قد شهدوا عليك، وأنا قاتلك. ~~فاعترف، فقتلهم. # وإن لم يعرف عدالتهما، بحث عنها، فإن لم تثبت عدالتهما، قال للمدعي: زدني ~~شهودا. وإن لم تكن له بينة، عرفه الحاكم أن لك يمينه. # وليس للحاكم أن يستحلفه قبل مسألة المدعي؛ لأن اليمين حق له، فلم يجز ~~استيفاؤها من غير مطالبة مستحقها، كنفس الحق. فإن استحلفه من غير مسألة، أو ~~بادر المنكر فحلف، لم يعتد بيمينه. لأنه أتى بها في غير وقتها. # وإذا سألها المدعي، أعادها له؛ لأن الأولى لم تكن يمينه. وإن أمسك المدعي ~~عن إحلاف المدعى عليه، ثم أراد إحلافه بالدعوى المتقدمة، جاز؛ لأنه لم يسقط ~~حقه منها، وإنما أخرها. وإن قال: أبرأتك من هذه اليمين. سقط حقه منها في ~~هذه الدعوى، وله أن يستأنف الدعوى؛ لأن حقه لا يسقط بالإبراء من اليمين. # فإن استأنف الدعوى، فأنكر المدعى عليه، فله أن يحلفه؛ لأن هذه الدعوى غير ~~الدعوى التي أبرأه فيها من اليمين، فإن حلف سقطت الدعوى، ولم يكن للمدعي أن ~~يحلفه يمينا أخرى، لا في هذا المجلس، ولا في غيره. # وإن كان الحق لجماعة فرضوا بيمين واحدة، جاز، وسقطت دعواهم باليمين؛ ~~لأنها حقهم؛ ولأنه لما جاز ثبوت الحق ببينة واحدة لجماعة، جاز سقوطه بيمين ~~واحدة. قال القاضي: ويحتمل أن لا يصح حتى يحلف لكل واحد يمينا. # وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن اليمين حجة في حق الواحد، فإذا ms5583 رضي ~~بها اثنان، صارت الحجة في حق كل واحد منهما ناقصة، والحجة الناقصة لا تكمل ~~برضى الخصم، كما لو رضي أن يحكم عليه بشاهد واحد. # والصحيح الأول؛ لأن الحق لهما، فإذا رضيا به، جاز، ولا يلزم من رضاهما ~~بيمين واحدة، أن يكون لكل واحد بعض اليمين، كما أن الحقوق إذا قامت بها ~~بينة واحدة، لا يكون لكل حق بعض البينة، فأما إن حلفه لجميعهم يمينا واحدة ~~بغير رضاهم، لم تصح يمينه. بلا خلاف نعلمه. # وقد حكى الإصطخري، أن إسماعيل بن إسحاق القاضي، حلف رجلا بحق لرجلين ~~يمينا واحدة، فخطأه أهل عصره. # PageV10P078 # وإن قال المدعي: لي بينة غائبة. # قال له الحاكم: لك يمينه، فإن شئت فاستحلفه، وإن شئت أخرته إلى أن تحضر ~~بينتك، وليس لك مطالبته بكفيل، ولا ملازمته حتى تحضر البينة. نص عليه أحمد. # وهو مذهب الشافعي؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «شاهداك أو ~~يمينه، ليس لك إلا ذلك» . فإن أحلفه، ثم حضرت بينته، حكم بها، ولم تكن ~~مزيلة للحق؛ لأن اليمين إنما يصار إليها عند عدم البينة، فإذا وجدت البينة ~~بطلت اليمين، وتبين كذبها. # وإن قال: لي بينة حاضرة، وأريد يمينه ثم أقيم بينتي. لم يملك ذلك. وقال ~~أبو يوسف: يستحلفه، وإن نكل قضى عليه؛ لأن في الاستحلاف فائدة، وهو أنه ~~ربما نكل، فقضى عليه، فأغنى عن البينة. # ولنا، قوله - عليه السلام -: «شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك» . و " أو ~~" للتخيير بين شيئين، فلا يكون له الجمع بينهما، ولأنه أمكن فصل الخصومة ~~بالبينة، فلم يشرع غيرها مع إرادة المدعي إقامتها وحضورها، كما لو لم يطلب ~~يمينه، ولأن اليمين بدل، فلم يجب الجمع بينها وبين مبدلها، كسائر الأبدال ~~مع مبدلاتها، وإن قال المدعي: لا أريد إقامتها، وإنما أريد يمينه أكتفي ~~بها. # استحلف؛ لأن البينة حقه، فإذا رضي بإسقاطها، وترك إقامتها، فله ذلك، كنفس ~~الحق. فإن حلف المدعى عليه، ثم أراد المدعي إقامة بينته، فهل يملك ذلك؟ ~~يحتمل وجهين؛ أحدهما، له ذلك؛ لأن البينة لا تبطل بالاستحلاف، كما ms5584 لو كانت ~~غائبة. # والثاني، ليس له ذلك؛ لأنه قد أسقط حقه من إقامتها، ولأن تجويز إقامتها، ~~يفتح باب الحيلة، لأنه يقول: لا أريد إقامتها. ليحلف خصمه، ثم يقيمها. فإن ~~كان له شاهد واحد في الأموال، عرفه الحاكم أن له أن يحلف مع شاهده، ويستحق، ~~فإن قال: لا أحلف أنا، وأرضى بيمينه. استحلف له، فإذا حلف، سقط الحق عنه، ~~فإن عاد المدعي بعدها، فقال: أنا أحلف مع شاهدي. لم يستحلف، ولم يسمع منه. # ذكره القاضي. وهو مذهب الشافعي؛ لأن اليمين فعله وهو قادر عليها، فأمكنه ~~أن يسقطها، بخلاف البينة. وإن عاد قبل أن يحلف المدعى عليه، فبذل اليمين، ~~فقال القاضي: ليس له ذلك في هذا المجلس. وكل موضع قلنا: يستحلف المدعى ~~عليه. # فإن الحاكم يقول له: إن حلفت، وإلا جعلتك ناكلا، وقضيت عليك. ثلاثا، فإن ~~حلف، وإلا حكم عليه بنكوله إذا سأله المدعي ذلك. # فإن سكت عن جواب الدعوى، فلم يقر ولم ينكر، حبسه الحاكم حتى يجيب، ولا ~~يجعله بذلك ناكلا. ذكره القاضي، في المجرد. # PageV10P079 # وقال أبو الخطاب: يقول له الحاكم: إن أجبت، وإلا جعلتك ناكلا، وحكمت ~~عليك. ويكرر ذلك عليه، فإن أجاب وإلا جعله ناكلا، وحكم عليه؛ لأنه ناكل عما ~~توجه عليه الجواب فيه، فيحكم عليه بالنكول عنه، كاليمين. ### | [مسألة كتاب القاضي إلى القاضي والأمير إلى الأمير] # (8278) مسألة، قال: وإذا حكم على رجل في عمل غيره فكتب بإنفاذ القضاء ~~عليه إلى قاضي ذلك البلد، قبل كتابه، وأخذ المحكوم عليه بذلك الحق ثم الأصل ~~في كتاب القاضي إلى القاضي والأمير إلى الأمير، الكتاب والسنة والإجماع؛ ~~أما الكتاب فقول الله تعالى: {إني ألقي إلي كتاب كريم} [النمل: 29] {إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30] {ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين} [النمل: 31] . # وأما السنة، «فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى كسرى، وقيصر، ~~والنجاشي، وملوك الأطراف، وكان يكتب إلى ولاته، ويكتب لعماله وسعاته، وكان ~~في كتابه إلى قيصر: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله، إلى قيصر ~~عظيم الروم، أما ms5585 بعد، فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرا عظيما، فإن توليت، ~~فإن عليك إثم الأريسيين، و {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم} [آل عمران: 64] » . # وروى الضحاك بن سفيان، قال «كتب إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» . وأجمعت الأمة على كتاب القاضي ~~إلى القاضي. ولأن الحاجة إلى قبوله داعية، فإن من له حق في بلد غير بلده، ~~ولا يمكنه إتيانه، والمطالبة به، إلا بكتاب القاضي، فوجب قبوله. # PageV10P080 # إذا ثبت هذا، فإن كتاب القاضي يقبل في الأموال، وما يقصد به المال، ولا ~~يقبل في الحدود، كحق الله - تعالى. وهل يقبل فيما عدا هذا؟ على وجهين. ~~وبهذا قال أصحاب الرأي. # وقال أصحاب الشافعي: يقبل في كل حق لآدمي، من الجراح وغيرها، وهل يقبل في ~~الحدود التي لله تعالى؟ على قولين. وتمام الكلام في هذا الفصل يذكر في ~~الشهادة على الشهادة، إن شاء الله تعالى. والكتاب على ضربين؛ أحدهما، أن ~~يكتب بما حكم به، وذلك مثل أن يحكم على رجل بحق، فيغيب قبل إيفائه، أو يدعي ~~حقا على غائب، ويقيم به بينة، ويسأل الحاكم الحكم عليه، فيحكم عليه، ويسأله ~~أن يكتب له كتابا يحمله إلى قاضي البلد الذي فيه الغائب، فيكتب له إليه، أو ~~تقوم البينة على حاضر، فيهرب قبل الحكم عليه، فيسأل صاحب الحق الحاكم الحكم ~~عليه، وأن يكتب له كتابا بحكمه. # ففي هذه الصور الثلاث، يلزم الحاكم إجابته إلى الكتابة، ويلزم المكتوب ~~إليه قبوله، سواء كانت بينهما مسافة بعيدة أو قريبة، حتى لو كانا في جانبي ~~بلد أو مجلس، لزمه قبوله وإمضاؤه، سواء كان حكما على حاضر أو غائب. لا نعلم ~~في هذا خلافا؛ لأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حاكم. # الضرب الثاني، أن يكتب يعلمه بشهادة شاهدين عنده بحق لفلان، مثل أن تقوم ~~البينة عنده بحق لرجل على آخر، ولم يحكم به، فيسأله صاحب الحق أن يكتب له ~~كتابا بما حصل عنده، فإنه يكتب له أيضا. # قال القاضي: ويكون ms5586 في كتابه: شهد عندي فلان وفلان بكذا وكذا. ليكون ~~المكتوب إليه هو الذي يقضي به، ولا يكتب: ثبت عندي؛ لأن قوله: ثبت عندي. ~~حكم بشهادتهما، فهذا لا يقبله المكتوب إليه، إلا في المسافة البعيدة، التي ~~هي مسافة القصر، ولا يقبله فيما دونها؛ لأنه نقل شهادة، فاعتبر فيه ما ~~يعتبر في الشهادة على الشهادة. ونحو هذا قول الشافعي. وقال أبو يوسف، ~~ومحمد: يجوز أن يقبله في بلده. # وحكي عن أبي حنيفة مثل هذا. وقال بعض المتأخرين من أصحابه: الذي يقتضيه ~~مذهبه أنه لا يجوز ذلك في الشهادة على الشهادة. واحتج من أجازه بأنه كتاب ~~الحاكم بما ثبت عنده، فجاز قبوله مع القرب، ككتابه بحكمه. # ولنا، أن ذلك نقل الشهادة إلى المكتوب إليه، فلم يجز مع القرب، كالشهادة ~~على الشهادة، ويفارق كتابه بالحكم؛ فإن ذلك ليس بنقل، وإنما هو خبر، وكل ~~موضع يلزمه قبول الكتاب، فإنه يأخذ المحكوم عليه بالحق الذي حكم عليه به، ~~فيبعث إليه، فيستدعيه، فإن اعترف بالحق، أمره بأدائه، وألزمه إياه. وإن ~~قال: لست المسمى في هذا الكتاب. # فالقول قوله مع يمينه، إلا أن يقيم المدعي بينة أنه المسمى في الكتاب. ~~وإن اعترف أن هذا الاسم اسمه، والنسب نسبه، والصفة صفته، إلا أن الحق ليس ~~هو عليه، إنما هو على آخر يشاركه في الاسم والنسب والصفة، فالقول قول ~~المدعي في نفي ذلك؛ لأن الظاهر عدم المشاركة في هذا كله، فإن أقام # PageV10P081 # المدعى عليه بينة بما ادعاه من وجود مشارك له في هذا كله، أحضره الحاكم، ~~وسأله عن الحق، فإن اعترف به، ألزمه به، وتخلص الأول، وإن أنكره، وقف ~~الحكم، ويكتب إلى الحاكم الكاتب يعلمه الحال، وما وقع من الإشكال، حتى يحضر ~~الشاهدين، فيشهدا عنده بما يتميز به المشهود عليه منهما. # وإن ادعى المسمى أنه كان في البلد من يشاركه في الاسم والصفة، وقد مات، ~~نظرنا؛ فإن كان موته قبل وقوع المعاملة التي وقع الحكم بها، أو كان ممن لم ~~يعاصره المحكوم عليه، أو المحكوم له، لم يقع إشكال، وكان ms5587 وجوده كعدمه. وإن ~~كان موته بعد الحكم، أو بعد المعاملة، وكان ممن أمكن أن تجري بينه وبين ~~المحكوم له معاملة، فقد وقع الإشكال، كما لو كان حيا؛ لجواز أن يكون الحق ~~على الذي مات. ### | [فصل إذا كتب الحاكم بثبوت بينة أو إقرار بدين] # (8279) فصل: وإذا كتب الحاكم بثبوت بينة، أو إقرار بدين، جاز، وحكم به ~~المكتوب إليه، وأخذ المحكوم عليه به، وإن كان ذلك عينا؛ كعقار محدود، أو ~~عين مشهودة، لا تشتبه بغيرها، كعبد معروف مشهور، أو دابة كذلك، حكم به ~~المكتوب إليه أيضا، وألزم تسليمه إلى المحكوم له به، وإن كان عينا لا تتميز ~~إلا بالصفة، كعبد غير مشهود، أو غيره من الأعيان التي لا تتميز إلا بالوصف، ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يقبل كتابه. وبه قال أبو حنيفة. # وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن الوصف لا يكفي، بدليل أنه لا يصح أن ~~يشهد لرجل بالوصف والتحلية، كذلك المشهود به. والثاني، يجوز؛ لأنه ثبت في ~~الذمة بالعقد على هذه الصفة، فأشبه الدين، ويخالف المشهود له، فإنه لا حاجة ~~إلى ذلك فيه، فإن الشهادة له لا تثبت إلا بعد دعواه، ولأن المشهود عليه ~~يثبت بالصفة والتحلية، فكذلك المشهود به. # فعلى هذا الوجه، ينفذ العين مختومة، وإن كان عبد أو أمة ختم في عنقه، ~~وبعثه إلى القاضي الكاتب، ليشهد الشاهدان على عينه، فإن شهدا عليه، دفع إلى ~~المشهود له به، وإن لم يشهدا على عينه، أو قال: المشهود به غير هذا. وجب ~~على آخذه رده إلى صاحبه، ويكون حكمه حكم المغصوب في ضمانه، وضمان نقصه ~~ومنفعته، فيلزمه أجره إن كان له أجر من يوم أخذه، إلى أن يصل إلى صاحبه؛ ~~لأنه أخذه من صاحبه قهرا بغير حق. ### | [فصل الحاكم إنما يكتب بما ثبت عنده أو حكم به] # (8280) فصل: ومن استوفى الحق من المحكوم عليه، فقال للحاكم عليه: اكتب لي ~~محضرا بما جرى؛ لئلا يلقاني خصمي في موضع آخر، فيطالبني به مرة أخرى. ففيه ~~وجهان؛ أحدهما، تلزمه إجابته؛ ليخلص من المحذور الذي يخافه. ms5588 # PageV10P082 # والثاني، لا تلزمه؛ لأن الحاكم إنما يكتب بما ثبت عنده، أو حكم به، فأما ~~استئناف ابتداء، فيكفيه فيه الإشهاد، فيطالبه أن يشهد على نفسه بقبض الحق؛ ~~لأن الحق ثبت عليه بالشهادة. # والأول أصح؛ لأنه قد حكم عليه بهذا الحق، ويخاف الضرر بدون المحضر، فأشبه ~~ما حكم به ابتداء. وإن طالب المحكوم له بدفع الكتاب الذي ثبت به الحق، لم ~~يلزمه دفعه إليه؛ لأنه ملكه، فلا يجب عليه دفعه إلى غيره. وكذلك كل من له ~~كتاب بدين، فاستوفاه، أو عقار فباعه، لا يلزمه دفع الكتاب؛ لأنه ملكه؛ ~~ولأنه يجوز أن يخرج ما قبضه مستحقا، فيعود إلى ماله. ### | [فصل الكتاب من قاضي مصر إلى قاضي مصر] # (8281) فصل: ويقبل الكتاب من قاضي مصر إلى قاضي مصر، وإلى قاضي قرية، ومن ~~قاضي قرية إلى قاضي قرية، وقاضي مصر. ومن القاضي إلى خليفته، ومن خليفته ~~إليه؛ لأنه كتاب من قاض إلى قاض، فأشبه ما لو استويا. # ويجوز أن يكتب إلى قاض معين، وإلى من وصله كتابي من قضاة المسلمين ~~وحكامهم، من غير تعيين، ويلزم من وصله قبوله. وبهذا قال أبو ثور. واستحسنه ~~أبو يوسف. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يكتب إلى غير معين. ولنا، أنه كتاب ~~حاكم من ولايته، وصل إلى حاكم، فلزمه قبوله، كما لو كان الكتاب إليه بعينه. ### | [فصل صفة كتاب القاضي إلى القاضي] # فصل: وصفة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم سبب هذا الكتاب أطال الله بقاء ~~من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم، أنه ثبت عندي في مجلس حكمي وقضائي، ~~الذي أتولاه بمكان كذا. وإن كان نائبا، قال: الذي أنوب فيه عن القاضي فلان، ~~بمحضر من خصمين؛ مدع، ومدعى عليه، جاز استماع الدعوى منهما، وقبول البينة ~~من أحدهما على الآخر، بشهادة فلان وفلان، وهما من الشهود المعدلين عندي، ~~عرفتهما، وقبلت شهادتهما، بما رأيت معه قبولها معرفة فلان بن فلان الفلاني، ~~بعينه واسمه ونسبه. # فإن كان في إثبات أسر أسير قال: وإن الفرنج، خذلهم الله، أسروه بمكان ~~كذا، في وقت كذا، وأخذوه ms5589 إلى مكان كذا، وهو مقيم تحت حوطتهم، أبادهم الله، ~~وإنه رجل فقير من فقراء المسلمين، ليس له شيء من الدنيا، ولا يقدر على فكاك ~~نفسه، ولا على شيء منه، وإنه مستحق للصدقة، على ما يقتضيه كتاب المحضر ~~المشار إليه، المتصل أوله بآخر كتابي هذا، المؤرخ بكذا. # وإن كان في إثبات دين كتب: وإنه استحق في ذمة فلان بن فلان الفلاني - ~~ويرفع في نسبه، ويصفه بما يتميز به من الدين - كذا وكذا، دينا عليه حالا، ~~وحقا واجبا لازما، وإنه يستحق مطالبته واستيفاءه منه. # PageV10P083 # وإن كان في إثبات عين، كتب: وإنه مالك لما في يدي فلان من الشيء الفلاني ~~- ويصفه صفة يتميز بها - مستحق لأخذه وتسليمه، على ما يقتضيه كتاب المحضر ~~المتصل بآخر كتابي هذا، المؤرخ بتاريخ كذا، وقال الشاهدان المذكوران: إنهما ~~بما شهدا به منه عالمان، وله محققان، وإنهما لا يعلمان خلاف ما شهدا به إلى ~~حين أقاما الشهادة عندي، فأمضيت ما ثبت عندي من ذلك، وحكمت بموجبه بسؤال من ~~جازت مسألته، وسألني من جاز سؤاله، وسوغت الشريعة المطهرة إجابته المكاتبة ~~بذلك إلى القضاة والحكام، فأجبته إلى ملتمسه؛ لجوازه له شرعا، وتقدمت بهذا ~~الكتاب فكتب، وبإلصاق المحضر المشار إليه فألصق، فمن وقف عليه منهم، وتأمل ~~ما ذكرته، وتصفح ما سطرته، واعتمد في إنفاذه والعمل بموجب ما يوجبه الشرع ~~المطهر، أحرز من الأجر أجزله. وكتب من مجلس الحكم المحروس، من مكان كذا، في ~~وقت كذا. # ولا يشترط أن يذكر القاضي اسمه في العنوان، ولا ذكر اسم المكتوب إليه في ~~باطنه. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا لم يذكر اسمه، فلا يقبل؛ ~~لأن الكتاب ليس إليه، ولا يكفي ذكر اسمه في العنوان دون باطنه؛ لأن ذلك لم ~~يقع على وجه المخاطبة. ولنا، أن المعول فيه على شهادة الشاهدين على القاضي ~~الكاتب بالحكم، وذلك لا يقدح فيها، ولو ضاع الكتاب أو امتحا، سمعت ~~شهادتهما، وحكم بها. ### | [مسألة ما يشترط لقبول كتاب القاضي] # (8283) مسألة، قال: ولا يقبل الكتاب إلا بشهادة عدلين يقولان: قرأه ~~علينا، ms5590 أو قرئ عليه بحضرتنا، فقال: اشهدا على أنه كتابي إلى فلان وجملته ~~أنه يشترط لقبول كتاب القاضي شروط ثلاثة؛ أحدها، أن يشهد به شاهدان عدلان، ~~ولا يكفي معرفة المكتوب إليه خط الكاتب، وختمه، ولا يجوز له قبوله بذلك، في ~~قول أئمة الفتوى. # وحكي عن الحسن، وسوار، والعنبري، أنهم قالوا: إذا كان يعرف خطه وختمه، ~~قبله. وهو قول أبي ثور، والإصطخري. ويتخرج لنا مثله بناء على قوله في ~~الوصية إذا وجدت بخطه؛ لأن ذلك تحصل به غلبة الظن، فأشبه شهادة الشاهدين. ~~ولنا، أن ما أمكن إثباته بالشهادة، لم يجز الاقتصار فيه على الظاهر، كإثبات ~~العقود؛ ولأن الخط يشبه الخط، والختم يمكن التزوير عليه، ويمكن الرجوع إلى ~~الشهادة، فلم يعول على الخط، كالشاهد لا يعول في الشهادة على الخط، وفي هذا ~~انفصال عما ذكروه. # إذا ثبت هذا، فإن القاضي إذا كتب الكتاب، دعا رجلين يخرجان إلى البلد ~~الذي فيه القاضي المكتوب إليه، فيقرأ عليهما الكتاب، أو يقرؤه غيره عليهما، ~~والأحوط أن ينظرا معه فيما يقرآه، فإن لم ينظرا، جاز؛ لأنه # PageV10P084 # لا يستقرئ إلا ثقة، فإذا قرئ عليهما قال: اشهدا علي أن هذا كتابي إلى ~~فلان. # وإن قال: اشهدا علي بما فيه. كان أولى، وإن اقتصر على قوله: هذا كتابي ~~إلى فلان. فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزئ؛ لأنه يحملهما الشهادة، فاعتبر ~~فيه أن يقول: اشهدا علي. كالشهادة على الشهادة. وقال القاضي: يجزئ. وهو ~~مذهب الشافعي. # ثم إن كان ما في الكتاب قليلا، اعتمد على حفظه، وإن كثر فلم يقدرا على ~~حفظه، كتب كل واحد منهما مضمونه، وقابل بها لتكون معه، يذكر بها ما يشهد ~~به، ويقبضان الكتاب قبل أن يغيبا؛ لئلا يدفع إليهما غيره، فإذا وصل الكتاب ~~معهما إليه، قرأه الحاكم أو غيره عليهما، فإذا سمعاه قالا: نشهد أن هذا ~~كتاب فلان القاضي إليك، أشهدنا على نفسه بما فيه. لأنه قد يكون كتابه غير ~~الذي أشهدهما عليه. # قال أبو الخطاب: ولا يقبل إلا أن يقولا: نشهد أن هذا كتاب فلان. لأنها ~~أداء ms5591 شهادة، فلا بد فيها من لفظ الشهادة. ويجب أن يقولا: من عمله. لأن ~~الكتاب لا يقبل إلا إذا وصل من مجلس عمله. وسواء وصل الكتاب مختوما أو غير ~~مختوم، مقبولا أو غير مقبول؛ لأن الاعتماد على شهادتهما، لا على الخط ~~والختم. فإن امتحا الكتاب، وكانا يحفظان ما فيه، جاز لهما أن يشهدا بذلك، ~~وإن لم يحفظا ما فيه، لم تمكنهما الشهادة. وقال أبو حنيفة، وأبو ثور: لا ~~يقبل الكتاب حتى يشهد شاهدان على ختم القاضي. # ولنا، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب كتابا إلى قيصر، ولم يختمه، ~~فقيل له: إنه لا يقرأ كتابا غير مختوم، فاتخذ الخاتم.» واقتصاره على الكتاب ~~دون الختم، دليل على أن الختم ليس بشرط في القبول، وإنما فعله النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ليقرءوا كتابه، ولأنهما شهدا بما في الكتاب وعرفا ما فيه، ~~فوجب قبوله، كما لو وصل مختوما وشهدا بالختم. # إذا ثبت هذا، فإنه إنما يعتبر ضبطهما لمعنى الكتاب، وما يتعلق به الحكم. ~~قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن قوم شهدوا على صحيفة، وبعضهم ينظر ~~فيها، وبعضهم لا ينظر؟ قال: إذا حفظ فليشهد. قيل: كيف يحفظ، وهو كلام كثير، ~~قال: يحفظ ما كان عليه الكلام والوضع. قلت: يحفظ المعنى؟ قال: نعم. # قيل له: والحدود والثمن وأشباه ذلك؟ قال: نعم. ولو أدرج الكتاب وختمه، ~~وقال: هذا كتابي، اشهدا علي بما فيه. أو قد: أشهدتكما على نفسي بما فيه. لم ~~يصح هذا التحمل. # وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. # PageV10P085 # وقال أبو يوسف: إذا ختمه بختمه وعنوانه، جاز أن يتحملا الشهادة عليه ~~مدرجا، فإذا وصل الكتاب شهدا عنده أنه كتاب فلان. ويتخرج لنا مثل هذا؛ ~~لأنهما شهدا بما في الكتاب، فجاز، وإن لم يعلما تفصيله، كما لو شهدا لرجل ~~بما في هذا الكيس من الدراهم، جازت الشهادة، وإن لم يعرفا قدرها. # ولنا، أنهما شهدا بمجهول لا يعلمانه، فلم تصح شهادتهما، كما لو شهدا أن ~~لفلان على فلان مالا. وفارق ما ذكره، فإن تعيينه الدراهم التي في ms5592 الكيس ~~أغنى عن معرفة قدرها، وها هنا الشهادة على ما في الكتاب دون الكتاب، وهما ~~لا يعرفانه. الشرط الثاني، أن يكتبه القاضي من موضع ولايته وحكمه فإن كتبه ~~من غير ولايته، لم يسغ قبوله؛ لأنه لا يسوغ له في غير ولايته حكم، فهو فيه ~~كالعامي. # الشرط الثالث، أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه في موضع ولايته، فإن وصله ~~في غيره، لم يكن له قبوله حتى يصير إلى موضع ولايته. ولو ترافع إليه خصمان ~~في غير موضع ولايته، لم يكن له الحكم بينهما بحكم ولايته، إلا أن يتراضيا ~~به، فيكون حكمه حكم غير القاضي إذا تراضيا به، وسواء كان الخصمان من أهل ~~عمله أو لم يكونا. # ولو ترافع إليه خصمان، وهو في موضع ولايته، من غير أهل ولايته، كان له ~~الحكم بينهما؛ لأن الاعتبار بموضعهما، إلا أن يأذن الإمام لقاض أن يحكم بين ~~أهل ولايته حيث كانوا، ويمنعه من الحكم بين غير أهل ولايته حيثما كان، ~~فيكون الأمر على ما أذن فيه ومنع منه؛ لأن الولاية بتوليته، فيكون الحكم ~~على وفقها. ### | [فصل في تغيير حال القاضي] # (8284) فصل: في تغيير حال القاضي: ولا يخلو من أن يتغير حال الكاتب أو ~~المكتوب إليه، أو حالهما معا، فإن تغيرت حال الكاتب، بموت أو عزل، بعد أن ~~كتب الكتاب، وأشهد على نفسه، لم يقدح في كتابه، وكان على من وصله الكتاب ~~قبوله، والعمل به، سواء تغيرت حاله قبل خروج الكتاب من يده، أو بعده. وبهذا ~~قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا يعمل به في الحالين. وقال أبو يوسف: إن مات قبل خروجه ~~من يده، لم يعمل به، وإن مات بعد خروجه من يده، عمل به؛ لأن كتاب الحاكم ~~بمنزلة الشهادة على الشهادة، لأنه ينقل شهادة شاهدي الأصل، فإذا مات قبل ~~وصول الكتاب، صار بمنزلة موت شاهدي الفرع قبل أداء شهادتهما. # ولنا، أن المعول في الكتاب على الشاهدين اللذين يشهدان على الحاكم وهما ~~حيان، فيجب أن يقبل كتابه، كما لو لم يمت، ولأن كتابه إن كان ms5593 فيما حكم به، ~~فحكمه لا يبطل بموته وعزله، وإن كان فيما ثبت # PageV10P086 # عنده بشهادة، فهو أصل، واللذان شهدا عليه فرع، ولا تبطل شهادة الفرع بموت ~~شاهد الأصل، وما ذكروه حجة عليهم؛ لأن الحاكم قد أشهد على نفسه، وإنما يشهد ~~عند المكتوب إليه شاهدان عليه، وهما حيان، وهما شاهدا الفرع، وليس موته ~~مانعا من شهادتهما، فلا يمنع قبولها، كموت شاهدي الأصل. # وإن تغيرت حاله بفسق قبل الحكم بكتابته، لم يجز الحكم به؛ لأن حكمه بعد ~~فسقه لا يصح، فكذلك لا يجوز الحكم بكتابه، ولأن بقاء عدالة شاهدي الأصل شرط ~~في صحة الحكم بشاهدي الفرع، فكذلك بقاء عدالة الحاكم؛ لأنه بمنزلة شاهدي ~~الأصل. وإن فسق بعد الحكم بكتابه لم يتغير، كما لو حكم بشيء ثم بان فسقه، ~~فإنه لا ينقض ما مضى من أحكامه، كهذا هاهنا. # وأما إن تغيرت حال المكتوب إليه بأي حال كان؛ من موت، أو عزل، أو فسق، ~~فلمن وصل إليه الكتاب ممن قام مقامه، قبول الكتاب، والعمل به. وبه قال ~~الحسن. حكي عنه أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس بن معاوية قاضي البصرة كتابا، ~~فوصل وقد عزل، وولي الحسن، فعمل به. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا يعمل به؛ لأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة ~~عند المكتوب إليه، وإذا شهد شاهدان عند قاض، لم يحكم بشهادتهما غيره. ولنا، ~~أن المعول على شهادة الشاهدين، بحكم الأول، أو ثبوت الشهادة عنده، وقد شهدا ~~عند الثاني، فوجب أن يقبل كالأول. # وقولهم: إنه شهادة عند الذي مات. ليس بصحيح؛ فإن الحاكم الكاتب ليس بفرع، ~~ولو كان فرعا لم يقبل وحده، وإنما الفرع الشاهدان اللذان شهدا عليه، وقد ~~أديا الشهادة عند المتجدد، ولو ضاع الكتاب، فشهدا بذلك عند الحاكم المكتوب ~~إليه، قبل، فدل ذلك على أن الاعتبار بشهادتهما دون الكتاب، وقياس ما ~~ذكرناه، أن الشاهدين لو حملا الكتاب إلى غير المكتوب إليه في حال حياته، ~~وشهدا عنده، عمل به؛ لما بيناه. # وإن كان المكتوب إليه خليفة للكاتب، فمات الكاتب، أو عزل، ms5594 انعزل المكتوب ~~إليه؛ لأنه نائب عنه، فينعزل بعزله وموته، كوكلائه. وقال بعض أصحاب ~~الشافعي: لا ينعزل خليفته، كما لا ينعزل القاضي الأصلي بموت الإمام، ولا ~~عزله. # ولنا، ما ذكرناه، ويفارق الإمام؛ لأن الإمام يعقد القضاء والإمارة ~~للمسلمين، فلم يبطل ما عقده لغيره، كما لو مات الولي في النكاح، لم يبطل ~~النكاح، ولهذا ليس للإمام أن يعزل القاضي من غير تغير حاله، ولا ينعزل إذا ~~عزله، بخلاف نائب الحاكم، فإنه تنعقد ولايته لنفسه نائبا عنه، فملك عزله، # ولأن القاضي لو انعزل بموت الإمام، لدخل الضرر على المسلمين # ؛ لأنه يفضي إلى عزل القضاة في جميع بلاد المسلمين، وتتعطل الأحكام، وإذا ~~ثبت أنه لا ينعزل، فليس له قبول الكتاب؛ لأنه حينئذ ليس بقاض. # PageV10P087 ### | [مسألة قال تحاكم إلى القاضي العربي أعجميان لا يعرف لسانهما] # (8285) مسألة؛ قال: ولا تقبل الترجمة عن أعجمي تحاكم إليه، إذا لم يعرف ~~لسانه، إلا من عدلين يعرفان لسانه وجملته أنه إذا تحاكم إلى القاضي العربي ~~أعجميان، لا يعرف لسانهما، أو أعجمي وعربي، فلا بد من مترجم عنهما. # ولا تقبل الترجمة إلا من اثنين عدلين. وبهذا قال الشافعي. وعن أحمد، ~~رواية أخرى، أنها تقبل من واحد. وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز، وابن ~~المنذر، وقول أبي حنيفة. # وقال ابن المنذر، في حديث زيد بن ثابت، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أمره أن يتعلم كتاب يهود. قال: فكنت أكتب له إذا كتب إليهم، وأقرأ ~~له إذا كتبوا. ولأنه مما لا يفتقر إلى لفظ الشهادة، فأجزأ فيه الواحد، ~~كأخبار الديانات. # ولنا، أنه نقل ما خفي على الحاكم إليه، فيما يتعلق بالمتخاصمين، فوجب فيه ~~العدد، كالشهادة، ويفارق أخبار الديانات؛ فإنها لا تتعلق بالمتخاصمين، ولا ~~نسلم أنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة، ولأن ما لا يفهمه الحاكم وجوده عنده ~~كعدمه، فإذا ترجم له، كان كنقل الإقرار إليه من غير مجلسه، ولا يقبل ذلك ~~إلا من شاهدين، كذا هاهنا. # فعلى هذه الرواية، تكون الترجمة شهادة تفتقر إلى العدد والعدالة، ويعتبر ~~فيها من الشروط ما ms5595 يعتبر في الشهادة على الإقرار بذلك الحق، فإن كان مما ~~يتعلق بالحدود والقصاص، اعتبر فيه الحرية، ولم يكف إلا شاهدان ذكران. وإن ~~كان مما لا يتعلق بها كفى فيه ترجمة رجل وامرأتين، ولم تعتبر الحرية فيه. # وإن كان في حد زنى، خرج في الترجمة فيه وجهان؛ أحدهما، لا يكفي فيه أقل ~~من أربعة رجال أحرار عدول. والثاني، يكفي فيه اثنان؛ بناء على الروايتين في ~~الشهادة على الإقرار به، ويعتبر فيه لفظ الشهادة؛ لأنه شهادة. # وإن قلنا: يكفي فيه واحد. فلا بد من عدالته، ولا ولا تقبل من كافر ولا ~~فاسق. وتقبل من العبد؛ لأنه من أهل الشهادة والرواية. # وقال أبو حنيفة: لا تقبل من العبد؛ لأنه ليس من أهل الشهادة. ولنا، أنه ~~خبر يكفي فيه قول الواحد، فيقبل فيه خبر العبد، كأخبار الديانات، ولا نسلم ~~أن هذه شهادة، ولا أن العبد ليس من أهل الشهادة، ولا يعتبر فيه لفظ ~~الشهادة، كالرواية. وعلى هذا الأصل ينبغي أن تقبل ترجمة المرأة إذا كانت من ~~أهل العدالة؛ لأن روايتها مقبولة. # PageV10P088 ### | [فصل حكم القاضي في التعريف والرسالة والجرح والتعديل] # (8286) فصل: والحكم في التعريف، والرسالة، والجرح والتعديل، كالحكم في ~~الترجمة، وفيها من الخلاف ما فيها. ذكره الشريف أبو جعفر، وأبو الخطاب وقد ~~ذكرنا الجرح والتعديل فيما مضى. ### | [مسألة قال عزل القاضي فقال كنت حكمت في ولايتي لفلان على فلان بحق] # (8287) مسألة، قال: وإذا عزل، فقال: كنت حكمت في ولايتي لفلان على فلان ~~بحق. قبل قوله، وأمضي ذلك الحق وبهذا قال إسحاق. # قال أبو الخطاب: ويحتمل أن لا يقبل قوله. وقول القاضي في فروع هذه ~~المسألة يقتضي أن لا يقبل قوله هاهنا، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن من لا ~~يملك الحكم، لا يملك الإقرار به، كمن أقر بعتق عبد بعد بيعه. ثم اختلفوا، ~~فقال الأوزاعي، وابن المنذر وابن أبي ليلى: هو بمنزلة الشاهد، إذا كان معه ~~شاهد آخر، قبل. # وقال أصحاب الرأي: لا يقبل إلا شاهدان سواه، يشهدان بذلك. وهو ظاهر مذهب ~~الشافعي؛ لأن شهادته على ms5596 فعل نفسه لا تقبل. ولنا، أنه لو كتب إلى غيره، ثم ~~عزل، ووصل الكتاب بعد عزله، لزم المكتوب إليه قبول كتابه بعد عزل كاتبه، ~~فكذلك هاهنا. ولأنه أخبر بما حكم به، وهو غير متهم، فيجب قبوله، كحال ~~ولايته. ### | [فصل الحاكم إذا حكم في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد] # (8288) فصل: فأما إن قال في ولايته: كنت حكمت لفلان بكذا. قبل قوله، سواء ~~قال: قضيت عليه بشاهدين عدلين. أو قال: سمعت بينته وعرفت عدالتهم. أو قال: ~~قضيت عليه بنكوله. أو قال: أقر عندي فلان لفلان بحق، فحكمت به. وبهذا قال ~~أبو حنيفة، والشافعي، وأبو يوسف. وحكي عن محمد بن الحسن: أنه لا يقبل حتى ~~يشهد معه رجل عدل؛ لأن فيه إخبارا بحق على غيره، فلم يقبل قول واحد، ~~كالشهادة. # ولنا، أنه يملك الحكم، فملك الإقرار به، كالزوج إذا أخبر بالطلاق، والسيد ~~إذا أخبر بالعتق، ولأنه لو أخبر أنه رأى كذا وكذا، فحكم به، قبل، كذا ~~هاهنا، وفارق الشهادة، فإن الشاهد لا يملك إثبات ما أخبر به. # فأما إن قال: حكمت بعلمي، أو بالنكول، أو بشاهد ويمين في الأموال. فإنه ~~يقبل أيضا. وقال الشافعي: لا يقبل قوله في القضاء بالنكول. وينبني قوله: ~~حكمت عليه بعلمي. على القولين في جواز القضاء بعلمه؛ لأنه لا يملك الحكم ~~بذلك، فلا يملك الإقرار به. # ولنا، أنه أخبر بحكمه فيما لو حكم به لنفذ حكمه، فوجب قبوله، كالصور التي ~~تقدمت، ولأنه حاكم، أخبر بحكمه في ولايته، فوجب قبوله، كالذي سلمه، ولأن ~~الحاكم إذا حكم في مسألة، يسوغ فيها الاجتهاد لم يسغ نقض حكمه، ولزم غيره ~~إمضاؤه، والعمل به، فصار بمنزلة الحكم بالبينة العادلة، ولا نسلم ما ذكره. # وإن قال: حكمت لفلان على فلان بكذا. ولم يضف حكمه إلى بينة ولا غيرها، ~~وجب قبوله. # PageV10P089 # وهو ظاهر مسألة الخرقي؛ فإنه لم يذكر ما ثبت به الحكم، وذلك لأن الحاكم ~~متى ما حكم بحكم يسوغ فيه الاجتهاد، وجب قبوله، وصار بمنزلة ما أجمع عليه. ### | [فصل أخبر القاضي بحكمه في غير موضع ولايته] ms5597 # (8289) فصل: وإذا أخبر القاضي بحكمه في غير موضع ولايته، فظاهر كلام ~~الخرقي أن قوله مقبول، وخبره نافذ؛ لأنه إذا قبل قوله بحكمه بعد العزل ~~وزوال ولايته بالكلية، فلأن يقبل مع بقائها في غير موضع ولايته أولى. # وقال القاضي: لا يقبل قوله. وقال: لو اجتمع قاضيان في غير ولايتهما، ~~كقاضي دمشق وقاضي مصر، اجتمعا في بيت المقدس، فأخبر أحدهما الآخر بحكم حكم ~~به، أو شهادة ثبتت عنده، لم يقبل أحدهما قول صاحبه، ويكونان كشاهدين أخبر ~~أحدهما الآخر بما عنده، وليس له أن يحكم به إذا رجع إلى عمله؛ لأنه خبر من ~~ليس بقاض في موضعه. # وإن كانا جميعا في عمل أحدهما، كأنهما اجتمعا جميعا في دمشق، فإن قاضي ~~دمشق لا يعمل بما أخبره به قاضي مصر؛ لأنه يخبره به في غير عمله. وهل يعمل ~~قاضي مصر بما أخبره به قاضي دمشق إذا رجع إلى مصر؟ فيه وجهان؛ بناء على ~~القاضي، هل له أن يقضي بعلمه؟ على روايتين؛ لأن قاضي دمشق أخبره به في ~~عمله. ومذهب الشافعي في هذا كقول القاضي هاهنا. ### | [فصل ولى الإمام قاضيا ثم مات] # (8290) فصل: إذا ولى الإمام قاضيا، ثم مات، لم ينعزل؛ لأن الخلفاء - رضي ~~الله عنهم - ولوا حكاما في زمنهم، فلم ينعزلوا بموتهم، ولأن في عزله بموت ~~الإمام ضررا على المسلمين، فإن البلدان تتعطل من الحكام، وتقف أحكام الناس ~~إلى أن يولي الإمام الثاني حاكما، وفيه ضرر عظيم. # وكذلك لا ينعزل القاضي إذا عزل الإمام؛ لما ذكرنا. فأما إن عزله الإمام ~~الذي ولاه أو غيره، ففيه وجهان، أحدهما: لا ينعزل. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه ~~عقده لمصلحة المسلمين، فلم يملك عزله مع سداد حاله، كما لو عقد النكاح على ~~موليته، لم يكن له فسخه. # والثاني، له عزله؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لأعزلن أبا ~~مريم، وأولين رجلا إذا رآه الفاجر فرقه. فعزله عن قضاء البصرة، وولى كعب بن ~~سوار مكانه. # وولى علي - رضي الله عنه - أبا الأسود، ثم عزله، فقال: لم عزلتني، وما ms5598 ~~خنت، ولا جنيت؟ فقال: إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين. # ولأنه يملك عزل أمرائه وولاته على البلدان، فكذلك قضاته. # وقد كان عمر - رضي الله عنه - يولي ويعزل، فعزل شرحبيل بن حسنة عن ولايته ~~في الشام، وولى # PageV10P090 # معاوية، فقال له شرحبيل: أمن جبن عزلتني، أو خيانة؟ قال: من كل لا، ولكن ~~أردت رجلا أقوى من رجل. # وعزل خالد بن الوليد، وولى أبا عبيدة. # وقد كان يولي بعض الولاة الحكم مع الإمارة، فولى أبا موسى البصرة قضاءها ~~وإمرتها. # ثم كان يعزلهم هو، ومن لم يعزله، عزله عثمان بعده إلا القليل منهم. فعزل ~~القاضي أولى، ويفارق عزله بموت من ولاه أو عزله؛ لأن فيه ضررا، وها هنا لا ~~ضرر فيه؛ لأنه لا يعزل قاضيا حتى يولي آخر مكانه، ولهذا لا ينعزل الوالي ~~بموت الإمام، وينعزل بعزله. # وقد ذكر أبو الخطاب في عزله بالموت أيضا وجهين، والأولى، إن شاء الله ~~تعالى، ما ذكرناه. # فأما إن تغيرت حال القاضي؛ بفسق، أو زوال عقل، أو مرض يمنعه من القضاء، ~~أو اختل فيه بعض شروطه، فإنه ينعزل بذلك، ويتعين على الإمام عزله، وجها ~~واحدا. ### | [فصل وللإمام تولية القضاء في بلده وغيره] # (8291) فصل: وللإمام تولية القضاء في بلده وغيره؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ولى عمر بن الخطاب القضاء، وولى عليا ومعاذا. # وقال عثمان بن عفان لابن عمر: إن أباك قد كان يقضي وهو خير منك. قال: إن ~~أبي قد كان يقضي، وإن أشكل عليه شيء، سأل عنه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. وذكر الحديث. # رواه عمر بن شبة، في كتاب " قضاة البصرة ". # وروى سعيد، في " سننه " عن عمرو بن العاص. قال: «جاء خصمان إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال لي: يا عمرو، اقض بينهما. قلت: أنت أولى بذلك ~~مني يا رسول الله. قال: إن أصبت القضاء بينهما، فلك # PageV10P091 # عشر حسنات، وإن أخطأت، فلك حسنة» وعن عقبة بن عامر مثله. # ولأن الإمام يشتغل بأشياء كثيرة من مصالح المسلمين، فلا يتفرغ للقضاء ~~بينهم. # فإذا ولى ms5599 قاضيا، استحب أن يجعل له أن يستخلف؛ لأنه قد يحتاج إلى ذلك، ~~فإذا أذن له في الاستخلاف، جاز له بلا خلاف نعلمه، وإن نهاه عنه، لم يكن له ~~أن يستخلف؛ لأن ولايته بإذنه، فلم يكن له ما نهاه عنه، كالوكيل، وإن أطلق، ~~فله الاستخلاف. # ويحتمل أن لا يكون له ذلك؛ لأنه يتصرف بالإذن، فلم يكن له ما لم يأذن ~~فيه، كالوكيل. ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان. # ووجه الأول، أن الغرض من القضاء الفصل بين المتخاصمين، فإذا فعله بنفسه ~~أو بغيره، جاز، كما لو أذن له، ويفارق التوكيل؛ لأن الإمام يولي القضاء ~~للمسلمين، لا لنفسه، بخلاف التوكيل، فإن استخلف في موضع ليس له الاستخلاف، ~~فحكمه حكم من لم يول. ### | [فصل يولي الإمام قاضيا عموم النظر في خصوص العمل] # (8292) فصل: ويجوز أن يولي قاضيا عموم النظر في خصوص العمل، فيقلده النظر ~~في جميع الأحكام في بلد بعينه، فينفذ حكمه فيمن سكنه، ومن أتى إليه من غير ~~سكانه. # ويجوز أن يقلده خصوص النظر في عموم العمل، فيقول: جعلت إليك الحكم في ~~المداينات خاصة، في جميع ولايتي. # ويجوز أن يجعل حكمه في قدر من المال، نحو أن يقول: احكم في المائة فما ~~دونها. فلا ينفذ حكمه في أكثر منها. # ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل، وخصوص النظر في خصوص العمل. # ويجوز أن يولي قاضيين وثلاثة في بلد واحد، يجعل لكل واحد عملا، فيولي ~~أحدهم عقود الأنكحة، والآخر الحكم في المداينات، وآخر النظر في العقار. ~~ويجوز أن يولي كل واحد منهم عموم النظر في ناحية من نواحي البلد، فإن قلد ~~قاضيين أو أكثر عملا واحدا، في مكان واحد، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يجوز. # اختاره أبو الخطاب، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأنه يؤدي إلى إيقاف ~~الحكم والخصومات، لأنهما يختلفان في الاجتهاد، ويرى أحدهما ما لا يرى ~~الآخر. والآخر، يجوز ذلك. وهو قول أصحاب أبي حنيفة. # وهو أصح، إن شاء الله تعالى؛ لأنه يجوز أن يستخلف في البلدة التي هو ~~فيها، فيكون فيها قاضيان، ms5600 فجاز أن يكون فيها قاضيان أصليان، ولأن الغرض فصل # PageV10P092 # الخصومات، وإيصال الحق إلى مستحقه، وهذا يحصل، فأشبه القاضي. # ولأنه يجوز للقاضي أن يستخلف خليفتين في موضع واحد، فالإمام أولى، لأن ~~توليته أقوى. وقولهم: يفضي إلى إيقاف الحكومات. غير صحيح؛ فإن كل حاكم يحكم ~~باجتهاده بين المتخاصمين إليه، وليس للآخر الاعتراض عليه، ولا نقض حكمه ~~فيما خالف اجتهاده. ### | [فصل قال الإمام من نظر في الحكم من فلان وفلان فقد وليته] # (8293) فصل: وإذا قال الإمام: من نظر في الحكم من فلان وفلان، فقد وليته. ~~لم تنعقد الولاية لمن نظر؛ لأنه علقها على شرط، ولم يعين بالولاية أحدا ~~منهم. ويحتمل أن تنعقد الولاية لمن نظر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «أميركم زيد، فإن قتل فأميركم جعفر، فإن قتل فأميركم عبد الله بن ~~رواحة» . # فعلق ولاية الإمارة على شرط، فكذلك ولاية الحكم. وإن قال: وليت فلانا ~~وفلانا، فأيهما نظر فهو خليفتي. انعقدت الولاية لمن نظر منهم؛ لأنه عقد ~~الولاية لهما جميعا. ### | [فصل يقلد الإمام القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه] # (8294) فصل: ولا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه. ~~وهذا مذهب الشافعي. ولم أعلم فيه خلافا؛ لأن الله - تعالى قال: {فاحكم بين ~~الناس بالحق} [ص: 26] . والحق لا يتعين في مذهب، وقد يظهر له الحق في غير ~~ذلك المذهب. فإن قلده على هذا الشرط، بطل الشرط، وفي فساد التولية وجهان، ~~بناء على الشروط الفاسدة في البيع. ### | [فصل فوض الإمام إلى إنسان تولية القضاء] # (8295) فصل: وإن فوض الإمام إلى إنسان تولية القضاء جاز؛ لأنه يجوز أن ~~يتولى ذلك، فجاز له التوكيل فيه، كالبيع. وإن فوض إليه اختيار قاض، جاز، ~~ولا يجوز له اختيار نفسه، ولا والده، ولا ولده، كما لو وكله في الصدقة ~~بمال، لم يجز له أخذه، ولا دفعه إلى هذين. ويحتمل أنه يجوز له اختيارهما، ~~إذا كانا صالحين للولاية؛ لأنهما يدخلان في عموم من أذن له في الاختيار ~~منه، مع أهليتهما، فأشبها الأجانب. ### | [فصل حكم الحاكم لنفسه] # (8296) فصل: ms5601 وليس للحاكم أن يحكم لنفسه، كما لا يجوز أن يشهد لنفسه، فإن ~~عرضت له حكومة مع بعض الناس، جاز أن يحاكمه إلى بعض خلفائه، أو بعض رعيته؛ ~~فإن عمر حاكم أبيا إلى زيد، وحاكم رجلا عراقيا إلى شريح، وحاكم علي اليهودي ~~إلى شريح، وحاكم عثمان طلحة إلى جبير بن مطعم، # PageV10P093 # فإن عرضت حكومة لوالديه، أو ولده، أو من لا تقبل شهادته له، ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، لا يجوز له الحكم فيها بنفسه، وإن حكم، لم ينفذ حكمه. # وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه لا تقبل شهادته له، فلم ينفذ حكمه له ~~كنفسه. والثاني، ينفذ حكمه. اختاره أبو بكر، وهو قول أبي يوسف، وابن ~~المنذر، وأبي ثور؛ لأنه حكم لغيره، أشبه الأجانب. # وعلى القول الأول، متى عرضت لهؤلاء حكومة، حكم بينهم الإمام، أو حاكم ~~آخر، أو بعض خلفائه، فإن كانت الخصومة بين والديه، أو ولديه، أو والده ~~وولده، لم يجز له الحكم بينهما، على أحد الوجهين؛ لأنه لا تقبل شهادته ~~لأحدهما على الآخر، فلم يجز الحكم بينهما، كما لو كان خصمه أجنبيا. # وفي الآخر، يجوز. وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأنهما سواء عنده، فارتفعت ~~تهمة الميل، فأشبها الأجنبيين. ### | [فصل حكماه بينهما ورضياه وكان ممن يصلح للقضاء فحكم بينهما] # (8297) فصل: وإذا تحاكم رجلان إلى رجل حكماه بينهما ورضياه، وكان ممن ~~يصلح للقضاء، فحكم بينهما، جاز ذلك، ونفذ حكمه عليهما. وبهذا قال أبو ~~حنيفة. وللشافعي قولان؛ أحدهما، لا يلزمهما حكمه إلا بتراضيهما؛ لأن حكمه ~~إنما يلزم بالرضا به، ولا يكون الرضا إلا بعد المعرفة بحكمه. # ولنا ما روى أبو شريح، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: «إن ~~الله هو الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟ قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء ~~أتوني، فحكمت بينهم، ورضي علي الفريقان. قال: ما أحسن هذا، فمن أكبر ولدك» ~~؟ قال: شريح. قال: " فأنت أبو شريح ". أخرجه النسائي. وروي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من حكم بين اثنين تراضيا به، فلم يعدل بينهما، ~~فهو ms5602 ملعون» . # ولولا أن حكمه يلزمهما، لما لحقه هذا الذم، ولأن عمر وأبيا تحاكما إلى ~~زيد، وحاكم عمر أعرابيا إلى شريح قبل أن يوليه، وتحاكم عثمان وطلحة إلى ~~جبير بن مطعم، ولم يكونوا قضاة. # فإن قيل: فعمر وعثمان كانا إمامين، فإذا ردا الحكم إلى رجل صار قاضيا. ~~قلنا: لم ينقل عنهما إلا الرضا بتحكيمه خاصة، وبهذا لا يصير قاضيا، وما ~~ذكروه يبطل بما إذا رضي # PageV10P094 # بتصرف وكيله، فإنه يلزمه قبل المعرفة به. # إذا ثبت هذا، فإنه لا يجوز نقض حكمه فيما لا ينقض به حكم من له ولاية. ~~وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: للحاكم نقضه إذا خالف رأيه؛ لأن هذا عقد في حق الحاكم، ~~فملك فسخه، كالعقد الموقوف في حقه. ولنا، أن هذا حكم صحيح لازم، فلم يجز ~~فسخه لمخالفته رأيه، كحكم من له ولاية، وما ذكروه غير صحيح، فإن حكمه لازم ~~للخصمين، فكيف يكون موقوفا؟ ولو كان كذلك، لملك فسخه، وإن لم يخالف رأيه، ~~ولا نسلم الوقوف في العقود. # إذا ثبت هذا، فإن لكل واحد من الخصمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروعه في ~~الحكم؛ لأنه لا يثبت إلا برضاه، فأشبه ما لو رجع عن التوكيل قبل التصرف. ~~وإن رجع بعد شروعه، ففيه وجهان؛ أحدهما، له ذلك؛ لأن الحكم لم يتم، أشبه ~~قبل الشروع. والثاني، ليس له ذلك؛ لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى ~~من الحكم ما لا يوافقه، رجع، فيبطل المقصود به. # (8298) فصل: قال القاضي: وينفذ حكم من حكماه في جميع الأحكام إلا أربعة ~~أشياء؛ النكاح، واللعان، والقذف، والقصاص؛ لأن لهذه الأحكام مزية على ~~غيرها، فاختص الإمام بالنظر فيها، ونائبه يقوم مقامه. وقال أبو الخطاب: ~~ظاهر كلام أحمد، أنه ينفذ حكمه فيها. # ولأصحاب الشافعي وجهان، كهذين. # وإذا كتب هذا القاضي بما حكم به كتابا إلى قاض من قضاة المسلمين، لزمه ~~قبوله، وتنفيذ كتابه؛ لأنه حاكم نافذ الأحكام، فلزم قبول كتابه، كحاكم ~~الإمام. ### | [مسألة القضاء على الغائب] # مسألة؛ قال: ويحكم على الغائب، إذا صح الحق عليه وجملته ms5603 أن من ادعى حقا ~~على غائب في بلد آخر، وطلب من الحاكم سماع البينة، والحكم بها عليه، فعلى ~~الحاكم إجابته، إذا كملت الشرائط. # وبهذا قال ابن شبرمة ومالك، والأوزاعي، والليث، وسوار، وأبو عبيد، ~~وإسحاق، وابن المنذر. # وكان شريح لا يرى القضاء على الغائب. وعن أحمد مثله. # وبه قال ابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه. وروي ذلك عن القاسم، ~~والشعبي إلا أن أبا حنيفة قال: إذا كان له خصم حاضر، من وكيل أو شفيع، جاز ~~الحكم عليه. واحتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~لعلي: «إذا تقاضى إليك رجلان، # PageV10P095 # فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنك تدري بما تقضي» . قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن صحيح. # ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده، فلم يجز، كما لو كان الآخر في البلد، ~~ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة، ويقدح فيها، فلم يجز الحكم ~~عليه. ولنا، «أن هندا قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس ~~يعطيني ما يكفيني وولدي؟ قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» . متفق عليه، ~~فقضى لها، ولم يكن حاضرا، ولأن هذا له بينة مسموعة عادلة، فجاز الحكم بها. # كما لو كان الخصم حاضرا، وقد وافقنا أبو حنيفة في سماع البينة، ولأن ما ~~تأخر عن سؤال المدعي إذا كان حاضرا، يقدم عليه إذا كان غائبا، كسماع ~~البينة. # وأما حديثهم، فنقول به إذا تقاضى إليه رجلان، لم يجز الحكم قبل سماع ~~كلامهما، وهذا يقتضي أن يكونا حاضرين، ويفارق الحاضر الغائب، فإن البينة لا ~~تسمع على حاضر إلا بحضرته، والغائب بخلافه. وقد ناقض أبو حنيفة أصله، فقال: ~~إذا جاءت امرأة فادعت أن لها زوجا غائبا، وله مال في يد رجل، وتحتاج إلى ~~النفقة، فاعترف لها بذلك، فإن الحاكم يقضي عليه بالنفقة، ولو ادعى رجل على ~~حاضر، أنه اشترى من غائب ما فيه شفعة، وأقام بينة بذلك، حكم له بالبيع ~~والأخذ بالشفعة، ولو مات المدعى عليه، فحضر بعض ورثته، أو حضر وكيل الغائب، ~~وأقام المدعي بينة ms5604 بذلك، حكم له بما ادعاه. # إذا ثبت هذا، فإنه إن قدم الغائب قبل الحكم، وقف الحكم على حضوره، فإن ~~جرح الشهود، لم يحكم عليه، وإن استنظر الحاكم، أجله ثلاثا، فإن جرحهم، وإلا ~~حكم عليه. وإن ادعى القضاء أو الإبراء، فكانت له بينة برئ، وإلا حلف ~~المدعي، وحكم له، وإن قدم بعد الحكم، فجرح الشهود بأمر كان قبل الشهادة، ~~بطل الحكم، وإن جرحهم بأمر بعد أداء الشهادة أو مطلقا، لم يبطل الحكم، ولم ~~يقبله الحاكم؛ لأنه يجوز أن يكون بعد الحكم، فلا يقدح فيه. وإن طلب ~~التأجيل، أجل ثلاثا، فإن جرحهم، وإلا نفذ الحكم. # وإن ادعى القضاء، أو الإبراء، فكانت له به بينة وإلا حلف الآخر، ونفذ ~~الحكم. ### | [فصل ولا يقضي على الغائب إلا في حقوق الآدميين] # (8300) فصل: ولا يقضي على الغائب إلا في حقوق الآدميين، فأما في الحدود ~~التي لله تعالى، فلا يقضي بها عليه؛ لأن مبناها على المساهلة والإسقاط، فإن ~~قامت بينة على غائب بسرقة مال، حكم بالمال دون القطع. ### | [فصل قامت البينة على غائب أو غير مكلف] # (8301) فصل: وإذا قامت البينة على غائب، أو غير مكلف، كالصبي والمجنون، ~~لم يستحلف المدعي مع بينته، في أشهر # PageV10P096 # الروايتين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على المدعي، ~~واليمين على المدعى عليه» . # ولأنها بينة عادلة، فلم تجب اليمين معها، كما لو كانت على حاضر. والرواية ~~الثانية، يستحلف معها. # وهو قول الشافعي؛ لأنه يجوز أن يكون استوفى ما قامت به البينة، أو ملكه ~~العين التي قامت بها البينة، ولو كان حاضرا فادعى ذلك، لوجبت اليمين، فإذا ~~تعذر ذلك منه لغيبته، أو عدم تكليفه، يجب أن يقوم الحاكم مقامه فيما يمكن ~~دعواه، ولأن الحاكم مأمور بالاحتياط في حق الصبي والمجنون والغائب، لأن كل ~~واحد منهم لا يعبر عن نفسه، وهذا من الاحتياط. ### | [فصل قضي على الغائب بعين] # (8302) فصل: ظاهر كلام الخرقي، أنه إذا قضي على الغائب بعين، سلمت إلى ~~المدعي، وإن قضي عليه بدين، ووجد له مال، وفي منه؛ فإنه قال، في رواية ms5605 حرب، ~~في رجل أقام بينة أن له سهما من ضيعة في أيدي قوم، فتواروا عنه: يقسم ~~عليهم، شهدوا أو غابوا، ويدفع إلى هذا حقه. # لأنه يثبت حقه بالبينة، فيسلم إليه، كما لو كان خصمه حاضرا. # ويحتمل أن لا يدفع إليه شيء حتى يقيم كفيلا أنه متى حضر خصمه، وأبطل ~~دعواه، فعليه ضمان ما أخذه، لئلا يأخذ المدعي ما حكم له به، ثم يأتي خصمه، ~~فيبطل حجته، أو يقيم بينة بالقضاء والإبراء، أو تملك العين التي قامت بها ~~البينة بعد ذهاب المدعي وغيبته أو موته، فيضيع مال المدعى عليه. # وظاهر كلام أحمد الأول؛ فإنه قال في رجل عنده دابة مسروقة، فقال: هي عندي ~~وديعة: إذا أقيمت البينة أنها له، تدفع إلى الذي أقام البينة، حتى يجيء ~~صاحب الوديعة فيثبت. ### | [فصل ادعى على رجل ألفا وأقام البينة فاختفى المدعى عليه] # (8303) فصل: فأما الحاضر في البلد، أو قريب منه، إذا لم يمنع من الحضور، ~~فلا يقضى عليه قبل حضوره. في قول أكثر أهل العلم. وقال أصحاب الشافعي، في ~~وجه لهم: إنه يقضى عليه في غيبته؛ لأنه غائب، أشبه الغائب عن البلد. # ولنا، أنه أمكن سؤاله، فلم يجز الحكم عليه قبل سؤاله، كحاضر مجلس الحاكم، ~~ويفارق الغائب البعيد؛ فإنه لا يمكن سؤاله، فإن امتنع من الحضور، أو توارى، ~~فظاهر كلام أحمد، جواز القضاء عليه؛ لما # PageV10P097 # ذكرنا عنه في رواية حرب. # وروى عنه أبو طالب، في رجل وجد غلامه عند رجل، فأقام البينة أنه غلامه، ~~فقال الذي عنده الغلام: أودعني هذا رجل. فقال أحمد: أهل المدينة يقضون على ~~الغائب، يقولون: إنه لهذا الذي أقام البينة. # وهو مذهب حسن، وأهل البصرة يقضون على غائب، يسمونه الإعذار. وهو إذا ادعى ~~على رجل ألفا، وأقام البينة، فاختفى المدعى عليه، يرسل إلى بابه، فينادي ~~الرسول ثلاثا، فإن جاء، وإلا قد أعذروا إليه. # فهذا يقوي قول أهل المدينة، وهو معنى حسن. وقد ذكر الشريف أبو جعفر، وأبو ~~الخطاب، أنه يقضي على الغائب الممتنع. وهو قول الشافعي؛ لأنه تعذر حضوره ~~وسؤاله، ms5606 فجاز القضاء عليه، كالغائب البعيد، بل هذا أولى؛ لأن البعيد معذور، ~~وهذا لا عذر له. وقد ذكرنا فيما تقدم شيئا من هذا. # PageV10P098 ### | [كتاب القسمة] # الأصل في القسمة قول الله تعالى: {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب ~~محتضر} [القمر: 28] وقوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولو القربى} [النساء: ~~8] الآية. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا ~~وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» . # وقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر على ثمانية عشر سهما، وكان يقسم ~~الغنائم. وأجمعت الأمة على جواز القسمة، ولأن بالناس حاجة إلى القسمة؛ ~~ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف على إيثاره، ويتخلص من سوء المشاركة ~~وكثرة الأيدي. ### | [مسألة أتى القاضي شريكان في ربع أو نحوه فسألاه أن يقسمه بينهما] # (8304) مسألة؛ قال: وإذا أتاه شريكان في ربع أو نحوه، فسألاه أن يقسمه ~~بينهما، قسمه، وأثبت في القضية بذلك، أن قسمه إياه بينهما كان عن إقرارهما، ~~لا عن بينة شهدت لهما بملكهما إذا ثبت هذا، فإن الشريكين في أي شيء كان، ~~ربعا أو غيره - والربع: هو العقار من الدور ونحوها إذا طلبا من الحاكم أن ~~يقسمه بينهما، أجابهما إليه، وإن لم يثبت عنده ملكهما. # وبهذا قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: إن كان عقارا نسبوه إلى ~~ميراث، لم يقسمه حتى يثبت الموت والورثة؛ لأن الميراث باق على حكم ملك ~~الميت، فلا يقسمه احتياطا للميت، وأما ما عدا العقار يقسمه، وإن كان ~~ميراثا؛ لأنه يبور ويهلك، وقسمته تحفظه، وكذلك العقار الذي لا ينسب إلى ~~الميراث. # وظاهر قول الشافعي، أنه لا يقسم، عقارا كان أو غيره، ما لم يثبت ملكهما؛ ~~لأن قسمه بقولهم لو رفع بعد ذلك إلى حاكم آخر يستسهله أن يجعله حكما لهم، ~~ولعله يكون لغيرهم. # ولنا، أن اليد تدل على الملك، ولا منازع لهم، فيثبت لهم من طريق الظاهر، ~~ولهذا يجوز لهم التصرف، ويجوز شراؤه منهم، واتهابه، واستئجاره. وما ذكره ~~الشافعي يندفع إذا ثبت في القضية أني قسمته بينهم بإقرارهم، لا عن بينة ms5607 ~~شهدت لهم بملكهم، وكل ذي حجة على حجته. # وما ذكره أبو حنيفة لا يصح؛ لأن الظاهر ملكهم، ولا حق للميت فيه، إلا أن ~~يظهر عليه دين، وما ظهر، والأصل عدمه، ولهذا اكتفينا به في غير العقار، ~~وفيما لم ينسبوه إلى الميراث. # PageV10P099 ### | [فصل قسمة القاضي المكيلات والموزونات من المطعومات وغيرها] # (8305) فصل: وتجوز قسمة المكيلات والموزونات، من المطعومات وغيرها؛ لأن ~~جواز قسمة الأرض مع اختلافها، يدل على جواز قسمة ما لا يختلف بطريق ~~التنبيه. وسواء في ذلك الحبوب، والثمار، والنورة، والأشنان، والحديد، ~~والرصاص، ونحوها من الجامدات، والعصير، والخل، واللبن، والعسل، والسمن، ~~والدبس، والزيت، والرب ونحوها من المائعات، وسواء قلنا: إن القسمة بيع أو ~~إفراز حق؛ لأن بيعه جائز، وإفرازه جائز. # فإن كان فيها أنواع، كحنطة وشعير، وتمر وزبيب، فطلب أحدهما قسمها كل نوع ~~على حدته، أجبر الممتنع، وإن طلب قسمها أعيانا بالقيمة، لم يجبر الممتنع؛ ~~لأن هذا بيع نوع بنوع آخر، وليس بقسمة، فلم يجبر عليه، كغير الشريك. # فإن تراضيا عليه، جاز. وكان بيعا يعتبر فيه التقابض قبل التفرق، فيما ~~يعتبر التقابض فيه، وسائر شروط البيع. ### | [فصل طلب أحدهما القسمة من القاضي وأبى الآخر] # (8306) فصل: فإن كان بينهما ثياب، أو حيوان، أو أوان، أو خشب، أو عمد، أو ~~أحجار، فاتفقا على قسمتها، جاز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم ~~الغنائم يوم بدر، ويوم خيبر، وهي تشتمل على أجناس من المال، وسواء اتفقا ~~على قسمة كل جنس بينهما، أو على قسمتها أعيانا بالقيمة. وإن طلب أحدهما ~~قسمة كل نوع على حدته، وطلب الآخر قسمته أعيانا بالقيمة، قدم قول من طلب ~~قسمة كل نوع على حدته، إذا أمكن. وإن طلب أحدهما القسمة، وأبى الآخر، وكان ~~مما لا يمكن قسمته إلا بأخذ عوض عنه من غير جنسه، أو قطع ثوب في قطعه نقص، ~~أو كسر إناء، أو رد عوض، لم يجبر الممتنع. # وإن أمكن قسمة كل نوع على حدته، من غير ضرر، ولا رد عوض، فقال القاضي: ~~يجبر الممتنع. # وهو ظاهر مذهب الشافعي، وهو ms5608 قول أبي الخطاب: لا أعرف في هذا عن إمامنا ~~رواية، ويحتمل أن لا يجبر الممتنع. وهو قول ابن خيران، من أصحاب الشافعي؛ ~~لأن هذا إنما يقسم أعيانا بالقيمة، فلم يجبر الممتنع عليه، كما لا يجبر على ~~قسمة الدور، بأن يأخذ هذا دارا وهذا دارا وهذا دارا، وكالجنسين المختلفين. # ووجه الأول، أن الجنس الواحد كالدار الواحدة، وليس اختلاف الجنس الواحد ~~في القيمة بأكثر من اختلاف قيمة الدار الكبيرة والقرية العظيمة، فإن أرض ~~القرية تختلف، سيما إذا كانت ذات أشجار مختلفة، وأراض متنوعة، والدار ذات ~~بيوت واسعة وضيقة، وحديثة وقديمة، ثم هذا الاختلاف لم يمنع الإجبار على ~~القسمة، كذلك الجنس الواحد، وفارق الدور؛ فإنه أمكن قسمة كل دار على حدتها، ~~وها هنا لا يمكن قسمة كل ثوب منها أو إناء على حدته، وإن كانت الثياب ~~أنواعا؛ كالحرير، والقطن، والكتان، فهي كالأجناس، وكذلك سائر الأموال. ~~والحيوان كغيره من الأموال، ويقسم النوع الواحد منه. وبه قال الشافعي، # PageV10P100 # وأبو يوسف ومحمد. # وقال أبو حنيفة: لا يقسم الرقيق قسمة إجبار؛ لأنه تختلف منافعه، ويقصد ~~منه العقل والدين والفطنة، وذلك لا يقع فيه التعديل. # ولنا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جزأ العبيد الذين أعتقهم الأنصاري ~~في مرضه ثلاثة أجزاء. ولأنه نوع حيوان يدخله التقويم، فجازت قسمته، كسائر ~~الحيوان، وما ذكره غير صحيح؛ لأن القيمة تجمع ذلك، وتعد له كسائر الأشياء ~~المختلفة. ### | [فصل والقسمة إفراز حق وتمييز أحد النصيبين من الآخر] # (8307) فصل: والقسمة إفراز حق، وتمييز أحد النصيبين من الآخر، وليست ~~بيعا. # وهذا أحد قولي الشافعي. # وقال في الآخر: هي بيع. # وحكي عن أبي عبد الله بن بطة؛ لأنه يبدل نصيبه من أحد السهمين بنصيب ~~صاحبه من السهم الآخر، وهذا حقيقة البيع. # ولنا، أنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك، ولا تجب فيها الشفعة، ويدخلها ~~الإجبار، وتلزم بإخراج القرعة، ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر، والبيع لا ~~يجوز فيه شيء من ذلك، ولأنها تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها، فلم تكن ~~بيعا، كسائر العقود، وفائدة الخلاف، أنها إذا لم تكن ms5609 بيعا، جازت قسمة ~~الثمار خرصا، والمكيل وزنا، والموزون كيلا، والتفرق قبل القبض فيما يعتبر ~~فيه القبض في البيع، ولا يحنث إذا حلف لا يبيع بها، وإذا كان العقار أو ~~نصفه وقفا، جازت القسمة، وإن قلنا: هي بيع. # انعكست هذه الأحكام، هذا إذا خلت من الرد، فإن كان فيها رد عوض، فهي بيع؛ ~~لأن صاحب الرد يبذل المال عوضا عما حصل له من مال شريكه، وهذا هو البيع. ~~فإن فعلا ذلك في وقف، لم يجز؛ لأن بيعه غير جائز، وإن كان بعضه وقفا، وبعضه ~~طلقا، والرد من صاحب الطلق، لم يجز؛ لأنه يشتري بعض الوقف، وإن كان من أهل ~~الوقف، جاز؛ لأنهم يشترون بعض الطلق، وذلك جائز. ### | [فصل شهادة القاسم بالقسمة] # (8308) فصل: وتقبل شهادة القاسم بالقسمة إذا كان متبرعا، ولا تقبل إذا ~~كان بأجرة. # وبهذا قال الإصطخري. # وقال أبو حنيفة: تقبل، وإن كان بأجرة؛ لأنه لا يلحقه تهمة، فقبل قوله، ~~كالمرضعة. # وقال الشافعي: لا تقبل؛ لأنه شهد على فعل نفسه الذي يوجب تعديله، فلم ~~تقبل، كشهادة القاضي المعزول على حكمه. # PageV10P101 # ولنا، أنه شهد بما لا نفع له فيه، فقبل، كالأجنبي. وإذا كان بأجرة، لم ~~يقبل؛ لأنه متهم، لكونه يوجب الأجرة لنفسه، وهذا نفع، فتكون شهادته لنفسه. # وقول الشافعي: إنه يوجب تعديله. # ممنوع، ولا نسلم لهم ما ذكروه في الحكم. ### | [مسألة طلب أحدهما من القاضي القسمة فامتنع الآخر] # (8309) مسألة؛ قال: ولو سأل أحدهما شريكه مقاسمته، فامتنع، أجبره الحاكم ~~على ذلك، إذا أثبت عنده ملكها، وكان مثله ينقسم وينتفعان به مقسوما أما إذا ~~طلب أحدهما القسمة، فامتنع الآخر، لم يخل من حالين؛ أحدهما، يجبر الممتنع ~~على القسمة، وذلك إذا اجتمع ثلاثة شروط؛ أحدها، أن يثبت عند الحاكم ملكهما ~~ببينة؛ لأن في الإجبار على القسمة حكما على الممتنع منهما، فلا يثبت إلا ~~بما يثبت به الملك لخصمه، بخلاف حالة الرضا؛ فإنه لا يحكم على أحدهما، إنما ~~يقسم بقولهما ورضاهما. # الشرط الثاني، أن لا يكون فيها ضرر، فإن كان فيها ضرر، لم يجبر الممتنع؛ ~~لقول ms5610 النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر، ولا ضرار» . رواه ابن ماجه، ~~ورواه مالك، في " موطئه " مرسلا، وفي لفظ، «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى، أن لا ضرر ولا ضرار» الشرط الثالث، أن يمكن تعديل السهام من ~~غير شيء يجعل معها، فإن لم يمكن ذلك، لم يجبر الممتنع؛ لأنها تصير بيعا، ~~والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين، ومثال ذلك، أرض قيمتها مائة، فيها ~~شجرة أو بئر تساوي مائتين، فإذا جعلت الأرض سهما، كانت الثلث، فيحتاج أن ~~يجعل معها خمسين يردها عليه من لم يخرج له البئر أو الشجرة، ليكونا نصفين ~~متساويين، فهذه فيها بيع، ألا ترى أن آخذ الأرض قد باع نصيبه من الشجرة أو ~~البئر بالثمن الذي أخذه، والبيع لا يجبر عليه؛ لقول الله تعالى: {إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] . # فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة، أجبر الممتنع منهما على القسمة؛ لأنها تتضمن ~~إزالة ضرر الشركة عنهما، وحصول النفع لهما؛ لأن نصيب كل واحد منهما إذا ~~تمز، كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره، ويتمكن من إحداث الغراس والبناء ~~والزرع والسقاية والإجارة والعارية، ولا يمكنه ذلك مع الاشتراك، فوجب أن ~~يجبر الآخر عليه؛ لقوله - عليه السلام -: «لا ضرر ولا ضرار» . # PageV10P102 # إذا ثبت هذا، فقد اختلفوا في الضرر المانع من القسمة، ففي قول الخرقي، ~~وهو ما لا يمكن معه انتقاع أحدهما بنصيبه مفردا، فيما كان ينتفع به مع ~~الشركة، مثل أن تكون بينهما دار صغيرة، إذا قسمت أصاب كل واحد منهما موضعا ~~ضيقا لا ينتفع به. # ولو أمكن أن ينتفع به في شيء غير الدار، ولا يمكن أن ينتفع به دارا، لم ~~يجبر على القسمة أيضا؛ لأنه ضرر يجري مجرى الإتلاف. # وعن أحمد، رواية أخرى، أن المانع هو أن تنقص قيمة نصيب أحدهما بالقسمة عن ~~حال الشركة، سواء انتفعوا به مقسوما أو لم ينتفعوا. # وقال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد؛ لأنه قال، في رواية الميموني: إذا قال ~~بعضهم يقسم وبعضهم لا يقسم، فإن كان فيه نقصان من ms5611 ثمنه، بيع، وأعطوا الثمن. # فاعتبر نقصان الثمن. # وهذا ظاهر كلام الشافعي؛ لأن نقص قيمته ضرر، والضرر منفي شرعا. وقال ~~مالك: يجبر الممتنع وإن استضر، قياسا على ما لا ضرر فيه. # ولا يصح؛ لقوله - عليه السلام -: «لا ضرر ولا ضرار» . ولأن في قسمته ~~ضررا، فلم يجبر عليه، كقسمة الجوهرة بكسرها، ولأن في قسمته إضاعة للمال، ~~وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعته. # ولا يصح القياس على ما لا ضرر فيه؛ لما بينهما من الفرق، فإن كان أحد ~~الشريكين يستضر بالقسمة دون الآخر؛ كرجلين بينهما دار، لأحدهما ثلثها، ~~وللآخر ثلثاها، فإذا قسماها استضر صاحب الثلث؛ لكونه لا يحصل له ما يكون ~~دارا، ولا يستضر الآخر؛ لأنه يبقى له ما يصير دارا مفردة، فطلب صاحب ~~الثلثين القسمة، لم يجبر الآخر عليها. # ذكره أبو الخطاب. # وهو ظاهر كلام أحمد، في رواية حنبل، قال: كل قسمة فيها ضرر، لا أرى ~~قسمتها. # وهذا قول ابن أبي ليلى، وأبي ثور. # وقال القاضي: يجبر الآخر عليها. # وهو قول الشافعي، وأهل العراق؛ لأنه طلب إفراد نصيبه الذي لا يستضر ~~بتمييزه، فوجبت إجابته إليه، كما لو كانا لا يستضران بالقسمة. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» . # ولأنها قسمة يستضر بها صاحبه، فلم يجبر عليها، كما لو استضرا معا، ولأن ~~فيه إضاعة المال، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعته، وإذا ~~حرم عليه إضاعته ماله فإضاعته مال غيره أولى. # PageV10P103 # وقد روى عمرو بن جميع، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ~~تعصبة على أهل الميراث، إلا ما حصل القسم» . # قال أبو عبيدة: هو أن يخلف شيئا، إذا قسم كان فيه ضرر على بعضهم، أو ~~عليهم جميعا. # ولأننا اتفقنا على أن الضرر مانع من القسمة، وأن الضرر في حق أحدهما ~~مانع، ولا يجوز أن يكون المانع هو ضرر الطالب؛ لأنه مرضي به من جهته، فلا ~~يجوز كونه مانعا، كما لو تراضيا عليها مع ضررهما أو ضرر أحدهما، فتعين ~~الضرر المانع في ms5612 جهة المطلوب، ولأنه ضرر غير مرضي به من جهة صاحبه، فمنع ~~القسمة، كما لو استضرا معا. # وإن طلب القسمة المستضر بها، كصاحب الثلث في المسألة المفروضة، أجبر ~~الآخر عليها. # هذا مذهب أبي حنيفة، ومالك؛ لأنه طلب دفع ضرر الشركة عنه، بأمر لا ضرر ~~على صاحبه فيه، فأجبر عليه، كما لا ضرر فيه. # يحققه أن ضرر الطالب مرضي به من جهته، فسقط حكمه، والآخر لا ضرر عليه، ~~فصار كما لا ضرر فيه. # وذكر أصحابنا أن المذهب أنه لا يجبر الممتنع على القسم؛ لنهي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن إضاعة المال، ولأن طلب القسمة من المستضر سفه، فلا يجب ~~إجابته إلى السفه. قال الشريف: متى كان أحدهما يستضر، لم تجب القسمة. وقال ~~أبو حنيفة: متى كان أحدهما ينتفع بها، وجبت. # وقال الشافعي: إن انتفع بها الطالب، وجبت، وإن استضر بها الطالب، فعلى ~~وجهين. # وقال مالك: تجب على كل حال. # ولو كانت دار بين ثلاثة، لأحدهم نصفها، وللآخرين نصفها، لكل واحد منهما ~~ربعها، فإذا قسمت استضر كل واحد منهما، ولا يستضر صاحب النصف، فطلب صاحب ~~النصف القسمة، وجبت إجابته؛ لأنه يمكن قسمتها نصفين، فيصير حقهما لهما ~~دارا، وله النصف، فلا يستضر أحد منهما. # ويحتمل أن لا تجب عليهما الإجابة؛ لأن كل واحد منهما يستضر بإفراز نصيبه. # وإن طلبا المقاسمة، فامتنع صاحب النصف أجبر؛ لأنه لا ضرر على واحد منهم. # وإن طلبا إفراز نصيب كل واحد # PageV10P104 # منهما، أو طلب أحدهما إفراز نصيبه، لم تجب القسمة على قياس المذهب لأنه ~~إضرار بالطالب وسفه. وعلى الوجه الذي ذكرناه تجب القسمة؛ لأن المطلوب منه ~~لا ضرر عليه. # الحال الثاني، الذي لا يجبر أحدهما على القسمة، وهي ما إذا عدم أحد ~~الشروط الثلاثة، فلا تجوز القسمة إلا برضاهما، وتسمى قسمة التراضي، وهي ~~جائزة مع اختلال الشروط كلها؛ لأنها بمنزلة البيع والمناقلة، وبيع ذلك ~~جائز. ### | [فصل كانت دار بين اثنين سفلها وعلوها فإذا طلبا قسمها] # (8310) فصل: إذا كانت دار بين اثنين، سفلها وعلوها، فإذا طلبا قسمها؛ ~~نظرت، فإن ms5613 طلب أحدهما قسمة السفل والعلو بينهما، ولا ضرر في ذلك، أجبر ~~الآخر عليه. لأن البناء في الأرض يجري مجرى الغرس، فيتبعها في البيع ~~والشفعة، ثم لو طلب قسمة أرض فيها غراس، أجبر شريكه عليه، كذلك البناء. وإن ~~طلب أحدهما جعل السفل لأحدهما والعلو للآخر، ويقرع بينهما، لم يجبر عليه ~~الآخر؛ لثلاثة معان؛ أحدها، أن العلو يتبع للسفل، ولهذا إذا بيعا، تثبت ~~الشفعة فيهما، وإذا أفرد العلو بالبيع، لم تثبت فيه الشفعة، وإذا كان تبعا ~~له، لم يجعل المتبوع سهما والتبع سهما، فيصير التبع أصلا. # الثاني، أن السفل والعلو يجريان مجرى الدارين المتلاصقتين؛ لأن كل واحد ~~منهما يسكن منفردا، ولو كان بينهما داران، لم يكن لأحدهما المطالبة بجعل كل ~~دار نصيبا كذا هاهنا. الثالث، أن صاحب القرار يملك قرارها وهواءها، فإذا ~~جعل السفل نصيبا انفرد صاحبه بالهواء، وليست هذه قسمة عادلة. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: يقسمه الحاكم، يجعل ذراعا من السفل بذراعين من ~~العلو. وقال أبو يوسف: ذراع بذراع. وقال محمد: يقسمها بالقيمة. واحتجوا ~~بأنها دار واحدة، فإذا قسمها على ما يراه جاز، كالتي لا علو لها. # ولنا ما ذكرناه من المعاني الثلاثة، وفيها رد ما ذكروه، وما يذكرونه من ~~كيفية القسمة تحكم، وبعضه يرد بعضا. وإن طلب أحدهما قسمة العلو وحده، أو ~~السفل وحده، لم يجب إليه؛ لأن القسمة تراد للتمييز، ومع بقاء الإشاعة في ~~أحدهما لا يحصل التمييز. وإن طلب قسمة السفل منفردا، أو العلو منفردا، لم ~~يجب إليه؛ لأنه قد يحصل لكل واحد منهما علو سفل الآخر، فيستضر كل واحد ~~منهما، ولا يتميز الحقان. # PageV10P105 ### | [فصل كان بينهما دار أو خان كبير فطلب أحدهما قسمة ذلك ولا ضرر في قسمته] # (8311) فصل: وإذا كان بينهما دار، أو خان كبير، فطلب أحدهما قسمة ذلك ولا ~~ضرر في قسمته، أجبر الممتنع على القسمة، وتفرد بعض المساكن عن بعض وإن كثرت ~~المساكن. وإن كان بينهما داران، أو خانان، أو أكثر، فطلب أحدهما أن يجمع ~~نصيبه في إحدى الدارين، أو أحد الخانين، ms5614 ويجعل الباقي نصيبا، لم يجبر ~~الممتنع. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو يوسف، ومحمد: إذا رأى الحاكم ذلك، ~~فله فعله، سواء تقاربتا أو تفرقتا؛ لأنه أنفع وأعدل. # وقال مالك: إن كانتا متجاورتين، أجبر الممتنع من ذلك عليه؛ لأن ~~المتجاورتين تتقارب منفعتهما، بخلاف المتباعدتين. وقال أبو حنيفة: إن كانت ~~إحداهما حجزت الأخرى، أجبر الممتنع، وإلا فلا؛ لأنهما يجريان مجرى الدار ~~الواحدة. ولنا، أنه نقل حقه من عين إلى عين أخرى، فلم يجبر عليه، ~~كالمتفرقين على ملك، وكما لو لم تكن حجة بها مع أبي حنيفة، وكما لو كانتا ~~دارا ودكانا مع أبي يوسف ومحمد، والحكم في الدكاكين كالحكم في الدور، وكما ~~لو كانت لها عضائد صغار، لا يمكن قسمة كل واحدة منهما منفردة، لم يجبر ~~الممتنع من قسمها عليها. ### | [فصل بينهما أرض واحد يمكن قسمتها وتتحقق فيها الشروط] # (8312) فصل: وإن كانت بينهما أرض واحد يمكن قسمتها، وتتحقق فيها الشروط ~~التي ذكرناها، أجبر الممتنع على قسمها، سواء كانت فارغة أو ذات شجر وبناء. ~~فإن كان فيها نخل، وكرم، وشجر مختلف، وبناء، فطلب أحدهما قسمة كل عين على ~~حدتها، وطلب الآخر قسمة الجميع بالتعديل بالقيمة، فقال أبو الخطاب: تقسم كل ~~عين على حدتها، وكذلك كل مقسوم، إذا أمكنت التسوية بين الشريكين في جيده ~~ورديئه، كان أولى. # ونحو هذا قال أصحاب الشافعي؛ فإنهم قالوا: إذا أمكنت التسوية بين ~~الشريكين في جيده ورديئه، بأن يكون الجيد في مقدمها والرديء في مؤخرها، ~~فإذا قسمناها صار لكل واحد من الجيد والرديء مثل ما للآخر، وجبت القسمة، ~~وأجبر الممتنع عليها، وإن لم تمكن القسمة هكذا، بأن تكون العمارة أو الشجر ~~والجيد لا تمكن قسمته وحده، وأمكن التعديل بالقيمة عدلت بالقيمة، وأجبر ~~الممتنع من القسمة عليها. وقال الشافعي، في أحد القولين: لا يجبر الممتنع ~~من القسمة عليها. # وقالوا: إذا كانت الأرض ثلاثين جريبا، قيمة عشرة أجربة منها كقيمة عشرين، ~~لم يجبر الممتنع من القسمة عليها؛ لتعذر التساوي في الذرع، # PageV10P106 # ولأنه لو كان حقلان متجاوران لم يجبر الممتنع من القسمة، إذا ms5615 لم تمكن إلا ~~بأن يجعل لكل واحد منهما سهما، كذا هاهنا. ولنا، أنه مكان واحد، أمكنت ~~قسمته، وتعديله، من غير رد عوض ولا ضرر، فوجبت قسمته، كالدور. ولأن ما ~~ذكروه يفضي إلى منع وجوب القسمة في البساتين كلها والدور؛ فإنه لا يمكن ~~تساوي الشجر وبناء الدور ومساكنها إلا بالقيمة، ولأنه مكان لو بيع بعضه ~~وجبت فيه الشفعة لشريك البائع، فوجبت قسمته، كما لو أمكنت التسوية بالزرع. # وأما إذا كان بستانان، لكل واحد منهما طريق، أو حقلان، أو داران، أو ~~دكانان متجاوران أو متباعدان، فطلب أحد الشريكين قسمته، بجعل كل واحد ~~بينهما، لم يجبر الآخر على هذا، سواء كانا متساويين أو مختلفين. وهذا ظاهر ~~مذهب الشافعي؛ لأنهما شيئان متميزان، لو بيع أحدهما، لم تجب الشفعة فيه ~~لمالك الآخر، بخلاف البستان الواحد، والأرض الواحدة وإن عظمت، فإنه إذا بيع ~~بعضها، وجبت الشفعة لمالك البعض الباقي، والشفعة كالقسمة؛ لأن كل واحد ~~منهما يراد لإزالة ضرر الشركة، ونقصان التصرف، فما لا تجب قسمته، لا تجب ~~الشفعة فيه، فكذلك ما لا شفعة فيه، لا تجب قسمته، وعكس هذا ما تجب قسمته، ~~تجب فيه الشفعة، وما تجب الشفعة فيه، تجب قسمته. ولأنه لو بدا الصلاح في ~~بعض البستان، كان صلاحا لباقيه وإن كان كبيرا. ولم يكن صلاحا لما جاوزه وإن ~~كان صغيرا. ### | [فصل كان في الأرض زرع فطلب أحدهما قسمتها دون الزرع] # (8313) فصل: وإذا كان في الأرض زرع، فطلب أحدهما قسمتها دون الزرع، أجبر ~~الممتنع؛ لأن الزرع في الأرض كالقماش في الدار، فلم يمنع القسمة، كالقماش، ~~وسواء خرج الزرع، أو كان بذرا لم يخرج، فإذا قسماها، بقي الزرع بينهما ~~مشتركا، كما لو باعا الأرض لغيرهما. وإن طلب أحدهما قسمة الزرع منفردا، لم ~~يجبر الآخر عليه؛ لأن القسمة لا بد فيها من تعديل المقسوم، وتعديل الزرع ~~بالسهام لا يمكن؛ لأنه يشترط بقاؤه في الأرض المشتركة. # وإن طلب قسمتها مع الزرع، وكان قد خرج، جاز، وأجبر الممتنع عليه، سواء ~~كان قصيلا، أو اشتد الحب فيه؛ لأن الزرع كالشجر ms5616 في الأرض، والقسمة إفراز ~~حق، وليست بيعا. وإن قلنا: هي بيع. لم يجبر إذا اشتد الحب؛ لأنه يتضمن بيع ~~السنبل بعضه ببعض. ويحتمل الجواز؛ لأن السنابل هاهنا دخلت تبعا للأرض، ~~فليست المقصود، فأشبه بيع النخلة المثمرة بمثلها. # وقال الشافعي: لا يجبر الممتنع من قسمتها مع الزرع؛ لأن الزرع مودع في ~~الأرض للنقل عنها، فلم تجب قسمته معها كالقماش فيها. # PageV10P107 # ولنا، أنه ثابت فيها للنماء والنفع، فأشبه الغراس، وفارق القماش، فإنه ~~غير متصل بالدار، ولا ضرر عليه في نقله. وإن كان الزرع بذرا في الأرض، فقال ~~أصحابنا: لا تجوز قسمته؛ لجهالته، وكونه لا يمكن إفرازه. وهذا مذهب ~~الشافعي. ويحتمل الجواز؛ لأنه يدخل تبعا للأرض، فلا تضر جهالته، كأساسات ~~الحيطان، وكذلك لو اشترى أرضا فيها زرع فاشترطوا، ملكه بالشرط، وإن كان ~~بذرا مجهولا. ### | [فصل كانت الأرض لاثنين فأرادا قسمة البئر والشجرة دون الأرض] # (8314) فصل: إذا كانت بينهما أرض قيمتها مائة، في أحد جانبيها بئر قيمتها ~~مائة، وفي الآخر شجرة قيمتها مائة عدلت بالقيمة، وجعلت البئر مع نصف الأرض ~~نصيبا، والشجرة مع النصف الآخر نصيبا. فإن كانت بين ثلاثة أو أكثر؛ نظرت في ~~الأرض، فإن كانت قيمتها مائة أو أقل، لم تجب القسمة؛ لأنها إذا كانت أقل، ~~لم يمكن التعديل إلا بقسمة البئر والشجرة، وذلك مما لا تجب قسمته، وإن كانت ~~قيمتها مائة، فجعلناها سهما، والبئر سهما، والشجرة سهما، لم يحصل مع البئر ~~والشجرة شيء من الأرض، فيصير هذا كقسمة الشجر وحده، وقسمة ذلك وحده ليست ~~قسمة إجبار. # وإن كانت الأرض كبيرة القيمة، بحيث يأخذ بعض الشركاء سهامهم منها، ويبقى ~~منها شيء مع البئر والشجرة، وجبت القسمة، ومثاله أن تكون قيمة الأرض مائتين ~~وخمسين، فيجعلها مائة وخمسين سهما، ويضم إلى البئر ما قيمته خمسون، وإلى ~~الشجرة مثل ذلك، فتصير ثلاثة سهام متساوية، وفي كل سهم جزء من أجزاء الأرض، ~~فتجب القسمة حينئذ. وكذلك لو كانوا أربعة، وقيمة الأرض أربعمائة، وجبت ~~القسمة؛ لأننا نجعل ثلاثمائة منها سهمين، ومائة مع البئر والشجرة سهمين، ~~فتعدلت السهام. ms5617 # ولو كانت الأرض لاثنين، فأرادا قسمة البئر والشجرة دون الأرض، لم تكن ~~قسمة إجبار، وهكذا الأرض ذات الشجر، إذا اقتسم الشجر دون الأرض، لم تكن ~~قسمة إجبار. ولو اقتسماها بشجرها، كانت قسمة إجبار؛ لأن الشجر يدخل تبعا ~~للأرض، فيصير الجميع كالشيء الواحد، ولهذا تجب فيه الشفعة إذا بيع شيء من ~~الأرض بشجره. وإذا قسم ذلك دون الأرض، صار أصلا في القسمة، ليس بتابع لشيء ~~واحد، فيصير كأعيان مفردة من الدور والدكاكين المتفرقة، ولهذا لا تجب فيه ~~الشفعة إذا بيع مفردا. وكل قسمة غير واجبة، إذا تراضيا بها، فهي بيع، حكمها ~~حكم البيع. ### | [مسألة قسمة الإجبار] # (8315) مسألة؛ قال: (وإذا قسم، طرحت السهام، فيصير لكل واحد ما وقع سهمه ~~عليه، إلا أن يتراضيا، فيكون لكل واحد ما رضي به) # PageV10P108 # وجملته أن القسمة على ضربين؛ قسمة إجبار، وقسمة تراض. وقد ذكرنا أن قسمة ~~الإجبار ما أمكن التعديل فيها من غير رد. ولا تخلو من أربعة أقسام؛ أحدها، ~~أن تكون السهام متساوية، وقيمة أجزاء المقسوم متساوية. الثاني، أن تكون ~~السهام متساوية، وقيمة الأجزاء مختلفة. الثالث، أن تكون السهام مختلفة ~~وقيمة الأجزاء متساوية. الرابع، أن تكون السهام مختلفة، والقيمة مختلفة. # فأما الأول، فمثل أرض بين ستة، لكل واحد منهم سدسها، وقيمة أجزاء الأرض ~~متساوية، فهذه تعدلها بالمساحة ستة أجزاء متساوية؛ لأنه يلزم من تعديلها ~~بالمساحة تعديلها بالقيمة، لتساوي أجزائها في القيمة، ثم يقرع بينهم، ~~وكيفما أقرع بينهم جاز، في ظاهر كلام أحمد فإنه قال في رواية أبي داود إن ~~شاء رقاعا، وإن شاء خواتيم، يطرح ذلك في حجر من لم يحضر، ويكون لكل واحد ~~خاتم معين، ثم يقال: أخرج خاتما على هذا السهم. فمن خرج خاتمه فهو له، وعلى ~~هذا، لو أقرع بالحصى أو غيره جاز. # واختار أصحابنا في القرعة أن يكتب رقاعا متساوية بعدد السهام، وهو هاهنا ~~مخير بين أن يخرج الأسماء على السهام، وبين إخراج السهام على الأسماء، فإن ~~أخرج الأسماء على السهام، كتب في كل رقعة اسم واحد من الشركاء، وتترك في ms5618 ~~بنادق طين أو شمع متساوية القدر والوزن، ويترك في حجر من لم يحضر القسمة، ~~ويقال له: أخرج بندقة على هذا السهم. فإذا أخرجها كان ذلك السهم لمن خرج ~~اسمه في البندقة، ثم يخرج أخرى على سهم آخر، كذلك حتى يبقى الأخير، فيتعين ~~لمن بقي. وإن اختار إخراج السهام على الأسماء، كتب في الرقاع أسماء السهام، ~~فيكتب في رقعة الأول مما يلي جهة كذا، وفي أخرى الثاني، حتى يكتب الستة، ثم ~~يخرج الرقعة على واحد بعينه، فيكون له السهم الذي في الرقعة. # ويفعل ذلك حتى يبقى الأخير، فيتعين لمن بقي. وذكر أبو بكر، أن البنادق ~~تجعل طينا، وتطرح في ماء، ويعين واحد، فأي البنادق انحل الطين عنها، وخرجت ~~رقعتها على الماء، فهي له، وكذلك الثاني والثالث وما بعده، فإن خرج اثنان ~~أعيد الإقراع والأول أولى وأسهل. القسم الثاني، أن تكون السهام متفقة ~~والقيمة مختلفة، فإن الأرض تعدل بالقيمة، وتجعل ستة أسهم متساوية القيمة. ~~ويفعل في إخراج السهام مثل الذي قبله سواء، لا فرق بينهما إلا أن التعديل ~~تم بالسهام، وها هنا بالقيمة. # القسم الثالث، أن تكون القيمة متساوية والسهام مختلفة؛ مثل أرض بين ~~ثلاثة، لأحدهم نصفها، وللآخر ثلثها، وللآخر سدسها، وأجزاؤها متساوية ~~القيمة، فإنها تجعل سهاما بقدر أقلها، وهو السدس، فتجعل ستة أسهم، وتعدل ~~بالأجزاء، ويكتب ثلاث رقاع بأسمائهم، ويخرج رقعة على السهم الأول، فإن خرجت ~~لصاحب # PageV10P109 # السدس، أخذه، ثم يخرج أخرى على الثاني، فإن خرجت لصاحب الثلث، أخذ الثاني ~~والثالث، وكانت الثلاثة الباقية لصاحب النصف بغير قرعة، وإن خرجت القرعة ~~الثانية لصاحب النصف، أخذ الثاني والثالث والرابع، وكان الخامس والسادس ~~لصاحب الثلث، وإن خرجت القرعة الأولى لصاحب النصف، أخذ الثلاثة الأول، ~~وتخرج الثانية على الرابع، فإن خرجت لصاحب الثلث، أخذه والذي يليه، وكان ~~السادس لصاحب السدس، فإن خرجت الثانية لصاحب السدس، أخذه، وأخذ الآخر ~~الخامس والسادس، وإن خرجت الأولى لصاحب الثلث، أخذ الأول والثاني، ثم يخرج ~~الثانية على الثالث، فإن خرجت لصاحب النصف، أخذ الثالث والرابع والخامس، ~~وأخذ الآخر السادس، ms5619 وإن خرجت الثانية لصاحب السدس، أخذه، وأخذ صاحب النصف ~~ما بقي. # وقيل: تكتب ستة رقاع، باسم صاحب النصف ثلاث، وباسم صاحب الثلث اثنان، ~~وباسم صاحب السدس واحدة. وهذا لا فائدة فيه؛ فإن المقصود خروج اسم صاحب ~~النصف، وإذا كتب ثلاث رقاع حصل المقصود فأغنى. ولا يصح أن يكتب رقاعا ~~بأسماء السهام، ويخرجها على أسماء الملاك؛ لأنه إذا أخرج واحدة فيها السهم ~~الثاني لصاحب السدس، ثم أخرج أخرى لصاحب النصف أو الثلث فيهما السهم الأول، ~~احتاج أن يأخذ نصيبه متفرقا، فيتضرر بذلك. # القسم الرابع، إذا اختلفت السهام والقيمة، فإن القاسم يعدل السهام ~~بالقيمة، ويجعلها ستة أسهم متساوية القيم، ثم يخرج الرقاع فيها الأسماء على ~~السهام، كما ذكرنا في القسم الثالث سواء، لا فضل بينهما، إلا أن التعديل ~~هاهنا بالقيم، وفي التي قبلها بالمساحة. وأما الضرب الثاني، وهي قسمة ~~التراضي التي فيها رد، ولا يمكن تعديل السهام إلا أن يجعل مع بعضها عوض، ~~فهذه لا إجبار فيها؛ لأنها معاوضة، ولا يجبر على المعاوضة، وكذلك سائر ما ~~لا تجب قسمته، كالدارين تجعل كل واحدة منهما سهما، وما يدخل الضرر عليهما ~~بقسمته، وأشباه هذا، وقد ذكرنا منه صورا فيما تقدم. إذا ثبت هذا، فإن قسمة ~~الإجبار تلزم بإخراج القرعة؛ لأن قرعة قاسم الحاكم بمنزلة حكمه فيلزم ~~بإخراجها كلزوم حكم الحاكم. # وأما قسمة التراضي، ففيها وجهان؛ أحدهما، تلزمه أيضا، كقسمة الإجبار؛ لأن ~~القاسم كالحاكم، وقرعته كحكمه. والثاني، لا تلزم؛ لأنها بيع، والبيع يلزم ~~بالتراضي، لا بالقرعة، وإنما القرعة هاهنا لتعريف البائع من المشتري، فأما ~~إن تراضيا على أن يأخذ كل واحد منهما واحدا من السهمين بغير قرعة، فإنه ~~يجوز؛ لأن الحق لهما، ولا يخرج عنهما، وكذلك لو خير أحدهما صاحبه فاختار، ~~ويلزم هاهنا بالتراضي وتفرقهما، كما يلزم البيع. # PageV10P110 ### | [فصل للشريكين أن يقتسما بأنفسهما وأن يأتيا الحاكم لينصب بينهما قاسما] # (8316) فصل: ويجوز للشريكين أن يقتسما بأنفسهما، وأن يأتيا الحاكم لينصب ~~بينهما قاسما يقسم لهما، وأن ينصبا قاسما يقسم لهما، فإن نصب الحاكم قاسما ~~لهما، فمن شرطه ms5620 العدالة، ومعرفة الحساب والقيمة والقسمة، ليوصل إلى كل ذي ~~حق حقه. وهذا قول الشافعي، إلا أنه يشترط كونه حرا. # وإن نصبا قاسما بينهما، فكان على صفة قاسم الحاكم في العدالة والمعرفة، ~~فهو كقاسم الحاكم، في لزوم قسمته بالقرعة، وإن كان كافرا، أو فاسقا، أو غير ~~عارف بالقسمة، لم تلزم قسمته إلا بتراضيهما بها، ويكون وجوده كعدمه، فيما ~~يرجع إلى لزوم القسمة. ويجزئ قاسم واحد فيما لا يحتاج إلى تقويم، فإن احتاج ~~القسم إلى التقويم، احتاج إلى قاسمين؛ لأنه يحتاج إلى أن يكون المقوم ~~اثنين، ولا يكفي في التقويم واحد. فمتى نصبا قاسما أو نصبه الحاكم، وكانت ~~الشروط فيه متحققة، لزمت القسمة بقرعته. وإن اختل فيه بعض الشروط، لم تلزم ~~القسمة إلا بتراضيهما؛ لأن وجوده وعدمه واحد. وإن قسما بأنفسهما، وأقرعا، ~~لم تلزم القسمة إلا بتراضيهما بعد القرعة؛ لأنه لا حاكم بينهما، ولا من ~~يقوم مقامه. ### | [فصل أجرة القسمة] # (8317) فصل: وعلى الإمام أن يرزق القاسم من بيت المال؛ لأن هذا من ~~المصالح، وقد روي أن عليا - رضي الله عنه - اتخذ قاسما، وجعل له رزقا من ~~بيت المال. فإن لم يرزقه الإمام، قال الحاكم للمتقاسمين: ادفعا إلى القاسم ~~أجرة ليقسم بينكما. فإن استأجره كل واحد منهما بأجر معلوم ليقسم نصيبه، ~~جاز، وإن استأجروه جميعا إجارة واحدة ليقسم بينهم الدار بأجر واحد معلوم، ~~لزم كل واحد منهم من الأجر بقدر نصيبه من المقسوم. وبهذا قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يكون عليهم على عدد رءوسهم؛ لأن عمله في نصيب أحدهما ~~كعمله في نصيب الآخر، سواء تساوت سهامهم أو اختلفت، فإن الأجر بينهم سواء. ~~ولنا أن أجر القسمة يتعلق بالملك، فكان بينهم على قدر الأملاك، كنفقه ~~العبد، وما ذكروه لا يصح؛ لأن العمل في أكبر النصيبين أكثر، ألا ترى أن ~~المقسوم لو كان مكيلا أو موزونا، كان كيل الكثير أكثر عملا من كيل القليل، ~~وكذلك الوزن والزرع، وعلى أنه يبطل بالحافظ، فإن حفظ القليل والكثير سواء، ~~ويختلف أجره باختلاف المال. # (8318) فصل: وأجرة القسمة بينهما وإن ms5621 كان أحدهما الطالب لها. وبهذا قال ~~أبو يوسف، ومحمد، والشافعي. وقال أبو حنيفة: هي على الطالب للقسمة؛ لأنها ~~حق له. ولنا، أن الأجرة تجب بإفراز الأنصباء، وهم فيها سواء، فكانت الأجرة ~~عليهما، كما لو تراضوا عليها. # PageV10P111 ### | [فصل ادعى أحد المتقاسمين غلطا في القسمة وأنه أعطي دون حقه] # (8319) فصل: وإذا ادعى أحد المتقاسمين غلطا في القسمة، وأنه أعطي دون ~~حقه؛ نظرت، فإن كانت قسمته تلزم بالقرعة، ولا تقف على تراضيهما، فالقول قول ~~المدعى عليه مع يمينه، ولا تقبل دعوى المدعي إلا ببينة عادلة، فإن أقام ~~شاهدين عدلين، نقضت القسمة وأعيدت، وإن لم تكن بينة، وطلب يمين شريكه أنه ~~لا فضل معه، أحلف له. وإنما قدمنا قول المدعى عليه؛ لأن الظاهر صحة القسمة، ~~وأداء الأمانة فيها. وإن كانت مما لا تلزم إلا بالتراضي، كالذي قسماه ~~بأنفسهما ونحوه، لم تسمع دعوى من ادعى الغلط. هكذا قال أصحابنا. # وهو مذهب الشافعي؛ لأنه قد رضي بذلك، ورضاه بالزيادة في نصيب شريكه تلزمه ~~والصحيح عندي أن هذه كالتي قبلها، وأنه متى أقام البينة بالغلط، نقضت ~~القسمة؛ لأن ما ادعاه محتمل ثبت ببينة عادلة، فأشبه ما لو شهد على نفسه ~~بقبض الثمن أو المسلم فيه، ثم ادعى غلطا في كيله أو وزنه. وقولهم: إن حقه ~~من الزيادة سقط برضاه. # لا يصح؛ فإنه إنما يسقط مع علمه، أما إذا ظن أنه أعطي حقه فرضي بناء على ~~هذا، ثم بان له الغلط، فلا يسقط به حقه كالثمن والمسلم فيه؛ فإنه لو قبض ~~المسلم فيه بناء على أنه عشرة مكاييل، راضيا بذلك ثم ثبت أنه ثمانية، أو ~~ادعى المسلم إليه أنه غلط فأعطاه اثني عشر وثبت ذلك ببينة، لم يسقط حق واحد ~~منهما بالرضا، ولا يمنع سماع دعواه وبينته، ولأن المدعى عليه في مسألتنا لو ~~أقر بالغلط، لنقضت القسمة، ولو سقط حق المدعي بالرضى، لما نقضت القسمة ~~بإقراره، كما لو وهبه الزائد، وقد ذكر أصحابنا وغيرهم في من باع دارا على ~~أنها عشرة أذرع، فبانت تسعة أو أحد عشر، أن ms5622 البيع باطل في أحد الوجهين، وفي ~~الآخر، تكون الزيادة للبائع، والنقص عليه. # والبيع إنما يلزم بالتراضي، فلو كان التراضي يسقط حقه من الزيادة، لسقط ~~حق البائع من الزيادة، وحق المشتري من النقص. والله أعلم. ولأن من رضي بشيء ~~بناء على ظن تبين خلافه، لم يسقط به حقه، كما لو اقتسما شيئا، وتراضيا به، ~~ثم بان نصيب أحدهما مستحقا. فإن قيل: فلم لا تعطي المظلوم حقه في هاتين ~~المسألتين، ولا تنقص القسمة، كما لو تبين الغلط في الثمن، أو المسلم فيه. ~~قلنا: لأن الغلط هاهنا في نفس القسمة، بتفويت شرط من شروطها، وهو تعديل ~~السهام، فتبطل لفوات شرطها، وفي المسلم والثمن الغلط في القبض دون العقد، ~~فإن العقد قد تم بشروطه، فلا يؤثر الغلط في قبض عوضه في صحته، بخلاف ~~مسألتنا. # PageV10P112 ### | [فصل اقتسم الشريكان شيئا فبان بعضه مستحقا] # (8320) فصل: إذا اقتسم الشريكان شيئا، فبان بعضه مستحقا؛ نظرت، فإن كان ~~معينا في نصيب أحدهما، بطلت القسمة. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا ~~تبطل، بل يخير من ظهر المستحق في نصيبه بين الفسخ والرجوع بما بقي من حقه، ~~كما لو وجد عيبا فيما أخذه. ولنا، أنها قسمة لم تعدل فيها السهام، فكانت ~~باطلة، كما لو فعلا ذلك مع علمهما بالحال. وأما إذا بان نصيب أحدهما معيبا، ~~فيحتمل أن تمنع المسألة، فنقول ببطلان القسمة؛ لعدم التعديل بالقيمة، ~~ويحتمل أن يفرق بينهما، فإن العيب لا يمكن التحرز منه، فلم يؤثر في ~~البطلان، كالبيع. # وإن كان المستحق في نصيبهما على السواء، لم تبطل القسمة؛ لأن ما يبقى لكل ~~واحد منهما بعد المستحق قدر حقه، ولأن القسمة إفراز حق أحدهما من الآخر، ~~وقد أفرز كل واحد منهما حقه، إلا أن يكون ضرر المستحق في نصيب أحدهما أكثر، ~~مثل أن يسد طريقه، أو مجرى مائه، أو وضوئه، أو نحو هذا، فتبطل القسمة؛ لأن ~~هذا يمنع التعديل. وإن كان المستحق في نصيب أحدهما أكثر من الآخر، بطلت؛ ~~لما ذكرناه. وإن كان المستحق مشاعا في نصيبهما، بطلت القسمة؛ لأن ms5623 الثالث ~~شريكهما وقد اقتسما من غير حضوره ولا إذنه، فأشبه ما لو كان لهما شريك ~~يعلمانه، فاقتسما دونه. وإن كانا يعلمان المستحق حال القسمة، أو أحدهما، ~~فالحكم فيها كما لو لم يعلماه، على ما ذكرنا من التفصيل فيه. والله أعلم. # (8321) فصل: وإذا ظهر في نصيب أحدهما عيب لم يعلمه قبل القسمة، فله فسخ ~~القسمة أو الرجوع بأرش العيب؛ لأنه نقص في نصيبه، فملك ذلك، كالمشتري. ~~ويحتمل أن تبطل القسمة؛ لأن التعديل فيها شرط، ولم يوجد، بخلاف البيع. ### | [فصل اقتسما دارين فأخذ كل واحد منهما دارا وبنى فيها ثم استحق نصيبه] # (8322) فصل: وإذا اقتسما دارين، فأخذ كل واحد منهما دارا، وبنى فيها، أو ~~اقتسما أرضين، فبنى أحدهما في نصيبه أو غرس، ثم استحق نصيبه، ونقض بناؤه، ~~وقلع غرسه، فإنه يرجع على شريكه بنصف البناء والغرس. ذكره # PageV10P113 # الشريف أبو جعفر، وحكاه أبو الخطاب عن القاضي. # وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: ليس له الرجوع عليه بشيء؛ لأنه بنى وغرس ~~باختيار نفسه، فلم يرجع بنقص ذلك على غيره، كما لو بنى في ملك نفسه. ولنا، ~~أن هذه القسمة بمنزلة البيع؛ فإن الدارين لا يقسمان قسمة إجبار على أن تكون ~~كل واحدة منهما نصيبا، وإنما يقسمان كذلك بالتراضي، فتكون جارية مجرى ~~البيع، ولو باعه الدار جميعها، ثم بانت مستحقة، رجع عليه بالبناء كله، فإذا ~~باعه نصفها، رجع عليه بنصفه، وكذلك يخرج في كل قسمة جارية مجرى البيع، وهي ~~قسمة التراضي، الذي فيه رد عوض، وما لا يجبر على قسمته لضرر فيه، ونحو ذلك. # فأما قسمة الإجبار، إذا ظهر نصيب أحدهما مستحقا بعد البناء والغرس فيه، ~~فنقض البناء، وقلع الغرس، فإن قلنا: القسمة بيع. فالحكم فيها كذلك، وإن ~~قلنا: ليست بيعا. لم يرجع؛ لأن شريكه لم يغره، ولم ينقل إليه من جهته بيع، ~~وإنما أفرز حقه من حقه، فلم يضمن له ما غرم فيه. هذا الذي يقتضيه قول ~~أصحابنا. ### | [فصل اقتسم الورثة تركة الميت ثم بان عليه دين] # (8323) فصل: وإذا اقتسم الورثة تركة الميت، ثم ms5624 بان عليه دين لا وفاء له ~~إلا مما اقتسموه، لم تبطل القسمة؛ لأن تعلق الدين بالتركة لا يمنع صحة ~~التصرف فيها، لأنه تعلق بها بغير رضاهم، فأشبه تعلق دين الجناية برقبة ~~الجاني، ويفارق الرهن؛ لأن الحق يتعلق به برضا مالكه واختياره. فعلى هذا ~~يقال للورثة: إن شئتم وفيتم الدين والقسمة بحالها، وإن أبيتم نقضت القسمة ~~وبيعت التركة في الدين. # فإن أجاب أحدهم، وامتنع الآخر، بيع نصيب الممتنع وحده، وبقي نصيب المجيب ~~بحاله. وإن كان ثم وصية بجزء من المقسوم، فالحكم فيه كما لو ظهر مستحقا، ~~على ما مر من التفصيل فيه؛ لأنه يستحق أخذه. وإن كانت الوصية بمال غير ~~معين، مثل أن يوصي بمائة دينار، فحكمها حكم الدين، على ما بينا. ### | [فصل طلب أحد الشريكين من الآخر المهايأة من غير قسمة] # (8324) فصل: وإذا طلب أحد الشريكين من الآخر المهايأة من غير قسمة، إما ~~في الأجزاء بأن يجعل لأحدهما بعض الدار يسكنها، أو بعض الحقل يزرعه، ويسكن ~~الآخر، ويزرع في الباقي، أو يسكن أحدهما، ويزرع سنة، ويسكن الآخر، ويزرع ~~سنة أخرى، لم يجبر الممتنع منهما. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة، ~~ومالك: يجبر؛ لأن في الامتناع منه ضررا، فينتفي بقوله - عليه السلام -: «لا ~~ضرر ولا ضرار» . ووافقنا أبو حنيفة في العبيد خاصة، على أنه لا يجبر على ~~المهايأة. ولنا، أن المهايأة معاوضة، فلا يجبر عليها كالبيع، ولأن حق كل ~~واحد في المنفعة عاجل، فلا يجوز # PageV10P114 # تأخيره بغير رضاه، كالدين، وكما في العبيد عند أبي حنيفة، ويخالف قسمة ~~الأصل، فإنه إفراز النصيبين، وتمييز أحد الحقين. # إذا ثبت هذا، فإنهما إذا اتفقا على المهايأة، جاز؛ لأن الحق لهما فجاز ~~فيه ما تراضيا عليه، كقسمة التراضي، ولا يلزم، بل متى رجع أحدهما عنها، ~~انتقضت المهايأة. ولو طلب أحدهما القسمة، كان له ذلك، وانتقضت المهايأة. ~~ووافق أبو حنيفة وأصحابه في انتقاضها بطلب القسمة. وقال مالك: تلزم ~~المهايأة؛ لأنه يجبر عليها عنده، فلزمت، كقسمة الأصل. ولنا، أنه بذل منافع ~~ليأخذ منافع من غير إجارة، فلم يلزم، ms5625 كما لو أعاره شيئا ليعيره شيئا آخر ~~إذا احتاج إليه، وفارق القسمة، فإنها إفراز حق، على ما ذكرناه. ### | [فصل اقتسموا دارا وحصل لبعضهم فيها زيادة أذرع ولبعضهم نقصان ثم باعوا الدار جملة واحدة] # (8325) فصل: قال أحمد، في قوم اقتسموا دارا، وحصل لبعضهم فيها زيادة ~~أذرع، ولبعضهم نقصان، ثم باعوا الدار جملة واحدة: قسمت الدار بينهم على قدر ~~الأذرع. يعني أن الثمن يقسم بينهم على قدر ملكهم فيها، وهذا محمول على أن ~~زيادة أحدهما في الأذرع كزيادة ملكه فيها. مثل أن يكون لأحدهما الخمسان، ~~فيحصل له أربعون ذراعا، وللآخر ثلاثة أخماس، فيحصل له ستون، فإن الثمن يقسم ~~بينهما أخماسا على قدر ملكهما في الدار، فإن كانت زيادة الأذرع لرداءة ما ~~أخذه صاحبها، مثل دار بينهما نصفين، فأخذ أحدهما بنصيبه من جيدها أربعين ~~ذراعا، وأخذ الآخر من رديئها ستين ذراعا، فلا ينبغي أن يقسم الثمن على قدر ~~الأذرع، بل يقسم بينهما نصفين؛ لأن الستين هاهنا معدولة بالأربعين، فكذلك ~~يعدل بها في الثمن. والله أعلم. # وقال أحمد، في قوم اقتسموا دارا كانت أربعة سطوح، يجري عليها الماء، فلما ~~اقتسموا أراد أحدهم منع جريان ماء الآخر عليه، وقال: هذا شيء قد صار لي. ~~قال: إن كان بينهما شرط أنه يرد الماء، فله ذلك فإن لم يشترط، فليس له منعه ~~ووجهه أنهم اقتسموا الدار وأطلقوا، فاقتضى ذلك أن يملك كل واحد حصته ~~بحقوقها، وكما لو اشتراها بحقوقها، ومن حقها جريان مائها في ماء كان يجري ~~إليه معتاد له، وهو على سطح المانع، فلهذا استحقه حالة الإطلاق، فإن تشارطا ~~على رده، فالشرط أملك، والمؤمنون على شروطهم. # وقال أبو الخطاب: إذا اقتسما دارا، فحصل الطريق في نصيب أحدهما، وكان ~~لنصيب الآخر منفذ يتطرق منه، وإلا بطلت القسمة؛ وذلك لأن القسمة تقتضي ~~التعديل، والنصيب الذي لا طريق له لا قيمة له إلا # PageV10P115 # قيمة قليلة، فلا يحصل التعديل، ولأن من شرط الإجبار على القسمة، أن يكون ~~ما يأخذه كل واحد منهما يمكن الانتفاع به، وهذا لا ينتفع به آخذه، ms5626 فإن كان ~~قد أخذه راضيا به، عالما بأنه لا طريق له، جاز؛ لأن قسمة التراضي بيع، ~~وشراؤه على هذا الوجه جائز، وقياس المسألة التي قبل هذه، أن الطريق تبقى ~~بحالها في نصيب الآخر، ما لم يشترط صرفها عنه، كمجرى الماء. والله أعلم. ### | [فصل للأب والوصي قسمة مال الصغير مع شريكه] # (8326) فصل: قال: وللأب والوصي قسمة مال الصغير مع شريكه؛ لأن القسمة إما ~~إفراز حق، أو بيع، وكلاهما جائز لهما، ولأن في القسمة مصلحة للصبي، فجازت، ~~كالشراء له، ويحوز لهما قسمة التراضي من غير زيادة في العوض؛ لأن فيه دفعا ~~لضرر الشركة، فأشبه ما لو باعه لضرر الحاجة إلى قضاء الدين، أو الحاجة إلى ~~النفقة. ### | [فصل الألفاظ التي تنعقد بها ولاية القضاء] # (8327) فصل: ولا تصح ولاية القضاء إلا بتولية الإمام، أو من فوض الإمام ~~إليه ذلك، فإن كان من ولاه ليس بعدل، فهل تصح ولايته؟ على وجهين. ويلزم ~~الإمام أن يختار للقضاء بين المسلمين أفضل من يقدر عليه لهم. والألفاظ التي ~~تنعقد بها الولاية تنقسم إلى صريح وكناية، فالصريحة سبعة ألفاظ؛ وهي: قد ~~وليتك الحكم، وقلدتك، واستنبتك، واستخلفتك، ورددت إليك الحكم، وفوضت إليك، ~~وجعلت إليك. فإذا وجد أحد هذه الألفاظ من المولي، وجوابها من المولي ~~بالقبول، انعقدت الولاية. وأما الكناية، فهي أربعة ألفاظ: قد اعتمدت عليك، ~~وعولت عليك، ووكلت إليك، وأسندت إليك. فلا تنعقد الولاية بها حتى تقترن بها ~~قرينة، نحو قوله: فاحكم فيما وكلت إليك، وانظر فيما أسندت إليك، وتول ما ~~عولت فيه عليك. # وإذا صحت الولاية، وكانت عامة، استفاد بها النظر في عشرة أشياء: فصل ~~الخصومات بين المتنازعين، واستيفاء الحق ممن ثبت عليه، ودفعه إلى مستحقه، ~~والنظر في أموال اليتامى والمجانين، والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو ~~فلس، والنظر في الوقوف، في عمله في حفظ أصولها، وإجراء فروعها على ما شرطه ~~الواقف، وتزويج الأيامى اللاتي لا أولياء لهن، وإقامة الحدود والنظر في ~~مصالح المسلمين، في عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين، وأفنيتهم، وتصفح حال ~~شهوده وأمنائه، # PageV10P116 # والاستبدال ms5627 بمن ثبت جرحه منهم، والإمامة في صلاة الجمعة والعيد. وفي ~~جباية الخراج، وأخذ الصدقة وجهان. (8328) فصل: قال ويوصي الوكلاء والأعيان ~~على بابه بتقوى الله تعالى، والرفق بالخصوم، وقلة الطمع، ويجتهد أن لا ~~يكونوا شيوخا أو كهولا من أهل الدين والصيانة والعفة. ### | [فصل يكره للقاضي أن يفتي في الأحكام] # (8329) فصل: قال ابن المنذر: يكره للقاضي أن يفتي في الأحكام. كان شريح ~~يقول: أنا أقضي ولا أفتي. وأما الفتيا في الطهارة وسائر ما لا يحكم في ~~مثله، فلا بأس بالفتيا فيه. # PageV10P117 ### | [كتاب الشهادات] # والأصل في الشهادات الكتاب والسنة والإجماع والعبرة؛ أما الكتاب، فقول ~~الله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ~~ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] . وقال تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} ~~[الطلاق: 2] . {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] . # وأما السنة، فما روى وائل بن حجر، قال: «جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا ~~غلبني على أرض لي. فقال الكندي: هي أرضي، وفي يدي، وليس له فيها حق. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - للحضرمي: ألك بينة؟ . قال: لا. قال: فلك ~~يمينه. قال: يا رسول الله، الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس ~~يتورع من شيء. قال: ليس لك منه إلا ذلك. قال: فانطلق الرجل ليحلف له، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أدبر: لئن حلف على ماله ليأكله ظلما، ~~ليلقين الله وهو عنه معرض» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وروى محمد بن عبيد الله العزرمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى ~~عليه» . قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، والعزرمي يضعف في الحديث من ~~قبل حفظه، ضعفه ابن المبارك وغيره، إلا أن أهل العلم أجمعوا على هذا. قال ~~الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وغيرهم. ولأن الحاجة داعية ms5628 إلى الشهادة لحصول التجاحد بين الناس، ~~فوجب الرجوع إليها. قال شريح: القضاء جمر، فنحه عنك بعودين. يعني الشاهدين. ~~وإنما الخصم داء، والشهود شفاء، فأفرغ الشفاء على الداء. ### | [فصل تحمل الشهادة وأداؤها] # (8330) فصل: وتحمل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية؛ لقول الله تعالى: ~~{ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] . # PageV10P128 # وقال تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: ~~283] . وإنما خص القلب بالإثم؛ لأنه موضع العلم بها، ولأن الشهادة أمانة، ~~فلزم أداؤها، كسائر الأمانات. إذا ثبت هذا، فإن دعي إلى تحمل شهادة في نكاح ~~أو دين أو غيره، لزمته الإجابة، وإن كانت عنده شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ~~ذلك، فإن قام بالفرض في التحمل أو الأداء اثنان، سقط عن الجميع، وإن امتنع ~~الكل أثموا، وإنما يأثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر، وكانت شهادته تنفع، ~~فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء، أو كان ممن لا تقبل شهادته، أو ~~يحتاج إلى التبذل في التزكية ونحوها، لم يلزمه؛ لقول الله تعالى: {ولا يضار ~~كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] . # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» . ولأنه لا يلزمه ~~أن يضر بنفسه لنفع غيره. وإذا كان ممن لا تقبل شهادته، لم يجب عليه؛ لأن ~~مقصود الشهادة لا يحصل منه. وهل يأثم بالامتناع إذا وجد غيره ممن يقوم ~~مقامه؟ فيه وجهان: أحدهما، يأثم؛ لأنه قد تعين بدعائه، ولأنه منهي عن ~~الامتناع بقوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] . والثاني، ~~لا يأثم؛ لأن غيره يقوم مقامه، فلم يتعين في حقه، كما لو لم يدع إليها. ~~فأما قول الله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] . # فقد قرئ بالفتح والرفع، فمن رفع فهو خبر، معناه النهي، ويحتمل معنيين؛ ~~أحدهما، أن يكون الكاتب فاعلا؛ أي لا يضر الكاتب والشهيد من يدعوه، بأن لا ~~يجيب، أو يكتب ما لم يستكتب، أو يشهد ما لم يستشهد به. والثاني، أن يكون " ~~يضار " فعل ما لم يسم فاعله، فيكون معناه ومعنى الفتح واحدا؛ أي لا يضر ms5629 ~~الكاتب والشهيد بأن يقطعهما عن شغلهما بالكتابة والشهادة، ويمنعا حاجتهما. ~~واشتقاق الشهادة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عما يشاهده. وقيل: لأن ~~الشاهد بخبره جعل الحاكم كالمشاهد للمشهود عليه، وتسمى بينة؛ لأنها تبين ما ~~التبس، وتكشف الحق فيما اختلف فيه. ### | [مسألة الشهود في الزنى] # (8331) مسألة قال: (ولا يقبل في الزنى إلا أربعة رجال عدول أحرار مسلمين) ~~. # PageV10P129 # أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود. وقد نص الله ~~تعالى عليه بقوله سبحانه: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا ~~بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] . في آي سواها. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أربعة، وإلا حد في ~~ظهرك» في أخبار سوى هذا. وأجمعوا على أنه يشترط كونهم مسلمين، عدولا، ظاهرا ~~وباطنا، وسواء كان المشهود عليه مسلما أو ذميا. وجمهور العلماء على أنه ~~يشترط أن يكونوا رجالا أحرارا، فلا تقبل شهادة النساء ولا العبيد. وبه يقول ~~مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وشذ أبو ثور، فقال: تقبل فيه شهادة العبيد. # وحكي عن عطاء، وحماد، أنهما قالا: تجوز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين؛ لأنه ~~نقص واحد من عدد الرجال، فقام مقامه امرأتان، كالأموال. ولنا، ظاهر الآية، ~~وأن العبد مختلف في شهادته في المال، فكان ذلك شبهة في الحد؛ لأنه بالشبهات ~~يندرئ، ولا يصح قياس هذا على الأموال؛ لخفة حكمها، وشدة الحاجة إلى ~~إثباتها، لكثرة وقوعها، والاحتياط في حفظها، ولهذا زيد في عدد شهود الزنى ~~على شهود المال. # (8332) فصل: وفي الإقرار بالزنى روايتان، ذكرهما أبو بكر. وللشافعي فيه ~~قولان؛ أحدهما، يثبت بشاهدين؛ قياسا على سائر الأقارير. والثاني، لا يثبت ~~إلا بأربعة؛ لأنه موجب لحد الزنى، أشبه فعله. ### | [مسألة الشهود فيما سوى الأموال مما يطلع عليه الرجال] # (8333) مسألة؛ قال: (ولا يقبل فيما سوى الأموال، مما يطلع عليه الرجال، ~~أقل من رجلين) وهذا القسم نوعان؛ أحدهما، العقوبات، وهي الحدود والقصاص فلا ~~يقبل فيه إلا شهادة رجلين، إلا ما روي عن عطاء، وحماد، أنهما قالا: يقبل ~~فيه رجل وامرأتان؛ قياسا ms5630 على الشهادة في الأموال. # ولنا، أن هذا مما يحتاط لدرئه وإسقاطه، ولهذا يندرئ بالشبهات، ولا تدعو ~~الحاجة إلى إثباته، وفي شهادة النساء شبهة، بدليل قوله تعالى: {أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] . وأنه لا تقبل شهادتهن وإن ~~كثرن، ما لم يكن معهن رجل، فوجب أن لا تقبل شهادتهن فيه. ولا يصح قياس هذا ~~على المال، لما ذكرنا من الفرق. وبهذا الذي ذكرنا قال سعيد بن المسيب، ~~والشعبي، والنخعي، وحماد، والزهري، وربيعة، ومالك، # PageV10P130 # والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. # واتفق هؤلاء وغيرهم على أنها تثبت بشهادة رجلين، ما خلا الزنى، إلا ~~الحسن؛ فإنه قال: الشهادة على القتل، كالشهادة على الزنى؛ لأنه يتعلق به ~~إتلاف النفس، فأشبه الزنى. ولنا، أنه أحد نوعي القصاص، فأشبه القصاص في ~~الطرف، وما ذكره من الوصف لا أثر له، فإن الزنى الموجب للحد لا يثبت إلا ~~بأربعة، ولأن حد الزنى حق لله تعالى يقبل الرجوع عن الإقرار به. ويعتبر في ~~شهداء هذا النوع من الحرية والذكورية والإسلام والعدالة، ما يعتبر في شهداء ~~الزنى، على ما سنذكره، إن شاء الله تعالى. # الثاني، ما ليس بعقوبة كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتاق، والإيلاء، ~~والظهار، والنسب، والتوكيل، والوصية إليه، والولاء، والكتابة، وأشباه هذا. ~~فقال القاضي: المعول عليه في المذهب، أن هذا لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، ~~ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال. وقد نص أحمد في رواية الجماعة، على أنه لا ~~تجوز شهادة النساء في النكاح والطلاق. وقد نقل عن أحمد، في الوكالة: إن ~~كانت بمطالبة دين - يعني تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين - فأما غير ذلك فلا. # ووجه ذلك؛ أن الوكالة في اقتضاء الدين يقصد منها المال، فيقبل فيما شهادة ~~رجل وامرأتين، كالحوالة. قال القاضي: فيخرج من هذا، أن النكاح وحقوقه، من ~~الرجعة وشبهها، لا تقبل فيها شهادة النساء رواية واحدة، وما عداه يخرج على ~~روايتين. وقال أبو الخطاب: يخرج في النكاح والعتاق أيضا روايتان؛ إحداهما، ~~لا تقبل فيه إلا شهادة رجلين. وهو قول النخعي، والزهري، ومالك، وأهل ~~المدينة، والشافعي. ms5631 وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وربيعة، في الطلاق. ~~والثانية، تقبل فيه شهادة رجلين وامرأتين. روي ذلك عن جابر بن زيد، وإياس ~~بن معاوية، والشعبي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # وروي ذلك في النكاح عن عطاء واحتجوا بأنه لا يسقط بالشبهة، فيثبت برجل ~~وامرأتين، كالمال. ولنا، أنه ليس بمال، ولا المقصود منه المال ويطلع عليه ~~الرجال، فلم يكن للنساء في شهادته مدخل، كالحدود والقصاص. وما ذكروه لا ~~يصح؛ فإن الشبهة لا مدخل لها في النكاح، وإن تصور بأن تكون المرأة مرتابة ~~بالحمل، لم يصح النكاح. (8334) فصل: وقد نقل عن أحمد - رضي الله عنه - في ~~الإعسار ما يدل على أنه لا يثبت إلا بثلاثة؛ لحديث قبيصة بن المخارق: # PageV10P131 # «حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، لقد أصابت فلانا فاقة» . # قال أحمد: هكذا جاء الحديث. فظاهر هذا أنه أخذ به. وروي عنه، أنه لا يقبل ~~قوله إنه وصى، حتى يشهد له رجلان، أو رجل عدل. فظاهر هذا أنه يقبل في ~~الوصية شهادة رجل واحد. وقال في الرجل: يوصي ولا يحضره إلا النساء. قال: ~~أجيز شهادة النساء. فظاهر هذا أنه أثبت الوصية بشهادة النساء على الانفراد، ~~إذا لم يحضره الرجال. قال القاضي: والمذهب أن هذا كله لا يثبت إلا بشاهدين، ~~وحديث قبيصة في حل المسألة، لا في الإعسار. (8335) فصل: ولا يثبت شيء من ~~هذين النوعين بشاهد ويمين المدعي؛ لأنه إذا لم يثبت بشهادة رجل وامرأتين، ~~فلئلا يثبت بشهادة واحد ويمين أولى. قال أحمد، ومالك، في الشاهد واليمين: ~~إنما يكون ذلك في الأموال خاصة، لا يقع في حد، ولا نكاح، ولا طلاق، ولا ~~عتاقة، ولا سرقة، ولا قتل. # وقد قال الخرقي: إذا ادعى العبد أن سيده أعتقه، وأتى بشاهد، حلف مع ~~شاهده، وصار حرا. ونص عليه أحمد. وقال في شريكين في عبد، ادعى كل واحد ~~منهما أن شريكه أعتق حقه منه، وكانا معسرين عدلين: فللعبد أن يحلف مع كل ~~واحد منهما ويصير حرا، أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا. فيخرج مثل هذا في ms5632 ~~الكتابة، والولاء، والوصية، الوديعة، والوكالة، فيكون في الجميع روايتان، ~~ما خلا العقوبات البدنية، والنكاح، وحقوقه، فإنها لا تثبت إلا بشاهد ويمين، ~~قولا واحدا. قال القاضي: المعمول عليه في جميع ما ذكرناه، أنه لا يثبت إلا ~~بشاهدين. وهو قول الشافعي. # وروى الدارقطني، بإسناده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «استشرت جبريل في القضاء باليمين مع الشاهد، فأشار علي في ~~الأموال، لا تعد ذلك» . وقال عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أنه قضى بالشاهد واليمين؟» قال: نعم في الأموال. وتفسير ~~الراوي أولى من تفسير غيره. رواه الإمام أحمد، وغيره، بإسنادهم. # PageV10P132 ### | [مسألة الشهود في الأموال] # (8336) مسألة؛ قال: (ولا يقبل في الأموال أقل من رجل وامرأتين، ورجل عدل ~~مع يمين الطالب) وجملة ذلك، أن المال كالقرض، والغصب، والديون كلها، وما ~~يقصد به المال كالبيع، والوقف، والإجارة، والهبة، والصلح، والمساقاة، ~~والمضاربة، والشركة، والوصية له، والجناية الموجبة للمال؛ كجناية الخطأ، ~~وعمد الخطأ، والعمد الموجب للمال دون القصاص، كالجائفة، وما دون الموضحة من ~~الشجاج، يثبت بشهادة رجل وامرأتين. # وقال أبو بكر: لا تثبت الجناية في البدن بشهادة رجل وامرأتين؛ لأنها ~~جناية، فأشبهت ما يوجب القصاص. والأول أصح؛ لأن موجبها المال، فأشبهت ~~البيع، وفارق ما يوجب القصاص؛ لأن القصاص لا تقبل فيه شهادة النساء، وكذلك ~~ما يوجبه. والمال يثبت بشهادة النساء، وكذلك ما يوجبه. ولا خلاف في أن ~~المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال. # وقد نص الله تعالى على ذلك في كتابه، بقوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا تداينتم بدين} [البقرة: 282] . إلى قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم ~~فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] . ~~وأجمع أهل العلم على القول به. وقد ذكرنا خبر أبي هريرة، وابن عباس فيه. ### | [فصل ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين] # (8337) فصل: وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين. وروي ~~ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - رضي الله عنهم - وهو قول الفقهاء ~~السبعة، وعمر ms5633 بن عبد العزيز، والحسن، وشريح، وإياس، وعبد الله بن عتبة، ~~وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن يعمر، وربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، ~~وأبي الزناد، والشافعي. # وقال الشعبي، والنخعي، وأصحاب الرأي، والأوزاعي: لا يقضى بشاهد ويمين. ~~وقال محمد بن الحسن: من قضى بالشاهد واليمين، نقضت حكمه؛ لأن الله تعالى ~~قال: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} ~~[البقرة: 282] . فمن زاد في ذلك، فقد زاد في النص، والزيادة في النص نسخ، ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البينة على المدعي، واليمين على ~~من أنكر» . فحصر اليمين في جانب المدعى عليه، كما حصر البينة في جانب ~~المدعي. # ولنا، ما روى سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: «قضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - باليمين مع الشاهد الواحد.» رواه سعيد بن منصور في " سننه ~~"، والأئمة من أهل السنن والمسانيد، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وفي ~~الباب عن علي، وابن عباس، وجابر، ومسروق. وقال النسائي: إسناد حديث ابن ~~عباس # PageV10P133 # في اليمين مع الشاهد إسناد جيد. # ولأن اليمين تشرع في حق من ظهر صدقه، وقوي جانبه، ولذلك شرعت في حق صاحب ~~اليد لقوة جنبه بها، وفي حق المنكر لقوة جنبه، فإن الأصل براءة ذمته، ~~والمدعي هاهنا قد ظهر صدقه، فوجب أن تشرع اليمين في حقه. ولا حجة لهم في ~~الآية؛ لأنها دلت على مشروعية الشاهدين، والشاهد والمرأتين، ولا نزاع في ~~هذا. وقولهم: إن الزيادة في النص نسخ. # غير صحيح؛ لأن النسخ الرفع والإزالة، والزيادة في الشيء تقرير له، لا ~~رفع، والحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين، ولا يرفعه؛ ولأن ~~الزيادة لو كانت متصلة بالمزيد عليه لم ترفعه، ولم تكن نسخا، فكذلك إذا ~~انفصلت عنه، ولأن الآية واردة في التحمل دون الأداء، ولهذا قال: {أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] . # والنزاع في الأداء، وحديثهم ضعيف، وليس هو للحصر؛ بدليل أن اليمين تشرع ~~في حق المودع إذا ادعى رد الوديعة وتلفها، وفي حق الأمناء لظهور جنايتهم، ~~وفي حق الملاعن، ms5634 وفي القسامة، وتشرع في حق البائع والمشتري إذا اختلفا في ~~الثمن والسلعة قائمة. وقول محمد في نقض قضاء من قضى بالشاهد واليمين، يتضمن ~~القول بنقض قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الذين قضوا به، ~~وقد قال الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] . والقضاء بما ~~قضى به محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - أولى من قضاء محمد بن ~~الحسن المخالف له.: ### | [يحلف على ما لا تسوغ الشهادة عليه] # (8338) فصل: قال القاضي: يجوز أن يحلف على ما لا تسوغ الشهادة عليه؛ مثل ~~أن يجد بخطه دينا له على إنسان، وهو يعرف أنه لا يكتب إلا حقا، ولم يذكره، ~~أو يجد في رزمانج أبيه بخطه دينا له على إنسان، ويعرف من أبيه الأمانة، ~~وأنه لا يكتب إلا حقا، فله أن يحلف عليه، ولا يجوز أن يشهد به، ولو أخبره ~~بحق أبيه ثقة، فسكن إليه، جاز أن يحلف عليه، ولم يجز له أن يشهد به. وبهذا ~~قال الشافعي والفرق بين اليمين والشهادة من وجهين؛ أحدهما، أن الشهادة ~~لغيره، فيحتمل أن من له الشهادة قد زور على خطه، ولا يحتمل هذا فيما يحلف ~~عليه؛ لأن الحق إنما هو للحالف، فلا يزور أحد عليه. # الثاني، أن ما يكتبه الإنسان من حقوقه يكثر فينسى بعضه، بخلاف الشهادة. # PageV10P134 ### | [فصل لا فرق في قبول الشهادة بين كون المدعي مسلما أو كافرا] # (8339) فصل: وكل موضع قبل فيه الشاهد واليمين، فلا فرق بين كون المدعي ~~مسلما أو كافرا، عدلا أو فاسقا، رجلا أو امرأة. نص عليه أحمد؛ لأن من شرعت ~~في حقه اليمين لا يختلف حكمه باختلاف هذه الأوصاف، كالمنكر إذا لم تكن ~~بينة. ### | [فصل القضاء باليمين مع الشاهد الواحد] # (8340) فصل: قال أحمد: مضت السنة أن يقضى باليمين مع الشاهد الواحد، فإن ~~أبى أن يحلف، استحلف المطلوب. وهذا قول مالك، والشافعي. يروى عن أحمد: فإن ~~أبى المطلوب أن يحلف، ثبت الحق ms5635 عليه. ### | [فصل شهادة امرأتين ويمين المدعي] # (8341) فصل: ولا تقبل شهادة امرأتين ويمين المدعي. وبه قال الشافعي. وقال ~~مالك: يقبل ذلك في الأموال؛ لأنهما في الأموال أقيمتا مقام الرجل، فحلف ~~معهما، كما يحلف مع الرجل. # ولنا، أن البينة على المال إذا خلت من رجل لم تقبل، كما لو شهد أربع ~~نسوة. وما ذكروه يبطل بهذه الصورة، فإنهما لو أقيمتا مقام رجل من كل وجه، ~~لكفى أربع نسوة مقام رجلين، ولقبل في غير الأموال شهادة رجل وامرأتين، ولأن ~~شهادة المرأتين ضعيفة، تقوت بالرجل، واليمين ضعيفة، فيضم ضعيف إلى ضعيف، ~~فلا يقبل. ### | [فصل ادعى رجل على رجل أنه سرق نصابا من حرزه وأقام بذلك شاهدا وحلف معه] # (8342) فصل: إذا ادعى رجل على رجل أنه سرق نصابا من حرزه، وأقام بذلك ~~شاهدا وحلف معه، أو شهد له بذلك رجل وامرأتان، وجب له المال المشهود به إن ~~كان باقيا، أو قيمته إن كان تالفا، ولا يجب القطع؛ لأن هذه حجة في المال ~~دون القطع. وإن ادعى على رجل أنه قتل وليه عمدا، فأقام شاهدا وامرأتين، أو ~~حلف مع شاهده، لم يثبت قصاص ولا دية. # والفرق بين المسألتين أن السرقة توجب القطع والغرم معا، فإذا لم يثبت ~~أحدهما ثبت الآخر، والقتل العمد موجبه القصاص عينا، في إحدى الروايتين، ~~والدية بدل عنه، ولا يجب البدل ما لم يوجد المبدل. وفي الرواية الأخرى، ~~الواجب أحدهما لا بعينه، فلا يجوز أن يتعين أحدهما إلا بالاختيار، أو ~~التعذر، ولم يوجد واحد منهما. # وقال ابن أبي موسى: لا يجب المال في السرقة أيضا إلا بشاهدين؛ لأنها ~~شهادة على فعل يوجب الحد والمال، فإذا بطلت في إحداهما بطلت في الأخرى. ~~والأول أولى؛ لما ذكرناه. وإن ادعى رجل على رجل أنه ضرب أخاه بسهم عمدا ~~فقتله، ونفذ إلى أخيه الآخر فقتله خطأ، وأقام # PageV10P135 # بذلك شاهدا وامرأتين، أو شاهدا وحلف معه، ثبت قتل الثاني؛ لأنه خطأ موجبه ~~المال، ولم يثبت قتل الأول؛ لأنه عمد موجبه القصاص، فهما كالجنايتين ~~المفترقتين. # وعلى قول أبي بكر، لا ms5636 يثبت شيء منهما؛ لأن الجناية عنده لا تثبت إلا ~~بشاهدين، سواء كان موجبها المال أو غيره. ولو ادعى رجل على آخر أنه سرق منه ~~وغصبه مالا، فحلف بالطلاق والعتاق ما سرق منه ولا غصبه، فأقام المدعي شاهدا ~~وامرأتين شهدا بالسرقة والغصب، أو أقام شاهدا وحلف معه، استحق المسروق ~~والمغصوب؛ لأنه أتى ببينة يثبت ذلك بمثلها، ولم يثبت طلاق ولا عتاق؛ لأن ~~هذه البينة حجة في المال دون الطلاق والعتاق. وظاهر مذهب الشافعي. في هذا ~~الفصل كمذهبنا، إلا فيما ذكرناه من الخلاف عن أصحابنا. ### | [فصل ادعى جارية في يد رجل أنها أم ولده وأقام بذلك شاهدا وامرأتين أو حلف مع شاهده] # (8343) فصل: ولو ادعى جارية في يد رجل أنها أم ولده، وأن ابنها ابنه ~~منها، ولد في ملكه، وأقام بذلك شاهدا وامرأتين، أو حلف مع شاهده حكم له ~~بالجارية؛ لأن أم الولد مملوكة له، ولهذا يملك وطأها وإجارتها وتزويجها، ~~ويثبت لها حكم الاستيلاد بإقراره؛ لأن إقراره ينفذ في ملكه، والملك يثبت ~~بالشاهد والمرأتين، والشاهد واليمين، ولا يحكم له بالولد؛ لأنه يدعي نسبه، ~~والنسب لا يثبت بذلك ويدعي حريته أيضا، فعلى هذا يقر الولد في يد المنكر ~~مملوكا له. # وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: يأخذها وولدها، ويكون ابنه؛ لأن ~~من ثبتت له العين ثبت له نماؤها، والولد نماؤها. وذكر أبو الخطاب فيها عن ~~أحمد روايتين، كقولي الشافعي. ولنا، أنه لم يدع الولد ملكا، وإنما يدعي ~~حريته ونسبه، وهذان لا يثبتان بهذه البينة، فيبقيان على ما كانا عليه. ### | [فصل ادعى رجل أنه خالع امرأته فأنكرت] # (8344) فصل: وإن ادعى رجل أنه خالع امرأته، فأنكرت، ثبت ذلك بشاهد ~~وامرأتين، أو يمين المدعي؛ لأنه يدعي المال الذي خالعت به، وإن ادعت ذلك ~~المرأة لم يثبت إلا بشهادة رجلين؛ لأنها لا تقصد منه إلا الفسخ وخلاصها من ~~الزوج، ولا يثبت ذلك إلا بهذه البينة. ### | [مسألة شهادة النساء المنفردات] # (8345) مسألة؛ قال: (ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال، مثل الرضاع، ~~والولادة، والحيض، والعدة، وما أشبهها، شهادة امرأة ms5637 عدل) # PageV10P136 # لا نعلم بين أهل العلم خلافا في قبول شهادة النساء المنفردات في الجملة. ~~قال القاضي: والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات خمسة أشياء؛ الولادة، ~~والاستهلال، والرضاع، والعيوب تحت الثياب كالرتق والقرن والبكارة والثيابة ~~والبرص، وانقضاء العدة. وعن أبي حنيفة: لا تقبل شهادتهن منفردات على ~~الرضاع؛ لأنه يجوز أن يطلع عليه محارم المرأة من الرجال، فلم يثبت بالنساء ~~منفردات، كالنكاح. # ولنا، ما روى عقبة بن الحارث، قال: «تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فأتت ~~أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ~~ذلك له، فأعرض عني، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، إنها كاذبة. قال: كيف، ~~وقد زعمت ذلك» . متفق عليه. ولأنها شهادة على عورة للنساء فيها مدخل فقبل ~~فيها شهادة النساء، كالولادة، وتخالف العقد، فإنه ليس بعورة. وحكي عن أبي ~~حنيفة أيضا، أن شهادة النساء المنفردات لا تقبل في الاستهلال؛ لأنه يكون ~~بعد الولادة. # وخالفه صاحباه، وأكثر أهل العلم؛ لأنه يكون حال الولادة، فيتعذر حضور ~~الرجال، فأشبه الولادة نفسها. وقد روي عن علي، - رحمه الله -، أنه أجاز ~~شهادة القابلة وحدها في الاستهلال. رواه الإمام أحمد، وسعيد بن منصور. إلا ~~أنه من حديث جابر الجعفي. وأجازه شريح، والحسن، والحارث العكلي، وحماد. ~~(8346) فصل: إذا ثبت هذا، فكل موضع قلنا: تقبل فيه شهادة النساء المنفردات. ~~فإنه تقبل فيه شهادة المرأة الواحدة. وقال طاوس: تجوز شهادة المرأة في ~~الرضاع، وإن كانت سوداء. # وعن أحمد، رواية أخرى: لا تقبل فيه إلا امرأتان. وهو قول الحكم، وابن أبي ~~ليلى، وابن شبرمة. وإليه ذهب مالك، والثوري؛ لأن كل جنس يثبت به الحق كفى ~~فيه اثنان، كالرجال، ولأن الرجال أكمل منهن عقلا، ولا يقبل منهم إلا اثنان. ~~وقال عثمان البتي: يكفي ثلاث؛ لأن كل موضع قبل فيه النساء، كان العدد ~~ثلاثة، كما لو كان معهن رجل. # وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة المرأة الواحدة في ولادة الزوجات دون ولادة ~~المطلقة. وقال عطاء، والشعبي، وقتادة، والشافعي، وأبو ثور: لا يقبل فيه إلا ~~أربع؛ لأنها شهادة من ms5638 شرطها الحرية، فلم يقبل فيها الواحدة، كسائر ~~الشهادات، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «شهادة امرأتين بشهادة ~~رجل» . # PageV10P137 # ولنا، ما روى عقبة بن الحارث، أنه قال: «تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، ~~فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فجئت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فذكرت له ذلك، فأعرض عني، ثم ذكرت له ذلك فقال: وكيف، وقد زعمت ذلك» . ~~متفق عليه. وروى حذيفة «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة ~~القابلة» . # ذكره الفقهاء في كتبهم. وروى أبو الخطاب، عن ابن عمر، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة» . ولأنه معنى ~~يثبت بقول النساء المنفردات، فلا يشترط فيه العدد، كالرواية وأخبار ~~الديانات. وما ذكره الشافعي من اشتراط الحرية، غير مسلم وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «شهادة امرأتين بشهادة رجل. في الموضع الذي تشهد فيه مع ~~الرجل.» (8347) فصل: فإن شهد الرجل بذلك، فقال أبو الخطاب: تقبل شهادته ~~وحده؛ لأنه أكمل من المرأة، فإذا اكتفي بها وحدها، فلأن يكتفى به أولى، ~~ولأن ما قبل فيه قول المرأة الواحدة، قبل فيه قول الرجل، كالرواية. ### | [مسألة حكم أداء الشهادة] # (8348) مسألة؛ قال: (ومن لزمته الشهادة، فعليه أن يقوم بها على القريب ~~والبعيد، لا يسعه التخلف عن إقامتها وهو قادر على ذلك) وجملته أن أداء ~~الشهادة من فروض الكفايات، فإن تعينت عليه، بأن لا يتحملها من يكفي فيها ~~سواه، لزمه القيام بها. وإن قام بها اثنان غيره، سقط عنه أداؤها. إذا قبلها ~~الحاكم، فإن كان تحملها جماعة، فأداؤها واجب على الكل، إذا امتنعوا أثموا ~~كلهم كسائر فروض الكفايات. ودليل وجوبها قول الله تعالى: {ولا تكتموا ~~الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] . وقوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما} [النساء: 135] . # وفي الآية الأخرى: {كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: ms5639 8] . ولأن الشهادة أمانة، ~~فلزمه أداؤها عند طلبه، كالوديعة، ولقوله تعالى: # PageV10P138 # {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] . فإن عجز عن ~~إقامتها، أو تضرر بها، لم تجب عليه؛ لقول الله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} [البقرة: 282] . ### | [فصل أخذ الجعل على الشهادة] # (8349) فصل: ومن له كفاية، فليس له أخذ الجعل على الشهادة؛ لأنه أداء ~~فرض، فإن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضا. وإن لم تكن له ~~كفاية، ولا تعينت عليه حل له أخذه؛ والنفقة على عياله فرض عين، فلا يشتغل ~~عنه بفرض الكفاية، فإذا أخذ الرزق جمع بين الأمرين. وإن تعينت عليه ~~الشهادة، احتمل ذلك أيضا، واحتمل أن لا يجوز؛ لئلا يأخذ العوض عن أداء فرض ~~عين. وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز أخذ الأجرة لمن تعينت عليه، وهل يجوز ~~لغيره؟ على وجهين. ### | [مسألة الشهادة لا تجوز إلا بما علمه] # (8350) مسألة؛ قال: (وما أدركه من الفعل نظرا، أو سمعه تيقنا، وإن لم ير ~~المشهود عليه، شهد به) وجملة ذلك أن الشهادة لا تجوز إلا بما علمه؛ بدليل ~~قوله تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] . وقوله تعالى: ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسئولا} [الإسراء: 36] . وتخصيصه لهذه الثلاثة بالسؤال؛ لأن العلم بالفؤاد، ~~وهو يستند إلى السمع والبصر؛ ولأن مدرك الشهادة الرؤية والسماع، وهما ~~بالبصر والسمع. وروي عن ابن عباس، أنه قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الشهادة، قال: هل ترى الشمس؟ . قال: نعم. قال: على مثلها فاشهد ~~أو دع» . رواه الخلال، في " الجامع " بإسناده. # إذا ثبت هذا، فإن مدرك العلم الذي تقع به الشهادة اثنان، الرؤية والسماع، ~~وما عداهما من مدارك العلم كالشم والذوق واللمس، لا حاجة إليها في الشهادة ~~في الأغلب. فأما ما يقع بالرؤية، فالأفعال؛ كالغصب، والإتلاف، والزنى، وشرب ~~الخمر، وسائر الأفعال، وكذلك الصفات المرئية؛ كالعيوب في المبيع، ونحوها، ~~فهذا لا تتحمل الشهادة فيه إلا بالرؤية؛ لأنه ms5640 يمكن الشهادة عليه قطعا، فلا ~~يرجع إلى غير ذلك. # وأما السماع فنوعان؛ # PageV10P139 # أحدهما، من المشهود عليه، مثل العقود؛ كالبيع، والإجارة، وغيرهما من ~~الأقوال، فيحتاج إلى أن يسمع كلام المتعاقدين، ولا تعتبر رؤية المتعاقدين، ~~إذا عرفهما وتيقن أنه كلامهما. وبهذا قال ابن عباس، والزهري، وربيعة، ~~والليث، وشريح، وعطاء، وابن أبي ليلى، ومالك. وذهب أبو حنيفة، والشافعي، ~~إلى أن الشهادة لا تجوز حتى يشاهد القائل المشهود عليه؛ لأن الأصوات تشتبه، ~~فلا يجوز أن يشهد عليها من غير رؤية، كالخط. ولنا، أنه عرف المشهود عليه ~~يقينا، فجازت شهادته عليه، كما لو رآه. # وجواز اشتباه الأصوات كجواز اشتباه الصور، وإنما تجوز الشهادة لمن عرف ~~المشهود عليه يقينا، وقد يحصل العلم بالسماع يقينا، وقد اعتبره الشرع ~~بتجويزه الرواية من غير رؤية، ولهذا قبلت رواية الأعمى، ورواية من روى عن ~~أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير محارمهن. وأما النوع ~~الثاني، فسنذكره إن شاء الله تعالى في المسألة التي تلي هذا. (8351) فصل: ~~إذا عرف المشهود عليه باسمه وعينه ونسبه، جاز أن يشهد عليه، حاضرا كان أو ~~غائبا، وإن لم يعرف ذلك، لم يجز أن يشهد عليه مع غيبته، وجاز أن يشهد عليه ~~حاضرا بمعرفة عينه. نص عليه أحمد. # قال مهنا: سألت أحمد عن رجل شهد لرجل بحق له على رجل، وهو لا يعرف اسم ~~هذا، ولا اسم هذا، إلا أنه يشهد له، فقال: إذا قال: أشهد أن لهذا على هذا. ~~وهما شاهدان جميعا، فلا بأس، وإن كان غائبا، فلا يشهد حتى يعرف اسمه. ~~(8352) فصل: والمرأة كالرجل، في أنه إذا عرفها وعرف اسمها ونسبها، جاز أن ~~يشهد عليها مع غيبتها. وإن لم يعرفها، لم يشهد عليها مع غيبتها. قال أحمد، ~~في رواية الجماعة: لا تشهد إلا لمن تعرف، وعلى من تعرف، ولا يشهد إلا على ~~امرأة قد عرفها، وإن كانت ممن قد عرف اسمها، ودعيت، وذهبت، وجاءت، فليشهد، ~~وإلا فلا يشهد، فأما إن لم يعرفها، فلا يجوز أن يشهد مع غيبتها. # ويجوز أن يشهد على ms5641 عينها إذا عرف عينها، ونظر إلى وجهها. قال أحمد ولا ~~يشهد على امرأة، حتى ينظر إلى وجهها. وهذا محمول على الشهادة على من لم ~~يتيقن معرفتها. فأما من تيقن معرفتها، وتعرف بصوتها يقينا، فيجوز أن يشهد ~~عليها إذا تيقن صوتها، على ما قدمناه في المسألة قبلها. فإن لم يعرف ~~المشهود عليه، فعرفه عنده من يعرفه، فقد روي عن أحمد، أنه قال: لا يشهد على ~~شهادة غيره إلا بمعرفته لها. وقال: لا يجوز للرجل أن يقول للرجل: أنا أشهد ~~أن هذه فلانة. ويشهد على # PageV10P140 # شهادته. # وهذا صريح في المنع من الشهادة على من لا يعرفه بتعريف غيره. وقال ~~القاضي: يجوز أن يحمل هذا على الاستحباب، لتجويزه الشهادة بالاستفاضة. ~~وظاهر قوله المنع منه. وقال أحمد: لا يشهد على امرأة إلا بأذن زوجها. وهذا ~~يحتمل أنه لا يدخل عليها بيتها ليشهد عليها إلا بإذن زوجها؛ لما روى عمرو ~~بن العاص قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستأذن على النساء ~~إلا بإذن أزواجهن» . رواه أحمد، في " مسنده ". فأما الشهادة عليها في غير ~~بيتها فجائزة؛ لأن إقرارها صحيح، وتصرفها إذا كانت رشيدة صحيح، فجاز أن ~~يشهد عليها به. ### | [فصل عرف الشاهد خطه ولم يذكر أنه شهد به فهل يجوز له أن يشهد بذلك] # (8353) فصل: وإذا عرف الشاهد خطه، ولم يذكر أنه شهد به، فهل يجوز له أن ~~يشهد بذلك؟ فيه روايتان؛ إحداهما، لا يجوز أن يشهد بها. قال أحمد في رواية ~~حرب، في من يرى خطه وخاتمه ولا يذكر الشهادة، قال: لا يشهد إلا بما يعلم. # وقال في رواية غيره: يشهد إذا عرف خطه، وكيف تكون الشهادة إلا هكذا؟ . ~~وقال في موضع آخر: إذا عرف خطه، ولم يحفظ، فلا يشهد، إلا أن يكون منسوخا ~~عنده، موضوعا تحت ختمه وحرزه، فيشهد، وإن لم يحفظ. وقال أيضا: إذا كان رديء ~~الحفظ، فيشهد ويكتبها عنده. وهذه رواية ثالثة، وهو أن يشهد إذا كانت مكتوبة ~~عنده بخطه في حرزه، ولا يشهد إذا لم تكن كذلك، بمنزلة ms5642 القاضي، في إحدى ~~الروايتين، إذا وجد حكمه بخطه تحت ختمه أمضاه، ولا يمضيه إذا لم يكن كذلك. ### | [مسألة الشهادة على النسب والولادة] # (8354) مسألة؛ قال: (وما تظاهرت به الأخبار، واستقرت معرفته في قلبه، شهد ~~به، كالشهادة على النسب والولادة) هذا النوع الثاني من السماع، وهو ما ~~يعلمه بالاستفاضة. وأجمع أهل العلم على صحة الشهادة بها في النسب والولادة. ~~قال ابن المنذر: أما النسب فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه، ولو منع ~~ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به، إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره، ولا ~~تمكن المشاهدة فيه، ولو اعتبرت المشاهدة، لما عرف أحد أباه، ولا أمه، ولا ~~أحدا من أقاربه. وقال: قال الله تعالى: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} ~~[البقرة: 146] . # واختلف أهل العلم فيما تجوز الشهادة عليه بالاستفاضة، غير النسب ~~والولادة، فقال أصحابنا: هو تسعة أشياء؛ النكاح، والملك المطلق، والوقف، ~~ومصرفه، والموت، والعتق، والولاء، والولاية، والعزل. وبهذا قال أبو سعيد ~~الإصطخري، وبعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: لا تجوز في الوقف والولاء ~~والعتق # PageV10P141 # والزوجية؛ لأن الشهادة ممكنة فيه بالقطع، فإنها شهادة بعقد، فأشبه سائر ~~العقود. # وقال أبو حنيفة: لا تقبل إلا في النكاح، والموت، ولا تقبل في الملك ~~المطلق؛ لأنها شهادة بمال، أشبه الدين. وقال صاحباه: تقبل في الولاء، مثل ~~عكرمة مولى ابن عباس. ولنا، أن هذه الأشياء تتعذر الشهادة عليها في الغالب ~~بمشاهدتها، أو مشاهدة أسبابها، فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة كالنسب. قال ~~مالك: ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلا بالسماع. وقال مالك: السماع في الأحباس والولاء جائز. وقال أحمد، في ~~رواية المروذي: اشهد أن دار بختان لبختان، وإن لم يشهدك. # وقيل له: تشهد أن فلانة امرأة فلان، ولم تشهد النكاح؟ فقال: نعم، إذا كان ~~مستفيضا، فأشهد أقول: إن فاطمة ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن ~~خديجة وعائشة زوجاه، وكل أحد يشهد بذلك من غير مشاهدة. فإن قيل: يمكنه ~~العلم في هذه الأشياء بمشاهدة السبب. قلنا: وجود السبب لا يفيد العلم ms5643 بكونه ~~سببا يقينا، فإنه يجوز أن يشتري ما ليس بملك البائع، ويصطاد صيدا صاده ~~غيره، ثم انفلت منه، وإن تصور ذلك، فهو نادر وقول أصحاب الشافعي: تمكن ~~الشهادة في الوقف باللفظ. لا يصح؛ لأن الشهادة ليست بالعقود هاهنا، وإنما ~~يشهد بالوقف الحاصل بالعقد، فهو بمنزلة الملك، وكذلك يشهد بالزوجية دون ~~العقد، وكذلك الحرية والولاء، وهذه جميعها لا يمكن القطع بها، كما لا يمكن ~~القطع بالملك؛ لأنها مترتبة على الملك، فوجب أن تجوز الشهادة فيها ~~بالاستفاضة، كالملك سواء. # قال مالك ليس عندنا من شهد على أحباس أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا على السماع. إذا ثبت هذا، فكلام أحمد والخرقي، يقتضي أن لا يشهد ~~بالاستفاضة حتى تكثر به الأخبار، ويسمعه من عدد كثير يحصل به العلم؛ لقول ~~الخرقي: فيما تظاهرت به الأخبار، واستقرت معرفته في القلب. يعني حصل العلم ~~به. وذكر القاضي، في " المجرد " أنه يكفي أن يسمع من اثنين عدلين، ويسكن ~~قلبه إلى خبرهما؛ لأن الحقوق تثبت بقول اثنين. وهذا قول المتأخرين من أصحاب ~~الشافعي. والقول الأول هو الذي يقتضيه لفظ الاستفاضة، فإنها مأخوذة من فيض ~~الماء؛ لكثرته، ولأنه لو اكتفي فيه بقول اثنين، لا يشترط فيه ما يشترط في ~~الشهادة على الشهادة وإنما اكتفي بمجرد السماع. ### | [فصل الشهادة لصاحب الدار أو العقار اللذى يملك حق التصرف بملكها] # (8355) فصل: فإن كان في يد رجل دار أو عقار، يتصرف فيها تصرف الملاك ~~بالسكنى، والإعارة، والإجارة، والعمارة، والهدم، والبناء، من غير منازع، ~~فقال أبو عبد الله بن حامد: يجوز أن يشهد له بملكها. وهو قول # PageV10P142 # أبي حنيفة، والإصطخري من أصحاب الشافعي. قال القاضي: ويحتمل أن لا يشهد ~~إلا بما شاهده من الملك واليد والتصرف؛ لأن اليد ليست منحصرة في الملك، قد ~~تكون بإجارة وإعارة وغصب، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. # ووجه الأول، أن اليد دليل الملك، واستمرارها من غير منازع يقويها، فجرت ~~مجرى الاستفاضة، فجاز أن يشهد بها، كما لو شاهد سبب اليد، من بيع، أو إرث ~~أو هبة، واحتمال ms5644 كونها عن غصب أو إجارة، يعارضه استمرار اليد من غير منازع، ~~فلا يبقى مانعا، كما لو شاهد سبب اليد؛ فإن احتمال كون البائع غير مالك، ~~والوارث والواهب، لا يمنع الشهادة. كذا هاهنا. فإن قيل: فإذا بقي الاحتمال ~~لم يحصل العلم، ولا تجوز الشهادة إلا بما يعلم. قلنا: الظن يسمى علما، قال ~~الله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: 10] . ولا سبيل إلى العلم ~~اليقيني هاهنا، فجازت بالظن. ### | [فصل سمع رجلا يقول لصبي هذا ابني فشهد له بذلك] # (8356) فصل: وإذا سمع رجلا يقول لصبي: هذا ابني. جاز أن يشهد به؛ لأنه ~~مقر بنسبه. وإن سمع الصبي يقول: هذا أبي. والرجل يسمعه، فسكت، جاز أن يشهد ~~أيضا؛ لأن سكوت الأب إقرار له والإقرار يثبت النسب، فجازت الشهادة به، ~~وإنما أقيم السكوت هاهنا مقام الإقرار؛ لأن الإقرار على الانتساب الباطل ~~جائز، بخلاف سائر الدعاوى، ولأن النسب يغلب فيه الإثبات، ألا ترى أنه يلحق ~~بالإمكان في النكاح. # وذكر أبو الخطاب أنه يحتمل أن لا يشهد مع السكوت حتى يتكرر؛ لأن السكوت ~~ليس بإقرار حقيقي، وإنما أقيم مقامه، فاعتبرت تقويته بالتكرار، كما اعتبرت ~~تقوية اليد في العقار بالاستمرار. ### | [فصل شهد عدلان أن فلانا مات وخلف من الورثة فلانا وفلانا] # (8357) فصل: وإذا شهد عدلان أن فلانا مات، وخلف من الورثة فلانا وفلانا، ~~لا نعلم له وارثا غيرهما، قبلت شهادتهما. وبهذا قال: أبو حنيفة، ومالك، ~~والشافعي، والعنبري. وقال ابن أبي ليلى: لا تقبل حتى يبينا أنه لا وارث له ~~سواهما. ولنا، أن هذا مما لا يمكن علمه، فيكفي فيه الظاهر، مع شهادة الأصل ~~بعدم وارث آخر. قال أبو الخطاب: سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة، أو لم ~~يكونا. ويحتمل أن لا تقبل إلا من أهل الخبرة الباطنة؛ لأن عدم علمهم بوارث ~~آخر ليس بدليل على عدمه، بخلاف أهل الخبرة الباطنة، فإن الظاهر أنه لو كان ~~له وارث آخر، # PageV10P143 # لم يخف عليهم. وهذا قول الشافعي. # فأما إن قالا: لا نعلم له وارثا بهذه البلدة، أو بأرض كذا وكذا. لم تقبل. ms5645 ~~وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: يقضى به، كما ~~لو قالا: لا نعلم له وارثا. وذكر ذلك مذهبا لأحمد أيضا. ولنا، أن هذا ليس ~~بدليل على عدم الوارث؛ لأنهما قد يعلمان أنه لا وارث له في تلك الأرض، ~~ويعلمان له وارثا في غيرها، فلم تقبل شهادتهما، كما لو قالا: لا نعلم له ~~وارثا في هذا البيت. ### | [مسألة يعتبر في الشاهد سبعة شروط] # (8358) مسألة؛ قال: (من لم يكن من الرجال والنساء عاقلا، مسلما، بالغا، ~~عدلا، لم تجز شهادته) وجملته أن يعتبر في الشاهد سبعة شروط؛ أحدها، أن يكون ~~عاقلا، ولا تقبل شهادة من ليس بعاقل، إجماعا. قاله ابن المنذر. وسواء ذهب ~~عقله بجنون أو سكر أو طفولية؛ وذلك لأنه ليس بمحصل، ولا تحصل الثقة بقوله، ~~ولأنه لا يأثم بكذبه، ولا يتحرز منه. الثاني، أن يكون مسلما، ونذكر هذا ~~فيما بعد إن شاء الله تعالى. # الثالث، أن يكون بالغا، فلا تقبل شهادة صبي لم يبلغ بحال، يروى هذا عن ~~ابن عباس. وبه قال القاسم، وسالم، وعطاء، ومكحول، وابن أبي ليلى، ~~والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو حنيفة، ~~وأصحابه. وعن أحمد - رحمه الله -، رواية أخرى، أن شهادتهم تقبل في الجراح، ~~إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحالة التي تجارحوا عليها، وهذا قول مالك؛ لأن ~~الظاهر صدقهم وضبطهم، فإن تفرقوا لم تقبل شهادته؛ لأنه يحتمل أن يلقنوا. ~~ابن الزبير: إن أخذوا عند مصاب ذلك، فبالأحرى أن يعقلوا ويحفظوا. # وعن الزهري، أن شهادتهم جائرة، ويستحلف أولياء المشجوج. وذكره عن مروان. ~~وروي عن أحمد، رواية ثالثة، أن شهادته تقبل إذا كان ابن عشر. قال ابن حامد: ~~فعلى هذه الرواية، تقبل شهادتهم في غير الحدود والقصاص، كالعبيد. وروي عن ~~علي - رضي الله عنه - أن شهادة بعضهم تقبل على بعض. وروي ذلك عن شريح، ~~والحسن، والنخعي. # قال إبراهيم: كانوا يجيزون شهادة بعضهم على بعض فيما كان بينهم. قال ~~المغيرة: وكان أصحابنا لا يجيزون شهادتهم على رجل، ولا على عبد. وروى ~~الإمام أحمد، ms5646 بإسناده عن مسروق، قال: كنا عند علي، فجاءه خمسة غلمة فقالوا: ~~إنا كنا ستة غلمة نتغاط، # PageV10P144 # فغرق منا غلام. فشهد الثلاثة على الاثنين أنهما غرقاه، وشهد الاثنان على ~~الثلاثة أنهم غرقوه، فجعل على الاثنين ثلاثة أخماس الدية، وجعل على الثلاثة ~~خمسيها. وقضى بنحو هذا مسروق. والمذهب أن شهادتهم لا تقبل في شيء؛ لقول ~~الله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] . وقال: {وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] . # وقال: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] . والصبي ممن لا يرضى. وقال: ~~{ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] . فأخبر أن ~~الشاهد الكاتم لشهادته آثم، والصبي لا يأثم، فيدل على أنه ليس بشاهد؛ ولأن ~~الصبي لا يخاف من مأثم الكذب، فيزعه عنه، ويمنعه منه، فلا تحصل الثقة ~~بقوله، ولأن من لا يقبل قوله على نفسه في الإقرار، لا تقبل شهادته على ~~غيره، كالمجنون، يحقق هذا أن الإقرار أوسع؛ لأنه يقبل من الكافر والفاسق ~~والمرأة، ولا تصح الشهادة منهم، ولأن من لا تقبل شهادته في المال، لا تقبل ~~في الجراح، كالفاسق، ومن لا تقبل شهادته على من ليس بمثله، لا تقبل على ~~مثله، كالمجنون. # الشرط الرابع، العدالة؛ لقول الله تعالى {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: ~~2] . ولا تقبل شهادة الفاسق لذلك، ولقول الله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا} [الحجرات: 6] . فأمر بالتوقف عن نبأ الفاسق، والشهادة نبأ، فيجب ~~التوقف عنه. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تجوز ~~شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام، ولا ذي غمر على أخيه» . رواه ~~أبو عبيد. وكان أبو عبيد لا يراه خص الخائن والخائنة أمانات الناس، بل جميع ~~ما افترض الله تعالى على العباد القيام به أو اجتنابه، من صغير ذلك وكبيره، ~~قال الله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال} ~~[الأحزاب: 72] . # PageV10P145 # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لا يؤسر رجل بغير العدول. ولأن ~~دين الفاسق لم يزعه عن ارتكاب محظورات الدين، فلا يؤمن أن لا يزعه عن ~~الكذب، فلا ms5647 تحصل الثقة بخبره. إذا تقرر هذا، فالفسوق نوعان؛ أحدهما، من حيث ~~الأفعال؛ فلا نعلم خلافا في رد شهادته. والثاني، من جهة الاعتقاد، وهو ~~اعتقاد البدعة، فيوجب رد الشهادة أيضا. وبه قال مالك، وشريك، وإسحاق، وأبو ~~عبيد، وأبو ثور. وقال شريك: أربعة لا تجوز شهادتهم؛ رافضي يزعم أن له إماما ~~مفترضة طاعته. وخارجي يزعم أن الدنيا دار حرب. وقدري يزعم أن المشيئة إليه. ~~ومرجئ. ورد شهادة يعقوب، وقال: ألا أرد شهادة من يزعم أن الصلاة ليست من ~~الإيمان؟ # وقال أبو حامد، من أصحاب الشافعي: المختلفون على ثلاثة أضرب؛ ضرب اختلفوا ~~في الفروع، فهؤلاء لا يفسقون بذلك، ولا ترد شهادتهم، وقد اختلف الصحابة في ~~الفروع ومن بعدهم من التابعين. الثاني، من نفسقه ولا نكفره، وهو من سب ~~القرابة، كالخوارج، أو سب الصحابة، كالروافض، فلا تقبل لهم شهادة لذلك. ~~الثالث، من نكفره، وهو من قال بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وأضاف المشيئة إلى ~~نفسه، فلا تقبل له شهادة. وذكر القاضي أبو يعلى مثل هذا سواء. # قال: وقال أحمد: ما تعجبني شهادة الجهمية، والرافضة، والقدرية المعلنة. ~~وظاهر قول الشافعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، قبول ~~شهادة أهل الأهواء. وأجاز سوار شهادة ناس من بني العنبر، ممن يرى الاعتزال. ~~قال الشافعي: إلا أن يكونوا ممن يرى الشهادة بالكذب بعضهم لبعض، كالخطابية، ~~وهم أصحاب أبي الخطاب. يشهد بعضهم لبعض بتصديقه. ووجه قول من أجاز شهادتهم، ~~أنه اختلاف لم يخرجهم عن الإسلام، أشبه الاختلاف في الفروع، # PageV10P146 # ولأن فسقهم لا يدل على كذبهم؛ لكونهم ذهبوا إلى ذلك تدينا واعتقادا أنه ~~الحق، ولم يرتكبوه عالمين بتحريمه، بخلاف فسق الأفعال. # قال أبو الخطاب: ويتخرج على قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، أن ~~الفسق الذي يتدين به من جهة الاعتقاد لا ترد الشهادة به. وقد روي عن أحمد ~~جواز الرواية عن القدري، إذا لم يكن داعية، فكذلك الشهادة. ولنا، أنه أحد ~~نوعي الفسق، فترد به الشهادة، كالنوع الآخر؛ ولأن المبتدع فاسق، فترد ~~شهادته، للآية والمعنى. الشرط الخامس، أن يكون ms5648 متيقظا حافظا لا يشهد به، ~~فإن كان مغفلا، أو معروفا بكثرة الغلط، لم تقبل شهادته # الشرط السادس، أن يكون ذا مروءة. الشرط السابع، انتفاء الموانع. وسنشرح ~~هذه الشروط في مواضعها، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل شهادة البدوي على من هو من أهل القرية] # (8359) فصل: ظاهر كلام الخرقي، أن شهادة البدوي على من هو من أهل القرية، ~~وشهادة أهل القرية على البدوي، صحيحة إذا اجتمعت هذه الشروط. وهو قول ابن ~~سيرين، وأبي حنيفة، والشافعي، وأبي ثور. واختاره أبو الخطاب. وقال الإمام ~~أحمد: أخشى أن لا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية. فيحتمل هذا أن لا ~~تقبل شهادته. وهو قول جماعة من أصحابنا، ومذهب أبي عبيد. وقال مالك كقول ~~أصحابنا، فيما عدا الجراح، وكقول الباقين في الجراح احتياطا للدماء. # واحتج أصحابنا بما روى أبو داود، في " سننه "، عن أبي هريرة، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» . ولأنه ~~متهم، حيث عدل عن أن يشهد قرويا ويشهد بدويا. قال أبو عبيد: ولا أرى ~~شهادتهم ردت إلا لما فيهم من الجفاء بحقوق الله تعالى، والجفاء في الدين. ~~ولنا، أن من قبلت شهادته على أهل البدو، قبلت شهادته على أهل القرية، كأهل ~~القرى، ويحمل الحديث # PageV10P147 # على من لم تعرف عدالته من أهل البدو، ونخصه بهذا؛ لأن الغالب أنه لا يكون ~~له من يسأله الحاكم، فيعرف عدالته. ### | [مسألة العدالة في الشهادة] # (8360) مسألة؛ قال: (والعدل من لم تظهر منه ريبة. وهذا قول إبراهيم ~~النخعي، وإسحاق) وجملته أن العدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله. ~~قال القاضي: يكون ذلك في الدين والمروءة والأحكام. أما الدين فلا يرتكب ~~كبيرة، ولا يداوم على صغيرة، فإن الله تعالى أمر أن لا تقبل شهادة القاذف، ~~فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة، ولا يجرحه عن العدالة فعل صغيرة؛ لقول الله ~~تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} [النجم: 32] . # قيل: اللمم صغار الذنوب. ولأن التحرز منها غير ممكن، جاء عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم ms5649 - أنه قال: «إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما؟» ~~أي لم يلم. فإن " لا " مع الماضي بمنزلة " لم " مع المستقبل. وقيل: اللمم ~~أن يلم بالذنب، ثم لا يعود فيه. والكبائر كل معصية فيها حد، والإشراك ~~بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين. وروى أبو ~~بكرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ~~الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وعقوق الوالدين. وكان متكئا ~~فجلس، فقال: ألا وقول الزور وقول الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته ~~سكت.» متفق عليه. # PageV10P148 # قال أحمد: لا تجوز شهادة آكل الربا، والعاق، وقاطع الرحم، ولا تقبل شهادة ~~من لا يؤدي زكاة ماله، وإذا أخرج في طريق المسلمين الأسطوانة والكنيف لا ~~يكون عدلا، ولا يكون ابنه عدلا إذا ورث أباه حتى يرد ما أخذه من طريق ~~المسلمين، ولا يكون عدلا إذا كذب الكذب الشديد؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رد شهادة رجل في كذبه. وقال: عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا مجلود ~~في حد، ولا ذي غمر على أخيه في عداوة، ولا القاطع لأهل البيت، ولا مجرب ~~عليه شهادة زور، ولا ضنين في ولاء ولا قرابة» . وقد رواه أبو داود، وفيه: ~~«لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه» . # فأما الصغائر، فإن كان مصرا عليها، ردت شهادته، وإن كان الغالب من أمره ~~الطاعات، لم يرد؛ لما ذكرنا من عدم إمكان التحرز منه. فأما المروءة فاجتناب ~~الأمور الدنيئة المزرية به، وذلك نوعان؛ أحدهما، من الأفعال، كالأكل في ~~السوق. يعني به الذي ينصب مائدة في السوق، ثم يأكل والناس ينظرون. ولا يعني ~~به أكل الشيء اليسير، كالكسرة ونحوها. وإن كان يكشف ما جرت العادة بتغطيته ~~من بدنه، أو يمد رجليه في مجمع الناس، أو يتمسخر بما يضحك الناس به، أو ~~يخاطب امرأته أو جاريته أو غيرهما بحضرة ms5650 الناس بالخطاب الفاحش، أو يحدث ~~الناس بمباضعته أهله، ونحو هذا من الأفعال الدنيئة، ففاعل هذا لا تقبل ~~شهادته؛ لأن هذا سخف ودناءة، فمن رضيه لنفسه واستحسنه، فليست له مروءة، فلا ~~تحصل الثقة بقوله. # قال أحمد، في رجل شتم بهيمة: قال الصالحون: لا تقبل شهادته حتى يتوب. وقد ~~روى أبو مسعود البدري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن مما ~~أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت» . يعني من لم ~~يستح صنع ما شاء. ولأن المروءة تمنع الكذب، وتزجر عنه، ولهذا يمتنع منه ذو ~~المروءة وإن لم يكن ذا دين. وقد روي عن أبي سفيان، أنه حين سأله قيصر عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفته فقال: والله لولا أني كرهت أن يؤثر عني ~~الكذب، لكذبته. ولم يكن يومئذ ذا دين. ولأن الكذب دناءة، والمروءة تمنع من # PageV10P149 # الدناءة. وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب، اعتبرت في العدالة، كالدين، ~~ومن فعل شيئا من هذا مختفيا به، لم يمنع من قبول شهادته؛ لأن مروءته لا ~~تسقط به. # وكذلك إن فعله مرة، أو شيئا قليلا، لم ترد شهادته؛ لأن صغير المعاصي لا ~~يمنع الشهادة إذا قل، فهذا أولى، ولأن المروءة لا تختل بقليل هذا، ما لم ~~يكن عادته. النوع الثاني، في الصناعات الدنيئة؛ كالكساح والكناس، لا تقبل ~~شهادتهما؛ لما روى سعيد، في " سننه " أن رجلا أتى ابن عمر، فقال له: إني ~~رجل كناس، فقال: أي شيء تكنس، الزبل؟ . قال: لا. قال: العذرة؟ قال: نعم. ~~قال: منه كسبت المال، ومنه تزوجت، ومنه حججت؟ قال: نعم. قال: الأجر خبيث، ~~وما تزوجت خبيث، حتى تخرج منه كما دخلت فيه. وعن ابن عباس مثله في الكساح. ~~ولأن هذا دناءة يجتنبه أهل المروءات، فأشبه الذي قبله. # فأما الزبال والقراد والحجام ونحوهم، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا تقبل ~~شهادتهم؛ لأنه دناءة يجتنبه أهل المروءات، فهو كالذي قبله. والثاني، تقبل؛ ~~لأن بالناس إليه حاجة. فعلى هذا الوجه، إنما تقبل شهادته إذا كان يتنظف ~~للصلاة في ms5651 وقتها ويصليها، فإن صلى بالنجاسة، لم تقبل شهادته، وجها واحدا. ~~وأما الحائك والحارس والدباغ، فهي أعلى من هذه الصنائع، فلا ترد بها ~~الشهادة. وذكرها أبو الخطاب في جملة ما فيه وجهان. # وأما سائر الصناعات التي لا دناءة، فيها فلا ترد الشهادة بها، إلا من كان ~~منهم يحلف كاذبا، أو يعد ويخلف، وغلب هذا عليه، فإن شهادته ترد. وكذلك من ~~كان منهم يؤخر الصلاة عن أوقاتها، أو لا يتنزه عن النجاسات، فلا شهادة له، ~~ومن كانت صناعته محرمة؛ كصانع المزامير والطنابير، فلا شهادة له. ومن كانت ~~صناعته يكثر فيها الربا، كالصائغ والصيرفي، ولم يتوق ذلك، ردت شهادته. ### | [فصل من تكرر منه لعب القمار لم تقبل شهادته] # (8361) فصل: في اللعب: كل لعب فيه قمار، فهو محرم، أي لعب كان، وهو من ~~الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه، ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته. وما ~~خلا من القمار، وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين، ولا من أحدهما، ~~فمنه ما هو محرم، ومنه ما هو مباح؛ فأما المحرم فاللعب بالنرد. وهذا قول ~~أبي حنيفة، وأكثر أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: هو مكروه، غير محرم. # PageV10P150 # ولنا، ما روى أبو موسى، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«من لعب بالنردشير، فقد عصى الله ورسوله» . وروى بريدة، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ~~ودمه» . رواهما أبو داود. وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النردشير، لم ~~يسلم عليهم. إذا ثبت هذا، فمن تكرر منه اللعب به، لم تقبل شهادته، سواء لعب ~~به قمارا أو غير قمار. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وظاهر مذهب الشافعي. قال ~~مالك: من لعب بالنرد والشطرنج، فلا أرى شهادته طائلة؛ لأن الله تعالى قال: ~~{فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32] . وهذا ليس من الحق، فيكون من ~~الضلال. # (8362) فصل: فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم، إلا أن النرد آكد منه ~~في التحريم؛ لورود النص في تحريمه، لكن هذا في ms5652 معناه، فيثبت فيه حكمه، ~~قياسا عليه. وذكر القاضي أبو الحسين ممن ذهب إلى تحريمه؛ علي بن أبي طالب، ~~وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب والقاسم وسالما، وعروة، ومحمد بن علي ~~بن الحسين، ومطرا الوراق، ومالكا. وهو قول أبي حنيفة. وذهب الشافعي إلى ~~إباحته. # وحكى ذلك أصحابه عن أبي هريرة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير. واحتجوا ~~بأن الأصل الإباحة، ولم يرد بتحريمها نص، ولا هي في معنى المنصوص عليه، ~~فتبقى على الإباحة. ويفارق الشطرنج النرد من وجهين؛ أحدهما، أن في الشطرنج ~~تدبير الحرب، فأشبه اللعب بالحراب، والرمي بالنشاب، والمسابقة بالخيل. ~~والثاني، أن المعول في النرد ما يخرجه الكعبتان، فأشبه الأزلام، والمعول في ~~الشطرنج على حذقه وتدبيره، فأشبه المسابقة بالسهام. ولنا، قول الله تعالى: ~~{إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} ~~[المائدة: 90] . # قال علي - رضي الله عنه -: الشطرنج من الميسر. ومر علي - رضي الله عنه - ~~على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) . ~~قال أحمد: أصح ما في الشطرنج، قول علي - رضي الله عنه -. وروى واثلة بن ~~الأسقع - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~الله عز وجل ينظر # PageV10P151 # في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، ليس لصاحب الشاه فيها نصيب» . رواه أبو ~~بكر بإسناده. ولأنه لعب يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، فأشبه اللعب ~~بالنرد. # وقولهم: لا نص فيها. قد ذكرنا فيها نصا، وهي أيضا في معنى النرد المنصوص ~~على تحريمه. وقولهم: إن فيها تدبير الحرب. قلنا: لا يقصد هذا منها، وأكثر ~~اللاعبين بها إنما يقصدون منها اللعب أو القمار. وقولهم: إن المعول فيها ~~على تدبيره. فهو أبلغ في اشتغاله بها، وصدها عن ذكر الله والصلاة. إذا ثبت ~~هذا، فقال أحمد: النرد أشد من الشطرنج. وإنما قال ذلك؛ لورود النص في ~~النرد، والإجماع على تحريمها، بخلاف الشطرنج. # وإذا ثبت تحريمها، فقال القاضي: هو كالنرد في رد الشهادة به. وهذا قول ~~مالك، وأبي حنيفة؛ لأنه محرم مثله. وقال ms5653 أبو بكر: إن فعله من يعتقد تحريمه، ~~فهو كالنرد في حقه، وإن فعله من يعتقد إباحته، لم ترد شهادته، إلا أن يشغله ~~عن الصلاة في أوقاتها، أو يخرجه إلى الحلف الكاذب، ونحوه من المحرمات، أو ~~يلعب بها على الطريق، أو يفعل في لعبه ما يستخف به من أجله، ونحو هذا، مما ~~يخرجه عن المروءة. وهذا مذهب الشافعي؛ وذلك لأنه مختلف فيه، فأشبه سائر ~~المختلف فيه. ### | [فصل شهادة اللاعب بالحمام يطيرها] # (8363) فصل: واللاعب بالحمام يطيرها، لا شهادة له. وهذا قول أصحاب الرأي. ~~وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمام ولا حمام؛ وذلك لأنه سفه ودناءة وقلة ~~مروءة، ويتضمن أذى الجيران بطيره، وإشرافه على دورهم، ورميه إياها ~~بالحجارة. وقد «رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يتبع حماما، فقال: ~~شيطان يتبع شيطانة» . وإن اتخذ الحمام لطلب فراخها، أو لحمل الكتب، أو ~~للأنس بها من غير أذى يتعدى إلى الناس، لم ترد شهادته. وقد روى عبادة بن ~~الصامت، «أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فشكا إليه الوحشة، ~~فقال: اتخذ زوجا من حمام.» # PageV10P152 ### | [فصل حكم الشهادة للمتسابق في المسابقة المشروعة بالخيل وغيرها] # (8364) فصل: فأما المسابقة المشروعة، بالخيل وغيرها من الحيوانات، أو على ~~الأقدام، فمباحة لا دناءة فيها، ولا ترد به الشهادة، وقد ذكرنا مشروعية ذلك ~~في باب المسابقة. وكذلك ما في معناه من الثقاف، واللعب بالحراب. وقد لعب ~~الحبشة بالحراب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقامت عائشة خلفه ~~تنظر إليهم، وتستتر به، حتى ملت. ولأن في هذا تعلما للحرب، فإنه من آلاته، ~~فأشبه المسابقة بالخيل والمناضلة، وسائر اللعب، إذا لم يتضمن ضررا، ولا ~~شغلا عن فرض، فالأصل إباحته، فما كان منه فيه دناءة يترفع عنه ذوو ~~المروءات، منع الشهادة إذا فعله ظاهرا، وتكرر منه، وما كان منه لا دناءة ~~فيه، لم ترد بها الشهادة بحال. ### | [فصل شهادة المستمع إلى الملاهي] # (8365) فصل: في الملاهي: وهي على ثلاثة أضرب؛ محرم، وهو ضرب الأوتار ~~والنايات، والمزامير كلها، والعود، والطنبور، والمعزفة، والرباب، ms5654 ونحوها، ~~فمن أدام استماعها، ردت شهادته؛ لأنه يروى عن علي - رضي الله عنه - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا ظهرت في أمتي خمس عشرة خصلة، ~~حل بهم البلاء» . فذكر منها إظهار المعازف والملاهي. وقال سعيد: ثنا فرج بن ~~فضالة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن الله بعثني رحمة للعالمين، وأمرني بمحق المعازف ~~والمزامير، لا يحل بيعهن ولا شراؤهن ولا تعليمهن ولا التجارة فيهن، وثمنهن ~~حرام» . يعني الضاربات. # وروى نافع، قال: «سمع ابن عمر مزمارا، قال: فوضع إصبعيه في أذنيه، ونأى ~~عن الطريق، وقال لي: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ قال: فقلت: لا. قال: فرفع ~~إصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV10P153 # فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا» . رواه الخلال، في " جامعه " من طريقين، ~~ورواه أبو داود في " سننه "، وقال: حديث منكر. وقد احتج قوم بهذا الخبر على ~~إباحة المزمار، وقالوا: لو كان حراما لمنع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ابن عمر من سماعه، ومنع ابن عمر نافعا من استماعه، ولأنكر على الزامر بها. ~~قلنا: أما الأول فلا يصح؛ لأن المحرم استماعها دون سماعها، والاستماع غير ~~السماع، ولهذا فرق الفقهاء في سجود التلاوة بين السامع والمستمع، ولم ~~يوجبوا على من سمع شيئا محرما سد أذنيه، وقال الله تعالى: {وإذا سمعوا ~~اللغو أعرضوا عنه} [القصص: 55] . ولم يقل: سدوا آذانهم. # والمستمع هو الذي يقصد السماع، ولم يوجد هذا من ابن عمر، وإنما وجد منه ~~السماع؛ ولأن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حاجة إلى معرفة انقطاع الصوت ~~عنه؛ لأنه عدل عن الطريق، وسد أذنيه، فلم يكن ليرجع إلى الطريق، ولا يرفع ~~إصبعيه عن أذنيه، حتى ينقطع الصوت عنه، فأبيح للحاجة. وأما الإنكار، فلعله ~~كان في أول الهجرة، حين لم يكن الإنكار واجبا، أو قبل إمكان الإنكار؛ لكثرة ~~الكفار، وقلة أهل الإسلام. فإن قيل: فهذا الخبر ضعيف، فإن أبا داود رواه، ~~وقال: هو حديث منكر. قلنا: ms5655 قد رواه الخلال بإسناده من طريقين، فلعل أبا ~~داود ضعفه لأنه لم يقع له إلا من إحدى الطريقين. # وضرب مباح؛ وهو الدف؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعلنوا ~~النكاح، واضربوا عليه بالدف» . أخرجه مسلم. وذكر أصحابنا، وأصحاب الشافعي، ~~أنه مكروه في غير النكاح؛ لأنه يروى عن عمر، أنه كان إذا سمع صوت الدف، بعث ~~فنظر، فإن كان في وليمة سكت، وإن كان في غيرها، عمد بالدرة. ولنا، ما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن امرأة جاءته، فقالت: إني نذرت إن رجعت ~~من سفرك سالما، أن أضرب على رأسك بالدف. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: أوف بنذرك» . رواه أبو داود. # ولو كان مكروها لم يأمرها به وإن كان منذورا. وروت الربيع بنت معوذ، ~~قالت: «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صبيحة بني بي، فجعلت ~~جويريات يضربن بدف لهن، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إلى أن قالت ~~إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال: دعي هذا، وقولي الذي كنت تقولين» ~~متفق عليه. # PageV10P154 # وأما الضرب به للرجال فمكروه على كل حال؛ لأنه إنما كان يضرب به النساء، ~~والمخنثون المتشبهون بهن، ففي ضرب الرجال به تشبه بالنساء، وقد لعن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرجال بالنساء. فأما الضرب بالقضيب، ~~فمكروه إذا انضم إليه محرم أو مكروه، كالتصفيق والغناء والرقص، وإن خلا عن ~~ذلك كله لم يكره؛ لأنه ليس بآلة ولا بطرب، ولا يسمع منفردا، بخلاف الملاهي. ~~ومذهب الشافعي في هذا الفصل كما قلنا. ### | [فصل شهادة من يسم الغناء] # (8366) فصل: واختلف أصحابنا في الغناء؛ فذهب أبو بكر الخلال، وصاحبه أبو ~~بكر عبد العزيز، إلى إباحته. قال أبو بكر عبد العزيز: والغناء والنوح معنى ~~واحد، مباح ما لم يكن معه منكر، ولا فيه طعن. وكان الخلال يحمل الكراهة من ~~أحمد على الأفعال المذمومة، لا على القول بعينه. وروي عن أحمد، أنه سمع عند ~~ابنه صالح قوالا، فلم ينكر عليه، وقال له صالح: يا أبت، ms5656 أليس كنت تكره هذا؟ ~~فقال: إنه قيل لي: إنهم يستعملون المنكر. # وممن ذهب إلى إباحته من غير كراهة، سعد بن إبراهيم، وكثير من أهل ~~المدينة، والعنبري؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كانت عندي ~~جاريتان تغنيان، فدخل أبو بكر، فقال: مزمور الشيطان في بيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دعهما، فإنها ~~أيام عيد» . متفق عليه. وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: الغناء زاد ~~الراكب. واختار القاضي أنه مكروه غير محرم. وهو قول الشافعي، قال: هو من ~~اللهو المكروه. وقال أحمد: الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني. # وذهب آخرون من أصحابنا إلى تحريمه. قال أحمد: في من مات وخلف ولدا يتيما، ~~وجارية مغنية، فاحتاج الصبي إلى بيعها، تباع ساذجة. قيل له: إنها تساوي ~~مغنية ثلاثين ألفا، وتساوي ساذجة عشرين دينارا. قال: لا تباع إلا على أنها ~~ساذجة. واحتجوا على تحريمه بما روي عن ابن الحنفية في قوله تعالى: ~~{واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] . قال: الغناء. وقال ابن عباس، وابن ~~مسعود، في قوله: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} [لقمان: 6] ، قال: هو ~~الغناء. وعن أبي أمامة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن شراء ~~المغنيات، وبيعهن، والتجارة فيهن، وأكل # PageV10P155 # أثمانهن حرام» . أخرجه الترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من حديث علي بن يزيد، ~~وقد تكلم فيه أهل العلم. # وروى ابن مسعود، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الغناء ينبت ~~النفاق في القلب» . والصح أنه من قول ابن مسعود. وعلى كل حال، من اتخذ ~~الغناء صناعة، يؤتي له، ويأتي له، أو اتخذ غلاما أو جارية مغنين، يجمع ~~عليهما الناس، فلا شهادة له؛ لأن هذا عند من لم يحرمه سفه ودناءة وسقوط ~~مروءة، ومن حرمه فهو مع سفهه عاص. مصر متظاهر بفسوقه. وبهذا قال الشافعي، ~~وأصحاب الرأي. وإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء، وإنما يترنم لنفسه، ولا ~~يغني للناس، أو كان غلامه وجاريته إنما يغنيان له، انبنى هذا على الخلاف ~~فيه. ms5657 # فمن أباحه أو كرهه، لم ترد شهادته، ومن حرمه، قال: إن داوم عليه، ردت ~~شهادته، كسائر الصغائر، وإن لم يداوم عليه، لم ترد شهادته. وإن فعله من ~~يعتقد حله، فقياس المذهب أنه لا ترد شهادته بما لا يشتهر به منه، كسائر ~~المختلف فيه من الفروع. ومن كان يغشى بيوت الغناء، أو يغشاه المغنون للسماع ~~متظاهرا بذلك، وكثر منه، ردت شهادته، في قولهم جميعا؛ لأنه سفه ودناءة. وإن ~~كان معتبرا به، فهو كالمغني لنفسه، على ما ذكر من التفصيل فيه. ### | [فصل شهادة الحادي] # (8367) فصل: فأما الحداء، وهو الإنشاد الذي تساق به الإبل، فمباح، لا بأس ~~به في فعله واستماعه؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كنا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، وكان عبد الله بن رواحة جيد ~~الحداء، وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لابن رواحة: حرك بالقوم. فاندفع يرتجز، فتبعه أنجشة، فأعنقت الإبل، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنجشة: رويدك، رفقا بالقوارير» . # يعني النساء. # PageV10P156 # وكذلك نشيد الأعراب، وهو النصب، لا بأس به، وسائر أنواع الإنشاد، ما لم ~~يخرج إلى حد الغناء. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمع إنشاد ~~الشعر، فلا ينكره. والغناء، من الصوت، ممدود مكسور. والغنى، من المال، ~~مقصور. والحداء، مضموم ممدود، كالدعاء والرعاء، ويجوز الكسر، كالنداء ~~والهجاء والغذاء. ### | [فصل شهادة الشاعر] # (8368) فصل: والشعر كالكلام؛ حسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه. وقد روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن من الشعر لحكما» ، «وكان يضع ~~لحسان منبرا يقوم عليه، فيهجو من هجا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والمسلمين» . «وأنشده كعب بن زهير قصيدة: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول # في المسجد. وقال له عمه العباس: يا رسول الله، إني أريد أن أمتدحك. فقال: ~~قل، لا يفضض الله فاك» . # «فأنشده: # من قبلها طبت في الظلال ... وفي مستودع حيث يخصف الورق # » عمرو بن الشريد: «أردفني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أمعك ~~من شعر ms5658 أمية؟ . قلت: # PageV10P157 # نعم. فأنشدته بيتا، فقال: هيه. فأنشدته بيتا، فقال: هيه. حتى أنشدته مائة ~~قافية» . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين: «أنا النبي لا كذب ~~أنا ابن عبد المطلب» وقد اختلف في هذا، فقيل: ليس بشعر، وإنما هو كلام ~~موزون. وقيل: بل هو شعر، ولكنه بيت واحد قصير، فهو كالنثر. # ويروى أن أبا الدرداء قيل له: ما من أهل بيت في الأنصار، إلا وقد قال ~~الشعر. قال: وأنا قد قلت: # يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا # يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما استفادا # وليس في إباحة الشعر خلاف، وقد قاله الصحابة والعلماء، والحاجة تدعو إليه ~~لمعرفة اللغة والعربية، والاستشهاد به في التفسير، وتعرف معاني كلام الله ~~تعالى، وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويستدل به أيضا على النسب، ~~والتاريخ، وأيام العرب. ويقال: الشعر ديوان العرب. # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون} [الشعراء: 224] ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه، ~~خير له من أن يمتلئ شعرا» . رواه أبو داود، وأبو عبيد. وقال: معنى يريه: ~~يأكل جوفه، يقال: وراه يريه، قال الشاعر: # وراهن ربي مثل ما قد ورينني ... وأحمي على أكبادهن المكاويا # قلنا: أما الآية، فالمراد بها من أسرف وكذب؛ بدليل وصفه لهم بقوله: {ألم ~~تر أنهم في كل واد يهيمون} [الشعراء: 225] {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} ~~[الشعراء: 226] . # ثم استثنى المؤمنين، فقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله ~~كثيرا} [الشعراء: 227] . ولأن الغالب على الشعراء قلة الدين، والكذب، وقذف ~~المحصنات، وهجاء الأبرياء، سيما من كان في ابتداء الإسلام، ممن يهجو ~~المسلمين، ويهجو النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعيب الإسلام، ويمدح # PageV10P158 # الكفار، فوقع الذم على الأغلب، واستثنى منهم من لا يفعل الخصال المذمومة، ~~فالآية دليل على إباحته، ومدح أهله المتصفين بالصفات الجميلة. # وأما الخبر؛ فقال أبو عبيد: معناه أن يغلب عليه الشعر حتى يشغله عن ~~القرآن والفقه. وقيل: المراد به ما كان هجاء وفحشا، فما كان ms5659 من الشعر يتضمن ~~هجو المسلمين، والقدح في أعراضهم، أو التشبب بامرأة بعينها، والإفراط في ~~وصفها، فذكر أصحابنا أنه محرم. وهذا إن أريد به أنه محرم على قائله، فهو ~~صحيح، وأما على راويه فلا يصح؛ فإن المغازي تروى فيها قصائد الكفار الذين ~~هجوا بها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينكر ذلك أحد. # وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن في الشعر الذي تقاولت به ~~الشعراء في يوم بدر وأحد وغيرهما، إلا قصيدة أمية بن أبي الصلت الحائية» . ~~وكذلك يروى شعر قيس بن الخطيم، في التشبيب بعمرة بنت رواحة، أخت عبد الله ~~بن رواحة، وأم النعمان بن بشير. # PageV10P159 # وقد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قصيدة كعب بن زهير، وفيها التشبيب ~~بسعاد. ولم يزل الناس يروون أمثال هذا، ولا ينكر. # وروينا أن النعمان بن بشير دخل مجلسا فيه رجل يغنيهم بقصيدة قيس بن ~~الخطيم، فلما دخل النعمان سكتوه من قبل أن فيها ذكر أمه، فقال النعمان: ~~دعوه، فإنه لم يقل بأسا، إنما قال: # وعمرة من سروات النساء ... تنفح بالمسك أردانها # وكان عمران بن طلحة في مجلس، فغناهم رجل بشعر فيه ذكر أمه، فسكتوه من ~~أجله، فقال: دعوه، فإن قائل هذا الشعر، كان زوجها. فأما الشاعر، فمتى كان ~~يهجو المسلمين أو يمدح بالكذب، أو يقذف مسلما أو مسلمة، فإن شهادته ترد، ~~وسواء قذف المسلمة بنفسه أو بغيره. وقد قيل: أعظم الناس ذنبا، رجل يهاجي ~~رجلا، فيهجو القبيلة بأسرها. # وقد روينا أن أبا دلامة شهد عند قاض، أظنه ابن أبي ليلى، فخاف أن يرد ~~شهادته. فقال: # إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحث # فقال القاضي: ومن يبحثك يا أبا دلامة. وغرم المال من عنده، ولم يظهر أنه ~~رد شهادته. ### | [فصل شهادة قارئ القرآن بالألحان] # (8369) فصل: في قراءة القرآن بالألحان: أما قراءته من غير تلحين، فلا بأس ~~به، وإن حسن صوته، فهو أفضل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~«زينوا أصواتكم بالقرآن» . وروي: «زينوا القرآن بأصواتكم» ms5660 . وقال: «لقد ~~أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود» . # PageV10P160 # وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي موسى: لقد مررت بك ~~البارحة، وأنت تقرأ، ولقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. فقال أبو موسى: ~~لو أعلم أنك تسمع، لحبرته لك تحبيرا.» وروي «أن عائشة - رضي الله عنها - ~~أبطأت على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة، فقال: أين كنت يا عائشة؟ . ~~فقالت: يا رسول الله، كنت أستمع قراءة رجل في المسجد، لم أسمع أحدا يقرأ ~~أحسن من قراءته. فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستمع قراءته، ثم قال: ~~هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا» . # وقال صالح: قلت لأبي: " زينوا القرآن بأصواتكم ". ما معناه؟ قال: أن ~~يحسنه. وقيل له: ما معنى: " من لم يتغن بالقرآن ". قال: يرفع صوته به. ~~وهكذا قال الشافعي. وقال الليث: يتحزن به، ويتخشع به، ويتباكى به. وقال ابن ~~عيينة، وعمرو بن الحارث، ووكيع: يستغني به. # فأما القراءة بالتلحين، فينظر فيه؛ فإن لم يفرط في التمطيط والمد وإشباع ~~الحركات، فلا بأس به؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قرأ، ورجع، ورفع ~~صوته. قال الراوي: لولا أن يجتمع الناس علي، لحكيت لكم قراءته. وقال - عليه ~~السلام -: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» . وقال: «ما أذن الله لشيء كإذنه ~~لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن، يجهر به» . ومعنى أذن: استمع. # قال الشاعر: # في سماع يأذن الشيخ له # PageV10P161 # وقال القاضي: هو مكروه على كل حال. ونحوه قول أبي عبيد، وقال معنى قوله: ~~«ليس منا من لم يتغن بالقرآن» . أي: يستغني به. قال الشاعر: # وكنت امرأ زمنا بالعراق ... عفيف المناخ كثير التغني # قال: ولو كان من الغناء بالصوت، لكان من لم يغن بالقرآن ليس من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. وروي نحو هذا التفسير عن ابن عيينة. وقال القاضي ~~أحمد بن محمد البرتي: هذا قول من أدركنا من أهل العلم. # وقال الوليد بن مسلم: يتغنى بالقرآن، يجهر به. وقيل: يحسن صوته به. ~~والصحيح أن ms5661 هذا القدر من التلحين لا بأس به؛ لأنه لو كان مكروها، لم يفعله ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا يصح حمله على التغني في حديث: «ما أذن ~~الله لشيء، كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن» . على الاستغناء؛ لأن معنى أذن: ~~استمع، وإنما تستمع القراءة، ثم قال: يجهر به. والجهر صفة القراءة، لا صفة ~~الاستغناء. # فأما إن أفرط في المد والتمطيط وإشباع الحركات، بحيث يجعل الضمة واوا، ~~والفتحة ألفا، والكسرة ياء، كره ذلك. ومن أصحابنا من يحرمه؛ لأنه يغير ~~القرآن، ويخرج الكلمات عن وضعها، ويجعل الحركات حروفا. وقد روينا عن أبي ~~عبد الله، أن رجلا سأله عن ذلك، فقال له: ما اسمك؟ قال: محمد. قال: أيسرك ~~أن يقال لك: يا موحامد؟ قال: لا. فقال: لا يعجبني أن يتعلم الرجل الألحان، ~~إلا أن يكون حرمه مثل حرم أبي موسى. فقال له رجل: فيكلمون؟ فقال: لا. كل ~~ذا. واتفق العلماء على أنه تستحب قراءة القرآن بالتحزين والترتيل والتحسين. # وروى بريدة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقرءوا القرآن ~~بالحزن، فإنه نزل بالحزن» . # PageV10P162 # وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله قال لرجل: لو قرأت. وجعل أبو عبد الله ~~ربما تغرغرت عينه. وقال زهير بن حرب: كنا عند يحيى القطان، فجاء محمد بن ~~سعيد الترمذي، فقال له يحيى: اقرأ. فقرأ، فغشي على يحيى حتى حمل فأدخل. ~~وقال محمد بن صالح العدوي: قرأت عند يحيى بن سعيد القطان، فغشي عليه حتى ~~فاته خمس صلوات. ### | [فصل شهادة الطفيلي] # (8370) فصل: ولا تقبل شهادة الطفيلي؛ وهو الذي يأتي طعام الناس من غير ~~دعوة. وبهذا قال الشافعي. ولا نعلم فيه مخالفا؛ وذلك لأنه يروى عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أتى إلى طعام لم يدع إليه، دخل سارقا، ~~وخرج معيرا» . ولأنه يأكل محرما، ويفعل ما فيه سفه ودناءة وذهاب مروءة، فإن ~~لم يتكرر هذا منه، لم ترد شهادته؛ لأنه من الصغائر. ### | [فصل شهادة من سأل من غير أن تحل له المسألة] # (8371) فصل: ومن سأل من غير أن تحل ms5662 له المسألة، فأكثر، ردت شهادته؛ لأنه ~~فعل محرما، وأكل سحتا، وأتى دناءة. وقد روى قبيصة، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة؛ رجل أصابته ~~جائحة، فاجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من ~~عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت ~~فلانا فاقة. فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من عيش، ~~ورجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، فما سوى ذلك من ~~المسألة فهو سحت، يأكله صاحبه سحتا يوم القيامة» . رواه مسلم. # فأما السائل ممن تباح له المسألة، فلا ترد شهادته بذلك، إلا أن يكون أكثر ~~عمره سائلا، أو يكثر # PageV10P163 # ذلك منه، فينبغي أن ترد شهادته؛ لأن ذلك دناءة وسقوط مروءة. # ومن أخذ من الصدقة ممن يجوز له الأخذ من غير مسألة، لم ترد شهادته؛ لأنه ~~فعل جائز، لا دناءة فيه. وإن أخذ منها ما لا يجوز له وتكرر ذلك منه، ردت ~~شهادته؛ لأنه مصر على الحرام. ### | [فصل شهادة من فعل شيئا من الفروع مختلفا فيه معتقدا إباحته] # (8372) فصل: ومن فعل شيئا من الفروع مختلفا فيه معتقدا إباحته، لم ترد ~~شهادته، كالمتزوج بغير ولي، أو بغير شهود، وآكل متروك التسمية، وشارب يسير ~~النبيذ. نص عليه أحمد، في شارب النبيذ، يحد، ولا ترد شهادته. وبهذا قال ~~الشافعي. # وقال مالك: ترد شهادته؛ لأنه فعل ما يعتقد الحاكم تحريمه، فأشبه المتفق ~~على تحريمه. ولنا، أن الصحابة - رضي الله عنهم -، كانوا يختلفون في الفروع، ~~فلم يكن بعضهم يعيب من خالفه، ولا يفسقه، ولأنه نوع مختلف فيه، فلم ترد ~~شهادة فاعله، كالذي يوافقه عليه الحاكم. وإن فعل ذلك معتقدا تحريمه، ردت ~~شهادته به إذا تكرر. وقال أصحاب الشافعي: لا ترد شهادته به؛ لأنه فعل لا ~~ترد به شهادة بعض الناس، فلا ترد به شهادة البعض الآخر، كالمتفق على حله. ~~ولنا، أنه فعل يحرم على فاعله، ويأثم به، فأشبه المجمع ms5663 على تحريمه، وبهذا ~~فارق معتقد حله. وقد روي عن أحمد، في من يجب عليه الحج فلا يحج: ترد ~~شهادته. # وهذا يحمل على من اعتقد وجوبه على الفور. فأما من يعتقد أنه على التراخي، ~~ويتركه بنية فعله، فلا ترد شهادته، كسائر ما ذكرنا. ويحتمل أن ترد شهادته ~~مطلقا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قدر على الحج فلم يحج، فليمت ~~إن شاء يهوديا أو نصرانيا» . وقال عمر: لقد هممت أن أنظر في الناس، فمن ~~وجدته يقدر على الحج ولا يحج، ضربت عليه الجزية، ثم قال: ما هم بمسلمين، ما ~~هم بمسلمين. ### | [مسألة شهادة الكفار من أهل الكتاب في الوصية في السفر] # (8373) مسألة؛ قال: (وتجوز شهادة الكفار من أهل الكتاب، في الوصية في ~~السفر، إذا لم يكن غيرهم) وجملته، أنه إذا شهد بوصية المسافر الذي مات في ~~سفره شاهدان من أهل الذمة، قبلت شهادتهما، إذا لم يوجد غيرهما، ويستحلفان ~~بعد العصر ما خانا ولا كتما، ولا اشتريا به ثمنا قليلا {ولو كان ذا قربى ~~ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين} [المائدة: 106] . # PageV10P164 # قال ابن المنذر وبهذا قال أكابر الماضين. يعني الآية التي في سورة ~~المائدة. # وممن قاله شريح، والنخعي، والأوزاعي، ويحيى بن حمزة. وقضى بذلك ابن ~~مسعود، وأبو موسى - رضي الله عنهما -. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا ~~تقبل؛ لأن من لا تقبل شهادته على غير الوصية، لا تقبل في الوصية؛ كالفاسق ~~ولأن الفاسق لا تقبل شهادته، فالكافر أولى. واختلفوا في تأويل الآية؛ فمنهم ~~من حملها على التحمل دون الأداء، ومنهم من قال: المراد بقوله {من غيركم} ~~[المائدة: 106] . أي من غير عشيرتكم. ومنهم من قال: الشهادة في الآية ~~اليمين. # ولنا، قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم ~~الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في ~~الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106] . وهذا نص الكتاب، وقد قضى به ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فروى «ابن عباس، قال: خرج ms5664 رجل ~~من بني سهم مع تميم الداري، وعدي بن زيد، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، ~~فلما قدما بتركته فقدوا جام فضة مخوصا بالذهب، فأحلفهما رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم وجدوا الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي، ~~فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن ~~الجام لصاحبهم. فنزلت فيهم: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: ~~106] » # وعن الشعبي «أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء، ولم يجد أحدا من ~~المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، فأتيا ~~الأشعري، فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد ~~الذي كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأحلفهما بعد العصر # PageV10P165 # ما خانا، ولا كذبا، ولا بدلا، ولا كتما، ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل، ~~وتركته، فأمضى شهادتهما» . رواهما أبو داود، في " سننه ". وروى الخلال حديث ~~أبي موسى بإسناده. وحمل الآية على أنه أراد من غير عشيرتكم، لا يصح؛ لأن ~~الآية نزلت في قضية عدي، وتميم، بلا خلاف بين المفسرين، وقد فسرها بما قلنا ~~سعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعبيدة، وسعيد بن جبير، والشعبي، ~~وسليمان التيمي، وغيرهم، ودلت عليه الأحاديث التي رويناها. ولأنه لو صح ما ~~ذكروه، لم تجب الأيمان؛ لأن الشاهدين من المسلمين لا قسامة عليهم. # وحملها على التحمل لا يصح؛ لأنه أمر بإحلافهم، ولا أيمان في التحمل. ~~وحملها على اليمين لا يصح؛ لقوله: {فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ~~ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله} [المائدة: 106] . ولأنه عطفها ~~على ذوي العدل من المؤمنين، وهما شاهدان. # وروى أبو عبيد، في " الناسخ والمنسوخ " أن ابن مسعود قضى بذلك في زمن ~~عثمان. قال أحمد: أهل المدينة ليس عندهم حديث أبي موسى، من أين يعرفونه؟ ~~فقد ثبت هذا الحكم بكتاب الله، وقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقضاء الصحابة به، وعملهم بما ثبت في الكتاب والسنة، فتعين المصير إليه، ~~والعمل به، سواء وافق القياس أو ms5665 خالفه. ### | [مسألة شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض] # (8374) مسألة؛ قال: (ولا تجوز شهادتهم في غير ذلك) مذهب أبي عبد الله أن ~~شهادة أهل الكتاب لا تقبل في شيء على مسلم ولا كافر غير ما ذكرنا. رواه عنه ~~نحو من عشرين نفسا. وممن قال: لا تقبل شهادتهم؛ الحسن، وابن أبي ليلى، ~~والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبو ثور. ونقل حنبل، عن أحمد، أن شهادة بعضهم ~~على بعض لم تقبل. وخطأه الخلال في نقله هذا، وكذلك صاحبه أبو بكر، قال: هذا ~~غلط لا شك فيه. # وقال ابن حامد: بل المسألة على روايتين. وقال أبو حفص البرمكي: تقبل ~~شهادة السبي بعضهم لبعض في النسب، إذا ادعى أحدهم أن الآخر أخوه. والمذهب ~~الأول، والظاهر غلط من روى خلاف ذلك. وذهب طائفة من أهل العلم، إلى أن ~~شهادة بعضهم على بعض تقبل، ثم اختلفوا؛ فمنهم من قال: الكفر كله ملة واحدة، ~~فتقبل شهادة اليهودي على النصراني، والنصراني على اليهودي. وهذا قول حماد، ~~وسوار، والثوري، والبتي، وأبي حنيفة، وأصحابه. # وعن قتادة، والحكم، وأبي عبيد، وإسحاق: تقبل شهادة كل ملة بعضها على بعض، ~~ولا تقبل شهادة يهودي على نصراني، ولا نصراني على يهودي. وروي عن الزهري، ~~والشعبي، كقولنا، وكقولهم. واحتجوا بما روي عن جابر، «أن النبي # PageV10P166 # - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض.» رواه ابن ~~ماجه. ولأن بعضهم يلي على بعض، فتقبل شهادة بعضهم على بعض، كالمسلمين. # ولنا، قول الله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] . وقال تعالى: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون ~~من الشهداء} [البقرة: 282] . والكافر ليس بذي عدل، ولا هو منا، ولا من ~~رجالنا، ولا ممن نرضاه؛ ولأنه لا تقبل شهادته على غير أهل دينه، فلا تقبل ~~على أهل دينه، كالحربي، والخبر يرويه مجالد وهو ضعيف، وإن ثبت فيحتمل أنه ~~أراد اليمين، فإنها تسمى شهادة، قال الله تعالى في اللعان: {فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} [النور: 6] . # وأما الولاية فمتعلقها القرابة والشفقة، وقرابتهم ثابتة، ms5666 وشفقتهم كشفقة ~~المسلمين، وجازت لموضع الحاجة، فإن غير أهل دينهم لا يلي عليهم، والحاكم ~~يتعذر عليه ذلك، لكثرتهم، بخلاف الشهادة، فإنها ممكنة من المسلمين، وقد روي ~~عن معاذ، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقبل شهادة أهل دين إلا ~~المسلمين» ؛ فإنهم عدول على أنفسهم، وعلى غيرهم. ### | [مسألة شهادة خصم أو جار إلى نفسه] # (8375) مسألة؛ قال: (ولا تقبل شهادة خصم، ولا جار إلى نفسه، ولا دافع ~~عنها) أما الخصم، فهو نوعان؛ أحدهما، كل من خاصم في حق لا تقبل شهادته فيه ~~كالوكيل لا تقبل شهادته فيما هو وكيل فيه، ولا الوصي فيما هو وصي فيه، ولا ~~الشريك فيما هو شريك فيه، ولا المضارب بمال أو حق للمضاربة. ولو غصب ~~الوديعة من المودع، وطالب بها، لم تقبل شهادته فيها، وكذلك ما أشبه هذا؛ ~~لأنه خصم فيه، فلم تقبل شهادته به، كالمالك. # والثاني، العدو، فشهادته غير مقبولة على عدوه، في قول أكثر أهل العلم. ~~روي ذلك عن ربيعة، والثوري، وإسحاق، ومالك، والشافعي. ويريد بالعداوة هاهنا ~~العداوة الدنيوية، مثل أن يشهد المقذوف على القاذف، والمقطوع عليه الطريق ~~على القاطع، والمقتول وليه على القاتل، والمجروح على الجارح، والزوج يشهد ~~على امرأته بالزنى، فلا تقبل شهادته؛ لأنه يقر على نفسه بعداوته لها، ~~لإفسادها فراشه. # فأما العداوة في الدين، كالمسلم يشهد على الكافر، أو المحق من أهل السنة ~~يشهد على مبتدع، فلا ترد شهادته؛ لأن العدالة بالدين، والدين يمنعه من ~~ارتكاب محظور دينه. وقال أبو حنيفة: لا تمنع العداوة الشهادة؛ لأنها لا تخل ~~بالعدالة، فلا تمنع الشهادة، كالصداقة. # PageV10P167 # ولنا، ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ~~ذي غمر على أخيه» . رواه أبو داود. الغمر: الحقد. ولأن العداوة تورث ~~التهمة. فتمنع الشهادة، كالقرابة القريبة، وتخالف الصداقة؛ فإن في شهادة ~~الصديق لصديقه بالزور نفع غيره بمضرة نفسه، وبيع آخرته بدنيا غيره، وشهادة ~~العدو على عدوه يقصد ms5667 بها نفع نفسه، بالتشفي من عدوه، فافترقا. فإن قيل: فلم ~~قبلتم شهادة المسلمين على الكفار مع العداوة؟ قلنا: العداوة هاهنا دينية، ~~والدين لا يقتضي شهادة الزور، ولا أن يترك دينه بموجب دينه. ### | [فصل شهد على رجل بحق فقذفه المشهود عليه] # (8376) فصل: فإن شهد على رجل بحق، فقذفه المشهود عليه، لم ترد شهادته ~~بذلك؛ لأننا لو أبطلنا شهادته بهذا لتمكن كل مشهود عليه من إبطال شهادة ~~الشاهد بأن يقذفه، ويفارق ما لو طرأ الفسق بعد أداء الشهادة، وقبل الحكم، ~~فإن رد الشهادة فيه لا يفضي إلى ذلك، بل إلى عكسه، ولأن طريان الفسق يورث ~~تهمة في حال أداء الشهادة؛ لأن العادة إسراره، فظهوره بعد أداء الشهادة، ~~يدل على أنه كان يسره حالة أدائها، وها هنا حصلت العداوة بأمر لا تهمة على ~~الشاهد فيه. # وأما المحاكمة في الأموال، فليست بعداوة تمنع الشهادة في غير ما حاكم ~~فيه. وأما قوله: ولا جار إلى نفسه. فإن الجار إلى نفسه هو الذي ينتفع ~~بشهادته، ويجر إليه بها نفعا؛ كشهادة الغرماء للمفلس بدين أو عين، وشهادتهم ~~للميت بدين أو مال، فإنه لو ثبت للمفلس أو الميت دين أو مال، تعلقت حقوقهم ~~به، ويفارق ما لو شهد الغرماء لحي لا حجر عليه بمال، فإن شهادتهم تقبل؛ لأن ~~حقهم لا يتعلق بماله، وإنما يتعلق بذمته. # فإن قيل: إذا كان معسرا سقطت عنه المطالبة، فإذا شهدا له بمال، ملكا ~~مطالبته، فجروا إلى أنفسهم نفعا. قلنا: لم تثبت المطالبة بشهادتهم، إنما ~~تثبت بيساره وإقراره؛ لدعواه الحق الذي شهدوا به. ولا تقبل شهادة الوارث ~~للموروث بالجرح قبل الاندمال؛ لأنه قد يسري الجرح إلى نفسه، فتجب الدية لهم ~~بشهادتهم. ولا شهادة الشفيع ببيع شقص له فيه الشفعة. ولا شهادة السيد لعبده ~~المأذون له في التجارة، ولا لمكاتبه. # قال القاضي: ولا تقبل شهادة الأجير لمن استأجره. وقال: نص عليه أحمد. فإن ~~قيل: فلم قبلتم شهادة الوارث لموروثه، مع أنه إذا مات ورثه، فقد جر إلى ~~نفسه بشهادته نفعا؟ # PageV10P168 # قلنا: لا حق له في ms5668 ماله حين الشهادة، وإنما يحتمل أن يتجدد له حق، وهذا ~~لا يمنع قبول الشهادة، كما لو شهد لامرأة يحتمل أن يتزوجها، أو لغريم له ~~بمال يحتمل أن يوفيه منه، أو يفلس، فيتعلق حقه به، وإنما المانع ما يحصل ~~للشاهد به نفع حال الشهادة. # فإن قيل: فقد منعتم قبول شهادته لموروثه بالجرح قبل الاندمال؛ لجواز أن ~~يتجدد له حق، وإن لم يكن حق في الحال، فإن قلتم: قد انعقد سبب حقه. قلنا: ~~يبطل بالشاهد لموروثه المريض بحق، فإن شهادته تقبل مع انعقاد سبب استحقاقه؛ ~~بدليل أن عطيته له لا تنفذ، وعطيته لغيره تقف على الخروج من الثلث. قلنا: ~~إنما منعنا الشهادة لموروثه بالجرح؛ لأنه ربما أفضى إلى الموت، فتجب الدية ~~للوارث الشاهد به ابتداء، فيكون شاهدا لنفسه، موجبا له بها حقا ابتداء، ~~بخلاف الشاهد للمريض أو المجروح بمال، فإنه إنما يجب للمشهود له، ثم يجوز ~~أن ينتقل، ويجوز أن لا ينتقل، فلم يمنع الشهادة له، كالشهادة لغريمه. # فإن قيل: فقد أجزتم شهادة الغريم لغريمه بالجرح قبل الاندمال، كما أجزتم ~~شهادته له بماله؟ . قلنا: إنما أجزناها لأن الدية لا تجب للشاهد ابتداء، ~~إنما تجب للقتيل، أو لورثته، ثم يستوفي الغريم منها، فأشبهت الشهادة له ~~بالمال. وأما الدافع عن نفسه، فمثل أن يشهد المشهود عليه بجرح الشهود، أو ~~تشهد عاقلة القاتل خطأ بجرح الشهود الذين شهدوا به، لما فيه من دفع الدية ~~عن أنفسهم. فإن كان الشاهدان بالجرح فقيرين، احتمل قبول شهادتهما؛ لأنهما ~~لا يحملان شيئا من الدية، واحتمل أن لا تقبل؛ لأنه يخاف أن يوسرا قبل الحول ~~فيحملا. # وكذلك الخلاف في البعيد الذي لا يحمل لبعده، فإنه لا يأمن أن يموت من هو ~~أقرب منه قبل الحول، فيحمل. ولا تقبل شهادة الضامن للمضمون عنه بقضاء الحق، ~~أو الإبراء منه. ولا شهادة أحد الشفيعين على الآخر بإسقاط شفعته؛ لأنه يوفر ~~الحق على نفسه. ولا شهادة بعض غرماء المفلس على بعضهم بإسقاط دينه، أو ~~استيفائه. ولا بعض من أوصى له بمال على آخر، بما ms5669 يبطل وصيته، إذا كانت ~~وصيته تحصل بها مزاحمته؛ إما لضيق الثلث عنهما، أو لكون الوصيتين بمعين. # فهذا وأشباهه لا تقبل الشهادة فيه؛ لأن الشاهد به متهم؛ لما يحصل بشهادته ~~من نفع نفسه، ودفع الضرر عنها، فيكون شاهدا لنفسه. وقد قال الزهري: مضت ~~السنة في الإسلام، أن لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين. والظنين: المتهم. وروى ~~طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~لا شهادة لخصم، ولا ظنين» . وممن رد شهادة الشريك لشريكه شريح، والنخعي، ~~والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم فيه مخالفا. # PageV10P169 ### | [فصل شهد الشريك لشريكه في غير ما هو شريك فيه] # (8377) فصل: وإن شهد الشريك لشريكه، في غير ما هو شريك فيه، أو الوكيل ~~لموكله، في غير ما هو وكيل فيه، أو العدو لعدوه، أو الوارث لموروثه بمال، ~~أو بالجرح بعد الاندمال، أو شهد أحد الشفيعين، بعد أن أسقط شفعته على ~~الآخر، بإسقاط شفعته، أو أحد الوصيين بعد سقوط وصيته على الآخر، بما يسقط ~~وصيته، أو كانت إحدى الوصيتين لا تزاحم الأخرى، ونحو ذلك مما لا تهمة فيه، ~~قبلت؛ لأن المقتضي لقبول الشهادة متحقق، والمانع منتف فوجب قبولها، عملا ~~بالمقتضي. ### | [مسألة شهادة من يعرف بكثرة الغلط والغفلة] # (8378) مسألة؛ قال: ولا تقبل شهادة من يعرف بكثرة الغلط والغفلة وجملته ~~أنه يعتبر في الشاهد أن يكون موثوقا بقوله؛ لتحصل غلبة الظن بصدقه، ولذلك ~~اعتبرنا العدالة، ومن يكثر غلطه وتغفله، لا يوثق بقوله؛ لاحتمال أن يكون من ~~غلطاته، فربما شهد على غير من استشهد عليه، أو لغير من شهد له، أو بغير ما ~~استشهد به، وإذا كان مغفلا، فربما استزله الخصم بغير شهادته، فلا تحصل ~~الثقة بقوله. ولا يمنع من الشهادة وجود غلط نادر، أو غفلة نادرة؛ لأن أحدا ~~لا يسلم من ذلك، فلو منع ذلك الشهادة، لانسد بابها، فاعتبرنا الكثرة في ~~المنع، كما اعتبرنا كثرة المعاصي في الإخلال بالعدالة. ### | [مسألة شهادة الأعمى] # (8379) مسألة؛ قال: وتجوز شهادة الأعمى، إذا تيقن الصوت روي هذا عن ms5670 علي، ~~وابن عباس. وبه قال ابن سيرين، وعطاء، والشعبي، والزهري، ومالك، وابن أبي ~~ليلى، وإسحاق، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا تقبل شهادته. # وروي ذلك عن النخعي، وأبي هاشم، واختلف عن الحسن، وإياس، وابن أبي ليلى. ~~وأجاز الشافعي شهادته بالاستفاضة والترجمة، وإذا أقر عند أذنه ويد الأعمى ~~على رأسه، ثم ضبطه حتى حضر عند الحاكم، فشهد عليه، ولم يجزها في غير ذلك؛ ~~لأن من لا تجوز شهادته على الأفعال، لا تجوز على الأقوال، كالصبي، ولأن ~~الأصوات تشتبه، فلا يحصل اليقين، فلم يجز أن يشهد بها، كالخط. ولنا، قوله ~~تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] . # وسائر الآيات في الشهادة، ولأنه رجل عدل مقبول الرواية، فقبلت شهادته، ~~كالبصير، وفارق الصبي، فإنه ليس برجل ولا عدل ولا مقبول الرواية، # PageV10P170 # ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين، وقد يكون المشهود عليه من ~~ألفه الأعمى، وكثرت صحبته له، وعرف صوته يقينا، فيجب أن تقبل شهادته فيما ~~تيقنه، كالبصير، ولا سبيل إلى إنكار حصول اليقين في بعض الأحوال. قال ~~قتادة: للسمع قيافة كقيافة البصر. ولهذا قال أصحاب الشافعي: تقبل شهادته ~~فيما يثبت بالاستفاضة، ولا يثبت عندهم حتى يسمعها من عدلين، ولا بد أن ~~يعرفهما حتى يعرف عدالتهما، فإذا صح أن يعرف الشاهدين، صح أن يعرف المقر. # ولا خلاف في قبول روايته، وجواز استماعه من زوجته إذا عرف صوتها، وصحة ~~قبوله النكاح، وجواز اشتباه الأصوات، كجواز اشتباه الصور، وفارق الأفعال؛ ~~فإن مدركها الرؤية، وهي غير ممكنة من الأعمى، والأقوال مدركها السمع، وهو ~~يشارك البصير فيه، وربما زاد عليه، يفارق الخط، فإنه لو تيقن من كتب الخط، ~~أو رآه وهو يكتبه، لم يجز أن يشهد بما كتب فيه. إذا ثبت هذا، فإنه لا يجوز ~~أن يشهد إلا إذا تيقن الصوت، وعلم المشهود عليه يقينا. فإن جوز أن يكون صوت ~~غيره، لم يجز أن يشهد به، كما لو اشتبه على البصير المشهود عليه، فلم ~~يعرفه. ### | [فصل تحمل الشهادة على فعل ثم عمي] # (8380) فصل: فإن تحمل الشهادة على ms5671 فعل، ثم عمي، جاز أن يشهد به، إذا عرف ~~المشهود عليه باسمه ونسبه. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تجوز ~~شهادته أصلا؛ لأنه لا يجوز أن يكون حاكما. ولنا، ما تقدم؛ ولأن العمى فقد ~~حاسة لا تخل بالتكليف، فلم يمنع قبول الشهادة كالصمم، ويفارق الحكم، فإنه ~~يعتبر له من شروط الكمال ما لا يعتبر للشهادة، ولذلك يعتبر له السمع ~~والاجتهاد وغيرهما، فإن لم يعرف المشهود عليه باسمه ونسبه، لكن تيقن صوته؛ ~~لكثرة إلفه له، صح أن يشهد به أيضا؛ لما ذكرنا في أول المسألة. # وإن شهد عند الحاكم، ثم عمي قبل الحكم بشهادته، جاز الحكم بها. وبهذا قال ~~الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الحكم بها؛ لأنه معنى ~~يمنع قبول الشهادة مع صحة النطق، فمنع الحكم بها، كالفسق. ولنا، أنه معنى ~~طرأ بعد أداء الشهادة، لا يورث تهمة في حال الشهادة، فلم يمنع قبولها ~~كالموت، وفارق الفسق؛ فإنه يورث تهمة حال الشهادة. ### | [فصل شهادة الأخرس] # (8381) فصل: ولا تجوز شهادة الأخرس بحال. نص عليه أحمد - رضي الله عنه - ~~فقال: لا تجوز شهادة الأخرس قيل له: وإن # PageV10P171 # كتبها؟ قال: لا أدري. وهذا قول أصحاب الرأي. وقال مالك، والشافعي، وابن ~~المنذر: تقبل إذا فهمت إشارته؛ لأنها تقوم مقام نطقه في أحكامه، من طلاقه، ~~ونكاحه، وظهاره، وإيلائه، فكذلك في شهادته. واستدل ابن المنذر بأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أشار وهو جالس في الصلاة إلى الناس وهم قيام، أن ~~اجلسوا. فجلسوا. # ولنا، أنها شهادة بالإشارة، فلم تجز، كإشارة الناطق، يحققه أن الشهادة ~~يعتبر فيها اليقين، ولذلك لا يكتفي بإيماء الناطق، ولا يحصل اليقين ~~بالإشارة، وإنما اكتفي بإشارته في أحكامه المختصة به للضرورة، ولا ضرورة ~~هاهنا، ولهذا لم يجز أن يكون حاكما، ولأن الحاكم لا يمضي حكمه إذا وجد حكمه ~~بخطه تحت ختمه، ولم يذكر حكمه، والشاهد لا يشهد برؤية خطه، فلأن لا حكم بخط ~~غيره أولى. وما استدل به ابن المنذر لا يصح؛ فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان ms5672 قادرا على الكلام، وعمل بإشارته في الصلاة. ولو شهد الناطق ~~بالإيماء والإشارة، لم يصح إجماعا، فعلم أن الشهادة مفارقة لغيرها من ~~الأحكام. ### | [مسألة شهادة الوالدين وإن علوا للولد وإن سفل] # (8382) مسألة؛ قال: ولا تجوز شهادة الوالدين وإن علوا، للولد وإن سفل، ~~ولا شهادة الولد وإن سفل، لهما وإن علوا. ظاهر المذهب أن شهادة الوالد ~~لولده لا تقبل، ولا لولد ولده، وإن سفل، وسواء في ذلك ولد البنين وولد ~~البنات. ولا تقبل شهادة الولد لوالده، ولا لوالدته، ولا جده، ولا جدته من ~~قبل أبيه وأمه وإن علوا، وسواء في ذلك الآباء والأمهات، وآباؤهما ~~وأمهاتهما. وبه قال شريح، والحسن، والشعبي، والنخعي، ومالك، والشافعي، ~~وإسحاق، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي. # وروي عن أحمد، - رحمه الله -، رواية ثانية، تقبل شهادة الابن لأبيه، ولا ~~تقبل شهادة الأب له؛ لأن مال الابن في حكم مال الأب، له أن يتملكه إذا شاء، ~~فشهادته له شهادة لنفسه، أو يجر بها لنفسه نفعا. قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» . وقال: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ~~أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من أموالهم» . ولا يوجد هذا في شهادة الابن ~~لأبيه. # PageV10P172 # وعنه رواية ثالثة، تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه، في ما لا تهمة فيه، ~~كالنكاح، والطلاق، والقصاص، والمال إذا كان مستغنى عنه؛ لأن كل واحد منهما ~~لا ينتفع بما يثبت للآخر من ذلك، فلا تهمة في حقه. وروي عن عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - أن شهادة كل واحد منهما للآخر مقبولة. وروي ذلك عن شريح. ~~وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأبو ثور، والمزني، وداود، وإسحاق، وابن ~~المنذر؛ لعموم الآيات، ولأنه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع، فتقبل ~~شهادته فيه، كالأجنبي. ولنا، ما روى الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر ~~على أخيه، ولا ظنين في قرابة ولا ولاء» . # والظنين: المتهم، والأب يتهم لولده؛ لأن ماله كما له ms5673 بما ذكرناه، ولأن ~~بينهما بعضية، فكأنه يشهد لنفسه، ولهذا قال - عليه السلام -: «فاطمة بضعة ~~مني، يريبني ما رابها» . ولأنه متهم في الشهادة لولده، كتهمة العدو في ~~الشهادة على عدوه، والخبر أخص من الآيات، فتخص به. ### | [فصل شهادة أحدهما على صاحبه الوالد وولده] # (8383) فصل: فأما شهادة أحدهما على صاحبه، فتقبل. نص عليه أحمد. وهذا قول ~~عامة أهل العلم، ولم أجد عن أحمد في " الجامع " فيه خلافا؛ وذلك لقول الله ~~تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين} [النساء: 135] . فأمر بالشهادة عليهم، ولو لم تقبل لما أمر بها، ~~ولأنها إنما ردت للتهمة في إيصال النفع، ولا تهمة في شهادته عليه، فوجب أن ~~تقبل، كشهادة الأجنبي، بل أولى، فإن شهادته لنفسه لما ردت للتهمة في إيصال ~~النفع إلى نفسه، كان إقراره عليه مقبولا. وحكى القاضي، في المجرد رواية ~~أخرى، أن شهادة أحدهما لا تقبل على صاحبه؛ لأن شهادته له غير مقبولة، فلا ~~تقبل عليه، كالفاسق. # وقال بعض الشافعية: لا تقبل شهادة الابن على أبيه في قصاص، ولا حد قذف؛ ~~لأنه لا يقتل بقتله، ولا يحد بقذفه، فلا يلزمه ذلك. والمذهب الأول؛ لما ~~ذكرنا، ولأنه يتهم له ولا يتهم عليه، فشهادته عليه أبلغ في الصدق، كإقراره ~~على نفسه. ### | [فصل شهد اثنان بطلاق ضرة أمهما وقذف زوجها لها] # (8384) فصل: وإن شهد اثنان بطلاق ضرة أمهما، وقذف زوجها لها، قبلت ~~شهادتهما؛ لأن حق أمهما لا يزداد به، # PageV10P173 # وسواء كان المشهود عليه أباهما أو أجنبيا، وتوفير الميراث لا يمنع قبول ~~الشهادة؛ بدليل قبول شهادة الوارث لموروثه. ### | [فصل شهادة الرجل لابنه من الرضاعة وأبيه منها] # (8385) فصل: وتجوز شهادة الرجل لابنه من الرضاعة، وأبيه منها، وسائر ~~أقاربه منها؛ لأنه لا نسب بينهما يوجب الإنفاق، والصلة، وعتق أحدهما على ~~صاحبه، وتبسطه في ماله، بخلاف قرابة النسب. ### | [مسألة شهادة السيد لعبده والعكس] # (8386) مسألة؛ قال: ولا السيد لعبده، ولا العبد لسيده. أما شهادة السيد ~~لعبده، فغير مقبولة؛ لأن مال العبد لسيده، فشهادته له شهادة لنفسه، ولهذا ~~قال النبي ms5674 - صلى الله عليه وسلم -: «من باع عبدا، وله مال، فماله للبائع، ~~إلا أن يشترطه المبتاع» . ولا نعلم في هذا خلافا. # ولا تقبل شهادته له أيضا بنكاح، ولا لأمته بطلاق؛ لأن في طلاق أمته ~~تخليصها له، وإباحة بضعها له، وفي نكاح العبد نفعا له، ونفع مال الإنسان ~~نفع له. ولا تقبل شهادة العبد لسيده؛ لأنه يتبسط في مال سيده، وينتفع به، ~~ويتصرف فيه، وتجب نفقته منه، ولا يقطع بسرقته، فلا تقبل شهادته له كالابن ~~مع أبيه. ### | [مسألة شهادة الزوج لامرأته والمرأة لزوجها] # (8387) مسألة؛ قال: ولا الزوج لامرأته، ولا المرأة لزوجها. وبهذا قال ~~الشعبي، والنخعي، ومالك، وإسحاق، وأبو حنيفة. وأجاز شهادة كل واحد منهما ~~لصاحبه شريح، والحسن، والشافعي، وأبو ثور؛ لأنه عقد على منفعة، فلا يمنع ~~قبول الشهادة، كالإجارة. وعن أحمد، رواية أخرى، كقولهم. وقال الثوري، وابن ~~أبي ليلى: تقبل شهادة الرجل لامرأته؛ لأنه لا تهمة في حقه، ولا تقبل ~~شهادتها له؛ لأن يساره وزيادة حقها من النفقة، تحصل بشهادتها له بالمال، ~~فهي متهمة لذلك. # ولنا، أن كل واحد منهما يرث الآخر من غير حجب، وينبسط في ماله عادة، فلم ~~تقبل شهادته له، كالابن مع أبيه؛ ولأن يسار الرجل يزيد نفقة امرأته، ويسار ~~المرأة تزيد به قيمة بضعها المملوك لزوجها، فكان كل واحد منهما ينتفع ~~بشهادته لصاحبه، فلم تقبل، كشهادته لنفسه. ويحقق هذا أن مال كل واحد منهما ~~يضاف إلى الآخر، قال الله تعالى: {وقرن في بيوتكن} [الأحزاب: 33] . # PageV10P174 # وقال: {لا تدخلوا بيوت النبي} [الأحزاب: 53] . فأضاف البيوت إليهن تارة، ~~وإلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرى، وقال: {لا تخرجوهن من بيوتهن} ~~[الطلاق: 1] . وقال عمر، للذي قال له: إن غلامي سرق مرآة امرأتي: لا قطع ~~عليه، عبدكم سرق مالكم. ويفارق عقد الإجارة من هذه الوجوه كلها. ### | [مسألة شهادة الأخ لأخيه] # (8388) مسألة؛ قال: (وشهادة الأخ لأخيه جائزة) قال ابن المنذر: أجمع أهل ~~العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة. روي هذا عن ابن الزبير. وبه قال ~~شريح، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والنخعي، والثوري، ومالك، ms5675 والشافعي، ~~وأبو عبيد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وحكي عن ابن المنذر، عن ~~الثوري، أنه لا تقبل شهادة كل ذي رحم محرم. # وعن مالك، أنه لا تقبل شهادته لأخيه إذا كان منقطعا إليه في صلته وبره؛ ~~لأنه متهم في حقه. وقال ابن المنذر: قال مالك: لا تجوز شهادة الأخ لأخيه في ~~النسب، وتجوز في الحقوق. ولنا عموم الآيات، ولأنه عدل غير متهم، فتقبل ~~شهادته له كالأجنبي، ولا يصح القياس على الوالد والولد؛ لأن بينهما بعضية ~~وقرابة قوية بخلاف الأخ. ### | [فصل شهادة العم وابنه والخال وابنه وسائر الأقارب] # (8389) فصل: وشهادة العم وابنه، والخال وابنه، وسائر الأقارب، أولى ~~بالجواز؛ فإن شهادة الأخ إذا أجيزت مع قربه، كان تنبيها على شهادة من هو ~~أبعد منه، بطريق الأولى. ### | [فصل شهادة أحد الصديقين لصاحبه] # (8390) فصل: وتقبل شهادة أحد الصديقين لصاحبه، في قول عامة العلماء، إلا ~~مالكا، قال: لا تقبل شهادة الصديق الملاطف؛ لأنه يجر إلى نفسه نفعا بها، ~~فهو متهم، فلم تقبل شهادته، كشهادة العدو على عدوه. ولنا، عموم أدلة ~~الشهادة، وما قاله يبطل بشهادة الغريم للمدين قبل الحجر، وإن كان ربما قضاه ~~دينه منه، فجر إلى نفسه نفعا أعظم مما يرجى هاهنا بين الصديقين. فأما ~~العداوة، فسببها محظور، وفي الشهادة عليه شفاء غيظه منه، فخالفت الصداقة. ### | [مسألة شهادة العبد] # (8391) مسألة؛ قال: وتجوز شهادة العبد في كل شيء، إلا في الحدود، وتجوز ~~شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء # PageV10P175 # الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة؛ (8392) الفصل الأول: في قبول شهادة ~~العبد فيما عدا الحدود والقصاص، فالمذهب أنها مقبولة. روي ذلك عن علي، وأنس ~~- رضي الله عنهما -. قال أنس: ما علمت أن أحدا رد شهادة العبد. # وبه قال عروة، وشريح، وإياس، وابن سيرين، والبتي، أبو ثور، وداود، وابن ~~المنذر. وقال عطاء، ومجاهد، والحسن، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو ~~حنيفة، والشافعي، وأبو عبيد: لا تقبل شهادته؛ لأنه غير ذي مروءة، ولأنها ~~مبنية على الكمال لا تتبعض، فلم يدخل فيها العبد، كالميراث. وقال الشعبي، ~~والنخعي، والحكم: تقبل في ms5676 الشيء اليسير. ولنا، عموم آيات الشهادة، وهو داخل ~~فيها، فإنه من رجالنا، وهو عدل تقبل روايته وفتياه وأخباره الدينية. # وروى عقبة بن الحارث، قال: «تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة ~~سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: كيف، وقد زعمت ذلك؟» . متفق عليه. وفي رواية أبي داود، «فقلت: يا ~~رسول الله، إنها لكاذبة. قال: وما يدريك، وقد قالت ما قالت، دعها عنك» . ~~ولأنه عدل غير متهم، فتقبل شهادته، كالحر ولا نسلم أنه غير ذي مروءة، فإنه ~~كالحر ينقسم إلى من له مروءة، ومن لا مروءة له، وقد يكون منهم الأمراء ~~والعلماء والصالحون والأتقياء. # سئل إياس بن معاوية، عن شهادة العبيد، فقال: أنا أرد شهادة عبد العزيز بن ~~صهيب وكان منهم زياد بن أبي زياد مولى ابن عباس، من العلماء الزهاد، وكان ~~عمر بن عبد العزيز يرفع قدره، ويكرمه. ومنهم عكرمة مولى ابن عباس، أحد ~~العلماء الثقات. وكثير من العلماء الموالي كانوا عبيدا، أو أبناء عبيد، لم ~~يحدث فيهم بالإعتاق إلا الحرية، والحرية لا تغير طبعا، ولا تحدث علما، ولا ~~مروءة، ولا يقبل منهم إلا من كان ذا مروءة. ولا يصح قياس الشهادة على ~~الميراث، فإن الميراث خلافة للموروث في ماله وحقوقه، والعبد لا يمكنه ~~الخلافة؛ لأن ما يصير إليه يملكه سيده، فلا يمكن أن يخلف فيه، ولأن الميراث ~~يقتضي التمليك، والعبد لا يملك، ومبنى الشهادة على العدالة التي هي مظنة ~~الصدق، وحصول الثقة من القول، والعبد أهل لذلك، فوجب أن تقبل شهادته. # PageV10P176 # (8393) الفصل الثاني: أن شهادته لا تقبل في الحد، وفي القصاص احتمالان؛ ~~أحدهما، تقبل شهادته فيه؛ لأنه حق آدمي، لا يصح الرجوع عن الإقرار به، ~~فأشبه الأموال. والثاني، لا تقبل؛ لأنه عقوبة بدنية تدرأ بالشبهات، فأشبه ~~الحد، وذكر الشريف، وأبو الخطاب، في العقوبات كلها من الحدود والقصاص ~~روايتين؛ إحداهما، تقبل؛ لما ذكرنا، ولأنه رجل عدل، فتقبل شهادته فيها، ~~كالحر. والثانية، لا تقبل. وهو ظاهر المذهب؛ لأن الاختلاف في قبول شهادته ~~في ms5677 الأموال نقص وشبهة، فلم تقبل شهادته فيما يدرأ بالشبهات؛ ولأنه ناقص ~~الحال، فلم تقبل شهادته في الحد والقصاص، كالمرأة. ### | [فصل في شهادة الأمة] # (8394) الفصل الثالث: شهادة الأمة جائزة فيما تجوز فيه شهادة النساء؛ لأن ~~النساء لا تقبل شهادتهن في الحدود والقصاص، وإنما تقبل في المال أو سببه، ~~والأمة كالحرة فيما عداهما، فساوتهن في الشهادة، وقد دل عليه حديث عقبة بن ~~الحارث. ### | [فصل شهادة المكاتب والمدبر وأم الولد والمعتق بعضه] # فصل: وحكم المكاتب والمدبر وأم الولد والمعتق بعضه، حكم القن، فيما ~~ذكرنا؛ لأن الرق فيهم، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لا تجوز ~~شهادة المكاتب.، وبه قال عطاء، والشعبي، والنخعي. ولنا، ما ذكرناه في ~~العبد، وإذا ثبت الحكم في القن، ففي هؤلاء أولى؛ لأنهم أكمل منه، لوجود ~~أسباب الحرية فيهم. ### | [مسألة شهادة ولد الزنى] # (8396) مسألة؛ قال: وشهادة ولد الزنى جائزة، في الزنى وغيره هذا قول أكثر ~~أهل العلم؛ منهم عطاء، والحسن، والشعبي، والزهري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ~~عبيد، وأبو حنيفة، وأصحابه. وقال مالك، والليث: لا تجوز شهادته في الزنى ~~وحده؛ لأنه متهم، فإن العادة في من فعل قبيحا، أنه يحب أن يكون له نظراء. ~~وحكي عن عثمان، أنه قال: ودت الزانية أن النساء كلهن زنين. # ولنا، عموم الآيات، وأنه عدل مقبول الشهادة في غير الزنى، فقبل في الزنى ~~كغيره، ومن قبلت شهادته في القتل، قبلت في الزنى، كولد الرشدة. قال ابن ~~المنذر: وما احتجوا به غلط من وجوه؛ أحدها، أن ولد الزنى لم يفعل فعلا ~~قبيحا، يحب أن يكون له نظراء فيه. والثاني، أنني لا أعلم ما ذكر عن عثمان ~~ثابتا عنه، وأشبه ذلك أن لا يكون ثابتا عنه، وغير جائز أن يطلق عثمان كلاما ~~بالظن عن ضمير امرأة لم يسمعها تذكره. # PageV10P177 # الثالث، أن الزاني لو تاب، لقبلت شهادته، وهو الذي فعل الفعل القبيح، ~~فإذا قبلت شهادته مع ما ذكروه، فغيره أولى؛ فإنه لا يجوز أن يلزم ولده من ~~وزره أكثر مما لزمه، وما يتعدى الحكم إلى غيره من ms5678 غير أن يثبت فيه، مع أن ~~ولده لا يلزمه شيء من وزره؛ لقول الله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~[الأنعام: 164] . وولد الزنى لم يفعل شيئا يستوجب به حكما. . ### | [مسألة شهادة القاذف] # (8397) مسألة؛ قال: (وإذا تاب القاذف، قبلت شهادته) وجملته أن القاذف إن ~~كان زوجا، فحقق قذفه ببينة أو لعان، أو كان أجنبيا، فحققه بالبينة أو ~~بإقرار المقذوف، لم يتعلق بقذفه فسق، ولا حد، ولا رد شهادة، وإن لم يحقق ~~قذفه بشيء من ذلك، تعلق به وجوب الحد عليه، والحكم بفسقه، ورد شهادته؛ لقول ~~الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] . ~~فإن تاب، لم يسقط عنه الحد، وزال الفسق، بلا خلاف. وتقبل شهادته عندنا. # وروي ذلك عن عمر، وأبي الدرداء، وابن عباس. وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، ~~والشعبي، والزهري، وعبد الله بن عتبة، وجعفر بن أبي ثابت، وأبو الزناد، ~~ومالك، والشافعي، والبتي، وإسحاق، وأبو عبيد، وابن المنذر. وذكره ابن عبد ~~البر، عن يحيى بن سعيد، وربيعة. # وقال شريح، والحسن، والنخعي، وسعيد بن جبير، والثوري، وأصحاب الرأي: لا ~~تقبل شهادته إذا جلد، وإن تاب. وعند أبي حنيفة، لا ترد شهادته قبل الجلد، ~~وإن لم يتب. فالخلاف معه في فصلين؛ أحدهما، أنه عندنا تسقط شهادته بالقذف ~~إذا لم يحققه، وعند أبي حنيفة ومالك، لا تسقط إلا بالجلد. والثاني، أنه إذا ~~تاب، قبلت شهادته وإن جلد. وعند أبي حنيفة، لا تقبل. وتعلق بقول الله ~~تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} [النور: 4] . # . وروى ابن ماجه، بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجوز شهادة خائن، ولا محدود في ~~الإسلام» . واحتج في الفصل الآخر بأن القذف قبل حصول الجلد يجوز أن تقوم به ~~البينة، فلا يجب به التفسيق. # PageV10P178 # ولنا، في الفصل الأول، إجماع الصحابة، - رضي الله عنهم -، فإنه يروى عن ~~عمر، - رضي الله عنه - أنه كان يقول لأبي بكرة، ms5679 حين شهد على المغيرة بن ~~شعبة: تب، أقبل شهادتك. ولم ينكر ذلك منكر، فكان إجماعا. # قال سعيد بن المسيب: شهد على المغيرة ثلاثة رجال؛ أبو بكرة، ونافع بن ~~الحارث، وشبل بن معبد، ونكل زياد، فجلد عمر الثلاثة، وقال لهم: توبوا، تقبل ~~شهادتكم. فتاب رجلان، وقبل عمر شهادتهما، وأبي أبو بكرة، فلم يقبل شهادته. ~~وكان قد عاد مثل النصل من العبادة. ولأنه تاب من ذنبه، فقبلت شهادته، ~~كالتائب من الزنى، يحققه أن الزنى أعظم من القذف به، وكذلك قتل النفس التي ~~حرم الله، وسائر الذنوب، إذا تاب فاعلها، قبلت شهادته، فهذا أولى. # وأما الآية، فهي حجة لنا، فإنه استثنى التائبين، بقوله تعالى: {إلا الذين ~~تابوا} [النور: 5] . والاستثناء من النفي إثبات، فيكون تقديره: {إلا الذين ~~تابوا} [النور: 5] فاقبلوا شهادتهم، وليسوا بفاسقين. فإن قالوا: إنما يعود ~~الاستثناء إلى الجملة التي تليه؛ بدليل أنه لا يعود إلى الجلد. قلنا: بل ~~يعود إليه أيضا؛ لأن هذه الجمل معطوف بعضها على بعض بالواو، وهي للجمع تجعل ~~الجمل كلها كالجملة الواحدة، فيعود الاستثناء إلى جميعها، إلا ما منع منه ~~مانع، ولهذا لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن الرجل الرجل ~~في بيته، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» . عاد الاستثناء إلى الجملتين ~~جميعا، ولأن الاستثناء يغاير ما قبله، فعاد إلى الجمل المعطوف بعضها على ~~بعض بالواو، كالشرط، فإنه لو قال: امرأته طالق، وعبده حر، إن لم يقم. # عاد الشرط إليهما، كذا الاستثناء، بل عود الاستثناء إلى رد الشهادة أولى؛ ~~لأن رد الشهادة هو المأمور به، فيكون هو الحكم، والتفسيق خرج مخرج الخبر ~~والتعليل لرد الشهادة، فعود الاستثناء إلى الحكم المقصود، أولى من رده إلى ~~التعليل، وحديثهم ضعيف، يرويه الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف. قال ابن عبد ~~البر: لم يرفعه من روايته حجة. وقد روي من غير طريقه، ولم تذكر فيه # PageV10P179 # هذه الزيادة فدل ذلك على أنها من غلطه، ويدل على خطئه قبول شهادة كل ~~محدود في غير القذف بعد توبته، ثم لو قدر صحته، فالمراد ms5680 به من لم يتب، ~~بدليل: كل محدود تائب سوى هذا. # وأما الفصل الثاني فدليلنا فيه الآية، فإنه رتب على رمي المحصنات ثلاثة ~~أشياء؛ إيجاب الجلد، ورد الشهادة، والفسق، فيجب أن يثبت رد الشهادة بوجود ~~الرمي الذي لم يمكنه تحقيقه، كالجلد؛ ولأن الرمي هو المعصية والذنب الذي ~~يستحق به العقوبة، وتثبت به المعصية الموجبة لرد الشهادة، والحد كفارة ~~وتطهير، فلا يجوز تعليق رد الشهادة به، وإنما الجلد، ورد الشهادة حكمان ~~للقذف، فيثبتان جميعا به، وتخلف استيفاء أحدهما، لا يمنع ثبوت الآخر. ~~وقولهم: إنما يتحقق بالجلد. # لا يصح؛ لأن الجلد حكم القذف الذي تعذر تحقيقه، فلا يستوفى قبل تحقق ~~القذف، وكيف يجوز أن يستوفى حد قبل تحقق سببه، ويصير متحققا بعده؟ هذا ~~باطل. # (8398) فصل: والقاذف في الشتم ترد شهادته وروايته حتى يتوب، والشاهد ~~بالزنى إذا لم تكمل البينة، تقبل روايته دون شهادته. وحكي عن الشافعي، أن ~~شهادته لا ترد. ولنا، أن عمر لم يقبل شهادة أبي بكرة، وقال له: تب، أقبل ~~شهادتك. وروايته مقبولة، ولا نعلم خلافا في قبول رواية أبي بكرة، مع رد عمر ~~شهادته. ### | [مسألة توبة القاذف الممنوع من الشهادة] # (8399) مسألة؛ قال: وتوبته أن يكذب نفسه. ظاهر كلام أحمد والخرقي، أن ~~توبة القاذف إكذاب نفسه، فيقول: كذبت فيما قلت. وهذا منصوص الشافعي، ~~واختيار الإصطخري من أصحابه. قال ابن عبد البر: وممن قال هذا سعيد بن ~~المسيب، وعطاء، وطاوس، والشعبي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، لما روى ~~الزهري، عن سعيد بن المسيب عن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه ~~قال، في قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور ~~رحيم} [النور: 5] . قال: توبته إكذاب نفسه» . # ولأن عرض المقذوف تلوث بقذفه، فإكذابه نفسه يزيل ذلك التلويث، فتكون ~~التوبة به، وذكر القاضي أن القذف إن كان سبا، فالتوبة منه إكذاب نفسه، وإن ~~كان شهادة، فالتوبة منه أن يقول: القذف حرام باطل، ولن أعود إلى ما قلت. ~~وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. قال: وهو المذهب؛ لأنه قد يكون ms5681 صادقا، فلا ~~يؤمر بالكذب، والخبر محمول على الإقرار بالبطلان؛ لأنه نوع إكذاب # PageV10P180 # والأولى أنه متى علم من نفسه الصدق فيما قذف به، فتوبته الاستغفار، ~~والإقرار ببطلان ما قاله وتحريمه، وأنه لا يعود إلى مثله. وإن لم يعلم صدق ~~نفسه، فتوبته إكذاب نفسه، سواء كان القذف بشهادة أو سب؛ لأنه قد يكون كاذبا ~~في الشهادة، صادقا في السب. # ووجه الأول، أن الله تعالى سمى القاذف كاذبا إذا لم يأت بأربعة شهداء على ~~الإطلاق، بقوله سبحانه: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا ~~بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] . فتكذيب الصادق نفسه ~~يرجع إلى أنه كاذب في حكم الله، وإن كان في نفس الأمر صادقا. ### | [فصل وكل ذنب تلزم فاعله التوبة منه] # (8400) فصل: وكل ذنب تلزم فاعله التوبة منه، ومتى تاب منه، قبل الله ~~توبته؛ بدليل قوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ~~وهم يعلمون} [آل عمران: 135] {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم} [آل عمران: 136] ~~الآية. # وقال: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} ~~[النساء: 110] . ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «التائب من الذنب ~~كمن لا ذنب له» . وقال عمر - رضي الله عنه -: بقية عمر المؤمن لا قيمة له، ~~يدرك فيه ما فات، ويحيي فيه ما أمات، ويبدل الله سيئاته حسنات. والتوبة على ~~ضربين؛ باطنة، وحكمية، فأما الباطنة، فهي ما بينه وبين ربه تعالى، فإن كانت ~~المعصية لا توجب حقا عليه في الحكم، كقبلة أجنبية، أو الخلوة بها، وشرب ~~مسكر، أو كذب، فالتوبة منه الندم، والعزم على أن لا يعود. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الندم توبة» . وقيل: ~~التوبة النصوح تجمع أربعة أشياء؛ الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، وإضمار ~~أن لا يعود، ومجانبة خلطاء السوء. وإن كانت توجب عليه حقا لله تعالى، أو ~~لآدمي؛ كمنع الزكاة والغصب، فالتوبة منه بما ذكرنا، وترك المظلمة حسب ms5682 ~~إمكانه، بأن يؤدي الزكاة، ويرد المغصوب، أو مثله إن كان مثليا، وإلا قيمته. ~~وإن عجز عن ذلك، نوى رده متى قدر عليه. # فإن كان عليه فيها حق في البدن، فإن كان حقا لآدمي، كالقصاص، وحد القذف، ~~اشترط في التوبة # PageV10P181 # التمكن من نفسه، وبذلها للمستحق، وإن كان حقا لله تعالى، كحد الزنى، وشرب ~~الخمر، فتوبته أيضا بالندم، والعزم على ترك العود، ولا يشترط الإقرار به، ~~فإن كان ذلك لم يشتهر عنه، فالأولى له ستر نفسه، والتوبة فيما بينه وبين ~~الله تعالى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أتى شيئا من هذه ~~القاذورات، فليستتر بستر الله تعالى، فإنه من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه ~~الحد» . # فإن الغامدية حين أقرت بالزنى، لم ينكر عليها النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ذلك. وإن كانت معصية مشهورة، فذكر القاضي أن الأولى الإقرار به، ليقام ~~عليه الحد؛ لأنه إذا كان مشهورا، فلا فائدة في ترك إقامة الحد عليه. ~~والصحيح أن ترك الإقرار أولى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرض للمقر ~~عنده بالرجوع عن الإقرار؛ فعرض لماعز، وللمقر عنده بالسرقة بالرجوع، مع ~~اشتهاره عنه بإقراره، وكره الإقرار، حتى إنه قيل: لما قطع السارق: كأنما ~~أسف وجهه رمادا. # ولم يرد الأمر بالإقرار، ولا الحث عليه في كتاب ولا سنة، ولا يصح له ~~قياس، إنما ورد الشرع بالستر، والاستتار، والتعريض للمقر بالرجوع عن ~~الإقرار. وقال لهزال، وكان هو الذي أمر ماعزا بالإقرار: «يا هزال، لو سترته ~~بثوبك، كان خيرا لك» . # وقال أصحاب الشافعي: توبة هذا إقراره ليقام عليه الحد وليس بصحيح؛ لما ~~ذكرنا، ولأن التوبة توجد حقيقتها بدون الإقرار، وهي تجب ما قبلها، كما ورد ~~في الأخبار، مع ما دلت عليه الآيات في مغفرة الذنوب بالاستغفار، وترك ~~الإصرار. وأما البدعة، فالتوبة منها بالاعتراف بها، والرجوع عنها، واعتقاد ~~ضد ما كان يعتقد منها. # PageV10P182 ### | [فصل لا يعتبر في أحكام التوبة من قبول الشهادة] # (8401) فصل: ظاهر كلام أحمد والخرقي، أنه لا يعتبر في ثبوت أحكام التوبة، ~~من قبول الشهادة، وصحة ms5683 ولايته في النكاح، إصلاح العمل. وهو أحد القولين ~~للشافعي، وفي القول الآخر، يعتبر إصلاح العمل، إلا أن يكون ذنبه الشهادة ~~بالزنى، ولم يكمل عدد الشهود، فإنه يكفي مجرد التوبة من غير اعتبار إصلاح، ~~وما عداه فلا تكفي التوبة حتى تمضي عليه سنة، تظهر فيها توبته، ويتبين فيها ~~صلاحه. وذكر أبو الخطاب هذا رواية لأحمد؛ لأن الله تعالى قال: {إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} [النور: 5] . # وهذا نص، فإنه نهى عن قبول شهادتهم، ثم استثنى التائب المصلح؛ ولأن عمر - ~~رضي الله عنه - لما ضرب صبيغا أمر بهجرانه، حتى بلغته توبته، فأمر أن لا ~~يكلم إلا بعد سنة. ولنا، قوله - عليه السلام -: «التوبة تجب ما قبلها» . # وقوله: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» . ولأن المغفرة تحصل بمجرد ~~التوبة، فكذلك الأحكام، ولأن التوبة من الشرك بالإسلام لا تحتاج إلى اعتبار ~~ما بعده، وهو أعظم الذنوب كلها، فما دونه أولى. فأما الآية، فيحتمل أن يكون ~~الإصلاح هو التوبة، وعطفه عليها لاختلاف اللفظين، ودليل ذلك، قول عمر لأبي ~~بكرة: تب، أقبل شهادتك. ولم يعتبر أمرا آخر، ولأن من كان غاصبا، فرد ما في ~~يديه، أو مانعا للزكاة، فأداها وتاب إلى الله تعالى، قد حصل منه الإصلاح، ~~وعلم نزوعه عن معصيته بأداء ما عليه، ولو لم يرد التوبة، ما أدى ما في ~~يديه، ولأن تقيده بالسنة تحكم لم يرد الشرع به، والتقدير إنما يثبت ~~بالتوقيف، وما ورد عن عمر في حق صبيغ إنما كان لأنه تائب من بدعة، وكانت ~~توبته بسبب الضرب والهجران، فيحتمل أنه أظهر التوبة تسترا، بخلاف مسألتنا. # وقد ذكر القاضي، أن التائب من البدعة يعتبر له مضي سنة، لحديث صبيغ. رواه ~~أحمد في " الورع "، قال: ومن علامة توبته، أن يجتنب من كان يواليه من أهل ~~البدع، ويوالي من كان يعاديه من أهل السنة. والصحيح أن التوبة من البدعة ~~كغيرها، إلا أن تكون التوبة بفعل يشبه الإكراه، كتوبة صبيغ، فيعتبر له مدة ~~تظهر أن توبته عن إخلاص، لا عن إكراه. وللحاكم أن ms5684 يقول للمتظاهر بالمعصية: ~~تب، أقبل شهادتك. # PageV10P183 # وقال مالك: لا أعرف هذا. قال الشافعي: وكيف لا يعرفه، وقد أمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بالتوبة، وقاله عمر لأبي بكرة،. ### | [مسألة شهد بشهادة قد كان شهد بها وهو غير عدل وردت عليه] # (8402) مسألة؛ قال: (ومن شهد بشهادة قد كان شهد بها وهو غير عدل، وردت ~~عليه، لم تقبل منه في حال عدالته) وجملته أن الحاكم إذا شهد عنده فاسق، فرد ~~شهادته لفسقه، ثم تاب وأصلح، وأعاد تلك الشهادة، لم يكن له أن يقبلها. ~~وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور، والمزني، وداود: تقبل. قال ~~ابن المنذر: والنظر يدل على هذا؛ لأنها شهادة عدل، فتقبل، كما لو شهد وهو ~~كافر فردت شهادته، ثم شهد بها بعد إسلامه. # ولنا، أنه متهم في أدائها؛ لأنه يعير بردها، ولحقته غضاضة لكونها ردت ~~بسبب نقص يتعير به، وصلاح حاله بعد ذلك من فعله يزول به العار، فتلحقه ~~التهمة في أنه قصد إظهار العدالة، وإعادة الشهادة لتقبل، فيزول ما حصل ~~بردها؛ ولأن الفسق يخفى، فيحتاج في معرفته إلى بحث واجتهاد، فعند ذلك نقول: ~~شهادة مردودة بالاجتهاد، فلا تقبل بالاجتهاد؛ لأن ذلك يؤدي إلى نقض ~~الاجتهاد بالاجتهاد. وفارق ما إذا ردت شهادة كافر لكفره، أو صبي لصغره، أو ~~عبد لرقه، ثم أسلم الكافر، وبلغ الصبي، وعتق العبد، وأعادوا تلك الشهادة، ~~فإنها لا ترد؛ لأنها لم ترد أولا بالاجتهاد، وإنما ردت باليقين، ولأن ~~البلوغ والحرية ليسا من فعل الشاهد، فيتهم في أنه فعلهما لتقبل شهادته، ~~والكافر لا يرى كفره عارا، ولا يترك دينه من أجل شهادة ردت عليه. # وقد روي عن النخعي، والزهري، وقتادة، وأبي الزناد، ومالك، أنها ترد أيضا ~~في حق من أسلم وبلغ، وعن أحمد، رواية أخرى كذلك؛ لأنها شهادة مردودة، فلم ~~تقبل، كشهادة من كان فاسقا. وقد ذكرنا ما يقتضي فرقا بينهما فيفرقان. وروي ~~عن أحمد، في العبد إذا ردت شهادته لرقه، ثم عتق، وادعى تلك الشهادة، ~~روايتان. وقد ذكرنا أن الأولى أن شهادته تقبل؛ لأن ms5685 العتق من غير فعله، وهو ~~أمر يظهر، بخلاف الفسق. ### | [فصل شهد السيد لمكاتبه فردت شهادته ثم عتق المكاتب] # (8403) فصل: وإن شهد السيد لمكاتبه، فردت شهادته أو شهد وارث لموروثه ~~بالجرح قبل الاندمال، فردت شهادته، ثم عتق المكاتب، وبرأ الجرح، وأعادوا ~~تلك الشهادة، ففي قبولها وجهان؛ أحدهما، تقبل؛ لأن زوال المانع ليس من ~~فعلهم، فأشبه زوال. الصبي بالبلوغ، ولأن ردها بسبب لا عار فيه، فلا يتهم في ~~قصد نفي العار بإعادتها، بخلاف الفسق. والثاني، لا تقبل؛ لأنه ردها ~~باجتهاده، فلا ينقضها باجتهاده. # والأول أشبه بالصحة، فإن الأصل قبول شهادة العدل، ما لم يمنع منه مانع، ~~ولا يصح القياس على الشهادة المردودة للفسق؛ لما ذكرنا بينهما من الفرق. # PageV10P184 # ويخرج على هذا كل شهادة مردودة؛ إما للتهمة، أو لعدم الأهلية، إذا أعادها ~~بعد زوال التهمة، ووجود الأهلية، فهل تقبل؟ على وجهين. ### | [مسألة تحملها وهو غير عدل ولم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلا] # (8404) مسألة؛ قال: (وإن كان لم يشهد بها عند الحاكم، حتى صار عدلا، قبلت ~~منه) وذلك لأن التحمل لا تعتبر فيه العدالة، ولا البلوغ، ولا الإسلام؛ لأنه ~~لا تهمة في ذلك، وإنما يعتبر ذلك في الأداء، فإذا رأى الفاسق شيئا، أو ~~سمعه، ثم عدل، وشهد به، قبلت شهادته، بغير خلاف نعلمه، وهكذا الصبي، ~~والكافر إذا شهدا بعد الإسلام والبلوغ، قبلت وكذلك الرواية؛ ولذلك كان ~~الصبيان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - يروون عنه بعد أن كبروا؛ ~~كالحسن، والحسين، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وابن الزبير، وابن جعفر، ~~والشهادة في معنى الرواية، ولذلك اعتبرت لها العدالة وغيرها من الشروط ~~المعتبرة للشهادة. # PageV10P185 ### | [مسألة شهد وهو عدل فلم يحكم بشهادته حتى حدث منه ما لا تجوز شهادته معه] # (8405) مسألة؛ قال: (ولو شهد وهو عدل، فلم يحكم بشهادته حتى حدث منه ما ~~لا تجوز شهادته معه، لم يحكم بها) . وجملة ذلك أن الشاهدين إذا شهدا عند ~~الحاكم، وهما ممن تقبل شهادته، ولم يحكم بها حتى فسقا، أو كفرا، لم يحكم ~~بشهادتهما. وبهذا قال ms5686 أبو يوسف، والشافعي. # وقال أبو ثور، والمزني: يحكم بها؛ لأن بقاء أهلية الشهادة ليس شرطا في ~~الحكم؛ بدليل ما لو ماتا؛ ولأن فسقهما تجدد بعد أداء الشهادة، فأشبه ما لو ~~تجدد بعد الحكم بها. ووجه ذلك من طريقين؛ أحدهما، أن عدالة الشاهد شرط ~~للحكم فيعتبر دوامها إلى حين الحكم؛ لأن الشروط لا بد من وجودها في ~~المشروط، وإذا فسق انتفى الشرط، فلم يجز الحكم. # والثاني، أن ظهور فسقه وكفره، يدل على تقدمه؛ لأن العادة أن الإنسان يسر ~~الفسق، ويظهر العدالة، والزنديق يسر كفره، ويظهر إسلامه، فلا نأمن كونه ~~كافرا أو فاسقا حين أداء الشهادة، فلم يجز الحكم بها مع الشك فيها، فأما إن ~~حدث هذا منه بعد الحكم بشهادته، لم ينقض؛ لأن الحكم وقع صحيحا، لاستمرار ~~شرطه إلى انتهائه؛ ولأنه قد وجد مقرونا بشرطه ظاهرا، فلا ينقض بالشك، كما ~~لو رجع عن الشهادة، وكما لو صلى بالتيمم، ثم وجد الماء، لكن إن كان ذلك قبل ~~الاستيفاء، وكان حدا لله تعالى، لم يجز استيفاؤه؛ بالشبهات لأنه يدرأ، وهذا ~~شبهة فيه، فأشبه ما لو رجع عن الإقرار به قبل استيفائه. # وإن كان مالا استوفي؛ لأن الحكم قد تم، وثبت الاستحقاق بأمر ظاهر الصحة، ~~فلا يبطل بأمر محتمل، ولذلك لم يبطل رجوعه عن إقراره. وإن كان حد قذف أو ~~قصاصا، احتمل وجهين؛ أحدهما، يستوفى. وهذا قول أبي حنيفة؛ لأنه حق آدمي ~~مطالب به، أشبه المال. والثاني، لا يستوفى. وهذا قول محمد؛ لأنه عقوبة على ~~البدن، تدرأ بالشبهات، أشبه الحد. وللشافعي وجهان، كهذين. وأما ما حدث بعد ~~الاستيفاء، فلا يؤثر في حد ولا حق؛ لأن الحق استوفي بما ظاهره الصحة، وسوغ ~~الشرع استيفاءه، فلم يؤثر فيه ما طرأ بعده، كما لو لم يظهر شيء. ### | [فصل أديا الشهادة وهما من أهلها ثم ماتا قبل الحكم بها] # (8406) فصل: فأما إن أديا الشهادة، وهما من أهلها، ثم ماتا قبل الحكم ~~بها، حكم الحاكم بشهادتهما، سواء ثبتت عدالتهما في حياتهما، أو بعد موتهما، ~~وسواء كان المشهود به حدا ms5687 أو غيره. وكذلك إن جنوا، أو أغمي عليهم. وبهذا ~~قال الشافعي؛ لأن الموت لا يؤثر في شهادته، ولا يدل على الكذب فيها. ولا ~~يحتمل أن يكون موجودا حال أداء الشهادة، والجنون والإغماء في معناه، بخلاف ~~الفسق والكفر. # PageV10P186 ### | [مسألة شهادة العدل على شهادة العدل] # (8407) مسألة؛ قال: (وشهادة العدل على شهادة العدل جائزة في كل شيء، إلا ~~في الحدود، إذا كان الشاهد الأول ميتا أو غائبا) . الكلام في هذه المسألة ~~في فصول ثلاثة؛ (8408) الفصل الأول، في جوازها. # والثاني، في موضعها. والثالث، في شرطها. أما الأول: فإن الشهادة على ~~الشهادة جائزة، بإجماع العلماء. وبه يقول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ~~قال أبو عبيد: أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق، على إمضاء الشهادة على ~~الشهادة في الأموال. ولأن الحاجة داعية إليها، فإنها لو لم تقبل لبطلت ~~الشهادة على الوقف، وما يتأخر إثباته عند الحاكم ثم يموت شهوده، وفي ذلك ~~ضرر على الناس، ومشقة شديدة، فوجب أن تقبل، كشهادة الأصل. ### | [الفصل الثاني الشهادة على الشهادة في الأموال وما يقصد به المال] # (8409) الفصل الثاني: أنها تقبل في الأموال، وما يقصد به المال، بإجماع، ~~كما ذكر أبو عبيد، ولا تقبل في حد. وهذا قول النخعي، والشعبي، وأبي حنيفة، ~~وأصحابه. وقال مالك، والشافعي في قول، وأبو ثور: تقبل في الحدود، وكل حق؛ ~~لأن ذلك يثبت بشهادة الأصل، فيثبت بالشهادة على الشهادة، كالمال. # ولنا، أن الحدود مبنية على الستر، والدرء بالشبهات، والإسقاط بالرجوع عن ~~الإقرار، والشهادة على الشهادة فيها شبهة؛ فإنها يتطرق إليها احتمال الغلط ~~والسهو والكذب في شهود الفرع، مع احتمال ذلك في شهود الأصل، وهذا احتمال ~~زائد، لا يوجد في شهادة الأصل، وهو معتبر، بدليل أنها لا تقبل مع القدرة ~~على شهود الأصل، فوجب أن لا تقبل فيما يندرئ بالشبهات، ولأنها إنما تقبل ~~للحاجة، ولا حاجة إليها في الحد؛ لأن ستر صاحبه أولى من الشهادة عليه، ~~ولأنه لا نص فيها، ولا يصح قياسها على الأموال؛ لما بينهما من الفرق في ~~الحاجة والتساهل فيها، ولا يصح قياسها على شهادة ms5688 الأصل؛ لما ذكرنا من ~~الفرق، فبطل إثباتها. # وظاهر كلام أحمد، أنها لا تقبل في القصاص أيضا، ولا حد القذف؛ لأنه قال: ~~إنما تجوز في الحقوق، أما الدماء والحد فلا. وهذا قول أبي حنيفة. وقال ~~مالك، والشافعي، وأبو ثور: تقبل. وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لقوله: في كل شيء ~~إلا في الحدود. لأنه حق آدمي، لا يسقط بالرجوع عن الإقرار به، ولا يستحب ~~ستره، فأشبه الأموال. وذكر أصحابنا هذا رواية عن أحمد؛ لأن ابن منصور نقل ~~أن سفيان قال: شهادة رجل مكان رجل في الطلاق جائزة. قال # PageV10P187 # أحمد: ما أحسن ما قال. # فجعله أصحابنا رواية في القصاص. وليس هذا برواية؛ فإن الطلاق لا يشبه ~~القصاص. والمذهب أنها لا تقبل فيه؛ لأنه عقوبة بدنية، تدرأ بالشبهات، وتبنى ~~على الإسقاط، فأشبهت الحدود، فأما ما عدا الحدود والقصاص والأموال، كالنكاح ~~والطلاق، وسائر ما لا يثبت إلا بشاهدين، فنص أحمد على قبولها في الطلاق ~~والحقوق، فيدل على قبولها في جميع هذه الحقوق. وهو قول الخرقي. وقال ابن ~~حامد: لا تقبل في النكاح. ونحوه قول أبي بكر. فعلى قولهما، لا تقبل إلا في ~~المال، وما يقصد به المال. # وهو قول أبي عبيد؛ لأنه حق لا يثبت إلا بشاهدين، فأشبه حد القذف. ووجه ~~الأول، أنه حق لا يدرأ بالشبهات، فيثبت بالشهادة على الشهادة، كالمال، ~~وبهذا فارق الحدود. ### | [الفصل الثالث شروط الشهادة] # (8410) الفصل الثالث: في شروطها، ولها أربعة شروط؛ أحدها، أن تتعذر شهادة ~~الأصل؛ لموت، أو غيبة، أو مرض، أو حبس، أو خوف من سلطان أو غيره. وبهذا قال ~~مالك، وأبو حنيفة، والشافعي. وحكي عن أبي يوسف، ومحمد، جوازها مع القدرة ~~على شهادة الأصل، قياسا على الرواية وأخبار الديانات وروي عن الشعبي، أنها ~~لا تقبل إلا أن يموت شاهد الأصل؛ لأنهما إذا كانا حيين، رجي حضورهما، فكانا ~~كالحاضرين. # وعن أحمد مثل هذا، إلا أن القاضي تأوله على الموت، وما في معناه من ~~الغيبة البعيدة ونحوها. ويمكن تأويل قول الشعبي على هذا، فيزول هذا الخلاف. # ولنا، على اشتراط تعذر شهادة ms5689 شاهد الأصل، أنه إذا أمكن الحاكم أن يسمع ~~شهادة شاهدي الأصل، استغني عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع، وكان أحوط ~~للشهادة، فإن سماعه منهما معلوم، وصدق شاهدي الفرع مظنون، والعمل باليقين ~~مع إمكانه أولى من اتباع الظن، ولأن شهادة الأصل تثبت نفس الحق، وهذه إنما ~~تثبت الشهادة عليه، ولأن في شهادة الفرع ضعفا؛ لأنه يتطرق إليها احتمالان؛ ~~احتمال غلط شاهدي الأصل، واحتمال غلط شاهدي الفرع، فيكون ذلك وهنا فيها، ~~ولذلك لم تنتهض لإثبات الحدود والقصاص، فينبغي أن لا تثبت إلا عند عدم ~~شاهدي الأصل، كسائر الأبدال، ولا يصح قياسها على أخبار الديانات؛ لأنه خفف ~~فيها، ولهذا لا يعتبر فيها العدد، ولا الذكورية، ولا الحرية، ولا اللفظ، ~~والحاجة داعية إليها في حق عموم الناس، بخلاف مسألتنا. # ولنا، على قبولها عند تعذرها بغير الموت، أنه تعذرت شهادة الأصل، فتقبل ~~شهادة الفرع، كما لو مات شاهدا الأصل، ويخالف الحاضرين؛ فإن سماع شهادتهما ~~ممكن، فلم يجز غير ذلك. إذا ثبت هذا، فذكر القاضي أن الغيبة المشترطة لسماع ~~شهادة الفرع، أن يكون شاهد الأصل بموضع لا يمكنه أن يشهد ثم يرجع من يومه. ~~وهذا قاله أبو يوسف، وأبو حامد من أصحاب الشافعي؛ لأن الشاهد تشق عليه ~~المطالبة بمثل هذا السفر، وقد قال الله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} ~~[البقرة: 282] . # PageV10P188 # وإذا لم يكلف الحضور، تعذر سماع شهادته، فاحتيج إلى سماع شهادة الفرع. # وقال أبو الخطاب: تعتبر مسافة القصر. وهو قول أبي حنيفة، وأبي الطيب ~~الطبري، مع اختلافهم في مسافة القصر كل على أصله؛ لأن ما دون ذلك في حكم ~~الحاضر، في الترخص وغيره، بخلاف مسافة القصر. ويعتبر دوام هذا الشرط إلى ~~الحكم، فلو شهد شاهدا الفرع، فلم يحكم بشهادتهما حتى حضر شاهدا الأصل، وقف ~~الحكم على سماع شهادتهما؛ لأنه قدر على الأصل قبل العمل بالبدل، فلم يجز ~~العمل به، كالمتيمم يقدر على الماء قبل الصلاة، ولأن حضورهما لو وجد قبل ~~أداء شهادة الفرع، منع، فإذا طرأ قبل الحكم، منع منه، كالفسق. الشرط ~~الثاني، أن تتحقق ms5690 شروط الشهادة، من العدالة وغيرها، في كل واحد من شهود ~~الأصل والفرع، على الوجه الذي ذكرناه؛ لأن الحكم ينبني على الشهادتين ~~جميعا، فاعتبرت الشروط في كل واحد منهما. # ولا خلاف في هذا نعلمه. فإن عدل شهود الفرع شهود الأصل، فشهدا بعدالتهما ~~وعلى شهادتهما، جاز، بغير خلاف نعلمه. وإن لم يشهدا بعدالتهما، جاز، ويتولى ~~الحاكم ذلك، فإن علم عدالتهما، حكم، وإن لم يعرفها بحث عنها. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال الثوري، وأبو يوسف: إن لم يعدل شاهدا الفرع شاهدي الأصل، لم ~~يسمع الحاكم شهادتهما؛ لأن ترك تعديله يرتاب به الحاكم. # وليس بصحيح؛ لأنه يجوز أن لا يعرفا ذلك، فيرجع فيه إلى بحث الحاكم، ويجوز ~~أن يعرفا عدالتهما ويتركاها، اكتفاء بما يثبت عند الحاكم من عدالتهما، ولا ~~بد من استمرار هذا الشرط، ووجود العدالة في الجميع إلى انقضاء الحكم؛ لما ~~ذكرنا في شاهد الأصل قبل هذا. وإن مات شهود الأصل والفرع، لم يمنع الحكم، ~~وكذلك لو مات شهود الأصل قبل أداء الفروع شهادتهم، لم يمنع من أدائها، ~~والحكم بها؛ لأن موتهم من شرط سماع شهادة الفروع والحكم، فلا يجوز جعله ~~مانعا، وكذلك إن جنوا؛ لأن جنونهم بمنزلة موتهم. # الشرط الثالث، أن يعينا شاهدي الأصل، ويسمياهما. وقال ابن جرير: إذا ~~قالا: ذكرين، حرين، عدلين جاز، وإن لم يسميا؛ لأن الغرض معرفة الصفات دون ~~العين. وليس بصحيح؛ لجواز أن يكونا عدلين عندهما، مجروحين عند غيرهما؛ ولأن ~~المشهود عليه ربما أمكنه جرح الشهود، فإذا لم يعرف أعيانهما، تعذر عليه ~~ذلك. الشرط الرابع، أن يسترعيه شاهد الأصل الشهادة، فيقول: اشهد على شهادتي ~~أني أشهد أن لفلان # PageV10P189 # على فلان كذا، أو أقر عندي بكذا. أو سمع شاهدا يسترعي آخر شهادة يشهده ~~عليها، فيجوز لهذا السامع أن يشهد بها لحصول الاسترعاء، ويحتمل أن لا يجوز ~~له أن يشهد إلا أن يسترعيه بعينه. وهو قول أبي حنيفة. # قال أحمد: لا تكون شهادة إلا أن يشهدك، فأما إذا سمعته يتحدث، فإنما ذلك ~~حديث. وبما ذكرناه قال الشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو عبيد. ms5691 فأما إن سمع ~~شاهدا يشهد عند الحاكم بحق، أو سمعه يشهد بحق يعزيه إلى سبب، نحو أن يقول: ~~أشهد أن لفلان على فلان ألفا من ثمن مبيع. فهل يشهد به؟ . قال أبو الخطاب: ~~فيه روايتان. وذكر القاضي، أن له الشهادة به. # وهو مذهب الشافعي؛ لأنه بالشهادة عند الحاكم، ونسبته للحق إلى سببه، يزول ~~الاحتمال، ويرتفع الإشكال، فتجوز له الشهادة على شهادته، كما لو استرعاه ~~والرواية الأخرى، لا يجوز أن يشهد على شهادته. وهو قول أبي حنيفة، وأبي ~~عبيد؛ لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة، فلا ينوب عنه إلا بإذنه ~~ومن نصر الأول قال: هذا ينقل شهادته، ولا ينوب عنه؛ لأنه لا يشهد مثل ~~شهادته، وإنما يشهد على شهادته فأما إن قال: أشهد أني أشهد على فلان بكذا. ~~فالأشبه أن يجوز أن يشهد على شهادته. وهذا قول أبي يوسف لأن معنى ذلك: اشهد ~~على شهادتي وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا أن يقول: اشهد على شهادتي أني ~~أشهد. # لأنه إذا قال: اشهد. فقد أمره بالشهادة، ولم يسترعه. وما عدا هذه ~~المواضع، لا يجوز أن يشهد فيها على الشهادة، فإذا سمعه يقول: أشهد أن لفلان ~~على فلان ألف درهم لم يجز أن يشهد على شهادته؛ لأنه لم يسترعه الشهادة، ~~فيحتمل أن يكون وعده بها. وقد يوصف الوعد بالوجوب مجازا؛ فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «العدة دين» . ويحتمل أن يريد بالشهادة العلم، فلم ~~يجز لسامعه الشهادة به. # فإن قيل: فلو سمع رجلا يقول: لفلان علي ألف درهم. جاز أن يشهد بذلك، فكذا ~~هذا. قلنا: الفرق بينهما من وجهين؛ أحدهما، أن الشهادة تحتمل العلم، ولا ~~تحتمل الإقرار. الثاني، أن الإقرار أوسع في لزومه من الشهادة؛ بدليل صحته ~~في المجهول، وأنه لا يراعى فيه العدد، بخلاف الشهادة، ولأن الإقرار قول ~~الإنسان على نفسه، وهو غير متهم، فيكون أقوي منها، ولهذا لا تسمع الشهادة ~~في حق المقر، ولا يحكم بها. # ولو قال شاهد الأصل: أنا أشهد أن لفلان على فلان ألفا، فاشهد به ms5692 أنت ~~عليه. لم يجز أن يشهد على شهادته؛ لأنهما شهادته، فيشهد عليها، ولا هو ~~شاهدا بالحق؛ لأنه ما سمع الاعتراف به ممن هو عليه، ولا شاهد سببه. # PageV10P190 ### | [فصل كيفية الأداء إذا كان قد استرعاه الشهادة] # (8411) فصل: فأما كيفية الأداء إذا كان قد استرعاه الشهادة، فإنه يقول: ~~أشهد أن فلان بن فلان، وقد عرفته بعينه واسمه ونسبه وعدالته، أشهدني أنه ~~يشهد أن لفلان بن فلان، على فلان بن فلان، كذا وكذا، أو أن فلانا أقر عندي ~~بكذا. وإن لم يعرف عدالته لم يذكرها. وإن سمعه يشهد غيره، قال: أشهد أن ~~فلان بن فلان، أشهد على شهادته أن لفلان بن فلان، على فلان بن فلان، كذا ~~وكذا. # وإن كان سمعه يشهد عند الحاكم قال: أشهد أن فلان بن فلان، شهد على فلان ~~بن فلان، عند الحاكم بكذا. وإن كان نسب الحق إلى سببه، قال: أشهد أن فلان ~~بن فلان قال: أشهد أن لفلان بن فلان، على فلان بن فلان كذا وكذا، من جهة ~~كذا وكذا. وإذا أراد الحاكم أن يكتب ذلك، كتبه، على ما ذكرنا في الأداء. ### | [فصل الذكورية في شهود الفرع] # (8412) فصل: واختلفت الرواية في شرط خامس، وهو الذكورية في شهود الفرع؛ ~~فعن أحمد، أنها شرط، فلا يقبل في شهود الفرع نساء بحال، سواء كان الحق مما ~~تقبل فيه شهادة النساء، أو لا. وهذا قول مالك، والثوري، والشافعي؛ لأنهم ~~يثبتون بشهادتهم شهادة شهود الأصل دون الحق وليس ذلك بمال، ولا المقصود منه ~~المال، ويطلع عليه الرجال، فأشبه القصاص والحد. # والثانية، للنساء مدخل فيما لو كان الشهود به يثبت بشهادتهن في الأصل. ~~قال حرب: قيل لأحمد: فشهادة امرأتين على شهادة امرأتين، تجوز؟ قال: نعم. ~~يعني إذا كان معهما رجل. وذكر الأوزاعي، قال: سمعت نمير بن أوس يجيز شهادة ~~المرأة على شهادة المرأة. ووجهه، أن المقصود بشهادة الفروع، إثبات الحق ~~الذي يشهد به شهود الأصل، فقبلت فيه شهادتهن، كالبيع. ويفارق الحد والقصاص؛ ~~فإنه ليس القصد من الشهادة به إثبات مال بحال. # فأما شهود ms5693 الأصل، فيدخل النساء فيه، فيجوز أن يشهد رجلان على شهادة رجل ~~وامرأتين، في كل حق يثبت بشهادتهن مع الرجال، في قول أكثر أهل العلم. وذكر ~~أبو الخطاب في المنع منه رواية أخرى؛ لأن في الشهادة على الشهادة ضعفا؛ لما ~~ذكرنا من قبل، فلا مدخل للنساء فيها؛ لأنها تزداد بشهادتهن ضعفا. ولنا، أن ~~شهود الفرع إن كانوا يثبتون شهادة الأصل، فهي تثبت بشهادتهم، وإن كانوا ~~يثبتون نفس الحق، فهي تثبت بشهادتهم، ولأن النساء شهدن بالمال، أو ما يقصد ~~به المال، فيثبت بشهادتهن، كما لو أدينها عند الحاكم. وما ذكر للرواية ~~الأخرى، لا أصل له. ### | [فصل يشهد على كل واحد من شاهدي الأصل شاهد فرع] # فصل: ويجوز أن يشهد على كل واحد من شاهدي الأصل شاهد فرع، فيشهد شاهدا ~~فرع على شاهدي أصل. قال # PageV10P191 # القاضي: لا يختلف كلام أحمد في هذا. وهو قول شريح، والشعبي، والحسن، وابن ~~شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وإسحاق، والبتي، والعنبري، ونمير بن أوس. # قال إسحاق: لم يزل أهل العلم على هذا، حتى جاء هؤلاء وقال أحمد: وشاهد ~~على شاهد يجوز، لم يزل الناس على ذا؛ شريح فمن دونه، إلا أن أبا حنيفة ~~أنكره. وذهب أبو عبد الله بن بطة، إلى أنه لا يقبل على كل شاهد أصل إلا ~~شاهدا فرع. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي؛ لأن شاهدي الفرع يثبتان ~~شهادة شاهدي الأصل، فلا تثبت شهادة كل واحد منهما بأقل من شاهدين، كما لا ~~يثبت إقرار مقرين بشهادة اثنين، يشهد على كل واحد منهما واحد. # ولنا، أن هذا يثبت بشاهدين، وقد شهد اثنان بما يثبته، فيثبت، كما لو شهدا ~~بنفس الحق، ولأن شاهدي الفرع بدل من شهود الأصل، فيكفي في عددها ما يكفي في ~~شهادة الأصل، ولأن هذا إجماع، على ما ذكره أحمد وإسحاق، ولأن شاهدي الفرع ~~لا ينقلان عن شاهدي الأصل حقا عليهما، فوجب أن يقبل فيه قول واحد، كأخبار ~~الديانات، فإنهم إنما ينقلون الشهادة، وليست حقا عليهم، ولهذا لو أنكراها ~~لم يعد الحاكم عليهما، ولم ms5694 يطلبها منهما. وهذا الجواب عما ذكروه. # فإذا ثبت هذا، فمن اعتبر لكل شاهد أصل شاهدي فرع، أجاز أن يشهد شاهدان ~~على كل واحد من شاهدي الأصل. وبهذا قال مالك، وأصحاب الرأي. قال الشافعي: ~~ورأيت كثيرا من الحكام والمفتين يجيزه. وخرجه على قولين؛ أحدهما، جوازه. ~~والآخر، لا يجوز حتى يكون شهود الفرع أربعة، على كل شاهد أصل شاهدا فرع. ~~واختاره المزني؛ لأن من يثبت به أحد طرفي الشهادة، لا يثبت به الطرف الآخر، ~~كما لو شهد أصل مع شاهد، ثم شهد مع آخر على شهادة شاهد الأصل الآخر ولنا، ~~أنهما شهدا على قولين، فوجب أن يقبل، كما لو شهدا بإقرارين بحقين، أو ~~بإقرار اثنين. # وإنما لم يجز أن يشهد شاهد الأصل فرعا؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون بدل أصلا ~~في شهادة بحق، وذلك لا يجوز، ولأنهم يثبتون بشهادتهم شهادة الأصل، وليست ~~شهادة أحدهم ظرفا لشهادة الآخر، فعلى قول الشافعي أن يثبت الحق بشهادة رجل ~~وامرأتين، وجب أن يكون شهود الفرع ستة، وإن كان حق يثبت بأربع نسوة، فوجب ~~أن يكون شهود الفرع ثمانية، وإن كان المشهود به زنا، خرج فيه خمسة أقوال؛ ~~أحدها، لا مدخل لشهادة الفرع في إثباته. # والثاني، يجوز، ويجب أن يكون شهود الفرع ستة عشر، فيشهد على شهادة كل ~~واحد من شهود الأصل أربعة. # PageV10P192 # والثالث، يكفي ثمانية. والرابع، يكونون أربعة، يشهدون على كل واحد. ~~والخامس، يكفي شاهدان يشهدان على كل واحد من شهود الأصل. وهذا إثبات لحد ~~الزنى بشاهدين، وهو بعيد. ### | [فصل شهد بالحق شاهدا أصل وشاهدا فرع يشهدان على شهادة أصل آخر] # (8414) فصل: وإن شهد بالحق شاهدا أصل، وشاهدا فرع، يشهدان على شهادة أصل ~~آخر، جاز. وإن شهد شاهد أصل، وشاهد فرع، خرج فيه من الخلاف ما ذكرنا من ~~قبل، وإن شهد شاهد أصل، ثم شهد هو وآخر فرعا على شاهد أصل آخر، لم تفد ~~شهادته الفرعية شيئا، وكان حكم ذلك حكم ما لو شهد على شهادته شاهد واحد. ### | [مسألة يشهد على من سمعه يقر بحق] # (8415) مسألة؛ ms5695 قال: (ويشهد على من سمعه يقر بحق، وإن لم يقل للشاهد: اشهد ~~على) اختلفت الرواية عن أحمد، في هذه المسألة، فالمذهب ما ذكره الخرقي، وبه ~~قال الشعبي، والشافعي. وعن أحمد، رواية ثانية، لا يشهد حتى يقول له المقر: ~~اشهد على. # كما أنه لا يجوز أن يشهد على شهادة رجل حتى يسترعيه إياها، ويقول له: ~~اشهد على شهادتي. وعنه، رواية ثالثة، إذا سمعه يقر بقرض، لا يشهد، وإذا ~~سمعه يقر بدين، يشهد؛ لأن المقر بالدين معترف أنه عليه، والمقر بالقرض لا ~~يعترف بذلك، لجواز أن يكون اقترض منه، ثم وفاه، وعنه رواية رابعة، إذا سمع ~~شيئا، فدعي إلى الشهادة، فهو بالخيار، إن شاء شهد، وإن شاء لم يشهد. قال: ~~ولكن يجب عليه إذا أشهد إذا دعي، {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: ~~282] . قال: إذا أشهدوا. # وقال ابن أبي موسى: إذا سمع رجلا يقر لرجل بحق، ولم يقل: اشهد علي بذلك. ~~وسمع الشاهد فله أن يشهد عليه، فيقول: أشهد أني حضرت إقرار فلان بكذا. ولا ~~يقول: أشهد على إقراره. وإن سمعه يقول: اقترضت من فلان، أو قبضت من فلان لم ~~يجز أن يشهد به # والصحيح الأول؛ لأن الشاهد يشهد بما علمه، وقد حصل له العلم بسماعه، فجاز ~~أن يشهد به، كما يجوز أن يشهد بما رآه من الأفعال. وذكر القاضي أن في ~~الأفعال روايتين؛ إحداهما، لا يشهد به حتى يقول المشهود عليه: اشهد. وهذا ~~إن أراد به العموم في جميع الأفعال، فلا يصح؛ لأن ذلك يؤدي إلى منع الشهادة ~~عليها بالكلية، فإن الغاصب لا يقول لأحد: اشهد على أني أغصب. ولا السارق، ~~ولا الزاني، ولا القاتل، وأشباه هؤلاء. وقد شهد أبو بكرة وأصحابه على ~~المغيرة بالزنى، فلم يقل عمر: هل أشهدكم أو لا. # ولم يقل هذا أحد من الصحابة ولا من غيرهم ولا قال الذين شهدوا # PageV10P193 # على قدامة بشرب الخمر، ولا قاله عمر للذين شهدوا على الوليد بن عقبة. وإن ~~أراد به الأفعال التي تكون بالتراضي، كالقرض، والقبض فيه، وفي الرهن ms5696 ~~والبيع، والافتراق، ونحو ذلك، جاز. ### | [فصل حضر شاهدان حسابا بين اثنين شرطا عليهما أن لا يحفظا عليهما شيئا] # (8416) فصل: ولو حضر شاهدان حسابا بين اثنين، شرطا عليهما أن لا يحفظا ~~عليهما شيئا، كان للشاهدين أن يشهدا بما سمعاه منهما، ولم يسقط ذلك شرطهما؛ ~~لأن للشاهد أن يشهد بما سمعه أو علمه، وذلك قد حصل له، سواء أشهده أو سمعه، ~~وكذلك يشهدان على العقود بحضورها، وعلى الجنايات بمشاهدتها، ولا يحتاجان ~~إلى إشهاد. وبهذا قال ابن سيرين، ومالك، والثوري، والشافعي. ### | [فصل الشهادة في الحقوق على ضربين] # (8417) فصل: والحقوق على ضربين؛ أحدهما، حق لآدمي معين، كالحقوق المالية، ~~والنكاح، وغيره من العقود والعقوبات، كالقصاص، وحد القذف، والوقف على آدمي ~~معين، فلا تسمع الشهادة فيه إلا بعد الدعوى؛ لأن الشهادة فيه حق لآدمي، فلا ~~تستوفى إلا بعد مطالبته وإذنه، ولأنها حجة على الدعوى؛ ودليل لها، فلا يجوز ~~تقدمها عليها. # الضرب الثاني، ما كان حقا لآدمي غير معين، كالوقف على الفقراء، والمساكين ~~أو جميع المسلمين، أو على مسجد، أو سقاية أو مقبرة مسبلة، أو الوصية لشيء ~~من ذلك، ونحو هذا، أو ما كان حقا لله تعالى، كالحدود الخالصة لله تعالى، أو ~~الزكاة، أو الكفارة، فلا تفتقر الشهادة به، إلى تقدم الدعوى؛ لأن ذلك ليس ~~له مستحق معين من الآدميين يدعيه، ويطالب به، ولذلك شهد أبو بكرة وأصحابه ~~على المغيرة، وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر، وشهد ~~الذين شهدوا على الوليد بن عقبة بشرب الخمر أيضا، من غير تقدم دعوى، فأجيزت ~~شهادتهم، ولذلك لم يعتبر في ابتداء الوقف قبول، من أحد، ولا رضى منه. # وكذلك ما لا يتعلق به حق أحد الغريمين، كتحريم الزوجة بالطلاق، أو ~~الظهار، أو إعتاق الرقيق، تجوز الحسبة به، ولا تعتبر فيه دعوى. ولو شهد ~~شاهدان بعتق عبد أو أمة ابتداء، ثبت ذلك، سواء صدقهما المشهود بعتقه، أو لم ~~يصدقهما. وبهذا قال الشافعي. وبه قال أبو حنيفة في الأمة. وقال في العبد: ~~لا يثبت، ما لم يصدق العبد به، ms5697 ويدعيه؛ لأن العتق حقه، فأشبه سائر حقوقه. ~~ولنا، أنها شهادة بعتق، فلا تفتقر إلى تقدم الدعوى، كعتق الأمة، ويخالف ~~سائر الحقوق؛ لأنه حق لله تعالى، ولهذا لا يفتقر إلى قبول العتق. # ودليل ذلك الأمة. وما ذكروه يبطل بعتق الأمة. فإن قيل: الأمة يتعلق ~~بإعتاقها تحريم الوطء. قلنا: هذا لا أثر له، فإن المنع يوجب تحريمها عليه، ~~ولا تسمع الشهادة به إلا بعد الدعوى. # PageV10P194 ### | [فصل أداء الشهادة قبل طلبها] # (8418) فصل: ومن كانت عنده شهادة لآدمي، لم يخل؛ إما أن يكون عالما بها، ~~أو غير عالم، فإن كان عالما بها، لم يجز للشاهد أداؤها حتى يسأله ذلك؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين ~~يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا ~~يؤتمنون» . رواه البخاري. ولأن أداءها حق للمشهود له، فلا يستوفى إلا برضاه ~~كسائر حقوقه. وإن كان المشهود له غير عالم بها، جاز للشاهد أداؤها قبل ~~طلبها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا أنبئكم بخير الشهداء؟ ~~الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» . رواه مسلم، وأبو داود، ومالك. # وقال مالك: هو " الذي يأتي بشهادته، ولا يعلم بها الذي هي له ". وهذا ~~الحديث وإن كان مطلقا، فإنه يتعين حمله على هذه الصور، جمعا بين الحديثين؛ ~~ولأنه إذا لم يكن عالما بها، فتركه طلبها لا يدل على أنه لا يريد إقامتها، ~~بخلاف العالم بها. وهذا مذهب الشافعي. ### | [فصل لفظ الشهادة] # (8419) فصل: ويعتبر لفظ الشهادة في أدائها، فيقول: أشهد أنه أقر بكذا. ~~ونحوه. ولو قال: أعلم، أو أحق، أو أتيقن، أو أعرف. لم يعتد به؛ لأن الشهادة ~~مصدر شهد يشهد شهادة، فلا بد من الإتيان بفعلها المشتق منها، ولأن فيها ~~معنى لا يحصل في غيرها من اللفظات؛ بدليل أنها تستعمل في اليمين فيقال: ~~أشهد بالله. ولهذا تستعمل في اللعان، ولا يحصل ذلك من غيرها. وهذا مذهب ~~الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا. ### | [مسألة شهادة المستخفي] # مسألة؛ قال: (وتجوز شهادة المستخفي، إذا كان عدلا) ms5698 المستخفي: هو الذي ~~يخفي نفسه عن المشهود عليه؛ ليسمع إقراره، ولا يعلم به، مثل من يجحد الحق ~~علانية، ويقر به سرا، فيختبئ شاهدان في موضع لا يعلم بهما، ليسمعا إقراره ~~به، ثم يشهدا به، فشهادتهما مقبولة، على الرواية الصحيحة. وبهذا قال عمرو ~~بن حريث. وقال: كذلك يفعل بالخائن والفاجر. وروي مثل ذلك عن شريح. وهو قول ~~الشافعي. # وروي عن أحمد رواية أخرى، لا تسمع شهادته، وهو اختيار أبي بكر، وابن أبي ~~موسى. وروي ذلك عن شريح، والشعبي؛ لأن الله تعالى قال: {ولا تجسسوا} ~~[الحجرات: 12] . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حدث ~~بحديث ثم التفت، فهي أمانة» . يعني أنه لا يجوز لسامعه ذكره عنه؛ لالتفاته ~~وحذره. # وقال مالك: إن كان المشهود عليه ضعيفا ينخدع، لم يقبلا عليه، وإن لم يكن ~~كذلك، قبلت. ولنا، أنهما شهدا بما سمعاه يقينا، فقبلت شهادتهما، كما لو علم ~~بها. # PageV10P195 ### | [كتاب الأقضية] ### | [مسألة هلك رجل وخلف ولدين ومائتي درهم فأقر أحدهما بمائة درهم دينا على أبيه لأجنبي] # مسألة؛ قال أبو القاسم، - رحمه الله -: (وإذا هلك رجل، وخلف ولدين ومائتي ~~درهم، فأقر أحدهما بمائة درهم دينا على أبيه لأجنبي، دفع إلى المقر له نصف ~~ما في يده من إرثه عن أبيه، إلا أن يكون المقر عدلا، فيشاء الغريم أن يحلف ~~مع شهادة الابن، ويأخذ مائة، وتكون المائة الباقية بين الابنين) هذه ~~المسألة في الإقرار من بعض الورثة، وقد ذكرناها في باب الإقرار، وأنه إنما ~~يلزم المقر من الدين بقدر ميراثه منه، وميراثه هاهنا النصف، فيكون عليه نصف ~~الدين؛ وهو نصف المائة، ونصفها الباقي يشهد به على أخيه، فإن كان عدلا، ~~فشاء الغريم حلف مع شهادته، واستحق الباقي؛ لأنه لا تهمة في حق الابن ~~المقر، فإنه لا يجر إلى نفسه بهذه الشهادة، نفعا، ولا يدفع بها ضرا. # وإن شهد أجنبي مع الوارث المقر، كملت الشهادة، وحكم للمدعي بما شهدا به ~~له، إذا كانا عدلين، وأديا الشهادة بلفظ الشهادة، ولا يكتفى بلفظ الإقرار ~~في الشهادة؛ لما ms5699 ذكرنا من قبل. وإن كان الإقرار من اثنين من الورثة عدلين؛ ~~مثل أن يخلف ثلاثة بنين، فيقر اثنان منهم بالدين، ويشهدا به، فإن شهادتهما ~~تقبل، ويثبت باقي الدين في حق المنكر. وبهذا كله قال الحسن، والشعبي، ~~والشافعي، وابن المنذر. وقال حماد، وأصحاب الرأي: المقر به كله في نصيب ~~المقر. # وهو قول الشعبي، وعلى هذا ينبغي أن لا تقبل شهادة المقر بالدين؛ لأنه يجر ~~بشهادته نفعا إلى نفسه، وهو إسقاط بعض ما أقر به عن نفسه. والإقرار بوصية ~~تخرج من الثلث، كالإقرار بالدين، فيما ذكرناه. ### | [فصل ثبت لرجل على رجل دين ببينة] # (8422) فصل: ولو ثبت لرجل على رجل دين ببينة، لم يمنع ذلك قبول شهادته ~~عليه بدين أو وصية، في قول عامة أهل العلم، إلا ابن أبي ليلى، قال: لا تقبل ~~شهادته على غريمه الميت بذلك. فيحتمل أنه منع من ذلك لئلا يواطئ من يشهد له ~~بدين، فيحاص الغرماء بما شهد له به ثم يقاسمه. ولنا، أنه عدل غير متهم، ~~فتقبل شهادته له كغيره، وذلك لأنه لا يجر بشهادته إلى نفسه نفعا، ولا يدفع ~~بها ضرا، بل يضر نفسه، بها لكون المشهود له يزاحمه في الاستيفاء، وينقص ما ~~يأخذه، فهو أقرب إلى الصدق، وأحرى أن تقبل شهادته، وما ذكرناه له من ~~الاحتمال يوجد في الأجنبي، ولم يمنع قبول شهادته. ### | [مسألة مات مفلسا وادعى ورثته دينا له على رجل فأنكر فأقاموا شاهدا عدلا وحلفوا معه] # (8423) مسألة؛ قال: (ولو هلك رجل عن، ابنين، وله حق بشاهد، وعليه من ~~الدين ما يستغرق ميراثه، فأبى الوارثان أن # PageV10P196 # يحلفا مع الشاهد، لم يكن للغريم أن يحلف مع شاهد الميت، ويستحق، فإن حلف ~~الوارثان مع الشاهد، حكم بالدين، فدفع إلى الغريم) وجملته أن الرجل إذا مات ~~مفلسا، وادعى ورثته دينا له على رجل، فأنكر، فأقاموا شاهدا عدلا، وحلفوا ~~معه، حكم بالدين للميت، ثم تقضى منه ديونه، ثم تنفذ وصاياه من الثلث، إلا ~~أن يجيز الورثة، فإن أبى الورثة أن يحلفوا، لم يكن للغريم أن يحلف، مع شاهد ms5700 ~~الميت. # وبهذا قال إسحاق، وأبو ثور، والشافعي في الجديد، وقال في القديم: للغريم ~~أن يحلف، ويستحق. وهذا قول مالك؛ لأن حقه متعلق به، بدليل أنه لو ثبت ~~المال، قدم حقه على الورثة، وكانت له اليمين كالوارث. # ولنا، أن الدين للورثة دون الغريم، فلم يكن له أن يحلف عليه، كما لو لم ~~يستغرق الدين ميراثه، والدليل على أنه للوارث، أنه يكتفى بيمينه، ولو كان ~~لغيره لما اكتفي بها، ولأن حق الغريم في ذمة الميت، والدين للميت، ولهذا ~~يشهد الشاهد بأن الدين للميت، والذي يحلف معه إنما يحلف على هذا، ولا يجوز ~~للغريم أن يحلف لي في ذمة المدعى عليه دينا، بالاتفاق، فلم يجز أن يحلف على ~~دين غيره الذي لا فعل له فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما جعل ~~اليمين للمالك، ولا يلزم على هذا الوكيل؛ لأنه يحلف على فعل نفسه؛ ولأن ~~الغريم لو حلف مع الشاهد، ثم أبرأ الميت من الدين، لرجع الدين إلى الورثة، ~~ولو كان قد ثبت له بيمينه، لم يرجع إليهم. وهكذا لو وصى الميت لإنسان، ثم ~~لم يحلف الورثة، لم يكن للموصى له أن يحلف؛ لما ذكرناه. ### | [فصل حلف أحد الابنين مع الشاهد] # (8424) فصل: فإن حلف أحد الابنين مع الشاهد، لم يثبت من الدين إلا قدر ~~حصته. وهكذا إذا ادعى الورثة وصية لأبيهم أو دينا، وأقاموا شاهدا، لم يثبت ~~جميعه إلا بأيمان جميعهم. وإن حلف بعضهم، ثبت من الدين والوصية بقدر حقه، ~~ولا يشاركه فيه باقي الورثة؛ لأنه لا يثبت لهم حق بدون أيمانهم، ولا يجوز ~~أن يستحقوا بيمين غيرهم، ويقضي من دين أبيه بقدر ما ثبت له، فإن كان في ~~الورثة صغير أو معتوه، وقف حقه، حتى يبلغ الصغير ويعقل المعتوه؛ لأنه لا ~~يمكن أن يحلف على حاله، ولا يحلف وليه؛ لكون اليمين لا تدخلها النيابة. # وإن كان فيهم أخرس مفهوم الإشارة، حلف وأعطي حصته، وإن لم تفهم إشارته، ~~وقف حقه أيضا. فإن مات، أو مات الصبي والمعتوه، قام ورثتهم مقامهم في ~~اليمين ms5701 والاستحقاق. فإن طالب أولياؤهما في حياتهما بحبس المدعى عليه حتى ~~يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، ويعقل الأخرس الإشارة، أو بإقامة كفيل، لم ~~يجابوا إلى ذلك؛ لأن الحبس عذاب لا يستحق على من لم يثبت عليه حق. ### | [فصل أفلس ثم مات] # (8425) فصل: وتركة الميت يثبت الملك فيها لورثته، وسواء كان عليه دين أو ~~لم يكن. نص عليه أحمد، في من أفلس، # PageV10P197 # ثم مات، قال: قد انتقل المبيع إلى الورثة، وحصل ملكا لهم. وبهذا قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كان الدين يستغرق التركة، منع نقلها إلى ~~الورثة، وإن كان لا يستغرقها، لم يمنع انتقال شيء منها. # وقال أبو سعيد الإصطخري: يمنع بقدره. وقد أومأ أحمد إلى مثل هذا؛ فإنه ~~قال، في أربعة بنين ترك أبوهم دارا وعليه دين، فقال أحد البنين: أنا أعطي، ~~ودعوا لي الربع. فقال أحمد: هذه الدار للغرماء، لا يرثون شيئا حتى يؤدوا ~~الدين. وهذا يدل على أنها لم تنتقل إليهم عنده؛ لأنه يمنع الوارث من إمساك ~~الربع بدفع قيمته؛ لأن الدين لم يثبت في ذمم الورثة، فيجب أن يتعلق ~~بالتركة. # والمذهب الأول، ولهذا قلنا: إن الغريم لا يحلف على دين الميت. وذلك لأن ~~الدين محله الذمة، وإنما يتعلق بالتركة، فيتخير الورثة بين قضاء الدين ~~منها، أو من غيرها كالرهن والجاني، ولهذا لا يلزم الغرماء نفقة العبيد، ولا ~~يكون نماء التركة لهم، ولأنه لا يخلو من أن تنتقل إلي الورثة، أو إلى ~~الغرماء، أو تبقى للميت، أو لا تكون لأحد، لا يجوز أن تنتقل إلى الغرماء؛ ~~لأنها لو انتقلت إليهم، لزمهم نفقة الحيوان، وكان نماؤها لهم غير محسوب من ~~دينهم، ولا يجوز أن تبقى للميت؛ لأنه لم يبق أهلا للملك، ولا يجوز أن لا ~~تكون لأحد؛ لأنها مال مملوك، فلا بد من مالك؛ ولأنها لو بقيت بغير مالك، ~~لأبيحت لمن يتملكها، كسائر المباحات، فثبت أنها انتقلت إلى الورثة. # فعلى هذا، إذا نمت التركة، مثل أن غلت الدار، وأثمرت النخيل، ونتجت ~~الماشية، فهو للوارث، ينفرد به، لا يتعلق به حق ms5702 الغرماء؛ لأنه نماء ملكه، ~~فأشبه كسب الجاني. ويحتمل أن يتعلق به حق الغرماء؛ كنماء الرهن. ومن اختار ~~الأول، قال: تعلق الحق بالرهن آكد؛ لأنه ثبت باختيار المالك ورضاه، ولهذا ~~منع التصرف فيه، وهذا يثبت بغير رضى المالك، ولم يمنع التصرف، فكان أشبه ~~بالجاني. # وعلى الرواية الأخرى، يكون نماء التركة حكمه حكم التركة، وما يحتاج إليه ~~من المؤنة منها. وإن تصرف الورثة في التركة، ببيع أو هبة أو قسمة، فعلى ~~الرواية الأولى، تصرفهم صحيح، فإن قضوا الدين وإلا نقضت تصرفاتهم، كما لو ~~تصرف السيد في العبد الجاني ولم يقض دين الجناية. وعلى الرواية الأخرى، ~~تصرفاتهم فاسدة؛ لأنهم تصرفوا فيما لم يملكوه. ### | [فصل خلف ثلاثة بنين وأبوين فادعى البنون أن أباهم وقف داره عليهم في صحته وأقاموا بذلك شاهدا واحدا] # (8426) فصل: إذا خلف ثلاثة بنين وأبوين، فادعى البنون أن أباهم وقف داره ~~عليهم في صحته، وأقاموا بذلك شاهدا واحدا، حلفوا معه، وصارت وقفا عليهم، ~~وسقط حق الأبوين، وإن لم يحلفوا معه، ولم يكن على الميت دين ولا له وصية، ~~حلف الأبوان، وكان نصيبهما طلقا لهما، ونصيب البنين وقفا عليهم بإقرارهم؛ ~~لأنه ينفذ بإقرارهم. # وإن كان على الميت دين، أو وصى بشيء، قضي دينه، ونفذت وصيته، وما بقي بين ~~الورثة، فما حصل للبنين # PageV10P198 # كان وقفا عليهم بإقرارهم. وإن حلف واحد منهم كان ثلث الدار وقفا عليه، ~~والباقي يقضي منه الدين وما فضل يكون ميراثا، فما حصل للابنين منه كان وقفا ~~عليهما، ولا يرث الحالف شيئا؛ لأنه يعترف أنه لا يستحق منها شيئا سوى ما ~~وقف عليه. وإن حلفوا كلهم، فثبت الوقف عليهم، لم يخل من أن يكون الوقف ~~مرتبا على بطن، ثم على بطن بعد بطن أبدا، أو مشتركا، فإن كان مرتبا، فإذا ~~انقرض الأولاد الثلاثة، انتقل الوقف إلى البطن الثاني، بغير يمين؛ لأنه قد ~~ثبت كونه وقفا بالشاهدين ويمين الأولاد، فلم يحتج من انتقل إليه إلى بينة، ~~كما لو ثبت بشاهدين، وكالمال الموروث. # وكذلك إذا انقرض الأولاد، ورجع إلى المساكين، لم يحتاجوا ms5703 في ثبوته لهم ~~إلى يمين؛ لما ذكرناه. وإن انقرض أحد الأولاد، انتقل نصيبه منه إلى إخوته، ~~أو إلى من شرط الواقف انتقاله إليه، بغير يمين؛ لما ذكرنا. فإن امتنع البطن ~~الأول من اليمين، فقد ذكرنا أن نصيبهم يكون وقفا عليهم بإقرارهم، فإذا ~~انقرضوا، كان ذلك وقفا على حسب ما أقروا به، فإن كان إقرارهم أنه وقف ~~عليهم، ثم على أولادهم، فقال أولادهم: نحن نحلف مع شاهدنا، لتكون جميع ~~الدار وقفا لنا. فلهم ذلك؛ لأنهم ينقلون الوقف من الواقف، فلهم إثباته ~~كالبطن الأول. # فأما إن حلف أحد البنين، ونكل أخواه، ثم مات الحالف؛ نظرت، فإن مات بعد ~~موت إخوته، صرف نصيبه إلى أولاده، وجها واحدا. وإن مات في حياة إخوته، ففيه ~~ثلاثة أوجه؛ أحدها، ينصرف إلى إخوته؛ لأنه لا يثبت للبطن الثاني شيء مع ~~بقاء أحد من البطن الأول. والثاني، ينتقل إلى أولاده؛ لأن أخويه أسقطا ~~حقهما بنكولهما، فصارا كالمعدومين. والثالث، يصرف إلى أقرب عصبة الواقف؛ ~~لأنه لم يمكن صرفه إلى الأخوين، ولا إلى البطن الثاني، لما ذكرنا، فيصرف ~~إلى أقرب عصبة الواقف، إلى أن يموت الأخوان، ثم يعود إلى البطن الثاني. # والأول أصح؛ لأن الأخوين لم يسقطا حقوقهما، وإنما امتنعا من إقامة الحجة ~~عليه، ولذلك لو اعترف لهما الأبوان، ثبت الوقف من غير يمين، وها هنا قد حصل ~~الاعتراف من البطن الثاني، فوجب أن ينصرف إليهما؛ لحصول الاتفاق من الجميع ~~على استحقاقهما له. فإن قيل: فإذا كان البطن الثاني صغارا، فما حصل ~~الاعتراف منهم. قلنا: قد حصل الاعتراف من الحالف الذي ثبتت الحجة بيمينه، ~~وبالبينة التي ثبت بها الوقف، وبها يستحق البطن الثاني، فاكتفي بذلك في ~~انتقاله إلى الأخوين، كما يكتفى به في انتقاله إلى البطن الثاني بعد انقراض ~~الأخوين، ويدل على صحة هذا، أننا اكتفينا بالبينة في أصل الوقف، وفي ~~كيفيته، وصفته، وترتيبه، فيما عدا هذا المختلف فيه فيجب أن يكتفى به فيه. # PageV10P199 # فأما إن كان شرط الواقف أن من مات منهم عن ولد، انتقل نصيبه إليه، انتقل ~~إلى ms5704 أولاده، وجها واحدا؛ لأنه لا منازع لهم فيه. وإن مات من غير ولد، انتقل ~~إلى أخويه، على الوجه الصحيح، ويخرج فيه الوجهان الآخران. الحال الثاني، ~~إذا كان الوقف مشتركا؛ وهو أن يدعوا أن أباهم وقف داره على ولده، وولد ولده ~~ما تناسلوا، فقد شرك بين البطون، ففي هذه الحال، إذا حلف أولاده الثلاثة مع ~~شاهدهم ولم يكن أحد من أولادهم معهم موجودا، ثبت الوقف على الثلاثة. # وإن كان من أولادهم أحد موجودا، فهو شريكهم، فإن كان كبيرا حلف واستحق، ~~وإن لم يحلف كان نصيبه ميراثا تقضى منه الديون، وتنفذ الوصايا، وباقيه ~~للورثة؛ لأنه يأخذ الوقف ابتداء من الواقف بغير واسطة، فهو كأحد البنين. ~~وإن كان صغيرا، أو حدث لأحد البنين ولد يشاركهم في الوقف، أو كان أحد ~~البنين صغيرا، وقف نصيبه من الوقف عليه، ولا يسلم إلى وليه حتى يبلغ، فيحلف ~~أو يمتنع؛ لأنه يتلقى الوقف من غير واسطة. # فإن قيل: فلم لم يستحق بغير يمين، لكون البنين المستحقين معترفين له ~~بذلك، فيكتفى باعترافهم، كما لو كان في أيديهم دار فاعترفوا لصغير منها ~~بشرك، فإنه يسلم إلى وليه؟ قلنا: الفرق بينهما أن الدار التي في أيديهم لم ~~يكن لهم فيها منازع، ولا يوجب على أحد منهم فيها يمين، وهذه ينازعهم فيها ~~الأبوان، وأصحاب الديون والوصايا، وإنما يأخذونها بأيمانهم، فإذا أقروا ~~بمشارك لهم، فقد اعترفوا بأنه كواحد منهم، لا يستحق إلا بيمينه، كما لا ~~يستحق واحد منهم إلا باليمين. ويفارق ما إذا كان الوقف مرتبا على بطن، بعد ~~بطن، فإنه لا يشاركهم أحد من البطن الثاني. # فإذا بلغ الصغير الموقوف نصيبه، فحلف، كان له، وإن امتنع نظرت؛ فإن كان ~~موجودا حين الدعوى، أو قبل حلفهم، كان نصيبه ميراثا، كما لو كان بالغا، ~~فامتنع من اليمين، فإن حدث بعد أيمانهم وثبوت الوقف نماء، كان له نصيبه ~~أيضا؛ لأن الوقف ثبت في جميع الدار بأيمان البنين، فلا يبطل بامتناع من ~~حدث، إلا أنه إن أقر أنها ليست وقفا، وكذب البنين في ذلك، كان ms5705 نصيبه من ~~الغلة ميراثا، حكمه حكم نماء الميراث، وإن لم يكذبهم، فنصيبه وقف له. # وقال القاضي: إن امتنع من اليمين، رد نصيبه إلى الأولاد الثلاثة، ولم ~~يفرق بين من كان موجودا حال الدعوى والحادث بعدها؛ لأنه لا يجوز أن يستحق ~~شيئا بغير يمينه، ولا يجوز أن يبطل الوقف الثابت بأيمانهم، فتعين رد نصيبه ~~إليهم. ولنا، أنه إن كان موجودا حال الدعوى وحلفهم، فهو شريكهم حين يثبت ~~الوقف، فلم يجز أن يثبت # PageV10P200 # الوقف في نصيبه بغير يمينه، كالبالغ، وإن كان حادثا بعد ثبوت الوقف ~~بأيمانهم، فهم مقرون له بنصيبه وهو يصدقهم في إقرارهم فلم يجز لهم أخذ ~~نصيبه كما لو أقروا له بمال، ولأنهم يقرون بأنهم لا يستحقون أكثر من ثلاثة ~~أرباع الوقف، فلا يجوز لهم أخذ أكثر من ذلك. # وإن مات الصغير قبل بلوغه، قام وارثه مقامه، فيما ذكرنا. وإن مات أحد ~~البنين البالغين قبل بلوغ الصغير، وقف أيضا نصيبه مما كان لعمه الميت، وكان ~~الحكم فيه، كالحكم في نصيبه الأصلي. وقال القاضي: إن بلغ فامتنع من اليمين، ~~فالربع موقوف إلى حين موت الثالث، ويقسم بين البالغين وورثة الميت؛ لأنه ~~كان بين الثلاثة، ونصيبه من الميت للبالغين الحيين خاصة؛ لأنهما مستحقا ~~الوقف. ### | [مسألة المدعي إذا ذكر أن بينته بعيدة منه أو لا يمكنه إحضارها أو لا يريد إقامتها فطلب اليمين من المدعى عليه] # (8427) مسألة؛ قال: (ومن ادعى دعوى، وذكر أن بينته بالبعد منه، فحلف ~~المدعى عليه، ثم أحضر المدعي بينته حكم بها، ولم تكن اليمين مزيلة للحق) ~~وجملته أن المدعي إذا ذكر أن بينته بعيدة منه، أو لا يمكنه إحضارها، أو لا ~~يريد إقامتها، فطلب اليمين من المدعى عليه، أحلف له، فإذا حلف، ثم أحضر ~~المدعي ببينة، حكم له. # وبهذا قال شريح، والشعبي، ومالك، والثوري، والليث، والشافعي، وأبو حنيفة، ~~وأبو يوسف، وإسحاق. وحكي عن ابن أبي ليلى، وداود، أن بينته لا تسمع؛ لأن ~~اليمين حجة المدعى عليه، فلا تسمع بعدها حجة المدعي، كما لا تسمع يمين ~~المدعى عليه بعد بينة ms5706 المدعي. ولنا، قول عمر - رضي الله عنه -: البينة ~~الصادقة، أحب إلي من اليمين الفاجرة. وظاهر هذه البينة الصدق، ويلزم من ~~صدقها فجور اليمين المتقدمة، فتكون أولى، ولأن كل حالة يجب عليه الحق فيها ~~بإقراره، يجب عليه بالبينة، كما قبل اليمين، وما ذكروه لا يصح؛ لأن البينة ~~الأصل، واليمين بدل عنها. # ولهذا لا تشرع إلا عند تعذرها، والبدل يبطل بالقدرة على المبدل، كبطلان ~~التيمم بالقدرة على الماء، ولا يبطل الأصل بالقدرة على البدل، ويدل على ~~الفرق بينما، أنهما حال اجتماعهما، وإمكان سماعهما، تسمع البينة، ويحكم ~~بها، ولا تسمع اليمين، ولا يسأل عنها. ### | [فصل طلب المدعي حبس المدعى عليه أو إقامة كفيل به إلى أن تحضر بينته البعيدة] # (8428) فصل: وإن طلب المدعي حبس المدعى عليه، أو إقامة كفيل به إلى أن ~~تحضر بينته البعيدة، لم يقبل منه، ولم يكن له ملازمة خصمه. نص عليه أحمد؛ ~~لأنه لم يثبت له قبله حق يحبس به، ولا يقيم به كفيلا، ولأن الحبس عذاب، فلا ~~يلزم معصوما لم يتوجه عليه حق، ولأنه لو جاز ذلك، لتمكن كل ظالم من حبس من ~~شاء من الناس بغير حق. # وإن كانت بينته قريبة، فله ملازمته حتى يحضرها؛ لأن ذلك من ضرورة ~~إقامتها، فإنه لو لم يتمكن # PageV10P201 # من ملازمته، لذهب من مجلس الحاكم، ولا تمكن إقامتها إلا بحضرته، ولأنه ~~لما تمكن من إحضاره مجلس الحاكم ليقيم البينة عليه، تمكن من ملازمته فيه ~~حتى تحضر البينة. وتفارق البينة البعيدة، أو من لا يمكن حضورها، فإن إلزامه ~~الإقامة إلى حين حضورها يحتاج إلى حبس، أو ما يقوم مقامه، ولا سبيل إليه. ### | [فصل قال المدعي لي بينة حاضرة وأريد إحلاف المدعى عليه ثم أقيم البينة عليه] # (8429) فصل: ولو أقام المدعي شاهدا واحدا، ولم يحلف معه، وطلب يمين ~~المدعى عليه، أحلف له، ثم إن أحضر شاهدا آخر بعد ذلك، كملت بينته، وقضي ~~بها؛ لما ذكرنا في التي قبلها. وإن قال المدعي: لي بينة حاضرة، وأريد إحلاف ~~المدعى عليه، ثم أقيم البينة عليه، ففيه وجهان؛ ms5707 أحدهما، له ذلك، ويستحلف ~~خصمه؛ لأنه يملك استحلافه إذا كانت بينته بعيدة، فكذلك إذا كانت قريبة؛ ~~ولأنه لو قال: لا أريد إقامة بينتي القريبة. ملك استحلافه، فكذلك إذا أراد ~~إقامتها. # الثاني، لا يملك استحلافه؛ لأن في البينة غنية عن اليمين، فلم تشرع معها؛ ~~ولأن البينة أصل، واليمين بدل، فلا يجمع بين البدل والأصل، كالتيمم مع ~~الماء. وفارق البعيدة، فإنها في الحال كالمعدومة للعجز عنها، وكذلك التي لا ~~يريد إقامتها؛ لأنه قد تكون عليه مشقة في إحضارها، أو عليه في الحضور مشقة، ~~فيسقط ذلك للمشقة، بخلاف التي يريد إقامتها. ### | [مسألة اليمين المشروعة في الحقوق التي يبرأ بها المطلوب] # (8430) مسألة؛ قال: (واليمين التي يبرأ بها المطلوب، هي اليمين بالله، ~~وإن كان الحالف كافرا) . وجملته، أن اليمين المشروعة في الحقوق التي يبرأ ~~بها المطلوب، هي اليمين بالله تعالى. في قول عامة أهل العلم، إلا أن مالكا ~~أحب أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وإن استحلف حاكم بالله، أجزأ. قال ~~ابن المنذر: هذا أحب إلي؛ لأن ابن عباس روى «، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - استحلف رجلا، فقال له: قل: والله الذي لا إله إلا هو، ماله ~~عندك شيء.» رواه أبو داود. وفي حديث عمر، حين حلف لأبي، قال: والله الذي لا ~~إله إلا هو، إن النخل لنخلي، وما لأبي فيها شيء. # وقال الشافعي: إن كان المدعى قصاصا أو عتاقا، أو حدا، أو مالا يبلغ نصابا ~~غلظت اليمين، فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة الرحمن ~~الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية. وقال في القسامة: عالم ~~خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وهذا اختيار أبي الخطاب. وذكر القاضي أن هذا ~~في أيمان القسامة خاصة، وليس بشرط # PageV10P202 # ولنا، قول الله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم ~~لا نشتري به ثمنا} [المائدة: 106] . وقال تعالى: {فيقسمان بالله لشهادتنا ~~أحق من شهادتهما} [المائدة: 107] . وقال تعالى في اللعان: {فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} [النور: 6] . وقال ms5708 تعالى: {وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم} [الأنعام: 109] . قال بعض أهل التفسير: من أقسم بالله، ~~فقد أقسم جهد اليمين «. واستحلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ركانة بن عبد ~~يزيد في الطلاق، فقال: آلله ما أردت إلا واحدة» . # حديث الحضرمي والكندي، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ألك بينة؟ ~~. قال: لا، ولكن أحلفه، والله ما يعلم أنها أرضي غصبنيها.» رواه أبو داود. ~~وقال عثمان لابن عمر: تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه. ولأن في الله ~~كفاية، فوجب أن يكتفى باسمه في اليمين، كالموضع الذي سلموه. فأما حديث ابن ~~عباس وعمر، فإنه يدل على جواز الاستحلاف كذلك، وما ذكرناه يدل على الاكتفاء ~~باسم الله وحده، وما ذكره الباقون فتحكم لا نص فيه، ولا قياس يقتضيه. # إذا ثبت هذا، فإن اليمين في حق المسلم والكافر جميعا بالله تعالى، لا ~~يحلف أحد بغيره؛ لقول الله تعالى: {فيقسمان بالله} [المائدة: 106] . ولقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان حالفا، فليحلف بالله أو ليصمت» . . ### | [فصل اليمين في حق كل مدعى عليه] # (8431) فصل: وتشرع اليمين في حق كل مدعى عليه، سواء كان مسلما أو كافرا، ~~عدلا أو فاسقا، امرأة أو رجلا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اليمين ~~على المدعى عليه» . # وروى شقيق، عن الأشعث بن قيس، قال: «كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، ~~فجحدني، # PageV10P203 # فقدمته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: هل لك بينة؟ . قلت: لا. قال لليهودي: احلف. قلت: إذا يحلف، ~~فيذهب بمالي. فأنزل الله عز وجل: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا} [آل عمران: 77] .» إلى آخر الآية. رواه البخاري وأبو داود وابن ~~ماجه. وفي حديث الحضرمي، قلت: إنه رجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه. ~~قال: «ليس لك منه إلا ذلك» . ### | [مسألة اليمين لا تغلظ إلا في حق أهل الذمة] # (8432) مسألة؛ قال: (إلا أنه إن كان يهوديا، قيل له: قل: والله الذي أنزل ~~التوراة على موسى. وإن كان نصرانيا، قيل له: ms5709 قل: والله الذي أنزل الإنجيل ~~على عيسى. وإن كان لهم مواضع يعظمونها، ويتوقون أن يحلفوا فيها كاذبين، ~~حلفوا فيها) . ظاهر كلام الخرقي، - رحمه الله -، أن اليمين لا تغلظ إلا في ~~حق أهل الذمة، ولا تغلظ في حق المسلمين. ونحو هذا قال أبو بكر. # ووجه تغليظها في حقهم، ما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يعني لليهود -: «نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما ~~تجدون في التوراة على من زنى؟» . رواه أبو داود وكذلك قال الخرقي: تغلظ ~~بالمكان، فيحلف في المواضع التي يعظمها، ويتوقى الكذب فيها. ولم يذكر ~~التغليظ بالزمان. # وقال أبو الخطاب إن رأى التغليظ في اليمين في اللفظ بالزمان والمكان فله ~~ذلك. قال: وقد أومأ إليه أحمد، في رواية الميموني. وذكر التغليظ في حق ~~المجوسي، قال: فيقال له: قل: والله الذي خلقني ورزقني. وإن كان وثنيا حلفه ~~بالله وحده. # وكذلك إن كان لا يعبد الله؛ لأنه لا يجوز أن يحلف بغير الله؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «من كان حالفا، فليحلف بالله، أو ليصمت» . ولأن ~~هذا إن لم يكن يعتد هذه يمينا، فإنه يزداد بها إثما وعقوبة، وربما عجلت ~~عقوبته، فيتعظ بذلك، ويعتبر به غيره. وهذا كله ليس بشرط في اليمين، وإنما ~~للحاكم فعله إذا رأى. وممن قال: يستحلف أهل الكتاب بالله وحده. مسروق، وأبو ~~عبيدة بن عبد الله، وعطاء، وشريح، والحسن، وإبراهيم بن كعب بن سور، ومالك، ~~والثوري، وأبو عبيد. # PageV10P204 # وممن قال: لا يشرع التغليظ بالزمان والمكان في حق مسلم. أبو حنيفة ~~وصاحباه. وقال مالك، والشافعي: تغلظ. ثم اختلفا؛ فقال مالك: يحلف في ~~المدينة على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحلف قائما، ولا يحلف ~~قائما إلا على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويستحلفون في غير ~~المدينة في مساجد الجماعات، ولا يحلف عند المنبر إلا على ما يقطع فيه ~~السارق فصاعدا، وهو ثلاثة دراهم. وقال الشافعي: يستحلف المسلم بين الركن ~~والمقام بمكة، وفي المدينة عند منبر رسول الله ms5710 - صلى الله عليه وسلم - وفي ~~سائر البلدان في الجوامع عند المنبر، وعند الصخرة في بيت المقدس، وتغلظ في ~~الزمان في الاستحلاف بعد العصر، ولا تغلظ في المال إلا في نصاب فصاعدا، ~~وتغلظ في الطلاق والعتاق والحد والقصاص. وهذا اختيار أبي الخطاب. # وقال ابن جرير: تغلظ في القليل والكثير. واحتجوا بقول الله تعالى: ~~{تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله} [المائدة: 106] . قيل: أراد بعد ~~العصر. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حلف على منبري ~~هذا بيمين آثمة، فليتبوأ مقعده من النار» . فثبت أنه يتعلق بذلك تأكيد ~~اليمين. # وروى مالك، قال: اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع، في دار كانت بينهما، إلى ~~مروان بن الحكم، فقال زيد: أحلف له مكاني فقال مروان: لا والله، إلا عند ~~مقاطع الحقوق. قال: فجعل زيد يحلف أن حقه لحق ويأبى أن يحلف عند المنبر، ~~فجعل مروان يعجب. ولنا، قول الله تعالى: {فآخران يقومان مقامهما من الذين ~~استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة: ~~107] . # ولم يذكر مكانا ولا زمنا، ولا زيادة في اللفظ. واستحلف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ركانة في الطلاق، فقال: «آلله ما أردت إلا واحدة؟ . قال: آلله ~~ما أردت إلا واحدة» . ولم يغلظ يمينه بزمن، ولا مكان، ولا زيادة لفظ، وسائر ~~ما ذكرنا في التي قبلها. وحلف عمر لأبي حين تحاكما إلى زيد في مكانه، وكانا ~~في بيت زيد. وقال عثمان لابن عمر: تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه؟ ~~وفيما ذكروه تقييد لمطلق هذه النصوص، ومخالفة الإجماع. # فإن ما ذكرنا عن الخليفتين عمر وعثمان، مع من حضرهما، لم ينكر، وهو في ~~محل الشهرة، فكان إجماعا. # PageV10P205 # وقوله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة} [المائدة: 106] . إنما كان في حق ~~أهل الكتاب في الوصية في السفر، وهي قضية خولف فيها القياس في مواضع؛ منها ~~قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين، ومنها استحلاف الشاهدين، ومنها ~~استحلاف خصومهما عند العثور على استحقاقهما الإثم، وهم لا يعلمون بها أصلا، ~~فكيف يحتجون بها؟ ولما ms5711 ذكر أيمان المسلمين أطلق اليمين، ولم يقيدها. # والاحتجاج بهذا أولى من المصير إلى ما خولف فيه القياس وترك العمل به. ~~وأما حديثهم، فليس فيه دليل على مشروعية اليمين عند المنبر، إنما فيه تغليظ ~~اليمين على الحالف عنده، ولا يلزم من هذا الاستحلاف عنده. وأما قصة مروان، ~~فمن العجب احتجاجهم بها، وذهابهم إلى قول مروان في قضية خالفه زيد فيها، ~~وقول زيد، فقيه الصحابة وقاضيهم وأفرضهم، أحق أن يحتج به من قول مروان؛ فإن ~~قول مروان لو انفرد، ما جاز الاحتجاج به، فكيف يجوز الاحتجاج به على مخالفة ~~إجماع الصحابة، وقول أئمتهم وفقهائهم، ومخالفته فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وإطلاق كتاب الله تعالى؟ وهذا ما لا يجوز. # وإنما ذكر الخرقي التغليظ بالمكان واللفظ في حق الذمي، لاستحلاف النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - اليهود، بقوله: «نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على ~~موسى» . ولقول الله تعالى في حق الكتابيين {تحبسونهما من بعد الصلاة} ~~[المائدة: 106] . ولأنه روي عن كعب بن سور، في نصراني قال: اذهبوا به إلى ~~المذبح، واجعلوا الإنجيل في حجره، والتوراة على رأسه. # وقال الشعبي في نصراني: اذهب به إلى البيعة، فاستحلفه بما يستحلف به ~~مثله. وقال ابن المنذر: لا أعلم حجة توجب أن يستحلف في مكان بعينه، ولا ~~بيمين غير الذي يستحلف بها المسلمون. وعلى كل حال، فلا خلاف بين أهل العلم، ~~في أن التغليظ بالزمان والمكان والألفاظ غير واجب، إلا أن ابن الصباغ ذكر ~~أن في وجوب التغليظ بالمكان قولين للشافعي. # وخالفه ابن القاص، فقال: لا خلاف بين أهل العلم، في أن القاضي حيث استحلف ~~المدعى عليه في عمله وبلد قضائه، جاز، وإنما التغليظ بالمكان فيه اختيار ~~فيكون التغليظ عند من رآه اختيارا واستحسانا. # PageV10P206 ### | [فصل اليمين بالمصحف] # (8433) فصل: قال ابن المنذر: لم نجد أحدا يوجب اليمين بالمصحف. وقال ~~الشافعي: رأيتهم يؤكدون بالمصحف، ورأيت ابن مازن، وهو قاض بصنعاء، يغلظ ~~اليمين بالمصحف. قال أصحابه: فيغلظ عليه بإحضار المصحف؛ لأنه يشتمل على ~~كلام الله تعالى وأسمائه. وهذا زيادة على ما أمر ms5712 به رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في اليمين، وفعله الخلفاء الراشدون وقضاتهم، من غير دليل ولا ~~حجة يستند إليها، ولا يترك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~لفعل ابن مازن ولا غيره. ### | [مسألة الأيمان كلها على البت والقطع] # (8434) مسألة؛ قال: (ويحلف الرجل فيما عليه على البت. ويحلف الوارث على ~~دين الميت على العلم) . معنى البت: القطع. أي يحلف بالله ماله علي شيء. ~~وجملة الأمر أن الأيمان كلها على البت والقطع، إلا على نفي فعل الغير، ~~فإنها على نفي العلم. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. وقال الشعبي، ~~والنخعي: كلها على العلم. # وذكره ابن أبي موسى رواية عن أحمد. وذكر أحمد حديث الشيباني، عن القاسم ~~بن عبد الرحمن، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تضطروا الناس في ~~أيمانهم أن يحلفوا على ما لا يعلمون» . ولأنه لا يكلف ما لا علم له به. ~~وقال ابن أبي ليلى: كلها على البت، كما يحلف على فعل نفسه # ولنا، حديث ابن عباس «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استحلف رجلا ~~فقال له: قل: والله الذي لا إله إلا هو، ما له عليك حق» . وروى الأشعث بن ~~قيس، «أن رجلا من كندة، ورجلا من حضرموت، اختصما إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في أرض من اليمن، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن أرضي اغتصبنيها ~~أبو هذا، وهي في يده. فقال: هل لك بينة؟ . قال: لا، ولكن، أحلفه والله ما ~~يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه. فتهيأ الكندي لليمين» . رواه أبو داود. ولم ~~ينكر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وما ذكروه لا يصح؛ لأنه يمكنه الإحاطة بفعل نفسه، ولا يمكنه ذلك في فعل ~~غيره، فافترقا في اليمين، كما افترقت الشهادة، فإنها تكون بالقطع فيما يمكن ~~القطع فيه من العقود، وعلى الظن فيما لا يمكن فيه القطع من الأملاك ~~والأنساب، وعلى نفي العلم فيما لا تمكن الإحاطة بانتفائه، كالشهادة على أنه ~~لا وارث له غير فلان وفلان. # وحديث القاسم بن عبد الرحمن، محمول على ms5713 اليمين على نفي فعل الغير. إذا ~~ثبت هذا، فإنه يحلف فيما عليه على البت، نفيا كان أو إثباتا. وأما ما يتعلق ~~بفعل غيره، فإن كان إثباتا، مثل أن يدعي أنه أقر أو باع، ويقيم شاهدا بذلك، ~~فإنه يحلف مع شاهده على البت والقطع. وإن # PageV10P207 # كان على نفي العلم، مثل أن يدعي عليه دين أو غصب أو جناية، فإنه يحلف على ~~نفي العلم، لا غير. وإن حلف عليه على البت كفاه، وكان التقدير فيه العلم، ~~كما في الشاهد إذا شهد بعدد الورثة، وقال: ليس له وارث غيرهم. سمع ذلك، ~~وكان التقدير فيه علمه. # ولو ادعي عليه أن عبده جنى أو استدان، فأنكر ذلك، فيمينه على نفي العلم؛ ~~لأنها يمين على نفي فعل الغير، فأشبهت يمين الوارث على نفي الموروث. ### | [فصل باع سلعة فظهر المشتري على عيب بها وأنكره البائع] # (8435) فصل: قال ابن أبي موسى: اختلف قول أحمد، في من باع سلعة، فظهر ~~المشتري على عيب بها، وأنكره البائع، هل اليمين على البتات أو على علمه؟ ~~على روايتين. ولو أبق عبد المشتري، فادعى على البائع أنه أبق عنده، فأنكر، ~~هل يلزمه أن يحلف أنه لم يأبق قط، أو على نفي علمه؟ على روايتين، إلا أن ~~يكون ولده، فيحلف أنه لم يأبق قط. # ووجه كون اليمين على علمه، أنها على نفي فعل الغير، فأشبه ما لو ادعى ~~عليه أن عبده جنى. ووجه الأخرى، أنه إذا ادعى عليه أنه باعه معيبا، يستحق ~~به رده عليه، فلزمته اليمين على البت، كما لو كان إثباتا. ### | [فصل توجهت عليه يمين هو فيها صادق] # (8436) فصل: ومن توجهت عليه يمين هو فيها صادق، أو توجهت له، أبيح له ~~الحلف، ولا شيء عليه من إثم ولا غيره؛ لأن الله تعالى شرع اليمين، ولا يشرع ~~محرما. وقد أمر الله تعالى نبيه - عليه السلام -، أن يقسم على الحق، في ~~ثلاثة مواضع من كتابه. وحلف عمر لأبي على نخيل، ثم وهبه له، وقال: خفت إن ~~لم أحلف أن يمتنع الناس من الحلف على ms5714 حقوقهم، فتصير سنة. # قال حنبل: بلي أبو عبد الله بنحو هذا، جاء إليه ابن عمه، فقال: لي قبلك ~~حق من ميراث أبي، وأطالبك بالقاضي، وأحلفك. فقيل لأبي عبد الله: ما ترى؟ ~~قال: أحلف له، إذا لم يكن له قبلي حق، وأنا غير شاك في ذلك حلفت له، وكيف ~~لا أحلف، وعمر قد حلف، وأنا من أنا؟ وعزم أبو عبد الله على اليمين، فكفاه ~~الله ذلك، ورجع الغلام عن تلك المطالبة. واختلف في الأولى، فقال قوم: الحلف ~~أولى من افتداء يمينه؛ لأن عمر حلف؛ ولأن في الحلف فائدتين؛ إحداهما، حفظ ~~ماله عن الضياع، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعته. # والثانية، تخليص أخيه الظالم من ظلمه، وأكل المال بغير حقه، وهذا من ~~نصيحته ونصرته بكفه عن ظلمه، # PageV10P208 # وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - على رجل أن يحلف ويأخذ حقه. وقال ~~أصحابنا: الأفضل افتداء يمينه؛ فإن عثمان افتدى يمينه، وقال: خفت أن تصادف ~~قدرا، فيقال حلف فعوقب، أو هذا شؤم يمينه. وروى الخلال، بإسناده، أن حذيفة ~~عرف جملا سرق له، فخاصم فيه إلى قاضي المسلمين، فصارت اليمين على حذيفة ~~فقال: لك عشرة دراهم. فأبى، فقال لك عشرون، فأبى، فقال: لك ثلاثون.، فأبى، ~~فقال: لك أربعون. فأبى، فقال حذيفة: أتراني أترك جملي؟ فحلف بالله أنه له ~~ما باع ولا وهب. # ولأن في اليمين عند الحاكم تبذلا، ولا يأمن أن يصادف قدرا، فينسب إلى ~~الكذب، وأنه عوقب بحلفه كاذبا، وفي ذهاب ماله له أجر، وليس هذا تضييعا ~~للمال، فإن أخاه المسلم ينتفع به في الدنيا ويغرمه له في الآخرة. وأما عمر، ~~فإنه خاف الاستنان به، وترك الناس الحلف على حقوقهم، فيدل على أنه لولا ~~ذلك، لما حلف، وهذا أولى، والله تعالى أعلم. ### | [فصل الحلف الكاذب ليقتطع به مال أخيه] # (8437) فصل: فأما الحلف الكاذب ليقتطع به مال أخيه، ففيه إثم كبير. وقد ~~قيل: إنه من الكبائر؛ لأن الله تعالى وعد عليه العذاب الأليم، فقال سبحانه: ~~{إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ms5715 قليلا أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم} [آل عمران: 77] . قال الأشعث بن قيس: نزلت هذه الآية، كان لي بئر في ~~أرض ابن عم لي، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " بينتك، أو ~~يمينه ". قلت: إذا يحلف عليها. # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على يمين، هو فيها فاجر، ~~ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان» . أخرجه البخاري وروى ~~ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على يمين ~~صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان» . ~~متفق عليه. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الكندي «لئن حلف على ~~ماله ليأكله ظلما، ليلقين الله وهو عنه معرض» . وهو حديث حسن صحيح. وقد روي ~~في حديث: أن يمين الغموس تذر الديار بلاقع. ويستحب للحاكم أن يخوف المدعى ~~عليه من اليمين الفاجرة، ويقرأ عليه الآية والأخبار. # PageV10P209 ### | [فصل حكم اليمين إذا ادعي عليه دين وهو معسر به] # (8438) فصل: ومن ادعي عليه دين وهو معسر به، لم يحل له أن يحلف أنه لا حق ~~له علي. وبهذا قال المزني. وقال أبو ثور: له ذلك؛ لأن الله تعالى قال: {وإن ~~كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] . ولأنه لا يستحق مطالبته به ~~في الحال، ولا يجب عليه أداؤه إليه. ولنا، أن الدين في ذمته، وهو حق له ~~عليه، ولو لم يكن عليه حق، لم يجب إنظاره به. ### | [فصل يمين الحالف على حسب جوابه] # (8439) فصل: ويمين الحالف على حسب جوابه، فإذا ادعى عليه أنه غصبه، أو ~~استودعه وديعة، أو اقترض منه، نظرنا في جواب المدعى عليه؛ فإن قال: ما ~~غصبتك، ولا استودعتني، ولا أقرضتني. كلف أن يحلف على ذلك. فإن قال: مالك ~~علي حق، أو لا تستحق علي شيئا، أو لا تستحق علي ما ادعيته، ولا شيئا منه. ~~كان جوابا صحيحا. ولا يكلف الجواب ms5716 عن الغصب الوديعة والقرض؛ لأنه يجوز أن ~~يكون غصب منه ثم رده عليه، فلو كلف فجحد ذلك كان كاذبا، وإن أقر به، ثم ~~ادعى الرد، لم يقبل منه، فإذا طلب منه اليمين، حلف على حسب ما أجاب. # ولو ادعى أنني ابتعت منك الدار التي في يدك، فأنكره، وطلب يمينه، نظرنا ~~في جوابه؛ فإن أجاب بأنك لا تستحقها. حلف على ذلك، ولم يلزمه أن يحلف أنه ~~ما ابتاعها؛ لأنه قد يبتاعها منه ثم يردها عليه. وإن أجاب بأنك لم تبتعها ~~مني. حلف على ذلك. # قال أحمد في رجل ادعى على رجل أنه أودعه، فأنكره، هل يحلف: ما أودعتني؟ ~~قال: إذا حلف: مالك عندي شيء، ولا لك في يدي شيء. فهو يأتي على ذلك. وهذا ~~يدل على أنه لا يلزمه الحلف على حسب الجواب، وأنه متى حلف: مالك قبلي حق. ~~برئ بذلك. ولأصحاب الشافعي وجهان، كهذين. ### | [فصل هل تدخل اليمين النيابة] # (8440) فصل: ولا تدخل اليمين النيابة، ولا يحلف أحد عن غيره، فلو كان ~~المدعى عليه صغيرا أو مجنونا، لم يحلف عنه ووقف الأمر حتى يبلغ الصبي ويعقل ~~المجنون، ولم يحلف عنه وليه. ولو ادعى الأب لابنه الصغير حقا، أو ادعاه ~~الوصي أو الأمين له، فأنكر المدعى عليه، فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل قضي ~~عليه. # ومن لم ير القضاء بالنكول، ورأى رد اليمين على المدعي؛ لم يحلف الولي ~~عنهما، ولكن تقف اليمين، ويكتب الحاكم محضرا بنكول المدعى عليه. وإن ادعى ~~على العبد دعوى، نظرت؛ فإن كانت مما يقبل قول العبد فيها على نفسه، ~~كالقصاص، والطلاق، والقذف، فالخصومة معه دون سيده. # PageV10P210 # فإن قلنا: إن اليمين تشرع في هذا. أحلف العبد دون سيده، وإن نكل لم يحلف ~~غيره، وإن كان مما لا يقبل قول العبد فيه، كإتلاف مال، أو جناية توجب ~~المال، فالخصم السيد، واليمين عليه، ولا يحلف العبد فيها بحال. ### | [فصل نكل من توجهت عليه اليمين عنها] # (8441) فصل: وإذا نكل من توجهت عليه اليمين عنها، وقال: لي بينة أقيمها، ~~أو حساب أستثبته، لأحلف ms5717 على ما أتيقن. فذكر أبو الخطاب، أنه لا يمهل، وإن ~~لم يحلف جعل ناكلا. وقيل: لا يكون ذلك نكولا، ويمهل مدة قريبة. وإن قال: ما ~~أريد أن أحلف. أو سكت، فلم يذكر شيئا نظرنا في المدعى؛ فإن كان مالا أو ~~المقصود منه المال، قضي عليه بنكوله، ولم ترد اليمين على المدعي. نص عليه ~~أحمد فقال: أنا لا أرى رد اليمين، إن حلف المدعى عليه، وإلا دفع إليه حقه. ~~وبهذا قال أبو حنيفة. # واختار أبو الخطاب، أن له رد اليمين على المدعي، إن ردها حلف المدعي، ~~وحكم له بما ادعاه. قال وقد صوبه أحمد، فقال: ما هو ببعيد، يحلف ويستحق.: ~~هو قول أهل المدينة، روي ذلك عن علي - رضي الله عنه - وبه قال شريح، ~~والشعبي، والنخعي، وابن سيرين، ومالك في المال خاصة. وقال الشافعي في جميع ~~الدعاوى؛ لما روي عن نافع عن ابن عمر «، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رد اليمين على طالب الحق» . رواه الدارقطني؛ ولأنه إذا نكل ظهر صدق المدعي، ~~وقوي جانبه، فتشرع اليمين في حقه، كالمدعى عليه قبل نكوله، وكالمدعي إذا ~~شهد له شاهد واحد، ولأن النكول قد يكون لجهله بالحال، وتورعه عن الحلف على ~~ما لا يتحققه، أو للخوف من عاقبة اليمين، أو ترفعا عنها، مع علمه بصدقه في ~~إنكاره، ولا يتعين بنكوله صدق المدعي، فلا يجوز الحكم له من غير دليل، فإذا ~~حلف كانت يمينه دليلا عند عدم ما هو أقوى منها، كما في موضع الوفاق. وقال ~~ابن أبي ليلى: لا أدعه حتى يقر أو يحلف. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن اليمين على جانب المدعى ~~عليه» . فحصرها في جانب المدعى عليه. وقوله: «البينة على المدعي، واليمين ~~على المدعى عليه» . فجعل جنس اليمين في جنب المدعى عليه، كما جعل جنس ~~البينة في جنبة المدعي. وقال أحمد: قدم ابن عمر إلى عثمان في عبد له، فقال ~~له: احلف أنك ما بعته وبه عيب علمته. فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد العبد ~~عليه، ولم يرد ms5718 اليمين على المدعي. # ولأنها بينة في المال، فحكم فيها بالنكول، كما لو مات من لا وارث له، ~~فوجد الإمام في دفتره دينا له على إنسان، فطالبه به، فأنكره، وطلب منه ~~اليمين، فأنكره، فإنه لا خلاف أن اليمين لا ترد. وقد ذكر أصحاب الشافعي في ~~هذا، أنه يقضى بالنكول، في أحد الوجهين، وفي الآخر، يحبس المدعى عليه، حتى ~~يقر، أو يحلف. وكذلك لو ادعى رجل على ميت أنه وصى إليه # PageV10P211 # بتفريق ثلثه، وأنكر الورثة، ونكلوا عن اليمين، قضي عليهم. # والخبر لا تعرف صحته، ومخالفة ابن عمر له في القصة التي ذكرناها، يدل على ~~ضعفه، فإنه لم يرد اليمين على المدعي، ولا ردها عثمان. فعلى هذا، إذا نكل ~~عن اليمين، قال له الحاكم: إن حلفت، وإلا قضيت عليك. ثلاثا، فإن حلف وإلا ~~قضى عليه. وعلى القول الآخر، يقول له: لك رد اليمين على المدعي. فإن ردها، ~~حلف، وقضي له، وإن نكل عن اليمين، سئل عن سبب نكوله، فإن قال: لي بينة ~~أقيمها، أو حساب أستثبته، لأحلف على ما أتيقنه. أخرت الحكومة. وإن قال: ما ~~أريد أن أحلف. سقط حقه من اليمين، فلو بذلها في ذلك المجلس بعد هذا، لم ~~تسمع منه، إلى أن يعود في مجلس آخر. # فإن قيل: فالمدعى عليه لو امتنع من اليمين، ثم بذلها، سمعت منه، فلم ~~منعتم سماعها هاهنا؟ قلنا: اليمين في حق المدعى عليه هي الأصل، فمتى قدر ~~عليها، أو بذلها، وجب قبولها، والمصير إليها، كالمبدلات مع أبدالها، وأما ~~يمين المدعي، فهي بدل، فإذا امتنع منها، لم ينتقل الحق إلى غيره، فإذا ~~امتنع منها، سقط حقه منها؛ لضعفها. # وأما إذا حلف، وقضي له، فعاد المدعى عليه، وبذل اليمين، لم يسمع منه، ~~وهكذا لو بذلها بعد الحكم عليه بنكوله، لم يسمع؛ لأن الحكم قد تم، فلا ~~ينقض، كما لو قامت به بينة. فأما غير المال، وما لا يقصد به المال، فلا ~~يقضى فيه بالنكول. نص عليه أحمد في القصاص. ونقل عنه، في رجل ادعى على رجل ~~أنه قذفه، ms5719 فقال: استحلفوه، فإن قال: لا أحلف. أقيم عليه. قال أبو بكر: هذا ~~قول قديم، والمذهب أنه لا يقضي في شيء من هذا بالنكول، ولا فرق بين القصاص ~~في النفس، والقصاص في الطرف. # وبهذا قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: يقضي بالنكول في القصاص فيما ~~دون النفس. وعن أحمد مثله. والأول هو المذهب؛ لأن هذا أحد نوعي القصاص، ~~فأشبه النوع الآخر. فعلى هذا، ما يصنع به؟ فيه وجهان؛ أحدهما، يخلى سبيله؛ ~~لأنه لم يثبت عليه حجة، وتكون فائدة شرعية اليمين الردع والزجر. والثاني، ~~يحبس حتى يقر أو يحلف. وأصل الوجهين المرأة إذا نكلت عن اللعان. ### | [فصل حلف فقال إن شاء الله تعالى] # (8442) فصل: وإذا حلف، فقال: إن شاء الله تعالى. أعيدت عليه اليمين؛ لأن ~~الاستثناء يزيل حكم اليمين. وكذلك إن وصل يمينه بشرط أو كلام غير مفهوم. ~~وإن حلف قبل أن يستحلفه الحاكم، أعيدت عليه، ولم يعتد بما حلف قبل ~~الاستحلاف. وكذلك إن استحلفه الحاكم قبل أن يسأله المدعي استحلافه، لم يعتد ~~بها. ### | [فصل ادعى على رجل دينا أوحقا فقال قد أبرأتني منه أو استوفيته مني] # (8443) فصل: ولو ادعى على رجل دينا، أو حقا، فقال: قد أبرأتني منه، أو ~~استوفيته مني. فالقول قول من ينكر # PageV10P212 # الإبراء والاستيفاء مع يمينه، ويكفيه أن يحلف بالله أن هذا الحق - ويسميه ~~تسمية يصير بها معلوما - ما برئت ذمتك منه، ولا من شيء منه، أو ما برئت ~~ذمتك من ذلك الحق، ولا من شيء منه. وإن ادعى استيفاءه، أو البراءة بجهة ~~معلومة، حلف على تلك الجهة وحدها، وكفاه. ### | [فصل اليمين في الحقوق على ضربين] # (8444) فصل: والحقوق على ضربين؛ أحدهما، ما هو حق لآدمي. والثاني، ما هو ~~حق لله تعالى. فحق الآدمي ينقسم قسمين؛ أحدهما، ما هو مال، أو المقصود منه ~~المال، فهذا تشرع فيه اليمين، بلا خلاف بين أهل العلم، فإذا لم تكن للمدعي ~~بينة، حلف المدعى عليه، وبرئ. وقد ثبت هذا في قصة الحضرمي والكندي اللذين ~~اختلفا في الأرض، وعموم قول النبي - صلى الله ms5720 عليه وسلم -: «ولكن اليمين ~~على المدعى عليه» . # القسم الثاني، ما ليس بمال، ولا المقصود منه المال، وهو كل ما لا يثبت ~~إلا بشاهدين؛ كالقصاص، وحد القذف، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والعتق، ~~والنسب، والاستيلاد، والولاء، والرق، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يستحلف ~~المدعى عليه، ولا تعرض عليه اليمين. قال أحمد: لم أسمع من مضى جوزوا ~~الأيمان إلا في الأموال والعروض خاصة. # وهذا قول مالك. ونحوه قول أبي حنيفة، فإنه قال: لا يستحلف في النكاح، وما ~~يتعلق به من دعوى الرجعة والفيئة في الإيلاء، ولا في الرق وما يتعلق به من ~~الاستيلاد والولاء والنسب؛ لأن هذه الأشياء لا يدخلها البدل، وإنما تعرض ~~اليمين فيما يدخله البدل؛ فإن المدعى عليه مخير بين أن يحلف أو يسلم، ولأن ~~هذه الأشياء لا تثبت إلا بشاهدين ذكرين، فلا تعرض فيها اليمين كالحدود. ~~والرواية الثانية، يستحلف في الطلاق، والقصاص، والقذف. وقال الخرقي: إذا ~~قال: ارتجعتك. فقالت: انقضت عدتي قبل رجعتك. فالقول قولها مع يمينها. # وإذا اختلف في مضي الأربعة أشهر، فالقول قوله مع يمينه. فيخرج من هذا، ~~أنه يستحلف في كل حق لآدمي. وهذا قول الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم ~~وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» . أخرجه مسلم. وهذا عام في كل مدعى ~~عليه، وهو ظاهر في دعوى الدماء؛ لذكرها في الدعوى مع عموم الأحاديث، ولأنها ~~دعوى صحيحة في حق لآدمي، فجاز أن يحلف فيها المدعى عليه، كدعوى المال. # الضرب الثاني، حقوق الله تعالى، وهي نوعان؛ # PageV10P213 # أحدهما، الحدود، فلا تشرع فيها يمين. لا نعلم في هذا خلافا؛ لأنه لو أقر، ~~ثم رجع عن إقراره، قبل منه، وخلي من غير يمين، فلأن لا يستحلف مع عدم ~~الإقرار أولى، ولأنه يستحب ستره، والتعريض للمقر به، بالرجوع عن إقراره، ~~وللشهود بترك الشهادة والستر عليه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لهزال، في قصة ماعز: «يا هزال، لو سترته بثوبك، لكان خيرا لك» . فلا تشرع ~~فيه يمين بحال. # النوع الثاني، ms5721 الحقوق المالية، كدعوى الساعي الزكاة على رب المال، وأن ~~الحول قد تم وكمل النصاب، فقال أحمد: القول قول رب المال، من غير يمين، ولا ~~يستحلف الناس على صدقاتهم. وقال الشافعي، وأبو يوسف ومحمد: يستحلف؛ لأنها ~~دعوى مسموعة، أشبه حق الآدمي. ولنا، أنه حق لله تعالى، أشبه الحد، ولأن ذلك ~~عبادة، فلا يستحلف عليها كالصلاة. # ولو ادعى عليه، أن عليه كفارة يمين أو ظهار، أو نذر صدقة أو غيرها، ~~فالقول قوله في نفي ذلك من غير يمين، ولا تسمع الدعوى في هذا، ولا في حد ~~لله تعالى؛ لأنه لا حق للمدعي فيه، ولا ولاية له عليه، فلا تسمع منه دعواه ~~حقا لغيره من غير إذنه، ولا ولاية له عليه. فإن تضمنت دعواه حقا له، مثل أن ~~يدعي سرقة ماله، ليضمن السارق، أو يأخذ منه ما سرقه، أو يدعي عليه الزنى ~~بجاريته؛ ليأخذ مهرها منه، سمعت دعواه، ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمي، ~~دون حق الله تعالى. ### | [مسألة من شرط صحة الشهادة على الزنى] # (8445) مسألة؛ قال: (وإذا شهد من الأربعة اثنان، أن هذا زنى بها في هذا ~~البيت، وشهد الآخران أنه زنى بها في البيت الآخر، فالأربعة قذفة، وعليهم ~~الحد) . وجملته، أن من شرط صحة الشهادة على الزنى، اجتماع الشهود الأربعة ~~على فعل واحد، فإن لم يجتمعوا، لم تكمل الشهادة، وكان الجميع قذفة، وعليهم ~~الحد، فإذا شهد اثنان أنه زنى بها في هذا البيت، واثنان أنه زنى بها في بيت ~~آخر، فما اجتمعوا على الشهادة بزنى واحد؛ لأن الزنى في هذا البيت غير الزنى ~~في الآخر، فلم تكمل شهادتهم، ويحدون حد القذف. وبهذا قال مالك، والشافعي في ~~أحد قوليه. # وقال أبو بكر: تكمل شهادتهم، ويحد المشهود عليه. واستبعده أبو الخطاب، ~~وقال: هذا سهو من الناقل؛ لأنه يخالف الأصول والإجماع، والحد يدرأ ~~بالشبهات، فكيف يجب بها، وقال النخعي، وأصحاب الرأي وأبو ثور، والشافعي في ~~قول: لا حد على الشهود؛ لأنهم كملوا أربعة، ولا على المشهود عليه؛ لأنهم لم ~~يشهدوا بزنى واحد يجب الحد به. ms5722 # ولنا، أنهم لم يشهدوا بزنى واحد، فلزمهم الحد، كما لو شهد اثنان أنه زنى ~~بامرأة، واثنان أنه زنى بغيرها، # PageV10P214 # ولأنه لا يخلو من أن تكون شهادتهم بزنى واحد أو باثنين، فإن كانت بفعل ~~واحد، مثل أن يعين الجميع وقتا واحدا، لا يمكن زناه فيه في الموضعين، ~~فاثنان منهم كاذبان يقينا، واثنان منهم لو خلوا عن المعارضة لشهادتهم، ~~لكانا قاذفين، فمع التعارض أولى. وإن كانت شهادتهم بفعلين، كانوا قذفة، كما ~~لو عينوا في شهادتهم أنه زنى مرة أخرى. وما ذكروه يبطل بالأصل الذي ذكرناه. ### | [فصل يشهد اثنان أنه زنى بامرأة وآخران أنه زنى بأخرى] # (8446) فصل: وكذلك كل شهادة على فعلين، مثل أن يشهد اثنان أنه زنى ~~بامرأة، وآخران أنه زنى بأخرى، أو يشهدان أنه زنى بها في يوم، وآخران أنه ~~زنى بها في آخر، أو يشهدان أنه زنى بها ليلا، وآخران أنه زنى بها نهارا، أو ~~يشهدان أنه زنى بها غدوة، ويشهد آخران أنه زنى بها عشيا، وأشباه هذا، فإنهم ~~قذفة في هذه المواضع، وعليهم الحد؛ لما ذكرناه. # فإن شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية بيت، وشهد آخران أنه زنى بها في ~~زاوية منه أخرى، وكانتا متباعدتين، فالحكم فيه كما ذكرنا. وقال أبو حنيفة: ~~تقبل شهادتهم، ويحد المشهود عليه استحسانا. وهو قول أبي بكر. ولنا، أنهما ~~مكانان لا يمكن وقوع الفعل الواحد فيهما، ولا يصح نسبته إليهما، فأشبها ~~البيتين. وأما إن كانتا متقاربتين، تمكن نسبته إلى كل واحدة منهما، لقربه ~~منها، كملت الشهادة؛ لإمكان صدقهم في نسبته إلى الزاويتين جميعا. ### | [فصل كانت الشهادة على فعل فاختلف الشاهدان في زمنه أو مكانه] # (8447) فصل: ومتى كانت الشهادة على فعل، فاختلف الشاهدان في زمنه أو ~~مكانه، أو صفة له تدل على تغاير الفعلين، لم تكمل شهادتهما، مثل أن يشهد ~~أحدهما أنه غصبه دينارا يوم السبت، ويشهد الآخر أنه غصبه دينارا يوم ~~الجمعة، أو يشهد أحدهما أنه غصبه بدمشق، ويشهد الآخر أنه غصبه بمصر، أو ~~يشهد أحدهما أنه غصبه دينارا، ويشهد الآخر أنه غصبه ms5723 ثوبا، فلا تكمل ~~الشهادة؛ لأن كل فعل لم يشهد به شاهدان. وهكذا إن اختلفا في زمن القتل، أو ~~مكانه، أو صفته، أو في شرب الخمر، أو القذف، لم تكمل الشهادة؛ لأن ما شهد ~~به أحد الشاهدين غير الذي شهد به الآخر، فلم يشهد بكل واحد من الفعلين إلا ~~شاهد واحد، فلم يقبل إلا على قول أبي بكر، فإن هذه الشهادة لم تكمل. # ويثبت المشهود به إذا اختلفا في الزمان والمكان، فأما إن اختلفا في صفة ~~الفعل فشهد أحدهما أنه سرق مع الزوال كيسا أبيض، وشهد آخر أنه سرق مع ~~الزوال كيسا أسود، أو شهد أحدهما أنه سرق هذا الكيس غدوة، وشهد الآخر أنه ~~سرقه عشيا، لم تكمل الشهادة. ذكره ابن حامد. وقال أبو بكر: تكمل. والأول ~~أصح؛ لأن كل فعل لم يشهد به إلا واحد على ما قدمناه. # PageV10P215 # وإن اختلفا في صفة المشهود به اختلافا يوجب تغايرهما، مثل أن يشهد أحدهما ~~بثوب والآخر بدينار، فلا خلاف في أن الشهادة لا تكمل؛ لأنه لا يمكن ~~إيجابهما جميعا؛ لأنه يكون إيجابا بالحق عليه بشهادة واحد، ولا إيجاب ~~أحدهما بعينه؛ لأن الآخر لم يشهد به، وليس أحدهما أولى من الآخر. # فأما إن شهد بكل فعل شاهدان، واختلفا في الزمان، أو المكان، أو الصفة، ~~ثبتا جميعا؛ لأن كل واحد منهما قد شهدت به بينة عادلة، لو انفردت أثبتت ~~الحق، وشهادة الأخرى لا تعارضها؛ لإمكان الجمع بينهما، إلا أن يكون الفعل ~~مما لا يمكن تكرره، كقتل رجل بعينه، فتتعارض البينتان، لعلمنا أن إحداهما ~~كاذبة، ولا نعلم أيتهما هي، بخلاف ما يتكرر ويمكن صدق البينتين فيه، فإنهما ~~جميعا يثبتان إن ادعاهما، وإن لم يدع إلا إحداهما، ثبت له ما ادعاه دون ما ~~لم يدعه. وإن شهد اثنان أنه سرق مع الزوال كيسا أسود، وشهد آخران أنه سرق ~~مع الزوال كيسا أبيض، أو شهد اثنان أنه سرق هذا الكيس غدوة، وشهد آخران أنه ~~سرقه عشيا، فقال القاضي: يتعارضان. # وهو مذهب الشافعي. كما لو كان المشهود به قتلا. ms5724 والصحيح أن هذا لا تعارض ~~فيه، لأنه يمكن صدق البينتين، بأن يسرق عند الزوال كيسين أبيض وأسود، فتشهد ~~كل بينة بأحدهما، ويمكن أن يسرق كيسا غدوة ثم يعود إلى صاحبه أو غيره، ~~فيسرقه عشيا، ومع إمكان الجمع لا تعارض. فعلى هذا، إن ادعاهما المشهود له، ~~ثبتا له في الصورة الأولى، وأما في الصورة الثانية، فيثبت له الكيس المشهود ~~به حسب؛ فإن المشهود به وإن كان فعلين، لكنهما في محل واحد، فلا يجب أكثر ~~من ضمانه. # وإن لم يدع المشهود له إلا أحد الكيسين، ثبت له، ولم يثبت له الآخر؛ لعدم ~~دعواه إياه. وإن شهد له شاهد بسرقة كيس في يوم، وشهد آخر بسرقة كيس في يوم ~~آخر، أو شهد أحدهما في مكان، وشهد آخر بسرقة في مكان آخر، أو شهد أحدهما ~~بغصب كيس أبيض، وشهد آخر بغصب كيس أسود، فادعاهما المشهود له، فله أن يحلف ~~مع كل واحد منهما، ويحكم له به؛ لأنه مال قد شهد له به شاهد، وإن لم يدع ~~إلا أحدهما، ثبت له ما ادعاه، ولم يثبت له الآخر؛ لعدم دعواه إياه. ### | [فصل الشهادة على الإقرار] # (8448) فصل: فأما الشهادة على الإقرار، مثل أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي ~~يوم الخميس بدمشق أنه قتله، أو قذفه، أو غصبه كذا، أو أن له في ذمته كذا، ~~ويشهد آخر أنه أقر عندي بهذا يوم السبت بحمص، كملت شهادتهما. وبهذا قال أبو ~~حنيفة، والشافعي. وقال زفر: لا تكمل شهادتهما؛ لأن كل إقرار لم يشهد به إلا ~~واحد، فلم تكمل الشهادة، فأشبه الشهادة على الفعل. # ولنا، أن المقر به واحد، وقد شهد اثنان بالإقرار به، فكملت شهادتهما، كما ~~لو كان الإقرار بهما واحدا، # PageV10P216 # وفارق الشهادة على الفعل؛ فإن الشهادة فيها على فعلين مختلفين، فنظيره من ~~الإقرار أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قتله في يوم الخميس، وشهد الآخر ~~أنه أقر أنه قتله يوم الجمعة، فإن شهادتهما لا تقبل هاهنا. ويحقق ما ~~ذكرناه، أنه لا يمكن جمع الشهود لسماع الشهادة في حق ms5725 كل واحد والعادة جارية ~~بطلب الشهود في أماكنهم لا في جمعهم إلى المشهود له، فيمضي إليهم في أوقات ~~متفرقة، وأماكن مختلفة، فيشهدهم على إقراره. وإن كان الإقرار على فعلين ~~مختلفين، مثل أن يقول أحدهما: أشهد أنه أقر عندي أنه قتله يوم الخميس. # وقال الآخر أشهد أنه أقر عندي أنه قتله يوم الجمعة. أو قال أحدهما: أشهد ~~أنه أقر عندي أنه قذفه بالعربية. وقال الآخر: أشهد أنه أقر عندي أنه قذفه ~~بالعجمية. لم تكمل الشهادة؛ لأن الذي شهد به أحدهما غير الذي شهد به صاحبه، ~~فلم تكمل الشهادة، كما لو شهد أحدهما أنه أقر أنه غصبه دنانير، وشهد الآخر ~~أنه أقر أنه غصبه دراهم، لم تكمل الشهادة. وعلى قول أبي بكر، تكمل الشهادة ~~في القتل، والقذف؛ لأن القذف بالعربية أو العجمية، والقتل بالبصرة أو ~~الكوفة، ليس من المقتضي، فلا يعتبر في الشهادة، ولم يؤثر. والأول أصح. ### | [فصل شهد أحدهما أنه باع أمس وشهد الآخر أنه باع اليوم] # (8449) فصل: فإن شهد أحدهما أنه باع أمس، وشهد الآخر أنه باع اليوم، أو ~~شهد أحدهما أنه طلقها أمس، وشهد الآخر أنه طلقها اليوم، فقال أصحابنا: تكمل ~~الشهادة. وقال الشافعي. لا تكمل؛ لأن كل واحد من البيع والطلاق لم يشهد به ~~إلا واحد أشبه ما لو شهد بالغصب في وقتين. ووجه قول أصحابنا، أن المشهود به ~~شيء واحد يجوز أن يعاد مرة بعد أخرى، ويكون واحدا، فاختلافهما في الوقت ليس ~~باختلاف فيه فلم يؤثر، كما لو شهد أحدهما بالعربية والآخر بالفارسية. ### | [فصل الحكم في كل شهادة على قول] # فصل: وكذلك الحكم في كل شهادة على قول، فالحكم فيه كالحكم في البيع إلا ~~النكاح فإنه كالفعل الواحد. فإذا شهد أحدهما أنه تزوجها أمس، وشهد الآخر ~~أنه تزوجها اليوم، لم تكمل الشهادة، في قولهم جميعا؛ لأن النكاح أمس غير ~~النكاح اليوم، فلم يشهد بكل واحد من العقدين إلا شاهد واحد، فلم يثبت، كما ~~لو كانت الشهادة على فعل، وكذلك القذف، فإنه لا تكمل الشهادة إلا أن يشهدا ms5726 ~~على قذف واحد. ### | [فصل شهد أحدهما أنه غصب هذا العبد وشهد الآخر أنه أقر بغصبه منه] # (8451) فصل: فإن شهد أحدهما أنه غصب هذا العبد وشهد الآخر أنه أقر بغصبه ~~منه، كملت الشهادة، وحكم بها؛ لأنه يجوز أن يكون الغصب الذي أقر به هو الذي ~~شهد الشاهد به، فلم يختلف الفعل، وكملت الشهادة، كما لو # PageV10P217 # شهدا في وقتين على إقراره بالغصب. وقال القاضي: لا تكمل الشهادة، يحكم ~~بها. وهو قول الشافعي؛ لأنه يجوز أن يكون ما أقر به غير ما شهد به الشاهد. ~~وهذا يبطل بالشهادة على إقرارين؛ فإنه يجوز أن يكون ما أقر به عند أحد ~~الشاهدين غير ما أقر به عند الآخر، إذا كانا في وقتين مختلفين، ولأنه إذا ~~أمكن جعل الشهادة على واحد، لم تحمل على اثنين، كالإقرارين، وكما لو شهد ~~بالغصب اثنان، وشهد على الإقرار به اثنان. وإن شهد أحدهما أنه غصب هذا ~~العبد من زيد، أو أنه أقر بغصبه منه، وشهد الآخر أنه ملك زيد، لم تكمل ~~شهادتهما؛ لأنهما لم يشهدا على شيء واحد. # وإن شهد أنه أخذه من يديه، ألزمه الحاكم رده إلى يديه؛ لأن اليد دليل ~~الملك، فترد إلى يده، لتكون دلالتها ثابتة له. قال مهنا: سألت أبا عبد ~~الله، عن رجل ادعى دارا في يد رجل، وأقام شاهدين، شهد أحدهما أن هذه الدار ~~لفلان، وقال الآخر: أشهد أن هذه الدار دار فلان. قال: شهادتهما جائزة. ### | [فصل ومن شهد بالنكاح فلا بد من ذكر شروطه] # (8452) فصل: ومن شهد بالنكاح، فلا بد من ذكر شروطه؛ لأن الناس يختلفون في ~~شروطه، فيجب ذكرها، لئلا يكون الشاهد يعتقد أن النكاح صحيح، وهو فاسد. وإن ~~شهد بعقد سواه؛ كالبيع، والإجارة، فهل يشترط ذكر شروطه؟ على روايتين؛ ~~إحداهما، يشترط ذكرها؛ لأن الناس يختلفون في شروطه، فاشتراط ذكرها كالنكاح. # والثانية، لا يشترط ذكر شروطه؛ لأنه لا يشترط ذكرها في الدعوى، فكذلك في ~~الشهادة به بخلاف النكاح. وإن شهد بالرضاع، فلا بد من ذكر أنه شرب من ~~ثديها، أو من لبن ms5727 حلب منه، وعدد الرضعات؛ لأن الناس يختلفون في عدد ~~الرضعات، وفي الرضاع المحرم. وإن شهد أنه ابنها من الرضاع، لم يكف؛ لاختلاف ~~الناس فيما يصير به ابنها، ولا بد من ذكر أن ذلك كان في الحولين. وإن شهد ~~بالقتل، فلا بد من وصف القتل، فيقول: جرحه فقتله، أو ضربه بكذا فقتله. ولو ~~قال: ضربه فمات. # لم يحكم بذلك؛ لجواز أن يكون مات بغير هذا. وقد روي عن شريح، أنه شهد ~~عنده رجل، فقال: أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه، فمات، فقال له شريح: فمات منه، ~~أو فقتله؟ فأعاد القول الأول، وأعاد عليه شريح سؤاله، فلم يقل: فقتله. ولا: ~~فمات منه. فقال له شريح: قم، فلا شهادة لك. رواه سعيد. ومن شهد بالزنى، فلا ~~بد من ذكر الزاني، والمزني بها، ومكان الزنى، وصفته؛ لأن اسم الزنى يطلق ~~على ما لا يوجب الحد، وقد يعتقد الشاهد ما ليس بزنى زنى، فاعتبر ذكر صفته؛ ~~ليزول الاحتمال، واعتبر ذكر المرأة؛ لئلا تكون ممن تحل له، أو له في وطئها ~~شبهة، وذكر المكان؛ لئلا تكون الشهادة منهم على فعلين. # PageV10P218 # ومن أصحابنا من قال: لا يحتاج إلى ذكر المزني بها، ولا ذكر المكان؛ لأنه ~~محل للفعل، فلم يعتبر ذكره، كالزمان. # وإن شهد بالسرقة، فلا بد من ذكر سرقة نصاب من الحرز، وذكر المسروق منه، ~~وصفة السرقة. وإن شهد بالقذف، فلا بد من ذكر المقذوف، وصفة القذف. وإن شهد ~~بمال، احتاج إلى تحريره بمثل ما ذكرنا في الدعوى. وإن ترك الشاهد ذكر شيء ~~يحتاج إلى ذكره، سأله الحاكم عنه، كما سأل شريح الشاهد الذي شهد عنده أنه ~~اتكأ عليه بمرفقه حتى مات. وإن حرر المدعي دعواه، أو حرر أحد الشاهدين ~~شهادته، وشهد بها، وقال الآخر: أشهد بمثل ذلك. أو قال حين حرر المدعي ~~دعواه: أشهد بذلك، أو بهذا. أجزأه. ### | [مسألة جاء أربعة متفرقون والحاكم جالس في مجلس حكمه] # (8453) مسألة؛ قال: (ولو جاء أربعة متفرقون، والحاكم جالس في مجلس حكمه، ~~لم يقم قبل شهادتهم. وإن جاء بعضهم بعد أن ms5728 قام الحاكم، كانوا قذفة، وعليهم ~~الحد) هذه المسألة؛ قد ذكرناها في كتاب الحدود، بما أغنى عن إعادتها هاهنا. ### | [مسألة الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم بعد أدائها] # (8454) مسألة؛ قال: (ومن حكم بشهادتهما بجرح أو قتل، ثم رجعا، فقالا: ~~عمدنا، اقتص منهما. وإن قالا: أخطأنا. غرما الدية، أو أرش الجرح) وجملة ~~الأمر أن الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم بعد أدائها، لم يخل من ثلاثة أحوال؛ ~~أحدها، أن يرجعوا قبل الحكم بها، فلا يجوز الحكم بها. في قول عامة أهل ~~العلم. # وحكي عن أبي ثور، أنه شذ عن أهل العلم، وقال: يحكم بها؛ لأن الشهادة قد ~~أديت، فلا تبطل برجوع من شهد بها، كما لو رجعا بعد الحكم. وهذا فاسد؛ لأن ~~الشهادة شرط الحكم، فإذا زالت قبله، لم يجز، كما لو فسقا؛ ولأن رجوعهما ~~يظهر به كذبهما، فلم يجز الحكم بها، كما لو شهدا بقتل رجل، ثم علم حياته، ~~ولأنه زال ظنه في أن ما شهد به حق، فلم يجز له الحكم به، كما لو تغير ~~اجتهاده، وفارق ما بعد الحكم، فإنه تم بشرطه؛ ولأن الشك لا يزيل ما حكم به، ~~كما لو تغير اجتهاده. # الحال الثاني، أن يرجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء، فينظر؛ فإن كان ~~المحكوم به عقوبة، كالحد والقصاص، لم يجز استيفاؤه؛ لأن الحدود تدرأ ~~بالشبهات، ورجوعهما من أعظم الشبهات، ولأن المحكوم # PageV10P219 # به عقوبة، ولم يتعين استحقاقها، ولا سبيل إلى جبرها، فلم يجز استيفاؤها، ~~كما لو رجعا قبل الحكم. وفارق المال؛ فإنه يمكن جبره، بإلزام الشاهدين ~~عوضه، والحد والقصاص لا ينجبر بإيجاب مثله على الشاهدين؛ لأن ذلك ليس بجبر، ~~ولا يحصل لمن وجب له منه عوض، وإنما شرع للزجر والتشفي والانتقام، لا ~~للجبر. فإن قيل: فقد قلتم: إنه إذا حكم بالقصاص، ثم فسق الشاهدان، استوفي. ~~في أحد الوجهين. # قلنا: الرجوع أعظم في الشبهة من طريان الفسق لأنهما يقران أن شهادتهما ~~زور، وأنهما كانا فاسقين حين شهدا، وحين حكم الحاكم بشهادتهما، وهذا الذي ~~طرأ فسقه لا يتحقق كون شهادته كذبا، ولا أنه ms5729 كان فاسقا حين أدى الشهادة، ~~ولا حين الحكم بها، ولهذا لو فسق بعد الاستيفاء، لم يلزمه شيء، والراجعان ~~تلزمهما غرامة ما شهدا به فافترقا. وإن كان المشهود به مالا، استوفي، ولم ~~ينقض حكمه. في قول أهل الفتيا من علماء الأمصار. # وحكي عن سعيد بن المسيب والأوزاعي، أنهما قالا: ينقض الحكم، وإن استوفي ~~الحق ثبت بشهادتهما، فإذا رجعا، زال ما ثبت به الحكم، فنقض الحكم، كما لو ~~تبين أنهما كانا كافرين. # ولنا، أن حق المشهود له وجب له، فلا يسقط بقولهما، كما لو ادعياه ~~لأنفسهما، يحقق هذا أن حق الإنسان لا يزول إلا ببينة أو إقرار، ورجوعهما ~~ليس بشهادة، ولهذا لا يفتقر إلى لفظ الشهادة، ولا هو إقرار من صاحب الحق. ~~وفارق ما إذا تبين أنهما كانا كافرين؛ لأننا تبينا أنه لم يوجد شرط الحكم، ~~وهو شهادة العدول، وفي مسألتنا لم يتبين ذلك؛ بجواز أن يكونا عدلين صادقين ~~في شهادتهما، وإنما كذبا في رجوعهما، ويفارق العقوبات، حيث لا تستوفى؛ ~~فإنها تدرأ بالشبهات. # الحال الثالث، أن يرجعا بعد الاستيفاء؛ فإنه لا يبطل الحكم، ولا يلزم ~~المشهود له شيء، سواء كان المشهود به مالا أو عقوبة؛ لأن الحكم قد تم ~~باستيفاء المحكوم به، ووصول الحق إلى مستحقه، ويرجع به على الشاهدين، ثم ~~ينظر؛ فإن كان المشهود به إتلافا في مثله القصاص، كالقتل والجرح، نظرنا في ~~رجوعهما، فإن قالا: عمدنا الشهادة عليه بالزور؛ ليقتل أو يقطع. فعليهما ~~القصاص. وبهذا قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد. # وقال أصحاب الرأي: لا قود عليهما؛ لأنهما لم يباشرا الإتلاف، فأشبها حافر ~~البئر، وناصب السكين، إذا تلف بهما شيء. ولنا، أن عليا - رضي الله عنه - ~~شهد عنده رجلان على رجل بالسرقة، فقطعه، ثم عادا، فقالا: أخطأنا، ليس هذا ~~هو السارق. فقال علي: لو علمت أنكما تعمدتما، لقطعتكما. ولا مخالف له في ~~الصحابة، فيكون إجماعا، ولأنهما تسببا إلى قتله أو قطعه، بما يفضي إليه ~~غالبا، فلزمهما القصاص، كالمكره، وفارق الحفر ونصب السكين، فإنه لا يفضي ~~إلى ms5730 القتل غالبا. # PageV10P220 # وقد ذكرنا هذه المسألة في القصاص. فأما إن قالا: عمدنا الشهادة عليه، ولا ~~نعلم أنه يقتل بهذا. وكانا ممن يجوز أن يجهلا ذلك، وجبت الدية في أموالهما ~~مغلظة؛ لأنه شبه عمد، ولم تحمله العاقلة؛ لأنه ثبت باعترافهما، والعاقلة لا ~~تحمل اعترافا. وإن قال أحدهما عمدت قتله. وقال الآخر: أخطأت. فعلى العامد ~~نصف دية مغلظة، وعلى الآخر نصف دية مخففة، ولا قصاص، في الصحيح من المذهب؛ ~~لأنه قتل عمد وخطأ. وإن قال كل واحد منهما: عمدت، وأخطأ صاحبي. احتمل أن ~~يجب القصاص عليهما؛ لاعتراف كل واحد منهما بعمد نفسه. # واحتمل وجوب الدية؛ لأن كل واحد منهما إنما اعترف بعمد شارك فيه مخطئا، ~~وهذا لا يوجب القصاص، والإنسان إنما يؤاخذ بإقراره، لا بإقرار غيره. فعلى ~~هذا، يجب عليهما دية مغلظة. وإن قال أحدهما: عمدنا جميعا. وقال الآخر: ~~عمدت، وأخطأ صاحبي. فعلى الأول القصاص، وفي الثاني وجهان، كالتي قبلها. وإن ~~قالا جميعا: أخطأنا. فعليهما الدية مخففة في أموالهما؛ لأن العاقلة لا تحمل ~~الاعتراف. وإن قال أحدهما: عمدنا معا. # وقال الآخر: أخطأنا معا. فعلى الأول القصاص، وعلى الثاني نصف دية مخففة؛ ~~لأن كلا منهما يؤاخذ بحكم إقراره. وإن قال كل واحد منهما: عمدت، ولا أدري ~~ما فعل صاحبي فعليهما القصاص؛ لإقرار كل واحد منهما بالعمد. ويحتمل أن لا ~~يجب عليهما القصاص؛ لأن إقرار كل واحد منهما لو انفرد، لم يجب عليه قصاص، ~~وإنما يؤاخذ الإنسان بإقراره، لا بإقرار صاحبه. # وإن قال أحدهما: عمدت، ولا أدري ما قصد صاحبي. سئل صاحبه، فإذا قال: ~~عمدت، ولا أدري ما قصد صاحبي فهي كالتي قبلها. وإن قال: عمدنا. فعليه ~~القصاص، وفي الأول وجهان. وإن قال: أخطأت، أو أخطأنا. فلا قصاص على واحد ~~منهما. وإن جهل حال الآخر، بأن يجن، أو يموت، أو لا يقدر عليه، فلا قصاص ~~على المقر، وعليه نصيبه من الدية المغلظة. ### | [فصل رجع أحد الشاهدين وحده] # (8455) فصل: وإن رجع أحد الشاهدين وحده، فالحكم فيه كالحكم في رجوعهما، ~~في أن الحاكم لا يحكم بشهادتهما، ms5731 إذا كان رجوعه قبل الحكم، وفي أنه لا ~~يستوفي العقوبة إذا رجع قبل استيفائها؛ لأن الشرط يختل برجوعه، كاختلاله ~~برجوعهما. وإن كان رجوعه بعد الاستيفاء، لزمه حكم إقراره وحده، فإن أقر بما ~~يوجب القصاص، وجب عليه، وإن أقر بما يوجب دية مغلظة، وجب عليه قسطه منها، ~~وإن أقر بالخطأ، وجب عليه # PageV10P221 # نصيبه من الدية المخففة. وإن كان الشهود أكثر من اثنين في الحقوق ~~المالية، أو القصاص، ونحوه، فما ثبت بشاهدين، أو أكثر من أربعة، فرجع ~~الزائد منهم قبل الحكم والاستيفاء، لم يمنع ذلك الحكم ولا الاستيفاء؛ لأن ~~ما بقي من البينة كاف في إثبات الحكم واستيفائه. وإن رجع بعد الاستيفاء، ~~فعليه القصاص إن أقر بما يوجبه، أو قسطه من الدية، أو من المفوت بشهادتهم ~~إن كان غير ذلك. وفي ذلك اختلاف سنذكره، إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة كانت شهادتهما بمال ثم رجعا بعد الحكم] # (8456) مسألة؛ قال: (وإن كانت شهادتهما بمال، غرماه، ولم يرجع به على ~~المحكوم له به، سواء كان المال قائما أو تالفا) أما كونه لا يرجع به على ~~المحكوم له به فلا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا، سوى ما حكيناه عن سعيد بن ~~المسيب والأوزاعي وقد ذكرنا الكلام معهما فيما مضى. فأما الرجوع به على ~~الشاهدين، فهو قول أكثر أهل العلم؛ منهم مالك وأصحاب الرأي، وهو قول ~~الشافعي القديم، وقال في الجديد لا يرجع عليهما بشيء، إلا أن يشهدا بعتق ~~عبد فيضمنا قيمته؛ لأنه لم يوجد منهما إتلاف للمال، ولا يد عادية عليه، فلم ~~يضمنا، كما لو ردت شهادتهما. # ولنا، أنهما أخرجا ماله من يده بغير حق، وحالا بينه وبينه، فلزمهما ~~الضمان، كما لو شهدا بعتقه، ولأنهما أزالا يد السيد عن عبده بشهادتهما ~~المرجوع عنها فأشبه ما لو شهدا بحريته؛ ولأنهما تسببا إلى إتلاف حقه ~~بشهادتهما بالزور عليه، فلزمهما الضمان، كشاهدي القصاص. يحقق هذا، أنه إذا ~~ألزمهما القصاص الذي يدرأ بالشبهات، فوجوب المال أولى. # وقولهم: إنهما ما أتلفا المال. يبطل بما إذا شهدا بعتقه، فإن الرق في ms5732 ~~الحقيقة لا يزول بشهادة الزور، وإنما حالا بين سيده وبينه، وفي موضع إتلاف ~~المال، فهما تسببا إلى تلفه، فيلزمهما ضمان ما تلف بسببهما، كشاهدي القصاص، ~~وشهود الزنى، وحافر البئر، وناصب السكين. ### | [مسألة شهدا بالعبد أو الأمة لغير مالكه] # (8457) مسألة؛ قال: (وإن كان المحكوم به عبدا أو أمة، غرما قيمته) أما ~~إذا شهدا بالعبد أو الأمة لغير مالكه، فالحكم في ذلك كالحكم في الشهادة ~~بالمال على ما ذكرنا من الخلاف فيه؛ لأنها من جملة المال. # وإن شهدا بحريتهما، ثم رجعا عن الشهادة، لزمهما غرامة قيمتها لسيدهما، ~~بغير خلاف بينهم فيه، فإن المخالف في التي قبلها هو الشافعي، وقد وافق ~~هاهنا، وهو حجة عليه فيما خالف فيه، فإن إخراج العبد عن يد سيده بالشهادة ~~بحريته، كإخراجه عنها بالشهادة به لغير مالكه، فإذا لزمه الضمان ثم، لزمه ~~هاهنا، وغرما القيمة؛ لأن العبيد من المتقومات، لا من ذوات الأمثال. # PageV10P222 ### | [فصل شهدا بطلاق امرأة تبين به فحكم الحاكم بالفرقة ثم رجعا عن الشهادة] # (8458) فصل: وإن شهدا بطلاق امرأة تبين به، فحكم الحاكم بالفرقة، ثم رجعا ~~عن الشهادة، وكان قبل الدخول، فالواجب عليهما نصف المسمى. وبهذا قال أبو ~~حنيفة وقال الشافعي، في أحد قوليه: يجب مهر المثل؛ لأنهما أتلفا عليه ~~البضع، فلزمهما عوضه، وهو مهر المثل. وفي القول الآخر، لزمهما نصف مهر ~~المثل؛ لأنه إنما ملك نصف البضع، بدليل أنه إنما يجب عليه نصف المهر. ولنا ~~أن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم؛ بدليل ما لو أخرجته من ملكه بردتها، ~~أو إسلامها، أو قتلها نفسها، فإنها لا تضمن شيئا. ولو فسخت نكاحها قبل ~~الدخول، برضاع من ينفسخ به نكاحها، لم يغرم شيئا، وإنما وجب عليهما نصف ~~المسمى؛ لأنهما ألزماه للزوج بشهادتهما، وقراره عليه، فرجع عليهما، كما ~~يرجع به على من فسخ نكاحه برضاع أو غيره. # وقوله: إنه ملك نصف البضع. غير صحيح؛ فإن البضع لا يجوز تمليك نصفه، ولأن ~~العقد ورد على جميعه، والصداق واجب جميعه، ولهذا تملكه المرأة إذا قبضته، ~~ونماؤه لها، وتملك طلبه ms5733 إذا لم تقبضه، وإنما يسقط نصفه بالطلاق. وأما إن ~~كان الحكم بالفرقة بعد الدخول، فلا ضمان عليهما. وبه قال أبو حنيفة وعن ~~أحمد، رواية أخرى، عليهما ضمان المسمى في الصداق؛ لأنهما فوتا عليه نكاحا ~~وجب عليه به عوض، فكان عليهما ضمان ما وجب به كما لو شهدا بذلك قبل الدخول. ~~وقال الشافعي: يلزمهما له مهر المثل؛ لأنهما أتلفا البضع عليه. وقد سبق ~~الكلام معه في هذا، ولا يصح القياس على ما قبل الدخول؛ لأنهما قررا عليه ~~نصف المسمى، وكان بعرض السقوط، وها هنا قد تقرر المهر كله بالدخول، فلم ~~يقررا عليه شيئا ولم يخرجا من ملكه متقوما، فأشبه ما لو أخرجاه من ملكه ~~بقتلها، أو أخرجته هي بردتها. ### | [فصل شهدا على امرأة بنكاح فحكم به الحاكم ثم رجعا] # فصل: وإن شهدا على امرأة بنكاح، فحكم به الحاكم، ثم رجعا، نظرت؛ فإن ~~طلقها الزوج قبل دخوله بها، لم يغرما شيئا؛ لأنهما لم يفوتا عليها شيئا. ~~وإن دخل بها، وكان الصداق المسمى بقدر مهر المثل، أو أكثر منه، ووصل إليها، ~~فلا شيء عليهما؛ لأنها أخذت عوض ما فوتاه عليها، وإن كان دونه، فعليهما ما ~~بينهما، وإن لم يصل إليهما، فعليهما ضمان مهر مثلها؛ لأنه عوض ما فوتاه ~~عليها. ### | [فصل شهدا بكتابة عبده ثم رجعا] # (8460) فصل: وإن شهدا بكتابة عبده، ثم رجعا، نظرت؛ فإن عجز، ورد في الرق، ~~فلا شيء عليهما. وإن أدى، وعتق، # PageV10P223 # فعليهما ضمان جميعه؛ لأنهما فوتاه عليه بشهادتهما، ويحتمل أن يلزمهما ما ~~بين قيمته وما قبضه من كتابته. والأول أولى؛ لأن ما قبضه من كسب عبده، فلا ~~يحسب عليه، وإن أراد تغريمهما بشهادتهما، ويحتمل أن يلزمهما قبل انكشاف ~~الحال؛ فينبغي أن يغرمهما ما بين قيمته سليما ومكاتبا. وإن شهدا باستيلاد ~~أمته، ثم رجعا، فينبغي أن يرجع عليهما بما نقصتها الشهادة من قيمتها. وإن ~~عتقت بموته، رجع الورثة بما بقي من قيمتها. ### | [فصل شهد بشهادة ثم رجع وقد أتلف مالا] # (8461) فصل: وكل موضع وجب الضمان على الشهود بالرجوع، وجب أن يوزع ms5734 بينهم ~~على عددهم، قلوا أو كثروا. قال أحمد، في رواية إسحاق بن منصور: إذا شهد ~~بشهادة، ثم رجع وقد أتلف مالا، فإنه ضامن بقدر ما كانوا في الشهادة، فإن ~~كانوا اثنين، فعليه النصف، وإن كانوا ثلاثة، فعليه الثلث. وعلى هذا لو ~~كانوا عشرة، فعليه العشر، وسواء رجع وحده، أو رجعوا جميعا، وسواء رجع ~~الزائد عن القدر الكافي في الشهادة، أو من ليس بزائد، فلو شهد أربعة ~~بالقصاص، فرجع واحد منهم، وقال: عمدنا قتله. فعليه القصاص. # وإن قال: أخطأنا فعليه ربع الدية. وإن رجع اثنان، فعليهما القصاص أو نصف ~~الدية. وإن شهد ستة بالزنى على محصن، فرجم بشهادتهم، ثم رجع واحد، فعليه ~~القصاص، أو سدس الدية. وإن رجع اثنان، فعليهما القصاص أو ثلث الدية. وبهذا ~~قال أبو عبيد وقال أبو حنيفة: إن رجع واحد أو اثنان، فلا شيء عليهما؛ لأن ~~بينة الزنى قائمة، فدمه غير محقون. وإن رجع ثلاثة، فعليهم ربع الدية. وإن ~~رجع أربعة، فعليهم نصف الدية. وإن رجع خمسة، فعليهم ثلاثة أرباعها. وإن رجع ~~الستة، فعلى كل واحد منهم سدسها. ومنصوص الشافعي فيما إذا رجع اثنان، كمذهب ~~أبي حنيفة. واختلف أصحابه فيما إذا شهد بالقصاص ثلاثة، فرجع أحدهم، فقال ~~أبو إسحاق: لا قصاص عليه؛ لأن بينة القصاص قائمة، وهل يجب عليه ثلث الدية؟ ~~على وجهين. وقال ابن الحداد: عليه القصاص. وفرق بينه وبين الراجع من شهود ~~الزنى إذا كان زائدا، فإن دم المشهود عليه بالزنى غير محقون، وهذا دمه ~~محقون. # وإنما أبيح دمه لولي القصاص وحده. واختلفوا فيما إذا شهد بالمال ثلاثة، ~~فرجع أحدهم، على وجهين؛ أحدهما، يضمن الثلث. والثاني، لا شيء عليه. ولنا، ~~أن الإتلاف حصل بشهادتهم، فالراجع مقر بالمشاركة فيه عمدا عدوانا لمن هو ~~مثله في ذلك، فلزمه القصاص، كما لو أقر بمشاركتهم في مباشرة قتله، ولأنه ~~أحد من قتل المشهود عليه بشهادته، فأشبه الثاني من شهود القصاص، والرابع من ~~شهود الزنى، ولأنه أحد من حصل الإتلاف بشهادته، فلزمه من الضمان # PageV10P224 # بقسطه، كما لو رجع الجميع، ولأن ms5735 ما تضمنه كل واحد مع اتفاقهم على الرجوع، ~~يضمنه إذا انفرد بالرجوع، كما لو كانوا أربعة. # وقولهم: إن دمه غير محقون. غير صحيح؛ فإن الكلام فيما إذا قتل، ولم يبق ~~له دم يوصف بحقن ولا عدمه، وقيام الشهادة لا يمنع وجوب القصاص، كما لو شهدت ~~لرجل باستحقاق القصاص، فاستوفاه، ثم أقر بأنه قتله ظلما، وأن الشهود شهدوا ~~بالزور، والتفريق بين القصاص والرجم بكون دم القاتل غير محقون، لا يصح؛ ~~لأنه غير محقون بالنسبة إلى من قتله، ولأن كل واحد مؤاخذ بإقراره. ولا ~~يعتبر قول شريكه، ولهذا لو أقر أحد الشريكين بعمدهما، وقال الآخر: أخطأنا. ~~وجب القصاص على المقر بالعمد. ### | [فصل حكم الحاكم في المال بشهادة رجل وامرأتين ثم رجعوا عن الشهادة] # (8462) فصل: وإذا حكم الحاكم في المال بشهادة رجل وامرأتين، ثم رجعوا عن ~~الشهادة، توزع الضمان عليهم على الرجل نصفه، وعلى كل امرأة ربعه. إن رجع ~~أحدهم وحده، فعليه من الضمان حصته. وإن كان الشهود رجلا وعشر نسوة، فرجعوا، ~~فعلى الرجل السدس، وعلى كل امرأة نصف السدس. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي؛ ~~لأن كل امرأتين كرجل، فالعشر كخمسة رجال. ويحتمل أن يجب عليهن النصف، وعلى ~~الرجل النصف. وبهذا قال أبو يوسف ومحمد؛ لأن الرجل نصف البينة، بدليل أنه ~~لو رجع وحده بعد الحكم، كان كرجوعهن كلهن، فيكون الرجل حزبا والنساء حزبا. ~~فإن رجع بعض النسوة وحده، أو الرجل، فعلى الراجع مثل ما عليه إذا رجع ~~الجميع. وعند أبي حنيفة وأصحابه، متى رجع من النسوة ما زاد على اثنين، فليس ~~على الراجعات شيء، وقد مضى الكلام معهم في هذا. ### | [فصل شهد أربعة بأربعمائة فحكم الحاكم بها ثم رجع واحد] # (8463) فصل: وإذا شهد أربعة بأربعمائة، فحكم الحاكم بها، ثم رجع واحد عن ~~مائة، وآخر عن مائتين، والثالث عن ثلاثمائة، والرابع عن أربعمائة، فعلى كل ~~واحد مما رجع عنه بقسطه؛ فعلى الأول خمسة وعشرون، وعلى الثاني خمسون، وعلى ~~الثالث: خمسة وسبعون، وعلى الرابع: مائة؛ لأن كل واحد منهم مقر بأنه فوت ~~على المشهود ms5736 عليه ربع ما رجع عنه. ويقتضي مذهب أبي حنيفة، أن لا يلزم ~~الراجع عن الثلاثمائة والأربعمائة أكثر من خمسين خمسين؛ لأن المائتين لا ~~تلزم الراجع عن الثلاثمائة لأن المائتين التي رجعا عنهما قد بقي بها ~~شاهدان. ### | [فصل شهد أربعة بالزنى واثنان بالإحصان فرجم ثم رجعوا عن الشهادة] # (8464) فصل: وإذا شهد أربعة بالزنى، واثنان بالإحصان، فرجم، ثم رجعوا عن ~~الشهادة، فالضمان على جميعهم. وقال # PageV10P225 # أبو حنيفة: لا ضمان على شهود الإحصان؛ لأنهم شهدوا بالشرط دون السبب ~~الموجب للقتل، وإنما يثبت ذلك بشهادة الزنى. ولأصحاب الشافعي وجهان، ~~كالمذهبين. ولنا، أن قتله حصل بمجموع الشهادتين، فتجب الغرامة على الجميع، ~~كما لو شهدوا جميعهم بالزنى. # وفي كيفية الضمان وجهان؛ أحدهما، يوزع عليهم على عدد رءوسهم، كشهود ~~الزنى؛ لأن القتل حصل من جميعهم. والثاني، على شهود الزنى النصف، وعلى شهود ~~الإحصان النصف؛ لأنهم حزبان، فلكل حزب نصف. فإن شهد أربعة بالزنى واثنان ~~منهم بالإحصان، ثم رجعوا، فعلى الوجه الأول، على شاهدي الإحصان الثلثان، ~~وعلى الآخرين الثلث؛ لأن على شاهدي الإحصان الثلث، لشهادتهما به، والثلث ~~لشهادتهما بالزنى، وعلى الآخرين الثلث؛ لشهادتهما بالزنى وحده. وعلى الوجه ~~الثاني، على شهود الإحصان ثلاثة أرباع الدية؛ لأن عليهما النصف لشهادتهما ~~بالإحصان، ونصف الباقي لشهادتهما بالزنى. # ويحتمل أن لا يجب على شاهدي الإحصان إلا النصف؛ لأن كل واحد منهما جنى ~~جنايتين، وجنى كل واحد من الآخرين جناية واحدة، فكانت الدية بينهم على عدد ~~رءوسهم، لا على عدد جناياتهم، كما لو قتل اثنان واحدا، جرحه أحدهما جرحا، ~~والآخر جرحين. ### | [فصل شهد شاهدان أنه أعتق هذا العبد على ضمان مائة درهم وقيمة العبد مائتان فحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجعا] # (8465) فصل: وإذا شهد شاهدان أنه أعتق هذا العبد على ضمان مائة درهم، ~~وقيمة العبد مائتان، فحكم الحاكم بشهادتهما، ثم رجعا، رجع السيد على ~~الشاهدين بمائة؛ لأنها تمام القيمة. وكذلك لو شهدا على رجل أنه طلق زوجته ~~قبل الدخول على مائة، ونصف المسمى مائتان، غرما للزوج مائة؛ لأنهما فوتاها ~~بشهادتهما المرجوع عنها. ### | [فصل شهد رجلان ms5737 على رجل بنكاح امرأة بصداق ذكراه وشهد آخران بدخوله بها ثم رجعوا] # (8466) فصل: وإذا شهد رجلان على رجل بنكاح امرأة، بصداق ذكراه، وشهد ~~آخران بدخوله بها، ثم رجعوا بعد الحكم عليه بصداقها، فعلى شهود النكاح ~~الضمان؛ لأنهم ألزموه المسمى. ويحتمل أن يكون عليهم النصف، وعلى الآخرين ~~النصف؛ لأنهما قرراه، وشاهدا النكاح أوجباه، فقسم بين الأربعة أرباعا. وإن ~~شهد مع هذا شاهدان بالطلاق، لم يلزمهما شيء؛ لأنهما لم يفوتا عليه شيئا ~~يدعيه، ولا أوجبا عليه ما لم يكن عليه واجبا. # PageV10P226 ### | [فصل شهد شاهدا فرع على شاهدي أصل فحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجع] # (8467) فصل: وإن شهد شاهدا فرع على شاهدي. أصل، فحكم الحاكم بشهادتهما ثم ~~رجع شاهدا الفرع، فعليهما الضمان. لا أعلم بينهم في ذلك خلافا. وإن رجع ~~شاهدا الأصل وحدهما، لزمهما الضمان أيضا. وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن. ~~وحكى أبو الخطاب، عن القاضي، أنه لا ضمان عليهما. وهو قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف؛ لأن الحكم تعلق بشهادة شاهدي الفرع، بدليل أنهما جعلا شهادة شاهدي ~~الأصل شهادة، لم يلزم شاهدي الأصل ضمان، لعدم تعلق الحكم بشهادتهما. ولنا، ~~أن الحق ثبت بشهادة شاهدي الأصل؛ بدليل اعتبار عدالتهما، فإذا رجعا، ضمنا، ~~كشاهدي الفرع. ### | [فصل حكم الحاكم بشاهد ويمين فرجع الشاهد] # (8468) فصل: وإذا حكم الحاكم بشاهد ويمين، فرجع الشاهد، غرم جميع المال. ~~نص عليه أحمد، في رواية جماعة. وقال مالك والشافعي: يلزمه النصف؛ لأنه أحد ~~حجتي الدعوى، فكان عليه النصف كما لو كانا شاهدين. ولنا، أن الشاهد حجة ~~الدعوى، فكان الضمان عليه كالشاهدين. يحققه أن اليمين قول الخصم، وقول ~~الخصم ليس بحجة على خصمه، وإنما هو شرط الحكم، فجرى مجرى مطالبته الحاكم ~~بالحكم، وبهذا ينفصل عما ذكروه. # ولو سلمنا أنها حجة، لكن إنما جعلها حجة شهادة الشاهد، ولهذا لم يجز ~~تقديمها على شهادته، بخلاف شهادة الشاهد الآخر. قال أبو الخطاب: ويتخرج أن ~~لا يلزمه إلا النصف المحكوم به، إذا قلنا: ترد اليمين على المدعي. ### | [فصل رجعوا عن الشهادة بعد الحكم] # (8469) فصل: وإذا رجعوا عن ms5738 الشهادة بعد الحكم، وقالوا: عمدنا. ووجب عليهم ~~القصاص، لم يعزروا؛ لأن القصاص يغني عن تعزيرهم. وإن كان في مال، عزروا، ~~وغرموا؛ لأنهم جنوا جناية كبيرة، وارتكبوا جريمة عظيمة، وهي شهادة الزور. ~~ويحتمل أن لا يعزروا؛ لأن رجوعهم توبة منهم، فيسقط عنهم التعزير، ولأن ~~شرعية تعزيرهم تمنعهم الرجوع خوفا منه، فلا يشرع. # وإن قالوا: أخطأنا. لم يعزروا؛ لأن الله تعالى قال {وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5] . هذا إن كان قولهم يحتمل ~~الصدق في الخطإ، وإن لم يحتمله، عزروا، ولم يقبل قولهم. ### | [مسألة حكم بشهادة اثنين في قطع أو قتل وأنفذ ذلك ثم بان أنهما كافران] # (8470) مسألة؛ قال: (وإذا قطع الحاكم يد السارق، بشهادة اثنين، ثم بان ~~أنهما كافران، أو فاسقان، كانت دية اليد في بيت المال) # PageV10P227 # وجملته أن الحاكم إذا حكم بشهادة اثنين، في قطع أو قتل، وأنفذ ذلك، ثم ~~بان أنهما كافران، أو فاسقان، أو عبدان، أو أحدهما، فلا ضمان على الشاهدين؛ ~~لأنهما مقيمان على أنهما صادقان فيما شهدا به، وإنما الشرع منع قبول ~~شهادتهما، بخلاف الراجعين عن الشهادة، فإنهما اعترفا بكذبهما، ويجب الضمان ~~على الحاكم، أو الإمام الذي تولى ذلك؛ لأنه حكم بشهادة من لا يجوز له الحكم ~~بشهادته، ولا قصاص عليه؛ لأنه مخطئ، وتجب الدية، وفي محلها روايتان؛ ~~إحداهما، في بيت المال؛ لأنه نائب للمسلمين ووكيلهم، وخطأ الوكيل في حق ~~موكله عليه؛ ولأن خطأ الحاكم يكثر، لكثرة تصرفاته وحكوماته، فإيجاب ضمان ما ~~يخطئ فيه على عاقلته إجحاف به، فاقتضى ذلك التخفيف عنه، بجعله في بيت ~~المال، ولهذا المعنى حملت العاقلة دية الخطأ عن القاتل. # والرواية الثانية، هي على عاقلته مخففة مؤجلة؛ لما روي أن امرأة ذكرت عند ~~عمر بسوء، فأرسل إليها، فأجهضت ذا بطنها، فبلغ ذلك عمر، فشاور الصحابة، ~~فقال بعضهم: لا شيء عليك، إنما أنت مؤدب. وقال علي: عليك الدية. فقال عمر: ~~عزمت عليك لا تبرح حتى تقسمها على قومك. يعني قريشا؛ لأنهم عاقلة عمر، ولو ~~كانت في بيت المال، لم ms5739 يقسمها على قومه، ولأنه من خطئه، فتحمله عاقلته. ~~كخطئه في غير الحكومة. وللشافعي قولان، كالروايتين. # فإذا قلنا: إن الدية على عاقلته. لم تحمل إلا الثلث فصاعدا، ولا تحمل ~~الكفارة؛ لأن العاقلة لا تحمل الكفارة في محل الوفاق، كذا هاهنا، وتكون ~~الكفارة في ماله. وإذا قلنا: إنه في بيت المال فينبغي أن يكون فيه القليل ~~والكثير؛ لأن جعله في بيت المال لعلة أنه نائب عنهم، وخطأ النائب على ~~مستنيبه، وهذا يدخل فيما يكثر خطؤه، فجعل الضمان في ماله يجحف به وإن قل، ~~لكثرة تكرره، وسواء تولى الحاكم الاستيفاء بنفسه، أو أمر من تولاه. قال ~~أصحابنا: # PageV10P228 # وإن كان الولي استوفاه، فهو كما لو استوفاه الحاكم؛ لأن الحاكم سلطه على ~~ذلك، ومكنه منه، والولي يدعي أنه حقه. # فإن قيل: فإذا كان الولي استوفى حقه، فينبغي أن يكون الضمان عليه، كما لو ~~حكم له بمال فقبضه، ثم بان فسق شهوده، كان الضمان على المستوفي دون الحاكم، ~~كذا هاهنا. قلنا: ثم حصل في يد المستوفي مال المحكوم عليه بغير حق، فوجب ~~عليه رده أو ضمانه إن أتلف، وها هنا لم يحصل في يده شيء، وإنما أتلف شيئا ~~بخطإ الإمام وتسليطه عليه، فافترقا. ### | [فصل شهد بالزنى أربعة فزكاهم اثنان فرجم الشهود عليه ثم بان أن الشهود فسقة] # (8471) فصل: وإن شهد بالزنى أربعة، فزكاهم اثنان، فرجم المشهود عليه، ثم ~~بان أن الشهود فسقة، أو عبيد أو بعضهم، فلا ضمان على الشهود؛ لأنهم يزعمون ~~أنهم محقون، ولم يعلم كذبهم يقينا، والضمان على المزكيين. # وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال القاضي: الضمان على الحاكم؛ لأنه حكم ~~بقتله من غير تحقق شرطه، ولا ضمان على المزكيين؛ لأن شهادتهما شرط، وليست ~~الموجبة. وقال أبو الخطاب، في " رءوس المسائل ": الضمان على الشهود الذين ~~شهدوا بالزنى. ولنا، أن المزكيين شهدوا بالزور شهادة أفضت إلى قتله، ~~فلزمهما الضمان، كشهود الزنى إذا رجعوا، ولا ضمان على الحاكم؛ لأنه أمكن ~~إحالة الضمان على الشهود، فأشبه ما إذا رجعوا عن الشهادة. وقوله: إن ~~شهادتهم شرط. # لا يصح؛ ms5740 لأن من أصلنا أن شهود الإحصان يلزمهم الضمان، وإن لم يشهدوا ~~بالسبب. وقد نص عليه أحمد وقول أبي الخطاب لا يصح؛ لأن شهود الزنى لم ~~يرجعوا، ولا علم كذبهم، بخلاف المزكيين؛ فإنه تبين كذبهم، وأنهم شهدوا ~~بالزور. وأما إن تبين فسق المزكيين، فالضمان على الحاكم؛ لأن التفريط منه، ~~حيث قبل شهادة فاسق من غير تزكية ولا بحث، فيلزمه الضمان، كما لو قبل شهادة ~~شهود الزنى من غير تزكية، ثم تبين فسقهم. ### | [فصل جلد الإمام إنسانا بشهادة شهود ثم بان أنهم فسقة] # (8472) فصل: ولو جلد الإمام إنسانا بشهادة شهود، ثم بان أنهم فسقة، أو ~~كفرة، أو عبيد، فعلى الإمام ضمان ما حصل من أثر الضرب. وبهذا قال الشافعي ~~وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه. ولنا، أنها جناية صدرت عن خطأ الإمام، فكانت ~~مضمونة عليه كما لو قطعه أو قتله. ### | [فصل حكم الحاكم بمال بشهادة شاهدين ثم بان أنهما فاسقان] # (8473) فصل: ولو حكم الحاكم بمال بشهادة شاهدين، ثم بان أنهما فاسقان، أو ~~كافران، فإن الإمام ينقض حكمه، ويرد # PageV10P229 # المال إن كان قائما، وعوضه إن كان تالفا. فإن تعذر ذلك لإعساره أو غيره، ~~فعلى الحاكم ضمانه، ثم يرجع على المشهود له. وعن أحمد، رواية أخرى، لا ينقض ~~حكمه إذا كانا فاسقين، ويغرم الشهود المال، وكذلك الحكم إذا شهد عنده عدلان ~~أن الحاكم قبله بشهادة فاسقين، ففيه روايتان، " ولا يغرم الشهود المال، ~~وكذلك الحاكم إذا شهد " واختلف أصحاب الشافعي فيه أيضا. # ولا خلاف بين الجميع في أنه ينقض حكمه إذا كانا كافرين، وينقض حكم غيره ~~إذا ثبت عنده أنه حكم بشهادة كافرين، فنقيس على ذلك ما إذا حكم بشهادة ~~فاسقين، فإن شهادة الفاسقين مجمع على ردها، وقد نص الله تعالى على التبين ~~فيها، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} ~~[الحجرات: 6] . وأمر بإشهاد العدول. # وقال سبحانه: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] . واعتبر الرضى ~~بالشهداء، فقال تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] . فيجب نقض ~~الحكم لفوات العدالة، كما يجب نقضه لفوات ms5741 الإسلام؛ ولأن الفسق معنى لو ثبت ~~عند الحاكم قبل الحكم منعه، فإذا شهد شاهدان أنه كان موجودا حالة الحكم، ~~وجب نقض الحكم، كالكفر والرق في العقوبات. إذا ثبت هذا، فإن أبا حنيفة قال: ~~لا يسمع الحاكم الشهادة بفسق الشاهدين، لا قبل الحكم ولا بعده. ومتى جرح ~~المشهود عليه البينة، لم تسمع بينته بالفسق، ولكن يسأل عن الشاهدين، ولا ~~تسمع على الفسق شهادة؛ لأن الفسق لا يتعلق به حق أحد، فلا تسمع فيه الدعوى ~~والبينة. ولنا، أنه معنى يتعلق الحكم به، فسمعت فيه الدعوى والبينة، ~~كالتزكية. # وقوله: لا يتعلق به حق أحد. ممنوع؛ فإن المشهود عليه يتعلق حقه بفسقه في ~~منع الحكم عليه قبل الحكم ونقضه بعده، وتبرئته من أخذ ماله أو عقوبته بغير ~~حق، فوجب أن تسمع فيه الدعوى والبينة، كما لو ادعى رق الشاهدين ولم يدعه ~~لنفسه؛ ولأنه إذا لم تسمع البينة على الفسق، أدى إلى ظلم المشهود عليه؛ ~~لأنه يمكن أن لا يعرف فسق الشاهدين إلا شهود المشهود عليه، فإذا لم تسمع ~~شهادتهم، وحكم عليه بشهادة الفاسقين، كان ظالما له. فأما إن قامت البينة ~~أنه حكم بشهادة والدين، أو ولدين، أو عدوين، نظر في الحاكم الذي حكم ~~بشهادتهما، فإن كان ممن يرى الحكم به، لم ينقض حكمه؛ لأنه حكم باجتهاده ~~فيما يسوغ فيه الاجتهاد، ولم يخالف نصا ولا إجماعا. وإن كان ممن لا يرى ~~الحكم بشهادتهم، نقضه؛ لأن الحاكم به يعتقد بطلانه. # والفرق بين المال والإتلاف، أن المال إن كان باقيا، وجب رده إلى صاحبه؛ ~~لأن كل واحد أحق بماله. وإن كان تالفا، وجب ضمانه على آخذه؛ لأنه أخذه بغير ~~إذن صاحبه، ولا استحقاق لأخذه. أما الإتلاف، فإنه لم يحصل به في يد المتلف ~~شيء يرده، ولم يمكن تضمينه؛ لأنه إنما أتلفه بحكم الحاكم، وتسليطه عليه، ~~وهو لا يقر بعدوانه، بل يقول: استوفيت حقي. ولم يثبت خلاف دعواه، ولم يمكن ~~تضمين الشهود؛ لأنهم يقولون: شهدنا بما علمنا، وأخبرنا # PageV10P230 # بما رأينا وسمعنا، ولم نكتم شهادة الله تعالى التي لزمنا ms5742 أداؤها. ولم ~~يثبت كذبهم، فوجبت إحالة الضمان على الحاكم؛ لأنه حكم من غير وجود شرط ~~الحكم، ومكن من إتلاف المعصوم من غير بحث عن عدالة الشهود، فكان التفريط ~~منه، فوجب إحالة الضمان عليه. ### | [مسألة ادعى العبد أن سيده أعتقه] # (8474) مسألة؛ قال: (وإذا ادعى العبد أن سيده أعتقه، حلف مع شاهده، وصار ~~حرا) روي عن أحمد - رحمه الله -، في هذا روايتان؛ إحداهما، أن العتق ثبت ~~بشاهد ويمين، وهو اختيار أبي بكر لأنه إزالة ملك فيثبت بشاهد ويمين. كالبيع ~~والهبة ولأنه إتلاف للمال فيقبل فيه شاهد ويمين، كالبيع والهبة، ولأنه ~~إتلاف للمال، فيقبل فيه شاهد ويمين، كالإتلاف بالفعل، وإفضاؤه إلى تكميل ~~الأحكام، لا يمنع ثبوته بشاهد ويمين؛ بدليل أن الولادة تثبت بشهادة النساء، ~~وينبني عليها النسب الذي لا يثبت بشهادتهن. والرواية الثانية، لا تثبت ~~الحرية إلا بشاهدين عدلين ذكرين؛ لأنها ليست بمال، ولا المقصود منها المال، ~~ويطلع عليها الرجال في غالب الأحوال، فأشبهت الحدود والقصاص. والله أعلم. ### | [مسألة شهد بشهادة زور] # (8475) مسألة؛ قال: (ومن شهد بشهادة زور، أدب، وأقيم للناس في المواضع ~~التي يشتهر أنه شاهد زور، إذا تحقق تعمده لذلك) وجملة ذلك أن شهادة الزور ~~من أكبر الكبائر، قد نهى الله عنها في كتابه، مع نهيه عن الأوثان، فقال ~~تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] . وروي ~~عن خريم بن فاتك، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عدلت شهادة الزور ~~الإشراك بالله. ثلاث مرات. ثم تلا قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] » . رواه أبو داود. وروي هذا عن ابن مسعود، ~~من قوله. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر ~~الكبائر؟ . قلنا: بلى يا رسول الله. # PageV10P231 # قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين. وكان متكئا فجلس، فقال: ألا وقول ~~الزور، وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.» متفق عليه. # وروى أبو حنيفة، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «شاهد الزور، لا ms5743 تزول قدماه حتى تجب له النار» . فمتى ثبت ~~عند الحاكم عن رجل أنه شهد بزور عمدا، عزره، وشهره. في قول أكثر أهل العلم. ~~روي ذلك عن عمر - رضي الله عنه -. وبه يقول شريح والقاسم بن محمد وسالم بن ~~عبد الله والأوزاعي، وابن أبي ليلى، ومالك والشافعي، وعبد الملك بن يعلى ~~قاضي البصرة. # وقال أبو حنيفة: لا يعزر، ولا يشهر؛ لأنه قول منكر وزور، فلا يعزر به، ~~كالظهار. وروى عنه الطحاوي أنه يشهر. وأنكره المتأخرون. ولنا، أنه قول محرم ~~يضر به الناس، فأوجب العقوبة على قائله، كالسب والقذف، ويخالف الظهار من ~~وجهين؛ أحدهما، أنه يختص بضرره. والثاني، أنه أوجب كفارة شاقة هي أشد من ~~التعزير، ولأنه قول عمر - رضي الله عنه - ولم نعرف له في الصحابة مخالفا. ~~وإذا ثبت هذا، فإن تأديبه غير مقدور، وإنما هو مفوض إلى رأي الحاكم؛ إن رأى ~~ذلك بالجلد جلده، وإن رآه بحبس أو كشف رأسه وإهانته وتوبيخه، فعل ذلك، ولا ~~يزيد في جلده على عشر جلدات. # وقال الشافعي: لا يزيد على تسع وثلاثين، لئلا يبلغ به أدنى الحدود. وقال ~~ابن أبي ليلى: يجلد خمسة وسبعين سوطا. وهو أحد قولي أبي يوسف وقال ~~الأوزاعي، في شاهدي الطلاق: يجلدان مائة مائة، ويغرمان الصداق. ولنا، قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجلد أحد فوق عشر جلدات، إلا في حد من ~~حدود الله تعالى» . متفق عليه. وقال القاسم وسالم: يخفق سبع خفقات. وقال ~~شريح: يجلد أسواطا. # فأما شهرته بين الناس، فإنه يوقف في سوقه إن كان من أهل السوق، أو قبيلته ~~إن كان من أهل # PageV10P232 # القبائل، أو في مسجده إن كان من أهل المساجد، ويقول الموكل به: إن الحاكم ~~يقرأ عليكم السلام، ويقول: هذا شاهد زور، فاعرفوه. وهذا مذهب الشافعي وأتي ~~الوليد بن عبد الملك بشاهد الزور، فأمر بقطع لسانه، وعنده القاسم وسالم، ~~فقالا: سبحان الله، بحسبه أن يخفق سبع خفقات، ويقام بعد العصر، فيقال: هذا ~~أبو قبيس، وجدناه شاهد زور. ففعل ذلك به. ولا يسخم وجهه، ولا ms5744 يركب، ولا ~~يكلف أن ينادي على نفسه. # وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه يجلد أربعين جلدة، ويسخم وجهه، ~~ويطال حبسه. رواه الإمام أحمد. # وقال سوار: يلبب، ويدار به على حلق المسجد، فيقول: من رآني فلا يشهد ~~بزور. وروي عن عبد الملك بن يعلى، قاضي البصرة، أنه أمر بحلق نصف رءوسهم، ~~وتسخيم وجوههم، ويطاف بهم في الأسواق، والذي شهدوا له معهم. ولنا، أن هذا ~~مثلة، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المثلة. # وما روي عن عمر، فقد روي عنه خلافه، وأنه حبسه يوما وخلى سبيله. وفي ~~الجملة ليس في هذا تقديرا شرعيا، فما فعل الحاكم مما يراه، ما لم يخرج إلى ~~مخالفة نص أو معنى نص فله ذلك، ولا يفعل به شيء من ذلك حتى يتحقق أنه شاهد ~~زور، وتعمد ذلك، إما بإقراره، أو يشهد على رجل بفعل في الشام في وقت، ويعلم ~~أن المشهود عليه في ذلك الوقت في العراق، أو يشهد بقتل رجل، وهو حي، أو أن ~~هذه البهيمة في يد هذا منذ ثلاثة أعوام. وسنها أقل من ذلك، أو يشهد على رجل ~~أنه فعل شيئا في وقت، وقد مات قبل ذلك الوقت، أو لم يولد إلا بعده، وأشباه ~~هذا مما يتيقن به كذبه، ويعلم تعمده لذلك. # فأما تعارض البينتين، أو ظهور فسقه، أو غلطه في شهادته، فلا يؤدب به؛ لأن ~~الفسق لا يمنع الصدق، والتعارض لا يعلم به كذب إحدى البينتين بعينها، ~~والغلط قد يعرض للصادق العدل ولا يتعمده، فيعفى عنه، وقد قال الله تعالى: ~~{وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5] . ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما ~~استكرهوا عليه» . # PageV10P233 # (8476) فصل: ومتى علم أن الشاهدين شهدا بالزور، تبين أن الحكم كان باطلا، ~~ولزم نقضه، لأننا تبينا كذبهما فيما شهدا به، وبطلان ما حكم به؛ فإن كان ~~المحكوم به مالا، رد إلى صاحبه، وإن كان إتلافا، فعلى الشاهدين ضمانه؛ ~~لأنهما سبب إتلافه، إلا أن يثبت ms5745 ذلك بإقرارهما على أنفسهما من غير موافقة ~~المحكوم له، فيكون ذلك رجوعا منهما عن شهادتهما، وقد بينا حكم ذلك. ### | [فصل تاب شاهد الزور وأتت على ذلك مدة تظهر فيها توبته] # (8477) فصل: فإذا تاب شاهد الزور، وأتت على ذلك مدة تظهر فيها توبته، ~~وتبين صدقه فيها، وعدالته، قبلت شهادته. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ~~ثور وقال مالك: لا تقبل شهادته أبدا؛ لأن ذلك لا يؤمن منه. ولنا، أنه تائب ~~من ذنبه، فقبلت توبته، كسائر التائبين. وقوله: لا يؤمن منه ذلك. قلنا: مجرد ~~الاحتمال لا يمنع قبول الشهادة؛ بدليل سائر التائبين، فإنه لا يؤمن منهم ~~معاودة ذنوبهم ولا غيرها، وشهادتهم مقبولة. والله أعلم. ### | [مسألة غير العدل شهادته بحضرة الحاكم] # مسألة؛ قال: (وإذا غير العدل شهادته بحضرة الحاكم، فزاد فيها أو نقص، ~~قبلت منه، ما لم يحكم بشهادته) وهذا مثل أن يشهد بمائة، ثم يقول: هي مائة ~~وخمسون. أو يقول: بل هي تسعون. فإنه يقبل منه رجوعه، ويحكم بما شهد به ~~أخيرا. وبهذا قال أبو حنيفة والثوري وسليمان بن حبيب المحاربي، وإسحاق. ~~وقال الزهري: لا تقبل شهادته الأولى ولا الآخرة؛ لأن كل واحدة منهما ترد ~~الأخرى وتعارضها، ولأن الأولى مرجوع عنها، والثانية غير موثوق بها لأنها من ~~مقر بغلطه وخطئه في شهادته، فلا يؤمن أن يكون في الغلط كالأولى. # وقال مالك: يؤخذ بأقل قوليه؛ لأنه أدى الشهادة وهو غير متهم، فلم يقبل ~~رجوعه عنها، كما لو اتصل بها الحكم. ولنا، أن شهادته الآخرة شهادة من عدل ~~غير متهم، لم يرجع عنها، فوجب الحكم بها، كما لو لم يتقدمها ما يخالفها، ~~ولا تعارضها الأولى؛ لأنها قد بطلت برجوعه عنها، ولا يجوز الحكم بها؛ لأنها ~~شرط الحكم، فيعتبر استمرارها إلى انقضائه. ويفارق رجوعه بعد الحكم؛ لأن ~~الحكم قد تم باستمرار شرطه، فلا ينقض بعد تمامه. # PageV10P234 ### | [فصل شهد بألف ثم قال قبل الحكم قضاه منه خمسمائة] # (8479) فصل: وإن شهد بألف، ثم قال قبل الحكم: قضاه منه خمسمائة. فسدت ~~شهادته. ذكره أبو الخطاب فقال: إذا شهد ms5746 أن عليه ألفا، ثم قال أحدهما: قضاه ~~منه خمسمائة. بطلت شهادته؛ وذلك أنه شهد بأن الألف جميعه عليه، وإذا قضاه ~~خمسمائة، لم تكن الألف كله عليه، فيكون كلامه متناقضا، فتفسد شهادته. وفارق ~~هذا ما لو شهد بألف، ثم قال: بل بخمسمائة. لأن ذلك رجوع عن الشهادة ~~بخمسمائة، وإقرار بغلط نفسه، وهذا لا يقول هذا على سبيل الرجوع. والمنصوص ~~عن أحمد، أن شهادته تقبل بخمسمائة؛ فإنه قال: إذا شهد بألف، ثم قال أحدهما ~~قبل الحكم: قضاه منه خمسمائة. أفسد شهادته، والمشهود له ما اجتمعا عليه، ~~وهو خمسمائة. فصحح شهادته في نصف الألف الباقي، وأبطلها في النصف الذي ذكر ~~أنه قضاه؛ لأن ذلك بمنزلة الرجوع عن الشهادة به، فأشبه ما لو قال: أشهد ~~بألف، بل بخمسمائة. # قال أحمد: ولو جاء بعد هذا المجلس، فقال: أشهد أنه قضاه منه خمسمائة. لم ~~يقبل منه؛ لأنه قد أمضى الشهادة. فهذا يحتمل أنه أراد به أنه إذا جاء بعد ~~الحكم، فشهد بالقضاء، لم يقبل منه؛ لأن الألف قد وجب بشهادتهما، وحكم ~~الحاكم، ولا تقبل شهادته بالقضاء؛ لأنه لا يثبت بشاهد واحد. فأما إن شهد ~~أنه أقرضه ألفا، ثم قال: قضاه منه خمسمائة. قبلت شهادته في باقي الألف، ~~وجها واحدا؛ لأنه لا تناقض في كلامه، ولا اختلاف. ### | [مسألة شهد أحد الشاهدين بشيء وشهد الآخر ببعضه] # (8480) مسألة؛ قال: (وإذا شهد شاهد بألف، وآخر بخمسمائة حكم لمدعي الألف، ~~بخمسمائة، وحلف مع شاهده على الخمسمائة الأخرى، إن أحب) وجملة ذلك أنه إذا ~~شهد أحد الشاهدين بشيء، وشهد الآخر ببعضه، صحت الشهادة، وثبت ما اتفقا عليه ~~وحكم به. وهذا قول شريح ومالك، والشافعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد ~~وإسحاق وأبي عبيد وحكي عن الشعبي، أنه شهد عنده رجلان؛ شهد أحدهما أنه ~~طلقها تطليقة، وشهد الآخر أنه طلقها تطليقتين، فقال: قد اختلفتما، قوما، ~~وحكي عن أبي حنيفة، أنه إذا شهد شاهد أنه أقر بألف، وشهد آخر أنه أقر ~~بألفين، لم تصح الشهادة؛ لأن الإقرار بالألف غير الإقرار بالألفين، ولم ~~يشهد بكل ms5747 إقرار إلا واحد. # ولنا، أن الشهادة قد كملت فيما اتفقا عليه، فحكم به، كما لو لم يزد ~~أحدهما على صاحبه. وما ذكره من أن كل إقرار إنما يشهد به واحد، يبطل بما ~~إذا شهد أحدهما أنه أقر بألف غدوة، وشهد الآخر أنه أقر بألف عشيا، فإن ~~الشهادة تكمل، مع أن كل إقرار إنما يشهد به واحد. فأما ما انفرد به أحدهما، ~~فإن للمدعي # PageV10P235 # أن يحلف معه، ويستحق. وهذا قول من يرى الحكم بشاهد ويمين. وهذا فيما إذا ~~أطلقا الشهادة، أو لم تختلف الأسباب والصفات. # فأما إن اختلفت، مثل أن يشهد شاهد بألف من قرض، وشاهد بخمسمائة من ثمن ~~مبيع، ويشهد شاهد بألف بيض وآخر بخمسمائة سود، أو يشهد شاهد بألف دينار، ~~والآخر بخمسمائة درهم، لم تكمل البينة، وكان له أن يحلف مع كل واحد منهما ~~ويستحقها مع أحدهما ويستحق ما شهد به. (8481) فصل: فإن شهد له شاهدان بألف ~~وشاهدان بخمسمائة، ولم تختلف الأسباب والصفات، دخلت الخمسمائة في الألف، ~~ووجب له بالشهادتين مائة، وإن اختلفت الأسباب والصفات، وجب له الألف ~~والخمسمائة، ولم يدخل أحدهما في الآخر؛ لأنهما مختلفان. ### | [فصل اختلاف الشهود في صفة البيع] # (8482) فصل: وإن شهد له شاهد، أنه باعه هذا العبد بألف، وشهد، آخر، أنه ~~باعه إياه بخمسمائة، لم تكمل البينة؛ لاختلافهما في صفة البيع، وله أن يحلف ~~مع أحدهما، ويثبت له ما حلف عليه. وإن شهد له بكل عقد شاهدان، ثبت البيعان، ~~وإن أضافا البيع إلى وقت واحد، مثل أن يشهد أنه باعه هذا العبد مع الزوال ~~بألف، وشهد الآخر أنه باعه إياه مع الزوال بخمسمائة، تعارضت البينتان، ~~وسقطتا؛ لأنه لا يمكن اجتماعهما، وكل بينة تكذب الأخرى. وإن شهد بكل واحد ~~من هذين شاهد واحد، كان له أن يحلف مع أحدهما، ولا يتعارضان؛ لأن التعارض ~~إنما يكون بين البينتين الكاملتين. ### | [فصل شهد أحدهما أنه غصبه ثوبا قيمته درهمان وشهد آخر أن قيمته ثلاثة] # (8483) فصل: وإن شهد أحدهما أنه غصبه ثوبا قيمته درهمان، وشهد آخر أن ~~قيمته ثلاثة، ثبت ms5748 له ما اتفقا عليه، وهو درهمان، وله أن يحلف مع الآخر على ~~درهم؛ لأنهما اتفقا على درهمين، وانفرد أحدهما بدرهم، فأشبه ما لو شهد ~~أحدهما بألف وآخر بخمسمائة. وإن شهد شاهدان أن قيمته درهمان، وشاهدان أن ~~قيمته ثلاثة، ثبت له درهمان. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: له ثلاثة؛ ~~لأنه قد شهد بها شاهدان، وهما حجة، فيجب الأخذ بهما، كما يؤخذ بالزيادة في ~~الأخبار، وكما لو شهد له شاهدان بألف وشاهدان بألفين، فإنه يجب له ألفان. ~~قال القاضي: ويتوجه لنا مثل هذا، بناء على مسألة الألف وخمسمائة. # ولنا، أن من شهد أن قيمته درهمان، ينفي أن تكون قيمته ثلاثة، فقد تعارضت ~~البينتان في الدرهم، ويخالف الزيادة في الأخبار، فإن من يروي الناقص لا ~~ينفي الزيادة، وكذلك من شهد بألف، لا ينفي أن عليه ألفا آخر. # PageV10P236 # فإن قيل: فلم قلتم: إنه إذا شهد بكل واحد من القيمتين شاهدان تعارضتا، ~~وإن شهد واحد، لم تتعارضا، وكان له أن يحلف مع الشاهد بالزيادة عليها. # قلنا: لأن الشاهدين حجة وبينة، فإذا كملت من الجانبين، تعارضت الحجتان؛ ~~لتعذر الجمع بينهما، وأما الشاهد الواحد، فليس بحجة وحده، وإنما يصير حجة ~~مع اليمين، فإذا حلف مع أحدهما كملت الحجة بيمينه، ولم يعارضهما ما ليس ~~بحجة، كما لو شهد بأحدهما شاهدان، وبالآخر شاهد واحد. ### | [مسألة العدل إذا أنكر أن تكون عنده شهادة ثم شهد بها] # (8484) مسألة؛ قال: (ومن ادعى شهادة عدل، فأنكر أن تكون عنده، ثم شهد بها ~~بعد ذلك وقال: كنت أنسيتها. قبلت منه) . وجملة ذلك أن العدل إذا أنكر أن ~~تكون عنده شهادة، ثم شهد بها، وقال: كنت أنسيتها. قبلت، ولم ترد شهادته. ~~وبهذا قال الثوري، والشافعي، وإسحاق ولا أعلم فيه مخالفا؛ وذلك لأنه يجوز ~~أن يكون نسيها، وإذا كان ناسيا لها، فلا شهادة عنده، فلا نكذبه مع إمكان ~~صدقه. ولا يشبه هذا إذا ما قال: لا بينة لي. ثم أتى ببينة، حيث لا تسمع؛ ~~فإن ذلك إقرار منه على نفسه بعدم البينة، والإنسان يؤاخذ بإقراره، ms5749 وقول ~~الشاهد: لا شهادة عندي. ليس بإقرار؛ فإن الشهادة ليست له؛ إنما هي حق عليه، ~~فيكون منكرا لها، فإذا اعترف بها، كان إقرارا بعد الإنكار، وهو مسموع، ~~بخلاف الإنكار بعد الإنكار، ولأن الناسي للشهادة لا شهادة له عنده، فهو ~~صادق في إنكاره، فإذا ذكرها، صارت عنده، فلا تنافي بين القولين، وصار هذا ~~كمن أنكر أن يكون عنده شهادة قبل أن يستشهد، ثم استشهد بعد ذلك، فصارت ~~عنده، بخلاف من أنكر أن له بينة، فإنه لا يخرج عن أن يكون له بينة ~~بنسيانها. ### | [مسألة شهد بشهادة يجر إلى نفسه بعضها] # (8485) مسألة؛ قال: (ومن شهد بشهادة، يجر إلى نفسه بعضها، بطلت شهادته في ~~الكل) وجملته أن من شهد بشهادة له بعضها؛ مثل أن يشهد الشريك لشريكه بمال ~~من الشركة، أو يشهد على زيد بدار له ولعمرو، فإن شهادته تبطل في الكل. وقال ~~الشافعي: فيها قولان؛ أحدهما، كقولنا. والثاني، تصح شهادته لغيره؛ لأنه ~~أجنبي، فتصح شهادته له، كما لو لم يكن له فيها شرك. ويتخرج لنا مثل هذا؛ ~~بناء على قولنا في عبد بين ثلاثة، اشترى نفسه منهم بثلاثمائة درهم، فادعى ~~أنهم قبضوها منه، فأنكر أحدهم أن يكون أخذ شيئا، فأقر له اثنان، وشهدا على ~~المنكر بالقبض، فإن شهادتهما تقبل عليه ويشاركهما فيما أخذا من المال. # PageV10P237 # ولنا، أنها شهادة رد بعضها للتهمة، فترد جميعها، كما لو شهد المضارب لرب ~~المال بمال من المضاربة، ولو شهد بدين لأبيه وأجنبي، أو شهد بشهادة ترد في ~~بعض ما شهد به، بطلت كلها. ### | [مسألة أقر الوارث لرجل بدين على الميت يستغرق ميراثه] # (8486) مسألة؛ قال: (وإذا مات رجل، وخلف ابنا، وألف درهم، فادعى رجل على ~~الميت ألف درهم، وصدقه الابن، وادعى آخر مثل ذلك، وصدقه الابن، فإن كان في ~~مجلس واحد، كان الألف بينهما. وإن كان في مجلسين، كان الألف للأول، ولا شيء ~~للثاني) وجملته أن الميت إذا خلف وارثا، وتركة، فأقر الوارث لرجل بدين على ~~الميت يستغرق ميراثه، فقد أقر بتعلق دينه بجميع التركة واستحقاقه لجميعها، ~~فإذا ms5750 أقر بعد ذلك لآخر، نظرت؛ فإن كان في المجلس، صح الإقرار، واشتركا في ~~التركة؛ لأن حالة المجلس كلها كحالة واحدة، بدليل القبض، فيما يعتبر القبض ~~فيه، وإمكان الفسخ في البيع، ولحوق الزيادة في العقد، فكذلك في الإقرار. # وإن كان في مجلس آخر، لم يقبل إقراره؛ لأنه يقر بحق على غيره، فإنه يقر ~~بما يقتضي مشاركة الأول في التركة، ومزاحمته فيها وتنقيص حقه منها. ولا ~~يقبل إقرار الإنسان على غيره. وقال الشافعي، يقبل إقراره، ويشتركان فيها؛ ~~لأن الوارث يقوم مقام الموروث، ولو أقر الموروث لهما لقبل، فكذلك الوارث؛ ~~ولأن منعه من الإقرار يفضي إلى إسقاط حق الغرماء، فإنه قد لا يتفق حضورهم ~~في مجلس واحد، فيبطل حقه بغيبته، ولأن من قبل إقراره أولا، قبل إقراره ~~ثانيا، إذا لم يتغير حاله، كالموروث. # ولنا، أنه أقر بما يتعلق بمحل تعلق به حق غيره، على وجه يضر به، تعلقا ~~يمنع صحة تصرفه فيه، فلم يقبل، كإقرار الراهن بجناية عبده المرهون أو ~~الجاني. وأما الموروث، فإن أقر في صحته، صح؛ لأن الدين لا يتعلق بماله، ~~وإنما يتعلق بذمته. وإن أقر في مرضه، لم يحاص المقر له غرماء الصحة؛ لذلك. # وإن أقر في مرضه لغريم يستغرق دينه تركته، ثم أقر لآخر في مجلس آخر، صح، ~~وشارك الأول، والفرق بينه وبين الوارث، أن إقراره الأول لم يمنعه التصرف في ~~ماله، ولا أن يتعلق به دين آخر، بأن يستدين دينا آخر، فلم يمنع ذلك تعلق ~~الدين بتركته بالإقرار، بخلاف الوارث، فإنه لا يملك أن يعلق بالتركة دينا ~~آخر بفعله، فلا يملكه بقوله، ولا يملك التصرف في التركة، ما لم يلتزم قضاء ~~الدين. ### | [فصل مات وترك ألفا فأقر به ابنه لرجل ثم أقر به لغيره] # (8487) فصل: وإن مات، وترك ألفا، فأقر به ابنه لرجل، ثم أقر به لغيره، ~~فهو للأول، ولا شيء للثاني فيه، سواء كان في مجلس أو مجلسين؛ لأنه باعترافه ~~للأول، ثبت له الملك فيه، فصار إقراره للثاني إقرارا له بملك غيره، فلم ~~يقبل. وتلزم المقر غرامته ms5751 للثاني؛ لأنه فوته عليه بإقراره به لغيره، فأشبه ~~ما لو غصبه منه، فدفعه إلى غيره. # PageV10P238 ### | [مسألة ادعى دعوى على مريض فأومأ برأسه] # (8488) مسألة؛ قال: (ومن ادعى دعوى على مريض، فأومأ برأسه أي نعم. لم ~~يحكم بها حتى يقول بلسانه) وجملته أن إشارة المريض لا تقوم مقام نطقه، ~~وسواء كان عاجزا عن الكلام أو قادرا عليه. وبهذا قال الثوري وقال الشافعي: ~~يقبل إقراره بإشارته، إذا كان عاجزا عن الكلام لأنه إقرار بالإشارة من عاجز ~~عن الكلام، فأشبه إقرار الأخرس. ولنا، أنه غير مأيوس من نطقه، فلم تقم ~~إشارته مقام نطقه، كالصحيح. وبهذا فارق الأخرس، فإنه مأيوس من نطقه، ولهذا ~~لو أرتج عليه في الصلاة، لم تصح صلاته بغير قراءة، بخلاف الأخرس. # والآيسة يفرق بينها وبين من ارتفع حيضها مع إمكانه في العدة؛ ولأن عجزه ~~عن النطق غير متحقق، فإنه يحتمل أن يترك الكلام لصعوبته عليه ومشقته، لا ~~لعجزه. وإن صار إلى حال يتحقق الإياس من نطقه، لم يوثق بإشارته؛ لأن المرض ~~الذي أعجزه عن النطق، لم يختص بلسانه، فيجوز أن يكون أثر في عقله أو في ~~سمعه، فلم يدر ما قيل له، بخلاف الأخرس، ولأن الأخرس قد تكررت إشارته حتى ~~صارت عند من يعاشره كاليقين، ومماثلة النطق، وهذا لم تتكرر إشارته، فلعله ~~لم يرد الإقرار. إنما أراد الإنكار، أو إسكات من يسأله، ومع هذه الفروق، لا ~~يصح القياس. ### | [مسألة ادعى دعوى وقال لا بينة لي ثم أتى بعد ذلك ببينة] # (8489) مسألة؛ قال: (ومن ادعى دعوى، وقال: لا بينة لي. ثم أتى بعد ذلك ~~ببينة، لم تقبل؛ لأنه مكذب لبينته) وبهذا قال محمد بن الحسن وقال أبو يوسف ~~وابن المنذر: تقبل. وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنه يجوز أن ينسى، أو يكون ~~الشاهدان سمعا منه، وصاحب الحق لا يعلم، فلا يثبت بذلك أنه كذب بينته. وقال ~~بعض أصحاب الشافعي: وإن كان الإشهاد أمرا تولاه بنفسه، لم تسمع بينته؛ لأنه ~~أكذبها، وإن كان وكيله أشهد على المدعى عليه، أو شهد من غير علمه، أو ms5752 من ~~غير أن يشهدهم، سمعت بينته؛ لأنه معذور في نفيه إياها. وهذا القول حسن. # ولنا، أنه أكذب بينته، بإقراره أنه لا يشهد له أحد، فإذا شهد له إنسان، ~~كان تكذيبا له، ويفارق الشاهد إذا قال: لا شهادة عندي. ثم قال: كنت نسيتها. ~~لأن ذلك إقرار لغيره بعد الإنكار، وها هنا هو مقر لخصمه بعدم البينة، فلم ~~يقبل رجوعه عنه. والحكم في ما إذا قال: كل بينة لي زور. كالحكم فيما إذا ~~قال: لا بينة لي. على ما ذكرنا من الخلاف فيه. # PageV10P239 ### | [فصل قال ما أعلم لي بينة ثم أتى ببينة] # (8490) فصل: وإن قال: ما أعلم لي بينة. ثم أتى ببينة، سمعت؛ لأنه يجوز أن ~~تكون له بينة لم يعلمها، ثم علمها. قال أبو الخطاب: ولو قال: ما أعلم لي ~~بينة. فقال شاهدان: نحن نشهد لك. سمعت بينته. ### | [مسألة شهادة الوصي على من هو موصى عليهم] # (8491) مسألة؛ قال: (وإذا شهد الوصي على من هو موصى عليهم، قبلت شهادته. ~~وإن شهد، لهم، لم يقبل إذا كانوا في حجره) أما شهادته عليهم، فمقبولة. لا ~~نعلم فيه خلافا، فإنه لا يتهم عليهم، ولا يجر بشهادته عليهم نفعا، ولا يدفع ~~عنهم بها ضررا. وأما شهادته لهم إذا كانوا في حجره، فغير مقبولة. وهذا قول ~~أكثر أهل العلم؛ منهم الشعبي والثوري ومالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة ~~وابن أبي ليلى وأجاز شريح وأبو ثور شهادته لهم، إذا كان الخصم غيره؛ لأنه ~~أجنبي منهم، فقبلت شهادته لهم، كما بعد زوال الوصية. # ولنا أنه شهد بشيء هو خصم فيه، فإنه الذي يطالب بحقوقهم، ويخاصم فيها، ~~ويتصرف فيها، فلم تقبل شهادته، كما لو شهد بمال نفسه، ولأنه يأخذ من مالهم ~~عند الحاجة. فيكون متهما في الشهادة به. فأما قوله: إذا كانوا في حجره. ~~فإنه يعني أنه لو شهد لهم بعد زوال ولايته عنهم، قبلت شهادته؛ لزوال المعنى ~~الذي منع قبولها. والحكم في أمين الحاكم يشهد للأيتام الذين هم تحت ولايته، ~~كالحكم في الوصي، سواء. ### | [مسألة شهادة من يخنق في الأحيان] ms5753 # (8492) مسألة؛ قال: (وإذا شهد من يخنق في الأحيان، قبلت شهادته في ~~إفاقته) قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وممن ~~حفظنا عنه ذلك مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور ولا أحسبه إلا مذهب ~~أهل الكوفة؛ وذلك لأن الاعتبار في الشهادة بحال أدائها، وهو في وقت الأداء ~~من أهل التحصيل والعقل الثابت، فقبلت شهادته، كالصبي إذا كبر، ولأنه عدل ~~غير متهم، فقبلت شهادته، كالصحيح، وزوال عقله في غير حال الشهادة لا يمنع ~~قبولها، كالصحيح الذي ينام، والمريض الذي يغمى عليه في بعض الأحيان. ### | [مسألة شهادة الطبيب في الموضحة] # (8493) مسألة؛ قال: (وتقبل شهادة الطبيب في الموضحة، إذا لم يقدر على ~~طبيبين، وكذلك البيطار في داء الدابة) وجملته أنه إذا اختلف في الشجة، هل ~~هي موضحة أو لا؟ أو فيما كان أكثر منها، كالهاشمة، والمنقلة، والآمة، ~~والدامغة، أو أصغر منها، كالباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، أو في الجائفة، ~~وغيرها من الجراح، التي لا يعرفها # PageV10P240 # إلا الأطباء، أو اختلفا في داء يختص بمعرفته الأطباء، أو في داء الدابة، ~~فظاهر كلام الخرقي أنه إذا قدر على طبيبين، أو بيطارين، لا يجزئ واحد؛ لأنه ~~مما يطلع عليه الرجال، فلم تقبل فيه شهادة واحد، كسائر الحقوق، فإن لم يقدر ~~على اثنين، أجزأ واحد؛ لأنه مما لا يمكن كل واحد أن يشهد به؛ لأنه مما يختص ~~به أهل الخبرة من أهل الصنعة، فاجتزئ فيه بشهادة واحد، بمنزلة العيوب تحت ~~الثياب، يقبل فيها قول المرأة الواحدة، فقبول قول الرجل الواحد أولى. ### | [فصل اشهد على مائة درهم ومائة درهم فشهد على مائة دون مائة] # (8494) فصل: قال أحمد - رحمه الله -، إذا قال: اشهد على مائة درهم ومائة ~~درهم. فشهد على مائة دون مائة، كره، إلا أن يقول: أشهد ولي على مائة ومائة. ~~يحكيه كله للحاكم كما كان. وقال أحمد: إذا شهد على ألف، وكان الحاكم لا ~~يحكم إلا على مائة ومائتين، فقال له صاحب الحق: أريد أن تشهد لي على مائة، ~~لم يشهد إلا بألف. قال القاضي: ms5754 وذلك أن على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد، ~~قال الله تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} [المائدة: 108] . # ولأنه لو ساغ للشاهد أن يشهد ببعض ما أشهد عليه، لساغ للقاضي أن يقضي ~~ببعض ما شهد به الشاهد. وقال أبو الخطاب: عندي يجوز أن يشهد بذلك؛ لأن من ~~شهد بألف، فقد شهد بمائة، فإذا شهد بمائة، لم يكن كاذبا في شهادته، فجاز، ~~كما لو كان قد أقرضه مائة مرة، وتسعمائة مرة أخرى. والأول أصح؛ لما ذكره ~~القاضي، ولأن شهادته بمائة ربما أوهمت أن هذه المائة غير التي شهدت بأصله، ~~فيؤدي إلى إيجابها عليه مرتين. ### | [فصل شهد بألف درهم ومائة دينار] # (8495) فصل: قال أحمد: إذا شهد بألف درهم ومائة دينار، فله من دراهم ذلك ~~البلد ودنانيره. قال القاضي: لأنه لما جاز أن يحمل مطلق العقد على ذلك، جاز ~~أن تحمل الشهادة عليه، والله أعلم. # PageV10P241 ### | [كتاب الدعاوى والبينات] # الدعوى في اللغة: إضافة الإنسان إلى نفسه شيئا، ملكا، أو استحقاقا، أو ~~صفقة، أو نحو ذلك. وهي في الشرع: إضافته إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره، ~~أو في ذمته. والمدعى عليه، من يضاف إليه استحقاق شيء عليه. وقال ابن عقيل: ~~الدعوى الطلب، قال الله تعالى: {ولهم ما يدعون} [يس: 57] . وقيل: المدعي من ~~يلتمس بقوله أخذ شيء من يد غيره، أو إثبات حق في ذمته. والمدعى عليه من ~~ينكر ذلك. وقيل: المدعي من إذا ترك لم يسكت، والمدعى عليه من إذا ترك سكت. ~~وقد يكون كل واحد منهما مدعيا ومدعى عليه؛ بأن يختلفا في العقد، فيدعي كل ~~واحد منهما أن الثمن غير الذي ذكره صاحبه. # والأصل في الدعوى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو أعطي الناس ~~بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» رواه ~~مسلم. وفي حديث: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» . ولا تصح ~~الدعوى إلا من جائز التصرف. (8496) مسألة؛ قال أبو القاسم، - رحمه الله -: ~~(ومن ادعى زوجية امرأة، فأنكرته، ولم تكن له بينة، فرق بينهما، ms5755 ولم يحلف) ~~وجملته أن النكاح لا يستحلف فيه، رواية واحدة. ذكره القاضي. # وهو قول أبي حنيفة. ويتخرج أن يستحلف في كل حق لآدمي. وهو قول الشافعي ~~وابن المنذر ونحوه قول أبي يوسف ومحمد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ولكن اليمين على المدعى عليه» . ولأنه حق لآدمي، فيستحلف فيه، كالمال، ثم ~~اختلفوا، فقال أبو يوسف ومحمد: يستحلف في النكاح، فإن نكل، ألزم النكاح. ~~وقال الشافعي: إن نكل، ردت اليمين على الزوج فحلف، وثبت النكاح. ولنا، أن ~~هذا مما لا يحل بذله، فلم يستحلف فيه، كالحد. يحقق هذا أن الأبضاع مما ~~يحتاط فيها، فلا تباح بالنكول، ولا به وبيمين المدعي، كالحدود، وذلك لأن ~~النكول ليس بحجة قوية، إنما هو سكوت مجرد يحتمل أن يكون لخوفه من اليمين، ~~أو للجهل بحقيقة الحال، أو للحياء من الحلف والتبذل في مجلس الحاكم، ومع # PageV10P242 # هذه الاحتمالات، لا ينبغي أن يقضى به فيما يحتاط له، ويمين المدعي إنما ~~هي قول نفسه، لا ينبغي أن يعطى بها أمرا فيه خطر عظيم، وإثم كبير، ويمكن من ~~وطء امرأة يحتمل أن تكون أجنبية منه. # وأما الحديث فإنما تناول الأموال والدماء، فلا يدخل النكاح فيه، ولو دخل ~~فيه كل دعوى، لكان مخصوصا بالحدود، والنكاح في معناه، بل النكاح أولى، لأنه ~~لا يكاد يخلو من شهود، لكون الشهادة شرطا في انعقاده، أو من اشتهاره، فيشهد ~~فيه بالاستفاضة، والحدود بخلاف ذلك. إذا ثبت هذا، فإنه يفرق بينهما، ويحال ~~بينه وبينها ويخلى سبيلها. وإن قلنا: إنها تحلف على الاحتمال الآخر. فنكلت، ~~لم يقض بالنكول، وتحبس، في أحد الوجهين، حتى تقر أو تحلف، وفي الآخر، يخلى ~~سبيلها، وتكون فائدة شرع اليمين التخويف والردع، لتقر إن كان المدعي محقا، ~~أو تحلف، فتبرأ إن كان مبطلا. ### | [فصل ادعى رجل نكاح امرأة] # (8497) فصل: وإذا ادعى رجل نكاح امرأة، احتاج إلى ذكر شرائط النكاح، ~~فيقول: تزوجتها بولي مرشد وشاهدي عدل ورضاها. إن كانت ممن يعتبر رضاها. ~~وهذا منصوص الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يحتاج إلى ذكر شرائطه؛ ms5756 لأنه ~~نوع ملك، فأشبه ملك العبد، ألا ترى أنه لا يحتاج أن يقول: وليست معتدة ولا ~~مرتدة ولنا، أن الناس اختلفوا في شرائط النكاح، فمنهم من يشترط الولي ~~والشهود، ومنهم من لا يشترط، ومنهم من يشترط إذن البكر البالغ لأبيها في ~~تزويجها، ومنهم من لا يشترطه، وقد يدعي نكاحا يعتقده صحيحا، والحاكم لا يرى ~~صحته، ولا ينبغي أن يحكم بصحته مع جهله بها، ولا يعلم بها ما لم تذكر ~~الشروط، وتقم البينة بها، وتفارق المال، فإن أسبابه تنحصر، وقد يخفى على ~~المدعي سبب ثبوت حقه، والعقود تكثر شروطها، ولذلك اشترطنا لصحة البيع شروطا ~~سبعة، وربما لا يحسن المدعي عدها ولا يعرفها، والأموال مما يتساهل فيها؛ ~~ولذلك افترقا في اشتراط الولي والشهود في عقوده، فافترقا في الدعوى. وعدم ~~العدة والردة، لم يختلف الناس فيه، والأصل عدمها ولا تختلف به الأغراض. # فإن كانت المرأة أمة والزوج حرا، فقياس ما ذكرناه، أنه يحتاج إلى ذكر عدم ~~الطول، وخوف العنت؛ لأنهما من شرائط صحة نكاحها، وأما إن ادعى استدامة ~~الزوجية، ولم يدع العقد، لم يحتج إلى ذكر الشروط في أحد الوجهين؛ لأنه يثبت ~~بالاستفاضة. ولو اشترط ذكر الشروط، لاشترطت الشهادة به، ولا يلزم ذلك في ~~شهادة الاستفاضة. وفي الثاني يحتاج إلى ذكر الشروط؛ لأنه دعوى نكاح، فأشبه ~~دعوى العقد. ### | [فصل ادعت المرأة النكاح على زوجها] # (8498) فصل: وإن ادعت المرأة النكاح على زوجها، وذكرت معه حقا من حقوق ~~النكاح، كالصداق والنفقة # PageV10P243 # ونحوها، سمعت دعواها. بغير خلاف نعلمه؛ لأنها تدعي حقا لها تضيفه إلى ~~سببه، فتسمع دعواها، كما لو ادعت ملكا أضافته إلى الشراء. وإن أفردت دعوى ~~النكاح، فقال القاضي: تسمع دعواها أيضا؛ لأنه سبب لحقوق لها، فتسمع دعواها ~~فيه، كالبيع. وقال أبو الخطاب: فيه وجه آخر، لا تسمع دعواها؛ فيه لأن ~~النكاح حق للزوج عليها، فلا تسمع دعواها حقا لغيرها. فإن قلنا بالأول، سئل ~~الزوج، فإن أنكر ولم تكن بينة، فالقول قوله من غير يمين؛ لأنه إذا لم ~~تستحلف المرأة والحق عليها، فلأن لا يستحلف ms5757 من الحق له، وهو ينكره، أولى. # ويحتمل أن يستحلف؛ لأن دعواها إنما سمعت لتضمنها دعوى حقوق مالية تشرع ~~فيها اليمين. وإن قامت البينة بالنكاح، ثبت لها ما تضمنه النكاح من حقوقها. ~~وأما إباحتها له، فتنبني على باطن الأمر، فإن علم أنها زوجته حلت له؛ لأن ~~إنكاره النكاح ليس بطلاق، ولا نوى به الطلاق، وإن علم أنها ليست امرأته؛ ~~إما لعدم العقد، أو لبينونتها منه، لم تحل له. وهل يمكن منها في الظاهر؟ ~~يحتمل وجهين؛ أحدهما، يمكن منها؛ لأن الحاكم قد حكم بالزوجية. # والثاني، لا يمكن منها، لإقراره على نفسه بتحريمها عليه، فيقبل قوله في ~~حق نفسه دون ما عليه، كما لو تزوج امرأة، ثم قال: هي أختي من الرضاعة. فإذا ~~ثبت هذا، فإن دعواها النكاح كدعوى الزوج، فيما ذكرنا، من الكشف عن سبب ~~النكاح، وشرائط العقد. ومذهب الشافعي قريب مما ذكرنا في هذا الفصل. ### | [فصل ما لا يشترط فيه الولي والشهود] # (8499) فصل: فأما سائر العقود غير النكاح، كالبيع والإجارة والصلح ~~وغيرها، فلا يفتقر إلى الكشف، وذكر الشروط، في أصح الوجهين؛ لأنها لا يحتاط ~~لها ولا تفتقر إلى الولي والشهود، فلم تفتقر إلى الكشف، كدعوى العين، وسواء ~~كان المبيع جارية أو غيرها؛ لأنها مبيع، فأشبهت الجارية، وكذلك إذا كان ~~المدعى عينا أو دينا، لم يحتج إلى ذكر السبب؛ لأن أسباب ذلك تكثر ولا ~~تنحصر، وربما خفي على المستحق سبب استحقاقه، فلا يكلف بيانه، ويكفيه أن ~~يقول: أستحق هذه العين التي في يده، أو أستحق كذا وكذا في ذمته. ويقول في ~~البيع: إني اشتريت منه هذه الجارية بألف درهم، أو بعتها منه بذلك. ولا ~~يحتاج أن يقول: وهي ملكه، أو وهي ملكي - ونحن جائز الأمر - وتفرقنا عن ~~تراض. # وذكر أبو الخطاب في العقود وجها آخر، أنه يشترط ذكر شروطها، قياسا على ~~النكاح. وذكر أصحاب الشافعي هذين الوجهين، ووجها ثالثا، أنه إن كان المبيع ~~جارية، اشترط ذكر شروط البيع؛ لأنه # PageV10P244 # عقد يستباح به الوطء، فأشبه النكاح، وإن كان المبيع غيرها، لم يشترط؛ ~~لعدم ms5758 ذلك. والأول أولى؛ لأنها دعوى فيما لا يشترط فيه الولي والشهود، أشبه ~~دعوى العين. وما لزم ذكره في الدعوى، فلم يذكره، سأله الحاكم عنه، لتصير ~~الدعوى معلومة، فيمكن الحاكم الحكم بها. وقد ذكرنا سائر الدعاوى فيما سبق، ~~بما أغنى عن إعادته هاهنا. ### | [مسألة ادعى دابة في يد رجل فأنكر وأقام كل واحد منهما بينة] # (8500) مسألة؛ قال: (ومن ادعى دابة في يد رجل، فأنكر، وأقام كل واحد ~~منهما بينة، حكم بها للمدعي ببينته، ولم يلتفت إلى بينة المدعى عليه، لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بسماع بينة المدعي ويمين المدعى عليه، ~~وسواء شهدت بينة المدعى عليه أنها له، أو قالت: ولدت في ملكه عليه) وجملة ~~ذلك أن من ادعى شيئا في يد غيره، فأنكره، ولكل واحد منهما بينة، فإن بينة ~~المدعي تسمى بينة الخارج، وبينة المدعى عليه تسمى بينة الداخل، وقد اختلفت ~~الرواية عن أحمد، فيما إذا تعارضتا، فالمشهور عنه تقديم بينة المدعي، ولا ~~تسمع بينة المدعى عليه بحال. وهذا قول إسحاق. # وعنه، رواية ثانية، إن شهدت بينة الداخل بسبب الملك، وقالت: نتجت في ~~ملكه، أو اشتراها، أو نسجها. أو كانت بينته أقدم تاريخا، قدمت، وإلا قدمت ~~بينة المدعي. وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور، في النتاج والنساج، فيما لا ~~يتكرر نسجه، فأما ما يتكرر نسجه، كالصوف والخز، فلا تسمع بينته؛ لأنها إذا ~~شهدت بالسبب، فقد أفادت ما لا تفيده اليد، وقد روى جابر بن عبد الله، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - اختصم إليه رجلان في دابة أو بعير، فأقام كل ~~واحد منهما البينة بأنها له، أنتجها، فقضى بها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - للذي هي في يده.» وذكر أبو الخطاب، رواية ثالثة، أن بينة المدعى ~~عليه تقدم بكل حال. وهو قول شريح، والشعبي، والنخعي والحكم والشافعي، وأبي ~~عبيد. وقال: هو قول أهل المدينة، وأهل الشام. # وروي عن طاوس وأنكر القاضي كون هذا رواية عن أحمد، وقال: لا تقبل بينة ~~الداخل إذا لم تفد إلا ما أفادته يده، ms5759 رواية واحدة. واحتج من ذهب إلى هذا ~~القول بأن جنبة المدعى عليه أقوى؛ لأن الأصل معه، ويمينه تقدم على يمين ~~المدعي، فإذا تعارضت البينتان، وجب إبقاء يده على ما فيها، وتقديمه، كما لو ~~لم تكن بينة لواحد منهما. وحديث جابر يدل على هذا، فإنه إنما قدمت بينته ~~ليده. # PageV10P245 # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على المدعي، واليمين ~~على المدعى عليه» . فجعل جنس البينة في جنبة المدعي، فلا يبقى في جنبة ~~المدعى عليه بينة، ولأن بينة المدعي أكثر فائدة، فوجب تقديمها، كتقديم بينة ~~الجرح على التعديل. ودليل كثرة فائدتها، أنها تثبت شيئا لم يكن، وبينة ~~المنكر إنما تثبت ظاهرا تدل اليد عليه، فلم تكن مفيدة، ولأن الشهادة بالملك ~~يجوز أن يكون مستندها رؤية اليد والتصرف، فإن ذلك جائز عند كثير من أهل ~~العلم، فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة، فتقدم عليها بينة المدعي، كما ~~تقدم على اليد، كما أن شاهدي الفرع لما كانا مبنيين على شاهدي الأصل، لم ~~تكن لهما مزية عليهما. (8501) فصل: وأي البينتين قدمناها، لم يحلف صاحبها ~~معها. # وقال الشافعي، في أحد قوليه: يستحلف صاحب اليد؛ لأن البينتين سقطتا ~~بتعارضهما، فصارا كمن لا بينة لهما، فيحلف الداخل كما لو لم تكن لواحد ~~منهما بينة. ولنا، أن إحدى البينتين راجحة، فيجب الحكم بها منفردة، كما لو ~~تعارض خبران، خاص وعام، أو أحدهما أرجح بوجه من الوجوه، ولا نسلم أن البينة ~~الراجحة تسقط، وإنما ترجح، ويعمل بها، وتسقط المرجوحة. ### | [فصل كانت البينة لأحد المدعين دون الآخر] # (8502) فصل: فإن كانت البينة لأحدهما دون الآخر، نظرت؛ فإن كانت البينة ~~للمدعي وحده، حكم بها، ولم يحلف، بغير خلاف في المذهب. وهو قول أهل الفتيا ~~من أهل الأمصار؛ منهم الزهري، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي وقال شريح وعون ~~بن عبد الله، والنخعي، والشعبي، وابن أبي ليلى: يستحلف الرجل مع بينته. قال ~~شريح لرجل: لو أثبت عندي كذا وكذا شاهدا، ما قضيت لك حتى تحلف. ولنا، قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - للحضرمي: «بينتك، أو يمينه، ms5760 ليس لك إلا ذلك.» ~~وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على المدعي، واليمين على ~~المدعى عليه» . ولأن البينة إحدى حجتي الدعوى، فيكتفي بها، كاليمين. # قال أصحابنا: ولا فرق بين الحاضر والغائب، والحي والميت، والصغير ~~والكبير، والمجنون والمكلف. وقال الشافعي إذا كان المشهود عليه لا يعبر عن ~~نفسه، أحلف المشهود له، لأنه لا يمكنه أن يعبر عن نفسه في دعوى القضاء ~~والإبراء، فيقوم الحاكم مقامه في ذلك، لتزول الشبهة. وهذا حسن؛ فإن قيام ~~البينة للمدعي بثبوت حقه، لا ينفي احتمال القضاء والإبراء، بدليل أن المدعى ~~عليه لو ادعاه، سمعت دعواه وبينته، فإن كان حاضرا مكلفا، فسكوته عن دعوى ~~ذلك دليل على انتفائه، فيكتفي بالبينة، وإن كان غائبا، أو ممن لا قول له، ~~نفي احتمال ذلك من غير دليل يدل على انتفائه، فتشرع اليمين لنفيه. # وإن لم تكن للمدعي # PageV10P246 # بينة، وكانت للمنكر بينة سمعت بينته، ولم يحتج إلى الحلف معها؛ لأنا إن ~~قلنا بتقديمها مع التعارض، وأنه لا يحلف معها، فمع انفرادها أولى، وإن قلنا ~~بتقديم بينة المدعى عليه، فيجب أن يكتفي بها عن اليمين؛ لأنها أقوى من ~~اليمين، فإذا اكتفي باليمين، فيما هو أقوى منها أولى. ويحتمل أن تشرع ~~اليمين أيضا؛ لأن البينة هاهنا يحتمل أن تكون مستندها اليد والتصرف، فلا ~~تفيد إلا ما أفادته اليد والتصرف، وذلك لا يغني عن اليمين، فكذلك ما قام ~~مقامه. ### | [فصل ادعى الخارج أن الدابة ملكه وأنه أودعها للداخل] # (8503) فصل: وإن ادعى الخارج أن الدابة ملكه، وأنه أودعها للداخل، أو ~~أعاره إياها، أو آجرها منه، ولم يكن لواحد منهما بينة، فالقول قول المنكر ~~مع يمينه، ولا نعلم فيه خلافا. وإن كان لكل واحد منهما بينة؛ فبينة الخارج ~~مقدمة. وهذا قول الشافعي وقال القاضي: بينة الداخل مقدمة، لأنه هو الخارج ~~في المعنى، لأنه ثبت أن المدعي صاحب اليد، وأن يد الداخل نائبة عنه. ولنا، ~~قول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «البينة على المدعي» ولأن اليمين في حق ~~المدعى عليه، فتكون البينة للمدعي، كما لو لم ms5761 يدع الإيداع، يحققه أن دعواه ~~الإيداع زيادة في حجته، وشهادة البينة بها تقويه لها، فلا يجوز أن تكون ~~مبطلة لبينته. # وإن ادعى الخارج أن الداخل غصبه إياها، وأقاما بينتين، فهي للخارج، ~~ويقتضي قول القاضي أنها للداخل، والأولى ما ذكرناه. ### | [فصل في يد رجل جلد شاة مسلوخة ورأسها وسواقطها وباقيها في يد آخر فادعاها كل واحد منهما] # (8504) فصل: فإن كان في يد رجل جلد شاة مسلوخة، ورأسها وسواقطها وباقيها ~~في يد آخر، فادعاها كل واحد منهما كلها، ولا بينة لواحد منهما، فلكل واحد ~~منهما ما في يده مع يمينه. وإن أقاما بينتين، وقلنا: تقدم بينة الخارج. ~~فلكل واحد منهما ما في يد صاحبه، وإن قلنا: تقدم بينة الداخل. فلكل واحد ~~منهما ما في يده من غير يمين. ### | [فصل في يد كل واحد منهما شاة فادعى كل واحد منهما أن الشاة التي في يد صاحبه له ولا بينة لهما] # (8505) فصل: فإن كان في يد كل واحد منهما شاة، فادعى كل واحد منهما أن ~~الشاة التي في يد صاحبه له، ولا بينة لهما، حلف كل واحد منهما لصاحبه، ~~وكانت الشاة التي في يده له. وإن أقاما بينتين، فلكل واحد منهما الشاة التي ~~في يد صاحبه، ولا تعارض بينهما. وإن كان كل واحد منهما قال: هذه الشاة التي ~~في يدك لي، من نتاج شاتي هذه. فالتعارض في النتاج، لا في الملك إذ يستحيل ~~أن يكون كل واحد منهما يثبت الأخرى والحكم على ما تقدم. وإن ادعى كل واحد ~~منهما أن الشاتين لي دون صاحبي، وأقاما بينتين، تعارضتا، # PageV10P247 # وانبنى ذلك على القول في بينة الداخل والخارج، فمن قدم بينة الخارج، جعل ~~لكل واحد منهما ما في يد الآخر، ومن قدم بينة الداخل، أو قدمها إذا شهدت ~~بالنتاج، جعل لكل واحد منهما ما في يده. ### | [فصل الفاسق إذا ردت شهادته لفسقه ثم أعادها بعد] # (8506) فصل: وإذا ادعى زيد شاة في يد عمرو، وأقام بها بينة، فحكم له بها ~~حاكم، ثم ادعاها عمرو على زيد، وأقام بها ms5762 بينة؛ فإن قلنا: بينة الخارج ~~مقدمة. لم تسمع بينة عمرو؛ لأن بينة زيد مقدمة عليها. وإن قلنا: بينة ~~الداخل مقدمة. نظرنا في الحكم كيف وقع؛ فإن كان حكم بها لزيد لأن عمرا لا ~~بينة له، ردت إلى عمرو؛ لأنه قد قامت له بينة، واليد كانت له، وإن حكم بها ~~لزيد لأنه يرى تقديم بينة الخارج، لم ينقض حكمه؛ لأنه حكم بما يسوغ ~~الاجتهاد فيه. وإن كانت بينة عمرو قد شهدت له أيضا، وردها الحاكم لفسقها، ~~ثم عدلت، لم ينقض الحكم أيضا؛ لأن الفاسق إذا ردت شهادته لفسقه، ثم أعادها ~~بعد، لم تقبل. # وإن لم يعلم الحكم كيف كان، لم ينقض؛ لأن حكم الحاكم، الأصل جريانه على ~~العدل والإنصاف والصحة، فلا ينقض بالاحتمال. فإن جاء ثالث، فادعاها، وأقام ~~بها بينة، فبينته وبينة زيد متعارضتان، ولا يحتاج زيد إلى إقامة بينته؛ ~~لأنها قد شهدت مرة، وهما سواء في الشهادة حال التنازع، فلم يحتج إلى ~~إعادتها، كالبينة إذا شهدت، ووقف الحكم على البحث عن حالها، ثم بانت ~~عدالتها، فإنها تقبل، ويحكم من غير إعادة شهادتها، كذا هاهنا. ### | [فصل في يد رجل شاة فادعاها رجل أنها له منذ سنة] # (8507) فصل: وإذا كان في يد رجل شاة، فادعاها رجل أنها له منذ سنة، وأقام ~~بذلك بينة، وادعى الذي هي في يده أنها في يده منذ سنتين، وأقام بذلك بينة، ~~فهي للمدعي، بغير خلاف؛ لأن بينته تشهد له بالملك، وبينة الداخل تشهد باليد ~~خاصة، فلا تعارض بينهما، لإمكان الجمع بينهما، بأن تكون اليد على غير ملك، ~~فكانت بينة الملك أولى. فإن شهدت بينة بأنها ملكه منذ سنتين، فقد تعارض ~~ترجيحان، تقدم التاريخ من جهة بينة الداخل، وكون الأخرى بينة الخارج، ففيه ~~روايتان؛ إحداهما، تقدم بينة الخارج. وهو قول أبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور ~~ويقتضيه عموم كلام الخرقي؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على ~~المدعي» ، ولأن بينة الداخل يجوز أن يكون مستندها اليد، فلا تفيد أكثر مما ~~تفيده اليد، فأشبهت الصورة التي قبلها. والثانية، تقدم بينة ms5763 الداخل. وهو ~~قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنها تضمنت زيادة. # فإن كانت بالعكس، فشهدت بينة الداخل أنه يملكها منذ سنة، وشهدت بينة ~~الخارج أنه يملكها منذ سنتين، قدمت بينة الخارج، إلا على الرواية التي تقدم ~~فيها بينة الداخل، فيخرج فيها وجهان؛ بناء على الروايتين في التي قبلها. ~~وظاهر مذهب الشافعي تقديم بينة الداخل على كل حال. وقال بعضهم: فيها قولان. # PageV10P248 # وإن ادعى الخارج أنها ملكه منذ سنة، وادعى الداخل أنه اشتراها منه منذ ~~سنتين، وأقام كل واحد منهما بينة، قدمت بينة الداخل. ذكره القاضي. وهو قول ~~أبي ثور فإن اتفق تاريخ السنين، إلا أن بينة الداخل تشهد بنتاج، أو بشراء، ~~أو غنيمة، أو إرث، أو هبة من مالك، أو قطيعة من الإمام، أو سبب من أسباب ~~الملك، ففي أيهما تقدم؟ روايتان، ذكرناهما. وإن ادعى أحدهما أنه اشتراها من ~~الآخر، قضي له بها؛ لأن بينة الابتياع شهدت بأمر حادث، خفي على البينة ~~الأخرى، فقدمت عليها، كتقديم بينة الجرح على بينة التعديل. ### | [مسألة تنازع رجلان في عين في أيديهما فادعى كل واحد منهما أنها ملكه] # (8508) مسألة؛ قال: (ولو كانت الدابة في أيديهما، فأقام أحدهما البينة ~~أنها له، وأقام الآخر البينة أنها له، نتجت في ملكه، سقطت البينتان، وكانا ~~كمن لا بينة لهما، وكانت اليمين لكل واحد منهما على صاحبه في النصف المحكوم ~~له به) وجملته أنه إذا تنازع رجلان في عين في أيديهما، فادعى كل واحد منهما ~~أنها ملكه دون صاحبه؛ ولم تكن لهما بينة، حلف كل واحد منهما لصاحبه، وجعلت ~~بينهما نصفين. لا نعلم في هذا خلافا؛ لأن يد كل واحد منهما على نصفها، ~~والقول قول صاحب اليد مع يمينه. وإن نكلا جميعا عن اليمين، فهي بينهما ~~أيضا؛ لأن كل واحد منهما يستحق ما في يد الآخر بنكوله. # وإن نكل أحدهما، وحلف الآخر، قضي له بجميعها؛ لأنه يستحق ما في يده ~~بيمينه، وما في يد صاحبه إما بنكوله، وإما بيمينه التي ردت عليه عند نكول ~~صاحبه. وإن كانت لأحدهما بينة دون الآخر ms5764 حكم له بها. لا نعلم في هذا خلافا. ~~وإن أقام كل واحد منهما بينة، وتساوتا، تعارضت البينتان، وقسمت العين ~~بينهما نصفين. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لما روى أبو ~~موسى - رضي الله عنه - «أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في بعير، فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالبعير بينهما نصفين» رواه أبو داود. ولأن كل واحد منهما داخل ~~في نصف العين، خارج عن نصفها، فتقدم بينة # PageV10P249 # كل واحد منهما فيما في يده عند من يقدم بينة الداخل، وفيما في يد صاحبه ~~عند من يقدم بينة الخارج، فيستويان على كل واحد من القولين. # وذكر أبو الخطاب فيها، رواية أخرى، أنه يقرع بينهما، فمن خرجت قرعته، حلف ~~أنها لا حق للآخر فيها، وكانت العين له، كما لو كانت في يد غيرهما. والأول ~~أصح؛ للخبر والمعنى. واختلفت الرواية، هل يحلف كل واحد منهما على النصف ~~المحكوم له به، أو يكون له من غير يمين؟ فروي أنه يحلف، وهذا ذكره الخرقي؛ ~~لأن البينتين لما تعارضتا من غير ترجيح، وجب إسقاطهما، كالخبرين إذا تعارضا ~~وتساويا، وإذا سقطا صار المختلفان كمن لا بينة لهما، ويحلف كل واحد منهما ~~على النصف المحكوم له به. وهذا أحد قولي الشافعي؛ بناء على أن اليمين تجب ~~على الداخل مع بينته، وكل واحد منهما داخل في نصفها، فيحكم له به ببينته، ~~ويحلف معها، في أحد القولين. والرواية الأخرى، أن العين تقسم بينهما من غير ~~يمين. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. وهو أصح؛ للخبر ~~والمعنى الذي ذكرناه. ولا يصح قياس هاتين البينتين على الخبرين المتساويين؛ ~~لأن كل بينة راجحة في نصف العين، على كل واحد من القولين. # وقد ذكرنا أن البينة الراجحة يحكم بها من غير حاجة إلى يمين. فأما إن ~~شهدت إحدى البينتين بأن العين لهذا، وشهدت الأخرى أنها لهذا الآخر، نتجت في ~~ملكه، فقد ذكرنا في الترجيح بهذا روايتين؛ إحداهما، لا يرجح به. وهو اختيار ms5765 ~~الخرقي؛ لأنهما تساويا فيما يرجع إلى المختلف فيه، وهو ملك العين الآن، ~~فوجب تساويهما في الحكم. والثانية، تقدم بينة النتاج وما في معناه. وهو ~~مذهب أبي حنيفة؛ لأنها تتضمن زيادة علم، وهو معرفة السبب، والأخرى خفي ~~عليها ذلك، فيحتمل أن تكون شهادتهما مستندة إلى مجرد اليد والتصرف، فتقدم ~~الأولى عليها، كتقدم بينة الجرح على التعديل. وهذا قول القاضي فيما إذا ~~كانت العين في يد غيرهما. ### | [فصل تعارض البينتان في الملك] # (8509) فصل: فإن شهدت إحداهما أنها له منذ سنة، وشهدت الأخرى أنها له منذ ~~سنتين، فظاهر كلام الخرقي # PageV10P250 # التسوية بينهما، وهو أحد قولي الشافعي. وقال القاضي: قياس المذهب تقديم ~~أقدمهما تاريخا. وهو قول أبي حنيفة، والقول الثاني للشافعي لأن المتقدمة ~~التاريخ، أثبتت الملك له في وقت لم تعارضه فيه البينة الأخرى، فيثبت الملك ~~فيه، ولهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان، وتعارضت البينتان في الملك ~~في الحال، فسقطتا، وبقي ملك السابق تجب استدامته، وأن لا يثبت لغيره ملك، ~~إلا من جهته. # ووجه قول الخرقي، أن الشاهد بالملك الحادث أحق بالترجيح؛ لجواز أن يعلم ~~به دون الأول، ولهذا لو ذكر أنه اشتراه من الآخر، أو وهبه له، لقدمت بينته ~~اتفاقا، فإذا لم ترجح بهذا، فلا أقل من التساوي. وقولهم: إنه يثبت الملك في ~~الزمن الماضي من غير معارضة. قلنا: إنما يثبت تبعا لثبوته في الحال، ولو ~~انفرد بأن يدعي الملك في الماضي، لم تسمع دعواه ولا بينته، فإن وقتت ~~إحداهما وأطلقت الأخرى، فهما سواء. ذكره القاضي. # وقال أبو الخطاب: يحتمل أن يحكم به لمن لم يوقت. وهو قول أبي يوسف، ~~ومحمد. ولنا، أنه ليس في إحداهما ما يقتضي الترجيح من تقدم الملك ولا غيره، ~~فوجب استواؤهما، كما لو أطلقتا، أو استوى تاريخهما. ### | [فصل ترجيح إحدى البينتين بكثرة العدد] # (8510) فصل: ولا ترجح إحدى البينتين بكثرة العدد، ولا اشتهار العدالة. ~~وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. ويتخرج أن ترجح بذلك، مأخوذا من قول ~~الخرقي: ويتبع الأعمى أوثقهما في نفسه. وهذا قول مالك؛ لأن أحد الخبرين ms5766 ~~يرجح بذلك، فكذلك الشهادة، لأنها خبر، ولأن الشهادة إنما اعتبرت لغلبة الظن ~~بالمشهود به، وإذا كثر العدد أو قويت العدالة، كان الظن به أقوى. وقال ~~الأوزاعي: يقسم على عدد الشهود، فإذا شهد لأحدهما شاهدان، وللآخر أربعة، ~~قسمت العين بينهما أثلاثا؛ لأن الشهادة سبب الاستحقاق، فيوزع الحق عليها. # ولنا، أن الشهادة مقدرة بالشرع، فلا تختلف بالزيادة، كالدية، وتخالف ~~الخبر، فإنه مجتهد في قبول خبر الواحد دون العدد، فرجح بالزيادة. والشهادة ~~يتفق فيها على خبر الاثنين، فصار الحكم متعلقا بهما دون اعتبار الظن، ألا ~~ترى أنه لو شهد النساء منفردات، لا تقبل شهادتهن، وإن كثرن حتى صار الظن ~~بشهادتهن أغلب من شهادة الذكرين. وعلى هذا لا ترجح شهادة الرجلين على شهادة ~~الرجل والمرأتين في المال؛ لأن كل واحدة من البينتين حجة في المال، فإذا ~~اجتمعتا تعارضتا، فأما إن كان لأحدهما شاهدان وللآخر شاهد، فبذل يمينه معه، ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، يتعارضان؛ لأن كل واحد منهما حجة بمفرده، فأشبها ~~الرجلين مع الرجل والمرأتين. # PageV10P251 # والثاني، يقدم الشاهدان، لأنهما حجة متفق عليها، والشاهد واليمين مختلف ~~فيهما، ولأن اليمين قوله لنفسه، والبينة الكاملة شهادة الأجنبيين، فيجب ~~تقديمها، كتقديمها على يمين المنكر، وهذا الوجه أصح، إن شاء الله. وللشافعي ~~قولان، كالوجهين. ### | [فصل في أيديهما دار فادعاها أحدهما كلها وادعى الآخر نصفها] # (8511) فصل: وإذا كان في أيديهما دار، فادعاها أحدهما كلها وادعى الآخر ~~نصفها، ولا بينة لهما، فهي بينهما نصفين. نص عليه أحمد وعلى مدعي النصف ~~اليمين لصاحبه، ولا يمين على الآخر؛ لأن النصف المحكوم له به لا منازع له ~~فيه. ولا نعلم في هذا خلافا. إلا أنه حكي عن ابن شبرمة، أن لمدعي الكل ~~ثلاثة أرباعها، لأن النصف له لا منازع فيه، والنصف الآخر يقسم بينهما على ~~حسب دعواهما فيه. ولنا أن يد مدعي النصف على ما يدعيه، فكان القول قوله فيه ~~مع يمينه كسائر الدعاوى. فإن كان لكل واحد منهما بينة بما يدعيه، فقد ~~تعارضت بينتاهما فالنصف، لمدعي الكل، والنصف الآخر ينبني على الخلاف في أي ~~البينتين ms5767 تقدم، وظاهر المذهب تقديم بينة المدعي، فتكون الدار كلها لمدعي ~~الكل. وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه. # فإن كانت الدار في يد ثالث لا يدعيها، فالنصف لصاحب الكل، لا منازع له ~~فيه، ويقرع بينهما في النصف الآخر، فمن خرجت له القرعة، حلف، وكان له. وإن ~~كان لكل واحد بينة، تعارضتا وسقطتا، وصارا كمن لا بينة لهما. وإن قلنا: ~~تستعمل البينتان. أقرع بينهما، وقدم من تقع له القرعة، في أحد الوجهين. ~~والثاني، يقسم النصف المختلف فيه بينهما، فيصير لمدعي الكل ثلاثة أرباعها. ### | [فصل الدار في يد ثلاثة ادعى أحدهم نصفها وادعى الآخر ثلثها وادعى الآخر سدسها] # (8512) فصل: فإن كانت الدار في يد ثلاثة، ادعى أحدهم نصفها، وادعى الآخر ~~ثلثها، وادعى الآخر سدسها، فهذا اتفاق منهم على كيفية ملكهم، وليس هاهنا ~~اختلاف ولا تجاحد، فإن ادعى كل واحد منهم أن باقي الدار وديعة، أو عارية ~~معي، وكانت لكل واحد منهم بما ادعاه من الملك بينة، قضي له به؛ لأن بينته ~~تشهد له بما ادعاه، ولا معارض لها، وإن لم تكن لواحد منهما بينة، حلف كل ~~واحد منهم، وأقر في يده ثلثها. (8513) فصل: فإن ادعى أحدهم جميعها، وادعى ~~الآخر نصفها، والآخر ثلثها، فإن لم تكن لواحد منهم بينة، قسمت بينهم ~~أثلاثا، وعلى كل واحد منهم اليمين على ما حكم له به؛ لأن يد كل واحد منهم ~~على ثلثها. وإن كانت لأحدهم بينة، نظرت؛ فإن كانت لمدعي الجميع، فهي له، ~~وإن كانت لمدعي النصف، أخذه، والباقي بين الآخرين نصفين، لمدعي الكل السدس ~~بغير يمين، ويحلف على نصف السدس، ويحلف الآخر على الربع # PageV10P252 # الذي يأخذه جميعه. # فإن كانت البينة لمدعي الثلث، أخذه، والباقي بين الآخرين، لمدعي الكل ~~السدس بغير يمين، ويحلف على السدس الآخر، ويحلف الآخر على جميع ما يأخذه. ~~وإن كانت لكل واحد بما يدعيه بينة، فإن قلنا: تقدم بينة صاحب اليد. قسمت ~~بينهم أثلاثا؛ لأن يد كل واحد منهم على الثلث، وإن قلنا: تقدم بينة الخارج. ~~فينبغي أن تسقط بينة صاحب الثلث؛ لأنها داخلة ms5768 ولمدعي النصف السدس؛ لأن ~~بينته خارجة فيه، ولمدعي الكل خمسة أسداس؛ لأن له السدس بغير بينة؛ لكونه ~~لا منازع له فيه، فإن أحدا لا يدعيه، وله الثلثان؛ لكون بينته خارجة عنهما. ~~وقيل: بل لمدعي الثلث السدس؛ لأن بينة مدعي الكل ومدعي النصف تعارضتا فيه، ~~فتساقطتا، وبقي لمن هو في يده، ولا شيء لمدعي النصف لعدم ذلك فيه، وسواء ~~كان لمدعي الثلث بينة، أو لم تكن. وإن كانت العين في يد غيرهم واعترف أنه ~~لا يملكها، ولا بينة لهم، فالنصف لمدعي الكل؛ لأنه ليس منهم من يدعيه، ~~ويقرع بينهم في النصف الباقي، فإن خرجت القرعة لصاحب الكل، أو لصاحب النصف، ~~حلف وأخذه، وإن خرجت لصاحب الثلث، حلف وأخذ الثلث، ثم يقرع بين الآخرين في ~~السدس، فمن قرع صاحبه، حلف وأخذه وإن أقام كل واحد منهم بينة بما ادعاه، ~~فالنصف لمدعي الكل؛ لما ذكرنا، والسدس الزائد، يتنازعه مدعي الكل ومدعي ~~النصف، والثلث يدعيه الثلاثة، وقد تعارضت البينات فيه، فإن قلنا: تسقط ~~البينات. # أقرعنا بين المتنازعين فيما تنازعوا فيه، فمن قرع صاحبه، حلف وأخذه، ~~ويكون الحكم فيه كما لو لم تكن لهم بينة. وهذا قول أبي عبيد، وقول الشافعي ~~إذ كان بالعراق. وعلى الرواية التي تقول: إذا تعارضت البينات، قسمت العين ~~بين المتداعين. فلمدعي الكل النصف ونصف السدس الزائد عن الثلث وثلث الثلث، ~~ولمدعي النصف نصف السدس وثلث الثلث، ولمدعي الثلث ثلثه وهو التسع، فتخرج ~~المسألة من ستة وثلاثين سهما؛ لمدعي الكل النصف ثمانية عشر سهما، ونصف ~~السدس ثلاثة، والتسع أربعة، فذلك خمسة وعشرون سهما، ولصاحب النصف سبعة، ~~ولمدعي الثلث أربعة وهو التسع. وهذا قياس قول قتادة، والحارث العكلي، وابن ~~شبرمة، وحماد، وأبي حنيفة. وهو قول للشافعي وقال أبو ثور: يأخذ مدعي الكل ~~النصف، ويوقف الباقي حتى يتبين. ويروى هذا عن مالك. وهو قول للشافعي. # وقال ابن أبي ليلى وقوم من أهل العراق: تقسم العين بينهم على حسب عول ~~الفرائض، لصاحب الكل ستة، ولصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث سهمان، فتصح من ~~أحد عشر ms5769 سهما. وسئل سهل بن عبد الله بن أبي أوس عن ثلاثة ادعوا كيسا وهو ~~بأيديهم، ولا بينة لهم، وحلف كل # PageV10P253 # واحد منهم على ما ادعاه؛ ادعى أحدهم جميعه، وادعى آخر ثلثيه، وادعى آخر ~~نصفه؟ فأجاب فيهم بشعر: يقول # نظرت أبا يعقوب في الحسب التي ... طرت فأقامت منهم كل قاعد # فللمدعي الثلثين ثلث وللذي ... استلاط جميع المال عند التحاشد # من المال نصف غير ما سينوبه ... وحصته من نصف ذا المال زائد # وللمدعي نصفا من المال ربعه ... ويؤخذ نصف السدس من كل واحد # وهذا قول من قسم المال بينهم على حسب العول، فكأن المسألة عالت من ستة ~~إلى ثلاثة عشر؛ وذلك أنه أخذ مخرج الكسور، وهي ستة فجعلها لمدعي الكل، ~~وثلثاها أربعة لمدعي الثلثين، ونصفها ثلاثة، لمدعي النصف، صارت ثلاثة عشر. ### | [فصل الدار في أيدي أربعة فادعى أحدهم جميعها والثاني ثلثيها والثالث نصفها والرابع ثلثها] # (8514) فصل: فإن كانت الدار في أيدي أربعة، فادعى أحدهم جميعها، والثاني ~~ثلثيها، والثالث نصفها، والرابع ثلثها، ولا بينة لهم، حلف كل واحد وله ~~ربعها؛ لأنها في يده، والقول قول صاحب اليد مع يمينه. وإن أقام كل واحد ~~منهم بما ادعاه بينة، قسمت بينهم أرباعا أيضا؛ لأننا إن قلنا: تقدم بينة ~~الداخل. فكل واحد منهم داخل في ربعها، فتقدم بينته فيه. وإن قلنا: تقدم ~~بينة الخارج. فإن الرجلين إذا ادعيا عينا في يد غيرهما، فأنكرهما، وأقام كل ~~واحد منهما بينة بدعواه، تعارضتا، وأقر الشيء في يد من هو في يده. وإن كانت ~~الدار في يد خامس لا يدعيها، ولا بينة لواحد منهم بما ادعاه، فالثلث لمدعي ~~الكل؛ لأن أحدا لا ينازعه فيه، ويقرع بينهم في الباقي، فإن خرجت القرعة ~~لصاحب الكل، أو لمدعي الثلثين، أخذه، وإن وقعت لمدعي النصف، أخذه، وأقرع ~~بين الباقين في الباقي، وإن وقعت لصاحب الثلث، أخذه، وأقرع بين الثلاثة في ~~الثلث الباقي. وهذا قول أبي عبيد، والشافعي إذ كان بالعراق، إلا أنهم عبروا ~~عنه بعبارة أخرى، فقالوا: لمدعي الكل الثلث، ويقرع بينه وبين مدعي ms5770 الثلثين ~~في السدس الزائد عن النصف، ثم يقرع بينهما وبين مدعي النصف في السدس الزائد ~~عن الثلث، ثم يقرع بين الأربعة في الثلث الباقي، ويكون الإقراع في ثلاثة ~~مواضع. # وعلى الرواية الأخرى، الثلث لمدعي الكل، ويقسم السدس الزائد عن النصف ~~بينه وبين مدعي الثلثين، ثم يقسم السدس الزائد عن الثلث بينهما وبين مدعي ~~النصف أثلاثا، ثم يقسم الثلث الباقي بين الأربعة أرباعا، وتصح المسألة من ~~ستة وثلاثين سهما، لصاحب الكل ثلثها اثنا عشر، ونصف السدس الزائد على النصف ~~ثلاثة، وثلث السدس الزائد عن الثلث سهمان، وربع الثلث الباقي ثلاثة، فيحصل ~~له عشرون # PageV10P254 # سهما، وهي خمسة أتساع الدار. ولمدعي الثلثين ثمانية أسهم، تسعان وهي مثل ~~ما لمدعي الكل بعد الثلث الذي انفرد به، ولمدعي النصف خمسة أسهم، تسع وربع ~~تسع، ولمدعي الثلث ثلاثة، نصف السدس. # وعلى قول من قسمها على العول، هي من خمسة عشر، لصاحب الكل ستة، ولصاحب ~~الثلثين أربعة، ولصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث سهمان. وعلى قول أبي ثور، ~~لصاحب الكل الثلث، ويوقف الباقي حتى يتبين. ### | [مسألة تداعيا عينا في يد غيرهما ولا بينة لهما] # (8515) مسألة؛ قال: (ولو كانت الدابة في يد غيرهما، واعترف أنه لا ~~يملكها، وأنها لأحدهما لا يعرفه عينا، قرع بينهما، فمن قرع صاحبه، حلف، ~~وسلمت إليه) وجملته أن الرجلين إذا تداعيا عينا في يد غيرهما، ولا بينة ~~لهما، فأنكرهما، فالقول قوله مع يمينه، بغير خلاف نعلمه. وإن اعترف أنه لا ~~يملكها، وقال: لا أعرف صاحبها. أو قال: هي لأحدكما، لا أعرفه عينا. أقرع ~~بينهما، فمن قرع صاحبه، حلف أنها له، وسلمت إليه؛ لما روى أبو هريرة، «أن ~~رجلين تداعيا عينا، لم تكن لواحد منهما بينة، فأمرهما النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يستهما على اليمين، أحبا أم كرها» . رواه أبو داود، ولأنهما ~~تساويا في الدعوى، ولا بينة لواحد منهما ولا يد، والقرعة تميز عند التساوي، ~~كما لو أعتق عبيدا لا مال له غيرهم، في مرض موته. # وأما إن كانت لأحدهما بينة، حكم بها، بغير خلاف ms5771 نعلمه. وإن كانت لكل واحد ~~منهما بينة، ففيه روايتان، ذكرهما أبو الخطاب؛ إحداهما، تسقط البينتان، ~~ويقترع المدعيان على اليمين، كما لو لم تكن بينة. وهذا الذي ذكره القاضي. ~~وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه ذكر القرعة، ولم يفرق بين أن تكون معهما بينة ~~أو لم تكن. وروي هذا عن ابن عمر وابن الزبير وبه قال إسحاق، وأبو عبيد. وهو ~~رواية عن مالك، وقديم قول الشافعي. وذلك لما روى ابن المسيب، «أن رجلين ~~اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر، وجاء كل منهما بشهود # PageV10P255 # عدول، على عدة واحدة فأسهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما» . رواه ~~الشافعي، في " مسنده ". ولأن البينتين حجتان تعارضتا، من غير ترجيح ~~لإحداهما على الأخرى، فسقطتا، كالخبرين. والرواية الثانية، تستعمل ~~البينتان. وفي كيفية استعمالهما روايتان؛ إحداهما، تقسم العين بينهما. وهو ~~قول الحارث العكلي، وقتادة، وابن شبرمة، وحماد، وأبي حنيفة، وقول للشافعي؛ ~~لما روى أبو موسى، «أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في بعير، وأقام كل واحد منهما البينة أنه له؛ فقضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - به بينهما نصفين» . # ولأنهما تساويا في دعواه، فيتساويان في قسمته. والرواية الثانية، تقدم ~~إحداهما بالقرعة. وهو قول الشافعي. وله قول رابع، يوقف الأمر حتى يتبين. ~~وهو قول أبي ثور، لأنه اشتبه الأمر، فوجب التوقف، كالحاكم إذا لم يتضح له ~~الحكم في قضيته. ولنا، الخبران، وأن تعارض الحجتين لا يوجب التوقف، ~~كالخبرين، بل إذا تعذر الترجيح، أسقطناهما، ورجعنا إلى دليل غيرهما. إذا ~~ثبت هذا، فإننا إذا قلنا: إن البينتين تسقطان. أقرع بينهما، فمن خرجت له ~~قرعته، حلف، وأخذها، كما لو لم تكن لهما بينة. # وإن قلنا: يعمل بالبينتين، ويقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، أخذها من ~~غير يمين. وهذا قول الشافعي؛ لأن البينة تغني عن اليمين. وقال أبو الخطاب: ~~عليه اليمين مع البينة، ترجيحا لها. وعلى هذا القول تكون هذه الرواية ~~كالأولى في هذا الحكم، وإنما يظهر الفرق بينهما في شيء آخر، سنذكره، إن شاء ms5772 ~~الله تعالى. ### | [فصل أنكر البينة من العين في يده وكانت لأحدهما بينة] # (8516) فصل: فإن أنكرها من العين في يده، وكانت لأحدهما بينة، حكم له ~~بها. وإن أقام كل واحد منهما بينة، فإن قلنا: تستعمل البينتان. أخذت العين ~~من يده، وقسمت بينهما، على قول من يرى القسمة، أو تدفع إلى من تخرج له ~~القرعة، على قول من يرى ذلك. وإن قلنا: تسقط البينتان، حلف صاحب اليد، ~~وأقرت في يده، كما لو لم تكن لهما بينة. وإن أقر بها بعد ذلك لهما، أو ~~لأحدهما، قبل إقراره. وإن أقر بها في الابتداء لأحدهما، صار المقر له صاحب ~~اليد؛ لأن من هي في يده مقر بأن يده نائبة عن يده. وإن أقر لهما جميعا، ~~فاليد لكل واحد منهما في، الجزء الذي أقر له به؛ لذلك. ### | [فصل تداعيا عينا في يد غيرهما فقال هي لأحدكما] # (8517) فصل: وإن تداعيا عينا في يد غيرهما، فقال: هي لأحدكما لا أعرفه ~~عينا. أو قال: لا أعرف صاحبها، أهو # PageV10P256 # أحدكما أو غيركما. أو قال: أودعنيها أحدكما. أو: رجل لا أعرفه عينا فادعى ~~كل واحد منهما أنك تعلم أني صاحبها، أو أني الذي أودعتكها، أو طلبت يمينه، ~~لزمه أن يحلف له؛ لأنه لو أقر له، لزمه تسليمها إليه، ومن لزمه الحق مع ~~الإقرار، لزمته اليمين مع الإنكار، ويحلف على ما ادعاه من نفي العلم. وإن ~~صدقاه، فلا يمين عليه. وإن صدقه أحدهما، حلف للآخر. وإن أقر بها لواحد ~~منهما، أو غيرهما، صار المقر له صاحب اليد. فإن قال غير المقر له: احلف لي ~~أن العين ليست ملكي، أو أني لست الذي أودعتكها. لزمه اليمين على ما ادعاه ~~من ذلك؛ لما ذكرنا. وإن نكل عن اليمين، قضي عليه بقيمتها. # وإن اعترف بها لهما كان الحكم فيها كما لو كانت في أيديهما ابتداء، وعليه ~~اليمين لكل واحد منهما في النصف المحكوم به لصاحبه، وعلى كل واحد منهما ~~اليمين لصاحبه في النصف المحكوم له به. ### | [فصل أقام كل واحد منهما بما ادعاه بينة] # (8518) فصل: ms5773 وإذا كان في يد رجل دار، فادعاها نفسان، قال أحدهما: ~~آجرتكها. وقال الآخر: هي داري أعرتكها. أو قال: هي داري ورثتها من أبي. أو ~~قال: هي داري. ولم يذكر شيئا آخر، فأنكرهما صاحب اليد، وقال: هي داري. ~~فالقول قوله مع يمينه. وإن كان لأحدهما بينة، حكم له بها. وإن أقام كل واحد ~~منهما بما ادعاه بينة، تعارضتا، وكان الحكم على ما ذكرنا فيما مضى، إلا على ~~الرواية التي تقدم فيها البينة الشاهدة بالسبب، فإن بينة من ادعى أنه ورثها ~~مقدمة؛ لشهادتها بالسبب. # وإن أقام أحدهما بينة أنه غصبها منه، وأقام الآخر بينة أنه أقر له بها، ~~فهي للمغصوب منه، ولا تعارض بينهما؛ لأن الجمع بينهما ممكن، بأن يكون غصبها ~~من هذا، وأقر بها لغيره، وإقرار الغاصب باطل. وهذا مذهب الشافعي. فتدفع إلى ~~المغصوب منه، ولا يغرم للمقر له شيئا؛ لأنه ما حال بينه وبينها، وإنما حالت ~~البينة بينهما. ولو أقر بها لأحدهما، أو أقر أنه غصبها من غيره، لزمه ~~تسليمها إلى من أقر له بها أولا، ولزمه غرامتها للآخر؛ لأنه حال بينه ~~وبينها بإقراره الأول. ### | [فصل أخذ من رجلين ثوبين أحدهما بعشرة والآخر بعشرين ثم لم يدر أيهما ثوب هذا من ثوب هذا] # (8519) فصل: نقل ابن منصور، عن أحمد، في رجل أخذ من رجلين ثوبين، أحدهما ~~بعشرة والآخر بعشرين، ثم لم يدر أيهما ثوب هذا من ثوب هذا، فادعى أحدهما ~~ثوبا من هذين الثوبين، يعني وادعاه الآخر، يقرع بينهما، فأيهما أصابته ~~القرعة حلف وكان الثوب الجيد له، والآخر للآخر. وإنما قال ذلك؛ لأنهما ~~تنازعا عينا في يد غيرهما. ### | [فصل تداعيا عينا فقال كل واحد منهما هذه العين لي] # (8520) فصل: إذا تداعيا عينا، فقال كل واحد منهما: هذه العين لي، ~~اشتريتها من زيد بمائة، ونقدته إياها. ولا بينة لواحد منهما، فإن أنكرهما ~~زيد، حلف، وكانت العين له. وإن أقر بها لأحدهما، سلمها إليه وحلف للآخر. # PageV10P257 # وإن أقر لكل واحد منهما بنصفها، سلمت إليهما، وحلف لكل واحد منهما على ~~نصفها. وإن قال: ms5774 لا أعلم لمن هي منكما. أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، ~~حلف وأخذها. # وإن حلف البائع أنها له، ثم أقر بها لأحدهما، سلمت إليه، ثم إن أقر بها ~~للآخر، لزمته غرامتها له. وإن أقام كل واحد منهما بما ادعاه بينة، نظرنا؛ ~~فإن كانت البينتان مؤرختين بتاريخين مختلفين، مثل أن يدعي أحدهما أنه ~~اشتراها في المحرم، وادعى الآخر أنه اشتراها في صفر، وشهدت بينة كل واحد ~~منهما للآخر بدعواه، فهي للأول؛ لأنه ثبت أنه باعها للأول، فزال ملكه عنها، ~~فيكون بيعه في صفر باطلا، لكونه باع ما لا يملكه، ويطالب برد الثمن. وإن ~~كانتا مؤرختين بتاريخ واحد، أو مطلقتين، أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة، ~~تعارضتا؛ لتعذر الجمع، فينظر في العين، فإن كانت في يد أحدهما، انبنى ذلك ~~على الخلاف في بينة الداخل والخارج، فمن قدم بينة الداخل جعلها لمن هي في ~~يده، ومن قدم بينة الخارج، جعلها للخارج. وإن كانت في يد البائع، وقلنا: ~~تسقط البينتان. رجع إلى البائع، فإن أنكرهما، حلف لهما، وكانت له، وإن أقر ~~لأحدهما، سلمت إليه، وحلف للآخر، وإن أقر لهما، فهي بينهما، ويحلف لكل واحد ~~منهما على نصفها، كما لو لم تكن لهما بينة. # وإن قلنا: لا تسقط البينتان. لم يلتفت إلى إنكاره ولا اعترافه. وهذا قول ~~القاضي، وأكثر أصحاب الشافعي؛ لأنه قد ثبت زوال ملكه، وأن يده لا حكم لها، ~~فلا حكم لقوله، فمن قال: يقرع بينهما. أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، ~~فهي له مع يمينه. وهذا قول القاضي، لم يذكر شيئا سوى هذا. ومن قال: تقسم ~~بينهما. قسمت. وهذا ذكره أبو الخطاب. وقد نص عليه أحمد، في رواية الكوسج، ~~في رجل أقام البينة أنه اشترى سلعة بمائة، وأقام الآخر بينة أنه اشتراها ~~بمائتين، فكل واحد منهما يستحق النصف من السلعة بنصف الثمن، فيكونان شريكين ~~وحمل القاضي هذه الرواية، على أن العين في أيديهما، أو على أن البائع أقر ~~لهما جميعا. # وإطلاق الرواية يدل على صحة قول أبي الخطاب فعلى هذا، إن كان المبيع ms5775 مما ~~لا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه، فلكل واحد منهما الخيار؛ لأن الصفقة ~~تبعضت عليه. فإن اختارا الإمساك، رجع كل واحد منهما بنصف الثمن، وإن اختارا ~~الفسخ رجع كل واحد منهما بجميع الثمن، وإن اختار أحدهما الفسخ، توفرت ~~السلعة كلها على الآخر، إلا أن يكون الحاكم قد حكم له بنصف السلعة ونصف ~~الثمن، فلا يعود النصف الآخر إليه. وهذا قول الشافعي في كل مبيع. # PageV10P258 # (8521) فصل: فإن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد بمائة، وهي ملكه، وادعى ~~الآخر أنه اشتراها من عمرو، وهي ملكه، وأقام كل واحد منهما بدعواه بينة، ~~فهذه تشبه التي قبلها في المعنى، فإن كانت في يد أحد المشتريين، انبنى ذلك ~~على الروايتين في تقديم بينة الداخل والخارج. وإن كانت في يديهما، قسمت ~~بينهما؛ لأن بينة كل واحد منهما داخلة في أحد النصفين، خارجة في النصف ~~الآخر. وإن كانت في يد أحد البائعين، فأنكرهما، وادعاها لنفسه. فإن قلنا: ~~تسقط البينتان. حلف، وكانت له. # وإن أقر بها لأحدهما، صار الداخل، إلا أن يقر له بعد أن يحلف أنها له. ~~وإن قلنا: تقدم إحداهما بالقرعة. فهي لمن تخرج له القرعة مع يمينه. وإن ~~قلنا: تقسم بينهما. قسمت، ورجع كل واحد منهما بنصف ثمنها. وإن كان المبيع ~~مما يدخل في ضمان المشتري بنفس العقد، أو كان المشتري مقرا بقبضه، فلا خيار ~~لواحد منهما ولا رجوع بشيء من الثمن؛ لاعترافه بسقوط الضمان عن البائع، وإن ~~كان من المكيل والموزون، ولم يقبض، فلكل واحد منهما الخيار في الفسخ ~~والإمضاء، فإن اختار أحدهما الفسخ، لم يتوفر المبيع على الآخر؛ لأن البائع ~~اثنان، بخلاف التي قبلها. ### | [فصل في يد رجل دار فادعى عليه رجلان كل واحد منهما يزعم أنه غصبها منه وأقام بذلك بينة] # (8522) فصل: ولو كان في يد رجل دار، فادعى عليه رجلان، كل واحد منهما ~~يزعم أنه غصبها منه، وأقام بذلك بينة، فالحكم في هذه كالحكم فيما إذا ادعى ~~كل واحد منهما أنني اشتريتها منه، على ما مضى من التفصيل فيه. وإن ms5776 اتفق ~~تاريخهما، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما، تعارضتا، وإن قدم تاريخ إحداهما، ~~فهل ترجح بذلك؟ على وجهين. فأما إن شهدت البينة أنه أقر بغصبها من كل واحد ~~منهما، لزمه دفعها إلى الذي أقر له بها أولا، ويغرم قيمتها للآخر. ### | [فصل متى أمكن صدق البينتين] # (8523) فصل: فإن ادعى كل واحد منهما أنك اشتريتها مني بألف، وأقام بذلك ~~بينة، واتفق تاريخهما، مثل أن يقول كل واحد منهما: اشتراها مني مع الزوال، ~~يوم كذا ليوم واحد، فهما متعارضتان. فإن قلنا: تسقطان. رجع إلى قول المدعى ~~عليه، فإن أنكرهما، حلف لهما، وبرئ. وإن أقر لأحدهما، فعليه له الثمن، ~~ويحلف للآخر. وإن أقر لهما معا، فعليه لكل واحد منهما الثمن؛ لأنه يحتمل أن ~~يشتريها من أحدهما، ثم يهبها للآخر ويشتريها منه. وإن قال: اشتريتها منكما ~~صفقة واحدة بألف. فقد أقر لكل واحد منهما بنصف الثمن، وله أن يحلفه # PageV10P259 # على الباقي. # وإن قلنا: يقرع بينهما. فمن خرجت له القرعة، وجب له الثمن، ويحلف للآخر، ~~ويبرأ. وإن قلنا: يقسم. قسم الثمن بينهما، ويحلف لكل واحد منهما على ~~الباقي. وإن كان التاريخان مختلفين، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة، ~~والأخرى مؤرخة، ثبت العقدان، ولزمه الثمنان؛ لأنه يمكن أن يشتريها من ~~أحدهما ثم يملكها الآخر، فيشتريها منه، وإذا أمكن صدق البينتين والجمع ~~بينهما، وجب تصديقهما. فإن قيل: فلم قلتم إنه إذا كان البائع واحدا ~~والمشتري اثنان، فأقام أحدهما بينة أنه اشتراها في المحرم، وأقام الآخر ~~بينة أنه اشتراها في صفر، يكون الشراء الثاني باطلا؟ قلنا: لأنه إذا ثبت ~~الملك للأول، لم يبطله بأن يبيعه الثاني ثانيا، وفي مسألتنا ثبوت شرائه من ~~كل واحد منهما يبطل ملكه، لأنه لا يجوز أن يشتري ثانيا ملك نفسه، ويجوز أن ~~يبيع البائع ما ليس له، فافترقا. # فإن قيل: فإذا كانت البينتان مطلقتين، أو إحداهما مطلقة، احتمل أن يكون ~~تاريخهما واحدا، فيتعارضان، والأصل براءة ذمة المشهود عليه، فلا تشغل ~~بالشك. قلنا: إنه متى أمكن صدق البينتين، وجب تصديقهما، ولم يكن ثم شك، ~~وإنما يبقى ms5777 الوهم، والوهم لا تبطل به البينة، لأنها لو بطلت به، لم يثبت ~~بها حق أصلا، لأنه ما من بينة إلا ويحتمل أن تكون كاذبة، أو غير عادلة، أو ~~متهمة، أو معارضة، ولم يلتفت إلى هذا الوهم، كذا هاهنا. ### | [فصل مات رجل فشهد رجلان أن هذا الغلام ابن هذا الميت] # (8524) فصل: إذا مات رجل، فشهد رجلان أن هذا الغلام ابن هذا الميت، لا ~~نعلم له وارثا سواه، وشهد آخران لآخر أن هذا الغلام ابن هذا الميت، لا نعلم ~~له وارثا سواه، فلا تعارض بينهما، وثبت نسب الغلامين منه، ويكون الإرث ~~بينهما؛ لأنه يجوز أن تعلم كل بينة ما لم تعلمه الأخرى. ### | [فصل ادعى رجل عبدا في يد آخر أنه اشتراه منه وادعى العبد أن سيده أعتقه] # (8525) فصل: وإذا ادعى رجل عبدا في يد آخر أنه اشتراه منه، وادعى العبد ~~أن سيده أعتقه، ولا بينة لهما، فأنكرهما، حلف لهما، والعبد له. وإن أقر ~~لأحدهما، ثبت ما أقر له به، ويحلف للآخر. وإن أقام أحدهما بينة بما ادعاه، ~~ثبت. وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه، وكانتا مؤرختين بتاريخين ~~مختلفين، قدمنا الأولى، وبطلت الأخرى؛ لأنه إن سبق العتق، لم يصح البيع؛ ~~لأن بيع الحر لا يصح، وإن سبق البيع، لم يصح العتق؛ لأنه أعتق عبد غيره. ~~فإن قيل: يحتمل أنه عاد إلى ملكه فأعتقه. قلنا: قد ثبت الملك للمشتري، فلا ~~يبطله عتق البائع. # وإن كانتا مؤرختين بتاريخ واحد، أو مطلقتين، أو إحداهما مطلقة، تعارضتا؛ ~~لأنه لا ترجيح # PageV10P260 # لإحداهما على الأخرى. فإن كان في يد المشتري، انبنى ذلك على الخلاف في ~~تقديم بينة الداخل والخارج، فإن قدمنا بينة الداخل، فهو للمشتري، وإن قدمنا ~~بينة الخارج، قدم العتق؛ لأنه خارج. وإن كان في يد البائع، وقلنا: إن ~~البينتين تسقطان بالتعارض، صارا كمن لا بينة لهما، ويرجع إلى السيد، فإن ~~أنكرهما، حلف لهما، وإن أقر بالعتق، ثبت، ولم يحلف العبد؛ لأنه لو أقر بأنه ~~ما أعتقه، لم يلزمه شيء، فلا فائدة في إحلافه، ويحلف البائع للمشتري. ms5778 وإن ~~أقر للمشتري ثبت الملك، ولم يحلف العبد؛ لأنه لو أقر له أنه كان أعتقه، لم ~~يلزمه غرم، فلا فائدة في إحلافه. # وإن قلنا: يستعملان فاعترف لأحدهما لم يرجح باعترافه لأن ملكه قد زال فإن ~~قلنا ترجح إحدى البينتين بالقرعة أقرعنا بينهما، فمن خرجت قرعته، قدمناه. ~~قال أبو بكر هذا قياس قول أبي عبد الله. فعلى هذا، يحلف من خرجت له القرعة، ~~في أحد الوجهين. وإن قلنا: يقسم. قسمنا العبد، فجعلنا نصفه مبيعا ونصفه ~~حرا، ويسري العتق إلى جميعه إن كان البائع موسرا؛ لأن البينة قامت عليه ~~بأنه أعتقه مختارا، وقد ثبت العتق في نصفه بشهادتهما. ### | [فصل ادعى رجل زوجية امرأة فأقرت بذلك] # (8526) فصل: إذا ادعى رجل زوجية امرأة، فأقرت بذلك، قبل إقرارها، لأنها ~~أقرت على نفسها وهي غير متهمة، فإنها لو أرادت ابتداء النكاح، لم تمنع منه. ~~وإن ادعاها اثنان، فأقرت لأحدهما، لم يقبل منها؛ لأن الآخر يدعي ملك نصفها، ~~وهي معترفة أن ذلك قد ملك عليها، فصار إقرارها بحق غيرها؛ ولأنها متهمة، ~~فإنها لو أرادت ابتداء تزويج أحد المتداعيين، لم يكن لها ذلك قبل الانفصال ~~من دعوى الآخر. فإن قيل: فلو تداعيا عينا في يد ثالث، فأقر لأحدهما، قبل. ~~قلنا: لا يثبت الملك بإقراره في العين، وإنما يجعله كصاحب اليد، فيحلف، ~~والنكاح لا يستحق باليمين، فلم ينفع الإقرار به هاهنا، فإن كان لأحد ~~المتداعيين بينة، حكم له بها؛ لأن البينة حجة في النكاح وغيره. # وإن أقاما بينتين، تعارضتا، وسقطتا، وحيل بينهما وبينها، ولا يرجح أحد ~~المتداعيين بإقرار المرأة؛ لما ذكرنا، ولا بكونها في بيته ويده؛ لأن اليد ~~لا تثبت على حرة، ولا سبيل إلى القسمة هاهنا، ولا إلى القرعة؛ لأنه لا بد ~~مع القرعة من اليمين، ولا مدخل لها في النكاح. ### | [فصل قال السيد لعبده إن قتلت فأنت حر ثم مات فادعى العبد أنه قتل وأنكر الورثة] # (8527) فصل: إذا قال السيد لعبده: إن قتلت فأنت حر. ثم مات، فادعى العبد ~~أنه قتل، وأنكر الورثة، فالقول قولهم مع أيمانهم؛ ms5779 لأن الأصل عدم القتل، فإن ~~أقام بينة بدعواه، عتق، وإن أقام الورثة بينة بموته، قدمت بينة العبد، في ~~أحد الوجهين؛ لأنها تشهد بزيادة، وهي القتل. # PageV10P261 # والثاني، تتعارضان؛ لأن إحداهما تشهد بضد ما شهدت به الأخرى، فيبقى على ~~الرق. وإن قال: إن مت في رمضان، فعبدي سالم حر، وإن مت في شوال فعبدي غانم ~~حر. ثم مات، فادعى كل واحد منهما موته في الشهر الذي يعتق بموته فيه ~~وأنكرهما الورثة، فالقول قولهم مع أيمانهم. # وإن أقروا لأحدهما، عتق بإقرارهم. وإن أقام كل واحد منهما بينة بموجب ~~عتقه، ففيه ثلاثة أوجه؛ أحدها، تقدم بينة سالم؛ لأن معها زيادة علم، فإنها ~~أثبتت ما يجوز أن يخفى على البينة الأخرى، وهو موته في رمضان. والثاني، ~~يتعارضان، ويبقى العبدان على الرق؛ لأنهما سقطا، فصارا، كمن لا بينة لهما. ~~والثالث، يقرع بينهما، فيعتق من تقع له القرعة، وإن قال: إن برئت من مرضي ~~هذا، فسالم حر، وإن مت منه، فغانم حر، فمات، وادعى كل واحد منهما موجب ~~عتقه، أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، عتق؛ لأنه لا يخلو من أن يكون برأ ~~أو لم يبرأ، فيعتق أحدهما على كل حال، ولم تعلم عينه فيخرج بالقرعة، كما لو ~~أعتق أحدهما، فأشكل علينا. ويحتمل أن يقدم قول غانم؛ لأن الأصل عدم البرء. # وإن أقام كل واحد منهما بينة بموجب عتقه، فقال أصحابنا: يتعارضان، ويبقى ~~العبدان على الرق. وهذا مذهب الشافعي؛ لأن كل واحدة منهما تكذب الأخرى، ~~وتثبت زيادة تنفيها الأخرى. ولا يصح هذا القول؛ لأن للتعارض أثره في إسقاط ~~البينتين، ولو لم يكونا أصلا لعتق أحدهما، فكذلك إذا سقطتا، وذلك لأنه لا ~~يخلو من إحدى الحالتين اللتين علق على كل واحدة منهما عتق أحدهما، فيلزم ~~وجوده، كما لو قال: إن كان هذا الطائر غرابا، فسالم حر. # وإن لم يكن غرابا فغانم حر. ولم يعلم حاله، ولكن يحتمل وجهين؛ أحدهما، أن ~~يقرع بينهما، كما في مسألة الطائر؛ لأن البينتين إذا تعارضتا قدمت إحداهما ~~بالقرعة، في رواية. والثاني، تقدم بينة ms5780 سالم؛ لأنها شهدت بزيادة، وهي ~~البرء. وإن أقر الورثة لأحدهم، عتق بإقرارهم، ولم يسقط حق الآخر مما ذكرنا، ~~إلا أن يشهد اثنان عدلان منهم بذلك، مع انتفاء التهمة، فيعتق وحده إذا لم ~~تكن للآخر بينة. ### | [فصل إذا كان ما شهدت به بينة لا يتعارض مع ما شهدت به الأخرى] # (8528) فصل: وإذا ادعى سالم أن سيده أعتقه في مرض موته، وادعى عبده الآخر ~~غانم أنه أعتقه في مرض موته، وكل واحد منهما ثلث ماله، فأقام كل واحد منهما ~~بدعواه بينة فلا تعارض بينهما؛ لأن ما شهدت به كل بينة لا ينفي ما شهدت به ~~الأخرى، ولا تكذب إحداهما الأخرى، فيثبت إعتاقه لهما، ثم ينظر، فإن كانت ~~البينتان مؤرختين بتاريخين مختلفين، عتق الأول منهما. ورق الثاني، إلا أن ~~يجيز الورثة، لأن المريض إذا # PageV10P262 # تبرع بتبرعات، يعجز ثلثه عن جميعها، قدم الأول فالأول، وإن اتفق ~~تاريخهما، أو أطلقتا، أو إحداهما، فهما سواء؛ لأنه لا مزيه لإحداهما على ~~الأخرى، فيستويان، ويقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، عتق، ورق الآخر، إلا ~~أن يجيز الورثة؛ لأنه لا يخلو؛ إما أن يكون أعتقهما معا، فيقرع بينهما، كما ~~فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في العبيد الستة الذين أعتقهم سيدهم عند ~~موته، ولم يكن له مال غيرهم، أو يكون أعتق أحدهما قبل صاحبه، وأشكل علينا، ~~فيخرج بالقرعة، كما في مسألة الطائر. # وقيل: يعتق من كل واحد نصفه. وهو قول للشافعي؛ لأنه أقرب إلى التعديل ~~بينهما فإن في القرعة، قد يرق السابق المستحق للعتق، ويعتق الثاني المستحق ~~للرق، وفي القسمة لا يخلو المستحق للعتق من حرية، ولا المستحق للرق من رق، ~~ولذلك قسمنا المختلف فيه على إحدى الروايتين، إذا تعارضت به بينتان. والأول ~~المذهب؛ لأنه لا يخلو من شبهة بإحدى الصورتين اللتين ذكرناهما. والقرعة ~~ثابتة في كل واحدة منهما. وقولهم: إن في القرعة احتمال إرقاق نصف الحر. ~~قلنا: وفي القسمة إرقاق نصف الحر يقينا، وتحرير نصف الرقيق يقينا، وهو أعظم ~~ضررا. وإن كانت قيمة أحدهما الثلث، وقيمة الآخر دون ms5781 الثلث، فكان الأول أو ~~الذي خرجت قرعته الثلث، عتق، ورق الآخر. # وإن كان هو الناقص عن الثلث، عتق، وعتق من الآخر تمام الثلث. وإن كان ~~لأحدهما بينة، ولا بينة للآخر، أو بينة فاسقة، عتق صاحب البينة العادلة، ~~ورق الآخر. وإن كان لكل واحد منهما بينة عادلة، إلا أن إحداهما تشهد أنه ~~أعتق سالما في مرضه، والأخرى تشهد بأنه وصى بعتق غانم، وكان سالم ثلث ~~المال، عتق وحده ووقف عتق غانم على إجازة الورثة؛ لأن التبرع يقدم على ~~الوصية. وإن كان سالم أقل من الثلث، عتق من غانم تمام الثلث. # وإن شهدت إحداهما أنه وصى بعتق سالم، # PageV10P263 # وشهدت الأخرى أنه وصى بعتق غانم، فهما سواء، ويقرع بينهما، سواء اتفق ~~تاريخهما أو اختلف؛ لأن الوصية يستوي فيها المتقدم والمتأخر. وقال أبو بكر ~~وابن أبي موسى: يعتق نصف كل واحد منهما بغير قرعة؛ لأن القرعة إنما تجب إذا ~~كان أحدهما عبدا والآخر حرا، ولا كذلك هاهنا، فيجب أن تقسم الوصية بينهما، ~~ويدخل النقص على كل واحد منهما بقدر وصيته، كما لو وصى لاثنين بمال. والأول ~~قياس المذهب؛ لأن الإعتاق بعد الموت كالإعتاق في مرض الموت، وقد ثبت في ~~الإعتاق في مرض الموت أنه يقرع بينهما لحديث عمران بن حصين، فكذلك بعد ~~الموت، ولأن المعنى المقتضي لتكميل العتق في أحدهما في الحياة موجود بعد ~~الممات، فيثبت. فأما إن صرح، فقال: إذا مت، فنصف كل واحد من سالم وغانم حر. ~~أو كان في لفظه ما يقتضيه، أو دلت عليه قرينة، ثبت ما اقتضاه. ### | [فصل شهادة الأجنبية في العتق] # فصل: وإن خلف المريض ابنين، لا وارث له سواهما، فشهدا أنه أعتق سالما في ~~مرض موته، وشهد أجنبيان أنه أعتق غانما في مرض موته، وكل واحد ثلث ماله، ~~ولم يطعن الابنان في شهادتهما، وكانت البينتان عادلتين، فالحكم فيه كالحكم ~~فيما إذا كانا أجنبيين، سواء؛ لأنه قد ثبت أن الميت أعتق العبدين. فإن طعن ~~الاثنان في شهادة الأجنبيين، وقالا: ما أعتق غانما في مرض موته وكل واحد ~~ثلث ms5782 ماله، إنما أعتق سالما. لم يقبل قولهما في رد شهادة الأجنبية؛ لأنها ~~بينة عادلة مثبتة، والأخرى نافية، وقول المثبت يقدم على قول النافي، ويكون ~~حكم ما شهدت به حكم ما إذا لم يطعن الورثة في شهادتهما، في أنه يعتق إن ~~تقدم تاريخ عتقه، أو خرجت له القرعة، ويرق إذا تأخر تاريخه، أو خرجت القرعة ~~لغيره. وأما الذي شهد به الابنان، فيعتق كله؛ لإقرارهما بإعتاقه وحده، ~~واستحقاقه للحرية. وهذا قول القاضي. # وقيل: يعتق ثلثاه إن حكم بعتق سالم، وهو ثلث الباقي؛ لأن العبد الذي شهد ~~به الأجنبيان كالمغصوب من التركة، وكالذاهب من التركة بموت أو تلف، فيعتق ~~ثلث الباقي. وهو ثلثا غانم. والأول أصح؛ لأن المعتبر خروجه من الثلث حال ~~الموت، وحال الموت في قول الابنين لم يعتق سالم، إنما عتق بالشهادة بعد ~~الموت، فيكون ذلك بمنزلة موته بعد موت سيده، فلا يمنع من عتق من خرج من ~~الثلث قبل موته. فإن كان الابنان فاسقين ولم يردا شهادة الأجنبية، ثبت ~~العتق لسالم، ولم يزاحمه من شهد له الابنان، لفسقهما؛ لأن شهادة الفاسق ~~كعدمها، فلا يقبل قولهما في إسقاط حق ثبت ببينة عادلة، وقد أقر الابنان ~~بعتق غانم، فينظر؛ فإن تقدم تاريخ عتقه، أو أقرع بينهما فخرجت القرعة له، ~~عتق كله، كما قلنا في التي قبلها. # وإن تأخر تاريخ عتقه، أو خرجت القرعة لغيره، لم يعتق منه شيء؛ لأن ~~الابنين لو كانا عدلين، لم يعتق منه شيء، فإذا كانا فاسقين أولى. # PageV10P264 # وقال القاضي، وبعض أصحاب الشافعي: يعتق نصفه في الأحوال كلها؛ لأنه استحق ~~العتق بإقرار الورثة، مع ثبوت العتق للآخر بالبينة العادلة، فصار بالنسبة ~~كأنه أعتق العبدين، فيعتق منه نصفه. وهذا لا يصح؛ فإنه لو أعتق العبدين، ~~لأعتقنا أحدهما بالقرعة، لأنه في حال تقدم تاريخ عتق من شهدت له البينة، لا ~~يعتق منه شيء ولو كانت بينته عادلة، فمع فسوقها أولى، وإن كذبت الورثة ~~الأجنبية، فقالت: ما أعتق غانما، إنما أعتق سالما، عتق العبدان. وقيل: يعتق ~~من سالم ثلثاه. والأول أولى. ### | [فصل ms5783 شهد عدلان أجنبيان أنه وصى وشهد عدلان وارثان أنه رجع عن الوصية] # (8530) فصل: فإن شهد عدلان أجنبيان، أنه وصى بعتق سالم، وشهد عدلان ~~وارثان، أنه رجع عن الوصية بعتق سالم، ووصى بعتق غانم، وقيمتهما سواء، أو ~~كانت قيمة غانم أكثر، قبلت شهادتهما، وبطلت وصية سالم، لأنهما لا يجران إلى ~~أنفسهما نفعا ولا يدفعان عنها ضررا. فإن قيل: فهما يثبتان لأنفسهما ولاء ~~غانم. قلنا: وهما يسقطان ولاء سالم، وعلى أن الولاء إثبات سبب الميراث، ~~وهذا لا يمنع قبول الشهادة، بدليل ما لو شهدا بعتق غانم من غير معارض، ثبت ~~عتقه، ولهما ولاؤه، ولو شهدا بثبوت نسب أخ لهما، قبلت شهادتهما، مع ثبوت ~~سبب الإرث لهما، وتقبل شهادة المرأة لأخيه بالمال، وإن جاز أن يرثه، فإن ~~كان الوارثان فاسقين، لم تقبل شهادتهما في الرجوع، ويلزمهما إقرارهما ~~لغانم، فيعتق سالم بالبينة العادلة، ويعتق غانم بإقرار الورثة بالوصية ~~بإعتاقه وحده. # وذكر القاضي، وأصحاب الشافعي، أنه إنما يعتق. ثلثاه؛ لأنه لما عتق سالم ~~بشهادة الأجنبيين، صار كالمغصوب، فصار غانم نصف التركة، فيعتق ثلثاه، وهو ~~ثلث التركة. ولنا، أن الوارثة تقر بأنه حين الموت ثلث التركة، وأن عتق سالم ~~إنما كان بشهادتهما بعد الموت، فصار كالمغصوب بعد الموت، ولو غصب بعد ~~الموت، لم يمنع، عتق غانم كله، فكذلك الشهادة بعتقه. وقد ذكر القاضي، فيما ~~إذا شهدت بينة عادلة بإعتاق سالم في مرضه، ووارثة فاسقة بإعتاق غانم في ~~مرضه، وأنه لم يعتق سالما، أن غانما يعتق كله. وهذا مثله. # فأما إن كانت قيمة غانم أقل من قيمة سالم، فالوارثة متهمة؛ لكونها ترد ~~إلى الرق من كثرت قيمته، فترد شهادتها في الرجوع، كما ترد شهادتها بالرجوع ~~عن الوصية، ويعتق سالم، وغانم كله أو ثلثاه وهو ثلث الباقي، على ما ذكرنا ~~من الاختلاف فيما إذا كانت فاسقة. فإن لم تشهد الوارثة بالرجوع عن عتق ~~سالم، لكن # PageV10P265 # شهدت بالوصية بعتق غانم وهي بينة عادلة، ثبتت الوصيتان، سواء كانت قيمتها ~~سواء أو مختلفة فيعتقان إن لم يخرجا من الثلث، وإن خرجا ms5784 من الثلث، أقرع ~~بينهما، فيعتق من خرجت له القرعة، ويعتق تمام الثلث من الآخر، سواء تقدمت ~~إحدى الوصيتين على الأخرى أو استوتا؛ لأن المتقدم والمتأخر من الوصايا ~~سواء. ### | [فصل شهدت بينة عادلة أنه وصى بثلث ماله وشهدت بينة أخرى أنه رجع عن الوصية] # (8531) فصل: ولو شهدت بينة عادلة، أنه وصى لزيد بثلث ماله، وشهدت بينة ~~أخرى أنه رجع عن الوصية لزيد، ووصى لعمرو بثلث ماله وشهدت بينة ثالثة، أنه ~~رجع عن الوصية لعمرو، ووصى لبكر بثلث ماله صحت الشهادات كلها، وكانت الوصية ~~لبكر سواء كانت البينتان من الورثة، أو لم تكن؛ لأنه لا تهمة في حقهم. وإن ~~كانت شهادة البينة الثالثة أنه رجع عن إحدى الوصيتين، لم تفد هذه الشهادة ~~شيئا؛ لأنه قد ثبت بالبينة الثانية أنه رجع عن وصية زيد، وهي إحدى ~~الوصيتين. فعلى هذا، تثبت الوصية لعمرو. # وإن كانت البينة الثانية شهدت بالوصية لعمرو. ولم تشهد بالرجوع عن وصية ~~زيد، فشهدت الثالثة بالرجوع عن إحدى الوصيتين لا بعينها، فقال القاضي: لا ~~تصح الشهادة. وهذا مذهب الشافعي؛ لأنهما لم يعينا المشهود عليه، يصير كما ~~لو قالا: نشهد أن لهذا على أحد هذين ألفا. أو أن لأحد هذين على هذا ألفا، ~~يكون الثلث بين الجميع أثلاثا. وقال أبو بكر: قياس قول أبي عبد الله، أنه ~~لا يصح الرجوع عن إحدى الوصيتين، ويقرع بينهما، فمن خرجت له قرعة الرجوع عن ~~وصيته، بطلت وصيته، وهذا قول ابن أبي موسى. وإذا صح الرجوع عن إحداهما بغير ~~تعيين، صحت الشهادة به كذلك. ووجه ذلك، أن الوصية تصح بالمجهول أو تصح ~~الشهادة فيها بالمجهول فجازت في الرجوع من غير تعيين المرجوع عن وصيته. ### | [فصل الشاهد واليمين هل يعارض الشاهدين أو لا] # (8532) فصل: وإن شهد شاهدان أنه وصى لزيد بثلث ماله، وشهد واحد أنه وصى ~~لعمرو بثلث ماله، انبني هذا على أن الشاهد واليمين هل يعارض الشاهدين أو ~~لا؟ فيه وجهان؛ أحدهما، يعارضهما فيحلف عمرو مع شاهده، ويقسم الثلث بينهما، ~~لأن الشاهد واليمين حجة في المال، ms5785 فأشبه الشاهدين. والثاني، لا يعارضهما؛ ~~لأن الشاهدين أقوى، فيرجحان على الشاهد واليمين. فعلى هذا، ينفرد زيد ~~بالثلث، # PageV10P266 # وتقف وصية عمرو على إجازة الورثة. # فأما إن شهد واحد أنه رجع عن وصية زيد، ووصى لعمرو بثلثه، فلا تعارض ~~بينهما، ويحلف عمرو مع شاهده، وتثبت الوصية لعمرو، والفرق بين المسألتين، ~~أن في الأولى، تقابلت البينتان، فقدمنا أقواهما، وفي الثانية لم يتقابلا، ~~وإنما يثبت الرجوع، وهو يثبت بالشاهد واليمين، لأن المقصود به المال. وهذا ~~مذهب الشافعي. والله أعلم ### | [مسألة في يده دار فادعاها رجل فأقر بها لغيره] # (8533) مسألة قال: ولو كان في يده دار، فادعاها رجل، فأقر بها لغيره، فإن ~~كان المقر له بها حاضرا، جعل الخصم فيها، وإن كان غائبا، وكانت للمدعي ~~بينة، حكم بها للمدعي ببينة، وكان الغائب على خصومته متى حضر وجملته أن ~~الإنسان إذا ادعى دارا في يد غيره، فقال الذي هي في يده: ليست لي، إنما هي ~~لفلان. وكان المقر له بها حاضرا سئل عن ذلك، فإن صدقه، صار الخصم فيها، ~~وكان صاحب اليد؛ لأن من هي في يده اعترف أن يده نائبة عن يده، وإقرار ~~الإنسان بما في يده إقرار صحيح، فيصير خصما للمدعي، فإن كانت للمدعي بينة، ~~حكم له بها، وإن لم تكن له بينة، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه. # وإن قال المدعي: أحلفوا لي المقر الذي كانت العين في يده، أنه لا يعلم ~~أنها لي. فعليه اليمين؛ لأنه لو أقر له بها بعد اعترافه، لزمه الغرم كما لو ~~قال: هذه العين لزيد. ثم قال: هي لعمرو. فإنها تدفع إلى زيد، ويدفع قيمتها ~~لعمرو. ومن لزمه الغرم مع الإقرار، لزمته اليمين مع الإنكار، فإن رد المقر ~~له الإقرار، وقال: ليست لي، وإنما هي للمدعي. حكم له بها. وإن لم يقل: هي ~~للمدعي، ولكن قال: ليست لي. فإن كانت للمدعي بينة، حكم له بها، وإن لم تكن ~~له بينة، ففيه وجهان؛ أحدهما، تدفع إلى المدعي؛ لأنه يدعيها، ولا منازع له ~~فيها، ولأن من هي في يده ms5786 لو ادعاها، ثم نكل، قضينا بها، للمدعي فمع عدم ~~ادعائه لها أولى والثاني، لا تدفع إليه؛ لأنه لم يثبت لها مستحق؛ لأن ~~المدعي لا يد له، ولا بينة، وصاحب اليد معترف أنها ليست له، فيأخذها الإمام ~~فيحفظها لصاحبها. وهذا الوجه الثاني ذكره القاضي، والأول أولى؛ لما ذكرنا ~~من دليله. # ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين، ووجه ثالث، أن المدعي يحلف أنها له، وتسلم ~~إليه. ويتخرج لنا مثله؛ بناء على القول برد اليمين إذا نكل المدعى عليه. ~~وإن قال المقر له: هي لثالث. انتقلت الخصومة إليه، وصار بمنزلة صاحب اليد؛ ~~لأنه أقر له بها من اليد له حكما. وأما إن أقر بها المدعى عليه لمجهول، قيل ~~له: ليس هذا بجواب. فإن أقررت بها لمعروف، وإلا جعلناك ناكلا وقضينا عليك. ~~فإن أصر، قضي عليه بالنكول. وإن أقر بها لغائب، أو لغير مكلف معين، كالصبي ~~والمجنون، صارت الدعوى عليه. # فإن لم تكن # PageV10P267 # للمدعي بينة، لم يقض له بها؛ لأن الحاضر يعترف أنها ليست له، ولا يقضي ~~على الغائب بمجرد الدعوى، ويقف الأمر حتى يقدم الغائب، ويصير غير المكلف ~~مكلفا فتكون الخصومة معه. فإن قال المدعي: أحلفوا لي المدعى عليه أحلفناه؛ ~~لما تقدم. وإن أقر بها للمدعي، لم تسلم إليه؛ لأنه اعترف أنها لغيره، ~~ويلزمه أن يغرم له قيمتها؛ لأنه فوتها عليه بإقراره بها لغيره. وإن كان مع ~~المدعي بينة، سمعها. الحاكم، وقضى بها، وكان الغائب على خصومته، متى حضر، ~~له أن يقدح في بينة المدعي، وأن يقيم بينة تشهد بانتقال الملك إليه من ~~المدعي. # وإن أقام بينة أنها ملكه، فهل يقضي بها؟ على وجهين؛ بناء على تقديم بينة ~~الداخل أو الخارج؛ فإن قلنا تقدم بينة الخارج. فأقام الغائب بينة تشهد له ~~بالملك والنتاج، أو سبب من أسباب الملك، فهل تسمع بينته، يقضي بها؟ على ~~وجهين. وإن كان مع المقر بينة تشهد بها للغائب، سمعها الحاكم، ولم يقض بها؛ ~~لأن البينة للغائب، والغائب لم يدعها هو ولا وكيله، وإنما سمعها الحاكم؛ ~~لما فيها من الفائدة وهو ms5787 زوال التهمة عن الحاضر، وسقوط اليمين عنه، إذا ~~ادعى عليه أنك تعلم أنها لي. ويتخرج أن يقضي بها، إذا قلنا بتقديم بينة ~~الداخل، وأن للمودع المخاصمة في الوديعة إذا غصبت. ولأنها بينة مسموعة، ~~فيقضى بها، كبينة المدعي إذا لم تعارضها بينة أخرى. فإن ادعى من هي في يده، ~~أنها معه بإجارة أو عارية، وأقام بينة بالملك للغائب، لم يقض بها؛ لوجهين؛ ~~أحدهما أن ثبوت الإجارة والعارية يترتب على الملك للمؤجر، بهذه البينة، فلا ~~تثبت الإجارة المترتبة عليها. # والثاني أن بينة الخارج مقدمة على بينة الداخل، ويخرج القضاء بها على ~~تقديم بينة الداخل، وكون الحاضر له فيها حق؛ فإنه يقضي بها، وجها واحدا. ~~ومتى عاد المقر بها لغيره، فادعاها لنفسه، لم تسمع دعواه؛ لأنه أقر بأنه لا ~~يملكها، فلا يسمع منه الرجوع عن إقراره. والحكم في غير المكلف، كالحكم في ~~الغائب، على ما ذكرنا ### | [فصل طلب المدعي أن يكتب له القاضي محضرا بما جرى] # (8534) فصل: وإذا طلب المدعي أن يكتب له محضرا بما جرى، لزمته إجابته، ~~فيكتب له: محضرا حضر القاضي فلان بن فلان الفلاني قاضي عبد الله الإمام ~~فلان بن فلان الفلاني، أو خليفة القاضي فلان بن فلان الفلاني إن كان نائبا، ~~فلان بن فلان الفلاني، وأحضر معه فلان بن فلان الفلاني فادعى دارا في يديه ~~- ويعينها، ويذكر حدودها وصفتها - فاعترف بها المدعى عليه لفلان بن فلان ~~الفلاني، وهو حينئذ غائب عن بلد القاضي، فأقام المدعي بينة، وهي فلان بن ~~فلان الفلاني وفلان بن فلان الفلاني، فشهدا عنده للمدعي بما ادعاه، وعرف ~~الحاكم # PageV10P268 # عدالتهما بما يسوغ معه قبول شهادتهما، أو شهد عنده بعدالتهما فلان، ~~وفلان، فقبل شهادتهما فقضى بها على الغائب، جعل كل ذي حجة على حجته، فإن ~~كان الغائب، قد قدم، ولم يأت بحجة زاد: وقدم الغائب المقر له بها فلان ولم ~~يأت بحجة تدفع المدعي عن دعواه. وإن أقام عند حضوره بينة، زاد: وأقام بينة. ~~وكانت بينة المدعي مقدمة على بينته؛ لأنها بينة خارج. ### | [فصل إذا ادعى إنسان ms5788 أن أباه مات وخلفه وأخا له غائبا وترك دارا في يد هذا الرجل فأنكر صاحب اليد] # (8535) فصل: وإذا ادعى إنسان أن أباه مات وخلفه وأخا له غائبا، ولا وارث ~~له سواهما، وترك دارا في يد هذا الرجل، فأنكر صاحب اليد، وأقام المدعي بينة ~~بما ادعاه، ثبتت الدار للميت، وانتزعت الدار من يد المنكر، ودفع نصفها إلى ~~المدعي، وجعل النصف الآخر في يد أمين للغائب، يكريه له. وكذلك إن كان ~~المدعى مما ينقل ويحول. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كان مما ~~ينقل ولا يحول، أو مما ينحفظ ولا يخاف هلاكه، لم ينزع نصيب الغائب من يد ~~المدعى عليه؛ لأن الغائب لم يدعه هو ولا وكيله، فلم ينزع من يد من هو في ~~يده، كما لو ادعى أحد الشريكين دارا مشتركة بينه وبين أجنبي، فإنه يسلم إلى ~~المدعي نصيبه، ولا ينزع نصيب الغائب، كذا هاهنا. # ولنا أنها تركة ميت ثبتت ببينة، فوجب أن ينزع نصيب الغائب، كالمنقول، ~~وكما لو كان أخوه صغيرا أو مجنونا، ولأن فيما قاله ضررا؛ لأنه قد يتعذر على ~~الغائب إقامة البينة، وقد يموت الشاهدان أو يغيبا، أو تزول عنهما عدالتهما، ~~ويعزل الحاكم، فيضيع حقه، فوجب أن يحفظ بانتزاعه، كالمنقول. ويفارق الشريك ~~الأجنبي إجمالا وتفصيلا؛ أما الإجمال، فإن المنقول ينتزع نصيب شريكه في ~~الميراث، ولا ينتزع نصيب شريكه الأجنبي، وأما التفصيل، فإن البينة ثبت بها ~~الحق للميت بدليل أنه يقضي منه ديونه، وتنفذ منه وصاياه، ولأن الأخ يشاركه ~~فيما أخذه، إذا تعذر عليه أخذ الباقي. فأما إن كان دينا في ذمة إنسان، فهل ~~يقبض الحاكم نصيب الغائب؟ فيه وجهان؛ أحدهما، يقبض، كما يقبض العين. ~~والثاني، لا يقبضه؛ لأنه إذا كان في ذمة من هو عليه، كان أحوط من أن يكون ~~أمانة في يد الأمين، لأنه لا يؤمن عليه التلف إذا قبضه. والأول أولى؛ لأنه ~~في الذمة أيضا يعرض للتلف بالفلس، والموت، وعزل الحاكم، وتعذر البينة. إذا ~~ثبت هذا، فإننا إن دفعنا إلى الحاضر نصف الدار أو الدين، ms5789 لم نطالبه بضمين؛ ~~لأننا دفعناه بقول # PageV10P269 # الشهود، والمطالبة بالضمين طعن عليهم. # قال أصحابنا: سواء كان الشاهدان من أهل الخبرة الباطنة، أو لم يكونا. ~~ويحتمل أن لا تقبل شهادتهما في نفي وارث آخر، حتى يكونا من أهل الخبرة ~~الباطنة، والمعرفة المتقادمة لأن من ليس من أهل المعرفة ليس جهله بالوارث ~~دليلا على عدمه، ولا يكتفي به. وهذا قول الشافعي. فعلى هذا تكون الدار ~~موقوفة، ولا يسلم إلى الحاضر نصفها، حتى يسأل الحاكم ويكشف عن المواضع التي ~~كان ' يطوفها، ويأمر مناديا ينادي: إن فلانا مات، فإن كان له وارث، فليأت. ~~فإذا غلب على ظنه أنه لو كان وارث لظهر، دفع إلى الحاضر نصيبه. وهل يطلب ~~منه ضمينا؟ يحتمل وجهين. وهكذا الحكم إذا كان الشاهدان من أهل الخبرة ~~الباطنة، ولكن لم يقولا: ولا نعلم له وارثا سواه. فإن كان مع الابن ذو فرض ~~فعلى ظاهر المذهب يعطي فرضه كاملا. # وعلى هذا التخريج، يعطى اليقين. فإن كانت له زوجة، أعطيت ربع الثمن؛ ~~لجواز أن يكون له أربع نسوة، وإن كانت له جدة، ولم يثبت موت أمه، لم تعط ~~شيئا، وإن ثبت موتها، أعطيت ثلث السدس، لجواز أن يكون له ثلاث جدات، ولا ~~تعطى العصبة شيئا، فإن كان الوارث أخا لم يعط شيئا لجواز أن يكون للميت ~~وارث يحجبه. وإن كان معه أم، أعطيت السدس عائلا، والمرأة ربع الثمن عائلا، ~~والزوج الربع عائلا؛ لأنه اليقين، فإن المسألة قد تعول مع وجود الزوج، مثل ~~أن يخلف أبوين وابنين وزوجا فإذا كشف الحاكم أعطى الزوج نصيبه، وكمل لذوي ~~الفروض فروضهم. ### | [فصل اختلف في دار في يد أحدهما فأقام المدعي بينة أن هذه الدار كانت أمس ملكه أو منذ شهر] # (8536) فصل: وإذا اختلف في دار، في يد أحدهما، فأقام المدعي بينة، أن هذه ~~الدار كانت أمس ملكه، أو منذ شهر فهل تسمع هذه البينة، ويقضى بها؟ على ~~وجهين؛ أحدهما تسمع، ويحكم بها؛ لأنها تثبت الملك في الماضي، وإذا ثبت ~~استديم حتى يعلم زواله. والثاني لا تسمع قال القاضي: ms5790 هو الصحيح؛ لأن الدعوى ~~لا تسمع ما لم يدع المدعي الملك في الحال، فلا تسمع بينة على ما لم يدعه، ~~لكن إن انضم إلى شهادتهما بيان سبب يد الثاني، وتعريف تعديها فقالا: نشهد ~~أنها كانت ملكه أمس، فقبضها هذا منه، أوسرقها، أو ضلت منه فالتقطها هذا. ~~ونحو ذلك، سمعت، وقضي بها؛ لأنها إذا لم تبين السبب فاليد دليل الملك، ولا ~~تنافي بين ما شهدت به البينة، وبين دلالة اليد لجواز أن تكون ملكه أمس، ثم ~~تنتقل إلى صاحب اليد. # فإذا ثبت أن سبب اليد عدوان، خرجت عن كونها دليلا فوجب القضاء باستدامة ~~الملك السابق. وإن أقر المدعى عليه أنها كانت ملكا للمدعي أمس، أو فيما ~~مضى، سمع إقراره، وحكم به، في الصحيح؛ لأنه حينئذ يحتاج إلى بيان سبب ~~انتقالها إليه، فيصير هو المدعي، فيحتاج إلى البينة. يفارق البينة من ~~وجهين؛ # PageV10P270 # أحدهما أنه أقوى من البينة، لكونه شهادة من الإنسان على نفسه ويزول به ~~النزاع، بخلاف البينة، ولهذا يسمع في المجهول، ويقضى به، بخلاف البينة. ~~والثاني، أن البينة لا تسمع إلا على ما ادعاه، والدعوى يجب أن تكون معلقة ~~بالحال، والإقرار يسمع ابتداء. وإن شهدت البينة أنها كانت في يده أمس، ففي ~~سماعها وجهان. وإن أقر المدعى عليه بذلك، فالصحيح أنها تسمع، ويقضي به؛ بما ~~ذكرنا. ### | [فصل ادعى أمة أنها له وأقام بينة فشهدت أنها ابنة أمته] # (8537) فصل: وإن ادعى أمة أنها له، وأقام بينة، فشهدت أنها ابنة أمته، أو ~~ادعى ثمرة، فشهدت له البينة أنها ثمرة شجرته، لم يحكم له بها؛ لجواز أن ~~تكون ولدتها قبل تملكها، وأثمرت الشجرة هذه الثمرة قبل ملكه إياها. وإن ~~قالت البينة: ولدتها في ملكه أو أثمرتها في ملكه حكم له بها؛ لأنها شهدت ~~أنها نماء ملكه، ونماء ملكه ملكه، ما لم يرد سبب ينقله عنه. فإن قيل فقد ~~قلتم: لا تقبل شهادته بالملك السابق، الصحيح وهذه شهادة بملك سابق قلنا: ~~الفرق بينهما، على تقدير التسليم، أن النماء تابع للملك في الأصل، فإثبات ~~ملكه في ms5791 الزمن الماضي على وجه التبع، وجرى مجرى ما لو قال: ملكته منذ سنة. ~~وأقام البينة بذلك، فإن ملكه يثبت في الزمن الماضي تبعا للحال، يكون له ~~النماء فيما مضى، ولأن البينة هاهنا شهدت بسبب الملك، وهو ولادتها، أو ~~وجودها في ملكه، فقويت بذلك، ولهذا لو شهدت بالسبب في الزمن الماضي، فقالت: ~~أقرضه ألفا، أو باعه. ثبت الملك وإن لم يذكره، فمع ذكره أولى. # وإن شهدت له البينة أن هذا الغزل من قطنه وهذا الدقيق من حنطته، وأن هذا ~~الطائر من بيضته، حكم له به وإن لم يضفه إلى ملكه؛ لأن الغزل عين القطن، ~~وإنما تغيرت صفته، والدقيق أجزاء الحنطة تفرقت، والطير هو أجزاء البيضة ~~استحال، فكأن البينة قالت: هذا غزله ودقيقه وطيره. وليس كذلك الولد ~~والثمرة، فإنهما غير الأم والشجرة. ولو شهد أن هذه البيضة من طيره، لم يحكم ~~له بها حتى يقولا: باضها في ملكه. لأن البيضة غير الطير، وإنما هي من ~~نمائه، فهي كالولد. ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كما ذكرنا. ### | [فصل إذا كانت في يد زيد دار فادعاها عمرو وأقام بينة أنه اشتراها من خالد بثمن مسمى نقده إياه] # (8538) فصل: وإذا كانت في يد زيد دار، فادعاها عمرو، وأقام بينة أنه ~~اشتراها من خالد بثمن مسمى نقده إياه، أو أن خالدا وهبه تلك الدار، لم تقبل ~~بينته بهذا حتى يشهد أن خالدا باعه إياها، أو وهبها له وهو يملكها، أو يشهد ~~أنها دار عمرو اشتراها من خالد، أو يشهد أنه باعها أو وهبها له، وسلمها ~~إليه. وإنما لم تسمع البينة بمجرد الشراء # PageV10P271 # والهبة؛ لأن الإنسان قد يبيع ما لا يملكه ويهبه فلا تقبل شهادتهم به، فإن ~~انضم إلى ذلك الشهادة للبائع بالملك، أو شهدوا للمشتري بالملك، أو شهدوا ~~بالتسليم، فقد شهدوا بتقدم اليد، أو بالملك للمدعي، أو لمن باعه، فالظاهر ~~أنه ملكه؛ لأن اليد تدل على الملك. وهذا مذهب الشافعي، وإنما قبلناها وهي ~~شهادة بملك ماض؛ لأنها شهدت بالملك مع السبب، والظاهر استمراره بخلاف ما ~~إذا ms5792 لم يذكر السبب. ### | [فصل في يد رجل طفل لا يعبر عن نفسه فادعى أنه مملوكه] # (8539) فصل: وإذا كان في يد رجل طفل لا يعبر عن نفسه، فادعى أنه مملوكه، ~~قبلت دعواه، ولم يحل بينه وبينه؛ لأن اليد دليل الملك، والصبي ما لم يعبر ~~عن نفسه فهو كالبهيمة والمتاع، إلا أن يعرف أن سبب يده غير الملك، مثل أن ~~يلتقطه، فلا تقبل دعواه لرقه؛ لأن اللقيط محكوم بحريته، وأما غيره فقد وجد ~~فيه دليل الملك من غير معارض فيحكم برقه. فإذا بلغ، فادعى الحرية، لم تقبل ~~دعواه؛ لأنه محكوم برقه قبل دعواه. وإن لم يدع ملكه، لكنه كان يتصرف فيه ~~بالاستخدام وغيره، فهو كما لو ادعى رقه، ويحكم له برقه؛ لأن اليد دليل ~~الملك. فإن ادعى أجنبي نسبه، لم يقبل؛ لما فيه من الضرر على السيد، لأن ~~النسب مقدم على الولاء في الميراث. # فإن أقام البينة بنسبه، ثبت، ولم يزل الملك عنه؛ لأنه يجوز أن يكون ولده ~~وهو مملوك، بأن يتزوج بأمة، أو يسبى الصغير ثم يسلم أبوه، إلا أن يكون الأب ~~عربيا، فلا يسترق ولده، في رواية. وهو قول الشافعي القديم. وإن أقام بينة ~~أنه ابن حرة، فهو حر؛ لأن ولد الحرة لا يكون إلا حرا. وإن كان الصبي مميزا، ~~يعبر عن نفسه فادعى من هو في يده رقه، ولم يعرف تقدم اليد عليه قبل تمييزه، ~~إلا أننا إن رأيناه في يده وهما يتنازعان، ففيه وجهان؛ أحدهما لا يثبت ملكه ~~عليه؛ لأنه معرب عن نفسه، ويدعي الحرية، أشبه البالغ. والثاني يثبت ملكه ~~عليه؛ لأنه صغير ادعى رقه وهو في يده، فأشبه الطفل. # فأما البالغ إذا ادعى رقه فأنكر، لم يثبت رقه إلا ببينة. وإن لم تكن ~~بينة، فالقول قوله مع يمينه في الحرية؛ لأنها الأصل. وهذا الفصل بجميعه ~~مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، إلا أن أصحاب الرأي قالوا: متى أقام ~~إنسان بينة أنه ولده ثبت النسب والحرية لأن ظهور الحرية في ولد الحر أكثر ~~من احتمال الرق الحاصل باليد ms5793 لا سيما إذا لم يعرف من الرجل كفر، ولا تزوج ~~بأمة، فلا يبقى احتمال الرق. وهذا القول هو الصواب، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل ادعى اثنان رق بالغ في أيديهما فأنكرهما] # (8540) فصل: وإن ادعى اثنان رق بالغ في أيديهما فأنكرهما، فالقول قوله مع ~~يمينه. وإن اعترف لهما بالرق، ثبت # PageV10P272 # رقه. فإن ادعاه كل واحد منهما لنفسه، فاعترف لأحدهما، فهو لمن اعترف له. ~~وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يكون بينهما نصفين؛ لأن يدهما عليه، ~~فأشبه الطفل والثوب. ولنا، أنه إنما حكم برقه باعترافه، فكان مملوكا لمن ~~اعترف له، كما لو لم تكن يده عليه. ويخالف الثوب والطفل؛ فإن الملك حصل ~~فيهما باليد، وقد تساويا فيه، وهاهنا حصل بالاعتراف، وقد اختص به أحدهما، ~~فكان مختصا به. فإن أقام كل واحد منهما بينة أنه مملوكه، تعارضتا وسقطتا، ~~ويقرع بينهما، أو يقسم بينهما، على ما مضى من التفصيل فيه. # فإن قلنا بسقوطهما، ولم يعترف لهما بالرق، فهو حر، وإن اعترف لأحدهما، ~~فهو لمن اعترف له، وإن أقر لهما معا، فهو بينهما لأن البينتين سقطتا وصارتا ~~كالمعدومتين. فإن قلنا بالقرعة أو القسمة، فأنكرهما، لم يلتفت إلى إنكاره، ~~وإن اعترف لأحدهما، لم يلتفت إلى اعترافه؛ لأن رقه ثابت بالبينة فلم تبق له ~~يد على نفسه كما قلنا فيما إذا ادعى رجلان دارا في يد ثالث وأقام كل واحد ~~منهما بينة أنها ملكه، واعترف أنها ليست له، ثم أقر أنها لأحدهما، لم يرجح ~~بإقراره. ### | [فصل كان في يده صغيرة فادعى نكاحها] # (8541) فصل: ولو كان في يده صغيرة، فادعى نكاحها لم يقبل منه، ولا يخلى ~~بينها وبينه. ولو ادعى رقها قبل منه، إذا كانت طفلة لا تعبر عن نفسها؛ لأن ~~اليد دليل الملك، وأما المدعي للنكاح، فهو مقر بحريتها، أو بأنها غير ~~مملوكة له، واليد لا تثبت على الحر، فإذا كبرت فاعترفت له بالنكاح، قبل ~~إقرارها ### | [فصل ادعى ملك عين وأقام به بينة وادعى آخر أنه باعها منه] # (8542) فصل: ولو ادعى ملك عين، وأقام به بينة وادعى ms5794 آخر أنه باعها منه أو ~~وهبها إياه، أو وقفها عليه، أو ادعت امرأته أنه أصدقها إياها، أو أعتقها، ~~وأقام بذلك بينة، قضي له بها. بغير خلاف نعلمه؛ لأن بينة هذا شهدت بأمر خفي ~~على البينة الأخرى، والبينة الأخرى شهدت بالأصل، فيمكن أنه كان ملكه، ثم ~~صنع به ما شهدت به البينة الأخرى. ولو مات رجل، وترك دارا فادعى ابنه أنه ~~خلفها ميراثا، وادعت امرأته أنه أصدقها إياها، وأقاما بذلك بينتين، حكم بها ~~للمرأة، لأنها تدعي أمرا زائدا خفي على بينة الابن، وسواء شهدت البينة ~~بالشراء وما في معناه، بأنه باع ملكه أو ما في يده، أو لم تشهد بذلك، وسواء ~~شهدت بالبيع والقبض، أو لم تذكر القبض وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ~~لا يثبت الملك للمشتري ولا تزال يد البائع إلا أن تشهد البينة بأنه باع ~~ملكه أو ما في يده؛ لأن البيع المطلق ليس بحجة لأنه قد يبيع ما لا يملك. # PageV10P273 # ولنا أن بينة البائع أثبتت الملك له، فإذا أقامت بينة الشراء عليه، كانت ~~حجة عليه في إزالة ملكه عنها إلى المشتري، فوجب القضاء له بها. ولو ادعى ~~إنسان دارا في يد رجل أنها له منذ سنة، وأقام بهذا بينة، فجاء ثالث، فادعى ~~أنه اشتراها من مدعيها منذ سنتين، وأقام بهذا بينة، ثبت لمدعي الشراء، وليس ~~في شهادة البينة الأولى أنه تملكها منذ سنة، ما يبطل أنها له منذ سنتين، ~~لأنه لا تنافي بين ملكها منذ سنتين، وملكها منذ سنة، فإن المالك منذ سنتين، ~~يستمر ملكه في السنة الثانية. فإن قالت بينة الشراء: هو مالكها. ثبت الملك ~~بغير خلاف، وإن لم تقل ذلك، كان فيه من الخلاف ما قد ذكرناه. ### | [فصل ادعى رجل ملك دار في يد آخر وادعى صاحب اليد أنها في يده منذ سنتين وأقام كل واحد منهما بينة بدعواه] # (8543) فصل: ولو ادعى رجل ملك دار في يد آخر، وادعى صاحب اليد أنها في ~~يده منذ سنتين، وأقام كل واحد منهما بينة بدعواه، فهي لمدعي الملك ms5795 بلا خلاف ~~نعلمه؛ لأنه لا تنافي بين الدعوتين ولا البينتين، لأنها قد تكون ملكا له ~~وهي في يد الآخر. وإن ادعى دابة أنها له منذ عشر سنين، وأقام بهذا بينة، ~~فوجدت الدابة لها أقل من عشر سنين، فالبينة كاذبة، والدابة لمن هي في يده. ### | [فصل شهد شاهدان على رجل أنه أقر لفلان بألف وشهد أحدهما أنه قضاه] # (8544) فصل: وإذا شهد شاهدان على رجل أنه أقر لفلان بألف، وشهد أحدهما ~~أنه قضاه ثبت الإقرار، فإن حلف مع شاهده على القضاء، ثبت، وإلا حلف المقر ~~له أنه لم يقضه، ويثبت له الألف، وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفا، وشهد ~~الآخر أنه قضاه ألفا ثبت عليه الألف؛ لأن شاهد القضاء لم يشهد بألف عليه، ~~وإنما تضمنت شهادته أنها كانت عليه، والشهادة لا تقبل إلا صريحة، بخلاف ~~المسألة الأولى، فإن البينة أثبتت الألف بشهادتها الصريحة بها ولو ادعى أنه ~~أقرضه ألفا فقال: لا يستحق علي شيئا. فأقام بينة بالقرض، وأقام المدعى عليه ~~بينة أنه قضاه ألفا، ولم يعرف التاريخ برئ بالقضاء لأنه لم يثبت عليه، إلا ~~ألف واحد، ولا يكون القضاء إلا لما عليه، فلهذا جعل القضاء للألف الثابتة، ~~وإن قال ما أقرضتني. ثم أقام بينة بالقضاء، لم تقبل بينته في أنه قضاه ~~القرض؛ لأنه بإنكاره القرض تعين صرفها إلى قضاء غيره. # ولو لم ينكر القرض إلا أن بينة القضاء وكانت مؤرخة بتاريخ سابق على ~~القرض، لم يجز صرفها إلى قضاء القرض؛ لأنه لا يقضي القرض قبل وجوده. # PageV10P274 ### | [مسألة خلف ولدين مسلما وكافرا فادعى المسلم أن أباه مات مسلما وادعى الكافر أن أباه مات كافرا] # (8545) مسألة: قال ولو مات رجل، وخلف ولدين مسلما وكافرا، فادعى المسلم ~~أن أباه مات مسلما، وادعى الكافر أن أباه مات كافرا، فالقول قول الكافر مع ~~يمينه؛ لأن المسلم باعترافه بأخوة الكافر، يعترف بأن أباه كان كافرا، مدعيا ~~لإسلامه وإن لم يعترف بأخوة الكافر ولم تكن بينة بأخوته، كان الميراث ~~بينهما نصفين؛ لتساوي أيديهما وجملته أنه إذا مات رجل ms5796 لا يعرف دينه، وخلف ~~تركة وابنين، يعترفان أنه أبوهما، أحدهما مسلم، والآخر كافر، فادعى كل واحد ~~منهما أنه مات على دينه، وأن الميراث له دون أخيه، فالميراث للكافر؛ لأن ~~دعوى المسلم لا تخلو من أن يدعي كون الميت مسلما أصليا فيجب كون أولاده ~~مسلمين، ويكون أخوه الكافر مرتدا، وهذا خلاف الظاهر، فإن المرتد لا يقر على ~~ردته في دار الإسلام. أو يقول إن أباه كان كافرا، فأسلم قبل موته، فهو ~~معترف بأن الأصل ما قاله أخوه، مدع زواله وانتقاله، والأصل بقاء ما كان على ~~ما كان، حتى يثبت زواله، وهذا معنى قول الخرقي: إن المسلم باعترافه بأخوة ~~الكافر معترف أن أباه كان كافرا، مدعيا لإسلامه. # وذكر ابن أبي موسى، عن أحمد، رواية أخرى، أنهما في الدعوى سواء، فالميراث ~~بينهما نصفين، كما لو تنازع اثنان عينا في أيديهما. ويحتمل أن يكون الميراث ~~للمسلم منهما. وهو قول أبي حنيفة لأن الدار دار الإسلام، يحكم بإسلام ~~لقيطها، ويثبت للميت فيها، إذا لم يعرف أصل دينه، حكم الإسلام؛ في الصلاة ~~عليه، ودفنه، وتكفينه من الوقف الموقوف على أكفان موتى المسلمين، ولأن هذا ~~حكمه حكم الموتى المسلمين في تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر ~~المسلمين، وسائر أحكامه، فكذلك في ميراثه، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى ~~عليه، ويجوز أن يكون أخوه الكافر مرتدا، لم تثبت عند الحاكم ردته ولم ينته ~~إلى الإمام خبره، وظهور الإسلام بناء على هذا أكثر من ظهور الكفر بناء على ~~كفر أبيه، ولهذا جعل الشرع أحكامه أحكام المسلمين، فيما عدا المتنازع فيه. # وقال القاضي: قياس المذهب أنا ننظر فإن كانت التركة في أيديهما، قسمت ~~بينهما نصفين، وإن لم تكن في أيديهما أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه، حلف ~~واستحق، كما قلنا فيما إذا تداعيا عينا. ويقتضي كلامه أنها إذا كانت في يد ~~أحدهما، فهي له مع يمينه. وهذا لا يصلح لأن كل واحد منهما يعترف أن هذه ~~التركة # PageV10P275 # تركة هذا الميت، وأنه إنما يستحقها بالميراث، فلا حكم ليده وقال أبو ~~الخطاب: يحتمل أن ms5797 يقف الأمر حتى يعرف أصل دينه، أو يصطلحا. وهذا قول ~~الشافعي # ولنا ما ذكرناه من الدليل على ظهور كفره، وعند ذلك يتعين الترجيح لقوله ~~وصرف الميراث إليه، وأما ظهور حكم الإسلام في الصلاة عليه؛ فلأن الصلاة لا ~~ضرر فيها على أحد، وكذلك تغسيله ودفنه. وأما قوله: إن الإسلام يعلو ولا ~~يعلى. فإنما يعلو إذا ثبت والنزاع في ثبوته. وهذا فيما إذا لم يثبت، فأما ~~إن ثبت أصل دينه فالقول قول من ينفيه عليه مع يمينه. وهذا قول الشافعي وأبي ~~ثور، وابن المنذر وقال أبو حنيفة: القول قول المسلم على كل حال؛ لما ذكرنا ~~في التي قبلها. ولنا؛ أن الأصل بقاء ما كان عليه فكان القول قول من يدعيه، ~~كسائر المواضع. فأما إن لم يعترف المسلم بأخوة الكافر، وادعى كل واحد منهما ~~أن الميت أبوه دون الآخر فهما سواء في الدعوى؛ لتساوي أيديهما ودعاويهما، ~~فإن المسلم والكافر في الدعوى سواء، يقسم ميراثه نصفين، كما لو كان في ~~ايديهما دار فادعاها كل واحد منهما ولا بينة لهما. ويحتمل أن يقدم قول ~~المسلم؛ لما ذكرنا. والله أعلم. ### | [مسألة أقام المسلم بينة أنه أباه مات مسلما وأقام الكافر بينة أنه مات كافرا] # (8546) مسألة؛ قال: وإن أقام المسلم بينة أنه مات مسلما، وأقام الكافر ~~بينة أنه مات كافرا، أسقطت البينتان، وكانا كمن لا بينة لهما، وإن قال ~~شاهدان: نعرفه كان كافرا. وقال شاهدان: نعرفه كان مسلما، فالميراث للمسلم؛ ~~لأن الإسلام يطرأ على الكفر إذا لم يؤرخ الشهود معرفتهم وجملة ذلك أنه إذا ~~خلف الميت ولدين مسلما وكافرا، فادعى المسلم أنه مات مسلما، وأقام بذلك ~~بينة، وأقام الكافر بينة من المسلمين أنه مات كافرا، ولم يعرف أصل دينه ~~فهما متعارضتان وإن عرف أصل دينه نظرنا في لفظ الشهادة؛ فإن شهدت كل واحدة ~~منهما أنه كان آخر كلامه التلفظ بما شهدت به، فهما متعارضتان، وإن شهدت ~~إحداهما أنه مات على دين الإسلام، وشهدت الأخرى أنه مات على دين الكفر قدمت ~~بينة من يدعي انتقاله عن دينه؛ لأن ms5798 المبقية له على أصل دينه، ثبتت شهادتها ~~على الأصل الذي تعرفه؛ لأنهما إذا عرفا أصل دينه ولم يعرفا انتقاله عنه، ~~جاز لهما أن يشهدا أنه مات على دينه الذي عرفاه، والبينة الأخرى معها علم ~~لم تعلمه الأولى، فقدمت عليها، كما لو شهد بأن هذا العبد كان ملكا لفلان ~~إلى أن مات، وشهد آخران أنه أعتقه أو باعه قبل موته، قدمت بينة العتق ~~والبيع. # فأما إن قال شاهدان: نعرفه قبل موته قد كان مسلما. وقال شاهدان: نعرفه ~~كان كافرا. نظرنا في تاريخهما؛ فإن كانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين عمل ~~بالآخرة منهما، لأنه ثبت أنه انتقل عما شهدت به الأولى، إلى ما شهدت به ~~الآخرة وإن كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة قدمت بينة المسلم؛ لأن المسلم ~~لا يقر على الكفر في دار # PageV10P276 # الإسلام، وقد يسلم الكافر، فيقر. وإن كانتا مؤرختين بتاريخ واحد، نظرت في ~~شهادتهما، فإن كانت على اللفظ، فهما متعارضتان. وإن لم تكن على اللفظ، ولم ~~يعرف أصل دينه، فهما متعارضتان. # وإن عرف أصل دينه، قدمت الناقلة له عن أصل دينه. وكل موضع تعارضت ~~البينتان، فقال الخرقي تسقط البينتان، ويكونان كمن لا بينة لهما. وقد ذكرنا ~~روايتين أخريين؛ إحداهما، يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، حلف وأخذ. ~~الثانية تقسم بينهما. ونحو هذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: تقدم بينة ~~الإسلام على كل حال وقد مضى الكلام معه. وقول الخرقي، فيما إذا قال شاهدان: ~~نعرفه كان مسلما وقال شاهدان: نعرفه كان كافرا. محمول على من لم يعرف أصل ~~دينه، أو علم أن أصل، دينه الكفر، أما من كان مسلما في الأصل فينبغي أن ~~تقدم بينة الكفر؛ لأن بينة الإسلام يجوز أن تستند إلى ما كان عليه في ~~الأصل. ### | [فصل خلف ابنا مسلما وأخا كافرا فاختلفا في دينه حال الموت] # (8547) فصل وإن خلف ابنا مسلما وأخا كافرا، فاختلفا في دينه حال الموت، ~~فالحكم فيها كالتي قبلها. وهكذا سائر الأقارب، إلا أن يخلف أبوين كافرين ~~وابنين مسلمين، أو غيرهما من الأقارب، ويختلفون في دينه، فإن ms5799 كون الأبوين ~~كافرين بمنزلة معرفة أصل دينه؛ لأن الولد قبل بلوغه محكوم له بدين أبويه، ~~فثبت أنه كان كافرا، وإن الابنين يدعيان إسلامه، فيكون القول قول الأبوين. ~~وإن كانا مسلمين، فالقول قولهما في إسلامه لأن كفره ينبني أنه كان مسلما ~~فارتد، أو أن أبويه كانا كافرين، فأسلما بعد بلوغه، والأصل. خلافه. ### | [فصل كانت الزوجة كافرة ثم أسلمت فادعت أنها أسلمت قبل موته فأنكرها الورثة] # (8548) فصل: ولو مات مسلم، وخلف زوجة وورثة سواها، وكانت الزوجة كافرة، ~~ثم أسلمت فادعت أنها أسلمت قبل موته، فأنكرها الورثة، فالقول قول الورثة؛ ~~لأن الأصل عدم ذلك. وإن لم يثبت أنها كافرة، فادعى عليها الورثة أنها كانت ~~كافرة، فأنكرتهم، فالقول قولها لأن الأصل عدم ما ادعوه عليه وإن ادعوا أنه ~~طلقها قبل موته، فأنكرتهم، فالقول قولها. وإن اعترفت بالطلاق، وانقضاء ~~العدة، فادعت أنه راجعها، فالقول قولهم. وإن اختلفوا في انقضاء عدتها ~~فالقول قولها، في أنها لم تنقض؛ لأن الأصل بقاؤها. ولا نعلم في هذا كله ~~خلافا وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو ثور. # ولو خلف ولدين مسلمين، اتفقا على أن أحدهما كان مسلما حين موت أبيه، ~~وادعى الآخر أنه أسلم في حياة أبيه، وجحده أخوه، فالميراث للمتفق عليه؛ لأن ~~الأصل بقاء الكفر إلى أن يعلم زواله، وعلى أخيه اليمين، وتكون على نفي ~~العلم؛ لأنها على نفي فعل. أخيه، إلا أن يكون ثبت أنه كان مسلما قبل ~~القسمة، فإن من أسلم على ميراث قبل أن يقسم، قسم له، وإن كان أحدهما حرا، ~~والآخر رقيقا، ثم عتق، واختلفا في # PageV10P277 # حريته عند الموت، فالقول قول من ينفيها. وإن لم يثبت أنه كان رقيقا ولا ~~كافرا، فادعى عليه أنه كان كذلك فأنكر فالقول قوله، والميراث بينهما؛ لأن ~~الأصل الحرية والإسلام، وعدم ما سواهما. ### | [فصل أسلم أحد الابنين في غرة شعبان وأسلم الآخر في غرة رمضان واختلفا في موت أبيهما هل في شعبان أم في رمضان] # (8549) فصل: وإن أسلم أحد الابنين في غرة شعبان، وأسلم الآخر في غرة ~~رمضان، واختلفا في ms5800 موت أبيهما، فقال الأول منهما: مات في شعبان فورثته ~~وحدي. وقال الآخر: مات في رمضان فالميراث بينهما لأن الأصل بقاء حياته حتى ~~يعلم زوالها، فإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه ففيه وجهان؛ أحدهما ~~يتعارضان، والثاني، تقدم بينة موته في شعبان لأن معها زيادة علم، لأنها ~~بينت موته في شعبان؛ ويجوز أن يخفي ذلك على البينة الأخرى. ### | [فصل اختلفا في دار فادعى كل منهما أنه ورثها وكانت في يد أحدهما] # (8550) فصل وإن اختلفا في دار فادعى أحدهما، أن هذه داري ورثتها من أبي، ~~وادعى الآخر أنها داره ورثها من أبيه. وليس أحدهما أخا للآخر، وكانت في يد ~~أحدهما فهي للذي هي في يده، سواء كان مسلما أو كافرا، وإن كانت في أيديهما، ~~فهي بينهما، وإن كان لكل واحد منهما بينة وهي في أيديهما تعارضتا، وكان ~~الحكم فيها على ما قدمنا في مثلها. ### | [مسألة قال زوجها ماتت قبل ابنها فورثناها ثم مات ابني فورثته وقال أخوها مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها] # مسألة؛ قال: وإذا ماتت امرأة وابنها فقال زوجها: ماتت قبل ابنها، ~~فورثناها، ثم مات ابني، فورثته. وقال أخوها مات ابنها فورثته، ثم ماتت ~~فورثناها حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه وكان ميراث الابن لأبيه، ~~وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين وجملته أنه إذا مات جماعة يرث بعضهم ~~بعضا، واختلف الأحياء من ورثتهم في أسبقهم بالموت كامرأة وابنها ماتا، فقال ~~الزوج ماتت المرأة أولا، فصار ميراثها كله لي ولابني، ثم مات ابني فصار ~~ميراثه لي. # وقال أخوها: مات ابنها أولا فورثت ثلث ماله، ثم ماتت فكان ميراثها بيني ~~وبينك نصفين. حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه، وجعلنا ميراث كل ~~واحد منهما للأحياء من ورثته دون من مات معه؛ لأن سبب استحقاق الحي من ~~موروثه موجود، وإنما يمتنع لبقاء موروث الآخر بعده وهذا أمر مشكوك فيه فلا ~~نزول عن اليقين بالشك، فيكون ميراث الابن لأبيه، لا مشارك له فيه، وميراث ~~المرأة بين أخيها وزوجها نصفين. وهذا مذهب الشافعي. ms5801 # PageV10P278 # فإن قيل: فقد أعطيتم الزوج نصف ميراث المرأة، وهو لا يدعي إلا الربع قلنا ~~بل هو مدع له كله؛ ربعه بميراثه منها، وثلاثة أرباعه بإرثه من ابنه. قال ~~أبو بكر: وقد ثبتت البنوة بيقين، فلا يقطع ميراث الأب منه إلا ببينة تقوم ~~للأخ. وهذا تعليل لقول الخرقي في هذه المسألة. وذكر قولا آخر، أنه يحتمل أن ~~الميراث بينهما نصفين. # قال: وهذا اختياري أن كل رجلين ادعيا مالا يمكن صدقهما فيه فهو بينهما ~~نصفين. وهذا لا يدرى ما أراد به إن أراد أن مال المرأة بينهما نصفين. فهو ~~قول الخرقي، وليس بقول آخر، وإن أراد أن مالها ومال الابن بينهما نصفين، لم ~~يصح؛ لأنه يفضي إلى إعطاء الأخ ما لا يدعيه، ولا يستحقه يقينا؛ لأنه لا ~~يدعي من مال الابن أكثر من سدسه ولا يمكن أن يستحق أكثر منه، وإن أراد ثلث ~~مال الابن يضم إلى مال المرأة، فيقتسمانه نصفين، لم يصح؛ لأن نصف ذلك للزوج ~~باتفاق منهما لا، ينازعه الأخ فيه، وإنما النزاع بينهما في نصفه. # ويحتمل أن يكون هذا مراده كما لو تنازع الأخ فيه، وإنما النزاع بينهما ~~خفي، كما لو تنازع رجلان دارا في أيديهما، فادعاها أحدهما كلها، وادعى ~~الآخر نصفها، فإنها تقسم بينهما نصفين، وتكون اليمين على مدعي النصف إلا أن ~~الفرق بين هذه المسألة وتلك، أن الدار في أيديهما فكل واحد منهما في يده ~~نصفها، فمدعي النصف يدعيه وهو في يده، فقبل قوله فيه مع يمينه، وفي مسألتنا ~~يعترفان أن هذا ميراث عن الميتين، فلا يد لأحدهما عليه، لاعترافهما بأنه لم ~~يكن لهما، وإنما هو ميراث يدعيانه عن غيرهما، وإن أراد أن يضم سدس مال ~~الابن إلى نصف مال المرأة، فيقسم بينهما نصفين فله وجه؛ لأنهما تساويا في ~~دعواه، فيقسم بينهما كما لو تنازعا دابة في أيديهما، وعلى كل واحد منهما ~~اليمين فيما حكم له به. # والذي يقتضيه قول أصحابنا في الغرقى والهدمى، أن يكون سدس ميراث الابن ~~للأخ، وباقي الميراثين للزوج؛ لأننا نقدر أن المرأة ms5802 ماتت أولا، فيكون ~~ميراثها لابنها وزوجها، ثم مات الابن فورث الزوج كل ما في يده فصار ميراثها ~~كله لزوجها، ثم نقدر أن الابن مات أولا، فورثه أبواه لأمه الثلث، ثم ماتت ~~فصار الثلث بين أخيها وزوجها نصفين، لكل واحد منهما السدس، فلم يرث الأخ ~~إلا سدس مال الابن، كما ذكرنا. ولعل هذا القول يختص بمن جهل موتهما، واتفق ~~وراثهما على الجهل به. والقولان المتقدمان؛ قول الخرقي وقول أبي بكر، فيما ~~إذا ادعى ورثة كل ميت أنه مات أخيرا وأن الآخر مات قبله، فإن كان لأحدهما ~~بينة بما ادعاه، حكم بها، وإن أقاما بينتين تعارضتا، وهل تسقطان، أو ~~تستعملان فيقرع بينهما أو يقتسمان ما اختلفا فيه؟ يخرج على الروايات ~~الثلاث. والله أعلم. ### | [فصل كان في يد رجل دار فادعت امرأته أنه أصدقها إياها فأنكرها] # (8552) فصل: ولو كان في يد رجل دار، فادعت امرأته أنه أصدقها إياها، أو ~~أنها اشترتها منه فأنكرها فالقول # PageV10P279 # قوله مع يمينه لأن القول قول المنكر مع يمينه. وإن أقام كل واحد منهما ~~بينة، قدمت المرأة لأنها تشهد بزيادة خفيت على بينة الزوج. وإن مات الرجل، ~~وخلف ابنا، فادعى الابن أنه خلف الدار ميراثا، وادعت المرأة أنه أصدقها ~~إياها، أو باعها إياها، وأقاما بينتين، قدمت بينة المرأة؛ لذلك، فإن لم تكن ~~بينة، فالقول قول الابن مع يمينه. لا نعلم في هذا خلافا. ### | [فصل ادعى رجل أنه اكترى بيتا من دار لرجل شهرا بعشرة فادعى الرجل أنه اكترى الدار كلها بعشرة ذلك الشهر ولا بينة لواحد منهما] # (8553) فصل: إذا ادعى رجل أنه اكترى بيتا من دار لرجل شهرا بعشرة، فادعى ~~الرجل أنه اكترى الدار كلها بعشرة، ذلك الشهر ولا بينة لواحد منهما، فقد ~~اختلفا في صفة العقد، في قدر المكترى، فيتحالفان، وقد مضى حكم التحالف في ~~البيع. وذكر أبو الخطاب، فيما إذا ادعى البائع أنه باعه عبده هذا بعشرة، ~~وقال المشتري: بل هو والعبد الآخر بعشرة، فالقول قول البائع مع يمينه. ولم ~~يجعل بينهما تحالفا؛ لأن المشتري يدعي بيعا ms5803 في العبد الزائد، ينكره البائع ~~والقول قول المنكر. وهذا مثله. فعلى هذا يكون القول قول المكري مع يمينه ~~إذا عدمت البينة. # فإن أقام أحدهما بدعواه بينة، حكم له، وإن كان مع كل واحد بينة، تعارضتا، ~~سواء كانتا مطلقتين، أو مؤرختين بتاريخ واحد، أو إحداهما مؤرخة والأخرى ~~مطلقة، لأن العقد على البيت مفردا، وعلى الدار كلها، في زمن واحد، محال، ~~فإن قلنا تسقطان فالحكم فيه كما لو لم يكن بينهما بينة، وإن قلنا: يقرع ~~بينهما قدمنا قول من تقع له القرعة. وهذا قول القاضي، وظاهر مذهب الشافعي. ~~وعلى قول أبي الخطاب، تقدم بينة المكتري؛ لأنها تشهد بزيادة. وهو قول بعض ~~أصحاب الشافعي. فإن قيل: فهلا أوجبتم الأخريين معا على المكتري كما قلتم ~~فيما إذا قامت البينة أنه تزوجها يوم الخميس بألف، وقامت بينة أخرى أنه ~~تزوجها يوم الجمعة بمائة: يجب المهران؟ قلنا ثم يجوز أن يكون المهران ~~مستقرين، بأن يتزوجها يوم الخميس يدخل بها، ثم يخالعها، ثم يتزوجها يوم ~~الجمعة. وأما الأجرة فلا تستقر إلا بمضي الزمان، فإذا عقد عقدا قبل مضي ~~المدة لم يجز أن تجب الأجرتان. ### | [مسألة شهد شاهدان على رجل أنه أخذ من صبي ألفا وشهد آخران على رجل آخر أنه أخذ من الصبي ألفا] # (8554) مسألة؛ قال: (ولو شهد شاهدان على رجل، أنه أخذ من صبي ألفا، وشهد ~~آخران على رجل آخر أنه أخذ من الصبي ألفا، كان على ولي الصبي أن يطالب ~~أحدهما بالألف، إلا أن تكون كل بينة لم تشهد بالألف الذي شهدت بها الأخرى ~~فيأخذ الولي الألفين) # PageV10P280 # أما إذا كانت كل بينة شهدت بألف غير معين، فإن الولي يطالب بالألفين ~~جميعا؛ لأن كل واحد من الرجلين ثبت عليه أحد الألفين، فيلزمه أداؤها، وعلى ~~الولي أن يطالب بها، كما لو أقر كل واحد منهما بألف. # وأما إن كان المشهود به ألفا معينا، فشهدت بينة أن هذا الرجل هو الآخذ ~~لها، لم يجب إلا ألف واحد، وللولي مطالبة أيهما شاء لأنه قد ثبت أن كل واحد ~~منهما ms5804 أخذ الألف، فإن كان لم يرده، فقد استقر في ذمته، وإن كان رده إلى ~~الصبي، لم تبرأ ذمته برده إليه؛ لأنه ليس له قبض صحيح. فإن غرمه الذي لم ~~يرده، لم يرجع على أحد؛ لأنه استقر عليه، وإن غرمه الراد له، رجع على الذي ~~لم يرده. فإن غرمه أحدهما، فادعى أن الضمان استقر على صاحبه، ليرجع عليه ~~فالقول قول الآخر مع يمينه؛ لأن الأصل عدم استقراره عليه. ### | [مسألة رجلين حربيين جاءا من أرض الحرب فذكر كل واحد منهما أنه أخو صاحبه] # (8555) مسألة؛ قال: ولو أن رجلين حربيين جاءا من أرض الحرب، فذكر كل واحد ~~منهما أنه أخو صاحبه، جعلناهما أخوين، وإن كانا سبيا، فادعيا ذلك بعد أن ~~أعتقا، فميراث كل واحد منهما لمعتقه إذا لم يصدقهما، إلا أن تقوم بما ~~ادعياه بينة من المسلمين، فيثبت النسب، ويورث كل واحد منهما من أخيه وجملته ~~أن أهل الحرب إذا دخلوا إلينا مسلمين أو غير مسلمين فأقر بعضهم بنسب بعض، ~~ثبت نسبهم كما يثبت نسب أهل دار الإسلام من المسلمين وأهل الذمة بإقرارهم، ~~ولأنه إقرار لا ضرر على أحد فيه، فقبل، كإقرارهم، بالحقوق المالية، ولا ~~نعلم في هذا خلافا. # وإن كانوا سبيا، فأقر بعضهم بنسب بعض، وقامت بذلك بينة من المسلمين، ثبت ~~أيضا، سواء كان الشاهد أسيرا عندهم أو غير أسير. ويسمى الواحد من هؤلاء ~~حميلا، أي محمولا، كما يقال للمقتول قتيل، وللمجروح جريح؛ لأنه حمل من دار ~~الكفر. وقيل سمي حميلا؛ لأنه حمل نسبه على غيره. وإن شهد بنسبه الكفار، لم ~~تقبل. وعن أحمد، رواية أخرى، أن شهادتهم في ذلك تقبل؛ لتعذر شهادة المسلمين ~~به في الغالب، فأشبه شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر، إذا لم يكن ~~غيرهم. والمذهب الأول؛ لأننا إذا لم نقبل شهادة الفاسق، فشهادة الكافر ~~أولى، وإنما لم يقبل إقرارهم؛ لما في ذلك من الضرر على السيد، بتفويت إرثه ~~بالولاء على تقدير العتق، وإن صدقهما معتقهما، قبل؛ لأن الحق له. # وإن لم يصدقهما، ولم تقم بينة بذلك، لم ms5805 يرث بعضهم من بعض، وميراث كل واحد ~~منهما لمعتقه. وهذا قول الشافعي، فيما إذا أقر بنسب أب، أو أخ أو جد أو ابن ~~عم. وإن أقر بنسب ففيه ثلاثة أوجه؛ أحدها، لا يقبل. والثاني يقبل؛ لأنه ~~يملك أن يستولد، فملك الإقرار به. والثالث، إن أمكن أن يستولد بعد عتقه، ~~قبل؛ لأنه يملك الاستيلاد بعد عتقه، وإلا لم يقبل؛ لأنه لا يملك # PageV10P281 # قبل عتقه، أو يستولد قبل عتقه. ويروى عن ابن مسعود، ومسروق والحسن وابن ~~سيرين، أن إقراره يقبل فيما يقبل فيه الإقرار من الأحرار الأصليين. وبه قال ~~أبو حنيفة لأنه مكلف أقر بنسب وإرث مجهول النسب، يمكن صدقه فيه، ووافقه ~~المقر له فيه، فقبل كما لو أقر من له أخ بنسب ابن، وبهذا الأصل يبطل ما ~~ذكروه. # ولنا، ما روى الشعبي، أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى شريح، أن لا تورث ~~حميلا، حتى تقوم به بينة. رواه سعيد. وقال أيضا: حدثنا سفيان عن ابن جدعان ~~عن سعيد بن المسيب قال: كتب عمر بن الخطاب: أن لا تورث حميلا إلا ببينة. ~~ولأن إقراره يتضمن إسقاط حق معتقه من ميراثه، فلم يقبل، كما لو أقر أنه ~~مولى لغيره، فإن غيره شريكه في ولائه، وفارق الإقرار من الحر الذي له أخ؛ ~~لأن الولاء نتيجة الملك، فجرى مجراه، ولأن الولاء ثبت عن عوض، والأخوة ~~بخلافه، ألا ترى أنه لو قال لغيره: أعتق عبدك عني وعلي ثمنه. صح، ولم يثبت ~~له إلا الولاء؟ وإذا ثبت أنه بعوض، كان أقوى من النسب، وإنما قدمنا النسب ~~في الميراث لقربه، لا لقوته، كما نقدم ذوي الفروض على العصبة مع قربهم. ~~(8556) # فصل: وإذا كانا مختلفي الدين، لم يثبت النسب بإقرارهما، وإن لم يتوارثا؛ ~~لأنه يحتمل أن يسلم الكافر منهما فيرث؛ ولذلك لو أقرا بالنسب في حال رقهما، ~~لم يثبت لاحتمال التوارث بالعتق. وإن ولد لكل واحد منهما ابن من حرة، فأقر ~~كل واحد منهما للآخر أنه ابن عمه، احتمل أن يقبل إقراره؛ لأنه لا ولاء ~~عليه، فيقبل إقراره؛ ms5806 لوجود المقتضي لقبوله، وانتفاء المعارض. واحتمل أن لا ~~يقبل؛ لأنه يرثه المسلمون، ولأنه إذا لم يقبل إقرار الأصول، فالفروع أولى ~~فإن قلنا: يقبل إقرارهما. فأقر أحدهما لأبي الآخر أنه عمه، لم يثبت الإقرار ~~بالنسبة إلى أنه ابن أخيه؛ لأنه لو ثبت لورث عمه دون مولاه المعتق له. # وهل يثبت بالنسبة إلى العم فيرث ابن أخيه؟ يحتمل أن يثبت؛ لانتفاء الولاء ~~عن ابن الأخ فلا تفضي صحة الإقرار إلى إسقاط الولاء والأولى أنه لا يثبت؛ ~~لأنه لم يثبت بالنسبة إلى أحد الطرفين، فلم يثبت في الآخر. # PageV10P282 ### | [مسألة كان الزوجان في البيت فافترقا أو ماتا فادعى كل واحد منهما ما في البيت أنه له] # (8557) مسألة؛ قال: وإذا كان الزوجان في البيت، فافترقا، أو ماتا، فادعى ~~كل واحد منهما ما في البيت أنه له، أو ورثه، حكم بما كان يصلح للرجال ~~للرجل، وما كان يصلح للنساء للمرأة، وما كان يصلح أن يكون لهما، فهو بينهما ~~نصفين وجملة ذلك أن الزوجين إذا اختلفا في متاع البيت، أو في بعضه، فقال كل ~~واحد منهما: جميعه لي. أو قال كل واحد منهما: هذه العين لي، وكانت لأحدهما ~~بينة، ثبت له، بلا خلاف، وإن لم يكن لواحد منهما بينة فالمنصوص عن أحمد، أن ~~ما يصلح للرجال؛ من العمائم، وقمصانهم، وجبابهم، والأقبية، والطيالسة، ~~والسلاح، وأشباه ذلك، القول فيه قول الرجل مع يمينه، وما يصلح للنساء؛ ~~كحليهن، وقمصهن، ومقانعهن، ومغازلهن فالقول قول المرأة مع يمينها. وما يصلح ~~لهما؛ كالمفارش، والأواني، فهو بينهما، وسواء كان في أيديهما من طريق ~~المشاهدة، أو من طريق الحكم، وسواء اختلفا في حال الزوجية، أو بعد ~~البينونة، وسواء اختلفا، أو اختلف ورثتهما، أو أحدهما وورثة الآخر. # قال أحمد في رواية الجماعة؛ منهم يعقوب بن بختان، في الرجل يطلق زوجته، ~~أو يموت، فتدعي المرأة المتاع: فما كان يصلح للرجال، فهو للرجل، وما كان من ~~متاع النساء، فهو للنساء، وما استقام أن يكون بين الرجال والنساء فهو ~~بينهما. وإن كان المتاع على يدي غيرهما، فمن أقام البينة، ms5807 دفع إليه، وإن لم ~~تكن لهما بينة، أقرع بينهما، فمن كانت له القرعة، حلف وأعطي المتاع. وقال، ~~في رواية مهنا: وكذلك إن اختلفا، وأحدهما مملوك. وبهذا قال الثوري، وابن ~~أبي ليلى، وقال القاضي: هذا إنما هو فيما إذا كانت أيديهما عليه من طريق ~~الحكم، أما ما كان في يد أحدهما من طريق المشاهدة، فهو له مع يمينه. # وإن كان في أيديهما، قسم بينهما نصفين سواء كان يصلح لهما، أو لأحدهما. ~~وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، إلا أنهما قالا: ما يصلح لهما ويدهما ~~عليه من طريق الحكم، فالقول فيه قول الرجل مع يمينه. وإذا اختلف أحدهما ~~وورثه الآخر، فالقول قول النافي منهما لأن اليد المشاهدة أقوى من اليد ~~الحكمية، بدليل أنه لو تنازع الخياط وصاحب الدار في الإبرة والمقص، كانت ~~للخياط. وقال أبو يوسف: القول قول المرأة، فيما جرت العادة أنه قدر جهاز ~~مثلها. وقال مالك ما صلح لكل واحد منهما، فهو له، وما صلح لهما، كان للرجل، ~~سواء كان في أيديهما من طريق المشاهدة، أو من طريق الحكم؛ لأن البيت للرجل، ~~ويده أقوى؛ لأن عليه السكنى وقال الشافعي، وزفر، والبتي كل ما في البيت ~~بينهما نصفين، فيحلف كل واحد منهما على نصفه ويأخذه. # PageV10P283 # وروي نحو ذلك عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -؛ لأنهما تساويا في ~~ثبوت يدهما على المدعى، وعدم البينة، فلم يقدم أحدهما على صاحبه، كالذي ~~يصلح لهما، أو كما لو كان في يدهما من حيث المشاهدة عند من سلم ذلك. ولنا، ~~أن أيديهما جميعا على متاع البيت، بدليل ما لو نازعهما فيه أجنبي، كان ~~القول قولهما، وقد يرجع أحدهما على صاحبه يدا وتصرفا فيجب أن يقدم، كما لو ~~تنازعا دابة، أحدهما راكبها، والآخر آخذ بزمامها، أو قميصا أحدهما لابسه، ~~والآخر آخذ بكمه، أو جدارا متصلا بداريهما، معقودا ببناء أحدهما، أو له ~~عليه أزج. # ولنا، على أبي حنيفة والقاضي، أنهما تنازعا فيما في أيديهما ولا مزية ~~لأحدهما على صاحبه، أشبه إذا كان في اليد الحكمية. ms5808 فأما ما كان يصلح لهما، ~~فإنه في أيديهما، ولا مزية لأحدهما على صاحبه، أشبه إذا كان في أيديهما من ~~جهة المشاهدة، والدلالة على أنه ليس للنافي، أن وارث الميت قائم مقامه، ~~أشبه ما لو وكل أحدهما لنفسه وكيلا. فأما إذا لم يكن لهما يد حكيمة، بل ~~تنازع رجل وامرأة في عين غير قماش بينهما، فلا يرجع أحدهما بصلاحية ذلك له، ~~بل إن كانت في أيديهما فهي بينهما، وإن كانت في يد أحدهما، فهي له، وإن ~~كانت في يد غيرهما، اقترعا عليها، فمن خرجت له القرعة فهي له، واليمين على ~~من حكمنا بها له في كل المواضع، لأنه ليس لهما يد حكمية، فأشبها سائر ~~المختلفين. ### | [فصل كان في الدكان نجار وعطار فاختلفا فيما فيها] # (8558) فصل: وإذا كان في الدكان نجار وعطار، فاختلفا فيما فيها، حكم بآلة ~~كل صناعة لصاحبها، فآلة العطارين للعطار، وآلة النجارين للنجار. وإن لم ~~يكونا في دكان واحد، لكن اختلفا في عين لم يرجح أحدهما بصلاحية العين ~~المختلف فيها له، كما ذكرنا في الزوجين، يكون ذلك كتنازع الأجنبيين. ### | [فصل اختلف المكري والمكتري في شيء في الدار] # (8559) فصل: وإذا اختلف المكري والمكتري في شيء في الدار، نظرت؛ فإن كان ~~مما ينقل ويحول، كالأثاث، والأواني، والكتب فهو للمكتري؛ لأن العادة أن ~~الإنسان يكري داره فارغة من رحله وقماشه، وإن كان في شيء مما يتبع في ~~البيع؛ كالأبواب المنصوبة، والخوابي المدفونة، والرفوف المسمرة، والسلاليم ~~المسمرة، والمفاتيح والرحا المنصوبة، وحجرها التحتاني فهو للمكري؛ لأنه من ~~توابع الدار، فأشبه الشجرة المغروسة فيها. وإن كانت الرفوف موضوعة على ~~أوتاد، فقال أحمد: إذا اختلفا في الرفوف، فهي لصاحب الدار. # PageV10P284 # فظاهر هذا العموم في الرفوف كلها. # وقال القاضي: كلام أحمد محمول على المسمرة، فأما غير المسمرة فهي بينهما ~~إذا تحالفا؛ لأنها لا تتبع في البيع فأشبهت القماش. وهذا ظاهر يشهد ~~للمكتري، وللمكري ظاهر يعارض هذا، وهو أن المكري يترك الرفوف في الدار، ولا ~~ينقلها عنها، فإذا تعارض الظاهران من الجانبين، استويا. وهذا مذهب الشافعي. ~~فعلى هذا، ms5809 إذا تحالفا، كانت بينهما، وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، فهي لمن ~~حلف. وذكر القاضي في موضع آخر، وأبو الخطاب، أنه إن كان للرف شكل منصوب في ~~الدار، فهو لصاحب الدار مع يمينه، وإن لم يكن له شكل منصوب تحالفا، وكان ~~بينهما؛ لأنه إذا كان له شكل منصوب في الدار فالشكل تابع للدار، فهو ~~لصاحبها، والظاهر أن أحد الرفين لمن له الآخر، وكذلك إن اختلفا في مصراع ~~باب مقلوع، فالحكم فيه كما ذكرنا؛ لأن أحدهما لا يستغني عن صاحبه، فكان ~~أحدهما لمن له الآخر، كالحجر الفوقاني من الرحى، والمفتاح مع السكرة. # ووجه وظاهر كلام أحمد، في أن الرفوف لصاحب الدار على كل حال، أن العادة ~~جارية بترك الرفوف في الدار، ولم تجر بنقل المكتري لها معه، فكانت لصاحب ~~الدار، كالذي له شكل منصوب، ولأنها إذا كانت لها أوتاد منصوبة، فالأوتاد ~~لصاحب الدار، فكذلك ما نصبت له كالحجر الفوقاني من الرحى إذا كان السفلاني ~~منصوبا، ومفتاح السكرة المسمرة. ### | [فصل كان الخياط في دار غيره فاختلفا في الإبرة والمقص] # (8560) فصل: وإذا كان الخياط في دار غيره، فاختلفا في الإبرة والمقص، فهي ~~للخياط؛ لأن تصرفه فيهما أكثر وأظهر، والظاهر معه؛ لأن الإنسان إذا دعا ~~خياطا ليخيط له، فالعادة أنه يحمل معه إبرته ومقصه. وإن اختلفا في القميص ~~فهو لصاحب الدار؛ إذ ليست العادة أن يحمل القميص معه يخيطه في دار غيره، ~~وإنما العادة أن يخيط قميص صاحب الدار فيها. وإن اختلف صاحب الدار والنجار ~~في القدوم، والمنشار، وآلة النجارة، فهي للنجار. وإن اختلفا في الخشبة ~~المنجورة والأبواب والرفوف المنشورة، فهي لصاحب الدار. وإن اختلف النجاد ~~ورب الدار في قوس الندف، فهو للنجاد. # وإن اختلفا في الفرش والقطن والصوف، فهو لصاحب الدار. وإن اختلف رب الدار ~~والسقا في القربة، فهي للسقا. وإن اختلفا في الخابية والجرار، فهي لصاحب ~~الدار؛ لما ذكرنا. ### | [فصل تنازع رجلان دابة أحدهما راكبها والآخر أخذ بزمامها] # (8561) فصل: وإذا تنازع رجلان دابة أحدهما راكبها، والآخر آخذ بزمامها، ~~فالراكب أولى بها؛ لأن تصرفه ms5810 فيها # PageV10P285 # أقوى، ويده آكد، وهو المستوفي لمنفعتها. وإن كان لأحدهما عليها حمل، ~~والآخر آخذ بزمامها، فهي لصاحب الحمل؛ لذلك. وإن كان لأحدهما عليها، حمل، ~~والآخر راكب عليها، فهي للراكب؛ لأنه أقوى تصرفا. وإن اختلفا في الحمل، ~~فادعاه الراكب وصاحب الدابة، فهو للراكب؛ لأن يده على الدابة والحمل معا، ~~فأشبه ما لو اختلف الساكن وصاحب الدار في قماش فيها. # وإن تنازع صاحب الدابة والراكب في السرج، فهو لصاحب الدابة، لأن السرج في ~~العادة يكون لصاحب الفرس. وإن تنازع اثنان في ثياب على عبد لأحدهما، فهي ~~لصاحب العبد؛ لأن يد العبد عليها. وإن تنازع صاحب الثياب والآخر في العبد ~~اللابس لها، فهما سواء؛ لأن نفع الثياب يعود إلى العبد، لا إلى صاحب ~~الثياب. ومذهب الشافعي في هذا الفصل، والذي قبله، كما ذكرنا. ### | [فصل اختلف صاحب أرض ونهر في حائط بينهما] # (8562) فصل: وإن اختلف صاحب أرض ونهر في حائط بينهما، فهو لهما ويحلف كل ~~واحد منهما على النصف المحكوم له به. وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ~~هو لصاحب النهر؛ لأنه لنفعه. وقال أبو يوسف، ومحمد هو لصاحب الأرض؛ لأنه ~~متصل بأرضه. ولنا، أنه حاجز بين ملكيهما، فكانت يدهما عليه، فيكون لهما، ~~كما لو تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما، أو حائط بين ~~داريهما. وما ذكروه من الترجيحين متقابل، فيستويان. وإن تنازع صاحب العلو ~~والسفل في السقف الذي بينهما، فهو بينهما، لذلك. وكل موضع قلنا يقسم بينهما ~~نصفين. فإنما يحلف كل واحد منهما على النصف الذي يحصل له، دون النصف الآخر ~~لأن ما يحصل له لا يفيده الحلف عليه شيئا، فلا يستحلف عليه، كالمدعي لا ~~يحلف على ما يأخذه المدعى عليه. ### | [فصل تنازعا عمامة طرفها في يد أحدهما وباقيها في يد الآخر] # (8563) فصل: وإن تنازعا عمامة طرفها في يد أحدهما، وباقيها في يد الآخر، ~~أو قميصا، كمه في يد أحدهما، وباقيه مع الآخر فهما سواء فيها؛ لأن يد ~~الممسك بالطرف عليها، بدليل أنه لو كان باقيها على الأرض، فنازعه فيها غيره ms5811 ~~كانت له، وإذا كانت في أيديهما تساويا فيها. # ولو كانت دار فيها أربعة أبيات، وفي أحد أبياتها ساكن، وفي الثلاثة ~~الباقية ساكن آخر، فاختلفا فيها، كان لكل واحد ما هو ساكن فيه، لأن كل بيت ~~ينفصل عن صاحبه، ولا يشارك الخارج منه الساكن فيه في ثبوت اليد عليه. ولو ~~تنازعا الساحة التي يتطرق منها إلى البيوت، فهي بينهما نصفين؛ لاشتراكهما ~~في ثبوت اليد عليها، فأشبهت العمامة فيما ذكرنا. ### | [مسألة من كان له على أحد حق فمنعه منه وقدر له على مال] # (8564) مسألة؛ قال: (ومن كان له على أحد حق، فمنعه منه، وقدر له على مال، ~~لم يأخذ منه مقدار حقه؛ لما روي عن # PageV10P286 # النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا ~~تخن من خانك» رواه الترمذي) وجملته أنه إذا كان لرجل على غيره حق، وهو مقر ~~به، باذل له، لم يكن له أن يأخذ من ماله إلا ما يعطيه، بلا خلاف بين أهل ~~العلم، فإن أخذ من ماله شيئا بغير إذنه، لزمه رده إليه، وإن كان قدر حقه؛ ~~لأنه لا يجوز أن يملك عليه عينا من أعيان ماله، بغير اختياره، لغير ضرورة، ~~وإن كانت من جنس حقه؛ لأنه قد يكون للإنسان غرض في العين. # وإن أتلفها، أو تلفت فصارت دينا في ذمته، وكان الثابت في ذمته من جنس حقه ~~تقاضا، في قياس المذهب، والمشهور من مذهب الشافعي وإن كان مانعا له لأمر ~~يبيح المنع، كالتأجيل والإعسار، لم يجز أخذ شيء من ماله، بغير خلاف، وإن ~~أخذ شيئا، لزمه رده إن كان باقيا، أو عوضه إن كان تالفا، ولا يحصل التقاضي ~~هاهنا؛ لأن الدين الذي له لا يستحق أخذه في الحال، بخلاف التي قبلها. وإن ~~كان مانعا له بغير حق، وقدر على استخلاصه بالحاكم أو السلطان، لم يجز له ~~الأخذ أيضا بغيره؛ لأنه قدر على استيفاء حقه بمن يقوم مقامه، فأشبه ما لو ~~قدر على استيفائه من وكيله. وإن لم يقدر على ذلك؛ لكونه جاحدا له، ms5812 ولا بينة ~~له به، أو لكونه لا يجيبه إلى المحاكمة، ولا يمكنه إجباره على ذلك، أو نحو ~~هذا، فالمشهور في المذهب، أنه ليس له أخذ قدر حقه. وهو إحدى الروايتين عن ~~مالك. # قال ابن عقيل: وقد جعل أصحابنا المحدثون لجواز الأخذ وجها في المذهب أخذا ~~من حديث هند، حين قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - «خذي ما يكفيك ~~وولدك بالمعروف» . وقال أبو الخطاب: يتخرج لنا جواز الأخذ؛ فإن كان المقدور ~~عليه من جنس حقه، أخذ بقدره، وإن كان من غير جنسه، تحرى، واجتهد في تقويمه ~~مأخوذ من حديث هند، ومن قول أحمد في المرتهن: يركب ويحلب، بقدر ما ينفق، ~~والمرأة تأخذ مؤنتها، وبائع السلعة يأخذها من مال المفلس بغير رضا وقال ~~الشافعي إن لم يقدر على استخلاص حقه بعينه، فله أخذ قدر حقه من جنسه أو من ~~غير جنسه، وإن كانت له بينة، وقدر على استخلاصه، ففيه وجهان. والمشهور من ~~مذهب مالك، أنه إن لم يكن لغيره عليه دين، فله أن يأخذ بقدر حقه، وإن كان ~~عليه دين، لم يجز لأنهما يتحاصان في ماله إذا أفلس. # وقال أبو حنيفة: له أن يأخذ بقدر حقه إن كان عينا، أو ورقا، أو من جنس ~~حقه، وإن كان المال عرضا، لم يجز لأن أخذ العرض عن حقه اعتياض، ولا تجوز ~~المعاوضة إلا برضى من المتعاوضين، قال الله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم} [النساء: 29] . واحتج من أجاز الأخذ بحديث «هند، حين جاءت إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل ~~شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. فقال: خذي ما يكفيك # PageV10P287 # وولدك بالمعروف» متفق عليه. وإذا جاز لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها بغير ~~إذنه، جاز للرجل الذي له الحق على الرجل. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» رواه الترمذي، وقال: ~~حديث حسن. # ومتى أخذ منه قدر حقه من ماله بغير ms5813 علمه، فقد خانه، فيدخل في عموم الخبر، ~~وقال - صلى الله عليه وسلم - «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» . ~~ولأنه إن أخذ من غير جنس حقه، كان معاوضة بغير تراض، وإن أخذ من جنس حقه، ~~فليس له تعيين الحق بغير رضى صاحبه، فإن التعيين إليه، ألا ترى أنه لا يجوز ~~له أن يقول: اقضني حقي من هذا الكيس دون هذا. ولأن كل ما لا يجوز له تملكه ~~إذا لم يكن له دين، لا يجوز له أخذه إذا كان له دين، كما لو كان باذلا له. ~~فأما حديث هند، فإن أحمد اعتذر عنه بأن حقها واجب عليه في كل وقت، وهذا ~~إشارة منه إلى الفرق بالمشقة في المحاكمة في كل وقت، والمخاصمة كل يوم تجب ~~فيه النفقة، بخلاف الدين، وفرق أبو بكر بينهما بفرق آخر، وهو أن قيام ~~الزوجية كقيام البينة، فكأن الحق صار معلوما بعلم قيام مقتضيه، وبينهما ~~فرقان آخران؛ أحدهما، أن للمرأة من التبسط في ماله، بحكم العادة ما يؤثر في ~~إباحة أخذ الحق وبذل اليد فيه بالمعروف، بخلاف الأجنبي. الثاني، أن النفقة ~~تراد لإحياء النفس، وإبقاء المهجة، وهذا مما لا يصبر عنه، ولا سبيل إلى ~~تركه، فجاز أخذ ما تندفع به هذه الحاجة، بخلاف، الدين، حتى نقول: لو صارت ~~النفقة ماضية، لم يكن لها أخذها. # ولو وجب لها عليه دين آخر، لم يكن لها أخذه. فعلى هذا، إن أخذ شيئا لزمه ~~رده إن كان باقيا، وإن كان تالفا، وجب مثله إن كان مثليا، أو قيمته إن كان ~~متقوما، فإن كان من جنس دينه، تقاصا، في قياس المذهب، وإن كان من غير جنسه، ~~لزمه غرمه، ومن جوز من أصحابنا الأخذ، فإنه قال: إن وجد من جنس حقه، جاز له ~~الأخذ منه بقدر حقه، من غير زيادة، وليس له الأخذ من غير جنسه مع قدرته على ~~أخذه من جنسه، وإن لم يجد إلا من غير جنس، حقه فيحتمل أن لا يجوز له تملكه؛ ~~لأنه لا يجوز أن ms5814 يبيعه من نفسه، وهذا يبيعه من نفسه، وتلحقه فيه تهمة. ~~ويحتمل أن يجوز له ذلك، كما قالوا: الرهن ينفق عليه، إذا كان مركوبا، أو ~~محلوبا، يركب ويحلب، # PageV10P288 # بقدر النفقة، وهي من غير الجنس. # واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من جوز له هذا، ومنهم من قال: يواطئ رجلا ~~يدعي عليه عند الحاكم دينا، فيقر له بملك الشيء الذي أخذه، فيمتنع من عليه ~~الدعوى من قضاء الدين، ليبيع الحاكم الشيء المأخوذ، ويدفعه إليه. ### | [فصل ادعى إنسان على إنسان حقا وأقام به شاهدين فلم يعرف الحاكم عدالتهما] # (8565) فصل: إذا ادعى إنسان على إنسان حقا، وأقام به شاهدين فلم يعرف ~~الحاكم عدالتهما، فسأل حبس غريمه حتى تثبت عدالة شهوده، أجيب إلى ذلك؛ لأن ~~الظاهر من المسلمين العدالة، ولأن الذي على الغريم قد أتى به، وإنما بقي ما ~~على الحاكم، وهو الكشف عن عدالة الشهود. # وإن أقام شاهدا واحدا وسأل حبس غريمه ليقيم شاهدا آخر، وكان الحق مما لا ~~يثبت إلا بشاهدين، لم يحبس المدعى عليه؛ لأن البينة ما تمت، والحبس عذاب، ~~فلا يتوجه عليه دون تمام البينة وإن كان الحق مما يثبت بشاهد ويمين ففيه ~~وجهان أحدهما، يحبس له؛ لأن الشاهد الواحد حجة في المال، وإنما اليمين ~~مقوية له. والثاني، لا يحبس. وهو الصحيح؛ لأنه إن حبس ليقيم شاهدا آخر يتم ~~به البينة، فهو كالحقوق التي لا تثبت إلا بشاهدين، وإن حبس ليحلف معه، فلا ~~حاجة إليه، فإن الحلف ممكن في الحال، فإن حلف، ثبت حقه، وإلا، لم يجب شيء. # ويحتمل أن يقال إن كان المدعي باذلا لليمين، والتوقف لأجل إثبات عدالة ~~الشاهد، حبس لما ذكرنا في التي قبلها وإن كان التوقف عن الحكم بغير ذلك، لم ~~يحبس؛ لما ذكرناه، قال القاضي: وكل موضع حبس فيه بشاهدين، استديم الحبس حتى ~~تثبت عدالة الشهود أو فسقهم، وكل موضع حبس فيه بشاهد واحد فإنه يقال ~~للمشهود له: إن جئت بشاهد آخر إلى ثلاث وإلا أطلقناه. ### | [فصل ادعى العبد أن سيده أعتقه وأقام شاهدين ولم يعدلا فسأل العبد ms5815 الحاكم أن يحول بينه وبين سيده] # (8566) فصل: وإن ادعى العبد أن سيده أعتقه، وأقام شاهدين، ولم يعدلا، ~~فسأل العبد الحاكم أن يحول بينه وبين سيده إلى أن يبحث الحاكم عن عدالة ~~الشهود، فعلى الحاكم ذلك، يؤجره من ثقة ينفق عليه من كسبه ويحبس الباقي، ~~فإن عدل الشاهدان، سلم إليه الباقي من كسبه، وإن فسقا، رد إلى سيده. وإنما ~~حلنا بينهما؛ لما ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا، ولأننا لو لم نحل بينهما، ~~أفضى إلى أن تكون أمة، فيطأها. # وإن أقام شاهدا واحدا، وسأل أن يحال بينهما، ففيه وجهان وإن أقامت المرأة ~~شاهدين يشهدان بطلاقها، ولم تعرف عدالة الشهود، حيل بينه وبينها، وإن أقامت ~~شاهدا واحدا، لم يحل بينهما؛ لأن البينة لم تتم، وهذا مما لا يثبت إلا ~~بشاهدين، فلا يثبت بشاهد واحد. والله أعلم. # PageV10P289 ### | [كتاب العتق] # العتق في اللغة: الخلوص. ومنه عتاق الخيل وعتاق الطير، أي خالصتها، وسمي ~~البيت الحرام عتيقا؛ لخلوصه من أيدي الجبابرة. # PageV10P290 # وهو في الشرع تحرير الرقبة وتخليصها من الرق. يقال: عتق العبد، وأعتقته ~~أنا، وهو عتيق، ومعتق. # PageV10P291 # والأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: ~~{فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] . # وقال الله تعالى: {فك رقبة} [البلد: 13] . وأما السنة فما روى أبو هريرة ~~- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق ~~رقبة # PageV10P292 # مؤمنة، أعتق الله بكل إرب منها إربا منه من النار، حتى إنه ليعتق باليد ~~اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج» . متفق عليه. في أخبار كثيرة سوى هذا. ~~وأجمعت الأمة على صحة العتق، وحصول القربة به. ### | [فصل إعتاق الرجل أفضل من إعتاق المرأة] # (8567) فصل: والعتق من أفضل القرب إلى الله تعالى؛ لأن الله تعالى جعله ~~كفارة للقتل، والوطء في رمضان والأيمان، وجعله النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فكاكا لمعتقه من النار، ولأن فيه تخليصا للآدمي المعصوم من ضرر الرق وملك ~~نفسه ومنافعه، وتكميل أحكامه، وتمكنه من التصرف في نفسه ومنافعه، على حسب ~~إرادته واختياره. وإعتاق الرجل أفضل من إعتاق المرأة؛ لما روى ms5816 كعب بن مرة ~~البهزي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «أيما رجل أعتق ~~رجلا مسلما، كان فكاكه من النار، يجزى بكل عظم من عظامه عظما من عظامه، ~~وأيما رجل مسلم أعتق امرأتين مسلمتين، كانتا فكاكه من النار، يجزى بكل عظم ~~من عظامهما، عظما من عظامه، وأيما، امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت ~~فكاكها من النار، تجزى بكل عظم من عظامها عظما من عظامها» . # والمستحب عتق من له دين وكسب ينتفع بالعتق، فأما من يتضرر بالعتق، كمن لا ~~كسب له، تسقط نفقته عن سيده، فيضيع، أو يصير كلا على الناس، ويحتاج إلى ~~المسألة، فلا يستحب عتقه. وإن كان ممن يخاف عليه المضي إلى دار الحرب ~~والرجوع عن دين الإسلام، أو يخاف عليه الفساد، كعبد يخاف أنه إذا أعتق ~~واحتاج سرق، وفسق، وقطع الطريق أو جارية يخاف منها الزنى والفساد، كره ~~إعتاقه. وإن غلب على الظن إفضاؤه إلى هذا، كان محرما؛ لأن التوسل إلى ~~الحرام حرام. وإن أعتقه صح؛ لأنه إعتاق صدر من أهله في محله، فصح، كإعتاق ~~غيره ### | [فصل ما يحصل به العتق] # (8568) فصل: ويحصل العتق بالقول، والملك، والاستيلاد. ونذكر ذلك في ~~مواضعه إن شاء الله تعالى. ولا يحصل بالنية المجردة؛ لأنه إزالة ملك، فلا ~~يحصل بالنية المجردة، كسائر الإزالة. وألفاظه تنقسم إلى صريح وكناية؛ # PageV10P293 # فالصريح لفظ الحرية، والعتق، وما تصرف منهما، نحو: أنت حر، أو محرر، أو ~~عتيق، أو معتق، أو أعتقتك. لأن هذين اللفظين وردا في الكتاب والسنة، وهما ~~يستعملان في العتق عرفا، فكانا صريحين فيه، فمتى أتى بشيء من هذه الألفاظ، ~~حصل به العتق، وإن لم ينو شيئا، عتق أيضا. قال أحمد في رجل لقي امرأة في ~~الطريق، فقال: تنحي يا حرة. فإذا هي جاريته، قال: قد عتقت عليه. وقال في ~~رجل قال لخدم قيام في وليمة: مروا، أنتم أحرار. وكانت معهم أم ولد له، لم ~~يعلم بها، قال: هذا عندي تعتق أم ولده. # ويحتمل أن لا تعتق في هذين الموضعين؛ لأنه قصد باللفظة الأولى ms5817 غير العتق، ~~فلم تعتق بها، كما لو قال: عبدي حر. يريد أنه عفيف كريم الأخلاق، وباللفظة ~~الثانية أراد غير أم ولده، فأشبه ما لو نادى من نسائه، فأجابته غيرها، ~~فقال: أنت طالق. يحسبها التي ناداها، فإنها لا تطلق، على رواية، فكذا ~~هاهنا. فأما إن قصد غير العتق، كالرجل يقول: عبدي هذا حر. يريد عفته، وكرم ~~أخلاقه. أو يقول لعبده: ما أنت إلا حر. أي: إنك لا تطيعني، ولا ترى لي عليك ~~حقا ولا طاعة، فلا يعتق في ظاهر المذهب. قال حنبل: سئل أبو عبد الله، عن ~~رجل قال لغلامه: أنت حر. وهو يعاتبه؟ فقال: إذا كان لا يريد به العتق، ~~يقول: كأنك حر، ولا يريد أن يكون حرا، أو كلاما نحو هذا، رجوت أن لا يعتق، ~~وأنا أهاب المسألة؛ لأنه نوى بكلامه ما يحتمله، فانصرف إليه، كما لو نوى ~~بكناية العتق العتق. وبهذا قال الثوري، وابن المنذر قال: وإن طلب استحلافه، ~~حلف. # وبيان احتمال اللفظ لما أراده، أن المرأة الحرة تمدح بهذا، فيقال: امرأة ~~حرة. يعنون عفيفة، وتمدح المملوكة به أيضا، ويقال للحيي الكريم الأخلاق: ~~حر. قالت سبيعة ترثي عبد المطلب: شعرا # ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة ... ويوم على حر كريم الشمائل # وأما الكناية، فنحو قوله: لا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك، وأنت ~~سائبة، واذهب حيث شئت، وقد خليتك. فهذا إن نوى به العتق، عتق؛ لأنه يحتمله، ~~وإن لم ينوه به لم يعتق؛ لأنه يحتمل غيره. ولم يرد به كتاب، ولا سنة، ولا ~~عرف استعمال. # وذكر القاضي، وأبو الخطاب، في قوله: لا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك. ~~روايتين؛ إحداهما، أنه صريح. والثانية، أنه كناية، وهو الصحيح؛ لما ذكرناه. ~~فأما إن قال: لا رق لي عليك ولا ملك لي عليك، وأنت لله. فقال القاضي: هو ~~صريح. نص عليه أحمد. # وذكر أبو الخطاب فيه روايتين. ولا خلاف في المذهب أنه يعتق به إذا نوى، ~~وممن قال: يعتق بقوله: # PageV10P294 # أنت لله. إذا نوى؛ الشعبي، والمسيب بن رافع، وحماد ms5818 والشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: لا يعتق به؛ لأن مقتضاه، أنت عبد الله أو مخلوق لله. وهذا لا يقتضي ~~العتق. # ولنا، أنه يحتمل: أنه حر لله، أو عتيق لله، أو عبد لله وحده، لست بعبد لي ~~ولا لأحد سوى الله. فإذا نوى الحرية به، وقعت، كسائر الكنايات. وما ذكروه ~~لا يصح؛ لأن احتماله لما ذكروه لا يمنع احتماله لما ذكرناه، بدليل سائر ~~الكنايات، فإنها تحتمل العتق وغيره، ولو لم تحتمل إلا العتق لكانت صريحة ~~فيه، وما يحتمل أمرين، انصرف إلى أحدهما بالنية، وهذا شأن الكنايات. وما ~~ذكروه من الاحتمال يدل على أن هذا ليس بصريح، وإنما هو كناية. وقوله: لا ~~ملك لي عليك، ولا رق لي عليك. خبر عن انتفاء ملكه ورقه، لم يرد به شرع، ولا ~~عرف استعمال في العتق، فلم يكن صريحا فيه، كقوله: ما أنت عبدي، ولا مملوكي. ~~وقوله لامرأته: ما أنت امرأتي، ولا زوجتي. ### | [فصل قال لأمته أنت طالق ينوي العتق به] # (8569) فصل: وإن قال لأمته: أنت طالق ينوي العتق به، ففيه روايتان؛ ~~إحداهما، لا تعتق به. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الطلاق لفظ وضع لإزالة الملك ~~عن المنفعة، فلم يزل به الملك عن الرقبة، كفسخ الإجارة، ولأن ملك الرقبة لا ~~يستدرك بالرجعة، فلا ينحل بالطلاق، كسائر الأملاك. والرواية الثانية، هو ~~كناية تعتق به الأمة إذا نوى العتق. وهو قول مالك، والشافعي؛ لأن الرق أحد ~~الملكين على الآدمي، فيزول بلفظ الطلاق، كالآخر، أو فيكون اللفظ الموضوع ~~لإزالة أحدهما كناية في إزالة الآخر، كالحرية في إزالة النكاح، ولأن فيه ~~معنى الإطلاق، فإذا نوى به إطلاقها من ملكه، فقد نوى بلفظه ما يحتمله، ~~فتحصل به الحرية، كسائر كنايات العتق. ### | [فصل قال لأكبر منه أو لمن لا يولد لمثله هذا ابني] # (8570) فصل: فإن قال لأكبر منه، أو لمن لا يولد لمثله: هذا ابني. مثل أن ~~يقول من له عشرون سنة لمن له خمس عشرة سنة: هذا ابني. لم يعتق، ولم يثبت ~~نسبه. وقال أبو حنيفة: يعتق. وخرجه أبو الخطاب وجها ms5819 لنا؛ لأنه اعترف بما ~~تثبت به حريته، فأشبه ما لو أقر بها. ولنا أنه قول يتحقق كذبه فيه، فلم ~~تثبت به الحرية، كما لو قال لطفل: هذا أبي. أو لطفلة: هذه أمي. قال ابن ~~المنذر هذا من قول النعمان شاذ، لم يسبقه أحد إليه، ولا تبعه أحد عليه، وهو ~~محال من الكلام، وكذب يقينا، ولو جاز هذا، لجاز أن يقول الرجل لطفل: هذا ~~أبي. # ولأنه لو قال لزوجته، وهي أسن منه: هذه ابنتي. أو قال لها، وهو أسن منها: ~~هذه أمي. لم تطلق، كذا هذا. # PageV10P295 ### | [فصل قال لأمته أنت حرام علي ينوي به العتق] # (8571) فصل: فإن قال لأمته: أنت حرام علي. ينوي به العتق، عتقت. وذكر أبو ~~الخطاب أن فيها رواية أخرى، لا تعتق. كقوله لها: أنت طالق. والصحيح أنها ~~تعتق به؛ لأنه يحتمل، أنت حرام علي؛ لكونك حرة. فتعتق به، كقوله: لا سبيل ~~لي عليك. ### | [فصل العتق من كل من يجوز تصرفه في المال] # (8572) فصل: ويصح العتق من كل من يجوز تصرفه في المال، وهو البالغ العاقل ~~الرشيد، سواء كان مسلما، أو ذميا، أو حربيا. ولا نعلم في هذا خلافا، إلا عن ~~أبي حنيفة ومن وافقه، في أن عتق الحربي لا يصح؛ لأنه لا ملك له التمام، ~~بدليل، إباحة أخذه منه، وانتقاء عصمته في نفسه وماله. # ولنا أنه يصح طلاقه، فصح إعتاقه، كالذمي. ولأنه مالك بالغ، عاقل، رشيد، ~~فصح إعتاقه، كالذمي. وقولهم: لا ملك له. لا يصح؛ فإنهم قد قالوا: إنهم ~~يملكون أموال المسلمين بالقهر، فلأن يثبت الملك لهم في غير ذلك أولى. ### | [فصل عتق الصبي والمجنون] # (8573) فصل: ولا يصح من غير جائز التصرف، فلا يصح عتق الصبي، والمجنون. ~~قال ابن المنذر: هذا قول عامة أهل العلم، وممن حفظنا عنه ذلك؛ الحسن، ~~والشعبي، والزهري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ وذلك لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاثة؛ عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون ~~حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» ولأنه تبرع بالمال، فلم يصح منهما، ~~كالهبة. ولا ms5820 يصح عتق السفيه المحجور عليه، وهو قول القاسم بن محمد. وذكر ~~أبو الخطاب فيه رواية أخرى، أنه يصح عتقه، قياسا على طلاقه وتدبيره. # ولنا أنه محجور عليه في ماله لحظ نفسه، فلم يصح عتقه، كالصبي، ولأنه تصرف ~~في المال في حياته، فأشبه بيعه، وهبته. ويفارق الطلاق؛ لأن الحجر عليه في ~~ماله، والطلاق ليس بتصرف فيه. ويفارق التدبير؛ لأنه تصرف فيه بعد موته، ~~وغناه عنه بالموت، ولهذا صحت وصيته، ولم تصح هبته المنجزة. وعتق السكران ~~مبني على طلاقه، وفيه من الخلاف ما فيه. ولا يصح عتق المكره، كما لا يصح ~~طلاقه، ولا بيعه، ولا شيء من تصرفاته. ### | [فصل العتق من غير المالك] # (8574) فصل: ولا يصح العتق من غير المالك، فلو أعتق عبيد ولده الصغير، أو ~~يتيمه الذي في حجره، لم يصح. وبهذا # PageV10P296 # قال الشافعي، وابن المنذر. وقال مالك: يصح عتق عبد ولده الصغير؛ لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» . ولأن له عليه ولاية، وله فيه ~~حق، فصح إعتاقه كماله. ولنا أنه عتق من غير مالك، فلم يصح، كإعتاق عبد ولده ~~الكبير. قال ابن المنذر: لما ورث الله الأب من مال ابنه السدس مع ولده، دل ~~على أنه لا حق له في سائره. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك ~~لأبيك» . لم يرد به حقيقة الملك، وإنما أراد المبالغة في وجوب حقه عليك، ~~وإمكان الأخذ من مالك، وامتناع مطالبتك له بما أخذ منه، ولهذا لا ينفذ ~~إعتاقه لعبد ولده الكبير، الذي ورد الخبر فيه، وثبوت الولاية له على مال ~~ولده أبلغ من امتناع إعتاق عبده، ولأنه إنما أثبت الولاية عليه لحظ الصبي، ~~ليحفظ ماله عليه، وينميه له، ويقوم بمصالحه التي يعجز الصبي عن القيام بها، ~~وإذا كان مقصود الولاية الحفظ، اقتضت منع التضييع والتفريط بإعتاق رقيقه، ~~والتبرع بماله. ولو قال رجل لعبد آخر: أنت حر من مالي. فليس بشيء، فإن ~~اشتراه بعد ذلك، فهو مملوكه، ولا شيء عليه. وبهذا قال مالك، والشافعي، ~~وعامة الفقهاء. # ولو بلغ رجلا أن رجلا قال ms5821 لعبده: أنت حر من مالي فقال: قد رضيت. فليس ~~بشيء. وبهذا قال الثوري، وإسحاق. ### | [مسألة أعتق كل واحد منهم حقه وهو معسر] # (8575) مسألة؛ قال أبو القاسم - رحمه الله -: (وإذا كان العبد بين ثلاثة، ~~فأعتقوه معا، أو وكل نفسان الثالث أن يعتق حقوقهما مع حقه، ففعل، أو أعتق ~~كل واحد منهم حقه، وهو معسر، فقد صار حرا، وولاؤه بينهم أثلاثا) وجملته أن ~~العبد متى كان لثلاثة، فأعتقوه معا؛ إما بأنفسهم، بأن يتلفظوا بعتقه معا، ~~أو يعلقوا عتقه على صفة واحدة، فتوجد، أو يوكلوا واحدا، فيعتقه، أو يوكل ~~نفسان منهم الثالث، فيعتقه، فإنه يصير حرا، وولاؤه بينهم على قدر حقوقهم ~~فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما الولاء لمن أعتق» وكل ~~واحد منهم قد أعتق حقه، فيثبت له الولاء عليه. وهذا لا نعلم فيه بين أهل ~~العلم خلافا. # فأما إن أعتقه سادته الثلاثة، واحدا بعد واحد، وهم معسرون، أو كان ~~المعتقان الأولان معسرين، والثالث موسرا، فالصحيح فيه أنه يعتق على كل واحد ~~منهم حقه، وله ولاؤه، وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكى ابن المنذر، فيما إذا ~~أعتق المعسر نصيبه قولين شاذين؛ أحدهما، أنه باطل؛ لأنه لا يمكن أن يعتق ~~نصفه منفردا، إذ لا يمكن أن يكون إنسان نصفه حر، # PageV10P297 # ونصفه عبد، كما لا يمكن أن يكون نصف المرأة طالقا، ونصفها زوجة، ولا سبيل ~~إلى إعتاق جميعه، فبطل كله. # والثاني، يعتق كله، وتكون قيمة نصيب الذي لم يعتق في ذمة المعتق، يتبع ~~بها إذا أيسر، كما لو أتلفه. وهذان القولان شاذان، لم يقلهما من يحتج ~~بقوله، ولا يعتمد على مذهبه. ويردهما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من أعتق شركا له في عبد، فكان معه ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة ~~العدل، وأعطي شركاؤه حصصهم، وعتق جميع العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق» . ~~متفق عليه. وإذا ثبت أنه لا يعتق على المعسر إلا نصيبه، فباقي العبد على ~~الرق، فإذا أعتقه مالكه، عتق بإعتاقه، وكان لكل واحد منهم ولاء ما ms5822 أعتق؛ ~~لأن الولاء لمن أعتق. ويفارق العتق الطلاق؛ لكون المرأة لا يمكن الاشتراك ~~فيها، ولا ورود النكاح على بعضها، ولا تكون إلا لواحد، فنظيره إذا كان ~~العبد لواحد، فأعتق جزءا منه، فإنه يعتق جميعه. ### | [فصل قال كل واحد من الشركاء للعبد إذا دخلت الدار فنصيبي منك حر فدخل] # (8576) فصل: وإذا قال كل واحد من الشركاء للعبد: إذا دخلت الدار، فنصيبي ~~منك حر. فدخل، عتق عليهم جميعا، سواء قالوا ذلك دفعة واحدة، أو في دفعات ~~متفرقة؛ لأن العتق في أنصبائهم يقع دفعة واحدة، وإن اختلفت أوقات تعليقه. ### | [مسألة الشريك إذا أعتق نصيبه من العبد وهو موسر] # (8577) مسألة: قال: (ولو أعتقه أحدهم، وهو موسر، عتق كله، وصار لصاحبه ~~عليه قيمة ثلثيه) وجملته أن الشريك إذا أعتق نصيبه من العبد، وهو موسر، عتق ~~نصيبه. لا نعلم خلافا فيه؛ لما فيه من الأثر، ولأنه جائز التصرف، أعتق ملكه ~~الذي لم يتعلق به حق غيره، فنفذ فيه كما لو أعتق جميع العبد المملوك له. ~~وإذا أعتق نصيبه، سرى العتق إلى جميعه، فصار جميعه حرا، وعلى المعتق قيمة ~~أنصباء شركائه والولاء له. وهذا قول مالك وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ~~والثوري والشافعي وأبى يوسف، ومحمد، وإسحاق. # وقال البتي: لا يعتق إلا حصة المعتق، ونصيب الباقين باق على الرق، ولا ~~شيء على العتق؛ لما روى ابن التلب، عن أبيه، «أن رجلا أعتق شقصا له في ~~مملوك، فلم يضمنه النبي - صلى الله عليه وسلم -» . ذكره أحمد، ورواه. ولأنه ~~لو باع نصيبه، لاختص البيع به، فكذلك العتق، إلا أن تكون جارية نفيسة، ~~يغالى فيها، فيكون ذلك بمنزلة الجناية من المعتق؛ للضرر الذي أدخله على ~~شريكه. # PageV10P298 # وقال أبو حنيفة: لا يعتق إلا حصة المعتق، ولشريكه الخيار في ثلاثة أشياء؛ ~~إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى العبد، وإن شاء ضمن شريكه، فيعتق حينئذ. # ولنا الحديث الذي رويناه وهو حديث صحيح، متفق عليه، ورواه مالك، في " ~~موطئه "، عن نافع، عن ابن عمر، فأثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - العتق ~~في جميعه، وأوجب ms5823 قيمة نصيب شريك المعتق الموسر عليه، ولم يجعل له خيرة، ولا ~~لغيره. وروى قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه، «أن رجلا من قومه أعتق شقصا له ~~من مملوك، فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل خلاصه عليه في ~~ماله، وقال: ليس لله شريك» . قال أبو عبد الله: الصحيح أنه عن أبي المليح، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل، وليس فيه عن أبيه. هذا معنى كلامه. ~~وقول البتي شاذ، يخالف الأخبار كلها، فلا يعول عليه. # وحديث التلب يتعين حمله على المعسر، جمعا بين الأحاديث. وقياس العتق على ~~البيع لا يصح، فإن البيع لا يسري فيما إذا كان العبد كله له، والعتق يسري، ~~فإنه لو باع نصف عبده، لم يسر، ولو أعتق نصفه، عتق كله. وإذا ثبت هذا، فإن ~~ولاءه يكون له؛ لأنه عتق بإعتاقه من ماله، وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق» . ولا خلاف في هذا عند من يرى عتقه عليه. ~~(8578) # فصل: ولا فرق في هذا بين كون الشركاء مسلمين أو كافرين، أو بعضهم مسلما، ~~وبعضهم كافرا. ذكره القاضي. وهو قول الشافعي. وقال أبو الخطاب: في الكافر ~~وجه، أنه إذا أعتق نصيبه من مسلم، أنه لا يسري إلى باقيه، ولا يقوم عليه؛ ~~لأنه لا يصح شراء الكافر عبدا مسلما. ولنا عموم الخبر، ولأن ذلك ثبت لإزالة ~~الضرر، فاستوى فيه المسلم والكافر، كالرد بالعيب، والغرض هاهنا تكميل ~~العتق، ودفع الضرر عن الشريك دون التمليك، بخلاف الشراء ولو قدر أن هاهنا ~~تمليكا، لكان تقديرا في أدنى زمان، حصل ضرورة تحصيل العتق، ولا ضرر فيه، ~~فإن قدر فيه ضرر، فهو مغمور # PageV10P299 # بالنسبة إلى ما يحصل من العتق، فوجوده كالعدم، وقياس هذا على الشراء غير ~~صحيح لما بينهما من الفرق، والله أعلم. ### | [مسألة أعتق الشركاء بعد عتق الأول وقبل أخذ القيمة] # (8579) مسألة: قال: (فإن أعتقاه بعد عتق الأول، وقبل أخذ القيمة، لم يثبت ~~لهما فيه عتق؛ لأنه قد صار حرا بعتق الأول له) يعني أن العتق يسري ms5824 إلى ~~جميعه باللفظ، لا بدفع القيمة، فيعتق كله حين لفظ بالعتق ويصير حرا، وتستقر ~~القيمة عليه، فلا يعتق بعد ذلك بعتق غيره. وبهذا قال ابن شبرمة، وابن أبي ~~ليلى والثوري وأبو يوسف ومحمد، وإسحاق، وابن المنذر والشافعي في قول له، ~~واختاره المزني. # وقال الزهري، وعمرو بن دينار ومالك والشافعي، في قول: لا يعتق إلا بدفع ~~القيمة، ويكون قبل ذلك ملكا لصاحبه، ينفذ عتقه فيه، ولا ينفذ تصرفه فيه ~~بغير العتق. وهذا مقتضى قول أبي حنيفة. واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «قوم عليه قيمة العدل، فأعطي شركاؤه حصصهم، وعتق جميع العبد» . وفي ~~لفظ رواه أبو داود: «فإن كان موسرا يقوم عليه قيمة عدل، لا وكس ولا شطط، ثم ~~يعتق» . فجعله عتيقا بعد دفع القيمة، ولأن العتق إذا ثبت بعوض ورد الشرع به ~~مطلقا، لم يعتق إلا بالأداء، كالمكاتب. وللشافعي قول ثالث، أن العتق مراعى، ~~فإن دفع القيمة تبينا أنه كان عتق من حين أعتق نصيبه، وإن لم يدفع القيمة ~~تبينا أنه لم يكن عتق؛ لأن فيه احتياطا لهما جميعا. # ولنا. حديث ابن عمر، روي بألفاظ مختلفة، تجتمع في الدلالة على الحرية ~~باللفظ، فمنها، لفظ رواه أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من أعتق شركا له في عبد، فكان له ما يبلغ ثمنه # PageV10P300 # بقيمة العدل، فهو عتيق» . رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وفي لفظ ~~رواه ابن أبي مليكة، عن نافع، عن ابن عمر: " فكان له مال، فقد عتق كله ". ~~وفي رواية ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: " وكان للذي يعتق ما يبلغ ~~ثمنه، فهو يعتق كله ". وروى أبو داود، بإسناده، عن أبي هريرة، قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق شقصا في مملوك، فهو حر من ~~ماله» . وهذه نصوص في محل النزاع، فإنه جعله حرا وعتيقا بإعتاقه، مشروطا ~~بكونه موسرا. ولأنه عتق بالسراية، فكانت حاصلة عقيب لفظه، كما لو أعتق جزءا ~~من عبيده، ولأن القيمة معتبرة وقت الإعتاق، ms5825 ولا ينفذ تصرف الشريك فيه بغير ~~الإعتاق. # وعند الشافعي، لا ينفذ بالإعتاق أيضا فدل على أن العتق حصل فيه بالإعتاق ~~الأول. فأما حديثهم، فلا حجة لهم فيه؛ فإن " الواو " لا تقتضي ترتيبا، وأما ~~العطف ب " ثم " في اللفظ الآخر، لم يرد بها الترتيب، فإنها قد ترد لغير ~~الترتيب، كقوله تعالى: {ثم الله شهيد على ما يفعلون} [يونس: 46] . وأما ~~العوض، فإنما وجب عن المتلف بالإعتاق، بدليل اعتباره بقيمته حين الإعتاق، ~~وعدم اعتبار التراضي فيه، ووجوب القيمة من غير وكس ولا شطط، بخلاف الكتابة. ~~فإذا ثبت هذا، فإن الشريكين إذا أعتقاه بعد عتق الأول، وقبل أخذ القيمة، لم ~~يثبت لهما فيه عتق، ولا لهما عليه ولاء، وولاؤه كله للمعتق الأول، وعليه ~~القيمة؛ لأنه قد صار حرا بإعتاقه. وعند مالك يكون ولاؤه بينهم أثلاثا، ولا ~~شيء على المعتق الأول من القيمة. # ولو أن المعتق الأول لم يؤد القيمة حتى أفلس، عتق العبد، وكانت القيمة في ~~ذمته دينا، يزاحم بها الشريكان عندنا. وعند مالك، لا يعتق منه إلا ما عتق. ~~ولو كان المعتق جارية حاملا، فلم تؤد القيمة حتى وضعت حملها، فليس على ~~المعتق إلا قيمتها؛ حين أعتقها؛ لأنه حينئذ حررها. وعند مالك، يقوم ولدها ~~أيضا. ولو تلف العبد قبل أداء القيمة، مات حرا، والقيمة على المعتق؛ لأنه ~~فوت عليه رقه. وعند مالك، لا شيء على المعتق، ما لم يقوم، ويحكم بقيمته، ~~فهو في جميع أحكامه عبد. # PageV10P301 ### | [فصل للشريك مطالبة المعتق بالقيمة] # (8580) فصل: والقيمة معتبرة حين اللفظ بالعتق؛ لأنه حين الإتلاف، وهو أحد ~~أقوال الشافعي. وللشريك مطالبة المعتق بالقيمة، على الأقوال كلها، فإن ~~اختلفا في قدرها، رجع إلى قول المقومين. فإن كان العبد قد مات، أو غاب، أو ~~تأخر تقويمه زمنا تختلف فيه القيم، ولم تكن بينة، فالقول قول المعتق؛ لأنه ~~ينكر الزيادة، والأصل براءة ذمته منها. وهذا أحد قولي الشافعي. # وإن اختلف في صناعة في العبد توجب زيادة القيمة، فالقول قول المعتق؛ ~~لذلك، إلا أن يكون العبد يحسن الصناعة في الحال، ولم يمض ms5826 زمن يمكن تعلمها ~~فيه، فالقول قول الشريك؛ لأننا علمنا صدقه. وإن مضى زمن يمكن حدوثها فيه، ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، القول قول المعتق؛ لأن الأصل براءة ذمته. والثاني، ~~القول قول الشريك؛ لأن الأصل بقاء ما كان، وعدم الحدوث. وإن اختلفا في عيب ~~ينقص القيمة؛ كسرقة، أو إباق، فالقول قول الشريك؛ لأن الأصل السلامة، ~~فبالجهة التي رجحنا قول المعتق في نفي الصناعة، نرجح قول الشريك في نفي ~~العيب، وإن كان العيب فيه حال الاختلاف، واختلفا في حدوثه، فالقول قول ~~المعتق؛ لأن الأصل براءة ذمته، وبقاء ما كان على ما كان، وعدم حدوث العيب ~~فيه. ويحتمل أن يكون القول قول الشريك؛ لأن الأصل براءته من العيب حين ~~الإعتاق. ### | [فصل المعتبر في يسار العتق] # فصل: والمعتبر في اليسار في هذا، أن يكون له فضل عن قوته، يومه وليلته، ~~وما يحتاج إليه من حوائجه الأصلية من الكسوة، والمسكن، وسائر ما لا بد له ~~منه، يدفعه إلى شريكه. ذكره أبو بكر، في " التنبيه ". وإن وجد بعض ما يفي ~~بالقيمة، قوم عليه قدر ما يملكه منه. ذكره أحمد، في رواية ابن منصور. وهو ~~قول مالك. وقال أحمد: لا تباع فيه دار، ولا رباع. ومقتضى هذا، أن لا يباع ~~له أصل مال. وقال مالك، والشافعي: يباع عليه سوار بيته، وما له بال من ~~كسوته، ويقضى عليه في ذلك ما يقضي عليه في سائر الدعاوى. والمعتبر في ذلك ~~حال تلفظه بالعتق؛ لأنه حال الوجوب، فإن أيسر المعسر بعد ذلك، لم يسر ~~إعتاقه، وإن أعسر الموسر، لم يسقط ما وجب عليه؛ لأنه وجب عليه، فلم يسقط ~~بإعساره، كدين الإتلاف. نص على هذا أحمد. ### | [فصل قال أحد الشريكين لشريكه إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر] # (8582) فصل: إذا قال أحد الشريكين لشريكه: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي حر مع ~~نصيبك. فأعتق نصيبه، عتقا معا، ولم يلزم المعتق شيء. وقيل: يعتق كله على ~~المعتق؛ لأن إعتاق نصيبه شرط عتق نصيب شريكه، فيلزم أن يكون سابقا عليه. ~~والأول أولى؛ لأنه أمكن العمل بمقتضى شرطه، فوجب حمله ms5827 عليه، كما لو وكله في ~~إعتاق نصيبه مع نصيبه، فأعتقهما معا. وإن قال: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي حر، ~~فقال أصحابنا: إذا أعتق نصيبه، سرى، وعتق عليه كله، # PageV10P302 # وقوم عليه، ولا يقع إعتاق شريكه؛ لأن السراية، سبقت، فمنعت عتق الشريك. # ويحتمل أن يعتق عليهما جميعا؛ لأن عتق نصيبه سبب للسراية، وشرط لعتق نصيب ~~الشريك، فلم يسبق أحدهما الآخر؛ لوجودهما في حال واحد. وقد يرجح وقوع عتق ~~الشريك؛ لأنه تصرف منه في ملكه، والسراية تقع في غير الملك على خلاف الأصل، ~~فكان نفوذ عتق الشريك أولى. ولأن سراية العتق على خلاف الأصل؛ لكونها ~~إتلافا لملك المعصوم بغير رضاه، وإلزاما للمعتق غرامة لم يلتزمها بغير ~~اختياره، وإنما يثبت لمصلحة تكميل العتق، فإذا حصلت هذه المصلحة بإعتاق ~~المالك، كان أولى. وإن قال: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي حر قبل إعتاقك نصيبك. ~~وقعا معا، إذا أعتق نصيبه. وهذا مقتضى قول أبي بكر، والقاضي. ومقتضى قول ~~ابن عقيل أن يعتق كله على المعتق، ولا يقع إعتاق شريكه؛ لأنه أعتق في زمن ~~ماض. # ومقتضى قول ابن سريج ومن وافقه، ممن قال بسراية العتق، أن لا يصح إعتاقه؛ ~~لأنه يلزم من عتقه نصيبه تقدم عتق الشريك وسرايته، فيمتنع إعتاق نصيب هذا، ~~ويمتنع عتق نصيب الشريك، ويفضي إلى الدور، فيمتنع الجميع. وقد مضى الكلام ~~في هذا في مسائل الطلاق. والله تعالى أعلم. ### | [مسألة المعسر إذا أعتق نصيبه من العبد] # (8583) مسألة: قال: (وإن أعتقه الأول وهو معسر، وأعتقه الثاني وهو موسر، ~~عتق عليه نصيبه ونصيب شريكه، وكان ثلث ولائه للمعتق الأول، وثلثاه للمعتق ~~الثاني) ظاهر المذهب أن المعسر إذا أعتق نصيبه من العبد، استقر فيه العتق، ~~ولم يسر إلى نصيب شريكه، بل يبقى على الرق، فإذا أعتق الثاني نصيبه، وهو ~~موسر، عتق عليه جميع ما بقي منه؛ نصيبه بالمياسرة، ونصيب شريكه الثالث ~~بالسراية، وصار له ثلثا ولائه، وللأول ثلثه. وهذا قول إسحاق، وأبي عبيد، ~~وابن المنذر، وداود، وابن جرير. وهو قول مالك، والشافعي، على الوجه الذي ~~بيناه من قولهما فيما مضى. ms5828 # وروي عن عروة أنه اشترى عبدا أعتق نصفه، فكان عروة يشاهره؛ شهر عبد، وشهر ~~حر. وروي عن أحمد، أن المعسر إذا أعتق نصيبه، استسعى العبد في قيمة حصة ~~الباقين حتى يؤديها، فيعتق. وهو قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، ~~وأبي يوسف، ومحمد لما روى أبو هريرة قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من أعتق شقصا له في مملوك، فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال، وإلا ~~استسعى العبد، غير مشقوق عليه» . متفق عليه، ورواه أبو داود. قال ابن أبي ~~ليلى وابن شبرمة: فإذا استسعى في نصف قيمته، ثم أيسر معتقه، رجع عليه بنصف ~~القيمة؛ لأنه هو ألجأه إلى هذا، وكلفه إياه. # وعن أبي يوسف، ومحمد، أنهما قالا: يعتق جميعه، وتكون قيمة نصيب الشريك في ~~ذمته؛ لأن العتق لا يتبعض، فإذا وجد في البعض سرى إلى جميعه، كالطلاق، ~~ويلزم المعتق # PageV10P303 # القيمة؛ لأنه المتلف لنصيب صاحبه بإعتاقه، فوجبت قيمته في ذمته، كما لو ~~أتلفه بقتله. وقال أبو حنيفة: لا يسري العتق، وإنما يستحق به إعتاق النصيب ~~الباقي، فيتخير شريكه بين إعتاق نصيبه، ويكون الولاء بينهما، وبين أن ~~يستسعي العبد في قيمة نصيبه، فإذا أداه إليه عتق، والولاء بينهما. # ولنا، حديث ابن عمر، وهو حديث صحيح ثابت عند جميع العلماء بالحديث، ولأن ~~الاستسعاء إعتاق بعوض، فلم يجبر عليه، كالكتابة، ولأن في الاستسعاء إضرارا ~~بالشريك والعبد؛ أما الشريك فإنا نحيله على سعاية لعله لا يحصل منها شيء ~~أصلا، وإن حصل فربما يكون يسيرا متفرقا، ويفوت عليه ملكه، وأما العبد، فإنا ~~نجبره على سعاية لم يردها، وكسب لم يختره، وهذا ضرر في حقهما، وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» . قال سليمان بن حرب: ~~أليس إنما ألزم المعتق ثمن ما بقي من العبد، لئلا يدخل على شريكه ضرر، فإذا ~~أمره بالسعي، وإعطائه كل شهر درهمين، ولم يقدر على تملكه، فأي ضرر أعظم من ~~هذا، فأما حديث الاستسعاء، فقال الأثرم: ذكره سليمان بن حرب، فطعن فيه، ~~وضعفه. وقال أبو ms5829 عبد الله: ليس في الاستسعاء ما ثبت عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ حديث أبي هريرة يرويه ابن أبي عروة. # وأما شعبة، وهشام الدستوائي. فلم يذكراه. وحدث به معمر، ولم يذكر فيه ~~السعاية. قال أبو داود: وهمام أيضا لا يقوله. قال المروذي: وضعف أبو عبد ~~الله حديث سعيد. وقال ابن المنذر: لا يصح حديث الاستسعاء. وذكر همام أن ذكر ~~الاستسعاء من فتيا قتادة، وفرق بين الكلام الذي هو من قول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وقول قتادة. وقال بعد ذلك: فكان قتادة يقول: إن لم يكن له ~~مال استسعى. # قال ابن عبد البر: حديث أبي هريرة يدور على قتادة، وقد اتفق شعبة، وهشام، ~~وهمام، على ترك ذكره، وهم الحجة في قتادة، والقول قولهم فيه عند جميع أهل ~~العلم بالحديث إذا خالفهم غيرهم. فأما قول أبي حنيفة، وقول صاحبيه الأخير، ~~فلا شيء معهم يحتجون به من حديث قوي ولا ضعيف، بل هو مجرد رأي وتحكم يخالف ~~الحديثين جميعا. # PageV10P304 # قال ابن عبد البر: لم يقل أبو حنيفة وزفر، بحديث ابن عمر، ولا حديث أبي ~~هريرة على وجهه، وكل قول يخالف السنة، فمردود على قائله. والله المستعان. ~~(8584) # فصل: إذا قلنا بالسعاية، احتمل أن لا يعتق كله، وتكون القيمة في ذمة ~~العبد دينا يستسعى في أدائها، وتكون أحكامه أحكام الأحرار، فإن مات، وفي ~~يده مال، كان لسيده بقية السعاية، وباقي ماله موروث، ولا يرجع العبد على ~~أحد. وهذا قول أبي يوسف، ومحمد. ويحتمل أن لا يعتق حتى يؤدي السعاية، فيكون ~~حكمه قبل أدائها حكم من بعضه رقيق إذا مات، فللشريك الذي لم يعتق من ماله ~~مثل ما يكون له، على قول من لم يقل بالسعاية؛ لأنه إعتاق بأداء مال، فلم ~~يعتق قبل أدائه، كالمكاتب. وقال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة: يرجع العبد على ~~المعتق إذا أيسر؛ لأنه كلفه السعاية بإعتاقه. ولنا أنه حق لزم العبد في ~~مقابلة حريته، فلم يرجع به على أحد، كمال الكتابة، ولأنه لو رجع به على ~~السيد، لكان هو ms5830 الساعي في العوض، كسائر الحقوق الواجبة عليه. ### | [مسألة كان المعتق الثاني معسرا] # (8585) مسألة: قال: (ولو كان المعتق الثاني معسرا، عتق نصيبه منه، وكان ~~ثلثه رقيقا لمن لم يعتق، فإن مات وفي يده مال كان ثلثه لمن لم يعتق، وثلثاه ~~للمعتق الأول والمعتق الثاني بالولاء، إذا لم يكن له وارث أحق منهما) إنما ~~كان كذلك؛ لأن المعسر لا يعتق إلا نصيبه، والأول والثاني معسران، فلم يعتق ~~على كل واحد إلا نصيبه، ونصيبهما الثلثان، وبقي ثلثه رقيقا للثالث، فإذا ~~خلف العبد مالا، فثلثه للذي لم يعتق؛ لأنه مالك لثلثه، وثلثاه ميراث؛ لأنه ~~ملكهما بجزئه الحر، فإن كان له وارث نسيب، يرث ماله كله، أخذه؛ لأنه أحق من ~~المعتق، وإن لم يكن له وارث نسيب فهو للمعتقين بالولاء، وإن كان له ذو فرض ~~يرث البعض، أخذ فرضه منه، وباقيه للمعتقين. # وهذا القول فيما إذا لم يكن مالك ثلثه قاسم العبد في حياته كسبه، ولم ~~يهايئه، فأما إن قاسمه، أو هايأه، فلا حق له في تركته؛ لأنها حصلت بالجزء ~~الحر، فتكون جميعها ميراثا لورثته، دون مالك ثلثه، إذ لا حق له في الجزء ~~الحر، فلا يكون له حق فيما كسبه به، ولا فيما ملكه به. ### | [فصل مات قبل أداء سعايته] # (8586) فصل: ومن قال بالسعاية، فإنه يستسعي حين أعتقه الأول، فإذا أعتق ~~الثاني نصيبه، انبنى ذلك على القول في حريته، هل حصلت بإعتاق الأول أولا؟ ~~فمن جعله حرا، لم يصحح عتق الثاني؛ لأنه عتق بإعتاق الأول؛ ومن لم يجعله ~~حرا، صحح عتق الثاني؛ لأنه أعتق جزءا مملوكا له من عبد. وإذا مات قبل أداء ~~سعايته فقد مات وثلثه رقيق، فيكون حكمه في الميراث كحكم ما ذكرنا في القول ~~الآخر. # PageV10P305 ### | [فصل نفقة العبد المشترك المعتق بعضه في حياته وفطرته وأكسابه بينه وبين سيده] # (8587) فصل: وإذا حكمنا بعتق بعضه، ورق باقيه، فإن نفقته في حياته، ~~وفطرته، وأكسابه، بينه وبين سيده على قدر ما فيه من الحرية والرق. وإن ~~تراضيا على المهايأة بينهما، كانت نفقة العبد وكسبه في ms5831 أيامه له وعليه، وفي ~~أيام سيده يكون كسبه لسيده، ونفقته عليه. فأما الأكساب النادرة؛ كاللقطة، ~~والهبة، والوصية، فذكر القاضي أنها تدخل في المهايأة؛ لأنها من أكسابه ~~فأشبهت المعتادة. وذكر غيره من أصحابنا وجها آخر، أنها لا تدخل في ~~المهايأة، وتكون بينهما على كل حال؛ لأن المهايأة معاوضة، فكأنه تعاوض عن ~~نصيبه من كسبه في يوم سيده بنصيب سيده في يومه، فلا تتناول المعاوضة ~~المجهول، وما لا يغلب على الظن وجوده. # فأما الميراث، فلا يدخل في المهايأة، ولا يستحق سيده منه شيئا؛ لأنه إنما ~~يرث بجزئه الحر، ويملك هذا العبد بجزئه الحر جميع أنواع الملك، ويرث ويورث ~~بقدر ما فيه من الحرية، وقد مضى ذكر ذلك. ### | [فصل أعتق عبده وهو صحيح جائز التصرف] # (8588) فصل: ومن أعتق عبده، وهو صحيح جائز التصرف، صح عتقه بإجماع أهل ~~العلم. وإن أعتق بعضه، عتق كله. في قول جمهور العلماء. وروي ذلك عن عمر، ~~وابنه - رضي الله عنهما -. وبه قال الحسن، والحكم، والأوزاعي، والثوري، ~~والشافعي. قال ابن عبد البر: عامة العلماء بالحجاز، والعراق، قالوا: يعتق ~~كله إذا أعتق نصفه. وقال طاوس: يعتق في عتقه، ويرق في رقه. وقال حماد، وأبو ~~حنيفة: يعتق منه ما أعتق، ويسعى في باقيه. وخالف أبا حنيفة أصحابه، فلم ~~يروا عليه سعاية. # وروي عن مالك، في رجل أعتق نصف عبد، ثم غفل عنه حتى مات، فقال: أرى نصفه ~~حرا، ونصفه رقيقا، لأنه تصرف في بعضه، فلم يسر إلى باقيه، كالبيع. ولنا قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق شركا له في عبد، فكان معه ما يبلغ ~~قيمة العبد، قوم عليه قيمة العدل، وعتق عليه جميع العبد» . وإذا أعتق عليه ~~نصيب شريكه، كان بينهما على عتق جميعه إذا كان كله ملكا له. وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق شقصا له في مملوك، فهو حر من ماله» . ولأنه ~~إزالة ملك لبعض مملوكه الآدمي، فزال عن جميعه، كالطلاق، ويفارق البيع؛ فإنه ~~لا يحتاج إلى السعاية، ولا ينبني على التغليب والسراية. إذا ثبت ms5832 هذا، فلا ~~فرق بين أن يعتق جزءا كبيرا، كنصفه وثلثه، أو صغيرا، كعشره وعشر عشره. ولا ~~نعلم في هذا خلافا بين القائلين بسراية العتق إذا كان مشاعا. # وإن أعتق جزءا معينا، كرأسه، أو يده أو أصبعه، عتق كله أيضا. وبهذا قال ~~قتادة، والشافعي، وإسحاق. وقال أصحاب الرأي: إن أعتق رأسه، # PageV10P306 # أو ظهره، أو بطنه، أو جسده، أو نفسه، أو فرجه، عتق كله؛ لأن حياته لا ~~تبقى بدون ذلك، وإن أعتق يده، أو عضوا تبقى حياته بدونه، لم يعتق؛ لأنه ~~يمكن إزالة ذلك مع بقائه، فلم يعتق بإعتاقه، كشعره، أو سنه. ولنا أنه أعتق ~~عضوا من أعضائه، فيعتق جميعه، كرأسه، فأما إذا أعتق شعره، أو سنه، أو ظفره، ~~لم يعتق. وقال قتادة، والليث، في الرجل يعتق ظفر عبده: يعتق كله؛ لأنه جزء ~~من أجزائه أشبه أصبعه. # ولنا أن هذه الأشياء تزول، ويخرج غيرها، فأشبهت الشعر، والريق، وقد ذكر ~~ذلك في الطلاق، وما ذكر في الطلاق فالعتاق مثله. والله أعلم. ### | [مسألة كان العبد بين شريكين فادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه] # (8589) مسألة: قال: (وإذا كان العبد بين شريكين، فادعى كل واحد منهما أن ~~شريكه أعتق حقه منه، فإن كانا معسرين، لم يقبل قول كل واحد منهما على ~~شريكه، فإن كانا عدلين، كان للعبد أن يحلف مع كل واحد منهما، ويصير حرا، أو ~~يحلف مع أحدهما، ويصير نصفه حرا) أما إذا كان الشريكان معسرين، فليس في ~~دعوى أحدهما على صاحبه إعتاق نصيبه اعتراف بحرية نصيبه، ولا ادعاء لاستحقاق ~~قيمته على المعتق؛ لكون عتق المعسر يقف على نصيبه، ولا يسري إلى غيره، فلم ~~يكن في دعواه أكثر من أنه شاهد على صاحبه بإعتاق نصيبه، فإن لم يكونا عدلين ~~فلا أثر لكلامهما في الحال، ولا عبرة بقولهما؛ لأن غير العدل لا تقبل ~~شهادته، وإن كانا عدلين، فشهادتهما مقبولة؛ لأن كل واحد منهما لا يجر إلى ~~نفسه بشهادته نفعا، ولا يدفع بها ضررا، وقد حصل للعبد بحرية كل نصف منه ~~شاهد عدل، فإن ms5833 حلف معهما، عتق كله، وإن حلف مع أحدهما صار نصفه حرا. على ~~الرواية التي تقول: إن العتق يحصل بشاهد ويمين. # وإن لم يحلف مع واحد منهما، لم يعتق منه شيء؛ لأن العتق لا يحصل بشاهد من ~~غير يمين. بلا خلاف نعلمه. وإن كان أحدهما عدلا دون الآخر، فله أن يحلف مع ~~شهادة العدل، ويصير نصفه حرا، ويبقى نصفه الآخر رقيقا. (8590) فصل: ومن قال ~~بالاستسعاء، فقد اعترف بأن نصيبه قد خرج عن يده، فيخرج العبد كله، ويستسعى ~~في قيمته؛ لاعتراف كل واحد منهما بذلك في نصيبه. ### | [فصل اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق عليه] # (8591) فصل: وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه، عتق عليه، ولم يسر إلى النصف ~~الذي كان له؛ لأن عتقه حصل # PageV10P307 # باعترافه بحريته بإعتاق شريكه، ولا يثبت له عليه ولاء؛ لأنه لا يدعي ~~إعتاقه، بل يعترف بأن المعتق غيره، وإنما هو مخلص له ممن يسترقه ظلما، فهو ~~كمخلص الأسير من أيدي الكفار. وقال أبو الخطاب: يسري؛ لأنه شراء حصل به ~~الإعتاق، فأشبه شراء بعض ولده. وإن أكذب نفسه في شهادته على شريكه، ليسترق ~~ما اشتراه، لم يقبل منه؛ لأنه رجوع عن الإقرار بالحرية، فلم يقبل، كما لو ~~أقر بحرية عبده، ثم أكذب نفسه. وهل يثبت له الولاء عليه إن أعتقه؟ يحتمل أن ~~لا يثبت؛ لما ذكرنا. # ويحتمل أن يثبت؛ لأننا نعلم أن على العبد ولاء، ولا يدعيه أحد سواه، ولا ~~ينازعه فيه فوجب أن يقبل قوله فيه، وإن اشترى كل واحد منهما نصيب صاحبه صار ~~العبد كله حرا لا ولاء عليه لواحد منهما، فإن أعتق كل واحد منهما ما اشتراه ~~ثم أكذب نفسه في شهادته فهل يثبت له الولاء على من أعتقه على وجهين، وإن ~~أقر كل واحد منهما بأنه كان أعتق نصيبه وصدق الآخر في شهادته بطل البيعان ~~يثبت لكل واحد منهما الولاء على نصفه لأن أحدا لا ينازعه فيه، وكل واحد ~~منهما يصدق الآخر في استحقاق الولاء، ويحتمل أن يثبت الولاء لهما وإن لم ~~يكذب واحد منهما نفسه لأننا ms5834 نعلم أن الولاء عليه ثابت لهما ولا يخرج عنهما، ~~وأنه بينهما إما بالعتق الأول لهما وإما بالثاني لأنهما إن كانا صادقين في ~~شهادتهما فقد ثبت الولاء لكل واحد منهما على النصف الذي أعتقه أولا، وإن ~~كانا كاذبين فقد أعتق كل واحد منهما نصفه بعد أن اشتراه، وإن كان أحدهما ~~صادقا والآخر كاذبا فلا ولاء للصادق منهما لأنه لم يعتق النصف الذي كان له ~~أولا ولا يصح عتقه في الذي اشتراه، لأنه كان حرا قبل شرائه والولاء كله ~~للكاذب، لأنه أعتق النصف الذي كان له ثم اشترى النصف الذي لشريكه فأعتقه، ~~وكل واحد منهما يساوي صاحبه في الاحتمال فيقسم بينهما. ### | [فصل شهد على سيد عبد بعتق عبده ثم اشتراه] # (8592) فصل وكل من شهد على سيد عبد بعتق عبده ثم اشتراه عتق عليه، وإن ~~شهد اثنان عليه بذلك فردت شهادتهما ثم اشترياه أو أحدهما عتق، وبهذا قال ~~الأوزاعي ومالك والشافعي وابن المنذر، وهو قياس قول أبي حنيفة، ولا يثبت ~~للمشتري ولاء على العبد لأنه لا يدعيه ولا للبائع لأنه ينكر عتقه، ولو كان ~~العبد بين شريكين فادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه وكانا موسرين ~~فعتق عليهما أو كانا معسرين عدلين فحلف العبد من كل واحد وعتق، أو شهد مع ~~كل واحد منهما عدل آخر وعتق العبد أو ادعى عبد أن سيده أعتقه فأنكر وقامت ~~البينة بعتقه عتق، ولا ولاء على العبد في هذه المواضع كلها لأن أحدا لا ~~يدعيه، ولا يثبت لأحد حق ينكره، فإن عاد من ثبت إعتاقه فاعترف به ثبت له # PageV10P308 # الولاء لأنه لا مستحق له سواه، وأنه لم يثبت له لإنكاره له، فإذا اعترف ~~زال الإنكار وثبت له، وأما الموسران إذا أعتق عليهما فإن صدق أحدهما صاحبه ~~في أنه أعتق نصيبه وحده أو أنه سبق بالعتق فالولاء له وعليه غرامة نصيب ~~الآخر، فإن اتفقا على أن كل واحد منهما أعتق نصيبه دفعة واحدة فالولاء ~~بينهما، وإن ادعى كل واحد منهما أنه المعتق وحده أو أنه السابق ms5835 بالعتق ~~تحالفا وكان الولاء بينهما نصفين. ### | [مسألة الشريكين الموسرين إذا ادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق نصيبه] # (8593) مسألة: قال وإن كان الشريكان موسرين فقد صار العبد حرا باعتراف كل ~~واحد منهما بحريته وصار مدعيا على شريكه نصف قيمته، فإن لم تكن بينة فيمين ~~كل واحد منهما لشريكه وجملة ذلك أن الشريكين الموسرين إذا ادعى كل واحد ~~منهما أن شريكه أعتق نصيبه فكل واحد منهما معترف بحرية نصيبه شاهد على ~~شريكه بحرية نصفه الآخر لأنه يقول لشريكه أعتقت نصيبك فسرى العتق إلى نصيبي ~~فعتق كله عليك ولزمك لي قيمة نصيبي، فصار العبد حرا لاعترافهما بحريته وبقي ~~كل واحد منهما يدعي قيمة حصته على شريكه، فإن كان لأحدهما بينة حكم له بها، ~~وإن لم تكن بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه وبرئا، فإن نكل أحدهما قضي عليه، ~~وإن نكلا جميعا تساقط حقاهما لتماثلهما، ولا فرق في هذه الحال بين العدلين ~~والفاسقين والمسلمين والكافرين لتساوي العدل والفاسق والمسلم والكافر في ~~الاعتراف والدعوى بخلاف التي قبلها (8594) # فصل وإن كان أحد الشريكين موسرا والآخر معسرا عتق نصيب المعسر وحده ~~لاعترافه بأن نصيبه قد صار حرا بإعتاق شريكه الموسر الذي يسري عتقه، ولم ~~يعتق نصيب الموسر لأنه يدعي أن المعسر الذي لا يسري عتقه أعتق نصيبه خاصة ~~فعتق وحده، ولا تقبل شهادة المعسر عليه لأنه يجر بشهادته إلى نفسه نفعا ~~لكونه يوجب عليه بشهادته نصف قيمته، فعلى هذا إن لم تكن للعبد بينة سواه ~~حلف الموسر وبرئ من القيمة والعتق جميعا، ولا ولاء للمعسر في نصيبه لأنه لا ~~يدعيه ولا للموسر لذلك أيضا، وإن عاد المعسر فأعتقه وادعاه ثبت له، وإن أقر ~~الموسر بإعتاق نصيبه وصدق المعسر عتق نصيبه أيضا وعليه غرامة نصيب المعسر ~~وثبت له الولاء، وإن كان للعبد بينة أجنبية تشهد بإعتاق الموسر وكانت عدلين ~~ثبت العتق ووجبت القيمة للمعسر عليه، وإن كانت رجلا واحدا حلف العبد معه ~~يثبت العتق في إحدى الروايتين والأخرى لا يثبت العتق، وللمعسر أن يحلف معه ~~ويستحق قيمة ms5836 نصيبه سواء حلف العبد أو لم يحلف لأن الذي يدعيه مال يقبل فيه ~~شاهد ويمين. # PageV10P309 ### | [فصل ادعى أحد الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه وأنكر الآخر وكان المدعى عليه موسرا] # فصل وإن ادعى أحد الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه وأنكر الآخر وكان المدعى ~~عليه موسرا عتق نصيب المدعي وحده لاعترافه بحريته بسراية عتق شريكه وصار ~~مدعيا نصف القيمة على شريكه ولا يسري لأنه لا يعترف أنه المعتق له. وإنما ~~أعتق باعترافه بحريته لا بإعتاقه له ولا ولاء له عليه لإنكاره له. قال ~~القاضي وولاؤه موقوف، وإن كان المدعي عدلا لم تقبل شهادته لأنه يدعي نصف ~~قيمته على شريكه فيجر بشهادته نفعا، ومن شهد بشهادة يجر إليه بها نفعا بطلت ~~شهادته كلها، وأما إن كان المدعى عليه معسرا فالقول قوله مع يمينه ولا يعتق ~~منه شيء، وإن كان المدعي عدلا حلف العبد مع شهادته وصار نصفه حرا. وقال ~~حماد إن كان المشهود عليه موسرا سعى له، وإن كان معسرا سعى لهما. وقال أبو ~~حنيفة إن كان معسرا سعى العبد وولاؤه بينهما، وإن كان موسرا فولاء نصفه ~~موقوف، فإن اعترف أنه أعتق استحق الولاء وإلا كان الولاء لبيت المال. ### | [فصل قال أحد الشريكين إن كان هذا الطائر غرابا فنصيبي حر وقال الآخر إن لم يكن فنصيبي حر وطار ولم يعلما] # (8596) فصل إذا قال أحد الشريكين إن كان هذا الطائر غرابا فنصيبي حر، ~~وقال الآخر إن لم يكن غرابا فنصيبي حر، وطار ولم يعلما، فإن كانا موسرين ~~عتق العبد كله، وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا عتق نصيب المعسر وحده ~~لما ذكرنا، وإن كانا معسرين لم يعتق نصيب واحد منهما لأنه لم يتعين الحنث ~~فيه، فإن اشترى أحدهما نصيب الآخر عتق نصفه لأننا علمنا حرية نصفه ولم يسر ~~إلى النصف الآخر، وإن اشترى العبد أجنبي عتق نصفه لأن نصفه حر يقينا فلم ~~يملك جميعه. ### | [مسألة خلف ابنين وعبدين لا يملك غيرهما وهما متساويان في القيمة فقال أحد الابنين أبي أعتق هذا وقال الآخر أبي ms5837 أعتق أحدهما لا أدري من منهما] # (8597) مسألة قال وإذا مات رجل وخلف ابنين وعبدين لا يملك غيرهما وهما ~~متساويان في القيمة فقال أحد الابنين أبي أعتق هذا وقال الآخر أبي أعتق ~~أحدهما لا أدري من منهما أقرع بينهما فإن وقعت القرعة على الذي اعترف الابن ~~بعتقه عتق ثلثاه إن لم يجز الابنان عتقه كاملا وكان الآخر عبدا، وإن وقعت ~~القرعة على الآخر عتق منه ثلثه وكان لمن قرعنا بقوله فيه سدسه ونصف العبد ~~الآخر ولأخيه نصفه وسدس العبد الذي اعترف أن أباه أعتقه فصار كل واحد من ~~العبدين حرا هذه المسألة محمولة على أن العتق كان في مرض الموت أو بالوصية ~~لأنه لو أعتقه في صحته لعتق كله، ولم يقف على إجازة الورثة، فأما إذا ~~اعترفا أنه أعتق أحدهما في مرضه فلا يخلو من أربعة أحوال، إما أن يعينا ~~العتق في أحدهما فيعتق منه ثلثاه لأن ذلك ثلث جميع ماله إلا أن يجيزا عتق ~~جميعه فيعتق والثاني أن يعين كل واحد منهما العتق في واحد غير الذي عينه ~~أخوه فيعتق من كل واحد منهما ثلثه # PageV10P310 # لأن كل واحد منهما حقه نصف العبدين فيقبل قوله في عتق حقه من الذي عينه ~~وهو ثلثا النصف الذي له، وذلك هو الثلث، ولأنه يعترف بحرية ثلثيه فيقبل ~~قوله في حقه منهما وهو الثلث، ويبقى الرق في ثلثه، فله نصفه وهو السدس ونصف ~~العبد الذي ينكر عتقه # والحال الثالث أن يقول أحدهما أبي أعتق هذا، يقول الآخر أبي أعتق أحدهما ~~لا أدري من منهما وهي مسألة الكتاب فتقم القرعة مقام تعيين الذي لم يعين، ~~فإن وقعت على الذي عينه أخوه عتق منه ثلثاه كما لو عيناه بقولهما، وإن وقعت ~~على الآخر كان كما لو عين كل واحد منهما عبدا يكون لكل واحد منهما سدس ~~العبد الذي عينه ونصف العبد الذي ينكر عتقه فيصير ثلث كل واحد من العبدين ~~حرا، والحال الرابع أن يقولا أعتق أحدهما ولا ندري من منهما فإنه يقرع بين ~~العبدين فمن وقعت ms5838 عليه القرعة عتق منه ثلثاه إن لم يجيزا عتق جميعه وكان ~~الآخر رقيقا. (8598) # فصل فإن رجع الابن الذي جهل عين المعتق فقال قد عرفته قبل القرعة فهو كما ~~لو عينه ابتداء من غير جهل، وإن كان بعد القرعة فوافقها تعيينه لم يتغير ~~الحكم، وإن خالفها عتق من الذي عينه ثلثه بتعيينه، فإن عين الذي عينه أخوه ~~عتق ثلثاه، وإن عين الذي عتق منه ثلثه، وهل يبطل العتق في الذي عتق بالقرعة ~~على وجهين. ### | [مسألة العبد إذا كان مشتركا بين جماعة فأعتق اثنان منهم أو أكثر وهم موسرون] # (8599) مسألة قال وإذا كان لرجل نصف عبد ولآخر ثلثه ولآخر سدسه فأعتق ~~صاحب النصف وصاحب السدس معا وهما موسران عتق عليهما وضمنا حق شريكهما فيه ~~نصفين وكان ولاؤه بينهما أثلاثا لصاحب النصف ثلثاه ولصاحب السدس ثلثه ~~وجملته أن العبد إذا كان مشتركا بين جماعة فأعتق اثنان منهم أو أكثر وهم ~~موسرون سرى عتقهم إلى باقي العبد ويكون الضمان بينهم على عدد رءوسهم ~~يتساوون في ضمانه وولائه، وبهذا قال الشافعي، ويحتمل أن يقسم بينهما على ~~قدر أملاكهم، وهو قول مالك في إحدى الروايتين عنه لأن السراية حصلت بإعتاق ~~ملكيهما، وما وجب بسبب الملك كان على قدره كالنفقة واستحقاق الشفعة ولنا أن ~~عتق النصيب إتلاف لرق الباقي وقد اشتركا فيه فيتساويان في الضمان كما لو ~~جرح أحدهما جرحا والآخر جرحين فمات منهما أو ألقى أحدهما جزءا من النجاسة ~~في مائع وألقى الآخر جزأين، يفارق الشفعة فإنها تثبت لإزالة الضرر عن نصيب ~~الذي لم يبع فكان استحقاقه على قدر نصيبه، # PageV10P311 # ولأن الضمان هاهنا لدفع الضرر منهما وفي الشفعة لدفع الضرر عنهما والضرر ~~منهما يستويان في إدخاله على الشريك وفي الشفعة ضرر صاحب النصف أعظم من ضرر ~~صاحب السدس فاختلفا وإذا ثبت هذا كان ولاؤه بينهما أثلاثا لأننا إذا حكمنا ~~بأن الثلث معتق عليهما نصفين فنصف الثلث سدس إذا ضممناه إلى النصف الذي ~~لأحدهما صار ثلثين، وإذا ضممنا السدس الآخر إلى سدس المعتق صار ثلثا. # وعلى الوجه ms5839 الآخر يصير الولاء بينهما أرباعا لصاحب النصف ثلاثة أرباعه، ~~ولصاحب السدس ربعه، والضمان بينهما كذلك فأما قوله فأعتقاه معا فلأنه شرط ~~في الحكم الذي ذكرناه اجتماعهما في العتق بحيث لا يسبق أحدهما الآخر بأن ~~يتلفظا به معا أو يوكل أحدهما صاحبه فيعتقهما معا أو يوكل وكيله فيعتقهما ~~أو يعلقا عتقه على شرط فيوجد، فإن سبق أحدهما صاحبه عتق عليه نصيب شريكيه ~~جميعا وكان الضمان عليه والولاء له كله، وقوله وهما موسران شرط آخر، فإن ~~سراية العتق يشترط لها اليسار، فإن كان أحدهما موسرا وحده قوم عليه جميع ~~نصيب من لم يعتق لأن المعسر لا يسري عتقه فيكون الضمان على الموسر خاصة، ~~فإن كان أحدهما يجد بعض ما يخصه قوم عليه ذلك القدر وباقيه على الآخر، مثل ~~أن يجد صاحب السدس قيمة نصف السدس فيقوم عليه ويقوم الربع على صاحب النصف ~~ويصح ولاؤه بينهما أرباعا لصاحب السدس ربعه وباقيه لمعتق النصف لأنه لو كان ~~أحدهما معسرا قوم الجميع على الآخر، فإذا كان موسرا ببعضه قوم الباقي على ~~صاحب النصف لأنه موسر. ### | [مسألة كانت الأمة بين شريكين فأصابها أحدهما وأحبلها] # (8600) مسألة: قال وإذا كانت الأمة بين شريكين فأصابها أحدهما وأحبلها ~~أدب ولم يبلغ به الحد، وضمن نصف قيمتها لشريكه وصارت أم ولد له وولده حر، ~~وإن كان معسرا كان في ذمته نصف مهر مثلها، وإن لم تحبل منه فعليه نصف مهر ~~مثلها وهي على ملكيهما لا نعلم خلافا بين أهل العلم في تحريم وطء الجارية ~~المشتركة لأن الوطء يصادف ملك غيره من غير نكاح ولم يحله الله تعالى في غير ~~ملك ولا نكاح بدليل قوله تعالى {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] ~~{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] {فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] وأكثر أهل العلم لا ~~يوجبون فيه حدا لأن له فيها ملكا فكان ذلك شبهة دارئة للحد، وأوجبه أبو ثور ~~لأنه وطء محرم لأجل كونه في ملك غيره فأشبه ما لو لم يكن ms5840 فيها ملك ولنا أنه ~~وطء صادف ملكه فلم يوجب به حد كوطء زوجته الحائض، ويفارق ما لا ملك له فيها # PageV10P312 # فإنه لا شبهة له فيها، ولهذا لو سرق عينا له نصفها لم يقطع ولو لم يكن له ~~فيها ملك قطع، ولا خلاف في أنه يعزر لما ذكرناه في حجة أبي ثور، من لا يخلو ~~من حالين إما أن لا تحمل منه فهي باقية على ملكهما وعليه نصف مهر مثلها ~~لأنه وطء سقط فيه الحد للشبهة فأوجب مهر المثل كما لو وطئها يظنها امرأته ~~وسواء كانت مطاوعة أو مكرهة لما ذكرنا، ولأن وطء جارية غيره يوجب المهر وإن ~~طاوعت لأن المهر لسيدها فلا يسقط بمطاوعتها كما لو أدبت في قطع عضو من ~~أعضائها، ويكون الواجب نصف المهر بقدر ملك الشريك فيها. الحال الثاني أن ~~يحبلها وتضع ما يتبين فيه بعض خلق الإنسان فإنها تصير بذلك أم ولد للواطئ ~~كما لو كانت خالصة له وتخرج بذلك من ملك الشريك كما تخرج بالإعتاق، وسواء ~~كان الواطئ موسرا أو معسرا لأن الإيلاد أقوى من الإعتاق ويلزمه نصف قيمتها ~~لأنه أخرج نصفها من ملك الشريك فلزمته قيمته كما لو أخرجه بالإعتاق أو ~~الإتلاف. # فإن كان موسرا أداه وإن كان معسرا فهو في ذمته كما لو أتلفها والولد حر ~~يلحق نسبه بوالده لأنه من وطء في محل له فيه ملك فأشبه ما لو وطئ زوجته. ~~وقال القاضي الصحيح عندي أنه لا يقوم عليه نصيب شريكه إذا كان معسرا بل يصح ~~نصفها أم ولد ونصفها قنا باقيا في ملك الشريك لأن الإحبال كالعتق ويجري ~~مجراه في التقويم والسراية، فأعتقت في سرايته اليسار كالعتق، وهذا قول أبي ~~الخطاب أيضا، ومذهب الشافعي فعلى هذا إذا ولدت احتمل أن يكون الولد كله حرا ~~لاستحالة انعقاد الولد من حر وعبد، واحتمل أن يكون نصفه حرا ونصفه رقيقا ~~لأن نصف أمه أم ولد ونصفها قن لغير الواطئ فكان نصف الولد حرا ونصفه رقيقا ~~كولد المعتق بعضها، وبهذا يتبين أنه لم يستحل انعقاد ms5841 الولد من حر وقن، ووجه ~~قول الخرقي أن بعضها أم ولد فكان جميعها أم ولد كما لو كان الواطئ موسرا، ~~ويفارق العتاق فإن الاستيلاد أقوى ولهذا ينفذ من جميع المال من المريض ومن ~~الصبي والمجنون، والإعتاق بخلافه. # (8601) فصل: قال أبو الخطاب: وهل تلزمه قيمة الولد ومهر الأمة؟ على ~~وجهين؛ # PageV10P313 # أحدهما، لا يلزمه ذلك. وهو ظاهر قول الخرقي؛ لأنه لم يذكرهما، لأن الأمة ~~صارت مملوكة له، فلم يلزمه مهر مملوكته، ولا قيمة ولدها؛ ولأن الولد خلق ~~حرا، فلم يقوم عليه ولده الحر. والوجه الثاني، يلزمه لشريكه نصف مهر مثلها، ~~ونصف قيمة ولدها؛ لأن الوطء صادف ملك غيره، وإنما انتقلت بالوطء الموجب ~~للمهر، فيكون الوطء سبب الملك، ولا يثبت الحكم إلا بعد تمام سببه، فيلزم ~~حينئذ تقدم الوطء على ملكه، فيكون في ملك غيره، فيوجب مهر المثل وفعله ذلك ~~منع انخلاق الولد على ملك الشريك، فيجب عليه نصف قيمته، كولد المغرور. # وقال القاضي: إن وضعت الولد بعد التقويم، فلا شيء على الواطئ؛ لأنها ~~وضعته في ملكه وقت الوجوب حالة الوضع، ولا حق للشريك فيها ولا في ولدها، ~~وإن وضعته قبل التقويم، فهل تلزمه قيمة نصفه؟ على روايتين، ذكرهما أبو بكر، ~~واختار أنه تلزمه قيمته. (8602) فصل: ولا فرق بين أن يكون له في الأمة ملك ~~كثير أو يسير، وقد ذكر الخرقي، فيما إذا وطئ جارية من المغنم، أنها تصير أم ~~ولد إذا أحبلها، وإن كان إنما له فيها سهم يسير من أكثر من ألف سهم. ### | [مسألة ملك سهما ممن يعتق عليه بغير الميراث وهو موسر] # (8603) مسألة: قال (وإن ملك سهما ممن يعتق عليه بغير الميراث، وهو موسر، ~~عتق عليه كله، وكان لشريكه عليه قيمة حقه منه، وإن كان معسرا، لم يعتق عليه ~~إلا مقدار ما ملك، وإن ملك بعضه بالميراث، لم يعتق منه إلا مقدار ما ملك، ~~موسرا كان أو معسرا) قد ذكرنا فيما تقدم أن من ملك ذا رحم محرم، فهو حر؛ ~~لما روى سمرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ms5842 «من ملك ذا رحم محرم، ~~فهو حر» . رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي. # وروى ضمرة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، - رضي الله ~~عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ملك ذا رحم محرم، فهو حر» . ~~وسئل أحمد عن ضمرة، فقال: ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل؛ أحدهما، ~~هذا الحديث. وروي عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر، أنه قال: «من ملك ذا رحم ~~محرم، فهو حر» . وقد ذكرنا هذا وما فيه من الخلاف فيما تقدم. فأما إن ملك ~~سهما ممن يعتق عليه، مثل أن يملك سهما من ولده، فإنه يعتق عليه ما ملك منه، # PageV10P314 # سواء ملكه بعوض، أو بغير عوض، كالهبة والاغتنام والوصية، وسواء، ملكه ~~باختياره، كالذي ذكرناه، أو بغير اختياره، كالميراث؛ لأن كل ما يعتق به ~~الكل يعتق به البعض، كالإعتاق بالقول، ثم ينظر؛ فإن كان معسرا، لم يسر ~~العتق، واستقر في ذلك الجزء، ورق الباقي؛ لأنه لو أعتقه بقوله، لم يسر ~~إعتاقه مع تصريحه بالعتق وقصده إياه، فهاهنا أولى. # وإن كان موسرا، وكان الملك باختياره، كالملك بغير الميراث، سرى إلى ~~باقيه، فيعتق جميع العبد، ولزمه لشريكه قيمة باقيه لأنه فوته عليه. وبهذا ~~قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف. وقال قوم: لا يعتق عليه إلا ما ملك، سواء ~~ملكه بشراء أو غيره؛ لأن هذا لم يعتقه، وإنما عتق عليه بحكم الشرع عن غير ~~اختيار منه، فلم يسر، كما لو ملكه بالميراث، وفارق ما أعتقه؛ لأنه فعله ~~باختياره، قاصدا إليه. # ولنا أنه فعل سبب العتق اختيارا منه، وقصدا إليه، فسرى، ولزمه الضمان، ~~كما لو وكل من أعتق نصيبه، وفارق الميراث، فإنه حصل من غير قصده، ولا فعله، ~~ولأن من باشر سبب السراية اختيارا، لزمه ضمانها، كمن جرح إنسانا، فسرى ~~جرحه، ولأن مباشرته لما يسري، وتسببه إليه في لزوم حكم السراية واحد، بدليل ~~استواء الحافز والدافع في ضمان الواقع. فأما إن ملكه بالميراث، لم يسر ~~العتق فيه، واستقر فيما ملكه، ورق الباقي، سواء كان موسرا ms5843 أو معسرا؛ لأنه ~~لم يتسبب إلى إعتاقه، وإنما حصل بغير اختياره. وبهذا قال مالك، والشافعي، ~~وأبو يوسف. # وعن أحمد ما يدل على أنه يسري إلى نصيب شريكه، إذا كان موسرا؛ لأنه عتق ~~عليه بعضه وهو موسر، فسرى إلى باقيه، كما لو وصى له به فقبله. والمذهب ~~الأول لأنه لم يعتقه، ولا تسبب إليه، فلم يضمن، ولم يسر، كالأجنبي، وفارق ~~ما تسبب إليه. ### | [فصل ورث الصبي والمجنون جزءا ممن يعتق عليهما] # (8604) فصل: وإن ورث الصبي والمجنون جزءا ممن يعتق عليهما عتق، ولم يسر ~~إلى باقيه؛ لأنه إذا لم يسر في حق المكلف، ففي حقهما أولى. وإن وهب لهما، ~~أو وصي لهما به، وهما معسران، فعلى وليهما قبوله؛ لأنه نفع لهما، بإعتاق ~~قريبهما، من غير ضرورة يلحق بهما. وإن كانا موسرين، ففيه وجهان، مبنيان على ~~أنه هل يقوم عليهما باقيه إذا ملكا بعضه؟ وفيه وجهان؛ أحدهما، لا يقوم، ولا ~~يسري العتق إليه؛ لأنه يدخل في ملكه بغير اختياره، فأشبه ما لو ورثه. ~~والثاني، يقوم عليه؛ لأن قبول وليه يقوم مقام قبوله، فأشبه الوكيل. فعلى ~~هذا الوجه، ليس لوليه؛ قبوله؛ لما فيه من الضرر. وعلى الأول، يلزمه قبوله؛ ~~لأنه يقع بغير ضرر، إذا كان ممن لا تلزمه نفقته. # وإذا قلنا: ليس له أن يقبله. فقبله، احتمل أن لا يصح القبول؛ لأنه فعل ما ~~لم يأذن الشرع فيه، فأشبه ما لو باع ماله بغبن. واحتمل أن يصح، وتكون ~~الغرامة عليه؛ لأنه ألزمه هذه الغرامة، فكانت عليه، كنفقة الحج إذا حجه. # PageV10P315 ### | [فصل باع عبدا لذي رحمه وأجنبي صفقة واحدة] # (8605) فصل: وإذا باع عبدا لذي رحمه وأجنبي صفقة واحدة، عتق كله، إذا كان ~~ذو الرحم معسرا، وضمن لشريكه قيمة حقه منه. وقال القاضي: لا يضمن لشريكه، ~~شيئا؛ لأن ملكه لم يتم إلا بقبول شريكه فصار كأنه أذن له في إعتاق نصيبه. ~~ولنا أنه عتق عليه نصيبه بملكه باختياره، فوجب أن يقوم عليه باقيه مع ~~يساره، كما لو انفرد بشرائه، ولا نسلم أنه لا يصح قبوله إلا ms5844 بقبول شريكه. ### | [فصل كانت أمة مزوجة ولها ابن موسر فاشتراها هو وزوجها وهي حامل منه صفقة واحدة] # (8606) فصل: وإذا كانت أمة مزوجة، ولها ابن موسر، فاشتراها هو وزوجها وهي ~~حامل منه، صفقة واحدة، عتق نصيب الابن من أمه، وسرى إلى نصيب الزوج، ويقوم ~~عليه، وعتق الحمل عليهما معا؛ لأنه ابن الزوج وأخو الابن، ولا يجب لأحدهما ~~على الآخر شيء منه لأنه عتق عليهما في حال واحدة. ولو كانت المسألة بحالها، ~~فوهبت لهما، أو أوصي لهما بها، فقبلاها في حالة واحدة، فكذلك، وإن قبلها ~~أحدهما قبل الآخر، نظرنا؛ فإن قبل الابن أولا، عتقت عليه الأم وحملها؛ حصته ~~من الأم بالملك، وتبعها حصته من الحمل، وسرى العتق إلى الباقي من الأم ~~والولد، وعليه قيمة باقيهما للزوج. وإن قبل الزوج أولا، عتق عليه الحمل ~~كله؛ نصيبه بالملك، وباقيه بالسراية، وقوم عليه. ثم إذا قبل الابن، عتقت ~~عليه الأم كلها، ويتقاصان، ويرد كل واحد منهما الفضل على صاحبه. ومن قال في ~~الوصية: إن الملك لا يثبت فيها بالموت. فالحكم فيه كما لو قبلاها دفعة ~~واحدة. ### | [فصل كان لرجل نصف عبدين متساويين في القيمة لا يملك غيرهما فأعتق أحدهما في صحته] # (8607) فصل: وإذا كان لرجل نصف عبدين متساويين في القيمة، لا يملك ~~غيرهما، فأعتق أحدهما في صحته، عتق، وسرى إلى نصيب شريكه؛ لأنه موسر بالنصف ~~الذي له من العبد الآخر، فإن أعتق النصف الآخر، من العبد الآخر، عتق؛ لأن ~~وجوب القيمة في ذمته لا يمنع صحة عتقه، ولم يسر؛ لأنه معسر، وإن أعتق الأول ~~في مرض موته، لم يسر؛ لأنه إنما ينفذ عتقه في ثلث ماله، وثلث ماله هو الثلث ~~من العبد الذي أعتق نصفه، وإذا أعتق الثاني، وقف على إجازة الورثة، وإن ~~أعتق الأول في صحته، وأعتق الثاني، في مرضه، لم ينفذ عتق الثاني؛ لأن عليه ~~دينا يستغرق قيمته، فيمنع صحة عتقه، إلا أن يجيز الورثة. # PageV10P316 ### | [فصل شهد شاهدان على رجل أنه أعتق شركا له في عبد فسرى إلى نصيب الشريك وغرم له قيمة ms5845 نصيبه ثم رجعا عن الشهادة] # (8608) فصل: إذا شهد شاهدان على رجل أنه أعتق شركا له في عبد، فسرى إلى ~~نصيب، الشريك، وغرم له قيمة نصيبه، ثم رجعا عن الشهادة غرما قيمة العبد ~~جميعه. وقال بعض أصحاب الشافعي: تلزمهما غرامة نصيبه دون نصيب شريكه؛ ~~لأنهما لم يشهدا إلا بعتق نصيبه، فلم تلزمهما غرامه ما سواه. ولنا أنهما ~~فوتا عليه نصيبه وقيمة نصيب شريكه، فلزمهما ضمانه، كما لو فوتاه بفعلهما، ~~وكما لو شهدا عليه بجرح، ثم سرى الجرح، ومات المجروح، فضمن الدية، ثم رجعا ~~عن شهادتهما. ### | [فصل شهد شاهدان على ميت بعتق عبد في مرض موته ثم شهد آخران بعتق آخر ثم رجع الأولان عن الشهادة] # فصل: وإن شهد شاهدان على ميت بعتق عبد في مرض موته، وهو ثلث ماله، فحكم ~~حاكم بشهادتهما، وعتق العبد، ثم شهد آخران بعتق آخر، هو ثلث ماله، ثم رجع ~~الأولان عن الشهادة، نظرنا في تاريخ شهادتهما؛ فإن كانت سابقة ولم تكذب ~~الورثة رجوعهما، عتق الأول، ولم يقبل رجوعهما، ولم يغرما شيئا. ويحتمل أن ~~يلزمهما شراء الثاني وإعتاقه؛ لأنهما منعا عتقه بشهادتهما المرجوع عنها. ~~وإن صدقوهما في رجوعهما، وكذبوهما في شهادتهما، عتق الثاني، ورجعوا عليهما ~~بقيمة الأول؛ لأنهما فوتا رقه عليهم بشهادتهم المرجوع عنها؛ وإن كان ~~تاريخها متأخرا عن الشهادة الأخرى، بطل عتق المحكوم له بعتقه؛ لأننا تبينا ~~أن الميت قد أعتق ثلث ماله قبل إعتاقه، ولم يغرم الشاهدان شيئا؛ لأنهما ما ~~فوتا شيئا. # وإن كانتا مطلقتين، أو إحداهما، أو اتفق تاريخهما، أقرع بينهما؛ فإن خرجت ~~على الثاني، عتق، وبطل عتق الأول، ولا شيء على الشاهدين؛ لأن الأول باق على ~~الرق. وإن خرجت قرعة الأول، عتق، ونظرنا في الورثة، فإن كذبوا الشاهدين ~~الأولين في شهادتهما، عتق الثاني، ورجعوا على الشاهدين بقيمة الأول؛ لأنهما ~~فوتا رقه بغير حق، وإن كذبوهما في رجوعهما، لم يرجعوا عليهما بشيء؛ لأنهم ~~يقرون بعتق المحكوم بعتقه. ### | [مسألة العتق في مرض الموت والتدبير والوصية بالعتق] # (8610) مسألة: قال: (وإذا كان له ثلاثة أعبد، فأعتقهم في ms5846 مرض موته، أو ~~دبرهم، أو دبر أحدهم، وأوصى بعتق الآخرين، ولم يخرج من ثلثه إلا واحد؛ ~~لتساوي قيمتهم، أقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق، فمن وقع لهم سهم الحرية، ~~عتق دون صاحبيه) وجملة ذلك أن العتق في مرض الموت، والتدبير، والوصية ~~بالعتق، يعتبر خروجه من الثلث؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجز من ~~عتق الذي أعتق ستة مملوكين في مرضه، إلا ثلثهم. ولأنه تبرع بمال، أشبه ~~الهبة، فإن أعتق أكثر من الثلث، لم يجز إلا الثلث. # فإن أعتق عبيدا في مرضه، واحدا بعد واحد، بدئ بالأول # PageV10P317 # فالأول، حتى يستوفي الثلث. وإن وقع العتق دفعة واحدة، ولم يخرجوا من ~~الثلث، أقرع بينهم، فأخرج الثلث بالقرعة. ومسألة الخرقي فيما إذا وقع العتق ~~دفعة واحدة، ولم يكن له مال سواهم. وأما إن دبرهم، استوى المقدم والمؤخر ~~منهم؛ لأن التدبير عتق معلق بشرط، وهو الموت، والشرط إذا وجد ثبت المشروط ~~به في وقت واحد، وكذلك الموصى بعتقه، يستوي هو والتدبير؛ لأن الجميع عتق ~~بعد الموت، فمتى أعتق ثلاثة أعبد متساوين في القيمة، هم جميع ماله، دفعة ~~واحدة، أو دبرهم، أو وصى بعتقهم، أو دبر بعضهم ووصى بعتق باقيهم، ولم يجز ~~الورثة أكثر من الثلث، أقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق، فمن خرج له سهم ~~الحرية، عتق ورق صاحباه. وبهذا قال عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان، ~~ومالك، والشافعي، وإسحاق، وداود، وابن جرير. # وقال أبو حنيفة: يعتق من كل واحد ثلثه، ويستسعى في باقيه. وروي نحو هذا ~~عن سعيد بن المسيب، وشريح، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وحماد لأنهم تساووا ~~في سبب الاستحقاق، فيتساوون في الاستحقاق، كما لو كان يملك ثلثهم وحده، وهو ~~ثلث ماله، أو كما لو وصى بكل واحد منهم لرجل. وأنكر أصحاب أبي حنيفة ~~القرعة، وقالوا: هي من القمار وحكم الجاهلية. ولعلهم يردون الخبر الوارد في ~~هذه المسألة؛ لمخالفته قياس الأصول. # وذكر الحديث لحماد، فقال: هذا قول الشيخ - يعني إبليس - فقال له محمد بن ~~ذكوان: وضع القلم عن ثلاثة؛ أحدهم المجنون ms5847 حتى يفيق - يعني إنك مجنون - ~~فقال له حماد: ما دعاك إلى هذا؟ فقال له محمد: وأنت، فما دعاك إلى هذا؟ ~~وهذا قليل في جواب حماد، وكان حريا أن يستتاب عن هذا، فإن تاب وإلا ضربت ~~عنقه. ولنا ما روى عمران بن الحصين، «أن رجلا من الأنصار أعتق ستة مملوكين ~~في مرضه، لا مال له غيرهم، فجزأهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستة ~~أجزاء، فأعتق اثنين، وأرق أربعة» . وهذا نص في محل النزاع، وحجة لنا في ~~الأمرين المختلف فيهما، وهما جمع الحرية واستعمال القرعة، وهو حديث صحيح ~~ثابت، رواه مسلم، وأبو داود، وسائر أصحاب السنن. ورواه عن عمران بن الحصين ~~الحسن، وابن سيرين، وأبو المهلب، # PageV10P318 # ثلاثة أئمة. ورواه الإمام أحمد، عن إسحاق بن عيسى، عن هشيم، عن خالد ~~الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي زيد الأنصاري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. قال أحمد: أبو زيد الأنصاري رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~وروي نحوه عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأنه حق في ~~تفريقه ضرر، فوجب جمعه بالقرعة، كقسمة الإجبار إذا طلبها أحد الشريكين، ~~ونظيره من القسمة ما لو كانت دار بين اثنين، لأحدهما ثلثها، وللآخر ثلثاها، ~~وفيها ثلاثة مساكن متساوية، لا ضرر في قسمتها، فطلب أحدهما القسمة، فإنه ~~يجعل كل بيت سهما، ويقرع بينهم بثلاثة أسهم؛ لصاحب الثلث سهم، وللآخر ~~سهمان. وقولهم: إن الخبر يخالف قياس الأصول. ونمنع ذلك، بل هو موافق له؛ ~~لما ذكرناه. وقياسهم فاسد؛ لأنه إذا كان ملكه ثلثهم وحده، لم يمكن جمع ~~نصيبه، والوصية لا ضرر في تفريقها، بخلاف مسألتنا. # وإن سلمنا مخالفته قياس الأصول، فقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~واجب الاتباع، سواء وافق القياس أو خالفه؛ لأنه قول المعصوم، الذي جعل الله ~~تعالى قوله حجة على الخلق أجمعين، وأمرنا باتباعه وطاعته، وحذر العقاب في ~~مخالفة أمره، وجعل الفوز في طاعته، والضلال في معصيته، وتطرق الخطأ إلى ~~القائس في قياسه أغلب من تطرق الخطأ إلى أصحاب رسول ms5848 الله - صلى الله عليه ~~وسلم - والأئمة بعدهم في روايتهم، على أنهم قد خالفوا قياس الأصول بأحاديث ~~ضعيفة، فأوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر، ونقضوا الوضوء بالقهقهة ~~في الصلاة دون خارجها؛ وقولهم في مسألتنا في مخالفة القياس والأصول، أشد ~~وأعظم، والضرر في مذهبهم أعظم؛ وذلك لأن الإجماع منعقد على أن صاحب الثلث ~~في الوصية وما في معناها، لا يحصل له شيء حتى يحصل للورثة مثلاه، وفي ~~مسألتنا يعتقون الثلث، ويستسعون العبد في الثلثين، فلا يحصل للورثة شيء في ~~الحال أصلا، ويحيلونهم على السعاية، وربما لا يحصل منها شيء أصلا، وربما لا ~~يحصل منها في الشهر إلا درهم أو درهمان، فيكون هذا في حكم من لم يحصل له ~~شيء، وفيه ضرر على العبيد؛ لأنهم يجبرونهم على الكسب والسعاية، عن غير ~~اختيار منهم، وربما كان المجبر على ذلك جارية، فيحملها ذلك على البغاء، أو ~~عبدا، فيسرق أو يقطع الطريق، وفيه ضرر على الميت، حيث أفضوا بوصيته إلى ~~الظلم والإضرار، وتحقيق ما يوجب له العقاب من ربه، والدعاء عليه من عبيده ~~وورثته. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي ذكرناه في حق ~~الذي فعل هذا، قال: «لو شهدته لم يدفن في مقابر المسلمين» # PageV10P319 # قال ابن عبد البر في قول الكوفيين ضروب من الخطأ والاضطراب، مع مخالفة ~~السنة الثابتة. وأشار إلى ما ذكرناه. وأما إنكارهم للقرعة، فقد جاءت في ~~الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ~~أيهم يكفل مريم} [آل عمران: 44] وقال تعالى: {فساهم فكان من المدحضين} ~~[الصافات: 141] . # وأما السنة؛ فقال أحمد: في القرعة خمس سنن؛ أقرع بين نسائه. وأقرع في ستة ~~مملوكين. وقال لرجلين: " استهما " وقال: «مثل القائم على حدود الله ~~والمداهن فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة.» وقال «لو يعلم الناس ما في ~~النداء والصف الأول، لاستهموا عليه» . # PageV10P320 # وفي حديث الزبير، أن صفية جاءت بثوبين؛ ليكفن فيها حمزة - رضي الله عنه - ~~فوجدنا إلى جنبه قتيلا، فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاري ثوب. فوجدنا أحد ~~الثوبين ms5849 أوسع من الآخر، فأقرعنا عليهما، ثم كفنا كل واحد في الثوب الذي صار ~~له، وتشاح الناس يوم القادسية في الأذان، فأقرع بينهم سعد وأجمع العلماء ~~على استعمالها في القسمة، ولا أعلم بينهم خلافا في أن الرجل يقرع بين نسائه ~~إذا أراد السفر بإحداهن، وإذا أراد البداية بالقسمة بينهن، وبين الأولياء ~~إذا تساووا وتشاحوا في من يتولى التزويج أو من يتولى استيفاء القصاص، ~~وأشباه هذا. ### | [فصل كيفية القرعة والعتق] # (8611) فصل: في كيفية القرعة، قال أحمد: قال سعيد بن جبير: يقرع بينهم ~~بالخواتيم. أقرع بين اثنين في ثوب، فأخرج خاتم هذا ثم قال: يخرجون ~~بالخواتيم، ثم تدفع إلى رجل، فيخرج منها واحدا. قال أحمد بأي شيء خرجت مما ~~يتفقان عليه، وقع الحكم به، سواء كان رقاعا أو خواتيم. قال أصحابنا ~~المتأخرون: الأولى أن يقطع رقاعا صغارا متساوية، ثم تلقى في حجر رجل لم ~~يحضر، أو يغطى عليها بثوب، ثم يقال له: أدخل يدك، وأخرج بندقة. فينفضها ~~ويعلم ما فيها وهذا قول الشافعي وفي كيفية القرعة والعتق ست مسائل؛ (8612) ~~المسألة الأولى أن يعتق عددا من العبيد، لهم ثلث صحيح. كثلاثة أو ستة أو ~~تسعة، وقيمتهم متساوية، ولا مال له غيرهم فيخرجون ثلاثة أجزاء، جزءا ~~للحرية، وجزأين للرق، وتكتب ثلاث رقاع، في واحدة حرية، وفي اثنين رق، ويترك ~~في ثلاثة بنادق، وتغطى بثوب، ويقال لرجل لم يحضر: أخرج على اسم هذا الجزء. # فإن خرجت قرعة الحرية، عتق، ورق # PageV10P321 # الجزءان الآخران، وإن خرجت قرعة رق، رق، وأخرجت أخرى على جزء آخر، فإن ~~خرجت رقعة الحرية، عتق ورق الجزء الثالث، وإن خرجت قرعة الرق، رق، وعتق ~~الجزء الثالث؛ لأن الحرية تعينت فيهم. وإن شئت كتبت اسم كل جزء في رقعة، ثم ~~أخرجت رقعة على الحرية، فإذا خرجت رقعة على الحرية عتق المسمون فيها، ورق ~~الباقون، وإن خرجت رقعة على، الرق، رق المسمون فيها، ثم تخرج أخرى على ~~الرق، فيرق المسمون فيها، ويعتق الجزء الثالث، وإن أخرجت الثانية على ~~الحرية، عتق المسمون فيها، دون الثالث. (8613) المسألة الثانية، ms5850 أن تمكن ~~قسمتهم أثلاثا، وقيمتهم مختلفة، يمكن تعديلهم بالقيمة، كستة؛ قيمة اثنين ~~منهم ثلاثة آلاف وقيمة اثنين ألفان، وقيمة اثنين ألف ألف، فيجعل الاثنين ~~الأوسطين جزءا ويجعل اثنين قيمة أحدهما ثلاثة آلاف مع آخر قيمته ألف جزءا، ~~والآخرين جزءا فيكونون ثلاثة أجزاء متساوية في العدد والقيمة، على ما ~~قدمناه في المسألة الأولى. قيل لأحمد لم يستووا في القيمة؟ قال: يقومون ~~بالثمن. (8614) # المسألة الثالثة، يكونون متساوين في العدد مختلفين في القيمة، ولا يمكن ~~الجمع بين تعديلهم بالعدد والقيمة معا، ولكن يمكن تعديلهم بكل واحد منهما ~~منفردا، كستة أعبد، قيمة أحدهم ألف، وقيمة اثنين ألف، وقيمة ثلاثة ألف، ~~فإنهم يعدلون بالقيمة دون العدد. نص عليه أحمد فقال: إذا كانت قيمة واحد ~~مثل اثنين، قوم؛ لأنه لا يجوز أن يقع العتق في أكثر من الثلث ولا أقل، وفي ~~قسمتهم بالعدد تكرار القرعة، وتبعيض العتق حتى يكمل الثلث، فكان التعديل ~~بالقيمة أولى. بيان ذلك، أننا لو جعلنا الذي قيمته ألف آخر، فخرجت قرعة ~~الحرية لهما احتجنا أن نعيد القرعة بينهما، فإذا خرجت على القليل القيمة ~~عتق، وأعتق من الذي قيمته ألف تمام الثلث. # وإن وقعت قرعة الحرية على اثنين، قيمتهما دون الثلث، عتقا، ثم أعيدت ~~لتكميل الثلث، فإذا وقعت على واحد، كملت الحرية منه فحصل ما ذكرناه من ~~التبعيض والتكرار، ولأن قسمتهم بين المشتركين فيهم، إنما يعدلون فيها ~~بالقيمة دون الأجزاء، فعلى هذا يجعل الذي قيمته ألف جزءا، والاثنين اللذين ~~قيمتها ألف جزءا، والثلاثة الباقين جزءا، ثم يقرع بينهم، على ما ذكرنا. # (8615) المسألة الرابعة، أمكن تعديلهم بالقيمة دون العدد، كسبعة قيمة ~~أحدهم ألف، وقيمة اثنين ألف، وقيمة أربعة ألف، فيعدلون بالقيمة دون العدد، ~~كما ذكرنا. # PageV10P322 # (8616) المسألة الخامسة، أمكن تعديلهم بالعدد دون القيمة، كستة أعبد، ~~قيمة اثنين ألف، وقيمة اثنين سبعمائة، وقيمة اثنين خمسمائة، فهاهنا يجزئهم ~~بالعدد؛ لتعذر تجزئتهم بالقيمة، فيجعل كل اثنين جزءا، ويضم كل واحد ممن ~~قيمتهما قليلة إلى واحد ممن قيمتهما كثيرة، ويجعل المتوسطين جزءا، ويقرع ~~بينهم، فإن وقعت قرعة الحرية على ms5851 جزء قيمته أكثر من الثلث، أعيدت القرعة ~~بينهما، فيعتق من تقع له قرعة الحرية، ويعتق من الآخر تتمة الثلث ورق باقيه ~~والباقون، وإن وقعت الحرية على جزء أقل من الثلث، عتقا جميعا، ثم يكمل ~~الثلث من الباقين بالقرعة. # (8617) المسألة السادسة، لم يمكن تعديلهم بالعدد ولا القيمة، كخمسة أعبد، ~~قيمة أحدهم ألف، واثنان ألف، واثنان ثلاثة آلاف، احتمل أن يجزئهم ثلاثة ~~أجزاء، فيجعل أحدهم أكثرهم قيمة جزءا، ويضم إلى الثاني كثير القيمة أقل ~~الباقين، قيمة، ويجعلهما جزءا والباقين جزءا، ويقرع بينهم بسهم حرية وسهمي ~~رق؛ لأن هذا أقرب إلى ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعدل الثلث ~~بالقيمة على ما تقدم، واحتمل أن لا يجزئهم، بل تخرج القرعة على واحد واحد ~~حتى يستوفي الثلث، فيكتب خمس رقاع بأسمائهم، ثم يخرج رقعة على الحرية، فمن ~~خرج اسمه فيها عتق، ثم يخرج الثانية، فمن خرج اسمه فيها عتق منه تمام ~~الثلث. # وإن كانوا ثمانية قيمتهم سواء، ففيهم ثلاثة أوجه؛ أحدها، أن يكتب ثماني ~~رقاع بأسمائهم، ثم يخرج على الحرية رقعة بعد أخرى، حتى يستوفي الثلث. ~~والثاني، أن يجزئهم أربعة أجزاء، ثم يقرع بينهم بسهم حرية وثلاثة رق، فمن ~~خرج له سهم الحرية عتق، ثم يقرع بين الستة بسهم حرية وسهمي رق، فمن خرج له ~~سهم الحرية، أعيدت بينهما، فمن خرج له سهم الحرية كمل الثلث منه. والثالث ~~أن يجزئهم ثلاثة أجزاء ثلاثة ثلاثة واثنان، ويقرع بينهم بسهم حرية وسهمي ~~رق، فإن خرج سهم الحرية للاثنين عتقا، وكمل الثلث بالقرعة من الباقين، وإن ~~خرجت لثلاثة، أقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق، ذكر هذين الوجهين الآخرين أبو ~~الخطاب. وروي عن أحمد خمسة أو أربعة، يجعل أكثرهم قيمة مكان اثنين، إن كانا ~~قيمته، وإلا أقرع بين ثلاثة قيمتهم واحدة، ثم يقرع بين الذي بقي، والذي ~~تصيبه القرعة ينظر ما بقي من قيمته من الثلث، فيعتق حصته، فإن كان جميع ~~ماله عبدين، أقرعنا بينهما بسهم حرية وسهم رق، على كل حال. # PageV10P323 ### | [فصل عتق العبيد في الميراث] ms5852 # (8618) فصل: وإن كان للمعتق مال غير العبد مثلا قيمة العبيد أو أكثر، عتق ~~العبيد كلهم لخروجهم من الثلث، وإن كان أقل من مثليهم، عتق من العبد قدر ~~ثلث المال كله، فإذا كان العبيد كلهم نصف المال، عتق ثلثاهم، وإن كانا ثلثي ~~المال، عتق نصفهم، وإن كانوا ثلاثة أرباعه، عتق أربعة أتساعهم، وطريقه أن ~~تضرب قيمة العبد في ثلاثة، ثم تنسب إليه مبلغ التركة فما خرج بالنسبة عتق ~~من العبيد مثلها، فإذا كان قيمة العبد ألفا، وباقي التركة ألف، ضربت قيمة ~~العبد في ثلاثة، تكن ثلاثة آلاف، ثم تنسب إليها الألفين، تكن ثلثيها، فيعتق ~~ثلثاهم. وإن كان قيمة العبد ثلاثة آلاف، وباقي التركة ألف، ضربت قيمتهم في ~~ثلاثة تكن تسعة آلاف وتنسب إليها التركة كلها تكن أربعة أتساعها، وإن كان ~~قيمتهم أربعة آلاف وباقي التركة ألف ضربت قيمتهم في ثلاثة تكن اثني عشر ~~ألفا ونسبت إليها خمسة آلاف، تكن ربعها وسدسها، فيعتق من العبيد ربعهم ~~وسدسهم. ### | [فصل كان على الميت دين يحيط بالتركة وأوصي بالعتق] # (8619) فصل: وإن كان على الميت دين يحيط بالتركة، لم يعتق منهم شيء. وإن ~~كان يحيط ببعضها، قدم الدين؛ لأن العتق وصية، وقد «قضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن الدين قبل الوصية» . ولأن قضاء الدين واجب، وهذا تبرع، ~~وتقديم الواجب متعين. وإن كان الدين بقدر نصف العبيد، جعلوا جزأين، وكتبت ~~رقعتان؛ رقعة للدين، ورقعة للتركة، وتخرج واحدة منهما على أحد الجزأين، فمن ~~خرجت عليه رقعة الدين بيع فيه، وكان الباقي من جميع التركة يعتق ثلثهم ~~بالقرعة، على ما تقدم. وإن كان الدين بقدر ثلثهم كتبت ثلاث رقاع؛ رقعة ~~للدين، واثنتان للتركة، وإن كان بقدر ربعهم، كتب أربع رقاع؛ رقعة للدين، ~~وثلاثة للتركة، ثم يقرع بين من خرجت له رقاع التركة. وإن كتب رقعة للدين، ~~ورقعة للحرية، ورقعتان للتركة، جاز. وقيل: لا يجوز؛ لئلا تخرج رقعة الحرية ~~قبل قضاء الدين. # والأول أصح؛ لأنه إنما يمنع من العتق قبل قضاء الدين إذا لم يكن له وفاء، ~~فأما ms5853 إذا كان له وفاء، لم يمنع منه، بدليل ما لو كان العتق في أقل من ثلث ~~الباقي بعد وفاء الدين، فإنه لا يمنع من العتق قبل وفائه. ### | [فصل أعتق في مرض موته ثلاثة لا يملك غيرهم] # فصل: وإذا أعتق في مرض موته ثلاثة لا يملك غيرهم، أو واحدا منهم غير ~~معين، فمات أحدهم، # PageV10P324 # أقرعنا بين الميت والأحياء، فإن وقعت على الميت، حسبناه من التركة، ~~وقومناه حين الإعتاق، سواء مات في حياة سيده، أو بعده قبل القرعة. وبهذا ~~قال الشافعي وقال مالك: إن مات قبل موت سيده، أقرعنا بين الحيين لأنهما ~~جميع التركة ولهذا لا يعتق إلا ثلثهما، ولا يعتبر الميت؛ لأنه ليس بمحسوب ~~من التركة، ولأنه لو أعتق الحيين بعد موته، لأعتقنا ثلثهما. # ولنا أن الميت أحد المعتقين، فوجب أن يقرع بينه وبينهم، كما لو مات بعد ~~سيده، ولأن المقصود تكميل الأحكام، وحصول ثواب العتق، ويحصل هذا في الميت، ~~فوجب أن يدخل في القرعة، كما لو مات بعد سيده. فأما إن وقعت القرعة على ~~الحي، نظرنا في الحي؛ فإن كان الميت مات قبل موت السيد أو بعده قبل قبض ~~الوارث له، لم نحسبه من التركة؛ لأنه لم يصل إلى الوارث، فتكون التركة ~~الحيين، فيخرج ثلثهما ممن وقعت عليه القرعة وتعتبر قيمته حين الإعتاق؛ لأنه ~~حين إتلافه، وتعتبر قيمة التركة بأقل الأمرين من حين الموت إلى حين قبض ~~الوارث؛ لأن الزيادة فائدة تجددت على ملك الوارث، فلا تحسب عليه من التركة، ~~والنقصان قبل القبض لم يحصل له، ولم ينتفع به، فأشبه الشارد والآبق، وإنما ~~يحسب عليه ما حصل في يده، ولا يحسب الميت من التركة؛ لأنهما إلى الورثة ~~فيكمل ثلث الحيين ممن وقعت عليه القرعة. # وإن كان موته بعد قبض الورثة، حسب من التركة؛ لأنه وصل إليهم، وجعلناه ~~كالحي، في تقويمه معهم والحكم بإعتاقه إن وقعت عليه القرعة، أو من الثلثين ~~إن وقعت القرعة على غيره، وتحسب قيمته بأقل الأمرين من حين موت سيده إلى ~~حين قبضه. ونحو هذا قال الشافعي. ms5854 ### | [فصل دبر الثلاثة أو وصى بعتقهم فمات أحدهم في حياته] # (8621) فصل: وإن دبر الثلاثة، أو وصى بعتقهم، فمات أحدهم في حياته، بطل ~~تدبيره، والوصية فيه، وأقرع بين الحيين فأعتق من أحدهما ثلثهما؛ لأن الميت ~~لا يمكن الحكم بوقوع العتق فيه؛ لكونه مات قبل الوقت الذي يعتق فيه، وقبل ~~أن يتحقق شرط العتق، بخلاف التي قبلها؛ فإن العتق حصل من حين الإعتاق، ~~وإنما القرعة تبينه وتكشفه، ولهذا يحكم بعتقه من حين الإعتاق، حتى يكون ~~كسبه له، وحكمه حكم الأحرار في سائر أحواله. وإن مات المدبر بعد موت سيده ~~أقرع بينه وبين الأحياء؛ لأنه قد حصل العتق من حين موت السيد. ### | [مسألة قال لهم في مرض موته أحدكم حر أو كلكم حر ومات] # . (8622) مسألة: قال: (ولو قال لهم في مرض موته: أحدكم حر أو: كلكم حر. ~~ومات، فكذلك) أما إذا قال لهم: كلكم حر. فهي المسألة التي تقدمت، وشرحناها. ~~وأما إذا قال: أحدكم حر. فإنه يقرع بينهم، فيخرج أحدهم بالقرعة فيعتق، ويرق ~~الباقون، وسواء كان للميت مال سواهم، أو لم يكن، إذا كان # PageV10P325 # يخرج من الثلث، وإن لم يخرج من الثلث، عتق منه بقدر الثلث. ولو كان ~~المعتق حيا، ولم ينو واحدا بعينه، لم يكن له التعيين، وأعتق أحدهم بالقرعة. # وإن قال: أردت واحدا منهم بعينه. قبل منه وتعينت الحرية فيه. وقال أبو ~~حنيفة، والشافعي: له تعيين أحدهم، فيعتق من عينه، وإن لم يكن نواه حالة ~~القول، ويطالب المعتق بالتعيين، فإذا عين أحدهم تعين حسب اختياره ولم يكن ~~لسائر العبيد الاعتراض عليه؛ لأن تعيين العتق ابتداء، فإذا أوقعه غير معين، ~~كان له تعيينه، كالطلاق. ولنا أن مستحق العتق غير معين، فلم يملك تعيينه، ~~كما لو أعتق الجميع في مرضه ولم يخرجوا من الثلث، وكما لو أعتق معينا ثم ~~نسيه والطلاق كمسألتنا. فأما إن مات المعتق ولم يعين، فالحكم عندنا لا ~~يختلف، وليس للورثة التعيين، بل يخرج المعتق بالقرعة. # وقد نص الشافعي على هذا إذا قالوا: لا ندري أيهم أعتق. وقال أبو حنيفة: ms5855 ~~لهم التعيين؛ لأنهم يقومون مقام موروثهم. وقد سبق الكلام في المعتق. ### | [فصل أعتق إحدى إمائه ثم وطئ إحداهن] # . (8623) فصل: ولو أعتق إحدى إمائه، ثم وطئ إحداهن لم يتعين الرق فيها. ~~وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي: يتعين الرق فيها. لأن الحرية عنده تتعين ~~بتعيينه، ووطؤه دليل على تعيينه. وقد سبق الكلام على هذا الأصل. ولأن ~~المعتقة واحدة، فلم تتعين بالوطء، كما لو أعتق واحدة ثم نسيها. ### | [فصل أعتق واحدا بعينه ونسيه] # . (8624) فصل: وإذا أعتق واحدا بعينه، ونسيه، فقياس قول أحمد، أن يعتق ~~أحدهم بالقرعة. وهذا قول الليث وقال الشافعي: يقف الأمر حتى يذكر، فإن مات ~~قبل أن يتبين، أقرع الورثة بينهم، وقال ابن وهب يعتقون كلهم. وقال مالك: إن ~~أعتق عبدا له ومات، ولم يبين فكانوا ثلاثة، عتق منهم بقدر ثلثهم، وإن كانوا ~~أربعة، عتق منهم بقدر ربع قيمتهم. وعلى هذا فيقرع بينهم، فإن خرجت القرعة ~~على من قيمته أقل من الربع، أعيدت القرعة حتى تكمل. وقال أصحاب: الرأي: إن ~~قال الشهود: نشهد أن فلانا أعتق أحد عبيده، ولم يسم. عتق ثلث كل واحد منهم، ~~وسعى في باقيه، أو ربع كل واحد منهم إن كانوا أربعة، وإن قالوا: نشهد أن ~~فلانا أعتق بعض عبيده ونسيناه. فشهادتهم باطلة. ونحو هذا قول الشعبي، ~~والأوزاعي ولم يذكرا ما ذكره أصحاب الرأي في الشهادة. # ولنا أن مستحق العتق غير معين فأشبه ما لو أعتق جميعهم في مرض موته، فإن ~~أقرع، بينهم فخرجت القرعة لواحد، ثم قال المعتق: ذكرت أن المعتق غيره. ففيه ~~وجهان: أحدهما، يرد الأول إلى الرق، ويعتق الذي عينه؛ لأنه تبين له المعتق، ~~فعتق دون غيره، كما لو لم يقرع. # PageV10P326 # والثاني، يعتقان معا. وهو قول الليث، ومقتضى قول ابن حامد لأن الأول ثبتت ~~الحرية فيه بالقرعة، فلا تزول، كسائر الأحرار، ولأن قول المعتق: ذكرت من ~~كنت نسيته. يتضمن إقرارا عليه بحرية من ذكره، وإقرارا على غيره، فقبل ~~إقراره على نفسه، ولم يقبل على غيره. وأما إذا لم يقرع، فإنه يقبل قوله، ~~فيعتق ms5856 من عينه، ويرق غيره، فإذا قال: أعتقت هذا. عتق، ورق الباقون، وإن ~~قال: أعتقت هذا، لا بل هذا. عتقا جميعا؛ لأنه أقر بعتق الأول فلزمه، ثم أقر ~~بعتق الثاني فلزمه، ولم يقبل رجوعه عن إقراره الأول. وكذلك الحكم في إقرار ~~الوارث. ### | [مسألة ملك شقصا من عبد فأعتقه في مرض موته أو دبره] # . (8625) مسألة: قال (وإذا ملك نصف عبد، فدبره أو أعتقه في مرض موته، ~~فعتق بموته، وكان ثلث ماله يفي بقيمة النصف الذي لشريكه، أعطي، وكان كله ~~حرا في إحدى الروايتين. والأخرى، لا يعتق إلا حصته وإن حمل ثلث ماله قيمة ~~حصة شريكه) وجملته أنه إذا ملك شقصا من عبد، فأعتقه في مرض موته، أو دبره، ~~أو وصى بعتقه ثم مات، ولم يف ثلث ماله بقيمة نصيب الشريك، لم يعتق إلا ~~نصيبه. بلا خلاف نعلمه بين أهل العلم، إلا قولا شاذا، أو قول من يرى ~~السعاية؛ وذلك أنه ليس من ماله إلا الثلث الذي استغرقته قيمة الشقص، فيبقى ~~معسرا، بمنزلة من أعتق في صحته شقصا وهو معسر. # فأما إن كان ثلث ماله يفي بقيمة حصة شريكه، ففيه روايتان إحداهما، يسري ~~إلى نصيب الشريك، فيعتق العبد جميعه، ويعطى الشريك قيمة نصيبه من ثلثه؛ لأن ~~ثلث المال للمعتق والملك فيه تام، وله التصرف فيه بالتبرع والإعتاق وغيره، ~~فجرى مجرى مال الصحيح، فيسري عتقه، كسراية عتق الصحيح الموسر. والرواية ~~الثانية، لا يعتق إلا حصته؛ لأنه بموته يزول ملكه إلى ورثته، فلا يبقى شيء ~~يقضى منها للشريك. وبهذا قال الأوزاعي؛ لأن الميت لا يضار. وقال القاضي: ما ~~أعتقه في مرض موته سرى، وما دبره أو وصى بعتقه لم يسر. وقال الرواية في ~~سراية العتق حال الحياة أصح، والرواية في وقوفه في التدبير أصح. وهذا مذهب ~~الشافعي؛ لأن العتق في الحياة ينفذ في حال ملك العتق وصحة تصرفه، وتصرفه في ~~ثلثه كتصرف الصحيح في جميع ماله، وأما التدبير والوصية، فإنما يحصل العتق ~~به في حال يزول ملك المعتق وتصرفاته. والله أعلم. ### | [مسألة دبر بعض عبده ms5857 وهو مالك لكله] # . (8626) مسألة: قال (وكذلك الحكم إذا دبر بعضه، وهو مالك لكله) وجملته ~~أنه إذا دبر بعض عبده، وهو أن يقول: إذا مت فنصف عبدي حر. ثم مات، فإن كان # PageV10P327 # النصف المدبر ثلث ماله من غير زيادة، عتق، ولم يسر؛ لأنه لو دبره كله لم ~~يعتق منه إلا ثلثه، فإذا لم يدبر إلا ثلثه كان أولى. وإن كان العبد كله ~~يخرج من الثلث، ففي تكميل الحرية روايتان؛ إحداهما، تكمل. وهو قول أكثر ~~الفقهاء؛ لأن أبا حنيفة وأصحابه يرون التدبير كالإعتاق في السراية. وهو أحد ~~قولي الشافعي؛ لأنه إعتاق لبعض عبده، فعتق جميعه، كما لو أعتقه في حياته. ~~والرواية الثانية، لا يكمل العتق فيه؛ لأنه لا يمنع جواز البيع، فلا يسري، ~~كتعليقه بالصفة. ### | [فصل أعتق بعض عبده في مرضه] # (8627) فصل: فأما إن أعتق بعض عبده في مرضه، فهو كعتق جميعه، إن خرج من ~~الثلث عتق جميعه، وإلا عتق منه بقدر الثلث؛ لأن الإعتاق في المرض كالإعتاق ~~في الصحة، إلا في اعتباره من الثلث، وتصرف المريض في ثلثه في حق الأجنبي، ~~كتصرف الصحيح في جميع ماله، كما لو أعتق شركا له في عبد وثلثه يحتمل جميعه، ~~وعنه، لا يعتق منه إلا ما عتق. ### | [فصل دبر أحد الشريكين حصته] # . (8628) فصل: وإذا دبر أحد الشريكين حصته، صح، ولم يلزمه في الحال ~~لشريكه شيء. وهذا قول الشافعي، فإذا مات، عتق الجزء الذي دبره، إذا خرج من ~~ثلث ماله. وفي سرايته إلى نصيب الشريك ما ذكرنا في المسألة وقبلها، وقال ~~مالك: إذا دبر نصيبه، تقاوماه، فإن صار للمدبر، صار مدبرا كله، وإن صار ~~للآخر، صار رقيقا كله. وقال الليث: يغرم المدبر لشريكه قيمة نصيبه، ويصير ~~العبد كله مدبرا، فإن لم يكن له مال، سعى العبد في قيمة نصيب الشريك، فإذا ~~أداها، صار مدبرا كله وقال أبو يوسف، ومحمد: يضمن المدبر للشريك قيمة حقه، ~~موسرا كان أو معسرا ويصير المدبر له. # وقال أبو حنيفة: الشريك بالخيار؛ إن شاء دبر، وإن شاء أعتق، وإن شاء ~~استسعى العبد، ms5858 وإن شاء ضمن صاحبه إن كان موسرا. ولنا أنه تعليق للعتق على ~~صفة، فصح في نصيبه، كما لو علقه بموت شريكه. ### | [مسألة أعتق عبيده في المرض أو دبرهم ومات ثم ظهر عليه دين وهم يخرجون من ثلثه] # (8629) مسألة: قال: (ولو أعتقهم وثلثه يحتملهم، فأعتقناهم، ثم ظهر عليه ~~دين يستغرقهم، بعناهم في دينه) وجملته أن المريض إذا أعتق عبيده في المرض، ~~أو دبرهم، أو وصى بعتقهم، ومات ثم ظهر عليه دين وهم يخرجون من ثلثه في ~~الظاهر، فأعتقناهم، ثم ظهر عليه دين يستغرق التركة، تبينا بطلان عتقهم ~~وبقاء رقهم، فيباعون في الدين، ويكون عتقهم وصية، والدين مقدم على الوصية؛ ~~ولهذا قال علي - رضي الله عنه -: « # PageV10P328 # إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى أن الدين قبل الوصية» ولأن ~~الدين مقدم على الميراث بالاتفاق، ولهذا تباع التركة في قضاء الدين، وقد ~~قال الله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] والميراث مقدم ~~على الوصية في الثلثين، فما تقدم على الميراث، يجب أن يقدم على الوصية. ~~وبهذا قال الشافعي ورد ابن أبي ليلى عبدا أعتقه سيده عند الموت وعليه دين. # قال أحمد: أحسن ابن أبي ليلى وذكر أبو الخطاب عن أحمد رواية في الذي يعتق ~~عبده في مرضه وعليه دين أنه يعتق منه بقدر الثلث، ويرد الباقي. وقال قتادة، ~~وأبو حنيفة وإسحاق: يسعى العبد في قيمته. ولنا أنه تبرع في مرض موته بما ~~يعتبر خروجه من الثلث، فقدم عليه الدين كالهبة، ولأنه يعتبر من الثلث، فقدم ~~عليه الدين، كالوصية، وخفاء الدين لا يمنع ثبوت حكمه، ولهذا يملك الغريم ~~استيفاءه. فعلى هذا تبين أنه أعتقهم وقد استحقهم الغريم بدينه، فلم ينفذ ~~عتقه، كما لو أعتق ملك غيره. فإن قال الورثة: نحن نقضي الدين، ونمضي العتق. ~~ففيه وجهان؛ أحدهما، لا ينفذ حتى يبتدئوا العتق؛ لأن الدين كان مانعا منه ~~فيكون باطلا، ولا يصح بزوال المانع بعده. # والثاني، ينفذ العتق؛ لأن المانع منه إنما هو الدين، فإذا سقط وجب نفوذه، ~~كما لو أسقط الورثة ms5859 حقوقهم من ثلثي التركة، نفذ العتق في الجميع. ولأصحاب ~~الشافعي وجهان كهذين. وقالوا: إن أصل الوجهين، إذا تصرف الورثة في التركة ~~ببيع أو غيره، وعلى الميت دين، وقضي الدين، هل ينفذ؟ فيه وجهان. ### | [فصل أعتق المريض ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم فأقرع الورثة فأعتقوا واحدا وأرقوا اثنين ثم ظهر عليه دين يستغرق نصفهم] # . (8630) فصل: فإن أعتق المريض ثلاثة أعبد، لا مال له غيرهم فأقرع الورثة ~~فأعتقوا واحدا وأرقوا اثنين، ثم ظهر عليه دين يستغرق نصفهم، ففيه وجهان؛ ~~أحدهما، تبطل القرعة؛ لأن الدين شريك في الإقراع، فإذا حصلت القسمة مع عدمه ~~كانت باطلة، كما لو قسم شريكان دون شريكهما الثالث. الثاني، يصح الإقراع؛ ~~لأنه لا يمكن إمضاء القسمة وإفراد حصة الدين من كل واحد من النصيبين، # PageV10P329 # لأن القرعة دخلت لأجل العتق دون الدين، فيقال للورثة اقضوا ثلثي الدين. ~~وهو بقدر قيمة نصف العبدين اللذين بقيا إما من العبيد، وإما من غيرهم، ويجب ~~رد نصف العبد الذي عتق، فإذا كان الذي أعتق عبدين، أقرعنا بينهما، فإذا ~~خرجت القرعة على أحدهما، فكان بقدر سدس التركة، عتق، وبيع الآخر في الدين، ~~وإن كان أكثر، عتق منه بقدر السدس، وإن كان أقل عتق، وعتق من الآخر تمام ~~السدس. ### | [مسألة أعتق ثلاثة في مرضه لم يعرف له مال غيرهم أو دبرهم أو وصى بعتقهم] # . (8631) مسألة: قال: (ولو أعتقهم، وهم ثلاثة، فأعتقنا منهم واحدا لعجز ~~ثلثه عن أكثر منه، ثم ظهر له مال يخرجون من ثلثه، عتق من أرق منهم) وجملته ~~أنه إذا أعتق ثلاثة في مرضه، لم يعرف له مال غيرهم، أو دبرهم، أو وصى ~~بعتقهم لم يعتق منهم إلا ثلثهم، ويرق الثلثان، إذا لم يجز الورثة عتقهم، ~~فإذا فعلنا ذلك، ثم ظهر له مال بقدر مثليهم تبينا أنهم قد عتقوا من حين ~~أعتقهم، أو من حين موته إن كان دبرهم؛ لأنه التدبير وتصرف المريض في ثلث ~~ماله جائز نافذ، وقد بان أنهم ثلث ماله، وخفاء ذلك علينا لا يمنع كونه ~~موجودا، فلا يمنع كون ms5860 العتق واقعا. فعلى هذا، يكون حكمهم حكم الأحرار من ~~حين أعتقهم، فيكون كسبهم. لهم، وإن كانوا قد تصرف فيهم ببيع، أو هبة، أو ~~رهن، أو تزويج بغير إذن، كان ذلك باطلا. # وإن كانوا قد تصرفوا، فحكم تصرفهم حكم تصرف الأحرار، فلو تزوج عبد منهم ~~بغير إذن سيده، كان نكاحه صحيحا، والمهر عليه واجب، وإن ظهر له مال بقدر ~~قيمتهم، عتق ثلثاهم؛ لأنها ثلث جميع المال، فيقرع بين الاثنين اللذين ~~أوقفناهما، فيعتق أحدهما، ويرق الآخر، إن كانا متساويين في القيمة. وإن ظهر ~~له مال بقدر نصفهم، عتق نصفهم، وإن كان بقدر ثلثهم، عتق أربعة أتساعهم، ~~وكلما ظهر له مال، عتق من العبدين اللذين رقا بقدر ثلثه. ### | [فصل وصى بعتق عبد له يخرج من ثلثه] # . (8632) فصل: وإذا وصى بعتق عبد له يخرج من ثلثه، وجب على الوصي إعتاقه، ~~فإن أوصى بذلك ورثته، لزمهم إعتاقه، فإن امتنعوا، أجبرهم السلطان، فإن ~~أصروا على الامتناع، أعتقه السلطان، أو من ينوب منابه، كالحاكم؛ لأن هذا حق ~~لله تعالى وللعبد، ومن وجب عليه ذلك، ناب السلطان عنه أو نائبه، كالزكاة ~~والديون. فإذا أعتقه الوارث أو السلطان عتق، وما اكتسبه في حياة الموصي، ~~فهو للموصي، يكون من جملة تركته إن بقي بعده؛ لأنه كسب عبده القن وما كسبه ~~بعد موته وقبل إعتاقه، فهو للوارث. وقال القاضي: هو للعبد؛ لأنه كسبه بعد ~~استقرار سبب العتق فيه، فكان له ككسب المكاتب. # وقال بعض أصحاب الشافعي: فيه قولان، مبنيان على القولين في كسب العبد ~~الموصى به قبل قبول الوصية. ولنا أنه عبد قن، فكان كسبه للورثة، كغير ~~الموصى بعتقه، وكالمعلق عتقه بصفة. وفارق المكاتب؛ # PageV10P330 # فإنه يملك كسبه قبل عتقه، فكذلك بعده. ويبطل ما ذكروه بأم الولد؛ فإن ~~عتقها قد استقر سببه في حياة سيدها، وكسبها له. والموصي به لا نسلمه، وإن ~~سلمناه، فالفرق بينهما، أن الموصى به قد تحقق فيه سبب الملك، وإنما وقف على ~~شرط هو القبول، فإذا وجد الشرط، استند الحكم إلى ابتداء السبب، وفي الوصية ~~بالعتق ما وجد ms5861 السبب، وإنما أوصى بإيجاده، وهو العتق، فإذا وجد، لم يجز أن ~~يثبت حكمه سابقا عليه، ولهذا يملك الموصى له أن يقبل بنفسه، وها هنا لا ~~يملك العبد أن يعتق نفسه. وإن مات العبد بعد تمام موت سيده، وقبل إعتاقه، ~~فما كسبه للورثة، على قولنا، ولا أعلم قول من خالفنا فيه. ### | [فصل علق عتق عبده على شرط في صحته فوجد في مرضه] # (8633) فصل: فإن علق عتق عبده على شرط في صحته، فوجد في مرضه، اعتبر ~~خروجه من الثلث. قاله أبو بكر، قال: وقد نص أحمد على مثل هذا في الطلاق. ~~وقال أبو الخطاب: فيه وجه آخر، أنه يعتق من رأس المال. وهو مذهب الشافعي؛ ~~لأنه لا يتهم فيه فأشبه، العتق في صحته. # ولنا أنه عتق في حال تعلق حق الورثة بثلثي ماله، فاعتبر من الثلث، ~~كالمنجز. وقولهم: لا يتهم فيه قلنا: وكذلك العتق المنجز، لا يتهم فيه؛ فإن ~~الإنسان لا يتهم بمحاباة غير الوارث، وتقديمه على وارثه، وإنما منع منه، ~~لما فيه من الضرر بالورثة، وهذا حاصل هاهنا. ولو قال إذا قدم زيد، وأنا ~~مريض فأنت حر. فقدم وهو مريض، كان معتبرا من الثلث، وجها واحدا. ### | [فصل أعتق عبدا وله مال] # . (8634) فصل: وإذا أعتق عبدا، وله مال، فماله لسيده. روي هذا عن ابن ~~مسعود وأبي أيوب، وأنس بن مالك. وبه قال قتادة والحكم، والثوري، والشافعي، ~~وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن حماد، والبتي، وداود بن أبي هند، وحميد وقال ~~الحسن، وعطاء، والشعبي والنخعي، ومالك، وأهل المدينة: يتبعه ماله؛ لما روى ~~نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أعتق عبدا ~~وله مال فالمال للعبد» رواه الإمام أحمد، بإسناده وغيره، وروى حماد بن ~~سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا أعتق عبدا لم يعرض لماله. ~~ولنا ما روى الأثرم، بإسناده عن ابن مسعود، أنه قال لغلامه عمير: يا عمير، ~~إني أريد أن أعتقك عتقا هنيئا، فأخبرني بمالك فإني سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه ms5862 وسلم - يقول: «أيما رجل أعتق عبده، أو غلامه، فلم يخبره # PageV10P331 # بماله فماله لسيده» ولأن العبد وماله كانا جميعا للسيد، فأزال ملكه عن ~~أحدهما، فبقي ملكه في الآخر، كما لو باعه، وقد دل على هذا حديث النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «من باع عبدا، وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه ~~المبتاع» فأما حديث ابن عمر، فقال أحمد: يرويه عبد الله بن أبي جعفر من أهل ~~مصر، وهو ضعيف في الحديث، كان صاحب فقه، فأما في الحديث فليس هو فيه ~~بالقوي. # وقال أبو الوليد: هذا الحديث خطأ، فأما فعل ابن عمر، فإنه تفضل منه على ~~معتقه. قيل للإمام أحمد: كان هذا عندك على التفضل؟ فقال: إي لعمري على ~~التفضل قيل له: فكأنه عندك للسيد؟ فقال: نعم، للسيد، مثل البيع، سواء. ### | [مسألة قال لعبده أنت حر في وقت سماه] # . (8635) مسألة: قال: (واذا قال لعبده: أنت حر في وقت سماه، لم يعتق حتى ~~يأتي ذلك الوقت) وجملة ذلك أن السيد إذا علق عتق عبده أو أمته على مجيء ~~وقت، مثل قوله: أنت حر في رأس الحول لم يعتق حتى يأتي رأس الحول وله بيعه ~~وهبته وإجارته ووطء الأمة، وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وابن المنذر، قال ~~أحمد إذا قال لغلامه أنت حر إلى أن يقدم فلان ومجيء فلان واحد وإلى رأس ~~السنة وإلى رأس الشهر إنما يريد إذا جاء رأس السنة أو جاء رأس الهلال منه، ~~واذا قال أنت طالق إذا جاء الهلال إنما تطلق إذا جاء رأس الهلال، وقال ~~إسحاق كما قال أحمد وحكي عن مالك أنه إذا قال لعبده أنت حر في رأس الحول ~~عتق في الحال، والذي حكاه ابن المنذر عنه أنها إذا كانت جارية لم يطأها ~~لأنه لا يملكها ملكا تاما ولا يهبها ولا يلحقها بسببه رق، وإن مات السيد ~~قبل الوقت كانت حرة عند الوقت من رأس المال، وقد روي عن أحمد أنه لا يطؤها ~~لأن ملكه غير تام عليها والأول أصح لما روي عن أبي ذر أنه قال ms5863 لعبده أنت ~~عتيق إلى رأس الحول، فلولا أن العتق يتعلق بالحول لم يعلقه عليه لعدم ~~فائدته، ولأنه علق العتق بصفة فوجب أن يتعلق بها كما لو قال إذا أديت إلي ~~ألفا فأنت حر واستحقاقها للعتق لا يمنع الوطء كالاستيلاد ولا يلزم المكاتبة ~~لأنها اشترت نفسها من سيدها بعوض وزال ملكه عن إكسابها بخلاف مسألتنا. # PageV10P332 # (8636) # فصل: وإذا جاء الوقت وهو في ملكه عتق بغير خلاف نعلمه، وإن خرج عن ملكه ~~ببيع أو ميراث أو هبة لم يعتق، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال النخعي ~~وابن أبي ليلى إذا قال لعبده إن فعلت كذا فأنت حر، فباعه بيعا صحيحا ثم فعل ~~ذلك الفعل عتق وانتقض البيع. قال ابن أبي ليلى إذا حلف بالطلاق لا كلمت ~~فلانا ثم طلقها طلاقا بائنا ثم كلمه حنث، وعامة أهل العلم على خلاف هذا ~~القول، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا طلاق ولا عتاق ولا بيع ~~فيما لا يملك ابن آدم» ولأنه لا ملك له فلم يقع طلاقه ولا عتاقه كما لو لم ~~يكن له مال متقدم. ### | [فصل قال لعبده إن لم أضربك عشرة أسواط فأنت حر ولم ينو وقتا بعينه] # . (8637) فصل وإذا قال لعبده إن لم أضربك عشرة أسواط فأنت حر، ولم ينو ~~وقتا بعينه لم يعتق حتى يموت ولم يوجد الضرب، وإن باعه قبل ذلك صح بيعه ولم ~~ينفسخ في قول أكثر أهل العلم، وقال مالك ليس له بيعه، فإن باعه فسخ البيع. ~~ولنا أنه باعه قبل وجود الشرط فصح ولم ينفسخ كما لو قال إن دخلت الدار فأنت ~~حر، وباعه قبل دخولها. ### | [فصل قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فباعه ثم اشتراه ودخل الدار] # . (8638) فصل وإذا قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فباعه ثم اشتراه ودخل ~~الدار عتق، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي فيها قولان أحدهما لا يعتق ~~لأن ملكه فيه متأخر عن عقد الصفة فلم يقع العتق فيه كما لو عقد الصفة في ~~حال زوال ملكه عنه ولنا ms5864 أنه علق الصفة في ملكه وتحقق الشرط في ملكه فوجب أن ~~يحنث كما لو لم يزل ملكه عنه، وفارق ما إذا علقها في حال زوال ملكه وتحقق ~~الشرط في ملكه لأنه لو نجز العتق لم يقع فإذا علقه # PageV10P333 # كان أولى بعدم الوقوع بخلاف مسألتنا، فأما إن دخل الدار بعد بيعه ثم ~~اشتراه ودخل الدار، فالمنصوص عن أحمد أنه لا يعتق. وذكر عنه رواية أخرى أن ~~يعتق وروي عنه في الطلاق أنه يقع لأن التعليق والشرط وجدا في ملكه فأشبه ما ~~لو لم يتخللهما دخول. # ووجه الأول أن العتق معلق على شرط لا يقتضي التكرار، فإذا وجد مرة انحلت ~~اليمين، وقد وجد الدخول في ملك غيره فانحلت اليمين فلم يقع العتق به بعد ~~ذلك، ويفارق العتاق الطلاق من حيث إن النكاح الثاني ينبني على النكاح الأول ~~بدليل أن طلاقه في النكاح الأول يحسب عليه في النكاح الثاني وينقص به عدد ~~طلاقه والملك باليمين بخلافه. ### | [فصل قال لعبد له مقيد هو حر] # (8639) فصل وإذا قال لعبد له مقيد هو حر إن حل قيده ثم قال هو حر إن لم ~~يكن في قيده عشرة أرطال فشهد شاهدان عند الحاكم أن وزن قيده خمسة أرطال ~~فحكم بعتقه وأمر بحل قيده فوزن فوجد وزنه عشرة أرطال عتق العبد بحل قيده ~~وتبينا أنه ما عتق بالشرط الذي حكم الحاكم بعتقه به، وهل يلزم الشاهدين ~~ضمان قيمته فيه وجهان: أحدهما أنه يلزمهما ضمانها لأن شهادتهما الكاذبة سبب ~~عتقه وإتلافه فضممناه كالشهادة المرجوع عنها، ولأن عتقه حصل بحكم المبني ~~على الشهادة الكاذبة فأشبه الحكم بالشهادة التي يرجعان عنها، وهذا قول أبي ~~حنيفة والثاني لا ضمان عليهما وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن عتقه لم يحصل ~~بالحكم المبني على شهادتهما وإنما حصل بحل قيده ولم يشهدا به فوجب أن لا ~~يضمنا كما لو لم يحكم الحاكم. ### | [فصل قال لعبده أنت حر متى شئت] # . (8640) فصل وإن قال لعبده أنت حر متى شئت لم يعتق حتى يشاء بالقول فمتى ~~شاء عتق ms5865 سواء كان على الفور أو التراخي، وإن قال أنت حر إن شئت فكذلك، ~~ويحتمل أن يقف ذلك على المجلس لأن ذلك بمنزلة التخيير، ولو قال لامرأته ~~اختاري نفسك لم يكن لها الاختيار إلا على الفور فإن تراخى ذلك بطل خيارها ~~كذا تعليقه بالمشيئة من غير أن يقرنه بزمن يدل على التراخي، وإن قال أنت حر ~~كيف شئت # PageV10P334 # احتمل أن يعتق في الحال، وهو قول أبي حنيفة لأن كيف لا تقتضي شرطا ولا ~~وقتا ولا مكانا فلا تقتضي توقيف العتق، وإنما هي صفة للحال فتقتضي وقوع ~~الحرية على أي حال شاء، ويحتمل أن لا يعتق حتى يشاء، وهو قول أبي يوسف ~~ومحمد لأن المشيئة تقتضي الخيار فتقتضي أن لا يعتق قبل اختياره كما لو قال ~~أنت حر متى شئت لأن كيف تعطي ما تعطي متى وأي فحكمها حكمهما. # وقد ذكر أبو الخطاب في الطلاق أنه إذا قال لزوجته أنت طالق متى شئت وحيث ~~شئت لم تطلق حتى تشاء، فيجيء هاهنا مثله. ### | [فصل تعليق العتق على أداء شيء ينقسم ثلاثة أقسام] # (8641) فصل وتعليق العتق على أداء شيء ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها تعليقه ~~على صفة محضة كقوله إن أديت إلي ألفا فأنت حر، فهذه صفة لازمة لا سبيل إلى ~~إبطالها لأنه ألزمها نفسه طوعا فلم يملك إبطالها كما لو قال إن دخلت الدار ~~فأنت حر، ولو اتفق السيد والعبد على إبطالها لم تبطل بذلك، ولو أبرأه السيد ~~من الألف لم يعتق بذلك ولم يبطل الشرط لأنه لا حق في ذمته يبرئه منه، وإنما ~~هو تعليق على شرط محض، وإن مات السيد انفسخت الصفة لأن ملكه زال عنه فلا ~~ينفذ عتقه في ملك غيره، وإن زال ملكه ببيع أو هبة زالت الصفة، فإن عاد إلى ~~ملكه عاد كما ذكرنا فيما قبل ومتى وجدت الصفة عتق ولم يحتج إلى تجديد إعتاق ~~من جهة السيد لأنه إزالة ملك معلق على صفة وهو قابل للتعليق فيوجد بوجود ~~الصفة كالطلاق وما يكسبه العبد قبل وجود الشرط فهو لسيده ms5866 لأنه لم يوجد عقد ~~يمنع كون كسبه لسيده إلا أن ما يأخذه السيد منه يحسبه من الألف التي أداها، ~~فإذا كمل أداؤها عتق وما فضل في يده لسيده، وإن كان المعلق عتقه أمة فولدت ~~لم يتبعها ولدها في أحد الوجهين لأنها أمة فأشبه ما لو قال إن دخلت الدار ~~فأنت حرة ولا تجب عليها قيمة نفسها لأنه عتق من السيد بصفة فأشبه ما لو ~~باشر عتقها ولا يعتق حتى يؤدي الألف بكمالها. # وذكر القاضي، أن من أصلنا، أن العتق المعلق بصفة يوجد بوجود بعضها، كما ~~لو قال: أنت حر إن أكلت رغيفا. فأكل بعضه. وهذا لا يصح، لوجوه: أحدها، أن ~~أداء الألف شرط العتق، وشروط الأحكام يعتبر وجودها بكمالها لثبوت الأحكام، ~~وتنتفي بانتفائها بدليل سائر شروط الأحكام. الثاني، أنه إذا علقه على وصف ~~ذي عدد، فالعدد وصف في الشرط، ومتى علق الحكم على شرط ذي وصف، لا يثبت ما ~~لم توجد الصفة، كما لو قال لعبده: إن خرجت عاريا، فأنت حر. فخرج لابسا، لا ~~يعتق، فكذلك العدد. # PageV10P335 # الثالث، أنه متى كان في اللفظ ما يدل على الكل، لم يحنث بفعل البعض. ~~وكذلك لو حلف: لا صليت صلاة لم يحنث حتى يفرغ مما يسمى صلاة. ولو حلف: لا ~~صمت صياما. لم يحنث حتى يصوم يوما، ولو قال لامرأته: إن حضت حيضة، فأنت ~~طالق. لم تطلق حتى تطهر من الحيضة. وقد ذكر القاضي هذه المسائل ونظائرها. ~~وذكر الألف هاهنا يدل على إرادته أداء الألف كاملة. # الرابع، أننا لا نسلم هذا الأصل الذي ادعاه، وأنه إذا قال له: أنت حر إن ~~أكلت رغيفا. لم يعتق بأكل بعضه، وإنما إذا حلف لا يفعل شيئا، ففعل بعضه، ~~حنث، في رواية، في موضع يحتمل إرادة البعض، ويتناوله اللفظ، كمن حلف لا ~~يصلي فشرع في الصلاة، أو لا يصوم فشرع في الصوم، أو لا يشرب ماء هذا الإناء ~~فشرب بعضه. ونحو هذا؛ لأن الشارع في الصلاة والصيام قد صلى وصام ذلك الجزء ~~الذي شرع فيه، والقدر الذي ms5867 شربه من الإناء هو ماء الإناء، وقرينة حاله ~~تقتضي المنع من الكل، فتقتضي الامتناع من الكل، ومتى فعل البعض، فما امتنع ~~من الكل، فحنث لذلك. ولو حلف على فعل شيء، لم يبرأ إلا بفعل الجميع وفي ~~مسألتنا، تعليق الحرية على أداء الألف، يقتضي وجود أدائها، فلا يثبت الحكم ~~المعلق عليها دون أدائها، كمن حلف ليؤدين ألفا، لم يبرأ حتى يؤديها. # الخامس، أن موضوع الشرط في الكتاب والسنة وأحكام الشريعة، على أنه لا ~~يثبت المشروط بدون شرطه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قال لا ~~إله إلا الله، دخل الجنة» فلو قال بعضها مقتصرا عليه، لم يستحق إلا ~~العقوبة. وقال: «من أحيا أرضا ميتة، فهي له» فلو شرع في الإحياء، لم تكن ~~له. ولو قال في المسابقة: من سبق إلى خمس إصابات، فهو سابق. فسبق إلى أربع، ~~لم يكن سابقا. ولو قال: من رد ضالتي، فله دينار. فشرع في ردها، لم يستحق ~~شيئا. فكيف يخالف موضوعات الشرع واللغة بغير دليل، وإنما الذي جاء عن أحمد، ~~في الأيمان، فيمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه يحنث، لأن اليمين على الترك ~~يقصد بها المنع، فنزلت منزلة النهي، والنهي عن فعل شيء يقتضي المنع من بعضه ~~بخلاف تعليق المشروط على الشرط، والله أعلم. ### | [فصل الكتابة الصحيحة] # القسم الثاني، صفة جمعت معاوضة، وصفة المغلب فيها حكم المعاوضة، وهي ~~الكتابة الصحيحة، فهي مساوية للصفة المحضة في العتق بوجودها، وأنه لا يجب ~~عليه قيمة نفسه، وأن الولاء لسيده، وتخالفها في أنه لو أبرأه السيد من ~~المال منه وعتق؛ لأن ذمته مشغولة به فبرئ منه بإبرائه، كثمن المبيع، ولا ~~ينفسخ ب # PageV10P336 # موت السيد، ولا بيع المكاتب، ولا هبته؛ لأنه عقد معاوضة لازم، أشبه ~~البيع، وما كسبه قبل الأداء فهو له، وما فضل في يده بعد الأداء فهو له، ~~وولد المكاتبة الذين ولدتهم في الكتابة يعتقون بعتقها. ### | [فصل الكتابة على مجهول] # القسم الثالث، صفة فيها معاوضة، والمغلب فيها حكم الصفة، وهي الكتابة ~~الفاسدة، نحو الكتابة على مجهول، ms5868 أو نجم واحد، أو مع إخلال شرط من شروط ~~الكتابة، فتساوى الصفة المحضة والكتابة في أنه لا يعتق بالأداء؛ لأنه عتق ~~معلق على شرط، ولا تلزمه قيمة نفسه، ولا يبطل بجنون المكاتب، ولا الحجر ~~عليه، لأن الحجر للرق لا يمنع صحة كتابته، فلا يقتضي حدوثه إبطالها. وإن ~~أدى حال جنونه، عتق؛ لأن الصفة وجدت. وقال أبو بكر: لا يعتق بذلك، ~~ويفارقهما في أن للسيد فسخها ورفعها؛ لأنها فاسدة، والفاسد يشرع رفعه ~~وإزالته، ويفارق الكتابة الصحيحة، في أنها تبطل بموت السيد، وجنونه والحجر ~~عليه لسفه؛ لأنه عقد جائز من جهته، فبطل بهذه الأمور كالوكالة والمضاربة، ~~وقد قال أحمد إذا وسوس فهو بمنزلة الموت. وهذا قول القاضي. # وقال أبو بكر: لا تبطل بشيء من ذلك؛ لأنه عقد كتابة، فلم يبطل بذلك، ~~كالصحيحة، وتفارق الصفة المحضة في أن كسب العبد قبل الأداء له، وما فضل في ~~يده بعد الأداء فهو له دون سيده، ويتبع المكاتبة ولدها، حملا لها على ~~الكتابة الصحيحة في أحد الوجهين فيهما. وفي الآخر، لا يستحق كسبه، ولا يتبع ~~المكاتبة ولدها؛ لأن العتق حصل بالصفة، لا بالكتابة. فأما الكتابة بمحرم؛ ~~كالخمر، والخنزير، فقال القاضي: هي كتابة فاسدة، حكمها حكم ما ذكرنا، ويعتق ~~فيها بالأداء. # وقال أبو بكر: لا يعتق فيها بالأداء. وهو ظاهر كلام أحمد، في رواية ~~الميموني، إذا كاتبه كتابة فاسدة، فأدى ما كوتب عليه، عتق ما لم تكن ~~الكتابة محرمة. وينبغي أن يقال: إن علق العتق على أداء المحرم، عتق به، كما ~~لو علق العتق على السرقة وشرب الخمر. وإن قال: كاتبتك على خمر. لم يعتق ~~بأدائه، كقول أبي بكر، والله أعلم. ### | [فصل قال لعبده أنت حر وعليك ألف] # (8642) فصل: وإذا قال لعبده: أنت حر، وعليك ألف. عتق، ولا شيء عليه؛ لأنه ~~أعتقه بغير شرط وجعل عليه عوضا لم يقبله، فيعتق، ولم يلزمه الألف. هكذا ذكر ~~المتأخرون من أصحابنا. ونقل جعفر بن محمد، قال: سمعت أبا عبد الله قيل له: ~~إذا قال: أنت حر وعليك ألف درهم. قال ms5869 جيد. قيل له: فإن لم يرض العبد؟ قال: ~~لا يعتق، إنما قاله له على أن يؤدي إليه ألف درهم، فإن لم يؤد، فلا شيء. ~~وإن قال: أنت حر على ألف. فكذلك. في إحدى الروايتين؛ لأن " على " ليست من ~~أدوات الشرط ولا البدل، فأشبه قوله: وعليك ألف. والثانية، إن قبل، العبد، ~~عتق، ولزمته الألف، وإن لم يقبل، لم يعتق. # وهذا قول مالك، والشافعي، # PageV10P337 # وأبي حنيفة؛ لأنه أعتقه بعوض، فلم يعتق بدون قبوله، كما لو قال: أنت حر ~~بألف. وهذه الرواية أصح؛ لأن " على " تستعمل للشرط والعوض، قال الله تعالى: ~~{قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا} [الكهف: 66] . وقال ~~تعالى {فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا} [الكهف: 94] . ولو ~~قال في النكاح: زوجتك ابنتي فلانة، على صداق خمسمائة درهم. فقال الآخر: ~~قبلت. صح النكاح، وثبت الصداق. وقال الفقهاء: إذا تزوجها على ألف لها، وألف ~~لأبيها، كان ذلك جائزا. فأما إذا قال: أعتقتك على أن تخدمني سنة. فقبل، ~~ففيها روايتان، كالتي قبلها. وقيل: إن لم يقبل العبد، لم يعتق. رواية ~~واحدة. فعلى هذا، إذا قبل العبد، عتق في الحال، ولزمته خدمته سنة. فإن مات ~~السيد قبل كمال السنة، رجع على العبد بقيمة ما بقي من الخدمة. وبهذا قال ~~الشافعي وقال أبو حنيفة: تقسط قيمة العبد على خدمة السنة، فيقسط منها بقدر ~~ما مضى، ويرجع عليه بما بقي من قيمته. # ولنا أن العتق عقد لا يلحقه الفسخ، فإذا تعذر فيه استيفاء العوض، رجع إلى ~~قيمته، كالخلع في النكاح، والصلح في دم العمد. وإن قال: أنت حر، على أن ~~تعطيني ألفا. فالصحيح أنه لا يعتق حتى يقبل، فإذا قبل، عتق، ولزمه الألف. ~~وإن قال: أنت حر بألف. لم يعتق حتى يقبل، فيعتق، ويلزمه ألف. ### | [فصل علق عتق أمته بصفة وهي حامل] # (8643) فصل: وإذا علق عتق أمته بصفة، وهي حامل، تبعها ولدها في ذلك؛ لأنه ~~كعضو من أعضائها، فإن وضعته قبل وجود الصفة، ثم وجدت الصفة، عتق؛ لأنه تابع ms5870 ~~في الصفة، فأشبه ما لو كان في الصفة فأشبه ما لو كان في البطن. وإن كانت ~~حائلا حين التعليق، ثم وجدت الصفة وهي حامل، عتقت هي وحملها؛ لأن العتق وجد ~~فيها وهي حامل، فتبعها ولدها، كالمنجز. وإن حملت بعد التعليق، وولدت قبل ~~وجود الصفة، ثم وجدت بعد ذلك، لم يعتق الولد؛ لأن الصفة لم تتعلق به لا في ~~حال التعليق، ولا في حال العتق. وفيه وجه آخر، أنه يتبعها في العتق، قياسا ~~على ولد المدبرة. # وإن بطلت الصفة ببيع أو موت، لم يعتق الولد؛ لأنه إنما يبيعها في العتق، ~~لا في الصفة، فإذا لم توجد فيها، لم يوجد فيه، بخلاف ولد المدبرة؛ فإنه ~~تبعها في التدبير فإذا بطل فيها، بقي فيه. ### | [مسألة أسلمت أم ولد النصراني] # (8644) مسألة: قال: (وإذا أسلمت أم ولد النصراني، منع من غشيانها، ~~والتلذذ بها، وأجبر على نفقتها، فإن أسلم، حلت له وإذا مات عتقت) هذه ~~المسألة يؤخر شرحها إلى باب عتق أمهات الأولاد؛ فإنه أليق بها. # PageV10P338 ### | [مسألة قال لأمته أول ولد تلدينه فهو حر فولدت اثنين] # (8645) مسألة: قال: (وإذا قال لأمته: أول ولد تلدينه، فهو حر. فولدت ~~اثنين، أقرع بينهما، فمن أصابته القرعة، فهو حر إذا أشكل أولهما خروجا) ~~إنما كان كذلك؛ لأن أحدهما استحق العتق، ولم يعلم بعينه، فوجب إخراجه ~~بالقرعة، كما لو قال لعبيده: كذلك أحدكم حر. وقد سبق القول في هذه المسألة. ~~فأما إن علم أولهما خروجا، فهو الحر وحده. وهذا قول مالك والثوري، وأبي ~~هاشم، والشافعي، وابن المنذر وقال الحسن، والشعبي وقتادة: إذا ولدت ولدين ~~في بطن، فهما حران. ولنا أنه إنما أعتق الأول، والذي خرج أولا هو أول ~~المولودين فاختص العتق به كما لو ولدتهما في بطنين. # (8646) فصل: فإن ولدت الأول ميتا، والثاني حيا، فذكر الشريف أنه يعتق ~~الحي منهما. وبه قال أبو حنيفة وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي: لا يعتق ~~واحد منهما. وهو الصحيح، إن شاء الله تعالى؛ لأن شرط العتق إنما وجد في ~~الميت، وليس بمحل للعتق، فانحلت اليمين ms5871 به، وإنما قلنا: إن شرط العتق إنما ~~وجد فيه؛ لأنه أول ولد، بدليل أنه لو قال لأمته: إذا ولدت ولدا، فأنت حرة. ~~فولدت ولدا ميتا، عتقت. ووجه الأول، أن العتق يستحيل في الميت، فتعلقت ~~اليمين بالحي، كما لو قال: إن ضربت فلانا، فعبدي حر. فضربه حيا، عتق، وإن ~~ضربه ميتا، لم يعتق. ولأنه معلوم من طريق العادة، أنه قصد عقد يمينه على ~~ولد يصح العتق فيه، وهو أن يكون حيا، فتصير الحياة مشروطة فيه، فكأنه قال ~~أول ولد تلدينه حيا فهو حر. ### | [فصل قال لأمته كل ولد تلدينه فهو حر] # . (8647) فصل: وإن قال لأمته: كل ولد تلدينه، فهو حر. عتق كل ولد ولدته. ~~في قول جمهور العلماء منهم مالك والشافعي، والأوزاعي، والليث، والثوري قال ~~ابن المنذر ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم. فإن باع الأمة، ثم ولدت، لم يعتق ~~ولدها؛ لأنها ولدتهم بعد زوال ملكه. ### | [فصل قال أول غلام أملكه فهو حر] # فصل: فإن قال: أول غلام أملكه، فهو حر. انبنى ذلك على العتق قبل الملك، ~~وفيه روايتان؛ فإن قلنا يصح عتق أول من يملكه. فإن ملك اثنين، عتق أحدهما ~~بالقرعة، في قياس قول أحمد؛ فإنه قال، في رواية مهنا: إذا قال: أول من يطلع ~~من عبيدي، فهو حر. فطلع اثنان، أو جميعهم، فإنه يقرع بينهم. ويحتمل أن # PageV10P339 # يعتقا جميعا؛ لأن الأولية وجدت فيهما جميعا، فتثبت الحرية فيهما، كما لو ~~قال في المسابقة: من سبق، فله عشرة. فسبق اثنان اشتركا في العشرة. وقال ~~النخعي: يعتق أيهما شاء. وقال أبو حنيفة: لا يعتق واحد منهما؛ لأنه لا أول ~~فيهما، لأن كل واحد منهما مساو للآخر، ومن شرط الأولية سبق الأول. # ولنا أن هذين لم يسبقهما غيرهما، فكانا أول، كالواحد، وليس من شرط أن ~~يأتي بعده ثان، بدليل ما لو ملك واحدا ولم يملك بعده شيئا، وإذا كانت الصفة ~~موجودة فيهما، فإما أن يعتقا جميعا، أو يعتق أحدهما، وتعينه القرعة، على ما ~~ذكرنا من قبل. وكذلك الحكم فيما إذا قال: أول ولد تلدينه، ms5872 فهو حر. فولدت ~~اثنين، وخرجا جميعا معا فالحكم فيهما كذلك. ### | [فصل قال آخر عبد أملكه فهو حر فملك عبيدا] # . (8649) فصل: وإن قال: آخر عبد أملكه، فهو حر. فملك عبيدا، لم يحكم بعتق ~~واحد منهم حتى يموت؛ لأنهما حيا، فهو يحتمل أن يملك عبدا يكون هو الآخر، ~~فإذا مات، عتق آخرهم وتبينا أنه كان حرا حين ملكه، فيكون إكسابه له. وإن ~~كانت أمة كان أولادها أحرارا من حين ولدتهم؛ لأنهم أولاد حرة. وإن كان ~~وطئها، فعليه مهرها؛ لأنه وطئ حرة أجنبية، ولا يحل له أن يطأها حين ملكها، ~~حتى يملك بعدها غيرها؛ لأنهما يملك بعدها غيرها، فهي آخر في الحال، وإنما ~~يزول ذلك بملك غيرها، فوجب أن يحرم الوطء. وإن ملك اثنين، دفعة واحدة ثم ~~مات، فالحكم في عتقهما، كالحكم فيما إذا ملك اثنين في المسألة التي قبلها. ### | [مسألة قال العبد لرجل اشترني من سيدي بهذا المال فأعتقني ففعل] # . (8650) مسألة: قال (وإذا قال العبد لرجل اشترني من سيدي بهذا المال، ~~فأعتقني. ففعل، فقد صار حرا، وعلى المشتري أن يؤدي إلى البائع مثل الذي ~~اشتراه به، وولاؤه للذي اشتراه، إلا أن يكون قال له: بعني بهذا المال. ~~فيكون الشراء والعتق باطلا، ويكون السيد قد أخذ ماله) وجملته أن العبد إذا ~~دفع إلى أجنبي مالا، وقال: اشترني من سيدي بهذا الألف فأعتقني. ففعل لم يخل ~~من أن يشتريه بعين المال، أو في ذمته، ثم ينقد المال، فإن اشتراه في ذمته، ~~فأعتقه فالشراء صحيح والعتق جائز؛ لأنه ملكه بالشراء، فنفذ عتقه له، وعلى ~~المشتري أداء الثمن الذي اشتراه به؛ لأنه لزمه الثمن بالبيع، والذي دفعه ~~إلى السيد كان ملكا له، لا يحتسب له به من الثمن، فيبقى الثمن واجبا عليه، ~~يلزمه أداؤه، وكان العتق من ماله، والولاء له. وبهذا قال الشافعي، وابن ~~المنذر # وأما إن اشتراه بعين المال، فالشراء، باطل، والعتق غير واقع؛ لأنه اشترى ~~بعين مال غيره شيئا بغير إذنه، فلم يصح الشراء، ولم يقع العتق؛ لأنه أعتق ~~مملوك غيره بغير إذنه، ويكون ms5873 السيد قد أخذ ماله لأن ما في يد العبد محكوم ~~به لسيده. # PageV10P340 # وعلى الرواية التي تقول: إن النقود لا تتعين بالتعيين في العقود. يصح ~~البيع والعتق، ويكون الحكم كما لو اشتراه في ذمته. ونحو هذا قال النخعي، ~~وإسحاق، فإنهما قالا: الشراء والعتق جائزان، ويرد المشتري مثل الثمن من غير ~~تفريق. وقال الحسن البيع والعتق باطلان. وقال الشعبي: لا يجوز ذلك، ويعاقب ~~من فعله، من غير تفريق أيضا، وقد ذكرنا ما يقتضي التفريق، وفيه توسط بين ~~المذهبين فكان أولى، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل كان العبد بين شريكين فأعطى العبد أحدهما خمسين دينارا على أن يعتق نصيبه منه فأعتقه] # . (8651) فصل: ولو كان العبد بين شريكين، فأعطى العبد أحدهما خمسين ~~دينارا، على أن يعتق نصيبه منه، فأعتقه، عتق، وسرى إلى باقيه إن كان موسرا، ~~ورجع عليه شريكه بنصف الخمسين، وبنصف قيمة العبد؛ لأن ما في يد العبد يكون ~~بين سيديه، لا ينفرد به أحدهما، إلا أن نصيب المعتق ينفذ فيه العتق، وإن ~~كان العوض مستحقا، إذ لم يقع العتق على عينها، وإنما سمى خمسين ثم دفعها ~~إليه. وإن أوقع العتق على عينها، يجب أن يرجع على العبد بقيمة ما أعتقه ~~بالعوض المستحق، ويسري العتق إلى نصيب شريكه، فيرجع بقيمته ويكون الولاء ~~للمعتق. ### | [فصل وكل أحد الشريكين شريكه في عتق نصيبه فقال الوكيل نصيبي حر] # . (8652) فصل: ولو وكل أحد الشريكين شريكه في عتق نصيبه، فقال الوكيل: ~~نصيبي حر. عتق، وسرى إلى نصيب شريكه، يكون الولاء له. وإن أعتق نصيب ~~الموكل، عتق، وسرى إلى نصيبه، والولاء للموكل. وإن أعتق نصف العبد، ولم ينو ~~شيئا، احتمل أن ينصرف إلى نصيبه؛ لأنه لا يحتاج إلى نية، ونصيب شريكه يفتقر ~~إلى النية، ولم ينو ذلك. واحتمل أن ينصرف إلى نصيب شريكه؛ لأنه أمره ~~بالإعتاق، فانصرف إلى ما أمر به. ويحتمل أن ينصرف إليهما؛ لأنهما تساويا، ~~فانصرف إليهما، وأيهما حكمنا بالعتق عليه، ضمن نصيب شريكه. ويحتمل أن لا ~~يضمن؛ لأن الوكيل إن أعتق نصيبه، فسرى إلى نصيب شريكه، ms5874 لم يضمنه، لأنه ~~مأذون له في العتق، وقد أعتق بالسراية، فلم يضمن، كمن أذن له في إتلاف شيء، ~~فإنه لا يضمنه وإن أتلفه بالسراية. # وإذا أعتق نصيب شريكه، لم يلزم شريكه الضمان؛ لأنه مباشر لسبب الإتلاف، ~~فلم يجب له ضمان ما تلف به كما لو قال له أجنبي: أعتق عبدك. فأعتقه. والله ~~أعلم. # PageV10P341 ### | [كتاب التدبير] # ومعنى التدبير: تعليق عتق عبده بموته. والوفاة دبر الحياة، يقال: دابر ~~الرجل يدابر مدابرة، إذا مات، فسمي العتق بعد الموت تدبيرا؛ لأنه إعتاق في ~~دبر الحياة. والأصل فيه السنة والإجماع؛ أما السنة، فما روى جابر، «أن رجلا ~~أعتق مملوكا له عن دبر منه فاحتاج فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~من يشتريه مني؟ فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه ~~وقال أنت أحوج منه» متفق عليه. وأما الإجماع، فقال ابن المنذر: أجمع كل من ~~أحفظ عنه من أهل العلم، على أن من دبر عبده أو أمته، ولم يرجع عن ذلك حتى ~~مات، والمدبر يخرج من ثلث ماله، بعد قضاء دين إن كان عليه، وإنفاذ وصاياه ~~إن كان وصى، وكان السيد بالغا جائز الأمر، أن الحرية تجب له أو لها. ### | [مسألة قال لعبده أو أمته أنت مدبر أو قد دبرتك أو أنت حر بعد موتي] # (8653) مسألة: قال: (وإذا قال لعبده أو أمته: أنت مدبر، أو قد دبرتك، أو ~~أنت حر بعد موتي. فقد صار مدبرا) # PageV10P342 # وجملة ذلك أنه إذا علق صريح العتق بالموت، فقال أنت حر، أو محرر، أو عتيق ~~أو معتق، بعد موتي صار مدبرا. بلا خلاف نعلمه. فأما إن قال: أنت مدبر أو قد ~~دبرتك. فإنه يصير مدبرا بنفس اللفظ، من غير افتقار إلى نية. وهذا منصوص ~~الشافعي وقال بعض أصحابه: فيه قول آخر، أنه ليس بصريح في التدبير، ويفتقر ~~إلى النية؛ لأنهما لفظان لم يكثر استعمالهما، فافتقرا إلى النية، ~~كالكنايات. # ولنا أنهما لفظان وضعا لهذا العقد، فلم يفتقر إلى النية، كالبيع، ويفارق ~~الكنايات؛ فإنها غير موضوعة له، ويشاركها فيه ms5875 غيرها، فافتقرت إلى النية ~~للتعيين، ويرجح أحد المحتملين، بخلاف الموضوع. ### | [فصل يعتق المدبر بعد الموت من ثلث المال] # (8654) فصل: ويعتق المدبر بعد الموت من ثلث المال. في قول أكثر أهل ~~العلم، يروى ذلك عن علي، وابن عمر. وبه قال شريح، وابن سيرين، والحسن، ~~وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري، وقتادة، وحماد، ~~ومالك، وأهل المدينة والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. # وروي عن ابن مسعود، ومسروق، ومجاهد، والنخعي، وسعيد بن جبير، أنه يعتق من ~~رأس المال؛ لأنه عتق فينفذ من رأس المال، كالعتق في الصحة، وعتق أم الولد. ~~ولنا أنه تبرع بعد الموت، فكان من الثلث، كالوصية، ويفارق العتق في الصحة، ~~فإنه لم يتعلق به حق غير المعتق فينفذ في الجميع، كالهبة المنجزة. وقد نقل ~~حنبل عن أحمد، أنه يعتق من رأس المال. وليس عليها عمل، قال أبو بكر: هذا ~~قول قديم رجع عنه أحمد إلى ما نقله الجماعة. ### | [فصل اجتمع العتق في المرض والتدبير] # فصل: وإن اجتمع العتق في المرض والتدبير، قدم العتق؛ لأنه أسبق. وإن ~~اجتمع التدبير والوصية بالعتق، تساويا؛ لأنهما جميعا عتق بعد الموت. ويحتمل ~~أن يقدم التدبير؛ لأن الحرية تقع فيه عند الموت، والوصية تقف على الإعتاق ~~بعده. ### | [فصل أنواع التدبير] # . (8656) فصل: ويجوز التدبير مطلقا ومقيدا؛ فالمطلق تعليق العتق بالموت ~~من غير شرط آخر، كقوله: أنت حر بعد موتي. والمقيد ضربان؛ # PageV10P343 # أحدهما، خاص، نحو أن يقول: إن مت من مرضي هذا، أو سفري هذا، أو في بلدي ~~هذا، أو عامي هذا، فأنت حر، فهذا جائز على ما قال، إن مات على الصفة التي ~~شرطها عتق العبد، وإلا لم يعتق. وقال مهنا: سألت أحمد عن من قال لعبده: أنت ~~حر مدبر اليوم؟ قال: يكون مدبرا ذلك اليوم، فإن مات ذلك اليوم صار حرا. ~~يعني إذا مات المولى. # الضرب الثاني، أن يعلق التدبير على صفة، مثل أن يقول إن دخلت الدار، أو ~~إن قدم زيد أو إن شفى الله مريضي، فأنت حر مدبر، ms5876 أو فأنت حر بعد موتي. فهذا ~~لا يصير مدبرا في الحال؛ لأنه علق التدبير على شرط، فإذا وجد، صار مدبرا، ~~وعتق بموت سيده، وإن لم يوجد الشرط في حياة السيد، ووجد بعد موته، لم يعتق؛ ~~لأن إطلاق الشرط في حياة السيد يقتضي وجوده في الحياة، بدليل ما لو علق ~~عليه عتقا منجزا، فقال إذا دخلت الدار، فأنت حر. فدخلها بعد موته، لم يعتق، ~~وكما لو قال لوكيله: بع عبدي. فمات الموكل قبل بيعه، بطلت وكالته. ولأن ~~المدبر من علق عتقه بالموت، وهذا قبل الموت لم يكن مدبرا، وبعد الموت لا ~~يمكن حدوث التدبير. # وإن قال: إن دخلت الدار بعد موتي، فأنت حر. فذكر أبو الخطاب فيها ~~روايتين؛ إحداهما، لا يعتق. وهو قياس المنصوص عنه، في قوله: أنت حر بعد ~~موتي بيوم أو شهر. فإنه قال: لا يعتق؛ لأنه علق العتق بصفة توجد في ملك ~~غيره، فلم يعتق، كما لو قال: إن دخلت الدار بعد بيعي إياك، فأنت حر. ولأنه ~~إعتاق له بعد قرار ملك غيره عليه، فلم يعتق كالمنجز. والثانية، يعتق. وهو ~~الذي ذكره القاضي. وهو مذهب؛ الشافعي؛ لأنه صرح بذلك، فحمل عليه كما لو وصى ~~بإعتاقه، وكما لو وصى ببيع سلعة ويتصدق بثمنها، ويفارق التصرف بعد البيع؛ ~~فإن الله تعالى جعل للإنسان التصرف بعد موته في ثلثه، بخلاف ما بعد البيع. ~~والأول أصح، إن شاء الله تعالى. ويفارق الوصية بالعتق وبيع السلعة؛ لأن ~~الملك لا يستقر للورثة فيه، ولا يملكون التصرف فيه، بخلاف مسألتنا. # وقولهم: حصل له التصرف في ثلثه. قلنا: إنما يتصرف فيه تصرفا يثبت عقيب ~~موته، ويمنع انتقاله إلى الوارث، وإن ثبت للوارث، فهو ثبوت غير مستقر، وقد ~~قيل: يكون مراعى، فإذا قبل الموصى له، تبينا أن الملك كان له من حين الموت. ~~وإن لم يقبل، تبينا أنه كان للوارث. فعلى قولنا: لا يعتق بالدخول بعد ~~الموت. للوارث التصرف فيه كيف شاء، ومن صحح هذا الشرط، احتمل # PageV10P344 # أن يمنع الوارث من التصرف في رقبته؛ لأنه يستحق العتق، ms5877 فأشبه الموصى ~~بعتقه. واحتمل أن لا يمنعه؛ لأنه علق عتقه على صفة غير الموت، فلم يمنع من ~~التصرف فيه، كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار، فأنت حر. فأما كسبه قبل ~~عتقه، فهو للوارث؛ لأن الملك فيه مستقر قبل وجود الشرط كما لو كان الوارث ~~هو الذي علق عتقه. ### | [فصل قال أنت حر بعد موتي بشهر] # (8657) فصل: فإن قال: أنت حر بعد موتي بشهر، أو قال: بيوم. فقال أحمد، في ~~رواية مهنا: لا يعتق، ولا تصح هذه الصفة. وقال أيضا: سألت أحمد، عن رجل قال ~~لعبده: أنت حر بعد موتي بشهر، بألف درهم. فقال: هذا كله لا يكون شيئا بعد ~~موته. وهذا اختيار أبي بكر وذكر القاضيان ابن أبي موسى وأبو يعلى فيها ~~رواية أخرى، أنه يعتق إذا وجدت الصفتان؛ الموت ومضي المدة المذكورة. وبهذا ~~قال الثوري، وأبو يوسف، وإسحاق ووجه الروايتين ما تقدم. وقال أصحاب الرأي: ~~لا يعتق حتى يعتقه الوارث. وعلى قول من قال: يعتق. يكون قبل الموت ملكا ~~للوارث، وكسبه له كأم الولد، والمدبر في حياة السيد. وإن كان أمة، فولدت ~~قبل وجود الصفة، فولدها يتبعها في التدبير، ويعتق بوجود الصفة، كما تعتق ~~هي. ### | [فصل قال لعبده إذا قرأت القرآن فأنت حر بعد موتي فقرأ القرآن جميعه] # . (8658) فصل: إذا قال لعبده: إذا قرأت القرآن، فأنت حر بعد موتي. فقرأ ~~القرآن جميعه، صار مدبرا، وإن قرأ بعضه، لم يصر مدبرا. وإن قال إذا قرأت ~~قرآنا، فأنت حر بعد موتي فقرأ بعض القرآن، صار مدبرا؛ لأنه في الأولى عرفه ~~بالألف واللام المقتضية للاستغراق، فعاد إلى جميعه، وها هنا نكره، فاقتضى ~~بعضه. فإن قيل: فقد قال الله تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم} [النحل: 98] . وقال: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} [الإسراء: 45] ولم يرد جميعه. قلنا ~~قضية اللفظ تتناول جميعه؛ لأن الألف واللام للاستغراق، وإنما حمل على بعضه ~~بدليل، فلا يحمل على البعض في غير ذلك الموضع بغير دليل، ولأن قرينة ms5878 الحال ~~تقتضي قراءة جميعه؛ لأن الظاهر أنه أراد ترغيبه في قراءة القرآن، بتعليق ~~الحرية به، ومجازاته على قراءته بالحرية، والظاهر أنه لا يجازي بهذا الأمر ~~الكثير، ولا يرغب به، إلا فيما يشق، أما قراءته آية أو آيتين فلا. # PageV10P345 ### | [فصل قال لعبده إن شئت فأنت حر بعد موتي] # . (8659) فصل: فإن قال لعبده: إن شئت، فأنت حر بعد موتي. أو إذا شئت، أو ~~متى شئت، أو أي وقت شئت، فأنت حر بعد موتي. فهو تدبير بصفة، فمتى شاء في ~~حياة سيده، صار مدبرا، يعتق بموت سيده، كما لو قال: إن دخلت الدار، فأنت حر ~~بعد موتي. فدخلها في حياته. وإن مات السيد قبل مشيئته، بطلت الصفة، كما لو ~~مات في المسألة الأخرى قبل دخول. الدار. وإن قال: متى شئت بعد موتي، فأنت ~~حر، أو أي وقت شئت بعد موتي، فأنت حر. فهذا تعليق للعتق على صفة بعد الموت، ~~وقد ذكرنا أنه لا يصح، وأن قول القاضي صحته، فعلى قوله، يكون ذلك على ~~التراخي، فمتى شاء بعد موت سيده، عتق، وما كان له من كسب قبل مشيئته، فهو ~~لورثة سيده؛ لأنه عبد قبل ذلك بخلاف الموصى به، فإن في كسبه قبل القبول ~~وجهين: أحدهما، أنه يكون للموصى له؛ لأننا تبينا أنه ملكه من حين الموت، ~~وها هنا لا يثبت الملك قبل المشيئة وجها واحدا؛ لأنه عتق معلق على شرط، فلا ~~يثبت العتق قبل الشرط، وجها واحدا. # وذكر القاضي في قوله: إذا شئت، أو إن شئت، فأنت حر بعد موتي، أنه على ~~الفور، فإن شاء في المجلس صار مدبرا، وإن تراخت المشيئة عن المجلس، بطلت، ~~ولم يصر مدبرا بالمشيئة بعده، بناء على قوله: اختاري نفسك. فإن الاختيار ~~يقف على المجلس، وهذا في معناه. وإن قال: إن شئت بعد موتي، أو إذا شئت بعد ~~موتي، فأنت حر. كان على الفور أيضا، فمتى شاء عقيب موت سيده، أو في المجلس، ~~صار حرا، وإن تراخت مشيئته عن المجلس، لم تثبت فيه حرية. وقد ذكر في ~~الطلاق، أنه ms5879 إذا قال: أنت طالق، إن شئت، وشاء أبوك. فشاءا معا. وقع الطلاق، ~~سواء شاءا على الفور أو التراخي، أو شاء أحدهما على الفور، والآخر على ~~التراخي، وهذا مثله، فيخرج في كل مسألة مثل ما ذكر في الأخرى. ### | [فصل قال لعبده إذا مت فأنت حر أو لا] # (8660) فصل: إذا قال لعبده: إذا مت، فأنت حر، أو لا. أو قال: فأنت حر، أو ~~لست بحر لم يصر مدبرا؛ لأنه استفهام، ولم يقطع بالعتق، فأشبه ما لو قال ~~لزوجته: أنت طالق، أو لا. وقد ذكرنا ذلك في الطلاق. ### | [فصل دبر أحد الشريكين نصيبه] # (8661) فصل: وإذا دبر أحد الشريكين نصيبه، لم يسر التدبير إلى نصيب ~~شريكه، موسرا كان أو معسرا. وذكر أبو الخطاب وجها، أنه يسري تدبيره إذا كان ~~موسرا، ويقوم عليه نصيب شريكه. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه استحق العتق بموت ~~سيده، فسرى ذلك فيه، كالاستيلاد. وللشافعي قولان كالمذهبين. # PageV10P346 # ولنا، أنه تعليق للعتق بصفة، فلم يسر، كتعليقه بدخول الدار. ويفارق ~~الاستيلاد؛ فإنه آكد، ولهذا يعتق من جميع المال. # ولو قتلت سيدها، لم يبطل حكم استيلادها، ولا يجوز بيعها، والمدبر بخلاف ~~ذلك. فعلى هذا، إن مات المدبر، عتق نصيبه إن خرج من الثلث. وهل يسري إلى ~~نصيب شريكه، إن كان موسرا؟ فيه روايتان، ذكرهما الخرقي في غير هذا الموضع. ~~وإن أعتق الشريك نصيبه قبل موت المدبر، وهو موسر، عتق، وسرى إلى نصيب ~~المدبر. وذكر القاضي، وأبو الخطاب، فيها وجهين. وللشافعي فيها قولان، ~~أحدهما كقولنا. والثاني، لا يسري عتقه، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن المدبر قد ~~استحق الولاء على العبد بموته، فلم يكن للآخر إبطاله. # ولنا، قوله - عليه السلام -: «من أعتق شركا له في عبد، فكان له ما يبلغ ~~قيمة العبد، قوم عليه قيمة العدل، وأعطي شركاؤه حصصهم، وإلا فقد عتق منه ما ~~عتق» . ولأنه إذا سرى إلى إبطال الملك، الذي هو آكد من الولاء، فالولاء ~~أولى، وما ذكروه لا أصل له، ويبطل بما إذا علق عتق نصيبه بصفة. ### | [فصل إن دبر كل واحد من ms5880 الشريكين نصيبه فمات أحدهما] # (8662) فصل: وإن دبر كل واحد منهما نصيبه، فمات أحدهما، عتق نصيبه، وبقي ~~نصيب الآخر على التدبير، إن لم يف ثلثه بقيمة حصة شريكه، وإن كان يفي به، ~~فهل يسري العتق إليه. على روايتين. وإن قال كل واحد منهما: إذا متنا، فأنت ~~حر. فقال أبو بكر: قال أحمد: إذا مات أحدهما، فنصيبه حر. وظاهر هذا أن أحمد ~~جعل هذا اللفظ تدبيرا من كل واحد منهما لنصيبه، ومعناه إذا مات كل واحد ~~منا، فنصيبه حر؛ فإنه قابل الجملة بالجملة، فيصرف إلى مقابلة البعض، كقوله: ~~ركب الناس دوابهم، ولبسوا ثيابهم، وأخذوا رماحهم. يريد لبس كل إنسان ثوبه، ~~وركب دابته وأخذ رمحه. وكذلك إن قال: أعتقوا عبيدهم. كان معناه، أعتق كل ~~واحد عبده وقال القاضي: هذا تعليق للحرية بموتهما جميعا، وإنما قال أحمد: ~~يعتق نصيبه؛ بناء على أن وجود بعض الصفة يقوم مقام جميعها. ولا يصح هذا؛ ~~لأنه لو كانت هذه العلة، لعتق العبد كله، لوجود بعض صفة كل واحد منهما، ~~ولأننا قد أبطلنا هذا القول بما ذكرنا من قبل، ومقتضى قول القاضي أن لا ~~يعتق شيء منه قبل موتهما جميعا. # PageV10P347 # وإن قال كل واحد منهما: أردت أن العبد حر بعد آخرنا موتا. انبنى هذا على ~~تعليق الحرية على صفة توجد بعد الموت، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك؛ فإن قلنا ~~بجواز ذلك، عتق بعد موت الآخر منهما، عليهما جميعا، وإن قلنا: لا يصح ذلك، ~~عتق نصيب الآخر منهما بالتدبير. وفي سرايته إلى باقيه، إن كان ثلثه يحتمل ~~ذلك، روايتان. وإن قال كل واحد منهما: إذا مت قبل شريكي، فنصيبي له، فإذا ~~مات فهو حر، وإن مت بعده، فنصيبي حر. فقد وصى كل واحد منهما للآخر، فإذا ~~مات أحدهما، صار العبد كله للآخر، فإذا مات عتق كله عليه، وصار ولاؤه كله ~~له، إن قلنا: لا يصح تعليق العتق على صفة بعد الموت. وإن قلنا: يصح. عتق ~~عليهما، وولاؤه بينهما. ### | [مسألة بيع المدبر في الدين] # (8663) مسألة؛ قال: (وله بيعه في الدين) ظاهر ms5881 كلام الخرقي، أنه لا يباع ~~في الدين. وقد أومأ إليه أحمد. وقال مالك: لا يباع إلا في دين يغلب رقبة ~~العبد، فإذا كان العبد يساوي ألفا، فكان عليه خمسمائة، لم يبع العبد. وروي ~~عن أحمد، أنه قال: أنا أرى بيع المدبر في الدين، وإذا كان فقيرا لا يملك ~~شيئا، رأيت أن أبيعه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد باع المدبر، لما ~~علم أن صاحبه لا يملك شيئا غيره، باعه النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~علم حاجته. وهذا قول إسحاق، وأبي أيوب وأبي خيثمة، وقالا: إن باعه من غير ~~حاجة، أجزناه. ونقل جماعة عن أحمد، جواز بيع المدبر مطلقا؛ في الدين وغيره، ~~مع الحاجة وعدمها. قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن بيع المدبر، إذا كان ~~بالرجل حاجة إلى ثمنه، قال: له أن يبيعه، محتاجا كان إلى ذلك أو غير محتاج. ~~وهذا هو الصحيح. # وروي مثل هذا عن عائشة، وعمر بن عبد العزيز، وطاوس، ومجاهد. وهو قول ~~الشافعي. وكره بيعه ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وابن ~~سيرين، والزهري، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأصحاب الرأي ومالك؛ ~~لأن ابن عمر - رضي الله عنهما - روى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~لا يباع المدبر ولا يشترى» . ولأنه استحق العتق بموت سيده، أشبه أم الولد. # ولنا، ما روى جابر - رضي الله عنه - «أن رجلا أعتق مملوكا له عن دبر، ~~فاحتاج، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV10P348 # : من يشتريه مني. فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه ~~وقال: أنت أحوج منه» . متفق عليه. قال جابر: عبد قبطي، مات عام أول، في ~~إمارة ابن الزبير. # وقال أبو إسحاق الجوزجاني: صحت أحاديث بيع المدبر، باستقامة الطرق، ~~والخبر إذا ثبت استغني به عن غيره من رأي الناس. ولأنه عتق بصفة، ثبت بقول ~~المعتق، فلم يمنع البيع، كما لو قال: إن دخلت الدار، فأنت حر. ولأنه تبرع ~~بمال بعد الموت، فلم يمنع البيع في الحياة، كالوصية. قال أحمد: هم يقولون: ms5882 ~~من قال: غلامي حر رأس الشهر. فله بيعه قبل رأس الشهر، وإن قال: غدا. فله ~~بيعه اليوم. وإن قال: إذا مت. قال: لا يبيعه، فالموت أكثر من الأجل، ليس ~~هذا قياسا، إن جاز أن يبيعه قبل رأس الشهر، فله أن يبيعه قبل مجيء الموت، ~~وهم يقولون في من قال: إن مت من مرضي هذا، فعبدي حر. ثم لم يمت من مرضه ~~ذلك، فليس بشيء. وإن قال: إن مت، فهو حر. لا يباع. وهذا متناقض، إنما أصله ~~الوصية من الثلث، فله أن يغير وصيته ما دام حيا. فأما خبرهم، فلم يصح عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو من قول ابن عمر. # قال الطحاوي: هو عن ابن عمر، وليس بمسند عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. ويحتمل أنه أراد بعد الموت، أو على الاستحباب. أما أم الولد، فإن عتقها ~~يثبت بغير اختيار سيدها، وليس بتبرع، ويكون من جميع المال، ولا يمكن إبطاله ~~بحال، والتدبير بخلافه. ووجه قول الخرقي، إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما باع المدبر عند الحاجة، فلا يتجاوز به موضع الحاجة. ### | [مسألة بيع المدبرة في الدين] # (8664) مسألة قال: (ولا تباع المدبرة في الدين، إلا في إحدى الروايتين عن ~~أبي عبد الله، رحمه الله. والرواية الأخرى، الأمة كالعبد) لا نعلم هذا ~~التفريق بين المدبرة والمدبر عن غير إمامنا، - رحمه الله -، وإنما احتاط في ~~رواية المنع من بيعها؛ لأن فيه إباحة فرجها، وتسليط مشتريها على وطئها، مع ~~وقوع الخلاف في بيعها وحلها، فكره الإقدام على ذلك مع الاختلاف فيه، ~~والظاهر أن هذا المنع منه كان على سبيل الورع، لا على التحريم البات؛ فإنه ~~إنما قال: لا يعجبني بيعها. والصحيح جواز بيعها؛ فإن عائشة باعت مدبرة لها ~~سحرتها. ولأن المدبرة في معنى المدبر، فما ثبت فيه، ثبت فيها. ### | [مسألة دبر عبده ثم باعه ثم اشتراه] # (8665) مسألة: قال: (فإن اشتراه بعد ذلك، رجع في التدبير) وجملة ذلك، أن ~~السيد إذا دبر عبده، ثم باعه، ثم اشتراه، عاد تدبيره؛ لأنه علق عتقه ms5883 بصفة، ~~فإذا باعه ثم اشتراه، عادت الصفة. كما لو قال: أنت حر، إن دخلت الدار. ثم ~~باعه، ثم اشتراه. وذكر القاضي، أن # PageV10P349 # هذا مبني على أن التدبير تعليق بصفة. وفيه رواية أخرى، أنه وصية، فتبطل ~~بالبيع، ولا تعود؛ لأنه لو وصى بشيء ثم باعه، بطلت الوصية، ولم تعد بشرائه. ~~ومذهب الشافعي مثل هذا، إلا أن عود الصفة بعد الشراء له فيه قولان. والصحيح ~~ما قال الخرقي؛ لأن التدبير وجد فيه التعليق بصفة، فلا يزول حكم التعليق ~~بوجود معنى الوصية فيه، بل هو جامع للأمرين، وغير ممتنع وجود الحكم بسببين، ~~فيثبت حكمها فيه. ### | [مسألة دبره ثم قال قد رجعت في تدبيري] # مسألة: قال: (ولو دبره، ثم قال: قد رجعت في تدبيري، أو قد أبطلته. لم ~~يبطل؛ لأنه علق العتق بصفة. في إحدى الروايتين. والأخرى، يبطل التدبير) ~~اختلفت الرواية عن أحمد، - رحمه الله -، في بطلان التدبير بالرجوع فيه ~~قولا، فالصحيح أنه لا يبطل؛ لأنه علق العتق بصفة، فلا يبطل، كما لو قال ~~لعبده: إن دخلت الدار، فأنت حر، والثانية، يبطل؛ لأنه جعل له نفسه بعد ~~موته، فكان ذلك وصية، فجاز الرجوع فيه بالقول، كما لو وصى له بعبد آخر. ~~وهذا قول الشافعي القديم. وقوله الجديد كالرواية الأولى. وهو الصحيح؛ لأنه ~~تعليق للعتق بصفة. ولا يصح القول بأنه وصية به لنفسه؛ لأنه لا يملك نفسه، ~~وإنما تحصل فيه الحرية، ويسقط عنه الرق، ولهذا لا تقف الحرية على قبوله ولا ~~اختياره، وتتنجز عقيب الموت، كتنجزها عقيب سائر الشروط، ولأنه غير ممتنع أن ~~يجمع الأمرين، فثبت فيه حكم التعليق في امتناع الرجوع، ويجتمعان في حصول ~~العتق بالموت. ### | [فصل قال السيد لمدبره إذا أديت إلى ورثتي كذا فأنت حر] # (8667) فصل: إذا قال السيد لمدبره: إذا أديت إلى ورثتي كذا، فأنت حر. فهو ~~رجوع عن التدبير وينبني على الروايتين، إن قلنا: له الرجوع بالقول، فظاهره ~~أنه بطل التدبير هاهنا. وإن قلنا: ليس له الرجوع. لم يؤثر القول شيئا. # وإن دبره كله، ثم رجع في نصفه، صح، إذا ms5884 قلنا: له الرجوع في جميعه؛ لأنه ~~لما صح أن يدبر نصفه ابتداء، صح أن يرجع في تدبير نصفه، وإن غير التدبير. ~~فكان مطلقا، فجعله مقيدا، صار مقيدا، إن قلنا بصحة الرجوع في التدبير، وإلا ~~فلا، وإن كان مقيدا، فأطلقه، صح، على كل حال؛ لأنه زيادة، فلا يمنع منها. # وإذا دبر الأخرس، وكانت إشارته أو كتابته معلومة، صح تدبيره. ويصح رجوعه، ~~إن قلنا بصحة الرجوع في التدبير؛ لأن إشارته وكتابته تقوم مقام نطق الناطق ~~في أحكامه. وإن دبر، وهو ناطق، ثم صار أخرس، صح رجوعه بإشارته المعلومة أو ~~كتابته. وإن لم تفهم إشارته، فلا عبرة بها؛ لأنه لا يعلم رجوعه. ### | [فصل رهن المدبر] # (8668) فصل: وإذا رهن المدبر، لم يبطل تدبيره؛ لأنه تعليق للعتق بصفة، ~~فإن مات السيد، وهو رهن، عتق، وأخذ من # PageV10P350 # تركة سيده قيمته، فتكون رهنا مكانه؛ لأن عتقه بسبب من جهة سيده، فأشبه ما ~~لو باشره بالعتق ناجزا. ### | [فصل ارتد المدبر ولحق بدار الحرب] # (8669) فصل: وإن ارتد المدبر، ولحق بدار الحرب، لم يبطل تدبيره؛ لأن ملك ~~سيده باق عليه، ويصح تصرفه فيه بالعتق والهبة والبيع، إن كان مقدورا عليه، ~~فإن سباه المسلمون، لم يملكوه؛ لأنه مملوك لمعصوم، ويرد إلى سيده، إن علم ~~به قبل قسمه، ويستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، وإن لم يعلم به حتى قسم، لم يرد ~~إلى سيده. في إحدى الروايتين. والأخرى إن اختار سيده أخذه بالثمن الذي حسب ~~به على آخذه، أخذه، وإن لم يختر أخذه، بطل تدبيره. ومتى عاد إلى سيده بوجه ~~من الوجوه، عاد تدبيره، وإن لم يعد إلى سيده، بطل تدبيره، كما لو بيع، وكان ~~رقيقا لمن هو في يده. # وإن مات سيده قبل سبيه، عتق، فإن سبي بعد هذا، لم يرد إلى ورثة سيده؛ لأن ~~ملكه زال عنه بحريته، فصار كأحرار دار الحرب، ولكن يستتاب، فإن تاب وأسلم، ~~صار رقيقا، يقسم بين الغانمين، وإن لم يتب، قتل، ولم يجز استرقاقه؛ لأنه لا ~~يجوز إقراره على كفره. وقال القاضي: لا يجوز استرقاقه إذا ms5885 أسلم. وهو قول ~~الشافعي؛ لأن في استرقاقه إبطال ولاء المسلم الذي أعتقه. # ولنا، أن هذا لا يمنع قتله، وإذهاب نفسه وولائه، فلأن لا يمنع تملكه ~~أولى، ولأن المملوك الذي لم يعتقه سيده، يثبت الملك فيه للغانمين إذا لم ~~يعرف مالكه بعينه، ويثبت فيه إذا قسم قبل العلم بمالكه، والملك آكد من ~~الولاء، فلأن يثبت مع الولاء وحده أولى. فعلى هذا، لو كان المدبر ذميا، ~~فلحق بدار الحرب، ثم مات سيده، أو أعتقه، ثم قدر عليه المسلمون فسبوه، ~~ملكوه، وقسموه. # وعلى قول القاضي، ومذهب الشافعي، لا يملكونه، فإن كان سيده ذميا، جاز ~~استرقاقه في قول القاضي. ولأصحاب الشافعي في استرقاقه وجهان: أحدهما، يجوز. ~~وهذا حجة عليهم؛ لأن عصمة مال الذمي، كعصمة مال المسلم، بدليل قطع سارقه، ~~سواء كان مسلما أو ذميا، ووجوب ضمانه، وتحريم تملك ماله، إذا أخذه الكفار، ~~ثم قدر عليه المسلمون، فأدركه صاحبه قبل القسمة. قال القاضي: الفرق بينهما، ~~أن سيده هاهنا لو لحق بدار الحرب، جاز تملكه، فجاز تملك عتقه، بخلاف ~~المسلم. قلنا: إنما جاز استرقاق سيده، لزوال عصمته، وذهاب عاصمه، وهو ذمته ~~وعهده، وأما إذا ارتد مدبره، # PageV10P351 # فإن عصمة ولائه ثابتة بعصمة من له ولاؤه، وهو والمسلم في ذلك سواء، فإذا ~~جاز إبطال ولاء أحدهما، جاز في الآخر مثله. ### | [فصل ارتد سيد المدبر] # (8670) فصل: فإن ارتد سيد المدبر، فذكر القاضي، أن المذهب أنه يكون ~~موقوفا، فإن عاد إلى الإسلام، فالتدبير باق بحاله؛ لأنا تبينا أن ملكه لم ~~يزل، وإن قتل أو مات على ردته، لم يعتق المدبر؛ لأنا تبينا أن ملكه زال ~~بردته. وقال أبو بكر: قياس قول أبي عبد الله، إن تدبيره يبطل بالردة، فإن ~~عاد إلى الإسلام، استأنف التدبير. وقال الشافعي: التدبير باق ويعتق بموت ~~سيده؛ لأن تدبيره سبق ردته، فهو كبيعه وهبته قبل ارتداده. وهذا ينبني على ~~القول في مال المرتد، هل هو باق على ملكه، أو قد زال بردته. وقد ذكر في باب ~~المرتد. # فأما إن دبر في حال ردته، فتدبيره مراعى، فإن ms5886 عاد إلى الإسلام، تبينا أن ~~تدبيره وقع صحيحا، وإن قتل أو مات على ردته، تبينا أنه وقع باطلا، ولم يعتق ~~المدبر. وقال ابن أبي موسى: تدبيره باطل. وهذا قول أبي بكر لأن الملك عنده ~~يزول بالردة، وإذا أسلم رد إليه تملكا مستأنفا. ### | [مسألة ما ولدت المدبرة بعد تدبيرها] # (8671) مسألة: قال: (وما ولدت المدبرة بعد تدبيرها، فولدها بمنزلتها) ~~وجملته أن الولد الحادث من المدبرة بعد تدبيرها، لا يخلو من حالين؛ أحدهما، ~~أن يكون موجودا حال تدبيرها، ويعلم ذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من ~~حين التدبير، فهذا يدخل معها في التدبير. بلا خلاف نعلمه؛ لأنه بمنزلة عضو ~~من أعضائها. فإن بطل التدبير في الأم؛ لبيع أو موت، أو رجوع بالقول، لم ~~يبطل في الولد؛ لأنه ثبت فيه أصلا. الحال الثاني، أن تحمل به بعد التدبير، ~~فهذا يتبع أمه في التدبير، ويكون حكمه كحكمها في العتق بموت سيدها. في قول ~~أكثر أهل العلم، روي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر. وبه قال سعيد بن المسيب، ~~والحسن، والقاسم، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ~~ومالك، والثوري، والحسن بن صالح، وأصحاب الرأي. # وذكر القاضي، أن حنبلا نقل عن أحمد، أن ولد المدبرة عبد، إذا لم يشرط ~~المولى. قال: فظاهر هذا أنه لا يتبعها، ولا يعتق بموت سيدها. وهذا قول جابر ~~بن زيد، وعطاء. وللشافعي قولان، كالمذهبين؛ أحدهما، يتبعها. وهو اختيار ~~المزني؛ لأن عتقها معلق بصفة، تثبت بقول المعتق وحده، فأشبهت من # PageV10P352 # علق عتقها بدخول الدار. قال جابر بن زيد: إنما هو بمنزلة الحائط تصدقت به ~~إذا مت، فإن ثمرته لك ما عشت. ولأن التدبير وصية، وولد الموصى بها قبل ~~الموت لسيدها. # ولنا، ما روي عن عمر، وابن عمر، وجابر، أنهم قالوا: ولد المدبرة ~~بمنزلتها. ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفا، فكان إجماعا، ولأن الأم استحقت ~~الحرية بموت سيدها، فيتبعها ولدها، كأم الولد، ويفارق التعليق بصفة في ~~الحياة، والوصية، من جهة أن التدبير آكد من كل واحد منهما؛ لأنه اجتمع فيه ms5887 ~~الأمران، وما وجد فيه سببان آكد مما وجد فيه أحدهما، وكذلك لا تبطل بالموت، ~~ولا بالرجوع عنه. فعلى هذا، إن بطل التدبير في الأم لمعنى اختص بها؛ من ~~بيع، أو موت، أو رجوع، لم يبطل في ولدها، ويعتق بموت سيدها، كما لو كانت ~~أمه باقية على التدبير، فإن لم يتسع الثلث لهما جميعا، أقرع بينهما، فأيهما ~~وقعت القرعة عليه، عتق إن احتمله الثلث، وإلا عتق منه بقدر الثلث. # وإن فضل من الثلث بعد عتقه شيء، كمل من الآخر، كما لو دبر عبدا وأمة معا. ~~وأما الولد الذي وجد قبل التدبير، فلا نعلم خلافا في أنه لا يتبعها؛ لأنه ~~لا يتبع في العتق المنجز، ولا في حكم الاستيلاد، ولا في الكتابة، فلأن لا ~~يتبع في التدبير أولى. قال الميموني: قلت لأحمد: ما كان من ولد المدبرة قبل ~~أن تدبر، يتبعها. قال: لا يتبعها من ولدها ما كان قبل ذلك، إنما يتبعها ما ~~كان بعدما دبرت. # وقال حنبل: سمعت عمي يقول في الرجل يدبر الجارية ولها ولد، قال: ولدها ~~معها، وجعل أبو الخطاب هذه رواية، في أن ولدها قبل التدبير يتبعها. وهذا ~~بعيد، والظاهر أن أحمد لم يرد أن ولدها قبل التدبير معها، وإنما أراد ولدها ~~بعد التدبير، على ما صرح به في غير هذه الرواية؛ فإن ولدها الموجود لا ~~يتبعها في عتق، ولا كتابة، ولا استيلاد، ولا بيع، ولا هبة، ولا رهن، ولا ~~شيء من الأسباب الناقلة للملك في الرقبة. ### | [فصل علق عتق أمته بصفة] # (8672) فصل: فإن علق عتق أمته بصفة، نظرنا؛ فإن كانت حاملا حين التعليق، ~~تبعها فيه؛ لأنه كعضو من أعضائها، وإن كانت حاملا حين وجود الصفة، عتق معها ~~لذلك. وإن حملت بعد التعليق، وولدت قبل وجود الصفة، لم يتبعها في الصفة، ~~ولم يعتق بوجودها. وفيه وجه آخر، أنه يعتق بها، ويتبع أمه في ذلك. ولأصحاب ~~الشافعي وجهان، كهذين. ووجه إتباعه إياها، أنها استحقت الحرية، فتبعها ~~ولدها، كالمدبرة. # ولنا، أنه يملكها ملكا كاملا، ويباح له التصرف في رقبتها بأنواع ms5888 ~~التصرفات، بغير خلاف، فلم يعتق # PageV10P353 # ولدها بعتقها، كالموصى بعتقها، أو الموكل فيه، وتفارق المدبرة؛ فإن ~~التدبير آكد؛ لما ذكرنا، ولهذا اختلف في جواز بيعها والتصرف فيها. ### | [فصل حكم ولد المدبر] # (8673) فصل: فأما ولد المدبر، فحكمه حكم أمه. لا نعلم فيه خلافا. وهذا ~~قول ابن عمر، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، والليث؛ وذلك لأن الولد يتبع الأم ~~في الرق والحرية. وإن تسرى بإذن سيده، فولد له أولاد، فروي عن أحمد، أنهم ~~يتبعونه في التدبير. وروي ذلك عن مالك. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ ~~لأن إباحة التسري تنبني على ثبوت الملك، وولد الحر من أمته يتبعه في الحرية ~~دونها، كذلك ولد المدبر من أمته يتبعه دونها، ولأنه ولد من يستحق الحرية من ~~أمته، فيتبعه في ذلك، كولد المكاتب من أمته. ### | [فصل ولدت المدبرة فرجع في تدبيرها] # (8674) فصل: وإذا ولدت المدبرة، فرجع في تدبيرها، وقلنا بصحة الرجوع، لم ~~يتبعها ولدها؛ لأن الولد المنفصل لا يتبع في الحرية ولا في التدبير، ففي ~~الرجوع أولى. وإن رجع في تدبيره وحده، جاز؛ لأنه إذا جاز الرجوع في الأم ~~المباشرة بالتدبير، ففي غيرها أولى. وإن رجع في تدبيرها، جاز، كما لو دبرها ~~وابنها المنفصل. وإن دبرها حاملا، ثم رجع في تدبيرها حال حملها، لم يتبعها ~~الولد في الرجوع؛ لأن التدبير إعتاق، والإعتاق مبني على التغليب والسراية، ~~والرجوع عنه بعكس ذلك، فلم يتبع الولد فيه. وهذا كما لو ولد له توأمان، ~~فأقر بأحدهما، لزماه جميعا، وإن نفى أحدهما، لم ينتف الآخر، وإن رجع فيهما ~~جميعا، جاز، وإن رجع في أحدهما دون الآخر، جاز. # وإن دبر الولد دون أمه، أو الأم دون ولدها، جاز؛ لأنه يجوز أن يعتق كل ~~واحد منهما دون صاحبه، فجواز أن يدبر أحدهما دون صاحبه أولى، ولأنه تعليق ~~العتق بصفة، فجاز في أحدهما دون الآخر، كالتعليق بدخول الدار. وإن دبر ~~أمته، ثم قال: إن دخلت الدار، فقد رجعت في تدبيري. لم يصح؛ لأن الرجوع لا ~~يصح تعليقه بصفة. وإن قال: كلما ولدت ولدا، فقد رجعت في تدبيره. ms5889 لم يصح ~~لذلك. ### | [فصل اختلفت المدبرة وورثة سيدها في ولدها] # (8675) فصل: وإذا اختلفت المدبرة وورثة سيدها في ولدها، فقالت: ولدتهم ~~بعد تدبيري، فعتقوا معي. وقال الورثة: بل ولدتهم قبل تدبيرك، فهم مملوكون ~~لنا. فالقول قول الورثة مع أيمانهم؛ لأن الأصل بقاء رقهم، وانتفاء الحرية ~~عنهم، فإذا لم تكن بينة، فالقول قول من يوافق قوله الأصل. ### | [فصل كسب المدبر في حياة سيده] # (8676) فصل: وكسب المدبر في حياة سيده لسيده، وله أخذه منه؛ لأن التدبير ~~لا يخرج عن شبهه بالوصية بالعتق، # PageV10P354 # أو بالتعليق له على صفة، أو بالاستيلاد، وكل هؤلاء كسبهم لسيدهم، فكذلك ~~المدبر. فإن اختلف هو وورثة سيده فيما في يده بعد عتقه، فقال: كسبته بعد ~~حريتي. وقالوا: بل قبل ذلك. فالقول قوله؛ لأنه في يده، ولم يثبت ملكهم ~~عليه، بخلاف الولد، فإنه كان رقيقا لهم. فإن أقام كل واحد منهما بينة ~~بدعواه، قدمت بينة الورثة، عند من يقدم بينة الخارج، وبينة المدبر عند من ~~يقدم بينة الداخل. # وإن أقر المدبر أن ذلك كان في يده في حياة سيده، ثم تجدد ملكه عليه بعد ~~موته، فالقول قول الوارث؛ لأن الأصل معهم. فإن أقام المدبر بينة بدعواه، ~~قبلت، وتقدم على بينة الورثة إن كانت لهم بينة؛ لأن بينة المدبر تشهد ~~بزيادة، وإن لم يقر المدبر بأنه كان في يده في حياة سيده فأقام الورثة بينة ~~به، فهل تسمع بينتهم؟ على وجهين. ### | [مسألة إصابة مدبرته أي وطؤها] # (8677) مسألة: قال: (وله إصابة مدبرته) يعني: له وطؤها. روي عن ابن عمر، ~~أنه دبر أمتين، وكان يطؤهما. وممن رأى ذلك ابن عباس، وسعيد بن المسيب، ~~وعطاء، والثوري، والنخعي، ومالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي. قال أحمد: ~~لا أعلم أحدا كره ذلك، غير الزهري. وحكي عن الأوزاعي، أنه كان يقول: إن كان ~~يطؤها قبل تدبيرها، فلا بأس بوطئها بعده، وإن كان لا يطؤها قبله، لم يطأها ~~بعد تدبيرها. # ولنا، أنها مملوكته، لم تشتر نفسها منه، فحل له وطؤها؛ لقول الله تعالى: ~~{أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المعارج: ms5890 30] . وكأم الولد. (8678) # فصل: وابنة المدبرة كأمها؛ في حل وطئها إن لم يكن وطئ أمها. وعنه ليس له ~~وطؤها؛ لأن حق الحرية ثبت لها تبعا، أشبه ولد المكاتبة. # ولنا، أن ملك سيدها تام عليها، فحل له وطؤها؛ للآية، وكأمها، واستحقاقها ~~للحرية لا يزيد على استحقاق أمها، ولم يمنع ذلك وطأها. وأما ولد المكاتبة، ~~فألحقت بأمها، وأمها يحرم وطؤها فكذلك ابنتها، وأم هذه يحل وطؤها، فيجب ~~إلحاقها بها، وكلام أحمد محمول على أنه وطئ أمها، فحرمت عليه لذلك. ### | [مسألة من أنكر التدبير] # (8679) مسألة: قال: (ومن أنكر التدبير، لم يحكم عليه إلا بشاهدين عدلين، ~~أو شاهد ويمين العبد) وجملته أن العبد إذا ادعى على سيده أنه دبره، فدعواه ~~صحيحة؛ لأنه يدعي استحقاق العتق. ويحتمل أن لا تصح الدعوى؛ لأن السيد إذا ~~أنكر التدبير كان بمنزلة إنكار الوصية، وإنكار الوصية رجوع # PageV10P355 # عنها، في أحد الوجهين، فيكون إنكار التدبير رجوعا عنه، والرجوع عنه ~~يبطله، في أحد الوجهين، فتبطل الدعوى. والصحيح أن الدعوى صحيحة؛ لأن الصحيح ~~أن الرجوع عن التدبير لا يبطله، ولو أبطله فما ثبت كون الإنكار رجوعا، ولو ~~ثبت ذلك، فلا يتعين الإنكار جوابا للدعوى، فإنه يجوز أن يكون جوابها ~~إقرارا. فإذا ثبت هذا، فإن السيد إن أقر، فلا كلام، وإن أنكر ولم تكن للعبد ~~بينة، فالقول قول المنكر مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه، وإن كانت للعبد بينة، ~~حكم بها، ويقبل فيه شاهدان عدلان، بلا خلاف. # وإن لم يكن له إلا شاهد واحد، وقال: أنا أحلف معه. أو شاهد وامرأتان، ~~ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يحكم به. وهو مذهب الشافعي؛ لأن الثابت به ~~الحرية، وكمال الأحكام، وهذا ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه ~~الرجال في غالب الأحوال، فأشبه النكاح والطلاق. # والثانية، يثبت بذلك؛ لأنه لفظ يزول به ملكه عن مملوكه، فأشبه البيع. ~~وهذا أجود؛ لأن البينة إنما تراد لإثبات الحكم على المشهود عليه، وهي في ~~حقه إزالة ملكه عن ماله، فثبت بهذا. # وإن حصل به غرض آخر للمشهود له، فلا يمنع ذلك من ms5891 ثبوته بهذه البينة، ولأن ~~العتق مما يتشوف إليه، ويبنى على التغليب والسراية، فينبغي أن يسهل طريق ~~إثباته، وإن كان الاختلاف بين العبيد وورثة السيد بعد موته، فهو كما لو كان ~~الخلاف مع السيد، إلا أن الدعوى صحيحة، بغير خلاف؛ لأنهم لا يملكون الرجوع، ~~وأيمانهم على نفي العلم؛ لأن الخلاف في فعل موروثهم، وأيمانهم على نفي ~~فعله، وتجب اليمين على كل واحد من الورثة، ومن نكل منه، عتق نصيبه، ولم يسر ~~إلى باقيه. وكذلك إن أقر؛ لأن إعتاقه بفعل الموروث، لا بفعل المقر، ولا ~~الناكل. ### | [مسألة دبر عبده ومات وله مال غائب] # (8680) مسألة: قال: (وإذا دبر عبده، ومات، وله مال غائب، أو دين في ذمة ~~موسر أو معسر، عتق من المدبر ثلثه، وكلما اقتضي من دينه شيء، أو حضر من ~~ماله الغائب شيء، عتق من المدبر مقدار ثلثه، كذلك من يعتق الثلث حتى كله) ~~وجملة ذلك أن السيد إذا دبر عبده، ومات، وله مال سواه يفي بثلثي ماله، إلا ~~أنه غائب، أو دين في ذمة إنسان، لم يعتق جميع العبد؛ لجواز أن يتلف الغائب، ~~أو يتعذر استيفاء الدين، فيكون العبد جميع التركة، وهو شريك الورثة فيها، ~~له ثلثها، ولهم ثلثاها، فلا يجوز أن يحصل على جميعها، ولكنه يتنجز عتق ~~ثلثه، ويبقى ثلثاه موقوفين؛ لأن ثلثه حر على كل حال، لأن أسوأ الأحوال أن ~~لا يحصل من سائر المال شيء، فيكون # PageV10P356 # العبد جميع التركة، فيعتق ثلثه، كما لو لم يكن له مال سواه، وكلما اقتضي ~~من الدين شيء، أو حضر من الغائب شيء، عتق من المدبر قدر ثلثه، فإذا كانت ~~قيمته مائة، وقدم من الغائب مائة، عتق ثلثه الثاني، فإذا قدمت مائة أخرى، ~~عتق ثلثه الباقي. # وإن بقي له دين بعد ذلك، أو مال غائب، لم يؤثر بقاؤه؛ لأن الحاصل من ~~المال يخرج المدبر كله من ثلثه. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، ولهم وجه ~~آخر، لا يعتق منه شيء، حتى يستوفى من الدين شيء، أو يقدم من الغائب شيء، ~~فيعتق من العبد ms5892 قدر نصفه؛ لأن الورثة لم يحصل لهم شيء، والعبد شريكهم، فلا ~~يجوز أن يحصل على شيء، ما لم يحصل لهم مثلاه. فإن تلف الغائب، ويئس من ~~استيفاء الدين، عتق ثلثه حينئذ، وملكوا ثلثيه؛ لأن العبد صار جميع التركة. ~~وهذا لا يصح؛ لأن ثلث العبد خارج من الثلث يقينا، وإنما الشك في الزيادة ~~عليه، وما خرج من الثلث يقينا، يجب أن يكون حرا يقينا، لأن التدبير صحيح، ~~ولا خلاف في أنه ينفذ في الثلث. ووقف هذا الثلث عن العتق - مع يقين حصول ~~العتق فيه، ووجود المقتضي له، وعدم الفائدة في وقفه - لا معنى له. # وكون الورثة لم يحصل لهم شيء، لمعنى اختص بهم، لا يوجب أن لا يحصل له شيء ~~مع عدم ذلك المعنى فيه، ألا ترى أنه لو أبرأه غريمه من دينه، وهو جميع ~~التركة، فإنه يبرأ من ثلثه ولم يحصل للورثة شيء؟ # ولو كان الدين مؤجلا، فأبرأه منه، برئ من ثلثه في الحال، وتأخر استيفاء ~~الثلثين إلى الأجل. ولو كان الغريم معسرا، برئ من ثلثه في الحال، وتأخر ~~الباقي إلى الميسرة. ولأن تأخير عتق الثلث لا فائدة للورثة فيه، ويفوت نفعه ~~للمدبر، فينبغي أن لا يثبت. فإذا ثبت هذا، فإن العبد إذا عتق كله، بقدوم ~~الغائب، أو استيفاء الدين، تبينا أنه كان حرا حين الموت، فيكون كسبه له؛ ~~لأنه إنما عتق بالتدبير، ووجود الشرط الذي علق عليه السيد حريته، وهو ~~الموت، وإنما وقفناه للشك في خروجه من الثلث، فإذا زال الشك، تبينا أنه كان ~~حاصلا قبل زوال الشك. وإن تلف المال، تبينا أنه كان ثلثاه رقيقا، ولم يعتق ~~منه سوى ثلثه. وإن تلف بعض المال، رق من المدبر ما زاد على قدر ثلث الحاصل ~~من المال. ### | [فصل كان المدبر عبدين وله دين] # (8681) فصل: وإن كان المدبر عبدين، وله دين، يخرجان من ثلث المال، على ~~تقدير حصوله، أقرعنا بينهما، فيعتق ممن تخرج له القرعة قدر ثلثهما، وكان ~~باقيه والعبد الآخر موقوفا. فإذا استوفي من الدين شيء كمل من عتق من ms5893 وقعت ~~له القرعة قدر ثلثه، وما فضل عتق من الآخر، كذلك حتى يعتقا جميعا، أو مقدار ~~الثلث منهما. وإن # PageV10P357 # تعذر استيفاء الدين، لم يرد العتق على قدر ثلثهما. وإن خرج الذي وقعت له ~~القرعة مستحقا، بطل العتق فيه، وعتق من الآخر ثلثه. ### | [فصل دبر عبدا قيمته مائة وله مائة دينا] # (8682) فصل: وإذا دبر عبدا قيمته مائة، وله مائة دينا، عتق ثلثه، ورق ~~ثلثه، ووقف ثلثه على استيفاء الثلث الباقي. وإذا كانت له مائة حاضرة مع ~~ذلك، عتق من المدبر ثلثاه، ووقف ثلثه على استيفاء الدين. ### | [فصل دبر عبده وقيمته مائة وله ابنان وله مائتان دينا على أحدهما] # (8683) فصل: وإن دبر عبده، وقيمته مائة، وله ابنان، وله مائتان دينا على ~~أحدهما، عتق من المدبر ثلثاه؛ لأن حصة الذي عليه الدين منه المستوفى، ويسقط ~~عن الذي عليه الدين منه نصفه؛ لأنه قدر حصته من الميراث، ويبقى الآخر عليه ~~مائة، كلما استوفى منها شيئا، عتق قدر ثلثه. وإن كانت المائتان دينا على ~~الابنين بالسوية، عتق المدبر كله؛ لأن كل واحد منهما عليه قدر حقه، وقد حصل ~~ذلك بسقوطه من ذمته. ### | [فصل دبر عبدا قيمته مائة وخلف ابنين ومائتي درهم دينا له على أحدهما ووصى لرجل بثلث ماله] # (8684) فصل: فإن دبر عبدا قيمته مائة، وخلف ابنين ومائتي درهم دينا له ~~على أحدهما، ووصى لرجل بثلث ماله، عتق من المدبر ثلثه، وسقط عن الغريم ~~مائة، وكان للموصى له سدس العبد، وللابنين ثلثه، ويبقى سدس العبد موقوفا؛ ~~لأن الحاصل من المال ثلثاه، وهو العبد والمائة الساقطة عن الغريم، وثلث ذلك ~~مقسوم بين المدبر والوصي نصفين، فحصة المدبر منه ثلثه، يعتق في الحال، ~~ويبقى له السدس موقوفا، فكلما اقتضي من المائة الباقية شيء، عتق من المدبر ~~قدر سدسه، ويكون المستوفى بين الابنين والوصي أثلاثا، فإذا استوفيت كلها، ~~حصل للابن ثلثاها، وثلث العبد وهو قدر حقه، وكمل في المدبر عتق نصفه، وحصل ~~للوصي سدس العبد وثلث المائة، وهو قدر حقه. # وإن كان الدين على أجنبي، لم يعتق من ms5894 المدبر إلا سدسه؛ لأن الحاصل من ~~التركة هو العبد، وثلثه بينه وبين الوصي الآخر، وللوصي سدسه، ولكل ابن ~~سدسه، ويبقى ثلثه موقوفا، فكلما اقتضي من الدين شيء، عتق من المدبر قدر ~~سدسه، وكان المستوفى بين الابنين والوصي أسداسا؛ للوصي سدسه، ولهما خمسة ~~أسداسه، فيحصل لكل واحد نصف المائة وثلثها وسدس العبد، وهو قدر حقه، ويحصل ~~للوصي سدس المائتين وسدس العبد، وهو قدر حقه، ويعتق من المدبر نصفه، وهو ~~قدر حقه. ### | [مسألة دبر قبل البلوغ] # (8685) مسألة: قال: (وإذا دبر قبل البلوغ كان تدبيره جائزا، إذا كان له ~~عشر سنين فصاعدا، وكان يعرف التدبير. وما قلته في الرجل، فالمرأة مثله، إذا ~~كان لها تسع سنين فصاعدا) # PageV10P358 # وجملته أن تدبير الصبي المميز، ووصيته، جائزة. وهذا إحدى الروايتين عن ~~مالك، وأحد قولي الشافعي. قال: بعض أصحابه: هو أصح قوليه. وروي ذلك عن عمر، ~~وشريح، وعبد الله بن عتبة. وقال الحسن، وأبو حنيفة: لا يصح تدبيره، ~~كالمجنون. وهو الرواية الثانية عن مالك، والقول الثاني للشافعي؛ لأنه لا ~~يصح إعتاقه، فلم يصح تدبيره، كالمجنون. # ولنا، ما روى سعيد، عن هشيم، عن يحيى عن ابن سعيد، عن أبي بكر بن محمد، ~~أن غلاما من الأنصار أوصى لأخوال له من غسان، بأرض يقال لها: بئر جشم قومت ~~بثلاثين ألفا، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأجاز الوصية. قال يحيى بن ~~سعيد: وكان الغلام ابن عشر سنين، أو اثنتي عشرة سنة. وروي أن قوما سألوا ~~عمر - رضي الله عنه - عن غلام من غسان يافع، وصى لبنت عمه، فأجاز عمر ~~وصيته. ولم نعرف له مخالفا، ولأن صحة وصيته وتدبيره أحظ له بيقين، لأنهما ~~باقيا لا يلزمه، فإذا مات كان ذلك صلة وأجرا، فصح، كوصية المحجور عليه ~~لسفه، ويخالف العتق، لأن فيه تفويت ماله عليه في حياته ووقت حاجته. # فأما تقييد من يصح تدبيره بمن له عشر؛ فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «اضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» . وهو الذي ورد فيه ~~الخبر عن عمر - رضي الله عنه -. واعتبر ms5895 المرأة بتسع؛ لقول عائشة - رضي الله ~~عنها -: إذا بلغت الجارية تسع سنين، فهي امرأة. ويروى ذلك عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مرفوعا. ولأنه السن الذي يمكن بلوغها فيه، ويتعلق به ~~أحكام سوى ذلك. # PageV10P359 # (8686) فصل: ويصح منه الرجوع. إن قلنا بصحة الرجوع من المكلف؛ لأن من صحت ~~وصيته، صح رجوعه، كالمكلف. وإن أراد بيع المدبر، قام وليه في بيعه مقامه. ~~وإن أذن له وليه في بيعه، فباعه، صح منه. ### | [فصل تدبير المحجور عليه لسفه ووصيته] # (8687) فصل: ويصح تدبير المحجور عليه لسفه، ووصيته؛ لما ذكرنا في الصبي. ~~ولا تصح وصية المجنون، ولا تدبيره؛ لأنه لا يصح شيء من تصرفاته. وإن كان ~~يجن يوما، ويفيق يوما، صح تدبيره في إفاقته. ### | [فصل تدبير الكافر] # (8688) فصل: ويصح تدبير الكافر؛ ذميا كان أو حربيا، في دار الإسلام ودار ~~الحرب؛ لأن له ملكا صحيحا، فصح تصرفه فيه، كالمسلم. فإن قيل: لو كان ملكه ~~صحيحا، لم يملك عليه بغير اختياره. قلنا: هذا لا ينافي الملك، بدليل أنه ~~يملك في النكاح، ويملك زوجته عليه بغير اختياره، ومن عليه الدين إذا امتنع ~~من قضائه، أخذ من ماله بقدر ما عليه بغير اختياره، وحكم تدبيره حكم تدبير ~~المسلم، على ما ذكرنا. فإن أسلم مدبر الكافر، أمر بإزالة ملكه عنه، وأجبر ~~عليه، لئلا يبقى الكافر مالكا للمسلم، كغير المدبر. # ويحتمل أن يترك في يد عدل، وينفق عليه من كسبه، فإن لم يكن له كسب، أجبر ~~سيده على الإنفاق عليه. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، بناء ~~على أن بيع المدبر غير جائز، ولأن في بيعه إبطال سبب العتق، وإزالة غرضيته ~~فكان إبقاؤه أصلح، فتعين، كأم الولد. فإن قلنا ببيعه، فباعه، بطل تدبيره. ~~وإن قلنا: يترك في يد عدل. فإنه يستنيب من يتولى استعماله واستكسابه، وينفق ~~عليه من كسبه، وما فضل فلسيده، وإن لم يف بنفقته، فالباقي على سيده. وإن ~~اتفق هو وسيده على المخارجة، جاز، وينفق على نفسه مما فضل من كسبه، فإذا ~~مات سيده، عتق إن خرج من ms5896 الثلث، وإلا عتق منه بقدر الثلث، وبيع الباقي على ~~الورثة إن كانوا كفارا. وإن أسلموا بعد الموت، ترك. وإن رجع سيده في ~~تدبيره، وقلنا بصحة الرجوع، بيع عليه. # وإن كان المدبر كمستأمن، وأراد أن يرجع به إلى دار الحرب، ولم يكن أسلم، ~~لم يمنع من ذلك، وإن كان قد أسلم، منع منه؛ لأننا نحول بينه وبينه في دار ~~الإسلام، فأولى أن يمنع من التمكن به في دار الحرب. # PageV10P360 ### | [مسألة قتل المدبر سيده] # (8689) مسألة: قال: (وإذا قتل المدبر سيده، بطل تدبيره) . إنما يبطل ~~تدبيره بقتله سيده لمعنيين، أحدهما: أنه قصد استعجال العتق بالقتل المحرم، ~~فعوقب بنقيض قصده، وهو إبطال التدبير، كمنع الميراث بقتل الموروث، ولأن ~~العتق فائدة تحصل بالموت، فتنتفي بالقتل، كالإرث والوصية. والثاني، أن ~~التدبير وصية فتبطل بالقتل، كالوصية بالمال. ولا يلزم على هذا عتق أم ~~الولد؛ لكونه آكد، فإنها صارت بالاستيلاد بحال لا يمكن نقل الملك فيها ~~بحال، ولذلك لم يجز بيعها، ولا هبتها، ولا رهنها، ولا الرجوع عن ذلك ~~بالقول، ولا غيره، والإرث نوع من النقل، فلو لم تعتق بموت سيدها لانتقل ~~الملك فيها إلى الوارث، ولا سبيل إليه، بخلاف المدبر، ولأن سبب حرية أم ~~الولد الفعل والبعضية التي حصلت بينها وبين سيدها بواسطة ولدها، وهذا آكد ~~من القول، ولهذا انعقد استيلاد المجنون، ولم ينفذ إعتاقه ولا تدبيره، وسرى ~~حكم استيلاد المعسر إلى نصيب شريكه، بخلاف الإعتاق، وعتقت من رأس المال، ~~والتدبير لا ينفذ إلا في الثلث، ولا يملك الغرماء إبطال عتقها وإن كان ~~سيدها مفلسا، بخلاف المدبر، ولا يلزم من الحكم في موضع، تأكد الحكم فيما ~~دونه، كما لم يلزم إلحاقه به في هذه المواضع التي افترقا فيها. # إذا ثبت هذا، فلا فرق بين كون القتل عمدا، أو خطأ، كما لا فرق بين ذلك في ~~حرمان الإرث، وإبطال وصية القاتل. ### | [فصل كانت جناية المدبر موجبة للمال أو موجبة للقصاص فعفا الولي إلى مال] # (8690) فصل: فأما سائر جناياته، غير قتل سيده، فلا تبطل تدبيره، لكن إن ~~كانت جناية ms5897 موجبة للمال، أو موجبة للقصاص، فعفا الولي إلى مال، تعلق المال ~~برقبته، فمن جوز بيعه، جعل سيده بالخيار بين تسليمه فيباع في الجناية، وبين ~~فدائه، فإن سلمه في الجناية فبيع فيها، بطل تدبيره، وإن عاد إلى سيده، عاد ~~تدبيره، وإن اختار فداءه، وفداه بما يفدى به العبد، فهو مدبر بحاله. ومن لم ~~يجز بيعه، عين فداءه على سيده، كأم الولد. # وإن كانت الجناية موجبة للقصاص، فاقتص منه في النفس، بطل تدبيره، وإن ~~اقتص منه في الطرف، فهو مدبر بحاله. وإذا مات سيده بعد جنايته، وقبل ~~استيفائها، عتق، على كل حال، سواء كانت موجبة للمال أو القصاص؛ لأن صفة ~~العتق وجدت فيه، فأشبه ما لو باشره به. فإن كان الواجب قصاصا، استوفي، سواء ~~كانت جنايته على عبد أو حر؛ لأن القصاص قد استقر وجوبه عليه في حال رقه، ~~فلا يسقط بحدوث الحرية فيه. وإن كان الواجب عليه مالا في رقبته، فدي بأقل ~~الأمرين؛ من قيمته، أو أرش جنايته. # وإن جني على المدبر، فأرش الجناية لسيده؛ فإن كانت الجناية على نفسه، ~~وجبت قيمته لسيده، وبطل التدبير بهلاكه. # PageV10P361 # فإن قيل: فهلا جعلتم قيمته قائمة مقامه، كالعبد المرهون والموقوف إذا جني ~~عليه. قلنا: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه؛ أحدها، أن كل واحد من الوقف ~~والرهن لازم، فتعلق الحق ببدله، والتدبير غير لازم؛ لأنه يمكن إبطاله ~~بالبيع وغيره، فلم يتعلق الحق ببدله. الثاني، أن الحق في التدبير للمدبر، ~~فبطل حقه بفوات مستحقه، والبدل لا يقوم مقامه في الاستحقاق، والحق في الوقف ~~للموقوف عليه، وفي الرهن للمرتهن، وهو باق، فيثبت حقه في بدل محل حقه. # الثالث، أن المدبر إنما ثبت حقه بوجود موت سيده، فإذا هلك قبل سيده، فقد ~~هلك قبل ثبوت الحق له، فلم يكن له بدل، بخلاف الرهن والوقف، فإن الحق ثابت ~~فيهما، فقام بدلهما مقامهما، وبين الرهن والمدبر فرق رابع، وهو أن الواجب ~~القيمة، ولا يمكن وجود التدبير فيها، ولا قيامها مقام المدبر فيه، وإن أخذ ~~عبدا مكانه، فليس هو البدل، إنما هو ms5898 بدل القيمة، بخلاف الرهن؛ فإن القيمة ~~يجوز أن تكون رهنا، فإن قيل: فهذا يلزم عليه الموقوف، فإنه إذا قتل، أخذت ~~قيمته، فاشتري بها عبد يكون وقفا مكانه. قلنا: قد حصل الفرق بين المدبر ~~والرهن من الوجوه الثلاثة، وكونه لا يحصل الفرق بينه وبين الوقف من هذا ~~الوجه، لا يمنع أن يحصل الفرق بينه وبين الرهن به. ### | [فصل دبر السيد عبده ثم كاتبه] # (8691) فصل: وإذا دبر السيد عبده، ثم كاتبه، جاز. نص عليه أحمد. وهذا قول ~~ابن مسعود، وأبي هريرة، والحسن. ولفظ حديث أبي هريرة، عن مجاهد، قال: دبرت ~~امرأة من قريش خادما لها، ثم أرادت أن تكاتبه، قال: فكنت الرسول إلى أبي ~~هريرة، فقال: كاتبيه، فإن أدى كتابته فذاك، وإن حدث بك حدث عتق. قال: وأراه ~~قال: على ما كان عليه له. ولأن التدبير إن كان عتقا بصفة، لم يمنع الكتابة، ~~كالذي علق عتقه بدخول الدار، وإن كان وصية، لم يمنعها، كما لو وصى بعتقه ثم ~~كاتبه، ولأن التدبير والكتابة سببان للعتق، فلم يمنع أحدهما الآخر، كتدبير ~~المكاتب. # وذكر القاضي أن التدبير يبطل بالكتابة، إذا قلنا: هو وصية. كما لو وصى به ~~لرجل ثم كاتبه. وهذا يخالف ظاهر كلام أحمد، وهو غير صحيح في نفسه. ويفارق ~~التدبير الوصية به لرجل؛ لأن مقصود الكتابة والتدبير لا يتنافيان إذ كان ~~المقصود منهما جميعا العتق، فإذا اجتمعا، كان آكد لحصوله، فإنه إذا فات ~~عتقه # PageV10P362 # من أحدهما، حصل بالآخر، وأيهما وجد قبل صاحبه، حصل العتق به، ومقصود ~~الوصية به والكتابة يتنافيان؛ لأن الكتابة تراد للعتق، والوصية تراد لحصول ~~الملك فيه للموصى له، ولا يجتمعان. إذا ثبت هذا، فإنه إن أدى في حياة ~~السيد، صار حرا بالكتابة، وبطل التدبير وإن مات السيد قبل الأداء، عتق ~~بالتدبير إن خرج من الثلث، وبطلت الكتابة، وإن لم يخرج من الثلث، عتق منه ~~بقدر الثلث، وسقط من الكتابة بقدر ما عتق، وكان على الكتابة فيما بقي. # وإن أدى البعض، ثم مات سيده، عتق كله، وسقط باقي الكتابة إن خرج ms5899 من ~~الثلث، وإن لم يخرج من الثلث، عتق منه بقدر الثلث، وسقط مما بقي من الكتابة ~~بقدر ثلث المال، وأدى ما بقي. # PageV10P363 ### | [كتاب المكاتب] # الكتابة: إعتاق السيد عبده على مال في ذمته يؤدى مؤجلا، سميت كتابة؛ لأن ~~السيد يكتب بينه وبينه كتابا بما اتفقا عليه. وقيل: سميت كتابة من الكتب، ~~وهو الضم؛ لأن المكاتب يضم بعض النجوم إلى بعض، ومنه سمي الخرز كتابا؛ لأنه ~~يضم أحد الطرفين إلى الآخر بخرزه. وقال الحريري: # وكاتبين وما خطت أناملهم ... حرفا ولا قرءوا ما خط في الكتب # وقال ذو الرمة، في ذلك المعنى: # وفراء غرفية أثأى خوارزها ... مشلشل ضيعته بينها الكتب # يصف قربة يسيل الماء من بين خرزها. وسميت الكتيبة كتيبة لانضمام بعضها ~~إلى بعض، والمكاتب # PageV10P364 # يضم بعض نجومه إلى بعض، والنجوم هاهنا الأوقات المختلفة؛ لأن العرب كانت ~~لا تعرف الحساب، وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم، كما قال بعضهم: # إذا سهيل أول الليل طلع ... فابن اللبون الحق والحق جذع # فسميت الأوقات نجوما. والأصل في الكتابة الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب، فقول الله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ~~فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] . وأما السنة، فما روى سعيد، عن ~~سفيان عن الزهري، عن نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فملك ما يؤدي، فلتحتجب منه» . ~~وروى سهل بن حنيف، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أعان غارما، ~~أو غازيا، أو مكاتبا في كتابته، أظله الله يوم لا ظل إلا ظله» . في أحاديث ~~كثيرة سواهما، وأجمعت الأمة على مشروعية الكتابة. ### | [فصل إذا سأل العبد سيده مكاتبته] # (8692) فصل: إذا سأل العبد سيده مكاتبته، استحب له إجابته، إذا علم فيه ~~خيرا، ولم يجب ذلك. في ظاهر المذهب. وهو قول عامة أهل العلم، منهم الحسن، ~~والشعبي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وعن أحمد، أنها واجبة، ~~إذا دعا العبد المكتسب الصدوق سيده إليها، فعليه إجابته. وهو قول عطاء، ~~والضحاك، وعمرو بن دينار، وداود. وقال ms5900 إسحاق: أخشى أن يأثم إن لم يفعل، ولا ~~يجبر عليه. ووجه ذلك قول الله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} ~~[النور: 33] . وظاهر الأمر الوجوب. # PageV10P365 # وروي أن سيرين أبا محمد بن سيرين، كان عبدا لأنس بن مالك، فسأله أن ~~يكاتبه، فأبى، فأخبر سيرين عمر بن الخطاب بذلك، فرفع الدرة على أنس، وقرأ ~~عليه: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم ~~خيرا} [النور: 33] . فكاتبه أنس. # ولنا، أنه إعتاق بعوض، فلم يجب، كالاستسعاء، والآية محمولة على الندب، ~~وقول عمر - رضي الله عنه -، يخالف فعل أنس. ولا خلاف بينهم في أن من لا خير ~~فيه لا تجب إجابته. قال أحمد: الخير صدق، وصلاح، ووفاء بمال الكتابة، ونحو ~~هذا قال إبراهيم، وعمرو بن دينار، وغيرهما، وعبارتهم في ذلك مختلفة، قال ~~ابن عباس: غنى، وإعطاء للمال. وقال مجاهد: غنى، وأداء. وقال النخعي: صدق، ~~ووفاء. وقال عمرو بن دينار: مال، وصلاح. وقال الشافعي: قوة على الكسب، ~~وأمانة. وهل تكره كتابة من لا كسب له أو لا؟ قال القاضي: ظاهر كلام أحمد ~~كراهيته. وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يكرهه. وهو قول مسروق، والأوزاعي. # وعن أحمد، رواية أخرى، أنه لا يكره. ولم يكرهه الشافعي، وإسحاق، وابن ~~المنذر، وطائفة من أهل العلم؛ «لأن جويرية بنت الحارث، كاتبها ثابت بن قيس ~~بن شماس الأنصاري، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV10P366 # تستعينه في كتابتها، فأدى عنها كتابتها، وتزوجها.» واحتج ابن المنذر، ~~«بأن بريرة كاتبت ولا حرفة لها، ولم ينكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -» . ووجه الأول ما ذكرنا في عتقه، وينبغي أن ينظر في المكاتب، فإن ~~كان ممن يتضرر بالكتابة ويضيع، لعجزه عن الإنفاق على نفسه، ولا يجد من ينفق ~~عليه، كرهت كتابته، وإن كان يجد من يكفيه مؤنته، لم تكره كتابته؛ لحصول ~~النفع بالحرية من غير ضرر. فأما جويرية، فإنها كانت ذات أهل، ومال وكانت ~~ابنة سيد قومه، فإذا عتقت، رجعت إلى أهلها، فأخلف الله لها خيرا من أهلها، ~~فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه ms5901 وسلم - وصارت إحدى أمهات المؤمنين، ~~وأعتق الناس ما كان بأيديهم من قومها، حين بلغهم أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - تزوجها، وقالوا: أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فلم ~~ير امرأة أعظم بركة على قومها منها. # وأما بريرة، فإن كتابتها تدل على إباحة ذلك، وأنه ليس بمنكر، ولا خلاف ~~فيه، وإنما الخلاف في كراهته. قال مسروق: إذا سأل العبد مولاه المكاتبة؛ ~~فإن كان له مكسبة، أو كان له مال، فليكاتبه، وإن لم يكن له مال ولا مكسبة، ~~فليحسن ملكته، ولا يكلفه إلا طاقته. ### | [فصل الكتابة ممن يصح تصرفه] # (8693) فصل: ولا تصح الكتابة إلا ممن يصح تصرفه فأما المجنون والطفل، فلا ~~تصح مكاتبتهما لرقيقهما، ولا مكاتبة سيدهما لهما، وأما الصبي المميز؛ فإن ~~كاتب عبده بإذن وليه، صح. ويحتمل أن لا يصح، بناء على قولنا: إنه لا يصح ~~بيعه بإذن وليه، ولأن هذا عقد إعتاق، فلم يصح منه كالعتق بغير مال، فأما إن ~~لم يأذن وليه فيه، فلا يصح بحال، وإن كان المميز سيده، صح. وبهذا قال أبو ~~حنيفة. # وقال الشافعي: لا يصح فيهما جميعا بحال؛ لأنه ليس بمكلف، فأشبه المجنون. # ولنا، أنه يصح تصرفه وبيعه بإذن وليه، فصحت منه الكتابة بذلك، كالمكلف، ~~ودليل صحة تصرفه قول الله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح} ~~[النساء: 6] . والابتلاء الاختبار له، بتفويض التصرف # PageV10P367 # إليه، ليعلم هل يقع منه على وجه المصلحة أو لا؟ وهل يغبن في بيعه وشرائه ~~أو لا؟ وإيجاب السيد لعبده المميز المكاتبة إذن له في قبولها. إذا ثبت هذا، ~~فإن كان السيد المكاتب طفلا أو مجنونا، فلا حكم لتصرفه ولا قوله. # وإن كاتب المكلف عبده الطفل أو المجنون، لم يثبت لهذا التصرف حكم الكتابة ~~الصحيحة ولا الفاسدة؛ لأنه لا حكم لقولهما، ولكن إن قال: إن أديتما إلي، ~~فأنتما حران. فأديا، عتق بالصفة لا بالكتابة، وما في أيديهما لسيدهما، وإن ~~لم يقل ذلك، لم يعتقا. ذكره أبو بكر. وقال القاضي: يعتقان. وهو مذهب ~~الشافعي؛ لأن الكتابة تتضمن معنى الصفة، فيحصل ms5902 العتق هاهنا بالصفة المحضة، ~~كما لو قال: إن أديت إلي، فأنت حر. ولنا، أنه ليس بصفة صريحا ولا معنى، ~~وإنما هو عقد باطل، فأشبه البيع الباطل. ### | [فصل كاتب الذمي عبده المسلم] # (8694) فصل: وإذا كاتب الذمي عبده المسلم، صح؛ لأنه عقد معاوضة، أو عتق ~~بصفة، وكلاهما يصح منه. وإذا ترافعا إلى الحاكم بعد الكتابة، نظر في العقد؛ ~~فإن كان موافقا للشرع، أمضاه، سواء ترافعا قبل إسلامهما أو بعده، وإن كاتب ~~كتابة فاسدة، مثل أن يكون العوض خمرا، أو خنزيرا، أو غير ذلك من أنواع ~~الفساد، ففيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يكونا قد تقابضا حال الكفر، فتكون ~~الكتابة ماضية، والعتق حاصل؛ لأن ما تم في حال الكفر، لا ينقصه الحاكم، ~~ويحكم بالعتق، سواء ترافعا قبل الإسلام أو بعده. الثانية: تقابضا بعد ~~الإسلام، ثم ترافعا إلى الحاكم، فإنه يعتق أيضا؛ لأن هذه كتابة فاسدة، ~~ويكون حكمها حكم الكتابة الفاسدة المعقودة في الإسلام، على ما سنذكره، إن ~~شاء الله تعالى. الثالثة: ترافعا قبل قبض العوض الفاسد، أو قبض بعضه، فإن ~~الحاكم يرفع هذه الكتابة، ويبطلها؛ لأنها كتابة فاسدة، لم يتصل بها قبض ~~تنبرم به. ولا فرق بين إسلامهما، أو إسلام أحدهما، فيما ذكرناه، لأن ~~التغليب لحكم الإسلام. # وقال أبو حنيفة: إذا كاتبه على خمر، ثم أسلما، لم يفسد العقد، ويؤدي قيمة ~~الخمر؛ لأن الكتابة كالنكاح، ولو أمهرها خمرا، ثم أسلما، بطل الخمر، ولم ~~يبطل النكاح. # ولنا، أن هذا عقد لو عقده المسلم كان فاسدا، فإذا أسلما قبل التقابض، أو ~~أحدهما، حكم بفساده كالبيع الفاسد، ويفارق النكاح فإنه لو عقده المسلم بخمر ~~كان صحيحا، وإن أسلم مكاتب الذمي، لم تنفسخ الكتابة؛ لأنها وقعت صحيحة، ولا ~~يجبر على إزالة ملكه؛ لأنه خارج بالكتابة عن تصرف الكافر فيه، فإن عجز، ~~أجبر على إزالة ملكه عنه حينئذ. وإن اشترى مسلما، فكاتبه، لم تصح الكتابة؛ ~~لأن الشراء # PageV10P368 # باطل، ولم يثبت له به ملك. وإن أسلم عبده فكاتبه بعد إسلامه، لم تصح ~~كتابته؛ لأنه يلزمه إزالة ملكه عنه، والكتابة لا ms5903 تزيل الملك، فإن المكاتب ~~عبد ما بقي عليه درهم. وقال القاضي: له كتابته؛ لأنه يخرج بها عن تصرف سيده ~~فيه، فإن عجز، عاد رقيقا قنا، وأجبر على إزالة ملكه عنه حينئذ. ### | [فصل كاتب الحربي عبده] # (8695) فصل: وإن كاتب الحربي عبده، صحت كتابته، سواء كان في دار الحرب أو ~~دار الإسلام. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصح؛ لأن ملكه ناقص. ~~وحكي عن مالك، أنه لا يملك، بدليل أن للمسلم تملكه عليه. # ولنا، قول الله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} [الأحزاب: 27] . ~~وهذه الإضافة إليهم تقتضي صحة أملاكهم، فتقتضي صحة تصرفاتهم. فإذا ثبت هذا ~~فإذا كاتب عبده، ثم دخلا مستأمنين إلينا، لم يتعرض الحاكم لهما، وإن ترافعا ~~إليه، نظر بينهما، فإن كانت كتابتهما صحيحة، ألزمهما حكمها، وإن كانت ~~فاسدة، بين لهما فسادها. وإن جاءا، وقد قهر أحدهما صاحبه، بطلت الكتابة؛ ~~لأن العبد إن قهر سيده ملكه، فبطلت كتابته؛ لخروجه عن ملك سيده، وإن قهره ~~السيد على إبطال الكتابة، ورده رقيقا، بطلت؛ لأن دار الكفر دار قهر وإباحة، ~~ولهذا لو قهر حر حرا على نفسه ملكه. وإن دخلا من غير قهر، فقهر أحدهما ~~الآخر في دار الإسلام، لم تبطل الكتابة، وكانا على ما كانا عليه قبله؛ لأن ~~دار الإسلام دار حظر، لا يؤثر فيها القهر إلا بالحق. # وإن دخلا مستأمنين، ثم أرادا الرجوع إلى دار الحرب، لم يمنعا. وإن أراد ~~السيد الرجوع، وأخذ المكاتب معه، فأبى المكاتب الرجوع معه، لم يجبر؛ لأنه ~~بالكتابة زال ملكه وسلطانه عنه، وإنما له في ذمته حق، ومن له في ذمة غيره ~~حق لا يملك إجباره على السفر معه لأجله، ويقال للسيد: إن أردت الإقامة في ~~دار الإسلام؛ لتستوفي مال الكتابة، فاعقد الذمة وأقم، إن كانت مدتها طويلة، ~~وإن أردت توكيل من يقبض لك نجوم الكتابة، فافعل. فإذا أدى نجوم الكتابة، ~~عتق، ثم هو مخير، إن أحب أن يقيم في دار الإسلام، عقد على نفسه الذمة، وإن ~~أحب الرجوع، لم يمنع. # وإن عجز، وفسخ السيد كتابته، عاد ms5904 رقيقا، ويرد إلى سيده، والأمان له باق؛ ~~لأنه من مال سيده، وسيده عقد الأمان لنفسه وماله، فإذا انتقض الأمان في ~~نفسه، بعوده، لم ينتقض في ماله. # وإن كاتبه في دار الحرب، فهرب، ودخل إلينا، بطلت الكتابة؛ فإن ملكه زال ~~عنه بقهره على نفسه، فأشبه ما لو قهره على غيره من ماله. وسواء جاءنا مسلما ~~أو غير مسلم. وإن جاءنا بإذن سيده، فالكتابة # PageV10P369 # بحالها؛ لأنه لم يقهر سيده، فإذا دخل إلينا بأمان بإذن سيده، ثم سبى ~~المسلمون سيده وقتل، انتقلت الكتابة إلى ورثته، كما لو مات حتف أنفه، وإن ~~من عليه الإمام، أو فاداه، أو هرب، فالكتابة بحالها، وإن استرقه الإمام، ~~فالمكاتب موقوف، إن عتق سيده، فالكتابة بحالها، وإن مات أو قتل، فالمكاتب ~~للمسلمين، مبق على ما بقي من كتابته، يعتق بأدائه إليهم، وولاؤه لهم، وإن ~~عجز، فهو رقيق لهم. # وإن أراد المكاتب الأداء قبل عتق سيده وموته، أدى إلى الحاكم، أو إلى ~~أمينه، وكان المال المقبوض موقوفا، على ما ذكرناه، ويعتق المكاتب بالأداء، ~~وسيده رقيق، لا يثبت له ولاء. قال أبو بكر: يكون الولاء للمسلمين. وقال ~~القاضي: يكون موقوفا فإن عتق سيده، فهو له، وإن مات على رقه، فهو للمسلمين. ~~وإن كان استرقاق سيده بعد عتق المكاتب، وثبوت الولاء عليه، فقال القاضي: ~~يكون ولاؤه موقوفا، فإن عتق السيد، كان الولاء له، وإن قتل أو مات على رقه، ~~بطل الولاء؛ لأنه رقيق، لا يورث، فيبطل الولاء، لعدم مستحقه. وينبغي أن ~~يكون للمسلمين؛ لأن مال من لا وارث له للمسلمين فكذلك الولاء. والله أعلم. ### | [فصل كاتب المرتد عبده] # (8696) فصل: وإن كاتب المرتد عبده، فعلى قول أبي بكر: الكتابة باطلة؛ لأن ~~ملكه زال بردته. وعلى الظاهر من المذهب، كتابته موقوفة، إن أسلم تبينا أنها ~~كانت صحيحة، وإن قتل أو مات على ردته، بطلت. وإن أدى في ردته، لم يحكم ~~بعتقه، ويكون موقوفا، فإن أسلم سيده، تبينا صحة الدفع إليه وعتقه، وإن قتل ~~أو مات على ردته، فهو باطل، والعبد رقيق. وإن كاتبه، وهو ms5905 مسلم، ثم ارتد، ~~وحجر عليه. لم يكن للعبد الدفع إليه، ويؤدي إلى الحاكم، ويعتق بالأداء. وإن ~~دفع إلى المرتد، كان موقوفا، كما ذكرنا. # وإن كاتب المسلم عبده المرتد، صحت كتابته؛ لأنه يصح بيعه، فإذا أدى، عتق، ~~وإن أسلم، فهو على كتابته. ### | [فصل كتابة المريض] # (8697) فصل: وكتابة المريض صحيحة، فإن كان مرض الموت المخوف، اعتبر من ~~ثلثه؛ لأنه بيع ماله بماله، فجرى مجرى الهبة، وكذلك يثبت الولاء على ~~المكاتب؛ لكونه معتقا، فإن خرج من الثلث، كانت الكتابة لازمة، وإن لم يخرج ~~من الثلث، لزمت الكتابة في قدر الثلث، وسائره موقوف على إجازة الورثة، فإن ~~أجازت، جازت، وإن ردتها، بطلت. وهذا قول الشافعي. وقال أبو الخطاب، في " ~~رءوس المسائل ": تجوز الكتابة من رأس المال؛ لأنه عقد معاوضة، أشبه البيع. ### | [مسألة كاتب عبده أو أمته على أنجم فأديت الكتابة] # (8698) مسألة: قال: (وإذا كاتب عبده، أو أمته على أنجم، فأديت الكتابة، ~~فقد صار العبد حرا، وولاؤه لمكاتبه) # PageV10P370 # في هذه المسألة ثلاثة فصول: (8699) الفصل الأول: أن ظاهر هذا الكلام، أن ~~الكتابة لا تصح حالة، ولا تجوز إلا مؤجلة منجمة. وهو ظاهر المذهب. وبه قال ~~الشافعي، وقال مالك، وأبو حنيفة: تجوز حالة؛ لأنه عقد على عين، فإذا كان ~~عوضه في الذمة، جاز أن يكون حالا، كالبيع. # ولنا، أنه روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم -، أنهم عقدوا ~~الكتابة، ولم ينقل عن واحد منهم أنه عقدها حالة، ولو جاز ذلك، لم يتفق ~~جميعهم على تركه، ولأن الكتابة عقد معاوضة، يعجز عن أداء عوضها في الحال، ~~فكان من شرطه التأجيل، كالسلم على مذهب أبي حنيفة، ولأنها عقد معاوضة يلحقه ~~الفسخ من شرطه ذكر العوض، فإذا وقع على وجه يتحقق فيه العجز عن العوض، لم ~~يصح، كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند محله، ويفارق البيع؛ لأنه لا يتحقق ~~فيه العجز عن العوض، لأن المشتري يملك المبيع، والعبد لا يملك شيئا، وما في ~~يده لسيده. وفي التنجيم حكمتان؛ إحداهما، يرجع إلى المكاتب، وهي التخفيف ~~عليه؛ لأن الأداء ms5906 مفرقا أسهل، ولهذا تقسط الديون على المعسرين عادة، تخفيفا ~~عليهم. والأخرى، للسيد، وهي أن مدة الكتابة تطول غالبا، فلو كانت على نجم ~~واحد، لم يظهر عجزه إلا في آخر المدة، فإذا عجز، عاد إلى الرق، وفاتت ~~منافعه في مدة الكتابة كلها على السيد، من غير نفع حصل له، وإذا كانت منجمة ~~نجوما، فعجز عن النجم الأول، فمدته يسيرة، وإن عجز عما بعده، فقد حصل للسيد ~~نفع بما أخذه من النجوم قبل عجزه. # إذا ثبت هذا، فأقله نجمان فصاعدا. وهذا مذهب الشافعي. ونقل عن أحمد، أنه ~~قال: من الناس من يقول: نجم واحد. ومنهم من يقول: نجمان. ونجمان أحب إلي. ~~وهذا يحتمل أن يكون معناه، أني أذهب إلى أنه لا يجوز إلا نجمان. ويحتمل أن ~~يكون المستحب نجمين، ويجوز نجم واحد. قال ابن أبي موسى: هذا على طريق ~~الاختيار، وإن جعل المال كله في نجم واحد، جاز؛ لأنه عقد يشترط فيه ~~التأجيل، فجاز أن يكون إلى أجل واحد، كالمسلم، ولأن اعتبار التأجيل ليتمكن ~~من تسليم العوض، وهذا يحصل بنجم واحد. # PageV10P371 # ووجه الأول، ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: الكتابة على نجمين، ~~والإيتاء من الثاني. وهذا يقتضي أن هذا أقل ما تجوز عليه الكتابة؛ لأن أكثر ~~من نجمين يجوز بالإجماع. # وروي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه غضب على عبد له، فقال: لأعاقبنك، ~~ولأكاتبنك على نجمين. ولو كان يجوز أقل من هذا، لعاقبه به في الظاهر. وفي ~~حديث بريرة، أنها أتت عائشة - رضي الله عنها - فقالت: يا أم المؤمنين، إني ~~كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني. ولأن الكتابة مشتقة ~~من الضم، وهو ضم نجم إلى نجم، فدل ذلك على افتقارها إلى نجمين. # والأول أقيس. ولا بد أن تكون النجوم معلومة، ويعلم في كل نجم قدر ما ~~يؤديه، ولا يشترط تساوي النجوم، ولا قدر المؤدى في كل نجم. فإذا قال: ~~كاتبتك على ألف، إلى عشر سنين، تؤدي عند انقضاء كل سنة مائة. أو قال: تؤدي ~~منها ms5907 مائة عند انقضاء خمس سنين، وباقيها عند تمام العشرة. أو قال: تؤدي في ~~آخر العام الأول مائة، وتسعمائة عند انقضاء السنة العاشرة. فكل هذا جائز. ~~وإن قال: تؤدي في كل # PageV10P372 # عام مائة. جاز، ويكون أجل كل مائة عند انقضاء السنة، وظاهر قول القاضي، ~~وأصحاب الشافعي، أنه لا يصح؛ لأنه لم يتبين وقت الأداء من العام. # ولنا، أن بريرة قالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية ولأن ~~الأجل إذا علق بمدة، تعلق بأحد طرفيها؛ فإن كان بحرف " إلى " تعلق بأولها، ~~كقوله: إلى شهر رمضان. وإن كان بحرف " في " كان إلى آخرها؛ لأنه جعل جميعها ~~وقتا لأدائها، فإذا أدى في آخرها، كان مؤديا لها في وقتها، فلم يتعين عليه ~~الأداء قبله، كتأدية الصلاة في آخر وقتها. وإن قال: يؤديها في عشر سنين. ~~أو: إلى عشر سنين. لم يجز؛ لأنه نجم واحد. ومن أجاز الكتابة على نجم واحد، ~~أجازه. وإن قال: يؤدي بعضها في نصف المدة، وباقيها في آخرها. لم يجز؛ لأن ~~البعض مجهول، يقع على القليل والكثير. ### | [فصل كاتبه على أنجم مدة معلومة] # (8700) الفصل الثاني: أنه إذا كاتبه على أنجم مدة معلومة، صحت الكتابة، ~~وعتق بأدائها، سواء نوى بالكتابة الحرية أو لم ينو، وسواء قال: فإذا أديت ~~إلي، فأنت حر. أو لم يقل. وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا يعتق حتى ~~يقول: إذا أديت إلي، فأنت حر. أو ينوي بالكتابة الحرية. ويحتمل في مذهبنا ~~مثل ذلك؛ لأن لفظ الكتابة يحتمل المخارجة، ويحتمل العتق بالأداء، فلا بد من ~~تمييز أحدهما عن الآخر، ككنايات العتق. # ولنا، أن الحرية موجب عقد الكتابة، فتثبت عند تمامه، كسائر أحكامه، ولأن ~~الكتابة عقد وضع للعتق، فلم يحتج إلى لفظ العتق ولا نيته كالتدبير، وما ~~ذكروه من استعمال الكتابة في المخارجة إن ثبت، فليس بمشهور، فلم يمنع وقوع ~~الحرية به، كسائر الألفاظ الصريحة، على أن اللفظ المحتمل ينصرف بالقرائن ~~إلى أحد محتمليه، كلفظ التدبير في معاشه أو غير ذلك، وهو صريح في الحرية، ~~فهاهنا أولى. ms5908 ### | [فصل العتق قبل أداء جميع الكتابة] # (8701) الفصل الثالث: أنه لا يعتق قبل أداء جميع الكتابة، قال أحمد، في ~~عبد بين رجلين، كاتباه على ألف، فأدى تسعمائة، ثم أعتق أحدهما نصيبه. قال: ~~لا يعتق إلا نصف المائة. وقد روي عن عمر، وابنه، وزيد بن ثابت، وعائشة، ~~وسعيد بن المسيب والزهري، أنهم قالوا: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. رواه ~~عنهم الأثرم. وبه قال القاسم وسالم وسليمان بن يسار، وعطاء، وقتادة، ~~والثوري، وابن شبرمة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق وأصحاب الرأي. # وروي ذلك عن أم سلمة. وروى سعيد، بإسناده عن أبي قلابة، قال: «كن أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار» . ~~وبإسناده عن عطاء، أن ابن عمر كاتب غلاما على ألف دينار، فأدى إليه تسعمائة ~~دينار، وعجز عن مائة دينار، فرده ابن عمر في الرق.، # PageV10P373 # وذكر أبو بكر والقاضي وأبو الخطاب أنه إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة، وعجز ~~عن ربعها عتق؛ لأنه يجب رده إليه، فلا يرد إلى الرق بعجزه عنه، لأنه عجز عن ~~أداء حق هو له، لا حق للسيد، فلا معنى لتعجيزه فيما يجب رده إليه. # وقال علي - رضي الله عنه -: يعتق منه بقدر ما أدى. لما روى ابن عباس، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أصاب المكاتب حدا، أو ميراثا، ~~ورث بحساب ما عتق منه، ويؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر، وما بقي دية عبد» ~~رواه الترمذي، وقال حديث حسن. وروي عن عمر، وعلي - رضي الله عنهما -، أنه ~~إذا أدى الشطر، فلا رق عليه. # وروي ذلك عن النخعي. # وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: إذا أدى قدر قيمته، فهو غريم. ~~وقضى به شريح. وقال الحسن، في المكاتب: إذا عجز استسعى بعد العجز سنتين. # ولنا، ما روى سعيد، ثنا هشيم، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما رجل كاتب غلامه على ~~مائة أوقية، فعجز عن عشر ms5909 أواق، فهو رقيق» . وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه ~~درهم» . رواه أبو داود، ولأنه عوض عن المكاتب، فلا يعتق قبل أدائه، كالقدر ~~المتفق عليه، ولأنه لو أعتق بعضه، لسرى إلى باقيه، كما لو باشره بالعتق، ~~فإن العتق لا يتبعض في الملك. # فأما حديث ابن عباس، فمحمول على مكاتب لرجل مات، وخلف ابنين فأقر أحدهما ~~بكتابته، وأنكر الآخر، فأدى إلى المقر، أو ما أشبهها من الصور، جمعا بين ~~الأخبار، وتوفيقا بينهما وبين القياس. # ولأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فملك ما ~~يؤدي، فلتحتجب منه» دليل على اعتبار # PageV10P374 # جميع ما يؤدى، ويجوز أن يتوقف العتق على أداء الجميع، وإن جاز رد بعضه ~~إليه، كما لو قال: إذا أديت إلي ألفا، فأنت حر، ولله علي رد ربعها إليك. ~~فإنه لا يعتق قبل أداء جميعها، وإن وجب عليه رد بعضها. ### | [فصل الكتابة على كل مال يجوز السلم فيه] # (8702) فصل: وتجوز الكتابة على كل مال يجوز السلم فيه؛ لأنه مال يثبت في ~~الذمة مؤجلا في معاوضة، فجاز ذلك فيه، كعقد السلم. فإن كان من الأثمان، ~~وكان في البلد نقد واحد، جاز إطلاقه؛ لأنه ينصرف بالإطلاق إليه، فجاز ذلك ~~فيه، كالبيع، وإن كان فيه نقود أحدها أغلب في الاستعمال، جاز الإطلاق أيضا، ~~وانصرف إليه عند الإطلاق، كما لو انفرد، وإن كانت مختلفة متساوية في ~~الاستعمال، وجب بيانه بجنسه، وما يتميز به من غيره من النقود. وإن كان من ~~غير الأثمان، وجب وصفه بما يوصف به في السلم. # وما لا يصح في السلم فيه، لا يجوز أن يكون عوضا في الكتابة؛ لأنه عقد ~~معاوضة يثبت عوضه في الذمة، فلم يجز بعوض مجهول، كالسلم. # فإن كاتبه على عبد مطلق، لم يصح. ذكره أبو بكر. وهو قول الشافعي. وذكر ~~القاضي فيه وجهين أحدهما: لا يجوز. والآخر: يجوز. وهو قول أبي حنيفة، ~~ومالك؛ لأن العتق معنى لا يلحقه الفسخ، فجاز ms5910 أن يكون الحيوان المطلق عوضا ~~فيه، كالعقل. # ولنا، أن ما لا يجوز أن يكون عوضا في البيع والإجارة، لا يجوز أن يكون ~~عوضا في الكتابة، كالثوب المطلق، ويفارق العقل؛ لأنه بدل عن متلف مقدر في ~~الشرع، وهاهنا عوض في عقد، فأشبه البيع، ولأن الحيوان الواجب في العقل، ليس ~~بحيوان مطلق، بل هو مقيد بجنسه وسنه، فلم يصح الإلحاق به، ولأن الحيوان ~~المطلق لا تجوز الكتابة عليه، بغير خلاف بين الناس فيما علمناه. # وإنما الخلاف في العبد المطلق، ولم يرد به الشرع بدلا في موضع علمناه. ~~إذا ثبت هذا، فإن من صحح الكتابة به، أوجب له عبدا وسطا، وهو السندي، ويكون ~~وسطا من السنديين في قيمته، كقولنا في الصداق، ولا تصح الكتابة على حيوان ~~مطلق غير العبد، فيما علمناه، ولا على ثوب، ولا دار، ولذلك لا تجوز على ثوب ~~من ثيابه، ولا عمامة من عمائمه، ولا غير ذلك من المجهولات. وإن وصف ذلك ~~بأوصاف السلم، صح. # وممن أجاز الكتابة على العبيد، الحسن، وسعيد بن جبير، والنخعي، والزهري، ~~وابن سيرين، ومالك، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن أبي برزة، وحفصة - رضي الله ~~عنهما -. ### | [فصل الكتابة على خدمة ومنفعة مباحة] # (8703) فصل: وتصح الكتابة على خدمة ومنفعة مباحة؛ لأنها أحد العوضين في ~~الإجارة، فجاز أن تكون عوضا # PageV10P375 # في الكتابة، كالأثمان. ويشترط العلم بها، كما يشترط في الإجارة، فإن ~~كاتبه على خدمة شهر ودينار. صح، ولا يحتاج إلى ذكر الشهر، وكونه عقيب ~~العقد؛ لأن إطلاقه يقتضي ذلك، وإن عين الشهر لوقت لا يتصل بالعقد، مثل أن ~~يكاتبه في المحرم على خدمته في رجب ودينار، صح أيضا، كما يجوز أن يؤجره ~~داره شهر رجب في المحرم. # وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز على شهر لا يتصل بالعقد. ويشترطون ذكر ذلك، ~~ولا يجوزون إطلاقه؛ بناء على قولهم في الإجارة. وقد سبق ذكر الخلاف فيه، في ~~باب الإجارة. ويشترط كون الدينار المذكور مؤجلا؛ لأن الأجل شرط في عقد ~~الكتابة. فإن جعل محل الدينار بعد الشهر بيوم أو أكثر، صح. بغير ms5911 خلاف ~~نعلمه. وإن جعل محله في الشهر، أو بعد انقضائه، صح أيضا. وهذا قول بعض ~~أصحاب الشافعي. # وقال القاضي: لا يصح؛ لأنه يكون نجما واحدا. وهذا لا يصح؛ لأن الخدمة ~~كلها لا تكون في وقت محل الدينار، وإنما يوجد جزء منها يسير مقاربا له، ~~وسائرها فيما سواه، ولأن الخدمة بمنزلة العوض الحاصل في ابتداء مدتها، ~~ولهذا يستحق عوضها جميعه عند العقد، فيكون محلها غير محل الدينار، وإنما ~~جازت حالة؛ لأن المنع من الحلول في غيرها لأجل العجز عنه في الحال، وهذا ~~غير موجود في الخدمة، فجازت حالة. # وإن جعل محل الدينار قبل الخدمة، وكانت الخدمة غير متصلة بالعقد، بحيث ~~يكون الدينار مؤجلا، والخدمة بعده، جاز. وإن كانت الخدمة متصلة بالعقد، لم ~~يتصور كون الدينار قبله، ولم تجز في أوله؛ لأنه يكون حالا، ومن شرطه ~~التأجيل. ### | [فصل كاتبه على خدمة مفردة في مدة واحدة] # (8704) فصل: وإن كاتبه على خدمة مفردة، في مدة واحدة، مثل أن كاتبه على ~~خدمة شهر معين، أو سنة معينة، فحكمه حكم الكتابة على نجم واحد، على ما مضى ~~من القول فيه. ويحتمل أن يكون كالكتابة على أنجم، لأن الخدمة تستوفى في ~~أوقات متفرقة، بخلاف المال. فإن جعله على شهر، بعد شهر، كأن كاتبه في أول ~~المحرم، على خدمة فيه، وفي رجب، صح؛ لأنه على نجمين. وإن كاتبه على منفعة ~~في الذمة معلومة، كخياطة ثياب عينها، أو بناء حائط وصفه، صح أيضا، إذا ~~كاتبه على نجمين. # وإن قال: كاتبتك على أن تخدمني هذا الشهر، وخياطة كذا عقيب الشهر، صح. في ~~قول الجميع. وإن قال: على أن تخدمني شهرا من وقتي هذا، وشهرا عقيب هذا ~~الشهر، صح أيضا. وعند الشافعي، لا يصح. # ولنا، أنه كاتبه على نجمين، فصح، كالتي قبلها. ### | [فصل كاتب العبد وله مال] # (8705) فصل: وإذا كاتب العبد، وله مال، فماله لسيده، إلا أن يشترطه ~~المكاتب. وإن كانت له سرية أو ولد، فهو لسيده. # PageV10P376 # وبهذا قال الثوري، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي. ~~وقال الحسن: وعطاء، ms5912 والنخعي، وسليمان بن موسى، وعمرو بن دينار، ومالك، وابن ~~أبي ليلى، في المكاتب: ماله له. ووافقنا عطاء، وسليمان بن موسى، والنخعي، ~~وعمرو بن دينار، ومالك، في الولد، واحتج لهم بما روى عمر، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من أعتق عبدا، وله مال، فالمال للعبد» . # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من باع عبدا، وله مال، فماله ~~للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» . متفق عليه. # والكتابة بيع، ولأنه باعه نفسه، فلم يدخل معه غيره، كولده وأقاربه، ولأنه ~~هو وماله كانا لسيده، فإذا وقع العقد على أحدهما، بقي الآخر على ما كان ~~عليه، كما لو باعه لأجنبي. وحديثهم ضعيف، قد ذكرنا ضعفه. ### | [مسألة لمن يكون ولاء المكاتب؟] # (8706) مسألة: قال: (وولاؤه لمكاتبه) لا نعلم خلافا بين أهل العلم، في أن ~~ولاء المكاتب لسيده، إذا أدى إليه. وبه يقول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ~~وذلك لأن الكتابة إنعام وإعتاق له؛ لأن كسبه كان لسيده بحكم ملكه إياه، ~~فرضي به عوضا عنه، وأعتق رقبته عوضا عن منفعته المستحقة له بحكم الأصل، ~~فكان معتقا له، منعما عليه، فاستحق ولاءه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الولاء لمن أعتق» . وفي حديث بريرة، أنها قالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، ~~في كل عام أوقية، فقالت عائشة: إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، ويكون ~~ولاؤك لي، فعلت. فرجعت بريرة إلى أهلها، فذكرت ذلك لهم، فأبوا إلا أن يكون ~~الولاء لهم. وهذا يدل على أن ثبوت الولاء على المكاتب لسيده كان متقررا ~~عندهم. والله أعلم. ### | [مسألة إيتاء المكاتب شيئا مما كوتب عليه] # (8707) مسألة: قال: (ويعطى مما كوتب عليه الربع؛ لقول الله تعالى: ~~{وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] الكلام في الإيتاء في خمسة ~~فصول: وجوبه، وقدره، وجنسه، ووقت جوازه، ووقت وجوبه. (8708) أما الأول: ~~فإنه يجب على السيد إيتاء المكاتب شيئا مما كوتب عليه. روي ذلك عن علي - ~~رضي الله عنه -. وبه قال الشافعي، وإسحاق. # وقال بريدة، والحسن، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة: ليس بواجب؛ ~~لأنه عقد ms5913 معاوضة، فلا يجب فيه الإيتاء، كسائر عقود المعاوضات. # ولنا، قول الله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] . ~~وظاهر الأمر الوجوب، # PageV10P377 # قال علي - رضي الله عنه - في تفسيرها: ضعوا عنهم ربع مال الكتابة. وعن ~~ابن عباس، - رضي الله عنهما -، قال: ضعوا عنهم من مكاتبتهم شيئا. # وتخالف الكتابة سائر العقود؛ فإن القصد بها الرفق بالعبد، بخلاف غيرها، ~~ولأن الكتابة يستحق بها الولاء على العبد مع المعاوضة، فلذلك يجب أن يستحق ~~العبد على السيد شيئا. فإن قيل: المراد بالإيتاء، إعطاؤه سهما من الصدقة، ~~أو الندب إلى التصدق عليه، وليس ذلك بواجب، بدليل أن العقد يوجب العوض ~~عليه، فكيف يقتضي إسقاط شيء منه؟ قلنا: أما الأول، فإن عليا وابن عباس - ~~رضي الله عنهما -، فسراه بما ذكرناه، وهما أعلم بتأويل القرآن، وحمل الأمر ~~على الندب يخالف مقتضى الأمر، فلا يصار إليه إلا بدليل. # وقولهم: إن العقد يوجب عليه، فلا يسقط عنه. قلنا: إنما يجب للرفق به عند ~~آخر كتابته، مواساة له، وشكرا لنعمة الله تعالى، كما تجب الزكاة مواساة من ~~النعم التي أنعم الله تعالى بها على عبده، ولأن العبد ولي جمع هذا المال، ~~وتعب فيه، فاقتضى الحال مواساته منه، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بإطعامه من الطعام الذي ولي حره ودخانه، واختص هذا بالوجوب؛ لأن فيه معونة ~~على العتق، وإعانة لمن يحق على الله تعالى عونه، فإن أبا هريرة، - رضي الله ~~عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة حق على الله ~~تعالى عونهم، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح ~~الذي يريد العفاف» . أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن. ### | [فصل قدر ما يوضع عن المكاتب] # (8709) الفصل الثاني: في قدره، وهو الربع. ذكره الخرقي، وأبو بكر، ~~وغيرهما من أصحابنا. وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه -. وقال قتادة: العشر. ~~وقال الشافعي، وابن المنذر: يجزئ ما يقع عليه الاسم. وهو قول مالك، إلا أنه ~~عنده مستحب؛ لقول الله تعالى: {من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] . ~~(ومن) للتبعيض، والقليل ms5914 بعض، فيكتفى به. وقال ابن عباس: ضعوا عنهم من ~~مكاتبتهم شيئا. # ولأنه قد ثبت أن المكاتب لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة، بما ذكرنا من ~~الأخبار، ولو وجب إيتاؤه الربع، لوجب أن يعتق إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة، ~~ولا يجب عليه أداء مال يجب رده إليه، # PageV10P378 # وروي عن ابن عمر، أنه كاتب عبدا له على خمسة وثلاثين ألفا، فأخذ منه ~~ثلاثين، وترك له خمسة. # ولنا، ما روى أبو بكر، بإسناده عن علي - رضي الله عنه - «عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: ~~33] . فقال: ربع الكتابة» . وروي موقوفا على علي. # ولأنه مال يجب إيتاؤه مواساة بالشرع، فكان مقدرا، كالزكاة، ولأن حكمة ~~إيجابه الرفق بالمكاتب، وإعانته على تحصيل العتق، وهذا لا يحصل باليسير ~~الذي هو أقل ما يقع عليه الاسم، فلم يجز أن يكون هو الواجب، وقول الله ~~تعالى: {وآتوهم من مال الله} [النور: 33] . وإن ورد غير مقدر، فإن السنة ~~تبينه، وتبين قدره، كالزكاة. ### | [فصل إعطاء المكاتب من جنس مال الكتابة] # (8710) الفصل الثالث: في جنسه، إن قبض مال الكتابة، ثم أعطاه منه، جاز؛ ~~لأن الله تعالى أمر بالإيتاء منه. وإن وضع عنه بما وجب عليه، جاز؛ لأن ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، فسروا الإيتاء بذلك، ولأنه أبلغ في النفع، ~~وأعون على حصول العتق، فيكون أفضل من الإيتاء، وتحصل دلالة الآية عليه من ~~طريق التنبيه. وإن أعطاه من جنس مال الكتابة من غيره، جاز. ويحتمل أن لا ~~يلزم المكاتب قبوله. وهو ظاهر كلام الشافعي؛ لأن الله تعالى أمر بالإيتاء ~~منه. # ولنا، أنه لا فرق في المعنى بين الإيتاء منه، وبين الإيتاء من غيره، إذا ~~كان من جنسه، فوجب أن يتساويا في الإجزاء، وغير المنصوص إذا كان في معناه ~~ألحق به، وكذلك جاز الحط، وليس هو بإيتاء، لما كان في معناه. وإن آتاه من ~~غير جنسه، مثل أن يكاتبه على دراهم، فيعطيه دنانير أو عروضا، لم يلزمه ~~قبوله؛ لأنه لم يؤته منه ولا من جنسه. ويحتمل ms5915 الجواز؛ لأن الرفق به يحصل ~~به. ### | [فصل وقت جواز إعطاء المكاتب شيئا مما كوتب عليه] # (8711) الفصل الرابع: في وقت جوازه، وهو من حين العقد؛ لقول الله تعالى: ~~{فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم} [النور: 33] . وذلك يحتاج إليه من ~~حين العقد، وكلما عجله كان أفضل؛ لأنه يكون أنفع، كالزكاة. ### | [فصل وقت وجوب إعطاء المكاتب شيئا مما كوتب عليه] # (8712) الفصل الخامس: في وقت وجوبه، وهو حين العتق؛ لأن الله تعالى أمر ~~بإيتائه من المال الذي آتاه، وإذا آتى المال عتق، فيجب إيتاؤه حينئذ. قال ~~علي - رضي الله عنه - الكتابة على نجمين، والإيتاء من الثاني. فإن مات ~~السيد قبل إيتائه، فهو دين في تركته؛ لأنه حق واجب، فهو كسائر ديونه. وإن ~~ضاقت التركة عنه وعن غيره من الديون، تحاصوا في التركة بقدر حقوقهم، ويقدم ~~ذلك على الوصايا؛ لأنه دين، وقد قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الدين ~~قبل الوصية والله الموفق. ### | [مسألة قال عجلت الكتابة قبل محلها] # (8713) مسألة: قال: (وإن عجلت الكتابة قبل محلها، لزم السيد الأخذ، وعتق ~~من وقته في إحدى الروايتين # PageV10P379 # عن أبي عبد الله، رحمه الله. والرواية الأخرى، إذا ملك ما يؤدي، فقد صار ~~حرا) الكلام في هذه المسألة في فصلين: (8714) الفصل الأول: فيما إذا عجل ~~المكاتب الكتابة قبل محلها. فالمنصوص عن أحمد، أنه يلزم قبولها، ويعتق ~~المكاتب. وذكر أبو بكر فيه رواية أخرى، أنه لا يلزم قبول المال إلا عند ~~نجومه؛ لأن بقاء المكاتب في هذه المدة في ملكه حق له، ولم يرض بزواله، فلم ~~يزل، كما لو علق عتقه على شرط، لم يعتق قبله. # والصحيح في المذهب: الأول. وهو مذهب الشافعي، إلا أن القاضي قال: أطلق ~~أحمد والخرقي هذا القول، وهو مقيد بما لا ضرر في قبضه قبل محله، كالذي لا ~~يفسد، ولا يختلف قديمه وحديثه، ولا يحتاج إلى مؤنة في حفظه، ولا يدفعه في ~~حال خوف يخاف ذهابه، فإن اختل أحد هذه الأمور، لم يلزم قبضه، مثل أن يكون ~~مما يفسد؛ كالعنب، والرطب، والبطيخ، أو يخاف ms5916 تلفه كالحيوان، فإنه ربما تلف ~~قبل المحل، ففاته مقصوده. # وإن كان مما يكون حديثه خيرا من قديمه، لم يلزمه أيضا أخذه؛ لأنه ينقص ~~إلى حين الحلول، وإن كان مما يحتاج إلى مخزن، كالطعام والقطن، لم يلزمه ~~أيضا؛ لأنه يحتاج في إبقائه إلى وقت المحل إلى مؤنة، فيتضرر بها، ولو كان ~~غير هذا، إلا أن البلد مخوف، يخاف نهبه، لم يلزمه أخذه؛ لأن في أخذه ضررا ~~لم يرض بالتزامه، وكذلك لو سلمه إليه في طريق مخوف، أو موضع يتضرر بقبضه ~~فيه، لم يلزمه قبضه، ولم يعتق المكاتب ببذله. # قال القاضي: والمذهب عندي أن في قبضه تفصيلا، على حسب ما ذكرناه في ~~السلم. ولأنه لا يلزم الإنسان التزام ضرر لم يقتضه العقد، ولو رضي ~~بالتزامه. # وأما ما لا ضرر في قبضه، فإذا عجله، لزم السيد أخذه. وذكر أبو بكر، أنه ~~يلزمه قبوله من غير تفصيل، اعتمادا على إطلاق أحمد القول في ذلك، وهو ظاهر ~~إطلاق الخرقي؛ لما روى الأثرم، بإسناده عن أبي بكر بن حزم، أن رجلا أتى عمر ~~- رضي الله عنه - فقال يا أمير المؤمنين، إني كاتبت على كذا وكذا، وإني ~~أيسرت بالمال، فأتيته به، فزعم أنه لا يأخذها إلا نجوما. فقال عمر - رضي ~~الله عنه -: يا يرفأ، خذ هذا المال، فاجعله في بيت المال، وأد إليه نجوما ~~في كل عام، وقد عتق هذا. فلما رأى ذلك سيده، أخذ المال. وعن عثمان بنحو ~~هذا. # PageV10P380 # ورواه سعيد بن منصور، في سننه، عن عمر وعثمان جميعا. قال: حدثنا هشيم، عن ~~ابن عوف، عن محمد بن سيرين، أن عثمان قضى بذلك. # ولأن الأجل حق لمن عليه الدين، فإذا قدمه فقد رضي بإسقاط حقه، فسقط، ~~كسائر الحقوق. فإن قيل: إذا علق عتق عبده على فعل في وقت، ففعله في غيره لم ~~يعتق، فكذلك إذا قال: إذا أديت إلي ألفا في رمضان. فأداه في شعبان، لم ~~يعتق. قلنا: تلك صفة مجردة، لا يعتق إلا بوجودها، والكتابة معاوضة يبرأ ~~فيها بأداء العوض، فافترقا، وكذلك لو أبرأه من ms5917 العوض في المكاتبة، عتق، ولو ~~أبرأه من المال في الصفة المجردة، لم يعتق. # والأولى، إن شاء الله تعالى ما قاله القاضي، في أن ما كان في قبضه ضرر، ~~لم يلزمه، قبضه ولم يعتق ببذله؛ لما ذكره من الضرر الذي لم يقتضه العقد، ~~وخبر عمر - رضي الله عنه - لا دلالة فيه على وجوب قبض ما فيه ضرر، ولأن ~~أصحابنا قالوا: لو لقيه في بلد آخر، فدفع إليه نجوم الكتابة أو بعضها، ~~فامتنع من أخذها لضرر فيه من خوف، أو مؤنة حمل، لم يلزمه قبوله؛ لما عليه ~~من الضرر فيه، وإن لم يكن فيه ضرر، لزمه قبضه. كذا هاهنا. وكلام أحمد، - ~~رحمه الله -، محمول على ما إذا لم يكن في قبضه ضرر، وكذلك قول الخرقي وأبي ~~بكر. ### | [فصل أحضر المكاتب مال الكتابة أو بعضه ليسلمه فقال السيد هذا حرام لا أقبله منك] # (8715) فصل: إذا أحضر المكاتب مال الكتابة، أو بعضه، ليسلمه، فقال السيد: ~~هذا حرام، أو غصب، لا أقبله منك. سئل العبد عن ذلك، فإن أقر به، لم يلزم ~~السيد قبوله؛ لأنه لا يلزمه أخذ المحرم، ولا يجوز له، وإن أنكر، وكانت ~~للسيد بينة بدعواه، لم يلزمه قبوله، وتسمع بينته؛ لأن له حقا في أن لا ~~يقتضي دينه من حرام، ولا يأمن من أن يرجع صاحبه عليه به، وإن لم تكن له ~~بينة، فالقول قول العبد مع يمينه، فإن نكل عن اليمين، لم يلزم السيد قبوله ~~أيضا، وإن حلفه، قيل للسيد: إما أن تقبضه وإما أن تبرئه ليعتق. فإن قبضه، ~~وكان تمام كتابته، عتق، ثم ينظر؛ فإن ادعى أنه حرام مطلقا، لم يمنع منه؛ ~~لأنه لا يقر به لأحد، وإنما تحريمه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن ادعى ~~أنه غصبه من فلان، لزمه دفعه إليه إن ادعاه لأن قوله: وإن لم يقبل في حق # PageV10P381 # المكاتب، فإنه يقبل في حق نفسه، كما لو قال رجل لعبد في يد غيره: هذا حر. ~~وأنكر ذلك من العبد في يده، لم يقبل قوله عليه، فإن انتقل ms5918 إليه بسبب من ~~الأسباب، لزمته حريته. # وإن أبرأه من مال الكتابة حين امتنع المكاتب من قبضه، لم يلزمه قبضه؛ ~~لأنه لم يبق له عليه حق. # وإن لم يبرئه ولم يقبضه، كان له دفع ذلك إلى الحاكم، ويطالبه بقبضه، ~~فينوب الحاكم في قبضه عنه، ويعتق العبد، كما رويناه عن عمر وعثمان، في ~~قبضهما مال الكتابة حين امتنع المكاتب من قبضه. ### | [فصل الكتابة على جنس] # (8716) فصل: وإذا كاتبه على جنس، لم يلزمه قبض غيره، فلو كاتبه على ~~دنانير، لم يلزمه قبض دراهم، ولا عرض، وإن كاتبه على دراهم، لم يلزمه أخذ ~~الدنانير، ولا العروض. وإن كاتبه على عرض موصوف، لم يلزمه قبض غيره. وإن ~~كاتبه على نقد، فأعطاه من جنسه خيرا منه، وكان ينفق فيما ينفق فيه الذي ~~كاتبه عليه، لزمه أخذه؛ لأنه زاده خيرا، وإن كان لا ينفق في بعض البلدان ~~التي ينفق فيها ما كاتبه عليه، لم يلزمه قبوله؛ لأن عليه فيه ضررا. ### | [فصل المكاتب ملك ما يؤدي] # (8717) الفصل الثاني: إذا ملك ما يؤدي، فالصحيح أنه لا يعتق حتى يؤدي. ~~روي ذلك عن عمر، وابنه وزيد، وعائشة - رضي الله عنهم -؛ فإنهم قالوا: ~~المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. وهو قول أكثر أهل العلم، وعن أحمد - رضي ~~الله عنه - رواية أخرى أنه إذا ملك ما يؤدي، عتق؛ لما روى سعيد، قال: حدثنا ~~سفيان عن الزهري، عن نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده ما يؤدي، فلتحتجب منه» ~~. ورواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. فأمرهن ~~بالحجاب بمجرد ملكه لما يؤديه، ولأنه مالك لوفاء مال الكتابة، أشبه ما لو ~~أداه. فعلى هذه الرواية، يصير حرا بملك الوفاء فمتى امتنع منه أجبره الحاكم ~~عليه. # وإن هلك ما في يديه قبل الأداء، صار دينا في ذمته، وقد صار حرا. # ووجه الرواية الأولى، ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: ms5919 «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» . وقوله: «أيما ~~عبد كاتب على مائة أوقية، فأداها إلا عشر أواق فهو عبد، وأيما عبد كاتب على ~~مائة دينار، فأداها إلا عشرة دنانير، فهو عبد» . رواه سعيد. وفي رواية: «من ~~كاتب عبده على مائة أوقية، فأداها إلا عشر أواق. أو قال: إلا عشرة دراهم، ~~ثم عجز، فهو رقيق» . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. ولأنه عتق علق ~~بعوض، فلم يعتق قبل أدائه، كما لو قال: إذا أديت إلي ألفا فأنت حر. فعلى ~~هذه # PageV10P382 # الرواية، إن أدى عتق، وإن لم يؤد لم يعتق. # فإن امتنع من الأداء، فقال أبو بكر: يؤديه الإمام منه، ولا يكون ذلك ~~عجزا، ولا يملك السيد الفسخ، وهو قول أبي حنيفة. ويحتمل كلام الخرقي، أنه ~~إذا لم يؤد، عجزه السيد إن أحب، فإنه قال إذا لم يؤد نجما، حتى حل نجم آخر، ~~عجزه السيد إن أحب، وعاد عبدا غير مكاتب. ونحوه قال الشافعي، فإنه قال: إن ~~شاء عجز نفسه، وامتنع من الأداء. ووجهه أن العبد لا يجبر على اكتساب ما ~~يؤديه في الكتابة، فلا يجبر على الأداء، كسائر العقود الجائزة. ووجه الأول، ~~أنه يثبت للعقد استحقاق الحرية بملك ما يؤدي، فلم يملك إبطالها، كما لو ~~أدى. فإن تلف المال قبل أدائه، جاز بعجزه واسترقاقه. وجها واحدا. ### | [مسألة أدى بعض كتابته ومات وفي يده وفاء] # (8718) مسألة: قال: (وإذا أدى بعض كتابته، ومات وفي يده وفاء وفضل، فهو ~~لسيده. في إحدى الروايتين. والأخرى، لسيده بقية كتابته والباقي لورثته) ~~يحتمل أن هذه المسألة مبنية على ما قبلها، فإذا قلنا: إنه لا يعتق بملك ما ~~يؤدي. فقد مات رقيقا، فانفسخت الكتابة بموته، وكان ما في يده لسيده، وإن ~~قلنا: إنه عتق بملك ما يؤدي. فقد مات حرا، وعليه لسيده بقية كتابته؛ لأنه ~~دين له عليه، والباقي لورثته. قال القاضي: الأصح أنه تنفسخ الكتابة بموته، ~~ويموت عبدا، وما في يده لسيده. رواه الأثرم بإسناده عن عمر وزيد، والزهري. ~~وبه قال إبراهيم، وعمر بن عبد العزيز، ms5920 وقتادة، والشافعي؛ لما ذكرناه في ~~التي قبلها، ولأنه مات قبل أداء مال الكتابة، فوجب أن تنفسخ، كما لو لم يكن ~~له مال، ولأنه عتق علق بشرط مطلق، فينقطع بالموت، كما لو قال: إذا أديت إلي ~~ألفا، فأنت حر. والرواية # الثانية، يعتق، ويموت حرا، ولسيده بقية كتابته، وما فضل لورثته. روي ذلك ~~عن علي، وابن مسعود، ومعاوية. وبه قال عطاء، والحسن وطاوس، وشريح، والنخعي، ~~والثوري، والحسن بن صالح، ومالك، وإسحاق، وأصحاب الرأي، إلا أن أبا حنيفة ~~قال: يكون حرا في آخر جزء من حياته. وهذا قول القاضي. # ووجه هذه الرواية، ما قدمنا في التي قبلها، ولأنها معاوضة لا تنفسخ بموت ~~أحد المتعاقدين، فلا تنفسخ بموت الآخر، كالبيع، ولأن العبد أحد من تمت به ~~الكتابة، فلم تنفسخ بموته كالسيد. والأولى أولى. وتفارق الكتابة البيع؛ لأن ~~كل واحد من المتعاقدين غير معقود عليه، ولا يتعلق العقد بعينه، فلم ينفسخ ~~بتلفه، # PageV10P383 # والمكاتب هو المعقود عليه، والعقد يتعلق بعينه، فإذا تلف قبل تمام ~~الأداء، انفسخ العقد، كما لو تلف المبيع قبل قبضه، ولأنه مات قبل وجود شرط ~~حريته، ويتعذر وجوده بعد موته. ### | [فصل انفساخ الكتابة] # (8719) فصل: وإذا مات ولم يخلف وفاء، فلا خلاف في المذهب أن الكتابة ~~تنفسخ بموته، ويموت عبدا، وما في يده لسيده. وهو قول أهل الفتوى من أئمة ~~الأمصار، إلا أن يموت بعد أداء ثلاثة أرباع الكتابة عند أبي بكر والقاضي ~~ومن وافقهما، فإنه يموت حرا، في مقتضى قولهم. وقال مالك: إن كان له ولد حر، ~~انفسخت الكتابة، وإن كان له مملوك في كتابته، أجبر على دفع المال كله إن ~~كان له مال، وإن لم يكن له مال، أجبر على الاكتساب والأداء. وقد روي عن علي ~~- رضي الله عنه - أنه يعتق منه بقدر ما أدى. # وروي عن ابن عباس، - رضي الله عنهما -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إذا أصاب المكاتب حدا، أو ميراثا، ورث بقدر ما أدى، ويؤدي المكاتب ~~بحصة ما أدى» . وعن عمر، وعلي، والنخعي: إذا أدى الشطر، فلا ms5921 رق عليه. وقال ~~ابن مسعود: إذا أدى قدر قيمته، فهو غريم. وقد ذكرنا الجواب عن هذه الأقوال ~~كلها فيما تقدم بما أغنى عن إعادته، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل انفساخ الكتابة بالجنون] # (8720) فصل: ولا تنفسخ الكتابة بالجنون؛ لأنها عقد لازم، فلم تنفسخ ~~بالجنون، كالرهن، وفارق الموت؛ لأن العقد على العين، والموت يفوت العين، ~~بخلاف الجنون، ولأن القصد من الكتابة العتق، والموت ينافيه، ولهذا لا يصح ~~عتق الميت، والجنون لا ينافيه؛ بدليل صحة عتق المجنون. فعلى هذا، إن أدى ~~إليه المال، عتق؛ لأن السيد إذا قبض منه، فقد استوفى حقه الذي كان عليه، ~~وله أخذ المال من يده، فيتضمن ذلك براءته من المال، فيعتق بحكم العقد، وإن ~~لم يؤد، كان للسيد أن يحضره عند الحاكم، وتثبت الكتابة بالبينة، فيبحث ~~الحاكم عن ماله، فإن وجد له مالا، سلمه في الكتابة، وعتق، وإن لم يجد له ~~مالا جعل، له أن يعجزه، ويلزمه الإنقاق عليه؛ لأنه عاد قنا، ثم إن وجد له ~~الحاكم بعد ذلك مالا يفي بمال الكتابة، أبطل فسخ السيد؛ لأن الباطن بان ~~بخلاف ما حكم به، فبطل حكمه، كما إذا أخطأ النص وحكم بالاجتهاد، إلا أنه ~~يرد على السيد ما أنفقه من حين الفسخ؛ لأنه لم يكن مستحقا عليه في الباطن. # PageV10P384 # وإن أفاق، فأقام البينة أنه كان قد دفع إليه مال الكتابة، بطل أيضا فسخ ~~السيد، ولا يرد عليه ما أنفقه؛ لأنه أنفق عليه مع علمه بحريته، فكان متطوعا ~~بذلك، فلم يرجع به. وينبغي أن يستحلف السيد الحاكم، أنه ما استوفى مال ~~الكتابة. وهذا قول أصحاب الشافعي. ولم يذكره أصحابنا، وهو حسن؛ لأنه ~~استوفاه، والمجنون لا يعبر عن نفسه فيدعيه، فيقوم الحاكم مقامه في استحلافه ~~عليه. ### | [فصل انفساخ الكتابة بقتل المكاتب] # (8721) فصل: وقتل المكاتب كموته في انفساخ الكتابة، على ما أسلفناه من ~~الخلاف، سواء كان القاتل السيد أو الأجنبي. ولا قصاص على قاتله الحر لأن ~~المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. فإن كان القاتل سيده ولم يخلف وفاء انفسخت ~~الكتابة، وعاد ms5922 ما في يده إلى سيده، ولم يجب عليه شيء؛ لأنه لو وجب لوجب له. ~~فإن قيل: فالقاتل لا يستحق بالقتل شيئا من تركة المقتول. قلنا: هاهنا لا ~~يرجع إليه مال المكاتب ميراثا، بل بحكم ملكه عليه، لزوال الكتابة، وإنما ~~يمنع القاتل الميراث خاصة، ألا ترى أن من له دين مؤجل، إذا قتل من عليه ~~الحق، حل دينه؟ وفي رواية: وأم الولد إذا قتلت سيدها عتقت. وإن كان المكاتب ~~قد خلف وفاء، وقلنا: إن الكتابة تنفسخ بموته. فالحكم كذلك. وإن قلنا: لا ~~تنفسخ بموته. فله القيمة على سيده تصرف إلى ورثته، كما لو كانت الجناية على ~~بعض أطرافه في حياته. # فإن كان الوفاء يحصل بإيجاب القيمة، ولا يحصل بدونها، وجبت، كما لو خلف ~~وفاء؛ لأن دية المقتول كتركته، في قضاء ديونه منها، وانصرافها إلى وراثه ~~بينهم على فرائض الله تعالى. ولا فرق، فيما ذكرنا، بين أن يخلف وارثا، أو ~~لا يخلف وارثا. # وذكر القاضي، أنه إذا لم يخلف وارثا سوى سيده، لم تجب القيمة عليه بحال. # ولنا، أن من لا وارث له، يصرف ماله إلى المسلمين ولا حق لسيده فيه؛ لأن ~~صرفه إلى سيده بطريق الإرث، والقاتل لا ميراث له. وإن كان القاتل أجنبيا، ~~وجبت القيمة لسيده، إلا في الموضع الذي لا تنفسخ الكتابة، فإنها تجب ~~لورثته. والله أعلم. ### | [مسألة انفساخ الكتابة بموت السيد] # (8722) مسألة: قال: (وإذا مات السيد، كان العبد على كتابته، وما أدى فبين ~~ورثة سيده، مقسوما كالميراث) وجملة ذلك أن الكتابة لا تنفسخ بموت السيد، لا ~~نعلم فيه بين أهل العلم خلافا؛ وذلك لأنه عقد لازم من جهته، لا سبيل إلى ~~فسخه، فلم ينفسخ بموته، كالبيع والإجارة. # إذا ثبت هذا، فإن المكاتب يؤدي نجومه، وما بقي منها، إلى ورثته؛ لأنه دين ~~لموروثهم، ويكون مقسوما # PageV10P385 # بينهم على قدر مواريثهم، كسائر ديونه؛ فإن كان له أولاد ذكور وإناث، ~~فللذكر مثل حظ الأنثيين. ولا يعتق حتى يؤدي إلى كل ذي حق حقه، فإن أدى إلى ~~بعضهم دون بعض لم يعتق، كما ms5923 لو كان بين شركاء، فأدى إلى بعضهم، فإن كان ~~بعضهم غائبا، وكان له وكيل، دفع نصيبه إلى وكيله، وإن لم يكن له وكيل، دفع ~~نصيبه إلى الحاكم، وعتق. وإن كان موليا عليه، دفع نصيبه إلى وليه؛ إما ابنه ~~أو وصيه أو الحاكم أو أمينه. فإن كان له وصيان، لم يبرأ إلا بالدفع إليهما ~~معا. # وإن كان الوارث رشيدا، قبض لنفسه، ولا تصح الوصية إلى غيره ليقبض له، لأن ~~الرشيد ولي نفسه. وإن كان بعضهم رشيدا، وبعضهم موليا عليه، فحكم كل واحد ~~منهم حكمه لو انفرد. # وإن أذن بعضهم له في الأداء إلى الآخر، وكان الذي أذن له في ذلك رشيدا، ~~فأدى إلى الآخر جميع حقه، عتق نصيبه، فإن كان معسرا، لم يسر إلى نصيب ~~شريكه، وإن كان موسرا، عتق عليه كله، وقوم عليه باقيه، كما لو كان بين ~~شريكين فأعتق أحدهما نصيبه. وهذا ظاهر كلام الخرقي. وهو أحد قولي الشافعي. ~~وقال القاضي: لا يسري عتقه، وإن كان موسرا. وهو القول الثاني للشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: لا يعتق إلا بأداء جميع مال الكتابة؛ لأنه أدى بعض مال الكتابة، ~~فأشبه ما لو أداه إلى السيد. # وإن أبرأه من مال الكتابة، برئ منه، وعتق. وإن أبرأه بعضهم، عتق نصيبه، ~~وكذلك إن أعتق نصيبه منه، عتق. والخلاف في هذا كله، كالخلاف فيما إذا أدى ~~إلى بعضهم بإذن الآخر. # ولنا، على أنه يعتق نصيب من أبرأه من حقه عليه، أو استوفى نصيبه بإذن ~~شركائه، أنه أبرأه من جميع ما له عليه، فوجب أن يلحقه العتق، كما لو أبرأه ~~سيده من جميع مال الكتابة، وفارق ما إذا أبرأه سيده من بعض مال الكتابة؛ ~~لأنه ما أبرأه من جميع حقه. # ولنا، على سراية عتقه، أنه إعتاق لبعض العبد الذي يجوز إعتاقه، من موسر ~~جائز التصرف، غير محجور عليه، فوجب أن يسري عتقه، كما لو كان قنا، ولأنه ~~عتق حصل بفعله واختياره، فسرى، كمحل الوفاق. فإن قيل: في السراية ضرر ~~بالشركاء؛ لأنه قد يعجز، فيرد إلى الرق. قلنا: ms5924 إذا كان العتق في محل الوفاق ~~يزيل الرق المتمكن، الذي لا كتابة فيه، فلأن يزيل عرضية ذلك بطريق الأولى. # PageV10P386 ### | [مسألة المكاتب يموت سيده وعليه بقية من كتابته] # (8723) مسألة: قال: (وولاؤه لسيده، وإن عجز، فهو عبد لسائر الورثة) ، أما ~~إذا عجز، ورد في الرق، فإنه يكون عبدا لجميع الورثة، كما لو لم يكن مكاتبا؛ ~~لأنه من مال موروثهم، فكان بينهم كسائر المال، وأما إذا أدى مال الكتابة، ~~وعتق، فقال الخرقي: يكون ولاؤه لمكاتبه، يختص به عصباته دون أصحاب الفروض. ~~وهذا قول أكثر الفقهاء. وهو اختيار أبي بكر. ونقله إسحاق بن منصور، عن ~~أحمد، - رحمه الله -، وإسحاق. وروى حنبل، وصالح بن أحمد، عن أبيه، قال: ~~اختلف الناس في المكاتب يموت سيده، وعليه بقية من كتابته، فقال بعض الناس: ~~الولاء للرجال والنساء. # وقال بعض الناس: لا ولاء للنساء؛ لأن هذا إنما هو دين على المكاتب، ولا ~~يرث النساء من الولاء إلا ما كاتبن، أو أعتقن. ولكل وجه. والذي أراه ويغلب ~~علي أنهن يرثن؛ وذلك لأن المكاتب لو عجز بعد وفاة السيد، رد رقيقا. وهذا ~~قول طاوس، والزهري، وذلك لأن المكاتب انتقل إلى الورثة بموت المكاتب، فكان ~~ولاؤه لهم، كما لو انتقل إلى المشتري، ولأنه يؤدي إلى الورثة، فكان ولاؤه، ~~لهم كما لو أدى إلى المشتري. # ووجه الأول أن السيد هو المنعم بالعتق، فكان الولاء له كما لو أدى إليه، ~~ولأن الورثة إنما ينتقل إليهم ما بقي للسيد، وإنما بقي للسيد دين في ذمة ~~المكاتب، والفرق بين الميراث والشراء، أن السيد نقل حقه في البيع باختياره، ~~فلم يبق له فيه حق من وجه، والوارث يخلف الموروث ويقوم مقامه، ويبني على ما ~~فعله موروثه، ولا ينتقل إليه شيء أمكن بقاؤه لموروثه، والولاء مما أمكن ~~بقاؤه للموروث، فوجب أن لا ينتقل عنه. ### | [فصل أعتق الورثة المكاتب] # (8724) فصل: فإن أعتقه الورثة صح عتقهم؛ لأنه ملك لهم، فصح عتقهم له، ~~ولأن السيد لو أعتقه نفذ عتقه، وهم يقومون مقام موروثهم، ويكون ولاؤه لهم؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه ms5925 وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق» . وإن أعتق ~~بعضهم نصيبه، فعتق عليه كله، قوم عليه نصيب شركائه، وكان ولاؤه له. وإن لم ~~يسر عتقه؛ لكونه معسرا، أو لغير ذلك، فله ولاء ما أعتقه؛ للخبر، ولأنه منعم ~~عليه بالعتق، فكان الولاء له كغير المكاتب. وقال القاضي: إن أعتقوه كلهم ~~قبل عجزه، كان الولاء للسيد، وإن أعتق بعضهم، لم يسر عتقه، ثم ينظر؛ فإن ~~أدى إلى الباقين، عتق كله، وكان ولاؤه للسيد، وإن عجز فردوه إلى الرق، كان ~~ولاء نصيب المعتق له؛ لأنه لولا إعتاقه، لعاد سهمه رقيقا، كسهام سائر ~~الورثة، فلما أعتقه، كان هو المنعم عليه فكان الولاء له دونهم. # فأما إن أبرأه الورثة كلهم، عتق، وكان ولاؤه على الروايتين اللتين ~~ذكرناهما، فيما إذا أدى إليهم؛ لأن # PageV10P387 # الإبراء جرى مجرى استيفاء ما عليه. ويحتمل أن يكون الولاء لهم؛ لأنهم ~~أنعموا عليه بما عتق به، فأشبه ما لو أعتقوه. وإن أبرأه بعضهم من نصيبه، ~~كان في ولائه ما ذكرناه من الخلاف. والله أعلم. ### | [فصل باع الورثة المكاتب أو وهبوه] # (8725) فصل: إذا باع الورثة المكاتب، أو وهبوه، صح بيعهم وهبتهم، لأنهم ~~يقومون مقام المكاتب، والمكاتب يملك بيعه وهبته فكذلك ورثته، ويكون عند ~~المشتري والموهوب له مبقى على كتابته، فإن عجز فعجزه، عاد رقيقا له، وإن ~~أدى وعتق، كان ولاؤه لمن يؤدي إليه. على الرواية التي تقول: إن ولاءه ~~للورثة، إذا أدى إليهم. # وأما على الرواية الأخرى، فيحتمل أن لا يصح بيعه ولا هبته؛ لأن ذلك يقتضي ~~إبطال سبب ثبوت الولاء للسيد الذي كاتبه، وليس ذلك للورثة، ويحتمل أن يصح، ~~ويكون الولاء للسيد إن عتق بالكتابة؛ لأن السيد عقدها، فعتق بها، فكان ~~ولاؤه له، ويفارق ما لو باعه السيد؛ لأن السيد ببيعه أبطل حق نفسه، وله ذلك ~~بخلاف الورثة؛ فإنهم لا يملكون إبطال حق موروثهم. ### | [فصل وصى السيد بمال الكتابة لرجل] # (8726) فصل: وإن وصى السيد بمال الكتابة لرجل، صح. فإن سلم مال الكتابة ~~إلى الموصى له، أو وكيله، أو وليه إن كان محجورا عليه، برئ ms5926 منه، وعتق، ~~وولاؤه لسيده الذي كاتبه؛ لأنه المنعم عليه. وإن أبرأه من المال، عتق أيضا؛ ~~لأنه برئ من مال الكتابة، فأشبه ما لو أدى. وإن أعتقه، لم يعتق؛ لأنه لا ~~يملك رقبته، ولا وصى له بها، وإنما وصى له بالمال الذي عليه. وإن عجز، ورد ~~في الرق، عاد عبدا للورثة، وما قبضه الوصي - الموصى له - من المال، فهو له؛ ~~لأنه قبضه بحكم الوصية الصحيحة، والأمر في تعجيزه إلى الورثة؛ لأن الحق ثبت ~~لهم بتعجيزه، ويصير العبد لهم، فكانت الخيرة في ذلك إليهم. وأما الموصى له، ~~فإن حقه ووصيته تبطل بتعجيزه، فلم يكن له في ذلك حق. # وإن وصى بمال الكتابة للمساكين، ووصى إلى رجل بقبضه وتفريقه بينهم، صح. ~~ومتى سلم المال إلى الوصي، برئ، وعتق. وإن أبرأه منه لم يبرأ؛ لأن الحق ~~لغيره. وإن دفعه المكاتب إلى المساكين، لم يبرأ منه، ولم يعتق؛ لأن التعيين ~~إلى الوصي دونه. وإن وصى بدفع المال إلى غرمائه، تعين القضاء منه، كما لو ~~وصى به عطية له. فإن كان إنما أوصى بقضاء ديونه مطلقا، كان على المكاتب أن ~~يجمع بين الورثة والوصي بقضاء الدين، ويدفعه إليهم بحضرته؛ لأن المال ~~للورثة، ولهم أن يقضوا الدين منه ومن غيره، وللوصي في قضاء الدين حق فيه؛ ~~لأن لهم منعهم من التصرف في التركة قبل قضاء الدين. . ### | [فصل إذا مات رجل وخلف ابنين وعبدا فادعى العبد أن سيده كاتبه، فصدقاه] # (8727) فصل: إذا مات رجل، وخلف ابنين وعبدا، فادعى العبد أن سيده كاتبه، ~~فصدقاه، ثبتت الكتابة؛ لأن الحق # PageV10P388 # لهما. وإن أنكراه، وكانت له بينة بدعواه ثبتت الكتابة، وعتق بالأداء ~~إليهما. وإن عجز، فلهما رده إلى الرق. وإن لم يعجزاه، وصبرا عليه، لم يملك ~~الفسخ. وإن عجزه أحدهما، وأبى الآخر تعجيزه، بقي نصفه على الكتابة، وعاد ~~نصفه الآخر رقيقا. وإن لم تكن له بينة، فالقول قولهما مع أيمانهما؛ لأن ~~الأصل بقاء الرق، وعدم الكتابة، وتكون أيمانهم على نفي العلم، فيحلفان ~~بالله أنهما لا يعلمان أن أباهما كاتبه، لأنها يمين على ms5927 نفي فعل الغير، فإن ~~حلفا، ثبت رقه، وإن نكلا، قضي عليها، أو ردت اليمين عليه، على قول من قضى ~~بردها، فيحلف العبد، وتثبت الكتابة. وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قضي برق ~~نصفه، وكتابة نصفه. # وإن صدقه أحدهما، وكذبه الآخر ثبتت الكتابة في نصفه، وعليه البينة في ~~نصفه الآخر. فإن لم تكن له بينة، وحلف المنكر، صار نصفه مكاتبا، ونصفه ~~رقيقا قنا. فإن شهد المقر على أخيه، قبلت شهادته؛ لأنه لا يجر بها إلى نفسه ~~نفعا، ولا يدفع بها ضررا، فإن كان معه شاهد آخر كملت الشهادة، وثبتت ~~الكتابة في جميعه. وإن لم يشهد معه غيره، فهل يحلف العبد معه؟ على روايتين. # وإن لم يكن عدلا، أو لم يحلف العبد معه، وحلف المنكر، كان نصفه مكاتبا، ~~ونصفه رقيقا، ويكون كسبه بينه وبين المنكر نصفين، ونفقته من كسبه؛ لأنها ~~على نفسه، وعلى مالك نصفه، فإن لم يكن له كسب كان على المنكر نصف نفقته، ثم ~~إن اتفق هو ومالك نصفه على المهايأة معاومة أو مشاهرة، أو كيفما كان، جاز. # وإن طلب ذلك أحدهما، وامتنع الآخر فظاهر كلام أحمد، أنه يجبر عليها. وهو ~~قول أبي حنيفة؛ لأن المنافع مشتركة بينهما، فإذا أراد أحدهما حيازة نصيبه ~~من غير ضرر، لزم الآخر إجابته، كالأعيان. ويحتمل أن لا يجبر. وهو قول ~~الشافعي؛ لأن المهايأة تأخير حقه الحال؛ لأن المنافع في هذا اليوم مشتركة ~~بينهما، فلا تجب الإجابة إليه كتأخير دينه الحال. فإن اقتسما الكسب مهايأة، ~~أو مناصفة، فلم يف بأداء نجومه فللمقر رده، في الرق، وما في يده له خاصة؛ ~~لأن المنكر قد أخذ حقه من الكسب. # وإن اختلف المنكر والمقر فيما في يد المكاتب، فقال المنكر: هذا كان في ~~يده قبل دعوى الكتابة وكسبه في حياة أبينا. وأنكر ذلك المقر، فالقول قوله ~~مع يمينه؛ لأن المنكر يدعي كسبه في وقت، الأصل عدمه فيه، ولأنه لو اختلف هو ~~والمكاتب في ذلك، كان القول قول المكاتب، فكذلك من يقوم مقامه. وإن أدى ~~الكتابة عتق نصيب المقر خاصة، ms5928 ولم يسر إلى نصيب شريكه؛ لأنه لم يباشر ~~العتق، ولم يتسبب إليه، وإنما كان السبب من أبيه، وهذا حاك عن أبيه، مقر ~~بفعله، فهو كالشاهد، ولأن المقر يزعم أن نصيب أخيه حر أيضا؛ لأنه قد قبض من ~~العبد مثل ما قبض، فقد حصل أداء مال الكتابة إليهما جميعا، فعتق كله بذلك، ~~وولاء هذا النصف للمقر لأن أخاه لا يدعيه وهذا المقر يدعي أنه كله قد عتق ~~بالكتابة، وهذا الولاء الذي على هذا النصف نصيبي من الولاء. # PageV10P389 # وقال أصحاب الشافعي: في ذلك وجهان: أحدهما، كقولنا. # والثاني، الولاء بين الاثنين؛ لأنه يثبت لموروثهما، فكان لهما بالميراث. ~~والصحيح ما قلناه؛ لما ذكرناه، ولا يمنع ثبوت الولاء للأب، واختصاص أحد ~~الابنين به، كما لو ادعى أحدهما دينا لأبيه على إنسان، وأنكره الآخر، فإن ~~المدعي يأخذ نصيبه من الدين، ويختص به دون أخيه، وإن كان يرثه عن الأب، ~~وكذلك لو ادعياه معا، وأقاما به شاهدا واحدا، فحلف أحدهما مع الشاهد، وأبى ~~الآخر. فإن أعتق أحدهما حصته، عتق، وسرى إلى باقيه، إن كان موسرا. وهذا قول ~~الخرقي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق شركا له من عبد، وكان ~~له ما يبلغ قيمة العبد، قوم عليه قيمة العدل، وأعطي شركاؤه حصصهم» . ولأنه ~~موسر أعتق نصيبه من عبد مشترك، فسرى إلى باقيه، كغير المكاتب. وقال أبو ~~بكر، والقاضي: لا تعتق إلا حصته؛ لأنه إن كان المعتق المقر، فهو منفذ، وإن ~~كان المنكر، لم يصر إلى نصيب المقر؛ لأنه مكاتب لغيره، وفي سراية العتق ~~إليه إبطال سبب الولاء عليه، فلم يجز ذلك. ### | [مسألة منع المكاتب من السفر] # (8728) مسألة: قال: (ولا يمنع المكاتب من السفر) . وجملته أن المكاتب لا ~~يمنع من السفر، قريبا كان أو بعيدا. وهذا قول الشعبي، والنخعي، وسعيد بن ~~جبير، والثوري، والحسن بن صالح. وأبي حنيفة. ولم يفرق أصحابنا بين السفر ~~الطويل وغيره، لكن قياس المذهب أن له منعه من سفر تحل نجوم كتابته قبله؛ ~~لأنه يتعذر معه استيفاء النجوم في وقتها، والرجوع في وقته ms5929 عند عجزه فمنع ~~منه، كالغريم الذي يحل عليه الدين قبل مدة سفره. واختلف قول الشافعي، فقال: ~~في موضع: له السفر. # وفي قول ليس له السفر. فقال بعض أصحابه: فيها قولان. وقال بعضهم: ليست ~~على قولين، إنما هي على اختلاف حالين؛ فالموضع الذي قال: له السفر. إذا كان ~~قصيرا؛ لأنه في حكم الحاضر، والموضع الذي منع منه، إذا كان بعيدا، يتعذر ~~معه استيفاء نجومه، والرجوع في رقه عند عجزه. # ولنا، أن المكاتب في يد نفسه، وإنما للسيد عليه دين، فأشبه الحر المدين، ~~وما ذكروه لا أصل له، ويبطل بالحر الغريم. ### | [فصل شرط عليه في الكتابة أن لا يسافر] # (8729) فصل: فإن شرط عليه في الكتابة أن لا يسافر، فقال القاضي: الشرط ~~باطل. وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة؛ لأنه ~~ينافي مقتضى العقد، فلم يصح شرطه، كشرط ترك الاكتساب، ولأنه # PageV10P390 # غريم، فلم يصح شرط ترك السفر عليه، كما لو أقرضه رجل قرضا بشرط أن لا ~~يسافر. وقال أبو الخطاب يصح الشرط، وله منعه من السفر. وهو قول مالك؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون على شروطهم.» ولأنه شرط له فيه ~~فائدة، فلزم كما لو شرط نقدا معلوما. وبيان فائدته، أنه لا يأمن إباقه وأنه ~~لا يرجع إلى سيده، فيفوت العبد والمال الذي عليه، ويفارق القرض فإنه عقد ~~جائز من جانب المقرض، متى شاء طالب بأخذه، ومنع الغريم السفر قبل إيفائه ~~فكان المنع من السفر حاصلا بدون شرطه بخلاف الكتابة فإنه لا يمكن السيد ~~منعه من السفر إلا بشرطه وفيه حفظ عبده وماله، فلا يمنع من تحصيله. وهذا ~~أصح، إن شاء الله تعالى، وأولى. # فعلى هذا الوجه، لسيده منعه من السفر، فإن سافر بغير إذنه، فله رده إن ~~أمكنه، وإن لم يمكنه رده، احتمل أن له تعجيزه، ورده إلى الرق؛ لأنه لم يف ~~بما شرطه عليه، أشبه ما لو لم يف بأداء الكتابة. واحتمل أن لا يملك ذلك؛ ~~لأنه مكاتب كتابة صحيحة، لم يظهر عجزه، فلم يملك تعجيزه، كما ms5930 لو لم يشترط ~~عليه. ### | [فصل شرط في كتابته أن لا يسأل] # (8730) فصل: وإن شرط في كتابته أن لا يسأل، فقال أحمد: قال جابر بن عبد ~~الله: هم على شروطهم، إن رأيته يسأل تنهاه. فإن قال: لا أعود. لم يرده عن ~~كتابته في مرة. فظاهر هذا أن الشرط صحيح لازم، وأنه إن خالف مرة، لم يعجزه، ~~وإن خالف مرتين أو أكثر، فله تعجيزه. # قال أبو بكر: إذا رآه يسأل مرة في مرة، عجزه، كما إذا حل نجم في نجم، ~~عجزه. فاعتبر المخالفة في مرتين كحلول نجمين. وإنما صح الشرط؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «المسلمون على شروطهم» . ولأن له في هذا فائدة وغرضا ~~صحيحا، وهو أن لا يكون كلا على الناس، ولا يطعمه من صدقتهم وأوساخهم. وذكر ~~أبو الخطاب، أنه لا يصح الشرط؛ لأن الله تعالى جعل للمكاتب سهما من الصدقة، ~~بقوله تعالى: {وفي الرقاب} [التوبة: 60] . وهم المكاتبون، فلم يصح اشتراط ~~ترك طلب ما جعله الله تعالى. ### | [مسألة زواج المكاتب] # (8731) مسألة: قال: (وليس له أن يتزوج إلا بإذن سيده) . وهذا قول الحسن، ~~ومالك، والليث، وابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، والشافعي، وأبي يوسف. وقال ~~الحسن بن صالح: له ذلك؛ لأنه عقد معاوضة، أشبه البيع. # PageV10P391 # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه، ~~فهو عاهر» . ولأن على السيد فيه ضررا، لأنه ربما عجز فيرجع إليه ناقص ~~القيمة، ويحتاج أن يؤدي المهر والنفقة من كسبه، فيعجز عن تأدية نجومه، ~~فيمنع من ذلك، كالتبرع به. إذا ثبت هذا، فإنه إذا تزوج لم يصح تزويجه. # وقال الثوري: نكاحه موقوف إن أدى تبينا أنه كان صحيحا، وإن عجز، فنكاحه ~~باطل. # ولنا الخبر ولأنه تصرف منع منه للضرر، فلم يصح، كالهبة، وما ذكره لا أصل ~~له. فإذا ثبت هذا، فإنه يفرق بينهما، فإن كان قبل الدخول، فلا مهر لها، وإن ~~كان بعده، فعليه مهر مثلها، يؤدى من كسبه؛ لأنه بمنزلة جنايته، وإن أتت ~~بولد لحقه نسبه؛ لأنه من وطء في نكاح فاسد، فإن ms5931 كانت المرأة حرة، فهو حر، ~~وإن كانت أمة، فولدها رقيق لسيدها. فأما إن أذن له سيده في النكاح، صح منه. ~~في قولهم جميعا؛ فإن الخبر يدل بمفهومه على صحة تزويجه، إذا أذن له، ولأن ~~المنع من نكاحه لحق سيده، فإذا أذن له، زال المانع، ولأنه لو أذن لعبده ~~القن في النكاح، صح منه، فالمكاتب أولى. ### | [فصل تسرى المكاتب بغير إذن سيده] # (8732) فصل: وليس له التسري بغير إذن سيده؛ لأن ملكه غير تام. وقال ~~الزهري: لا ينبغي لأهله أن يمنعوه من التسري. # ولنا، أن ملكه ناقص، وعلى السيد فيه ضرر، فيمنع منه، كالتزويج. وبيان ~~الضرر فيه أنه ربما أحبلها، والحبل مخوف في بنات آدم، فربما تلفت وربما ~~ولدت، فصارت أم ولد فيمتنع عليه بيعها في أداء كتابتها، وإن عجزت، رجعت إلى ~~السيد ناقصة، فإذا منع من التزويج لضرره، فهذا أولى. فأما إن أذن له سيده ~~في التسري جاز له. وقال الشافعي: لا يجوز له ذلك، وإن أذن فيه سيده في أحد ~~القولين؛ لأنه أمر يضر به، وربما أفضى إلى منعه من العتق، فلم يجز وإن أذن ~~فيه سيده، ولأنه ناقص الملك، فلم يجز له التسري، كوطء الجارية المشتركة. # PageV10P392 # ولنا، أنه لو أذن لعبده القن في التسري، جاز، فالمكاتب أولى، ولأن المنع ~~كان لأجل الضرر بالسيد، فجاز تأديبه، كالتزويج. إذا ثبت هذا، فإنه إذا تسرى ~~بإذن سيده، أو غير إذنه، فلا حد عليه لشبهة الملك، ولا مهر عليه؛ لأنه لو ~~وجب لوجب له، ولا يجب على الإنسان شيء لنفسه. وإن حبلت، فالنسب لاحق به؛ ~~لأن الحد إذا سقط بالشبهة، لحقه النسب، ويكون الولد مملوكا له؛ لأنه ابن ~~أمته، ولا يعتق عليه؛ لأن ملكه غير تام، وليس له بيعه؛ لأنه ولده، ويكون ~~موقوفا على كتابته، فإن أدى عتق، وعتق الولد؛ لأنه ملك لأبيه الحر، وإن ~~عجز، وعاد إلى الرق، فولده رقيق أيضا، ويكونان مملوكين للسيد. # فأما الأمة، فإن ولدت قبل عتقه وعجزه، فإنها تصير أم ولد للمكاتب، وليس ~~له بيعها. نص عليه أحمد؛ ms5932 لأن ولدها له حرمة الحرية، ولا يجوز بيعه. ويعتق ~~بعتق أبيه، فكذلك أمه. فعلى هذا، لا يجوز بيعها، وتكون موقوفة على المكاتب، ~~إن عتق، فهي أم ولده، وإن رق، رقت. وقال القاضي، في موضع: لا تصير أم ولد ~~بحال، وله بيعها؛ لأنها حملت بمملوك، في ملك غير تام. # وللشافعي قولان، كهذين الوجهين. وإن وضعته بعد عتقه لأقل من ستة أشهر، ~~تبينا أنها حملت به في حال رقه، فالحكم على ما مضى. وإن أتت به لأكثر من ~~ستة أشهر حكمنا أنها حملته حرا؛ لأننا لم نتيقن وجوده في حال الرق، وتكون ~~أم ولد؛ لأنها علقت بحر في ملكه. وللشافعي من التفصيل نحو مما ذكرنا. ### | [فصل يزوج المكاتب عبيده وإماءه بغير إذن سيده] # (8733) فصل: وليس للمكاتب أن يزوج عبيده وإماءه، بغير إذن سيده. وهذا قول ~~الشافعي، وابن المنذر. وذكر عن مالك أن له ذلك، إذا كان على وجه النظر؛ ~~لأنه عقد على منفعة، فملكه، كالإجارة. وهو الذي قاله أبو الخطاب، في " رءوس ~~المسائل ". وحكي عن القاضي، أنه قال في " الخصال ": له تزويج الأمة دون ~~العبد. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يأخذ عوضا عن تزويجها، بخلاف العبد، ولأنه ~~عقد ذمة على منافعها، فأشبه إجارتها. # ولنا، أن على السيد فيه ضررا؛ لأنه إن زوج العبد، لزمته نفقة امرأته ~~ومهرها، وشغله بحقوق النكاح، ونقص قيمته، وإن زوج الأمة، ملك الزوج بضعها، ~~ونقصت قيمتها، وقلت الرغبات فيها، وربما امتنع بيعها بالكلية، وليس ذلك من ~~جهات المكاتب، فربما عجزه ذلك عن أداء نجومه، وإن عجز، عاد رقيقا للسيد، # PageV10P393 # مع ما تعلق بهم من الحقوق، ولحقهم من النقص، فلم يجز ذلك له، كإعتاقهم، ~~وفارق إجارة الدار، فإنها من جهات المكاسب عادة. فعلى هذا، إن وجب تزويجهم، ~~لطلبهم ذلك، وحاجتهم إليه، باعهم؛ فإن العبد متى طلب التزويج، خير سيده بين ~~بيعه وتزويجه. # وإن أذن له السيد في ذلك، جاز؛ لأن الحق له، والمنع من أجله، فجاز بإذنه. ### | [فصل إعتاق المكاتب رقيقه بغير إذن سيده] # (8734) فصل: وليس له إعتاق رقيقه، ms5933 إلا بإذن سيده. وبهذا قال الحسن، ~~والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة؛ لأن فيه ضررا على سيده، بتفويت ~~ماله فيما لا يحصل له به مال، فأشبه الهبة. فإن أعتق، لم يصح إعتاقه. ~~ويتخرج أن يصح، ويقف على إذن سيده. وقال أبو بكر: هو موقوف على آخر أمر ~~المكاتب؛ فإن أدى، عتق معتقه، وإن لم يؤد، رق. قال القاضي: هذا قياس ~~المذهب، كقولنا في ذوي الأرحام، إنهم موقوفون. ولنا، أنه تبرع بماله بغير ~~إذن سيده، فكان باطلا، كالهبة، ولأنه تصرف تصرفا منع منه لحق سيده، فكان ~~باطلا، كسائر ما يمنع منه. ولا يصح قياسه على ذوي أرحامه؛ لأن عتق ذوي ~~أرحامه ليس بتصرف منه، وإنما يعتقهم الشرع على مالكهم بملكهم، والمكاتب ~~ملكه ناقص، فلم يعتق به، فإذا عتق كمل ملكه، فعتقوا حينئذ، والمعتق إنما ~~يعتق بالإعتاق الذي كان باطلا، فلا تتيقن صحته إذا كمل الملك؛ لأن كمال ~~الملك في الثاني لا يوجب كونه كاملا حين الإعتاق، وكذلك لا يصح سائر ~~تبرعاته بأدائه. فأما إن أذن فيه سيده، صح. # وقال الشافعي، في أحد القولين: لا يصح؛ لأن تبرعه بماله يفوق المقصود من ~~كتابته، وهو العتق الذي هو حق لله تعالى، أو فيه حق له، فلا يجوز تفويته، ~~ولأن العتق لا ينفك من الولاء والعبد ليس من أهله، ولأن ملك المكاتب ناقص، ~~والسيد لا يملك إعتاق ما في يده ولا هبته، فلم يصح لأنه فيه. # ولنا، أن الحق لا يخرج عنهما، فإذا اتفقا على التبرع به، جاز، كالراهن ~~والمرتهن. وما ذكروه يبطل بالنكاح، فإنه لا يملك ولا يملكه السيد عليه، ~~وإذا أذن له فيه، جاز، وأما الولاء فإنه يكون موقوفا فإن عتق المكاتب، كان ~~له، وإلا فهو لسيده، كما يرق مماليكه من ذوي أرحامه. هذا قول القاضي. وقال ~~القاضي أبو بكر: يكون لسيده؛ لأن إعتاقه إنما صح بإذن سيده، فكان كالنائب ~~له. # PageV10P394 ### | [فصل المكاتب محجور عليه في ماله] # (8735) فصل: والمكاتب محجور عليه في ماله، فليس له استهلاكه، ولا هبته. ~~وبهذا قال الحسن، ومالك، والثوري، ms5934 والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا أعلم فيه ~~مخالفا؛ لأن حق سيده لم ينقطع عنه، لأنه قد يعجز، فيعود إليه، ولأن القصد ~~من الكتابة تحصيل العتق بالأداء، وهبة ماله تفوت ذلك. وإن أذن فيه سيده، ~~جاز. وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأنه يفوت المقصود بالكتابة. وعن الشافعي ~~فيه كالمذهبين. # ولنا أن الحق لا يخرج عنهما، فجاز باتفاقهما، كالراهن والمرتهن. فأما ~~الهبة بالثواب، فلا تصح. وقال الشافعي، في أحد قوليه: تصح؛ لأن فيها ~~معاوضة. # ولنا، أن الاختلاف في تقدير الثواب، يوجب الغرر فيها، ولأن عوضها يتأخر، ~~فتكون كالبيع نسيئة. وإن أذن فيها السيد، جازت. وإن وهب لسيده، جاز؛ لأن ~~قبوله الهبة إذن فيها. وكذلك إن وهب لابن سيده الصغير. ### | [فصل إهداء المكاتب هدية] # (8736) فصل: ولا يحابي في البيع، ولا يزيد في الثمن الذي اشترى به، ولا ~~يعير دابة، ولا يهدي هدية. وأجاز ذلك أصحاب الرأي. ويحتمل جواز إعارة ~~دابته، وهدية المأكول ودعائه إليه؛ لأن ذلك يجوز للمأذون له، ولا ينحط ~~المكاتب عن درجته. ووجه الأول، أنه تبرع بماله، فلم يجز كالهبة ولا يوصي ~~بماله، ولا يحط عن المشتري شيئا، ولا يقرض، ولا يضمن، ولا يتكفل بأحد. وبه ~~قال الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن ذلك تبرع بماله، فمنع منه كالهبة. ### | [فصل حج المكاتب من المال الذي جمعه] # (8737) فصل: وليس له أن يحج إن احتاج إلى إنفاق ماله فيه. ونقل الميموني، ~~عن أحمد، للمكاتب أن يحج من المال الذي جمعه، إذا لم يأت نجمه. وهذا محمول ~~على أنه يحج بإذن سيده، أما بغير إذنه، فلا يجوز؛ لأنه تبرع بما ينفق مالا ~~فيه، فلم يجز، كالعتق. فأما إن أمكنه الحج من غير إنفاق ماله، كالذي تبرع ~~إنسان بإحجاجه، أو يخدم من ينفق عليه، فيجوز إذا لم يأت نجمه؛ لأن هذا يجري ~~مجرى تركه للكسب، وليس ذلك مما يمنع منه. ### | [فصل ليس للمكاتب أن يكاتب إلا بإذن سيده] # (8738) فصل: وليس للمكاتب أن يكاتب إلا بإذن سيده. وهذا قول الحسن، ~~والشافعي؛ لأن الكتابة نوع إعتاق، فلم تجز من المكاتب، ms5935 كالمنجز، ولأنه لا ~~يملك الإعتاق، فلم يملك الكتابة، كالمأذون له في التجارة. واختار # PageV10P395 # القاضي جواز الكتابة. وهو الذي ذكره أبو الخطاب، في " رءوس المسائل ". ~~وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي؛ لأنه نوع معاوضة، فأشبه ~~البيع. وقال أبو بكر: هو موقوف - كقوله في العتق المنجز فإن أذن فيها ~~السيد، صحت. # وقال الشافعي: فيها قولان. وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. فإذا كاتب عبده، ~~فعجزا جميعا، صارا رقيقين للسيد. وإن أدى المكاتب الأول، ثم أدى الثاني، ~~فولاء كل واحد منهما لمكاتبه. وإن أدى الأول، وعجز الثاني، صار رقيقا ~~للأول. وإن عجز الأول، وأدى الثاني، فولاؤه للسيد الأول. وإن أدى الثاني ~~قبل عتق الأول، عتق. قال أبو بكر: وولاؤه للسيد. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن ~~العتق لا ينفك عن الولاء، والولاء لا يوقف؛ لأنه سبب يورث به، فهو كالنسب ~~ولأن الميراث لا يقف، كذلك سببه. # وقال القاضي: هو موقوف، إن أدى عتق، والولاء له، وإلا فهو للسيد. وهذا ~~أحد قولي الشافعي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الولاء لمن ~~أعتق» . ولأن العبد ليس بملك له، ولا يجوز أن يثبت له الولاء على من لم ~~يعتق في ملكه. وقولهم: لا يجوز أن يقف، كما لم يقف النسب والميراث. فليس ~~كذلك؛ فإن النسب يقف على بلوغ الغلام، وانتسابه إذا لم تلحقه القافة بأحد ~~الواطئين، وكذلك الميراث يوقف، على أن الفرق بين النسب والميراث، وبين ~~الولاء، أن الولاء لا يجوز أن يقع لشخص، ثم ينتقل، وهو ما يجره موالي الأب ~~من مولى الأم، فجاز أن يكون موقوفا، والنسب والميراث بخلاف ذلك. فإن مات ~~المعتق قبل عتق المكاتب، وقلنا: الولاء للسيد. ورثه. وإن قلنا: هو موقوف. ~~فميراثه أيضا موقوف. ### | [فصل بيع المكاتب نسيئة] # (8739) فصل: وليس له أن يبيع نسيئة، وإن باع السلعة بأضعاف قيمتها. وهذا ~~مذهب الشافعي؛ لأن فيه تغريرا بالمال، وهو ممنوع من التغرير بالمال، لتعلق ~~حق السيد به. قال القاضي: ويتخرج الجواز، بناء على الضارب، أن له البيع ~~نسيئة. في إحدى الروايتين، فيخرج هاهنا ms5936 مثله. وسواء أخذ بالثمن ضمينا، أو ~~رهنا، أو لم يأخذ؛ لأن الغرر لم يزل، فإن الرهن يحتمل أن يتلف، ويحتمل أن ~~يفلس الغريم والضمين، ويحتمل أن يجوز مع الرهن أو الضمين؛ لأن الوثيقة قد ~~حصلت به، والعوارض نادرة على خلاف الأصل. فإن باع بأكثر مما يساوي حالا، ~~وجعل الزيادة مؤجلة، جاز؛ لأن الزيادة ربح. # وإن اشترى نسيئة، جاز؛ لأنه لا غرر فيه. ولا يجوز أن يدفع به رهنا؛ لأن ~~الرهن أمانة، وقد يتلف، أو يجحده الغريم. وليس له # PageV10P396 # أن يدفع ماله سلما لأنه في معنى البيع نسيئة. وله أن يستسلف في ذمته؛ ~~لأنه في معنى الشراء نسيئة. وليس له أن يقرض لأنه تبرع بالمال وفيه خطر به. ~~وله أن يقترض؛ لأنه ينتفع بالمال. وليس له أن يدفع ماله مضاربة؛ لأنه يسلمه ~~إلى غيره، فيغرر به. وله أن يأخذ المال قراضا؛ لأنه من أنواع الكسب. ومذهب ~~الشافعي في هذا الفصل كله، على ما ذكرنا. ### | [فصل بيع المكاتب وشراؤه] # (8740) فصل: وللمكاتب أن يبيع ويشتري. بإجماع من أهل العلم؛ لأن عقد ~~الكتابة لتحصيل العتق، ولا يحصل إلا بأداء عوضه، ولا يمكنه الأداء إلا ~~بالاكتساب، والبيع والشراء من أقوى جهات الاكتساب، فإنه قد جاء في بعض ~~الآثار، أن تسعة أعشار الرزق في التجارة. وله أن يأخذ ويعطي، فيما فيه ~~الصلاح لماله، والتوفير عليه. وله أن ينفق مما في يده من المال على نفسه؛ ~~في مأكله، ومشربه، وكسوته بالمعروف مما لا غناء له عنه، وعلى رقيقه، ~~والحيوان الذي له. وله تأديب عبيده، وتعزيرهم، إذا فعلوا ما يستحقون ذلك؛ ~~لأنه من مصلحة ملكه، فملكه، كالنفقة عليهم. ولا يملك إقامة الحد عليهم؛ لأن ~~هذا موضع ولاية، وليس هو من أهلها. وله المطالبة بالشفعة، والأخذ بها؛ لأنه ~~نوع شراء، فإن كان المشتري للشقص سيده، فله أخذه منه؛ لأن له أن يشتري منه. # وإن اشترى المكاتب شقصا لسيده فيه شركة، فله أخذه من المكاتب بالشفعة؛ ~~لأنه مع سيده في باب البيع والشراء كالأجنبي. # وإن وجبت للسيد على مكاتبه شفعة، ms5937 فادعى المكاتب أن سيده عفا عنها، سمعت ~~دعواه. وإن أنكره السيد، كان عليه اليمين. # وإن أذن السيد لمكاتبه في البيع بالمحاباة، صح منه وكان لسيده الأخذ ~~بالشفعة؛ لأن بيعه بالمحاباة - مع إذن سيده فيه - صحيح. # يصح إقرار المكاتب بالبيع، والشراء، والعيب، والدين؛ لأنه يصح تصرفه فيه ~~بذلك، ومن ملك شيئا، فله الإقرار به. ### | [مسألة السيد مع مكاتبه في باب المعاملة كالأجنبي] # (8741) مسألة: قال: (ولا يبيعه سيده درهما بدرهمين) وجملته أن الربا يجري ~~بين العبد وبين سيده، فلم يجز أن يبيعه درهما بدرهمين، كالأجنبيين. وقال ~~ابن أبي موسى: لا ربا بينهما؛ لأنه عبد في الأظهر من قوله، ولا ربا بين ~~العبد وسيده، ولهذا جاز أن يعجل لسيده، ويضع عنه بعض كتابته، وله وطء ~~مكاتبته إذا شرط، ولو حملت منه صارت له بذلك أم ولد. # ووجه قول الخرقي: أن السيد مع مكاتبه في باب المعاملة كالأجنبي؛ بدليل أن ~~لكل واحد منهما الشفعة # PageV10P397 # على صاحبه، ولا يملك كل واحد منهما التصرف فيما في يد صاحبه، وإنما يتعلق ~~لسيده حق في ما بيده؛ لكونه بعرضية أن يعجزه، فيعود إليه، وهذا لا يمنع ~~جريان الربا بينهما، كالأب مع ابنه. فعلى هذا القول، لا يجوز التفاضل ~~بينهما فيما يحرم التفاضل فيه بين الأجنبيين، ولا النساء في ما يحرم النساء ~~فيه بين الأجانب. ### | [فصل للسيد على المكاتب دين من الكتابة وللمكاتب على سيده دين] # فصل: فإن كان لكل واحد منهما على صاحبه دين، مثل إن كان للسيد على ~~المكاتب دين من الكتابة أو غيرها، وللمكاتب على سيده دين، وكانا نقدا من ~~جنس واحد، حالين، أو مؤجلين أجلا واحدا، تقاصا، وتساقطا لأنهما إذا تساقطا ~~بين الأجانب، فمع السيد ومكاتبه أولى. وإن كانا نقدين من جنسين، كدراهم ~~ودنانير، فقال ابن أبي موسى: لو كان له على سيده ألف درهم، ولسيده عليه ~~مائة دينار، فجعلها قصاصا بها، جاز، بخلاف الحرين. # وقال القاضي: لا يجوز هذا؛ لأنه بيع دين بدين، وقد نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن بيع الدين بالدين. ms5938 ولأنه لا يجوز بين الأجنبيين، فلم يجز ~~بين المكاتب وسيده، كسائر المحرمات، وفارق العبد القن؛ فإنه باق في تصرف ~~سيده، وما في يده ملك خالص لسيده، له أخذه والتصرف فيه. فعلى هذا، لا يجوز ~~مع التراضي به. وعلى قول أبي موسى: يجوز إذا تراضيا بذلك، وتبايعاه، ولا ~~يثبت التقابض قبل تراضيهما به؛ لأنه بيع؛ فأما إن كانا عرضين، أو عرضا ~~ونقدا، لم تجز المقاصة فيهما بغير تراضيهما بحال، سواء كان القرض من جنس ~~حقه أو غير جنسه. وإن تراضيا بذلك، لم يجز أيضا؛ لأنه بيع دين بدين. # وإن قبض أحدهما من الآخر حقه، ثم دفعه إلى الآخر عوضا عن ماله في ذمته، ~~جاز، إذا لم يكن الثابت في الذمة عن سلم، فإن ثبت عن سلم، لم يجز أخذ عوضه ~~قبل قبضه. وفي الجملة، إن حكم المكاتب مع سيده في هذا، حكم الأجانب إلا على ~~قول ابن أبي موسى، الذي ذكرناه. والله أعلم. ### | [مسألة وطء الرجل مكاتبته] # (8743) مسألة: قال: (وليس للرجل أن يطأ مكاتبته، إلا أن يشترط) الكلام في ~~هذه المسألة في فصلين: (8744) الفصل الأول: في وطئها بغير شرط، وهو حرام في ~~قول أكثر أهل العلم، منهم: سعيد بن المسيب، والحسن، # PageV10P398 # والزهري، ومالك، والليث، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. ~~وقيل: له وطؤها في الوقت الذي لا يشغلها الوطء عن السعي عما هي فيه؛ لأنها ~~ملك يمينه، فتدخل في عموم قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهم} [المعارج: 30] ~~. # ولنا، أن الكتابة عقد أزال ملك استخدامها، وملك عوض منفعة بضعها فيما إذا ~~وطئت بشبهة، فأزال حل وطئها، كالبيع، والآية مخصوصة بالمزوجة، فنقيس عليها ~~محل النزاع، ولأن الملك هاهنا ضعيف؛ لأنه قد زال عن منافعها، جملة، ولهذا ~~لو وطئت بشبهة، كان المهر لها، وتفارق أم الولد؛ فإن ملكه باق عليها، وإنما ~~يزول بموته فأشبهت المدبرة والموصى بها، وإنما امتنع البيع؛ لأنها استحقت ~~العتق بموته استحقاقا لازما، لا يمكن زواله. (8745) # الفصل الثاني: إذا شرط وطأها، فله ذلك. وبه قال سعيد بن المسيب. وقال ~~سائر من ذكرنا: ms5939 ليس له وطؤها؛ لأنه لا يملكه مع إطلاق العقد، فلم يملكه ~~بالشرط، كما لو زوجها أو أعتقها. وقال الشافعي: إذا شرط ذلك في عقد ~~الكتابة، فسد؛ لأنه شرط فاسد، فأفسد العقد، كما لو شرط عوضا فاسدا. وقال ~~مالك: لا يفسد العقد به؛ لأنه لا يخل بركن العقد، ولا شرطه، فلم يفسده، ~~كالصحيح. # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنون عند شروطهم» . ولأنها ~~مملوكة، له شرط نفعها، فصح، كشرط استخدامها، يحقق هذا أن منعه من وطئها مع ~~بقاء ملكه عليها، ووجود المقتضي لحل وطئها، إنما كان لحقها، فإذا شرطه ~~عليها، جاز، كالخدمة، ولأنه استثني بعض ما كان له، فصح، كاشتراط الخدمة، ~~وفارق البيع؛ لأنه يزيل ملكه عنها. ### | [فصل وطئ المكاتبة مع الشرط] # (8746) فصل: فإن وطئها مع الشرط، فلا حد عليه، ولا تعزير ولا مهر؛ لأنه ~~وطء يملكه، ويباح له، فأشبه وطأها قبل # PageV10P399 # كتابتها، وإن وطئها من غير شرط، فقد أساء، وعليه التعزير؛ لأنه وطء محرم، ~~ولا حد عليه في قول عامة الفقهاء، لا نعلم فيه خلافا، إلا عن الحسن، ~~والزهري؛ فإنهما قالا: عليه الحد؛ لأنه عقد عليها عقد معاوضة يحرم الوطء، ~~فأوجب الحد بوطئها، كالبيع. # ولنا، أنها مملوكته، فلم يجب الحد بوطئها، كأمته المستأجرة والمرهونة، ~~وتخالف البيع؛ فإنه يزيل الملك، والكتابة لا تزيله؛ بدليل قوله - عليه ~~السلام -: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» . وعليه مهرها لها؛ لأنه استوفى ~~منفعتها الممنوع من استيفائها، فكان عليه عوضها، كمنافع بدنها. ### | [فصل أولد المكاتبة] # (8747) فصل: وإن أولدها، صارت أم ولد له، سواء وطئها بشرط أو بغير شرط؛ ~~لأنه أحبلها بحر في ملكه، فكانت أم ولده، كغير المكاتبة، والولد حر؛ لأنه ~~ولده من مملوكته، ويلحقه نسبه لذلك، ولأنه من وطء سقط فيه الحد للشبهة، ~~فأشبه ولد المغرور، ولا تلزمه قيمته؛ لأنها وضعته في ملكه. ### | [فصل وطء بنت المكاتبة] # (8748) فصل: وليس له وطء بنتها؛ لأنها تابعة لأمها موقوفة معها، فلم يبح ~~وطؤها كأمها، ولا يباح ذلك بالشرط؛ لأن حكم الكتابة ثبت فيها تبعا، ولم يكن ~~وطؤها ms5940 مباحا حال العقد بشرطه. فإن وطئها فلا حد عليه؛ لأنها ملكه، ويأثم، ~~ويعزر؛ لأنه وطئ فرجا محرما، ولها مهر عليه، حكمه حكم كسبها، يكون لأمها ~~تستعين به في كتابتها؛ لأن ذلك سبب حريتها. وإن أحبلها، صارت أم ولد له، ~~والولد حر؛ لأنه أحبلها بحر في ملكه، ويلحقه نسبه، ولا تجب عليه قيمتها؛ ~~لأن أمها لا تملكها، ولا قيمة ولدها؛ لأنها وضعته في ملكه. ### | [فصل وطء جارية مكاتبته أو مكاتبه] # (8749) فصل: وليس له وطء جارية مكاتبته ولا مكاتبه اتفاقا، فإن فعل أثم، ~~وعزر، ولا حد عليه؛ لشبهة الملك؛ لأنه يملك مالكها، وعليه مهرها لسيدها، ~~وولده منها حر، يلحقه نسبه؛ لأن الحد سقط لشبهة الملك، وتصير أم ولد له، ~~وعليه قيمتها لسيدها؛ لأنه أخرجها بوطئه عن ملكه، وكان عليه قيمتها لسيده، ~~ولا تجب عليه قيمة الولد؛ لأنها وضعته في ملكه. ويحتمل أن تلزمه قيمته؛ ~~لأنه أخرجه بوطئه عن أن يكون مملوكا لسيدها، فأشبه ولد المغرور. ### | [فصل إجبار مكاتبته أو ابنتها أو أمتها على التزويج] # (8750) فصل: ولا يملك إجبار مكاتبته ولا ابنتها ولا أمتها على التزويج؛ ~~لأنه زال ملكه بعقد الكتابة عن نفعها، # PageV10P400 # ونفع بضعها، وعن عوضه. وليس لواحدة منهما التزويج بغير إذن؛ لأن عليه ~~ضررا في ذلك، فإنه يثبت للزوج حقا فيها، فربما عجزت، وعادت إليه على وجه لا ~~يملك وطأها. فإن تراضيا بذلك، جاز؛ لأن الحق لا يخرج عنهما، وهو وليها وولي ~~ابنتها وجاريتها جميعا؛ لأن الملك له، فأشبه الجارية القن، والمهر للمكاتبة ~~على ما ذكرنا في مهرهن إذا وطئهن السيد. ### | [مسألة السيد إذا وطئ مكاتبته من غير شرط] # (8751) مسألة: قال: (فإن وطئها ولم يشترط، أدب، ولم يبلغ به حد الزاني، ~~وكان عليه مهر مثلها) وجملة الأمر أن السيد إذا وطئ مكاتبته من غير شرط، ~~فقد ذكرنا أنه لا حد عليه، لكن إن كانا عالمين بالتحريم، عزرا، وإن كانا ~~جاهلين، عذرا، وإن كان أحدهما عالما والآخر جاهلا، عزر العالم وعذر الجاهل. ~~ولا يخرج بالوطء عن الكتابة. وقال الليث: إن طاوعته، فقد ms5941 فسخت كتابتها، ~~وعادت قنا. # ولنا، أنه عقد لازم، فلم ينفسخ بالمطاوعة على الوطء، كالإجارة، والبيع ~~بعد لزومه. فأما المهر، فإنه يجب لها، أكرهها أو طاوعته. وبه قال الحسن، ~~والثوري، والحسن بن صالح، والشافعي. # وقال قتادة: يجب إذا أكرهها، ولا يجب إذا طاوعته. ونقله المزني عن ~~الشافعي؛ لأن المطاوعة بذلت نفسها بغير عوض، فصارت كالزانية. ومنصوص ~~الشافعي وجوبه في الحالين. وأنكر أصحابه ما نقله المزني، وقالوا: لا يعرف. # وقال مالك: لا شيء عليه؛ لأنها ملكه. # ولنا، أنه عوض منفعتها، فوجب لها، كعوض بدنها، ولأن المكاتبة في يد ~~نفسها، ومنافعها لها، ولهذا لو وطئها أجنبي، كان المهر لها، وإنما وجب في ~~حال المطاوعة؛ لأن الحد يسقط عنه لشبهة الملك، فوجب لها المهر، كما لو وطئ ~~امرأة بشبهة عقد مطاوعة. فإن تكرر وطؤها، وكان قد أدى مهر الوطء الأول، ~~فللثاني مهر أيضا؛ لأن الأداء قطع حكم الوطء الأول، وإن لم يكن أدى عن ~~الأول، لم يجب إلا مهر واحد؛ لأن هذا عن وطء الشبهة، فلم يكن إلا مهرا ~~واحدا، كالوطء في النكاح الفاسد. (8752) # فصل: وإذا وجب لها المهر، فإن كان لم يحل عليها نجم، فلها المطالبة، وإن ~~كان قد حل عليها، فكان المهر من غير جنسه، فلها المطالبة به أيضا. وإن كان ~~من جنسه، تقاصا، وأخذ ذو الفضل فضله. # PageV10P401 ### | [مسألة السيد إذا استولد مكاتبته] # (8753) مسألة: قال: (فإن علقت منه، فهي مخيرة بين العجز وتكون أم ولد، ~~وبين المضي على كتابتها. فإن أدت عتقت، وإن عجزت عتقت بموته. وإن مات قبل ~~عجزها انعتقت؛ لأنها من أمهات الأولاد. ويسقط عنها ما بقي من كتابتها وما ~~في يدها لورثة سيدها) وجملته أن السيد إذا استولد مكاتبته فالولد حر؛ لأنه ~~من مملوكته ونسبه لاحق به ولا تجب قيمته؛ لذلك وتصير أم ولد له؛ لذلك، ولا ~~تبطل كتابتها؛ لأنه عقد لازم من جهة سيدها وقد اجتمع لها سببان يقتضيان ~~العتق أيهما سبق صاحبه ثبت حكمه، هذا قول الزهري ومالك والثوري والليث ~~والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر # وقال الحكم: ms5942 تبطل كتابتها؛ لأنها سبب للعتق فتبطل بالاستيلاد كالتدبير. # ولنا أنها عقد معاوضة فلا تبطل بالوطء كالبيع، ولأنها سبب للعتق لا يملك ~~السيد الرجوع عنه فلم تبطل بذلك كالتعليق بصفة، وما ذكروه يبطل بالتعليق ~~بالصفة وتفارق الكتابة التدبير من وجوه؛ أحدها أن حكم التدبير والاستيلاد ~~واحد وهو العتق عقيب الموت، والاستيلاد أقوى؛ لأنه يعتبر من رأس المال ولا ~~سبيل إلى إبطاله بحال فاستغني به عن التدبير، والكتابة سبب يتعجل بها العتق ~~بالأداء ويكون ما فضل من كسبها لها ويملك بها منافعها وكسبها وتخرج عن تصرف ~~سيدها وهذا لا يحصل بالاستيلاد فيجب أن تبقى لبقاء فائدتها الثاني أن ~~الكتابة أقوى من التدبير للزومها وكونها لا تبطل بالرجوع عنها ولا ببيع ~~المكاتب ولا هبته. # الثالث أن التدبير تبرع والكتابة عقد معاوضة لازم. # فإذا ثبت هذا فإنه يجتمع لها سببان كل واحد منهما يقتضي الحرية، فأيهما ~~تم قبل صاحبه ثبتت الحرية به كما لو انفرد؛ لأن انضمام أحدهما إلى الآخر مع ~~كونه لا ينافيه لا يمنع ثبوت حكمه، فإن أدت عتقت بالكتابة وما فضل من كسبها ~~فهو لها؛ لأن المعتق بالكتابة له ما فضل من نجومه. وإن عجزت وردت في الرق ~~بطل حكم الكتابة وبقي لها حكم الاستيلاد منفردا كما لو لم تكن مكاتبة، وله ~~وطؤها وتزويجها وإجارتها وتعتق بموته، وما في يدها لورثة سيدها، وإذا مات ~~سيدها قبل عجزها انعتقت؛ لأنها أم ولد وتسقط الكتابة؛ لأن الحرية حصلت فسقط ~~العوض المبذول في تحصيلها كما لو باشرها سيدها بالعتق وما في يدها لورثة ~~سيدها في قول الخرقي وأبي الخطاب؛ لأنها عتقت بحكم الاستيلاد وبطل حكم ~~الكتابة فأشبهت غير المكاتبة # وقال القاضي في " المجرد " وابن عقيل في " كتابه ": ما فضل في يدها لها. ~~وهو قول الشافعي؛ لأن العتق إذا # PageV10P402 # وقع في الكتابة لا يبطل حكمها كالإبراء من نجوم الكتابة ولأن ملكها كان ~~ثابتا على ما في يدها ولم يحدث إلا ما يزيل حق سيدها عنها فيقتضي زوال حقه ~~عما في يدها وتقرير ملكها وخلوصه لها ms5943 كما اقتضى ذلك في نفسها، وهذا أصح، ~~والله أعلم. ### | [فصل المكاتبة إن أعتقها سيدها] # (8754) فصل: وإن أعتقها سيدها عتقت وسقطت كتابتها، وما في يدها لها في ~~قول القاضي ومن وافقه. فأما على قول الخرقي ومن وافقه، فقياسه أن يكون ~~لسيدها كما لو عتقت بالاستيلاد. ويحتمل أن يكون لها على قولهم أيضا؛ لأن ~~السيد أعتقها برضاه فيكون رضى منه بإعطائها مالها بخلاف العتق بالاستيلاد ~~فإنه حصل بغير رضى الورثة واختيارهم، ولأنه لو كان مال المكاتب يصير للسيد ~~بإعتاقه لتمكن السيد من أخذ مال المكاتب متى شاء، فمتى كان له غرض في أخذ ~~ماله، إما لكثرته وفضله عن نجوم كتابته، وإما لغرض له في بعض أعيان ماله، ~~أعتقه وأخذ ماله، وهذا ضرر على المكاتب لم يرد الشرع به ولا يقتضيه عقد ~~الكتابة فوجب أن لا يشرع. ### | [فصل المكاتبة إن أتت بولد من غير سيدها بعد استيلادها.] # (8755) فصل: وإن أتت بولد من غير سيدها بعد استيلادها فله حكمها في العتق ~~بكل واحد من السببين، أيهما سبق عتق به كالأم سواء؛ لأنه تابع لها فيثبت له ~~ما يثبت لها وإن ماتت المكاتبة بقي للولد سبب الاستيلاد وحده وإن اختلفا في ~~ولدها فقالت: ولدته بعد كتابتي أو بعد ولايتي. وقال السيد: بل قبله. فقال ~~أبو بكر: القول قول السيد مع يمينه وهذا قول الشافعي؛ لأن الأصل كون الأمة ~~وولدها رقيقا، لسيدهما التصرف فيهما وهي تدعي ما يمنع التصرف. # وإن زوج مكاتبه أمته ثم باعها منه واختلفا في ولدها فقال السيد: هو لي؛ ~~لأنها ولدته قبل بيعها لك وقال المكاتب: بل بعده فالقول قول المكاتب؛ ~~لأنهما في ملكه ويد المكاتب عليه فكان القول قول صاحب اليد مع يمينه كسائر ~~الأموال ويفارق ولد المكاتبة؛ لأنها لا تدعي ملكه. ### | [فصل كانت الأمة بين شريكين فكاتباها ثم وطئها أحدهما] # (8756) فصل: إذا كانت الأمة بين شريكين فكاتباها ثم وطئها أحدهما أدب فوق ~~أدب الواطئ؛ لمكاتبته الخالصة له؛ لأن الوطء هاهنا حرم من وجهين؛ الشركة ~~والكتابة، فهو آكد وإثمه أعظم وأدبه ms5944 أكثر، وعليه مهر مثلها على ما أسلفناه ~~فيما إذا كان السيد واحدا، فإن لم يكن حل نجم قبضت المهر، فإذا حل نجمها ~~سلمته إليهما، وإن حل نجمها وهو من جنس مال الكتابة وكان في يدها بقدره ~~دفعته إلى الذي لم يطأها واحتسبت على الواطئ بالمهر، وإن لم يكن في يدها ~~شيء وكان بقدر نجمها أو دونه أخذت من الواطئ نصفه وسلمته # PageV10P403 # إلى الآخر، وإن لم يكن من جنس مال الكتابة فاتفقا على أخذه عوضا عن مال ~~الكتابة فالحكم فيه كما لو كان من جنسها. # وإن لم يتفقا قبضته ودفعته مما عليها من مال الكتابة من عوضه أو غيره، # وإن عجزت فسخا الكتابة وكان في يدها بقدر المهر أخذه الذي لم يطأ وسقط ~~المهر من ذمة الواطئ، وإن لم يكن في يدها شيء كان للذي لم يطأ أن يرجع على ~~الواطئ بنصفه؛ لأنه وطئ جارية مشتركة بينهما، فإن حبلت منه صارت أم ولد له ~~وعليه نصف قيمتها لشريكه مع نصف المهر الواجب لها - موسرا كان أو معسرا - ~~إلا أنه إن كان موسرا أداه في الحال، وإن كان معسرا فهو في ذمته. هذا ظاهر ~~كلام الخرقي ذكر مثل هذا في باب العتق، فعلى هذا تصير أم ولد للواطئ، ~~ومكاتبته له كأنه اشتراها وتكون مبقاة على ما بقي من كتابتها وتعتبر قيمتها ~~بما تساوي مكاتبته مبقاة على ما بقي عليها من كتابتها. # واختار القاضي أنه إن كان معسرا لم يسر الإحبال؛ لأنه بمنزلة الإعتاق ~~بالقول يعتبر اليسار في سرايته، ونصيب الواطئ قد ثبت له حكم الاستيلاد وحكم ~~الكتابة، ونصيب شريكه لم يثبت له إلا حكم الكتابة، فإن أدت إليهما عتقت ~~وبطل حكم الاستيلاد، وإن عجزت وفسخا الكتابة ثبت لنصفها حكم الاستيلاد، ~~ونصفها قن لا يقوم على الوارث وإن كان موسرا؛ لأنه ليس بمعتق. # وإن مات الواطئ قبل عجزها عتق نصيبه وسقط حكم الكتابة فيه وكان الباقي ~~مكاتبا، # وإن كان الواطئ موسرا فقد ثبت لنصفها حكم الاستيلاد، ونصفها الآخر موقوف، ~~فإن أدت إليهما عتقت ms5945 كلها وولاؤها لهما، وإن عجزت وفسخا الكتابة قومناها ~~حينئذ على الواطئ، فيدفع إلى شريكه قيمة نصيبه وتصير جميعها أم ولد له، فإن ~~مات عتقت عليه وكان ولاؤها له. وهذا مذهب الشافعي وله قول آخر: أنها تقوم ~~على الموسر وتبطل الكتابة في نصف الشريك، وتصير جميعها أم ولد ونصفها ~~مكاتبا للواطئ، فإن أدت نصيبه إليه عتقت وسرى إلى الباقي؛ لأنه ملكه وعتق ~~جميعها، وإن عجزت ففسخ الكتابة كانت أم ولد له خاصة، فإذا مات عتقت كلها. # ولنا أن بعضها أم ولد فكان جميعها كذلك كما لو كان الشريك موسرا، يحقق ~~هذا أن الولد حاصل من جميعها، وهو كله من الواطئ ونسبه لاحق به فيجب أن ~~يثبت ذلك لجميعها، ويفارق الإعتاق فإنه أضعف على ما بينا من قبل. # ولنا على أن الكتابة لا تبطل بالتقويم أنها عقد لازم، فلا تبطل مع بقائها ~~بفعل صدر منه، كما لو استولدها وهي في ملكه، وكما لو لم تحبل منه فأما ~~الولد فإنه حر؛ لأنه من وطء فيه شبهة ونسبه لاحق به كذلك ولا يلزمه قيمته؛ ~~لأنها وضعته في ملكه # PageV10P404 # وروي عن أحمد في هذا روايتان، إحداهما لا تجب قيمته؛ لأن نصيب شريكه ~~انتقل إليه من حين العلوق وفي تلك الحال لم تكن له قيمة فلم يضمنه، ~~والثانية عليه نصف قيمته؛ لأنه كان من سبيل هذا النصف أن يكون مملوكا ~~لشريكه فقد تلف رقه عليه فكان عليه نصف قيمته. # قال القاضي: هذه الرواية أصح على المذهب وذكر هاتين الروايتين أبو بكر ~~واختار أنها إن وضعته بعد التقويم فلا شيء على الواطئ، وإن وضعته قبل ~~التقويم غرم نصف قيمته، فإن ادعى الواطئ الاستبراء وأتت بالولد لأكثر من ~~ستة أشهر من حين الاستبراء لم يلحق به ولم تصر أم ولد وكان حكم ولدها ~~حكمها، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من حين الاستبراء لحق به كما لو كان ~~قبل الاستبراء؛ لأنا تبينا أنها كانت حاملا وقت الاستبراء فلم يكن ذلك ~~استبراء. ### | [فصل كانت الأمة بين شريكين ووطئاها ms5946 جميعا] # (8757) فصل: وإن وطئاها جميعا فقد وجب لها على كل واحد منهما مهر مثلها، ~~فإن كانت في الحالين على صفة واحدة فهما سواء في الواجب عليهما، وإن كانت ~~بكرا حين وطئها الأول فعليه مهر بكر، وعلى الآخر مهر ثيب، فإن كان نجمها لم ~~يحل فلها مطالبتهما بالمهرين، وإن كان النجم قد حل وهو من جنس المهر تقاصا ~~على ما ذكرنا في المقاصة، فإن أدت إليهما عتقت، وكان لهما المطالبة ~~بالمهرين، وإن عجزت عن نفسها وفسخا الكتابة بعد قبضها المهرين لم يملك ~~أحدهما مطالبة الآخر بشيء؛ لأنها قبضتهما وهي مستحقة لذلك، فإن كانا في ~~يدها اقتسماهما، وإن تلفا أو بعضهما فلا شيء لهما؛ لأن السيد لا يثبت له ~~دين على مملوكه، # وإن كان الفسخ قبل قبض المهرين - وهما سواء - سقط عن كل واحد ما عليه، ~~وإن كان أحدهما أكثر من الآخر تقاص منهما بقدر أقلهما على الآخر بنصف ~~الزيادة، وإن قبضت البعض من أحدهما دون الآخر رجع المقبوض منه على الآخر ~~بنصف ما عليه. # وإن قبضت البعض من أحدهما دون الآخر - أو قبضت من أحدهما أكثر من الآخر ~~رجع من قبض منه الأكثر على الآخر بنصف الزيادة التي أداها، وإن أفضاها ~~أحدهما بوطئه فعليه لها ثلث قيمتها؛ لأن الإفضاء في الحرة يوجب ثلث ديتها ~~فوجب في الأمة ثلث قيمتها مع المهر. # فصل: ويحتمل أن يلزمه في الإفضاء قدر نقصها. وقال القاضي: تلزمه قيمتها ~~وهو مذهب الشافعي والخلاف في ذلك فرع على الواجب في إفضاء الحرة وقد ~~ذكرناه، فإن فسخت الكتابة رجع من لم يفضها على الآخر # PageV10P405 # بنصف قيمة الإفضاء على الخلاف الذي ذكرناه، وإن ادعى كل واحد منهما على ~~الآخر أنه الذي أفضاها أو وطئها حلف كل واحد منهما وبرئ، وإن نكل أحدهما ~~قضي عليه، وإن كان الخلاف في ذلك قبل عجزها فادعت على أحدهما فالقول قوله ~~مع يمينه، وإن ادعت على أحدهما غير معين لم تسمع الدعوى. ### | [فصل كانت الأمة بين شريكين أولدها كل واحد منهما واتفقا على السابق منهما.] ms5947 # (8759) فصل: فإن أولدها كل واحد منهما واتفقا على السابق منهما، فعلى قول ~~الخرقي تصير أم ولد له وولده حر لاحق النسب به، والخلاف في ذلك كالخلاف ~~فيما إذا انفرد بإيلادها سواء، وأما الثاني فعلى قول الخرقي قد وطئ أم ولد ~~غيره بشبهة وأولدها فلا تصير أم ولد له؛ لأنها مملوكة غيره فأشبه ما لو ~~باعها ثم أولدها وعليه مهرها لها؛ لأن الكتابة لم تبطل والولد حر؛ لأنه وطء ~~شبهة وعليه قيمته للأول؛ لأنه فوت رقه عليه، فكان من سبيله أن يكون رقيقا ~~له، حكمه حكم أمه فتلزمه قيمته على هذه الصفة وقد ذكرنا في وجوب نصف قيمة ~~الأول خلافا، فإن قلنا بوجوبها تقاصا بما لكل واحد منهما على صاحبه في ~~القدر الذي تساويا فيه، ويرجع ذو الفضل بفضله وتعتبر القيمة يوم الولادة؛ ~~لأنها أول حال أمكن التقويم فيها # وذكر القاضي في هذه المسألة أربعة أحوال، أحدها أن يكونا موسرين فالحكم ~~على ما ذكرنا إلا أنه جعل المهر الواجب على الثاني للأول، وهذا مذهب ~~الشافعي ولا يصح؛ لأن الكتابة لا تبطل بالاستيلاد، ومهر المكاتبة لها دون ~~سيدها، ولأن سيدها لو وطئها لوجب عليه المهر لها فلأن لا يملك المهر الواجب ~~على غيره أولى، ولأنه عوض نفعها فكان لها كأجرتها. الثاني أن يكون الأول ~~موسرا والثاني معسرا فيكون كالحال الذي قبله سواء. # قال القاضي: إلا أن ولده يكون مملوكا؛ لإعساره بقيمته، وهذا غير صحيح؛ ~~لأن الولد لا يرق لإعسار والده، بدليل ولد المغرور من أمة والوطء بشبهة وكل ~~موضع حكمنا بحرية الولد لا يختلف بالإعسار واليسار وإنما يعتبر اليسار في ~~سراية العتق وليس عتق هذا بطريق السراية، إنما هو لأجل الشبهة في الوطء فلا ~~وجه لاعتبار اليسار فيه. والصحيح أنه حر وتجب قيمته في ذمة أبيه. # الحال الثالث أن يكونا معسرين فإنها تصير أم ولد لهما جميعا، نصفها أم ~~ولد للأول ونصفها أم ولد للثاني. قال: وعلى كل واحد منهما نصف مهرها ~~لصاحبه، وفي ولد كل واحد منهما وجهان: أحدهما أن يكون ms5948 كله حرا وفي ذمة أبيه ~~نصف قيمته لشريكه، # PageV10P406 # والثاني نصفه حر وباقيه عبد لشريكه إلا أن نصف ولد الأول عبد قن؛ لأنه ~~تابع للنصف الباقي من الأم. # وأما النصف الباقي من ولد الثاني فحكمه حكم أمه؛ لأنه ولد منها بعد أن ~~ثبت لنصفها حكم الاستيلاد للأول، فكان نصفه الرقيق تابعا لها في ذلك، ولعل ~~القاضي أراد ما إذا عجزت وفسخت الكتابة، فأما إذا كانت باقية على الكتابة ~~فإن لها المهر كاملا على كل واحد منهما، وإذا حكم برق نصف ولدها وجب أن ~~يكون له حكمها في الكتابة؛ لأن ولد المكاتبة يكون تابعا لها # الحال الرابع: أن يكون الأول معسرا والثاني موسرا فحكمه حكم الثالث سواء ~~إلا أن ولد الثاني حر؛ لأن الحرية ثبتت لنصفه بفعل أبيه وهو موسر فسرى إلى ~~جميعه وعليه نصف قيمته لشريكه ولم تقوم عليه الأم؛ لأن نصفها أم ولد للأول ~~ولو صح هذا لوجب أن لا يقوم عليه نصف الولد؛ لأن حكمه حكم أمه في هذا، فإذا ~~منع حكم الاستيلاد السراية في الأم منعه فيما هو تابع لها. ومذهب الشافعي ~~في هذه المسألة قريب مما ذكر القاضي. ### | [فصل كانت الأمة بين شريكين أولدها كل واحد منهما واختلفا في السابق منهما.] # (8760) فصل: وإن اختلفا في السابق منهما فادعى كل واحد منهما أنه السابق ~~فعلى قولنا لها المهر على كل واحد منهما، وكل واحد منهما يقر لصاحبه بنصف ~~قيمة الجارية؛ لأنه يقول: صارت أم ولد لي بإحبالي إياها ووجب لشريكي علي ~~نصف قيمتها ولي عليه قيمة ولده؛ لأنه يقول: أولدتها بعد أن صارت أم ولد لي. ~~وهل يكون مقرا له بنصف قيمة ولده؟ على وجهين سبق ذكرهما. # فعلى هذا إن استوى ما يدعيه وما يقر به تقاصا وتساقطا ولا يمين لواحد ~~منهما على صاحبه؛ لأنه يقول: لي عليك مثل ما لك علي، والجنس واحد، فتساقطا. ~~وإن زاد ما يقر به فلا شيء عليه؛ لأن خصمه يكذبه في إقراره، وإن زاد ما ~~يدعيه فله اليمين على صاحبه في الزيادة ms5949 ويثبت للأمة حكم العتق في نصيب كل ~~واحد منهما بموته؛ لإقراره بذلك، ولا يقبل قوله على شريكه في إعتاق نصيبه. # وقال أبو بكر: في الأمة قولان، أحدهما يقرع بينهما فتكون أم ولد لمن تقع ~~القرعة له، والثاني تكون أم ولد لهما ولا يطؤها واحد منهما. قال: وبالأول ~~أقول. # وأما القاضي فاختار أنهما إن كانا موسرين فكل واحد منهما يدعي المهر على ~~صاحبه ويقر له بنصفه. وهذا مذهب الشافعي؛ لأن المهر عندهم لسيدها دونها ولا ~~يعتق شيء منها بموت الأول؛ لاحتمال أن تكون أم ولد للآخر، وأما إذا مات ~~الآخر عتقت؛ لأن سيدها قد مات يقينا، وإن كانا معسرين فكل واحد منهما مقر ~~بأن نصفها أم ولده ويصدقه الآخر؛ لأن الاستيلاد لا يسري مع الإعسار، وكل ~~واحد منهما # PageV10P407 # يقر لصاحبه بنصف المهر والآخر يصدقه فيتقاصان إن تساويا، وإن فضل أحدهما ~~صاحبه نظرت؛ فإن كان كل واحد منهما يدعي الفضل تحالفا وسقط، وإن كان كل ~~واحد منهما يقر للآخر بالفضل سقط؛ لتكذيب المقر له به # وفي الولد وجهان: أحدهما يكون حرا فيكون كل واحد منهما يدعي على الآخر ~~نصف قيمة الولد. والوجه الثاني نصفه حر فيقر بأن نصف الولد مملوك لشريكه ~~فيكون الولدان بينهما من غير يمين. # وعلى الوجه الأول يتقاصان إن تساوت قيمة الولدين ولا يمين في الموضعين، ~~وأيهما مات عتق نصيبه وولاؤه له، وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا ~~فالموسر يقر للمعسر بنصف المهر ونصف قيمة الولد ونصف مهرها، ويدعي عليه ~~جميع المهر وقيمة الولد، والمعسر يقر للموسر بنصف المهر ونصف قيمة الولد ~~فيسقط إقرار الموسر للمعسر بنصف قيمة الجارية؛ لكونه لا يدعيه ولا يصدقه ~~فيه ويتقاصان بالمهر؛ لاستوائهما فيه، ويدفع المعسر إلى الموسر نصف قيمة ~~الولد؛ لإقراره به ويحلف على ما يدعيه عليه من الزيادة؛ لأنه ادعى عليه ~~جميع قيمة الولد فأقر له بنصفها، ويحلف له الموسر على نصف قيمة الولد الذي ~~ادعاه المعسر عليه. # وأما الجارية فإن نصيب الموسر منها أم ولد بغير خلاف بينهما فيه وباقيها ~~يتنازعانه؛ ms5950 فإن مات الموسر أولا عتق نصيبه وولاؤه لورثته، فإذا مات المعسر ~~عتق باقيها، وإن مات المعسر أولا لم يعتق منها شيء، فإذا مات الموسر عتق ~~جميعها. ويجيء على قول أبي بكر أن يقرع بينهما في النصف المختلف فيه. ### | [فصل كانت الأمة بين شريكين وطئاها معا فأتت بولد.] # (8761) فصل: فإن وطئاها معا فأتت بولد لم يخل من ثلاثة أقسام: أحدها أن ~~لا يمكن أن يكون من واحد منهما، مثل أن تأتي به بعد استبرائها منهما أو بعد ~~أربع سنين منذ وطئها كل واحد منهما، أو قبل مضي ستة أشهر منذ وطئها كل واحد ~~منهما، فإن الولد منفي عنهما وهو مملوك لهما حكمه حكم أمه في العتق ~~بأدائها، وإذا ادعى كل واحد منهما الاستبراء قبل منه؛ لأن دعوى الاستبراء ~~في الأمة كاللعان في الحرة. القسم الثاني: أن يكون من أحدهما بعينه دون ~~صاحبه فالحكم فيه كالحكم فيما إذا ولدت من أحدهما بعينه؛ من وجوب المهر لها ~~وقيمة نصفها لشريكه مع الخلاف في ذلك # وأما الذي لم تحبل من وطئه فإن كان الأول فعليه المهر لها، وإن كان هو ~~الثاني فقد وطئ أم ولد غيره، فإن كانت الكتابة باقية فعليه المهر لها أيضا، ~~وإن كانت الكتابة قد فسخت فالمهر للذي استولدها، وقد وجب للثاني على الأول ~~نصف قيمتها، وفي قيمة نصف الولد روايتان فإن كان المهر للأول تقاصا بقدر ~~أقل الحقين. # وإن كان المهر لها # PageV10P408 # رجع بحقه على الذي أحبلها. وأما القاضي فقال في هذا القسم: الحكم في ~~الأول كالحكم فيه إذا انفرد بالوطء على ما مضى من التفصيل والتطويل. وأما ~~الثاني فإن وطئها بعد ولادتها من الأول نظرنا، فإن وطئها بعد الحكم بكونها ~~أم ولد للأول فعليه مهر مثلها، فإن كان فسخ الكتابة في حق نفسه لعجزها ~~فالمهر له؛ لأنها أم ولده، وإن كان لم يفسخ فالمهر بينه وبينها نصفين. # وإن وطئها بعد زوال الكتابة في حقه وقبل الحكم بأنها أم ولد للأول سقط ~~عنه نصف مهرها؛ لأن نصفها قن له، وعليه ms5951 النصف لها - إن لم يكن الأول فسخ ~~الكتابة - أو له إن كان فسخ، وإن كان الأول معسرا فنصيبه منها أم ولد له، ~~ولها عليهما المهران، والحكم فيما إذا عجزت أو أدت قد تقدم. فأما إن كان ~~الولد من الثاني فالحكم في وطء الأول كالحكم فيه إذا وطئ منفردا فلم ~~يحبلها. # وأما الثاني فإن كان موسرا قوم عليه نصيب شريكه عند العجز، فإن فسخا ~~الكتابة قومناها عليه وصارت أم ولد له، وإن رضي الثاني بالمقام على الكتابة ~~قومنا عليه نصيب الأول وصارت كلها أم ولد له ونصفها مكاتب، ويرجع الأول على ~~الثاني بنصف المهر ونصف قيمة الولد على إحدى الروايتين، ويرجع الثاني على ~~الأول بنصف المهر فيتقاصان به إن كان باقيا عليهما، وإن كان الثاني معسرا ~~فالحكم فيه كما ولدت من الأول وكان معسرا لا فضل بين المسألتين. # القسم الثالث: أمكن أن يكون الولد من كل واحد منهما فإنه يرى القافة ~~معهما فيلحق بمن ألحقوه به منهما، فمن ألحق به فحكمه حكم ما لو عرف أنه منه ~~بغير قافة. ### | [مسألة كاتب نصف عبد فأدى ما كوتب عليه.] # (8762) مسألة: قال: (وإذا كاتب نصف عبد فأدى ما كوتب عليه ومثله لسيده ~~صار حرا بالكتابة إن كان الذي كاتبه معسرا، وإن كان موسرا عتق عليه كله ~~وصار نصف قيمته على الذي كاتبه لشريكه) . وجملته أن الرجل إذا كان له نصف ~~عبد كانت له مكاتبته، وتصح منه سواء كان باقيه حرا أو مملوكا لغيره - وسواء ~~أذن فيه الشريك أو لم يأذن. هذا ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر، وقول الحكم ~~وابن أبي ليلى. وحكي ذلك عن الحسن البصري والحسن بن صالح ومالك والعنبري، ~~وكره الثوري وحماد كتابته بغير إذن شريكه. وقال الثوري: إن فعل رددته إلا ~~أن يكون نقده فيضمن لشريكه نصف ما في يده # ، وقال أبو حنيفة: تصح بإذن الشريك ولا تصح بغير إذنه وهذا أحد قولي ~~الشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إذنه فيما مضى # PageV10P409 # في ذلك يقتضي الإذن في تأدية مال الكتابة من ms5952 جميع كسبه، ولا يرجع الآذن ~~بشيء منه. وقال أبو يوسف ومحمد: يكون جميعه مكاتبا. وقال الشافعي في أحد ~~قوليه: إن كان باقيه حرا صحت كتابته، وإن كان باقيه ملكا لم تصح كتابته ~~سواء أذن فيه الشريك أم لم يأذن؛ لأن كتابته تقتضي إطلاقه في رد الكسب ~~والمسافرة، وملك نصفه يمنع ذلك ويمنعه أخذ نصيبه من الصدقات؛ لئلا يصير ~~كسبا له ويستحق سيده نصفه، ولأنه إذا أدى عتق جميعه فيؤدي إلى أن يؤدي نصف ~~كتابته ويعتق جميعه. # ولنا أنه عقد معاوضة على نصفه فصح كبيعه، ولأنه ملك له يصح بيعه وهبته ~~فصحت كتابته كما لو ملك جميعه، ولأنه ينفذ إعتاقه فصحت كتابته كالعبد ~~الكامل، وكما لو كان باقيه حرا - عند الشافعي - أو أذن فيه الشريك عند ~~الباقين. وقولهم: إنه يقتضي المسافرة والكسب وأخذ الصدقة قلنا: أما ~~المسافرة فليست من المقتضيات الأصلية فوجود مانع منها لا يمنع أصل العقد. ~~وأما الكسب وأخذ الصدقة فإنه لا يمنع كسبه وأخذه الصدقة بجزئه بالمكاتبة ~~ولا يستحق الشريك شيئا منه؛ لأنه إنما استحق ذلك بالجزء المكاتب، ولا حق ~~للشريك فيه، فكذلك فيما حصل به، كما لو ورث شيئا بجزئه الحر، وأما الكسب ~~فإن هايأه مالك نصفه فكسب في نوبته شيئا لم يشاركه فيه أيضا، وإن لم يهايئه ~~فكسب بجملته شيئا كان بينهما له بقدر ما فيه من الجزء المكاتب ولسيده ~~الباقي؛ لأنه كسبه بجزئه المملوك فيه، فأشبه ما لو كسب قبل كتابته فيقسم ~~بين سيديه. # وقولهم: إنه يفضي إلى أن يؤدي بعض الكتابة فيعتق جميعه. قلنا: يبطل هذا ~~بما لو علق عتق نصيبه على أداء مال فإنه يؤدي عوض البعض ويعتق الجميع، على ~~أننا نقول: لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة فإن جميع الكتابة هو الذي كاتبه ~~عليه مالك نصفه ولم يبق منها شيء، فلا يعتق حتى يؤدي جميعها ولأنه لا يعتق ~~الجميع بالأداء وإنما يعتق الجزء المكاتب لا غير، وباقيه إن كان المكاتب ~~معسرا لم يعتق، وإن كان موسرا عتق بالسراية لا بالكتابة، ولا يمنع ms5953 هذا كما ~~لو أعتق بعضه عتق جميعه، فإذا جاز جميعه بإعتاق بعضه بطريق السراية جاز ذلك ~~فيما يجري مجرى العتق، إذا ثبت هذا فإنه إذا كاتب نصيبه لم تسر الكتابة ولم ~~يتعد الجزء الذي كاتبه؛ لأن الكتابة عقد معاوضة فلم يسر كالبيع، وليس للعبد ~~أن يؤدي إلى مكاتبه شيئا حتى يؤدي إلى شريكه مثله سواء أذن الشريك في ~~كتابته أو لم يأذن؛ لأنه إنما أذن في كتابة نصيبه، وذلك يقتضي أن يكون ~~نصيبه باقيا له، ولا يقتضي أن يكون معروفا في الكتابة # وهذا إذا كان الكسب بجميعه فإن أدى الكتابة من جميع كسبه لم يعتق؛ لأن # PageV10P410 # الكتابة الصحيحة تقتضي العتق ببراءته من العوض وذلك لا يحصل بدفع ما ليس ~~له، وإن أدى إليهما جميعا عتق كله؛ لأن نصفه يعتق بالأداء فإذا عتق سرى إلى ~~سائره. # وإن كان الذي كاتبه موسرا؛ لأن عتقه بسبب من جهته فلزمته قيمته كما لو ~~باشره بالعتق أو كما لو علق عتق نصيبه على صفة فعتق بها، ويرجع الشريك على ~~المكاتب بنصف قيمته كما لو باشره بالعتق، فأما إن ملك العبد شيئا بجزئه ~~المكاتب، مثل أن هايأه سيده فكسب شيئا في نوبته أو أعطى من الصدقة من سهم ~~الرقاب أو من غيره، فلا حق لسيده فيه، وله أداء جميعه في كتابته؛ لأنه إنما ~~استحق ذلك بما فيه من الكتابة فأشبه النصف الباقي بعد إعطاء الشريك حقه. # فلو كان ثلثه حرا وثلثه مكاتبا وثلثه رقيقا، فورث بجزئه الحر ميراثا، ~~وأخذ بجزئه المكاتب من سهم الرقاب، فله دفع ذلك كله في كتابته؛ لأنه ما ~~استحق بجزئه الرقيق شيئا منه فلا يستحق مالكه منه شيئا، وإذا أدى جميع ~~كتابته عتق فإذا كان الذي كاتبه معسرا، لم يسر العتق ولم يتعد نصيبه، كما ~~إذا واجهه بالعتق إلا على الرواية التي نقول فيها بالاستسعاء فإنه يستسعى ~~في نصيب الذي لم يكاتب، وإن كان موسرا سرى إلى باقيه. ### | [فصل كان العبد كله ملكا لرجل فكاتب بعضه.] # (8763) فصل: وإذا كان العبد كله ملكا ms5954 لرجل فكاتب بعضه جاز. قاله أبو بكر؛ ~~لأنها معاوضة فصحت في بعضه كالبيع، فإذا أدى جميع كتابته عتق كله؛ لأنه إذا ~~سرى العتق فيه إلى ملك غيره فإلى ملكه أولى، ويجب أن يؤدي إلى سيده مثلي ~~كتابته؛ لأن نصف ما يكسبه يستحقه سيده بما فيه من الرق، ونصفه يؤدي في ~~الكتابة إلا أن يرضى سيده بتأدية الجميع في الكتابة فيصح فإذا استوفى المال ~~كله عتق نصفه بالكتابة وباقيه بالسراية. ### | [فصل كان العبد لرجلين فكاتباه معا.] # (8764) فصل: وإذا كان العبد لرجلين فكاتباه معا جاز سواء تساويا في العوض ~~أو اختلفا فيه، وسواء اتفق نصيباهما فيه أو اختلف، وسواء كان في عقد واحد ~~أو عقدين. وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز أن يتفاضلا في المال ~~مع التساوي في الملك ولأن التساوي في المال منع التفاضل في الملك؛ لأن ذلك ~~يؤدي إلى أن ينتفع أحدهما بمال الآخر لأنه إذا دفع إلى أحدهما أكثر من قدر ~~ملكه ثم عجز، رجع عليه الآخر بذلك. ولنا أن كل واحد منهما يعقد على نصيبه ~~عقد معاوضة فجاز أن يختلفا في العوض كالبيع. # وما ذكروه لا يلزم؛ لأن انتفاع أحدهما بمال الآخر إنما يكون عند العجز، ~~وليس ذلك من مقتضيات العقد، وإنما يكون عند زواله فلا يضر؛ ولأنه إنما يؤدي ~~إليهما على التساوي، وإذا عجز قسم ما كسبه بينهما على # PageV10P411 # قدر الملكين، فلم يكن أحدهما منتفعا إلا بما يقابل ملكه، وعاد الأمر بعد ~~زوال الكتابة إلى حكم الرق كأنه لم يزل. # فإن قيل: فالتساوي في الملك يقتضي التساوي في أدائه إليهما، ويلزم منه ~~وفاء كتابة أحدهما قبل الآخر، فيعتق نصيبه ويسري إلى نصيب صاحبه ويرجع عليه ~~الآخر بنصف قيمته، قلنا: يمكن أداء كتابته إليهما دفعة واحدة فيعتق عليهما، ~~ويمكن أن يكاتب أحدهما على مائة في نجمين، في كل نجم خمسون، ويكاتب الآخر ~~على مائتين في نجمين، في النجم الأول خمسون، وفي الثاني مائة وخمسون، ويكون ~~وقتهما واحدا فيؤدي إلى كل واحد منهما حقه، على أن أصحابنا ms5955 قالوا: لا يسري ~~العتق إلى نصيب الآخر مادام مكاتبا، فعلى هذا القول لا يفضي إلى ما ذكروه، ~~على أنه وإن قدر إفضاؤه إليه فلا مانع فيه من صحة الكتابة، فإنه لا يخل ~~بمقصود الكتابة - وهو العتق بها، # ويمكن وجود سراية العتق من غير ضرر بأن يكاتبه على مثلي قيمته، فإذا عتق ~~عليه غرم لشريكه نصف قيمته وسلم له باقي المال، وحصل له ولاء العبد ولا ضرر ~~في هذا، ثم لو كان فيه ضرر لكن قد رضي به حين كتابته على أقل مما كاتبه به ~~شريكه، والضرر المرضي به من جهة المضرور لا عبرة به، كما لو باشره بالعتق ~~أو أبرأه من مال الكتابة، فإنه يعتق عليه ويسري عتقه ويغرم لشريكه وهو ~~جائز، فهذا أولى بالجواز. # ولا يجوز أن يختلفا في التنجيم ولا في أن يكون لأحدهما في النجوم قبل ~~النجم الأخير أكثر من الآخر في أحد الوجهين؛ لأنه لا يجوز أن يؤدي إليهما ~~إلا على السواء، ولا يجوز تقديم أحدهما بالأداء على الآخر، واختلافهما في ~~ميقات النجوم وقدر المؤدى فيهما يفضي إلى ذلك. # والثاني يجوز؛ لأنه يمكن أن يعجل لمن تأخر نجمه قبل محله، ويعطي من قل ~~نجمه أكثر من الواجب له، ويمكن أن يأذن له أحدهما في الدفع إلى الآخر قبله ~~أو أكثر منه، ويمكن أن ينظره من حل نجمه، أو يرضى من له الكثير بأخذ دون ~~حقه، وإذا أمكن إفضاء العقد إلى مقصوده فلا نبطله باحتمال عدم الإفضاء ~~إليه. ### | [فصل كان العبد لرجلين ليس له أن يؤدي إلى أحدهما أكثر من الآخر.] # (8765) فصل: وليس للمكاتب أن يؤدي إلى أحدهما أكثر من الآخر، ولا يقدم ~~أحدهما على الآخر. ذكره القاضي، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولا أعلم فيه ~~خلافا؛ لأنه ما سواء فيه فيستويان في كسبه، وحقهما متعلق # PageV10P412 # بما في يده تعلقا واحدا فلم يكن له أن يخص أحدهما بشيء منه دون الآخر؛ ~~ولأنه ربما عجز فيعود إلى الرق، ويتساويان في كسبه فيرجع أحدهما على الآخر ~~بما في يده ms5956 من الفضل بعد انتفاعه به مدة. # فإن قبض أحدهما دون الآخر شيئا لم يصح القبض، وللآخر أن يأخذ من حصته إذا ~~لم يكن أذن في القبض، وإن أذن فيه ففيه وجهان - ذكرهما أبو بكر - أحدهما: ~~يصح؛ لأن المنع لحقه فجاز بإذنه، كما لو أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه، ~~أو أذن البائع للمشتري في قبض البيع قبل توفية ثمنه، أو أذنا للمكاتب في ~~التبرع، ولأنهما لو أذنا له في الصدقة بشيء صح قبض المتصدق عليه له، كذلك ~~هاهنا. والثاني: لا يجوز وهذا اختيار أبي بكر ومذهب أبي حنيفة وأحد قولي ~~الشافعي واختيار المزني؛ لأن ما في يد المكاتب ملك له فلا ينفذ إذن غيره ~~فيه، وإنما حق سيده في ذمته. # والأول أصح إن شاء الله تعالى؛ لأن الحق لهم لا يخرج عنهم فإذا اتفقوا ~~على شيء فلا وجه للمنع. # وقولهم: إنه ملك للمكاتب، تعليق على العلة ضد ما تقتضيه؛ لأن كونه ملكا ~~له يقتضي جواز تصرفه فيه على حسب اختياره، وإنما المنع لتعلق حق سيده به، ~~فإذا أذن زال المانع فصح التقبيض؛ لوجود مقتضيه وخلوه من المانع، ثم يبطل ~~لما ذكرنا من المسائل. فعلى هذا الوجه إذا دفع إلى أحدهما مال الكتابة بإذن ~~صاحبه عتق نصيبه من المكاتب؛ لأنه استوفى حقه، ويسري العتق إلى باقيه، ~~وعليه قيمة حصة شريكه؛ لأن عتقه بسببه. هذا قول الخرقي، ويضمنه في الحال ~~بنصف قيمته مكاتبا مبقى على ما بقي عليه من كتابته وولاؤه كله له، وما في ~~يده من المال الذي لم يقبض منه بقدر ما قبضه صاحبه، والباقي بين العبد وبين ~~سيده الذي عتق عليه؛ لأن نصفه عتق بالكتابة ونصفه بالسراية، فحصة ما عتق ~~بالكتابة للعبد، وحصة ما عتق بالسراية لسيده. # وعلى ما اخترناه يكون الباقي كله للعبد؛ لأن الكسب كان ملكا له فلا يزول ~~ملكه عنه بعتقه كما لو عتق بالأداء. # وقال أبو بكر والقاضي: لا يسري العتق في الحال وإنما يسري عند عجزه، فعلى ~~قولهما يكون باقيا على الكتابة، فإن أدى ms5957 إلى الآخر عتق عليهما، وولاؤه لهما ~~وما بقي في يده من كسبه فهو له، وإن عجز وفسخت كتابته قوم على الذي أدى ~~إليه وكان ولاء جميعه له وتنفسخ الكتابة في نصفه. وإن مات فقد مات ونصفه حر ~~ونصفه رقيق، ولسيده الذي لم يعتق نصيبه أن يأخذ مما خلفه مثل ما أخذه شريكه ~~من مال الكتابة، وله نصف ما بقى والباقي لورثة العبد، فإن لم يكن له وارث ~~من نسبه فهو للذي أدى إليه بالولاء. وإن قلنا: لا يصح القبض فما أخذه ~~القابض بينه وبين شريكه، ولا تعتق حصته من المكاتب؛ لأنه # PageV10P413 # لم يستوف عوضه، ولغير القابض مطالبة القابض بنصيبه مما قبضه كما لو قبضه ~~بغير إذنه سواء. # وإن لم يرجع غير القابض بنصيبه حتى أدى المكاتب إليه كتابته صح وعتق ~~عليهما جميعا، وإن مات العبد قبل استيفاء الآخر حقه فقد مات عبدا ويستوفي ~~الذي لم يقبض من كسبه بقدر ما أخذه صاحبه والباقي بينهما. قال أحمد في ~~رواية ابن منصور في عبد بين رجلين كاتباه فأدى إلى أحدهما كتابته ثم مات ~~وهو يسعى للآخر لمن ميراثه؟ قال أحمد: كل ما كسب العبد في كتابته فهو ~~بينهما ويرجع هذا على الآخر بنصيبه مما أخذ وميراثه بينهما. قال ابن منصور: ~~قال إسحاق بن راهويه كما قال. ### | [فصل الشريكان إذا عجز مكاتبهما.] # (8766) فصل: وإن عجز مكاتبهما فلهما الفسخ والإمضاء، فإن فسخا جميعا أو ~~أمضيا الكتابة جاز ما اتفقا عليه، وإن فسخ أحدهما وأمضى الآخر جاز وعاد ~~نصفه رقيقا قنا ونصفه مكاتبا. وقال القاضي: تنفسخ الكتابة في جميعه. وهو ~~مذهب الشافعي؛ لأن الكتابة لو بقيت في نصفه لعاد ملك الذي فسخ الكتابة إليه ~~ناقصا. # ولنا، أنها كتابة في ملك أحدهما فلم تنفسخ بفسخ الآخر، كما لو انفرد ~~بكتابته، لأنهما عقدان مفردان فلم ينفسخ أحدهما بفسخ الآخر كالبيع، وما حصل ~~من النقص لا يمنع؛ لأنه إنما حصل ضمنا؛ لتصرف الشريك في نصيبه، فلم يمنع ~~كإعتاق الشريك؛ ولأن من أصلنا أنه تصح مكاتبة أحدهما نصيبه، فإذا ms5958 لم يمنع ~~العقد في ابتدائه فلأن يبطل في دوامه أولى، ولأن ضرره حصل بعقده وفسخه فلا ~~يزول بفسخ عقد غيره، ولأن في فسخ الكتابة ضررا بالمكاتب وسيده، وليس دفع ~~الضرر عن الشريك الذي فسخ بأولى من دفع الضرر عن الذي لم يفسخ، بل دفع ~~الضرر عن الذي لم يفسخ أولى لوجوه ثلاثة: أحدها أن ضرر الذي فسخ حصل ضمنا؛ ~~لبقاء عقد شريكه في ملك نفسه، وضرر شريكه بزوال عقده وفسخ تصرفه في ملكه. # والثاني: أن ضرر الذي فسخ لم يعتبره الشرع في موضع، ولا أصل لما ذكروه من ~~الحكم ولا يعرف # PageV10P414 # له نظير فيكون بمنزلة المصلحة المرسلة التي وقع الإجماع على اطراحها، ~~وضرر شريكه بفسخ عقده معتبر في سائر عقوده: من بيعه وهبته ورهنه. . وغير ~~ذلك، فيكون أولى. # الثالث: أن ضرر الفسخ يتعدى إلى المكاتب فيكون ضررا باثنين، وضرر الفاسخ ~~لا يتعداه، ثم لو قدر تساوي الضررين لوجب إبقاء الحكم على ما كان عليه، ولا ~~يجوز إحداث الفسخ من غير دليل راجح. ### | [مسألة المكاتب لا زكاة عليه.] # (8767) مسألة: قال: (وإذا عتق المكاتب استقبل بما في يده من المال حولا ~~ثم زكاه إن كان نصابا) . وجملته أن المكاتب لا زكاة عليه بلا خلاف نعلمه، ~~فإذا عتق صار من أهل الزكاة حينئذ فيبتدئ حول الزكاة من يوم عتق، فإذا تم ~~الحول وجبت الزكاة إن كان نصابا، وإن لم يكن نصابا فلا شيء فيه، ويصير هذا ~~كالكافر إذا أسلم وفي يده مال زكوي يبلغ نصابا فإنه يستقبل به حولا من حين ~~أسلم؛ لأنه صار حينئذ من أهل الزكاة، وكذلك العبد إذا عتق وفي يده مال ~~أبقاه له سيده. ### | [مسألة فسخ عقد الكتابة.] # (8768) مسألة: قال: (وإذا لم يؤد نجما حتى حل نجم آخر عجزه السيد إن أحب ~~وعاد عبدا غير مكاتب) . وجملته أن الكتابة عقد لازم لا يملك السيد فسخها ~~قبل عجز المكاتب بغير خلاف نعلمه، وليس له مطالبة المكاتب قبل حلول النجم؛ ~~لأنه إنما ثبت في العقد مؤجلا، وإذا حل النجم فللسيد مطالبته ms5959 بما حل من ~~نجومه؛ لأنه دين له حل فأشبه دينه على الأجنبي، وله الصبر عليه وتأخيره به ~~- سواء كان قادرا على الأداء أو عاجزا عنه؛ لأنه حق له سمح بتأخيره أشبه ~~دينه على الأجنبي، فإن اختار الصبر عليه لم يملك العبد الفسخ بغير خلاف ~~نعلمه. # قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المكاتب إذا حل ~~عليه نجم أو نجمان أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله، أن ~~الكتابة لا تنفسخ ما داما ثابتين على العقد الأول، فإن أجله به ثم بدا له ~~الرجوع فله ذلك؛ لأن الدين الحال لا يتأجل بالتأجيل كالقرض. # وإن حل عليه نجمان فعجز عنهما فاختار السيد فسخ كتابته ورده إلى الرق فله ~~ذلك بغير حضور حاكم ولا سلطان، ولا تلزمه الاستنابة. فعل ذلك ابن عمر وهو ~~قول شريح والنخعي وأبي حنيفة والشافعي، وقال ابن أبي ليلى: لا يكون عجزه ~~إلا عند قاض، وحكي نحو هذا عن مالك. وقال الحسن: إذا عجز استؤني بعد العجز ~~سنتين. # وقال الأوزاعي: شهرين. . ونحو ذلك. # PageV10P415 # ولنا ما روى سعيد بإسناده عن ابن عمر أنه كاتب غلاما له على ألف دينار ~~فأدى إليه تسعمائة دينار وعجزه عن مائة دينار فرده إلى الرق. وبإسناده عن ~~عطية العوفي عن ابن عمر أنه كاتب عبده على عشرين ألفا فأدى عشرة آلاف، ثم ~~أتاه فقال: إني قد طفت العراق والحجاز فردني في الرق، فرده. وروي عنه أنه ~~كاتب عبدا له على ثلاثين ألفا فقال له: أنا عاجز. فقال له: امح كتابتك. ~~فقال: امح أنت. # وروى سعيد بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خطب فقال: أيما رجل كاتب غلامه على مائة أوقية فعجز عن ~~عشر أواق فهو رقيق.» ولأنه عقد عجز عن عوضه فملك مستحقه فسخه كالسلم إذا ~~تعذر المسلم فيه، ولأنه فسخ عقد مجمع عليه فلم يفتقر إلى الحاكم كفسخ ~~المعتقة تحت العبد، فإن قيل: فلم كانت الكتابة ms5960 لازمة من جهة السيد، غير ~~لازمة من جهة العبد؟ قلنا: هي لازمة من جهة الطرفين ولا يملك العبد فسخها ~~بحال وإنما له أن يعجز نفسه ويمتنع من الكسب، وإنما كان له ذلك لوجهين - ~~أحدهما: أن الكتابة تتضمن إعتاقا بصفة، ومن علق عتق عبده بصفة لم يملك ~~إبطالها ويلزم وقوع العتق بالصفة، ولا يلزم العبد الإتيان بالصفة ولا يجبر ~~عليها. # الثاني: أن الكتابة لحظ العبد دون سيده فكان العقد لازما لمن ألزم نفسه ~~حظ غيره، وصاحب الحظ بالخيار فيه كمن ضمن لغيره شيئا، أو كفل له، أو رهن ~~عنده رهنا. ### | [فصل المكاتب إن حل نجم فعجز عن أدائه.] # (8769) فصل: فأما إن حل نجم واحد فعجز عن أدائه فظاهر كلام الخرقي أنه ~~ليس للسيد الفسخ حتى يحل نجمان قبل أدائهما. وهي إحدى الروايتين عن أحمد ~~قال القاضي: وهو ظاهر كلام أصحابنا وروي ذلك عن علي، - رضي الله عنه - وهو ~~قول الحكم وابن أبي ليلى وأبي يوسف والحسن بن صالح # وقال ابن أبي موسى: وروي عن أحمد أنه لا يعود رقيقا حتى يقول: قد عجزت. ~~وقيل عنه: إذا أدى أكثر مال الكتابة لم يرد إلى الرق وأتبع بما بقي. ~~والرواية الثانية: أنه إذا عجز عن نجم واحد فلسيده فسخ الكتابة، وهو قول ~~الحارث العكلي وأبي حنيفة والشافعي؛ لأن السيد دخل على أن يسلم له مال ~~الكتابة على الوجه الذي كاتبه عليه، ويدفع إليه # PageV10P416 # المال في نجومه، فإذا لم يسلم له لم يلزمه عتقه، ولما ذكرنا في الفصل ~~الذي قبل هذا، ولأنه عجز عن أداء النجم في وقته فجاز فسخ كتابته كالنجم ~~الأخير. # ولنا ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا يرد المكاتب في الرق ~~حتى يتوالى عليه نجمان، ولأن ما بين النجمين محل لأداء الأول فلا يتحقق ~~العجز عنه حتى يفوت محله بحلول الثاني. ### | [فصل المكاتب إذا حل النجم وماله حاضر عنده.] # (8770) فصل: وإذا حل النجم وماله حاضر عنده طولب بأدائه ولم يجز الفسخ ~~قبل الطلب كما لا يجوز فسخ ms5961 البيع والسلم بمجرد وجوب الدفع قبل الطلب، فإن ~~طلب منه فذكر أنه غائب عن المجلس في ناحية من نواحي البلد، أو قريب منه على ~~مسافة لا تقصر فيها الصلاة يمكن إحضاره قريبا، لم يجز فسخ الكتابة، وأمهل ~~بقدر ما يأتي به إذا طلب الإمهال؛ لأن هذا يسير لا ضرر فيه، وإن كان معه ~~مال من غير جنس مال الكتابة فطلب الإمهال؛ ليبيعه بجنس مال الكتابة أمهل، ~~وإن كان المال غائبا أكثر من مسافة القصر لم يلزم الإمهال. وهذا قول ~~الشافعي، # وقال أبو حنيفة: إن كان له مال حاضر أو غائب يرجو قدومه استؤني يومين ~~وثلاثة لا أزيده على ذلك؛ لأن الثلاثة آخر حد القلة والقرب؛ لما بيناه فيما ~~مضى وما زاد عليها في حد الكثرة، وهذا كله قريب بعضه من بعض. # فأما إذا كان قادرا على الأداء واجدا لما يؤديه فامتنع من أدائه وقال: قد ~~عجزت. فقال الشريف أبو جعفر وجماعة من أصحابنا المتأخرين: يملك السيد فسخ ~~الكتابة وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لقوله: وإذا حل نجم فلم يؤده حتى حل نجم آخر ~~عجزه السيد - إن أحب - فعلق جواز الفسخ على عدم الأداء، وهذا مذهب الشافعي. # وقال أبو بكر بن جعفر: ليس له ذلك ويجبر على تسليم العوض وهو قول أبي ~~حنيفة ومالك والأوزاعي. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، فأما إن كان قادرا على ~~أداء المال كله ففيه رواية أخرى: أنه يصير حرا بملك ما يؤدي، وقد سبق ~~ذكرها. # PageV10P417 ### | [فصل حل النجم والمكاتب غائب بغير إذن سيده.] # (8771) فصل: وإذا حل النجم والمكاتب غائب بغير إذن سيده فله الفسخ، وإن ~~كان سافر بإذنه لم يكن له أن يفسخ؛ لأنه أذن في السفر المانع من الأداء، ~~ولكن يرفع أمره إلى الحاكم، ويثبت عنده حلول مال الكتابة ليكتب الحاكم إلى ~~المكاتب فيعلم بما ثبت عنده، فإن كان عاجزا عن أداء المال كتب بذلك إلى ~~الحاكم الكاتب ليجعل للسيد فسخ الكتابة. # وإن كان قادرا على الأداء طالبه بالخروج إلى البلد الذي فيه السيد؛ ليؤدي ~~مال ms5962 الكتابة، أو يوكل من يفعل ذلك، فإن فعله في أول حال الإمكان عند خروج ~~القافلة - إن كان لا يمكنه الخروج إلا معها - لم يجز الفسخ، وإن أخره عن ~~حال الإمكان ومضى زمن المسير، ثبت للسيد خيار الفسخ. فإن وكل السيد في بلد ~~المكاتب من يقبض منه مال الكتابة، لزمه الدفع إليه. فإن امتنع من الدفع ثبت ~~للسيد خيار الفسخ. # وإن كان قد جعل للوكيل الفسخ عند امتناع المكاتب من الدفع إليه، جاز، وله ~~الفسخ إذا ثبتت وكالته ببينة بحيث يأمن المكاتب إنكار السيد وكالته. وإن لم ~~يثبت ذلك لم يلزم المكاتب الدفع إليه، وكان له عذر يمنع جواز الفسخ؛ لأنه ~~لا يأمن أن يسلم إليه فينكر السيد وكالته ويرجع على المكاتب بالمال، وسواء ~~صدقه في أنه وكيل أو كذبه. # وإن كتب حاكم البلد الذي فيه السيد إلى حاكم البلد الذي فيه المكاتب؛ ~~ليقبض منه المال لم يلزمه ذلك؛ لأن هذا توكيل لا يلزم الحاكم الدخول فيه ~~فإن الحاكم لا يكلف القبض للبالغ الرشيد فإن اختار القبض جرى مجرى الوكيل، ~~ومتى قبض منه المال عتق. ### | [فصل دفع المكاتب العوض في الكتابة فبان مستحقا.] # (8772) فصل: قال وإذا دفع العوض في الكتابة فبان مستحقا تبين أنه لم ~~يعتق، وكان هذا الدفع كعدمه؛ لأنه لم يؤد الواجب عليه. وقيل له: إن أديت ~~الآن وإلا فسخت كتابتك، وإن كان قد مات بعد الأداء فقد مات عبدا، فإن بان ~~معيبا مثل أن كاتبه على عروض موصوفة فقبضها فأصاب بها عيبا بعد قبضها نظرت، ~~فإن كان قد رضي بذلك وأمسكها استقر العتق، فإن قيل: كيف يستقر العتق ولم ~~يعطه جميع ما وقع عليه العقد؟ فإن ما يقابل العيب لم يقبضه فأشبه ما لو ~~كاتبه على عشرة فأعطاه تسعة، # PageV10P418 # قلنا: إمساكه المعيب راضيا به رضى منه بإسقاط حقه فجرى مجرى إبرائه من ~~بقية كتابته. وإن اختار إمساكه وأخذ أرش العيب أو رده فله ذلك. # قال أبو بكر: وقياس قول أحمد - رحمه الله - أنه لا يبطل العتق وليس له ms5963 ~~الرد وله الأرش؛ لأن العتق إتلاف واستهلاك، فإذا حكم بوقوعه لم يبطل كعقد ~~الخلع، ولأنه ليس المقصود منه المال فأشبه الخلع. # وقال القاضي: يتوجه أن له الرد ويحكم بارتفاع العتق الواقع؛ لأن العتق ~~إنما استقر باستقرار الأداء وقد ارتفع الأداء فارتفع العتق. وهذا مذهب ~~الشافعي؛ لأن الكتابة عقد معاوضة يلحقه الفسخ بالتراضي فوجب أن يفسخ بوجود ~~العيب كالبيع، وإن اختار إمساكه وأخذ الأرش فله ذلك وتبين أن العتق لم يقع، ~~ولأننا تبينا أن ذمته لم تبرأ من مال الكتابة ولا يعتق قبل ذلك، وظن وقوع ~~العتق لا يوقعه إذا بان الأمر بخلافه كما لو بان العوض مستحقا. # وإن تلفت العين عند السيد أو حدث بها عنده عيب استقر أرش العيب، والحكم ~~في ارتفاع العتق على ما ذكرناه فيما مضى. # ولو قال السيد لعبده: إن أعطيتني عبدا فأنت حر فأعطاه عبدا فبان حرا أو ~~مستحقا لم يعتق بذلك؛ لأن معناه: إن أعطيته ملكا ولم يعطه إياه ملكا ولم ~~يملكه إياه. (8773) فصل: وإذا دفع إليه مال الكتابة ظاهرا فقال له السيد: ~~أنت حر ثم بان العوض مستحقا لم يعتق بذلك؛ لأن ظاهره الإخبار عما حصل له ~~بالأداء، فلو ادعى المكاتب أن سيده قصد بذلك عتقه وأنكر السيد فالقول قول ~~السيد مع يمينه؛ لأن الظاهر معه وهو أخير بما نوى. ### | [مسألة ما يأخذه السيد من نجوم كتابته.] # (8774) مسألة: قال: (وما قبض من نجوم كتابته استقبل بزكاته حولا) وجملته ~~أن ما يأخذه من نجوم كتابته - كمال استفاده بكسب أو غيره - فيملكه بأخذه ~~ويستقبل به حولا؛ لأنه لا يملك ما في يد مكاتبه، ولهذا جرى الربا بينهما ~~ولا زكاة عليه في الدين الذي على المكاتب؛ لأن ملكه عليه غير تام فوجب أن ~~يستقبل بما يأخذه منه حولا كما لو أخذه من أجنبي. ### | [مسألة المكاتب إذا جنى جناية موجبة للمال.] # (8775) مسألة: قال: (وإذا جنى المكاتب بدئ بجنايته قبل كتابته، فإن عجز ~~كان سيده مخيرا بين أن يفديه بقيمته إن كانت أقل من جنايته أو يسلمه) . # PageV10P419 # وجملة ms5964 ذلك أن المكاتب إذا جنى جناية موجبة للمال تعلق أرشها برقبته ويؤدي ~~من المال الذي في يده. وبهذا قال الحسن والحكم وحماد والأوزاعي ومالك ~~والحسن بن صالح والشافعي وأبو ثور. وقال عطاء والنخعي وعمرو بن دينار: ~~جنايته على سيده. قال عطاء: ويرجع سيده بها عليه. وقال الزهري: إذا قتل ~~رجلا خطأ كانت كتابته وولاؤه لولي المقتول، إلا أن يفديه سيده. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجني جان إلا على نفسه» ~~ولأنها جناية عبد فلم تجب في ذمة سيده كالقن، إذا ثبت هذا فإنه يبدأ بأداء ~~الجناية قبل الكتابة سواء حل عليه نجم أو لم يحل. # وهذا المنصوص عليه عن أحمد والمعمول به في المذهب وذكر أبو بكر قولا آخر ~~أن السيد يشارك ولي الجناية فيضرب بقدر ما حل من نجوم كتابته؛ لأنه ما ~~دينان فيتحاصان كسائر الديون. # ولنا أن أرش الجناية من العبد يقدم على سائر الحقوق المتعلقة به، ولذلك ~~قدمت على حق المالك وحق المرتهن وغيرهما فوجب أن يقدم هاهنا، يحققه أن أرش ~~جنايته مقدم على ملك السيد في عبده فيجب تقديمه على عوضه وهو مال الكتابة ~~بطريق الأولى؛ لأن الملك فيه قبل الكتابة كان مستقرا، ودين الكتابة غير ~~مستقر، فإذا قدم على المستقر فعلى غيره أولى؛ لأن أرش الجناية مستقر فيجب ~~تقديمه على الكتابة التي ليست مستقرة. # إذا ثبت هذا فإنه يفدي نفسه بأقل الأمرين؛ من قيمته أو أرش جنايته؛ لأنه ~~إن كان أرش الجناية أقل فلا يلزمه أكثر من موجب جنايته وهو أرشها، وإن كان ~~أكثر لم يكن عليه أكثر من قيمته؛ لأنه لا يلزمه أكثر من بدل المحل الذي ~~تعلق به الأرش، فإن بدأ بدفع المال إلى ولي الجناية فوفى بما يلزمه من أرش ~~الجناية وإلا باع الحاكم منه بما بقي من أرش الجناية، وباقيه باق على ~~كتابته، وإن اختار الفسخ فله ذلك ويعود عبدا غير مكاتب مشتركا بين السيد ~~وبين المشتري، وإن أبقاه على الكتابة فأدى، عتق بالكتابة وسرى العتق إلى ~~باقيه، ms5965 وإن كان المكاتب موسرا يقوم عليه، وإن كان معسرا عتق منه ما عتق ~~وباقيه رقيق، وإن لم يكن في يده مال ولم يف بالجناية إلا قيمته كلها بيع ~~كله فيها وبطلت كتابته، وإن بدأ بدفع المال إلى سيده نظرنا؛ فإن كان ولي ~~الجناية سأل الحاكم فحجر على المكاتب ثبت الحجر عليه، وكان النظر فيه إلى ~~الحاكم فلا يصح دفعه إلى سيده، ويرتجعه الحاكم ويدفعه إلى ولي الجناية فإن ~~وفى وإلا كان الحكم فيه على ما ذكرنا من قبل. # وإن لم يكن الحاكم حجر عليه صح دفعه إلى سيده؛ لأنه يقضي حقا عليه فجاز ~~كما لو قضى بعض غرمائه قبل الحجر عليه، ثم إن كان ما دفعه إليه جميع مال ~~الكتابة عتق ويكون # PageV10P420 # الأرش في ذمته فيضمن ما كان عليه قبل العتق وهو أقل الأمرين من قيمته أو ~~أرش جنايته؛ لأنه لا يلزمه أكثر مما كان واجبا بالجناية. # وإن أعتقه السيد فعليه فداؤه بذلك؛ لأنه أتلف محل الاستحقاق فكان عليه ~~فداؤه كما لو قتله وإن عجز ففسخ السيد كتابته فداه أيضا بما ذكرناه وقال ~~أبو بكر: فيما إذا فداه سيده قولان يعني روايتين إحداهما: يفديه بأقل ~~الأمرين، والثانية: يفديه بأرش جنايته بالغة ما بلغت. ### | [فصل جنى المكاتب جنايات تعلقت برقبته.] # (8776) فصل: وإذا جنى المكاتب جنايات تعلقت برقبته واستوى الأول والآخر ~~في الاستيفاء ولم يقدم الأول على الثاني؛ لأنها تعلقت بمحل واحد، وكذا إن ~~كان بعضها في حال كتابته وبعضها بعد تعجيزه فهي سواء، ويتعلق جميعها ~~بالرقبة فإن كان فيها ما يوجب القصاص فلولي الجناية استيفاؤه وتبطل حقوق ~~الآخرين، وإن عفا إلى مال صار حكمه حكم الجناية الموجبة للمال، فإن أبرأه ~~بعضهم استوفى الباقون؛ لأن حق كل واحد يتعلق برقبته يستوفيه إذا انفرد فإذا ~~اجتمعوا تزاحموا فإذا أبرأه بعضهم سقط حقه وتزاحم الباقون كما لو انفردوا ~~كما في الوصايا فإن أدى وعتق فالضمان عليه، وإن أعتقه سيده فالضمان عليه ~~وأيهما ضمن فالواجب عليه أقل الأمرين كما ذكرنا في الجناية الواحدة؛ ولأنه ~~لو ms5966 عجزه الغرماء وعاد قنا بيع وتحاصوا في ثمنه كذلك هاهنا فأما إن عجزه ~~سيده فعاد قنا خير بين فدائه وتسليمه فإن اختار فداءه ففيه روايتان: ~~إحداهما يفديه بأقل الأمرين كما لو أعتقه أو قتله. # والثانية يلزمه أرش الجنايات كلها بالغة ما بلغت؛ لأنه لو سلمه احتمل أن ~~يرغب فيه راغب بأكثر من قيمته، فقد فوت تلك الزيادة باختيار إمساكه فكان ~~عليه جميع الأرش ويفارق ما إذا أعتقه أو قتله؛ لأن المحل فيهما تلفت ماليته ~~فلم يمكن تسليمه فلم يجب أكثر من قيمته والمحل باق وهاهنا يمكن تسليمه ~~وبيعه. وإن أراد المكاتب فداء نفسه قبل تعجيزه أو عتقه ففيه روايتان: ~~أحدهما يفدي نفسه بأقل الأمرين. والثاني بأرش الجنايات بالغة ما بلغت؛ لأن ~~محل الأرش قائم غير تالف ويمكن تعجيز نفسه في كل جناية يباع فيها فأشبه ما ~~لو عجزه سيده. # PageV10P421 ### | [فصل جنى المكاتب على سيده فيما دون النفس.] # (8777) فصل: وإن جنى المكاتب على سيده فيما دون النفس فالسيد خصمه فيها؛ ~~فإن كانت موجبة للقصاص وجب كما تجب على عبده القن؛ لأن القصاص يجب للزجر ~~فيحتاج إليه العبد في حق سيده، وإن عفا على مال أو كانت موجبة للمال ابتداء ~~وجب له؛ لأن المكاتب مع سيده كالأجنبي يصح أن يبايعه ويثبت له في ذمته ~~المال والحقوق كذلك الجناية، ويفدي نفسه بأقل الأمرين في إحدى الروايتين، ~~والأخرى يفديها بأرش الجناية بالغة ما بلغت، فإن وفى ما في يده بما عليه ~~فلسيده مطالبته به وأخذه، وإن لم يف به فلسيده تعجيزه، فإذا عجزه وفسخ ~~الكتابة سقط عنه مال الكتابة وأرش الجناية؛ لأنه عاد عبدا قنا، ولا يثبت ~~للسيد على عبده القن مال. # وإن أعتقه سيده ولا مال في يده سقط الأرش؛ لأنه كان متعلقا برقبته وقد ~~أتلفها فسقط. # وإن كان في يده مال لم يسقط؛ لأن الحق كان متعلقا بالذمة وما في يده من ~~المال، فإذا تلفت الرقبة بقي الحق متعلقا بالمال فاستوفي منه كما لو عتق ~~بالأداء، وهل يجب أقل الأمرين أو أرش ms5967 الجناية كله؟ على وجهين. ويستحق السيد ~~مطالبته بأرش الجناية قبل أداء مال الكتابة؛ لما ذكرنا من قبل في حق ~~الأجنبي. # وإن اختار تأخير الأرش والبداية بقبض مال الكتابة جاز، ويعتق إذا قبض مال ~~الكتابة كله. # وقال أبو بكر: لا يعتق بالأداء قبل أرش الجناية؛ لوجوب تقديمه على مال ~~الكتابة. # ولنا أن الحقين جميعا للسيد فإذا تراضيا على تقديم أحدهما على الآخر جاز؛ ~~لأن الحق لهما لا يخرج عنهما ولأنه لو بدأ بأداء الكتابة قبل أرش الجناية ~~في حق الأجنبي عتق ففي حق السيد أولى، ولأن أرش الجناية لا يلزم أداؤه قبل ~~اندمال الجرح فيمكن تقدم وجوب الأداء عليه، فإذا ثبت هذا فإنه إذا أدى عتق ~~ويلزمه أرش الجناية سواء كان في يده مال أو لم يكن؛ لأن عتقه بسبب من جهته ~~فلم يسقط ما عليه بخلاف ما إذا أعتقه سيده؛ فإنه أتلف محل حقه وهاهنا ~~بخلافه، وهل يلزمه أقل الأمرين أو جميع الأرش؟ على وجهين. # وإن كانت جنايته على نفس سيده فلورثته القصاص في العمد أو العفو على مال، ~~وفي الخطأ المال، وفيما يفدي به نفسه روايتان. # وحكم الورثة مع المكاتب حكم سيده معه؛ لأن الكتابة انتقلت إليهم والعبد ~~لو عاد قنا لكان لهم وإن جنى على موروث سيده فورثه سيده فالحكم فيه كما لو ~~كانت الجناية على سيده فيما دون النفس على ما مضى. ### | [فصل اجتمع على المكاتب أرش وثمن أو غيرهما من الديون مع مال الكتابة وفي يده مال يفي بها.] # (8778) فصل: وإن اجتمع على المكاتب أرش جناية وثمن مبيع أو عوض قرض أو ~~غيرهما من الديون مع مال # PageV10P422 # الكتابة وفي يده مال يفي بها فله أن يؤديها ويبدأ بما شاء منها كالحر، ~~وإن لم يف بها ما في يده وكلها حالة ولم يحجر الحاكم عليه فخص بعضهم ~~بالقضاء، صح كالحر. وإن كان فيها مؤجل فعجله بغير إذن سيده لم يجز؛ لأن ~~تعجيله تبرع فلم يجز بغير إذن سيده كالهبة، وإن كان بإذن سيده جاز كالهبة، ~~وإن كان ms5968 التعجيل للسيد فقبوله بمنزلة إذنه، وإن كان الحاكم قد حجر عليه ~~بسؤال غرمائه فالنظر إلى الحاكم وإنما يحجر عليه بسؤالهم، فإن حجر عليه ~~بغير سؤالهم لم يصح؛ لأن الحق لهم فلا يستوفي بغير إذنهم. # وإن سأله سيده الحجر عليه لم يجبه إلى ذلك؛ لأن حقه غير مستقر فلا يحجر ~~عليه من أجله، فإذا حجر عليه بسؤال الغرماء فقال القاضي: عندي أنه يبدأ ~~بقضاء ثمن المبيع وعوض القرض يسوي بينهما ويقدمهما على أرش الجناية ومال ~~الكتابة؛ لأن أرش الجناية محل الرقبة فإذا لم يحصل مما في يده استوفي من ~~رقبته. وهذا مذهب الشافعي واتفق أصحابنا والشافعي على تقديم أرش الجناية ~~على مال الكتابة على ما مضى بيانه. ### | [فصل جنى بعض عبيد المكاتب جناية توجب القصاص.] # (8779) فصل: وإذا جنى بعض عبيد المكاتب جناية توجب القصاص فللمجني عليه ~~الخيار بين القصاص والمال؛ فإن اختار المال أو كانت الجناية خطأ أو شبه عمد ~~أو إتلاف مال تعلق أرشها برقبته وللمكاتب فداؤه بأقل الأمرين من قيمته أو ~~أرش جنايته؛ لأنه بمنزلة شرائه وليس له فداؤه بأكثر من قيمته كما لا يجوز ~~له أن يشتريه بذلك إلا أن يأذن فيه سيده فإن كان الأرش أقل من قيمته لم يكن ~~له تسليمه؛ لأنه تبرع بالزيادة وإن زاد الأرش على قيمته فهل يلزمه تسليمه ~~أو يفديه بأقل الأمرين؟ على روايتين. ### | [فصل ملك المكاتب بعض ذوي رحمه المحرم أو ولد له ولد من أمته فجنى جناية تعلق أرشها برقبته.] # (8780) فصل: فإن ملك المكاتب ابنه أو بعض ذوي رحمه المحرم، أو ولد له ولد ~~من أمته فجنى جناية تعلق أرشها برقبته فللمكاتب فداؤه بغير إذن سيده كما ~~يفدي غيره من عبيده وقال القاضي في " المجرد ": ليس له فداؤه بغير إذنه. ~~وهو مذهب الشافعي؛ لأنه إتلاف لماله، فإن ذوي رحمه ليسوا بمال له ولا يتصرف ~~فيهم فلم يجز له إخراج ماله في مقابلتهم، ولأن شراءهم كالتبرع ويفارق العبد ~~الأجنبي؛ فإنه ينتفع به وله صرفه في كتابته فكان له فداؤه وشراؤه كسائر ms5969 ~~الأموال، لكن إن كان لهذا الجاني كسب فدي منه، وإن لم يكن له كسب بيع في ~~الجناية إن استغرقت قيمته، وإن لم تستغرقها بيع بعضه فيها وما بقي للمكاتب. # ولنا أنه عبد له جنى فملك فداءه كسائر عبيده ولا نسلم أنه لا يملك شراءه ~~وقولهم: لا يتصرف فيه. # PageV10P423 # قلنا: إلا أن كسبه له وإن عجزه المكاتب صار رقيقا معه لسيده وإن أدى ~~المكاتب لم يتضرر السيد بعتقهم وانتفع به المكاتب، وإذا دار أمره بين نفع ~~وانتفاء ضرر وجب أن لا يمنع منه، وفارق التبرع فإنه يفوت المال على السيد ~~فإن قيل: بل فيه مضرة وهو منعه من أداء الكتابة، فإنه إذا صرف المال فيه ~~ولم يقدر على صرفه في الكتابة عجز عنها. قلنا: هذا الضرر لا يمنع المكاتب ~~منه؛ بدليل ما لو ترك الكسب مع إمكانه، أو امتنع من الأداء مع قدرته عليه ~~فإنه لا يمنع منه ولا يجبر على كسب ولا أداء، فكذلك لا يمنع مما هو في ~~معناه ولا مما يفضي إليه، ولأن غاية الضرر في هذا المنع من إتمام الكتابة - ~~وليس إتمامها واجبا عليه - فأشبه ترك الكسب، بل هذا أولى لوجهين: أحدهما أن ~~هذا فيه نفع للسيد؛ لمصيرهم عبيدا له. # والثاني أن فيه نفعا للمكاتب بإعتاق ولده وذوي رحمه ونفعهم بالإعتاق على ~~تقدير الأداء، فإذا لم يمنع مما يساويه في المضرة من غير نفع فيه، فلأن لا ~~يمنع مما فيه نفع لازم لإحدى الجهتين أولى. وولد المكاتبة يدخل في كتابتها، ~~والحكم في جنايته كالحكم في ولد المكاتب سواء. ### | [فصل جنى بعض عبيد المكاتب على بعض جناية موجبها المال.] # (8781) فصل: وإن جنى بعض عبيد المكاتب على بعض جناية موجبها المال لم ~~يثبت لها حكم؛ لأنه لا يجب للسيد على عبده مال. وإن كان موجبها قصاصا فقال ~~أبو بكر: ليس له القصاص؛ لأنه إتلاف لماله باختياره وهذا الذي ذكره أبو ~~الخطاب في " رءوس المسائل " وقال القاضي: له القصاص؛ لأنه من مصلحة ملكه ~~فإنه لو لم يستوفه أفضى إلى إقدام ms5970 بعضهم على بعض وليس له العفو على مال؛ ~~لما ذكرنا ولا يجوز بيعه في أرش الجناية؛ لأن الأرش لا يثبت له في رقبة ~~عبده فإن كان الجاني من عبيد ابنه لم يجز بيعه لذلك. وقال أصحاب الشافعي: ~~يجوز بيعه في أحد الوجهين؛ لأنه لا يملك بيعه قبل جنايته فيستفيد بالجناية ~~ملك بيعه. # ولنا أنه عبده فلم يجب له عليه أرش كالأجنبي وما ذكروه ينتقض بالرهن إذا ~~جنى على راهنه. ### | [فصل جنى عبد المكاتب عليه جناية موجبها المال] # (8782) فصل: وإن جنى عبد المكاتب عليه جناية موجبها المال، كانت هدرا؛ ~~لما ذكرنا. وإن كان موجبها القصاص، فله أن يقتص، إن كان فيما دون النفس؛ ~~لأن العبد يقتص منه لسيده. # PageV10P424 # وإن عفا على مال، سقط القصاص، ولم يجب المال. فإن كان الجاني أباه، لم ~~يقتص منه؛ لأن الوالد لا يقتل بولده. وإن جنى المكاتب عليه، لم يقتص منه؛ ~~لأن السيد لا يقتص منه لعبده. وقال القاضي: فيه وجه آخر، أنه يقتص منه؛ لأن ~~حكم الأب معه حكم الأحرار، بدليل أنه لا يملك بيعه والتصرف فيه، وجعلت ~~حريته موقوفة على حريته. قال: ولا نعلم موضعا يقتص فيه المملوك من مالكه ~~سوى هذا الموضع. ### | [فصل جنى على المكاتب فيما دون النفس] # (8783) فصل: وإذا جني على المكاتب فيما دون النفس، فأرش الجناية له، دون ~~سيده، لثلاثة معان؛ أحدها، أن كسبه له، وذلك عوض عما يتعطل بقطع يده من ~~كسبه. والثاني، أن المكاتبة تستحق المهر في النكاح، لتعلقه بعضو من ~~أعضائها، كذلك بدل العضو. والثالث: أن السيد يأخذ مال الكتابة بدلا عن نفس ~~المكاتبة، فلا يجوز أن يستحق عنه عوضا آخر. ثم لا يخلو من ثلاثة أحوال؛ ~~أحدها، أن يكون الجاني سيده، فلا قصاص عليه؛ لمعنيين؛ أحدهما، أنه حر، ~~والمكاتب عبد. والثاني، أنه مالكه، ولا يقتص من المالك لمملوكه، ولكن يجب ~~الأرش، ولا يجب إلا باندمال الجرح، على ما ذكرنا في الجنايات. ولأنه قبل ~~الاندمال لا تؤمن سرايته إلى نفسه، فيسقط أرشه. فإذا ثبت هذا، فإنه إن ms5971 سرى ~~الجرح إلى نفسه، انفسخت الكتابة، وكان الحكم فيه كما لو قتله. # وإن اندمل الجرح، وجب أرشه له على سيده، فإن كان من جنس مال الكتابة، وقد ~~حل عليه نجم، تقاصا، وإن كان من غير جنس مال الكتابة، أو كان النجم لم يحل، ~~لم يتقاصا، ويطالب كل واحد منهما بما يستحقه. وإن اتفقا على أن يجعل أحدهما ~~عوضا عن الآخر، وكانا من جنسين، لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين. فإن قبض أحدهما ~~حقه، ثم دفعه إلى الآخر، عوضا عن حقه، جاز. وإن رضي المكاتب بتعجيل الواجب ~~له عن ما لم يحل من نجومه، جاز إذا كان من جنس مال الكتابة. الحال الثانية، ~~إذا كان الجاني أجنبيا حرا فلا قصاص أيضا؛ لأن الحر لا يقتل بالعبد، ولكن ~~ينظر؛ إن سرى الجرح إلى نفسه، انفسخت الكتابة، وعلى الجاني قيمته لسيده، ~~وإن اندمل الجرح، فعليه أرشه له. فإن أدى الكتابة، وعتق، له ثم سرى الجرح ~~إلى نفسه، وجبت ديته؛ لأن اعتبار الضمان بحالة الاستقرار ويكون ذلك لورثته. # فإن كان الجاني السيد، أو غيره من الورثة، لم يرث منه شيئا؛ لأن القاتل ~~لا يرث، # PageV10P425 # ويكون لبيت المال إن لم يكن له وارث. ومن اعتبر الجناية بحالة ابتدائها، ~~أوجب على الجاني قيمته، ويكون لورثته أيضا. الحال الثالث، إذا كان الجاني ~~عبدا أو مكاتبا، فإن كان موجب الجناية القصاص وكانت على النفس، انفسخت ~~الكتابة، وسيده مخير بين القصاص والعفو على مال يتعلق برقبة الجاني. وإن ~~كانت فيما دون النفس، مثل أن يقطع يده أو رجله، فللمكاتب استيفاء القصاص، ~~وليس لسيده منعه، كما أن المريض يقبض ولا يعترض عليه ورثته، والمفلس يقبض ~~ولا يعترض عليه غرماؤه. وإن عفا على مال، ثبت له. # وإن عفا مطلقا، أو إلى غير مال، انبنى ذلك على الروايتين في موجب العمد؛ ~~إن قلنا: موجبه القصاص عينا. صح، ولم يثبت له مال، وليس للسيد مطالبته ~~باشتراط مال؛ لأن ذلك تكسب، ولا يملك السيد إجباره على الكسب. وإن قلنا: ~~الواجب أحد أمرين. ثبتت له ms5972 دية الجرح؛ لأنه لما سقط القصاص، تعين المال، ~~ولا يصح عفوه عن المال؛ لأنه لا يملك التبرع به بغير إذن سيده. وإن صالح ~~على بعض الأرش، فحكمه حكم العفو إلى غير مال. ### | [فصل مات المكاتب وعليه ديون وأروش جنايات] # (8784) فصل: وإذا مات المكاتب، وعليه ديون، وأروش جنايات، ولم يكن ملك ما ~~يؤدي في كتابته، انفسخت كتابته، وسقط أرش الجنايات؛ لأنها متعلقة برقبته ~~وقد تلفت، ويستوفى دينه مما كان في يده، فإن لم يف بها، سقط الباقي. قال ~~أحمد: ليس على سيده قضاء دينه، هذا كان يسعى لنفسه. وإن كان قد ملك ما يؤدي ~~في كتابته، انبنى ذلك على الروايتين في عتق المكاتب بملك ما يؤديه، وقد ~~ذكرنا فيه روايتين، الظاهر منهما أنه لا يعتق بذلك، فتنفسخ الكتابة أيضا، ~~ويبدأ بقضاء الدين، على ما ذكرنا في الحال الأول. وهذا قول زيد بن ثابت ~~وسعيد بن المسيب والحسن، وشريح، وعطاء، وعمرو بن دينار، وأبي الزناد، ويحيى ~~الأنصاري، وربيعة والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي. # والرواية الثانية، أنه إذا ملك ما يؤدي، فقد صار حرا فعلى هذا، يضرب ~~السيد مع الغرماء بما حل من نجومه. وروي نحو هذا عن شريح، والنخعي، ~~والشعبي، والحكم، وحماد، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح؛ لأنه دين ~~له حال، فيضرب به كسائر الديون. ويجيء على قول من قال: إن الدين يحل ~~بالموت. أن يضرب بجميع مال الكتابة؛ لأنه قد صار حالا. والمذهب الأول، الذي ~~نقله الجماعة عن أحمد. وقد روى سعيد، في " سننه "، حدثنا هشيم، أنا منصور ~~وسعيد، عن قتادة، قال: ذكرت لسعيد بن المسيب قول شريح في المكاتب إذا مات ~~وعليه دين، وبقية من مكاتبته، فقلت: إن شريحا قضى أن مولاه يضرب مع ~~الغرماء. فقال سعيد: أخطأ شريح، قضى زيد بالدين قبل المكاتبة. # PageV10P426 ### | [مسألة كاتبه ثم دبره فإذا أدى فما الحكم] # (8785) مسألة؛ قال: وإذا كاتبه، ثم دبره، فإذا أدى، صار حرا، وإن مات ~~السيد قبل الأداء، عتق بالتدبير، إن حمل الثلث، ما بقي من كتابته، وإلا عتق ~~منه ms5973 بمقدار الثلث، وسقط من الكتابة بمقدار ما عتق، وكان على الكتابة فيما ~~بقي وجملة ذلك أن تدبير المكاتب صحيح. لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه تعليق عتق ~~بصفة، وهو يملك إعتاقه، وإن كان وصية، فهو وصية بإعتاقه، وهو يملكه. فعند ~~هذا، إن أدى عتق بالأداء؛ لأنه سبب للعتق، ويبطل التدبير للغنى عنه، وما في ~~يده له. وإن عجز، وفسخت الكتابة، بطلت كتابته، وصار مدبرا غير مكاتب. فإذا ~~مات السيد، عتق إن خرج من الثلث، وما في يده لسيده. # وإن لم يخرج من الثلث، عتق منه بقدر الثلث، فإن مات السيد قبل أدائه ~~وعجزه، عتق بالتدبير، إن حمله الثلث، وإن لم يخرج من الثلث، عتق منه بقدر ~~الثلث، وسقط من الكتابة بقدر ما عتق؛ لأن مال الكتابة عوض عنه، فإذا عتق ~~نصفه، وجب أن يسقط نصف الكتابة؛ لأنه لم تبق الكتابة إلا في نصفه، فلم يبق ~~عليه من مالها إلا بقدر ذلك، وهو على الكتابة فيما بقي وما في يده له. وهذا ~~مذهب الشافعي - رضي الله عنه -. وقال أصحابنا: إذا عتق بالتدبير، بطلت ~~الكتابة، وكان ما في يده لسيده، كما لو بطلت الكتابة بعجزه؛ لأنه عبد عتق ~~بالتدبير، فكان ما في يده لسيده، كغير المكاتب. والصحيح الأول، إن شاء الله ~~تعالى؛ لأنه مكاتب برئ من مال الكتابة، فعتق بذلك، وكان ما في يده له كما ~~لو أبرأه سيده. يحققه أن ملكه كان ثابتا على ما في يده، ولم يحدث ما يزيله، ~~وإنما الحادث مزيل لملك سيده عنه، فيبقى ملكه، كما لو عتق بالأداء. ### | [فصل قال السيد لمكاتبه متى عجزت بعد موتي فأنت حر] # (8786) فصل: إذا قال السيد لمكاتبه: متى عجزت بعد موتي، فأنت حر. فهذا ~~تعليق للحرية على صفة تحدث بعد الموت. وقد ذكرنا فيه اختلافا فيما مضى. فإن ~~قلنا: لا يصح. فلا كلام، وإن قلنا: يصح. فمتى عجز بعد الموت، صار حرا ~~بالصفة، فإن ادعى العجز قبل حلول النجم، لم يعتق؛ لأنه لم يجب عليه شيء ~~يعجز عنه. وإن ادعى ذلك ms5974 بعد حلول نجمه، ومعه ما يؤديه، لم يصح قوله؛ لأنه ~~ليس بعاجز. وإن لم يكن معه مال ظاهر، فصدقه الورثة، عتق، وإن كذبوه، فالقول ~~قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم المال وعجزه، فإذا حلف عتق. # وإذا عتق بهذه الصفة، كان ما في يده له، إن لم تكن كتابته فسخت؛ # PageV10P427 # لأن العجز لا تنفسخ به الكتابة، وإنما يثبت به استحقاق الفسخ، والحرية ~~تحصل بأول وجوده، فتكون الحرية قد حصلت له في حال كتابته، فيكون ما في يده ~~له، كما لو عتق بالإبراء من مال الكتابة. ومقتضى قول بعض أصحابنا، أن تبطل ~~كتابته، ويكون ما بيده لورثة سيده. ### | [فصل كاتب عبدا في صحته ثم أعتقه في مرض موته أو أبرأه من مال الكتابة] # (8787) فصل: وإذا كاتب عبدا في صحته، ثم أعتقه في مرض موته، أو أبرأه من ~~مال الكتابة، فإن كان يخرج من ثلثه الأقل من قيمته، أو مال كتابته، عتق، ~~مثل أن يكون له سوى المكاتب مائتان، وقيمة المكاتب مائة، ومال الكتابة مائة ~~وخمسون، فإننا نعتبر قيمته دون مال الكتابة، وهي تخرج من الثلث. ولو كان ~~مال الكتابة مائة، وقيمته مائة وخمسون، اعتبرنا مال الكتابة، ونفذ العتق، ~~ويعتبر الباقي من مال الكتابة دون ما أدى منها. وإنما اعتبرنا الأقل؛ لأن ~~قيمته إن كانت أقل، فهي قيمة ما أتلف بالإعتاق، ومال الكتابة ما استقر ~~عليه، فإن للعبد إسقاطه بتعجيز نفسه، أو يمتنع من أدائه، فلا يجبر عليه، ~~فلم يحتسب له به. وإن كان عوض الكتابة أقل، اعتبرناه؛ لأنه يعتق بأدائه، ~~ولا يستحق السيد عليه سواه، وقد ضعف ملكه فيه، وصار عوضه. # وإن كان كل واحد منهما لا يخرج من الثلث، مثل أن يكون ماله سوى المكاتب ~~قيمته مائة، فإننا نضم الأقل من قيمته أو مال كتابته إلى ماله، ونعمل ~~بحسابه، فيعتق منه ثلثاه، ويبقى ثلثه بثلث مال الكتابة، فإن أداه، عتق، ~~وإلا رق منه ثلثه. ويحتمل أنه إذا كان مال الكتابة مائة وخمسين، فبقي ثلثه ~~بخمسين، فأداها، أن يقول: قد زاد مال ms5975 الميت. لأنه حسب على الورثة بمائة، ~~وحصل لهم بثلثه خمسون، فقد زاد مال الميت، فينبغي أن يزيد بما عتق منه؛ لأن ~~هذا المال يحصل لهم بعقد السيد، والإرث عنه. ويجب أن يكون المعتبر من مال ~~الكتابة ثلاثة أرباعه؛ لأن ربعه يجب إيتاؤه للمكاتب، فلا يحسب من مال ~~الميت. فعلى هذا، إذا كان ثلاثة أرباع مال المكاتب مائة وخمسين، وقيمة ~~العبد مائة، وللميت مائة أخرى، عتق من العبد ثلثاه، وحصل للورثة من كتابة ~~العبد خمسون، عن ثلث العبد المحسوب عليهم بثلث المائة، فقد زاد لهم ثلث ~~الخمسين، فيعتق من العبد قدر ثلثها، وهو تسع الخمسين، وذلك نصف تسعه، فصار ~~العتق ثابتا في ثلثيه، ونصف تسعه، وحصل للورثة المائة، وثمانية أتساع ~~الخمسين، وهو مثلا ما عتق منه. # فإن قيل: لم أعتقتم بعضه، وقد بقي عليه بعض مال الكتابة، وقد قلتم: إن ~~المكاتب لا يعتق منه شيء حتى يؤدي جميع مال الكتابة؟ قلنا: إنما أعتقنا ~~بعضه هاهنا بإعتاق سيده، لا بالكتابة، ولما كان العتق في مرض موته، نفذ في ~~ثلث # PageV10P428 # ماله، وبقي باقيه لحق الورثة، والموضع الذي لا يعتق إلا بأداء جميع ~~الكتابة، إذا كان عتقه بها، لأنه إذا بقي عليه شيء، فما حصل الاستيفاء، ~~ويختص المعاوضة، فلم تثبت الحرية في العوض. ### | [فصل وصى سيده بإعتاقه أو إبرائه من الكتابة] # (8788) فصل: وإن وصى سيده بإعتاقه، أو إبرائه من الكتابة، وكان يخرج من ~~ثلثه أقل الأمرين من قيمته أو مال كتابته، فالحكم فيه كالحكم فيما إذا ~~أعتقه في مرضه، أو أبرأه، إلا أنه يحتاج هاهنا إلى إيقاع العتق؛ لأنه أوصى ~~به. وإن لم يخرج الأقل منهما من ثلثه، أعتق منه بقدر الثلث، ويسقط من ~~الكتابة بقدر ما عتق، ويبقى باقيه على باقي الكتابة، فإن أداه، عتق جميعه، ~~وإن عجز، عتق منه بقدر الثلث، ورق الباقي. وقياس المذهب أن يتنجز عتق ثلثه ~~في الحال، كقولنا في من دبر عبدا له وله مال غائب، أو دين في ذمة موسر أو ~~معسر: إنه يعتق ثلثه في الحال، ms5976 وإن لم يحصل للورثة في الحال شيء. ولأن حق ~~الورثة متحقق الحصول، فإنه إن أدى، وإلا عاد الباقي قنا، وذكر القاضي فيه ~~وجها آخر، أنه لا يتنجز عتق شيء منه إذا لم يكن للميت مال سواه؛ لئلا يتنجز ~~للوصية ما عتق منه، ويتأخر حق الوارث، وكذلك لو كان له مال غائب، أو دين ~~حاضر، لم تتنجز وصيته من الحاضر. والأول أصح؛ لما ذكرناه. # وأما الحاضر والغائب، فإنه إن كان أوصى له بالحاضر، أخذ ثلثه في الحال، ~~ووقف الباقي على قدوم الغائب، فقد حصل للموصى له ثلثه الحاضر، ولم يحصل ~~للورثة شيء في الحال، فهو كمسألتنا، ولم يكمل له جميع وصيته؛ لأن الغائب ~~غير موثوق بحصوله، فإنه ربما تلف، بخلاف ما نحن فيه. فأما الزيادة الحاصلة ~~بزيادة مال الكتابة، فإنها تقف على أداء مال الكتابة. ### | [مسألة ادعى المكاتب وفاء كتابته وأتى بشاهد] # مسألة؛ قال: وإذا ادعى المكاتب وفاء كتابته، وأتى بشاهد، حلف مع شاهده، ~~وصار حرا وهذا قول الشافعي - رضي الله عنه -؛ لأن النزاع بينهما في أداء ~~المال، والمال يقبل فيه الشاهد واليمين. فإن قيل: القصد بهذه الشهادة ~~العتق، وهو مما لا يثبت بشاهد ويمين. قلنا: بل يثبت بشاهد ويمين، في رواية، ~~وإن سلمنا أنه لا يثبت بذلك، لكن الشهادة هاهنا إنما هي بأداء المال، ~~والعتق يحصل عند أدائه بالعقد الأول، ولم يشهد الشاهد به، ولا بينهما، فيه ~~نزاع، ولا يمتنع أن يثبت بشهادة الواحد ما يترتب عليه أمر لا يثبت إلا ~~بشاهدين، كما أن الولادة تثبت بشهادة المرأة الواحدة، ويترتب عليها ثبوت ~~النسب، الذي لا يثبت بشهادة النساء، ولا بشاهد واحد. (8790) # فصل: فإن لم يكن للعبد شاهد وأنكر السيد، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه ~~منكر. وإن قال العبد: لي شاهد # PageV10P429 # غائب. أنظر ثلاثا، فإن جاء به، وإلا حلف السيد، ثم متى جاء شاهده، وأدى ~~الشهادة، ثبتت حريته. وإن جاء بشاهد فجرح فقال: لي شاهد غائب عدل. أنظر ~~ثلاثا؛ لما ذكرنا. ### | [فصل أقر السيد بقبض مال الكتابة] # (8791) فصل: وإن أقر السيد ms5977 بقبض مال الكتابة، عتق العبد، إذا كان ممن يصح ~~إقراره. وإن أقر بذلك في مرض موته، قبل؛ لأنه إقرار لغير وارث، وإقرار ~~المريض لغير وارثه مقبول. وإذا قال: استوفيت كتابتي كلها. عتق العبد. وإن ~~قال: استوفيتها كلها، إن شاء الله تعالى، وإن شاء زيد. عتق، ولم يؤثر ~~الاستثناء؛ لأن هذا الاستثناء لا مدخل له في الإقرار. قال أحمد، في رواية ~~أبي طالب: إذا قال: له علي ألف، إن شاء الله. كان مقرا بها. # ولأن هذا الاستثناء تعليق بشرط، والذي يتعلق بالشرط إنما هو المستقبل، ~~وأما الماضي، فلا يمكن تعليقه؛ لأنه قد وقع على صفة لا يتغير عنها بالشرط، ~~وإنما يدل الشرط فيه على الشك فيه، فكأنه قال: استوفيت كتابتي، وأنا أشك ~~فيه. فيلغو الشك، ويثبت الإقرار. وإن قال: استوفيت آخر كتابتي. وقال: إنما ~~أردت أني استوفيت النجم الآخر دون ما قبله. وادعى العبد إقراره باستيفاء ~~الكل، فالقول قول السيد؛ لأنه أعرف بمراده. ### | [فصل أبرأه السيد من مال الكتابة] # (8792) فصل: وإذا أبرأه السيد من مال الكتابة، برئ، وعتق؛ لأن ذمته خلت ~~من مال الكتابة، فأشبه ما لو أداه. وإن أبرأه من بعضه، برئ منه وكان على ~~الكتابة فيما بقي؛ لأن الإبراء كالأداء. وإن كاتبه على دنانير، فأبرأه من ~~دراهم، أو على دراهم، فأبرأه من دنانير، لم تصح البراءة؛ لأنه أبرأه مما لا ~~يجب له عليه، إلا أن يريد بقدر ذلك مما لي عليك. فإن اختلفا، فقال المكاتب: ~~إنما أردت من قيمة ذلك. وقال السيد: بل ظننت أن لي عليك النقد الذي أبرأتك ~~منه، فلم تقع البراءة موضعها. فالقول قول السيد، مع يمينه؛ لأنه اعترف ~~بنيته. # وإن مات السيد، واختلف المكاتب مع ورثته، فالقول قولهم مع أيمانهم أنهم ~~لا يعلمون موروثهم أراد ذلك. وإن مات المكاتب، واختلف ورثته وسيده، فالقول ~~قول السيد؛ لما ذكرنا. ### | [مسألة المكاتب إذا لزمته كفارة] # (8793) مسألة؛ قال: ولا يكفر المكاتب بغير الصوم وجملته أن المكاتب إذا ~~لزمته كفارة ظهار أو جماع في نهار رمضان، أو قتل، أو كفارة ms5978 يمين، لم يكن له ~~التكفير بالمال؛ لأنه عبد، ولأنه في حكم المعسر، بدليل أنه لا تلزمه زكاة، ~~ولا نفقة قريب، وله أخذ الزكاة لحاجته، وكفارة العبد والمعسر الصيام. وإن ~~أذن له سيده في التكفير بالمال، جاز؛ لأنه بمنزلة التبرع، # PageV10P430 # ويجوز له التبرع بإذن سيده، ولأن المنع لحقه، وقد أذن فيه. ولا يلزمه ~~التكفير بالمال، إذا أذن فيه السيد؛ لأن عليه ضررا فيه، لما يفضي إليه من ~~تفويت حريته كما أن التبرع لا يلزمه بإذن سيده. وقال القاضي: المكاتب ~~كالعبد القن في التكفير، ومتى أذن له سيده في التكفير بالمال، انبنى على ~~ملك العبد إذا ملكه سيده؛ فإن قلنا: لا يملك. لم يصح تكفيره بعتق ولا إطعام ~~ولا كسوة، سواء ملكه سيده أو لم يملكه، وسواء أذن فيه أو لم يأذن؛ لأنه ~~يكفر بما ليس بمملوك له، فلم يصح. # وإن قلنا: يملك بالتمليك. صح تكفيره بالطعام إذا أذن فيه. وإن أذن له في ~~التكفير بالعتق، فهل يصح؟ على روايتين، سبق ذكرهما في تكفير العبد. والصحيح ~~أن هذا التفصيل لا يتوجه في المكاتب؛ لأنه يملك المال، بغير خلاف، وإنما ~~ملكه ناقص؛ لتعلق حق سيده به، فإذا أذن له سيده فيه، صح، كالتبرع. ### | [مسألة ولد المكاتبة الذين ولدتهم في الكتابة] # (8794) مسألة؛ قال: وولد المكاتبة الذين ولدتهم في الكتابة، يعتقون ~~بعتقها وجملته أنه يصح مكاتبة الأمة، كما تصح مكاتبة العبد. لا خلاف بين ~~أهل العلم فيه. وقد دل عليه حديث، بريرة، وحديث جويرية بنت الحارث. ولأنها ~~داخلة في عموم قوله: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] . ولأنها يمكنها التكسب والأداء، فهي كالعبد. ~~وإذا أتت المكاتبة بولد من غير سيدها، إما من نكاح أو غيره، فهو تابع لها، ~~موقوف على عتقها، فإن عتقت بالأداء أو الإبراء، عتق، وإن فسخت كتابتها، ~~وعادت إلى الرق، عاد رقيقا. وهذا قول شريح، ومالك، وأبي حنيفة، والثوري، ~~وإسحاق. وسواء في هذا ما كان حملا حال الكتابة، وما حدث بعدها. # وقال أبو ثور، وابن المنذر: ms5979 هو عبد قن، لا يتبع أمه. وللشافعي قولان، ~~كالمذهبين. واحتجوا بأن الكتابة غير لازمة من جهة العبد، فلا تسري إلى ~~الولد، كالتعليق بالصفة. ولنا، أن الكتابة سبب ثابت للعتق، لا يجوز إبطاله، ~~فسرى إلى الولد كالاستيلاد، ويفارق التعليق بالصفة، فإن السيد يملك إبطاله ~~بالبيع. إذا ثبت هذا، فالكلام في الولد في فصول أربعة؛ في قيمته إذا تلف ~~وفي كسبه، وفي نفقته وفي عتقه. أما قيمته إذا تلف، فقال أبو بكر: هو لأمه، ~~تستعين بها على كتابتها؛ لأن السيد لا يملك التصرف فيه مع كونه عبدا، فلا ~~يستحق قيمته، ولأنه بمنزلة جزء منها، ولو جنى على جزء منها، كان أرشه لها، ~~كذلك # PageV10P431 # ولدها، وإذا لم يستحقها هو كانت لأمه؛ لأن الحق لا يخرج عنهما، ولأن ~~ولدها لو ملكته بهبة أو شراء كانت قيمته لها، فكذلك لو تبعها. يحققه أنه ~~إذا تبعها، صار حكمه حكمها، فلا يثبت ملك السيد في منافعه، ولا في أرش ~~الجناية عليه، كما لا يثبت له ذلك فيها. # وقال الشافعي، في أحد قوليه: تكون القيمة لسيدها؛ لأنها لو قتلت، كانت ~~قيمتها لسيدها، فكذلك ولدها. والفرق بينهما أن الكتابة تبطل بقتلها، فيصير ~~مالها لسيدها، بخلاف ولدها؛ فإن العقد باق بعد قتله، فنظير هذا إتلاف بعض ~~أعضائها. والحكم في إتلاف بعض أعضائها كالحكم في إتلافه. وأما كسبه، وأرش ~~الجناية عليه، فينبغي أيضا أن يكون لأمه؛ لأن ولدها جزء منها، تابع لها، ~~فأشبه بقية أجزائها، ولأن أداءها لكتابتها سبب لعتقه، وحصول الحرية له، ~~فينبغي أن يصرف فيه، بمنزلة صرفه إليه، إذ في عجزها رقه، وفوات كسبه عليه، ~~وأما نفقته فعلى أمه؛ لأنها تابعة لكسبه وكسبه لها، فنفقته عليها. وأما ~~عتقه، فإنه يعتق بأدائها أو إبرائها، ويرق بعجزها؛ لأنه تابع لها. # وإن ماتت المكاتبة على كتابتها، بطلت كتابتها، وعاد رقيقا قنا، إلا أن ~~تخلف وفاء، فيكون على الروايتين. وإن أعتقها سيدها، لم يعتق ولدها؛ لأنه ~~إنما تبعها في حكم الكتابة، وهو العتق بالأداء، وما حصل الأداء، وإنما حصل ~~عتقها بأمر لا يتبعها ms5980 فيه، فأشبه ما لو لم تكن مكاتبة. ومقتضى قول أصحابنا ~~الذين قالوا: تبطل كتابتها بعتقها. أن يعود ولدها رقيقا. ومقتضى قولنا، أنه ~~يبقى على حكم الكتابة، ويعتق بالأداء؛ لأن العقد لم يوجد ما يبطله، وإنما ~~سقط الأداء عنها لحصول الحرية بدونه، فإذا لم يكن لها ولد يتبعها في ~~الكتابة، ولا في يدها مال يأخذه، لم يظهر حكم بقاء العقد، ولم يكن في بقائه ~~فائدة، فانتفى لانتفاء فائدته، وفي مسألتنا، في بقائه فائدة؛ لإفضائه إلى ~~عتق ولدها، فينبغي أن يبقى. # ويحتمل أن يعتق بإعتاقها لأنه جرى مجرى إبرائها من مال الكتابة. والحكم ~~فيما إذا أعتقت باستيلاد أو تدبير أو تعليق بصفة، كالحكم فيما إذا أعتقها؛ ~~لأنها عتقت بغير الكتابة. وإن أعتق السيد الولد دونها، صح عتقه. نص عليه ~~أحمد، في رواية مهنا؛ لأنه مملوك فصح عتقه، كأمه ولأنه لو أعتقه معها لصح، ~~ومن صح عتقه مع غيره، صح مفردا، كسائر مماليكه. # PageV10P432 # وقال القاضي: وقد كان يجب أن لا ينفذ عتقه: لأن فيه ضررا بأمه، بتفويت ~~كسبه عليها؛ لأنها كانت تستعين به في كتابتها، ولعل أحمد نفذ عتقه تغليبا ~~للعتق. والصحيح أنه يعتق، وما ذكره القاضي من الضرر لا يصح لوجوه؛ أحدها، ~~أن الضرر إنما يحصل في حق من له كسب يفضل عن نفقته، فأما من لا كسب له، ~~فتخليصها من نفقته نفع محض، فلا ضرر في إعتاقه؛ لأنها لا يفضل لها من كسبه ~~شيء ينتفع به، فكان ينبغي أن لا يقيد الحكم الذي ذكره بهذا القيد. # الثاني أن النفع بكسبها ليس بواجب لها؛ بدليل أنه لا تملك إجباره على ~~الكسب، فلم يكن الضرر بفواته معتبرا في حقها. الثالث، أن مطلق الضرر لا ~~يكفي في منع العتق الذي تحقق مقتضيه، ما لم يكن له أصل يشهد بالاعتبار، ولم ~~يذكر له أصلا، ثم هو ملغى بعتق المفلس والراهن وسراية العتق إلى ملك ~~الشريك، فإنه يعتق مع وجود الضرر بتفويت الحق اللازم، فهذا أولى. ### | [فصل المولودة قبل الكتابة] # (8795) فصل: فأما ولد ولدها فإن حكمه ms5981 حكم أمه؛ لأن ولد المكاتب لا يتبعه، ~~وأما ولد بنتها، فهو كبنتها. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تسري ~~الكتابة إليه؛ لأن السراية إنما تكون مع الاتصال، وهذا ولد منفصل، فلا تسري ~~إليه؛ بدليل أن ولد أم الولد قبل أن يستولدها، لا يسري إليه الاستيلاد، ~~وهذا الولد اتصل بأمه دون جدته. ولنا أن ابنتها ثبت لها حكمها تبعا، فيجب ~~أن يثبت لابنتها حكمها تبعا، كما يثبت حكم أمها، ولأن البنت تبعت أمها، ~~فيجب أن يتبعها ولدها؛ لأن عليه إتباعها لأنها موجودة في ولدها، ولأن البنت ~~تعلق بها حق العتق، فيجب أن يسري إلى ولدها، كالمكاتبة. وهذا الخلاف في ولد ~~البنت التابعة لأمها في الكتابة، فأما المولودة قبل الكتابة، فلا تدخل في ~~الكتابة، فابنتها أولى. ### | [مسألة بيع المكاتب] # (8796) مسألة؛ قال: ويجوز بيع المكاتب وهذا قول عطاء، والنخعي، والليث، ~~وابن المنذر. وهو قديم قولي الشافعي، قال: ولا وجه لقول من قال: # PageV10P433 # لا يجوز. وحكى أبو الخطاب، عن أحمد، رواية أخرى، أنه لا يجوز بيعه. وهو ~~قول مالك، وأصحاب الرأي، والجديد من قولي الشافعي؛ لأنه عقد يمنع استحقاق ~~كسبه، فيمنع بيعه، كبيعه وعتقه. وقال الزهري، وأبو الزناد: يجوز بيعه ~~برضاه، ولا يجوز إذا لم يرض. # وحكي ذلك عن أبي يوسف؛ لأن بريرة إنما بيعت برضاها وطلبها، ولأن لسيده ~~استيفاء منافعه برضاه، ولا يجوز بغير رضاه، كذلك بيعه. ولنا، ما روى عروة، ~~عن عائشة، أنها قالت: «جاءت بريرة إلي، فقالت: يا عائشة، إني كاتبت أهلي ~~على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني. ولم تكن قضت من كتابتها شيئا، ~~فقالت لها عائشة، ونفست فيها: ارجعي إلى أهلك، إن أحبوا أن أعطيهم ذلك ~~جميعا، فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها، فعرضت عليهم ذلك، فأبوا، وقالوا: إن ~~شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا. فذكرت ذلك عائشة لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: لا يمنعك ذلك منها، ابتاعي وأعتقي، إنما الولاء ~~لمن أعتق. فقام رسول الله في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ms5982 ما بال ~~ناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله، فهو ~~باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرطه أوثق، وإنما الولاء لمن ~~أعتق.» متفق عليه. # PageV10P434 # قال ابن المنذر: بيعت بريرة بعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي ~~مكاتبة، ولم ينكر ذلك، ففي ذلك أبين البيان أن بيعه جائز، ولا أعلم خبرا ~~يعارضه، ولا أعلم في شيء من الأخبار دليلا على عجزها. وتأوله الشافعي على ~~أنها كانت قد عجزت، وكان بيعها فسخا لكتابتها. وهذا التأويل بعيد يحتاج إلى ~~دليل في غاية القوة، وليس في الخبر ما يدل عليه، بل قولها: أعينيني على ~~كتابتي. دلالة على بقائها على الكتابة، ولأنها أخبرتها أن نجومها في كل عام ~~أوقية، فالعجز إنما يكون بمضي عامين عند من لا يرى العجز إلا بحلول نجمين، ~~أو بمضي عام عند الآخرين، والظاهر أن شراء عائشة لها كان في أول كتابتها، ~~ولا يصح قياسه على أم الولد؛ لأن سبب حريتها مستقر على وجه لا يمكن فسخه ~~بحال، فأشبه الوقف، والمكاتب يجوز رده إلى الرق، وفسخ كتابته إذا عجز، ~~فافترقا. قال ابن أبي موسى: وهل للسيد أن يبيع المكاتب بأكثر مما عليه؟ على ~~روايتين. # ولأن المكاتب عبد مملوك لسيده، لم يتحتم عتقه، فجاز بيعه، كالمعلق عتقه ~~بصفة؛ والدليل على أنه مملوك، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «المكاتب ~~عبد ما بقي عليه درهم» . وأن مولاته لا يلزمها أن تحتجب منه، بدليل قوله - ~~عليه السلام -: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فملك ما يؤدي، فلتحتجب منه» فيدل ~~على أنها لا تحتجب قبل ذلك. وقد روينا في هذا عن نبهان مولى أم سلمة، أنه ~~قال: قالت لي أم سلمة: يا نبهان، هل عندك ما تؤدي؟ قلت: نعم. فأخرجت الحجاب ~~بيني وبينها، وروت هذا الحديث. قال فقلت: لا والله عندي ما أؤدي، ولا أنا ~~بمؤد. وإنما سقط الحجاب عنها منه؛ لكونه مملوكها، ولأنه يصح عتقه، ولا يصح ~~عتق من ليس بمملوك، ويرجع عند العجز إلى كونه قنا، ms5983 ولو صار حرا، ما عاد إلى ~~الرق، ويفارق إعتاقه؛ لأنه يزيل الرق بالكلية، وليس بعقد، وإنما هو إسقاط ~~للملك فيه، وأما بيعه، فلا يمنع مالكه بيعه، وأما البائع، فلم يبق له فيه ~~ملك، بخلاف مسألتنا. ### | [فصل هبة المكاتب والوصية به ونقل الملك فيه] # (8797) فصل: وتجوز هبته، والوصية به، ونقل الملك فيه؛ لأنه في معنى بيعه. ~~وقد روي عن أحمد أنه منع هبته؛ لأن الشرع إنما ورد ببيعه. والصحيح جوازها؛ ~~لأن ما كان في معنى المنصوص عليه، ثبت الحكم فيه. ### | [مسألة مشتري المكاتب] # (8798) مسألة؛ قال: ومشتريه يقوم فيه مقام المكاتب، فإذا أدى، صار حرا. ~~وولاؤه لمشتريه، فإن لم يبين البائع للمشتري أنه مكاتب، فهو مخير بين أن ~~يرجع في الثمن، أو يأخذ ما بينه سليما ومكاتبا # PageV10P435 # وجملة ذلك أن الكتابة لا تنفسخ بالبيع، ولا يجوز إبطالها. لا نعلم في هذا ~~خلافا. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أن بيع السيد ~~مكاتبه على أن يبطل كتابته ببيعه، إذا كان ماضيا فيها، مؤديا ما يجب عليه ~~من نجومه في أوقاتها، غير جائز؛ وذلك لأنها عقد لازم، فلا تبطل ببيع، ~~العبد، كإجارته ونكاحه، ويبقى على كتابته عند المشتري وعلى نجومه، كما لو ~~كان عند البائع مبقى على ما بقي عليه من كتابته، ويؤدي إلى المشتري، كما ~~كان يؤدي إلى البائع، فإن عجز، فهو عبد لمشتريه؛ لأنه صار سيده، وإن أدى، ~~عتق، وولاؤه لمشتريه؛ لأن حق المكاتب فيه انتقل إلى المشتري، فصار المشتري ~~هو المعتق؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: «ابتاعي، ~~وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق» . ولما أراد أهلها اشتراط ولائها، أنكر ~~ذلك، وأخبر ببطلانه. # وإذا لم يعلم المشتري كونه مكاتبا، ثم علم ذلك، فله فسخ البيع، أو أخذ ~~الأرش؛ لأن الكتابة عيب، لكون المشتري لا يقدر على التصرف فيه، ولا يستحق ~~كسبه، ولا استخدامه، ولا الوطء إن كانت أمة، وقد انعقد سبب زوال الملك فيه، ~~فيملك الفسخ بذلك، كمشتري الأمة المزوجة أو المعيبة، فيتخير حينئذ بين ms5984 فسخ ~~البيع والرجوع بالثمن، وبين إمساكه وأخذ الأرش، وهو قسط ما بينه مكاتبا ~~وبينه رقيقا قنا، فيقال: كم قيمته مكاتبا، وكم قيمته لو كان غير مكاتب؟ ~~فإذا قيل: قيمته مكاتبا مائة، وقيمته غير مكاتب مائة وخمسون. والثمن مائة ~~وعشرون، فقد نقصته الكتابة ثلث قيمته، فيرجع بثلث ثمنه، وهو أربعون، ولا ~~يرجع بالخمسين التي نقصت بالكتابة من قيمته، على ما قرر في البيع. ### | [فصل بيع الدين الذي على المكاتب من نجومه] # (8799) فصل: فأما بيع الدين الذي على المكاتب من نجومه، فلا يصح. وبهذا ~~قال أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور. وقال عطاء، وعمرو بن دينار، ومالك: ~~يصح؛ لأن السيد يملكها في ذمة المكاتب، فجاز بيعها، كسائر أمواله. ولنا، ~~أنه دين غير مستقر، فلم يجز بيعه، كدين السلم، ودليل عدم الاستقرار، أنه ~~معرض للسقوط بعجز المكاتب، ولأنه لا يملك السيد إجبار العبد على أدائه، ولا ~~إلزامه بتحصيله، فلم يجز بيعه، كالعدة بالتبرع، ولأنه غير مقبوض، وقد نهى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما لم يقبض فإن باعه، فالبيع باطل، ~~وليس للمشتري مطالبة المكاتب بتسليمه إليه، ولا الرجوع بالثمن على البائع، ~~إن كان دفعه إليه. فإن سلم المكاتب إلى المشتري نجومه، ففيه وجهان؛ أحدهما، ~~يعتق؛ لأن البيع تضمن الإذن في القبض، فأشبه قبض الوكيل. # والثاني، لا يعتق؛ لأنه لم يستنبه في القبض، وإنما قبض لنفسه بحكم البيع ~~الفاسد، فكان القبض أيضا فاسدا، ولم يعتق، بخلاف وكيله، فإنه استنابه. ولو ~~صرح بالإذن فليس بمستنيب له في القبض، وإنما إذنه بحكم المعاوضة، فلا فرق ~~بين التصريح وعدمه. # PageV10P436 # فإن قلنا: يعتق بالأداء برئ المكاتب من مال الكتابة، ويرجع السيد على ~~المشتري بما قبضه؛ لأنه كالنائب عنه. فإن كان من جنس الثمن، وكان قد تلف، ~~تقاصا بقدر أقلهما، ورجع ذو الفضل بفضله. وإن قلنا: لا يعتق بذلك. فمال ~~الكتابة باق على المكاتب، ويرجع المكاتب على المشتري بما دفعه إليه، ويرجع ~~المشتري على البائع. فإن سلمه المشتري إلى البائع، لم يصح التسليم؛ لأنه ~~قبضه بغير إذن المكاتب، ms5985 فأشبه ما لو أخذه من ماله بغير إذنه. فإن كان من ~~غير جنس مال الكتابة تراجعا بما لكل واحد منهما على الآخر. # وإن باعه ما أخذه بماله في ذمته، وكان مما يجوز البيع فيه، جاز إذا كان ~~ما قبضه السيد، باقيا، وإن كان قد تلف، ووجبت قيمته، وكانت من جنس مال ~~الكتابة، تقاصا، وإن كان المقبوض من جنس مال الكتابة، فتحاسبا به، جاز. ### | [فصل كانت المكاتبة ذات ولد يتبعها في الكتابة فباعهما معا] # (8800) فصل: وإذا كانت المكاتبة ذات ولد يتبعها في الكتابة، فباعهما معا، ~~صح؛ لأنهما ملكه، ولا مانع من بيعهما، ويكونان عند المشتري، كما كانا عند ~~البائع، سواء. وإن باع أحدهما دون صاحبه، أو باع أحدهما لرجل، وباع الآخر ~~لغيره، لم يصح، لوجهين؛ أحدهما، أنه لا يجوز التفريق بين الأم وولدها في ~~البيع إلا بعد البلوغ. في إحدى الروايتين. والثاني، أن الولد تابع لأمه، ~~ولها كسبه، وعليها نفقته، وصار في معنى مملوكها، فلم يجز التفريق بينه ~~وبينها. ويحتمل أن يجوز ذلك إذا كان بالغا؛ لأنه محل للبيع، صدر فيه التصرف ~~من أهله، ويكون عند من هو عنده، على ما كان عليه قبل بيعه، لها كسبه، وأرش ~~الجناية عليه، وعليها نفقته، ويعتق بعتقها، كما لو بيع. والله أعلم. ### | [فصل وصى السيد بالمكاتب لرجل] # (8801) فصل: وإن وصى بالمكاتب لرجل، فقال أبو بكر: قال أحمد الوصية به ~~جائزة؛ لأنه يرى بيعه، وكذلك هبته، ويقوم من انتقل إليه مقام مكاتبه في ~~الأداء إليه، وإن عجز، عاد إليه رقيقا له قنا، وإن عتق، فالولاء له، كما ~~ذكرنا في المشتري، سواء، فإن عجز في حياة الموصي، لم تبطل الوصية؛ لأن رقه ~~لا ينافي الوصية. وإن أدى وعتق في حياة الموصي، بطلت الوصية. ومن منع بيع ~~المكاتب، منع الوصية فيه، وهبته. فإن قال: إن عجز ورق، فهو لك بعد موتي. ~~صحت الوصية، إذا عجز في حياة الموصي، وإن عجز بعد موته، لم يستحقه؛ لأن ~~الشرط بطل بموته، كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار، فأنت حر ms5986 بعد موتي. فلم ~~يدخلها حتى مات سيده. وإن قال: إن عجزت بعد موتي، فهو لك. فهذا تعليق ~~للوصية على صفة، توجد بعد الموت. وقد ذكرنا في صحتها وجهين. # PageV10P437 ### | [فصل وصى السيد بكتابته لرجل] # (8802) فصل: وإن وصى بكتابته لرجل، صحت الوصية؛ لأنها تصح بما ليس ~~بمستقر، كما تصح بما لا يملكه في الحال؛ من ثمرة شجرة، وحمل جاريته. ~~وللموصى له أن يستوفي المال عند حلوله، وله أن يبرئ منه؛ فإذا استوفاه، أو ~~أبرأه منه، عتق المكاتب، والولاء لسيده؛ لأنه المنعم عليه، وإن عجز ~~المكاتب، فأراد الوارث تعجيزه، وأراد الموصى له إنظاره، فالقول قول الوارث؛ ~~لأن حق الموصى له في المال ما دام العقد قائما، وحق الوارث متعلق به، إذا ~~عجزه يرده في الرق، وليس للموصى له إبطال حق الوارث من تعجيزه. وإن أراد ~~الوارث إنظاره، وأراد الموصى له تعجيزه، لم يكن له؛ لأن الحق في التعجيز ~~والفسخ للوارث، ولا حق للموصى له في ذلك، ولا بيع؛ لأن حقه يسقط به. ومتى ~~عجز، عاد عبدا للورثة. # وإن وصى لرجل بما تعجله المكاتب، صح؛ لأنها وصية بصفة، فإن عجل شيئا، فهو ~~للموصى له، وإن لم يعجل شيئا حتى حلت نجومه، بطلت الوصية. ### | [فصل وصى بمال الكتابة لرجل وبرقبته لآخر] # (8803) فصل: وإن وصى بمال الكتابة لرجل، وبرقبته لآخر، صحت الوصيتان؛ فإن ~~أدى إلى صاحب المال، أو أبرأه منه، عتق. قال أصحابنا: وتبطل وصية صاحب ~~الرقبة. ويحتمل أن لا تبطل، ويكون الولاء له؛ لأنه أقامه مقام نفسه في ~~استحقاق الرقبة، ولو لم يوص بها لكان الولاء له، فإذا وصى بها كان الولاء ~~لمن وصى له بها، ولأنه لو وصى له بالمكاتب مطلقا، لكان الولاء له، فكذلك ~~إذا وصى برقبته؛ لأن الولاء يستفاد من الوصية بالرقبة دون الوصية بالمال. ~~وإن عجز، فسخ صاحب الرقبة كتابته، وكان رقيقا له، وبطلت الوصية بالمال. وإن ~~كان صاحب المال قد قبض من كتابته شيئا، فهو له. وإن اختلفا في فسخ الكتابة ~~عند العجز قدم قول صاحب الرقبة؛ لأنه يقوم مقام ms5987 الورثة، على ما بيناه فيما ~~تقدم. وقياس هذه المسألة، أنه لو وصى لرجل برقبة المكاتب دون مال الكتابة، ~~أنه لا يصح؛ لأن الوصية بالرقبة دون المال صحيحة، فيما إذا وصى بها لرجل ~~وحده، وأوصى بالمال لآخر. ### | [فصل كانت الكتابة فاسدة فأوصى لرجل بما في ذمة المكاتب] # (8804) فصل: وإذا كانت الكتابة فاسدة، فأوصى لرجل بما في ذمة المكاتب، لم ~~تصح الوصية؛ لأنه لا شيء في ذمته. وإن قال: وصيت لك بما أقبضه من مال ~~الكتابة. صح؛ لأن الكتابة الفاسدة يؤدى فيها المال، كما يؤدى في الصحيحة. ~~وإن وصى برقبة المكاتب، صح؛ لأن الوصية برقبة المكاتب تصح في الكتابة ~~الصحيحة، ففي الفاسدة أولى. ### | [فصل الوصية لمكاتبه] # (8805) فصل: وتصح الوصية لمكاتبه؛ لأنه مع سيده في المعاملة كالأجنبي، ~~ولذلك جاز أن يدفع إليه زكاته. فإن قال: ضعوا عن مكاتبي بعض كتابته، أو بعض ~~ما عليه وضعوا ما شاءوا، قليلا كان أو كثيرا، من أول نجومه أو من # PageV10P438 # آخرها. وإن قال: ضعوا عنه نجما من نجومه. فلهم أن يضعوا أي نجم شاءوا، ~~كما لو قال: ضعوا أي نجم شئتم. وسواء كانت نجومه متفقة أو مختلفة؛ لأن ~~اللفظ يتناول واحدا منها غير معين. وإن قال: ضعوا عنه أي نجم شاء. كان ذلك ~~إلى مشيئته، فيلزمهم وضع النجم الذي يختار وضعه؛ لأن سيده جعل المشيئة له. ~~وإن قال: ضعوا عنه أكبر نجومه. لزمهم أن يضعوا أكبرها مالا؛ لأنه أكبرها ~~قدرا. # وإن قال: ضعوا عنه أكثر نجومه. لزمهم أن يضعوا عنه أكثر من نصفها؛ لأن ~~أكثر الشيء يزيد على نصفه، فإذا كانت نجومه خمسة، وضعوا ثلاثة، وإن كانت ~~ستة، وضعوا أربعة. ويحتمل أن ينصرف ذلك إلى واحد منها أكبرها مالا، بمنزلة ~~قوله: أكبر نجومه. فإن كانت نجومه متساوية، تعين الاحتمال الأول. وإن قال: ~~ضعوا عنه أوسط نجومه. فلم يكن فيها إلا وسط واحد، تعينت الوصية فيه، مثل أن ~~تكون نجومه متساوية القدر والأجل، وعددها منفرد، فيتعين وضع أوسطها عددا، ~~فإذا كانت خمسة، فالأوسط الثالث، وإن كانت سبعة، فالأوسط ms5988 الرابع، وإن كان ~~عددها مزدوجا، وهي مختلفة المقدار، فبعضها مائة، وبعضها مائتان، وبعضها ~~ثلاثمائة، فأوسطها المائتان، فتعين الوصية فيه؛ لأنه أوسطها. وإن كانت ~~متساوية القدر، مختلفة الأجل، مثل أن يكون اثنان منها إلى شهر، وواحد إلى ~~شهرين، وواحد إلى ثلاثة أشهر، تعينت الوصية فيما هو إلى شهرين، لأنها ~~أوسطها. # وإن اتفقت هذه المعاني الثلاثة في واحد، تعينت فيه. وإن كان لها أوسط في ~~القدر، وأوسط في الأجل، وأوسط في العدد، يخالف بعضها بعضا، فذلك إلى اختيار ~~الورثة، فلهم وضع ما شاءوا منها. وإن اختلف الورثة والمكاتب، فيما أراد ~~الموصي منها فالقول قول الورثة مع أيمانهم أنهم لا يعلمون ما أراد الموصي، ~~ثم التعيين إليهم. ومتى كان فيها أوسطان، عين الورثة أحدهما. ومتى كان ~~العدد وترا، فأوسطه واحد. وإن كان شفعا، كأربعة وستة، فأوسطه اثنان. وهكذا ~~القول فيما إذا وصى بأوسط نجومه. وإن قال: ضعوا عنه ما خف. أو قال: ما ~~يثقل، أو ما يكثر. كان ذلك إلى تقدير الورثة؛ لأن كل شيء يخف إلى جنب ما هو ~~أخف منه، كما قال أصحابنا فيما إذا وصى بمال عظيم، أو كثير، أو ثقيل، أو ~~خفيف. وإن قال: ضعوا عنه أكثر ما عليه. وضع عنه النصف، وأدنى زيادة. # وإن قال: ضعوا عنه أكثر ما عليه، ومثل نصفه. فذلك ثلاثة أرباع، وأدنى ~~زيادة. وإن قال: ضعوا عنه أكثر ما عليه، ومثله. فذلك الكتابة كلها، وزيادة ~~عليها، فيصح في الكتابة، ويبطل في الزيادة؛ لعدم محلها. وإن قال: ضعوا عنه ~~ما شاء. فشاء وضع كل ما عليه، وضع ما عليه؛ لأن وصيته تتناوله. # PageV10P439 # وإن قال: ضعوا عنه ما شاء من مال الكتابة. لم يكن له وضع الكل؛ لأن " من ~~" للتبعيض، فلا تتناول الجميع. ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كنحو ما ~~ذكرناه. ### | [مسألة اشترى المكاتب أباه أو ذا رحمه] # (8806) مسألة؛ قال: وإذا اشترى المكاتب أباه، أو ذا رحمه من المحرم عليه ~~نكاحه، لم يعتقوا حتى يؤدي وهم في ملكه، فإن عجز، فهم عبيد لسيده الكلام في ms5989 ~~هذه المسألة في فصلين: (8807) الفصل الأول، أنه يصح أن يشتري من ذوي أرحامه ~~من يعتق عليه، بغير إذن. سيده. وهذا قول الثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. ~~وقال الشافعي: لا يصح؛ لأنه تصرف يؤدي إلى إتلاف ماله، لأنه يخرج من ماله ~~ما يجوز له التصرف فيه، في مقابلة ما لا يجوز له التصرف فيه، فأشبه الهبة. ~~فإن أذن له سيده فيه، فمنهم من قال: يجوز. قولا واحدا. وهو قول مالك؛ لأن ~~المنع لحق سيده، فجاز بإذنه. ومنهم من قال: فيه قولان. # ولنا، أنه اشترى مملوكا لا ضرر في شرائه، فصح، كالأجنبي، وبيانه أنه يأخذ ~~كسبهم، وإن عجز صاروا رقيقا لسيده، ولأنه يصح أن يشتريه غيره، فصح شراؤه ~~له، كالأجنبي، ويفارق الهبة؛ لأنها تفوت المال بغير عوض، ولا نفع يرجع إلى ~~المكاتب ولا السيد، ولأنه تحقق السبب، وهو صدور التصرف من أهله في محله، ~~ولم يتحقق المانع؛ لأن ما ذكروه لا نص فيه، ولا أصل له يقاس عليه. (8808) ~~الفصل الثاني: أنهم لا يعتقون بمجرد ملكه لهم لأنه لو باشرهم بالعتق، أو ~~أعتق غيرهم، لم يقع العتق فلا يقع بالشراء الذي أقيم مقامه. ولا يجوز له ~~بيعهم، ولا هبتهم، ولا إخراجهم عن ملكه. وقال أصحاب الرأي: له بيع من عدا ~~المولودين والوالدين لأنهم ليست قرابتهم قرابة حرية ولا تعصيبية فأشبهوا ~~الأجانب. # ولنا، أنه ذو رحم يعتق عليه إذا عتق، فلا يجوز بيعه، كالوالدين، ~~والمولودين، ولأنه لا يملك بيعهم إذا كان حرا، فلا يملكه مكاتبا كوالديه، ~~ولأنهم نزلوا منزلة أجزائه، فلم يملك بيعهم، كيده. فإذا أدى وهم في ملكه، ~~عتقوا؛ لأنه كمل ملكه فيهم، وزال تعلق حق سيده عنهم، فعتقوا حينئذ، وولاؤهم ~~له دون سيدهم؛ لأنهم عتقوا عليه بعد زوال ملك سيده عنه، فيكونون بمنزلة ما ~~لو اشتراهم بعد عتقه. وإن عجز ورد في الرق، صاروا عبيدا للسيد؛ لأنهم من ~~ماله، فيصيرون للسيد بعجزه، كعبيده الأجانب. # PageV10P440 # (8809) فصل: وكسبهم؛ للمكاتب؛ لأنهم مماليكه. ونفقتهم عليه، بحكم الملك ~~لا بحكم القرابة. وإن أعتقهم السيد، لم يعتقوا؛ لأنه لا ms5990 يملكهم، فلا يملك ~~التصرف فيهم. وإن أعتقهم المكاتب بغير إذن سيده، لم يعتقوا؛ لتعلق حق سيده ~~بهم. وإن أعتقهم بإذنه، عتقوا، كما لو أعتق غيرهم من عبيده. # وإن أعتقه سيده، عتق، وصاروا رقيقا للسيد، كما لو عجز؛ لأن كتابته تبطل ~~بعتقه، كما تبطل بموته. وعلى ما اخترناه، يعتقون؛ لأنه عتق قبل فسخ ~~الكتابة، فوجب أن يعتقوا، كما لو عتق بالإبراء من مال الكتابة، أو بأدائه، ~~يحقق هذا أن الكتابة عقد لازم، يستفيد بها المكاتب ملك رقيقه واكتسابه، ~~ويبقى حق السيد في ملك رقبته، على وجه لا يزول إلا بالأداء، أو ما يقوم ~~مقامه، فلا يتسلط السيد على إبطالها فيما يرجع إلى إبطال حق المكاتب، وإنما ~~يتسلط على إبطال حقه من رقبة المكاتب، فينفذ في ماله دون مال المكاتب. وقد ~~ذكرنا مثل هذا فيما مضى. وإن مات المكاتب، ولم يخلف وفاء، عاد رقيقا. # وقال أبو يوسف، ومحمد: يسعون في الكتابة على نجومها، وكذلك أم ولده. وقال ~~أبو حنيفة في الولد خاصة: إن جاء بالكتابة حالة، قبلت منه، وعتق. ولنا، أنه ~~عبد للمكاتب، فصار بموته لسيده إذا لم يخلف وفاء كالأجنبي. وإن خلف وفاء، ~~انبنى على الروايتين في فسخ الكتابة، على ما تقدم. ### | [فصل وهب للمكاتب بعض ذوي رحمه] # (8810) فصل: وإن وهب له بعض ذوي رحمه، فله قبوله. وإن وصي له به، فله ~~قبول الوصية؛ لأنه إذا ملك شراءه، مع ما فيه من بذل ماله، فلأن يجوز بغير ~~عوض أولى. وإذا ملكه، فحكمه حكم ما لو اشتراه. ### | [فصل يشتري المكاتب امرأته والمكاتبة زوجها] # (8811) فصل: ويجوز أن يشتري المكاتب امرأته، والمكاتبة زوجها لأن ذلك ~~يجوز لغير المكاتب، فجاز للمكاتب، كشراء الأجانب. وينفسخ النكاح بذلك. ~~وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ؛ لأن المكاتب لا يملك، بدليل ~~أنه لا يجوز له التسري، ولا يعتق والده وولده إذا اشتراه، فأشبه العبد ~~القن. ولنا، أن المكاتب يملك ما اشتراه، بدليل أنه تثبت له الشفعة على ~~سيده، ولسيده عليه، ويجري الربا بينه وبينه، وإنما منع من ms5991 التسري، لتعلق حق ~~سيده بما في يده، كما يمنع الراهن من الوطء مع ثبوت ملكه، ولم يعتق عليه ~~ذوو رحمه لذلك، فإذا اشترى أحدهما الآخر، فله التصرف فيه؛ لأنه أجنبي منه. ### | [فصل زوج السيد ابنه من مكاتبته برضاها ثم مات السيد وكانت من ورثته] # (8812) فصل: وإذا زوج السيد ابنه من مكاتبته برضاها، ثم مات السيد، وكانت ~~من ورثته، انفسخ النكاح. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ ~~النكاح؛ لأنها لا ترثه، وإنما تملك نصيبها من الدين الذي # PageV10P441 # عليه، بدليل أن الوارث لو أبرأ المكاتب من الدين عتق، وكان الولاء للميت، ~~لا للوارث، فإن عجز وعاد رقيقا، انفسخ النكاح حينئذ؛ لأنها ملكت نفسها منه. # ولنا، أن المكاتب مملوك لسيده، لا يعتق بموته، فوجب أن ينتقل إلى ورثته، ~~كسائر أملاكه، ولأنها لا يجوز لها ابتداء نكاحه لأجل الملك، فانفسخ نكاحها ~~بتجدد ذلك فيه، كالعبد القن، وأما كون الولاء للميت، فلأن السبب وجد منه، ~~فنسب العتق إليه، وثبت الولاء له. إذا ثبت هذا، فلا فرق بين أن ترثه كله، ~~أو ترث نصيبها منه؛ لأنها إذا ملكت منه جزءا، انفسخ النكاح فيه فبطل في ~~باقيه؛ لأنه لا يتجزأ. وكذلك لو اشترت زوجها، أو جزءا منه، أو ورثت شيئا من ~~العبد القن، بطل نكاحها. وإن كانت لا ترث أباها، لمانع من موانع الميراث، ~~فنكاحها باق بحاله. والحكم في سائر الورثة من النساء، كالحكم في البنت، ~~وكذلك لو تزوج رجل مكاتبة، فورثها، أو ورث شيئا منها، انفسخ نكاحه لذلك. ~~والله أعلم. ### | [مسألة كان العبد لثلاثة فجاءهم بثلاثمائة درهم فقال بيعوني نفسي بها فأجابوه] # (8813) مسألة؛ قال: وإذا كان العبد لثلاثة، فجاءهم بثلاثمائة درهم، فقال: ~~بيعوني نفسي بها. فأجابوه، فلما عاد إليهم ليكتبوا له كتابا، أنكر أحدهم أن ~~يكون أخذ شيئا، وشهد الرجلان عليه بالأخذ، فقد صار العبد حرا بشهادة ~~الشريكين، إذا كانا عدلين، ويشاركهما فيما أخذا من المال، وليس على العبد ~~شيء اعترض على الخرقي في هذه المسألة، حيث أجاز له شراء نفسه بعين ما في ms5992 ~~يده مع أنه قد ذكر في باب العتق: إذا قال العبد لرجل: اشترني من سيدي بهذا ~~المال، وأعتقني فاشتراه بعين المال، كان الشراء والعتق باطلين ويكون السيد ~~قد أخذ ماله. وقد أجاب القاضي عن هذا الإشكال بوجوه؛ منها، أن يكون مكاتبا، ~~وقوله: بيعوني من نفسي بهذه. أي أعجل لكم الثلاثمائة، وتضعون عني ما بقي من ~~كتابتي. ولهذا ذكرهما في باب المكاتب. # الثاني أن يكون المال في يد العبد لأجنبي قال له: اشتر نفسك بها. من غير ~~أن يملكه إياها. الثالث، أن يكون عتقا بصفة، تقديره: إذا قبضنا منك هذه ~~الدراهم، فأنت حر. الرابع، أن يكون رضي سادته ببيعه نفسه بما في يده، ~~وفعلهم ذلك معه إعتاق منهم له مشروطا بتأدية ذلك إليهم، فتكون صورته صورة ~~البيع ومعناه العتق بشرط الأداء، كما لو قال: بعتك نفسك بخدمتي سنة. فإن ~~منافعه مملوكة لسيده، وقد صح هذا فيها فكان هاهنا. وهذا الوجه أظهرها، إن ~~شاء الله تعالى؛ لأنه لا يحتاج إلى تأويل، ومتى أمكن حمل الكلام على ظاهره، ~~لم يجز تأويله بغير دليل. وإذا تعذر هذا، فمتى اشترى العبد نفسه من سادته، ~~عتق؛ لأن البيع يخرجه من ملكهم، ولا يثبت # PageV10P442 # عليه ملك آخر، إلا أنه هاهنا لا يعتق إلا بالقبض؛ لأنا جعلناه عتقا ~~مشروطا بالقبض. وبهذا قال الخرقي: فقد صار العبد حرا بشهادة الشريكين ~~اللذين شهدا بالقبض. ولو عتق بالبيع، لعتق باعترافهم به، لا بالشهادة ~~بالقبض. # ومتى أنكر أحدهم أخذ نصيبه من الثمن، فشهد عليه شريكاه، وكانا عدلين، ~~قبلت شهادتهما؛ لأنهما عدلان شهدا للعبد بأداء ما يعتق به، فقبلت شهادتهما، ~~كالأجنبيين، ورجع المشهود عليه عليهما فيشاركهما فيما أخذاه؛ لأنهما اعترفا ~~بأخذ مائتين من ثمن العبد، والعبد مشترك بينهم، فثمنه يجب أن يكون بينهم، ~~ولأن ما في يد العبد لهم، والذي أخذاه كان في يده، فيجب أن يشترك الجميع ~~فيه، ويكون بينهم بالسوية، وشهادتهما فيما لهما فيه نفع غير مقبولة، ودفع ~~مشاركته لهما فيه نفع لهما، فلم تقبل شهادتهما فيه، وقبلت شهادتهما فيما ~~ينتفع ms5993 به العبد، دون ما ينتفعان به، كما لو أقر بشيء لغيرهما لهما فيه نفع، ~~فإن إقرارهما يقبل فيما عليهما، دون مالهما. # وقياس المذهب أن لا تقبل شهادتهما على شريكهما بالقبض؛ لأنهما يدفعان بها ~~عن أنفسهما مغرما، ومن شهد شهادة جر إلى نفسه نفعا بطلت شهادته في الكل، ~~وإنما يقبل ذلك في الإقرار؛ لأن العدالة غير معتبرة فيه، والتهمة لا تمنع ~~من صحته، بخلاف الشهادة. فعلى هذا القياس، يعتق نصيب الشاهدين بإقرارهما، ~~ويبقى نصيب المشهود عليه موقوفا على القبض، وله مطالبته بنصيبه، أو مشاركة ~~صاحبه فيما أخذ. فإن شاركهما، أخذ منهما ثلثي مائة، ورجع على العبد بتمام ~~المائة، ولا يرجع المأخوذ منه على الآخر بشيء، لأنه إن أخذ من العبد، فهو ~~يقول: ظلمني، وأخذ مني مرتين. وإن أخذ من الشاهدين، فهما يقولان: ظلمنا، ~~وأخذ منا ما لا يستحقه علينا. ولا يرجع المظلوم على غير ظالمه. وإن كانا ~~غير عدلين، فكذلك، سواء قلنا: إن شهادة العدلين مقبولة. أو لا؛ لأن غير ~~العدل لا تقبل شهادته، وإنما يؤاخذ بإقراره. # وإن أنكر الثالث البيع فنصيبه باق على الرق، إذا حلف، إلا أن يشهدا عليه ~~بالبيع، يكونان عدلين، فتقبل شهادتهما؛ لأنهما لا يجران إلى أنفسهما بهذه ~~الشهادة نفعا. ### | [فصل كان العبد بين شريكين فكاتباه بمائة فادعى دفعها إليهما وصدقاه] # (8814) فصل: وإذا كان العبد بين شريكين، فكاتباه بمائة، فادعى دفعها ~~إليهما، وصدقاه، عتق، فإن أنكر، أو لم تكن بينة، فالقول قولهما مع ~~أيمانهما. وإن أقر أحدهما، وأنكر الآخر، عتق نصيب المقر، وأما المنكر، فعلى ~~قول الخرقي، تقبل شهادة شريكه عليه، إذا كان عدلا، فيحلف العبد مع شهادته، ~~ويصير حرا، ويرجع المنكر # PageV10P443 # على الشاهد، فيشاركه فيما أخذه. وأما القياس فيقتضي أن لا تسمع شهادة ~~شريكه عليه؛ لأنه يدفع بشهادته عن نفسه مغرما، والقول قول سيده مع يمينه، ~~فإذا حلف، فله مطالبة شريكه بنصف ما اعترف به، وهو خمسة وعشرون؛ لأن ما ~~قبضه كسب العبد، وهو مشترك بينهما. فإن قيل: فالمنكر ينكر قبض شريكه، فكيف ~~يرجع عليه؟ قلنا: ms5994 إنما ينكر قبض نفسه، وشريكه مقر بالقبض، ويجوز أن يكون قد ~~قبض، فلم يعلم به، وإذا أقر بمتصور، لزمه حكم إقراره، ومن حكمه جواز رجوع ~~شريكه عليه. # فإن قيل: لو كان عليه دين لاثنين، فوفى أحدهما، لم يرجع الآخر على شريكه ~~فلم يرجع هاهنا؟ قلنا: إن كان الدين ثابتا بسبب واحد، فما قبض أحدهما منه، ~~يرجع الآخر عليه به، كمسألتنا، وعلى أن هذا يفارق الدين؛ لكون الدين لا ~~يتعلق بما في يد الغريم، إنما يتعلق بذمته فحسب، والسيد يتعلق حقه بما في ~~يد المكاتب، فلا يدفع شيئا منه إلى أحدهما، إلا كان حق الآخر ثابتا فيه. ~~إذا ثبت هذا، فإنه إن رجع على العبد بخمسين، استقر ملك الشريك فيه على ما ~~أخذه، ولم يرجع العبد عليه بشيء؛ لأنه إنما قبض حقه. وإن رجع على الشريك، ~~رجع عليه بخمسة وعشرين، وعلى العبد بخمسة وعشرين، ولم يرجع أحدهما على ~~الآخر بما أخذ منه؛ لما ذكرنا من قبل. وإن عجز العبد عن أداء ما يرجع به ~~عليه، فله تعجيزه واسترقاقه، ويكون نصفه حرا، ونصفه رقيقا، ورجع على الشريك ~~بنصف ما أخذه، ولا تسري الحرية فيه؛ لأن الشريك والعبد يعتقدان أن الحرية ~~ثابتة في جميعه، وأن هذا المنكر غاصب لهذا النصف الذي استرقه، ظالم ~~باسترقاقه، والمنكر يدعي رق العبد جميعه، ولا يعترف بحرية شيء منه؛ لأنه ~~يزعم أني ما قبضت نصيبي من كتابته، وشريكي إن قبض شيئا استحق نصفه بغير ~~إذني، فلا يعتق شيء منه بهذا القبض. وسراية العتق ممتنعة على كلا القولين؛ ~~لأن السراية إنما تكون فيما إذا عتق بعضه وبقي بعضه رقيقا، وجميعهم يتفقون ~~على خلاف ذلك. وهذا المنصوص عن الشافعي. - رضي الله عنه - ### | [فصل ادعى العبد أنه دفع المائة إلى أحدهما ليدفع إلى شريكه حقه ويأخذ الباقي وأنكر المدعى عليه] # (8815) فصل: فإن ادعى العبد أنه دفع المائة إلى أحدهما، ليدفع إلى شريكه ~~حقه، ويأخذ الباقي، وأنكر المدعى عليه، حلف، وبرئ. وإذا قال: إنما دفعت إلي ~~حقي، وإلى شريكي حقه. ولا بينة ms5995 للعبد، فالقول قول المدعى عليه، في أنه لم ~~يقبض إلا قدر حقه مع يمينه، ولا نزاع بين العبد وبين الآخر؛ لأنه لم يدع ~~عليه شيئا، وله مطالبة العبد بجميع حقه، وله مطالبته بنصفه، ومطالبة القابض ~~بنصف ما قبضه؛ فإن اختار مطالبة العبد، فله القبض منه بغير يمين، وإن اختار ~~الرجوع على شريكه بنصفه، فللشريك عليه اليمين أنه لم يقبض من المكاتب شيئا؛ ~~لأنه # PageV10P444 # لو أقر بذلك، لسقط حقه من الرجوع، فإذا أنكره، لزمته اليمين. # فإن شهد القابض على شريكه بالقبض، لم تقبل شهادته لمعنيين؛ أحدهما، أن ~~المكاتب لم يدع عليه شيئا، وإنما تقبل البينة إذا شهدت بصدق المدعي. ~~والثاني، أنه يدفع عن نفسه مغرما، فإن عجز العبد، فلغير القابض أن يسترق ~~نصفه، ويقوم عليه نصيب شريكه؛ لأن العبد معترف برقه، غير مدع لحرية هذا ~~النصيب، بخلاف التي قبلها. ويحتمل أن لا تقوم أيضا؛ لأن القابض يدعي حرية ~~جميعه، والمنكر يدعي ما يوجب رق جميعه، فإنهما يقولان: ما قبضه قبضه بغير ~~حق، فلا يعتق حتى يسلم إلي مثل ما سلم إليه. فإذا كان أحدهما يدعي رق ~~جميعه، والآخر يدعي حرية جميعه اتفقا على حرية البعض دون البعض. ### | [فصل اعترف المدعى عليه بقبض المائة على الوجه الذي ادعاه المكاتب، وقال: قد دفعت إلى شريكي نصفها فأنكر الشريك] # (8816) فصل: وإن اعترف المدعى عليه بقبض المائة، على الوجه الذي ادعاه ~~المكاتب، وقال: قد دفعت إلى شريكي نصفها. فأنكر الشريك، فالقول قوله مع ~~يمينه، وله مطالبة من شاء منهما بجميع حقه، وللمرجوع عليه أن يحلفه. فإن ~~رجع على الشريك، فأخذ منه خمسين، كان له ذلك؛ لأنه اعترف بقبض المائة كلها، ~~ويعتق المكاتب؛ لأنه وصل إلى كل واحد منهما قدر حقه من الكتابة، ولا يرجع ~~الشريك عليه بشيء؛ لأنه يعترف له بأداء ما عليه، وبراءته منه، وإنما يزعم ~~أن شريكه ظلمه، فلا يرجع على غير ظالمه. # وإن رجع على العبد، فله أن يأخذ منه الخمسين؛ لأنه يزعم أنه ما قبض شيئا ~~من كتابته، وللعبد الرجوع على ms5996 القابض بها، سواء صدقه في دفعها إلى المنكر ~~أو كذبه؛ لأنه وإن دفعها فقد دفعها دفعا غير مبر، فكان مفرطا. ويعتق العبد ~~بأدائها، فإن عجز عن أدائها فله أن يأخذها من القابض، ثم يسلمها، فإن تعذر ~~ذلك، فله تعجيزه، واسترقاق نصفه، ومشاركة القابض في الخمسين التي قبضها ~~عوضا عن نصيبه، ويقوم على الشريك القابض إن كان موسرا، إلا أن يكون العبد ~~يصدقه في دفع الخمسين إلى شريكه، فلا يقوم؛ لأنه يعترف أنه حر، وأن هذا ~~ظلمه باسترقاق نصفه الحر. وإن أمكن الرجوع على القابض بالخمسين، ودفعها إلى ~~المنكر، فامتنع من ذلك، فهل يملك المنكر تعجيزه واسترقاق نصفه؟ على وجهين؛ ~~بناء على القول في تعجيز العبد نفسه مع القدرة على الأداء، إن قلنا: له ~~ذلك. فللمنكر استرقاقه. # وإن قلنا: ليس له ذلك. فليس للمنكر استرقاقه؛ لأنه قادر على الأداء فإن ~~قيل: فلم لا يرجع المنكر على القابض بنصف ما قبضه، إذا استرق نصف العبد؟ ~~قلنا: لأنه لو رجع عليه بها كان قابضا جميع حقه من مال الكتابة، فيعتق ~~المكاتب بذلك، إلا أن يتعذر قبضها في نجومها فتفسخ الكتابة، ثم يطالب بها ~~بعد ذلك، فيكون له الرجوع بنصفها، كما لو كانت غائبة في بلد آخر، وتعذر ~~تسليمها حتى فسخت الكتابة. والله أعلم. # PageV10P445 ### | [مسألة قال السيد: كاتبتك على ألفين، وقال العبد على ألف] # (8817) مسألة: قال: وإذا قال السيد: كاتبتك على ألفين. وقال العبد: على ~~ألف. فالقول قول السيد مع يمينه قال القاضي: هذا المذهب. نص عليه أحمد - ~~رضي الله عنه - في رواية الكوسج. وهو قول الثوري، والأوزاعي، وإسحاق. وقال ~~أبو بكر: اتفق أحمد، والشافعي، على أنهما يتحالفان، ويترادان. وهو قول أبي ~~يوسف، ومحمد؛ لأنهما اختلفا في عوض العقد القائم بينهما، فيتحالفان إذا لم ~~تكن بينة، كالمتبايعين. # وحكي عن أحمد، - رضي الله عنه - رواية ثالثة، أن القول قول المكاتب. وهو ~~قول أبي حنيفة؛ لأنه منكر للألف الزائد، والقول قول المنكر، ولأنه مدعى ~~عليه، فيدخل في عموم قوله - عليه السلام -: " ولكن اليمين على المدعى عليه ms5997 ~~". ولنا، أنه اختلاف في الكتابة فالقول قول السيد فيه، كما لو اختلفا في ~~أصلها، ويفارق البيع من وجهين؛ أحدهما، أن الأصل في البيع عدم ملك كل واحد ~~منهما لما صار إليه، والأصل في المكاتب وكسبه أنه لسيده، فالقول قوله فيه. ~~والثاني، أن التحالف في البيع مفيد، ولا فائدة في التحالف في الكتابة؛ فإن ~~الحاصل منه يحصل بيمين السيد وحده، وبيان ذلك أن الحاصل بالتحالف فسخ ~~الكتابة، ورد العبد إلى الرق، إذا لم يرض بما حلف عليه سيده، وهذا يحصل من ~~جعل القول قول السيد مع يمينه، فلا يشرع التحالف مع عدم فائدته، وإنما ~~قدمنا قول المنكر في سائر المواضع؛ لأن الأصل معه، والأصل هاهنا مع السيد؛ ~~لأن الأصل ملكه العبد وكسبه، فإذا ثبت هذا، فمتى حلف السيد، ثبتت الكتابة ~~بألفين، كما لو اتفقا عليها، وسواء كان اختلافهما قبل العتق أو بعده مثل أن ~~يدفع إليه ألفين فيعتق، ثم يدعي المكاتب أن أحدهما عن الكتابة، والآخر ~~وديعة، ويقول السيد: هما جميعا مال الكتابة. # ومن قال بالتحالف، قال: إذا تحالفا، فلكل واحد منهما فسخ الكتابة، إلا أن ~~يرضى بقول صاحبه، وإن كان التحالف بعد العتق في مثل الصور التي ذكرناها، لم ~~ترتفع الحرية؛ لأنها لا يمكن رفعها بعد حصولها، ولا إعادة الرق بعد رفعه، ~~ولكن يرجع السيد بقيمته، ويرد عليه ما أدى إليه، فإن كان من جنس واحد، ~~تقاصا بقدر أقلهما، وأخذ ذو الفضل فضله. ### | [فصل اختلف المكاتب والسيد في أداء النجوم] # (8818) فصل: وإن اختلفا في أداء النجوم، فقال المكاتب: أديت، وعتقت. ~~وأنكر السيد، فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأنه منكر، والقول قول المنكر، ~~وإن اختلفا في إبرائه من مال الكتابة، أو شيء منه، فالقول قول السيد مع ~~يمينه؛ لذلك. # PageV10P446 ### | [فصل كاتب عبدين واستوفى من أحدهما ولم يدر من أيهما استوفى] # فصل: وإن كاتب عبدين، واستوفى من أحدهما، ولم يدر من أيهما استوفى، فقياس ~~المذهب أن يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، عتق ورق الآخر، كما لو أعتق ~~عبدا من عبيده وأنسيه. ms5998 فإن ادعى الآخر عليه أنه أدى، فعليه اليمين أنه ما ~~أدى إليه. فإن نكل، عتق الآخر. وإن مات السيد قبل القرعة، أقرع الورثة. فإن ~~ادعى الآخر عليهم أنه المؤدي، فعليهم اليمين أنهم لا يعلمون أنه أدى؛ لأنها ~~يمين على نفي فعل الغير. فإن أقام أحد العبدين بينة أنه أدى عتق، سواء كان ~~قبل القرعة أو بعدها، في حياة السيد أو بعد موته، فإن كان ذلك قبل القرعة ~~تعينت الحرية فيه، ورق الآخر. # وإن كان بعدها، فكذلك؛ لأن القرعة ليست عتقا، وإنما هي معينة للعتق، ~~والبينة أقوى منها، فثبت بها خطأ القرعة، فتبين بقاء الرق في الذي ظننا ~~حريته، كما تبينا حرية من ظننا رقه، ولأن من لم يؤد، لا يصير مؤديا بوقوع ~~القرعة له، فلا يوجد حكمه الذي هو العتق. ويتخرج على قول أبي بكر، وابن ~~حامد، أن يعتقا، على ما ذكرناه في الطلاق. وكذلك الحكم فيما إذا ذكر السيد ~~المؤدي منهما، ومتى ادعى الآخر أنه أدى، فله اليمين على المدعى عليه، سواء ~~كان السيد أو ورثته، إلا أنه إن كان المدعى عليه السيد، فاليمين على البت، ~~وإن كانت على ورثته، فاليمين على نفي العلم، إلا أن يدعي الأداء إليهم، ~~فتكون أيمانهم على البت أيضا. وعلى كل واحد من الورثة يمين؛ لأن كل واحد ~~منهم يدعى عليه، فلزمته اليمين، كما لو انفرد بالدعوى. ### | [فصل كان للمكاتب أولاد من معتقة آخر غير سيده] # (8820) فصل: وإذا كان للمكاتب أولاد من معتقة آخر غير سيده، فقال سيده: ~~قد أدى إلي، وعتق، فانجر ولاء ولده إلي. فأنكر ذلك مولى أمهم، وكان المكاتب ~~حيا، فقد صار حرا بهذا القول؛ فإنه إقرار من سيده بعتقه، وينجر ولاء ولده ~~إليه، وإن كان ميتا، فالقول قول مولى أمهم؛ لأن الأصل الرق، وبقاء ولائهم ~~له، فيحلف، ويبقى ولاؤهم له. ### | [مسألة أعتق الأمة أو كاتبها وشرط ما في بطنها] # (8821) مسألة: قال: وإذا أعتق الأمة، أو كاتبها، وشرط ما في بطنها، أو ~~أعتق ما في بطنها دونها، فله شرطه روي نحو ms5999 هذا القول عن ابن عمر، وأبي ~~هريرة، والنخعي، وإسحاق، وابن المنذر. وقال ابن سيرين: له ما استثنى. وقال ~~عطاء، والشعبي: إذا استثنى ما في بطنها، فله استثناؤه. # PageV10P447 # وقال مالك، والشافعي: لا يصح استثناء الجنين؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم. ولأنه لا يصح استثناؤه في البيع، فلا ~~يصح في العتق، كبعض أعضائها. # ولنا، قول ابن عمر، وأبي هريرة، ولم نعلم لهما مخالفا في الصحابة. قال ~~أحمد: أذهب إلى حديث ابن عمر في العتق، ولا أذهب إليه في البيع. وقد روى ~~الأثرم، بإسناده عن ابن عمر، أنه أعتق جارية، واستثنى ما في بطنها. ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلمون على شروطهم» . وهذا قد شرط ما ~~في بطن معتقه، فكان له بمقتضى الخبر. # ولأنه يصح إقراره بالعتق، فصح استثناؤه وأما خبرهم، فنقول به، والحمل ~~معلوم، فيصح استثناؤه بمقتضى الحديث، ويفارق البيع؛ فإنه عقد معاوضة، يعتبر ~~فيه العلم بصفات العوض؛ ليعلم هل هو قائم مقام العوض أم لا؟ والعتق تبرع لا ~~تتوقف صحته على معرفة صفات المعتق. ولا تنافيه الجهالة بها، ويكفي العلم ~~بوجوده، وقد علم ذلك، ولذلك صح إفراد الحمل بالعتق، ولم يصح إفراده بالبيع، ~~ولأن استثناءه في البيع إذا بطل، بطل البيع كله، وها هنا إذا بطل استثناؤه، ~~لم يبطل العتق في الأمة، ويسري الإعتاق إليه، فكيف يصح إعتاقه مع تضاد ~~الحكم فيهما؟ ولا يصح قياسه على بعض أعضائها؛ لأن العضو لا يتصور انفراده ~~بالرق والحرية دون الحمل، وكذلك لو أعتق عضوا من أمته، صارت كلها حرة، فإذا ~~عتق بعضها، سرى إلى المستثنى، والولد حيوان منفرد، لو أعتقه لم تسر الحرية ~~إلى أمه، ويصح انفراده بالحرية عن أمه، فيما إذا أعتقه دونها، وفي ولد ~~المغرور بحرية أمه، وفيما إذا وطئ بشبهة، وفي ولد أم الولد، وغير ذلك، ولا ~~يمكن ذلك في بعض الأعضاء، ولأن الولد يرث ويورث، ويوصى به وله، وإذا قتل ~~كان بدله موروثا، ولا تختص به أمه، وتجب الكفارة بقتله، والدية ms6000 في مقابلته، ~~فكيف يصح قياسه على أعضائها؟ فأما إن أعتق ما في بطنها دونها، فلا أعلم ~~خلافا فيه. # قال إسحاق بن منصور: سئل سفيان عن رجل قال: ما في بطنك حر، قال: هو حر، ~~والأم مملوكة؛ لأن ولدها منها، وليست هي من ولدها. قال أحمد وإسحاق: جيد. ~~وقال مهنا: سألت أحمد - رضي الله عنه - عن رجل زوج أمته، فقالت: قد حبلت. ~~فقال لها مولاها: # PageV10P448 # ما في بطنك حر. ولم تكن حاملا. قال: لا تعتق. فأعدت عليه القول مرة أخرى، ~~فقال: لا يكون شيء، إنما أراد ما في بطنها، فلم يكن شيء. قال المروذي: وسئل ~~أبو عبد الله، عن رجل أعتق عبدا له، واستثنى منه خدمته شهرا، فقال: جائز. ### | [مسألة يعجل المكاتب لسيده بعض كتابته ويضع عنه بعض كتابته] # (8822) مسألة: قال: ولا بأس أن يعجل المكاتب لسيده بعض كتابته، ويضع عنه ~~بعض كتابته وجملته أنه إذا كاتبه على ألف في نجمين إلى سنة، ثم قال: عجل لي ~~خمسمائة منه، حتى أضع عنك الباقي، أو حتى أبرئك من الباقي. أو قال: صالحني ~~منه على خمسمائة معجلة. جاز ذلك. وبه يقول طاوس، والزهري، والنخعي، وأبو ~~حنيفة. وكرهه الحسن، وابن سيرين، والشعبي. وقال الشافعي: لا يجوز؛ لأن هذا ~~بيع ألف بخمسمائة، وهو ربا الجاهلية، وهو أن يزيد في الدين لأجل الأجل، ~~وهذا أيضا هبة، ولأن هذا لا يجوز بين الأجانب، والربا يجري بين المكاتب ~~وسيده، فلم يجز هذا بينهما، كالأجانب. # ولنا، أن مال الكتابة غير مستقر، ولا هو دين صحيح، بدليل أنه لا يجبر على ~~أدائه، وله أن يمتنع من أدائه، ولا تصح الكفالة به، وما يؤديه إلى سيده كسب ~~عبده، وإنما جعل الشرع هذا العقد وسيلة إلى العتق وأوجب فيه التأجيل مبالغة ~~في تحصيل العتق، وتخفيفا عن المكاتب، فإذا أمكنه التعجيل على وجه يسقط عنه ~~بعض ما عليه، كان أبلغ في حصول العتق، وأخف على العبد، ويحصل من السيد ~~إسقاط بعض ماله على عبده، ومن الله تعالى إسقاط ما أوجبه عليه من الأجل ms6001 ~~لمصلحته، ويفارق سائر الديون بما ذكرنا، ويفارق الأجانب من حيث إن هذا ~~عبده، فهو أشبه بعبده القن. قولهم: إن الربا يجري بينهما. فنمنعه على ما ~~ذكر ابن أبي موسى، وإن سلمناه، فإن هذا مفارق لسائر الربا بما ذكرناه، وهذا ~~يخالف ربا الجاهلية؛ فإنه إسقاط لبعض الدين، وربا الجاهلية زيادة في الدين، ~~وربا الجاهلية يفضي إلى نفاد مال المدين، وتحمله من الدين ما يعجز عن ~~وفائه، فيحبس من أجله، ويؤسر به، وهذا يفضي إلى تعجيل عتق المكاتب، وخلاصه ~~من الرق، والتخفيف عنه، فافترقا. ### | [فصل اتفقا على الزيادة في الأجل والدين في المكاتبة] # (8823) فصل: فإن اتفقا على الزيادة في الأجل والدين، مثل أن يكاتبه على ~~ألف، في نجمين، إلى سنة، يؤدي في نصفها خمسمائة، وفي آخرها الباقي، ~~فيجعلانها إلى سنتين بألف ومائتين، في كل سنة ستمائة، أو مثل أن يحل عليه # PageV10P449 # نجم، فيقول: أخرني به إلى كذا، وأزيدك كذا. فيحتمل أنه لا يجوز؛ لأن ~~الدين المؤجل إلى وقت، لا يتأخر أجله عن وقته باتفاقهما عليه، ولا يتغير ~~أجله بتغييره، وإذا لم يتأخر عن وقته، لم تصح الزيادة التي في مقابلته، ~~ولأن هذا يشبه ربا الجاهلية المحرم، وهو الزيادة في الدين للزيادة في ~~الأجل، ويفارق المسألة الأولى من هذين الوجهين. فإن قيل: فكما أن الأجل لا ~~يتأخر، كذلك لا يتعجل، ولا يصير الدين المؤجل حالا، فلم جاز في المسألة ~~الأولى؟ قلنا: إنما جاز في المسألة الأولى بالتعجيل فعلا، فإنه إذا دفع ~~إليه الدين المؤجل قبل محله، جاز، وجاز للسيد إسقاط باقي حقه عليه، وفي هذه ~~المسألة يأخذ أكثر مما وقع عليه العقد، فهو ضد المسألة الأولى، وهو ممتنع ~~من وجه آخر؛ لأن في ضمن الكتابة أنك متى أديت إلي كذا، فأنت حر. # فإذا أدى إليه ذلك، فينبغي أن يعتق، فإن قيل: فإذا غير الأجل والعوض ~~فكأنهما فسخا الكتابة الأولى، وجعلاها كتابة ثانية. قلنا: لم يجز بينهما ~~فسخ، وإنما قصدا تغيير العوض والأجل، على وجه لا يصح، فيبطل التغيير ويبطل ~~العقد بحاله. ويحتمل أن ms6002 يصح ذلك كما في المسألة الأولى. فعلى هذا، لو اتفقا ~~على ذلك. ثم رجع أحدهما فإن له الرجوع. وكذلك في المسألة الأولى، لو قال: ~~أعجل لك مال الكتابة، وتسقط عني منه كذا؟ فقال: نعم. ثم رجع أحدهما قبل ~~التعجيل، فله الرجوع؛ لما ذكرنا من أن الدين المؤجل لا يتأخر عن أجله ولا ~~يتقدم، وإنما له أن يؤديه قبل محله، ولمن له الدين ترك قبضه في محله، وذلك ~~إلى اختياره، فإذا وعد به ثم رجع قبل الفعل، فله ذلك. ### | [فصل صالح المكاتب سيده عما في ذمته بغير جنسه] # (8824) فصل: وإن صالح المكاتب سيده عما في ذمته بغير جنسه، مثل أن يصالحه ~~عن النقود بحنطة أو شعير، جاز، إلا أنه لا يجوز أن يصالحه على شيء مؤجل؛ ~~لأنه يكون بيع دين بدين. وإن صالحه عن الدراهم بدنانير، أو عن الحنطة ~~بشعير، لم يجز التصرف قبل القبض؛ لأن هذا بيع في الحقيقة، فيشترط له القبض ~~في المجلس. وقال القاضي: يحتمل أن لا تصح هذه المصالحة مطلقا؛ لأن هذا دين ~~من شرطه التأجيل، فلم تجز المصالحة عليه بغيره، ولأنه دين غير مستقر، فهو ~~كدين السلم. # وقال ابن أبي موسى: لا يجري الربا بين المكاتب وسيده. فعلى قوله، تجوز ~~المصالحة كيفما كانت، كما يجوز ذلك بين العبد القن وسيده. والأولى ما ~~ذكرناه، ويفارق دين الكتابة دين السلم؛ فإنه يفارق سائر الديون بما ذكرنا ~~في هذه المسألة، فمفارقته لدين السلم أعظم. والله أعلم. ### | [مسألة العبد بين اثنين فكاتب أحدهما فلم يؤد كل كتابته حتى أعتق الآخر وهو موسر] # (8825) مسألة: قال: وإذا كان العبد بين اثنين، فكاتب أحدهما، فلم يؤد كل ~~كتابته حتى أعتق الآخر، وهو موسر، # PageV10P450 # فقد صار العبد كله حرا، ويرجع الشريك على المعتق بنصف قيمته قد ذكرنا ~~فيما تقدم، أن العبد المشترك يجوز لأحد الشريكين كتابة نصيبه منه، بغير إذن ~~شريكه، ويبقى سائره غير مكاتب، فإذا فعل هذا، فأعتق الذي لم يكاتبه حصته ~~منه، وهو موسر، عتق، وسرى العتق إلى باقيه، فصار كله حرا، ms6003 ويضمن لشريكه ~~قيمة حصته منه، ويكون الرجوع بقيمته مكاتبا، يبقى على ما بقي من كتابته؛ ~~لأن الرجوع عليه بقيمة ما أتلف، وإنما أتلف مكاتبا. وإن كان المعتق معسرا، ~~لم يسر العتق على ما مضى في باب العتق. # وقال أبو بكر، والقاضي: لا يسري العتق في الحال، لكن ينظر؛ فإن أدى ~~كتابته عتق باقيه بالكتابة، وكان ولاؤه بينهما، وإن فسخت كتابته لعجزه، سرى ~~العتق، وقوم عليه حينئذ؛ لأن سراية العتق في الحال مفضية إلى إبطال الولاء ~~الذي انعقد سببه، ونقله عن المكاتب إلى غيره. وقال ابن أبي ليلى: عتق ~~الشريك موقوف حتى ينظر ما يصنع في الكتابة، فإن أداها، عتق، وكان المكاتب ~~ضامنا لقيمة نصيب شريكه، وولاؤه كله للمكاتب. وإن عجز، سرى عتق الشريك، ~~وضمن نصف القيمة للمكاتب، وكان ولاؤه كله له. وأما مذهب الشافعي فلا يجوز ~~كتابة أحد الشريكين، إلا أن يأذن فيه شريكه، فيكون فيه قولان، فإذا كاتبه ~~بإذن شريكه، ثم أعتق الذي لم يكاتب فهل يسري في الحال، أو يقف على العجز؟ ~~فيه قولان. ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق شركا له في ~~عبد، وكان له ما يبلغ قيمة العبد قوم عليه قيمة عدل» . وهذا داخل في عمومه، ~~ولأنه عتق لجزء من العبد موسر، غير محجور عليه، فسرى إلى باقيه، كما لو كان ~~قنا، ولأن مقتضى السراية متحقق، والمانع منها لم يثبت كونه مانعا؛ فإنه لا ~~نص فيه، ولا أصل له يقاس عليه، فوجب أن يثبت. # وقولهم: إنه يفضي إلى إبطال الولاء. قلنا: إذا كان العتق يؤثر في إبطال ~~الملك الثابت المستقر، الذي الولاء من بعض آثاره، فلأن يؤثر في نقل الولاء ~~بمفرده أولى، ولأنه لو أعتق عبدا له أولاد من معتقة قوم، نقل ولاءهم إليه، ~~فإذا نقل ولاءهم الثابت بإعتاق غيرهم، فلأن ينقل ولاء لم يثبت بعد بإعتاق ~~من عليه الولاء أولى، ولأنه نقل الولاء ثم عمن لم يغرم له عوضا، فلأن ينقله ~~بالعوض أولى، فانتقال الولاء في موضع جر الولاء، ينبه على سراية ms6004 العتق. ~~وانتقال الولاء إلى المعتق؛ لكونه أولى منه من ثلاثة أوجه؛ أحدها، أن ~~الولاء ثم ثابت، وها هنا بعرض الثبوت. والثاني، أن النقل حصل ثم بإعتاق ~~غيره، وها هنا بإعتاقه. # PageV10P451 # والثالث، أنه انتقل ثم بغير عوض، وها هنا بعوض. # فصل: وإن كان المعتق معسرا، لم يسر عتقه، وكان نصيبه حرا، وباقيه على ~~الكتابة، فإن أدى، عتق عليهما، وكان ولاؤه بينهما، وإن عجز، عاد الجزء ~~المكاتب رقيقا قنا، إلا على الرواية التي تقول: يستسعى العبد. فإنه يستسعى ~~عند عجزه في قيمة باقيه، ولا يستسعى في حال الكتابة؛ لأن الكتابة سعاية ~~فيما اتفقا عليه، فاستغني بها عن السعاية فيما يحتاج إلى التقويم، فإذا عجز ~~وفسخت الكتابة، بطلت، ورجع إلى السعاية في القيمة. والله أعلم. ### | [فصل عبد بين شريكين فكاتباه على ألف درهم فأدى إليهما تسعمائة مناصفة ثم إن أحدهما أعتق نصيبه] # (8827) فصل: ونقل عن أحمد - رضي الله عنه - أنه سئل عن عبد بين شريكين، ~~فكاتباه على ألف درهم، فأدى إليهما تسعمائة؛ لهذا أربعمائة درهم وخمسين ~~درهما ولهذا أربعمائة درهم وخمسين درهما ثم إن أحدهما، أعتق نصيبه؟ قال: إن ~~كان للمعتق مال، أدى إلى شريكه نصف قيمة العبد، لا يحاسبه بها أحد؛ لأنه ~~عبد ما بقي عليه درهم، ولأنه قد يجوز أن يعجزه، فيعود إلى الرق، أو يموت، ~~فيكون عنده مال، فهو بينهما. ونقل عنه حنبل، أنه يعتق إلا نصف المائة على ~~هذا، ويكون الولاء على قدر ما أعتق. فالرواية الأولى توافق قول الخرقي، ~~فإنه أوجب على المعتق غرامة نصف قيمة العبد. وينبغي أن تجب نصف قيمته، على ~~الصفة التي عتق عليها، وهو كونه مكاتبا، قد أدى كتابته إلا مائة منها، وهي ~~عشرها. # وأما رواية حنبل، فيحتمل أن تكون على ما قال أبو بكر والقاضي، في أنه لا ~~يسري العتق إلى الجزء المكاتب لغيره. وقد نصرنا الرواية الأولى بما ذكرناه. ~~والله أعلم. ### | [مسألة إذا عجز المكاتب ورد في الرق] # (8828) مسألة؛ قال: وإذا عجز المكاتب، ورد في الرق، وكان قد تصدق عليه ~~بشيء، فهو ms6005 لسيده وجملته أن المكاتب إذا عجز، وفي يده مال، ورد في الرق، فهو ~~لسيده، سواء كان من كسبه، أو من صدقة. تطوع، أو وصية. وما كان من صدقة ~~مفروضة ففيه روايتان؛ إحداهما، هو لسيده. وهو قول أبي حنيفة. وقال عطاء: ~~يجعله في السبيل أحب إلي، وإن أمسكه فلا بأس. # والرواية الثانية، يؤخذ ما بقي في يده، فيجعل في المكاتبين. نقلها حنبل. ~~وهو قول شريح، والنخعي، والثوري. واختار أبو بكر والقاضي، أنه يرد إلى ~~أربابه. وهو قول إسحاق؛ لأنه إنما دفع إليه ليصرف في العتق، فإذا لم يصرف ~~فيه، وجب رده، كالغازي والغارم وابن السبيل. # PageV10P452 # ولنا أن ابن عمر رد مكاتبا في الرق، فأمسك ما أخذه منه. ولأنه يأخذ ~~لحاجته، فلم يرد ما أخذه، كالفقير والمسكين، وأما الغازي، فإنه يأخذ ~~لحاجتنا إليه، بقدر ما يكفيه لغزوه، وأما الغارم، فإن غرم لإصلاح ذات ~~البين، فهو كالغازي، يأخذ لحاجتنا، وإن غرم لمصلحة نفسه، فهو كمسألتنا، لا ~~يرده. ### | [فصل ما أداه المكاتب إلى سيده قبل عجزه] # (8829) فصل: وأما ما أداه إلى سيده قبل عجزه، فلا يجب رده بحال؛ لأن ~~المكاتب صرفه في الجهة التي أخذه لها، وثبت ملك سيده عليه ملكا مستقرا، فلم ~~يزل ملكه عنه، كما لو عتق المكاتب، ويفارق ما في يد المكاتب؛ لأن ملك سيده ~~لم يثبت عليه قبل هذا، والخلاف في ابتداء ثبوته. # وما تلف في يد المكاتب، لم يرجع عليه به، سواء عجز أو أدى؛ لأن ماله تلف ~~في يده، فأشبه ما لو تلف ما في يد سائر أصناف الصدقة. # وإن اشترى به عرضا وعجز، والعرض في يده، ففيه من الخلاف مثل ما لو وجد ~~بعينه؛ لأن العرض عوضه، وقائم مقامه، فأشبه ما لو أعطي الغازي من الصدقة ما ~~اشترى به فرسا وسلاحا، ثم فضل ذلك عن حاجته. ### | [فصل موت المكاتب قبل الأداء] # (8830) فصل: وموت المكاتب قبل الأداء كعجزه، فيما ذكرنا؛ لأن سيده يأخذ ~~ما في يده قبل حصول مقصود الكتابة. # وإن أدى، وبقي في يده شيء، فحكمه في ms6006 رده أو أخذه لنفسه، حكم سيده في ذلك ~~عند عجزه؛ لأن ما لم يؤده في كتابته، بقي بعد زوالها. # وإن كان قد استدان ما أداه في الكتابة، وبقي عنده من الصدقة بقدر ما يقضي ~~به دينه، لم يلزمه رده؛ لأنه محتاج إليه بسبب الكتابة، فأشبه ما يحتاج إليه ~~في أدائها. ### | [مسألة اشترى المكاتبان كل واحد منهما الآخر] # (8831) مسألة؛ قال: وإذا اشترى المكاتبان، كل واحد منهما الآخر، صح شراء ~~الأول، وبطل شراء الآخر. لا خلاف في أن المكاتب يصح شراؤه للعبيد، والمكاتب ~~يجوز بيعه، على ما ذكرنا. فإذا اشترى أحد المكاتبين الآخر، صح شراؤه، ~~وملكه؛ لأن التصرف صدر من أهله في محله، وسواء كانا مكاتبين لسيد واحد، أو ~~لسيدين. # فإذا عاد الثاني، فاشترى الذي اشتراه، لم يصح؛ لأنه سيده ومالكه، وليس ~~للمملوك أن يملك مالكه؛ لأنه يفضي إلى تناقض الأحكام، إذ كل واحد منهما ~~يقول لصاحبه: أنا سيدك، ولي عليك مال الكتابة تؤديه إلي، وإن عجزت فلي فسخ ~~كتابتك، وردك إلي أن تكون رقيقا لي. وهذا تناقض، وإذا تنافى أن تملك المرأة ~~زوجها ملك اليمين؛ لثبوت ملكه عليها في النكاح، فهاهنا أولى، ولأنه لو صح ~~هذا، لتقاص الدينان إذا تساويا، وعتقا جميعا. فإذا ثبت هذا، فشراء الأول ~~صحيح، والمبيع هاهنا باق على كتابته، فإن أدى عتق، وولاؤه موقوف، # PageV10P453 # فإن أدى سيده كتابته، كان له؛ لأنه عتق بأدائه إليه، وإن عجز، فولاؤه ~~لسيده؛ لأن العبد لا يثبت له ولاء، ولأن السيد يأخذ ماله، فكذلك حقوقه. هذا ~~مقتضى قول القاضي، ومقتضى قول أبي بكر، أن الولاء لسيده؛ لأن المكاتب عبد ~~لا يثبت له الولاء، فيثبت لسيده. # وكذلك فيما إذا أعتق بإذن سيده، أو كاتب عبده فأدى كتابته، وهذا نظيره. ~~ويحتمل أن يفرق بينهما؛ لكون العتق تم بإذن السيد، فيحصل الإنعام منه بإذنه ~~فيه، وها هنا لا يفتقر إلى إذنه، فلا نعمة له عليه، فلا يكون له عليه ولاء ~~ما لم يعجزه سيده. والله أعلم. (8832) # فصل: فإن لم يعلم السابق منهما، فقال أبو بكر: ms6007 يبطل البيعان، ويرد كل ~~واحد منهما إلى كتابته؛ لأن كل واحد منهما مشكوك في صحة بيعه فيرد إلى ~~اليقين. وذكر القاضي أنه يجري مجرى ما إذا زوج الوليان فأشكل الأول منهما، ~~فيقتضي هذا أن يفسخ البيعان، كما يفسخ النكاحان. وعلى قول أبي بكر، لا حاجة ~~إلى الفسخ؛ لأن النكاح إنما احتيج إلى فسخه من أجل المرأة؛ فإنها منكوحة ~~نكاحا صحيحا، لواحد منهما يقينا فلا يزول إلا بفسخ، وفي مسألتنا لم يثبت ~~تعين البيع في واحد بعينه فلم يفتقر إلى فسخ. ### | [فصل كاتب عبيدا له صفقة واحدة بعوض واحد] # (8833) فصل: وإذا كاتب عبيدا له، صفقة واحدة، بعوض واحد، مثل أن يكاتب ~~ثلاثة أعبد له بألف صح في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء وسليمان بن موسى ~~وأبو حنيفة ومالك والحسن بن صالح وإسحاق. وهو المنصوص عن الشافعي - رضي ~~الله عنه - وقال بعض أصحابه: فيه قول آخر، لا يصح؛ لأن العقد مع ثلاثة، ~~كعقود ثلاثة، وعوض كل منهم مجهول، فلم يصح كما لو باع كل واحد منهم لواحد ~~صفقة واحدة بعوض واحد. ولنا، أن جملة العوض معلومة، وإنما جهل تفصيلها فلم ~~تمنع صحة العقد، كما لو باعهم لواحد. وعلى قول من قال: إن العوض يكون بينهم ~~على السواء فقد علم أيضا تفصيل العوض وعلى كل واحد منهم ثلث، وكذا يقول ~~فيما لو باعهم لثلاثة. # إذا ثبت هذا، فإن كل واحد منهم مكاتب بحصته من الألف، ويقسم بينهم على ~~قدر قيمتهم حين العقد؛ لأنه حين المعاوضة، وزوال سلطان السيد عنهم، فإذا ~~أداه، عتق. هذا قول عطاء وسليمان بن موسى والحسن بن صالح والشافعي وإسحاق ~~وقال أبو بكر عبد العزيز: يتوجه لأبي عبد الله قول آخر، أن العوض بينهم على ~~عدد رءوسهم، فيتساوون فيه؛ لأنه أضيف إليهم إضافة واحدة فكان بينهم ~~بالسوية، كما لو أقر لهم بشيء ولنا أن هذا عوض فتقسط على المعوض، كما لو ~~اشترى شقصا وسيفا، وكما لو اشترى عبيدا. فرد # PageV10P454 # واحدا منهم بعيب، أو أتلف أحدهم ورد الآخر. ويخالف الإقرار؛ ms6008 فإنه ليس ~~بعوض. إذا ثبت هذا فأيهم أدى حصته عتق وهذا قول الشافعي. # وقال ابن أبي موسى: لا يعتق واحد منهم حتى يؤدي جميع الكتابة. وحكي ذلك ~~عن أبي بكر. وهو قول مالك. وحكي عنه أنه إذا امتنع أحدهم عن الكسب مع ~~القدرة عليه، أجبر عليه الباقون. واحتجوا بأن الكتابة واحدة؛ بدليل أنه لا ~~يصح من كل واحد منهم الكتابة بقدر حصته دون الباقين، ولا يحصل العتق إلا ~~بأداء جميع الكتابة كما لو كان المكاتب واحدا، وقال أبو حنيفة إن لم يقل ~~لهم السيد إن أديتم عتقتم: فأيهم أدى حصته، عتق. وإن أدى جميعها، عتقوا ~~كلهم، ولم يرجع على صاحبيه بشيء. وإن قال لهم: إن أديتم عتقتم. لم يعتق ~~واحد منهم حتى تؤدى الكتابة كلها ويكون بعضهم حميلا عن بعض، ويأخذ أيهم شاء ~~بالمال، وأيهم أداها عتقوا كلهم، ورجع على صاحبيه بحصتهما. # ولنا، أنه عقد معاوضة مع ثلاثة، فاعتبر كل واحد منهم بأداء حصته كما لو ~~اشتروا عبدا، وكما لو لم يقل لهم إن أديتم عتقتم على قول أبي حنيفة، فإن ~~قوله ذلك لا يؤثر؛ لأن استحقاق العتق بأداء العوض، لا بهذا القول، بدليل ~~أنه يعتق بالأداء بدون هذا القول، ولم يثبت كون هذا القول مانعا من العتق، ~~ولا نسلم أن هذا العقد كتابة واحدة، فإن العقد مع جماعة عقود، بدليل البيع، ~~ولا يصح القياس على كتابة الواحد؛ لأن ما قدره في مقابلة عتقه، وها هنا في ~~مقابلة عتقه ما يخصه، فافترقا. إذا ثبت هذا، فإنه إن شرط عليهم في العقد، ~~أن كل واحد منهم ضامن عن الباقين، فالشرط فاسد، والعقد صحيح. # وقال أبو الخطاب: في الشرط رواية أخرى أنه صحيح. وخرجه ابن حامد وجها، ~~بناء على الروايتين في ضمان الحر لمال الكتابة. وقال الشافعي - رضي الله ~~عنه - العقد والشرط فاسدان؛ لأن الشرط فاسد، ولا يمكن تصحيح العقد بدونه؛ ~~لأن السيد إنما رضي بالعقد بهذا الشرط، فإذا لم يثبت، لم يكن راضيا بالعقد. # وقال مالك، وأبو حنيفة: العقد والشرط صحيحان؛ ms6009 لأنه مقتضى العقد عندهما. ~~ولنا، أن مال الكتابة ليس بلازم، ولا مآله إلى اللزوم، فلم يصح ضمانه، كما ~~لو جعل المال صفة مجردة في العتق، فقال: إن أديت إلي ألفا، فأنت حر. ولأن ~~الضامن لا يلزمه أكثر مما يلزم المضمون عنه، ومال الكتابة لا يلزم المكاتب، ~~فلا يلزم الضامن، ولأن الضمان تبرع، وليس للمكاتب التبرع، ولأنه لا يملك # PageV10P455 # الضمان عن حر، ولا عمن ليس معه في الكتابة، فكذلك من معه. وأما العقد ~~فصحيح؛ لأن الكتابة لا تفسد بفساد الشرط؛ بدليل خبر بريرة، وسنذكره فيما ~~بعد، إن شاء الله تعالى. (8834) # فصل: إذا مات بعض المكاتبين، سقط قدر حصته. نص عليه أحمد - رضي الله عنه ~~- في رواية حنبل. وكذلك إن أعتق بعضهم. وعن مالك إن أعتق السيد أحدهم وكان ~~مكتسبا، لم ينفذ عتقه؛ لأنه يضر بالباقين، وإن لم يكن مكتسبا، نفذ عتقه؛ ~~لعدم الضرر فيه. وهذا مبني على أنه لا يعتق واحد منهم حتى يؤدي جميع مال ~~الكتابة، وقد مضى الكلام فيه. ### | [فصل أدى أحد المكاتبين عن صاحبه أو عن مكاتب آخر قبل أداء ما عليه بغير علم سيده] # (8835) فصل: فإن أدى أحد المكاتبين عن صاحبه، أو عن مكاتب آخر، قبل أداء ~~ما عليه، بغير علم سيده، لم يصح؛ لأن هذا تبرع، وليس له التبرع بغير إذن ~~سيده. وإن كان قد حل عليه نجم، صرف ذلك فيه. وإن لم يكن حل عليه نجم، فله ~~الرجوع فيه. وإن علم السيد بذلك، ورضي بقبضه عن الآخر، صح؛ لأن قبضه له ~~راضيا به مع العلم، دليل على الإذن فيه، فجاز، كما لو أذن فيه تصريحا. وإن ~~كان الأداء بعد أن عتق، صح، سواء علم السيد أو لم يعلم. فإذا أراد الرجوع ~~على صاحبه بما أدى عنه، نظرنا؛ فإن كان قد قصد التبرع عليه، لم يرجع به، ~~وإن أداه محتسبا بالرجوع عليه، وكان الأداء بإذن المؤدى عنه، فهو قرض، ~~يلزمه أداؤه كما لو اقترضه منه، وإن كان بغير إذنه لم يرجع عليه؛ لأنه تبرع ~~عليه بأداء ms6010 ما لا يلزمه كما لو تصدق عنه صدقة تطوع، وبهذا فارق سائر ~~الديون. # وإن كان بإذنه، وطلب استيفاءه، قدم على أداء مال الكتابة، كسائر الديون. ~~وإذا عجز عن أدائه، فحكمه حكم سائر الديون. وهذا كله مذهب الشافعي. ### | [فصل ضمان الحر لمال الكتابة] # (8836) فصل: ولا يصح ضمان الحر لمال الكتابة. وذكر القاضي فيه روايتين؛ ~~إحداهما يصح ضمانه؛ لأنه عوض في معاوضة، فصح ضمانه، كثمن المبيع. ولنا، ما ~~ذكرناه من قبل، ولا يصح قياسه على الثمن؛ لأنه لازم، وهذا غير لازم. ### | [فصل أدوا أي المكاتبين ما عليهم أو بعضه ثم اختلفوا] # (8837) فصل: وإذا أدوا ما عليهم، أو بعضه، ثم اختلفوا، فقال من كثرت ~~قيمته: أدى كل واحد بقدر ما عليه، فلا فضل لأحدنا على صاحبه. وقال من قلت ~~قيمته: أدينا على السواء، فلي الفضل عليك، أو يكون وديعة لي عند # PageV10P456 # سيدنا. فالقول قول الأول؛ لأن الظاهر أن من عليه دين لا يؤدي أكثر منه، ~~فرجحت دعواه بذلك. فإن كان المؤدى أكثر مما عليهم، واختلفوا في الزيادة، ~~فالقول قول من يدعي التساوي؛ لأنهم اشتركوا في أدائه، فكانت أيديهم عليه، ~~فاستووا فيه، كما لو كان في أيديهم مال فاختلفوا فيه. ### | [فصل جنى بعض المكاتبين] # (8838) فصل: وإن جنى بعضهم، فجنايته عليه دون صاحبه. وبهذا قال الشافعي - ~~رضي الله عنه -. وقال مالك - رضي الله عنه -: يؤدون كلهم أرشه، فإن عجزوا ~~رقوا. ولنا، قول الله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] . ~~وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجني جان إلا على نفسه» . ولأنه لو ~~اشترك رجلان، وتعاقدا، لم يحمل أحدهما جناية صاحبه، فكذا هاهنا؛ لأن ما لا ~~يصح، لا يتضمنه عقد الكتابة، ولا يجب على أحدهما بفعل الآخر، كالقصاص، وقد ~~بينا أن كل واحد منهما مكاتب بحصته، فهو كالمنفرد بعقده. ### | [مسألة شرط في كتابته أن يوالي من شاء] # (8839) مسألة: قال: (وإذا شرط في كتابته أن يوالي من شاء، فالولاء لمن ~~أعتق، والشرط باطل) . أما الشرط فباطل. لا نعلم في بطلانه خلافا؛ وذلك لما ~~روت عائشة ms6011 - رضي الله عنها -. قالت: «كانت في بريرة ثلاث قضيات، أراد أهلها ~~أن يبيعوها ويشترطوا الولاء، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~اشتريها، وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق.» متفق عليه. # وفي الحديث الآخر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اشتريها، ~~واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق. فقام رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الناس فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال أما بعد، فما بال ناس ~~يشترطون # PageV10P457 # شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن ~~كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، فإنما الولاء لمن أعتق» . ~~متفق عليه. # ولأن الولاء لا يصح نقله بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~بيع الولاء وهبته، وقال «إنما الولاء لمن أعتق» . ولأنه لحمة كلحمة النسب، ~~فلم يصح اشتراطه لغير صاحبه، كالقرابة، ولأنه حكم العتق فلم يصح اشتراطه ~~لغير المعتق، كما لا يصح اشتراط حكم النكاح لغير الناكح، ولا حكم البيع ~~لغير العاقد. وسواء شرط أن يوالي من شاء أو شرطه لبائعه، أو لرجل آخر ~~بعينه. ولا تفسد الكتابة بهذا الشرط. نص عليه أحمد - رضي الله عنه -. # وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يفسد به، كما لو شرط عوضا مجهولا. ويتخرج ~~لنا مثل ذلك؛ بناء على الشروط الفاسدة في البيع. ولنا، حديث بريرة؛ فإن ~~أهلها شرطوا لهم الولاء، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرائها مع هذا ~~الشرط. وقال: «إنما الولاء لمن أعتق» . ويفارق جهالة العوض؛ فإنه ركن ~~العقد، لا يمكن تصحيح العقد بدونه، وربما أفضت جهالته إلى التنازع ~~والاختلاف، وهذا الشرط زائد، فإذا حذفناه بقي العقد صحيحا بحاله. فإن قيل: ~~المراد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اشترطي لهم الولاء» . أي ~~عليهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر بالشرط الفاسد، واللام ~~تستعمل بمعنى (على) كقول الله تعالى: {وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7] . أي ~~فعليها. قلنا: هذا لا يصح؛ لوجوه ثلاثة؛ أحدها، أنه يخالف وضع اللفظ ~~والاستعمال. # والثاني، أن أهل ms6012 بريرة أبوا هذا الشرط، فكيف يأمرها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بشرط لا يقبلونه، والثالث، أن ثبوت الولاء لها لا يحتاج إلى ~~شرط؛ لأنه مقتضى العتق وحكمه. والرابع، أن في بعض الألفاظ: «لا يمنعك هذا ~~الشرط منها، ابتاعي، وأعتقي» . وإنما أمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالشرط، تعريفا لنا أن وجود هذا الشرط كعدمه، وأنه لا ينقل الولاء عن ~~المعتق. # PageV10P458 ### | [فصل اشترط السيد على المكاتب أن يرثه دون ورثته] # (8840) فصل: وإن اشترط السيد على المكاتب أن يرثه دون ورثته، أو يزاحمهم ~~في مواريثهم، فهو شرط فاسد. في قول عامة العلماء، منهم الحسن، وعطاء، ~~وشريح: وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، وإسحاق. وأجاز إياس بن معاوية أن ~~يشترط شيئا من، ميراثه. ولا يصح؛ لأنه يخالف كتاب الله عز وجل، وكل شرط ليس ~~في كتاب الله، فهو باطل، بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال سعيد: ~~حدثنا هشيم، حدثنا منصور، عن ابن سيرين، أن رجلا كاتب مملوكه، واشترط ~~ميراثه، فلما مات المكاتب، تخاصم ورثته إلى شريح، فقضى شريح بميراث المكاتب ~~لورثته، فقال الرجل: ما يغني عني شرطي منذ عشرين سنة؟ فقال شريح: كتاب الله ~~أنزله على نبيه قبل شرطك بخمسين سنة. ولا تفسد الكتابة بهذا الشرط، كالذي ~~قبله. ### | [فصل شرط على المكاتب خدمة معلومة بعد العتق] # (8841) فصل: وإن شرط عليه خدمة معلومة بعد العتق، جاز. وبه قال عطاء، ~~وابن شبرمة، وقال مالك، والزهري: لا يصح؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، أشبه ما ~~لو شرط ميراثه. ولنا، أنه روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أعتق كل من يصلي ~~من سبي العرب، وشرط عليهم، أنكم تخدمون الخليفة من بعدي ثلاث سنوات. ولأنه ~~اشترط خدمة في عقد الكتابة، أشبه ما لو شرطها قبل العتق، ولأنه شرط نفعا ~~معلوما، أشبه ما لو شرط عوضا معلوما، ولا نسلم أنه ينافي مقتضى العقد؛ فإن ~~مقتضاه العتق عند الأداء، وهذا لا ينافيه. ### | [فصل كاتبه على ألفين في رأس كل شهر ألف وشرط أن يعتق عند أداء الأول] # (8842) فصل: وإذا كاتبه ms6013 على ألفين، في رأس كل شهر ألف، وشرط أن يعتق عند ~~أداء الأول، صح، في قياس المذهب، ويعتق عند أدائه؛ لأن السيد لو أعتقه بغير ~~أداء شيء، صح، فكذلك إذا أعتقه عند أداء البعض، ويبقى الآخر دينا عليه بعد ~~عتقه، كما لو باعه نفسه به. ### | [مسألة أسر العدو المكاتب فاشتراه رجل فأخرجه إلى سيده فأحب أخذه] # (8843) مسألة: قال: (وإذا أسر العدو المكاتب، فاشتراه رجل، فأخرجه إلى ~~سيده، فأحب أخذه، أخذه بما اشتراه، فهو على كتابته وإن لم يحب أخذه، فهو ~~على ملك مشتريه، مبقى على ما بقي من كتابته، يعتق بالأداء، وولاؤه لمن يؤدي ~~إليه) وجملته أن الكفار إذا أسروا مكاتبا، ثم استنقذه المسلمون، فالكتابة ~~بحالها؛ فإن أخذ في الغنائم، فعلم بحاله، أو أدركه سيده قبل قسمه، أخذه ~~بغير شيء، وكان على كتابته كمن لم يؤسر، وإن لم يدركه حتى قسم، وصار في سهم ~~بعض الغانمين، أو اشتراه رجل من الغنيمة قبل قسمه، أو من المشركين، وأخرجه ~~إلى سيده، فإن # PageV10P459 # سيده أحق به بالثمن الذي ابتاعه به. وفيما إذا كان غنيمة، رواية أخرى، ~~أنه إذا قسم، فلا حق لسيده فيه بحال. فيخرج في المشتري مثل ذلك. # وعلى كل تقدير، فإن سيده إن أخذه، فهو مبقى على ما بقي من كتابته، وإن ~~تركه، فهو في يد مشتريه، مبقى على ما بقي من كتابته، فيعتق بالأداء في ~~الموضعين، وولاؤه لمن يؤدي إليه، كما لو اشتراه من سيده. وقال أبو حنيفة ~~والشافعي: لا يثبت عليه ملك الكفار، ويرد إلى سيده بكل حال. ووافق أبو ~~حنيفة الشافعي، في المكاتب والمدبر خاصة؛ لأنهما عنده لا يجوز بيعهما، ولا ~~نقل الملك فيهما، فأشبها أم الولد. وقد تقدم الكلام في الدلالة على أن ما ~~أدركه صاحبه مقسوما، لا يستحق صاحبه أخذه بغير شيء، وكذلك ما اشتراه مسلم ~~من دار الحرب، وفي أن المكاتب والمدبر يجوز بيعهما، بما يغني عن إعادته ~~هاهنا. (8844) # فصل: وهل يحتسب عليه بالمدة التي كان فيها مع الكفار؟ على وجهين؛ أحدهما، ~~لا يحتسب عليه ms6014 بها؛ لأن الكتابة اقتضت تمكينه من التصرف والكسب في هذه ~~المدة، فإذا لم يحصل له ذلك، لم يحتسب عليه، كما لو حبسه سيده. فعلى هذا، ~~ينبني على ما مضى من المدة قبل الأسر، وتبقى مدة الأسر، كأنها لم توجد. ~~والثاني، يحتسب عليه بها؛ لأنها من مدة الكتابة؛ مضت بغير تفريط من سيده، ~~فاحتسب عليه بها، كما لو مرض، ولأنه مدين مضت مدة من أجل دينه في حبسه، ~~فاحتسب عليه بها، كسائر الغرماء، وفارق ما إذا حبسه سيده، بما سنذكره إن ~~شاء الله تعالى. فعلى هذا، إذا حل عليه نجم عند استنقاذه، جازت مطالبته. # وإن حل ما يجوز تعجيزه بترك أدائه، فلسيده تعجيزه، ورده إلى الرق. وهل ~~ذلك بنفسه أو حكم الحاكم؟ فيه وجهان؛ أحدهما، له ذلك؛ لأنه تعذر عليه ~~الوصول إلى المال في وقته، فأشبه ما لو كان حاضرا، يحققه أنه لو كان حاضرا، ~~والمال غائبا، يتعذر إحضاره وأداؤه في مدة قريبة، لكان لسيده الفسخ، والمال ~~هاهنا إما معدوم، وإما غائب يتعذر أداؤه، وفي كلتا الحالتين يجوز الفسخ. ~~والثاني، ليس له ذلك إلا بحكم الحاكم؛ لأنه مع الغيبة يحتاج إلى أن يبحث، ~~أله مال أم لا؟ وليس كذلك إذا كان حاضرا؛ فإنه يطالبه، فإن أدى، وإلا فقد ~~عجز نفسه. فإن فسخ الكتابة بنفسه، أو بحكم الحاكم، ثم خلص المكاتب، فادعى ~~أن له مالا في وقت الفسخ، يفي بما عليه، وأقام بذلك بينة، بطل الفسخ. ~~ويحتمل أن لا يبطل حتى يثبت أنه كان يمكنه أداؤه؛ لأنه إذا كان متعذر ~~الأداء، كان وجوده كعدمه. ### | [فصل حبس المكاتب] # (8845) فصل: وإن حبسه سيده مدة، فقد أساء، ولا يحتسب عليه بمدته، في أحد ~~الوجوه. # PageV10P460 # والثاني، يحتسب عليه بمدته؛ لأن مال الكتابة دين مؤجل، فيحتسب بمدة الحبس ~~من الأجل، كسائر الديون المؤجلة. فعلى هذا الوجه، يلزمه أجر مثله في المدة ~~التي حبسه فيها. والأول أصح؛ لأن على سيده تمكينه من التصرف مدة كتابته، ~~فإذا حبسه مدة، وجب عليه تأخيره مثل تلك المدة؛ ليستوفي الواجب له، ولأن ms6015 ~~حبسه يفضي إلى إبطال الكتابة، وتفويت مقصودها، ورده إلى الرق، ولأن عجزه عن ~~أداء نجومه في محلها بسبب من سيده، فلم يستحق به فسخ العقد، كما لو منع ~~البائع المشتري من أداء الثمن، لم يستحق فسخ البيع، ولو منعت المرأة زوجها ~~من الإنفاق عليها، لم يستحق فسخ العقد؛ كذا، هاهنا. # الوجه الثالث، أنه يلزم سيده أرفق الأمرين به؛ من تخليته مثل تلك المدة، ~~أو أجر مثلها؛ لأنه قد وجد سببهما، فكان للمكاتب أنفعهما. ### | [فصل أوصى بأن يكاتب عبده] # (8846) فصل: وإذا أوصى بأن يكاتب عبده، صحت الوصية؛ لأن الكتابة يتعلق ~~بها حق الله تعالى وحق الآدمي، فإذا أوصى به، صح، وتعتبر قيمته من ثلثه؛ ~~لأنه تبرع من جهته فإنه بيع ماله بماله. فإن خرج من الثلث؛ لزمهم كتابته، ~~ولا يعتبر مال الكتابة من ماله. ذكره القاضي؛ لأنه نماء ماله وفائدته، ولأن ~~الاعتبار بحالة الموت، وهو لا يملك مال الكتابة، ثم ينظر؛ فإن عين مال ~~الكتابة، كاتبوه عليه، سواء كان أقل من قيمته، أو مثلها أو أكثر. وإن لم ~~يعينه، كاتبوه على ما جرى العرف بكتابة مثله به. والعرف أن يكاتب العبد ~~بأكثر من قيمته؛ لكون دينها مؤجلا. ويجب رد ريعه إليه. # ويعتبر في ذلك رضا العبد؛ لأن الكتابة لا تلزمه، ولا يجوز إجباره عليها ~~بخلاف ما لو وصى بعتقه، فإنه يعتق، ولا يقف على اختياره ولا رضاه. فإن رد ~~الوصية، بطلت. فإن عاد فطلبها، لم تلزمه إجابته إليها؛ لأن وصيته بطلت ~~بالرد، فأشبه الوصية بالمال. وإن لم يكن ردها، وجبت إجابته إليها. وإذا أدى ~~عتق، وكان ولاؤه للموصي بكتابته، كما لو وصى بعتقه، وإن عجز، فللوارث رده ~~في الرق، وإن لم يخرج من الثلث، فإنه يكاتب منه ما خرج من الثلث. وإن كان ~~قد وصى بوصايا غير الكتابة، لا تخرج من الثلث، تحاصوا في الثلث، وأدخل ~~النقص على كل واحد منهم بقدر ما له في الوصية. ويتخرج أن تقدم الكتابة؛ ~~بناء على الرواية التي تقدم العتق؛ لأن الكتابة مقصودها العتق، وتفضي ms6016 إليه. # ويحتمل أن لا تقدم بحال؛ لأن العتق تغليب وسراية، ليس هو للكتابة، ~~وإفضاؤها إلى العتق لا يوجب تقديمها، كما لو وصى لرجل بابنه، فإنه لا يقدم، ~~مع أن القصد بوصيته العتق، ويفضي إليه. # PageV10P461 ### | [فصل قال كاتبوا أحد رقيقي] # (8847) فصل: فإن قال: كاتبوا أحد رقيقي. فللورثة مكاتبة من شاءوا منهم. ~~في أحد الوجهين، وفي الآخر، يكاتبون واحدا منهم بالقرعة. وإن قال: أحد ~~عبيدي. فكذلك، إلا أنه ليس لهم مكاتبة أمة، ولا خنثى مشكل، لأنه لا يعلم ~~كون الخنثى عبدا. أو أمة. وإن قال: أحد إمائي. فليس لهم مكاتبة عبد، ولا ~~خنثى مشكل كذلك. وإن كان الخنثى غير مشكل، وكان رجلا، فلهم مكاتبته إذا قال ~~كاتبوا أحد عبيدي. وإن كان أنثى، فلهم مكاتبته إذا قال: كاتبوا أحد إمائي. ~~لأن هذا عيب فيه، والعيب لا يمنع الكتابة. والله أعلم. ### | [فصل الكتابة الفاسدة] # فصل: والكتابة الفاسدة، أن يكاتبه على عوض مجهول، أو عوض حال، أو محرم، ~~كالخمر والخنزير. فأما إن شرط في الكتابة شرطا فاسدا، فالمنصوص أنه لا ~~يفسدها لكن يلغو الشرط، وتبقى الكتابة صحيحة. ويتخرج أن يفسدها؛ بناء على ~~الشروط الفاسدة في البيع. وهذا مذهب الشافعي وقد روي عن أبي عبد الله، رحمه ~~الله، ما يدل على أن الكتابة على العوض المحرم باطلة، لا يعتق بالأداء ~~فيها. وهو اختيار أبي بكر؛ فإنه قد روى عن أحمد - رضي الله عنه - أنه قال: ~~إذا كاتبه كتابة فاسدة، فأدى ما كوتب عليه، عتق، ما لم تكن الكتابة محرمة. ~~فحكم بالعتق بالأداء إلا في المحرمة. واختار القاضي أنه يعتق بالأداء، ~~كسائر الكتابات الفاسدة. # ويمكن حمل كلام القاضي على ما إذا جعل السيد الأداء شرطا للعتق، فقال: ~~إذا أديت إلي، فأنت حر. فأدى إليه، فإنه يعتق بالصفة المجردة، لا بالكتابة، ~~ويثبت في هذه الكتابة حكم الصفة في العتق بوجودها، لا بحكم الكتابة. وأما ~~غيرها من الكتابة الفاسدة، فإنها تساوي الصحيحة في أربعة أحكام؛ أحدها، أنه ~~يعتق بأداء ما كوتب عليه، سواء صرح بالصفة، فقال: إن أديت إلي، ms6017 فأنت حر. أو ~~لم يقل؛ لأن معنى الكتابة يقتضي هذا، فيصير كالمصرح به، فيعتق بوجوده، ~~كالكتابة الصحيحة. الثاني، أنه إذا عتق بالأداء، لم تلزمه قيمة نفسه، ولم ~~يرجع على سيده بما أعطاه. ذكره أبو بكر. وهو ظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه ~~-. # وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يتراجعان، فيجب على العبد قيمته، وعلى ~~السيد ما أخذه، فيتقاصان بقدر أقلهما، إن كانا من جنس واحد، ويأخذ ذو الفضل ~~فضله؛ لأنه عقد معاوضة فاسدة، فوجب التراجع فيه، كالبيع الفاسد. ولنا، أنه ~~عقد كتابة لمعاوضة حصل العتق فيها بالأداء، فلم يجب التراجع فيها، كما لو ~~كان العقد صحيحا، ولأن ما أخذه السيد فهو من كسب عبده، الذي لم يملك كسبه، ~~فلم يجب عليه رده، والعبد عتق بالصفة، فلم تجب عليه قيمته، كما لو قال: إن ~~دخلت الدار، فأنت حر. # PageV10P462 # وأما البيع الفاسد، فإنه إن كان بين هذا وبين سيده، فلا رجوع على السيد ~~بما أخذه، وإن كان بينه وبين غيره، فإنه أخذ ما لا يستحقه، ودفع إلى الآخر ~~ما لا يستحقه، بعقد المقصود منه المعاوضة، وفي مسألتنا بخلافه. الثالث، أن ~~المكاتب يملك التصرف في كسبه؛ لأن عقد الكتابة تضمن الإذن في ذلك، وله أخذ ~~الصدقات والزكوات؛ لأنه مكاتب يعتق بالأداء، فملك ذلك كما في الكتابة ~~الصحيحة. الرابع، أنه إذا كاتب جماعة كتابة فاسدة، فأدى أحدهم، حصته عتق. ~~على قول من قال: إنه يعتق في الكتابة الصحيحة بأداء حصته. لأن معنى العقد ~~أن كل واحد منهم مكاتب بقدر حصته، متى أدى إلى كل واحد منهم قدر حصته، فهو ~~حر. # ومن قال: لا يعتق في الصحيحة إلا أن يؤدي الجميع. فهاهنا أولى. وتفارق ~~الصحيحة في ثلاثة أحكام؛ أحدها، أن لكل واحد من السيد والمكاتب فسخها ~~ورفعها، سواء كان ثم صفة أو لم تكن. وهذا قول أصحاب الشافعي - رضي الله عنه ~~-؛ لأن الفاسد لا يلزم حكمه، والصفة هاهنا مبنية على المعاوضة، وتابعة لها؛ ~~لأن المعاوضة هي المقصودة، فلما أبطل المعاوضة التي هي الأصل، بطلت الصفة ~~المبنية ms6018 عليها، بخلاف الصفة المجردة، ولأن السيد لم يرض بهذه الصفة إلا بأن ~~يسلم له العوض المسمى، فإذا لم يسلم، كان له إبطالها، بخلاف الكتابة ~~الصحيحة؛ فإن العوض سلم له، فكان العقد لازما له. الثاني، أن السيد إذا ~~أبرأه من المال، لم تصح البراءة، ولا يعتق بذلك؛ لأن المال غير ثابت في ~~العقد، بخلاف الكتابة الصحيحة، وجرى هذا مجرى الصفة المجردة، في قوله: إذا ~~أديت إلي ألفا. فأنت حر. # الثالث، أنه لا يلزم السيد أن يؤدي إليه شيئا من الكتابة؛ لأن العتق ~~هاهنا بالصفة المجردة، فأشبه ما لو قال: إذا أديت إلي ألفا، فأنت حر. ~~واختلف في أحكام أربعة؛ أحدها، في بطلان الكتابة بموت السيد. فذهب القاضي ~~وأصحابه إلى بطلانها. وهو قول الشافعي - رضي الله عنه -؛ لأنه عقد جائز من ~~الطرفين، لا يئول إلى اللزوم، فيبطل بالموت، كالوكالة، ولأن المغلب فيها ~~حكم الصفة المجردة، والصفة تبطل بالموت، فكذلك هذه الكتابة. وقال أبو بكر: ~~لا تبطل بالموت، ويعتق بالأداء إلى الوارث. وهو قول أبي حنيفة - رضي الله ~~عنه -؛ لأنه مكاتب يعتق بالأداء إلى السيد، فيعتق بالأداء إلى الوارث، كما ~~في الكتابة الصحيحة، ولأن الفاسدة كالصحيحة في باب العتق بالأداء، وفي أن ~~الولد يتبعه، فكذلك في هذا. والثاني، في بطلانها بجنون السيد، والحجر عليه ~~لسفه، والخلاف فيه كالخلاف في بطلانها بموته. والأولى أنها لا تبطل هاهنا؛ ~~لأن الصفة المجردة لا تبطل بذلك، والمغلب في هذه الكتابة، حكم الصفة ~~المجردة، فلا # PageV10P463 # تبطل به. فعلى هذا، لو أدى إلى سيده بعد ذلك، عتق. وعلى قول من أبطلها، ~~لا يعتق. # الثالث، أن ما في يد المكاتب وما يكسبه، وما يفضل في يده بعد الأداء، له ~~دون سيده. في قول القاضي، ومذهب الشافعي - رضي الله عنه - لأنها كتابة يعتق ~~بالأداء فيها، فكان هذا الحكم ثابتا فيها، كالصحيحة. وقال أبو الخطاب: ذلك ~~لسيده في الموضعين؛ لأن كسب العبد لسيده، بحكم الأصل، والعقد هاهنا فاسد، ~~لم يثبت الحكم في وجوب العوض في ذمته، فلم ينقل الملك في المعوض كسائر، ms6019 ~~العقود الفاسدة، ولأن المغلب فيها حكم الصفة المجردة، وهي لا تثبت الملك له ~~في كسبه، فكذا هاهنا، وفارقت الكتابة الصحيحة، فإنها تثبت الملك في العوض، ~~فأثبتته في المعوض. الرابع، هل يتبع المكاتبة ولدها؟ قال أبو الخطاب: فيه ~~وجهان؛ أحدهما، يتبعها؛ لأنها كتابة يعتق فيها بالأداء، فيعتق به ولدها، ~~كالكتابة الصحيحة، والثاني، لا يتبعها. وهو أقيس، وأصح؛ لما ذكرنا في الذي ~~قبله، ولأن الأصل بقاء الرق فيه، فلا يزول إلا بنص، أو معنى نص، وما وجد ~~واحد منهما، ولا يصح القياس على الكتابة الصحيحة؛ لما ذكرنا من الفرق ~~بينهما فيما تقدم، فيبقى على الأصل. والله أعلم. # PageV10P464 ### | [كتاب عتق أمهات الأولاد] # أم الولد: هي التي ولدت من سيدها في ملكه. ولا خلاف في إباحة التسري ووطء ~~الإماء؛ لقول الله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] . وقد ~~كانت مارية القبطية أم ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي أم إبراهيم بن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، التي قال فيها: (أعتقها ولدها) . وكانت هاجر ~~أم إسماعيل - عليه السلام -، سرية إبراهيم خليل الرحمن - عليه السلام -، ~~وكان لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمهات أولاد أوصى لكل واحدة منهن ~~بأربعمائة، وكان لعلي - رضي الله عنه - أمهات أولاد. ولكثير من الصحابة. # وكان علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، من أمهات ~~أولاد. وروي أن الناس لم يكونوا يرغبون في أمهات الأولاد، حتى ولد هؤلاء ~~الثلاثة من أمهات الأولاد، فرغب الناس فيهن. وروي عن سالم بن عبد الله، ~~قال: «كان لابن رواحة جارية، وكان يريد الخلوة بها، وكانت امرأته ترصده، ~~فخلا البيت، فوقع عليها، فندرت به امرأته، وقالت: أفعلتها؟ قال: ما فعلت. ~~قالت: فقر إذا. فقال: # شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا # وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا # فقالت: أما إذ أقررت فاذهب إذا. فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأخبره، قال: ms6020 فلقد. رأيته يضحك حتى # PageV10P465 # تبدو نواجذه، ويقول: هيه، كيف قلت؟ . فأكرره عليه، فيضحك» . ### | [فصل وطئ الرجل أمته فأتت بولد بعد وطئه بستة أشهر فصاعدا] # (8849) فصل: فإذا وطئ الرجل أمته، فأتت بولد بعد وطئه بستة أشهر فصاعدا، ~~لحقه نسبه، وصارت له بذلك أم ولد. وإن أتت بولد تام لأقل من ستة أشهر، لم ~~يلحقه نسبه؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، بدليل ما روى الحسن، أن امرأة ~~ولدت لستة أشهر، فأتي بها إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فهم برجمها، ~~فقال له علي - رضي الله عنه -: ليس لك ذلك، إن الله يقول: {وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] . فقد يكون في البطن ستة أشهر، والرضاع أربعة ~~وعشرون شهرا، فذلك تمام ما قال الله تعالى: {ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] . ~~فخلى عنها عمر. وروي عن ابن عباس، أنه قال ذلك لعثمان. # ومن اعترف بوطء أمته، فأتت بولد يمكن أن يكون منه، لحقه نسبه، ولم يكن له ~~نفيه؛ لما روي عن عمر، - رضي الله عنه - أنه قال: حصنوا هذه الولائد، فلا ~~يطأ رجل وليدته، ثم ينكر ولدها، إلا ألزمته إياه. رواه سعيد. وعن ابن عمر، ~~قال: قال عمر: أيما رجل غشي أمته، ثم ضيعها، فالضيعة عليه، والولد ولده. ~~رواه سعيد أيضا. ولأن أمته صارت فراشا بالوطء، فلحقه ولدها، كالمرأة، ~~ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الولد للفراش» . فإن نفاه سيدها، لم ينتف ~~عنه، إلا أن يدعي أنه استبرأها، وأتت بالولد بعد استبرائها بستة أشهر، ~~فينتفي عنه بذلك. وهل يحلف على ذلك؟ على وجهين. # وقد روي عن الحسن، قال: إذا أنكر الرجل ولده من أمته، فله ذلك. وعن ~~الشعبي، أنه كان يقول: ينتفي من ولده، إذا كان من أمته، ومتى شاء. ولنا، ~~قول عمر، وأنه ولد على فراشه، فلم يكن له نفيه، كولده من زوجته. فإن أقر ~~به، لم يكن له نفيه بعد ذلك. لا نعلم فيه خلافا. قال إبراهيم: إذا أقر ~~بولده، فليس له أن ينتفي منه، فإن انتفى منه، ضرب الحد، وألحق به الولد. ~~وقال ms6021 شريح لرجل أقر بولده: لا سبيل لك أن تنتفي منه، وكذلك إن هنئ به. ~~فسكت، أو أمن على الدعاء؛ لأنه دليل على الرضا، به فقام مقام الإقرار به. ~~وإن كان يطأ جاريته، وادعى أنه كان يعزل عنها، لم ينتف الولد بذلك؛ لما روى ~~أبو سعيد، أنه «قال: يا رسول # PageV10P466 # الله، إنا نصيب النساء، ونحب الأثمان، أفنعزل عنهن؟ قال: إن الله إذا قضى ~~خلق نسمة، خلقها» . # وعن جابر، قال: «جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: إن لي جارية، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل. فقال: اعزل عنها ~~إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها قال: فلبث الرجل، ثم أتاه، فقال: إن ~~الجارية قد حملت. قال قد أخبرتك، أنه سيأتيها ما قدر لها» . رواه أبو داود. ~~وعن أبي سعيد، أنه قال: كنت أعزل عن جاريتي، فولدت أحب الخلق إلي. يعني ~~ابنه. وعن ابن عمر، أن عمر قال: ما بال رجال يطئون ولائدهم، ثم يعزلونهن، ~~لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه أتاها، إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد ~~ذلك أو اتركوا. ولأنها بالوطء صارت فراشا، وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الولد للفراش» . # ولما «تنازع عبد بن زمعة وسعد، في ابن وليدة زمعة، فقال عبد: هو أخي، ~~وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هو لك ~~يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر.» متفق عليه. # PageV10P467 # ولأنه قد يسبق من الماء ما لا يحس به، فيخلق منه الولد. وقد روي عن ابن ~~عمر وزيد بن ثابت ما يدل على أن الولد لا يلحق به مع العزل، فروى سعيد، ~~حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن فتى من أهل المدينة، أن عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - كان يعزل عن جارية له، فجاءت بحمل فشق عليه، وقال: اللهم لا ~~تلحق بآل عمر من ليس منهم، فإن آل عمر ليس بهم خفاء. فولدت ولدا أسود، ~~فقال: ممن هو؟ فقالت: من راعي الإبل. ms6022 فحمد الله، وأثنى عليه. # وقال: حدثنا سفيان، عن حماد عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد أن زيد بن ~~ثابت، كانت له جارية فارسية، وكان يعزل عنها، فجاءت بولد، فأعتق الولد، ~~وجلدها الحد، وقال: إنما كنت استطبت نفسك، ولا أريدك. وفي رواية، قال: ممن ~~حملت؟ قالت منك. فقال: كذبت، وما وصل إليك مني ما يكون منه الحمل، وما ~~أطأك، إلا أني استطبت نفسك. وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا تصير فراشا، ولا ~~يلحقه ولدها، إلا أن يقر بولدها، فيلحقه أولادها بعد ذلك. ولنا، ما ذكرناه، ~~وقول عمر الموافق للسنة أولى من قوله فيما خالفها. ### | [فصل اعترف بوطء أمته في الدبر أو دون الفرج فهل يلحقه ولدها] # (8850) فصل: وإن اعترف بوطء أمته في الدبر، أو دون الفرج فقد روي عن أحمد ~~- رضي الله عنه - أنه يلحقه ولدها، وتصير فراشا بهذا. وهو أحد الوجهين ~~لأصحاب الشافعي - رضي الله عنه -. ولأنه قد يجامع، فيسبق الماء إلى الفرج. ~~والصحيح في هذا، إن شاء الله تعالى، أنها لا تصير بهذا فراشا، لأنه ليس ~~بمنصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص، ولا يثبت الحكم إلا بدليل، ولا ينتقل ~~عن الأصل إلا بناقل عنه. إذا ثبت هذا، فكل موضع لحقه الولد من أمته، إذا ~~حملت به في ملكه، فالولد حر الأصل، لا ولاء عليه، وتصير به الأمة أم ولد. ### | [مسألة أحكام أمهات الأولاد] # (8851) مسألة: قال: (وأحكام أمهات الأولاد، أحكام الإماء، في جميع ~~أمورهن، إلا أنهن لا يبعن) وجملة ذلك أن الأمة إذا حملت من سيدها، وولدت ~~منه، ثبت لها حكم الاستيلاد، وحكمها حكم الإماء؛ في حل وطئها لسيدها، ~~واستخدامها، وملك كسبها، وتزويجها، وإجارتها، وعتقها، وتكليفها، وحدها، ~~وعورتها. وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكي عن مالك، أنه لا يملك إجارتها ~~وتزويجها؛ لأنه لا يملك بيعها، فلا يملك تزويجها وإجارتها، كالحرة. # ولنا، أنها مملوكة ينتفع بها، فيملك سيدها تزويجها، وإجارتها، كالمدبرة، ~~لأنها مملوكة تعتق بموت سيدها، فأشبهت المدبرة، وإنما منع بيعها؛ لأنها ~~استحقت أن تعتق بموته، وبيعها يمنع ذلك، بخلاف ms6023 التزويج والإجارة. ويبطل ~~دليلهم بالموقوفة والمدبرة عند من منع بيعها. إذا ثبت هذا، فإنها تخالف ~~الأمة القن، في أنها # PageV10P468 # تعتق بموت سيدها من رأس المال، ولا يجوز بيعها، ولا التصرف فيها بما ينقل ~~الملك، من الهبة والوقف، ولا ما يراد للبيع، وهو الرهن، ولا تورث؛ لأنها ~~تعتق بموت السيد، ويزول الملك عنها. روي هذا عن عمر، وعثمان، وعائشة، وعامة ~~الفقهاء. # وروي عن علي، وابن عباس، وابن الزبير، إباحة بيعهن. وإليه ذهب داود. قال ~~سعيد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء عن ابن عباس، في أم الولد قال: بعها ~~كما تبيع شاتك، أو بعيرك. قال: وحدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن الشعبي، عن ~~عبيدة، قال خطب علي الناس، فقال: شاورني عمر في أمهات الأولاد، فرأيت أنا ~~وعمر أن أعتقهن، فقضى به عمر حياته، وعثمان حياته، فلما وليت، رأيت أن ~~أرقهن. قال عبيدة: فرأي عمر وعلي في الجماعة، أحب إلينا من رأي علي وحده. ~~وقد روى صالح بن أحمد، قال: قلت لأبي: إلى أي شيء تذهب في بيع أمهات ~~الأولاد؟ قال: أكرهه، وقد باع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. وقال، في ~~رواية إسحاق بن منصور: لا يعجبني بيعهن. # قال أبو الخطاب: فظاهر هذا أنه يصح بيعهن مع الكراهة. فجعل هذا رواية ~~ثانية عن أحمد - رضي الله عنه -. والصحيح أن هذا ليس برواية مخالفة لقوله: ~~إنهن لا يبعن. لأن السلف، رحمة الله عليهم، كانوا يطلقون الكراهة على ~~التحريم كثيرا، ومتى كان التحريم والمنع مصرحا به في سائر الروايات عنه، ~~وجب حمل هذا اللفظ المحتمل، على المصرح به، ولا يجعل ذلك اختلافا. ولمن ~~أجاز بيعهن أن يحتج بما روى جابر، قال: «بعنا أمهات الأولاد، على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» ، وأبي بكر، فلما كان عمر - رضي الله عنه - ~~نهانا، فانتهينا. رواه أبو داود. وما كان جائزا في عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبي بكر، لم يجز نسخه بقول عمر ولا غيره، ولأن نسخ ~~الأحكام إنما يجوز في عصر ms6024 رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن النص إنما ~~ينسخ بنص مثله. # وأما قول الصحابي، فلا ينسخ، ولا ينسخ به؛ فإن أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كانوا يتركون أقوالهم لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا يتركونها بأقوالهم، وإنما تحمل مخالفة عمر لهذا النص، على أنه لم ~~يبلغه، ولو بلغه لم يعده إلى غيره، ولأنها مملوكة، ولم يعتقها سيدها، ولا ~~شيئا منها، ولا قرابة بينه وبينها، فلم تعتق، كما لو ولدت من أبيه في نكاح ~~أو غيره، ولأن الأصل الرق، ولم يرد بزواله نص ولا إجماع، ولا ما في معنى ~~ذلك، فوجب البقاء عليه، ولأن ولادتها لو كانت موجبة لعتقها، لثبت العتق بها ~~حين وجودها، كسائر أسبابه. وروي عن ابن عباس، رواية أخرى، أنها تجعل في سهم ~~ولدها؛ لتعتق عليه. # وقال سعيد: حدثنا سفيان، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: مات رجل منا، ~~وترك أم ولد، فأراد الوليد بن عقبة أن يبيعها في دينه، فأتينا عبد الله بن ~~مسعود، فذكرنا ذلك له، فقال: إن كان ولا بد، فاجعلوها في نصيب أولادها. # PageV10P469 # ولنا، ما روى عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أيما أمة ولدت من سيدها، فهي حرة عن دبر منه» . وقال ابن عباس: ~~ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أعتقها ~~ولدها» . رواهما ابن ماجه. وذكر الشريف أبو جعفر، في (مسائله) ، عن ابن ~~عمر، «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، ولا ~~يبعن ولا يرهن، ولا يرثن، ويستمتع بها سيدها ما بدا له، فإن مات، فهي حرة.» ~~وهذا فيما أظن عن عمر، ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنه ~~إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، بدليل قول علي كرم الله وجهه: كان رأيي ~~ورأي عمر، أن لا تباع أمهات الأولاد. وقوله: فقضى به عمر حياته وعثمان ~~حياته. وقول عبيدة: رأي علي كرم الله وجهه وعمر في الجماعة، أحب إلينا من ~~رأيه ms6025 وحده. # وروى عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عمر - رضي الله عنه -: ما من رجل كان ~~يقر بأنه يطأ جاريته، ثم يموت، إلا أعتقها ولدها إذا ولدت، وإن كان سقطا. ~~فإن قيل: فكيف تصح دعوى الإجماع، مع مخالفة علي وابن عباس وابن الزبير - ~~رضي الله عنهم -؟ قلنا: قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة، فقد روى عبيدة، ~~قال: بعث إلي علي كرم الله وجهه وإلى شريح، أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني ~~أبغض الاختلاف. وابن عباس قال: ولد أم الولد بمنزلتها. وهو الراوي لحديث ~~عتقهن، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عمر، فيدل على موافقته لهم. ثم ~~قد ثبت الإجماع باتفاقهم قبل المخالفة، واتفاقهم معصوم عن الخطأ، فإن الأمة ~~لا تجتمع على ضلالة، ولا يجوز أن يخلو زمن عن قائم لله بحجته، ولو جاز ذلك ~~في بعض العصر، لجاز في جميعه، ورأي الموافق في زمن الاتفاق، خير من رأيه في ~~الخلاف بعده، فيكون الاتفاق حجة على المخالف له منهم، كما هو حجة على غيره. # PageV10P470 # فإن قيل: لو كان الاتفاق في بعض العصر إجماعا، حرمت مخالفته، فكيف خالفه ~~هؤلاء الأئمة، الذين لا تجوز نسبتهم إلى ارتكاب الحرام؟ قلنا: الإجماع ~~ينقسم إلى مقطوع به ومظنون، وهذا من المظنون، فيمكن وقوع المخالفة منهم له، ~~مع كونه حجة، كما وقع منهم مخالفة النصوص الظنية، ولا تخرج بمخالفتهم عن ~~كونها حجة، كذا هاهنا. فأما قول جابر: «بعنا أمهات الأولاد في عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» وأبي بكر فليس فيه تصريح بأنه كان بعلم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولا علم أبي بكر فيكون ذلك واقعا من فعلهم على ~~انفرادهم، فلا يكون فيه حجة، ويتعين حمل الأمر على هذا؛ لأنه لو كان هذا ~~واقعا بعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وأقرا عليه، لم تجز ~~مخالفته، ولم يجمع الصحابة بعدهما على مخالفتهما، ولو فعلوا ذلك، لم يخل من ~~منكر ينكر عليهم، ويقول: كيف يخالفون فعل رسول الله، وفعل صاحبه؟ وكيف ~~يتركون ms6026 سنتهما، ويحرمون ما أحلا؟ من هذا ولأنه لو كان ذلك واقعا بعلمهما، ~~لاحتج به علي حين رأى بيعهن، واحتج به كل من وافقه على بيعهن، ولم يجر شيء ~~من هذا، فوجب أن يحمل الأمر على ما حملناه عليه، فلا يكون فيه إذا حجة، ~~ويحتمل أنهم باعوا أمهات الأولاد في النكاح، لا في الملك. ### | [فصل بيع أم الولد] # (8852) فصل: ومن أجاز بيع أم الولد، فعلى قوله، إن لم يبعها حتى مات، ولم ~~يكن له وارث إلا ولدها، عتقت عليه، وإن كان لها وارث سوى ولدها، حسبت من ~~نصيب ولدها، فعتقت، وكان له ما بقي من ميراثه. وإن لم يبق شيء فلا شيء له. ~~وإن كانت أكثر من نصيبه، عتق منها قدر نصيبه، وباقيها رقيق لسائر الورثة، ~~إلا على قول من قال: إنه إذا ورث سهما ممن يعتق عليه، سرى العتق إلى باقيه. ~~وإن لم يكن لها ولد من سيدها، ورثها وورثته، كسائر رقيقه. ### | [مسألة أصاب الأمة وهي ملك غيره بنكاح فحملت منه ثم ملكها حاملا] # (8853) مسألة: قال: (وإذا أصاب الأمة، وهي ملك غيره، بنكاح فحملت منه، ثم ~~ملكها حاملا، عتق الجنين، وكان له بيعها) . وجملته أنه إذا تزوج أمة غيره، ~~فأولدها، أو أحبلها، ثم ملكها بشراء، أو غيره، لم تصر أم ولد له بذلك، سواء ~~ملكها حاملا فولدت في ملكه، أو ملكها بعد ولادتها. وبهذا قال الشافعي - رضي ~~الله عنه - لأنها علقت منه بمملوك، فلم يثبت لها حكم الاستيلاد، كما لو زنى ~~بها، ثم اشتراها، ولأن الأصل الرق، وإنما خولف هذا الأصل فيما إذا حملت منه ~~في ملكه، بقول الصحابة - رضي الله عنهم -، ففيما عداه يبقى على الأصل. # PageV10P471 # ونقل القاضي ابن أبي موسى، عن أحمد، - رضي الله عنه - أنها تصير أم ولد ~~في الحالين. وهو قول الحسن وأبي حنيفة؛ لأنها أم ولده، وهو مالك لها، فثبت ~~لها حكم الاستيلاد، كما لو حملت في ملكه. ولم أجد هذه الرواية عن أحمد، ~~فيما إذا ملكها بعد ولادتها، إنما نقل عنه التوقف عنها، في ms6027 رواية مهنا، ~~فقال: لا أقول فيها شيئا. وصرح في رواية جماعة سواه، بجواز بيعها، فقال: لا ~~أرى بأسا أن يبيعها، إنما الحسن وحده قال: إنها أم ولد. وقال: أكثر ما ~~سمعنا فيه من التابعين يقولون: لا تكون أم ولد حتى تلد عنده وهو يملكها. ~~فإن عبيدة السلماني يقول: نبيعها. وشريحا، وإبراهيم، وعامرا الشعبي. # وأما إذا ملكها حاملا، فظاهر كلام أحمد، - رضي الله عنه - أنها تصير أم ~~ولد. وهو مذهب مالك - رضي الله عنه -؛ لأنها ولدت منه في ملكه، فأشبه ما لو ~~أحبلها في ملكه، وقد صرح أحمد - رضي الله عنه - في رواية إسحاق بن منصور، ~~أنها لا تكون أم ولد، حتى تحدث عنده حملا. وروى عنه ابنه صالح، قال: سألت ~~أبي عن الرجل ينكح الأمة، فتلد منه، ثم يبتاعها. قال: لا تكون أم ولد له. ~~قلت: فإن استبرأها، وهي حامل منه. قال: إذا كان الوطء يزيد في الولد، وكان ~~يطؤها بعد ما اشتراها، وهي حامل منه، كانت أم ولد له. قال ابن حامد: إن ~~وطئها في ابتداء حملها، أو توسطه، كانت بذلك أم ولد له؛ لأن الماء يزيد في ~~سمع الولد وبصره. وقال القاضي: إن ملكها حاملا، فلم يطأها حتى وضعت، لم تصر ~~أم ولد له، وإن وطئها حال حملها، نظرنا؛ فإن كان بعد أن كمل الولد، وصار له ~~خمسة أشهر، لم تصر به أم ولد. # وإن كان وطئها قبل ذلك، صارت له بذلك أم ولد؛ لأن عمر - رضي الله عنه - ~~قال: أبعد ما اختلطت دماؤكم ودماؤهن، ولحومكم ولحومهن، بعتموهن، فعلل ~~بالمخالطة، والمخالطة هاهنا حاصلة؛ لأن الماء يزيد في الولد، ولأن لحرية ~~البعض أثرا في تحرير الجميع، بدليل ما إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من ~~العبد. وقال أبو الخطاب: إن وطئها بعد الشراء، فهي أم ولد. وكلام الخرقي ~~يقتضي أنها لا تكون أم ولد، إلا أن تحبل منه في ملكه. وهو الذي نص عليه ~~أحمد - رضي الله عنه - في رواية إسحاق بن منصور، فقال: # PageV10P472 # لا تكون أم ولد حتى تحدث ms6028 عنده حملا؛ لأنها لم تعلق منه بحر، فلم يثبت لها ~~حكم الاستيلاد، كما لو زنى بها ثم اشتراها. يحقق هذا، أن حملها منه ما أفاد ~~الحرية لولده، فلأن لا يفيدها الحرية أولى. ويفارق هذا ما إذا حملت منه في ~~ملكه؛ فإن الولد حر، فيتحرر بتحريره. # وما ذكروه من زيادة الولد بالوطء، غير متيقن؛ فإن هذا الولد يحتمل أنه ~~زاد، ويحتمل أنه لم يزد، فلا يثبت الحكم بالشك، ولو ثبت أنه زاد، لم يثبت ~~الحكم بهذه الزيادة، بدليل ما لو ملكها وهي حامل من زنى منه، أو من غيره، ~~فوطئها، لم تصر أم ولد، وإن زاد الولد به، ولأن حكم الاستيلاد إنما يثبت ~~بالإجماع في حق من حملت منه في ملكه، وما عداه ليس في معناه، وليس فيه نص، ~~ولا إجماع، فوجب أن لا يثبت هذا الحكم، ولأن الأصل الرق، فيبقى على ما كان ~~عليه. ### | [فصل اشترى جارية حاملا من غيره فوطئها قبل وضعها] # (8854) فصل: قال أحمد - رضي الله عنه - في من اشترى جارية حاملا من غيره، ~~فوطئها قبل وضعها: فإن الولد لا يلحق بالمشتري ولا يبيعه، ولكن يعتقه؛ لأنه ~~قد شرك فيه؛ لأن الماء يزيد في الولد. وقد روي عن أبي الدرداء، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «أنه مر بامرأة مجح، على باب فسطاط، فقال: لعله يريد ~~أن يلم بها؟ . قالوا: نعم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد ~~هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه في قبره، كيف يرثونه وهو لا يحل له، أم كيف ~~يستخدمه وهو لا يحل له» ،. رواه أبو داود. يعني إن استلحقه وشركه في ~~ميراثه، لم يحل له؛ لأنه ليس بولده، فإن اتخذه مملوكا يستخدمه لم يحل له؛ ~~لأنه قد شرك فيه؛ لكون الماء يزيد في الولد. ### | [فصل وطئ الرجل جارية ولده] # (8855) فصل: وإذا وطئ الرجل جارية ولده، فإن كان قد قبضها وتملكها، ولم ~~يكن الولد وطئها، ولا تعلقت بها حاجته، فقد ملكها الأب بذلك، وصارت جاريته، ~~والحكم فيها كالحكم في جاريته التي ملكها ms6029 بالشراء. وإن وطئها قبل تملكها، ~~فقد فعل محرما؛ لأن الله تعالى قال: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: ~~5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] ~~{فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] . وهذه ليست زوجا ~~له، ولا ملك يمينه. # PageV10P473 # فإن قيل: فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» . ~~فأضاف مال الابن إلى أبيه، فاللام الملك والاستحقاق، فدل على أنه ملكه. ~~قلنا: لم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - حقيقة الملك، بدليل أنه أضاف ~~إليه الولد، وليس بمملوك، وأضاف إليه ماله في حالة إضافته إلى الولد، ولا ~~يكون الشيء مملوكا لمالكين حقيقة في حال واحدة، وقد يثبت الملك لولده ~~حقيقة، بدليل حل وطء إمائه والتصرف في ماله، وصحة بيعه وهبته وعتقه، ولأن ~~الولد لو مات لم يرث منه أبوه إلا ما قدر له، ولو كان ماله، لاختص به، ولو ~~مات الأب، لم يرث ورثته مال ابنه، ولا يجب على الأب حج ولا زكاة ولا جهاد ~~بيسار ابنه، فعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد التجوز، ~~بتشبيهه بماله في بعض الأحكام. # إذا ثبت هذا، فإنه لا حد على الأب؛ للشبهة؛ لأنه إذا لم يثبت حقيقة ~~الملك؛ فلا أقل من أن يكون شبهة تدرأ الحد، فإن الحدود تدرأ بالشبهات، ولكن ~~يعزر؛ لأنه وطئ جارية لا يملكها، وطئا محرما، فكان عليه التعزير، كوطء ~~الجارية المشتركة. وفيه وجه آخر، لا يعزر عليه؛ لأن مال ولده كماله. ولا ~~يصح لأن ماله مباح له، غير ملوم عليه، وهذا الوطء هو عاد فيه، ملوم عليه. ~~وإن علقت منه، فالولد حر؛ لأنه من وطء درئ فيه الحد لشبهة الملك، فكان حرا، ~~كولد الجارية المشتركة، ولا تلزمه قيمته؛ لأن الجارية تصير ملكا له بالوطء، ~~فيحصل علوقها بالولد وهي ملك له، وتصير أم ولد له، تعتق بموته، وتنتقل إلى ~~ملكه، فيحل له وطؤها بعد ذلك. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، في أحد قوليه، ~~وقال في الآخر: لا تصير أم ولد له، ولا ms6030 يملكها؛ لأنه استولدها في غير ملكه، ~~فأشبه الأجنبي، ولأن ثبوت أحكام الاستيلاد، إنما كان بالإجماع فيما إذا ~~استولد مملوكته، وهذه ليست مملوكة له، ولا في معنى مملوكته، فإنها محرمة ~~عليه، فوجب أن لا يثبت لها هذا الحكم، ولأن الأصل الرق، فيبقى على الأصل، ~~ولأن الوطء المحرم لا ينبغي أن يكون سببا للملك، الذي هو نعمة وكرامة، لأنه ~~يفضي إلى تعاطي المحرمات. # ولنا أنها علقت منه بحر، لأجل الملك، فصارت أم ولد له، كالجارية ~~المشتركة، وفارق وطء الأجنبي في هذا. إذا ثبت هذا، فإنه لا يلزمه مهرها، ~~ولا قيمتها. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه مهرها، ويلزمه قيمتها؛ لأنه أخرجها ~~عن ملك سيدها بفعل محرم، فأشبه ما لو قتلها، وإنما لم يلزمه مهرها؛ لأنه ~~إذا ضمنها، فقد دخلت قيمة البضع في ضمانها، فلم يضمنه ثانيا، كما لو قطع ~~يدها فسرى القطع إلى نفسها، فإنه يضمن قيمة النفس دون قيمة اليد. وقال ~~الشافعي: يلزمه مهرها؛ لأنه وطئ جارية غيره وطئا محرما، فلزمه مهرها، ~~كالأجنبي، وتلزمه قيمتهما، على القول بكونها أم ولد، كما يلزم أحد ~~الشريكين، قيمة نصيب شريكه، إذا استولد الجارية المشتركة. # PageV10P474 # ولنا، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» . ولأنه لا ~~تلزمه قيمة ولدها، فلم يلزمه مهرها، ولا قيمتها كمملوكته، ولأنه وطء صارت ~~به الموطوءة أم ولد، لأمر لا يختص ببعضها، فأشبه استيلاد مملوكته. ### | [فصل الولد قد وطئ جاريته ثم وطئها أبوه فأولدها] # (8856) فصل: فإن كان الولد قد وطئ جاريته، ثم وطئها أبوه فأولدها؛ فقد ~~روي عن أحمد - رضي الله عنه - في من وقع على جارية ابنه: إن كان الأب قابضا ~~لها، ولم يكن الابن وطئها، فهي أم ولده، وليس للابن فيها شيء. قال القاضي: ~~فظاهر هذا، أن الابن إن كان قد وطئها، لم تصر أم ولد للأب باستيلادها؛ ~~لأنها تحرم عليه تحريما مؤبدا بوطء ابنه لها، ولا تحل له بحال، فأشبه وطء ~~الأجنبي. فعلى هذا القول، لا يملكها، ولا تعتق بموته. فأما ولدها، فيعتق ~~على أخيه؛ لأنه ذو رحم ms6031 منه. ويحتمل أن يثبت لها حكم الاستيلاد، من غير أن ~~تحل له، كما لو استولد مملوكته التي وطئها ابنه، فإنها تصير أم ولد له، مع ~~كونها محرمة عليه على التأبيد، فكذلك هاهنا؛ وذلك لأنه وطء يدرأ فيه الحد ~~بشبهة الملك، فصارت به أم ولد، كما لو لم يطأها الابن. ### | [فصل وطئ الابن جارية أبيه أو أمه] # (8857) فصل: وإن وطئ الابن جارية أبيه أو أمه، فهو زان، يلزمه الحد إذا ~~كان عالما بالتحريم، ولا تصير أم ولد له، ويلزمه مهرها، وولده يعتق على ~~جده؛ لأنه ابن ابنه، إذا قلنا: إن ولده من الزنى يعتق على أبيه. وتحرم ~~الجارية على الأب على التأبيد. ولا تجب بسبب قيمتها على الابن؛ لأنه لم ~~يخرجها عن ملكه، ولم يمنعه بيعها، ولا التصرف فيها بغير الاستمتاع فإن ~~استولدها الأب بعد ذلك، فقد فعل محرما، ولا حد عليه؛ لأنه وطء صادف ملكا، ~~وتصير أم ولد له؛ لأنه استولد مملوكته، فأشبه ما لو وطئ أمته المرهونة. ### | [فصل زوج أمته ثم وطئها] # (8858) فصل: وإن زوج أمته، ثم وطئها، فقد فعل محرما، ولا حد عليه؛ لأنها ~~مملوكته، ويعزز. قال أحمد - رضي الله عنه -: يجلد، ولا يرجم. يعني أنه يعزر ~~بالجلد؛ لأنه لو وجب عليه الحد، لوجب الرجم إذا كان محصنا. فإن أولدها، ~~صارت أم ولده؛ لأنه استولد مملوكته، وتعتق بموته، وولده حر، وما ولدت بعد ~~ذلك من الزوج، فحكمه حكم أمه. ### | [فصل ملك رجل أمه من الرضاع أو أخته أو ابنته ثم وطئها] # (8859) فصل: ولو ملك رجل أمه من الرضاع، أو أخته أو ابنته، لم يحل وطؤها. ~~فإن وطئها، فلا حد عليه. في أصح # PageV10P475 # الروايتين؛ لأنها مملوكته، ويعزر. فإن ولدت فالولد حر، ونسبه لاحق به، ~~وهي أم ولده. وكذلك لو ملك أمة مجوسية، أو وثنية، فاستولدها، أو ملك الكافر ~~أمة مسلمة فاستولدها، فلا حد عليه، ويعزر، ويلحقه نسب ولده، وتصير أم ولد ~~له، تعتق بموته؛ لما ذكرنا. وكذلك لو وطئ أمته المرهونة، أو وطئ رب المال ~~أمة من مال المضاربة ms6032 فأولدها، صارت له بذلك أم ولد، وخرجت من الرهن ~~والمضاربة، وعليه قيمتها للمرتهن، تجعل مكانها رهنا، أو توفية عن دين ~~الرهن، وتنفسخ المضاربة فيها. وإن كان فيها ربح، جعل الربح في مال ~~المضاربة. والله أعلم ### | [مسألة لأم الولد شروطا ثلاثة] # (8860) مسألة: قال: (وإذا علقت منه بحر في ملكه، فوضعت بعض ما يستبين فيه ~~خلق الإنسان، كانت له بذلك أم ولد) ذكر الخرقي لمصيرها أم ولد شروطا ثلاثة؛ ~~أحدها، أن تعلق منه بحر. فأما إن علقت منه بمملوك، ويتصور ذلك في الملك في ~~موضعين؛ أحدهما، في العبد إذا ملكه سيده، وقلنا: إنه يملك. فإنه إذا وطئ ~~أمته واستولدها، فولده مملوك، ولا تصير الأمة أم ولد يثبت لها حكم ~~الاستيلاد بذلك، وسواء أذن له سيده في التسري بها أو لم يأذن له. والثاني، ~~إذا استولد المكاتب أمته، فإن ولده مملوك له، وأما الأمة، فإنه لا تثبت لها ~~أحكام أم الولد في العتق بموته في الحال؛ لأن المكاتب ليس بحر، وولده منها ~~ليس بحر، فأولى أن لا تتحرر. هي ومتى عجز المكاتب، وعاد إلى الرق، أو مات ~~قبل أداء كتابته، فهي أمة قن، كأمة العبد القن. وهل يملك المكاتب بيعها، ~~والتصرف فيها؟ فيه اختلاف، ذكر القاضي في موضع، أنه لا يثبت فيها شيء من ~~أحكام الاستيلاد، ولا تصير أم ولد بحال. وهذا أحد قولي الشافعي؛ لأنها علقت ~~بمملوك في ملك غير تام، فلم يثبت لها شيء من أحكام الاستيلاد، كأمة العبد ~~القن. وظاهر المذهب أنها موقوفة، لا يملك بيعها، ولا نقل الملك فيها، فإن ~~عتق، صارت له أم ولد، تعتق بموته، فيثبت لها من حرمة الاستيلاد، ما يثبت ~~لولدها من حرمة الحرية. # وقد نص أحمد - رضي الله عنه -. على منع بيعها، ومفهوم كلام الخرقي، يحتمل ~~الوجهين جميعا. الشرط الثاني، أن تعلق منه في ملكه، سواء كان من وطء مباح ~~أم محرم، مثل الوطء في الحيض، أو النفاس، أو الصوم، أو الإحرام، أو الظهار، ~~أو غيره. فأما إن علقت منه في غير ملكه، لم ms6033 تصر بذلك أم ولد، # PageV10P476 # سواء علقت منه بمملوك، مثل أن يطأها في ملك غيره بنكاح أو زنا أو علقت ~~بحر مثل أن يطأها بشبهة أو غر من أمة، وتزوجها على أنها حرة فاستولدها، أو ~~اشترى جارية فاستولدها، فبانت مستحقة، فإن الولد حر، ولا تصير الأمة أم ولد ~~في هذه المواضع بحال. وفيه وجه آخر، أنه إن ملكها بعد ذلك، صارت أم ولد. ~~وقد ذكرنا الخلاف في ذلك، في المسألة التي قبل هذه. والمقصود بذكر هذه ~~الشروط ها هنا، ثبوت الحكم عند اجتماعها، وأما انتفاؤه عند انتفائها، فيذكر ~~في مسائل مفردة لها. # الشرط الثالث، أن تضع ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان؛ من رأس، أو يد، ~~أو رجل، أو تخطيط، سواء وضعته حيا أو ميتا، وسواء أسقطته، أو كان تاما. قال ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا ولدت الأمة من سيدها، فقد عتقت وإن كان ~~سقطا، وروى الأثرم، بإسناده عن ابن عمر، أنه قال: أعتقها ولدها، وإن كان ~~ولدها سقطا، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: أم الولد، إذا أسقطت، لا تعتق؟ ~~فقال: إذا تبين فيه يد، أو رجل، أو شيء من خلقه، فقد عتقت. وهذا قول الحسن، ~~والشافعي. وقال الشعبي: إذا تلبث في الخلق الرابع، فكان مخلقا، انقضت به ~~عدة الحرة، وأعتقت به الأمة. ولا أعلم في هذا خلافا بين من قال بثبوت حكم ~~الاستيلاد، فأما إن ألقت نطفة، أو علقة، لم يثبت به شيء من أحكام الولادة؛ ~~لأن ذلك ليس بولد. وروى يوسف بن موسى، أن أبا عبد الله قيل له: ما تقول في ~~الأمة إذا ألقت مضغة أو علقة؟ قال: تعتق. وهذا قول إبراهيم النخعي. # وإن وضعت مضغة لم يظهر فيها شيء من خلق الآدمي، فشهد ثقات من القوابل، أن ~~فيها صورة خفية، تعلقت بها الأحكام؛ لأنهن اطلعن على الصورة التي خفيت على ~~غيرهن. وإن لم يشهدن بذلك، لكن علم أنه مبتدأ خلق آدمي؛ إما بشهادتهن، أو ~~غير ذلك، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا تصير به الأمة ms6034 أم ولد، ولا تنقضي به ~~عدة الحرة، ولا يجب على الضارب المتلف له الغرة، ولا الكفارة. وهذا ظاهر ~~كلام الخرقي والشافعي، وظاهر ما نقله الأثرم عن أحمد - رضي الله عنه - ~~وظاهر كلام الحسن، والشعبي، وسائر من اشترط أن يتبين شيء فيه خلق الإنسان ~~لأنه لم يبن فيه شيء من خلق الآدمي، أشبه النطفة والعلقة. والثانية، تتعلق ~~به الأحكام الأربعة؛ لأنه مبتدأ خلق آدمي، أشبه إذا تبين. # وخرج أبو عبد الله بن حامد رواية ثالثة، وهو أن الأمة تصير بذلك أم ولد، ~~ولا تنقضي به عدة الحرة؛ لأنه روي عن أحمد - رضي الله عنه - في الأمة إذا ~~وضعت، فمسته القوابل، فعلمن أنه لحم ولم يتبين لحمه: تحتاط في العدة بأخرى، ~~ويحتاط بعتق الأمة. وظاهر هذا، أنه حكم بعتق الأمة، ولم يحكم بانقضاء ~~العدة؛ لأن عتق الأمة. يحصل للحرية، # PageV10P477 # فاحتيط بتحصيلها، والعدة يتعلق بها تحريم التزوج وحرمة الفرج، فاحتيط ~~بإبقائها. وقال بعض الشافعية بالعكس: لا تجب العدة، ولا تصير الأمة أم ولد؛ ~~لأن الأصل عدم كل واحد منهما، فيبقى على أصله. ولا يصح؛ لأن العدة كانت ~~ثابتة، والأصل بقاؤها على ما كانت عليه، والأصل في الآدمي الحرية، فتغلب ما ~~يفضي إليها. والله أعلم. # PageV10P478 ### | [مسألة أم الولد تعتق من رأس مال التركة] # (8861) مسألة: قال: (فإذا مات، فقد صارت حرة، وإن لم يملك غيرها) . يعني ~~أن أم الولد تعتق من رأس المال، وإن لم يملك سواها. وهذا قول كل من رأى ~~عتقهن، لا نعلم بينهم فيه خلافا. وسواء ولدت في الصحة أو المرض؛ لأنه حاصل ~~بالتذاذه وشهوته، وما يتلفه في لذاته وشهوته، يستوي فيه حال الصحة والمرض، ~~كالذي يأكله ويلبسه، ولأن عتقها بعد الموت، وما يكون بعد الموت يستوي فيه ~~المرض والصحة، كقضاء الديون، والتدبير، والوصية. ولا نعلم في هذا خلافا بين ~~من رأى عتقهن. قال سعيد: حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، قال: أدرك ~~ابن عمر رجلان، فقالا: إنا تركنا هذا الرجل يبيع أمهات الأولاد. يعنيان ابن ~~الزبير. فقال ابن عمر: ms6035 أتعرفان أبا حفص؟ فإنه قضى في أمهات الأولاد أن لا ~~يبعن، ولا يوهبن، يستمتع بها صاحبها، فإذا مات فهي حرة. # وقال: حدثنا غياث، عن خصيف عن، عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عمر - رضي ~~الله عنه - ما من رجل كان يقر بأنه يطأ جاريته، ويموت، إلا أعتقها إذا ~~ولدت، وإن كان سقطا. ### | [فصل ما يتعلق به العتق يستوي فيه المسلم والكافر والعفيف والفاجر] # (8862) فصل: ولا فرق بين المسلمة والكافرة، والعفيفة والفاجرة، ولا بين ~~المسلم والكافر، والعفيف والفاجر، في هذا، في قول أئمة أهل الفتوى من أهل ~~الأمصار؛ لأن ما يتعلق به العتق يستوي فيه المسلم والكافر، والعفيف ~~والفاجر، كالتدبير والكتابة، ولأن عتقها بسبب اختلاط دمها بدمه ولحمها ~~بلحمه، فإذا استويا في النسب، استويا في حكمه. وروى سعيد، حدثنا هشيم، ~~أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، عن أبي عطية الهمداني، أن عمر بن الخطاب، - ~~رضي الله عنه - قال في أم الولد: إن أسلمت وأحصنت وعفت، أعتقت، وإن كفرت ~~وفجرت وغدرت، رقت. وقال: حدثنا هشيم، أخبرنا يحيى عن أم ولد رجل ارتدت عن ~~الإسلام، فكتب في ذلك إلى عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - وكتب عمر: ~~بيعوها ليسبيها أحد من أهل دينها. # وإذا كان مبنى عتق أمهات الأولاد على قول عمر - رضي الله عنه - وقد قال ~~هذا القول، فينبغي أن يختص العتق بالمسلمة العفيفة دون الكافرة الفاجرة؛ ~~لانتفاء الدليل الذي ثبت به عتقهن. والله أعلم. ### | [مسألة أم الولد إذا ولدت بعد ثبوت حكم الاستيلاد لها من غير سيدها من زوج أو غيره] # (8863) مسألة: قال: (وإذا صارت الأمة أم ولد، بما وصفنا، ثم ولدت من ~~غيره، كان له حكمها في العتق بموت سيدها) . وجملته أن أم الولد إذا ولدت ~~بعد ثبوت حكم الاستيلاد لها من غير سيدها، من زوج أو غيره، فحكم ولدها ~~حكمها، في أنه يعتق بموت سيدها، ويجوز فيه من التصرفات ما يجوز فيها، ~~ويمتنع فيه ما يمتنع فيها. قال أحمد - رضي الله عنه -: قال ابن عمر وابن ~~عباس، وغيرهما: ولدها ms6036 بمنزلتها. ولا نعلم في هذا خلافا بين القائلين بثبوت ~~حكم الاستيلاد، إلا أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - قال: هم عبيد. ~~فيحتمل أنه أراد أنه لا يثبت لهم حكم أمهم؛ لأن الاستيلاد مختص بها، فيختص ~~بحكمه. كولد من علق عتقها بصفة. # ويحتمل أنه أراد أنهم عبيد، حكمهم حكم أمهم، مثل قول الجماعة؛ لأن الولد ~~يتبع أمه في الرق والحرية، فيتبعها في سببه إذا كان متأكدا، كولد المكاتبة ~~والمدبرة، بل ولد أم الولد أولى؛ لأن سبب العتق فيها مستقر، ولا سبيل إلى ~~إبطاله بحال. فإن ماتت أم الولد قبل سيدها، لم يبطل حكم الاستيلاد في ~~الولد، وتعتق بموت سيدها؛ لأن السبب لم يبطل، وإنما تثبت الحرية فيها؛ ~~لأنها لم تبق محلا. وكذلك ولد المدبرة، لا يبطل الحكم فيه بموت. أمه، وأما ~~ولد المكاتبة إذا ماتت، فإنه يعود رقيقا؛ لأن العقد يبطل بموتها، فلم يبق ~~حكمه فيه. وقد ذكرنا في هذا خلافا فيما تقدم. وإن أعتق السيد أم الولد، أو ~~المدبرة، لم يعتق ولدها، لأنها عتقت بغير السبب الذي تبعها فيه، ويبقى عتقه ~~موقوفا على موت سيده. وكذلك إن أعتق ولدهما، لم يعتقا بعتقه. # وإن أعتق المكاتبة، فقد قال أحمد وسفيان وإسحاق: المكاتبة إذا أدت أو ~~أعتقت، عتق ولدها، وأم الولد والمدبرة إذا أعتقت، لم يعتق ولدها حتى يموت ~~السيد. فظاهر هذا أن ولد المكاتبة يتبعها في العتق بإعتاق سيدها؛ لأنه في ~~حكم مالها، يستحق كسبه، فيتبعها إذا أعتقها كمالها، ولأن إعتاقها يمنع ~~أداءها بسبب، من السيد، فأشبه ما لو أبرأها من مال الكتابة. # PageV10P479 ### | [فصل ولد أم الولد قبل استيلادها] # (8864) فصل: فأما ولد أم الولد قبل استيلادها، وولد المدبرة قبل تدبيرها، ~~والمكاتبة قبل كتابتها، فلا يتبعها؛ لوجوده قبل انعقاد السبب فيها، وزوال ~~حكم التبعية عنه قبل تحقق السبب في أمه، ولهذا لا يتبعها في العتق المنجز، ~~ففي السبب أولى. وذكر أبو الخطاب في ولد المدبرة قبل التدبير روايتين، ~~فيخرج هاهنا مثله، وهو بعيد؛ لأن الولد المنفصل لا يتبعها في عتق، ms6037 ولا بيع، ~~ولا هبة، ولا رهن، ولا شيء من الأحكام، سوى الإسلام، بشرط كونه صغيرا، فكيف ~~يتبع في التدبير، ولأنه لا نص فيه، ولا قياس يقتضيه، فيبقى بحاله. ### | [مسألة أسلمت أم ولد النصراني] # (8865) مسألة: قال: (وإذا أسلمت أم ولد النصراني، منع من وطئها، والتلذذ ~~بها، وأجبر على نفقتها. فإذا أسلم، حلت له، وإن مات قبل ذلك، عتقت) . وجملة ~~ذلك أن الكافر يصح منه الاستيلاد لأمته، كما يصح منه عتقها. وإذا استولد ~~الذمي أمته، ثم أسلمت، لم تعتق في الحال. وبهذا قال الشافعي. # وقال مالك: تعتق، إذ لا سبيل إلى بيعها، ولا إلى إقرار ملكه عليها؛ لما ~~فيه من إثبات ملك كافر على مسلمة، فلم يجز، كالأمة القن. وعن أحمد - رضي ~~الله عنه - رواية أخرى، أنها تستسعى، فإن أدت، عتقت. وهو قول أبي حنيفة؛ ~~لأن فيه جمعا بين الحقين؛ حقها في أن لا يبقى ملك الكافر عليها، وحقه في ~~حصول عوض ملكه، فأشبه بيعها إذا لم تكن أم ولد. # ولنا، أنه إسلام طرأ على ملك، فلم يوجب عتقا، ولا سعاية، كالعبد القن. ~~وما ذكروه مجرد حكمة لم يعرف من الشارع اعتبارها، وبقاؤها ضرر، فإن في ~~عتقها مجانا إضرارا بالمالك، بإزالة ملكه بغير عوض، وفي الاستسعاء إلزام ~~لها بالكسب بغير رضاها، وتضييع لحقه؛ لأن فيه إحالة على سعاية لا ندري هل ~~يحصل منها شيء أو لا؟ وإن حصل، فالظاهر أنه يكون يسيرا، في أوقات متفرقة، ~~وجوده قريب من عدمه، والحق أن يبقى الملك على ما كان عليه، ويمنع من وطئها، ~~والتلذذ بها، كي لا يطأها ويبتذلها وهو مشرك، ويحال بينه وبينها، ويمنع ~~الخلوة بها، لئلا يفضي إلى الوطء المحرم، ويجبر على نفقتها على التمام؛ ~~لأنها مملوكته، ومنعه من وطئها بغير معصية منها، فأشبهت الحائض والمريضة، ~~وتسلم إلى امرأة ثقة، تكون عندها، لتحفظها، وتقوم بأمرها، وإن احتاجت إلى ~~أجر، أو أجر مسكن، فعلى سيدها. # وذكر القاضي أن نفقتها في كسبها، وما فضل من كسبها فهو لسيدها. وإن عجز ~~عن نفقتها، فهل يلزم سيدها ms6038 تمام نفقتها؟ على روايتين. ونحو هذا مذهب ~~الشافعي والصحيح أن نفقتها على سيدها، وكسبها له، يصنع به ما شاء، وعليه ~~نفقتها على التمام، سواء كان لها # PageV10P480 # كسب أو لم يكن؛ لأنها مملوكة له، ولم يجر بينهما عقد يسقط نفقتها، ولا ~~يملك به كسبها، فأشبهت أمته القن، أو ما قبل إسلامها، ولأن الملك سبب لهذين ~~الحكمين، والحادث منهما لا يصلح مانعا؛ لأن الاستيلاد لا يمنع منهما، بدليل ~~ما قبل إسلامها، والإسلام لا يمنع، بدليل ما لو وجد قبل ولادتها، ~~واجتماعهما لا يمنع؛ لأنه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه، ولأنه ~~إذا لم تلزمه نفقتها، ولم يكن لها كسب، أفضى إلى هلاكها وضياعها، ولأنه ~~يملك فاضل كسبها، فيلزمه فضل نفقتها، كسائر مماليكه. ### | [مسألة أم الولد أمة وكسبها لسيدها] # (8866) مسألة: قال: (وإذا عتقت أم الولد بموت سيدها، فما كان في يدها من ~~شيء، فهو لورثة سيدها) إنما كان كذلك، لأن أم الولد أمة، وكسبها لسيدها، ~~وسائر ما في يدها له، فإذا مات سيدها فعتقت، انتقل ما في يدها إلى ورثته، ~~كسائر ماله، وكما في يد المدبرة، وتخالف المكاتبة؛ فإن كسبها في حياة سيدها ~~لها، فإذا عتقت، بقي لها، كما كان لها قبل العتق. ### | [مسألة أوصى لأم الولد بما في يدها] # (8867) مسألة: قال: (ولو أوصى لها بما في يدها، كان لها، إذا احتمله ~~الثلث) وجملته أن الوصية لأم الولد تصح. لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم ~~القائلين بثبوت حكم الاستيلاد. وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. # وقد روى الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، عن هشيم، حدثنا حميد، عن الحسن، أن ~~عمر بن الخطاب أوصى لأمهات أولاده بأربعة آلاف أربعة آلاف. ولأن أم الولد ~~حرة في حال نفوذ الوصية لها؛ لأن عتقها يتنجز بموته، فلا تقع الوصية لها ~~إلا في حال حريتها. وأما قوله: إذا احتمله الثلث. فلأن الوصية كلها لا تلزم ~~إلا في الثلث فما دون، وهذا منها، وما زاد على الثلث يقف على إجازة الورثة، ~~فإن أجازوه جاز، وإلا ms6039 رد إلى الورثة. ولا تعتبر قيمة أم الولد من الثلث؛ ~~لأنها تعتق من رأس المال، فلا تحتسب من الثلث، كقضاء الديون، وأداء ~~الواجبات. ### | [فصل أوصى لمدبره أو مدبرته] # (8868) فصل: وإن أوصى لمدبره أو مدبرته، صحت الوصية أيضا، إلا أنه تعتبر ~~قيمته وما أوصى له به من الثلث؛ لأن التدبير تبرع، فكان من الثلث، كالوصية. ~~فإن خرجا من الثلث عتق، وكان ما أوصى به له، وصحت الوصية؛ لأنها وقعت في ~~حال حريته، فأشبهت الوصية لأم ولده. وإن لم يخرجا من الثلث، اعتبرت قيمته ~~من الثلث، # PageV10P481 # فيعتق منه بقدر الثلث، ليعتق دون المال. وإن كانت قيمته بقدر الثلث، عتق، ~~ولا وصية له، وإن فضل من الثلث شيء بعد عتقه، فله من الوصية تمام الثلث، ~~ويقف ما زاد على إجازة الورثة. ### | [مسألة عدة أم الولد إذا مات عنها سيدها] # (8869) مسألة: قال: (وإذا مات عن أم ولده، فعدتها حيضة) . إنما كان كذلك؛ ~~لأن الواجب عليها استبراء نفسها، لخروجها عن ملك سيدها الذي كان يطؤها، ~~فكان ذلك بحيضة، كما لو أعتقها سيدها في حياته. وإنما سمى الخرقي هذا عدة؛ ~~لأن الاستبراء أشبه العدة في كونه يمنع النكاح، وتحصل به معرفة براءتها من ~~الحمل. وقد ذكرنا هذه المسألة في العدد، والخلاف فيها على ما مضى. ### | [مسألة جنت أم الولد] # (8870) مسألة: قال: (وإذا جنت أم الولد، فداها سيدها بقيمتها أو دونها) ~~وجملته أن أم الولد إذا جنت، تعلق أرش جنايتها برقبتها، وعلى السيد أن ~~يفديها بأقل الأمرين؛ من قيمتها أو دونها. وبهذا قال الشافعي وحكى أبو بكر ~~عبد العزيز قولا آخر، أنه يفديها بأرش جنايتها بالغة ما بلغت، لأنه لم ~~يسلمها في الجناية، فلزمه أرش جنايتها بالغة ما بلغت، كالقن. # وقال أبو ثور، وأهل الظاهر: ليس عليه فداؤها، وتكون جنايتها في ذمتها، ~~تتبع بها إذا عتقت؛ لأنه لا يملك بيعها، فلم يكن عليه فداؤها كالحرة. ولنا، ~~أنها مملوكة له كسبها، لم يسلمها، فلزمه أرش جنايتها، كالقن، لا تلزمه ~~زيادة على قيمتها؛ لأنه لم يمتنع من تسليمها، وإنما ms6040 الشرع منع ذلك؛ لكونها ~~لم تبق محلا للبيع، ولا لنقل الملك فيها، وفارقت القن إذا لم يسلمها، فإنه ~~إن أمكن أن يسلمها للبيع، فربما زاد فيها مزيدا أكثر من قيمتها؛ فإذا امتنع ~~مالكها من تسليمها، أوجبنا عليه الأرش بكماله. وفي مسألتنا لا يحتمل ذلك ~~فيها؛ فإن بيعها غير جائز؛ فلم يكن عليه أكثر من قيمتها. ### | [فصل ماتت الأمة قبل فدائها] # (8871) فصل: (وإذا ماتت قبل فدائها، فلا شيء على سيدها) ، لأنه لم يتعلق ~~بذمته شيء، وإنما تعلق برقبتها، فإذا ماتت سقط الحق؛ لتلف متعلقه. وإن نقصت ~~قيمتها قبل فدائها، وجب فداؤها بقيمتها يوم الفداء؛ لأنها لو تلفت جميعها ~~لسقط الفداء، فوجب أن يسقط بعضه بتلف بعضها. وإن زادت قيمتها، زاد فداؤها؛ ~~لأن متعلق الحق زاد، فزاد الفداء بزيادته، كالرقيق القن. وينبغي أن تحسب ~~قيمتها معيبة بعيب الاستيلاد؛ لأن ذلك نقصها، فاعتبر كالمرض وغيره من ~~العيوب، ولأن الواجب قيمتها في حال فدائها، وقيمتها ناقصة عن قيمة غير أم ~~الولد، فيجب أن ينقص فداؤها، وأن يكون مقدار قيمتها في حال كونها أم ولد، ~~والحكم في المدبرة كالحكم في أم # PageV10P482 # الولد، إلا أنها يجوز بيعها، في رواية، فيمكن تسليمها للبيع إن اختار ~~سيدها. # وإن امتنع منه، فهل يفديها بأقل الأمرين، أو يلزمه أرش الجناية بالغا ما ~~بلغ؟ يخرج على روايتين. ### | [فصل كسبت أم الولد بعد جنايتها شيئا] # (8872) فصل: وإن كسبت بعد جنايتها شيئا، فهو لسيدها؛ لأن الملك ثابت له ~~دون المجني عليه. وإن ولدت، فهو لسيدها أيضا؛ لأنه منفصل عنها، فأشبه ~~الكسب. وإن فداها في حال حملها، فعليه قيمتها حاملا؛ لأن الولد متصل بها، ~~فأشبه سمنها. وإن أتلفها سيدها، فعليه قيمتها؛ لأنه أتلف حق غيره، فأشبه ما ~~لو أتلف الرهن. وإن نقصها، فعليه نقصها؛ لأنه لما ضمن العين، ضمن أجزاءها. ~~والله أعلم. ### | [مسألة أم الولد إذا جنت جنايات] # (8873) مسألة: قال: (فإن عادت فجنت، فداها، كما وصفت) وجملته أن أم الولد ~~إذا جنت جنايات، لم تخل من أن تكون الجنايات كلها قبل فداء شيء منها ms6041 أو ~~بعده؛ فإن كانت قبل الفداء، تعلق أرش الجميع برقبتها، ولم يكن عليه فيها ~~كلها إلا قيمتها، أو أرش جميعها، وعليه الأقل منهما، ويشترك المجني عليهم ~~في الواجب لهم، فإن وفى بها، وإلا تحاصوا فيه بقدر أروش جناياتهم. # وإن كان الثاني بعد فدائها من الأولى، فعليه فداؤها من التي بعدها، كما ~~فدى الأولى. وقال أبو الخطاب، عن أحمد - رضي الله عنه - رواية ثانية: إذا ~~فداها بقيمتها مرة، لم يلزمه فداؤها بعد ذلك؛ لأنها جانية، فلم يلزمه أكثر ~~من قيمتها، كما لو لم يكن فداها. وقال الشافعي - رضي الله عنه - في أحد ~~قوليه: لا يضمنها ثانيا، ويشارك الثاني الأول فيما أخذه، كما لو كانت ~~الجنايات قبل فدائها. # ولنا، أنها أم ولد جانية، فلزمه فداؤها، كالأولى، ولأن ما أخذه الأول عوض ~~جنايته، أخذه بحق، فلم يجز أن يشاركه غيره فيه، كأرش جناية الحر، أو الرقيق ~~القن، وفارق ما قبل الفداء؛ لأن أرش الجنايات تعلق برقبتها في وقت واحد، ~~فلم يلزم السيد أكثر من قيمة واحدة، كما لو كانت الجنايات على واحد. (8874) ~~فصل: فإن أبرأ بعضهم من حقه، توفر الواجب على الباقين، إذا كانت كلها قبل ~~الفداء، وإن كانت الجناية المعفو عنها بعد فدائه، توفر أرشها على سيدها. ~~والله أعلم. ### | [مسألة وصية الرجل لأم ولده وإليها] # (8875) مسألة: قال: (ووصية الرجل لأم ولده وإليها جائزة) أما الوصية لها، ~~فقد ذكرناها وأما الوصية إليها، فجائزة؛ لأنها في حال نفوذ الوصية حرة، ~~فأشبهت # PageV10P483 # زوجته، أو غيرها من النساء. ويعتبر لصحة الوصية إليها، ما يعتبر في ~~غيرها؛ من العدالة والعقل، وسائر الشروط. وسواء كانت الوصية على أولادها، ~~أو غيرهم، أو وصى إليها بتفريق ثلثه أو قضاء دينه، أو إمضاء وصيته، أو غير ~~ذلك. ### | [مسألة تزويج أم ولده] # (8876) مسألة: قال: (وله تزويجها، وإن كرهت) وجملته أن للرجل تزويج أم ~~ولده، أحبت ذلك أم كرهت. وبهذا قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -. وهو أحد ~~قولي الشافعي، واختيار المزني وقال في القديم: ليس له تزويجها إلا برضاها؛ ~~لأنها قد ثبت ms6042 لها حكم الحرية، على وجه لا يملك السيد إبطالها، فلم يملك ~~تزويجها بغير رضاها، كالمكاتبة. وقال في الثالث: ليس له تزويجها، وإن رضيت؛ ~~لأن ملكه فيها قد ضعف، وهي لم تكمل، فلم يملك تزويجها، كاليتيمة. وهل ~~يزوجها الحاكم على هذا القول؟ فيه خلاف. # وقد روي عن أحمد - رضي الله عنه - أنه قيل له: إن مالكا لا يرى تزويجها. ~~فقال: وما نصنع بمالك؟ هذا ابن عمر، وابن عباس، يقولان: إذا ولدت من غيره، ~~كان لولدها حكمها. ولنا، أنها أمة يملك الاستمتاع بها، واستخدامها، فملك ~~تزويجها، كالقن، وفارقت المكاتبة، فإنه لا يملك ذلك منها. والقول الثالث ~~فاسد؛ لذلك، ولأنه يفضي إلى منع النكاح لامرأة بالغة محتاجة إليه. وقولهم: ~~يزوجها الحاكم. لا يصح؛ فإن الحاكم لا يزوج إلا عند عدم الولي، أو غيبته، ~~أو عضله، ولم يوجد واحد منها. إذا ثبت هذا، فإنه إذا زوجها فالمهر له؛ لأنه ~~بمنزلة كسبها، وكسبها له. وإذا عتقت بموته، فإن كان زوجها عبدا، فلها ~~الخيار؛ ولأنها عتقت تحت عبد، وإن كان حرا، فلا خيار لها. ### | [مسألة من قذف أم الولد] # (8877) مسألة: قال: (ولا حد على من قذفها) هذا قول أكثر أهل العلم. وقد ~~روي عن أحمد - رضي الله عنه - أنه عليه الحد؛ لأن ذلك يروى عن ابن عمر ولأن ~~قذفها قذف لولدها الحر، وفيها معنى يمنع بيعها، فأشبهت الحرة. والأول أصح؛ ~~لأنها أمة، حكمها حكم الإماء، في أكثر أحكامها، ففي الحد أولى؛ لأن الحدود ~~تدرأ بالشبهات، ويحتاط لإسقاطها، ولأنها أمة تعتق بالموت، أشبهت المدبرة، ~~وتفارق الحرة فإنها كاملة. ### | [فصل قتل الحرة لأمة] # (8878) فصل: ولا يجب القصاص على الحرة بقتلها؛ لعدم المكافأة. وإن كان ~~القاتل لها رقيقا، وجب القصاص عليه؛ # PageV10P484 # لأنها أكمل منه. وإن جنت على عبد أو أمة، جناية فيها القصاص، لزمها ~~القصاص؛ لأنها أمة، أحكامها أحكام الإماء، واستحقاقها العتق لا يمنع ~~القصاص، كالمدبرة. ### | [مسألة كيف تصلي أم الولد] # (8879) مسألة: قال: (وإن صلت مكشوفة الرأس، كره لها ذلك، وأجزأها) إنما ~~كره لها كشف رأسها في صلاتها؛ لأنها ms6043 قد أخذت شبها من الحرائر، لامتناع ~~بيعها. وقد سئل أحمد - رضي الله عنه - عن أم الولد كيف تصلي؟ قال: تغطي ~~رأسها وقدميها؛ لأنها لا تباع. وكان الحسن يحب للأمة إذا عهدها سيدها - ~~يعني وطئها - أن لا تصلي إلا مجتمعة. وإن صلت مكشوفة الرأس، أجزأها؛ لأنها ~~أمة، حكمها حكم الإماء. # قال إبراهيم: تصلي أم الولد بغير قناع، وإن كانت بنت ستين سنة. وقد روي ~~عن أحمد - رضي الله عنه - رواية أخرى، أن عورتها عورة الحرة. وذكرنا ذلك في ~~كتاب الصلاة. والصحيح أن حكمها حكم الإماء، وإنما خالفتهن في استحقاقها ~~للعتق، وامتناع نقل الملك فيها، وهذا لا يوجب تغير الحكم في عورتها، ~~كالمدبرة، ولأن الأصل بقاء حكمها في إباحة كشف رأسها، ولم يوجد ما ينقل عنه ~~من نص، ولا ما في معناه، فيبقى الحكم على ما كان عليه. ### | [مسألة إذا قتلت أم الولد سيدها] # (8880) مسألة: قال: (وإذا قتلت أم الولد سيدها، فعليها قيمة نفسها) ~~وجملته أن أم الولد إذا قتلت سيدها، عتقت؛ لأنها لا يمكن نقل الملك فيها، ~~وقد زال ملك سيدها بقتله، فصارت حرة، كما لو قتله غيرها، وعليها قيمة ~~نفسها، إن لم يجب القصاص عليها. وهذا قول أبي يوسف وقال الشافعي: عليها ~~الدية؛ لأنها تصير حرة. ولذلك لزمها موجب جنايتها، والواجب على الحر بقتل ~~الحر دية. # ولنا، أنها جناية من أم ولد، فلم يجب بها أكثر من قيمتها، كما لو جنت على ~~أجنبي، ولأن اعتبار الجناية في حق الجاني بحال الجناية، بدليل ما لو جنى ~~على عبد فأعتقه سيده، وهي في حال الجناية أمة، فإنها إنما عتقت بالموت ~~الحاصل بالجناية، فيكون عليها فداء نفسها بقيمتها، كما يفديها سيدها إذا ~~قتلت غيره، ولأنها ناقصة بالرق، أشبهت القن، وتفارق الحر؛ فإنه جنى وهو ~~كامل، وإنما تعلق موجب الجناية بها؛ لأنها فوتت رقها بقتلها لسيدها، فأشبه ~~ما لو فوت المكاتب الجاني رقه بأدائه. # وأما إن قتلت سيدها عمدا، ولم يكن لها منه ولد، فعليها القصاص لورثة ~~سيدها، وإن كان له منها ولد وهو ms6044 الوارث وحده، فلا قصاص عليها؛ لأنها لو ~~وجب، لوجب لولدها، ولا يجب للولد على أمه قصاص، وقد توقف أحمد - رضي الله ~~عنه - عن هذه # PageV10P485 # المسألة، في رواية مهنا، وقال: دعنا من هذه المسائل. وقياس مذهبه ما ~~ذكرناه. وإن كان لها منه ولد، وله أولاد من غيرها، لم يجب القصاص أيضا؛ لأن ~~حق ولدها من القصاص يسقط، فيسقط كله. وقد نقل مهنا عن أحمد - رضي الله عنه ~~- أنه يقتلها أولاده من غيرها. وهذه الرواية تخالف أصول مذهبه. والصحيح أنه ~~لا قصاص عليها، ويجب عليها فداء نفسها بقيمتها، كما لو عفا بعض مستحقي ~~القصاص عن حقه منه، والله أعلم. والحمد لله وحده. وصلى الله على محمد ~~PageV10P486 ms6045